Lafzullah

Al Lubab fi Ulum Al Kitab — الطلاق 65:1 – الملك 67:16

المؤلف / المصدر: Al Lubab fi Ulum Al Kitab

المحتويات
  1. الطلاق 65:1
  2. الطلاق 65:2
  3. الطلاق 65:3
  4. الطلاق 65:4
  5. الطلاق 65:5
  6. الطلاق 65:6
  7. الطلاق 65:7
  8. الطلاق 65:8
  9. الطلاق 65:9
  10. الطلاق 65:10
  11. الطلاق 65:11
  12. الطلاق 65:12
  13. التحريم 66:1
  14. التحريم 66:2
  15. التحريم 66:3
  16. التحريم 66:4
  17. التحريم 66:5
  18. التحريم 66:6
  19. التحريم 66:7
  20. التحريم 66:8
  21. التحريم 66:9
  22. التحريم 66:10
  23. التحريم 66:11
  24. التحريم 66:12
  25. الملك 67:1
  26. الملك 67:2
  27. الملك 67:3
  28. الملك 67:4
  29. الملك 67:5
  30. الملك 67:6
  31. الملك 67:7
  32. الملك 67:8
  33. الملك 67:9
  34. الملك 67:10
  35. الملك 67:11
  36. الملك 67:12
  37. الملك 67:13
  38. الملك 67:14
  39. الملك 67:15
  40. الملك 67:16

الطلاق 65:1

مدنية، وهي إحدى عشرة آية ومائتان وتسع وأربعون كلمة وألف وستون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء﴾ . قال ابن الخطيب: وجه تعلق هذه السورة بآخر ما قبلها، هو أنه تعالى أشار في آخر التي قبلها إلى كمال علمه بقوله: ﴿عَالِمُ الغيب والشهادة﴾ [التغابن: 18] ، وفي أول هذه السورة أشار إلى كمال علمه بمصالح النِّساء، والأحكام المخصوصة بطلاقهن، فكأنه بيّن ذلك الكلي بهذه الجزئيات. فصل في هذا الخطاب. وهذا الخطاب فيه أوجه: أحدهما: أنه خطاب لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خوطب بلفظ الجمع تعظيماً له؛ كقوله: [الطويل] 4780 - فَإنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِوَاكُمُ ... وإنْ شِئْتُ لَمْ أطْعَمْ نُقَاخاً ولا بَرْداً الثاني: أنه خطاب له ولأمته، والتقدير: يا أيها النبي وأمته إذا طلقتم فحذف المعطوف لدلالة ما بعده عليه، كقوله: [الطويل] 4781 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... إذَا أنْجَلَتْهُ رِجْلُهَا ... ... ... ... ... ... . أي: ويدها. كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: 81] ، أي: والبرد. الثالث: أنه خطاب لأمته فقط بعد ندائه - عليه الصَّلاة والسلام - وهو من تلوين الخطاب، خاطب أمته بعد أن خاطبه. الرابع: أنه على إضمار قول، أي: يا أيها النبي قل لأمتك إذا طلقتم النساء. قال القرطبي: قيل: إنه خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمراد أمته، وغاير بين اللفظين من حاضر وغائب، وذلك لغة فصيحة، كقوله: ﴿إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: 22] ، والتقدير: يا أيها النبي قل لهم: إذا طلقتم النساء، فطلقوهن لعدتهن، وهذا هو قولهم: إن الخطاب له وحده، والمعنى له وللمؤمنين، وإذا أراد الله بالخطاب المؤمنين لاطفه بقوله: ﴿يا أيها النبي﴾ ، وإذا كان الخطاب باللفظ والمعنى جميعاً له قال: ﴿يا أيها الرسول﴾ . قال القرطبي: ويدلّ على صحة هذا القول نزول العدة في أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية. روى أبو داود: أنها طُلِّقت على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولم يكن للمطلَّقة عدّة، فأنزل الله - تعالى - العِدّة للطلاق حين طُلقت أسماء، فكانت أولَّ من أُنزل فيها العدة للطلاق. الخامس: قال الزمخشري: «خصّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالنداء وعمّ بالخطاب؛ لأن النبي إمام أمته وقدوتهم كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت اعتباراً لتقدمه وإظهاراً لترؤسه» في كلامٍ حسنٍ. وهذا هو معنى القول الثالث المتقدم. قال القرطبي: وقيل: المراد به نداء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تعظيماً له، ثم ابتدأ: ﴿إذا طلّقتم النساء﴾ ، كقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام﴾ [المائدة: 90] الآية فذكر المؤمنين تكريماً لهم، ثم افتتح فقال: ﴿إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام﴾ [المائدة: 90] الآية. وقوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ أي: إذا أردتم، كقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة﴾ [المائدة: 6] ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القرآن﴾ [النحل: 98] . وتقدم تحقيقه. فصل في طلاق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ روى ابن ماجة عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ طلّق حفصة ثم راجعها. وعن أنس قال: طلق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حفصة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - فأتَتْ أهلها، فأنزل الله تعالى عليه: ﴿يا أيها النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ، وقيل له: راجعها فإنها صوَّامة قوَّامة، وهي من أزواجك في الجنة. ذكره القشيري والماوردي والثعلبي. زاد القُشيريّ: ونزل في خروجها إلى أهلها قوله تعالى: ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ . وقال الكلبي: سبب نزول هذه الآية غضبُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على حفصة لما أسر إليها حديثاً فأظهرته لعائشة، فطلقها تطليقة، فنزلت الآية. وقال السُّديُّ: نزلت في عبد الله بن عمر، طلق امرأته حائضاً تطليقة واحدة، فأمره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، فإن أراد أن يطلقها فليطلِّقها حين تطهر من قبل أن يجامعها فتلك العدَّة التي أمر اللَّه أن تطلق لها النساء. وقد قيل: إن رجالاً فعلوا مثل ما فعل عبد الله بن عمر، منهم عبد الله بن عمرو بن العاص، وعمرو بن سعيد بن العاص، وعتبة بن غزوان، فنزلت الآية فيهم. قال ابن العربي: وهذا كله وإن لم يكن صحيحاً فالقول الأول أمثل وأصح، والأصح فيه أنه بيان لشرع مبتدأ. فصل في الطلاق روى الثعلبي من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ مِنْ أبْغَضِ الحَلالِ إلى اللَّهِ الطَّلاقُ» . وعن علي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «تَزَوَّجُوا ولا تُطَلِّقُوا، فإنَّ الطَّلاقَ يَهْتَزُّ مِنْه العَرْشُ» . وعن أبي موسى قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لا تُطلِّقُوا النِّساءَ إلاَّ من ريبَةٍ فإنَّ اللَّه - عزَّ وجلَّ - لا يُحِبُّ الذَّوَّاقِينَ ولا الذواقات» . وعن أبي موسى قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَا حَلَفَ بالطَّلاقِ ولا اسْتَحْلَفَ بِهِ إلاَّ مُنَافِقٌ» أسنده الثعلبي. وروى الدارقطني عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «يَا مُعَاذُ مَا يَخْلُقُ اللَّهُ تَعالَى شَيْئاً عَلَى وَجْهِ الأرْضِ أحَبُّ إليْهِ مِنَ العِتَاقِ، ولا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى شَيْئاً أبْغَضَ إِليْهِ من الطَّلاقِ، فإذَا قَالَ الرَّجُلُ لمَمْلُوكَهِ: أنتَ حُرٌّ - إن شَاءَ اللَّهُ - فَهُو حُرٌّ ولا اسْتِثْنَاءَ لَهُ، وإذَا قَالَ الرَّجلُ لامْرأتِهِ: أنت طَالِقٌ إن شَاءَ الله فَلهُ اسْتِثْنَاؤهُ، ولا طَلاقَ عَلَيْهِ» . وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَا أحَلَّ اللَّهُ شَيْئاً أبْغَضَ إلَيْهِ مِنَ الطَّلاقِ، فَمَن طلَّقَ واسْتَثْنَى فَله ثنياه» . قال ابن المنذر: واختلفوا في الاستثناء في الطلاق والعتق: فقالت طائفة بجوازه، وهو مروي عن طاووس. قال حماد الكوفي: والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. وقال مالك والأوزاعي: لا يجوز الاستثناء في الطلاق خاصة. قال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول. فصل في وجوه الطلاق روى الدارقطني عن ابن عباس أنه قال: الطلاق على أربعة وجوه وجهان حلالان، ووجهان حرامان. فأما الحلال، فأن يطلقها [طاهراً] من غير جماع، وأن يطلّقها حاملاً متبيناً حملها، وأما الحرام فأن يطلقها حائضاً، وأن يطلقها حين يجامعها لا يدري أشْتَمَلَ الرَّحمُ على ولدٍ أمْ لاَ. واعلم أن الطلاق في حال الحيض والنفاس بدعة، وكذلك في الطُّهر الذي جامعها فيه لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «وإن شَاءَ طلَّق قَبْلَ أن يمضي» . وطلاق السُّنة: أن يُطلِّقها في طُهْرٍ لم يجامعها فيه، وهذا في حقِّ المرأة يلزمها العدة بالأقراء. وأما طلاق غير المدخول بها في حيضها، أو الصغيرة التي لم تحض، والآيسة بعدما جامعها، أو طلق الحامل بعد ما جامعها، أو في حال رؤية الدم لا يكون بدعيًّا ولا سنيًّا لقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «ثُمَّ ليُطلِّقْهَا طَاهِراً أو حَاملاً» . والخُلْع في حال الحيض أو في طهر جامعها فيه فلا يكون بدعياً، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أذن لثابت بن قيس في مخالعة زوجته من غير أن يعرف حالها، ولولا جوازه في جميع الأحوال لاستفسره. قوله: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ . قال الزمخشري: «مستقبلات لعدتهن» ، كقولك: أتيته لليلة بقيت من المحرم أي: مستقبلاً لها، وفي قراءة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ﴿من قبل عدتهن﴾ انتهى. وناقشه أبو حيان في تقدير الحال التي تعلق بها الجار كوناً خاصًّا. وقال: «الجار إذا وقع حالاً إنما يتعلق بكون مطلق» . وفي مناقشته نظر، لأن الزمخشري لم يجعل الجار حالاً، بل جعله متعلقاً بمحذوف دلّ عليه معنى الكلام. وقال أبو البقاء: «لعدَّتهنَّ» أي: عندما يعتد لهن به، وهن في قبل الطهر. وهذا تفسير معنى لا تفسير إعراب. وقال أبو حيان: «هو على حذف مضاف، أي: لاستقبال عدتهن، واللام للتوقيت، نحو: لقيته لليلة بقيت من شهر كذا» انتهى. فعلى هذا تتعلق اللام ب «طلقوهن» . وقال الجرجاني: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ صفة للطَّلاق. كيف يكون، وهذه اللام تجيء لمعان مختلفة؟ للإضافة، وهي أصلها، أو لبيان السبب والعلة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله﴾ [الإنسان: 9] . أو بمعنى «عند» كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس﴾ [الإسراء: 78] أي: عنده. وبمنزلة «في» كقوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحشر﴾ [الحشر: 2] ، أي: في أول الحشر. وهي في هذه الآية بهذا المعنى، لأن المعنى: فطلقوهن في عدتهن، أي: في الزمان الذي يصلح لعدتهن. فصل في قوله: لعدتهن قال القرطبي: قوله: «لعدَّتِهِنَّ» يقتضي أنهن اللاتي دخل بهن الأزواج، لأن غير المدخول بهن خرجن بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49] وحصل الإجماع على أن الطلاق في الحيض ممنوع منه، وفي الطهر مأذون فيه، وهذا يدل على أن القرء هو الطهر. فإن قيل: معنى قوله: «فطَلِّقُوهُنَّ لعِدَّتِهِنَّ» أي: في قُبُل عدتهن، أو لقبل عدتهن وهي قراءة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كما قال ابن عمر، فقبول العدة آخر الطهر حتى يكون القرء الحَيْض؟ . قيل: هذا هو الدليل الواضح لمن قال: بأن الأقْراءَ هي الأطْهَار، ولو كان كما قال الحنفي، ومن تابعه لوجب أن يقال: إن من طلق في أول الطهر لا يكون مطلقاً لقبل الحيض لأن الحيض لم يُقْبِل بعد، وأيضاً إقبال الحيض يكون بدخول الحيض، وبانقضاء الطهر لا يتحقق إقبال الحيض، ولو كان إقبال الشيء إدبار ضده لكان الصائم مفطراً قبل انقضاء النهار ثُمَّ إذا طلق في آخر الطهر فبقيّة الطهر قرء، ولأن بعض القرء يسمى قرءاً، كقوله تعالى: ﴿الحج أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] ، يعني شوال وذو القعدة وذو الحجة، وكقوله: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: 203] وهو ينفر في بعض اليوم الثاني. وقال البغوي: معنى قوله «لِعدَّتهِنَّ» أي: لطهرهن الذي يحضنه من عدتهن، وكان ابن عبَّاس وابن عمر يقرآن: ﴿فطلقوهن في قبل عدتهن﴾ ، والآية نزلت في عبد الله بن عمر. فصل في الطلاق في الحيض من طلق في طهر جامع فيه أو حائضاً نفذ طلاقه، وأخطأ السُّنة. وقال سعيد بن المسيب في آخرين: لا يقع الطلاق في الحيض لأنه خلاف السنة، وإليه ذهبت الشيعة. فصل في طلاق السنة قال عبد الله بن مسعود: طلاق السنة أن يطلقها في كل طُهْر تطليقة، فإذا كان آخر ذلك، فتلك العدّة التي أمر الله بها. قال القرطبي: قال علماؤنا: طلاق السُّنة ما جمع شروطاً سبعة: وهو أن يطلقها واحدة، وهي ممن تحيض طاهراً، لم يمسّها في ذلك الطُّهر، ولا تقدمه طلاق في حيض ولا تبعه طلاق في طهر يتلوه، وخلا عن العوض، وهذه الشروط السبعة من حديث ابن عمرو. وقال الشافعي: طلاق السُّنة: أن يطلقها في كل طُهْرٍ خاصة، ولو طلقها ثلاثاً في طُهْر لم يكن بدعة. قال ابن العربي: «وهذه غفلة عن الحديث الصحيح، فإنه قال فيه:» مُرةُ فَليُرَاجِعْهَا» وهذا يدفع الثلاث «. وفي الحديث أنه قال:» » أرَأيْتَ لَوْ طَلقَّهَا ثلاثاً «؟ قَال:» حَرُمَتْ عليْكَ، وكَانَتْ مِنكَ بِمَعْصيَةٍ «» . وقال أبو حنيفة: ظاهر الآية يدل على أن الطلاق الثلاث والواحد سواء. وهو مذهب الشافعي. لولا قوله بعد ذلك: ﴿لاَ تَدْرِى لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ [الطلاق: 1] ، وهذا يبطل دخول الثلاث تحت الآية، وبذلك قال أكثر العلماء. قال القرطبي: وأما مالك فلم يخف عليه إطلاق الآية، ولكن الحديث فسرها، وأما قول الشعبي فمردود بحديث ابن عمر. واحتج الشافعي بأن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته تماضر بنت الأصبغ الكلبية وهي أم أبي سلمة ثلاث تطليقات في كلمة واحدة، ولم يبلغنا أن أحداً من الصحابة عاب ذلك عليه. وأن حفص بن المغيرة طلق امرأته فاطمة بنت قيس على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثلاث تطليقات في كلمة واحدة، فأبانها منه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ولم يبلغنا أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عاب ذلك عليه. وبحديث عويمر العجلاني، لما لاعن، قال: يا رسول الله، هي طالق ثلاثة، فلم ينكر عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. فصل في نزول العدة للطلاق روى أبو داود عن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، أنها طلقت على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولم يكُن للمطلقة عدة فأنزل الله - تعالى - حين طلقت أسماء العدّة للطلاق، فكانت أول من أنزل فيها العدة للطلاق. قوله: ﴿وَأَحْصُواْ العدة﴾ . يعني في المدخول بها، أي: احفظوا الوقت الذي وقع فيه الطلاق. قيل: أمر بإحصاء العدة لتفريق الطلاق على الأقراء إذا أراد أن يطلق ثلاثاً، وقيل: للعلم ببقاء زمان الرجعة ومراعة أمر النفقة والسكن. وفي المخاطب الإحصاء أقوال. أحدها: أنهم الأزواج. والثاني: هم الزوجات. والثالث: هم المسلمون. قال ابن العربي: والصحيح أنهم الأزواج؛ لأن الضمائر كلها من «طَلَّقتُمْ» ، و «أحْصُوا العِدَّة» و «لا تُخْرجُوهُنَّ» على نظام واحد، فرجع إلى الأزواج، ولكن الزوجات داخلة فيه بالإلحاق، لأن الزوج يُحْصِي ليراجع، وينفق أو يقطع، وليسكن أو يخرج، وليلحق نسبه أو يقطع، وهذه أمور كلها مشتركة بينه وبين المرأة، وتنفرد المرأة دونه بغير ذلك وكذلك الحاكم يفتقر إلى إحصاء العدة للفَتْوَى عليها، وفصل الخصومة عند المنازعة، وهذه فوائد الأمر بإحصاء العدّة. قوله: ﴿واتقوا الله رَبَّكُمْ﴾ . أي: لا تعصوه. ﴿لا تخرجوهنَّ من بيوتهنَّ﴾ . أي: ليس للزَّوج أن يخرجها من مسكن النكاح ما دامت في العدّة، ولا يجوز لها الخروج أيضاً لحق الزوج إلا لضرورة ظاهرة، فإن خرجت أثِمَتْ، ولا تنقطع العدّة. فإن قيل: ما الحِكمةُ في قوله تعالى: ﴿واتقوا الله رَبَّكُمْ﴾ ولم يقتصر على قوله ﴿واتقوا الله﴾ ؟ . فالجواب: إن في هذا من المبالغة ما ليس في ذاك، فإن لفظ الرَّبِّ يفهم منه التربية، وينبه على كثرة الإنعام بوجوه كثيرة، فيبالغون في التَّقوى حينئذ خوفاً من فوت تلك التربية. فصل في الرجعية والمبتوتة. والرجعية والمبتوتة في هذا سواء، وذلك لصيانة ماء الرجل، وهذا معنى إضافة البيوت إليهن، كقوله تعالى: ﴿واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: 24] ، وقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: 33] فهو إضافة إسكان لا إضافة تمليك، وقوله ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ﴾ يقتضي أن يكون حقًّا على الأزواج، وقوله: ﴿ولا يخرجن﴾ يقتضي أنه حق على الزوجات، فلا يجوز لها أن تخرج ما لم تنقض عدتها، فإن خرجت لغير ضرورة أو حاجة أثمت، فإن وقعت ضرورة أو خافت هدماً أو غرقاً، فلها أن تخرج إلى منزل آخر، وكذلك إن كانت لها حاجة من بيع غَزْل أو شراء قطن، فيجوز لها الخروج نهاراً ولا يجوز ليلاً؛ فإن رجالاً استشهدوا ب «أحد» ، فقالت نساؤهم: نستوحش في بيوتنا فإذِنَ لهن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يتحدثن عند إحداهن، فإذا كان وقت الليل تأوي كل امرأة إلى بيتها. وأذن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لخالة جابر لما طلقها زوجها أن تخرج لجداد نخلها. وإذا لزمتها العدة في السفر تعتد ذاهبة وجائية، والبدوية تَنْتَوي حيث يَنْتَوي أهلها في العدة، لأن الانتقال في حقهم كالإقامة في حق المقيم. وقال أبو حنيفة: ذلك في المتوفى عنها زوجها، وأما المطلقة فلا تخرج ليلاً ولا نهاراً. وهذا مردود بحديث فاطمة بنت قيس «لما قدمت أرسل زوجها أبو حفص بن عمرو بتطليقة كانت بقيت من طلاقها، وأرسل إليها وكيله بشير فسخطته، فقال لها الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة: والله ما لك من نفقة إلا أن تكوني حاملاً، فأتت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فذكرت له قولهما، فقال: لا نفقة لك» ، وفي رواية: «ولاَ سَكَنَ» ، فاستأذنت في الانتقال، فأذن لها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، فلما انقضت عدتها أنكحها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أسامة بن زيد، فأرسل إليها مروان قبيصة بن ذؤيب يسألها عن الحديث، فحدثته، فقال مروان: لم نسمع بهذا الحديث إلا من امرأة سنأخذ بالعصْمَةِ التي وجدنا النَّاس عليها، فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان: فبيني وبينكم القرآن، قال الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ ، قالت: هذا لما كانت له رجعة، لقوله: ﴿لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمراً﴾ ، فأي أمر يحدث بعد الثَّلاث؟ فكيف تقولون: «لا نَفقَةَ إذَا لَمْ تَكُنْ حامِلاً، فعلام تَحبسُونهَا» لفظ مسلم. فبين أن الآية في تحريم الإخراج، والخروج إنما هو في الرجعية. فاستدلّت فاطمة أن الآية إنما تضمنت النهي عن خروج المطلقة الرجعية لأنها بصدد أن يحدث لمطلقها رأي في ارتجاعها ما دامت في عدتها فكانت تحت تصرف الزوج في كل وقت. وأما البائن فليس له شيء في ذلك، فيجوز أن تخرج إذا دعتها لذلك حاجة. قوله: ﴿إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ﴾ . قال ابن عباس، وابن عمر، والحسن، والشعبي، ومجاهد: هو الزِّنا، فتخرج ويقام عليها الحد. وعن ابن عباس أيضاً: أنه البذاء على أحمائها، فيحل لهم إخراجها. وعن سعيد بن المسيب أنه قال في فاطمة: تلك امرأة استطالت على أحمائها بلسانها فأمرها النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أن تنتقل. وفي كتاب أبي داود، قال سعيد: تلك امرأة فتنت النَّاس، إنها كانت لسنةً فوضعت على يدي أم مكتوم الأعمى. قال عكرمة: في مصحف أبيٍّ ﴿إلا أن يفحشن عليْكم﴾ . ويقوي هذا أن محمد بن إبراهيم بن الحارث روي أن عائشة قالت لفاطمة بنت قيس: اتَّقي الله، فإنك تعلمين لم أخرجت. وعن ابن عبَّاس أيضاً: أن الفاحشة كل معصية كالزِّنا والسرقة والبذاء على الأهل، وهو اختيار الطبري. وعن ابن عباس أيضاً والسدي: «الفاحشة خروجها من بيتها في العدة» . وتقدير الآية: إلا أن يأتين بفاحشة لخروجهن من بيوتهن بغير حق، أي: لو خرجت كانت عاصية. وقال قتادة: «الفاحشة» النشوز، وذلك أن يطلقها على النُّشوز، فتتحول عن بيته. وقال ابن العربي: أما من قال: إنه الخروج للزنا، فلا وجه له؛ لأن ذلك الخروج هو خروج القَتْل والإعدام، وليس ذلك بمستثنى في حلال ولا حرام، وأما من قال: إنه البذاء، فهو معتبر في حديث فاطمة بنت قيس، وأما من قال: إنه كل معصية فوهم، لأن الغيبة ونحوها من المعاصي لا تبيح الإخراج ولا الخروج، وأما من قال: إنه الخروج بغير حقًّ فهو صحيح، وتقدير الكلام: لا تخرجوهن من بيوتهن، ولا يخرجن شرعاً إلا أن يخرجن تعدِّياً. قوله: ﴿مُّبَيِّنَةٍ﴾ . قرىء: بكسر الياء. ومعناه: أن الفاحشة إذا تفكَّرت فيها تبين أنها فاحشة. وقرىء: بفتح الياء المشددة. والمعنى: أنها مبرهنة بالبراهين، ومبينة بالحُجَجِ. قوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ الله﴾ . أي: هذه الأحكام المبينة أحكام الله على العباد، وقد منع التجاوز عنها، فمن تجاوزها فقد ظلم نفسه وأوردها مورد الهلاك. قوله: ﴿لاَ تَدْرِى لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ . الأمر الذي يحدث الله أن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليها فيراجعها. وقال جميع المفسرين: أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة، ومعنى الكلام: التحريض على طلاق الواحدة والنهي عن الثلاث، فإنه إذا طلق ثلاثاً أضر بنفسه عند الندم على الفراق والرغبة في الارتجاع فلا يجد للرجعة سبيلاً. وقال مقاتل: «بعد ذلك» أي بعد طلقة أو طلقتين «أمراً» أي: المراجعة من غير خلاف. قوله: ﴿لَعَلَّ الله﴾ . هذه الجملة مستأنفة، لا تعلُّق لها بما قبلها، لأن النحاة لم يعدوها في المعلقات. وقد جعلها أبو حيَّان مما ينبغي أن يعد فيهن، وقرر ذلك في قوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ﴾ [الأنبياء: 111] . فهناك يطلب تحريره.

الطلاق 65:2

قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ . قرأ العامة: «أجَلَهُنَّ» ؛ لأن الأجل من حيثُ هو واحد، وإن اختلفت أنواعه بالنسبة إلى المعتدات. والضحاك وابن سيرين: «آجَالهُنّ» جمع تكسير. اعتباراً بأن أجل هذه غير أجل تلك. فصل في معنى الآية معنى قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: قاربن انقضاء العدة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [البقرة: 131] أي: قربن من انقضاء الأجل ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ يعني المراجعة بالمعروف أي: بالرغبة من غير قصد المضارة في المراجعة تطويلاً لعدتها كما تقدم في البقرة ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: اتركوهن حتَّى تنقضي عدّتهن، فيملكن أنفسهن. وفي قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ ما يوجب أن يكون القول قول المرأة في انقضاء عدتها إذا ادعت ذلك على ما تقدم في «البقرة» عند قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله في أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: 228] الآية. فصل قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 231] وقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] أن الزوج له حق في بدنه وذمته، فكل من له دَيْن في ذمة غيره سواء كان مالاً، أو منفعة من ثمنٍ، أو مثمن، أو أجرة، أو منفعة، أو صداق، أو نفقة، أو بدل متلف، أو ضمان مغصوب، فعليه أن يؤدي ذلك الحق الواجب بإحسان، وعلى صاحب الحق أن يتبع بإحسان كما قال تعالى في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فاتباع بالمعروف وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] . وكذلك الحق الثابت في بدنه مثل حق الاستمتاع والإجارة على عينه ونحو ذلك، فالطالب يطلب بمعروف والمطلوب يؤدى بإحسان. قوله: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ . أمر بالإشهاد على الطلاق، وقيل على الرجعة. قال القرطبي: «والظاهر رجوعه إلى الرجعة لا إلى الطلاق، فإن راجع من غير إشهاد ففي صحة الرجعة قولان. وقيل: المعنى وأشهدوا عند الرجعة والفرقه جميعاً وهذا الإشهاد مندُوب إليه عند أبي حنيفة، كقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282] ، وعند الشَّافعي واجبٌ في الرَّجعة مندوب إليه في الفرقة، وفائدة الإشهاد ألا يقع بينهما التجاحد، وألاَّ يتهم في إمساكها، ولئلا يموت أحدهما فيدعي الباقي بثبوت الزوجية فيرث» . فصل في الإشهاد على الرجعية الإشهاد على الرجعية ندب عند الجمهور، وإذا جامع أو قبل أو باشر يريد بذلك الرَّجعة، فليس بمراجع. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا قبل أو باشر أو لمس بشهوة، فهو رجعة وكذلك النظر إلى الفَرْج رجعة. وقال الشافعي وأبو ثور: إذا تكلم بالرجعة، فهي رجعة. وقيل: وطؤه مراجعة على كُلِّ حال، نواها أو لم ينوها، وهو مذهب أحمد وإليه ذهب الليث وبعض المالكية. قال القرطبي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: وكان مالك يقول: إذا وطىء ولم ينو الرجعة، فهو وَطْء فاسد، ولا يعود إلى وطئها حتى يستبرئها من مائهِ الفاسد، وله الرجعة في بقية العدة الأولى، وليست له رجعة في هذا الاستبراء. فصل فيمن أوجب الإشهاد في الرجعة أوجب الإشهاد في الرجعة الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، والشافعي كذلك لظاهر الأمر. وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد والشافعي في القول الآخر: إنَّ الرجعة لا تفتقر إلى القبول فلم تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق، وخصوصاً حل الظهار بالكفارة. فصل إذا ادّعى بعد انقضاء العدة أنه راجع امرأته في العدة، فإن صدقته جاز، وإن أنكرت حلفت، فإن أقام بينةً أنه ارتجعها في العدة، ولم تعلم بذلك لم يضرّه جهلها، وكانت زوجته وإن كانت قد تزوجت ولم يدخل بها، ثم أقام الأول البيّنة على رجعتها، فعن مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ذلك روايتان: إحداهما: أن الأول أحق بها. والأخرى: أن الثاني أحق بها، فإن كان الثاني قد دخل بها فلا سبيل للأول إليها. قوله: ﴿ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ . قال الحسنُ: من المسلمين. وعن قتادة: من أحراركم، وذلك يوجب اختصاص الشهادة على الرجعة بالذكور دون الإناث؛ لأن «ذَوَيْ» للمذكر. قال القرطبي: «ولذلك قال علماؤنا: ولا مدخل للنساء فيما عدا الأموال» . قوله: ﴿وَأَقِيمُواْ الشهادة لِلَّهِ﴾ كما تقدم في «البقرة» . أي: تقرباً إلى الله في إقامة الشهادة على وجهها إذا مست الحاجة إليها من غير تبديل ولا تغيير. قوله: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ﴾ أي: يرضى به ﴿مَن كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر﴾ فأما غير المؤمن فلا ينتفع بهذه المواعظ. قوله: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ . قال الزمخشري: «قوله: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله﴾ جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من أمر الطلاق على السُّنَّة» كما مر. روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سئل عمن طلق زوجته ثلاثاً أو ألفاً هل له من مخرج؟ [فتلاها] . وقال ابن عباس والشعبي والضحاك: هذا في الطلاق خاصة، أي: من طلق كما أمره الله يكن له مخرج في الرجعة في العدة، وأن يكون كأحد الخطاب بعد العدة. وعن ابن عبَّاس أيضاً: يجعل له محرجاً ينجِّيه من كل كربٍ في الرجعة في الدنيا والآخرة. وقيل: المخرج هو أن يقنعه الله بما رزقه. قاله علي بن صالح. وقال الكلبي: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله﴾ بالصَّبر عند المصيبة ﴿يجعل له مخرجاً﴾ من النار إلى الجنة. وقال الحسن: مخرجاً مما نهى الله عنه. وقال أبو العالية: مخرجاً من كل شدة. وقال الربيع بن خيثم: مخرجاً من كل شيء ضاق على الناس. وقال الحسين بن الفضل: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله﴾ في أداء الفرائض ﴿يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ من العقوبة ﴿وَيَرْزُقْهُ﴾ الثواب ﴿مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ أن يبارك له فيما آتاه. وقال سهل بن عبد الله: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله﴾ في اتباع السُّنَّة ﴿يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ من عقوبة أهل البدع ﴿مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ . وقال أبو سعيد الخدري: ومن تبرأ من حوله وقوَّتهِ بالرجوع إلى اللَّه ﴿يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ مما كلفه الله بالمعونة. وقال ابن مسعود ومسروق: الآية على العموم. وقال أبو ذر: «قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» إنِّي لأعلمُ آيَةً لوْ أخَذَ النَّاسُ بِهَا لَكَفَتهُمْ «وتلا: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ [فما زال يكررها ويعيدها» . وقال ابن عباس: «قرأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويزرقه من حيث لا يحتسب﴾ ] قال:» مخرجاً من شُبهات الدنيا، ومن غمرات الموتِ، ومن شدائد يوم القيامة «» . وقال أكثر المفسرين: «نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، أسر المشركون ابناً له يسمى سالماً، فأتى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يشتكي إليه الفاقة، وقال: إن العدوّ أسر ابني وجزعت الأم، فما تأمرني؟ قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -:» اتِّق اللَّهَ واصْبِرْ، وآمُرُكَ وإيَّاهَا أن تَسْتَكْثِرَا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» ، فعاد إلى بيته، وقال لامرأته: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أمرني وإياك أن نستكثر من قول» لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم «فقالت: نِعْمَ ما أمرنا به، فجعلا يقولان، فغفل العدو عن ابنه فساق غنمهم، وجاء بها إلى أبيه، وهي أربعة آلاف شاةٍ، فنزلت الآية، وجعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تلك الأغنام له» . وروي أنه جاء وقد أصاب إبلاً من العدو، وكان فقيراً. فقال الكلبي: إنه أصاب خمسين بعيراً. وفي رواية: فانفلت ابنه من الأسر وركب ناقة للقوم ومر في طريقه بسرح لهم فاستاقه. وقال مقاتل: «أصاب غنماً ومتاعاً، فقال أبوه للنبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أيحل لي أن آكل مما أتى به ابني؟ قال: نعم» ، ونزلت: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ . وروى الحسن عن عمران بن الحصين قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَن انقَطَعَ إلى اللَّهِ كَفَاهُ اللَّهُ كُلَّ مَؤونةٍ ورَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، ومن انقطع إلى الدُّنيا وكلها اللَّهُ إليهِ» . وقال الزجاج: أي: إذا اتقى وآثر الحلال والصبر على أهله فتح الله عليه إن كان ذا ضيق ورزقه من حيث لا يحتسب. وعن ابن عباس: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «مَنْ أكْثَرَ الاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ من كُلِّ هَمٍّ فَرجاً، ومِن كُلِّ ضيقٍ مَخْرَجاً، ورَزقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ» . قوله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ . أن من فوّض إليه أمره كفاهُ ما أهمَّه. وقيل: من اتقى الله وجانب المعاصي وتوكل عليه فله فيما يعطيه في الآخرة من ثوابه كفاية، ولم يرد الدنيا؛ لأن المتوكل قد يصاب في الدنيا وقد يقتل. وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «لَوْ أنَّكُمْ تَتوكَّلُونَ على اللَّهِ حقَّ تَوكُّلِهِ لرزقَكُم كَمَا يَرزقُ الطَّيْر تَغْدُو خِمَاصاً وتَرُوحُ بِطَاناً» . قوله: ﴿إِنَّ الله بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ . قرأ حفص: «بَالِغُ» من غير تنوين «أمْرِهِ» مضاف إليه على التخفيف. والباقون: بالتنوين والنصب، وهو الأصل، خلافاً لأبي حيان. وقرأ ابن أبي عبلة وداود بن أبي هند، وأبو عمرو في رواية: «بَالِغٌ أمْرُهُ» بتنوين «بالغ» ورفع «أمره» . وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون «بالغ» خبراً مقدماً، و «أمره» مبتدأ مؤخر، والجملة خبر «إن» . والثاني: أن يكون «بالغ» خبر «إن» و «أمره» فاعل به. قال الفراء: أي: أمره بالغ. وقيل: «أمره» مرتفع ب «بالغ» والمفعول محذوف، والتقدير: بالغ أمره ما أراد. وقرأ المفضل: «بالغاً» بالنصب، «أمرُه» بالرفع. وفيه وجهان: أظهرهما: وهو تخريج الزمخشري: أن يكون «بالغاً» نصباً على الحال، و ﴿قَدْ جَعَلَ الله﴾ هو خبر «إن» تقديره: إن الله قد جعل لكل شيء قدراً بالغاً أمره. والثاني: أن يكون على لغة من ينصب الاسم والخبر بها، كقوله: [الطويل] 4782 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ..... ... ... ... ... . إنَّ حُرَّاسنَا أسْدَا ويكون «قَدْ جَعَلَ» مستأنفاً كما في القراءة الشهيرة. ومن رفع «أمره» فمفعول «بالغ» محذوف، تقديره: ما شاء، كما تقدم في القرطبي. فصل في معنى الآية قال مسروق: يعني قاضٍ أمره فيمن توكل عليه وفيمن لم يتوكل عليه إلا أن من توكل عليه يكفر عنه سيئاته، ويعظم له أجراً. قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ الله لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ . قيل: إن من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿مَخْرَجاً﴾ آية، ومنه إلى قوله تعالى: ﴿قَدْراً﴾ آية أخرى، وعند الكوفي والمدني المجموع آية واحدة. وقرأ جناح بن حبيش: «قَدراً» بفتح الدال. والمعنى: لكل شيء من الشدة والرخاء أجلاً ينتهي إليه. وقيل: تقديراً. وقال السدي: هو قدر الحيض في الأجل والعدة. وقال عبد الله بن رافع: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ فقال أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «فَنَحْنُ إذَا توكلنَا عليْهِ يُرسِلُ مَا كَانَ لَنَا وَلاَ نَحْفَظُهُ» ، فنزلت: ﴿إِنَّ الله بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ فيكم وعليكم. وقال الربيع بن خيثم: إنَّ الله قضى على نفسه أن من توكل عليه كفاه، ومن آمن به هداه، ومن أقرضه جازاه، ومن وثق به نجَّاه، ومن دعاه أجاب له. وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَمَن يُؤْمِن بالله يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: 11] ، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ، ﴿إِن تُقْرِضُواْ الله قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾ [التغابن: 17] ، ﴿وَمَن يَعْتَصِم بالله فَقَدْ هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: 101] ، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186] .

الطلاق 65:3

قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ . قرأ العامة: «أجَلَهُنَّ» ؛ لأن الأجل من حيثُ هو واحد، وإن اختلفت أنواعه بالنسبة إلى المعتدات. والضحاك وابن سيرين: «آجَالهُنّ» جمع تكسير. اعتباراً بأن أجل هذه غير أجل تلك. فصل في معنى الآية معنى قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: قاربن انقضاء العدة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [البقرة: 131] أي: قربن من انقضاء الأجل ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ يعني المراجعة بالمعروف أي: بالرغبة من غير قصد المضارة في المراجعة تطويلاً لعدتها كما تقدم في البقرة ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: اتركوهن حتَّى تنقضي عدّتهن، فيملكن أنفسهن. وفي قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ ما يوجب أن يكون القول قول المرأة في انقضاء عدتها إذا ادعت ذلك على ما تقدم في «البقرة» عند قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله في أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: 228] الآية. فصل قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 231] وقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] أن الزوج له حق في بدنه وذمته، فكل من له دَيْن في ذمة غيره سواء كان مالاً، أو منفعة من ثمنٍ، أو مثمن، أو أجرة، أو منفعة، أو صداق، أو نفقة، أو بدل متلف، أو ضمان مغصوب، فعليه أن يؤدي ذلك الحق الواجب بإحسان، وعلى صاحب الحق أن يتبع بإحسان كما قال تعالى في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فاتباع بالمعروف وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] . وكذلك الحق الثابت في بدنه مثل حق الاستمتاع والإجارة على عينه ونحو ذلك، فالطالب يطلب بمعروف والمطلوب يؤدى بإحسان. قوله: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ . أمر بالإشهاد على الطلاق، وقيل على الرجعة. قال القرطبي: «والظاهر رجوعه إلى الرجعة لا إلى الطلاق، فإن راجع من غير إشهاد ففي صحة الرجعة قولان. وقيل: المعنى وأشهدوا عند الرجعة والفرقه جميعاً وهذا الإشهاد مندُوب إليه عند أبي حنيفة، كقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282] ، وعند الشَّافعي واجبٌ في الرَّجعة مندوب إليه في الفرقة، وفائدة الإشهاد ألا يقع بينهما التجاحد، وألاَّ يتهم في إمساكها، ولئلا يموت أحدهما فيدعي الباقي بثبوت الزوجية فيرث» . فصل في الإشهاد على الرجعية الإشهاد على الرجعية ندب عند الجمهور، وإذا جامع أو قبل أو باشر يريد بذلك الرَّجعة، فليس بمراجع. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا قبل أو باشر أو لمس بشهوة، فهو رجعة وكذلك النظر إلى الفَرْج رجعة. وقال الشافعي وأبو ثور: إذا تكلم بالرجعة، فهي رجعة. وقيل: وطؤه مراجعة على كُلِّ حال، نواها أو لم ينوها، وهو مذهب أحمد وإليه ذهب الليث وبعض المالكية. قال القرطبي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: وكان مالك يقول: إذا وطىء ولم ينو الرجعة، فهو وَطْء فاسد، ولا يعود إلى وطئها حتى يستبرئها من مائهِ الفاسد، وله الرجعة في بقية العدة الأولى، وليست له رجعة في هذا الاستبراء. فصل فيمن أوجب الإشهاد في الرجعة أوجب الإشهاد في الرجعة الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، والشافعي كذلك لظاهر الأمر. وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد والشافعي في القول الآخر: إنَّ الرجعة لا تفتقر إلى القبول فلم تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق، وخصوصاً حل الظهار بالكفارة. فصل إذا ادّعى بعد انقضاء العدة أنه راجع امرأته في العدة، فإن صدقته جاز، وإن أنكرت حلفت، فإن أقام بينةً أنه ارتجعها في العدة، ولم تعلم بذلك لم يضرّه جهلها، وكانت زوجته وإن كانت قد تزوجت ولم يدخل بها، ثم أقام الأول البيّنة على رجعتها، فعن مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ذلك روايتان: إحداهما: أن الأول أحق بها. والأخرى: أن الثاني أحق بها، فإن كان الثاني قد دخل بها فلا سبيل للأول إليها. قوله: ﴿ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ . قال الحسنُ: من المسلمين. وعن قتادة: من أحراركم، وذلك يوجب اختصاص الشهادة على الرجعة بالذكور دون الإناث؛ لأن «ذَوَيْ» للمذكر. قال القرطبي: «ولذلك قال علماؤنا: ولا مدخل للنساء فيما عدا الأموال» . قوله: ﴿وَأَقِيمُواْ الشهادة لِلَّهِ﴾ كما تقدم في «البقرة» . أي: تقرباً إلى الله في إقامة الشهادة على وجهها إذا مست الحاجة إليها من غير تبديل ولا تغيير. قوله: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ﴾ أي: يرضى به ﴿مَن كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر﴾ فأما غير المؤمن فلا ينتفع بهذه المواعظ. قوله: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ . قال الزمخشري: «قوله: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله﴾ جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من أمر الطلاق على السُّنَّة» كما مر. روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سئل عمن طلق زوجته ثلاثاً أو ألفاً هل له من مخرج؟ [فتلاها] . وقال ابن عباس والشعبي والضحاك: هذا في الطلاق خاصة، أي: من طلق كما أمره الله يكن له مخرج في الرجعة في العدة، وأن يكون كأحد الخطاب بعد العدة. وعن ابن عبَّاس أيضاً: يجعل له محرجاً ينجِّيه من كل كربٍ في الرجعة في الدنيا والآخرة. وقيل: المخرج هو أن يقنعه الله بما رزقه. قاله علي بن صالح. وقال الكلبي: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله﴾ بالصَّبر عند المصيبة ﴿يجعل له مخرجاً﴾ من النار إلى الجنة. وقال الحسن: مخرجاً مما نهى الله عنه. وقال أبو العالية: مخرجاً من كل شدة. وقال الربيع بن خيثم: مخرجاً من كل شيء ضاق على الناس. وقال الحسين بن الفضل: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله﴾ في أداء الفرائض ﴿يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ من العقوبة ﴿وَيَرْزُقْهُ﴾ الثواب ﴿مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ أن يبارك له فيما آتاه. وقال سهل بن عبد الله: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله﴾ في اتباع السُّنَّة ﴿يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ من عقوبة أهل البدع ﴿مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ . وقال أبو سعيد الخدري: ومن تبرأ من حوله وقوَّتهِ بالرجوع إلى اللَّه ﴿يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ مما كلفه الله بالمعونة. وقال ابن مسعود ومسروق: الآية على العموم. وقال أبو ذر: «قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» إنِّي لأعلمُ آيَةً لوْ أخَذَ النَّاسُ بِهَا لَكَفَتهُمْ «وتلا: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ [فما زال يكررها ويعيدها» . وقال ابن عباس: «قرأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويزرقه من حيث لا يحتسب﴾ ] قال:» مخرجاً من شُبهات الدنيا، ومن غمرات الموتِ، ومن شدائد يوم القيامة «» . وقال أكثر المفسرين: «نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، أسر المشركون ابناً له يسمى سالماً، فأتى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يشتكي إليه الفاقة، وقال: إن العدوّ أسر ابني وجزعت الأم، فما تأمرني؟ قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -:» اتِّق اللَّهَ واصْبِرْ، وآمُرُكَ وإيَّاهَا أن تَسْتَكْثِرَا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» ، فعاد إلى بيته، وقال لامرأته: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أمرني وإياك أن نستكثر من قول» لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم «فقالت: نِعْمَ ما أمرنا به، فجعلا يقولان، فغفل العدو عن ابنه فساق غنمهم، وجاء بها إلى أبيه، وهي أربعة آلاف شاةٍ، فنزلت الآية، وجعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تلك الأغنام له» . وروي أنه جاء وقد أصاب إبلاً من العدو، وكان فقيراً. فقال الكلبي: إنه أصاب خمسين بعيراً. وفي رواية: فانفلت ابنه من الأسر وركب ناقة للقوم ومر في طريقه بسرح لهم فاستاقه. وقال مقاتل: «أصاب غنماً ومتاعاً، فقال أبوه للنبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أيحل لي أن آكل مما أتى به ابني؟ قال: نعم» ، ونزلت: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ . وروى الحسن عن عمران بن الحصين قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَن انقَطَعَ إلى اللَّهِ كَفَاهُ اللَّهُ كُلَّ مَؤونةٍ ورَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، ومن انقطع إلى الدُّنيا وكلها اللَّهُ إليهِ» . وقال الزجاج: أي: إذا اتقى وآثر الحلال والصبر على أهله فتح الله عليه إن كان ذا ضيق ورزقه من حيث لا يحتسب. وعن ابن عباس: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «مَنْ أكْثَرَ الاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ من كُلِّ هَمٍّ فَرجاً، ومِن كُلِّ ضيقٍ مَخْرَجاً، ورَزقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ» . قوله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ . أن من فوّض إليه أمره كفاهُ ما أهمَّه. وقيل: من اتقى الله وجانب المعاصي وتوكل عليه فله فيما يعطيه في الآخرة من ثوابه كفاية، ولم يرد الدنيا؛ لأن المتوكل قد يصاب في الدنيا وقد يقتل. وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «لَوْ أنَّكُمْ تَتوكَّلُونَ على اللَّهِ حقَّ تَوكُّلِهِ لرزقَكُم كَمَا يَرزقُ الطَّيْر تَغْدُو خِمَاصاً وتَرُوحُ بِطَاناً» . قوله: ﴿إِنَّ الله بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ . قرأ حفص: «بَالِغُ» من غير تنوين «أمْرِهِ» مضاف إليه على التخفيف. والباقون: بالتنوين والنصب، وهو الأصل، خلافاً لأبي حيان. وقرأ ابن أبي عبلة وداود بن أبي هند، وأبو عمرو في رواية: «بَالِغٌ أمْرُهُ» بتنوين «بالغ» ورفع «أمره» . وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون «بالغ» خبراً مقدماً، و «أمره» مبتدأ مؤخر، والجملة خبر «إن» . والثاني: أن يكون «بالغ» خبر «إن» و «أمره» فاعل به. قال الفراء: أي: أمره بالغ. وقيل: «أمره» مرتفع ب «بالغ» والمفعول محذوف، والتقدير: بالغ أمره ما أراد. وقرأ المفضل: «بالغاً» بالنصب، «أمرُه» بالرفع. وفيه وجهان: أظهرهما: وهو تخريج الزمخشري: أن يكون «بالغاً» نصباً على الحال، و ﴿قَدْ جَعَلَ الله﴾ هو خبر «إن» تقديره: إن الله قد جعل لكل شيء قدراً بالغاً أمره. والثاني: أن يكون على لغة من ينصب الاسم والخبر بها، كقوله: [الطويل] 4782 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ..... ... ... ... ... . إنَّ حُرَّاسنَا أسْدَا ويكون «قَدْ جَعَلَ» مستأنفاً كما في القراءة الشهيرة. ومن رفع «أمره» فمفعول «بالغ» محذوف، تقديره: ما شاء، كما تقدم في القرطبي. فصل في معنى الآية قال مسروق: يعني قاضٍ أمره فيمن توكل عليه وفيمن لم يتوكل عليه إلا أن من توكل عليه يكفر عنه سيئاته، ويعظم له أجراً. قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ الله لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ . قيل: إن من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿مَخْرَجاً﴾ آية، ومنه إلى قوله تعالى: ﴿قَدْراً﴾ آية أخرى، وعند الكوفي والمدني المجموع آية واحدة. وقرأ جناح بن حبيش: «قَدراً» بفتح الدال. والمعنى: لكل شيء من الشدة والرخاء أجلاً ينتهي إليه. وقيل: تقديراً. وقال السدي: هو قدر الحيض في الأجل والعدة. وقال عبد الله بن رافع: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ فقال أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «فَنَحْنُ إذَا توكلنَا عليْهِ يُرسِلُ مَا كَانَ لَنَا وَلاَ نَحْفَظُهُ» ، فنزلت: ﴿إِنَّ الله بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ فيكم وعليكم. وقال الربيع بن خيثم: إنَّ الله قضى على نفسه أن من توكل عليه كفاه، ومن آمن به هداه، ومن أقرضه جازاه، ومن وثق به نجَّاه، ومن دعاه أجاب له. وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَمَن يُؤْمِن بالله يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: 11] ، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ، ﴿إِن تُقْرِضُواْ الله قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾ [التغابن: 17] ، ﴿وَمَن يَعْتَصِم بالله فَقَدْ هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: 101] ، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186] .

الطلاق 65:4

قوله: ﴿واللائي يَئِسْنَ﴾ . تقدم الخلاف فيه. وأبو عمرو يقرأ هنا: «واللاّئي يئسن» بالإظهار. وقاعدته في [مثله] الإدغام، إلا أن الياء لما كانت عنده عارضة لكونها بدلاً من همزة، فكأنه لم يجتمع مثلان، وأيضاً فإن سكونها عارض، فكأن ياء «اللائي» متحركة، والحرف ما دام متحركاً لا يدغم في غيره، وقرىء: «يَئِسْنَ» فعلاً ماضياً. وقرىء: «يَيْئَسْنَ» مضارع. و ﴿مِنَ المحيض مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ . «من» الأولى لابتداء الغاية، وهي متعلقة بالفعل قبلها، والثانية للبيان متعلقة بمحذوف. و «اللاَّئِي» مبتدأ، و «فَعدَّتُهُنَّ» مبتدأ ثانٍ، و «ثَلاثةُ أشْهُرٍ» خبره، والجملة خبر الأول، والشرط معترض، وجوابه محذوف. ويجوز أن يكون «إن ارْتَبْتُمْ» جوابه ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ﴾ ، والجملة الشرطية خبر المبتدأ، ومتعلق الارتياب محذوف، تقديره: إن ارتبتم في أنها يئست أم لا لإمكان ظهور حمل وإن كان انقطع دمها. وقيل: إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس أهو دم حيض، أو استحاضة، وإذا كان هذا عدة المرتاب فيها فغير المُرتَاب فيها أولى. وأغرب ما قيل: إن «إنِ ارتَبْتُمْ» بمعنى: تَيَقَّنْتُمْ، فهو من الأضداد. قوله: ﴿واللاتي لَمْ يَحِضْنَ﴾ . مبتدأ، خبره محذوف، فقدره جملة كالأولى، أي: فعدتهن ثلاثة أشهر أيضاً، والأولى أن يقدر مفرداً، أي: فكذلك أو مثلهن. ولو قيل: بأنه معطوف على «اللاَّئِي يَئِسْنَ» عطف المفردات، وأخبر عن الجمع بقوله: «فعدَّتُهُنَّ» لكان وجهاً حسناً، وأكثر ما فيه توسُّطُ الخبر بين المبتدأ وما عطف عليه. وهذا ظاهر قول أبي حيان: و ﴿واللائي لَمْ يَحِضْنَ﴾ معطوف على قوله «واللاَّئِي يَئِسْنَ» ، فإعرابه مبتدأ كإعراب «واللائي» . قوله: ﴿وَأُوْلاَتُ الأحمال﴾ مبتدأ، و «أجَلُهُنَّ» مبتدأ ثانٍ، و «أن يَضَعْنَ» خبر المبتدأ الثاني وهو وخبره خبر الأول. والعامَّة: على إفراد «حَمْلَهُنَّ» . والضحاك: «أحْمَالهُنَّ» . فصل في عدة التي لا ترى الدم لما بين أمر الطلاق والرجعة في التي تحيض، وكانوا قد عرفوا عدة ذوات الأقراء عرفهم في هذه السورة عدة التي لا ترى الدم. قال أبو عثمان عمير بن سليمان: لما نزل عدة النِّساء في سورة البقرة في المطلقة والمتوفى عنها زوجها، قال أبيُّ بن كعب: يا رسول الله، إن ناساً يقولون: قد بقي من النساء من لم يذكر فيهن شيء، الصغار والكبار وذوات الحَمْل، فنزلت: ﴿واللائي يَئِسْنَ﴾ الآية. وقال مقاتل: لما ذكر قوله تعالى: ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قرواء﴾ [البقرة: 228] قال خلاّد بن النعمان: يا رسول الله، فما عدّة التي لم تَحِضْ، وعدة التي انقطع حيضها وعدة الحُبْلى؟ فنزلت: ﴿واللائي يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ ، يعني: قعدن عن الحيض. وقيل: إن معاذ بن جبل سأل عن عدّة الكبيرة التي يئست، فنزلت الآية. وقال مجاهد: الآية واردة في المستحاضة لا تدري دم حيض هو أو دم علة؟ . فصل في تفسير الآية قال المفسرون: ﴿واللائي يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ ، فلا يرجون أن يحضن «إن ارتبْتُمْ» أي: شككتم. وقيل: تيقنتم، وهو من الأضداد، يكون شكًّا ويقيناً كالظَّن. واختيار الطَّبري: أن يكون المعنى إن شككتم، فلم تدروا ما الحكم فيهن. وقال الزجاج: إن ارتبتم في حيضها وقد انقطع عنها الحيض وكانت ممن يحيض مثلها. قال القشيري: وفي هذا نظر، لأنا إذا شككنا، هل بلغت سن اليأس لم نقل: عدتها ثلاثة أشهر. والمعتبر في سن اليأس أقصى عادة امرأة في العالم. وقيل: غالب نساء عشيرة المرأة. وقال مجاهد: قوله: «إن ارْتَبْتُمْ» للمخاطبين، يعني إن لم تعلموا كم عدة الآيسة، والتي لم تحضْ فالعدّة هذه. وقيل: المعنى إن ارتبتم أن الدم الذي يظهر منها من أجل كبر أو من الحيض المعهود أو من الاستحاضة فالعدة ثلاثة أشهر. وقال عكرمة وقتادة: من الريبة المرأة المستحاضة التي لا يستقيم لها الحيض تحيض في أول الشهر مراراً، وفي الأشهر مرة. وقيل: إنه متصل بأول السورة، والمعنى لا تخرجوهن من بيوتهن إن ارتبتم في انقضاء العدة. قال القرطبي: «وهو أصح ما قيل فيه» . فصل في المرتابة في عدتها المرتابة في عدتها لم تنكح حتى تستبرىء نفسها من ريبتها، ولا تخرج من العدة إلا بارتفاع الرِّيبة، وقد قيل في المرتابة التي ارتفع حيضها، لا تدري ما رفعه إنها تنتظر سنة من يوم طلَّقها زوجها، منها تسعة أشهر استبراء، وثلاثة عدة، فإن طلقها فحاضت حيضة، أو حيضتين، ثم ارتفع حيضها بغير يأس منها انتظرت تسعة أشهر ثم ثلاثة من يوم طهرت من حيضها ثم حلت [للأزواج] . وهذا قول الشافعي بالعراق. فعلى قياس هذا القول تقيم الحرة المتوفى عنها زوجها المستبرأة بعد التسعة أشهر [أربعة أشهر وعشراً، والأمة شهرين وخمس ليال بعد التسعة أشهر] . وروي عن الشافعي أيضاً: أن أقراءها على ما كانت حتى تبلغ سنَّ اليائسات. وهو قول النخعي والثوري وغيرهما، وحكاه أبو عبيدة عن أهل العراق. فصل في ارتياب المرأة الشابة إذا ارتابت المرأة الشابة هل هي حامل أم لا؟ . فإن استبان حملها فأجلها وضعه، وإن لم يستبن، فقال مالك: عدة التي ارتفع حيضها وهي شابة سنة، وبه قال أحمد وإسحاق وروي عن عمر بن الخطَّاب وغيره. وأهل «العراق» يرون أن عدتها ثلاث حيض بعد ما كانت حاضت مرة واحدة في عمرها وإن مكثت عشرين سنةً، إلا أن تبلغ من الكبر سنًّا تيأس فيه من الحيضِ فتكون عدتها بعد الإياس ثلاثة أشهر. قال الثعلبي: وهذا الأصح من مذهب الشافعي وعليه جمهور العلماء، وروي ذلك عن ابن مسعود وأصحابه. قال إلكيا: وهو الحق، لأن الله تعالى جعل عدة الآيسة ثلاثة أشهر. والمرتابة ليست آيسة. فصل فيمن تأخر حيضها لمرض فأما من تأخر حيضها لمرض، فقال مالك وبعض أصحابه: تعتد تسعة أشهر ثم ثلاثة كما تقدم. وقال أشهب: هي كالمرضع بعد الفطام بالحيض أو بالسنة. وقد طلق حبان بن منقذ امرأته وهي ترضع، فمكثت سنة لا تحيض لأجل الرضاع ثم مرض حبان فخاف أن ترثه فخاصمها إلى عثمان وعنده عليّ وزيد فقالا: نرى أن ترثه، لأنها ليست من القواعد ولا من الصغار، فمات حبان فورثته واعتدت عدة الوفاة. فصل لو تأخّر الحيض بغير مرض ولا رضاع فإنها تنتظر سنة لا حيض فيها، تسعة أشهر ثم ثلاثة على ما تقدم، فتحل ما لم ترتب بحمل، فإن ارتابت بحمل أقامت أربعة أعوام أو خمسة أو سبعة على الاختلاف. قال القرطبي: «وأشهر الأقوال خمسة أعوام، فإن تجاوزتها حلت» . وقال أشهب: لا تحل أبداً حتى تنقطع عنها الريبة. قال ابن العربي: «وهو الصحيح، إذا جاز أن يبقى الولد في بطنها خمسة أعوام جاز أن يبقى عشرة أو أكثر من ذلك» ، وروي مثله عن مالك. فصل فيمن جهل حيضها بالاستحاضة وأما التي جهل حيضها بالاستحاضة ففيها أقوال: قال ابن المسيب: تعتد سنة. وهو قول الليث. قال الليث: عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها إذا كانت مستحاضة «سنة» . قال القرطبي: «وهو مشهور قول علمائنا، سواء علمت دم حيضها من دم استحاضتها، وميزت ذلك أو لم تميزه، عدّتها في مذهب مالك سنة، منها تسعة أشهر استبراء، وثلاثة عدّة» . وقال الشَّافعي في أحد أقواله: عدتها ثلاثة أشهر، وهو قول جماعة من التابعين والمتأخرين. قال ابن العربي: «وهو الصحيح عندي» . وقال أبو عمر: المستحاضة إذا علمت إقبال حيضتها وإدبارها اعتدت بثلاثة قُرُوءٍ. قال القرطبي: «وهذا أصحّ في النظر، وأثبت في القياس والأثر» . قوله: ﴿واللائي لَمْ يَحِضْنَ﴾ . يعني: الصغيرة، فعدتهن ثلاثة، فأضمر الخبر، وإنما كانت عدتها الأشهر لعدم الأقراء في حقِّها عادة، والأحكام إنما أجراها اللَّه تعالى على العادات، فتعتد بالأشهر، فإن رأت الدَّم في زمن احتماله عند النِّساء انتقلت إلى الدَّم لوجود الأصل، فإذا وجد الأصل لم يبق للبدل حكم، كما أن المُسِنَّة إذا اعتدت بالدم، ثم ارتفع عادت إلى الأشهر، وهذا إجماع. فصل قوله: ﴿وَأُوْلاَتُ الأحمال أَجَلُهُنَّ﴾ وضع الحمل، وإن كان ظاهراً في المطلقة؛ لأنه عليها عطف وإليها رجع عقب الكلام، فإنه في المتوفى عنها زوجها كذلك، لعموم الآية، وحديث سبيعة، كما مضى في سورة «البقرة» . فإذا وضعت المرأة ما في بطنها من علقة أو مضغة حلت عند مالك. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا تحل إلا بوضع ما يتبين فيه شيء من خلق الإنسان، فإن كانت حاملاً بتوءمين لم تنقض عدتها حتى تضع الثاني منهما. قوله: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ . أي: من يتقه في طلاق السنة ﴿يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ في الرجعة. وقال مقاتل: ومن يتق الله في اجتناب معاصيه يجعل له من أمره يسراً في توفيقه للطاعة. ﴿ذَلِكَ أَمْرُ الله﴾ أي: الذي ذكر من الأحكام أمر الله أنزله إليكم وبيَّنَهُ لَكُمْ، ﴿وَمَن يَتَّقِ الله﴾ أي: يعمل بطاعته ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ أي: في الآخرة. قوله: ﴿وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ . هذه قراءة العامة مضارع «أعظم» . وابن مقسم: «يعظم» بالتشديد، مضارع عظم مشدداً. والأعمش: «نعظم» بالنون، مضارع «أعظم» وهو التفات من غيبة إلى تكلم. قوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ .

الطلاق 65:5

قوله: ﴿واللائي يَئِسْنَ﴾ . تقدم الخلاف فيه. وأبو عمرو يقرأ هنا: «واللاّئي يئسن» بالإظهار. وقاعدته في [مثله] الإدغام، إلا أن الياء لما كانت عنده عارضة لكونها بدلاً من همزة، فكأنه لم يجتمع مثلان، وأيضاً فإن سكونها عارض، فكأن ياء «اللائي» متحركة، والحرف ما دام متحركاً لا يدغم في غيره، وقرىء: «يَئِسْنَ» فعلاً ماضياً. وقرىء: «يَيْئَسْنَ» مضارع. و ﴿مِنَ المحيض مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ . «من» الأولى لابتداء الغاية، وهي متعلقة بالفعل قبلها، والثانية للبيان متعلقة بمحذوف. و «اللاَّئِي» مبتدأ، و «فَعدَّتُهُنَّ» مبتدأ ثانٍ، و «ثَلاثةُ أشْهُرٍ» خبره، والجملة خبر الأول، والشرط معترض، وجوابه محذوف. ويجوز أن يكون «إن ارْتَبْتُمْ» جوابه ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ﴾ ، والجملة الشرطية خبر المبتدأ، ومتعلق الارتياب محذوف، تقديره: إن ارتبتم في أنها يئست أم لا لإمكان ظهور حمل وإن كان انقطع دمها. وقيل: إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس أهو دم حيض، أو استحاضة، وإذا كان هذا عدة المرتاب فيها فغير المُرتَاب فيها أولى. وأغرب ما قيل: إن «إنِ ارتَبْتُمْ» بمعنى: تَيَقَّنْتُمْ، فهو من الأضداد. قوله: ﴿واللاتي لَمْ يَحِضْنَ﴾ . مبتدأ، خبره محذوف، فقدره جملة كالأولى، أي: فعدتهن ثلاثة أشهر أيضاً، والأولى أن يقدر مفرداً، أي: فكذلك أو مثلهن. ولو قيل: بأنه معطوف على «اللاَّئِي يَئِسْنَ» عطف المفردات، وأخبر عن الجمع بقوله: «فعدَّتُهُنَّ» لكان وجهاً حسناً، وأكثر ما فيه توسُّطُ الخبر بين المبتدأ وما عطف عليه. وهذا ظاهر قول أبي حيان: و ﴿واللائي لَمْ يَحِضْنَ﴾ معطوف على قوله «واللاَّئِي يَئِسْنَ» ، فإعرابه مبتدأ كإعراب «واللائي» . قوله: ﴿وَأُوْلاَتُ الأحمال﴾ مبتدأ، و «أجَلُهُنَّ» مبتدأ ثانٍ، و «أن يَضَعْنَ» خبر المبتدأ الثاني وهو وخبره خبر الأول. والعامَّة: على إفراد «حَمْلَهُنَّ» . والضحاك: «أحْمَالهُنَّ» . فصل في عدة التي لا ترى الدم لما بين أمر الطلاق والرجعة في التي تحيض، وكانوا قد عرفوا عدة ذوات الأقراء عرفهم في هذه السورة عدة التي لا ترى الدم. قال أبو عثمان عمير بن سليمان: لما نزل عدة النِّساء في سورة البقرة في المطلقة والمتوفى عنها زوجها، قال أبيُّ بن كعب: يا رسول الله، إن ناساً يقولون: قد بقي من النساء من لم يذكر فيهن شيء، الصغار والكبار وذوات الحَمْل، فنزلت: ﴿واللائي يَئِسْنَ﴾ الآية. وقال مقاتل: لما ذكر قوله تعالى: ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قرواء﴾ [البقرة: 228] قال خلاّد بن النعمان: يا رسول الله، فما عدّة التي لم تَحِضْ، وعدة التي انقطع حيضها وعدة الحُبْلى؟ فنزلت: ﴿واللائي يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ ، يعني: قعدن عن الحيض. وقيل: إن معاذ بن جبل سأل عن عدّة الكبيرة التي يئست، فنزلت الآية. وقال مجاهد: الآية واردة في المستحاضة لا تدري دم حيض هو أو دم علة؟ . فصل في تفسير الآية قال المفسرون: ﴿واللائي يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ ، فلا يرجون أن يحضن «إن ارتبْتُمْ» أي: شككتم. وقيل: تيقنتم، وهو من الأضداد، يكون شكًّا ويقيناً كالظَّن. واختيار الطَّبري: أن يكون المعنى إن شككتم، فلم تدروا ما الحكم فيهن. وقال الزجاج: إن ارتبتم في حيضها وقد انقطع عنها الحيض وكانت ممن يحيض مثلها. قال القشيري: وفي هذا نظر، لأنا إذا شككنا، هل بلغت سن اليأس لم نقل: عدتها ثلاثة أشهر. والمعتبر في سن اليأس أقصى عادة امرأة في العالم. وقيل: غالب نساء عشيرة المرأة. وقال مجاهد: قوله: «إن ارْتَبْتُمْ» للمخاطبين، يعني إن لم تعلموا كم عدة الآيسة، والتي لم تحضْ فالعدّة هذه. وقيل: المعنى إن ارتبتم أن الدم الذي يظهر منها من أجل كبر أو من الحيض المعهود أو من الاستحاضة فالعدة ثلاثة أشهر. وقال عكرمة وقتادة: من الريبة المرأة المستحاضة التي لا يستقيم لها الحيض تحيض في أول الشهر مراراً، وفي الأشهر مرة. وقيل: إنه متصل بأول السورة، والمعنى لا تخرجوهن من بيوتهن إن ارتبتم في انقضاء العدة. قال القرطبي: «وهو أصح ما قيل فيه» . فصل في المرتابة في عدتها المرتابة في عدتها لم تنكح حتى تستبرىء نفسها من ريبتها، ولا تخرج من العدة إلا بارتفاع الرِّيبة، وقد قيل في المرتابة التي ارتفع حيضها، لا تدري ما رفعه إنها تنتظر سنة من يوم طلَّقها زوجها، منها تسعة أشهر استبراء، وثلاثة عدة، فإن طلقها فحاضت حيضة، أو حيضتين، ثم ارتفع حيضها بغير يأس منها انتظرت تسعة أشهر ثم ثلاثة من يوم طهرت من حيضها ثم حلت [للأزواج] . وهذا قول الشافعي بالعراق. فعلى قياس هذا القول تقيم الحرة المتوفى عنها زوجها المستبرأة بعد التسعة أشهر [أربعة أشهر وعشراً، والأمة شهرين وخمس ليال بعد التسعة أشهر] . وروي عن الشافعي أيضاً: أن أقراءها على ما كانت حتى تبلغ سنَّ اليائسات. وهو قول النخعي والثوري وغيرهما، وحكاه أبو عبيدة عن أهل العراق. فصل في ارتياب المرأة الشابة إذا ارتابت المرأة الشابة هل هي حامل أم لا؟ . فإن استبان حملها فأجلها وضعه، وإن لم يستبن، فقال مالك: عدة التي ارتفع حيضها وهي شابة سنة، وبه قال أحمد وإسحاق وروي عن عمر بن الخطَّاب وغيره. وأهل «العراق» يرون أن عدتها ثلاث حيض بعد ما كانت حاضت مرة واحدة في عمرها وإن مكثت عشرين سنةً، إلا أن تبلغ من الكبر سنًّا تيأس فيه من الحيضِ فتكون عدتها بعد الإياس ثلاثة أشهر. قال الثعلبي: وهذا الأصح من مذهب الشافعي وعليه جمهور العلماء، وروي ذلك عن ابن مسعود وأصحابه. قال إلكيا: وهو الحق، لأن الله تعالى جعل عدة الآيسة ثلاثة أشهر. والمرتابة ليست آيسة. فصل فيمن تأخر حيضها لمرض فأما من تأخر حيضها لمرض، فقال مالك وبعض أصحابه: تعتد تسعة أشهر ثم ثلاثة كما تقدم. وقال أشهب: هي كالمرضع بعد الفطام بالحيض أو بالسنة. وقد طلق حبان بن منقذ امرأته وهي ترضع، فمكثت سنة لا تحيض لأجل الرضاع ثم مرض حبان فخاف أن ترثه فخاصمها إلى عثمان وعنده عليّ وزيد فقالا: نرى أن ترثه، لأنها ليست من القواعد ولا من الصغار، فمات حبان فورثته واعتدت عدة الوفاة. فصل لو تأخّر الحيض بغير مرض ولا رضاع فإنها تنتظر سنة لا حيض فيها، تسعة أشهر ثم ثلاثة على ما تقدم، فتحل ما لم ترتب بحمل، فإن ارتابت بحمل أقامت أربعة أعوام أو خمسة أو سبعة على الاختلاف. قال القرطبي: «وأشهر الأقوال خمسة أعوام، فإن تجاوزتها حلت» . وقال أشهب: لا تحل أبداً حتى تنقطع عنها الريبة. قال ابن العربي: «وهو الصحيح، إذا جاز أن يبقى الولد في بطنها خمسة أعوام جاز أن يبقى عشرة أو أكثر من ذلك» ، وروي مثله عن مالك. فصل فيمن جهل حيضها بالاستحاضة وأما التي جهل حيضها بالاستحاضة ففيها أقوال: قال ابن المسيب: تعتد سنة. وهو قول الليث. قال الليث: عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها إذا كانت مستحاضة «سنة» . قال القرطبي: «وهو مشهور قول علمائنا، سواء علمت دم حيضها من دم استحاضتها، وميزت ذلك أو لم تميزه، عدّتها في مذهب مالك سنة، منها تسعة أشهر استبراء، وثلاثة عدّة» . وقال الشَّافعي في أحد أقواله: عدتها ثلاثة أشهر، وهو قول جماعة من التابعين والمتأخرين. قال ابن العربي: «وهو الصحيح عندي» . وقال أبو عمر: المستحاضة إذا علمت إقبال حيضتها وإدبارها اعتدت بثلاثة قُرُوءٍ. قال القرطبي: «وهذا أصحّ في النظر، وأثبت في القياس والأثر» . قوله: ﴿واللائي لَمْ يَحِضْنَ﴾ . يعني: الصغيرة، فعدتهن ثلاثة، فأضمر الخبر، وإنما كانت عدتها الأشهر لعدم الأقراء في حقِّها عادة، والأحكام إنما أجراها اللَّه تعالى على العادات، فتعتد بالأشهر، فإن رأت الدَّم في زمن احتماله عند النِّساء انتقلت إلى الدَّم لوجود الأصل، فإذا وجد الأصل لم يبق للبدل حكم، كما أن المُسِنَّة إذا اعتدت بالدم، ثم ارتفع عادت إلى الأشهر، وهذا إجماع. فصل قوله: ﴿وَأُوْلاَتُ الأحمال أَجَلُهُنَّ﴾ وضع الحمل، وإن كان ظاهراً في المطلقة؛ لأنه عليها عطف وإليها رجع عقب الكلام، فإنه في المتوفى عنها زوجها كذلك، لعموم الآية، وحديث سبيعة، كما مضى في سورة «البقرة» . فإذا وضعت المرأة ما في بطنها من علقة أو مضغة حلت عند مالك. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا تحل إلا بوضع ما يتبين فيه شيء من خلق الإنسان، فإن كانت حاملاً بتوءمين لم تنقض عدتها حتى تضع الثاني منهما. قوله: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ . أي: من يتقه في طلاق السنة ﴿يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ في الرجعة. وقال مقاتل: ومن يتق الله في اجتناب معاصيه يجعل له من أمره يسراً في توفيقه للطاعة. ﴿ذَلِكَ أَمْرُ الله﴾ أي: الذي ذكر من الأحكام أمر الله أنزله إليكم وبيَّنَهُ لَكُمْ، ﴿وَمَن يَتَّقِ الله﴾ أي: يعمل بطاعته ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ أي: في الآخرة. قوله: ﴿وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ . هذه قراءة العامة مضارع «أعظم» . وابن مقسم: «يعظم» بالتشديد، مضارع عظم مشدداً. والأعمش: «نعظم» بالنون، مضارع «أعظم» وهو التفات من غيبة إلى تكلم. قوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ .

الطلاق 65:6

قال ابن الخطيب: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ وما بعده بيان لما شرط من التقوى في قوله ﴿وَمَن يَتَّقِ الله﴾ كأنه قيل: كيف يعمل بالتقوى في جنس المعتدات؟ فقيل: «أسكنوهُنَّ» . قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم﴾ . فيه وجهان: أحدهما: أن «من» للتبعيض. قال الزمخشري: «مبعضها محذوف معناه: أسكنوهن مكاناً من حيثُ سكنتم، أي: بعض مكان سُكناكم، كقوله تعالى: ﴿يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: 30] أي: بعض أبصارهم» . قال قتادةُ: إن لم يكن إلا بيت واحد، فأسكنها في بعض جوانبه. قال ابن الخطيب: وقال في الكشاف: «من» صلة، والمعنى أسكنوهن من حيث سكنتم. والثاني: أنها لابتداء الغاية. قاله الحوفي، وأبو البقاء. قال أبو البقاء: والمعنى تسبّبوا إلى إسكانهن من الوجه الذي تسكنون أنفسكم ودلّ عليه قوله «مِن وُجْدِكُم» ، والوُجْد: الغِنَى. قوله: «من وجدكم» . فيه وجهان: أظهرهما: أنه بدل من قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم﴾ بتكرار العامل، وإليه ذهب أبو البقاء. كأنه قيل: أسكنوهن من سعتكُم. والثاني: أنه عطف بيان لقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم﴾ ، وإليه ذهب الزمخشري، فإنه قال بعد أن أعرب «مِنْ حَيْثُ» تبعيضية، قال: «فإن قلت: فقوله» مِنْ وُجْدِكُمْ «قلت: هو عطف بيان لقوله ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم﴾ ومفسّر له، كأنه قيل: أسكنوهن مكاناً من مسكنكم مما تطيقونه، والوُجْد: الوسع والطاقة» . وناقشه أبو حيان بأنه لم يعهد في عطف البيان إعادة العامل. إنما عهد هذا في البدل، ولذلك أعربه أبو البقاء بدلاً. وقرأ العامة: «وجدكم» بضم الواو. والحسن، والأعرج، وأبو حيوة: بفتحها. والفياض بن غزوان وعمرو بن ميمون ويعقوب: بكسرها. وهي لغات بمعنى واحد. يقال: وجدت في المال أجد وُجْداً وجدة، والوُجْد: الغِنَى والقُدرة، والوَجْد بفتح الواو: الحُزْن أيضاً والحب والغضب. فصل في تفسير الآية قال القرطبي: روى أشهب عن مالك: يخرج عنها إذا طلقها ويتركها في المنزل لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ ، فلو كان معها ما قال أسكنوهن. وقال ابن نافع: قال مالك في قوله تعالى ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم﴾ يعني المطلقات اللاتي بنَّ من أزواجهن فلا رجعة لهم عليهن، وليست حاملاً، فلها السُّكنَى، ولا نفقة لها ولا كُسْوة؛ لأنها بائن منه، ولا يتوارثان ولا رجعة له عليها، وإن كانت حاملاً فلها الكسوة والنفقة والمسكن حتى تنقضي عدتها. قال البغوي: ونعني بالكسوة مؤونة السكن، فإن كانت الدار التي طلقها فيها ملكاً للزوج وجب على الزوج أن يخرج ويترك الدار لها مدة عدتها، وإن كانت بإجارة فعلى الزوج الأجرة، وإن كانت عاريةً فرجع المعير فيها فعليه أن يكتري لها داراً تسكنها، فأما من لم تَبِنْ منه، فإنها امرأته يتوارثان، ولا تخرج إلا بإذن زوجها ما دامت في العدة ولم يؤمر بالسكن لهما لأن ذلك لازم للزوج مع النفقة والكسوة حاملاً كانت أو غير حامل، وإنما أمر الله بالسكن للبائن، قال تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حتى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فجعل الله - عَزَّ وَجَلَّ - للحوامل البائنات من أزواجهن السكنى والنفقة. قال ابن العربي: «إن الله - تعالى - لما ذكر السكنى أطلقها لكل مطلقة، فلما ذكر النفقة قيدها بالحمل، فدل على أن المطلقة البائن لا نفقة لها» . قال القرطبي: اختلف العلماء في المطلقة ثلاثاً على ثلاثة أقوال: فمذهب مالك والشافعي: أن لها السَّكنى ولا نفقة لها. ومذهب أبي حنيفة وأصحابه: أن لها السكنى والنفقة. ومذهب أحمد وإسحاق وأبي ثور: لا نفقة لها ولا سُكنى، لحديث فاطمة بنت قيس قالت: «دخلت على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ومعي أخو زوجي، فقلت: إن زوجي طلقني، وإن هذا يزعم أنه ليس لي سُكْنَى ولا نفقة، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: بل لك السُّكنى والنفقة، قال: إن زوجها طلَّقها ثلاثاً، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: إنَّمَا السُّكْنَى والنَّفقةُ على من لَهُ عليْهَا رَجْعَةٌ، فَلمَّا قدمتُ» الكُوفَة «طلبني الأسود بن يزيد ليسألني عن ذلك، وإن أصحاب عبد الله يقولون: إن لها السكنى والنفقة» . وعن الشعبي قال: لقيني الأسود بن يزيد، فقال: يا شعبي، اتق الله وارجع عن حديث فاطمة بنت قيسٍ، فإن عمر كان يجعل لها السكنى والنفقة، قلت: لا أرجع عن شيء حدثتني به فاطمة بنت قيس عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. ولأنه لو كان لها سكنى لما أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن تعتدَّ في بيت ابن أم مكتومٍ. وأجيب عن ذلك بما روت عائشة أنها قالت: كانت فاطمة في مكان وحش، فخيف على ناحيتها. وقال سعيد بن المسيب: إنما نقلت فاطمة لطول لسانها على أحمائها. وقال قتادة وابن أبي ليلى: لا سكنى إلا للرجعية، لقوله تعالى: ﴿لاَ تَدْرِى لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ [الطلاق: 1] ، وقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ راجع إلى ما قبله، وهي المطلقة الرجعية. فصل في المعتدة عن وطء الشبهة قال البغوي: «وأما المُعتدَّة عن وطء الشبهة والمفسوخ نكاحها بِعيْبٍ أو خيار عتق، فلا سُكْنَى لها ولا نفقة، وإن كانت حاملاً، والمعتدة من وفاة زوج لا نفقة لها حاملاً كانت أو حائلاً عند أكثر العلماء، وروي عن عليٍّ أن لها النفقة إن كانت حاملاً من التركة حتى تضع، وهو قول شريح والشعبي والنخعي والثوري. واختلفوا في سكناها: فللشافعي قولان: أحدهما: لا سكنى لها بل تعتدّ حيث شاءت، وهو قول علي وابن عبَّاس وعائشة، وبه قال عطاء والحسن، وهو مذهب أبي حنيفة. والثاني: لها السكنى، وهو قول عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وبه قال مالك، وسفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق، لما روى كعب بن عجرة عن عمته زينب بنت كعب أن الفُريعة بنت مالك بن سنان - وهي أخت أبي سعيد الخدري - «أخبرتها أنها جاءت إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كانوا بطرف» القدوم «لحقهم فقتلوه، فسألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن أرجع إلى أهلي، فإن زوجي لم يتركني في منزل يملكه ولا نفقة، فقالت: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» نَعَمْ «، فانصرفت حتى إذا كنت في الحُجْرة أو في المسجد دعاني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأمر بي فدعيت له، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» كَيْفَ قُلْتِ؟ «قالت: فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي، فقال:» امْكُثِي حتَّى يبلغ الكِتَابُ أجَلَهُ «، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهُر وعَشْراً، قالت: فلما كان عثمان أرسل إليّ فسألني عن ذلك، فأخبرته، فاتبعه وقضى به» . فمن قضى بهذا القول قال: إذنه لفريعة أولاً بالرجوع إلى أهلها صار منسوخاً بقوله: «امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حتَّى يبلغ الكِتَابُ أجَلَهُ» ، ومن لم يوجب السُّكنى قال: أمرها بالمكث آخراً استحباباً لا وجوباً. قوله: ﴿وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ﴾ . قال مجاهد: في المسكن. وقال مقاتل: في النَّفقة. وهو قول أبي حنيفة. وعن أبي الضحى: أن يطلقها فإذا بقي يومان من عدتها راجعها، ثم طلقها. قوله: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حتى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ . هذا في وجوب النَّفقة والسُّكنى للحامل المطلقة ثلاثاً أو أقل حتى تضع حملها، فأما الحامل المتوفى عنها زوجها، فقال علي، وابن عمر وابن مسعود، وشريح، والنخعي، والشعبي، وحماد، وابن أبي ليلى، وسفيان، وأصحابه: ينفق عليها من جميع المال حتى تضع. وقال ابن عباس، وابن الزبير، وجابر بن عبد الله، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابه: لا ينفق عليها، إلا من نصيبها، وقد مضى في «البقرة» . قوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ . يعني المُطلَّقات، أولادكم منهن فعلى الآباء أن يعطوهن أجرة إرضاعهنّ وللرجل أن يستأجر امرأته للرضاع كما يستأجر أجنبية، ولا يجوز عند أبي حنيفة وأصحابه الاستئجار إذا كان الولد منهن ما لم يَبِنَّ، ويجوز عند الشافعي. وتقدم القول في الرضاع في «البقرة» . قوله: ﴿وَأْتَمِرُواْ﴾ . افتعلوا من الأمر، يقال: ائتمر القوم وتأمّروا، أي: أمر بعضهم بعضاً. وقال الكسائي: «ائتمروا» تشاوروا؛ وتلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ [القصص: 20] وأنشد قول امرىء القيس: [الطويل] 4782 - ب - ... ... ... ... ... ... ... ..... ويَعْدُو عَلَى المَرْءِ مَا يَأتَمِرْ فصل في هذا الخطاب الخطاب في قوله: «وائتمروا» للأزواج والزوجات، أي: وليقبل بعضكم من بعض ما أمره به من المعروف الجميل، والجميل منه توفير الأجرة عليها للإرضاع. وقيل: ائتمروا في إرضاع الولد فيما بينكم بمعروف حتى لا يلحق الولد إضرار. وقيل: هو الكسوة والدثار. وقيل: معناه لا تضار والدة بولدها، ولا مولود له بولده. قوله: ﴿فَسَتُرْضِعُ﴾ . قيل: هو خبر في معنى الأمر، والضمير في «له» للأب، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ والمفعول محذوف للعلم به، أي: فسترضع الولد لوالده امرأة أخرى، والظَّاهر أنه خبر على بابه. فصل في تفسير الآية قوله: ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ﴾ في أجرة الرضاع فأبى الزوج أن يعطي الأم أجرة رضاعها، وأبت الأم أن ترضعه فليس له إكراهها وليستأجر غير أمه. وقيل: معناه إن تضايقتكم وتشاكستم فليسترضع لولده غيرها. وقال الضحاك: إن أبت الأم أن ترضع استأجر لولده أخرى، فإن لم يقبل أجبرت أمه على الرضاع بالأجْرة. واختلفوا فيمن يجب عليه رضاع الولد. فقال مالك: إرضاع الولد على الزوجة ما دامت الزوجية، إلا لشرفها وموضعها، فعلى الأب رضاعه يومئذ في ماله. وقال أبو حنيفة: لا يجب على الأم بحال. وقيل: يجب عليها بكل حال. فإن طلقها فلا يجب عليها إرضاعه إلا أن لا يقبل ثدي غيرها فيلزمها حينئذ الإرضاع، فإن اختلفا في الأجرة، فإن دعت إلى أجرة المثل وامتنع الأب إلا تبرعاً فالأم أولى بأجر المثل إذا لم يجد الأب متبرعة، وإن دعا الأب إلى أجرِ المثل، وامتنعت الأم لتطلب شططاً، فالأب أولى به، فإن أعسر الأب بأجرتها أجبرت على رضاع ولدها. قوله: ﴿لِيُنفِقْ﴾ .

