Al Lubab fi Ulum Al Kitab — الملك 67:17 – القلم 68:19
المحتويات
- الملك 67:17
- الملك 67:18
- الملك 67:19
- الملك 67:20
- الملك 67:21
- الملك 67:22
- الملك 67:23
- الملك 67:24
- الملك 67:25
- الملك 67:26
- الملك 67:27
- الملك 67:28
- الملك 67:29
- الملك 67:30
- القلم 68:1
- القلم 68:2
- القلم 68:3
- القلم 68:4
- القلم 68:5
- القلم 68:6
- القلم 68:7
- القلم 68:8
- القلم 68:9
- القلم 68:10
- القلم 68:11
- القلم 68:12
- القلم 68:13
- القلم 68:14
- القلم 68:15
- القلم 68:16
- القلم 68:17
- القلم 68:18
- القلم 68:19
الملك 67:17
قوله: ﴿إِنَّ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بالغيب﴾ ، نظيره: ﴿مَّنْ خَشِيَ الرحمن بالغيب﴾ [ق: 33] وقد مضى الكلام فيه. أي: يخافون الله ويخافون عذابه الذي هو «بالغَيْبِ» وهو عذاب يوم القيامة «ويَخْشَوْنَهُ» في دار التكليف، أي: يتقون جميع المعاصي.
قال ابن الخطيب: وفي الآية دليل على انقطاع وعيد الفساق، لأن من جاء يوم القيامة مع هذه الخشية بفسق، فله الأمران، وانقطاع الثَّواب بالعقاب باطلٌ بالإجماع، فتعين العكس.
﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وهو الجنَّة.
قوله: ﴿لَهْم مَّغْفِرَةٌ﴾ الأحسن أن يكون الخَبَرَ «لَهُمْ» و «مَغْفرةٌ» فاعل به، لأن الخبر المفرد أصل، والجار من قبيل المفردات، أو أقرب إليها.
قوله: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ﴾ .
اللفظ لفظ الأمر، والمراد به الخبر، يعني: إن أخفيتم كلامكم في أمر محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أو جهرتم به، فإن اللَّه عليم بذات الصُّدور، يعني بما في القلوب من الخير والشر.
قال ابن عباس: نزلت في المشركين كانوا ينالون من النبيّّّّّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فيخبره جبريل فقال بعضهم لبعض: أسِرُّوا قولكم كي لا يسمع ربُّ محمدٍ، فنزلت: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ﴾ يعني وأسروا قولكم في أمر محمد.
وقيل: إنه خطاب عام لجميع الخلق في جميع الأعمال، والمراد أن قولكم وعملكم على أي سبيل وجد، فالحال واحدة في علمه تعالى بها، فاحذروا من المعاصي سرًّا كما تحترزون عنها جَهْراً، فإن ذلك لا يتفاوت بالنسبة إلى علم اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ . ما فيها كما يسمى ولد المرأة جنيناً في بطنها.
قوله: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ . في «مَنْ خَلَقَ» وجهان:
أحدهما: أنه فاعل «يَعْلَمُ» والمفعول محذوف، تقديره: ألا يعلم الخالق خلقه، وهذا هو الذي عليه جمهور الناسِ، وبه بدأ الزمخشريُّ.
والثاني: أن الفاعل مضمر يعود على الباري تعالى، و «مَنْ» مفعول به، أي: لا يعلم الله من خلقه.
قال أبو حيَّان: والظَّاهر أن «مَنْ» مفعول، والمعنى أينتفي علمه بمن خلقه، وهو الذي لطف علمه ودقّ، ثم قال: وأجاز بعض النحويين أن يكون «مَنْ» فاعلاً والمفعول محذوف، كأنه قال: ألا يعلم الخالق سرَّكُم، وجهركُم، وهو استفهام معناه الإنكار.
قال شهاب الدينِ: «وهَذَا الوجهُ الذي جعله هو الظاهر يعزيه الناس لأهل الزَّيْغ والبدع الدافعين لعموم الخلق لله تعالى، وقد أطنب مكي في ذلك، وأنكر على القائل به، ونسبه إلى ما ذكرت، فقال: وقد قال بعض أهل الزيغِ: إن» مَنْ «في موضع نصب اسم للمسرين والمجاهرين ليخرج الكلام عن عمومه، ويدفع عموم الخلق عن الله تعالى، ولو كان كما زعم لقال: ألا يعلم ما خلق؛ لأنه إنما يقدم ذكر ما تكن الصدور فهو في موضع ما، ولو أتت» مَا «في موضع» مَنْ «لكان فيه أيضاً بيان العموم أن اللَّه خالق كل شيء من أقوال الخلق وأفعالهم أسروها، أو أظهروها خيراً كانت، أو شراً، ويقوي ذلك ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ ولم يقل: عليم بالمسرين والجاهرين، ويكون» مَا «في موضع نصبٍ، وإنما تخرج الآية من هذا العموم إذا جعلت» ما «في موضع نصب اسماً للأناسِ المخاطبين قبل هذه الآيةِ، وقوله: ﴿بِذَاتِ الصدور﴾ يمنع من ذلك» انتهى.
قال شهاب الدين: ولا أدري كيف يلزم ما قاله مكي بالإعراب الذي ذكره، والمعنى الذي أبداه، وقد قال بهذا القول أعني الإعراب الثاني جماعة من المحققين، ولم يبالوا بما ذكره لعدم إفهام الآية إياه.
قال الزمخشريُّ بعد كلام ذكره: ثم أنكر أن يحيط علماً بالمضمر والمسر والمجهر «مَنْ خَلَقَ» الأشياء، وحاله أنه اللطيف الخبير المتصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن، ويجوز أن يكون «مَنْ خَلقَ» منصوباً بمعنى ألا يعلم مخلوقه وهذه حاله، ثم قال: فإن قلت: قدرت في «ألاَ يَعْلَمُ» مفعولاً على معنى ألا يعلم ذلك المذكور ما أضمر في القلب، وأظهر باللسان من خلق، فهلاَّ جعلته مثل قولهم: هو يعطي ويمنع؟ وهلا كان المعنى: ألا يكون عالماً من هو خالق؛ لأن الخلق لا يصلحُ إلا مع العلم؟ قلت: أبت ذلك الحال التي هي قوله: ﴿وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ لأنك لو قلت: ألا يكون عالماً من هو خالق وهو اللطيف الخبير لم يكن معنى صحيحاً؛ لأن «ألاَ يَعْلَمُ» معتمد على الحال، والشيء لا يوقف بنفسه، فلا يقال: ألا يعلم وهو عالم، ولكن ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء.
فصل في معنى الآية
معنى الآية: ألا يعلم السّر من خلق السر، يقول: أنا خلقت السر في القلب، أفلا أكون عالماً بما في قلوب العباد؟ .
قال أهل المعاني: إن شئت جعلته من أسماء الخالق - عزَّ وجلَّ - ويكون المعنى: ألا يعلم الخالق خلقه، وإن شئت جعلته من أسماء المخلوق، والمعنى: ألا يعلم الله من خلق، ولا بد أن يكون الخالق عالماً بمن خلقه، وما يخلقه.
قال ابن المسيِّب: بينما رجل واقف بالليل في شجر كثير، وقد عصفت الريحُ، فوقع في نفس الرجل، أترى الله يعلم ما يسقط من هذا الورق؟ فنودي من جانب الغيضة بصوت عظيم: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ ؟ .
وقال أبو إسحاق الإسفراييني: من أسماء صفات الذَّات ما هو للعلم، منها «العَلِيمُ» ، ومعناه: تعميم جميع المعلومات، ومنها «الخَبِيرُ» ويختص بأن يعلم ما يكون قبل أن يكون ومنها «الحَكِيمُ» ويختص بأن يعلم دقائق الأوصاف، ومنها «الشَّهِيدُ» ، ويختص بأن يعلم الغائِب والحاضر، ومعناه: ألاَّ يغيب عنه شيء، ومنها «الحافظ» ويختص بأنه لا ينسى شيئاً، ومنها «المُحصِي» ويختص بأنه لا يشغله الكثرة عن العلم مثل ضوء النور، واشتداد الريح، وتساقط الأوراق، فيعلم عند ذلك أجزاء الحركات في كل ورقة، وكيف لا يعلم وهو الذي يخلق؟ وقد قال: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ .
فصل
لما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ ذكر الدليل على أنه عالم، فقال: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ الآية، والمعنى: أن من خلق لا بُدَّ وأن يكون عالماً بما يخلقه، لأن الخلق هو الإيجاد والتكوين على سبيل القصد، والقاصد إلى الشيء، لا بد وأن يكون عالماً بحقيقة ذلك المخلوق كيفية وكمية.
قال ابن الخطيب: فنقول: لو كان العبد موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بتفاصيلها، وهو غير عالم لأن التفاوت بين الحركةِ السريعةِ، والبطيئة إنما هو لتحلُّل السَّكناتِ، فالفاعل للحركة البطيئةِ قد يفعل حركة، وسكوناً، ولم يخطر بباله ذلك فَضْلاً عن كميته، ولأن المتحرك لا يعرف عدد أجزاء الحركات إلاَّ إذا عرف عدد الأحياز التي هي بين مبدأ المسافة ومنتهاها وذلك يتوقف على علمه بالجواهر المفردة التي تنتقل في تلك المسافة وعددها، وذلك غير معلومٍ، ولأنَّ النائم يتحرك مع عدم علمه؛ ولأن قوله: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ إنما يتصل بما قبله لو كان خالقاً لكل ما يفعلونه سرًّا وجهراً، وبما في الصدور.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد ألا يعلم من خلق الأجساد؟ .
فالجواب: أنه لا يجوز أن يكون المراد أن من فعل شيئاً يكون عالماً بشيء آخر.
قوله: ﴿وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ .
قيل: اللطيف: العالم.
وقيل: هو فاعل الأشياء اللطيفة التي يخفى علمها على أكثر الفاعلين، ولهذا يقال: إن لُطْف الله تعالى بعباده عجيب، والمراد به دقائق تدبيره لهم، وهذا أقرب وإلا لكان ذكر الخبير بعد تكراراً.
قوله: ﴿هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً﴾ لما بين الدليل كونه عالماً بما يسرون وما يعلنون ذكر بعده هذه الآية على سبيل التهديد كقول السيد لعبده الذي أساء إليه سراً: يا فلانُ أنا أعلم سرك وعلانيتك، فاجلس في هذه الدار التي وهبتها منك، وكل هذا الخير الذي هيأته لك، ولا تأمن تأديبي، فكأنه تعالى يقول: يا أيها الكُفَّار أنا عالم بسركم وجهركم وضمائركم، فخافوني؛ فإن الأرض التي هي قراركم أنا ذللتها لكم، ولو شئت خسفت بكم.
والذَّلُولُ: المنقاد الذي يذلّ لك، والمصدر الذل وهو اللين والانقياد، أي: لم يجعل الأرض بحيث يمتنع المشي فيها بالحزونة والغلظة.
وقيل: يثبتها بالجبالِ لئلا تزول بأهلها، ولو كانت تتكفأ متمايلة لما كانت منقادة لنا.
وقيل: إشارة إلى التمكن من الزرعِ، والغرس، وشق العيون، والأنهار، وحفر الآبار، وبناء الأبنية، ولو كانت صلبة لتعذر ذلك.
وقيل: لو كانت مثل الذَّهب والحديد لكانت تسخن جداً في الصيف، وكانت تبرد جداً في الشتاء.
قوله: ﴿فامشوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ . هذه استعارة حسنة جداً.
وقال الزمخشري: مثل لفرط التذليل، ومجاوزته الغاية؛ لأن المنكبين وملتقاهما من الغارب أرق شيء من البعير، وأنهاه عن أن يطأه الراكب بقدمه، ويعتمد عليه، فإذا جعلها في الذل بحيث يمشي في مناكبها لم يترك.
فصل في هذا الأمر
هذا أمر إباحة، وفيه إظهار الامتنان.
وقيل: هو خبر بلفظ الأمر، أي: لكي تمشوا في أطرافها، ونواحيها، وآكامها وجبالها.
وقال ابنُ عبَّاسٍ وقتادة وبشير بن كعب: «فِي منَاكبِهَا» في جبالها.
وروي أن بشير بن كعب كانت له سرية فقال لها: إن أخبرتيني ما مناكب الأرض فأنت حرة. فقالت: مناكبها: جبالها، فصارت حُرَّة، فأراد أن يتزوجها، فسأل أبا الدرداء، فقال: «دَعْ ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ» .
وقال مجاهد: في أطرافها، وعنه أيضاً: في طرفها وفجاجها، وهو قول السديِّ والحسن.
وقال الكلبيُّ: في جوانبها. ومنكبا الرجل: جانباه، وأصل الكلمة: الجانب، ومنه منكب الرجل والريح النكباء، وتنكب فلان عن فلان.
يقول: امشُوا حيث أردتم، فقد جعلتها لكم ذلولاً لا تمتنع.
وحكى قتادةُ عن أبي الجلد: أن الأرض من أربعة وعشرون ألف فرسخ، فللسودان اثنا عشر ألفاً، وللروم ثمانية آلافٍ، وللفرس ثلاثة آلافٍ، وللعرب ألفٌ.
قوله: ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ .
قال الحسن: ما أحله لكم.
وقيل: مما أنبته لكم.
وقيل: مما خلقه اللَّه لكم رزقاً من الأرض «وإليْهِ النُّشورُ» المرجع.
وقيل: معناه أن الذي خلق السماوات ولا تفاوت فيها، والأرض ذلولاً قادر على أن ينشركم، وإليه تبعثون من قبوركم.
قوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَّن فِي السمآء﴾ .
تقدم اختلاف القراء في الهمزتين المفتوحتين نحو ﴿أَأَنذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: 6] تخفيفاً وتحقيقاً وإدخال ألف بينهما وعدمه في سورة «البقرة» .
وأن قنبلاً يقرأ هنا: بإبدال الهمزة الأولى واواً في الوصل «وإليْهِ النشورُ وأمنتُمْ» ، وهو على أصله من تسهيل الثانية بين بين، وعدم ألف بينهما، وأما إذا ابتدأ، فيحقق الأولى، ويسهل الثانية بين بين على ما تقدم، ولم تبدل الأولى واواً، لزوال موجبه وهو انضمام ما قبلها، وهي مفتوحة نحو «مُوجِل، ويُؤاخِذكُم» ، وقد مضى في سورة «الأعراف» عند قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ﴾ [الأعراف: 123] ، وإنما عددناه تذكيراً، وبياناً.
قوله: ﴿مَّن فِي السمآء﴾ . مفعول «أأمِنْتُمْ» وفي الكلام حذف مضاف، أي: أمنتم خالق السماوات.
وقيل: «فِي» بمعنى «على» ، أي: على السماء، كقوله:
﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: 71] ، أي: على جذوع النخل.
وإنما احتاج القائل بهذين إلى ذلك؛ لأنه اعتقد أن «مَنْ» واقعة على الباري، وهو الظاهر وثبت بالدليل القطعي أنه ليس بمتحيّز لئلا يلزم التجسيم، ولا حاجة إلى ذلك؛ فإن «مَنْ» هنا المراد بها: الملائكة سكان السماءِ، وهم الذين يتولّون الرحمة والنقمة.
وقيل: خوطبوا بذلك على اعتقادهم؛ فإن القوم كانوا مجسمة مشبِّهة، والذي تقدم أحسن.
قال ابن الخطيب: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها باتفاق المسلمين؛ لأن ذلك يقتضي إحاطة السَّماءِ به من جميع الجوانب، فيكونُ أصغر منها، والعرش أكبر من السماء بكثير، فيكون حقيراً بالنسبة إلى العرش، وهو باطل بالاتفاق، ولأنه قال: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السماوات والأرض﴾ [الأنعام: 12] فلو كان فيهما لكان مالكاً لنفسه، فالمعنى: إما من في السموات عذابه، وإما أن ذلك ما كانت العرب تعتقد، وإما من في السماء سلطانه وملكه وقدرته، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الله فِي السماوات وَفِي الأرض﴾ [الأنعام: 3] فإنَّ الشيء الواحد لا يكون دفعة واحدة في مكانين، والغرض من ذكر السَّماءِ تفخيم سلطان الله، وتعظيم قدرته، والمراد الملك الموكل بالعذاب، وهو جبريلُ يخسفها بإذن الله.
قوله: ﴿أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض﴾ و ﴿أَن يُرْسِلَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنهما بدلان من ﴿مَنْ فِي السماء﴾ بدل اشتمال، أي: أمنتم خسفه، وإرساله.
قاله أبو البقاء.
والثاني: أن يكون على حذف «مِنْ» ، أي: أمنتم من الخسف والإرسال، والأول أظهر.
فصل
قال القرطبيُّ: ويحتمل أن يكون المعنى: أمنتم خالق من في السماء أن يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ أي: تذهب وتجيء، والمور: الاضطراب بالذهاب والمجيء. قال الشاعر: [الطويل]
4801 - رَمَيْنَ فأقْصَدْنَ القُلُوبَ ولَنْ تَرَى ... دَماً مَائِراً إلاَّ جرى في الحيَازِمِ
جمع «حيزوم» وهو وسط الصدر.
وإذا خسف بإنسان دارت به الأرض، فهو المور.
قال ابن الخطيب: إن الله - تعالى - يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب وتتحرك، فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها، فيذهبون والأرض فوقهم تمُور، فتقلبهم إلى أسفل السافلين.
قال القرطبي: قال المحققُون: أمنتم من فوق السَّماء، كقوله: ﴿فَسِيحُواْ فِي الأرض﴾ [التوبة: 2] أي: فوقها لا بالمماسة والتحيُّز، لكن بالقهر والتدبير.
وقيل: معناه: أمنتم من على السماء كقوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: 71] ، أي: عليها، ومعناه أنه مدبرها، ومالكها كما يقال: فلان على «العراق» ، أي: وليها وأميرها، والأخبار في هذا صحيحة، وكثيرة منتشرة مشيرة إلى العلوّ، لا يدفعها إلا ملحد، أو جاهل أو معاند، والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلو والعظمة، لا بالأماكن والجهات والحدود؛ لأنها صفات الأجسامِ، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء؛ لأن السماء مهبط الوحْي، ومنزل القطر، ومحل القدس، ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته كما جعل اللَّهُ الكعبة قبلة للصلاة، فإنه خلق الملائكة وهو غير محتاجٍ إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان، ولا مكان له ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان.
قوله ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي السمآء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ .
قال ابن عباس: أي: حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوطٍ وأصحاب الفيل.
وقيل: ريح فيها حجارة وحصباء كأنها تقلع الحصباء، لشدتها وقوتها.
وقيل: سحاب فيه حجارة.
قوله ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ .
قيل: هاهنا النذير: المنذر، يعني محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو قول عطاء عن ابن عباس والضحاك، والمعنى: فستعلمون رسولي، وصدقه ولكن حين لا ينفعكم ذلك.
وقيل: إنه بمعنى الإنذار، والمعنى فستعلمون عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب والرسول، وكيف في قوله ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [ينبىء] عن ما ذكرنا من صدق الرسول، وعقوبة الإنذار.
وقد تقدم أن «نَذِير، ونكير» مصدران بمعنى الإنذار؛ والإنكار.
وأثبت ورش ياء «نذيري» وقفاً، وحذفها وصلاً، وحذفها الباقون في الحالين.
قوله: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ . يعني كفار الأمم كقوم نوح، وعاد، وثمود، وغيرهم ﴿فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾ أي: إنكاري وتغييري: قاله الواحديُّ.
وقال أبو مسلم: النكير عقاب المنكر، ثم قال: سقطت الياء من «نَذيرِي» ومن «نَكيرِي» حتى تشابه رءوس الآي المتقدمة عليها، والمتأخرة عنها.
الملك 67:18
قوله: ﴿إِنَّ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بالغيب﴾ ، نظيره: ﴿مَّنْ خَشِيَ الرحمن بالغيب﴾ [ق: 33] وقد مضى الكلام فيه. أي: يخافون الله ويخافون عذابه الذي هو «بالغَيْبِ» وهو عذاب يوم القيامة «ويَخْشَوْنَهُ» في دار التكليف، أي: يتقون جميع المعاصي.
قال ابن الخطيب: وفي الآية دليل على انقطاع وعيد الفساق، لأن من جاء يوم القيامة مع هذه الخشية بفسق، فله الأمران، وانقطاع الثَّواب بالعقاب باطلٌ بالإجماع، فتعين العكس.
﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وهو الجنَّة.
قوله: ﴿لَهْم مَّغْفِرَةٌ﴾ الأحسن أن يكون الخَبَرَ «لَهُمْ» و «مَغْفرةٌ» فاعل به، لأن الخبر المفرد أصل، والجار من قبيل المفردات، أو أقرب إليها.
قوله: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ﴾ .
اللفظ لفظ الأمر، والمراد به الخبر، يعني: إن أخفيتم كلامكم في أمر محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أو جهرتم به، فإن اللَّه عليم بذات الصُّدور، يعني بما في القلوب من الخير والشر.
قال ابن عباس: نزلت في المشركين كانوا ينالون من النبيّّّّّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فيخبره جبريل فقال بعضهم لبعض: أسِرُّوا قولكم كي لا يسمع ربُّ محمدٍ، فنزلت: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ﴾ يعني وأسروا قولكم في أمر محمد.
وقيل: إنه خطاب عام لجميع الخلق في جميع الأعمال، والمراد أن قولكم وعملكم على أي سبيل وجد، فالحال واحدة في علمه تعالى بها، فاحذروا من المعاصي سرًّا كما تحترزون عنها جَهْراً، فإن ذلك لا يتفاوت بالنسبة إلى علم اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ . ما فيها كما يسمى ولد المرأة جنيناً في بطنها.
قوله: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ . في «مَنْ خَلَقَ» وجهان:
أحدهما: أنه فاعل «يَعْلَمُ» والمفعول محذوف، تقديره: ألا يعلم الخالق خلقه، وهذا هو الذي عليه جمهور الناسِ، وبه بدأ الزمخشريُّ.
والثاني: أن الفاعل مضمر يعود على الباري تعالى، و «مَنْ» مفعول به، أي: لا يعلم الله من خلقه.
قال أبو حيَّان: والظَّاهر أن «مَنْ» مفعول، والمعنى أينتفي علمه بمن خلقه، وهو الذي لطف علمه ودقّ، ثم قال: وأجاز بعض النحويين أن يكون «مَنْ» فاعلاً والمفعول محذوف، كأنه قال: ألا يعلم الخالق سرَّكُم، وجهركُم، وهو استفهام معناه الإنكار.
قال شهاب الدينِ: «وهَذَا الوجهُ الذي جعله هو الظاهر يعزيه الناس لأهل الزَّيْغ والبدع الدافعين لعموم الخلق لله تعالى، وقد أطنب مكي في ذلك، وأنكر على القائل به، ونسبه إلى ما ذكرت، فقال: وقد قال بعض أهل الزيغِ: إن» مَنْ «في موضع نصب اسم للمسرين والمجاهرين ليخرج الكلام عن عمومه، ويدفع عموم الخلق عن الله تعالى، ولو كان كما زعم لقال: ألا يعلم ما خلق؛ لأنه إنما يقدم ذكر ما تكن الصدور فهو في موضع ما، ولو أتت» مَا «في موضع» مَنْ «لكان فيه أيضاً بيان العموم أن اللَّه خالق كل شيء من أقوال الخلق وأفعالهم أسروها، أو أظهروها خيراً كانت، أو شراً، ويقوي ذلك ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ ولم يقل: عليم بالمسرين والجاهرين، ويكون» مَا «في موضع نصبٍ، وإنما تخرج الآية من هذا العموم إذا جعلت» ما «في موضع نصب اسماً للأناسِ المخاطبين قبل هذه الآيةِ، وقوله: ﴿بِذَاتِ الصدور﴾ يمنع من ذلك» انتهى.
قال شهاب الدين: ولا أدري كيف يلزم ما قاله مكي بالإعراب الذي ذكره، والمعنى الذي أبداه، وقد قال بهذا القول أعني الإعراب الثاني جماعة من المحققين، ولم يبالوا بما ذكره لعدم إفهام الآية إياه.
قال الزمخشريُّ بعد كلام ذكره: ثم أنكر أن يحيط علماً بالمضمر والمسر والمجهر «مَنْ خَلَقَ» الأشياء، وحاله أنه اللطيف الخبير المتصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن، ويجوز أن يكون «مَنْ خَلقَ» منصوباً بمعنى ألا يعلم مخلوقه وهذه حاله، ثم قال: فإن قلت: قدرت في «ألاَ يَعْلَمُ» مفعولاً على معنى ألا يعلم ذلك المذكور ما أضمر في القلب، وأظهر باللسان من خلق، فهلاَّ جعلته مثل قولهم: هو يعطي ويمنع؟ وهلا كان المعنى: ألا يكون عالماً من هو خالق؛ لأن الخلق لا يصلحُ إلا مع العلم؟ قلت: أبت ذلك الحال التي هي قوله: ﴿وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ لأنك لو قلت: ألا يكون عالماً من هو خالق وهو اللطيف الخبير لم يكن معنى صحيحاً؛ لأن «ألاَ يَعْلَمُ» معتمد على الحال، والشيء لا يوقف بنفسه، فلا يقال: ألا يعلم وهو عالم، ولكن ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء.
فصل في معنى الآية
معنى الآية: ألا يعلم السّر من خلق السر، يقول: أنا خلقت السر في القلب، أفلا أكون عالماً بما في قلوب العباد؟ .
قال أهل المعاني: إن شئت جعلته من أسماء الخالق - عزَّ وجلَّ - ويكون المعنى: ألا يعلم الخالق خلقه، وإن شئت جعلته من أسماء المخلوق، والمعنى: ألا يعلم الله من خلق، ولا بد أن يكون الخالق عالماً بمن خلقه، وما يخلقه.
قال ابن المسيِّب: بينما رجل واقف بالليل في شجر كثير، وقد عصفت الريحُ، فوقع في نفس الرجل، أترى الله يعلم ما يسقط من هذا الورق؟ فنودي من جانب الغيضة بصوت عظيم: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ ؟ .
وقال أبو إسحاق الإسفراييني: من أسماء صفات الذَّات ما هو للعلم، منها «العَلِيمُ» ، ومعناه: تعميم جميع المعلومات، ومنها «الخَبِيرُ» ويختص بأن يعلم ما يكون قبل أن يكون ومنها «الحَكِيمُ» ويختص بأن يعلم دقائق الأوصاف، ومنها «الشَّهِيدُ» ، ويختص بأن يعلم الغائِب والحاضر، ومعناه: ألاَّ يغيب عنه شيء، ومنها «الحافظ» ويختص بأنه لا ينسى شيئاً، ومنها «المُحصِي» ويختص بأنه لا يشغله الكثرة عن العلم مثل ضوء النور، واشتداد الريح، وتساقط الأوراق، فيعلم عند ذلك أجزاء الحركات في كل ورقة، وكيف لا يعلم وهو الذي يخلق؟ وقد قال: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ .
فصل
لما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ ذكر الدليل على أنه عالم، فقال: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ الآية، والمعنى: أن من خلق لا بُدَّ وأن يكون عالماً بما يخلقه، لأن الخلق هو الإيجاد والتكوين على سبيل القصد، والقاصد إلى الشيء، لا بد وأن يكون عالماً بحقيقة ذلك المخلوق كيفية وكمية.
قال ابن الخطيب: فنقول: لو كان العبد موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بتفاصيلها، وهو غير عالم لأن التفاوت بين الحركةِ السريعةِ، والبطيئة إنما هو لتحلُّل السَّكناتِ، فالفاعل للحركة البطيئةِ قد يفعل حركة، وسكوناً، ولم يخطر بباله ذلك فَضْلاً عن كميته، ولأن المتحرك لا يعرف عدد أجزاء الحركات إلاَّ إذا عرف عدد الأحياز التي هي بين مبدأ المسافة ومنتهاها وذلك يتوقف على علمه بالجواهر المفردة التي تنتقل في تلك المسافة وعددها، وذلك غير معلومٍ، ولأنَّ النائم يتحرك مع عدم علمه؛ ولأن قوله: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ إنما يتصل بما قبله لو كان خالقاً لكل ما يفعلونه سرًّا وجهراً، وبما في الصدور.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد ألا يعلم من خلق الأجساد؟ .
فالجواب: أنه لا يجوز أن يكون المراد أن من فعل شيئاً يكون عالماً بشيء آخر.
قوله: ﴿وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ .
قيل: اللطيف: العالم.
وقيل: هو فاعل الأشياء اللطيفة التي يخفى علمها على أكثر الفاعلين، ولهذا يقال: إن لُطْف الله تعالى بعباده عجيب، والمراد به دقائق تدبيره لهم، وهذا أقرب وإلا لكان ذكر الخبير بعد تكراراً.
قوله: ﴿هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً﴾ لما بين الدليل كونه عالماً بما يسرون وما يعلنون ذكر بعده هذه الآية على سبيل التهديد كقول السيد لعبده الذي أساء إليه سراً: يا فلانُ أنا أعلم سرك وعلانيتك، فاجلس في هذه الدار التي وهبتها منك، وكل هذا الخير الذي هيأته لك، ولا تأمن تأديبي، فكأنه تعالى يقول: يا أيها الكُفَّار أنا عالم بسركم وجهركم وضمائركم، فخافوني؛ فإن الأرض التي هي قراركم أنا ذللتها لكم، ولو شئت خسفت بكم.
والذَّلُولُ: المنقاد الذي يذلّ لك، والمصدر الذل وهو اللين والانقياد، أي: لم يجعل الأرض بحيث يمتنع المشي فيها بالحزونة والغلظة.
وقيل: يثبتها بالجبالِ لئلا تزول بأهلها، ولو كانت تتكفأ متمايلة لما كانت منقادة لنا.
وقيل: إشارة إلى التمكن من الزرعِ، والغرس، وشق العيون، والأنهار، وحفر الآبار، وبناء الأبنية، ولو كانت صلبة لتعذر ذلك.
وقيل: لو كانت مثل الذَّهب والحديد لكانت تسخن جداً في الصيف، وكانت تبرد جداً في الشتاء.
قوله: ﴿فامشوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ . هذه استعارة حسنة جداً.
وقال الزمخشري: مثل لفرط التذليل، ومجاوزته الغاية؛ لأن المنكبين وملتقاهما من الغارب أرق شيء من البعير، وأنهاه عن أن يطأه الراكب بقدمه، ويعتمد عليه، فإذا جعلها في الذل بحيث يمشي في مناكبها لم يترك.
فصل في هذا الأمر
هذا أمر إباحة، وفيه إظهار الامتنان.
وقيل: هو خبر بلفظ الأمر، أي: لكي تمشوا في أطرافها، ونواحيها، وآكامها وجبالها.
وقال ابنُ عبَّاسٍ وقتادة وبشير بن كعب: «فِي منَاكبِهَا» في جبالها.
وروي أن بشير بن كعب كانت له سرية فقال لها: إن أخبرتيني ما مناكب الأرض فأنت حرة. فقالت: مناكبها: جبالها، فصارت حُرَّة، فأراد أن يتزوجها، فسأل أبا الدرداء، فقال: «دَعْ ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ» .
وقال مجاهد: في أطرافها، وعنه أيضاً: في طرفها وفجاجها، وهو قول السديِّ والحسن.
وقال الكلبيُّ: في جوانبها. ومنكبا الرجل: جانباه، وأصل الكلمة: الجانب، ومنه منكب الرجل والريح النكباء، وتنكب فلان عن فلان.
يقول: امشُوا حيث أردتم، فقد جعلتها لكم ذلولاً لا تمتنع.
وحكى قتادةُ عن أبي الجلد: أن الأرض من أربعة وعشرون ألف فرسخ، فللسودان اثنا عشر ألفاً، وللروم ثمانية آلافٍ، وللفرس ثلاثة آلافٍ، وللعرب ألفٌ.
قوله: ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ .
قال الحسن: ما أحله لكم.
وقيل: مما أنبته لكم.
وقيل: مما خلقه اللَّه لكم رزقاً من الأرض «وإليْهِ النُّشورُ» المرجع.
وقيل: معناه أن الذي خلق السماوات ولا تفاوت فيها، والأرض ذلولاً قادر على أن ينشركم، وإليه تبعثون من قبوركم.
قوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَّن فِي السمآء﴾ .
تقدم اختلاف القراء في الهمزتين المفتوحتين نحو ﴿أَأَنذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: 6] تخفيفاً وتحقيقاً وإدخال ألف بينهما وعدمه في سورة «البقرة» .
وأن قنبلاً يقرأ هنا: بإبدال الهمزة الأولى واواً في الوصل «وإليْهِ النشورُ وأمنتُمْ» ، وهو على أصله من تسهيل الثانية بين بين، وعدم ألف بينهما، وأما إذا ابتدأ، فيحقق الأولى، ويسهل الثانية بين بين على ما تقدم، ولم تبدل الأولى واواً، لزوال موجبه وهو انضمام ما قبلها، وهي مفتوحة نحو «مُوجِل، ويُؤاخِذكُم» ، وقد مضى في سورة «الأعراف» عند قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ﴾ [الأعراف: 123] ، وإنما عددناه تذكيراً، وبياناً.
قوله: ﴿مَّن فِي السمآء﴾ . مفعول «أأمِنْتُمْ» وفي الكلام حذف مضاف، أي: أمنتم خالق السماوات.
وقيل: «فِي» بمعنى «على» ، أي: على السماء، كقوله:
﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: 71] ، أي: على جذوع النخل.
وإنما احتاج القائل بهذين إلى ذلك؛ لأنه اعتقد أن «مَنْ» واقعة على الباري، وهو الظاهر وثبت بالدليل القطعي أنه ليس بمتحيّز لئلا يلزم التجسيم، ولا حاجة إلى ذلك؛ فإن «مَنْ» هنا المراد بها: الملائكة سكان السماءِ، وهم الذين يتولّون الرحمة والنقمة.
وقيل: خوطبوا بذلك على اعتقادهم؛ فإن القوم كانوا مجسمة مشبِّهة، والذي تقدم أحسن.
قال ابن الخطيب: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها باتفاق المسلمين؛ لأن ذلك يقتضي إحاطة السَّماءِ به من جميع الجوانب، فيكونُ أصغر منها، والعرش أكبر من السماء بكثير، فيكون حقيراً بالنسبة إلى العرش، وهو باطل بالاتفاق، ولأنه قال: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السماوات والأرض﴾ [الأنعام: 12] فلو كان فيهما لكان مالكاً لنفسه، فالمعنى: إما من في السموات عذابه، وإما أن ذلك ما كانت العرب تعتقد، وإما من في السماء سلطانه وملكه وقدرته، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الله فِي السماوات وَفِي الأرض﴾ [الأنعام: 3] فإنَّ الشيء الواحد لا يكون دفعة واحدة في مكانين، والغرض من ذكر السَّماءِ تفخيم سلطان الله، وتعظيم قدرته، والمراد الملك الموكل بالعذاب، وهو جبريلُ يخسفها بإذن الله.
قوله: ﴿أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض﴾ و ﴿أَن يُرْسِلَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنهما بدلان من ﴿مَنْ فِي السماء﴾ بدل اشتمال، أي: أمنتم خسفه، وإرساله.
قاله أبو البقاء.
والثاني: أن يكون على حذف «مِنْ» ، أي: أمنتم من الخسف والإرسال، والأول أظهر.
فصل
قال القرطبيُّ: ويحتمل أن يكون المعنى: أمنتم خالق من في السماء أن يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ أي: تذهب وتجيء، والمور: الاضطراب بالذهاب والمجيء. قال الشاعر: [الطويل]
4801 - رَمَيْنَ فأقْصَدْنَ القُلُوبَ ولَنْ تَرَى ... دَماً مَائِراً إلاَّ جرى في الحيَازِمِ
جمع «حيزوم» وهو وسط الصدر.
وإذا خسف بإنسان دارت به الأرض، فهو المور.
قال ابن الخطيب: إن الله - تعالى - يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب وتتحرك، فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها، فيذهبون والأرض فوقهم تمُور، فتقلبهم إلى أسفل السافلين.
قال القرطبي: قال المحققُون: أمنتم من فوق السَّماء، كقوله: ﴿فَسِيحُواْ فِي الأرض﴾ [التوبة: 2] أي: فوقها لا بالمماسة والتحيُّز، لكن بالقهر والتدبير.
وقيل: معناه: أمنتم من على السماء كقوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: 71] ، أي: عليها، ومعناه أنه مدبرها، ومالكها كما يقال: فلان على «العراق» ، أي: وليها وأميرها، والأخبار في هذا صحيحة، وكثيرة منتشرة مشيرة إلى العلوّ، لا يدفعها إلا ملحد، أو جاهل أو معاند، والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلو والعظمة، لا بالأماكن والجهات والحدود؛ لأنها صفات الأجسامِ، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء؛ لأن السماء مهبط الوحْي، ومنزل القطر، ومحل القدس، ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته كما جعل اللَّهُ الكعبة قبلة للصلاة، فإنه خلق الملائكة وهو غير محتاجٍ إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان، ولا مكان له ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان.
قوله ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي السمآء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ .
قال ابن عباس: أي: حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوطٍ وأصحاب الفيل.
وقيل: ريح فيها حجارة وحصباء كأنها تقلع الحصباء، لشدتها وقوتها.
وقيل: سحاب فيه حجارة.
قوله ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ .
قيل: هاهنا النذير: المنذر، يعني محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو قول عطاء عن ابن عباس والضحاك، والمعنى: فستعلمون رسولي، وصدقه ولكن حين لا ينفعكم ذلك.
وقيل: إنه بمعنى الإنذار، والمعنى فستعلمون عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب والرسول، وكيف في قوله ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [ينبىء] عن ما ذكرنا من صدق الرسول، وعقوبة الإنذار.
وقد تقدم أن «نَذِير، ونكير» مصدران بمعنى الإنذار؛ والإنكار.
وأثبت ورش ياء «نذيري» وقفاً، وحذفها وصلاً، وحذفها الباقون في الحالين.
قوله: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ . يعني كفار الأمم كقوم نوح، وعاد، وثمود، وغيرهم ﴿فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾ أي: إنكاري وتغييري: قاله الواحديُّ.
وقال أبو مسلم: النكير عقاب المنكر، ثم قال: سقطت الياء من «نَذيرِي» ومن «نَكيرِي» حتى تشابه رءوس الآي المتقدمة عليها، والمتأخرة عنها.
الملك 67:19
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾ .
لما ذكر ما تقدم من الوعيد ذكر البرهان على كمال قدرته، وعلى إيصال جميع أنواع العذاب إليهم، ومعناه كما ذلل الأرض للآدمي ذلل الهواء للطيور، وصافاتٍ: أي: باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانهن.
قال شهاب الدين: «صافَّاتٍ» يجوز أن يكون حالاً من «الطَّير» ، وأن يكون حالاً من «فَوقَهُمْ» إذا جعلناه حالاً، فتكون متداخلة، و «فَوقَهُمْ» ظرف ل «صافَّاتٍ» أو ل «يَرَوا» .
قوله: «ويَقْبِضْنَ» عطف الفعل على الاسم؛ لأنه بمعناه، أي: وقابضات، فالفعل هنا مؤول بالاسم عكس قوله: ﴿إِنَّ المصدقين والمصدقات وَأَقْرَضُواْ﴾ [الحديد: 18] فإن الاسم هناك مؤول بالفعل وقد تقدم الاعتراض على ذلك.
وقول أبي البقاء: معطوف على اسم الفاعل حملاً على المعنى، أي: يصففن ويقبضن، أي «صافَّاتٍ وقَابضاتٍ» لا حاجة إلى تقديره: يصففن ويقبضن؛ لأن الموضع للاسم فلا نؤوله بالفعل.
قال أبو حيان: «وعطف الفعل على الاسم لما كان في معناه، ومثله قوله تعالى: ﴿فالمغيرات صُبْحاً فَأَثَرْنَ﴾ [العاديات: 3 - 4] ، ومثل هذا العطف فصيحٌ وكذا عكسه إلاَّ عند السُّهيلي؛ فإنه قبيح؛ نحو قوله: [الرجز]
4802 - بَاتَ يُغشِّيهَا بعَضْبٍ بَاتِر ... يَقْصِدُ فِي أسْوُقِهَا وجَائرِ
أي: قاصد في أسواقها وجائر» .
وكذا قال القرطبيُّ: هو معطوف على «صافَّاتٍ» عطف المضارع على اسم الفاعل كما عطف اسم الفاعل على المضارع في قول الشاعر: «بَاتَ يُغشِّيها» البيت.
قال شهاب الدين: هو مثله في عطف الفعل على اسم الفاعل إلا أن الاسم فيه مؤولٌ بالفعل عكس هذه الآية، ومفعول «يقبِضنَ» محذوف، أي: ويقبضن أجنحتهن.
قاله أبو البقاء، ولم يقدر ل «صَافَّاتٍ» مفعولاً كأنه زعم أن الاصطفاف في أنفسها، والظاهر أن المعنى: صافات أجنحتها وقابضات، فالصف والقبض منها لأجنحتها.
ولذلك قال الزمخشري: «صافَّاتٍ» باسطات أجنحتهن، ثم قال: فإن قلت: لم قال: ويقبضن، ولم يقل: «قابضات» ؟ .
قلت: لأن الطيران هو صف الأجنحة؛ لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها، وأما القبض فطارىء على البسط للاستظهار به على التحرك، فجيء بما هو طارىء غير أصل بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات، يكون منهن القبض تارة بعد تارة كما يكون من السابح.
قوله «مَا يُمسِكُهُنَّ» . يجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة، وأن تكون حالاً من الضمير في «يَقْبِضنَ» قاله أبو البقاء. والأول أظهر.
وقرأ الزهريُّ: بتشديد السِّين.
فصل في معنى: يقبضن
قوله: «ويَقْبِضْنَ» .
أي: يضربن بها لجنوبهن.
قال أبو جعفر النحاس: يقال للطائر إذا بسط جناحية: صاف، وإذا ضمها فأصاب جنبه قابض، لأنه يقبضهما.
قال أبو خراش الشاعر: [الطويل]
4803 - يُبَادِرُ جُنْحَ اللَّيْلِ فهو مُوائِلٌ ... يَحُثُّ الجَناحَ بالتَّبسُّطِ والقبْضِ
وقيل: ويقبضن أجنحتهن بعد بسطها إذا وقفن من الطيران.
وقوله «ما يُمسِكُهنَّ» أي: ما يمسك الطير في الجو وهي تطير إلا الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ .
قال ابن الخطيب: وفيه وجهان:
الأول: المراد من «البصير» كونه عالماً بالأشياء الدقيقة، كما يقال: فلان له بصر في هذا الأمر، أي: حذق.
والثاني: أن يجري اللفظ على ظاهره، فتقول: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ فيكون رائياً لنفسه، ولجميع الموجودات وهذا الذي يقوله أصحابنا: إنه تعالى شيء يصح أن يكون مرئياً، وأن كل الموجودات كذلك، فإن قيل: البصير إذا عدي بالباء يكون بمعنى العالم، يقال: فلان بصير بكذا إذا كان عالماً قلنا: لا نسلم، فإنه يقال: إن الله سميع بالمسموعات بصير بالمبصرات.
فصل
في قوله تعالى ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمن﴾ دليل على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله تعالى، لأن استمساك الطير في الهواء فعل اختياري له، وقد نسبه للرحمن.
قوله: ﴿أَمَّنْ هذا الذي﴾ .
قرأ العامة: بتشديد الميم على إدغام ميم «أمْ» في ميم «مَنْ» و «أمْ» بمعنى «بَلْ» لأن بعدها اسم استفهام، وهو مبتدأ، خبره اسم الإشارة.
وقرأ طلحة: بتخفيف الأول وتثقيل الثاني.
قال أبو الفضل: معناه: أهذا الذي هو جند لكم، أم الذي يرزقكم. و «يَنْصُركُمْ» صفة لجند.
فصل في لفظ جند
قال ابن عباس: «جُندٌ لَكُمْ» أي: حزب ومنعه لكم ﴿يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ الرحمن﴾ ، فيدفع عنكم ما أراد بكم إن عصيتموه. ولفظ الجند يوحد، ولهذا قال: هذا الذي هو جند لكم، وهو استفهام إنكاري، أي لا جند لكم يدفع عذاب الله من دون الرحمن، أي: من سوى الرحمن ﴿إِنِ الكافرون إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من الشيطان يغرهم بأن لا عذاب، ولا حساب.
قال بعض المفسرين: كان الكفار يمتنعون عن الإيمان، ويعاندون الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - معتمدين على شيئين:
أحدهما: قوتهم بعددهم ومالهم.
والثاني: اعتقادهم أن الأوثان توصل إليهم جميع الخيرات، وتدفع عنهم جميع الآفات فأبطل الله عليهم الأول بقوله ﴿أَمَّنْ هذا الذي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ﴾ الآية، ورد عليهم الثاني بقوله: ﴿أَمَّنْ هذا الذي يَرْزُقُكُمْ﴾ الآية.
قوله ﴿إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ شرط، جوابه محذوف للدلالة عليه، أي: أفمن يرزقكم غيره.
وقدّر الزمخشريٌّ شرطاً بعد قوله: ﴿أَمَّنْ هذا الذي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ﴾ تقديره: «إن أرسل عليكم عذابه» ولا حاجة له صناعة.
فصل في معنى الآية
المعنى ﴿أَمَّنْ هذا الذي يَرْزُقُكُم﴾ أي: يعطيكم منافع الدنيا.
وقيل: من آلهتكم «إنْ أمسَكَ» يعني الله تعالى رزقه وهذا مما لا ينكره ذو عقل، وهو أنه تعالى إن أمسك أسباب الرزق كالمطر، والنبات وغيرهما لما وجد رازق سواه فعند وضوح هذا الأمر قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ﴾ ، أي: تمادوا وأصروا «فِي عُتُوٍّ» طغيان «ونُفورٍ» عن الحق، أو تباعد أو إعراض عن الحق.
قوله: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً على وَجْهِهِ أهدى﴾ . «مُكِبًّا» حال من فاعل «يمشي» .
قال الواحديُّ: «أكب» ، مطاوع كبه، يقال: كببته فأكب.
قال الزمخشريُّ: هو من الغرائب والشواذ، ونحوه قشعت الريح السحاب فأقشع، وما هو كذلك ولا شيء من بناء «أفعل» مطاوع، بل قولك: أكب، من باب «أنفض، وألأم» ومعناه: دخل في الكب، وصار ذا كب وكذلك أقشع السحاب دخل في القشع.
ومطاوع «كب، وقشع» انكب وانقشع.
قال أبو حيان: «ومُكِباً» حال من «أكب» وهو لا يتعدى، و «كب» متعد، قال تعالى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار﴾ [النمل: 90] والهمزة فيه للدخول في الشيء، أو للصيرورة، ومطاوع كب انكب، تقول: كببته فانكب. قال الزمخشريُّ: «ولا شيء من بناء» أفعل «مطاوعاً ولا يتقن نحو هذا إلا حملة كتاب سيبويه» انتهى.
وهذا الرجل يتبجح بكتاب سيبويه، وكم من نص في كتاب سيبويه عمي بصره وبصيرته عنه حتى إن الإمام أبا الحجاج يوسف بن معزوز صنف كتاباً يذكر فيه ما غلط الزمخشري فيه، وما جهله من كتاب سيبويه. انتهى.
قال شهاب الدين: انظر إلى هذا الرجل كيف أخذ كلام الزمخشري الذي أسلفته عنه طرز به عبارته حرفاً بحرف ثم أخذ ينحي عليه بإساءة الأدب جزاء ما لقنه تلك الكلمات الرائقة، وجعل يقول: إن مطاوع «كَبَّ» «انكب» لا «أكب» وأن الهمزة للصيرورة، أو للدخول في الشيء، وبالله لو بقي دهره غير ملقن إياها لما قالها أبداً، ثم أخذ يذكر عن إنسان مع أبي القاسم كالسُّها مع القمر أنه غلطه في نصوص من كتاب سيبويه، والله أعلم بصحتها: [الوافر]
4804 - وكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلاً صَحِيحاً ... وآفتُهُ من الفَهْمِ السَّقيم
وعلى تقدير التسليم، فالفاضل من عدت سقطاته.
قال القرطبيُّ: يقال: أكب الرجل على وجهه فيما لا يتعدى بالألف، فإذا تعدى قيل: كبه الله على وجهه بغير ألف، وقوله: «أفَمنْ يَمْشي» هو المعادل ل ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً﴾ .
وقال أبو البقاء: «وأهْدَى» خبر «مَنْ يَمِشِي» وخبر «من» الثانية محذوف.
يعني أن الأصل: أم من يمشي سوياً أهدى، ولا حاجة إلى ذلك؛ لأن قولك: أزيد قائم، أم عمرو لا يحتاج فيه من حيث الصناعة إلى حذف الخبر، نقول: هو معطوف على «زيد» عطف المفردات، ووحد الخبر لأن «أمْ» لأحد الشيئين.
فصل
قال المفسرون: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً﴾ منكساً رأسه لا ينظر أمامه، ولا يمينه، ولا شماله، فهو لا يأمن من العثور والانكباب على وجهه ﴿كَمنْ يَمْشي سويّاً﴾ مُعتدِلاً ناظراً ما بين يديه، وعن يمينه وعن شماله.
قال ابن عباسٍ: هذا في الدنيا، ويجوز أن يريد به الأعمى الذي لا يهتدي إلى طريق، فلا يزال ينكسه على وجهه، وأنه ليس كالرجل السوي الصحيح البصير الماشي في الطريق المهتدي له.
قال قتادةُ: هو الكافر أكب على معاصي الله في الدنيا، يحشره الله يوم القيامة على وجهه.
وقال ابن عباس والكلبيُّ: عنى بالذي يمشي على وجهه أبا جهل، وبالذي يمشي سوياً رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: أبو بكر.
وقيل: حمزة.
وقيل: عمار بن ياسر.
قال عكرمة: وقيل: هو عام في الكافر والمؤمن، أي: إن الكافر لا يدري أعلى حق هو، أم على باطل، أي: هذا الكافر أهدى، أم المسلم الذي يمشي سوياً معتدلاً يبصر الطريق، وهو على صراطٍ مستقيمٍ وهو الإسلام.
قوله ﴿قُلْ هُوَ الذي أَنشَأَكُمْ﴾ . أمر نبيه أن يعرفهم قبح شركهم مع اعترافهم أن الله خلقهم ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة﴾ يعني القلوب.
قوله «قَلِيلاً» . نعت مصدر محذوف، أو حال من ضمير المصدر كما هو رأي سيبويه و «ما» مزيدة أي: تشكرون قليلاً، والجملة من «تَشْكُرون» إما مستأنفة، وهو الظاهر، وإما حال مقدرة؛ لأنهم حال الجعل غير شاكرين.
الملك 67:20
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾ .
لما ذكر ما تقدم من الوعيد ذكر البرهان على كمال قدرته، وعلى إيصال جميع أنواع العذاب إليهم، ومعناه كما ذلل الأرض للآدمي ذلل الهواء للطيور، وصافاتٍ: أي: باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانهن.
قال شهاب الدين: «صافَّاتٍ» يجوز أن يكون حالاً من «الطَّير» ، وأن يكون حالاً من «فَوقَهُمْ» إذا جعلناه حالاً، فتكون متداخلة، و «فَوقَهُمْ» ظرف ل «صافَّاتٍ» أو ل «يَرَوا» .
قوله: «ويَقْبِضْنَ» عطف الفعل على الاسم؛ لأنه بمعناه، أي: وقابضات، فالفعل هنا مؤول بالاسم عكس قوله: ﴿إِنَّ المصدقين والمصدقات وَأَقْرَضُواْ﴾ [الحديد: 18] فإن الاسم هناك مؤول بالفعل وقد تقدم الاعتراض على ذلك.
وقول أبي البقاء: معطوف على اسم الفاعل حملاً على المعنى، أي: يصففن ويقبضن، أي «صافَّاتٍ وقَابضاتٍ» لا حاجة إلى تقديره: يصففن ويقبضن؛ لأن الموضع للاسم فلا نؤوله بالفعل.
قال أبو حيان: «وعطف الفعل على الاسم لما كان في معناه، ومثله قوله تعالى: ﴿فالمغيرات صُبْحاً فَأَثَرْنَ﴾ [العاديات: 3 - 4] ، ومثل هذا العطف فصيحٌ وكذا عكسه إلاَّ عند السُّهيلي؛ فإنه قبيح؛ نحو قوله: [الرجز]
4802 - بَاتَ يُغشِّيهَا بعَضْبٍ بَاتِر ... يَقْصِدُ فِي أسْوُقِهَا وجَائرِ
أي: قاصد في أسواقها وجائر» .
وكذا قال القرطبيُّ: هو معطوف على «صافَّاتٍ» عطف المضارع على اسم الفاعل كما عطف اسم الفاعل على المضارع في قول الشاعر: «بَاتَ يُغشِّيها» البيت.
قال شهاب الدين: هو مثله في عطف الفعل على اسم الفاعل إلا أن الاسم فيه مؤولٌ بالفعل عكس هذه الآية، ومفعول «يقبِضنَ» محذوف، أي: ويقبضن أجنحتهن.
قاله أبو البقاء، ولم يقدر ل «صَافَّاتٍ» مفعولاً كأنه زعم أن الاصطفاف في أنفسها، والظاهر أن المعنى: صافات أجنحتها وقابضات، فالصف والقبض منها لأجنحتها.
ولذلك قال الزمخشري: «صافَّاتٍ» باسطات أجنحتهن، ثم قال: فإن قلت: لم قال: ويقبضن، ولم يقل: «قابضات» ؟ .
قلت: لأن الطيران هو صف الأجنحة؛ لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها، وأما القبض فطارىء على البسط للاستظهار به على التحرك، فجيء بما هو طارىء غير أصل بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات، يكون منهن القبض تارة بعد تارة كما يكون من السابح.
قوله «مَا يُمسِكُهُنَّ» . يجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة، وأن تكون حالاً من الضمير في «يَقْبِضنَ» قاله أبو البقاء. والأول أظهر.
وقرأ الزهريُّ: بتشديد السِّين.
فصل في معنى: يقبضن
قوله: «ويَقْبِضْنَ» .
أي: يضربن بها لجنوبهن.
قال أبو جعفر النحاس: يقال للطائر إذا بسط جناحية: صاف، وإذا ضمها فأصاب جنبه قابض، لأنه يقبضهما.
قال أبو خراش الشاعر: [الطويل]
4803 - يُبَادِرُ جُنْحَ اللَّيْلِ فهو مُوائِلٌ ... يَحُثُّ الجَناحَ بالتَّبسُّطِ والقبْضِ
وقيل: ويقبضن أجنحتهن بعد بسطها إذا وقفن من الطيران.
وقوله «ما يُمسِكُهنَّ» أي: ما يمسك الطير في الجو وهي تطير إلا الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ .
قال ابن الخطيب: وفيه وجهان:
الأول: المراد من «البصير» كونه عالماً بالأشياء الدقيقة، كما يقال: فلان له بصر في هذا الأمر، أي: حذق.
والثاني: أن يجري اللفظ على ظاهره، فتقول: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ فيكون رائياً لنفسه، ولجميع الموجودات وهذا الذي يقوله أصحابنا: إنه تعالى شيء يصح أن يكون مرئياً، وأن كل الموجودات كذلك، فإن قيل: البصير إذا عدي بالباء يكون بمعنى العالم، يقال: فلان بصير بكذا إذا كان عالماً قلنا: لا نسلم، فإنه يقال: إن الله سميع بالمسموعات بصير بالمبصرات.
فصل
في قوله تعالى ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمن﴾ دليل على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله تعالى، لأن استمساك الطير في الهواء فعل اختياري له، وقد نسبه للرحمن.
قوله: ﴿أَمَّنْ هذا الذي﴾ .
قرأ العامة: بتشديد الميم على إدغام ميم «أمْ» في ميم «مَنْ» و «أمْ» بمعنى «بَلْ» لأن بعدها اسم استفهام، وهو مبتدأ، خبره اسم الإشارة.
وقرأ طلحة: بتخفيف الأول وتثقيل الثاني.
قال أبو الفضل: معناه: أهذا الذي هو جند لكم، أم الذي يرزقكم. و «يَنْصُركُمْ» صفة لجند.
فصل في لفظ جند
قال ابن عباس: «جُندٌ لَكُمْ» أي: حزب ومنعه لكم ﴿يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ الرحمن﴾ ، فيدفع عنكم ما أراد بكم إن عصيتموه. ولفظ الجند يوحد، ولهذا قال: هذا الذي هو جند لكم، وهو استفهام إنكاري، أي لا جند لكم يدفع عذاب الله من دون الرحمن، أي: من سوى الرحمن ﴿إِنِ الكافرون إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من الشيطان يغرهم بأن لا عذاب، ولا حساب.
قال بعض المفسرين: كان الكفار يمتنعون عن الإيمان، ويعاندون الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - معتمدين على شيئين:
أحدهما: قوتهم بعددهم ومالهم.
