Al Lubab fi Ulum Al Kitab — القصص 28:62 – العنكبوت 29:56
المحتويات
- القصص 28:62
- القصص 28:63
- القصص 28:64
- القصص 28:65
- القصص 28:66
- القصص 28:67
- القصص 28:68
- القصص 28:69
- القصص 28:70
- القصص 28:71
- القصص 28:72
- القصص 28:73
- القصص 28:74
- القصص 28:75
- القصص 28:76
- القصص 28:77
- القصص 28:78
- القصص 28:79
- القصص 28:80
- القصص 28:81
- القصص 28:82
- القصص 28:83
- القصص 28:84
- القصص 28:85
- القصص 28:86
- القصص 28:87
- القصص 28:88
- العنكبوت 29:1
- العنكبوت 29:2
- العنكبوت 29:3
- العنكبوت 29:4
- العنكبوت 29:5
- العنكبوت 29:6
- العنكبوت 29:7
- العنكبوت 29:8
- العنكبوت 29:9
- العنكبوت 29:10
- العنكبوت 29:11
- العنكبوت 29:12
- العنكبوت 29:13
- العنكبوت 29:14
- العنكبوت 29:15
- العنكبوت 29:16
- العنكبوت 29:17
- العنكبوت 29:18
- العنكبوت 29:19
- العنكبوت 29:20
- العنكبوت 29:21
- العنكبوت 29:22
- العنكبوت 29:23
- العنكبوت 29:24
- العنكبوت 29:25
- العنكبوت 29:26
- العنكبوت 29:27
- العنكبوت 29:28
- العنكبوت 29:29
- العنكبوت 29:30
- العنكبوت 29:31
- العنكبوت 29:32
- العنكبوت 29:33
- العنكبوت 29:34
- العنكبوت 29:35
- العنكبوت 29:36
- العنكبوت 29:37
- العنكبوت 29:38
- العنكبوت 29:39
- العنكبوت 29:40
- العنكبوت 29:41
- العنكبوت 29:42
- العنكبوت 29:43
- العنكبوت 29:44
- العنكبوت 29:45
- العنكبوت 29:46
- العنكبوت 29:47
- العنكبوت 29:48
- العنكبوت 29:49
- العنكبوت 29:50
- العنكبوت 29:51
- العنكبوت 29:52
- العنكبوت 29:53
- العنكبوت 29:54
- العنكبوت 29:55
- العنكبوت 29:56
القصص 28:62
قوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحياة الدنيا﴾ ، أي فهو متاع، وقرىء فمتاعاً الحياة بنصب «مَتَاعاً» على المصدر، أي: يتمتَّعون متاعاً، «والحَيَاةَ» نصب على الظرف، والمعنى: يتمتعون بها أيام حياتهم ثم هي إلى فناء وانقضاء ﴿وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وأبقى﴾ ، هذا جواب عن شبهتهم فإنهم إن قالوا تركنا الدِّين لئلا تفوتنا الدنيا، فبيَّن تعالى أن ذلك خطأ عظيم، لأن ما عند الله خيرٌ وأبقى (أمَّا أنَّه خير) فلوجهين: الأول: أن المنافع هناك أعظم، والثاني: أنها خالصة عن الشوائب ومنافع الدنيا مشوبة بالمضار، بل المضار فيها أكثر، وأما أنَّها أبقى، فلأنها دائمة غير منقطعة ومتى قوبل المتناهي بغير المتناهي كان عدماً فظهر بذلك أن منافع الدنيا لا نسبة لها إلى منافع الآخرة، فلا جرم نبه على ذلك فقال: «أَفَلاَ تَعْقِلُونَ» أن الباقي خيرٌ من الفاني يعني أن من لا يرجح الآخرة على منافع الدنيا كأنه يكون خارجاً عن حد العقل، ورحم الله الشافعي حيث قال: من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله - تعالى - لأن أعقل الناس من أعطي القليل وأخذ الكثير وما هم إلا المشتغلين بالطاعة، فكأنه رَحِمَهُ اللَّهُ إنما أخذه من هذه الآية. وقرأ أبو عمرو «أَفَلاَ يَعْقِلُونَ» بالياء من تحت التفاتاً، والباقون بالخطاب جرياً على ما تقدم.
قوله: «َفَمَنْ وَعَدْنَاهُ» قرأ طلحة «أَمَنْ وَعَدْنَاهُ» بغير فاء «وَعْداً حَسَناً» يعني الجنة «فَهُوَ لاَقِيهِ» مصيبة ومدركه وصائرٌ إليه ﴿كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الحياة الدنيا﴾ وتزول عن قريب ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ القيامة مِنَ المحضرين﴾ النار، وقرأ الكسائي وقالون: «ثُمَّ هُوَ» بسكون الهاء إجراءً لها مجرى الواو والفاء، والباقون بالضم على الأصل، وتخصيص لفظ «المُحْضَرِينَ» بالذين أحضروا للعذاب أمر عرف من القرآن، قال تعالى ﴿لَكُنتُ مِنَ المحضرين﴾ [الصافات: 57] ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: 127] وفي اللفظ إشعار به، لأن الإحضار يشعر بالتكليف والإلزام، وذلك لا يليق بمجالس اللذة، وإنما يليق بمجالس الضرر والمكاره. قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ في الدنيا أنهم شركائي وتزعمون أنها تشفع فتخلصكم من هذا الذي نزل بكم، وتزعمون مفعولاه محذوفان أي: (تزعمونهم شركاءه) ، ﴿قَالَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول﴾ أي: وجب عليهم العذاب وهم رؤوس الضلالة وقيل: الشياطين.
أحدهما: أن هؤلاء مبتدأ، والَّذِينَ أَغْوَيْنَا صفته والعائد محذوف، أي أغويناهم، والخبر «أَغْوَيْنَاهم» ، و «كَمَا غَوَيْنَا» نعت لمصدر محذفو، ذلك المصدر مطاوع لهذا الفعل أي فغووا غيّاً كما غوينا، قاله الزمخشري، وهذا الوجه منعه أبو علي، قال: لأنه ليس في الخبر زيادة فائدة على ما في صفته، قال: فإن قلت: قد أوصل بقوله كما غوينا وفيه زيادة، قلت: الزيادة في الظرف لا يصيِّره أصلاً في الجملة لأنَّ الظرف صلاتٌ، ثم أعرب هو «هَؤُلاَء» مبتدأ و «الَّذِينَ أَغوَيْنَا» خبره، و «أغْوَيَنْاهم» مستأنف، وأجاب أبو البقاء وغيره عن الأول بأن الظرف قد يلزم كقولك زيدٌ عمرو في داره.
فصل
المعنى: هؤلاء الذين دعوناهم إلى الغي وهم الأتباع ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ أضللناهم كما ضلننا «تَبَرَّأنَا إلَيْكَ» منهم.
قوله: ﴿مَا كانوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ إيَّانَا مفعول «يَعْبُدونُ» قُدِّم لأجل الفاصلة وفي «ما» وجهان:
أحدهما: هي نافية (أي تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا) .
والثاني: مصدرية ولا بدَّ من تقدير حرف جرٍّ أي: تبرأنا مما كانوا أي من عبادتهم إيانا، وفيه بعدٌ.
قوله: ﴿وَقِيلَ ادعوا شُرَكَآءَكُمْ﴾ أي: وقيل للكافلين ادعوا شركاءكم، أي: الأصنام لتخلصكم من العذاب «فَدَعَوْهُمْ» (فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا) لَهُمْ لم يجيبوهم، والأقرب أن هذا على سبيل التقريع، لأنهم يعلمون أنه لا فائدة في دعائهم لهم.
قوله: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ﴾ جوابها محذوف أي: لما رأوا العذاب، أو لدفعوه، قال الضحاك ومقاتل: يعني المتبوع والتابع يرون العذاب ولو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروا في الآخرة، وقيل: لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا لعلموا أنَّ العذاب حق، وقيل: لو كانوا يهتدون لوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب. وقيل قد آن لهم أن يهتدوا لو أنهم كانوا يهتدون إذا رأوا العذاب ويؤكد ذلك قول ﴿لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم﴾ [الشعراء: 201] قال ابن الخطيب: وعندي أن الجواب غير محذوف وفي تقديره وجوه:
أحدها: أن الله تعالى لما خاطبهم بقوله ﴿ادعوا شُرَكَآءَكُمْ﴾ فهاهنا يشتد الخوف عليهم ويصيرون بحيث لا يرون شيئاً، فقال تعالى: ﴿وَرَأَوُاْ العذاب لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ﴾ شيئاً ولما صاروا من شدة الخوف لا يبصرون شيئاً لا جرم ما رأوا العذاب.
وثانيها: أن الله تعالى لما ذكر عن الشركاء وهم الأصنام الذين لا يجيبون الذين دعوهم، قال في حقهم: ﴿وَرَأَوُاْ العذاب لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ﴾ مشاهدين العذاب، وكانوا من الأحياء لاهتدوا، ولكنها ليست كذلك، فلا جرم ما رأت العذاب فإن قيل: قوله: «ورأوا العَذَابَ» ضمير لا يليق إلا بالعقلاء، وكيف يصح عوده للأصنام، قلنا: هذا كقوله: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ﴾ ، وإنما أورد ذلك على حسب اعتقاد القوم فكذا هاهنا.
وثالثها: أن يكون المراد من الرؤية رؤية القلب، أي: والكفار علموا حقيقة هذا العذاب في الدنيا لو كانوا يهتدون، قال: وهذه الوجوه عندي خير من الوجوه المبنية على أن جواب «لو» محذوف، فإن ذلك يقتضي تفكيك نظم الآية.
قوله: «وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ» أي: يسأل الله الكفار ﴿مَاذَآ أَجَبْتُمُ المرسلين﴾ ، فعميت، العامة على تخفيفها، وقرأ الأعمش وجناح بن حبيش بضم العين وتشديد الميم، وتقدمت القراءتان للسبعة في هود، والمعنى: خفيت واشتبهت «عَلَيْهِم الأَنْبَاءُ» وهي الأخبار والأعذار، وقال مجاهد: الحجج يومئذ فلا يكون لهم عذر ولا حجة، فهم لا يستاءلون لا يجيبون وقال قتادة: لا يحتجون، وقيل: يسكتون لا يسأل بعضهم بعضاً وقرأ طلحة «لا يسّاءلون» بتشديد السين على إدغام التاء في السين، كقراءة ﴿تَسَآءَلُونَ بِهِ والأرحام﴾ [النساء: 1] .
فصل
قال القاضي: هذه الآية تدل على بطلان قول الجبرية، لأن فعلهم لو كان خلقاً من الله ويجب وقوعه بالقدر والإرادة لما عميت عليهم الأنبا ولقالوا إنَّما كذَّبنا الرسل من جهة خلقك فينا بتكذيبهم والقدرة الموجبة لذلك فكانت حجتهم على الله تعالى ظاهرة وكذلك القول فيما تقدم، لأن الشيطان كان له أن يقول إنما أغويت بخلقك فيّ الغواية، والجواب: أنَّ علم الله بعدم الإيمان مع وجود الإيمان متنافيان لذاتهما، فمع العلم بعدم الإيمان إذا أمرنا بإدخال الإيمان في الوجود فقد أمرنا بالجمع بين الضِّدين، واعلم أنَّ القاضي لا يترك آية من الآيات المشتملة على المدح والذم والعقاب إلا يعيد استدلاله بها، كما أن وجه استدلاله في الكل هذا الحرف، فكذا وجه جوابنا حرف واحد، وهو كما ذكرنا.
القصص 28:63
قوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحياة الدنيا﴾ ، أي فهو متاع، وقرىء فمتاعاً الحياة بنصب «مَتَاعاً» على المصدر، أي: يتمتَّعون متاعاً، «والحَيَاةَ» نصب على الظرف، والمعنى: يتمتعون بها أيام حياتهم ثم هي إلى فناء وانقضاء ﴿وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وأبقى﴾ ، هذا جواب عن شبهتهم فإنهم إن قالوا تركنا الدِّين لئلا تفوتنا الدنيا، فبيَّن تعالى أن ذلك خطأ عظيم، لأن ما عند الله خيرٌ وأبقى (أمَّا أنَّه خير) فلوجهين: الأول: أن المنافع هناك أعظم، والثاني: أنها خالصة عن الشوائب ومنافع الدنيا مشوبة بالمضار، بل المضار فيها أكثر، وأما أنَّها أبقى، فلأنها دائمة غير منقطعة ومتى قوبل المتناهي بغير المتناهي كان عدماً فظهر بذلك أن منافع الدنيا لا نسبة لها إلى منافع الآخرة، فلا جرم نبه على ذلك فقال: «أَفَلاَ تَعْقِلُونَ» أن الباقي خيرٌ من الفاني يعني أن من لا يرجح الآخرة على منافع الدنيا كأنه يكون خارجاً عن حد العقل، ورحم الله الشافعي حيث قال: من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله - تعالى - لأن أعقل الناس من أعطي القليل وأخذ الكثير وما هم إلا المشتغلين بالطاعة، فكأنه رَحِمَهُ اللَّهُ إنما أخذه من هذه الآية. وقرأ أبو عمرو «أَفَلاَ يَعْقِلُونَ» بالياء من تحت التفاتاً، والباقون بالخطاب جرياً على ما تقدم.
قوله: «َفَمَنْ وَعَدْنَاهُ» قرأ طلحة «أَمَنْ وَعَدْنَاهُ» بغير فاء «وَعْداً حَسَناً» يعني الجنة «فَهُوَ لاَقِيهِ» مصيبة ومدركه وصائرٌ إليه ﴿كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الحياة الدنيا﴾ وتزول عن قريب ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ القيامة مِنَ المحضرين﴾ النار، وقرأ الكسائي وقالون: «ثُمَّ هُوَ» بسكون الهاء إجراءً لها مجرى الواو والفاء، والباقون بالضم على الأصل، وتخصيص لفظ «المُحْضَرِينَ» بالذين أحضروا للعذاب أمر عرف من القرآن، قال تعالى ﴿لَكُنتُ مِنَ المحضرين﴾ [الصافات: 57] ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: 127] وفي اللفظ إشعار به، لأن الإحضار يشعر بالتكليف والإلزام، وذلك لا يليق بمجالس اللذة، وإنما يليق بمجالس الضرر والمكاره. قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ في الدنيا أنهم شركائي وتزعمون أنها تشفع فتخلصكم من هذا الذي نزل بكم، وتزعمون مفعولاه محذوفان أي: (تزعمونهم شركاءه) ، ﴿قَالَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول﴾ أي: وجب عليهم العذاب وهم رؤوس الضلالة وقيل: الشياطين.
أحدهما: أن هؤلاء مبتدأ، والَّذِينَ أَغْوَيْنَا صفته والعائد محذوف، أي أغويناهم، والخبر «أَغْوَيْنَاهم» ، و «كَمَا غَوَيْنَا» نعت لمصدر محذفو، ذلك المصدر مطاوع لهذا الفعل أي فغووا غيّاً كما غوينا، قاله الزمخشري، وهذا الوجه منعه أبو علي، قال: لأنه ليس في الخبر زيادة فائدة على ما في صفته، قال: فإن قلت: قد أوصل بقوله كما غوينا وفيه زيادة، قلت: الزيادة في الظرف لا يصيِّره أصلاً في الجملة لأنَّ الظرف صلاتٌ، ثم أعرب هو «هَؤُلاَء» مبتدأ و «الَّذِينَ أَغوَيْنَا» خبره، و «أغْوَيَنْاهم» مستأنف، وأجاب أبو البقاء وغيره عن الأول بأن الظرف قد يلزم كقولك زيدٌ عمرو في داره.
فصل
المعنى: هؤلاء الذين دعوناهم إلى الغي وهم الأتباع ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ أضللناهم كما ضلننا «تَبَرَّأنَا إلَيْكَ» منهم.
قوله: ﴿مَا كانوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ إيَّانَا مفعول «يَعْبُدونُ» قُدِّم لأجل الفاصلة وفي «ما» وجهان:
أحدهما: هي نافية (أي تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا) .
والثاني: مصدرية ولا بدَّ من تقدير حرف جرٍّ أي: تبرأنا مما كانوا أي من عبادتهم إيانا، وفيه بعدٌ.
قوله: ﴿وَقِيلَ ادعوا شُرَكَآءَكُمْ﴾ أي: وقيل للكافلين ادعوا شركاءكم، أي: الأصنام لتخلصكم من العذاب «فَدَعَوْهُمْ» (فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا) لَهُمْ لم يجيبوهم، والأقرب أن هذا على سبيل التقريع، لأنهم يعلمون أنه لا فائدة في دعائهم لهم.
قوله: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ﴾ جوابها محذوف أي: لما رأوا العذاب، أو لدفعوه، قال الضحاك ومقاتل: يعني المتبوع والتابع يرون العذاب ولو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروا في الآخرة، وقيل: لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا لعلموا أنَّ العذاب حق، وقيل: لو كانوا يهتدون لوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب. وقيل قد آن لهم أن يهتدوا لو أنهم كانوا يهتدون إذا رأوا العذاب ويؤكد ذلك قول ﴿لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم﴾ [الشعراء: 201] قال ابن الخطيب: وعندي أن الجواب غير محذوف وفي تقديره وجوه:
أحدها: أن الله تعالى لما خاطبهم بقوله ﴿ادعوا شُرَكَآءَكُمْ﴾ فهاهنا يشتد الخوف عليهم ويصيرون بحيث لا يرون شيئاً، فقال تعالى: ﴿وَرَأَوُاْ العذاب لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ﴾ شيئاً ولما صاروا من شدة الخوف لا يبصرون شيئاً لا جرم ما رأوا العذاب.
وثانيها: أن الله تعالى لما ذكر عن الشركاء وهم الأصنام الذين لا يجيبون الذين دعوهم، قال في حقهم: ﴿وَرَأَوُاْ العذاب لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ﴾ مشاهدين العذاب، وكانوا من الأحياء لاهتدوا، ولكنها ليست كذلك، فلا جرم ما رأت العذاب فإن قيل: قوله: «ورأوا العَذَابَ» ضمير لا يليق إلا بالعقلاء، وكيف يصح عوده للأصنام، قلنا: هذا كقوله: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ﴾ ، وإنما أورد ذلك على حسب اعتقاد القوم فكذا هاهنا.
وثالثها: أن يكون المراد من الرؤية رؤية القلب، أي: والكفار علموا حقيقة هذا العذاب في الدنيا لو كانوا يهتدون، قال: وهذه الوجوه عندي خير من الوجوه المبنية على أن جواب «لو» محذوف، فإن ذلك يقتضي تفكيك نظم الآية.
قوله: «وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ» أي: يسأل الله الكفار ﴿مَاذَآ أَجَبْتُمُ المرسلين﴾ ، فعميت، العامة على تخفيفها، وقرأ الأعمش وجناح بن حبيش بضم العين وتشديد الميم، وتقدمت القراءتان للسبعة في هود، والمعنى: خفيت واشتبهت «عَلَيْهِم الأَنْبَاءُ» وهي الأخبار والأعذار، وقال مجاهد: الحجج يومئذ فلا يكون لهم عذر ولا حجة، فهم لا يستاءلون لا يجيبون وقال قتادة: لا يحتجون، وقيل: يسكتون لا يسأل بعضهم بعضاً وقرأ طلحة «لا يسّاءلون» بتشديد السين على إدغام التاء في السين، كقراءة ﴿تَسَآءَلُونَ بِهِ والأرحام﴾ [النساء: 1] .
فصل
قال القاضي: هذه الآية تدل على بطلان قول الجبرية، لأن فعلهم لو كان خلقاً من الله ويجب وقوعه بالقدر والإرادة لما عميت عليهم الأنبا ولقالوا إنَّما كذَّبنا الرسل من جهة خلقك فينا بتكذيبهم والقدرة الموجبة لذلك فكانت حجتهم على الله تعالى ظاهرة وكذلك القول فيما تقدم، لأن الشيطان كان له أن يقول إنما أغويت بخلقك فيّ الغواية، والجواب: أنَّ علم الله بعدم الإيمان مع وجود الإيمان متنافيان لذاتهما، فمع العلم بعدم الإيمان إذا أمرنا بإدخال الإيمان في الوجود فقد أمرنا بالجمع بين الضِّدين، واعلم أنَّ القاضي لا يترك آية من الآيات المشتملة على المدح والذم والعقاب إلا يعيد استدلاله بها، كما أن وجه استدلاله في الكل هذا الحرف، فكذا وجه جوابنا حرف واحد، وهو كما ذكرنا.
القصص 28:64
قوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحياة الدنيا﴾ ، أي فهو متاع، وقرىء فمتاعاً الحياة بنصب «مَتَاعاً» على المصدر، أي: يتمتَّعون متاعاً، «والحَيَاةَ» نصب على الظرف، والمعنى: يتمتعون بها أيام حياتهم ثم هي إلى فناء وانقضاء ﴿وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وأبقى﴾ ، هذا جواب عن شبهتهم فإنهم إن قالوا تركنا الدِّين لئلا تفوتنا الدنيا، فبيَّن تعالى أن ذلك خطأ عظيم، لأن ما عند الله خيرٌ وأبقى (أمَّا أنَّه خير) فلوجهين: الأول: أن المنافع هناك أعظم، والثاني: أنها خالصة عن الشوائب ومنافع الدنيا مشوبة بالمضار، بل المضار فيها أكثر، وأما أنَّها أبقى، فلأنها دائمة غير منقطعة ومتى قوبل المتناهي بغير المتناهي كان عدماً فظهر بذلك أن منافع الدنيا لا نسبة لها إلى منافع الآخرة، فلا جرم نبه على ذلك فقال: «أَفَلاَ تَعْقِلُونَ» أن الباقي خيرٌ من الفاني يعني أن من لا يرجح الآخرة على منافع الدنيا كأنه يكون خارجاً عن حد العقل، ورحم الله الشافعي حيث قال: من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله - تعالى - لأن أعقل الناس من أعطي القليل وأخذ الكثير وما هم إلا المشتغلين بالطاعة، فكأنه رَحِمَهُ اللَّهُ إنما أخذه من هذه الآية. وقرأ أبو عمرو «أَفَلاَ يَعْقِلُونَ» بالياء من تحت التفاتاً، والباقون بالخطاب جرياً على ما تقدم.
قوله: «َفَمَنْ وَعَدْنَاهُ» قرأ طلحة «أَمَنْ وَعَدْنَاهُ» بغير فاء «وَعْداً حَسَناً» يعني الجنة «فَهُوَ لاَقِيهِ» مصيبة ومدركه وصائرٌ إليه ﴿كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الحياة الدنيا﴾ وتزول عن قريب ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ القيامة مِنَ المحضرين﴾ النار، وقرأ الكسائي وقالون: «ثُمَّ هُوَ» بسكون الهاء إجراءً لها مجرى الواو والفاء، والباقون بالضم على الأصل، وتخصيص لفظ «المُحْضَرِينَ» بالذين أحضروا للعذاب أمر عرف من القرآن، قال تعالى ﴿لَكُنتُ مِنَ المحضرين﴾ [الصافات: 57] ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: 127] وفي اللفظ إشعار به، لأن الإحضار يشعر بالتكليف والإلزام، وذلك لا يليق بمجالس اللذة، وإنما يليق بمجالس الضرر والمكاره. قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ في الدنيا أنهم شركائي وتزعمون أنها تشفع فتخلصكم من هذا الذي نزل بكم، وتزعمون مفعولاه محذوفان أي: (تزعمونهم شركاءه) ، ﴿قَالَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول﴾ أي: وجب عليهم العذاب وهم رؤوس الضلالة وقيل: الشياطين.
أحدهما: أن هؤلاء مبتدأ، والَّذِينَ أَغْوَيْنَا صفته والعائد محذوف، أي أغويناهم، والخبر «أَغْوَيْنَاهم» ، و «كَمَا غَوَيْنَا» نعت لمصدر محذفو، ذلك المصدر مطاوع لهذا الفعل أي فغووا غيّاً كما غوينا، قاله الزمخشري، وهذا الوجه منعه أبو علي، قال: لأنه ليس في الخبر زيادة فائدة على ما في صفته، قال: فإن قلت: قد أوصل بقوله كما غوينا وفيه زيادة، قلت: الزيادة في الظرف لا يصيِّره أصلاً في الجملة لأنَّ الظرف صلاتٌ، ثم أعرب هو «هَؤُلاَء» مبتدأ و «الَّذِينَ أَغوَيْنَا» خبره، و «أغْوَيَنْاهم» مستأنف، وأجاب أبو البقاء وغيره عن الأول بأن الظرف قد يلزم كقولك زيدٌ عمرو في داره.
فصل
المعنى: هؤلاء الذين دعوناهم إلى الغي وهم الأتباع ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ أضللناهم كما ضلننا «تَبَرَّأنَا إلَيْكَ» منهم.
قوله: ﴿مَا كانوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ إيَّانَا مفعول «يَعْبُدونُ» قُدِّم لأجل الفاصلة وفي «ما» وجهان:
أحدهما: هي نافية (أي تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا) .
والثاني: مصدرية ولا بدَّ من تقدير حرف جرٍّ أي: تبرأنا مما كانوا أي من عبادتهم إيانا، وفيه بعدٌ.
قوله: ﴿وَقِيلَ ادعوا شُرَكَآءَكُمْ﴾ أي: وقيل للكافلين ادعوا شركاءكم، أي: الأصنام لتخلصكم من العذاب «فَدَعَوْهُمْ» (فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا) لَهُمْ لم يجيبوهم، والأقرب أن هذا على سبيل التقريع، لأنهم يعلمون أنه لا فائدة في دعائهم لهم.
قوله: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ﴾ جوابها محذوف أي: لما رأوا العذاب، أو لدفعوه، قال الضحاك ومقاتل: يعني المتبوع والتابع يرون العذاب ولو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروا في الآخرة، وقيل: لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا لعلموا أنَّ العذاب حق، وقيل: لو كانوا يهتدون لوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب. وقيل قد آن لهم أن يهتدوا لو أنهم كانوا يهتدون إذا رأوا العذاب ويؤكد ذلك قول ﴿لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم﴾ [الشعراء: 201] قال ابن الخطيب: وعندي أن الجواب غير محذوف وفي تقديره وجوه:
أحدها: أن الله تعالى لما خاطبهم بقوله ﴿ادعوا شُرَكَآءَكُمْ﴾ فهاهنا يشتد الخوف عليهم ويصيرون بحيث لا يرون شيئاً، فقال تعالى: ﴿وَرَأَوُاْ العذاب لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ﴾ شيئاً ولما صاروا من شدة الخوف لا يبصرون شيئاً لا جرم ما رأوا العذاب.
وثانيها: أن الله تعالى لما ذكر عن الشركاء وهم الأصنام الذين لا يجيبون الذين دعوهم، قال في حقهم: ﴿وَرَأَوُاْ العذاب لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ﴾ مشاهدين العذاب، وكانوا من الأحياء لاهتدوا، ولكنها ليست كذلك، فلا جرم ما رأت العذاب فإن قيل: قوله: «ورأوا العَذَابَ» ضمير لا يليق إلا بالعقلاء، وكيف يصح عوده للأصنام، قلنا: هذا كقوله: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ﴾ ، وإنما أورد ذلك على حسب اعتقاد القوم فكذا هاهنا.
وثالثها: أن يكون المراد من الرؤية رؤية القلب، أي: والكفار علموا حقيقة هذا العذاب في الدنيا لو كانوا يهتدون، قال: وهذه الوجوه عندي خير من الوجوه المبنية على أن جواب «لو» محذوف، فإن ذلك يقتضي تفكيك نظم الآية.
قوله: «وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ» أي: يسأل الله الكفار ﴿مَاذَآ أَجَبْتُمُ المرسلين﴾ ، فعميت، العامة على تخفيفها، وقرأ الأعمش وجناح بن حبيش بضم العين وتشديد الميم، وتقدمت القراءتان للسبعة في هود، والمعنى: خفيت واشتبهت «عَلَيْهِم الأَنْبَاءُ» وهي الأخبار والأعذار، وقال مجاهد: الحجج يومئذ فلا يكون لهم عذر ولا حجة، فهم لا يستاءلون لا يجيبون وقال قتادة: لا يحتجون، وقيل: يسكتون لا يسأل بعضهم بعضاً وقرأ طلحة «لا يسّاءلون» بتشديد السين على إدغام التاء في السين، كقراءة ﴿تَسَآءَلُونَ بِهِ والأرحام﴾ [النساء: 1] .
فصل
قال القاضي: هذه الآية تدل على بطلان قول الجبرية، لأن فعلهم لو كان خلقاً من الله ويجب وقوعه بالقدر والإرادة لما عميت عليهم الأنبا ولقالوا إنَّما كذَّبنا الرسل من جهة خلقك فينا بتكذيبهم والقدرة الموجبة لذلك فكانت حجتهم على الله تعالى ظاهرة وكذلك القول فيما تقدم، لأن الشيطان كان له أن يقول إنما أغويت بخلقك فيّ الغواية، والجواب: أنَّ علم الله بعدم الإيمان مع وجود الإيمان متنافيان لذاتهما، فمع العلم بعدم الإيمان إذا أمرنا بإدخال الإيمان في الوجود فقد أمرنا بالجمع بين الضِّدين، واعلم أنَّ القاضي لا يترك آية من الآيات المشتملة على المدح والذم والعقاب إلا يعيد استدلاله بها، كما أن وجه استدلاله في الكل هذا الحرف، فكذا وجه جوابنا حرف واحد، وهو كما ذكرنا.
القصص 28:65
قوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحياة الدنيا﴾ ، أي فهو متاع، وقرىء فمتاعاً الحياة بنصب «مَتَاعاً» على المصدر، أي: يتمتَّعون متاعاً، «والحَيَاةَ» نصب على الظرف، والمعنى: يتمتعون بها أيام حياتهم ثم هي إلى فناء وانقضاء ﴿وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وأبقى﴾ ، هذا جواب عن شبهتهم فإنهم إن قالوا تركنا الدِّين لئلا تفوتنا الدنيا، فبيَّن تعالى أن ذلك خطأ عظيم، لأن ما عند الله خيرٌ وأبقى (أمَّا أنَّه خير) فلوجهين: الأول: أن المنافع هناك أعظم، والثاني: أنها خالصة عن الشوائب ومنافع الدنيا مشوبة بالمضار، بل المضار فيها أكثر، وأما أنَّها أبقى، فلأنها دائمة غير منقطعة ومتى قوبل المتناهي بغير المتناهي كان عدماً فظهر بذلك أن منافع الدنيا لا نسبة لها إلى منافع الآخرة، فلا جرم نبه على ذلك فقال: «أَفَلاَ تَعْقِلُونَ» أن الباقي خيرٌ من الفاني يعني أن من لا يرجح الآخرة على منافع الدنيا كأنه يكون خارجاً عن حد العقل، ورحم الله الشافعي حيث قال: من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله - تعالى - لأن أعقل الناس من أعطي القليل وأخذ الكثير وما هم إلا المشتغلين بالطاعة، فكأنه رَحِمَهُ اللَّهُ إنما أخذه من هذه الآية. وقرأ أبو عمرو «أَفَلاَ يَعْقِلُونَ» بالياء من تحت التفاتاً، والباقون بالخطاب جرياً على ما تقدم.
قوله: «َفَمَنْ وَعَدْنَاهُ» قرأ طلحة «أَمَنْ وَعَدْنَاهُ» بغير فاء «وَعْداً حَسَناً» يعني الجنة «فَهُوَ لاَقِيهِ» مصيبة ومدركه وصائرٌ إليه ﴿كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الحياة الدنيا﴾ وتزول عن قريب ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ القيامة مِنَ المحضرين﴾ النار، وقرأ الكسائي وقالون: «ثُمَّ هُوَ» بسكون الهاء إجراءً لها مجرى الواو والفاء، والباقون بالضم على الأصل، وتخصيص لفظ «المُحْضَرِينَ» بالذين أحضروا للعذاب أمر عرف من القرآن، قال تعالى ﴿لَكُنتُ مِنَ المحضرين﴾ [الصافات: 57] ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: 127] وفي اللفظ إشعار به، لأن الإحضار يشعر بالتكليف والإلزام، وذلك لا يليق بمجالس اللذة، وإنما يليق بمجالس الضرر والمكاره. قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ في الدنيا أنهم شركائي وتزعمون أنها تشفع فتخلصكم من هذا الذي نزل بكم، وتزعمون مفعولاه محذوفان أي: (تزعمونهم شركاءه) ، ﴿قَالَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول﴾ أي: وجب عليهم العذاب وهم رؤوس الضلالة وقيل: الشياطين.
أحدهما: أن هؤلاء مبتدأ، والَّذِينَ أَغْوَيْنَا صفته والعائد محذوف، أي أغويناهم، والخبر «أَغْوَيْنَاهم» ، و «كَمَا غَوَيْنَا» نعت لمصدر محذفو، ذلك المصدر مطاوع لهذا الفعل أي فغووا غيّاً كما غوينا، قاله الزمخشري، وهذا الوجه منعه أبو علي، قال: لأنه ليس في الخبر زيادة فائدة على ما في صفته، قال: فإن قلت: قد أوصل بقوله كما غوينا وفيه زيادة، قلت: الزيادة في الظرف لا يصيِّره أصلاً في الجملة لأنَّ الظرف صلاتٌ، ثم أعرب هو «هَؤُلاَء» مبتدأ و «الَّذِينَ أَغوَيْنَا» خبره، و «أغْوَيَنْاهم» مستأنف، وأجاب أبو البقاء وغيره عن الأول بأن الظرف قد يلزم كقولك زيدٌ عمرو في داره.
فصل
المعنى: هؤلاء الذين دعوناهم إلى الغي وهم الأتباع ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ أضللناهم كما ضلننا «تَبَرَّأنَا إلَيْكَ» منهم.
قوله: ﴿مَا كانوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ إيَّانَا مفعول «يَعْبُدونُ» قُدِّم لأجل الفاصلة وفي «ما» وجهان:
أحدهما: هي نافية (أي تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا) .
والثاني: مصدرية ولا بدَّ من تقدير حرف جرٍّ أي: تبرأنا مما كانوا أي من عبادتهم إيانا، وفيه بعدٌ.
قوله: ﴿وَقِيلَ ادعوا شُرَكَآءَكُمْ﴾ أي: وقيل للكافلين ادعوا شركاءكم، أي: الأصنام لتخلصكم من العذاب «فَدَعَوْهُمْ» (فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا) لَهُمْ لم يجيبوهم، والأقرب أن هذا على سبيل التقريع، لأنهم يعلمون أنه لا فائدة في دعائهم لهم.
قوله: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ﴾ جوابها محذوف أي: لما رأوا العذاب، أو لدفعوه، قال الضحاك ومقاتل: يعني المتبوع والتابع يرون العذاب ولو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروا في الآخرة، وقيل: لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا لعلموا أنَّ العذاب حق، وقيل: لو كانوا يهتدون لوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب. وقيل قد آن لهم أن يهتدوا لو أنهم كانوا يهتدون إذا رأوا العذاب ويؤكد ذلك قول ﴿لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم﴾ [الشعراء: 201] قال ابن الخطيب: وعندي أن الجواب غير محذوف وفي تقديره وجوه:
أحدها: أن الله تعالى لما خاطبهم بقوله ﴿ادعوا شُرَكَآءَكُمْ﴾ فهاهنا يشتد الخوف عليهم ويصيرون بحيث لا يرون شيئاً، فقال تعالى: ﴿وَرَأَوُاْ العذاب لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ﴾ شيئاً ولما صاروا من شدة الخوف لا يبصرون شيئاً لا جرم ما رأوا العذاب.
وثانيها: أن الله تعالى لما ذكر عن الشركاء وهم الأصنام الذين لا يجيبون الذين دعوهم، قال في حقهم: ﴿وَرَأَوُاْ العذاب لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ﴾ مشاهدين العذاب، وكانوا من الأحياء لاهتدوا، ولكنها ليست كذلك، فلا جرم ما رأت العذاب فإن قيل: قوله: «ورأوا العَذَابَ» ضمير لا يليق إلا بالعقلاء، وكيف يصح عوده للأصنام، قلنا: هذا كقوله: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ﴾ ، وإنما أورد ذلك على حسب اعتقاد القوم فكذا هاهنا.
وثالثها: أن يكون المراد من الرؤية رؤية القلب، أي: والكفار علموا حقيقة هذا العذاب في الدنيا لو كانوا يهتدون، قال: وهذه الوجوه عندي خير من الوجوه المبنية على أن جواب «لو» محذوف، فإن ذلك يقتضي تفكيك نظم الآية.
قوله: «وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ» أي: يسأل الله الكفار ﴿مَاذَآ أَجَبْتُمُ المرسلين﴾ ، فعميت، العامة على تخفيفها، وقرأ الأعمش وجناح بن حبيش بضم العين وتشديد الميم، وتقدمت القراءتان للسبعة في هود، والمعنى: خفيت واشتبهت «عَلَيْهِم الأَنْبَاءُ» وهي الأخبار والأعذار، وقال مجاهد: الحجج يومئذ فلا يكون لهم عذر ولا حجة، فهم لا يستاءلون لا يجيبون وقال قتادة: لا يحتجون، وقيل: يسكتون لا يسأل بعضهم بعضاً وقرأ طلحة «لا يسّاءلون» بتشديد السين على إدغام التاء في السين، كقراءة ﴿تَسَآءَلُونَ بِهِ والأرحام﴾ [النساء: 1] .
فصل
قال القاضي: هذه الآية تدل على بطلان قول الجبرية، لأن فعلهم لو كان خلقاً من الله ويجب وقوعه بالقدر والإرادة لما عميت عليهم الأنبا ولقالوا إنَّما كذَّبنا الرسل من جهة خلقك فينا بتكذيبهم والقدرة الموجبة لذلك فكانت حجتهم على الله تعالى ظاهرة وكذلك القول فيما تقدم، لأن الشيطان كان له أن يقول إنما أغويت بخلقك فيّ الغواية، والجواب: أنَّ علم الله بعدم الإيمان مع وجود الإيمان متنافيان لذاتهما، فمع العلم بعدم الإيمان إذا أمرنا بإدخال الإيمان في الوجود فقد أمرنا بالجمع بين الضِّدين، واعلم أنَّ القاضي لا يترك آية من الآيات المشتملة على المدح والذم والعقاب إلا يعيد استدلاله بها، كما أن وجه استدلاله في الكل هذا الحرف، فكذا وجه جوابنا حرف واحد، وهو كما ذكرنا.
القصص 28:66
قوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحياة الدنيا﴾ ، أي فهو متاع، وقرىء فمتاعاً الحياة بنصب «مَتَاعاً» على المصدر، أي: يتمتَّعون متاعاً، «والحَيَاةَ» نصب على الظرف، والمعنى: يتمتعون بها أيام حياتهم ثم هي إلى فناء وانقضاء ﴿وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وأبقى﴾ ، هذا جواب عن شبهتهم فإنهم إن قالوا تركنا الدِّين لئلا تفوتنا الدنيا، فبيَّن تعالى أن ذلك خطأ عظيم، لأن ما عند الله خيرٌ وأبقى (أمَّا أنَّه خير) فلوجهين: الأول: أن المنافع هناك أعظم، والثاني: أنها خالصة عن الشوائب ومنافع الدنيا مشوبة بالمضار، بل المضار فيها أكثر، وأما أنَّها أبقى، فلأنها دائمة غير منقطعة ومتى قوبل المتناهي بغير المتناهي كان عدماً فظهر بذلك أن منافع الدنيا لا نسبة لها إلى منافع الآخرة، فلا جرم نبه على ذلك فقال: «أَفَلاَ تَعْقِلُونَ» أن الباقي خيرٌ من الفاني يعني أن من لا يرجح الآخرة على منافع الدنيا كأنه يكون خارجاً عن حد العقل، ورحم الله الشافعي حيث قال: من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله - تعالى - لأن أعقل الناس من أعطي القليل وأخذ الكثير وما هم إلا المشتغلين بالطاعة، فكأنه رَحِمَهُ اللَّهُ إنما أخذه من هذه الآية. وقرأ أبو عمرو «أَفَلاَ يَعْقِلُونَ» بالياء من تحت التفاتاً، والباقون بالخطاب جرياً على ما تقدم.
قوله: «َفَمَنْ وَعَدْنَاهُ» قرأ طلحة «أَمَنْ وَعَدْنَاهُ» بغير فاء «وَعْداً حَسَناً» يعني الجنة «فَهُوَ لاَقِيهِ» مصيبة ومدركه وصائرٌ إليه ﴿كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الحياة الدنيا﴾ وتزول عن قريب ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ القيامة مِنَ المحضرين﴾ النار، وقرأ الكسائي وقالون: «ثُمَّ هُوَ» بسكون الهاء إجراءً لها مجرى الواو والفاء، والباقون بالضم على الأصل، وتخصيص لفظ «المُحْضَرِينَ» بالذين أحضروا للعذاب أمر عرف من القرآن، قال تعالى ﴿لَكُنتُ مِنَ المحضرين﴾ [الصافات: 57] ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: 127] وفي اللفظ إشعار به، لأن الإحضار يشعر بالتكليف والإلزام، وذلك لا يليق بمجالس اللذة، وإنما يليق بمجالس الضرر والمكاره. قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ في الدنيا أنهم شركائي وتزعمون أنها تشفع فتخلصكم من هذا الذي نزل بكم، وتزعمون مفعولاه محذوفان أي: (تزعمونهم شركاءه) ، ﴿قَالَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول﴾ أي: وجب عليهم العذاب وهم رؤوس الضلالة وقيل: الشياطين.
أحدهما: أن هؤلاء مبتدأ، والَّذِينَ أَغْوَيْنَا صفته والعائد محذوف، أي أغويناهم، والخبر «أَغْوَيْنَاهم» ، و «كَمَا غَوَيْنَا» نعت لمصدر محذفو، ذلك المصدر مطاوع لهذا الفعل أي فغووا غيّاً كما غوينا، قاله الزمخشري، وهذا الوجه منعه أبو علي، قال: لأنه ليس في الخبر زيادة فائدة على ما في صفته، قال: فإن قلت: قد أوصل بقوله كما غوينا وفيه زيادة، قلت: الزيادة في الظرف لا يصيِّره أصلاً في الجملة لأنَّ الظرف صلاتٌ، ثم أعرب هو «هَؤُلاَء» مبتدأ و «الَّذِينَ أَغوَيْنَا» خبره، و «أغْوَيَنْاهم» مستأنف، وأجاب أبو البقاء وغيره عن الأول بأن الظرف قد يلزم كقولك زيدٌ عمرو في داره.
فصل
المعنى: هؤلاء الذين دعوناهم إلى الغي وهم الأتباع ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ أضللناهم كما ضلننا «تَبَرَّأنَا إلَيْكَ» منهم.
قوله: ﴿مَا كانوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ إيَّانَا مفعول «يَعْبُدونُ» قُدِّم لأجل الفاصلة وفي «ما» وجهان:
أحدهما: هي نافية (أي تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا) .
والثاني: مصدرية ولا بدَّ من تقدير حرف جرٍّ أي: تبرأنا مما كانوا أي من عبادتهم إيانا، وفيه بعدٌ.
قوله: ﴿وَقِيلَ ادعوا شُرَكَآءَكُمْ﴾ أي: وقيل للكافلين ادعوا شركاءكم، أي: الأصنام لتخلصكم من العذاب «فَدَعَوْهُمْ» (فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا) لَهُمْ لم يجيبوهم، والأقرب أن هذا على سبيل التقريع، لأنهم يعلمون أنه لا فائدة في دعائهم لهم.
قوله: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ﴾ جوابها محذوف أي: لما رأوا العذاب، أو لدفعوه، قال الضحاك ومقاتل: يعني المتبوع والتابع يرون العذاب ولو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروا في الآخرة، وقيل: لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا لعلموا أنَّ العذاب حق، وقيل: لو كانوا يهتدون لوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب. وقيل قد آن لهم أن يهتدوا لو أنهم كانوا يهتدون إذا رأوا العذاب ويؤكد ذلك قول ﴿لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم﴾ [الشعراء: 201] قال ابن الخطيب: وعندي أن الجواب غير محذوف وفي تقديره وجوه:
أحدها: أن الله تعالى لما خاطبهم بقوله ﴿ادعوا شُرَكَآءَكُمْ﴾ فهاهنا يشتد الخوف عليهم ويصيرون بحيث لا يرون شيئاً، فقال تعالى: ﴿وَرَأَوُاْ العذاب لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ﴾ شيئاً ولما صاروا من شدة الخوف لا يبصرون شيئاً لا جرم ما رأوا العذاب.
وثانيها: أن الله تعالى لما ذكر عن الشركاء وهم الأصنام الذين لا يجيبون الذين دعوهم، قال في حقهم: ﴿وَرَأَوُاْ العذاب لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ﴾ مشاهدين العذاب، وكانوا من الأحياء لاهتدوا، ولكنها ليست كذلك، فلا جرم ما رأت العذاب فإن قيل: قوله: «ورأوا العَذَابَ» ضمير لا يليق إلا بالعقلاء، وكيف يصح عوده للأصنام، قلنا: هذا كقوله: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ﴾ ، وإنما أورد ذلك على حسب اعتقاد القوم فكذا هاهنا.
وثالثها: أن يكون المراد من الرؤية رؤية القلب، أي: والكفار علموا حقيقة هذا العذاب في الدنيا لو كانوا يهتدون، قال: وهذه الوجوه عندي خير من الوجوه المبنية على أن جواب «لو» محذوف، فإن ذلك يقتضي تفكيك نظم الآية.
قوله: «وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ» أي: يسأل الله الكفار ﴿مَاذَآ أَجَبْتُمُ المرسلين﴾ ، فعميت، العامة على تخفيفها، وقرأ الأعمش وجناح بن حبيش بضم العين وتشديد الميم، وتقدمت القراءتان للسبعة في هود، والمعنى: خفيت واشتبهت «عَلَيْهِم الأَنْبَاءُ» وهي الأخبار والأعذار، وقال مجاهد: الحجج يومئذ فلا يكون لهم عذر ولا حجة، فهم لا يستاءلون لا يجيبون وقال قتادة: لا يحتجون، وقيل: يسكتون لا يسأل بعضهم بعضاً وقرأ طلحة «لا يسّاءلون» بتشديد السين على إدغام التاء في السين، كقراءة ﴿تَسَآءَلُونَ بِهِ والأرحام﴾ [النساء: 1] .
فصل
قال القاضي: هذه الآية تدل على بطلان قول الجبرية، لأن فعلهم لو كان خلقاً من الله ويجب وقوعه بالقدر والإرادة لما عميت عليهم الأنبا ولقالوا إنَّما كذَّبنا الرسل من جهة خلقك فينا بتكذيبهم والقدرة الموجبة لذلك فكانت حجتهم على الله تعالى ظاهرة وكذلك القول فيما تقدم، لأن الشيطان كان له أن يقول إنما أغويت بخلقك فيّ الغواية، والجواب: أنَّ علم الله بعدم الإيمان مع وجود الإيمان متنافيان لذاتهما، فمع العلم بعدم الإيمان إذا أمرنا بإدخال الإيمان في الوجود فقد أمرنا بالجمع بين الضِّدين، واعلم أنَّ القاضي لا يترك آية من الآيات المشتملة على المدح والذم والعقاب إلا يعيد استدلاله بها، كما أن وجه استدلاله في الكل هذا الحرف، فكذا وجه جوابنا حرف واحد، وهو كما ذكرنا.
القصص 28:67
قوله: ﴿فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فعسى أَن يَكُونَ مِنَ المفلحين﴾ لمّا بيَّن حال المعذبين أتبعه بذكر من يتوب منهم في الدنيا ترغيباً في التوبة، وزجراً عن الثبات على الكفر، وفي «عَسَى» وجوه:
أحدها: أنه من الكرام حقيق، والله أكرم الأكرمين.
وثانيها: أنَّها للترجي للتائب وطمعه، كأنه قال: فليطمع في الفلاح.
وثالثها: عسى أن يكونوا كذلك إذا داموا على التوبة والإيمان، لجواز أن لا يدوموا.
قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ﴾ نزلت هذه الآية جواباً للمشركين حين قالوا: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31] ، يعني الوليد بن المغيرة، أو عروة بن مسعود الثقفي، أخبر الله تعالى أنه لا يبعث الرسل باختيارهم.
قوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة﴾ فيه وجوه:
أحدها: أنَّ ما نافية، فالوقف على «يَخْتَارُ» .
والثاني: ما مصدرية أي يختار اختيارهم، والمصدر واقع موقع المفعول، أي مختارهم.
الثالث: ان يكون بمعنى «الذي» والعائد محذوف، أي ما كان لهم الخيرة فيه كقوله: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور﴾ [الشورى: 43] أي منه، وجوَّز ابن عطية أن تكون كان تامة، ولهم الخيرة جملة مستأنفة، قال: ويتجه عندي أن يكون ما مفعول إذا قدَّرنا كان التامة، أي: إن الله يختار كلَّ كائن، ولهم الخيرة مستأنف معناه: تعديد النعم عليهم في اختيار الله لهم لو قبلوا. وجعل بعضهم في كان ضمير الشأن، وأنشد:
4014 - أمِنْ سُمَيَّةَ دَمْعُ العَيْنِ تَذْرِيفُ ... لَوْ كَانَ ذَا مِنْكَ قَبْلَ اليَوْم مَعْرُوفُ
ولو كان ذا اسمها لقال معروفاً، وابن عطية منع ذلك في الآية، قال: لأن تفسير الأمر والشأن لا يكون بجملة فيها محذوف، كأنه يريد أن الجار متعلق بمحذوف وضمير الشأن لا يفسر إلا بجملة مصرح بجزيئها إلا أنَّ في هذا نظراً إن أراده، لأن هذا الجار قائم مقام الخبر ولا أظن أحداً يمنع: هو السلطان في البلد، وهي الدار، والخيرة: من التخير كالطيرة من التطير فيستعملان استعمال المصدر، وقال الزمخشري ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة﴾ بيان لقوله «وَيَخْتَارُ» ، لأن معناه: ويختار ما يشاء ولهذا لم يدخل العاطف، والمعنى أن الخيرة لله في أفعاله وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه.
قال شهاب الدين: لم يزل الناس يقولون: إن الوقف على «يَخْتَار» والابتداء بما على أنها نافية هو مذهب أهل السنة، ونقل ذلك عن جماعة كأُبيٍّ وغيره، وأن كونها موصولة متصلة «يَخْتَارُ» غير موقوف عليه هو مذهب المعتزلة، وهذا الزمخشري قد قرر كونها نافية وحصل غرضه في كلامه وهو موافق لكلام أهل السنة ظاهراً وإن كان لا يريده، وهذا الطبري من كبار أهل السنة منع أن تكون نافية، قال: لئلا يكون المعنى: أنه إن لم يكن لهم الخيرة فيما مضى وهي لهم فيما يستقبل، وأيضاً فلم يتقدم نفي، وهذا الذي قاله ابن جرير مرويّ عن ابن عباس، وقال بعضهم: ويختار لهم ما يشاؤه من الرسل ف «ما» على هذا واقعة على العقلاء.
فصل
إن قيل: «ما» للإثبات فمعناه: ويختار الله ما كان لهم الخيرة، أي: يختار ما هو الأصلح والخير، وإن قيل: ما للنفي أي: ليس إليهم الاختيار، أو ليس لهم أن يختاروا على الله كقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36] ثم قال منزِّهاً نفسه سبحانه وتعالى «عَمَّا يُشْرِكُونَ» أي: إن الخلق والاختيار والإعزاز والإذلال مفوض إليه ليس لأحد فيه شركة ومنازعة ثم أكد ذلك بأنه ﴿يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ من عداوة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «وَمَا يُعْلِنُونَ» من مطاعنهم فيه، وقولهم: هلا اختير غيره في النبوة،. ولما بيَّن علمه بما هم عليه من الغل والحسد والسفاهة قال: ﴿وَهُوَ الله لاا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة﴾ ، وهذا تنبيه على كونه قادراً على كل الممكنات عالماً بكل المعلومات منزهاً عن النقائص والآفات ﴿لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة﴾ وهذا ظاهر على مذهب أهل السنة لأن الثواب غير واجب عليه بل يعطيه فضلاً وإحساناً، و ﴿لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة﴾ ويؤكد قول أهل الجنة ﴿الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن﴾ [فاطر: 34] . ﴿الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: 74] ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [يونس: 10] «ولَهُ الحُكْمُ» وفصل القضاء بين الخلق، قال ابن عباس: حكم لأهل طاعته بالمغفرة ولأهل المعصية بالشقاء «وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ» أي: إلى حكمه وقضائه.
القصص 28:68
قوله: ﴿فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فعسى أَن يَكُونَ مِنَ المفلحين﴾ لمّا بيَّن حال المعذبين أتبعه بذكر من يتوب منهم في الدنيا ترغيباً في التوبة، وزجراً عن الثبات على الكفر، وفي «عَسَى» وجوه:
أحدها: أنه من الكرام حقيق، والله أكرم الأكرمين.
وثانيها: أنَّها للترجي للتائب وطمعه، كأنه قال: فليطمع في الفلاح.
وثالثها: عسى أن يكونوا كذلك إذا داموا على التوبة والإيمان، لجواز أن لا يدوموا.
قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ﴾ نزلت هذه الآية جواباً للمشركين حين قالوا: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31] ، يعني الوليد بن المغيرة، أو عروة بن مسعود الثقفي، أخبر الله تعالى أنه لا يبعث الرسل باختيارهم.
قوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة﴾ فيه وجوه:
أحدها: أنَّ ما نافية، فالوقف على «يَخْتَارُ» .
والثاني: ما مصدرية أي يختار اختيارهم، والمصدر واقع موقع المفعول، أي مختارهم.
الثالث: ان يكون بمعنى «الذي» والعائد محذوف، أي ما كان لهم الخيرة فيه كقوله: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور﴾ [الشورى: 43] أي منه، وجوَّز ابن عطية أن تكون كان تامة، ولهم الخيرة جملة مستأنفة، قال: ويتجه عندي أن يكون ما مفعول إذا قدَّرنا كان التامة، أي: إن الله يختار كلَّ كائن، ولهم الخيرة مستأنف معناه: تعديد النعم عليهم في اختيار الله لهم لو قبلوا. وجعل بعضهم في كان ضمير الشأن، وأنشد:
4014 - أمِنْ سُمَيَّةَ دَمْعُ العَيْنِ تَذْرِيفُ ... لَوْ كَانَ ذَا مِنْكَ قَبْلَ اليَوْم مَعْرُوفُ
ولو كان ذا اسمها لقال معروفاً، وابن عطية منع ذلك في الآية، قال: لأن تفسير الأمر والشأن لا يكون بجملة فيها محذوف، كأنه يريد أن الجار متعلق بمحذوف وضمير الشأن لا يفسر إلا بجملة مصرح بجزيئها إلا أنَّ في هذا نظراً إن أراده، لأن هذا الجار قائم مقام الخبر ولا أظن أحداً يمنع: هو السلطان في البلد، وهي الدار، والخيرة: من التخير كالطيرة من التطير فيستعملان استعمال المصدر، وقال الزمخشري ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة﴾ بيان لقوله «وَيَخْتَارُ» ، لأن معناه: ويختار ما يشاء ولهذا لم يدخل العاطف، والمعنى أن الخيرة لله في أفعاله وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه.
قال شهاب الدين: لم يزل الناس يقولون: إن الوقف على «يَخْتَار» والابتداء بما على أنها نافية هو مذهب أهل السنة، ونقل ذلك عن جماعة كأُبيٍّ وغيره، وأن كونها موصولة متصلة «يَخْتَارُ» غير موقوف عليه هو مذهب المعتزلة، وهذا الزمخشري قد قرر كونها نافية وحصل غرضه في كلامه وهو موافق لكلام أهل السنة ظاهراً وإن كان لا يريده، وهذا الطبري من كبار أهل السنة منع أن تكون نافية، قال: لئلا يكون المعنى: أنه إن لم يكن لهم الخيرة فيما مضى وهي لهم فيما يستقبل، وأيضاً فلم يتقدم نفي، وهذا الذي قاله ابن جرير مرويّ عن ابن عباس، وقال بعضهم: ويختار لهم ما يشاؤه من الرسل ف «ما» على هذا واقعة على العقلاء.
فصل
إن قيل: «ما» للإثبات فمعناه: ويختار الله ما كان لهم الخيرة، أي: يختار ما هو الأصلح والخير، وإن قيل: ما للنفي أي: ليس إليهم الاختيار، أو ليس لهم أن يختاروا على الله كقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36] ثم قال منزِّهاً نفسه سبحانه وتعالى «عَمَّا يُشْرِكُونَ» أي: إن الخلق والاختيار والإعزاز والإذلال مفوض إليه ليس لأحد فيه شركة ومنازعة ثم أكد ذلك بأنه ﴿يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ من عداوة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «وَمَا يُعْلِنُونَ» من مطاعنهم فيه، وقولهم: هلا اختير غيره في النبوة،. ولما بيَّن علمه بما هم عليه من الغل والحسد والسفاهة قال: ﴿وَهُوَ الله لاا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة﴾ ، وهذا تنبيه على كونه قادراً على كل الممكنات عالماً بكل المعلومات منزهاً عن النقائص والآفات ﴿لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة﴾ وهذا ظاهر على مذهب أهل السنة لأن الثواب غير واجب عليه بل يعطيه فضلاً وإحساناً، و ﴿لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة﴾ ويؤكد قول أهل الجنة ﴿الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن﴾ [فاطر: 34] . ﴿الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: 74] ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [يونس: 10] «ولَهُ الحُكْمُ» وفصل القضاء بين الخلق، قال ابن عباس: حكم لأهل طاعته بالمغفرة ولأهل المعصية بالشقاء «وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ» أي: إلى حكمه وقضائه.
القصص 28:69
قوله: ﴿فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فعسى أَن يَكُونَ مِنَ المفلحين﴾ لمّا بيَّن حال المعذبين أتبعه بذكر من يتوب منهم في الدنيا ترغيباً في التوبة، وزجراً عن الثبات على الكفر، وفي «عَسَى» وجوه:
أحدها: أنه من الكرام حقيق، والله أكرم الأكرمين.
وثانيها: أنَّها للترجي للتائب وطمعه، كأنه قال: فليطمع في الفلاح.
وثالثها: عسى أن يكونوا كذلك إذا داموا على التوبة والإيمان، لجواز أن لا يدوموا.
قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ﴾ نزلت هذه الآية جواباً للمشركين حين قالوا: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31] ، يعني الوليد بن المغيرة، أو عروة بن مسعود الثقفي، أخبر الله تعالى أنه لا يبعث الرسل باختيارهم.
قوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة﴾ فيه وجوه:
أحدها: أنَّ ما نافية، فالوقف على «يَخْتَارُ» .
والثاني: ما مصدرية أي يختار اختيارهم، والمصدر واقع موقع المفعول، أي مختارهم.
الثالث: ان يكون بمعنى «الذي» والعائد محذوف، أي ما كان لهم الخيرة فيه كقوله: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور﴾ [الشورى: 43] أي منه، وجوَّز ابن عطية أن تكون كان تامة، ولهم الخيرة جملة مستأنفة، قال: ويتجه عندي أن يكون ما مفعول إذا قدَّرنا كان التامة، أي: إن الله يختار كلَّ كائن، ولهم الخيرة مستأنف معناه: تعديد النعم عليهم في اختيار الله لهم لو قبلوا. وجعل بعضهم في كان ضمير الشأن، وأنشد:
4014 - أمِنْ سُمَيَّةَ دَمْعُ العَيْنِ تَذْرِيفُ ... لَوْ كَانَ ذَا مِنْكَ قَبْلَ اليَوْم مَعْرُوفُ
ولو كان ذا اسمها لقال معروفاً، وابن عطية منع ذلك في الآية، قال: لأن تفسير الأمر والشأن لا يكون بجملة فيها محذوف، كأنه يريد أن الجار متعلق بمحذوف وضمير الشأن لا يفسر إلا بجملة مصرح بجزيئها إلا أنَّ في هذا نظراً إن أراده، لأن هذا الجار قائم مقام الخبر ولا أظن أحداً يمنع: هو السلطان في البلد، وهي الدار، والخيرة: من التخير كالطيرة من التطير فيستعملان استعمال المصدر، وقال الزمخشري ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة﴾ بيان لقوله «وَيَخْتَارُ» ، لأن معناه: ويختار ما يشاء ولهذا لم يدخل العاطف، والمعنى أن الخيرة لله في أفعاله وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه.
قال شهاب الدين: لم يزل الناس يقولون: إن الوقف على «يَخْتَار» والابتداء بما على أنها نافية هو مذهب أهل السنة، ونقل ذلك عن جماعة كأُبيٍّ وغيره، وأن كونها موصولة متصلة «يَخْتَارُ» غير موقوف عليه هو مذهب المعتزلة، وهذا الزمخشري قد قرر كونها نافية وحصل غرضه في كلامه وهو موافق لكلام أهل السنة ظاهراً وإن كان لا يريده، وهذا الطبري من كبار أهل السنة منع أن تكون نافية، قال: لئلا يكون المعنى: أنه إن لم يكن لهم الخيرة فيما مضى وهي لهم فيما يستقبل، وأيضاً فلم يتقدم نفي، وهذا الذي قاله ابن جرير مرويّ عن ابن عباس، وقال بعضهم: ويختار لهم ما يشاؤه من الرسل ف «ما» على هذا واقعة على العقلاء.
فصل
إن قيل: «ما» للإثبات فمعناه: ويختار الله ما كان لهم الخيرة، أي: يختار ما هو الأصلح والخير، وإن قيل: ما للنفي أي: ليس إليهم الاختيار، أو ليس لهم أن يختاروا على الله كقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36] ثم قال منزِّهاً نفسه سبحانه وتعالى «عَمَّا يُشْرِكُونَ» أي: إن الخلق والاختيار والإعزاز والإذلال مفوض إليه ليس لأحد فيه شركة ومنازعة ثم أكد ذلك بأنه ﴿يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ من عداوة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «وَمَا يُعْلِنُونَ» من مطاعنهم فيه، وقولهم: هلا اختير غيره في النبوة،. ولما بيَّن علمه بما هم عليه من الغل والحسد والسفاهة قال: ﴿وَهُوَ الله لاا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة﴾ ، وهذا تنبيه على كونه قادراً على كل الممكنات عالماً بكل المعلومات منزهاً عن النقائص والآفات ﴿لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة﴾ وهذا ظاهر على مذهب أهل السنة لأن الثواب غير واجب عليه بل يعطيه فضلاً وإحساناً، و ﴿لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة﴾ ويؤكد قول أهل الجنة ﴿الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن﴾ [فاطر: 34] . ﴿الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: 74] ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [يونس: 10] «ولَهُ الحُكْمُ» وفصل القضاء بين الخلق، قال ابن عباس: حكم لأهل طاعته بالمغفرة ولأهل المعصية بالشقاء «وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ» أي: إلى حكمه وقضائه.
القصص 28:70
قوله: ﴿فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فعسى أَن يَكُونَ مِنَ المفلحين﴾ لمّا بيَّن حال المعذبين أتبعه بذكر من يتوب منهم في الدنيا ترغيباً في التوبة، وزجراً عن الثبات على الكفر، وفي «عَسَى» وجوه:
أحدها: أنه من الكرام حقيق، والله أكرم الأكرمين.
وثانيها: أنَّها للترجي للتائب وطمعه، كأنه قال: فليطمع في الفلاح.
وثالثها: عسى أن يكونوا كذلك إذا داموا على التوبة والإيمان، لجواز أن لا يدوموا.
قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ﴾ نزلت هذه الآية جواباً للمشركين حين قالوا: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31] ، يعني الوليد بن المغيرة، أو عروة بن مسعود الثقفي، أخبر الله تعالى أنه لا يبعث الرسل باختيارهم.
قوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة﴾ فيه وجوه:
أحدها: أنَّ ما نافية، فالوقف على «يَخْتَارُ» .
والثاني: ما مصدرية أي يختار اختيارهم، والمصدر واقع موقع المفعول، أي مختارهم.
الثالث: ان يكون بمعنى «الذي» والعائد محذوف، أي ما كان لهم الخيرة فيه كقوله: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور﴾ [الشورى: 43] أي منه، وجوَّز ابن عطية أن تكون كان تامة، ولهم الخيرة جملة مستأنفة، قال: ويتجه عندي أن يكون ما مفعول إذا قدَّرنا كان التامة، أي: إن الله يختار كلَّ كائن، ولهم الخيرة مستأنف معناه: تعديد النعم عليهم في اختيار الله لهم لو قبلوا. وجعل بعضهم في كان ضمير الشأن، وأنشد:
4014 - أمِنْ سُمَيَّةَ دَمْعُ العَيْنِ تَذْرِيفُ ... لَوْ كَانَ ذَا مِنْكَ قَبْلَ اليَوْم مَعْرُوفُ
ولو كان ذا اسمها لقال معروفاً، وابن عطية منع ذلك في الآية، قال: لأن تفسير الأمر والشأن لا يكون بجملة فيها محذوف، كأنه يريد أن الجار متعلق بمحذوف وضمير الشأن لا يفسر إلا بجملة مصرح بجزيئها إلا أنَّ في هذا نظراً إن أراده، لأن هذا الجار قائم مقام الخبر ولا أظن أحداً يمنع: هو السلطان في البلد، وهي الدار، والخيرة: من التخير كالطيرة من التطير فيستعملان استعمال المصدر، وقال الزمخشري ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة﴾ بيان لقوله «وَيَخْتَارُ» ، لأن معناه: ويختار ما يشاء ولهذا لم يدخل العاطف، والمعنى أن الخيرة لله في أفعاله وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه.
قال شهاب الدين: لم يزل الناس يقولون: إن الوقف على «يَخْتَار» والابتداء بما على أنها نافية هو مذهب أهل السنة، ونقل ذلك عن جماعة كأُبيٍّ وغيره، وأن كونها موصولة متصلة «يَخْتَارُ» غير موقوف عليه هو مذهب المعتزلة، وهذا الزمخشري قد قرر كونها نافية وحصل غرضه في كلامه وهو موافق لكلام أهل السنة ظاهراً وإن كان لا يريده، وهذا الطبري من كبار أهل السنة منع أن تكون نافية، قال: لئلا يكون المعنى: أنه إن لم يكن لهم الخيرة فيما مضى وهي لهم فيما يستقبل، وأيضاً فلم يتقدم نفي، وهذا الذي قاله ابن جرير مرويّ عن ابن عباس، وقال بعضهم: ويختار لهم ما يشاؤه من الرسل ف «ما» على هذا واقعة على العقلاء.
فصل
إن قيل: «ما» للإثبات فمعناه: ويختار الله ما كان لهم الخيرة، أي: يختار ما هو الأصلح والخير، وإن قيل: ما للنفي أي: ليس إليهم الاختيار، أو ليس لهم أن يختاروا على الله كقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36] ثم قال منزِّهاً نفسه سبحانه وتعالى «عَمَّا يُشْرِكُونَ» أي: إن الخلق والاختيار والإعزاز والإذلال مفوض إليه ليس لأحد فيه شركة ومنازعة ثم أكد ذلك بأنه ﴿يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ من عداوة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «وَمَا يُعْلِنُونَ» من مطاعنهم فيه، وقولهم: هلا اختير غيره في النبوة،. ولما بيَّن علمه بما هم عليه من الغل والحسد والسفاهة قال: ﴿وَهُوَ الله لاا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة﴾ ، وهذا تنبيه على كونه قادراً على كل الممكنات عالماً بكل المعلومات منزهاً عن النقائص والآفات ﴿لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة﴾ وهذا ظاهر على مذهب أهل السنة لأن الثواب غير واجب عليه بل يعطيه فضلاً وإحساناً، و ﴿لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة﴾ ويؤكد قول أهل الجنة ﴿الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن﴾ [فاطر: 34] . ﴿الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: 74] ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [يونس: 10] «ولَهُ الحُكْمُ» وفصل القضاء بين الخلق، قال ابن عباس: حكم لأهل طاعته بالمغفرة ولأهل المعصية بالشقاء «وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ» أي: إلى حكمه وقضائه.
القصص 28:71
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً﴾ الآية، لما بيَّن بقوله ﴿وَهُوَ الله لاا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة وَلَهُ الحكم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: 70] فصل عقيب ذلك ببعض ما يجب أن يحمد عليه بما لا يقدر عليه سواه، فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً﴾ ، نبَّه بذلك على كون الليل والنهار نعمتان متعاقبتان على الزمان، ووجهه أن المرء في الدنيا مضطرٌّ إلى أن يتعب لتحصيل ما يحتاج إليه ولا يتم ذلك إلا براحة وسكون بالليل ولا بد منها والحالة هذه، فأما في الجنة فلا نصب ولا تعب ولا حاجة بهم إلى الليل، ولذلك يدوم لهم الضياء واللذات، فبيَّن بذلك أن القادر على ذلك ليس إلاّ الله فقال: «قُلْ أَرَأَيْتُمْ» أخبروني يا أهل مكة ﴿إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً﴾ دائماً ﴿إلى يَوْمِ القيامة﴾ لا نهار معه ﴿مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ﴾ بنهار تطلبون فيه المعيشة «أَفَلاَ تَسْمَعُون» سماع فهم وقبول؟
قوله: أَرَأَيْتُم، وجعل تنازعاً في «اللَّيْل» وأعمل الثاني ومفعول «أَرَأَيْتُمْ» هي جملة الاستفهم بعده والعائد منها على الليل محذوف تقديره: بضياء بعده، وجواب الشرط محذوف، وتقدم تحرير هذا في الأنعام، وسرمداً مفعول ثان إن كان الجعل تصييراً، أو حال إن كان خلقاً وإنشاء، والسَّرمد: الدائم الذي لا ينقطع قال طرفة:
4015 - لَعَمْرُكَ مَا أَمْرِي عَلَيَّ بِغُمَّةٍ ... نَهَارِي وَلاَ لَيْلِي عَلَيَّ بِسَرْمَدِ
والظاهر أن ميمه أصلية، ووزنه فعلل كجعفر، وقيل: هي زائدة واشتقاقه من السَّرد، وهو تتابع الشيء على الشيء، إلا أنَّ زيادة الميم وسطاً وآخراً لا تنقاس نحو: دُلاَمِ، وزُرْقُم، من الدلاً والزُّرقة.
قوله: «إلَى يَوْمِ» متعلق ب «يَجْعَلَ» أو ب «سَرْمَداً» أو بمحذوف على أنه صفة ل «سَرْمَداً» وإنما قال: «أَفَلاَ تَسْمَعُونَ» ، «أَفَلاَ تُبْصِرُونَ» ، لأن الغرض من ذلك الانتفاع بما يسمعون ويبصرون من جهة التدبر، فلما لم ينتفعوا أنزلوا منزلة من لا يسمع ولا يبصر، قال المفسِّرون: «أَفَلاَ تَسْمَعُونَ» سماع فهم «أَفَلاَ تُبْصِرُونَ» ما أنتم عليه من الخطأ والضلال.
وقال الزمخشري: فإن قيل هلاَّ قيل بنهار يتصرَّلإون فيه كما قيل بليل تسكنون فيه، قلنا: ذكر الضياء وهو ضوء الشمس لأن المنافع التي تتعلق بها متكاثرة ليس التصرف في المعاش وحده والظلام ليس بتلك المنزلة، وإنما قرن بالضياء «أَفَلاَ تَسْمَعُونَ» لنَّ السمع يدرك ما لا يدركه البصر من درك منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل «أَفَلاَ تُبْصِرُونَ» لن غيرك يدرك من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه.
قوله: «لِتَسْكُنُوا فِيهِ» أي في الليل ﴿وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: في النهار وهذا من باب اللف والنشر ومنه:
4016 - كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً وَيَابِساً ... لَدَى وَكْرِهَا العِنَّابُ والحَشَفُ البَالِي
قوله: «لَعَلَّكُمْ تَشْكرون» أي: نعم الله، وقيل: أراد الشكر على المنفعتين معاً، وعالم أنه وإن كان السكون في النهار ممكناً (وابتغاء فضل الله بالليل ممكناً) إلا أن الأليق بكل واحد منهما ما ذكره الله تعالى، فلهذا خصه به، وقوله: «وَيَوْمَ يُنَادِيِهمْ» كرَّر ذلك النداء للمشركين لزيادة التقريع والتوبيخ.
قوله: «وَنَزَعْنَا» أخرجنا ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً﴾ يعني رسولهم الذي أرسل إليهم، كما قال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: 41] أي: يشهد عليهم بأنهم بلغوا القوم الدلائل، وأوضحوها لهم ليعلم أن التقصير منهم، فيزيد ذلك في غمهم، وقيل المراد الشهداء الذي يشهدون على الناس، ويدخل في جملتهم الأنبياء ﴿فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾ حجتكم بأن معي شريكاً «فَعَلِمُوا» حينئذ «أَنَّ الحَقَّ» التوحيد «لِلَّهِ» ، «وَضَلَّ عَنْهُمْ» غاب عنهم ﴿مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ من الباطل والكذب.
القصص 28:72
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً﴾ الآية، لما بيَّن بقوله ﴿وَهُوَ الله لاا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة وَلَهُ الحكم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: 70] فصل عقيب ذلك ببعض ما يجب أن يحمد عليه بما لا يقدر عليه سواه، فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً﴾ ، نبَّه بذلك على كون الليل والنهار نعمتان متعاقبتان على الزمان، ووجهه أن المرء في الدنيا مضطرٌّ إلى أن يتعب لتحصيل ما يحتاج إليه ولا يتم ذلك إلا براحة وسكون بالليل ولا بد منها والحالة هذه، فأما في الجنة فلا نصب ولا تعب ولا حاجة بهم إلى الليل، ولذلك يدوم لهم الضياء واللذات، فبيَّن بذلك أن القادر على ذلك ليس إلاّ الله فقال: «قُلْ أَرَأَيْتُمْ» أخبروني يا أهل مكة ﴿إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً﴾ دائماً ﴿إلى يَوْمِ القيامة﴾ لا نهار معه ﴿مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ﴾ بنهار تطلبون فيه المعيشة «أَفَلاَ تَسْمَعُون» سماع فهم وقبول؟
قوله: أَرَأَيْتُم، وجعل تنازعاً في «اللَّيْل» وأعمل الثاني ومفعول «أَرَأَيْتُمْ» هي جملة الاستفهم بعده والعائد منها على الليل محذوف تقديره: بضياء بعده، وجواب الشرط محذوف، وتقدم تحرير هذا في الأنعام، وسرمداً مفعول ثان إن كان الجعل تصييراً، أو حال إن كان خلقاً وإنشاء، والسَّرمد: الدائم الذي لا ينقطع قال طرفة:
4015 - لَعَمْرُكَ مَا أَمْرِي عَلَيَّ بِغُمَّةٍ ... نَهَارِي وَلاَ لَيْلِي عَلَيَّ بِسَرْمَدِ
والظاهر أن ميمه أصلية، ووزنه فعلل كجعفر، وقيل: هي زائدة واشتقاقه من السَّرد، وهو تتابع الشيء على الشيء، إلا أنَّ زيادة الميم وسطاً وآخراً لا تنقاس نحو: دُلاَمِ، وزُرْقُم، من الدلاً والزُّرقة.
قوله: «إلَى يَوْمِ» متعلق ب «يَجْعَلَ» أو ب «سَرْمَداً» أو بمحذوف على أنه صفة ل «سَرْمَداً» وإنما قال: «أَفَلاَ تَسْمَعُونَ» ، «أَفَلاَ تُبْصِرُونَ» ، لأن الغرض من ذلك الانتفاع بما يسمعون ويبصرون من جهة التدبر، فلما لم ينتفعوا أنزلوا منزلة من لا يسمع ولا يبصر، قال المفسِّرون: «أَفَلاَ تَسْمَعُونَ» سماع فهم «أَفَلاَ تُبْصِرُونَ» ما أنتم عليه من الخطأ والضلال.
وقال الزمخشري: فإن قيل هلاَّ قيل بنهار يتصرَّلإون فيه كما قيل بليل تسكنون فيه، قلنا: ذكر الضياء وهو ضوء الشمس لأن المنافع التي تتعلق بها متكاثرة ليس التصرف في المعاش وحده والظلام ليس بتلك المنزلة، وإنما قرن بالضياء «أَفَلاَ تَسْمَعُونَ» لنَّ السمع يدرك ما لا يدركه البصر من درك منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل «أَفَلاَ تُبْصِرُونَ» لن غيرك يدرك من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه.
قوله: «لِتَسْكُنُوا فِيهِ» أي في الليل ﴿وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: في النهار وهذا من باب اللف والنشر ومنه:
4016 - كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً وَيَابِساً ... لَدَى وَكْرِهَا العِنَّابُ والحَشَفُ البَالِي
قوله: «لَعَلَّكُمْ تَشْكرون» أي: نعم الله، وقيل: أراد الشكر على المنفعتين معاً، وعالم أنه وإن كان السكون في النهار ممكناً (وابتغاء فضل الله بالليل ممكناً) إلا أن الأليق بكل واحد منهما ما ذكره الله تعالى، فلهذا خصه به، وقوله: «وَيَوْمَ يُنَادِيِهمْ» كرَّر ذلك النداء للمشركين لزيادة التقريع والتوبيخ.
قوله: «وَنَزَعْنَا» أخرجنا ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً﴾ يعني رسولهم الذي أرسل إليهم، كما قال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: 41] أي: يشهد عليهم بأنهم بلغوا القوم الدلائل، وأوضحوها لهم ليعلم أن التقصير منهم، فيزيد ذلك في غمهم، وقيل المراد الشهداء الذي يشهدون على الناس، ويدخل في جملتهم الأنبياء ﴿فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾ حجتكم بأن معي شريكاً «فَعَلِمُوا» حينئذ «أَنَّ الحَقَّ» التوحيد «لِلَّهِ» ، «وَضَلَّ عَنْهُمْ» غاب عنهم ﴿مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ من الباطل والكذب.
القصص 28:73
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً﴾ الآية، لما بيَّن بقوله ﴿وَهُوَ الله لاا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة وَلَهُ الحكم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: 70] فصل عقيب ذلك ببعض ما يجب أن يحمد عليه بما لا يقدر عليه سواه، فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً﴾ ، نبَّه بذلك على كون الليل والنهار نعمتان متعاقبتان على الزمان، ووجهه أن المرء في الدنيا مضطرٌّ إلى أن يتعب لتحصيل ما يحتاج إليه ولا يتم ذلك إلا براحة وسكون بالليل ولا بد منها والحالة هذه، فأما في الجنة فلا نصب ولا تعب ولا حاجة بهم إلى الليل، ولذلك يدوم لهم الضياء واللذات، فبيَّن بذلك أن القادر على ذلك ليس إلاّ الله فقال: «قُلْ أَرَأَيْتُمْ» أخبروني يا أهل مكة ﴿إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً﴾ دائماً ﴿إلى يَوْمِ القيامة﴾ لا نهار معه ﴿مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ﴾ بنهار تطلبون فيه المعيشة «أَفَلاَ تَسْمَعُون» سماع فهم وقبول؟
قوله: أَرَأَيْتُم، وجعل تنازعاً في «اللَّيْل» وأعمل الثاني ومفعول «أَرَأَيْتُمْ» هي جملة الاستفهم بعده والعائد منها على الليل محذوف تقديره: بضياء بعده، وجواب الشرط محذوف، وتقدم تحرير هذا في الأنعام، وسرمداً مفعول ثان إن كان الجعل تصييراً، أو حال إن كان خلقاً وإنشاء، والسَّرمد: الدائم الذي لا ينقطع قال طرفة:
4015 - لَعَمْرُكَ مَا أَمْرِي عَلَيَّ بِغُمَّةٍ ... نَهَارِي وَلاَ لَيْلِي عَلَيَّ بِسَرْمَدِ
والظاهر أن ميمه أصلية، ووزنه فعلل كجعفر، وقيل: هي زائدة واشتقاقه من السَّرد، وهو تتابع الشيء على الشيء، إلا أنَّ زيادة الميم وسطاً وآخراً لا تنقاس نحو: دُلاَمِ، وزُرْقُم، من الدلاً والزُّرقة.
قوله: «إلَى يَوْمِ» متعلق ب «يَجْعَلَ» أو ب «سَرْمَداً» أو بمحذوف على أنه صفة ل «سَرْمَداً» وإنما قال: «أَفَلاَ تَسْمَعُونَ» ، «أَفَلاَ تُبْصِرُونَ» ، لأن الغرض من ذلك الانتفاع بما يسمعون ويبصرون من جهة التدبر، فلما لم ينتفعوا أنزلوا منزلة من لا يسمع ولا يبصر، قال المفسِّرون: «أَفَلاَ تَسْمَعُونَ» سماع فهم «أَفَلاَ تُبْصِرُونَ» ما أنتم عليه من الخطأ والضلال.
وقال الزمخشري: فإن قيل هلاَّ قيل بنهار يتصرَّلإون فيه كما قيل بليل تسكنون فيه، قلنا: ذكر الضياء وهو ضوء الشمس لأن المنافع التي تتعلق بها متكاثرة ليس التصرف في المعاش وحده والظلام ليس بتلك المنزلة، وإنما قرن بالضياء «أَفَلاَ تَسْمَعُونَ» لنَّ السمع يدرك ما لا يدركه البصر من درك منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل «أَفَلاَ تُبْصِرُونَ» لن غيرك يدرك من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه.