الطلاق 65:7

هذه قراءة العامة: أعني كسر اللام، وجزم المضارع بها. وحكى أبو معاذ القارىء: «لِيُنْفِقَ» بنصب الفعل على أنها لام «كي» نصب الفعل بعدها بإضمار «أن» ويتعلق الحرف حينئذ بمحذوف، أي: شرعنا ذلك لينفق. وقرأ العامة: «قُدِرَ» مخففاً. وابن أبي عبلة: «قُدِّرَ» مشدداً. فصل في وجوب النفقة للولد على الوالد قال القرطبي: هذه الآية أصل وجوب النفقة للولد على الوالد دون الأم، خلافاً لمحمد بن الموَّاز إذ يقول: إنها على الأبوين على قَدْر الميراث. قال ابن العربيّ: ولعل محمداً أراد أنها على الأم عند عدم الأب، وفي البخاري عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «تَقُولُ لَكَ المَرأةُ: أنفِقْ عليَّ وإلاَّ طلِّقْنِي، ويقُولُ لَكَ العَبْدُ: أنفِقْ عَلي واستَعْمِلْنِي، ويقُولُ لَكَ ابْنُكَ: أنفِقْ عليَّ إلى مَنْ تكلُني؟» ، فقد تعارض القُرآن [والسُّنة] وتواردا في شرعة واحدة. قوله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا﴾ من المال، والمعنى لا يكلف الله الفقير مثل ما يكلف الغني ﴿سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ أي: بعد الضيق غنى وبعد الشدة سعة. فصل في اختلاف الزوجين في قبض النفقة قال ابن تيمية: إذا ختلف الزوجان في قبض النفقة والكسوة، فقال القاضي أبو يعلى وأتباعه: إن القول قول الزَّوجة، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي كما لو اختلف اثنان في قبض سائر الحقوق مثل الصَّداق، وثمن المبيع ونحو ذلك، ومذهب مالك بخلاف ذلك. وقال الغزالي: فيها وجهان: وحسنوا قول الزوج. قال ابن تيمية: وكذلك يجيء لأصحاب أحمد وجهان كما لو كان الصداق منفعة حصلت لها، فقالت: حصلت من غيرك وقال: بل حصلت منّي مثل أن يصدقها تعليم قصيدة أو غيرها مما يجوز جعله صداقاً فإنها إذا تعلمت من غيره كان عليه الأجرة، فإن قال: أنا علمتها وقالت: بل غيره، ففيها وجهان، فهكذا في النَّفقة، فإنها لا بُدَّ أن تكون قد ارتزقت في الزمن الماضي، وهو يقول: أنا رزقتها، وهي تقول: بل غيره. والصَّواب المقطُوع به أنه لا يقبل قولها في ذلك مطلقاً؛ فإن هذا فيه فساد عظيم على هذا القول في مذهب الشَّافعي، وقول أحمد الموافق له ولا يجيء ذلك على مذهب مالك، ولا على مذهب أبي حنيفة، وقول أحمد الموافق له؛ فإنا إذا قلنا: إن نفقة الزوجة تسقط بمضي الزمان لم يقبل دعواها بالنفقة الماضية، وإنما يجيء على قولنا إن نفقة الزوجة لا تسقط بمضي الزمان، كما هو المشهور من مذهب أحمد، وهو قول الشافعي. والعُمْدَة في ذلك الأمر المعروف عن عمر بن الخطاب؛ قال ابن المُنذِر: إن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غلبوا عن نسائهم فأمرهم أن ينفقوا، أو يطلقوا؛ فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى، وليس قبول الزوجة في ذلك مأثوراً عن أحمد، ولا ملائماً لأصوله، فإنه في تداعي الزوجين وغيرهما يرجح من تشهد له اليد الحكمية العرفية دون اليد الحسية، ومعلوم أن المدعى عليه يترجح تارة باليد في الأعيان وببراءة الذمة في الحقوق، فكما أن في اليد لم يلتفت إلى مُجرَّد الحس، بل يرجع إلى اليد الحكمية التي يستدلّ عليها بالأفعال والتصرفات؛ إذ الأَصل في الدعاوى ترجيح مَنِ الظَّاهرُ معهُ. والظهور يستدلّ عليه بالأفعال والتصرفات والأمور العادية، كما يستدلّ عليها بمجرد اليد الحسية، فإذا كانت العادة الغالبة والعرف المعروف يقتضي وجود فعل لم يكن الظاهر عدمه حتى يرجح قول من يدعي عدمه. وهذا ينبني على أصول: أحدها: أنه قد وجد كسوة ونفقة وإنما تنازعا في المنفق، فقال هو: مني، وقالت هي: من غيرك، فهنا الأصل عدم غيره، ثم إنها تطالب بتعيين ذلك الغير، فإن ادعت ممتنعاً لم يقبل بحال، وإن ادعت ممكناً فهو محل التردُّد، فإن إنفاقه واجب، والأمر الحادث يضاف إلى السبب القوي دون الضعيف. والأصل الثاني: أن العادة والعرف إذا قضي بوجود أمر فهل القول قول نافيه، أو قول مثبته. والأصل الثالث: أن ما يتعذر إقامة البينة عليه لا يكلف إقامة البينة عليه كالوطء، ومن المعلوم أن المعاشرة بالمعروف التي أمر الله بها ورسوله ليس فيها شهادة على المرأة بذلك؛ لأن ذلك ليس من الأمر بالمعروف، ولهذا لم يفعله أحد على عهد سلف الأمة ولا يفعله جماهير بني آدم، وفعله إما متعذّر أو متعسر، فإنه إن أطعمها مما يأكل فليس عنده من يشهد على إطعامها وإن ناولها طعاماً كلَّ يوم فمن المتعسّر شهود في كل وقت، وقد يكونان ساكنين حيث لا شهود، وهذا ظاهر بيِّن. الأصل الرابع: أن المرأة مفرطة بترك أخذ نفقتها منه بالمعروف، ومطالبته بها إذا كان لا ينفق، بخلاف ما إذا كان غائباً، وهي الصُّورة التي روي عن عمر أنه أمر فيها بنفقة الماضي، بل قد يقال: إن ذلك رضا منها بترك النفقة، وليس هذا قولاً بسقوط النفقة في الماضي، بل بأن هذا دليل من جهة العرف على أنها إما أن تكون قد أنفق عليها، أو تكون راضية بترك النفقة. وهذا أصل خامس: وهو أن العادة المعروفة تدل على أن المرأة إذا سكتت مدة طويلة عن المطالبة بالنفقة مع القدرة على الطلب كانت راضية بسقوطها. فصل في النفقة والكسوة بالمعروف وأما النفقة والكسوة بالمعروف وهي الواجبة بنصّ القرآن، فهو ما كان في عرف الناس في حالهما نوعاً وقدراً وصفة، وإن كان ذلك يتنوّع بتنوّع حالهما من اليسار والإعسار والزمان كالشتاء والصيف والليل والنهار، والمكان فيطعمها في كل بلد مما هو عادة أهل البلد والعرف عندهم. وقال بعضهم: هي مقدَّرة بالشَّرع نوعاً وقدراً مُدًّا من حنطة، أو مدًّا ونصفاً أو مدَّين قياساً على الإطعام الواجب في الكفارة. والصواب المقطوع به ما عليه الأمة علماً وعملاً قديماً وحديثاً لقول الله تعالى: ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمعروف﴾ [البقرة: 233] ، وقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - لهند: «خُذِي مَا يَكْفيكِ وَولدَكِ بالمَعْرُوفِ» ، ولم يقدر لها نوعاً ولا قدراً، ولو كان ذلك مقدّراً بشرع لبينه لها قدراً ونوعاً كما بين فرائض الزكوات والديات. وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - في خطبته ب «عرفات» : «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» . ومن المعلوم أن الكفاية بالمعروف تتنوع بحال الزوجة في حاجتها، وبتنوع الزمان والمكان وبتنوع حال الزوج في يساره وإعساره، فليست كسوة القصيرة الضئيلة ككسوة الطويلة الجسيمة، ولا كسوة الشتاء ككسوة الصيف ولا كفاية طعام الشتاء مثل طعام الصيف ولا طعام البلاد الحارَّة كالباردة، ولا المعروف في بلاد التمر والشعير كالمعروف في بلاد الفاكهة والخبز. «وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - للذي سأله: مَا حَقُّ زَوجةِ أحدنّا عليْهِ؟ . قال» تُطْعِمُها إذَا أكَلْتَ، وتَكسُوهَا إذَا اكتَسيْتَ، ولا تَضْرِبِ الوَجْهَ ولا تُقَبِّحْ ولا تَهْجُر إلاَّ في البيْتِ «» . وهكذا قال في نفقة المماليك: «هُمْ إخْوانُكُمْ وخَولكُمْ جعلهُم اللَّهُ تَحْتَ أيْدِيكُمْ فَمَن كَانَ أخُوهُ تَحْتَ يَدهِ فليُطْعِمْهُ ممَّا يأكلُ، وَليُلْبِسْهُ ممَّا يَلبسُ ولا تُكلِّفُوهُمْ ما يَغلبُهُمْ فإن كلَّفْتُموهُمْ فأعينُوهُمْ» . ففي الزوجة والمملُوك أمر واحد، فالواجب على هذا هو الرزق والكسوة بالمعروف في النوع، والقدرة، وصفة الإنفاق. فأما النوع فلا يتعين أن يعطيها مكيلاً كالبُرِّ، ولا موزوناً كالخبز، ولا ثمن ذلك كالدَّراهم، بل يرجع في ذلك إلى العرف، فإذا أعطاها كفايتها بالمعروف مثل أن تكون عادتهم أكل التَّمْر والشعير فيعطيها ذلك، أو تكون عادتهم أكل الخبز والأدم، فيعطيها ذلك والطبيخ، فيعطيها ذلك، وإن كان عادتهم أن يعطيها حباً فتطحنه في البيت فعل ذلك، وإن كان يطحن في الطَّاحون ويخبز في البيت فعل ذلك، وإن كان يخبز في غير البيت فعل ذلك، وإن كان يشتري مخبُوزاً من السُّوق فعل ذلك، وكذلك الطَّبيخ ونحوه، فذلك هو المعروف فلا يتعيَّن عليه دراهم ولا حَبُّ أصلاً، فإن تعيين ذلك من المنكر ليس من المعروف، وهو مصرٌّ بها تارة، وبه تارة، وبهما أخرى، وكذلك القدر لا يتعين مقدراً مطرداً، بل تتنوع المقادير بتنوع الأوقات. وأما الإنفاق، فقد قيل: إن الواجب تمليكها النفقة والكسوة. وقيل: لا يجب التمليك، وهو الصَّواب، فإن ذلك ليس من المعروف، بل عرف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمسلمون إلى يومنا هذا أن الرجل يأتي بالطعام إلى منزلة فيأكل هو وزوجته ومملوكه جميعاً تارة، وتارة أفراداً، ويفضل منه فضل تارة فيدخرونه، ولا يعرف المسلمون أنه يملكها كل يوم تتصرف فيها تصرف الملاك، بل من عاشر امرأته بمثل هذا كان عند المسلمين قد تعاشرا بغير المعروف، وتضارّا في العشرة، وإنما يفعل أحدهما ذلك بصاحبه عند الضرار لا عند العشرة بالمعروف. وأيضاً فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أوجب للزوجة مثل ما أوجب للمملوك كما تقدم. وقد اتَّفق المسلمون على أنه لا يجب تمليك المملوك نفقته، فدل على عدم وجوب التمليك في حق الزوجة. وإذا تنازع الزوجان فمتى اعترفت الزوجة أنه يطعمها إذا أكل، ويكسوها إذا اكتسى، وكان ذلك هو المعروف لمثلها في بلدها، فلا حق لها سوى ذلك، وإن أنكرت ذلك فعلى الحاكم أن يجبره أن ينفق بالمعروف، ليس على الحاكم بل ولا له أن يأمر بدراهم مقدرة مطلقاً أو حَبّ مقدر مطلقاً، لكن يذكر المعروف الذي يليق بهما. فصل في تفسير الآية قال القرطبي في قوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ﴾ أي: «لينفق الزوج على زوجته وعلى ولده الصَّغير على قدر وسعه، فيوسع إذا كان موسعاً عليه، ومن كان فقيراً فعلى قدر ذلك، فتقدر النَّفقة بحسب حال المنفق والحاجة من المنفق عليه بالاجتهاد على مجرى العادة» . وقال الشافعي رَحِمَهُ اللَّهُ: النفقة محدودة، ولا اجتهاد للحاكم ولا المفتي فيها وتقديرها هو بحال الزَّوج وحده من يُسره وعُسْره، ولا اعتبار بحالها، فيجب لابنة الخليفة ما يجب لابنة الحارس، فيلزم الزوج الموسر مدَّان، والمتوسط مد ونصف والمعسر مُدّ؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ . فجعل الاعتبار بحال الزوج في اليُسْر والعُسْر؛ ولأن الاعتبار بحالها يؤدي إلى الخصومة؛ لأن الزوج يدعي أنها تطلب فوق كفايتها، وهي تزعم أنها تطلب قدر كفايتها، فقدرت قطعاً للخصومة لهذه الآية، ولقوله تعالى: ﴿عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] . وأجاب القرطبي: بأن هذه الآية لا تعطي أكثر من الفرق بين الغني والفقير، وأنها تختلف بعُسْر الزوج ويُسْره، فأما أنه لا اعتبار بحال الزوجة فليس فيها، وقد قال تعالى: ﴿وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمعروف﴾ [البقرة: 233] ، وذلك يقتضي تعلق المعروف في حقها؛ لأنه لم يخص في ذلك واحداً منهما، وليس من المعروف أن يكون كفاية الغنيمة مثل نفقة الفقيرة، وقد قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لهند: «خُذِي ما يَكْفيكِ وولَدَك بالمعرُوفِ» ، فأحالها على الكفاية حين علم السعة من حال أبي سفيان.

الطلاق 65:8

قوله: ﴿وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ . لما ذكر الأحكام ذكر وحذَّر مخالفة الأمر، وذكر عُتُوَّ وحُلُول العذاب بهم، وتقدم الكلام في «كأين» في «آل عمران» . قوله: ﴿عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾ . ضمّن «عَتَتْ» معنى أعرض، كأنه قيل: أعرضت بسبب عتوِّها، أي: عتت يعني القرية والمراد أهلها. وقوله: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا﴾ إلى آخره. يعني في الآخرة، وأتى به بلفظ الماضي لتحقُّقه. وقيل: العذاب في الدُّنيا، فيكون على حقيقته، أي جازيناها بالعذاب في الدُّنيا ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً﴾ في الآخرة وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، أي: فعذبناها عذاباً نكراً في الدنيا بالجوع والقَحْط والسَّيف والخَسْف والمَسْخ وسائر المصائب، وحاسبناها في الآخرة حساباً شديداً. والنُّكْر: المنكر، وقرىء مخففاً ومثقلاً، وقد مضى في سورة الكهف. قوله: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ . أي: عاقبة كفرها ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرَهَا خُسْراً﴾ أي: هلاكاً في الدنيا بما ذكرنا وفي الآخرة بجهنم. قوله: ﴿أَعَدَّ الله لَهُمْ﴾ . تكرير للوعيد توكيداً. وجوز الزمخشري أن يكون «عَتَتْ» وما عطف عليه صفة ل «قَرْيَةٍ» ، ويكون الخبر ل «كأيٍّ» في الجملة من قوله: ﴿أَعَدَّ الله لَهُمْ﴾ . وعلى الأول يكون الخبر «عَتَت» وما عطف عليه. قوله: ﴿الذين آمَنُواْ﴾ . منصوب بإضمار أعني، بياناً للمنادى في قوله: ﴿ياأولي الألباب﴾ أي: العُقُول، ويكون عطف بيان للمنادى أو نعتاً له، ويضعف كونه بدلاً لعدم حلوله محل المبدل منه. قوله: ﴿قد أنزل الله إليكم ذكراً رسولاً﴾ . في نصب «رسولاً» أوجه: أحدها: قال الزجاج والفارسي: إنه منصوب بالمصدر المنون قبله؛ لأنه ينحل لحرف مصدري وفعل، كأنه قيل: أن ذكر رسولاً، ويكون ذكره الرسول قوله ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله﴾ [الفتح: 29] ، والمصدر المنون عامل كقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً﴾ [البلد: 14، 15] . وقول الآخر: [الوافر] 4783 - بِضَرْبٍ بالسُّيُوفِ رُءُوسَ قَوْمٍ ... أزَلْنَا هَامَهُنَّ عنِ المَقِيلِ الثاني: أنه جعل نفس الذكر مبالغة، ويكون محمولاً على المعنى، كأنه قال: قد أظهر لكم ذكراً رسولاً، فيكون من باب بدل الشَّيء من الشَّيء وهو هو. الثالث: أنه بدل منه على حذف مضاف من الأول، تقديره: أنزل ذا ذكر رسولاً. الرابع: كذلك، إلا أن «رسولاً» نعت لذلك المحذوف. الخامس: أنه بدل منه على حذف مضاف، أي ذكراً ذا رسول. السادس: أن يكون «رَسُولاً» نعتاً ل «ذِكْراً» أو على حذف مضاف، أي: ذكراً ذا رسول، و «ذا» رسول نعتاً ل «ذِكْراً» . السابع: أن يكون «رسولاً» بمعنى رسالة، فيكون «رسولاً» بدلاً صريحاً من غير تأويل، أو بيناً عند من يرى جريانه في النكرات كالفارسي، إلا أن هذا يبعده قوله «يَتْلُو عَلَيْكُم» لأن الرسالة لا تتلو إلا بمجاز. الثامن: أن يكون «رَسُولاً» منصوب بفعل مقدر، أي: أرسل رسولاً، لدلالة ما تقدَّم عليه. قال البغوي: كأنه قيل: أنزل إليكم قرآناً وأرسل رسولاً. وقيل: مع رسول. التاسع: أن يكون منصوباً على الإغراء: أي: اتبعوا والزموا رسولاً هذه صفته. فصل في قوله: رسولاً اختلف الناس في «رسولاً» ، هل هو النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أو القرآن نفسه أو جبريل. قال الزمخشري: «هو جبريل أبدل من» ذكراً «لأنه وصف بتلاوة آيات الله، فكان إنزاله في معنى إنزال الذِّكر، فصح إبداله منه» . قال أبو حيَّان: «ولا يصحّ هذا لتباين المدلولين بالحقيقة، ولكونه لا يكون بدل بعض، ولا بدل اشتمال» . انتهى. قال شهاب الدين: «وهذا الذي قاله الزمخشري سبقه إليه الكلبي، وأما اعتراضه عليه، فغير لازم؛ لأنه بولغ فيه حتى جعل نفس الذكر كما تقدم بيانه» . وقرىء: «رسول» بالرفع على إضمار مبتدأ، أي: هو رسول. وقيل: الذكر هنا الشَّرف كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: 10] وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44] ثم بين الشرف فقال: «رَسُولاً» ، والأكثر على أن المراد بالرسول محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقال الكلبي: هو جبريل، فيكونان جميعاً منزلين. قوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ الله﴾ . نعت ل «الرسول» ، و «آيَاتِ اللَّهِ» القرآن. و «مبيِّنَاتٍ» قرأ العامة: بفتح الياء، أي: يبينها الله، وبها قرأ ابن عباس، وهي اختيار أبي عبيد، وأبي حاتم، لقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ [آل عمران: 118] . وقرأ ابن عامر، وحفص، وحمزة، والكسائي: بكسرها، أي: يبين لكم ما تحتاجون إليه من الأحكام. قوله: ﴿لِّيُخْرِجَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ . الجار متعلق إما ب «أنزل» وإما ب «يتلو» . وفاعل «يخرج» إما ضمير الباري - تعالى - المنزل، أو ضمير الرسُول، أو الذكر. والمراد بالذين آمنوا من سبق له ذلك في علم الله. وقوله: ﴿مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ . أي: من الكفر إلى الهدى والإيمان. قال ابن عباس: نزلت في مؤمني أهل الكتاب، وأضاف الإخراج إلى الرسُول؛ لأن الإيمان إنما حصل بطاعته. قوله: ﴿وَمَن يُؤْمِن﴾ . هذا أحد المواضع التي رُوعي فيها اللفظ أولاً ثم المعنى ثانياً، ثم اللفظ آخراً. قوله: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ قرأ نافع وابن عامر: بالنون، والباقون: بالياء. وقوله: «خَالِدينَ» . قال بعضهم: ليس قوله «خالدين» فيه ضمير عائد على «من» إنما يعود على مفعول «يُدخِلْهُ» و «خَالِدينَ» حال منه والعامل فيه «يدخله» لا فعل الشَّرط. هذه عبارة أبي حيَّان. وفيها نظر، لأن «خَالدِينَ» حال من مفعول «يُدْخلهُ» عند القائلين بالقول الأول، وكان إصلاح العبارة أن يقال: حال من مفعول «يُدْخِلهُ» الثاني وهو «جنَّاتٍ» . والخلود في الحقيقة لأصحابها، وكان ينبغي على رأي البصريين أن يقال: «خالدين هم فيها» لجريان الوصف على غير من هو له. قوله: ﴿قَدْ أَحْسَنَ الله﴾ . حال ثانية، أو حال من الضمير في «خَالِدينَ» ، فتكون متداخلة. ومعنى قوله: ﴿قَدْ أَحْسَنَ الله لَهُ رِزْقاً﴾ ، أي: وسَّع له في الجنَّات.

الطلاق 65:9

قوله: ﴿وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ . لما ذكر الأحكام ذكر وحذَّر مخالفة الأمر، وذكر عُتُوَّ وحُلُول العذاب بهم، وتقدم الكلام في «كأين» في «آل عمران» . قوله: ﴿عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾ . ضمّن «عَتَتْ» معنى أعرض، كأنه قيل: أعرضت بسبب عتوِّها، أي: عتت يعني القرية والمراد أهلها. وقوله: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا﴾ إلى آخره. يعني في الآخرة، وأتى به بلفظ الماضي لتحقُّقه. وقيل: العذاب في الدُّنيا، فيكون على حقيقته، أي جازيناها بالعذاب في الدُّنيا ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً﴾ في الآخرة وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، أي: فعذبناها عذاباً نكراً في الدنيا بالجوع والقَحْط والسَّيف والخَسْف والمَسْخ وسائر المصائب، وحاسبناها في الآخرة حساباً شديداً. والنُّكْر: المنكر، وقرىء مخففاً ومثقلاً، وقد مضى في سورة الكهف. قوله: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ . أي: عاقبة كفرها ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرَهَا خُسْراً﴾ أي: هلاكاً في الدنيا بما ذكرنا وفي الآخرة بجهنم. قوله: ﴿أَعَدَّ الله لَهُمْ﴾ . تكرير للوعيد توكيداً. وجوز الزمخشري أن يكون «عَتَتْ» وما عطف عليه صفة ل «قَرْيَةٍ» ، ويكون الخبر ل «كأيٍّ» في الجملة من قوله: ﴿أَعَدَّ الله لَهُمْ﴾ . وعلى الأول يكون الخبر «عَتَت» وما عطف عليه. قوله: ﴿الذين آمَنُواْ﴾ . منصوب بإضمار أعني، بياناً للمنادى في قوله: ﴿ياأولي الألباب﴾ أي: العُقُول، ويكون عطف بيان للمنادى أو نعتاً له، ويضعف كونه بدلاً لعدم حلوله محل المبدل منه. قوله: ﴿قد أنزل الله إليكم ذكراً رسولاً﴾ . في نصب «رسولاً» أوجه: أحدها: قال الزجاج والفارسي: إنه منصوب بالمصدر المنون قبله؛ لأنه ينحل لحرف مصدري وفعل، كأنه قيل: أن ذكر رسولاً، ويكون ذكره الرسول قوله ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله﴾ [الفتح: 29] ، والمصدر المنون عامل كقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً﴾ [البلد: 14، 15] . وقول الآخر: [الوافر] 4783 - بِضَرْبٍ بالسُّيُوفِ رُءُوسَ قَوْمٍ ... أزَلْنَا هَامَهُنَّ عنِ المَقِيلِ الثاني: أنه جعل نفس الذكر مبالغة، ويكون محمولاً على المعنى، كأنه قال: قد أظهر لكم ذكراً رسولاً، فيكون من باب بدل الشَّيء من الشَّيء وهو هو. الثالث: أنه بدل منه على حذف مضاف من الأول، تقديره: أنزل ذا ذكر رسولاً. الرابع: كذلك، إلا أن «رسولاً» نعت لذلك المحذوف. الخامس: أنه بدل منه على حذف مضاف، أي ذكراً ذا رسول. السادس: أن يكون «رَسُولاً» نعتاً ل «ذِكْراً» أو على حذف مضاف، أي: ذكراً ذا رسول، و «ذا» رسول نعتاً ل «ذِكْراً» . السابع: أن يكون «رسولاً» بمعنى رسالة، فيكون «رسولاً» بدلاً صريحاً من غير تأويل، أو بيناً عند من يرى جريانه في النكرات كالفارسي، إلا أن هذا يبعده قوله «يَتْلُو عَلَيْكُم» لأن الرسالة لا تتلو إلا بمجاز. الثامن: أن يكون «رَسُولاً» منصوب بفعل مقدر، أي: أرسل رسولاً، لدلالة ما تقدَّم عليه. قال البغوي: كأنه قيل: أنزل إليكم قرآناً وأرسل رسولاً. وقيل: مع رسول. التاسع: أن يكون منصوباً على الإغراء: أي: اتبعوا والزموا رسولاً هذه صفته. فصل في قوله: رسولاً اختلف الناس في «رسولاً» ، هل هو النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أو القرآن نفسه أو جبريل. قال الزمخشري: «هو جبريل أبدل من» ذكراً «لأنه وصف بتلاوة آيات الله، فكان إنزاله في معنى إنزال الذِّكر، فصح إبداله منه» . قال أبو حيَّان: «ولا يصحّ هذا لتباين المدلولين بالحقيقة، ولكونه لا يكون بدل بعض، ولا بدل اشتمال» . انتهى. قال شهاب الدين: «وهذا الذي قاله الزمخشري سبقه إليه الكلبي، وأما اعتراضه عليه، فغير لازم؛ لأنه بولغ فيه حتى جعل نفس الذكر كما تقدم بيانه» . وقرىء: «رسول» بالرفع على إضمار مبتدأ، أي: هو رسول. وقيل: الذكر هنا الشَّرف كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: 10] وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44] ثم بين الشرف فقال: «رَسُولاً» ، والأكثر على أن المراد بالرسول محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقال الكلبي: هو جبريل، فيكونان جميعاً منزلين. قوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ الله﴾ . نعت ل «الرسول» ، و «آيَاتِ اللَّهِ» القرآن. و «مبيِّنَاتٍ» قرأ العامة: بفتح الياء، أي: يبينها الله، وبها قرأ ابن عباس، وهي اختيار أبي عبيد، وأبي حاتم، لقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ [آل عمران: 118] . وقرأ ابن عامر، وحفص، وحمزة، والكسائي: بكسرها، أي: يبين لكم ما تحتاجون إليه من الأحكام. قوله: ﴿لِّيُخْرِجَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ . الجار متعلق إما ب «أنزل» وإما ب «يتلو» . وفاعل «يخرج» إما ضمير الباري - تعالى - المنزل، أو ضمير الرسُول، أو الذكر. والمراد بالذين آمنوا من سبق له ذلك في علم الله. وقوله: ﴿مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ . أي: من الكفر إلى الهدى والإيمان. قال ابن عباس: نزلت في مؤمني أهل الكتاب، وأضاف الإخراج إلى الرسُول؛ لأن الإيمان إنما حصل بطاعته. قوله: ﴿وَمَن يُؤْمِن﴾ . هذا أحد المواضع التي رُوعي فيها اللفظ أولاً ثم المعنى ثانياً، ثم اللفظ آخراً. قوله: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ قرأ نافع وابن عامر: بالنون، والباقون: بالياء. وقوله: «خَالِدينَ» . قال بعضهم: ليس قوله «خالدين» فيه ضمير عائد على «من» إنما يعود على مفعول «يُدخِلْهُ» و «خَالِدينَ» حال منه والعامل فيه «يدخله» لا فعل الشَّرط. هذه عبارة أبي حيَّان. وفيها نظر، لأن «خَالدِينَ» حال من مفعول «يُدْخلهُ» عند القائلين بالقول الأول، وكان إصلاح العبارة أن يقال: حال من مفعول «يُدْخِلهُ» الثاني وهو «جنَّاتٍ» . والخلود في الحقيقة لأصحابها، وكان ينبغي على رأي البصريين أن يقال: «خالدين هم فيها» لجريان الوصف على غير من هو له. قوله: ﴿قَدْ أَحْسَنَ الله﴾ . حال ثانية، أو حال من الضمير في «خَالِدينَ» ، فتكون متداخلة. ومعنى قوله: ﴿قَدْ أَحْسَنَ الله لَهُ رِزْقاً﴾ ، أي: وسَّع له في الجنَّات.

الطلاق 65:10

قوله: ﴿وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ . لما ذكر الأحكام ذكر وحذَّر مخالفة الأمر، وذكر عُتُوَّ وحُلُول العذاب بهم، وتقدم الكلام في «كأين» في «آل عمران» . قوله: ﴿عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾ . ضمّن «عَتَتْ» معنى أعرض، كأنه قيل: أعرضت بسبب عتوِّها، أي: عتت يعني القرية والمراد أهلها. وقوله: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا﴾ إلى آخره. يعني في الآخرة، وأتى به بلفظ الماضي لتحقُّقه. وقيل: العذاب في الدُّنيا، فيكون على حقيقته، أي جازيناها بالعذاب في الدُّنيا ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً﴾ في الآخرة وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، أي: فعذبناها عذاباً نكراً في الدنيا بالجوع والقَحْط والسَّيف والخَسْف والمَسْخ وسائر المصائب، وحاسبناها في الآخرة حساباً شديداً. والنُّكْر: المنكر، وقرىء مخففاً ومثقلاً، وقد مضى في سورة الكهف. قوله: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ . أي: عاقبة كفرها ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرَهَا خُسْراً﴾ أي: هلاكاً في الدنيا بما ذكرنا وفي الآخرة بجهنم. قوله: ﴿أَعَدَّ الله لَهُمْ﴾ . تكرير للوعيد توكيداً. وجوز الزمخشري أن يكون «عَتَتْ» وما عطف عليه صفة ل «قَرْيَةٍ» ، ويكون الخبر ل «كأيٍّ» في الجملة من قوله: ﴿أَعَدَّ الله لَهُمْ﴾ . وعلى الأول يكون الخبر «عَتَت» وما عطف عليه. قوله: ﴿الذين آمَنُواْ﴾ . منصوب بإضمار أعني، بياناً للمنادى في قوله: ﴿ياأولي الألباب﴾ أي: العُقُول، ويكون عطف بيان للمنادى أو نعتاً له، ويضعف كونه بدلاً لعدم حلوله محل المبدل منه. قوله: ﴿قد أنزل الله إليكم ذكراً رسولاً﴾ . في نصب «رسولاً» أوجه: أحدها: قال الزجاج والفارسي: إنه منصوب بالمصدر المنون قبله؛ لأنه ينحل لحرف مصدري وفعل، كأنه قيل: أن ذكر رسولاً، ويكون ذكره الرسول قوله ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله﴾ [الفتح: 29] ، والمصدر المنون عامل كقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً﴾ [البلد: 14، 15] . وقول الآخر: [الوافر] 4783 - بِضَرْبٍ بالسُّيُوفِ رُءُوسَ قَوْمٍ ... أزَلْنَا هَامَهُنَّ عنِ المَقِيلِ الثاني: أنه جعل نفس الذكر مبالغة، ويكون محمولاً على المعنى، كأنه قال: قد أظهر لكم ذكراً رسولاً، فيكون من باب بدل الشَّيء من الشَّيء وهو هو. الثالث: أنه بدل منه على حذف مضاف من الأول، تقديره: أنزل ذا ذكر رسولاً. الرابع: كذلك، إلا أن «رسولاً» نعت لذلك المحذوف. الخامس: أنه بدل منه على حذف مضاف، أي ذكراً ذا رسول. السادس: أن يكون «رَسُولاً» نعتاً ل «ذِكْراً» أو على حذف مضاف، أي: ذكراً ذا رسول، و «ذا» رسول نعتاً ل «ذِكْراً» . السابع: أن يكون «رسولاً» بمعنى رسالة، فيكون «رسولاً» بدلاً صريحاً من غير تأويل، أو بيناً عند من يرى جريانه في النكرات كالفارسي، إلا أن هذا يبعده قوله «يَتْلُو عَلَيْكُم» لأن الرسالة لا تتلو إلا بمجاز. الثامن: أن يكون «رَسُولاً» منصوب بفعل مقدر، أي: أرسل رسولاً، لدلالة ما تقدَّم عليه. قال البغوي: كأنه قيل: أنزل إليكم قرآناً وأرسل رسولاً. وقيل: مع رسول. التاسع: أن يكون منصوباً على الإغراء: أي: اتبعوا والزموا رسولاً هذه صفته. فصل في قوله: رسولاً اختلف الناس في «رسولاً» ، هل هو النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أو القرآن نفسه أو جبريل. قال الزمخشري: «هو جبريل أبدل من» ذكراً «لأنه وصف بتلاوة آيات الله، فكان إنزاله في معنى إنزال الذِّكر، فصح إبداله منه» . قال أبو حيَّان: «ولا يصحّ هذا لتباين المدلولين بالحقيقة، ولكونه لا يكون بدل بعض، ولا بدل اشتمال» . انتهى. قال شهاب الدين: «وهذا الذي قاله الزمخشري سبقه إليه الكلبي، وأما اعتراضه عليه، فغير لازم؛ لأنه بولغ فيه حتى جعل نفس الذكر كما تقدم بيانه» . وقرىء: «رسول» بالرفع على إضمار مبتدأ، أي: هو رسول. وقيل: الذكر هنا الشَّرف كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: 10] وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44] ثم بين الشرف فقال: «رَسُولاً» ، والأكثر على أن المراد بالرسول محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقال الكلبي: هو جبريل، فيكونان جميعاً منزلين. قوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ الله﴾ . نعت ل «الرسول» ، و «آيَاتِ اللَّهِ» القرآن. و «مبيِّنَاتٍ» قرأ العامة: بفتح الياء، أي: يبينها الله، وبها قرأ ابن عباس، وهي اختيار أبي عبيد، وأبي حاتم، لقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ [آل عمران: 118] . وقرأ ابن عامر، وحفص، وحمزة، والكسائي: بكسرها، أي: يبين لكم ما تحتاجون إليه من الأحكام. قوله: ﴿لِّيُخْرِجَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ . الجار متعلق إما ب «أنزل» وإما ب «يتلو» . وفاعل «يخرج» إما ضمير الباري - تعالى - المنزل، أو ضمير الرسُول، أو الذكر. والمراد بالذين آمنوا من سبق له ذلك في علم الله. وقوله: ﴿مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ . أي: من الكفر إلى الهدى والإيمان. قال ابن عباس: نزلت في مؤمني أهل الكتاب، وأضاف الإخراج إلى الرسُول؛ لأن الإيمان إنما حصل بطاعته. قوله: ﴿وَمَن يُؤْمِن﴾ . هذا أحد المواضع التي رُوعي فيها اللفظ أولاً ثم المعنى ثانياً، ثم اللفظ آخراً. قوله: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ قرأ نافع وابن عامر: بالنون، والباقون: بالياء. وقوله: «خَالِدينَ» . قال بعضهم: ليس قوله «خالدين» فيه ضمير عائد على «من» إنما يعود على مفعول «يُدخِلْهُ» و «خَالِدينَ» حال منه والعامل فيه «يدخله» لا فعل الشَّرط. هذه عبارة أبي حيَّان. وفيها نظر، لأن «خَالدِينَ» حال من مفعول «يُدْخلهُ» عند القائلين بالقول الأول، وكان إصلاح العبارة أن يقال: حال من مفعول «يُدْخِلهُ» الثاني وهو «جنَّاتٍ» . والخلود في الحقيقة لأصحابها، وكان ينبغي على رأي البصريين أن يقال: «خالدين هم فيها» لجريان الوصف على غير من هو له. قوله: ﴿قَدْ أَحْسَنَ الله﴾ . حال ثانية، أو حال من الضمير في «خَالِدينَ» ، فتكون متداخلة. ومعنى قوله: ﴿قَدْ أَحْسَنَ الله لَهُ رِزْقاً﴾ ، أي: وسَّع له في الجنَّات.

الطلاق 65:11

قوله: ﴿وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ . لما ذكر الأحكام ذكر وحذَّر مخالفة الأمر، وذكر عُتُوَّ وحُلُول العذاب بهم، وتقدم الكلام في «كأين» في «آل عمران» . قوله: ﴿عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾ . ضمّن «عَتَتْ» معنى أعرض، كأنه قيل: أعرضت بسبب عتوِّها، أي: عتت يعني القرية والمراد أهلها. وقوله: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا﴾ إلى آخره. يعني في الآخرة، وأتى به بلفظ الماضي لتحقُّقه. وقيل: العذاب في الدُّنيا، فيكون على حقيقته، أي جازيناها بالعذاب في الدُّنيا ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً﴾ في الآخرة وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، أي: فعذبناها عذاباً نكراً في الدنيا بالجوع والقَحْط والسَّيف والخَسْف والمَسْخ وسائر المصائب، وحاسبناها في الآخرة حساباً شديداً. والنُّكْر: المنكر، وقرىء مخففاً ومثقلاً، وقد مضى في سورة الكهف. قوله: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ . أي: عاقبة كفرها ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرَهَا خُسْراً﴾ أي: هلاكاً في الدنيا بما ذكرنا وفي الآخرة بجهنم. قوله: ﴿أَعَدَّ الله لَهُمْ﴾ . تكرير للوعيد توكيداً. وجوز الزمخشري أن يكون «عَتَتْ» وما عطف عليه صفة ل «قَرْيَةٍ» ، ويكون الخبر ل «كأيٍّ» في الجملة من قوله: ﴿أَعَدَّ الله لَهُمْ﴾ . وعلى الأول يكون الخبر «عَتَت» وما عطف عليه. قوله: ﴿الذين آمَنُواْ﴾ . منصوب بإضمار أعني، بياناً للمنادى في قوله: ﴿ياأولي الألباب﴾ أي: العُقُول، ويكون عطف بيان للمنادى أو نعتاً له، ويضعف كونه بدلاً لعدم حلوله محل المبدل منه. قوله: ﴿قد أنزل الله إليكم ذكراً رسولاً﴾ . في نصب «رسولاً» أوجه: أحدها: قال الزجاج والفارسي: إنه منصوب بالمصدر المنون قبله؛ لأنه ينحل لحرف مصدري وفعل، كأنه قيل: أن ذكر رسولاً، ويكون ذكره الرسول قوله ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله﴾ [الفتح: 29] ، والمصدر المنون عامل كقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً﴾ [البلد: 14، 15] . وقول الآخر: [الوافر] 4783 - بِضَرْبٍ بالسُّيُوفِ رُءُوسَ قَوْمٍ ... أزَلْنَا هَامَهُنَّ عنِ المَقِيلِ الثاني: أنه جعل نفس الذكر مبالغة، ويكون محمولاً على المعنى، كأنه قال: قد أظهر لكم ذكراً رسولاً، فيكون من باب بدل الشَّيء من الشَّيء وهو هو. الثالث: أنه بدل منه على حذف مضاف من الأول، تقديره: أنزل ذا ذكر رسولاً. الرابع: كذلك، إلا أن «رسولاً» نعت لذلك المحذوف. الخامس: أنه بدل منه على حذف مضاف، أي ذكراً ذا رسول. السادس: أن يكون «رَسُولاً» نعتاً ل «ذِكْراً» أو على حذف مضاف، أي: ذكراً ذا رسول، و «ذا» رسول نعتاً ل «ذِكْراً» . السابع: أن يكون «رسولاً» بمعنى رسالة، فيكون «رسولاً» بدلاً صريحاً من غير تأويل، أو بيناً عند من يرى جريانه في النكرات كالفارسي، إلا أن هذا يبعده قوله «يَتْلُو عَلَيْكُم» لأن الرسالة لا تتلو إلا بمجاز. الثامن: أن يكون «رَسُولاً» منصوب بفعل مقدر، أي: أرسل رسولاً، لدلالة ما تقدَّم عليه. قال البغوي: كأنه قيل: أنزل إليكم قرآناً وأرسل رسولاً. وقيل: مع رسول. التاسع: أن يكون منصوباً على الإغراء: أي: اتبعوا والزموا رسولاً هذه صفته. فصل في قوله: رسولاً اختلف الناس في «رسولاً» ، هل هو النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أو القرآن نفسه أو جبريل. قال الزمخشري: «هو جبريل أبدل من» ذكراً «لأنه وصف بتلاوة آيات الله، فكان إنزاله في معنى إنزال الذِّكر، فصح إبداله منه» . قال أبو حيَّان: «ولا يصحّ هذا لتباين المدلولين بالحقيقة، ولكونه لا يكون بدل بعض، ولا بدل اشتمال» . انتهى. قال شهاب الدين: «وهذا الذي قاله الزمخشري سبقه إليه الكلبي، وأما اعتراضه عليه، فغير لازم؛ لأنه بولغ فيه حتى جعل نفس الذكر كما تقدم بيانه» . وقرىء: «رسول» بالرفع على إضمار مبتدأ، أي: هو رسول. وقيل: الذكر هنا الشَّرف كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: 10] وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44] ثم بين الشرف فقال: «رَسُولاً» ، والأكثر على أن المراد بالرسول محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقال الكلبي: هو جبريل، فيكونان جميعاً منزلين. قوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ الله﴾ . نعت ل «الرسول» ، و «آيَاتِ اللَّهِ» القرآن. و «مبيِّنَاتٍ» قرأ العامة: بفتح الياء، أي: يبينها الله، وبها قرأ ابن عباس، وهي اختيار أبي عبيد، وأبي حاتم، لقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ [آل عمران: 118] . وقرأ ابن عامر، وحفص، وحمزة، والكسائي: بكسرها، أي: يبين لكم ما تحتاجون إليه من الأحكام. قوله: ﴿لِّيُخْرِجَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ . الجار متعلق إما ب «أنزل» وإما ب «يتلو» . وفاعل «يخرج» إما ضمير الباري - تعالى - المنزل، أو ضمير الرسُول، أو الذكر. والمراد بالذين آمنوا من سبق له ذلك في علم الله. وقوله: ﴿مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ . أي: من الكفر إلى الهدى والإيمان. قال ابن عباس: نزلت في مؤمني أهل الكتاب، وأضاف الإخراج إلى الرسُول؛ لأن الإيمان إنما حصل بطاعته. قوله: ﴿وَمَن يُؤْمِن﴾ . هذا أحد المواضع التي رُوعي فيها اللفظ أولاً ثم المعنى ثانياً، ثم اللفظ آخراً. قوله: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ قرأ نافع وابن عامر: بالنون، والباقون: بالياء. وقوله: «خَالِدينَ» . قال بعضهم: ليس قوله «خالدين» فيه ضمير عائد على «من» إنما يعود على مفعول «يُدخِلْهُ» و «خَالِدينَ» حال منه والعامل فيه «يدخله» لا فعل الشَّرط. هذه عبارة أبي حيَّان. وفيها نظر، لأن «خَالدِينَ» حال من مفعول «يُدْخلهُ» عند القائلين بالقول الأول، وكان إصلاح العبارة أن يقال: حال من مفعول «يُدْخِلهُ» الثاني وهو «جنَّاتٍ» . والخلود في الحقيقة لأصحابها، وكان ينبغي على رأي البصريين أن يقال: «خالدين هم فيها» لجريان الوصف على غير من هو له. قوله: ﴿قَدْ أَحْسَنَ الله﴾ . حال ثانية، أو حال من الضمير في «خَالِدينَ» ، فتكون متداخلة. ومعنى قوله: ﴿قَدْ أَحْسَنَ الله لَهُ رِزْقاً﴾ ، أي: وسَّع له في الجنَّات.

الطلاق 65:12

قوله: ﴿الله الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ﴾ . يدّل على كمال قدرته وأنه يقدر على البعث والمحاسبة، ولا خلاف في أن السماوات سبع بعضها فوق بعض بدليل حديث الإسراء وغيره، وقوله: ﴿وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ﴾ يعني سبعاً، واختلف فيهن. فقال الجمهور: إنها سبع أرضين مطبقاً بعضها فوق بعض بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء والأرض وفي كلِّ مكان من خلق الله. وقال الضحاك: ﴿وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ﴾ أي: سبعاً من الأرضين، ولكنها مطبقة بعضها فوق بعض من غير فُتُوق بخلاف السماوات. قال القرطبي: والأول أصحّ؛ لأن الأخبار دالة عليه كما روى البخاري وغيره، روى أبو مروان عن أبيه: «أن كعباً حلف له بالله الذي فلق البحر لموسى أن صهيباً حدثه أن محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها:» اللَّهُمَّ ربَّ السَّمواتِ السَّبعِ ومَا أظْللْنَ، وربَّ الأرضينَ السَّبْعِ وما أقْلَلْنَ، وربَّ الشَّياطينِ وما أضللنَ، وربَّ الرِّياحِ وما أذررْنَ، إنَّا نَسْألُكَ خَيْر هذهِ القريةِ وخَيْرَ أهْلِهَا، ونَعُوذُ بِكَ من شرِّها وشرِّ أهلهَا، ومن شرِّ مَنْ فيهَا «» . وروى مسلم عن سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «مَن ظَلَمَ قِيْدَ شِبْرٍ مِنَ الأرْضِ طُوِّقه يَوْمَ القيامَةِ من سَبْعِ أرضينَ» . قال الماوردي: وعلى أنها سبع أرضين تختص دعوة أهل الإسلام بإهل الأرض العليا ولا يلزم فيمن غيرها من الأرضين وإن كان فيها من يعقل من خلق مميز، وفي مشاهدتهم السماء واستمدادهم الضوء منها قولان: أحدهما: أنهم يشاهدون من كل جانب من أرضهم، ويستمدّون الضياء منها، وهذا قول من جعل الأرض مبسوطة. والثاني: أنهم لا يشاهدون السماء، وأن الله تعالى خلق لهم ضياء يشاهدونه، وهذا قول من جعل الأرض كرة. وحكى الكلبي عن أبي صالحٍ، عن ابن عباس: أنها سبع أرضين منبسطة ليس بعضها فوق بعض يفرق بينها البحار، وتظل جميعهم السماء، فعلى هذا إن لم يكن لأحد من أهل الأرض وصول إلى أرض أخرى اختصت دعوة الإسلام بأهل هذه الأرض، وإن كان لقوم منهم وصول إلى أرض أخرى، احتمل أن يلزمهم دعوة الإسلام لإمكان الوصول إليهم لأن فصل البحار إذا أمكن سلوكها لا يمنع من لزوم ما عم حكمه، واحتمل ألا يلزمهم دعوة الإسلام؛ لأنها لو لزمتهم لكان النصُّ بها وارداً، ولكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مأموراً بها. قال بعض العلماء: السماء في اللغة عبارة عما علاكَ، ففلك القمر بالنسبة إلى السماء الثانية أرض، وكذلك السماء الثانية بالنسبة إلى الثالثة أرض وكذلك البقية بالنسبة إلى ما تحته سماء وبالنسبة إلى ما فوقه أرض، فعلى هذا تكون السماوات السَّبع وهذه سبع سماوات وسبع أرضين. قوله: ﴿مِثْلَهُنَّ﴾ . قرأ العامَّة: بالنصب، وفيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على سبع سموات. قاله الزمخشري. واعترض عليه أبو حيَّان بلزوم الفصل بين حرف العطف، وهو على حرف واحد وبين المعطوف بالجار والمجرور، وهو مختص بالضرورة عند أبي علي. قال شهاب الدين: وهذا نظير قوله: ﴿آتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً﴾ [البقرة: 201] عند ابن مالك، وتقدم تحريره في سورة البقرة والنساء، وهو عند قوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس﴾ [النساء: 58] ، ﴿وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: 71] . والثاني: أنه منصوب بمقدر بعد الواو، أي: خلق مثلهن من الأرض. واختلف الناس في المثليَّة. فقيل: مثلها في العدد. وقيل: في بعض الأوصاف؛ فإن المثليَّة تصدق بذلك، والأول المشهور. وقرأ عاصم في رواية: «مثلُهنَّ» بالرفع على الابتداء، والجار قبله خبره. قوله: ﴿يَتَنَزَّلُ الأمر بَيْنَهُنَّ﴾ . يجوز أن يكون مستأنفاً وأن يكون نعتاً لم قبله. قاله أبو البقاء. وقرأ أبو عمرو في رواية، وعيسى: «يُنَزِّلُ» بالتشديد، أي: الله، «الأمْرَ» مفعول به. والضميرُ في «بَيْنَهُنَّ» عائد على «السَّماواتِ والأرضين» عند الجمهور، أو على السمواتِ والأرض عند من يقول: إنها أرض واحدة. وقوله: ﴿لتعلموا﴾ : متعلق ب «خَلَقَ» أو ب «يَتَنَزَّل» . والعامة: «لتعْلَمُوا» بتاء الخطاب، وبعضهم بياء الغيبة. فصل في تفسير الآية قال مجاهدٌ: يتنزل الأمرُ من السماوات السبع إلى الأرضين السبع. وقال الحسنُ: بين كل سماءين أرض وأمر. والأمر هنا الوحي في قول مقاتل وغيره، وعلى هذا يكون «بَيْنَهُنَّ» إشارة إلى بين هذه الأرض العليا التي هي أدناها، وبين السابعة التي هي أعلاها. وقيل: الأمر هنا القضاء والقدر، وهو قول الأكثرين، فعلى هذا يكون المراد بقوله تعالى: ﴿بَيْنَهُنَّ﴾ إشارة إلى ما بين الأرض السُّفلى التي هي أقصاها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها. وقيل: ﴿يَتَنَزَّلُ الأمر بَيْنَهُنَّ﴾ بحياة بعض، وموت بعض، غِنَى قوم، وفقر قوم. وقيل: ما يُدَبِّرُ فيهن من عجيب تدبيره، فينزل المطرُ، ويخرج النبات، ويأتي بالليل والنهار والصيف والشتاء، ويخلق الحيوانات على اختلاف أنواعها وهيئاتها فينقلهم من حال إلى حال. قال ابن كيسان: وهذا على اتساعِ اللغةِ، كما يقال للموت: أمر اللَّهِ، وللريح والسَّحاب ونحوهما. قال قتادةُ: في كل أرض من أرضه، وسماء من سمائه خلق من خلقه، وأمر من أمره وقضاء من قضائه. ﴿لتعلموا أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، أي: من قدر على هذا الملك العظيم، فهو على ما بينهما من خلقه أقدر من العفو، والانتقام أمكنُ، وإن استوى كل ذلك في مقدوره ومكنته، ﴿وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمَا﴾ ، فلا يخرج شيء عن علمه وقُدرته. ونصب «عِلْماً» على المصدر المؤكد؛ لأن «أحَاطَ» بمعنى «عَلِمَ» . وقيل: بمعنى: وأن الله أحاط إحاطة. روى الثعلبيُّ عن أبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورَةَ ﴿يا أيها النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء﴾ ماتَ علَى سُنَّةِ رسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» . سورة التحريم

التحريم 66:1

مدنية، وهي ثنتا عشرة آية، ومائتان وسبع وأربعون كلمة، وألف وستون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ ؟ . قال ابن الخطيب: وجه تعلق هذه السورة بما قبلها، وذلك لاشتراكهما في الأحكام المخصوصة بالنساء، واشتراك الخطاب في الطلاق في أول تلك السورة يشترك مع الخطاب بالتحريم في أول هذه السورة؛ لأن الطلاق في أكثر الصور يشتمل على تحريم ما أحل الله. وأما تعلّق أول هذه السورة بآخر السورة فلأن المذكور في آخر تلك السورة يدلّ على عظمة حضرة الله تعالى وعلى كمال قدرته وعلمه، ولما كان خلق السماوات والأرض، وما بينهما من العجائب والغرائب مما ينافي القدرة على تحريم ما أحلّ الله، فلهذا قال: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ . فصل في سبب نزول الآية ثبت في صحيح مسلم عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يمكثُ عند زينب بنت جحش، فيشرب عندها عسلاً، قالت: فتواطأت أنا وحفصة أنَّ أيّتنا دخل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عليها فلتقل: إني أجد ريح مغافير، فدخل على إحداهما، فقالت له ذلك، فقال: بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش، ولن أعود له، فنزل: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِن تَتُوبَآ﴾ لعائشة وحفصة» . وعنها أيضاً قالت: «كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يحب الحلواء والعسل، فكان إذا صلَّى العصر دار على نسائه، فدخل على حفصة، فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس فسألت عن ذلك، فقيل لي: أهدتْ لها امرأة من قومها عكة عسل، فسقت منه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ شربة، فقلت: أما - والله - لنحتالن له، فذكرت ذلك لسَوْدَة، وقلت إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك، فقولي له: يا رسول الله، أكلت مغافير؟ فإنه سيقول لك: لا، فقولي له: ما هذه الريحُ، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يشتد عليه أن يوجد منه الريح؛ فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسلٍ، فقولي: جَرَسَتْ نَحْلُهُ العُرفُطَ، وسأقول ذلك له، وقوليه أنت يا صفيةُ، فلما دخل على سودة قالت سودة: والذي لا إله إلا هو، لقد كدت أن أبادئه بالذي قالت لي، وإنه لعلى الباب، فرقاً منك، فلما دنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قلت: يا رسول الله، أكلت مغافير؟ قال: لا، قلت: فما هذه الريح؟ قال: سقتني حفصة شربة عسل، قالت: جَرسَتْ نَحْلُهُ العُرْفُطَ، فلما دخل عليّ قلت له مثل ذلك، ثم دخل على صفيّة، فقالت مثل ذلك، فلما دخل على حفصة، قالت له: يا رسول الله، ألا أسقيك منه؟ قال: لا حاجة لي به، قالت: تقول سودة: سبحان الله، لقد حرمناه، قالت: قلت لها: اسكتي» . ففي هذه الرواية أن التي شرب عندها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ العسل حفصة، وفي الأولى زينب. وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس: أنه شربه عند سودة. وقد قيل: إنما هي أمّ سلمة، رواه أسباط عن السديِّ. وقال عطاء بن أبي مسلم. قال ابن العربي: «وهذا كله جهل، أو تصور بغير علمٍ» . فقال باقي نساه حسداً وغيرة لمن شرب ذلك عندها: إنا لنجد منك ريح المغافير. والمغافير: بقلة أو صمغة متغيّرة الرائحة، فيها حلاوة، واحدها: مغفور. وجَرَسَتْ: أكلت، والعُرْفُطُ: نبت له ريح كريح الخمرِ. وكان - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - يعجبه أن يوجد منه الريح الطيبة، ويكره الريح الخبيثة لمناجاة الملك. وقال ابن عبَّاس: أراد بذلك المرأة التي وهبت نفسها للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فلم يقبلها، والمرأة أم شريك، قاله عكرمة. وقيل: إن التي حرّم مارية القبطية، وكان قد أهداها له المقوقس ملك «الإسكندرية» . قال ابنُ إسحاق: هي من كورة «أنْصِنا» من بلد يقال له: «حفْن» ، فواقعها في بيت حفصة. روى الدارقطني عن ابن عباسٍ عن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم قال: «دخل رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأم ولده، مارية في بيت حفصة، فوجدته حفصة معها، فقالت له: تدخلها بيتي؟ ما صنعت بي هذا من بين نسائك إلا من هواني عليك، فقال لها: لا تذكري هذا لعائشة، فهي عليّ حرام إن قربتها، قالت حفصة: فكيف تحرم عليك وهي جاريتك؟ فحلف لها ألا يقربها، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» لا تَذْكُرِيهِ لأَحدٍ «، فذكرته لعائشة، فآلى لا يدخل على نسائه شهراً، فاعتزلهن تسعاً وعشرين ليلةً، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ » الآية. قال القرطبي: أصح هذه الأقوال أولها، وأضعفها أوسطها. قال ابن العربي: «أما ضعفه في السند، فلعدم عدالة رواته، وأما ضعفه في معناه فلأن رد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الموهوبة ليس تحريماً لها؛ لأن من رد ما وُهِبَ له لم يَحْرُمْ عليه، إنما حقيقة التحريم بعد التحليل، وأما ما روي أنه حرم مارية القبطية، فهو أمثل في السند، وأقرب إلى المعنى، لكنه لم يدون في الصحيح بل روي مرسلاً، وإنما الصحيح أنه كان في العسل، وأنه شربه عند زينب، وتظاهرت عليه عائشة وحفصة، فحلف أن لا يشربه، وأسر ذلك، ونزلت الآية في الجميع» . فصل في هل التحريم يمين؟ قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحرِّمُ﴾ إن كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حرم ولم يحلف، فليس ذلك بيمين، ولا يحرم قول الرجل: «هذَا عليَّ حَرامٌ» شيئاً، حاشا الزوجة. وقال أبو حنيفة: أذا أطلق حمل على المأكول والمشروب، دون الملبوس، وكانت يميناً توجب الكفارة. وقال زفر: هو يمين في الكل، حتى في الحركة والسكون، واستدل المخالف بأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حرَّم العسل، فلزمته الكفَّارة، وقد قال تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ فسماه يميناً. قال القرطبي: ودليلنا قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ وَلاَ تعتدوا﴾ [المائدة: 87] . وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ الله لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: 59] . فذم اللَّهُ المُحَرِّمَ للحلال، ولم يوجب عليه كفارة. قال الزجاجُ: ليس لأحدٍ أن يحرم ما أحلَّ الله، ولم يجعل لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يحرم إلا ما حرم الله عليه. فمن قال لزوجته أو أمته، أنت عليَّ حرام، فإن لم يَنْوِ طلاقاً، ولا ظهاراً فهذا اللفظ يوجب عليه كفارة يمين، ولو خاطب بهذا اللفظ جمعاً من الزوجات والإماء، فعليه كفارة واحدة. ولو حرم على نفسه طعاماً، أو شيئاً آخر لم يلزمه بذلك كفارة عند الشافعي ومالك، ويجب بذلك كفارة عند ابن مسعود والثوري وأبي حنيفة. فصل في اختلافهم هل التحريم طلاق؟ إذا قال الرَّجُلُ لزوجته: «أنْتِ عليَّ حَرَامٌ» . قال القرطبيُّ: «فيه ثمانية عشر قولاً: أحدها: لا شيء عليه، وبه قال الشعبي، ومسروق، وربيعة، وأبو سلمة، وأصبغ، وهو عندهم كتحريم الماءِ، والطعام، قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ﴾ [المائدة: 87] . والزوجة من الطَّيِّبات، ومما أحل الله. وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب هذا حَلاَلٌ وهذا حَرَامٌ﴾ [النحل: 116] . فما لم يحرمه الله، فليس لأحد أن يحرمه، ولا أن يصير بتحريمه حراماً، ولم يثبت عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال لما أحله الله: هو حرام عليَّ، وإنما امتنع من مارية ليمين تقدمت منه، وهو قوله: «واللَّهِ لا أقربُهَا بَعْدَ اليَوْمِ» . وروى البغويُّ في تفسيره: أن حفصة لما أخبرت عائشة، غضبت عائشةُ، ولم تزل بنبي الله حتى حلف ألاَّ يقربها، فقيل له: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ ؟ أي: لم تمتنع منه بسبب اليمين، يعني: أقدم عليه، وكفِّر. وثانيها: أنه يمين يكفرها، قاله أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - والأوزاعي، وهو مقتضى الآية. قال سعيدُ بن جبيرٍ عن ابن عبَّاسٍ: إذا حرم الرجل عليه امرأته، فإنما هي يمينٌ بكفرها. وقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: لَقَدْ كَان لكُمْ في رسُولِ اللَّهِ أسْوَةٌ حَسَنةٌ. يعني أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان حرم جاريته، فقال تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ فكفَّر عن يمينه، وصيَّر الحرام يميناً، خرجه الدارقطني. وثالثها: أنه يجب فيها كفَّارة، وليست بيمين، قاله ابن مسعود؛ لأن معنى اليمين عنده التحريم، فوقعت الكفَّارة على المعنى، والآية ترده. ورابعها: هي ظهارٌ، ففيها كفارة الظهارِ، قاله عثمان وأحمد بن حنبل وإسحاق، ولأنه إنما حرم وطؤها، والظهار أقل درجات التحريم. وخامسها: أنه إن نوى الظهار كان ظهاراً، وإن نوى تحريم عينها عليه بغير طلاق تحريماً مطلقاً وجبت كفارة يمين، وإن لم يَنْوِ فعليه كفارة يمين، قاله الشافعي. وسادسها: أنها طلقة رجعية، قاله عمر بن الخطاب، والزهري، وعبد العزيز بن أبي سلمة وابن الماجشون. وسابعها: أنها طلقة بائنة، قاله حماد بن أبي سليمان، وزيد بن ثابت، ورواه ابن خويزمنداد عن مالك؛ ولأن الطلاق الرجعي لا يحرم المطلقة. وثامنها: أنها ثلاث تطليقات. قاله علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وزيد بن ثابت أيضاً، وأبو هريرة؛ لأنه التحريم المتيقن. وتاسعها: هي في المدخول بها ثلاث، وينوي في المدخول بها. قاله علي بن زيد والحسن والحكم، وهو مشهور مذهب مالك؛ لأن غير المدخول بها تبينها الطلقة، وتحرمها. وعاشرها: هي ثلاث، ولا ينوي بحال، ولا في محل، وإن لم يدخل بها، قاله عبد الملك في «المبسوطة» ، وبه قال ابن أبي ليلى؛ لأنه أخذ بالحُكْمِ الأعظم لهما؛ لأنه لو صرح بالثلاث لغير المدخول بها لنفذ. وحادي عشرها: هي في التي لم يدخل بها واحدة، وفي المدخول بها ثلاث، قاله أبو مصعب، ومحمد بن الحكم. وثاني عشرها: أنه إن نوى الطَّلاق، والظهار كان ما نوى، وإن نوى الطلاق فواحدة بائنة إلا أن ينوي ثلاثاً، فإن نوى اثنتين ألزمناه. وثالث عشرها: أنه لا ينعقد نيّة الظِّهار، وإنما يكون طلاقاً. قاله ابن القاسم. ورابع عشرها: قال يحيى بن عمر: يكون طلاقاً، فإن ارتجعها لم يجز له وطؤها، حتى يكفر كفارة الظِّهار. وخامس عشرها: إن نوى الطلاق، فما أراد من أعداده، وإن نوى واحدة فهي رجعية، وهو قول الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وروي مثله عن أبي بكر وعمر وغيرهم من الصحابة والتابعين. وساس عشرها: إن نوى ثلاثاً، فثلاثاً، وإن نوى واحدة، فواحدة، وإن نوى يميناً، فهي يمينٌ، وإن لم ينو شيئاً، فلا شيء عليه، وهو قول سفيان، وبه قال الأوزاعي وأبو ثور، إلا أنهما قالا: لم ينو شيئاً فهي واحدة. وسابع عشرها: له نيتُهُ ولا يكون أقلّ من واحدة، قاله ابن شهاب، وإن لم ينو شيئاً لم يَكُنْ شيئاً. قال ابن العربي: «ورأيت لسعيد بن جبير، وهو: الثامن عشر: أن عليه عتق رقبة وإن لم يجعلها ظهاراً، ولست أعلم لها وجهاً، ولا يبعد في المقالات عندي» . قال القرطبي: وقد روى الدارقطني عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنه أتاه رجل فقال: إني جعلت امرأتي عليَّ حراماً، فقال: كذبت، ليست عليك بحرامٍ، ثم تلا: ﴿يا أيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ ؟ عليك أغلظ الكفَّارات عتق رقبة، وقد قال جماعة من المفسرين: إنه لما نزلت هذه الآية كفر عن يمينه بعتق رقبة، وعاد إلى مارية صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قاله زيد بن أسلم وغيره «. هذا كله في الزوجة، وأما الأمةُ [فليس] فيها شيء من ذلك إلاَّ أن ينوي العتق عند مالك، وذهب عامة العلماء إلى أن عليهن كفَّارة يمين. قال ابن العربي:» والصحيح أنها طلقة واحدة؛ لأنه لو ذكر الطلاق لكان أقله، وهو الواحدة إلا أن يعدده، فكذلك إذا ذكر التحريم يكون أقله إلا أن يقيده بالأكثر، مثل أن يقول: أنت عليَّ حرامٌ إلا بعد زوج، فهذا نصف في المراد» . فصل في هذا الاستفهام قال ابن الخطيب: قال صاحب «النظم» : قوله: «لِمَ تُحَرِّمُ» استفهام بمعنى الإنكار، وذلك من اللَّه نهيٌ، وتحريم الحلال مكروه؛ لأن الحلال لا يحرم إلا بتحريمِ اللَّهِ تعالى. فإن قيل: قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ يوهم أن هذا الخطاب بطريق العتاب، وخطاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ينافي ذلك لما فيه من التشريف والتعظيم؟ . فالجوابُ: أن هذا الخطاب ليس بطريق العتاب، بل بطريق التنبيه على أن ما صدر منه لم يكن على ما ينبغي. فإن قيل: تحريم ما أحلَّ اللَّهُ غير ممكن، فكيف قال: لم تحرم ما أحل الله؟ فالجواب: أن المراد بهذا التحريم هو الامتناع من الانتفاع بالأزواج؛ لاعتقاد كونه حراماً بعدما أحله الله تعالى، فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ امتنع عن الانتفاع بها مع اعتقاد كونها حلالاً؛ فإن من اعتقد أن هذا التحريم هو تحريم ما أحله الله - تعالى - فقد كفر، فكيف يضاف إلى الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - مثل هذا؟ . قوله: ﴿تَبْتَغِي﴾ . يجوز أن يكون حالاً من فاعل «تُحَرِّمُ» ، أي: لم تحرم مبتغياً به مرضات أزواجك. ويجوز أن يكون تفسيراً ل «تُحَرِّمُ» . ويجوز أن يكون مستأنفاً، فهو جواب للسؤال. و «مَرْضَاتَ» اسم مصدر، وهو الرضا، وأصله «مرضوة» . والمصدر هنا مضاف إما للمفعول، أو للفاعل، أي: ترضي أنت أزواجك أو أن ترْضَيْنَ. والمعنى: يفعل ذلك طلباً لرضاهن ﴿والله غَفُورٌ﴾ أي: لما أوجب المعاتبة ﴿رَّحِيمٌ﴾ برفع المُؤاخذةِ. قال القرطبيُّ: «وقد قيل: إن ذلك كان ذنباً من الصَّغائر، والصحيح أنه معاتبة على ترك الأولى، وأنه لم تكن له صغيرة، ولا كبيرة» . قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ . ﴿فَرَضَ الله لَكُمْ﴾ أي: بيَّن لكم، كقوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: 1] وقيل: قد أوجب الله. وقال صاحب «النظم» : إذا وصل «فَرَضَ» ب «عَلَى» لم تحتمل غير الإيجاب كقوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب: 50] ، وإذا وصل باللام احتمل الوجهين. قوله: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ . تحليل اليمين كفَّارتها، أي: إذا أحللتم استباحة المحلوف عليه، وهو قوله تعالى في سورة «المائدة» : ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [الآية: 89] . قال القرطبيُّ: وتحصل من هذا أن من حرم شيئاً من المأكول، أو المشروب لم يحرم عليه؛ لأن الكفارة لليمين لا للتحريم، وأبو حنيفة يراه يميناً في كل شيءٍ، ويعتبر الانتفاع المقصود فيما يحرم، فإذا حرم طعاماً فقد حلف على أكله، أو أمة فعلى وطئها، أو زوجة فعلى الإيلاء منها إذا لم يكن له نية، وإن نوى الظهار فظهار، وإن نوى الطلاق فطلاق بائنٌ، وكذلك إن نوى ثنتين أو ثلاثاً، وإن قال: نويتُ الكذب دينَ فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يدين في القضاء بإبطال الإيلاء، وإن قال: كل حلال عليه حرام، فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو، وإلا فعلى ما نوى، ولا يراه الشافعي يميناً، ويكون في الكفارة وجهان: قوله: ﴿تَحِلَّةَ﴾ . مصدر «حَلّل» مضعفاً، نحو «تكرمة» ، وهذان ليسا [مقيسين] ، فإن قياس مصدر «فَعَّلَ» «التفعيل» إذا كان صحيحاً غير مهموزٍ. فأما المعتل اللام نحو «زكَّى» ومهموزها نحو: «نبَّأ» فمصدرهما «تَفْعِلَةٌ» نحو: «تَزْكِيَةٌ، وتَنْبِئَةٌ» . على أنه قد جاء «التفعيل» كاملاً في المعتل، نحو: [الرجز] 4784 - بَاتَتْ تُنَزِّي دَلْوَهَا تَنْزِيَّا ... وأصلها: «تَحْلِلَة» ك «تَكْرِمَة» فأدغمت، وانتصابها على المفعول به. فصل في تكفير النبي عن هذه اليمين قيل: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كفر عن يمينه. وقال الحسنُ: لم يكفر، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قد غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر. وكفارة اليمين في هذه السورة إنما أمر بها الأمة، والأول أصح، وأن المراد بذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ثم إن الأمة تقتدي به في ذلك، وقد تقدم عن زيد بن أسلم أنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كفر بعتق رقبةٍ. وعن مقاتل: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أعتق رقبةً في تحريم مارية. والله أعلم. فصل في الاستثناء في المين قبل: قد فرض الله لكم تحليل ملك اليمين، فبين في قوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ عَلَى النبي مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ الله﴾ [الأحزاب: 38] ، أي: فيما شرعه له في النساء المحللات، أي: حلل لكم ملك اليمين، فلم تحرم مارية في نفسك مع تحليل الله إياها لك. وقيل: تحلة اليمين الاستثناء، أي: فرض اللَّهُ لكم الاستثناء المخرج عن اليمين، ثم عند قوم يجوز الاستثناء من الأيمان متى شاء، وإن تخَلَّلَ مُدَّةٌ. وعند الجمهور لا يجوز إلا متصلاً، فكأنه قال: «استثن بعد هذا فيما تحلف عليه» وتحلة اليمين تحليلها بالكفارة. قال القرطبيُّ: «والأصل» تحللة» ، فأدغمت، و «تَفْعِلَة» من مصادر» فَعَّل «كالتوصية والتسمية، فالتحلية تحليل اليمين، فكأن اليمين عقد، والكفارة حلٌّ وقيل: التحلة الكفارة، أي: أنها تحلُّ للحالف ما حرَّم على نفسه، أي إذا كفر صار كمن لم يحلف» . فصل قال ابن الخطيب: وتحلة القسم على وجهين: أحدهما: تحليله بالكفارة كما في هذه الآية. وثانيهما: أن يستعمل بمعنى الشيء القليل وهذا هو الأكثر، كما روي من قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «لَنْ تَلِجَ النَّارَ إلا تحِلَّةَ القسمِ» أي: زماناً يسيراً. وقرىء: «كفَّارة أيمانِكُم» . قوله: ﴿والله مَوْلاَكُمْ﴾ . أي: وليّكم وناصركم في إزالة الحظر، فيما تحرمونه على أنفسكم، وبالترخيص لكم في تحليل أيمانكم بالكفَّارة، وبالثواب على ما تخرجونه في الكفارة ﴿وَهُوَ العليم الحكيم﴾ .