والثاني: اعتقادهم أن الأوثان توصل إليهم جميع الخيرات، وتدفع عنهم جميع الآفات فأبطل الله عليهم الأول بقوله ﴿أَمَّنْ هذا الذي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ﴾ الآية، ورد عليهم الثاني بقوله: ﴿أَمَّنْ هذا الذي يَرْزُقُكُمْ﴾ الآية.
قوله ﴿إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ شرط، جوابه محذوف للدلالة عليه، أي: أفمن يرزقكم غيره.
وقدّر الزمخشريٌّ شرطاً بعد قوله: ﴿أَمَّنْ هذا الذي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ﴾ تقديره: «إن أرسل عليكم عذابه» ولا حاجة له صناعة.
فصل في معنى الآية
المعنى ﴿أَمَّنْ هذا الذي يَرْزُقُكُم﴾ أي: يعطيكم منافع الدنيا.
وقيل: من آلهتكم «إنْ أمسَكَ» يعني الله تعالى رزقه وهذا مما لا ينكره ذو عقل، وهو أنه تعالى إن أمسك أسباب الرزق كالمطر، والنبات وغيرهما لما وجد رازق سواه فعند وضوح هذا الأمر قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ﴾ ، أي: تمادوا وأصروا «فِي عُتُوٍّ» طغيان «ونُفورٍ» عن الحق، أو تباعد أو إعراض عن الحق.
قوله: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً على وَجْهِهِ أهدى﴾ . «مُكِبًّا» حال من فاعل «يمشي» .
قال الواحديُّ: «أكب» ، مطاوع كبه، يقال: كببته فأكب.
قال الزمخشريُّ: هو من الغرائب والشواذ، ونحوه قشعت الريح السحاب فأقشع، وما هو كذلك ولا شيء من بناء «أفعل» مطاوع، بل قولك: أكب، من باب «أنفض، وألأم» ومعناه: دخل في الكب، وصار ذا كب وكذلك أقشع السحاب دخل في القشع.
ومطاوع «كب، وقشع» انكب وانقشع.
قال أبو حيان: «ومُكِباً» حال من «أكب» وهو لا يتعدى، و «كب» متعد، قال تعالى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار﴾ [النمل: 90] والهمزة فيه للدخول في الشيء، أو للصيرورة، ومطاوع كب انكب، تقول: كببته فانكب. قال الزمخشريُّ: «ولا شيء من بناء» أفعل «مطاوعاً ولا يتقن نحو هذا إلا حملة كتاب سيبويه» انتهى.
وهذا الرجل يتبجح بكتاب سيبويه، وكم من نص في كتاب سيبويه عمي بصره وبصيرته عنه حتى إن الإمام أبا الحجاج يوسف بن معزوز صنف كتاباً يذكر فيه ما غلط الزمخشري فيه، وما جهله من كتاب سيبويه. انتهى.
قال شهاب الدين: انظر إلى هذا الرجل كيف أخذ كلام الزمخشري الذي أسلفته عنه طرز به عبارته حرفاً بحرف ثم أخذ ينحي عليه بإساءة الأدب جزاء ما لقنه تلك الكلمات الرائقة، وجعل يقول: إن مطاوع «كَبَّ» «انكب» لا «أكب» وأن الهمزة للصيرورة، أو للدخول في الشيء، وبالله لو بقي دهره غير ملقن إياها لما قالها أبداً، ثم أخذ يذكر عن إنسان مع أبي القاسم كالسُّها مع القمر أنه غلطه في نصوص من كتاب سيبويه، والله أعلم بصحتها: [الوافر]
4804 - وكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلاً صَحِيحاً ... وآفتُهُ من الفَهْمِ السَّقيم
وعلى تقدير التسليم، فالفاضل من عدت سقطاته.
قال القرطبيُّ: يقال: أكب الرجل على وجهه فيما لا يتعدى بالألف، فإذا تعدى قيل: كبه الله على وجهه بغير ألف، وقوله: «أفَمنْ يَمْشي» هو المعادل ل ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً﴾ .
وقال أبو البقاء: «وأهْدَى» خبر «مَنْ يَمِشِي» وخبر «من» الثانية محذوف.
يعني أن الأصل: أم من يمشي سوياً أهدى، ولا حاجة إلى ذلك؛ لأن قولك: أزيد قائم، أم عمرو لا يحتاج فيه من حيث الصناعة إلى حذف الخبر، نقول: هو معطوف على «زيد» عطف المفردات، ووحد الخبر لأن «أمْ» لأحد الشيئين.
فصل
قال المفسرون: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً﴾ منكساً رأسه لا ينظر أمامه، ولا يمينه، ولا شماله، فهو لا يأمن من العثور والانكباب على وجهه ﴿كَمنْ يَمْشي سويّاً﴾ مُعتدِلاً ناظراً ما بين يديه، وعن يمينه وعن شماله.
قال ابن عباسٍ: هذا في الدنيا، ويجوز أن يريد به الأعمى الذي لا يهتدي إلى طريق، فلا يزال ينكسه على وجهه، وأنه ليس كالرجل السوي الصحيح البصير الماشي في الطريق المهتدي له.
قال قتادةُ: هو الكافر أكب على معاصي الله في الدنيا، يحشره الله يوم القيامة على وجهه.
وقال ابن عباس والكلبيُّ: عنى بالذي يمشي على وجهه أبا جهل، وبالذي يمشي سوياً رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: أبو بكر.
وقيل: حمزة.
وقيل: عمار بن ياسر.
قال عكرمة: وقيل: هو عام في الكافر والمؤمن، أي: إن الكافر لا يدري أعلى حق هو، أم على باطل، أي: هذا الكافر أهدى، أم المسلم الذي يمشي سوياً معتدلاً يبصر الطريق، وهو على صراطٍ مستقيمٍ وهو الإسلام.
قوله ﴿قُلْ هُوَ الذي أَنشَأَكُمْ﴾ . أمر نبيه أن يعرفهم قبح شركهم مع اعترافهم أن الله خلقهم ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة﴾ يعني القلوب.
قوله «قَلِيلاً» . نعت مصدر محذوف، أو حال من ضمير المصدر كما هو رأي سيبويه و «ما» مزيدة أي: تشكرون قليلاً، والجملة من «تَشْكُرون» إما مستأنفة، وهو الظاهر، وإما حال مقدرة؛ لأنهم حال الجعل غير شاكرين.
الملك 67:21
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾ .
لما ذكر ما تقدم من الوعيد ذكر البرهان على كمال قدرته، وعلى إيصال جميع أنواع العذاب إليهم، ومعناه كما ذلل الأرض للآدمي ذلل الهواء للطيور، وصافاتٍ: أي: باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانهن.
قال شهاب الدين: «صافَّاتٍ» يجوز أن يكون حالاً من «الطَّير» ، وأن يكون حالاً من «فَوقَهُمْ» إذا جعلناه حالاً، فتكون متداخلة، و «فَوقَهُمْ» ظرف ل «صافَّاتٍ» أو ل «يَرَوا» .
قوله: «ويَقْبِضْنَ» عطف الفعل على الاسم؛ لأنه بمعناه، أي: وقابضات، فالفعل هنا مؤول بالاسم عكس قوله: ﴿إِنَّ المصدقين والمصدقات وَأَقْرَضُواْ﴾ [الحديد: 18] فإن الاسم هناك مؤول بالفعل وقد تقدم الاعتراض على ذلك.
وقول أبي البقاء: معطوف على اسم الفاعل حملاً على المعنى، أي: يصففن ويقبضن، أي «صافَّاتٍ وقَابضاتٍ» لا حاجة إلى تقديره: يصففن ويقبضن؛ لأن الموضع للاسم فلا نؤوله بالفعل.
قال أبو حيان: «وعطف الفعل على الاسم لما كان في معناه، ومثله قوله تعالى: ﴿فالمغيرات صُبْحاً فَأَثَرْنَ﴾ [العاديات: 3 - 4] ، ومثل هذا العطف فصيحٌ وكذا عكسه إلاَّ عند السُّهيلي؛ فإنه قبيح؛ نحو قوله: [الرجز]
4802 - بَاتَ يُغشِّيهَا بعَضْبٍ بَاتِر ... يَقْصِدُ فِي أسْوُقِهَا وجَائرِ
أي: قاصد في أسواقها وجائر» .
وكذا قال القرطبيُّ: هو معطوف على «صافَّاتٍ» عطف المضارع على اسم الفاعل كما عطف اسم الفاعل على المضارع في قول الشاعر: «بَاتَ يُغشِّيها» البيت.
قال شهاب الدين: هو مثله في عطف الفعل على اسم الفاعل إلا أن الاسم فيه مؤولٌ بالفعل عكس هذه الآية، ومفعول «يقبِضنَ» محذوف، أي: ويقبضن أجنحتهن.
قاله أبو البقاء، ولم يقدر ل «صَافَّاتٍ» مفعولاً كأنه زعم أن الاصطفاف في أنفسها، والظاهر أن المعنى: صافات أجنحتها وقابضات، فالصف والقبض منها لأجنحتها.
ولذلك قال الزمخشري: «صافَّاتٍ» باسطات أجنحتهن، ثم قال: فإن قلت: لم قال: ويقبضن، ولم يقل: «قابضات» ؟ .
قلت: لأن الطيران هو صف الأجنحة؛ لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها، وأما القبض فطارىء على البسط للاستظهار به على التحرك، فجيء بما هو طارىء غير أصل بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات، يكون منهن القبض تارة بعد تارة كما يكون من السابح.
قوله «مَا يُمسِكُهُنَّ» . يجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة، وأن تكون حالاً من الضمير في «يَقْبِضنَ» قاله أبو البقاء. والأول أظهر.
وقرأ الزهريُّ: بتشديد السِّين.
فصل في معنى: يقبضن
قوله: «ويَقْبِضْنَ» .
أي: يضربن بها لجنوبهن.
قال أبو جعفر النحاس: يقال للطائر إذا بسط جناحية: صاف، وإذا ضمها فأصاب جنبه قابض، لأنه يقبضهما.
قال أبو خراش الشاعر: [الطويل]
4803 - يُبَادِرُ جُنْحَ اللَّيْلِ فهو مُوائِلٌ ... يَحُثُّ الجَناحَ بالتَّبسُّطِ والقبْضِ
وقيل: ويقبضن أجنحتهن بعد بسطها إذا وقفن من الطيران.
وقوله «ما يُمسِكُهنَّ» أي: ما يمسك الطير في الجو وهي تطير إلا الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ .
قال ابن الخطيب: وفيه وجهان:
الأول: المراد من «البصير» كونه عالماً بالأشياء الدقيقة، كما يقال: فلان له بصر في هذا الأمر، أي: حذق.
والثاني: أن يجري اللفظ على ظاهره، فتقول: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ فيكون رائياً لنفسه، ولجميع الموجودات وهذا الذي يقوله أصحابنا: إنه تعالى شيء يصح أن يكون مرئياً، وأن كل الموجودات كذلك، فإن قيل: البصير إذا عدي بالباء يكون بمعنى العالم، يقال: فلان بصير بكذا إذا كان عالماً قلنا: لا نسلم، فإنه يقال: إن الله سميع بالمسموعات بصير بالمبصرات.
فصل
في قوله تعالى ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمن﴾ دليل على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله تعالى، لأن استمساك الطير في الهواء فعل اختياري له، وقد نسبه للرحمن.
قوله: ﴿أَمَّنْ هذا الذي﴾ .
قرأ العامة: بتشديد الميم على إدغام ميم «أمْ» في ميم «مَنْ» و «أمْ» بمعنى «بَلْ» لأن بعدها اسم استفهام، وهو مبتدأ، خبره اسم الإشارة.
وقرأ طلحة: بتخفيف الأول وتثقيل الثاني.
قال أبو الفضل: معناه: أهذا الذي هو جند لكم، أم الذي يرزقكم. و «يَنْصُركُمْ» صفة لجند.
فصل في لفظ جند
قال ابن عباس: «جُندٌ لَكُمْ» أي: حزب ومنعه لكم ﴿يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ الرحمن﴾ ، فيدفع عنكم ما أراد بكم إن عصيتموه. ولفظ الجند يوحد، ولهذا قال: هذا الذي هو جند لكم، وهو استفهام إنكاري، أي لا جند لكم يدفع عذاب الله من دون الرحمن، أي: من سوى الرحمن ﴿إِنِ الكافرون إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من الشيطان يغرهم بأن لا عذاب، ولا حساب.
قال بعض المفسرين: كان الكفار يمتنعون عن الإيمان، ويعاندون الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - معتمدين على شيئين:
أحدهما: قوتهم بعددهم ومالهم.
والثاني: اعتقادهم أن الأوثان توصل إليهم جميع الخيرات، وتدفع عنهم جميع الآفات فأبطل الله عليهم الأول بقوله ﴿أَمَّنْ هذا الذي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ﴾ الآية، ورد عليهم الثاني بقوله: ﴿أَمَّنْ هذا الذي يَرْزُقُكُمْ﴾ الآية.
قوله ﴿إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ شرط، جوابه محذوف للدلالة عليه، أي: أفمن يرزقكم غيره.
وقدّر الزمخشريٌّ شرطاً بعد قوله: ﴿أَمَّنْ هذا الذي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ﴾ تقديره: «إن أرسل عليكم عذابه» ولا حاجة له صناعة.
فصل في معنى الآية
المعنى ﴿أَمَّنْ هذا الذي يَرْزُقُكُم﴾ أي: يعطيكم منافع الدنيا.
وقيل: من آلهتكم «إنْ أمسَكَ» يعني الله تعالى رزقه وهذا مما لا ينكره ذو عقل، وهو أنه تعالى إن أمسك أسباب الرزق كالمطر، والنبات وغيرهما لما وجد رازق سواه فعند وضوح هذا الأمر قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ﴾ ، أي: تمادوا وأصروا «فِي عُتُوٍّ» طغيان «ونُفورٍ» عن الحق، أو تباعد أو إعراض عن الحق.
قوله: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً على وَجْهِهِ أهدى﴾ . «مُكِبًّا» حال من فاعل «يمشي» .
قال الواحديُّ: «أكب» ، مطاوع كبه، يقال: كببته فأكب.
قال الزمخشريُّ: هو من الغرائب والشواذ، ونحوه قشعت الريح السحاب فأقشع، وما هو كذلك ولا شيء من بناء «أفعل» مطاوع، بل قولك: أكب، من باب «أنفض، وألأم» ومعناه: دخل في الكب، وصار ذا كب وكذلك أقشع السحاب دخل في القشع.
ومطاوع «كب، وقشع» انكب وانقشع.
قال أبو حيان: «ومُكِباً» حال من «أكب» وهو لا يتعدى، و «كب» متعد، قال تعالى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار﴾ [النمل: 90] والهمزة فيه للدخول في الشيء، أو للصيرورة، ومطاوع كب انكب، تقول: كببته فانكب. قال الزمخشريُّ: «ولا شيء من بناء» أفعل «مطاوعاً ولا يتقن نحو هذا إلا حملة كتاب سيبويه» انتهى.
وهذا الرجل يتبجح بكتاب سيبويه، وكم من نص في كتاب سيبويه عمي بصره وبصيرته عنه حتى إن الإمام أبا الحجاج يوسف بن معزوز صنف كتاباً يذكر فيه ما غلط الزمخشري فيه، وما جهله من كتاب سيبويه. انتهى.
قال شهاب الدين: انظر إلى هذا الرجل كيف أخذ كلام الزمخشري الذي أسلفته عنه طرز به عبارته حرفاً بحرف ثم أخذ ينحي عليه بإساءة الأدب جزاء ما لقنه تلك الكلمات الرائقة، وجعل يقول: إن مطاوع «كَبَّ» «انكب» لا «أكب» وأن الهمزة للصيرورة، أو للدخول في الشيء، وبالله لو بقي دهره غير ملقن إياها لما قالها أبداً، ثم أخذ يذكر عن إنسان مع أبي القاسم كالسُّها مع القمر أنه غلطه في نصوص من كتاب سيبويه، والله أعلم بصحتها: [الوافر]
4804 - وكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلاً صَحِيحاً ... وآفتُهُ من الفَهْمِ السَّقيم
وعلى تقدير التسليم، فالفاضل من عدت سقطاته.
قال القرطبيُّ: يقال: أكب الرجل على وجهه فيما لا يتعدى بالألف، فإذا تعدى قيل: كبه الله على وجهه بغير ألف، وقوله: «أفَمنْ يَمْشي» هو المعادل ل ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً﴾ .
وقال أبو البقاء: «وأهْدَى» خبر «مَنْ يَمِشِي» وخبر «من» الثانية محذوف.
يعني أن الأصل: أم من يمشي سوياً أهدى، ولا حاجة إلى ذلك؛ لأن قولك: أزيد قائم، أم عمرو لا يحتاج فيه من حيث الصناعة إلى حذف الخبر، نقول: هو معطوف على «زيد» عطف المفردات، ووحد الخبر لأن «أمْ» لأحد الشيئين.
فصل
قال المفسرون: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً﴾ منكساً رأسه لا ينظر أمامه، ولا يمينه، ولا شماله، فهو لا يأمن من العثور والانكباب على وجهه ﴿كَمنْ يَمْشي سويّاً﴾ مُعتدِلاً ناظراً ما بين يديه، وعن يمينه وعن شماله.
قال ابن عباسٍ: هذا في الدنيا، ويجوز أن يريد به الأعمى الذي لا يهتدي إلى طريق، فلا يزال ينكسه على وجهه، وأنه ليس كالرجل السوي الصحيح البصير الماشي في الطريق المهتدي له.
قال قتادةُ: هو الكافر أكب على معاصي الله في الدنيا، يحشره الله يوم القيامة على وجهه.
وقال ابن عباس والكلبيُّ: عنى بالذي يمشي على وجهه أبا جهل، وبالذي يمشي سوياً رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: أبو بكر.
وقيل: حمزة.
وقيل: عمار بن ياسر.
قال عكرمة: وقيل: هو عام في الكافر والمؤمن، أي: إن الكافر لا يدري أعلى حق هو، أم على باطل، أي: هذا الكافر أهدى، أم المسلم الذي يمشي سوياً معتدلاً يبصر الطريق، وهو على صراطٍ مستقيمٍ وهو الإسلام.
قوله ﴿قُلْ هُوَ الذي أَنشَأَكُمْ﴾ . أمر نبيه أن يعرفهم قبح شركهم مع اعترافهم أن الله خلقهم ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة﴾ يعني القلوب.
قوله «قَلِيلاً» . نعت مصدر محذوف، أو حال من ضمير المصدر كما هو رأي سيبويه و «ما» مزيدة أي: تشكرون قليلاً، والجملة من «تَشْكُرون» إما مستأنفة، وهو الظاهر، وإما حال مقدرة؛ لأنهم حال الجعل غير شاكرين.
الملك 67:22
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾ .
لما ذكر ما تقدم من الوعيد ذكر البرهان على كمال قدرته، وعلى إيصال جميع أنواع العذاب إليهم، ومعناه كما ذلل الأرض للآدمي ذلل الهواء للطيور، وصافاتٍ: أي: باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانهن.
قال شهاب الدين: «صافَّاتٍ» يجوز أن يكون حالاً من «الطَّير» ، وأن يكون حالاً من «فَوقَهُمْ» إذا جعلناه حالاً، فتكون متداخلة، و «فَوقَهُمْ» ظرف ل «صافَّاتٍ» أو ل «يَرَوا» .
قوله: «ويَقْبِضْنَ» عطف الفعل على الاسم؛ لأنه بمعناه، أي: وقابضات، فالفعل هنا مؤول بالاسم عكس قوله: ﴿إِنَّ المصدقين والمصدقات وَأَقْرَضُواْ﴾ [الحديد: 18] فإن الاسم هناك مؤول بالفعل وقد تقدم الاعتراض على ذلك.
وقول أبي البقاء: معطوف على اسم الفاعل حملاً على المعنى، أي: يصففن ويقبضن، أي «صافَّاتٍ وقَابضاتٍ» لا حاجة إلى تقديره: يصففن ويقبضن؛ لأن الموضع للاسم فلا نؤوله بالفعل.
قال أبو حيان: «وعطف الفعل على الاسم لما كان في معناه، ومثله قوله تعالى: ﴿فالمغيرات صُبْحاً فَأَثَرْنَ﴾ [العاديات: 3 - 4] ، ومثل هذا العطف فصيحٌ وكذا عكسه إلاَّ عند السُّهيلي؛ فإنه قبيح؛ نحو قوله: [الرجز]
4802 - بَاتَ يُغشِّيهَا بعَضْبٍ بَاتِر ... يَقْصِدُ فِي أسْوُقِهَا وجَائرِ
أي: قاصد في أسواقها وجائر» .
وكذا قال القرطبيُّ: هو معطوف على «صافَّاتٍ» عطف المضارع على اسم الفاعل كما عطف اسم الفاعل على المضارع في قول الشاعر: «بَاتَ يُغشِّيها» البيت.
قال شهاب الدين: هو مثله في عطف الفعل على اسم الفاعل إلا أن الاسم فيه مؤولٌ بالفعل عكس هذه الآية، ومفعول «يقبِضنَ» محذوف، أي: ويقبضن أجنحتهن.
قاله أبو البقاء، ولم يقدر ل «صَافَّاتٍ» مفعولاً كأنه زعم أن الاصطفاف في أنفسها، والظاهر أن المعنى: صافات أجنحتها وقابضات، فالصف والقبض منها لأجنحتها.
ولذلك قال الزمخشري: «صافَّاتٍ» باسطات أجنحتهن، ثم قال: فإن قلت: لم قال: ويقبضن، ولم يقل: «قابضات» ؟ .
قلت: لأن الطيران هو صف الأجنحة؛ لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها، وأما القبض فطارىء على البسط للاستظهار به على التحرك، فجيء بما هو طارىء غير أصل بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات، يكون منهن القبض تارة بعد تارة كما يكون من السابح.
قوله «مَا يُمسِكُهُنَّ» . يجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة، وأن تكون حالاً من الضمير في «يَقْبِضنَ» قاله أبو البقاء. والأول أظهر.
وقرأ الزهريُّ: بتشديد السِّين.
فصل في معنى: يقبضن
قوله: «ويَقْبِضْنَ» .
أي: يضربن بها لجنوبهن.
قال أبو جعفر النحاس: يقال للطائر إذا بسط جناحية: صاف، وإذا ضمها فأصاب جنبه قابض، لأنه يقبضهما.
قال أبو خراش الشاعر: [الطويل]
4803 - يُبَادِرُ جُنْحَ اللَّيْلِ فهو مُوائِلٌ ... يَحُثُّ الجَناحَ بالتَّبسُّطِ والقبْضِ
وقيل: ويقبضن أجنحتهن بعد بسطها إذا وقفن من الطيران.
وقوله «ما يُمسِكُهنَّ» أي: ما يمسك الطير في الجو وهي تطير إلا الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ .
قال ابن الخطيب: وفيه وجهان:
الأول: المراد من «البصير» كونه عالماً بالأشياء الدقيقة، كما يقال: فلان له بصر في هذا الأمر، أي: حذق.
والثاني: أن يجري اللفظ على ظاهره، فتقول: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ فيكون رائياً لنفسه، ولجميع الموجودات وهذا الذي يقوله أصحابنا: إنه تعالى شيء يصح أن يكون مرئياً، وأن كل الموجودات كذلك، فإن قيل: البصير إذا عدي بالباء يكون بمعنى العالم، يقال: فلان بصير بكذا إذا كان عالماً قلنا: لا نسلم، فإنه يقال: إن الله سميع بالمسموعات بصير بالمبصرات.
فصل
في قوله تعالى ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمن﴾ دليل على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله تعالى، لأن استمساك الطير في الهواء فعل اختياري له، وقد نسبه للرحمن.
قوله: ﴿أَمَّنْ هذا الذي﴾ .
قرأ العامة: بتشديد الميم على إدغام ميم «أمْ» في ميم «مَنْ» و «أمْ» بمعنى «بَلْ» لأن بعدها اسم استفهام، وهو مبتدأ، خبره اسم الإشارة.
وقرأ طلحة: بتخفيف الأول وتثقيل الثاني.
قال أبو الفضل: معناه: أهذا الذي هو جند لكم، أم الذي يرزقكم. و «يَنْصُركُمْ» صفة لجند.
فصل في لفظ جند
قال ابن عباس: «جُندٌ لَكُمْ» أي: حزب ومنعه لكم ﴿يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ الرحمن﴾ ، فيدفع عنكم ما أراد بكم إن عصيتموه. ولفظ الجند يوحد، ولهذا قال: هذا الذي هو جند لكم، وهو استفهام إنكاري، أي لا جند لكم يدفع عذاب الله من دون الرحمن، أي: من سوى الرحمن ﴿إِنِ الكافرون إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من الشيطان يغرهم بأن لا عذاب، ولا حساب.
قال بعض المفسرين: كان الكفار يمتنعون عن الإيمان، ويعاندون الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - معتمدين على شيئين:
أحدهما: قوتهم بعددهم ومالهم.
والثاني: اعتقادهم أن الأوثان توصل إليهم جميع الخيرات، وتدفع عنهم جميع الآفات فأبطل الله عليهم الأول بقوله ﴿أَمَّنْ هذا الذي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ﴾ الآية، ورد عليهم الثاني بقوله: ﴿أَمَّنْ هذا الذي يَرْزُقُكُمْ﴾ الآية.
قوله ﴿إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ شرط، جوابه محذوف للدلالة عليه، أي: أفمن يرزقكم غيره.
وقدّر الزمخشريٌّ شرطاً بعد قوله: ﴿أَمَّنْ هذا الذي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ﴾ تقديره: «إن أرسل عليكم عذابه» ولا حاجة له صناعة.
فصل في معنى الآية
المعنى ﴿أَمَّنْ هذا الذي يَرْزُقُكُم﴾ أي: يعطيكم منافع الدنيا.
وقيل: من آلهتكم «إنْ أمسَكَ» يعني الله تعالى رزقه وهذا مما لا ينكره ذو عقل، وهو أنه تعالى إن أمسك أسباب الرزق كالمطر، والنبات وغيرهما لما وجد رازق سواه فعند وضوح هذا الأمر قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ﴾ ، أي: تمادوا وأصروا «فِي عُتُوٍّ» طغيان «ونُفورٍ» عن الحق، أو تباعد أو إعراض عن الحق.
قوله: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً على وَجْهِهِ أهدى﴾ . «مُكِبًّا» حال من فاعل «يمشي» .
قال الواحديُّ: «أكب» ، مطاوع كبه، يقال: كببته فأكب.
قال الزمخشريُّ: هو من الغرائب والشواذ، ونحوه قشعت الريح السحاب فأقشع، وما هو كذلك ولا شيء من بناء «أفعل» مطاوع، بل قولك: أكب، من باب «أنفض، وألأم» ومعناه: دخل في الكب، وصار ذا كب وكذلك أقشع السحاب دخل في القشع.
ومطاوع «كب، وقشع» انكب وانقشع.
قال أبو حيان: «ومُكِباً» حال من «أكب» وهو لا يتعدى، و «كب» متعد، قال تعالى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار﴾ [النمل: 90] والهمزة فيه للدخول في الشيء، أو للصيرورة، ومطاوع كب انكب، تقول: كببته فانكب. قال الزمخشريُّ: «ولا شيء من بناء» أفعل «مطاوعاً ولا يتقن نحو هذا إلا حملة كتاب سيبويه» انتهى.
وهذا الرجل يتبجح بكتاب سيبويه، وكم من نص في كتاب سيبويه عمي بصره وبصيرته عنه حتى إن الإمام أبا الحجاج يوسف بن معزوز صنف كتاباً يذكر فيه ما غلط الزمخشري فيه، وما جهله من كتاب سيبويه. انتهى.
قال شهاب الدين: انظر إلى هذا الرجل كيف أخذ كلام الزمخشري الذي أسلفته عنه طرز به عبارته حرفاً بحرف ثم أخذ ينحي عليه بإساءة الأدب جزاء ما لقنه تلك الكلمات الرائقة، وجعل يقول: إن مطاوع «كَبَّ» «انكب» لا «أكب» وأن الهمزة للصيرورة، أو للدخول في الشيء، وبالله لو بقي دهره غير ملقن إياها لما قالها أبداً، ثم أخذ يذكر عن إنسان مع أبي القاسم كالسُّها مع القمر أنه غلطه في نصوص من كتاب سيبويه، والله أعلم بصحتها: [الوافر]
4804 - وكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلاً صَحِيحاً ... وآفتُهُ من الفَهْمِ السَّقيم
وعلى تقدير التسليم، فالفاضل من عدت سقطاته.
قال القرطبيُّ: يقال: أكب الرجل على وجهه فيما لا يتعدى بالألف، فإذا تعدى قيل: كبه الله على وجهه بغير ألف، وقوله: «أفَمنْ يَمْشي» هو المعادل ل ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً﴾ .
وقال أبو البقاء: «وأهْدَى» خبر «مَنْ يَمِشِي» وخبر «من» الثانية محذوف.
يعني أن الأصل: أم من يمشي سوياً أهدى، ولا حاجة إلى ذلك؛ لأن قولك: أزيد قائم، أم عمرو لا يحتاج فيه من حيث الصناعة إلى حذف الخبر، نقول: هو معطوف على «زيد» عطف المفردات، ووحد الخبر لأن «أمْ» لأحد الشيئين.
فصل
قال المفسرون: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً﴾ منكساً رأسه لا ينظر أمامه، ولا يمينه، ولا شماله، فهو لا يأمن من العثور والانكباب على وجهه ﴿كَمنْ يَمْشي سويّاً﴾ مُعتدِلاً ناظراً ما بين يديه، وعن يمينه وعن شماله.
قال ابن عباسٍ: هذا في الدنيا، ويجوز أن يريد به الأعمى الذي لا يهتدي إلى طريق، فلا يزال ينكسه على وجهه، وأنه ليس كالرجل السوي الصحيح البصير الماشي في الطريق المهتدي له.
قال قتادةُ: هو الكافر أكب على معاصي الله في الدنيا، يحشره الله يوم القيامة على وجهه.
وقال ابن عباس والكلبيُّ: عنى بالذي يمشي على وجهه أبا جهل، وبالذي يمشي سوياً رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: أبو بكر.
وقيل: حمزة.
وقيل: عمار بن ياسر.
قال عكرمة: وقيل: هو عام في الكافر والمؤمن، أي: إن الكافر لا يدري أعلى حق هو، أم على باطل، أي: هذا الكافر أهدى، أم المسلم الذي يمشي سوياً معتدلاً يبصر الطريق، وهو على صراطٍ مستقيمٍ وهو الإسلام.
قوله ﴿قُلْ هُوَ الذي أَنشَأَكُمْ﴾ . أمر نبيه أن يعرفهم قبح شركهم مع اعترافهم أن الله خلقهم ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة﴾ يعني القلوب.
قوله «قَلِيلاً» . نعت مصدر محذوف، أو حال من ضمير المصدر كما هو رأي سيبويه و «ما» مزيدة أي: تشكرون قليلاً، والجملة من «تَشْكُرون» إما مستأنفة، وهو الظاهر، وإما حال مقدرة؛ لأنهم حال الجعل غير شاكرين.
الملك 67:23
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾ .
لما ذكر ما تقدم من الوعيد ذكر البرهان على كمال قدرته، وعلى إيصال جميع أنواع العذاب إليهم، ومعناه كما ذلل الأرض للآدمي ذلل الهواء للطيور، وصافاتٍ: أي: باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانهن.
قال شهاب الدين: «صافَّاتٍ» يجوز أن يكون حالاً من «الطَّير» ، وأن يكون حالاً من «فَوقَهُمْ» إذا جعلناه حالاً، فتكون متداخلة، و «فَوقَهُمْ» ظرف ل «صافَّاتٍ» أو ل «يَرَوا» .
قوله: «ويَقْبِضْنَ» عطف الفعل على الاسم؛ لأنه بمعناه، أي: وقابضات، فالفعل هنا مؤول بالاسم عكس قوله: ﴿إِنَّ المصدقين والمصدقات وَأَقْرَضُواْ﴾ [الحديد: 18] فإن الاسم هناك مؤول بالفعل وقد تقدم الاعتراض على ذلك.
وقول أبي البقاء: معطوف على اسم الفاعل حملاً على المعنى، أي: يصففن ويقبضن، أي «صافَّاتٍ وقَابضاتٍ» لا حاجة إلى تقديره: يصففن ويقبضن؛ لأن الموضع للاسم فلا نؤوله بالفعل.
قال أبو حيان: «وعطف الفعل على الاسم لما كان في معناه، ومثله قوله تعالى: ﴿فالمغيرات صُبْحاً فَأَثَرْنَ﴾ [العاديات: 3 - 4] ، ومثل هذا العطف فصيحٌ وكذا عكسه إلاَّ عند السُّهيلي؛ فإنه قبيح؛ نحو قوله: [الرجز]
4802 - بَاتَ يُغشِّيهَا بعَضْبٍ بَاتِر ... يَقْصِدُ فِي أسْوُقِهَا وجَائرِ
أي: قاصد في أسواقها وجائر» .
وكذا قال القرطبيُّ: هو معطوف على «صافَّاتٍ» عطف المضارع على اسم الفاعل كما عطف اسم الفاعل على المضارع في قول الشاعر: «بَاتَ يُغشِّيها» البيت.
قال شهاب الدين: هو مثله في عطف الفعل على اسم الفاعل إلا أن الاسم فيه مؤولٌ بالفعل عكس هذه الآية، ومفعول «يقبِضنَ» محذوف، أي: ويقبضن أجنحتهن.
قاله أبو البقاء، ولم يقدر ل «صَافَّاتٍ» مفعولاً كأنه زعم أن الاصطفاف في أنفسها، والظاهر أن المعنى: صافات أجنحتها وقابضات، فالصف والقبض منها لأجنحتها.
ولذلك قال الزمخشري: «صافَّاتٍ» باسطات أجنحتهن، ثم قال: فإن قلت: لم قال: ويقبضن، ولم يقل: «قابضات» ؟ .
قلت: لأن الطيران هو صف الأجنحة؛ لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها، وأما القبض فطارىء على البسط للاستظهار به على التحرك، فجيء بما هو طارىء غير أصل بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات، يكون منهن القبض تارة بعد تارة كما يكون من السابح.
قوله «مَا يُمسِكُهُنَّ» . يجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة، وأن تكون حالاً من الضمير في «يَقْبِضنَ» قاله أبو البقاء. والأول أظهر.
وقرأ الزهريُّ: بتشديد السِّين.
فصل في معنى: يقبضن
قوله: «ويَقْبِضْنَ» .
أي: يضربن بها لجنوبهن.
قال أبو جعفر النحاس: يقال للطائر إذا بسط جناحية: صاف، وإذا ضمها فأصاب جنبه قابض، لأنه يقبضهما.
قال أبو خراش الشاعر: [الطويل]
4803 - يُبَادِرُ جُنْحَ اللَّيْلِ فهو مُوائِلٌ ... يَحُثُّ الجَناحَ بالتَّبسُّطِ والقبْضِ
وقيل: ويقبضن أجنحتهن بعد بسطها إذا وقفن من الطيران.
وقوله «ما يُمسِكُهنَّ» أي: ما يمسك الطير في الجو وهي تطير إلا الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ .
قال ابن الخطيب: وفيه وجهان:
الأول: المراد من «البصير» كونه عالماً بالأشياء الدقيقة، كما يقال: فلان له بصر في هذا الأمر، أي: حذق.
والثاني: أن يجري اللفظ على ظاهره، فتقول: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ فيكون رائياً لنفسه، ولجميع الموجودات وهذا الذي يقوله أصحابنا: إنه تعالى شيء يصح أن يكون مرئياً، وأن كل الموجودات كذلك، فإن قيل: البصير إذا عدي بالباء يكون بمعنى العالم، يقال: فلان بصير بكذا إذا كان عالماً قلنا: لا نسلم، فإنه يقال: إن الله سميع بالمسموعات بصير بالمبصرات.
فصل
في قوله تعالى ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمن﴾ دليل على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله تعالى، لأن استمساك الطير في الهواء فعل اختياري له، وقد نسبه للرحمن.
قوله: ﴿أَمَّنْ هذا الذي﴾ .
قرأ العامة: بتشديد الميم على إدغام ميم «أمْ» في ميم «مَنْ» و «أمْ» بمعنى «بَلْ» لأن بعدها اسم استفهام، وهو مبتدأ، خبره اسم الإشارة.
وقرأ طلحة: بتخفيف الأول وتثقيل الثاني.
قال أبو الفضل: معناه: أهذا الذي هو جند لكم، أم الذي يرزقكم. و «يَنْصُركُمْ» صفة لجند.
فصل في لفظ جند
قال ابن عباس: «جُندٌ لَكُمْ» أي: حزب ومنعه لكم ﴿يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ الرحمن﴾ ، فيدفع عنكم ما أراد بكم إن عصيتموه. ولفظ الجند يوحد، ولهذا قال: هذا الذي هو جند لكم، وهو استفهام إنكاري، أي لا جند لكم يدفع عذاب الله من دون الرحمن، أي: من سوى الرحمن ﴿إِنِ الكافرون إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من الشيطان يغرهم بأن لا عذاب، ولا حساب.
قال بعض المفسرين: كان الكفار يمتنعون عن الإيمان، ويعاندون الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - معتمدين على شيئين:
أحدهما: قوتهم بعددهم ومالهم.
والثاني: اعتقادهم أن الأوثان توصل إليهم جميع الخيرات، وتدفع عنهم جميع الآفات فأبطل الله عليهم الأول بقوله ﴿أَمَّنْ هذا الذي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ﴾ الآية، ورد عليهم الثاني بقوله: ﴿أَمَّنْ هذا الذي يَرْزُقُكُمْ﴾ الآية.
قوله ﴿إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ شرط، جوابه محذوف للدلالة عليه، أي: أفمن يرزقكم غيره.
وقدّر الزمخشريٌّ شرطاً بعد قوله: ﴿أَمَّنْ هذا الذي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ﴾ تقديره: «إن أرسل عليكم عذابه» ولا حاجة له صناعة.
فصل في معنى الآية
المعنى ﴿أَمَّنْ هذا الذي يَرْزُقُكُم﴾ أي: يعطيكم منافع الدنيا.
وقيل: من آلهتكم «إنْ أمسَكَ» يعني الله تعالى رزقه وهذا مما لا ينكره ذو عقل، وهو أنه تعالى إن أمسك أسباب الرزق كالمطر، والنبات وغيرهما لما وجد رازق سواه فعند وضوح هذا الأمر قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ﴾ ، أي: تمادوا وأصروا «فِي عُتُوٍّ» طغيان «ونُفورٍ» عن الحق، أو تباعد أو إعراض عن الحق.
قوله: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً على وَجْهِهِ أهدى﴾ . «مُكِبًّا» حال من فاعل «يمشي» .
قال الواحديُّ: «أكب» ، مطاوع كبه، يقال: كببته فأكب.
قال الزمخشريُّ: هو من الغرائب والشواذ، ونحوه قشعت الريح السحاب فأقشع، وما هو كذلك ولا شيء من بناء «أفعل» مطاوع، بل قولك: أكب، من باب «أنفض، وألأم» ومعناه: دخل في الكب، وصار ذا كب وكذلك أقشع السحاب دخل في القشع.
ومطاوع «كب، وقشع» انكب وانقشع.
قال أبو حيان: «ومُكِباً» حال من «أكب» وهو لا يتعدى، و «كب» متعد، قال تعالى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار﴾ [النمل: 90] والهمزة فيه للدخول في الشيء، أو للصيرورة، ومطاوع كب انكب، تقول: كببته فانكب. قال الزمخشريُّ: «ولا شيء من بناء» أفعل «مطاوعاً ولا يتقن نحو هذا إلا حملة كتاب سيبويه» انتهى.
وهذا الرجل يتبجح بكتاب سيبويه، وكم من نص في كتاب سيبويه عمي بصره وبصيرته عنه حتى إن الإمام أبا الحجاج يوسف بن معزوز صنف كتاباً يذكر فيه ما غلط الزمخشري فيه، وما جهله من كتاب سيبويه. انتهى.
قال شهاب الدين: انظر إلى هذا الرجل كيف أخذ كلام الزمخشري الذي أسلفته عنه طرز به عبارته حرفاً بحرف ثم أخذ ينحي عليه بإساءة الأدب جزاء ما لقنه تلك الكلمات الرائقة، وجعل يقول: إن مطاوع «كَبَّ» «انكب» لا «أكب» وأن الهمزة للصيرورة، أو للدخول في الشيء، وبالله لو بقي دهره غير ملقن إياها لما قالها أبداً، ثم أخذ يذكر عن إنسان مع أبي القاسم كالسُّها مع القمر أنه غلطه في نصوص من كتاب سيبويه، والله أعلم بصحتها: [الوافر]
4804 - وكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلاً صَحِيحاً ... وآفتُهُ من الفَهْمِ السَّقيم
وعلى تقدير التسليم، فالفاضل من عدت سقطاته.
قال القرطبيُّ: يقال: أكب الرجل على وجهه فيما لا يتعدى بالألف، فإذا تعدى قيل: كبه الله على وجهه بغير ألف، وقوله: «أفَمنْ يَمْشي» هو المعادل ل ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً﴾ .
وقال أبو البقاء: «وأهْدَى» خبر «مَنْ يَمِشِي» وخبر «من» الثانية محذوف.
يعني أن الأصل: أم من يمشي سوياً أهدى، ولا حاجة إلى ذلك؛ لأن قولك: أزيد قائم، أم عمرو لا يحتاج فيه من حيث الصناعة إلى حذف الخبر، نقول: هو معطوف على «زيد» عطف المفردات، ووحد الخبر لأن «أمْ» لأحد الشيئين.
فصل
قال المفسرون: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً﴾ منكساً رأسه لا ينظر أمامه، ولا يمينه، ولا شماله، فهو لا يأمن من العثور والانكباب على وجهه ﴿كَمنْ يَمْشي سويّاً﴾ مُعتدِلاً ناظراً ما بين يديه، وعن يمينه وعن شماله.
قال ابن عباسٍ: هذا في الدنيا، ويجوز أن يريد به الأعمى الذي لا يهتدي إلى طريق، فلا يزال ينكسه على وجهه، وأنه ليس كالرجل السوي الصحيح البصير الماشي في الطريق المهتدي له.
قال قتادةُ: هو الكافر أكب على معاصي الله في الدنيا، يحشره الله يوم القيامة على وجهه.
وقال ابن عباس والكلبيُّ: عنى بالذي يمشي على وجهه أبا جهل، وبالذي يمشي سوياً رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: أبو بكر.
وقيل: حمزة.
وقيل: عمار بن ياسر.
قال عكرمة: وقيل: هو عام في الكافر والمؤمن، أي: إن الكافر لا يدري أعلى حق هو، أم على باطل، أي: هذا الكافر أهدى، أم المسلم الذي يمشي سوياً معتدلاً يبصر الطريق، وهو على صراطٍ مستقيمٍ وهو الإسلام.
قوله ﴿قُلْ هُوَ الذي أَنشَأَكُمْ﴾ . أمر نبيه أن يعرفهم قبح شركهم مع اعترافهم أن الله خلقهم ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة﴾ يعني القلوب.
قوله «قَلِيلاً» . نعت مصدر محذوف، أو حال من ضمير المصدر كما هو رأي سيبويه و «ما» مزيدة أي: تشكرون قليلاً، والجملة من «تَشْكُرون» إما مستأنفة، وهو الظاهر، وإما حال مقدرة؛ لأنهم حال الجعل غير شاكرين.
الملك 67:24
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾ .
لما ذكر ما تقدم من الوعيد ذكر البرهان على كمال قدرته، وعلى إيصال جميع أنواع العذاب إليهم، ومعناه كما ذلل الأرض للآدمي ذلل الهواء للطيور، وصافاتٍ: أي: باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانهن.
قال شهاب الدين: «صافَّاتٍ» يجوز أن يكون حالاً من «الطَّير» ، وأن يكون حالاً من «فَوقَهُمْ» إذا جعلناه حالاً، فتكون متداخلة، و «فَوقَهُمْ» ظرف ل «صافَّاتٍ» أو ل «يَرَوا» .
قوله: «ويَقْبِضْنَ» عطف الفعل على الاسم؛ لأنه بمعناه، أي: وقابضات، فالفعل هنا مؤول بالاسم عكس قوله: ﴿إِنَّ المصدقين والمصدقات وَأَقْرَضُواْ﴾ [الحديد: 18] فإن الاسم هناك مؤول بالفعل وقد تقدم الاعتراض على ذلك.
وقول أبي البقاء: معطوف على اسم الفاعل حملاً على المعنى، أي: يصففن ويقبضن، أي «صافَّاتٍ وقَابضاتٍ» لا حاجة إلى تقديره: يصففن ويقبضن؛ لأن الموضع للاسم فلا نؤوله بالفعل.
قال أبو حيان: «وعطف الفعل على الاسم لما كان في معناه، ومثله قوله تعالى: ﴿فالمغيرات صُبْحاً فَأَثَرْنَ﴾ [العاديات: 3 - 4] ، ومثل هذا العطف فصيحٌ وكذا عكسه إلاَّ عند السُّهيلي؛ فإنه قبيح؛ نحو قوله: [الرجز]
4802 - بَاتَ يُغشِّيهَا بعَضْبٍ بَاتِر ... يَقْصِدُ فِي أسْوُقِهَا وجَائرِ
أي: قاصد في أسواقها وجائر» .
وكذا قال القرطبيُّ: هو معطوف على «صافَّاتٍ» عطف المضارع على اسم الفاعل كما عطف اسم الفاعل على المضارع في قول الشاعر: «بَاتَ يُغشِّيها» البيت.
قال شهاب الدين: هو مثله في عطف الفعل على اسم الفاعل إلا أن الاسم فيه مؤولٌ بالفعل عكس هذه الآية، ومفعول «يقبِضنَ» محذوف، أي: ويقبضن أجنحتهن.
قاله أبو البقاء، ولم يقدر ل «صَافَّاتٍ» مفعولاً كأنه زعم أن الاصطفاف في أنفسها، والظاهر أن المعنى: صافات أجنحتها وقابضات، فالصف والقبض منها لأجنحتها.
ولذلك قال الزمخشري: «صافَّاتٍ» باسطات أجنحتهن، ثم قال: فإن قلت: لم قال: ويقبضن، ولم يقل: «قابضات» ؟ .
قلت: لأن الطيران هو صف الأجنحة؛ لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها، وأما القبض فطارىء على البسط للاستظهار به على التحرك، فجيء بما هو طارىء غير أصل بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات، يكون منهن القبض تارة بعد تارة كما يكون من السابح.
قوله «مَا يُمسِكُهُنَّ» . يجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة، وأن تكون حالاً من الضمير في «يَقْبِضنَ» قاله أبو البقاء. والأول أظهر.
وقرأ الزهريُّ: بتشديد السِّين.
فصل في معنى: يقبضن
قوله: «ويَقْبِضْنَ» .
أي: يضربن بها لجنوبهن.
قال أبو جعفر النحاس: يقال للطائر إذا بسط جناحية: صاف، وإذا ضمها فأصاب جنبه قابض، لأنه يقبضهما.
قال أبو خراش الشاعر: [الطويل]
4803 - يُبَادِرُ جُنْحَ اللَّيْلِ فهو مُوائِلٌ ... يَحُثُّ الجَناحَ بالتَّبسُّطِ والقبْضِ
وقيل: ويقبضن أجنحتهن بعد بسطها إذا وقفن من الطيران.
وقوله «ما يُمسِكُهنَّ» أي: ما يمسك الطير في الجو وهي تطير إلا الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ .
قال ابن الخطيب: وفيه وجهان:
الأول: المراد من «البصير» كونه عالماً بالأشياء الدقيقة، كما يقال: فلان له بصر في هذا الأمر، أي: حذق.
والثاني: أن يجري اللفظ على ظاهره، فتقول: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ فيكون رائياً لنفسه، ولجميع الموجودات وهذا الذي يقوله أصحابنا: إنه تعالى شيء يصح أن يكون مرئياً، وأن كل الموجودات كذلك، فإن قيل: البصير إذا عدي بالباء يكون بمعنى العالم، يقال: فلان بصير بكذا إذا كان عالماً قلنا: لا نسلم، فإنه يقال: إن الله سميع بالمسموعات بصير بالمبصرات.
فصل
في قوله تعالى ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمن﴾ دليل على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله تعالى، لأن استمساك الطير في الهواء فعل اختياري له، وقد نسبه للرحمن.
قوله: ﴿أَمَّنْ هذا الذي﴾ .
قرأ العامة: بتشديد الميم على إدغام ميم «أمْ» في ميم «مَنْ» و «أمْ» بمعنى «بَلْ» لأن بعدها اسم استفهام، وهو مبتدأ، خبره اسم الإشارة.
وقرأ طلحة: بتخفيف الأول وتثقيل الثاني.
قال أبو الفضل: معناه: أهذا الذي هو جند لكم، أم الذي يرزقكم. و «يَنْصُركُمْ» صفة لجند.
فصل في لفظ جند
قال ابن عباس: «جُندٌ لَكُمْ» أي: حزب ومنعه لكم ﴿يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ الرحمن﴾ ، فيدفع عنكم ما أراد بكم إن عصيتموه. ولفظ الجند يوحد، ولهذا قال: هذا الذي هو جند لكم، وهو استفهام إنكاري، أي لا جند لكم يدفع عذاب الله من دون الرحمن، أي: من سوى الرحمن ﴿إِنِ الكافرون إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من الشيطان يغرهم بأن لا عذاب، ولا حساب.
قال بعض المفسرين: كان الكفار يمتنعون عن الإيمان، ويعاندون الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - معتمدين على شيئين:
أحدهما: قوتهم بعددهم ومالهم.
والثاني: اعتقادهم أن الأوثان توصل إليهم جميع الخيرات، وتدفع عنهم جميع الآفات فأبطل الله عليهم الأول بقوله ﴿أَمَّنْ هذا الذي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ﴾ الآية، ورد عليهم الثاني بقوله: ﴿أَمَّنْ هذا الذي يَرْزُقُكُمْ﴾ الآية.
قوله ﴿إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ شرط، جوابه محذوف للدلالة عليه، أي: أفمن يرزقكم غيره.
وقدّر الزمخشريٌّ شرطاً بعد قوله: ﴿أَمَّنْ هذا الذي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ﴾ تقديره: «إن أرسل عليكم عذابه» ولا حاجة له صناعة.
فصل في معنى الآية
المعنى ﴿أَمَّنْ هذا الذي يَرْزُقُكُم﴾ أي: يعطيكم منافع الدنيا.
وقيل: من آلهتكم «إنْ أمسَكَ» يعني الله تعالى رزقه وهذا مما لا ينكره ذو عقل، وهو أنه تعالى إن أمسك أسباب الرزق كالمطر، والنبات وغيرهما لما وجد رازق سواه فعند وضوح هذا الأمر قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ﴾ ، أي: تمادوا وأصروا «فِي عُتُوٍّ» طغيان «ونُفورٍ» عن الحق، أو تباعد أو إعراض عن الحق.
قوله: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً على وَجْهِهِ أهدى﴾ . «مُكِبًّا» حال من فاعل «يمشي» .
قال الواحديُّ: «أكب» ، مطاوع كبه، يقال: كببته فأكب.
قال الزمخشريُّ: هو من الغرائب والشواذ، ونحوه قشعت الريح السحاب فأقشع، وما هو كذلك ولا شيء من بناء «أفعل» مطاوع، بل قولك: أكب، من باب «أنفض، وألأم» ومعناه: دخل في الكب، وصار ذا كب وكذلك أقشع السحاب دخل في القشع.
ومطاوع «كب، وقشع» انكب وانقشع.
قال أبو حيان: «ومُكِباً» حال من «أكب» وهو لا يتعدى، و «كب» متعد، قال تعالى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار﴾ [النمل: 90] والهمزة فيه للدخول في الشيء، أو للصيرورة، ومطاوع كب انكب، تقول: كببته فانكب. قال الزمخشريُّ: «ولا شيء من بناء» أفعل «مطاوعاً ولا يتقن نحو هذا إلا حملة كتاب سيبويه» انتهى.
وهذا الرجل يتبجح بكتاب سيبويه، وكم من نص في كتاب سيبويه عمي بصره وبصيرته عنه حتى إن الإمام أبا الحجاج يوسف بن معزوز صنف كتاباً يذكر فيه ما غلط الزمخشري فيه، وما جهله من كتاب سيبويه. انتهى.
قال شهاب الدين: انظر إلى هذا الرجل كيف أخذ كلام الزمخشري الذي أسلفته عنه طرز به عبارته حرفاً بحرف ثم أخذ ينحي عليه بإساءة الأدب جزاء ما لقنه تلك الكلمات الرائقة، وجعل يقول: إن مطاوع «كَبَّ» «انكب» لا «أكب» وأن الهمزة للصيرورة، أو للدخول في الشيء، وبالله لو بقي دهره غير ملقن إياها لما قالها أبداً، ثم أخذ يذكر عن إنسان مع أبي القاسم كالسُّها مع القمر أنه غلطه في نصوص من كتاب سيبويه، والله أعلم بصحتها: [الوافر]
4804 - وكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلاً صَحِيحاً ... وآفتُهُ من الفَهْمِ السَّقيم
وعلى تقدير التسليم، فالفاضل من عدت سقطاته.
قال القرطبيُّ: يقال: أكب الرجل على وجهه فيما لا يتعدى بالألف، فإذا تعدى قيل: كبه الله على وجهه بغير ألف، وقوله: «أفَمنْ يَمْشي» هو المعادل ل ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً﴾ .
وقال أبو البقاء: «وأهْدَى» خبر «مَنْ يَمِشِي» وخبر «من» الثانية محذوف.
يعني أن الأصل: أم من يمشي سوياً أهدى، ولا حاجة إلى ذلك؛ لأن قولك: أزيد قائم، أم عمرو لا يحتاج فيه من حيث الصناعة إلى حذف الخبر، نقول: هو معطوف على «زيد» عطف المفردات، ووحد الخبر لأن «أمْ» لأحد الشيئين.
فصل
قال المفسرون: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً﴾ منكساً رأسه لا ينظر أمامه، ولا يمينه، ولا شماله، فهو لا يأمن من العثور والانكباب على وجهه ﴿كَمنْ يَمْشي سويّاً﴾ مُعتدِلاً ناظراً ما بين يديه، وعن يمينه وعن شماله.
قال ابن عباسٍ: هذا في الدنيا، ويجوز أن يريد به الأعمى الذي لا يهتدي إلى طريق، فلا يزال ينكسه على وجهه، وأنه ليس كالرجل السوي الصحيح البصير الماشي في الطريق المهتدي له.
قال قتادةُ: هو الكافر أكب على معاصي الله في الدنيا، يحشره الله يوم القيامة على وجهه.
وقال ابن عباس والكلبيُّ: عنى بالذي يمشي على وجهه أبا جهل، وبالذي يمشي سوياً رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: أبو بكر.
وقيل: حمزة.
وقيل: عمار بن ياسر.
قال عكرمة: وقيل: هو عام في الكافر والمؤمن، أي: إن الكافر لا يدري أعلى حق هو، أم على باطل، أي: هذا الكافر أهدى، أم المسلم الذي يمشي سوياً معتدلاً يبصر الطريق، وهو على صراطٍ مستقيمٍ وهو الإسلام.
قوله ﴿قُلْ هُوَ الذي أَنشَأَكُمْ﴾ . أمر نبيه أن يعرفهم قبح شركهم مع اعترافهم أن الله خلقهم ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة﴾ يعني القلوب.
قوله «قَلِيلاً» . نعت مصدر محذوف، أو حال من ضمير المصدر كما هو رأي سيبويه و «ما» مزيدة أي: تشكرون قليلاً، والجملة من «تَشْكُرون» إما مستأنفة، وهو الظاهر، وإما حال مقدرة؛ لأنهم حال الجعل غير شاكرين.
الملك 67:25
والمراد بالقلة العدم، أو حقيقتها، أي: لا تشكرون هذه النعم، ولا توحدون الله تعالى، تقول: قلَّما أفعلُ كذا، أي: لا أفعله.
قال ابن الخطيب: وذكر السمع والبصر والفؤاد هاهنا تنبيهاً على دقيقه لطيفة، كأنه تعالى قال: أعطيتم هذه الأعضاء الثلاثة مع ما فيها من القوى الشريفة، فضيعتموها ولم تقبلوا ما سمعتموه ولا اعتبرتم بما أبصرتموه ولا تأملتم في عاقبة ما عقلتموه، فكأنكم ضيعتم هذه النعم، وأفسدتم هذه المواهب، فلهذا قال: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ .
قوله: ﴿قُلْ هُوَ الذي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ .
قال ابن الخطيب: اعلم أنه تعالى استدل بأحوال الحيوانِ أولاً، ثم بصفات الإنسانِ ثانياً، وهي السمع والبصر والعقل، ثم بحدوث ذاته ثالثاً، وهو قوله ﴿قُلْ هُوَ الذي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض﴾ واعلم أن الشروع في هذه الدلائل إنما كان لبيان صحة الحشر ليثبت ما ادعاه في قوله ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ولهذا ختم الآية بقوله ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ لأنه لما كانت القدرة على الخلق ابتداء توجب القدرة على الإعادة، فلهذا ختمها بقوله ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ .
فصل في معنى «ذرأكم»
قال ابن عباسٍ: خلقكم في الأرض.
وقال ابن بحر: نشركم فيها، وفرقكم فيها على ظهرها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فيجازي كلاًّ بعمله.
﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ، أي: متى يوم القيامة ومتى هذا العذابُ الذي تعدوننا به؟ .
قال أبو مسلم: إنه تعالى قال: ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ بلفظ المستقبلِ، وهذا يحتمل ما يوجد من الكفار من هذا القول في المستقبل، ويحتمل الماضي، والتقدير: وكانوا يقولون: متى هذا الوعد، ولعلهم كانوا يقولون ذلك سخرية، واستهزاء، وكانوا يقولونه إيهاماً للضعفة، ثم إنه تعالى أجاب عن هذا السؤالِ، فقال ﴿إِنَّمَا العلم عِنْدَ الله﴾ ، أي: قل لهم يا محمد: علم وقت قيام الساعة عند الله فلا يعلمه غيره، نظيره: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: 187] الآية ﴿وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: مخوف ومعلم لكم، ثم إنه تعالى بين حالهم عند ذلك الوعد وهو قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ﴾ ، أي: الموعود، أو العذاب زلفة، أي: قريباً، فهو حال.
وقال القرطبيُّ: «مصدر، بمعنى مزدلفاً، أي: قريباً، قاله مجاهد» .
ولا بد من حذف مضاف، أي: ذا زلفة، وجعل الزلفة مبالغة.
وقيل: «زُلْفَة» تقديره: مكاناً ذا زلفةٍ، فينتصب انتصاب المصدرِ.
فصل في المراد بالعذاب.
قال الحسنُ: عياناً. وأكثر المفسرين على أن المراد عذابُ الآخرةِ.
وقال مجاهدٌ: عذاب يوم بدر.
وقيل: رأوا ما يوعدون من الحشر قريباً منهم، لقوله ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ .
وقال ابن عباس: يعني علمهم الشيء قريباً.
قوله: «سِيئَتْ» ، الأصل: «ساء» أحزن وجوههم العذاب، ورؤيته، ثم بني للمفعول، وساء هنا ليست المرادفة ل «بئس» كما تقدم مراراً.
وأشم كسرة السين الضم: نافع وابن عامر والكسائي، كما فعلوا ذلك في ﴿سياء بِهِمْ﴾ [هود: 87] في «هود» كما تقدم. والباقون: بإخلاص الكسر، وتقدم تحقيق هذا وتصريفه في أول «البقرة» ، وأن فيه لغات عند قوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: 11] .
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس: «سِيْئَتْ» أي: اسودت وعليها الكآبة والغبرة.
يقال: ساء الشيءُ يسوء، فهو مسيء إذا قبح، وساء يساء إذا قبح، وهو فعل لازم ومتعدّ ومعنى ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ﴾ ، أي: قبحت، بان عليها الكآبةُ، وغشيها الكسوفُ والقترة وكلحوا.
قال الزجاج: تبين فيها السوء، أي: ساءهم ذلك العذاب وظهر على وجوههم سمة تدل على كفرهم، كقوله تعالى ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] .
قوله: ﴿وَقِيلَ هذا الذي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ﴾ ، أي: قال لهم الخزنة.
قال الفراء: «تفتعلون» من الدعاء. وهو قول أكثر العلماءِ، أي: تتمنون، وتسألون.
وقال ابن عباس: تكذبون، وتأويله: هذا الذي كنتم من أجله تدعون الأباطيل والأحاديث قاله الزجاج.
وقرأ العامة: بتشديد الدال مفتوحة.
فقيل: من الدعوى، أي: تدعون أنه لا جنة ولا نار، قاله الحسنُ.
وقيل: من الدعاء، أي: تطلبونه وتستعجلونه.
وقرأ الحسنُ وقتادةُ وأبو رجاء والضحاك، ويعقوب وأبو زيد وأبو بكر وابن أبي عبلة ونافع في رواية الأصمعي: بسكون الدالِ، وهي مؤيدة للقول بأنها من الدعاء في قراءة العامة.
وقال قتادة: هو قولهم: ﴿رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا﴾ [ص: 16] .
وقال الضحاك: هو قولهم: ﴿إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: 32] الآية.
وقال النحاس: تدَّعون، وتدْعون، بمعنى واحد، كما يقال: قدر واقتدر، وعدى واعتدى إلا أن في «افتعل» معنى شيء بعد شيء، و «فَعَل» يصح للقيل والكثير.
قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ الله﴾ . أي: قل لهم يا محمد، يعني مشركي مكة وكانوا يتمنون موت محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كما قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون﴾ [الطور: 30] أرأيتم إن متنا، أو رحمنا، فأخرت آجالنا، يعني أنا ومن معي من المؤمنين فمن يجيركم من عذاب الله؟ فلا حاجة لكم إلى التربص بنا ولا إلى استعجال قيام الساعة.
وأسكن الياء في «أهْلَكَنِي» ابن محيصن والمسيبي وشيبة والأعمش وحمزة وفتحها الباقون.
وكلهم فتح الياء في «ومَنْ مَعِيَ» إلا أهل الكوفة فإنهم سكنوها، وفتحها حفص، كالجماعة.
قوله: ﴿قُلْ هُوَ الرحمن آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ . قد تقدم لِمَ أخر متعلق الإيمان وقدم متعلق التوكل، وأن التقديم يفيد الاختصاص.
قال القرطبيُّ: إنما قدم لوقوع «آمَنَّا» تعريضاً بالكافرين، حين ورد عقب ذكرهم، كأنه قيل: آمنا ولم نكفر كما كفرتم، ثم قال: «وعَليْهِ تَوكَّلْنَا» خصوصاً لم نتكل على ما أنتم متكلون عليه من رجالكم وأموالكم، قاله الزمخشري.
وقرأ الكسائي: «فَسَيْعلمُونَ» بياء الغيبة نظراً إلى قوله «الكَافِرينَ» .
والباقون: على الخطاب، إما على الوعيد وإما على الالتفات من الغيبة المرادة في قراءة الكسائي وهو تهديد لهم، أي: فستعملون عند معاينة العذاب من الضال نحن، أم أنتم.
قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ يا معشر قريش ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً﴾ أي: غائراً ذاهباً في الأرض لا تناله الدلاء، و «غَوْراً» خبر «أصْبَحَ» ، وجوز أبو البقاء: أن يكون حالاً على تمام «أصْبَحَ» ، لكنه استبعده.
وحكى أنه قرىء: «غُؤُوراً» - بضم الغين، وهمزة مضمومة، ثم واو ساكنة - على «فعول» وجعل الهمزة منقلبة عن واو مضمومة.
فصل في المراد بالماء
كان ماؤهم من بئرين: بئر زمزم وبئر ميمون ﴿فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ﴾ أي: جارٍ، قاله قتادة والضحاك.
فلا بد لهم أن يقولوا: لا يأتينا به إلا الله تعالى، فقل لهم: فلم تشركون به من لا يقدر على أن يأتيكم به.
يقال: غار الماء يغور غوراً: نضب، والغور: الغائر، وصف بالمصدر للمبالغة كما تقول: رجلٌ عدلٌ، ورضى.
كما تقدم في سورة الكهف.
قال ابن عباسٍ: «بِماءٍ مَعينٍ» أي: ظاهر تراه العيون، فهو مفعول.
وقيل: هو من معن الماءُ، أي: كثر، فهو على هذا «فَعِيل» .
وعن ابن عباس أيضاً: «فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ عذبٍ» .
روى أبو هريرة: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إنَّ سُورةً مِنْ كتابِ اللَّهِ ما هِيَ إلاَّ ثلاثُون آيَةً شَفَعتْ لرَجُلٍ فأخْرجتْهُ يَوْمَ القيامةِ مِن النَّارِ وأدْخلتْهُ الجَنَّةَ هِيَ سُورةُ تبَارَكَ» .
وعن عبد الله بن مسعود قال: إذا وضع الميت في قبره يؤت من قبل رجليه فيقال: ليس لكم عليه سبيل لأنه قد كان يقوم بي سورة «المُلْك» ثم يؤتى من قبل رأسه فيقول لسانه: ليس لكم عليه سبيل كان يقرأ بي سورة «المُلك» ، ثم قال: هي المانعة من عذاب الله وهي في التوراة سورة الملك، من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطنب.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «ودِدْتُ أنَّ ﴿تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك﴾ في قلبِ كُلِّ مُؤمِنٍ» .
سورة القلم
مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس وقتادة: من أولها إلى قوله: ﴿سنسمه على الخرطوم﴾ [القلم: 16] مكي، ومن بعد ذلك إلى قوله: ﴿فهم يكتبون﴾ [القلم: 47] مكي، ومن بعد ذلك إلى قوله تعالى ﴿من الصالحين﴾ [القلم: 50] مدني، وباقيها. قاله الماوردي.
الملك 67:26
والمراد بالقلة العدم، أو حقيقتها، أي: لا تشكرون هذه النعم، ولا توحدون الله تعالى، تقول: قلَّما أفعلُ كذا، أي: لا أفعله.
قال ابن الخطيب: وذكر السمع والبصر والفؤاد هاهنا تنبيهاً على دقيقه لطيفة، كأنه تعالى قال: أعطيتم هذه الأعضاء الثلاثة مع ما فيها من القوى الشريفة، فضيعتموها ولم تقبلوا ما سمعتموه ولا اعتبرتم بما أبصرتموه ولا تأملتم في عاقبة ما عقلتموه، فكأنكم ضيعتم هذه النعم، وأفسدتم هذه المواهب، فلهذا قال: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ .
قوله: ﴿قُلْ هُوَ الذي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ .
قال ابن الخطيب: اعلم أنه تعالى استدل بأحوال الحيوانِ أولاً، ثم بصفات الإنسانِ ثانياً، وهي السمع والبصر والعقل، ثم بحدوث ذاته ثالثاً، وهو قوله ﴿قُلْ هُوَ الذي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض﴾ واعلم أن الشروع في هذه الدلائل إنما كان لبيان صحة الحشر ليثبت ما ادعاه في قوله ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ولهذا ختم الآية بقوله ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ لأنه لما كانت القدرة على الخلق ابتداء توجب القدرة على الإعادة، فلهذا ختمها بقوله ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ .
فصل في معنى «ذرأكم»
قال ابن عباسٍ: خلقكم في الأرض.
وقال ابن بحر: نشركم فيها، وفرقكم فيها على ظهرها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فيجازي كلاًّ بعمله.
﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ، أي: متى يوم القيامة ومتى هذا العذابُ الذي تعدوننا به؟ .
قال أبو مسلم: إنه تعالى قال: ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ بلفظ المستقبلِ، وهذا يحتمل ما يوجد من الكفار من هذا القول في المستقبل، ويحتمل الماضي، والتقدير: وكانوا يقولون: متى هذا الوعد، ولعلهم كانوا يقولون ذلك سخرية، واستهزاء، وكانوا يقولونه إيهاماً للضعفة، ثم إنه تعالى أجاب عن هذا السؤالِ، فقال ﴿إِنَّمَا العلم عِنْدَ الله﴾ ، أي: قل لهم يا محمد: علم وقت قيام الساعة عند الله فلا يعلمه غيره، نظيره: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: 187] الآية ﴿وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: مخوف ومعلم لكم، ثم إنه تعالى بين حالهم عند ذلك الوعد وهو قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ﴾ ، أي: الموعود، أو العذاب زلفة، أي: قريباً، فهو حال.
وقال القرطبيُّ: «مصدر، بمعنى مزدلفاً، أي: قريباً، قاله مجاهد» .
ولا بد من حذف مضاف، أي: ذا زلفة، وجعل الزلفة مبالغة.
وقيل: «زُلْفَة» تقديره: مكاناً ذا زلفةٍ، فينتصب انتصاب المصدرِ.
فصل في المراد بالعذاب.
قال الحسنُ: عياناً. وأكثر المفسرين على أن المراد عذابُ الآخرةِ.
وقال مجاهدٌ: عذاب يوم بدر.
وقيل: رأوا ما يوعدون من الحشر قريباً منهم، لقوله ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ .
وقال ابن عباس: يعني علمهم الشيء قريباً.
قوله: «سِيئَتْ» ، الأصل: «ساء» أحزن وجوههم العذاب، ورؤيته، ثم بني للمفعول، وساء هنا ليست المرادفة ل «بئس» كما تقدم مراراً.
وأشم كسرة السين الضم: نافع وابن عامر والكسائي، كما فعلوا ذلك في ﴿سياء بِهِمْ﴾ [هود: 87] في «هود» كما تقدم. والباقون: بإخلاص الكسر، وتقدم تحقيق هذا وتصريفه في أول «البقرة» ، وأن فيه لغات عند قوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: 11] .
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس: «سِيْئَتْ» أي: اسودت وعليها الكآبة والغبرة.
يقال: ساء الشيءُ يسوء، فهو مسيء إذا قبح، وساء يساء إذا قبح، وهو فعل لازم ومتعدّ ومعنى ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ﴾ ، أي: قبحت، بان عليها الكآبةُ، وغشيها الكسوفُ والقترة وكلحوا.
قال الزجاج: تبين فيها السوء، أي: ساءهم ذلك العذاب وظهر على وجوههم سمة تدل على كفرهم، كقوله تعالى ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] .
قوله: ﴿وَقِيلَ هذا الذي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ﴾ ، أي: قال لهم الخزنة.
قال الفراء: «تفتعلون» من الدعاء. وهو قول أكثر العلماءِ، أي: تتمنون، وتسألون.
وقال ابن عباس: تكذبون، وتأويله: هذا الذي كنتم من أجله تدعون الأباطيل والأحاديث قاله الزجاج.
وقرأ العامة: بتشديد الدال مفتوحة.
فقيل: من الدعوى، أي: تدعون أنه لا جنة ولا نار، قاله الحسنُ.
وقيل: من الدعاء، أي: تطلبونه وتستعجلونه.
وقرأ الحسنُ وقتادةُ وأبو رجاء والضحاك، ويعقوب وأبو زيد وأبو بكر وابن أبي عبلة ونافع في رواية الأصمعي: بسكون الدالِ، وهي مؤيدة للقول بأنها من الدعاء في قراءة العامة.
وقال قتادة: هو قولهم: ﴿رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا﴾ [ص: 16] .
وقال الضحاك: هو قولهم: ﴿إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: 32] الآية.
وقال النحاس: تدَّعون، وتدْعون، بمعنى واحد، كما يقال: قدر واقتدر، وعدى واعتدى إلا أن في «افتعل» معنى شيء بعد شيء، و «فَعَل» يصح للقيل والكثير.
قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ الله﴾ . أي: قل لهم يا محمد، يعني مشركي مكة وكانوا يتمنون موت محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كما قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون﴾ [الطور: 30] أرأيتم إن متنا، أو رحمنا، فأخرت آجالنا، يعني أنا ومن معي من المؤمنين فمن يجيركم من عذاب الله؟ فلا حاجة لكم إلى التربص بنا ولا إلى استعجال قيام الساعة.
وأسكن الياء في «أهْلَكَنِي» ابن محيصن والمسيبي وشيبة والأعمش وحمزة وفتحها الباقون.
وكلهم فتح الياء في «ومَنْ مَعِيَ» إلا أهل الكوفة فإنهم سكنوها، وفتحها حفص، كالجماعة.
قوله: ﴿قُلْ هُوَ الرحمن آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ . قد تقدم لِمَ أخر متعلق الإيمان وقدم متعلق التوكل، وأن التقديم يفيد الاختصاص.
قال القرطبيُّ: إنما قدم لوقوع «آمَنَّا» تعريضاً بالكافرين، حين ورد عقب ذكرهم، كأنه قيل: آمنا ولم نكفر كما كفرتم، ثم قال: «وعَليْهِ تَوكَّلْنَا» خصوصاً لم نتكل على ما أنتم متكلون عليه من رجالكم وأموالكم، قاله الزمخشري.
وقرأ الكسائي: «فَسَيْعلمُونَ» بياء الغيبة نظراً إلى قوله «الكَافِرينَ» .
والباقون: على الخطاب، إما على الوعيد وإما على الالتفات من الغيبة المرادة في قراءة الكسائي وهو تهديد لهم، أي: فستعملون عند معاينة العذاب من الضال نحن، أم أنتم.
قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ يا معشر قريش ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً﴾ أي: غائراً ذاهباً في الأرض لا تناله الدلاء، و «غَوْراً» خبر «أصْبَحَ» ، وجوز أبو البقاء: أن يكون حالاً على تمام «أصْبَحَ» ، لكنه استبعده.
وحكى أنه قرىء: «غُؤُوراً» - بضم الغين، وهمزة مضمومة، ثم واو ساكنة - على «فعول» وجعل الهمزة منقلبة عن واو مضمومة.
فصل في المراد بالماء
كان ماؤهم من بئرين: بئر زمزم وبئر ميمون ﴿فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ﴾ أي: جارٍ، قاله قتادة والضحاك.
فلا بد لهم أن يقولوا: لا يأتينا به إلا الله تعالى، فقل لهم: فلم تشركون به من لا يقدر على أن يأتيكم به.
يقال: غار الماء يغور غوراً: نضب، والغور: الغائر، وصف بالمصدر للمبالغة كما تقول: رجلٌ عدلٌ، ورضى.
كما تقدم في سورة الكهف.
قال ابن عباسٍ: «بِماءٍ مَعينٍ» أي: ظاهر تراه العيون، فهو مفعول.
وقيل: هو من معن الماءُ، أي: كثر، فهو على هذا «فَعِيل» .
وعن ابن عباس أيضاً: «فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ عذبٍ» .
روى أبو هريرة: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إنَّ سُورةً مِنْ كتابِ اللَّهِ ما هِيَ إلاَّ ثلاثُون آيَةً شَفَعتْ لرَجُلٍ فأخْرجتْهُ يَوْمَ القيامةِ مِن النَّارِ وأدْخلتْهُ الجَنَّةَ هِيَ سُورةُ تبَارَكَ» .
وعن عبد الله بن مسعود قال: إذا وضع الميت في قبره يؤت من قبل رجليه فيقال: ليس لكم عليه سبيل لأنه قد كان يقوم بي سورة «المُلْك» ثم يؤتى من قبل رأسه فيقول لسانه: ليس لكم عليه سبيل كان يقرأ بي سورة «المُلك» ، ثم قال: هي المانعة من عذاب الله وهي في التوراة سورة الملك، من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطنب.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «ودِدْتُ أنَّ ﴿تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك﴾ في قلبِ كُلِّ مُؤمِنٍ» .
سورة القلم
مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس وقتادة: من أولها إلى قوله: ﴿سنسمه على الخرطوم﴾ [القلم: 16] مكي، ومن بعد ذلك إلى قوله: ﴿فهم يكتبون﴾ [القلم: 47] مكي، ومن بعد ذلك إلى قوله تعالى ﴿من الصالحين﴾ [القلم: 50] مدني، وباقيها. قاله الماوردي.
الملك 67:27
والمراد بالقلة العدم، أو حقيقتها، أي: لا تشكرون هذه النعم، ولا توحدون الله تعالى، تقول: قلَّما أفعلُ كذا، أي: لا أفعله.
قال ابن الخطيب: وذكر السمع والبصر والفؤاد هاهنا تنبيهاً على دقيقه لطيفة، كأنه تعالى قال: أعطيتم هذه الأعضاء الثلاثة مع ما فيها من القوى الشريفة، فضيعتموها ولم تقبلوا ما سمعتموه ولا اعتبرتم بما أبصرتموه ولا تأملتم في عاقبة ما عقلتموه، فكأنكم ضيعتم هذه النعم، وأفسدتم هذه المواهب، فلهذا قال: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ .
قوله: ﴿قُلْ هُوَ الذي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ .
قال ابن الخطيب: اعلم أنه تعالى استدل بأحوال الحيوانِ أولاً، ثم بصفات الإنسانِ ثانياً، وهي السمع والبصر والعقل، ثم بحدوث ذاته ثالثاً، وهو قوله ﴿قُلْ هُوَ الذي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض﴾ واعلم أن الشروع في هذه الدلائل إنما كان لبيان صحة الحشر ليثبت ما ادعاه في قوله ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ولهذا ختم الآية بقوله ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ لأنه لما كانت القدرة على الخلق ابتداء توجب القدرة على الإعادة، فلهذا ختمها بقوله ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ .
فصل في معنى «ذرأكم»
قال ابن عباسٍ: خلقكم في الأرض.
وقال ابن بحر: نشركم فيها، وفرقكم فيها على ظهرها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فيجازي كلاًّ بعمله.
﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ، أي: متى يوم القيامة ومتى هذا العذابُ الذي تعدوننا به؟ .
قال أبو مسلم: إنه تعالى قال: ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ بلفظ المستقبلِ، وهذا يحتمل ما يوجد من الكفار من هذا القول في المستقبل، ويحتمل الماضي، والتقدير: وكانوا يقولون: متى هذا الوعد، ولعلهم كانوا يقولون ذلك سخرية، واستهزاء، وكانوا يقولونه إيهاماً للضعفة، ثم إنه تعالى أجاب عن هذا السؤالِ، فقال ﴿إِنَّمَا العلم عِنْدَ الله﴾ ، أي: قل لهم يا محمد: علم وقت قيام الساعة عند الله فلا يعلمه غيره، نظيره: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: 187] الآية ﴿وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: مخوف ومعلم لكم، ثم إنه تعالى بين حالهم عند ذلك الوعد وهو قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ﴾ ، أي: الموعود، أو العذاب زلفة، أي: قريباً، فهو حال.
وقال القرطبيُّ: «مصدر، بمعنى مزدلفاً، أي: قريباً، قاله مجاهد» .
ولا بد من حذف مضاف، أي: ذا زلفة، وجعل الزلفة مبالغة.
وقيل: «زُلْفَة» تقديره: مكاناً ذا زلفةٍ، فينتصب انتصاب المصدرِ.
فصل في المراد بالعذاب.
قال الحسنُ: عياناً. وأكثر المفسرين على أن المراد عذابُ الآخرةِ.
وقال مجاهدٌ: عذاب يوم بدر.
وقيل: رأوا ما يوعدون من الحشر قريباً منهم، لقوله ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ .
وقال ابن عباس: يعني علمهم الشيء قريباً.
قوله: «سِيئَتْ» ، الأصل: «ساء» أحزن وجوههم العذاب، ورؤيته، ثم بني للمفعول، وساء هنا ليست المرادفة ل «بئس» كما تقدم مراراً.
وأشم كسرة السين الضم: نافع وابن عامر والكسائي، كما فعلوا ذلك في ﴿سياء بِهِمْ﴾ [هود: 87] في «هود» كما تقدم. والباقون: بإخلاص الكسر، وتقدم تحقيق هذا وتصريفه في أول «البقرة» ، وأن فيه لغات عند قوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: 11] .
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس: «سِيْئَتْ» أي: اسودت وعليها الكآبة والغبرة.
يقال: ساء الشيءُ يسوء، فهو مسيء إذا قبح، وساء يساء إذا قبح، وهو فعل لازم ومتعدّ ومعنى ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ﴾ ، أي: قبحت، بان عليها الكآبةُ، وغشيها الكسوفُ والقترة وكلحوا.
قال الزجاج: تبين فيها السوء، أي: ساءهم ذلك العذاب وظهر على وجوههم سمة تدل على كفرهم، كقوله تعالى ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] .
قوله: ﴿وَقِيلَ هذا الذي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ﴾ ، أي: قال لهم الخزنة.
قال الفراء: «تفتعلون» من الدعاء. وهو قول أكثر العلماءِ، أي: تتمنون، وتسألون.
وقال ابن عباس: تكذبون، وتأويله: هذا الذي كنتم من أجله تدعون الأباطيل والأحاديث قاله الزجاج.
وقرأ العامة: بتشديد الدال مفتوحة.
فقيل: من الدعوى، أي: تدعون أنه لا جنة ولا نار، قاله الحسنُ.
وقيل: من الدعاء، أي: تطلبونه وتستعجلونه.
وقرأ الحسنُ وقتادةُ وأبو رجاء والضحاك، ويعقوب وأبو زيد وأبو بكر وابن أبي عبلة ونافع في رواية الأصمعي: بسكون الدالِ، وهي مؤيدة للقول بأنها من الدعاء في قراءة العامة.
وقال قتادة: هو قولهم: ﴿رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا﴾ [ص: 16] .
وقال الضحاك: هو قولهم: ﴿إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: 32] الآية.
وقال النحاس: تدَّعون، وتدْعون، بمعنى واحد، كما يقال: قدر واقتدر، وعدى واعتدى إلا أن في «افتعل» معنى شيء بعد شيء، و «فَعَل» يصح للقيل والكثير.
قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ الله﴾ . أي: قل لهم يا محمد، يعني مشركي مكة وكانوا يتمنون موت محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كما قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون﴾ [الطور: 30] أرأيتم إن متنا، أو رحمنا، فأخرت آجالنا، يعني أنا ومن معي من المؤمنين فمن يجيركم من عذاب الله؟ فلا حاجة لكم إلى التربص بنا ولا إلى استعجال قيام الساعة.
وأسكن الياء في «أهْلَكَنِي» ابن محيصن والمسيبي وشيبة والأعمش وحمزة وفتحها الباقون.
وكلهم فتح الياء في «ومَنْ مَعِيَ» إلا أهل الكوفة فإنهم سكنوها، وفتحها حفص، كالجماعة.
قوله: ﴿قُلْ هُوَ الرحمن آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ . قد تقدم لِمَ أخر متعلق الإيمان وقدم متعلق التوكل، وأن التقديم يفيد الاختصاص.
قال القرطبيُّ: إنما قدم لوقوع «آمَنَّا» تعريضاً بالكافرين، حين ورد عقب ذكرهم، كأنه قيل: آمنا ولم نكفر كما كفرتم، ثم قال: «وعَليْهِ تَوكَّلْنَا» خصوصاً لم نتكل على ما أنتم متكلون عليه من رجالكم وأموالكم، قاله الزمخشري.
وقرأ الكسائي: «فَسَيْعلمُونَ» بياء الغيبة نظراً إلى قوله «الكَافِرينَ» .
والباقون: على الخطاب، إما على الوعيد وإما على الالتفات من الغيبة المرادة في قراءة الكسائي وهو تهديد لهم، أي: فستعملون عند معاينة العذاب من الضال نحن، أم أنتم.
قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ يا معشر قريش ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً﴾ أي: غائراً ذاهباً في الأرض لا تناله الدلاء، و «غَوْراً» خبر «أصْبَحَ» ، وجوز أبو البقاء: أن يكون حالاً على تمام «أصْبَحَ» ، لكنه استبعده.
وحكى أنه قرىء: «غُؤُوراً» - بضم الغين، وهمزة مضمومة، ثم واو ساكنة - على «فعول» وجعل الهمزة منقلبة عن واو مضمومة.
فصل في المراد بالماء
كان ماؤهم من بئرين: بئر زمزم وبئر ميمون ﴿فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ﴾ أي: جارٍ، قاله قتادة والضحاك.
فلا بد لهم أن يقولوا: لا يأتينا به إلا الله تعالى، فقل لهم: فلم تشركون به من لا يقدر على أن يأتيكم به.
يقال: غار الماء يغور غوراً: نضب، والغور: الغائر، وصف بالمصدر للمبالغة كما تقول: رجلٌ عدلٌ، ورضى.
كما تقدم في سورة الكهف.
قال ابن عباسٍ: «بِماءٍ مَعينٍ» أي: ظاهر تراه العيون، فهو مفعول.
وقيل: هو من معن الماءُ، أي: كثر، فهو على هذا «فَعِيل» .
وعن ابن عباس أيضاً: «فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ عذبٍ» .
روى أبو هريرة: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إنَّ سُورةً مِنْ كتابِ اللَّهِ ما هِيَ إلاَّ ثلاثُون آيَةً شَفَعتْ لرَجُلٍ فأخْرجتْهُ يَوْمَ القيامةِ مِن النَّارِ وأدْخلتْهُ الجَنَّةَ هِيَ سُورةُ تبَارَكَ» .
وعن عبد الله بن مسعود قال: إذا وضع الميت في قبره يؤت من قبل رجليه فيقال: ليس لكم عليه سبيل لأنه قد كان يقوم بي سورة «المُلْك» ثم يؤتى من قبل رأسه فيقول لسانه: ليس لكم عليه سبيل كان يقرأ بي سورة «المُلك» ، ثم قال: هي المانعة من عذاب الله وهي في التوراة سورة الملك، من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطنب.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «ودِدْتُ أنَّ ﴿تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك﴾ في قلبِ كُلِّ مُؤمِنٍ» .
سورة القلم
مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس وقتادة: من أولها إلى قوله: ﴿سنسمه على الخرطوم﴾ [القلم: 16] مكي، ومن بعد ذلك إلى قوله: ﴿فهم يكتبون﴾ [القلم: 47] مكي، ومن بعد ذلك إلى قوله تعالى ﴿من الصالحين﴾ [القلم: 50] مدني، وباقيها. قاله الماوردي.
الملك 67:28
والمراد بالقلة العدم، أو حقيقتها، أي: لا تشكرون هذه النعم، ولا توحدون الله تعالى، تقول: قلَّما أفعلُ كذا، أي: لا أفعله.
قال ابن الخطيب: وذكر السمع والبصر والفؤاد هاهنا تنبيهاً على دقيقه لطيفة، كأنه تعالى قال: أعطيتم هذه الأعضاء الثلاثة مع ما فيها من القوى الشريفة، فضيعتموها ولم تقبلوا ما سمعتموه ولا اعتبرتم بما أبصرتموه ولا تأملتم في عاقبة ما عقلتموه، فكأنكم ضيعتم هذه النعم، وأفسدتم هذه المواهب، فلهذا قال: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ .
قوله: ﴿قُلْ هُوَ الذي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ .
قال ابن الخطيب: اعلم أنه تعالى استدل بأحوال الحيوانِ أولاً، ثم بصفات الإنسانِ ثانياً، وهي السمع والبصر والعقل، ثم بحدوث ذاته ثالثاً، وهو قوله ﴿قُلْ هُوَ الذي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض﴾ واعلم أن الشروع في هذه الدلائل إنما كان لبيان صحة الحشر ليثبت ما ادعاه في قوله ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ولهذا ختم الآية بقوله ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ لأنه لما كانت القدرة على الخلق ابتداء توجب القدرة على الإعادة، فلهذا ختمها بقوله ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ .
فصل في معنى «ذرأكم»
قال ابن عباسٍ: خلقكم في الأرض.
وقال ابن بحر: نشركم فيها، وفرقكم فيها على ظهرها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فيجازي كلاًّ بعمله.
﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ، أي: متى يوم القيامة ومتى هذا العذابُ الذي تعدوننا به؟ .
قال أبو مسلم: إنه تعالى قال: ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ بلفظ المستقبلِ، وهذا يحتمل ما يوجد من الكفار من هذا القول في المستقبل، ويحتمل الماضي، والتقدير: وكانوا يقولون: متى هذا الوعد، ولعلهم كانوا يقولون ذلك سخرية، واستهزاء، وكانوا يقولونه إيهاماً للضعفة، ثم إنه تعالى أجاب عن هذا السؤالِ، فقال ﴿إِنَّمَا العلم عِنْدَ الله﴾ ، أي: قل لهم يا محمد: علم وقت قيام الساعة عند الله فلا يعلمه غيره، نظيره: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: 187] الآية ﴿وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: مخوف ومعلم لكم، ثم إنه تعالى بين حالهم عند ذلك الوعد وهو قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ﴾ ، أي: الموعود، أو العذاب زلفة، أي: قريباً، فهو حال.
وقال القرطبيُّ: «مصدر، بمعنى مزدلفاً، أي: قريباً، قاله مجاهد» .
ولا بد من حذف مضاف، أي: ذا زلفة، وجعل الزلفة مبالغة.
وقيل: «زُلْفَة» تقديره: مكاناً ذا زلفةٍ، فينتصب انتصاب المصدرِ.
فصل في المراد بالعذاب.
قال الحسنُ: عياناً. وأكثر المفسرين على أن المراد عذابُ الآخرةِ.
وقال مجاهدٌ: عذاب يوم بدر.
وقيل: رأوا ما يوعدون من الحشر قريباً منهم، لقوله ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ .
وقال ابن عباس: يعني علمهم الشيء قريباً.
قوله: «سِيئَتْ» ، الأصل: «ساء» أحزن وجوههم العذاب، ورؤيته، ثم بني للمفعول، وساء هنا ليست المرادفة ل «بئس» كما تقدم مراراً.
وأشم كسرة السين الضم: نافع وابن عامر والكسائي، كما فعلوا ذلك في ﴿سياء بِهِمْ﴾ [هود: 87] في «هود» كما تقدم. والباقون: بإخلاص الكسر، وتقدم تحقيق هذا وتصريفه في أول «البقرة» ، وأن فيه لغات عند قوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: 11] .
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس: «سِيْئَتْ» أي: اسودت وعليها الكآبة والغبرة.
يقال: ساء الشيءُ يسوء، فهو مسيء إذا قبح، وساء يساء إذا قبح، وهو فعل لازم ومتعدّ ومعنى ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ﴾ ، أي: قبحت، بان عليها الكآبةُ، وغشيها الكسوفُ والقترة وكلحوا.
قال الزجاج: تبين فيها السوء، أي: ساءهم ذلك العذاب وظهر على وجوههم سمة تدل على كفرهم، كقوله تعالى ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] .
قوله: ﴿وَقِيلَ هذا الذي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ﴾ ، أي: قال لهم الخزنة.
قال الفراء: «تفتعلون» من الدعاء. وهو قول أكثر العلماءِ، أي: تتمنون، وتسألون.
وقال ابن عباس: تكذبون، وتأويله: هذا الذي كنتم من أجله تدعون الأباطيل والأحاديث قاله الزجاج.
وقرأ العامة: بتشديد الدال مفتوحة.
فقيل: من الدعوى، أي: تدعون أنه لا جنة ولا نار، قاله الحسنُ.
وقيل: من الدعاء، أي: تطلبونه وتستعجلونه.
وقرأ الحسنُ وقتادةُ وأبو رجاء والضحاك، ويعقوب وأبو زيد وأبو بكر وابن أبي عبلة ونافع في رواية الأصمعي: بسكون الدالِ، وهي مؤيدة للقول بأنها من الدعاء في قراءة العامة.
وقال قتادة: هو قولهم: ﴿رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا﴾ [ص: 16] .
وقال الضحاك: هو قولهم: ﴿إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: 32] الآية.
وقال النحاس: تدَّعون، وتدْعون، بمعنى واحد، كما يقال: قدر واقتدر، وعدى واعتدى إلا أن في «افتعل» معنى شيء بعد شيء، و «فَعَل» يصح للقيل والكثير.
قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ الله﴾ . أي: قل لهم يا محمد، يعني مشركي مكة وكانوا يتمنون موت محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كما قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون﴾ [الطور: 30] أرأيتم إن متنا، أو رحمنا، فأخرت آجالنا، يعني أنا ومن معي من المؤمنين فمن يجيركم من عذاب الله؟ فلا حاجة لكم إلى التربص بنا ولا إلى استعجال قيام الساعة.
وأسكن الياء في «أهْلَكَنِي» ابن محيصن والمسيبي وشيبة والأعمش وحمزة وفتحها الباقون.
وكلهم فتح الياء في «ومَنْ مَعِيَ» إلا أهل الكوفة فإنهم سكنوها، وفتحها حفص، كالجماعة.
قوله: ﴿قُلْ هُوَ الرحمن آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ . قد تقدم لِمَ أخر متعلق الإيمان وقدم متعلق التوكل، وأن التقديم يفيد الاختصاص.
قال القرطبيُّ: إنما قدم لوقوع «آمَنَّا» تعريضاً بالكافرين، حين ورد عقب ذكرهم، كأنه قيل: آمنا ولم نكفر كما كفرتم، ثم قال: «وعَليْهِ تَوكَّلْنَا» خصوصاً لم نتكل على ما أنتم متكلون عليه من رجالكم وأموالكم، قاله الزمخشري.
وقرأ الكسائي: «فَسَيْعلمُونَ» بياء الغيبة نظراً إلى قوله «الكَافِرينَ» .
والباقون: على الخطاب، إما على الوعيد وإما على الالتفات من الغيبة المرادة في قراءة الكسائي وهو تهديد لهم، أي: فستعملون عند معاينة العذاب من الضال نحن، أم أنتم.
قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ يا معشر قريش ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً﴾ أي: غائراً ذاهباً في الأرض لا تناله الدلاء، و «غَوْراً» خبر «أصْبَحَ» ، وجوز أبو البقاء: أن يكون حالاً على تمام «أصْبَحَ» ، لكنه استبعده.
وحكى أنه قرىء: «غُؤُوراً» - بضم الغين، وهمزة مضمومة، ثم واو ساكنة - على «فعول» وجعل الهمزة منقلبة عن واو مضمومة.
فصل في المراد بالماء
كان ماؤهم من بئرين: بئر زمزم وبئر ميمون ﴿فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ﴾ أي: جارٍ، قاله قتادة والضحاك.
فلا بد لهم أن يقولوا: لا يأتينا به إلا الله تعالى، فقل لهم: فلم تشركون به من لا يقدر على أن يأتيكم به.
يقال: غار الماء يغور غوراً: نضب، والغور: الغائر، وصف بالمصدر للمبالغة كما تقول: رجلٌ عدلٌ، ورضى.
كما تقدم في سورة الكهف.
قال ابن عباسٍ: «بِماءٍ مَعينٍ» أي: ظاهر تراه العيون، فهو مفعول.
وقيل: هو من معن الماءُ، أي: كثر، فهو على هذا «فَعِيل» .
وعن ابن عباس أيضاً: «فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ عذبٍ» .
روى أبو هريرة: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إنَّ سُورةً مِنْ كتابِ اللَّهِ ما هِيَ إلاَّ ثلاثُون آيَةً شَفَعتْ لرَجُلٍ فأخْرجتْهُ يَوْمَ القيامةِ مِن النَّارِ وأدْخلتْهُ الجَنَّةَ هِيَ سُورةُ تبَارَكَ» .
وعن عبد الله بن مسعود قال: إذا وضع الميت في قبره يؤت من قبل رجليه فيقال: ليس لكم عليه سبيل لأنه قد كان يقوم بي سورة «المُلْك» ثم يؤتى من قبل رأسه فيقول لسانه: ليس لكم عليه سبيل كان يقرأ بي سورة «المُلك» ، ثم قال: هي المانعة من عذاب الله وهي في التوراة سورة الملك، من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطنب.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «ودِدْتُ أنَّ ﴿تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك﴾ في قلبِ كُلِّ مُؤمِنٍ» .
سورة القلم
مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس وقتادة: من أولها إلى قوله: ﴿سنسمه على الخرطوم﴾ [القلم: 16] مكي، ومن بعد ذلك إلى قوله: ﴿فهم يكتبون﴾ [القلم: 47] مكي، ومن بعد ذلك إلى قوله تعالى ﴿من الصالحين﴾ [القلم: 50] مدني، وباقيها. قاله الماوردي.
الملك 67:29
والمراد بالقلة العدم، أو حقيقتها، أي: لا تشكرون هذه النعم، ولا توحدون الله تعالى، تقول: قلَّما أفعلُ كذا، أي: لا أفعله.
قال ابن الخطيب: وذكر السمع والبصر والفؤاد هاهنا تنبيهاً على دقيقه لطيفة، كأنه تعالى قال: أعطيتم هذه الأعضاء الثلاثة مع ما فيها من القوى الشريفة، فضيعتموها ولم تقبلوا ما سمعتموه ولا اعتبرتم بما أبصرتموه ولا تأملتم في عاقبة ما عقلتموه، فكأنكم ضيعتم هذه النعم، وأفسدتم هذه المواهب، فلهذا قال: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ .
قوله: ﴿قُلْ هُوَ الذي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ .
قال ابن الخطيب: اعلم أنه تعالى استدل بأحوال الحيوانِ أولاً، ثم بصفات الإنسانِ ثانياً، وهي السمع والبصر والعقل، ثم بحدوث ذاته ثالثاً، وهو قوله ﴿قُلْ هُوَ الذي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض﴾ واعلم أن الشروع في هذه الدلائل إنما كان لبيان صحة الحشر ليثبت ما ادعاه في قوله ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ولهذا ختم الآية بقوله ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ لأنه لما كانت القدرة على الخلق ابتداء توجب القدرة على الإعادة، فلهذا ختمها بقوله ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ .
فصل في معنى «ذرأكم»
قال ابن عباسٍ: خلقكم في الأرض.
وقال ابن بحر: نشركم فيها، وفرقكم فيها على ظهرها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فيجازي كلاًّ بعمله.
﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ، أي: متى يوم القيامة ومتى هذا العذابُ الذي تعدوننا به؟ .
قال أبو مسلم: إنه تعالى قال: ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ بلفظ المستقبلِ، وهذا يحتمل ما يوجد من الكفار من هذا القول في المستقبل، ويحتمل الماضي، والتقدير: وكانوا يقولون: متى هذا الوعد، ولعلهم كانوا يقولون ذلك سخرية، واستهزاء، وكانوا يقولونه إيهاماً للضعفة، ثم إنه تعالى أجاب عن هذا السؤالِ، فقال ﴿إِنَّمَا العلم عِنْدَ الله﴾ ، أي: قل لهم يا محمد: علم وقت قيام الساعة عند الله فلا يعلمه غيره، نظيره: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: 187] الآية ﴿وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: مخوف ومعلم لكم، ثم إنه تعالى بين حالهم عند ذلك الوعد وهو قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ﴾ ، أي: الموعود، أو العذاب زلفة، أي: قريباً، فهو حال.
وقال القرطبيُّ: «مصدر، بمعنى مزدلفاً، أي: قريباً، قاله مجاهد» .
ولا بد من حذف مضاف، أي: ذا زلفة، وجعل الزلفة مبالغة.
وقيل: «زُلْفَة» تقديره: مكاناً ذا زلفةٍ، فينتصب انتصاب المصدرِ.
فصل في المراد بالعذاب.
قال الحسنُ: عياناً. وأكثر المفسرين على أن المراد عذابُ الآخرةِ.
وقال مجاهدٌ: عذاب يوم بدر.
وقيل: رأوا ما يوعدون من الحشر قريباً منهم، لقوله ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ .
وقال ابن عباس: يعني علمهم الشيء قريباً.
قوله: «سِيئَتْ» ، الأصل: «ساء» أحزن وجوههم العذاب، ورؤيته، ثم بني للمفعول، وساء هنا ليست المرادفة ل «بئس» كما تقدم مراراً.
وأشم كسرة السين الضم: نافع وابن عامر والكسائي، كما فعلوا ذلك في ﴿سياء بِهِمْ﴾ [هود: 87] في «هود» كما تقدم. والباقون: بإخلاص الكسر، وتقدم تحقيق هذا وتصريفه في أول «البقرة» ، وأن فيه لغات عند قوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: 11] .
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس: «سِيْئَتْ» أي: اسودت وعليها الكآبة والغبرة.
يقال: ساء الشيءُ يسوء، فهو مسيء إذا قبح، وساء يساء إذا قبح، وهو فعل لازم ومتعدّ ومعنى ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ﴾ ، أي: قبحت، بان عليها الكآبةُ، وغشيها الكسوفُ والقترة وكلحوا.
قال الزجاج: تبين فيها السوء، أي: ساءهم ذلك العذاب وظهر على وجوههم سمة تدل على كفرهم، كقوله تعالى ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] .
قوله: ﴿وَقِيلَ هذا الذي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ﴾ ، أي: قال لهم الخزنة.
قال الفراء: «تفتعلون» من الدعاء. وهو قول أكثر العلماءِ، أي: تتمنون، وتسألون.
وقال ابن عباس: تكذبون، وتأويله: هذا الذي كنتم من أجله تدعون الأباطيل والأحاديث قاله الزجاج.
وقرأ العامة: بتشديد الدال مفتوحة.
فقيل: من الدعوى، أي: تدعون أنه لا جنة ولا نار، قاله الحسنُ.
وقيل: من الدعاء، أي: تطلبونه وتستعجلونه.
وقرأ الحسنُ وقتادةُ وأبو رجاء والضحاك، ويعقوب وأبو زيد وأبو بكر وابن أبي عبلة ونافع في رواية الأصمعي: بسكون الدالِ، وهي مؤيدة للقول بأنها من الدعاء في قراءة العامة.
وقال قتادة: هو قولهم: ﴿رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا﴾ [ص: 16] .
وقال الضحاك: هو قولهم: ﴿إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: 32] الآية.
وقال النحاس: تدَّعون، وتدْعون، بمعنى واحد، كما يقال: قدر واقتدر، وعدى واعتدى إلا أن في «افتعل» معنى شيء بعد شيء، و «فَعَل» يصح للقيل والكثير.
قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ الله﴾ . أي: قل لهم يا محمد، يعني مشركي مكة وكانوا يتمنون موت محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كما قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون﴾ [الطور: 30] أرأيتم إن متنا، أو رحمنا، فأخرت آجالنا، يعني أنا ومن معي من المؤمنين فمن يجيركم من عذاب الله؟ فلا حاجة لكم إلى التربص بنا ولا إلى استعجال قيام الساعة.
وأسكن الياء في «أهْلَكَنِي» ابن محيصن والمسيبي وشيبة والأعمش وحمزة وفتحها الباقون.
وكلهم فتح الياء في «ومَنْ مَعِيَ» إلا أهل الكوفة فإنهم سكنوها، وفتحها حفص، كالجماعة.
قوله: ﴿قُلْ هُوَ الرحمن آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ . قد تقدم لِمَ أخر متعلق الإيمان وقدم متعلق التوكل، وأن التقديم يفيد الاختصاص.
قال القرطبيُّ: إنما قدم لوقوع «آمَنَّا» تعريضاً بالكافرين، حين ورد عقب ذكرهم، كأنه قيل: آمنا ولم نكفر كما كفرتم، ثم قال: «وعَليْهِ تَوكَّلْنَا» خصوصاً لم نتكل على ما أنتم متكلون عليه من رجالكم وأموالكم، قاله الزمخشري.
وقرأ الكسائي: «فَسَيْعلمُونَ» بياء الغيبة نظراً إلى قوله «الكَافِرينَ» .
والباقون: على الخطاب، إما على الوعيد وإما على الالتفات من الغيبة المرادة في قراءة الكسائي وهو تهديد لهم، أي: فستعملون عند معاينة العذاب من الضال نحن، أم أنتم.
قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ يا معشر قريش ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً﴾ أي: غائراً ذاهباً في الأرض لا تناله الدلاء، و «غَوْراً» خبر «أصْبَحَ» ، وجوز أبو البقاء: أن يكون حالاً على تمام «أصْبَحَ» ، لكنه استبعده.
وحكى أنه قرىء: «غُؤُوراً» - بضم الغين، وهمزة مضمومة، ثم واو ساكنة - على «فعول» وجعل الهمزة منقلبة عن واو مضمومة.
فصل في المراد بالماء
كان ماؤهم من بئرين: بئر زمزم وبئر ميمون ﴿فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ﴾ أي: جارٍ، قاله قتادة والضحاك.
فلا بد لهم أن يقولوا: لا يأتينا به إلا الله تعالى، فقل لهم: فلم تشركون به من لا يقدر على أن يأتيكم به.
يقال: غار الماء يغور غوراً: نضب، والغور: الغائر، وصف بالمصدر للمبالغة كما تقول: رجلٌ عدلٌ، ورضى.
كما تقدم في سورة الكهف.
قال ابن عباسٍ: «بِماءٍ مَعينٍ» أي: ظاهر تراه العيون، فهو مفعول.
وقيل: هو من معن الماءُ، أي: كثر، فهو على هذا «فَعِيل» .
وعن ابن عباس أيضاً: «فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ عذبٍ» .
روى أبو هريرة: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إنَّ سُورةً مِنْ كتابِ اللَّهِ ما هِيَ إلاَّ ثلاثُون آيَةً شَفَعتْ لرَجُلٍ فأخْرجتْهُ يَوْمَ القيامةِ مِن النَّارِ وأدْخلتْهُ الجَنَّةَ هِيَ سُورةُ تبَارَكَ» .
وعن عبد الله بن مسعود قال: إذا وضع الميت في قبره يؤت من قبل رجليه فيقال: ليس لكم عليه سبيل لأنه قد كان يقوم بي سورة «المُلْك» ثم يؤتى من قبل رأسه فيقول لسانه: ليس لكم عليه سبيل كان يقرأ بي سورة «المُلك» ، ثم قال: هي المانعة من عذاب الله وهي في التوراة سورة الملك، من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطنب.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «ودِدْتُ أنَّ ﴿تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك﴾ في قلبِ كُلِّ مُؤمِنٍ» .
سورة القلم
مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس وقتادة: من أولها إلى قوله: ﴿سنسمه على الخرطوم﴾ [القلم: 16] مكي، ومن بعد ذلك إلى قوله: ﴿فهم يكتبون﴾ [القلم: 47] مكي، ومن بعد ذلك إلى قوله تعالى ﴿من الصالحين﴾ [القلم: 50] مدني، وباقيها. قاله الماوردي.
الملك 67:30
والمراد بالقلة العدم، أو حقيقتها، أي: لا تشكرون هذه النعم، ولا توحدون الله تعالى، تقول: قلَّما أفعلُ كذا، أي: لا أفعله.
قال ابن الخطيب: وذكر السمع والبصر والفؤاد هاهنا تنبيهاً على دقيقه لطيفة، كأنه تعالى قال: أعطيتم هذه الأعضاء الثلاثة مع ما فيها من القوى الشريفة، فضيعتموها ولم تقبلوا ما سمعتموه ولا اعتبرتم بما أبصرتموه ولا تأملتم في عاقبة ما عقلتموه، فكأنكم ضيعتم هذه النعم، وأفسدتم هذه المواهب، فلهذا قال: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ .
قوله: ﴿قُلْ هُوَ الذي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ .
قال ابن الخطيب: اعلم أنه تعالى استدل بأحوال الحيوانِ أولاً، ثم بصفات الإنسانِ ثانياً، وهي السمع والبصر والعقل، ثم بحدوث ذاته ثالثاً، وهو قوله ﴿قُلْ هُوَ الذي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض﴾ واعلم أن الشروع في هذه الدلائل إنما كان لبيان صحة الحشر ليثبت ما ادعاه في قوله ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ولهذا ختم الآية بقوله ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ لأنه لما كانت القدرة على الخلق ابتداء توجب القدرة على الإعادة، فلهذا ختمها بقوله ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ .
فصل في معنى «ذرأكم»
قال ابن عباسٍ: خلقكم في الأرض.
وقال ابن بحر: نشركم فيها، وفرقكم فيها على ظهرها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فيجازي كلاًّ بعمله.
﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ، أي: متى يوم القيامة ومتى هذا العذابُ الذي تعدوننا به؟ .
قال أبو مسلم: إنه تعالى قال: ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ بلفظ المستقبلِ، وهذا يحتمل ما يوجد من الكفار من هذا القول في المستقبل، ويحتمل الماضي، والتقدير: وكانوا يقولون: متى هذا الوعد، ولعلهم كانوا يقولون ذلك سخرية، واستهزاء، وكانوا يقولونه إيهاماً للضعفة، ثم إنه تعالى أجاب عن هذا السؤالِ، فقال ﴿إِنَّمَا العلم عِنْدَ الله﴾ ، أي: قل لهم يا محمد: علم وقت قيام الساعة عند الله فلا يعلمه غيره، نظيره: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: 187] الآية ﴿وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: مخوف ومعلم لكم، ثم إنه تعالى بين حالهم عند ذلك الوعد وهو قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ﴾ ، أي: الموعود، أو العذاب زلفة، أي: قريباً، فهو حال.
وقال القرطبيُّ: «مصدر، بمعنى مزدلفاً، أي: قريباً، قاله مجاهد» .
ولا بد من حذف مضاف، أي: ذا زلفة، وجعل الزلفة مبالغة.
وقيل: «زُلْفَة» تقديره: مكاناً ذا زلفةٍ، فينتصب انتصاب المصدرِ.
فصل في المراد بالعذاب.
قال الحسنُ: عياناً. وأكثر المفسرين على أن المراد عذابُ الآخرةِ.
وقال مجاهدٌ: عذاب يوم بدر.
وقيل: رأوا ما يوعدون من الحشر قريباً منهم، لقوله ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ .
وقال ابن عباس: يعني علمهم الشيء قريباً.
قوله: «سِيئَتْ» ، الأصل: «ساء» أحزن وجوههم العذاب، ورؤيته، ثم بني للمفعول، وساء هنا ليست المرادفة ل «بئس» كما تقدم مراراً.
وأشم كسرة السين الضم: نافع وابن عامر والكسائي، كما فعلوا ذلك في ﴿سياء بِهِمْ﴾ [هود: 87] في «هود» كما تقدم. والباقون: بإخلاص الكسر، وتقدم تحقيق هذا وتصريفه في أول «البقرة» ، وأن فيه لغات عند قوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: 11] .
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس: «سِيْئَتْ» أي: اسودت وعليها الكآبة والغبرة.
يقال: ساء الشيءُ يسوء، فهو مسيء إذا قبح، وساء يساء إذا قبح، وهو فعل لازم ومتعدّ ومعنى ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ﴾ ، أي: قبحت، بان عليها الكآبةُ، وغشيها الكسوفُ والقترة وكلحوا.
قال الزجاج: تبين فيها السوء، أي: ساءهم ذلك العذاب وظهر على وجوههم سمة تدل على كفرهم، كقوله تعالى ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] .
قوله: ﴿وَقِيلَ هذا الذي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ﴾ ، أي: قال لهم الخزنة.
قال الفراء: «تفتعلون» من الدعاء. وهو قول أكثر العلماءِ، أي: تتمنون، وتسألون.
وقال ابن عباس: تكذبون، وتأويله: هذا الذي كنتم من أجله تدعون الأباطيل والأحاديث قاله الزجاج.
وقرأ العامة: بتشديد الدال مفتوحة.
فقيل: من الدعوى، أي: تدعون أنه لا جنة ولا نار، قاله الحسنُ.
وقيل: من الدعاء، أي: تطلبونه وتستعجلونه.
وقرأ الحسنُ وقتادةُ وأبو رجاء والضحاك، ويعقوب وأبو زيد وأبو بكر وابن أبي عبلة ونافع في رواية الأصمعي: بسكون الدالِ، وهي مؤيدة للقول بأنها من الدعاء في قراءة العامة.
وقال قتادة: هو قولهم: ﴿رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا﴾ [ص: 16] .
وقال الضحاك: هو قولهم: ﴿إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: 32] الآية.
وقال النحاس: تدَّعون، وتدْعون، بمعنى واحد، كما يقال: قدر واقتدر، وعدى واعتدى إلا أن في «افتعل» معنى شيء بعد شيء، و «فَعَل» يصح للقيل والكثير.
قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ الله﴾ . أي: قل لهم يا محمد، يعني مشركي مكة وكانوا يتمنون موت محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كما قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون﴾ [الطور: 30] أرأيتم إن متنا، أو رحمنا، فأخرت آجالنا، يعني أنا ومن معي من المؤمنين فمن يجيركم من عذاب الله؟ فلا حاجة لكم إلى التربص بنا ولا إلى استعجال قيام الساعة.
وأسكن الياء في «أهْلَكَنِي» ابن محيصن والمسيبي وشيبة والأعمش وحمزة وفتحها الباقون.
وكلهم فتح الياء في «ومَنْ مَعِيَ» إلا أهل الكوفة فإنهم سكنوها، وفتحها حفص، كالجماعة.
قوله: ﴿قُلْ هُوَ الرحمن آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ . قد تقدم لِمَ أخر متعلق الإيمان وقدم متعلق التوكل، وأن التقديم يفيد الاختصاص.
قال القرطبيُّ: إنما قدم لوقوع «آمَنَّا» تعريضاً بالكافرين، حين ورد عقب ذكرهم، كأنه قيل: آمنا ولم نكفر كما كفرتم، ثم قال: «وعَليْهِ تَوكَّلْنَا» خصوصاً لم نتكل على ما أنتم متكلون عليه من رجالكم وأموالكم، قاله الزمخشري.
وقرأ الكسائي: «فَسَيْعلمُونَ» بياء الغيبة نظراً إلى قوله «الكَافِرينَ» .
والباقون: على الخطاب، إما على الوعيد وإما على الالتفات من الغيبة المرادة في قراءة الكسائي وهو تهديد لهم، أي: فستعملون عند معاينة العذاب من الضال نحن، أم أنتم.
قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ يا معشر قريش ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً﴾ أي: غائراً ذاهباً في الأرض لا تناله الدلاء، و «غَوْراً» خبر «أصْبَحَ» ، وجوز أبو البقاء: أن يكون حالاً على تمام «أصْبَحَ» ، لكنه استبعده.
وحكى أنه قرىء: «غُؤُوراً» - بضم الغين، وهمزة مضمومة، ثم واو ساكنة - على «فعول» وجعل الهمزة منقلبة عن واو مضمومة.
فصل في المراد بالماء
كان ماؤهم من بئرين: بئر زمزم وبئر ميمون ﴿فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ﴾ أي: جارٍ، قاله قتادة والضحاك.
فلا بد لهم أن يقولوا: لا يأتينا به إلا الله تعالى، فقل لهم: فلم تشركون به من لا يقدر على أن يأتيكم به.
يقال: غار الماء يغور غوراً: نضب، والغور: الغائر، وصف بالمصدر للمبالغة كما تقول: رجلٌ عدلٌ، ورضى.
كما تقدم في سورة الكهف.
قال ابن عباسٍ: «بِماءٍ مَعينٍ» أي: ظاهر تراه العيون، فهو مفعول.
وقيل: هو من معن الماءُ، أي: كثر، فهو على هذا «فَعِيل» .
وعن ابن عباس أيضاً: «فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ عذبٍ» .
روى أبو هريرة: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إنَّ سُورةً مِنْ كتابِ اللَّهِ ما هِيَ إلاَّ ثلاثُون آيَةً شَفَعتْ لرَجُلٍ فأخْرجتْهُ يَوْمَ القيامةِ مِن النَّارِ وأدْخلتْهُ الجَنَّةَ هِيَ سُورةُ تبَارَكَ» .
وعن عبد الله بن مسعود قال: إذا وضع الميت في قبره يؤت من قبل رجليه فيقال: ليس لكم عليه سبيل لأنه قد كان يقوم بي سورة «المُلْك» ثم يؤتى من قبل رأسه فيقول لسانه: ليس لكم عليه سبيل كان يقرأ بي سورة «المُلك» ، ثم قال: هي المانعة من عذاب الله وهي في التوراة سورة الملك، من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطنب.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «ودِدْتُ أنَّ ﴿تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك﴾ في قلبِ كُلِّ مُؤمِنٍ» .
سورة القلم
مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس وقتادة: من أولها إلى قوله: ﴿سنسمه على الخرطوم﴾ [القلم: 16] مكي، ومن بعد ذلك إلى قوله: ﴿فهم يكتبون﴾ [القلم: 47] مكي، ومن بعد ذلك إلى قوله تعالى ﴿من الصالحين﴾ [القلم: 50] مدني، وباقيها. قاله الماوردي.
القلم 68:1
وهي اثنتان وخمسون آية، وثلاثمائة كلمة، وألف ومائتان وستة وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى «ن» كقوله ﴿ص والقرآن﴾ [ص: 1] ، وجواب القسم الجملة المنفية بعدها.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - هو الحوت الذي على ظهره الأرض، وهو قول مجاهدٍ ومقاتل والسدي والكلبي.
وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة ثم خلق النون فبسط الأرض على ظهره فتحرك النون، فمارت الأرض فأثبتت بالجبال وإن الجبال لتفخر على الأرض، ثم قرأ ابن عباس: ﴿ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ .
قال الواقديُّ: اسم النون ليوثا.
وقال كعب الأحبار: لوثوثا.
وعن علي: اسمه تلهوت.
وقيل: إنه أقسم بالحوت الذي ابتلع يونس - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -.
وقيل: الحوت الذي لطخ سهم نمروذ بدمه.
وقال الكلبي ومقاتل: اسم الحوت الذي على ظهر الأرض: البَهْمُوت.
قال الراجز: [الرجز]
4805 - مَا لِي أرَاكُمْ كُلَّكُمْ سُكُوتَا ... واللَّهُ ربِّي خَلقَ البَهْمُوتَا
وروى عكرمة عن ابن عباس: أن نون آخر حروف الرحمن.
وقيل: إنه اسم للدواةِ، وهو أيضاً مروي عن ابن عباس.
قال القرطبيُّ: وروى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «أوّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلمَ، ثُمَّ خلقَ النُّون، وهي الدَّواةُ، وذلك قوله تعالى» ن «والقلم» ومنه قول الشاعر: [الوافر]
4806 - إذَا مَا الشَّوْقُ يَبْرَحُ بِي إليْهِمْ ... وألفَى النُّون بالدَّمْعِ السِّجامِ
ويكون على هذا قسماً بالدواة والقلم، فإن المنفعة بهما عظيمة بسبب الكتابةِ. فإن التفاهم يحصل تارة بالنطق، وتارة بالكتابة.
وقيل: النون لوح من نون تكتب فيه الملائكةُ ما يؤمرون به، رواه معاوية بن قرة مرفوعاً.
وقيل: النون هو المداد الذي تكتب به الملائكة.
وقال عطاء وأبو العالية: هو افتتاح اسمه تعالى ناصر ونور ونصير، وقال محمد بن كعب: أقسم الله - تعالى - بنصره للمؤمنين.
وقال جعفر الصادق: هو نهر من أنهار الجنَّة يقال له: نون.
وقيل: هو الحرف المعروف من حروف المعجم، قاله القشيري.
قال: لأنه حرف لم يعرب فلو كان كلمة تامة أعرب به القلمُ، فهو إذن حرف هجاء، كما في أوائل السور.
قال الزمخشريُّ: «وأما قولهم: هو الدواة فما أدري أهو وضع لغوي، أو شرعي، ولا يخلو إذا كان اسماً للدواة من أن يكون جنساً، أو علماً، فإن كان جنساً فأين الإعراب والتنوينُ وإن كان علماً فأين الإعراب؟ وأيهما كان فلا بد له من موقع في تأليف الكلام؛ لأنك إذا جعلته مقسماً به وجب إن كان جنساً أن تجره وتنونه، ويكون القسم بدواة منكرة مجهولة، كأنه قيل: ودواة والقلم، وإن كان علماً أن تصرفه وتجره أو لا تصرفه وتفتحه للعلمية والتأنيث، وكذلك التفسير بالحوت إما أن يراد نون من النينان، أو يجعل علماً للبهموت الذي يزعمون، والتفسير باللوح من نور أو ذهب والنهر في الجنَّة نحو ذلك» .
قال شهاب الدين: «وهذا الذي أورده أبو القاسم من محاسن علم الإعراب، وقلَّ من يتقنه» .
وقال ابن الخطيب بعد ذكر القول بأنه آخر حروف اسم الرحمن: وهذا ضعيف، لأن تجويزه يفتح باب ترهات الباطنية بل الحق هاهنا أنه اسم للسورة، أو يكون الغرض منه التحدي، وسائر الوجوه المذكورة في أول سورة البقرة.
فصل في قراءات «ن»
قرأ العامة: «نُونْ» ساكن النون كنظائره.
وأدغم ابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم بلا خلاف، وورش بخلاف عنه النون في الواو، وأظهرها الباقون.
قال الفراء: «وإظهارها أعجب إليَّ، لأنها هجاء، والهجاء كالموقوف عليه وإن اتصل» ونقل عمن أدغم الغنَّة، وعدمها.
وقرأ ابن عباس والحسن وأبو السِّمال وابن أبي إسحاقَ: بكسر النون.
وسعيد بن جبير وعيسى بخلاف عنه: بفتحها.
فالأولى على التقاء الساكنين، ولا يجوز أن يكون مجروراً على القسم حذف حرف الجر وبقي عمله، كقولهم «اللَّهِ لأفعلَنَّ» ، لوجهين:
أحدهما: أنه مختص بالجلالة المعظمة نادر فيما عداها.
والثاني: أنه كان ينبغي أن ينون، ولا يحسن أن يقال: هو ممنوع الصرف اعتباراً بتأنيث السورة، لأنه كان ينبغي ألاَّ يظهر فيه الجر بالكسر ألبتة.
وأما الفتح، فيحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون بناء، وأوثر على الأصل للخفة ك «أين وكيف» .
الثاني: أن يكون مجروراً بحرف القسم المقدر على لغة ضعيفة، وقد تقدم ذلك في قراءة «فالحقّ والحقِّ» [ص: 84] ، بجرّ «الحقّ» ، ومنعت الصرف اعتباراً بالسورة.
والثالث: أن يكون منصوباً بفعل محذوف، أي:، اقرأوا نوناً ثم ابتدأ قسماً بقوله: «والقَلمِ» أو يكون منصوباً بعد حذف حرف القسم؛ كقوله: [الوافر]
- 4807 ... ... ... ... ... ... ... ... . ... فَذَاكَ أمَانَةَ اللَّهِ الثَّريدُ
ومنع الصرف لما تقدم، وهذا أحسن لعطف العلم على محله.
قوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ .
«ما» موصولة، اسمية أو حرفية، أي: والذي يسطرونه من الكتب، وهم الكتَّاب والحفظة من الملائكة وسطرهم.
والضمير عائد على من يسطر لدلالة السياق عليه ولذكر الآلة المكتتب بها.
وقال الزمخشري يجوز أن يراد بالقلم أصحابه فيكون الضمير في «يَسْطُرونَ» لهم.
يعني فيصير كقوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ﴾ [النور: 40] تقديره: أو كذي ظلمات فالضمير في «يغْشَاه» يعود على «ذي» المحذوف.
فصل في المراد بالقلم
في «القلم» المقسم به قولان:
أحدهما: أن المراد به الجنس، وهو واقع على كل قلم يكتب به في السماء والأرض، قال تعالى:
﴿وَرَبُّكَ الأكرم الذى عَلَّمَ بالقلم عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 3، 4، 5] ، ولأنه ينتفع به كما ينتفع بالنطق كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ البيان﴾ [الرحمن: 3، 4] ، فالقلم يبين كما يبين اللسان في المخاطبة بالكتابة للغائب والحاضر.
والثاني: أنه القلم الذي جاء في الخبر، عن ابن عباسٍ: أول ما خلق الله القلم ثم قال له: اكتب قال: ما أكتب؟ قال: ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة من عملٍ، أو أجلٍ، أو رزقٍ، أو أثرٍ، فجرى القلمُ بما هو كائن إلى يوم القيامة، قال: ثم ختم في القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة، قال: وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض.
وروى مجاهد، قال: أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب القدر، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه.
قال القاضي: هذا الخبر يجب حمله على المجاز؛ لأن القلم آلة مخصوصة للكتابة، ولا يجوز أن يكون حياً عاقلاً فيؤمر وينهى؛ فإن الجمع بين كونه حيواناً مكلفاً وبين كونه آلة للكتابة محال بل المراد منه أنه تعالى أجراه بكل ما يكون وهو كقوله تعالى ﴿إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 47] فإنه ليس هناك أمر، ولا تكليف، وهو مجرد نفاذ القدرةِ في المقدور من غير منازعة، ولا مدافعة.
وقيل: القلم المذكور هو العقل وأنه شيء هو كالأصل لجميع المخلوقات، قالوا: والدليل عليه أنه قد روي في الأخبار: أن أول ما خلق الله القلم.
وفي خبر آخر: أول ما خلق الله العقل، فقال الجبار: ما خلقت خلقاً أعجب إلي منك، وعزتي وجلالي لأكلمنك فيمن أحببت ولأبغضنك فيمن أبغضت، قال: ثم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أكمل النَّاسِ عقلاً أطوْعهُمْ للَّهِ وأعْلمُهُمْ بطاعته.
وفي خبر آخر: أول ما خلق الله جوهرة، فنظر إليها بعين الهيبة فذابت، وسخنت، فارتفع منها دخان وزبد، فخلق من الدخان السموات، ومن الزبد الأرض.
قالوا: فهذه الأخبار بمجموعها تدل على أن القلم والعقل وتلك الجوهرة التي هي أصل المخلوقات شيء واحد، وإلا حصل التناقض.
قوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ ، أي: وما يكتبون، يريد: الملائكة يكتبون أعمال بني آدم.
قال ابن عباس.
وقيل: وما يكتبون الناس ويتفاهمون به.
وقال ابن عباس: معنى ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ وما يعملون.
؟؟؟؟ قال ابن الخطيب: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ مع ما بعدهما في تقدير المصدر فيحتمل أن يكون المراد وسطرهم، فيكون القسم واقعاً بنفس الكتابةِ، ويحتمل أن يكون المرادُ به المسطور والمكتوب، فإن حمل القلم على كل قلم في مخلوقات الله تعالى، فكأنه تعالى أقسم بكل قلم، وبكل ما يكتب بكل قلم وقيل: المرادُ ما يسطرهُ الحفظة الكرام، ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه، فيكون الضمير في «يَسْطرُونَ» لهم، كأنه قيل: وأصحاب القلم، وسطرهم، أو مسطوراتهم، وإن حمل على القلم المعين، فيحتمل أن يكون المراد بقوله «ومَا يَسْطُرونَ» ، أي: وما يسطرون فيه، وهو اللوح المحفوظ ولفظ الجمع في قوله «يَسْطُرونَ» ليس المراد منه الجمع بل التعظيم، ويكون المراد تلك الأشياء التي سطرت فيه من جميع الأمور الكائنة إلى يوم القيامة.
قوله ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ .
قد تقدم الكلام على نظيره في «الطُّور» في قوله ﴿فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ﴾ [الطور: 29] .
إلا أن الزمخشري قال هنا: «فإن قلت: بم تتعلق الباء في» بِنعْمَةِ ربِّك «وما محله؟ قلت: متعلق بمجنون منفياً كما يتعلق بعاقل مثبتاً كقولك: أنت بنعمة ربِّك عاقل، مستوياً في ذلك الإثبات والنفي استواءهما في قولك: ضرب زيد عمراً، وما ضرب زيد عمراً، فعمل الفعل منفياً ومثبتاً إعمالاً واحداً، ومحله النصب على الحال كأنه قال: ما أنت مجنوناً منعماً عليك بذلك، ولم تمنع الباء أن يعمل» مَجْنُون «فيما قبله، لأنها زائدة لتأكيد النفي» .
قال أبو حيَّان: «وما ذهب إليْهِ الزمخشريُّ، من أن الباء يتعلق بمجنون، وأنه في موضع الحال يحتاج إلى تأمل، وذلك أنه إذا تسلط النفي في محكوم به، وذلك له معمول، ففي ذلك طريقان:
أحدهما: أن النفي يسلط على المعمول فقط.
والآخر: أن يسلط النفي على المحكوم به فينتفي معموله لانتفائه، ببيان ذلك أن تقول: ما زيد قائم مسرعاً، فالمتبادر إلى الذهن أنه منتف إسراعه دون قيامه، فيكون قد قام غير مسرع، والوجه الآخر: أنه انتفى قيامه فانتفى إسراعه، أي: لا قيام، فلا إسراع، وهذا الذي قررناه لا يتأتى معه قول الزمخشري، بل يؤدي إلى ما لا يجوز النطق به في حق المعصوم» انتهى.
واختار أبو حيان أن يكون «بِنعمَةِ» قسماً معترضاً به بين المحكوم عليه والحكم على سبيل التأكيد والتشديد والمبالغة في انتفاء الوصف الذميم.
وقال ابن عطية: «بنِعْمةِ ربِّك» اعتراض، كما تقول للإنسان: أنت بحمد الله فاضل، قال: ولم يبين ما تتعلق به الباء في «بِنعْمَةِ» .
قال شهاب الدين: والذي تتعلق به الباء في هذا النحو معنى مضمون الجملة نفياً وإثباتاً كأنه قيل: انتفى عنك ذلك بحمد الله، والباء سببية، وثبت ذلك الفضل بحمد الله تعالى، وأما المثال الذي ذكره، فالباء تتعلق فيه بلفظ «فاضل» وقد نحا صاحب «المُنَتخَب» إلى هذا فقال: المعنى انتفى عنك الجنون بنعمة ربك.
وقيل: معناه مَا أنْتَ مجنُونٌ والنعمة لربك، كقولهم: سبحانك اللهم وبحمدك، أي: والحمد لله؛ وقول لبيد: [الطويل]
4808 - وأفْرِدْتُ في الدُّنْيَا بفقْدِ عشِيرَتِي ... وفَارقَنِي جارٌ بأربدَ نَافِعُ
أي وهو أربد، وهذا ليس بتفسير إعراب بل تفسير معنى.
فصل في إعراب الآية
قوله تعالى: ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ . هذا جواب القسم، وهو نفي.
قال الزجاج: «أنت» هو اسم «مَا» و «مَجْنُون» الخبر، وقوله: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ كلام وقع في الوسط، أي: انتفى عنك الجنون بنعمة ربك، كما يقال: أنت بحمد الله عاقل.
روى ابن عباس: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ غاب عن خديجة إلى حراء، وطلبته، فلم تجده، فإذا به ووجهه متغير بلا غبار، فقالت: ما لك؟ .
فذكر جبريل - عليه السلام - وأنه قال له: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ﴾ [العلق: 1] ، فهو أول من نزل من القرآن، قال: ثم نزل بي إلى قرار الأرض، فتوضأ، وتوضأت، ثم صلى، وصليت معه ركعتين، وقال: هكذا الصلاة - يا محمد - فذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك لخديجة، فذهبت خديجة إلى ورقة بن نوفل - وهو ابن عمها - وكان قد خالف دين قومه ودخل في النصرانية، فسألته فقال: أرسلي إليّ محمداً، فأرسلته فقال: هل أمرك جبريل - عليه السلام - أن تدعو أحداً؟ فقال: لا فقال: والله لئن بقيت إلى دعوتك لأنصرنك نصراً عزيزاً، ثم مات قبل دعاء الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ووقعت تلك الواقعة في ألسنة كفار قريش، فقالوا: إنه مجنون، فأقسم الله تعالى على أنه ليس بمجنون، وهو خمس آياتٍ من أول هذه السورة، قال ابن عباسٍ: أول ما نزل قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ﴾ [الأعلى: 1] ، وهذه الآية هي الثانية، نقله ابن الخطيب.
وذكر القرطبيُّ: أن المشركين كانوا يقولون للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: مجنون به شيطان وهو قوله ﴿يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: 6] فأنزل الله تعالى رداً عليهم وتكذيباً لقولهم ﴿فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ [الطور: 29] أي: برحمة ربك، والنعمة هاهنا الرحمة. وقال عطاء وابن عباس: يريد بنعمة ربِّك عليك بالإيمان والنبوة.
قال القرطبي: «ويحتمل أن النعمة - هاهنا - قسم، تقديره: ما أنت، ونعمة ربك بمجنون لأن الواو والباء من حروف القسم» وقد تقدم.
فصل
قال ابن الخطيب: اعلم أنه تعالى وصفه - هاهنا - بصفات ثلاث:
الأولى: نفي الجنون عنه ثم قرن بهذه الدعوى ما يكون كالدلالة القاطعة على صحتها، لأن قوله: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ يدل على أن نعم اللَّه تعالى ظاهرة في حقه من الفصاحة التامة، والعقل الكامل، والسيرة المرضية، والبراء من كل عيب، والاتصاف بكل مكرمة، وإذا كانت هذه النعم ظاهرة محسوسة ووجودها ينافي حصول الجنونِ، فالله تعالى نبه على أن هذه الحقيقة جارية مجرى الدلالة اليقينية على كذبهم في قولهم: «إنه مجنُون» .
الصفة الثانية: قوله: ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: ثواباً على ما تحملت غير منقوص ولا مقطوع منه، يقال: منَّ الشيء إذا ضعف، ويقال: مننت الحبل إذا قطعته، وحبل منين إذا كان غير متين.
قال لبيدٌ: [الكامل]
4809 - ... ... ... ... ... ... ... . ... غُبْسٌ كَواسِبُ مَا يُمَنُّ طَعَامُهَا أي: لا يقطع، يصف كلاباً ضارية، ونظيره قوله تعالى ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108] ، وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: «غَيْرَ مَمْنُونٍ» أي: غير محسوب عليك، قالت المعتزلة: لأنك تستوجبه على [عملك] ، وجوابهم: إن حملهم على هذا يقتضي التكرار، لأن قوله «أجراً» يفيده، وقال الحسنُ: غير مكدر بالمن.
وقال الضحاك: أجراً بغير عمل، واختلفوا في هذا الأجرِ على أي شيء حصل؟ فقيل: معناه إن لك على احتمال هذا الطعن، والقول القبيح أجراً عظيماً دائماً.
وقيل: إن لك في إظهار النبوةِ، والمعجزات في دعاء الخلق إلى الله تعالى وفي بيان الشرع لهم هذا الأجر الخالص الدائم فلا يمنعك نسبتهم إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا المهم العظيم فإن لك بسببه المنزلةَ العالية.
الصفة الثالثة: قوله: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .
قال ابن عباس ومجاهدٌ: «على خُلقٍ» على دين عظيمٍ من الأديان، ليس دين أحب إلى الله، ولا أرضى عنده منه.
وروى مسلم عن عائشة: أن خلقه كان القرآن.
وقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: هو أدب القرآن.
وقيل: رفقه بأمته، وإكرامه إياهم.
وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أمر اللَّهِ، وينتهي عنه مما نهى الله عنه.
وقيل: إنَّك على طبع كريم.
وقال الماوردي: حقِيقَةُ الخُلقِ في اللُّغةِ ما يأخذُ بِهِ الإنسانُ في نفْسِهِ من الأدبِ يُسَمَّى خُلُقاً، لأنَّه يصير كالخلقة فيه فأما ما طُبع عليه من الأدبِ فهو الخِيمُ، فيكون الخلق: الطبع المتكلف، والخِيم: الطبع الغريزي.
قال القرطبي: «ما ذكره مسلم في صحيحه عن عائشة أصح الأقوالِ، وسئلت أيضاً عن خلقه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فقرأت ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ [المؤمنون: 1] إلى عشر آياتٍ» .
قال ابن الخطيب: وهذا إشارة إلى أن نفسه القدسية كانت بالطبع منجذبة إلى عالم الغيبِ وإلى كل ما يتعلق بها، وكانت شديدة النفرة من اللذات البدنية، والسعادات الدنيوية بالطبع، ومقتضى الفطرة، وقالت: مَا كَانَ أحدٌ أحْسنَ خُلُقاً من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما دعاه أحدٌ من الصحابة ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك، ولذلك قال الله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ولم يذكر خلق محمود إلا وكان للنبي الحظ الأوفر.
وقال الجنيد: سمى خلقه عظيماً لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، بدليل قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «إنَّ اللَّه بَعَثنِي لأتمِّمَ مكارِمَ الأخْلاق» .
فصل
قال ابن الخطيب: قوله: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ كالتفسير لما تقدم من قوله تعالى: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ وتعريف لمن رماه بالجنون بأن ذلك كذب وخطأ؛ لأن الأخلاق الحميدة والأفعال المرضية كانت ظاهرة منه، وإذا كان موصوفاً بتلك الأخلاق والأفعال، لم يجز إضافة الجنون إليه؛ لأن أخلاق المجانين سيئة، ولما كانت أخلاقه الحميدة صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كاملة لا جرم وصفها الله بأنها عظيمة، ولهذا قال:
﴿مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ المتكلفين﴾ [ص: 86] أي: لست مكلفاً فيما يظهر لكم من الأخلاق، لأنه تعالى قال: ﴿أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده﴾ [الأنعام: 90] فهذا الهدي الذي أمر الله محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالاقتداءِ به ليس هو معرفة الله تعالى؛ لأن ذلك تقليداً، وهو غير لائق بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وليس هو الشرائع؛ لأن شريعته كشرائعهم، فتعين أن يكون المراد منه أمره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأن يقتدي بكل واحد من الأنبياء فيما اختص به من الخلقِ الكريمِ، وكان كل واحد منهم مختصاً بنوع واحدٍ، فلما أمر محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأن يقتدي بالكل، فكأنه أمر بمجموع ما كان متفرقاً فيهم، ولما كان ذلك درجة عالية لم تتيسر لأحدٍ من الأنبياء قبله - لا جرم - وصف الله خلقه بأنه عظيم، وكلمة «عَلَى» للاستعلاءِ فدل اللفظ على أنه مستعل على هذه الأخلاقِ، ومستول عليها، وأنه بالنسبة إلى هذه الأخلاق الحميدة كالمولى بالنسبة إلى العبد، وكالأمير بالنسبة إلى المأمور.
وقد ورد أحاديث كثيرةٌ صحيحةٌ في مدح الخلق الحسن، وذم الخلق السّيّىء.
قوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ .
قال ابن عباس: معناه فستعلم ويعلمون يوم القيامة.
وقيل: فسترى وترون يوم القيامة حتى يتبين الحق والباطل.
وقيل: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ في الدنيا كيف تكون عاقبة أمرك وأمرهم فإنك تصير معظماً في القلوب، ويصيرون ذليلين ملعونين ويستولى عليهم بالقتل والنهب.
قال مقاتل بن حيان: هذا وعيد العذاب ببدر.
قوله ﴿بِأَيِّكُمُ المفتون﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: أن الباء مزيدة في المبتدأ، والتقدير: أيكم المفتون، فزيدت كزيادتها في نحو «بحسبك زيد» ، وإلى هذا ذهب قتادة وأبو عبيدة معمر بن المثنى.
إلا أنه ضعيف من حيث إن الباء لا تزاد في المبتدأ إلا في «حَسْبُك» فقط.
الثاني: أن الباء بمعنى «فِي» فهي ظرفية، كقولك: «زيْدٌ بالبصرةِ» أي: فيها، والمعنى: في أي فرقة، وطائفة منكم المفتون: أي المجنون في فرقة الإسلام أم في فرقة الكفار؟ وإليه ذهب مجاهد والفراء.
ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة: «فِي أيكمُ» .
والثالث: أنه على حذف مضاف، أي «بأيكم فتن المفتون» فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وإليه ذهب الأخفش. وتكون الباء سببية.
والرابع: أن المفتون مصدر جاء على «مفعول» ك «المعقول» و «الميسور» ، والتقدير: «بأيكمُ المفْتُونُ» .
فعلى القول الأول يكون الكلام تاماً عند قوله: «ويُبْصرُونَ» ، ويبتدأ بقوله «بأيكمُ المفتُونُ» .
وعلى الأوجه بعده تكون الباء متعلقة بما قبلها، ولا يوقف على «يُبْصِرُونَ» .
وعلى الأوجه الأول الثلاثة يكون «المَفْتُونُ» اسم مفعول على أصله، وعلى الوجه الرابع يكون مصدراً، وينبغي أن يقال: إن الكلام إنما يتم على قوله «المَفْتُونُ» سواء قيل: بأن الباء مزيدة أم لا، لأن قوله ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ معلق بالاستفهام بعده، لأنه فعل بمعنى الرؤية البصرية تعلق على الصحيحِ، بدليل قولهم: أما ترى أن برق هاهنا، فكذلك الإبصار، لأنه هو الرؤية بالعين، فعلى القول بزيادة الباء، تكون الجملة الاستفهامية في محل نصب؛ لأنها واقعة موضع مفعول الإبصار.
فصل
قال القرطبيُّ: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ بأيكم المفتون، الذي فتن بالجنون، كقوله تعالى: ﴿تَنبُتُ بالدهن﴾ [المؤمنون: 20] و ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله﴾ [الإنسان: 6] ، وهو قول قتادة وأبي عبيدة كما تقدم وقيل: الباء ليست مزيدة، والمعنى «بأيكم المفتون» أي: الفتنة، وهو مصدر على وزن المفعول ويكون المعنى: المفتون، كقولهم: ما لفلان مجلود ولا معقول، أي: عقل ولا جلادة، قاله الحسن والضحاك وابن عباس.
قال الراعي: [الكامل]
4810 - حَتَّى إذَا لَمْ يَتركُوا لِعظامِهِ ... لَحْماً ولا لفُؤادِهِ مَعْقُولا
أي عقلاً، والمفتون المجنون الذي فتنه الشيطانُ.
وقيل: المفتون المعذب من قول العرب فتنت الذهب بالنار، إذا حميته، قال تعالى ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾ [الجن: 13] أي: يعذبون وقيل: المفتون: الشيطان؛ لانه مفتون في دينه , وكانوا يقولون: إن به شيطاناً , وعنوا بالمجنون هذا فقال الله تعالى لهم: فسيعلمون غداً بأيهم [المجنون] أي: الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون واختلاط العقل. قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ . أي: إن الله هو العالم بمن حاد عن دينه ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِ الْمُهْتَدِينَ﴾ , أي: الذين هم على الهدى، فيجازي كلاًّ غداً.
القلم 68:2
وهي اثنتان وخمسون آية، وثلاثمائة كلمة، وألف ومائتان وستة وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى «ن» كقوله ﴿ص والقرآن﴾ [ص: 1] ، وجواب القسم الجملة المنفية بعدها.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - هو الحوت الذي على ظهره الأرض، وهو قول مجاهدٍ ومقاتل والسدي والكلبي.
وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة ثم خلق النون فبسط الأرض على ظهره فتحرك النون، فمارت الأرض فأثبتت بالجبال وإن الجبال لتفخر على الأرض، ثم قرأ ابن عباس: ﴿ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ .
قال الواقديُّ: اسم النون ليوثا.
وقال كعب الأحبار: لوثوثا.
وعن علي: اسمه تلهوت.
وقيل: إنه أقسم بالحوت الذي ابتلع يونس - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -.
وقيل: الحوت الذي لطخ سهم نمروذ بدمه.
وقال الكلبي ومقاتل: اسم الحوت الذي على ظهر الأرض: البَهْمُوت.
قال الراجز: [الرجز]
4805 - مَا لِي أرَاكُمْ كُلَّكُمْ سُكُوتَا ... واللَّهُ ربِّي خَلقَ البَهْمُوتَا
وروى عكرمة عن ابن عباس: أن نون آخر حروف الرحمن.
وقيل: إنه اسم للدواةِ، وهو أيضاً مروي عن ابن عباس.
قال القرطبيُّ: وروى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «أوّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلمَ، ثُمَّ خلقَ النُّون، وهي الدَّواةُ، وذلك قوله تعالى» ن «والقلم» ومنه قول الشاعر: [الوافر]
4806 - إذَا مَا الشَّوْقُ يَبْرَحُ بِي إليْهِمْ ... وألفَى النُّون بالدَّمْعِ السِّجامِ
ويكون على هذا قسماً بالدواة والقلم، فإن المنفعة بهما عظيمة بسبب الكتابةِ. فإن التفاهم يحصل تارة بالنطق، وتارة بالكتابة.
وقيل: النون لوح من نون تكتب فيه الملائكةُ ما يؤمرون به، رواه معاوية بن قرة مرفوعاً.
وقيل: النون هو المداد الذي تكتب به الملائكة.
وقال عطاء وأبو العالية: هو افتتاح اسمه تعالى ناصر ونور ونصير، وقال محمد بن كعب: أقسم الله - تعالى - بنصره للمؤمنين.
وقال جعفر الصادق: هو نهر من أنهار الجنَّة يقال له: نون.
وقيل: هو الحرف المعروف من حروف المعجم، قاله القشيري.
قال: لأنه حرف لم يعرب فلو كان كلمة تامة أعرب به القلمُ، فهو إذن حرف هجاء، كما في أوائل السور.
قال الزمخشريُّ: «وأما قولهم: هو الدواة فما أدري أهو وضع لغوي، أو شرعي، ولا يخلو إذا كان اسماً للدواة من أن يكون جنساً، أو علماً، فإن كان جنساً فأين الإعراب والتنوينُ وإن كان علماً فأين الإعراب؟ وأيهما كان فلا بد له من موقع في تأليف الكلام؛ لأنك إذا جعلته مقسماً به وجب إن كان جنساً أن تجره وتنونه، ويكون القسم بدواة منكرة مجهولة، كأنه قيل: ودواة والقلم، وإن كان علماً أن تصرفه وتجره أو لا تصرفه وتفتحه للعلمية والتأنيث، وكذلك التفسير بالحوت إما أن يراد نون من النينان، أو يجعل علماً للبهموت الذي يزعمون، والتفسير باللوح من نور أو ذهب والنهر في الجنَّة نحو ذلك» .
قال شهاب الدين: «وهذا الذي أورده أبو القاسم من محاسن علم الإعراب، وقلَّ من يتقنه» .
وقال ابن الخطيب بعد ذكر القول بأنه آخر حروف اسم الرحمن: وهذا ضعيف، لأن تجويزه يفتح باب ترهات الباطنية بل الحق هاهنا أنه اسم للسورة، أو يكون الغرض منه التحدي، وسائر الوجوه المذكورة في أول سورة البقرة.
فصل في قراءات «ن»
قرأ العامة: «نُونْ» ساكن النون كنظائره.
وأدغم ابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم بلا خلاف، وورش بخلاف عنه النون في الواو، وأظهرها الباقون.
قال الفراء: «وإظهارها أعجب إليَّ، لأنها هجاء، والهجاء كالموقوف عليه وإن اتصل» ونقل عمن أدغم الغنَّة، وعدمها.
وقرأ ابن عباس والحسن وأبو السِّمال وابن أبي إسحاقَ: بكسر النون.
وسعيد بن جبير وعيسى بخلاف عنه: بفتحها.
فالأولى على التقاء الساكنين، ولا يجوز أن يكون مجروراً على القسم حذف حرف الجر وبقي عمله، كقولهم «اللَّهِ لأفعلَنَّ» ، لوجهين:
أحدهما: أنه مختص بالجلالة المعظمة نادر فيما عداها.
والثاني: أنه كان ينبغي أن ينون، ولا يحسن أن يقال: هو ممنوع الصرف اعتباراً بتأنيث السورة، لأنه كان ينبغي ألاَّ يظهر فيه الجر بالكسر ألبتة.
وأما الفتح، فيحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون بناء، وأوثر على الأصل للخفة ك «أين وكيف» .
الثاني: أن يكون مجروراً بحرف القسم المقدر على لغة ضعيفة، وقد تقدم ذلك في قراءة «فالحقّ والحقِّ» [ص: 84] ، بجرّ «الحقّ» ، ومنعت الصرف اعتباراً بالسورة.
والثالث: أن يكون منصوباً بفعل محذوف، أي:، اقرأوا نوناً ثم ابتدأ قسماً بقوله: «والقَلمِ» أو يكون منصوباً بعد حذف حرف القسم؛ كقوله: [الوافر]
- 4807 ... ... ... ... ... ... ... ... . ... فَذَاكَ أمَانَةَ اللَّهِ الثَّريدُ
ومنع الصرف لما تقدم، وهذا أحسن لعطف العلم على محله.
قوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ .
«ما» موصولة، اسمية أو حرفية، أي: والذي يسطرونه من الكتب، وهم الكتَّاب والحفظة من الملائكة وسطرهم.
والضمير عائد على من يسطر لدلالة السياق عليه ولذكر الآلة المكتتب بها.
وقال الزمخشري يجوز أن يراد بالقلم أصحابه فيكون الضمير في «يَسْطُرونَ» لهم.
يعني فيصير كقوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ﴾ [النور: 40] تقديره: أو كذي ظلمات فالضمير في «يغْشَاه» يعود على «ذي» المحذوف.
فصل في المراد بالقلم
في «القلم» المقسم به قولان:
أحدهما: أن المراد به الجنس، وهو واقع على كل قلم يكتب به في السماء والأرض، قال تعالى:
﴿وَرَبُّكَ الأكرم الذى عَلَّمَ بالقلم عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 3، 4، 5] ، ولأنه ينتفع به كما ينتفع بالنطق كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ البيان﴾ [الرحمن: 3، 4] ، فالقلم يبين كما يبين اللسان في المخاطبة بالكتابة للغائب والحاضر.
والثاني: أنه القلم الذي جاء في الخبر، عن ابن عباسٍ: أول ما خلق الله القلم ثم قال له: اكتب قال: ما أكتب؟ قال: ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة من عملٍ، أو أجلٍ، أو رزقٍ، أو أثرٍ، فجرى القلمُ بما هو كائن إلى يوم القيامة، قال: ثم ختم في القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة، قال: وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض.
وروى مجاهد، قال: أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب القدر، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه.
قال القاضي: هذا الخبر يجب حمله على المجاز؛ لأن القلم آلة مخصوصة للكتابة، ولا يجوز أن يكون حياً عاقلاً فيؤمر وينهى؛ فإن الجمع بين كونه حيواناً مكلفاً وبين كونه آلة للكتابة محال بل المراد منه أنه تعالى أجراه بكل ما يكون وهو كقوله تعالى ﴿إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 47] فإنه ليس هناك أمر، ولا تكليف، وهو مجرد نفاذ القدرةِ في المقدور من غير منازعة، ولا مدافعة.
وقيل: القلم المذكور هو العقل وأنه شيء هو كالأصل لجميع المخلوقات، قالوا: والدليل عليه أنه قد روي في الأخبار: أن أول ما خلق الله القلم.
وفي خبر آخر: أول ما خلق الله العقل، فقال الجبار: ما خلقت خلقاً أعجب إلي منك، وعزتي وجلالي لأكلمنك فيمن أحببت ولأبغضنك فيمن أبغضت، قال: ثم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أكمل النَّاسِ عقلاً أطوْعهُمْ للَّهِ وأعْلمُهُمْ بطاعته.
وفي خبر آخر: أول ما خلق الله جوهرة، فنظر إليها بعين الهيبة فذابت، وسخنت، فارتفع منها دخان وزبد، فخلق من الدخان السموات، ومن الزبد الأرض.
قالوا: فهذه الأخبار بمجموعها تدل على أن القلم والعقل وتلك الجوهرة التي هي أصل المخلوقات شيء واحد، وإلا حصل التناقض.
قوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ ، أي: وما يكتبون، يريد: الملائكة يكتبون أعمال بني آدم.
قال ابن عباس.
وقيل: وما يكتبون الناس ويتفاهمون به.
وقال ابن عباس: معنى ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ وما يعملون.
؟؟؟؟ قال ابن الخطيب: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ مع ما بعدهما في تقدير المصدر فيحتمل أن يكون المراد وسطرهم، فيكون القسم واقعاً بنفس الكتابةِ، ويحتمل أن يكون المرادُ به المسطور والمكتوب، فإن حمل القلم على كل قلم في مخلوقات الله تعالى، فكأنه تعالى أقسم بكل قلم، وبكل ما يكتب بكل قلم وقيل: المرادُ ما يسطرهُ الحفظة الكرام، ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه، فيكون الضمير في «يَسْطرُونَ» لهم، كأنه قيل: وأصحاب القلم، وسطرهم، أو مسطوراتهم، وإن حمل على القلم المعين، فيحتمل أن يكون المراد بقوله «ومَا يَسْطُرونَ» ، أي: وما يسطرون فيه، وهو اللوح المحفوظ ولفظ الجمع في قوله «يَسْطُرونَ» ليس المراد منه الجمع بل التعظيم، ويكون المراد تلك الأشياء التي سطرت فيه من جميع الأمور الكائنة إلى يوم القيامة.
قوله ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ .
قد تقدم الكلام على نظيره في «الطُّور» في قوله ﴿فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ﴾ [الطور: 29] .
إلا أن الزمخشري قال هنا: «فإن قلت: بم تتعلق الباء في» بِنعْمَةِ ربِّك «وما محله؟ قلت: متعلق بمجنون منفياً كما يتعلق بعاقل مثبتاً كقولك: أنت بنعمة ربِّك عاقل، مستوياً في ذلك الإثبات والنفي استواءهما في قولك: ضرب زيد عمراً، وما ضرب زيد عمراً، فعمل الفعل منفياً ومثبتاً إعمالاً واحداً، ومحله النصب على الحال كأنه قال: ما أنت مجنوناً منعماً عليك بذلك، ولم تمنع الباء أن يعمل» مَجْنُون «فيما قبله، لأنها زائدة لتأكيد النفي» .
قال أبو حيَّان: «وما ذهب إليْهِ الزمخشريُّ، من أن الباء يتعلق بمجنون، وأنه في موضع الحال يحتاج إلى تأمل، وذلك أنه إذا تسلط النفي في محكوم به، وذلك له معمول، ففي ذلك طريقان:
أحدهما: أن النفي يسلط على المعمول فقط.
والآخر: أن يسلط النفي على المحكوم به فينتفي معموله لانتفائه، ببيان ذلك أن تقول: ما زيد قائم مسرعاً، فالمتبادر إلى الذهن أنه منتف إسراعه دون قيامه، فيكون قد قام غير مسرع، والوجه الآخر: أنه انتفى قيامه فانتفى إسراعه، أي: لا قيام، فلا إسراع، وهذا الذي قررناه لا يتأتى معه قول الزمخشري، بل يؤدي إلى ما لا يجوز النطق به في حق المعصوم» انتهى.
واختار أبو حيان أن يكون «بِنعمَةِ» قسماً معترضاً به بين المحكوم عليه والحكم على سبيل التأكيد والتشديد والمبالغة في انتفاء الوصف الذميم.
وقال ابن عطية: «بنِعْمةِ ربِّك» اعتراض، كما تقول للإنسان: أنت بحمد الله فاضل، قال: ولم يبين ما تتعلق به الباء في «بِنعْمَةِ» .
قال شهاب الدين: والذي تتعلق به الباء في هذا النحو معنى مضمون الجملة نفياً وإثباتاً كأنه قيل: انتفى عنك ذلك بحمد الله، والباء سببية، وثبت ذلك الفضل بحمد الله تعالى، وأما المثال الذي ذكره، فالباء تتعلق فيه بلفظ «فاضل» وقد نحا صاحب «المُنَتخَب» إلى هذا فقال: المعنى انتفى عنك الجنون بنعمة ربك.
وقيل: معناه مَا أنْتَ مجنُونٌ والنعمة لربك، كقولهم: سبحانك اللهم وبحمدك، أي: والحمد لله؛ وقول لبيد: [الطويل]
4808 - وأفْرِدْتُ في الدُّنْيَا بفقْدِ عشِيرَتِي ... وفَارقَنِي جارٌ بأربدَ نَافِعُ
أي وهو أربد، وهذا ليس بتفسير إعراب بل تفسير معنى.
فصل في إعراب الآية
قوله تعالى: ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ . هذا جواب القسم، وهو نفي.
قال الزجاج: «أنت» هو اسم «مَا» و «مَجْنُون» الخبر، وقوله: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ كلام وقع في الوسط، أي: انتفى عنك الجنون بنعمة ربك، كما يقال: أنت بحمد الله عاقل.
روى ابن عباس: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ غاب عن خديجة إلى حراء، وطلبته، فلم تجده، فإذا به ووجهه متغير بلا غبار، فقالت: ما لك؟ .
فذكر جبريل - عليه السلام - وأنه قال له: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ﴾ [العلق: 1] ، فهو أول من نزل من القرآن، قال: ثم نزل بي إلى قرار الأرض، فتوضأ، وتوضأت، ثم صلى، وصليت معه ركعتين، وقال: هكذا الصلاة - يا محمد - فذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك لخديجة، فذهبت خديجة إلى ورقة بن نوفل - وهو ابن عمها - وكان قد خالف دين قومه ودخل في النصرانية، فسألته فقال: أرسلي إليّ محمداً، فأرسلته فقال: هل أمرك جبريل - عليه السلام - أن تدعو أحداً؟ فقال: لا فقال: والله لئن بقيت إلى دعوتك لأنصرنك نصراً عزيزاً، ثم مات قبل دعاء الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ووقعت تلك الواقعة في ألسنة كفار قريش، فقالوا: إنه مجنون، فأقسم الله تعالى على أنه ليس بمجنون، وهو خمس آياتٍ من أول هذه السورة، قال ابن عباسٍ: أول ما نزل قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ﴾ [الأعلى: 1] ، وهذه الآية هي الثانية، نقله ابن الخطيب.
وذكر القرطبيُّ: أن المشركين كانوا يقولون للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: مجنون به شيطان وهو قوله ﴿يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: 6] فأنزل الله تعالى رداً عليهم وتكذيباً لقولهم ﴿فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ [الطور: 29] أي: برحمة ربك، والنعمة هاهنا الرحمة. وقال عطاء وابن عباس: يريد بنعمة ربِّك عليك بالإيمان والنبوة.
قال القرطبي: «ويحتمل أن النعمة - هاهنا - قسم، تقديره: ما أنت، ونعمة ربك بمجنون لأن الواو والباء من حروف القسم» وقد تقدم.
فصل
قال ابن الخطيب: اعلم أنه تعالى وصفه - هاهنا - بصفات ثلاث:
الأولى: نفي الجنون عنه ثم قرن بهذه الدعوى ما يكون كالدلالة القاطعة على صحتها، لأن قوله: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ يدل على أن نعم اللَّه تعالى ظاهرة في حقه من الفصاحة التامة، والعقل الكامل، والسيرة المرضية، والبراء من كل عيب، والاتصاف بكل مكرمة، وإذا كانت هذه النعم ظاهرة محسوسة ووجودها ينافي حصول الجنونِ، فالله تعالى نبه على أن هذه الحقيقة جارية مجرى الدلالة اليقينية على كذبهم في قولهم: «إنه مجنُون» .
الصفة الثانية: قوله: ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: ثواباً على ما تحملت غير منقوص ولا مقطوع منه، يقال: منَّ الشيء إذا ضعف، ويقال: مننت الحبل إذا قطعته، وحبل منين إذا كان غير متين.
قال لبيدٌ: [الكامل]
4809 - ... ... ... ... ... ... ... . ... غُبْسٌ كَواسِبُ مَا يُمَنُّ طَعَامُهَا أي: لا يقطع، يصف كلاباً ضارية، ونظيره قوله تعالى ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108] ، وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: «غَيْرَ مَمْنُونٍ» أي: غير محسوب عليك، قالت المعتزلة: لأنك تستوجبه على [عملك] ، وجوابهم: إن حملهم على هذا يقتضي التكرار، لأن قوله «أجراً» يفيده، وقال الحسنُ: غير مكدر بالمن.
وقال الضحاك: أجراً بغير عمل، واختلفوا في هذا الأجرِ على أي شيء حصل؟ فقيل: معناه إن لك على احتمال هذا الطعن، والقول القبيح أجراً عظيماً دائماً.
وقيل: إن لك في إظهار النبوةِ، والمعجزات في دعاء الخلق إلى الله تعالى وفي بيان الشرع لهم هذا الأجر الخالص الدائم فلا يمنعك نسبتهم إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا المهم العظيم فإن لك بسببه المنزلةَ العالية.
الصفة الثالثة: قوله: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .
قال ابن عباس ومجاهدٌ: «على خُلقٍ» على دين عظيمٍ من الأديان، ليس دين أحب إلى الله، ولا أرضى عنده منه.
وروى مسلم عن عائشة: أن خلقه كان القرآن.
وقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: هو أدب القرآن.
وقيل: رفقه بأمته، وإكرامه إياهم.
وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أمر اللَّهِ، وينتهي عنه مما نهى الله عنه.
وقيل: إنَّك على طبع كريم.
وقال الماوردي: حقِيقَةُ الخُلقِ في اللُّغةِ ما يأخذُ بِهِ الإنسانُ في نفْسِهِ من الأدبِ يُسَمَّى خُلُقاً، لأنَّه يصير كالخلقة فيه فأما ما طُبع عليه من الأدبِ فهو الخِيمُ، فيكون الخلق: الطبع المتكلف، والخِيم: الطبع الغريزي.
قال القرطبي: «ما ذكره مسلم في صحيحه عن عائشة أصح الأقوالِ، وسئلت أيضاً عن خلقه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فقرأت ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ [المؤمنون: 1] إلى عشر آياتٍ» .
قال ابن الخطيب: وهذا إشارة إلى أن نفسه القدسية كانت بالطبع منجذبة إلى عالم الغيبِ وإلى كل ما يتعلق بها، وكانت شديدة النفرة من اللذات البدنية، والسعادات الدنيوية بالطبع، ومقتضى الفطرة، وقالت: مَا كَانَ أحدٌ أحْسنَ خُلُقاً من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما دعاه أحدٌ من الصحابة ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك، ولذلك قال الله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ولم يذكر خلق محمود إلا وكان للنبي الحظ الأوفر.
وقال الجنيد: سمى خلقه عظيماً لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، بدليل قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «إنَّ اللَّه بَعَثنِي لأتمِّمَ مكارِمَ الأخْلاق» .
فصل
قال ابن الخطيب: قوله: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ كالتفسير لما تقدم من قوله تعالى: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ وتعريف لمن رماه بالجنون بأن ذلك كذب وخطأ؛ لأن الأخلاق الحميدة والأفعال المرضية كانت ظاهرة منه، وإذا كان موصوفاً بتلك الأخلاق والأفعال، لم يجز إضافة الجنون إليه؛ لأن أخلاق المجانين سيئة، ولما كانت أخلاقه الحميدة صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كاملة لا جرم وصفها الله بأنها عظيمة، ولهذا قال:
﴿مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ المتكلفين﴾ [ص: 86] أي: لست مكلفاً فيما يظهر لكم من الأخلاق، لأنه تعالى قال: ﴿أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده﴾ [الأنعام: 90] فهذا الهدي الذي أمر الله محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالاقتداءِ به ليس هو معرفة الله تعالى؛ لأن ذلك تقليداً، وهو غير لائق بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وليس هو الشرائع؛ لأن شريعته كشرائعهم، فتعين أن يكون المراد منه أمره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأن يقتدي بكل واحد من الأنبياء فيما اختص به من الخلقِ الكريمِ، وكان كل واحد منهم مختصاً بنوع واحدٍ، فلما أمر محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأن يقتدي بالكل، فكأنه أمر بمجموع ما كان متفرقاً فيهم، ولما كان ذلك درجة عالية لم تتيسر لأحدٍ من الأنبياء قبله - لا جرم - وصف الله خلقه بأنه عظيم، وكلمة «عَلَى» للاستعلاءِ فدل اللفظ على أنه مستعل على هذه الأخلاقِ، ومستول عليها، وأنه بالنسبة إلى هذه الأخلاق الحميدة كالمولى بالنسبة إلى العبد، وكالأمير بالنسبة إلى المأمور.
وقد ورد أحاديث كثيرةٌ صحيحةٌ في مدح الخلق الحسن، وذم الخلق السّيّىء.
قوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ .
قال ابن عباس: معناه فستعلم ويعلمون يوم القيامة.
وقيل: فسترى وترون يوم القيامة حتى يتبين الحق والباطل.
وقيل: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ في الدنيا كيف تكون عاقبة أمرك وأمرهم فإنك تصير معظماً في القلوب، ويصيرون ذليلين ملعونين ويستولى عليهم بالقتل والنهب.
قال مقاتل بن حيان: هذا وعيد العذاب ببدر.
قوله ﴿بِأَيِّكُمُ المفتون﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: أن الباء مزيدة في المبتدأ، والتقدير: أيكم المفتون، فزيدت كزيادتها في نحو «بحسبك زيد» ، وإلى هذا ذهب قتادة وأبو عبيدة معمر بن المثنى.
إلا أنه ضعيف من حيث إن الباء لا تزاد في المبتدأ إلا في «حَسْبُك» فقط.
الثاني: أن الباء بمعنى «فِي» فهي ظرفية، كقولك: «زيْدٌ بالبصرةِ» أي: فيها، والمعنى: في أي فرقة، وطائفة منكم المفتون: أي المجنون في فرقة الإسلام أم في فرقة الكفار؟ وإليه ذهب مجاهد والفراء.
ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة: «فِي أيكمُ» .
والثالث: أنه على حذف مضاف، أي «بأيكم فتن المفتون» فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وإليه ذهب الأخفش. وتكون الباء سببية.
والرابع: أن المفتون مصدر جاء على «مفعول» ك «المعقول» و «الميسور» ، والتقدير: «بأيكمُ المفْتُونُ» .
فعلى القول الأول يكون الكلام تاماً عند قوله: «ويُبْصرُونَ» ، ويبتدأ بقوله «بأيكمُ المفتُونُ» .
وعلى الأوجه بعده تكون الباء متعلقة بما قبلها، ولا يوقف على «يُبْصِرُونَ» .
وعلى الأوجه الأول الثلاثة يكون «المَفْتُونُ» اسم مفعول على أصله، وعلى الوجه الرابع يكون مصدراً، وينبغي أن يقال: إن الكلام إنما يتم على قوله «المَفْتُونُ» سواء قيل: بأن الباء مزيدة أم لا، لأن قوله ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ معلق بالاستفهام بعده، لأنه فعل بمعنى الرؤية البصرية تعلق على الصحيحِ، بدليل قولهم: أما ترى أن برق هاهنا، فكذلك الإبصار، لأنه هو الرؤية بالعين، فعلى القول بزيادة الباء، تكون الجملة الاستفهامية في محل نصب؛ لأنها واقعة موضع مفعول الإبصار.
فصل
قال القرطبيُّ: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ بأيكم المفتون، الذي فتن بالجنون، كقوله تعالى: ﴿تَنبُتُ بالدهن﴾ [المؤمنون: 20] و ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله﴾ [الإنسان: 6] ، وهو قول قتادة وأبي عبيدة كما تقدم وقيل: الباء ليست مزيدة، والمعنى «بأيكم المفتون» أي: الفتنة، وهو مصدر على وزن المفعول ويكون المعنى: المفتون، كقولهم: ما لفلان مجلود ولا معقول، أي: عقل ولا جلادة، قاله الحسن والضحاك وابن عباس.
قال الراعي: [الكامل]
4810 - حَتَّى إذَا لَمْ يَتركُوا لِعظامِهِ ... لَحْماً ولا لفُؤادِهِ مَعْقُولا
أي عقلاً، والمفتون المجنون الذي فتنه الشيطانُ.
وقيل: المفتون المعذب من قول العرب فتنت الذهب بالنار، إذا حميته، قال تعالى ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾ [الجن: 13] أي: يعذبون وقيل: المفتون: الشيطان؛ لانه مفتون في دينه , وكانوا يقولون: إن به شيطاناً , وعنوا بالمجنون هذا فقال الله تعالى لهم: فسيعلمون غداً بأيهم [المجنون] أي: الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون واختلاط العقل. قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ . أي: إن الله هو العالم بمن حاد عن دينه ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِ الْمُهْتَدِينَ﴾ , أي: الذين هم على الهدى، فيجازي كلاًّ غداً.
القلم 68:3
وهي اثنتان وخمسون آية، وثلاثمائة كلمة، وألف ومائتان وستة وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى «ن» كقوله ﴿ص والقرآن﴾ [ص: 1] ، وجواب القسم الجملة المنفية بعدها.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - هو الحوت الذي على ظهره الأرض، وهو قول مجاهدٍ ومقاتل والسدي والكلبي.
وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة ثم خلق النون فبسط الأرض على ظهره فتحرك النون، فمارت الأرض فأثبتت بالجبال وإن الجبال لتفخر على الأرض، ثم قرأ ابن عباس: ﴿ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ .
قال الواقديُّ: اسم النون ليوثا.
وقال كعب الأحبار: لوثوثا.
وعن علي: اسمه تلهوت.
وقيل: إنه أقسم بالحوت الذي ابتلع يونس - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -.
وقيل: الحوت الذي لطخ سهم نمروذ بدمه.
وقال الكلبي ومقاتل: اسم الحوت الذي على ظهر الأرض: البَهْمُوت.
قال الراجز: [الرجز]
4805 - مَا لِي أرَاكُمْ كُلَّكُمْ سُكُوتَا ... واللَّهُ ربِّي خَلقَ البَهْمُوتَا
وروى عكرمة عن ابن عباس: أن نون آخر حروف الرحمن.
وقيل: إنه اسم للدواةِ، وهو أيضاً مروي عن ابن عباس.
قال القرطبيُّ: وروى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «أوّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلمَ، ثُمَّ خلقَ النُّون، وهي الدَّواةُ، وذلك قوله تعالى» ن «والقلم» ومنه قول الشاعر: [الوافر]
4806 - إذَا مَا الشَّوْقُ يَبْرَحُ بِي إليْهِمْ ... وألفَى النُّون بالدَّمْعِ السِّجامِ
ويكون على هذا قسماً بالدواة والقلم، فإن المنفعة بهما عظيمة بسبب الكتابةِ. فإن التفاهم يحصل تارة بالنطق، وتارة بالكتابة.
وقيل: النون لوح من نون تكتب فيه الملائكةُ ما يؤمرون به، رواه معاوية بن قرة مرفوعاً.
وقيل: النون هو المداد الذي تكتب به الملائكة.
وقال عطاء وأبو العالية: هو افتتاح اسمه تعالى ناصر ونور ونصير، وقال محمد بن كعب: أقسم الله - تعالى - بنصره للمؤمنين.
وقال جعفر الصادق: هو نهر من أنهار الجنَّة يقال له: نون.
وقيل: هو الحرف المعروف من حروف المعجم، قاله القشيري.
قال: لأنه حرف لم يعرب فلو كان كلمة تامة أعرب به القلمُ، فهو إذن حرف هجاء، كما في أوائل السور.