قوله: «لِتَسْكُنُوا فِيهِ» أي في الليل ﴿وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: في النهار وهذا من باب اللف والنشر ومنه:
4016 - كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً وَيَابِساً ... لَدَى وَكْرِهَا العِنَّابُ والحَشَفُ البَالِي
قوله: «لَعَلَّكُمْ تَشْكرون» أي: نعم الله، وقيل: أراد الشكر على المنفعتين معاً، وعالم أنه وإن كان السكون في النهار ممكناً (وابتغاء فضل الله بالليل ممكناً) إلا أن الأليق بكل واحد منهما ما ذكره الله تعالى، فلهذا خصه به، وقوله: «وَيَوْمَ يُنَادِيِهمْ» كرَّر ذلك النداء للمشركين لزيادة التقريع والتوبيخ.
قوله: «وَنَزَعْنَا» أخرجنا ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً﴾ يعني رسولهم الذي أرسل إليهم، كما قال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: 41] أي: يشهد عليهم بأنهم بلغوا القوم الدلائل، وأوضحوها لهم ليعلم أن التقصير منهم، فيزيد ذلك في غمهم، وقيل المراد الشهداء الذي يشهدون على الناس، ويدخل في جملتهم الأنبياء ﴿فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾ حجتكم بأن معي شريكاً «فَعَلِمُوا» حينئذ «أَنَّ الحَقَّ» التوحيد «لِلَّهِ» ، «وَضَلَّ عَنْهُمْ» غاب عنهم ﴿مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ من الباطل والكذب.
القصص 28:74
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً﴾ الآية، لما بيَّن بقوله ﴿وَهُوَ الله لاا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة وَلَهُ الحكم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: 70] فصل عقيب ذلك ببعض ما يجب أن يحمد عليه بما لا يقدر عليه سواه، فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً﴾ ، نبَّه بذلك على كون الليل والنهار نعمتان متعاقبتان على الزمان، ووجهه أن المرء في الدنيا مضطرٌّ إلى أن يتعب لتحصيل ما يحتاج إليه ولا يتم ذلك إلا براحة وسكون بالليل ولا بد منها والحالة هذه، فأما في الجنة فلا نصب ولا تعب ولا حاجة بهم إلى الليل، ولذلك يدوم لهم الضياء واللذات، فبيَّن بذلك أن القادر على ذلك ليس إلاّ الله فقال: «قُلْ أَرَأَيْتُمْ» أخبروني يا أهل مكة ﴿إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً﴾ دائماً ﴿إلى يَوْمِ القيامة﴾ لا نهار معه ﴿مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ﴾ بنهار تطلبون فيه المعيشة «أَفَلاَ تَسْمَعُون» سماع فهم وقبول؟
قوله: أَرَأَيْتُم، وجعل تنازعاً في «اللَّيْل» وأعمل الثاني ومفعول «أَرَأَيْتُمْ» هي جملة الاستفهم بعده والعائد منها على الليل محذوف تقديره: بضياء بعده، وجواب الشرط محذوف، وتقدم تحرير هذا في الأنعام، وسرمداً مفعول ثان إن كان الجعل تصييراً، أو حال إن كان خلقاً وإنشاء، والسَّرمد: الدائم الذي لا ينقطع قال طرفة:
4015 - لَعَمْرُكَ مَا أَمْرِي عَلَيَّ بِغُمَّةٍ ... نَهَارِي وَلاَ لَيْلِي عَلَيَّ بِسَرْمَدِ
والظاهر أن ميمه أصلية، ووزنه فعلل كجعفر، وقيل: هي زائدة واشتقاقه من السَّرد، وهو تتابع الشيء على الشيء، إلا أنَّ زيادة الميم وسطاً وآخراً لا تنقاس نحو: دُلاَمِ، وزُرْقُم، من الدلاً والزُّرقة.
قوله: «إلَى يَوْمِ» متعلق ب «يَجْعَلَ» أو ب «سَرْمَداً» أو بمحذوف على أنه صفة ل «سَرْمَداً» وإنما قال: «أَفَلاَ تَسْمَعُونَ» ، «أَفَلاَ تُبْصِرُونَ» ، لأن الغرض من ذلك الانتفاع بما يسمعون ويبصرون من جهة التدبر، فلما لم ينتفعوا أنزلوا منزلة من لا يسمع ولا يبصر، قال المفسِّرون: «أَفَلاَ تَسْمَعُونَ» سماع فهم «أَفَلاَ تُبْصِرُونَ» ما أنتم عليه من الخطأ والضلال.
وقال الزمخشري: فإن قيل هلاَّ قيل بنهار يتصرَّلإون فيه كما قيل بليل تسكنون فيه، قلنا: ذكر الضياء وهو ضوء الشمس لأن المنافع التي تتعلق بها متكاثرة ليس التصرف في المعاش وحده والظلام ليس بتلك المنزلة، وإنما قرن بالضياء «أَفَلاَ تَسْمَعُونَ» لنَّ السمع يدرك ما لا يدركه البصر من درك منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل «أَفَلاَ تُبْصِرُونَ» لن غيرك يدرك من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه.
قوله: «لِتَسْكُنُوا فِيهِ» أي في الليل ﴿وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: في النهار وهذا من باب اللف والنشر ومنه:
4016 - كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً وَيَابِساً ... لَدَى وَكْرِهَا العِنَّابُ والحَشَفُ البَالِي
قوله: «لَعَلَّكُمْ تَشْكرون» أي: نعم الله، وقيل: أراد الشكر على المنفعتين معاً، وعالم أنه وإن كان السكون في النهار ممكناً (وابتغاء فضل الله بالليل ممكناً) إلا أن الأليق بكل واحد منهما ما ذكره الله تعالى، فلهذا خصه به، وقوله: «وَيَوْمَ يُنَادِيِهمْ» كرَّر ذلك النداء للمشركين لزيادة التقريع والتوبيخ.
قوله: «وَنَزَعْنَا» أخرجنا ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً﴾ يعني رسولهم الذي أرسل إليهم، كما قال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: 41] أي: يشهد عليهم بأنهم بلغوا القوم الدلائل، وأوضحوها لهم ليعلم أن التقصير منهم، فيزيد ذلك في غمهم، وقيل المراد الشهداء الذي يشهدون على الناس، ويدخل في جملتهم الأنبياء ﴿فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾ حجتكم بأن معي شريكاً «فَعَلِمُوا» حينئذ «أَنَّ الحَقَّ» التوحيد «لِلَّهِ» ، «وَضَلَّ عَنْهُمْ» غاب عنهم ﴿مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ من الباطل والكذب.
القصص 28:75
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً﴾ الآية، لما بيَّن بقوله ﴿وَهُوَ الله لاا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة وَلَهُ الحكم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: 70] فصل عقيب ذلك ببعض ما يجب أن يحمد عليه بما لا يقدر عليه سواه، فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً﴾ ، نبَّه بذلك على كون الليل والنهار نعمتان متعاقبتان على الزمان، ووجهه أن المرء في الدنيا مضطرٌّ إلى أن يتعب لتحصيل ما يحتاج إليه ولا يتم ذلك إلا براحة وسكون بالليل ولا بد منها والحالة هذه، فأما في الجنة فلا نصب ولا تعب ولا حاجة بهم إلى الليل، ولذلك يدوم لهم الضياء واللذات، فبيَّن بذلك أن القادر على ذلك ليس إلاّ الله فقال: «قُلْ أَرَأَيْتُمْ» أخبروني يا أهل مكة ﴿إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً﴾ دائماً ﴿إلى يَوْمِ القيامة﴾ لا نهار معه ﴿مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ﴾ بنهار تطلبون فيه المعيشة «أَفَلاَ تَسْمَعُون» سماع فهم وقبول؟
قوله: أَرَأَيْتُم، وجعل تنازعاً في «اللَّيْل» وأعمل الثاني ومفعول «أَرَأَيْتُمْ» هي جملة الاستفهم بعده والعائد منها على الليل محذوف تقديره: بضياء بعده، وجواب الشرط محذوف، وتقدم تحرير هذا في الأنعام، وسرمداً مفعول ثان إن كان الجعل تصييراً، أو حال إن كان خلقاً وإنشاء، والسَّرمد: الدائم الذي لا ينقطع قال طرفة:
4015 - لَعَمْرُكَ مَا أَمْرِي عَلَيَّ بِغُمَّةٍ ... نَهَارِي وَلاَ لَيْلِي عَلَيَّ بِسَرْمَدِ
والظاهر أن ميمه أصلية، ووزنه فعلل كجعفر، وقيل: هي زائدة واشتقاقه من السَّرد، وهو تتابع الشيء على الشيء، إلا أنَّ زيادة الميم وسطاً وآخراً لا تنقاس نحو: دُلاَمِ، وزُرْقُم، من الدلاً والزُّرقة.
قوله: «إلَى يَوْمِ» متعلق ب «يَجْعَلَ» أو ب «سَرْمَداً» أو بمحذوف على أنه صفة ل «سَرْمَداً» وإنما قال: «أَفَلاَ تَسْمَعُونَ» ، «أَفَلاَ تُبْصِرُونَ» ، لأن الغرض من ذلك الانتفاع بما يسمعون ويبصرون من جهة التدبر، فلما لم ينتفعوا أنزلوا منزلة من لا يسمع ولا يبصر، قال المفسِّرون: «أَفَلاَ تَسْمَعُونَ» سماع فهم «أَفَلاَ تُبْصِرُونَ» ما أنتم عليه من الخطأ والضلال.
وقال الزمخشري: فإن قيل هلاَّ قيل بنهار يتصرَّلإون فيه كما قيل بليل تسكنون فيه، قلنا: ذكر الضياء وهو ضوء الشمس لأن المنافع التي تتعلق بها متكاثرة ليس التصرف في المعاش وحده والظلام ليس بتلك المنزلة، وإنما قرن بالضياء «أَفَلاَ تَسْمَعُونَ» لنَّ السمع يدرك ما لا يدركه البصر من درك منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل «أَفَلاَ تُبْصِرُونَ» لن غيرك يدرك من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه.
قوله: «لِتَسْكُنُوا فِيهِ» أي في الليل ﴿وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: في النهار وهذا من باب اللف والنشر ومنه:
4016 - كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً وَيَابِساً ... لَدَى وَكْرِهَا العِنَّابُ والحَشَفُ البَالِي
قوله: «لَعَلَّكُمْ تَشْكرون» أي: نعم الله، وقيل: أراد الشكر على المنفعتين معاً، وعالم أنه وإن كان السكون في النهار ممكناً (وابتغاء فضل الله بالليل ممكناً) إلا أن الأليق بكل واحد منهما ما ذكره الله تعالى، فلهذا خصه به، وقوله: «وَيَوْمَ يُنَادِيِهمْ» كرَّر ذلك النداء للمشركين لزيادة التقريع والتوبيخ.
قوله: «وَنَزَعْنَا» أخرجنا ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً﴾ يعني رسولهم الذي أرسل إليهم، كما قال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: 41] أي: يشهد عليهم بأنهم بلغوا القوم الدلائل، وأوضحوها لهم ليعلم أن التقصير منهم، فيزيد ذلك في غمهم، وقيل المراد الشهداء الذي يشهدون على الناس، ويدخل في جملتهم الأنبياء ﴿فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾ حجتكم بأن معي شريكاً «فَعَلِمُوا» حينئذ «أَنَّ الحَقَّ» التوحيد «لِلَّهِ» ، «وَضَلَّ عَنْهُمْ» غاب عنهم ﴿مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ من الباطل والكذب.
القصص 28:76
قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ موسى﴾ الآية، قال المفسرون كان ابن عمه، لأنه قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، وموسى ابنُ عمران بن قاهث وقال ابن إسحاق: كان قارون عم موسى كان أخا عمران وهما ابنا يصهر ولم يكن في بني إسرائيل أقرأ للتوراة من قارون، ولكنه نافق كما نافق السَّامري وكان يسمى المنوَّر لحسن صورته.
وقال ابن عباس: إنه كان ابن خالته، فبغى عليهم، وقيل: كان عاملاً لفرعون على بني إسرائيل، وكان يبغي عليهم ويظلمهم، وقال قتادة: «بَغَى عَلَيْهِمْ» بكثرة المال (ولم يرع لهم حق الإيمان بل استخف بالفقراء) .
وقال الضحاك: بغى عليهم بالشرك، وقال القفال: طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده، وقال ابن عباس: تكبّر عليهم وتجبر، وقال الكلبي: حسد هارون على الحبورة، وروي أن موسى عليه السلام لما قطع الله له البحر، وأغرق فرعون جعل الحبورة لهارون فحصلت له النبوة والحبورة وكان له القربان والمذبح وكان لموسى الرسالة، فوجد قارون لذلك في نفسه، وقال يا موسى لك الرسالة لهارون الحبورة، ولست في شيء، لا أصبر أنا على هذا، فقال موسى: والله ما صنعت ذلك لهارون بل جعله الله فقال قارون له: فوالله لا أصدِّقك أبداً حتى تأتيني بآية يعرف بها أن جعل ذلك لهارون، قال: فأمر موسى رؤساء بني إسرائيل ان يجيء كلُّ رجل منهم بعصاه فجاءوا بها، فألقاها موسى عليه السلام في قبة له وكان ذلك بأمر الله ودعا موسى ربه أن يريهم بيان ذلك، فباتوا يحرسون عصيهم، فأصحبت عصا هارون تهتز لها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز، فقال موسى لقارون: ألا ترى ما صنع الله لهارون، فقال: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر، فاعتزل قارون ومعه ناس كثيرة وولي هارون الحبوة والمذبح والقربان، وكانت بنو إسرائيل يأتون بهَدَايَاهُمْ إلى هارون فيضعها في المذبح وتنزل نار من السماء فتأكلها، واعتزل قارون بأتباعه وكان كثير المال والتَّبَع من بني إسرائيل، فما كان يأتي موسى ولا يجالسه.
وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «إنَّ قارُونَ كانَ من السَّبْعِينَ المُخْتَارَة الَّذِينَ سَمِعُوا كلامَ اللَّه»
قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الكنوز مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ ما موصولة بمعنى الذي صلتها (إنَّ) وما في حيّزها ولهذا كسرت ونقل الأخفش الصغير عن الكوفيين منع الوصل بإنَّ وكان يستقبح ذلك عنهم، يعني لوجوده في القرآن، والمفاتح جمع مفتح بفتح الميم وهو الذي يفتح به الباب قاله قتادة ومجاهد وجماعة، وقيل: مفاتحه خزائنه كقوله ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب﴾ [الأنعام: 59] أي: خزائنه.
قوله: «لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ» فيها وجهان:
أحدهما: بأن الباء للتعدية، كالهمزة ولا قلب في الكلام، والمعنى: لتُنيء المفاتح العصبة الأقوياء كما تقول: أَجَأْتُهُ وَجئْتُ به، وأَذْهَبْتُه وَذَهَبْتُ به، ومعنى ناء بكذا: نهض به بثقل، قال:
4017 - تَنُوءُ بِأُخْرَاهَا فَلأْياً قِيَامُهَا ... وَتَمْشي الهَوَيْنَا عن قَرِيبٍ فَتَبْهَرُ
وقال أبو زيد: نُؤْتُ بالعمل أي: نهضت به، قال:
4018 - إذَا وَجَدْنَا خَلْفاً بِئْسَ الخَلَفْ ... عَبْداً إذَا مَا نَاءَ بالحِمْلِ وَقَفْ
وفسره الزمخشري بالأثقال، قال: يقال: ناء به الحمل حتى أثقله وأماله، وعليه ينطبق المعنى أي: لتثقل المفاتح العصبة.
والثاني: قال أبو عبيدة إنَّ في الكلام قلباً، والأصل: لتنوء العصبة بالمفاتح أي: لتنهض بها لقولهم: عرضت لناقة على الحوض، وتقدم الكلام في القلب وأن فيه ثلاثة مذاهب، وقرأ بديل بن ميسرة: لينوء بالياء من تحت والتذكير، لأنه راعى المضاف المحذوف، إذ التقدير حملها أو ثثقلها، وقيل الضمير في «مَفَاتِحَه» ل «قَارُونَ» فاكتسب المضاف من المضاف إليه التذكير، كقولهم: ذهبت أهل اليمامة، قاله الزمخشري؛ يعني كما اكتسب «أَهْل» التأنيث اكتسب هذا التذكير، و «العُصْبَةُ» : الجماعة الكثيرة، والعصابة مثلها، قال مجاهد: ما بين العشرة إلى الأربعين؛ لقول إخوة يوسف ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: 8] وكانوا عشرة لأن يوسف وأخاه لم يكونا معهم وقيل: أربعون رجلاً وقيل سبعون روي عن ابن عباس: كان يحمل مفاتحه أربعون رجلاً أقوى ما يكون من الرجال، وروى جرير عن منصور عن خيثمة قال: وجدت في الإنجيل أن مفاتيح خزائن قارون وقر ستين بغلاً ما يزيد مفتاح منها على إصبع لكل مفتاح منها كنز، وطعن بعضهم في هذا القول من وجهين الأول: انَّ مال الرجل الواحد لا يبلغ هذا المبلغ ولو أنا قدرنا بلدة مملوءة من الذهب والجواهر لكان لها أعداد قليل من المفاتيح، فأي حاجة إلى تكثير هذه المفاتيح؟ الثاني: أن المكنوز هي الأموال المدخرة في الأرض فلا يجوز أن يكون لها مفاتح.
وأجيب عن الأول أن المال إذا كان من جنس (العروض لا من جسن النقد) جاز أن يبلغ في الكثرة إلى هذا الحد، وأيضاً أن قولهم تلك المفاتح بلغت ستين حملاً ليس مذكوراً في القرآن، فلا تقبل هذه الرواية، وعن الثاني أن الكنز وإن كان من جهة العرف ما قالوا فقد يقع على المال المجموع في المواضع التي عليها أغلاق وحمل ابن عباس والحسن المفاتح على نفس المال وهذا أبين، قثال ابن عباس كانت خزائنه يحملها أربعون رجلاً أقوياء، وقال أبو مسلم المراد من المفاتح العلم والإحاطة، كقوله تعالى ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام: 59] والمراد: آتيناه من الكنوز لكثرتها واختلاف أصنافها ما يتعب القائمين أن يحفظوها.
قوله: «إذْ قَالَ» فيه أوجه: أن يكون معمولاً ل «تَنُوءُ» قاله الزمخشري، أو ل «بَغَى» قاله ابن عطية، وردَّه أبو حيان بأن المعنى ليس على التقييد بهذا الوقت أو ل «آتَيْنَاهُ» قاله أبو البقاء وردَّه أبو حيان بأن الإيتاء لم يكن ذلك الوقت.
أو لمحذوف، فقدَّره، أبو البقاء: بغى عليهم وهذا ينبغي أن يردّ بما ردَّ به قول ابن عطية. وقدَّره الطبري: اذكر وقدره أبو حيان أظهر الفرح وهو مناسب، واعلم أنه كان في قومه من وعظه بأمور:
أحدها: قوله: لاَ تَفْرَح إنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الفَرِحِينَ، وقرى الفارحين - حكاها عيسى الحجازي - والمراد لا يلحقه من البطر والتمسك بالدنيا ما يلهيه عن أمر الآخرة، قال بعضهم: إنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضي بها واطمأن إليها، وأمَّا من يعلم أنَّه سيفارق الدنيا عن قريب لم يفرح. وما أحسن قول المتنبي:
4019 - أَشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ ... تَيَقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُهُ انْتِقَالاَ
(وأحسن وأوجز منه ما قال تعالى) ﴿لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ﴾ [الحديد: 23] قال ابن عباس: كان فرحه ذلك شركاً، لأنه ما كان يخاف معه عقوبة الله تعالى.
وثانيها: قوله: ﴿وابتغ فِيمَآ آتَاكَ﴾ يجوز أن يتعلق «فِيمَا آتَاكَ» ب «ابْتَغِ» ، وإن يتعلق بمحذوف على أنه حال، أَي: متقلباً «فِيمَا آتاكَ» . و «مَا» مصدرية أو بمعنى الذي. والمراد أن يصرف المال إلى ما يؤديه إلى الجنة، والظاهر أنه كان مقرّاً بالآخرة.
وثالثها: قوله: ﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا﴾ قال مجاهد وابن زيد لا تترك أن تعمل في الدنيا للآخرة وقال السُّدِّي: بالصدقة وصلة الرحم وقال علي ألاَّ تنسى صحتك وقوة شبابك وغناك أن تطلب بها الآخرة، «قال عليه السلام لرجل وهو يعظه:» اغْتَنِمْ خَمْساً قبلَ خَمْسٍ شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِك، وصحَّتك قبل سَقَمِكَ، وغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وفَرَاغك قَبْلَ شُغْلِكَ، وحَيَاتكَ قَبْلَ مَوْتِكَ»
قوله: ﴿وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ﴾ : أي: إحساناً كإحسانه إليك، أي: أحسن بطاعة الله كما أحسن إليك بنعمته، وقيل: أحسن إلى الله إليك، وقيل إنه لما أمره بالإحسان بالمال أمره بالإحسان مطلقاً، ويدخل فيه الإعانة بالمال والجاه وطلاقة الوجه وحسن اللقاء.
قوله: ﴿وَلاَ تَبْغِ الفساد فِي الأرض﴾ ولا تطلب الفساد في الأرض، وكل من عصى الله فقد طلب الفساد في الأرض، وقيل المراد ماكان عليه من الظلم والبغي، و «في الأَرْض» يجوز أن يتعلق ب» تَبْغ «أو ب» الفَسَادِ «أو بمحذوف على أنه حال وهو بعيد. ثم قال: ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المفسدين﴾ ، قيل: إن هذا القائل هو موسى عليه السلام؛ وقيل: بل مؤمنو قومه.
وقوله:» عِنْدي» إما ظرف ل «أُوتِيته» ، وإما صفة للعلم.
فصل
قال قارون: ﴿إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عنديا﴾ أي: على فضلٍ وخير علمه الله عندي فرآني أهلاً لذلك ففضلني بهذا المال عليكم كما فضلني بغيره، وقال سعيد بن المسيب والضحاك: كان موسى عليه السلام يعلم عليم الكيمياء (أنزل الله عليه علمه من السماء) فعلَّم يوشع بن نون ثلث ذلك العلم وعلم كالب بن يوقناء ثلثه وعلم قارون ثلث، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه. وكان ذلك سبب أمواله.
وقيل: ﴿على عِلْمٍ عنديا﴾ بالتصرف في التجارات والزراعات وأنواع المكاسب ثم أجاب الله عن كلامه بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القرون﴾ الكافرة ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً﴾ للأموال أو أكثر جماعة وعدداً. فقوله ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ يجوز أن يكون هذا إثباتاً لعلمه بأن الله قد أهلك قبله من القرون من هو أقوى منه وأغنى، لأنه قرأه في التوراة وأخبر به موسى وسمعه من حفاظ التواريخ؛ كأنه قيل: أو لم يعلم في جملة ما عنده من العلم هذا حتى لا يغتر بكثرة ماله وقوته. ويجوز أن يكون نفياً لعلمه بذلك لأنه لما قال: ﴿أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عنديا﴾ فتصلف بالعلم وتعظم به قيل مثل ذلك العلم الذي ادعاه ورأى نفسه به مستوجبة لكل نعمة ولم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه. والمعنى أنه تعالى إذا أراد إهلاكه لم ينفعه ذلك ولا ما يزيد عليه أضعافاً.
قوله: ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ﴾ من موصولة أو نكرة موصوفة وهو في موضع المفعول ب «أهلك» ، و «مِنْ قَبْلِهِ» متعلق به، و «مِنَ القُرُونِ» يجوز فيه ذلك ويجوز أن يكون حالاً من ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ﴾ .
قوله: «وَلاَ يُسْأَلُ» هذه قراءة العامة على البناء للمفعول وبالياء من تحت، ورفع الفعل، وقرأ ابو جعفر «وَلاَ تُسْأَل» بالتاء من فوق والجزم وابن سيرين وأبو العالية كذلك إلا أنه مبني للفاعل وهو المخاطب، قال ابن أبي إسحاق: لا يجوز ذلك حتى ينصب «المُجْرِمِين» ، قال صاحب اللوامح: هذا هو الظاهر إلاَّ أنَّه لم يبلغني فيه شيء، فإن تركها مرفوعاً فيحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون «المُجْرِمُونَ» خبر مبتدأ محذوف أي هم المجرمون.
الثاني: أن يكون بدلاً من أصل الهاء والميم في «ذُنُبوبِهِمْ» لأنهما مرفوعاً المحل، يعني أن «ذُنُوباً» مصدر مضاف لفاعله، قال فحمل المجرمون على الأصل كما تقدم في قراءة ﴿مَثَلاً مَّا بَعُوضَةٍ﴾ بجر بعوضة، وكان قد خرجها على أن الأصل: يضرب مثل بعوضةٍ، وهذا تعسف كثير فلا ينبغي أن يقرأ ابن سيرين وأبو العالية إلا «المُجْرِمِينَ» بالياء فقط وإنما ترك نقلها لظهوره.
قوله: ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون﴾ قال قتادة: يدخلون النار بغير حساب ولا سؤال، وقال مجاهد يعني لا تسأل الملائكة عنهم، لأنهم يعرفونهم بسيماهم، وقال الحسن: لا يسألون سؤال استعلام وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ، وقيل: إن المراد أن الله تعالى إذا عاقب المجرمين فلا حاجة به إلى أن يسألهم عن كيفية ذنوبهم وكنيتها، لأن الله تعالى عالم بكل المعلومات فلا حاجة إلى لاسؤال، فإن قيل: كيف الجمع بينه وبين قوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الحجر: 92، 93] فالجواب: يحمل ذلك على وقتين كما قررناه.
وقال أبو مسلم: السؤال قد يكون للمحاسبة، وقد يكون للتقريع والتوبيخ، وقد يكون للاستعتاب، وأليق الوجوه بهذه الآية الاستعتاب لقوله ﴿ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: 84] ﴿هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 35، 36] .
قوله: «فِي زينَتِهِ» إما متعلق ب «خَرَج» ، وإما بمحذوف على أنه حال من فاعل خرج.
القصص 28:77
قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ موسى﴾ الآية، قال المفسرون كان ابن عمه، لأنه قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، وموسى ابنُ عمران بن قاهث وقال ابن إسحاق: كان قارون عم موسى كان أخا عمران وهما ابنا يصهر ولم يكن في بني إسرائيل أقرأ للتوراة من قارون، ولكنه نافق كما نافق السَّامري وكان يسمى المنوَّر لحسن صورته.
وقال ابن عباس: إنه كان ابن خالته، فبغى عليهم، وقيل: كان عاملاً لفرعون على بني إسرائيل، وكان يبغي عليهم ويظلمهم، وقال قتادة: «بَغَى عَلَيْهِمْ» بكثرة المال (ولم يرع لهم حق الإيمان بل استخف بالفقراء) .
وقال الضحاك: بغى عليهم بالشرك، وقال القفال: طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده، وقال ابن عباس: تكبّر عليهم وتجبر، وقال الكلبي: حسد هارون على الحبورة، وروي أن موسى عليه السلام لما قطع الله له البحر، وأغرق فرعون جعل الحبورة لهارون فحصلت له النبوة والحبورة وكان له القربان والمذبح وكان لموسى الرسالة، فوجد قارون لذلك في نفسه، وقال يا موسى لك الرسالة لهارون الحبورة، ولست في شيء، لا أصبر أنا على هذا، فقال موسى: والله ما صنعت ذلك لهارون بل جعله الله فقال قارون له: فوالله لا أصدِّقك أبداً حتى تأتيني بآية يعرف بها أن جعل ذلك لهارون، قال: فأمر موسى رؤساء بني إسرائيل ان يجيء كلُّ رجل منهم بعصاه فجاءوا بها، فألقاها موسى عليه السلام في قبة له وكان ذلك بأمر الله ودعا موسى ربه أن يريهم بيان ذلك، فباتوا يحرسون عصيهم، فأصحبت عصا هارون تهتز لها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز، فقال موسى لقارون: ألا ترى ما صنع الله لهارون، فقال: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر، فاعتزل قارون ومعه ناس كثيرة وولي هارون الحبوة والمذبح والقربان، وكانت بنو إسرائيل يأتون بهَدَايَاهُمْ إلى هارون فيضعها في المذبح وتنزل نار من السماء فتأكلها، واعتزل قارون بأتباعه وكان كثير المال والتَّبَع من بني إسرائيل، فما كان يأتي موسى ولا يجالسه.
وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «إنَّ قارُونَ كانَ من السَّبْعِينَ المُخْتَارَة الَّذِينَ سَمِعُوا كلامَ اللَّه»
قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الكنوز مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ ما موصولة بمعنى الذي صلتها (إنَّ) وما في حيّزها ولهذا كسرت ونقل الأخفش الصغير عن الكوفيين منع الوصل بإنَّ وكان يستقبح ذلك عنهم، يعني لوجوده في القرآن، والمفاتح جمع مفتح بفتح الميم وهو الذي يفتح به الباب قاله قتادة ومجاهد وجماعة، وقيل: مفاتحه خزائنه كقوله ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب﴾ [الأنعام: 59] أي: خزائنه.
قوله: «لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ» فيها وجهان:
أحدهما: بأن الباء للتعدية، كالهمزة ولا قلب في الكلام، والمعنى: لتُنيء المفاتح العصبة الأقوياء كما تقول: أَجَأْتُهُ وَجئْتُ به، وأَذْهَبْتُه وَذَهَبْتُ به، ومعنى ناء بكذا: نهض به بثقل، قال:
4017 - تَنُوءُ بِأُخْرَاهَا فَلأْياً قِيَامُهَا ... وَتَمْشي الهَوَيْنَا عن قَرِيبٍ فَتَبْهَرُ
وقال أبو زيد: نُؤْتُ بالعمل أي: نهضت به، قال:
4018 - إذَا وَجَدْنَا خَلْفاً بِئْسَ الخَلَفْ ... عَبْداً إذَا مَا نَاءَ بالحِمْلِ وَقَفْ
وفسره الزمخشري بالأثقال، قال: يقال: ناء به الحمل حتى أثقله وأماله، وعليه ينطبق المعنى أي: لتثقل المفاتح العصبة.
والثاني: قال أبو عبيدة إنَّ في الكلام قلباً، والأصل: لتنوء العصبة بالمفاتح أي: لتنهض بها لقولهم: عرضت لناقة على الحوض، وتقدم الكلام في القلب وأن فيه ثلاثة مذاهب، وقرأ بديل بن ميسرة: لينوء بالياء من تحت والتذكير، لأنه راعى المضاف المحذوف، إذ التقدير حملها أو ثثقلها، وقيل الضمير في «مَفَاتِحَه» ل «قَارُونَ» فاكتسب المضاف من المضاف إليه التذكير، كقولهم: ذهبت أهل اليمامة، قاله الزمخشري؛ يعني كما اكتسب «أَهْل» التأنيث اكتسب هذا التذكير، و «العُصْبَةُ» : الجماعة الكثيرة، والعصابة مثلها، قال مجاهد: ما بين العشرة إلى الأربعين؛ لقول إخوة يوسف ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: 8] وكانوا عشرة لأن يوسف وأخاه لم يكونا معهم وقيل: أربعون رجلاً وقيل سبعون روي عن ابن عباس: كان يحمل مفاتحه أربعون رجلاً أقوى ما يكون من الرجال، وروى جرير عن منصور عن خيثمة قال: وجدت في الإنجيل أن مفاتيح خزائن قارون وقر ستين بغلاً ما يزيد مفتاح منها على إصبع لكل مفتاح منها كنز، وطعن بعضهم في هذا القول من وجهين الأول: انَّ مال الرجل الواحد لا يبلغ هذا المبلغ ولو أنا قدرنا بلدة مملوءة من الذهب والجواهر لكان لها أعداد قليل من المفاتيح، فأي حاجة إلى تكثير هذه المفاتيح؟ الثاني: أن المكنوز هي الأموال المدخرة في الأرض فلا يجوز أن يكون لها مفاتح.
وأجيب عن الأول أن المال إذا كان من جنس (العروض لا من جسن النقد) جاز أن يبلغ في الكثرة إلى هذا الحد، وأيضاً أن قولهم تلك المفاتح بلغت ستين حملاً ليس مذكوراً في القرآن، فلا تقبل هذه الرواية، وعن الثاني أن الكنز وإن كان من جهة العرف ما قالوا فقد يقع على المال المجموع في المواضع التي عليها أغلاق وحمل ابن عباس والحسن المفاتح على نفس المال وهذا أبين، قثال ابن عباس كانت خزائنه يحملها أربعون رجلاً أقوياء، وقال أبو مسلم المراد من المفاتح العلم والإحاطة، كقوله تعالى ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام: 59] والمراد: آتيناه من الكنوز لكثرتها واختلاف أصنافها ما يتعب القائمين أن يحفظوها.
قوله: «إذْ قَالَ» فيه أوجه: أن يكون معمولاً ل «تَنُوءُ» قاله الزمخشري، أو ل «بَغَى» قاله ابن عطية، وردَّه أبو حيان بأن المعنى ليس على التقييد بهذا الوقت أو ل «آتَيْنَاهُ» قاله أبو البقاء وردَّه أبو حيان بأن الإيتاء لم يكن ذلك الوقت.
أو لمحذوف، فقدَّره، أبو البقاء: بغى عليهم وهذا ينبغي أن يردّ بما ردَّ به قول ابن عطية. وقدَّره الطبري: اذكر وقدره أبو حيان أظهر الفرح وهو مناسب، واعلم أنه كان في قومه من وعظه بأمور:
أحدها: قوله: لاَ تَفْرَح إنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الفَرِحِينَ، وقرى الفارحين - حكاها عيسى الحجازي - والمراد لا يلحقه من البطر والتمسك بالدنيا ما يلهيه عن أمر الآخرة، قال بعضهم: إنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضي بها واطمأن إليها، وأمَّا من يعلم أنَّه سيفارق الدنيا عن قريب لم يفرح. وما أحسن قول المتنبي:
4019 - أَشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ ... تَيَقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُهُ انْتِقَالاَ
(وأحسن وأوجز منه ما قال تعالى) ﴿لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ﴾ [الحديد: 23] قال ابن عباس: كان فرحه ذلك شركاً، لأنه ما كان يخاف معه عقوبة الله تعالى.
وثانيها: قوله: ﴿وابتغ فِيمَآ آتَاكَ﴾ يجوز أن يتعلق «فِيمَا آتَاكَ» ب «ابْتَغِ» ، وإن يتعلق بمحذوف على أنه حال، أَي: متقلباً «فِيمَا آتاكَ» . و «مَا» مصدرية أو بمعنى الذي. والمراد أن يصرف المال إلى ما يؤديه إلى الجنة، والظاهر أنه كان مقرّاً بالآخرة.
وثالثها: قوله: ﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا﴾ قال مجاهد وابن زيد لا تترك أن تعمل في الدنيا للآخرة وقال السُّدِّي: بالصدقة وصلة الرحم وقال علي ألاَّ تنسى صحتك وقوة شبابك وغناك أن تطلب بها الآخرة، «قال عليه السلام لرجل وهو يعظه:» اغْتَنِمْ خَمْساً قبلَ خَمْسٍ شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِك، وصحَّتك قبل سَقَمِكَ، وغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وفَرَاغك قَبْلَ شُغْلِكَ، وحَيَاتكَ قَبْلَ مَوْتِكَ»
قوله: ﴿وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ﴾ : أي: إحساناً كإحسانه إليك، أي: أحسن بطاعة الله كما أحسن إليك بنعمته، وقيل: أحسن إلى الله إليك، وقيل إنه لما أمره بالإحسان بالمال أمره بالإحسان مطلقاً، ويدخل فيه الإعانة بالمال والجاه وطلاقة الوجه وحسن اللقاء.
قوله: ﴿وَلاَ تَبْغِ الفساد فِي الأرض﴾ ولا تطلب الفساد في الأرض، وكل من عصى الله فقد طلب الفساد في الأرض، وقيل المراد ماكان عليه من الظلم والبغي، و «في الأَرْض» يجوز أن يتعلق ب» تَبْغ «أو ب» الفَسَادِ «أو بمحذوف على أنه حال وهو بعيد. ثم قال: ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المفسدين﴾ ، قيل: إن هذا القائل هو موسى عليه السلام؛ وقيل: بل مؤمنو قومه.
وقوله:» عِنْدي» إما ظرف ل «أُوتِيته» ، وإما صفة للعلم.
فصل
قال قارون: ﴿إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عنديا﴾ أي: على فضلٍ وخير علمه الله عندي فرآني أهلاً لذلك ففضلني بهذا المال عليكم كما فضلني بغيره، وقال سعيد بن المسيب والضحاك: كان موسى عليه السلام يعلم عليم الكيمياء (أنزل الله عليه علمه من السماء) فعلَّم يوشع بن نون ثلث ذلك العلم وعلم كالب بن يوقناء ثلثه وعلم قارون ثلث، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه. وكان ذلك سبب أمواله.
وقيل: ﴿على عِلْمٍ عنديا﴾ بالتصرف في التجارات والزراعات وأنواع المكاسب ثم أجاب الله عن كلامه بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القرون﴾ الكافرة ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً﴾ للأموال أو أكثر جماعة وعدداً. فقوله ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ يجوز أن يكون هذا إثباتاً لعلمه بأن الله قد أهلك قبله من القرون من هو أقوى منه وأغنى، لأنه قرأه في التوراة وأخبر به موسى وسمعه من حفاظ التواريخ؛ كأنه قيل: أو لم يعلم في جملة ما عنده من العلم هذا حتى لا يغتر بكثرة ماله وقوته. ويجوز أن يكون نفياً لعلمه بذلك لأنه لما قال: ﴿أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عنديا﴾ فتصلف بالعلم وتعظم به قيل مثل ذلك العلم الذي ادعاه ورأى نفسه به مستوجبة لكل نعمة ولم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه. والمعنى أنه تعالى إذا أراد إهلاكه لم ينفعه ذلك ولا ما يزيد عليه أضعافاً.
قوله: ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ﴾ من موصولة أو نكرة موصوفة وهو في موضع المفعول ب «أهلك» ، و «مِنْ قَبْلِهِ» متعلق به، و «مِنَ القُرُونِ» يجوز فيه ذلك ويجوز أن يكون حالاً من ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ﴾ .
قوله: «وَلاَ يُسْأَلُ» هذه قراءة العامة على البناء للمفعول وبالياء من تحت، ورفع الفعل، وقرأ ابو جعفر «وَلاَ تُسْأَل» بالتاء من فوق والجزم وابن سيرين وأبو العالية كذلك إلا أنه مبني للفاعل وهو المخاطب، قال ابن أبي إسحاق: لا يجوز ذلك حتى ينصب «المُجْرِمِين» ، قال صاحب اللوامح: هذا هو الظاهر إلاَّ أنَّه لم يبلغني فيه شيء، فإن تركها مرفوعاً فيحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون «المُجْرِمُونَ» خبر مبتدأ محذوف أي هم المجرمون.
الثاني: أن يكون بدلاً من أصل الهاء والميم في «ذُنُبوبِهِمْ» لأنهما مرفوعاً المحل، يعني أن «ذُنُوباً» مصدر مضاف لفاعله، قال فحمل المجرمون على الأصل كما تقدم في قراءة ﴿مَثَلاً مَّا بَعُوضَةٍ﴾ بجر بعوضة، وكان قد خرجها على أن الأصل: يضرب مثل بعوضةٍ، وهذا تعسف كثير فلا ينبغي أن يقرأ ابن سيرين وأبو العالية إلا «المُجْرِمِينَ» بالياء فقط وإنما ترك نقلها لظهوره.
قوله: ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون﴾ قال قتادة: يدخلون النار بغير حساب ولا سؤال، وقال مجاهد يعني لا تسأل الملائكة عنهم، لأنهم يعرفونهم بسيماهم، وقال الحسن: لا يسألون سؤال استعلام وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ، وقيل: إن المراد أن الله تعالى إذا عاقب المجرمين فلا حاجة به إلى أن يسألهم عن كيفية ذنوبهم وكنيتها، لأن الله تعالى عالم بكل المعلومات فلا حاجة إلى لاسؤال، فإن قيل: كيف الجمع بينه وبين قوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الحجر: 92، 93] فالجواب: يحمل ذلك على وقتين كما قررناه.
وقال أبو مسلم: السؤال قد يكون للمحاسبة، وقد يكون للتقريع والتوبيخ، وقد يكون للاستعتاب، وأليق الوجوه بهذه الآية الاستعتاب لقوله ﴿ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: 84] ﴿هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 35، 36] .
قوله: «فِي زينَتِهِ» إما متعلق ب «خَرَج» ، وإما بمحذوف على أنه حال من فاعل خرج.
القصص 28:78
قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ موسى﴾ الآية، قال المفسرون كان ابن عمه، لأنه قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، وموسى ابنُ عمران بن قاهث وقال ابن إسحاق: كان قارون عم موسى كان أخا عمران وهما ابنا يصهر ولم يكن في بني إسرائيل أقرأ للتوراة من قارون، ولكنه نافق كما نافق السَّامري وكان يسمى المنوَّر لحسن صورته.
وقال ابن عباس: إنه كان ابن خالته، فبغى عليهم، وقيل: كان عاملاً لفرعون على بني إسرائيل، وكان يبغي عليهم ويظلمهم، وقال قتادة: «بَغَى عَلَيْهِمْ» بكثرة المال (ولم يرع لهم حق الإيمان بل استخف بالفقراء) .
وقال الضحاك: بغى عليهم بالشرك، وقال القفال: طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده، وقال ابن عباس: تكبّر عليهم وتجبر، وقال الكلبي: حسد هارون على الحبورة، وروي أن موسى عليه السلام لما قطع الله له البحر، وأغرق فرعون جعل الحبورة لهارون فحصلت له النبوة والحبورة وكان له القربان والمذبح وكان لموسى الرسالة، فوجد قارون لذلك في نفسه، وقال يا موسى لك الرسالة لهارون الحبورة، ولست في شيء، لا أصبر أنا على هذا، فقال موسى: والله ما صنعت ذلك لهارون بل جعله الله فقال قارون له: فوالله لا أصدِّقك أبداً حتى تأتيني بآية يعرف بها أن جعل ذلك لهارون، قال: فأمر موسى رؤساء بني إسرائيل ان يجيء كلُّ رجل منهم بعصاه فجاءوا بها، فألقاها موسى عليه السلام في قبة له وكان ذلك بأمر الله ودعا موسى ربه أن يريهم بيان ذلك، فباتوا يحرسون عصيهم، فأصحبت عصا هارون تهتز لها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز، فقال موسى لقارون: ألا ترى ما صنع الله لهارون، فقال: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر، فاعتزل قارون ومعه ناس كثيرة وولي هارون الحبوة والمذبح والقربان، وكانت بنو إسرائيل يأتون بهَدَايَاهُمْ إلى هارون فيضعها في المذبح وتنزل نار من السماء فتأكلها، واعتزل قارون بأتباعه وكان كثير المال والتَّبَع من بني إسرائيل، فما كان يأتي موسى ولا يجالسه.
وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «إنَّ قارُونَ كانَ من السَّبْعِينَ المُخْتَارَة الَّذِينَ سَمِعُوا كلامَ اللَّه»
قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الكنوز مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ ما موصولة بمعنى الذي صلتها (إنَّ) وما في حيّزها ولهذا كسرت ونقل الأخفش الصغير عن الكوفيين منع الوصل بإنَّ وكان يستقبح ذلك عنهم، يعني لوجوده في القرآن، والمفاتح جمع مفتح بفتح الميم وهو الذي يفتح به الباب قاله قتادة ومجاهد وجماعة، وقيل: مفاتحه خزائنه كقوله ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب﴾ [الأنعام: 59] أي: خزائنه.
قوله: «لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ» فيها وجهان:
أحدهما: بأن الباء للتعدية، كالهمزة ولا قلب في الكلام، والمعنى: لتُنيء المفاتح العصبة الأقوياء كما تقول: أَجَأْتُهُ وَجئْتُ به، وأَذْهَبْتُه وَذَهَبْتُ به، ومعنى ناء بكذا: نهض به بثقل، قال:
4017 - تَنُوءُ بِأُخْرَاهَا فَلأْياً قِيَامُهَا ... وَتَمْشي الهَوَيْنَا عن قَرِيبٍ فَتَبْهَرُ
وقال أبو زيد: نُؤْتُ بالعمل أي: نهضت به، قال:
4018 - إذَا وَجَدْنَا خَلْفاً بِئْسَ الخَلَفْ ... عَبْداً إذَا مَا نَاءَ بالحِمْلِ وَقَفْ
وفسره الزمخشري بالأثقال، قال: يقال: ناء به الحمل حتى أثقله وأماله، وعليه ينطبق المعنى أي: لتثقل المفاتح العصبة.
والثاني: قال أبو عبيدة إنَّ في الكلام قلباً، والأصل: لتنوء العصبة بالمفاتح أي: لتنهض بها لقولهم: عرضت لناقة على الحوض، وتقدم الكلام في القلب وأن فيه ثلاثة مذاهب، وقرأ بديل بن ميسرة: لينوء بالياء من تحت والتذكير، لأنه راعى المضاف المحذوف، إذ التقدير حملها أو ثثقلها، وقيل الضمير في «مَفَاتِحَه» ل «قَارُونَ» فاكتسب المضاف من المضاف إليه التذكير، كقولهم: ذهبت أهل اليمامة، قاله الزمخشري؛ يعني كما اكتسب «أَهْل» التأنيث اكتسب هذا التذكير، و «العُصْبَةُ» : الجماعة الكثيرة، والعصابة مثلها، قال مجاهد: ما بين العشرة إلى الأربعين؛ لقول إخوة يوسف ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: 8] وكانوا عشرة لأن يوسف وأخاه لم يكونا معهم وقيل: أربعون رجلاً وقيل سبعون روي عن ابن عباس: كان يحمل مفاتحه أربعون رجلاً أقوى ما يكون من الرجال، وروى جرير عن منصور عن خيثمة قال: وجدت في الإنجيل أن مفاتيح خزائن قارون وقر ستين بغلاً ما يزيد مفتاح منها على إصبع لكل مفتاح منها كنز، وطعن بعضهم في هذا القول من وجهين الأول: انَّ مال الرجل الواحد لا يبلغ هذا المبلغ ولو أنا قدرنا بلدة مملوءة من الذهب والجواهر لكان لها أعداد قليل من المفاتيح، فأي حاجة إلى تكثير هذه المفاتيح؟ الثاني: أن المكنوز هي الأموال المدخرة في الأرض فلا يجوز أن يكون لها مفاتح.
وأجيب عن الأول أن المال إذا كان من جنس (العروض لا من جسن النقد) جاز أن يبلغ في الكثرة إلى هذا الحد، وأيضاً أن قولهم تلك المفاتح بلغت ستين حملاً ليس مذكوراً في القرآن، فلا تقبل هذه الرواية، وعن الثاني أن الكنز وإن كان من جهة العرف ما قالوا فقد يقع على المال المجموع في المواضع التي عليها أغلاق وحمل ابن عباس والحسن المفاتح على نفس المال وهذا أبين، قثال ابن عباس كانت خزائنه يحملها أربعون رجلاً أقوياء، وقال أبو مسلم المراد من المفاتح العلم والإحاطة، كقوله تعالى ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام: 59] والمراد: آتيناه من الكنوز لكثرتها واختلاف أصنافها ما يتعب القائمين أن يحفظوها.
قوله: «إذْ قَالَ» فيه أوجه: أن يكون معمولاً ل «تَنُوءُ» قاله الزمخشري، أو ل «بَغَى» قاله ابن عطية، وردَّه أبو حيان بأن المعنى ليس على التقييد بهذا الوقت أو ل «آتَيْنَاهُ» قاله أبو البقاء وردَّه أبو حيان بأن الإيتاء لم يكن ذلك الوقت.
أو لمحذوف، فقدَّره، أبو البقاء: بغى عليهم وهذا ينبغي أن يردّ بما ردَّ به قول ابن عطية. وقدَّره الطبري: اذكر وقدره أبو حيان أظهر الفرح وهو مناسب، واعلم أنه كان في قومه من وعظه بأمور:
أحدها: قوله: لاَ تَفْرَح إنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الفَرِحِينَ، وقرى الفارحين - حكاها عيسى الحجازي - والمراد لا يلحقه من البطر والتمسك بالدنيا ما يلهيه عن أمر الآخرة، قال بعضهم: إنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضي بها واطمأن إليها، وأمَّا من يعلم أنَّه سيفارق الدنيا عن قريب لم يفرح. وما أحسن قول المتنبي:
4019 - أَشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ ... تَيَقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُهُ انْتِقَالاَ
(وأحسن وأوجز منه ما قال تعالى) ﴿لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ﴾ [الحديد: 23] قال ابن عباس: كان فرحه ذلك شركاً، لأنه ما كان يخاف معه عقوبة الله تعالى.
وثانيها: قوله: ﴿وابتغ فِيمَآ آتَاكَ﴾ يجوز أن يتعلق «فِيمَا آتَاكَ» ب «ابْتَغِ» ، وإن يتعلق بمحذوف على أنه حال، أَي: متقلباً «فِيمَا آتاكَ» . و «مَا» مصدرية أو بمعنى الذي. والمراد أن يصرف المال إلى ما يؤديه إلى الجنة، والظاهر أنه كان مقرّاً بالآخرة.
وثالثها: قوله: ﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا﴾ قال مجاهد وابن زيد لا تترك أن تعمل في الدنيا للآخرة وقال السُّدِّي: بالصدقة وصلة الرحم وقال علي ألاَّ تنسى صحتك وقوة شبابك وغناك أن تطلب بها الآخرة، «قال عليه السلام لرجل وهو يعظه:» اغْتَنِمْ خَمْساً قبلَ خَمْسٍ شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِك، وصحَّتك قبل سَقَمِكَ، وغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وفَرَاغك قَبْلَ شُغْلِكَ، وحَيَاتكَ قَبْلَ مَوْتِكَ»
قوله: ﴿وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ﴾ : أي: إحساناً كإحسانه إليك، أي: أحسن بطاعة الله كما أحسن إليك بنعمته، وقيل: أحسن إلى الله إليك، وقيل إنه لما أمره بالإحسان بالمال أمره بالإحسان مطلقاً، ويدخل فيه الإعانة بالمال والجاه وطلاقة الوجه وحسن اللقاء.
قوله: ﴿وَلاَ تَبْغِ الفساد فِي الأرض﴾ ولا تطلب الفساد في الأرض، وكل من عصى الله فقد طلب الفساد في الأرض، وقيل المراد ماكان عليه من الظلم والبغي، و «في الأَرْض» يجوز أن يتعلق ب» تَبْغ «أو ب» الفَسَادِ «أو بمحذوف على أنه حال وهو بعيد. ثم قال: ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المفسدين﴾ ، قيل: إن هذا القائل هو موسى عليه السلام؛ وقيل: بل مؤمنو قومه.
وقوله:» عِنْدي» إما ظرف ل «أُوتِيته» ، وإما صفة للعلم.
فصل
قال قارون: ﴿إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عنديا﴾ أي: على فضلٍ وخير علمه الله عندي فرآني أهلاً لذلك ففضلني بهذا المال عليكم كما فضلني بغيره، وقال سعيد بن المسيب والضحاك: كان موسى عليه السلام يعلم عليم الكيمياء (أنزل الله عليه علمه من السماء) فعلَّم يوشع بن نون ثلث ذلك العلم وعلم كالب بن يوقناء ثلثه وعلم قارون ثلث، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه. وكان ذلك سبب أمواله.
وقيل: ﴿على عِلْمٍ عنديا﴾ بالتصرف في التجارات والزراعات وأنواع المكاسب ثم أجاب الله عن كلامه بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القرون﴾ الكافرة ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً﴾ للأموال أو أكثر جماعة وعدداً. فقوله ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ يجوز أن يكون هذا إثباتاً لعلمه بأن الله قد أهلك قبله من القرون من هو أقوى منه وأغنى، لأنه قرأه في التوراة وأخبر به موسى وسمعه من حفاظ التواريخ؛ كأنه قيل: أو لم يعلم في جملة ما عنده من العلم هذا حتى لا يغتر بكثرة ماله وقوته. ويجوز أن يكون نفياً لعلمه بذلك لأنه لما قال: ﴿أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عنديا﴾ فتصلف بالعلم وتعظم به قيل مثل ذلك العلم الذي ادعاه ورأى نفسه به مستوجبة لكل نعمة ولم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه. والمعنى أنه تعالى إذا أراد إهلاكه لم ينفعه ذلك ولا ما يزيد عليه أضعافاً.
قوله: ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ﴾ من موصولة أو نكرة موصوفة وهو في موضع المفعول ب «أهلك» ، و «مِنْ قَبْلِهِ» متعلق به، و «مِنَ القُرُونِ» يجوز فيه ذلك ويجوز أن يكون حالاً من ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ﴾ .
قوله: «وَلاَ يُسْأَلُ» هذه قراءة العامة على البناء للمفعول وبالياء من تحت، ورفع الفعل، وقرأ ابو جعفر «وَلاَ تُسْأَل» بالتاء من فوق والجزم وابن سيرين وأبو العالية كذلك إلا أنه مبني للفاعل وهو المخاطب، قال ابن أبي إسحاق: لا يجوز ذلك حتى ينصب «المُجْرِمِين» ، قال صاحب اللوامح: هذا هو الظاهر إلاَّ أنَّه لم يبلغني فيه شيء، فإن تركها مرفوعاً فيحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون «المُجْرِمُونَ» خبر مبتدأ محذوف أي هم المجرمون.
الثاني: أن يكون بدلاً من أصل الهاء والميم في «ذُنُبوبِهِمْ» لأنهما مرفوعاً المحل، يعني أن «ذُنُوباً» مصدر مضاف لفاعله، قال فحمل المجرمون على الأصل كما تقدم في قراءة ﴿مَثَلاً مَّا بَعُوضَةٍ﴾ بجر بعوضة، وكان قد خرجها على أن الأصل: يضرب مثل بعوضةٍ، وهذا تعسف كثير فلا ينبغي أن يقرأ ابن سيرين وأبو العالية إلا «المُجْرِمِينَ» بالياء فقط وإنما ترك نقلها لظهوره.
قوله: ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون﴾ قال قتادة: يدخلون النار بغير حساب ولا سؤال، وقال مجاهد يعني لا تسأل الملائكة عنهم، لأنهم يعرفونهم بسيماهم، وقال الحسن: لا يسألون سؤال استعلام وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ، وقيل: إن المراد أن الله تعالى إذا عاقب المجرمين فلا حاجة به إلى أن يسألهم عن كيفية ذنوبهم وكنيتها، لأن الله تعالى عالم بكل المعلومات فلا حاجة إلى لاسؤال، فإن قيل: كيف الجمع بينه وبين قوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الحجر: 92، 93] فالجواب: يحمل ذلك على وقتين كما قررناه.
وقال أبو مسلم: السؤال قد يكون للمحاسبة، وقد يكون للتقريع والتوبيخ، وقد يكون للاستعتاب، وأليق الوجوه بهذه الآية الاستعتاب لقوله ﴿ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: 84] ﴿هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 35، 36] .
قوله: «فِي زينَتِهِ» إما متعلق ب «خَرَج» ، وإما بمحذوف على أنه حال من فاعل خرج.
القصص 28:79
دلت الآية على أنه خرج بأظهر زينة وأكملها، وليس في القرآن إلا هذا القدر والناس ذكروا وجوهاً مختلفة، والأولى ترك هذه التقديرات لأنها متعارضة، ثم إن الناس لمَّا رأوه على تلك الزينة قال من كان منهم يرغب في الدنيا: ﴿ياليت لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ من الحال، وهؤلاء الراغبون يحتمل أن يكونوا من الكفار، وأن يكونوا من المسلمين الذين يحبُّون الدنيا، فأمّا الذين أوتوا العلم - وهم أهل الدين - قال ابن عباس: يعني الأحبار من بني إسرائيل، وقال مقاتل: أوتوا العلم بما وعد الله في الآخرة. فقالوا للذين تمنوا: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ الله خَيْرٌ﴾ من هذه النعم، أي: ما عند الله من الجزاء والثواب ﴿خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ﴾ وصدَّق بتوحيد الله وعمل صالحاً، لأن للثواب منافع عظيمة خالصة عن شوائب المضار دائمة، وهذه النِّعم على الضد في هذه الصفات.
قوله: «وَيْلَكُمْ» : منصوب بمحذوف، أي: «ألْزَمَكُمْ اللَّهُ وَيْلَكُمْ» ، قال الزمخشري: ويلك أصله الدعاء بالهلاك، ثم استعمل في الزجر والرَّدع والبعث على ترك ما يضر.
قوله: «وَلاَ يُلَقَّاهَا» أي: هذه الخصلة وهي الزهد في الدنيا والرغبة فيما عند الله. وقيل: الضمير يعود إلى ما دل عليه قوله: ﴿آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ يعني هذه الأعمال لا يؤتاها إلا الصَّابرون (وقال الزجاج: ولا يُلَقَّى هذه الكلمة وهي قولهم: {ثَوَابُ الله خَيْرٌ} إلا الصَّابرُونَ) على أداء الطاعات والاحتراز عن المحرمات، وعلى الرِّضا بضاء الله في كل ما قسم من المنافع والمضار.
قوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض﴾ المشهور كسر هاء الكناية في بِهِ وبِدَارِهِ لأجل كسر ما قبلها. وقرىء بضمها وقد تقدم أنها الأصل، وهي لغة الحجاز.
فصل
قيل: لما أشر وبطر وعتا خصف الله به وبداره الأرض جزاءً على عتوه وبطره، والفاء تدل على ذلك، لأن الفاء تشعر بالعلية. وقيل: إن قارون كان يؤذي نبي الله موسى عليه السلام كل وقت وهو يداريه للقرابة التي بينهما، حتى نزلت الزكاة فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل ألف درهم على درهم، وعن كل ألف شاة على شاة، فحسبه فاستكثره فشحت به نفسه، فجمع بني إسرائيل وقال إنّ موسى يريد أن يأخذ أخوالكم، فقالوا: أنت كبيرنا فمرنا بما شئت فقال: ائتوا بفلانة البغيّ فنجعل لها جعلاً حتى تقذف موسى بنفسها، فإذا فعلت ذلك خرج عليه بنو إسرائيل ورفضوه فدعوها فجعل لها قارون شطتاً من ذهب مملوءاً ذهباً، وقال لها: إن أموّلك وأخلطك بنسائي على أن تقذفي موسى بنفسك غداً إذا حضر بنو إسرائيل، فلما كان من الغد جمع قارون بني إسرائيل، ثم أتى موسى فقال إن بني إسرائيل ينتظرون خروجك فتأمرهم وتنهاهم، فخرج إليهم موسى وهم في براح من الأرض، فقام فيهم فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعنا يده ومن افترى جلدناه ثمانين جلدة، ومن زنى وليست له امرأة جلدناه مائة، (ومن زنى وله) امرأة رجمناه حتى يموت، فقال له قارون: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة، قال: ادعوها فإن قالت فهو كما قالت: فلما جاءت قال لها موسى: يا فلانة أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء؟ وناشهدها بالذي فلق البحر وأنزل التوراة أن تصطق فتداركها الله فقالت في نفسها: أحدث اليوم توبة أفضل من أن أؤذي رسول الله، فقالت: لا، كذبوا بل جعل لي قارون جعلاً على أن أقذفك بنفسي، فخر موسى ساجداً يبكي، وقال: يا رب إن كنت رسولك فاغضب لي، فأوحى الله إليه ان مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك، قال: يا بني إسرائيل إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون.
فمن كان معه فليلزم مكانه، ومن كان معي فلعتزل، فاعتزلوا جميعاً ولم يبق مع قارون إلا رجلان، ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق وقارون وأصحابه يتضرعون إلى موسى ويناشدونه بالله والرَّحم وهو لا يلتفت إليهم لشدة غضبه، ثم قال خذيهم فانطبقت عليهم فأوحى الله إلى موسى: ما أفظَّك استغاثوا بك مراراً فلم ترحمهم، أما وعزتي لو دعوني مرة واحدة لوجودني قريباً مجيباً، فأصحبت بنو إسرائيل يتناجون بينهم: إنما دعا موسى على قارون ليستبد بداره وكنوزه فدعا الله حتى خسف الله بداره وأمواله الأرض، ثم إن قارون يخسف به كل يوم قامة.
قال القاضي: إذا هلك بالخسف فسواء نزل عن ظاهر الأرض إلى الأرض السابعة أو دون ذلك، وإن كان لا يمتنع على وجه المبالغة في الزجر، وأما قولهم: إنه - تعالى - قال: لو استغاثوا بي لأغثتهم، فإن صح حمل على استغاثة مقرونة بالتوبة، فأما وهو ثابت على ما هو عليه مع أنه تعالى هو الذي حكم بذلك الخسف، لأن موسى ما فعله إلا عن إذن فبعيد، وقولهم إنهم يتجلجلون في الأرض فبعيد، لأنه لا بد له من نهاية، وكذا القول فيما ذكر من عدو القامات والذي عنده في أمثال هذه الحكايات أنها قليلة الفائدة لأنها من باب أخبار الآحاد فلا تفيد اليقين وليست المسألة عملية حتى يكفي فيها الظنّ ثم إنها في أكثر الأمر متعارضة مضطربة فالأولى طرحها والاكتفاء بما دل عليه نص القرآن وتفويض سائر التفاصيل إلى عالم الغيب.
قوله: «مِنْ فِئَةٍ» يجوز أن يكون اسم كان إن كانت ناقصة، و «له» الخبر أو «يَنْصُرُونَهُ» وأن تكون فاعلة إن كان تامة و «يَنْصُرُونَهُ» صفة ل «فِئَةٍ» فيحكم على موضعها بالجر لفظاً وبالرفع معنى، لأن «مِنْ» مزيدة فيها، ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ المنتصرين﴾ أي الممتنعين مما نزل من الخسف، يقالك نصره من عدوه فانتصر أي: منعه فامتنع.
القصص 28:80
دلت الآية على أنه خرج بأظهر زينة وأكملها، وليس في القرآن إلا هذا القدر والناس ذكروا وجوهاً مختلفة، والأولى ترك هذه التقديرات لأنها متعارضة، ثم إن الناس لمَّا رأوه على تلك الزينة قال من كان منهم يرغب في الدنيا: ﴿ياليت لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ من الحال، وهؤلاء الراغبون يحتمل أن يكونوا من الكفار، وأن يكونوا من المسلمين الذين يحبُّون الدنيا، فأمّا الذين أوتوا العلم - وهم أهل الدين - قال ابن عباس: يعني الأحبار من بني إسرائيل، وقال مقاتل: أوتوا العلم بما وعد الله في الآخرة. فقالوا للذين تمنوا: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ الله خَيْرٌ﴾ من هذه النعم، أي: ما عند الله من الجزاء والثواب ﴿خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ﴾ وصدَّق بتوحيد الله وعمل صالحاً، لأن للثواب منافع عظيمة خالصة عن شوائب المضار دائمة، وهذه النِّعم على الضد في هذه الصفات.
قوله: «وَيْلَكُمْ» : منصوب بمحذوف، أي: «ألْزَمَكُمْ اللَّهُ وَيْلَكُمْ» ، قال الزمخشري: ويلك أصله الدعاء بالهلاك، ثم استعمل في الزجر والرَّدع والبعث على ترك ما يضر.
قوله: «وَلاَ يُلَقَّاهَا» أي: هذه الخصلة وهي الزهد في الدنيا والرغبة فيما عند الله. وقيل: الضمير يعود إلى ما دل عليه قوله: ﴿آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ يعني هذه الأعمال لا يؤتاها إلا الصَّابرون (وقال الزجاج: ولا يُلَقَّى هذه الكلمة وهي قولهم: {ثَوَابُ الله خَيْرٌ} إلا الصَّابرُونَ) على أداء الطاعات والاحتراز عن المحرمات، وعلى الرِّضا بضاء الله في كل ما قسم من المنافع والمضار.
قوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض﴾ المشهور كسر هاء الكناية في بِهِ وبِدَارِهِ لأجل كسر ما قبلها. وقرىء بضمها وقد تقدم أنها الأصل، وهي لغة الحجاز.
فصل
قيل: لما أشر وبطر وعتا خصف الله به وبداره الأرض جزاءً على عتوه وبطره، والفاء تدل على ذلك، لأن الفاء تشعر بالعلية. وقيل: إن قارون كان يؤذي نبي الله موسى عليه السلام كل وقت وهو يداريه للقرابة التي بينهما، حتى نزلت الزكاة فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل ألف درهم على درهم، وعن كل ألف شاة على شاة، فحسبه فاستكثره فشحت به نفسه، فجمع بني إسرائيل وقال إنّ موسى يريد أن يأخذ أخوالكم، فقالوا: أنت كبيرنا فمرنا بما شئت فقال: ائتوا بفلانة البغيّ فنجعل لها جعلاً حتى تقذف موسى بنفسها، فإذا فعلت ذلك خرج عليه بنو إسرائيل ورفضوه فدعوها فجعل لها قارون شطتاً من ذهب مملوءاً ذهباً، وقال لها: إن أموّلك وأخلطك بنسائي على أن تقذفي موسى بنفسك غداً إذا حضر بنو إسرائيل، فلما كان من الغد جمع قارون بني إسرائيل، ثم أتى موسى فقال إن بني إسرائيل ينتظرون خروجك فتأمرهم وتنهاهم، فخرج إليهم موسى وهم في براح من الأرض، فقام فيهم فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعنا يده ومن افترى جلدناه ثمانين جلدة، ومن زنى وليست له امرأة جلدناه مائة، (ومن زنى وله) امرأة رجمناه حتى يموت، فقال له قارون: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة، قال: ادعوها فإن قالت فهو كما قالت: فلما جاءت قال لها موسى: يا فلانة أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء؟ وناشهدها بالذي فلق البحر وأنزل التوراة أن تصطق فتداركها الله فقالت في نفسها: أحدث اليوم توبة أفضل من أن أؤذي رسول الله، فقالت: لا، كذبوا بل جعل لي قارون جعلاً على أن أقذفك بنفسي، فخر موسى ساجداً يبكي، وقال: يا رب إن كنت رسولك فاغضب لي، فأوحى الله إليه ان مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك، قال: يا بني إسرائيل إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون.
فمن كان معه فليلزم مكانه، ومن كان معي فلعتزل، فاعتزلوا جميعاً ولم يبق مع قارون إلا رجلان، ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق وقارون وأصحابه يتضرعون إلى موسى ويناشدونه بالله والرَّحم وهو لا يلتفت إليهم لشدة غضبه، ثم قال خذيهم فانطبقت عليهم فأوحى الله إلى موسى: ما أفظَّك استغاثوا بك مراراً فلم ترحمهم، أما وعزتي لو دعوني مرة واحدة لوجودني قريباً مجيباً، فأصحبت بنو إسرائيل يتناجون بينهم: إنما دعا موسى على قارون ليستبد بداره وكنوزه فدعا الله حتى خسف الله بداره وأمواله الأرض، ثم إن قارون يخسف به كل يوم قامة.
قال القاضي: إذا هلك بالخسف فسواء نزل عن ظاهر الأرض إلى الأرض السابعة أو دون ذلك، وإن كان لا يمتنع على وجه المبالغة في الزجر، وأما قولهم: إنه - تعالى - قال: لو استغاثوا بي لأغثتهم، فإن صح حمل على استغاثة مقرونة بالتوبة، فأما وهو ثابت على ما هو عليه مع أنه تعالى هو الذي حكم بذلك الخسف، لأن موسى ما فعله إلا عن إذن فبعيد، وقولهم إنهم يتجلجلون في الأرض فبعيد، لأنه لا بد له من نهاية، وكذا القول فيما ذكر من عدو القامات والذي عنده في أمثال هذه الحكايات أنها قليلة الفائدة لأنها من باب أخبار الآحاد فلا تفيد اليقين وليست المسألة عملية حتى يكفي فيها الظنّ ثم إنها في أكثر الأمر متعارضة مضطربة فالأولى طرحها والاكتفاء بما دل عليه نص القرآن وتفويض سائر التفاصيل إلى عالم الغيب.
قوله: «مِنْ فِئَةٍ» يجوز أن يكون اسم كان إن كانت ناقصة، و «له» الخبر أو «يَنْصُرُونَهُ» وأن تكون فاعلة إن كان تامة و «يَنْصُرُونَهُ» صفة ل «فِئَةٍ» فيحكم على موضعها بالجر لفظاً وبالرفع معنى، لأن «مِنْ» مزيدة فيها، ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ المنتصرين﴾ أي الممتنعين مما نزل من الخسف، يقالك نصره من عدوه فانتصر أي: منعه فامتنع.
القصص 28:81
دلت الآية على أنه خرج بأظهر زينة وأكملها، وليس في القرآن إلا هذا القدر والناس ذكروا وجوهاً مختلفة، والأولى ترك هذه التقديرات لأنها متعارضة، ثم إن الناس لمَّا رأوه على تلك الزينة قال من كان منهم يرغب في الدنيا: ﴿ياليت لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ من الحال، وهؤلاء الراغبون يحتمل أن يكونوا من الكفار، وأن يكونوا من المسلمين الذين يحبُّون الدنيا، فأمّا الذين أوتوا العلم - وهم أهل الدين - قال ابن عباس: يعني الأحبار من بني إسرائيل، وقال مقاتل: أوتوا العلم بما وعد الله في الآخرة. فقالوا للذين تمنوا: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ الله خَيْرٌ﴾ من هذه النعم، أي: ما عند الله من الجزاء والثواب ﴿خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ﴾ وصدَّق بتوحيد الله وعمل صالحاً، لأن للثواب منافع عظيمة خالصة عن شوائب المضار دائمة، وهذه النِّعم على الضد في هذه الصفات.
قوله: «وَيْلَكُمْ» : منصوب بمحذوف، أي: «ألْزَمَكُمْ اللَّهُ وَيْلَكُمْ» ، قال الزمخشري: ويلك أصله الدعاء بالهلاك، ثم استعمل في الزجر والرَّدع والبعث على ترك ما يضر.
قوله: «وَلاَ يُلَقَّاهَا» أي: هذه الخصلة وهي الزهد في الدنيا والرغبة فيما عند الله. وقيل: الضمير يعود إلى ما دل عليه قوله: ﴿آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ يعني هذه الأعمال لا يؤتاها إلا الصَّابرون (وقال الزجاج: ولا يُلَقَّى هذه الكلمة وهي قولهم: {ثَوَابُ الله خَيْرٌ} إلا الصَّابرُونَ) على أداء الطاعات والاحتراز عن المحرمات، وعلى الرِّضا بضاء الله في كل ما قسم من المنافع والمضار.
قوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض﴾ المشهور كسر هاء الكناية في بِهِ وبِدَارِهِ لأجل كسر ما قبلها. وقرىء بضمها وقد تقدم أنها الأصل، وهي لغة الحجاز.
فصل
قيل: لما أشر وبطر وعتا خصف الله به وبداره الأرض جزاءً على عتوه وبطره، والفاء تدل على ذلك، لأن الفاء تشعر بالعلية. وقيل: إن قارون كان يؤذي نبي الله موسى عليه السلام كل وقت وهو يداريه للقرابة التي بينهما، حتى نزلت الزكاة فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل ألف درهم على درهم، وعن كل ألف شاة على شاة، فحسبه فاستكثره فشحت به نفسه، فجمع بني إسرائيل وقال إنّ موسى يريد أن يأخذ أخوالكم، فقالوا: أنت كبيرنا فمرنا بما شئت فقال: ائتوا بفلانة البغيّ فنجعل لها جعلاً حتى تقذف موسى بنفسها، فإذا فعلت ذلك خرج عليه بنو إسرائيل ورفضوه فدعوها فجعل لها قارون شطتاً من ذهب مملوءاً ذهباً، وقال لها: إن أموّلك وأخلطك بنسائي على أن تقذفي موسى بنفسك غداً إذا حضر بنو إسرائيل، فلما كان من الغد جمع قارون بني إسرائيل، ثم أتى موسى فقال إن بني إسرائيل ينتظرون خروجك فتأمرهم وتنهاهم، فخرج إليهم موسى وهم في براح من الأرض، فقام فيهم فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعنا يده ومن افترى جلدناه ثمانين جلدة، ومن زنى وليست له امرأة جلدناه مائة، (ومن زنى وله) امرأة رجمناه حتى يموت، فقال له قارون: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة، قال: ادعوها فإن قالت فهو كما قالت: فلما جاءت قال لها موسى: يا فلانة أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء؟ وناشهدها بالذي فلق البحر وأنزل التوراة أن تصطق فتداركها الله فقالت في نفسها: أحدث اليوم توبة أفضل من أن أؤذي رسول الله، فقالت: لا، كذبوا بل جعل لي قارون جعلاً على أن أقذفك بنفسي، فخر موسى ساجداً يبكي، وقال: يا رب إن كنت رسولك فاغضب لي، فأوحى الله إليه ان مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك، قال: يا بني إسرائيل إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون.
فمن كان معه فليلزم مكانه، ومن كان معي فلعتزل، فاعتزلوا جميعاً ولم يبق مع قارون إلا رجلان، ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق وقارون وأصحابه يتضرعون إلى موسى ويناشدونه بالله والرَّحم وهو لا يلتفت إليهم لشدة غضبه، ثم قال خذيهم فانطبقت عليهم فأوحى الله إلى موسى: ما أفظَّك استغاثوا بك مراراً فلم ترحمهم، أما وعزتي لو دعوني مرة واحدة لوجودني قريباً مجيباً، فأصحبت بنو إسرائيل يتناجون بينهم: إنما دعا موسى على قارون ليستبد بداره وكنوزه فدعا الله حتى خسف الله بداره وأمواله الأرض، ثم إن قارون يخسف به كل يوم قامة.
قال القاضي: إذا هلك بالخسف فسواء نزل عن ظاهر الأرض إلى الأرض السابعة أو دون ذلك، وإن كان لا يمتنع على وجه المبالغة في الزجر، وأما قولهم: إنه - تعالى - قال: لو استغاثوا بي لأغثتهم، فإن صح حمل على استغاثة مقرونة بالتوبة، فأما وهو ثابت على ما هو عليه مع أنه تعالى هو الذي حكم بذلك الخسف، لأن موسى ما فعله إلا عن إذن فبعيد، وقولهم إنهم يتجلجلون في الأرض فبعيد، لأنه لا بد له من نهاية، وكذا القول فيما ذكر من عدو القامات والذي عنده في أمثال هذه الحكايات أنها قليلة الفائدة لأنها من باب أخبار الآحاد فلا تفيد اليقين وليست المسألة عملية حتى يكفي فيها الظنّ ثم إنها في أكثر الأمر متعارضة مضطربة فالأولى طرحها والاكتفاء بما دل عليه نص القرآن وتفويض سائر التفاصيل إلى عالم الغيب.
قوله: «مِنْ فِئَةٍ» يجوز أن يكون اسم كان إن كانت ناقصة، و «له» الخبر أو «يَنْصُرُونَهُ» وأن تكون فاعلة إن كان تامة و «يَنْصُرُونَهُ» صفة ل «فِئَةٍ» فيحكم على موضعها بالجر لفظاً وبالرفع معنى، لأن «مِنْ» مزيدة فيها، ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ المنتصرين﴾ أي الممتنعين مما نزل من الخسف، يقالك نصره من عدوه فانتصر أي: منعه فامتنع.
القصص 28:82
قوله: ﴿وَأَصْبَحَ الذين تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِالأَمْسِ﴾ أي: صار أولئك الذين تمنوا ما رُزق من المال والزينة يتندمون على ذلك التمني، والعرب تعبِّر عن الصيرورة بأصبح وأمسى وأضحى، تقول: أصبح فلانٌ عالماً، وأضحى معدماً، وأمسى حزيناً، والمعنى صار ذلك زاجراً لهم عن حب الدنيا ومخالفة موسى وداعياً إلى الرضا بقضاء الله وقسمته.
قوله: ﴿وَيْكَأَنَّ الله ... . وَيْكَأَنَّ﴾ فيه مذاهب منها: أن وَيْ كلمة رأسها وهي اسم فعلٍ معناها أعجب أي أنا والكاف للتعليل، و «أنْ» وما في حيّزها مجرورة بها، أي: أعجب لأنَّه لا يفلح الكافرون، وسمع كما أنَّه لا يعلم غفر الله له، وقياس هذا القول أن يوقف على «وَيْ» وحدها، وقد فعل ذلك الكسائي، إلا أنه ينقل عنه أنه يعتقد في الكلمة أن أصلها «وَيْلَكَ» كما سيأتي، وهذا ينافي وقفه، وأنشد سيبويه:
4020 - وَيْ كَأَنْ مَنْ يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ ... بَبْ وَمَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرٍّ
الثاني: قال بعضهم «كَأَنَّ» هنا للتشبيه إلا أنه ذهب منها معناه، وصارت للخبر والتقين، وأنشد: 4021 - كَأَنَّنِي حِينَ أُمْسِي لاَ يُكَلِّمُنِي ... مُتَيَّمٌ يَشْتَهِي مَا لَيْسَ مَوْجُودا
وهذا أيضاً يناسبه الوقف على «وَيْ» .
الثالث: أن «وَيْكَ» كلمة برأسها والكاف حرف خطاب، وأنَّ معمولة لمحذوف، أي: اعلم أنَّه لا يفلح، قال الأخفش، وعليه قوله:
4022 - وَلَقَدْ شَفَى نَفْسِيَ وَأَبْرَأَ سُقْمَهَا ... قِيلُ الفَوَارِسِ وَيْكَ عَنْتَرَ أَقْدِمِ
وحقه أن تقف على «وَيْكَ» وقد فعله أبو عمرو بن العلاء.
الرابع: أن أصلها «وَيْلَكَ» فَحُذِفَ، وإليه ذهب الكسائي ويونس وأبو حاتم، وحقهم أن يقفوا على الكاف كما فعل أبو عمرو، ومن قال بهذا استشهد بالبيتين المتقدمين، فإنه يحتمل أن يكون الأصل فيهما «وَيْلَكَ» فحذف ولم يرسم في القرآن إلا «وَيْكَأَنَّ» «وَيْكَأَنَّهُ» متصلة في الموضعين. فعامَّة القرَّاء اتبعوا الرسم، والكسائي وقف على «وَيْ» وأبو عمرو على «وَيْكَ» وهذا كله في وقف الاختيار دون الاختبار كنظائر تقدمت.
الخامس: أنَّ وَيْكَأَنَّ كلها كلمة مستقلة بسيطة ومعناها «أَلَمْ تَرَ» . وربَّما نقل ذلك عن ابن عباس، ونقل الكسائي والفراء أنها بمعنى: أما ترى إلى صنع الله، قال الفراء: هي كلمة تقرير، وذكر أنه أخبره من سمع أعرابية تقول لزوجها: أين ابنك؟ قال: وَيْ كأنَّه وراء البيت، يعني: أما ترينه وراء البيت، وحكى ابن قتيبة أنها بمعنى: رحمة لك في لغة حمير.
قوله: ﴿لولاا أَن مَّنَّ الله﴾ قرأ الأعمش «لَوْلاَ مَنَّ» بحذف «أنْ» وهي مرادة، لأن لولا هذه لا يليها إلا المبتدأ، وعنه «مَنُّ» برفع لانون وجر الجلالة، وهي واضحة.
قوله: لَخِسَفَ «قرأ حفص:» لَخَسَفَ» مبنياً للفاعل أي الله تعالى، والباقون ببنائه للمفعول، و «بِنَا» هو القائم مقام الفاعل، وعبد الله وطلحة لا نُخُسِفَ بِنَا أي: المكان، وقيل: «بِنَا» هو القائم مقام الفاعل كقولك: انقطع بنا، وهي عبارة رديئة وقيل: الفاعل: ضمير المصدر أي: لا نخفسف الانخساف وهي عنه أيضاً، وعن عبد الله» لَتُخُسِّفَ «بتاء من فوق وتشديد السين مبنياً للمفعول، وبنا قائم مقامه.
قوله:» وَيْكَأَنَّ» كلمة مستعملة عند التنبيه للخطاب وإظهار التندم، فلما قالوا: ﴿ياليت لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص: 79] ثم شاهدوا لاخسف تنبهوا لخطئهم، ثم قالوا: كأنه ﴿يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ بحسب مشيئته وحكمته لا لكرامته عليه، ويضيق على من يشاء لا لهوان من يضيِّق عليه، بل لحكمته وقضائه ابتلاء وفتنة، قال سيبويه: سألت الخليل عن هذا الحرف، فقال: «وَيْ» مفصولة من «كَأَنَّ» وأن القو تنبهوا وقالوا متندمين على ما سلف منهم.
قوله تعالى: «تِلْكَ الدَّارُ» مبتدأ وصفته، و «نَجْعَلُهَا» هو الخبر، ويجوز أن يكون» الدَّارُ «هو الخبر» نجعَلُهَا «خبراً آخر، وحال والأولى أحسن، وهذا تعظيم لها وتفخيم لشأنها، يعني: تلك التي سمعت بذكرها وبلغك وصفها ﴿لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرض وَلاَ فَسَاداً﴾ ليفيد أن كلاً منها مستقل في بابه لا مجموعهما، ﴿والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ﴾ .
القصص 28:83
قوله: ﴿وَأَصْبَحَ الذين تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِالأَمْسِ﴾ أي: صار أولئك الذين تمنوا ما رُزق من المال والزينة يتندمون على ذلك التمني، والعرب تعبِّر عن الصيرورة بأصبح وأمسى وأضحى، تقول: أصبح فلانٌ عالماً، وأضحى معدماً، وأمسى حزيناً، والمعنى صار ذلك زاجراً لهم عن حب الدنيا ومخالفة موسى وداعياً إلى الرضا بقضاء الله وقسمته.