التحريم 66:2

مدنية، وهي ثنتا عشرة آية، ومائتان وسبع وأربعون كلمة، وألف وستون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ ؟ . قال ابن الخطيب: وجه تعلق هذه السورة بما قبلها، وذلك لاشتراكهما في الأحكام المخصوصة بالنساء، واشتراك الخطاب في الطلاق في أول تلك السورة يشترك مع الخطاب بالتحريم في أول هذه السورة؛ لأن الطلاق في أكثر الصور يشتمل على تحريم ما أحل الله. وأما تعلّق أول هذه السورة بآخر السورة فلأن المذكور في آخر تلك السورة يدلّ على عظمة حضرة الله تعالى وعلى كمال قدرته وعلمه، ولما كان خلق السماوات والأرض، وما بينهما من العجائب والغرائب مما ينافي القدرة على تحريم ما أحلّ الله، فلهذا قال: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ . فصل في سبب نزول الآية ثبت في صحيح مسلم عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يمكثُ عند زينب بنت جحش، فيشرب عندها عسلاً، قالت: فتواطأت أنا وحفصة أنَّ أيّتنا دخل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عليها فلتقل: إني أجد ريح مغافير، فدخل على إحداهما، فقالت له ذلك، فقال: بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش، ولن أعود له، فنزل: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِن تَتُوبَآ﴾ لعائشة وحفصة» . وعنها أيضاً قالت: «كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يحب الحلواء والعسل، فكان إذا صلَّى العصر دار على نسائه، فدخل على حفصة، فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس فسألت عن ذلك، فقيل لي: أهدتْ لها امرأة من قومها عكة عسل، فسقت منه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ شربة، فقلت: أما - والله - لنحتالن له، فذكرت ذلك لسَوْدَة، وقلت إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك، فقولي له: يا رسول الله، أكلت مغافير؟ فإنه سيقول لك: لا، فقولي له: ما هذه الريحُ، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يشتد عليه أن يوجد منه الريح؛ فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسلٍ، فقولي: جَرَسَتْ نَحْلُهُ العُرفُطَ، وسأقول ذلك له، وقوليه أنت يا صفيةُ، فلما دخل على سودة قالت سودة: والذي لا إله إلا هو، لقد كدت أن أبادئه بالذي قالت لي، وإنه لعلى الباب، فرقاً منك، فلما دنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قلت: يا رسول الله، أكلت مغافير؟ قال: لا، قلت: فما هذه الريح؟ قال: سقتني حفصة شربة عسل، قالت: جَرسَتْ نَحْلُهُ العُرْفُطَ، فلما دخل عليّ قلت له مثل ذلك، ثم دخل على صفيّة، فقالت مثل ذلك، فلما دخل على حفصة، قالت له: يا رسول الله، ألا أسقيك منه؟ قال: لا حاجة لي به، قالت: تقول سودة: سبحان الله، لقد حرمناه، قالت: قلت لها: اسكتي» . ففي هذه الرواية أن التي شرب عندها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ العسل حفصة، وفي الأولى زينب. وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس: أنه شربه عند سودة. وقد قيل: إنما هي أمّ سلمة، رواه أسباط عن السديِّ. وقال عطاء بن أبي مسلم. قال ابن العربي: «وهذا كله جهل، أو تصور بغير علمٍ» . فقال باقي نساه حسداً وغيرة لمن شرب ذلك عندها: إنا لنجد منك ريح المغافير. والمغافير: بقلة أو صمغة متغيّرة الرائحة، فيها حلاوة، واحدها: مغفور. وجَرَسَتْ: أكلت، والعُرْفُطُ: نبت له ريح كريح الخمرِ. وكان - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - يعجبه أن يوجد منه الريح الطيبة، ويكره الريح الخبيثة لمناجاة الملك. وقال ابن عبَّاس: أراد بذلك المرأة التي وهبت نفسها للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فلم يقبلها، والمرأة أم شريك، قاله عكرمة. وقيل: إن التي حرّم مارية القبطية، وكان قد أهداها له المقوقس ملك «الإسكندرية» . قال ابنُ إسحاق: هي من كورة «أنْصِنا» من بلد يقال له: «حفْن» ، فواقعها في بيت حفصة. روى الدارقطني عن ابن عباسٍ عن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم قال: «دخل رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأم ولده، مارية في بيت حفصة، فوجدته حفصة معها، فقالت له: تدخلها بيتي؟ ما صنعت بي هذا من بين نسائك إلا من هواني عليك، فقال لها: لا تذكري هذا لعائشة، فهي عليّ حرام إن قربتها، قالت حفصة: فكيف تحرم عليك وهي جاريتك؟ فحلف لها ألا يقربها، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» لا تَذْكُرِيهِ لأَحدٍ «، فذكرته لعائشة، فآلى لا يدخل على نسائه شهراً، فاعتزلهن تسعاً وعشرين ليلةً، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ » الآية. قال القرطبي: أصح هذه الأقوال أولها، وأضعفها أوسطها. قال ابن العربي: «أما ضعفه في السند، فلعدم عدالة رواته، وأما ضعفه في معناه فلأن رد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الموهوبة ليس تحريماً لها؛ لأن من رد ما وُهِبَ له لم يَحْرُمْ عليه، إنما حقيقة التحريم بعد التحليل، وأما ما روي أنه حرم مارية القبطية، فهو أمثل في السند، وأقرب إلى المعنى، لكنه لم يدون في الصحيح بل روي مرسلاً، وإنما الصحيح أنه كان في العسل، وأنه شربه عند زينب، وتظاهرت عليه عائشة وحفصة، فحلف أن لا يشربه، وأسر ذلك، ونزلت الآية في الجميع» . فصل في هل التحريم يمين؟ قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحرِّمُ﴾ إن كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حرم ولم يحلف، فليس ذلك بيمين، ولا يحرم قول الرجل: «هذَا عليَّ حَرامٌ» شيئاً، حاشا الزوجة. وقال أبو حنيفة: أذا أطلق حمل على المأكول والمشروب، دون الملبوس، وكانت يميناً توجب الكفارة. وقال زفر: هو يمين في الكل، حتى في الحركة والسكون، واستدل المخالف بأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حرَّم العسل، فلزمته الكفَّارة، وقد قال تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ فسماه يميناً. قال القرطبي: ودليلنا قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ وَلاَ تعتدوا﴾ [المائدة: 87] . وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ الله لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: 59] . فذم اللَّهُ المُحَرِّمَ للحلال، ولم يوجب عليه كفارة. قال الزجاجُ: ليس لأحدٍ أن يحرم ما أحلَّ الله، ولم يجعل لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يحرم إلا ما حرم الله عليه. فمن قال لزوجته أو أمته، أنت عليَّ حرام، فإن لم يَنْوِ طلاقاً، ولا ظهاراً فهذا اللفظ يوجب عليه كفارة يمين، ولو خاطب بهذا اللفظ جمعاً من الزوجات والإماء، فعليه كفارة واحدة. ولو حرم على نفسه طعاماً، أو شيئاً آخر لم يلزمه بذلك كفارة عند الشافعي ومالك، ويجب بذلك كفارة عند ابن مسعود والثوري وأبي حنيفة. فصل في اختلافهم هل التحريم طلاق؟ إذا قال الرَّجُلُ لزوجته: «أنْتِ عليَّ حَرَامٌ» . قال القرطبيُّ: «فيه ثمانية عشر قولاً: أحدها: لا شيء عليه، وبه قال الشعبي، ومسروق، وربيعة، وأبو سلمة، وأصبغ، وهو عندهم كتحريم الماءِ، والطعام، قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ﴾ [المائدة: 87] . والزوجة من الطَّيِّبات، ومما أحل الله. وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب هذا حَلاَلٌ وهذا حَرَامٌ﴾ [النحل: 116] . فما لم يحرمه الله، فليس لأحد أن يحرمه، ولا أن يصير بتحريمه حراماً، ولم يثبت عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال لما أحله الله: هو حرام عليَّ، وإنما امتنع من مارية ليمين تقدمت منه، وهو قوله: «واللَّهِ لا أقربُهَا بَعْدَ اليَوْمِ» . وروى البغويُّ في تفسيره: أن حفصة لما أخبرت عائشة، غضبت عائشةُ، ولم تزل بنبي الله حتى حلف ألاَّ يقربها، فقيل له: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ ؟ أي: لم تمتنع منه بسبب اليمين، يعني: أقدم عليه، وكفِّر. وثانيها: أنه يمين يكفرها، قاله أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - والأوزاعي، وهو مقتضى الآية. قال سعيدُ بن جبيرٍ عن ابن عبَّاسٍ: إذا حرم الرجل عليه امرأته، فإنما هي يمينٌ بكفرها. وقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: لَقَدْ كَان لكُمْ في رسُولِ اللَّهِ أسْوَةٌ حَسَنةٌ. يعني أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان حرم جاريته، فقال تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ فكفَّر عن يمينه، وصيَّر الحرام يميناً، خرجه الدارقطني. وثالثها: أنه يجب فيها كفَّارة، وليست بيمين، قاله ابن مسعود؛ لأن معنى اليمين عنده التحريم، فوقعت الكفَّارة على المعنى، والآية ترده. ورابعها: هي ظهارٌ، ففيها كفارة الظهارِ، قاله عثمان وأحمد بن حنبل وإسحاق، ولأنه إنما حرم وطؤها، والظهار أقل درجات التحريم. وخامسها: أنه إن نوى الظهار كان ظهاراً، وإن نوى تحريم عينها عليه بغير طلاق تحريماً مطلقاً وجبت كفارة يمين، وإن لم يَنْوِ فعليه كفارة يمين، قاله الشافعي. وسادسها: أنها طلقة رجعية، قاله عمر بن الخطاب، والزهري، وعبد العزيز بن أبي سلمة وابن الماجشون. وسابعها: أنها طلقة بائنة، قاله حماد بن أبي سليمان، وزيد بن ثابت، ورواه ابن خويزمنداد عن مالك؛ ولأن الطلاق الرجعي لا يحرم المطلقة. وثامنها: أنها ثلاث تطليقات. قاله علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وزيد بن ثابت أيضاً، وأبو هريرة؛ لأنه التحريم المتيقن. وتاسعها: هي في المدخول بها ثلاث، وينوي في المدخول بها. قاله علي بن زيد والحسن والحكم، وهو مشهور مذهب مالك؛ لأن غير المدخول بها تبينها الطلقة، وتحرمها. وعاشرها: هي ثلاث، ولا ينوي بحال، ولا في محل، وإن لم يدخل بها، قاله عبد الملك في «المبسوطة» ، وبه قال ابن أبي ليلى؛ لأنه أخذ بالحُكْمِ الأعظم لهما؛ لأنه لو صرح بالثلاث لغير المدخول بها لنفذ. وحادي عشرها: هي في التي لم يدخل بها واحدة، وفي المدخول بها ثلاث، قاله أبو مصعب، ومحمد بن الحكم. وثاني عشرها: أنه إن نوى الطَّلاق، والظهار كان ما نوى، وإن نوى الطلاق فواحدة بائنة إلا أن ينوي ثلاثاً، فإن نوى اثنتين ألزمناه. وثالث عشرها: أنه لا ينعقد نيّة الظِّهار، وإنما يكون طلاقاً. قاله ابن القاسم. ورابع عشرها: قال يحيى بن عمر: يكون طلاقاً، فإن ارتجعها لم يجز له وطؤها، حتى يكفر كفارة الظِّهار. وخامس عشرها: إن نوى الطلاق، فما أراد من أعداده، وإن نوى واحدة فهي رجعية، وهو قول الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وروي مثله عن أبي بكر وعمر وغيرهم من الصحابة والتابعين. وساس عشرها: إن نوى ثلاثاً، فثلاثاً، وإن نوى واحدة، فواحدة، وإن نوى يميناً، فهي يمينٌ، وإن لم ينو شيئاً، فلا شيء عليه، وهو قول سفيان، وبه قال الأوزاعي وأبو ثور، إلا أنهما قالا: لم ينو شيئاً فهي واحدة. وسابع عشرها: له نيتُهُ ولا يكون أقلّ من واحدة، قاله ابن شهاب، وإن لم ينو شيئاً لم يَكُنْ شيئاً. قال ابن العربي: «ورأيت لسعيد بن جبير، وهو: الثامن عشر: أن عليه عتق رقبة وإن لم يجعلها ظهاراً، ولست أعلم لها وجهاً، ولا يبعد في المقالات عندي» . قال القرطبي: وقد روى الدارقطني عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنه أتاه رجل فقال: إني جعلت امرأتي عليَّ حراماً، فقال: كذبت، ليست عليك بحرامٍ، ثم تلا: ﴿يا أيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ ؟ عليك أغلظ الكفَّارات عتق رقبة، وقد قال جماعة من المفسرين: إنه لما نزلت هذه الآية كفر عن يمينه بعتق رقبة، وعاد إلى مارية صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قاله زيد بن أسلم وغيره «. هذا كله في الزوجة، وأما الأمةُ [فليس] فيها شيء من ذلك إلاَّ أن ينوي العتق عند مالك، وذهب عامة العلماء إلى أن عليهن كفَّارة يمين. قال ابن العربي:» والصحيح أنها طلقة واحدة؛ لأنه لو ذكر الطلاق لكان أقله، وهو الواحدة إلا أن يعدده، فكذلك إذا ذكر التحريم يكون أقله إلا أن يقيده بالأكثر، مثل أن يقول: أنت عليَّ حرامٌ إلا بعد زوج، فهذا نصف في المراد» . فصل في هذا الاستفهام قال ابن الخطيب: قال صاحب «النظم» : قوله: «لِمَ تُحَرِّمُ» استفهام بمعنى الإنكار، وذلك من اللَّه نهيٌ، وتحريم الحلال مكروه؛ لأن الحلال لا يحرم إلا بتحريمِ اللَّهِ تعالى. فإن قيل: قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ يوهم أن هذا الخطاب بطريق العتاب، وخطاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ينافي ذلك لما فيه من التشريف والتعظيم؟ . فالجوابُ: أن هذا الخطاب ليس بطريق العتاب، بل بطريق التنبيه على أن ما صدر منه لم يكن على ما ينبغي. فإن قيل: تحريم ما أحلَّ اللَّهُ غير ممكن، فكيف قال: لم تحرم ما أحل الله؟ فالجواب: أن المراد بهذا التحريم هو الامتناع من الانتفاع بالأزواج؛ لاعتقاد كونه حراماً بعدما أحله الله تعالى، فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ امتنع عن الانتفاع بها مع اعتقاد كونها حلالاً؛ فإن من اعتقد أن هذا التحريم هو تحريم ما أحله الله - تعالى - فقد كفر، فكيف يضاف إلى الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - مثل هذا؟ . قوله: ﴿تَبْتَغِي﴾ . يجوز أن يكون حالاً من فاعل «تُحَرِّمُ» ، أي: لم تحرم مبتغياً به مرضات أزواجك. ويجوز أن يكون تفسيراً ل «تُحَرِّمُ» . ويجوز أن يكون مستأنفاً، فهو جواب للسؤال. و «مَرْضَاتَ» اسم مصدر، وهو الرضا، وأصله «مرضوة» . والمصدر هنا مضاف إما للمفعول، أو للفاعل، أي: ترضي أنت أزواجك أو أن ترْضَيْنَ. والمعنى: يفعل ذلك طلباً لرضاهن ﴿والله غَفُورٌ﴾ أي: لما أوجب المعاتبة ﴿رَّحِيمٌ﴾ برفع المُؤاخذةِ. قال القرطبيُّ: «وقد قيل: إن ذلك كان ذنباً من الصَّغائر، والصحيح أنه معاتبة على ترك الأولى، وأنه لم تكن له صغيرة، ولا كبيرة» . قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ . ﴿فَرَضَ الله لَكُمْ﴾ أي: بيَّن لكم، كقوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: 1] وقيل: قد أوجب الله. وقال صاحب «النظم» : إذا وصل «فَرَضَ» ب «عَلَى» لم تحتمل غير الإيجاب كقوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب: 50] ، وإذا وصل باللام احتمل الوجهين. قوله: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ . تحليل اليمين كفَّارتها، أي: إذا أحللتم استباحة المحلوف عليه، وهو قوله تعالى في سورة «المائدة» : ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [الآية: 89] . قال القرطبيُّ: وتحصل من هذا أن من حرم شيئاً من المأكول، أو المشروب لم يحرم عليه؛ لأن الكفارة لليمين لا للتحريم، وأبو حنيفة يراه يميناً في كل شيءٍ، ويعتبر الانتفاع المقصود فيما يحرم، فإذا حرم طعاماً فقد حلف على أكله، أو أمة فعلى وطئها، أو زوجة فعلى الإيلاء منها إذا لم يكن له نية، وإن نوى الظهار فظهار، وإن نوى الطلاق فطلاق بائنٌ، وكذلك إن نوى ثنتين أو ثلاثاً، وإن قال: نويتُ الكذب دينَ فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يدين في القضاء بإبطال الإيلاء، وإن قال: كل حلال عليه حرام، فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو، وإلا فعلى ما نوى، ولا يراه الشافعي يميناً، ويكون في الكفارة وجهان: قوله: ﴿تَحِلَّةَ﴾ . مصدر «حَلّل» مضعفاً، نحو «تكرمة» ، وهذان ليسا [مقيسين] ، فإن قياس مصدر «فَعَّلَ» «التفعيل» إذا كان صحيحاً غير مهموزٍ. فأما المعتل اللام نحو «زكَّى» ومهموزها نحو: «نبَّأ» فمصدرهما «تَفْعِلَةٌ» نحو: «تَزْكِيَةٌ، وتَنْبِئَةٌ» . على أنه قد جاء «التفعيل» كاملاً في المعتل، نحو: [الرجز] 4784 - بَاتَتْ تُنَزِّي دَلْوَهَا تَنْزِيَّا ... وأصلها: «تَحْلِلَة» ك «تَكْرِمَة» فأدغمت، وانتصابها على المفعول به. فصل في تكفير النبي عن هذه اليمين قيل: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كفر عن يمينه. وقال الحسنُ: لم يكفر، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قد غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر. وكفارة اليمين في هذه السورة إنما أمر بها الأمة، والأول أصح، وأن المراد بذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ثم إن الأمة تقتدي به في ذلك، وقد تقدم عن زيد بن أسلم أنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كفر بعتق رقبةٍ. وعن مقاتل: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أعتق رقبةً في تحريم مارية. والله أعلم. فصل في الاستثناء في المين قبل: قد فرض الله لكم تحليل ملك اليمين، فبين في قوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ عَلَى النبي مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ الله﴾ [الأحزاب: 38] ، أي: فيما شرعه له في النساء المحللات، أي: حلل لكم ملك اليمين، فلم تحرم مارية في نفسك مع تحليل الله إياها لك. وقيل: تحلة اليمين الاستثناء، أي: فرض اللَّهُ لكم الاستثناء المخرج عن اليمين، ثم عند قوم يجوز الاستثناء من الأيمان متى شاء، وإن تخَلَّلَ مُدَّةٌ. وعند الجمهور لا يجوز إلا متصلاً، فكأنه قال: «استثن بعد هذا فيما تحلف عليه» وتحلة اليمين تحليلها بالكفارة. قال القرطبيُّ: «والأصل» تحللة» ، فأدغمت، و «تَفْعِلَة» من مصادر» فَعَّل «كالتوصية والتسمية، فالتحلية تحليل اليمين، فكأن اليمين عقد، والكفارة حلٌّ وقيل: التحلة الكفارة، أي: أنها تحلُّ للحالف ما حرَّم على نفسه، أي إذا كفر صار كمن لم يحلف» . فصل قال ابن الخطيب: وتحلة القسم على وجهين: أحدهما: تحليله بالكفارة كما في هذه الآية. وثانيهما: أن يستعمل بمعنى الشيء القليل وهذا هو الأكثر، كما روي من قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «لَنْ تَلِجَ النَّارَ إلا تحِلَّةَ القسمِ» أي: زماناً يسيراً. وقرىء: «كفَّارة أيمانِكُم» . قوله: ﴿والله مَوْلاَكُمْ﴾ . أي: وليّكم وناصركم في إزالة الحظر، فيما تحرمونه على أنفسكم، وبالترخيص لكم في تحليل أيمانكم بالكفَّارة، وبالثواب على ما تخرجونه في الكفارة ﴿وَهُوَ العليم الحكيم﴾ .

التحريم 66:3

قوله: ﴿وَإِذَ أَسَرَّ﴾ . العامل فيه «اذكر» فهو مفعول به لا ظرف. والمعنى: اذكر إذ أسر النبي إلى بعض أزواجه، يعني حفصة «حَدِيثاً» يعني تحريم مارية على نفسه واستكتامه إياها ذلك. وقال الكلبيُّ: أسرَّ إليها أن أباك عائشة يكونان [خليفتين] من بعدي على أمَّتي. وقال ابن عباس: أسرّ أمر الخلافة بعده إلى حفصة، فذكرته حفصة. روى الدارقطني في سننه عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النبي إلى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً﴾ ، قال: «اطلعت حفصة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مع أم إبراهيم، فقال:» لا تُخبري عائِشَة» ، قال: فانطلقت حفصة فأخبرت عائشة فأظهره اللَّهُ عليه، «فَعرَّف بعضهُ، وأعْرَضَ عن بَعْضٍ» ، قال: أعرض عن قولها: «إن أباك وأباها يكُونانِ خَليفَتيْنِ مِنْ بَعْدِي» » ، كره رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينشر ذلك بين الناس. ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ أخبرت عائشة لمصافاة كانت بينهما، وكانتا متظاهرتين على زوجات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ﴿وَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ﴾ أي: أطلعه الله على أنها قد نبأت به. قوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ . أصل «نَبَّأ وأنْبَأ، وأخبر وخبّر، وحدّث» أن يتعدى لاثنين [إلى] الأول بنفسها، وإلى الثاني بحرف الجر، وقد يحذف الجار تخفيفاً، وقد يحذف الأول للدلالة عليه، وقد جاءت الاستعمالات الثلاثة في هذه الآية فقوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ تعدى لاثنين، حذف أولهما، والثاني مجرور بالباء، أي: «نَبَّأتْ بِهِ غيْرهَا» ، وقوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾ ذكرهما، وقوله: ﴿مَنْ أَنبَأَكَ هذا﴾ ذكرهما، وحذف الجار. وقرأ طلحة بن مصرف: «فلمَّا أنْبَأت» ، وهما لغتان «نَبَّأ وأنْبَأ» . قوله: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ . قرأ الكسائي: بتخفيف الراء. قال القرطبي: «وبها قرأ علي، وطلحة بن مصرف، وأبو عبد الرحمن السلمي وقتادة والكلبي والأعمش عن أبي بكر» . قال عطاء: كان أبو عبد الرحم السلمي إذا قرأ عليه الرجل «عَرَّفَ» مشددة حصبه بالحجارة. وقرأ الباقون: بتشديد الراء. فالتثقيل يكون المفعول الأول معه محذوفاً، أي «عرَّفَهَا بَعْضَه» ، أي: وقفها عليه على سبيل العَتْب. ﴿وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ ، تكرماً منه وحلماً، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ ، أي: لم يعرفها إياه، ولو كانت مخففة لقال في ضده: وأنكر بعضاً. وأما التخفيف: فمعناه جازى على بعضه، وأعرض عن بعض. قال الفرَّاءُ: وتأويل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: «عَرَفَ» بالتخفيف، أي: غضب فيه، وجازى عليه، كقولك لمن أساء إليك: «لأعرِفنَّ لك ما فعلت» أي: لأجَازِينَّك عليه. فصل في نزول الآية قال المفسرون: إنه أسرَّ إلى حفصة شيئاً فحدثت به غيرها، فطلقها مجازاة على بعضه، ولم يؤاخذها بالباقي، وهو من قبيل قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله﴾ [البقرة: 197] أي: يجازيكم عليه، وقوله: ﴿أولئك الذين يَعْلَمُ الله مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء: 63] ، وإنما اضطررنا إلى هذا التأويل؛ لأن الله - تعالى - أطلعه على جميع ما أنبأت به غيرها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ﴾ . وقرأ عكرمة: «عَرَّافَ» بألف بعد الراء. وخرجت على الإشباع، كقوله: [الرجز] 4785 - أعُوذُ باللَّهِ مِنَ العَقْرَابِ ... وقيل: هي لغة يمانية، يقولون: «عراف زيد عمراً» . وإذا ضمنت هذه الأفعال الخمسة معنى «أعلم» تعدت لثلاثة. وقال الفارسي: «تعدَّت بالهمزة أو التضعيف» . وهو غلط، إذا يقتضي ذلك أنها قبل التضعيف، والهمزة كانت متعدية لاثنين، فاكتسبت بالهمزة، أو التضعيف ثالثاً، والأمر ليس كذلك اتفاقاً. فصل في تفسير الآية قال السديُّ: عرف بعضه، وأعرض عن بعض تكرماً. وقال الحسنُ: ما استقصى كريم قط، قال الله تعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ . وقال مقاتل: يعني أخبرها ببعض ما قالت لعائشة، وهو قول حفصة لعائشة: إن أبا بكرٍ وعمر سيملكان بعده. قال المفسرون: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جازى حفصة، بأن طلقها طلقة واحدة، فلما بلغ ذلك عمر، فقال عمر: لو كان في آل الخطاب خير لما كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ طلقك، فأمره جبريل بمراجعتها، وشفع فيها، واعتزل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نساءه شهراً، وقعد في مشربة مارية أم إبراهيم، حتى نزلت آية التخيير كما تقدم. وقيل: هم بطلاقها، حتَّى قال له جبريل: لا تطلقها، فإنها صوَّامة قوَّامة، وإنها من نسائك في الجنة، فلم يطلقها. قوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾ ، أي: أخبر حفصة بما أظهره الله عليه، قالت: ﴿مَنْ أَنبَأَكَ هذا﴾ يا رسول الله عني، فظنت أن عائشة أخبرته، فقال - عليه السلام -: ﴿نَبَّأَنِيَ العليم الخبير﴾ الذي لا يخفى عليه شيء. وقيل: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما رأى الكراهية في وجه حفصة حين رأته مع مارية أراد أن يتراضاها فأسرَّ إليها شيئين: تحريم الأمة على نفسه، وتبشيرها بأن الخلافة بعده في أبي بكر وفي أبيها عمر، فأخبرت حفصة بذلك عائشة، وأطلع اللَّهُ نبيه عليه فعرف حفصة، وأخبرها بما أخبرت به عائشة، وهو تحريم الأمة ﴿وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ يعني عن ذكر الخلافة، كره رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينشر ذلك بين الناس، ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾ أي: أخبر حفصة بما أظهره اللَّهُ عليه، قالت حفصة: ﴿مَنْ أَنبَأَكَ هذا﴾ أي: من أخبرك بأني أفشيت السِّرَّ؟ «قال: ﴿نَبَّأَنِيَ العليم الخبير﴾ » . قال ابن الخطيب: وصفه بكونه خبيراً بعدما وصفه بكونه عليماً لما أنّ في الخبير من المبالغة ما ليس في العليم. قوله: ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى الله﴾ . شرط في جوابه وجهان: أحدهما: هو قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ﴾ . والمعنى: إن تتوبا فقد وجد منكما ما يوجب التَّوبة، وهو ميل قلوبكما عن الواجب في مخالصة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في حب ما يحبه، وكراهة ما يكرهه. و «صَغَتْ» مالت وزاغت عن الحق. ويدل له قراءة ابن مسعود: «فقد زاغت» . قال القرطبيُّ: «وليس قوله ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ جزاء للشرط؛ لأن هذا الصغو كان سابقاً، فجواب الشرط محذوف للعلم به، أي: إن تتوبا كان خيراً لكما؛ إذ قد صغت قلوبكما» . والثاني: أن الجواب محذوف، وتقديره: فذلك واجب عليكما، أو فتاب الله عليكما قاله أبو البقاء، ودلّ على المحذوف ﴿فَقَدْ صَغَتْ﴾ ؛ لأن إصغاء القلب إلى ذلك ذنب. قال شهاب الدين: «وكأنه زعم أن ميل القلب ذنب، وكيف يحسن أن يكون جواباً وقد غفل عن المعنى المصحح لكونه جواباً» . وقوله: ﴿قُلُوبُكُمَا﴾ من أفصح الكلام حيث أوقع الجمع موقع المثنى استثقالاً لمجيء تثنيتين لو قيل: «قَلبَاكُمَا» ، ومن شأن العرب إذا ذكروا الشيئين من اثنين جمعوهما؛ لأنه لا يشكل. وقد تقدم هذا في آية السرقة في المائدة. ومن مجيء التثنية قوله: [الكامل] 4786 - فَتَخَالسَا نَفْسَيْهِمَا بنَوافِذٍ ... كنَوافِذِ العُبُطِ الَّتِي لا تُرْقَع والأحسن في هذا الباب الجمع، ثم الإفراد، ثم التثنية. وقال ابن عصفور، لا يجوز الإفراد إلاَّ في ضرورة؛ كقوله: [الطويل] 4787 - حَمَامَةَ بَطْنِ الواديَيْنِ تَرَنَّمِي ... سَقاكِ من الغُرِّ الغَوادِي مَطيرهَا وتبعه أبو حيان، وغلط ابن مالك في كونه جعلهُ أحسن من التثنية. وليس بغلط لكراهةِ توالي تثنيتين مع أمن اللبس. وقوله: «إنْ تَتُوبَا» فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب. فصل في المراد بهذا الخطاب. المراد بهذا الخطاب أُمَّا المؤمنين بنتا الشيخين الكريمين: عائشة وحفصة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - حثّهما على التوبة على ما كان منهما من الميل إلى خلاف محبة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ أي: زاغت ومالت عن الحق، وهو أنهما أحبتا ما كره رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من اجتناب جاريته واجتناب العسلِ، وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يحب العسل والنِّساء. قال ابن زيد رَضِيَ اللَّهُ عَنْه مالت قلوبكما بأن سرهما أن يحتبس عن أم ولده، فسرهما ما كرهه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقيل: فقد مالتْ قُلوبكُمَا إلى التوبة. قوله: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا﴾ . أصله: «تَتَظاهَرَا» فأدغم، وهذه قراءة العامة. وقرأ عكرمة: «تَتَظَاهَرَا» على الأصل. والحسن وأبو رجاء، ونافع، وعاصم في رواية عنهما: بتشديد الظَّاء والهاء دون ألف، وكلها بمعنى المعاونةِ من الظهر؛ لأنه أقوى الأعضاء وأجلها. فصل في معنى تتظاهرا معنى تتظاهرا، أي: تتعاونا على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالمعصية والإيذاء. روى مسلم عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قال: مكثت سنةً، وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية، فما أستطيع أن أسأله هيبة له حتى خرج حاجاً فخرجت معه، فلما رجع وكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له، فوقفت، حتى فرغ ثم سرت معه بإداوة ثم جاء فسكبت على يديه منها فتوضَّأ، فلما رجع قلت: يا أمير المؤمنين، من اللَّتان تظاهرتا على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؟ . فقال: تلك حفصة وعائشة، قال: فقلت له: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة، فما أستطيع هيبةً لك، قال: فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من علم فسلني عنه فإن كنت أعلمه أخبرتك. وذكر الحديث. قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ﴾ . يجوز أن يكون «هو» فصلاً، و «مَولاهُ» خبره والمبتدأ جملة «إنَّ» . والمعنى: الله وليُّه وناصره، فلا يضره ذلك التَّظاهر منهما. قوله: ﴿وَجِبْرِيلُ﴾ . يجوز أن يكون عطفاً على اسم الله تعالى. والمعنى: الله وليه، وجبريل وليه، فلا يوقف على «مَولاهُ» ويوقف على جبريل. ويكون ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ مبتدأ، «والملائكة» معطوفاً عليه، والخبر «ظَهِيرٌ» ورفع « جبريل» نظراً إلى محل اسم «إن» وذلك بعد استكمال خبرها وقد تقدم مذاهب الناس في ذلك. ويكون «جِبْريلٌ» وما بعده داخلين في الولاية لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويكون «جبريل» ظهيراً له بدخوله في عموم الملائكة. ويكون «الملائكةُ» مبتدأ، و «ظهيرٌ» خبره، وأفرد لأنه بزنة «فَعِيل» . قال القرطبيُّ: «هو بمعنى الجمع» . قال أبو علي: قد جاء «فعيل» للكثرة، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ [المعارج: 11] . ومعنى: «ظهيرٌ» أي: أعوان، وهو في معنى ظهراء كقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً﴾ [النساء: 69] . ويجوز أن يكون الكلام تم عند قوله «مَولاهُ» ، ويكون «جبريلُ» مبتدأ، وما بعده عطف عليه، و «ظهيرٌ» خبر الجميع، فتختص الولاية بالله، ويكون جبريل قد ذكر في المعاونة مرتين، مرة بالتنصيصِ عليه، ومرة بدخوله في عموم الملائكةِ. وهذا عكس ما في «البقرة» في قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: 98] ، فإنه ذكر الخاص بعد العام تشريفاً له، وهناك ذكر العام بعد الخاص، ولم يذكر الناس إلا القسم الأول. وفي «جِبْريل» لغات تقدم ذكرها في «البقرة» . قوله: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . قال المسيِّبُ بن شريكٍ: ﴿وَصاَلِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أبو بكر. وقال سعيد بن جبيرٍ: هو عمر. وقال عكرمة: أبو بكر وعمر. وروى شقيق عن عبد الله عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: « ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ : أبو بكر وعمر» . وعن أسماء بنت عميسٍ قالت: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: « ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنينَ﴾ : علي بن أبي طالب» . وقيل: خيار المؤمنين، و «صالح» : اسم جنس، كقوله تعالى: ﴿والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: 1، 2] . قاله الطبريُّ. وقال العلاءُ بنُ زياد، وقتادة، وسفيان: هم الأنبياء. وقال ابن زيد: هم الملائكة. وقال السديُّ: هم أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقيل: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ليس لفظ الواحدِ، وإنما هم «صَالِحُو المُؤمِنينَ» فأضاف الصالحين إلى المؤمنين، وسيأتي له مزيد بيان إن شاء الله تعالى. فصل في هذا التظاهر قيل: كان التَّظاهر منهما في التحكيم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في النفقة، ولهذا آلى منهن شهراً واعتزلهن. وروى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: «دخل أبو بكرٍ يستأذن على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فوجد النَّاس جلوساً ببابه لم يؤذن لأحدٍ منهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل، ثُمَّ أقبل عمرُ، فاستأذن، فأذن له، فوجد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جالساً حوله نساؤه، واجماً ساكتاً، قال: فلأقولن شيئاً أضحكُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: يا رسول الله أرأيت بنت خارجة تسألني النفقة، فقمت إليها، فوجأت عنقها فضحك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال:» هَنُّ حَولِي كما تَرَى يَسْألنَنِي النَّفقَة «فقام أبو بكر إلى عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما ليس عنده، فقلن: والله لا نسأل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ شيئاً أبداً ليس عنده، ثم اعتزلهن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ شهراً، أو تسعاً وعشرين، ثم نزلت عليه: ﴿يا أيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾ [الأحزاب: 28] حتى بلغ ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: 29] » الحديث. قوله: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . الظَّاهر أنه مفرد، ولذلك كتب بالحاء دون واو الجمع. وجوزوا أن يكون جمعاً - بالواو والنون - حذفت النون للإضافة، وكتب دون واو اعتباراً بلفظه، لأن الواو ساقطة لالتقاء الساكنين، نحو: ﴿وَيَمْحُ الله الباطل﴾ [الشورى: 24] . و ﴿يَدْعُ الداع﴾ [القمر: 6] ، و ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ [العلق: 18] ، إلى غير ذلك. ومثل هذا ما جاء في الحديث: «أهْلُ القُرآنِ أهْلُ اللَّه وخاصَّتهُ» . قالوا: يجوز أن يكون مفرداً، وأن يكون جمعاً، كقوله: ﴿شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ [الفتح: 11] وحذفت الواو لالتقاء الساكنين لفظاً. فإذا كتب هذا، فالأحسن أن يكتب بالواو لهذا الغرض، وليس ثمَّ ضرورة لحذفها كما في مرسوم الخطِ. وجوز أبو البقاء في «جبريل» أن يكون معطوفاً على الضمير في «مولاهُ» ، يعني المستتر، وحينئذٍ يكون الفصل بالضمير المجرور كافياً في تجويز العطف عليه. وجوز أيضاً: أن يكون «جبريل» مبتدأ، و «صالحُ» عطف عليه، فالخبرُ محذوفٌ، أي: مواليه. فصل في المراد بصالح المؤمنين قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: أراد بقوله «وصَالحُ المؤمنين» يعني أبا بكر وعمر مواليين للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على من عاداه، وناصرين له: وهو قول المقاتلين. وقال الضحاكُ: خيار المؤمنين. وقيل: كل من آمن وعمل صالحاً. وقيل: كل من برىء من النفاقِ. وقيل: الأنبياء. وقيل: الخلفاء. وقيل: الصحابة. قوله: ﴿عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ﴾ . قيل: كل «عَسَى» في القرآن واجب إلا هذا. وقيل: واجب، ولكن الله - عزَّ وجلَّ - علقه بشرط، وهو التطليق ولم يطلقهن. قال النحويون: «إنْ طلَّقكُنَّ» شرط معترض بين اسم «عَسَى» وخبرها، وجوابه محذوفٌ، أو متقدم، أي «إنْ طلقَكُنَّ فَعَسى» . وأدغم أبو عمرو القاف في الكاف على رأي بعضهم. قال: وهو أولى من ﴿يَرْزُقُكمْ﴾ [يونس: 31] ، ونحوه لثقل التأنيثِ. قوله: ﴿أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً﴾ . قرىء: مخففاً ومشدداً، كما تقدم في «الكهف» . والتبديل والإبدال بمعنى كالتنزيل والإنزال. وقوله: ﴿أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ﴾ . لأنكن لو كنتن خيراً منهن ما طلقكن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال معناه السديُّ. وقيل: هذا وعد من الله تعالى لرسوله لو طلقهن في الدنيا أن يزوجه في الآخرة نساء خيراً منهن، وكان الله عالماً بأنه لا يطلقهن، ولكن أخبر عن قدرته على أنه إن طلقهن أبدله خيراً منهن تخويفاً لهن، كقوله تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: 38] وهو إخبار عن القدرة وتخويف لهم، لا أن في الوجودِ من هو خير من أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فصل في الكلام على لفظ مسلمات قوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾ إلى آخره. إما نعت أو حال أو منصوب على الاختصاص. قال سعيد بن جبير: يعني مخلصاتٍ. وقيل: مسلمات لأمر الله تعالى وأمر رسوله خاضعات لله بالطاعة ﴿مُّؤْمِنَاتٍ﴾ أي: مصدقات بتوحيد الله. وقيل: مصدقات بما أمرنَ به: ونهين عنه ﴿قَانِتَاتٍ﴾ مطيعات، والقنوت: الطاعة. وقيل: داعياتٍ بتوحيد الله. وقيل: مصليات «تائبات» أي: من ذنوبهن، قاله السديُّ. وقيل: راجعاتٍ إلى أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تاركاتٍ لمحاب أنفسهن، ﴿عَابِدَاتٍ﴾ أي: كثيرات العبادةِ لله تعالى. وقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: كل عبادة في القرآن فهو التوحيد ﴿سَائِحَاتٍ﴾ أي: صائمات، قاله ابن عبَّاس والحسن وابن جبير. وقال زيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن ويمان: مهاجرات. قال زيد: وليس في أمة محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سياحة إلا الهجرة. والسياحة الجولان في الأرض. وقال الفرَّاء والقتبي وغيرهما: سمي الصائمُ سائحاً؛ لأن السائحَ لا زاد معه، وإنما يأكل من حيث وجد الطعام. وقيل: يسحن معه حيثما ساح. وقيل: ذاهبات في طاعة الله تعالى، من ساح الماءُ إذا ذهب. وقد مضى في سورة براءة. وقرأ عمرو بن فائد: «سَيِّحاتٍ» . فصل في الكلام على الآية. قال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف تكون المبدلات خيراً منهن، ولم يكن على وجه الأرض نساء خيراً من أمهات المؤمنين؟ . فالجواب: إذا طلقهن الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - لعصيانهن له، وإيذائهن إياه كان غيرهن من الموصوف بهذه الصفات مع الطاعة للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خيراً منهن. فإن قيل: قوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ﴾ يوهم التَّكرارَ؛ لأن المسلمات والمؤمنات سواء؟ فالجواب: الإسلام هو التصديق باللسان، والإيمان التصديق بالقلب، وقد لا يجتمعان فقوله ﴿مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ﴾ تحقيقاً لاجتماعهما. قوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ . إنما توسطت الواو بين ثيبات وأبكاراً لتنافي الوصف دون سائر الصفات. و «ثَيِّباتٍ» ونحوه لا ينقاس؛ لأنه اسم جنس مؤنث، فلا يقال: نساء حورات، ولا رأيت عينات. و «الثَّيِّبُ» وزنها «فَيعِل» من «ثاب يثوب» أي: رجع، كأنها ثابت بعد زوال عذرتها.

التحريم 66:4

قوله: ﴿وَإِذَ أَسَرَّ﴾ . العامل فيه «اذكر» فهو مفعول به لا ظرف. والمعنى: اذكر إذ أسر النبي إلى بعض أزواجه، يعني حفصة «حَدِيثاً» يعني تحريم مارية على نفسه واستكتامه إياها ذلك. وقال الكلبيُّ: أسرَّ إليها أن أباك عائشة يكونان [خليفتين] من بعدي على أمَّتي. وقال ابن عباس: أسرّ أمر الخلافة بعده إلى حفصة، فذكرته حفصة. روى الدارقطني في سننه عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النبي إلى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً﴾ ، قال: «اطلعت حفصة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مع أم إبراهيم، فقال:» لا تُخبري عائِشَة» ، قال: فانطلقت حفصة فأخبرت عائشة فأظهره اللَّهُ عليه، «فَعرَّف بعضهُ، وأعْرَضَ عن بَعْضٍ» ، قال: أعرض عن قولها: «إن أباك وأباها يكُونانِ خَليفَتيْنِ مِنْ بَعْدِي» » ، كره رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينشر ذلك بين الناس. ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ أخبرت عائشة لمصافاة كانت بينهما، وكانتا متظاهرتين على زوجات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ﴿وَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ﴾ أي: أطلعه الله على أنها قد نبأت به. قوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ . أصل «نَبَّأ وأنْبَأ، وأخبر وخبّر، وحدّث» أن يتعدى لاثنين [إلى] الأول بنفسها، وإلى الثاني بحرف الجر، وقد يحذف الجار تخفيفاً، وقد يحذف الأول للدلالة عليه، وقد جاءت الاستعمالات الثلاثة في هذه الآية فقوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ تعدى لاثنين، حذف أولهما، والثاني مجرور بالباء، أي: «نَبَّأتْ بِهِ غيْرهَا» ، وقوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾ ذكرهما، وقوله: ﴿مَنْ أَنبَأَكَ هذا﴾ ذكرهما، وحذف الجار. وقرأ طلحة بن مصرف: «فلمَّا أنْبَأت» ، وهما لغتان «نَبَّأ وأنْبَأ» . قوله: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ . قرأ الكسائي: بتخفيف الراء. قال القرطبي: «وبها قرأ علي، وطلحة بن مصرف، وأبو عبد الرحمن السلمي وقتادة والكلبي والأعمش عن أبي بكر» . قال عطاء: كان أبو عبد الرحم السلمي إذا قرأ عليه الرجل «عَرَّفَ» مشددة حصبه بالحجارة. وقرأ الباقون: بتشديد الراء. فالتثقيل يكون المفعول الأول معه محذوفاً، أي «عرَّفَهَا بَعْضَه» ، أي: وقفها عليه على سبيل العَتْب. ﴿وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ ، تكرماً منه وحلماً، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ ، أي: لم يعرفها إياه، ولو كانت مخففة لقال في ضده: وأنكر بعضاً. وأما التخفيف: فمعناه جازى على بعضه، وأعرض عن بعض. قال الفرَّاءُ: وتأويل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: «عَرَفَ» بالتخفيف، أي: غضب فيه، وجازى عليه، كقولك لمن أساء إليك: «لأعرِفنَّ لك ما فعلت» أي: لأجَازِينَّك عليه. فصل في نزول الآية قال المفسرون: إنه أسرَّ إلى حفصة شيئاً فحدثت به غيرها، فطلقها مجازاة على بعضه، ولم يؤاخذها بالباقي، وهو من قبيل قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله﴾ [البقرة: 197] أي: يجازيكم عليه، وقوله: ﴿أولئك الذين يَعْلَمُ الله مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء: 63] ، وإنما اضطررنا إلى هذا التأويل؛ لأن الله - تعالى - أطلعه على جميع ما أنبأت به غيرها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ﴾ . وقرأ عكرمة: «عَرَّافَ» بألف بعد الراء. وخرجت على الإشباع، كقوله: [الرجز] 4785 - أعُوذُ باللَّهِ مِنَ العَقْرَابِ ... وقيل: هي لغة يمانية، يقولون: «عراف زيد عمراً» . وإذا ضمنت هذه الأفعال الخمسة معنى «أعلم» تعدت لثلاثة. وقال الفارسي: «تعدَّت بالهمزة أو التضعيف» . وهو غلط، إذا يقتضي ذلك أنها قبل التضعيف، والهمزة كانت متعدية لاثنين، فاكتسبت بالهمزة، أو التضعيف ثالثاً، والأمر ليس كذلك اتفاقاً. فصل في تفسير الآية قال السديُّ: عرف بعضه، وأعرض عن بعض تكرماً. وقال الحسنُ: ما استقصى كريم قط، قال الله تعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ . وقال مقاتل: يعني أخبرها ببعض ما قالت لعائشة، وهو قول حفصة لعائشة: إن أبا بكرٍ وعمر سيملكان بعده. قال المفسرون: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جازى حفصة، بأن طلقها طلقة واحدة، فلما بلغ ذلك عمر، فقال عمر: لو كان في آل الخطاب خير لما كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ طلقك، فأمره جبريل بمراجعتها، وشفع فيها، واعتزل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نساءه شهراً، وقعد في مشربة مارية أم إبراهيم، حتى نزلت آية التخيير كما تقدم. وقيل: هم بطلاقها، حتَّى قال له جبريل: لا تطلقها، فإنها صوَّامة قوَّامة، وإنها من نسائك في الجنة، فلم يطلقها. قوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾ ، أي: أخبر حفصة بما أظهره الله عليه، قالت: ﴿مَنْ أَنبَأَكَ هذا﴾ يا رسول الله عني، فظنت أن عائشة أخبرته، فقال - عليه السلام -: ﴿نَبَّأَنِيَ العليم الخبير﴾ الذي لا يخفى عليه شيء. وقيل: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما رأى الكراهية في وجه حفصة حين رأته مع مارية أراد أن يتراضاها فأسرَّ إليها شيئين: تحريم الأمة على نفسه، وتبشيرها بأن الخلافة بعده في أبي بكر وفي أبيها عمر، فأخبرت حفصة بذلك عائشة، وأطلع اللَّهُ نبيه عليه فعرف حفصة، وأخبرها بما أخبرت به عائشة، وهو تحريم الأمة ﴿وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ يعني عن ذكر الخلافة، كره رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينشر ذلك بين الناس، ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾ أي: أخبر حفصة بما أظهره اللَّهُ عليه، قالت حفصة: ﴿مَنْ أَنبَأَكَ هذا﴾ أي: من أخبرك بأني أفشيت السِّرَّ؟ «قال: ﴿نَبَّأَنِيَ العليم الخبير﴾ » . قال ابن الخطيب: وصفه بكونه خبيراً بعدما وصفه بكونه عليماً لما أنّ في الخبير من المبالغة ما ليس في العليم. قوله: ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى الله﴾ . شرط في جوابه وجهان: أحدهما: هو قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ﴾ . والمعنى: إن تتوبا فقد وجد منكما ما يوجب التَّوبة، وهو ميل قلوبكما عن الواجب في مخالصة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في حب ما يحبه، وكراهة ما يكرهه. و «صَغَتْ» مالت وزاغت عن الحق. ويدل له قراءة ابن مسعود: «فقد زاغت» . قال القرطبيُّ: «وليس قوله ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ جزاء للشرط؛ لأن هذا الصغو كان سابقاً، فجواب الشرط محذوف للعلم به، أي: إن تتوبا كان خيراً لكما؛ إذ قد صغت قلوبكما» . والثاني: أن الجواب محذوف، وتقديره: فذلك واجب عليكما، أو فتاب الله عليكما قاله أبو البقاء، ودلّ على المحذوف ﴿فَقَدْ صَغَتْ﴾ ؛ لأن إصغاء القلب إلى ذلك ذنب. قال شهاب الدين: «وكأنه زعم أن ميل القلب ذنب، وكيف يحسن أن يكون جواباً وقد غفل عن المعنى المصحح لكونه جواباً» . وقوله: ﴿قُلُوبُكُمَا﴾ من أفصح الكلام حيث أوقع الجمع موقع المثنى استثقالاً لمجيء تثنيتين لو قيل: «قَلبَاكُمَا» ، ومن شأن العرب إذا ذكروا الشيئين من اثنين جمعوهما؛ لأنه لا يشكل. وقد تقدم هذا في آية السرقة في المائدة. ومن مجيء التثنية قوله: [الكامل] 4786 - فَتَخَالسَا نَفْسَيْهِمَا بنَوافِذٍ ... كنَوافِذِ العُبُطِ الَّتِي لا تُرْقَع والأحسن في هذا الباب الجمع، ثم الإفراد، ثم التثنية. وقال ابن عصفور، لا يجوز الإفراد إلاَّ في ضرورة؛ كقوله: [الطويل] 4787 - حَمَامَةَ بَطْنِ الواديَيْنِ تَرَنَّمِي ... سَقاكِ من الغُرِّ الغَوادِي مَطيرهَا وتبعه أبو حيان، وغلط ابن مالك في كونه جعلهُ أحسن من التثنية. وليس بغلط لكراهةِ توالي تثنيتين مع أمن اللبس. وقوله: «إنْ تَتُوبَا» فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب. فصل في المراد بهذا الخطاب. المراد بهذا الخطاب أُمَّا المؤمنين بنتا الشيخين الكريمين: عائشة وحفصة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - حثّهما على التوبة على ما كان منهما من الميل إلى خلاف محبة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ أي: زاغت ومالت عن الحق، وهو أنهما أحبتا ما كره رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من اجتناب جاريته واجتناب العسلِ، وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يحب العسل والنِّساء. قال ابن زيد رَضِيَ اللَّهُ عَنْه مالت قلوبكما بأن سرهما أن يحتبس عن أم ولده، فسرهما ما كرهه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقيل: فقد مالتْ قُلوبكُمَا إلى التوبة. قوله: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا﴾ . أصله: «تَتَظاهَرَا» فأدغم، وهذه قراءة العامة. وقرأ عكرمة: «تَتَظَاهَرَا» على الأصل. والحسن وأبو رجاء، ونافع، وعاصم في رواية عنهما: بتشديد الظَّاء والهاء دون ألف، وكلها بمعنى المعاونةِ من الظهر؛ لأنه أقوى الأعضاء وأجلها. فصل في معنى تتظاهرا معنى تتظاهرا، أي: تتعاونا على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالمعصية والإيذاء. روى مسلم عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قال: مكثت سنةً، وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية، فما أستطيع أن أسأله هيبة له حتى خرج حاجاً فخرجت معه، فلما رجع وكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له، فوقفت، حتى فرغ ثم سرت معه بإداوة ثم جاء فسكبت على يديه منها فتوضَّأ، فلما رجع قلت: يا أمير المؤمنين، من اللَّتان تظاهرتا على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؟ . فقال: تلك حفصة وعائشة، قال: فقلت له: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة، فما أستطيع هيبةً لك، قال: فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من علم فسلني عنه فإن كنت أعلمه أخبرتك. وذكر الحديث. قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ﴾ . يجوز أن يكون «هو» فصلاً، و «مَولاهُ» خبره والمبتدأ جملة «إنَّ» . والمعنى: الله وليُّه وناصره، فلا يضره ذلك التَّظاهر منهما. قوله: ﴿وَجِبْرِيلُ﴾ . يجوز أن يكون عطفاً على اسم الله تعالى. والمعنى: الله وليه، وجبريل وليه، فلا يوقف على «مَولاهُ» ويوقف على جبريل. ويكون ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ مبتدأ، «والملائكة» معطوفاً عليه، والخبر «ظَهِيرٌ» ورفع « جبريل» نظراً إلى محل اسم «إن» وذلك بعد استكمال خبرها وقد تقدم مذاهب الناس في ذلك. ويكون «جِبْريلٌ» وما بعده داخلين في الولاية لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويكون «جبريل» ظهيراً له بدخوله في عموم الملائكة. ويكون «الملائكةُ» مبتدأ، و «ظهيرٌ» خبره، وأفرد لأنه بزنة «فَعِيل» . قال القرطبيُّ: «هو بمعنى الجمع» . قال أبو علي: قد جاء «فعيل» للكثرة، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ [المعارج: 11] . ومعنى: «ظهيرٌ» أي: أعوان، وهو في معنى ظهراء كقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً﴾ [النساء: 69] . ويجوز أن يكون الكلام تم عند قوله «مَولاهُ» ، ويكون «جبريلُ» مبتدأ، وما بعده عطف عليه، و «ظهيرٌ» خبر الجميع، فتختص الولاية بالله، ويكون جبريل قد ذكر في المعاونة مرتين، مرة بالتنصيصِ عليه، ومرة بدخوله في عموم الملائكةِ. وهذا عكس ما في «البقرة» في قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: 98] ، فإنه ذكر الخاص بعد العام تشريفاً له، وهناك ذكر العام بعد الخاص، ولم يذكر الناس إلا القسم الأول. وفي «جِبْريل» لغات تقدم ذكرها في «البقرة» . قوله: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . قال المسيِّبُ بن شريكٍ: ﴿وَصاَلِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أبو بكر. وقال سعيد بن جبيرٍ: هو عمر. وقال عكرمة: أبو بكر وعمر. وروى شقيق عن عبد الله عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: « ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ : أبو بكر وعمر» . وعن أسماء بنت عميسٍ قالت: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: « ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنينَ﴾ : علي بن أبي طالب» . وقيل: خيار المؤمنين، و «صالح» : اسم جنس، كقوله تعالى: ﴿والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: 1، 2] . قاله الطبريُّ. وقال العلاءُ بنُ زياد، وقتادة، وسفيان: هم الأنبياء. وقال ابن زيد: هم الملائكة. وقال السديُّ: هم أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقيل: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ليس لفظ الواحدِ، وإنما هم «صَالِحُو المُؤمِنينَ» فأضاف الصالحين إلى المؤمنين، وسيأتي له مزيد بيان إن شاء الله تعالى. فصل في هذا التظاهر قيل: كان التَّظاهر منهما في التحكيم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في النفقة، ولهذا آلى منهن شهراً واعتزلهن. وروى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: «دخل أبو بكرٍ يستأذن على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فوجد النَّاس جلوساً ببابه لم يؤذن لأحدٍ منهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل، ثُمَّ أقبل عمرُ، فاستأذن، فأذن له، فوجد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جالساً حوله نساؤه، واجماً ساكتاً، قال: فلأقولن شيئاً أضحكُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: يا رسول الله أرأيت بنت خارجة تسألني النفقة، فقمت إليها، فوجأت عنقها فضحك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال:» هَنُّ حَولِي كما تَرَى يَسْألنَنِي النَّفقَة «فقام أبو بكر إلى عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما ليس عنده، فقلن: والله لا نسأل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ شيئاً أبداً ليس عنده، ثم اعتزلهن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ شهراً، أو تسعاً وعشرين، ثم نزلت عليه: ﴿يا أيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾ [الأحزاب: 28] حتى بلغ ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: 29] » الحديث. قوله: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . الظَّاهر أنه مفرد، ولذلك كتب بالحاء دون واو الجمع. وجوزوا أن يكون جمعاً - بالواو والنون - حذفت النون للإضافة، وكتب دون واو اعتباراً بلفظه، لأن الواو ساقطة لالتقاء الساكنين، نحو: ﴿وَيَمْحُ الله الباطل﴾ [الشورى: 24] . و ﴿يَدْعُ الداع﴾ [القمر: 6] ، و ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ [العلق: 18] ، إلى غير ذلك. ومثل هذا ما جاء في الحديث: «أهْلُ القُرآنِ أهْلُ اللَّه وخاصَّتهُ» . قالوا: يجوز أن يكون مفرداً، وأن يكون جمعاً، كقوله: ﴿شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ [الفتح: 11] وحذفت الواو لالتقاء الساكنين لفظاً. فإذا كتب هذا، فالأحسن أن يكتب بالواو لهذا الغرض، وليس ثمَّ ضرورة لحذفها كما في مرسوم الخطِ. وجوز أبو البقاء في «جبريل» أن يكون معطوفاً على الضمير في «مولاهُ» ، يعني المستتر، وحينئذٍ يكون الفصل بالضمير المجرور كافياً في تجويز العطف عليه. وجوز أيضاً: أن يكون «جبريل» مبتدأ، و «صالحُ» عطف عليه، فالخبرُ محذوفٌ، أي: مواليه. فصل في المراد بصالح المؤمنين قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: أراد بقوله «وصَالحُ المؤمنين» يعني أبا بكر وعمر مواليين للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على من عاداه، وناصرين له: وهو قول المقاتلين. وقال الضحاكُ: خيار المؤمنين. وقيل: كل من آمن وعمل صالحاً. وقيل: كل من برىء من النفاقِ. وقيل: الأنبياء. وقيل: الخلفاء. وقيل: الصحابة. قوله: ﴿عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ﴾ . قيل: كل «عَسَى» في القرآن واجب إلا هذا. وقيل: واجب، ولكن الله - عزَّ وجلَّ - علقه بشرط، وهو التطليق ولم يطلقهن. قال النحويون: «إنْ طلَّقكُنَّ» شرط معترض بين اسم «عَسَى» وخبرها، وجوابه محذوفٌ، أو متقدم، أي «إنْ طلقَكُنَّ فَعَسى» . وأدغم أبو عمرو القاف في الكاف على رأي بعضهم. قال: وهو أولى من ﴿يَرْزُقُكمْ﴾ [يونس: 31] ، ونحوه لثقل التأنيثِ. قوله: ﴿أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً﴾ . قرىء: مخففاً ومشدداً، كما تقدم في «الكهف» . والتبديل والإبدال بمعنى كالتنزيل والإنزال. وقوله: ﴿أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ﴾ . لأنكن لو كنتن خيراً منهن ما طلقكن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال معناه السديُّ. وقيل: هذا وعد من الله تعالى لرسوله لو طلقهن في الدنيا أن يزوجه في الآخرة نساء خيراً منهن، وكان الله عالماً بأنه لا يطلقهن، ولكن أخبر عن قدرته على أنه إن طلقهن أبدله خيراً منهن تخويفاً لهن، كقوله تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: 38] وهو إخبار عن القدرة وتخويف لهم، لا أن في الوجودِ من هو خير من أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فصل في الكلام على لفظ مسلمات قوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾ إلى آخره. إما نعت أو حال أو منصوب على الاختصاص. قال سعيد بن جبير: يعني مخلصاتٍ. وقيل: مسلمات لأمر الله تعالى وأمر رسوله خاضعات لله بالطاعة ﴿مُّؤْمِنَاتٍ﴾ أي: مصدقات بتوحيد الله. وقيل: مصدقات بما أمرنَ به: ونهين عنه ﴿قَانِتَاتٍ﴾ مطيعات، والقنوت: الطاعة. وقيل: داعياتٍ بتوحيد الله. وقيل: مصليات «تائبات» أي: من ذنوبهن، قاله السديُّ. وقيل: راجعاتٍ إلى أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تاركاتٍ لمحاب أنفسهن، ﴿عَابِدَاتٍ﴾ أي: كثيرات العبادةِ لله تعالى. وقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: كل عبادة في القرآن فهو التوحيد ﴿سَائِحَاتٍ﴾ أي: صائمات، قاله ابن عبَّاس والحسن وابن جبير. وقال زيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن ويمان: مهاجرات. قال زيد: وليس في أمة محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سياحة إلا الهجرة. والسياحة الجولان في الأرض. وقال الفرَّاء والقتبي وغيرهما: سمي الصائمُ سائحاً؛ لأن السائحَ لا زاد معه، وإنما يأكل من حيث وجد الطعام. وقيل: يسحن معه حيثما ساح. وقيل: ذاهبات في طاعة الله تعالى، من ساح الماءُ إذا ذهب. وقد مضى في سورة براءة. وقرأ عمرو بن فائد: «سَيِّحاتٍ» . فصل في الكلام على الآية. قال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف تكون المبدلات خيراً منهن، ولم يكن على وجه الأرض نساء خيراً من أمهات المؤمنين؟ . فالجواب: إذا طلقهن الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - لعصيانهن له، وإيذائهن إياه كان غيرهن من الموصوف بهذه الصفات مع الطاعة للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خيراً منهن. فإن قيل: قوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ﴾ يوهم التَّكرارَ؛ لأن المسلمات والمؤمنات سواء؟ فالجواب: الإسلام هو التصديق باللسان، والإيمان التصديق بالقلب، وقد لا يجتمعان فقوله ﴿مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ﴾ تحقيقاً لاجتماعهما. قوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ . إنما توسطت الواو بين ثيبات وأبكاراً لتنافي الوصف دون سائر الصفات. و «ثَيِّباتٍ» ونحوه لا ينقاس؛ لأنه اسم جنس مؤنث، فلا يقال: نساء حورات، ولا رأيت عينات. و «الثَّيِّبُ» وزنها «فَيعِل» من «ثاب يثوب» أي: رجع، كأنها ثابت بعد زوال عذرتها.

التحريم 66:5

قوله: ﴿وَإِذَ أَسَرَّ﴾ . العامل فيه «اذكر» فهو مفعول به لا ظرف. والمعنى: اذكر إذ أسر النبي إلى بعض أزواجه، يعني حفصة «حَدِيثاً» يعني تحريم مارية على نفسه واستكتامه إياها ذلك. وقال الكلبيُّ: أسرَّ إليها أن أباك عائشة يكونان [خليفتين] من بعدي على أمَّتي. وقال ابن عباس: أسرّ أمر الخلافة بعده إلى حفصة، فذكرته حفصة. روى الدارقطني في سننه عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النبي إلى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً﴾ ، قال: «اطلعت حفصة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مع أم إبراهيم، فقال:» لا تُخبري عائِشَة» ، قال: فانطلقت حفصة فأخبرت عائشة فأظهره اللَّهُ عليه، «فَعرَّف بعضهُ، وأعْرَضَ عن بَعْضٍ» ، قال: أعرض عن قولها: «إن أباك وأباها يكُونانِ خَليفَتيْنِ مِنْ بَعْدِي» » ، كره رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينشر ذلك بين الناس. ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ أخبرت عائشة لمصافاة كانت بينهما، وكانتا متظاهرتين على زوجات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ﴿وَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ﴾ أي: أطلعه الله على أنها قد نبأت به. قوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ . أصل «نَبَّأ وأنْبَأ، وأخبر وخبّر، وحدّث» أن يتعدى لاثنين [إلى] الأول بنفسها، وإلى الثاني بحرف الجر، وقد يحذف الجار تخفيفاً، وقد يحذف الأول للدلالة عليه، وقد جاءت الاستعمالات الثلاثة في هذه الآية فقوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ تعدى لاثنين، حذف أولهما، والثاني مجرور بالباء، أي: «نَبَّأتْ بِهِ غيْرهَا» ، وقوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾ ذكرهما، وقوله: ﴿مَنْ أَنبَأَكَ هذا﴾ ذكرهما، وحذف الجار. وقرأ طلحة بن مصرف: «فلمَّا أنْبَأت» ، وهما لغتان «نَبَّأ وأنْبَأ» . قوله: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ . قرأ الكسائي: بتخفيف الراء. قال القرطبي: «وبها قرأ علي، وطلحة بن مصرف، وأبو عبد الرحمن السلمي وقتادة والكلبي والأعمش عن أبي بكر» . قال عطاء: كان أبو عبد الرحم السلمي إذا قرأ عليه الرجل «عَرَّفَ» مشددة حصبه بالحجارة. وقرأ الباقون: بتشديد الراء. فالتثقيل يكون المفعول الأول معه محذوفاً، أي «عرَّفَهَا بَعْضَه» ، أي: وقفها عليه على سبيل العَتْب. ﴿وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ ، تكرماً منه وحلماً، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ ، أي: لم يعرفها إياه، ولو كانت مخففة لقال في ضده: وأنكر بعضاً. وأما التخفيف: فمعناه جازى على بعضه، وأعرض عن بعض. قال الفرَّاءُ: وتأويل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: «عَرَفَ» بالتخفيف، أي: غضب فيه، وجازى عليه، كقولك لمن أساء إليك: «لأعرِفنَّ لك ما فعلت» أي: لأجَازِينَّك عليه. فصل في نزول الآية قال المفسرون: إنه أسرَّ إلى حفصة شيئاً فحدثت به غيرها، فطلقها مجازاة على بعضه، ولم يؤاخذها بالباقي، وهو من قبيل قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله﴾ [البقرة: 197] أي: يجازيكم عليه، وقوله: ﴿أولئك الذين يَعْلَمُ الله مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء: 63] ، وإنما اضطررنا إلى هذا التأويل؛ لأن الله - تعالى - أطلعه على جميع ما أنبأت به غيرها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ﴾ . وقرأ عكرمة: «عَرَّافَ» بألف بعد الراء. وخرجت على الإشباع، كقوله: [الرجز] 4785 - أعُوذُ باللَّهِ مِنَ العَقْرَابِ ... وقيل: هي لغة يمانية، يقولون: «عراف زيد عمراً» . وإذا ضمنت هذه الأفعال الخمسة معنى «أعلم» تعدت لثلاثة. وقال الفارسي: «تعدَّت بالهمزة أو التضعيف» . وهو غلط، إذا يقتضي ذلك أنها قبل التضعيف، والهمزة كانت متعدية لاثنين، فاكتسبت بالهمزة، أو التضعيف ثالثاً، والأمر ليس كذلك اتفاقاً. فصل في تفسير الآية قال السديُّ: عرف بعضه، وأعرض عن بعض تكرماً. وقال الحسنُ: ما استقصى كريم قط، قال الله تعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ . وقال مقاتل: يعني أخبرها ببعض ما قالت لعائشة، وهو قول حفصة لعائشة: إن أبا بكرٍ وعمر سيملكان بعده. قال المفسرون: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جازى حفصة، بأن طلقها طلقة واحدة، فلما بلغ ذلك عمر، فقال عمر: لو كان في آل الخطاب خير لما كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ طلقك، فأمره جبريل بمراجعتها، وشفع فيها، واعتزل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نساءه شهراً، وقعد في مشربة مارية أم إبراهيم، حتى نزلت آية التخيير كما تقدم. وقيل: هم بطلاقها، حتَّى قال له جبريل: لا تطلقها، فإنها صوَّامة قوَّامة، وإنها من نسائك في الجنة، فلم يطلقها. قوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾ ، أي: أخبر حفصة بما أظهره الله عليه، قالت: ﴿مَنْ أَنبَأَكَ هذا﴾ يا رسول الله عني، فظنت أن عائشة أخبرته، فقال - عليه السلام -: ﴿نَبَّأَنِيَ العليم الخبير﴾ الذي لا يخفى عليه شيء. وقيل: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما رأى الكراهية في وجه حفصة حين رأته مع مارية أراد أن يتراضاها فأسرَّ إليها شيئين: تحريم الأمة على نفسه، وتبشيرها بأن الخلافة بعده في أبي بكر وفي أبيها عمر، فأخبرت حفصة بذلك عائشة، وأطلع اللَّهُ نبيه عليه فعرف حفصة، وأخبرها بما أخبرت به عائشة، وهو تحريم الأمة ﴿وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ يعني عن ذكر الخلافة، كره رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينشر ذلك بين الناس، ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾ أي: أخبر حفصة بما أظهره اللَّهُ عليه، قالت حفصة: ﴿مَنْ أَنبَأَكَ هذا﴾ أي: من أخبرك بأني أفشيت السِّرَّ؟ «قال: ﴿نَبَّأَنِيَ العليم الخبير﴾ » . قال ابن الخطيب: وصفه بكونه خبيراً بعدما وصفه بكونه عليماً لما أنّ في الخبير من المبالغة ما ليس في العليم. قوله: ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى الله﴾ . شرط في جوابه وجهان: أحدهما: هو قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ﴾ . والمعنى: إن تتوبا فقد وجد منكما ما يوجب التَّوبة، وهو ميل قلوبكما عن الواجب في مخالصة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في حب ما يحبه، وكراهة ما يكرهه. و «صَغَتْ» مالت وزاغت عن الحق. ويدل له قراءة ابن مسعود: «فقد زاغت» . قال القرطبيُّ: «وليس قوله ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ جزاء للشرط؛ لأن هذا الصغو كان سابقاً، فجواب الشرط محذوف للعلم به، أي: إن تتوبا كان خيراً لكما؛ إذ قد صغت قلوبكما» . والثاني: أن الجواب محذوف، وتقديره: فذلك واجب عليكما، أو فتاب الله عليكما قاله أبو البقاء، ودلّ على المحذوف ﴿فَقَدْ صَغَتْ﴾ ؛ لأن إصغاء القلب إلى ذلك ذنب. قال شهاب الدين: «وكأنه زعم أن ميل القلب ذنب، وكيف يحسن أن يكون جواباً وقد غفل عن المعنى المصحح لكونه جواباً» . وقوله: ﴿قُلُوبُكُمَا﴾ من أفصح الكلام حيث أوقع الجمع موقع المثنى استثقالاً لمجيء تثنيتين لو قيل: «قَلبَاكُمَا» ، ومن شأن العرب إذا ذكروا الشيئين من اثنين جمعوهما؛ لأنه لا يشكل. وقد تقدم هذا في آية السرقة في المائدة. ومن مجيء التثنية قوله: [الكامل] 4786 - فَتَخَالسَا نَفْسَيْهِمَا بنَوافِذٍ ... كنَوافِذِ العُبُطِ الَّتِي لا تُرْقَع والأحسن في هذا الباب الجمع، ثم الإفراد، ثم التثنية. وقال ابن عصفور، لا يجوز الإفراد إلاَّ في ضرورة؛ كقوله: [الطويل] 4787 - حَمَامَةَ بَطْنِ الواديَيْنِ تَرَنَّمِي ... سَقاكِ من الغُرِّ الغَوادِي مَطيرهَا وتبعه أبو حيان، وغلط ابن مالك في كونه جعلهُ أحسن من التثنية. وليس بغلط لكراهةِ توالي تثنيتين مع أمن اللبس. وقوله: «إنْ تَتُوبَا» فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب. فصل في المراد بهذا الخطاب. المراد بهذا الخطاب أُمَّا المؤمنين بنتا الشيخين الكريمين: عائشة وحفصة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - حثّهما على التوبة على ما كان منهما من الميل إلى خلاف محبة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ أي: زاغت ومالت عن الحق، وهو أنهما أحبتا ما كره رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من اجتناب جاريته واجتناب العسلِ، وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يحب العسل والنِّساء. قال ابن زيد رَضِيَ اللَّهُ عَنْه مالت قلوبكما بأن سرهما أن يحتبس عن أم ولده، فسرهما ما كرهه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقيل: فقد مالتْ قُلوبكُمَا إلى التوبة. قوله: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا﴾ . أصله: «تَتَظاهَرَا» فأدغم، وهذه قراءة العامة. وقرأ عكرمة: «تَتَظَاهَرَا» على الأصل. والحسن وأبو رجاء، ونافع، وعاصم في رواية عنهما: بتشديد الظَّاء والهاء دون ألف، وكلها بمعنى المعاونةِ من الظهر؛ لأنه أقوى الأعضاء وأجلها. فصل في معنى تتظاهرا معنى تتظاهرا، أي: تتعاونا على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالمعصية والإيذاء. روى مسلم عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قال: مكثت سنةً، وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية، فما أستطيع أن أسأله هيبة له حتى خرج حاجاً فخرجت معه، فلما رجع وكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له، فوقفت، حتى فرغ ثم سرت معه بإداوة ثم جاء فسكبت على يديه منها فتوضَّأ، فلما رجع قلت: يا أمير المؤمنين، من اللَّتان تظاهرتا على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؟ . فقال: تلك حفصة وعائشة، قال: فقلت له: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة، فما أستطيع هيبةً لك، قال: فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من علم فسلني عنه فإن كنت أعلمه أخبرتك. وذكر الحديث. قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ﴾ . يجوز أن يكون «هو» فصلاً، و «مَولاهُ» خبره والمبتدأ جملة «إنَّ» . والمعنى: الله وليُّه وناصره، فلا يضره ذلك التَّظاهر منهما. قوله: ﴿وَجِبْرِيلُ﴾ . يجوز أن يكون عطفاً على اسم الله تعالى. والمعنى: الله وليه، وجبريل وليه، فلا يوقف على «مَولاهُ» ويوقف على جبريل. ويكون ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ مبتدأ، «والملائكة» معطوفاً عليه، والخبر «ظَهِيرٌ» ورفع « جبريل» نظراً إلى محل اسم «إن» وذلك بعد استكمال خبرها وقد تقدم مذاهب الناس في ذلك. ويكون «جِبْريلٌ» وما بعده داخلين في الولاية لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويكون «جبريل» ظهيراً له بدخوله في عموم الملائكة. ويكون «الملائكةُ» مبتدأ، و «ظهيرٌ» خبره، وأفرد لأنه بزنة «فَعِيل» . قال القرطبيُّ: «هو بمعنى الجمع» . قال أبو علي: قد جاء «فعيل» للكثرة، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ [المعارج: 11] . ومعنى: «ظهيرٌ» أي: أعوان، وهو في معنى ظهراء كقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً﴾ [النساء: 69] . ويجوز أن يكون الكلام تم عند قوله «مَولاهُ» ، ويكون «جبريلُ» مبتدأ، وما بعده عطف عليه، و «ظهيرٌ» خبر الجميع، فتختص الولاية بالله، ويكون جبريل قد ذكر في المعاونة مرتين، مرة بالتنصيصِ عليه، ومرة بدخوله في عموم الملائكةِ. وهذا عكس ما في «البقرة» في قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: 98] ، فإنه ذكر الخاص بعد العام تشريفاً له، وهناك ذكر العام بعد الخاص، ولم يذكر الناس إلا القسم الأول. وفي «جِبْريل» لغات تقدم ذكرها في «البقرة» . قوله: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . قال المسيِّبُ بن شريكٍ: ﴿وَصاَلِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أبو بكر. وقال سعيد بن جبيرٍ: هو عمر. وقال عكرمة: أبو بكر وعمر. وروى شقيق عن عبد الله عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: « ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ : أبو بكر وعمر» . وعن أسماء بنت عميسٍ قالت: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: « ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنينَ﴾ : علي بن أبي طالب» . وقيل: خيار المؤمنين، و «صالح» : اسم جنس، كقوله تعالى: ﴿والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: 1، 2] . قاله الطبريُّ. وقال العلاءُ بنُ زياد، وقتادة، وسفيان: هم الأنبياء. وقال ابن زيد: هم الملائكة. وقال السديُّ: هم أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقيل: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ليس لفظ الواحدِ، وإنما هم «صَالِحُو المُؤمِنينَ» فأضاف الصالحين إلى المؤمنين، وسيأتي له مزيد بيان إن شاء الله تعالى. فصل في هذا التظاهر قيل: كان التَّظاهر منهما في التحكيم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في النفقة، ولهذا آلى منهن شهراً واعتزلهن. وروى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: «دخل أبو بكرٍ يستأذن على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فوجد النَّاس جلوساً ببابه لم يؤذن لأحدٍ منهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل، ثُمَّ أقبل عمرُ، فاستأذن، فأذن له، فوجد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جالساً حوله نساؤه، واجماً ساكتاً، قال: فلأقولن شيئاً أضحكُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: يا رسول الله أرأيت بنت خارجة تسألني النفقة، فقمت إليها، فوجأت عنقها فضحك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال:» هَنُّ حَولِي كما تَرَى يَسْألنَنِي النَّفقَة «فقام أبو بكر إلى عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما ليس عنده، فقلن: والله لا نسأل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ شيئاً أبداً ليس عنده، ثم اعتزلهن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ شهراً، أو تسعاً وعشرين، ثم نزلت عليه: ﴿يا أيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾ [الأحزاب: 28] حتى بلغ ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: 29] » الحديث. قوله: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . الظَّاهر أنه مفرد، ولذلك كتب بالحاء دون واو الجمع. وجوزوا أن يكون جمعاً - بالواو والنون - حذفت النون للإضافة، وكتب دون واو اعتباراً بلفظه، لأن الواو ساقطة لالتقاء الساكنين، نحو: ﴿وَيَمْحُ الله الباطل﴾ [الشورى: 24] . و ﴿يَدْعُ الداع﴾ [القمر: 6] ، و ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ [العلق: 18] ، إلى غير ذلك. ومثل هذا ما جاء في الحديث: «أهْلُ القُرآنِ أهْلُ اللَّه وخاصَّتهُ» . قالوا: يجوز أن يكون مفرداً، وأن يكون جمعاً، كقوله: ﴿شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ [الفتح: 11] وحذفت الواو لالتقاء الساكنين لفظاً. فإذا كتب هذا، فالأحسن أن يكتب بالواو لهذا الغرض، وليس ثمَّ ضرورة لحذفها كما في مرسوم الخطِ. وجوز أبو البقاء في «جبريل» أن يكون معطوفاً على الضمير في «مولاهُ» ، يعني المستتر، وحينئذٍ يكون الفصل بالضمير المجرور كافياً في تجويز العطف عليه. وجوز أيضاً: أن يكون «جبريل» مبتدأ، و «صالحُ» عطف عليه، فالخبرُ محذوفٌ، أي: مواليه. فصل في المراد بصالح المؤمنين قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: أراد بقوله «وصَالحُ المؤمنين» يعني أبا بكر وعمر مواليين للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على من عاداه، وناصرين له: وهو قول المقاتلين. وقال الضحاكُ: خيار المؤمنين. وقيل: كل من آمن وعمل صالحاً. وقيل: كل من برىء من النفاقِ. وقيل: الأنبياء. وقيل: الخلفاء. وقيل: الصحابة. قوله: ﴿عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ﴾ . قيل: كل «عَسَى» في القرآن واجب إلا هذا. وقيل: واجب، ولكن الله - عزَّ وجلَّ - علقه بشرط، وهو التطليق ولم يطلقهن. قال النحويون: «إنْ طلَّقكُنَّ» شرط معترض بين اسم «عَسَى» وخبرها، وجوابه محذوفٌ، أو متقدم، أي «إنْ طلقَكُنَّ فَعَسى» . وأدغم أبو عمرو القاف في الكاف على رأي بعضهم. قال: وهو أولى من ﴿يَرْزُقُكمْ﴾ [يونس: 31] ، ونحوه لثقل التأنيثِ. قوله: ﴿أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً﴾ . قرىء: مخففاً ومشدداً، كما تقدم في «الكهف» . والتبديل والإبدال بمعنى كالتنزيل والإنزال. وقوله: ﴿أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ﴾ . لأنكن لو كنتن خيراً منهن ما طلقكن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال معناه السديُّ. وقيل: هذا وعد من الله تعالى لرسوله لو طلقهن في الدنيا أن يزوجه في الآخرة نساء خيراً منهن، وكان الله عالماً بأنه لا يطلقهن، ولكن أخبر عن قدرته على أنه إن طلقهن أبدله خيراً منهن تخويفاً لهن، كقوله تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: 38] وهو إخبار عن القدرة وتخويف لهم، لا أن في الوجودِ من هو خير من أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فصل في الكلام على لفظ مسلمات قوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾ إلى آخره. إما نعت أو حال أو منصوب على الاختصاص. قال سعيد بن جبير: يعني مخلصاتٍ. وقيل: مسلمات لأمر الله تعالى وأمر رسوله خاضعات لله بالطاعة ﴿مُّؤْمِنَاتٍ﴾ أي: مصدقات بتوحيد الله. وقيل: مصدقات بما أمرنَ به: ونهين عنه ﴿قَانِتَاتٍ﴾ مطيعات، والقنوت: الطاعة. وقيل: داعياتٍ بتوحيد الله. وقيل: مصليات «تائبات» أي: من ذنوبهن، قاله السديُّ. وقيل: راجعاتٍ إلى أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تاركاتٍ لمحاب أنفسهن، ﴿عَابِدَاتٍ﴾ أي: كثيرات العبادةِ لله تعالى. وقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: كل عبادة في القرآن فهو التوحيد ﴿سَائِحَاتٍ﴾ أي: صائمات، قاله ابن عبَّاس والحسن وابن جبير. وقال زيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن ويمان: مهاجرات. قال زيد: وليس في أمة محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سياحة إلا الهجرة. والسياحة الجولان في الأرض. وقال الفرَّاء والقتبي وغيرهما: سمي الصائمُ سائحاً؛ لأن السائحَ لا زاد معه، وإنما يأكل من حيث وجد الطعام. وقيل: يسحن معه حيثما ساح. وقيل: ذاهبات في طاعة الله تعالى، من ساح الماءُ إذا ذهب. وقد مضى في سورة براءة. وقرأ عمرو بن فائد: «سَيِّحاتٍ» . فصل في الكلام على الآية. قال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف تكون المبدلات خيراً منهن، ولم يكن على وجه الأرض نساء خيراً من أمهات المؤمنين؟ . فالجواب: إذا طلقهن الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - لعصيانهن له، وإيذائهن إياه كان غيرهن من الموصوف بهذه الصفات مع الطاعة للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خيراً منهن. فإن قيل: قوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ﴾ يوهم التَّكرارَ؛ لأن المسلمات والمؤمنات سواء؟ فالجواب: الإسلام هو التصديق باللسان، والإيمان التصديق بالقلب، وقد لا يجتمعان فقوله ﴿مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ﴾ تحقيقاً لاجتماعهما. قوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ . إنما توسطت الواو بين ثيبات وأبكاراً لتنافي الوصف دون سائر الصفات. و «ثَيِّباتٍ» ونحوه لا ينقاس؛ لأنه اسم جنس مؤنث، فلا يقال: نساء حورات، ولا رأيت عينات. و «الثَّيِّبُ» وزنها «فَيعِل» من «ثاب يثوب» أي: رجع، كأنها ثابت بعد زوال عذرتها.