قال الزمخشريُّ: «وأما قولهم: هو الدواة فما أدري أهو وضع لغوي، أو شرعي، ولا يخلو إذا كان اسماً للدواة من أن يكون جنساً، أو علماً، فإن كان جنساً فأين الإعراب والتنوينُ وإن كان علماً فأين الإعراب؟ وأيهما كان فلا بد له من موقع في تأليف الكلام؛ لأنك إذا جعلته مقسماً به وجب إن كان جنساً أن تجره وتنونه، ويكون القسم بدواة منكرة مجهولة، كأنه قيل: ودواة والقلم، وإن كان علماً أن تصرفه وتجره أو لا تصرفه وتفتحه للعلمية والتأنيث، وكذلك التفسير بالحوت إما أن يراد نون من النينان، أو يجعل علماً للبهموت الذي يزعمون، والتفسير باللوح من نور أو ذهب والنهر في الجنَّة نحو ذلك» .
قال شهاب الدين: «وهذا الذي أورده أبو القاسم من محاسن علم الإعراب، وقلَّ من يتقنه» .
وقال ابن الخطيب بعد ذكر القول بأنه آخر حروف اسم الرحمن: وهذا ضعيف، لأن تجويزه يفتح باب ترهات الباطنية بل الحق هاهنا أنه اسم للسورة، أو يكون الغرض منه التحدي، وسائر الوجوه المذكورة في أول سورة البقرة.
فصل في قراءات «ن»
قرأ العامة: «نُونْ» ساكن النون كنظائره.
وأدغم ابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم بلا خلاف، وورش بخلاف عنه النون في الواو، وأظهرها الباقون.
قال الفراء: «وإظهارها أعجب إليَّ، لأنها هجاء، والهجاء كالموقوف عليه وإن اتصل» ونقل عمن أدغم الغنَّة، وعدمها.
وقرأ ابن عباس والحسن وأبو السِّمال وابن أبي إسحاقَ: بكسر النون.
وسعيد بن جبير وعيسى بخلاف عنه: بفتحها.
فالأولى على التقاء الساكنين، ولا يجوز أن يكون مجروراً على القسم حذف حرف الجر وبقي عمله، كقولهم «اللَّهِ لأفعلَنَّ» ، لوجهين:
أحدهما: أنه مختص بالجلالة المعظمة نادر فيما عداها.
والثاني: أنه كان ينبغي أن ينون، ولا يحسن أن يقال: هو ممنوع الصرف اعتباراً بتأنيث السورة، لأنه كان ينبغي ألاَّ يظهر فيه الجر بالكسر ألبتة.
وأما الفتح، فيحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون بناء، وأوثر على الأصل للخفة ك «أين وكيف» .
الثاني: أن يكون مجروراً بحرف القسم المقدر على لغة ضعيفة، وقد تقدم ذلك في قراءة «فالحقّ والحقِّ» [ص: 84] ، بجرّ «الحقّ» ، ومنعت الصرف اعتباراً بالسورة.
والثالث: أن يكون منصوباً بفعل محذوف، أي:، اقرأوا نوناً ثم ابتدأ قسماً بقوله: «والقَلمِ» أو يكون منصوباً بعد حذف حرف القسم؛ كقوله: [الوافر]
- 4807 ... ... ... ... ... ... ... ... . ... فَذَاكَ أمَانَةَ اللَّهِ الثَّريدُ
ومنع الصرف لما تقدم، وهذا أحسن لعطف العلم على محله.
قوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ .
«ما» موصولة، اسمية أو حرفية، أي: والذي يسطرونه من الكتب، وهم الكتَّاب والحفظة من الملائكة وسطرهم.
والضمير عائد على من يسطر لدلالة السياق عليه ولذكر الآلة المكتتب بها.
وقال الزمخشري يجوز أن يراد بالقلم أصحابه فيكون الضمير في «يَسْطُرونَ» لهم.
يعني فيصير كقوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ﴾ [النور: 40] تقديره: أو كذي ظلمات فالضمير في «يغْشَاه» يعود على «ذي» المحذوف.
فصل في المراد بالقلم
في «القلم» المقسم به قولان:
أحدهما: أن المراد به الجنس، وهو واقع على كل قلم يكتب به في السماء والأرض، قال تعالى:
﴿وَرَبُّكَ الأكرم الذى عَلَّمَ بالقلم عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 3، 4، 5] ، ولأنه ينتفع به كما ينتفع بالنطق كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ البيان﴾ [الرحمن: 3، 4] ، فالقلم يبين كما يبين اللسان في المخاطبة بالكتابة للغائب والحاضر.
والثاني: أنه القلم الذي جاء في الخبر، عن ابن عباسٍ: أول ما خلق الله القلم ثم قال له: اكتب قال: ما أكتب؟ قال: ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة من عملٍ، أو أجلٍ، أو رزقٍ، أو أثرٍ، فجرى القلمُ بما هو كائن إلى يوم القيامة، قال: ثم ختم في القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة، قال: وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض.
وروى مجاهد، قال: أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب القدر، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه.
قال القاضي: هذا الخبر يجب حمله على المجاز؛ لأن القلم آلة مخصوصة للكتابة، ولا يجوز أن يكون حياً عاقلاً فيؤمر وينهى؛ فإن الجمع بين كونه حيواناً مكلفاً وبين كونه آلة للكتابة محال بل المراد منه أنه تعالى أجراه بكل ما يكون وهو كقوله تعالى ﴿إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 47] فإنه ليس هناك أمر، ولا تكليف، وهو مجرد نفاذ القدرةِ في المقدور من غير منازعة، ولا مدافعة.
وقيل: القلم المذكور هو العقل وأنه شيء هو كالأصل لجميع المخلوقات، قالوا: والدليل عليه أنه قد روي في الأخبار: أن أول ما خلق الله القلم.
وفي خبر آخر: أول ما خلق الله العقل، فقال الجبار: ما خلقت خلقاً أعجب إلي منك، وعزتي وجلالي لأكلمنك فيمن أحببت ولأبغضنك فيمن أبغضت، قال: ثم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أكمل النَّاسِ عقلاً أطوْعهُمْ للَّهِ وأعْلمُهُمْ بطاعته.
وفي خبر آخر: أول ما خلق الله جوهرة، فنظر إليها بعين الهيبة فذابت، وسخنت، فارتفع منها دخان وزبد، فخلق من الدخان السموات، ومن الزبد الأرض.
قالوا: فهذه الأخبار بمجموعها تدل على أن القلم والعقل وتلك الجوهرة التي هي أصل المخلوقات شيء واحد، وإلا حصل التناقض.
قوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ ، أي: وما يكتبون، يريد: الملائكة يكتبون أعمال بني آدم.
قال ابن عباس.
وقيل: وما يكتبون الناس ويتفاهمون به.
وقال ابن عباس: معنى ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ وما يعملون.
؟؟؟؟ قال ابن الخطيب: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ مع ما بعدهما في تقدير المصدر فيحتمل أن يكون المراد وسطرهم، فيكون القسم واقعاً بنفس الكتابةِ، ويحتمل أن يكون المرادُ به المسطور والمكتوب، فإن حمل القلم على كل قلم في مخلوقات الله تعالى، فكأنه تعالى أقسم بكل قلم، وبكل ما يكتب بكل قلم وقيل: المرادُ ما يسطرهُ الحفظة الكرام، ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه، فيكون الضمير في «يَسْطرُونَ» لهم، كأنه قيل: وأصحاب القلم، وسطرهم، أو مسطوراتهم، وإن حمل على القلم المعين، فيحتمل أن يكون المراد بقوله «ومَا يَسْطُرونَ» ، أي: وما يسطرون فيه، وهو اللوح المحفوظ ولفظ الجمع في قوله «يَسْطُرونَ» ليس المراد منه الجمع بل التعظيم، ويكون المراد تلك الأشياء التي سطرت فيه من جميع الأمور الكائنة إلى يوم القيامة.
قوله ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ .
قد تقدم الكلام على نظيره في «الطُّور» في قوله ﴿فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ﴾ [الطور: 29] .
إلا أن الزمخشري قال هنا: «فإن قلت: بم تتعلق الباء في» بِنعْمَةِ ربِّك «وما محله؟ قلت: متعلق بمجنون منفياً كما يتعلق بعاقل مثبتاً كقولك: أنت بنعمة ربِّك عاقل، مستوياً في ذلك الإثبات والنفي استواءهما في قولك: ضرب زيد عمراً، وما ضرب زيد عمراً، فعمل الفعل منفياً ومثبتاً إعمالاً واحداً، ومحله النصب على الحال كأنه قال: ما أنت مجنوناً منعماً عليك بذلك، ولم تمنع الباء أن يعمل» مَجْنُون «فيما قبله، لأنها زائدة لتأكيد النفي» .
قال أبو حيَّان: «وما ذهب إليْهِ الزمخشريُّ، من أن الباء يتعلق بمجنون، وأنه في موضع الحال يحتاج إلى تأمل، وذلك أنه إذا تسلط النفي في محكوم به، وذلك له معمول، ففي ذلك طريقان:
أحدهما: أن النفي يسلط على المعمول فقط.
والآخر: أن يسلط النفي على المحكوم به فينتفي معموله لانتفائه، ببيان ذلك أن تقول: ما زيد قائم مسرعاً، فالمتبادر إلى الذهن أنه منتف إسراعه دون قيامه، فيكون قد قام غير مسرع، والوجه الآخر: أنه انتفى قيامه فانتفى إسراعه، أي: لا قيام، فلا إسراع، وهذا الذي قررناه لا يتأتى معه قول الزمخشري، بل يؤدي إلى ما لا يجوز النطق به في حق المعصوم» انتهى.
واختار أبو حيان أن يكون «بِنعمَةِ» قسماً معترضاً به بين المحكوم عليه والحكم على سبيل التأكيد والتشديد والمبالغة في انتفاء الوصف الذميم.
وقال ابن عطية: «بنِعْمةِ ربِّك» اعتراض، كما تقول للإنسان: أنت بحمد الله فاضل، قال: ولم يبين ما تتعلق به الباء في «بِنعْمَةِ» .
قال شهاب الدين: والذي تتعلق به الباء في هذا النحو معنى مضمون الجملة نفياً وإثباتاً كأنه قيل: انتفى عنك ذلك بحمد الله، والباء سببية، وثبت ذلك الفضل بحمد الله تعالى، وأما المثال الذي ذكره، فالباء تتعلق فيه بلفظ «فاضل» وقد نحا صاحب «المُنَتخَب» إلى هذا فقال: المعنى انتفى عنك الجنون بنعمة ربك.
وقيل: معناه مَا أنْتَ مجنُونٌ والنعمة لربك، كقولهم: سبحانك اللهم وبحمدك، أي: والحمد لله؛ وقول لبيد: [الطويل]
4808 - وأفْرِدْتُ في الدُّنْيَا بفقْدِ عشِيرَتِي ... وفَارقَنِي جارٌ بأربدَ نَافِعُ
أي وهو أربد، وهذا ليس بتفسير إعراب بل تفسير معنى.
فصل في إعراب الآية
قوله تعالى: ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ . هذا جواب القسم، وهو نفي.
قال الزجاج: «أنت» هو اسم «مَا» و «مَجْنُون» الخبر، وقوله: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ كلام وقع في الوسط، أي: انتفى عنك الجنون بنعمة ربك، كما يقال: أنت بحمد الله عاقل.
روى ابن عباس: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ غاب عن خديجة إلى حراء، وطلبته، فلم تجده، فإذا به ووجهه متغير بلا غبار، فقالت: ما لك؟ .
فذكر جبريل - عليه السلام - وأنه قال له: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ﴾ [العلق: 1] ، فهو أول من نزل من القرآن، قال: ثم نزل بي إلى قرار الأرض، فتوضأ، وتوضأت، ثم صلى، وصليت معه ركعتين، وقال: هكذا الصلاة - يا محمد - فذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك لخديجة، فذهبت خديجة إلى ورقة بن نوفل - وهو ابن عمها - وكان قد خالف دين قومه ودخل في النصرانية، فسألته فقال: أرسلي إليّ محمداً، فأرسلته فقال: هل أمرك جبريل - عليه السلام - أن تدعو أحداً؟ فقال: لا فقال: والله لئن بقيت إلى دعوتك لأنصرنك نصراً عزيزاً، ثم مات قبل دعاء الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ووقعت تلك الواقعة في ألسنة كفار قريش، فقالوا: إنه مجنون، فأقسم الله تعالى على أنه ليس بمجنون، وهو خمس آياتٍ من أول هذه السورة، قال ابن عباسٍ: أول ما نزل قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ﴾ [الأعلى: 1] ، وهذه الآية هي الثانية، نقله ابن الخطيب.
وذكر القرطبيُّ: أن المشركين كانوا يقولون للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: مجنون به شيطان وهو قوله ﴿يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: 6] فأنزل الله تعالى رداً عليهم وتكذيباً لقولهم ﴿فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ [الطور: 29] أي: برحمة ربك، والنعمة هاهنا الرحمة. وقال عطاء وابن عباس: يريد بنعمة ربِّك عليك بالإيمان والنبوة.
قال القرطبي: «ويحتمل أن النعمة - هاهنا - قسم، تقديره: ما أنت، ونعمة ربك بمجنون لأن الواو والباء من حروف القسم» وقد تقدم.
فصل
قال ابن الخطيب: اعلم أنه تعالى وصفه - هاهنا - بصفات ثلاث:
الأولى: نفي الجنون عنه ثم قرن بهذه الدعوى ما يكون كالدلالة القاطعة على صحتها، لأن قوله: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ يدل على أن نعم اللَّه تعالى ظاهرة في حقه من الفصاحة التامة، والعقل الكامل، والسيرة المرضية، والبراء من كل عيب، والاتصاف بكل مكرمة، وإذا كانت هذه النعم ظاهرة محسوسة ووجودها ينافي حصول الجنونِ، فالله تعالى نبه على أن هذه الحقيقة جارية مجرى الدلالة اليقينية على كذبهم في قولهم: «إنه مجنُون» .
الصفة الثانية: قوله: ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: ثواباً على ما تحملت غير منقوص ولا مقطوع منه، يقال: منَّ الشيء إذا ضعف، ويقال: مننت الحبل إذا قطعته، وحبل منين إذا كان غير متين.
قال لبيدٌ: [الكامل]
4809 - ... ... ... ... ... ... ... . ... غُبْسٌ كَواسِبُ مَا يُمَنُّ طَعَامُهَا أي: لا يقطع، يصف كلاباً ضارية، ونظيره قوله تعالى ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108] ، وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: «غَيْرَ مَمْنُونٍ» أي: غير محسوب عليك، قالت المعتزلة: لأنك تستوجبه على [عملك] ، وجوابهم: إن حملهم على هذا يقتضي التكرار، لأن قوله «أجراً» يفيده، وقال الحسنُ: غير مكدر بالمن.
وقال الضحاك: أجراً بغير عمل، واختلفوا في هذا الأجرِ على أي شيء حصل؟ فقيل: معناه إن لك على احتمال هذا الطعن، والقول القبيح أجراً عظيماً دائماً.
وقيل: إن لك في إظهار النبوةِ، والمعجزات في دعاء الخلق إلى الله تعالى وفي بيان الشرع لهم هذا الأجر الخالص الدائم فلا يمنعك نسبتهم إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا المهم العظيم فإن لك بسببه المنزلةَ العالية.
الصفة الثالثة: قوله: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .
قال ابن عباس ومجاهدٌ: «على خُلقٍ» على دين عظيمٍ من الأديان، ليس دين أحب إلى الله، ولا أرضى عنده منه.
وروى مسلم عن عائشة: أن خلقه كان القرآن.
وقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: هو أدب القرآن.
وقيل: رفقه بأمته، وإكرامه إياهم.
وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أمر اللَّهِ، وينتهي عنه مما نهى الله عنه.
وقيل: إنَّك على طبع كريم.
وقال الماوردي: حقِيقَةُ الخُلقِ في اللُّغةِ ما يأخذُ بِهِ الإنسانُ في نفْسِهِ من الأدبِ يُسَمَّى خُلُقاً، لأنَّه يصير كالخلقة فيه فأما ما طُبع عليه من الأدبِ فهو الخِيمُ، فيكون الخلق: الطبع المتكلف، والخِيم: الطبع الغريزي.
قال القرطبي: «ما ذكره مسلم في صحيحه عن عائشة أصح الأقوالِ، وسئلت أيضاً عن خلقه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فقرأت ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ [المؤمنون: 1] إلى عشر آياتٍ» .
قال ابن الخطيب: وهذا إشارة إلى أن نفسه القدسية كانت بالطبع منجذبة إلى عالم الغيبِ وإلى كل ما يتعلق بها، وكانت شديدة النفرة من اللذات البدنية، والسعادات الدنيوية بالطبع، ومقتضى الفطرة، وقالت: مَا كَانَ أحدٌ أحْسنَ خُلُقاً من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما دعاه أحدٌ من الصحابة ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك، ولذلك قال الله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ولم يذكر خلق محمود إلا وكان للنبي الحظ الأوفر.
وقال الجنيد: سمى خلقه عظيماً لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، بدليل قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «إنَّ اللَّه بَعَثنِي لأتمِّمَ مكارِمَ الأخْلاق» .
فصل
قال ابن الخطيب: قوله: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ كالتفسير لما تقدم من قوله تعالى: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ وتعريف لمن رماه بالجنون بأن ذلك كذب وخطأ؛ لأن الأخلاق الحميدة والأفعال المرضية كانت ظاهرة منه، وإذا كان موصوفاً بتلك الأخلاق والأفعال، لم يجز إضافة الجنون إليه؛ لأن أخلاق المجانين سيئة، ولما كانت أخلاقه الحميدة صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كاملة لا جرم وصفها الله بأنها عظيمة، ولهذا قال:
﴿مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ المتكلفين﴾ [ص: 86] أي: لست مكلفاً فيما يظهر لكم من الأخلاق، لأنه تعالى قال: ﴿أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده﴾ [الأنعام: 90] فهذا الهدي الذي أمر الله محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالاقتداءِ به ليس هو معرفة الله تعالى؛ لأن ذلك تقليداً، وهو غير لائق بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وليس هو الشرائع؛ لأن شريعته كشرائعهم، فتعين أن يكون المراد منه أمره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأن يقتدي بكل واحد من الأنبياء فيما اختص به من الخلقِ الكريمِ، وكان كل واحد منهم مختصاً بنوع واحدٍ، فلما أمر محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأن يقتدي بالكل، فكأنه أمر بمجموع ما كان متفرقاً فيهم، ولما كان ذلك درجة عالية لم تتيسر لأحدٍ من الأنبياء قبله - لا جرم - وصف الله خلقه بأنه عظيم، وكلمة «عَلَى» للاستعلاءِ فدل اللفظ على أنه مستعل على هذه الأخلاقِ، ومستول عليها، وأنه بالنسبة إلى هذه الأخلاق الحميدة كالمولى بالنسبة إلى العبد، وكالأمير بالنسبة إلى المأمور.
وقد ورد أحاديث كثيرةٌ صحيحةٌ في مدح الخلق الحسن، وذم الخلق السّيّىء.
قوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ .
قال ابن عباس: معناه فستعلم ويعلمون يوم القيامة.
وقيل: فسترى وترون يوم القيامة حتى يتبين الحق والباطل.
وقيل: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ في الدنيا كيف تكون عاقبة أمرك وأمرهم فإنك تصير معظماً في القلوب، ويصيرون ذليلين ملعونين ويستولى عليهم بالقتل والنهب.
قال مقاتل بن حيان: هذا وعيد العذاب ببدر.
قوله ﴿بِأَيِّكُمُ المفتون﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: أن الباء مزيدة في المبتدأ، والتقدير: أيكم المفتون، فزيدت كزيادتها في نحو «بحسبك زيد» ، وإلى هذا ذهب قتادة وأبو عبيدة معمر بن المثنى.
إلا أنه ضعيف من حيث إن الباء لا تزاد في المبتدأ إلا في «حَسْبُك» فقط.
الثاني: أن الباء بمعنى «فِي» فهي ظرفية، كقولك: «زيْدٌ بالبصرةِ» أي: فيها، والمعنى: في أي فرقة، وطائفة منكم المفتون: أي المجنون في فرقة الإسلام أم في فرقة الكفار؟ وإليه ذهب مجاهد والفراء.
ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة: «فِي أيكمُ» .
والثالث: أنه على حذف مضاف، أي «بأيكم فتن المفتون» فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وإليه ذهب الأخفش. وتكون الباء سببية.
والرابع: أن المفتون مصدر جاء على «مفعول» ك «المعقول» و «الميسور» ، والتقدير: «بأيكمُ المفْتُونُ» .
فعلى القول الأول يكون الكلام تاماً عند قوله: «ويُبْصرُونَ» ، ويبتدأ بقوله «بأيكمُ المفتُونُ» .
وعلى الأوجه بعده تكون الباء متعلقة بما قبلها، ولا يوقف على «يُبْصِرُونَ» .
وعلى الأوجه الأول الثلاثة يكون «المَفْتُونُ» اسم مفعول على أصله، وعلى الوجه الرابع يكون مصدراً، وينبغي أن يقال: إن الكلام إنما يتم على قوله «المَفْتُونُ» سواء قيل: بأن الباء مزيدة أم لا، لأن قوله ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ معلق بالاستفهام بعده، لأنه فعل بمعنى الرؤية البصرية تعلق على الصحيحِ، بدليل قولهم: أما ترى أن برق هاهنا، فكذلك الإبصار، لأنه هو الرؤية بالعين، فعلى القول بزيادة الباء، تكون الجملة الاستفهامية في محل نصب؛ لأنها واقعة موضع مفعول الإبصار.
فصل
قال القرطبيُّ: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ بأيكم المفتون، الذي فتن بالجنون، كقوله تعالى: ﴿تَنبُتُ بالدهن﴾ [المؤمنون: 20] و ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله﴾ [الإنسان: 6] ، وهو قول قتادة وأبي عبيدة كما تقدم وقيل: الباء ليست مزيدة، والمعنى «بأيكم المفتون» أي: الفتنة، وهو مصدر على وزن المفعول ويكون المعنى: المفتون، كقولهم: ما لفلان مجلود ولا معقول، أي: عقل ولا جلادة، قاله الحسن والضحاك وابن عباس.
قال الراعي: [الكامل]
4810 - حَتَّى إذَا لَمْ يَتركُوا لِعظامِهِ ... لَحْماً ولا لفُؤادِهِ مَعْقُولا
أي عقلاً، والمفتون المجنون الذي فتنه الشيطانُ.
وقيل: المفتون المعذب من قول العرب فتنت الذهب بالنار، إذا حميته، قال تعالى ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾ [الجن: 13] أي: يعذبون وقيل: المفتون: الشيطان؛ لانه مفتون في دينه , وكانوا يقولون: إن به شيطاناً , وعنوا بالمجنون هذا فقال الله تعالى لهم: فسيعلمون غداً بأيهم [المجنون] أي: الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون واختلاط العقل. قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ . أي: إن الله هو العالم بمن حاد عن دينه ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِ الْمُهْتَدِينَ﴾ , أي: الذين هم على الهدى، فيجازي كلاًّ غداً.
القلم 68:4
وهي اثنتان وخمسون آية، وثلاثمائة كلمة، وألف ومائتان وستة وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى «ن» كقوله ﴿ص والقرآن﴾ [ص: 1] ، وجواب القسم الجملة المنفية بعدها.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - هو الحوت الذي على ظهره الأرض، وهو قول مجاهدٍ ومقاتل والسدي والكلبي.
وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة ثم خلق النون فبسط الأرض على ظهره فتحرك النون، فمارت الأرض فأثبتت بالجبال وإن الجبال لتفخر على الأرض، ثم قرأ ابن عباس: ﴿ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ .
قال الواقديُّ: اسم النون ليوثا.
وقال كعب الأحبار: لوثوثا.
وعن علي: اسمه تلهوت.
وقيل: إنه أقسم بالحوت الذي ابتلع يونس - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -.
وقيل: الحوت الذي لطخ سهم نمروذ بدمه.
وقال الكلبي ومقاتل: اسم الحوت الذي على ظهر الأرض: البَهْمُوت.
قال الراجز: [الرجز]
4805 - مَا لِي أرَاكُمْ كُلَّكُمْ سُكُوتَا ... واللَّهُ ربِّي خَلقَ البَهْمُوتَا
وروى عكرمة عن ابن عباس: أن نون آخر حروف الرحمن.
وقيل: إنه اسم للدواةِ، وهو أيضاً مروي عن ابن عباس.
قال القرطبيُّ: وروى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «أوّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلمَ، ثُمَّ خلقَ النُّون، وهي الدَّواةُ، وذلك قوله تعالى» ن «والقلم» ومنه قول الشاعر: [الوافر]
4806 - إذَا مَا الشَّوْقُ يَبْرَحُ بِي إليْهِمْ ... وألفَى النُّون بالدَّمْعِ السِّجامِ
ويكون على هذا قسماً بالدواة والقلم، فإن المنفعة بهما عظيمة بسبب الكتابةِ. فإن التفاهم يحصل تارة بالنطق، وتارة بالكتابة.
وقيل: النون لوح من نون تكتب فيه الملائكةُ ما يؤمرون به، رواه معاوية بن قرة مرفوعاً.
وقيل: النون هو المداد الذي تكتب به الملائكة.
وقال عطاء وأبو العالية: هو افتتاح اسمه تعالى ناصر ونور ونصير، وقال محمد بن كعب: أقسم الله - تعالى - بنصره للمؤمنين.
وقال جعفر الصادق: هو نهر من أنهار الجنَّة يقال له: نون.
وقيل: هو الحرف المعروف من حروف المعجم، قاله القشيري.
قال: لأنه حرف لم يعرب فلو كان كلمة تامة أعرب به القلمُ، فهو إذن حرف هجاء، كما في أوائل السور.
قال الزمخشريُّ: «وأما قولهم: هو الدواة فما أدري أهو وضع لغوي، أو شرعي، ولا يخلو إذا كان اسماً للدواة من أن يكون جنساً، أو علماً، فإن كان جنساً فأين الإعراب والتنوينُ وإن كان علماً فأين الإعراب؟ وأيهما كان فلا بد له من موقع في تأليف الكلام؛ لأنك إذا جعلته مقسماً به وجب إن كان جنساً أن تجره وتنونه، ويكون القسم بدواة منكرة مجهولة، كأنه قيل: ودواة والقلم، وإن كان علماً أن تصرفه وتجره أو لا تصرفه وتفتحه للعلمية والتأنيث، وكذلك التفسير بالحوت إما أن يراد نون من النينان، أو يجعل علماً للبهموت الذي يزعمون، والتفسير باللوح من نور أو ذهب والنهر في الجنَّة نحو ذلك» .
قال شهاب الدين: «وهذا الذي أورده أبو القاسم من محاسن علم الإعراب، وقلَّ من يتقنه» .
وقال ابن الخطيب بعد ذكر القول بأنه آخر حروف اسم الرحمن: وهذا ضعيف، لأن تجويزه يفتح باب ترهات الباطنية بل الحق هاهنا أنه اسم للسورة، أو يكون الغرض منه التحدي، وسائر الوجوه المذكورة في أول سورة البقرة.
فصل في قراءات «ن»
قرأ العامة: «نُونْ» ساكن النون كنظائره.
وأدغم ابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم بلا خلاف، وورش بخلاف عنه النون في الواو، وأظهرها الباقون.
قال الفراء: «وإظهارها أعجب إليَّ، لأنها هجاء، والهجاء كالموقوف عليه وإن اتصل» ونقل عمن أدغم الغنَّة، وعدمها.
وقرأ ابن عباس والحسن وأبو السِّمال وابن أبي إسحاقَ: بكسر النون.
وسعيد بن جبير وعيسى بخلاف عنه: بفتحها.
فالأولى على التقاء الساكنين، ولا يجوز أن يكون مجروراً على القسم حذف حرف الجر وبقي عمله، كقولهم «اللَّهِ لأفعلَنَّ» ، لوجهين:
أحدهما: أنه مختص بالجلالة المعظمة نادر فيما عداها.
والثاني: أنه كان ينبغي أن ينون، ولا يحسن أن يقال: هو ممنوع الصرف اعتباراً بتأنيث السورة، لأنه كان ينبغي ألاَّ يظهر فيه الجر بالكسر ألبتة.
وأما الفتح، فيحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون بناء، وأوثر على الأصل للخفة ك «أين وكيف» .
الثاني: أن يكون مجروراً بحرف القسم المقدر على لغة ضعيفة، وقد تقدم ذلك في قراءة «فالحقّ والحقِّ» [ص: 84] ، بجرّ «الحقّ» ، ومنعت الصرف اعتباراً بالسورة.
والثالث: أن يكون منصوباً بفعل محذوف، أي:، اقرأوا نوناً ثم ابتدأ قسماً بقوله: «والقَلمِ» أو يكون منصوباً بعد حذف حرف القسم؛ كقوله: [الوافر]
- 4807 ... ... ... ... ... ... ... ... . ... فَذَاكَ أمَانَةَ اللَّهِ الثَّريدُ
ومنع الصرف لما تقدم، وهذا أحسن لعطف العلم على محله.
قوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ .
«ما» موصولة، اسمية أو حرفية، أي: والذي يسطرونه من الكتب، وهم الكتَّاب والحفظة من الملائكة وسطرهم.
والضمير عائد على من يسطر لدلالة السياق عليه ولذكر الآلة المكتتب بها.
وقال الزمخشري يجوز أن يراد بالقلم أصحابه فيكون الضمير في «يَسْطُرونَ» لهم.
يعني فيصير كقوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ﴾ [النور: 40] تقديره: أو كذي ظلمات فالضمير في «يغْشَاه» يعود على «ذي» المحذوف.
فصل في المراد بالقلم
في «القلم» المقسم به قولان:
أحدهما: أن المراد به الجنس، وهو واقع على كل قلم يكتب به في السماء والأرض، قال تعالى:
﴿وَرَبُّكَ الأكرم الذى عَلَّمَ بالقلم عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 3، 4، 5] ، ولأنه ينتفع به كما ينتفع بالنطق كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ البيان﴾ [الرحمن: 3، 4] ، فالقلم يبين كما يبين اللسان في المخاطبة بالكتابة للغائب والحاضر.
والثاني: أنه القلم الذي جاء في الخبر، عن ابن عباسٍ: أول ما خلق الله القلم ثم قال له: اكتب قال: ما أكتب؟ قال: ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة من عملٍ، أو أجلٍ، أو رزقٍ، أو أثرٍ، فجرى القلمُ بما هو كائن إلى يوم القيامة، قال: ثم ختم في القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة، قال: وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض.
وروى مجاهد، قال: أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب القدر، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه.
قال القاضي: هذا الخبر يجب حمله على المجاز؛ لأن القلم آلة مخصوصة للكتابة، ولا يجوز أن يكون حياً عاقلاً فيؤمر وينهى؛ فإن الجمع بين كونه حيواناً مكلفاً وبين كونه آلة للكتابة محال بل المراد منه أنه تعالى أجراه بكل ما يكون وهو كقوله تعالى ﴿إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 47] فإنه ليس هناك أمر، ولا تكليف، وهو مجرد نفاذ القدرةِ في المقدور من غير منازعة، ولا مدافعة.
وقيل: القلم المذكور هو العقل وأنه شيء هو كالأصل لجميع المخلوقات، قالوا: والدليل عليه أنه قد روي في الأخبار: أن أول ما خلق الله القلم.
وفي خبر آخر: أول ما خلق الله العقل، فقال الجبار: ما خلقت خلقاً أعجب إلي منك، وعزتي وجلالي لأكلمنك فيمن أحببت ولأبغضنك فيمن أبغضت، قال: ثم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أكمل النَّاسِ عقلاً أطوْعهُمْ للَّهِ وأعْلمُهُمْ بطاعته.
وفي خبر آخر: أول ما خلق الله جوهرة، فنظر إليها بعين الهيبة فذابت، وسخنت، فارتفع منها دخان وزبد، فخلق من الدخان السموات، ومن الزبد الأرض.
قالوا: فهذه الأخبار بمجموعها تدل على أن القلم والعقل وتلك الجوهرة التي هي أصل المخلوقات شيء واحد، وإلا حصل التناقض.
قوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ ، أي: وما يكتبون، يريد: الملائكة يكتبون أعمال بني آدم.
قال ابن عباس.
وقيل: وما يكتبون الناس ويتفاهمون به.
وقال ابن عباس: معنى ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ وما يعملون.
؟؟؟؟ قال ابن الخطيب: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ مع ما بعدهما في تقدير المصدر فيحتمل أن يكون المراد وسطرهم، فيكون القسم واقعاً بنفس الكتابةِ، ويحتمل أن يكون المرادُ به المسطور والمكتوب، فإن حمل القلم على كل قلم في مخلوقات الله تعالى، فكأنه تعالى أقسم بكل قلم، وبكل ما يكتب بكل قلم وقيل: المرادُ ما يسطرهُ الحفظة الكرام، ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه، فيكون الضمير في «يَسْطرُونَ» لهم، كأنه قيل: وأصحاب القلم، وسطرهم، أو مسطوراتهم، وإن حمل على القلم المعين، فيحتمل أن يكون المراد بقوله «ومَا يَسْطُرونَ» ، أي: وما يسطرون فيه، وهو اللوح المحفوظ ولفظ الجمع في قوله «يَسْطُرونَ» ليس المراد منه الجمع بل التعظيم، ويكون المراد تلك الأشياء التي سطرت فيه من جميع الأمور الكائنة إلى يوم القيامة.
قوله ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ .
قد تقدم الكلام على نظيره في «الطُّور» في قوله ﴿فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ﴾ [الطور: 29] .
إلا أن الزمخشري قال هنا: «فإن قلت: بم تتعلق الباء في» بِنعْمَةِ ربِّك «وما محله؟ قلت: متعلق بمجنون منفياً كما يتعلق بعاقل مثبتاً كقولك: أنت بنعمة ربِّك عاقل، مستوياً في ذلك الإثبات والنفي استواءهما في قولك: ضرب زيد عمراً، وما ضرب زيد عمراً، فعمل الفعل منفياً ومثبتاً إعمالاً واحداً، ومحله النصب على الحال كأنه قال: ما أنت مجنوناً منعماً عليك بذلك، ولم تمنع الباء أن يعمل» مَجْنُون «فيما قبله، لأنها زائدة لتأكيد النفي» .
قال أبو حيَّان: «وما ذهب إليْهِ الزمخشريُّ، من أن الباء يتعلق بمجنون، وأنه في موضع الحال يحتاج إلى تأمل، وذلك أنه إذا تسلط النفي في محكوم به، وذلك له معمول، ففي ذلك طريقان:
أحدهما: أن النفي يسلط على المعمول فقط.
والآخر: أن يسلط النفي على المحكوم به فينتفي معموله لانتفائه، ببيان ذلك أن تقول: ما زيد قائم مسرعاً، فالمتبادر إلى الذهن أنه منتف إسراعه دون قيامه، فيكون قد قام غير مسرع، والوجه الآخر: أنه انتفى قيامه فانتفى إسراعه، أي: لا قيام، فلا إسراع، وهذا الذي قررناه لا يتأتى معه قول الزمخشري، بل يؤدي إلى ما لا يجوز النطق به في حق المعصوم» انتهى.
واختار أبو حيان أن يكون «بِنعمَةِ» قسماً معترضاً به بين المحكوم عليه والحكم على سبيل التأكيد والتشديد والمبالغة في انتفاء الوصف الذميم.
وقال ابن عطية: «بنِعْمةِ ربِّك» اعتراض، كما تقول للإنسان: أنت بحمد الله فاضل، قال: ولم يبين ما تتعلق به الباء في «بِنعْمَةِ» .
قال شهاب الدين: والذي تتعلق به الباء في هذا النحو معنى مضمون الجملة نفياً وإثباتاً كأنه قيل: انتفى عنك ذلك بحمد الله، والباء سببية، وثبت ذلك الفضل بحمد الله تعالى، وأما المثال الذي ذكره، فالباء تتعلق فيه بلفظ «فاضل» وقد نحا صاحب «المُنَتخَب» إلى هذا فقال: المعنى انتفى عنك الجنون بنعمة ربك.
وقيل: معناه مَا أنْتَ مجنُونٌ والنعمة لربك، كقولهم: سبحانك اللهم وبحمدك، أي: والحمد لله؛ وقول لبيد: [الطويل]
4808 - وأفْرِدْتُ في الدُّنْيَا بفقْدِ عشِيرَتِي ... وفَارقَنِي جارٌ بأربدَ نَافِعُ
أي وهو أربد، وهذا ليس بتفسير إعراب بل تفسير معنى.
فصل في إعراب الآية
قوله تعالى: ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ . هذا جواب القسم، وهو نفي.
قال الزجاج: «أنت» هو اسم «مَا» و «مَجْنُون» الخبر، وقوله: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ كلام وقع في الوسط، أي: انتفى عنك الجنون بنعمة ربك، كما يقال: أنت بحمد الله عاقل.
روى ابن عباس: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ غاب عن خديجة إلى حراء، وطلبته، فلم تجده، فإذا به ووجهه متغير بلا غبار، فقالت: ما لك؟ .
فذكر جبريل - عليه السلام - وأنه قال له: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ﴾ [العلق: 1] ، فهو أول من نزل من القرآن، قال: ثم نزل بي إلى قرار الأرض، فتوضأ، وتوضأت، ثم صلى، وصليت معه ركعتين، وقال: هكذا الصلاة - يا محمد - فذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك لخديجة، فذهبت خديجة إلى ورقة بن نوفل - وهو ابن عمها - وكان قد خالف دين قومه ودخل في النصرانية، فسألته فقال: أرسلي إليّ محمداً، فأرسلته فقال: هل أمرك جبريل - عليه السلام - أن تدعو أحداً؟ فقال: لا فقال: والله لئن بقيت إلى دعوتك لأنصرنك نصراً عزيزاً، ثم مات قبل دعاء الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ووقعت تلك الواقعة في ألسنة كفار قريش، فقالوا: إنه مجنون، فأقسم الله تعالى على أنه ليس بمجنون، وهو خمس آياتٍ من أول هذه السورة، قال ابن عباسٍ: أول ما نزل قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ﴾ [الأعلى: 1] ، وهذه الآية هي الثانية، نقله ابن الخطيب.
وذكر القرطبيُّ: أن المشركين كانوا يقولون للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: مجنون به شيطان وهو قوله ﴿يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: 6] فأنزل الله تعالى رداً عليهم وتكذيباً لقولهم ﴿فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ [الطور: 29] أي: برحمة ربك، والنعمة هاهنا الرحمة. وقال عطاء وابن عباس: يريد بنعمة ربِّك عليك بالإيمان والنبوة.
قال القرطبي: «ويحتمل أن النعمة - هاهنا - قسم، تقديره: ما أنت، ونعمة ربك بمجنون لأن الواو والباء من حروف القسم» وقد تقدم.
فصل
قال ابن الخطيب: اعلم أنه تعالى وصفه - هاهنا - بصفات ثلاث:
الأولى: نفي الجنون عنه ثم قرن بهذه الدعوى ما يكون كالدلالة القاطعة على صحتها، لأن قوله: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ يدل على أن نعم اللَّه تعالى ظاهرة في حقه من الفصاحة التامة، والعقل الكامل، والسيرة المرضية، والبراء من كل عيب، والاتصاف بكل مكرمة، وإذا كانت هذه النعم ظاهرة محسوسة ووجودها ينافي حصول الجنونِ، فالله تعالى نبه على أن هذه الحقيقة جارية مجرى الدلالة اليقينية على كذبهم في قولهم: «إنه مجنُون» .
الصفة الثانية: قوله: ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: ثواباً على ما تحملت غير منقوص ولا مقطوع منه، يقال: منَّ الشيء إذا ضعف، ويقال: مننت الحبل إذا قطعته، وحبل منين إذا كان غير متين.
قال لبيدٌ: [الكامل]
4809 - ... ... ... ... ... ... ... . ... غُبْسٌ كَواسِبُ مَا يُمَنُّ طَعَامُهَا أي: لا يقطع، يصف كلاباً ضارية، ونظيره قوله تعالى ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108] ، وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: «غَيْرَ مَمْنُونٍ» أي: غير محسوب عليك، قالت المعتزلة: لأنك تستوجبه على [عملك] ، وجوابهم: إن حملهم على هذا يقتضي التكرار، لأن قوله «أجراً» يفيده، وقال الحسنُ: غير مكدر بالمن.
وقال الضحاك: أجراً بغير عمل، واختلفوا في هذا الأجرِ على أي شيء حصل؟ فقيل: معناه إن لك على احتمال هذا الطعن، والقول القبيح أجراً عظيماً دائماً.
وقيل: إن لك في إظهار النبوةِ، والمعجزات في دعاء الخلق إلى الله تعالى وفي بيان الشرع لهم هذا الأجر الخالص الدائم فلا يمنعك نسبتهم إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا المهم العظيم فإن لك بسببه المنزلةَ العالية.
الصفة الثالثة: قوله: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .
قال ابن عباس ومجاهدٌ: «على خُلقٍ» على دين عظيمٍ من الأديان، ليس دين أحب إلى الله، ولا أرضى عنده منه.
وروى مسلم عن عائشة: أن خلقه كان القرآن.
وقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: هو أدب القرآن.
وقيل: رفقه بأمته، وإكرامه إياهم.
وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أمر اللَّهِ، وينتهي عنه مما نهى الله عنه.
وقيل: إنَّك على طبع كريم.
وقال الماوردي: حقِيقَةُ الخُلقِ في اللُّغةِ ما يأخذُ بِهِ الإنسانُ في نفْسِهِ من الأدبِ يُسَمَّى خُلُقاً، لأنَّه يصير كالخلقة فيه فأما ما طُبع عليه من الأدبِ فهو الخِيمُ، فيكون الخلق: الطبع المتكلف، والخِيم: الطبع الغريزي.
قال القرطبي: «ما ذكره مسلم في صحيحه عن عائشة أصح الأقوالِ، وسئلت أيضاً عن خلقه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فقرأت ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ [المؤمنون: 1] إلى عشر آياتٍ» .
قال ابن الخطيب: وهذا إشارة إلى أن نفسه القدسية كانت بالطبع منجذبة إلى عالم الغيبِ وإلى كل ما يتعلق بها، وكانت شديدة النفرة من اللذات البدنية، والسعادات الدنيوية بالطبع، ومقتضى الفطرة، وقالت: مَا كَانَ أحدٌ أحْسنَ خُلُقاً من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما دعاه أحدٌ من الصحابة ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك، ولذلك قال الله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ولم يذكر خلق محمود إلا وكان للنبي الحظ الأوفر.
وقال الجنيد: سمى خلقه عظيماً لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، بدليل قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «إنَّ اللَّه بَعَثنِي لأتمِّمَ مكارِمَ الأخْلاق» .
فصل
قال ابن الخطيب: قوله: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ كالتفسير لما تقدم من قوله تعالى: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ وتعريف لمن رماه بالجنون بأن ذلك كذب وخطأ؛ لأن الأخلاق الحميدة والأفعال المرضية كانت ظاهرة منه، وإذا كان موصوفاً بتلك الأخلاق والأفعال، لم يجز إضافة الجنون إليه؛ لأن أخلاق المجانين سيئة، ولما كانت أخلاقه الحميدة صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كاملة لا جرم وصفها الله بأنها عظيمة، ولهذا قال:
﴿مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ المتكلفين﴾ [ص: 86] أي: لست مكلفاً فيما يظهر لكم من الأخلاق، لأنه تعالى قال: ﴿أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده﴾ [الأنعام: 90] فهذا الهدي الذي أمر الله محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالاقتداءِ به ليس هو معرفة الله تعالى؛ لأن ذلك تقليداً، وهو غير لائق بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وليس هو الشرائع؛ لأن شريعته كشرائعهم، فتعين أن يكون المراد منه أمره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأن يقتدي بكل واحد من الأنبياء فيما اختص به من الخلقِ الكريمِ، وكان كل واحد منهم مختصاً بنوع واحدٍ، فلما أمر محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأن يقتدي بالكل، فكأنه أمر بمجموع ما كان متفرقاً فيهم، ولما كان ذلك درجة عالية لم تتيسر لأحدٍ من الأنبياء قبله - لا جرم - وصف الله خلقه بأنه عظيم، وكلمة «عَلَى» للاستعلاءِ فدل اللفظ على أنه مستعل على هذه الأخلاقِ، ومستول عليها، وأنه بالنسبة إلى هذه الأخلاق الحميدة كالمولى بالنسبة إلى العبد، وكالأمير بالنسبة إلى المأمور.
وقد ورد أحاديث كثيرةٌ صحيحةٌ في مدح الخلق الحسن، وذم الخلق السّيّىء.
قوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ .
قال ابن عباس: معناه فستعلم ويعلمون يوم القيامة.
وقيل: فسترى وترون يوم القيامة حتى يتبين الحق والباطل.
وقيل: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ في الدنيا كيف تكون عاقبة أمرك وأمرهم فإنك تصير معظماً في القلوب، ويصيرون ذليلين ملعونين ويستولى عليهم بالقتل والنهب.
قال مقاتل بن حيان: هذا وعيد العذاب ببدر.
قوله ﴿بِأَيِّكُمُ المفتون﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: أن الباء مزيدة في المبتدأ، والتقدير: أيكم المفتون، فزيدت كزيادتها في نحو «بحسبك زيد» ، وإلى هذا ذهب قتادة وأبو عبيدة معمر بن المثنى.
إلا أنه ضعيف من حيث إن الباء لا تزاد في المبتدأ إلا في «حَسْبُك» فقط.
الثاني: أن الباء بمعنى «فِي» فهي ظرفية، كقولك: «زيْدٌ بالبصرةِ» أي: فيها، والمعنى: في أي فرقة، وطائفة منكم المفتون: أي المجنون في فرقة الإسلام أم في فرقة الكفار؟ وإليه ذهب مجاهد والفراء.
ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة: «فِي أيكمُ» .
والثالث: أنه على حذف مضاف، أي «بأيكم فتن المفتون» فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وإليه ذهب الأخفش. وتكون الباء سببية.
والرابع: أن المفتون مصدر جاء على «مفعول» ك «المعقول» و «الميسور» ، والتقدير: «بأيكمُ المفْتُونُ» .
فعلى القول الأول يكون الكلام تاماً عند قوله: «ويُبْصرُونَ» ، ويبتدأ بقوله «بأيكمُ المفتُونُ» .
وعلى الأوجه بعده تكون الباء متعلقة بما قبلها، ولا يوقف على «يُبْصِرُونَ» .
وعلى الأوجه الأول الثلاثة يكون «المَفْتُونُ» اسم مفعول على أصله، وعلى الوجه الرابع يكون مصدراً، وينبغي أن يقال: إن الكلام إنما يتم على قوله «المَفْتُونُ» سواء قيل: بأن الباء مزيدة أم لا، لأن قوله ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ معلق بالاستفهام بعده، لأنه فعل بمعنى الرؤية البصرية تعلق على الصحيحِ، بدليل قولهم: أما ترى أن برق هاهنا، فكذلك الإبصار، لأنه هو الرؤية بالعين، فعلى القول بزيادة الباء، تكون الجملة الاستفهامية في محل نصب؛ لأنها واقعة موضع مفعول الإبصار.
فصل
قال القرطبيُّ: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ بأيكم المفتون، الذي فتن بالجنون، كقوله تعالى: ﴿تَنبُتُ بالدهن﴾ [المؤمنون: 20] و ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله﴾ [الإنسان: 6] ، وهو قول قتادة وأبي عبيدة كما تقدم وقيل: الباء ليست مزيدة، والمعنى «بأيكم المفتون» أي: الفتنة، وهو مصدر على وزن المفعول ويكون المعنى: المفتون، كقولهم: ما لفلان مجلود ولا معقول، أي: عقل ولا جلادة، قاله الحسن والضحاك وابن عباس.
قال الراعي: [الكامل]
4810 - حَتَّى إذَا لَمْ يَتركُوا لِعظامِهِ ... لَحْماً ولا لفُؤادِهِ مَعْقُولا
أي عقلاً، والمفتون المجنون الذي فتنه الشيطانُ.
وقيل: المفتون المعذب من قول العرب فتنت الذهب بالنار، إذا حميته، قال تعالى ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾ [الجن: 13] أي: يعذبون وقيل: المفتون: الشيطان؛ لانه مفتون في دينه , وكانوا يقولون: إن به شيطاناً , وعنوا بالمجنون هذا فقال الله تعالى لهم: فسيعلمون غداً بأيهم [المجنون] أي: الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون واختلاط العقل. قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ . أي: إن الله هو العالم بمن حاد عن دينه ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِ الْمُهْتَدِينَ﴾ , أي: الذين هم على الهدى، فيجازي كلاًّ غداً.
القلم 68:5
وهي اثنتان وخمسون آية، وثلاثمائة كلمة، وألف ومائتان وستة وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى «ن» كقوله ﴿ص والقرآن﴾ [ص: 1] ، وجواب القسم الجملة المنفية بعدها.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - هو الحوت الذي على ظهره الأرض، وهو قول مجاهدٍ ومقاتل والسدي والكلبي.
وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة ثم خلق النون فبسط الأرض على ظهره فتحرك النون، فمارت الأرض فأثبتت بالجبال وإن الجبال لتفخر على الأرض، ثم قرأ ابن عباس: ﴿ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ .
قال الواقديُّ: اسم النون ليوثا.
وقال كعب الأحبار: لوثوثا.
وعن علي: اسمه تلهوت.
وقيل: إنه أقسم بالحوت الذي ابتلع يونس - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -.
وقيل: الحوت الذي لطخ سهم نمروذ بدمه.
وقال الكلبي ومقاتل: اسم الحوت الذي على ظهر الأرض: البَهْمُوت.
قال الراجز: [الرجز]
4805 - مَا لِي أرَاكُمْ كُلَّكُمْ سُكُوتَا ... واللَّهُ ربِّي خَلقَ البَهْمُوتَا
وروى عكرمة عن ابن عباس: أن نون آخر حروف الرحمن.
وقيل: إنه اسم للدواةِ، وهو أيضاً مروي عن ابن عباس.
قال القرطبيُّ: وروى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «أوّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلمَ، ثُمَّ خلقَ النُّون، وهي الدَّواةُ، وذلك قوله تعالى» ن «والقلم» ومنه قول الشاعر: [الوافر]
4806 - إذَا مَا الشَّوْقُ يَبْرَحُ بِي إليْهِمْ ... وألفَى النُّون بالدَّمْعِ السِّجامِ
ويكون على هذا قسماً بالدواة والقلم، فإن المنفعة بهما عظيمة بسبب الكتابةِ. فإن التفاهم يحصل تارة بالنطق، وتارة بالكتابة.
وقيل: النون لوح من نون تكتب فيه الملائكةُ ما يؤمرون به، رواه معاوية بن قرة مرفوعاً.
وقيل: النون هو المداد الذي تكتب به الملائكة.
وقال عطاء وأبو العالية: هو افتتاح اسمه تعالى ناصر ونور ونصير، وقال محمد بن كعب: أقسم الله - تعالى - بنصره للمؤمنين.
وقال جعفر الصادق: هو نهر من أنهار الجنَّة يقال له: نون.
وقيل: هو الحرف المعروف من حروف المعجم، قاله القشيري.
قال: لأنه حرف لم يعرب فلو كان كلمة تامة أعرب به القلمُ، فهو إذن حرف هجاء، كما في أوائل السور.
قال الزمخشريُّ: «وأما قولهم: هو الدواة فما أدري أهو وضع لغوي، أو شرعي، ولا يخلو إذا كان اسماً للدواة من أن يكون جنساً، أو علماً، فإن كان جنساً فأين الإعراب والتنوينُ وإن كان علماً فأين الإعراب؟ وأيهما كان فلا بد له من موقع في تأليف الكلام؛ لأنك إذا جعلته مقسماً به وجب إن كان جنساً أن تجره وتنونه، ويكون القسم بدواة منكرة مجهولة، كأنه قيل: ودواة والقلم، وإن كان علماً أن تصرفه وتجره أو لا تصرفه وتفتحه للعلمية والتأنيث، وكذلك التفسير بالحوت إما أن يراد نون من النينان، أو يجعل علماً للبهموت الذي يزعمون، والتفسير باللوح من نور أو ذهب والنهر في الجنَّة نحو ذلك» .
قال شهاب الدين: «وهذا الذي أورده أبو القاسم من محاسن علم الإعراب، وقلَّ من يتقنه» .
وقال ابن الخطيب بعد ذكر القول بأنه آخر حروف اسم الرحمن: وهذا ضعيف، لأن تجويزه يفتح باب ترهات الباطنية بل الحق هاهنا أنه اسم للسورة، أو يكون الغرض منه التحدي، وسائر الوجوه المذكورة في أول سورة البقرة.
فصل في قراءات «ن»
قرأ العامة: «نُونْ» ساكن النون كنظائره.
وأدغم ابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم بلا خلاف، وورش بخلاف عنه النون في الواو، وأظهرها الباقون.
قال الفراء: «وإظهارها أعجب إليَّ، لأنها هجاء، والهجاء كالموقوف عليه وإن اتصل» ونقل عمن أدغم الغنَّة، وعدمها.
وقرأ ابن عباس والحسن وأبو السِّمال وابن أبي إسحاقَ: بكسر النون.
وسعيد بن جبير وعيسى بخلاف عنه: بفتحها.
فالأولى على التقاء الساكنين، ولا يجوز أن يكون مجروراً على القسم حذف حرف الجر وبقي عمله، كقولهم «اللَّهِ لأفعلَنَّ» ، لوجهين:
أحدهما: أنه مختص بالجلالة المعظمة نادر فيما عداها.
والثاني: أنه كان ينبغي أن ينون، ولا يحسن أن يقال: هو ممنوع الصرف اعتباراً بتأنيث السورة، لأنه كان ينبغي ألاَّ يظهر فيه الجر بالكسر ألبتة.
وأما الفتح، فيحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون بناء، وأوثر على الأصل للخفة ك «أين وكيف» .
الثاني: أن يكون مجروراً بحرف القسم المقدر على لغة ضعيفة، وقد تقدم ذلك في قراءة «فالحقّ والحقِّ» [ص: 84] ، بجرّ «الحقّ» ، ومنعت الصرف اعتباراً بالسورة.
والثالث: أن يكون منصوباً بفعل محذوف، أي:، اقرأوا نوناً ثم ابتدأ قسماً بقوله: «والقَلمِ» أو يكون منصوباً بعد حذف حرف القسم؛ كقوله: [الوافر]
- 4807 ... ... ... ... ... ... ... ... . ... فَذَاكَ أمَانَةَ اللَّهِ الثَّريدُ
ومنع الصرف لما تقدم، وهذا أحسن لعطف العلم على محله.
قوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ .
«ما» موصولة، اسمية أو حرفية، أي: والذي يسطرونه من الكتب، وهم الكتَّاب والحفظة من الملائكة وسطرهم.
والضمير عائد على من يسطر لدلالة السياق عليه ولذكر الآلة المكتتب بها.
وقال الزمخشري يجوز أن يراد بالقلم أصحابه فيكون الضمير في «يَسْطُرونَ» لهم.
يعني فيصير كقوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ﴾ [النور: 40] تقديره: أو كذي ظلمات فالضمير في «يغْشَاه» يعود على «ذي» المحذوف.
فصل في المراد بالقلم
في «القلم» المقسم به قولان:
أحدهما: أن المراد به الجنس، وهو واقع على كل قلم يكتب به في السماء والأرض، قال تعالى:
﴿وَرَبُّكَ الأكرم الذى عَلَّمَ بالقلم عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 3، 4، 5] ، ولأنه ينتفع به كما ينتفع بالنطق كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ البيان﴾ [الرحمن: 3، 4] ، فالقلم يبين كما يبين اللسان في المخاطبة بالكتابة للغائب والحاضر.
والثاني: أنه القلم الذي جاء في الخبر، عن ابن عباسٍ: أول ما خلق الله القلم ثم قال له: اكتب قال: ما أكتب؟ قال: ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة من عملٍ، أو أجلٍ، أو رزقٍ، أو أثرٍ، فجرى القلمُ بما هو كائن إلى يوم القيامة، قال: ثم ختم في القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة، قال: وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض.
وروى مجاهد، قال: أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب القدر، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه.
قال القاضي: هذا الخبر يجب حمله على المجاز؛ لأن القلم آلة مخصوصة للكتابة، ولا يجوز أن يكون حياً عاقلاً فيؤمر وينهى؛ فإن الجمع بين كونه حيواناً مكلفاً وبين كونه آلة للكتابة محال بل المراد منه أنه تعالى أجراه بكل ما يكون وهو كقوله تعالى ﴿إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 47] فإنه ليس هناك أمر، ولا تكليف، وهو مجرد نفاذ القدرةِ في المقدور من غير منازعة، ولا مدافعة.
وقيل: القلم المذكور هو العقل وأنه شيء هو كالأصل لجميع المخلوقات، قالوا: والدليل عليه أنه قد روي في الأخبار: أن أول ما خلق الله القلم.