قوله: ﴿وَيْكَأَنَّ الله ... . وَيْكَأَنَّ﴾ فيه مذاهب منها: أن وَيْ كلمة رأسها وهي اسم فعلٍ معناها أعجب أي أنا والكاف للتعليل، و «أنْ» وما في حيّزها مجرورة بها، أي: أعجب لأنَّه لا يفلح الكافرون، وسمع كما أنَّه لا يعلم غفر الله له، وقياس هذا القول أن يوقف على «وَيْ» وحدها، وقد فعل ذلك الكسائي، إلا أنه ينقل عنه أنه يعتقد في الكلمة أن أصلها «وَيْلَكَ» كما سيأتي، وهذا ينافي وقفه، وأنشد سيبويه:
4020 - وَيْ كَأَنْ مَنْ يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ ... بَبْ وَمَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرٍّ
الثاني: قال بعضهم «كَأَنَّ» هنا للتشبيه إلا أنه ذهب منها معناه، وصارت للخبر والتقين، وأنشد: 4021 - كَأَنَّنِي حِينَ أُمْسِي لاَ يُكَلِّمُنِي ... مُتَيَّمٌ يَشْتَهِي مَا لَيْسَ مَوْجُودا
وهذا أيضاً يناسبه الوقف على «وَيْ» .
الثالث: أن «وَيْكَ» كلمة برأسها والكاف حرف خطاب، وأنَّ معمولة لمحذوف، أي: اعلم أنَّه لا يفلح، قال الأخفش، وعليه قوله:
4022 - وَلَقَدْ شَفَى نَفْسِيَ وَأَبْرَأَ سُقْمَهَا ... قِيلُ الفَوَارِسِ وَيْكَ عَنْتَرَ أَقْدِمِ
وحقه أن تقف على «وَيْكَ» وقد فعله أبو عمرو بن العلاء.
الرابع: أن أصلها «وَيْلَكَ» فَحُذِفَ، وإليه ذهب الكسائي ويونس وأبو حاتم، وحقهم أن يقفوا على الكاف كما فعل أبو عمرو، ومن قال بهذا استشهد بالبيتين المتقدمين، فإنه يحتمل أن يكون الأصل فيهما «وَيْلَكَ» فحذف ولم يرسم في القرآن إلا «وَيْكَأَنَّ» «وَيْكَأَنَّهُ» متصلة في الموضعين. فعامَّة القرَّاء اتبعوا الرسم، والكسائي وقف على «وَيْ» وأبو عمرو على «وَيْكَ» وهذا كله في وقف الاختيار دون الاختبار كنظائر تقدمت.
الخامس: أنَّ وَيْكَأَنَّ كلها كلمة مستقلة بسيطة ومعناها «أَلَمْ تَرَ» . وربَّما نقل ذلك عن ابن عباس، ونقل الكسائي والفراء أنها بمعنى: أما ترى إلى صنع الله، قال الفراء: هي كلمة تقرير، وذكر أنه أخبره من سمع أعرابية تقول لزوجها: أين ابنك؟ قال: وَيْ كأنَّه وراء البيت، يعني: أما ترينه وراء البيت، وحكى ابن قتيبة أنها بمعنى: رحمة لك في لغة حمير.
قوله: ﴿لولاا أَن مَّنَّ الله﴾ قرأ الأعمش «لَوْلاَ مَنَّ» بحذف «أنْ» وهي مرادة، لأن لولا هذه لا يليها إلا المبتدأ، وعنه «مَنُّ» برفع لانون وجر الجلالة، وهي واضحة.
قوله: لَخِسَفَ «قرأ حفص:» لَخَسَفَ» مبنياً للفاعل أي الله تعالى، والباقون ببنائه للمفعول، و «بِنَا» هو القائم مقام الفاعل، وعبد الله وطلحة لا نُخُسِفَ بِنَا أي: المكان، وقيل: «بِنَا» هو القائم مقام الفاعل كقولك: انقطع بنا، وهي عبارة رديئة وقيل: الفاعل: ضمير المصدر أي: لا نخفسف الانخساف وهي عنه أيضاً، وعن عبد الله» لَتُخُسِّفَ «بتاء من فوق وتشديد السين مبنياً للمفعول، وبنا قائم مقامه.
قوله:» وَيْكَأَنَّ» كلمة مستعملة عند التنبيه للخطاب وإظهار التندم، فلما قالوا: ﴿ياليت لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص: 79] ثم شاهدوا لاخسف تنبهوا لخطئهم، ثم قالوا: كأنه ﴿يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ بحسب مشيئته وحكمته لا لكرامته عليه، ويضيق على من يشاء لا لهوان من يضيِّق عليه، بل لحكمته وقضائه ابتلاء وفتنة، قال سيبويه: سألت الخليل عن هذا الحرف، فقال: «وَيْ» مفصولة من «كَأَنَّ» وأن القو تنبهوا وقالوا متندمين على ما سلف منهم.
قوله تعالى: «تِلْكَ الدَّارُ» مبتدأ وصفته، و «نَجْعَلُهَا» هو الخبر، ويجوز أن يكون» الدَّارُ «هو الخبر» نجعَلُهَا «خبراً آخر، وحال والأولى أحسن، وهذا تعظيم لها وتفخيم لشأنها، يعني: تلك التي سمعت بذكرها وبلغك وصفها ﴿لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرض وَلاَ فَسَاداً﴾ ليفيد أن كلاً منها مستقل في بابه لا مجموعهما، ﴿والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ﴾ .
القصص 28:84
قوله: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَاَ﴾ ، لمَّا بيَّن أن الدار الآخرة ليست إلا للمتقين بيَّن بعد ذلك ما يحصل لهم فقال: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ ، والمعنى: أنهم يزادون على ثوابهم، وقوله: ﴿وَمَن جَآءَ بالسيئة فَلاَ يُجْزَى الذين عَمِلُواْ السيئات إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ وظاهره أنهم لا يزادون على ما يستحقون.
فقوله: ﴿فَلاَ يُجْزَى الذين﴾ من إقامة الظاهر مقام المضمر تشنيعاً عليهم، وقوله: ﴿إِلاَّ مَا كَانُواْ﴾ أي: إلاَّ مثل ما كانوا، قال الزمخشري: إنما كرر ذكر السيئات، لأن في إسناد عمل السيئة إليهم مكرراً فضل تهجين لحالهم، وزيادة تبغيض للسيئة إلى السامعين، وهذا من فضله العظيم أنه لا يجزي بالسيئة إلا مثلها، ويجزي بالحسنة بعشر أمثالها.
فإن قيل: قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7] كرر ذكر الإحسان واكتفى في ذكر الإساءة بمرة واحدة، (وفي هذه الآية كرر الإساءة واكتفى في ذكر الإحسان بمرة واحدة) فما السبب؟
والجواب: أن هذا المقام مقام الترغيب في الدار الآخرة فكانت المبالغة في النهي عن المعصية مبالغة في الدعوة إلى الآخرة، وأما الآية الأخرى فهي في شرح حالهم فكانت المبالغة في ذكر محاسنهم أولى. فإن قيل: كيف لا تجزى السيئة إلا بمثلها مع أن المتكلم بكلمة الكفر إذا مات في الحال عذب أبد الآباد؟ فالجواب: لأنه كان على عزم أنه لو عاش أبداً لقال ذلك فعومل بمقتضى عزمه.
قوله: ﴿إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن﴾ قال أبو علي: فرض عليك أحكامه وفرائضه «لَرَادُّكَ» بعد الموت «إلَى مَعَادٍ» وتنكير المعاد لتعظيمه، كأنه قال: مَعَادٍ وأي معاد، أي ليس لغيرك من البشر مثله، وقيل: المراد به مكة وترداده إليها يوم الفتح، ووجه تنكيره إياها كانت في ذلك اليوم معاداً لها شأن عظيم لاستيلاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عليها، وقهره لأهلها وإظهار عز الإسلام وإذلال حزب الكفرة، والسورة مكية، فكأن الله تعالى وعده وهو بمكة حين أوذي وهو في غلبة من أهلها أنه يهاجر منها، ويعيده إليها ظاهراً ظافراً، وقال مقاتل: «إنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خرج من الغار وسار في غير الطريق مخافة الطلب فلما رجع إلى الطريق نزل بالجحفة بين مكة والمدينة، وعرف الطريق إلى مكة واشتاق إليها وذكر مولده ومولد أبيه، فنزل جبريل فقال: أتشتاق إلى بلدك ومولدك؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» نَعَمْ «فقال جبريل إنَّ الله يقول: ﴿إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن لَرَآدُّكَ إلى مَعَادٍ﴾ » يعني مكة ظاهراً عليهم قال المحققون: وهذا حد ما يدل على نبوته، لأنه أخبر عن الغيب ووقع ما أخبر به فيكون معجزاً.
قوله: ﴿مَن جَآءَ بالهدى﴾ منصوب بمضمر، أي: يَعْلَمْ أو «أَعْلَم» إن جعلناها بمعنى عالم وأعملناها إعماله، ووجه تعلقه بما قبله أنَّ الله تعالى لما وعد رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الرد إلى معاد قال: قل للمشركين ﴿ربي أَعْلَمُ مَن جَآءَ بالهدى﴾ يعني نفسه وما يستحقه من الثواب في المعاد والإعزاز بالإعادة إلى مكة ﴿وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ يعنيهم وما يستحقونه من العذاب في معادهم.
قوله: ﴿وَمَا كُنتَ ترجوا أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب﴾ أي: يوحى إليك القرآن ﴿إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ قال الفراء هذا استثناء منقطع، أي: لكن رحمة من ربك فأعطاك القرآن وقيل: متصل. قال الزمخشري: هذا كلام محمول على المعنى، كأنه قيل: وما ألقي إليك الكتاب إلا رحمة. فيكون استثناء من الأحوال ومن المفعول له، ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَافِرِينَ﴾ أي: معيناً لهم على دينهم، قال مقاتل: وذلك حين دعي إلى دين آبائه فذكره الله نعمه ونهاه عن مظاهرتهم على ما هم عليه.
قوله: ﴿وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ الله﴾ قرأ العامة بفتح الياء وضم الصاد، من: صدَّه يصُدُّه، وقرىء بضم الياء وكسر الصاد، من: أصده بمعنى صَدَّه، حكاها أبو زيد عن كلب. قال الشاعر:
4023 - أُنَاسٌ أَصَدُّوا النَّاسَ بِالسَّيْفِ عَنْهُم ... صُدُودَ السَّوَاقِي عَنْ أُنُوف الحَوَائِمِ وأصل «يَصُدُّنكَ» «يَصُدُّونَنَّكَ» ، ففعل فيه ما فعل في ﴿لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ [هود: 8] ، والمعنى لا تلتفت إلى هؤلاء ولا تركن إلى قولهم فيصدوك عن اتباع آيات الله يعني القرآن. ﴿بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وادع إلى رَبِّكَ﴾ أي: إلى دين ربك وإلى معرفته وتوحيده ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ قال ابن عباس: الخطاب في الظاهر للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمراد به: أهل دينه، أي: لا تظاهروا الكفار ولا توافقوهم ومثله: ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾ وهذا وإن كان واجباً على الكلِّ إلا أنه تعالى خاطبه به خصوصاً لأجل (التعليم) ، فإن قيل: الرسول كان معلوماً منه أنه لا يفعل شيئاً من ذلك ألبتة، فما فائدة ذلك النهي؟ فالجواب: أنَّ الخطاب وإن كان معه لكن المراد غيره، ويجوز أن يكون المعنى: لا تعتمد على غير الله ولا تتخذ غيره وكيلاً في أمورك، فإن وثق بغير الله فكأنَّه لم يكمل طريقه في التوحيد، ثم بيَّن أنه لا إله إلاَّ هو أي: لا نافع ولا ضار ولا معطي ولا مانع إلاَّ هو كقوله: ﴿رَّبُّ المشرق والمغرب لاَ إله إِلاَّ هُوَ فاتخذه وَكِيلاً﴾ [المزمل: 9] فلا يجوز اتخاذ إلهٍ سواه.
قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ من جعل شيئاً يطلق على الباري تعالى - وهو الصحيح - قال: هذا استثناء متصل، والمراد بالوجه الذات، وإنَّما جرى على عادة العرب في التعبير بالأشرف عن الجملة، ومن لم يطلق عليه جعله متصلاً أيضاً، وجعل الوجه ما عمل لأجله أو الجاه الذي بين الناس، أو يجعله منقطعاً أي: لكن هو تعالى لم يهلك.
فصل
استدلت المعتزلة على أن الجنة والنار غير مخلوقتين بأنَّ هذه الآية تقتضي فناء الكل، فلو كانتا مخلوقتين لكان هذا يناقض قوله تعالى في صفة الجنة ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ﴾ [الرعد: 35] ، والجواب: هذا معارض بقوله تعالى (في صفة الجنة) {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] وفي صفة النار: ﴿وَقُودُهَا الناس والحجارة أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 24] ثم إما أن يحمل قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾ على الأكثر كقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 24] أو يحمل على الفناء القليل كقوله: ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ﴾ [الرعد: 35] على أن فناءها لما كان قليلاً بالنسبة إلى زمان بقائها لا جرم أطلق لفظ الدوام عليها.
قوله: «وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» أي: في الآخرة، والعامة على بنائه للمفعول، وعيسى على بنائه للفاعل، روى الثعالبي في تفسير عن أُبَيِّ بن كعب قال: «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -:» من قَرَأَ طسم القصص لم يبق في السموات والأرض إلا شهد له يوم القيامة أنَّه كان مصدِّقًا أن كلَّ شيءٍ هالكٌ إلاَّ وجهه له الحكم وإليه ترجعون» سورة العنكبوت
القصص 28:85
قوله: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَاَ﴾ ، لمَّا بيَّن أن الدار الآخرة ليست إلا للمتقين بيَّن بعد ذلك ما يحصل لهم فقال: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ ، والمعنى: أنهم يزادون على ثوابهم، وقوله: ﴿وَمَن جَآءَ بالسيئة فَلاَ يُجْزَى الذين عَمِلُواْ السيئات إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ وظاهره أنهم لا يزادون على ما يستحقون.
فقوله: ﴿فَلاَ يُجْزَى الذين﴾ من إقامة الظاهر مقام المضمر تشنيعاً عليهم، وقوله: ﴿إِلاَّ مَا كَانُواْ﴾ أي: إلاَّ مثل ما كانوا، قال الزمخشري: إنما كرر ذكر السيئات، لأن في إسناد عمل السيئة إليهم مكرراً فضل تهجين لحالهم، وزيادة تبغيض للسيئة إلى السامعين، وهذا من فضله العظيم أنه لا يجزي بالسيئة إلا مثلها، ويجزي بالحسنة بعشر أمثالها.
فإن قيل: قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7] كرر ذكر الإحسان واكتفى في ذكر الإساءة بمرة واحدة، (وفي هذه الآية كرر الإساءة واكتفى في ذكر الإحسان بمرة واحدة) فما السبب؟
والجواب: أن هذا المقام مقام الترغيب في الدار الآخرة فكانت المبالغة في النهي عن المعصية مبالغة في الدعوة إلى الآخرة، وأما الآية الأخرى فهي في شرح حالهم فكانت المبالغة في ذكر محاسنهم أولى. فإن قيل: كيف لا تجزى السيئة إلا بمثلها مع أن المتكلم بكلمة الكفر إذا مات في الحال عذب أبد الآباد؟ فالجواب: لأنه كان على عزم أنه لو عاش أبداً لقال ذلك فعومل بمقتضى عزمه.
قوله: ﴿إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن﴾ قال أبو علي: فرض عليك أحكامه وفرائضه «لَرَادُّكَ» بعد الموت «إلَى مَعَادٍ» وتنكير المعاد لتعظيمه، كأنه قال: مَعَادٍ وأي معاد، أي ليس لغيرك من البشر مثله، وقيل: المراد به مكة وترداده إليها يوم الفتح، ووجه تنكيره إياها كانت في ذلك اليوم معاداً لها شأن عظيم لاستيلاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عليها، وقهره لأهلها وإظهار عز الإسلام وإذلال حزب الكفرة، والسورة مكية، فكأن الله تعالى وعده وهو بمكة حين أوذي وهو في غلبة من أهلها أنه يهاجر منها، ويعيده إليها ظاهراً ظافراً، وقال مقاتل: «إنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خرج من الغار وسار في غير الطريق مخافة الطلب فلما رجع إلى الطريق نزل بالجحفة بين مكة والمدينة، وعرف الطريق إلى مكة واشتاق إليها وذكر مولده ومولد أبيه، فنزل جبريل فقال: أتشتاق إلى بلدك ومولدك؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» نَعَمْ «فقال جبريل إنَّ الله يقول: ﴿إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن لَرَآدُّكَ إلى مَعَادٍ﴾ » يعني مكة ظاهراً عليهم قال المحققون: وهذا حد ما يدل على نبوته، لأنه أخبر عن الغيب ووقع ما أخبر به فيكون معجزاً.
قوله: ﴿مَن جَآءَ بالهدى﴾ منصوب بمضمر، أي: يَعْلَمْ أو «أَعْلَم» إن جعلناها بمعنى عالم وأعملناها إعماله، ووجه تعلقه بما قبله أنَّ الله تعالى لما وعد رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الرد إلى معاد قال: قل للمشركين ﴿ربي أَعْلَمُ مَن جَآءَ بالهدى﴾ يعني نفسه وما يستحقه من الثواب في المعاد والإعزاز بالإعادة إلى مكة ﴿وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ يعنيهم وما يستحقونه من العذاب في معادهم.
قوله: ﴿وَمَا كُنتَ ترجوا أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب﴾ أي: يوحى إليك القرآن ﴿إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ قال الفراء هذا استثناء منقطع، أي: لكن رحمة من ربك فأعطاك القرآن وقيل: متصل. قال الزمخشري: هذا كلام محمول على المعنى، كأنه قيل: وما ألقي إليك الكتاب إلا رحمة. فيكون استثناء من الأحوال ومن المفعول له، ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَافِرِينَ﴾ أي: معيناً لهم على دينهم، قال مقاتل: وذلك حين دعي إلى دين آبائه فذكره الله نعمه ونهاه عن مظاهرتهم على ما هم عليه.
قوله: ﴿وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ الله﴾ قرأ العامة بفتح الياء وضم الصاد، من: صدَّه يصُدُّه، وقرىء بضم الياء وكسر الصاد، من: أصده بمعنى صَدَّه، حكاها أبو زيد عن كلب. قال الشاعر:
4023 - أُنَاسٌ أَصَدُّوا النَّاسَ بِالسَّيْفِ عَنْهُم ... صُدُودَ السَّوَاقِي عَنْ أُنُوف الحَوَائِمِ وأصل «يَصُدُّنكَ» «يَصُدُّونَنَّكَ» ، ففعل فيه ما فعل في ﴿لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ [هود: 8] ، والمعنى لا تلتفت إلى هؤلاء ولا تركن إلى قولهم فيصدوك عن اتباع آيات الله يعني القرآن. ﴿بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وادع إلى رَبِّكَ﴾ أي: إلى دين ربك وإلى معرفته وتوحيده ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ قال ابن عباس: الخطاب في الظاهر للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمراد به: أهل دينه، أي: لا تظاهروا الكفار ولا توافقوهم ومثله: ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾ وهذا وإن كان واجباً على الكلِّ إلا أنه تعالى خاطبه به خصوصاً لأجل (التعليم) ، فإن قيل: الرسول كان معلوماً منه أنه لا يفعل شيئاً من ذلك ألبتة، فما فائدة ذلك النهي؟ فالجواب: أنَّ الخطاب وإن كان معه لكن المراد غيره، ويجوز أن يكون المعنى: لا تعتمد على غير الله ولا تتخذ غيره وكيلاً في أمورك، فإن وثق بغير الله فكأنَّه لم يكمل طريقه في التوحيد، ثم بيَّن أنه لا إله إلاَّ هو أي: لا نافع ولا ضار ولا معطي ولا مانع إلاَّ هو كقوله: ﴿رَّبُّ المشرق والمغرب لاَ إله إِلاَّ هُوَ فاتخذه وَكِيلاً﴾ [المزمل: 9] فلا يجوز اتخاذ إلهٍ سواه.
قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ من جعل شيئاً يطلق على الباري تعالى - وهو الصحيح - قال: هذا استثناء متصل، والمراد بالوجه الذات، وإنَّما جرى على عادة العرب في التعبير بالأشرف عن الجملة، ومن لم يطلق عليه جعله متصلاً أيضاً، وجعل الوجه ما عمل لأجله أو الجاه الذي بين الناس، أو يجعله منقطعاً أي: لكن هو تعالى لم يهلك.
فصل
استدلت المعتزلة على أن الجنة والنار غير مخلوقتين بأنَّ هذه الآية تقتضي فناء الكل، فلو كانتا مخلوقتين لكان هذا يناقض قوله تعالى في صفة الجنة ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ﴾ [الرعد: 35] ، والجواب: هذا معارض بقوله تعالى (في صفة الجنة) {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] وفي صفة النار: ﴿وَقُودُهَا الناس والحجارة أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 24] ثم إما أن يحمل قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾ على الأكثر كقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 24] أو يحمل على الفناء القليل كقوله: ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ﴾ [الرعد: 35] على أن فناءها لما كان قليلاً بالنسبة إلى زمان بقائها لا جرم أطلق لفظ الدوام عليها.
قوله: «وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» أي: في الآخرة، والعامة على بنائه للمفعول، وعيسى على بنائه للفاعل، روى الثعالبي في تفسير عن أُبَيِّ بن كعب قال: «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -:» من قَرَأَ طسم القصص لم يبق في السموات والأرض إلا شهد له يوم القيامة أنَّه كان مصدِّقًا أن كلَّ شيءٍ هالكٌ إلاَّ وجهه له الحكم وإليه ترجعون» سورة العنكبوت
القصص 28:86
قوله: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَاَ﴾ ، لمَّا بيَّن أن الدار الآخرة ليست إلا للمتقين بيَّن بعد ذلك ما يحصل لهم فقال: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ ، والمعنى: أنهم يزادون على ثوابهم، وقوله: ﴿وَمَن جَآءَ بالسيئة فَلاَ يُجْزَى الذين عَمِلُواْ السيئات إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ وظاهره أنهم لا يزادون على ما يستحقون.
فقوله: ﴿فَلاَ يُجْزَى الذين﴾ من إقامة الظاهر مقام المضمر تشنيعاً عليهم، وقوله: ﴿إِلاَّ مَا كَانُواْ﴾ أي: إلاَّ مثل ما كانوا، قال الزمخشري: إنما كرر ذكر السيئات، لأن في إسناد عمل السيئة إليهم مكرراً فضل تهجين لحالهم، وزيادة تبغيض للسيئة إلى السامعين، وهذا من فضله العظيم أنه لا يجزي بالسيئة إلا مثلها، ويجزي بالحسنة بعشر أمثالها.
فإن قيل: قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7] كرر ذكر الإحسان واكتفى في ذكر الإساءة بمرة واحدة، (وفي هذه الآية كرر الإساءة واكتفى في ذكر الإحسان بمرة واحدة) فما السبب؟
والجواب: أن هذا المقام مقام الترغيب في الدار الآخرة فكانت المبالغة في النهي عن المعصية مبالغة في الدعوة إلى الآخرة، وأما الآية الأخرى فهي في شرح حالهم فكانت المبالغة في ذكر محاسنهم أولى. فإن قيل: كيف لا تجزى السيئة إلا بمثلها مع أن المتكلم بكلمة الكفر إذا مات في الحال عذب أبد الآباد؟ فالجواب: لأنه كان على عزم أنه لو عاش أبداً لقال ذلك فعومل بمقتضى عزمه.
قوله: ﴿إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن﴾ قال أبو علي: فرض عليك أحكامه وفرائضه «لَرَادُّكَ» بعد الموت «إلَى مَعَادٍ» وتنكير المعاد لتعظيمه، كأنه قال: مَعَادٍ وأي معاد، أي ليس لغيرك من البشر مثله، وقيل: المراد به مكة وترداده إليها يوم الفتح، ووجه تنكيره إياها كانت في ذلك اليوم معاداً لها شأن عظيم لاستيلاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عليها، وقهره لأهلها وإظهار عز الإسلام وإذلال حزب الكفرة، والسورة مكية، فكأن الله تعالى وعده وهو بمكة حين أوذي وهو في غلبة من أهلها أنه يهاجر منها، ويعيده إليها ظاهراً ظافراً، وقال مقاتل: «إنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خرج من الغار وسار في غير الطريق مخافة الطلب فلما رجع إلى الطريق نزل بالجحفة بين مكة والمدينة، وعرف الطريق إلى مكة واشتاق إليها وذكر مولده ومولد أبيه، فنزل جبريل فقال: أتشتاق إلى بلدك ومولدك؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» نَعَمْ «فقال جبريل إنَّ الله يقول: ﴿إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن لَرَآدُّكَ إلى مَعَادٍ﴾ » يعني مكة ظاهراً عليهم قال المحققون: وهذا حد ما يدل على نبوته، لأنه أخبر عن الغيب ووقع ما أخبر به فيكون معجزاً.
قوله: ﴿مَن جَآءَ بالهدى﴾ منصوب بمضمر، أي: يَعْلَمْ أو «أَعْلَم» إن جعلناها بمعنى عالم وأعملناها إعماله، ووجه تعلقه بما قبله أنَّ الله تعالى لما وعد رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الرد إلى معاد قال: قل للمشركين ﴿ربي أَعْلَمُ مَن جَآءَ بالهدى﴾ يعني نفسه وما يستحقه من الثواب في المعاد والإعزاز بالإعادة إلى مكة ﴿وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ يعنيهم وما يستحقونه من العذاب في معادهم.
قوله: ﴿وَمَا كُنتَ ترجوا أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب﴾ أي: يوحى إليك القرآن ﴿إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ قال الفراء هذا استثناء منقطع، أي: لكن رحمة من ربك فأعطاك القرآن وقيل: متصل. قال الزمخشري: هذا كلام محمول على المعنى، كأنه قيل: وما ألقي إليك الكتاب إلا رحمة. فيكون استثناء من الأحوال ومن المفعول له، ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَافِرِينَ﴾ أي: معيناً لهم على دينهم، قال مقاتل: وذلك حين دعي إلى دين آبائه فذكره الله نعمه ونهاه عن مظاهرتهم على ما هم عليه.
قوله: ﴿وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ الله﴾ قرأ العامة بفتح الياء وضم الصاد، من: صدَّه يصُدُّه، وقرىء بضم الياء وكسر الصاد، من: أصده بمعنى صَدَّه، حكاها أبو زيد عن كلب. قال الشاعر:
4023 - أُنَاسٌ أَصَدُّوا النَّاسَ بِالسَّيْفِ عَنْهُم ... صُدُودَ السَّوَاقِي عَنْ أُنُوف الحَوَائِمِ وأصل «يَصُدُّنكَ» «يَصُدُّونَنَّكَ» ، ففعل فيه ما فعل في ﴿لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ [هود: 8] ، والمعنى لا تلتفت إلى هؤلاء ولا تركن إلى قولهم فيصدوك عن اتباع آيات الله يعني القرآن. ﴿بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وادع إلى رَبِّكَ﴾ أي: إلى دين ربك وإلى معرفته وتوحيده ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ قال ابن عباس: الخطاب في الظاهر للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمراد به: أهل دينه، أي: لا تظاهروا الكفار ولا توافقوهم ومثله: ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾ وهذا وإن كان واجباً على الكلِّ إلا أنه تعالى خاطبه به خصوصاً لأجل (التعليم) ، فإن قيل: الرسول كان معلوماً منه أنه لا يفعل شيئاً من ذلك ألبتة، فما فائدة ذلك النهي؟ فالجواب: أنَّ الخطاب وإن كان معه لكن المراد غيره، ويجوز أن يكون المعنى: لا تعتمد على غير الله ولا تتخذ غيره وكيلاً في أمورك، فإن وثق بغير الله فكأنَّه لم يكمل طريقه في التوحيد، ثم بيَّن أنه لا إله إلاَّ هو أي: لا نافع ولا ضار ولا معطي ولا مانع إلاَّ هو كقوله: ﴿رَّبُّ المشرق والمغرب لاَ إله إِلاَّ هُوَ فاتخذه وَكِيلاً﴾ [المزمل: 9] فلا يجوز اتخاذ إلهٍ سواه.
قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ من جعل شيئاً يطلق على الباري تعالى - وهو الصحيح - قال: هذا استثناء متصل، والمراد بالوجه الذات، وإنَّما جرى على عادة العرب في التعبير بالأشرف عن الجملة، ومن لم يطلق عليه جعله متصلاً أيضاً، وجعل الوجه ما عمل لأجله أو الجاه الذي بين الناس، أو يجعله منقطعاً أي: لكن هو تعالى لم يهلك.
فصل
استدلت المعتزلة على أن الجنة والنار غير مخلوقتين بأنَّ هذه الآية تقتضي فناء الكل، فلو كانتا مخلوقتين لكان هذا يناقض قوله تعالى في صفة الجنة ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ﴾ [الرعد: 35] ، والجواب: هذا معارض بقوله تعالى (في صفة الجنة) {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] وفي صفة النار: ﴿وَقُودُهَا الناس والحجارة أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 24] ثم إما أن يحمل قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾ على الأكثر كقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 24] أو يحمل على الفناء القليل كقوله: ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ﴾ [الرعد: 35] على أن فناءها لما كان قليلاً بالنسبة إلى زمان بقائها لا جرم أطلق لفظ الدوام عليها.
قوله: «وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» أي: في الآخرة، والعامة على بنائه للمفعول، وعيسى على بنائه للفاعل، روى الثعالبي في تفسير عن أُبَيِّ بن كعب قال: «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -:» من قَرَأَ طسم القصص لم يبق في السموات والأرض إلا شهد له يوم القيامة أنَّه كان مصدِّقًا أن كلَّ شيءٍ هالكٌ إلاَّ وجهه له الحكم وإليه ترجعون» سورة العنكبوت
القصص 28:87
قوله: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَاَ﴾ ، لمَّا بيَّن أن الدار الآخرة ليست إلا للمتقين بيَّن بعد ذلك ما يحصل لهم فقال: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ ، والمعنى: أنهم يزادون على ثوابهم، وقوله: ﴿وَمَن جَآءَ بالسيئة فَلاَ يُجْزَى الذين عَمِلُواْ السيئات إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ وظاهره أنهم لا يزادون على ما يستحقون.
فقوله: ﴿فَلاَ يُجْزَى الذين﴾ من إقامة الظاهر مقام المضمر تشنيعاً عليهم، وقوله: ﴿إِلاَّ مَا كَانُواْ﴾ أي: إلاَّ مثل ما كانوا، قال الزمخشري: إنما كرر ذكر السيئات، لأن في إسناد عمل السيئة إليهم مكرراً فضل تهجين لحالهم، وزيادة تبغيض للسيئة إلى السامعين، وهذا من فضله العظيم أنه لا يجزي بالسيئة إلا مثلها، ويجزي بالحسنة بعشر أمثالها.
فإن قيل: قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7] كرر ذكر الإحسان واكتفى في ذكر الإساءة بمرة واحدة، (وفي هذه الآية كرر الإساءة واكتفى في ذكر الإحسان بمرة واحدة) فما السبب؟
والجواب: أن هذا المقام مقام الترغيب في الدار الآخرة فكانت المبالغة في النهي عن المعصية مبالغة في الدعوة إلى الآخرة، وأما الآية الأخرى فهي في شرح حالهم فكانت المبالغة في ذكر محاسنهم أولى. فإن قيل: كيف لا تجزى السيئة إلا بمثلها مع أن المتكلم بكلمة الكفر إذا مات في الحال عذب أبد الآباد؟ فالجواب: لأنه كان على عزم أنه لو عاش أبداً لقال ذلك فعومل بمقتضى عزمه.
قوله: ﴿إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن﴾ قال أبو علي: فرض عليك أحكامه وفرائضه «لَرَادُّكَ» بعد الموت «إلَى مَعَادٍ» وتنكير المعاد لتعظيمه، كأنه قال: مَعَادٍ وأي معاد، أي ليس لغيرك من البشر مثله، وقيل: المراد به مكة وترداده إليها يوم الفتح، ووجه تنكيره إياها كانت في ذلك اليوم معاداً لها شأن عظيم لاستيلاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عليها، وقهره لأهلها وإظهار عز الإسلام وإذلال حزب الكفرة، والسورة مكية، فكأن الله تعالى وعده وهو بمكة حين أوذي وهو في غلبة من أهلها أنه يهاجر منها، ويعيده إليها ظاهراً ظافراً، وقال مقاتل: «إنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خرج من الغار وسار في غير الطريق مخافة الطلب فلما رجع إلى الطريق نزل بالجحفة بين مكة والمدينة، وعرف الطريق إلى مكة واشتاق إليها وذكر مولده ومولد أبيه، فنزل جبريل فقال: أتشتاق إلى بلدك ومولدك؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» نَعَمْ «فقال جبريل إنَّ الله يقول: ﴿إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن لَرَآدُّكَ إلى مَعَادٍ﴾ » يعني مكة ظاهراً عليهم قال المحققون: وهذا حد ما يدل على نبوته، لأنه أخبر عن الغيب ووقع ما أخبر به فيكون معجزاً.
قوله: ﴿مَن جَآءَ بالهدى﴾ منصوب بمضمر، أي: يَعْلَمْ أو «أَعْلَم» إن جعلناها بمعنى عالم وأعملناها إعماله، ووجه تعلقه بما قبله أنَّ الله تعالى لما وعد رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الرد إلى معاد قال: قل للمشركين ﴿ربي أَعْلَمُ مَن جَآءَ بالهدى﴾ يعني نفسه وما يستحقه من الثواب في المعاد والإعزاز بالإعادة إلى مكة ﴿وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ يعنيهم وما يستحقونه من العذاب في معادهم.
قوله: ﴿وَمَا كُنتَ ترجوا أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب﴾ أي: يوحى إليك القرآن ﴿إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ قال الفراء هذا استثناء منقطع، أي: لكن رحمة من ربك فأعطاك القرآن وقيل: متصل. قال الزمخشري: هذا كلام محمول على المعنى، كأنه قيل: وما ألقي إليك الكتاب إلا رحمة. فيكون استثناء من الأحوال ومن المفعول له، ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَافِرِينَ﴾ أي: معيناً لهم على دينهم، قال مقاتل: وذلك حين دعي إلى دين آبائه فذكره الله نعمه ونهاه عن مظاهرتهم على ما هم عليه.
قوله: ﴿وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ الله﴾ قرأ العامة بفتح الياء وضم الصاد، من: صدَّه يصُدُّه، وقرىء بضم الياء وكسر الصاد، من: أصده بمعنى صَدَّه، حكاها أبو زيد عن كلب. قال الشاعر:
4023 - أُنَاسٌ أَصَدُّوا النَّاسَ بِالسَّيْفِ عَنْهُم ... صُدُودَ السَّوَاقِي عَنْ أُنُوف الحَوَائِمِ وأصل «يَصُدُّنكَ» «يَصُدُّونَنَّكَ» ، ففعل فيه ما فعل في ﴿لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ [هود: 8] ، والمعنى لا تلتفت إلى هؤلاء ولا تركن إلى قولهم فيصدوك عن اتباع آيات الله يعني القرآن. ﴿بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وادع إلى رَبِّكَ﴾ أي: إلى دين ربك وإلى معرفته وتوحيده ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ قال ابن عباس: الخطاب في الظاهر للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمراد به: أهل دينه، أي: لا تظاهروا الكفار ولا توافقوهم ومثله: ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾ وهذا وإن كان واجباً على الكلِّ إلا أنه تعالى خاطبه به خصوصاً لأجل (التعليم) ، فإن قيل: الرسول كان معلوماً منه أنه لا يفعل شيئاً من ذلك ألبتة، فما فائدة ذلك النهي؟ فالجواب: أنَّ الخطاب وإن كان معه لكن المراد غيره، ويجوز أن يكون المعنى: لا تعتمد على غير الله ولا تتخذ غيره وكيلاً في أمورك، فإن وثق بغير الله فكأنَّه لم يكمل طريقه في التوحيد، ثم بيَّن أنه لا إله إلاَّ هو أي: لا نافع ولا ضار ولا معطي ولا مانع إلاَّ هو كقوله: ﴿رَّبُّ المشرق والمغرب لاَ إله إِلاَّ هُوَ فاتخذه وَكِيلاً﴾ [المزمل: 9] فلا يجوز اتخاذ إلهٍ سواه.
قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ من جعل شيئاً يطلق على الباري تعالى - وهو الصحيح - قال: هذا استثناء متصل، والمراد بالوجه الذات، وإنَّما جرى على عادة العرب في التعبير بالأشرف عن الجملة، ومن لم يطلق عليه جعله متصلاً أيضاً، وجعل الوجه ما عمل لأجله أو الجاه الذي بين الناس، أو يجعله منقطعاً أي: لكن هو تعالى لم يهلك.
فصل
استدلت المعتزلة على أن الجنة والنار غير مخلوقتين بأنَّ هذه الآية تقتضي فناء الكل، فلو كانتا مخلوقتين لكان هذا يناقض قوله تعالى في صفة الجنة ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ﴾ [الرعد: 35] ، والجواب: هذا معارض بقوله تعالى (في صفة الجنة) {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] وفي صفة النار: ﴿وَقُودُهَا الناس والحجارة أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 24] ثم إما أن يحمل قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾ على الأكثر كقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 24] أو يحمل على الفناء القليل كقوله: ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ﴾ [الرعد: 35] على أن فناءها لما كان قليلاً بالنسبة إلى زمان بقائها لا جرم أطلق لفظ الدوام عليها.
قوله: «وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» أي: في الآخرة، والعامة على بنائه للمفعول، وعيسى على بنائه للفاعل، روى الثعالبي في تفسير عن أُبَيِّ بن كعب قال: «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -:» من قَرَأَ طسم القصص لم يبق في السموات والأرض إلا شهد له يوم القيامة أنَّه كان مصدِّقًا أن كلَّ شيءٍ هالكٌ إلاَّ وجهه له الحكم وإليه ترجعون» سورة العنكبوت
القصص 28:88
قوله: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَاَ﴾ ، لمَّا بيَّن أن الدار الآخرة ليست إلا للمتقين بيَّن بعد ذلك ما يحصل لهم فقال: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ ، والمعنى: أنهم يزادون على ثوابهم، وقوله: ﴿وَمَن جَآءَ بالسيئة فَلاَ يُجْزَى الذين عَمِلُواْ السيئات إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ وظاهره أنهم لا يزادون على ما يستحقون.
فقوله: ﴿فَلاَ يُجْزَى الذين﴾ من إقامة الظاهر مقام المضمر تشنيعاً عليهم، وقوله: ﴿إِلاَّ مَا كَانُواْ﴾ أي: إلاَّ مثل ما كانوا، قال الزمخشري: إنما كرر ذكر السيئات، لأن في إسناد عمل السيئة إليهم مكرراً فضل تهجين لحالهم، وزيادة تبغيض للسيئة إلى السامعين، وهذا من فضله العظيم أنه لا يجزي بالسيئة إلا مثلها، ويجزي بالحسنة بعشر أمثالها.
فإن قيل: قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7] كرر ذكر الإحسان واكتفى في ذكر الإساءة بمرة واحدة، (وفي هذه الآية كرر الإساءة واكتفى في ذكر الإحسان بمرة واحدة) فما السبب؟
والجواب: أن هذا المقام مقام الترغيب في الدار الآخرة فكانت المبالغة في النهي عن المعصية مبالغة في الدعوة إلى الآخرة، وأما الآية الأخرى فهي في شرح حالهم فكانت المبالغة في ذكر محاسنهم أولى. فإن قيل: كيف لا تجزى السيئة إلا بمثلها مع أن المتكلم بكلمة الكفر إذا مات في الحال عذب أبد الآباد؟ فالجواب: لأنه كان على عزم أنه لو عاش أبداً لقال ذلك فعومل بمقتضى عزمه.
قوله: ﴿إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن﴾ قال أبو علي: فرض عليك أحكامه وفرائضه «لَرَادُّكَ» بعد الموت «إلَى مَعَادٍ» وتنكير المعاد لتعظيمه، كأنه قال: مَعَادٍ وأي معاد، أي ليس لغيرك من البشر مثله، وقيل: المراد به مكة وترداده إليها يوم الفتح، ووجه تنكيره إياها كانت في ذلك اليوم معاداً لها شأن عظيم لاستيلاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عليها، وقهره لأهلها وإظهار عز الإسلام وإذلال حزب الكفرة، والسورة مكية، فكأن الله تعالى وعده وهو بمكة حين أوذي وهو في غلبة من أهلها أنه يهاجر منها، ويعيده إليها ظاهراً ظافراً، وقال مقاتل: «إنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خرج من الغار وسار في غير الطريق مخافة الطلب فلما رجع إلى الطريق نزل بالجحفة بين مكة والمدينة، وعرف الطريق إلى مكة واشتاق إليها وذكر مولده ومولد أبيه، فنزل جبريل فقال: أتشتاق إلى بلدك ومولدك؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» نَعَمْ «فقال جبريل إنَّ الله يقول: ﴿إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن لَرَآدُّكَ إلى مَعَادٍ﴾ » يعني مكة ظاهراً عليهم قال المحققون: وهذا حد ما يدل على نبوته، لأنه أخبر عن الغيب ووقع ما أخبر به فيكون معجزاً.
قوله: ﴿مَن جَآءَ بالهدى﴾ منصوب بمضمر، أي: يَعْلَمْ أو «أَعْلَم» إن جعلناها بمعنى عالم وأعملناها إعماله، ووجه تعلقه بما قبله أنَّ الله تعالى لما وعد رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الرد إلى معاد قال: قل للمشركين ﴿ربي أَعْلَمُ مَن جَآءَ بالهدى﴾ يعني نفسه وما يستحقه من الثواب في المعاد والإعزاز بالإعادة إلى مكة ﴿وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ يعنيهم وما يستحقونه من العذاب في معادهم.
قوله: ﴿وَمَا كُنتَ ترجوا أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب﴾ أي: يوحى إليك القرآن ﴿إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ قال الفراء هذا استثناء منقطع، أي: لكن رحمة من ربك فأعطاك القرآن وقيل: متصل. قال الزمخشري: هذا كلام محمول على المعنى، كأنه قيل: وما ألقي إليك الكتاب إلا رحمة. فيكون استثناء من الأحوال ومن المفعول له، ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَافِرِينَ﴾ أي: معيناً لهم على دينهم، قال مقاتل: وذلك حين دعي إلى دين آبائه فذكره الله نعمه ونهاه عن مظاهرتهم على ما هم عليه.
قوله: ﴿وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ الله﴾ قرأ العامة بفتح الياء وضم الصاد، من: صدَّه يصُدُّه، وقرىء بضم الياء وكسر الصاد، من: أصده بمعنى صَدَّه، حكاها أبو زيد عن كلب. قال الشاعر:
4023 - أُنَاسٌ أَصَدُّوا النَّاسَ بِالسَّيْفِ عَنْهُم ... صُدُودَ السَّوَاقِي عَنْ أُنُوف الحَوَائِمِ وأصل «يَصُدُّنكَ» «يَصُدُّونَنَّكَ» ، ففعل فيه ما فعل في ﴿لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ [هود: 8] ، والمعنى لا تلتفت إلى هؤلاء ولا تركن إلى قولهم فيصدوك عن اتباع آيات الله يعني القرآن. ﴿بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وادع إلى رَبِّكَ﴾ أي: إلى دين ربك وإلى معرفته وتوحيده ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ قال ابن عباس: الخطاب في الظاهر للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمراد به: أهل دينه، أي: لا تظاهروا الكفار ولا توافقوهم ومثله: ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾ وهذا وإن كان واجباً على الكلِّ إلا أنه تعالى خاطبه به خصوصاً لأجل (التعليم) ، فإن قيل: الرسول كان معلوماً منه أنه لا يفعل شيئاً من ذلك ألبتة، فما فائدة ذلك النهي؟ فالجواب: أنَّ الخطاب وإن كان معه لكن المراد غيره، ويجوز أن يكون المعنى: لا تعتمد على غير الله ولا تتخذ غيره وكيلاً في أمورك، فإن وثق بغير الله فكأنَّه لم يكمل طريقه في التوحيد، ثم بيَّن أنه لا إله إلاَّ هو أي: لا نافع ولا ضار ولا معطي ولا مانع إلاَّ هو كقوله: ﴿رَّبُّ المشرق والمغرب لاَ إله إِلاَّ هُوَ فاتخذه وَكِيلاً﴾ [المزمل: 9] فلا يجوز اتخاذ إلهٍ سواه.
قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ من جعل شيئاً يطلق على الباري تعالى - وهو الصحيح - قال: هذا استثناء متصل، والمراد بالوجه الذات، وإنَّما جرى على عادة العرب في التعبير بالأشرف عن الجملة، ومن لم يطلق عليه جعله متصلاً أيضاً، وجعل الوجه ما عمل لأجله أو الجاه الذي بين الناس، أو يجعله منقطعاً أي: لكن هو تعالى لم يهلك.
فصل
استدلت المعتزلة على أن الجنة والنار غير مخلوقتين بأنَّ هذه الآية تقتضي فناء الكل، فلو كانتا مخلوقتين لكان هذا يناقض قوله تعالى في صفة الجنة ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ﴾ [الرعد: 35] ، والجواب: هذا معارض بقوله تعالى (في صفة الجنة) {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] وفي صفة النار: ﴿وَقُودُهَا الناس والحجارة أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 24] ثم إما أن يحمل قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾ على الأكثر كقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 24] أو يحمل على الفناء القليل كقوله: ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ﴾ [الرعد: 35] على أن فناءها لما كان قليلاً بالنسبة إلى زمان بقائها لا جرم أطلق لفظ الدوام عليها.
قوله: «وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» أي: في الآخرة، والعامة على بنائه للمفعول، وعيسى على بنائه للفاعل، روى الثعالبي في تفسير عن أُبَيِّ بن كعب قال: «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -:» من قَرَأَ طسم القصص لم يبق في السموات والأرض إلا شهد له يوم القيامة أنَّه كان مصدِّقًا أن كلَّ شيءٍ هالكٌ إلاَّ وجهه له الحكم وإليه ترجعون» سورة العنكبوت
العنكبوت 29:1
مكية إلا عشر آيات من أولها إلى قوله: " وليعلمن المنافقين ". قال الشعبي: فإنها مدنية. وهي تسع وستون آية، وألف وتسعمائة وإحدى وثمانون كلمة، وأربعة آلاف ومائة وخمسة وتسعون (حرفا) . اعلم أن منكري الحشر يقولون لا فائدة في التكاليف، فإنها مشاق في الحال، ولا فائدةَ لها في المآل؛ إذ لا مآل ولا مرجع بعد الهلاك والزوالِ، فلما بين الله تعالى أنهم إليه يرجعون في آخر السورة قبلها بين أن الأمر ليس على ما حسبوه، بل (حسن التكليف) ، لأنه يهذب الشكور ويعذب الكفور، فقال: ﴿أحسب الناس أن يتركوا﴾ غير مكلفين من غير عمل يرجعون به إلى ربهم.
فصل في حكمة افتتاح هذه السُّوَرِ بحروف التَّهَجِّي
ولنذكرْ كلاماً كُلِّيّاً في افتتاح السور بالحروف.
اعلم أن الحكيم إذا خاطب من يكون محل الغفلة، أو من يكون مشغول البال بشغل يشغله يقدم على الكلام المقصود سبباً غيره ليلتفت المخاطب (إليه) بسببه، ويقبل بقلبه عليه، ثم يشرع في المقصود.
واعلم أن ذلك المتقدم على الكلام (المقصود قد يكون كلاماً له معنى مفهوماً، كقول القائل: «زَيْدٌ، ويَا زَيْدُ» و «أَلاَ زَيْدُ» .
وقد يكون المقدم صوتاً) غير مفهوم، كمن يُصَفِّرُ خلف إنسان ليلتفتَ وقد يكون الصوت بغير افم، كتصفيق الإنسان بيده، ليقبل السامع عليه.
ثم إن توقع الغفلة (كلما كان أتم، والكلام المقصود كان أهم) ، كان المقدم على الكلام المقصود أكثر ولهذا ينادى القريب «بالهمزة» فيقال: «أَزَيْدُ» ، والبعيد ب «يَا» ، فيقال: «يَا زَيْدُ» ، والغافل ينبه أولاً، فيقال: «أَلاَ يَا زَيْدُ» .
إذا تقرر هذا فنقول: النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وإن كان يَقْظَانَ الجَنانِ لكنه إنسان يَشغله شأن عن شأن، فحسن من الحكيم أن يقدم على الكلام المقصود حروفاً هي كالمنبِّهات.
وتلك الحروف إذا لم يفم معناها تكون أتم في إفادة المقصود الذي هو التنبيه من تقديم الحروف المفهومة، لأن الحروف إذا كانت مفهومة المعنى، وذكرت لإقبال السامع على المتكلم لكي يسمع ما بعد ذلك فربما يظن السامع أنه كل المقصود و «لا» كلام بعد ذلك فيقطع الالتفات عنه أما إذا سمع صوتاً بلا معنى فإنه يقبل عليه ولا يقطع نظره عنه ما لم يسمع غيره، لجزمه بأن ما سمعه ليس هو المقصود.
فإذن تقديم الحروف التي لا يفهم معناها على الكلام المقصود فيه حكمة بالغة.
فإن قيلَ: فما الحكمة في اختصاص بعض السورة بهذه الحروف؟
فالجواب: قال ابن الخطيب: عقل البشر يعجز عن إدراك الأشياء الكُلِّيَّة على تفاصيلها، لكن نذكر ما يوفقنا الله له فنقول: كل سورة في أوائلها (حروف التهجي فإن في أوائلها) ذكر الكتاب أو التنزيل، أو القرآن كقوله تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الكتاب﴾ [البقرة: 1 - 2] ،
﴿الم الله لاا إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم﴾ [آل عمران: 1 - 3] ، ﴿المص كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ﴾ [الأعراف: 1 - 2] ، ﴿يس والقرآن الحكيم﴾ [يس: 1 - 2] ، ﴿الم تَنزِيلُ الكتاب﴾ [السجدة: 1 - 2] ، ﴿حم ? تَنزِيلُ﴾ [غافر: 1 - 2] {ق والقرآن المجيد} [ق: 1 - 2] . ﴿ص والقرآن ذِي الذكر﴾ [ص: 1 - 2] (إلا ثلاثَ سُوَرٍ) ﴿كهيعص﴾ [مريم: 1] ﴿الم أَحَسِبَ الناس﴾ [العنكبوت: 1 - 2] ﴿الم غُلِبَتِ الروم﴾ [الروم: 1 - 2] .
والحكمة في افتتاح السور التي فيها الكتاب والتنزيل والكتاب بالحروف (و) هي أن القرآن عظيم، والإنزال له أثقل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل: 5] ، فكذلك قدم عليها تنبيه يُوجِبُ ثبات المخاطب لاستماعه.
لا يُقالُ: كل سورة قرآن، واستماعها استماع للقرآن، سواء كان فيها ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن أو لم يكن فيجب أن يكون في أول كل سورة (منبه) ، وأيضاً فقد وردت سور فيها ذكر الإنزال، والكتاب، وليس فيها حروف، كقوله تعالى: ﴿الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا﴾ [الكهف: 1] ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: 1] ﴿تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان: 1] ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾ [القدر: 1] لأنا نقول جواباً عن الأول: (لا ريب) في أن كل سورة من القرآن، لكن السورة التي فيها ذكر القرآن والكتاب - مع أنهما من القرآن - فيها تنبيه على كل القرآن، فإن قوله تعالى: ﴿طه مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى﴾ [طه: 1 - 2] مع أنها بعض القرآن فيها ذكر جميع القرآن، فيصير مثاله كتاب يَردُ من مَلِكٍ على مملوكه فيه شُغْلٌ ما، وكتاب آخر يدر منه عليه فيه: «إنَّا كَتبنا إليك كتاباً فيه أمرُنا فامتثلْه» فلا شك أن هذا الكتاب الآخر أكثر ثقلاً من الأول.
وعن الثاني: أن قوله: «الحمد لله، وتبارك الذي» تسبيحات مقصودة، وتسبيح الله لا يَغْفَلُ عنه العبد، فلا يحتاج إلى منبه، بخلاف الأوامر والنواهي، وأما ذكر الكتاب فيها فلبيان وصف عظمةِ مَنْ له التسبيح، و «سورة أنزلناها» قد بينا أنها بعض من القرآن فيها ذكر إنزالها، وفي السورة التي ذكرناها ذكر جميع القرآن فهو أعظم وأثقل.
وأما قوله تعالى: «إنا أنزلناه» فهذا ليس وُرُداً على مشغول القلب بشيء غيره، بدليل أنه ذكر الكتاب فيها وهي ترجع إلى مذكور سابق أو معلوم عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فكان منبهاً له فلم يُنَبَّهْ.
واعلم أن التنبيه قد حصل في القرآن بغير الحروف التي لا يفهم معناها، كقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: 1] ، وقوله: ﴿ياا أَيُّهَا النبي اتق الله﴾ [الأحزاب: 1] ، ﴿يا أيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ﴾ [التحريم: 1] لأنها أشياء هائلة عظيمة، فإن تقوى الله حق تقاته أمر عظيم فقدم عليها النداء الذي يكون للبعيد الغافل عنها.
وأما هذه السور افتتحت بالحروف وليس فيها الابتداء بالكتاب والقرآن، وذلك لأن ثِقَلَ القرآن هو ما فيه من التكاليف والمعاد، وهذه السورة فيها ذكر جميع التكاليف حيث قال: ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا «يعني لا يتركون بمجرد ذلك، بل لا بدّ وأن يؤمنوا بأنواع التكاليف، ففيها المعنى الذي في السورة التي ذكر يها القرآن المشتمل على الأومر والنواهي. فإن قيل: فهذا المعنى ورد في سورة التوبة وهو قوله: {بَرَآءَةٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ مِّنَ المشركين﴾ [التوبة: 1] ولم يقدم عليه حروف التهجي! .
فالجواب: أن هذا ابتداء كلام، ولهذا وقع الاستفهام بالهمزة، فقال:» أَحَسِبَ» ، وذلك وسط كلام بدليل وقوع الاستفهام تاماً، والتنبيه (يكون) في أول الكلام، لا في أثنائه.
وأما ﴿الم غُلِبَتِ الروم﴾ فسيجيء في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا﴾ .
قوله: «أن يتركوا» سد مفعولي» حسب «عند الجمهور، ومسد أحدهما عند الأخفش.
قوله:» أن يقولوا» فيه أوجه:
أحدها: أنه بدل من «أن يتركوا» ، أبدل مصدراً مؤولاً من مثله.
الثاني: أنها على إسقاط الخافض، وهو الباء واللام، أي: بأن يقولوا، أو لأنْ يَقُولُوا.
قال ابن عطية وأبو البقاء: إذا قدرت الباء كان حالاً.
قال ابن عطية: والمعنى في الباء واللام مختلف، وذلك أنه في الباء، كما تقول: تركت زيداً بحاله وهي في اللام بمعنى من أجل، أي: أحسبوا أنَّ إيمانهم علةٌ للترك انتهى.
وهذا تفسير معنى، ولو فسر الإعراب لقال: أحسبانهم الترك لأجل تلفظهم بالإيمان.
وقال الزمخشري: فإن قلت: فأين الكلام الدال على المضمون الذي يقتضيه الحسبان (في الآية) ؟
قلت: هو في قوله: ﴿أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون﴾ ، وذلك أن تقديره: أحسبوا تركهم غير مَفْتُونِينَ لقولهم: آمنا، فالترك أولى مفعولي «حسب» ، وقولهم آمنا هو الخبر، وأما غير مفتونين فتتمة الترك، لأنه من الترك الذي هو بمعنى التصيير، كقوله:
2024 - فَتَركْتُهُ جَزَرَ السِّبَاعِ يَنُشْنَهُ..... ... ... ... ... ... ... ... ... .
ألا ترى أنك قبل المجيء بالحسبان تقدر أن تقول: (تركهم) غير مفتونين لقولهم آمنا، على تقدير حاصل ومستقر قبل اللام.
فإن قلت: أن يقولوا هو علة تركهم غير مفتونين فكيف يصح أن يقع خبر مبتدأ؟
قلت: كما تقول: خُرُوجُه لمخافة الشر، وضربه للتأديب وقد كان التأديب والمخافة في قولك: خرجت (مخافة) الشر وضربته تأديباً تعليلين. وتقول أيضاً: حسبت خروجه لِمَخَافَةِ الشَّرِّ، وظننت ضربه للتأديب فتجعلهما مفعولين كام جعلتهما مبتدأ وخبراً.
قال أبو حيان: وهذا كلام فيه اضطراب، ذكر أولاً أن تقديره غير مفتونين تتمة يعني أنه حال، لأنه سَبَك ذلك من قوله: ﴿وهم لا يفتنون﴾ وهي جملة حالية، ثم ذكر» أن يتركوا «هنا من الترك الذي هو تصيير، وهذا لا يصح، لأن مفعول» صير «الثاني لا يستقيم أن يكون لقولهم، إذا يصير التقدير: أن يصيروا لقولهم وهم لا يفتنون وهذا كلام لا يصحّ.
وأما ما مثله به من البيت فإنه يصح أن يكون» جزر السباع» مفعولاً ثانياً لترك - بمعنى صير - بخلاف ما قدر في الآية.
وأما تقديره: تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا على تقدير حاصل ومستقر قبل اللام فلا يصح؛ إذ كان تركهم بمعنى تصييرهم كان غير مفتونين حالاً، إذ لا ينعقد من تركهم بمعنى تصييرهم ولقولهم مبتدأ وخبر لاحتياج تركهم بمعنى تصييرهم إلى مفعول ثان، لأن غير مفتونين عنده حال، لا مفعول ثان.
وأما قوله: فإن قلت: أن يقولوا إلى آخره فيحتاج إلى فضله (فهم) ، وذلك أن قوله: أن يقولوا هو علة تركهم، فليس كذلك، لأنه لو كان علة لكان به متعلِّقاً كما يتعلق بالفِعْل، ولكنه علة الخبر المحذوف الذي هو مستقر أو كائن، والخبر غير المبتدأ، ولو كان «لقولهم» علة للترك لكان من تمامه فكان يحتاج إلى خبر.
وأما قوله: كما تقول: خروجه لمخافة الشرِّ، فلِمَخَافَةِ ليس علةً للخروج، بل للخبر المحذوف الذي هو مستقر أو كائن انتهى.
قال شهاب الدين: «ويجاب الشيخ بأن الزمخشري إنما نظر إلى جانب المعنى، وكلامه عليه صحيح.
وأما قوله: ليس علة للخروج ونحو ذلك، يعني في اللفظ، فأما في المعنى فهو علة قطعاً، ولولا خوف الخروج فات المقصود»
فصل
معنى الآية: أحسب الناس أن يتركوا بغير اختبار ولا ابتلاء أن يقولوا آمنا ﴿وهم لا يفتنون﴾ وهم لا يُبْتَلَوْنَ في أموالهم وأنفسهم، كلا لنختبرنهم، ليتبين المخلص من المنافق، والصادق من الكاذب.
واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، قال الشعبي: نزلت في ناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام، فكتب إليهم أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لا يقبل منكم إقرار باللسان حتى تهاجروا، فخرجوا عامدين إلى المدينة، فاتبعهم المشركون فقاتلوهم، فقتل بعضهم ونجا بعضهم، فأنزل الله هاتين الآيتين.
وقال ابن عباس: نزلت في الذين آمنوا بمكة، وكانوا يعذبون سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، وعمار بن ياسر وغيرهم.
وقال مقاتل: «نزلت في مهجع بن عبد الله، مولى عمر بن الخطاب، كان أولى قتيل من المسلمين يوم بدر فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -» سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ مهْجَع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة» ، فجزع أبواه وامرأته، فأنزل الله فيه هذه الآية، وقيل: وهم لا يفتنون بالأوامر والنواهي، وذلك أن الله تعالى أمرهم في الابتداء بمجرد الإيمان، ثم فرض عليهم الصلاة والزكاة وسائر الشرائع فشق على بعض فأنزل الله هذه الآية.
ثم عزاهم فقال: ﴿ولقد فتنا الذين من قبلهم﴾ يعني الأنبياء والمؤمنين، فمنهم من نُشِرَ بِمنْشَارٍ، ومنهم من قتل، وابتلي بنو إسرائيل بفرعون، فكان يسومُهُمْ سوء العذاب.
قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ﴾ العامة على فتح الياء مضارع «عِلَم» المتعدية لواحد كذا قالوا وفيه إشكال تقدم وهو أنها إذا تعدت لمفعول كانت بمعنى عرف، وهذا المعنى لا يجوز إسناده إلى الباري تعالى، لأنه يستدعي سبق حصل ولأنه يتعلق بالذات فقط، دون ما عليه من الأحوال.
وقرأ عليٌّ وجَعْفَرُ بنُ مُحمّد بضم الياء مضارع «أعلم» ، (ويحتمل أن يكون من علم بمعنى عرف، فلما جيء بهمزة النقل أكسبتها فمعولاً آخر، فحذف.
ثم هذا المفعول) يحتمل أن يكون هو الأول، أي ليعلمن اللَّهُ النَّاسَ الصَّادِقِينَ وليعلمهم الكاذبين أي بشهرة يعرف لها هؤلاء من هؤلاء، وأن يكون الثاني، أي ليعلمن هؤلاء منازلهم، وهؤلاء منازلهم في الآخرة، ويحتمل أن يكون من العلامة، وهي السِّيمَا، فلا يتعدى إلا لواحد أي ليجعلن لهم علامة يعرفون بها.
وقرأ الزُّهْرِيُّ الأولى كالمشهورة والثانية كالشاذة.
فصل
المعنى: فليعلمن الله الذين صدقوا في قولهم: آمَنَّا، وليعلمن الكاذبين.
قال المفسرون: ظاهر الآية يدل على تجدد العلم، والله تعال عالم بهم قبل الاختبار. ومعنى الآية: فليظهرن الله الصادقين من الكاذبين حتى يوحد معلومه.
وقال مقاتل: فليُرِيَنَّ الله. وقيل: ليميز الله، كقوله: ﴿لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب﴾ [الأنفال: 37] .
وقال ابن الخطيب: الية محملة على ظاهرها، وذلك أن علم الله صِفة يظهر فيها كل ما هو واقع كما هو واقع، فَقَبْلَ التكليف كان الله تعالى يعلم أنَّ زَيْداً مثلاً سيُطِيعُ وعَمْراً سيعصي ثم وقت التكليف بالإتيان يعلم أنه أطاع، والآخر عصى، ولا يتغير علمه في شيء من الأحوال، وإنما المتغير المعلوم.
ومثال ذلك في الحِسِّيَّاتِ أن المرآة الصافية الصقيلة إذا علقت في موضع، وقوبل بوجهها جهة (ولم تحرك) ثم عبر عليها زيد لابساً ثوباً أبيض يظهر فيها زيد في ثوب أبيض، وإذا عبر عليها «عمرو» في ثوب أصفر يظهر فيها كذلك. فهل يقع في ذهن أحد أن المرآة في كونها حديداً تغيرت، أو يقع له أنها في تدويرها تبدلت أو أنها في صقالتها اختلفت، أو يخطر بباله أنها عن مكانها انتقلت؟ لا يقع لأحد شيء من هذه الأشياء ويقطع بأن المتغير إنما هو الخارجات.
فعلم الله من هذا المثال بل أعلى من هذا المثال، فإن المرآة ممكنة التغيير، وعلم الله غي ممكن التغيير، فقوله: «فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ» من هذا المثال يعني يعلم من علم الله أنه يأتي بالطاعة فيعلم أنه مطيع بذلك العلم.
وليعلمن الكاذبين، يعني من قال: أنا مؤمن، وكان كذاباً فبفرض العبادات عليه يظهر منه ذلك ويعلم.
وفي قوله: «الَّذِينَ صَدَقُوا» بصيغة الفعل، وفي قوله: «الكَاذِبِينَ» فائدة مع أن الاختلاف في اللفظ أدل على الفصاحة وهي أن اسم الفاعل يدل في كثير من المواضع على ثبوت المصدر في الفاعل ورسوخه فيه، والفعل الماضي لا يَدُلُّ عليه، كما يقال: فُلاَن شَرِبَ الخَمْرَ، وفلانٌ شَارِبٌ الخَمْرَ، وفلان نفذ أَمْرُهُ، وفلان نافذ أمره، لا يفهم من صيغة الفعل التكرار والرسوخ، ويفهم من اسم الفاعل ذلك إذا ثبت هذا فنقول: وقت نزول الآية كانت الحكاية في قومٍ قرباءِ العهد بالإسلام في أوائل إيجاب التكاليف، وعن قوم قديمين في الكفر، مستمرين فيه. فقال في حق المؤمنين: «الذين صدقوا» بصيغة الفعل أي وُجِدَ منهم الصدق وقال في حق الذين كفروا: «الكاذبين» بالصيغة المفهمة للثبات والدوام، فلهذا قال: ﴿يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: 119] بلفظ اسم الفاعل، لأن في اليوم المذكور يكون الصدق قد رسخ في المؤمن وهو اليوم الآخر.
العنكبوت 29:2
مكية إلا عشر آيات من أولها إلى قوله: " وليعلمن المنافقين ". قال الشعبي: فإنها مدنية. وهي تسع وستون آية، وألف وتسعمائة وإحدى وثمانون كلمة، وأربعة آلاف ومائة وخمسة وتسعون (حرفا) . اعلم أن منكري الحشر يقولون لا فائدة في التكاليف، فإنها مشاق في الحال، ولا فائدةَ لها في المآل؛ إذ لا مآل ولا مرجع بعد الهلاك والزوالِ، فلما بين الله تعالى أنهم إليه يرجعون في آخر السورة قبلها بين أن الأمر ليس على ما حسبوه، بل (حسن التكليف) ، لأنه يهذب الشكور ويعذب الكفور، فقال: ﴿أحسب الناس أن يتركوا﴾ غير مكلفين من غير عمل يرجعون به إلى ربهم.
فصل في حكمة افتتاح هذه السُّوَرِ بحروف التَّهَجِّي
ولنذكرْ كلاماً كُلِّيّاً في افتتاح السور بالحروف.
اعلم أن الحكيم إذا خاطب من يكون محل الغفلة، أو من يكون مشغول البال بشغل يشغله يقدم على الكلام المقصود سبباً غيره ليلتفت المخاطب (إليه) بسببه، ويقبل بقلبه عليه، ثم يشرع في المقصود.
واعلم أن ذلك المتقدم على الكلام (المقصود قد يكون كلاماً له معنى مفهوماً، كقول القائل: «زَيْدٌ، ويَا زَيْدُ» و «أَلاَ زَيْدُ» .
وقد يكون المقدم صوتاً) غير مفهوم، كمن يُصَفِّرُ خلف إنسان ليلتفتَ وقد يكون الصوت بغير افم، كتصفيق الإنسان بيده، ليقبل السامع عليه.
ثم إن توقع الغفلة (كلما كان أتم، والكلام المقصود كان أهم) ، كان المقدم على الكلام المقصود أكثر ولهذا ينادى القريب «بالهمزة» فيقال: «أَزَيْدُ» ، والبعيد ب «يَا» ، فيقال: «يَا زَيْدُ» ، والغافل ينبه أولاً، فيقال: «أَلاَ يَا زَيْدُ» .
إذا تقرر هذا فنقول: النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وإن كان يَقْظَانَ الجَنانِ لكنه إنسان يَشغله شأن عن شأن، فحسن من الحكيم أن يقدم على الكلام المقصود حروفاً هي كالمنبِّهات.
وتلك الحروف إذا لم يفم معناها تكون أتم في إفادة المقصود الذي هو التنبيه من تقديم الحروف المفهومة، لأن الحروف إذا كانت مفهومة المعنى، وذكرت لإقبال السامع على المتكلم لكي يسمع ما بعد ذلك فربما يظن السامع أنه كل المقصود و «لا» كلام بعد ذلك فيقطع الالتفات عنه أما إذا سمع صوتاً بلا معنى فإنه يقبل عليه ولا يقطع نظره عنه ما لم يسمع غيره، لجزمه بأن ما سمعه ليس هو المقصود.
فإذن تقديم الحروف التي لا يفهم معناها على الكلام المقصود فيه حكمة بالغة.
فإن قيلَ: فما الحكمة في اختصاص بعض السورة بهذه الحروف؟
فالجواب: قال ابن الخطيب: عقل البشر يعجز عن إدراك الأشياء الكُلِّيَّة على تفاصيلها، لكن نذكر ما يوفقنا الله له فنقول: كل سورة في أوائلها (حروف التهجي فإن في أوائلها) ذكر الكتاب أو التنزيل، أو القرآن كقوله تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الكتاب﴾ [البقرة: 1 - 2] ،
﴿الم الله لاا إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم﴾ [آل عمران: 1 - 3] ، ﴿المص كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ﴾ [الأعراف: 1 - 2] ، ﴿يس والقرآن الحكيم﴾ [يس: 1 - 2] ، ﴿الم تَنزِيلُ الكتاب﴾ [السجدة: 1 - 2] ، ﴿حم ? تَنزِيلُ﴾ [غافر: 1 - 2] {ق والقرآن المجيد} [ق: 1 - 2] . ﴿ص والقرآن ذِي الذكر﴾ [ص: 1 - 2] (إلا ثلاثَ سُوَرٍ) ﴿كهيعص﴾ [مريم: 1] ﴿الم أَحَسِبَ الناس﴾ [العنكبوت: 1 - 2] ﴿الم غُلِبَتِ الروم﴾ [الروم: 1 - 2] .
والحكمة في افتتاح السور التي فيها الكتاب والتنزيل والكتاب بالحروف (و) هي أن القرآن عظيم، والإنزال له أثقل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل: 5] ، فكذلك قدم عليها تنبيه يُوجِبُ ثبات المخاطب لاستماعه.
لا يُقالُ: كل سورة قرآن، واستماعها استماع للقرآن، سواء كان فيها ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن أو لم يكن فيجب أن يكون في أول كل سورة (منبه) ، وأيضاً فقد وردت سور فيها ذكر الإنزال، والكتاب، وليس فيها حروف، كقوله تعالى: ﴿الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا﴾ [الكهف: 1] ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: 1] ﴿تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان: 1] ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾ [القدر: 1] لأنا نقول جواباً عن الأول: (لا ريب) في أن كل سورة من القرآن، لكن السورة التي فيها ذكر القرآن والكتاب - مع أنهما من القرآن - فيها تنبيه على كل القرآن، فإن قوله تعالى: ﴿طه مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى﴾ [طه: 1 - 2] مع أنها بعض القرآن فيها ذكر جميع القرآن، فيصير مثاله كتاب يَردُ من مَلِكٍ على مملوكه فيه شُغْلٌ ما، وكتاب آخر يدر منه عليه فيه: «إنَّا كَتبنا إليك كتاباً فيه أمرُنا فامتثلْه» فلا شك أن هذا الكتاب الآخر أكثر ثقلاً من الأول.
وعن الثاني: أن قوله: «الحمد لله، وتبارك الذي» تسبيحات مقصودة، وتسبيح الله لا يَغْفَلُ عنه العبد، فلا يحتاج إلى منبه، بخلاف الأوامر والنواهي، وأما ذكر الكتاب فيها فلبيان وصف عظمةِ مَنْ له التسبيح، و «سورة أنزلناها» قد بينا أنها بعض من القرآن فيها ذكر إنزالها، وفي السورة التي ذكرناها ذكر جميع القرآن فهو أعظم وأثقل.
وأما قوله تعالى: «إنا أنزلناه» فهذا ليس وُرُداً على مشغول القلب بشيء غيره، بدليل أنه ذكر الكتاب فيها وهي ترجع إلى مذكور سابق أو معلوم عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فكان منبهاً له فلم يُنَبَّهْ.
واعلم أن التنبيه قد حصل في القرآن بغير الحروف التي لا يفهم معناها، كقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: 1] ، وقوله: ﴿ياا أَيُّهَا النبي اتق الله﴾ [الأحزاب: 1] ، ﴿يا أيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ﴾ [التحريم: 1] لأنها أشياء هائلة عظيمة، فإن تقوى الله حق تقاته أمر عظيم فقدم عليها النداء الذي يكون للبعيد الغافل عنها.
وأما هذه السور افتتحت بالحروف وليس فيها الابتداء بالكتاب والقرآن، وذلك لأن ثِقَلَ القرآن هو ما فيه من التكاليف والمعاد، وهذه السورة فيها ذكر جميع التكاليف حيث قال: ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا «يعني لا يتركون بمجرد ذلك، بل لا بدّ وأن يؤمنوا بأنواع التكاليف، ففيها المعنى الذي في السورة التي ذكر يها القرآن المشتمل على الأومر والنواهي. فإن قيل: فهذا المعنى ورد في سورة التوبة وهو قوله: {بَرَآءَةٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ مِّنَ المشركين﴾ [التوبة: 1] ولم يقدم عليه حروف التهجي! .
فالجواب: أن هذا ابتداء كلام، ولهذا وقع الاستفهام بالهمزة، فقال:» أَحَسِبَ» ، وذلك وسط كلام بدليل وقوع الاستفهام تاماً، والتنبيه (يكون) في أول الكلام، لا في أثنائه.
وأما ﴿الم غُلِبَتِ الروم﴾ فسيجيء في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا﴾ .
قوله: «أن يتركوا» سد مفعولي» حسب «عند الجمهور، ومسد أحدهما عند الأخفش.
قوله:» أن يقولوا» فيه أوجه:
أحدها: أنه بدل من «أن يتركوا» ، أبدل مصدراً مؤولاً من مثله.
الثاني: أنها على إسقاط الخافض، وهو الباء واللام، أي: بأن يقولوا، أو لأنْ يَقُولُوا.
قال ابن عطية وأبو البقاء: إذا قدرت الباء كان حالاً.
قال ابن عطية: والمعنى في الباء واللام مختلف، وذلك أنه في الباء، كما تقول: تركت زيداً بحاله وهي في اللام بمعنى من أجل، أي: أحسبوا أنَّ إيمانهم علةٌ للترك انتهى.
وهذا تفسير معنى، ولو فسر الإعراب لقال: أحسبانهم الترك لأجل تلفظهم بالإيمان.
وقال الزمخشري: فإن قلت: فأين الكلام الدال على المضمون الذي يقتضيه الحسبان (في الآية) ؟
قلت: هو في قوله: ﴿أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون﴾ ، وذلك أن تقديره: أحسبوا تركهم غير مَفْتُونِينَ لقولهم: آمنا، فالترك أولى مفعولي «حسب» ، وقولهم آمنا هو الخبر، وأما غير مفتونين فتتمة الترك، لأنه من الترك الذي هو بمعنى التصيير، كقوله:
2024 - فَتَركْتُهُ جَزَرَ السِّبَاعِ يَنُشْنَهُ..... ... ... ... ... ... ... ... ... .
ألا ترى أنك قبل المجيء بالحسبان تقدر أن تقول: (تركهم) غير مفتونين لقولهم آمنا، على تقدير حاصل ومستقر قبل اللام.
فإن قلت: أن يقولوا هو علة تركهم غير مفتونين فكيف يصح أن يقع خبر مبتدأ؟
قلت: كما تقول: خُرُوجُه لمخافة الشر، وضربه للتأديب وقد كان التأديب والمخافة في قولك: خرجت (مخافة) الشر وضربته تأديباً تعليلين. وتقول أيضاً: حسبت خروجه لِمَخَافَةِ الشَّرِّ، وظننت ضربه للتأديب فتجعلهما مفعولين كام جعلتهما مبتدأ وخبراً.
قال أبو حيان: وهذا كلام فيه اضطراب، ذكر أولاً أن تقديره غير مفتونين تتمة يعني أنه حال، لأنه سَبَك ذلك من قوله: ﴿وهم لا يفتنون﴾ وهي جملة حالية، ثم ذكر» أن يتركوا «هنا من الترك الذي هو تصيير، وهذا لا يصح، لأن مفعول» صير «الثاني لا يستقيم أن يكون لقولهم، إذا يصير التقدير: أن يصيروا لقولهم وهم لا يفتنون وهذا كلام لا يصحّ.
وأما ما مثله به من البيت فإنه يصح أن يكون» جزر السباع» مفعولاً ثانياً لترك - بمعنى صير - بخلاف ما قدر في الآية.
وأما تقديره: تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا على تقدير حاصل ومستقر قبل اللام فلا يصح؛ إذ كان تركهم بمعنى تصييرهم كان غير مفتونين حالاً، إذ لا ينعقد من تركهم بمعنى تصييرهم ولقولهم مبتدأ وخبر لاحتياج تركهم بمعنى تصييرهم إلى مفعول ثان، لأن غير مفتونين عنده حال، لا مفعول ثان.
وأما قوله: فإن قلت: أن يقولوا إلى آخره فيحتاج إلى فضله (فهم) ، وذلك أن قوله: أن يقولوا هو علة تركهم، فليس كذلك، لأنه لو كان علة لكان به متعلِّقاً كما يتعلق بالفِعْل، ولكنه علة الخبر المحذوف الذي هو مستقر أو كائن، والخبر غير المبتدأ، ولو كان «لقولهم» علة للترك لكان من تمامه فكان يحتاج إلى خبر.
وأما قوله: كما تقول: خروجه لمخافة الشرِّ، فلِمَخَافَةِ ليس علةً للخروج، بل للخبر المحذوف الذي هو مستقر أو كائن انتهى.
قال شهاب الدين: «ويجاب الشيخ بأن الزمخشري إنما نظر إلى جانب المعنى، وكلامه عليه صحيح.
وأما قوله: ليس علة للخروج ونحو ذلك، يعني في اللفظ، فأما في المعنى فهو علة قطعاً، ولولا خوف الخروج فات المقصود»
فصل
معنى الآية: أحسب الناس أن يتركوا بغير اختبار ولا ابتلاء أن يقولوا آمنا ﴿وهم لا يفتنون﴾ وهم لا يُبْتَلَوْنَ في أموالهم وأنفسهم، كلا لنختبرنهم، ليتبين المخلص من المنافق، والصادق من الكاذب.
واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، قال الشعبي: نزلت في ناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام، فكتب إليهم أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لا يقبل منكم إقرار باللسان حتى تهاجروا، فخرجوا عامدين إلى المدينة، فاتبعهم المشركون فقاتلوهم، فقتل بعضهم ونجا بعضهم، فأنزل الله هاتين الآيتين.
وقال ابن عباس: نزلت في الذين آمنوا بمكة، وكانوا يعذبون سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، وعمار بن ياسر وغيرهم.
وقال مقاتل: «نزلت في مهجع بن عبد الله، مولى عمر بن الخطاب، كان أولى قتيل من المسلمين يوم بدر فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -» سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ مهْجَع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة» ، فجزع أبواه وامرأته، فأنزل الله فيه هذه الآية، وقيل: وهم لا يفتنون بالأوامر والنواهي، وذلك أن الله تعالى أمرهم في الابتداء بمجرد الإيمان، ثم فرض عليهم الصلاة والزكاة وسائر الشرائع فشق على بعض فأنزل الله هذه الآية.
ثم عزاهم فقال: ﴿ولقد فتنا الذين من قبلهم﴾ يعني الأنبياء والمؤمنين، فمنهم من نُشِرَ بِمنْشَارٍ، ومنهم من قتل، وابتلي بنو إسرائيل بفرعون، فكان يسومُهُمْ سوء العذاب.
قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ﴾ العامة على فتح الياء مضارع «عِلَم» المتعدية لواحد كذا قالوا وفيه إشكال تقدم وهو أنها إذا تعدت لمفعول كانت بمعنى عرف، وهذا المعنى لا يجوز إسناده إلى الباري تعالى، لأنه يستدعي سبق حصل ولأنه يتعلق بالذات فقط، دون ما عليه من الأحوال.
وقرأ عليٌّ وجَعْفَرُ بنُ مُحمّد بضم الياء مضارع «أعلم» ، (ويحتمل أن يكون من علم بمعنى عرف، فلما جيء بهمزة النقل أكسبتها فمعولاً آخر، فحذف.
ثم هذا المفعول) يحتمل أن يكون هو الأول، أي ليعلمن اللَّهُ النَّاسَ الصَّادِقِينَ وليعلمهم الكاذبين أي بشهرة يعرف لها هؤلاء من هؤلاء، وأن يكون الثاني، أي ليعلمن هؤلاء منازلهم، وهؤلاء منازلهم في الآخرة، ويحتمل أن يكون من العلامة، وهي السِّيمَا، فلا يتعدى إلا لواحد أي ليجعلن لهم علامة يعرفون بها.
وقرأ الزُّهْرِيُّ الأولى كالمشهورة والثانية كالشاذة.
فصل
المعنى: فليعلمن الله الذين صدقوا في قولهم: آمَنَّا، وليعلمن الكاذبين.
قال المفسرون: ظاهر الآية يدل على تجدد العلم، والله تعال عالم بهم قبل الاختبار. ومعنى الآية: فليظهرن الله الصادقين من الكاذبين حتى يوحد معلومه.
وقال مقاتل: فليُرِيَنَّ الله. وقيل: ليميز الله، كقوله: ﴿لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب﴾ [الأنفال: 37] .
وقال ابن الخطيب: الية محملة على ظاهرها، وذلك أن علم الله صِفة يظهر فيها كل ما هو واقع كما هو واقع، فَقَبْلَ التكليف كان الله تعالى يعلم أنَّ زَيْداً مثلاً سيُطِيعُ وعَمْراً سيعصي ثم وقت التكليف بالإتيان يعلم أنه أطاع، والآخر عصى، ولا يتغير علمه في شيء من الأحوال، وإنما المتغير المعلوم.