التحريم 66:6

وأصله: «ثَيْوب» ك «سيِّد وميِّت» أصلهما: «سَيْود ومَيْوت» على الإعلال المشهور. والمعنى: منهن ثيّب، ومنهن بِكْر. قيل: إنما سميت ثيِّباً؛ لأنها راجعة إلى زوجها إن أقام معها، وإلى غيره إن فارقها. وقيل: لأنها ثابت إلى بيت أبويها. قال القرطبي: «والأول أصح؛ لأن ليس كل ثيبت تعود إلى زوج، وأما البكر: فهي العذراء، سميت بكراً؛ لأنها على أول حالتها التي خلقت بها» . قال ابن الخطيب: فإن قيل: ذكر الثيبات في مقام المدحِ، وهي من جملة ما يقل رغبة الرجال فيهن؟ . فالجوابُ: يمكن أن يكون بعض الثيبات خيراً بالنسبة إلى البعض من الأبكار عند الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - لاختصاصهن بالمال، والجمال، أو النسب، أو المجموع، وإذا كان كذلك، فلا يقدح ذكر الثَّيِّب في المدح، لجواز ذلك. وقال الكلبيُّ: أراد بالثيِّب مثل: آسية امرأة فرعون، وبالبكر مثل: مريم ابنة عمران. قال القرطبيُّ: «وهذا إنما يمشي على قول من قال: إن التبديل وعد من الله لنبيه لو طلقهن في الدنيا زوجه في الآخرة خيراً منهن، والله أعلم» . قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ . «قُوْا» أمر من الوقاية، فوزنه «عُو» ؛ لأن الفاء حذفت لوقوعها في المضارع بين ياء وكسرة، وهذا محمول عليه، واللام حذفت حملاً له على المجزوم؛ لأن أصله «أوقيوا» ك «اضربوا» فحذفت الواو التي هي فاء لما تقدم، واستثقلت الضمة على الياء، فالتقى ساكنانِ، فحذفت الياء؛ وضم ما قبل الواو لتصح. وهذا تعليل البصريين. ونقل مكي عن الكوفيين: أن الحذف عندهم فرقاً بين المتعدي، والقاصر، فحذفت الواو التي هي فاء في «يَقِي، ويَعِد» لتعديهما، ولم يحذف من «يَوْجَلُ» لقصوره. قال: «ويرد عليهم نحو: يَرمِ، فإنه قاصر، ومع ذلك فقد حذفوا فاءه» . قال شهاب الدين: وفي هذا نظر؛ لأن «يَوْجَلُ» لم تقع فيه الواو بين ياء وكسرة لا ظاهرة ولا مضمرة. وقلت: ولا مضمرة، تحرُّزاً من «تَضَع، ويَسَع، ويهب» . وقرأ بعضهم: «وأهْلُوكُمْ» . وخرجت على العطف على الضَّمير المرفوع ب «قُوْا» ، وجوز ذلك الفصل بالمفعول قال الزمخشريُّ بعد ذكره القراءة وتخريجها: فإن قلت: أليس التقديرُ: «قُوا أنفُسكُمْ وليَقِ أهلوكم أنفسهم» ؟ . قلت: لا، ولكن المعطوف في التقدير مقارن للواو، و «أنْفُسَكُمْ» واقع بعده، كأنه قيل: قوا أنتم، وأهلوكم أنفسكم، لما جمعت مع المخاطب الغائب غلبته عليه، فجعلت ضميرهما معاً على لفظ المخاطب. قوله: «ناراً» مفعول ثانٍ، «وقُودُهَا النَّاسُ» صفة ل «نَاراً» وكذلك «عَليْهَا مَلائكةٌ» ، ويجوز أن يكون الوصف وحده «عَليْهَا» ، و «مَلائِكَةٌ» فاعل به، ويجوز أن يكون حالاً لتخصيصها بالصفة الأولى، وكذلك ﴿لاَّ يَعْصُونَ الله﴾ . وتقدم الخلاف في واو ﴿وَقُودُهَا﴾ [البقرة: 24] ضمًّا وفتحاً في «البقرة» . فصل في معنى الآية قال الضحاك: المعنى: قو أنفسكم؛ وأهلوكم، فليقوا أنفسهم ناراً. وروي عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: قوا أنفسكم وأمروا أهليكم بالذكر، والدعاء، حتى يقيهم الله بكم. وقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وقتادة ومجاهدٌ: قوا أنفسكم بأفعالكم، وقوا أهليكم بوصيتكم. قال ابن العربي: وهو الصحيحُ، والفقهُ الذي يعطيه العطفُ الذي يقتضي التشريك بين المعطوف؛ والمعطوف عليه في معنى الفعل. كقوله: [الرجز] 4788 - عَلَفْتُهَا تِبْناً ومَاءً بَارِداً..... ... ... ... ... ... ... ... . وكقوله: [مجزوء الكامل] 4789 - ورَأيْتُ زَوْجَكِ فِي الوَغَى ... مُتَقلِّداً سَيْفاً ورُمْحا فعلى الرجل أن يصلح نفسه بالطاعة، ويصلح أهله صلاح الراعي للرعيَّة. قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «كُلُّكُمْ راعٍ، وكُلُّكُمْ مسْئُولٌ عن رعيَّتِهِ، فالإمامُ الَّذي على النَّاسِ راعٍ وهُوَ مَسْئُولٌ عَنهُمْ، والرَّجلُ راعٍ على أهْلِ بَيْتهِ وهُوَ مسْئُولٌ عَنْهُمْ» . قال الحسن في هذه الآية: يأمرهم، وينهاهم. وقال بعض العلماء لما قال: «قُو أنفُسَكُمْ» : دخل فيه الأولاد؛ لأن الولد بعض منه كما دخلوا في قوله تعالى: ﴿وَلاَ على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: 61] ، وقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «إنَّ أحلَّ مَا أكلَ الرَّجلُ من كسْبِهِ، وإنَّ ولدهُ مِنْ كسْبِهِ» فلم يفرد بالذّكر إفراد سائر القرابات، فيعلمه الحلال والحرام، ويجنبه المعاصي والآثام إلى غير ذلك من الأحكام. وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «حَقُّ الولدِ على الوالِدِ، أنْ يُحْسِنَ اسْمَهُ، ويُعلِّمهُ الكِتابَةَ، ويزَوِّجهُ إذا بلَغَ» . وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «مَا نَحَلَ والدٌ ولَداً أفْضَل مِنْ أدبٍ حسنٍ» . وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «مُرُوا أبْناءَكُمْ بالصَّلاة لسَبْعٍ؛ واضْربُوهُمْ على تَرْكِهَا لعشْرٍ، وفرِّقُوا بَيْنَهُم في المَضَاجِعِ» . قال بعض العلماء: ويخبر أهله بوقت الصلاة، ووجوب الصيام. وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «رَحِمَ اللَّهُ امْرءاً قَامَ مِنْ اللَّيلِ يُصلِّي، فأيقظَ أهلَهُ، فإنْ لَمْ تَقُم رشَّ على وجهِهِا المَاءَ، ورحِمَ اللَّهُ امْرَأةً قَامَتْ في اللَّيْلِ تُصلِّي، وأيْقَظَتْ زوْجَهَا، فإنْ لم يَقُمْ رشَّتْ على وجْهِهِ المَاء» . وذكر القشيريُّ قال: «فلما نزلت هذه الآية، قال رجلٌ: يا رسول الله، نقي أنفسنا، فكيف لنا بأهلينا؟ . فقال:» تنهونهم عما نهاكم الله، وتأمرونهم بما أمر الله «» . وقال مقاتلٌ: ذلك حق عليه في نفسه، وولده، وأهله، وعبيده، وإمائه. قال إلكيا: فعلينا تعليم أولادنا، وأهلينا الدين، والخير، وما لا يستغنى عنه من الأدب. وهو قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة واصطبر عَلَيْهَا﴾ [طه: 132] ، وقوله للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين﴾ [الشعراء: 14] . وتقدم الكلام على قوله: ﴿وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ في «البقرة» . فصل في مخاطبة الله تعالى للمؤمنين قال ابن الخطيب: فإن قيل: إنه - تعالى - خاطب المشركين في قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فاتقوا النار التي وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ [البقرة: 24] ، ثم قال: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ فما معنى مخاطبته للمؤمنين بذلك؟ . فالجوابُ: أن الفساق، وإن كانت دركاتهم فوق دركات الكُفَّار، فإنهم مع الكُفَّار في دار واحدة، فقيل للذين آمنوا: «قُوا أنفُسَكُمْ» باجتناب الفسوقِ ومجاورة الذين أعدت لهم هذه النار، ولا يبعد أن يأمرهم بالتوقِّي عن الارتداد. قوله: ﴿عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ﴾ . يعني الزَّبَانية، غلاظ القلوب لا يرحمون إذا استرحموا، خلقوا من الغضب، وحبب إليهم عذاب الخلقِ، كما حبب لبني آدم الطعام، والشراب «شِدادٌ» ، أي: شداد الأبدان وقيل: غلاظ الأقوال شدادُ الأفعالِ. وقيل: «غِلاظٌ» في أخذهم أهل النار «شِدادٌ» عليهم، يقال: فلان شديد على فلان، أي: قوي عليه يعذبه بأنواع العذاب. وقيل: أغلاظ أجسامهم ضخمة «شِدادٌ» أي: أقوياء. قال ابن عبَّاس: ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة. وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - في خزنة جهنم: «مَا بَيْنَ منْكبَيْ أحدهِمْ كَمَا بَيْنَ المَشْرقِ والمَغْربِ» . قوله: ﴿لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ﴾ . يجوز أن تكون «ما» بمعنى «الذي» ، والعائد محذوف، أي: «مَا أمَرَهُمُوهُ» ، والأصل: «بِهِ» ، لا يقال: كيف حذف العائد المجرور، ولم يجر الموصول بمثله؟ لأنه يطرد حذف هذا الحرف فلم يحذف إلا منصوباً. وأن تكون مصدرية، ويكون محلها بدلاً من اسم الله بدل اشتمال، كأنه قيل: لا يعصون أمره. وقوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ﴾ . قال الزمخشريُّ: «فإن قلت: أليست الجملتان في معنى واحد؟ . قلت: لا؛ لأن الأولى معناها: أنهم يقبلون أوامره ويلتزمونها. والثانية: معناها أنهم يؤدّون ما يؤمرون به لا يتثاقلون عنه، ولا يتوانون فيه» . وقال القرطبي: ﴿لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ﴾ أي: لا يخالفونه في أمر من زيادة، أو نقصان ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ في وقته لا يقدمونه، ولا يؤخرونه. وقيل: أي: لذتهم في امتثال أمر اللَّهِ، كما أن سرور أهل الجنة في الكون في الجنة، ذكره بعض المعتزلة، وعندهم أنه يستحيل التكليف غداً، ولا يخفى معتقد أهل الحقِّ في أن الله يكلف العبد اليوم وغداً، ولا ينكر التكليف غداً في حق الملائكةِ، ولله أن يفعل ما يشاء.

التحريم 66:7

أي: فإن عذركم لا ينفع، وهذا النهي لتحقيق اليأس ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا، ونظيره: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ الذين ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [الروم: 57] . قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ توبوا إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً﴾ . فرأ الجمهور: بفتح نون «نَصُوحاً» . فهي صيغة مبالغة أسند النصح إليها مجازاً، وهي من: نصح الثوب، أي: خاطه فكأنه التائب يرقع ما حرقه بالمعصية. وقيل: هي من قولهم: عسل ناصح، أي: خالص. وقرأ أبو بكر: بضم النون. وهو مصدر «نَصَحَ» ، يقال: نصح نصحاً ونصوحاً، نحو: كَفَر كُفْراً وكُفُوراً، وشَكَرَ شُكْراً وشُكُوراً. وفي انتصابه أوجه: أحدها: أنه مفعول له، أي: لأجل النصح الحاصل نفعه عليكم. والثاني: أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف، أي: ينصحهم نصحاً. الثالث: أنه صفة لها، إما على المبالغة على أنها نفس المصدر، أو على حذف مضاف، أي: ذات نصوحٍ. وقرأ زيد بن عليّ: «تَوْباً» دون تاء. فصل في تعلق هذه الآية بقوله يا أيها الذين كفروا قال ابن الخطيب: وجه تعلق هذه الآية بقوله: ﴿يا أيها الذين كَفَرُواْ﴾ أنه - تعالى - نبّههم على رفعِ العذاب في ذلك اليوم، بالتوبة في الدنيا، إذ في ذلك اليوم لا تفيدُ التوبةُ. فصل أمر بالتَّوبة، وهي فرض على الأعيان في كُلِّ الأحوال، وكُلِّ الأزمان واختلفوا في التوبة النَّصُوح: فقيل: هي التي لا عودة بعدها، كما لا يعود اللَّبن إلى الضرع. روي عن عمر، وابن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، ورفعه معاذٌ إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقال قتادة: «النَّصُوحُ» الصَّادقة الخالصة. وقيل: الخالصة. يقال: نصح له، أي: أخلص له القول. وقال الحسن: «النَّصُوحُ» أن يبغض الذنب الذي أحبه، ويستغفر منه إذا ذكره. وقيل: هي التي لا يثق بقبولها، ويكون على وجلٍ منها. وقال الكلبيُّ: التوبة النَّصوح، الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع عن الذنب، والعزم على ألاَّ يعود. وقيل غير ذلك. فصل في الأشياء التي يُتَاب منها قال بعض العلماءِ: الذنبُ الذي لا يكونُ منه التوبةُ لا يخلو، إما أن يكون حقاً لله أو للآدميين، فإن كان حقاً لله عَزَّ وَجَلَّ كتركِ صلاة، أو صوم أو تفريط في زكاة؛ فإن التوبة لا تصح منه حتى ينضم إلى الندم قضاء ما فات منها. وإن كان قتل نفساً بغير حقٍّ، فإن تمكن من القصاص منه إن طلب به، فإن عُفِيَ عنه كفاه النَّدم، والعزم على ترك العودِ بالإخلاص، وكذلك إن عُفِي عنه في القَتْل بمال فعليه أن يؤديه إن كان واجداً له، قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فاتباع بالمعروف وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] . وإن كان ذلك من حدود الله - ما كان - فإنه إذا تاب إلى الله - تعالى - بالندم الصحيح سقط منه، وقد نصَّ الله - تعالى - على سقوط الحد عن المحاربين إذا تابوا قبل القدرةِ عليهم، كما تقدم. وكذلك الشُّرَّاب، والسُّراق، والزُّناة إذا صلحوا، وتابوا، وعرف ذلك منهم، ثم رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدهم، وإن رفعوا إليه فقالوا: تُبْنا لم يتركهم في هذه الحال كالمحاربين إذا غلبوا، هذا مذهب الشافعي. فإن كان الذنبُ من مظالم العباد، فلا تصح التوبة منه إلا برده إلى صاحبه، والخروج عنه - عيناً كان أو غيره - إن كان قادراً عليه، فإن لم يكن قادراً، فالعزم أن يؤديه إذا قدر في أعجل وقت، وأسرعه. وإن كان لواحد من المسلمين، وذلك الواحد لا يشعر به، ولا يدري من أين أتى، فإنه يزيل ذلك الضرر عنه، ثم يسأله أن يعفو عنه، ويستغفر له، فإذا عفى، فقد سقط الذنب عنه، وإن أرسل من يسأل ذلك له، فعفى ذلك المظلوم عن ظلمه عرفه بعينه، أو لم يعرفه، فذلك صحيح. وإن أساء رجل إلى رجل، بأن فزعه بغير حق، أو غمه، أو لطمه، أو صفعه بغير حق، أو ضربه بسوط وآلمه، ثم جاءه مستعفياً نادماً على ما كان منه عازماً على ألا يعود فلم يزل يتذلل له، حتى طابت نفسه فعفا عنه، سقط الذَّنب عنه، وهكذا إن شتمه بشتمٍ لا حدَّ فيه. قوله: ﴿عسى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ . «عَسَى» من الله واجبةً، وهو معنى قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «التَّائِبُ من الذَّنْبِ كمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ» . و «أنْ» في موضع نصب. قوله: «ويُدخِلَكُمْ» . معطوف على «يُكَفِّرَ» . قرأ العامة: بالنصب. وابن أبي عبلة: بسكون اللام. فاحتمل أن يكون من إجراء المنفصلِ مجرى المتصل، فسلبت الحركة؛ لأنه يتحلل من مجموع «يُكفِّرَ عَنْكُم» مثل «نطع وقمع» فيقال: فيهما: نَطْع وقَمْع. ويحتمل أن يكون عطفاً على محل «عَسَى أن يُكَفِّرَ» كأنه قيل: توبوا يوجب تكفير سيئاتكم، ويدخلكم، قاله الزمخشري. يعني أن «عَسَى» في محل جزم جواباً للأمر؛ لأنه لو وقع موقعها مضارع لانجزم كما مثل به الزمخشري. وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم أن «عَسَى» جوابٌ ولا تقع جواباً؛ لأنها للإنشاء. قوله: ﴿يَوْمَ لاَ يُخْزِى الله النبي﴾ . «يَوْمَ» منصوب ب «يُدخِلَكُم» ، أو بإضمار «اذْكُرْ» . ومعنى «يُخْزِي» هنا: يعذب، أي: لا يعذبه، ولا يعاقب الذين آمنوا معه. قالت المعتزلة: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يُخْزِى الله النبي والذين آمَنُواْ مَعَهُ﴾ يدل على أنه لا يعذب الذين آمنوا؛ لأن الإخزاء يقع بالعذاب، ولو كان أصحاب الكبائر من أهل الإيمان لم يخفف عليهم العذاب. قال ابنُ الخطيب: وأجاب أهل السُّنة بأنه - تعالى - وعد أهل الإيمان بألاَّ يخزيهم. من أهل السنَّةِ من يقف على قوله: ﴿يَوْمَ لاَ يُخْزِى الله النبي﴾ ، ومعناه لا يخزيه في رد الشفاعة، والإخزاء: الفضيحة، أي: لا يفضحهم بين يدي الكفار، ويجوز أن يعذبهم على وجه لا تقف الكفرة عليه. قوله: ﴿والذين آمَنُواْ﴾ يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يكون منسوقاً على «النَّبِي» ، أي: ولا يخزي الذين آمنوا، فعلى هذا يكون «نُورُهُمْ يَسْعَى» مُستأنفاً، أو حالاً. والثاني: أن يكون مبتدأ، وخبره «نُورُهُمْ يَسْعَى» ، و «يَقُولُون» خبر ثاني أو حال. وتقدم إعراب مثل هذه الجمل في «الحديد» وإعراب ما بعدها في «براءة» . وقرأ أبو حيوة، وأبو نهل الفهمي: «وبإيْمَانهِمْ» بكسر الهمزة. ومعنى قوله: ﴿نُورُهُمْ يسعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: في الدنيا وبأيمانهم عند الحساب، لأنهم يؤتون الكتاب بأيمانهم، وفيه نور، وخير. وقيل: يسعى النور بين أيديهم في موضع وضع أقدامهم «وبأيْمانِهِمْ» لأن خلفهم وشمالهم طرق الكفرة، وقولهم: ﴿رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ قال ابن عباس: يقولون ذلك عند إطفاء نور المُنافقين إشفاقاً. وقال الحسنُ: إنه - تعالى - يتمّم لهم نورهم، ولكنهم يدعون تقرباً إلى حضرة الله تعالى، كقوله: ﴿واستغفر لِذَنبِكَ﴾ [غافر: 55] وهو مغفور. وقيل: أدناهم منزلة من نوره بقدر ما يبصر موضع قدمه، فيسألون إتمامه. وقال الزمخشري: السَّابقون إلى الجنَّة يمرون كالبرقِ على الصِّراط، وبعضهم كالريح، وبعضهم كالجواد المسرع، وبعضهم حَبْواً، وهم الذين يقولون: ربنا أتمِمْ لنا نورنا. فإن قيل: إنه - تعالى - لا يخزي النبي في ذلك اليوم، ولا الذين آمنوا معه؟ . فالجوابُ: لأن فيه إفادة الاجتماع، بمعنى لا يخزي الله المجموع، أي: الذين يسعى نورهم، وفيه فائدة عظيمة، إذ الاجتماع بين الذين آمنوا، وبين نبيهم تشريفٌ في حقهم وتعظيم.

التحريم 66:8

أي: فإن عذركم لا ينفع، وهذا النهي لتحقيق اليأس ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا، ونظيره: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ الذين ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [الروم: 57] . قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ توبوا إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً﴾ . فرأ الجمهور: بفتح نون «نَصُوحاً» . فهي صيغة مبالغة أسند النصح إليها مجازاً، وهي من: نصح الثوب، أي: خاطه فكأنه التائب يرقع ما حرقه بالمعصية. وقيل: هي من قولهم: عسل ناصح، أي: خالص. وقرأ أبو بكر: بضم النون. وهو مصدر «نَصَحَ» ، يقال: نصح نصحاً ونصوحاً، نحو: كَفَر كُفْراً وكُفُوراً، وشَكَرَ شُكْراً وشُكُوراً. وفي انتصابه أوجه: أحدها: أنه مفعول له، أي: لأجل النصح الحاصل نفعه عليكم. والثاني: أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف، أي: ينصحهم نصحاً. الثالث: أنه صفة لها، إما على المبالغة على أنها نفس المصدر، أو على حذف مضاف، أي: ذات نصوحٍ. وقرأ زيد بن عليّ: «تَوْباً» دون تاء. فصل في تعلق هذه الآية بقوله يا أيها الذين كفروا قال ابن الخطيب: وجه تعلق هذه الآية بقوله: ﴿يا أيها الذين كَفَرُواْ﴾ أنه - تعالى - نبّههم على رفعِ العذاب في ذلك اليوم، بالتوبة في الدنيا، إذ في ذلك اليوم لا تفيدُ التوبةُ. فصل أمر بالتَّوبة، وهي فرض على الأعيان في كُلِّ الأحوال، وكُلِّ الأزمان واختلفوا في التوبة النَّصُوح: فقيل: هي التي لا عودة بعدها، كما لا يعود اللَّبن إلى الضرع. روي عن عمر، وابن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، ورفعه معاذٌ إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقال قتادة: «النَّصُوحُ» الصَّادقة الخالصة. وقيل: الخالصة. يقال: نصح له، أي: أخلص له القول. وقال الحسن: «النَّصُوحُ» أن يبغض الذنب الذي أحبه، ويستغفر منه إذا ذكره. وقيل: هي التي لا يثق بقبولها، ويكون على وجلٍ منها. وقال الكلبيُّ: التوبة النَّصوح، الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع عن الذنب، والعزم على ألاَّ يعود. وقيل غير ذلك. فصل في الأشياء التي يُتَاب منها قال بعض العلماءِ: الذنبُ الذي لا يكونُ منه التوبةُ لا يخلو، إما أن يكون حقاً لله أو للآدميين، فإن كان حقاً لله عَزَّ وَجَلَّ كتركِ صلاة، أو صوم أو تفريط في زكاة؛ فإن التوبة لا تصح منه حتى ينضم إلى الندم قضاء ما فات منها. وإن كان قتل نفساً بغير حقٍّ، فإن تمكن من القصاص منه إن طلب به، فإن عُفِيَ عنه كفاه النَّدم، والعزم على ترك العودِ بالإخلاص، وكذلك إن عُفِي عنه في القَتْل بمال فعليه أن يؤديه إن كان واجداً له، قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فاتباع بالمعروف وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] . وإن كان ذلك من حدود الله - ما كان - فإنه إذا تاب إلى الله - تعالى - بالندم الصحيح سقط منه، وقد نصَّ الله - تعالى - على سقوط الحد عن المحاربين إذا تابوا قبل القدرةِ عليهم، كما تقدم. وكذلك الشُّرَّاب، والسُّراق، والزُّناة إذا صلحوا، وتابوا، وعرف ذلك منهم، ثم رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدهم، وإن رفعوا إليه فقالوا: تُبْنا لم يتركهم في هذه الحال كالمحاربين إذا غلبوا، هذا مذهب الشافعي. فإن كان الذنبُ من مظالم العباد، فلا تصح التوبة منه إلا برده إلى صاحبه، والخروج عنه - عيناً كان أو غيره - إن كان قادراً عليه، فإن لم يكن قادراً، فالعزم أن يؤديه إذا قدر في أعجل وقت، وأسرعه. وإن كان لواحد من المسلمين، وذلك الواحد لا يشعر به، ولا يدري من أين أتى، فإنه يزيل ذلك الضرر عنه، ثم يسأله أن يعفو عنه، ويستغفر له، فإذا عفى، فقد سقط الذنب عنه، وإن أرسل من يسأل ذلك له، فعفى ذلك المظلوم عن ظلمه عرفه بعينه، أو لم يعرفه، فذلك صحيح. وإن أساء رجل إلى رجل، بأن فزعه بغير حق، أو غمه، أو لطمه، أو صفعه بغير حق، أو ضربه بسوط وآلمه، ثم جاءه مستعفياً نادماً على ما كان منه عازماً على ألا يعود فلم يزل يتذلل له، حتى طابت نفسه فعفا عنه، سقط الذَّنب عنه، وهكذا إن شتمه بشتمٍ لا حدَّ فيه. قوله: ﴿عسى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ . «عَسَى» من الله واجبةً، وهو معنى قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «التَّائِبُ من الذَّنْبِ كمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ» . و «أنْ» في موضع نصب. قوله: «ويُدخِلَكُمْ» . معطوف على «يُكَفِّرَ» . قرأ العامة: بالنصب. وابن أبي عبلة: بسكون اللام. فاحتمل أن يكون من إجراء المنفصلِ مجرى المتصل، فسلبت الحركة؛ لأنه يتحلل من مجموع «يُكفِّرَ عَنْكُم» مثل «نطع وقمع» فيقال: فيهما: نَطْع وقَمْع. ويحتمل أن يكون عطفاً على محل «عَسَى أن يُكَفِّرَ» كأنه قيل: توبوا يوجب تكفير سيئاتكم، ويدخلكم، قاله الزمخشري. يعني أن «عَسَى» في محل جزم جواباً للأمر؛ لأنه لو وقع موقعها مضارع لانجزم كما مثل به الزمخشري. وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم أن «عَسَى» جوابٌ ولا تقع جواباً؛ لأنها للإنشاء. قوله: ﴿يَوْمَ لاَ يُخْزِى الله النبي﴾ . «يَوْمَ» منصوب ب «يُدخِلَكُم» ، أو بإضمار «اذْكُرْ» . ومعنى «يُخْزِي» هنا: يعذب، أي: لا يعذبه، ولا يعاقب الذين آمنوا معه. قالت المعتزلة: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يُخْزِى الله النبي والذين آمَنُواْ مَعَهُ﴾ يدل على أنه لا يعذب الذين آمنوا؛ لأن الإخزاء يقع بالعذاب، ولو كان أصحاب الكبائر من أهل الإيمان لم يخفف عليهم العذاب. قال ابنُ الخطيب: وأجاب أهل السُّنة بأنه - تعالى - وعد أهل الإيمان بألاَّ يخزيهم. من أهل السنَّةِ من يقف على قوله: ﴿يَوْمَ لاَ يُخْزِى الله النبي﴾ ، ومعناه لا يخزيه في رد الشفاعة، والإخزاء: الفضيحة، أي: لا يفضحهم بين يدي الكفار، ويجوز أن يعذبهم على وجه لا تقف الكفرة عليه. قوله: ﴿والذين آمَنُواْ﴾ يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يكون منسوقاً على «النَّبِي» ، أي: ولا يخزي الذين آمنوا، فعلى هذا يكون «نُورُهُمْ يَسْعَى» مُستأنفاً، أو حالاً. والثاني: أن يكون مبتدأ، وخبره «نُورُهُمْ يَسْعَى» ، و «يَقُولُون» خبر ثاني أو حال. وتقدم إعراب مثل هذه الجمل في «الحديد» وإعراب ما بعدها في «براءة» . وقرأ أبو حيوة، وأبو نهل الفهمي: «وبإيْمَانهِمْ» بكسر الهمزة. ومعنى قوله: ﴿نُورُهُمْ يسعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: في الدنيا وبأيمانهم عند الحساب، لأنهم يؤتون الكتاب بأيمانهم، وفيه نور، وخير. وقيل: يسعى النور بين أيديهم في موضع وضع أقدامهم «وبأيْمانِهِمْ» لأن خلفهم وشمالهم طرق الكفرة، وقولهم: ﴿رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ قال ابن عباس: يقولون ذلك عند إطفاء نور المُنافقين إشفاقاً. وقال الحسنُ: إنه - تعالى - يتمّم لهم نورهم، ولكنهم يدعون تقرباً إلى حضرة الله تعالى، كقوله: ﴿واستغفر لِذَنبِكَ﴾ [غافر: 55] وهو مغفور. وقيل: أدناهم منزلة من نوره بقدر ما يبصر موضع قدمه، فيسألون إتمامه. وقال الزمخشري: السَّابقون إلى الجنَّة يمرون كالبرقِ على الصِّراط، وبعضهم كالريح، وبعضهم كالجواد المسرع، وبعضهم حَبْواً، وهم الذين يقولون: ربنا أتمِمْ لنا نورنا. فإن قيل: إنه - تعالى - لا يخزي النبي في ذلك اليوم، ولا الذين آمنوا معه؟ . فالجوابُ: لأن فيه إفادة الاجتماع، بمعنى لا يخزي الله المجموع، أي: الذين يسعى نورهم، وفيه فائدة عظيمة، إذ الاجتماع بين الذين آمنوا، وبين نبيهم تشريفٌ في حقهم وتعظيم.

التحريم 66:9

أمره أن يجاهدَ الكُفَّار بالسيف، والمواعظ الحسنة، والدعاء إلى الله، والمنافقين بالغلظة، وإقامة الحُجَّة أن يعرفهم أحوالهم في الآخرة، وأنه لا نُور لهم يجوزون به على الصِّراط مع المؤمنين. وقال الحسنُ: أي: جاهدهم بإقامة الحدود عليهم، فإنهم كانوا يرتكبون موجبات الحدود وكانت الحدودُ تقامُ عليهم ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ يرجع إلى الصنفين ﴿وَبِئْسَ المصير﴾ أي: المرجع. قال ابن الخطيب: وفي مخاطبة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بقوله: ﴿يا أيها النبي﴾ في أول السورة وفي هذه الآية ووصفه بالنبي لا باسمه، كقوله لآدم: ﴿يا آدم﴾ [البقرة: 35] ، وموسى ﴿ياموسى﴾ [طه: 11] ، ولعيسى ﴿ياعيسى﴾ [المائدة: 116] دليل على فضيلته عليهم. فإن قيل: قوله: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ يدل على أن مصيرهم بئس المصيرُ، فما فائدة ذلك؟ فالجوابُ: أن مصيرهم بئس المصير مطلقاً، والمطلق يدل على الدوام، وغير المطلق لا يدل على الدوام.

التحريم 66:10

ثم ضرب اللَّهُ مثلاً للصَّالحات، من النِّساء، فقال: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً﴾ إلى آخره، تقدم الكلام على «ضرب» مع «المَثَل» ، وهل هو بمعنى «صير» أم لا؟ وكيف ينتصب ما بعدها في سورة «النحل» . فصل في ضرب الله لهذا المثل ضرب الله هذا المثل تنبيهاً على أنه لا يغني أحد عن قريب، ولا نسب في الآخرة إذا فرق بينهما الدِّين، وكان اسم امرأة نوح «والهة» ، وامرأة لوط «والغة» ، قاله مقاتل. وقال الضحاكُ عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: إن جبريل نزل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فأخبره أن اسم امرأة نوح «وَاغِلة» وامرأة لوط «والهة» ، ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾ يعني نوحاً ولوطاً. ويجوز أن يكون «امْرَأة نُوحٍ» بدلاً من قوله «مثلاً» على تقدير حذف المضاف، أي: ضرب الله مثلاً مثل امرأة نوح. ويجوزأن يكونا مفعولين. قوله: ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ﴾ . جملة مستأنفة كأنها مفسرة ل «ضَرْبِ المثلِ» ، ولم يأت بضميرهما، فيقال: تحتهما أي: تحت نوح ولوط، لما قصد من تشريفهما بهذه الإضافة الشريفة، وليصفهما بأجَلّ الصِّفات، وهو الصَّلاح. قوله: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ . قال عكرمة، والضحاك: بالكفر. وقال سليمان بن رقية، عن ابن عباس: كانت امرأة تقول للناس: إنه مجنون وامرأة لوط كانت تخبر بأضيافه. وعن ابن عباس: ما بَغَت امرأة نبي قط، وإنما كانت خيانتهما أنهما كانا على غير دينهما. قال القشيريُّ: وهذا إجماع من المفسرين إنما كانت خيانتهما في الدين، وكانتا مشركتين وقيل: كانتا منافقتين. وقيل: خيانتهما النَّميمةُ إذا أوحى الله إليهما شيئاً أفشتاه إلى المشركين، قاله الضحاك. وقيل: كانت امرأة لوط إذا نزل به ضيف دخنت لتعلم قومها أنه قد نزل به ضيف لما كانوا عليه من إتيان الرجال. قوله: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا﴾ . العامة: بالياء من تحت، أي: لم يغن نوح ولوط عن امرأتيهما شيئاً من الإغناء من عذاب الله. وقرأ مبشر بن عبيد: تغنيا - بالتاء من فوق -، أي: فلم تُغْن المرأتان عن أنفسهما. وفيها إشكال إذ يلزم من ذلك تعدي فعل المضمر المتصل إلى ضميره المتصل في غير المواضع المستثناة. وجوابه: أن «عَنْ» هنا اسم كهي في قوله: [الكامل] 4790 - دَعْ عَنْكَ نَهْباً صِيحَ في حَجَراتِهِ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . وقد تقدم هذا والاعتراض عليه بقوله: ﴿وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة﴾ [مريم: 25] ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ [القصص: 32] ، والجواب هناك. فصل في معنى الآية معنى الآية: لم يدفع نوح، ولوط مع كرامتهما على الله تعالى عن زوجتيهما لما عصيا شيئاً من عذاب اللَّه تنبيهاً بذلك على أنَّ العذاب يدفع بالطَّاعة، لا بالوسيلة. وقيل: إن كفار مكة استهزءوا وقالوا: إنَّ محمداً يشفع لنا، فبين تعالى أن الشفاعة لا تنفع كفار «مكة» ، وإن كانوا أقرباء كما لا ينفع شفاعة نوح امرأته، وشفاعة لوط لامرأته مع قربهما له لكفرهما. ﴿وَقِيلَ ادخلا النار مَعَ الداخلين﴾ في الآخرة كما يقال لكفار مكة وغيرهم. قطع الله بهذه الآية طمع من يرتكب المعصية أن ينفعه صلاح غيره، ثم أخبر أن معصية غيره لا تضره إذا كان مطيعاً. قوله: ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ امرأة فِرْعَوْنَ﴾ . واسمها آسية بنت مزاحم. قال يحيى بن سلام: قوله: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ مثل ضربه الله يحذر به عائشة، وحفصة في المخالفة حين تظاهرتا عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم ضرب الله لهما مثلاً بامرأة فرعون ومريم ابنة عمران ترغيباً في التمسك بالطاعة، والثبات على الدين. وقيل: هذا حث للمؤمنين على الصبر في الشدة، أي: لا تكونوا في الصبر عند الشدة أضعف من امرأة فرعون حين صبرت على أذى فرعون. قال المفسرون: لما غلب موسى السحرة آمنت امرأةُ فرعون. وقيل: هي عمة موسى آمنت به، فلما تبين لفرعون إسلامها أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد، وألقاها في الشمس، وألقى عليها صخرة عظيمة، فقالت: «ربِّ نَجِّنِي مِنْ فرعَونَ وعمله» . فرمى بروحها في الجنة، فوقعت الصخرة على جسد لا روح فيه. وقال الحسنُ: رفعها تأكل في الجنة، وتشرب. قال سلمان الفارسي: كانت امرأة فرعون تعذب في الشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة. قوله: ﴿إذْ قَالَتْ رَبِّ﴾ . منصوب ب «ضرب» ، وإن تأخر ظهور الضرب. ويجوز أن ينتصب بالمثل. قوله: ﴿عِندَكَ﴾ . يجوز تعلقه ب «ابْنِ» ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من «بَيْتاً» كان نعته فلما قدم نصب حالاً. و ﴿فِي الجنة﴾ . إما متعلق ب «ابْنِ» وإما بمحذوف على أنه نعت ل «بَيْتاً» . فصل في قصة امرأة فرعون. قال المفسرون: لما كانت تعذب في الشمس، وأذاها حرّ الشمس ﴿قَالَتْ: رَبِّ ابن لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الجنة﴾ فوافق ذلك حضور فرعون، فضحكت حين رأت بيتها في الجنة، فقال فرعون: لا تَعْجبُوا من جُنُونهَا أنَا أعذِّبُها وهي تضحك، فقبض رُوحها. وروي أنه وضع على ظهرها رحى فأطلعها اللَّهُ، حتى رأت مكانها في الجنَّة، وانتزع روحها، فألقيت عليها صخرة بعد خروج روحها فلم تجد ألماً. وقال الحسن وابن كيسان: رفع الله امرأة فرعون إلى الجنة، فهي فيها تأكل، وتشرب، وتتنعم. قوله: ﴿وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ . تعني بالعمل: الكفر. وقيل: «من عمله» ، أي: من عذابه وظلمه. وقال ابن عباس: الجماع. ﴿وَنَجِّنِي مِنَ القوم الظالمين﴾ ، أي: الكافرين. قال الكلبيُّ: أهل «مصر» . وقال مقاتل: القبط. قوله: ﴿وَمَرْيَمَ ابنة عِمْرَانَ﴾ . عطف على ﴿امرأة فِرْعَوْنَ﴾ . ضرب الله المثل للكافرين بامرأتين، وللمؤمنين بامرأتين. وقال أبو البقاء: «ومَرْيَمَ» أي: «واذكر مريم» . وقيل: أو «ومثل مريم» . وقرأ العامة: «ابْنَة» بنصب التاء. وأيوب السختياني: بسكون الهاء، وصلاً، أجرى الوصل مجرى الوقف. والعامة أيضاً: «فَنَفَخْنَا فيْهِ» أي: في الفرجِ. وعبد الله: «فِيْهَا» أي: في الجملة. وقد تقدم في «الأنبياء» مثله. والعامة أيضاً: «وصَدَّقتْ» بتشديد الدال. ويعقوب وقتادة وأبو مجلز، وعاصم في رواية: بتخفيفها، أي: صدقت فيما أخبرت به من أمر عيسى. والعامة على: «بِكَلمَاتِ» جمعاً. والحسن ومجاهد والجحدري: «بِكلمَةِ» بالإفراد. فقيل: المراد بها عيسى؛ لأنه كلمةُ الله. فصل في مريم ابنة عمران ضرب الله مثلاً بمريم ابنة عمران وصبرها على أذى اليهود. وقوله: ﴿التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ عن الفواحش. وقال المفسرون هنا: أراد بالفرج الجيب، لقوله ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ وجبريل - عليه السلام - إنما نفخ في جيبها ولم ينفخ في فرجها. وهي في قراءة أبيٍّ: ﴿فنفخنا في جيبها من روحنا﴾ ، وكل خرق في الثوب يسمى فرجاً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: 6] . ويحتمل أن يكون أحصنت فرجها ونفخ الروح في جيبها. ومعنى «فَنَفَخْنَا» أرسلنا جبريل فنفخ في جيبها «مِنْ رُوحِنَا» أي: روحاً من أرواحنا وهي روح عيسى، وقوله: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ أي: قول جبريل لها: ﴿إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: 19] الآية. وقال مقاتل: يعني بالكلمات عيسى، وأنه نبيّ وعيسى كلمة الله كما تقدم. وقيل: ﴿بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ يعني الشرائع التي شرعها الله للعباد بكلماته المنزلة. قوله: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ . قرأ أهل «البَصْرة» وحفص: «وكُتُبِهِ» على الجمع. وقرأ الأخرون: «وكِتَابِهِ» على التوحيد. والمراد منه الكثرة، فالمراد به الجِنْس، فيكون في معنى كل كتاب أنزله الله تعالى. وقرأ أبو رجاء: «وَكُتْبِهِ» بسكون التاء، وهو تخفيف حسن. وروي عنه: «وكَتْبِهِ» بفتح الكاف. قال أبو الفضل: مصدر وضع موضع الاسم، يعني ومكتوبه. فصل في المراد بالكتب أراد الكتب التي أنزلتْ على إبراهيم، وموسى، وداود، وعيسى. وقوله: ﴿وَكَانَتْ مِنَ القانتين﴾ . يجوز في «مِن» وجهان: أحدهما: أنها لابتداء الغاية. والثاني: أنها للتبعيض، وقد ذكرهما الزمخشريُّ، فقال: و «مِنْ» للتبعيض، ويجوز أن تكون لابتداء الغاية، على أنها ولدت من القانتين؛ لأنها من أعقاب هارون أخي موسى صلوات الله على نبيِّنا وعليهما وعلى سائر الأنبياء وآلهم. قال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل: ﴿مِنَ القانتين﴾ على التذكير؟ . قلت: القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين فغلب ذكوره على إناثه. ويجوز أن يرجع إلى أهل بيتها، فإنهم كانوا مطيعين لله، والقنوت: الطاعة. وقال عطاء: من المصلّين بين المغرب والعشاء. وعن معاذ بن جبلٍ: «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال لخديجة وهي تجود بنفسها: أتكرهين ما قد نزل بك، وقد جعل اللَّهُ في الكره خيراً، فإذا قدمت على ضراتك فأقرئيهنّ منِّي السَّلام مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم وكليمة - أو قال: حليمة - بنت عمران أخت موسى بن عمران، فقالت: بالرفاء والبنين يا رسول الله» . [قال ابن الأثير: الرفاء والبنين: الالتئام والاتفاق والبركة والنَّماء، وهو مهموز. وذكره الهروي في «المعتلّ» قال: «وهو على معنيين: أحدهما: الاتفاق وحسن الاجتماع، والآخر: من الهدوء والسكون، وأما المهموز فمن قولهم: رَفَأتُ الثَّوب رفاءً، ورفوتُه رفواً» انتهى] . وروى قتادة عن أنس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «حَسْبُكُ مِنْ نِسَاءِ العَالمينَ أربعٌ: مَريَمُ ابْنَةُ عِمرانَ، وخَدِيجَةُ بنتُ خُويْلِدٍ، وفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وآسيةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ امرأةُ فِرْعَونَ» . روى الثعلبي عن أبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿يا أيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ أعطاهُ اللَّهُ تَوْبَةٌ نَصُوحاً» . سورة الملك مكية، وتسمى الواقية، والمنجية، وتدعى في التوراة المانعة؛ لأنها تنقي وتنجي من عذاب القبر.

التحريم 66:11

ثم ضرب اللَّهُ مثلاً للصَّالحات، من النِّساء، فقال: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً﴾ إلى آخره، تقدم الكلام على «ضرب» مع «المَثَل» ، وهل هو بمعنى «صير» أم لا؟ وكيف ينتصب ما بعدها في سورة «النحل» . فصل في ضرب الله لهذا المثل ضرب الله هذا المثل تنبيهاً على أنه لا يغني أحد عن قريب، ولا نسب في الآخرة إذا فرق بينهما الدِّين، وكان اسم امرأة نوح «والهة» ، وامرأة لوط «والغة» ، قاله مقاتل. وقال الضحاكُ عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: إن جبريل نزل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فأخبره أن اسم امرأة نوح «وَاغِلة» وامرأة لوط «والهة» ، ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾ يعني نوحاً ولوطاً. ويجوز أن يكون «امْرَأة نُوحٍ» بدلاً من قوله «مثلاً» على تقدير حذف المضاف، أي: ضرب الله مثلاً مثل امرأة نوح. ويجوزأن يكونا مفعولين. قوله: ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ﴾ . جملة مستأنفة كأنها مفسرة ل «ضَرْبِ المثلِ» ، ولم يأت بضميرهما، فيقال: تحتهما أي: تحت نوح ولوط، لما قصد من تشريفهما بهذه الإضافة الشريفة، وليصفهما بأجَلّ الصِّفات، وهو الصَّلاح. قوله: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ . قال عكرمة، والضحاك: بالكفر. وقال سليمان بن رقية، عن ابن عباس: كانت امرأة تقول للناس: إنه مجنون وامرأة لوط كانت تخبر بأضيافه. وعن ابن عباس: ما بَغَت امرأة نبي قط، وإنما كانت خيانتهما أنهما كانا على غير دينهما. قال القشيريُّ: وهذا إجماع من المفسرين إنما كانت خيانتهما في الدين، وكانتا مشركتين وقيل: كانتا منافقتين. وقيل: خيانتهما النَّميمةُ إذا أوحى الله إليهما شيئاً أفشتاه إلى المشركين، قاله الضحاك. وقيل: كانت امرأة لوط إذا نزل به ضيف دخنت لتعلم قومها أنه قد نزل به ضيف لما كانوا عليه من إتيان الرجال. قوله: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا﴾ . العامة: بالياء من تحت، أي: لم يغن نوح ولوط عن امرأتيهما شيئاً من الإغناء من عذاب الله. وقرأ مبشر بن عبيد: تغنيا - بالتاء من فوق -، أي: فلم تُغْن المرأتان عن أنفسهما. وفيها إشكال إذ يلزم من ذلك تعدي فعل المضمر المتصل إلى ضميره المتصل في غير المواضع المستثناة. وجوابه: أن «عَنْ» هنا اسم كهي في قوله: [الكامل] 4790 - دَعْ عَنْكَ نَهْباً صِيحَ في حَجَراتِهِ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . وقد تقدم هذا والاعتراض عليه بقوله: ﴿وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة﴾ [مريم: 25] ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ [القصص: 32] ، والجواب هناك. فصل في معنى الآية معنى الآية: لم يدفع نوح، ولوط مع كرامتهما على الله تعالى عن زوجتيهما لما عصيا شيئاً من عذاب اللَّه تنبيهاً بذلك على أنَّ العذاب يدفع بالطَّاعة، لا بالوسيلة. وقيل: إن كفار مكة استهزءوا وقالوا: إنَّ محمداً يشفع لنا، فبين تعالى أن الشفاعة لا تنفع كفار «مكة» ، وإن كانوا أقرباء كما لا ينفع شفاعة نوح امرأته، وشفاعة لوط لامرأته مع قربهما له لكفرهما. ﴿وَقِيلَ ادخلا النار مَعَ الداخلين﴾ في الآخرة كما يقال لكفار مكة وغيرهم. قطع الله بهذه الآية طمع من يرتكب المعصية أن ينفعه صلاح غيره، ثم أخبر أن معصية غيره لا تضره إذا كان مطيعاً. قوله: ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ امرأة فِرْعَوْنَ﴾ . واسمها آسية بنت مزاحم. قال يحيى بن سلام: قوله: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ مثل ضربه الله يحذر به عائشة، وحفصة في المخالفة حين تظاهرتا عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم ضرب الله لهما مثلاً بامرأة فرعون ومريم ابنة عمران ترغيباً في التمسك بالطاعة، والثبات على الدين. وقيل: هذا حث للمؤمنين على الصبر في الشدة، أي: لا تكونوا في الصبر عند الشدة أضعف من امرأة فرعون حين صبرت على أذى فرعون. قال المفسرون: لما غلب موسى السحرة آمنت امرأةُ فرعون. وقيل: هي عمة موسى آمنت به، فلما تبين لفرعون إسلامها أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد، وألقاها في الشمس، وألقى عليها صخرة عظيمة، فقالت: «ربِّ نَجِّنِي مِنْ فرعَونَ وعمله» . فرمى بروحها في الجنة، فوقعت الصخرة على جسد لا روح فيه. وقال الحسنُ: رفعها تأكل في الجنة، وتشرب. قال سلمان الفارسي: كانت امرأة فرعون تعذب في الشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة. قوله: ﴿إذْ قَالَتْ رَبِّ﴾ . منصوب ب «ضرب» ، وإن تأخر ظهور الضرب. ويجوز أن ينتصب بالمثل. قوله: ﴿عِندَكَ﴾ . يجوز تعلقه ب «ابْنِ» ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من «بَيْتاً» كان نعته فلما قدم نصب حالاً. و ﴿فِي الجنة﴾ . إما متعلق ب «ابْنِ» وإما بمحذوف على أنه نعت ل «بَيْتاً» . فصل في قصة امرأة فرعون. قال المفسرون: لما كانت تعذب في الشمس، وأذاها حرّ الشمس ﴿قَالَتْ: رَبِّ ابن لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الجنة﴾ فوافق ذلك حضور فرعون، فضحكت حين رأت بيتها في الجنة، فقال فرعون: لا تَعْجبُوا من جُنُونهَا أنَا أعذِّبُها وهي تضحك، فقبض رُوحها. وروي أنه وضع على ظهرها رحى فأطلعها اللَّهُ، حتى رأت مكانها في الجنَّة، وانتزع روحها، فألقيت عليها صخرة بعد خروج روحها فلم تجد ألماً. وقال الحسن وابن كيسان: رفع الله امرأة فرعون إلى الجنة، فهي فيها تأكل، وتشرب، وتتنعم. قوله: ﴿وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ . تعني بالعمل: الكفر. وقيل: «من عمله» ، أي: من عذابه وظلمه. وقال ابن عباس: الجماع. ﴿وَنَجِّنِي مِنَ القوم الظالمين﴾ ، أي: الكافرين. قال الكلبيُّ: أهل «مصر» . وقال مقاتل: القبط. قوله: ﴿وَمَرْيَمَ ابنة عِمْرَانَ﴾ . عطف على ﴿امرأة فِرْعَوْنَ﴾ . ضرب الله المثل للكافرين بامرأتين، وللمؤمنين بامرأتين. وقال أبو البقاء: «ومَرْيَمَ» أي: «واذكر مريم» . وقيل: أو «ومثل مريم» . وقرأ العامة: «ابْنَة» بنصب التاء. وأيوب السختياني: بسكون الهاء، وصلاً، أجرى الوصل مجرى الوقف. والعامة أيضاً: «فَنَفَخْنَا فيْهِ» أي: في الفرجِ. وعبد الله: «فِيْهَا» أي: في الجملة. وقد تقدم في «الأنبياء» مثله. والعامة أيضاً: «وصَدَّقتْ» بتشديد الدال. ويعقوب وقتادة وأبو مجلز، وعاصم في رواية: بتخفيفها، أي: صدقت فيما أخبرت به من أمر عيسى. والعامة على: «بِكَلمَاتِ» جمعاً. والحسن ومجاهد والجحدري: «بِكلمَةِ» بالإفراد. فقيل: المراد بها عيسى؛ لأنه كلمةُ الله. فصل في مريم ابنة عمران ضرب الله مثلاً بمريم ابنة عمران وصبرها على أذى اليهود. وقوله: ﴿التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ عن الفواحش. وقال المفسرون هنا: أراد بالفرج الجيب، لقوله ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ وجبريل - عليه السلام - إنما نفخ في جيبها ولم ينفخ في فرجها. وهي في قراءة أبيٍّ: ﴿فنفخنا في جيبها من روحنا﴾ ، وكل خرق في الثوب يسمى فرجاً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: 6] . ويحتمل أن يكون أحصنت فرجها ونفخ الروح في جيبها. ومعنى «فَنَفَخْنَا» أرسلنا جبريل فنفخ في جيبها «مِنْ رُوحِنَا» أي: روحاً من أرواحنا وهي روح عيسى، وقوله: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ أي: قول جبريل لها: ﴿إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: 19] الآية. وقال مقاتل: يعني بالكلمات عيسى، وأنه نبيّ وعيسى كلمة الله كما تقدم. وقيل: ﴿بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ يعني الشرائع التي شرعها الله للعباد بكلماته المنزلة. قوله: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ . قرأ أهل «البَصْرة» وحفص: «وكُتُبِهِ» على الجمع. وقرأ الأخرون: «وكِتَابِهِ» على التوحيد. والمراد منه الكثرة، فالمراد به الجِنْس، فيكون في معنى كل كتاب أنزله الله تعالى. وقرأ أبو رجاء: «وَكُتْبِهِ» بسكون التاء، وهو تخفيف حسن. وروي عنه: «وكَتْبِهِ» بفتح الكاف. قال أبو الفضل: مصدر وضع موضع الاسم، يعني ومكتوبه. فصل في المراد بالكتب أراد الكتب التي أنزلتْ على إبراهيم، وموسى، وداود، وعيسى. وقوله: ﴿وَكَانَتْ مِنَ القانتين﴾ . يجوز في «مِن» وجهان: أحدهما: أنها لابتداء الغاية. والثاني: أنها للتبعيض، وقد ذكرهما الزمخشريُّ، فقال: و «مِنْ» للتبعيض، ويجوز أن تكون لابتداء الغاية، على أنها ولدت من القانتين؛ لأنها من أعقاب هارون أخي موسى صلوات الله على نبيِّنا وعليهما وعلى سائر الأنبياء وآلهم. قال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل: ﴿مِنَ القانتين﴾ على التذكير؟ . قلت: القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين فغلب ذكوره على إناثه. ويجوز أن يرجع إلى أهل بيتها، فإنهم كانوا مطيعين لله، والقنوت: الطاعة. وقال عطاء: من المصلّين بين المغرب والعشاء. وعن معاذ بن جبلٍ: «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال لخديجة وهي تجود بنفسها: أتكرهين ما قد نزل بك، وقد جعل اللَّهُ في الكره خيراً، فإذا قدمت على ضراتك فأقرئيهنّ منِّي السَّلام مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم وكليمة - أو قال: حليمة - بنت عمران أخت موسى بن عمران، فقالت: بالرفاء والبنين يا رسول الله» . [قال ابن الأثير: الرفاء والبنين: الالتئام والاتفاق والبركة والنَّماء، وهو مهموز. وذكره الهروي في «المعتلّ» قال: «وهو على معنيين: أحدهما: الاتفاق وحسن الاجتماع، والآخر: من الهدوء والسكون، وأما المهموز فمن قولهم: رَفَأتُ الثَّوب رفاءً، ورفوتُه رفواً» انتهى] . وروى قتادة عن أنس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «حَسْبُكُ مِنْ نِسَاءِ العَالمينَ أربعٌ: مَريَمُ ابْنَةُ عِمرانَ، وخَدِيجَةُ بنتُ خُويْلِدٍ، وفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وآسيةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ امرأةُ فِرْعَونَ» . روى الثعلبي عن أبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿يا أيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ أعطاهُ اللَّهُ تَوْبَةٌ نَصُوحاً» . سورة الملك مكية، وتسمى الواقية، والمنجية، وتدعى في التوراة المانعة؛ لأنها تنقي وتنجي من عذاب القبر.

التحريم 66:12

ثم ضرب اللَّهُ مثلاً للصَّالحات، من النِّساء، فقال: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً﴾ إلى آخره، تقدم الكلام على «ضرب» مع «المَثَل» ، وهل هو بمعنى «صير» أم لا؟ وكيف ينتصب ما بعدها في سورة «النحل» . فصل في ضرب الله لهذا المثل ضرب الله هذا المثل تنبيهاً على أنه لا يغني أحد عن قريب، ولا نسب في الآخرة إذا فرق بينهما الدِّين، وكان اسم امرأة نوح «والهة» ، وامرأة لوط «والغة» ، قاله مقاتل. وقال الضحاكُ عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: إن جبريل نزل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فأخبره أن اسم امرأة نوح «وَاغِلة» وامرأة لوط «والهة» ، ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾ يعني نوحاً ولوطاً. ويجوز أن يكون «امْرَأة نُوحٍ» بدلاً من قوله «مثلاً» على تقدير حذف المضاف، أي: ضرب الله مثلاً مثل امرأة نوح. ويجوزأن يكونا مفعولين. قوله: ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ﴾ . جملة مستأنفة كأنها مفسرة ل «ضَرْبِ المثلِ» ، ولم يأت بضميرهما، فيقال: تحتهما أي: تحت نوح ولوط، لما قصد من تشريفهما بهذه الإضافة الشريفة، وليصفهما بأجَلّ الصِّفات، وهو الصَّلاح. قوله: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ . قال عكرمة، والضحاك: بالكفر. وقال سليمان بن رقية، عن ابن عباس: كانت امرأة تقول للناس: إنه مجنون وامرأة لوط كانت تخبر بأضيافه. وعن ابن عباس: ما بَغَت امرأة نبي قط، وإنما كانت خيانتهما أنهما كانا على غير دينهما. قال القشيريُّ: وهذا إجماع من المفسرين إنما كانت خيانتهما في الدين، وكانتا مشركتين وقيل: كانتا منافقتين. وقيل: خيانتهما النَّميمةُ إذا أوحى الله إليهما شيئاً أفشتاه إلى المشركين، قاله الضحاك. وقيل: كانت امرأة لوط إذا نزل به ضيف دخنت لتعلم قومها أنه قد نزل به ضيف لما كانوا عليه من إتيان الرجال. قوله: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا﴾ . العامة: بالياء من تحت، أي: لم يغن نوح ولوط عن امرأتيهما شيئاً من الإغناء من عذاب الله. وقرأ مبشر بن عبيد: تغنيا - بالتاء من فوق -، أي: فلم تُغْن المرأتان عن أنفسهما. وفيها إشكال إذ يلزم من ذلك تعدي فعل المضمر المتصل إلى ضميره المتصل في غير المواضع المستثناة. وجوابه: أن «عَنْ» هنا اسم كهي في قوله: [الكامل] 4790 - دَعْ عَنْكَ نَهْباً صِيحَ في حَجَراتِهِ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . وقد تقدم هذا والاعتراض عليه بقوله: ﴿وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة﴾ [مريم: 25] ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ [القصص: 32] ، والجواب هناك. فصل في معنى الآية معنى الآية: لم يدفع نوح، ولوط مع كرامتهما على الله تعالى عن زوجتيهما لما عصيا شيئاً من عذاب اللَّه تنبيهاً بذلك على أنَّ العذاب يدفع بالطَّاعة، لا بالوسيلة. وقيل: إن كفار مكة استهزءوا وقالوا: إنَّ محمداً يشفع لنا، فبين تعالى أن الشفاعة لا تنفع كفار «مكة» ، وإن كانوا أقرباء كما لا ينفع شفاعة نوح امرأته، وشفاعة لوط لامرأته مع قربهما له لكفرهما. ﴿وَقِيلَ ادخلا النار مَعَ الداخلين﴾ في الآخرة كما يقال لكفار مكة وغيرهم. قطع الله بهذه الآية طمع من يرتكب المعصية أن ينفعه صلاح غيره، ثم أخبر أن معصية غيره لا تضره إذا كان مطيعاً. قوله: ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ امرأة فِرْعَوْنَ﴾ . واسمها آسية بنت مزاحم. قال يحيى بن سلام: قوله: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ مثل ضربه الله يحذر به عائشة، وحفصة في المخالفة حين تظاهرتا عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم ضرب الله لهما مثلاً بامرأة فرعون ومريم ابنة عمران ترغيباً في التمسك بالطاعة، والثبات على الدين. وقيل: هذا حث للمؤمنين على الصبر في الشدة، أي: لا تكونوا في الصبر عند الشدة أضعف من امرأة فرعون حين صبرت على أذى فرعون. قال المفسرون: لما غلب موسى السحرة آمنت امرأةُ فرعون. وقيل: هي عمة موسى آمنت به، فلما تبين لفرعون إسلامها أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد، وألقاها في الشمس، وألقى عليها صخرة عظيمة، فقالت: «ربِّ نَجِّنِي مِنْ فرعَونَ وعمله» . فرمى بروحها في الجنة، فوقعت الصخرة على جسد لا روح فيه. وقال الحسنُ: رفعها تأكل في الجنة، وتشرب. قال سلمان الفارسي: كانت امرأة فرعون تعذب في الشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة. قوله: ﴿إذْ قَالَتْ رَبِّ﴾ . منصوب ب «ضرب» ، وإن تأخر ظهور الضرب. ويجوز أن ينتصب بالمثل. قوله: ﴿عِندَكَ﴾ . يجوز تعلقه ب «ابْنِ» ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من «بَيْتاً» كان نعته فلما قدم نصب حالاً. و ﴿فِي الجنة﴾ . إما متعلق ب «ابْنِ» وإما بمحذوف على أنه نعت ل «بَيْتاً» . فصل في قصة امرأة فرعون. قال المفسرون: لما كانت تعذب في الشمس، وأذاها حرّ الشمس ﴿قَالَتْ: رَبِّ ابن لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الجنة﴾ فوافق ذلك حضور فرعون، فضحكت حين رأت بيتها في الجنة، فقال فرعون: لا تَعْجبُوا من جُنُونهَا أنَا أعذِّبُها وهي تضحك، فقبض رُوحها. وروي أنه وضع على ظهرها رحى فأطلعها اللَّهُ، حتى رأت مكانها في الجنَّة، وانتزع روحها، فألقيت عليها صخرة بعد خروج روحها فلم تجد ألماً. وقال الحسن وابن كيسان: رفع الله امرأة فرعون إلى الجنة، فهي فيها تأكل، وتشرب، وتتنعم. قوله: ﴿وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ . تعني بالعمل: الكفر. وقيل: «من عمله» ، أي: من عذابه وظلمه. وقال ابن عباس: الجماع. ﴿وَنَجِّنِي مِنَ القوم الظالمين﴾ ، أي: الكافرين. قال الكلبيُّ: أهل «مصر» . وقال مقاتل: القبط. قوله: ﴿وَمَرْيَمَ ابنة عِمْرَانَ﴾ . عطف على ﴿امرأة فِرْعَوْنَ﴾ . ضرب الله المثل للكافرين بامرأتين، وللمؤمنين بامرأتين. وقال أبو البقاء: «ومَرْيَمَ» أي: «واذكر مريم» . وقيل: أو «ومثل مريم» . وقرأ العامة: «ابْنَة» بنصب التاء. وأيوب السختياني: بسكون الهاء، وصلاً، أجرى الوصل مجرى الوقف. والعامة أيضاً: «فَنَفَخْنَا فيْهِ» أي: في الفرجِ. وعبد الله: «فِيْهَا» أي: في الجملة. وقد تقدم في «الأنبياء» مثله. والعامة أيضاً: «وصَدَّقتْ» بتشديد الدال. ويعقوب وقتادة وأبو مجلز، وعاصم في رواية: بتخفيفها، أي: صدقت فيما أخبرت به من أمر عيسى. والعامة على: «بِكَلمَاتِ» جمعاً. والحسن ومجاهد والجحدري: «بِكلمَةِ» بالإفراد. فقيل: المراد بها عيسى؛ لأنه كلمةُ الله. فصل في مريم ابنة عمران ضرب الله مثلاً بمريم ابنة عمران وصبرها على أذى اليهود. وقوله: ﴿التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ عن الفواحش. وقال المفسرون هنا: أراد بالفرج الجيب، لقوله ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ وجبريل - عليه السلام - إنما نفخ في جيبها ولم ينفخ في فرجها. وهي في قراءة أبيٍّ: ﴿فنفخنا في جيبها من روحنا﴾ ، وكل خرق في الثوب يسمى فرجاً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: 6] . ويحتمل أن يكون أحصنت فرجها ونفخ الروح في جيبها. ومعنى «فَنَفَخْنَا» أرسلنا جبريل فنفخ في جيبها «مِنْ رُوحِنَا» أي: روحاً من أرواحنا وهي روح عيسى، وقوله: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ أي: قول جبريل لها: ﴿إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: 19] الآية. وقال مقاتل: يعني بالكلمات عيسى، وأنه نبيّ وعيسى كلمة الله كما تقدم. وقيل: ﴿بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ يعني الشرائع التي شرعها الله للعباد بكلماته المنزلة. قوله: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ . قرأ أهل «البَصْرة» وحفص: «وكُتُبِهِ» على الجمع. وقرأ الأخرون: «وكِتَابِهِ» على التوحيد. والمراد منه الكثرة، فالمراد به الجِنْس، فيكون في معنى كل كتاب أنزله الله تعالى. وقرأ أبو رجاء: «وَكُتْبِهِ» بسكون التاء، وهو تخفيف حسن. وروي عنه: «وكَتْبِهِ» بفتح الكاف. قال أبو الفضل: مصدر وضع موضع الاسم، يعني ومكتوبه. فصل في المراد بالكتب أراد الكتب التي أنزلتْ على إبراهيم، وموسى، وداود، وعيسى. وقوله: ﴿وَكَانَتْ مِنَ القانتين﴾ . يجوز في «مِن» وجهان: أحدهما: أنها لابتداء الغاية. والثاني: أنها للتبعيض، وقد ذكرهما الزمخشريُّ، فقال: و «مِنْ» للتبعيض، ويجوز أن تكون لابتداء الغاية، على أنها ولدت من القانتين؛ لأنها من أعقاب هارون أخي موسى صلوات الله على نبيِّنا وعليهما وعلى سائر الأنبياء وآلهم. قال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل: ﴿مِنَ القانتين﴾ على التذكير؟ . قلت: القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين فغلب ذكوره على إناثه. ويجوز أن يرجع إلى أهل بيتها، فإنهم كانوا مطيعين لله، والقنوت: الطاعة. وقال عطاء: من المصلّين بين المغرب والعشاء. وعن معاذ بن جبلٍ: «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال لخديجة وهي تجود بنفسها: أتكرهين ما قد نزل بك، وقد جعل اللَّهُ في الكره خيراً، فإذا قدمت على ضراتك فأقرئيهنّ منِّي السَّلام مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم وكليمة - أو قال: حليمة - بنت عمران أخت موسى بن عمران، فقالت: بالرفاء والبنين يا رسول الله» . [قال ابن الأثير: الرفاء والبنين: الالتئام والاتفاق والبركة والنَّماء، وهو مهموز. وذكره الهروي في «المعتلّ» قال: «وهو على معنيين: أحدهما: الاتفاق وحسن الاجتماع، والآخر: من الهدوء والسكون، وأما المهموز فمن قولهم: رَفَأتُ الثَّوب رفاءً، ورفوتُه رفواً» انتهى] . وروى قتادة عن أنس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «حَسْبُكُ مِنْ نِسَاءِ العَالمينَ أربعٌ: مَريَمُ ابْنَةُ عِمرانَ، وخَدِيجَةُ بنتُ خُويْلِدٍ، وفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وآسيةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ امرأةُ فِرْعَونَ» . روى الثعلبي عن أبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿يا أيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ أعطاهُ اللَّهُ تَوْبَةٌ نَصُوحاً» . سورة الملك مكية، وتسمى الواقية، والمنجية، وتدعى في التوراة المانعة؛ لأنها تنقي وتنجي من عذاب القبر.

الملك 67:1

وعن ابن شهاب: أنه كان يسميها المجادلة؛ لأنها تجادل عن صاحبها في القبر. وهي ثلاثون آية، وثلاثمائة كلمة، وألف وثلاثمائة حرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك﴾ . «تبارك» تفاعل من البركة وقد تقدم. وقال الحسنُ: تقدّس. وقيل: دام، فهو الدائم الذي لا أول لوجوده، ولا آخر لدوامه ﴿الذي بِيَدِهِ الملك﴾ أي: ملكُ السموات والأرض في الدنيا والآخرة. وقال ابن عبَّاس: ﴿بِيَدِهِ الملك﴾ : يعزّ من يشاء، ويذل من يشاء، ويُحيي ويميت، ويغني ويفقر، ويعطي ويمنع. قال ابن الخطيب: هذه اللفظة تستعمل لتأكيد كونه - تعالى - ملكاً ومالكاً كما يقال: بيد فلان الأمر، والنهي، والحل والعقد، ولا مدخل للجارحة. قال الزمخشريُّ: ﴿بِيَدِهِ الملك﴾ كل موجود، وهو على كل ما لم يوجد قدير: قوله: ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . يدل على أن المعدوم شيء؛ لأن قدرة الله لا تتعلق بالموجود؛ لأن القدرة مؤثرة، والعدم نفي محض، فلا يكون أثراً لها، فوجب أن يكون المعدوم شيئاً. فصل في أنه لا مؤثر إلا قدرة الله احتج أهل السنة بهذه الآية على أنه لا مؤثر إلا قدرة الله، وأبطلوا القول بالطَّبائع كقول الفلاسفة، وأبطلوا القول بالمتولدات كقول المعتزلة، وأبطلوا القول بكون العبد موجوداً لأفعالٍ نفسيةٍ، لقوله: ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . فصل في وحدانية الله دلّت هذه الآية على الوحدانية؛ لأنا لو قدرنا إلهاً ثانياً، فإما أن يقدر على إيجاد الشيء أولاً، فإن لم يقدر على إيجاد شيء لم يكن إلهاً، وإن قدر كان مقدور ذلك الإله الثاني شيئاً، فيلزم كون ذلك للإله الأول لقوله ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيلزم وقوع مخلوق من خالقين، وهو محال؛ لأنه إذا كان كل واحد منهما مستقلاً بالإيجاد، ويلزم أن يستغنى بكلّ واحد منهما عن كل واحد منهما، فيكون محتاجاً إليهما وغنياً عنهما وذلك محال. فصل في الرد على جهم احتج جهم بهذه الآية على أنه تعالى ليس بشيء، فقال: لوكان شيئاً لكان قادراً على نفسه لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لكن كونه قادراً على نفسه محال، فيمتنع كونه شيئاً. والجواب: لما دلّ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله﴾ [الأنعام: 109] على أنه - تعالى - شيء وجب تخصيص هذا العموم، فإذن دلّت هذه الآيةُ على أنَّ العامَّ المخصوص واردٌ في كتاب الله تعالى، ودلت على أن تخصيص العام بدليل العقل جائز، بل واقع. قوله: ﴿الذي خَلَقَ الموت والحياة﴾ . قيل: خَلَق الموت في الدنيا، والحياة في الآخرة، وقدم الموت على الحياة، لأن الموت إلى القهر أقرب، كما قدم البنات على البنين فقال: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً﴾ [الشورى: 49] . وقيل: قدمه؛ لأنه أقدم، لأن الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموت كالنُّطف والتراب ونحوه. وقال قتادة: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «إنَّ اللَّه تعالى أذلَّ بَنِي آدَمَ بالموتِ، وجَعلَ الدُّنْيَا دَار حياةٍ ثُمَّ دَارَ مَوْتٍ، وجَعَل الآخِرةَ دَارَ جزاءٍ، ثُمَّ دَارَ بَقَاءٍ» . وعن أبي الدَّرداء أن نبيَّ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لَوْلاَ ثلاثٌ ما طَأطَأ ابنُ آدَمَ رَأسهُ: الفَقْرُ، والمَرَضُ والمَوتُ» . وقيل: إنما قدم الموت على الحياة؛ لأن من نصب الموت بين عينيه، كان أقوى الدواعي له إلى العمل الصالح. قال ابن الخطيب: قالوا: الحياة هي الصفة التي يكون الموصوف بها بحيث يصح أن يعلم ويقدر، واختلفوا في الموت. فقيل: إنه عبارة عن عدم هذه الصفة، وقال أصحابنا: إنه صفة وجودية مضادة للحياة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿الذي خَلَقَ الموت﴾ والعدم لا يكون مخلوقاً، وهذا هو التحقيق. وروى الكلبي عن ابن عبَّاسٍ: أن الله - تعالى - خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء، ولا يجد رائحته شيء إلاَّ مات، وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء فوق الحمار ودون البَغْل لا تمر بشيء، ولا يجد رائحتها شيء إلا حيي على ما سيأتي. قال ابن الخطيب: وهذا لا بد وأن يكون مقولاً على سبيل التمثيل، والتصوير، وإلا فالتحقيق ما ذكرنا. فصل في الموت والحياة حكى ابنُ عباس، والكلبي ومقاتلٌ: أن الموت والحياة يجسمان، فالموت في هيئة كبْش لا يمر بشيء، ولا يجد ريحه إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاءَ وهي التي كان جبريل والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يركبونها، خطوتُها أمدُ البصر فوق الحمار ودون البغل، لا تمر بشيء يجد ريحاً إلا يحيى، ولا تطأ على شيء إلا حيي، وهي التي أخذ السَّامري من أثرها، فألقاها على العِجْل فحيي. حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس، والماوردي معناه عن مقاتل والكلبي. وعن مقاتل: «خَلَقَ المَوْتَ» يعني: النُّطفة والعلقة والمُضغة، وخلق الحياة، يعني خلق إنساناً، ونفخ فيه الروح، فصار إنساناً. قال القرطبيُّ: وهذا حسن، يدل عليه قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ . قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ . متعلق ب «خلق» . وقوله: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ تقدم مثله في أول «هود» [الآية 7] . وقال الزمخشريُّ هنا: «فإن قلت: من أين تعلق قوله ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ، بفعل البلوى؟ قلت: من حيث إنه تضمن معنى العلم، فكأنه قيل: ليعلمكم أيكم أحسن عملاً، وإذا قلت: علمته أزيد أحسن عملاً أم هو؟ كانت هذه الجملة واقعة موقع الثَّاني من مفعوليه كما تقول: علمته هو أحسن عملاً، فإن قلت: أتسمي هذا تعليقاً؟ . قلت: لا، إنما التعليق أن يقع بعده ما يسد مسدَّ المفعولين جميعاً، كقولك: علمت أيهما عمرو، وعلمت أزيد منطلق، ألا ترى أنه لا فرق بعد سبق أحد المفعولين بين أن يقع ما بعده مصدراً بحرف الاستفهام وغير مصدر به، ولو كان تعليقاً لافترقت الحالتان كما افترقتا في قولك: عَلِمْتُ أزيدٌ منطلق، وعلمت زيداً منطلقاً» . قال شهاب الدين: «وهذا الذي منع تسميته تعليقاً سماه به غيره ويجعلون تلك الجملة في محل ذلك الاسم الذي يتعدى إليه ذلك الفعل، فيقولون في:» عَرفتُ أيُّهُمْ منطلقٌ «: إن الجملة الاستفهامية في محل نصب على إسقاط الخافضِ؛ لأن» نظر «يتعدى به» . فصل في اللام في قوله: ليبلوكم قال الزَّجَّاجُ: اللام في «لِيَبْلوَكُمْ» تتعلق بخلقِ الحياة، لا بخلق الموت. وقال الفراء والزجاج أيضاً: لم تقع البلوى على «أي» لأن فيما بين البلوى و «أي» إضمار فعل كما تقول: «بَلوْتُكمْ لأنْظُر أيكم أطوع» ، ومثله قوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: 40] ، أي: سلهم، ثم انظر أيهم فأيهم، رفع بالابتداء، والمعنى: ليبلوكم ليعلم، أو فينظر أيكم أحسن عملاً. قال ابن الخطيب: «أيُّكُمْ» مبتدأ، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. فصل في الابتلاء الابتلاءُ: هو التجربة، والامتحان، حتى يعلم أنه هل يطيع، أو يعصي، وذلك في حق العالم بجميع المعلومات مُحَال، وقد تقدم تحقيق هذه المسألة في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 124] . والحاصل أن الابتلاء من الله هو أن يعامل عبده معاملة تشبه المختبر. فصل في تفسير الآية قال السديُّ في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ أي: أكثر للموت ذكراً وأحسن استعداداً وأشد خوفاً وحذراً. وقال ابن عمر: «تلا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ﴿تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك﴾ حتَّى بلغ ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ فقال:» أورعُ عن محَارمِ اللَّهِ، وأسرعُ في طاعةِ اللَّهِ «» . وقيل: يعاملكم معاملة المختبر، فيبلو العبد بموت من يعز عليه ليبين صبره، وبالحياة ليبين شكره. وقيل: خلق الله الموت للبعث، والجزاء، وخلق الحياة للابتلاء «وهُوَ العَزِيزُ» في انتقامهِ ممن عصاه «الغَفُورُ» لمن تاب. فصل فيمن قالوا: إن فعل الله يكون لغرض احتج القائلون بأنه تعالى يفعل الفعل لغرض بقوله: «ليَبْلُوكُمْ» قالوا: وهذه اللام للغرض كقوله تعالى ﴿إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ، والجواب: أن الفعل في نفسه ليس بالابتلاء، إلا أنه لما أشبه الابتلاء سمي به مجازاً، فكذلك هاهنا، إنه يشبه الغرض، وإن لم يكن في نفسه غرضاً فقدم حرف الغرضِ. قوله: ﴿الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً﴾ . يجوز أن يكون الموصول تابعاً للعزيز الغفُورِ، نعتاً، أو بياناً أو بدلاً. وأن يكون منقطعاً عنه خبر مبتدأ، أو مفعول فعل مقدر. وقوله: «طِباقَاً» صفة ل «سَبْعَ» ، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه جمع طبق، نحو: جبل وجبال. والثاني: أنه جمع طبقة، نحو: رحبة ورحاب. والثالث: أنه مصدر طابق، يقال: طَابَقَ مُطابَقَةَ وطِبَاقاً. ثم إما أن تجعل نفس المصدر مبالغة، وإما على حذف مضاف، أي: ذات طباق، وإما أن ينتصب على المصدر بفعل مقدر، أي: طوبقت طباقاً. من قولهم: طابق الفعل، أي: جعله طبقةً فوق أخرى. روي عن ابن عباس: «طِبَاقاً» ، أي: بعضها فوق بعض، والملتصق منها أطرافها. قال القرطبيُّ: وقيل: مصدر بمعنى المطابقة، أي: خلق سبع سمواتٍ، ويطبقها تطبيقاً أو مطابقة على طوبقت طباقاً؛ لأنه مفعول ثان، فيكون «خَلَقَ» بمعنى جعل وصيّر. وقال أبان بن تغلب: سمعت بعض الأعراب يذم رجلاً، فقال: شره طباق، وخيره غير باق. ويجوز في غير القرآن «سَبْعَ سماواتٍ طباقٍ» بالخفض على النَّعت ل «سماواتٍ» نظيره: ﴿وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ﴾ [يوسف: 42] . فصل في الدلالة على القدرة قال ابن الخطيب: دلّت هذه الآية على القدرة من وجوه. أحدها: من حيث بقاؤها في جو الهواء متعلقة بلا عماد ولا سلسلة. وثانيها: من حيث إن كل واحد منها اختصّ بمقدار معين مع جواز ما هو أزيد منه وأنقص. وثالثها: أنه اختص كل واحد منها بحركة خاصة مقدرة بقدر معين من السرعة، والبطء إلى جهة معينة. ورابعها: كونها في ذواتها محدثة، وكل ذلك يدل على إسنادها إلى قادر تام القدرة. قوله ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ﴾ . «تَفاوتٍ» هو مفعول «ترى» و «مِنْ» مزيدة فيه. وقرأ الأخوان: «تَفَوُّت» بتشديد الواو دون ألف. قال القرطبيُّ: «وهي قراءة ابن مسعود وأصحابه» . والباقون: بتخفيفها بعد ألف، وهما لغتان بمعنى واحد، كالتعهُّد والتَّعاهد والتَّظاهر والتَّظهُّر والتَّصغُّر والتَّصاغُر والتَّحمُّل والتَّحامُل والتَّضاعف والتضعف والتَّباعد والتبعُّد، قاله الفرَّاء. وقال الأخفش: «تَفَاوُتٍ» أجود؛ لأنهم يقولون: تفاوت الأمر، ولا يكادون يقولون: «تفوت» . واختيار أبي عبيد: «تفوت» ، يقال: تفاوت الشيء إذا فات. واحتج بما روي في الحديث: أنَّ رجُلاً تفوَّت على أبيهِ في مالهِ. وقال عبد الرحمن بن أبي بكر: «أمثلي يتفوت عليه في ماله» . قال النحاس: وهذا مردود على أبي عبيد، لأن «يتفوت» أي: يضاف في الحديث، «تفاوُتٍ» في الآية أشبه، كما يقال: تباين، تفاوت الأمر إذا تباين، أو تباعد، أي: فات بعضها بعضاً نقله القرطبي. وحكى أبو زيد: تفاوت الشَّيء تفاوُتاً بضم الواو وفتحها وكسرها. [والقياس] : الضَّمُّ كالتقابل، والفتح والكسر شاذان. والتفاوت: عدم التناسب؛ لأن بعض الأجزاء يفوت الآخر، وهذ الجملة المنفية صفة لقوله: «طِبَاقاً» وأصلها: ما ترى فيهن، فوضع مكان الضمير. قوله: ﴿ما ترى في خلقِ الرَّحمنِ﴾ تعظيماً لخلقهن، وتنبيهاً على سببب سلامتهن، وهو أنه خلق الرحمن، قاله الزمخشري. وظاهر هذا أنها صفة ل «طِبَاقاً» ، وقام الظاهر فيها مقام المضمر، وهذا إنما يعرف في خبر المبتدأ، وفي الصلة على خلاف فيهما وتفصيل. وقال أبو حيَّان: الظَّاهر أنه مستأنفٌ، وليس بظاهر لانفلات الكلام بعضه من بعض، و «خَلق» مصدر مضاف لفاعله والمفعول محذوف، أي: في خلق الرحمن السماواتِ، أو كل مخلوق، وهو أولى ليعم، وإن كان السياق مرشداً للأول. فصل في معنى الآية والمعنى ما ترى في خلق الرحمن من اعوجاج، ولا تناقض، ولا تباين، بل هي مستقيمة مستوية دالة على خالقها، وإن اختلفت صوره وقيل: المراد بذلك السماوات خاصة، أي: ما ترى في خلق السماوات من عيب، وأصله من الفوت، وهو أن يفوت شيء شيئاً، فيقع الخَلَل لعدم استوائها يدل عليه قول ابن عباس: من تفرق. وقال السديُّ: «مِنْ تفَاوُتٍ» أي: من اختلاف، وعيب بقول الناظر: لو كان كذا كان أحسن. وقيل: «التفاوت» الفطور، لقوله بعد ذلك: ﴿فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ﴾ ، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: 65] . قال القفَّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ويحتمل أن يكون المعنى: ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ﴾ في الدلالة على حكم الصانع، وأنه لم يخلقها عبثاً. فصل في الخطاب في الآية لمن؟ الخطاب في قوله تعالى: ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ﴾ إما للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أو لكل مخاطب، وكذا القول في قوله ﴿فارجع البصر﴾ ، ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ﴾ . فصل فيما تدل عليه الآية دلت هذه الآية على كمال علم اللَّه، وذلك أن الحسّ دل على أن هذه السماوت السبع أجسام مخلوقة على وجه الإحكام والإتقان، وكل فاعلٍ كان فعله محكماً متقناً، فلا بد وأن يكون عالماً، فدلت الآيةُ على كونه - تعالى - عالماً بالمعلومات بقوله: ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ﴾ إشارة إلى كونها محكمة متقنة. فصل فيمن اعتبر المعاصي ليست من خلق الله احتج الكعبيُّ بهذه الآية على أن المعاصي ليست من خلق الله، قال: - لأنه تعالى - نفى التَّفاوت عن خلقهِ، وليس المرادُ نفي التفاوت في الصغر والكبر والنقص، والعيب، فوجب حمله على نفي التفاوت بين خلقه من حيث الحكمة، فدل من هذا الوجه على أنَّ أفعال العبادِ ليست من خلقه لما فيها من التَّفاوت الذي بعضه جهل، وبعضه سفه. والجواب: أنا نحمله على أن لا تفاوت فيها بالنسبة إليه من حيث إنَّ الكُلَّ يصح عنه بحسب القدرة والإرادة والداعية، وأنه لا يقبح منه شيء أصلاً. فصل في السموات السَّبع روى البغويُّ عن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه قال: السماء الدنيا موج مكفوف، والثانية: مرمرة بيضاء، والثالثة: حديد، والرابعة، صُفْرٌ، وقال: نحاس، والخامسة: فضّة، والسادسة: ذهب، والسَّابعة: ياقوتة حمراء، وبين السماء السَّابعة إلى الحجب السبعة صحارى من نور. قوله ﴿فارجع البصر﴾ . مسبب عن قوله ﴿مَّا ترى﴾ . و «كرتَيْنِ» نصب على المصدر كمرتين، وهو مثنّى لا يراد به حقيقته، بل التكثير بدليل قوله: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: مزدجراً وهو كليل، وهذان الوصفان لا يأتيان بنظرتين، ولا ثلاث، وإنما المعنى كرات، وهذا كقولهم: «لَبَّيْك وسعْديْكَ وحنَانيْكَ، ودَوالَيْك، وهَذَاذَيْكَ» لا يريدون بهذه التثنية تشفيع الواحد، إنما يريدون التكثير أي: إجابة لك بعد أخرى. وإلا تناقض الغرض، والتثنية تفيد التكثير لقرينة كما يفيده أصلها وهو العطف لقرينة؛ كقوله: [البسيط] 4791 - لَوْ عُدَّ قَبْرٌ وقَبْرٌ كانَ أكْرمَهُمْ..... ... ... ... ... ... ... . . أي: قبور كثيرة ليتم المدح. وقال ابن عطية: «كَرَّتَيْنِ» معناه: مرتين، ونصبها على المصدر. وقيل: الأولى ليرى حسنها، واستواءها، والثانية لينظر كواكبها في سيرها، وانتهائها وهذا بظاهره يفهم التثنية فقط. قوله: ﴿هَلْ ترى مِن فُطُورٍ﴾ . هذه الجملة يجوز أن تكون متعلقة لفعل محذوف يدلّ عليه «فارْجعِ البصَرَ» مضمناً معنى «انظُر» ؛ لأنه بمعناه، فيكون هو المعلق. وأدغم أبو عمرو: لام «هَلْ» في التاء هنا وفي «الحَاقَّة» ، وأظهرهما الباقون، وهو المشهور في اللغة. والفطور: جمع فطرٍ، وهو الشَّقُّ، يقال: فطره فانفطر، ومنه: فطر ناب البعير، كما يقال: شقّ، ومعناه: شق اللحم وطلع. قال المفسرون: «الفُطُور» الصُّدوع والشُّقوق؛ قال الشاعر: [الوافر] 4792 - شَقَقْتِ القَلْبَ ثُمَّ ذَرَرْتِ فِيهِ ... هَواكِ فَلِيطَ فالتأمَ الفُطُورُ قوله: «ينقلبْ» . العامة: على جزمه على جواب الأمرِ. والكسائي في رواية برفعه. وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون حالاً مقدرة. والثاني: أنه على حذف الفاءِ، أي: فينقلب. و «خَاسِئاً» حال وقوله: «وهُو حَسِيرٌ» حال، إما من صاحب الأولى، وإما من الضمير المستتر في الحال قبلها، فتكون متداخلة. وقد تقدّمتا «خاسئاً» و «حسير» في «المؤمنين» و «الأنبياء» . فصل في تفسير الآية لما قال: ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ﴾ كأنه قال بعده: ولعلك لا تحكم بمقتضى ذلك البصر الواحد، ولا يعتمد عليه لاحتمال وقوع الغلطِ في النظرة الواحدة، ولكن ارجع البصر، واردد النظر مرة أخرى، حتى يتيقّن لك أنه ليس في خلق الرحمن من تفاوت ألبتَّة. قال القرطبي: أمر أن ينظر في خلقه ليعتبروا به، ويتفكَّروا في قدرته، فقال: ﴿فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ﴾ أي: اردُدْ طرفك إلى السماء، ويقال: قلَّب بصره في السماء، ويقال: اجتهد بالنَّظر إلى السَّماء، والمعنى متقارب، وإنما قال: «فارْجع» - بالفاء - وليس قبله فعل مذكُور؛ لأنه قال: «مَا تَرَى» والمعنى: انظر، ثم ارجع البصر هل ترى من فُطورٍ، قاله قتادة. قال مجاهد والضحاك: و «الفطور» الشقوق. وقال قتادة: من خلل. وقال السديُّ: من خروق. وقال ابن عبَّاس: مِنْ وهَنٍ. وقوله: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ في موضع المصدر؛ لأن معناه: رجعتين. لأن الإنسان إذا نظر في الشَّيء مرتين ترى عينه ما لم تنظره مرة أخرى، فأخبر تعالى أنه وإن نظر إلى السماء مرَّتين لا يرى فيها عيباً، بل يتحيّر بالنظر إليها. وقال ابن الخطيب: «معناه أنك إذا كررت نظرك لم يرجع إليك بصرك بما طلبته من وجدان الخلل، والعيب، بل يرجع إليك» خَاسِئاً «أي: مبعداً صاغراً عن أن يرى شيئاً من ذلك من قولك: خسأت الكلب إذا باعدته، وطردته» . وخسأ الكلب بنفسه، يتعدى ولا يتعدَّى، وانخسأ الكلب أيضاً، وخسأ بصره أيضاً خَسْأً وخسوءاً، أي: ستر. قال ابن عبَّاسٍ: الخاسىء الذي لم يرَ ما يهوى. وقال المبردُ هاهنا: الخاسىء المبعد المصغر. وقوله: «وهُو حَسِيرٌ» أي: قد بلغ الغاية في الإعياء، فهو بمعنى «فاعل» من الحسور الذي هو الإعياء، ويجوز أن يكون مفعولاً من حسرهُ بعدُ الشيء وهو معنى قول ابن عبَّاسٍ؛ ومنه قول الشاعر: [البسيط] 4793 - مَنْ مَدَّ طَرْفاً إلى ما فَوْقَ غَايَتِهِ ... إرتدَّ خَسْآنَ مِنهُ الطَّرْفُ قَدْ حُسِرَا يقال: حسر بصره يحسر حسوراً، أي: كلَّ وانقطع نظره من طول مدى، وما أشبه ذلك، فهو حسير ومحسور أيضاً. قال الشاعر: [الطويل] 4794 - نَظَرْتُ إليْهَا بالمُحَصَّبِ مِنْ مِنَى ... فعَادَ إليَّ الطَّرْفُ وهوَ حَسِيرُ وقيل هو النادم؛ قال: [الرمل] 4795 - مَا أنَا اليَوْمَ على شَيْءٍ خَلاَ ... يَا بْنَةَ القَيْنِ تولَّى بِحَسِرْ