وفي خبر آخر: أول ما خلق الله العقل، فقال الجبار: ما خلقت خلقاً أعجب إلي منك، وعزتي وجلالي لأكلمنك فيمن أحببت ولأبغضنك فيمن أبغضت، قال: ثم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أكمل النَّاسِ عقلاً أطوْعهُمْ للَّهِ وأعْلمُهُمْ بطاعته.
وفي خبر آخر: أول ما خلق الله جوهرة، فنظر إليها بعين الهيبة فذابت، وسخنت، فارتفع منها دخان وزبد، فخلق من الدخان السموات، ومن الزبد الأرض.
قالوا: فهذه الأخبار بمجموعها تدل على أن القلم والعقل وتلك الجوهرة التي هي أصل المخلوقات شيء واحد، وإلا حصل التناقض.
قوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ ، أي: وما يكتبون، يريد: الملائكة يكتبون أعمال بني آدم.
قال ابن عباس.
وقيل: وما يكتبون الناس ويتفاهمون به.
وقال ابن عباس: معنى ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ وما يعملون.
؟؟؟؟ قال ابن الخطيب: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ مع ما بعدهما في تقدير المصدر فيحتمل أن يكون المراد وسطرهم، فيكون القسم واقعاً بنفس الكتابةِ، ويحتمل أن يكون المرادُ به المسطور والمكتوب، فإن حمل القلم على كل قلم في مخلوقات الله تعالى، فكأنه تعالى أقسم بكل قلم، وبكل ما يكتب بكل قلم وقيل: المرادُ ما يسطرهُ الحفظة الكرام، ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه، فيكون الضمير في «يَسْطرُونَ» لهم، كأنه قيل: وأصحاب القلم، وسطرهم، أو مسطوراتهم، وإن حمل على القلم المعين، فيحتمل أن يكون المراد بقوله «ومَا يَسْطُرونَ» ، أي: وما يسطرون فيه، وهو اللوح المحفوظ ولفظ الجمع في قوله «يَسْطُرونَ» ليس المراد منه الجمع بل التعظيم، ويكون المراد تلك الأشياء التي سطرت فيه من جميع الأمور الكائنة إلى يوم القيامة.
قوله ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ .
قد تقدم الكلام على نظيره في «الطُّور» في قوله ﴿فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ﴾ [الطور: 29] .
إلا أن الزمخشري قال هنا: «فإن قلت: بم تتعلق الباء في» بِنعْمَةِ ربِّك «وما محله؟ قلت: متعلق بمجنون منفياً كما يتعلق بعاقل مثبتاً كقولك: أنت بنعمة ربِّك عاقل، مستوياً في ذلك الإثبات والنفي استواءهما في قولك: ضرب زيد عمراً، وما ضرب زيد عمراً، فعمل الفعل منفياً ومثبتاً إعمالاً واحداً، ومحله النصب على الحال كأنه قال: ما أنت مجنوناً منعماً عليك بذلك، ولم تمنع الباء أن يعمل» مَجْنُون «فيما قبله، لأنها زائدة لتأكيد النفي» .
قال أبو حيَّان: «وما ذهب إليْهِ الزمخشريُّ، من أن الباء يتعلق بمجنون، وأنه في موضع الحال يحتاج إلى تأمل، وذلك أنه إذا تسلط النفي في محكوم به، وذلك له معمول، ففي ذلك طريقان:
أحدهما: أن النفي يسلط على المعمول فقط.
والآخر: أن يسلط النفي على المحكوم به فينتفي معموله لانتفائه، ببيان ذلك أن تقول: ما زيد قائم مسرعاً، فالمتبادر إلى الذهن أنه منتف إسراعه دون قيامه، فيكون قد قام غير مسرع، والوجه الآخر: أنه انتفى قيامه فانتفى إسراعه، أي: لا قيام، فلا إسراع، وهذا الذي قررناه لا يتأتى معه قول الزمخشري، بل يؤدي إلى ما لا يجوز النطق به في حق المعصوم» انتهى.
واختار أبو حيان أن يكون «بِنعمَةِ» قسماً معترضاً به بين المحكوم عليه والحكم على سبيل التأكيد والتشديد والمبالغة في انتفاء الوصف الذميم.
وقال ابن عطية: «بنِعْمةِ ربِّك» اعتراض، كما تقول للإنسان: أنت بحمد الله فاضل، قال: ولم يبين ما تتعلق به الباء في «بِنعْمَةِ» .
قال شهاب الدين: والذي تتعلق به الباء في هذا النحو معنى مضمون الجملة نفياً وإثباتاً كأنه قيل: انتفى عنك ذلك بحمد الله، والباء سببية، وثبت ذلك الفضل بحمد الله تعالى، وأما المثال الذي ذكره، فالباء تتعلق فيه بلفظ «فاضل» وقد نحا صاحب «المُنَتخَب» إلى هذا فقال: المعنى انتفى عنك الجنون بنعمة ربك.
وقيل: معناه مَا أنْتَ مجنُونٌ والنعمة لربك، كقولهم: سبحانك اللهم وبحمدك، أي: والحمد لله؛ وقول لبيد: [الطويل]
4808 - وأفْرِدْتُ في الدُّنْيَا بفقْدِ عشِيرَتِي ... وفَارقَنِي جارٌ بأربدَ نَافِعُ
أي وهو أربد، وهذا ليس بتفسير إعراب بل تفسير معنى.
فصل في إعراب الآية
قوله تعالى: ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ . هذا جواب القسم، وهو نفي.
قال الزجاج: «أنت» هو اسم «مَا» و «مَجْنُون» الخبر، وقوله: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ كلام وقع في الوسط، أي: انتفى عنك الجنون بنعمة ربك، كما يقال: أنت بحمد الله عاقل.
روى ابن عباس: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ غاب عن خديجة إلى حراء، وطلبته، فلم تجده، فإذا به ووجهه متغير بلا غبار، فقالت: ما لك؟ .
فذكر جبريل - عليه السلام - وأنه قال له: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ﴾ [العلق: 1] ، فهو أول من نزل من القرآن، قال: ثم نزل بي إلى قرار الأرض، فتوضأ، وتوضأت، ثم صلى، وصليت معه ركعتين، وقال: هكذا الصلاة - يا محمد - فذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك لخديجة، فذهبت خديجة إلى ورقة بن نوفل - وهو ابن عمها - وكان قد خالف دين قومه ودخل في النصرانية، فسألته فقال: أرسلي إليّ محمداً، فأرسلته فقال: هل أمرك جبريل - عليه السلام - أن تدعو أحداً؟ فقال: لا فقال: والله لئن بقيت إلى دعوتك لأنصرنك نصراً عزيزاً، ثم مات قبل دعاء الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ووقعت تلك الواقعة في ألسنة كفار قريش، فقالوا: إنه مجنون، فأقسم الله تعالى على أنه ليس بمجنون، وهو خمس آياتٍ من أول هذه السورة، قال ابن عباسٍ: أول ما نزل قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ﴾ [الأعلى: 1] ، وهذه الآية هي الثانية، نقله ابن الخطيب.
وذكر القرطبيُّ: أن المشركين كانوا يقولون للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: مجنون به شيطان وهو قوله ﴿يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: 6] فأنزل الله تعالى رداً عليهم وتكذيباً لقولهم ﴿فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ [الطور: 29] أي: برحمة ربك، والنعمة هاهنا الرحمة. وقال عطاء وابن عباس: يريد بنعمة ربِّك عليك بالإيمان والنبوة.
قال القرطبي: «ويحتمل أن النعمة - هاهنا - قسم، تقديره: ما أنت، ونعمة ربك بمجنون لأن الواو والباء من حروف القسم» وقد تقدم.
فصل
قال ابن الخطيب: اعلم أنه تعالى وصفه - هاهنا - بصفات ثلاث:
الأولى: نفي الجنون عنه ثم قرن بهذه الدعوى ما يكون كالدلالة القاطعة على صحتها، لأن قوله: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ يدل على أن نعم اللَّه تعالى ظاهرة في حقه من الفصاحة التامة، والعقل الكامل، والسيرة المرضية، والبراء من كل عيب، والاتصاف بكل مكرمة، وإذا كانت هذه النعم ظاهرة محسوسة ووجودها ينافي حصول الجنونِ، فالله تعالى نبه على أن هذه الحقيقة جارية مجرى الدلالة اليقينية على كذبهم في قولهم: «إنه مجنُون» .
الصفة الثانية: قوله: ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: ثواباً على ما تحملت غير منقوص ولا مقطوع منه، يقال: منَّ الشيء إذا ضعف، ويقال: مننت الحبل إذا قطعته، وحبل منين إذا كان غير متين.
قال لبيدٌ: [الكامل]
4809 - ... ... ... ... ... ... ... . ... غُبْسٌ كَواسِبُ مَا يُمَنُّ طَعَامُهَا أي: لا يقطع، يصف كلاباً ضارية، ونظيره قوله تعالى ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108] ، وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: «غَيْرَ مَمْنُونٍ» أي: غير محسوب عليك، قالت المعتزلة: لأنك تستوجبه على [عملك] ، وجوابهم: إن حملهم على هذا يقتضي التكرار، لأن قوله «أجراً» يفيده، وقال الحسنُ: غير مكدر بالمن.
وقال الضحاك: أجراً بغير عمل، واختلفوا في هذا الأجرِ على أي شيء حصل؟ فقيل: معناه إن لك على احتمال هذا الطعن، والقول القبيح أجراً عظيماً دائماً.
وقيل: إن لك في إظهار النبوةِ، والمعجزات في دعاء الخلق إلى الله تعالى وفي بيان الشرع لهم هذا الأجر الخالص الدائم فلا يمنعك نسبتهم إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا المهم العظيم فإن لك بسببه المنزلةَ العالية.
الصفة الثالثة: قوله: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .
قال ابن عباس ومجاهدٌ: «على خُلقٍ» على دين عظيمٍ من الأديان، ليس دين أحب إلى الله، ولا أرضى عنده منه.
وروى مسلم عن عائشة: أن خلقه كان القرآن.
وقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: هو أدب القرآن.
وقيل: رفقه بأمته، وإكرامه إياهم.
وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أمر اللَّهِ، وينتهي عنه مما نهى الله عنه.
وقيل: إنَّك على طبع كريم.
وقال الماوردي: حقِيقَةُ الخُلقِ في اللُّغةِ ما يأخذُ بِهِ الإنسانُ في نفْسِهِ من الأدبِ يُسَمَّى خُلُقاً، لأنَّه يصير كالخلقة فيه فأما ما طُبع عليه من الأدبِ فهو الخِيمُ، فيكون الخلق: الطبع المتكلف، والخِيم: الطبع الغريزي.
قال القرطبي: «ما ذكره مسلم في صحيحه عن عائشة أصح الأقوالِ، وسئلت أيضاً عن خلقه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فقرأت ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ [المؤمنون: 1] إلى عشر آياتٍ» .
قال ابن الخطيب: وهذا إشارة إلى أن نفسه القدسية كانت بالطبع منجذبة إلى عالم الغيبِ وإلى كل ما يتعلق بها، وكانت شديدة النفرة من اللذات البدنية، والسعادات الدنيوية بالطبع، ومقتضى الفطرة، وقالت: مَا كَانَ أحدٌ أحْسنَ خُلُقاً من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما دعاه أحدٌ من الصحابة ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك، ولذلك قال الله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ولم يذكر خلق محمود إلا وكان للنبي الحظ الأوفر.
وقال الجنيد: سمى خلقه عظيماً لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، بدليل قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «إنَّ اللَّه بَعَثنِي لأتمِّمَ مكارِمَ الأخْلاق» .
فصل
قال ابن الخطيب: قوله: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ كالتفسير لما تقدم من قوله تعالى: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ وتعريف لمن رماه بالجنون بأن ذلك كذب وخطأ؛ لأن الأخلاق الحميدة والأفعال المرضية كانت ظاهرة منه، وإذا كان موصوفاً بتلك الأخلاق والأفعال، لم يجز إضافة الجنون إليه؛ لأن أخلاق المجانين سيئة، ولما كانت أخلاقه الحميدة صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كاملة لا جرم وصفها الله بأنها عظيمة، ولهذا قال:
﴿مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ المتكلفين﴾ [ص: 86] أي: لست مكلفاً فيما يظهر لكم من الأخلاق، لأنه تعالى قال: ﴿أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده﴾ [الأنعام: 90] فهذا الهدي الذي أمر الله محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالاقتداءِ به ليس هو معرفة الله تعالى؛ لأن ذلك تقليداً، وهو غير لائق بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وليس هو الشرائع؛ لأن شريعته كشرائعهم، فتعين أن يكون المراد منه أمره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأن يقتدي بكل واحد من الأنبياء فيما اختص به من الخلقِ الكريمِ، وكان كل واحد منهم مختصاً بنوع واحدٍ، فلما أمر محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأن يقتدي بالكل، فكأنه أمر بمجموع ما كان متفرقاً فيهم، ولما كان ذلك درجة عالية لم تتيسر لأحدٍ من الأنبياء قبله - لا جرم - وصف الله خلقه بأنه عظيم، وكلمة «عَلَى» للاستعلاءِ فدل اللفظ على أنه مستعل على هذه الأخلاقِ، ومستول عليها، وأنه بالنسبة إلى هذه الأخلاق الحميدة كالمولى بالنسبة إلى العبد، وكالأمير بالنسبة إلى المأمور.
وقد ورد أحاديث كثيرةٌ صحيحةٌ في مدح الخلق الحسن، وذم الخلق السّيّىء.
قوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ .
قال ابن عباس: معناه فستعلم ويعلمون يوم القيامة.
وقيل: فسترى وترون يوم القيامة حتى يتبين الحق والباطل.
وقيل: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ في الدنيا كيف تكون عاقبة أمرك وأمرهم فإنك تصير معظماً في القلوب، ويصيرون ذليلين ملعونين ويستولى عليهم بالقتل والنهب.
قال مقاتل بن حيان: هذا وعيد العذاب ببدر.
قوله ﴿بِأَيِّكُمُ المفتون﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: أن الباء مزيدة في المبتدأ، والتقدير: أيكم المفتون، فزيدت كزيادتها في نحو «بحسبك زيد» ، وإلى هذا ذهب قتادة وأبو عبيدة معمر بن المثنى.
إلا أنه ضعيف من حيث إن الباء لا تزاد في المبتدأ إلا في «حَسْبُك» فقط.
الثاني: أن الباء بمعنى «فِي» فهي ظرفية، كقولك: «زيْدٌ بالبصرةِ» أي: فيها، والمعنى: في أي فرقة، وطائفة منكم المفتون: أي المجنون في فرقة الإسلام أم في فرقة الكفار؟ وإليه ذهب مجاهد والفراء.
ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة: «فِي أيكمُ» .
والثالث: أنه على حذف مضاف، أي «بأيكم فتن المفتون» فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وإليه ذهب الأخفش. وتكون الباء سببية.
والرابع: أن المفتون مصدر جاء على «مفعول» ك «المعقول» و «الميسور» ، والتقدير: «بأيكمُ المفْتُونُ» .
فعلى القول الأول يكون الكلام تاماً عند قوله: «ويُبْصرُونَ» ، ويبتدأ بقوله «بأيكمُ المفتُونُ» .
وعلى الأوجه بعده تكون الباء متعلقة بما قبلها، ولا يوقف على «يُبْصِرُونَ» .
وعلى الأوجه الأول الثلاثة يكون «المَفْتُونُ» اسم مفعول على أصله، وعلى الوجه الرابع يكون مصدراً، وينبغي أن يقال: إن الكلام إنما يتم على قوله «المَفْتُونُ» سواء قيل: بأن الباء مزيدة أم لا، لأن قوله ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ معلق بالاستفهام بعده، لأنه فعل بمعنى الرؤية البصرية تعلق على الصحيحِ، بدليل قولهم: أما ترى أن برق هاهنا، فكذلك الإبصار، لأنه هو الرؤية بالعين، فعلى القول بزيادة الباء، تكون الجملة الاستفهامية في محل نصب؛ لأنها واقعة موضع مفعول الإبصار.
فصل
قال القرطبيُّ: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ بأيكم المفتون، الذي فتن بالجنون، كقوله تعالى: ﴿تَنبُتُ بالدهن﴾ [المؤمنون: 20] و ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله﴾ [الإنسان: 6] ، وهو قول قتادة وأبي عبيدة كما تقدم وقيل: الباء ليست مزيدة، والمعنى «بأيكم المفتون» أي: الفتنة، وهو مصدر على وزن المفعول ويكون المعنى: المفتون، كقولهم: ما لفلان مجلود ولا معقول، أي: عقل ولا جلادة، قاله الحسن والضحاك وابن عباس.
قال الراعي: [الكامل]
4810 - حَتَّى إذَا لَمْ يَتركُوا لِعظامِهِ ... لَحْماً ولا لفُؤادِهِ مَعْقُولا
أي عقلاً، والمفتون المجنون الذي فتنه الشيطانُ.
وقيل: المفتون المعذب من قول العرب فتنت الذهب بالنار، إذا حميته، قال تعالى ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾ [الجن: 13] أي: يعذبون وقيل: المفتون: الشيطان؛ لانه مفتون في دينه , وكانوا يقولون: إن به شيطاناً , وعنوا بالمجنون هذا فقال الله تعالى لهم: فسيعلمون غداً بأيهم [المجنون] أي: الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون واختلاط العقل. قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ . أي: إن الله هو العالم بمن حاد عن دينه ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِ الْمُهْتَدِينَ﴾ , أي: الذين هم على الهدى، فيجازي كلاًّ غداً.
القلم 68:6
وهي اثنتان وخمسون آية، وثلاثمائة كلمة، وألف ومائتان وستة وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى «ن» كقوله ﴿ص والقرآن﴾ [ص: 1] ، وجواب القسم الجملة المنفية بعدها.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - هو الحوت الذي على ظهره الأرض، وهو قول مجاهدٍ ومقاتل والسدي والكلبي.
وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة ثم خلق النون فبسط الأرض على ظهره فتحرك النون، فمارت الأرض فأثبتت بالجبال وإن الجبال لتفخر على الأرض، ثم قرأ ابن عباس: ﴿ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ .
قال الواقديُّ: اسم النون ليوثا.
وقال كعب الأحبار: لوثوثا.
وعن علي: اسمه تلهوت.
وقيل: إنه أقسم بالحوت الذي ابتلع يونس - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -.
وقيل: الحوت الذي لطخ سهم نمروذ بدمه.
وقال الكلبي ومقاتل: اسم الحوت الذي على ظهر الأرض: البَهْمُوت.
قال الراجز: [الرجز]
4805 - مَا لِي أرَاكُمْ كُلَّكُمْ سُكُوتَا ... واللَّهُ ربِّي خَلقَ البَهْمُوتَا
وروى عكرمة عن ابن عباس: أن نون آخر حروف الرحمن.
وقيل: إنه اسم للدواةِ، وهو أيضاً مروي عن ابن عباس.
قال القرطبيُّ: وروى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «أوّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلمَ، ثُمَّ خلقَ النُّون، وهي الدَّواةُ، وذلك قوله تعالى» ن «والقلم» ومنه قول الشاعر: [الوافر]
4806 - إذَا مَا الشَّوْقُ يَبْرَحُ بِي إليْهِمْ ... وألفَى النُّون بالدَّمْعِ السِّجامِ
ويكون على هذا قسماً بالدواة والقلم، فإن المنفعة بهما عظيمة بسبب الكتابةِ. فإن التفاهم يحصل تارة بالنطق، وتارة بالكتابة.
وقيل: النون لوح من نون تكتب فيه الملائكةُ ما يؤمرون به، رواه معاوية بن قرة مرفوعاً.
وقيل: النون هو المداد الذي تكتب به الملائكة.
وقال عطاء وأبو العالية: هو افتتاح اسمه تعالى ناصر ونور ونصير، وقال محمد بن كعب: أقسم الله - تعالى - بنصره للمؤمنين.
وقال جعفر الصادق: هو نهر من أنهار الجنَّة يقال له: نون.
وقيل: هو الحرف المعروف من حروف المعجم، قاله القشيري.
قال: لأنه حرف لم يعرب فلو كان كلمة تامة أعرب به القلمُ، فهو إذن حرف هجاء، كما في أوائل السور.
قال الزمخشريُّ: «وأما قولهم: هو الدواة فما أدري أهو وضع لغوي، أو شرعي، ولا يخلو إذا كان اسماً للدواة من أن يكون جنساً، أو علماً، فإن كان جنساً فأين الإعراب والتنوينُ وإن كان علماً فأين الإعراب؟ وأيهما كان فلا بد له من موقع في تأليف الكلام؛ لأنك إذا جعلته مقسماً به وجب إن كان جنساً أن تجره وتنونه، ويكون القسم بدواة منكرة مجهولة، كأنه قيل: ودواة والقلم، وإن كان علماً أن تصرفه وتجره أو لا تصرفه وتفتحه للعلمية والتأنيث، وكذلك التفسير بالحوت إما أن يراد نون من النينان، أو يجعل علماً للبهموت الذي يزعمون، والتفسير باللوح من نور أو ذهب والنهر في الجنَّة نحو ذلك» .
قال شهاب الدين: «وهذا الذي أورده أبو القاسم من محاسن علم الإعراب، وقلَّ من يتقنه» .
وقال ابن الخطيب بعد ذكر القول بأنه آخر حروف اسم الرحمن: وهذا ضعيف، لأن تجويزه يفتح باب ترهات الباطنية بل الحق هاهنا أنه اسم للسورة، أو يكون الغرض منه التحدي، وسائر الوجوه المذكورة في أول سورة البقرة.
فصل في قراءات «ن»
قرأ العامة: «نُونْ» ساكن النون كنظائره.
وأدغم ابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم بلا خلاف، وورش بخلاف عنه النون في الواو، وأظهرها الباقون.
قال الفراء: «وإظهارها أعجب إليَّ، لأنها هجاء، والهجاء كالموقوف عليه وإن اتصل» ونقل عمن أدغم الغنَّة، وعدمها.
وقرأ ابن عباس والحسن وأبو السِّمال وابن أبي إسحاقَ: بكسر النون.
وسعيد بن جبير وعيسى بخلاف عنه: بفتحها.
فالأولى على التقاء الساكنين، ولا يجوز أن يكون مجروراً على القسم حذف حرف الجر وبقي عمله، كقولهم «اللَّهِ لأفعلَنَّ» ، لوجهين:
أحدهما: أنه مختص بالجلالة المعظمة نادر فيما عداها.
والثاني: أنه كان ينبغي أن ينون، ولا يحسن أن يقال: هو ممنوع الصرف اعتباراً بتأنيث السورة، لأنه كان ينبغي ألاَّ يظهر فيه الجر بالكسر ألبتة.
وأما الفتح، فيحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون بناء، وأوثر على الأصل للخفة ك «أين وكيف» .
الثاني: أن يكون مجروراً بحرف القسم المقدر على لغة ضعيفة، وقد تقدم ذلك في قراءة «فالحقّ والحقِّ» [ص: 84] ، بجرّ «الحقّ» ، ومنعت الصرف اعتباراً بالسورة.
والثالث: أن يكون منصوباً بفعل محذوف، أي:، اقرأوا نوناً ثم ابتدأ قسماً بقوله: «والقَلمِ» أو يكون منصوباً بعد حذف حرف القسم؛ كقوله: [الوافر]
- 4807 ... ... ... ... ... ... ... ... . ... فَذَاكَ أمَانَةَ اللَّهِ الثَّريدُ
ومنع الصرف لما تقدم، وهذا أحسن لعطف العلم على محله.
قوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ .
«ما» موصولة، اسمية أو حرفية، أي: والذي يسطرونه من الكتب، وهم الكتَّاب والحفظة من الملائكة وسطرهم.
والضمير عائد على من يسطر لدلالة السياق عليه ولذكر الآلة المكتتب بها.
وقال الزمخشري يجوز أن يراد بالقلم أصحابه فيكون الضمير في «يَسْطُرونَ» لهم.
يعني فيصير كقوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ﴾ [النور: 40] تقديره: أو كذي ظلمات فالضمير في «يغْشَاه» يعود على «ذي» المحذوف.
فصل في المراد بالقلم
في «القلم» المقسم به قولان:
أحدهما: أن المراد به الجنس، وهو واقع على كل قلم يكتب به في السماء والأرض، قال تعالى:
﴿وَرَبُّكَ الأكرم الذى عَلَّمَ بالقلم عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 3، 4، 5] ، ولأنه ينتفع به كما ينتفع بالنطق كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ البيان﴾ [الرحمن: 3، 4] ، فالقلم يبين كما يبين اللسان في المخاطبة بالكتابة للغائب والحاضر.
والثاني: أنه القلم الذي جاء في الخبر، عن ابن عباسٍ: أول ما خلق الله القلم ثم قال له: اكتب قال: ما أكتب؟ قال: ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة من عملٍ، أو أجلٍ، أو رزقٍ، أو أثرٍ، فجرى القلمُ بما هو كائن إلى يوم القيامة، قال: ثم ختم في القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة، قال: وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض.
وروى مجاهد، قال: أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب القدر، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه.
قال القاضي: هذا الخبر يجب حمله على المجاز؛ لأن القلم آلة مخصوصة للكتابة، ولا يجوز أن يكون حياً عاقلاً فيؤمر وينهى؛ فإن الجمع بين كونه حيواناً مكلفاً وبين كونه آلة للكتابة محال بل المراد منه أنه تعالى أجراه بكل ما يكون وهو كقوله تعالى ﴿إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 47] فإنه ليس هناك أمر، ولا تكليف، وهو مجرد نفاذ القدرةِ في المقدور من غير منازعة، ولا مدافعة.
وقيل: القلم المذكور هو العقل وأنه شيء هو كالأصل لجميع المخلوقات، قالوا: والدليل عليه أنه قد روي في الأخبار: أن أول ما خلق الله القلم.
وفي خبر آخر: أول ما خلق الله العقل، فقال الجبار: ما خلقت خلقاً أعجب إلي منك، وعزتي وجلالي لأكلمنك فيمن أحببت ولأبغضنك فيمن أبغضت، قال: ثم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أكمل النَّاسِ عقلاً أطوْعهُمْ للَّهِ وأعْلمُهُمْ بطاعته.
وفي خبر آخر: أول ما خلق الله جوهرة، فنظر إليها بعين الهيبة فذابت، وسخنت، فارتفع منها دخان وزبد، فخلق من الدخان السموات، ومن الزبد الأرض.
قالوا: فهذه الأخبار بمجموعها تدل على أن القلم والعقل وتلك الجوهرة التي هي أصل المخلوقات شيء واحد، وإلا حصل التناقض.
قوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ ، أي: وما يكتبون، يريد: الملائكة يكتبون أعمال بني آدم.
قال ابن عباس.
وقيل: وما يكتبون الناس ويتفاهمون به.
وقال ابن عباس: معنى ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ وما يعملون.
؟؟؟؟ قال ابن الخطيب: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ مع ما بعدهما في تقدير المصدر فيحتمل أن يكون المراد وسطرهم، فيكون القسم واقعاً بنفس الكتابةِ، ويحتمل أن يكون المرادُ به المسطور والمكتوب، فإن حمل القلم على كل قلم في مخلوقات الله تعالى، فكأنه تعالى أقسم بكل قلم، وبكل ما يكتب بكل قلم وقيل: المرادُ ما يسطرهُ الحفظة الكرام، ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه، فيكون الضمير في «يَسْطرُونَ» لهم، كأنه قيل: وأصحاب القلم، وسطرهم، أو مسطوراتهم، وإن حمل على القلم المعين، فيحتمل أن يكون المراد بقوله «ومَا يَسْطُرونَ» ، أي: وما يسطرون فيه، وهو اللوح المحفوظ ولفظ الجمع في قوله «يَسْطُرونَ» ليس المراد منه الجمع بل التعظيم، ويكون المراد تلك الأشياء التي سطرت فيه من جميع الأمور الكائنة إلى يوم القيامة.
قوله ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ .
قد تقدم الكلام على نظيره في «الطُّور» في قوله ﴿فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ﴾ [الطور: 29] .
إلا أن الزمخشري قال هنا: «فإن قلت: بم تتعلق الباء في» بِنعْمَةِ ربِّك «وما محله؟ قلت: متعلق بمجنون منفياً كما يتعلق بعاقل مثبتاً كقولك: أنت بنعمة ربِّك عاقل، مستوياً في ذلك الإثبات والنفي استواءهما في قولك: ضرب زيد عمراً، وما ضرب زيد عمراً، فعمل الفعل منفياً ومثبتاً إعمالاً واحداً، ومحله النصب على الحال كأنه قال: ما أنت مجنوناً منعماً عليك بذلك، ولم تمنع الباء أن يعمل» مَجْنُون «فيما قبله، لأنها زائدة لتأكيد النفي» .
قال أبو حيَّان: «وما ذهب إليْهِ الزمخشريُّ، من أن الباء يتعلق بمجنون، وأنه في موضع الحال يحتاج إلى تأمل، وذلك أنه إذا تسلط النفي في محكوم به، وذلك له معمول، ففي ذلك طريقان:
أحدهما: أن النفي يسلط على المعمول فقط.
والآخر: أن يسلط النفي على المحكوم به فينتفي معموله لانتفائه، ببيان ذلك أن تقول: ما زيد قائم مسرعاً، فالمتبادر إلى الذهن أنه منتف إسراعه دون قيامه، فيكون قد قام غير مسرع، والوجه الآخر: أنه انتفى قيامه فانتفى إسراعه، أي: لا قيام، فلا إسراع، وهذا الذي قررناه لا يتأتى معه قول الزمخشري، بل يؤدي إلى ما لا يجوز النطق به في حق المعصوم» انتهى.
واختار أبو حيان أن يكون «بِنعمَةِ» قسماً معترضاً به بين المحكوم عليه والحكم على سبيل التأكيد والتشديد والمبالغة في انتفاء الوصف الذميم.
وقال ابن عطية: «بنِعْمةِ ربِّك» اعتراض، كما تقول للإنسان: أنت بحمد الله فاضل، قال: ولم يبين ما تتعلق به الباء في «بِنعْمَةِ» .
قال شهاب الدين: والذي تتعلق به الباء في هذا النحو معنى مضمون الجملة نفياً وإثباتاً كأنه قيل: انتفى عنك ذلك بحمد الله، والباء سببية، وثبت ذلك الفضل بحمد الله تعالى، وأما المثال الذي ذكره، فالباء تتعلق فيه بلفظ «فاضل» وقد نحا صاحب «المُنَتخَب» إلى هذا فقال: المعنى انتفى عنك الجنون بنعمة ربك.
وقيل: معناه مَا أنْتَ مجنُونٌ والنعمة لربك، كقولهم: سبحانك اللهم وبحمدك، أي: والحمد لله؛ وقول لبيد: [الطويل]
4808 - وأفْرِدْتُ في الدُّنْيَا بفقْدِ عشِيرَتِي ... وفَارقَنِي جارٌ بأربدَ نَافِعُ
أي وهو أربد، وهذا ليس بتفسير إعراب بل تفسير معنى.
فصل في إعراب الآية
قوله تعالى: ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ . هذا جواب القسم، وهو نفي.
قال الزجاج: «أنت» هو اسم «مَا» و «مَجْنُون» الخبر، وقوله: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ كلام وقع في الوسط، أي: انتفى عنك الجنون بنعمة ربك، كما يقال: أنت بحمد الله عاقل.
روى ابن عباس: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ غاب عن خديجة إلى حراء، وطلبته، فلم تجده، فإذا به ووجهه متغير بلا غبار، فقالت: ما لك؟ .
فذكر جبريل - عليه السلام - وأنه قال له: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ﴾ [العلق: 1] ، فهو أول من نزل من القرآن، قال: ثم نزل بي إلى قرار الأرض، فتوضأ، وتوضأت، ثم صلى، وصليت معه ركعتين، وقال: هكذا الصلاة - يا محمد - فذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك لخديجة، فذهبت خديجة إلى ورقة بن نوفل - وهو ابن عمها - وكان قد خالف دين قومه ودخل في النصرانية، فسألته فقال: أرسلي إليّ محمداً، فأرسلته فقال: هل أمرك جبريل - عليه السلام - أن تدعو أحداً؟ فقال: لا فقال: والله لئن بقيت إلى دعوتك لأنصرنك نصراً عزيزاً، ثم مات قبل دعاء الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ووقعت تلك الواقعة في ألسنة كفار قريش، فقالوا: إنه مجنون، فأقسم الله تعالى على أنه ليس بمجنون، وهو خمس آياتٍ من أول هذه السورة، قال ابن عباسٍ: أول ما نزل قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ﴾ [الأعلى: 1] ، وهذه الآية هي الثانية، نقله ابن الخطيب.
وذكر القرطبيُّ: أن المشركين كانوا يقولون للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: مجنون به شيطان وهو قوله ﴿يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: 6] فأنزل الله تعالى رداً عليهم وتكذيباً لقولهم ﴿فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ [الطور: 29] أي: برحمة ربك، والنعمة هاهنا الرحمة. وقال عطاء وابن عباس: يريد بنعمة ربِّك عليك بالإيمان والنبوة.
قال القرطبي: «ويحتمل أن النعمة - هاهنا - قسم، تقديره: ما أنت، ونعمة ربك بمجنون لأن الواو والباء من حروف القسم» وقد تقدم.
فصل
قال ابن الخطيب: اعلم أنه تعالى وصفه - هاهنا - بصفات ثلاث:
الأولى: نفي الجنون عنه ثم قرن بهذه الدعوى ما يكون كالدلالة القاطعة على صحتها، لأن قوله: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ يدل على أن نعم اللَّه تعالى ظاهرة في حقه من الفصاحة التامة، والعقل الكامل، والسيرة المرضية، والبراء من كل عيب، والاتصاف بكل مكرمة، وإذا كانت هذه النعم ظاهرة محسوسة ووجودها ينافي حصول الجنونِ، فالله تعالى نبه على أن هذه الحقيقة جارية مجرى الدلالة اليقينية على كذبهم في قولهم: «إنه مجنُون» .
الصفة الثانية: قوله: ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: ثواباً على ما تحملت غير منقوص ولا مقطوع منه، يقال: منَّ الشيء إذا ضعف، ويقال: مننت الحبل إذا قطعته، وحبل منين إذا كان غير متين.
قال لبيدٌ: [الكامل]
4809 - ... ... ... ... ... ... ... . ... غُبْسٌ كَواسِبُ مَا يُمَنُّ طَعَامُهَا أي: لا يقطع، يصف كلاباً ضارية، ونظيره قوله تعالى ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108] ، وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: «غَيْرَ مَمْنُونٍ» أي: غير محسوب عليك، قالت المعتزلة: لأنك تستوجبه على [عملك] ، وجوابهم: إن حملهم على هذا يقتضي التكرار، لأن قوله «أجراً» يفيده، وقال الحسنُ: غير مكدر بالمن.
وقال الضحاك: أجراً بغير عمل، واختلفوا في هذا الأجرِ على أي شيء حصل؟ فقيل: معناه إن لك على احتمال هذا الطعن، والقول القبيح أجراً عظيماً دائماً.
وقيل: إن لك في إظهار النبوةِ، والمعجزات في دعاء الخلق إلى الله تعالى وفي بيان الشرع لهم هذا الأجر الخالص الدائم فلا يمنعك نسبتهم إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا المهم العظيم فإن لك بسببه المنزلةَ العالية.
الصفة الثالثة: قوله: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .
قال ابن عباس ومجاهدٌ: «على خُلقٍ» على دين عظيمٍ من الأديان، ليس دين أحب إلى الله، ولا أرضى عنده منه.
وروى مسلم عن عائشة: أن خلقه كان القرآن.
وقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: هو أدب القرآن.
وقيل: رفقه بأمته، وإكرامه إياهم.
وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أمر اللَّهِ، وينتهي عنه مما نهى الله عنه.
وقيل: إنَّك على طبع كريم.
وقال الماوردي: حقِيقَةُ الخُلقِ في اللُّغةِ ما يأخذُ بِهِ الإنسانُ في نفْسِهِ من الأدبِ يُسَمَّى خُلُقاً، لأنَّه يصير كالخلقة فيه فأما ما طُبع عليه من الأدبِ فهو الخِيمُ، فيكون الخلق: الطبع المتكلف، والخِيم: الطبع الغريزي.
قال القرطبي: «ما ذكره مسلم في صحيحه عن عائشة أصح الأقوالِ، وسئلت أيضاً عن خلقه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فقرأت ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ [المؤمنون: 1] إلى عشر آياتٍ» .
قال ابن الخطيب: وهذا إشارة إلى أن نفسه القدسية كانت بالطبع منجذبة إلى عالم الغيبِ وإلى كل ما يتعلق بها، وكانت شديدة النفرة من اللذات البدنية، والسعادات الدنيوية بالطبع، ومقتضى الفطرة، وقالت: مَا كَانَ أحدٌ أحْسنَ خُلُقاً من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما دعاه أحدٌ من الصحابة ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك، ولذلك قال الله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ولم يذكر خلق محمود إلا وكان للنبي الحظ الأوفر.
وقال الجنيد: سمى خلقه عظيماً لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، بدليل قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «إنَّ اللَّه بَعَثنِي لأتمِّمَ مكارِمَ الأخْلاق» .
فصل
قال ابن الخطيب: قوله: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ كالتفسير لما تقدم من قوله تعالى: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ وتعريف لمن رماه بالجنون بأن ذلك كذب وخطأ؛ لأن الأخلاق الحميدة والأفعال المرضية كانت ظاهرة منه، وإذا كان موصوفاً بتلك الأخلاق والأفعال، لم يجز إضافة الجنون إليه؛ لأن أخلاق المجانين سيئة، ولما كانت أخلاقه الحميدة صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كاملة لا جرم وصفها الله بأنها عظيمة، ولهذا قال:
﴿مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ المتكلفين﴾ [ص: 86] أي: لست مكلفاً فيما يظهر لكم من الأخلاق، لأنه تعالى قال: ﴿أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده﴾ [الأنعام: 90] فهذا الهدي الذي أمر الله محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالاقتداءِ به ليس هو معرفة الله تعالى؛ لأن ذلك تقليداً، وهو غير لائق بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وليس هو الشرائع؛ لأن شريعته كشرائعهم، فتعين أن يكون المراد منه أمره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأن يقتدي بكل واحد من الأنبياء فيما اختص به من الخلقِ الكريمِ، وكان كل واحد منهم مختصاً بنوع واحدٍ، فلما أمر محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأن يقتدي بالكل، فكأنه أمر بمجموع ما كان متفرقاً فيهم، ولما كان ذلك درجة عالية لم تتيسر لأحدٍ من الأنبياء قبله - لا جرم - وصف الله خلقه بأنه عظيم، وكلمة «عَلَى» للاستعلاءِ فدل اللفظ على أنه مستعل على هذه الأخلاقِ، ومستول عليها، وأنه بالنسبة إلى هذه الأخلاق الحميدة كالمولى بالنسبة إلى العبد، وكالأمير بالنسبة إلى المأمور.
وقد ورد أحاديث كثيرةٌ صحيحةٌ في مدح الخلق الحسن، وذم الخلق السّيّىء.
قوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ .
قال ابن عباس: معناه فستعلم ويعلمون يوم القيامة.
وقيل: فسترى وترون يوم القيامة حتى يتبين الحق والباطل.
وقيل: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ في الدنيا كيف تكون عاقبة أمرك وأمرهم فإنك تصير معظماً في القلوب، ويصيرون ذليلين ملعونين ويستولى عليهم بالقتل والنهب.
قال مقاتل بن حيان: هذا وعيد العذاب ببدر.
قوله ﴿بِأَيِّكُمُ المفتون﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: أن الباء مزيدة في المبتدأ، والتقدير: أيكم المفتون، فزيدت كزيادتها في نحو «بحسبك زيد» ، وإلى هذا ذهب قتادة وأبو عبيدة معمر بن المثنى.
إلا أنه ضعيف من حيث إن الباء لا تزاد في المبتدأ إلا في «حَسْبُك» فقط.
الثاني: أن الباء بمعنى «فِي» فهي ظرفية، كقولك: «زيْدٌ بالبصرةِ» أي: فيها، والمعنى: في أي فرقة، وطائفة منكم المفتون: أي المجنون في فرقة الإسلام أم في فرقة الكفار؟ وإليه ذهب مجاهد والفراء.
ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة: «فِي أيكمُ» .
والثالث: أنه على حذف مضاف، أي «بأيكم فتن المفتون» فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وإليه ذهب الأخفش. وتكون الباء سببية.
والرابع: أن المفتون مصدر جاء على «مفعول» ك «المعقول» و «الميسور» ، والتقدير: «بأيكمُ المفْتُونُ» .
فعلى القول الأول يكون الكلام تاماً عند قوله: «ويُبْصرُونَ» ، ويبتدأ بقوله «بأيكمُ المفتُونُ» .
وعلى الأوجه بعده تكون الباء متعلقة بما قبلها، ولا يوقف على «يُبْصِرُونَ» .
وعلى الأوجه الأول الثلاثة يكون «المَفْتُونُ» اسم مفعول على أصله، وعلى الوجه الرابع يكون مصدراً، وينبغي أن يقال: إن الكلام إنما يتم على قوله «المَفْتُونُ» سواء قيل: بأن الباء مزيدة أم لا، لأن قوله ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ معلق بالاستفهام بعده، لأنه فعل بمعنى الرؤية البصرية تعلق على الصحيحِ، بدليل قولهم: أما ترى أن برق هاهنا، فكذلك الإبصار، لأنه هو الرؤية بالعين، فعلى القول بزيادة الباء، تكون الجملة الاستفهامية في محل نصب؛ لأنها واقعة موضع مفعول الإبصار.
فصل
قال القرطبيُّ: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ بأيكم المفتون، الذي فتن بالجنون، كقوله تعالى: ﴿تَنبُتُ بالدهن﴾ [المؤمنون: 20] و ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله﴾ [الإنسان: 6] ، وهو قول قتادة وأبي عبيدة كما تقدم وقيل: الباء ليست مزيدة، والمعنى «بأيكم المفتون» أي: الفتنة، وهو مصدر على وزن المفعول ويكون المعنى: المفتون، كقولهم: ما لفلان مجلود ولا معقول، أي: عقل ولا جلادة، قاله الحسن والضحاك وابن عباس.
قال الراعي: [الكامل]
4810 - حَتَّى إذَا لَمْ يَتركُوا لِعظامِهِ ... لَحْماً ولا لفُؤادِهِ مَعْقُولا
أي عقلاً، والمفتون المجنون الذي فتنه الشيطانُ.
وقيل: المفتون المعذب من قول العرب فتنت الذهب بالنار، إذا حميته، قال تعالى ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾ [الجن: 13] أي: يعذبون وقيل: المفتون: الشيطان؛ لانه مفتون في دينه , وكانوا يقولون: إن به شيطاناً , وعنوا بالمجنون هذا فقال الله تعالى لهم: فسيعلمون غداً بأيهم [المجنون] أي: الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون واختلاط العقل. قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ . أي: إن الله هو العالم بمن حاد عن دينه ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِ الْمُهْتَدِينَ﴾ , أي: الذين هم على الهدى، فيجازي كلاًّ غداً.
القلم 68:7
وهي اثنتان وخمسون آية، وثلاثمائة كلمة، وألف ومائتان وستة وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى «ن» كقوله ﴿ص والقرآن﴾ [ص: 1] ، وجواب القسم الجملة المنفية بعدها.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - هو الحوت الذي على ظهره الأرض، وهو قول مجاهدٍ ومقاتل والسدي والكلبي.
وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة ثم خلق النون فبسط الأرض على ظهره فتحرك النون، فمارت الأرض فأثبتت بالجبال وإن الجبال لتفخر على الأرض، ثم قرأ ابن عباس: ﴿ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ .
قال الواقديُّ: اسم النون ليوثا.
وقال كعب الأحبار: لوثوثا.
وعن علي: اسمه تلهوت.
وقيل: إنه أقسم بالحوت الذي ابتلع يونس - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -.
وقيل: الحوت الذي لطخ سهم نمروذ بدمه.
وقال الكلبي ومقاتل: اسم الحوت الذي على ظهر الأرض: البَهْمُوت.
قال الراجز: [الرجز]
4805 - مَا لِي أرَاكُمْ كُلَّكُمْ سُكُوتَا ... واللَّهُ ربِّي خَلقَ البَهْمُوتَا
وروى عكرمة عن ابن عباس: أن نون آخر حروف الرحمن.
وقيل: إنه اسم للدواةِ، وهو أيضاً مروي عن ابن عباس.
قال القرطبيُّ: وروى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «أوّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلمَ، ثُمَّ خلقَ النُّون، وهي الدَّواةُ، وذلك قوله تعالى» ن «والقلم» ومنه قول الشاعر: [الوافر]
4806 - إذَا مَا الشَّوْقُ يَبْرَحُ بِي إليْهِمْ ... وألفَى النُّون بالدَّمْعِ السِّجامِ
ويكون على هذا قسماً بالدواة والقلم، فإن المنفعة بهما عظيمة بسبب الكتابةِ. فإن التفاهم يحصل تارة بالنطق، وتارة بالكتابة.
وقيل: النون لوح من نون تكتب فيه الملائكةُ ما يؤمرون به، رواه معاوية بن قرة مرفوعاً.
وقيل: النون هو المداد الذي تكتب به الملائكة.
وقال عطاء وأبو العالية: هو افتتاح اسمه تعالى ناصر ونور ونصير، وقال محمد بن كعب: أقسم الله - تعالى - بنصره للمؤمنين.
وقال جعفر الصادق: هو نهر من أنهار الجنَّة يقال له: نون.
وقيل: هو الحرف المعروف من حروف المعجم، قاله القشيري.
قال: لأنه حرف لم يعرب فلو كان كلمة تامة أعرب به القلمُ، فهو إذن حرف هجاء، كما في أوائل السور.
قال الزمخشريُّ: «وأما قولهم: هو الدواة فما أدري أهو وضع لغوي، أو شرعي، ولا يخلو إذا كان اسماً للدواة من أن يكون جنساً، أو علماً، فإن كان جنساً فأين الإعراب والتنوينُ وإن كان علماً فأين الإعراب؟ وأيهما كان فلا بد له من موقع في تأليف الكلام؛ لأنك إذا جعلته مقسماً به وجب إن كان جنساً أن تجره وتنونه، ويكون القسم بدواة منكرة مجهولة، كأنه قيل: ودواة والقلم، وإن كان علماً أن تصرفه وتجره أو لا تصرفه وتفتحه للعلمية والتأنيث، وكذلك التفسير بالحوت إما أن يراد نون من النينان، أو يجعل علماً للبهموت الذي يزعمون، والتفسير باللوح من نور أو ذهب والنهر في الجنَّة نحو ذلك» .
قال شهاب الدين: «وهذا الذي أورده أبو القاسم من محاسن علم الإعراب، وقلَّ من يتقنه» .
وقال ابن الخطيب بعد ذكر القول بأنه آخر حروف اسم الرحمن: وهذا ضعيف، لأن تجويزه يفتح باب ترهات الباطنية بل الحق هاهنا أنه اسم للسورة، أو يكون الغرض منه التحدي، وسائر الوجوه المذكورة في أول سورة البقرة.
فصل في قراءات «ن»
قرأ العامة: «نُونْ» ساكن النون كنظائره.
وأدغم ابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم بلا خلاف، وورش بخلاف عنه النون في الواو، وأظهرها الباقون.
قال الفراء: «وإظهارها أعجب إليَّ، لأنها هجاء، والهجاء كالموقوف عليه وإن اتصل» ونقل عمن أدغم الغنَّة، وعدمها.
وقرأ ابن عباس والحسن وأبو السِّمال وابن أبي إسحاقَ: بكسر النون.
وسعيد بن جبير وعيسى بخلاف عنه: بفتحها.
فالأولى على التقاء الساكنين، ولا يجوز أن يكون مجروراً على القسم حذف حرف الجر وبقي عمله، كقولهم «اللَّهِ لأفعلَنَّ» ، لوجهين:
أحدهما: أنه مختص بالجلالة المعظمة نادر فيما عداها.
والثاني: أنه كان ينبغي أن ينون، ولا يحسن أن يقال: هو ممنوع الصرف اعتباراً بتأنيث السورة، لأنه كان ينبغي ألاَّ يظهر فيه الجر بالكسر ألبتة.
وأما الفتح، فيحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون بناء، وأوثر على الأصل للخفة ك «أين وكيف» .
الثاني: أن يكون مجروراً بحرف القسم المقدر على لغة ضعيفة، وقد تقدم ذلك في قراءة «فالحقّ والحقِّ» [ص: 84] ، بجرّ «الحقّ» ، ومنعت الصرف اعتباراً بالسورة.
والثالث: أن يكون منصوباً بفعل محذوف، أي:، اقرأوا نوناً ثم ابتدأ قسماً بقوله: «والقَلمِ» أو يكون منصوباً بعد حذف حرف القسم؛ كقوله: [الوافر]
- 4807 ... ... ... ... ... ... ... ... . ... فَذَاكَ أمَانَةَ اللَّهِ الثَّريدُ
ومنع الصرف لما تقدم، وهذا أحسن لعطف العلم على محله.
قوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ .
«ما» موصولة، اسمية أو حرفية، أي: والذي يسطرونه من الكتب، وهم الكتَّاب والحفظة من الملائكة وسطرهم.
والضمير عائد على من يسطر لدلالة السياق عليه ولذكر الآلة المكتتب بها.
وقال الزمخشري يجوز أن يراد بالقلم أصحابه فيكون الضمير في «يَسْطُرونَ» لهم.
يعني فيصير كقوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ﴾ [النور: 40] تقديره: أو كذي ظلمات فالضمير في «يغْشَاه» يعود على «ذي» المحذوف.
فصل في المراد بالقلم
في «القلم» المقسم به قولان:
أحدهما: أن المراد به الجنس، وهو واقع على كل قلم يكتب به في السماء والأرض، قال تعالى:
﴿وَرَبُّكَ الأكرم الذى عَلَّمَ بالقلم عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 3، 4، 5] ، ولأنه ينتفع به كما ينتفع بالنطق كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ البيان﴾ [الرحمن: 3، 4] ، فالقلم يبين كما يبين اللسان في المخاطبة بالكتابة للغائب والحاضر.
والثاني: أنه القلم الذي جاء في الخبر، عن ابن عباسٍ: أول ما خلق الله القلم ثم قال له: اكتب قال: ما أكتب؟ قال: ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة من عملٍ، أو أجلٍ، أو رزقٍ، أو أثرٍ، فجرى القلمُ بما هو كائن إلى يوم القيامة، قال: ثم ختم في القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة، قال: وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض.
وروى مجاهد، قال: أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب القدر، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه.
قال القاضي: هذا الخبر يجب حمله على المجاز؛ لأن القلم آلة مخصوصة للكتابة، ولا يجوز أن يكون حياً عاقلاً فيؤمر وينهى؛ فإن الجمع بين كونه حيواناً مكلفاً وبين كونه آلة للكتابة محال بل المراد منه أنه تعالى أجراه بكل ما يكون وهو كقوله تعالى ﴿إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 47] فإنه ليس هناك أمر، ولا تكليف، وهو مجرد نفاذ القدرةِ في المقدور من غير منازعة، ولا مدافعة.
وقيل: القلم المذكور هو العقل وأنه شيء هو كالأصل لجميع المخلوقات، قالوا: والدليل عليه أنه قد روي في الأخبار: أن أول ما خلق الله القلم.
وفي خبر آخر: أول ما خلق الله العقل، فقال الجبار: ما خلقت خلقاً أعجب إلي منك، وعزتي وجلالي لأكلمنك فيمن أحببت ولأبغضنك فيمن أبغضت، قال: ثم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أكمل النَّاسِ عقلاً أطوْعهُمْ للَّهِ وأعْلمُهُمْ بطاعته.
وفي خبر آخر: أول ما خلق الله جوهرة، فنظر إليها بعين الهيبة فذابت، وسخنت، فارتفع منها دخان وزبد، فخلق من الدخان السموات، ومن الزبد الأرض.
قالوا: فهذه الأخبار بمجموعها تدل على أن القلم والعقل وتلك الجوهرة التي هي أصل المخلوقات شيء واحد، وإلا حصل التناقض.
قوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ ، أي: وما يكتبون، يريد: الملائكة يكتبون أعمال بني آدم.
قال ابن عباس.
وقيل: وما يكتبون الناس ويتفاهمون به.
وقال ابن عباس: معنى ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ وما يعملون.
؟؟؟؟ قال ابن الخطيب: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ مع ما بعدهما في تقدير المصدر فيحتمل أن يكون المراد وسطرهم، فيكون القسم واقعاً بنفس الكتابةِ، ويحتمل أن يكون المرادُ به المسطور والمكتوب، فإن حمل القلم على كل قلم في مخلوقات الله تعالى، فكأنه تعالى أقسم بكل قلم، وبكل ما يكتب بكل قلم وقيل: المرادُ ما يسطرهُ الحفظة الكرام، ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه، فيكون الضمير في «يَسْطرُونَ» لهم، كأنه قيل: وأصحاب القلم، وسطرهم، أو مسطوراتهم، وإن حمل على القلم المعين، فيحتمل أن يكون المراد بقوله «ومَا يَسْطُرونَ» ، أي: وما يسطرون فيه، وهو اللوح المحفوظ ولفظ الجمع في قوله «يَسْطُرونَ» ليس المراد منه الجمع بل التعظيم، ويكون المراد تلك الأشياء التي سطرت فيه من جميع الأمور الكائنة إلى يوم القيامة.
قوله ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ .
قد تقدم الكلام على نظيره في «الطُّور» في قوله ﴿فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ﴾ [الطور: 29] .
إلا أن الزمخشري قال هنا: «فإن قلت: بم تتعلق الباء في» بِنعْمَةِ ربِّك «وما محله؟ قلت: متعلق بمجنون منفياً كما يتعلق بعاقل مثبتاً كقولك: أنت بنعمة ربِّك عاقل، مستوياً في ذلك الإثبات والنفي استواءهما في قولك: ضرب زيد عمراً، وما ضرب زيد عمراً، فعمل الفعل منفياً ومثبتاً إعمالاً واحداً، ومحله النصب على الحال كأنه قال: ما أنت مجنوناً منعماً عليك بذلك، ولم تمنع الباء أن يعمل» مَجْنُون «فيما قبله، لأنها زائدة لتأكيد النفي» .
قال أبو حيَّان: «وما ذهب إليْهِ الزمخشريُّ، من أن الباء يتعلق بمجنون، وأنه في موضع الحال يحتاج إلى تأمل، وذلك أنه إذا تسلط النفي في محكوم به، وذلك له معمول، ففي ذلك طريقان:
أحدهما: أن النفي يسلط على المعمول فقط.
والآخر: أن يسلط النفي على المحكوم به فينتفي معموله لانتفائه، ببيان ذلك أن تقول: ما زيد قائم مسرعاً، فالمتبادر إلى الذهن أنه منتف إسراعه دون قيامه، فيكون قد قام غير مسرع، والوجه الآخر: أنه انتفى قيامه فانتفى إسراعه، أي: لا قيام، فلا إسراع، وهذا الذي قررناه لا يتأتى معه قول الزمخشري، بل يؤدي إلى ما لا يجوز النطق به في حق المعصوم» انتهى.
واختار أبو حيان أن يكون «بِنعمَةِ» قسماً معترضاً به بين المحكوم عليه والحكم على سبيل التأكيد والتشديد والمبالغة في انتفاء الوصف الذميم.
وقال ابن عطية: «بنِعْمةِ ربِّك» اعتراض، كما تقول للإنسان: أنت بحمد الله فاضل، قال: ولم يبين ما تتعلق به الباء في «بِنعْمَةِ» .
قال شهاب الدين: والذي تتعلق به الباء في هذا النحو معنى مضمون الجملة نفياً وإثباتاً كأنه قيل: انتفى عنك ذلك بحمد الله، والباء سببية، وثبت ذلك الفضل بحمد الله تعالى، وأما المثال الذي ذكره، فالباء تتعلق فيه بلفظ «فاضل» وقد نحا صاحب «المُنَتخَب» إلى هذا فقال: المعنى انتفى عنك الجنون بنعمة ربك.
وقيل: معناه مَا أنْتَ مجنُونٌ والنعمة لربك، كقولهم: سبحانك اللهم وبحمدك، أي: والحمد لله؛ وقول لبيد: [الطويل]
4808 - وأفْرِدْتُ في الدُّنْيَا بفقْدِ عشِيرَتِي ... وفَارقَنِي جارٌ بأربدَ نَافِعُ
أي وهو أربد، وهذا ليس بتفسير إعراب بل تفسير معنى.
فصل في إعراب الآية
قوله تعالى: ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ . هذا جواب القسم، وهو نفي.
قال الزجاج: «أنت» هو اسم «مَا» و «مَجْنُون» الخبر، وقوله: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ كلام وقع في الوسط، أي: انتفى عنك الجنون بنعمة ربك، كما يقال: أنت بحمد الله عاقل.