ومثال ذلك في الحِسِّيَّاتِ أن المرآة الصافية الصقيلة إذا علقت في موضع، وقوبل بوجهها جهة (ولم تحرك) ثم عبر عليها زيد لابساً ثوباً أبيض يظهر فيها زيد في ثوب أبيض، وإذا عبر عليها «عمرو» في ثوب أصفر يظهر فيها كذلك. فهل يقع في ذهن أحد أن المرآة في كونها حديداً تغيرت، أو يقع له أنها في تدويرها تبدلت أو أنها في صقالتها اختلفت، أو يخطر بباله أنها عن مكانها انتقلت؟ لا يقع لأحد شيء من هذه الأشياء ويقطع بأن المتغير إنما هو الخارجات.
فعلم الله من هذا المثال بل أعلى من هذا المثال، فإن المرآة ممكنة التغيير، وعلم الله غي ممكن التغيير، فقوله: «فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ» من هذا المثال يعني يعلم من علم الله أنه يأتي بالطاعة فيعلم أنه مطيع بذلك العلم.
وليعلمن الكاذبين، يعني من قال: أنا مؤمن، وكان كذاباً فبفرض العبادات عليه يظهر منه ذلك ويعلم.
وفي قوله: «الَّذِينَ صَدَقُوا» بصيغة الفعل، وفي قوله: «الكَاذِبِينَ» فائدة مع أن الاختلاف في اللفظ أدل على الفصاحة وهي أن اسم الفاعل يدل في كثير من المواضع على ثبوت المصدر في الفاعل ورسوخه فيه، والفعل الماضي لا يَدُلُّ عليه، كما يقال: فُلاَن شَرِبَ الخَمْرَ، وفلانٌ شَارِبٌ الخَمْرَ، وفلان نفذ أَمْرُهُ، وفلان نافذ أمره، لا يفهم من صيغة الفعل التكرار والرسوخ، ويفهم من اسم الفاعل ذلك إذا ثبت هذا فنقول: وقت نزول الآية كانت الحكاية في قومٍ قرباءِ العهد بالإسلام في أوائل إيجاب التكاليف، وعن قوم قديمين في الكفر، مستمرين فيه. فقال في حق المؤمنين: «الذين صدقوا» بصيغة الفعل أي وُجِدَ منهم الصدق وقال في حق الذين كفروا: «الكاذبين» بالصيغة المفهمة للثبات والدوام، فلهذا قال: ﴿يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: 119] بلفظ اسم الفاعل، لأن في اليوم المذكور يكون الصدق قد رسخ في المؤمن وهو اليوم الآخر.
العنكبوت 29:3
مكية إلا عشر آيات من أولها إلى قوله: " وليعلمن المنافقين ". قال الشعبي: فإنها مدنية. وهي تسع وستون آية، وألف وتسعمائة وإحدى وثمانون كلمة، وأربعة آلاف ومائة وخمسة وتسعون (حرفا) . اعلم أن منكري الحشر يقولون لا فائدة في التكاليف، فإنها مشاق في الحال، ولا فائدةَ لها في المآل؛ إذ لا مآل ولا مرجع بعد الهلاك والزوالِ، فلما بين الله تعالى أنهم إليه يرجعون في آخر السورة قبلها بين أن الأمر ليس على ما حسبوه، بل (حسن التكليف) ، لأنه يهذب الشكور ويعذب الكفور، فقال: ﴿أحسب الناس أن يتركوا﴾ غير مكلفين من غير عمل يرجعون به إلى ربهم.
فصل في حكمة افتتاح هذه السُّوَرِ بحروف التَّهَجِّي
ولنذكرْ كلاماً كُلِّيّاً في افتتاح السور بالحروف.
اعلم أن الحكيم إذا خاطب من يكون محل الغفلة، أو من يكون مشغول البال بشغل يشغله يقدم على الكلام المقصود سبباً غيره ليلتفت المخاطب (إليه) بسببه، ويقبل بقلبه عليه، ثم يشرع في المقصود.
واعلم أن ذلك المتقدم على الكلام (المقصود قد يكون كلاماً له معنى مفهوماً، كقول القائل: «زَيْدٌ، ويَا زَيْدُ» و «أَلاَ زَيْدُ» .
وقد يكون المقدم صوتاً) غير مفهوم، كمن يُصَفِّرُ خلف إنسان ليلتفتَ وقد يكون الصوت بغير افم، كتصفيق الإنسان بيده، ليقبل السامع عليه.
ثم إن توقع الغفلة (كلما كان أتم، والكلام المقصود كان أهم) ، كان المقدم على الكلام المقصود أكثر ولهذا ينادى القريب «بالهمزة» فيقال: «أَزَيْدُ» ، والبعيد ب «يَا» ، فيقال: «يَا زَيْدُ» ، والغافل ينبه أولاً، فيقال: «أَلاَ يَا زَيْدُ» .
إذا تقرر هذا فنقول: النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وإن كان يَقْظَانَ الجَنانِ لكنه إنسان يَشغله شأن عن شأن، فحسن من الحكيم أن يقدم على الكلام المقصود حروفاً هي كالمنبِّهات.
وتلك الحروف إذا لم يفم معناها تكون أتم في إفادة المقصود الذي هو التنبيه من تقديم الحروف المفهومة، لأن الحروف إذا كانت مفهومة المعنى، وذكرت لإقبال السامع على المتكلم لكي يسمع ما بعد ذلك فربما يظن السامع أنه كل المقصود و «لا» كلام بعد ذلك فيقطع الالتفات عنه أما إذا سمع صوتاً بلا معنى فإنه يقبل عليه ولا يقطع نظره عنه ما لم يسمع غيره، لجزمه بأن ما سمعه ليس هو المقصود.
فإذن تقديم الحروف التي لا يفهم معناها على الكلام المقصود فيه حكمة بالغة.
فإن قيلَ: فما الحكمة في اختصاص بعض السورة بهذه الحروف؟
فالجواب: قال ابن الخطيب: عقل البشر يعجز عن إدراك الأشياء الكُلِّيَّة على تفاصيلها، لكن نذكر ما يوفقنا الله له فنقول: كل سورة في أوائلها (حروف التهجي فإن في أوائلها) ذكر الكتاب أو التنزيل، أو القرآن كقوله تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الكتاب﴾ [البقرة: 1 - 2] ،
﴿الم الله لاا إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم﴾ [آل عمران: 1 - 3] ، ﴿المص كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ﴾ [الأعراف: 1 - 2] ، ﴿يس والقرآن الحكيم﴾ [يس: 1 - 2] ، ﴿الم تَنزِيلُ الكتاب﴾ [السجدة: 1 - 2] ، ﴿حم ? تَنزِيلُ﴾ [غافر: 1 - 2] {ق والقرآن المجيد} [ق: 1 - 2] . ﴿ص والقرآن ذِي الذكر﴾ [ص: 1 - 2] (إلا ثلاثَ سُوَرٍ) ﴿كهيعص﴾ [مريم: 1] ﴿الم أَحَسِبَ الناس﴾ [العنكبوت: 1 - 2] ﴿الم غُلِبَتِ الروم﴾ [الروم: 1 - 2] .
والحكمة في افتتاح السور التي فيها الكتاب والتنزيل والكتاب بالحروف (و) هي أن القرآن عظيم، والإنزال له أثقل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل: 5] ، فكذلك قدم عليها تنبيه يُوجِبُ ثبات المخاطب لاستماعه.
لا يُقالُ: كل سورة قرآن، واستماعها استماع للقرآن، سواء كان فيها ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن أو لم يكن فيجب أن يكون في أول كل سورة (منبه) ، وأيضاً فقد وردت سور فيها ذكر الإنزال، والكتاب، وليس فيها حروف، كقوله تعالى: ﴿الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا﴾ [الكهف: 1] ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: 1] ﴿تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان: 1] ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾ [القدر: 1] لأنا نقول جواباً عن الأول: (لا ريب) في أن كل سورة من القرآن، لكن السورة التي فيها ذكر القرآن والكتاب - مع أنهما من القرآن - فيها تنبيه على كل القرآن، فإن قوله تعالى: ﴿طه مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى﴾ [طه: 1 - 2] مع أنها بعض القرآن فيها ذكر جميع القرآن، فيصير مثاله كتاب يَردُ من مَلِكٍ على مملوكه فيه شُغْلٌ ما، وكتاب آخر يدر منه عليه فيه: «إنَّا كَتبنا إليك كتاباً فيه أمرُنا فامتثلْه» فلا شك أن هذا الكتاب الآخر أكثر ثقلاً من الأول.
وعن الثاني: أن قوله: «الحمد لله، وتبارك الذي» تسبيحات مقصودة، وتسبيح الله لا يَغْفَلُ عنه العبد، فلا يحتاج إلى منبه، بخلاف الأوامر والنواهي، وأما ذكر الكتاب فيها فلبيان وصف عظمةِ مَنْ له التسبيح، و «سورة أنزلناها» قد بينا أنها بعض من القرآن فيها ذكر إنزالها، وفي السورة التي ذكرناها ذكر جميع القرآن فهو أعظم وأثقل.
وأما قوله تعالى: «إنا أنزلناه» فهذا ليس وُرُداً على مشغول القلب بشيء غيره، بدليل أنه ذكر الكتاب فيها وهي ترجع إلى مذكور سابق أو معلوم عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فكان منبهاً له فلم يُنَبَّهْ.
واعلم أن التنبيه قد حصل في القرآن بغير الحروف التي لا يفهم معناها، كقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: 1] ، وقوله: ﴿ياا أَيُّهَا النبي اتق الله﴾ [الأحزاب: 1] ، ﴿يا أيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ﴾ [التحريم: 1] لأنها أشياء هائلة عظيمة، فإن تقوى الله حق تقاته أمر عظيم فقدم عليها النداء الذي يكون للبعيد الغافل عنها.
وأما هذه السور افتتحت بالحروف وليس فيها الابتداء بالكتاب والقرآن، وذلك لأن ثِقَلَ القرآن هو ما فيه من التكاليف والمعاد، وهذه السورة فيها ذكر جميع التكاليف حيث قال: ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا «يعني لا يتركون بمجرد ذلك، بل لا بدّ وأن يؤمنوا بأنواع التكاليف، ففيها المعنى الذي في السورة التي ذكر يها القرآن المشتمل على الأومر والنواهي. فإن قيل: فهذا المعنى ورد في سورة التوبة وهو قوله: {بَرَآءَةٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ مِّنَ المشركين﴾ [التوبة: 1] ولم يقدم عليه حروف التهجي! .
فالجواب: أن هذا ابتداء كلام، ولهذا وقع الاستفهام بالهمزة، فقال:» أَحَسِبَ» ، وذلك وسط كلام بدليل وقوع الاستفهام تاماً، والتنبيه (يكون) في أول الكلام، لا في أثنائه.
وأما ﴿الم غُلِبَتِ الروم﴾ فسيجيء في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا﴾ .
قوله: «أن يتركوا» سد مفعولي» حسب «عند الجمهور، ومسد أحدهما عند الأخفش.
قوله:» أن يقولوا» فيه أوجه:
أحدها: أنه بدل من «أن يتركوا» ، أبدل مصدراً مؤولاً من مثله.
الثاني: أنها على إسقاط الخافض، وهو الباء واللام، أي: بأن يقولوا، أو لأنْ يَقُولُوا.
قال ابن عطية وأبو البقاء: إذا قدرت الباء كان حالاً.
قال ابن عطية: والمعنى في الباء واللام مختلف، وذلك أنه في الباء، كما تقول: تركت زيداً بحاله وهي في اللام بمعنى من أجل، أي: أحسبوا أنَّ إيمانهم علةٌ للترك انتهى.
وهذا تفسير معنى، ولو فسر الإعراب لقال: أحسبانهم الترك لأجل تلفظهم بالإيمان.
وقال الزمخشري: فإن قلت: فأين الكلام الدال على المضمون الذي يقتضيه الحسبان (في الآية) ؟
قلت: هو في قوله: ﴿أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون﴾ ، وذلك أن تقديره: أحسبوا تركهم غير مَفْتُونِينَ لقولهم: آمنا، فالترك أولى مفعولي «حسب» ، وقولهم آمنا هو الخبر، وأما غير مفتونين فتتمة الترك، لأنه من الترك الذي هو بمعنى التصيير، كقوله:
2024 - فَتَركْتُهُ جَزَرَ السِّبَاعِ يَنُشْنَهُ..... ... ... ... ... ... ... ... ... .
ألا ترى أنك قبل المجيء بالحسبان تقدر أن تقول: (تركهم) غير مفتونين لقولهم آمنا، على تقدير حاصل ومستقر قبل اللام.
فإن قلت: أن يقولوا هو علة تركهم غير مفتونين فكيف يصح أن يقع خبر مبتدأ؟
قلت: كما تقول: خُرُوجُه لمخافة الشر، وضربه للتأديب وقد كان التأديب والمخافة في قولك: خرجت (مخافة) الشر وضربته تأديباً تعليلين. وتقول أيضاً: حسبت خروجه لِمَخَافَةِ الشَّرِّ، وظننت ضربه للتأديب فتجعلهما مفعولين كام جعلتهما مبتدأ وخبراً.
قال أبو حيان: وهذا كلام فيه اضطراب، ذكر أولاً أن تقديره غير مفتونين تتمة يعني أنه حال، لأنه سَبَك ذلك من قوله: ﴿وهم لا يفتنون﴾ وهي جملة حالية، ثم ذكر» أن يتركوا «هنا من الترك الذي هو تصيير، وهذا لا يصح، لأن مفعول» صير «الثاني لا يستقيم أن يكون لقولهم، إذا يصير التقدير: أن يصيروا لقولهم وهم لا يفتنون وهذا كلام لا يصحّ.
وأما ما مثله به من البيت فإنه يصح أن يكون» جزر السباع» مفعولاً ثانياً لترك - بمعنى صير - بخلاف ما قدر في الآية.
وأما تقديره: تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا على تقدير حاصل ومستقر قبل اللام فلا يصح؛ إذ كان تركهم بمعنى تصييرهم كان غير مفتونين حالاً، إذ لا ينعقد من تركهم بمعنى تصييرهم ولقولهم مبتدأ وخبر لاحتياج تركهم بمعنى تصييرهم إلى مفعول ثان، لأن غير مفتونين عنده حال، لا مفعول ثان.
وأما قوله: فإن قلت: أن يقولوا إلى آخره فيحتاج إلى فضله (فهم) ، وذلك أن قوله: أن يقولوا هو علة تركهم، فليس كذلك، لأنه لو كان علة لكان به متعلِّقاً كما يتعلق بالفِعْل، ولكنه علة الخبر المحذوف الذي هو مستقر أو كائن، والخبر غير المبتدأ، ولو كان «لقولهم» علة للترك لكان من تمامه فكان يحتاج إلى خبر.
وأما قوله: كما تقول: خروجه لمخافة الشرِّ، فلِمَخَافَةِ ليس علةً للخروج، بل للخبر المحذوف الذي هو مستقر أو كائن انتهى.
قال شهاب الدين: «ويجاب الشيخ بأن الزمخشري إنما نظر إلى جانب المعنى، وكلامه عليه صحيح.
وأما قوله: ليس علة للخروج ونحو ذلك، يعني في اللفظ، فأما في المعنى فهو علة قطعاً، ولولا خوف الخروج فات المقصود»
فصل
معنى الآية: أحسب الناس أن يتركوا بغير اختبار ولا ابتلاء أن يقولوا آمنا ﴿وهم لا يفتنون﴾ وهم لا يُبْتَلَوْنَ في أموالهم وأنفسهم، كلا لنختبرنهم، ليتبين المخلص من المنافق، والصادق من الكاذب.
واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، قال الشعبي: نزلت في ناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام، فكتب إليهم أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لا يقبل منكم إقرار باللسان حتى تهاجروا، فخرجوا عامدين إلى المدينة، فاتبعهم المشركون فقاتلوهم، فقتل بعضهم ونجا بعضهم، فأنزل الله هاتين الآيتين.
وقال ابن عباس: نزلت في الذين آمنوا بمكة، وكانوا يعذبون سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، وعمار بن ياسر وغيرهم.
وقال مقاتل: «نزلت في مهجع بن عبد الله، مولى عمر بن الخطاب، كان أولى قتيل من المسلمين يوم بدر فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -» سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ مهْجَع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة» ، فجزع أبواه وامرأته، فأنزل الله فيه هذه الآية، وقيل: وهم لا يفتنون بالأوامر والنواهي، وذلك أن الله تعالى أمرهم في الابتداء بمجرد الإيمان، ثم فرض عليهم الصلاة والزكاة وسائر الشرائع فشق على بعض فأنزل الله هذه الآية.
ثم عزاهم فقال: ﴿ولقد فتنا الذين من قبلهم﴾ يعني الأنبياء والمؤمنين، فمنهم من نُشِرَ بِمنْشَارٍ، ومنهم من قتل، وابتلي بنو إسرائيل بفرعون، فكان يسومُهُمْ سوء العذاب.
قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ﴾ العامة على فتح الياء مضارع «عِلَم» المتعدية لواحد كذا قالوا وفيه إشكال تقدم وهو أنها إذا تعدت لمفعول كانت بمعنى عرف، وهذا المعنى لا يجوز إسناده إلى الباري تعالى، لأنه يستدعي سبق حصل ولأنه يتعلق بالذات فقط، دون ما عليه من الأحوال.
وقرأ عليٌّ وجَعْفَرُ بنُ مُحمّد بضم الياء مضارع «أعلم» ، (ويحتمل أن يكون من علم بمعنى عرف، فلما جيء بهمزة النقل أكسبتها فمعولاً آخر، فحذف.
ثم هذا المفعول) يحتمل أن يكون هو الأول، أي ليعلمن اللَّهُ النَّاسَ الصَّادِقِينَ وليعلمهم الكاذبين أي بشهرة يعرف لها هؤلاء من هؤلاء، وأن يكون الثاني، أي ليعلمن هؤلاء منازلهم، وهؤلاء منازلهم في الآخرة، ويحتمل أن يكون من العلامة، وهي السِّيمَا، فلا يتعدى إلا لواحد أي ليجعلن لهم علامة يعرفون بها.
وقرأ الزُّهْرِيُّ الأولى كالمشهورة والثانية كالشاذة.
فصل
المعنى: فليعلمن الله الذين صدقوا في قولهم: آمَنَّا، وليعلمن الكاذبين.
قال المفسرون: ظاهر الآية يدل على تجدد العلم، والله تعال عالم بهم قبل الاختبار. ومعنى الآية: فليظهرن الله الصادقين من الكاذبين حتى يوحد معلومه.
وقال مقاتل: فليُرِيَنَّ الله. وقيل: ليميز الله، كقوله: ﴿لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب﴾ [الأنفال: 37] .
وقال ابن الخطيب: الية محملة على ظاهرها، وذلك أن علم الله صِفة يظهر فيها كل ما هو واقع كما هو واقع، فَقَبْلَ التكليف كان الله تعالى يعلم أنَّ زَيْداً مثلاً سيُطِيعُ وعَمْراً سيعصي ثم وقت التكليف بالإتيان يعلم أنه أطاع، والآخر عصى، ولا يتغير علمه في شيء من الأحوال، وإنما المتغير المعلوم.
ومثال ذلك في الحِسِّيَّاتِ أن المرآة الصافية الصقيلة إذا علقت في موضع، وقوبل بوجهها جهة (ولم تحرك) ثم عبر عليها زيد لابساً ثوباً أبيض يظهر فيها زيد في ثوب أبيض، وإذا عبر عليها «عمرو» في ثوب أصفر يظهر فيها كذلك. فهل يقع في ذهن أحد أن المرآة في كونها حديداً تغيرت، أو يقع له أنها في تدويرها تبدلت أو أنها في صقالتها اختلفت، أو يخطر بباله أنها عن مكانها انتقلت؟ لا يقع لأحد شيء من هذه الأشياء ويقطع بأن المتغير إنما هو الخارجات.
فعلم الله من هذا المثال بل أعلى من هذا المثال، فإن المرآة ممكنة التغيير، وعلم الله غي ممكن التغيير، فقوله: «فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ» من هذا المثال يعني يعلم من علم الله أنه يأتي بالطاعة فيعلم أنه مطيع بذلك العلم.
وليعلمن الكاذبين، يعني من قال: أنا مؤمن، وكان كذاباً فبفرض العبادات عليه يظهر منه ذلك ويعلم.
وفي قوله: «الَّذِينَ صَدَقُوا» بصيغة الفعل، وفي قوله: «الكَاذِبِينَ» فائدة مع أن الاختلاف في اللفظ أدل على الفصاحة وهي أن اسم الفاعل يدل في كثير من المواضع على ثبوت المصدر في الفاعل ورسوخه فيه، والفعل الماضي لا يَدُلُّ عليه، كما يقال: فُلاَن شَرِبَ الخَمْرَ، وفلانٌ شَارِبٌ الخَمْرَ، وفلان نفذ أَمْرُهُ، وفلان نافذ أمره، لا يفهم من صيغة الفعل التكرار والرسوخ، ويفهم من اسم الفاعل ذلك إذا ثبت هذا فنقول: وقت نزول الآية كانت الحكاية في قومٍ قرباءِ العهد بالإسلام في أوائل إيجاب التكاليف، وعن قوم قديمين في الكفر، مستمرين فيه. فقال في حق المؤمنين: «الذين صدقوا» بصيغة الفعل أي وُجِدَ منهم الصدق وقال في حق الذين كفروا: «الكاذبين» بالصيغة المفهمة للثبات والدوام، فلهذا قال: ﴿يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: 119] بلفظ اسم الفاعل، لأن في اليوم المذكور يكون الصدق قد رسخ في المؤمن وهو اليوم الآخر.
العنكبوت 29:4
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات﴾ «أم» هذه منقطعة، فتقدر ببل والهمزة عند الجمهور، والإضراب انتقال لا إبطال.
قال ابن عطية: أم معادلة للألف في قوله: «أحسب» وكأنه عزّ وجلّ قرر الفريقين، قرر المؤمنين أنهم لا يفتنون، وقرر الكافرين أنهم يسبقون نقمات الله.
قال أبو حيان: «ليست معادلة» ؛ إذ لو كانت كذلك لكانت متصلة، ولا جائز أن تكون متصلة لفقد شرطين:
أحدهما: أن ما بعدها ليس مفرداً، ولا ما في قوته.
والثاني: أنه لم يكن هنا ما يجاب به من أحد شيئين أو أشياء.
وجوز الزمخشري في «حسب» هذه أن تتعدى لاثنين، وجعل «أن» وما في خبرها سادةً مسدهما، كقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة﴾ [البقرة: 214] ، وأن تتعدى لواحدٍ على أنها مضمنة معنى «قدر» ، إلا أن التضمين لا ينقاس
قوله: «ساء ما يحكمون} يجوز أن تكون» ساء «بمعنى بئس فتكون» ما «إما موصولة بمعنى الذي، و» يحكمون «صلتها، وهي فاعل ساء، والمخصوص بالذم محذوف أي حكمهم.
ويجوز أن تكون» ما «تمييزاً، و» يحكمون «صفتها، والفاعل مضمر يفسره» ما «والمخصوص أيضاً محذوف.
ويجوز أن تكون ساء بمعنى قَبُحَ، فيجوز في» ما «أن تكون مصدرية، وبمعنى الذي، ونكرة موصوفة، وجيء ب» يحكمون «دون» حكموا «إما للتنبيه على أن هذا ديدنهم وإما لوقوعه موقع الماضي لأجل الفاصلة.
ويجوز أن تكون ما مصدرية وهو قول ابن كَيْسَانَ فعلى هذا يكون التمييز محذوفاً، والمصدر المؤوّل مخصوص بالذم أي ساء حكماً حكمُهُمْ.
وقد تقدم حكم» ما «إذا اتصلت ببئس مشبعاً في البقرة.
فصل
لما بين حسن التكليف بقوله: ﴿أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا﴾ بين أن من كلف بشيء ولم يأت به يعذب، وإن لم يعذب في الحال فسيعذب في الاستقبال، ولا يفوت الله شيء. في الحال ولا في المآل.
فقوله: ﴿أم حسب الذين يعملون السيئات﴾ يعني الشرك» أن يسبقونا «أي يعجزونا ويفوتونا، فلا نقدرعلى الانتقام منهم ﴿ساء ما يحكمون﴾ بئس ما حكموا حين ظنوا ذلك.
قوله: ﴿مَن كَانَ يَرْجُو﴾ يجوز أن تكون من شرطية، وأن تكون موصولة ودخلت الفاء لشبهها بالشرطية.
فإن قيل: المعلق بالشرط عُدِمَ عَدَم الشرط، فمن لا يرجو لقاء الله لا يكون أجل الله آتياً له، وهذا باطل، لأن أجل الله آت لا محالة من غير تقييد بشرط؟
فالجواب: أن قوله: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ﴾ ليس بجواب، بل الجواب محذوف، أي فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً كما قد صرح به.
وقال ابن الخطيب: المراد من ذكر إتيان الأجل وعد المطيع بما يعده من الثواب أي من كان يرجو لقاء الله فإن أجره لآتٍ بثواب الله، أي يُثَابُ على طاعته، ومن لا يرجو لقاء الله آتياً له على وجه الثواب.
فصل
قال ابن عباس ومقاتل: من كان يخشى البعث والحساب. والرجاء بمعنى الخوف. وقال سعيد بن جبير: من كان يطمع في ثواب الله فإن أجل الله يعني ما وعد الله من الثواب والعقاب.
وقال مقاتل: يعني أن يوم القيامة لكائن والمعنى: أن من يخشى الله ويأمله فليستعد له، وليعمل لذلك اليوم، كقوله ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً﴾ [الكهف: 110] الآية كما تقدم.
﴿وهو السميع العليم﴾ ولم يذكر صفة غيرهما، لأنه سبق القول في قوله: ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا﴾ وسبق القول بقوله: ﴿وهم لا يفتنون﴾ وبقوله: ﴿فليعلمن الله الذين صدقوا﴾ وقوله: ﴿أم حسب الذين يعملون السيئات﴾ ولا شك أن القول يدرك بالسمع والعمل منه ما يدرك بالبصر، ومنه ما لا يدرك به، والعلم يشملهما، فقال: ﴿وَهُوَ السميع العليم﴾ أي يسمع ما قالوه، ويعلم من صدق فيما قال، ومن كذب أو عليم بما يعمل فيثيب ويعاقب.
قوله: ﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ أي له ثوابه، والجهاد هو الصبر على الشدة، ويكون ذلك في الحرب، وقد يكون على مخالفة النفس.
فإن قيل: هذه الآية على أن الجزاء على العمل واجب، فإن قوله: ﴿فإنما يجاهد لنفسه﴾ يفهم منه أن من جاهد ربح بجهاده ما لولاه لما ربح.
فالجواب: هو كذلك ولكن بحكم الوعد لا بالاستحقاق.
فإن قيل: قوله «فإنما» يقتضي الحصر، فيكون جهاد المرء لنفسه فقط ولا ينتفع به غيره وليس كذلك، فإن من جاهد ينتفع به هو، ومن يريد نفعه حتى إن الوالد والولد ببركة المجاهد وجهاده ينتفعون به.
فالجواب: أن ذلك نفع له، فإن انتفاع الولد انتفاع للأب، والحصر هنا معناه أن جهاده لا يصل إلى الله منه نفع، ويدل عليه قوله: ﴿إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنِ العالمين﴾ أي عن أعمالهم وعبادتهم.
قوله: «والَّذِينَ آمنُوا» يجوز أن يكون مرفوعاً بالابتداء والخبر جملة القسم المحذوفة وجوابها أي: والله لنكفرن. ويجوز أن يكون منصوباً بفعل مضمر عل الاشتغال، أي: وليخلص الذين آمنوا من سيئاتهم.
والتكفير: إذهاب السيئة بالحسنة، والمعنى: لنُذْهِبَنَّ سيئاتهم حتى تصير بمنزلة من لم يعمل.
فإن قيل: قوله: فلنكفرن (عنهم سيئاتهم يستدعي وجود السيئات حتى تكفر، «والذين آمنوا عملوا الصالحات» بأسرها من أين يكون) لهم سيئة؟
فالجواب: ما من مكلف إلا وله سيئة، أما غير الأنبياء فظاهر، وأما الأنبياء فلأن ترك الأفضل منهم كالسيئة من غيرهم، ولهذا قال تعالى:
﴿عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43] .
قوله: ﴿أَحْسَنَ الذي كَانُواْ﴾ ، قيل: على حذف مضاف، أي: ثواب الذي فالمراد بأحسن هنا مجرد الوصف.
قيل: لئلا يلزم أن يكون جزاؤهم مسكوتاً عنه، وهذا ليس بشيء، لأنه من باب الأولى إذا جازاهم بالأحسن جازاهم بما دونه فهو من التنبيه على الأدنى بالأعلى.
قال المفسرون: يجزيهم بأحسن أعمالهم وهو الطاعة.
وقيل: يعطيهم أكثر مما عملوا وأحسن، كما قال: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160] قوله: «حُسْناً» فيه أوجه:
أحدها: أنه نعت مصدر محذوف أي (إيصَاءً) حسناً، إما على المبالغة جعل نفس الحسن، وإما على حذف مضاف (أي: ذا حُسنٍ) .
الثاني: أنه مفعول به، قال ابن عطية: «وفي ذلك تجوز» ، والأصل ووصينا الإنسان بالحسن في فعله مع والديه، ونظير ذلك قول الشاعر:
4025 - عَجِبْتُ مِنْ دَهْمَاءَ إذْ تَشْكُونَا ... وَمِنْ أَبِي دَهْمَاءَ إذْ يُوصينا
خَيْراً بِهَا كَأَنَّمَا خَافُونَا ... ومنه قول الحطيئة:
4026 - (وَصَّيْتَ مِنْ بَرَّةَ قَلْباً حَرَّا ... بِالْكَلْبِ خَيْراً وبِالحَمَاةِ شَرَّا وعلى هذا فيكون الأصل: وصيناه بحسن في بر والديه، ثم جر «الوالدين» بالهاء فانتصب حسناً وكذلك البيتان. والباء في الآية والبيتين في هذه الحالة للظرفية.
الثالث: أن «بوالديه» هو المفعول الثاني، فنصب «حسناً» بإضمار فعل، أي يحْسُن حسناً، فيكون مصدراً مؤكداً كذا قيل.
وفيه نظر، لأَنَّ عامل الؤكد لا يحذف.
الرابع: أنه مفعول به على التضمين أي من ألزمناه حسناً.
الخامس: أنه على إسقاط الخافض أي «بحُسْنٍ» .
وعبر صاحب التحرير عن ذلك بالقطع.
السادس: أن (بعض) الكوفيين قدره ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه حسناً. وفيه حذف «أن» وصلتها، وإبقاء معمولها، ولا يجوز عند البصريين.
السابع: أن التقدير: وصيناه بإيتاء والديه حسناً. وفيه حذف المصدر وإبقاء معموله ولا يجوز
الثامن: أنه منصوب انتصاب «زيداً» في قولك لمن رأيته متهيئاً للضرب «زَيْداً» أي اضرب زيداً، والتقدير هنا: أَوْلهما حسناً، أو افعل بهما حسناً. قالهما الزمخشري.
وقرأ عيسى والجحدري: «حَسَناً» وهما لغتان، كالبُخْل والبَخَل. وقد تقدم ذلك في أوائل البقرة.
وقرىء: إحساناً، من قوله تعالى: ﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ [الإسراء: 23] .
فصل
معنى حسناً أي برّاً بهما، وعطفاً عليهما، والمعنى: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن. نزلت هذه الآية، والتي في سورة لقمان والأحقاف في سعد بن أبي وقاص، وهو سعد بن مالك أبو إسحاق الزهري وأمه حثمْنَةُ بنت أبي سفيان بن أمية من عبد شمس، لما أسلم، وكان من السابقين الأولين وكان باراً بأمه، قالت أمه: ما هذا الدين الذي أَحْدَثْتَ؟ والله لا آكلُ ولا أشربُ حتى ترجعُ إلى ما كنت عليه أو أموت فتعير بذلك أبد الدهر، ويقال: يا قاتل أمِّهِ.
ثم إنها مكثت يوماً وليلة لم تأكل ولم تشرب (ولم تَسْتَظِلَّ فأصبحت قد جهدت، ثم مكثت يوماً آخر لم تأكل ولم تشرب) فجاء «سعد» إيلها، وقال يا أُمَّاهُ: لو كانت مائة نفس (فخرجت نفسا) نفساً ما تركت ديني فكُلِي، وإن شئت فلا تأكلي فلما أيست منه أكلست وشربت فأنزل الله هذه الآية، وأمره الله بالبر بوالديه والإحسان إليهما.
واعلم أنه إنما أمر بالإحسان للوالدين لأنهما سبب وجود الولد بالولادة وسبب بقائه بالتربية المعتادة، والله تعالى بسبب له في الحقيقة بالإرادة، وسبب بقائه بالإعادة للسعادة، فهو أولى بأن يحسن العبد حاله (معه) .
قوله: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ على أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا﴾ .
قال عليه (الصلاة) والسلام: «لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في معصية الله» ثم أوعد بالمصير إليه، فقال: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أخبركم بصالح أعمالكم وسيئها فأجازيكم عليها كأنه تعالى يقول: لا تظنوا أني غائب عنكم وآباؤكم حاضرون فتوافقون الحاضرين في الحال اعتماداً على غيبتي، وعدم علمي بمخالفتكم فإني حاضر معكم أعلم ما تفعلون، ولا أنسى فأنبئكم بجميعه.
قوله: «والذين آمَنُوا» يجوز فيه الرفع على الابتداء، والنصب على الاشتغال.
وقوله: ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصالحين﴾ أي نجعلهم منهم، وندخلهم في أعدادهم، كما يقال: الفقيه داخل في العلماء. والمعنى: نجعلهم من جملة الصالحين وهم الأنبياء والأولياء. وقيل: في مَدْخَل الصالحين وهو الجنة.
فإن قيل: ما الفائدة في إعادة ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ ؟
فالجواب: أنه ذكر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولاً، لبيان حال المهتدي وثانياً، لبيان حال الهادي لأنه قال أولاً: ﴿لنكفرن عنهم سيئاتهم. وقال ثانياً: {لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصالحين﴾ والصالحين هم الهداة، لأنها مرتبة الأنبياء، ولهذا قال إبراهيم - عليه (الصلالة) والسلام: «والحقني بالصَّالِحينَ» .
العنكبوت 29:5
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات﴾ «أم» هذه منقطعة، فتقدر ببل والهمزة عند الجمهور، والإضراب انتقال لا إبطال.
قال ابن عطية: أم معادلة للألف في قوله: «أحسب» وكأنه عزّ وجلّ قرر الفريقين، قرر المؤمنين أنهم لا يفتنون، وقرر الكافرين أنهم يسبقون نقمات الله.
قال أبو حيان: «ليست معادلة» ؛ إذ لو كانت كذلك لكانت متصلة، ولا جائز أن تكون متصلة لفقد شرطين:
أحدهما: أن ما بعدها ليس مفرداً، ولا ما في قوته.
والثاني: أنه لم يكن هنا ما يجاب به من أحد شيئين أو أشياء.
وجوز الزمخشري في «حسب» هذه أن تتعدى لاثنين، وجعل «أن» وما في خبرها سادةً مسدهما، كقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة﴾ [البقرة: 214] ، وأن تتعدى لواحدٍ على أنها مضمنة معنى «قدر» ، إلا أن التضمين لا ينقاس
قوله: «ساء ما يحكمون} يجوز أن تكون» ساء «بمعنى بئس فتكون» ما «إما موصولة بمعنى الذي، و» يحكمون «صلتها، وهي فاعل ساء، والمخصوص بالذم محذوف أي حكمهم.
ويجوز أن تكون» ما «تمييزاً، و» يحكمون «صفتها، والفاعل مضمر يفسره» ما «والمخصوص أيضاً محذوف.
ويجوز أن تكون ساء بمعنى قَبُحَ، فيجوز في» ما «أن تكون مصدرية، وبمعنى الذي، ونكرة موصوفة، وجيء ب» يحكمون «دون» حكموا «إما للتنبيه على أن هذا ديدنهم وإما لوقوعه موقع الماضي لأجل الفاصلة.
ويجوز أن تكون ما مصدرية وهو قول ابن كَيْسَانَ فعلى هذا يكون التمييز محذوفاً، والمصدر المؤوّل مخصوص بالذم أي ساء حكماً حكمُهُمْ.
وقد تقدم حكم» ما «إذا اتصلت ببئس مشبعاً في البقرة.
فصل
لما بين حسن التكليف بقوله: ﴿أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا﴾ بين أن من كلف بشيء ولم يأت به يعذب، وإن لم يعذب في الحال فسيعذب في الاستقبال، ولا يفوت الله شيء. في الحال ولا في المآل.
فقوله: ﴿أم حسب الذين يعملون السيئات﴾ يعني الشرك» أن يسبقونا «أي يعجزونا ويفوتونا، فلا نقدرعلى الانتقام منهم ﴿ساء ما يحكمون﴾ بئس ما حكموا حين ظنوا ذلك.
قوله: ﴿مَن كَانَ يَرْجُو﴾ يجوز أن تكون من شرطية، وأن تكون موصولة ودخلت الفاء لشبهها بالشرطية.
فإن قيل: المعلق بالشرط عُدِمَ عَدَم الشرط، فمن لا يرجو لقاء الله لا يكون أجل الله آتياً له، وهذا باطل، لأن أجل الله آت لا محالة من غير تقييد بشرط؟
فالجواب: أن قوله: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ﴾ ليس بجواب، بل الجواب محذوف، أي فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً كما قد صرح به.
وقال ابن الخطيب: المراد من ذكر إتيان الأجل وعد المطيع بما يعده من الثواب أي من كان يرجو لقاء الله فإن أجره لآتٍ بثواب الله، أي يُثَابُ على طاعته، ومن لا يرجو لقاء الله آتياً له على وجه الثواب.
فصل
قال ابن عباس ومقاتل: من كان يخشى البعث والحساب. والرجاء بمعنى الخوف. وقال سعيد بن جبير: من كان يطمع في ثواب الله فإن أجل الله يعني ما وعد الله من الثواب والعقاب.
وقال مقاتل: يعني أن يوم القيامة لكائن والمعنى: أن من يخشى الله ويأمله فليستعد له، وليعمل لذلك اليوم، كقوله ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً﴾ [الكهف: 110] الآية كما تقدم.
﴿وهو السميع العليم﴾ ولم يذكر صفة غيرهما، لأنه سبق القول في قوله: ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا﴾ وسبق القول بقوله: ﴿وهم لا يفتنون﴾ وبقوله: ﴿فليعلمن الله الذين صدقوا﴾ وقوله: ﴿أم حسب الذين يعملون السيئات﴾ ولا شك أن القول يدرك بالسمع والعمل منه ما يدرك بالبصر، ومنه ما لا يدرك به، والعلم يشملهما، فقال: ﴿وَهُوَ السميع العليم﴾ أي يسمع ما قالوه، ويعلم من صدق فيما قال، ومن كذب أو عليم بما يعمل فيثيب ويعاقب.
قوله: ﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ أي له ثوابه، والجهاد هو الصبر على الشدة، ويكون ذلك في الحرب، وقد يكون على مخالفة النفس.
فإن قيل: هذه الآية على أن الجزاء على العمل واجب، فإن قوله: ﴿فإنما يجاهد لنفسه﴾ يفهم منه أن من جاهد ربح بجهاده ما لولاه لما ربح.
فالجواب: هو كذلك ولكن بحكم الوعد لا بالاستحقاق.
فإن قيل: قوله «فإنما» يقتضي الحصر، فيكون جهاد المرء لنفسه فقط ولا ينتفع به غيره وليس كذلك، فإن من جاهد ينتفع به هو، ومن يريد نفعه حتى إن الوالد والولد ببركة المجاهد وجهاده ينتفعون به.
فالجواب: أن ذلك نفع له، فإن انتفاع الولد انتفاع للأب، والحصر هنا معناه أن جهاده لا يصل إلى الله منه نفع، ويدل عليه قوله: ﴿إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنِ العالمين﴾ أي عن أعمالهم وعبادتهم.
قوله: «والَّذِينَ آمنُوا» يجوز أن يكون مرفوعاً بالابتداء والخبر جملة القسم المحذوفة وجوابها أي: والله لنكفرن. ويجوز أن يكون منصوباً بفعل مضمر عل الاشتغال، أي: وليخلص الذين آمنوا من سيئاتهم.
والتكفير: إذهاب السيئة بالحسنة، والمعنى: لنُذْهِبَنَّ سيئاتهم حتى تصير بمنزلة من لم يعمل.
فإن قيل: قوله: فلنكفرن (عنهم سيئاتهم يستدعي وجود السيئات حتى تكفر، «والذين آمنوا عملوا الصالحات» بأسرها من أين يكون) لهم سيئة؟
فالجواب: ما من مكلف إلا وله سيئة، أما غير الأنبياء فظاهر، وأما الأنبياء فلأن ترك الأفضل منهم كالسيئة من غيرهم، ولهذا قال تعالى:
﴿عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43] .
قوله: ﴿أَحْسَنَ الذي كَانُواْ﴾ ، قيل: على حذف مضاف، أي: ثواب الذي فالمراد بأحسن هنا مجرد الوصف.
قيل: لئلا يلزم أن يكون جزاؤهم مسكوتاً عنه، وهذا ليس بشيء، لأنه من باب الأولى إذا جازاهم بالأحسن جازاهم بما دونه فهو من التنبيه على الأدنى بالأعلى.
قال المفسرون: يجزيهم بأحسن أعمالهم وهو الطاعة.
وقيل: يعطيهم أكثر مما عملوا وأحسن، كما قال: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160] قوله: «حُسْناً» فيه أوجه:
أحدها: أنه نعت مصدر محذوف أي (إيصَاءً) حسناً، إما على المبالغة جعل نفس الحسن، وإما على حذف مضاف (أي: ذا حُسنٍ) .
الثاني: أنه مفعول به، قال ابن عطية: «وفي ذلك تجوز» ، والأصل ووصينا الإنسان بالحسن في فعله مع والديه، ونظير ذلك قول الشاعر:
4025 - عَجِبْتُ مِنْ دَهْمَاءَ إذْ تَشْكُونَا ... وَمِنْ أَبِي دَهْمَاءَ إذْ يُوصينا
خَيْراً بِهَا كَأَنَّمَا خَافُونَا ... ومنه قول الحطيئة:
4026 - (وَصَّيْتَ مِنْ بَرَّةَ قَلْباً حَرَّا ... بِالْكَلْبِ خَيْراً وبِالحَمَاةِ شَرَّا وعلى هذا فيكون الأصل: وصيناه بحسن في بر والديه، ثم جر «الوالدين» بالهاء فانتصب حسناً وكذلك البيتان. والباء في الآية والبيتين في هذه الحالة للظرفية.
الثالث: أن «بوالديه» هو المفعول الثاني، فنصب «حسناً» بإضمار فعل، أي يحْسُن حسناً، فيكون مصدراً مؤكداً كذا قيل.
وفيه نظر، لأَنَّ عامل الؤكد لا يحذف.
الرابع: أنه مفعول به على التضمين أي من ألزمناه حسناً.
الخامس: أنه على إسقاط الخافض أي «بحُسْنٍ» .
وعبر صاحب التحرير عن ذلك بالقطع.
السادس: أن (بعض) الكوفيين قدره ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه حسناً. وفيه حذف «أن» وصلتها، وإبقاء معمولها، ولا يجوز عند البصريين.
السابع: أن التقدير: وصيناه بإيتاء والديه حسناً. وفيه حذف المصدر وإبقاء معموله ولا يجوز
الثامن: أنه منصوب انتصاب «زيداً» في قولك لمن رأيته متهيئاً للضرب «زَيْداً» أي اضرب زيداً، والتقدير هنا: أَوْلهما حسناً، أو افعل بهما حسناً. قالهما الزمخشري.
وقرأ عيسى والجحدري: «حَسَناً» وهما لغتان، كالبُخْل والبَخَل. وقد تقدم ذلك في أوائل البقرة.
وقرىء: إحساناً، من قوله تعالى: ﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ [الإسراء: 23] .
فصل
معنى حسناً أي برّاً بهما، وعطفاً عليهما، والمعنى: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن. نزلت هذه الآية، والتي في سورة لقمان والأحقاف في سعد بن أبي وقاص، وهو سعد بن مالك أبو إسحاق الزهري وأمه حثمْنَةُ بنت أبي سفيان بن أمية من عبد شمس، لما أسلم، وكان من السابقين الأولين وكان باراً بأمه، قالت أمه: ما هذا الدين الذي أَحْدَثْتَ؟ والله لا آكلُ ولا أشربُ حتى ترجعُ إلى ما كنت عليه أو أموت فتعير بذلك أبد الدهر، ويقال: يا قاتل أمِّهِ.
ثم إنها مكثت يوماً وليلة لم تأكل ولم تشرب (ولم تَسْتَظِلَّ فأصبحت قد جهدت، ثم مكثت يوماً آخر لم تأكل ولم تشرب) فجاء «سعد» إيلها، وقال يا أُمَّاهُ: لو كانت مائة نفس (فخرجت نفسا) نفساً ما تركت ديني فكُلِي، وإن شئت فلا تأكلي فلما أيست منه أكلست وشربت فأنزل الله هذه الآية، وأمره الله بالبر بوالديه والإحسان إليهما.
واعلم أنه إنما أمر بالإحسان للوالدين لأنهما سبب وجود الولد بالولادة وسبب بقائه بالتربية المعتادة، والله تعالى بسبب له في الحقيقة بالإرادة، وسبب بقائه بالإعادة للسعادة، فهو أولى بأن يحسن العبد حاله (معه) .
قوله: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ على أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا﴾ .
قال عليه (الصلاة) والسلام: «لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في معصية الله» ثم أوعد بالمصير إليه، فقال: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أخبركم بصالح أعمالكم وسيئها فأجازيكم عليها كأنه تعالى يقول: لا تظنوا أني غائب عنكم وآباؤكم حاضرون فتوافقون الحاضرين في الحال اعتماداً على غيبتي، وعدم علمي بمخالفتكم فإني حاضر معكم أعلم ما تفعلون، ولا أنسى فأنبئكم بجميعه.
قوله: «والذين آمَنُوا» يجوز فيه الرفع على الابتداء، والنصب على الاشتغال.
وقوله: ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصالحين﴾ أي نجعلهم منهم، وندخلهم في أعدادهم، كما يقال: الفقيه داخل في العلماء. والمعنى: نجعلهم من جملة الصالحين وهم الأنبياء والأولياء. وقيل: في مَدْخَل الصالحين وهو الجنة.
فإن قيل: ما الفائدة في إعادة ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ ؟
فالجواب: أنه ذكر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولاً، لبيان حال المهتدي وثانياً، لبيان حال الهادي لأنه قال أولاً: ﴿لنكفرن عنهم سيئاتهم. وقال ثانياً: {لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصالحين﴾ والصالحين هم الهداة، لأنها مرتبة الأنبياء، ولهذا قال إبراهيم - عليه (الصلالة) والسلام: «والحقني بالصَّالِحينَ» .
العنكبوت 29:6
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات﴾ «أم» هذه منقطعة، فتقدر ببل والهمزة عند الجمهور، والإضراب انتقال لا إبطال.
قال ابن عطية: أم معادلة للألف في قوله: «أحسب» وكأنه عزّ وجلّ قرر الفريقين، قرر المؤمنين أنهم لا يفتنون، وقرر الكافرين أنهم يسبقون نقمات الله.
قال أبو حيان: «ليست معادلة» ؛ إذ لو كانت كذلك لكانت متصلة، ولا جائز أن تكون متصلة لفقد شرطين:
أحدهما: أن ما بعدها ليس مفرداً، ولا ما في قوته.
والثاني: أنه لم يكن هنا ما يجاب به من أحد شيئين أو أشياء.
وجوز الزمخشري في «حسب» هذه أن تتعدى لاثنين، وجعل «أن» وما في خبرها سادةً مسدهما، كقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة﴾ [البقرة: 214] ، وأن تتعدى لواحدٍ على أنها مضمنة معنى «قدر» ، إلا أن التضمين لا ينقاس
قوله: «ساء ما يحكمون} يجوز أن تكون» ساء «بمعنى بئس فتكون» ما «إما موصولة بمعنى الذي، و» يحكمون «صلتها، وهي فاعل ساء، والمخصوص بالذم محذوف أي حكمهم.
ويجوز أن تكون» ما «تمييزاً، و» يحكمون «صفتها، والفاعل مضمر يفسره» ما «والمخصوص أيضاً محذوف.
ويجوز أن تكون ساء بمعنى قَبُحَ، فيجوز في» ما «أن تكون مصدرية، وبمعنى الذي، ونكرة موصوفة، وجيء ب» يحكمون «دون» حكموا «إما للتنبيه على أن هذا ديدنهم وإما لوقوعه موقع الماضي لأجل الفاصلة.
ويجوز أن تكون ما مصدرية وهو قول ابن كَيْسَانَ فعلى هذا يكون التمييز محذوفاً، والمصدر المؤوّل مخصوص بالذم أي ساء حكماً حكمُهُمْ.
وقد تقدم حكم» ما «إذا اتصلت ببئس مشبعاً في البقرة.
فصل
لما بين حسن التكليف بقوله: ﴿أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا﴾ بين أن من كلف بشيء ولم يأت به يعذب، وإن لم يعذب في الحال فسيعذب في الاستقبال، ولا يفوت الله شيء. في الحال ولا في المآل.
فقوله: ﴿أم حسب الذين يعملون السيئات﴾ يعني الشرك» أن يسبقونا «أي يعجزونا ويفوتونا، فلا نقدرعلى الانتقام منهم ﴿ساء ما يحكمون﴾ بئس ما حكموا حين ظنوا ذلك.
قوله: ﴿مَن كَانَ يَرْجُو﴾ يجوز أن تكون من شرطية، وأن تكون موصولة ودخلت الفاء لشبهها بالشرطية.
فإن قيل: المعلق بالشرط عُدِمَ عَدَم الشرط، فمن لا يرجو لقاء الله لا يكون أجل الله آتياً له، وهذا باطل، لأن أجل الله آت لا محالة من غير تقييد بشرط؟
فالجواب: أن قوله: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ﴾ ليس بجواب، بل الجواب محذوف، أي فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً كما قد صرح به.
وقال ابن الخطيب: المراد من ذكر إتيان الأجل وعد المطيع بما يعده من الثواب أي من كان يرجو لقاء الله فإن أجره لآتٍ بثواب الله، أي يُثَابُ على طاعته، ومن لا يرجو لقاء الله آتياً له على وجه الثواب.
فصل
قال ابن عباس ومقاتل: من كان يخشى البعث والحساب. والرجاء بمعنى الخوف. وقال سعيد بن جبير: من كان يطمع في ثواب الله فإن أجل الله يعني ما وعد الله من الثواب والعقاب.
وقال مقاتل: يعني أن يوم القيامة لكائن والمعنى: أن من يخشى الله ويأمله فليستعد له، وليعمل لذلك اليوم، كقوله ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً﴾ [الكهف: 110] الآية كما تقدم.
﴿وهو السميع العليم﴾ ولم يذكر صفة غيرهما، لأنه سبق القول في قوله: ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا﴾ وسبق القول بقوله: ﴿وهم لا يفتنون﴾ وبقوله: ﴿فليعلمن الله الذين صدقوا﴾ وقوله: ﴿أم حسب الذين يعملون السيئات﴾ ولا شك أن القول يدرك بالسمع والعمل منه ما يدرك بالبصر، ومنه ما لا يدرك به، والعلم يشملهما، فقال: ﴿وَهُوَ السميع العليم﴾ أي يسمع ما قالوه، ويعلم من صدق فيما قال، ومن كذب أو عليم بما يعمل فيثيب ويعاقب.
قوله: ﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ أي له ثوابه، والجهاد هو الصبر على الشدة، ويكون ذلك في الحرب، وقد يكون على مخالفة النفس.
فإن قيل: هذه الآية على أن الجزاء على العمل واجب، فإن قوله: ﴿فإنما يجاهد لنفسه﴾ يفهم منه أن من جاهد ربح بجهاده ما لولاه لما ربح.
فالجواب: هو كذلك ولكن بحكم الوعد لا بالاستحقاق.
فإن قيل: قوله «فإنما» يقتضي الحصر، فيكون جهاد المرء لنفسه فقط ولا ينتفع به غيره وليس كذلك، فإن من جاهد ينتفع به هو، ومن يريد نفعه حتى إن الوالد والولد ببركة المجاهد وجهاده ينتفعون به.
فالجواب: أن ذلك نفع له، فإن انتفاع الولد انتفاع للأب، والحصر هنا معناه أن جهاده لا يصل إلى الله منه نفع، ويدل عليه قوله: ﴿إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنِ العالمين﴾ أي عن أعمالهم وعبادتهم.
قوله: «والَّذِينَ آمنُوا» يجوز أن يكون مرفوعاً بالابتداء والخبر جملة القسم المحذوفة وجوابها أي: والله لنكفرن. ويجوز أن يكون منصوباً بفعل مضمر عل الاشتغال، أي: وليخلص الذين آمنوا من سيئاتهم.
والتكفير: إذهاب السيئة بالحسنة، والمعنى: لنُذْهِبَنَّ سيئاتهم حتى تصير بمنزلة من لم يعمل.
فإن قيل: قوله: فلنكفرن (عنهم سيئاتهم يستدعي وجود السيئات حتى تكفر، «والذين آمنوا عملوا الصالحات» بأسرها من أين يكون) لهم سيئة؟
فالجواب: ما من مكلف إلا وله سيئة، أما غير الأنبياء فظاهر، وأما الأنبياء فلأن ترك الأفضل منهم كالسيئة من غيرهم، ولهذا قال تعالى:
﴿عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43] .
قوله: ﴿أَحْسَنَ الذي كَانُواْ﴾ ، قيل: على حذف مضاف، أي: ثواب الذي فالمراد بأحسن هنا مجرد الوصف.
قيل: لئلا يلزم أن يكون جزاؤهم مسكوتاً عنه، وهذا ليس بشيء، لأنه من باب الأولى إذا جازاهم بالأحسن جازاهم بما دونه فهو من التنبيه على الأدنى بالأعلى.
قال المفسرون: يجزيهم بأحسن أعمالهم وهو الطاعة.
وقيل: يعطيهم أكثر مما عملوا وأحسن، كما قال: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160] قوله: «حُسْناً» فيه أوجه:
أحدها: أنه نعت مصدر محذوف أي (إيصَاءً) حسناً، إما على المبالغة جعل نفس الحسن، وإما على حذف مضاف (أي: ذا حُسنٍ) .
الثاني: أنه مفعول به، قال ابن عطية: «وفي ذلك تجوز» ، والأصل ووصينا الإنسان بالحسن في فعله مع والديه، ونظير ذلك قول الشاعر:
4025 - عَجِبْتُ مِنْ دَهْمَاءَ إذْ تَشْكُونَا ... وَمِنْ أَبِي دَهْمَاءَ إذْ يُوصينا
خَيْراً بِهَا كَأَنَّمَا خَافُونَا ... ومنه قول الحطيئة:
4026 - (وَصَّيْتَ مِنْ بَرَّةَ قَلْباً حَرَّا ... بِالْكَلْبِ خَيْراً وبِالحَمَاةِ شَرَّا وعلى هذا فيكون الأصل: وصيناه بحسن في بر والديه، ثم جر «الوالدين» بالهاء فانتصب حسناً وكذلك البيتان. والباء في الآية والبيتين في هذه الحالة للظرفية.
الثالث: أن «بوالديه» هو المفعول الثاني، فنصب «حسناً» بإضمار فعل، أي يحْسُن حسناً، فيكون مصدراً مؤكداً كذا قيل.
وفيه نظر، لأَنَّ عامل الؤكد لا يحذف.
الرابع: أنه مفعول به على التضمين أي من ألزمناه حسناً.
الخامس: أنه على إسقاط الخافض أي «بحُسْنٍ» .
وعبر صاحب التحرير عن ذلك بالقطع.
السادس: أن (بعض) الكوفيين قدره ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه حسناً. وفيه حذف «أن» وصلتها، وإبقاء معمولها، ولا يجوز عند البصريين.
السابع: أن التقدير: وصيناه بإيتاء والديه حسناً. وفيه حذف المصدر وإبقاء معموله ولا يجوز
الثامن: أنه منصوب انتصاب «زيداً» في قولك لمن رأيته متهيئاً للضرب «زَيْداً» أي اضرب زيداً، والتقدير هنا: أَوْلهما حسناً، أو افعل بهما حسناً. قالهما الزمخشري.
وقرأ عيسى والجحدري: «حَسَناً» وهما لغتان، كالبُخْل والبَخَل. وقد تقدم ذلك في أوائل البقرة.
وقرىء: إحساناً، من قوله تعالى: ﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ [الإسراء: 23] .
فصل
معنى حسناً أي برّاً بهما، وعطفاً عليهما، والمعنى: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن. نزلت هذه الآية، والتي في سورة لقمان والأحقاف في سعد بن أبي وقاص، وهو سعد بن مالك أبو إسحاق الزهري وأمه حثمْنَةُ بنت أبي سفيان بن أمية من عبد شمس، لما أسلم، وكان من السابقين الأولين وكان باراً بأمه، قالت أمه: ما هذا الدين الذي أَحْدَثْتَ؟ والله لا آكلُ ولا أشربُ حتى ترجعُ إلى ما كنت عليه أو أموت فتعير بذلك أبد الدهر، ويقال: يا قاتل أمِّهِ.
ثم إنها مكثت يوماً وليلة لم تأكل ولم تشرب (ولم تَسْتَظِلَّ فأصبحت قد جهدت، ثم مكثت يوماً آخر لم تأكل ولم تشرب) فجاء «سعد» إيلها، وقال يا أُمَّاهُ: لو كانت مائة نفس (فخرجت نفسا) نفساً ما تركت ديني فكُلِي، وإن شئت فلا تأكلي فلما أيست منه أكلست وشربت فأنزل الله هذه الآية، وأمره الله بالبر بوالديه والإحسان إليهما.
واعلم أنه إنما أمر بالإحسان للوالدين لأنهما سبب وجود الولد بالولادة وسبب بقائه بالتربية المعتادة، والله تعالى بسبب له في الحقيقة بالإرادة، وسبب بقائه بالإعادة للسعادة، فهو أولى بأن يحسن العبد حاله (معه) .
قوله: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ على أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا﴾ .
قال عليه (الصلاة) والسلام: «لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في معصية الله» ثم أوعد بالمصير إليه، فقال: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أخبركم بصالح أعمالكم وسيئها فأجازيكم عليها كأنه تعالى يقول: لا تظنوا أني غائب عنكم وآباؤكم حاضرون فتوافقون الحاضرين في الحال اعتماداً على غيبتي، وعدم علمي بمخالفتكم فإني حاضر معكم أعلم ما تفعلون، ولا أنسى فأنبئكم بجميعه.
قوله: «والذين آمَنُوا» يجوز فيه الرفع على الابتداء، والنصب على الاشتغال.
وقوله: ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصالحين﴾ أي نجعلهم منهم، وندخلهم في أعدادهم، كما يقال: الفقيه داخل في العلماء. والمعنى: نجعلهم من جملة الصالحين وهم الأنبياء والأولياء. وقيل: في مَدْخَل الصالحين وهو الجنة.
فإن قيل: ما الفائدة في إعادة ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ ؟
فالجواب: أنه ذكر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولاً، لبيان حال المهتدي وثانياً، لبيان حال الهادي لأنه قال أولاً: ﴿لنكفرن عنهم سيئاتهم. وقال ثانياً: {لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصالحين﴾ والصالحين هم الهداة، لأنها مرتبة الأنبياء، ولهذا قال إبراهيم - عليه (الصلالة) والسلام: «والحقني بالصَّالِحينَ» .
العنكبوت 29:7
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات﴾ «أم» هذه منقطعة، فتقدر ببل والهمزة عند الجمهور، والإضراب انتقال لا إبطال.
قال ابن عطية: أم معادلة للألف في قوله: «أحسب» وكأنه عزّ وجلّ قرر الفريقين، قرر المؤمنين أنهم لا يفتنون، وقرر الكافرين أنهم يسبقون نقمات الله.
قال أبو حيان: «ليست معادلة» ؛ إذ لو كانت كذلك لكانت متصلة، ولا جائز أن تكون متصلة لفقد شرطين:
أحدهما: أن ما بعدها ليس مفرداً، ولا ما في قوته.
والثاني: أنه لم يكن هنا ما يجاب به من أحد شيئين أو أشياء.
وجوز الزمخشري في «حسب» هذه أن تتعدى لاثنين، وجعل «أن» وما في خبرها سادةً مسدهما، كقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة﴾ [البقرة: 214] ، وأن تتعدى لواحدٍ على أنها مضمنة معنى «قدر» ، إلا أن التضمين لا ينقاس
قوله: «ساء ما يحكمون} يجوز أن تكون» ساء «بمعنى بئس فتكون» ما «إما موصولة بمعنى الذي، و» يحكمون «صلتها، وهي فاعل ساء، والمخصوص بالذم محذوف أي حكمهم.
ويجوز أن تكون» ما «تمييزاً، و» يحكمون «صفتها، والفاعل مضمر يفسره» ما «والمخصوص أيضاً محذوف.
ويجوز أن تكون ساء بمعنى قَبُحَ، فيجوز في» ما «أن تكون مصدرية، وبمعنى الذي، ونكرة موصوفة، وجيء ب» يحكمون «دون» حكموا «إما للتنبيه على أن هذا ديدنهم وإما لوقوعه موقع الماضي لأجل الفاصلة.
ويجوز أن تكون ما مصدرية وهو قول ابن كَيْسَانَ فعلى هذا يكون التمييز محذوفاً، والمصدر المؤوّل مخصوص بالذم أي ساء حكماً حكمُهُمْ.
وقد تقدم حكم» ما «إذا اتصلت ببئس مشبعاً في البقرة.
فصل
لما بين حسن التكليف بقوله: ﴿أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا﴾ بين أن من كلف بشيء ولم يأت به يعذب، وإن لم يعذب في الحال فسيعذب في الاستقبال، ولا يفوت الله شيء. في الحال ولا في المآل.
فقوله: ﴿أم حسب الذين يعملون السيئات﴾ يعني الشرك» أن يسبقونا «أي يعجزونا ويفوتونا، فلا نقدرعلى الانتقام منهم ﴿ساء ما يحكمون﴾ بئس ما حكموا حين ظنوا ذلك.
قوله: ﴿مَن كَانَ يَرْجُو﴾ يجوز أن تكون من شرطية، وأن تكون موصولة ودخلت الفاء لشبهها بالشرطية.
فإن قيل: المعلق بالشرط عُدِمَ عَدَم الشرط، فمن لا يرجو لقاء الله لا يكون أجل الله آتياً له، وهذا باطل، لأن أجل الله آت لا محالة من غير تقييد بشرط؟
فالجواب: أن قوله: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ﴾ ليس بجواب، بل الجواب محذوف، أي فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً كما قد صرح به.
وقال ابن الخطيب: المراد من ذكر إتيان الأجل وعد المطيع بما يعده من الثواب أي من كان يرجو لقاء الله فإن أجره لآتٍ بثواب الله، أي يُثَابُ على طاعته، ومن لا يرجو لقاء الله آتياً له على وجه الثواب.
فصل
قال ابن عباس ومقاتل: من كان يخشى البعث والحساب. والرجاء بمعنى الخوف. وقال سعيد بن جبير: من كان يطمع في ثواب الله فإن أجل الله يعني ما وعد الله من الثواب والعقاب.
وقال مقاتل: يعني أن يوم القيامة لكائن والمعنى: أن من يخشى الله ويأمله فليستعد له، وليعمل لذلك اليوم، كقوله ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً﴾ [الكهف: 110] الآية كما تقدم.
﴿وهو السميع العليم﴾ ولم يذكر صفة غيرهما، لأنه سبق القول في قوله: ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا﴾ وسبق القول بقوله: ﴿وهم لا يفتنون﴾ وبقوله: ﴿فليعلمن الله الذين صدقوا﴾ وقوله: ﴿أم حسب الذين يعملون السيئات﴾ ولا شك أن القول يدرك بالسمع والعمل منه ما يدرك بالبصر، ومنه ما لا يدرك به، والعلم يشملهما، فقال: ﴿وَهُوَ السميع العليم﴾ أي يسمع ما قالوه، ويعلم من صدق فيما قال، ومن كذب أو عليم بما يعمل فيثيب ويعاقب.
قوله: ﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ أي له ثوابه، والجهاد هو الصبر على الشدة، ويكون ذلك في الحرب، وقد يكون على مخالفة النفس.
فإن قيل: هذه الآية على أن الجزاء على العمل واجب، فإن قوله: ﴿فإنما يجاهد لنفسه﴾ يفهم منه أن من جاهد ربح بجهاده ما لولاه لما ربح.
فالجواب: هو كذلك ولكن بحكم الوعد لا بالاستحقاق.
فإن قيل: قوله «فإنما» يقتضي الحصر، فيكون جهاد المرء لنفسه فقط ولا ينتفع به غيره وليس كذلك، فإن من جاهد ينتفع به هو، ومن يريد نفعه حتى إن الوالد والولد ببركة المجاهد وجهاده ينتفعون به.
فالجواب: أن ذلك نفع له، فإن انتفاع الولد انتفاع للأب، والحصر هنا معناه أن جهاده لا يصل إلى الله منه نفع، ويدل عليه قوله: ﴿إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنِ العالمين﴾ أي عن أعمالهم وعبادتهم.
قوله: «والَّذِينَ آمنُوا» يجوز أن يكون مرفوعاً بالابتداء والخبر جملة القسم المحذوفة وجوابها أي: والله لنكفرن. ويجوز أن يكون منصوباً بفعل مضمر عل الاشتغال، أي: وليخلص الذين آمنوا من سيئاتهم.
والتكفير: إذهاب السيئة بالحسنة، والمعنى: لنُذْهِبَنَّ سيئاتهم حتى تصير بمنزلة من لم يعمل.
فإن قيل: قوله: فلنكفرن (عنهم سيئاتهم يستدعي وجود السيئات حتى تكفر، «والذين آمنوا عملوا الصالحات» بأسرها من أين يكون) لهم سيئة؟
فالجواب: ما من مكلف إلا وله سيئة، أما غير الأنبياء فظاهر، وأما الأنبياء فلأن ترك الأفضل منهم كالسيئة من غيرهم، ولهذا قال تعالى:
﴿عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43] .
قوله: ﴿أَحْسَنَ الذي كَانُواْ﴾ ، قيل: على حذف مضاف، أي: ثواب الذي فالمراد بأحسن هنا مجرد الوصف.
قيل: لئلا يلزم أن يكون جزاؤهم مسكوتاً عنه، وهذا ليس بشيء، لأنه من باب الأولى إذا جازاهم بالأحسن جازاهم بما دونه فهو من التنبيه على الأدنى بالأعلى.
قال المفسرون: يجزيهم بأحسن أعمالهم وهو الطاعة.
وقيل: يعطيهم أكثر مما عملوا وأحسن، كما قال: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160] قوله: «حُسْناً» فيه أوجه:
أحدها: أنه نعت مصدر محذوف أي (إيصَاءً) حسناً، إما على المبالغة جعل نفس الحسن، وإما على حذف مضاف (أي: ذا حُسنٍ) .
الثاني: أنه مفعول به، قال ابن عطية: «وفي ذلك تجوز» ، والأصل ووصينا الإنسان بالحسن في فعله مع والديه، ونظير ذلك قول الشاعر:
4025 - عَجِبْتُ مِنْ دَهْمَاءَ إذْ تَشْكُونَا ... وَمِنْ أَبِي دَهْمَاءَ إذْ يُوصينا
خَيْراً بِهَا كَأَنَّمَا خَافُونَا ... ومنه قول الحطيئة:
4026 - (وَصَّيْتَ مِنْ بَرَّةَ قَلْباً حَرَّا ... بِالْكَلْبِ خَيْراً وبِالحَمَاةِ شَرَّا وعلى هذا فيكون الأصل: وصيناه بحسن في بر والديه، ثم جر «الوالدين» بالهاء فانتصب حسناً وكذلك البيتان. والباء في الآية والبيتين في هذه الحالة للظرفية.
الثالث: أن «بوالديه» هو المفعول الثاني، فنصب «حسناً» بإضمار فعل، أي يحْسُن حسناً، فيكون مصدراً مؤكداً كذا قيل.
وفيه نظر، لأَنَّ عامل الؤكد لا يحذف.
الرابع: أنه مفعول به على التضمين أي من ألزمناه حسناً.
الخامس: أنه على إسقاط الخافض أي «بحُسْنٍ» .
وعبر صاحب التحرير عن ذلك بالقطع.
السادس: أن (بعض) الكوفيين قدره ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه حسناً. وفيه حذف «أن» وصلتها، وإبقاء معمولها، ولا يجوز عند البصريين.
السابع: أن التقدير: وصيناه بإيتاء والديه حسناً. وفيه حذف المصدر وإبقاء معموله ولا يجوز
الثامن: أنه منصوب انتصاب «زيداً» في قولك لمن رأيته متهيئاً للضرب «زَيْداً» أي اضرب زيداً، والتقدير هنا: أَوْلهما حسناً، أو افعل بهما حسناً. قالهما الزمخشري.
وقرأ عيسى والجحدري: «حَسَناً» وهما لغتان، كالبُخْل والبَخَل. وقد تقدم ذلك في أوائل البقرة.
وقرىء: إحساناً، من قوله تعالى: ﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ [الإسراء: 23] .
فصل
معنى حسناً أي برّاً بهما، وعطفاً عليهما، والمعنى: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن. نزلت هذه الآية، والتي في سورة لقمان والأحقاف في سعد بن أبي وقاص، وهو سعد بن مالك أبو إسحاق الزهري وأمه حثمْنَةُ بنت أبي سفيان بن أمية من عبد شمس، لما أسلم، وكان من السابقين الأولين وكان باراً بأمه، قالت أمه: ما هذا الدين الذي أَحْدَثْتَ؟ والله لا آكلُ ولا أشربُ حتى ترجعُ إلى ما كنت عليه أو أموت فتعير بذلك أبد الدهر، ويقال: يا قاتل أمِّهِ.
ثم إنها مكثت يوماً وليلة لم تأكل ولم تشرب (ولم تَسْتَظِلَّ فأصبحت قد جهدت، ثم مكثت يوماً آخر لم تأكل ولم تشرب) فجاء «سعد» إيلها، وقال يا أُمَّاهُ: لو كانت مائة نفس (فخرجت نفسا) نفساً ما تركت ديني فكُلِي، وإن شئت فلا تأكلي فلما أيست منه أكلست وشربت فأنزل الله هذه الآية، وأمره الله بالبر بوالديه والإحسان إليهما.
واعلم أنه إنما أمر بالإحسان للوالدين لأنهما سبب وجود الولد بالولادة وسبب بقائه بالتربية المعتادة، والله تعالى بسبب له في الحقيقة بالإرادة، وسبب بقائه بالإعادة للسعادة، فهو أولى بأن يحسن العبد حاله (معه) .
قوله: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ على أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا﴾ .
قال عليه (الصلاة) والسلام: «لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في معصية الله» ثم أوعد بالمصير إليه، فقال: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أخبركم بصالح أعمالكم وسيئها فأجازيكم عليها كأنه تعالى يقول: لا تظنوا أني غائب عنكم وآباؤكم حاضرون فتوافقون الحاضرين في الحال اعتماداً على غيبتي، وعدم علمي بمخالفتكم فإني حاضر معكم أعلم ما تفعلون، ولا أنسى فأنبئكم بجميعه.
قوله: «والذين آمَنُوا» يجوز فيه الرفع على الابتداء، والنصب على الاشتغال.
وقوله: ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصالحين﴾ أي نجعلهم منهم، وندخلهم في أعدادهم، كما يقال: الفقيه داخل في العلماء. والمعنى: نجعلهم من جملة الصالحين وهم الأنبياء والأولياء. وقيل: في مَدْخَل الصالحين وهو الجنة.
فإن قيل: ما الفائدة في إعادة ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ ؟
فالجواب: أنه ذكر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولاً، لبيان حال المهتدي وثانياً، لبيان حال الهادي لأنه قال أولاً: ﴿لنكفرن عنهم سيئاتهم. وقال ثانياً: {لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصالحين﴾ والصالحين هم الهداة، لأنها مرتبة الأنبياء، ولهذا قال إبراهيم - عليه (الصلالة) والسلام: «والحقني بالصَّالِحينَ» .
العنكبوت 29:8
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات﴾ «أم» هذه منقطعة، فتقدر ببل والهمزة عند الجمهور، والإضراب انتقال لا إبطال.
قال ابن عطية: أم معادلة للألف في قوله: «أحسب» وكأنه عزّ وجلّ قرر الفريقين، قرر المؤمنين أنهم لا يفتنون، وقرر الكافرين أنهم يسبقون نقمات الله.
قال أبو حيان: «ليست معادلة» ؛ إذ لو كانت كذلك لكانت متصلة، ولا جائز أن تكون متصلة لفقد شرطين:
أحدهما: أن ما بعدها ليس مفرداً، ولا ما في قوته.
والثاني: أنه لم يكن هنا ما يجاب به من أحد شيئين أو أشياء.
وجوز الزمخشري في «حسب» هذه أن تتعدى لاثنين، وجعل «أن» وما في خبرها سادةً مسدهما، كقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة﴾ [البقرة: 214] ، وأن تتعدى لواحدٍ على أنها مضمنة معنى «قدر» ، إلا أن التضمين لا ينقاس
قوله: «ساء ما يحكمون} يجوز أن تكون» ساء «بمعنى بئس فتكون» ما «إما موصولة بمعنى الذي، و» يحكمون «صلتها، وهي فاعل ساء، والمخصوص بالذم محذوف أي حكمهم.
ويجوز أن تكون» ما «تمييزاً، و» يحكمون «صفتها، والفاعل مضمر يفسره» ما «والمخصوص أيضاً محذوف.
ويجوز أن تكون ساء بمعنى قَبُحَ، فيجوز في» ما «أن تكون مصدرية، وبمعنى الذي، ونكرة موصوفة، وجيء ب» يحكمون «دون» حكموا «إما للتنبيه على أن هذا ديدنهم وإما لوقوعه موقع الماضي لأجل الفاصلة.
ويجوز أن تكون ما مصدرية وهو قول ابن كَيْسَانَ فعلى هذا يكون التمييز محذوفاً، والمصدر المؤوّل مخصوص بالذم أي ساء حكماً حكمُهُمْ.
وقد تقدم حكم» ما «إذا اتصلت ببئس مشبعاً في البقرة.
فصل
لما بين حسن التكليف بقوله: ﴿أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا﴾ بين أن من كلف بشيء ولم يأت به يعذب، وإن لم يعذب في الحال فسيعذب في الاستقبال، ولا يفوت الله شيء. في الحال ولا في المآل.
فقوله: ﴿أم حسب الذين يعملون السيئات﴾ يعني الشرك» أن يسبقونا «أي يعجزونا ويفوتونا، فلا نقدرعلى الانتقام منهم ﴿ساء ما يحكمون﴾ بئس ما حكموا حين ظنوا ذلك.
قوله: ﴿مَن كَانَ يَرْجُو﴾ يجوز أن تكون من شرطية، وأن تكون موصولة ودخلت الفاء لشبهها بالشرطية.
فإن قيل: المعلق بالشرط عُدِمَ عَدَم الشرط، فمن لا يرجو لقاء الله لا يكون أجل الله آتياً له، وهذا باطل، لأن أجل الله آت لا محالة من غير تقييد بشرط؟
فالجواب: أن قوله: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ﴾ ليس بجواب، بل الجواب محذوف، أي فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً كما قد صرح به.
وقال ابن الخطيب: المراد من ذكر إتيان الأجل وعد المطيع بما يعده من الثواب أي من كان يرجو لقاء الله فإن أجره لآتٍ بثواب الله، أي يُثَابُ على طاعته، ومن لا يرجو لقاء الله آتياً له على وجه الثواب.
فصل
قال ابن عباس ومقاتل: من كان يخشى البعث والحساب. والرجاء بمعنى الخوف. وقال سعيد بن جبير: من كان يطمع في ثواب الله فإن أجل الله يعني ما وعد الله من الثواب والعقاب.
وقال مقاتل: يعني أن يوم القيامة لكائن والمعنى: أن من يخشى الله ويأمله فليستعد له، وليعمل لذلك اليوم، كقوله ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً﴾ [الكهف: 110] الآية كما تقدم.
﴿وهو السميع العليم﴾ ولم يذكر صفة غيرهما، لأنه سبق القول في قوله: ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا﴾ وسبق القول بقوله: ﴿وهم لا يفتنون﴾ وبقوله: ﴿فليعلمن الله الذين صدقوا﴾ وقوله: ﴿أم حسب الذين يعملون السيئات﴾ ولا شك أن القول يدرك بالسمع والعمل منه ما يدرك بالبصر، ومنه ما لا يدرك به، والعلم يشملهما، فقال: ﴿وَهُوَ السميع العليم﴾ أي يسمع ما قالوه، ويعلم من صدق فيما قال، ومن كذب أو عليم بما يعمل فيثيب ويعاقب.
قوله: ﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ أي له ثوابه، والجهاد هو الصبر على الشدة، ويكون ذلك في الحرب، وقد يكون على مخالفة النفس.
فإن قيل: هذه الآية على أن الجزاء على العمل واجب، فإن قوله: ﴿فإنما يجاهد لنفسه﴾ يفهم منه أن من جاهد ربح بجهاده ما لولاه لما ربح.
فالجواب: هو كذلك ولكن بحكم الوعد لا بالاستحقاق.
فإن قيل: قوله «فإنما» يقتضي الحصر، فيكون جهاد المرء لنفسه فقط ولا ينتفع به غيره وليس كذلك، فإن من جاهد ينتفع به هو، ومن يريد نفعه حتى إن الوالد والولد ببركة المجاهد وجهاده ينتفعون به.
فالجواب: أن ذلك نفع له، فإن انتفاع الولد انتفاع للأب، والحصر هنا معناه أن جهاده لا يصل إلى الله منه نفع، ويدل عليه قوله: ﴿إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنِ العالمين﴾ أي عن أعمالهم وعبادتهم.
قوله: «والَّذِينَ آمنُوا» يجوز أن يكون مرفوعاً بالابتداء والخبر جملة القسم المحذوفة وجوابها أي: والله لنكفرن. ويجوز أن يكون منصوباً بفعل مضمر عل الاشتغال، أي: وليخلص الذين آمنوا من سيئاتهم.
والتكفير: إذهاب السيئة بالحسنة، والمعنى: لنُذْهِبَنَّ سيئاتهم حتى تصير بمنزلة من لم يعمل.
فإن قيل: قوله: فلنكفرن (عنهم سيئاتهم يستدعي وجود السيئات حتى تكفر، «والذين آمنوا عملوا الصالحات» بأسرها من أين يكون) لهم سيئة؟
فالجواب: ما من مكلف إلا وله سيئة، أما غير الأنبياء فظاهر، وأما الأنبياء فلأن ترك الأفضل منهم كالسيئة من غيرهم، ولهذا قال تعالى:
﴿عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43] .
قوله: ﴿أَحْسَنَ الذي كَانُواْ﴾ ، قيل: على حذف مضاف، أي: ثواب الذي فالمراد بأحسن هنا مجرد الوصف.
قيل: لئلا يلزم أن يكون جزاؤهم مسكوتاً عنه، وهذا ليس بشيء، لأنه من باب الأولى إذا جازاهم بالأحسن جازاهم بما دونه فهو من التنبيه على الأدنى بالأعلى.
قال المفسرون: يجزيهم بأحسن أعمالهم وهو الطاعة.
وقيل: يعطيهم أكثر مما عملوا وأحسن، كما قال: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160] قوله: «حُسْناً» فيه أوجه:
أحدها: أنه نعت مصدر محذوف أي (إيصَاءً) حسناً، إما على المبالغة جعل نفس الحسن، وإما على حذف مضاف (أي: ذا حُسنٍ) .
الثاني: أنه مفعول به، قال ابن عطية: «وفي ذلك تجوز» ، والأصل ووصينا الإنسان بالحسن في فعله مع والديه، ونظير ذلك قول الشاعر:
4025 - عَجِبْتُ مِنْ دَهْمَاءَ إذْ تَشْكُونَا ... وَمِنْ أَبِي دَهْمَاءَ إذْ يُوصينا
خَيْراً بِهَا كَأَنَّمَا خَافُونَا ... ومنه قول الحطيئة:
4026 - (وَصَّيْتَ مِنْ بَرَّةَ قَلْباً حَرَّا ... بِالْكَلْبِ خَيْراً وبِالحَمَاةِ شَرَّا وعلى هذا فيكون الأصل: وصيناه بحسن في بر والديه، ثم جر «الوالدين» بالهاء فانتصب حسناً وكذلك البيتان. والباء في الآية والبيتين في هذه الحالة للظرفية.
الثالث: أن «بوالديه» هو المفعول الثاني، فنصب «حسناً» بإضمار فعل، أي يحْسُن حسناً، فيكون مصدراً مؤكداً كذا قيل.
وفيه نظر، لأَنَّ عامل الؤكد لا يحذف.
الرابع: أنه مفعول به على التضمين أي من ألزمناه حسناً.