الملك 67:2

وعن ابن شهاب: أنه كان يسميها المجادلة؛ لأنها تجادل عن صاحبها في القبر. وهي ثلاثون آية، وثلاثمائة كلمة، وألف وثلاثمائة حرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك﴾ . «تبارك» تفاعل من البركة وقد تقدم. وقال الحسنُ: تقدّس. وقيل: دام، فهو الدائم الذي لا أول لوجوده، ولا آخر لدوامه ﴿الذي بِيَدِهِ الملك﴾ أي: ملكُ السموات والأرض في الدنيا والآخرة. وقال ابن عبَّاس: ﴿بِيَدِهِ الملك﴾ : يعزّ من يشاء، ويذل من يشاء، ويُحيي ويميت، ويغني ويفقر، ويعطي ويمنع. قال ابن الخطيب: هذه اللفظة تستعمل لتأكيد كونه - تعالى - ملكاً ومالكاً كما يقال: بيد فلان الأمر، والنهي، والحل والعقد، ولا مدخل للجارحة. قال الزمخشريُّ: ﴿بِيَدِهِ الملك﴾ كل موجود، وهو على كل ما لم يوجد قدير: قوله: ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . يدل على أن المعدوم شيء؛ لأن قدرة الله لا تتعلق بالموجود؛ لأن القدرة مؤثرة، والعدم نفي محض، فلا يكون أثراً لها، فوجب أن يكون المعدوم شيئاً. فصل في أنه لا مؤثر إلا قدرة الله احتج أهل السنة بهذه الآية على أنه لا مؤثر إلا قدرة الله، وأبطلوا القول بالطَّبائع كقول الفلاسفة، وأبطلوا القول بالمتولدات كقول المعتزلة، وأبطلوا القول بكون العبد موجوداً لأفعالٍ نفسيةٍ، لقوله: ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . فصل في وحدانية الله دلّت هذه الآية على الوحدانية؛ لأنا لو قدرنا إلهاً ثانياً، فإما أن يقدر على إيجاد الشيء أولاً، فإن لم يقدر على إيجاد شيء لم يكن إلهاً، وإن قدر كان مقدور ذلك الإله الثاني شيئاً، فيلزم كون ذلك للإله الأول لقوله ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيلزم وقوع مخلوق من خالقين، وهو محال؛ لأنه إذا كان كل واحد منهما مستقلاً بالإيجاد، ويلزم أن يستغنى بكلّ واحد منهما عن كل واحد منهما، فيكون محتاجاً إليهما وغنياً عنهما وذلك محال. فصل في الرد على جهم احتج جهم بهذه الآية على أنه تعالى ليس بشيء، فقال: لوكان شيئاً لكان قادراً على نفسه لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لكن كونه قادراً على نفسه محال، فيمتنع كونه شيئاً. والجواب: لما دلّ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله﴾ [الأنعام: 109] على أنه - تعالى - شيء وجب تخصيص هذا العموم، فإذن دلّت هذه الآيةُ على أنَّ العامَّ المخصوص واردٌ في كتاب الله تعالى، ودلت على أن تخصيص العام بدليل العقل جائز، بل واقع. قوله: ﴿الذي خَلَقَ الموت والحياة﴾ . قيل: خَلَق الموت في الدنيا، والحياة في الآخرة، وقدم الموت على الحياة، لأن الموت إلى القهر أقرب، كما قدم البنات على البنين فقال: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً﴾ [الشورى: 49] . وقيل: قدمه؛ لأنه أقدم، لأن الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموت كالنُّطف والتراب ونحوه. وقال قتادة: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «إنَّ اللَّه تعالى أذلَّ بَنِي آدَمَ بالموتِ، وجَعلَ الدُّنْيَا دَار حياةٍ ثُمَّ دَارَ مَوْتٍ، وجَعَل الآخِرةَ دَارَ جزاءٍ، ثُمَّ دَارَ بَقَاءٍ» . وعن أبي الدَّرداء أن نبيَّ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لَوْلاَ ثلاثٌ ما طَأطَأ ابنُ آدَمَ رَأسهُ: الفَقْرُ، والمَرَضُ والمَوتُ» . وقيل: إنما قدم الموت على الحياة؛ لأن من نصب الموت بين عينيه، كان أقوى الدواعي له إلى العمل الصالح. قال ابن الخطيب: قالوا: الحياة هي الصفة التي يكون الموصوف بها بحيث يصح أن يعلم ويقدر، واختلفوا في الموت. فقيل: إنه عبارة عن عدم هذه الصفة، وقال أصحابنا: إنه صفة وجودية مضادة للحياة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿الذي خَلَقَ الموت﴾ والعدم لا يكون مخلوقاً، وهذا هو التحقيق. وروى الكلبي عن ابن عبَّاسٍ: أن الله - تعالى - خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء، ولا يجد رائحته شيء إلاَّ مات، وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء فوق الحمار ودون البَغْل لا تمر بشيء، ولا يجد رائحتها شيء إلا حيي على ما سيأتي. قال ابن الخطيب: وهذا لا بد وأن يكون مقولاً على سبيل التمثيل، والتصوير، وإلا فالتحقيق ما ذكرنا. فصل في الموت والحياة حكى ابنُ عباس، والكلبي ومقاتلٌ: أن الموت والحياة يجسمان، فالموت في هيئة كبْش لا يمر بشيء، ولا يجد ريحه إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاءَ وهي التي كان جبريل والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يركبونها، خطوتُها أمدُ البصر فوق الحمار ودون البغل، لا تمر بشيء يجد ريحاً إلا يحيى، ولا تطأ على شيء إلا حيي، وهي التي أخذ السَّامري من أثرها، فألقاها على العِجْل فحيي. حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس، والماوردي معناه عن مقاتل والكلبي. وعن مقاتل: «خَلَقَ المَوْتَ» يعني: النُّطفة والعلقة والمُضغة، وخلق الحياة، يعني خلق إنساناً، ونفخ فيه الروح، فصار إنساناً. قال القرطبيُّ: وهذا حسن، يدل عليه قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ . قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ . متعلق ب «خلق» . وقوله: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ تقدم مثله في أول «هود» [الآية 7] . وقال الزمخشريُّ هنا: «فإن قلت: من أين تعلق قوله ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ، بفعل البلوى؟ قلت: من حيث إنه تضمن معنى العلم، فكأنه قيل: ليعلمكم أيكم أحسن عملاً، وإذا قلت: علمته أزيد أحسن عملاً أم هو؟ كانت هذه الجملة واقعة موقع الثَّاني من مفعوليه كما تقول: علمته هو أحسن عملاً، فإن قلت: أتسمي هذا تعليقاً؟ . قلت: لا، إنما التعليق أن يقع بعده ما يسد مسدَّ المفعولين جميعاً، كقولك: علمت أيهما عمرو، وعلمت أزيد منطلق، ألا ترى أنه لا فرق بعد سبق أحد المفعولين بين أن يقع ما بعده مصدراً بحرف الاستفهام وغير مصدر به، ولو كان تعليقاً لافترقت الحالتان كما افترقتا في قولك: عَلِمْتُ أزيدٌ منطلق، وعلمت زيداً منطلقاً» . قال شهاب الدين: «وهذا الذي منع تسميته تعليقاً سماه به غيره ويجعلون تلك الجملة في محل ذلك الاسم الذي يتعدى إليه ذلك الفعل، فيقولون في:» عَرفتُ أيُّهُمْ منطلقٌ «: إن الجملة الاستفهامية في محل نصب على إسقاط الخافضِ؛ لأن» نظر «يتعدى به» . فصل في اللام في قوله: ليبلوكم قال الزَّجَّاجُ: اللام في «لِيَبْلوَكُمْ» تتعلق بخلقِ الحياة، لا بخلق الموت. وقال الفراء والزجاج أيضاً: لم تقع البلوى على «أي» لأن فيما بين البلوى و «أي» إضمار فعل كما تقول: «بَلوْتُكمْ لأنْظُر أيكم أطوع» ، ومثله قوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: 40] ، أي: سلهم، ثم انظر أيهم فأيهم، رفع بالابتداء، والمعنى: ليبلوكم ليعلم، أو فينظر أيكم أحسن عملاً. قال ابن الخطيب: «أيُّكُمْ» مبتدأ، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. فصل في الابتلاء الابتلاءُ: هو التجربة، والامتحان، حتى يعلم أنه هل يطيع، أو يعصي، وذلك في حق العالم بجميع المعلومات مُحَال، وقد تقدم تحقيق هذه المسألة في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 124] . والحاصل أن الابتلاء من الله هو أن يعامل عبده معاملة تشبه المختبر. فصل في تفسير الآية قال السديُّ في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ أي: أكثر للموت ذكراً وأحسن استعداداً وأشد خوفاً وحذراً. وقال ابن عمر: «تلا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ﴿تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك﴾ حتَّى بلغ ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ فقال:» أورعُ عن محَارمِ اللَّهِ، وأسرعُ في طاعةِ اللَّهِ «» . وقيل: يعاملكم معاملة المختبر، فيبلو العبد بموت من يعز عليه ليبين صبره، وبالحياة ليبين شكره. وقيل: خلق الله الموت للبعث، والجزاء، وخلق الحياة للابتلاء «وهُوَ العَزِيزُ» في انتقامهِ ممن عصاه «الغَفُورُ» لمن تاب. فصل فيمن قالوا: إن فعل الله يكون لغرض احتج القائلون بأنه تعالى يفعل الفعل لغرض بقوله: «ليَبْلُوكُمْ» قالوا: وهذه اللام للغرض كقوله تعالى ﴿إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ، والجواب: أن الفعل في نفسه ليس بالابتلاء، إلا أنه لما أشبه الابتلاء سمي به مجازاً، فكذلك هاهنا، إنه يشبه الغرض، وإن لم يكن في نفسه غرضاً فقدم حرف الغرضِ. قوله: ﴿الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً﴾ . يجوز أن يكون الموصول تابعاً للعزيز الغفُورِ، نعتاً، أو بياناً أو بدلاً. وأن يكون منقطعاً عنه خبر مبتدأ، أو مفعول فعل مقدر. وقوله: «طِباقَاً» صفة ل «سَبْعَ» ، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه جمع طبق، نحو: جبل وجبال. والثاني: أنه جمع طبقة، نحو: رحبة ورحاب. والثالث: أنه مصدر طابق، يقال: طَابَقَ مُطابَقَةَ وطِبَاقاً. ثم إما أن تجعل نفس المصدر مبالغة، وإما على حذف مضاف، أي: ذات طباق، وإما أن ينتصب على المصدر بفعل مقدر، أي: طوبقت طباقاً. من قولهم: طابق الفعل، أي: جعله طبقةً فوق أخرى. روي عن ابن عباس: «طِبَاقاً» ، أي: بعضها فوق بعض، والملتصق منها أطرافها. قال القرطبيُّ: وقيل: مصدر بمعنى المطابقة، أي: خلق سبع سمواتٍ، ويطبقها تطبيقاً أو مطابقة على طوبقت طباقاً؛ لأنه مفعول ثان، فيكون «خَلَقَ» بمعنى جعل وصيّر. وقال أبان بن تغلب: سمعت بعض الأعراب يذم رجلاً، فقال: شره طباق، وخيره غير باق. ويجوز في غير القرآن «سَبْعَ سماواتٍ طباقٍ» بالخفض على النَّعت ل «سماواتٍ» نظيره: ﴿وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ﴾ [يوسف: 42] . فصل في الدلالة على القدرة قال ابن الخطيب: دلّت هذه الآية على القدرة من وجوه. أحدها: من حيث بقاؤها في جو الهواء متعلقة بلا عماد ولا سلسلة. وثانيها: من حيث إن كل واحد منها اختصّ بمقدار معين مع جواز ما هو أزيد منه وأنقص. وثالثها: أنه اختص كل واحد منها بحركة خاصة مقدرة بقدر معين من السرعة، والبطء إلى جهة معينة. ورابعها: كونها في ذواتها محدثة، وكل ذلك يدل على إسنادها إلى قادر تام القدرة. قوله ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ﴾ . «تَفاوتٍ» هو مفعول «ترى» و «مِنْ» مزيدة فيه. وقرأ الأخوان: «تَفَوُّت» بتشديد الواو دون ألف. قال القرطبيُّ: «وهي قراءة ابن مسعود وأصحابه» . والباقون: بتخفيفها بعد ألف، وهما لغتان بمعنى واحد، كالتعهُّد والتَّعاهد والتَّظاهر والتَّظهُّر والتَّصغُّر والتَّصاغُر والتَّحمُّل والتَّحامُل والتَّضاعف والتضعف والتَّباعد والتبعُّد، قاله الفرَّاء. وقال الأخفش: «تَفَاوُتٍ» أجود؛ لأنهم يقولون: تفاوت الأمر، ولا يكادون يقولون: «تفوت» . واختيار أبي عبيد: «تفوت» ، يقال: تفاوت الشيء إذا فات. واحتج بما روي في الحديث: أنَّ رجُلاً تفوَّت على أبيهِ في مالهِ. وقال عبد الرحمن بن أبي بكر: «أمثلي يتفوت عليه في ماله» . قال النحاس: وهذا مردود على أبي عبيد، لأن «يتفوت» أي: يضاف في الحديث، «تفاوُتٍ» في الآية أشبه، كما يقال: تباين، تفاوت الأمر إذا تباين، أو تباعد، أي: فات بعضها بعضاً نقله القرطبي. وحكى أبو زيد: تفاوت الشَّيء تفاوُتاً بضم الواو وفتحها وكسرها. [والقياس] : الضَّمُّ كالتقابل، والفتح والكسر شاذان. والتفاوت: عدم التناسب؛ لأن بعض الأجزاء يفوت الآخر، وهذ الجملة المنفية صفة لقوله: «طِبَاقاً» وأصلها: ما ترى فيهن، فوضع مكان الضمير. قوله: ﴿ما ترى في خلقِ الرَّحمنِ﴾ تعظيماً لخلقهن، وتنبيهاً على سببب سلامتهن، وهو أنه خلق الرحمن، قاله الزمخشري. وظاهر هذا أنها صفة ل «طِبَاقاً» ، وقام الظاهر فيها مقام المضمر، وهذا إنما يعرف في خبر المبتدأ، وفي الصلة على خلاف فيهما وتفصيل. وقال أبو حيَّان: الظَّاهر أنه مستأنفٌ، وليس بظاهر لانفلات الكلام بعضه من بعض، و «خَلق» مصدر مضاف لفاعله والمفعول محذوف، أي: في خلق الرحمن السماواتِ، أو كل مخلوق، وهو أولى ليعم، وإن كان السياق مرشداً للأول. فصل في معنى الآية والمعنى ما ترى في خلق الرحمن من اعوجاج، ولا تناقض، ولا تباين، بل هي مستقيمة مستوية دالة على خالقها، وإن اختلفت صوره وقيل: المراد بذلك السماوات خاصة، أي: ما ترى في خلق السماوات من عيب، وأصله من الفوت، وهو أن يفوت شيء شيئاً، فيقع الخَلَل لعدم استوائها يدل عليه قول ابن عباس: من تفرق. وقال السديُّ: «مِنْ تفَاوُتٍ» أي: من اختلاف، وعيب بقول الناظر: لو كان كذا كان أحسن. وقيل: «التفاوت» الفطور، لقوله بعد ذلك: ﴿فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ﴾ ، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: 65] . قال القفَّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ويحتمل أن يكون المعنى: ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ﴾ في الدلالة على حكم الصانع، وأنه لم يخلقها عبثاً. فصل في الخطاب في الآية لمن؟ الخطاب في قوله تعالى: ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ﴾ إما للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أو لكل مخاطب، وكذا القول في قوله ﴿فارجع البصر﴾ ، ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ﴾ . فصل فيما تدل عليه الآية دلت هذه الآية على كمال علم اللَّه، وذلك أن الحسّ دل على أن هذه السماوت السبع أجسام مخلوقة على وجه الإحكام والإتقان، وكل فاعلٍ كان فعله محكماً متقناً، فلا بد وأن يكون عالماً، فدلت الآيةُ على كونه - تعالى - عالماً بالمعلومات بقوله: ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ﴾ إشارة إلى كونها محكمة متقنة. فصل فيمن اعتبر المعاصي ليست من خلق الله احتج الكعبيُّ بهذه الآية على أن المعاصي ليست من خلق الله، قال: - لأنه تعالى - نفى التَّفاوت عن خلقهِ، وليس المرادُ نفي التفاوت في الصغر والكبر والنقص، والعيب، فوجب حمله على نفي التفاوت بين خلقه من حيث الحكمة، فدل من هذا الوجه على أنَّ أفعال العبادِ ليست من خلقه لما فيها من التَّفاوت الذي بعضه جهل، وبعضه سفه. والجواب: أنا نحمله على أن لا تفاوت فيها بالنسبة إليه من حيث إنَّ الكُلَّ يصح عنه بحسب القدرة والإرادة والداعية، وأنه لا يقبح منه شيء أصلاً. فصل في السموات السَّبع روى البغويُّ عن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه قال: السماء الدنيا موج مكفوف، والثانية: مرمرة بيضاء، والثالثة: حديد، والرابعة، صُفْرٌ، وقال: نحاس، والخامسة: فضّة، والسادسة: ذهب، والسَّابعة: ياقوتة حمراء، وبين السماء السَّابعة إلى الحجب السبعة صحارى من نور. قوله ﴿فارجع البصر﴾ . مسبب عن قوله ﴿مَّا ترى﴾ . و «كرتَيْنِ» نصب على المصدر كمرتين، وهو مثنّى لا يراد به حقيقته، بل التكثير بدليل قوله: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: مزدجراً وهو كليل، وهذان الوصفان لا يأتيان بنظرتين، ولا ثلاث، وإنما المعنى كرات، وهذا كقولهم: «لَبَّيْك وسعْديْكَ وحنَانيْكَ، ودَوالَيْك، وهَذَاذَيْكَ» لا يريدون بهذه التثنية تشفيع الواحد، إنما يريدون التكثير أي: إجابة لك بعد أخرى. وإلا تناقض الغرض، والتثنية تفيد التكثير لقرينة كما يفيده أصلها وهو العطف لقرينة؛ كقوله: [البسيط] 4791 - لَوْ عُدَّ قَبْرٌ وقَبْرٌ كانَ أكْرمَهُمْ..... ... ... ... ... ... ... . . أي: قبور كثيرة ليتم المدح. وقال ابن عطية: «كَرَّتَيْنِ» معناه: مرتين، ونصبها على المصدر. وقيل: الأولى ليرى حسنها، واستواءها، والثانية لينظر كواكبها في سيرها، وانتهائها وهذا بظاهره يفهم التثنية فقط. قوله: ﴿هَلْ ترى مِن فُطُورٍ﴾ . هذه الجملة يجوز أن تكون متعلقة لفعل محذوف يدلّ عليه «فارْجعِ البصَرَ» مضمناً معنى «انظُر» ؛ لأنه بمعناه، فيكون هو المعلق. وأدغم أبو عمرو: لام «هَلْ» في التاء هنا وفي «الحَاقَّة» ، وأظهرهما الباقون، وهو المشهور في اللغة. والفطور: جمع فطرٍ، وهو الشَّقُّ، يقال: فطره فانفطر، ومنه: فطر ناب البعير، كما يقال: شقّ، ومعناه: شق اللحم وطلع. قال المفسرون: «الفُطُور» الصُّدوع والشُّقوق؛ قال الشاعر: [الوافر] 4792 - شَقَقْتِ القَلْبَ ثُمَّ ذَرَرْتِ فِيهِ ... هَواكِ فَلِيطَ فالتأمَ الفُطُورُ قوله: «ينقلبْ» . العامة: على جزمه على جواب الأمرِ. والكسائي في رواية برفعه. وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون حالاً مقدرة. والثاني: أنه على حذف الفاءِ، أي: فينقلب. و «خَاسِئاً» حال وقوله: «وهُو حَسِيرٌ» حال، إما من صاحب الأولى، وإما من الضمير المستتر في الحال قبلها، فتكون متداخلة. وقد تقدّمتا «خاسئاً» و «حسير» في «المؤمنين» و «الأنبياء» . فصل في تفسير الآية لما قال: ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ﴾ كأنه قال بعده: ولعلك لا تحكم بمقتضى ذلك البصر الواحد، ولا يعتمد عليه لاحتمال وقوع الغلطِ في النظرة الواحدة، ولكن ارجع البصر، واردد النظر مرة أخرى، حتى يتيقّن لك أنه ليس في خلق الرحمن من تفاوت ألبتَّة. قال القرطبي: أمر أن ينظر في خلقه ليعتبروا به، ويتفكَّروا في قدرته، فقال: ﴿فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ﴾ أي: اردُدْ طرفك إلى السماء، ويقال: قلَّب بصره في السماء، ويقال: اجتهد بالنَّظر إلى السَّماء، والمعنى متقارب، وإنما قال: «فارْجع» - بالفاء - وليس قبله فعل مذكُور؛ لأنه قال: «مَا تَرَى» والمعنى: انظر، ثم ارجع البصر هل ترى من فُطورٍ، قاله قتادة. قال مجاهد والضحاك: و «الفطور» الشقوق. وقال قتادة: من خلل. وقال السديُّ: من خروق. وقال ابن عبَّاس: مِنْ وهَنٍ. وقوله: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ في موضع المصدر؛ لأن معناه: رجعتين. لأن الإنسان إذا نظر في الشَّيء مرتين ترى عينه ما لم تنظره مرة أخرى، فأخبر تعالى أنه وإن نظر إلى السماء مرَّتين لا يرى فيها عيباً، بل يتحيّر بالنظر إليها. وقال ابن الخطيب: «معناه أنك إذا كررت نظرك لم يرجع إليك بصرك بما طلبته من وجدان الخلل، والعيب، بل يرجع إليك» خَاسِئاً «أي: مبعداً صاغراً عن أن يرى شيئاً من ذلك من قولك: خسأت الكلب إذا باعدته، وطردته» . وخسأ الكلب بنفسه، يتعدى ولا يتعدَّى، وانخسأ الكلب أيضاً، وخسأ بصره أيضاً خَسْأً وخسوءاً، أي: ستر. قال ابن عبَّاسٍ: الخاسىء الذي لم يرَ ما يهوى. وقال المبردُ هاهنا: الخاسىء المبعد المصغر. وقوله: «وهُو حَسِيرٌ» أي: قد بلغ الغاية في الإعياء، فهو بمعنى «فاعل» من الحسور الذي هو الإعياء، ويجوز أن يكون مفعولاً من حسرهُ بعدُ الشيء وهو معنى قول ابن عبَّاسٍ؛ ومنه قول الشاعر: [البسيط] 4793 - مَنْ مَدَّ طَرْفاً إلى ما فَوْقَ غَايَتِهِ ... إرتدَّ خَسْآنَ مِنهُ الطَّرْفُ قَدْ حُسِرَا يقال: حسر بصره يحسر حسوراً، أي: كلَّ وانقطع نظره من طول مدى، وما أشبه ذلك، فهو حسير ومحسور أيضاً. قال الشاعر: [الطويل] 4794 - نَظَرْتُ إليْهَا بالمُحَصَّبِ مِنْ مِنَى ... فعَادَ إليَّ الطَّرْفُ وهوَ حَسِيرُ وقيل هو النادم؛ قال: [الرمل] 4795 - مَا أنَا اليَوْمَ على شَيْءٍ خَلاَ ... يَا بْنَةَ القَيْنِ تولَّى بِحَسِرْ

الملك 67:3

وعن ابن شهاب: أنه كان يسميها المجادلة؛ لأنها تجادل عن صاحبها في القبر. وهي ثلاثون آية، وثلاثمائة كلمة، وألف وثلاثمائة حرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك﴾ . «تبارك» تفاعل من البركة وقد تقدم. وقال الحسنُ: تقدّس. وقيل: دام، فهو الدائم الذي لا أول لوجوده، ولا آخر لدوامه ﴿الذي بِيَدِهِ الملك﴾ أي: ملكُ السموات والأرض في الدنيا والآخرة. وقال ابن عبَّاس: ﴿بِيَدِهِ الملك﴾ : يعزّ من يشاء، ويذل من يشاء، ويُحيي ويميت، ويغني ويفقر، ويعطي ويمنع. قال ابن الخطيب: هذه اللفظة تستعمل لتأكيد كونه - تعالى - ملكاً ومالكاً كما يقال: بيد فلان الأمر، والنهي، والحل والعقد، ولا مدخل للجارحة. قال الزمخشريُّ: ﴿بِيَدِهِ الملك﴾ كل موجود، وهو على كل ما لم يوجد قدير: قوله: ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . يدل على أن المعدوم شيء؛ لأن قدرة الله لا تتعلق بالموجود؛ لأن القدرة مؤثرة، والعدم نفي محض، فلا يكون أثراً لها، فوجب أن يكون المعدوم شيئاً. فصل في أنه لا مؤثر إلا قدرة الله احتج أهل السنة بهذه الآية على أنه لا مؤثر إلا قدرة الله، وأبطلوا القول بالطَّبائع كقول الفلاسفة، وأبطلوا القول بالمتولدات كقول المعتزلة، وأبطلوا القول بكون العبد موجوداً لأفعالٍ نفسيةٍ، لقوله: ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . فصل في وحدانية الله دلّت هذه الآية على الوحدانية؛ لأنا لو قدرنا إلهاً ثانياً، فإما أن يقدر على إيجاد الشيء أولاً، فإن لم يقدر على إيجاد شيء لم يكن إلهاً، وإن قدر كان مقدور ذلك الإله الثاني شيئاً، فيلزم كون ذلك للإله الأول لقوله ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيلزم وقوع مخلوق من خالقين، وهو محال؛ لأنه إذا كان كل واحد منهما مستقلاً بالإيجاد، ويلزم أن يستغنى بكلّ واحد منهما عن كل واحد منهما، فيكون محتاجاً إليهما وغنياً عنهما وذلك محال. فصل في الرد على جهم احتج جهم بهذه الآية على أنه تعالى ليس بشيء، فقال: لوكان شيئاً لكان قادراً على نفسه لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لكن كونه قادراً على نفسه محال، فيمتنع كونه شيئاً. والجواب: لما دلّ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله﴾ [الأنعام: 109] على أنه - تعالى - شيء وجب تخصيص هذا العموم، فإذن دلّت هذه الآيةُ على أنَّ العامَّ المخصوص واردٌ في كتاب الله تعالى، ودلت على أن تخصيص العام بدليل العقل جائز، بل واقع. قوله: ﴿الذي خَلَقَ الموت والحياة﴾ . قيل: خَلَق الموت في الدنيا، والحياة في الآخرة، وقدم الموت على الحياة، لأن الموت إلى القهر أقرب، كما قدم البنات على البنين فقال: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً﴾ [الشورى: 49] . وقيل: قدمه؛ لأنه أقدم، لأن الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموت كالنُّطف والتراب ونحوه. وقال قتادة: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «إنَّ اللَّه تعالى أذلَّ بَنِي آدَمَ بالموتِ، وجَعلَ الدُّنْيَا دَار حياةٍ ثُمَّ دَارَ مَوْتٍ، وجَعَل الآخِرةَ دَارَ جزاءٍ، ثُمَّ دَارَ بَقَاءٍ» . وعن أبي الدَّرداء أن نبيَّ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لَوْلاَ ثلاثٌ ما طَأطَأ ابنُ آدَمَ رَأسهُ: الفَقْرُ، والمَرَضُ والمَوتُ» . وقيل: إنما قدم الموت على الحياة؛ لأن من نصب الموت بين عينيه، كان أقوى الدواعي له إلى العمل الصالح. قال ابن الخطيب: قالوا: الحياة هي الصفة التي يكون الموصوف بها بحيث يصح أن يعلم ويقدر، واختلفوا في الموت. فقيل: إنه عبارة عن عدم هذه الصفة، وقال أصحابنا: إنه صفة وجودية مضادة للحياة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿الذي خَلَقَ الموت﴾ والعدم لا يكون مخلوقاً، وهذا هو التحقيق. وروى الكلبي عن ابن عبَّاسٍ: أن الله - تعالى - خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء، ولا يجد رائحته شيء إلاَّ مات، وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء فوق الحمار ودون البَغْل لا تمر بشيء، ولا يجد رائحتها شيء إلا حيي على ما سيأتي. قال ابن الخطيب: وهذا لا بد وأن يكون مقولاً على سبيل التمثيل، والتصوير، وإلا فالتحقيق ما ذكرنا. فصل في الموت والحياة حكى ابنُ عباس، والكلبي ومقاتلٌ: أن الموت والحياة يجسمان، فالموت في هيئة كبْش لا يمر بشيء، ولا يجد ريحه إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاءَ وهي التي كان جبريل والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يركبونها، خطوتُها أمدُ البصر فوق الحمار ودون البغل، لا تمر بشيء يجد ريحاً إلا يحيى، ولا تطأ على شيء إلا حيي، وهي التي أخذ السَّامري من أثرها، فألقاها على العِجْل فحيي. حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس، والماوردي معناه عن مقاتل والكلبي. وعن مقاتل: «خَلَقَ المَوْتَ» يعني: النُّطفة والعلقة والمُضغة، وخلق الحياة، يعني خلق إنساناً، ونفخ فيه الروح، فصار إنساناً. قال القرطبيُّ: وهذا حسن، يدل عليه قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ . قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ . متعلق ب «خلق» . وقوله: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ تقدم مثله في أول «هود» [الآية 7] . وقال الزمخشريُّ هنا: «فإن قلت: من أين تعلق قوله ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ، بفعل البلوى؟ قلت: من حيث إنه تضمن معنى العلم، فكأنه قيل: ليعلمكم أيكم أحسن عملاً، وإذا قلت: علمته أزيد أحسن عملاً أم هو؟ كانت هذه الجملة واقعة موقع الثَّاني من مفعوليه كما تقول: علمته هو أحسن عملاً، فإن قلت: أتسمي هذا تعليقاً؟ . قلت: لا، إنما التعليق أن يقع بعده ما يسد مسدَّ المفعولين جميعاً، كقولك: علمت أيهما عمرو، وعلمت أزيد منطلق، ألا ترى أنه لا فرق بعد سبق أحد المفعولين بين أن يقع ما بعده مصدراً بحرف الاستفهام وغير مصدر به، ولو كان تعليقاً لافترقت الحالتان كما افترقتا في قولك: عَلِمْتُ أزيدٌ منطلق، وعلمت زيداً منطلقاً» . قال شهاب الدين: «وهذا الذي منع تسميته تعليقاً سماه به غيره ويجعلون تلك الجملة في محل ذلك الاسم الذي يتعدى إليه ذلك الفعل، فيقولون في:» عَرفتُ أيُّهُمْ منطلقٌ «: إن الجملة الاستفهامية في محل نصب على إسقاط الخافضِ؛ لأن» نظر «يتعدى به» . فصل في اللام في قوله: ليبلوكم قال الزَّجَّاجُ: اللام في «لِيَبْلوَكُمْ» تتعلق بخلقِ الحياة، لا بخلق الموت. وقال الفراء والزجاج أيضاً: لم تقع البلوى على «أي» لأن فيما بين البلوى و «أي» إضمار فعل كما تقول: «بَلوْتُكمْ لأنْظُر أيكم أطوع» ، ومثله قوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: 40] ، أي: سلهم، ثم انظر أيهم فأيهم، رفع بالابتداء، والمعنى: ليبلوكم ليعلم، أو فينظر أيكم أحسن عملاً. قال ابن الخطيب: «أيُّكُمْ» مبتدأ، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. فصل في الابتلاء الابتلاءُ: هو التجربة، والامتحان، حتى يعلم أنه هل يطيع، أو يعصي، وذلك في حق العالم بجميع المعلومات مُحَال، وقد تقدم تحقيق هذه المسألة في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 124] . والحاصل أن الابتلاء من الله هو أن يعامل عبده معاملة تشبه المختبر. فصل في تفسير الآية قال السديُّ في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ أي: أكثر للموت ذكراً وأحسن استعداداً وأشد خوفاً وحذراً. وقال ابن عمر: «تلا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ﴿تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك﴾ حتَّى بلغ ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ فقال:» أورعُ عن محَارمِ اللَّهِ، وأسرعُ في طاعةِ اللَّهِ «» . وقيل: يعاملكم معاملة المختبر، فيبلو العبد بموت من يعز عليه ليبين صبره، وبالحياة ليبين شكره. وقيل: خلق الله الموت للبعث، والجزاء، وخلق الحياة للابتلاء «وهُوَ العَزِيزُ» في انتقامهِ ممن عصاه «الغَفُورُ» لمن تاب. فصل فيمن قالوا: إن فعل الله يكون لغرض احتج القائلون بأنه تعالى يفعل الفعل لغرض بقوله: «ليَبْلُوكُمْ» قالوا: وهذه اللام للغرض كقوله تعالى ﴿إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ، والجواب: أن الفعل في نفسه ليس بالابتلاء، إلا أنه لما أشبه الابتلاء سمي به مجازاً، فكذلك هاهنا، إنه يشبه الغرض، وإن لم يكن في نفسه غرضاً فقدم حرف الغرضِ. قوله: ﴿الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً﴾ . يجوز أن يكون الموصول تابعاً للعزيز الغفُورِ، نعتاً، أو بياناً أو بدلاً. وأن يكون منقطعاً عنه خبر مبتدأ، أو مفعول فعل مقدر. وقوله: «طِباقَاً» صفة ل «سَبْعَ» ، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه جمع طبق، نحو: جبل وجبال. والثاني: أنه جمع طبقة، نحو: رحبة ورحاب. والثالث: أنه مصدر طابق، يقال: طَابَقَ مُطابَقَةَ وطِبَاقاً. ثم إما أن تجعل نفس المصدر مبالغة، وإما على حذف مضاف، أي: ذات طباق، وإما أن ينتصب على المصدر بفعل مقدر، أي: طوبقت طباقاً. من قولهم: طابق الفعل، أي: جعله طبقةً فوق أخرى. روي عن ابن عباس: «طِبَاقاً» ، أي: بعضها فوق بعض، والملتصق منها أطرافها. قال القرطبيُّ: وقيل: مصدر بمعنى المطابقة، أي: خلق سبع سمواتٍ، ويطبقها تطبيقاً أو مطابقة على طوبقت طباقاً؛ لأنه مفعول ثان، فيكون «خَلَقَ» بمعنى جعل وصيّر. وقال أبان بن تغلب: سمعت بعض الأعراب يذم رجلاً، فقال: شره طباق، وخيره غير باق. ويجوز في غير القرآن «سَبْعَ سماواتٍ طباقٍ» بالخفض على النَّعت ل «سماواتٍ» نظيره: ﴿وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ﴾ [يوسف: 42] . فصل في الدلالة على القدرة قال ابن الخطيب: دلّت هذه الآية على القدرة من وجوه. أحدها: من حيث بقاؤها في جو الهواء متعلقة بلا عماد ولا سلسلة. وثانيها: من حيث إن كل واحد منها اختصّ بمقدار معين مع جواز ما هو أزيد منه وأنقص. وثالثها: أنه اختص كل واحد منها بحركة خاصة مقدرة بقدر معين من السرعة، والبطء إلى جهة معينة. ورابعها: كونها في ذواتها محدثة، وكل ذلك يدل على إسنادها إلى قادر تام القدرة. قوله ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ﴾ . «تَفاوتٍ» هو مفعول «ترى» و «مِنْ» مزيدة فيه. وقرأ الأخوان: «تَفَوُّت» بتشديد الواو دون ألف. قال القرطبيُّ: «وهي قراءة ابن مسعود وأصحابه» . والباقون: بتخفيفها بعد ألف، وهما لغتان بمعنى واحد، كالتعهُّد والتَّعاهد والتَّظاهر والتَّظهُّر والتَّصغُّر والتَّصاغُر والتَّحمُّل والتَّحامُل والتَّضاعف والتضعف والتَّباعد والتبعُّد، قاله الفرَّاء. وقال الأخفش: «تَفَاوُتٍ» أجود؛ لأنهم يقولون: تفاوت الأمر، ولا يكادون يقولون: «تفوت» . واختيار أبي عبيد: «تفوت» ، يقال: تفاوت الشيء إذا فات. واحتج بما روي في الحديث: أنَّ رجُلاً تفوَّت على أبيهِ في مالهِ. وقال عبد الرحمن بن أبي بكر: «أمثلي يتفوت عليه في ماله» . قال النحاس: وهذا مردود على أبي عبيد، لأن «يتفوت» أي: يضاف في الحديث، «تفاوُتٍ» في الآية أشبه، كما يقال: تباين، تفاوت الأمر إذا تباين، أو تباعد، أي: فات بعضها بعضاً نقله القرطبي. وحكى أبو زيد: تفاوت الشَّيء تفاوُتاً بضم الواو وفتحها وكسرها. [والقياس] : الضَّمُّ كالتقابل، والفتح والكسر شاذان. والتفاوت: عدم التناسب؛ لأن بعض الأجزاء يفوت الآخر، وهذ الجملة المنفية صفة لقوله: «طِبَاقاً» وأصلها: ما ترى فيهن، فوضع مكان الضمير. قوله: ﴿ما ترى في خلقِ الرَّحمنِ﴾ تعظيماً لخلقهن، وتنبيهاً على سببب سلامتهن، وهو أنه خلق الرحمن، قاله الزمخشري. وظاهر هذا أنها صفة ل «طِبَاقاً» ، وقام الظاهر فيها مقام المضمر، وهذا إنما يعرف في خبر المبتدأ، وفي الصلة على خلاف فيهما وتفصيل. وقال أبو حيَّان: الظَّاهر أنه مستأنفٌ، وليس بظاهر لانفلات الكلام بعضه من بعض، و «خَلق» مصدر مضاف لفاعله والمفعول محذوف، أي: في خلق الرحمن السماواتِ، أو كل مخلوق، وهو أولى ليعم، وإن كان السياق مرشداً للأول. فصل في معنى الآية والمعنى ما ترى في خلق الرحمن من اعوجاج، ولا تناقض، ولا تباين، بل هي مستقيمة مستوية دالة على خالقها، وإن اختلفت صوره وقيل: المراد بذلك السماوات خاصة، أي: ما ترى في خلق السماوات من عيب، وأصله من الفوت، وهو أن يفوت شيء شيئاً، فيقع الخَلَل لعدم استوائها يدل عليه قول ابن عباس: من تفرق. وقال السديُّ: «مِنْ تفَاوُتٍ» أي: من اختلاف، وعيب بقول الناظر: لو كان كذا كان أحسن. وقيل: «التفاوت» الفطور، لقوله بعد ذلك: ﴿فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ﴾ ، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: 65] . قال القفَّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ويحتمل أن يكون المعنى: ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ﴾ في الدلالة على حكم الصانع، وأنه لم يخلقها عبثاً. فصل في الخطاب في الآية لمن؟ الخطاب في قوله تعالى: ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ﴾ إما للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أو لكل مخاطب، وكذا القول في قوله ﴿فارجع البصر﴾ ، ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ﴾ . فصل فيما تدل عليه الآية دلت هذه الآية على كمال علم اللَّه، وذلك أن الحسّ دل على أن هذه السماوت السبع أجسام مخلوقة على وجه الإحكام والإتقان، وكل فاعلٍ كان فعله محكماً متقناً، فلا بد وأن يكون عالماً، فدلت الآيةُ على كونه - تعالى - عالماً بالمعلومات بقوله: ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ﴾ إشارة إلى كونها محكمة متقنة. فصل فيمن اعتبر المعاصي ليست من خلق الله احتج الكعبيُّ بهذه الآية على أن المعاصي ليست من خلق الله، قال: - لأنه تعالى - نفى التَّفاوت عن خلقهِ، وليس المرادُ نفي التفاوت في الصغر والكبر والنقص، والعيب، فوجب حمله على نفي التفاوت بين خلقه من حيث الحكمة، فدل من هذا الوجه على أنَّ أفعال العبادِ ليست من خلقه لما فيها من التَّفاوت الذي بعضه جهل، وبعضه سفه. والجواب: أنا نحمله على أن لا تفاوت فيها بالنسبة إليه من حيث إنَّ الكُلَّ يصح عنه بحسب القدرة والإرادة والداعية، وأنه لا يقبح منه شيء أصلاً. فصل في السموات السَّبع روى البغويُّ عن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه قال: السماء الدنيا موج مكفوف، والثانية: مرمرة بيضاء، والثالثة: حديد، والرابعة، صُفْرٌ، وقال: نحاس، والخامسة: فضّة، والسادسة: ذهب، والسَّابعة: ياقوتة حمراء، وبين السماء السَّابعة إلى الحجب السبعة صحارى من نور. قوله ﴿فارجع البصر﴾ . مسبب عن قوله ﴿مَّا ترى﴾ . و «كرتَيْنِ» نصب على المصدر كمرتين، وهو مثنّى لا يراد به حقيقته، بل التكثير بدليل قوله: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: مزدجراً وهو كليل، وهذان الوصفان لا يأتيان بنظرتين، ولا ثلاث، وإنما المعنى كرات، وهذا كقولهم: «لَبَّيْك وسعْديْكَ وحنَانيْكَ، ودَوالَيْك، وهَذَاذَيْكَ» لا يريدون بهذه التثنية تشفيع الواحد، إنما يريدون التكثير أي: إجابة لك بعد أخرى. وإلا تناقض الغرض، والتثنية تفيد التكثير لقرينة كما يفيده أصلها وهو العطف لقرينة؛ كقوله: [البسيط] 4791 - لَوْ عُدَّ قَبْرٌ وقَبْرٌ كانَ أكْرمَهُمْ..... ... ... ... ... ... ... . . أي: قبور كثيرة ليتم المدح. وقال ابن عطية: «كَرَّتَيْنِ» معناه: مرتين، ونصبها على المصدر. وقيل: الأولى ليرى حسنها، واستواءها، والثانية لينظر كواكبها في سيرها، وانتهائها وهذا بظاهره يفهم التثنية فقط. قوله: ﴿هَلْ ترى مِن فُطُورٍ﴾ . هذه الجملة يجوز أن تكون متعلقة لفعل محذوف يدلّ عليه «فارْجعِ البصَرَ» مضمناً معنى «انظُر» ؛ لأنه بمعناه، فيكون هو المعلق. وأدغم أبو عمرو: لام «هَلْ» في التاء هنا وفي «الحَاقَّة» ، وأظهرهما الباقون، وهو المشهور في اللغة. والفطور: جمع فطرٍ، وهو الشَّقُّ، يقال: فطره فانفطر، ومنه: فطر ناب البعير، كما يقال: شقّ، ومعناه: شق اللحم وطلع. قال المفسرون: «الفُطُور» الصُّدوع والشُّقوق؛ قال الشاعر: [الوافر] 4792 - شَقَقْتِ القَلْبَ ثُمَّ ذَرَرْتِ فِيهِ ... هَواكِ فَلِيطَ فالتأمَ الفُطُورُ قوله: «ينقلبْ» . العامة: على جزمه على جواب الأمرِ. والكسائي في رواية برفعه. وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون حالاً مقدرة. والثاني: أنه على حذف الفاءِ، أي: فينقلب. و «خَاسِئاً» حال وقوله: «وهُو حَسِيرٌ» حال، إما من صاحب الأولى، وإما من الضمير المستتر في الحال قبلها، فتكون متداخلة. وقد تقدّمتا «خاسئاً» و «حسير» في «المؤمنين» و «الأنبياء» . فصل في تفسير الآية لما قال: ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ﴾ كأنه قال بعده: ولعلك لا تحكم بمقتضى ذلك البصر الواحد، ولا يعتمد عليه لاحتمال وقوع الغلطِ في النظرة الواحدة، ولكن ارجع البصر، واردد النظر مرة أخرى، حتى يتيقّن لك أنه ليس في خلق الرحمن من تفاوت ألبتَّة. قال القرطبي: أمر أن ينظر في خلقه ليعتبروا به، ويتفكَّروا في قدرته، فقال: ﴿فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ﴾ أي: اردُدْ طرفك إلى السماء، ويقال: قلَّب بصره في السماء، ويقال: اجتهد بالنَّظر إلى السَّماء، والمعنى متقارب، وإنما قال: «فارْجع» - بالفاء - وليس قبله فعل مذكُور؛ لأنه قال: «مَا تَرَى» والمعنى: انظر، ثم ارجع البصر هل ترى من فُطورٍ، قاله قتادة. قال مجاهد والضحاك: و «الفطور» الشقوق. وقال قتادة: من خلل. وقال السديُّ: من خروق. وقال ابن عبَّاس: مِنْ وهَنٍ. وقوله: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ في موضع المصدر؛ لأن معناه: رجعتين. لأن الإنسان إذا نظر في الشَّيء مرتين ترى عينه ما لم تنظره مرة أخرى، فأخبر تعالى أنه وإن نظر إلى السماء مرَّتين لا يرى فيها عيباً، بل يتحيّر بالنظر إليها. وقال ابن الخطيب: «معناه أنك إذا كررت نظرك لم يرجع إليك بصرك بما طلبته من وجدان الخلل، والعيب، بل يرجع إليك» خَاسِئاً «أي: مبعداً صاغراً عن أن يرى شيئاً من ذلك من قولك: خسأت الكلب إذا باعدته، وطردته» . وخسأ الكلب بنفسه، يتعدى ولا يتعدَّى، وانخسأ الكلب أيضاً، وخسأ بصره أيضاً خَسْأً وخسوءاً، أي: ستر. قال ابن عبَّاسٍ: الخاسىء الذي لم يرَ ما يهوى. وقال المبردُ هاهنا: الخاسىء المبعد المصغر. وقوله: «وهُو حَسِيرٌ» أي: قد بلغ الغاية في الإعياء، فهو بمعنى «فاعل» من الحسور الذي هو الإعياء، ويجوز أن يكون مفعولاً من حسرهُ بعدُ الشيء وهو معنى قول ابن عبَّاسٍ؛ ومنه قول الشاعر: [البسيط] 4793 - مَنْ مَدَّ طَرْفاً إلى ما فَوْقَ غَايَتِهِ ... إرتدَّ خَسْآنَ مِنهُ الطَّرْفُ قَدْ حُسِرَا يقال: حسر بصره يحسر حسوراً، أي: كلَّ وانقطع نظره من طول مدى، وما أشبه ذلك، فهو حسير ومحسور أيضاً. قال الشاعر: [الطويل] 4794 - نَظَرْتُ إليْهَا بالمُحَصَّبِ مِنْ مِنَى ... فعَادَ إليَّ الطَّرْفُ وهوَ حَسِيرُ وقيل هو النادم؛ قال: [الرمل] 4795 - مَا أنَا اليَوْمَ على شَيْءٍ خَلاَ ... يَا بْنَةَ القَيْنِ تولَّى بِحَسِرْ

الملك 67:4

وعن ابن شهاب: أنه كان يسميها المجادلة؛ لأنها تجادل عن صاحبها في القبر. وهي ثلاثون آية، وثلاثمائة كلمة، وألف وثلاثمائة حرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك﴾ . «تبارك» تفاعل من البركة وقد تقدم. وقال الحسنُ: تقدّس. وقيل: دام، فهو الدائم الذي لا أول لوجوده، ولا آخر لدوامه ﴿الذي بِيَدِهِ الملك﴾ أي: ملكُ السموات والأرض في الدنيا والآخرة. وقال ابن عبَّاس: ﴿بِيَدِهِ الملك﴾ : يعزّ من يشاء، ويذل من يشاء، ويُحيي ويميت، ويغني ويفقر، ويعطي ويمنع. قال ابن الخطيب: هذه اللفظة تستعمل لتأكيد كونه - تعالى - ملكاً ومالكاً كما يقال: بيد فلان الأمر، والنهي، والحل والعقد، ولا مدخل للجارحة. قال الزمخشريُّ: ﴿بِيَدِهِ الملك﴾ كل موجود، وهو على كل ما لم يوجد قدير: قوله: ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . يدل على أن المعدوم شيء؛ لأن قدرة الله لا تتعلق بالموجود؛ لأن القدرة مؤثرة، والعدم نفي محض، فلا يكون أثراً لها، فوجب أن يكون المعدوم شيئاً. فصل في أنه لا مؤثر إلا قدرة الله احتج أهل السنة بهذه الآية على أنه لا مؤثر إلا قدرة الله، وأبطلوا القول بالطَّبائع كقول الفلاسفة، وأبطلوا القول بالمتولدات كقول المعتزلة، وأبطلوا القول بكون العبد موجوداً لأفعالٍ نفسيةٍ، لقوله: ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . فصل في وحدانية الله دلّت هذه الآية على الوحدانية؛ لأنا لو قدرنا إلهاً ثانياً، فإما أن يقدر على إيجاد الشيء أولاً، فإن لم يقدر على إيجاد شيء لم يكن إلهاً، وإن قدر كان مقدور ذلك الإله الثاني شيئاً، فيلزم كون ذلك للإله الأول لقوله ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيلزم وقوع مخلوق من خالقين، وهو محال؛ لأنه إذا كان كل واحد منهما مستقلاً بالإيجاد، ويلزم أن يستغنى بكلّ واحد منهما عن كل واحد منهما، فيكون محتاجاً إليهما وغنياً عنهما وذلك محال. فصل في الرد على جهم احتج جهم بهذه الآية على أنه تعالى ليس بشيء، فقال: لوكان شيئاً لكان قادراً على نفسه لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لكن كونه قادراً على نفسه محال، فيمتنع كونه شيئاً. والجواب: لما دلّ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله﴾ [الأنعام: 109] على أنه - تعالى - شيء وجب تخصيص هذا العموم، فإذن دلّت هذه الآيةُ على أنَّ العامَّ المخصوص واردٌ في كتاب الله تعالى، ودلت على أن تخصيص العام بدليل العقل جائز، بل واقع. قوله: ﴿الذي خَلَقَ الموت والحياة﴾ . قيل: خَلَق الموت في الدنيا، والحياة في الآخرة، وقدم الموت على الحياة، لأن الموت إلى القهر أقرب، كما قدم البنات على البنين فقال: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً﴾ [الشورى: 49] . وقيل: قدمه؛ لأنه أقدم، لأن الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموت كالنُّطف والتراب ونحوه. وقال قتادة: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «إنَّ اللَّه تعالى أذلَّ بَنِي آدَمَ بالموتِ، وجَعلَ الدُّنْيَا دَار حياةٍ ثُمَّ دَارَ مَوْتٍ، وجَعَل الآخِرةَ دَارَ جزاءٍ، ثُمَّ دَارَ بَقَاءٍ» . وعن أبي الدَّرداء أن نبيَّ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لَوْلاَ ثلاثٌ ما طَأطَأ ابنُ آدَمَ رَأسهُ: الفَقْرُ، والمَرَضُ والمَوتُ» . وقيل: إنما قدم الموت على الحياة؛ لأن من نصب الموت بين عينيه، كان أقوى الدواعي له إلى العمل الصالح. قال ابن الخطيب: قالوا: الحياة هي الصفة التي يكون الموصوف بها بحيث يصح أن يعلم ويقدر، واختلفوا في الموت. فقيل: إنه عبارة عن عدم هذه الصفة، وقال أصحابنا: إنه صفة وجودية مضادة للحياة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿الذي خَلَقَ الموت﴾ والعدم لا يكون مخلوقاً، وهذا هو التحقيق. وروى الكلبي عن ابن عبَّاسٍ: أن الله - تعالى - خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء، ولا يجد رائحته شيء إلاَّ مات، وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء فوق الحمار ودون البَغْل لا تمر بشيء، ولا يجد رائحتها شيء إلا حيي على ما سيأتي. قال ابن الخطيب: وهذا لا بد وأن يكون مقولاً على سبيل التمثيل، والتصوير، وإلا فالتحقيق ما ذكرنا. فصل في الموت والحياة حكى ابنُ عباس، والكلبي ومقاتلٌ: أن الموت والحياة يجسمان، فالموت في هيئة كبْش لا يمر بشيء، ولا يجد ريحه إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاءَ وهي التي كان جبريل والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يركبونها، خطوتُها أمدُ البصر فوق الحمار ودون البغل، لا تمر بشيء يجد ريحاً إلا يحيى، ولا تطأ على شيء إلا حيي، وهي التي أخذ السَّامري من أثرها، فألقاها على العِجْل فحيي. حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس، والماوردي معناه عن مقاتل والكلبي. وعن مقاتل: «خَلَقَ المَوْتَ» يعني: النُّطفة والعلقة والمُضغة، وخلق الحياة، يعني خلق إنساناً، ونفخ فيه الروح، فصار إنساناً. قال القرطبيُّ: وهذا حسن، يدل عليه قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ . قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ . متعلق ب «خلق» . وقوله: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ تقدم مثله في أول «هود» [الآية 7] . وقال الزمخشريُّ هنا: «فإن قلت: من أين تعلق قوله ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ، بفعل البلوى؟ قلت: من حيث إنه تضمن معنى العلم، فكأنه قيل: ليعلمكم أيكم أحسن عملاً، وإذا قلت: علمته أزيد أحسن عملاً أم هو؟ كانت هذه الجملة واقعة موقع الثَّاني من مفعوليه كما تقول: علمته هو أحسن عملاً، فإن قلت: أتسمي هذا تعليقاً؟ . قلت: لا، إنما التعليق أن يقع بعده ما يسد مسدَّ المفعولين جميعاً، كقولك: علمت أيهما عمرو، وعلمت أزيد منطلق، ألا ترى أنه لا فرق بعد سبق أحد المفعولين بين أن يقع ما بعده مصدراً بحرف الاستفهام وغير مصدر به، ولو كان تعليقاً لافترقت الحالتان كما افترقتا في قولك: عَلِمْتُ أزيدٌ منطلق، وعلمت زيداً منطلقاً» . قال شهاب الدين: «وهذا الذي منع تسميته تعليقاً سماه به غيره ويجعلون تلك الجملة في محل ذلك الاسم الذي يتعدى إليه ذلك الفعل، فيقولون في:» عَرفتُ أيُّهُمْ منطلقٌ «: إن الجملة الاستفهامية في محل نصب على إسقاط الخافضِ؛ لأن» نظر «يتعدى به» . فصل في اللام في قوله: ليبلوكم قال الزَّجَّاجُ: اللام في «لِيَبْلوَكُمْ» تتعلق بخلقِ الحياة، لا بخلق الموت. وقال الفراء والزجاج أيضاً: لم تقع البلوى على «أي» لأن فيما بين البلوى و «أي» إضمار فعل كما تقول: «بَلوْتُكمْ لأنْظُر أيكم أطوع» ، ومثله قوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: 40] ، أي: سلهم، ثم انظر أيهم فأيهم، رفع بالابتداء، والمعنى: ليبلوكم ليعلم، أو فينظر أيكم أحسن عملاً. قال ابن الخطيب: «أيُّكُمْ» مبتدأ، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. فصل في الابتلاء الابتلاءُ: هو التجربة، والامتحان، حتى يعلم أنه هل يطيع، أو يعصي، وذلك في حق العالم بجميع المعلومات مُحَال، وقد تقدم تحقيق هذه المسألة في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 124] . والحاصل أن الابتلاء من الله هو أن يعامل عبده معاملة تشبه المختبر. فصل في تفسير الآية قال السديُّ في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ أي: أكثر للموت ذكراً وأحسن استعداداً وأشد خوفاً وحذراً. وقال ابن عمر: «تلا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ﴿تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك﴾ حتَّى بلغ ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ فقال:» أورعُ عن محَارمِ اللَّهِ، وأسرعُ في طاعةِ اللَّهِ «» . وقيل: يعاملكم معاملة المختبر، فيبلو العبد بموت من يعز عليه ليبين صبره، وبالحياة ليبين شكره. وقيل: خلق الله الموت للبعث، والجزاء، وخلق الحياة للابتلاء «وهُوَ العَزِيزُ» في انتقامهِ ممن عصاه «الغَفُورُ» لمن تاب. فصل فيمن قالوا: إن فعل الله يكون لغرض احتج القائلون بأنه تعالى يفعل الفعل لغرض بقوله: «ليَبْلُوكُمْ» قالوا: وهذه اللام للغرض كقوله تعالى ﴿إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ، والجواب: أن الفعل في نفسه ليس بالابتلاء، إلا أنه لما أشبه الابتلاء سمي به مجازاً، فكذلك هاهنا، إنه يشبه الغرض، وإن لم يكن في نفسه غرضاً فقدم حرف الغرضِ. قوله: ﴿الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً﴾ . يجوز أن يكون الموصول تابعاً للعزيز الغفُورِ، نعتاً، أو بياناً أو بدلاً. وأن يكون منقطعاً عنه خبر مبتدأ، أو مفعول فعل مقدر. وقوله: «طِباقَاً» صفة ل «سَبْعَ» ، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه جمع طبق، نحو: جبل وجبال. والثاني: أنه جمع طبقة، نحو: رحبة ورحاب. والثالث: أنه مصدر طابق، يقال: طَابَقَ مُطابَقَةَ وطِبَاقاً. ثم إما أن تجعل نفس المصدر مبالغة، وإما على حذف مضاف، أي: ذات طباق، وإما أن ينتصب على المصدر بفعل مقدر، أي: طوبقت طباقاً. من قولهم: طابق الفعل، أي: جعله طبقةً فوق أخرى. روي عن ابن عباس: «طِبَاقاً» ، أي: بعضها فوق بعض، والملتصق منها أطرافها. قال القرطبيُّ: وقيل: مصدر بمعنى المطابقة، أي: خلق سبع سمواتٍ، ويطبقها تطبيقاً أو مطابقة على طوبقت طباقاً؛ لأنه مفعول ثان، فيكون «خَلَقَ» بمعنى جعل وصيّر. وقال أبان بن تغلب: سمعت بعض الأعراب يذم رجلاً، فقال: شره طباق، وخيره غير باق. ويجوز في غير القرآن «سَبْعَ سماواتٍ طباقٍ» بالخفض على النَّعت ل «سماواتٍ» نظيره: ﴿وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ﴾ [يوسف: 42] . فصل في الدلالة على القدرة قال ابن الخطيب: دلّت هذه الآية على القدرة من وجوه. أحدها: من حيث بقاؤها في جو الهواء متعلقة بلا عماد ولا سلسلة. وثانيها: من حيث إن كل واحد منها اختصّ بمقدار معين مع جواز ما هو أزيد منه وأنقص. وثالثها: أنه اختص كل واحد منها بحركة خاصة مقدرة بقدر معين من السرعة، والبطء إلى جهة معينة. ورابعها: كونها في ذواتها محدثة، وكل ذلك يدل على إسنادها إلى قادر تام القدرة. قوله ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ﴾ . «تَفاوتٍ» هو مفعول «ترى» و «مِنْ» مزيدة فيه. وقرأ الأخوان: «تَفَوُّت» بتشديد الواو دون ألف. قال القرطبيُّ: «وهي قراءة ابن مسعود وأصحابه» . والباقون: بتخفيفها بعد ألف، وهما لغتان بمعنى واحد، كالتعهُّد والتَّعاهد والتَّظاهر والتَّظهُّر والتَّصغُّر والتَّصاغُر والتَّحمُّل والتَّحامُل والتَّضاعف والتضعف والتَّباعد والتبعُّد، قاله الفرَّاء. وقال الأخفش: «تَفَاوُتٍ» أجود؛ لأنهم يقولون: تفاوت الأمر، ولا يكادون يقولون: «تفوت» . واختيار أبي عبيد: «تفوت» ، يقال: تفاوت الشيء إذا فات. واحتج بما روي في الحديث: أنَّ رجُلاً تفوَّت على أبيهِ في مالهِ. وقال عبد الرحمن بن أبي بكر: «أمثلي يتفوت عليه في ماله» . قال النحاس: وهذا مردود على أبي عبيد، لأن «يتفوت» أي: يضاف في الحديث، «تفاوُتٍ» في الآية أشبه، كما يقال: تباين، تفاوت الأمر إذا تباين، أو تباعد، أي: فات بعضها بعضاً نقله القرطبي. وحكى أبو زيد: تفاوت الشَّيء تفاوُتاً بضم الواو وفتحها وكسرها. [والقياس] : الضَّمُّ كالتقابل، والفتح والكسر شاذان. والتفاوت: عدم التناسب؛ لأن بعض الأجزاء يفوت الآخر، وهذ الجملة المنفية صفة لقوله: «طِبَاقاً» وأصلها: ما ترى فيهن، فوضع مكان الضمير. قوله: ﴿ما ترى في خلقِ الرَّحمنِ﴾ تعظيماً لخلقهن، وتنبيهاً على سببب سلامتهن، وهو أنه خلق الرحمن، قاله الزمخشري. وظاهر هذا أنها صفة ل «طِبَاقاً» ، وقام الظاهر فيها مقام المضمر، وهذا إنما يعرف في خبر المبتدأ، وفي الصلة على خلاف فيهما وتفصيل. وقال أبو حيَّان: الظَّاهر أنه مستأنفٌ، وليس بظاهر لانفلات الكلام بعضه من بعض، و «خَلق» مصدر مضاف لفاعله والمفعول محذوف، أي: في خلق الرحمن السماواتِ، أو كل مخلوق، وهو أولى ليعم، وإن كان السياق مرشداً للأول. فصل في معنى الآية والمعنى ما ترى في خلق الرحمن من اعوجاج، ولا تناقض، ولا تباين، بل هي مستقيمة مستوية دالة على خالقها، وإن اختلفت صوره وقيل: المراد بذلك السماوات خاصة، أي: ما ترى في خلق السماوات من عيب، وأصله من الفوت، وهو أن يفوت شيء شيئاً، فيقع الخَلَل لعدم استوائها يدل عليه قول ابن عباس: من تفرق. وقال السديُّ: «مِنْ تفَاوُتٍ» أي: من اختلاف، وعيب بقول الناظر: لو كان كذا كان أحسن. وقيل: «التفاوت» الفطور، لقوله بعد ذلك: ﴿فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ﴾ ، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: 65] . قال القفَّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ويحتمل أن يكون المعنى: ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ﴾ في الدلالة على حكم الصانع، وأنه لم يخلقها عبثاً. فصل في الخطاب في الآية لمن؟ الخطاب في قوله تعالى: ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ﴾ إما للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أو لكل مخاطب، وكذا القول في قوله ﴿فارجع البصر﴾ ، ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ﴾ . فصل فيما تدل عليه الآية دلت هذه الآية على كمال علم اللَّه، وذلك أن الحسّ دل على أن هذه السماوت السبع أجسام مخلوقة على وجه الإحكام والإتقان، وكل فاعلٍ كان فعله محكماً متقناً، فلا بد وأن يكون عالماً، فدلت الآيةُ على كونه - تعالى - عالماً بالمعلومات بقوله: ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ﴾ إشارة إلى كونها محكمة متقنة. فصل فيمن اعتبر المعاصي ليست من خلق الله احتج الكعبيُّ بهذه الآية على أن المعاصي ليست من خلق الله، قال: - لأنه تعالى - نفى التَّفاوت عن خلقهِ، وليس المرادُ نفي التفاوت في الصغر والكبر والنقص، والعيب، فوجب حمله على نفي التفاوت بين خلقه من حيث الحكمة، فدل من هذا الوجه على أنَّ أفعال العبادِ ليست من خلقه لما فيها من التَّفاوت الذي بعضه جهل، وبعضه سفه. والجواب: أنا نحمله على أن لا تفاوت فيها بالنسبة إليه من حيث إنَّ الكُلَّ يصح عنه بحسب القدرة والإرادة والداعية، وأنه لا يقبح منه شيء أصلاً. فصل في السموات السَّبع روى البغويُّ عن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه قال: السماء الدنيا موج مكفوف، والثانية: مرمرة بيضاء، والثالثة: حديد، والرابعة، صُفْرٌ، وقال: نحاس، والخامسة: فضّة، والسادسة: ذهب، والسَّابعة: ياقوتة حمراء، وبين السماء السَّابعة إلى الحجب السبعة صحارى من نور. قوله ﴿فارجع البصر﴾ . مسبب عن قوله ﴿مَّا ترى﴾ . و «كرتَيْنِ» نصب على المصدر كمرتين، وهو مثنّى لا يراد به حقيقته، بل التكثير بدليل قوله: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: مزدجراً وهو كليل، وهذان الوصفان لا يأتيان بنظرتين، ولا ثلاث، وإنما المعنى كرات، وهذا كقولهم: «لَبَّيْك وسعْديْكَ وحنَانيْكَ، ودَوالَيْك، وهَذَاذَيْكَ» لا يريدون بهذه التثنية تشفيع الواحد، إنما يريدون التكثير أي: إجابة لك بعد أخرى. وإلا تناقض الغرض، والتثنية تفيد التكثير لقرينة كما يفيده أصلها وهو العطف لقرينة؛ كقوله: [البسيط] 4791 - لَوْ عُدَّ قَبْرٌ وقَبْرٌ كانَ أكْرمَهُمْ..... ... ... ... ... ... ... . . أي: قبور كثيرة ليتم المدح. وقال ابن عطية: «كَرَّتَيْنِ» معناه: مرتين، ونصبها على المصدر. وقيل: الأولى ليرى حسنها، واستواءها، والثانية لينظر كواكبها في سيرها، وانتهائها وهذا بظاهره يفهم التثنية فقط. قوله: ﴿هَلْ ترى مِن فُطُورٍ﴾ . هذه الجملة يجوز أن تكون متعلقة لفعل محذوف يدلّ عليه «فارْجعِ البصَرَ» مضمناً معنى «انظُر» ؛ لأنه بمعناه، فيكون هو المعلق. وأدغم أبو عمرو: لام «هَلْ» في التاء هنا وفي «الحَاقَّة» ، وأظهرهما الباقون، وهو المشهور في اللغة. والفطور: جمع فطرٍ، وهو الشَّقُّ، يقال: فطره فانفطر، ومنه: فطر ناب البعير، كما يقال: شقّ، ومعناه: شق اللحم وطلع. قال المفسرون: «الفُطُور» الصُّدوع والشُّقوق؛ قال الشاعر: [الوافر] 4792 - شَقَقْتِ القَلْبَ ثُمَّ ذَرَرْتِ فِيهِ ... هَواكِ فَلِيطَ فالتأمَ الفُطُورُ قوله: «ينقلبْ» . العامة: على جزمه على جواب الأمرِ. والكسائي في رواية برفعه. وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون حالاً مقدرة. والثاني: أنه على حذف الفاءِ، أي: فينقلب. و «خَاسِئاً» حال وقوله: «وهُو حَسِيرٌ» حال، إما من صاحب الأولى، وإما من الضمير المستتر في الحال قبلها، فتكون متداخلة. وقد تقدّمتا «خاسئاً» و «حسير» في «المؤمنين» و «الأنبياء» . فصل في تفسير الآية لما قال: ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ﴾ كأنه قال بعده: ولعلك لا تحكم بمقتضى ذلك البصر الواحد، ولا يعتمد عليه لاحتمال وقوع الغلطِ في النظرة الواحدة، ولكن ارجع البصر، واردد النظر مرة أخرى، حتى يتيقّن لك أنه ليس في خلق الرحمن من تفاوت ألبتَّة. قال القرطبي: أمر أن ينظر في خلقه ليعتبروا به، ويتفكَّروا في قدرته، فقال: ﴿فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ﴾ أي: اردُدْ طرفك إلى السماء، ويقال: قلَّب بصره في السماء، ويقال: اجتهد بالنَّظر إلى السَّماء، والمعنى متقارب، وإنما قال: «فارْجع» - بالفاء - وليس قبله فعل مذكُور؛ لأنه قال: «مَا تَرَى» والمعنى: انظر، ثم ارجع البصر هل ترى من فُطورٍ، قاله قتادة. قال مجاهد والضحاك: و «الفطور» الشقوق. وقال قتادة: من خلل. وقال السديُّ: من خروق. وقال ابن عبَّاس: مِنْ وهَنٍ. وقوله: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ في موضع المصدر؛ لأن معناه: رجعتين. لأن الإنسان إذا نظر في الشَّيء مرتين ترى عينه ما لم تنظره مرة أخرى، فأخبر تعالى أنه وإن نظر إلى السماء مرَّتين لا يرى فيها عيباً، بل يتحيّر بالنظر إليها. وقال ابن الخطيب: «معناه أنك إذا كررت نظرك لم يرجع إليك بصرك بما طلبته من وجدان الخلل، والعيب، بل يرجع إليك» خَاسِئاً «أي: مبعداً صاغراً عن أن يرى شيئاً من ذلك من قولك: خسأت الكلب إذا باعدته، وطردته» . وخسأ الكلب بنفسه، يتعدى ولا يتعدَّى، وانخسأ الكلب أيضاً، وخسأ بصره أيضاً خَسْأً وخسوءاً، أي: ستر. قال ابن عبَّاسٍ: الخاسىء الذي لم يرَ ما يهوى. وقال المبردُ هاهنا: الخاسىء المبعد المصغر. وقوله: «وهُو حَسِيرٌ» أي: قد بلغ الغاية في الإعياء، فهو بمعنى «فاعل» من الحسور الذي هو الإعياء، ويجوز أن يكون مفعولاً من حسرهُ بعدُ الشيء وهو معنى قول ابن عبَّاسٍ؛ ومنه قول الشاعر: [البسيط] 4793 - مَنْ مَدَّ طَرْفاً إلى ما فَوْقَ غَايَتِهِ ... إرتدَّ خَسْآنَ مِنهُ الطَّرْفُ قَدْ حُسِرَا يقال: حسر بصره يحسر حسوراً، أي: كلَّ وانقطع نظره من طول مدى، وما أشبه ذلك، فهو حسير ومحسور أيضاً. قال الشاعر: [الطويل] 4794 - نَظَرْتُ إليْهَا بالمُحَصَّبِ مِنْ مِنَى ... فعَادَ إليَّ الطَّرْفُ وهوَ حَسِيرُ وقيل هو النادم؛ قال: [الرمل] 4795 - مَا أنَا اليَوْمَ على شَيْءٍ خَلاَ ... يَا بْنَةَ القَيْنِ تولَّى بِحَسِرْ