روى ابن عباس: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ غاب عن خديجة إلى حراء، وطلبته، فلم تجده، فإذا به ووجهه متغير بلا غبار، فقالت: ما لك؟ .
فذكر جبريل - عليه السلام - وأنه قال له: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ﴾ [العلق: 1] ، فهو أول من نزل من القرآن، قال: ثم نزل بي إلى قرار الأرض، فتوضأ، وتوضأت، ثم صلى، وصليت معه ركعتين، وقال: هكذا الصلاة - يا محمد - فذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك لخديجة، فذهبت خديجة إلى ورقة بن نوفل - وهو ابن عمها - وكان قد خالف دين قومه ودخل في النصرانية، فسألته فقال: أرسلي إليّ محمداً، فأرسلته فقال: هل أمرك جبريل - عليه السلام - أن تدعو أحداً؟ فقال: لا فقال: والله لئن بقيت إلى دعوتك لأنصرنك نصراً عزيزاً، ثم مات قبل دعاء الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ووقعت تلك الواقعة في ألسنة كفار قريش، فقالوا: إنه مجنون، فأقسم الله تعالى على أنه ليس بمجنون، وهو خمس آياتٍ من أول هذه السورة، قال ابن عباسٍ: أول ما نزل قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ﴾ [الأعلى: 1] ، وهذه الآية هي الثانية، نقله ابن الخطيب.
وذكر القرطبيُّ: أن المشركين كانوا يقولون للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: مجنون به شيطان وهو قوله ﴿يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: 6] فأنزل الله تعالى رداً عليهم وتكذيباً لقولهم ﴿فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ [الطور: 29] أي: برحمة ربك، والنعمة هاهنا الرحمة. وقال عطاء وابن عباس: يريد بنعمة ربِّك عليك بالإيمان والنبوة.
قال القرطبي: «ويحتمل أن النعمة - هاهنا - قسم، تقديره: ما أنت، ونعمة ربك بمجنون لأن الواو والباء من حروف القسم» وقد تقدم.
فصل
قال ابن الخطيب: اعلم أنه تعالى وصفه - هاهنا - بصفات ثلاث:
الأولى: نفي الجنون عنه ثم قرن بهذه الدعوى ما يكون كالدلالة القاطعة على صحتها، لأن قوله: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ يدل على أن نعم اللَّه تعالى ظاهرة في حقه من الفصاحة التامة، والعقل الكامل، والسيرة المرضية، والبراء من كل عيب، والاتصاف بكل مكرمة، وإذا كانت هذه النعم ظاهرة محسوسة ووجودها ينافي حصول الجنونِ، فالله تعالى نبه على أن هذه الحقيقة جارية مجرى الدلالة اليقينية على كذبهم في قولهم: «إنه مجنُون» .
الصفة الثانية: قوله: ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: ثواباً على ما تحملت غير منقوص ولا مقطوع منه، يقال: منَّ الشيء إذا ضعف، ويقال: مننت الحبل إذا قطعته، وحبل منين إذا كان غير متين.
قال لبيدٌ: [الكامل]
4809 - ... ... ... ... ... ... ... . ... غُبْسٌ كَواسِبُ مَا يُمَنُّ طَعَامُهَا أي: لا يقطع، يصف كلاباً ضارية، ونظيره قوله تعالى ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108] ، وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: «غَيْرَ مَمْنُونٍ» أي: غير محسوب عليك، قالت المعتزلة: لأنك تستوجبه على [عملك] ، وجوابهم: إن حملهم على هذا يقتضي التكرار، لأن قوله «أجراً» يفيده، وقال الحسنُ: غير مكدر بالمن.
وقال الضحاك: أجراً بغير عمل، واختلفوا في هذا الأجرِ على أي شيء حصل؟ فقيل: معناه إن لك على احتمال هذا الطعن، والقول القبيح أجراً عظيماً دائماً.
وقيل: إن لك في إظهار النبوةِ، والمعجزات في دعاء الخلق إلى الله تعالى وفي بيان الشرع لهم هذا الأجر الخالص الدائم فلا يمنعك نسبتهم إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا المهم العظيم فإن لك بسببه المنزلةَ العالية.
الصفة الثالثة: قوله: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .
قال ابن عباس ومجاهدٌ: «على خُلقٍ» على دين عظيمٍ من الأديان، ليس دين أحب إلى الله، ولا أرضى عنده منه.
وروى مسلم عن عائشة: أن خلقه كان القرآن.
وقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: هو أدب القرآن.
وقيل: رفقه بأمته، وإكرامه إياهم.
وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أمر اللَّهِ، وينتهي عنه مما نهى الله عنه.
وقيل: إنَّك على طبع كريم.
وقال الماوردي: حقِيقَةُ الخُلقِ في اللُّغةِ ما يأخذُ بِهِ الإنسانُ في نفْسِهِ من الأدبِ يُسَمَّى خُلُقاً، لأنَّه يصير كالخلقة فيه فأما ما طُبع عليه من الأدبِ فهو الخِيمُ، فيكون الخلق: الطبع المتكلف، والخِيم: الطبع الغريزي.
قال القرطبي: «ما ذكره مسلم في صحيحه عن عائشة أصح الأقوالِ، وسئلت أيضاً عن خلقه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فقرأت ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ [المؤمنون: 1] إلى عشر آياتٍ» .
قال ابن الخطيب: وهذا إشارة إلى أن نفسه القدسية كانت بالطبع منجذبة إلى عالم الغيبِ وإلى كل ما يتعلق بها، وكانت شديدة النفرة من اللذات البدنية، والسعادات الدنيوية بالطبع، ومقتضى الفطرة، وقالت: مَا كَانَ أحدٌ أحْسنَ خُلُقاً من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما دعاه أحدٌ من الصحابة ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك، ولذلك قال الله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ولم يذكر خلق محمود إلا وكان للنبي الحظ الأوفر.
وقال الجنيد: سمى خلقه عظيماً لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، بدليل قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «إنَّ اللَّه بَعَثنِي لأتمِّمَ مكارِمَ الأخْلاق» .
فصل
قال ابن الخطيب: قوله: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ كالتفسير لما تقدم من قوله تعالى: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ وتعريف لمن رماه بالجنون بأن ذلك كذب وخطأ؛ لأن الأخلاق الحميدة والأفعال المرضية كانت ظاهرة منه، وإذا كان موصوفاً بتلك الأخلاق والأفعال، لم يجز إضافة الجنون إليه؛ لأن أخلاق المجانين سيئة، ولما كانت أخلاقه الحميدة صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كاملة لا جرم وصفها الله بأنها عظيمة، ولهذا قال:
﴿مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ المتكلفين﴾ [ص: 86] أي: لست مكلفاً فيما يظهر لكم من الأخلاق، لأنه تعالى قال: ﴿أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده﴾ [الأنعام: 90] فهذا الهدي الذي أمر الله محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالاقتداءِ به ليس هو معرفة الله تعالى؛ لأن ذلك تقليداً، وهو غير لائق بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وليس هو الشرائع؛ لأن شريعته كشرائعهم، فتعين أن يكون المراد منه أمره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأن يقتدي بكل واحد من الأنبياء فيما اختص به من الخلقِ الكريمِ، وكان كل واحد منهم مختصاً بنوع واحدٍ، فلما أمر محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأن يقتدي بالكل، فكأنه أمر بمجموع ما كان متفرقاً فيهم، ولما كان ذلك درجة عالية لم تتيسر لأحدٍ من الأنبياء قبله - لا جرم - وصف الله خلقه بأنه عظيم، وكلمة «عَلَى» للاستعلاءِ فدل اللفظ على أنه مستعل على هذه الأخلاقِ، ومستول عليها، وأنه بالنسبة إلى هذه الأخلاق الحميدة كالمولى بالنسبة إلى العبد، وكالأمير بالنسبة إلى المأمور.
وقد ورد أحاديث كثيرةٌ صحيحةٌ في مدح الخلق الحسن، وذم الخلق السّيّىء.
قوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ .
قال ابن عباس: معناه فستعلم ويعلمون يوم القيامة.
وقيل: فسترى وترون يوم القيامة حتى يتبين الحق والباطل.
وقيل: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ في الدنيا كيف تكون عاقبة أمرك وأمرهم فإنك تصير معظماً في القلوب، ويصيرون ذليلين ملعونين ويستولى عليهم بالقتل والنهب.
قال مقاتل بن حيان: هذا وعيد العذاب ببدر.
قوله ﴿بِأَيِّكُمُ المفتون﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: أن الباء مزيدة في المبتدأ، والتقدير: أيكم المفتون، فزيدت كزيادتها في نحو «بحسبك زيد» ، وإلى هذا ذهب قتادة وأبو عبيدة معمر بن المثنى.
إلا أنه ضعيف من حيث إن الباء لا تزاد في المبتدأ إلا في «حَسْبُك» فقط.
الثاني: أن الباء بمعنى «فِي» فهي ظرفية، كقولك: «زيْدٌ بالبصرةِ» أي: فيها، والمعنى: في أي فرقة، وطائفة منكم المفتون: أي المجنون في فرقة الإسلام أم في فرقة الكفار؟ وإليه ذهب مجاهد والفراء.
ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة: «فِي أيكمُ» .
والثالث: أنه على حذف مضاف، أي «بأيكم فتن المفتون» فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وإليه ذهب الأخفش. وتكون الباء سببية.
والرابع: أن المفتون مصدر جاء على «مفعول» ك «المعقول» و «الميسور» ، والتقدير: «بأيكمُ المفْتُونُ» .
فعلى القول الأول يكون الكلام تاماً عند قوله: «ويُبْصرُونَ» ، ويبتدأ بقوله «بأيكمُ المفتُونُ» .
وعلى الأوجه بعده تكون الباء متعلقة بما قبلها، ولا يوقف على «يُبْصِرُونَ» .
وعلى الأوجه الأول الثلاثة يكون «المَفْتُونُ» اسم مفعول على أصله، وعلى الوجه الرابع يكون مصدراً، وينبغي أن يقال: إن الكلام إنما يتم على قوله «المَفْتُونُ» سواء قيل: بأن الباء مزيدة أم لا، لأن قوله ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ معلق بالاستفهام بعده، لأنه فعل بمعنى الرؤية البصرية تعلق على الصحيحِ، بدليل قولهم: أما ترى أن برق هاهنا، فكذلك الإبصار، لأنه هو الرؤية بالعين، فعلى القول بزيادة الباء، تكون الجملة الاستفهامية في محل نصب؛ لأنها واقعة موضع مفعول الإبصار.
فصل
قال القرطبيُّ: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ بأيكم المفتون، الذي فتن بالجنون، كقوله تعالى: ﴿تَنبُتُ بالدهن﴾ [المؤمنون: 20] و ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله﴾ [الإنسان: 6] ، وهو قول قتادة وأبي عبيدة كما تقدم وقيل: الباء ليست مزيدة، والمعنى «بأيكم المفتون» أي: الفتنة، وهو مصدر على وزن المفعول ويكون المعنى: المفتون، كقولهم: ما لفلان مجلود ولا معقول، أي: عقل ولا جلادة، قاله الحسن والضحاك وابن عباس.
قال الراعي: [الكامل]
4810 - حَتَّى إذَا لَمْ يَتركُوا لِعظامِهِ ... لَحْماً ولا لفُؤادِهِ مَعْقُولا
أي عقلاً، والمفتون المجنون الذي فتنه الشيطانُ.
وقيل: المفتون المعذب من قول العرب فتنت الذهب بالنار، إذا حميته، قال تعالى ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾ [الجن: 13] أي: يعذبون وقيل: المفتون: الشيطان؛ لانه مفتون في دينه , وكانوا يقولون: إن به شيطاناً , وعنوا بالمجنون هذا فقال الله تعالى لهم: فسيعلمون غداً بأيهم [المجنون] أي: الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون واختلاط العقل. قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ . أي: إن الله هو العالم بمن حاد عن دينه ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِ الْمُهْتَدِينَ﴾ , أي: الذين هم على الهدى، فيجازي كلاًّ غداً.
القلم 68:8
قوله: ﴿فَلاَ تُطِعِ المكذبين﴾ نهاه عن ممايلة المشركين وكانوا يدعونه إلى أن يكف عنهم ليكفوا عنه، فبين الله تعالى أن ممايلتهم كفر، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 74] وقيل: فلا تطع المكذبين فيما دعوك إليه من دينهم الخبيث، نزلت في مشركي قريش حين دعوه إلى دين آبائه.
قوله: ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ .
المشهور في قراءة الناس ومصاحفهم: «فَيُدهِنُونَ» بثبوت نون الرفع وفيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على «تُدهِنُ» فيكون داخلاً في حيز «لَوْ» .
والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: فهم يدهنون.
وقال الزمخشريُّ: «فإن قلت: لم رفع» فَيُدْهنُونَ «ولم ينصب بإضمار» أن «وهو جواب التمني؟ .
قلت: قد عدل به إلى طريق آخر وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف، أي فهم يدهنون، كقوله: ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾ [الجن: 13] على معنى ودوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذ، أو ودوا إدهانك، فهم الآن يدهنون لطمعهم في إدهانك قال سيبويه: وزعم هارون أنها في بعض المصاحف: ودُّوا لو تُدهِنُ فيُدْهِنُوا» انتهى.
وفي نصبه على ما وجد في بعض المصاحف وجهان:
أحدهما: أنه عطف على التوهم، كأنه توهم أن نطق ب «أنْ» فنصب الفعل على هذا التوهم وهذا إنما يجيء على القول بمصدرية «لَوْ» ، وفيه خلاف تقدم تحقيقه في «البقرة» .
والثاني: أنه نُصِبَ على جواب التمني المفهوم من «ودّ» .
والظاهر أن «لَوْ» حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وأن جوابها محذوف ومفعول الودادة أيضاً محذوف، تقديره: ودوا إدهانك، فحذف إدهانك، لدلالة «لَو» وما بعدها عليه وتقدير الجواب: لسروا بذلك.
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس وعطية والضحاك والسديُّ: ودوا لو تكفر فيتمادون على كفرهم، وعن ابن عباس أيضاً: ودوا لو ترخص لهم فيرخصون لك.
وقال الفراء والكلبي: لو تلين فيلينون لك. والإدهان: التليين لمن لا ينبغي له التليين. قاله الفراء والليث.
وقال مجاهدٌ: ودوا لو ركنت إليهم وتركت الحق فيمالئونك.
وقال الربيع بن أنس: ودوا لو تكذب، فيكذبون.
وقال قتادة: ودوا لو تذهب عن هذا الأمر فيذهبوا.
وقال الحسنُ: ودوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك في دينهم، وعنه أيضاً: ودوا لو ترفض بعض أمرك فيرفضون بعض أمرهم.
وقال زيد بن أسلم: ودّوا لو تنافق وترائي، فينافقون ويراءون.
وقيل: ودُّوا لو تضعف فيضعفون. قاله أبو جعفر.
وقال القتيبي: ودوا لو تداهن في دينك فيداهنون في أديانهم، وعنه: طلبوا منه أن يعبد آلهتهم مدة ويعبدوا إلهه مدة.
وهذان القولان الأخيران هما المتقدمان في معنى ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [النساء: 89] ومعنى: لو تصانعهم وقال ابن العربي: ذكر المفسرون فيها نحو عشرة أقوالٍ، كلها دعاوى على اللغة والمعنى، وأمثلها قولهم «ودُّوا لو تكذبُ فيكذبون، ودوا لو تكفر فيكفرون» .
وقال القرطبيُّ: كلها إن شاء الله تعالى صحيحة على مقتضى اللغة والمعنى، فإن الإدهان اللين والمصانعة.
وقيل: المقاربة في الكلام والتليين في القول، وقال المفضل: النفاق وترك المناصحةِ، فهي على هذا الوجه مذمومة، وعلى الوجه الأول غير مذمومة وكل شيء منها لم يكن.
وقال المبردُ: أدهن في دينه، وداهن في أمره أي: خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر.
وقال قوم: داهنت بمعنى واريت، وأدهنت بمعنى غششت، قاله الجوهري، وقوله « فيُدْهِنُونَ» ساقه على العطف، ولو جاء به جواباً للنهي لقال: «فيُدْهِنُوا» ، وإنما أراد أنهم تمنوا لو فعلت فيفعلون مثل فعلك عطفاً لا جزاء عليه ولا مكافأة، وإنما هو تمثيل وتنظير.
قوله: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾ .
قال السديُّ والشعبي وابن إسحاق: يعني الأخنس بن شريق.
وقال مجاهدٌ: يعني الأسود بن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود.
وقال مقاتل: يعني الوليد بن المغيرة عرض على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مالاً، وحلف أنه يعطيه إن رجع عن دينه.
وقال ابن عباس: هو أبو جهل بن هشام.
والحلاف: الكثير الحلف. و «المَهين» قال مجاهد: هو الضعيف القلب.
وقال ابن عباس: هو الكذاب، والكذاب مهين.
وقال الحسن وقتادة: هو المكثار في الشر.
وقال الكلبي: المهين: الفاجر.
وقال عبد الله: هو الحقير.
وقال ابن بحر: هو الذليل.
وقال الرماني: هو الوضيع لإكثاره من القبيح.
وهو «فعيل» من المهانة بمعنى القلة، وهي هنا القلة في الرأي والتمييز، أو هو «فعيل» بمعنى «مُفْعَل» والمعنى «مُهَان» .
قوله ﴿هَمَّازٍ﴾ ، الهماز: مثال مبالغة من الهمز، وهو في اللغة الضرب طعناً باليد والعصا، واستعير للمغتاب الذي يغتاب الناس كأنه يضربهم بإيذائه.
قال ابن زيد: الهمَّاز: الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمّاز: باللسان.
وقيل الهمَّاز الذي يذكر الناس في وجوههم، واللمَّازُ: الذي يذكرهم في مغيبهم.
وقال مقاتل بالعكس، وقال مرة: هما سواء، ونحوه عن ابن عباس وقتادة.
قال الشاعر: [البسيط]
4811 - تُدْلِي بودٍّ إذَا لاقَيْتنِي كَذِباً ... وإنْ تغَيَّبْتُ كُنْتَ الهَامِزَ اللُّمَزَهْ
والنميم: قيل: هو مصدر النميمة.
وقيل: هو جمعها أي اسم جنس ك «تمرةٍ وتمرٍ» ، وهو نقل الكلام الذي يسوء سامعه، ويحرش بين الناس.
وقال الزمخشري: والنميم والنميمة: السعاية، وأنشدني بعض العرب: [الرجز]
4812 - تَشَبَّبِي تَشَبُّبَ النَّميمهْ ... تَمْشِي بِهَا زَهْراً إلى تَمِيْمَه
والمشاء: مثال مبالغة من المشي، أي: يكثر السعاية بين الناس ليفسد بينهم، يقال: نَمَّ يَنِمُّ نميماً ونَمِيمَة، أي: يمشي ويسعى بالفسادِ.
وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «لا يَدخُلُ الجَنَّة نَمَّامٌ» .
والعتل: الذي يعتل الناس، أي: يحملهم، ويجرهم إلى ما يكرهون من حبس وضربٍ ومنه: ﴿خُذُوهُ فاعتلوه﴾ [الدخان: 47] .
وقيل: العتل: الشديد الخصومة.
وقال أبو عبيدة: هو الفاحش اللئيم.
وأنشد:
4813 - بِعُتُلٍّ مِنَ الرِّجالِ زَنِيمٍ ... غيْرِ ذِي نَجْدةٍ وغَيْرِ كَريمِ
وقيل: الغليظ الجافي.
ويقال: عَتَلْتُه وعَتنتُهُ باللام والنون. نقله يعقوب.
وقيل: العتل: الجافي الشديد في كفره.
وقال الكلبيُّ والفراء: هو الشديد الخصومة بالباطل.
قال الجوهري: ويقال: عَتَلْتُ الرجل أعْتِلُهُ وأعْتُلُهُ إذا جذبته جذباً عنيفاً. ورجل مِعْتَل - بالكسر -، والعَتَل أيضاً: الرمح الغليظ، ورجل عَتِلٌ - بالكسر - بين العتل، أي سريع إلى الشَّر ويقال: لا أنعتل معك، أي: لا أبرح مكاني.
وقال عبيد بن عمير: العتل: الأكول الشروب القوي الشديد يوضع في الميزان فلا يزن شعيرة، يدفع الملك من أولئك في جهنم بالدفعة الواحدة سبعين ألفاً.
والزنيم: الدعي بنسب إلى قوم ليس منهم.
قال حسانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الطويل]
4814 - أ - زَنِيمٌ تَداعَاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ... كَمَا زيدَ في عَرْضِ الأديمِ الأكَارعُ
وقال أيضاً: [الوافر]
4814 - ب - زَنِيمُ ليسَ يُعْرَفُ مَنْ أبُوهُ ... بَغِيُّ الأمِّ ذُو حسب لَئِيمُ
وقال أيضاً: [الطويل]
4815 - وأنْتَ زَنِيمٌ نيطَ في آلِ هَاشمٍ ... كَمَا نِيطَ خَلْفَ الرَّاكبِ القَدَحُ الفَرْد
وأصله: من الزنمةِ، وهي ما بقي من جلد الماعز معلقاً في حلقها يترك عند القطع، فاستعير للدعي، لأنه كالمعلق بما ليس منه.
فصل فيمن هو الحلاف المهين
تقدم القول في «الحلاف المَهين» ، عن الشعبي والسديِّ وابن إسحاقَ: أنه الأخنس بن شريق، وعلى قول غيرهم: أنه الأسود بن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود، أو الوليد بن المغيرة، أو أبو جهل بن هشام، وتقدم تفسير «الهَمَّاز والمشَّاء بنميمٍ» .
وأما قوله «منَّاعٍ للخَيْرِ» أي: للمال أن ينفق في وجوهه.
وقال ابن عباس: يمنع عن الإسلام ولده وعشيرته.
قيل: كان للوليد بن المغيرة عشرةٌ من الولد، وكان يقول لهم ولأقاربه: من تبع منكم محمداً منعته رفدي.
وقال الحسنُ: يقول لهم: من دخل منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء أبداً.
وقوله «مُعْتَدٍ» أي: على الناس في الظلم، متجاوز للحد، صاحب باطل، وقوله « أثيمٍ» أي: ذا إثمٍ، ومعناه «أثُوم» ، فهو «فعيل» بمعنى «فَعُول» .
قال البغوي: «أثيم فاجر» . وأما العتل فتقدم الكلام عليه في اللغة.
وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «ألاْ أخْبرُكمْ بأهْلِ الجنَّةِ؟ قالوا: بَلَى، قال: كُلُّ ضعيفٍ مُتضعَّفٍّ، لَوْ أقسمَ على اللَّهِ لأبرَّهُ، ألا أخْبركُمْ بأَهْلِ النَّارِ؟ قالوا: بَلَى، قال: كُل عُتُلٍّ جواظٍ مستكبرٍ»
وفي رواية: «كُلُّ جوَّاظٍ زَنيمٍ مُستَكْبرٍ» .
«الجوَّاظ» الجموع المنوع.
وقيل: الكثير اللحم، المختال في مشيته.
وقيل: القصير البطين.
وذكر الماورديُّ عن ابن مسعود أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لا يَدخُل الجنَّة جوَّاظ ولا جَعْظَرِي ولا العُتلُ الزَّنِيمُ» .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الجوَّاظ: الذي جمع ومنع، والجعظري: الفظ الغليظ المتكبر» .
قال ابن الأثير: «وقيل: هو الذي ينتفخ بما ليس عنده، وفيه قصر» .
قال القرطبيُّ: وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «الشَّدِيدُ الخُلقِ، الرَّحيبُ الجوْفِ، المصحُّ الأكولُ، الشَّروبُ، الواجدُ للطعامِ، الظَّلُومُ للنَّاسِ» .
وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ قال: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «تَبْكِي السَّماءُ على رجُلٍ أصحَّ اللَّهُ جِسْمهَ ورحَبَ جوفه، وأعطاهُ من الدُّنْيَا بعضاً، فكانَ للنَّاسِ ظلُوماً، فذلك العُتُلَّ الزَّنِيمُ» .
وقوله «بَعْدَ ذلِكَ» أي مع ذلك، يريد ما وصفناه به «زنيم» وتقدم معنى الزنيم. وعن ابن عباس: أنه رجل من قريش كانت له زنمة كزنمة الشاة.
وروى عنه ابن جبير: أنه الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها.
وقال عكرمة: هو الذي يعرف بلؤمه، كما تعرف الشاة بزنمتها.
وقيل: إنه الذي يعرف بالأبنة، وهو مروي عن ابن عباس، وعنه: إنه الظلوم.
وقال مجاهدٌ: «زَنِيمٍ» كانت له ستة أصابع في يده في كل إبهام له أصبع زائدة.
وعنه أيضاً وسعيد بن المسيب وعكرمة: هو ولد الزنا الملحق في النسب بالقوم.
وكان الوليد دعياً في قريش ليس من سنخهم، ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة من مولده.
قال الشاعر: [الوافر]
4816 - زَنِيمٌ ليْسَ يُعرفُ من أبُوهُ ... بَغِيُّ الأمِّ ذُو حسبٍ لَئِيم
قيل: بغتْ أمه ولم يعرف حتى نزلت الآية، وهذا لأن الغالب أن المنطقة إذا خبثت خبث الولدُ، كا روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لا يَدْخلُ الجنَّة ولدُ زِنَا، ولا ولَدُ وَلدِهِ» .
وقال عبد الله بن عمر: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إنَّ أوْلادَ الزِّنَا يُحشَرُونَ يومَ القِيامةِ في صُورةِ القِرَدةِ والخَنازِيرِ» .
وقالت ميمونة: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «لا تَزالُ أمَّتِي بخيْرٍ، مَا لَمْ يَفْشُ فِيهِمْ ولدُ الزِّنَا، فإذا فَشَى فيهِمْ ولدُ الزِّنَا أوشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بعذابٍ» .
وقال عكرمة: إذا كثر ولد الزنا قحط المطر.
قال القرطبي: ومعظم المفسرين على أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وكان يطعم أهل منى حيساً ثلاثة أيام، وينادي ألا لا يوقدن أحدكم تحت بُرمةٍ، ألا لا يدخلن أحد بكُراع، ألا ومن أراد الحيس فليأت الوليد بن المغيرة، وكان ينفق في الحجة الواحدة عشرين ألفاً، أو أكثر، ولا يعطي المسكين درهماً واحداً؛ فقيل: «منَّاعٍ للخَيرِ» ، وفيه نزل:
﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكاة﴾ [فصلت: 6، 7] .
وقال محمد بن إسحاق: نزلت في الأخنس بن شريق؛ لأنه حليف ملحق في بني زهرة، فلذلك سمي زنيماً. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: في هذه الآية نُعت، فلم يعرف، حتى قتل زنيم فعرف، وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها.
قال ابن قتيبة: لا نعلم أن الله وصف أحداً، ولا ذكر من عيوبه ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة وألحق به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة.
فصل
قرأ الحسن: «عُتُلٌّ» بالرفع، أي هو عتل.
وحقه أن يقرأ ما بعده بالرفع أيضاً، لأنهم قالوا في القطع: إنه يبدأ بالإتباع، ثم بالقطع من غير عكس، وقوله: «بَعْدَ ذلِكَ» أي: بعدما وصفناه به.
قال ابن عطية: فهذا الترتيب إنما هو في قول الواصفِ لا في حصول تلك الصفات في الموصوف، وإلا فكونه عتلاًّ هو قبل كونه صاحب خير يمنعه.
وقال الزمخشريُّ: «بَعْدَ ذَلِكَ» أي: بعدما عد له من المثالب، والنقائصِ، ثم قال: جعل جفاءه ودعوته أشد معايبه، لأنه إذا غلظ وجفا طبعه قسا قلبُه واجترأ على كل معصية.
ونظير قوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين﴾ [البلد: 17] .
قوله: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ .
العامة: على فتح همزة «أن» ثم اختلفوا بعد، فقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر وأضاف القرطبي معهم أبا جعفر وأبا حيوة والمغيرة والأعرج: بالاستفهام.
وباقي السبعة بالخبر.
والقارئون بالاستفهام على أصولهم من تحقيق، وتسهيل، وإدخال ألف بين الهمزتين وعدمه، ولا بد من بيان ذلك فنقول: قرأ حمزة وأبو بكر وذكر القرطبي معهم المفضل: بتحقيق الهمزتين، وعدم إدخال ألف بينهما، وهذا هو أصلهما.
وقرأ ابن ذكوان: بتسهيل الثانية، وعدم إدخال ألف.
وهشام بالتسهيل المذكور إلا أنه أدخل ألفاً بينهما.
فقد خالف كل منهما أصله، أما ابن ذكوان فإنه يحقق الهمزتين فقد سهل الثانية هنا، وأما هشام فإن أصله أن يجري في الثانية من هذا النحو وجهين من التحقيق كرفيقه، والتسهيل وقد التزم التسهيل هنا، وأما إدخال الألف فإنه فيه على أصله، كما تقدم أول البقرة.
وقرأ نافع في رواية اليزيدي عنه: «إن» بكسر الهمزة على الشرط.
فأما قراءة «أنْ» - بالفتح - على الخبر، ففيه أربعة أوجه:
أحدها: أنها «أن» المصدرية في موضع المفعول به مجرورة بلام مقدرة، واللام متعلقة بفعل النهي، أي: ولا تطع من هذه صفاته، لأن كان متمولاً وصاحب بنين.
الثاني: أنها متعلقة ب «عُتُل» وإن كان قد وصف.
قاله الفارسي.
وهذا لا يجوز عند البصريين، وكأن الفارسي اغتفره في الجار.
الثالث: أن يتعلق ب «زَنِيمٍ» ، ولا سيما عند من يفسره بقبيح الأفعال.
الرابع: أن يتعلق بمحذوف يدل عليه ما بعده من الجملة الشرطية تقديره لكونه متمولاً، مستظهراً بالبنين كذب بآياتنا، قاله الزمخشريُّ.
قال: ولا يعمل فيه، قال: الذي هو جواب «إذا» لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، ولكن ما دلت عليه الجملةُ من معنى التكذيب.
وقال مكيٌّ، وتبعه أبو البقاء: «لا يجوز أن يكون العامل» تُتْلَى «لأن ما بعد» إذَا «لا يعمل فيما قبلها، لأن» إذَا «تضاف إلى الجمل، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف» انتهى.
وهذا يوهم أن المانع من ذلك ما ذكره فقط، والمانع أمرٌ معنوي، حتى لو فقد هذا المانع الذي ذكره لامتنع من جهة المعنى، وهو لا يصلح أن يعلل تلاوة آياتِ اللَّهِ عليه بكونه ذا مالٍ وبنين.
وأما قراءة «آنْ كان» على الاستفهام، ففيها وجهان:
أحدهما: أن يتعلق بمقدر يدل عليه ما قبله، أي: أتطيعه لأن كان، أو الكون طواعية لأن كان.
والثاني: أن يتعلق بمقدر يدل عليه ما بعده، أي: لأن كان كذب وجحد.
وأما قراءة «إنْ كَانَ» - بالكسر - فعلى الشرط، وجوابه مقدر، تقديره: إن كان كذا يكفر ويجحد، دل عليه ما بعده.
وقال الزمخشريُّ: والشرط للمخاطب، أي: لا تطع كل حلاف شارطاً يساره، لأنه إن أطاع الكافر لغنائه فكأنه اشترط في الطاعة الغنى، ونحو صرف الشرط للمخاطب صرف الترجي إليه في قوله ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى﴾ [طه: 44] .
وجعله أبو حيَّان من دخول شرط على شرط، يعني «إن، وإذا» إلا أنه قال: ليسا من الشروط المترتبة الوقوع. وجعل نظير ذلك قول ابن دُريْدٍ: [الرجز]
4817 - فإن عَثَرتُ بعْدها إنْ وألَتْ ... نَفْسِيَ مِنْ هَاتَا فَقُولاَ لاَ لَعَا
قال: «لأن الحامل على تدبر آياتِ اللَّهِ كونه ذا مالِ وبنينَ، وهو مشغول القلب بذلك غافل عن النظر قد استولت عليه الدُّنيا وأنظرته» .
وقرأ الحسن بن أبزى: بالاستفهام، وهو استفهام تقريعٍ وتوبيخٍ، على قوله حين تليت عليه آيات الله: ﴿أَسَاطِيرُ الأولين﴾ .
فصل في توجيه قراءة الآية
قال القرطبيُّ: فمن قرأ بهمزة مُطوَّلةٍ، أو بهمزتين محققتين، فهو استفهام والمراد به التوبيخ، ويحسن له أن يقف على «زَنِيمٍ» ، ويبتدىء «أنْ كَانَ» على معنى: لأن كان ذا مال وبنين تطيعه، ويجوز أن يكون التقدير: لأن كان ذا مال وبنين يكفر ويستكبر، ودل عليه ما تقدم من الكلامِ، فصار كالمذكور بعد الاستفهام، ومن قرأ «أن كَانَ» بغير استفهام، فهو مفعول من أجله، والعامل فيه فعل مضمر والتقدير: يكفر لأن كان ذا مال وبنين، ودل على هذا الفعل: ﴿إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ ولا يعمل في «أن» : «تُتْلَى» ولا «قَالَ» ، لأن ما بعد «إذَا» لا يعمل فيما قبلها؛ لأن «إذَا» تضاف إلى الجمل التي بعدها، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف و «قال» جواب الجزاء، ولا يعمل فيما قبل الجزاء، إذ حكم العامل أن يكون قبل المعمول فيه، وحكم الجواب أن يكون بعد الشرط، فيكون مقدماً مؤخراً في حالة واحدةٍ، ويجوز أن يكون المعنى: لا تطعه لأن كان ذا يسار وعدد.
قال ابن الأنباريُّ: ومن قرأ بلا استفهام لم يحسن أن يقف على «زَنيمٍ» لأن المعنى: لأن كان ذا مالٍ كان، ف «أنْ» متعلقة بما قبلها.
وقال غيره: يجوز أن يتعلق بقوله «مشَّاءٍ بنمِيمٍ» ، والتقدير: يمشي بنميم، لأن كان ذا مال وبنين، وأجاز أبو علي أن يتعلق ب «عُتُلٍّ» ومعنى «أسَاطيرُ الأوَّليْنَ» أباطيلهم، وتُرهاتُهُم.
قوله: «سَنَسِمُهُ» . أي: نجعل له سمة، أي: علامة يعرف بها.
قال جرير: [الكامل]
4818 - لمَّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي ... وعَلَى البَعيثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ
والخرطوم: الأنف، وهو هنا عبارة عن الوجه كله من التعبير عن الكل بالجزء؛ لأنه أظهر ما فيه وأعلاه، والخرطوم أيضاً: الخمر، وكأنه استعاره لها لأن الشنتمري قال: هي الخمر أول ما يخرج من الدَّن؛ فجعلت كالأنف لأنه أول ما يبدو من الوجه فليست الخرطومُ الوجه مطلقاً، ومن مجيء الخرطوم بمعنى الخمر، قول علقمة بن عبدة: [البسيط]
4819 - قَدْ أشْهَدَ الشَّرْبَ فِيهِمْ مِزْهَرٌ رَنِمٌ ... والقَوْمُ تَصْرعُهُمْ صَهْبَاءُ خرْطُومُ
وأنشد نضر بن شميل: [البسيط]
4820 - تَظَلُّ يَومَكَ في لَهْوٍ وفِي طَرَبٍ ... وأنْتَ باللَّيْلِ شَرَّابُ الخَراطِيمِ
فصل في تفسير «سنسمه»
قال ابن عباس: «سَنَسِمُهُ» سنحطمه بالسَّيفِ، قال: وقد حطم الذي نزلت فيه يوم بدرِ بالسيف، فلم يزل محطوماً إلى أن مات.
وقال قتادةُ: سنسمهُ يوم القيامة على أنفه سِمَةً يعرفُ بها، يقال: وسمه وسماً وسمة إذا أثرت فيه بسمة وكيّ.
قال الضحاك: سنكويه على وجهه، وقد قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] فهي علامة ظاهرة، وقال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: 102] وهذه علامة أخرى ظاهرة. وأفادت هذه الآية علامة ثالثة، وهي الوسم على الأنف بالنار، وهذا كقوله: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: 41] .
قاله الكلبي وغيره وقال أبو العالية ومجاهدٌ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم﴾ أي على أنفه، ويسودُّ وجهه في الآخرة، فعرف بسواد وجهه.
قال القرطبيُّ: «والخرطوم: الأنف من الإنسان، ومن السباع موضع الشفة، وخراطيم القوم: سادتهم» .
قال الفراء: وإن كان الخرطومُ قد خُصَّ بالسِّمة فإنَّهُ في الوجه لأن بعض الشيء يعبر به عن الكل.
وقال الطبريُّ: نبين أمره تبياناً واضحاً، فلا يخفى عليهم كما لا تخفى السِّمةُ على الخراطيم.
وقال: المعنى: سنلحق به عاراً وسبة حتى يكون كمن وسم على أنفه.
قال القتيبي: تقول العرب للرجل يُسَبُّ سبة سوءٍ قبيحة باقية قد وسم ميسم سوء، أي: ألصق به عار لا يفارقه، كما أن السمة لا يمحى أثرها.
وهذا كلهُ نزل في الوليد بن المغيرة، ولا شك أنَّ المبالغة العظيمة في ذمه بقيت على وجه الأرض الدهر، ولا يعلم أن اللَّه تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغ منه، فألحق به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة كالوسم على الخرطوم.
وقيل: ما ابتلاه اللَّهُ به في الدنيا في نفسه؛ وأهله وماله من سوء، وذل وصغار، قاله ابن بحر.
وقال النضر بن شميل: المعنى سنحده على شرب الخمر، والخرطوم: الخمر، وجمعه: خراطيم، وأنشد البيت المتقدم.
قال ابن الخطيب: «وهذا تعسفٌ» .
القلم 68:9
قوله: ﴿فَلاَ تُطِعِ المكذبين﴾ نهاه عن ممايلة المشركين وكانوا يدعونه إلى أن يكف عنهم ليكفوا عنه، فبين الله تعالى أن ممايلتهم كفر، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 74] وقيل: فلا تطع المكذبين فيما دعوك إليه من دينهم الخبيث، نزلت في مشركي قريش حين دعوه إلى دين آبائه.
قوله: ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ .
المشهور في قراءة الناس ومصاحفهم: «فَيُدهِنُونَ» بثبوت نون الرفع وفيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على «تُدهِنُ» فيكون داخلاً في حيز «لَوْ» .
والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: فهم يدهنون.
وقال الزمخشريُّ: «فإن قلت: لم رفع» فَيُدْهنُونَ «ولم ينصب بإضمار» أن «وهو جواب التمني؟ .
قلت: قد عدل به إلى طريق آخر وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف، أي فهم يدهنون، كقوله: ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾ [الجن: 13] على معنى ودوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذ، أو ودوا إدهانك، فهم الآن يدهنون لطمعهم في إدهانك قال سيبويه: وزعم هارون أنها في بعض المصاحف: ودُّوا لو تُدهِنُ فيُدْهِنُوا» انتهى.
وفي نصبه على ما وجد في بعض المصاحف وجهان:
أحدهما: أنه عطف على التوهم، كأنه توهم أن نطق ب «أنْ» فنصب الفعل على هذا التوهم وهذا إنما يجيء على القول بمصدرية «لَوْ» ، وفيه خلاف تقدم تحقيقه في «البقرة» .
والثاني: أنه نُصِبَ على جواب التمني المفهوم من «ودّ» .
والظاهر أن «لَوْ» حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وأن جوابها محذوف ومفعول الودادة أيضاً محذوف، تقديره: ودوا إدهانك، فحذف إدهانك، لدلالة «لَو» وما بعدها عليه وتقدير الجواب: لسروا بذلك.
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس وعطية والضحاك والسديُّ: ودوا لو تكفر فيتمادون على كفرهم، وعن ابن عباس أيضاً: ودوا لو ترخص لهم فيرخصون لك.
وقال الفراء والكلبي: لو تلين فيلينون لك. والإدهان: التليين لمن لا ينبغي له التليين. قاله الفراء والليث.
وقال مجاهدٌ: ودوا لو ركنت إليهم وتركت الحق فيمالئونك.
وقال الربيع بن أنس: ودوا لو تكذب، فيكذبون.
وقال قتادة: ودوا لو تذهب عن هذا الأمر فيذهبوا.
وقال الحسنُ: ودوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك في دينهم، وعنه أيضاً: ودوا لو ترفض بعض أمرك فيرفضون بعض أمرهم.
وقال زيد بن أسلم: ودّوا لو تنافق وترائي، فينافقون ويراءون.
وقيل: ودُّوا لو تضعف فيضعفون. قاله أبو جعفر.
وقال القتيبي: ودوا لو تداهن في دينك فيداهنون في أديانهم، وعنه: طلبوا منه أن يعبد آلهتهم مدة ويعبدوا إلهه مدة.
وهذان القولان الأخيران هما المتقدمان في معنى ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [النساء: 89] ومعنى: لو تصانعهم وقال ابن العربي: ذكر المفسرون فيها نحو عشرة أقوالٍ، كلها دعاوى على اللغة والمعنى، وأمثلها قولهم «ودُّوا لو تكذبُ فيكذبون، ودوا لو تكفر فيكفرون» .
وقال القرطبيُّ: كلها إن شاء الله تعالى صحيحة على مقتضى اللغة والمعنى، فإن الإدهان اللين والمصانعة.
وقيل: المقاربة في الكلام والتليين في القول، وقال المفضل: النفاق وترك المناصحةِ، فهي على هذا الوجه مذمومة، وعلى الوجه الأول غير مذمومة وكل شيء منها لم يكن.
وقال المبردُ: أدهن في دينه، وداهن في أمره أي: خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر.
وقال قوم: داهنت بمعنى واريت، وأدهنت بمعنى غششت، قاله الجوهري، وقوله « فيُدْهِنُونَ» ساقه على العطف، ولو جاء به جواباً للنهي لقال: «فيُدْهِنُوا» ، وإنما أراد أنهم تمنوا لو فعلت فيفعلون مثل فعلك عطفاً لا جزاء عليه ولا مكافأة، وإنما هو تمثيل وتنظير.
قوله: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾ .
قال السديُّ والشعبي وابن إسحاق: يعني الأخنس بن شريق.
وقال مجاهدٌ: يعني الأسود بن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود.
وقال مقاتل: يعني الوليد بن المغيرة عرض على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مالاً، وحلف أنه يعطيه إن رجع عن دينه.
وقال ابن عباس: هو أبو جهل بن هشام.
والحلاف: الكثير الحلف. و «المَهين» قال مجاهد: هو الضعيف القلب.
وقال ابن عباس: هو الكذاب، والكذاب مهين.
وقال الحسن وقتادة: هو المكثار في الشر.
وقال الكلبي: المهين: الفاجر.
وقال عبد الله: هو الحقير.
وقال ابن بحر: هو الذليل.
وقال الرماني: هو الوضيع لإكثاره من القبيح.
وهو «فعيل» من المهانة بمعنى القلة، وهي هنا القلة في الرأي والتمييز، أو هو «فعيل» بمعنى «مُفْعَل» والمعنى «مُهَان» .
قوله ﴿هَمَّازٍ﴾ ، الهماز: مثال مبالغة من الهمز، وهو في اللغة الضرب طعناً باليد والعصا، واستعير للمغتاب الذي يغتاب الناس كأنه يضربهم بإيذائه.
قال ابن زيد: الهمَّاز: الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمّاز: باللسان.
وقيل الهمَّاز الذي يذكر الناس في وجوههم، واللمَّازُ: الذي يذكرهم في مغيبهم.
وقال مقاتل بالعكس، وقال مرة: هما سواء، ونحوه عن ابن عباس وقتادة.
قال الشاعر: [البسيط]
4811 - تُدْلِي بودٍّ إذَا لاقَيْتنِي كَذِباً ... وإنْ تغَيَّبْتُ كُنْتَ الهَامِزَ اللُّمَزَهْ
والنميم: قيل: هو مصدر النميمة.
وقيل: هو جمعها أي اسم جنس ك «تمرةٍ وتمرٍ» ، وهو نقل الكلام الذي يسوء سامعه، ويحرش بين الناس.
وقال الزمخشري: والنميم والنميمة: السعاية، وأنشدني بعض العرب: [الرجز]
4812 - تَشَبَّبِي تَشَبُّبَ النَّميمهْ ... تَمْشِي بِهَا زَهْراً إلى تَمِيْمَه
والمشاء: مثال مبالغة من المشي، أي: يكثر السعاية بين الناس ليفسد بينهم، يقال: نَمَّ يَنِمُّ نميماً ونَمِيمَة، أي: يمشي ويسعى بالفسادِ.
وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «لا يَدخُلُ الجَنَّة نَمَّامٌ» .
والعتل: الذي يعتل الناس، أي: يحملهم، ويجرهم إلى ما يكرهون من حبس وضربٍ ومنه: ﴿خُذُوهُ فاعتلوه﴾ [الدخان: 47] .
وقيل: العتل: الشديد الخصومة.
وقال أبو عبيدة: هو الفاحش اللئيم.
وأنشد:
4813 - بِعُتُلٍّ مِنَ الرِّجالِ زَنِيمٍ ... غيْرِ ذِي نَجْدةٍ وغَيْرِ كَريمِ
وقيل: الغليظ الجافي.
ويقال: عَتَلْتُه وعَتنتُهُ باللام والنون. نقله يعقوب.
وقيل: العتل: الجافي الشديد في كفره.
وقال الكلبيُّ والفراء: هو الشديد الخصومة بالباطل.
قال الجوهري: ويقال: عَتَلْتُ الرجل أعْتِلُهُ وأعْتُلُهُ إذا جذبته جذباً عنيفاً. ورجل مِعْتَل - بالكسر -، والعَتَل أيضاً: الرمح الغليظ، ورجل عَتِلٌ - بالكسر - بين العتل، أي سريع إلى الشَّر ويقال: لا أنعتل معك، أي: لا أبرح مكاني.
وقال عبيد بن عمير: العتل: الأكول الشروب القوي الشديد يوضع في الميزان فلا يزن شعيرة، يدفع الملك من أولئك في جهنم بالدفعة الواحدة سبعين ألفاً.
والزنيم: الدعي بنسب إلى قوم ليس منهم.
قال حسانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الطويل]
4814 - أ - زَنِيمٌ تَداعَاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ... كَمَا زيدَ في عَرْضِ الأديمِ الأكَارعُ
وقال أيضاً: [الوافر]
4814 - ب - زَنِيمُ ليسَ يُعْرَفُ مَنْ أبُوهُ ... بَغِيُّ الأمِّ ذُو حسب لَئِيمُ
وقال أيضاً: [الطويل]
4815 - وأنْتَ زَنِيمٌ نيطَ في آلِ هَاشمٍ ... كَمَا نِيطَ خَلْفَ الرَّاكبِ القَدَحُ الفَرْد
وأصله: من الزنمةِ، وهي ما بقي من جلد الماعز معلقاً في حلقها يترك عند القطع، فاستعير للدعي، لأنه كالمعلق بما ليس منه.
فصل فيمن هو الحلاف المهين
تقدم القول في «الحلاف المَهين» ، عن الشعبي والسديِّ وابن إسحاقَ: أنه الأخنس بن شريق، وعلى قول غيرهم: أنه الأسود بن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود، أو الوليد بن المغيرة، أو أبو جهل بن هشام، وتقدم تفسير «الهَمَّاز والمشَّاء بنميمٍ» .
وأما قوله «منَّاعٍ للخَيْرِ» أي: للمال أن ينفق في وجوهه.
وقال ابن عباس: يمنع عن الإسلام ولده وعشيرته.
قيل: كان للوليد بن المغيرة عشرةٌ من الولد، وكان يقول لهم ولأقاربه: من تبع منكم محمداً منعته رفدي.
وقال الحسنُ: يقول لهم: من دخل منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء أبداً.
وقوله «مُعْتَدٍ» أي: على الناس في الظلم، متجاوز للحد، صاحب باطل، وقوله « أثيمٍ» أي: ذا إثمٍ، ومعناه «أثُوم» ، فهو «فعيل» بمعنى «فَعُول» .
قال البغوي: «أثيم فاجر» . وأما العتل فتقدم الكلام عليه في اللغة.
وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «ألاْ أخْبرُكمْ بأهْلِ الجنَّةِ؟ قالوا: بَلَى، قال: كُلُّ ضعيفٍ مُتضعَّفٍّ، لَوْ أقسمَ على اللَّهِ لأبرَّهُ، ألا أخْبركُمْ بأَهْلِ النَّارِ؟ قالوا: بَلَى، قال: كُل عُتُلٍّ جواظٍ مستكبرٍ»
وفي رواية: «كُلُّ جوَّاظٍ زَنيمٍ مُستَكْبرٍ» .
«الجوَّاظ» الجموع المنوع.
وقيل: الكثير اللحم، المختال في مشيته.
وقيل: القصير البطين.
وذكر الماورديُّ عن ابن مسعود أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لا يَدخُل الجنَّة جوَّاظ ولا جَعْظَرِي ولا العُتلُ الزَّنِيمُ» .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الجوَّاظ: الذي جمع ومنع، والجعظري: الفظ الغليظ المتكبر» .
قال ابن الأثير: «وقيل: هو الذي ينتفخ بما ليس عنده، وفيه قصر» .
قال القرطبيُّ: وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «الشَّدِيدُ الخُلقِ، الرَّحيبُ الجوْفِ، المصحُّ الأكولُ، الشَّروبُ، الواجدُ للطعامِ، الظَّلُومُ للنَّاسِ» .
وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ قال: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «تَبْكِي السَّماءُ على رجُلٍ أصحَّ اللَّهُ جِسْمهَ ورحَبَ جوفه، وأعطاهُ من الدُّنْيَا بعضاً، فكانَ للنَّاسِ ظلُوماً، فذلك العُتُلَّ الزَّنِيمُ» .
وقوله «بَعْدَ ذلِكَ» أي مع ذلك، يريد ما وصفناه به «زنيم» وتقدم معنى الزنيم. وعن ابن عباس: أنه رجل من قريش كانت له زنمة كزنمة الشاة.
وروى عنه ابن جبير: أنه الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها.
وقال عكرمة: هو الذي يعرف بلؤمه، كما تعرف الشاة بزنمتها.
وقيل: إنه الذي يعرف بالأبنة، وهو مروي عن ابن عباس، وعنه: إنه الظلوم.
وقال مجاهدٌ: «زَنِيمٍ» كانت له ستة أصابع في يده في كل إبهام له أصبع زائدة.
وعنه أيضاً وسعيد بن المسيب وعكرمة: هو ولد الزنا الملحق في النسب بالقوم.
وكان الوليد دعياً في قريش ليس من سنخهم، ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة من مولده.
قال الشاعر: [الوافر]
4816 - زَنِيمٌ ليْسَ يُعرفُ من أبُوهُ ... بَغِيُّ الأمِّ ذُو حسبٍ لَئِيم
قيل: بغتْ أمه ولم يعرف حتى نزلت الآية، وهذا لأن الغالب أن المنطقة إذا خبثت خبث الولدُ، كا روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لا يَدْخلُ الجنَّة ولدُ زِنَا، ولا ولَدُ وَلدِهِ» .
وقال عبد الله بن عمر: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إنَّ أوْلادَ الزِّنَا يُحشَرُونَ يومَ القِيامةِ في صُورةِ القِرَدةِ والخَنازِيرِ» .
وقالت ميمونة: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «لا تَزالُ أمَّتِي بخيْرٍ، مَا لَمْ يَفْشُ فِيهِمْ ولدُ الزِّنَا، فإذا فَشَى فيهِمْ ولدُ الزِّنَا أوشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بعذابٍ» .
وقال عكرمة: إذا كثر ولد الزنا قحط المطر.
قال القرطبي: ومعظم المفسرين على أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وكان يطعم أهل منى حيساً ثلاثة أيام، وينادي ألا لا يوقدن أحدكم تحت بُرمةٍ، ألا لا يدخلن أحد بكُراع، ألا ومن أراد الحيس فليأت الوليد بن المغيرة، وكان ينفق في الحجة الواحدة عشرين ألفاً، أو أكثر، ولا يعطي المسكين درهماً واحداً؛ فقيل: «منَّاعٍ للخَيرِ» ، وفيه نزل:
﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكاة﴾ [فصلت: 6، 7] .
وقال محمد بن إسحاق: نزلت في الأخنس بن شريق؛ لأنه حليف ملحق في بني زهرة، فلذلك سمي زنيماً. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: في هذه الآية نُعت، فلم يعرف، حتى قتل زنيم فعرف، وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها.
قال ابن قتيبة: لا نعلم أن الله وصف أحداً، ولا ذكر من عيوبه ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة وألحق به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة.
فصل
قرأ الحسن: «عُتُلٌّ» بالرفع، أي هو عتل.
وحقه أن يقرأ ما بعده بالرفع أيضاً، لأنهم قالوا في القطع: إنه يبدأ بالإتباع، ثم بالقطع من غير عكس، وقوله: «بَعْدَ ذلِكَ» أي: بعدما وصفناه به.
قال ابن عطية: فهذا الترتيب إنما هو في قول الواصفِ لا في حصول تلك الصفات في الموصوف، وإلا فكونه عتلاًّ هو قبل كونه صاحب خير يمنعه.
وقال الزمخشريُّ: «بَعْدَ ذَلِكَ» أي: بعدما عد له من المثالب، والنقائصِ، ثم قال: جعل جفاءه ودعوته أشد معايبه، لأنه إذا غلظ وجفا طبعه قسا قلبُه واجترأ على كل معصية.
ونظير قوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين﴾ [البلد: 17] .
قوله: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ .
العامة: على فتح همزة «أن» ثم اختلفوا بعد، فقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر وأضاف القرطبي معهم أبا جعفر وأبا حيوة والمغيرة والأعرج: بالاستفهام.
وباقي السبعة بالخبر.
والقارئون بالاستفهام على أصولهم من تحقيق، وتسهيل، وإدخال ألف بين الهمزتين وعدمه، ولا بد من بيان ذلك فنقول: قرأ حمزة وأبو بكر وذكر القرطبي معهم المفضل: بتحقيق الهمزتين، وعدم إدخال ألف بينهما، وهذا هو أصلهما.
وقرأ ابن ذكوان: بتسهيل الثانية، وعدم إدخال ألف.
وهشام بالتسهيل المذكور إلا أنه أدخل ألفاً بينهما.
فقد خالف كل منهما أصله، أما ابن ذكوان فإنه يحقق الهمزتين فقد سهل الثانية هنا، وأما هشام فإن أصله أن يجري في الثانية من هذا النحو وجهين من التحقيق كرفيقه، والتسهيل وقد التزم التسهيل هنا، وأما إدخال الألف فإنه فيه على أصله، كما تقدم أول البقرة.
وقرأ نافع في رواية اليزيدي عنه: «إن» بكسر الهمزة على الشرط.
فأما قراءة «أنْ» - بالفتح - على الخبر، ففيه أربعة أوجه:
أحدها: أنها «أن» المصدرية في موضع المفعول به مجرورة بلام مقدرة، واللام متعلقة بفعل النهي، أي: ولا تطع من هذه صفاته، لأن كان متمولاً وصاحب بنين.
الثاني: أنها متعلقة ب «عُتُل» وإن كان قد وصف.
قاله الفارسي.
وهذا لا يجوز عند البصريين، وكأن الفارسي اغتفره في الجار.
الثالث: أن يتعلق ب «زَنِيمٍ» ، ولا سيما عند من يفسره بقبيح الأفعال.
الرابع: أن يتعلق بمحذوف يدل عليه ما بعده من الجملة الشرطية تقديره لكونه متمولاً، مستظهراً بالبنين كذب بآياتنا، قاله الزمخشريُّ.
قال: ولا يعمل فيه، قال: الذي هو جواب «إذا» لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، ولكن ما دلت عليه الجملةُ من معنى التكذيب.
وقال مكيٌّ، وتبعه أبو البقاء: «لا يجوز أن يكون العامل» تُتْلَى «لأن ما بعد» إذَا «لا يعمل فيما قبلها، لأن» إذَا «تضاف إلى الجمل، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف» انتهى.
وهذا يوهم أن المانع من ذلك ما ذكره فقط، والمانع أمرٌ معنوي، حتى لو فقد هذا المانع الذي ذكره لامتنع من جهة المعنى، وهو لا يصلح أن يعلل تلاوة آياتِ اللَّهِ عليه بكونه ذا مالٍ وبنين.
وأما قراءة «آنْ كان» على الاستفهام، ففيها وجهان:
أحدهما: أن يتعلق بمقدر يدل عليه ما قبله، أي: أتطيعه لأن كان، أو الكون طواعية لأن كان.
والثاني: أن يتعلق بمقدر يدل عليه ما بعده، أي: لأن كان كذب وجحد.
وأما قراءة «إنْ كَانَ» - بالكسر - فعلى الشرط، وجوابه مقدر، تقديره: إن كان كذا يكفر ويجحد، دل عليه ما بعده.