الخامس: أنه على إسقاط الخافض أي «بحُسْنٍ» .
وعبر صاحب التحرير عن ذلك بالقطع.
السادس: أن (بعض) الكوفيين قدره ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه حسناً. وفيه حذف «أن» وصلتها، وإبقاء معمولها، ولا يجوز عند البصريين.
السابع: أن التقدير: وصيناه بإيتاء والديه حسناً. وفيه حذف المصدر وإبقاء معموله ولا يجوز
الثامن: أنه منصوب انتصاب «زيداً» في قولك لمن رأيته متهيئاً للضرب «زَيْداً» أي اضرب زيداً، والتقدير هنا: أَوْلهما حسناً، أو افعل بهما حسناً. قالهما الزمخشري.
وقرأ عيسى والجحدري: «حَسَناً» وهما لغتان، كالبُخْل والبَخَل. وقد تقدم ذلك في أوائل البقرة.
وقرىء: إحساناً، من قوله تعالى: ﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ [الإسراء: 23] .
فصل
معنى حسناً أي برّاً بهما، وعطفاً عليهما، والمعنى: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن. نزلت هذه الآية، والتي في سورة لقمان والأحقاف في سعد بن أبي وقاص، وهو سعد بن مالك أبو إسحاق الزهري وأمه حثمْنَةُ بنت أبي سفيان بن أمية من عبد شمس، لما أسلم، وكان من السابقين الأولين وكان باراً بأمه، قالت أمه: ما هذا الدين الذي أَحْدَثْتَ؟ والله لا آكلُ ولا أشربُ حتى ترجعُ إلى ما كنت عليه أو أموت فتعير بذلك أبد الدهر، ويقال: يا قاتل أمِّهِ.
ثم إنها مكثت يوماً وليلة لم تأكل ولم تشرب (ولم تَسْتَظِلَّ فأصبحت قد جهدت، ثم مكثت يوماً آخر لم تأكل ولم تشرب) فجاء «سعد» إيلها، وقال يا أُمَّاهُ: لو كانت مائة نفس (فخرجت نفسا) نفساً ما تركت ديني فكُلِي، وإن شئت فلا تأكلي فلما أيست منه أكلست وشربت فأنزل الله هذه الآية، وأمره الله بالبر بوالديه والإحسان إليهما.
واعلم أنه إنما أمر بالإحسان للوالدين لأنهما سبب وجود الولد بالولادة وسبب بقائه بالتربية المعتادة، والله تعالى بسبب له في الحقيقة بالإرادة، وسبب بقائه بالإعادة للسعادة، فهو أولى بأن يحسن العبد حاله (معه) .
قوله: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ على أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا﴾ .
قال عليه (الصلاة) والسلام: «لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في معصية الله» ثم أوعد بالمصير إليه، فقال: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أخبركم بصالح أعمالكم وسيئها فأجازيكم عليها كأنه تعالى يقول: لا تظنوا أني غائب عنكم وآباؤكم حاضرون فتوافقون الحاضرين في الحال اعتماداً على غيبتي، وعدم علمي بمخالفتكم فإني حاضر معكم أعلم ما تفعلون، ولا أنسى فأنبئكم بجميعه.
قوله: «والذين آمَنُوا» يجوز فيه الرفع على الابتداء، والنصب على الاشتغال.
وقوله: ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصالحين﴾ أي نجعلهم منهم، وندخلهم في أعدادهم، كما يقال: الفقيه داخل في العلماء. والمعنى: نجعلهم من جملة الصالحين وهم الأنبياء والأولياء. وقيل: في مَدْخَل الصالحين وهو الجنة.
فإن قيل: ما الفائدة في إعادة ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ ؟
فالجواب: أنه ذكر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولاً، لبيان حال المهتدي وثانياً، لبيان حال الهادي لأنه قال أولاً: ﴿لنكفرن عنهم سيئاتهم. وقال ثانياً: {لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصالحين﴾ والصالحين هم الهداة، لأنها مرتبة الأنبياء، ولهذا قال إبراهيم - عليه (الصلالة) والسلام: «والحقني بالصَّالِحينَ» .
العنكبوت 29:9
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات﴾ «أم» هذه منقطعة، فتقدر ببل والهمزة عند الجمهور، والإضراب انتقال لا إبطال.
قال ابن عطية: أم معادلة للألف في قوله: «أحسب» وكأنه عزّ وجلّ قرر الفريقين، قرر المؤمنين أنهم لا يفتنون، وقرر الكافرين أنهم يسبقون نقمات الله.
قال أبو حيان: «ليست معادلة» ؛ إذ لو كانت كذلك لكانت متصلة، ولا جائز أن تكون متصلة لفقد شرطين:
أحدهما: أن ما بعدها ليس مفرداً، ولا ما في قوته.
والثاني: أنه لم يكن هنا ما يجاب به من أحد شيئين أو أشياء.
وجوز الزمخشري في «حسب» هذه أن تتعدى لاثنين، وجعل «أن» وما في خبرها سادةً مسدهما، كقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة﴾ [البقرة: 214] ، وأن تتعدى لواحدٍ على أنها مضمنة معنى «قدر» ، إلا أن التضمين لا ينقاس
قوله: «ساء ما يحكمون} يجوز أن تكون» ساء «بمعنى بئس فتكون» ما «إما موصولة بمعنى الذي، و» يحكمون «صلتها، وهي فاعل ساء، والمخصوص بالذم محذوف أي حكمهم.
ويجوز أن تكون» ما «تمييزاً، و» يحكمون «صفتها، والفاعل مضمر يفسره» ما «والمخصوص أيضاً محذوف.
ويجوز أن تكون ساء بمعنى قَبُحَ، فيجوز في» ما «أن تكون مصدرية، وبمعنى الذي، ونكرة موصوفة، وجيء ب» يحكمون «دون» حكموا «إما للتنبيه على أن هذا ديدنهم وإما لوقوعه موقع الماضي لأجل الفاصلة.
ويجوز أن تكون ما مصدرية وهو قول ابن كَيْسَانَ فعلى هذا يكون التمييز محذوفاً، والمصدر المؤوّل مخصوص بالذم أي ساء حكماً حكمُهُمْ.
وقد تقدم حكم» ما «إذا اتصلت ببئس مشبعاً في البقرة.
فصل
لما بين حسن التكليف بقوله: ﴿أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا﴾ بين أن من كلف بشيء ولم يأت به يعذب، وإن لم يعذب في الحال فسيعذب في الاستقبال، ولا يفوت الله شيء. في الحال ولا في المآل.
فقوله: ﴿أم حسب الذين يعملون السيئات﴾ يعني الشرك» أن يسبقونا «أي يعجزونا ويفوتونا، فلا نقدرعلى الانتقام منهم ﴿ساء ما يحكمون﴾ بئس ما حكموا حين ظنوا ذلك.
قوله: ﴿مَن كَانَ يَرْجُو﴾ يجوز أن تكون من شرطية، وأن تكون موصولة ودخلت الفاء لشبهها بالشرطية.
فإن قيل: المعلق بالشرط عُدِمَ عَدَم الشرط، فمن لا يرجو لقاء الله لا يكون أجل الله آتياً له، وهذا باطل، لأن أجل الله آت لا محالة من غير تقييد بشرط؟
فالجواب: أن قوله: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ﴾ ليس بجواب، بل الجواب محذوف، أي فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً كما قد صرح به.
وقال ابن الخطيب: المراد من ذكر إتيان الأجل وعد المطيع بما يعده من الثواب أي من كان يرجو لقاء الله فإن أجره لآتٍ بثواب الله، أي يُثَابُ على طاعته، ومن لا يرجو لقاء الله آتياً له على وجه الثواب.
فصل
قال ابن عباس ومقاتل: من كان يخشى البعث والحساب. والرجاء بمعنى الخوف. وقال سعيد بن جبير: من كان يطمع في ثواب الله فإن أجل الله يعني ما وعد الله من الثواب والعقاب.
وقال مقاتل: يعني أن يوم القيامة لكائن والمعنى: أن من يخشى الله ويأمله فليستعد له، وليعمل لذلك اليوم، كقوله ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً﴾ [الكهف: 110] الآية كما تقدم.
﴿وهو السميع العليم﴾ ولم يذكر صفة غيرهما، لأنه سبق القول في قوله: ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا﴾ وسبق القول بقوله: ﴿وهم لا يفتنون﴾ وبقوله: ﴿فليعلمن الله الذين صدقوا﴾ وقوله: ﴿أم حسب الذين يعملون السيئات﴾ ولا شك أن القول يدرك بالسمع والعمل منه ما يدرك بالبصر، ومنه ما لا يدرك به، والعلم يشملهما، فقال: ﴿وَهُوَ السميع العليم﴾ أي يسمع ما قالوه، ويعلم من صدق فيما قال، ومن كذب أو عليم بما يعمل فيثيب ويعاقب.
قوله: ﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ أي له ثوابه، والجهاد هو الصبر على الشدة، ويكون ذلك في الحرب، وقد يكون على مخالفة النفس.
فإن قيل: هذه الآية على أن الجزاء على العمل واجب، فإن قوله: ﴿فإنما يجاهد لنفسه﴾ يفهم منه أن من جاهد ربح بجهاده ما لولاه لما ربح.
فالجواب: هو كذلك ولكن بحكم الوعد لا بالاستحقاق.
فإن قيل: قوله «فإنما» يقتضي الحصر، فيكون جهاد المرء لنفسه فقط ولا ينتفع به غيره وليس كذلك، فإن من جاهد ينتفع به هو، ومن يريد نفعه حتى إن الوالد والولد ببركة المجاهد وجهاده ينتفعون به.
فالجواب: أن ذلك نفع له، فإن انتفاع الولد انتفاع للأب، والحصر هنا معناه أن جهاده لا يصل إلى الله منه نفع، ويدل عليه قوله: ﴿إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنِ العالمين﴾ أي عن أعمالهم وعبادتهم.
قوله: «والَّذِينَ آمنُوا» يجوز أن يكون مرفوعاً بالابتداء والخبر جملة القسم المحذوفة وجوابها أي: والله لنكفرن. ويجوز أن يكون منصوباً بفعل مضمر عل الاشتغال، أي: وليخلص الذين آمنوا من سيئاتهم.
والتكفير: إذهاب السيئة بالحسنة، والمعنى: لنُذْهِبَنَّ سيئاتهم حتى تصير بمنزلة من لم يعمل.
فإن قيل: قوله: فلنكفرن (عنهم سيئاتهم يستدعي وجود السيئات حتى تكفر، «والذين آمنوا عملوا الصالحات» بأسرها من أين يكون) لهم سيئة؟
فالجواب: ما من مكلف إلا وله سيئة، أما غير الأنبياء فظاهر، وأما الأنبياء فلأن ترك الأفضل منهم كالسيئة من غيرهم، ولهذا قال تعالى:
﴿عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43] .
قوله: ﴿أَحْسَنَ الذي كَانُواْ﴾ ، قيل: على حذف مضاف، أي: ثواب الذي فالمراد بأحسن هنا مجرد الوصف.
قيل: لئلا يلزم أن يكون جزاؤهم مسكوتاً عنه، وهذا ليس بشيء، لأنه من باب الأولى إذا جازاهم بالأحسن جازاهم بما دونه فهو من التنبيه على الأدنى بالأعلى.
قال المفسرون: يجزيهم بأحسن أعمالهم وهو الطاعة.
وقيل: يعطيهم أكثر مما عملوا وأحسن، كما قال: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160] قوله: «حُسْناً» فيه أوجه:
أحدها: أنه نعت مصدر محذوف أي (إيصَاءً) حسناً، إما على المبالغة جعل نفس الحسن، وإما على حذف مضاف (أي: ذا حُسنٍ) .
الثاني: أنه مفعول به، قال ابن عطية: «وفي ذلك تجوز» ، والأصل ووصينا الإنسان بالحسن في فعله مع والديه، ونظير ذلك قول الشاعر:
4025 - عَجِبْتُ مِنْ دَهْمَاءَ إذْ تَشْكُونَا ... وَمِنْ أَبِي دَهْمَاءَ إذْ يُوصينا
خَيْراً بِهَا كَأَنَّمَا خَافُونَا ... ومنه قول الحطيئة:
4026 - (وَصَّيْتَ مِنْ بَرَّةَ قَلْباً حَرَّا ... بِالْكَلْبِ خَيْراً وبِالحَمَاةِ شَرَّا وعلى هذا فيكون الأصل: وصيناه بحسن في بر والديه، ثم جر «الوالدين» بالهاء فانتصب حسناً وكذلك البيتان. والباء في الآية والبيتين في هذه الحالة للظرفية.
الثالث: أن «بوالديه» هو المفعول الثاني، فنصب «حسناً» بإضمار فعل، أي يحْسُن حسناً، فيكون مصدراً مؤكداً كذا قيل.
وفيه نظر، لأَنَّ عامل الؤكد لا يحذف.
الرابع: أنه مفعول به على التضمين أي من ألزمناه حسناً.
الخامس: أنه على إسقاط الخافض أي «بحُسْنٍ» .
وعبر صاحب التحرير عن ذلك بالقطع.
السادس: أن (بعض) الكوفيين قدره ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه حسناً. وفيه حذف «أن» وصلتها، وإبقاء معمولها، ولا يجوز عند البصريين.
السابع: أن التقدير: وصيناه بإيتاء والديه حسناً. وفيه حذف المصدر وإبقاء معموله ولا يجوز
الثامن: أنه منصوب انتصاب «زيداً» في قولك لمن رأيته متهيئاً للضرب «زَيْداً» أي اضرب زيداً، والتقدير هنا: أَوْلهما حسناً، أو افعل بهما حسناً. قالهما الزمخشري.
وقرأ عيسى والجحدري: «حَسَناً» وهما لغتان، كالبُخْل والبَخَل. وقد تقدم ذلك في أوائل البقرة.
وقرىء: إحساناً، من قوله تعالى: ﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ [الإسراء: 23] .
فصل
معنى حسناً أي برّاً بهما، وعطفاً عليهما، والمعنى: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن. نزلت هذه الآية، والتي في سورة لقمان والأحقاف في سعد بن أبي وقاص، وهو سعد بن مالك أبو إسحاق الزهري وأمه حثمْنَةُ بنت أبي سفيان بن أمية من عبد شمس، لما أسلم، وكان من السابقين الأولين وكان باراً بأمه، قالت أمه: ما هذا الدين الذي أَحْدَثْتَ؟ والله لا آكلُ ولا أشربُ حتى ترجعُ إلى ما كنت عليه أو أموت فتعير بذلك أبد الدهر، ويقال: يا قاتل أمِّهِ.
ثم إنها مكثت يوماً وليلة لم تأكل ولم تشرب (ولم تَسْتَظِلَّ فأصبحت قد جهدت، ثم مكثت يوماً آخر لم تأكل ولم تشرب) فجاء «سعد» إيلها، وقال يا أُمَّاهُ: لو كانت مائة نفس (فخرجت نفسا) نفساً ما تركت ديني فكُلِي، وإن شئت فلا تأكلي فلما أيست منه أكلست وشربت فأنزل الله هذه الآية، وأمره الله بالبر بوالديه والإحسان إليهما.
واعلم أنه إنما أمر بالإحسان للوالدين لأنهما سبب وجود الولد بالولادة وسبب بقائه بالتربية المعتادة، والله تعالى بسبب له في الحقيقة بالإرادة، وسبب بقائه بالإعادة للسعادة، فهو أولى بأن يحسن العبد حاله (معه) .
قوله: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ على أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا﴾ .
قال عليه (الصلاة) والسلام: «لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في معصية الله» ثم أوعد بالمصير إليه، فقال: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أخبركم بصالح أعمالكم وسيئها فأجازيكم عليها كأنه تعالى يقول: لا تظنوا أني غائب عنكم وآباؤكم حاضرون فتوافقون الحاضرين في الحال اعتماداً على غيبتي، وعدم علمي بمخالفتكم فإني حاضر معكم أعلم ما تفعلون، ولا أنسى فأنبئكم بجميعه.
قوله: «والذين آمَنُوا» يجوز فيه الرفع على الابتداء، والنصب على الاشتغال.
وقوله: ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصالحين﴾ أي نجعلهم منهم، وندخلهم في أعدادهم، كما يقال: الفقيه داخل في العلماء. والمعنى: نجعلهم من جملة الصالحين وهم الأنبياء والأولياء. وقيل: في مَدْخَل الصالحين وهو الجنة.
فإن قيل: ما الفائدة في إعادة ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ ؟
فالجواب: أنه ذكر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولاً، لبيان حال المهتدي وثانياً، لبيان حال الهادي لأنه قال أولاً: ﴿لنكفرن عنهم سيئاتهم. وقال ثانياً: {لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصالحين﴾ والصالحين هم الهداة، لأنها مرتبة الأنبياء، ولهذا قال إبراهيم - عليه (الصلالة) والسلام: «والحقني بالصَّالِحينَ» .
العنكبوت 29:10
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الناس مَن يِقُولُ آمَنَّا بالله﴾ المكلفون ثلاثة أقسام: مؤمن ظاهر بحسن اعتقاده، وكافر مجاهر بكفره، وعناده، ومذبذب بينهما ويظهر الإيمان بلسانه ويضمر الكفر، فالله تعالى لما بين القسمين الأولين بقوله: ﴿أم حسب الذين يعملون السيئات﴾ إلى قوله: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ بين القسم الثالث وهو المنافق فقال: ﴿وَمِنَ الناس مَن يِقُولُ آمَنَّا بالله فَإِذَآ أُوذِيَ فِي الله﴾ أصابه بلاء من الناس افتتن، ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله﴾ أي جعل أذى الناس وعذابهم كعذاب الله في الآخرة أي جزع من أذى الناس ولم يصبر عليه فأطاع الناس كما يطيع الله من يخاف عذابه، قال السدي، ابن زيد هذا (في) المنافق إذا أوذي في الله رَجَعَ عن الدين وكفر.
واعلم أنه قال: «فتنة الناس» ولم يقل: «عذاب الناس» ؛ لأن فعل العبد ابتلاه من الله، والفتنة تسليط بعض الناس على من أظهر كلمة الإيمان ليؤذيه فبين منزلته، كما جعل التكاليف ابتلاءً وامتحاناً، وهذا إشارة (إلى) أن الصبر على البلية الصادرة (من الإنسان) كالصبر (على العبادات) فإن قيل: هذا يقتضي منع المؤمن من إظهار كلمة الكفر بالإكراه لأن من أظهر كلمة الكفر بالإكراه - احْتِرازاً عن العذيب العاجل - يكون قد جعل فتنة الناس كعذاب الله.
فالجواب: ليس كذلك لأن من أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لم يجعل فتنة الناس كعذاب الله لأن عذاب الله يوجب ترك ما يعذب عليه ظاهراً وباطناً بل في بطنه الإيمان. قوله: ﴿وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ﴾ أي فتح ودولة للمؤمنين «ليقُولُّنَّ» يعني هؤلاء المنافقين للمؤمنين ﴿إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ على عدوكم، وقال: ﴿وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ﴾ ولم يقل: «ولئن جَاءَكُمْ» «ولئن جاءك» والنصر لو جاءهم ما كانوا يقولون إنا معكم، وهذا يقتضي أن يكونوا قائلين: «إنّا معكم» إذا جاء النصر لا يجيء إلا للمؤمنين كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المؤمنين﴾ [الروم: 47] ، ولأن غلبة الكافر على المسلم ليس بنصر، لأن النصر ما يكون عاقبته سليمة، بدليل أن أحد الجيشين إذا انهزم في الحال ثم ذكر المهزوم كرة أخرى وهزموا الغالبين لا يطلق اسم النصر إلا على من كان له العاقبة فكذلك المسلم وإن كسر في الحال فالعاقبة للمتقين، اولنصر لهم في الحقيقة. فإن قيل: ﴿ولئن جاء نصر من ربك﴾ ولم يقل: «من الله» من أن ما تقدم كله يذكر الله كقوله: ﴿أُوذِيَ فِي الله﴾ ، وقوله: «كعذاب الله» فما الحكمة في ذلك؟
فالجواب: لأن - «الرب» - اسم مدلوله الخاص به الشفقة والرحمة، و «الله» اسم مدلوله الهيبة والعظمة، فعند النصر ذكر الاسم الدال على الرحمة والشفقة، وعند العذاب ذكر اللفظ الدال على العظمة.
قوله: «لَيَقُولُنَّ» العامة على ضم اللام، أسند الفعل لضمير جماعة، حملاً على معنى «مَنْ» بعد أن حمل على لفظها، ونقل أبو معاذ النحوي أنه قراىء: ليقولّنَّ بالفتح، جرياً على مراعاة لفظها أيضاً، وقراءة العامة أحسن لقوله: «إنَّا كُنَّا» .
فصل
المعنى: إن المنافقين لما قالوا إنا كنا معكم، أي على عدوكم وكنا مسلمين، وإنما أكرهنا حتى قلنا ما قلنا فكبهم (الله) وقال: ﴿أَوَ لَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ العالمين﴾ من الإيمان والنِّفاق ولما بين أنه علم بما في قلوب العالمين بين أنه يعلم المؤمن المحق وإن لم يتكلم، والمنافق وإن لم يتكلم فقال: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين آمَنُواْ﴾ صدقوا فثبتوا على الإسلام عند البلاء، «وَلَيَعْلَمَنَّ المُنَافِقِينَ» بترك الإسلام عند البلاء، وتقدم الكلام على (نظر) ذلك. (قال عكرمة) عن ابن عباس إنها نزلت في الذين أخرجهم المشركون معهم إلى «بدر» ، وهم الذين نزلت فيهم: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ المنافقين﴾ ، وقال مجاهد: نزلت في أناس كانوا يؤمنون بألسنتهم فإذا أصابهم بلاء من الناس، أو مصيبة في أنفسهم افتتنوا، وقال قتادة: نزلت في القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة.
العنكبوت 29:11
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الناس مَن يِقُولُ آمَنَّا بالله﴾ المكلفون ثلاثة أقسام: مؤمن ظاهر بحسن اعتقاده، وكافر مجاهر بكفره، وعناده، ومذبذب بينهما ويظهر الإيمان بلسانه ويضمر الكفر، فالله تعالى لما بين القسمين الأولين بقوله: ﴿أم حسب الذين يعملون السيئات﴾ إلى قوله: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ بين القسم الثالث وهو المنافق فقال: ﴿وَمِنَ الناس مَن يِقُولُ آمَنَّا بالله فَإِذَآ أُوذِيَ فِي الله﴾ أصابه بلاء من الناس افتتن، ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله﴾ أي جعل أذى الناس وعذابهم كعذاب الله في الآخرة أي جزع من أذى الناس ولم يصبر عليه فأطاع الناس كما يطيع الله من يخاف عذابه، قال السدي، ابن زيد هذا (في) المنافق إذا أوذي في الله رَجَعَ عن الدين وكفر.
واعلم أنه قال: «فتنة الناس» ولم يقل: «عذاب الناس» ؛ لأن فعل العبد ابتلاه من الله، والفتنة تسليط بعض الناس على من أظهر كلمة الإيمان ليؤذيه فبين منزلته، كما جعل التكاليف ابتلاءً وامتحاناً، وهذا إشارة (إلى) أن الصبر على البلية الصادرة (من الإنسان) كالصبر (على العبادات) فإن قيل: هذا يقتضي منع المؤمن من إظهار كلمة الكفر بالإكراه لأن من أظهر كلمة الكفر بالإكراه - احْتِرازاً عن العذيب العاجل - يكون قد جعل فتنة الناس كعذاب الله.
فالجواب: ليس كذلك لأن من أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لم يجعل فتنة الناس كعذاب الله لأن عذاب الله يوجب ترك ما يعذب عليه ظاهراً وباطناً بل في بطنه الإيمان. قوله: ﴿وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ﴾ أي فتح ودولة للمؤمنين «ليقُولُّنَّ» يعني هؤلاء المنافقين للمؤمنين ﴿إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ على عدوكم، وقال: ﴿وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ﴾ ولم يقل: «ولئن جَاءَكُمْ» «ولئن جاءك» والنصر لو جاءهم ما كانوا يقولون إنا معكم، وهذا يقتضي أن يكونوا قائلين: «إنّا معكم» إذا جاء النصر لا يجيء إلا للمؤمنين كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المؤمنين﴾ [الروم: 47] ، ولأن غلبة الكافر على المسلم ليس بنصر، لأن النصر ما يكون عاقبته سليمة، بدليل أن أحد الجيشين إذا انهزم في الحال ثم ذكر المهزوم كرة أخرى وهزموا الغالبين لا يطلق اسم النصر إلا على من كان له العاقبة فكذلك المسلم وإن كسر في الحال فالعاقبة للمتقين، اولنصر لهم في الحقيقة. فإن قيل: ﴿ولئن جاء نصر من ربك﴾ ولم يقل: «من الله» من أن ما تقدم كله يذكر الله كقوله: ﴿أُوذِيَ فِي الله﴾ ، وقوله: «كعذاب الله» فما الحكمة في ذلك؟
فالجواب: لأن - «الرب» - اسم مدلوله الخاص به الشفقة والرحمة، و «الله» اسم مدلوله الهيبة والعظمة، فعند النصر ذكر الاسم الدال على الرحمة والشفقة، وعند العذاب ذكر اللفظ الدال على العظمة.
قوله: «لَيَقُولُنَّ» العامة على ضم اللام، أسند الفعل لضمير جماعة، حملاً على معنى «مَنْ» بعد أن حمل على لفظها، ونقل أبو معاذ النحوي أنه قراىء: ليقولّنَّ بالفتح، جرياً على مراعاة لفظها أيضاً، وقراءة العامة أحسن لقوله: «إنَّا كُنَّا» .
فصل
المعنى: إن المنافقين لما قالوا إنا كنا معكم، أي على عدوكم وكنا مسلمين، وإنما أكرهنا حتى قلنا ما قلنا فكبهم (الله) وقال: ﴿أَوَ لَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ العالمين﴾ من الإيمان والنِّفاق ولما بين أنه علم بما في قلوب العالمين بين أنه يعلم المؤمن المحق وإن لم يتكلم، والمنافق وإن لم يتكلم فقال: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين آمَنُواْ﴾ صدقوا فثبتوا على الإسلام عند البلاء، «وَلَيَعْلَمَنَّ المُنَافِقِينَ» بترك الإسلام عند البلاء، وتقدم الكلام على (نظر) ذلك. (قال عكرمة) عن ابن عباس إنها نزلت في الذين أخرجهم المشركون معهم إلى «بدر» ، وهم الذين نزلت فيهم: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ المنافقين﴾ ، وقال مجاهد: نزلت في أناس كانوا يؤمنون بألسنتهم فإذا أصابهم بلاء من الناس، أو مصيبة في أنفسهم افتتنوا، وقال قتادة: نزلت في القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة.
العنكبوت 29:12
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ اتبعوا سَبِيلَنَا﴾ قال مجاهد: هذا قول كفار مكة لمن آمن منهم وذلك أن الكافر يقول للمؤمن تصبر في الذل، وعلى الإيذاء لأي شيء ولم لا تدفع عن نفسك الذل والعذاب بموافقتنا فيجيبه المؤمن بأن يقول خوفاً من عذاب الله على خطيئة مذهبكم فقالوا: لا خطيئة فيه وإن كان فيه خطئية فعلينا.
قوله: «وَلْنَحْمِلْ» أمر في معنى الجنس، قال الزمخشري: وهو في معنى من يريد اجتماع أمرين في الوجهين فيقول: ليكن منك العطاء، ومني الدعاء.
فقوله: «ولنحمل» أي ليكن منا الحِمْل، وليس هو في الحقيقة أمر طلب وإيجاب وقرأ الحَسَن وعيسى بكسر لام الأمر، وهو لغة الحجاز قال الزمخشري: «وَهذا قول صناديد قريش كانوا يقولون لمن آمن منهم لا نبعث نحن، ولا أنتم، فإن عيسى كان ذلك فإنا نتحمل (عنكم الإثم) . قال أبو حيان:» هذا تركيب عجمي من جهة إدخال حرف الشرط وهي جامدة واستعمالها من غير اسم، ولا خبر، وإيلائها كان» . وقرأ العامة «خطاياكم» ، وداود بن هند: «من خطيئاتهم» جمع سلامة، وعند أيضاً: «خطيئتهم» بالتوحيد والمراد الجنس، وهذا شبيه بقراءتي: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ و «خطيئاته» وعنه أيضاً: «خطَئهم» - بفتح الطاء وكسر الياء، يعني بكسر الهمزة القريبة من الياء لأجل تمهيدها بين بين، و «من شيء» وهو مفعول بحاملين و «من خطاياهم» لما تقدم عليه انتصب حالاً.
فصل
معنى الآية اتبعوا سبيلنا أي ديننا وملة آبائنا، ونحن الكفلاء بكل تبعية من الله تصيبكم وهو قوله: «ولنحمل خطاياكم» ، نظير هذه الصيغة: ﴿فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل﴾ ثم أكذبهم الله تعالى فقال: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما قالوا.
فإن قيل: قال: ﴿وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء﴾ وقال بعده: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ فنفى الحمل أولاً، وأثبت الحمل ثانياً فكيف الجمع بينهما؟
فالجواب: أن قول القائل في «حمل فلان وعن فلان» يريد: أن حمل فلان خف، فإذا لم يخف حمله فلا يكون قد حمل عنه شيئاً، فقوله: ﴿وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء﴾ يعني (لا يرحمون) ولا يرفعون عنهم خطيئة، بل يحملون أوزار أنفسهم، وأوزاراً بسبب إضلالهم (لهم) ، كقوله (عليه الصلاة) والسلام: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا منْ غَيْرِ أن يَنْقُصَ من وِزِرْهِ شَيْء» ، والمعنى: وليحملن أوزار أعمالهم التي عملوها بأنفسهم،» أثقالاً مع أثقالهم «أو أوزاراً مثل أوزار من أضلوا مع أوزارهم، كقوله: ﴿وليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم﴾ .
قوله: ﴿وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون﴾ سؤال توبيخ وتقريع، وذلك الافتراء يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: قولهم:» ولنحمل خطاياكم» كان لاعتقادهم أن لا خطيئة في الكفر، ثم يوم القيامة يظهر لهم خلاف ذلك، فيسألون عن ذلك الافتراء.
وثانيها: أن قولهم «ولنحمل خطاياكم» كان لاعتقادهم أن لا حشر، فإذا جاء يوم القيامة ظهر خلاف ذلك، فيسألون يوقول لهم: أما قلتم: أن لا حشر.
وثالثها: أنهم لما قالوا: نحمل خطاياكم يوم القيامة، يقال لهم: فاحملوا خطايهم، فلا يحملون ويسألون فيقال لهم: فَلَمَ افتريتم.
العنكبوت 29:13
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ اتبعوا سَبِيلَنَا﴾ قال مجاهد: هذا قول كفار مكة لمن آمن منهم وذلك أن الكافر يقول للمؤمن تصبر في الذل، وعلى الإيذاء لأي شيء ولم لا تدفع عن نفسك الذل والعذاب بموافقتنا فيجيبه المؤمن بأن يقول خوفاً من عذاب الله على خطيئة مذهبكم فقالوا: لا خطيئة فيه وإن كان فيه خطئية فعلينا.
قوله: «وَلْنَحْمِلْ» أمر في معنى الجنس، قال الزمخشري: وهو في معنى من يريد اجتماع أمرين في الوجهين فيقول: ليكن منك العطاء، ومني الدعاء.
فقوله: «ولنحمل» أي ليكن منا الحِمْل، وليس هو في الحقيقة أمر طلب وإيجاب وقرأ الحَسَن وعيسى بكسر لام الأمر، وهو لغة الحجاز قال الزمخشري: «وَهذا قول صناديد قريش كانوا يقولون لمن آمن منهم لا نبعث نحن، ولا أنتم، فإن عيسى كان ذلك فإنا نتحمل (عنكم الإثم) . قال أبو حيان:» هذا تركيب عجمي من جهة إدخال حرف الشرط وهي جامدة واستعمالها من غير اسم، ولا خبر، وإيلائها كان» . وقرأ العامة «خطاياكم» ، وداود بن هند: «من خطيئاتهم» جمع سلامة، وعند أيضاً: «خطيئتهم» بالتوحيد والمراد الجنس، وهذا شبيه بقراءتي: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ و «خطيئاته» وعنه أيضاً: «خطَئهم» - بفتح الطاء وكسر الياء، يعني بكسر الهمزة القريبة من الياء لأجل تمهيدها بين بين، و «من شيء» وهو مفعول بحاملين و «من خطاياهم» لما تقدم عليه انتصب حالاً.
فصل
معنى الآية اتبعوا سبيلنا أي ديننا وملة آبائنا، ونحن الكفلاء بكل تبعية من الله تصيبكم وهو قوله: «ولنحمل خطاياكم» ، نظير هذه الصيغة: ﴿فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل﴾ ثم أكذبهم الله تعالى فقال: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما قالوا.
فإن قيل: قال: ﴿وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء﴾ وقال بعده: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ فنفى الحمل أولاً، وأثبت الحمل ثانياً فكيف الجمع بينهما؟
فالجواب: أن قول القائل في «حمل فلان وعن فلان» يريد: أن حمل فلان خف، فإذا لم يخف حمله فلا يكون قد حمل عنه شيئاً، فقوله: ﴿وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء﴾ يعني (لا يرحمون) ولا يرفعون عنهم خطيئة، بل يحملون أوزار أنفسهم، وأوزاراً بسبب إضلالهم (لهم) ، كقوله (عليه الصلاة) والسلام: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا منْ غَيْرِ أن يَنْقُصَ من وِزِرْهِ شَيْء» ، والمعنى: وليحملن أوزار أعمالهم التي عملوها بأنفسهم،» أثقالاً مع أثقالهم «أو أوزاراً مثل أوزار من أضلوا مع أوزارهم، كقوله: ﴿وليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم﴾ .
قوله: ﴿وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون﴾ سؤال توبيخ وتقريع، وذلك الافتراء يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: قولهم:» ولنحمل خطاياكم» كان لاعتقادهم أن لا خطيئة في الكفر، ثم يوم القيامة يظهر لهم خلاف ذلك، فيسألون عن ذلك الافتراء.
وثانيها: أن قولهم «ولنحمل خطاياكم» كان لاعتقادهم أن لا حشر، فإذا جاء يوم القيامة ظهر خلاف ذلك، فيسألون يوقول لهم: أما قلتم: أن لا حشر.
وثالثها: أنهم لما قالوا: نحمل خطاياكم يوم القيامة، يقال لهم: فاحملوا خطايهم، فلا يحملون ويسألون فيقال لهم: فَلَمَ افتريتم.
العنكبوت 29:14
قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه ... ﴾ لما بين التكليف، وذكر أقسام المكلفين ووعد المؤمن الصادق بالثواب العظيم، وأوعد الكافر والمنافق بالعذاب الأليم فكأنه قال: هذا التكليف ليس مختصاً بالنبي وأصحابه وأمته حتى صعب عليهم بل قبله كان كذلك كما قال تعالى: ﴿ولقد فتنا الذين من قبلهم﴾ ، فذكر من الذين كلفوا قبله نوح عليه (الصلاة و) السلام وقومه، وإبراهيم عليه (الصلاة و) السلام وغيرهما.
قوله: «ألْفَ سَنَةٍ» منصوب على الظرف ﴿إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً﴾ منصوب على الاستثناء. وفي وقوع الاستثناء من أسماء العدد خلاف. وللمانعين عنه جواب عن هذه الآية، وقد روعيت هنا نكتة لطيفة، وهو أن غَايَرَ بين تَمْيِيزي العَدَد فقال في الأول «سنة» ، وفي «الثاني» عاماً، لئلا يثقل اللفظ، ثم إنه خص لفظ العام بالخميس إيذاناً بأن نبي الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لما استراح منهم بقي في زمن حسن، فالعرب تعبر عن الخَصْب بالعام، وعن الجَدْب بالسنة.
فصل
قال بعضهم: إن الاستثناء في العدد تكلم بالباقي، فإذا قال القائل: لفلان عَلَيَّ عشرة إلا ثلاثةً فكأنه قال: عليّ سبعة، إذا علم هذا فقوله: ﴿ألف سنة إلا خمسين عاماً﴾ كقوله: تسعمائة وخمسين سنة فما الفائدة في العدول عن هذه العبارة إلى غيرها؟ فقال الزمخشري فيه فائدتان، إحداهما: أنّ الاستثناء يدل على التحقيق وتركه قد يظن به التقريب، فإن من قال: عاش فلان ألفَ سنة (يمكن أن يتوهم أن يقول ألف سنة) تقريباً لا تخفيفاً، فإذا قال إلا شهراً أو إلا سنة يزول ذلك التوهم، وقد يفهم منه التحقيق. الفائدة الثانية: هي أن ذكر لَبْثِ نوح عليه (الصلاة و) السلام في قومه كان لبيان أنه صبر كثيراً فالنبي عليه (الصلاة و) السلام أولى بالصبر مع قِصَرِ مُدَّةِ (دُعَائِهِ) .
قوله: «فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ» فغرقوا «وَهُمْ ظَالِمُونَ» قال ابن عباس: مشركون. وفيه إشارة إلى أن الله لا يعذب على مجرد وجود الظلم ولا يعذب من ظلم وتاب بأن الظلم وجد منه وإنما يعذب على الإصرار على الظلم، فقوله: «وهم ظالمون» يعني أهلكهم وهم ملتبسون بالظلم.
قوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطوفان﴾ يعني من الغرق، «وجعلناها» يعني السفينة «آية للعالمين» أي عبرة، وفي كونها آية وجوه: أحدُها: كانت باقية على الجُودِيِّ مدة مديدة.
وثانيها: أن نوحاً أمر بأخذ قومه معه، ورفع قدر من الزاد والبحر العظيم لا يتوقع أحد (نُضُوبَه) . ثم إن الماء غيض قبل نفاد الزاد، ولولا ذلك لما حصل النجاة فهو بفضل الله لا بمجرد السفينة.
وثالثها: أن الله سلم السفينة من الرياح المزعجة والحيوانات المؤذية، ولولا ذلك لما حصل النجاة، وقيل: «الهاء» في «جَعَلْنَاهَا» راجعة إلى الواقعة أو النجاة أو العقوبة بالغرق.
فصل
قال ابن عباس بُعِثَ نوح لأربعين سنة، وبقي في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسينَ عاماً، وعاش بعد الطُّوفَان ستينَ سنة حتى كثر الناس وفَشَوْا، وكان عمره ألفاً وخَمْسِينَ سنةً، وروي عن ابن عباس أنه بعث وهو ابن أربعمائة وثمانين سنة، وعاش بعد الطوفان ثلثمائة وخمسين سنة، فإذا كان هذا محفوظاً عن ابن عباس فيضاف إلى لبثه في قومه وهو تسعمائة وخمسين سنة فيكون قد عاش ألف سنة وسبعمائة وثمانين سنة، وأما قبره عليه (الصلاة و) السلام بالمسجد الحرام. وقيل: ببلدة بالبقاع تعرف اليوم بكرك نوح وهناك جامع قد بني بسبب ذلك، والأول أقوى وأثبت.
العنكبوت 29:15
قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه ... ﴾ لما بين التكليف، وذكر أقسام المكلفين ووعد المؤمن الصادق بالثواب العظيم، وأوعد الكافر والمنافق بالعذاب الأليم فكأنه قال: هذا التكليف ليس مختصاً بالنبي وأصحابه وأمته حتى صعب عليهم بل قبله كان كذلك كما قال تعالى: ﴿ولقد فتنا الذين من قبلهم﴾ ، فذكر من الذين كلفوا قبله نوح عليه (الصلاة و) السلام وقومه، وإبراهيم عليه (الصلاة و) السلام وغيرهما.
قوله: «ألْفَ سَنَةٍ» منصوب على الظرف ﴿إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً﴾ منصوب على الاستثناء. وفي وقوع الاستثناء من أسماء العدد خلاف. وللمانعين عنه جواب عن هذه الآية، وقد روعيت هنا نكتة لطيفة، وهو أن غَايَرَ بين تَمْيِيزي العَدَد فقال في الأول «سنة» ، وفي «الثاني» عاماً، لئلا يثقل اللفظ، ثم إنه خص لفظ العام بالخميس إيذاناً بأن نبي الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لما استراح منهم بقي في زمن حسن، فالعرب تعبر عن الخَصْب بالعام، وعن الجَدْب بالسنة.
فصل
قال بعضهم: إن الاستثناء في العدد تكلم بالباقي، فإذا قال القائل: لفلان عَلَيَّ عشرة إلا ثلاثةً فكأنه قال: عليّ سبعة، إذا علم هذا فقوله: ﴿ألف سنة إلا خمسين عاماً﴾ كقوله: تسعمائة وخمسين سنة فما الفائدة في العدول عن هذه العبارة إلى غيرها؟ فقال الزمخشري فيه فائدتان، إحداهما: أنّ الاستثناء يدل على التحقيق وتركه قد يظن به التقريب، فإن من قال: عاش فلان ألفَ سنة (يمكن أن يتوهم أن يقول ألف سنة) تقريباً لا تخفيفاً، فإذا قال إلا شهراً أو إلا سنة يزول ذلك التوهم، وقد يفهم منه التحقيق. الفائدة الثانية: هي أن ذكر لَبْثِ نوح عليه (الصلاة و) السلام في قومه كان لبيان أنه صبر كثيراً فالنبي عليه (الصلاة و) السلام أولى بالصبر مع قِصَرِ مُدَّةِ (دُعَائِهِ) .
قوله: «فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ» فغرقوا «وَهُمْ ظَالِمُونَ» قال ابن عباس: مشركون. وفيه إشارة إلى أن الله لا يعذب على مجرد وجود الظلم ولا يعذب من ظلم وتاب بأن الظلم وجد منه وإنما يعذب على الإصرار على الظلم، فقوله: «وهم ظالمون» يعني أهلكهم وهم ملتبسون بالظلم.
قوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطوفان﴾ يعني من الغرق، «وجعلناها» يعني السفينة «آية للعالمين» أي عبرة، وفي كونها آية وجوه: أحدُها: كانت باقية على الجُودِيِّ مدة مديدة.
وثانيها: أن نوحاً أمر بأخذ قومه معه، ورفع قدر من الزاد والبحر العظيم لا يتوقع أحد (نُضُوبَه) . ثم إن الماء غيض قبل نفاد الزاد، ولولا ذلك لما حصل النجاة فهو بفضل الله لا بمجرد السفينة.
وثالثها: أن الله سلم السفينة من الرياح المزعجة والحيوانات المؤذية، ولولا ذلك لما حصل النجاة، وقيل: «الهاء» في «جَعَلْنَاهَا» راجعة إلى الواقعة أو النجاة أو العقوبة بالغرق.
فصل
قال ابن عباس بُعِثَ نوح لأربعين سنة، وبقي في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسينَ عاماً، وعاش بعد الطُّوفَان ستينَ سنة حتى كثر الناس وفَشَوْا، وكان عمره ألفاً وخَمْسِينَ سنةً، وروي عن ابن عباس أنه بعث وهو ابن أربعمائة وثمانين سنة، وعاش بعد الطوفان ثلثمائة وخمسين سنة، فإذا كان هذا محفوظاً عن ابن عباس فيضاف إلى لبثه في قومه وهو تسعمائة وخمسين سنة فيكون قد عاش ألف سنة وسبعمائة وثمانين سنة، وأما قبره عليه (الصلاة و) السلام بالمسجد الحرام. وقيل: ببلدة بالبقاع تعرف اليوم بكرك نوح وهناك جامع قد بني بسبب ذلك، والأول أقوى وأثبت.
العنكبوت 29:16
قوله تعالى: «وَإِبْرَاهِيمَ» أي «وأرْسَلْنَا إبْرَاهِيم» ، والعامة على نصبه عطفاً على «نوحاً» ، أو بإضمار «اذكر» ، أو عطفاً على «هاء» «أنجيناه» ، والنخعي، وأبو جعفر، وأبو حنيفة: «وإبْرِاهيمُ» رفعاً على الابتداء، والخبر مقدر أي ومن المرسلين إبراهيم، وقوله: «إذْ قَالَ» بدل من «إبْرَاهِيمَ» بدل اشتمال، فإن قلنا: هو ظرف «أرْسَلْنَا» أي أرسلنا إبراهيم إذ قال لقومه، ففيه إشكال، لأن قوله لقومه «اعبدوا الله» دعوة، والإرسال يكون قبل الدعوة، فكيف يفهم من قوله: وأرْسَلْنَا إبراهيم حِينَ قال لقومه مع أنه يكون مرسلاً قبل ذلك؟
فالجواب: هذا كقول القائل: «وَقَفْتُ للأَمِير إذْ خَرَجَ مِنَ الدَّارِ» ، وقد يكون الوقوف قبل الخروج لكن لما كان الوقوف يمتد إلى ذلك الوقت صح ذلك.
فصل
معنى ﴿اعبدوا الله واتّقوه﴾ أطيعوا الله وخافوه، وقيل: «اعبدوا الله» إشارة إلى الإتيان بالواجبات «واتّقوه» إشارة إلى الامتناع عن المحرمات، ﴿ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي عباد الله وتقواه خير، لأن خلاف عبادالله تعطيل، وخلاف تقواه شرك، وكلاهما شر، ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله أَوْثَاناً﴾ أصناماً، فلا تستحق العبادة لكونها أصناماً منحوتة لا شرف لها.
قوله: «وَتَخْلُقُونَ إفْكاً» العامة على فتح التاء، وسكون الخاء، ورفع اللام مضارع «خلق» و «إفْكاً» بكسر الهمزة وسكون الفاء، أي وتختلقون كذباً، أو تنحتون أصناماً، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن علي والسُّلَيْميّ، وقتادةُ بفتح الحاء واللام مشددة، وهو مضارع «تَخَلَّقَ» والأصل: «تَتَخَلقونَ» بتاءين فحذفت إحداهما «كَتَنَزَّلَ» ونحوه، روي عن «زيد بن علي» أيضاً تُخَلُقون بضم التاء وتشديد اللام مكسورة مضارع «خلّق» مضعفاً، وقرأ ابن الزبير، وفُضَيْل بن زَرْقَانِ إفكاً - بفتح الهمزة وكسرها - وهو مصدر كالكذب معنى ووزناً، وجوز الزمخشري في الإفْكِ - بالكسر والسكون - وجهين:
أحدهما: أن يكون مخففاً من الأَفِك بالفتح والكسر كالكَذِب واللَّعِب، وأصلها: (الكِذْب واللّعْب) وأن يكون صفة على «فِعْلِ» أي خلقاً إفْكاً أي «ذَا إفْكٍ» .
قال شهاب الدين: وتقديره مضافاً قبل «إفك» مع جعله له صفة غيرُ مُحْتَاجٍ إليه (وإنما كان يُحْتَاجُ إليه) لو جعله مصدراً.
قوله: ﴿إِنَّ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً﴾ لا يقدرون أن يرزقوكم، وهذا إشارة إلى عدم المنفعة في الحال والمآل. قوله: «رزقاً» يجوز أن يكون منصوباً على المصدر، وناصبه «لا يملكون» ؛ لأنه في معناه، وعلى أصول الكوفيين يجوز أن يكون الأصل: لا يملكون أن يَرْزُقُوكُمْ رزقاً، فإن «يرزقوكم» هو مفعول «يملكون» ، ويجوز أن يكون بمعنى «المرزوق» فينتصب مفعولاً به، «فابْتَغُوا» فاطلبوا «عند الله الرزق» (و) هذا إشارة إلى استحقاق عبوديته لذاته.
فإن قيل: قال: ﴿لا يملكون لكم رزقاً﴾ نكّر الرزق وقال: ﴿فابتغوا عند الله الرِّزْقَ﴾ فعرفه، فما الفائدة؟ قال الزمخشري نكره في معرض النفي أي لا رزق عندهم أصلاً، وعرفه عند الإثبات عند الله تعالى أي كل الرزق عنده فاطلبوه منه. وفيه وجه آخر وهو أن الرزق من الله معروف بقوله: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا﴾ [هود: 6] والرزق من الأوثان غير معلوم، فقال: ﴿لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً﴾ لعدم حصول العلم به، وقال: ﴿فابتغوا عِندَ الله الرزق﴾ أي الموعود به، ثم قال: ﴿واعبدوه واشكروا لَهُ﴾ اعبدوه لكونه مستحقاً للعبادة لذاته، فاشكروا له لكونه سائق النعم إلى الخلق «وإليه ترجعون» أي اعبدوه، لكونه مرجاً منه يتوقع الخير لا من غيره. قوله: ﴿وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ﴾ في المخاطب بهذه الآية وجهان:
الأول: أنه قوم إبراهيم؛ لأن القصة لإبراهيم، فكأن إبراهيم قال لقومه: إن تكذبوا فقد كَذَّب أُمَمٌ من قبلكم وأنا أتيت بما عليّ من التبليغ، فإن الرسول ليس عليه إلا البلاغ والبيان. فإن قيل: إن إبراهيم لم يسبقه إلا قومُ نوح، وهم أمة واحدة.
فالجواب: إن قبل نوح أيضاً كان أقوام كقوم «إدْرِيسَ» ، وقوم «شِيتَ» ، وآدَمَ، وأيضاً فإن نوحاً عاش أكثر من ألف سنة، وكان القرن يموت، ويحيا أولاده، والآباء يوصون الأبناء بالامتناع عن الأتْبَاعِ، فكفى بقوم نوحٍ أمماً.
الثاني: أن الآية خطاب مع قوم محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -؛ لأن هذه القصص أكثرُها المقصودُ معه تذكير قومه بحال من مضى حتى يمتنعوا عن التكذيب، ويرتدعوا خوفاً من التعذيب، فقال في أثناء حكاياتهم: يا قوم إن تكذبوا فقد كذب قبلكم أقوام هلكوا، فإن كذبتم فإني أخاف عليكم أن يقع بكم ما وقع بغيركم.
وهذه الآية تدل على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة لأن الرسول إذا بلغ شيئاً ولم يبينه فلم يأت بالبلاغ المبين.
العنكبوت 29:17
قوله تعالى: «وَإِبْرَاهِيمَ» أي «وأرْسَلْنَا إبْرَاهِيم» ، والعامة على نصبه عطفاً على «نوحاً» ، أو بإضمار «اذكر» ، أو عطفاً على «هاء» «أنجيناه» ، والنخعي، وأبو جعفر، وأبو حنيفة: «وإبْرِاهيمُ» رفعاً على الابتداء، والخبر مقدر أي ومن المرسلين إبراهيم، وقوله: «إذْ قَالَ» بدل من «إبْرَاهِيمَ» بدل اشتمال، فإن قلنا: هو ظرف «أرْسَلْنَا» أي أرسلنا إبراهيم إذ قال لقومه، ففيه إشكال، لأن قوله لقومه «اعبدوا الله» دعوة، والإرسال يكون قبل الدعوة، فكيف يفهم من قوله: وأرْسَلْنَا إبراهيم حِينَ قال لقومه مع أنه يكون مرسلاً قبل ذلك؟
فالجواب: هذا كقول القائل: «وَقَفْتُ للأَمِير إذْ خَرَجَ مِنَ الدَّارِ» ، وقد يكون الوقوف قبل الخروج لكن لما كان الوقوف يمتد إلى ذلك الوقت صح ذلك.
فصل
معنى ﴿اعبدوا الله واتّقوه﴾ أطيعوا الله وخافوه، وقيل: «اعبدوا الله» إشارة إلى الإتيان بالواجبات «واتّقوه» إشارة إلى الامتناع عن المحرمات، ﴿ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي عباد الله وتقواه خير، لأن خلاف عبادالله تعطيل، وخلاف تقواه شرك، وكلاهما شر، ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله أَوْثَاناً﴾ أصناماً، فلا تستحق العبادة لكونها أصناماً منحوتة لا شرف لها.
قوله: «وَتَخْلُقُونَ إفْكاً» العامة على فتح التاء، وسكون الخاء، ورفع اللام مضارع «خلق» و «إفْكاً» بكسر الهمزة وسكون الفاء، أي وتختلقون كذباً، أو تنحتون أصناماً، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن علي والسُّلَيْميّ، وقتادةُ بفتح الحاء واللام مشددة، وهو مضارع «تَخَلَّقَ» والأصل: «تَتَخَلقونَ» بتاءين فحذفت إحداهما «كَتَنَزَّلَ» ونحوه، روي عن «زيد بن علي» أيضاً تُخَلُقون بضم التاء وتشديد اللام مكسورة مضارع «خلّق» مضعفاً، وقرأ ابن الزبير، وفُضَيْل بن زَرْقَانِ إفكاً - بفتح الهمزة وكسرها - وهو مصدر كالكذب معنى ووزناً، وجوز الزمخشري في الإفْكِ - بالكسر والسكون - وجهين:
أحدهما: أن يكون مخففاً من الأَفِك بالفتح والكسر كالكَذِب واللَّعِب، وأصلها: (الكِذْب واللّعْب) وأن يكون صفة على «فِعْلِ» أي خلقاً إفْكاً أي «ذَا إفْكٍ» .
قال شهاب الدين: وتقديره مضافاً قبل «إفك» مع جعله له صفة غيرُ مُحْتَاجٍ إليه (وإنما كان يُحْتَاجُ إليه) لو جعله مصدراً.
قوله: ﴿إِنَّ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً﴾ لا يقدرون أن يرزقوكم، وهذا إشارة إلى عدم المنفعة في الحال والمآل. قوله: «رزقاً» يجوز أن يكون منصوباً على المصدر، وناصبه «لا يملكون» ؛ لأنه في معناه، وعلى أصول الكوفيين يجوز أن يكون الأصل: لا يملكون أن يَرْزُقُوكُمْ رزقاً، فإن «يرزقوكم» هو مفعول «يملكون» ، ويجوز أن يكون بمعنى «المرزوق» فينتصب مفعولاً به، «فابْتَغُوا» فاطلبوا «عند الله الرزق» (و) هذا إشارة إلى استحقاق عبوديته لذاته.
فإن قيل: قال: ﴿لا يملكون لكم رزقاً﴾ نكّر الرزق وقال: ﴿فابتغوا عند الله الرِّزْقَ﴾ فعرفه، فما الفائدة؟ قال الزمخشري نكره في معرض النفي أي لا رزق عندهم أصلاً، وعرفه عند الإثبات عند الله تعالى أي كل الرزق عنده فاطلبوه منه. وفيه وجه آخر وهو أن الرزق من الله معروف بقوله: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا﴾ [هود: 6] والرزق من الأوثان غير معلوم، فقال: ﴿لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً﴾ لعدم حصول العلم به، وقال: ﴿فابتغوا عِندَ الله الرزق﴾ أي الموعود به، ثم قال: ﴿واعبدوه واشكروا لَهُ﴾ اعبدوه لكونه مستحقاً للعبادة لذاته، فاشكروا له لكونه سائق النعم إلى الخلق «وإليه ترجعون» أي اعبدوه، لكونه مرجاً منه يتوقع الخير لا من غيره. قوله: ﴿وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ﴾ في المخاطب بهذه الآية وجهان:
الأول: أنه قوم إبراهيم؛ لأن القصة لإبراهيم، فكأن إبراهيم قال لقومه: إن تكذبوا فقد كَذَّب أُمَمٌ من قبلكم وأنا أتيت بما عليّ من التبليغ، فإن الرسول ليس عليه إلا البلاغ والبيان. فإن قيل: إن إبراهيم لم يسبقه إلا قومُ نوح، وهم أمة واحدة.
فالجواب: إن قبل نوح أيضاً كان أقوام كقوم «إدْرِيسَ» ، وقوم «شِيتَ» ، وآدَمَ، وأيضاً فإن نوحاً عاش أكثر من ألف سنة، وكان القرن يموت، ويحيا أولاده، والآباء يوصون الأبناء بالامتناع عن الأتْبَاعِ، فكفى بقوم نوحٍ أمماً.
الثاني: أن الآية خطاب مع قوم محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -؛ لأن هذه القصص أكثرُها المقصودُ معه تذكير قومه بحال من مضى حتى يمتنعوا عن التكذيب، ويرتدعوا خوفاً من التعذيب، فقال في أثناء حكاياتهم: يا قوم إن تكذبوا فقد كذب قبلكم أقوام هلكوا، فإن كذبتم فإني أخاف عليكم أن يقع بكم ما وقع بغيركم.
وهذه الآية تدل على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة لأن الرسول إذا بلغ شيئاً ولم يبينه فلم يأت بالبلاغ المبين.
العنكبوت 29:18
قوله تعالى: «وَإِبْرَاهِيمَ» أي «وأرْسَلْنَا إبْرَاهِيم» ، والعامة على نصبه عطفاً على «نوحاً» ، أو بإضمار «اذكر» ، أو عطفاً على «هاء» «أنجيناه» ، والنخعي، وأبو جعفر، وأبو حنيفة: «وإبْرِاهيمُ» رفعاً على الابتداء، والخبر مقدر أي ومن المرسلين إبراهيم، وقوله: «إذْ قَالَ» بدل من «إبْرَاهِيمَ» بدل اشتمال، فإن قلنا: هو ظرف «أرْسَلْنَا» أي أرسلنا إبراهيم إذ قال لقومه، ففيه إشكال، لأن قوله لقومه «اعبدوا الله» دعوة، والإرسال يكون قبل الدعوة، فكيف يفهم من قوله: وأرْسَلْنَا إبراهيم حِينَ قال لقومه مع أنه يكون مرسلاً قبل ذلك؟
فالجواب: هذا كقول القائل: «وَقَفْتُ للأَمِير إذْ خَرَجَ مِنَ الدَّارِ» ، وقد يكون الوقوف قبل الخروج لكن لما كان الوقوف يمتد إلى ذلك الوقت صح ذلك.
فصل
معنى ﴿اعبدوا الله واتّقوه﴾ أطيعوا الله وخافوه، وقيل: «اعبدوا الله» إشارة إلى الإتيان بالواجبات «واتّقوه» إشارة إلى الامتناع عن المحرمات، ﴿ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي عباد الله وتقواه خير، لأن خلاف عبادالله تعطيل، وخلاف تقواه شرك، وكلاهما شر، ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله أَوْثَاناً﴾ أصناماً، فلا تستحق العبادة لكونها أصناماً منحوتة لا شرف لها.
قوله: «وَتَخْلُقُونَ إفْكاً» العامة على فتح التاء، وسكون الخاء، ورفع اللام مضارع «خلق» و «إفْكاً» بكسر الهمزة وسكون الفاء، أي وتختلقون كذباً، أو تنحتون أصناماً، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن علي والسُّلَيْميّ، وقتادةُ بفتح الحاء واللام مشددة، وهو مضارع «تَخَلَّقَ» والأصل: «تَتَخَلقونَ» بتاءين فحذفت إحداهما «كَتَنَزَّلَ» ونحوه، روي عن «زيد بن علي» أيضاً تُخَلُقون بضم التاء وتشديد اللام مكسورة مضارع «خلّق» مضعفاً، وقرأ ابن الزبير، وفُضَيْل بن زَرْقَانِ إفكاً - بفتح الهمزة وكسرها - وهو مصدر كالكذب معنى ووزناً، وجوز الزمخشري في الإفْكِ - بالكسر والسكون - وجهين:
أحدهما: أن يكون مخففاً من الأَفِك بالفتح والكسر كالكَذِب واللَّعِب، وأصلها: (الكِذْب واللّعْب) وأن يكون صفة على «فِعْلِ» أي خلقاً إفْكاً أي «ذَا إفْكٍ» .
قال شهاب الدين: وتقديره مضافاً قبل «إفك» مع جعله له صفة غيرُ مُحْتَاجٍ إليه (وإنما كان يُحْتَاجُ إليه) لو جعله مصدراً.
قوله: ﴿إِنَّ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً﴾ لا يقدرون أن يرزقوكم، وهذا إشارة إلى عدم المنفعة في الحال والمآل. قوله: «رزقاً» يجوز أن يكون منصوباً على المصدر، وناصبه «لا يملكون» ؛ لأنه في معناه، وعلى أصول الكوفيين يجوز أن يكون الأصل: لا يملكون أن يَرْزُقُوكُمْ رزقاً، فإن «يرزقوكم» هو مفعول «يملكون» ، ويجوز أن يكون بمعنى «المرزوق» فينتصب مفعولاً به، «فابْتَغُوا» فاطلبوا «عند الله الرزق» (و) هذا إشارة إلى استحقاق عبوديته لذاته.
فإن قيل: قال: ﴿لا يملكون لكم رزقاً﴾ نكّر الرزق وقال: ﴿فابتغوا عند الله الرِّزْقَ﴾ فعرفه، فما الفائدة؟ قال الزمخشري نكره في معرض النفي أي لا رزق عندهم أصلاً، وعرفه عند الإثبات عند الله تعالى أي كل الرزق عنده فاطلبوه منه. وفيه وجه آخر وهو أن الرزق من الله معروف بقوله: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا﴾ [هود: 6] والرزق من الأوثان غير معلوم، فقال: ﴿لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً﴾ لعدم حصول العلم به، وقال: ﴿فابتغوا عِندَ الله الرزق﴾ أي الموعود به، ثم قال: ﴿واعبدوه واشكروا لَهُ﴾ اعبدوه لكونه مستحقاً للعبادة لذاته، فاشكروا له لكونه سائق النعم إلى الخلق «وإليه ترجعون» أي اعبدوه، لكونه مرجاً منه يتوقع الخير لا من غيره. قوله: ﴿وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ﴾ في المخاطب بهذه الآية وجهان:
الأول: أنه قوم إبراهيم؛ لأن القصة لإبراهيم، فكأن إبراهيم قال لقومه: إن تكذبوا فقد كَذَّب أُمَمٌ من قبلكم وأنا أتيت بما عليّ من التبليغ، فإن الرسول ليس عليه إلا البلاغ والبيان. فإن قيل: إن إبراهيم لم يسبقه إلا قومُ نوح، وهم أمة واحدة.
فالجواب: إن قبل نوح أيضاً كان أقوام كقوم «إدْرِيسَ» ، وقوم «شِيتَ» ، وآدَمَ، وأيضاً فإن نوحاً عاش أكثر من ألف سنة، وكان القرن يموت، ويحيا أولاده، والآباء يوصون الأبناء بالامتناع عن الأتْبَاعِ، فكفى بقوم نوحٍ أمماً.
الثاني: أن الآية خطاب مع قوم محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -؛ لأن هذه القصص أكثرُها المقصودُ معه تذكير قومه بحال من مضى حتى يمتنعوا عن التكذيب، ويرتدعوا خوفاً من التعذيب، فقال في أثناء حكاياتهم: يا قوم إن تكذبوا فقد كذب قبلكم أقوام هلكوا، فإن كذبتم فإني أخاف عليكم أن يقع بكم ما وقع بغيركم.
وهذه الآية تدل على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة لأن الرسول إذا بلغ شيئاً ولم يبينه فلم يأت بالبلاغ المبين.
العنكبوت 29:19
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ﴾ قرأ الأخوان وأبو بكر بالخطاب، على خطاب «إبراهيم» لقومه بذلك، والباقون بالغيبة، ردّاً على الأمم المكذبة.
قوله: «كَيْفَ يُبْدِىءُ» ، العامة على ضم الياء من «أَبْدَأَ» والزُّبَيْرِيُّ، وعيسى، وأبو عمرو بخلاف عنه يَبْدَأُ مضارع بَدَأَ. وقد صرح بماضيه هنا حيث قال: ﴿كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ ، وقرأ الزهري: «كيف يبدأ» بألف (صريحة وهو تخفيف على غير قياس، وقياسه بين بين وهو في الشذوذ كقوله:
4027 - ... ... ... ... ... ... ..... فَارْعَيْ فَزَارَةُ لاَ هَنَاكِ المَرْتَعُ
فصل
المعنى: أو لم يروا كيف يخلقهم الله ابتداء نطفة ثم علقه، ثم مضغة.
فإن قيل: متى رأى الإنسان بَدْءَ الخلق، حتى يقال: ﴿أو لم يروا كيف يبدىء الله الخلق﴾ ؟
فالجواب: إن المراد بالرؤية العلم الواضح الذي كالرؤية، والعاقل يعلم أن البدء من الله لأن الخلق الأول لا يكون من مخلوق، وإلا لما كان الخلق الأول خلقاً أول، فهو من الله، هذا غن قلنا: إن المراد إتيان نفس الخلق وغطن قلنا: إن المراد بالمبتدأ خلق الآدمي أولاً، وبالإعادة خلقه ثانياً، فنقول: العاقل لا يخفى عليه أن خلق نفسه ليس إلا قادر حكيم يصور الأولاد في الأرحام، والخلقة من نظفة في غاية الإتقان والإحام فذاك الذي خلق أولاً معلوم ظاهر، فأطلق على ذلك العلم لفظ الرؤية، وقال: ﴿أو لم يروا﴾ أي أو لم يعلموا علماً ظاهراً واضحاً كيف يبدأ الله الخلق وهو من غذاءٍ هو من ماءٍ وتراب يجمعه فكذلك يجمع أجزاءه من التراب وينفخ فيه روحه بل هو أسهل بالنسب إليكم فإن من نحت حجارة حتى صارت أصناماً ثم كسرها وفرقها فإن وضعه شيئاً بجنب شيء في هذه النوبة أسهل، لأن الحجارة منحوته معلومة.
فإن قيل: علق الرؤية بالكيفية لا بالخلق، ولم يقل: أو لم يروا أن الله خلق او بدأ الخلق والكيفية غير معلومة.
فالجواب: هذا القدر من الكيفية معلوم وهو أنه خلقه ولم يك شيئاً مذكوراً، وأنه خلقه من نطفة من غذاء هو من ماء وتراب، وهذا القدر كاف في حصول العلم بإمكان الإعادة.
فإن قيل: قال: «ثم يعيده» «إن ذلك على الله يسير» أبرز اسمه مرة أخرى ولم يقل: إن ذلك عَلَيْهِ يسير كما قال: «ثم يعيده» من غير إبراز.
فالجواب: أنه مع إقامة البرهان على أنه يسير أكده بإظهار اسمه، فإنه يوجب المعرفة أيضاً بكَوْنِ ذلك يسيراً فإن الإنسان إذا سمع لفظ «الله» وفهم معناه أنه الحَيُّ القادر بقُدْرَةٍ كاملة لا يعجزه شيء محيط بذرات كل جسم نافذ الإرادة يقطع بجواز الإعادة.
قوله: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض فانظروا كَيْفَ بَدَأَ الخلق﴾ أي انظروا إلى ديارهم وآثارهم كيف بَدَأ بخلقهم.
فإن قيل: أبرز اسم «الله» في الآية الأولى عند البدء، فقال: ﴿كيف يبدىء الله﴾ وأضمره عند الإعادة، وهاهنا أضمره عند البداء، وأبرزه عند الإعادة فقال: ﴿ثُمَّ الله يُنشِىءُ النشأة الآخرة﴾ .
فالجواب: أنه في الآية الأولى: لم يسبق ذكر الله بفعل حتى يسند إليه البداء فقال: ﴿كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده﴾ ، كقول: ضرب زيد عمراً ثم ضرب بكراً، ولا يحتاج إلى إظهار اسم «زيد» اكتفاء الأول.
وفي الثانية: كان ذكر البداء مسنداً إلى الله فاكتفى به، ولم يبرزه، وأما إظهاره عند الإنشاء ثانياً، فقال: ﴿ثُمَّ الله يُنشِىءُ﴾ مع أنه كان يكفي أن يقول: «ثم ينشىء» النشأة الآخرة لحكمة بالغة وهي أن مع إقامة البرهان على إمكان الإعادة أظهر اسمه، حتى يفهم المسمى به صفات كماله، ونعوت جلاله، فيقطع بجواز الإعادة فقال: «ثم الله» مظهراً لينفع في ذهن الإنسان جلّ اسمه كمالل قدرته، وشمول علمه، ونفوذ إرادته، فيعترف بوقوع بدئه، وجواز إعادته، فإن قيل: فلم لم يقل: «ثُم اللَّهُ يعيده» بعين ما ذكرت من الحكمة فنقول: لوجهين.
أحدهما: أن الله كان مظهراً مبرزاً بقرب منه وهو في قوله: «يبدىء الله الخلق» ، ولم يكن بينهما إلا لفظ الخلق، وأما هنا فلم يذكر غير البدء فأظهره.
وثانيهما: أن الدليل هنا تم على جواز الإعادة لأن الدليل منحصر في الآفاق وفي الأنفس، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ﴾ [فصلت: 53] ففي الآية الأولى أشار إلى الديل الحاصل للإنسان من نفسه، وفي الثانية أشار إلى الدليل الحاصل من الآفاق، لقوله: ﴿سيروا في الأرض﴾ وعندها تم الدليلان فأكده بإظهار نفسه، وأما الدليل الأول فأكده بالدليل الثاني فلم يقل: ﴿ثم الله يعيده﴾ فإن قيل: قال في الأولى: ﴿أو لم يروا كيف يبدىء الله الخلق﴾ بلفظ المستقبل وهاهنا قال: ﴿فانظروا كيف بدأ﴾ بلفظ الماضي، فما الحكمة؟
فالجواب: أن الدليل الأول النفسي الموجب للعلم، وهو يوجب العلم ببدء الخلق (وأما الدليل الثاني فمعناه إن كان ليس لكم علم بأن الله يبدأ الخلق) فانظروا إلى الأشياء المخلوقة، فيحصل لكم العلم بأن الله بدأ خلقاً، وتحصل من هذا القدر بأنه «ينشىء» فإن قيل: قال في هذه الآية: ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، وقال في الأولى: ﴿إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ﴾ (فما فائدته) .
فالجواب: فيه فائدتان:
أحدهما: أن الدليل الأول هو الدليل النفسي وهو وإن كان موجباً للعلم التام، ولكن عند انضمام الدليل الآفاقي إيه يحصل العلم التام لأنه بالنظر في نفسه علم حاجته إلى غيره ووجوده (منه) فتم علمه (ب) أن الله على كل شيء قدير، أن كل شيء من الله، فقال عند تمام الدليل: إن الله على كل شيء قدير، وقال عند الدليل الواحد إن ذلك على الله يسير وهو الإعادة.
الفائدة الثانية: أن العلم الأول أتم، وإن (كان) الثاني أعم، وكون الأعم يسيراً على الفاعل أتم من كونه مقدوراً به، بدليل قولك لمن يحمل مائة مَنٍّ أنه قادر عليه، ولا يقول: إنه سهل عليه فإذا سئلت عن حمله عشر (أمنات) يقول ذلك سهل يسير، فنقول كان التقدير إن لم يحصل لكم العلم التام بأن هذه الأمور عند الله سهل يسير فسيروا في الأرض ليعلموا أنه مقدور، وفنس كونه مقدوراً كاف في إمكان الإعادة.
قوله: ﴿ثُمَّ الله يُنشِىءُ النشأة﴾ ، قرأ ابن كثير وأبو عمرو النَّشَاءةَ، بالمد هنا، والنجم، والواقعة والباقون بالقص، وهما لغتان كالرأفة والرآفة، وانتصابهما على المصدر المحذوف الزوائد والأصل: الإنشاءة، أو على حذف العامل، أي ينشىء فتُنَشَّئُونَ النَّشْأَةَ، وهي مرسومة بالألف وهو يقوي قراءة المد والمعنى ثم الله الذي خلقها ينشئها نشأة ثانية بعد الموت، فكما لم يتعذر عليه إحداثُها مبتدئاً لا يتعذر عليه إنشاؤها معيداً.
وقوله: «ثم يُعِيدُه» ، ﴿ثم الله ينشىء﴾ مستأنفات من إخبار الله تعالى، فليس الأول داخلاً في حيز الرؤية، ولا الثاني في حيز النظر، ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
العنكبوت 29:20
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ﴾ قرأ الأخوان وأبو بكر بالخطاب، على خطاب «إبراهيم» لقومه بذلك، والباقون بالغيبة، ردّاً على الأمم المكذبة.
قوله: «كَيْفَ يُبْدِىءُ» ، العامة على ضم الياء من «أَبْدَأَ» والزُّبَيْرِيُّ، وعيسى، وأبو عمرو بخلاف عنه يَبْدَأُ مضارع بَدَأَ. وقد صرح بماضيه هنا حيث قال: ﴿كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ ، وقرأ الزهري: «كيف يبدأ» بألف (صريحة وهو تخفيف على غير قياس، وقياسه بين بين وهو في الشذوذ كقوله:
4027 - ... ... ... ... ... ... ..... فَارْعَيْ فَزَارَةُ لاَ هَنَاكِ المَرْتَعُ
فصل
المعنى: أو لم يروا كيف يخلقهم الله ابتداء نطفة ثم علقه، ثم مضغة.
فإن قيل: متى رأى الإنسان بَدْءَ الخلق، حتى يقال: ﴿أو لم يروا كيف يبدىء الله الخلق﴾ ؟
فالجواب: إن المراد بالرؤية العلم الواضح الذي كالرؤية، والعاقل يعلم أن البدء من الله لأن الخلق الأول لا يكون من مخلوق، وإلا لما كان الخلق الأول خلقاً أول، فهو من الله، هذا غن قلنا: إن المراد إتيان نفس الخلق وغطن قلنا: إن المراد بالمبتدأ خلق الآدمي أولاً، وبالإعادة خلقه ثانياً، فنقول: العاقل لا يخفى عليه أن خلق نفسه ليس إلا قادر حكيم يصور الأولاد في الأرحام، والخلقة من نظفة في غاية الإتقان والإحام فذاك الذي خلق أولاً معلوم ظاهر، فأطلق على ذلك العلم لفظ الرؤية، وقال: ﴿أو لم يروا﴾ أي أو لم يعلموا علماً ظاهراً واضحاً كيف يبدأ الله الخلق وهو من غذاءٍ هو من ماءٍ وتراب يجمعه فكذلك يجمع أجزاءه من التراب وينفخ فيه روحه بل هو أسهل بالنسب إليكم فإن من نحت حجارة حتى صارت أصناماً ثم كسرها وفرقها فإن وضعه شيئاً بجنب شيء في هذه النوبة أسهل، لأن الحجارة منحوته معلومة.
فإن قيل: علق الرؤية بالكيفية لا بالخلق، ولم يقل: أو لم يروا أن الله خلق او بدأ الخلق والكيفية غير معلومة.
فالجواب: هذا القدر من الكيفية معلوم وهو أنه خلقه ولم يك شيئاً مذكوراً، وأنه خلقه من نطفة من غذاء هو من ماء وتراب، وهذا القدر كاف في حصول العلم بإمكان الإعادة.
فإن قيل: قال: «ثم يعيده» «إن ذلك على الله يسير» أبرز اسمه مرة أخرى ولم يقل: إن ذلك عَلَيْهِ يسير كما قال: «ثم يعيده» من غير إبراز.
فالجواب: أنه مع إقامة البرهان على أنه يسير أكده بإظهار اسمه، فإنه يوجب المعرفة أيضاً بكَوْنِ ذلك يسيراً فإن الإنسان إذا سمع لفظ «الله» وفهم معناه أنه الحَيُّ القادر بقُدْرَةٍ كاملة لا يعجزه شيء محيط بذرات كل جسم نافذ الإرادة يقطع بجواز الإعادة.
قوله: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض فانظروا كَيْفَ بَدَأَ الخلق﴾ أي انظروا إلى ديارهم وآثارهم كيف بَدَأ بخلقهم.
فإن قيل: أبرز اسم «الله» في الآية الأولى عند البدء، فقال: ﴿كيف يبدىء الله﴾ وأضمره عند الإعادة، وهاهنا أضمره عند البداء، وأبرزه عند الإعادة فقال: ﴿ثُمَّ الله يُنشِىءُ النشأة الآخرة﴾ .
فالجواب: أنه في الآية الأولى: لم يسبق ذكر الله بفعل حتى يسند إليه البداء فقال: ﴿كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده﴾ ، كقول: ضرب زيد عمراً ثم ضرب بكراً، ولا يحتاج إلى إظهار اسم «زيد» اكتفاء الأول.
وفي الثانية: كان ذكر البداء مسنداً إلى الله فاكتفى به، ولم يبرزه، وأما إظهاره عند الإنشاء ثانياً، فقال: ﴿ثُمَّ الله يُنشِىءُ﴾ مع أنه كان يكفي أن يقول: «ثم ينشىء» النشأة الآخرة لحكمة بالغة وهي أن مع إقامة البرهان على إمكان الإعادة أظهر اسمه، حتى يفهم المسمى به صفات كماله، ونعوت جلاله، فيقطع بجواز الإعادة فقال: «ثم الله» مظهراً لينفع في ذهن الإنسان جلّ اسمه كمالل قدرته، وشمول علمه، ونفوذ إرادته، فيعترف بوقوع بدئه، وجواز إعادته، فإن قيل: فلم لم يقل: «ثُم اللَّهُ يعيده» بعين ما ذكرت من الحكمة فنقول: لوجهين.
أحدهما: أن الله كان مظهراً مبرزاً بقرب منه وهو في قوله: «يبدىء الله الخلق» ، ولم يكن بينهما إلا لفظ الخلق، وأما هنا فلم يذكر غير البدء فأظهره.
وثانيهما: أن الدليل هنا تم على جواز الإعادة لأن الدليل منحصر في الآفاق وفي الأنفس، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ﴾ [فصلت: 53] ففي الآية الأولى أشار إلى الديل الحاصل للإنسان من نفسه، وفي الثانية أشار إلى الدليل الحاصل من الآفاق، لقوله: ﴿سيروا في الأرض﴾ وعندها تم الدليلان فأكده بإظهار نفسه، وأما الدليل الأول فأكده بالدليل الثاني فلم يقل: ﴿ثم الله يعيده﴾ فإن قيل: قال في الأولى: ﴿أو لم يروا كيف يبدىء الله الخلق﴾ بلفظ المستقبل وهاهنا قال: ﴿فانظروا كيف بدأ﴾ بلفظ الماضي، فما الحكمة؟
فالجواب: أن الدليل الأول النفسي الموجب للعلم، وهو يوجب العلم ببدء الخلق (وأما الدليل الثاني فمعناه إن كان ليس لكم علم بأن الله يبدأ الخلق) فانظروا إلى الأشياء المخلوقة، فيحصل لكم العلم بأن الله بدأ خلقاً، وتحصل من هذا القدر بأنه «ينشىء» فإن قيل: قال في هذه الآية: ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، وقال في الأولى: ﴿إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ﴾ (فما فائدته) .
فالجواب: فيه فائدتان:
أحدهما: أن الدليل الأول هو الدليل النفسي وهو وإن كان موجباً للعلم التام، ولكن عند انضمام الدليل الآفاقي إيه يحصل العلم التام لأنه بالنظر في نفسه علم حاجته إلى غيره ووجوده (منه) فتم علمه (ب) أن الله على كل شيء قدير، أن كل شيء من الله، فقال عند تمام الدليل: إن الله على كل شيء قدير، وقال عند الدليل الواحد إن ذلك على الله يسير وهو الإعادة.
الفائدة الثانية: أن العلم الأول أتم، وإن (كان) الثاني أعم، وكون الأعم يسيراً على الفاعل أتم من كونه مقدوراً به، بدليل قولك لمن يحمل مائة مَنٍّ أنه قادر عليه، ولا يقول: إنه سهل عليه فإذا سئلت عن حمله عشر (أمنات) يقول ذلك سهل يسير، فنقول كان التقدير إن لم يحصل لكم العلم التام بأن هذه الأمور عند الله سهل يسير فسيروا في الأرض ليعلموا أنه مقدور، وفنس كونه مقدوراً كاف في إمكان الإعادة.
قوله: ﴿ثُمَّ الله يُنشِىءُ النشأة﴾ ، قرأ ابن كثير وأبو عمرو النَّشَاءةَ، بالمد هنا، والنجم، والواقعة والباقون بالقص، وهما لغتان كالرأفة والرآفة، وانتصابهما على المصدر المحذوف الزوائد والأصل: الإنشاءة، أو على حذف العامل، أي ينشىء فتُنَشَّئُونَ النَّشْأَةَ، وهي مرسومة بالألف وهو يقوي قراءة المد والمعنى ثم الله الذي خلقها ينشئها نشأة ثانية بعد الموت، فكما لم يتعذر عليه إحداثُها مبتدئاً لا يتعذر عليه إنشاؤها معيداً.
وقوله: «ثم يُعِيدُه» ، ﴿ثم الله ينشىء﴾ مستأنفات من إخبار الله تعالى، فليس الأول داخلاً في حيز الرؤية، ولا الثاني في حيز النظر، ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
العنكبوت 29:21
قوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ﴾ ، قدم التعذيب في الذكر على الرحمة مع أن رحمته سابقة كما قال عليه (الصلاة و) السلام عنه تعالى: «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» ؛ لأن السابق ذكر الكفار فذكر العذاب يسبق ذكر مستحقه بحكم الإيعاد، وعقبه بالرحمة فذكر الرحمة وقع تبعاً لئلا يكون العذاب مذكوراً وحده، وهذا يحقق قوله عليه (الصلاة و) السلام عنه: «سبقت رحمتي غضبي» ، وذلك ان الله تعالى حيث كان المقصود ذكر العذاب، لم يخصه بالذكرن بل ذكر الرحمة معه، فإن قيل: إن كان ذكر هذه الآية لتخويف العاصي، وتفريح المؤمن، فلو قال: يعذب الكافر ويرحم المؤمن لَكَانَ أدخل في تحصيل المقصود.
وقوله: ﴿يعذب من يشاء﴾ لا يرهب الكافر، لجواز أن يقول: لعلي لا أكون ممن يشاء الله عذابي.