الملك 67:5

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ﴾ ، أي: السماء القربى؛ لأنها أقرب السماوات إلى النَّاس، والمعنى: السَّماء الدُّنيا من النَّاس أي: الدنيا منكم لأنها «فعلى» تأنيث «أفعل» التفضيل، «بِمصَابِيحَ» جمع مصباح وهو السِّراجُ، وسمى الكواكب مصابيح لإضاءتها وسماها زينة لأن الناس يزينون مساجدهم ودورهم بالمصابيح، فكأنه قال: ولقد زيَّنَّا سقف الدارِ التي اجتمعتم فيها بمصابيح الأنوار. قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ﴾ . الضمير في «وَجَعَلْنَاهَا» يجوز فيه وجهان: أظهرهما: أنه يعود على «مَصَابِيحَ» . قيل: وكيفية الرَّجْم أن توجد نار من ضوء الكواكب يرمي بها الشيطانُ، والكوكب في مكانه لا يرجم به. قاله أبو علي جواباً لمن قال: كيف تكون زينةً وهي رجوم لا تبقى؟ . قال المهدويُّ: وهذا على أن يكون الاستراق من موضع الكوكب. والثاني: أن الضمير يعود على السماء، والمعنى: وجعلنا منها؛ لأن ذات السماء ليست للرجوم. قاله أبو حيان. وفيه نظر لعدم عود الضمير على السَّماء. قال القرطبي: والمعنى جعلنا شُهُباً، فحذف المضاف، بدليل قوله ﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: 10] ، قال: وعلى هذا فالمصابيح لا تزول ولا يرجم بها. قال المهدويُّ: وهذا على أن يكون الاستراق دون موضع الكوكب. وقال القشيريُّ: وأحسن من قول أبي علي أن نقول: هي زينة قبل أن ترجم بها الشياطين. والرجوم: جمع رجمٍ، وهو مصدر في الأصل أطلق على المرجوم به كضرب الأمير. ويجوز أن يكون باقياً على مصدريته، ويقدر مضاف، أي: ذات رجوم. وجمع المصدر باعتبار أنواعه، فعلى الأول يتعلق قوله: «للشَّياطينِ» بمحذوف على أنه صفة ل «رُجُوماً» . وعلى الثاني: لا تعلق له؛ لأن اللام مزيدة في المفعول به، وفيه دلالة حينئذ على إعمال المصدر منوناً مجموعاً. ويجوز أن تكون صفة له أيضاً كالأول، فيتعلق بمحذوف. وقيل: الرجوم هنا الظنون، والشياطين: شياطين الإنس. كما قال: [الطويل] 4796 - ... ... ... ... ... ... ... ... ..... ومَا هُوَ عَنْهَا بالحَديثِ المُرَجَّمِ فيكون المعنى: جعلناها ظُنُوناً ورجوماً بالغيبِ، لشياطين الإنس، وهم الأحكاميون من المنجمين. فصل في خلق النجوم قال قتادةُ: خلق الله النُّجوم لثلاثٍ: زينة السَّماءِ ورجوماً للشياطين، وعلاماتٍ يهتدى بها في البرِّ والبحرِ والأوقاتِ، فمن تأول فيها غير ذلك فقد تكلف ما لا علم له به، وتعدى، وظلم. وقال محمد بن كعب: والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء نجم، ولكنهم يتَّخذون الكهانة، ويتَّخذون النُّجوم علةً. فصل قال ابن الخطيب: ظاهر الآيةِ لا يدلّ على أن هذه الكواكب مركوزة في السماء الدنيا؛ لأن السماوات إذا كانت شفافة، فالكواكب سواء كانت في السماء الدنيا، أو في سماوات أخرى فوقها، فهي ولا بُد أن تظهر في السَّماء الدنيا، ولتلوح منها، فعلى التقدير تكون السماء الدنيا متزينة، واعلم أنَّ أصحاب الهيئةِ اتفقوا على أن هذه الكواكب مركوزة في الفلك الثامن الذي فوق كرات السياراتِ، واحتجوا أن بعض الثوابت في الفلك الثامن، فيجب أن تكون كلها هناك. وإنما قلنا: إن بعضها في الفلك الثامن، لأن الكواكب القريبة من المنطقة تنكسف بهذه السيارات، فوجب أن تكون الثوابت المنكسفة فوق السيارات الكاسفة وإنما قلنا: إن الثوابت لما كانت في الفلك الثَّامن وجب أن تكون كلها هناك؛ لأنها بأسرها متحركة حركة واحدة بطيئة في كل مائة سنة درجة واحدة، فلا بُدَّ وأن تكون مركوزةً في كرة واحدة. قال ابن الخطيب: وهذه استدلالاتٌ ضعيفة؛ فإنه لا يلزم من كون بعض الثَّوابت فوق السيارة كون كلها هناك؛ لأنه لا يبعد وجود كرة تحت كرة القمر، وتكون في النظر مساوية لكرة الثوابت، وتكون الكواكب المركوزة فيها مقارب القطبين مركوزة في هذه الكرة السفلية؛ إذ لا يبعد وجود كرتين مختلفتين بالصغر والكبر مع كونهما متشابهتين في الحركة، وعلى هذا التقدير لا يمتنع أن تكون المصابيح مركوزة في سماء الدنيا، فثبت بهذا ضعف مذاهب الفلاسفة. فصل في سبب الرجوم قال ابن الخطيب: يروى أن السبب في الرجوم أن الجن كانت تسمع خبر السماء فلما بعث محمدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حرست السماء ورجمت الشياطين، فمن جاء منهم مسترقاً للسمع رمي بشهاب، فأحرقه لئلا ينزل به إلى الأرض، فيلقيه إلى النَّاس، فيختلط على النبي أمره، ويرتاب النَّاس بخبره. ومن النَّاس من طعن في هذا من وجوه: أحدها: أن انقضاض الكواكب مذكور في كتب قدماء الفلاسفة، قالوا: إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس إذا بلغ النَّار التي دون الفلك احترق بها، فتلك الشعلة هي الشهاب. وثانيها: أن الجن إذا شاهدوا جماعة منهم يسترقون، فيحرقون إن امتنع أن يعودوا لذلك. وثالثها: أن ثُخْنَ السماء مسيرة خمسمائة سنةٍ، فالجن لا يقدرون على خرقها؛ لأنه تعالى نفى أن يكون فيها فطور، وثخنها يمنعهم من السمع لأسرار الملائكة من ذلك البعد العظيم، وإذا سمعوه من ذلك البعد، فهم لا يسمعون كلام الملائكة حال كونهم في الأرض. ورابعها: أن الملائكة إنما اطلعوا على الأحوال المستقبلة، إما لأنهم طالعوها من اللوح المحفوظ، أو لأنهم نقلوها من وحي الله إليهم، وعلى التقديرين، فلم لم يسكتوا عن ذكرها حتى لا يمكنوا الجن من معرفتها. وخامسها: أن الشياطين مخلوقون من النار، والنار لا تحرق النار، بل تقويها. وسادسها: إن كان هذا القذف لأجل النبوة فلم بقي بعدها؟ . وسابعها: أن هذ الرجوم إنما تحدث بالقرب من الأرض، لأنا نشاهدها بالعين، ومع البعد لا نشاهدها كما لا نشاهد حركات الكواكب. وثامنها: إن كانت الشياطين ينقلون أخبار الملائكةِ عن المغيبات إلى الكهنة، فلم لا ينقلون أسرار المؤمنين إلى الكفار، حتى يتوصل الكفار بذلك إلى إلحاق الضرر بالمؤمنين؟ . وتاسعها: لم لم يمنعهم الله ابتداء من الصعود إلى السماء؟ . والجواب عن الأول: أنا لا ننكر أن هذه الشُّهب كانت موجودة قبل مبعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وعن الثاني: أنه إذا جاء القدر عمي البصر، فإذا قضى الله على طائفة منها بالحرق لطغيانها قيَّض الله لها من الدواعي ما يقدمها على العملِ المفضي إلى هلاكها. وعن الثالث: أن نمنع كون ثخن الفلك ما ذكروه، بأن البعد بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام. وعن الرابع: ما روى الزهري عن علي بن الحسين، عن علي بن أبي طالب قال: «بينما النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جالساً في نفرٍ من أصحابه، إذ رمي بنجم فاستنار، فقال: مَا كُنْتُمْ تقُولُونَ فِي الجَاهليَّةِ إذَا حدث؟ قال: كنا نقول: يولد عظيم أو يموت عظيم فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» فإنَّها لا تُرْمَى لمَوْتِ أحدٍ، ولا لِحياتهِ، ولكِنَّ اللَّه - تعالى - إذا قَضَى الأمْرَ في السَّماءِ سبَّحتْ حملةُ العرشِ، ثُمَّ يُسبِّحُ أهلُ كُلِّ سماءٍ، وتسبِّحُ كُل سماءٍ، حتى ينتهي التَّسبيحُ إلى هذه السَّماءِ، ويَسْتخبرُ أهلُ السَّماءِ حملة العَرْشِ ماذا قال ربُّكُمْ؟ فيُخبرُونهُمْ، ولا يَزالُ يَنْتَهِي ذلِكَ الخَبَرُ من سماءٍ إلى سماءٍ إلى أن يَنْتَهِي الخبرُ إلى هذه السَّماء فتَخْطَفُهُ الجِنُّ فَيُرمَونَ، فمَا جَاءُوا به فَهُوَ حَقٌّ، ولكنَّهم يزيدُون فِيهِ «» . وعن الخامس: أنَّ نار النجومِ قد تكون أقوى من نارِ الجن. وعن السادس: أنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أخبر ببطلان الكهانةِ، فلو لم ينقطعوا لعادت الكهانة، وذلك يقدح في خبر الرسولِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ. وعن السابع: أن البعد غير مانع من السماءِ عندنا. وعن الثامن: لعله تعالى أقدرهم على استماع الغيوب عن الملائكة، وأعجزهم عن إيصال أسرار المؤمنين إلى الكافرين. وعن التاسع: أن الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير﴾ . لما ذكر منافع الكواكب، وذكر من جملة تلك المنافع أنها رجوم للشياطين قال بعد ذلك: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير﴾ ، أي: وأعتدنا للشَّياطين بعد الإحراق بالشُّهب في الدنيا عذاب السَّعير في الآخرة، وهو أشدُّ الحريقِ. قال المبردُ: سعرت النَّار فهي مسعورة وسعير، مثل قوله: مقتولة وقتيل. وهذه الآية تدل على أن النَّار مخلوقة؛ لأن قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾ خبر عن الماضي. قوله: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ خبر مقدم في قراءة العامة، و «عذابُ جهنَّم» مبتدؤه. وفي قراءة الحسن والأعرج والضحاك: بنصب «عَذَابَ» فيتعلق ب «أعْتَدْنَا» عطفاً على «لَهُمْ» و «عَذابَ السَّعيرِ» ، فعطف منصوباً على منصوب، ومجروراً على مجرور، وأعاد الخافض، لأن المعطوف عليه ضمير. والمخصوص بالذَّم محذوف، أي: وبئس المصير مصيرهم، أو عذاب جهنَّم، أو عذاب السَّعير. فصل في معنى الآية والمعنى لكل من كفر بالله من الشياطين وغيرهم عذاب جهنم؛ ليبين أن الشياطين المرجومين مخصوصون بذلك، ثم إنه - تعالى - وصف ذلك العذاب بصفات، أولها قوله تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً﴾ يعني الكفار ﴿إِذَآ أُلْقُواْ﴾ طرحوا كما يطرح الحطب في النار العظيمة ﴿سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً﴾ أي: صوتاً. قال ابن عباس: الشَّهيق لجهنم عند إلقاء الكُفار فيها كشهيق البغلةِ للشعير. وقال عطاءٌ: الشَّهيق من الكُفَّار عند إلقائهم في النار. وقال مقاتلٌ: سمعُوا لجهنم شهيقاً. قال ابن الخطيب: ولعل المراد تشبيه صوت لهبِ النَّار بالشهيق، وهو كصوت الحمار. وقال المبرد: هو - والله أعلم - تنفس كتنفس التغيُّظ. قال الزجاجُ: سمع الكُفَّار للنار شهيقاً، وهو أقبح الأصوات. وقيل: سمعوا من أنفسهم شهيقاً كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: 106] . قوله: «لَهَا» متعلق بمحذوف على أنه حال من «شَهيقاً» لأنه في الأصل صفته، ويجوز أن يكون على حذف مضاف، أي: سمعوا لأهلها، وهي تَفُور: جملة حالية. فصل في معنى الشهيق والزفير قال القرطبيُّ: «والشهيق في الصدر، والزفير في الحلق، وقد مضى في سورة» هود «» . وقوله: ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ . أي: تغلي؛ ومنه قول حسَّان: [الوافر] تَرَكْتُمْ قِدْركُمْ لا شيءَ فِيهَا ... وقِدْرُ القَوْمِ حَامِيَةٌ تَفورُ قال مجاهد: تفور كما يفور الحب القليل في الماء الكثير. وقال ابن عباس: تغلي بهم على المراجل، وهذا من شدّة لهب النار من شدّة الغضب كما تقول: فلان يفور غيظاً. قوله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ . قرأ العامة: «تَميَّزُ» بتاء واحدة مخففة، والأصل «تتميَّز» بتاءين، وهي قراءة طلحة. والبزي عن ابن كثير: بتشديدها، أدغم إحدى التاءين في الأخرى. وهي قراءة حسنة لعدم التقاء الساكنين بخلاف قراءته ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: 15] ، و ﴿نَاراً تلظى﴾ [الليل: 14] وبابه. وأبو عمرو: يدغم الدَّال في التاء على أصله في المتقاربين. وقرأ الضحاك: «تَمَايَزُ» والأصل: «تتمايزُ» بتاءين، فحذف إحداهما. وزيد بن علي: «تَمِيزُ» من «مَازَ» . وهذا كله استعارة من قولهم: تميز فلان من الغيظ، أي: انفصل بعضه من بعض من الغيظ، فمن سببية، أي: بسبب الغيظ، ومثله في وصف كَلْب، أنشد عروة: [الرجز] 4798 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... يَكَادُ أنْ يَخْرُجَ مِنْ إهَابِهِ قال ابن الخطيب: ولعل سبب هذا المجاز أن دم القلب يغلي عند الغضب، فيعظم مقداره، فيزداد امتلاء العروق، حتَّى تكاد تتمزَّق. فإن قيل: النَّار ليست من الأحياء، فكيف توصف بالغيظ؟ . قال ابن الخطيب: والجواب: أن البنية عندنا ليست شرطاً للحياة، فلعل الله - تعالى - يخلق فيها وهي نار حياة، أو يكون هذا استعارة يشبه صوت لهبها وسرعة مبادرتها بالغضبان وحركته، أو يكون المراد الزبانية. فصل في تفسير الآية قال سعيد بن جبير ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ يعني تنقطع، وينفصل بعضها من بعض. وابن عباس والضحاك وابن زيد: تتفرق من الغيظ من شدة الغيظ على أعداء الله تعالى. قوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ . تقدم الكلام على «كُلَّمَا» . وهذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من ضمير جهنم. والفَوْج: الجماعة من الناس، والأفْوَاج: الجماعات في تفرقة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾ [النبأ: 18] والمراد هنا بالفوج جماعة من الكفار ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ﴾ وهم مالك، وأعوانه سؤال توبيخ وتقريع ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ ، أي: رسول في الدنيا ينذركم هذا اليوم، حتى تحذروا. قال الزَّجَّاج: وهذا التوبيخُ زيادة لهم في العذاب. قوله: ﴿بلى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ﴾ . فيه دليل على جواز الجميع بين حرف الجواب، ونفس الجملة المجاب بها إذ لو قالوا: بلى، لفهم المعنى، ولكنهم أظهروه تحسراً وزيادة في تغميمهم على تفريطهم في قبُول قول النذير؛ فعطفوا عليه: «فكَذَّبْنَا» إلى آخره. قوله: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ ظاهره أنه من مقول الكفار للنذير، أي: قلنا: «مَا أنْزَلَ اللَّهُ من شَيءٍ» أي: على ألسنتكم إن أنتم يا معشر الرسل ﴿إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ اعترفوا بتكذيب الرسلِ، ثم اعترفوا بجهلهم، فقالوا وهم في النار: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ من النذر يعني: الرسل ما جاءوا به «أوْ نَعْقِلُ» عنهم. وجوز الزمخشريُّ أن يكون من كلام الرُّسل للكفرةِ، وحكاه الكفرة للخزنةِ، أي: قالوا لنا هذا فلم نقبلهُ. قال ابن الخطيب: يجوز أن يكون من كلام الخزنة للكفار، أي: لما قالوا ذلك الكلام قالت الخزنة لهم: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ . قوله: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السعير﴾ . قال ابن الخطيب: احتجّ بهذه الآية من قال: إنَّ الدين لا يتم إلا بالتعليم؛ لأنه قدم السمع على العقل، فدل على أنه لا بد أولاً من إرشاد المرشد غلب عليه تأمل السامع فيما ندب العلم. وأجيب: بأنه إنما قدم السمع؛ لأن الرسول إذا دعا، فأول المراتب أنه يسمع كلامه، ثم يتفكر فيه فلما كان السمع مقدماً على التعقل لا جرم قدم عليه في الذكر. فصل فيمن فضل السمع على البصر واحتج بهذه الآيةِ من قدم السمع على البصر، قالوا: لأنه جعل للسمع مدخلاً في الخلاص من النار، والفوز بالجنة، والبصر ليس كذلك، فوجب أن يكون السمع أفضل من البصر. قوله «بِذنْبِهِمْ» وحَّده؛ لأنه مصدر في الأصل، ولم يقصد التنويع بخلاف «بِذُنُوبِهِم» في موضع؛ ولأنه في معنى الجمع؛ ولأن اسم الجنس إذا أضيف عم. فصل في المراد بالضلال الكبير قال ابن الخطيب: يحتمل أن يكون المراد من الضَّلال الكبير ما كانوا عليه في الدنيا من ضلالهم، ويحتمل أن يكون المراد بالضَّلال الهلاك، ويحتمل أن يكون قد سمى عقاب الضلال باسمه. فصل في الرد على المرجئة احتجت المرجئةُ بهذه الآية على أنه لا يدخل النارَ إلا الكفار قالوا: لأنه تعالى حكى عن كل من ألقي في النار أنهم قالوا: فكذبنا النذير، وهذا يدل على أن من لم يكذب الله ورسوله لا يلقى في النار، وظاهر هذه الآية يقتضي القطع بأن الفاسق المصرَّ لا يدخل النار، وأجاب القاضي عنه: بأن النذير قد يطلق على ما في العقول من الأدلة المخوفة، وكل من يدخل النار مخالف للدليل. فصل في معرفة الله بعد ورود السمع واحتج بهذه الآية من قال: إن معرفة الله، وشكره لا يجبان إلا بعد ورود السمع، قالوا: لأنه تعالى إنما عذبهم؛ لأنه أتاهم النذير، فدل على أنه لو لم يأتهم النذير لم يعذبوا. قوله: ﴿فَسُحْقاً﴾ . فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب على المفعول به، أي: ألزمهم الله سحقاً. والثاني: أنه منصوب على المصدر، تقديره: «أسحقهم الله سحقاً» فناب المصدر عن عامله في الدعاء نحو «جَدْعاً له، وغفراً» فلا يجوز إظهار عامله. واختلف النحاة: هل هو مصدر لفعل ثلاثي، أم لفعل رباعي، فجاء على حذف الزوائد. فذهب الفارسي والزجاج إلى أنه مصدر «أسْحَقهُ اللَّهُ» أي: أبعده. قال الفارسي: فكان القياس إسحاقاً، فجاء المصدر على الحذف، كقوله: [الوافر] 4799 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... وإنْ يَهْلِكْ فذلِكَ كانَ قَدْرِي أي: تقديري. والظاهر أن لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه سمع «سَحَقَهُ اللَّهُ» ثلاثياً؛ ومنه قول الشاعر: [الطويل] 4800 - يَجُولُ بأطْرَافِ البِلادِ مُغَرِّباً ... وتَسْحَقُهُ ريحُ الصَّبَا كُلَّ مَسْحَقِ والذي يظهر أن الزجاج والفارسي إنما قالا ذلك فيمن يقول من العرب: أسحقه الله سحقاً. وقرأ العامة: بضم وسكون. والكسائي وآخرون: بضمتين. وهما لغتان، والأحسن أن يكون المثقل أصلاً للمخفف، و «لأصْحابِ» بيان ك ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: 23] ، وسقياً لَكَ. وقال مكيٌّ: «والرفع يجوز في الكلام على الابتداء» . أي: لو قيل: «فسحق» جاز، لا على أنه تلاوة، بل من حيث الصناعة، إلاَّ أن ابن عطية قال ما يضعفه، فإنه قال: «فسحقاً، نصباً على جهة الدعاء عليهم، وجاز ذلك فيه وهو من قبل الله - تعالى - من حيث إن هذا القول فيهم مستقر أزلاً، ووجوده لم يقع ولا يقع إلا في الآخرة، فكأنه لذلك في حيز المتوقع الذي يدعى فيه كما تقول: سُحْقاً لزيد، وبُعْداً له، والنصب في هذا كله بإضمار فعل، فأما ما وقع وثبت، فالوجه الرفع، كما قال تعالى ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: 1] و ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 54] ، وغير هذا من الأمثلة» ، انتهى. فضعف الرفع كما ترى؛ لأنه لم يقع، بل هو متوقع في الآخرة. فصل قال المفسِّرون: ﴿فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السعير﴾ ، أي: فَبُعْداً لهم من رحمة الله. وقال سعيد بن جبير، وأبو صالح: هو واد في جهنَّم يقال له: السحق.

الملك 67:6

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ﴾ ، أي: السماء القربى؛ لأنها أقرب السماوات إلى النَّاس، والمعنى: السَّماء الدُّنيا من النَّاس أي: الدنيا منكم لأنها «فعلى» تأنيث «أفعل» التفضيل، «بِمصَابِيحَ» جمع مصباح وهو السِّراجُ، وسمى الكواكب مصابيح لإضاءتها وسماها زينة لأن الناس يزينون مساجدهم ودورهم بالمصابيح، فكأنه قال: ولقد زيَّنَّا سقف الدارِ التي اجتمعتم فيها بمصابيح الأنوار. قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ﴾ . الضمير في «وَجَعَلْنَاهَا» يجوز فيه وجهان: أظهرهما: أنه يعود على «مَصَابِيحَ» . قيل: وكيفية الرَّجْم أن توجد نار من ضوء الكواكب يرمي بها الشيطانُ، والكوكب في مكانه لا يرجم به. قاله أبو علي جواباً لمن قال: كيف تكون زينةً وهي رجوم لا تبقى؟ . قال المهدويُّ: وهذا على أن يكون الاستراق من موضع الكوكب. والثاني: أن الضمير يعود على السماء، والمعنى: وجعلنا منها؛ لأن ذات السماء ليست للرجوم. قاله أبو حيان. وفيه نظر لعدم عود الضمير على السَّماء. قال القرطبي: والمعنى جعلنا شُهُباً، فحذف المضاف، بدليل قوله ﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: 10] ، قال: وعلى هذا فالمصابيح لا تزول ولا يرجم بها. قال المهدويُّ: وهذا على أن يكون الاستراق دون موضع الكوكب. وقال القشيريُّ: وأحسن من قول أبي علي أن نقول: هي زينة قبل أن ترجم بها الشياطين. والرجوم: جمع رجمٍ، وهو مصدر في الأصل أطلق على المرجوم به كضرب الأمير. ويجوز أن يكون باقياً على مصدريته، ويقدر مضاف، أي: ذات رجوم. وجمع المصدر باعتبار أنواعه، فعلى الأول يتعلق قوله: «للشَّياطينِ» بمحذوف على أنه صفة ل «رُجُوماً» . وعلى الثاني: لا تعلق له؛ لأن اللام مزيدة في المفعول به، وفيه دلالة حينئذ على إعمال المصدر منوناً مجموعاً. ويجوز أن تكون صفة له أيضاً كالأول، فيتعلق بمحذوف. وقيل: الرجوم هنا الظنون، والشياطين: شياطين الإنس. كما قال: [الطويل] 4796 - ... ... ... ... ... ... ... ... ..... ومَا هُوَ عَنْهَا بالحَديثِ المُرَجَّمِ فيكون المعنى: جعلناها ظُنُوناً ورجوماً بالغيبِ، لشياطين الإنس، وهم الأحكاميون من المنجمين. فصل في خلق النجوم قال قتادةُ: خلق الله النُّجوم لثلاثٍ: زينة السَّماءِ ورجوماً للشياطين، وعلاماتٍ يهتدى بها في البرِّ والبحرِ والأوقاتِ، فمن تأول فيها غير ذلك فقد تكلف ما لا علم له به، وتعدى، وظلم. وقال محمد بن كعب: والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء نجم، ولكنهم يتَّخذون الكهانة، ويتَّخذون النُّجوم علةً. فصل قال ابن الخطيب: ظاهر الآيةِ لا يدلّ على أن هذه الكواكب مركوزة في السماء الدنيا؛ لأن السماوات إذا كانت شفافة، فالكواكب سواء كانت في السماء الدنيا، أو في سماوات أخرى فوقها، فهي ولا بُد أن تظهر في السَّماء الدنيا، ولتلوح منها، فعلى التقدير تكون السماء الدنيا متزينة، واعلم أنَّ أصحاب الهيئةِ اتفقوا على أن هذه الكواكب مركوزة في الفلك الثامن الذي فوق كرات السياراتِ، واحتجوا أن بعض الثوابت في الفلك الثامن، فيجب أن تكون كلها هناك. وإنما قلنا: إن بعضها في الفلك الثامن، لأن الكواكب القريبة من المنطقة تنكسف بهذه السيارات، فوجب أن تكون الثوابت المنكسفة فوق السيارات الكاسفة وإنما قلنا: إن الثوابت لما كانت في الفلك الثَّامن وجب أن تكون كلها هناك؛ لأنها بأسرها متحركة حركة واحدة بطيئة في كل مائة سنة درجة واحدة، فلا بُدَّ وأن تكون مركوزةً في كرة واحدة. قال ابن الخطيب: وهذه استدلالاتٌ ضعيفة؛ فإنه لا يلزم من كون بعض الثَّوابت فوق السيارة كون كلها هناك؛ لأنه لا يبعد وجود كرة تحت كرة القمر، وتكون في النظر مساوية لكرة الثوابت، وتكون الكواكب المركوزة فيها مقارب القطبين مركوزة في هذه الكرة السفلية؛ إذ لا يبعد وجود كرتين مختلفتين بالصغر والكبر مع كونهما متشابهتين في الحركة، وعلى هذا التقدير لا يمتنع أن تكون المصابيح مركوزة في سماء الدنيا، فثبت بهذا ضعف مذاهب الفلاسفة. فصل في سبب الرجوم قال ابن الخطيب: يروى أن السبب في الرجوم أن الجن كانت تسمع خبر السماء فلما بعث محمدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حرست السماء ورجمت الشياطين، فمن جاء منهم مسترقاً للسمع رمي بشهاب، فأحرقه لئلا ينزل به إلى الأرض، فيلقيه إلى النَّاس، فيختلط على النبي أمره، ويرتاب النَّاس بخبره. ومن النَّاس من طعن في هذا من وجوه: أحدها: أن انقضاض الكواكب مذكور في كتب قدماء الفلاسفة، قالوا: إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس إذا بلغ النَّار التي دون الفلك احترق بها، فتلك الشعلة هي الشهاب. وثانيها: أن الجن إذا شاهدوا جماعة منهم يسترقون، فيحرقون إن امتنع أن يعودوا لذلك. وثالثها: أن ثُخْنَ السماء مسيرة خمسمائة سنةٍ، فالجن لا يقدرون على خرقها؛ لأنه تعالى نفى أن يكون فيها فطور، وثخنها يمنعهم من السمع لأسرار الملائكة من ذلك البعد العظيم، وإذا سمعوه من ذلك البعد، فهم لا يسمعون كلام الملائكة حال كونهم في الأرض. ورابعها: أن الملائكة إنما اطلعوا على الأحوال المستقبلة، إما لأنهم طالعوها من اللوح المحفوظ، أو لأنهم نقلوها من وحي الله إليهم، وعلى التقديرين، فلم لم يسكتوا عن ذكرها حتى لا يمكنوا الجن من معرفتها. وخامسها: أن الشياطين مخلوقون من النار، والنار لا تحرق النار، بل تقويها. وسادسها: إن كان هذا القذف لأجل النبوة فلم بقي بعدها؟ . وسابعها: أن هذ الرجوم إنما تحدث بالقرب من الأرض، لأنا نشاهدها بالعين، ومع البعد لا نشاهدها كما لا نشاهد حركات الكواكب. وثامنها: إن كانت الشياطين ينقلون أخبار الملائكةِ عن المغيبات إلى الكهنة، فلم لا ينقلون أسرار المؤمنين إلى الكفار، حتى يتوصل الكفار بذلك إلى إلحاق الضرر بالمؤمنين؟ . وتاسعها: لم لم يمنعهم الله ابتداء من الصعود إلى السماء؟ . والجواب عن الأول: أنا لا ننكر أن هذه الشُّهب كانت موجودة قبل مبعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وعن الثاني: أنه إذا جاء القدر عمي البصر، فإذا قضى الله على طائفة منها بالحرق لطغيانها قيَّض الله لها من الدواعي ما يقدمها على العملِ المفضي إلى هلاكها. وعن الثالث: أن نمنع كون ثخن الفلك ما ذكروه، بأن البعد بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام. وعن الرابع: ما روى الزهري عن علي بن الحسين، عن علي بن أبي طالب قال: «بينما النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جالساً في نفرٍ من أصحابه، إذ رمي بنجم فاستنار، فقال: مَا كُنْتُمْ تقُولُونَ فِي الجَاهليَّةِ إذَا حدث؟ قال: كنا نقول: يولد عظيم أو يموت عظيم فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» فإنَّها لا تُرْمَى لمَوْتِ أحدٍ، ولا لِحياتهِ، ولكِنَّ اللَّه - تعالى - إذا قَضَى الأمْرَ في السَّماءِ سبَّحتْ حملةُ العرشِ، ثُمَّ يُسبِّحُ أهلُ كُلِّ سماءٍ، وتسبِّحُ كُل سماءٍ، حتى ينتهي التَّسبيحُ إلى هذه السَّماءِ، ويَسْتخبرُ أهلُ السَّماءِ حملة العَرْشِ ماذا قال ربُّكُمْ؟ فيُخبرُونهُمْ، ولا يَزالُ يَنْتَهِي ذلِكَ الخَبَرُ من سماءٍ إلى سماءٍ إلى أن يَنْتَهِي الخبرُ إلى هذه السَّماء فتَخْطَفُهُ الجِنُّ فَيُرمَونَ، فمَا جَاءُوا به فَهُوَ حَقٌّ، ولكنَّهم يزيدُون فِيهِ «» . وعن الخامس: أنَّ نار النجومِ قد تكون أقوى من نارِ الجن. وعن السادس: أنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أخبر ببطلان الكهانةِ، فلو لم ينقطعوا لعادت الكهانة، وذلك يقدح في خبر الرسولِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ. وعن السابع: أن البعد غير مانع من السماءِ عندنا. وعن الثامن: لعله تعالى أقدرهم على استماع الغيوب عن الملائكة، وأعجزهم عن إيصال أسرار المؤمنين إلى الكافرين. وعن التاسع: أن الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير﴾ . لما ذكر منافع الكواكب، وذكر من جملة تلك المنافع أنها رجوم للشياطين قال بعد ذلك: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير﴾ ، أي: وأعتدنا للشَّياطين بعد الإحراق بالشُّهب في الدنيا عذاب السَّعير في الآخرة، وهو أشدُّ الحريقِ. قال المبردُ: سعرت النَّار فهي مسعورة وسعير، مثل قوله: مقتولة وقتيل. وهذه الآية تدل على أن النَّار مخلوقة؛ لأن قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾ خبر عن الماضي. قوله: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ خبر مقدم في قراءة العامة، و «عذابُ جهنَّم» مبتدؤه. وفي قراءة الحسن والأعرج والضحاك: بنصب «عَذَابَ» فيتعلق ب «أعْتَدْنَا» عطفاً على «لَهُمْ» و «عَذابَ السَّعيرِ» ، فعطف منصوباً على منصوب، ومجروراً على مجرور، وأعاد الخافض، لأن المعطوف عليه ضمير. والمخصوص بالذَّم محذوف، أي: وبئس المصير مصيرهم، أو عذاب جهنَّم، أو عذاب السَّعير. فصل في معنى الآية والمعنى لكل من كفر بالله من الشياطين وغيرهم عذاب جهنم؛ ليبين أن الشياطين المرجومين مخصوصون بذلك، ثم إنه - تعالى - وصف ذلك العذاب بصفات، أولها قوله تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً﴾ يعني الكفار ﴿إِذَآ أُلْقُواْ﴾ طرحوا كما يطرح الحطب في النار العظيمة ﴿سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً﴾ أي: صوتاً. قال ابن عباس: الشَّهيق لجهنم عند إلقاء الكُفار فيها كشهيق البغلةِ للشعير. وقال عطاءٌ: الشَّهيق من الكُفَّار عند إلقائهم في النار. وقال مقاتلٌ: سمعُوا لجهنم شهيقاً. قال ابن الخطيب: ولعل المراد تشبيه صوت لهبِ النَّار بالشهيق، وهو كصوت الحمار. وقال المبرد: هو - والله أعلم - تنفس كتنفس التغيُّظ. قال الزجاجُ: سمع الكُفَّار للنار شهيقاً، وهو أقبح الأصوات. وقيل: سمعوا من أنفسهم شهيقاً كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: 106] . قوله: «لَهَا» متعلق بمحذوف على أنه حال من «شَهيقاً» لأنه في الأصل صفته، ويجوز أن يكون على حذف مضاف، أي: سمعوا لأهلها، وهي تَفُور: جملة حالية. فصل في معنى الشهيق والزفير قال القرطبيُّ: «والشهيق في الصدر، والزفير في الحلق، وقد مضى في سورة» هود «» . وقوله: ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ . أي: تغلي؛ ومنه قول حسَّان: [الوافر] تَرَكْتُمْ قِدْركُمْ لا شيءَ فِيهَا ... وقِدْرُ القَوْمِ حَامِيَةٌ تَفورُ قال مجاهد: تفور كما يفور الحب القليل في الماء الكثير. وقال ابن عباس: تغلي بهم على المراجل، وهذا من شدّة لهب النار من شدّة الغضب كما تقول: فلان يفور غيظاً. قوله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ . قرأ العامة: «تَميَّزُ» بتاء واحدة مخففة، والأصل «تتميَّز» بتاءين، وهي قراءة طلحة. والبزي عن ابن كثير: بتشديدها، أدغم إحدى التاءين في الأخرى. وهي قراءة حسنة لعدم التقاء الساكنين بخلاف قراءته ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: 15] ، و ﴿نَاراً تلظى﴾ [الليل: 14] وبابه. وأبو عمرو: يدغم الدَّال في التاء على أصله في المتقاربين. وقرأ الضحاك: «تَمَايَزُ» والأصل: «تتمايزُ» بتاءين، فحذف إحداهما. وزيد بن علي: «تَمِيزُ» من «مَازَ» . وهذا كله استعارة من قولهم: تميز فلان من الغيظ، أي: انفصل بعضه من بعض من الغيظ، فمن سببية، أي: بسبب الغيظ، ومثله في وصف كَلْب، أنشد عروة: [الرجز] 4798 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... يَكَادُ أنْ يَخْرُجَ مِنْ إهَابِهِ قال ابن الخطيب: ولعل سبب هذا المجاز أن دم القلب يغلي عند الغضب، فيعظم مقداره، فيزداد امتلاء العروق، حتَّى تكاد تتمزَّق. فإن قيل: النَّار ليست من الأحياء، فكيف توصف بالغيظ؟ . قال ابن الخطيب: والجواب: أن البنية عندنا ليست شرطاً للحياة، فلعل الله - تعالى - يخلق فيها وهي نار حياة، أو يكون هذا استعارة يشبه صوت لهبها وسرعة مبادرتها بالغضبان وحركته، أو يكون المراد الزبانية. فصل في تفسير الآية قال سعيد بن جبير ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ يعني تنقطع، وينفصل بعضها من بعض. وابن عباس والضحاك وابن زيد: تتفرق من الغيظ من شدة الغيظ على أعداء الله تعالى. قوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ . تقدم الكلام على «كُلَّمَا» . وهذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من ضمير جهنم. والفَوْج: الجماعة من الناس، والأفْوَاج: الجماعات في تفرقة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾ [النبأ: 18] والمراد هنا بالفوج جماعة من الكفار ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ﴾ وهم مالك، وأعوانه سؤال توبيخ وتقريع ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ ، أي: رسول في الدنيا ينذركم هذا اليوم، حتى تحذروا. قال الزَّجَّاج: وهذا التوبيخُ زيادة لهم في العذاب. قوله: ﴿بلى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ﴾ . فيه دليل على جواز الجميع بين حرف الجواب، ونفس الجملة المجاب بها إذ لو قالوا: بلى، لفهم المعنى، ولكنهم أظهروه تحسراً وزيادة في تغميمهم على تفريطهم في قبُول قول النذير؛ فعطفوا عليه: «فكَذَّبْنَا» إلى آخره. قوله: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ ظاهره أنه من مقول الكفار للنذير، أي: قلنا: «مَا أنْزَلَ اللَّهُ من شَيءٍ» أي: على ألسنتكم إن أنتم يا معشر الرسل ﴿إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ اعترفوا بتكذيب الرسلِ، ثم اعترفوا بجهلهم، فقالوا وهم في النار: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ من النذر يعني: الرسل ما جاءوا به «أوْ نَعْقِلُ» عنهم. وجوز الزمخشريُّ أن يكون من كلام الرُّسل للكفرةِ، وحكاه الكفرة للخزنةِ، أي: قالوا لنا هذا فلم نقبلهُ. قال ابن الخطيب: يجوز أن يكون من كلام الخزنة للكفار، أي: لما قالوا ذلك الكلام قالت الخزنة لهم: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ . قوله: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السعير﴾ . قال ابن الخطيب: احتجّ بهذه الآية من قال: إنَّ الدين لا يتم إلا بالتعليم؛ لأنه قدم السمع على العقل، فدل على أنه لا بد أولاً من إرشاد المرشد غلب عليه تأمل السامع فيما ندب العلم. وأجيب: بأنه إنما قدم السمع؛ لأن الرسول إذا دعا، فأول المراتب أنه يسمع كلامه، ثم يتفكر فيه فلما كان السمع مقدماً على التعقل لا جرم قدم عليه في الذكر. فصل فيمن فضل السمع على البصر واحتج بهذه الآيةِ من قدم السمع على البصر، قالوا: لأنه جعل للسمع مدخلاً في الخلاص من النار، والفوز بالجنة، والبصر ليس كذلك، فوجب أن يكون السمع أفضل من البصر. قوله «بِذنْبِهِمْ» وحَّده؛ لأنه مصدر في الأصل، ولم يقصد التنويع بخلاف «بِذُنُوبِهِم» في موضع؛ ولأنه في معنى الجمع؛ ولأن اسم الجنس إذا أضيف عم. فصل في المراد بالضلال الكبير قال ابن الخطيب: يحتمل أن يكون المراد من الضَّلال الكبير ما كانوا عليه في الدنيا من ضلالهم، ويحتمل أن يكون المراد بالضَّلال الهلاك، ويحتمل أن يكون قد سمى عقاب الضلال باسمه. فصل في الرد على المرجئة احتجت المرجئةُ بهذه الآية على أنه لا يدخل النارَ إلا الكفار قالوا: لأنه تعالى حكى عن كل من ألقي في النار أنهم قالوا: فكذبنا النذير، وهذا يدل على أن من لم يكذب الله ورسوله لا يلقى في النار، وظاهر هذه الآية يقتضي القطع بأن الفاسق المصرَّ لا يدخل النار، وأجاب القاضي عنه: بأن النذير قد يطلق على ما في العقول من الأدلة المخوفة، وكل من يدخل النار مخالف للدليل. فصل في معرفة الله بعد ورود السمع واحتج بهذه الآية من قال: إن معرفة الله، وشكره لا يجبان إلا بعد ورود السمع، قالوا: لأنه تعالى إنما عذبهم؛ لأنه أتاهم النذير، فدل على أنه لو لم يأتهم النذير لم يعذبوا. قوله: ﴿فَسُحْقاً﴾ . فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب على المفعول به، أي: ألزمهم الله سحقاً. والثاني: أنه منصوب على المصدر، تقديره: «أسحقهم الله سحقاً» فناب المصدر عن عامله في الدعاء نحو «جَدْعاً له، وغفراً» فلا يجوز إظهار عامله. واختلف النحاة: هل هو مصدر لفعل ثلاثي، أم لفعل رباعي، فجاء على حذف الزوائد. فذهب الفارسي والزجاج إلى أنه مصدر «أسْحَقهُ اللَّهُ» أي: أبعده. قال الفارسي: فكان القياس إسحاقاً، فجاء المصدر على الحذف، كقوله: [الوافر] 4799 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... وإنْ يَهْلِكْ فذلِكَ كانَ قَدْرِي أي: تقديري. والظاهر أن لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه سمع «سَحَقَهُ اللَّهُ» ثلاثياً؛ ومنه قول الشاعر: [الطويل] 4800 - يَجُولُ بأطْرَافِ البِلادِ مُغَرِّباً ... وتَسْحَقُهُ ريحُ الصَّبَا كُلَّ مَسْحَقِ والذي يظهر أن الزجاج والفارسي إنما قالا ذلك فيمن يقول من العرب: أسحقه الله سحقاً. وقرأ العامة: بضم وسكون. والكسائي وآخرون: بضمتين. وهما لغتان، والأحسن أن يكون المثقل أصلاً للمخفف، و «لأصْحابِ» بيان ك ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: 23] ، وسقياً لَكَ. وقال مكيٌّ: «والرفع يجوز في الكلام على الابتداء» . أي: لو قيل: «فسحق» جاز، لا على أنه تلاوة، بل من حيث الصناعة، إلاَّ أن ابن عطية قال ما يضعفه، فإنه قال: «فسحقاً، نصباً على جهة الدعاء عليهم، وجاز ذلك فيه وهو من قبل الله - تعالى - من حيث إن هذا القول فيهم مستقر أزلاً، ووجوده لم يقع ولا يقع إلا في الآخرة، فكأنه لذلك في حيز المتوقع الذي يدعى فيه كما تقول: سُحْقاً لزيد، وبُعْداً له، والنصب في هذا كله بإضمار فعل، فأما ما وقع وثبت، فالوجه الرفع، كما قال تعالى ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: 1] و ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 54] ، وغير هذا من الأمثلة» ، انتهى. فضعف الرفع كما ترى؛ لأنه لم يقع، بل هو متوقع في الآخرة. فصل قال المفسِّرون: ﴿فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السعير﴾ ، أي: فَبُعْداً لهم من رحمة الله. وقال سعيد بن جبير، وأبو صالح: هو واد في جهنَّم يقال له: السحق.

الملك 67:7

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ﴾ ، أي: السماء القربى؛ لأنها أقرب السماوات إلى النَّاس، والمعنى: السَّماء الدُّنيا من النَّاس أي: الدنيا منكم لأنها «فعلى» تأنيث «أفعل» التفضيل، «بِمصَابِيحَ» جمع مصباح وهو السِّراجُ، وسمى الكواكب مصابيح لإضاءتها وسماها زينة لأن الناس يزينون مساجدهم ودورهم بالمصابيح، فكأنه قال: ولقد زيَّنَّا سقف الدارِ التي اجتمعتم فيها بمصابيح الأنوار. قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ﴾ . الضمير في «وَجَعَلْنَاهَا» يجوز فيه وجهان: أظهرهما: أنه يعود على «مَصَابِيحَ» . قيل: وكيفية الرَّجْم أن توجد نار من ضوء الكواكب يرمي بها الشيطانُ، والكوكب في مكانه لا يرجم به. قاله أبو علي جواباً لمن قال: كيف تكون زينةً وهي رجوم لا تبقى؟ . قال المهدويُّ: وهذا على أن يكون الاستراق من موضع الكوكب. والثاني: أن الضمير يعود على السماء، والمعنى: وجعلنا منها؛ لأن ذات السماء ليست للرجوم. قاله أبو حيان. وفيه نظر لعدم عود الضمير على السَّماء. قال القرطبي: والمعنى جعلنا شُهُباً، فحذف المضاف، بدليل قوله ﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: 10] ، قال: وعلى هذا فالمصابيح لا تزول ولا يرجم بها. قال المهدويُّ: وهذا على أن يكون الاستراق دون موضع الكوكب. وقال القشيريُّ: وأحسن من قول أبي علي أن نقول: هي زينة قبل أن ترجم بها الشياطين. والرجوم: جمع رجمٍ، وهو مصدر في الأصل أطلق على المرجوم به كضرب الأمير. ويجوز أن يكون باقياً على مصدريته، ويقدر مضاف، أي: ذات رجوم. وجمع المصدر باعتبار أنواعه، فعلى الأول يتعلق قوله: «للشَّياطينِ» بمحذوف على أنه صفة ل «رُجُوماً» . وعلى الثاني: لا تعلق له؛ لأن اللام مزيدة في المفعول به، وفيه دلالة حينئذ على إعمال المصدر منوناً مجموعاً. ويجوز أن تكون صفة له أيضاً كالأول، فيتعلق بمحذوف. وقيل: الرجوم هنا الظنون، والشياطين: شياطين الإنس. كما قال: [الطويل] 4796 - ... ... ... ... ... ... ... ... ..... ومَا هُوَ عَنْهَا بالحَديثِ المُرَجَّمِ فيكون المعنى: جعلناها ظُنُوناً ورجوماً بالغيبِ، لشياطين الإنس، وهم الأحكاميون من المنجمين. فصل في خلق النجوم قال قتادةُ: خلق الله النُّجوم لثلاثٍ: زينة السَّماءِ ورجوماً للشياطين، وعلاماتٍ يهتدى بها في البرِّ والبحرِ والأوقاتِ، فمن تأول فيها غير ذلك فقد تكلف ما لا علم له به، وتعدى، وظلم. وقال محمد بن كعب: والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء نجم، ولكنهم يتَّخذون الكهانة، ويتَّخذون النُّجوم علةً. فصل قال ابن الخطيب: ظاهر الآيةِ لا يدلّ على أن هذه الكواكب مركوزة في السماء الدنيا؛ لأن السماوات إذا كانت شفافة، فالكواكب سواء كانت في السماء الدنيا، أو في سماوات أخرى فوقها، فهي ولا بُد أن تظهر في السَّماء الدنيا، ولتلوح منها، فعلى التقدير تكون السماء الدنيا متزينة، واعلم أنَّ أصحاب الهيئةِ اتفقوا على أن هذه الكواكب مركوزة في الفلك الثامن الذي فوق كرات السياراتِ، واحتجوا أن بعض الثوابت في الفلك الثامن، فيجب أن تكون كلها هناك. وإنما قلنا: إن بعضها في الفلك الثامن، لأن الكواكب القريبة من المنطقة تنكسف بهذه السيارات، فوجب أن تكون الثوابت المنكسفة فوق السيارات الكاسفة وإنما قلنا: إن الثوابت لما كانت في الفلك الثَّامن وجب أن تكون كلها هناك؛ لأنها بأسرها متحركة حركة واحدة بطيئة في كل مائة سنة درجة واحدة، فلا بُدَّ وأن تكون مركوزةً في كرة واحدة. قال ابن الخطيب: وهذه استدلالاتٌ ضعيفة؛ فإنه لا يلزم من كون بعض الثَّوابت فوق السيارة كون كلها هناك؛ لأنه لا يبعد وجود كرة تحت كرة القمر، وتكون في النظر مساوية لكرة الثوابت، وتكون الكواكب المركوزة فيها مقارب القطبين مركوزة في هذه الكرة السفلية؛ إذ لا يبعد وجود كرتين مختلفتين بالصغر والكبر مع كونهما متشابهتين في الحركة، وعلى هذا التقدير لا يمتنع أن تكون المصابيح مركوزة في سماء الدنيا، فثبت بهذا ضعف مذاهب الفلاسفة. فصل في سبب الرجوم قال ابن الخطيب: يروى أن السبب في الرجوم أن الجن كانت تسمع خبر السماء فلما بعث محمدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حرست السماء ورجمت الشياطين، فمن جاء منهم مسترقاً للسمع رمي بشهاب، فأحرقه لئلا ينزل به إلى الأرض، فيلقيه إلى النَّاس، فيختلط على النبي أمره، ويرتاب النَّاس بخبره. ومن النَّاس من طعن في هذا من وجوه: أحدها: أن انقضاض الكواكب مذكور في كتب قدماء الفلاسفة، قالوا: إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس إذا بلغ النَّار التي دون الفلك احترق بها، فتلك الشعلة هي الشهاب. وثانيها: أن الجن إذا شاهدوا جماعة منهم يسترقون، فيحرقون إن امتنع أن يعودوا لذلك. وثالثها: أن ثُخْنَ السماء مسيرة خمسمائة سنةٍ، فالجن لا يقدرون على خرقها؛ لأنه تعالى نفى أن يكون فيها فطور، وثخنها يمنعهم من السمع لأسرار الملائكة من ذلك البعد العظيم، وإذا سمعوه من ذلك البعد، فهم لا يسمعون كلام الملائكة حال كونهم في الأرض. ورابعها: أن الملائكة إنما اطلعوا على الأحوال المستقبلة، إما لأنهم طالعوها من اللوح المحفوظ، أو لأنهم نقلوها من وحي الله إليهم، وعلى التقديرين، فلم لم يسكتوا عن ذكرها حتى لا يمكنوا الجن من معرفتها. وخامسها: أن الشياطين مخلوقون من النار، والنار لا تحرق النار، بل تقويها. وسادسها: إن كان هذا القذف لأجل النبوة فلم بقي بعدها؟ . وسابعها: أن هذ الرجوم إنما تحدث بالقرب من الأرض، لأنا نشاهدها بالعين، ومع البعد لا نشاهدها كما لا نشاهد حركات الكواكب. وثامنها: إن كانت الشياطين ينقلون أخبار الملائكةِ عن المغيبات إلى الكهنة، فلم لا ينقلون أسرار المؤمنين إلى الكفار، حتى يتوصل الكفار بذلك إلى إلحاق الضرر بالمؤمنين؟ . وتاسعها: لم لم يمنعهم الله ابتداء من الصعود إلى السماء؟ . والجواب عن الأول: أنا لا ننكر أن هذه الشُّهب كانت موجودة قبل مبعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وعن الثاني: أنه إذا جاء القدر عمي البصر، فإذا قضى الله على طائفة منها بالحرق لطغيانها قيَّض الله لها من الدواعي ما يقدمها على العملِ المفضي إلى هلاكها. وعن الثالث: أن نمنع كون ثخن الفلك ما ذكروه، بأن البعد بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام. وعن الرابع: ما روى الزهري عن علي بن الحسين، عن علي بن أبي طالب قال: «بينما النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جالساً في نفرٍ من أصحابه، إذ رمي بنجم فاستنار، فقال: مَا كُنْتُمْ تقُولُونَ فِي الجَاهليَّةِ إذَا حدث؟ قال: كنا نقول: يولد عظيم أو يموت عظيم فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» فإنَّها لا تُرْمَى لمَوْتِ أحدٍ، ولا لِحياتهِ، ولكِنَّ اللَّه - تعالى - إذا قَضَى الأمْرَ في السَّماءِ سبَّحتْ حملةُ العرشِ، ثُمَّ يُسبِّحُ أهلُ كُلِّ سماءٍ، وتسبِّحُ كُل سماءٍ، حتى ينتهي التَّسبيحُ إلى هذه السَّماءِ، ويَسْتخبرُ أهلُ السَّماءِ حملة العَرْشِ ماذا قال ربُّكُمْ؟ فيُخبرُونهُمْ، ولا يَزالُ يَنْتَهِي ذلِكَ الخَبَرُ من سماءٍ إلى سماءٍ إلى أن يَنْتَهِي الخبرُ إلى هذه السَّماء فتَخْطَفُهُ الجِنُّ فَيُرمَونَ، فمَا جَاءُوا به فَهُوَ حَقٌّ، ولكنَّهم يزيدُون فِيهِ «» . وعن الخامس: أنَّ نار النجومِ قد تكون أقوى من نارِ الجن. وعن السادس: أنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أخبر ببطلان الكهانةِ، فلو لم ينقطعوا لعادت الكهانة، وذلك يقدح في خبر الرسولِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ. وعن السابع: أن البعد غير مانع من السماءِ عندنا. وعن الثامن: لعله تعالى أقدرهم على استماع الغيوب عن الملائكة، وأعجزهم عن إيصال أسرار المؤمنين إلى الكافرين. وعن التاسع: أن الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير﴾ . لما ذكر منافع الكواكب، وذكر من جملة تلك المنافع أنها رجوم للشياطين قال بعد ذلك: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير﴾ ، أي: وأعتدنا للشَّياطين بعد الإحراق بالشُّهب في الدنيا عذاب السَّعير في الآخرة، وهو أشدُّ الحريقِ. قال المبردُ: سعرت النَّار فهي مسعورة وسعير، مثل قوله: مقتولة وقتيل. وهذه الآية تدل على أن النَّار مخلوقة؛ لأن قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾ خبر عن الماضي. قوله: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ خبر مقدم في قراءة العامة، و «عذابُ جهنَّم» مبتدؤه. وفي قراءة الحسن والأعرج والضحاك: بنصب «عَذَابَ» فيتعلق ب «أعْتَدْنَا» عطفاً على «لَهُمْ» و «عَذابَ السَّعيرِ» ، فعطف منصوباً على منصوب، ومجروراً على مجرور، وأعاد الخافض، لأن المعطوف عليه ضمير. والمخصوص بالذَّم محذوف، أي: وبئس المصير مصيرهم، أو عذاب جهنَّم، أو عذاب السَّعير. فصل في معنى الآية والمعنى لكل من كفر بالله من الشياطين وغيرهم عذاب جهنم؛ ليبين أن الشياطين المرجومين مخصوصون بذلك، ثم إنه - تعالى - وصف ذلك العذاب بصفات، أولها قوله تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً﴾ يعني الكفار ﴿إِذَآ أُلْقُواْ﴾ طرحوا كما يطرح الحطب في النار العظيمة ﴿سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً﴾ أي: صوتاً. قال ابن عباس: الشَّهيق لجهنم عند إلقاء الكُفار فيها كشهيق البغلةِ للشعير. وقال عطاءٌ: الشَّهيق من الكُفَّار عند إلقائهم في النار. وقال مقاتلٌ: سمعُوا لجهنم شهيقاً. قال ابن الخطيب: ولعل المراد تشبيه صوت لهبِ النَّار بالشهيق، وهو كصوت الحمار. وقال المبرد: هو - والله أعلم - تنفس كتنفس التغيُّظ. قال الزجاجُ: سمع الكُفَّار للنار شهيقاً، وهو أقبح الأصوات. وقيل: سمعوا من أنفسهم شهيقاً كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: 106] . قوله: «لَهَا» متعلق بمحذوف على أنه حال من «شَهيقاً» لأنه في الأصل صفته، ويجوز أن يكون على حذف مضاف، أي: سمعوا لأهلها، وهي تَفُور: جملة حالية. فصل في معنى الشهيق والزفير قال القرطبيُّ: «والشهيق في الصدر، والزفير في الحلق، وقد مضى في سورة» هود «» . وقوله: ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ . أي: تغلي؛ ومنه قول حسَّان: [الوافر] تَرَكْتُمْ قِدْركُمْ لا شيءَ فِيهَا ... وقِدْرُ القَوْمِ حَامِيَةٌ تَفورُ قال مجاهد: تفور كما يفور الحب القليل في الماء الكثير. وقال ابن عباس: تغلي بهم على المراجل، وهذا من شدّة لهب النار من شدّة الغضب كما تقول: فلان يفور غيظاً. قوله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ . قرأ العامة: «تَميَّزُ» بتاء واحدة مخففة، والأصل «تتميَّز» بتاءين، وهي قراءة طلحة. والبزي عن ابن كثير: بتشديدها، أدغم إحدى التاءين في الأخرى. وهي قراءة حسنة لعدم التقاء الساكنين بخلاف قراءته ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: 15] ، و ﴿نَاراً تلظى﴾ [الليل: 14] وبابه. وأبو عمرو: يدغم الدَّال في التاء على أصله في المتقاربين. وقرأ الضحاك: «تَمَايَزُ» والأصل: «تتمايزُ» بتاءين، فحذف إحداهما. وزيد بن علي: «تَمِيزُ» من «مَازَ» . وهذا كله استعارة من قولهم: تميز فلان من الغيظ، أي: انفصل بعضه من بعض من الغيظ، فمن سببية، أي: بسبب الغيظ، ومثله في وصف كَلْب، أنشد عروة: [الرجز] 4798 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... يَكَادُ أنْ يَخْرُجَ مِنْ إهَابِهِ قال ابن الخطيب: ولعل سبب هذا المجاز أن دم القلب يغلي عند الغضب، فيعظم مقداره، فيزداد امتلاء العروق، حتَّى تكاد تتمزَّق. فإن قيل: النَّار ليست من الأحياء، فكيف توصف بالغيظ؟ . قال ابن الخطيب: والجواب: أن البنية عندنا ليست شرطاً للحياة، فلعل الله - تعالى - يخلق فيها وهي نار حياة، أو يكون هذا استعارة يشبه صوت لهبها وسرعة مبادرتها بالغضبان وحركته، أو يكون المراد الزبانية. فصل في تفسير الآية قال سعيد بن جبير ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ يعني تنقطع، وينفصل بعضها من بعض. وابن عباس والضحاك وابن زيد: تتفرق من الغيظ من شدة الغيظ على أعداء الله تعالى. قوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ . تقدم الكلام على «كُلَّمَا» . وهذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من ضمير جهنم. والفَوْج: الجماعة من الناس، والأفْوَاج: الجماعات في تفرقة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾ [النبأ: 18] والمراد هنا بالفوج جماعة من الكفار ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ﴾ وهم مالك، وأعوانه سؤال توبيخ وتقريع ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ ، أي: رسول في الدنيا ينذركم هذا اليوم، حتى تحذروا. قال الزَّجَّاج: وهذا التوبيخُ زيادة لهم في العذاب. قوله: ﴿بلى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ﴾ . فيه دليل على جواز الجميع بين حرف الجواب، ونفس الجملة المجاب بها إذ لو قالوا: بلى، لفهم المعنى، ولكنهم أظهروه تحسراً وزيادة في تغميمهم على تفريطهم في قبُول قول النذير؛ فعطفوا عليه: «فكَذَّبْنَا» إلى آخره. قوله: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ ظاهره أنه من مقول الكفار للنذير، أي: قلنا: «مَا أنْزَلَ اللَّهُ من شَيءٍ» أي: على ألسنتكم إن أنتم يا معشر الرسل ﴿إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ اعترفوا بتكذيب الرسلِ، ثم اعترفوا بجهلهم، فقالوا وهم في النار: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ من النذر يعني: الرسل ما جاءوا به «أوْ نَعْقِلُ» عنهم. وجوز الزمخشريُّ أن يكون من كلام الرُّسل للكفرةِ، وحكاه الكفرة للخزنةِ، أي: قالوا لنا هذا فلم نقبلهُ. قال ابن الخطيب: يجوز أن يكون من كلام الخزنة للكفار، أي: لما قالوا ذلك الكلام قالت الخزنة لهم: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ . قوله: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السعير﴾ . قال ابن الخطيب: احتجّ بهذه الآية من قال: إنَّ الدين لا يتم إلا بالتعليم؛ لأنه قدم السمع على العقل، فدل على أنه لا بد أولاً من إرشاد المرشد غلب عليه تأمل السامع فيما ندب العلم. وأجيب: بأنه إنما قدم السمع؛ لأن الرسول إذا دعا، فأول المراتب أنه يسمع كلامه، ثم يتفكر فيه فلما كان السمع مقدماً على التعقل لا جرم قدم عليه في الذكر. فصل فيمن فضل السمع على البصر واحتج بهذه الآيةِ من قدم السمع على البصر، قالوا: لأنه جعل للسمع مدخلاً في الخلاص من النار، والفوز بالجنة، والبصر ليس كذلك، فوجب أن يكون السمع أفضل من البصر. قوله «بِذنْبِهِمْ» وحَّده؛ لأنه مصدر في الأصل، ولم يقصد التنويع بخلاف «بِذُنُوبِهِم» في موضع؛ ولأنه في معنى الجمع؛ ولأن اسم الجنس إذا أضيف عم. فصل في المراد بالضلال الكبير قال ابن الخطيب: يحتمل أن يكون المراد من الضَّلال الكبير ما كانوا عليه في الدنيا من ضلالهم، ويحتمل أن يكون المراد بالضَّلال الهلاك، ويحتمل أن يكون قد سمى عقاب الضلال باسمه. فصل في الرد على المرجئة احتجت المرجئةُ بهذه الآية على أنه لا يدخل النارَ إلا الكفار قالوا: لأنه تعالى حكى عن كل من ألقي في النار أنهم قالوا: فكذبنا النذير، وهذا يدل على أن من لم يكذب الله ورسوله لا يلقى في النار، وظاهر هذه الآية يقتضي القطع بأن الفاسق المصرَّ لا يدخل النار، وأجاب القاضي عنه: بأن النذير قد يطلق على ما في العقول من الأدلة المخوفة، وكل من يدخل النار مخالف للدليل. فصل في معرفة الله بعد ورود السمع واحتج بهذه الآية من قال: إن معرفة الله، وشكره لا يجبان إلا بعد ورود السمع، قالوا: لأنه تعالى إنما عذبهم؛ لأنه أتاهم النذير، فدل على أنه لو لم يأتهم النذير لم يعذبوا. قوله: ﴿فَسُحْقاً﴾ . فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب على المفعول به، أي: ألزمهم الله سحقاً. والثاني: أنه منصوب على المصدر، تقديره: «أسحقهم الله سحقاً» فناب المصدر عن عامله في الدعاء نحو «جَدْعاً له، وغفراً» فلا يجوز إظهار عامله. واختلف النحاة: هل هو مصدر لفعل ثلاثي، أم لفعل رباعي، فجاء على حذف الزوائد. فذهب الفارسي والزجاج إلى أنه مصدر «أسْحَقهُ اللَّهُ» أي: أبعده. قال الفارسي: فكان القياس إسحاقاً، فجاء المصدر على الحذف، كقوله: [الوافر] 4799 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... وإنْ يَهْلِكْ فذلِكَ كانَ قَدْرِي أي: تقديري. والظاهر أن لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه سمع «سَحَقَهُ اللَّهُ» ثلاثياً؛ ومنه قول الشاعر: [الطويل] 4800 - يَجُولُ بأطْرَافِ البِلادِ مُغَرِّباً ... وتَسْحَقُهُ ريحُ الصَّبَا كُلَّ مَسْحَقِ والذي يظهر أن الزجاج والفارسي إنما قالا ذلك فيمن يقول من العرب: أسحقه الله سحقاً. وقرأ العامة: بضم وسكون. والكسائي وآخرون: بضمتين. وهما لغتان، والأحسن أن يكون المثقل أصلاً للمخفف، و «لأصْحابِ» بيان ك ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: 23] ، وسقياً لَكَ. وقال مكيٌّ: «والرفع يجوز في الكلام على الابتداء» . أي: لو قيل: «فسحق» جاز، لا على أنه تلاوة، بل من حيث الصناعة، إلاَّ أن ابن عطية قال ما يضعفه، فإنه قال: «فسحقاً، نصباً على جهة الدعاء عليهم، وجاز ذلك فيه وهو من قبل الله - تعالى - من حيث إن هذا القول فيهم مستقر أزلاً، ووجوده لم يقع ولا يقع إلا في الآخرة، فكأنه لذلك في حيز المتوقع الذي يدعى فيه كما تقول: سُحْقاً لزيد، وبُعْداً له، والنصب في هذا كله بإضمار فعل، فأما ما وقع وثبت، فالوجه الرفع، كما قال تعالى ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: 1] و ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 54] ، وغير هذا من الأمثلة» ، انتهى. فضعف الرفع كما ترى؛ لأنه لم يقع، بل هو متوقع في الآخرة. فصل قال المفسِّرون: ﴿فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السعير﴾ ، أي: فَبُعْداً لهم من رحمة الله. وقال سعيد بن جبير، وأبو صالح: هو واد في جهنَّم يقال له: السحق.

الملك 67:8

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ﴾ ، أي: السماء القربى؛ لأنها أقرب السماوات إلى النَّاس، والمعنى: السَّماء الدُّنيا من النَّاس أي: الدنيا منكم لأنها «فعلى» تأنيث «أفعل» التفضيل، «بِمصَابِيحَ» جمع مصباح وهو السِّراجُ، وسمى الكواكب مصابيح لإضاءتها وسماها زينة لأن الناس يزينون مساجدهم ودورهم بالمصابيح، فكأنه قال: ولقد زيَّنَّا سقف الدارِ التي اجتمعتم فيها بمصابيح الأنوار. قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ﴾ . الضمير في «وَجَعَلْنَاهَا» يجوز فيه وجهان: أظهرهما: أنه يعود على «مَصَابِيحَ» . قيل: وكيفية الرَّجْم أن توجد نار من ضوء الكواكب يرمي بها الشيطانُ، والكوكب في مكانه لا يرجم به. قاله أبو علي جواباً لمن قال: كيف تكون زينةً وهي رجوم لا تبقى؟ . قال المهدويُّ: وهذا على أن يكون الاستراق من موضع الكوكب. والثاني: أن الضمير يعود على السماء، والمعنى: وجعلنا منها؛ لأن ذات السماء ليست للرجوم. قاله أبو حيان. وفيه نظر لعدم عود الضمير على السَّماء. قال القرطبي: والمعنى جعلنا شُهُباً، فحذف المضاف، بدليل قوله ﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: 10] ، قال: وعلى هذا فالمصابيح لا تزول ولا يرجم بها. قال المهدويُّ: وهذا على أن يكون الاستراق دون موضع الكوكب. وقال القشيريُّ: وأحسن من قول أبي علي أن نقول: هي زينة قبل أن ترجم بها الشياطين. والرجوم: جمع رجمٍ، وهو مصدر في الأصل أطلق على المرجوم به كضرب الأمير. ويجوز أن يكون باقياً على مصدريته، ويقدر مضاف، أي: ذات رجوم. وجمع المصدر باعتبار أنواعه، فعلى الأول يتعلق قوله: «للشَّياطينِ» بمحذوف على أنه صفة ل «رُجُوماً» . وعلى الثاني: لا تعلق له؛ لأن اللام مزيدة في المفعول به، وفيه دلالة حينئذ على إعمال المصدر منوناً مجموعاً. ويجوز أن تكون صفة له أيضاً كالأول، فيتعلق بمحذوف. وقيل: الرجوم هنا الظنون، والشياطين: شياطين الإنس. كما قال: [الطويل] 4796 - ... ... ... ... ... ... ... ... ..... ومَا هُوَ عَنْهَا بالحَديثِ المُرَجَّمِ فيكون المعنى: جعلناها ظُنُوناً ورجوماً بالغيبِ، لشياطين الإنس، وهم الأحكاميون من المنجمين. فصل في خلق النجوم قال قتادةُ: خلق الله النُّجوم لثلاثٍ: زينة السَّماءِ ورجوماً للشياطين، وعلاماتٍ يهتدى بها في البرِّ والبحرِ والأوقاتِ، فمن تأول فيها غير ذلك فقد تكلف ما لا علم له به، وتعدى، وظلم. وقال محمد بن كعب: والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء نجم، ولكنهم يتَّخذون الكهانة، ويتَّخذون النُّجوم علةً. فصل قال ابن الخطيب: ظاهر الآيةِ لا يدلّ على أن هذه الكواكب مركوزة في السماء الدنيا؛ لأن السماوات إذا كانت شفافة، فالكواكب سواء كانت في السماء الدنيا، أو في سماوات أخرى فوقها، فهي ولا بُد أن تظهر في السَّماء الدنيا، ولتلوح منها، فعلى التقدير تكون السماء الدنيا متزينة، واعلم أنَّ أصحاب الهيئةِ اتفقوا على أن هذه الكواكب مركوزة في الفلك الثامن الذي فوق كرات السياراتِ، واحتجوا أن بعض الثوابت في الفلك الثامن، فيجب أن تكون كلها هناك. وإنما قلنا: إن بعضها في الفلك الثامن، لأن الكواكب القريبة من المنطقة تنكسف بهذه السيارات، فوجب أن تكون الثوابت المنكسفة فوق السيارات الكاسفة وإنما قلنا: إن الثوابت لما كانت في الفلك الثَّامن وجب أن تكون كلها هناك؛ لأنها بأسرها متحركة حركة واحدة بطيئة في كل مائة سنة درجة واحدة، فلا بُدَّ وأن تكون مركوزةً في كرة واحدة. قال ابن الخطيب: وهذه استدلالاتٌ ضعيفة؛ فإنه لا يلزم من كون بعض الثَّوابت فوق السيارة كون كلها هناك؛ لأنه لا يبعد وجود كرة تحت كرة القمر، وتكون في النظر مساوية لكرة الثوابت، وتكون الكواكب المركوزة فيها مقارب القطبين مركوزة في هذه الكرة السفلية؛ إذ لا يبعد وجود كرتين مختلفتين بالصغر والكبر مع كونهما متشابهتين في الحركة، وعلى هذا التقدير لا يمتنع أن تكون المصابيح مركوزة في سماء الدنيا، فثبت بهذا ضعف مذاهب الفلاسفة. فصل في سبب الرجوم قال ابن الخطيب: يروى أن السبب في الرجوم أن الجن كانت تسمع خبر السماء فلما بعث محمدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حرست السماء ورجمت الشياطين، فمن جاء منهم مسترقاً للسمع رمي بشهاب، فأحرقه لئلا ينزل به إلى الأرض، فيلقيه إلى النَّاس، فيختلط على النبي أمره، ويرتاب النَّاس بخبره. ومن النَّاس من طعن في هذا من وجوه: أحدها: أن انقضاض الكواكب مذكور في كتب قدماء الفلاسفة، قالوا: إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس إذا بلغ النَّار التي دون الفلك احترق بها، فتلك الشعلة هي الشهاب. وثانيها: أن الجن إذا شاهدوا جماعة منهم يسترقون، فيحرقون إن امتنع أن يعودوا لذلك. وثالثها: أن ثُخْنَ السماء مسيرة خمسمائة سنةٍ، فالجن لا يقدرون على خرقها؛ لأنه تعالى نفى أن يكون فيها فطور، وثخنها يمنعهم من السمع لأسرار الملائكة من ذلك البعد العظيم، وإذا سمعوه من ذلك البعد، فهم لا يسمعون كلام الملائكة حال كونهم في الأرض. ورابعها: أن الملائكة إنما اطلعوا على الأحوال المستقبلة، إما لأنهم طالعوها من اللوح المحفوظ، أو لأنهم نقلوها من وحي الله إليهم، وعلى التقديرين، فلم لم يسكتوا عن ذكرها حتى لا يمكنوا الجن من معرفتها. وخامسها: أن الشياطين مخلوقون من النار، والنار لا تحرق النار، بل تقويها. وسادسها: إن كان هذا القذف لأجل النبوة فلم بقي بعدها؟ . وسابعها: أن هذ الرجوم إنما تحدث بالقرب من الأرض، لأنا نشاهدها بالعين، ومع البعد لا نشاهدها كما لا نشاهد حركات الكواكب. وثامنها: إن كانت الشياطين ينقلون أخبار الملائكةِ عن المغيبات إلى الكهنة، فلم لا ينقلون أسرار المؤمنين إلى الكفار، حتى يتوصل الكفار بذلك إلى إلحاق الضرر بالمؤمنين؟ . وتاسعها: لم لم يمنعهم الله ابتداء من الصعود إلى السماء؟ . والجواب عن الأول: أنا لا ننكر أن هذه الشُّهب كانت موجودة قبل مبعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وعن الثاني: أنه إذا جاء القدر عمي البصر، فإذا قضى الله على طائفة منها بالحرق لطغيانها قيَّض الله لها من الدواعي ما يقدمها على العملِ المفضي إلى هلاكها. وعن الثالث: أن نمنع كون ثخن الفلك ما ذكروه، بأن البعد بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام. وعن الرابع: ما روى الزهري عن علي بن الحسين، عن علي بن أبي طالب قال: «بينما النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جالساً في نفرٍ من أصحابه، إذ رمي بنجم فاستنار، فقال: مَا كُنْتُمْ تقُولُونَ فِي الجَاهليَّةِ إذَا حدث؟ قال: كنا نقول: يولد عظيم أو يموت عظيم فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» فإنَّها لا تُرْمَى لمَوْتِ أحدٍ، ولا لِحياتهِ، ولكِنَّ اللَّه - تعالى - إذا قَضَى الأمْرَ في السَّماءِ سبَّحتْ حملةُ العرشِ، ثُمَّ يُسبِّحُ أهلُ كُلِّ سماءٍ، وتسبِّحُ كُل سماءٍ، حتى ينتهي التَّسبيحُ إلى هذه السَّماءِ، ويَسْتخبرُ أهلُ السَّماءِ حملة العَرْشِ ماذا قال ربُّكُمْ؟ فيُخبرُونهُمْ، ولا يَزالُ يَنْتَهِي ذلِكَ الخَبَرُ من سماءٍ إلى سماءٍ إلى أن يَنْتَهِي الخبرُ إلى هذه السَّماء فتَخْطَفُهُ الجِنُّ فَيُرمَونَ، فمَا جَاءُوا به فَهُوَ حَقٌّ، ولكنَّهم يزيدُون فِيهِ «» . وعن الخامس: أنَّ نار النجومِ قد تكون أقوى من نارِ الجن. وعن السادس: أنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أخبر ببطلان الكهانةِ، فلو لم ينقطعوا لعادت الكهانة، وذلك يقدح في خبر الرسولِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ. وعن السابع: أن البعد غير مانع من السماءِ عندنا. وعن الثامن: لعله تعالى أقدرهم على استماع الغيوب عن الملائكة، وأعجزهم عن إيصال أسرار المؤمنين إلى الكافرين. وعن التاسع: أن الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير﴾ . لما ذكر منافع الكواكب، وذكر من جملة تلك المنافع أنها رجوم للشياطين قال بعد ذلك: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير﴾ ، أي: وأعتدنا للشَّياطين بعد الإحراق بالشُّهب في الدنيا عذاب السَّعير في الآخرة، وهو أشدُّ الحريقِ. قال المبردُ: سعرت النَّار فهي مسعورة وسعير، مثل قوله: مقتولة وقتيل. وهذه الآية تدل على أن النَّار مخلوقة؛ لأن قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾ خبر عن الماضي. قوله: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ خبر مقدم في قراءة العامة، و «عذابُ جهنَّم» مبتدؤه. وفي قراءة الحسن والأعرج والضحاك: بنصب «عَذَابَ» فيتعلق ب «أعْتَدْنَا» عطفاً على «لَهُمْ» و «عَذابَ السَّعيرِ» ، فعطف منصوباً على منصوب، ومجروراً على مجرور، وأعاد الخافض، لأن المعطوف عليه ضمير. والمخصوص بالذَّم محذوف، أي: وبئس المصير مصيرهم، أو عذاب جهنَّم، أو عذاب السَّعير. فصل في معنى الآية والمعنى لكل من كفر بالله من الشياطين وغيرهم عذاب جهنم؛ ليبين أن الشياطين المرجومين مخصوصون بذلك، ثم إنه - تعالى - وصف ذلك العذاب بصفات، أولها قوله تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً﴾ يعني الكفار ﴿إِذَآ أُلْقُواْ﴾ طرحوا كما يطرح الحطب في النار العظيمة ﴿سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً﴾ أي: صوتاً. قال ابن عباس: الشَّهيق لجهنم عند إلقاء الكُفار فيها كشهيق البغلةِ للشعير. وقال عطاءٌ: الشَّهيق من الكُفَّار عند إلقائهم في النار. وقال مقاتلٌ: سمعُوا لجهنم شهيقاً. قال ابن الخطيب: ولعل المراد تشبيه صوت لهبِ النَّار بالشهيق، وهو كصوت الحمار. وقال المبرد: هو - والله أعلم - تنفس كتنفس التغيُّظ. قال الزجاجُ: سمع الكُفَّار للنار شهيقاً، وهو أقبح الأصوات. وقيل: سمعوا من أنفسهم شهيقاً كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: 106] . قوله: «لَهَا» متعلق بمحذوف على أنه حال من «شَهيقاً» لأنه في الأصل صفته، ويجوز أن يكون على حذف مضاف، أي: سمعوا لأهلها، وهي تَفُور: جملة حالية. فصل في معنى الشهيق والزفير قال القرطبيُّ: «والشهيق في الصدر، والزفير في الحلق، وقد مضى في سورة» هود «» . وقوله: ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ . أي: تغلي؛ ومنه قول حسَّان: [الوافر] تَرَكْتُمْ قِدْركُمْ لا شيءَ فِيهَا ... وقِدْرُ القَوْمِ حَامِيَةٌ تَفورُ قال مجاهد: تفور كما يفور الحب القليل في الماء الكثير. وقال ابن عباس: تغلي بهم على المراجل، وهذا من شدّة لهب النار من شدّة الغضب كما تقول: فلان يفور غيظاً. قوله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ . قرأ العامة: «تَميَّزُ» بتاء واحدة مخففة، والأصل «تتميَّز» بتاءين، وهي قراءة طلحة. والبزي عن ابن كثير: بتشديدها، أدغم إحدى التاءين في الأخرى. وهي قراءة حسنة لعدم التقاء الساكنين بخلاف قراءته ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: 15] ، و ﴿نَاراً تلظى﴾ [الليل: 14] وبابه. وأبو عمرو: يدغم الدَّال في التاء على أصله في المتقاربين. وقرأ الضحاك: «تَمَايَزُ» والأصل: «تتمايزُ» بتاءين، فحذف إحداهما. وزيد بن علي: «تَمِيزُ» من «مَازَ» . وهذا كله استعارة من قولهم: تميز فلان من الغيظ، أي: انفصل بعضه من بعض من الغيظ، فمن سببية، أي: بسبب الغيظ، ومثله في وصف كَلْب، أنشد عروة: [الرجز] 4798 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... يَكَادُ أنْ يَخْرُجَ مِنْ إهَابِهِ قال ابن الخطيب: ولعل سبب هذا المجاز أن دم القلب يغلي عند الغضب، فيعظم مقداره، فيزداد امتلاء العروق، حتَّى تكاد تتمزَّق. فإن قيل: النَّار ليست من الأحياء، فكيف توصف بالغيظ؟ . قال ابن الخطيب: والجواب: أن البنية عندنا ليست شرطاً للحياة، فلعل الله - تعالى - يخلق فيها وهي نار حياة، أو يكون هذا استعارة يشبه صوت لهبها وسرعة مبادرتها بالغضبان وحركته، أو يكون المراد الزبانية. فصل في تفسير الآية قال سعيد بن جبير ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ يعني تنقطع، وينفصل بعضها من بعض. وابن عباس والضحاك وابن زيد: تتفرق من الغيظ من شدة الغيظ على أعداء الله تعالى. قوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ . تقدم الكلام على «كُلَّمَا» . وهذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من ضمير جهنم. والفَوْج: الجماعة من الناس، والأفْوَاج: الجماعات في تفرقة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾ [النبأ: 18] والمراد هنا بالفوج جماعة من الكفار ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ﴾ وهم مالك، وأعوانه سؤال توبيخ وتقريع ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ ، أي: رسول في الدنيا ينذركم هذا اليوم، حتى تحذروا. قال الزَّجَّاج: وهذا التوبيخُ زيادة لهم في العذاب. قوله: ﴿بلى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ﴾ . فيه دليل على جواز الجميع بين حرف الجواب، ونفس الجملة المجاب بها إذ لو قالوا: بلى، لفهم المعنى، ولكنهم أظهروه تحسراً وزيادة في تغميمهم على تفريطهم في قبُول قول النذير؛ فعطفوا عليه: «فكَذَّبْنَا» إلى آخره. قوله: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ ظاهره أنه من مقول الكفار للنذير، أي: قلنا: «مَا أنْزَلَ اللَّهُ من شَيءٍ» أي: على ألسنتكم إن أنتم يا معشر الرسل ﴿إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ اعترفوا بتكذيب الرسلِ، ثم اعترفوا بجهلهم، فقالوا وهم في النار: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ من النذر يعني: الرسل ما جاءوا به «أوْ نَعْقِلُ» عنهم. وجوز الزمخشريُّ أن يكون من كلام الرُّسل للكفرةِ، وحكاه الكفرة للخزنةِ، أي: قالوا لنا هذا فلم نقبلهُ. قال ابن الخطيب: يجوز أن يكون من كلام الخزنة للكفار، أي: لما قالوا ذلك الكلام قالت الخزنة لهم: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ . قوله: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السعير﴾ . قال ابن الخطيب: احتجّ بهذه الآية من قال: إنَّ الدين لا يتم إلا بالتعليم؛ لأنه قدم السمع على العقل، فدل على أنه لا بد أولاً من إرشاد المرشد غلب عليه تأمل السامع فيما ندب العلم. وأجيب: بأنه إنما قدم السمع؛ لأن الرسول إذا دعا، فأول المراتب أنه يسمع كلامه، ثم يتفكر فيه فلما كان السمع مقدماً على التعقل لا جرم قدم عليه في الذكر. فصل فيمن فضل السمع على البصر واحتج بهذه الآيةِ من قدم السمع على البصر، قالوا: لأنه جعل للسمع مدخلاً في الخلاص من النار، والفوز بالجنة، والبصر ليس كذلك، فوجب أن يكون السمع أفضل من البصر. قوله «بِذنْبِهِمْ» وحَّده؛ لأنه مصدر في الأصل، ولم يقصد التنويع بخلاف «بِذُنُوبِهِم» في موضع؛ ولأنه في معنى الجمع؛ ولأن اسم الجنس إذا أضيف عم. فصل في المراد بالضلال الكبير قال ابن الخطيب: يحتمل أن يكون المراد من الضَّلال الكبير ما كانوا عليه في الدنيا من ضلالهم، ويحتمل أن يكون المراد بالضَّلال الهلاك، ويحتمل أن يكون قد سمى عقاب الضلال باسمه. فصل في الرد على المرجئة احتجت المرجئةُ بهذه الآية على أنه لا يدخل النارَ إلا الكفار قالوا: لأنه تعالى حكى عن كل من ألقي في النار أنهم قالوا: فكذبنا النذير، وهذا يدل على أن من لم يكذب الله ورسوله لا يلقى في النار، وظاهر هذه الآية يقتضي القطع بأن الفاسق المصرَّ لا يدخل النار، وأجاب القاضي عنه: بأن النذير قد يطلق على ما في العقول من الأدلة المخوفة، وكل من يدخل النار مخالف للدليل. فصل في معرفة الله بعد ورود السمع واحتج بهذه الآية من قال: إن معرفة الله، وشكره لا يجبان إلا بعد ورود السمع، قالوا: لأنه تعالى إنما عذبهم؛ لأنه أتاهم النذير، فدل على أنه لو لم يأتهم النذير لم يعذبوا. قوله: ﴿فَسُحْقاً﴾ . فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب على المفعول به، أي: ألزمهم الله سحقاً. والثاني: أنه منصوب على المصدر، تقديره: «أسحقهم الله سحقاً» فناب المصدر عن عامله في الدعاء نحو «جَدْعاً له، وغفراً» فلا يجوز إظهار عامله. واختلف النحاة: هل هو مصدر لفعل ثلاثي، أم لفعل رباعي، فجاء على حذف الزوائد. فذهب الفارسي والزجاج إلى أنه مصدر «أسْحَقهُ اللَّهُ» أي: أبعده. قال الفارسي: فكان القياس إسحاقاً، فجاء المصدر على الحذف، كقوله: [الوافر] 4799 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... وإنْ يَهْلِكْ فذلِكَ كانَ قَدْرِي أي: تقديري. والظاهر أن لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه سمع «سَحَقَهُ اللَّهُ» ثلاثياً؛ ومنه قول الشاعر: [الطويل] 4800 - يَجُولُ بأطْرَافِ البِلادِ مُغَرِّباً ... وتَسْحَقُهُ ريحُ الصَّبَا كُلَّ مَسْحَقِ والذي يظهر أن الزجاج والفارسي إنما قالا ذلك فيمن يقول من العرب: أسحقه الله سحقاً. وقرأ العامة: بضم وسكون. والكسائي وآخرون: بضمتين. وهما لغتان، والأحسن أن يكون المثقل أصلاً للمخفف، و «لأصْحابِ» بيان ك ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: 23] ، وسقياً لَكَ. وقال مكيٌّ: «والرفع يجوز في الكلام على الابتداء» . أي: لو قيل: «فسحق» جاز، لا على أنه تلاوة، بل من حيث الصناعة، إلاَّ أن ابن عطية قال ما يضعفه، فإنه قال: «فسحقاً، نصباً على جهة الدعاء عليهم، وجاز ذلك فيه وهو من قبل الله - تعالى - من حيث إن هذا القول فيهم مستقر أزلاً، ووجوده لم يقع ولا يقع إلا في الآخرة، فكأنه لذلك في حيز المتوقع الذي يدعى فيه كما تقول: سُحْقاً لزيد، وبُعْداً له، والنصب في هذا كله بإضمار فعل، فأما ما وقع وثبت، فالوجه الرفع، كما قال تعالى ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: 1] و ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 54] ، وغير هذا من الأمثلة» ، انتهى. فضعف الرفع كما ترى؛ لأنه لم يقع، بل هو متوقع في الآخرة. فصل قال المفسِّرون: ﴿فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السعير﴾ ، أي: فَبُعْداً لهم من رحمة الله. وقال سعيد بن جبير، وأبو صالح: هو واد في جهنَّم يقال له: السحق.