فالجواب: هذا أبلغ في التخويف لأن الله أثبت بهذا إنفاذ مشيئته، وأنه إذا أراد تعذيب شخص فلا يمنعه منه مانع ثم كان من المعلوم للعباد بحكم الوعد والإيعاد أنه إذا شاء تعذيب الكافر فلزم منه الخوف العام بخلاف ما لو قال: يعذب العَاصي، فإنه لا يدل على كمال مشيئته لأنه لا يبعد أنه لو شاء عذاب المؤمن لعذبه، وإذا لم يبعد هذا فنقول الكافر إذا لم يحصل مراده في تلك الصورة يمكن أن (لا) يحصل في صولة أخرى.
ومثاله إذا قيل: إن الملك يقدر على ضرب المخالفين، ولا يقدر على ضرب المطيع فإذا قال: من خالفني أضربه يقع في وهم المخطاب أنه لا يقدر على ضرب المطيع، فلا يقدر أيضاً عليّ (لكوني مثله) ، وفيه فائدة أخرى وهو الخوف العام والرجاء العام لأن الأمن الكلي من الله يوجب الجراءة فيفضي إلى صيرورة المطيع عاصياً.
قوله: «وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ» أي تُرَدُّونَ، ﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض وَلاَ فِي السمآء﴾ والخطاب مع الآدميين وهم ليسوا في السماء، قال الفراء معناه: ولا من في السماء بمعجز (أنْ عَصَى) كقول حَسَّانَ:
4028 - فَمَنْ يَهْجُوا رسولَ اللَّهِ مِنْكُمْ ... ويَمْدحُهُ ويَنْصُرُهُ سَوَاءُ
أراد: ومن يمدحه وينصره، فأضمر «مَن» يريد لا يعجز أهل الأرض في الأرض، ولا أهل السماء في السماء يعني (على) أن ﴿من في السموات﴾ عطف على «أنتم» على أصله، حيث يجوز حذف الموصول الاسميّ، ويبقى صفته.
قال قطرب: ما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء لو كنتم فيها، كقول القائل: (لا) يفوتني فلان هاهنا ولا في البصرة أي ولا بالبصرة لو كان بها كقوله تعالى ﴿إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض﴾ [الرحمن: 33] ، أي على تقدير أن يكونوا فيها، وأبعد من ذلك من قدره موصولين محذوفين؛ أي) وما أنتم مبعجزين من في الأرض من الجن والإنس، ولا من في السماء من الملائكة فكيف تعجزون خالقها (و) على قول الجمهور يكون المفعول محذوفاً أي وما أنتم بمعجزين أين فائتين ما يريد الله بكم.
فصل
اعلم أن إعجاز المعذَّب عن التعذيب إما بالهرب منه، أو بالثبات ومدافعته فذكر الله تعالى القسمين فقال: ﴿وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء﴾ ، يعني بالهرب لو صعدتم إلى السماء، أو هربتم إلى تُخُوم الأرض (لم) تخرجوا من قبضة قدرة الله - عزّ وجلّ -، فلا مطمع في الإعجاز بالهرب، وأما بالثبات فكذلك لأن الإعجاز بالثبات إما أن يكون بالاستناد إلى ركن شديد يشفع، ولا يمكن المعذب مخالفته فيفوته المعذب، ويعجز عنه أو بالانتصار بقويّ يدافعه، وكلاهما محال فلهذا قال: ﴿وما لكم من دون الله من ولي﴾ يشفع ﴿ولا نصير﴾ يدفع. فإن قيل: ما الحكمة في قوله: ﴿وما أنتم بمعجزين﴾ ولم يقل: «ولا تعجزن» بصيغة الفعل؟
فالجواب: لأن نفي الفعل لا يدل على نفي الصلاحة فإن من قال: إن فلاناً لا يخيط لا يدل على ما يدل عليه انه ليس بخائط، وقدم «الأرض» على «السماء» ، و «الولي» على «النصير» ؛ لأن هربهم الممكن في الأرض، فإن كان يقع منهم هرب فإنه يكون في الأرض، ثم إن فرضنا لهم قدرة غير ذلك فيصعدون في السماء وأما الدفع فإن العاقل متى أمكنه الدفع فأجمل الطرق فيه الشفاعة، لأن ما من أحد في الشاهد إلا ويكون له شفيع يتكلم في حقه عند ملكن وليس لكل أحد ناصر يعادي الملك فلذلك قدم الأرض على السماء، والولي على النَّصِير.
العنكبوت 29:22
قوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ﴾ ، قدم التعذيب في الذكر على الرحمة مع أن رحمته سابقة كما قال عليه (الصلاة و) السلام عنه تعالى: «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» ؛ لأن السابق ذكر الكفار فذكر العذاب يسبق ذكر مستحقه بحكم الإيعاد، وعقبه بالرحمة فذكر الرحمة وقع تبعاً لئلا يكون العذاب مذكوراً وحده، وهذا يحقق قوله عليه (الصلاة و) السلام عنه: «سبقت رحمتي غضبي» ، وذلك ان الله تعالى حيث كان المقصود ذكر العذاب، لم يخصه بالذكرن بل ذكر الرحمة معه، فإن قيل: إن كان ذكر هذه الآية لتخويف العاصي، وتفريح المؤمن، فلو قال: يعذب الكافر ويرحم المؤمن لَكَانَ أدخل في تحصيل المقصود.
وقوله: ﴿يعذب من يشاء﴾ لا يرهب الكافر، لجواز أن يقول: لعلي لا أكون ممن يشاء الله عذابي.
فالجواب: هذا أبلغ في التخويف لأن الله أثبت بهذا إنفاذ مشيئته، وأنه إذا أراد تعذيب شخص فلا يمنعه منه مانع ثم كان من المعلوم للعباد بحكم الوعد والإيعاد أنه إذا شاء تعذيب الكافر فلزم منه الخوف العام بخلاف ما لو قال: يعذب العَاصي، فإنه لا يدل على كمال مشيئته لأنه لا يبعد أنه لو شاء عذاب المؤمن لعذبه، وإذا لم يبعد هذا فنقول الكافر إذا لم يحصل مراده في تلك الصورة يمكن أن (لا) يحصل في صولة أخرى.
ومثاله إذا قيل: إن الملك يقدر على ضرب المخالفين، ولا يقدر على ضرب المطيع فإذا قال: من خالفني أضربه يقع في وهم المخطاب أنه لا يقدر على ضرب المطيع، فلا يقدر أيضاً عليّ (لكوني مثله) ، وفيه فائدة أخرى وهو الخوف العام والرجاء العام لأن الأمن الكلي من الله يوجب الجراءة فيفضي إلى صيرورة المطيع عاصياً.
قوله: «وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ» أي تُرَدُّونَ، ﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض وَلاَ فِي السمآء﴾ والخطاب مع الآدميين وهم ليسوا في السماء، قال الفراء معناه: ولا من في السماء بمعجز (أنْ عَصَى) كقول حَسَّانَ:
4028 - فَمَنْ يَهْجُوا رسولَ اللَّهِ مِنْكُمْ ... ويَمْدحُهُ ويَنْصُرُهُ سَوَاءُ
أراد: ومن يمدحه وينصره، فأضمر «مَن» يريد لا يعجز أهل الأرض في الأرض، ولا أهل السماء في السماء يعني (على) أن ﴿من في السموات﴾ عطف على «أنتم» على أصله، حيث يجوز حذف الموصول الاسميّ، ويبقى صفته.
قال قطرب: ما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء لو كنتم فيها، كقول القائل: (لا) يفوتني فلان هاهنا ولا في البصرة أي ولا بالبصرة لو كان بها كقوله تعالى ﴿إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض﴾ [الرحمن: 33] ، أي على تقدير أن يكونوا فيها، وأبعد من ذلك من قدره موصولين محذوفين؛ أي) وما أنتم مبعجزين من في الأرض من الجن والإنس، ولا من في السماء من الملائكة فكيف تعجزون خالقها (و) على قول الجمهور يكون المفعول محذوفاً أي وما أنتم بمعجزين أين فائتين ما يريد الله بكم.
فصل
اعلم أن إعجاز المعذَّب عن التعذيب إما بالهرب منه، أو بالثبات ومدافعته فذكر الله تعالى القسمين فقال: ﴿وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء﴾ ، يعني بالهرب لو صعدتم إلى السماء، أو هربتم إلى تُخُوم الأرض (لم) تخرجوا من قبضة قدرة الله - عزّ وجلّ -، فلا مطمع في الإعجاز بالهرب، وأما بالثبات فكذلك لأن الإعجاز بالثبات إما أن يكون بالاستناد إلى ركن شديد يشفع، ولا يمكن المعذب مخالفته فيفوته المعذب، ويعجز عنه أو بالانتصار بقويّ يدافعه، وكلاهما محال فلهذا قال: ﴿وما لكم من دون الله من ولي﴾ يشفع ﴿ولا نصير﴾ يدفع. فإن قيل: ما الحكمة في قوله: ﴿وما أنتم بمعجزين﴾ ولم يقل: «ولا تعجزن» بصيغة الفعل؟
فالجواب: لأن نفي الفعل لا يدل على نفي الصلاحة فإن من قال: إن فلاناً لا يخيط لا يدل على ما يدل عليه انه ليس بخائط، وقدم «الأرض» على «السماء» ، و «الولي» على «النصير» ؛ لأن هربهم الممكن في الأرض، فإن كان يقع منهم هرب فإنه يكون في الأرض، ثم إن فرضنا لهم قدرة غير ذلك فيصعدون في السماء وأما الدفع فإن العاقل متى أمكنه الدفع فأجمل الطرق فيه الشفاعة، لأن ما من أحد في الشاهد إلا ويكون له شفيع يتكلم في حقه عند ملكن وليس لكل أحد ناصر يعادي الملك فلذلك قدم الأرض على السماء، والولي على النَّصِير.
العنكبوت 29:23
قوله تعالى: ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله وَلِقَآئِهِ﴾ أي بالقرآن وبالبعث ﴿أولئك يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي﴾ يوم القيامة فإن قيل: هلا اكتفي بقوله: «أَولَئكَ» مرة واحدة؟
فالجواب: أن لك لِفائدة وهو أنه لو قال أولئك يئسوا وهم في عذاب أليم ذهب (ذاهب) إلى أن هذا المجموع منحصر فيهم، فلا يوجد المجموع إلا فيهم. (و) أضاف الرحمة إلى نفسه في قوله تعالى: ﴿يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي﴾ وأضاف اليأس إليهم بقوله: «يَئٍسُوا» إعلاماً لعباده بعُمُومِ رحمته.
قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ العامة على نصبه والحسن وسالم الأفْطَس برفعه وتقدم تحقيق هذا. هذه الآيات في تذكير أهل إبراهيم وتحذيرهم وهي معترضة في قصة «إبراهيم» صلوات الله عليه، ثم عاد إلى قصة «إبراهيم» فقال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ اقتلوه أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ . لما أقام إبراهيم صلوات الله عليه بالبرهان على الأصول الثلاثة لم يجيبوه إلا بقولهم ﴿اقتلوه أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ فإن قيل: كيف سمى قولهم: اقتلوه جواباً مع أنه ليس بجواب؟
فالجواب عند من وجهين:
أحدهما: أنه خرج مَخْرَجَ كلام متكبر، كما يقول المَلِكُ لرسول خَصْمِهِ: جوابكُمُ السيفُ، مع أن السيفَ ليس بجوابِهِ وإنما معناه لا أقابل بالجواب وإنما أقابل بالسيف.
وثانيهما: أن الله تعالى أراد بيان (ضلالتهم) وأنهم ذكروا ما ليس بجواب في معرض الجواب فبيّن أنهم لم يكن لهم جوابٌ أصلا، وذلك أن من لا يجيبُ غيره ويسكت لا يعلم (أنه لا يقدر أم لا) لجواز أن يكون سكوته لعدم الالتفات، وأما إذا أجاب بجوابٍ فاسد علم أنه قصد الجواب وما قدر عليه.
فصل
«أو» تذكر لأمرين الثاني منهما لا ينفك عن الأول، كما يقال: «زَوْجٌ أَوْ فَرْدٌ» ، ويقال: هذا إنسان أو حيوان، يعني إن لم يكن إنساناً فهو حيوان، ولايصح أن يقال: «هذا حيوان أو إنسان» إذ يفهم منه أن يقول: هذا حيوان، فإن لم يكن حيواناً فهو إنسان، وهذا فاسد، وإذا كان كذلك فالتحريق مشتمل على القتل، فقوله: «اقتلوه أو حرقوه» كقولك: هذا إنسان أو حيوان.
فالجواب عن هذا من وَجْهَيْنِ.
أحَدهمَا: أن الاستعمال على خلاف ما ذكر شائع كقولك: أعطه ديناراً أو دينَارَيْنِ.
قال تعالى: ﴿قُمِ الليل إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: 2 - 4] فكذا هاهنا قال: اقتلوه أو زيدواعلى القتل لأن التحريق قتلٌ وزيادة.
الثاني: سلمنا ما ذكرتم، والأمر هنا كذلك لأن التحريق فعل مفض إلى القتل، وقد يتخلف عنه القتل فإن من ألقي في النار حتى احترق جلده بأسره وأخرج منها حياً يصح أن يقال: احترق فلانٌ، وأحرق وما مات.
فكذلك هاهنا قال: اقتلوه ولا تعجلوا قتله وعَذَّبُوه بالنار، فإن ترك مقالته فخلو سبيله وإن أصرَّ فاتركوه في النار.
قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَاهُ الله مِنَ النار﴾ ، قيل: بردت النار وقيل: خلق في إبراهيم صلوات الله (وسلامه) عليه كيفية اسْتَبْرَدَتِ النارَ. وقيل: ترك إبراهيم (على) ما كان عليه (والنار على ما كانت عليه) وَمنع أذى النار عنه، والْكُلّ ممكنٌ والله قادر عليه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فإن قيل: ما الحكمة في قوله هناك «آية للعالمين» في إنجاء نوح صلوات الله (وسلامه) عليه وأصحاب السفينة جعلناها آية وقال هاهنا آيات بالجمع، فما الحكمة؟ فالجواب: إن إنجاء السفينة شيء يتسع له العقول، فلم يكن فيه من الآية إلا إعلام الله تعالى إياه بالإنجاء وقت الحاجة بسبب أن الله تعالى صان السفينة عن المهلكات كالرياح، وأما الإنجاء من النار فعجيب فقال فيه لآيات فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى هنا: «آيةٌ لِلْعَالِمِينَ» وقال هنا «لقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» فخص الآيات بالمؤمنين؟
فالجواب: أن السفينة بقيت أعواماً حتى مرّ عليها الناس ورأوها فحصل العلم بها لكل أحد، وأما تبريد النار فلم يبق فلم يظهر (لمن بعده) إلا بطريق الإيمان والتصديق، وفيه لطيفة (وهو) أن الله تعالى لما بَرَّد النار على إبراهيم بسبب اهتدائه في نفسه وهدايته لأبناء جنسه، وقد قال الله تعالى للمؤمنين بأن لهم أسوة في إبراهيم، فحصل للمؤمنين بشارة بأن الله تبارك وتعالى يبرد عنه النار يوم القيامة، فقال: ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ، فإن قيل: لم قال هناك: «جَعَلْنَاها» ، (وقال هنا جَعَلْنَاهُ) ؟
فالجواب: لأن السفينة ما صارت آية في نفسها، ولولا خلق الله الطوفان لبقي فعل نوح (سفهاً) فالله تعالى جعل السفينة بعد وجودها آية، وأما تبريد النار فهو في نفسه (آية) إذا وجدت لا تحتاج إلى شيء آخر كخلق الطوفان حتى يصير آيةً.
قوله: «إنَّمَا اتَّخَذْتُمْ» في «ما» هذه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون موصولة بمعنى الذي، والعائد محذوف وهو المفعول الأول، و «أَوْثَانًا» مفعول ثان، والخبر «مَوَدَّةُ» في قراءة من رفع كما سيأتي، والتقدير: إنْ الذي اتَّخَذْتُمُوهُ أوْثَاناً مودةٌ أي ذو مودة أو جعل نفس المودة محذوف على قراءة من نصب «مَوَدَّةً» أي الذي اتخذتموه أوثاناً لأجل المودة لا تنفكم، أو يكون «عليكم» لدلالة قوله: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ .
والثاني: أن تجعل «ما» كافة، و «أوثاناً» مفعول به، والاتخاذ هنا يتعدى لواحد أو لاثنين والثاني هو ﴿مِّن دُونِ الله﴾ فمن رفع «مودة» كانت خبر مبتدأ مضمر أي هي مودة أي ذات مودة، أو جعلت نفس المودة مبالغة والجملة حينئذ صفة «لأوثاناً» ، أو مستأنفة، ومن نصب كانت مفعولاً به، أو بإضمار «أعْنِي» .
الثالث: أن تجعل «ما» مصدرية، وحينئذ يجوز أن تقدر مضافاً من الأول أي أن سبب اتخاذكم أوثاناً من دون الله (مودة فيمن رفع مودة، ويجوزأن لا يقدر بل يجعل نفس الاتحاد) هو المودة مبالغة (و) في قراءة من نصب يكون الخبر محذوفاً على ما مَرَّ في الوجْهِ الأوّل.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي برفع «مَوَدَّةُ» غير منونة، وجر «بَيْنِكُمْ» ، ونافع وابن عامِرٍ وأبو بكر بنصب «مَوَدَّةً» (منونة ونصب «بَيْنَكُمْ» وحمزة وحفص بنصب «مودةً» ) غير منونة وجر بَيْنِكُمْ، فالرفع قد تقدم، والنصب أيضاً تقدم فيه وجهان. ويجوز وجه ثالث وهو أن يجعل مفعولاً ثانياً على المبالغة والإضافة للاتساع في الظرف كقولهم: «يا سارقَ الليلةَ أهْل الدَّارِ» من صبه فعلى أصله، ونقل عن عاصم أنه رفع «مودة» غير منونة، ونصب بينكم وخرجت إضافة «مودة» للظرف، وإنما بني لإضافته إلي غير متمكن كقراءة: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ بالفتح إذا جعلنا (بَيْنَكُمْ) فاعلاً، وأما «في الحياة» ففيه أوجُهٌ:
أحدها: أنه هو وبينكم متعلقان «بمودة» إذا نونت جاز تعلقها بعامل واحد لاختلافهما.
الثاني: أن يتعلقا بمحذوف على أنهما صفتان ل «المودة» .
الثالث: أن يتعلق «بَيْنِكُمْ» «بِمودّة» و «في الحياة» صفة لمودة، ولا يجوز العكس لئلا يلزم إعمال المصدر الموصوف، والفرق بينه وبين الأول عمل فيه المصدر قبل أن يوصف، وهذا عمل فيه بعد أن وصف، على أن ابن عطية جوز ذلك هو وغيره، وكأنهم اتسعوا في الظرف، فهذا وجه رابع.
الخامس: أن يتعلق «في الحياة» بنفس «بينكم» لأنه بمعنى الفعل، (إذ) التقدير: اجتماعكم ووصلكم.
السادس: أن يكون حالاً من نفس «دينكم» .
السابع: أن يكون «بيْنكم» صفة المودة و «في الحياة» ، حال من الضمير المستكن فيه.
الثامن: أن يتعلق «في الحياة» «باتخذتم» على أن يكون «ما» كافة و «مودة» منصوبة، قال أبو البقاء: لئلا يؤدي إلى الفصل بين الموصول وما في الصلة (بالخبر) .
قوله: «وقال» يعني إبراهيم ﴿إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم﴾ ، فعلى قراءة رفع «مودة» وخفض «بينكم» بالإضافة يكون المعنى: اتخذتم من دون الله أوثاناً وهي مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم تنقطع ولا تنفع في الآخرة، ومن خفض «مودة» من غير تنوين على الإضافة لوقوع الاتخاذ عليها، ومن نصب «مودة» ونونها ونصب «بينكم» فالمعنى: إنكم إنما اتخذتم هذه الأوثان مودة بينكم في الحياة الدنيا تتوادُّونَ على عبادتها، وتتواصلون عليها في الدنيا ﴿ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ﴾ تتبرأ الأوثان من عبادة عباديها وتتبرأ السادة من الأتباع، ويلعن الأتباع القادة.
ومأواكم النار جميعاً، العابدون والمعبودون ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ .
فإن قيل: (قال قبل هذا) ومأواكم النار، وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير على لفظ الواحد.
وقال هنا: ﴿وما لكم من ناصرين﴾ على لفظ الجمع فما الحكمة فيه؟
فالجواب: أنهم لما أرادوا إحراق إبراهِيمَ عليه (الصلاة و) السلام، قالوا: نحن ننصر آلهتنا، كما قال تعالى (عنهم) : حَرِّقُوه وانصروا آلهتكم، فقال: أنتم ادَّعَيْتُم أن لهؤلاء ناصرينَ فما لكم كلكم أي الأوثان وعبدتهما من ناصرين، وأما هناك فلم يسبق منهم دعوى النصر فنفى الجنس بقوله: «ولا نصير» .
العنكبوت 29:24
قوله تعالى: ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله وَلِقَآئِهِ﴾ أي بالقرآن وبالبعث ﴿أولئك يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي﴾ يوم القيامة فإن قيل: هلا اكتفي بقوله: «أَولَئكَ» مرة واحدة؟
فالجواب: أن لك لِفائدة وهو أنه لو قال أولئك يئسوا وهم في عذاب أليم ذهب (ذاهب) إلى أن هذا المجموع منحصر فيهم، فلا يوجد المجموع إلا فيهم. (و) أضاف الرحمة إلى نفسه في قوله تعالى: ﴿يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي﴾ وأضاف اليأس إليهم بقوله: «يَئٍسُوا» إعلاماً لعباده بعُمُومِ رحمته.
قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ العامة على نصبه والحسن وسالم الأفْطَس برفعه وتقدم تحقيق هذا. هذه الآيات في تذكير أهل إبراهيم وتحذيرهم وهي معترضة في قصة «إبراهيم» صلوات الله عليه، ثم عاد إلى قصة «إبراهيم» فقال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ اقتلوه أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ . لما أقام إبراهيم صلوات الله عليه بالبرهان على الأصول الثلاثة لم يجيبوه إلا بقولهم ﴿اقتلوه أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ فإن قيل: كيف سمى قولهم: اقتلوه جواباً مع أنه ليس بجواب؟
فالجواب عند من وجهين:
أحدهما: أنه خرج مَخْرَجَ كلام متكبر، كما يقول المَلِكُ لرسول خَصْمِهِ: جوابكُمُ السيفُ، مع أن السيفَ ليس بجوابِهِ وإنما معناه لا أقابل بالجواب وإنما أقابل بالسيف.
وثانيهما: أن الله تعالى أراد بيان (ضلالتهم) وأنهم ذكروا ما ليس بجواب في معرض الجواب فبيّن أنهم لم يكن لهم جوابٌ أصلا، وذلك أن من لا يجيبُ غيره ويسكت لا يعلم (أنه لا يقدر أم لا) لجواز أن يكون سكوته لعدم الالتفات، وأما إذا أجاب بجوابٍ فاسد علم أنه قصد الجواب وما قدر عليه.
فصل
«أو» تذكر لأمرين الثاني منهما لا ينفك عن الأول، كما يقال: «زَوْجٌ أَوْ فَرْدٌ» ، ويقال: هذا إنسان أو حيوان، يعني إن لم يكن إنساناً فهو حيوان، ولايصح أن يقال: «هذا حيوان أو إنسان» إذ يفهم منه أن يقول: هذا حيوان، فإن لم يكن حيواناً فهو إنسان، وهذا فاسد، وإذا كان كذلك فالتحريق مشتمل على القتل، فقوله: «اقتلوه أو حرقوه» كقولك: هذا إنسان أو حيوان.
فالجواب عن هذا من وَجْهَيْنِ.
أحَدهمَا: أن الاستعمال على خلاف ما ذكر شائع كقولك: أعطه ديناراً أو دينَارَيْنِ.
قال تعالى: ﴿قُمِ الليل إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: 2 - 4] فكذا هاهنا قال: اقتلوه أو زيدواعلى القتل لأن التحريق قتلٌ وزيادة.
الثاني: سلمنا ما ذكرتم، والأمر هنا كذلك لأن التحريق فعل مفض إلى القتل، وقد يتخلف عنه القتل فإن من ألقي في النار حتى احترق جلده بأسره وأخرج منها حياً يصح أن يقال: احترق فلانٌ، وأحرق وما مات.
فكذلك هاهنا قال: اقتلوه ولا تعجلوا قتله وعَذَّبُوه بالنار، فإن ترك مقالته فخلو سبيله وإن أصرَّ فاتركوه في النار.
قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَاهُ الله مِنَ النار﴾ ، قيل: بردت النار وقيل: خلق في إبراهيم صلوات الله (وسلامه) عليه كيفية اسْتَبْرَدَتِ النارَ. وقيل: ترك إبراهيم (على) ما كان عليه (والنار على ما كانت عليه) وَمنع أذى النار عنه، والْكُلّ ممكنٌ والله قادر عليه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فإن قيل: ما الحكمة في قوله هناك «آية للعالمين» في إنجاء نوح صلوات الله (وسلامه) عليه وأصحاب السفينة جعلناها آية وقال هاهنا آيات بالجمع، فما الحكمة؟ فالجواب: إن إنجاء السفينة شيء يتسع له العقول، فلم يكن فيه من الآية إلا إعلام الله تعالى إياه بالإنجاء وقت الحاجة بسبب أن الله تعالى صان السفينة عن المهلكات كالرياح، وأما الإنجاء من النار فعجيب فقال فيه لآيات فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى هنا: «آيةٌ لِلْعَالِمِينَ» وقال هنا «لقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» فخص الآيات بالمؤمنين؟
فالجواب: أن السفينة بقيت أعواماً حتى مرّ عليها الناس ورأوها فحصل العلم بها لكل أحد، وأما تبريد النار فلم يبق فلم يظهر (لمن بعده) إلا بطريق الإيمان والتصديق، وفيه لطيفة (وهو) أن الله تعالى لما بَرَّد النار على إبراهيم بسبب اهتدائه في نفسه وهدايته لأبناء جنسه، وقد قال الله تعالى للمؤمنين بأن لهم أسوة في إبراهيم، فحصل للمؤمنين بشارة بأن الله تبارك وتعالى يبرد عنه النار يوم القيامة، فقال: ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ، فإن قيل: لم قال هناك: «جَعَلْنَاها» ، (وقال هنا جَعَلْنَاهُ) ؟
فالجواب: لأن السفينة ما صارت آية في نفسها، ولولا خلق الله الطوفان لبقي فعل نوح (سفهاً) فالله تعالى جعل السفينة بعد وجودها آية، وأما تبريد النار فهو في نفسه (آية) إذا وجدت لا تحتاج إلى شيء آخر كخلق الطوفان حتى يصير آيةً.
قوله: «إنَّمَا اتَّخَذْتُمْ» في «ما» هذه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون موصولة بمعنى الذي، والعائد محذوف وهو المفعول الأول، و «أَوْثَانًا» مفعول ثان، والخبر «مَوَدَّةُ» في قراءة من رفع كما سيأتي، والتقدير: إنْ الذي اتَّخَذْتُمُوهُ أوْثَاناً مودةٌ أي ذو مودة أو جعل نفس المودة محذوف على قراءة من نصب «مَوَدَّةً» أي الذي اتخذتموه أوثاناً لأجل المودة لا تنفكم، أو يكون «عليكم» لدلالة قوله: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ .
والثاني: أن تجعل «ما» كافة، و «أوثاناً» مفعول به، والاتخاذ هنا يتعدى لواحد أو لاثنين والثاني هو ﴿مِّن دُونِ الله﴾ فمن رفع «مودة» كانت خبر مبتدأ مضمر أي هي مودة أي ذات مودة، أو جعلت نفس المودة مبالغة والجملة حينئذ صفة «لأوثاناً» ، أو مستأنفة، ومن نصب كانت مفعولاً به، أو بإضمار «أعْنِي» .
الثالث: أن تجعل «ما» مصدرية، وحينئذ يجوز أن تقدر مضافاً من الأول أي أن سبب اتخاذكم أوثاناً من دون الله (مودة فيمن رفع مودة، ويجوزأن لا يقدر بل يجعل نفس الاتحاد) هو المودة مبالغة (و) في قراءة من نصب يكون الخبر محذوفاً على ما مَرَّ في الوجْهِ الأوّل.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي برفع «مَوَدَّةُ» غير منونة، وجر «بَيْنِكُمْ» ، ونافع وابن عامِرٍ وأبو بكر بنصب «مَوَدَّةً» (منونة ونصب «بَيْنَكُمْ» وحمزة وحفص بنصب «مودةً» ) غير منونة وجر بَيْنِكُمْ، فالرفع قد تقدم، والنصب أيضاً تقدم فيه وجهان. ويجوز وجه ثالث وهو أن يجعل مفعولاً ثانياً على المبالغة والإضافة للاتساع في الظرف كقولهم: «يا سارقَ الليلةَ أهْل الدَّارِ» من صبه فعلى أصله، ونقل عن عاصم أنه رفع «مودة» غير منونة، ونصب بينكم وخرجت إضافة «مودة» للظرف، وإنما بني لإضافته إلي غير متمكن كقراءة: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ بالفتح إذا جعلنا (بَيْنَكُمْ) فاعلاً، وأما «في الحياة» ففيه أوجُهٌ:
أحدها: أنه هو وبينكم متعلقان «بمودة» إذا نونت جاز تعلقها بعامل واحد لاختلافهما.
الثاني: أن يتعلقا بمحذوف على أنهما صفتان ل «المودة» .
الثالث: أن يتعلق «بَيْنِكُمْ» «بِمودّة» و «في الحياة» صفة لمودة، ولا يجوز العكس لئلا يلزم إعمال المصدر الموصوف، والفرق بينه وبين الأول عمل فيه المصدر قبل أن يوصف، وهذا عمل فيه بعد أن وصف، على أن ابن عطية جوز ذلك هو وغيره، وكأنهم اتسعوا في الظرف، فهذا وجه رابع.
الخامس: أن يتعلق «في الحياة» بنفس «بينكم» لأنه بمعنى الفعل، (إذ) التقدير: اجتماعكم ووصلكم.
السادس: أن يكون حالاً من نفس «دينكم» .
السابع: أن يكون «بيْنكم» صفة المودة و «في الحياة» ، حال من الضمير المستكن فيه.
الثامن: أن يتعلق «في الحياة» «باتخذتم» على أن يكون «ما» كافة و «مودة» منصوبة، قال أبو البقاء: لئلا يؤدي إلى الفصل بين الموصول وما في الصلة (بالخبر) .
قوله: «وقال» يعني إبراهيم ﴿إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم﴾ ، فعلى قراءة رفع «مودة» وخفض «بينكم» بالإضافة يكون المعنى: اتخذتم من دون الله أوثاناً وهي مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم تنقطع ولا تنفع في الآخرة، ومن خفض «مودة» من غير تنوين على الإضافة لوقوع الاتخاذ عليها، ومن نصب «مودة» ونونها ونصب «بينكم» فالمعنى: إنكم إنما اتخذتم هذه الأوثان مودة بينكم في الحياة الدنيا تتوادُّونَ على عبادتها، وتتواصلون عليها في الدنيا ﴿ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ﴾ تتبرأ الأوثان من عبادة عباديها وتتبرأ السادة من الأتباع، ويلعن الأتباع القادة.
ومأواكم النار جميعاً، العابدون والمعبودون ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ .
فإن قيل: (قال قبل هذا) ومأواكم النار، وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير على لفظ الواحد.
وقال هنا: ﴿وما لكم من ناصرين﴾ على لفظ الجمع فما الحكمة فيه؟
فالجواب: أنهم لما أرادوا إحراق إبراهِيمَ عليه (الصلاة و) السلام، قالوا: نحن ننصر آلهتنا، كما قال تعالى (عنهم) : حَرِّقُوه وانصروا آلهتكم، فقال: أنتم ادَّعَيْتُم أن لهؤلاء ناصرينَ فما لكم كلكم أي الأوثان وعبدتهما من ناصرين، وأما هناك فلم يسبق منهم دعوى النصر فنفى الجنس بقوله: «ولا نصير» .
العنكبوت 29:25
قوله تعالى: ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله وَلِقَآئِهِ﴾ أي بالقرآن وبالبعث ﴿أولئك يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي﴾ يوم القيامة فإن قيل: هلا اكتفي بقوله: «أَولَئكَ» مرة واحدة؟
فالجواب: أن لك لِفائدة وهو أنه لو قال أولئك يئسوا وهم في عذاب أليم ذهب (ذاهب) إلى أن هذا المجموع منحصر فيهم، فلا يوجد المجموع إلا فيهم. (و) أضاف الرحمة إلى نفسه في قوله تعالى: ﴿يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي﴾ وأضاف اليأس إليهم بقوله: «يَئٍسُوا» إعلاماً لعباده بعُمُومِ رحمته.
قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ العامة على نصبه والحسن وسالم الأفْطَس برفعه وتقدم تحقيق هذا. هذه الآيات في تذكير أهل إبراهيم وتحذيرهم وهي معترضة في قصة «إبراهيم» صلوات الله عليه، ثم عاد إلى قصة «إبراهيم» فقال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ اقتلوه أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ . لما أقام إبراهيم صلوات الله عليه بالبرهان على الأصول الثلاثة لم يجيبوه إلا بقولهم ﴿اقتلوه أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ فإن قيل: كيف سمى قولهم: اقتلوه جواباً مع أنه ليس بجواب؟
فالجواب عند من وجهين:
أحدهما: أنه خرج مَخْرَجَ كلام متكبر، كما يقول المَلِكُ لرسول خَصْمِهِ: جوابكُمُ السيفُ، مع أن السيفَ ليس بجوابِهِ وإنما معناه لا أقابل بالجواب وإنما أقابل بالسيف.
وثانيهما: أن الله تعالى أراد بيان (ضلالتهم) وأنهم ذكروا ما ليس بجواب في معرض الجواب فبيّن أنهم لم يكن لهم جوابٌ أصلا، وذلك أن من لا يجيبُ غيره ويسكت لا يعلم (أنه لا يقدر أم لا) لجواز أن يكون سكوته لعدم الالتفات، وأما إذا أجاب بجوابٍ فاسد علم أنه قصد الجواب وما قدر عليه.
فصل
«أو» تذكر لأمرين الثاني منهما لا ينفك عن الأول، كما يقال: «زَوْجٌ أَوْ فَرْدٌ» ، ويقال: هذا إنسان أو حيوان، يعني إن لم يكن إنساناً فهو حيوان، ولايصح أن يقال: «هذا حيوان أو إنسان» إذ يفهم منه أن يقول: هذا حيوان، فإن لم يكن حيواناً فهو إنسان، وهذا فاسد، وإذا كان كذلك فالتحريق مشتمل على القتل، فقوله: «اقتلوه أو حرقوه» كقولك: هذا إنسان أو حيوان.
فالجواب عن هذا من وَجْهَيْنِ.
أحَدهمَا: أن الاستعمال على خلاف ما ذكر شائع كقولك: أعطه ديناراً أو دينَارَيْنِ.
قال تعالى: ﴿قُمِ الليل إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: 2 - 4] فكذا هاهنا قال: اقتلوه أو زيدواعلى القتل لأن التحريق قتلٌ وزيادة.
الثاني: سلمنا ما ذكرتم، والأمر هنا كذلك لأن التحريق فعل مفض إلى القتل، وقد يتخلف عنه القتل فإن من ألقي في النار حتى احترق جلده بأسره وأخرج منها حياً يصح أن يقال: احترق فلانٌ، وأحرق وما مات.
فكذلك هاهنا قال: اقتلوه ولا تعجلوا قتله وعَذَّبُوه بالنار، فإن ترك مقالته فخلو سبيله وإن أصرَّ فاتركوه في النار.
قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَاهُ الله مِنَ النار﴾ ، قيل: بردت النار وقيل: خلق في إبراهيم صلوات الله (وسلامه) عليه كيفية اسْتَبْرَدَتِ النارَ. وقيل: ترك إبراهيم (على) ما كان عليه (والنار على ما كانت عليه) وَمنع أذى النار عنه، والْكُلّ ممكنٌ والله قادر عليه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فإن قيل: ما الحكمة في قوله هناك «آية للعالمين» في إنجاء نوح صلوات الله (وسلامه) عليه وأصحاب السفينة جعلناها آية وقال هاهنا آيات بالجمع، فما الحكمة؟ فالجواب: إن إنجاء السفينة شيء يتسع له العقول، فلم يكن فيه من الآية إلا إعلام الله تعالى إياه بالإنجاء وقت الحاجة بسبب أن الله تعالى صان السفينة عن المهلكات كالرياح، وأما الإنجاء من النار فعجيب فقال فيه لآيات فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى هنا: «آيةٌ لِلْعَالِمِينَ» وقال هنا «لقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» فخص الآيات بالمؤمنين؟
فالجواب: أن السفينة بقيت أعواماً حتى مرّ عليها الناس ورأوها فحصل العلم بها لكل أحد، وأما تبريد النار فلم يبق فلم يظهر (لمن بعده) إلا بطريق الإيمان والتصديق، وفيه لطيفة (وهو) أن الله تعالى لما بَرَّد النار على إبراهيم بسبب اهتدائه في نفسه وهدايته لأبناء جنسه، وقد قال الله تعالى للمؤمنين بأن لهم أسوة في إبراهيم، فحصل للمؤمنين بشارة بأن الله تبارك وتعالى يبرد عنه النار يوم القيامة، فقال: ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ، فإن قيل: لم قال هناك: «جَعَلْنَاها» ، (وقال هنا جَعَلْنَاهُ) ؟
فالجواب: لأن السفينة ما صارت آية في نفسها، ولولا خلق الله الطوفان لبقي فعل نوح (سفهاً) فالله تعالى جعل السفينة بعد وجودها آية، وأما تبريد النار فهو في نفسه (آية) إذا وجدت لا تحتاج إلى شيء آخر كخلق الطوفان حتى يصير آيةً.
قوله: «إنَّمَا اتَّخَذْتُمْ» في «ما» هذه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون موصولة بمعنى الذي، والعائد محذوف وهو المفعول الأول، و «أَوْثَانًا» مفعول ثان، والخبر «مَوَدَّةُ» في قراءة من رفع كما سيأتي، والتقدير: إنْ الذي اتَّخَذْتُمُوهُ أوْثَاناً مودةٌ أي ذو مودة أو جعل نفس المودة محذوف على قراءة من نصب «مَوَدَّةً» أي الذي اتخذتموه أوثاناً لأجل المودة لا تنفكم، أو يكون «عليكم» لدلالة قوله: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ .
والثاني: أن تجعل «ما» كافة، و «أوثاناً» مفعول به، والاتخاذ هنا يتعدى لواحد أو لاثنين والثاني هو ﴿مِّن دُونِ الله﴾ فمن رفع «مودة» كانت خبر مبتدأ مضمر أي هي مودة أي ذات مودة، أو جعلت نفس المودة مبالغة والجملة حينئذ صفة «لأوثاناً» ، أو مستأنفة، ومن نصب كانت مفعولاً به، أو بإضمار «أعْنِي» .
الثالث: أن تجعل «ما» مصدرية، وحينئذ يجوز أن تقدر مضافاً من الأول أي أن سبب اتخاذكم أوثاناً من دون الله (مودة فيمن رفع مودة، ويجوزأن لا يقدر بل يجعل نفس الاتحاد) هو المودة مبالغة (و) في قراءة من نصب يكون الخبر محذوفاً على ما مَرَّ في الوجْهِ الأوّل.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي برفع «مَوَدَّةُ» غير منونة، وجر «بَيْنِكُمْ» ، ونافع وابن عامِرٍ وأبو بكر بنصب «مَوَدَّةً» (منونة ونصب «بَيْنَكُمْ» وحمزة وحفص بنصب «مودةً» ) غير منونة وجر بَيْنِكُمْ، فالرفع قد تقدم، والنصب أيضاً تقدم فيه وجهان. ويجوز وجه ثالث وهو أن يجعل مفعولاً ثانياً على المبالغة والإضافة للاتساع في الظرف كقولهم: «يا سارقَ الليلةَ أهْل الدَّارِ» من صبه فعلى أصله، ونقل عن عاصم أنه رفع «مودة» غير منونة، ونصب بينكم وخرجت إضافة «مودة» للظرف، وإنما بني لإضافته إلي غير متمكن كقراءة: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ بالفتح إذا جعلنا (بَيْنَكُمْ) فاعلاً، وأما «في الحياة» ففيه أوجُهٌ:
أحدها: أنه هو وبينكم متعلقان «بمودة» إذا نونت جاز تعلقها بعامل واحد لاختلافهما.
الثاني: أن يتعلقا بمحذوف على أنهما صفتان ل «المودة» .
الثالث: أن يتعلق «بَيْنِكُمْ» «بِمودّة» و «في الحياة» صفة لمودة، ولا يجوز العكس لئلا يلزم إعمال المصدر الموصوف، والفرق بينه وبين الأول عمل فيه المصدر قبل أن يوصف، وهذا عمل فيه بعد أن وصف، على أن ابن عطية جوز ذلك هو وغيره، وكأنهم اتسعوا في الظرف، فهذا وجه رابع.
الخامس: أن يتعلق «في الحياة» بنفس «بينكم» لأنه بمعنى الفعل، (إذ) التقدير: اجتماعكم ووصلكم.
السادس: أن يكون حالاً من نفس «دينكم» .
السابع: أن يكون «بيْنكم» صفة المودة و «في الحياة» ، حال من الضمير المستكن فيه.
الثامن: أن يتعلق «في الحياة» «باتخذتم» على أن يكون «ما» كافة و «مودة» منصوبة، قال أبو البقاء: لئلا يؤدي إلى الفصل بين الموصول وما في الصلة (بالخبر) .
قوله: «وقال» يعني إبراهيم ﴿إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم﴾ ، فعلى قراءة رفع «مودة» وخفض «بينكم» بالإضافة يكون المعنى: اتخذتم من دون الله أوثاناً وهي مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم تنقطع ولا تنفع في الآخرة، ومن خفض «مودة» من غير تنوين على الإضافة لوقوع الاتخاذ عليها، ومن نصب «مودة» ونونها ونصب «بينكم» فالمعنى: إنكم إنما اتخذتم هذه الأوثان مودة بينكم في الحياة الدنيا تتوادُّونَ على عبادتها، وتتواصلون عليها في الدنيا ﴿ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ﴾ تتبرأ الأوثان من عبادة عباديها وتتبرأ السادة من الأتباع، ويلعن الأتباع القادة.
ومأواكم النار جميعاً، العابدون والمعبودون ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ .
فإن قيل: (قال قبل هذا) ومأواكم النار، وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير على لفظ الواحد.
وقال هنا: ﴿وما لكم من ناصرين﴾ على لفظ الجمع فما الحكمة فيه؟
فالجواب: أنهم لما أرادوا إحراق إبراهِيمَ عليه (الصلاة و) السلام، قالوا: نحن ننصر آلهتنا، كما قال تعالى (عنهم) : حَرِّقُوه وانصروا آلهتكم، فقال: أنتم ادَّعَيْتُم أن لهؤلاء ناصرينَ فما لكم كلكم أي الأوثان وعبدتهما من ناصرين، وأما هناك فلم يسبق منهم دعوى النصر فنفى الجنس بقوله: «ولا نصير» .
العنكبوت 29:26
قوله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ أي صدقه، وهو أول من صدق إبراهيم، وكان ابن أخيه وقال إبراهيم: ﴿إني مُهَاجر إلى ربي﴾ إلى حيث أمرني ربي بالتوجه إليه من «كوثا» وهو من سواد الكوفة إلى «حران ثم إلى الشام ومعه» لوط «وامرأته» سارة «وهو أول من هاجر» . وقال مقاتل: هاجر إبراهيم (عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ) وهو ابن خَمْسٍ وسبعينَ سنةً. ثم قال: ﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ، عزيز يمنع أعدائي عن إيذائي بعونه، و «حكيم» لا يأمرني إلا بما يوافق الحكمة.
(فإن قيل) : قوله ﴿فآمن له لوط﴾ أي بعد ما رأى منه العجز القاهر، ودرجة لوط كانت عالية فبقاؤه إلى هذه الوقت مما ينقص من الدرجة، ألا ترى إلى أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لما قبل دين محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان قبوله قبل الكل من غير سماع تكلم الخصَى، ولا رُؤية انْشِقَاق القَمَر.
فالجواب: أن لوطاً لما رأى معجزته آمن برسالته، وأما بالوحدانية فآمن مِن حيث سمع مقالته، ولهذا قال: ﴿فآمن لوط﴾ ، ولم يقل: «فآمن لوط» .
فإن قيل: ما وجه تعلق قوله: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إلى ربي﴾ بما تقدم؟
فنقول: لما بالغ إبراهيم في الإرشاد، ولم يهتدِ قومه وحصل اليأس الكلي، ورأى القوم الآية الكبرى ولم يؤمنوا وجبت المهاجرة، لأن الهادي إذا هدى قومه ولم ينتفعوا فبقاؤه فيهم مفسد، لأنه إذا دام على الإرشاد كان اشتغالاً بما لا ينتفع في علمه، فيصير كمن يقول للحجر صدق، وهو عبث والسكوت دليل الرضا فيقال: إنه صار منا، ورضي بأفعالنا، وإذا لم يبق للإقامة وجه وجبت المهاجرة.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إلى ربي﴾ ولم يقل: «مهاجر إلى حيثُ أمرني ربي} مع أن المهاجرة إلى الرب توهم الجهة.
فالجواب: أن قوله ﴿إلى ربي﴾ ليس في الإخلاص، كقوله:» إلَى رَبِّي «لأن الملك إذا صدر منه أمر برواح الأجناد إلى موضع ثم إن واحداً منهم عاد إلى ذلك الموضع لغرض (في) نفسه يصيبه، فقد هاجر إلى حيث أمره الملك ولكن لا مخلصاً لوجهه، وقال: ﴿مهاجر إلى ربي﴾ يعني: توجهي إلى الجهة المأمور بالهجرة إليها ليس طلباً للجهة، إنما طلب لله.
قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النبوة﴾ ، قِيلَ: إن الله لم يبعث نبياً بعد» براهيم «إلا من نَسْلِهِ، ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدنيا﴾ وهو الثناء الحسن، وكل الأديان يقولون به، وقال السدي: هو الولد الصالح، وقيل: إنه رأى مكانه في الجنة ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين﴾ أي في زمرة الصالحين قال ابن عباس:» مثل آدم، ونوح «وفي هذه الآية لطيفة وهي أن الله تعالى بدّل جميع أحوال إبراهيم في الدنيا بأضدادها لما عذبه قومه بالنار كان وحيداً فريداً، فبدل الله وحدته بالكثرة حتى ملأ الدنيا من ذريته، ولما كانت أقاربه القريبة ضالين مضلين من جملتهم» آزر «بدل الله أقاربه بأقارب مهتدين هادين، وهم ذريته الذين جعل فيهم النبوة والكتاب، وكان أولاً لا جاه له، ولا مال، وهم غاية اللذة في الدنيا آتاه الله أجره في المال والجاه وكثر ماله حتى كان له من المواشي ما علم الله عدَدَهُ حتى قيل: إنه كان له اثنا عشر ألف كلبٍ حارس بأطواق ذهب وأما الجاه فصار (بحيث تقرن) الصلاة عليه بالصلاة على سائر الأنبياء إلى يوم القيامة، وصار معروفاً وشيخ المرسلين بعد أن كان خاملاً حتى قال قائلهم:
﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: 60] ، هذا الكلام لا يقال إلا في مخمول من الناس.
فإن قيل: إنَّ إسماعيلَ كان من أولاده الصالحين (وكان قد) سلم لأمر الله بالذبح، وانْقَادَ لحكم الله ولم يذكر.
فالجواب: هو مذكور في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النبوة والكتاب﴾ (و) لكن لم يصرح باسْمِهِ؛ لأنه كان بين فضله معه بهبته الأولاد والأحفاد، فذكر من الأولاد واحداً وهو الأكبر، ومن الأحفاد واحداً كما يقال القائل: إن السلطان في خدمته الملوك والأمراء، والملك الفلاني، والأمير الفلاني، ولا يعدد الكل لأنه ذكر ذلك الواحد لبيان الجنس لا لخصوصه، ولولا ذكر غيره لفهم منه التعديد، واستيعاب الكل فيُظَنّ أنه ليس معه غير المذكور.
فإن قيل: إن الله تعالى لما جعل في ذريته النبوة أجابه لدعائه، والوالد يجب أن يسوي بين ولده فكيف صارت النبوة في ولد «إسحاق» أكثر من النبوة في أولاد إسماعيل؟ فالجواب: أن الله تعالى قسم الزمان من وقت إبراهيم إلى (يوم) القيامة قسمين والناس أجمعين، فالقِسْم الأول من الزمان بعث الله تعالى (فيه) أنبياء فيهم فضائلُ جمّة، وجاءوا تترى واحداً بعد واحد، ومجتمعين في عصر واحد كلهم من ورثة إسحاق عليه السلام، (ثم في القسم الثاني من الزمان أخرج من ذرية ولده إسماعيل واحداً اجتمع فيه ما كان فيه وأرسله إلى كافة الخلق وهو محمد عليه السلام) وجعله خاتم النبيين، وقد دام الخلق على دين إسماعيل أكثر من أربعة آلاف سنة، ولا يَبْعُدُ أن يبقى الخلق على دين ذرية إسماعيل مثل ذلك المقدار.
العنكبوت 29:27
قوله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ أي صدقه، وهو أول من صدق إبراهيم، وكان ابن أخيه وقال إبراهيم: ﴿إني مُهَاجر إلى ربي﴾ إلى حيث أمرني ربي بالتوجه إليه من «كوثا» وهو من سواد الكوفة إلى «حران ثم إلى الشام ومعه» لوط «وامرأته» سارة «وهو أول من هاجر» . وقال مقاتل: هاجر إبراهيم (عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ) وهو ابن خَمْسٍ وسبعينَ سنةً. ثم قال: ﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ، عزيز يمنع أعدائي عن إيذائي بعونه، و «حكيم» لا يأمرني إلا بما يوافق الحكمة.
(فإن قيل) : قوله ﴿فآمن له لوط﴾ أي بعد ما رأى منه العجز القاهر، ودرجة لوط كانت عالية فبقاؤه إلى هذه الوقت مما ينقص من الدرجة، ألا ترى إلى أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لما قبل دين محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان قبوله قبل الكل من غير سماع تكلم الخصَى، ولا رُؤية انْشِقَاق القَمَر.
فالجواب: أن لوطاً لما رأى معجزته آمن برسالته، وأما بالوحدانية فآمن مِن حيث سمع مقالته، ولهذا قال: ﴿فآمن لوط﴾ ، ولم يقل: «فآمن لوط» .
فإن قيل: ما وجه تعلق قوله: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إلى ربي﴾ بما تقدم؟
فنقول: لما بالغ إبراهيم في الإرشاد، ولم يهتدِ قومه وحصل اليأس الكلي، ورأى القوم الآية الكبرى ولم يؤمنوا وجبت المهاجرة، لأن الهادي إذا هدى قومه ولم ينتفعوا فبقاؤه فيهم مفسد، لأنه إذا دام على الإرشاد كان اشتغالاً بما لا ينتفع في علمه، فيصير كمن يقول للحجر صدق، وهو عبث والسكوت دليل الرضا فيقال: إنه صار منا، ورضي بأفعالنا، وإذا لم يبق للإقامة وجه وجبت المهاجرة.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إلى ربي﴾ ولم يقل: «مهاجر إلى حيثُ أمرني ربي} مع أن المهاجرة إلى الرب توهم الجهة.
فالجواب: أن قوله ﴿إلى ربي﴾ ليس في الإخلاص، كقوله:» إلَى رَبِّي «لأن الملك إذا صدر منه أمر برواح الأجناد إلى موضع ثم إن واحداً منهم عاد إلى ذلك الموضع لغرض (في) نفسه يصيبه، فقد هاجر إلى حيث أمره الملك ولكن لا مخلصاً لوجهه، وقال: ﴿مهاجر إلى ربي﴾ يعني: توجهي إلى الجهة المأمور بالهجرة إليها ليس طلباً للجهة، إنما طلب لله.
قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النبوة﴾ ، قِيلَ: إن الله لم يبعث نبياً بعد» براهيم «إلا من نَسْلِهِ، ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدنيا﴾ وهو الثناء الحسن، وكل الأديان يقولون به، وقال السدي: هو الولد الصالح، وقيل: إنه رأى مكانه في الجنة ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين﴾ أي في زمرة الصالحين قال ابن عباس:» مثل آدم، ونوح «وفي هذه الآية لطيفة وهي أن الله تعالى بدّل جميع أحوال إبراهيم في الدنيا بأضدادها لما عذبه قومه بالنار كان وحيداً فريداً، فبدل الله وحدته بالكثرة حتى ملأ الدنيا من ذريته، ولما كانت أقاربه القريبة ضالين مضلين من جملتهم» آزر «بدل الله أقاربه بأقارب مهتدين هادين، وهم ذريته الذين جعل فيهم النبوة والكتاب، وكان أولاً لا جاه له، ولا مال، وهم غاية اللذة في الدنيا آتاه الله أجره في المال والجاه وكثر ماله حتى كان له من المواشي ما علم الله عدَدَهُ حتى قيل: إنه كان له اثنا عشر ألف كلبٍ حارس بأطواق ذهب وأما الجاه فصار (بحيث تقرن) الصلاة عليه بالصلاة على سائر الأنبياء إلى يوم القيامة، وصار معروفاً وشيخ المرسلين بعد أن كان خاملاً حتى قال قائلهم:
﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: 60] ، هذا الكلام لا يقال إلا في مخمول من الناس.
فإن قيل: إنَّ إسماعيلَ كان من أولاده الصالحين (وكان قد) سلم لأمر الله بالذبح، وانْقَادَ لحكم الله ولم يذكر.
فالجواب: هو مذكور في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النبوة والكتاب﴾ (و) لكن لم يصرح باسْمِهِ؛ لأنه كان بين فضله معه بهبته الأولاد والأحفاد، فذكر من الأولاد واحداً وهو الأكبر، ومن الأحفاد واحداً كما يقال القائل: إن السلطان في خدمته الملوك والأمراء، والملك الفلاني، والأمير الفلاني، ولا يعدد الكل لأنه ذكر ذلك الواحد لبيان الجنس لا لخصوصه، ولولا ذكر غيره لفهم منه التعديد، واستيعاب الكل فيُظَنّ أنه ليس معه غير المذكور.
فإن قيل: إن الله تعالى لما جعل في ذريته النبوة أجابه لدعائه، والوالد يجب أن يسوي بين ولده فكيف صارت النبوة في ولد «إسحاق» أكثر من النبوة في أولاد إسماعيل؟ فالجواب: أن الله تعالى قسم الزمان من وقت إبراهيم إلى (يوم) القيامة قسمين والناس أجمعين، فالقِسْم الأول من الزمان بعث الله تعالى (فيه) أنبياء فيهم فضائلُ جمّة، وجاءوا تترى واحداً بعد واحد، ومجتمعين في عصر واحد كلهم من ورثة إسحاق عليه السلام، (ثم في القسم الثاني من الزمان أخرج من ذرية ولده إسماعيل واحداً اجتمع فيه ما كان فيه وأرسله إلى كافة الخلق وهو محمد عليه السلام) وجعله خاتم النبيين، وقد دام الخلق على دين إسماعيل أكثر من أربعة آلاف سنة، ولا يَبْعُدُ أن يبقى الخلق على دين ذرية إسماعيل مثل ذلك المقدار.
العنكبوت 29:28
قوله تعالى: «وَلوطاً» إعرابه كإعراب إبراهيم ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ﴾ قرأ أبو عمرو، وحمزة والكسائي وأبو بكر «أَئِنَّكُم» بالاستفهام، وقرأ الباقون بلا استفهام، واتفقوا على استفهام الثانية «لَتَأتُونَ الفاحشة» وهو إتيان الرجال، ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا﴾ يجوز أن تكون استثنافية جواباً لمن سأل عن ذلك وأن تكون حالية أي مبتدعين لها.
فإن قيل: قال إبراهيم لقومه: «اعْبدُو اللَّهَ» ، وقال لوطٌ لقومه هاهنا: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الفاحشة﴾ ولم يأمرهم بالتوحيد، فما الحكمة؟
فالجواب: انه لما ذكر الله لوطاً عند ذكر إبراهيم كان لوط في زمن إبراهيم فلم يذكر عن لوط أنه أمر قومه بالتوحيد مع الرسول لا بدّ أن يقول ذلك فحكاية لوط وغيرها هاهنا ذكرها الله على سبيل الاخْتِصَار فاقتصر على ما اختص به لوط وهو المنع من الفاحشة، ولم يذكر عنه الأمر بالتوحيد، وإن كان قاله في موضع آخر حيث قال: ﴿اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ﴾ [هود: 61] ؛ لأن ذلك قدأتى به إبراهيم، وسبقه فصار كالمختصِّ به، وأما المنعُ من علم قوم «لوط» فكان مختصاً «بلوط» فذكر كل واحد بما اختص به، وسبق به غَيْرَهُ.
فصل
دلت الآية على وجوب الحد في اللّواطة، لأنه سماها فاحشةً، وقد ثبت أن إتيان الفاحشة يوجب الحدّ، وأيضاً أن الله تعالى جعل عذاب من أتاها إمطارَ الحجارة عليهم عاجلاً وهو الرَّجْمُ. وتقدم الككلام على قوله: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ﴾ .
قوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال وَتَقْطَعُونَ السبيل﴾ ، قيل: كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمرّ بهم من المسافرين فترك الناس الممرّ بهم، وقيل: يقطعون سبيل النسل بإتيان الرجال، كقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال شَهْوَةً مِّن دُونِ النسآء﴾ [الأعراف: 81] [النمل: 55] ، ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر﴾ قال أبو العباس المَقَّرِيّ. ورد لفظ النادي في القرآن بإزاء معنيين:
الأول: النادي مجلس القوم المحدد فيه لهذه الآية.
والثاني: بمعنى الناصر، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: 17] ، أي ناصره يعني أبا جهل.
واعلم أن النادي (والنَّديّ) والمُنْتَدَى مجلس القوم ومُتَحَدَّثُهُمْ، روى أبو صالح مولى أُمِّ هانىء بنت أبي طالب «قالت: سألت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن قوله: ﴿وتأتون في ناديكم المنكر﴾ قلت: ما المنكر الذي كانوا يأتون؟ قال: كانوا يخذُفُونَ أهلَ الطرق، ويسخرون منهم.» وروي أنهم كانوا يجلسون في مجالسهم وعند كل رجل منهم قصعة فيها حصًى، فإذا مرّ بهم عابر سبيل حذفُوه فأيهم أصابه كان أولى به. وقيل: إنه كان يأخذ ما معه وينكحه ويغرمه ثلاثةَ دراهم، ولهم قاضي بذلك، وقال القاسم بن محمد: كانوا يتضارطون في مجالسهم.
وقال مجاهد: كان يجامع بعضهم بعضاً في مجالسهم.
وعن عبد الله بن سلام: يَبْزُقُ بعضُهم على بَعْض. وعن مكحول قال: من أخلاق قوم لوط مضغ العِلْكِ، وتطريق الأصابع بالحِنَّاء، وحل الإزار، والصَّفيرُ، والخَذْفُ، واللُّوطِيَّةُ.
(قوله) : ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ ، لما أنكر عليهم «لوط» ما يأتون به من القبائح إلا أَنْ قَالُوا له استهزاء ﴿ائتنا بِعَذَابِ الله إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ أن العذاب نازل بنا فعند ذلك قال لوط: ﴿رَبِّ انصرني عَلَى القوم المفسدين﴾ بتحقيق قولي في العذاب.
فإن قيلَ: قال قوم «إبراهيم» اقتلوه أو حرّقوه، وقال قوم لوط ﴿ائتنا بعذاب الله﴾ وما هددوه (مع) أن «إبْرَاهِيمَ» كان أعظم من «لوط» فإن لوطاً كان من قومه.
فالجوابُ: أن إبراهيم كان يقدح في دينهم ويشتم آلهتهم ويعدد صفات نقصهم بقوله: «لا تُبْصِرُ ولا تَسْمَع ولا تَنْفَعُ، ولا تُغْنِي» ، والقدح في الدين صعب، فجعلوا جزاءه القتل والتحريق، ولوط كان ينكر عليهم فعلهم، وينبههم إلى ارتكاب التحريم وهم ما كانوا يقولون إن هذا واجب من الدين فلم يصعب عليهم مثل ما صعب على قوم إبراهيم كلام إبراهيم وقالوا: إنك تقول: إن هذا حرام والله يعذب عليه ونحن نقول: لا نعذب فإن كنت صادقاً فتِنَا بالعذَابِ.؟
فإن قيل: إن الله قال في موضع آخر: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قالوا أخرجوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ﴾ [النمل: 56] .
وقال هنا: ﴿فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا﴾ فكيف الجمع؟
فالجوابُ: أن لوطاً كان ثابتاً على الإرشاد مكرراً على النهي والوعيد فقالوا (أولاً) ائتنا (ثم) لما كثر منه ولم يسكت عنهم قالوا: «أخرجوا» . ثم إنَّ لوطاً لما يَئِسَ منهم طلب النُّصْرَةَ من الله وذكرهم بما لا يحب الله فقال «رب انصرني على القوم المفسدين} (فإن الله لا يحب المفسدين) حتى يُنْجِزَ النَّصْرَ.
واعلم أن كُلَّ نبي من الأنبياء ما طلب هلاكٌ قَوْمه إلا إذا علم أن عدمَهُمْ خيرٌ من وجودهم، كما قال نوحٌ ﴿إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يلدوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح: 27] ، يعني: أن المصلحة إما أن تكون فيهم حالاً، أو بسببها مآلاً ولا مصلحة فيهما، فإنهم ضالون في الحال وفي المآل فإنهم يوصون أولادهم من صغرهم بالامتناع عن الأَتباع وكذلك لوط لما رأى أنهم يفسدون في الحال، واشتغلوا بما لا يُرْجَى منهم ولد صالح يعبد الله فطلب المصلحة حالاً ومآلاً، فعدمهم صار خيراً، وطلب العذاب.
العنكبوت 29:29
قوله تعالى: «وَلوطاً» إعرابه كإعراب إبراهيم ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ﴾ قرأ أبو عمرو، وحمزة والكسائي وأبو بكر «أَئِنَّكُم» بالاستفهام، وقرأ الباقون بلا استفهام، واتفقوا على استفهام الثانية «لَتَأتُونَ الفاحشة» وهو إتيان الرجال، ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا﴾ يجوز أن تكون استثنافية جواباً لمن سأل عن ذلك وأن تكون حالية أي مبتدعين لها.
فإن قيل: قال إبراهيم لقومه: «اعْبدُو اللَّهَ» ، وقال لوطٌ لقومه هاهنا: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الفاحشة﴾ ولم يأمرهم بالتوحيد، فما الحكمة؟
فالجواب: انه لما ذكر الله لوطاً عند ذكر إبراهيم كان لوط في زمن إبراهيم فلم يذكر عن لوط أنه أمر قومه بالتوحيد مع الرسول لا بدّ أن يقول ذلك فحكاية لوط وغيرها هاهنا ذكرها الله على سبيل الاخْتِصَار فاقتصر على ما اختص به لوط وهو المنع من الفاحشة، ولم يذكر عنه الأمر بالتوحيد، وإن كان قاله في موضع آخر حيث قال: ﴿اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ﴾ [هود: 61] ؛ لأن ذلك قدأتى به إبراهيم، وسبقه فصار كالمختصِّ به، وأما المنعُ من علم قوم «لوط» فكان مختصاً «بلوط» فذكر كل واحد بما اختص به، وسبق به غَيْرَهُ.
فصل
دلت الآية على وجوب الحد في اللّواطة، لأنه سماها فاحشةً، وقد ثبت أن إتيان الفاحشة يوجب الحدّ، وأيضاً أن الله تعالى جعل عذاب من أتاها إمطارَ الحجارة عليهم عاجلاً وهو الرَّجْمُ. وتقدم الككلام على قوله: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ﴾ .
قوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال وَتَقْطَعُونَ السبيل﴾ ، قيل: كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمرّ بهم من المسافرين فترك الناس الممرّ بهم، وقيل: يقطعون سبيل النسل بإتيان الرجال، كقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال شَهْوَةً مِّن دُونِ النسآء﴾ [الأعراف: 81] [النمل: 55] ، ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر﴾ قال أبو العباس المَقَّرِيّ. ورد لفظ النادي في القرآن بإزاء معنيين:
الأول: النادي مجلس القوم المحدد فيه لهذه الآية.
والثاني: بمعنى الناصر، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: 17] ، أي ناصره يعني أبا جهل.
واعلم أن النادي (والنَّديّ) والمُنْتَدَى مجلس القوم ومُتَحَدَّثُهُمْ، روى أبو صالح مولى أُمِّ هانىء بنت أبي طالب «قالت: سألت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن قوله: ﴿وتأتون في ناديكم المنكر﴾ قلت: ما المنكر الذي كانوا يأتون؟ قال: كانوا يخذُفُونَ أهلَ الطرق، ويسخرون منهم.» وروي أنهم كانوا يجلسون في مجالسهم وعند كل رجل منهم قصعة فيها حصًى، فإذا مرّ بهم عابر سبيل حذفُوه فأيهم أصابه كان أولى به. وقيل: إنه كان يأخذ ما معه وينكحه ويغرمه ثلاثةَ دراهم، ولهم قاضي بذلك، وقال القاسم بن محمد: كانوا يتضارطون في مجالسهم.
وقال مجاهد: كان يجامع بعضهم بعضاً في مجالسهم.
وعن عبد الله بن سلام: يَبْزُقُ بعضُهم على بَعْض. وعن مكحول قال: من أخلاق قوم لوط مضغ العِلْكِ، وتطريق الأصابع بالحِنَّاء، وحل الإزار، والصَّفيرُ، والخَذْفُ، واللُّوطِيَّةُ.
(قوله) : ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ ، لما أنكر عليهم «لوط» ما يأتون به من القبائح إلا أَنْ قَالُوا له استهزاء ﴿ائتنا بِعَذَابِ الله إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ أن العذاب نازل بنا فعند ذلك قال لوط: ﴿رَبِّ انصرني عَلَى القوم المفسدين﴾ بتحقيق قولي في العذاب.
فإن قيلَ: قال قوم «إبراهيم» اقتلوه أو حرّقوه، وقال قوم لوط ﴿ائتنا بعذاب الله﴾ وما هددوه (مع) أن «إبْرَاهِيمَ» كان أعظم من «لوط» فإن لوطاً كان من قومه.
فالجوابُ: أن إبراهيم كان يقدح في دينهم ويشتم آلهتهم ويعدد صفات نقصهم بقوله: «لا تُبْصِرُ ولا تَسْمَع ولا تَنْفَعُ، ولا تُغْنِي» ، والقدح في الدين صعب، فجعلوا جزاءه القتل والتحريق، ولوط كان ينكر عليهم فعلهم، وينبههم إلى ارتكاب التحريم وهم ما كانوا يقولون إن هذا واجب من الدين فلم يصعب عليهم مثل ما صعب على قوم إبراهيم كلام إبراهيم وقالوا: إنك تقول: إن هذا حرام والله يعذب عليه ونحن نقول: لا نعذب فإن كنت صادقاً فتِنَا بالعذَابِ.؟
فإن قيل: إن الله قال في موضع آخر: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قالوا أخرجوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ﴾ [النمل: 56] .
وقال هنا: ﴿فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا﴾ فكيف الجمع؟
فالجوابُ: أن لوطاً كان ثابتاً على الإرشاد مكرراً على النهي والوعيد فقالوا (أولاً) ائتنا (ثم) لما كثر منه ولم يسكت عنهم قالوا: «أخرجوا» . ثم إنَّ لوطاً لما يَئِسَ منهم طلب النُّصْرَةَ من الله وذكرهم بما لا يحب الله فقال «رب انصرني على القوم المفسدين} (فإن الله لا يحب المفسدين) حتى يُنْجِزَ النَّصْرَ.
واعلم أن كُلَّ نبي من الأنبياء ما طلب هلاكٌ قَوْمه إلا إذا علم أن عدمَهُمْ خيرٌ من وجودهم، كما قال نوحٌ ﴿إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يلدوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح: 27] ، يعني: أن المصلحة إما أن تكون فيهم حالاً، أو بسببها مآلاً ولا مصلحة فيهما، فإنهم ضالون في الحال وفي المآل فإنهم يوصون أولادهم من صغرهم بالامتناع عن الأَتباع وكذلك لوط لما رأى أنهم يفسدون في الحال، واشتغلوا بما لا يُرْجَى منهم ولد صالح يعبد الله فطلب المصلحة حالاً ومآلاً، فعدمهم صار خيراً، وطلب العذاب.
العنكبوت 29:30
قوله تعالى: «وَلوطاً» إعرابه كإعراب إبراهيم ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ﴾ قرأ أبو عمرو، وحمزة والكسائي وأبو بكر «أَئِنَّكُم» بالاستفهام، وقرأ الباقون بلا استفهام، واتفقوا على استفهام الثانية «لَتَأتُونَ الفاحشة» وهو إتيان الرجال، ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا﴾ يجوز أن تكون استثنافية جواباً لمن سأل عن ذلك وأن تكون حالية أي مبتدعين لها.
فإن قيل: قال إبراهيم لقومه: «اعْبدُو اللَّهَ» ، وقال لوطٌ لقومه هاهنا: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الفاحشة﴾ ولم يأمرهم بالتوحيد، فما الحكمة؟
فالجواب: انه لما ذكر الله لوطاً عند ذكر إبراهيم كان لوط في زمن إبراهيم فلم يذكر عن لوط أنه أمر قومه بالتوحيد مع الرسول لا بدّ أن يقول ذلك فحكاية لوط وغيرها هاهنا ذكرها الله على سبيل الاخْتِصَار فاقتصر على ما اختص به لوط وهو المنع من الفاحشة، ولم يذكر عنه الأمر بالتوحيد، وإن كان قاله في موضع آخر حيث قال: ﴿اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ﴾ [هود: 61] ؛ لأن ذلك قدأتى به إبراهيم، وسبقه فصار كالمختصِّ به، وأما المنعُ من علم قوم «لوط» فكان مختصاً «بلوط» فذكر كل واحد بما اختص به، وسبق به غَيْرَهُ.
فصل
دلت الآية على وجوب الحد في اللّواطة، لأنه سماها فاحشةً، وقد ثبت أن إتيان الفاحشة يوجب الحدّ، وأيضاً أن الله تعالى جعل عذاب من أتاها إمطارَ الحجارة عليهم عاجلاً وهو الرَّجْمُ. وتقدم الككلام على قوله: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ﴾ .
قوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال وَتَقْطَعُونَ السبيل﴾ ، قيل: كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمرّ بهم من المسافرين فترك الناس الممرّ بهم، وقيل: يقطعون سبيل النسل بإتيان الرجال، كقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال شَهْوَةً مِّن دُونِ النسآء﴾ [الأعراف: 81] [النمل: 55] ، ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر﴾ قال أبو العباس المَقَّرِيّ. ورد لفظ النادي في القرآن بإزاء معنيين:
الأول: النادي مجلس القوم المحدد فيه لهذه الآية.
والثاني: بمعنى الناصر، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: 17] ، أي ناصره يعني أبا جهل.
واعلم أن النادي (والنَّديّ) والمُنْتَدَى مجلس القوم ومُتَحَدَّثُهُمْ، روى أبو صالح مولى أُمِّ هانىء بنت أبي طالب «قالت: سألت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن قوله: ﴿وتأتون في ناديكم المنكر﴾ قلت: ما المنكر الذي كانوا يأتون؟ قال: كانوا يخذُفُونَ أهلَ الطرق، ويسخرون منهم.» وروي أنهم كانوا يجلسون في مجالسهم وعند كل رجل منهم قصعة فيها حصًى، فإذا مرّ بهم عابر سبيل حذفُوه فأيهم أصابه كان أولى به. وقيل: إنه كان يأخذ ما معه وينكحه ويغرمه ثلاثةَ دراهم، ولهم قاضي بذلك، وقال القاسم بن محمد: كانوا يتضارطون في مجالسهم.
وقال مجاهد: كان يجامع بعضهم بعضاً في مجالسهم.
وعن عبد الله بن سلام: يَبْزُقُ بعضُهم على بَعْض. وعن مكحول قال: من أخلاق قوم لوط مضغ العِلْكِ، وتطريق الأصابع بالحِنَّاء، وحل الإزار، والصَّفيرُ، والخَذْفُ، واللُّوطِيَّةُ.
(قوله) : ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ ، لما أنكر عليهم «لوط» ما يأتون به من القبائح إلا أَنْ قَالُوا له استهزاء ﴿ائتنا بِعَذَابِ الله إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ أن العذاب نازل بنا فعند ذلك قال لوط: ﴿رَبِّ انصرني عَلَى القوم المفسدين﴾ بتحقيق قولي في العذاب.
فإن قيلَ: قال قوم «إبراهيم» اقتلوه أو حرّقوه، وقال قوم لوط ﴿ائتنا بعذاب الله﴾ وما هددوه (مع) أن «إبْرَاهِيمَ» كان أعظم من «لوط» فإن لوطاً كان من قومه.
فالجوابُ: أن إبراهيم كان يقدح في دينهم ويشتم آلهتهم ويعدد صفات نقصهم بقوله: «لا تُبْصِرُ ولا تَسْمَع ولا تَنْفَعُ، ولا تُغْنِي» ، والقدح في الدين صعب، فجعلوا جزاءه القتل والتحريق، ولوط كان ينكر عليهم فعلهم، وينبههم إلى ارتكاب التحريم وهم ما كانوا يقولون إن هذا واجب من الدين فلم يصعب عليهم مثل ما صعب على قوم إبراهيم كلام إبراهيم وقالوا: إنك تقول: إن هذا حرام والله يعذب عليه ونحن نقول: لا نعذب فإن كنت صادقاً فتِنَا بالعذَابِ.؟
فإن قيل: إن الله قال في موضع آخر: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قالوا أخرجوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ﴾ [النمل: 56] .
وقال هنا: ﴿فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا﴾ فكيف الجمع؟
فالجوابُ: أن لوطاً كان ثابتاً على الإرشاد مكرراً على النهي والوعيد فقالوا (أولاً) ائتنا (ثم) لما كثر منه ولم يسكت عنهم قالوا: «أخرجوا» . ثم إنَّ لوطاً لما يَئِسَ منهم طلب النُّصْرَةَ من الله وذكرهم بما لا يحب الله فقال «رب انصرني على القوم المفسدين} (فإن الله لا يحب المفسدين) حتى يُنْجِزَ النَّصْرَ.
واعلم أن كُلَّ نبي من الأنبياء ما طلب هلاكٌ قَوْمه إلا إذا علم أن عدمَهُمْ خيرٌ من وجودهم، كما قال نوحٌ ﴿إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يلدوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح: 27] ، يعني: أن المصلحة إما أن تكون فيهم حالاً، أو بسببها مآلاً ولا مصلحة فيهما، فإنهم ضالون في الحال وفي المآل فإنهم يوصون أولادهم من صغرهم بالامتناع عن الأَتباع وكذلك لوط لما رأى أنهم يفسدون في الحال، واشتغلوا بما لا يُرْجَى منهم ولد صالح يعبد الله فطلب المصلحة حالاً ومآلاً، فعدمهم صار خيراً، وطلب العذاب.
العنكبوت 29:31
قوله (تعالى) : ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بالبشرى﴾ من الله بإسحاقَ ويعقوبَ ﴿قالوا إِنَّا مهلكوا أَهْلِ هذه القرية﴾ يعني قوم لوطِ ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ . «قَالَ» إبْراهيم ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ ، قالت الملائكة: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا﴾ ويأتي بقية الكلام على ذلك.
قوله: ﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ﴾ تقدم نظيرها إلا أن هنا زيدت «أن» وهو مطّرد تأكيداً.
اعلم أنه لما دعا لوطٌ على قومه بقوله: «رب انصرني» استجاب الله دعاءه، وأمره ملائكته بإهلاكهم وأرلهم مبشرين ومنذرين فجاءوا إبراهيم وبشَّرُوه بذرية طيبة وقالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية يعني أهل سَدُومَ.
«إحداهما» : أن الله جعلهم مبشرين ومنذرين لكن البشارة إثْرَ الرحمة والإنذار بالهلاك إثْرَ الغضب، ورحمته سبقت غضبه فقدم البشارة على الإنذار، وقال: ﴿جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بالبشرى﴾ ثم قال: «إنَّا مُهْلِكُوا» ، «والثانية» : حين ذكروا البشرى ما هلكوا وقالوا: إنا نبشرك بأنك رسول، أو لأنك مؤمن أو لأنك عادل، وحين ذكروا الإهلاك هَلَكُوا، وقالوا: إن أهلها كانوا ظالمين لأن ذا الفضل لا يكون فضله بعوض، والعادل لا يكون عذابه إلا على جُرْمٍ.
فإن قيل: قال في قوم نوح: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطوفان وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 14] (وقيل: إن ذلك إشارة إلى أنهم كانوا على ظلمهم حين أخذهم ولم يقل: وهم ظَالِمُونَ) .
فالجواب: لا فرق في الموضعين في كونهما مُهْلَكِينَ وهم مصرّون على الظلم لكن هناك الإخبار من الله عن الماضي حيث قال: «فأخذهم» وهم عند الوقوع في العذاب ظالمون وهاهنا الإخبار من الملائكة عن المستقبل حيث قالوا: إنا مهلكوا أهل هذه القرية، والملائكة ذكرواما يحتاجون إليه في (إبانة) حسن الأمر من الله بالإهلاك فقالوا: ﴿إِنَّا مهلكوا أَهْلِ هذه القرية﴾ ؛ لأن الله أمرنا؛ وحال (ما) أمرنا كانُوا ظالمين فحسن أمر الله عند كل أحد وأما نحن فلا تخبر بما لا حاجة لنا إليه فإن الكلام في الملك بغيْر إذْنِهِ سوءُ أدب فنحن ما احتجنا إلا إلى هذه القَدْر وهو أنهم كانوا ظالمين في وقتنا هذا: وكونهم يَبْقُونَ كذلك فلا حاجة لنا إليه، ثم إن إبراهيم لما سمع كلامهم قال لهم: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ إشفاقاً عليه لِيعْلم حاله، قالت الملائكة: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ قرأ حمزة والكسائيّ ويعقوبُ «لنُنْجِيَنهُ» - بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد ﴿وأهْلَهُ إلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الغَابِرينَ﴾ أي الباقين في العذاب. وفي استعمال الغابر في المهلك وجهان؛ لأن الغابر لفظ مشترك في الماضي، وفي الباقي يقال: فِيمَا غَبَر من الزَّمَانِ أي فيما مضى وقال عليه (الصلاة و) السلام «لما سئل عن الماء من السباع فقال:» ولنا ماءٌ غير طهور»
أي بقي فعلى الأول إن ذكر الظالمين سبق في قولهم: إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين، ثم جرى (ذكر) لوط. وقول الملائكة: إنها من الغابرين أي الماضين ذكرهم لا من الذين نحْنُ مِنْهُمْ، أو نقول المهلك يفنى بمضي زمانه، والناجي هو الباقي، (ف) قالوا ﴿إنها من الغابرين﴾ أي من الرائحين الماضين، لا من الباقين المستمرِّينَ وأما على الثاني لما قضى الله على القوم بالهلاك كان الكل في الهلاك إلا من ينجى منه، فقالوا: إنا نُنَجِّي لوطاً وأهله، وأما امْرَأَتُهُ فهي من الباقين في الهَلاَكِ.
قوله: ﴿وَلَمَّآ (أَن) جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً﴾ أي إنهم من عند غبراهيم جاءوا إلى لوط على صورة البشر فظنهم بشراً فخاف عليهم من قومه لأنهم كانوا في أحسن صورة والقوم كما عرف حالهم «سِيءَ بِهِمْ» أي جاءه ما ساءه وخاف، ثم عجز عن تدبيرهم فحزن ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ كناية عن العجز في تدبيرهم قال الزمخشري: يقال: طال ذَرْعُهُ وذراعه للقادر، وضاق للعاجز، وذلك لأن من طال ذراعه يصل إلى ما لا يصل إليه قصير الذراع والاستعمال يحتمل وجهاً آخر معقولاً وهو أن الخوف والحزن يوجبان انقباض الروح، ويتبعه اشتمال القلب عليه فينقبض هو أيضاً والقلب هو المعتبر من الإنسان فكأن الإنسان انقبض وانجمع وما يكون كذلك يقل ذرعه ومساحته فيضيق، ويُقال في الحزين ضاق ذَرْعُهُ والغضب والفرح يوجبان انبساط الرُّوحِ فيبسط مكانه وهو القلب، ويتسع فيقال: طال ذرْعه، ثم إن الملائكة لما رأوا أول الأمر، وحزنه بسبب تدبيرهم في ثاني الأمر قالوا: لا تخف من قومك علينا ولا تحزن بإهلاكنا إياهم ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ ، وإنا منزلون عليهم العذاب حتى يتبين له أنهم ملائكة فيطول ذرعه بطول رَوْعه.
قوله: «إنَّا مُنَجُّوكَ» في الكاف وما أشبهها مذهب، مذهب سيبويه: أنها في محل جر، ومذهب الأخفش وهِشام أنها في محل نصب. وحذف النون والتنوين لشدة اتّصال الضَّمير.
وقد تقدمت قراءتا التخفيف والتثقيل في «لننجينه» مُنَجُّوك «في الحِجْرِ» .
قوله: إنَّا مُنْزِلُونَ «، قرأ ابن عامر بالتشديدن والآخرون بالتخفيف، وقرأ ابن مُحَيْصِن» رُجزاً «بضم الراء، والأعمش وأبو حيوة» يَفْسِقُونَ «بالكسر.
(فإن قيل) : قال هنا:» إنَّا مُنَجُّوكَ» وقال لإبراهيم: «لنُنَجِّيَنَّهُ» - بصيغة الفعل فما الحكمة؟
فالجواب: ما من حرف ولا حركة في القرآن إلا وفيه فائدة، ثم إن العقول البشرية تدرك بعضها، ولا تصل إلى أكثرها، وما أوتي البشر من العلم إلا القليل، والذي يظهر (هاهنا) أن هانك لما قال لهم إبراهيم: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ وعدوه بالتنجية ووعد الكريم حتم، وهاهنا لما قالوا للوط وكان ذلك بعد سبق الوعد مرة (قالوا) إنَّا مُنَجُّوكَ أي ذلك واقع منا كقوله تعالى: «إنَّكَ مَيِّتٌ» لضرورة وقوعه.
فإن قيل: ما مناسبة قوله: «إنا منجوك» لقوله: ﴿لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ﴾ فإن خوفه ما كان على نفسه.
فالجواب: أن لوطاً لما خاف عليهم وحزن لأجلهم قالوا: لا تخف علينا ولا تحزن لأجلنا فإنّنا ملائكة. ثم قالوا له يا لوط خفت علينا وحزنت لأجلنا ففي مقابلة خوفك وقت الخوف نزيل خوفك وننجيك وفي مقابل حزنك نزيل حزنك، ولا نتركك تفجع في أهلك، فقالوا: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ .
فإن قيل: القوم عذبوا بسبب ما صدر منهم من الفاحشة وامرأته لم يصدر منها ذلك. فكيف كانت من الغابرين معهم؟
فالجواب: أن الدالّ على الشر كفاعل الشر كما أن الدال على الخير كفاعله، وهي كانت تدل القوم على ضيوف لوط حتى كانوا يقصدونهم فبالدلالة صارت كأحدهم، ثم إنهم بعد بشارة «لوط» بالتنجية ذكروا أنهم مُنْزِلُونَ على أهل هذه القرية العذاب.
واختلفوا في ذلك، فقيل: حجارة، وقيل: نار، وقيل: خَسْف، وعلى هذا يكون قولهم: ﴿رِجْزاً مِّنَ السمآء﴾ بمعنى أن الأمر من السماء بالخسف والقضاء به من السماء، واعلم أن كلام الملائكة مع لوط جرى على (نمط) كلامهم مع إبراهيم، فقدموا البشارة على إنزال العذاب، فقالوا: «إنا منجوك» ثم قالوا: «إنا مُنْزِلُونَ» ولم يعللوا التنجية، فلم يقولوا: إنا منجوك لأنك نبي أو عابدٌ، وعللو الإهلاك، فقالوا: ﴿بما كانوا يفسقون﴾ كقولهم هناك: ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ .
قوله: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَة﴾ فيها وجهان:
أحدهما: أن بعضها «باقٍ» وهو آية باقية إلى اليوم، والمعنى تركنا من قريات (قوم) لوط آية بيّنة عبرة ظاهرة.
الثاني: أن «من» مزيدة، وإليه نحا الفراء أي تركناها أية كقوله:
- 4029 أَمْهَرْتُ مِنْهَا جُبَّةً وَتَيْسَا ... أي أمهرتها، وهذا يجيء على رأي الأخفش، أي ولقد تركنا القرية. والقربة معلومة، وفيها الماء الأسود وهي بين القدس والكرك.
فإن قيل: كيف جعل الآية في «نوح» و «إبراهيم» بالنجاة فقال: ﴿فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ السفينة وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: 15] . وقال: ﴿فَأَنْجَاهُ الله مِنَ النار (إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ﴾ [العنكبوت: 24] ، وجعل ههنا الهلاك آية.
فالجواب: أن الآية في إبراهيم كانت في النجاة لأنفي ذلك الوقت لم يكن إهلاك، وأما في نوح فلأن الإنجاء من الطوفان الذي على أعلى الجبال بأسرها أمر عجيب غلهي وما به النجاة وهو السفقينة كان باقياً، والغَرَقُ لم يبق لمن بعده أثره، فجعل الباقي آية، وأما ههنا فنجاة «لوط» لم يكن بأمر يبقى أثره للحس والهلاك أثره محسوس في البلاد، فجعل الآية ههنا البلاد، وهنا السفينة، وهنا لطيفة وهي أن الله تعالى آية قدره موجودة في الإنجاء والإهلاك، فذكر من كل باب آية، وقدم آيات الإنجاء لأنها أثر الرحمة، وأخر آيات الإهلاك لأنها أثر الغضب، ورحمته سابقة.
فإن قيل: اما الحكمة في قوله في السفينة «جعلناها آية» ، ولم يقل بينة وقال ههنا آية بينة؟
فالجواب: أنّ الأإنجاء بالسفينة أمر يسع له كل العقل وقد يقع في ذهن جاهل أن الإنجاء لا يفتقر إلى أمر آخرَ، وأما الآية ههنا الخَسْفُ، وجعل ديارهم المعمورة عاليها سافلها، وهو ليس بمعتاد وإنما ذلك بإرادة قادر مخصصة بمكان دون مكان وفي زمان دون زمان فهي بينة لا يمكن لجاهل، أن يقول هذا أمر يكون كذلك، وكان له أن يقول في السفينة أمرها يكون كذلك، فيقال له: فلو دام الماء حتى ينفذ زادهم كيف كان حصل لهم النجاة؟ ولو سلط الله عليهم الريح العاصبة، وكيف تكون أحوالهم؟
فإن قيل: ما الحكمة في قوله هناك: «لِلْعَالِينَ» ، وفي قوله ههنا: «لِقَوْم يَعْقِلُونَ» ؟
فالجواب: أن السفينة (موجودة) معلومة في جميع أقطار العالم فعند كل قوم مثال السفينة يتذكرون بها حال نوح، وإذا ركبوها يطلبون من الله النجاة، فلا يثق أحدٌ بمجرد السفينة، بل يكون دائماً مرتجف القلب متضرعاً إلى الله طالباً النجاة، وأما أثر الهلاك في بلاد لوط ففي موضع مخصوص لا يطلع عليها إلا من مرّ بها، ويصل إليها وويكون له عقل يعلم أن ذلك من الله فإرادته بسبب اختصاصه بمكان دون مكان ووجوده في زمان دون زمان، قال ابن عباس: الآية البينة: آثار منازلهم الخربة. وقال قتادة: هي الحدارة التي أهلكوا بها أبقاها الله (تعالى) حتى أدركها أوائل هذه الأمة. وقال مجاهد: هي ظهور الماء الأسود على وجه الأرض.
العنكبوت 29:32
قوله (تعالى) : ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بالبشرى﴾ من الله بإسحاقَ ويعقوبَ ﴿قالوا إِنَّا مهلكوا أَهْلِ هذه القرية﴾ يعني قوم لوطِ ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ . «قَالَ» إبْراهيم ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ ، قالت الملائكة: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا﴾ ويأتي بقية الكلام على ذلك.
قوله: ﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ﴾ تقدم نظيرها إلا أن هنا زيدت «أن» وهو مطّرد تأكيداً.
اعلم أنه لما دعا لوطٌ على قومه بقوله: «رب انصرني» استجاب الله دعاءه، وأمره ملائكته بإهلاكهم وأرلهم مبشرين ومنذرين فجاءوا إبراهيم وبشَّرُوه بذرية طيبة وقالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية يعني أهل سَدُومَ.
«إحداهما» : أن الله جعلهم مبشرين ومنذرين لكن البشارة إثْرَ الرحمة والإنذار بالهلاك إثْرَ الغضب، ورحمته سبقت غضبه فقدم البشارة على الإنذار، وقال: ﴿جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بالبشرى﴾ ثم قال: «إنَّا مُهْلِكُوا» ، «والثانية» : حين ذكروا البشرى ما هلكوا وقالوا: إنا نبشرك بأنك رسول، أو لأنك مؤمن أو لأنك عادل، وحين ذكروا الإهلاك هَلَكُوا، وقالوا: إن أهلها كانوا ظالمين لأن ذا الفضل لا يكون فضله بعوض، والعادل لا يكون عذابه إلا على جُرْمٍ.
فإن قيل: قال في قوم نوح: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطوفان وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 14] (وقيل: إن ذلك إشارة إلى أنهم كانوا على ظلمهم حين أخذهم ولم يقل: وهم ظَالِمُونَ) .
فالجواب: لا فرق في الموضعين في كونهما مُهْلَكِينَ وهم مصرّون على الظلم لكن هناك الإخبار من الله عن الماضي حيث قال: «فأخذهم» وهم عند الوقوع في العذاب ظالمون وهاهنا الإخبار من الملائكة عن المستقبل حيث قالوا: إنا مهلكوا أهل هذه القرية، والملائكة ذكرواما يحتاجون إليه في (إبانة) حسن الأمر من الله بالإهلاك فقالوا: ﴿إِنَّا مهلكوا أَهْلِ هذه القرية﴾ ؛ لأن الله أمرنا؛ وحال (ما) أمرنا كانُوا ظالمين فحسن أمر الله عند كل أحد وأما نحن فلا تخبر بما لا حاجة لنا إليه فإن الكلام في الملك بغيْر إذْنِهِ سوءُ أدب فنحن ما احتجنا إلا إلى هذه القَدْر وهو أنهم كانوا ظالمين في وقتنا هذا: وكونهم يَبْقُونَ كذلك فلا حاجة لنا إليه، ثم إن إبراهيم لما سمع كلامهم قال لهم: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ إشفاقاً عليه لِيعْلم حاله، قالت الملائكة: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ قرأ حمزة والكسائيّ ويعقوبُ «لنُنْجِيَنهُ» - بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد ﴿وأهْلَهُ إلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الغَابِرينَ﴾ أي الباقين في العذاب. وفي استعمال الغابر في المهلك وجهان؛ لأن الغابر لفظ مشترك في الماضي، وفي الباقي يقال: فِيمَا غَبَر من الزَّمَانِ أي فيما مضى وقال عليه (الصلاة و) السلام «لما سئل عن الماء من السباع فقال:» ولنا ماءٌ غير طهور»
أي بقي فعلى الأول إن ذكر الظالمين سبق في قولهم: إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين، ثم جرى (ذكر) لوط. وقول الملائكة: إنها من الغابرين أي الماضين ذكرهم لا من الذين نحْنُ مِنْهُمْ، أو نقول المهلك يفنى بمضي زمانه، والناجي هو الباقي، (ف) قالوا ﴿إنها من الغابرين﴾ أي من الرائحين الماضين، لا من الباقين المستمرِّينَ وأما على الثاني لما قضى الله على القوم بالهلاك كان الكل في الهلاك إلا من ينجى منه، فقالوا: إنا نُنَجِّي لوطاً وأهله، وأما امْرَأَتُهُ فهي من الباقين في الهَلاَكِ.
قوله: ﴿وَلَمَّآ (أَن) جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً﴾ أي إنهم من عند غبراهيم جاءوا إلى لوط على صورة البشر فظنهم بشراً فخاف عليهم من قومه لأنهم كانوا في أحسن صورة والقوم كما عرف حالهم «سِيءَ بِهِمْ» أي جاءه ما ساءه وخاف، ثم عجز عن تدبيرهم فحزن ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ كناية عن العجز في تدبيرهم قال الزمخشري: يقال: طال ذَرْعُهُ وذراعه للقادر، وضاق للعاجز، وذلك لأن من طال ذراعه يصل إلى ما لا يصل إليه قصير الذراع والاستعمال يحتمل وجهاً آخر معقولاً وهو أن الخوف والحزن يوجبان انقباض الروح، ويتبعه اشتمال القلب عليه فينقبض هو أيضاً والقلب هو المعتبر من الإنسان فكأن الإنسان انقبض وانجمع وما يكون كذلك يقل ذرعه ومساحته فيضيق، ويُقال في الحزين ضاق ذَرْعُهُ والغضب والفرح يوجبان انبساط الرُّوحِ فيبسط مكانه وهو القلب، ويتسع فيقال: طال ذرْعه، ثم إن الملائكة لما رأوا أول الأمر، وحزنه بسبب تدبيرهم في ثاني الأمر قالوا: لا تخف من قومك علينا ولا تحزن بإهلاكنا إياهم ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ ، وإنا منزلون عليهم العذاب حتى يتبين له أنهم ملائكة فيطول ذرعه بطول رَوْعه.
قوله: «إنَّا مُنَجُّوكَ» في الكاف وما أشبهها مذهب، مذهب سيبويه: أنها في محل جر، ومذهب الأخفش وهِشام أنها في محل نصب. وحذف النون والتنوين لشدة اتّصال الضَّمير.
وقد تقدمت قراءتا التخفيف والتثقيل في «لننجينه» مُنَجُّوك «في الحِجْرِ» .
قوله: إنَّا مُنْزِلُونَ «، قرأ ابن عامر بالتشديدن والآخرون بالتخفيف، وقرأ ابن مُحَيْصِن» رُجزاً «بضم الراء، والأعمش وأبو حيوة» يَفْسِقُونَ «بالكسر.
(فإن قيل) : قال هنا:» إنَّا مُنَجُّوكَ» وقال لإبراهيم: «لنُنَجِّيَنَّهُ» - بصيغة الفعل فما الحكمة؟
فالجواب: ما من حرف ولا حركة في القرآن إلا وفيه فائدة، ثم إن العقول البشرية تدرك بعضها، ولا تصل إلى أكثرها، وما أوتي البشر من العلم إلا القليل، والذي يظهر (هاهنا) أن هانك لما قال لهم إبراهيم: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ وعدوه بالتنجية ووعد الكريم حتم، وهاهنا لما قالوا للوط وكان ذلك بعد سبق الوعد مرة (قالوا) إنَّا مُنَجُّوكَ أي ذلك واقع منا كقوله تعالى: «إنَّكَ مَيِّتٌ» لضرورة وقوعه.
فإن قيل: ما مناسبة قوله: «إنا منجوك» لقوله: ﴿لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ﴾ فإن خوفه ما كان على نفسه.
فالجواب: أن لوطاً لما خاف عليهم وحزن لأجلهم قالوا: لا تخف علينا ولا تحزن لأجلنا فإنّنا ملائكة. ثم قالوا له يا لوط خفت علينا وحزنت لأجلنا ففي مقابلة خوفك وقت الخوف نزيل خوفك وننجيك وفي مقابل حزنك نزيل حزنك، ولا نتركك تفجع في أهلك، فقالوا: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ .
فإن قيل: القوم عذبوا بسبب ما صدر منهم من الفاحشة وامرأته لم يصدر منها ذلك. فكيف كانت من الغابرين معهم؟
فالجواب: أن الدالّ على الشر كفاعل الشر كما أن الدال على الخير كفاعله، وهي كانت تدل القوم على ضيوف لوط حتى كانوا يقصدونهم فبالدلالة صارت كأحدهم، ثم إنهم بعد بشارة «لوط» بالتنجية ذكروا أنهم مُنْزِلُونَ على أهل هذه القرية العذاب.
واختلفوا في ذلك، فقيل: حجارة، وقيل: نار، وقيل: خَسْف، وعلى هذا يكون قولهم: ﴿رِجْزاً مِّنَ السمآء﴾ بمعنى أن الأمر من السماء بالخسف والقضاء به من السماء، واعلم أن كلام الملائكة مع لوط جرى على (نمط) كلامهم مع إبراهيم، فقدموا البشارة على إنزال العذاب، فقالوا: «إنا منجوك» ثم قالوا: «إنا مُنْزِلُونَ» ولم يعللوا التنجية، فلم يقولوا: إنا منجوك لأنك نبي أو عابدٌ، وعللو الإهلاك، فقالوا: ﴿بما كانوا يفسقون﴾ كقولهم هناك: ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ .
قوله: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَة﴾ فيها وجهان:
أحدهما: أن بعضها «باقٍ» وهو آية باقية إلى اليوم، والمعنى تركنا من قريات (قوم) لوط آية بيّنة عبرة ظاهرة.
الثاني: أن «من» مزيدة، وإليه نحا الفراء أي تركناها أية كقوله:
- 4029 أَمْهَرْتُ مِنْهَا جُبَّةً وَتَيْسَا ... أي أمهرتها، وهذا يجيء على رأي الأخفش، أي ولقد تركنا القرية. والقربة معلومة، وفيها الماء الأسود وهي بين القدس والكرك.
فإن قيل: كيف جعل الآية في «نوح» و «إبراهيم» بالنجاة فقال: ﴿فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ السفينة وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: 15] . وقال: ﴿فَأَنْجَاهُ الله مِنَ النار (إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ﴾ [العنكبوت: 24] ، وجعل ههنا الهلاك آية.
فالجواب: أن الآية في إبراهيم كانت في النجاة لأنفي ذلك الوقت لم يكن إهلاك، وأما في نوح فلأن الإنجاء من الطوفان الذي على أعلى الجبال بأسرها أمر عجيب غلهي وما به النجاة وهو السفقينة كان باقياً، والغَرَقُ لم يبق لمن بعده أثره، فجعل الباقي آية، وأما ههنا فنجاة «لوط» لم يكن بأمر يبقى أثره للحس والهلاك أثره محسوس في البلاد، فجعل الآية ههنا البلاد، وهنا السفينة، وهنا لطيفة وهي أن الله تعالى آية قدره موجودة في الإنجاء والإهلاك، فذكر من كل باب آية، وقدم آيات الإنجاء لأنها أثر الرحمة، وأخر آيات الإهلاك لأنها أثر الغضب، ورحمته سابقة.
فإن قيل: اما الحكمة في قوله في السفينة «جعلناها آية» ، ولم يقل بينة وقال ههنا آية بينة؟
فالجواب: أنّ الأإنجاء بالسفينة أمر يسع له كل العقل وقد يقع في ذهن جاهل أن الإنجاء لا يفتقر إلى أمر آخرَ، وأما الآية ههنا الخَسْفُ، وجعل ديارهم المعمورة عاليها سافلها، وهو ليس بمعتاد وإنما ذلك بإرادة قادر مخصصة بمكان دون مكان وفي زمان دون زمان فهي بينة لا يمكن لجاهل، أن يقول هذا أمر يكون كذلك، وكان له أن يقول في السفينة أمرها يكون كذلك، فيقال له: فلو دام الماء حتى ينفذ زادهم كيف كان حصل لهم النجاة؟ ولو سلط الله عليهم الريح العاصبة، وكيف تكون أحوالهم؟
فإن قيل: ما الحكمة في قوله هناك: «لِلْعَالِينَ» ، وفي قوله ههنا: «لِقَوْم يَعْقِلُونَ» ؟
فالجواب: أن السفينة (موجودة) معلومة في جميع أقطار العالم فعند كل قوم مثال السفينة يتذكرون بها حال نوح، وإذا ركبوها يطلبون من الله النجاة، فلا يثق أحدٌ بمجرد السفينة، بل يكون دائماً مرتجف القلب متضرعاً إلى الله طالباً النجاة، وأما أثر الهلاك في بلاد لوط ففي موضع مخصوص لا يطلع عليها إلا من مرّ بها، ويصل إليها وويكون له عقل يعلم أن ذلك من الله فإرادته بسبب اختصاصه بمكان دون مكان ووجوده في زمان دون زمان، قال ابن عباس: الآية البينة: آثار منازلهم الخربة. وقال قتادة: هي الحدارة التي أهلكوا بها أبقاها الله (تعالى) حتى أدركها أوائل هذه الأمة. وقال مجاهد: هي ظهور الماء الأسود على وجه الأرض.
العنكبوت 29:33
قوله (تعالى) : ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بالبشرى﴾ من الله بإسحاقَ ويعقوبَ ﴿قالوا إِنَّا مهلكوا أَهْلِ هذه القرية﴾ يعني قوم لوطِ ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ . «قَالَ» إبْراهيم ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ ، قالت الملائكة: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا﴾ ويأتي بقية الكلام على ذلك.
قوله: ﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ﴾ تقدم نظيرها إلا أن هنا زيدت «أن» وهو مطّرد تأكيداً.
اعلم أنه لما دعا لوطٌ على قومه بقوله: «رب انصرني» استجاب الله دعاءه، وأمره ملائكته بإهلاكهم وأرلهم مبشرين ومنذرين فجاءوا إبراهيم وبشَّرُوه بذرية طيبة وقالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية يعني أهل سَدُومَ.
«إحداهما» : أن الله جعلهم مبشرين ومنذرين لكن البشارة إثْرَ الرحمة والإنذار بالهلاك إثْرَ الغضب، ورحمته سبقت غضبه فقدم البشارة على الإنذار، وقال: ﴿جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بالبشرى﴾ ثم قال: «إنَّا مُهْلِكُوا» ، «والثانية» : حين ذكروا البشرى ما هلكوا وقالوا: إنا نبشرك بأنك رسول، أو لأنك مؤمن أو لأنك عادل، وحين ذكروا الإهلاك هَلَكُوا، وقالوا: إن أهلها كانوا ظالمين لأن ذا الفضل لا يكون فضله بعوض، والعادل لا يكون عذابه إلا على جُرْمٍ.
فإن قيل: قال في قوم نوح: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطوفان وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 14] (وقيل: إن ذلك إشارة إلى أنهم كانوا على ظلمهم حين أخذهم ولم يقل: وهم ظَالِمُونَ) .
فالجواب: لا فرق في الموضعين في كونهما مُهْلَكِينَ وهم مصرّون على الظلم لكن هناك الإخبار من الله عن الماضي حيث قال: «فأخذهم» وهم عند الوقوع في العذاب ظالمون وهاهنا الإخبار من الملائكة عن المستقبل حيث قالوا: إنا مهلكوا أهل هذه القرية، والملائكة ذكرواما يحتاجون إليه في (إبانة) حسن الأمر من الله بالإهلاك فقالوا: ﴿إِنَّا مهلكوا أَهْلِ هذه القرية﴾ ؛ لأن الله أمرنا؛ وحال (ما) أمرنا كانُوا ظالمين فحسن أمر الله عند كل أحد وأما نحن فلا تخبر بما لا حاجة لنا إليه فإن الكلام في الملك بغيْر إذْنِهِ سوءُ أدب فنحن ما احتجنا إلا إلى هذه القَدْر وهو أنهم كانوا ظالمين في وقتنا هذا: وكونهم يَبْقُونَ كذلك فلا حاجة لنا إليه، ثم إن إبراهيم لما سمع كلامهم قال لهم: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ إشفاقاً عليه لِيعْلم حاله، قالت الملائكة: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ قرأ حمزة والكسائيّ ويعقوبُ «لنُنْجِيَنهُ» - بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد ﴿وأهْلَهُ إلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الغَابِرينَ﴾ أي الباقين في العذاب. وفي استعمال الغابر في المهلك وجهان؛ لأن الغابر لفظ مشترك في الماضي، وفي الباقي يقال: فِيمَا غَبَر من الزَّمَانِ أي فيما مضى وقال عليه (الصلاة و) السلام «لما سئل عن الماء من السباع فقال:» ولنا ماءٌ غير طهور»
أي بقي فعلى الأول إن ذكر الظالمين سبق في قولهم: إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين، ثم جرى (ذكر) لوط. وقول الملائكة: إنها من الغابرين أي الماضين ذكرهم لا من الذين نحْنُ مِنْهُمْ، أو نقول المهلك يفنى بمضي زمانه، والناجي هو الباقي، (ف) قالوا ﴿إنها من الغابرين﴾ أي من الرائحين الماضين، لا من الباقين المستمرِّينَ وأما على الثاني لما قضى الله على القوم بالهلاك كان الكل في الهلاك إلا من ينجى منه، فقالوا: إنا نُنَجِّي لوطاً وأهله، وأما امْرَأَتُهُ فهي من الباقين في الهَلاَكِ.
قوله: ﴿وَلَمَّآ (أَن) جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً﴾ أي إنهم من عند غبراهيم جاءوا إلى لوط على صورة البشر فظنهم بشراً فخاف عليهم من قومه لأنهم كانوا في أحسن صورة والقوم كما عرف حالهم «سِيءَ بِهِمْ» أي جاءه ما ساءه وخاف، ثم عجز عن تدبيرهم فحزن ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ كناية عن العجز في تدبيرهم قال الزمخشري: يقال: طال ذَرْعُهُ وذراعه للقادر، وضاق للعاجز، وذلك لأن من طال ذراعه يصل إلى ما لا يصل إليه قصير الذراع والاستعمال يحتمل وجهاً آخر معقولاً وهو أن الخوف والحزن يوجبان انقباض الروح، ويتبعه اشتمال القلب عليه فينقبض هو أيضاً والقلب هو المعتبر من الإنسان فكأن الإنسان انقبض وانجمع وما يكون كذلك يقل ذرعه ومساحته فيضيق، ويُقال في الحزين ضاق ذَرْعُهُ والغضب والفرح يوجبان انبساط الرُّوحِ فيبسط مكانه وهو القلب، ويتسع فيقال: طال ذرْعه، ثم إن الملائكة لما رأوا أول الأمر، وحزنه بسبب تدبيرهم في ثاني الأمر قالوا: لا تخف من قومك علينا ولا تحزن بإهلاكنا إياهم ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ ، وإنا منزلون عليهم العذاب حتى يتبين له أنهم ملائكة فيطول ذرعه بطول رَوْعه.
قوله: «إنَّا مُنَجُّوكَ» في الكاف وما أشبهها مذهب، مذهب سيبويه: أنها في محل جر، ومذهب الأخفش وهِشام أنها في محل نصب. وحذف النون والتنوين لشدة اتّصال الضَّمير.
وقد تقدمت قراءتا التخفيف والتثقيل في «لننجينه» مُنَجُّوك «في الحِجْرِ» .
قوله: إنَّا مُنْزِلُونَ «، قرأ ابن عامر بالتشديدن والآخرون بالتخفيف، وقرأ ابن مُحَيْصِن» رُجزاً «بضم الراء، والأعمش وأبو حيوة» يَفْسِقُونَ «بالكسر.
(فإن قيل) : قال هنا:» إنَّا مُنَجُّوكَ» وقال لإبراهيم: «لنُنَجِّيَنَّهُ» - بصيغة الفعل فما الحكمة؟
فالجواب: ما من حرف ولا حركة في القرآن إلا وفيه فائدة، ثم إن العقول البشرية تدرك بعضها، ولا تصل إلى أكثرها، وما أوتي البشر من العلم إلا القليل، والذي يظهر (هاهنا) أن هانك لما قال لهم إبراهيم: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ وعدوه بالتنجية ووعد الكريم حتم، وهاهنا لما قالوا للوط وكان ذلك بعد سبق الوعد مرة (قالوا) إنَّا مُنَجُّوكَ أي ذلك واقع منا كقوله تعالى: «إنَّكَ مَيِّتٌ» لضرورة وقوعه.
فإن قيل: ما مناسبة قوله: «إنا منجوك» لقوله: ﴿لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ﴾ فإن خوفه ما كان على نفسه.
فالجواب: أن لوطاً لما خاف عليهم وحزن لأجلهم قالوا: لا تخف علينا ولا تحزن لأجلنا فإنّنا ملائكة. ثم قالوا له يا لوط خفت علينا وحزنت لأجلنا ففي مقابلة خوفك وقت الخوف نزيل خوفك وننجيك وفي مقابل حزنك نزيل حزنك، ولا نتركك تفجع في أهلك، فقالوا: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ .
فإن قيل: القوم عذبوا بسبب ما صدر منهم من الفاحشة وامرأته لم يصدر منها ذلك. فكيف كانت من الغابرين معهم؟
فالجواب: أن الدالّ على الشر كفاعل الشر كما أن الدال على الخير كفاعله، وهي كانت تدل القوم على ضيوف لوط حتى كانوا يقصدونهم فبالدلالة صارت كأحدهم، ثم إنهم بعد بشارة «لوط» بالتنجية ذكروا أنهم مُنْزِلُونَ على أهل هذه القرية العذاب.
واختلفوا في ذلك، فقيل: حجارة، وقيل: نار، وقيل: خَسْف، وعلى هذا يكون قولهم: ﴿رِجْزاً مِّنَ السمآء﴾ بمعنى أن الأمر من السماء بالخسف والقضاء به من السماء، واعلم أن كلام الملائكة مع لوط جرى على (نمط) كلامهم مع إبراهيم، فقدموا البشارة على إنزال العذاب، فقالوا: «إنا منجوك» ثم قالوا: «إنا مُنْزِلُونَ» ولم يعللوا التنجية، فلم يقولوا: إنا منجوك لأنك نبي أو عابدٌ، وعللو الإهلاك، فقالوا: ﴿بما كانوا يفسقون﴾ كقولهم هناك: ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ .
قوله: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَة﴾ فيها وجهان:
أحدهما: أن بعضها «باقٍ» وهو آية باقية إلى اليوم، والمعنى تركنا من قريات (قوم) لوط آية بيّنة عبرة ظاهرة.
الثاني: أن «من» مزيدة، وإليه نحا الفراء أي تركناها أية كقوله:
- 4029 أَمْهَرْتُ مِنْهَا جُبَّةً وَتَيْسَا ... أي أمهرتها، وهذا يجيء على رأي الأخفش، أي ولقد تركنا القرية. والقربة معلومة، وفيها الماء الأسود وهي بين القدس والكرك.
فإن قيل: كيف جعل الآية في «نوح» و «إبراهيم» بالنجاة فقال: ﴿فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ السفينة وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: 15] . وقال: ﴿فَأَنْجَاهُ الله مِنَ النار (إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ﴾ [العنكبوت: 24] ، وجعل ههنا الهلاك آية.
فالجواب: أن الآية في إبراهيم كانت في النجاة لأنفي ذلك الوقت لم يكن إهلاك، وأما في نوح فلأن الإنجاء من الطوفان الذي على أعلى الجبال بأسرها أمر عجيب غلهي وما به النجاة وهو السفقينة كان باقياً، والغَرَقُ لم يبق لمن بعده أثره، فجعل الباقي آية، وأما ههنا فنجاة «لوط» لم يكن بأمر يبقى أثره للحس والهلاك أثره محسوس في البلاد، فجعل الآية ههنا البلاد، وهنا السفينة، وهنا لطيفة وهي أن الله تعالى آية قدره موجودة في الإنجاء والإهلاك، فذكر من كل باب آية، وقدم آيات الإنجاء لأنها أثر الرحمة، وأخر آيات الإهلاك لأنها أثر الغضب، ورحمته سابقة.
فإن قيل: اما الحكمة في قوله في السفينة «جعلناها آية» ، ولم يقل بينة وقال ههنا آية بينة؟
فالجواب: أنّ الأإنجاء بالسفينة أمر يسع له كل العقل وقد يقع في ذهن جاهل أن الإنجاء لا يفتقر إلى أمر آخرَ، وأما الآية ههنا الخَسْفُ، وجعل ديارهم المعمورة عاليها سافلها، وهو ليس بمعتاد وإنما ذلك بإرادة قادر مخصصة بمكان دون مكان وفي زمان دون زمان فهي بينة لا يمكن لجاهل، أن يقول هذا أمر يكون كذلك، وكان له أن يقول في السفينة أمرها يكون كذلك، فيقال له: فلو دام الماء حتى ينفذ زادهم كيف كان حصل لهم النجاة؟ ولو سلط الله عليهم الريح العاصبة، وكيف تكون أحوالهم؟
فإن قيل: ما الحكمة في قوله هناك: «لِلْعَالِينَ» ، وفي قوله ههنا: «لِقَوْم يَعْقِلُونَ» ؟
فالجواب: أن السفينة (موجودة) معلومة في جميع أقطار العالم فعند كل قوم مثال السفينة يتذكرون بها حال نوح، وإذا ركبوها يطلبون من الله النجاة، فلا يثق أحدٌ بمجرد السفينة، بل يكون دائماً مرتجف القلب متضرعاً إلى الله طالباً النجاة، وأما أثر الهلاك في بلاد لوط ففي موضع مخصوص لا يطلع عليها إلا من مرّ بها، ويصل إليها وويكون له عقل يعلم أن ذلك من الله فإرادته بسبب اختصاصه بمكان دون مكان ووجوده في زمان دون زمان، قال ابن عباس: الآية البينة: آثار منازلهم الخربة. وقال قتادة: هي الحدارة التي أهلكوا بها أبقاها الله (تعالى) حتى أدركها أوائل هذه الأمة. وقال مجاهد: هي ظهور الماء الأسود على وجه الأرض.
العنكبوت 29:34
قوله (تعالى) : ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بالبشرى﴾ من الله بإسحاقَ ويعقوبَ ﴿قالوا إِنَّا مهلكوا أَهْلِ هذه القرية﴾ يعني قوم لوطِ ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ . «قَالَ» إبْراهيم ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ ، قالت الملائكة: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا﴾ ويأتي بقية الكلام على ذلك.
قوله: ﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ﴾ تقدم نظيرها إلا أن هنا زيدت «أن» وهو مطّرد تأكيداً.
اعلم أنه لما دعا لوطٌ على قومه بقوله: «رب انصرني» استجاب الله دعاءه، وأمره ملائكته بإهلاكهم وأرلهم مبشرين ومنذرين فجاءوا إبراهيم وبشَّرُوه بذرية طيبة وقالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية يعني أهل سَدُومَ.
«إحداهما» : أن الله جعلهم مبشرين ومنذرين لكن البشارة إثْرَ الرحمة والإنذار بالهلاك إثْرَ الغضب، ورحمته سبقت غضبه فقدم البشارة على الإنذار، وقال: ﴿جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بالبشرى﴾ ثم قال: «إنَّا مُهْلِكُوا» ، «والثانية» : حين ذكروا البشرى ما هلكوا وقالوا: إنا نبشرك بأنك رسول، أو لأنك مؤمن أو لأنك عادل، وحين ذكروا الإهلاك هَلَكُوا، وقالوا: إن أهلها كانوا ظالمين لأن ذا الفضل لا يكون فضله بعوض، والعادل لا يكون عذابه إلا على جُرْمٍ.
فإن قيل: قال في قوم نوح: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطوفان وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 14] (وقيل: إن ذلك إشارة إلى أنهم كانوا على ظلمهم حين أخذهم ولم يقل: وهم ظَالِمُونَ) .
فالجواب: لا فرق في الموضعين في كونهما مُهْلَكِينَ وهم مصرّون على الظلم لكن هناك الإخبار من الله عن الماضي حيث قال: «فأخذهم» وهم عند الوقوع في العذاب ظالمون وهاهنا الإخبار من الملائكة عن المستقبل حيث قالوا: إنا مهلكوا أهل هذه القرية، والملائكة ذكرواما يحتاجون إليه في (إبانة) حسن الأمر من الله بالإهلاك فقالوا: ﴿إِنَّا مهلكوا أَهْلِ هذه القرية﴾ ؛ لأن الله أمرنا؛ وحال (ما) أمرنا كانُوا ظالمين فحسن أمر الله عند كل أحد وأما نحن فلا تخبر بما لا حاجة لنا إليه فإن الكلام في الملك بغيْر إذْنِهِ سوءُ أدب فنحن ما احتجنا إلا إلى هذه القَدْر وهو أنهم كانوا ظالمين في وقتنا هذا: وكونهم يَبْقُونَ كذلك فلا حاجة لنا إليه، ثم إن إبراهيم لما سمع كلامهم قال لهم: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ إشفاقاً عليه لِيعْلم حاله، قالت الملائكة: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ قرأ حمزة والكسائيّ ويعقوبُ «لنُنْجِيَنهُ» - بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد ﴿وأهْلَهُ إلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الغَابِرينَ﴾ أي الباقين في العذاب. وفي استعمال الغابر في المهلك وجهان؛ لأن الغابر لفظ مشترك في الماضي، وفي الباقي يقال: فِيمَا غَبَر من الزَّمَانِ أي فيما مضى وقال عليه (الصلاة و) السلام «لما سئل عن الماء من السباع فقال:» ولنا ماءٌ غير طهور»
أي بقي فعلى الأول إن ذكر الظالمين سبق في قولهم: إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين، ثم جرى (ذكر) لوط. وقول الملائكة: إنها من الغابرين أي الماضين ذكرهم لا من الذين نحْنُ مِنْهُمْ، أو نقول المهلك يفنى بمضي زمانه، والناجي هو الباقي، (ف) قالوا ﴿إنها من الغابرين﴾ أي من الرائحين الماضين، لا من الباقين المستمرِّينَ وأما على الثاني لما قضى الله على القوم بالهلاك كان الكل في الهلاك إلا من ينجى منه، فقالوا: إنا نُنَجِّي لوطاً وأهله، وأما امْرَأَتُهُ فهي من الباقين في الهَلاَكِ.
قوله: ﴿وَلَمَّآ (أَن) جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً﴾ أي إنهم من عند غبراهيم جاءوا إلى لوط على صورة البشر فظنهم بشراً فخاف عليهم من قومه لأنهم كانوا في أحسن صورة والقوم كما عرف حالهم «سِيءَ بِهِمْ» أي جاءه ما ساءه وخاف، ثم عجز عن تدبيرهم فحزن ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ كناية عن العجز في تدبيرهم قال الزمخشري: يقال: طال ذَرْعُهُ وذراعه للقادر، وضاق للعاجز، وذلك لأن من طال ذراعه يصل إلى ما لا يصل إليه قصير الذراع والاستعمال يحتمل وجهاً آخر معقولاً وهو أن الخوف والحزن يوجبان انقباض الروح، ويتبعه اشتمال القلب عليه فينقبض هو أيضاً والقلب هو المعتبر من الإنسان فكأن الإنسان انقبض وانجمع وما يكون كذلك يقل ذرعه ومساحته فيضيق، ويُقال في الحزين ضاق ذَرْعُهُ والغضب والفرح يوجبان انبساط الرُّوحِ فيبسط مكانه وهو القلب، ويتسع فيقال: طال ذرْعه، ثم إن الملائكة لما رأوا أول الأمر، وحزنه بسبب تدبيرهم في ثاني الأمر قالوا: لا تخف من قومك علينا ولا تحزن بإهلاكنا إياهم ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ ، وإنا منزلون عليهم العذاب حتى يتبين له أنهم ملائكة فيطول ذرعه بطول رَوْعه.
قوله: «إنَّا مُنَجُّوكَ» في الكاف وما أشبهها مذهب، مذهب سيبويه: أنها في محل جر، ومذهب الأخفش وهِشام أنها في محل نصب. وحذف النون والتنوين لشدة اتّصال الضَّمير.
وقد تقدمت قراءتا التخفيف والتثقيل في «لننجينه» مُنَجُّوك «في الحِجْرِ» .
قوله: إنَّا مُنْزِلُونَ «، قرأ ابن عامر بالتشديدن والآخرون بالتخفيف، وقرأ ابن مُحَيْصِن» رُجزاً «بضم الراء، والأعمش وأبو حيوة» يَفْسِقُونَ «بالكسر.
(فإن قيل) : قال هنا:» إنَّا مُنَجُّوكَ» وقال لإبراهيم: «لنُنَجِّيَنَّهُ» - بصيغة الفعل فما الحكمة؟
فالجواب: ما من حرف ولا حركة في القرآن إلا وفيه فائدة، ثم إن العقول البشرية تدرك بعضها، ولا تصل إلى أكثرها، وما أوتي البشر من العلم إلا القليل، والذي يظهر (هاهنا) أن هانك لما قال لهم إبراهيم: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ وعدوه بالتنجية ووعد الكريم حتم، وهاهنا لما قالوا للوط وكان ذلك بعد سبق الوعد مرة (قالوا) إنَّا مُنَجُّوكَ أي ذلك واقع منا كقوله تعالى: «إنَّكَ مَيِّتٌ» لضرورة وقوعه.
فإن قيل: ما مناسبة قوله: «إنا منجوك» لقوله: ﴿لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ﴾ فإن خوفه ما كان على نفسه.
فالجواب: أن لوطاً لما خاف عليهم وحزن لأجلهم قالوا: لا تخف علينا ولا تحزن لأجلنا فإنّنا ملائكة. ثم قالوا له يا لوط خفت علينا وحزنت لأجلنا ففي مقابلة خوفك وقت الخوف نزيل خوفك وننجيك وفي مقابل حزنك نزيل حزنك، ولا نتركك تفجع في أهلك، فقالوا: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ .
فإن قيل: القوم عذبوا بسبب ما صدر منهم من الفاحشة وامرأته لم يصدر منها ذلك. فكيف كانت من الغابرين معهم؟
فالجواب: أن الدالّ على الشر كفاعل الشر كما أن الدال على الخير كفاعله، وهي كانت تدل القوم على ضيوف لوط حتى كانوا يقصدونهم فبالدلالة صارت كأحدهم، ثم إنهم بعد بشارة «لوط» بالتنجية ذكروا أنهم مُنْزِلُونَ على أهل هذه القرية العذاب.
واختلفوا في ذلك، فقيل: حجارة، وقيل: نار، وقيل: خَسْف، وعلى هذا يكون قولهم: ﴿رِجْزاً مِّنَ السمآء﴾ بمعنى أن الأمر من السماء بالخسف والقضاء به من السماء، واعلم أن كلام الملائكة مع لوط جرى على (نمط) كلامهم مع إبراهيم، فقدموا البشارة على إنزال العذاب، فقالوا: «إنا منجوك» ثم قالوا: «إنا مُنْزِلُونَ» ولم يعللوا التنجية، فلم يقولوا: إنا منجوك لأنك نبي أو عابدٌ، وعللو الإهلاك، فقالوا: ﴿بما كانوا يفسقون﴾ كقولهم هناك: ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ .
قوله: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَة﴾ فيها وجهان:
أحدهما: أن بعضها «باقٍ» وهو آية باقية إلى اليوم، والمعنى تركنا من قريات (قوم) لوط آية بيّنة عبرة ظاهرة.
الثاني: أن «من» مزيدة، وإليه نحا الفراء أي تركناها أية كقوله:
- 4029 أَمْهَرْتُ مِنْهَا جُبَّةً وَتَيْسَا ... أي أمهرتها، وهذا يجيء على رأي الأخفش، أي ولقد تركنا القرية. والقربة معلومة، وفيها الماء الأسود وهي بين القدس والكرك.
فإن قيل: كيف جعل الآية في «نوح» و «إبراهيم» بالنجاة فقال: ﴿فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ السفينة وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: 15] . وقال: ﴿فَأَنْجَاهُ الله مِنَ النار (إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ﴾ [العنكبوت: 24] ، وجعل ههنا الهلاك آية.
فالجواب: أن الآية في إبراهيم كانت في النجاة لأنفي ذلك الوقت لم يكن إهلاك، وأما في نوح فلأن الإنجاء من الطوفان الذي على أعلى الجبال بأسرها أمر عجيب غلهي وما به النجاة وهو السفقينة كان باقياً، والغَرَقُ لم يبق لمن بعده أثره، فجعل الباقي آية، وأما ههنا فنجاة «لوط» لم يكن بأمر يبقى أثره للحس والهلاك أثره محسوس في البلاد، فجعل الآية ههنا البلاد، وهنا السفينة، وهنا لطيفة وهي أن الله تعالى آية قدره موجودة في الإنجاء والإهلاك، فذكر من كل باب آية، وقدم آيات الإنجاء لأنها أثر الرحمة، وأخر آيات الإهلاك لأنها أثر الغضب، ورحمته سابقة.
فإن قيل: اما الحكمة في قوله في السفينة «جعلناها آية» ، ولم يقل بينة وقال ههنا آية بينة؟
فالجواب: أنّ الأإنجاء بالسفينة أمر يسع له كل العقل وقد يقع في ذهن جاهل أن الإنجاء لا يفتقر إلى أمر آخرَ، وأما الآية ههنا الخَسْفُ، وجعل ديارهم المعمورة عاليها سافلها، وهو ليس بمعتاد وإنما ذلك بإرادة قادر مخصصة بمكان دون مكان وفي زمان دون زمان فهي بينة لا يمكن لجاهل، أن يقول هذا أمر يكون كذلك، وكان له أن يقول في السفينة أمرها يكون كذلك، فيقال له: فلو دام الماء حتى ينفذ زادهم كيف كان حصل لهم النجاة؟ ولو سلط الله عليهم الريح العاصبة، وكيف تكون أحوالهم؟
فإن قيل: ما الحكمة في قوله هناك: «لِلْعَالِينَ» ، وفي قوله ههنا: «لِقَوْم يَعْقِلُونَ» ؟
فالجواب: أن السفينة (موجودة) معلومة في جميع أقطار العالم فعند كل قوم مثال السفينة يتذكرون بها حال نوح، وإذا ركبوها يطلبون من الله النجاة، فلا يثق أحدٌ بمجرد السفينة، بل يكون دائماً مرتجف القلب متضرعاً إلى الله طالباً النجاة، وأما أثر الهلاك في بلاد لوط ففي موضع مخصوص لا يطلع عليها إلا من مرّ بها، ويصل إليها وويكون له عقل يعلم أن ذلك من الله فإرادته بسبب اختصاصه بمكان دون مكان ووجوده في زمان دون زمان، قال ابن عباس: الآية البينة: آثار منازلهم الخربة. وقال قتادة: هي الحدارة التي أهلكوا بها أبقاها الله (تعالى) حتى أدركها أوائل هذه الأمة. وقال مجاهد: هي ظهور الماء الأسود على وجه الأرض.
العنكبوت 29:35
قوله (تعالى) : ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بالبشرى﴾ من الله بإسحاقَ ويعقوبَ ﴿قالوا إِنَّا مهلكوا أَهْلِ هذه القرية﴾ يعني قوم لوطِ ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ . «قَالَ» إبْراهيم ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ ، قالت الملائكة: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا﴾ ويأتي بقية الكلام على ذلك.
قوله: ﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ﴾ تقدم نظيرها إلا أن هنا زيدت «أن» وهو مطّرد تأكيداً.
اعلم أنه لما دعا لوطٌ على قومه بقوله: «رب انصرني» استجاب الله دعاءه، وأمره ملائكته بإهلاكهم وأرلهم مبشرين ومنذرين فجاءوا إبراهيم وبشَّرُوه بذرية طيبة وقالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية يعني أهل سَدُومَ.
«إحداهما» : أن الله جعلهم مبشرين ومنذرين لكن البشارة إثْرَ الرحمة والإنذار بالهلاك إثْرَ الغضب، ورحمته سبقت غضبه فقدم البشارة على الإنذار، وقال: ﴿جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بالبشرى﴾ ثم قال: «إنَّا مُهْلِكُوا» ، «والثانية» : حين ذكروا البشرى ما هلكوا وقالوا: إنا نبشرك بأنك رسول، أو لأنك مؤمن أو لأنك عادل، وحين ذكروا الإهلاك هَلَكُوا، وقالوا: إن أهلها كانوا ظالمين لأن ذا الفضل لا يكون فضله بعوض، والعادل لا يكون عذابه إلا على جُرْمٍ.
فإن قيل: قال في قوم نوح: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطوفان وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 14] (وقيل: إن ذلك إشارة إلى أنهم كانوا على ظلمهم حين أخذهم ولم يقل: وهم ظَالِمُونَ) .
فالجواب: لا فرق في الموضعين في كونهما مُهْلَكِينَ وهم مصرّون على الظلم لكن هناك الإخبار من الله عن الماضي حيث قال: «فأخذهم» وهم عند الوقوع في العذاب ظالمون وهاهنا الإخبار من الملائكة عن المستقبل حيث قالوا: إنا مهلكوا أهل هذه القرية، والملائكة ذكرواما يحتاجون إليه في (إبانة) حسن الأمر من الله بالإهلاك فقالوا: ﴿إِنَّا مهلكوا أَهْلِ هذه القرية﴾ ؛ لأن الله أمرنا؛ وحال (ما) أمرنا كانُوا ظالمين فحسن أمر الله عند كل أحد وأما نحن فلا تخبر بما لا حاجة لنا إليه فإن الكلام في الملك بغيْر إذْنِهِ سوءُ أدب فنحن ما احتجنا إلا إلى هذه القَدْر وهو أنهم كانوا ظالمين في وقتنا هذا: وكونهم يَبْقُونَ كذلك فلا حاجة لنا إليه، ثم إن إبراهيم لما سمع كلامهم قال لهم: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ إشفاقاً عليه لِيعْلم حاله، قالت الملائكة: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ قرأ حمزة والكسائيّ ويعقوبُ «لنُنْجِيَنهُ» - بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد ﴿وأهْلَهُ إلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الغَابِرينَ﴾ أي الباقين في العذاب. وفي استعمال الغابر في المهلك وجهان؛ لأن الغابر لفظ مشترك في الماضي، وفي الباقي يقال: فِيمَا غَبَر من الزَّمَانِ أي فيما مضى وقال عليه (الصلاة و) السلام «لما سئل عن الماء من السباع فقال:» ولنا ماءٌ غير طهور»
أي بقي فعلى الأول إن ذكر الظالمين سبق في قولهم: إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين، ثم جرى (ذكر) لوط. وقول الملائكة: إنها من الغابرين أي الماضين ذكرهم لا من الذين نحْنُ مِنْهُمْ، أو نقول المهلك يفنى بمضي زمانه، والناجي هو الباقي، (ف) قالوا ﴿إنها من الغابرين﴾ أي من الرائحين الماضين، لا من الباقين المستمرِّينَ وأما على الثاني لما قضى الله على القوم بالهلاك كان الكل في الهلاك إلا من ينجى منه، فقالوا: إنا نُنَجِّي لوطاً وأهله، وأما امْرَأَتُهُ فهي من الباقين في الهَلاَكِ.
قوله: ﴿وَلَمَّآ (أَن) جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً﴾ أي إنهم من عند غبراهيم جاءوا إلى لوط على صورة البشر فظنهم بشراً فخاف عليهم من قومه لأنهم كانوا في أحسن صورة والقوم كما عرف حالهم «سِيءَ بِهِمْ» أي جاءه ما ساءه وخاف، ثم عجز عن تدبيرهم فحزن ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ كناية عن العجز في تدبيرهم قال الزمخشري: يقال: طال ذَرْعُهُ وذراعه للقادر، وضاق للعاجز، وذلك لأن من طال ذراعه يصل إلى ما لا يصل إليه قصير الذراع والاستعمال يحتمل وجهاً آخر معقولاً وهو أن الخوف والحزن يوجبان انقباض الروح، ويتبعه اشتمال القلب عليه فينقبض هو أيضاً والقلب هو المعتبر من الإنسان فكأن الإنسان انقبض وانجمع وما يكون كذلك يقل ذرعه ومساحته فيضيق، ويُقال في الحزين ضاق ذَرْعُهُ والغضب والفرح يوجبان انبساط الرُّوحِ فيبسط مكانه وهو القلب، ويتسع فيقال: طال ذرْعه، ثم إن الملائكة لما رأوا أول الأمر، وحزنه بسبب تدبيرهم في ثاني الأمر قالوا: لا تخف من قومك علينا ولا تحزن بإهلاكنا إياهم ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ ، وإنا منزلون عليهم العذاب حتى يتبين له أنهم ملائكة فيطول ذرعه بطول رَوْعه.
قوله: «إنَّا مُنَجُّوكَ» في الكاف وما أشبهها مذهب، مذهب سيبويه: أنها في محل جر، ومذهب الأخفش وهِشام أنها في محل نصب. وحذف النون والتنوين لشدة اتّصال الضَّمير.
وقد تقدمت قراءتا التخفيف والتثقيل في «لننجينه» مُنَجُّوك «في الحِجْرِ» .
قوله: إنَّا مُنْزِلُونَ «، قرأ ابن عامر بالتشديدن والآخرون بالتخفيف، وقرأ ابن مُحَيْصِن» رُجزاً «بضم الراء، والأعمش وأبو حيوة» يَفْسِقُونَ «بالكسر.
(فإن قيل) : قال هنا:» إنَّا مُنَجُّوكَ» وقال لإبراهيم: «لنُنَجِّيَنَّهُ» - بصيغة الفعل فما الحكمة؟
فالجواب: ما من حرف ولا حركة في القرآن إلا وفيه فائدة، ثم إن العقول البشرية تدرك بعضها، ولا تصل إلى أكثرها، وما أوتي البشر من العلم إلا القليل، والذي يظهر (هاهنا) أن هانك لما قال لهم إبراهيم: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ وعدوه بالتنجية ووعد الكريم حتم، وهاهنا لما قالوا للوط وكان ذلك بعد سبق الوعد مرة (قالوا) إنَّا مُنَجُّوكَ أي ذلك واقع منا كقوله تعالى: «إنَّكَ مَيِّتٌ» لضرورة وقوعه.
فإن قيل: ما مناسبة قوله: «إنا منجوك» لقوله: ﴿لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ﴾ فإن خوفه ما كان على نفسه.
فالجواب: أن لوطاً لما خاف عليهم وحزن لأجلهم قالوا: لا تخف علينا ولا تحزن لأجلنا فإنّنا ملائكة. ثم قالوا له يا لوط خفت علينا وحزنت لأجلنا ففي مقابلة خوفك وقت الخوف نزيل خوفك وننجيك وفي مقابل حزنك نزيل حزنك، ولا نتركك تفجع في أهلك، فقالوا: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ .
فإن قيل: القوم عذبوا بسبب ما صدر منهم من الفاحشة وامرأته لم يصدر منها ذلك. فكيف كانت من الغابرين معهم؟
فالجواب: أن الدالّ على الشر كفاعل الشر كما أن الدال على الخير كفاعله، وهي كانت تدل القوم على ضيوف لوط حتى كانوا يقصدونهم فبالدلالة صارت كأحدهم، ثم إنهم بعد بشارة «لوط» بالتنجية ذكروا أنهم مُنْزِلُونَ على أهل هذه القرية العذاب.
واختلفوا في ذلك، فقيل: حجارة، وقيل: نار، وقيل: خَسْف، وعلى هذا يكون قولهم: ﴿رِجْزاً مِّنَ السمآء﴾ بمعنى أن الأمر من السماء بالخسف والقضاء به من السماء، واعلم أن كلام الملائكة مع لوط جرى على (نمط) كلامهم مع إبراهيم، فقدموا البشارة على إنزال العذاب، فقالوا: «إنا منجوك» ثم قالوا: «إنا مُنْزِلُونَ» ولم يعللوا التنجية، فلم يقولوا: إنا منجوك لأنك نبي أو عابدٌ، وعللو الإهلاك، فقالوا: ﴿بما كانوا يفسقون﴾ كقولهم هناك: ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ .
قوله: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَة﴾ فيها وجهان:
أحدهما: أن بعضها «باقٍ» وهو آية باقية إلى اليوم، والمعنى تركنا من قريات (قوم) لوط آية بيّنة عبرة ظاهرة.
الثاني: أن «من» مزيدة، وإليه نحا الفراء أي تركناها أية كقوله:
- 4029 أَمْهَرْتُ مِنْهَا جُبَّةً وَتَيْسَا ... أي أمهرتها، وهذا يجيء على رأي الأخفش، أي ولقد تركنا القرية. والقربة معلومة، وفيها الماء الأسود وهي بين القدس والكرك.
فإن قيل: كيف جعل الآية في «نوح» و «إبراهيم» بالنجاة فقال: ﴿فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ السفينة وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: 15] . وقال: ﴿فَأَنْجَاهُ الله مِنَ النار (إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ﴾ [العنكبوت: 24] ، وجعل ههنا الهلاك آية.
فالجواب: أن الآية في إبراهيم كانت في النجاة لأنفي ذلك الوقت لم يكن إهلاك، وأما في نوح فلأن الإنجاء من الطوفان الذي على أعلى الجبال بأسرها أمر عجيب غلهي وما به النجاة وهو السفقينة كان باقياً، والغَرَقُ لم يبق لمن بعده أثره، فجعل الباقي آية، وأما ههنا فنجاة «لوط» لم يكن بأمر يبقى أثره للحس والهلاك أثره محسوس في البلاد، فجعل الآية ههنا البلاد، وهنا السفينة، وهنا لطيفة وهي أن الله تعالى آية قدره موجودة في الإنجاء والإهلاك، فذكر من كل باب آية، وقدم آيات الإنجاء لأنها أثر الرحمة، وأخر آيات الإهلاك لأنها أثر الغضب، ورحمته سابقة.
فإن قيل: اما الحكمة في قوله في السفينة «جعلناها آية» ، ولم يقل بينة وقال ههنا آية بينة؟
فالجواب: أنّ الأإنجاء بالسفينة أمر يسع له كل العقل وقد يقع في ذهن جاهل أن الإنجاء لا يفتقر إلى أمر آخرَ، وأما الآية ههنا الخَسْفُ، وجعل ديارهم المعمورة عاليها سافلها، وهو ليس بمعتاد وإنما ذلك بإرادة قادر مخصصة بمكان دون مكان وفي زمان دون زمان فهي بينة لا يمكن لجاهل، أن يقول هذا أمر يكون كذلك، وكان له أن يقول في السفينة أمرها يكون كذلك، فيقال له: فلو دام الماء حتى ينفذ زادهم كيف كان حصل لهم النجاة؟ ولو سلط الله عليهم الريح العاصبة، وكيف تكون أحوالهم؟
فإن قيل: ما الحكمة في قوله هناك: «لِلْعَالِينَ» ، وفي قوله ههنا: «لِقَوْم يَعْقِلُونَ» ؟
فالجواب: أن السفينة (موجودة) معلومة في جميع أقطار العالم فعند كل قوم مثال السفينة يتذكرون بها حال نوح، وإذا ركبوها يطلبون من الله النجاة، فلا يثق أحدٌ بمجرد السفينة، بل يكون دائماً مرتجف القلب متضرعاً إلى الله طالباً النجاة، وأما أثر الهلاك في بلاد لوط ففي موضع مخصوص لا يطلع عليها إلا من مرّ بها، ويصل إليها وويكون له عقل يعلم أن ذلك من الله فإرادته بسبب اختصاصه بمكان دون مكان ووجوده في زمان دون زمان، قال ابن عباس: الآية البينة: آثار منازلهم الخربة. وقال قتادة: هي الحدارة التي أهلكوا بها أبقاها الله (تعالى) حتى أدركها أوائل هذه الأمة. وقال مجاهد: هي ظهور الماء الأسود على وجه الأرض.
العنكبوت 29:36
قوله تعالى: «وإلَى مَدْيَنَ» أي وأرسلنا، أو بعثنا إلى مدين أخاهم «شعيباً» بدل، أو بيان، أو بإضمار: أعني، قيل: مدين: اسم رجل في الأصل وجهل وله ذرية فاشتهر في القبيلة، كتَمِيم، وقيسٍ وغيرهما، وقيل: اسم ما نسب القوم إليه فاشتهر في القوم، والأول أظهر، لأن الله تعالى أضافه إلى مدين بقوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ ولو كان اسم الماء لكانت الإضافة غير صحيحة أو غير حقيقية فالأصل في الإضافة التغاير حقيقة وقوله: «أخاهم» ، قيل: لأن شعيباً كان منهم نسباً.
فإن قيل: قال الله (تعالى) في «نوح» : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ﴾ [العنكبوت: 14] فقدم نوحاً في الذِّكْرِ وعرف القوم بالإضافة إليه وكذلك في إبراهيم، ولوط، وههنا ذكر القوم أولاً، وأضاف إليهم أخاهم «شعيباً» فما الحكمة؟
فالجواب: أن الأصل في الجميع أن يذكر القوم ثم يذكر رسولهم لأن الرسل لا تبعث إلا غير معينين، وإنما تبعث الرسلإلى قوم محتاجين إلى الرسل فيرسل إليهم من يختاره، غير أن قوم نوح وإبراهيم ولوط لم يكن لهم اسم خاص، ولا نسبة مخصوصة يعرفون بها، فعرفوا بالنبي، فقيل: قوم نوح، وقوم لوط، وأما قوم «شعيب» و «هود» و «صالح» فكان لهم نسبٌ معلوم اشترهوا به عند الناس فجرى الكلام على أصله، وقال الله: ﴿وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ ، ﴿وإلى عاد أخاهم هوداً﴾ فإن قيل: لم يذكر عن «لوط» أنه أمر قومه بالعبادة والتوحيد، وذكر عن شعيب ذلك.
فالجواب قد تقدم وهو أن «لوطاً» كان من قوم «إبْرَاهِيمَ» ، وفي زمانه، وكان إبْراهيمُ سبقه بذلك، واجتهد فيه حتى اشتهر الأمر بالتوحيد عند الخلق عن «إبراهيم» فلم يحتج «لوطٌ» إلى ذكره، وإنما ذكر ما اختص به من المنع من الفاحشة وغيرها، وإن كان هو بدأ يأمر بالتوحيد، (إذ ما من رسول إلا ويكون أكثر كلاماً في التوحيد، وأما «شعيب» فكان بعد انقراض ذلك الزمان، وذلك القوم، فكان هو أصلاً في التوحيد) فبدأ به وقال اعبدوا الله.
قوله: ﴿وارجوا اليوم الآخر﴾ ، قال الزمشخري: معناه افعلوا فعل من يَرْجُو اليومَ الآخر؛ إذ يقول القائل لغيره: كن عاقلاً ويكون معناه افعل فعل من يكون عاقلاً، فقوله: ﴿وارجوا اليوم آلآخِرَ﴾ بعد قوله: «واعْبُدُوا اللَّهَ» يدل علي التفضل لا على الوجوب.
قوله: ﴿وارجوا اليوم الآخر﴾ ، تقدم الكلام عليه، ونصب «مفسدين» على المصدر، كقول القائل: اجلس قعوداً.
قوله: ﴿فكذبوه فأخذتهم الرجفة﴾ .
فإن قيل: (ما الحكمة) فيما حكاه الله عن شعيب من أمر ونهي، فالأمر لا يكذب، ولا يصدق، فإن قال لغيره اعبد الله لا يقال له: كذبت؟
فالجواب: كان شعيب يقول: الله واحد فاعبدوه، والحشر كائن فارجوه، والفساد محرم فلا تقربوه، وهذه فيها إخبارات، فكذبوه بما أخبر به.
(فإن قيل هنا) قال في الأعراف: «فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ» وقال في هود: «فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ» والحكاية واحدة.
(فالحواب) : لا تعارض بينهما، فإن الصيحة كانت سبباً للرجفة، قيل: إن جبريل صاح فتزلزلت الأرض من صيحته، فرجفت قلوبهم، والإضافة إلى السبب لا تنافي الإضافة إلى سبب السبب.
فإن قيل: ما الحكمة في أنه حخيث قال: «فأخذتهم الصَّيْحَةُ» قال: «في دِيَارِهِمْ» وحيث قال: «فأخذتهم الرجفة» قال في «دَارِهِمْ» ؟ فالجواب: أنّ المراد من الدارِ هو الديار، والإضافة إلى الجمع يجوز أن تكون بلفظ الجمع، وأن تكون بلفظ الواحد إذا أمِنَ (مِنَ) الالْتِباسِ، وإنما اختلف اللفظ لِلطيفة وهي أن اللطيفة هائلة في نفسها، فلم يحتج إلى تهول بها، وأما الصيحة فغير هائلة في نفسها ولكن تلك الصيحة لما كانت عظيمة حتى أحدثت الزلزلة في الأرض ذكر الديار بلفظ الجمع حتى يعلم هيئتها، والرجفة بمعنى الزلزلة عظيمة عند كل أحد فلم يُحْتَجْ إلى معظِّمٍ لأمرها، وقيل: إن الصيحة كانت أعظم حيث عمت الأرض والجو والزلزلة لم تكن إلا في الأرض فذكر الديار هنا، وهذا ضعيف لأن لادار والديار موضع الجثوم لا موضع الصيحة والرجفة فهم ما أصبحوا جاثمين إلا في ديارهم أو دارهم.
العنكبوت 29:37
قوله تعالى: «وإلَى مَدْيَنَ» أي وأرسلنا، أو بعثنا إلى مدين أخاهم «شعيباً» بدل، أو بيان، أو بإضمار: أعني، قيل: مدين: اسم رجل في الأصل وجهل وله ذرية فاشتهر في القبيلة، كتَمِيم، وقيسٍ وغيرهما، وقيل: اسم ما نسب القوم إليه فاشتهر في القوم، والأول أظهر، لأن الله تعالى أضافه إلى مدين بقوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ ولو كان اسم الماء لكانت الإضافة غير صحيحة أو غير حقيقية فالأصل في الإضافة التغاير حقيقة وقوله: «أخاهم» ، قيل: لأن شعيباً كان منهم نسباً.
فإن قيل: قال الله (تعالى) في «نوح» : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ﴾ [العنكبوت: 14] فقدم نوحاً في الذِّكْرِ وعرف القوم بالإضافة إليه وكذلك في إبراهيم، ولوط، وههنا ذكر القوم أولاً، وأضاف إليهم أخاهم «شعيباً» فما الحكمة؟
فالجواب: أن الأصل في الجميع أن يذكر القوم ثم يذكر رسولهم لأن الرسل لا تبعث إلا غير معينين، وإنما تبعث الرسلإلى قوم محتاجين إلى الرسل فيرسل إليهم من يختاره، غير أن قوم نوح وإبراهيم ولوط لم يكن لهم اسم خاص، ولا نسبة مخصوصة يعرفون بها، فعرفوا بالنبي، فقيل: قوم نوح، وقوم لوط، وأما قوم «شعيب» و «هود» و «صالح» فكان لهم نسبٌ معلوم اشترهوا به عند الناس فجرى الكلام على أصله، وقال الله: ﴿وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ ، ﴿وإلى عاد أخاهم هوداً﴾ فإن قيل: لم يذكر عن «لوط» أنه أمر قومه بالعبادة والتوحيد، وذكر عن شعيب ذلك.
فالجواب قد تقدم وهو أن «لوطاً» كان من قوم «إبْرَاهِيمَ» ، وفي زمانه، وكان إبْراهيمُ سبقه بذلك، واجتهد فيه حتى اشتهر الأمر بالتوحيد عند الخلق عن «إبراهيم» فلم يحتج «لوطٌ» إلى ذكره، وإنما ذكر ما اختص به من المنع من الفاحشة وغيرها، وإن كان هو بدأ يأمر بالتوحيد، (إذ ما من رسول إلا ويكون أكثر كلاماً في التوحيد، وأما «شعيب» فكان بعد انقراض ذلك الزمان، وذلك القوم، فكان هو أصلاً في التوحيد) فبدأ به وقال اعبدوا الله.
قوله: ﴿وارجوا اليوم الآخر﴾ ، قال الزمشخري: معناه افعلوا فعل من يَرْجُو اليومَ الآخر؛ إذ يقول القائل لغيره: كن عاقلاً ويكون معناه افعل فعل من يكون عاقلاً، فقوله: ﴿وارجوا اليوم آلآخِرَ﴾ بعد قوله: «واعْبُدُوا اللَّهَ» يدل علي التفضل لا على الوجوب.
قوله: ﴿وارجوا اليوم الآخر﴾ ، تقدم الكلام عليه، ونصب «مفسدين» على المصدر، كقول القائل: اجلس قعوداً.
قوله: ﴿فكذبوه فأخذتهم الرجفة﴾ .
فإن قيل: (ما الحكمة) فيما حكاه الله عن شعيب من أمر ونهي، فالأمر لا يكذب، ولا يصدق، فإن قال لغيره اعبد الله لا يقال له: كذبت؟
فالجواب: كان شعيب يقول: الله واحد فاعبدوه، والحشر كائن فارجوه، والفساد محرم فلا تقربوه، وهذه فيها إخبارات، فكذبوه بما أخبر به.
(فإن قيل هنا) قال في الأعراف: «فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ» وقال في هود: «فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ» والحكاية واحدة.
(فالحواب) : لا تعارض بينهما، فإن الصيحة كانت سبباً للرجفة، قيل: إن جبريل صاح فتزلزلت الأرض من صيحته، فرجفت قلوبهم، والإضافة إلى السبب لا تنافي الإضافة إلى سبب السبب.
فإن قيل: ما الحكمة في أنه حخيث قال: «فأخذتهم الصَّيْحَةُ» قال: «في دِيَارِهِمْ» وحيث قال: «فأخذتهم الرجفة» قال في «دَارِهِمْ» ؟ فالجواب: أنّ المراد من الدارِ هو الديار، والإضافة إلى الجمع يجوز أن تكون بلفظ الجمع، وأن تكون بلفظ الواحد إذا أمِنَ (مِنَ) الالْتِباسِ، وإنما اختلف اللفظ لِلطيفة وهي أن اللطيفة هائلة في نفسها، فلم يحتج إلى تهول بها، وأما الصيحة فغير هائلة في نفسها ولكن تلك الصيحة لما كانت عظيمة حتى أحدثت الزلزلة في الأرض ذكر الديار بلفظ الجمع حتى يعلم هيئتها، والرجفة بمعنى الزلزلة عظيمة عند كل أحد فلم يُحْتَجْ إلى معظِّمٍ لأمرها، وقيل: إن الصيحة كانت أعظم حيث عمت الأرض والجو والزلزلة لم تكن إلا في الأرض فذكر الديار هنا، وهذا ضعيف لأن لادار والديار موضع الجثوم لا موضع الصيحة والرجفة فهم ما أصبحوا جاثمين إلا في ديارهم أو دارهم.
العنكبوت 29:38
قوله تعالى: «وَعَاداً وَثمُوداً» نصب «بأَهْلَكْنَا» مقدراً، أو عطف على مفعول «فَأَخَذَتْهُمْ» أو على منصوب «ولقد فتنا» أول السورة، وهو قول الكسائي. وفيه بعد كثير وتقدم تنوين «ثمود» ، وعدمه في هود، وقرأ ابن وثاب: «وعادٍ وَثُمُودٍ» بالخفض عطفاً على «مَدْيَنَ» عطف لمجرد الدلالة، وإلا يلزم أن يكون شعيبٌ مرسلاً إليهما، وليس كذلك.
قوله: ﴿وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ﴾ أي ما حلَّ بهم وقرأ الأعمش: «مَسَاكِنُهُم» بالرفع على الفاعلية بحذف «من» . ثم (بين) سبب (ما) جرى عليهم فقال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل﴾ أي عن سبيل الحق، وهو عابدة الله «وكَانُوا مُسْتَبصْرِينَ» قال مقاتل والكلبي وقتادة كانوا معجبين في دينهم وضلالتهم يحسبون أنهم على هدى، وكانوا على الباطل، والمعنى أنهم كانوا عند أنفسهم مستبصرين وقال الفراء: كانوا عقلاء ذوي بصائر. وقيل: كانوا مستبصرين بواسطة الرسل، يعني لم يكن لهم في ذلك عذر لأن الرسل أوضحوا السبل.
قوله: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ عطف على «عاداً وثموداً» أو على مفعول: «فصدهم» ، أو بإضمار: اذكروا، ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ موسى بالبينات﴾ بالدلالات كما قال في عاد وثمود «وكانوا مستبصرين» أي بالرسل. ﴿فاستكبروا فِي الأرض﴾ أي عن عبادة الله، فقوله «في الأَرْضِ» إشارة إلى قلة عقلهم فاسْتكبارهم، لأن من في الأرض أضعف أقسام المكلفين، ومن في السماء أقواهم، ثم إن «من في السماء» لا يستكبرون على الله بالعبادة فكيف ﴿من في الأرض﴾ ، ﴿وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ﴾ أي فائتين من عقابنا.
قوله: «فَكُلاًّ» منصوب «بأخذنا» و «بذَنْبِه» أي بسببه أو مصاحباً لذنبه، ﴿فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً﴾ وهم قوم لوط والحاصب: الريح التي تحمل الحصباء وهي الحصا الصِّغَارُ وقيل: انت حجارة مَحْمِيَّة تقع على واحد منهم وتَنْفُذُ من الجانب الآخر، ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيحة﴾ يعني ثمود ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض﴾ وهم «قارون» وأصحابه، ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ يعني قوم نوح وفرعون وقومه.
وقوله: «مَنْ أَغْرَفْنَا» عائده محذوف لأجل سنة الفاصلة، ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ﴾ يعني لم يظلمهم بالهلاك وإنما ظلموا أنفسهم بالإشراك.
العنكبوت 29:39
قوله تعالى: «وَعَاداً وَثمُوداً» نصب «بأَهْلَكْنَا» مقدراً، أو عطف على مفعول «فَأَخَذَتْهُمْ» أو على منصوب «ولقد فتنا» أول السورة، وهو قول الكسائي. وفيه بعد كثير وتقدم تنوين «ثمود» ، وعدمه في هود، وقرأ ابن وثاب: «وعادٍ وَثُمُودٍ» بالخفض عطفاً على «مَدْيَنَ» عطف لمجرد الدلالة، وإلا يلزم أن يكون شعيبٌ مرسلاً إليهما، وليس كذلك.
قوله: ﴿وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ﴾ أي ما حلَّ بهم وقرأ الأعمش: «مَسَاكِنُهُم» بالرفع على الفاعلية بحذف «من» . ثم (بين) سبب (ما) جرى عليهم فقال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل﴾ أي عن سبيل الحق، وهو عابدة الله «وكَانُوا مُسْتَبصْرِينَ» قال مقاتل والكلبي وقتادة كانوا معجبين في دينهم وضلالتهم يحسبون أنهم على هدى، وكانوا على الباطل، والمعنى أنهم كانوا عند أنفسهم مستبصرين وقال الفراء: كانوا عقلاء ذوي بصائر. وقيل: كانوا مستبصرين بواسطة الرسل، يعني لم يكن لهم في ذلك عذر لأن الرسل أوضحوا السبل.
قوله: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ عطف على «عاداً وثموداً» أو على مفعول: «فصدهم» ، أو بإضمار: اذكروا، ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ موسى بالبينات﴾ بالدلالات كما قال في عاد وثمود «وكانوا مستبصرين» أي بالرسل. ﴿فاستكبروا فِي الأرض﴾ أي عن عبادة الله، فقوله «في الأَرْضِ» إشارة إلى قلة عقلهم فاسْتكبارهم، لأن من في الأرض أضعف أقسام المكلفين، ومن في السماء أقواهم، ثم إن «من في السماء» لا يستكبرون على الله بالعبادة فكيف ﴿من في الأرض﴾ ، ﴿وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ﴾ أي فائتين من عقابنا.
قوله: «فَكُلاًّ» منصوب «بأخذنا» و «بذَنْبِه» أي بسببه أو مصاحباً لذنبه، ﴿فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً﴾ وهم قوم لوط والحاصب: الريح التي تحمل الحصباء وهي الحصا الصِّغَارُ وقيل: انت حجارة مَحْمِيَّة تقع على واحد منهم وتَنْفُذُ من الجانب الآخر، ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيحة﴾ يعني ثمود ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض﴾ وهم «قارون» وأصحابه، ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ يعني قوم نوح وفرعون وقومه.
وقوله: «مَنْ أَغْرَفْنَا» عائده محذوف لأجل سنة الفاصلة، ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ﴾ يعني لم يظلمهم بالهلاك وإنما ظلموا أنفسهم بالإشراك.
العنكبوت 29:40
قوله تعالى: «وَعَاداً وَثمُوداً» نصب «بأَهْلَكْنَا» مقدراً، أو عطف على مفعول «فَأَخَذَتْهُمْ» أو على منصوب «ولقد فتنا» أول السورة، وهو قول الكسائي. وفيه بعد كثير وتقدم تنوين «ثمود» ، وعدمه في هود، وقرأ ابن وثاب: «وعادٍ وَثُمُودٍ» بالخفض عطفاً على «مَدْيَنَ» عطف لمجرد الدلالة، وإلا يلزم أن يكون شعيبٌ مرسلاً إليهما، وليس كذلك.
قوله: ﴿وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ﴾ أي ما حلَّ بهم وقرأ الأعمش: «مَسَاكِنُهُم» بالرفع على الفاعلية بحذف «من» . ثم (بين) سبب (ما) جرى عليهم فقال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل﴾ أي عن سبيل الحق، وهو عابدة الله «وكَانُوا مُسْتَبصْرِينَ» قال مقاتل والكلبي وقتادة كانوا معجبين في دينهم وضلالتهم يحسبون أنهم على هدى، وكانوا على الباطل، والمعنى أنهم كانوا عند أنفسهم مستبصرين وقال الفراء: كانوا عقلاء ذوي بصائر. وقيل: كانوا مستبصرين بواسطة الرسل، يعني لم يكن لهم في ذلك عذر لأن الرسل أوضحوا السبل.
قوله: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ عطف على «عاداً وثموداً» أو على مفعول: «فصدهم» ، أو بإضمار: اذكروا، ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ موسى بالبينات﴾ بالدلالات كما قال في عاد وثمود «وكانوا مستبصرين» أي بالرسل. ﴿فاستكبروا فِي الأرض﴾ أي عن عبادة الله، فقوله «في الأَرْضِ» إشارة إلى قلة عقلهم فاسْتكبارهم، لأن من في الأرض أضعف أقسام المكلفين، ومن في السماء أقواهم، ثم إن «من في السماء» لا يستكبرون على الله بالعبادة فكيف ﴿من في الأرض﴾ ، ﴿وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ﴾ أي فائتين من عقابنا.
قوله: «فَكُلاًّ» منصوب «بأخذنا» و «بذَنْبِه» أي بسببه أو مصاحباً لذنبه، ﴿فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً﴾ وهم قوم لوط والحاصب: الريح التي تحمل الحصباء وهي الحصا الصِّغَارُ وقيل: انت حجارة مَحْمِيَّة تقع على واحد منهم وتَنْفُذُ من الجانب الآخر، ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيحة﴾ يعني ثمود ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض﴾ وهم «قارون» وأصحابه، ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ يعني قوم نوح وفرعون وقومه.
وقوله: «مَنْ أَغْرَفْنَا» عائده محذوف لأجل سنة الفاصلة، ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ﴾ يعني لم يظلمهم بالهلاك وإنما ظلموا أنفسهم بالإشراك.
العنكبوت 29:41
قوله (تعالى) : ﴿مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله (أَوْلِيَآءَ) ﴾ يعني الأصنام يرجون نصرها ونفعها ﴿كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً﴾ لنفسها «بَيْتاً» تأوي إليه، وإن بيتها في غاية الضعف والوهي لا يدفع عنها حراً ولا برداً كذلك الأوثان لا تملك لعابدها نفاً ولا ضرّاً ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت لَبَيْتُ العنكبوت (لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . واعلم أنه تعالى مثل اتخاذهم الأوثان أولياء باتخاذِ العنكبوت) نسجه بيتاً ولم يمثل «نسجه» لأن «نسجه» له فائدة لولاه لما حصل، وهو اصطيادها الذباب من غير أن يفوته ما (هو) أعظم منها واتخاذهم الأوثان يفيدهم ما هو أقل من الذباب من متاع الدنيا ولكن يفوتهم ما هو أعظم منها وهو الدار الآخرة (التي) هي خير وأبقى، فليس اتخاذهم كنسج العنكبوت. وقوله: ﴿وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون﴾ إشارة إلى ما بينا أن كل بيت ففيه إما فائدة الاستظلال أو غير ذلك، وبيته يضعف عن إفادة ذلك لأنه يَخْرُبُ بأدنى شيء، ولا يبقى منه عينٌ ولا أثر، فذلك عملهم، ﴿لو كانوا يعلمون﴾ . (وَ) العنكبوت معروف، ونونه أصلية،. والواو والتاء مزيدتان بدليل جمعه على «عناكب» وتصغيره عنيكب ويذكر ويؤنث، فمن التأنيث قوله: «اتخذت بيتاً» ومن التذكير قوله:
4030 - عَلَى هَطَّالِهِمْ مِنْهُمْ بُيُوتٌ ... كَأَنَّ العَنْكبُوت هو ابْتَنَاهَا
وهذا مطرد في أسماء الأجناس يذكر ويؤنث.
قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ جوابه محذوف أي لما اتخذوا من يضرب له بهذه الأمثال لِحَقَارَتِهِ ومتعلق يعلمون لا يجوز أن يكون من جنس قوله: ﴿وإنّ أوهنَ البيوت﴾ لأن كل أحد يعلم ذلك، وإنما متعلَّقَهُ مقدر من جنس ما يدل عليه السياق أي لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم.
قوله: ﴿إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ﴾ ، قرأ أبو عمرو وعاصم «يَدْعُون» بياء الغيبة، والباقون بالخطاب. و «ما» يجوز أن تكون موصولة منصوبة ب «يَعْلَمُ» أي يعلم الذين يدعونهم ويعلم أحوالهم، و «من شيء» مصدر، وأن تكون استفهامية، ويحينئذ يجوز فيها وجهان أن تكون هي وما عملت فيها معترضاً بين قوله: «يَعْلَمُ» وبين قوله: ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ كأنه قيل: أَيُّ شيءٍ تدعون من دون الله.
والثاني: ان تكون متعلقة «لِيَعْلَمَ» فتكون في موضع نصب بها، وإليه ذهب الفارسي وأن تكون نافية و «مِنْ» في «مِنْ شَيْءٍ» مزيدة في المفعول به كأنه قيل: ما تدعون من دون الله ما يستحق أن يطلق عليه شيء.
قال الزمخشري: هذا زيادة توكيد على التمثيل حيث إنهم لا يدعون من دونه من شيء يعني ما يدعون ليس بشيء، وهو عزيز حكيم، فكيف يجوز للعاقل أن يترك القادر الحكيم ويشتغل بعبادة ما ليس بشيء أصلاً وهذا يفهم منه أنه جعل «ما» نافية، والوجه فيه حينئذ أن تكون الجملة معترضة كالأول من وجهي الاستفهامية، وأن تكون مصدرية، قال أبو البقاء: و «شيء» مصدر، وفي هذا نظر، إذ يصير التقدير يعلم دعاءكم في شيء من الدعاء.
قوله: ﴿وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ يجوز أن يكون «نضربها» خبر «تلك الأمثال» و «الأمثال» نعت أو بدل، أو عطف بيان، وأن يكون «الأمثال» خبراً، و «نضربها» حال، وأن يكون خبراً ثانياً.