الملك 67:9

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ﴾ ، أي: السماء القربى؛ لأنها أقرب السماوات إلى النَّاس، والمعنى: السَّماء الدُّنيا من النَّاس أي: الدنيا منكم لأنها «فعلى» تأنيث «أفعل» التفضيل، «بِمصَابِيحَ» جمع مصباح وهو السِّراجُ، وسمى الكواكب مصابيح لإضاءتها وسماها زينة لأن الناس يزينون مساجدهم ودورهم بالمصابيح، فكأنه قال: ولقد زيَّنَّا سقف الدارِ التي اجتمعتم فيها بمصابيح الأنوار. قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ﴾ . الضمير في «وَجَعَلْنَاهَا» يجوز فيه وجهان: أظهرهما: أنه يعود على «مَصَابِيحَ» . قيل: وكيفية الرَّجْم أن توجد نار من ضوء الكواكب يرمي بها الشيطانُ، والكوكب في مكانه لا يرجم به. قاله أبو علي جواباً لمن قال: كيف تكون زينةً وهي رجوم لا تبقى؟ . قال المهدويُّ: وهذا على أن يكون الاستراق من موضع الكوكب. والثاني: أن الضمير يعود على السماء، والمعنى: وجعلنا منها؛ لأن ذات السماء ليست للرجوم. قاله أبو حيان. وفيه نظر لعدم عود الضمير على السَّماء. قال القرطبي: والمعنى جعلنا شُهُباً، فحذف المضاف، بدليل قوله ﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: 10] ، قال: وعلى هذا فالمصابيح لا تزول ولا يرجم بها. قال المهدويُّ: وهذا على أن يكون الاستراق دون موضع الكوكب. وقال القشيريُّ: وأحسن من قول أبي علي أن نقول: هي زينة قبل أن ترجم بها الشياطين. والرجوم: جمع رجمٍ، وهو مصدر في الأصل أطلق على المرجوم به كضرب الأمير. ويجوز أن يكون باقياً على مصدريته، ويقدر مضاف، أي: ذات رجوم. وجمع المصدر باعتبار أنواعه، فعلى الأول يتعلق قوله: «للشَّياطينِ» بمحذوف على أنه صفة ل «رُجُوماً» . وعلى الثاني: لا تعلق له؛ لأن اللام مزيدة في المفعول به، وفيه دلالة حينئذ على إعمال المصدر منوناً مجموعاً. ويجوز أن تكون صفة له أيضاً كالأول، فيتعلق بمحذوف. وقيل: الرجوم هنا الظنون، والشياطين: شياطين الإنس. كما قال: [الطويل] 4796 - ... ... ... ... ... ... ... ... ..... ومَا هُوَ عَنْهَا بالحَديثِ المُرَجَّمِ فيكون المعنى: جعلناها ظُنُوناً ورجوماً بالغيبِ، لشياطين الإنس، وهم الأحكاميون من المنجمين. فصل في خلق النجوم قال قتادةُ: خلق الله النُّجوم لثلاثٍ: زينة السَّماءِ ورجوماً للشياطين، وعلاماتٍ يهتدى بها في البرِّ والبحرِ والأوقاتِ، فمن تأول فيها غير ذلك فقد تكلف ما لا علم له به، وتعدى، وظلم. وقال محمد بن كعب: والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء نجم، ولكنهم يتَّخذون الكهانة، ويتَّخذون النُّجوم علةً. فصل قال ابن الخطيب: ظاهر الآيةِ لا يدلّ على أن هذه الكواكب مركوزة في السماء الدنيا؛ لأن السماوات إذا كانت شفافة، فالكواكب سواء كانت في السماء الدنيا، أو في سماوات أخرى فوقها، فهي ولا بُد أن تظهر في السَّماء الدنيا، ولتلوح منها، فعلى التقدير تكون السماء الدنيا متزينة، واعلم أنَّ أصحاب الهيئةِ اتفقوا على أن هذه الكواكب مركوزة في الفلك الثامن الذي فوق كرات السياراتِ، واحتجوا أن بعض الثوابت في الفلك الثامن، فيجب أن تكون كلها هناك. وإنما قلنا: إن بعضها في الفلك الثامن، لأن الكواكب القريبة من المنطقة تنكسف بهذه السيارات، فوجب أن تكون الثوابت المنكسفة فوق السيارات الكاسفة وإنما قلنا: إن الثوابت لما كانت في الفلك الثَّامن وجب أن تكون كلها هناك؛ لأنها بأسرها متحركة حركة واحدة بطيئة في كل مائة سنة درجة واحدة، فلا بُدَّ وأن تكون مركوزةً في كرة واحدة. قال ابن الخطيب: وهذه استدلالاتٌ ضعيفة؛ فإنه لا يلزم من كون بعض الثَّوابت فوق السيارة كون كلها هناك؛ لأنه لا يبعد وجود كرة تحت كرة القمر، وتكون في النظر مساوية لكرة الثوابت، وتكون الكواكب المركوزة فيها مقارب القطبين مركوزة في هذه الكرة السفلية؛ إذ لا يبعد وجود كرتين مختلفتين بالصغر والكبر مع كونهما متشابهتين في الحركة، وعلى هذا التقدير لا يمتنع أن تكون المصابيح مركوزة في سماء الدنيا، فثبت بهذا ضعف مذاهب الفلاسفة. فصل في سبب الرجوم قال ابن الخطيب: يروى أن السبب في الرجوم أن الجن كانت تسمع خبر السماء فلما بعث محمدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حرست السماء ورجمت الشياطين، فمن جاء منهم مسترقاً للسمع رمي بشهاب، فأحرقه لئلا ينزل به إلى الأرض، فيلقيه إلى النَّاس، فيختلط على النبي أمره، ويرتاب النَّاس بخبره. ومن النَّاس من طعن في هذا من وجوه: أحدها: أن انقضاض الكواكب مذكور في كتب قدماء الفلاسفة، قالوا: إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس إذا بلغ النَّار التي دون الفلك احترق بها، فتلك الشعلة هي الشهاب. وثانيها: أن الجن إذا شاهدوا جماعة منهم يسترقون، فيحرقون إن امتنع أن يعودوا لذلك. وثالثها: أن ثُخْنَ السماء مسيرة خمسمائة سنةٍ، فالجن لا يقدرون على خرقها؛ لأنه تعالى نفى أن يكون فيها فطور، وثخنها يمنعهم من السمع لأسرار الملائكة من ذلك البعد العظيم، وإذا سمعوه من ذلك البعد، فهم لا يسمعون كلام الملائكة حال كونهم في الأرض. ورابعها: أن الملائكة إنما اطلعوا على الأحوال المستقبلة، إما لأنهم طالعوها من اللوح المحفوظ، أو لأنهم نقلوها من وحي الله إليهم، وعلى التقديرين، فلم لم يسكتوا عن ذكرها حتى لا يمكنوا الجن من معرفتها. وخامسها: أن الشياطين مخلوقون من النار، والنار لا تحرق النار، بل تقويها. وسادسها: إن كان هذا القذف لأجل النبوة فلم بقي بعدها؟ . وسابعها: أن هذ الرجوم إنما تحدث بالقرب من الأرض، لأنا نشاهدها بالعين، ومع البعد لا نشاهدها كما لا نشاهد حركات الكواكب. وثامنها: إن كانت الشياطين ينقلون أخبار الملائكةِ عن المغيبات إلى الكهنة، فلم لا ينقلون أسرار المؤمنين إلى الكفار، حتى يتوصل الكفار بذلك إلى إلحاق الضرر بالمؤمنين؟ . وتاسعها: لم لم يمنعهم الله ابتداء من الصعود إلى السماء؟ . والجواب عن الأول: أنا لا ننكر أن هذه الشُّهب كانت موجودة قبل مبعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وعن الثاني: أنه إذا جاء القدر عمي البصر، فإذا قضى الله على طائفة منها بالحرق لطغيانها قيَّض الله لها من الدواعي ما يقدمها على العملِ المفضي إلى هلاكها. وعن الثالث: أن نمنع كون ثخن الفلك ما ذكروه، بأن البعد بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام. وعن الرابع: ما روى الزهري عن علي بن الحسين، عن علي بن أبي طالب قال: «بينما النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جالساً في نفرٍ من أصحابه، إذ رمي بنجم فاستنار، فقال: مَا كُنْتُمْ تقُولُونَ فِي الجَاهليَّةِ إذَا حدث؟ قال: كنا نقول: يولد عظيم أو يموت عظيم فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» فإنَّها لا تُرْمَى لمَوْتِ أحدٍ، ولا لِحياتهِ، ولكِنَّ اللَّه - تعالى - إذا قَضَى الأمْرَ في السَّماءِ سبَّحتْ حملةُ العرشِ، ثُمَّ يُسبِّحُ أهلُ كُلِّ سماءٍ، وتسبِّحُ كُل سماءٍ، حتى ينتهي التَّسبيحُ إلى هذه السَّماءِ، ويَسْتخبرُ أهلُ السَّماءِ حملة العَرْشِ ماذا قال ربُّكُمْ؟ فيُخبرُونهُمْ، ولا يَزالُ يَنْتَهِي ذلِكَ الخَبَرُ من سماءٍ إلى سماءٍ إلى أن يَنْتَهِي الخبرُ إلى هذه السَّماء فتَخْطَفُهُ الجِنُّ فَيُرمَونَ، فمَا جَاءُوا به فَهُوَ حَقٌّ، ولكنَّهم يزيدُون فِيهِ «» . وعن الخامس: أنَّ نار النجومِ قد تكون أقوى من نارِ الجن. وعن السادس: أنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أخبر ببطلان الكهانةِ، فلو لم ينقطعوا لعادت الكهانة، وذلك يقدح في خبر الرسولِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ. وعن السابع: أن البعد غير مانع من السماءِ عندنا. وعن الثامن: لعله تعالى أقدرهم على استماع الغيوب عن الملائكة، وأعجزهم عن إيصال أسرار المؤمنين إلى الكافرين. وعن التاسع: أن الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير﴾ . لما ذكر منافع الكواكب، وذكر من جملة تلك المنافع أنها رجوم للشياطين قال بعد ذلك: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير﴾ ، أي: وأعتدنا للشَّياطين بعد الإحراق بالشُّهب في الدنيا عذاب السَّعير في الآخرة، وهو أشدُّ الحريقِ. قال المبردُ: سعرت النَّار فهي مسعورة وسعير، مثل قوله: مقتولة وقتيل. وهذه الآية تدل على أن النَّار مخلوقة؛ لأن قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾ خبر عن الماضي. قوله: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ خبر مقدم في قراءة العامة، و «عذابُ جهنَّم» مبتدؤه. وفي قراءة الحسن والأعرج والضحاك: بنصب «عَذَابَ» فيتعلق ب «أعْتَدْنَا» عطفاً على «لَهُمْ» و «عَذابَ السَّعيرِ» ، فعطف منصوباً على منصوب، ومجروراً على مجرور، وأعاد الخافض، لأن المعطوف عليه ضمير. والمخصوص بالذَّم محذوف، أي: وبئس المصير مصيرهم، أو عذاب جهنَّم، أو عذاب السَّعير. فصل في معنى الآية والمعنى لكل من كفر بالله من الشياطين وغيرهم عذاب جهنم؛ ليبين أن الشياطين المرجومين مخصوصون بذلك، ثم إنه - تعالى - وصف ذلك العذاب بصفات، أولها قوله تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً﴾ يعني الكفار ﴿إِذَآ أُلْقُواْ﴾ طرحوا كما يطرح الحطب في النار العظيمة ﴿سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً﴾ أي: صوتاً. قال ابن عباس: الشَّهيق لجهنم عند إلقاء الكُفار فيها كشهيق البغلةِ للشعير. وقال عطاءٌ: الشَّهيق من الكُفَّار عند إلقائهم في النار. وقال مقاتلٌ: سمعُوا لجهنم شهيقاً. قال ابن الخطيب: ولعل المراد تشبيه صوت لهبِ النَّار بالشهيق، وهو كصوت الحمار. وقال المبرد: هو - والله أعلم - تنفس كتنفس التغيُّظ. قال الزجاجُ: سمع الكُفَّار للنار شهيقاً، وهو أقبح الأصوات. وقيل: سمعوا من أنفسهم شهيقاً كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: 106] . قوله: «لَهَا» متعلق بمحذوف على أنه حال من «شَهيقاً» لأنه في الأصل صفته، ويجوز أن يكون على حذف مضاف، أي: سمعوا لأهلها، وهي تَفُور: جملة حالية. فصل في معنى الشهيق والزفير قال القرطبيُّ: «والشهيق في الصدر، والزفير في الحلق، وقد مضى في سورة» هود «» . وقوله: ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ . أي: تغلي؛ ومنه قول حسَّان: [الوافر] تَرَكْتُمْ قِدْركُمْ لا شيءَ فِيهَا ... وقِدْرُ القَوْمِ حَامِيَةٌ تَفورُ قال مجاهد: تفور كما يفور الحب القليل في الماء الكثير. وقال ابن عباس: تغلي بهم على المراجل، وهذا من شدّة لهب النار من شدّة الغضب كما تقول: فلان يفور غيظاً. قوله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ . قرأ العامة: «تَميَّزُ» بتاء واحدة مخففة، والأصل «تتميَّز» بتاءين، وهي قراءة طلحة. والبزي عن ابن كثير: بتشديدها، أدغم إحدى التاءين في الأخرى. وهي قراءة حسنة لعدم التقاء الساكنين بخلاف قراءته ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: 15] ، و ﴿نَاراً تلظى﴾ [الليل: 14] وبابه. وأبو عمرو: يدغم الدَّال في التاء على أصله في المتقاربين. وقرأ الضحاك: «تَمَايَزُ» والأصل: «تتمايزُ» بتاءين، فحذف إحداهما. وزيد بن علي: «تَمِيزُ» من «مَازَ» . وهذا كله استعارة من قولهم: تميز فلان من الغيظ، أي: انفصل بعضه من بعض من الغيظ، فمن سببية، أي: بسبب الغيظ، ومثله في وصف كَلْب، أنشد عروة: [الرجز] 4798 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... يَكَادُ أنْ يَخْرُجَ مِنْ إهَابِهِ قال ابن الخطيب: ولعل سبب هذا المجاز أن دم القلب يغلي عند الغضب، فيعظم مقداره، فيزداد امتلاء العروق، حتَّى تكاد تتمزَّق. فإن قيل: النَّار ليست من الأحياء، فكيف توصف بالغيظ؟ . قال ابن الخطيب: والجواب: أن البنية عندنا ليست شرطاً للحياة، فلعل الله - تعالى - يخلق فيها وهي نار حياة، أو يكون هذا استعارة يشبه صوت لهبها وسرعة مبادرتها بالغضبان وحركته، أو يكون المراد الزبانية. فصل في تفسير الآية قال سعيد بن جبير ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ يعني تنقطع، وينفصل بعضها من بعض. وابن عباس والضحاك وابن زيد: تتفرق من الغيظ من شدة الغيظ على أعداء الله تعالى. قوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ . تقدم الكلام على «كُلَّمَا» . وهذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من ضمير جهنم. والفَوْج: الجماعة من الناس، والأفْوَاج: الجماعات في تفرقة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾ [النبأ: 18] والمراد هنا بالفوج جماعة من الكفار ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ﴾ وهم مالك، وأعوانه سؤال توبيخ وتقريع ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ ، أي: رسول في الدنيا ينذركم هذا اليوم، حتى تحذروا. قال الزَّجَّاج: وهذا التوبيخُ زيادة لهم في العذاب. قوله: ﴿بلى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ﴾ . فيه دليل على جواز الجميع بين حرف الجواب، ونفس الجملة المجاب بها إذ لو قالوا: بلى، لفهم المعنى، ولكنهم أظهروه تحسراً وزيادة في تغميمهم على تفريطهم في قبُول قول النذير؛ فعطفوا عليه: «فكَذَّبْنَا» إلى آخره. قوله: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ ظاهره أنه من مقول الكفار للنذير، أي: قلنا: «مَا أنْزَلَ اللَّهُ من شَيءٍ» أي: على ألسنتكم إن أنتم يا معشر الرسل ﴿إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ اعترفوا بتكذيب الرسلِ، ثم اعترفوا بجهلهم، فقالوا وهم في النار: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ من النذر يعني: الرسل ما جاءوا به «أوْ نَعْقِلُ» عنهم. وجوز الزمخشريُّ أن يكون من كلام الرُّسل للكفرةِ، وحكاه الكفرة للخزنةِ، أي: قالوا لنا هذا فلم نقبلهُ. قال ابن الخطيب: يجوز أن يكون من كلام الخزنة للكفار، أي: لما قالوا ذلك الكلام قالت الخزنة لهم: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ . قوله: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السعير﴾ . قال ابن الخطيب: احتجّ بهذه الآية من قال: إنَّ الدين لا يتم إلا بالتعليم؛ لأنه قدم السمع على العقل، فدل على أنه لا بد أولاً من إرشاد المرشد غلب عليه تأمل السامع فيما ندب العلم. وأجيب: بأنه إنما قدم السمع؛ لأن الرسول إذا دعا، فأول المراتب أنه يسمع كلامه، ثم يتفكر فيه فلما كان السمع مقدماً على التعقل لا جرم قدم عليه في الذكر. فصل فيمن فضل السمع على البصر واحتج بهذه الآيةِ من قدم السمع على البصر، قالوا: لأنه جعل للسمع مدخلاً في الخلاص من النار، والفوز بالجنة، والبصر ليس كذلك، فوجب أن يكون السمع أفضل من البصر. قوله «بِذنْبِهِمْ» وحَّده؛ لأنه مصدر في الأصل، ولم يقصد التنويع بخلاف «بِذُنُوبِهِم» في موضع؛ ولأنه في معنى الجمع؛ ولأن اسم الجنس إذا أضيف عم. فصل في المراد بالضلال الكبير قال ابن الخطيب: يحتمل أن يكون المراد من الضَّلال الكبير ما كانوا عليه في الدنيا من ضلالهم، ويحتمل أن يكون المراد بالضَّلال الهلاك، ويحتمل أن يكون قد سمى عقاب الضلال باسمه. فصل في الرد على المرجئة احتجت المرجئةُ بهذه الآية على أنه لا يدخل النارَ إلا الكفار قالوا: لأنه تعالى حكى عن كل من ألقي في النار أنهم قالوا: فكذبنا النذير، وهذا يدل على أن من لم يكذب الله ورسوله لا يلقى في النار، وظاهر هذه الآية يقتضي القطع بأن الفاسق المصرَّ لا يدخل النار، وأجاب القاضي عنه: بأن النذير قد يطلق على ما في العقول من الأدلة المخوفة، وكل من يدخل النار مخالف للدليل. فصل في معرفة الله بعد ورود السمع واحتج بهذه الآية من قال: إن معرفة الله، وشكره لا يجبان إلا بعد ورود السمع، قالوا: لأنه تعالى إنما عذبهم؛ لأنه أتاهم النذير، فدل على أنه لو لم يأتهم النذير لم يعذبوا. قوله: ﴿فَسُحْقاً﴾ . فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب على المفعول به، أي: ألزمهم الله سحقاً. والثاني: أنه منصوب على المصدر، تقديره: «أسحقهم الله سحقاً» فناب المصدر عن عامله في الدعاء نحو «جَدْعاً له، وغفراً» فلا يجوز إظهار عامله. واختلف النحاة: هل هو مصدر لفعل ثلاثي، أم لفعل رباعي، فجاء على حذف الزوائد. فذهب الفارسي والزجاج إلى أنه مصدر «أسْحَقهُ اللَّهُ» أي: أبعده. قال الفارسي: فكان القياس إسحاقاً، فجاء المصدر على الحذف، كقوله: [الوافر] 4799 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... وإنْ يَهْلِكْ فذلِكَ كانَ قَدْرِي أي: تقديري. والظاهر أن لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه سمع «سَحَقَهُ اللَّهُ» ثلاثياً؛ ومنه قول الشاعر: [الطويل] 4800 - يَجُولُ بأطْرَافِ البِلادِ مُغَرِّباً ... وتَسْحَقُهُ ريحُ الصَّبَا كُلَّ مَسْحَقِ والذي يظهر أن الزجاج والفارسي إنما قالا ذلك فيمن يقول من العرب: أسحقه الله سحقاً. وقرأ العامة: بضم وسكون. والكسائي وآخرون: بضمتين. وهما لغتان، والأحسن أن يكون المثقل أصلاً للمخفف، و «لأصْحابِ» بيان ك ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: 23] ، وسقياً لَكَ. وقال مكيٌّ: «والرفع يجوز في الكلام على الابتداء» . أي: لو قيل: «فسحق» جاز، لا على أنه تلاوة، بل من حيث الصناعة، إلاَّ أن ابن عطية قال ما يضعفه، فإنه قال: «فسحقاً، نصباً على جهة الدعاء عليهم، وجاز ذلك فيه وهو من قبل الله - تعالى - من حيث إن هذا القول فيهم مستقر أزلاً، ووجوده لم يقع ولا يقع إلا في الآخرة، فكأنه لذلك في حيز المتوقع الذي يدعى فيه كما تقول: سُحْقاً لزيد، وبُعْداً له، والنصب في هذا كله بإضمار فعل، فأما ما وقع وثبت، فالوجه الرفع، كما قال تعالى ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: 1] و ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 54] ، وغير هذا من الأمثلة» ، انتهى. فضعف الرفع كما ترى؛ لأنه لم يقع، بل هو متوقع في الآخرة. فصل قال المفسِّرون: ﴿فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السعير﴾ ، أي: فَبُعْداً لهم من رحمة الله. وقال سعيد بن جبير، وأبو صالح: هو واد في جهنَّم يقال له: السحق.

الملك 67:10

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ﴾ ، أي: السماء القربى؛ لأنها أقرب السماوات إلى النَّاس، والمعنى: السَّماء الدُّنيا من النَّاس أي: الدنيا منكم لأنها «فعلى» تأنيث «أفعل» التفضيل، «بِمصَابِيحَ» جمع مصباح وهو السِّراجُ، وسمى الكواكب مصابيح لإضاءتها وسماها زينة لأن الناس يزينون مساجدهم ودورهم بالمصابيح، فكأنه قال: ولقد زيَّنَّا سقف الدارِ التي اجتمعتم فيها بمصابيح الأنوار. قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ﴾ . الضمير في «وَجَعَلْنَاهَا» يجوز فيه وجهان: أظهرهما: أنه يعود على «مَصَابِيحَ» . قيل: وكيفية الرَّجْم أن توجد نار من ضوء الكواكب يرمي بها الشيطانُ، والكوكب في مكانه لا يرجم به. قاله أبو علي جواباً لمن قال: كيف تكون زينةً وهي رجوم لا تبقى؟ . قال المهدويُّ: وهذا على أن يكون الاستراق من موضع الكوكب. والثاني: أن الضمير يعود على السماء، والمعنى: وجعلنا منها؛ لأن ذات السماء ليست للرجوم. قاله أبو حيان. وفيه نظر لعدم عود الضمير على السَّماء. قال القرطبي: والمعنى جعلنا شُهُباً، فحذف المضاف، بدليل قوله ﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: 10] ، قال: وعلى هذا فالمصابيح لا تزول ولا يرجم بها. قال المهدويُّ: وهذا على أن يكون الاستراق دون موضع الكوكب. وقال القشيريُّ: وأحسن من قول أبي علي أن نقول: هي زينة قبل أن ترجم بها الشياطين. والرجوم: جمع رجمٍ، وهو مصدر في الأصل أطلق على المرجوم به كضرب الأمير. ويجوز أن يكون باقياً على مصدريته، ويقدر مضاف، أي: ذات رجوم. وجمع المصدر باعتبار أنواعه، فعلى الأول يتعلق قوله: «للشَّياطينِ» بمحذوف على أنه صفة ل «رُجُوماً» . وعلى الثاني: لا تعلق له؛ لأن اللام مزيدة في المفعول به، وفيه دلالة حينئذ على إعمال المصدر منوناً مجموعاً. ويجوز أن تكون صفة له أيضاً كالأول، فيتعلق بمحذوف. وقيل: الرجوم هنا الظنون، والشياطين: شياطين الإنس. كما قال: [الطويل] 4796 - ... ... ... ... ... ... ... ... ..... ومَا هُوَ عَنْهَا بالحَديثِ المُرَجَّمِ فيكون المعنى: جعلناها ظُنُوناً ورجوماً بالغيبِ، لشياطين الإنس، وهم الأحكاميون من المنجمين. فصل في خلق النجوم قال قتادةُ: خلق الله النُّجوم لثلاثٍ: زينة السَّماءِ ورجوماً للشياطين، وعلاماتٍ يهتدى بها في البرِّ والبحرِ والأوقاتِ، فمن تأول فيها غير ذلك فقد تكلف ما لا علم له به، وتعدى، وظلم. وقال محمد بن كعب: والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء نجم، ولكنهم يتَّخذون الكهانة، ويتَّخذون النُّجوم علةً. فصل قال ابن الخطيب: ظاهر الآيةِ لا يدلّ على أن هذه الكواكب مركوزة في السماء الدنيا؛ لأن السماوات إذا كانت شفافة، فالكواكب سواء كانت في السماء الدنيا، أو في سماوات أخرى فوقها، فهي ولا بُد أن تظهر في السَّماء الدنيا، ولتلوح منها، فعلى التقدير تكون السماء الدنيا متزينة، واعلم أنَّ أصحاب الهيئةِ اتفقوا على أن هذه الكواكب مركوزة في الفلك الثامن الذي فوق كرات السياراتِ، واحتجوا أن بعض الثوابت في الفلك الثامن، فيجب أن تكون كلها هناك. وإنما قلنا: إن بعضها في الفلك الثامن، لأن الكواكب القريبة من المنطقة تنكسف بهذه السيارات، فوجب أن تكون الثوابت المنكسفة فوق السيارات الكاسفة وإنما قلنا: إن الثوابت لما كانت في الفلك الثَّامن وجب أن تكون كلها هناك؛ لأنها بأسرها متحركة حركة واحدة بطيئة في كل مائة سنة درجة واحدة، فلا بُدَّ وأن تكون مركوزةً في كرة واحدة. قال ابن الخطيب: وهذه استدلالاتٌ ضعيفة؛ فإنه لا يلزم من كون بعض الثَّوابت فوق السيارة كون كلها هناك؛ لأنه لا يبعد وجود كرة تحت كرة القمر، وتكون في النظر مساوية لكرة الثوابت، وتكون الكواكب المركوزة فيها مقارب القطبين مركوزة في هذه الكرة السفلية؛ إذ لا يبعد وجود كرتين مختلفتين بالصغر والكبر مع كونهما متشابهتين في الحركة، وعلى هذا التقدير لا يمتنع أن تكون المصابيح مركوزة في سماء الدنيا، فثبت بهذا ضعف مذاهب الفلاسفة. فصل في سبب الرجوم قال ابن الخطيب: يروى أن السبب في الرجوم أن الجن كانت تسمع خبر السماء فلما بعث محمدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حرست السماء ورجمت الشياطين، فمن جاء منهم مسترقاً للسمع رمي بشهاب، فأحرقه لئلا ينزل به إلى الأرض، فيلقيه إلى النَّاس، فيختلط على النبي أمره، ويرتاب النَّاس بخبره. ومن النَّاس من طعن في هذا من وجوه: أحدها: أن انقضاض الكواكب مذكور في كتب قدماء الفلاسفة، قالوا: إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس إذا بلغ النَّار التي دون الفلك احترق بها، فتلك الشعلة هي الشهاب. وثانيها: أن الجن إذا شاهدوا جماعة منهم يسترقون، فيحرقون إن امتنع أن يعودوا لذلك. وثالثها: أن ثُخْنَ السماء مسيرة خمسمائة سنةٍ، فالجن لا يقدرون على خرقها؛ لأنه تعالى نفى أن يكون فيها فطور، وثخنها يمنعهم من السمع لأسرار الملائكة من ذلك البعد العظيم، وإذا سمعوه من ذلك البعد، فهم لا يسمعون كلام الملائكة حال كونهم في الأرض. ورابعها: أن الملائكة إنما اطلعوا على الأحوال المستقبلة، إما لأنهم طالعوها من اللوح المحفوظ، أو لأنهم نقلوها من وحي الله إليهم، وعلى التقديرين، فلم لم يسكتوا عن ذكرها حتى لا يمكنوا الجن من معرفتها. وخامسها: أن الشياطين مخلوقون من النار، والنار لا تحرق النار، بل تقويها. وسادسها: إن كان هذا القذف لأجل النبوة فلم بقي بعدها؟ . وسابعها: أن هذ الرجوم إنما تحدث بالقرب من الأرض، لأنا نشاهدها بالعين، ومع البعد لا نشاهدها كما لا نشاهد حركات الكواكب. وثامنها: إن كانت الشياطين ينقلون أخبار الملائكةِ عن المغيبات إلى الكهنة، فلم لا ينقلون أسرار المؤمنين إلى الكفار، حتى يتوصل الكفار بذلك إلى إلحاق الضرر بالمؤمنين؟ . وتاسعها: لم لم يمنعهم الله ابتداء من الصعود إلى السماء؟ . والجواب عن الأول: أنا لا ننكر أن هذه الشُّهب كانت موجودة قبل مبعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وعن الثاني: أنه إذا جاء القدر عمي البصر، فإذا قضى الله على طائفة منها بالحرق لطغيانها قيَّض الله لها من الدواعي ما يقدمها على العملِ المفضي إلى هلاكها. وعن الثالث: أن نمنع كون ثخن الفلك ما ذكروه، بأن البعد بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام. وعن الرابع: ما روى الزهري عن علي بن الحسين، عن علي بن أبي طالب قال: «بينما النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جالساً في نفرٍ من أصحابه، إذ رمي بنجم فاستنار، فقال: مَا كُنْتُمْ تقُولُونَ فِي الجَاهليَّةِ إذَا حدث؟ قال: كنا نقول: يولد عظيم أو يموت عظيم فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» فإنَّها لا تُرْمَى لمَوْتِ أحدٍ، ولا لِحياتهِ، ولكِنَّ اللَّه - تعالى - إذا قَضَى الأمْرَ في السَّماءِ سبَّحتْ حملةُ العرشِ، ثُمَّ يُسبِّحُ أهلُ كُلِّ سماءٍ، وتسبِّحُ كُل سماءٍ، حتى ينتهي التَّسبيحُ إلى هذه السَّماءِ، ويَسْتخبرُ أهلُ السَّماءِ حملة العَرْشِ ماذا قال ربُّكُمْ؟ فيُخبرُونهُمْ، ولا يَزالُ يَنْتَهِي ذلِكَ الخَبَرُ من سماءٍ إلى سماءٍ إلى أن يَنْتَهِي الخبرُ إلى هذه السَّماء فتَخْطَفُهُ الجِنُّ فَيُرمَونَ، فمَا جَاءُوا به فَهُوَ حَقٌّ، ولكنَّهم يزيدُون فِيهِ «» . وعن الخامس: أنَّ نار النجومِ قد تكون أقوى من نارِ الجن. وعن السادس: أنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أخبر ببطلان الكهانةِ، فلو لم ينقطعوا لعادت الكهانة، وذلك يقدح في خبر الرسولِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ. وعن السابع: أن البعد غير مانع من السماءِ عندنا. وعن الثامن: لعله تعالى أقدرهم على استماع الغيوب عن الملائكة، وأعجزهم عن إيصال أسرار المؤمنين إلى الكافرين. وعن التاسع: أن الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير﴾ . لما ذكر منافع الكواكب، وذكر من جملة تلك المنافع أنها رجوم للشياطين قال بعد ذلك: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير﴾ ، أي: وأعتدنا للشَّياطين بعد الإحراق بالشُّهب في الدنيا عذاب السَّعير في الآخرة، وهو أشدُّ الحريقِ. قال المبردُ: سعرت النَّار فهي مسعورة وسعير، مثل قوله: مقتولة وقتيل. وهذه الآية تدل على أن النَّار مخلوقة؛ لأن قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾ خبر عن الماضي. قوله: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ خبر مقدم في قراءة العامة، و «عذابُ جهنَّم» مبتدؤه. وفي قراءة الحسن والأعرج والضحاك: بنصب «عَذَابَ» فيتعلق ب «أعْتَدْنَا» عطفاً على «لَهُمْ» و «عَذابَ السَّعيرِ» ، فعطف منصوباً على منصوب، ومجروراً على مجرور، وأعاد الخافض، لأن المعطوف عليه ضمير. والمخصوص بالذَّم محذوف، أي: وبئس المصير مصيرهم، أو عذاب جهنَّم، أو عذاب السَّعير. فصل في معنى الآية والمعنى لكل من كفر بالله من الشياطين وغيرهم عذاب جهنم؛ ليبين أن الشياطين المرجومين مخصوصون بذلك، ثم إنه - تعالى - وصف ذلك العذاب بصفات، أولها قوله تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً﴾ يعني الكفار ﴿إِذَآ أُلْقُواْ﴾ طرحوا كما يطرح الحطب في النار العظيمة ﴿سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً﴾ أي: صوتاً. قال ابن عباس: الشَّهيق لجهنم عند إلقاء الكُفار فيها كشهيق البغلةِ للشعير. وقال عطاءٌ: الشَّهيق من الكُفَّار عند إلقائهم في النار. وقال مقاتلٌ: سمعُوا لجهنم شهيقاً. قال ابن الخطيب: ولعل المراد تشبيه صوت لهبِ النَّار بالشهيق، وهو كصوت الحمار. وقال المبرد: هو - والله أعلم - تنفس كتنفس التغيُّظ. قال الزجاجُ: سمع الكُفَّار للنار شهيقاً، وهو أقبح الأصوات. وقيل: سمعوا من أنفسهم شهيقاً كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: 106] . قوله: «لَهَا» متعلق بمحذوف على أنه حال من «شَهيقاً» لأنه في الأصل صفته، ويجوز أن يكون على حذف مضاف، أي: سمعوا لأهلها، وهي تَفُور: جملة حالية. فصل في معنى الشهيق والزفير قال القرطبيُّ: «والشهيق في الصدر، والزفير في الحلق، وقد مضى في سورة» هود «» . وقوله: ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ . أي: تغلي؛ ومنه قول حسَّان: [الوافر] تَرَكْتُمْ قِدْركُمْ لا شيءَ فِيهَا ... وقِدْرُ القَوْمِ حَامِيَةٌ تَفورُ قال مجاهد: تفور كما يفور الحب القليل في الماء الكثير. وقال ابن عباس: تغلي بهم على المراجل، وهذا من شدّة لهب النار من شدّة الغضب كما تقول: فلان يفور غيظاً. قوله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ . قرأ العامة: «تَميَّزُ» بتاء واحدة مخففة، والأصل «تتميَّز» بتاءين، وهي قراءة طلحة. والبزي عن ابن كثير: بتشديدها، أدغم إحدى التاءين في الأخرى. وهي قراءة حسنة لعدم التقاء الساكنين بخلاف قراءته ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: 15] ، و ﴿نَاراً تلظى﴾ [الليل: 14] وبابه. وأبو عمرو: يدغم الدَّال في التاء على أصله في المتقاربين. وقرأ الضحاك: «تَمَايَزُ» والأصل: «تتمايزُ» بتاءين، فحذف إحداهما. وزيد بن علي: «تَمِيزُ» من «مَازَ» . وهذا كله استعارة من قولهم: تميز فلان من الغيظ، أي: انفصل بعضه من بعض من الغيظ، فمن سببية، أي: بسبب الغيظ، ومثله في وصف كَلْب، أنشد عروة: [الرجز] 4798 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... يَكَادُ أنْ يَخْرُجَ مِنْ إهَابِهِ قال ابن الخطيب: ولعل سبب هذا المجاز أن دم القلب يغلي عند الغضب، فيعظم مقداره، فيزداد امتلاء العروق، حتَّى تكاد تتمزَّق. فإن قيل: النَّار ليست من الأحياء، فكيف توصف بالغيظ؟ . قال ابن الخطيب: والجواب: أن البنية عندنا ليست شرطاً للحياة، فلعل الله - تعالى - يخلق فيها وهي نار حياة، أو يكون هذا استعارة يشبه صوت لهبها وسرعة مبادرتها بالغضبان وحركته، أو يكون المراد الزبانية. فصل في تفسير الآية قال سعيد بن جبير ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ يعني تنقطع، وينفصل بعضها من بعض. وابن عباس والضحاك وابن زيد: تتفرق من الغيظ من شدة الغيظ على أعداء الله تعالى. قوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ . تقدم الكلام على «كُلَّمَا» . وهذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من ضمير جهنم. والفَوْج: الجماعة من الناس، والأفْوَاج: الجماعات في تفرقة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾ [النبأ: 18] والمراد هنا بالفوج جماعة من الكفار ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ﴾ وهم مالك، وأعوانه سؤال توبيخ وتقريع ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ ، أي: رسول في الدنيا ينذركم هذا اليوم، حتى تحذروا. قال الزَّجَّاج: وهذا التوبيخُ زيادة لهم في العذاب. قوله: ﴿بلى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ﴾ . فيه دليل على جواز الجميع بين حرف الجواب، ونفس الجملة المجاب بها إذ لو قالوا: بلى، لفهم المعنى، ولكنهم أظهروه تحسراً وزيادة في تغميمهم على تفريطهم في قبُول قول النذير؛ فعطفوا عليه: «فكَذَّبْنَا» إلى آخره. قوله: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ ظاهره أنه من مقول الكفار للنذير، أي: قلنا: «مَا أنْزَلَ اللَّهُ من شَيءٍ» أي: على ألسنتكم إن أنتم يا معشر الرسل ﴿إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ اعترفوا بتكذيب الرسلِ، ثم اعترفوا بجهلهم، فقالوا وهم في النار: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ من النذر يعني: الرسل ما جاءوا به «أوْ نَعْقِلُ» عنهم. وجوز الزمخشريُّ أن يكون من كلام الرُّسل للكفرةِ، وحكاه الكفرة للخزنةِ، أي: قالوا لنا هذا فلم نقبلهُ. قال ابن الخطيب: يجوز أن يكون من كلام الخزنة للكفار، أي: لما قالوا ذلك الكلام قالت الخزنة لهم: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ . قوله: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السعير﴾ . قال ابن الخطيب: احتجّ بهذه الآية من قال: إنَّ الدين لا يتم إلا بالتعليم؛ لأنه قدم السمع على العقل، فدل على أنه لا بد أولاً من إرشاد المرشد غلب عليه تأمل السامع فيما ندب العلم. وأجيب: بأنه إنما قدم السمع؛ لأن الرسول إذا دعا، فأول المراتب أنه يسمع كلامه، ثم يتفكر فيه فلما كان السمع مقدماً على التعقل لا جرم قدم عليه في الذكر. فصل فيمن فضل السمع على البصر واحتج بهذه الآيةِ من قدم السمع على البصر، قالوا: لأنه جعل للسمع مدخلاً في الخلاص من النار، والفوز بالجنة، والبصر ليس كذلك، فوجب أن يكون السمع أفضل من البصر. قوله «بِذنْبِهِمْ» وحَّده؛ لأنه مصدر في الأصل، ولم يقصد التنويع بخلاف «بِذُنُوبِهِم» في موضع؛ ولأنه في معنى الجمع؛ ولأن اسم الجنس إذا أضيف عم. فصل في المراد بالضلال الكبير قال ابن الخطيب: يحتمل أن يكون المراد من الضَّلال الكبير ما كانوا عليه في الدنيا من ضلالهم، ويحتمل أن يكون المراد بالضَّلال الهلاك، ويحتمل أن يكون قد سمى عقاب الضلال باسمه. فصل في الرد على المرجئة احتجت المرجئةُ بهذه الآية على أنه لا يدخل النارَ إلا الكفار قالوا: لأنه تعالى حكى عن كل من ألقي في النار أنهم قالوا: فكذبنا النذير، وهذا يدل على أن من لم يكذب الله ورسوله لا يلقى في النار، وظاهر هذه الآية يقتضي القطع بأن الفاسق المصرَّ لا يدخل النار، وأجاب القاضي عنه: بأن النذير قد يطلق على ما في العقول من الأدلة المخوفة، وكل من يدخل النار مخالف للدليل. فصل في معرفة الله بعد ورود السمع واحتج بهذه الآية من قال: إن معرفة الله، وشكره لا يجبان إلا بعد ورود السمع، قالوا: لأنه تعالى إنما عذبهم؛ لأنه أتاهم النذير، فدل على أنه لو لم يأتهم النذير لم يعذبوا. قوله: ﴿فَسُحْقاً﴾ . فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب على المفعول به، أي: ألزمهم الله سحقاً. والثاني: أنه منصوب على المصدر، تقديره: «أسحقهم الله سحقاً» فناب المصدر عن عامله في الدعاء نحو «جَدْعاً له، وغفراً» فلا يجوز إظهار عامله. واختلف النحاة: هل هو مصدر لفعل ثلاثي، أم لفعل رباعي، فجاء على حذف الزوائد. فذهب الفارسي والزجاج إلى أنه مصدر «أسْحَقهُ اللَّهُ» أي: أبعده. قال الفارسي: فكان القياس إسحاقاً، فجاء المصدر على الحذف، كقوله: [الوافر] 4799 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... وإنْ يَهْلِكْ فذلِكَ كانَ قَدْرِي أي: تقديري. والظاهر أن لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه سمع «سَحَقَهُ اللَّهُ» ثلاثياً؛ ومنه قول الشاعر: [الطويل] 4800 - يَجُولُ بأطْرَافِ البِلادِ مُغَرِّباً ... وتَسْحَقُهُ ريحُ الصَّبَا كُلَّ مَسْحَقِ والذي يظهر أن الزجاج والفارسي إنما قالا ذلك فيمن يقول من العرب: أسحقه الله سحقاً. وقرأ العامة: بضم وسكون. والكسائي وآخرون: بضمتين. وهما لغتان، والأحسن أن يكون المثقل أصلاً للمخفف، و «لأصْحابِ» بيان ك ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: 23] ، وسقياً لَكَ. وقال مكيٌّ: «والرفع يجوز في الكلام على الابتداء» . أي: لو قيل: «فسحق» جاز، لا على أنه تلاوة، بل من حيث الصناعة، إلاَّ أن ابن عطية قال ما يضعفه، فإنه قال: «فسحقاً، نصباً على جهة الدعاء عليهم، وجاز ذلك فيه وهو من قبل الله - تعالى - من حيث إن هذا القول فيهم مستقر أزلاً، ووجوده لم يقع ولا يقع إلا في الآخرة، فكأنه لذلك في حيز المتوقع الذي يدعى فيه كما تقول: سُحْقاً لزيد، وبُعْداً له، والنصب في هذا كله بإضمار فعل، فأما ما وقع وثبت، فالوجه الرفع، كما قال تعالى ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: 1] و ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 54] ، وغير هذا من الأمثلة» ، انتهى. فضعف الرفع كما ترى؛ لأنه لم يقع، بل هو متوقع في الآخرة. فصل قال المفسِّرون: ﴿فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السعير﴾ ، أي: فَبُعْداً لهم من رحمة الله. وقال سعيد بن جبير، وأبو صالح: هو واد في جهنَّم يقال له: السحق.

الملك 67:11

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ﴾ ، أي: السماء القربى؛ لأنها أقرب السماوات إلى النَّاس، والمعنى: السَّماء الدُّنيا من النَّاس أي: الدنيا منكم لأنها «فعلى» تأنيث «أفعل» التفضيل، «بِمصَابِيحَ» جمع مصباح وهو السِّراجُ، وسمى الكواكب مصابيح لإضاءتها وسماها زينة لأن الناس يزينون مساجدهم ودورهم بالمصابيح، فكأنه قال: ولقد زيَّنَّا سقف الدارِ التي اجتمعتم فيها بمصابيح الأنوار. قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ﴾ . الضمير في «وَجَعَلْنَاهَا» يجوز فيه وجهان: أظهرهما: أنه يعود على «مَصَابِيحَ» . قيل: وكيفية الرَّجْم أن توجد نار من ضوء الكواكب يرمي بها الشيطانُ، والكوكب في مكانه لا يرجم به. قاله أبو علي جواباً لمن قال: كيف تكون زينةً وهي رجوم لا تبقى؟ . قال المهدويُّ: وهذا على أن يكون الاستراق من موضع الكوكب. والثاني: أن الضمير يعود على السماء، والمعنى: وجعلنا منها؛ لأن ذات السماء ليست للرجوم. قاله أبو حيان. وفيه نظر لعدم عود الضمير على السَّماء. قال القرطبي: والمعنى جعلنا شُهُباً، فحذف المضاف، بدليل قوله ﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: 10] ، قال: وعلى هذا فالمصابيح لا تزول ولا يرجم بها. قال المهدويُّ: وهذا على أن يكون الاستراق دون موضع الكوكب. وقال القشيريُّ: وأحسن من قول أبي علي أن نقول: هي زينة قبل أن ترجم بها الشياطين. والرجوم: جمع رجمٍ، وهو مصدر في الأصل أطلق على المرجوم به كضرب الأمير. ويجوز أن يكون باقياً على مصدريته، ويقدر مضاف، أي: ذات رجوم. وجمع المصدر باعتبار أنواعه، فعلى الأول يتعلق قوله: «للشَّياطينِ» بمحذوف على أنه صفة ل «رُجُوماً» . وعلى الثاني: لا تعلق له؛ لأن اللام مزيدة في المفعول به، وفيه دلالة حينئذ على إعمال المصدر منوناً مجموعاً. ويجوز أن تكون صفة له أيضاً كالأول، فيتعلق بمحذوف. وقيل: الرجوم هنا الظنون، والشياطين: شياطين الإنس. كما قال: [الطويل] 4796 - ... ... ... ... ... ... ... ... ..... ومَا هُوَ عَنْهَا بالحَديثِ المُرَجَّمِ فيكون المعنى: جعلناها ظُنُوناً ورجوماً بالغيبِ، لشياطين الإنس، وهم الأحكاميون من المنجمين. فصل في خلق النجوم قال قتادةُ: خلق الله النُّجوم لثلاثٍ: زينة السَّماءِ ورجوماً للشياطين، وعلاماتٍ يهتدى بها في البرِّ والبحرِ والأوقاتِ، فمن تأول فيها غير ذلك فقد تكلف ما لا علم له به، وتعدى، وظلم. وقال محمد بن كعب: والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء نجم، ولكنهم يتَّخذون الكهانة، ويتَّخذون النُّجوم علةً. فصل قال ابن الخطيب: ظاهر الآيةِ لا يدلّ على أن هذه الكواكب مركوزة في السماء الدنيا؛ لأن السماوات إذا كانت شفافة، فالكواكب سواء كانت في السماء الدنيا، أو في سماوات أخرى فوقها، فهي ولا بُد أن تظهر في السَّماء الدنيا، ولتلوح منها، فعلى التقدير تكون السماء الدنيا متزينة، واعلم أنَّ أصحاب الهيئةِ اتفقوا على أن هذه الكواكب مركوزة في الفلك الثامن الذي فوق كرات السياراتِ، واحتجوا أن بعض الثوابت في الفلك الثامن، فيجب أن تكون كلها هناك. وإنما قلنا: إن بعضها في الفلك الثامن، لأن الكواكب القريبة من المنطقة تنكسف بهذه السيارات، فوجب أن تكون الثوابت المنكسفة فوق السيارات الكاسفة وإنما قلنا: إن الثوابت لما كانت في الفلك الثَّامن وجب أن تكون كلها هناك؛ لأنها بأسرها متحركة حركة واحدة بطيئة في كل مائة سنة درجة واحدة، فلا بُدَّ وأن تكون مركوزةً في كرة واحدة. قال ابن الخطيب: وهذه استدلالاتٌ ضعيفة؛ فإنه لا يلزم من كون بعض الثَّوابت فوق السيارة كون كلها هناك؛ لأنه لا يبعد وجود كرة تحت كرة القمر، وتكون في النظر مساوية لكرة الثوابت، وتكون الكواكب المركوزة فيها مقارب القطبين مركوزة في هذه الكرة السفلية؛ إذ لا يبعد وجود كرتين مختلفتين بالصغر والكبر مع كونهما متشابهتين في الحركة، وعلى هذا التقدير لا يمتنع أن تكون المصابيح مركوزة في سماء الدنيا، فثبت بهذا ضعف مذاهب الفلاسفة. فصل في سبب الرجوم قال ابن الخطيب: يروى أن السبب في الرجوم أن الجن كانت تسمع خبر السماء فلما بعث محمدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حرست السماء ورجمت الشياطين، فمن جاء منهم مسترقاً للسمع رمي بشهاب، فأحرقه لئلا ينزل به إلى الأرض، فيلقيه إلى النَّاس، فيختلط على النبي أمره، ويرتاب النَّاس بخبره. ومن النَّاس من طعن في هذا من وجوه: أحدها: أن انقضاض الكواكب مذكور في كتب قدماء الفلاسفة، قالوا: إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس إذا بلغ النَّار التي دون الفلك احترق بها، فتلك الشعلة هي الشهاب. وثانيها: أن الجن إذا شاهدوا جماعة منهم يسترقون، فيحرقون إن امتنع أن يعودوا لذلك. وثالثها: أن ثُخْنَ السماء مسيرة خمسمائة سنةٍ، فالجن لا يقدرون على خرقها؛ لأنه تعالى نفى أن يكون فيها فطور، وثخنها يمنعهم من السمع لأسرار الملائكة من ذلك البعد العظيم، وإذا سمعوه من ذلك البعد، فهم لا يسمعون كلام الملائكة حال كونهم في الأرض. ورابعها: أن الملائكة إنما اطلعوا على الأحوال المستقبلة، إما لأنهم طالعوها من اللوح المحفوظ، أو لأنهم نقلوها من وحي الله إليهم، وعلى التقديرين، فلم لم يسكتوا عن ذكرها حتى لا يمكنوا الجن من معرفتها. وخامسها: أن الشياطين مخلوقون من النار، والنار لا تحرق النار، بل تقويها. وسادسها: إن كان هذا القذف لأجل النبوة فلم بقي بعدها؟ . وسابعها: أن هذ الرجوم إنما تحدث بالقرب من الأرض، لأنا نشاهدها بالعين، ومع البعد لا نشاهدها كما لا نشاهد حركات الكواكب. وثامنها: إن كانت الشياطين ينقلون أخبار الملائكةِ عن المغيبات إلى الكهنة، فلم لا ينقلون أسرار المؤمنين إلى الكفار، حتى يتوصل الكفار بذلك إلى إلحاق الضرر بالمؤمنين؟ . وتاسعها: لم لم يمنعهم الله ابتداء من الصعود إلى السماء؟ . والجواب عن الأول: أنا لا ننكر أن هذه الشُّهب كانت موجودة قبل مبعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وعن الثاني: أنه إذا جاء القدر عمي البصر، فإذا قضى الله على طائفة منها بالحرق لطغيانها قيَّض الله لها من الدواعي ما يقدمها على العملِ المفضي إلى هلاكها. وعن الثالث: أن نمنع كون ثخن الفلك ما ذكروه، بأن البعد بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام. وعن الرابع: ما روى الزهري عن علي بن الحسين، عن علي بن أبي طالب قال: «بينما النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جالساً في نفرٍ من أصحابه، إذ رمي بنجم فاستنار، فقال: مَا كُنْتُمْ تقُولُونَ فِي الجَاهليَّةِ إذَا حدث؟ قال: كنا نقول: يولد عظيم أو يموت عظيم فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» فإنَّها لا تُرْمَى لمَوْتِ أحدٍ، ولا لِحياتهِ، ولكِنَّ اللَّه - تعالى - إذا قَضَى الأمْرَ في السَّماءِ سبَّحتْ حملةُ العرشِ، ثُمَّ يُسبِّحُ أهلُ كُلِّ سماءٍ، وتسبِّحُ كُل سماءٍ، حتى ينتهي التَّسبيحُ إلى هذه السَّماءِ، ويَسْتخبرُ أهلُ السَّماءِ حملة العَرْشِ ماذا قال ربُّكُمْ؟ فيُخبرُونهُمْ، ولا يَزالُ يَنْتَهِي ذلِكَ الخَبَرُ من سماءٍ إلى سماءٍ إلى أن يَنْتَهِي الخبرُ إلى هذه السَّماء فتَخْطَفُهُ الجِنُّ فَيُرمَونَ، فمَا جَاءُوا به فَهُوَ حَقٌّ، ولكنَّهم يزيدُون فِيهِ «» . وعن الخامس: أنَّ نار النجومِ قد تكون أقوى من نارِ الجن. وعن السادس: أنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أخبر ببطلان الكهانةِ، فلو لم ينقطعوا لعادت الكهانة، وذلك يقدح في خبر الرسولِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ. وعن السابع: أن البعد غير مانع من السماءِ عندنا. وعن الثامن: لعله تعالى أقدرهم على استماع الغيوب عن الملائكة، وأعجزهم عن إيصال أسرار المؤمنين إلى الكافرين. وعن التاسع: أن الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير﴾ . لما ذكر منافع الكواكب، وذكر من جملة تلك المنافع أنها رجوم للشياطين قال بعد ذلك: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير﴾ ، أي: وأعتدنا للشَّياطين بعد الإحراق بالشُّهب في الدنيا عذاب السَّعير في الآخرة، وهو أشدُّ الحريقِ. قال المبردُ: سعرت النَّار فهي مسعورة وسعير، مثل قوله: مقتولة وقتيل. وهذه الآية تدل على أن النَّار مخلوقة؛ لأن قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾ خبر عن الماضي. قوله: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ خبر مقدم في قراءة العامة، و «عذابُ جهنَّم» مبتدؤه. وفي قراءة الحسن والأعرج والضحاك: بنصب «عَذَابَ» فيتعلق ب «أعْتَدْنَا» عطفاً على «لَهُمْ» و «عَذابَ السَّعيرِ» ، فعطف منصوباً على منصوب، ومجروراً على مجرور، وأعاد الخافض، لأن المعطوف عليه ضمير. والمخصوص بالذَّم محذوف، أي: وبئس المصير مصيرهم، أو عذاب جهنَّم، أو عذاب السَّعير. فصل في معنى الآية والمعنى لكل من كفر بالله من الشياطين وغيرهم عذاب جهنم؛ ليبين أن الشياطين المرجومين مخصوصون بذلك، ثم إنه - تعالى - وصف ذلك العذاب بصفات، أولها قوله تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً﴾ يعني الكفار ﴿إِذَآ أُلْقُواْ﴾ طرحوا كما يطرح الحطب في النار العظيمة ﴿سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً﴾ أي: صوتاً. قال ابن عباس: الشَّهيق لجهنم عند إلقاء الكُفار فيها كشهيق البغلةِ للشعير. وقال عطاءٌ: الشَّهيق من الكُفَّار عند إلقائهم في النار. وقال مقاتلٌ: سمعُوا لجهنم شهيقاً. قال ابن الخطيب: ولعل المراد تشبيه صوت لهبِ النَّار بالشهيق، وهو كصوت الحمار. وقال المبرد: هو - والله أعلم - تنفس كتنفس التغيُّظ. قال الزجاجُ: سمع الكُفَّار للنار شهيقاً، وهو أقبح الأصوات. وقيل: سمعوا من أنفسهم شهيقاً كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: 106] . قوله: «لَهَا» متعلق بمحذوف على أنه حال من «شَهيقاً» لأنه في الأصل صفته، ويجوز أن يكون على حذف مضاف، أي: سمعوا لأهلها، وهي تَفُور: جملة حالية. فصل في معنى الشهيق والزفير قال القرطبيُّ: «والشهيق في الصدر، والزفير في الحلق، وقد مضى في سورة» هود «» . وقوله: ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ . أي: تغلي؛ ومنه قول حسَّان: [الوافر] تَرَكْتُمْ قِدْركُمْ لا شيءَ فِيهَا ... وقِدْرُ القَوْمِ حَامِيَةٌ تَفورُ قال مجاهد: تفور كما يفور الحب القليل في الماء الكثير. وقال ابن عباس: تغلي بهم على المراجل، وهذا من شدّة لهب النار من شدّة الغضب كما تقول: فلان يفور غيظاً. قوله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ . قرأ العامة: «تَميَّزُ» بتاء واحدة مخففة، والأصل «تتميَّز» بتاءين، وهي قراءة طلحة. والبزي عن ابن كثير: بتشديدها، أدغم إحدى التاءين في الأخرى. وهي قراءة حسنة لعدم التقاء الساكنين بخلاف قراءته ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: 15] ، و ﴿نَاراً تلظى﴾ [الليل: 14] وبابه. وأبو عمرو: يدغم الدَّال في التاء على أصله في المتقاربين. وقرأ الضحاك: «تَمَايَزُ» والأصل: «تتمايزُ» بتاءين، فحذف إحداهما. وزيد بن علي: «تَمِيزُ» من «مَازَ» . وهذا كله استعارة من قولهم: تميز فلان من الغيظ، أي: انفصل بعضه من بعض من الغيظ، فمن سببية، أي: بسبب الغيظ، ومثله في وصف كَلْب، أنشد عروة: [الرجز] 4798 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... يَكَادُ أنْ يَخْرُجَ مِنْ إهَابِهِ قال ابن الخطيب: ولعل سبب هذا المجاز أن دم القلب يغلي عند الغضب، فيعظم مقداره، فيزداد امتلاء العروق، حتَّى تكاد تتمزَّق. فإن قيل: النَّار ليست من الأحياء، فكيف توصف بالغيظ؟ . قال ابن الخطيب: والجواب: أن البنية عندنا ليست شرطاً للحياة، فلعل الله - تعالى - يخلق فيها وهي نار حياة، أو يكون هذا استعارة يشبه صوت لهبها وسرعة مبادرتها بالغضبان وحركته، أو يكون المراد الزبانية. فصل في تفسير الآية قال سعيد بن جبير ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ يعني تنقطع، وينفصل بعضها من بعض. وابن عباس والضحاك وابن زيد: تتفرق من الغيظ من شدة الغيظ على أعداء الله تعالى. قوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ . تقدم الكلام على «كُلَّمَا» . وهذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من ضمير جهنم. والفَوْج: الجماعة من الناس، والأفْوَاج: الجماعات في تفرقة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾ [النبأ: 18] والمراد هنا بالفوج جماعة من الكفار ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ﴾ وهم مالك، وأعوانه سؤال توبيخ وتقريع ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ ، أي: رسول في الدنيا ينذركم هذا اليوم، حتى تحذروا. قال الزَّجَّاج: وهذا التوبيخُ زيادة لهم في العذاب. قوله: ﴿بلى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ﴾ . فيه دليل على جواز الجميع بين حرف الجواب، ونفس الجملة المجاب بها إذ لو قالوا: بلى، لفهم المعنى، ولكنهم أظهروه تحسراً وزيادة في تغميمهم على تفريطهم في قبُول قول النذير؛ فعطفوا عليه: «فكَذَّبْنَا» إلى آخره. قوله: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ ظاهره أنه من مقول الكفار للنذير، أي: قلنا: «مَا أنْزَلَ اللَّهُ من شَيءٍ» أي: على ألسنتكم إن أنتم يا معشر الرسل ﴿إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ اعترفوا بتكذيب الرسلِ، ثم اعترفوا بجهلهم، فقالوا وهم في النار: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ من النذر يعني: الرسل ما جاءوا به «أوْ نَعْقِلُ» عنهم. وجوز الزمخشريُّ أن يكون من كلام الرُّسل للكفرةِ، وحكاه الكفرة للخزنةِ، أي: قالوا لنا هذا فلم نقبلهُ. قال ابن الخطيب: يجوز أن يكون من كلام الخزنة للكفار، أي: لما قالوا ذلك الكلام قالت الخزنة لهم: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ . قوله: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السعير﴾ . قال ابن الخطيب: احتجّ بهذه الآية من قال: إنَّ الدين لا يتم إلا بالتعليم؛ لأنه قدم السمع على العقل، فدل على أنه لا بد أولاً من إرشاد المرشد غلب عليه تأمل السامع فيما ندب العلم. وأجيب: بأنه إنما قدم السمع؛ لأن الرسول إذا دعا، فأول المراتب أنه يسمع كلامه، ثم يتفكر فيه فلما كان السمع مقدماً على التعقل لا جرم قدم عليه في الذكر. فصل فيمن فضل السمع على البصر واحتج بهذه الآيةِ من قدم السمع على البصر، قالوا: لأنه جعل للسمع مدخلاً في الخلاص من النار، والفوز بالجنة، والبصر ليس كذلك، فوجب أن يكون السمع أفضل من البصر. قوله «بِذنْبِهِمْ» وحَّده؛ لأنه مصدر في الأصل، ولم يقصد التنويع بخلاف «بِذُنُوبِهِم» في موضع؛ ولأنه في معنى الجمع؛ ولأن اسم الجنس إذا أضيف عم. فصل في المراد بالضلال الكبير قال ابن الخطيب: يحتمل أن يكون المراد من الضَّلال الكبير ما كانوا عليه في الدنيا من ضلالهم، ويحتمل أن يكون المراد بالضَّلال الهلاك، ويحتمل أن يكون قد سمى عقاب الضلال باسمه. فصل في الرد على المرجئة احتجت المرجئةُ بهذه الآية على أنه لا يدخل النارَ إلا الكفار قالوا: لأنه تعالى حكى عن كل من ألقي في النار أنهم قالوا: فكذبنا النذير، وهذا يدل على أن من لم يكذب الله ورسوله لا يلقى في النار، وظاهر هذه الآية يقتضي القطع بأن الفاسق المصرَّ لا يدخل النار، وأجاب القاضي عنه: بأن النذير قد يطلق على ما في العقول من الأدلة المخوفة، وكل من يدخل النار مخالف للدليل. فصل في معرفة الله بعد ورود السمع واحتج بهذه الآية من قال: إن معرفة الله، وشكره لا يجبان إلا بعد ورود السمع، قالوا: لأنه تعالى إنما عذبهم؛ لأنه أتاهم النذير، فدل على أنه لو لم يأتهم النذير لم يعذبوا. قوله: ﴿فَسُحْقاً﴾ . فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب على المفعول به، أي: ألزمهم الله سحقاً. والثاني: أنه منصوب على المصدر، تقديره: «أسحقهم الله سحقاً» فناب المصدر عن عامله في الدعاء نحو «جَدْعاً له، وغفراً» فلا يجوز إظهار عامله. واختلف النحاة: هل هو مصدر لفعل ثلاثي، أم لفعل رباعي، فجاء على حذف الزوائد. فذهب الفارسي والزجاج إلى أنه مصدر «أسْحَقهُ اللَّهُ» أي: أبعده. قال الفارسي: فكان القياس إسحاقاً، فجاء المصدر على الحذف، كقوله: [الوافر] 4799 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... وإنْ يَهْلِكْ فذلِكَ كانَ قَدْرِي أي: تقديري. والظاهر أن لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه سمع «سَحَقَهُ اللَّهُ» ثلاثياً؛ ومنه قول الشاعر: [الطويل] 4800 - يَجُولُ بأطْرَافِ البِلادِ مُغَرِّباً ... وتَسْحَقُهُ ريحُ الصَّبَا كُلَّ مَسْحَقِ والذي يظهر أن الزجاج والفارسي إنما قالا ذلك فيمن يقول من العرب: أسحقه الله سحقاً. وقرأ العامة: بضم وسكون. والكسائي وآخرون: بضمتين. وهما لغتان، والأحسن أن يكون المثقل أصلاً للمخفف، و «لأصْحابِ» بيان ك ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: 23] ، وسقياً لَكَ. وقال مكيٌّ: «والرفع يجوز في الكلام على الابتداء» . أي: لو قيل: «فسحق» جاز، لا على أنه تلاوة، بل من حيث الصناعة، إلاَّ أن ابن عطية قال ما يضعفه، فإنه قال: «فسحقاً، نصباً على جهة الدعاء عليهم، وجاز ذلك فيه وهو من قبل الله - تعالى - من حيث إن هذا القول فيهم مستقر أزلاً، ووجوده لم يقع ولا يقع إلا في الآخرة، فكأنه لذلك في حيز المتوقع الذي يدعى فيه كما تقول: سُحْقاً لزيد، وبُعْداً له، والنصب في هذا كله بإضمار فعل، فأما ما وقع وثبت، فالوجه الرفع، كما قال تعالى ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: 1] و ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 54] ، وغير هذا من الأمثلة» ، انتهى. فضعف الرفع كما ترى؛ لأنه لم يقع، بل هو متوقع في الآخرة. فصل قال المفسِّرون: ﴿فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السعير﴾ ، أي: فَبُعْداً لهم من رحمة الله. وقال سعيد بن جبير، وأبو صالح: هو واد في جهنَّم يقال له: السحق.

الملك 67:12

قوله: ﴿إِنَّ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بالغيب﴾ ، نظيره: ﴿مَّنْ خَشِيَ الرحمن بالغيب﴾ [ق: 33] وقد مضى الكلام فيه. أي: يخافون الله ويخافون عذابه الذي هو «بالغَيْبِ» وهو عذاب يوم القيامة «ويَخْشَوْنَهُ» في دار التكليف، أي: يتقون جميع المعاصي. قال ابن الخطيب: وفي الآية دليل على انقطاع وعيد الفساق، لأن من جاء يوم القيامة مع هذه الخشية بفسق، فله الأمران، وانقطاع الثَّواب بالعقاب باطلٌ بالإجماع، فتعين العكس. ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وهو الجنَّة. قوله: ﴿لَهْم مَّغْفِرَةٌ﴾ الأحسن أن يكون الخَبَرَ «لَهُمْ» و «مَغْفرةٌ» فاعل به، لأن الخبر المفرد أصل، والجار من قبيل المفردات، أو أقرب إليها. قوله: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ﴾ . اللفظ لفظ الأمر، والمراد به الخبر، يعني: إن أخفيتم كلامكم في أمر محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أو جهرتم به، فإن اللَّه عليم بذات الصُّدور، يعني بما في القلوب من الخير والشر. قال ابن عباس: نزلت في المشركين كانوا ينالون من النبيّّّّّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فيخبره جبريل فقال بعضهم لبعض: أسِرُّوا قولكم كي لا يسمع ربُّ محمدٍ، فنزلت: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ﴾ يعني وأسروا قولكم في أمر محمد. وقيل: إنه خطاب عام لجميع الخلق في جميع الأعمال، والمراد أن قولكم وعملكم على أي سبيل وجد، فالحال واحدة في علمه تعالى بها، فاحذروا من المعاصي سرًّا كما تحترزون عنها جَهْراً، فإن ذلك لا يتفاوت بالنسبة إلى علم اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ . ما فيها كما يسمى ولد المرأة جنيناً في بطنها. قوله: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ . في «مَنْ خَلَقَ» وجهان: أحدهما: أنه فاعل «يَعْلَمُ» والمفعول محذوف، تقديره: ألا يعلم الخالق خلقه، وهذا هو الذي عليه جمهور الناسِ، وبه بدأ الزمخشريُّ. والثاني: أن الفاعل مضمر يعود على الباري تعالى، و «مَنْ» مفعول به، أي: لا يعلم الله من خلقه. قال أبو حيَّان: والظَّاهر أن «مَنْ» مفعول، والمعنى أينتفي علمه بمن خلقه، وهو الذي لطف علمه ودقّ، ثم قال: وأجاز بعض النحويين أن يكون «مَنْ» فاعلاً والمفعول محذوف، كأنه قال: ألا يعلم الخالق سرَّكُم، وجهركُم، وهو استفهام معناه الإنكار. قال شهاب الدينِ: «وهَذَا الوجهُ الذي جعله هو الظاهر يعزيه الناس لأهل الزَّيْغ والبدع الدافعين لعموم الخلق لله تعالى، وقد أطنب مكي في ذلك، وأنكر على القائل به، ونسبه إلى ما ذكرت، فقال: وقد قال بعض أهل الزيغِ: إن» مَنْ «في موضع نصب اسم للمسرين والمجاهرين ليخرج الكلام عن عمومه، ويدفع عموم الخلق عن الله تعالى، ولو كان كما زعم لقال: ألا يعلم ما خلق؛ لأنه إنما يقدم ذكر ما تكن الصدور فهو في موضع ما، ولو أتت» مَا «في موضع» مَنْ «لكان فيه أيضاً بيان العموم أن اللَّه خالق كل شيء من أقوال الخلق وأفعالهم أسروها، أو أظهروها خيراً كانت، أو شراً، ويقوي ذلك ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ ولم يقل: عليم بالمسرين والجاهرين، ويكون» مَا «في موضع نصبٍ، وإنما تخرج الآية من هذا العموم إذا جعلت» ما «في موضع نصب اسماً للأناسِ المخاطبين قبل هذه الآيةِ، وقوله: ﴿بِذَاتِ الصدور﴾ يمنع من ذلك» انتهى. قال شهاب الدين: ولا أدري كيف يلزم ما قاله مكي بالإعراب الذي ذكره، والمعنى الذي أبداه، وقد قال بهذا القول أعني الإعراب الثاني جماعة من المحققين، ولم يبالوا بما ذكره لعدم إفهام الآية إياه. قال الزمخشريُّ بعد كلام ذكره: ثم أنكر أن يحيط علماً بالمضمر والمسر والمجهر «مَنْ خَلَقَ» الأشياء، وحاله أنه اللطيف الخبير المتصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن، ويجوز أن يكون «مَنْ خَلقَ» منصوباً بمعنى ألا يعلم مخلوقه وهذه حاله، ثم قال: فإن قلت: قدرت في «ألاَ يَعْلَمُ» مفعولاً على معنى ألا يعلم ذلك المذكور ما أضمر في القلب، وأظهر باللسان من خلق، فهلاَّ جعلته مثل قولهم: هو يعطي ويمنع؟ وهلا كان المعنى: ألا يكون عالماً من هو خالق؛ لأن الخلق لا يصلحُ إلا مع العلم؟ قلت: أبت ذلك الحال التي هي قوله: ﴿وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ لأنك لو قلت: ألا يكون عالماً من هو خالق وهو اللطيف الخبير لم يكن معنى صحيحاً؛ لأن «ألاَ يَعْلَمُ» معتمد على الحال، والشيء لا يوقف بنفسه، فلا يقال: ألا يعلم وهو عالم، ولكن ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء. فصل في معنى الآية معنى الآية: ألا يعلم السّر من خلق السر، يقول: أنا خلقت السر في القلب، أفلا أكون عالماً بما في قلوب العباد؟ . قال أهل المعاني: إن شئت جعلته من أسماء الخالق - عزَّ وجلَّ - ويكون المعنى: ألا يعلم الخالق خلقه، وإن شئت جعلته من أسماء المخلوق، والمعنى: ألا يعلم الله من خلق، ولا بد أن يكون الخالق عالماً بمن خلقه، وما يخلقه. قال ابن المسيِّب: بينما رجل واقف بالليل في شجر كثير، وقد عصفت الريحُ، فوقع في نفس الرجل، أترى الله يعلم ما يسقط من هذا الورق؟ فنودي من جانب الغيضة بصوت عظيم: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ ؟ . وقال أبو إسحاق الإسفراييني: من أسماء صفات الذَّات ما هو للعلم، منها «العَلِيمُ» ، ومعناه: تعميم جميع المعلومات، ومنها «الخَبِيرُ» ويختص بأن يعلم ما يكون قبل أن يكون ومنها «الحَكِيمُ» ويختص بأن يعلم دقائق الأوصاف، ومنها «الشَّهِيدُ» ، ويختص بأن يعلم الغائِب والحاضر، ومعناه: ألاَّ يغيب عنه شيء، ومنها «الحافظ» ويختص بأنه لا ينسى شيئاً، ومنها «المُحصِي» ويختص بأنه لا يشغله الكثرة عن العلم مثل ضوء النور، واشتداد الريح، وتساقط الأوراق، فيعلم عند ذلك أجزاء الحركات في كل ورقة، وكيف لا يعلم وهو الذي يخلق؟ وقد قال: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ . فصل لما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ ذكر الدليل على أنه عالم، فقال: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ الآية، والمعنى: أن من خلق لا بُدَّ وأن يكون عالماً بما يخلقه، لأن الخلق هو الإيجاد والتكوين على سبيل القصد، والقاصد إلى الشيء، لا بد وأن يكون عالماً بحقيقة ذلك المخلوق كيفية وكمية. قال ابن الخطيب: فنقول: لو كان العبد موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بتفاصيلها، وهو غير عالم لأن التفاوت بين الحركةِ السريعةِ، والبطيئة إنما هو لتحلُّل السَّكناتِ، فالفاعل للحركة البطيئةِ قد يفعل حركة، وسكوناً، ولم يخطر بباله ذلك فَضْلاً عن كميته، ولأن المتحرك لا يعرف عدد أجزاء الحركات إلاَّ إذا عرف عدد الأحياز التي هي بين مبدأ المسافة ومنتهاها وذلك يتوقف على علمه بالجواهر المفردة التي تنتقل في تلك المسافة وعددها، وذلك غير معلومٍ، ولأنَّ النائم يتحرك مع عدم علمه؛ ولأن قوله: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ إنما يتصل بما قبله لو كان خالقاً لكل ما يفعلونه سرًّا وجهراً، وبما في الصدور. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد ألا يعلم من خلق الأجساد؟ . فالجواب: أنه لا يجوز أن يكون المراد أن من فعل شيئاً يكون عالماً بشيء آخر. قوله: ﴿وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ . قيل: اللطيف: العالم. وقيل: هو فاعل الأشياء اللطيفة التي يخفى علمها على أكثر الفاعلين، ولهذا يقال: إن لُطْف الله تعالى بعباده عجيب، والمراد به دقائق تدبيره لهم، وهذا أقرب وإلا لكان ذكر الخبير بعد تكراراً. قوله: ﴿هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً﴾ لما بين الدليل كونه عالماً بما يسرون وما يعلنون ذكر بعده هذه الآية على سبيل التهديد كقول السيد لعبده الذي أساء إليه سراً: يا فلانُ أنا أعلم سرك وعلانيتك، فاجلس في هذه الدار التي وهبتها منك، وكل هذا الخير الذي هيأته لك، ولا تأمن تأديبي، فكأنه تعالى يقول: يا أيها الكُفَّار أنا عالم بسركم وجهركم وضمائركم، فخافوني؛ فإن الأرض التي هي قراركم أنا ذللتها لكم، ولو شئت خسفت بكم. والذَّلُولُ: المنقاد الذي يذلّ لك، والمصدر الذل وهو اللين والانقياد، أي: لم يجعل الأرض بحيث يمتنع المشي فيها بالحزونة والغلظة. وقيل: يثبتها بالجبالِ لئلا تزول بأهلها، ولو كانت تتكفأ متمايلة لما كانت منقادة لنا. وقيل: إشارة إلى التمكن من الزرعِ، والغرس، وشق العيون، والأنهار، وحفر الآبار، وبناء الأبنية، ولو كانت صلبة لتعذر ذلك. وقيل: لو كانت مثل الذَّهب والحديد لكانت تسخن جداً في الصيف، وكانت تبرد جداً في الشتاء. قوله: ﴿فامشوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ . هذه استعارة حسنة جداً. وقال الزمخشري: مثل لفرط التذليل، ومجاوزته الغاية؛ لأن المنكبين وملتقاهما من الغارب أرق شيء من البعير، وأنهاه عن أن يطأه الراكب بقدمه، ويعتمد عليه، فإذا جعلها في الذل بحيث يمشي في مناكبها لم يترك. فصل في هذا الأمر هذا أمر إباحة، وفيه إظهار الامتنان. وقيل: هو خبر بلفظ الأمر، أي: لكي تمشوا في أطرافها، ونواحيها، وآكامها وجبالها. وقال ابنُ عبَّاسٍ وقتادة وبشير بن كعب: «فِي منَاكبِهَا» في جبالها. وروي أن بشير بن كعب كانت له سرية فقال لها: إن أخبرتيني ما مناكب الأرض فأنت حرة. فقالت: مناكبها: جبالها، فصارت حُرَّة، فأراد أن يتزوجها، فسأل أبا الدرداء، فقال: «دَعْ ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ» . وقال مجاهد: في أطرافها، وعنه أيضاً: في طرفها وفجاجها، وهو قول السديِّ والحسن. وقال الكلبيُّ: في جوانبها. ومنكبا الرجل: جانباه، وأصل الكلمة: الجانب، ومنه منكب الرجل والريح النكباء، وتنكب فلان عن فلان. يقول: امشُوا حيث أردتم، فقد جعلتها لكم ذلولاً لا تمتنع. وحكى قتادةُ عن أبي الجلد: أن الأرض من أربعة وعشرون ألف فرسخ، فللسودان اثنا عشر ألفاً، وللروم ثمانية آلافٍ، وللفرس ثلاثة آلافٍ، وللعرب ألفٌ. قوله: ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ . قال الحسن: ما أحله لكم. وقيل: مما أنبته لكم. وقيل: مما خلقه اللَّه لكم رزقاً من الأرض «وإليْهِ النُّشورُ» المرجع. وقيل: معناه أن الذي خلق السماوات ولا تفاوت فيها، والأرض ذلولاً قادر على أن ينشركم، وإليه تبعثون من قبوركم. قوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَّن فِي السمآء﴾ . تقدم اختلاف القراء في الهمزتين المفتوحتين نحو ﴿أَأَنذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: 6] تخفيفاً وتحقيقاً وإدخال ألف بينهما وعدمه في سورة «البقرة» . وأن قنبلاً يقرأ هنا: بإبدال الهمزة الأولى واواً في الوصل «وإليْهِ النشورُ وأمنتُمْ» ، وهو على أصله من تسهيل الثانية بين بين، وعدم ألف بينهما، وأما إذا ابتدأ، فيحقق الأولى، ويسهل الثانية بين بين على ما تقدم، ولم تبدل الأولى واواً، لزوال موجبه وهو انضمام ما قبلها، وهي مفتوحة نحو «مُوجِل، ويُؤاخِذكُم» ، وقد مضى في سورة «الأعراف» عند قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ﴾ [الأعراف: 123] ، وإنما عددناه تذكيراً، وبياناً. قوله: ﴿مَّن فِي السمآء﴾ . مفعول «أأمِنْتُمْ» وفي الكلام حذف مضاف، أي: أمنتم خالق السماوات. وقيل: «فِي» بمعنى «على» ، أي: على السماء، كقوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: 71] ، أي: على جذوع النخل. وإنما احتاج القائل بهذين إلى ذلك؛ لأنه اعتقد أن «مَنْ» واقعة على الباري، وهو الظاهر وثبت بالدليل القطعي أنه ليس بمتحيّز لئلا يلزم التجسيم، ولا حاجة إلى ذلك؛ فإن «مَنْ» هنا المراد بها: الملائكة سكان السماءِ، وهم الذين يتولّون الرحمة والنقمة. وقيل: خوطبوا بذلك على اعتقادهم؛ فإن القوم كانوا مجسمة مشبِّهة، والذي تقدم أحسن. قال ابن الخطيب: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها باتفاق المسلمين؛ لأن ذلك يقتضي إحاطة السَّماءِ به من جميع الجوانب، فيكونُ أصغر منها، والعرش أكبر من السماء بكثير، فيكون حقيراً بالنسبة إلى العرش، وهو باطل بالاتفاق، ولأنه قال: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السماوات والأرض﴾ [الأنعام: 12] فلو كان فيهما لكان مالكاً لنفسه، فالمعنى: إما من في السموات عذابه، وإما أن ذلك ما كانت العرب تعتقد، وإما من في السماء سلطانه وملكه وقدرته، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الله فِي السماوات وَفِي الأرض﴾ [الأنعام: 3] فإنَّ الشيء الواحد لا يكون دفعة واحدة في مكانين، والغرض من ذكر السَّماءِ تفخيم سلطان الله، وتعظيم قدرته، والمراد الملك الموكل بالعذاب، وهو جبريلُ يخسفها بإذن الله. قوله: ﴿أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض﴾ و ﴿أَن يُرْسِلَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنهما بدلان من ﴿مَنْ فِي السماء﴾ بدل اشتمال، أي: أمنتم خسفه، وإرساله. قاله أبو البقاء. والثاني: أن يكون على حذف «مِنْ» ، أي: أمنتم من الخسف والإرسال، والأول أظهر. فصل قال القرطبيُّ: ويحتمل أن يكون المعنى: أمنتم خالق من في السماء أن يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ أي: تذهب وتجيء، والمور: الاضطراب بالذهاب والمجيء. قال الشاعر: [الطويل] 4801 - رَمَيْنَ فأقْصَدْنَ القُلُوبَ ولَنْ تَرَى ... دَماً مَائِراً إلاَّ جرى في الحيَازِمِ جمع «حيزوم» وهو وسط الصدر. وإذا خسف بإنسان دارت به الأرض، فهو المور. قال ابن الخطيب: إن الله - تعالى - يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب وتتحرك، فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها، فيذهبون والأرض فوقهم تمُور، فتقلبهم إلى أسفل السافلين. قال القرطبي: قال المحققُون: أمنتم من فوق السَّماء، كقوله: ﴿فَسِيحُواْ فِي الأرض﴾ [التوبة: 2] أي: فوقها لا بالمماسة والتحيُّز، لكن بالقهر والتدبير. وقيل: معناه: أمنتم من على السماء كقوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: 71] ، أي: عليها، ومعناه أنه مدبرها، ومالكها كما يقال: فلان على «العراق» ، أي: وليها وأميرها، والأخبار في هذا صحيحة، وكثيرة منتشرة مشيرة إلى العلوّ، لا يدفعها إلا ملحد، أو جاهل أو معاند، والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلو والعظمة، لا بالأماكن والجهات والحدود؛ لأنها صفات الأجسامِ، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء؛ لأن السماء مهبط الوحْي، ومنزل القطر، ومحل القدس، ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته كما جعل اللَّهُ الكعبة قبلة للصلاة، فإنه خلق الملائكة وهو غير محتاجٍ إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان، ولا مكان له ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان. قوله ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي السمآء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ . قال ابن عباس: أي: حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوطٍ وأصحاب الفيل. وقيل: ريح فيها حجارة وحصباء كأنها تقلع الحصباء، لشدتها وقوتها. وقيل: سحاب فيه حجارة. قوله ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ . قيل: هاهنا النذير: المنذر، يعني محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو قول عطاء عن ابن عباس والضحاك، والمعنى: فستعلمون رسولي، وصدقه ولكن حين لا ينفعكم ذلك. وقيل: إنه بمعنى الإنذار، والمعنى فستعلمون عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب والرسول، وكيف في قوله ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [ينبىء] عن ما ذكرنا من صدق الرسول، وعقوبة الإنذار. وقد تقدم أن «نَذِير، ونكير» مصدران بمعنى الإنذار؛ والإنكار. وأثبت ورش ياء «نذيري» وقفاً، وحذفها وصلاً، وحذفها الباقون في الحالين. قوله: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ . يعني كفار الأمم كقوم نوح، وعاد، وثمود، وغيرهم ﴿فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾ أي: إنكاري وتغييري: قاله الواحديُّ. وقال أبو مسلم: النكير عقاب المنكر، ثم قال: سقطت الياء من «نَذيرِي» ومن «نَكيرِي» حتى تشابه رءوس الآي المتقدمة عليها، والمتأخرة عنها.