فصل
وتلك الأمثال: الأشباه، والمَثَل: كلام سائغ يتضمن تشبيه الآخر بالأول، يريد امثال القرآن التي شبه بها أحوال الكفار هذه الأمة بأحوال كفار الأمم المتقدمة «نضربها» تَنْبِيهاً للناس، قال مقاتل: لكفار مكة ﴿وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ العالمون﴾ أي ما يعقل الأمْثَالَ إلا العلماءُ الذين يعقلون عن الله. روى جابر «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تلا هذه الآية ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ قال:» العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته، واجتنب سَخَطَهُ»
فصل
روي أن الكفار قالوا: كيف يضرب خالقُ الأرض والسموات الأمثال بالهوامُ والحشرات كالبعوض والذباب والعنكبوت، فقيل: الأمثال تضربها للناس إذْ لم يَكونوا كالأنعام يحصل لكم منه إدراك ما يوجب نُفْرَتَكُمْ مما أنتم فيه لأن التشبيه يؤثر في النفس تأثيراً مثل تأثير الدليل، فإذا قال الحكيم لمن يغتاب (بالغيبة) كأنك تأكل لحم ميت لأنك وقعت في هذا الرجل الغائب وهو غائب لا يفهم ما تقول ولا يسمع حتى يجيبك كمن يقع في ميت يأكل كما ينفر إذا قال له: إنك توجب العقاب ويورث العتاب.
العنكبوت 29:42
قوله (تعالى) : ﴿مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله (أَوْلِيَآءَ) ﴾ يعني الأصنام يرجون نصرها ونفعها ﴿كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً﴾ لنفسها «بَيْتاً» تأوي إليه، وإن بيتها في غاية الضعف والوهي لا يدفع عنها حراً ولا برداً كذلك الأوثان لا تملك لعابدها نفاً ولا ضرّاً ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت لَبَيْتُ العنكبوت (لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . واعلم أنه تعالى مثل اتخاذهم الأوثان أولياء باتخاذِ العنكبوت) نسجه بيتاً ولم يمثل «نسجه» لأن «نسجه» له فائدة لولاه لما حصل، وهو اصطيادها الذباب من غير أن يفوته ما (هو) أعظم منها واتخاذهم الأوثان يفيدهم ما هو أقل من الذباب من متاع الدنيا ولكن يفوتهم ما هو أعظم منها وهو الدار الآخرة (التي) هي خير وأبقى، فليس اتخاذهم كنسج العنكبوت. وقوله: ﴿وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون﴾ إشارة إلى ما بينا أن كل بيت ففيه إما فائدة الاستظلال أو غير ذلك، وبيته يضعف عن إفادة ذلك لأنه يَخْرُبُ بأدنى شيء، ولا يبقى منه عينٌ ولا أثر، فذلك عملهم، ﴿لو كانوا يعلمون﴾ . (وَ) العنكبوت معروف، ونونه أصلية،. والواو والتاء مزيدتان بدليل جمعه على «عناكب» وتصغيره عنيكب ويذكر ويؤنث، فمن التأنيث قوله: «اتخذت بيتاً» ومن التذكير قوله:
4030 - عَلَى هَطَّالِهِمْ مِنْهُمْ بُيُوتٌ ... كَأَنَّ العَنْكبُوت هو ابْتَنَاهَا
وهذا مطرد في أسماء الأجناس يذكر ويؤنث.
قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ جوابه محذوف أي لما اتخذوا من يضرب له بهذه الأمثال لِحَقَارَتِهِ ومتعلق يعلمون لا يجوز أن يكون من جنس قوله: ﴿وإنّ أوهنَ البيوت﴾ لأن كل أحد يعلم ذلك، وإنما متعلَّقَهُ مقدر من جنس ما يدل عليه السياق أي لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم.
قوله: ﴿إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ﴾ ، قرأ أبو عمرو وعاصم «يَدْعُون» بياء الغيبة، والباقون بالخطاب. و «ما» يجوز أن تكون موصولة منصوبة ب «يَعْلَمُ» أي يعلم الذين يدعونهم ويعلم أحوالهم، و «من شيء» مصدر، وأن تكون استفهامية، ويحينئذ يجوز فيها وجهان أن تكون هي وما عملت فيها معترضاً بين قوله: «يَعْلَمُ» وبين قوله: ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ كأنه قيل: أَيُّ شيءٍ تدعون من دون الله.
والثاني: ان تكون متعلقة «لِيَعْلَمَ» فتكون في موضع نصب بها، وإليه ذهب الفارسي وأن تكون نافية و «مِنْ» في «مِنْ شَيْءٍ» مزيدة في المفعول به كأنه قيل: ما تدعون من دون الله ما يستحق أن يطلق عليه شيء.
قال الزمخشري: هذا زيادة توكيد على التمثيل حيث إنهم لا يدعون من دونه من شيء يعني ما يدعون ليس بشيء، وهو عزيز حكيم، فكيف يجوز للعاقل أن يترك القادر الحكيم ويشتغل بعبادة ما ليس بشيء أصلاً وهذا يفهم منه أنه جعل «ما» نافية، والوجه فيه حينئذ أن تكون الجملة معترضة كالأول من وجهي الاستفهامية، وأن تكون مصدرية، قال أبو البقاء: و «شيء» مصدر، وفي هذا نظر، إذ يصير التقدير يعلم دعاءكم في شيء من الدعاء.
قوله: ﴿وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ يجوز أن يكون «نضربها» خبر «تلك الأمثال» و «الأمثال» نعت أو بدل، أو عطف بيان، وأن يكون «الأمثال» خبراً، و «نضربها» حال، وأن يكون خبراً ثانياً.
فصل
وتلك الأمثال: الأشباه، والمَثَل: كلام سائغ يتضمن تشبيه الآخر بالأول، يريد امثال القرآن التي شبه بها أحوال الكفار هذه الأمة بأحوال كفار الأمم المتقدمة «نضربها» تَنْبِيهاً للناس، قال مقاتل: لكفار مكة ﴿وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ العالمون﴾ أي ما يعقل الأمْثَالَ إلا العلماءُ الذين يعقلون عن الله. روى جابر «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تلا هذه الآية ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ قال:» العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته، واجتنب سَخَطَهُ»
فصل
روي أن الكفار قالوا: كيف يضرب خالقُ الأرض والسموات الأمثال بالهوامُ والحشرات كالبعوض والذباب والعنكبوت، فقيل: الأمثال تضربها للناس إذْ لم يَكونوا كالأنعام يحصل لكم منه إدراك ما يوجب نُفْرَتَكُمْ مما أنتم فيه لأن التشبيه يؤثر في النفس تأثيراً مثل تأثير الدليل، فإذا قال الحكيم لمن يغتاب (بالغيبة) كأنك تأكل لحم ميت لأنك وقعت في هذا الرجل الغائب وهو غائب لا يفهم ما تقول ولا يسمع حتى يجيبك كمن يقع في ميت يأكل كما ينفر إذا قال له: إنك توجب العقاب ويورث العتاب.
العنكبوت 29:43
قوله (تعالى) : ﴿مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله (أَوْلِيَآءَ) ﴾ يعني الأصنام يرجون نصرها ونفعها ﴿كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً﴾ لنفسها «بَيْتاً» تأوي إليه، وإن بيتها في غاية الضعف والوهي لا يدفع عنها حراً ولا برداً كذلك الأوثان لا تملك لعابدها نفاً ولا ضرّاً ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت لَبَيْتُ العنكبوت (لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . واعلم أنه تعالى مثل اتخاذهم الأوثان أولياء باتخاذِ العنكبوت) نسجه بيتاً ولم يمثل «نسجه» لأن «نسجه» له فائدة لولاه لما حصل، وهو اصطيادها الذباب من غير أن يفوته ما (هو) أعظم منها واتخاذهم الأوثان يفيدهم ما هو أقل من الذباب من متاع الدنيا ولكن يفوتهم ما هو أعظم منها وهو الدار الآخرة (التي) هي خير وأبقى، فليس اتخاذهم كنسج العنكبوت. وقوله: ﴿وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون﴾ إشارة إلى ما بينا أن كل بيت ففيه إما فائدة الاستظلال أو غير ذلك، وبيته يضعف عن إفادة ذلك لأنه يَخْرُبُ بأدنى شيء، ولا يبقى منه عينٌ ولا أثر، فذلك عملهم، ﴿لو كانوا يعلمون﴾ . (وَ) العنكبوت معروف، ونونه أصلية،. والواو والتاء مزيدتان بدليل جمعه على «عناكب» وتصغيره عنيكب ويذكر ويؤنث، فمن التأنيث قوله: «اتخذت بيتاً» ومن التذكير قوله:
4030 - عَلَى هَطَّالِهِمْ مِنْهُمْ بُيُوتٌ ... كَأَنَّ العَنْكبُوت هو ابْتَنَاهَا
وهذا مطرد في أسماء الأجناس يذكر ويؤنث.
قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ جوابه محذوف أي لما اتخذوا من يضرب له بهذه الأمثال لِحَقَارَتِهِ ومتعلق يعلمون لا يجوز أن يكون من جنس قوله: ﴿وإنّ أوهنَ البيوت﴾ لأن كل أحد يعلم ذلك، وإنما متعلَّقَهُ مقدر من جنس ما يدل عليه السياق أي لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم.
قوله: ﴿إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ﴾ ، قرأ أبو عمرو وعاصم «يَدْعُون» بياء الغيبة، والباقون بالخطاب. و «ما» يجوز أن تكون موصولة منصوبة ب «يَعْلَمُ» أي يعلم الذين يدعونهم ويعلم أحوالهم، و «من شيء» مصدر، وأن تكون استفهامية، ويحينئذ يجوز فيها وجهان أن تكون هي وما عملت فيها معترضاً بين قوله: «يَعْلَمُ» وبين قوله: ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ كأنه قيل: أَيُّ شيءٍ تدعون من دون الله.
والثاني: ان تكون متعلقة «لِيَعْلَمَ» فتكون في موضع نصب بها، وإليه ذهب الفارسي وأن تكون نافية و «مِنْ» في «مِنْ شَيْءٍ» مزيدة في المفعول به كأنه قيل: ما تدعون من دون الله ما يستحق أن يطلق عليه شيء.
قال الزمخشري: هذا زيادة توكيد على التمثيل حيث إنهم لا يدعون من دونه من شيء يعني ما يدعون ليس بشيء، وهو عزيز حكيم، فكيف يجوز للعاقل أن يترك القادر الحكيم ويشتغل بعبادة ما ليس بشيء أصلاً وهذا يفهم منه أنه جعل «ما» نافية، والوجه فيه حينئذ أن تكون الجملة معترضة كالأول من وجهي الاستفهامية، وأن تكون مصدرية، قال أبو البقاء: و «شيء» مصدر، وفي هذا نظر، إذ يصير التقدير يعلم دعاءكم في شيء من الدعاء.
قوله: ﴿وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ يجوز أن يكون «نضربها» خبر «تلك الأمثال» و «الأمثال» نعت أو بدل، أو عطف بيان، وأن يكون «الأمثال» خبراً، و «نضربها» حال، وأن يكون خبراً ثانياً.
فصل
وتلك الأمثال: الأشباه، والمَثَل: كلام سائغ يتضمن تشبيه الآخر بالأول، يريد امثال القرآن التي شبه بها أحوال الكفار هذه الأمة بأحوال كفار الأمم المتقدمة «نضربها» تَنْبِيهاً للناس، قال مقاتل: لكفار مكة ﴿وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ العالمون﴾ أي ما يعقل الأمْثَالَ إلا العلماءُ الذين يعقلون عن الله. روى جابر «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تلا هذه الآية ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ قال:» العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته، واجتنب سَخَطَهُ»
فصل
روي أن الكفار قالوا: كيف يضرب خالقُ الأرض والسموات الأمثال بالهوامُ والحشرات كالبعوض والذباب والعنكبوت، فقيل: الأمثال تضربها للناس إذْ لم يَكونوا كالأنعام يحصل لكم منه إدراك ما يوجب نُفْرَتَكُمْ مما أنتم فيه لأن التشبيه يؤثر في النفس تأثيراً مثل تأثير الدليل، فإذا قال الحكيم لمن يغتاب (بالغيبة) كأنك تأكل لحم ميت لأنك وقعت في هذا الرجل الغائب وهو غائب لا يفهم ما تقول ولا يسمع حتى يجيبك كمن يقع في ميت يأكل كما ينفر إذا قال له: إنك توجب العقاب ويورث العتاب.
العنكبوت 29:44
قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الله السماوات والأرض بالحق﴾ بالحق وإظهار الحق ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ إن في خلقها «لآيَة لِلْمُؤْمِنِينَ» على قدرته وتوحيده، فإن قال قائل كيف خص الآية في خلق السماوات والأرض بالمؤمنين مع أَن في خَلْقِهَا آية لكل عاقل كما قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله﴾ [الزمر: 38] وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ... لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 4] .
فالجواب: خلق السموات والأرض آية لكل عاقل، وخلقهما بالحق آية للمؤمنين فحسب ويدل عليه النقل والنقل، أما النقل فقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بالحق ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: 39] أخرج أكثر الناس عن العلم بكونه خلقهما بالحق مع أنه أثبت للكل بأنه خلقهما بقوله: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾ وأما العقل فَ (هُوَ أَنَّ) العاقل أَول ما ينظر إلى خلق السماوات والأرض يعلم أن لها خالقاً وهو الله، ثم (من) يهديه الله لا يقطع النظر عنهما عند مجرد ذلك بل يقول: إنه خلقهما متقناً محماً وهو المراد من قوله: «بالحق» لأن ما لا يكون محكماً يفسد ويبطل فيكون باطلاً، وإذا علم أن خالقهما متقناً يقول: إنه قادرٌ كاملٌ، حيث خلق، فأحكم، وعالم علمه شامل حيث أتقن فيقول: ﴿لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: 3] ولا يعزب عن علمه أجزاء الموجودات في الأرض ولا في السموات، ولا يعجز عن جمعهما كما جمع أجزاء الكائنات والمبدعات فيجوز بعث مَن في القبور، وبعثه الرسل، وهما بالخلق موجودان فيحصل له الإيمان بتمامه من خلق ما خلقه الله على أحسن نظامه.
قوله تعالى: ﴿اتل مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب﴾ يعني القرآن لتعلم أن «نوحاً» و «لوطاً» وغيرهما كانوا على ما أنت عليه بلغوا الرسلة، وبالغوا في إقامة الدلالة، ولم ينقذوا قومهم من الضلالة، وهذا تسلية للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (وشرّف وكرّم) .
قوله: ﴿وَأَقِمِ الصلاة إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر﴾ الفحشاء: ما قَبُحَ من الأعمال، والمنكر ما لا يُعْرَف في الشرع. قال ابو مسعود، وابن عباس: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله فمن لم تأمره صلاته بالمعروف، ولم تهه عن النمنكر لم يزدد بصلاته من الله إلا بُعداً، وقال الحسن وقتادة: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فصلاته وَبَالٌ عليه، ورُوِيَ عن أنس بن مالك قال: «كان فتى من الأنصار يصلي الصلوات مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم (لا) يدع شيئاً من الفواحش إلا ركبه فوصف لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حالُه فقال:» إنَّ صلاته تهاهُ يوماً «فلم يلبث أن تاب وحَسُنَ حاله»
، وقال ابن عون: معنى الآية: إن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء وةالمنكر ما دام فيها، وقيل: المراد بالصلاة القرآن كما قال: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت به﴾ [الإسراء: 110] ، أي بقراءتك، وأراد أنه يقرأ القرآن في الصلاة، فالقرآن يَنْهَاهُ عن الفحشاء والمنكر.
قوله: ﴿وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ﴾ أي ذكر الله أفضل الصناعات، قال عليه (الصلاة و) السلام: «أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بخيرِ أَعْمَالِكُمْ وأزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وأرْفَعِهَا في دَرَجَاتِكُمْ وخَيْرٍ منْ إعَطاءٍ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وأن تَلْقوا عَدُوَّكُمْ فَتَضْربُوا أعْنَاقَهُمْ ويَضْرِبُوا أعْنَاقَكُمْ» قالوا: ماذا يا رسول الله؟ قال: ذِكْرُ الله وسئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أيذ العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: الذَّاكِرُونَ الله كثيراً، قالوا يا رسول الله: ومِنَ الغازي في سبيل الله، فقال: لو ضرب بسيفه الكفارَ والمشركين حتى ينكسر أو يَخْتَضِبَ دماً لكان الذاكرون الله كثيراً أفضل منهُ «وروي أبو هريرة قال:» كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يسير في طرق مكة مرَّ على جَبلٍ يقال له: حَمْدَان، فقال: سيروا هذا حَمْدان. سبق المُفْرَدُونَ، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات»
قيل: معنى قوله: ﴿ولذكر الله أكبر﴾ أي ذكر الله إياكم أفضلُ من ذكركم إياه رُوِيَ ذلك عن عبد الله، وهو قول مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ويروى مرفوعاً عن موسى بن عُقْبة عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقال عطاء في قوله: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾ من أن يَبْقَى معه معصية ﴿والله يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ قال عطاء: لا يخفى لعيه شيء.
العنكبوت 29:45
قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الله السماوات والأرض بالحق﴾ بالحق وإظهار الحق ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ إن في خلقها «لآيَة لِلْمُؤْمِنِينَ» على قدرته وتوحيده، فإن قال قائل كيف خص الآية في خلق السماوات والأرض بالمؤمنين مع أَن في خَلْقِهَا آية لكل عاقل كما قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله﴾ [الزمر: 38] وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ... لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 4] .
فالجواب: خلق السموات والأرض آية لكل عاقل، وخلقهما بالحق آية للمؤمنين فحسب ويدل عليه النقل والنقل، أما النقل فقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بالحق ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: 39] أخرج أكثر الناس عن العلم بكونه خلقهما بالحق مع أنه أثبت للكل بأنه خلقهما بقوله: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾ وأما العقل فَ (هُوَ أَنَّ) العاقل أَول ما ينظر إلى خلق السماوات والأرض يعلم أن لها خالقاً وهو الله، ثم (من) يهديه الله لا يقطع النظر عنهما عند مجرد ذلك بل يقول: إنه خلقهما متقناً محماً وهو المراد من قوله: «بالحق» لأن ما لا يكون محكماً يفسد ويبطل فيكون باطلاً، وإذا علم أن خالقهما متقناً يقول: إنه قادرٌ كاملٌ، حيث خلق، فأحكم، وعالم علمه شامل حيث أتقن فيقول: ﴿لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: 3] ولا يعزب عن علمه أجزاء الموجودات في الأرض ولا في السموات، ولا يعجز عن جمعهما كما جمع أجزاء الكائنات والمبدعات فيجوز بعث مَن في القبور، وبعثه الرسل، وهما بالخلق موجودان فيحصل له الإيمان بتمامه من خلق ما خلقه الله على أحسن نظامه.
قوله تعالى: ﴿اتل مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب﴾ يعني القرآن لتعلم أن «نوحاً» و «لوطاً» وغيرهما كانوا على ما أنت عليه بلغوا الرسلة، وبالغوا في إقامة الدلالة، ولم ينقذوا قومهم من الضلالة، وهذا تسلية للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (وشرّف وكرّم) .
قوله: ﴿وَأَقِمِ الصلاة إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر﴾ الفحشاء: ما قَبُحَ من الأعمال، والمنكر ما لا يُعْرَف في الشرع. قال ابو مسعود، وابن عباس: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله فمن لم تأمره صلاته بالمعروف، ولم تهه عن النمنكر لم يزدد بصلاته من الله إلا بُعداً، وقال الحسن وقتادة: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فصلاته وَبَالٌ عليه، ورُوِيَ عن أنس بن مالك قال: «كان فتى من الأنصار يصلي الصلوات مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم (لا) يدع شيئاً من الفواحش إلا ركبه فوصف لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حالُه فقال:» إنَّ صلاته تهاهُ يوماً «فلم يلبث أن تاب وحَسُنَ حاله»
، وقال ابن عون: معنى الآية: إن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء وةالمنكر ما دام فيها، وقيل: المراد بالصلاة القرآن كما قال: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت به﴾ [الإسراء: 110] ، أي بقراءتك، وأراد أنه يقرأ القرآن في الصلاة، فالقرآن يَنْهَاهُ عن الفحشاء والمنكر.
قوله: ﴿وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ﴾ أي ذكر الله أفضل الصناعات، قال عليه (الصلاة و) السلام: «أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بخيرِ أَعْمَالِكُمْ وأزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وأرْفَعِهَا في دَرَجَاتِكُمْ وخَيْرٍ منْ إعَطاءٍ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وأن تَلْقوا عَدُوَّكُمْ فَتَضْربُوا أعْنَاقَهُمْ ويَضْرِبُوا أعْنَاقَكُمْ» قالوا: ماذا يا رسول الله؟ قال: ذِكْرُ الله وسئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أيذ العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: الذَّاكِرُونَ الله كثيراً، قالوا يا رسول الله: ومِنَ الغازي في سبيل الله، فقال: لو ضرب بسيفه الكفارَ والمشركين حتى ينكسر أو يَخْتَضِبَ دماً لكان الذاكرون الله كثيراً أفضل منهُ «وروي أبو هريرة قال:» كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يسير في طرق مكة مرَّ على جَبلٍ يقال له: حَمْدَان، فقال: سيروا هذا حَمْدان. سبق المُفْرَدُونَ، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات»
قيل: معنى قوله: ﴿ولذكر الله أكبر﴾ أي ذكر الله إياكم أفضلُ من ذكركم إياه رُوِيَ ذلك عن عبد الله، وهو قول مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ويروى مرفوعاً عن موسى بن عُقْبة عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقال عطاء في قوله: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾ من أن يَبْقَى معه معصية ﴿والله يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ قال عطاء: لا يخفى لعيه شيء.
العنكبوت 29:46
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي لا تخاصمهم إلا بالتي هي أحسن أي بالدعاء إلى الله بآياته والتنبيه على حججه، وأراد من قبل الجزية منهم لما بين طريقة إرشاد المشركين بين طريقة إرشاد أهل الكتاب.
قوله: ﴿إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ﴾ استثناء متصل، وفيه مَعْنَيَانِ.
أحدهما: إلا الظلمة فلا تجادلوهم ألبتة بل جاهدوهم بالسسيف حتى يسلموا أو يُعْطُوا الجزية.
ومجاز الآية: إلا الذين ظلموكم لأن جميعهم ظالم بالكفر.
والثاني: جادلوهم بغير التي هي أحسن أي أغلظوا لهم كما أغلظوا عليكم، قال سعيد بن جبير: أهل الحرب، ومن لا عهد له، وقال قتادة ومقاتل: نُسِخَتْ بقولِهِ: ﴿قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله﴾ [التوبة: 29] ، وقرأ بن عباس «أَلاَ» حرف تنبيه أي فجادلوهم.
قوله: ﴿وقولوا آمَنَّا بالذي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ وهذا تبين لمجادلتهم بالتي هي أحسن يريد إذا أخبركم واحٌ منهم ممن قبل الجزية بشيء مما في كتبهم فلا تجادلوهم عله ولا تصدقوهم ولا تكذبوهم ﴿وقولوا آمَنَّا بالذي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وإلهنا وإلهكم وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ، روى أبو هريرة قال: «كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعِبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: لا تصدقوهم ولا تكذبهم وقولوا: آمنا بالله وما نزل إلينا ... الآية» وروى معمر عن الزهري أن أبا نملة الأنصاري أخبره أنه بينما هو جالس عند رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جاءه رجل من اليهود ومرّ بجنازة فقالك يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (الله) أعلم فقال اليهودي: إنها تتكلم فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «ما حدثكم أهل الكتاب فلا تُصَدِّقُوهُم ولا تكذِّبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فإن كان باطلاً لم تصدقوه وإن كان حقاً لم تكذبوه»
قوله: «وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا» أي كما أنزلنا إليهم الكتاب أنزلنا إليك الكتاب ﴿فالذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يعنى (مُؤْمِني) أهل الكتاب عبد الله بن سلام، (وأصحابه) «ومِنْ هَؤُلاَءِ» يعني أهل مكة ﴿مَنْ يُؤْمِنُونُ بِهِ﴾ وهم مؤمنوا أهل مكة ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ الكافرون﴾ وذلك أن اليهود عرفوا أن محمداً نبي، والقرآن حق، فجحدوا، وقال قتادة: الجحود إنما يكون بعد المعرفة وهذا تنفير لهم عما هم عليه يعني إنكم آمنتم بكل شيء وامتزتم عن المشركين بكل فضيلة إلا هذه المسألة الواحدة، وبإنكارها تلتحقون بهم، وتبطلون مزاياكم، فإن الجاحد بآية يكون كافراً.
قوله: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ﴾ أي من قبل ما أنزلنا إليك الكتاب.
قوله: «مِنْ كِتَابٍ» مفعول «تتلو» و «من» زائدة و «من قبله» حال من «كتاب» أو متعلق بنفس «تتلو» و «تخطّه بيمينك» أي ولا تكتبه أي لم تكن تقرأ ولا تكتب قبل الوحي قوله: «إذاً لاَرْتاب» جواب وجزاء، أي لو تلوت كتاباً قبل القرآن أو كنت ممن يكتب لارتاب المبطلون ولشكّ (المشركون من) أهل مكة، وقالوا: إنه يقرأه من كتب الأولين وينسخه منها، وقال قتادة ومقاتل: المبطلون هم اليهود والمعنى: لشكوا فيك واتهموك، وقالوا: من الذي نجد نعته في التوراة أمي لا يقرأ ولا يكتب وليس هذا على ذلك النعت.
قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ قرأ قتادة «آيَةٌ» بالتوحيد، قال الحسن: يعني القرآن ( «آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ» } ، يعني: «المؤمنين» الذين حملوا القرآن، وقال ابن عباس وقتادة: ( «بل هو» ) يعني: محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ذو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب لأنهم يجدونه بنعته وصفته في كتبهم وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ الظالمون} .
فإن قيل: ما الحكمة في قوله ههنا: «الظالمون» ومن قبل قال: الكافرون؟
فالجواب: أنهم قبل بيان المعجزة قيل لهم: إن لكم المزايا فلا تُبْطِلُوها بإنكار محمد فتكونوا كافرين فلفظ الكافر هانك أبلغ فمنعهم عن ذلك لاستنكافهم عن الكفر، ثم بعد بيان المعجزة قال لهم إن جحدتم هذه الآيات لزمكم إنكار إرسال الرسل فتلحقوا في أول الأمر بالمشركين حكماً، وتلتحقون عند جحد هذه الآيات بالمشركين حقيقة فتكونوا ظالمين أي مشركين، كما قال: ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] فهذا اللفظ هنا أبلغ.
العنكبوت 29:47
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي لا تخاصمهم إلا بالتي هي أحسن أي بالدعاء إلى الله بآياته والتنبيه على حججه، وأراد من قبل الجزية منهم لما بين طريقة إرشاد المشركين بين طريقة إرشاد أهل الكتاب.
قوله: ﴿إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ﴾ استثناء متصل، وفيه مَعْنَيَانِ.
أحدهما: إلا الظلمة فلا تجادلوهم ألبتة بل جاهدوهم بالسسيف حتى يسلموا أو يُعْطُوا الجزية.
ومجاز الآية: إلا الذين ظلموكم لأن جميعهم ظالم بالكفر.
والثاني: جادلوهم بغير التي هي أحسن أي أغلظوا لهم كما أغلظوا عليكم، قال سعيد بن جبير: أهل الحرب، ومن لا عهد له، وقال قتادة ومقاتل: نُسِخَتْ بقولِهِ: ﴿قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله﴾ [التوبة: 29] ، وقرأ بن عباس «أَلاَ» حرف تنبيه أي فجادلوهم.
قوله: ﴿وقولوا آمَنَّا بالذي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ وهذا تبين لمجادلتهم بالتي هي أحسن يريد إذا أخبركم واحٌ منهم ممن قبل الجزية بشيء مما في كتبهم فلا تجادلوهم عله ولا تصدقوهم ولا تكذبوهم ﴿وقولوا آمَنَّا بالذي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وإلهنا وإلهكم وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ، روى أبو هريرة قال: «كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعِبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: لا تصدقوهم ولا تكذبهم وقولوا: آمنا بالله وما نزل إلينا ... الآية» وروى معمر عن الزهري أن أبا نملة الأنصاري أخبره أنه بينما هو جالس عند رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جاءه رجل من اليهود ومرّ بجنازة فقالك يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (الله) أعلم فقال اليهودي: إنها تتكلم فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «ما حدثكم أهل الكتاب فلا تُصَدِّقُوهُم ولا تكذِّبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فإن كان باطلاً لم تصدقوه وإن كان حقاً لم تكذبوه»
قوله: «وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا» أي كما أنزلنا إليهم الكتاب أنزلنا إليك الكتاب ﴿فالذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يعنى (مُؤْمِني) أهل الكتاب عبد الله بن سلام، (وأصحابه) «ومِنْ هَؤُلاَءِ» يعني أهل مكة ﴿مَنْ يُؤْمِنُونُ بِهِ﴾ وهم مؤمنوا أهل مكة ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ الكافرون﴾ وذلك أن اليهود عرفوا أن محمداً نبي، والقرآن حق، فجحدوا، وقال قتادة: الجحود إنما يكون بعد المعرفة وهذا تنفير لهم عما هم عليه يعني إنكم آمنتم بكل شيء وامتزتم عن المشركين بكل فضيلة إلا هذه المسألة الواحدة، وبإنكارها تلتحقون بهم، وتبطلون مزاياكم، فإن الجاحد بآية يكون كافراً.
قوله: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ﴾ أي من قبل ما أنزلنا إليك الكتاب.
قوله: «مِنْ كِتَابٍ» مفعول «تتلو» و «من» زائدة و «من قبله» حال من «كتاب» أو متعلق بنفس «تتلو» و «تخطّه بيمينك» أي ولا تكتبه أي لم تكن تقرأ ولا تكتب قبل الوحي قوله: «إذاً لاَرْتاب» جواب وجزاء، أي لو تلوت كتاباً قبل القرآن أو كنت ممن يكتب لارتاب المبطلون ولشكّ (المشركون من) أهل مكة، وقالوا: إنه يقرأه من كتب الأولين وينسخه منها، وقال قتادة ومقاتل: المبطلون هم اليهود والمعنى: لشكوا فيك واتهموك، وقالوا: من الذي نجد نعته في التوراة أمي لا يقرأ ولا يكتب وليس هذا على ذلك النعت.
قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ قرأ قتادة «آيَةٌ» بالتوحيد، قال الحسن: يعني القرآن ( «آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ» } ، يعني: «المؤمنين» الذين حملوا القرآن، وقال ابن عباس وقتادة: ( «بل هو» ) يعني: محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ذو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب لأنهم يجدونه بنعته وصفته في كتبهم وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ الظالمون} .
فإن قيل: ما الحكمة في قوله ههنا: «الظالمون» ومن قبل قال: الكافرون؟
فالجواب: أنهم قبل بيان المعجزة قيل لهم: إن لكم المزايا فلا تُبْطِلُوها بإنكار محمد فتكونوا كافرين فلفظ الكافر هانك أبلغ فمنعهم عن ذلك لاستنكافهم عن الكفر، ثم بعد بيان المعجزة قال لهم إن جحدتم هذه الآيات لزمكم إنكار إرسال الرسل فتلحقوا في أول الأمر بالمشركين حكماً، وتلتحقون عند جحد هذه الآيات بالمشركين حقيقة فتكونوا ظالمين أي مشركين، كما قال: ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] فهذا اللفظ هنا أبلغ.
العنكبوت 29:48
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي لا تخاصمهم إلا بالتي هي أحسن أي بالدعاء إلى الله بآياته والتنبيه على حججه، وأراد من قبل الجزية منهم لما بين طريقة إرشاد المشركين بين طريقة إرشاد أهل الكتاب.
قوله: ﴿إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ﴾ استثناء متصل، وفيه مَعْنَيَانِ.
أحدهما: إلا الظلمة فلا تجادلوهم ألبتة بل جاهدوهم بالسسيف حتى يسلموا أو يُعْطُوا الجزية.
ومجاز الآية: إلا الذين ظلموكم لأن جميعهم ظالم بالكفر.
والثاني: جادلوهم بغير التي هي أحسن أي أغلظوا لهم كما أغلظوا عليكم، قال سعيد بن جبير: أهل الحرب، ومن لا عهد له، وقال قتادة ومقاتل: نُسِخَتْ بقولِهِ: ﴿قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله﴾ [التوبة: 29] ، وقرأ بن عباس «أَلاَ» حرف تنبيه أي فجادلوهم.
قوله: ﴿وقولوا آمَنَّا بالذي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ وهذا تبين لمجادلتهم بالتي هي أحسن يريد إذا أخبركم واحٌ منهم ممن قبل الجزية بشيء مما في كتبهم فلا تجادلوهم عله ولا تصدقوهم ولا تكذبوهم ﴿وقولوا آمَنَّا بالذي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وإلهنا وإلهكم وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ، روى أبو هريرة قال: «كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعِبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: لا تصدقوهم ولا تكذبهم وقولوا: آمنا بالله وما نزل إلينا ... الآية» وروى معمر عن الزهري أن أبا نملة الأنصاري أخبره أنه بينما هو جالس عند رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جاءه رجل من اليهود ومرّ بجنازة فقالك يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (الله) أعلم فقال اليهودي: إنها تتكلم فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «ما حدثكم أهل الكتاب فلا تُصَدِّقُوهُم ولا تكذِّبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فإن كان باطلاً لم تصدقوه وإن كان حقاً لم تكذبوه»
قوله: «وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا» أي كما أنزلنا إليهم الكتاب أنزلنا إليك الكتاب ﴿فالذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يعنى (مُؤْمِني) أهل الكتاب عبد الله بن سلام، (وأصحابه) «ومِنْ هَؤُلاَءِ» يعني أهل مكة ﴿مَنْ يُؤْمِنُونُ بِهِ﴾ وهم مؤمنوا أهل مكة ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ الكافرون﴾ وذلك أن اليهود عرفوا أن محمداً نبي، والقرآن حق، فجحدوا، وقال قتادة: الجحود إنما يكون بعد المعرفة وهذا تنفير لهم عما هم عليه يعني إنكم آمنتم بكل شيء وامتزتم عن المشركين بكل فضيلة إلا هذه المسألة الواحدة، وبإنكارها تلتحقون بهم، وتبطلون مزاياكم، فإن الجاحد بآية يكون كافراً.
قوله: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ﴾ أي من قبل ما أنزلنا إليك الكتاب.
قوله: «مِنْ كِتَابٍ» مفعول «تتلو» و «من» زائدة و «من قبله» حال من «كتاب» أو متعلق بنفس «تتلو» و «تخطّه بيمينك» أي ولا تكتبه أي لم تكن تقرأ ولا تكتب قبل الوحي قوله: «إذاً لاَرْتاب» جواب وجزاء، أي لو تلوت كتاباً قبل القرآن أو كنت ممن يكتب لارتاب المبطلون ولشكّ (المشركون من) أهل مكة، وقالوا: إنه يقرأه من كتب الأولين وينسخه منها، وقال قتادة ومقاتل: المبطلون هم اليهود والمعنى: لشكوا فيك واتهموك، وقالوا: من الذي نجد نعته في التوراة أمي لا يقرأ ولا يكتب وليس هذا على ذلك النعت.
قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ قرأ قتادة «آيَةٌ» بالتوحيد، قال الحسن: يعني القرآن ( «آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ» } ، يعني: «المؤمنين» الذين حملوا القرآن، وقال ابن عباس وقتادة: ( «بل هو» ) يعني: محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ذو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب لأنهم يجدونه بنعته وصفته في كتبهم وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ الظالمون} .
فإن قيل: ما الحكمة في قوله ههنا: «الظالمون» ومن قبل قال: الكافرون؟
فالجواب: أنهم قبل بيان المعجزة قيل لهم: إن لكم المزايا فلا تُبْطِلُوها بإنكار محمد فتكونوا كافرين فلفظ الكافر هانك أبلغ فمنعهم عن ذلك لاستنكافهم عن الكفر، ثم بعد بيان المعجزة قال لهم إن جحدتم هذه الآيات لزمكم إنكار إرسال الرسل فتلحقوا في أول الأمر بالمشركين حكماً، وتلتحقون عند جحد هذه الآيات بالمشركين حقيقة فتكونوا ظالمين أي مشركين، كما قال: ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] فهذا اللفظ هنا أبلغ.
العنكبوت 29:49
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي لا تخاصمهم إلا بالتي هي أحسن أي بالدعاء إلى الله بآياته والتنبيه على حججه، وأراد من قبل الجزية منهم لما بين طريقة إرشاد المشركين بين طريقة إرشاد أهل الكتاب.
قوله: ﴿إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ﴾ استثناء متصل، وفيه مَعْنَيَانِ.
أحدهما: إلا الظلمة فلا تجادلوهم ألبتة بل جاهدوهم بالسسيف حتى يسلموا أو يُعْطُوا الجزية.
ومجاز الآية: إلا الذين ظلموكم لأن جميعهم ظالم بالكفر.
والثاني: جادلوهم بغير التي هي أحسن أي أغلظوا لهم كما أغلظوا عليكم، قال سعيد بن جبير: أهل الحرب، ومن لا عهد له، وقال قتادة ومقاتل: نُسِخَتْ بقولِهِ: ﴿قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله﴾ [التوبة: 29] ، وقرأ بن عباس «أَلاَ» حرف تنبيه أي فجادلوهم.
قوله: ﴿وقولوا آمَنَّا بالذي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ وهذا تبين لمجادلتهم بالتي هي أحسن يريد إذا أخبركم واحٌ منهم ممن قبل الجزية بشيء مما في كتبهم فلا تجادلوهم عله ولا تصدقوهم ولا تكذبوهم ﴿وقولوا آمَنَّا بالذي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وإلهنا وإلهكم وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ، روى أبو هريرة قال: «كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعِبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: لا تصدقوهم ولا تكذبهم وقولوا: آمنا بالله وما نزل إلينا ... الآية» وروى معمر عن الزهري أن أبا نملة الأنصاري أخبره أنه بينما هو جالس عند رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جاءه رجل من اليهود ومرّ بجنازة فقالك يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (الله) أعلم فقال اليهودي: إنها تتكلم فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «ما حدثكم أهل الكتاب فلا تُصَدِّقُوهُم ولا تكذِّبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فإن كان باطلاً لم تصدقوه وإن كان حقاً لم تكذبوه»
قوله: «وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا» أي كما أنزلنا إليهم الكتاب أنزلنا إليك الكتاب ﴿فالذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يعنى (مُؤْمِني) أهل الكتاب عبد الله بن سلام، (وأصحابه) «ومِنْ هَؤُلاَءِ» يعني أهل مكة ﴿مَنْ يُؤْمِنُونُ بِهِ﴾ وهم مؤمنوا أهل مكة ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ الكافرون﴾ وذلك أن اليهود عرفوا أن محمداً نبي، والقرآن حق، فجحدوا، وقال قتادة: الجحود إنما يكون بعد المعرفة وهذا تنفير لهم عما هم عليه يعني إنكم آمنتم بكل شيء وامتزتم عن المشركين بكل فضيلة إلا هذه المسألة الواحدة، وبإنكارها تلتحقون بهم، وتبطلون مزاياكم، فإن الجاحد بآية يكون كافراً.
قوله: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ﴾ أي من قبل ما أنزلنا إليك الكتاب.
قوله: «مِنْ كِتَابٍ» مفعول «تتلو» و «من» زائدة و «من قبله» حال من «كتاب» أو متعلق بنفس «تتلو» و «تخطّه بيمينك» أي ولا تكتبه أي لم تكن تقرأ ولا تكتب قبل الوحي قوله: «إذاً لاَرْتاب» جواب وجزاء، أي لو تلوت كتاباً قبل القرآن أو كنت ممن يكتب لارتاب المبطلون ولشكّ (المشركون من) أهل مكة، وقالوا: إنه يقرأه من كتب الأولين وينسخه منها، وقال قتادة ومقاتل: المبطلون هم اليهود والمعنى: لشكوا فيك واتهموك، وقالوا: من الذي نجد نعته في التوراة أمي لا يقرأ ولا يكتب وليس هذا على ذلك النعت.
قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ قرأ قتادة «آيَةٌ» بالتوحيد، قال الحسن: يعني القرآن ( «آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ» } ، يعني: «المؤمنين» الذين حملوا القرآن، وقال ابن عباس وقتادة: ( «بل هو» ) يعني: محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ذو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب لأنهم يجدونه بنعته وصفته في كتبهم وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ الظالمون} .
فإن قيل: ما الحكمة في قوله ههنا: «الظالمون» ومن قبل قال: الكافرون؟
فالجواب: أنهم قبل بيان المعجزة قيل لهم: إن لكم المزايا فلا تُبْطِلُوها بإنكار محمد فتكونوا كافرين فلفظ الكافر هانك أبلغ فمنعهم عن ذلك لاستنكافهم عن الكفر، ثم بعد بيان المعجزة قال لهم إن جحدتم هذه الآيات لزمكم إنكار إرسال الرسل فتلحقوا في أول الأمر بالمشركين حكماً، وتلتحقون عند جحد هذه الآيات بالمشركين حقيقة فتكونوا ظالمين أي مشركين، كما قال: ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] فهذا اللفظ هنا أبلغ.
العنكبوت 29:50
وله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ كما أنزل على الأنبياء من قبل.
وقرأ الأخوانِ وابنُ كثير، وأبو بكر بالإفراد؛ لأن غالب ما جاء في القرآن كذلك والباقون «آيات» بالجمع لأن بعده ﴿قُلْ إِنَّمَا الآيات﴾ بالجمع إجماعاً، والرسم يَحْتَمِلُهُ.
فصل
اعلم أنهم قالوا: إنك تقول: إنك أنزل إليك الكتاب كما أنزل إلى موسى وعيسى، وليس كذلك؛ لأن موسى أُوتِيَ تسع آيات بينات علم بها كون الكتاب من عند الله، وأنت ما أوتيت شيئاً منها ثم إنه تعالى أرشد نبيه إلى أجوبة هذه الشبهة منها.
قوله: «أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ» هذا جواب لقولهم: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ قل: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب يتلى عَلَيْهِمْ﴾ ، ففاعل «يكفهم» هو قوله: «أنا أنزلنا» والمعنى: إن كان إنزال الآيات شرطاً في الرسالة فلا يشترط إلا إنْزَالُ «آيةٍ» وقد أنزل القرآن، وهو آية معجزة ظاهرة كافية. وقوله: «أولم يكفهم» عبارة تنبىء عن كون القرآن آية فوق الكفاية وبيانه أن القرآن أتم من كل معجزة لِوُجُوهٍ:
أحدها: أن تلك المعجزات وجدت وما دامت، فإن قلب العصا ثُعْبَاناً، وإحياء الميت لم يبق لنا منه أثر، فلو أنكره واحد لم يمكن إثباتها معه بدون الكتاب، وأما القرآن فهو باقٍ لو أنكره واحد فيقال له: فَأتِ بآيةٍ من مثله.
الثاني: أن قلب العصا ثعباناً كان في آن واحد ولم يره من لم يكن في ذلك المكان، وأما القرآن فقد وصل إلى المشرق والمغرب وسمعه كل واحده، وهنا لطيفه هي أن آيات النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كانت أشياء لا تختص بمكان دونَ مكان، لأن من جملتها انشقاق القمر وهو يعم الأرض لأن الخوف إذا وقع عم، وذلك لأن نبوته كانت عامة لا تختص بقطر دون قطر. وغاص بحر «ساوَةَ» في قطر، وسقط إيوان كسرى في قطر (وانْهَدَّت) الكنيسة بالروم في قطر آخر إعلاماً بأنه يكون أمراً عاماً.
الثالث: أن غير هذه المعجزة يقول الكفار المعاند هذا سحر (وعمل بدواء) والقرآن لا يمكن هذا القول فيه. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلك لَرَحْمَةً﴾ أي في إنزال القرآن ﴿لَرَحْمَةً وذكرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي تذكير وعظمة لمن آمن وعمل به.
قَوْلُهُ (تعالى) : ﴿قُلْ كفى بالله بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً﴾ أني رسوله، وهذا القرآن كتابه، وهذا كما يقول الصادق إذا كذب، وأتى بكل ما يدل على صدقه ولم يصدقه المعاند: «الله يعلمُ صدقي وتكذيبك أيها المعاند وهو على ما أقول شهيد يحكم بيني وبينك» ، كل ذلك إنذار وتهديد ثم بين كونه كافياً، بكونه عالماً بجميع الأشياء، فقال: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السماوات والأرض﴾ .
فإن قيل: ما الحكمة في أنه أخر شهادة أهل الكتاب في آخر الوعد في قوله: ﴿وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب﴾ [الرعد: 43] وهنا قدم شهادة أهل الكتاب، فقال: ﴿فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به (ومن هؤلاء من يؤمن به» ﴾ [العنكبوت: 47] أي من الكتاب؟
فالجواب: أن الكلام هناك مع المشركين فاستدل عليهم بشهادة غيرهم (ثم) إن شهادة الله أقوى (في ألزمهم) من شهادة غير الله، وهاهنا الكلام مع أهل الكتاب فشهادة الله على نفسه هو إقراره وهو أقوى الحجج عليه فقدم ما هو ألزم عليهم، ثم (إنه) تعالى لما بين الطريقتين في إرشاد الفرريقين المشركين وأهل الكتاب عاد الكلام الشامل لهما والإنكار العام فقال: ﴿والذين آمَنُواْ بالباطل﴾ ، قال ابن عباس: بغير الله ﴿وَكَفَرُواْ بالله أولئك هُمُ الخاسرون﴾ .
فإن قيل: قوله ﴿أولئك هم الخاسرون﴾ يقتضي الحصر، أي من أتى بالإيمان (بالباطل) والكفر (بالله) فهو الخاسر فمن يأتي بأحدهما دون الآخر ينبغي أن لا يكون خاسراً.
فالجواب: أنه يستحيل أن يكون الآتي بأحدهما لا يكون آتياً بالآخر لأن المؤمن بما سوى الله مشرك، لأنه جعل غير الله مثله، وغير الله عاجز ممكن باطل فيكون الله كذلك، ومن كفر بالله وأنكره فيكون قائلاً بأن العالم ليس له إله موجود فوجود العالم من نفسه فيكون قائلاً: بأن العالم واجب الوجود، والواجب إله (فَيَكُون قائلاً) بأن غير الله إله فيكون إثباتاً لغير الله وإيماناً به.
فإن قيل: إذا كان الإيما بما سواه كفراً (به) فيكون كل من آمن بالباطل فقد كفر بالله فهل لهذا العطف فائدة (غير التأكيد) الذي في قوله القائل (قم ولا تقعد و «واقتربْ مني ولا تَبْعُدْ» ؟ فالجواب: فيه فائدة) غيرها وهو أنه ذكر الثاني لبيان قبح الأول كقول القائل: أتقولُ بالباطل وتترك الحلق لشأ أن القول بالباطل قيبح.
العنكبوت 29:51
وله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ كما أنزل على الأنبياء من قبل.
وقرأ الأخوانِ وابنُ كثير، وأبو بكر بالإفراد؛ لأن غالب ما جاء في القرآن كذلك والباقون «آيات» بالجمع لأن بعده ﴿قُلْ إِنَّمَا الآيات﴾ بالجمع إجماعاً، والرسم يَحْتَمِلُهُ.
فصل
اعلم أنهم قالوا: إنك تقول: إنك أنزل إليك الكتاب كما أنزل إلى موسى وعيسى، وليس كذلك؛ لأن موسى أُوتِيَ تسع آيات بينات علم بها كون الكتاب من عند الله، وأنت ما أوتيت شيئاً منها ثم إنه تعالى أرشد نبيه إلى أجوبة هذه الشبهة منها.
قوله: «أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ» هذا جواب لقولهم: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ قل: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب يتلى عَلَيْهِمْ﴾ ، ففاعل «يكفهم» هو قوله: «أنا أنزلنا» والمعنى: إن كان إنزال الآيات شرطاً في الرسالة فلا يشترط إلا إنْزَالُ «آيةٍ» وقد أنزل القرآن، وهو آية معجزة ظاهرة كافية. وقوله: «أولم يكفهم» عبارة تنبىء عن كون القرآن آية فوق الكفاية وبيانه أن القرآن أتم من كل معجزة لِوُجُوهٍ:
أحدها: أن تلك المعجزات وجدت وما دامت، فإن قلب العصا ثُعْبَاناً، وإحياء الميت لم يبق لنا منه أثر، فلو أنكره واحد لم يمكن إثباتها معه بدون الكتاب، وأما القرآن فهو باقٍ لو أنكره واحد فيقال له: فَأتِ بآيةٍ من مثله.
الثاني: أن قلب العصا ثعباناً كان في آن واحد ولم يره من لم يكن في ذلك المكان، وأما القرآن فقد وصل إلى المشرق والمغرب وسمعه كل واحده، وهنا لطيفه هي أن آيات النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كانت أشياء لا تختص بمكان دونَ مكان، لأن من جملتها انشقاق القمر وهو يعم الأرض لأن الخوف إذا وقع عم، وذلك لأن نبوته كانت عامة لا تختص بقطر دون قطر. وغاص بحر «ساوَةَ» في قطر، وسقط إيوان كسرى في قطر (وانْهَدَّت) الكنيسة بالروم في قطر آخر إعلاماً بأنه يكون أمراً عاماً.
الثالث: أن غير هذه المعجزة يقول الكفار المعاند هذا سحر (وعمل بدواء) والقرآن لا يمكن هذا القول فيه. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلك لَرَحْمَةً﴾ أي في إنزال القرآن ﴿لَرَحْمَةً وذكرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي تذكير وعظمة لمن آمن وعمل به.
قَوْلُهُ (تعالى) : ﴿قُلْ كفى بالله بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً﴾ أني رسوله، وهذا القرآن كتابه، وهذا كما يقول الصادق إذا كذب، وأتى بكل ما يدل على صدقه ولم يصدقه المعاند: «الله يعلمُ صدقي وتكذيبك أيها المعاند وهو على ما أقول شهيد يحكم بيني وبينك» ، كل ذلك إنذار وتهديد ثم بين كونه كافياً، بكونه عالماً بجميع الأشياء، فقال: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السماوات والأرض﴾ .
فإن قيل: ما الحكمة في أنه أخر شهادة أهل الكتاب في آخر الوعد في قوله: ﴿وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب﴾ [الرعد: 43] وهنا قدم شهادة أهل الكتاب، فقال: ﴿فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به (ومن هؤلاء من يؤمن به» ﴾ [العنكبوت: 47] أي من الكتاب؟
فالجواب: أن الكلام هناك مع المشركين فاستدل عليهم بشهادة غيرهم (ثم) إن شهادة الله أقوى (في ألزمهم) من شهادة غير الله، وهاهنا الكلام مع أهل الكتاب فشهادة الله على نفسه هو إقراره وهو أقوى الحجج عليه فقدم ما هو ألزم عليهم، ثم (إنه) تعالى لما بين الطريقتين في إرشاد الفرريقين المشركين وأهل الكتاب عاد الكلام الشامل لهما والإنكار العام فقال: ﴿والذين آمَنُواْ بالباطل﴾ ، قال ابن عباس: بغير الله ﴿وَكَفَرُواْ بالله أولئك هُمُ الخاسرون﴾ .
فإن قيل: قوله ﴿أولئك هم الخاسرون﴾ يقتضي الحصر، أي من أتى بالإيمان (بالباطل) والكفر (بالله) فهو الخاسر فمن يأتي بأحدهما دون الآخر ينبغي أن لا يكون خاسراً.
فالجواب: أنه يستحيل أن يكون الآتي بأحدهما لا يكون آتياً بالآخر لأن المؤمن بما سوى الله مشرك، لأنه جعل غير الله مثله، وغير الله عاجز ممكن باطل فيكون الله كذلك، ومن كفر بالله وأنكره فيكون قائلاً بأن العالم ليس له إله موجود فوجود العالم من نفسه فيكون قائلاً: بأن العالم واجب الوجود، والواجب إله (فَيَكُون قائلاً) بأن غير الله إله فيكون إثباتاً لغير الله وإيماناً به.
فإن قيل: إذا كان الإيما بما سواه كفراً (به) فيكون كل من آمن بالباطل فقد كفر بالله فهل لهذا العطف فائدة (غير التأكيد) الذي في قوله القائل (قم ولا تقعد و «واقتربْ مني ولا تَبْعُدْ» ؟ فالجواب: فيه فائدة) غيرها وهو أنه ذكر الثاني لبيان قبح الأول كقول القائل: أتقولُ بالباطل وتترك الحلق لشأ أن القول بالباطل قيبح.
العنكبوت 29:52
وله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ كما أنزل على الأنبياء من قبل.
وقرأ الأخوانِ وابنُ كثير، وأبو بكر بالإفراد؛ لأن غالب ما جاء في القرآن كذلك والباقون «آيات» بالجمع لأن بعده ﴿قُلْ إِنَّمَا الآيات﴾ بالجمع إجماعاً، والرسم يَحْتَمِلُهُ.
فصل
اعلم أنهم قالوا: إنك تقول: إنك أنزل إليك الكتاب كما أنزل إلى موسى وعيسى، وليس كذلك؛ لأن موسى أُوتِيَ تسع آيات بينات علم بها كون الكتاب من عند الله، وأنت ما أوتيت شيئاً منها ثم إنه تعالى أرشد نبيه إلى أجوبة هذه الشبهة منها.
قوله: «أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ» هذا جواب لقولهم: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ قل: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب يتلى عَلَيْهِمْ﴾ ، ففاعل «يكفهم» هو قوله: «أنا أنزلنا» والمعنى: إن كان إنزال الآيات شرطاً في الرسالة فلا يشترط إلا إنْزَالُ «آيةٍ» وقد أنزل القرآن، وهو آية معجزة ظاهرة كافية. وقوله: «أولم يكفهم» عبارة تنبىء عن كون القرآن آية فوق الكفاية وبيانه أن القرآن أتم من كل معجزة لِوُجُوهٍ:
أحدها: أن تلك المعجزات وجدت وما دامت، فإن قلب العصا ثُعْبَاناً، وإحياء الميت لم يبق لنا منه أثر، فلو أنكره واحد لم يمكن إثباتها معه بدون الكتاب، وأما القرآن فهو باقٍ لو أنكره واحد فيقال له: فَأتِ بآيةٍ من مثله.
الثاني: أن قلب العصا ثعباناً كان في آن واحد ولم يره من لم يكن في ذلك المكان، وأما القرآن فقد وصل إلى المشرق والمغرب وسمعه كل واحده، وهنا لطيفه هي أن آيات النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كانت أشياء لا تختص بمكان دونَ مكان، لأن من جملتها انشقاق القمر وهو يعم الأرض لأن الخوف إذا وقع عم، وذلك لأن نبوته كانت عامة لا تختص بقطر دون قطر. وغاص بحر «ساوَةَ» في قطر، وسقط إيوان كسرى في قطر (وانْهَدَّت) الكنيسة بالروم في قطر آخر إعلاماً بأنه يكون أمراً عاماً.
الثالث: أن غير هذه المعجزة يقول الكفار المعاند هذا سحر (وعمل بدواء) والقرآن لا يمكن هذا القول فيه. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلك لَرَحْمَةً﴾ أي في إنزال القرآن ﴿لَرَحْمَةً وذكرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي تذكير وعظمة لمن آمن وعمل به.
قَوْلُهُ (تعالى) : ﴿قُلْ كفى بالله بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً﴾ أني رسوله، وهذا القرآن كتابه، وهذا كما يقول الصادق إذا كذب، وأتى بكل ما يدل على صدقه ولم يصدقه المعاند: «الله يعلمُ صدقي وتكذيبك أيها المعاند وهو على ما أقول شهيد يحكم بيني وبينك» ، كل ذلك إنذار وتهديد ثم بين كونه كافياً، بكونه عالماً بجميع الأشياء، فقال: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السماوات والأرض﴾ .
فإن قيل: ما الحكمة في أنه أخر شهادة أهل الكتاب في آخر الوعد في قوله: ﴿وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب﴾ [الرعد: 43] وهنا قدم شهادة أهل الكتاب، فقال: ﴿فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به (ومن هؤلاء من يؤمن به» ﴾ [العنكبوت: 47] أي من الكتاب؟
فالجواب: أن الكلام هناك مع المشركين فاستدل عليهم بشهادة غيرهم (ثم) إن شهادة الله أقوى (في ألزمهم) من شهادة غير الله، وهاهنا الكلام مع أهل الكتاب فشهادة الله على نفسه هو إقراره وهو أقوى الحجج عليه فقدم ما هو ألزم عليهم، ثم (إنه) تعالى لما بين الطريقتين في إرشاد الفرريقين المشركين وأهل الكتاب عاد الكلام الشامل لهما والإنكار العام فقال: ﴿والذين آمَنُواْ بالباطل﴾ ، قال ابن عباس: بغير الله ﴿وَكَفَرُواْ بالله أولئك هُمُ الخاسرون﴾ .
فإن قيل: قوله ﴿أولئك هم الخاسرون﴾ يقتضي الحصر، أي من أتى بالإيمان (بالباطل) والكفر (بالله) فهو الخاسر فمن يأتي بأحدهما دون الآخر ينبغي أن لا يكون خاسراً.
فالجواب: أنه يستحيل أن يكون الآتي بأحدهما لا يكون آتياً بالآخر لأن المؤمن بما سوى الله مشرك، لأنه جعل غير الله مثله، وغير الله عاجز ممكن باطل فيكون الله كذلك، ومن كفر بالله وأنكره فيكون قائلاً بأن العالم ليس له إله موجود فوجود العالم من نفسه فيكون قائلاً: بأن العالم واجب الوجود، والواجب إله (فَيَكُون قائلاً) بأن غير الله إله فيكون إثباتاً لغير الله وإيماناً به.
فإن قيل: إذا كان الإيما بما سواه كفراً (به) فيكون كل من آمن بالباطل فقد كفر بالله فهل لهذا العطف فائدة (غير التأكيد) الذي في قوله القائل (قم ولا تقعد و «واقتربْ مني ولا تَبْعُدْ» ؟ فالجواب: فيه فائدة) غيرها وهو أنه ذكر الثاني لبيان قبح الأول كقول القائل: أتقولُ بالباطل وتترك الحلق لشأ أن القول بالباطل قيبح.
العنكبوت 29:53
قوله: «وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ» نزلت في النضر بن الحارث حين قال: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء﴾ [الأنفال: 32] ﴿وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ قال ابن عباس: ما وعدتك أني لا أعذب قومك ولا أستأصلهم وأؤخر عذابهم إلى يوم القيامة كما قال: ﴿بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: 46] وقيل: يوم بدر. ولولا ذلك الأجل المسمى الذي اقتضته حكمته ﴿لَّجَآءَهُمُ العذاب وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ يعني العذاب. وقيل: الأجل بغتة ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ بإتيانه، وقوله: ﴿وهم لا يشعرون﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: معنى تأكيد قوله: «بغتة» ، كما يقول القائل: أتيته على غفلة منه بحث لم يدرِ.
فقوله: ﴿بحيث لم يدر﴾ أكد معنى الغفلة.
والثاني: أنه يفيد فائدة مستقلة وهي أن العذاب يأتيهم بغتة ﴿وهم لا يشعرون﴾ هذا الأمر، ويظنون أن العذاب لا يأتيهم أصلاً.
قوله: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين﴾ ذكر هذا للتعجب، لأن من توعد بأمر فيه ضرر يسير كلطْمةٍ أو لكمة فيرى في نفسه الجلد ويقول: بسم الله هات، وأما من توعد بإغراقٍ أو إحراقٍ ويقطع بأن المتوعد قادر لا يخلف الميعاد لا يخطر ببال العاقل أن يقول له: هات ما توعدني به فقال ههنا «يستعجلونك بالعذاب» والعذاب بنار جهنم المحيطة (بهم) فقوله ( «يستعجلونك بالعذاب» ) أولاً: إخباراً عنهم، وثانياً: تعجباً منهم.
وقيل: أعادَهُ تأكيداً، ثم ذكر كيفية إحاطة جهنم فقال: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ العذاب مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ .
فإن قيل: لم يخص الجانبين ولم يذكر اليمين والشمال وخلفَ وقُدَّام؟ فالجواب: أن المقصود ذكر ما تتميز به نار جهنم عن نار الدنيا، (ونار) الدنيا تحيط بالجوانب الأربعة فإن من دخلها تكون الشعلة قدامَهُ وخلفَه ويمينَه ويَسَارَه، فأمّا النار من فوق لا تنزل وإنما تصعد من أسفلَ في العادة وتحت الأقدام، ولا تبقى الشعلة بل تنطفىء الشعلة التي تحت القدم، ونار جهنم تنزل من فوق ولا تنطفىء بالدوس موضع القدم.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله: ﴿من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾ ولم يقل: من فوق رؤوسهم ولا قال من فوقهم «ولا من تحتهم» بل ذكر المضاف إليه عند ذكر «تحت» ولم يذكره عند ذكر «فوق» ؟
فالجواب: أن نزول النار من «فوق» سواء كان من (سميت) الرأس أو موضع آخر عجيب فلهذا لم يخصه بالرؤوس وأما بقاء النار تحت القدم فهو عجيبن وإلا فمن جوابن القدم في الدنيا تكون الشعلة فذكر العجيب وهو ما تحت الأرجل حيث لم ينطق بالدّوس. وأما «فوق» فعلى الإطلاق.
قوله: «وَيَقُولُ ذُوقُوا» قرأ نافع وأهل الكوفة «ويقول» بياء الغيبة أي الله تعالى، أو الملك الموكل بعذابهم، وباقي السبعة بالنون أي جماعة الملائكة، أو نون العظمة لله تعالى، وأبو البَرَهْشَم بالتاء من فوق أي جهنم كقوله: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: 30] وعبد الله وابن أبي عَبْلَةَ: «ويُقَالُ» مبنياً للمفعول، وقوله: ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلَونَ﴾ أي جزاء ما كنتم تعملون لما بين عذاب أجسامهم بين عذاب أرواحهم وهو أن يقال لهم على سبيل التنكيل والإهانة ﴿ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ جعل ذلك عين ما كانوا يعملون مبالغة بطريق إطلاق اسم المُسبَّب على السَّبَب، فإن عملهم كان سبباً لعذابهم وهذا كثير في الاستعمال.
العنكبوت 29:54
قوله: «وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ» نزلت في النضر بن الحارث حين قال: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء﴾ [الأنفال: 32] ﴿وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ قال ابن عباس: ما وعدتك أني لا أعذب قومك ولا أستأصلهم وأؤخر عذابهم إلى يوم القيامة كما قال: ﴿بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: 46] وقيل: يوم بدر. ولولا ذلك الأجل المسمى الذي اقتضته حكمته ﴿لَّجَآءَهُمُ العذاب وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ يعني العذاب. وقيل: الأجل بغتة ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ بإتيانه، وقوله: ﴿وهم لا يشعرون﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: معنى تأكيد قوله: «بغتة» ، كما يقول القائل: أتيته على غفلة منه بحث لم يدرِ.
فقوله: ﴿بحيث لم يدر﴾ أكد معنى الغفلة.
والثاني: أنه يفيد فائدة مستقلة وهي أن العذاب يأتيهم بغتة ﴿وهم لا يشعرون﴾ هذا الأمر، ويظنون أن العذاب لا يأتيهم أصلاً.
قوله: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين﴾ ذكر هذا للتعجب، لأن من توعد بأمر فيه ضرر يسير كلطْمةٍ أو لكمة فيرى في نفسه الجلد ويقول: بسم الله هات، وأما من توعد بإغراقٍ أو إحراقٍ ويقطع بأن المتوعد قادر لا يخلف الميعاد لا يخطر ببال العاقل أن يقول له: هات ما توعدني به فقال ههنا «يستعجلونك بالعذاب» والعذاب بنار جهنم المحيطة (بهم) فقوله ( «يستعجلونك بالعذاب» ) أولاً: إخباراً عنهم، وثانياً: تعجباً منهم.
وقيل: أعادَهُ تأكيداً، ثم ذكر كيفية إحاطة جهنم فقال: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ العذاب مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ .
فإن قيل: لم يخص الجانبين ولم يذكر اليمين والشمال وخلفَ وقُدَّام؟ فالجواب: أن المقصود ذكر ما تتميز به نار جهنم عن نار الدنيا، (ونار) الدنيا تحيط بالجوانب الأربعة فإن من دخلها تكون الشعلة قدامَهُ وخلفَه ويمينَه ويَسَارَه، فأمّا النار من فوق لا تنزل وإنما تصعد من أسفلَ في العادة وتحت الأقدام، ولا تبقى الشعلة بل تنطفىء الشعلة التي تحت القدم، ونار جهنم تنزل من فوق ولا تنطفىء بالدوس موضع القدم.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله: ﴿من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾ ولم يقل: من فوق رؤوسهم ولا قال من فوقهم «ولا من تحتهم» بل ذكر المضاف إليه عند ذكر «تحت» ولم يذكره عند ذكر «فوق» ؟
فالجواب: أن نزول النار من «فوق» سواء كان من (سميت) الرأس أو موضع آخر عجيب فلهذا لم يخصه بالرؤوس وأما بقاء النار تحت القدم فهو عجيبن وإلا فمن جوابن القدم في الدنيا تكون الشعلة فذكر العجيب وهو ما تحت الأرجل حيث لم ينطق بالدّوس. وأما «فوق» فعلى الإطلاق.
قوله: «وَيَقُولُ ذُوقُوا» قرأ نافع وأهل الكوفة «ويقول» بياء الغيبة أي الله تعالى، أو الملك الموكل بعذابهم، وباقي السبعة بالنون أي جماعة الملائكة، أو نون العظمة لله تعالى، وأبو البَرَهْشَم بالتاء من فوق أي جهنم كقوله: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: 30] وعبد الله وابن أبي عَبْلَةَ: «ويُقَالُ» مبنياً للمفعول، وقوله: ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلَونَ﴾ أي جزاء ما كنتم تعملون لما بين عذاب أجسامهم بين عذاب أرواحهم وهو أن يقال لهم على سبيل التنكيل والإهانة ﴿ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ جعل ذلك عين ما كانوا يعملون مبالغة بطريق إطلاق اسم المُسبَّب على السَّبَب، فإن عملهم كان سبباً لعذابهم وهذا كثير في الاستعمال.
العنكبوت 29:55
قوله: «وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ» نزلت في النضر بن الحارث حين قال: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء﴾ [الأنفال: 32] ﴿وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ قال ابن عباس: ما وعدتك أني لا أعذب قومك ولا أستأصلهم وأؤخر عذابهم إلى يوم القيامة كما قال: ﴿بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: 46] وقيل: يوم بدر. ولولا ذلك الأجل المسمى الذي اقتضته حكمته ﴿لَّجَآءَهُمُ العذاب وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ يعني العذاب. وقيل: الأجل بغتة ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ بإتيانه، وقوله: ﴿وهم لا يشعرون﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: معنى تأكيد قوله: «بغتة» ، كما يقول القائل: أتيته على غفلة منه بحث لم يدرِ.
فقوله: ﴿بحيث لم يدر﴾ أكد معنى الغفلة.
والثاني: أنه يفيد فائدة مستقلة وهي أن العذاب يأتيهم بغتة ﴿وهم لا يشعرون﴾ هذا الأمر، ويظنون أن العذاب لا يأتيهم أصلاً.
قوله: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين﴾ ذكر هذا للتعجب، لأن من توعد بأمر فيه ضرر يسير كلطْمةٍ أو لكمة فيرى في نفسه الجلد ويقول: بسم الله هات، وأما من توعد بإغراقٍ أو إحراقٍ ويقطع بأن المتوعد قادر لا يخلف الميعاد لا يخطر ببال العاقل أن يقول له: هات ما توعدني به فقال ههنا «يستعجلونك بالعذاب» والعذاب بنار جهنم المحيطة (بهم) فقوله ( «يستعجلونك بالعذاب» ) أولاً: إخباراً عنهم، وثانياً: تعجباً منهم.
وقيل: أعادَهُ تأكيداً، ثم ذكر كيفية إحاطة جهنم فقال: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ العذاب مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ .
فإن قيل: لم يخص الجانبين ولم يذكر اليمين والشمال وخلفَ وقُدَّام؟ فالجواب: أن المقصود ذكر ما تتميز به نار جهنم عن نار الدنيا، (ونار) الدنيا تحيط بالجوانب الأربعة فإن من دخلها تكون الشعلة قدامَهُ وخلفَه ويمينَه ويَسَارَه، فأمّا النار من فوق لا تنزل وإنما تصعد من أسفلَ في العادة وتحت الأقدام، ولا تبقى الشعلة بل تنطفىء الشعلة التي تحت القدم، ونار جهنم تنزل من فوق ولا تنطفىء بالدوس موضع القدم.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله: ﴿من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾ ولم يقل: من فوق رؤوسهم ولا قال من فوقهم «ولا من تحتهم» بل ذكر المضاف إليه عند ذكر «تحت» ولم يذكره عند ذكر «فوق» ؟
فالجواب: أن نزول النار من «فوق» سواء كان من (سميت) الرأس أو موضع آخر عجيب فلهذا لم يخصه بالرؤوس وأما بقاء النار تحت القدم فهو عجيبن وإلا فمن جوابن القدم في الدنيا تكون الشعلة فذكر العجيب وهو ما تحت الأرجل حيث لم ينطق بالدّوس. وأما «فوق» فعلى الإطلاق.
قوله: «وَيَقُولُ ذُوقُوا» قرأ نافع وأهل الكوفة «ويقول» بياء الغيبة أي الله تعالى، أو الملك الموكل بعذابهم، وباقي السبعة بالنون أي جماعة الملائكة، أو نون العظمة لله تعالى، وأبو البَرَهْشَم بالتاء من فوق أي جهنم كقوله: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: 30] وعبد الله وابن أبي عَبْلَةَ: «ويُقَالُ» مبنياً للمفعول، وقوله: ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلَونَ﴾ أي جزاء ما كنتم تعملون لما بين عذاب أجسامهم بين عذاب أرواحهم وهو أن يقال لهم على سبيل التنكيل والإهانة ﴿ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ جعل ذلك عين ما كانوا يعملون مبالغة بطريق إطلاق اسم المُسبَّب على السَّبَب، فإن عملهم كان سبباً لعذابهم وهذا كثير في الاستعمال.
العنكبوت 29:56
قوله (تعالى) : ﴿يا عبادي الذين آمنوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ لما ذكر حال المشركين على حدة، وحال أهل الكتاب على حدةٍ وجمعهما في الإنذار، وجعلهما من أهل النار اشتد عنادهم، وزاد فسادهم، وسعوا في إيذاء المؤمنين، ومنعهم من العبادة، قال مقاتل والكلبي: (نزلت في ضعفاء) مسلمي مكة يقول: إن كنتم في ضَيْقٍ بمكة من إظهار الإيمان فاخْرُجُوا منها إلى أرضٍ واسعة، آمنة، قال مجاهد: إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا فيها، وقال سعيد بن جبير: إذا عُمِلَ في أرض بالمعاصي فاخرجوا منها فإن أرضي واسعة، وقال عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا (فإن) أرضي واسعة وكذلك يجب على كل من كان في بلد يعمل فيها بالمعاصي ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر إلى حيث تُهَيَّأُ له العبادة، وقيل: نزلت في قولم تخلفوا عن الهجرة بمكة وقالوا تخشى إن هاجرنا من الجوع وضيق المعيشة، فأنزل الله هذه الآية ولم يَعْذرهم بتركَ الخروج، وقال مطرف بن عبد الله: أرضي واسعة: رزقي لكم واسع فاخرجوا.
فصل
قوله: «يا عبادي» لا يدخل فيه الكافر لوجوه:
أحدها: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: 42] والكافر يحب سلطانة الشيطان فلا يدخل في قوله: «يا عبادي» .
وثانيها: قوله تعالى: ﴿ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله﴾ [الزمر: 53] .
وثالثها: أن العباد مأخوذ من العِبَادة والكافر لا يعبد الله فلا يدخل في قوله: «عبادي» وإنما يختص بالمؤمنين الذين يعبدونه.
ورابعها: الإضافة بين الله والعبد بقول العبد إلهي، وقول الله عبدي.
فإن قيل: إذا كانت «عباده» لا تتناول إلا المؤمنين فما الفادئة في قوله: «الذين آمنوا» مع أن الوصف إنما يذكر لتمييز الموصوف كما يقال: يا أيها المكلفون المؤمنون، يا أيها الرجلاء العقلاء تتمييزاً بين الكافر والجاهل؟
فالجواب: أن الوصف يذكر لا لتمييز بل لمجرد بيان أن فيه الوصف كما يقال: الأنبياءُ المُكَرَّمُونَ والملائكة المطهَّرُونَ، مع أن كل نبي مكرمٌ، وكل ملك مطهرٌ، فإنما يقال لبيان أن فيهم الإكرامَ والطهارة، ومثله قولنا: الله الله العظيم فهاهنا ذكر لبيان أنهم مؤمنون.
فإن قيل: قوله: «يا عبادي» يفهم منه كونهم عابدين فما الفائدة بالأمر بالعبادة بقوله: «فَاعْبُدُونِ» ؟
فالجواب: فيه فائدتان:
أحدهما: المداومة أي يا من عَبَدْتُمُونِي في الماضي فاعْبُدُوني في المستقبل.
والثانية: الإخلاص أي يا من يعبدني أَخْلِص العمل ولا تَقْبَلْ غيري.
فإن قيل: الفاء في قوله: «فَإِيَّايَ» يدل على أنه جواب لشرطٍ فما ذاك؟
فالجواب: قوله: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ إشارة إلى عدم المانع من عبادته فكأنه قال: إذا كان لا مانع من عبادتي فإياي فاعبدون فهو لترتيب المقتضَى على المقتضي كما يقال: هذا عالمٌ فأكرموه.
فكذلك هاهنا لما أعلم نفسه بقوله: «فَإيَّايَ» وهو لنفسه مستق العبادة، فقال: «فَاعْبُدُونِ» . قال الزمخشري: «هذا جواب شرط مقدر، وجعل تقديم المفعول عوضاً من حذفه مع إفادته للاختصاص» . وقد تقدم مُنَازَعُه أبي حيان له في نظيره.
قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ قرأه بالغيبة أبو بكر، وكذا في الروم في قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ وافقه أبو عمرو في الروم فقط والباقون بالخطاب فيها. وقرىء يَرْجعثون مبيناً للفاعل.
فصل
لما أمر الله تعالى المؤمنين بالمهاجرة صعب عليهم ترك الأوطان ومفارقة الأخوان فخوفهم بالموت ليهون عليهم الهجرة أي كل أحد ميت أينما كان فلا تقيموا بدار الشرك خوفاً من الموت فإن كل نفس ذائقة الموت فالأولى أن يكون ذلك في سبيل الله فيجازيكم عليه، فإن إلى الله مرجعكم فيجزيكم بأعمالكم، وفيه وجه دقيق آخر وهو أن قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ أي إذا كانت (معلقة) بغيرها فهو للموت ثم إلى الله ترجع فلا تموت كما قال تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت﴾ [الدخان: 56] وإذا كان كذلك فمن يريد أن لا يذوق الموت لا يبقى مع نفسه فإن النفس ذائقته بل يتعلق بغيره، وذلك الغير إن كان غير الله فهو ذائق الموت لقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت﴾ و ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] (يريح من الموت) فقال تعالى: «فإياي فاعبدون» أي تعلقوا بي، ولا تتبعوا النفس، فإنها ذائقة الموت ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ أي إذا تعلقتم بي فموتكم رجوعٌ إلي وليس بموت لقوله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169] ، وقال عليه (الصلاة و) السلام: «المؤمِنونَ لا يَمُوتونَ بل يُنْقَلُون من دار إلى دار» .
قوله (تعالى) : ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ الوجهان المشهوران الابتداء، والاشتغال، وقوله: «لَنُبَوِّئَنَّهُمْ» ، قرأ الأخوانِ بتاء مثلثةٍ ساكنةٍ بعد النون، وياء مفتوحة بعد الواو من الثَّوَاءِ وهو الإقامة، يقال: ثَوَى الرجلُ إذا أقامَ، مفتوحة بعد الواو من المَبَاءَةِ وهي الإنزال أي لنبوئنهم من الجنة غرَفاً.
قوله: «غُرَافاً» على القراءة الأولى إما مفعول به على تضمين «أَثْوَى» أَنْزَلَ فيتعدى لاثنين؛ لأنَّ «» ثوى «قاصرٌ، وأكسبتْهُ الهمزةُ التعدي لواحدٍ، وإما (على) تشبيه الظرف المختص بالمبهم كقوله: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المستقيم﴾ [الأعراف: 16] وإما على إسقاط الخافض اتساعاً أي في غُرَفٍ. وأما في القراءة الثانية فمفعول ثانٍ؛ لأن» بوأ «يتعدى لاثنين قال تعالى: ﴿تُبَوِّىءُ المؤمنين مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: 121] ، ويتعدى باللام، قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: 26] .
وقرىء» لنثوينّهم» بالتشديد مع الثاء المثلثة، عُدِّي بالتضعيف كما عُدِّي بالهمزة، و «تجري» صفة «لِغُرَفاً» ﴿خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ وهذا في مقابلة قوله للكفار: ﴿ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: 55]
قوله: «الَّذِينَ صَبَرُوا» يجوز فيه الجر والنصب والرفع كنظائر له تقدمت، والمعنى: الذين صبروا على الشدائد ولم يتركوا دينهم لشدة لحقتهم ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يعتمدون. قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لاَ تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ جوز أبو البقاء في «كأين» وجهين:
أحدهما: أنها مبتدأ و «لا تحمل» صفتها و «الله يرزقها» خبره و «من دابة» تبيين.
والثاني: أن تكون في موع نصب بإضمار فعل يفسره «يرزقها» ويقدر بعد «كأين» يعني لأن لها صدر الكلام، وفي الثاني نظر؛ لأن من شرط المفسرِ العملَ، وهذا المفسر لا يعمل لأنهُ لو عمل لحل محل المفعول لكن لا يحل محله، لأن الخبر (متى كان) فعلاً رافعاً لضمير مفرد امتنع تقديمه على المبتدأ. وإذا أردت معرفة هذه القاعدة فعليك بسورة «هود» عند قوله: ﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ [هود: 8] .
فصل
لما ذكر الله ﴿الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون﴾ ذكر ما يعين على التوكل وهو بيان حال الدواب التي لا تدخر شيئاً لغدٍ، ويأتيها رزقها كل يوم.
واعلم أن (في) كأين (أربع لغات غير هذه كائن على وزن راعٍ، وكَأَى على وزن رَعَى «وكِيءَ» على وزن «رِيعَ» و «كَا» على وزن «رع» ولم يُقْرأ إلا كائن و «كا» قراءة ابن كثير.
فصل
«كأين» كلمة) مركبة من «كاف التشبيه» و «أن» التي تستعمل استعمال «مَن» و «ما» ركبتا، وجعل المركّب بمعنى «كم» ثم لم يكتب إلا بالنون ليفصل بين المركب وغير المركب لأن «كأيّ» مستعمل غير مركب كما يقول القائل: «رأيت رجلاً لا كَأَيِّ رَجُلٍ يكُونُ» (فقد حذف المضاف إليه، ويقال: رأيت رجلاً لا كأي رجل) وحينئذ لا يكون «كي» مركباً. فإذا كان «كأي» ههنا مركباً كتبت بالنون للتمييز، (كما تكتب مَعْدِ يكَرِبَ وبَعْلَبَكَّ) موصولاً للفرق وكما تكتب ثَمَّةَ بالهاء تمييزاً بينها وبين (ثَمَّتَ) .
فصل
روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال للمؤمنين الذين كانوا بمكة وآذاهم المشركون هاجروا إلى المدينة. فقالوا: كيف نخرج إلى المدينة وليس لنا بها دار ولا مال؟ فمن يطعمنا بها ويسقينا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ﴾ وكم من دابة ذاتِ حاجة إلى غذاء و ﴿لا تحمل رزقها﴾ لضَعفها، كالقَمْلِ والبُرْغُوث والدود ﴿الله يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ حيث ما كنتم «وهو السَّمِيعُ» لأقوالكم: ما نجد ما ننفق بالمدينة، ﴿العَلِيمُ بما في قلوبكم﴾ .
قال سفيان: ليس شيء مما خلق الله نَجْباً إلا الإنسان والفأرة والنَّمْلَة روى بن عمر قال: «دخلت مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حائطاً من حوائط الأنصار فجعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يلقط الرُّطَبَ بيده ويأكل، فقال: كُلْ يا ابن عمر، (قلت: لا أشتهيها يا رسول الله قال: لكني أشتهيه، وهذه صبح رابعة لم أطعم طعاماً ولم أجده) فقلت: إنا لله الله المستعان قال يا ابن عمر: لو سألت ربي لأعطاني مثل ملْكِ كِسْرَى وقَيْصَرَ أضعافاً مضاعفة ولكني أجوعُ يوماً وأَشْبع يوماً فكيف بك يا ابن عمر إذا عَمَّرْتَ وبَقِيتَ في أمر الناس يُخْبِّئُونَ رزق سنة ويضعف اليقين فنزلت: ﴿وكأين من دابة لا تحمل رقها﴾ الآية، وقال عليه (الصلاة و) السلام» لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ على اللَّهِ حقَّ تَوَكُّله لَرَزَقكُمْ كما يرزقُ الطيرَ تغدُو خِمَاصاً، وتروحُ بِطَاناً «