الملك 67:13

قوله: ﴿إِنَّ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بالغيب﴾ ، نظيره: ﴿مَّنْ خَشِيَ الرحمن بالغيب﴾ [ق: 33] وقد مضى الكلام فيه. أي: يخافون الله ويخافون عذابه الذي هو «بالغَيْبِ» وهو عذاب يوم القيامة «ويَخْشَوْنَهُ» في دار التكليف، أي: يتقون جميع المعاصي. قال ابن الخطيب: وفي الآية دليل على انقطاع وعيد الفساق، لأن من جاء يوم القيامة مع هذه الخشية بفسق، فله الأمران، وانقطاع الثَّواب بالعقاب باطلٌ بالإجماع، فتعين العكس. ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وهو الجنَّة. قوله: ﴿لَهْم مَّغْفِرَةٌ﴾ الأحسن أن يكون الخَبَرَ «لَهُمْ» و «مَغْفرةٌ» فاعل به، لأن الخبر المفرد أصل، والجار من قبيل المفردات، أو أقرب إليها. قوله: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ﴾ . اللفظ لفظ الأمر، والمراد به الخبر، يعني: إن أخفيتم كلامكم في أمر محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أو جهرتم به، فإن اللَّه عليم بذات الصُّدور، يعني بما في القلوب من الخير والشر. قال ابن عباس: نزلت في المشركين كانوا ينالون من النبيّّّّّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فيخبره جبريل فقال بعضهم لبعض: أسِرُّوا قولكم كي لا يسمع ربُّ محمدٍ، فنزلت: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ﴾ يعني وأسروا قولكم في أمر محمد. وقيل: إنه خطاب عام لجميع الخلق في جميع الأعمال، والمراد أن قولكم وعملكم على أي سبيل وجد، فالحال واحدة في علمه تعالى بها، فاحذروا من المعاصي سرًّا كما تحترزون عنها جَهْراً، فإن ذلك لا يتفاوت بالنسبة إلى علم اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ . ما فيها كما يسمى ولد المرأة جنيناً في بطنها. قوله: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ . في «مَنْ خَلَقَ» وجهان: أحدهما: أنه فاعل «يَعْلَمُ» والمفعول محذوف، تقديره: ألا يعلم الخالق خلقه، وهذا هو الذي عليه جمهور الناسِ، وبه بدأ الزمخشريُّ. والثاني: أن الفاعل مضمر يعود على الباري تعالى، و «مَنْ» مفعول به، أي: لا يعلم الله من خلقه. قال أبو حيَّان: والظَّاهر أن «مَنْ» مفعول، والمعنى أينتفي علمه بمن خلقه، وهو الذي لطف علمه ودقّ، ثم قال: وأجاز بعض النحويين أن يكون «مَنْ» فاعلاً والمفعول محذوف، كأنه قال: ألا يعلم الخالق سرَّكُم، وجهركُم، وهو استفهام معناه الإنكار. قال شهاب الدينِ: «وهَذَا الوجهُ الذي جعله هو الظاهر يعزيه الناس لأهل الزَّيْغ والبدع الدافعين لعموم الخلق لله تعالى، وقد أطنب مكي في ذلك، وأنكر على القائل به، ونسبه إلى ما ذكرت، فقال: وقد قال بعض أهل الزيغِ: إن» مَنْ «في موضع نصب اسم للمسرين والمجاهرين ليخرج الكلام عن عمومه، ويدفع عموم الخلق عن الله تعالى، ولو كان كما زعم لقال: ألا يعلم ما خلق؛ لأنه إنما يقدم ذكر ما تكن الصدور فهو في موضع ما، ولو أتت» مَا «في موضع» مَنْ «لكان فيه أيضاً بيان العموم أن اللَّه خالق كل شيء من أقوال الخلق وأفعالهم أسروها، أو أظهروها خيراً كانت، أو شراً، ويقوي ذلك ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ ولم يقل: عليم بالمسرين والجاهرين، ويكون» مَا «في موضع نصبٍ، وإنما تخرج الآية من هذا العموم إذا جعلت» ما «في موضع نصب اسماً للأناسِ المخاطبين قبل هذه الآيةِ، وقوله: ﴿بِذَاتِ الصدور﴾ يمنع من ذلك» انتهى. قال شهاب الدين: ولا أدري كيف يلزم ما قاله مكي بالإعراب الذي ذكره، والمعنى الذي أبداه، وقد قال بهذا القول أعني الإعراب الثاني جماعة من المحققين، ولم يبالوا بما ذكره لعدم إفهام الآية إياه. قال الزمخشريُّ بعد كلام ذكره: ثم أنكر أن يحيط علماً بالمضمر والمسر والمجهر «مَنْ خَلَقَ» الأشياء، وحاله أنه اللطيف الخبير المتصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن، ويجوز أن يكون «مَنْ خَلقَ» منصوباً بمعنى ألا يعلم مخلوقه وهذه حاله، ثم قال: فإن قلت: قدرت في «ألاَ يَعْلَمُ» مفعولاً على معنى ألا يعلم ذلك المذكور ما أضمر في القلب، وأظهر باللسان من خلق، فهلاَّ جعلته مثل قولهم: هو يعطي ويمنع؟ وهلا كان المعنى: ألا يكون عالماً من هو خالق؛ لأن الخلق لا يصلحُ إلا مع العلم؟ قلت: أبت ذلك الحال التي هي قوله: ﴿وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ لأنك لو قلت: ألا يكون عالماً من هو خالق وهو اللطيف الخبير لم يكن معنى صحيحاً؛ لأن «ألاَ يَعْلَمُ» معتمد على الحال، والشيء لا يوقف بنفسه، فلا يقال: ألا يعلم وهو عالم، ولكن ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء. فصل في معنى الآية معنى الآية: ألا يعلم السّر من خلق السر، يقول: أنا خلقت السر في القلب، أفلا أكون عالماً بما في قلوب العباد؟ . قال أهل المعاني: إن شئت جعلته من أسماء الخالق - عزَّ وجلَّ - ويكون المعنى: ألا يعلم الخالق خلقه، وإن شئت جعلته من أسماء المخلوق، والمعنى: ألا يعلم الله من خلق، ولا بد أن يكون الخالق عالماً بمن خلقه، وما يخلقه. قال ابن المسيِّب: بينما رجل واقف بالليل في شجر كثير، وقد عصفت الريحُ، فوقع في نفس الرجل، أترى الله يعلم ما يسقط من هذا الورق؟ فنودي من جانب الغيضة بصوت عظيم: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ ؟ . وقال أبو إسحاق الإسفراييني: من أسماء صفات الذَّات ما هو للعلم، منها «العَلِيمُ» ، ومعناه: تعميم جميع المعلومات، ومنها «الخَبِيرُ» ويختص بأن يعلم ما يكون قبل أن يكون ومنها «الحَكِيمُ» ويختص بأن يعلم دقائق الأوصاف، ومنها «الشَّهِيدُ» ، ويختص بأن يعلم الغائِب والحاضر، ومعناه: ألاَّ يغيب عنه شيء، ومنها «الحافظ» ويختص بأنه لا ينسى شيئاً، ومنها «المُحصِي» ويختص بأنه لا يشغله الكثرة عن العلم مثل ضوء النور، واشتداد الريح، وتساقط الأوراق، فيعلم عند ذلك أجزاء الحركات في كل ورقة، وكيف لا يعلم وهو الذي يخلق؟ وقد قال: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ . فصل لما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ ذكر الدليل على أنه عالم، فقال: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ الآية، والمعنى: أن من خلق لا بُدَّ وأن يكون عالماً بما يخلقه، لأن الخلق هو الإيجاد والتكوين على سبيل القصد، والقاصد إلى الشيء، لا بد وأن يكون عالماً بحقيقة ذلك المخلوق كيفية وكمية. قال ابن الخطيب: فنقول: لو كان العبد موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بتفاصيلها، وهو غير عالم لأن التفاوت بين الحركةِ السريعةِ، والبطيئة إنما هو لتحلُّل السَّكناتِ، فالفاعل للحركة البطيئةِ قد يفعل حركة، وسكوناً، ولم يخطر بباله ذلك فَضْلاً عن كميته، ولأن المتحرك لا يعرف عدد أجزاء الحركات إلاَّ إذا عرف عدد الأحياز التي هي بين مبدأ المسافة ومنتهاها وذلك يتوقف على علمه بالجواهر المفردة التي تنتقل في تلك المسافة وعددها، وذلك غير معلومٍ، ولأنَّ النائم يتحرك مع عدم علمه؛ ولأن قوله: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ إنما يتصل بما قبله لو كان خالقاً لكل ما يفعلونه سرًّا وجهراً، وبما في الصدور. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد ألا يعلم من خلق الأجساد؟ . فالجواب: أنه لا يجوز أن يكون المراد أن من فعل شيئاً يكون عالماً بشيء آخر. قوله: ﴿وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ . قيل: اللطيف: العالم. وقيل: هو فاعل الأشياء اللطيفة التي يخفى علمها على أكثر الفاعلين، ولهذا يقال: إن لُطْف الله تعالى بعباده عجيب، والمراد به دقائق تدبيره لهم، وهذا أقرب وإلا لكان ذكر الخبير بعد تكراراً. قوله: ﴿هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً﴾ لما بين الدليل كونه عالماً بما يسرون وما يعلنون ذكر بعده هذه الآية على سبيل التهديد كقول السيد لعبده الذي أساء إليه سراً: يا فلانُ أنا أعلم سرك وعلانيتك، فاجلس في هذه الدار التي وهبتها منك، وكل هذا الخير الذي هيأته لك، ولا تأمن تأديبي، فكأنه تعالى يقول: يا أيها الكُفَّار أنا عالم بسركم وجهركم وضمائركم، فخافوني؛ فإن الأرض التي هي قراركم أنا ذللتها لكم، ولو شئت خسفت بكم. والذَّلُولُ: المنقاد الذي يذلّ لك، والمصدر الذل وهو اللين والانقياد، أي: لم يجعل الأرض بحيث يمتنع المشي فيها بالحزونة والغلظة. وقيل: يثبتها بالجبالِ لئلا تزول بأهلها، ولو كانت تتكفأ متمايلة لما كانت منقادة لنا. وقيل: إشارة إلى التمكن من الزرعِ، والغرس، وشق العيون، والأنهار، وحفر الآبار، وبناء الأبنية، ولو كانت صلبة لتعذر ذلك. وقيل: لو كانت مثل الذَّهب والحديد لكانت تسخن جداً في الصيف، وكانت تبرد جداً في الشتاء. قوله: ﴿فامشوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ . هذه استعارة حسنة جداً. وقال الزمخشري: مثل لفرط التذليل، ومجاوزته الغاية؛ لأن المنكبين وملتقاهما من الغارب أرق شيء من البعير، وأنهاه عن أن يطأه الراكب بقدمه، ويعتمد عليه، فإذا جعلها في الذل بحيث يمشي في مناكبها لم يترك. فصل في هذا الأمر هذا أمر إباحة، وفيه إظهار الامتنان. وقيل: هو خبر بلفظ الأمر، أي: لكي تمشوا في أطرافها، ونواحيها، وآكامها وجبالها. وقال ابنُ عبَّاسٍ وقتادة وبشير بن كعب: «فِي منَاكبِهَا» في جبالها. وروي أن بشير بن كعب كانت له سرية فقال لها: إن أخبرتيني ما مناكب الأرض فأنت حرة. فقالت: مناكبها: جبالها، فصارت حُرَّة، فأراد أن يتزوجها، فسأل أبا الدرداء، فقال: «دَعْ ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ» . وقال مجاهد: في أطرافها، وعنه أيضاً: في طرفها وفجاجها، وهو قول السديِّ والحسن. وقال الكلبيُّ: في جوانبها. ومنكبا الرجل: جانباه، وأصل الكلمة: الجانب، ومنه منكب الرجل والريح النكباء، وتنكب فلان عن فلان. يقول: امشُوا حيث أردتم، فقد جعلتها لكم ذلولاً لا تمتنع. وحكى قتادةُ عن أبي الجلد: أن الأرض من أربعة وعشرون ألف فرسخ، فللسودان اثنا عشر ألفاً، وللروم ثمانية آلافٍ، وللفرس ثلاثة آلافٍ، وللعرب ألفٌ. قوله: ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ . قال الحسن: ما أحله لكم. وقيل: مما أنبته لكم. وقيل: مما خلقه اللَّه لكم رزقاً من الأرض «وإليْهِ النُّشورُ» المرجع. وقيل: معناه أن الذي خلق السماوات ولا تفاوت فيها، والأرض ذلولاً قادر على أن ينشركم، وإليه تبعثون من قبوركم. قوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَّن فِي السمآء﴾ . تقدم اختلاف القراء في الهمزتين المفتوحتين نحو ﴿أَأَنذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: 6] تخفيفاً وتحقيقاً وإدخال ألف بينهما وعدمه في سورة «البقرة» . وأن قنبلاً يقرأ هنا: بإبدال الهمزة الأولى واواً في الوصل «وإليْهِ النشورُ وأمنتُمْ» ، وهو على أصله من تسهيل الثانية بين بين، وعدم ألف بينهما، وأما إذا ابتدأ، فيحقق الأولى، ويسهل الثانية بين بين على ما تقدم، ولم تبدل الأولى واواً، لزوال موجبه وهو انضمام ما قبلها، وهي مفتوحة نحو «مُوجِل، ويُؤاخِذكُم» ، وقد مضى في سورة «الأعراف» عند قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ﴾ [الأعراف: 123] ، وإنما عددناه تذكيراً، وبياناً. قوله: ﴿مَّن فِي السمآء﴾ . مفعول «أأمِنْتُمْ» وفي الكلام حذف مضاف، أي: أمنتم خالق السماوات. وقيل: «فِي» بمعنى «على» ، أي: على السماء، كقوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: 71] ، أي: على جذوع النخل. وإنما احتاج القائل بهذين إلى ذلك؛ لأنه اعتقد أن «مَنْ» واقعة على الباري، وهو الظاهر وثبت بالدليل القطعي أنه ليس بمتحيّز لئلا يلزم التجسيم، ولا حاجة إلى ذلك؛ فإن «مَنْ» هنا المراد بها: الملائكة سكان السماءِ، وهم الذين يتولّون الرحمة والنقمة. وقيل: خوطبوا بذلك على اعتقادهم؛ فإن القوم كانوا مجسمة مشبِّهة، والذي تقدم أحسن. قال ابن الخطيب: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها باتفاق المسلمين؛ لأن ذلك يقتضي إحاطة السَّماءِ به من جميع الجوانب، فيكونُ أصغر منها، والعرش أكبر من السماء بكثير، فيكون حقيراً بالنسبة إلى العرش، وهو باطل بالاتفاق، ولأنه قال: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السماوات والأرض﴾ [الأنعام: 12] فلو كان فيهما لكان مالكاً لنفسه، فالمعنى: إما من في السموات عذابه، وإما أن ذلك ما كانت العرب تعتقد، وإما من في السماء سلطانه وملكه وقدرته، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الله فِي السماوات وَفِي الأرض﴾ [الأنعام: 3] فإنَّ الشيء الواحد لا يكون دفعة واحدة في مكانين، والغرض من ذكر السَّماءِ تفخيم سلطان الله، وتعظيم قدرته، والمراد الملك الموكل بالعذاب، وهو جبريلُ يخسفها بإذن الله. قوله: ﴿أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض﴾ و ﴿أَن يُرْسِلَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنهما بدلان من ﴿مَنْ فِي السماء﴾ بدل اشتمال، أي: أمنتم خسفه، وإرساله. قاله أبو البقاء. والثاني: أن يكون على حذف «مِنْ» ، أي: أمنتم من الخسف والإرسال، والأول أظهر. فصل قال القرطبيُّ: ويحتمل أن يكون المعنى: أمنتم خالق من في السماء أن يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ أي: تذهب وتجيء، والمور: الاضطراب بالذهاب والمجيء. قال الشاعر: [الطويل] 4801 - رَمَيْنَ فأقْصَدْنَ القُلُوبَ ولَنْ تَرَى ... دَماً مَائِراً إلاَّ جرى في الحيَازِمِ جمع «حيزوم» وهو وسط الصدر. وإذا خسف بإنسان دارت به الأرض، فهو المور. قال ابن الخطيب: إن الله - تعالى - يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب وتتحرك، فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها، فيذهبون والأرض فوقهم تمُور، فتقلبهم إلى أسفل السافلين. قال القرطبي: قال المحققُون: أمنتم من فوق السَّماء، كقوله: ﴿فَسِيحُواْ فِي الأرض﴾ [التوبة: 2] أي: فوقها لا بالمماسة والتحيُّز، لكن بالقهر والتدبير. وقيل: معناه: أمنتم من على السماء كقوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: 71] ، أي: عليها، ومعناه أنه مدبرها، ومالكها كما يقال: فلان على «العراق» ، أي: وليها وأميرها، والأخبار في هذا صحيحة، وكثيرة منتشرة مشيرة إلى العلوّ، لا يدفعها إلا ملحد، أو جاهل أو معاند، والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلو والعظمة، لا بالأماكن والجهات والحدود؛ لأنها صفات الأجسامِ، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء؛ لأن السماء مهبط الوحْي، ومنزل القطر، ومحل القدس، ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته كما جعل اللَّهُ الكعبة قبلة للصلاة، فإنه خلق الملائكة وهو غير محتاجٍ إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان، ولا مكان له ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان. قوله ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي السمآء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ . قال ابن عباس: أي: حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوطٍ وأصحاب الفيل. وقيل: ريح فيها حجارة وحصباء كأنها تقلع الحصباء، لشدتها وقوتها. وقيل: سحاب فيه حجارة. قوله ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ . قيل: هاهنا النذير: المنذر، يعني محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو قول عطاء عن ابن عباس والضحاك، والمعنى: فستعلمون رسولي، وصدقه ولكن حين لا ينفعكم ذلك. وقيل: إنه بمعنى الإنذار، والمعنى فستعلمون عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب والرسول، وكيف في قوله ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [ينبىء] عن ما ذكرنا من صدق الرسول، وعقوبة الإنذار. وقد تقدم أن «نَذِير، ونكير» مصدران بمعنى الإنذار؛ والإنكار. وأثبت ورش ياء «نذيري» وقفاً، وحذفها وصلاً، وحذفها الباقون في الحالين. قوله: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ . يعني كفار الأمم كقوم نوح، وعاد، وثمود، وغيرهم ﴿فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾ أي: إنكاري وتغييري: قاله الواحديُّ. وقال أبو مسلم: النكير عقاب المنكر، ثم قال: سقطت الياء من «نَذيرِي» ومن «نَكيرِي» حتى تشابه رءوس الآي المتقدمة عليها، والمتأخرة عنها.

الملك 67:14

قوله: ﴿إِنَّ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بالغيب﴾ ، نظيره: ﴿مَّنْ خَشِيَ الرحمن بالغيب﴾ [ق: 33] وقد مضى الكلام فيه. أي: يخافون الله ويخافون عذابه الذي هو «بالغَيْبِ» وهو عذاب يوم القيامة «ويَخْشَوْنَهُ» في دار التكليف، أي: يتقون جميع المعاصي. قال ابن الخطيب: وفي الآية دليل على انقطاع وعيد الفساق، لأن من جاء يوم القيامة مع هذه الخشية بفسق، فله الأمران، وانقطاع الثَّواب بالعقاب باطلٌ بالإجماع، فتعين العكس. ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وهو الجنَّة. قوله: ﴿لَهْم مَّغْفِرَةٌ﴾ الأحسن أن يكون الخَبَرَ «لَهُمْ» و «مَغْفرةٌ» فاعل به، لأن الخبر المفرد أصل، والجار من قبيل المفردات، أو أقرب إليها. قوله: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ﴾ . اللفظ لفظ الأمر، والمراد به الخبر، يعني: إن أخفيتم كلامكم في أمر محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أو جهرتم به، فإن اللَّه عليم بذات الصُّدور، يعني بما في القلوب من الخير والشر. قال ابن عباس: نزلت في المشركين كانوا ينالون من النبيّّّّّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فيخبره جبريل فقال بعضهم لبعض: أسِرُّوا قولكم كي لا يسمع ربُّ محمدٍ، فنزلت: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ﴾ يعني وأسروا قولكم في أمر محمد. وقيل: إنه خطاب عام لجميع الخلق في جميع الأعمال، والمراد أن قولكم وعملكم على أي سبيل وجد، فالحال واحدة في علمه تعالى بها، فاحذروا من المعاصي سرًّا كما تحترزون عنها جَهْراً، فإن ذلك لا يتفاوت بالنسبة إلى علم اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ . ما فيها كما يسمى ولد المرأة جنيناً في بطنها. قوله: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ . في «مَنْ خَلَقَ» وجهان: أحدهما: أنه فاعل «يَعْلَمُ» والمفعول محذوف، تقديره: ألا يعلم الخالق خلقه، وهذا هو الذي عليه جمهور الناسِ، وبه بدأ الزمخشريُّ. والثاني: أن الفاعل مضمر يعود على الباري تعالى، و «مَنْ» مفعول به، أي: لا يعلم الله من خلقه. قال أبو حيَّان: والظَّاهر أن «مَنْ» مفعول، والمعنى أينتفي علمه بمن خلقه، وهو الذي لطف علمه ودقّ، ثم قال: وأجاز بعض النحويين أن يكون «مَنْ» فاعلاً والمفعول محذوف، كأنه قال: ألا يعلم الخالق سرَّكُم، وجهركُم، وهو استفهام معناه الإنكار. قال شهاب الدينِ: «وهَذَا الوجهُ الذي جعله هو الظاهر يعزيه الناس لأهل الزَّيْغ والبدع الدافعين لعموم الخلق لله تعالى، وقد أطنب مكي في ذلك، وأنكر على القائل به، ونسبه إلى ما ذكرت، فقال: وقد قال بعض أهل الزيغِ: إن» مَنْ «في موضع نصب اسم للمسرين والمجاهرين ليخرج الكلام عن عمومه، ويدفع عموم الخلق عن الله تعالى، ولو كان كما زعم لقال: ألا يعلم ما خلق؛ لأنه إنما يقدم ذكر ما تكن الصدور فهو في موضع ما، ولو أتت» مَا «في موضع» مَنْ «لكان فيه أيضاً بيان العموم أن اللَّه خالق كل شيء من أقوال الخلق وأفعالهم أسروها، أو أظهروها خيراً كانت، أو شراً، ويقوي ذلك ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ ولم يقل: عليم بالمسرين والجاهرين، ويكون» مَا «في موضع نصبٍ، وإنما تخرج الآية من هذا العموم إذا جعلت» ما «في موضع نصب اسماً للأناسِ المخاطبين قبل هذه الآيةِ، وقوله: ﴿بِذَاتِ الصدور﴾ يمنع من ذلك» انتهى. قال شهاب الدين: ولا أدري كيف يلزم ما قاله مكي بالإعراب الذي ذكره، والمعنى الذي أبداه، وقد قال بهذا القول أعني الإعراب الثاني جماعة من المحققين، ولم يبالوا بما ذكره لعدم إفهام الآية إياه. قال الزمخشريُّ بعد كلام ذكره: ثم أنكر أن يحيط علماً بالمضمر والمسر والمجهر «مَنْ خَلَقَ» الأشياء، وحاله أنه اللطيف الخبير المتصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن، ويجوز أن يكون «مَنْ خَلقَ» منصوباً بمعنى ألا يعلم مخلوقه وهذه حاله، ثم قال: فإن قلت: قدرت في «ألاَ يَعْلَمُ» مفعولاً على معنى ألا يعلم ذلك المذكور ما أضمر في القلب، وأظهر باللسان من خلق، فهلاَّ جعلته مثل قولهم: هو يعطي ويمنع؟ وهلا كان المعنى: ألا يكون عالماً من هو خالق؛ لأن الخلق لا يصلحُ إلا مع العلم؟ قلت: أبت ذلك الحال التي هي قوله: ﴿وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ لأنك لو قلت: ألا يكون عالماً من هو خالق وهو اللطيف الخبير لم يكن معنى صحيحاً؛ لأن «ألاَ يَعْلَمُ» معتمد على الحال، والشيء لا يوقف بنفسه، فلا يقال: ألا يعلم وهو عالم، ولكن ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء. فصل في معنى الآية معنى الآية: ألا يعلم السّر من خلق السر، يقول: أنا خلقت السر في القلب، أفلا أكون عالماً بما في قلوب العباد؟ . قال أهل المعاني: إن شئت جعلته من أسماء الخالق - عزَّ وجلَّ - ويكون المعنى: ألا يعلم الخالق خلقه، وإن شئت جعلته من أسماء المخلوق، والمعنى: ألا يعلم الله من خلق، ولا بد أن يكون الخالق عالماً بمن خلقه، وما يخلقه. قال ابن المسيِّب: بينما رجل واقف بالليل في شجر كثير، وقد عصفت الريحُ، فوقع في نفس الرجل، أترى الله يعلم ما يسقط من هذا الورق؟ فنودي من جانب الغيضة بصوت عظيم: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ ؟ . وقال أبو إسحاق الإسفراييني: من أسماء صفات الذَّات ما هو للعلم، منها «العَلِيمُ» ، ومعناه: تعميم جميع المعلومات، ومنها «الخَبِيرُ» ويختص بأن يعلم ما يكون قبل أن يكون ومنها «الحَكِيمُ» ويختص بأن يعلم دقائق الأوصاف، ومنها «الشَّهِيدُ» ، ويختص بأن يعلم الغائِب والحاضر، ومعناه: ألاَّ يغيب عنه شيء، ومنها «الحافظ» ويختص بأنه لا ينسى شيئاً، ومنها «المُحصِي» ويختص بأنه لا يشغله الكثرة عن العلم مثل ضوء النور، واشتداد الريح، وتساقط الأوراق، فيعلم عند ذلك أجزاء الحركات في كل ورقة، وكيف لا يعلم وهو الذي يخلق؟ وقد قال: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ . فصل لما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ ذكر الدليل على أنه عالم، فقال: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ الآية، والمعنى: أن من خلق لا بُدَّ وأن يكون عالماً بما يخلقه، لأن الخلق هو الإيجاد والتكوين على سبيل القصد، والقاصد إلى الشيء، لا بد وأن يكون عالماً بحقيقة ذلك المخلوق كيفية وكمية. قال ابن الخطيب: فنقول: لو كان العبد موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بتفاصيلها، وهو غير عالم لأن التفاوت بين الحركةِ السريعةِ، والبطيئة إنما هو لتحلُّل السَّكناتِ، فالفاعل للحركة البطيئةِ قد يفعل حركة، وسكوناً، ولم يخطر بباله ذلك فَضْلاً عن كميته، ولأن المتحرك لا يعرف عدد أجزاء الحركات إلاَّ إذا عرف عدد الأحياز التي هي بين مبدأ المسافة ومنتهاها وذلك يتوقف على علمه بالجواهر المفردة التي تنتقل في تلك المسافة وعددها، وذلك غير معلومٍ، ولأنَّ النائم يتحرك مع عدم علمه؛ ولأن قوله: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ إنما يتصل بما قبله لو كان خالقاً لكل ما يفعلونه سرًّا وجهراً، وبما في الصدور. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد ألا يعلم من خلق الأجساد؟ . فالجواب: أنه لا يجوز أن يكون المراد أن من فعل شيئاً يكون عالماً بشيء آخر. قوله: ﴿وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ . قيل: اللطيف: العالم. وقيل: هو فاعل الأشياء اللطيفة التي يخفى علمها على أكثر الفاعلين، ولهذا يقال: إن لُطْف الله تعالى بعباده عجيب، والمراد به دقائق تدبيره لهم، وهذا أقرب وإلا لكان ذكر الخبير بعد تكراراً. قوله: ﴿هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً﴾ لما بين الدليل كونه عالماً بما يسرون وما يعلنون ذكر بعده هذه الآية على سبيل التهديد كقول السيد لعبده الذي أساء إليه سراً: يا فلانُ أنا أعلم سرك وعلانيتك، فاجلس في هذه الدار التي وهبتها منك، وكل هذا الخير الذي هيأته لك، ولا تأمن تأديبي، فكأنه تعالى يقول: يا أيها الكُفَّار أنا عالم بسركم وجهركم وضمائركم، فخافوني؛ فإن الأرض التي هي قراركم أنا ذللتها لكم، ولو شئت خسفت بكم. والذَّلُولُ: المنقاد الذي يذلّ لك، والمصدر الذل وهو اللين والانقياد، أي: لم يجعل الأرض بحيث يمتنع المشي فيها بالحزونة والغلظة. وقيل: يثبتها بالجبالِ لئلا تزول بأهلها، ولو كانت تتكفأ متمايلة لما كانت منقادة لنا. وقيل: إشارة إلى التمكن من الزرعِ، والغرس، وشق العيون، والأنهار، وحفر الآبار، وبناء الأبنية، ولو كانت صلبة لتعذر ذلك. وقيل: لو كانت مثل الذَّهب والحديد لكانت تسخن جداً في الصيف، وكانت تبرد جداً في الشتاء. قوله: ﴿فامشوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ . هذه استعارة حسنة جداً. وقال الزمخشري: مثل لفرط التذليل، ومجاوزته الغاية؛ لأن المنكبين وملتقاهما من الغارب أرق شيء من البعير، وأنهاه عن أن يطأه الراكب بقدمه، ويعتمد عليه، فإذا جعلها في الذل بحيث يمشي في مناكبها لم يترك. فصل في هذا الأمر هذا أمر إباحة، وفيه إظهار الامتنان. وقيل: هو خبر بلفظ الأمر، أي: لكي تمشوا في أطرافها، ونواحيها، وآكامها وجبالها. وقال ابنُ عبَّاسٍ وقتادة وبشير بن كعب: «فِي منَاكبِهَا» في جبالها. وروي أن بشير بن كعب كانت له سرية فقال لها: إن أخبرتيني ما مناكب الأرض فأنت حرة. فقالت: مناكبها: جبالها، فصارت حُرَّة، فأراد أن يتزوجها، فسأل أبا الدرداء، فقال: «دَعْ ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ» . وقال مجاهد: في أطرافها، وعنه أيضاً: في طرفها وفجاجها، وهو قول السديِّ والحسن. وقال الكلبيُّ: في جوانبها. ومنكبا الرجل: جانباه، وأصل الكلمة: الجانب، ومنه منكب الرجل والريح النكباء، وتنكب فلان عن فلان. يقول: امشُوا حيث أردتم، فقد جعلتها لكم ذلولاً لا تمتنع. وحكى قتادةُ عن أبي الجلد: أن الأرض من أربعة وعشرون ألف فرسخ، فللسودان اثنا عشر ألفاً، وللروم ثمانية آلافٍ، وللفرس ثلاثة آلافٍ، وللعرب ألفٌ. قوله: ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ . قال الحسن: ما أحله لكم. وقيل: مما أنبته لكم. وقيل: مما خلقه اللَّه لكم رزقاً من الأرض «وإليْهِ النُّشورُ» المرجع. وقيل: معناه أن الذي خلق السماوات ولا تفاوت فيها، والأرض ذلولاً قادر على أن ينشركم، وإليه تبعثون من قبوركم. قوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَّن فِي السمآء﴾ . تقدم اختلاف القراء في الهمزتين المفتوحتين نحو ﴿أَأَنذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: 6] تخفيفاً وتحقيقاً وإدخال ألف بينهما وعدمه في سورة «البقرة» . وأن قنبلاً يقرأ هنا: بإبدال الهمزة الأولى واواً في الوصل «وإليْهِ النشورُ وأمنتُمْ» ، وهو على أصله من تسهيل الثانية بين بين، وعدم ألف بينهما، وأما إذا ابتدأ، فيحقق الأولى، ويسهل الثانية بين بين على ما تقدم، ولم تبدل الأولى واواً، لزوال موجبه وهو انضمام ما قبلها، وهي مفتوحة نحو «مُوجِل، ويُؤاخِذكُم» ، وقد مضى في سورة «الأعراف» عند قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ﴾ [الأعراف: 123] ، وإنما عددناه تذكيراً، وبياناً. قوله: ﴿مَّن فِي السمآء﴾ . مفعول «أأمِنْتُمْ» وفي الكلام حذف مضاف، أي: أمنتم خالق السماوات. وقيل: «فِي» بمعنى «على» ، أي: على السماء، كقوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: 71] ، أي: على جذوع النخل. وإنما احتاج القائل بهذين إلى ذلك؛ لأنه اعتقد أن «مَنْ» واقعة على الباري، وهو الظاهر وثبت بالدليل القطعي أنه ليس بمتحيّز لئلا يلزم التجسيم، ولا حاجة إلى ذلك؛ فإن «مَنْ» هنا المراد بها: الملائكة سكان السماءِ، وهم الذين يتولّون الرحمة والنقمة. وقيل: خوطبوا بذلك على اعتقادهم؛ فإن القوم كانوا مجسمة مشبِّهة، والذي تقدم أحسن. قال ابن الخطيب: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها باتفاق المسلمين؛ لأن ذلك يقتضي إحاطة السَّماءِ به من جميع الجوانب، فيكونُ أصغر منها، والعرش أكبر من السماء بكثير، فيكون حقيراً بالنسبة إلى العرش، وهو باطل بالاتفاق، ولأنه قال: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السماوات والأرض﴾ [الأنعام: 12] فلو كان فيهما لكان مالكاً لنفسه، فالمعنى: إما من في السموات عذابه، وإما أن ذلك ما كانت العرب تعتقد، وإما من في السماء سلطانه وملكه وقدرته، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الله فِي السماوات وَفِي الأرض﴾ [الأنعام: 3] فإنَّ الشيء الواحد لا يكون دفعة واحدة في مكانين، والغرض من ذكر السَّماءِ تفخيم سلطان الله، وتعظيم قدرته، والمراد الملك الموكل بالعذاب، وهو جبريلُ يخسفها بإذن الله. قوله: ﴿أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض﴾ و ﴿أَن يُرْسِلَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنهما بدلان من ﴿مَنْ فِي السماء﴾ بدل اشتمال، أي: أمنتم خسفه، وإرساله. قاله أبو البقاء. والثاني: أن يكون على حذف «مِنْ» ، أي: أمنتم من الخسف والإرسال، والأول أظهر. فصل قال القرطبيُّ: ويحتمل أن يكون المعنى: أمنتم خالق من في السماء أن يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ أي: تذهب وتجيء، والمور: الاضطراب بالذهاب والمجيء. قال الشاعر: [الطويل] 4801 - رَمَيْنَ فأقْصَدْنَ القُلُوبَ ولَنْ تَرَى ... دَماً مَائِراً إلاَّ جرى في الحيَازِمِ جمع «حيزوم» وهو وسط الصدر. وإذا خسف بإنسان دارت به الأرض، فهو المور. قال ابن الخطيب: إن الله - تعالى - يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب وتتحرك، فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها، فيذهبون والأرض فوقهم تمُور، فتقلبهم إلى أسفل السافلين. قال القرطبي: قال المحققُون: أمنتم من فوق السَّماء، كقوله: ﴿فَسِيحُواْ فِي الأرض﴾ [التوبة: 2] أي: فوقها لا بالمماسة والتحيُّز، لكن بالقهر والتدبير. وقيل: معناه: أمنتم من على السماء كقوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: 71] ، أي: عليها، ومعناه أنه مدبرها، ومالكها كما يقال: فلان على «العراق» ، أي: وليها وأميرها، والأخبار في هذا صحيحة، وكثيرة منتشرة مشيرة إلى العلوّ، لا يدفعها إلا ملحد، أو جاهل أو معاند، والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلو والعظمة، لا بالأماكن والجهات والحدود؛ لأنها صفات الأجسامِ، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء؛ لأن السماء مهبط الوحْي، ومنزل القطر، ومحل القدس، ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته كما جعل اللَّهُ الكعبة قبلة للصلاة، فإنه خلق الملائكة وهو غير محتاجٍ إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان، ولا مكان له ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان. قوله ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي السمآء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ . قال ابن عباس: أي: حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوطٍ وأصحاب الفيل. وقيل: ريح فيها حجارة وحصباء كأنها تقلع الحصباء، لشدتها وقوتها. وقيل: سحاب فيه حجارة. قوله ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ . قيل: هاهنا النذير: المنذر، يعني محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو قول عطاء عن ابن عباس والضحاك، والمعنى: فستعلمون رسولي، وصدقه ولكن حين لا ينفعكم ذلك. وقيل: إنه بمعنى الإنذار، والمعنى فستعلمون عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب والرسول، وكيف في قوله ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [ينبىء] عن ما ذكرنا من صدق الرسول، وعقوبة الإنذار. وقد تقدم أن «نَذِير، ونكير» مصدران بمعنى الإنذار؛ والإنكار. وأثبت ورش ياء «نذيري» وقفاً، وحذفها وصلاً، وحذفها الباقون في الحالين. قوله: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ . يعني كفار الأمم كقوم نوح، وعاد، وثمود، وغيرهم ﴿فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾ أي: إنكاري وتغييري: قاله الواحديُّ. وقال أبو مسلم: النكير عقاب المنكر، ثم قال: سقطت الياء من «نَذيرِي» ومن «نَكيرِي» حتى تشابه رءوس الآي المتقدمة عليها، والمتأخرة عنها.

الملك 67:15

قوله: ﴿إِنَّ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بالغيب﴾ ، نظيره: ﴿مَّنْ خَشِيَ الرحمن بالغيب﴾ [ق: 33] وقد مضى الكلام فيه. أي: يخافون الله ويخافون عذابه الذي هو «بالغَيْبِ» وهو عذاب يوم القيامة «ويَخْشَوْنَهُ» في دار التكليف، أي: يتقون جميع المعاصي. قال ابن الخطيب: وفي الآية دليل على انقطاع وعيد الفساق، لأن من جاء يوم القيامة مع هذه الخشية بفسق، فله الأمران، وانقطاع الثَّواب بالعقاب باطلٌ بالإجماع، فتعين العكس. ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وهو الجنَّة. قوله: ﴿لَهْم مَّغْفِرَةٌ﴾ الأحسن أن يكون الخَبَرَ «لَهُمْ» و «مَغْفرةٌ» فاعل به، لأن الخبر المفرد أصل، والجار من قبيل المفردات، أو أقرب إليها. قوله: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ﴾ . اللفظ لفظ الأمر، والمراد به الخبر، يعني: إن أخفيتم كلامكم في أمر محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أو جهرتم به، فإن اللَّه عليم بذات الصُّدور، يعني بما في القلوب من الخير والشر. قال ابن عباس: نزلت في المشركين كانوا ينالون من النبيّّّّّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فيخبره جبريل فقال بعضهم لبعض: أسِرُّوا قولكم كي لا يسمع ربُّ محمدٍ، فنزلت: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ﴾ يعني وأسروا قولكم في أمر محمد. وقيل: إنه خطاب عام لجميع الخلق في جميع الأعمال، والمراد أن قولكم وعملكم على أي سبيل وجد، فالحال واحدة في علمه تعالى بها، فاحذروا من المعاصي سرًّا كما تحترزون عنها جَهْراً، فإن ذلك لا يتفاوت بالنسبة إلى علم اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ . ما فيها كما يسمى ولد المرأة جنيناً في بطنها. قوله: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ . في «مَنْ خَلَقَ» وجهان: أحدهما: أنه فاعل «يَعْلَمُ» والمفعول محذوف، تقديره: ألا يعلم الخالق خلقه، وهذا هو الذي عليه جمهور الناسِ، وبه بدأ الزمخشريُّ. والثاني: أن الفاعل مضمر يعود على الباري تعالى، و «مَنْ» مفعول به، أي: لا يعلم الله من خلقه. قال أبو حيَّان: والظَّاهر أن «مَنْ» مفعول، والمعنى أينتفي علمه بمن خلقه، وهو الذي لطف علمه ودقّ، ثم قال: وأجاز بعض النحويين أن يكون «مَنْ» فاعلاً والمفعول محذوف، كأنه قال: ألا يعلم الخالق سرَّكُم، وجهركُم، وهو استفهام معناه الإنكار. قال شهاب الدينِ: «وهَذَا الوجهُ الذي جعله هو الظاهر يعزيه الناس لأهل الزَّيْغ والبدع الدافعين لعموم الخلق لله تعالى، وقد أطنب مكي في ذلك، وأنكر على القائل به، ونسبه إلى ما ذكرت، فقال: وقد قال بعض أهل الزيغِ: إن» مَنْ «في موضع نصب اسم للمسرين والمجاهرين ليخرج الكلام عن عمومه، ويدفع عموم الخلق عن الله تعالى، ولو كان كما زعم لقال: ألا يعلم ما خلق؛ لأنه إنما يقدم ذكر ما تكن الصدور فهو في موضع ما، ولو أتت» مَا «في موضع» مَنْ «لكان فيه أيضاً بيان العموم أن اللَّه خالق كل شيء من أقوال الخلق وأفعالهم أسروها، أو أظهروها خيراً كانت، أو شراً، ويقوي ذلك ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ ولم يقل: عليم بالمسرين والجاهرين، ويكون» مَا «في موضع نصبٍ، وإنما تخرج الآية من هذا العموم إذا جعلت» ما «في موضع نصب اسماً للأناسِ المخاطبين قبل هذه الآيةِ، وقوله: ﴿بِذَاتِ الصدور﴾ يمنع من ذلك» انتهى. قال شهاب الدين: ولا أدري كيف يلزم ما قاله مكي بالإعراب الذي ذكره، والمعنى الذي أبداه، وقد قال بهذا القول أعني الإعراب الثاني جماعة من المحققين، ولم يبالوا بما ذكره لعدم إفهام الآية إياه. قال الزمخشريُّ بعد كلام ذكره: ثم أنكر أن يحيط علماً بالمضمر والمسر والمجهر «مَنْ خَلَقَ» الأشياء، وحاله أنه اللطيف الخبير المتصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن، ويجوز أن يكون «مَنْ خَلقَ» منصوباً بمعنى ألا يعلم مخلوقه وهذه حاله، ثم قال: فإن قلت: قدرت في «ألاَ يَعْلَمُ» مفعولاً على معنى ألا يعلم ذلك المذكور ما أضمر في القلب، وأظهر باللسان من خلق، فهلاَّ جعلته مثل قولهم: هو يعطي ويمنع؟ وهلا كان المعنى: ألا يكون عالماً من هو خالق؛ لأن الخلق لا يصلحُ إلا مع العلم؟ قلت: أبت ذلك الحال التي هي قوله: ﴿وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ لأنك لو قلت: ألا يكون عالماً من هو خالق وهو اللطيف الخبير لم يكن معنى صحيحاً؛ لأن «ألاَ يَعْلَمُ» معتمد على الحال، والشيء لا يوقف بنفسه، فلا يقال: ألا يعلم وهو عالم، ولكن ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء. فصل في معنى الآية معنى الآية: ألا يعلم السّر من خلق السر، يقول: أنا خلقت السر في القلب، أفلا أكون عالماً بما في قلوب العباد؟ . قال أهل المعاني: إن شئت جعلته من أسماء الخالق - عزَّ وجلَّ - ويكون المعنى: ألا يعلم الخالق خلقه، وإن شئت جعلته من أسماء المخلوق، والمعنى: ألا يعلم الله من خلق، ولا بد أن يكون الخالق عالماً بمن خلقه، وما يخلقه. قال ابن المسيِّب: بينما رجل واقف بالليل في شجر كثير، وقد عصفت الريحُ، فوقع في نفس الرجل، أترى الله يعلم ما يسقط من هذا الورق؟ فنودي من جانب الغيضة بصوت عظيم: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ ؟ . وقال أبو إسحاق الإسفراييني: من أسماء صفات الذَّات ما هو للعلم، منها «العَلِيمُ» ، ومعناه: تعميم جميع المعلومات، ومنها «الخَبِيرُ» ويختص بأن يعلم ما يكون قبل أن يكون ومنها «الحَكِيمُ» ويختص بأن يعلم دقائق الأوصاف، ومنها «الشَّهِيدُ» ، ويختص بأن يعلم الغائِب والحاضر، ومعناه: ألاَّ يغيب عنه شيء، ومنها «الحافظ» ويختص بأنه لا ينسى شيئاً، ومنها «المُحصِي» ويختص بأنه لا يشغله الكثرة عن العلم مثل ضوء النور، واشتداد الريح، وتساقط الأوراق، فيعلم عند ذلك أجزاء الحركات في كل ورقة، وكيف لا يعلم وهو الذي يخلق؟ وقد قال: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ . فصل لما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ ذكر الدليل على أنه عالم، فقال: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ الآية، والمعنى: أن من خلق لا بُدَّ وأن يكون عالماً بما يخلقه، لأن الخلق هو الإيجاد والتكوين على سبيل القصد، والقاصد إلى الشيء، لا بد وأن يكون عالماً بحقيقة ذلك المخلوق كيفية وكمية. قال ابن الخطيب: فنقول: لو كان العبد موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بتفاصيلها، وهو غير عالم لأن التفاوت بين الحركةِ السريعةِ، والبطيئة إنما هو لتحلُّل السَّكناتِ، فالفاعل للحركة البطيئةِ قد يفعل حركة، وسكوناً، ولم يخطر بباله ذلك فَضْلاً عن كميته، ولأن المتحرك لا يعرف عدد أجزاء الحركات إلاَّ إذا عرف عدد الأحياز التي هي بين مبدأ المسافة ومنتهاها وذلك يتوقف على علمه بالجواهر المفردة التي تنتقل في تلك المسافة وعددها، وذلك غير معلومٍ، ولأنَّ النائم يتحرك مع عدم علمه؛ ولأن قوله: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ إنما يتصل بما قبله لو كان خالقاً لكل ما يفعلونه سرًّا وجهراً، وبما في الصدور. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد ألا يعلم من خلق الأجساد؟ . فالجواب: أنه لا يجوز أن يكون المراد أن من فعل شيئاً يكون عالماً بشيء آخر. قوله: ﴿وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ . قيل: اللطيف: العالم. وقيل: هو فاعل الأشياء اللطيفة التي يخفى علمها على أكثر الفاعلين، ولهذا يقال: إن لُطْف الله تعالى بعباده عجيب، والمراد به دقائق تدبيره لهم، وهذا أقرب وإلا لكان ذكر الخبير بعد تكراراً. قوله: ﴿هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً﴾ لما بين الدليل كونه عالماً بما يسرون وما يعلنون ذكر بعده هذه الآية على سبيل التهديد كقول السيد لعبده الذي أساء إليه سراً: يا فلانُ أنا أعلم سرك وعلانيتك، فاجلس في هذه الدار التي وهبتها منك، وكل هذا الخير الذي هيأته لك، ولا تأمن تأديبي، فكأنه تعالى يقول: يا أيها الكُفَّار أنا عالم بسركم وجهركم وضمائركم، فخافوني؛ فإن الأرض التي هي قراركم أنا ذللتها لكم، ولو شئت خسفت بكم. والذَّلُولُ: المنقاد الذي يذلّ لك، والمصدر الذل وهو اللين والانقياد، أي: لم يجعل الأرض بحيث يمتنع المشي فيها بالحزونة والغلظة. وقيل: يثبتها بالجبالِ لئلا تزول بأهلها، ولو كانت تتكفأ متمايلة لما كانت منقادة لنا. وقيل: إشارة إلى التمكن من الزرعِ، والغرس، وشق العيون، والأنهار، وحفر الآبار، وبناء الأبنية، ولو كانت صلبة لتعذر ذلك. وقيل: لو كانت مثل الذَّهب والحديد لكانت تسخن جداً في الصيف، وكانت تبرد جداً في الشتاء. قوله: ﴿فامشوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ . هذه استعارة حسنة جداً. وقال الزمخشري: مثل لفرط التذليل، ومجاوزته الغاية؛ لأن المنكبين وملتقاهما من الغارب أرق شيء من البعير، وأنهاه عن أن يطأه الراكب بقدمه، ويعتمد عليه، فإذا جعلها في الذل بحيث يمشي في مناكبها لم يترك. فصل في هذا الأمر هذا أمر إباحة، وفيه إظهار الامتنان. وقيل: هو خبر بلفظ الأمر، أي: لكي تمشوا في أطرافها، ونواحيها، وآكامها وجبالها. وقال ابنُ عبَّاسٍ وقتادة وبشير بن كعب: «فِي منَاكبِهَا» في جبالها. وروي أن بشير بن كعب كانت له سرية فقال لها: إن أخبرتيني ما مناكب الأرض فأنت حرة. فقالت: مناكبها: جبالها، فصارت حُرَّة، فأراد أن يتزوجها، فسأل أبا الدرداء، فقال: «دَعْ ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ» . وقال مجاهد: في أطرافها، وعنه أيضاً: في طرفها وفجاجها، وهو قول السديِّ والحسن. وقال الكلبيُّ: في جوانبها. ومنكبا الرجل: جانباه، وأصل الكلمة: الجانب، ومنه منكب الرجل والريح النكباء، وتنكب فلان عن فلان. يقول: امشُوا حيث أردتم، فقد جعلتها لكم ذلولاً لا تمتنع. وحكى قتادةُ عن أبي الجلد: أن الأرض من أربعة وعشرون ألف فرسخ، فللسودان اثنا عشر ألفاً، وللروم ثمانية آلافٍ، وللفرس ثلاثة آلافٍ، وللعرب ألفٌ. قوله: ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ . قال الحسن: ما أحله لكم. وقيل: مما أنبته لكم. وقيل: مما خلقه اللَّه لكم رزقاً من الأرض «وإليْهِ النُّشورُ» المرجع. وقيل: معناه أن الذي خلق السماوات ولا تفاوت فيها، والأرض ذلولاً قادر على أن ينشركم، وإليه تبعثون من قبوركم. قوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَّن فِي السمآء﴾ . تقدم اختلاف القراء في الهمزتين المفتوحتين نحو ﴿أَأَنذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: 6] تخفيفاً وتحقيقاً وإدخال ألف بينهما وعدمه في سورة «البقرة» . وأن قنبلاً يقرأ هنا: بإبدال الهمزة الأولى واواً في الوصل «وإليْهِ النشورُ وأمنتُمْ» ، وهو على أصله من تسهيل الثانية بين بين، وعدم ألف بينهما، وأما إذا ابتدأ، فيحقق الأولى، ويسهل الثانية بين بين على ما تقدم، ولم تبدل الأولى واواً، لزوال موجبه وهو انضمام ما قبلها، وهي مفتوحة نحو «مُوجِل، ويُؤاخِذكُم» ، وقد مضى في سورة «الأعراف» عند قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ﴾ [الأعراف: 123] ، وإنما عددناه تذكيراً، وبياناً. قوله: ﴿مَّن فِي السمآء﴾ . مفعول «أأمِنْتُمْ» وفي الكلام حذف مضاف، أي: أمنتم خالق السماوات. وقيل: «فِي» بمعنى «على» ، أي: على السماء، كقوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: 71] ، أي: على جذوع النخل. وإنما احتاج القائل بهذين إلى ذلك؛ لأنه اعتقد أن «مَنْ» واقعة على الباري، وهو الظاهر وثبت بالدليل القطعي أنه ليس بمتحيّز لئلا يلزم التجسيم، ولا حاجة إلى ذلك؛ فإن «مَنْ» هنا المراد بها: الملائكة سكان السماءِ، وهم الذين يتولّون الرحمة والنقمة. وقيل: خوطبوا بذلك على اعتقادهم؛ فإن القوم كانوا مجسمة مشبِّهة، والذي تقدم أحسن. قال ابن الخطيب: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها باتفاق المسلمين؛ لأن ذلك يقتضي إحاطة السَّماءِ به من جميع الجوانب، فيكونُ أصغر منها، والعرش أكبر من السماء بكثير، فيكون حقيراً بالنسبة إلى العرش، وهو باطل بالاتفاق، ولأنه قال: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السماوات والأرض﴾ [الأنعام: 12] فلو كان فيهما لكان مالكاً لنفسه، فالمعنى: إما من في السموات عذابه، وإما أن ذلك ما كانت العرب تعتقد، وإما من في السماء سلطانه وملكه وقدرته، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الله فِي السماوات وَفِي الأرض﴾ [الأنعام: 3] فإنَّ الشيء الواحد لا يكون دفعة واحدة في مكانين، والغرض من ذكر السَّماءِ تفخيم سلطان الله، وتعظيم قدرته، والمراد الملك الموكل بالعذاب، وهو جبريلُ يخسفها بإذن الله. قوله: ﴿أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض﴾ و ﴿أَن يُرْسِلَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنهما بدلان من ﴿مَنْ فِي السماء﴾ بدل اشتمال، أي: أمنتم خسفه، وإرساله. قاله أبو البقاء. والثاني: أن يكون على حذف «مِنْ» ، أي: أمنتم من الخسف والإرسال، والأول أظهر. فصل قال القرطبيُّ: ويحتمل أن يكون المعنى: أمنتم خالق من في السماء أن يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ أي: تذهب وتجيء، والمور: الاضطراب بالذهاب والمجيء. قال الشاعر: [الطويل] 4801 - رَمَيْنَ فأقْصَدْنَ القُلُوبَ ولَنْ تَرَى ... دَماً مَائِراً إلاَّ جرى في الحيَازِمِ جمع «حيزوم» وهو وسط الصدر. وإذا خسف بإنسان دارت به الأرض، فهو المور. قال ابن الخطيب: إن الله - تعالى - يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب وتتحرك، فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها، فيذهبون والأرض فوقهم تمُور، فتقلبهم إلى أسفل السافلين. قال القرطبي: قال المحققُون: أمنتم من فوق السَّماء، كقوله: ﴿فَسِيحُواْ فِي الأرض﴾ [التوبة: 2] أي: فوقها لا بالمماسة والتحيُّز، لكن بالقهر والتدبير. وقيل: معناه: أمنتم من على السماء كقوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: 71] ، أي: عليها، ومعناه أنه مدبرها، ومالكها كما يقال: فلان على «العراق» ، أي: وليها وأميرها، والأخبار في هذا صحيحة، وكثيرة منتشرة مشيرة إلى العلوّ، لا يدفعها إلا ملحد، أو جاهل أو معاند، والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلو والعظمة، لا بالأماكن والجهات والحدود؛ لأنها صفات الأجسامِ، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء؛ لأن السماء مهبط الوحْي، ومنزل القطر، ومحل القدس، ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته كما جعل اللَّهُ الكعبة قبلة للصلاة، فإنه خلق الملائكة وهو غير محتاجٍ إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان، ولا مكان له ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان. قوله ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي السمآء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ . قال ابن عباس: أي: حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوطٍ وأصحاب الفيل. وقيل: ريح فيها حجارة وحصباء كأنها تقلع الحصباء، لشدتها وقوتها. وقيل: سحاب فيه حجارة. قوله ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ . قيل: هاهنا النذير: المنذر، يعني محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو قول عطاء عن ابن عباس والضحاك، والمعنى: فستعلمون رسولي، وصدقه ولكن حين لا ينفعكم ذلك. وقيل: إنه بمعنى الإنذار، والمعنى فستعلمون عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب والرسول، وكيف في قوله ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [ينبىء] عن ما ذكرنا من صدق الرسول، وعقوبة الإنذار. وقد تقدم أن «نَذِير، ونكير» مصدران بمعنى الإنذار؛ والإنكار. وأثبت ورش ياء «نذيري» وقفاً، وحذفها وصلاً، وحذفها الباقون في الحالين. قوله: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ . يعني كفار الأمم كقوم نوح، وعاد، وثمود، وغيرهم ﴿فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾ أي: إنكاري وتغييري: قاله الواحديُّ. وقال أبو مسلم: النكير عقاب المنكر، ثم قال: سقطت الياء من «نَذيرِي» ومن «نَكيرِي» حتى تشابه رءوس الآي المتقدمة عليها، والمتأخرة عنها.

الملك 67:16

قوله: ﴿إِنَّ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بالغيب﴾ ، نظيره: ﴿مَّنْ خَشِيَ الرحمن بالغيب﴾ [ق: 33] وقد مضى الكلام فيه. أي: يخافون الله ويخافون عذابه الذي هو «بالغَيْبِ» وهو عذاب يوم القيامة «ويَخْشَوْنَهُ» في دار التكليف، أي: يتقون جميع المعاصي. قال ابن الخطيب: وفي الآية دليل على انقطاع وعيد الفساق، لأن من جاء يوم القيامة مع هذه الخشية بفسق، فله الأمران، وانقطاع الثَّواب بالعقاب باطلٌ بالإجماع، فتعين العكس. ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وهو الجنَّة. قوله: ﴿لَهْم مَّغْفِرَةٌ﴾ الأحسن أن يكون الخَبَرَ «لَهُمْ» و «مَغْفرةٌ» فاعل به، لأن الخبر المفرد أصل، والجار من قبيل المفردات، أو أقرب إليها. قوله: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ﴾ . اللفظ لفظ الأمر، والمراد به الخبر، يعني: إن أخفيتم كلامكم في أمر محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أو جهرتم به، فإن اللَّه عليم بذات الصُّدور، يعني بما في القلوب من الخير والشر. قال ابن عباس: نزلت في المشركين كانوا ينالون من النبيّّّّّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فيخبره جبريل فقال بعضهم لبعض: أسِرُّوا قولكم كي لا يسمع ربُّ محمدٍ، فنزلت: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ﴾ يعني وأسروا قولكم في أمر محمد. وقيل: إنه خطاب عام لجميع الخلق في جميع الأعمال، والمراد أن قولكم وعملكم على أي سبيل وجد، فالحال واحدة في علمه تعالى بها، فاحذروا من المعاصي سرًّا كما تحترزون عنها جَهْراً، فإن ذلك لا يتفاوت بالنسبة إلى علم اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ . ما فيها كما يسمى ولد المرأة جنيناً في بطنها. قوله: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ . في «مَنْ خَلَقَ» وجهان: أحدهما: أنه فاعل «يَعْلَمُ» والمفعول محذوف، تقديره: ألا يعلم الخالق خلقه، وهذا هو الذي عليه جمهور الناسِ، وبه بدأ الزمخشريُّ. والثاني: أن الفاعل مضمر يعود على الباري تعالى، و «مَنْ» مفعول به، أي: لا يعلم الله من خلقه. قال أبو حيَّان: والظَّاهر أن «مَنْ» مفعول، والمعنى أينتفي علمه بمن خلقه، وهو الذي لطف علمه ودقّ، ثم قال: وأجاز بعض النحويين أن يكون «مَنْ» فاعلاً والمفعول محذوف، كأنه قال: ألا يعلم الخالق سرَّكُم، وجهركُم، وهو استفهام معناه الإنكار. قال شهاب الدينِ: «وهَذَا الوجهُ الذي جعله هو الظاهر يعزيه الناس لأهل الزَّيْغ والبدع الدافعين لعموم الخلق لله تعالى، وقد أطنب مكي في ذلك، وأنكر على القائل به، ونسبه إلى ما ذكرت، فقال: وقد قال بعض أهل الزيغِ: إن» مَنْ «في موضع نصب اسم للمسرين والمجاهرين ليخرج الكلام عن عمومه، ويدفع عموم الخلق عن الله تعالى، ولو كان كما زعم لقال: ألا يعلم ما خلق؛ لأنه إنما يقدم ذكر ما تكن الصدور فهو في موضع ما، ولو أتت» مَا «في موضع» مَنْ «لكان فيه أيضاً بيان العموم أن اللَّه خالق كل شيء من أقوال الخلق وأفعالهم أسروها، أو أظهروها خيراً كانت، أو شراً، ويقوي ذلك ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ ولم يقل: عليم بالمسرين والجاهرين، ويكون» مَا «في موضع نصبٍ، وإنما تخرج الآية من هذا العموم إذا جعلت» ما «في موضع نصب اسماً للأناسِ المخاطبين قبل هذه الآيةِ، وقوله: ﴿بِذَاتِ الصدور﴾ يمنع من ذلك» انتهى. قال شهاب الدين: ولا أدري كيف يلزم ما قاله مكي بالإعراب الذي ذكره، والمعنى الذي أبداه، وقد قال بهذا القول أعني الإعراب الثاني جماعة من المحققين، ولم يبالوا بما ذكره لعدم إفهام الآية إياه. قال الزمخشريُّ بعد كلام ذكره: ثم أنكر أن يحيط علماً بالمضمر والمسر والمجهر «مَنْ خَلَقَ» الأشياء، وحاله أنه اللطيف الخبير المتصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن، ويجوز أن يكون «مَنْ خَلقَ» منصوباً بمعنى ألا يعلم مخلوقه وهذه حاله، ثم قال: فإن قلت: قدرت في «ألاَ يَعْلَمُ» مفعولاً على معنى ألا يعلم ذلك المذكور ما أضمر في القلب، وأظهر باللسان من خلق، فهلاَّ جعلته مثل قولهم: هو يعطي ويمنع؟ وهلا كان المعنى: ألا يكون عالماً من هو خالق؛ لأن الخلق لا يصلحُ إلا مع العلم؟ قلت: أبت ذلك الحال التي هي قوله: ﴿وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ لأنك لو قلت: ألا يكون عالماً من هو خالق وهو اللطيف الخبير لم يكن معنى صحيحاً؛ لأن «ألاَ يَعْلَمُ» معتمد على الحال، والشيء لا يوقف بنفسه، فلا يقال: ألا يعلم وهو عالم، ولكن ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء. فصل في معنى الآية معنى الآية: ألا يعلم السّر من خلق السر، يقول: أنا خلقت السر في القلب، أفلا أكون عالماً بما في قلوب العباد؟ . قال أهل المعاني: إن شئت جعلته من أسماء الخالق - عزَّ وجلَّ - ويكون المعنى: ألا يعلم الخالق خلقه، وإن شئت جعلته من أسماء المخلوق، والمعنى: ألا يعلم الله من خلق، ولا بد أن يكون الخالق عالماً بمن خلقه، وما يخلقه. قال ابن المسيِّب: بينما رجل واقف بالليل في شجر كثير، وقد عصفت الريحُ، فوقع في نفس الرجل، أترى الله يعلم ما يسقط من هذا الورق؟ فنودي من جانب الغيضة بصوت عظيم: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ ؟ . وقال أبو إسحاق الإسفراييني: من أسماء صفات الذَّات ما هو للعلم، منها «العَلِيمُ» ، ومعناه: تعميم جميع المعلومات، ومنها «الخَبِيرُ» ويختص بأن يعلم ما يكون قبل أن يكون ومنها «الحَكِيمُ» ويختص بأن يعلم دقائق الأوصاف، ومنها «الشَّهِيدُ» ، ويختص بأن يعلم الغائِب والحاضر، ومعناه: ألاَّ يغيب عنه شيء، ومنها «الحافظ» ويختص بأنه لا ينسى شيئاً، ومنها «المُحصِي» ويختص بأنه لا يشغله الكثرة عن العلم مثل ضوء النور، واشتداد الريح، وتساقط الأوراق، فيعلم عند ذلك أجزاء الحركات في كل ورقة، وكيف لا يعلم وهو الذي يخلق؟ وقد قال: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ . فصل لما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ ذكر الدليل على أنه عالم، فقال: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ الآية، والمعنى: أن من خلق لا بُدَّ وأن يكون عالماً بما يخلقه، لأن الخلق هو الإيجاد والتكوين على سبيل القصد، والقاصد إلى الشيء، لا بد وأن يكون عالماً بحقيقة ذلك المخلوق كيفية وكمية. قال ابن الخطيب: فنقول: لو كان العبد موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بتفاصيلها، وهو غير عالم لأن التفاوت بين الحركةِ السريعةِ، والبطيئة إنما هو لتحلُّل السَّكناتِ، فالفاعل للحركة البطيئةِ قد يفعل حركة، وسكوناً، ولم يخطر بباله ذلك فَضْلاً عن كميته، ولأن المتحرك لا يعرف عدد أجزاء الحركات إلاَّ إذا عرف عدد الأحياز التي هي بين مبدأ المسافة ومنتهاها وذلك يتوقف على علمه بالجواهر المفردة التي تنتقل في تلك المسافة وعددها، وذلك غير معلومٍ، ولأنَّ النائم يتحرك مع عدم علمه؛ ولأن قوله: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ إنما يتصل بما قبله لو كان خالقاً لكل ما يفعلونه سرًّا وجهراً، وبما في الصدور. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد ألا يعلم من خلق الأجساد؟ . فالجواب: أنه لا يجوز أن يكون المراد أن من فعل شيئاً يكون عالماً بشيء آخر. قوله: ﴿وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ . قيل: اللطيف: العالم. وقيل: هو فاعل الأشياء اللطيفة التي يخفى علمها على أكثر الفاعلين، ولهذا يقال: إن لُطْف الله تعالى بعباده عجيب، والمراد به دقائق تدبيره لهم، وهذا أقرب وإلا لكان ذكر الخبير بعد تكراراً. قوله: ﴿هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً﴾ لما بين الدليل كونه عالماً بما يسرون وما يعلنون ذكر بعده هذه الآية على سبيل التهديد كقول السيد لعبده الذي أساء إليه سراً: يا فلانُ أنا أعلم سرك وعلانيتك، فاجلس في هذه الدار التي وهبتها منك، وكل هذا الخير الذي هيأته لك، ولا تأمن تأديبي، فكأنه تعالى يقول: يا أيها الكُفَّار أنا عالم بسركم وجهركم وضمائركم، فخافوني؛ فإن الأرض التي هي قراركم أنا ذللتها لكم، ولو شئت خسفت بكم. والذَّلُولُ: المنقاد الذي يذلّ لك، والمصدر الذل وهو اللين والانقياد، أي: لم يجعل الأرض بحيث يمتنع المشي فيها بالحزونة والغلظة. وقيل: يثبتها بالجبالِ لئلا تزول بأهلها، ولو كانت تتكفأ متمايلة لما كانت منقادة لنا. وقيل: إشارة إلى التمكن من الزرعِ، والغرس، وشق العيون، والأنهار، وحفر الآبار، وبناء الأبنية، ولو كانت صلبة لتعذر ذلك. وقيل: لو كانت مثل الذَّهب والحديد لكانت تسخن جداً في الصيف، وكانت تبرد جداً في الشتاء. قوله: ﴿فامشوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ . هذه استعارة حسنة جداً. وقال الزمخشري: مثل لفرط التذليل، ومجاوزته الغاية؛ لأن المنكبين وملتقاهما من الغارب أرق شيء من البعير، وأنهاه عن أن يطأه الراكب بقدمه، ويعتمد عليه، فإذا جعلها في الذل بحيث يمشي في مناكبها لم يترك. فصل في هذا الأمر هذا أمر إباحة، وفيه إظهار الامتنان. وقيل: هو خبر بلفظ الأمر، أي: لكي تمشوا في أطرافها، ونواحيها، وآكامها وجبالها. وقال ابنُ عبَّاسٍ وقتادة وبشير بن كعب: «فِي منَاكبِهَا» في جبالها. وروي أن بشير بن كعب كانت له سرية فقال لها: إن أخبرتيني ما مناكب الأرض فأنت حرة. فقالت: مناكبها: جبالها، فصارت حُرَّة، فأراد أن يتزوجها، فسأل أبا الدرداء، فقال: «دَعْ ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ» . وقال مجاهد: في أطرافها، وعنه أيضاً: في طرفها وفجاجها، وهو قول السديِّ والحسن. وقال الكلبيُّ: في جوانبها. ومنكبا الرجل: جانباه، وأصل الكلمة: الجانب، ومنه منكب الرجل والريح النكباء، وتنكب فلان عن فلان. يقول: امشُوا حيث أردتم، فقد جعلتها لكم ذلولاً لا تمتنع. وحكى قتادةُ عن أبي الجلد: أن الأرض من أربعة وعشرون ألف فرسخ، فللسودان اثنا عشر ألفاً، وللروم ثمانية آلافٍ، وللفرس ثلاثة آلافٍ، وللعرب ألفٌ. قوله: ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ . قال الحسن: ما أحله لكم. وقيل: مما أنبته لكم. وقيل: مما خلقه اللَّه لكم رزقاً من الأرض «وإليْهِ النُّشورُ» المرجع. وقيل: معناه أن الذي خلق السماوات ولا تفاوت فيها، والأرض ذلولاً قادر على أن ينشركم، وإليه تبعثون من قبوركم. قوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَّن فِي السمآء﴾ . تقدم اختلاف القراء في الهمزتين المفتوحتين نحو ﴿أَأَنذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: 6] تخفيفاً وتحقيقاً وإدخال ألف بينهما وعدمه في سورة «البقرة» . وأن قنبلاً يقرأ هنا: بإبدال الهمزة الأولى واواً في الوصل «وإليْهِ النشورُ وأمنتُمْ» ، وهو على أصله من تسهيل الثانية بين بين، وعدم ألف بينهما، وأما إذا ابتدأ، فيحقق الأولى، ويسهل الثانية بين بين على ما تقدم، ولم تبدل الأولى واواً، لزوال موجبه وهو انضمام ما قبلها، وهي مفتوحة نحو «مُوجِل، ويُؤاخِذكُم» ، وقد مضى في سورة «الأعراف» عند قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ﴾ [الأعراف: 123] ، وإنما عددناه تذكيراً، وبياناً. قوله: ﴿مَّن فِي السمآء﴾ . مفعول «أأمِنْتُمْ» وفي الكلام حذف مضاف، أي: أمنتم خالق السماوات. وقيل: «فِي» بمعنى «على» ، أي: على السماء، كقوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: 71] ، أي: على جذوع النخل. وإنما احتاج القائل بهذين إلى ذلك؛ لأنه اعتقد أن «مَنْ» واقعة على الباري، وهو الظاهر وثبت بالدليل القطعي أنه ليس بمتحيّز لئلا يلزم التجسيم، ولا حاجة إلى ذلك؛ فإن «مَنْ» هنا المراد بها: الملائكة سكان السماءِ، وهم الذين يتولّون الرحمة والنقمة. وقيل: خوطبوا بذلك على اعتقادهم؛ فإن القوم كانوا مجسمة مشبِّهة، والذي تقدم أحسن. قال ابن الخطيب: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها باتفاق المسلمين؛ لأن ذلك يقتضي إحاطة السَّماءِ به من جميع الجوانب، فيكونُ أصغر منها، والعرش أكبر من السماء بكثير، فيكون حقيراً بالنسبة إلى العرش، وهو باطل بالاتفاق، ولأنه قال: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السماوات والأرض﴾ [الأنعام: 12] فلو كان فيهما لكان مالكاً لنفسه، فالمعنى: إما من في السموات عذابه، وإما أن ذلك ما كانت العرب تعتقد، وإما من في السماء سلطانه وملكه وقدرته، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الله فِي السماوات وَفِي الأرض﴾ [الأنعام: 3] فإنَّ الشيء الواحد لا يكون دفعة واحدة في مكانين، والغرض من ذكر السَّماءِ تفخيم سلطان الله، وتعظيم قدرته، والمراد الملك الموكل بالعذاب، وهو جبريلُ يخسفها بإذن الله. قوله: ﴿أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض﴾ و ﴿أَن يُرْسِلَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنهما بدلان من ﴿مَنْ فِي السماء﴾ بدل اشتمال، أي: أمنتم خسفه، وإرساله. قاله أبو البقاء. والثاني: أن يكون على حذف «مِنْ» ، أي: أمنتم من الخسف والإرسال، والأول أظهر. فصل قال القرطبيُّ: ويحتمل أن يكون المعنى: أمنتم خالق من في السماء أن يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ أي: تذهب وتجيء، والمور: الاضطراب بالذهاب والمجيء. قال الشاعر: [الطويل] 4801 - رَمَيْنَ فأقْصَدْنَ القُلُوبَ ولَنْ تَرَى ... دَماً مَائِراً إلاَّ جرى في الحيَازِمِ جمع «حيزوم» وهو وسط الصدر. وإذا خسف بإنسان دارت به الأرض، فهو المور. قال ابن الخطيب: إن الله - تعالى - يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب وتتحرك، فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها، فيذهبون والأرض فوقهم تمُور، فتقلبهم إلى أسفل السافلين. قال القرطبي: قال المحققُون: أمنتم من فوق السَّماء، كقوله: ﴿فَسِيحُواْ فِي الأرض﴾ [التوبة: 2] أي: فوقها لا بالمماسة والتحيُّز، لكن بالقهر والتدبير. وقيل: معناه: أمنتم من على السماء كقوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: 71] ، أي: عليها، ومعناه أنه مدبرها، ومالكها كما يقال: فلان على «العراق» ، أي: وليها وأميرها، والأخبار في هذا صحيحة، وكثيرة منتشرة مشيرة إلى العلوّ، لا يدفعها إلا ملحد، أو جاهل أو معاند، والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلو والعظمة، لا بالأماكن والجهات والحدود؛ لأنها صفات الأجسامِ، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء؛ لأن السماء مهبط الوحْي، ومنزل القطر، ومحل القدس، ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته كما جعل اللَّهُ الكعبة قبلة للصلاة، فإنه خلق الملائكة وهو غير محتاجٍ إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان، ولا مكان له ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان. قوله ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي السمآء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ . قال ابن عباس: أي: حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوطٍ وأصحاب الفيل. وقيل: ريح فيها حجارة وحصباء كأنها تقلع الحصباء، لشدتها وقوتها. وقيل: سحاب فيه حجارة. قوله ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ . قيل: هاهنا النذير: المنذر، يعني محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو قول عطاء عن ابن عباس والضحاك، والمعنى: فستعلمون رسولي، وصدقه ولكن حين لا ينفعكم ذلك. وقيل: إنه بمعنى الإنذار، والمعنى فستعلمون عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب والرسول، وكيف في قوله ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [ينبىء] عن ما ذكرنا من صدق الرسول، وعقوبة الإنذار. وقد تقدم أن «نَذِير، ونكير» مصدران بمعنى الإنذار؛ والإنكار. وأثبت ورش ياء «نذيري» وقفاً، وحذفها وصلاً، وحذفها الباقون في الحالين. قوله: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ . يعني كفار الأمم كقوم نوح، وعاد، وثمود، وغيرهم ﴿فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾ أي: إنكاري وتغييري: قاله الواحديُّ. وقال أبو مسلم: النكير عقاب المنكر، ثم قال: سقطت الياء من «نَذيرِي» ومن «نَكيرِي» حتى تشابه رءوس الآي المتقدمة عليها، والمتأخرة عنها.