وقال الزمخشريُّ: والشرط للمخاطب، أي: لا تطع كل حلاف شارطاً يساره، لأنه إن أطاع الكافر لغنائه فكأنه اشترط في الطاعة الغنى، ونحو صرف الشرط للمخاطب صرف الترجي إليه في قوله ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى﴾ [طه: 44] .
وجعله أبو حيَّان من دخول شرط على شرط، يعني «إن، وإذا» إلا أنه قال: ليسا من الشروط المترتبة الوقوع. وجعل نظير ذلك قول ابن دُريْدٍ: [الرجز]
4817 - فإن عَثَرتُ بعْدها إنْ وألَتْ ... نَفْسِيَ مِنْ هَاتَا فَقُولاَ لاَ لَعَا
قال: «لأن الحامل على تدبر آياتِ اللَّهِ كونه ذا مالِ وبنينَ، وهو مشغول القلب بذلك غافل عن النظر قد استولت عليه الدُّنيا وأنظرته» .
وقرأ الحسن بن أبزى: بالاستفهام، وهو استفهام تقريعٍ وتوبيخٍ، على قوله حين تليت عليه آيات الله: ﴿أَسَاطِيرُ الأولين﴾ .
فصل في توجيه قراءة الآية
قال القرطبيُّ: فمن قرأ بهمزة مُطوَّلةٍ، أو بهمزتين محققتين، فهو استفهام والمراد به التوبيخ، ويحسن له أن يقف على «زَنِيمٍ» ، ويبتدىء «أنْ كَانَ» على معنى: لأن كان ذا مال وبنين تطيعه، ويجوز أن يكون التقدير: لأن كان ذا مال وبنين يكفر ويستكبر، ودل عليه ما تقدم من الكلامِ، فصار كالمذكور بعد الاستفهام، ومن قرأ «أن كَانَ» بغير استفهام، فهو مفعول من أجله، والعامل فيه فعل مضمر والتقدير: يكفر لأن كان ذا مال وبنين، ودل على هذا الفعل: ﴿إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ ولا يعمل في «أن» : «تُتْلَى» ولا «قَالَ» ، لأن ما بعد «إذَا» لا يعمل فيما قبلها؛ لأن «إذَا» تضاف إلى الجمل التي بعدها، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف و «قال» جواب الجزاء، ولا يعمل فيما قبل الجزاء، إذ حكم العامل أن يكون قبل المعمول فيه، وحكم الجواب أن يكون بعد الشرط، فيكون مقدماً مؤخراً في حالة واحدةٍ، ويجوز أن يكون المعنى: لا تطعه لأن كان ذا يسار وعدد.
قال ابن الأنباريُّ: ومن قرأ بلا استفهام لم يحسن أن يقف على «زَنيمٍ» لأن المعنى: لأن كان ذا مالٍ كان، ف «أنْ» متعلقة بما قبلها.
وقال غيره: يجوز أن يتعلق بقوله «مشَّاءٍ بنمِيمٍ» ، والتقدير: يمشي بنميم، لأن كان ذا مال وبنين، وأجاز أبو علي أن يتعلق ب «عُتُلٍّ» ومعنى «أسَاطيرُ الأوَّليْنَ» أباطيلهم، وتُرهاتُهُم.
قوله: «سَنَسِمُهُ» . أي: نجعل له سمة، أي: علامة يعرف بها.
قال جرير: [الكامل]
4818 - لمَّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي ... وعَلَى البَعيثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ
والخرطوم: الأنف، وهو هنا عبارة عن الوجه كله من التعبير عن الكل بالجزء؛ لأنه أظهر ما فيه وأعلاه، والخرطوم أيضاً: الخمر، وكأنه استعاره لها لأن الشنتمري قال: هي الخمر أول ما يخرج من الدَّن؛ فجعلت كالأنف لأنه أول ما يبدو من الوجه فليست الخرطومُ الوجه مطلقاً، ومن مجيء الخرطوم بمعنى الخمر، قول علقمة بن عبدة: [البسيط]
4819 - قَدْ أشْهَدَ الشَّرْبَ فِيهِمْ مِزْهَرٌ رَنِمٌ ... والقَوْمُ تَصْرعُهُمْ صَهْبَاءُ خرْطُومُ
وأنشد نضر بن شميل: [البسيط]
4820 - تَظَلُّ يَومَكَ في لَهْوٍ وفِي طَرَبٍ ... وأنْتَ باللَّيْلِ شَرَّابُ الخَراطِيمِ
فصل في تفسير «سنسمه»
قال ابن عباس: «سَنَسِمُهُ» سنحطمه بالسَّيفِ، قال: وقد حطم الذي نزلت فيه يوم بدرِ بالسيف، فلم يزل محطوماً إلى أن مات.
وقال قتادةُ: سنسمهُ يوم القيامة على أنفه سِمَةً يعرفُ بها، يقال: وسمه وسماً وسمة إذا أثرت فيه بسمة وكيّ.
قال الضحاك: سنكويه على وجهه، وقد قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] فهي علامة ظاهرة، وقال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: 102] وهذه علامة أخرى ظاهرة. وأفادت هذه الآية علامة ثالثة، وهي الوسم على الأنف بالنار، وهذا كقوله: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: 41] .
قاله الكلبي وغيره وقال أبو العالية ومجاهدٌ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم﴾ أي على أنفه، ويسودُّ وجهه في الآخرة، فعرف بسواد وجهه.
قال القرطبيُّ: «والخرطوم: الأنف من الإنسان، ومن السباع موضع الشفة، وخراطيم القوم: سادتهم» .
قال الفراء: وإن كان الخرطومُ قد خُصَّ بالسِّمة فإنَّهُ في الوجه لأن بعض الشيء يعبر به عن الكل.
وقال الطبريُّ: نبين أمره تبياناً واضحاً، فلا يخفى عليهم كما لا تخفى السِّمةُ على الخراطيم.
وقال: المعنى: سنلحق به عاراً وسبة حتى يكون كمن وسم على أنفه.
قال القتيبي: تقول العرب للرجل يُسَبُّ سبة سوءٍ قبيحة باقية قد وسم ميسم سوء، أي: ألصق به عار لا يفارقه، كما أن السمة لا يمحى أثرها.
وهذا كلهُ نزل في الوليد بن المغيرة، ولا شك أنَّ المبالغة العظيمة في ذمه بقيت على وجه الأرض الدهر، ولا يعلم أن اللَّه تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغ منه، فألحق به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة كالوسم على الخرطوم.
وقيل: ما ابتلاه اللَّهُ به في الدنيا في نفسه؛ وأهله وماله من سوء، وذل وصغار، قاله ابن بحر.
وقال النضر بن شميل: المعنى سنحده على شرب الخمر، والخرطوم: الخمر، وجمعه: خراطيم، وأنشد البيت المتقدم.
قال ابن الخطيب: «وهذا تعسفٌ» .
القلم 68:10
قوله: ﴿فَلاَ تُطِعِ المكذبين﴾ نهاه عن ممايلة المشركين وكانوا يدعونه إلى أن يكف عنهم ليكفوا عنه، فبين الله تعالى أن ممايلتهم كفر، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 74] وقيل: فلا تطع المكذبين فيما دعوك إليه من دينهم الخبيث، نزلت في مشركي قريش حين دعوه إلى دين آبائه.
قوله: ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ .
المشهور في قراءة الناس ومصاحفهم: «فَيُدهِنُونَ» بثبوت نون الرفع وفيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على «تُدهِنُ» فيكون داخلاً في حيز «لَوْ» .
والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: فهم يدهنون.
وقال الزمخشريُّ: «فإن قلت: لم رفع» فَيُدْهنُونَ «ولم ينصب بإضمار» أن «وهو جواب التمني؟ .
قلت: قد عدل به إلى طريق آخر وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف، أي فهم يدهنون، كقوله: ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾ [الجن: 13] على معنى ودوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذ، أو ودوا إدهانك، فهم الآن يدهنون لطمعهم في إدهانك قال سيبويه: وزعم هارون أنها في بعض المصاحف: ودُّوا لو تُدهِنُ فيُدْهِنُوا» انتهى.
وفي نصبه على ما وجد في بعض المصاحف وجهان:
أحدهما: أنه عطف على التوهم، كأنه توهم أن نطق ب «أنْ» فنصب الفعل على هذا التوهم وهذا إنما يجيء على القول بمصدرية «لَوْ» ، وفيه خلاف تقدم تحقيقه في «البقرة» .
والثاني: أنه نُصِبَ على جواب التمني المفهوم من «ودّ» .
والظاهر أن «لَوْ» حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وأن جوابها محذوف ومفعول الودادة أيضاً محذوف، تقديره: ودوا إدهانك، فحذف إدهانك، لدلالة «لَو» وما بعدها عليه وتقدير الجواب: لسروا بذلك.
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس وعطية والضحاك والسديُّ: ودوا لو تكفر فيتمادون على كفرهم، وعن ابن عباس أيضاً: ودوا لو ترخص لهم فيرخصون لك.
وقال الفراء والكلبي: لو تلين فيلينون لك. والإدهان: التليين لمن لا ينبغي له التليين. قاله الفراء والليث.
وقال مجاهدٌ: ودوا لو ركنت إليهم وتركت الحق فيمالئونك.
وقال الربيع بن أنس: ودوا لو تكذب، فيكذبون.
وقال قتادة: ودوا لو تذهب عن هذا الأمر فيذهبوا.
وقال الحسنُ: ودوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك في دينهم، وعنه أيضاً: ودوا لو ترفض بعض أمرك فيرفضون بعض أمرهم.
وقال زيد بن أسلم: ودّوا لو تنافق وترائي، فينافقون ويراءون.
وقيل: ودُّوا لو تضعف فيضعفون. قاله أبو جعفر.
وقال القتيبي: ودوا لو تداهن في دينك فيداهنون في أديانهم، وعنه: طلبوا منه أن يعبد آلهتهم مدة ويعبدوا إلهه مدة.
وهذان القولان الأخيران هما المتقدمان في معنى ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [النساء: 89] ومعنى: لو تصانعهم وقال ابن العربي: ذكر المفسرون فيها نحو عشرة أقوالٍ، كلها دعاوى على اللغة والمعنى، وأمثلها قولهم «ودُّوا لو تكذبُ فيكذبون، ودوا لو تكفر فيكفرون» .
وقال القرطبيُّ: كلها إن شاء الله تعالى صحيحة على مقتضى اللغة والمعنى، فإن الإدهان اللين والمصانعة.
وقيل: المقاربة في الكلام والتليين في القول، وقال المفضل: النفاق وترك المناصحةِ، فهي على هذا الوجه مذمومة، وعلى الوجه الأول غير مذمومة وكل شيء منها لم يكن.
وقال المبردُ: أدهن في دينه، وداهن في أمره أي: خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر.
وقال قوم: داهنت بمعنى واريت، وأدهنت بمعنى غششت، قاله الجوهري، وقوله « فيُدْهِنُونَ» ساقه على العطف، ولو جاء به جواباً للنهي لقال: «فيُدْهِنُوا» ، وإنما أراد أنهم تمنوا لو فعلت فيفعلون مثل فعلك عطفاً لا جزاء عليه ولا مكافأة، وإنما هو تمثيل وتنظير.
قوله: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾ .
قال السديُّ والشعبي وابن إسحاق: يعني الأخنس بن شريق.
وقال مجاهدٌ: يعني الأسود بن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود.
وقال مقاتل: يعني الوليد بن المغيرة عرض على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مالاً، وحلف أنه يعطيه إن رجع عن دينه.
وقال ابن عباس: هو أبو جهل بن هشام.
والحلاف: الكثير الحلف. و «المَهين» قال مجاهد: هو الضعيف القلب.
وقال ابن عباس: هو الكذاب، والكذاب مهين.
وقال الحسن وقتادة: هو المكثار في الشر.
وقال الكلبي: المهين: الفاجر.
وقال عبد الله: هو الحقير.
وقال ابن بحر: هو الذليل.
وقال الرماني: هو الوضيع لإكثاره من القبيح.
وهو «فعيل» من المهانة بمعنى القلة، وهي هنا القلة في الرأي والتمييز، أو هو «فعيل» بمعنى «مُفْعَل» والمعنى «مُهَان» .
قوله ﴿هَمَّازٍ﴾ ، الهماز: مثال مبالغة من الهمز، وهو في اللغة الضرب طعناً باليد والعصا، واستعير للمغتاب الذي يغتاب الناس كأنه يضربهم بإيذائه.
قال ابن زيد: الهمَّاز: الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمّاز: باللسان.
وقيل الهمَّاز الذي يذكر الناس في وجوههم، واللمَّازُ: الذي يذكرهم في مغيبهم.
وقال مقاتل بالعكس، وقال مرة: هما سواء، ونحوه عن ابن عباس وقتادة.
قال الشاعر: [البسيط]
4811 - تُدْلِي بودٍّ إذَا لاقَيْتنِي كَذِباً ... وإنْ تغَيَّبْتُ كُنْتَ الهَامِزَ اللُّمَزَهْ
والنميم: قيل: هو مصدر النميمة.
وقيل: هو جمعها أي اسم جنس ك «تمرةٍ وتمرٍ» ، وهو نقل الكلام الذي يسوء سامعه، ويحرش بين الناس.
وقال الزمخشري: والنميم والنميمة: السعاية، وأنشدني بعض العرب: [الرجز]
4812 - تَشَبَّبِي تَشَبُّبَ النَّميمهْ ... تَمْشِي بِهَا زَهْراً إلى تَمِيْمَه
والمشاء: مثال مبالغة من المشي، أي: يكثر السعاية بين الناس ليفسد بينهم، يقال: نَمَّ يَنِمُّ نميماً ونَمِيمَة، أي: يمشي ويسعى بالفسادِ.
وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «لا يَدخُلُ الجَنَّة نَمَّامٌ» .
والعتل: الذي يعتل الناس، أي: يحملهم، ويجرهم إلى ما يكرهون من حبس وضربٍ ومنه: ﴿خُذُوهُ فاعتلوه﴾ [الدخان: 47] .
وقيل: العتل: الشديد الخصومة.
وقال أبو عبيدة: هو الفاحش اللئيم.
وأنشد:
4813 - بِعُتُلٍّ مِنَ الرِّجالِ زَنِيمٍ ... غيْرِ ذِي نَجْدةٍ وغَيْرِ كَريمِ
وقيل: الغليظ الجافي.
ويقال: عَتَلْتُه وعَتنتُهُ باللام والنون. نقله يعقوب.
وقيل: العتل: الجافي الشديد في كفره.
وقال الكلبيُّ والفراء: هو الشديد الخصومة بالباطل.
قال الجوهري: ويقال: عَتَلْتُ الرجل أعْتِلُهُ وأعْتُلُهُ إذا جذبته جذباً عنيفاً. ورجل مِعْتَل - بالكسر -، والعَتَل أيضاً: الرمح الغليظ، ورجل عَتِلٌ - بالكسر - بين العتل، أي سريع إلى الشَّر ويقال: لا أنعتل معك، أي: لا أبرح مكاني.
وقال عبيد بن عمير: العتل: الأكول الشروب القوي الشديد يوضع في الميزان فلا يزن شعيرة، يدفع الملك من أولئك في جهنم بالدفعة الواحدة سبعين ألفاً.
والزنيم: الدعي بنسب إلى قوم ليس منهم.
قال حسانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الطويل]
4814 - أ - زَنِيمٌ تَداعَاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ... كَمَا زيدَ في عَرْضِ الأديمِ الأكَارعُ
وقال أيضاً: [الوافر]
4814 - ب - زَنِيمُ ليسَ يُعْرَفُ مَنْ أبُوهُ ... بَغِيُّ الأمِّ ذُو حسب لَئِيمُ
وقال أيضاً: [الطويل]
4815 - وأنْتَ زَنِيمٌ نيطَ في آلِ هَاشمٍ ... كَمَا نِيطَ خَلْفَ الرَّاكبِ القَدَحُ الفَرْد
وأصله: من الزنمةِ، وهي ما بقي من جلد الماعز معلقاً في حلقها يترك عند القطع، فاستعير للدعي، لأنه كالمعلق بما ليس منه.
فصل فيمن هو الحلاف المهين
تقدم القول في «الحلاف المَهين» ، عن الشعبي والسديِّ وابن إسحاقَ: أنه الأخنس بن شريق، وعلى قول غيرهم: أنه الأسود بن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود، أو الوليد بن المغيرة، أو أبو جهل بن هشام، وتقدم تفسير «الهَمَّاز والمشَّاء بنميمٍ» .
وأما قوله «منَّاعٍ للخَيْرِ» أي: للمال أن ينفق في وجوهه.
وقال ابن عباس: يمنع عن الإسلام ولده وعشيرته.
قيل: كان للوليد بن المغيرة عشرةٌ من الولد، وكان يقول لهم ولأقاربه: من تبع منكم محمداً منعته رفدي.
وقال الحسنُ: يقول لهم: من دخل منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء أبداً.
وقوله «مُعْتَدٍ» أي: على الناس في الظلم، متجاوز للحد، صاحب باطل، وقوله « أثيمٍ» أي: ذا إثمٍ، ومعناه «أثُوم» ، فهو «فعيل» بمعنى «فَعُول» .
قال البغوي: «أثيم فاجر» . وأما العتل فتقدم الكلام عليه في اللغة.
وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «ألاْ أخْبرُكمْ بأهْلِ الجنَّةِ؟ قالوا: بَلَى، قال: كُلُّ ضعيفٍ مُتضعَّفٍّ، لَوْ أقسمَ على اللَّهِ لأبرَّهُ، ألا أخْبركُمْ بأَهْلِ النَّارِ؟ قالوا: بَلَى، قال: كُل عُتُلٍّ جواظٍ مستكبرٍ»
وفي رواية: «كُلُّ جوَّاظٍ زَنيمٍ مُستَكْبرٍ» .
«الجوَّاظ» الجموع المنوع.
وقيل: الكثير اللحم، المختال في مشيته.
وقيل: القصير البطين.
وذكر الماورديُّ عن ابن مسعود أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لا يَدخُل الجنَّة جوَّاظ ولا جَعْظَرِي ولا العُتلُ الزَّنِيمُ» .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الجوَّاظ: الذي جمع ومنع، والجعظري: الفظ الغليظ المتكبر» .
قال ابن الأثير: «وقيل: هو الذي ينتفخ بما ليس عنده، وفيه قصر» .
قال القرطبيُّ: وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «الشَّدِيدُ الخُلقِ، الرَّحيبُ الجوْفِ، المصحُّ الأكولُ، الشَّروبُ، الواجدُ للطعامِ، الظَّلُومُ للنَّاسِ» .
وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ قال: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «تَبْكِي السَّماءُ على رجُلٍ أصحَّ اللَّهُ جِسْمهَ ورحَبَ جوفه، وأعطاهُ من الدُّنْيَا بعضاً، فكانَ للنَّاسِ ظلُوماً، فذلك العُتُلَّ الزَّنِيمُ» .
وقوله «بَعْدَ ذلِكَ» أي مع ذلك، يريد ما وصفناه به «زنيم» وتقدم معنى الزنيم. وعن ابن عباس: أنه رجل من قريش كانت له زنمة كزنمة الشاة.
وروى عنه ابن جبير: أنه الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها.
وقال عكرمة: هو الذي يعرف بلؤمه، كما تعرف الشاة بزنمتها.
وقيل: إنه الذي يعرف بالأبنة، وهو مروي عن ابن عباس، وعنه: إنه الظلوم.
وقال مجاهدٌ: «زَنِيمٍ» كانت له ستة أصابع في يده في كل إبهام له أصبع زائدة.
وعنه أيضاً وسعيد بن المسيب وعكرمة: هو ولد الزنا الملحق في النسب بالقوم.
وكان الوليد دعياً في قريش ليس من سنخهم، ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة من مولده.
قال الشاعر: [الوافر]
4816 - زَنِيمٌ ليْسَ يُعرفُ من أبُوهُ ... بَغِيُّ الأمِّ ذُو حسبٍ لَئِيم
قيل: بغتْ أمه ولم يعرف حتى نزلت الآية، وهذا لأن الغالب أن المنطقة إذا خبثت خبث الولدُ، كا روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لا يَدْخلُ الجنَّة ولدُ زِنَا، ولا ولَدُ وَلدِهِ» .
وقال عبد الله بن عمر: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إنَّ أوْلادَ الزِّنَا يُحشَرُونَ يومَ القِيامةِ في صُورةِ القِرَدةِ والخَنازِيرِ» .
وقالت ميمونة: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «لا تَزالُ أمَّتِي بخيْرٍ، مَا لَمْ يَفْشُ فِيهِمْ ولدُ الزِّنَا، فإذا فَشَى فيهِمْ ولدُ الزِّنَا أوشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بعذابٍ» .
وقال عكرمة: إذا كثر ولد الزنا قحط المطر.
قال القرطبي: ومعظم المفسرين على أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وكان يطعم أهل منى حيساً ثلاثة أيام، وينادي ألا لا يوقدن أحدكم تحت بُرمةٍ، ألا لا يدخلن أحد بكُراع، ألا ومن أراد الحيس فليأت الوليد بن المغيرة، وكان ينفق في الحجة الواحدة عشرين ألفاً، أو أكثر، ولا يعطي المسكين درهماً واحداً؛ فقيل: «منَّاعٍ للخَيرِ» ، وفيه نزل:
﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكاة﴾ [فصلت: 6، 7] .
وقال محمد بن إسحاق: نزلت في الأخنس بن شريق؛ لأنه حليف ملحق في بني زهرة، فلذلك سمي زنيماً. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: في هذه الآية نُعت، فلم يعرف، حتى قتل زنيم فعرف، وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها.
قال ابن قتيبة: لا نعلم أن الله وصف أحداً، ولا ذكر من عيوبه ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة وألحق به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة.
فصل
قرأ الحسن: «عُتُلٌّ» بالرفع، أي هو عتل.
وحقه أن يقرأ ما بعده بالرفع أيضاً، لأنهم قالوا في القطع: إنه يبدأ بالإتباع، ثم بالقطع من غير عكس، وقوله: «بَعْدَ ذلِكَ» أي: بعدما وصفناه به.
قال ابن عطية: فهذا الترتيب إنما هو في قول الواصفِ لا في حصول تلك الصفات في الموصوف، وإلا فكونه عتلاًّ هو قبل كونه صاحب خير يمنعه.
وقال الزمخشريُّ: «بَعْدَ ذَلِكَ» أي: بعدما عد له من المثالب، والنقائصِ، ثم قال: جعل جفاءه ودعوته أشد معايبه، لأنه إذا غلظ وجفا طبعه قسا قلبُه واجترأ على كل معصية.
ونظير قوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين﴾ [البلد: 17] .
قوله: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ .
العامة: على فتح همزة «أن» ثم اختلفوا بعد، فقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر وأضاف القرطبي معهم أبا جعفر وأبا حيوة والمغيرة والأعرج: بالاستفهام.
وباقي السبعة بالخبر.
والقارئون بالاستفهام على أصولهم من تحقيق، وتسهيل، وإدخال ألف بين الهمزتين وعدمه، ولا بد من بيان ذلك فنقول: قرأ حمزة وأبو بكر وذكر القرطبي معهم المفضل: بتحقيق الهمزتين، وعدم إدخال ألف بينهما، وهذا هو أصلهما.
وقرأ ابن ذكوان: بتسهيل الثانية، وعدم إدخال ألف.
وهشام بالتسهيل المذكور إلا أنه أدخل ألفاً بينهما.
فقد خالف كل منهما أصله، أما ابن ذكوان فإنه يحقق الهمزتين فقد سهل الثانية هنا، وأما هشام فإن أصله أن يجري في الثانية من هذا النحو وجهين من التحقيق كرفيقه، والتسهيل وقد التزم التسهيل هنا، وأما إدخال الألف فإنه فيه على أصله، كما تقدم أول البقرة.
وقرأ نافع في رواية اليزيدي عنه: «إن» بكسر الهمزة على الشرط.
فأما قراءة «أنْ» - بالفتح - على الخبر، ففيه أربعة أوجه:
أحدها: أنها «أن» المصدرية في موضع المفعول به مجرورة بلام مقدرة، واللام متعلقة بفعل النهي، أي: ولا تطع من هذه صفاته، لأن كان متمولاً وصاحب بنين.
الثاني: أنها متعلقة ب «عُتُل» وإن كان قد وصف.
قاله الفارسي.
وهذا لا يجوز عند البصريين، وكأن الفارسي اغتفره في الجار.
الثالث: أن يتعلق ب «زَنِيمٍ» ، ولا سيما عند من يفسره بقبيح الأفعال.
الرابع: أن يتعلق بمحذوف يدل عليه ما بعده من الجملة الشرطية تقديره لكونه متمولاً، مستظهراً بالبنين كذب بآياتنا، قاله الزمخشريُّ.
قال: ولا يعمل فيه، قال: الذي هو جواب «إذا» لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، ولكن ما دلت عليه الجملةُ من معنى التكذيب.
وقال مكيٌّ، وتبعه أبو البقاء: «لا يجوز أن يكون العامل» تُتْلَى «لأن ما بعد» إذَا «لا يعمل فيما قبلها، لأن» إذَا «تضاف إلى الجمل، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف» انتهى.
وهذا يوهم أن المانع من ذلك ما ذكره فقط، والمانع أمرٌ معنوي، حتى لو فقد هذا المانع الذي ذكره لامتنع من جهة المعنى، وهو لا يصلح أن يعلل تلاوة آياتِ اللَّهِ عليه بكونه ذا مالٍ وبنين.
وأما قراءة «آنْ كان» على الاستفهام، ففيها وجهان:
أحدهما: أن يتعلق بمقدر يدل عليه ما قبله، أي: أتطيعه لأن كان، أو الكون طواعية لأن كان.
والثاني: أن يتعلق بمقدر يدل عليه ما بعده، أي: لأن كان كذب وجحد.
وأما قراءة «إنْ كَانَ» - بالكسر - فعلى الشرط، وجوابه مقدر، تقديره: إن كان كذا يكفر ويجحد، دل عليه ما بعده.
وقال الزمخشريُّ: والشرط للمخاطب، أي: لا تطع كل حلاف شارطاً يساره، لأنه إن أطاع الكافر لغنائه فكأنه اشترط في الطاعة الغنى، ونحو صرف الشرط للمخاطب صرف الترجي إليه في قوله ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى﴾ [طه: 44] .
وجعله أبو حيَّان من دخول شرط على شرط، يعني «إن، وإذا» إلا أنه قال: ليسا من الشروط المترتبة الوقوع. وجعل نظير ذلك قول ابن دُريْدٍ: [الرجز]
4817 - فإن عَثَرتُ بعْدها إنْ وألَتْ ... نَفْسِيَ مِنْ هَاتَا فَقُولاَ لاَ لَعَا
قال: «لأن الحامل على تدبر آياتِ اللَّهِ كونه ذا مالِ وبنينَ، وهو مشغول القلب بذلك غافل عن النظر قد استولت عليه الدُّنيا وأنظرته» .
وقرأ الحسن بن أبزى: بالاستفهام، وهو استفهام تقريعٍ وتوبيخٍ، على قوله حين تليت عليه آيات الله: ﴿أَسَاطِيرُ الأولين﴾ .
فصل في توجيه قراءة الآية
قال القرطبيُّ: فمن قرأ بهمزة مُطوَّلةٍ، أو بهمزتين محققتين، فهو استفهام والمراد به التوبيخ، ويحسن له أن يقف على «زَنِيمٍ» ، ويبتدىء «أنْ كَانَ» على معنى: لأن كان ذا مال وبنين تطيعه، ويجوز أن يكون التقدير: لأن كان ذا مال وبنين يكفر ويستكبر، ودل عليه ما تقدم من الكلامِ، فصار كالمذكور بعد الاستفهام، ومن قرأ «أن كَانَ» بغير استفهام، فهو مفعول من أجله، والعامل فيه فعل مضمر والتقدير: يكفر لأن كان ذا مال وبنين، ودل على هذا الفعل: ﴿إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ ولا يعمل في «أن» : «تُتْلَى» ولا «قَالَ» ، لأن ما بعد «إذَا» لا يعمل فيما قبلها؛ لأن «إذَا» تضاف إلى الجمل التي بعدها، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف و «قال» جواب الجزاء، ولا يعمل فيما قبل الجزاء، إذ حكم العامل أن يكون قبل المعمول فيه، وحكم الجواب أن يكون بعد الشرط، فيكون مقدماً مؤخراً في حالة واحدةٍ، ويجوز أن يكون المعنى: لا تطعه لأن كان ذا يسار وعدد.
قال ابن الأنباريُّ: ومن قرأ بلا استفهام لم يحسن أن يقف على «زَنيمٍ» لأن المعنى: لأن كان ذا مالٍ كان، ف «أنْ» متعلقة بما قبلها.
وقال غيره: يجوز أن يتعلق بقوله «مشَّاءٍ بنمِيمٍ» ، والتقدير: يمشي بنميم، لأن كان ذا مال وبنين، وأجاز أبو علي أن يتعلق ب «عُتُلٍّ» ومعنى «أسَاطيرُ الأوَّليْنَ» أباطيلهم، وتُرهاتُهُم.
قوله: «سَنَسِمُهُ» . أي: نجعل له سمة، أي: علامة يعرف بها.
قال جرير: [الكامل]
4818 - لمَّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي ... وعَلَى البَعيثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ
والخرطوم: الأنف، وهو هنا عبارة عن الوجه كله من التعبير عن الكل بالجزء؛ لأنه أظهر ما فيه وأعلاه، والخرطوم أيضاً: الخمر، وكأنه استعاره لها لأن الشنتمري قال: هي الخمر أول ما يخرج من الدَّن؛ فجعلت كالأنف لأنه أول ما يبدو من الوجه فليست الخرطومُ الوجه مطلقاً، ومن مجيء الخرطوم بمعنى الخمر، قول علقمة بن عبدة: [البسيط]
4819 - قَدْ أشْهَدَ الشَّرْبَ فِيهِمْ مِزْهَرٌ رَنِمٌ ... والقَوْمُ تَصْرعُهُمْ صَهْبَاءُ خرْطُومُ
وأنشد نضر بن شميل: [البسيط]
4820 - تَظَلُّ يَومَكَ في لَهْوٍ وفِي طَرَبٍ ... وأنْتَ باللَّيْلِ شَرَّابُ الخَراطِيمِ
فصل في تفسير «سنسمه»
قال ابن عباس: «سَنَسِمُهُ» سنحطمه بالسَّيفِ، قال: وقد حطم الذي نزلت فيه يوم بدرِ بالسيف، فلم يزل محطوماً إلى أن مات.
وقال قتادةُ: سنسمهُ يوم القيامة على أنفه سِمَةً يعرفُ بها، يقال: وسمه وسماً وسمة إذا أثرت فيه بسمة وكيّ.
قال الضحاك: سنكويه على وجهه، وقد قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] فهي علامة ظاهرة، وقال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: 102] وهذه علامة أخرى ظاهرة. وأفادت هذه الآية علامة ثالثة، وهي الوسم على الأنف بالنار، وهذا كقوله: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: 41] .
قاله الكلبي وغيره وقال أبو العالية ومجاهدٌ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم﴾ أي على أنفه، ويسودُّ وجهه في الآخرة، فعرف بسواد وجهه.
قال القرطبيُّ: «والخرطوم: الأنف من الإنسان، ومن السباع موضع الشفة، وخراطيم القوم: سادتهم» .
قال الفراء: وإن كان الخرطومُ قد خُصَّ بالسِّمة فإنَّهُ في الوجه لأن بعض الشيء يعبر به عن الكل.
وقال الطبريُّ: نبين أمره تبياناً واضحاً، فلا يخفى عليهم كما لا تخفى السِّمةُ على الخراطيم.
وقال: المعنى: سنلحق به عاراً وسبة حتى يكون كمن وسم على أنفه.
قال القتيبي: تقول العرب للرجل يُسَبُّ سبة سوءٍ قبيحة باقية قد وسم ميسم سوء، أي: ألصق به عار لا يفارقه، كما أن السمة لا يمحى أثرها.
وهذا كلهُ نزل في الوليد بن المغيرة، ولا شك أنَّ المبالغة العظيمة في ذمه بقيت على وجه الأرض الدهر، ولا يعلم أن اللَّه تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغ منه، فألحق به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة كالوسم على الخرطوم.
وقيل: ما ابتلاه اللَّهُ به في الدنيا في نفسه؛ وأهله وماله من سوء، وذل وصغار، قاله ابن بحر.
وقال النضر بن شميل: المعنى سنحده على شرب الخمر، والخرطوم: الخمر، وجمعه: خراطيم، وأنشد البيت المتقدم.
قال ابن الخطيب: «وهذا تعسفٌ» .
القلم 68:11
قوله: ﴿فَلاَ تُطِعِ المكذبين﴾ نهاه عن ممايلة المشركين وكانوا يدعونه إلى أن يكف عنهم ليكفوا عنه، فبين الله تعالى أن ممايلتهم كفر، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 74] وقيل: فلا تطع المكذبين فيما دعوك إليه من دينهم الخبيث، نزلت في مشركي قريش حين دعوه إلى دين آبائه.
قوله: ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ .
المشهور في قراءة الناس ومصاحفهم: «فَيُدهِنُونَ» بثبوت نون الرفع وفيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على «تُدهِنُ» فيكون داخلاً في حيز «لَوْ» .
والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: فهم يدهنون.
وقال الزمخشريُّ: «فإن قلت: لم رفع» فَيُدْهنُونَ «ولم ينصب بإضمار» أن «وهو جواب التمني؟ .
قلت: قد عدل به إلى طريق آخر وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف، أي فهم يدهنون، كقوله: ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾ [الجن: 13] على معنى ودوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذ، أو ودوا إدهانك، فهم الآن يدهنون لطمعهم في إدهانك قال سيبويه: وزعم هارون أنها في بعض المصاحف: ودُّوا لو تُدهِنُ فيُدْهِنُوا» انتهى.
وفي نصبه على ما وجد في بعض المصاحف وجهان:
أحدهما: أنه عطف على التوهم، كأنه توهم أن نطق ب «أنْ» فنصب الفعل على هذا التوهم وهذا إنما يجيء على القول بمصدرية «لَوْ» ، وفيه خلاف تقدم تحقيقه في «البقرة» .
والثاني: أنه نُصِبَ على جواب التمني المفهوم من «ودّ» .
والظاهر أن «لَوْ» حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وأن جوابها محذوف ومفعول الودادة أيضاً محذوف، تقديره: ودوا إدهانك، فحذف إدهانك، لدلالة «لَو» وما بعدها عليه وتقدير الجواب: لسروا بذلك.
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس وعطية والضحاك والسديُّ: ودوا لو تكفر فيتمادون على كفرهم، وعن ابن عباس أيضاً: ودوا لو ترخص لهم فيرخصون لك.
وقال الفراء والكلبي: لو تلين فيلينون لك. والإدهان: التليين لمن لا ينبغي له التليين. قاله الفراء والليث.
وقال مجاهدٌ: ودوا لو ركنت إليهم وتركت الحق فيمالئونك.
وقال الربيع بن أنس: ودوا لو تكذب، فيكذبون.
وقال قتادة: ودوا لو تذهب عن هذا الأمر فيذهبوا.
وقال الحسنُ: ودوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك في دينهم، وعنه أيضاً: ودوا لو ترفض بعض أمرك فيرفضون بعض أمرهم.
وقال زيد بن أسلم: ودّوا لو تنافق وترائي، فينافقون ويراءون.
وقيل: ودُّوا لو تضعف فيضعفون. قاله أبو جعفر.
وقال القتيبي: ودوا لو تداهن في دينك فيداهنون في أديانهم، وعنه: طلبوا منه أن يعبد آلهتهم مدة ويعبدوا إلهه مدة.
وهذان القولان الأخيران هما المتقدمان في معنى ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [النساء: 89] ومعنى: لو تصانعهم وقال ابن العربي: ذكر المفسرون فيها نحو عشرة أقوالٍ، كلها دعاوى على اللغة والمعنى، وأمثلها قولهم «ودُّوا لو تكذبُ فيكذبون، ودوا لو تكفر فيكفرون» .
وقال القرطبيُّ: كلها إن شاء الله تعالى صحيحة على مقتضى اللغة والمعنى، فإن الإدهان اللين والمصانعة.
وقيل: المقاربة في الكلام والتليين في القول، وقال المفضل: النفاق وترك المناصحةِ، فهي على هذا الوجه مذمومة، وعلى الوجه الأول غير مذمومة وكل شيء منها لم يكن.
وقال المبردُ: أدهن في دينه، وداهن في أمره أي: خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر.
وقال قوم: داهنت بمعنى واريت، وأدهنت بمعنى غششت، قاله الجوهري، وقوله « فيُدْهِنُونَ» ساقه على العطف، ولو جاء به جواباً للنهي لقال: «فيُدْهِنُوا» ، وإنما أراد أنهم تمنوا لو فعلت فيفعلون مثل فعلك عطفاً لا جزاء عليه ولا مكافأة، وإنما هو تمثيل وتنظير.
قوله: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾ .
قال السديُّ والشعبي وابن إسحاق: يعني الأخنس بن شريق.
وقال مجاهدٌ: يعني الأسود بن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود.
وقال مقاتل: يعني الوليد بن المغيرة عرض على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مالاً، وحلف أنه يعطيه إن رجع عن دينه.
وقال ابن عباس: هو أبو جهل بن هشام.
والحلاف: الكثير الحلف. و «المَهين» قال مجاهد: هو الضعيف القلب.
وقال ابن عباس: هو الكذاب، والكذاب مهين.
وقال الحسن وقتادة: هو المكثار في الشر.
وقال الكلبي: المهين: الفاجر.
وقال عبد الله: هو الحقير.
وقال ابن بحر: هو الذليل.
وقال الرماني: هو الوضيع لإكثاره من القبيح.
وهو «فعيل» من المهانة بمعنى القلة، وهي هنا القلة في الرأي والتمييز، أو هو «فعيل» بمعنى «مُفْعَل» والمعنى «مُهَان» .
قوله ﴿هَمَّازٍ﴾ ، الهماز: مثال مبالغة من الهمز، وهو في اللغة الضرب طعناً باليد والعصا، واستعير للمغتاب الذي يغتاب الناس كأنه يضربهم بإيذائه.
قال ابن زيد: الهمَّاز: الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمّاز: باللسان.
وقيل الهمَّاز الذي يذكر الناس في وجوههم، واللمَّازُ: الذي يذكرهم في مغيبهم.
وقال مقاتل بالعكس، وقال مرة: هما سواء، ونحوه عن ابن عباس وقتادة.
قال الشاعر: [البسيط]
4811 - تُدْلِي بودٍّ إذَا لاقَيْتنِي كَذِباً ... وإنْ تغَيَّبْتُ كُنْتَ الهَامِزَ اللُّمَزَهْ
والنميم: قيل: هو مصدر النميمة.
وقيل: هو جمعها أي اسم جنس ك «تمرةٍ وتمرٍ» ، وهو نقل الكلام الذي يسوء سامعه، ويحرش بين الناس.
وقال الزمخشري: والنميم والنميمة: السعاية، وأنشدني بعض العرب: [الرجز]
4812 - تَشَبَّبِي تَشَبُّبَ النَّميمهْ ... تَمْشِي بِهَا زَهْراً إلى تَمِيْمَه
والمشاء: مثال مبالغة من المشي، أي: يكثر السعاية بين الناس ليفسد بينهم، يقال: نَمَّ يَنِمُّ نميماً ونَمِيمَة، أي: يمشي ويسعى بالفسادِ.
وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «لا يَدخُلُ الجَنَّة نَمَّامٌ» .
والعتل: الذي يعتل الناس، أي: يحملهم، ويجرهم إلى ما يكرهون من حبس وضربٍ ومنه: ﴿خُذُوهُ فاعتلوه﴾ [الدخان: 47] .
وقيل: العتل: الشديد الخصومة.
وقال أبو عبيدة: هو الفاحش اللئيم.
وأنشد:
4813 - بِعُتُلٍّ مِنَ الرِّجالِ زَنِيمٍ ... غيْرِ ذِي نَجْدةٍ وغَيْرِ كَريمِ
وقيل: الغليظ الجافي.
ويقال: عَتَلْتُه وعَتنتُهُ باللام والنون. نقله يعقوب.
وقيل: العتل: الجافي الشديد في كفره.
وقال الكلبيُّ والفراء: هو الشديد الخصومة بالباطل.
قال الجوهري: ويقال: عَتَلْتُ الرجل أعْتِلُهُ وأعْتُلُهُ إذا جذبته جذباً عنيفاً. ورجل مِعْتَل - بالكسر -، والعَتَل أيضاً: الرمح الغليظ، ورجل عَتِلٌ - بالكسر - بين العتل، أي سريع إلى الشَّر ويقال: لا أنعتل معك، أي: لا أبرح مكاني.
وقال عبيد بن عمير: العتل: الأكول الشروب القوي الشديد يوضع في الميزان فلا يزن شعيرة، يدفع الملك من أولئك في جهنم بالدفعة الواحدة سبعين ألفاً.
والزنيم: الدعي بنسب إلى قوم ليس منهم.
قال حسانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الطويل]
4814 - أ - زَنِيمٌ تَداعَاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ... كَمَا زيدَ في عَرْضِ الأديمِ الأكَارعُ
وقال أيضاً: [الوافر]
4814 - ب - زَنِيمُ ليسَ يُعْرَفُ مَنْ أبُوهُ ... بَغِيُّ الأمِّ ذُو حسب لَئِيمُ
وقال أيضاً: [الطويل]
4815 - وأنْتَ زَنِيمٌ نيطَ في آلِ هَاشمٍ ... كَمَا نِيطَ خَلْفَ الرَّاكبِ القَدَحُ الفَرْد
وأصله: من الزنمةِ، وهي ما بقي من جلد الماعز معلقاً في حلقها يترك عند القطع، فاستعير للدعي، لأنه كالمعلق بما ليس منه.
فصل فيمن هو الحلاف المهين
تقدم القول في «الحلاف المَهين» ، عن الشعبي والسديِّ وابن إسحاقَ: أنه الأخنس بن شريق، وعلى قول غيرهم: أنه الأسود بن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود، أو الوليد بن المغيرة، أو أبو جهل بن هشام، وتقدم تفسير «الهَمَّاز والمشَّاء بنميمٍ» .
وأما قوله «منَّاعٍ للخَيْرِ» أي: للمال أن ينفق في وجوهه.
وقال ابن عباس: يمنع عن الإسلام ولده وعشيرته.
قيل: كان للوليد بن المغيرة عشرةٌ من الولد، وكان يقول لهم ولأقاربه: من تبع منكم محمداً منعته رفدي.
وقال الحسنُ: يقول لهم: من دخل منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء أبداً.
وقوله «مُعْتَدٍ» أي: على الناس في الظلم، متجاوز للحد، صاحب باطل، وقوله « أثيمٍ» أي: ذا إثمٍ، ومعناه «أثُوم» ، فهو «فعيل» بمعنى «فَعُول» .
قال البغوي: «أثيم فاجر» . وأما العتل فتقدم الكلام عليه في اللغة.
وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «ألاْ أخْبرُكمْ بأهْلِ الجنَّةِ؟ قالوا: بَلَى، قال: كُلُّ ضعيفٍ مُتضعَّفٍّ، لَوْ أقسمَ على اللَّهِ لأبرَّهُ، ألا أخْبركُمْ بأَهْلِ النَّارِ؟ قالوا: بَلَى، قال: كُل عُتُلٍّ جواظٍ مستكبرٍ»
وفي رواية: «كُلُّ جوَّاظٍ زَنيمٍ مُستَكْبرٍ» .
«الجوَّاظ» الجموع المنوع.
وقيل: الكثير اللحم، المختال في مشيته.
وقيل: القصير البطين.
وذكر الماورديُّ عن ابن مسعود أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لا يَدخُل الجنَّة جوَّاظ ولا جَعْظَرِي ولا العُتلُ الزَّنِيمُ» .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الجوَّاظ: الذي جمع ومنع، والجعظري: الفظ الغليظ المتكبر» .
قال ابن الأثير: «وقيل: هو الذي ينتفخ بما ليس عنده، وفيه قصر» .
قال القرطبيُّ: وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «الشَّدِيدُ الخُلقِ، الرَّحيبُ الجوْفِ، المصحُّ الأكولُ، الشَّروبُ، الواجدُ للطعامِ، الظَّلُومُ للنَّاسِ» .
وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ قال: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «تَبْكِي السَّماءُ على رجُلٍ أصحَّ اللَّهُ جِسْمهَ ورحَبَ جوفه، وأعطاهُ من الدُّنْيَا بعضاً، فكانَ للنَّاسِ ظلُوماً، فذلك العُتُلَّ الزَّنِيمُ» .
وقوله «بَعْدَ ذلِكَ» أي مع ذلك، يريد ما وصفناه به «زنيم» وتقدم معنى الزنيم. وعن ابن عباس: أنه رجل من قريش كانت له زنمة كزنمة الشاة.
وروى عنه ابن جبير: أنه الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها.
وقال عكرمة: هو الذي يعرف بلؤمه، كما تعرف الشاة بزنمتها.
وقيل: إنه الذي يعرف بالأبنة، وهو مروي عن ابن عباس، وعنه: إنه الظلوم.
وقال مجاهدٌ: «زَنِيمٍ» كانت له ستة أصابع في يده في كل إبهام له أصبع زائدة.
وعنه أيضاً وسعيد بن المسيب وعكرمة: هو ولد الزنا الملحق في النسب بالقوم.
وكان الوليد دعياً في قريش ليس من سنخهم، ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة من مولده.
قال الشاعر: [الوافر]
4816 - زَنِيمٌ ليْسَ يُعرفُ من أبُوهُ ... بَغِيُّ الأمِّ ذُو حسبٍ لَئِيم
قيل: بغتْ أمه ولم يعرف حتى نزلت الآية، وهذا لأن الغالب أن المنطقة إذا خبثت خبث الولدُ، كا روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لا يَدْخلُ الجنَّة ولدُ زِنَا، ولا ولَدُ وَلدِهِ» .
وقال عبد الله بن عمر: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إنَّ أوْلادَ الزِّنَا يُحشَرُونَ يومَ القِيامةِ في صُورةِ القِرَدةِ والخَنازِيرِ» .
وقالت ميمونة: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «لا تَزالُ أمَّتِي بخيْرٍ، مَا لَمْ يَفْشُ فِيهِمْ ولدُ الزِّنَا، فإذا فَشَى فيهِمْ ولدُ الزِّنَا أوشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بعذابٍ» .
وقال عكرمة: إذا كثر ولد الزنا قحط المطر.
قال القرطبي: ومعظم المفسرين على أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وكان يطعم أهل منى حيساً ثلاثة أيام، وينادي ألا لا يوقدن أحدكم تحت بُرمةٍ، ألا لا يدخلن أحد بكُراع، ألا ومن أراد الحيس فليأت الوليد بن المغيرة، وكان ينفق في الحجة الواحدة عشرين ألفاً، أو أكثر، ولا يعطي المسكين درهماً واحداً؛ فقيل: «منَّاعٍ للخَيرِ» ، وفيه نزل:
﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكاة﴾ [فصلت: 6، 7] .
وقال محمد بن إسحاق: نزلت في الأخنس بن شريق؛ لأنه حليف ملحق في بني زهرة، فلذلك سمي زنيماً. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: في هذه الآية نُعت، فلم يعرف، حتى قتل زنيم فعرف، وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها.
قال ابن قتيبة: لا نعلم أن الله وصف أحداً، ولا ذكر من عيوبه ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة وألحق به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة.
فصل
قرأ الحسن: «عُتُلٌّ» بالرفع، أي هو عتل.
وحقه أن يقرأ ما بعده بالرفع أيضاً، لأنهم قالوا في القطع: إنه يبدأ بالإتباع، ثم بالقطع من غير عكس، وقوله: «بَعْدَ ذلِكَ» أي: بعدما وصفناه به.
قال ابن عطية: فهذا الترتيب إنما هو في قول الواصفِ لا في حصول تلك الصفات في الموصوف، وإلا فكونه عتلاًّ هو قبل كونه صاحب خير يمنعه.
وقال الزمخشريُّ: «بَعْدَ ذَلِكَ» أي: بعدما عد له من المثالب، والنقائصِ، ثم قال: جعل جفاءه ودعوته أشد معايبه، لأنه إذا غلظ وجفا طبعه قسا قلبُه واجترأ على كل معصية.
ونظير قوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين﴾ [البلد: 17] .
قوله: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ .
العامة: على فتح همزة «أن» ثم اختلفوا بعد، فقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر وأضاف القرطبي معهم أبا جعفر وأبا حيوة والمغيرة والأعرج: بالاستفهام.
وباقي السبعة بالخبر.
والقارئون بالاستفهام على أصولهم من تحقيق، وتسهيل، وإدخال ألف بين الهمزتين وعدمه، ولا بد من بيان ذلك فنقول: قرأ حمزة وأبو بكر وذكر القرطبي معهم المفضل: بتحقيق الهمزتين، وعدم إدخال ألف بينهما، وهذا هو أصلهما.
وقرأ ابن ذكوان: بتسهيل الثانية، وعدم إدخال ألف.
وهشام بالتسهيل المذكور إلا أنه أدخل ألفاً بينهما.
فقد خالف كل منهما أصله، أما ابن ذكوان فإنه يحقق الهمزتين فقد سهل الثانية هنا، وأما هشام فإن أصله أن يجري في الثانية من هذا النحو وجهين من التحقيق كرفيقه، والتسهيل وقد التزم التسهيل هنا، وأما إدخال الألف فإنه فيه على أصله، كما تقدم أول البقرة.
وقرأ نافع في رواية اليزيدي عنه: «إن» بكسر الهمزة على الشرط.
فأما قراءة «أنْ» - بالفتح - على الخبر، ففيه أربعة أوجه:
أحدها: أنها «أن» المصدرية في موضع المفعول به مجرورة بلام مقدرة، واللام متعلقة بفعل النهي، أي: ولا تطع من هذه صفاته، لأن كان متمولاً وصاحب بنين.
الثاني: أنها متعلقة ب «عُتُل» وإن كان قد وصف.
قاله الفارسي.
وهذا لا يجوز عند البصريين، وكأن الفارسي اغتفره في الجار.
الثالث: أن يتعلق ب «زَنِيمٍ» ، ولا سيما عند من يفسره بقبيح الأفعال.
الرابع: أن يتعلق بمحذوف يدل عليه ما بعده من الجملة الشرطية تقديره لكونه متمولاً، مستظهراً بالبنين كذب بآياتنا، قاله الزمخشريُّ.
قال: ولا يعمل فيه، قال: الذي هو جواب «إذا» لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، ولكن ما دلت عليه الجملةُ من معنى التكذيب.
وقال مكيٌّ، وتبعه أبو البقاء: «لا يجوز أن يكون العامل» تُتْلَى «لأن ما بعد» إذَا «لا يعمل فيما قبلها، لأن» إذَا «تضاف إلى الجمل، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف» انتهى.
وهذا يوهم أن المانع من ذلك ما ذكره فقط، والمانع أمرٌ معنوي، حتى لو فقد هذا المانع الذي ذكره لامتنع من جهة المعنى، وهو لا يصلح أن يعلل تلاوة آياتِ اللَّهِ عليه بكونه ذا مالٍ وبنين.
وأما قراءة «آنْ كان» على الاستفهام، ففيها وجهان:
أحدهما: أن يتعلق بمقدر يدل عليه ما قبله، أي: أتطيعه لأن كان، أو الكون طواعية لأن كان.
والثاني: أن يتعلق بمقدر يدل عليه ما بعده، أي: لأن كان كذب وجحد.
وأما قراءة «إنْ كَانَ» - بالكسر - فعلى الشرط، وجوابه مقدر، تقديره: إن كان كذا يكفر ويجحد، دل عليه ما بعده.
وقال الزمخشريُّ: والشرط للمخاطب، أي: لا تطع كل حلاف شارطاً يساره، لأنه إن أطاع الكافر لغنائه فكأنه اشترط في الطاعة الغنى، ونحو صرف الشرط للمخاطب صرف الترجي إليه في قوله ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى﴾ [طه: 44] .
وجعله أبو حيَّان من دخول شرط على شرط، يعني «إن، وإذا» إلا أنه قال: ليسا من الشروط المترتبة الوقوع. وجعل نظير ذلك قول ابن دُريْدٍ: [الرجز]
4817 - فإن عَثَرتُ بعْدها إنْ وألَتْ ... نَفْسِيَ مِنْ هَاتَا فَقُولاَ لاَ لَعَا
قال: «لأن الحامل على تدبر آياتِ اللَّهِ كونه ذا مالِ وبنينَ، وهو مشغول القلب بذلك غافل عن النظر قد استولت عليه الدُّنيا وأنظرته» .
وقرأ الحسن بن أبزى: بالاستفهام، وهو استفهام تقريعٍ وتوبيخٍ، على قوله حين تليت عليه آيات الله: ﴿أَسَاطِيرُ الأولين﴾ .
فصل في توجيه قراءة الآية
قال القرطبيُّ: فمن قرأ بهمزة مُطوَّلةٍ، أو بهمزتين محققتين، فهو استفهام والمراد به التوبيخ، ويحسن له أن يقف على «زَنِيمٍ» ، ويبتدىء «أنْ كَانَ» على معنى: لأن كان ذا مال وبنين تطيعه، ويجوز أن يكون التقدير: لأن كان ذا مال وبنين يكفر ويستكبر، ودل عليه ما تقدم من الكلامِ، فصار كالمذكور بعد الاستفهام، ومن قرأ «أن كَانَ» بغير استفهام، فهو مفعول من أجله، والعامل فيه فعل مضمر والتقدير: يكفر لأن كان ذا مال وبنين، ودل على هذا الفعل: ﴿إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ ولا يعمل في «أن» : «تُتْلَى» ولا «قَالَ» ، لأن ما بعد «إذَا» لا يعمل فيما قبلها؛ لأن «إذَا» تضاف إلى الجمل التي بعدها، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف و «قال» جواب الجزاء، ولا يعمل فيما قبل الجزاء، إذ حكم العامل أن يكون قبل المعمول فيه، وحكم الجواب أن يكون بعد الشرط، فيكون مقدماً مؤخراً في حالة واحدةٍ، ويجوز أن يكون المعنى: لا تطعه لأن كان ذا يسار وعدد.
قال ابن الأنباريُّ: ومن قرأ بلا استفهام لم يحسن أن يقف على «زَنيمٍ» لأن المعنى: لأن كان ذا مالٍ كان، ف «أنْ» متعلقة بما قبلها.
وقال غيره: يجوز أن يتعلق بقوله «مشَّاءٍ بنمِيمٍ» ، والتقدير: يمشي بنميم، لأن كان ذا مال وبنين، وأجاز أبو علي أن يتعلق ب «عُتُلٍّ» ومعنى «أسَاطيرُ الأوَّليْنَ» أباطيلهم، وتُرهاتُهُم.
قوله: «سَنَسِمُهُ» . أي: نجعل له سمة، أي: علامة يعرف بها.
قال جرير: [الكامل]
4818 - لمَّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي ... وعَلَى البَعيثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ
والخرطوم: الأنف، وهو هنا عبارة عن الوجه كله من التعبير عن الكل بالجزء؛ لأنه أظهر ما فيه وأعلاه، والخرطوم أيضاً: الخمر، وكأنه استعاره لها لأن الشنتمري قال: هي الخمر أول ما يخرج من الدَّن؛ فجعلت كالأنف لأنه أول ما يبدو من الوجه فليست الخرطومُ الوجه مطلقاً، ومن مجيء الخرطوم بمعنى الخمر، قول علقمة بن عبدة: [البسيط]
4819 - قَدْ أشْهَدَ الشَّرْبَ فِيهِمْ مِزْهَرٌ رَنِمٌ ... والقَوْمُ تَصْرعُهُمْ صَهْبَاءُ خرْطُومُ
وأنشد نضر بن شميل: [البسيط]
4820 - تَظَلُّ يَومَكَ في لَهْوٍ وفِي طَرَبٍ ... وأنْتَ باللَّيْلِ شَرَّابُ الخَراطِيمِ
فصل في تفسير «سنسمه»
قال ابن عباس: «سَنَسِمُهُ» سنحطمه بالسَّيفِ، قال: وقد حطم الذي نزلت فيه يوم بدرِ بالسيف، فلم يزل محطوماً إلى أن مات.
وقال قتادةُ: سنسمهُ يوم القيامة على أنفه سِمَةً يعرفُ بها، يقال: وسمه وسماً وسمة إذا أثرت فيه بسمة وكيّ.
قال الضحاك: سنكويه على وجهه، وقد قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] فهي علامة ظاهرة، وقال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: 102] وهذه علامة أخرى ظاهرة. وأفادت هذه الآية علامة ثالثة، وهي الوسم على الأنف بالنار، وهذا كقوله: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: 41] .
قاله الكلبي وغيره وقال أبو العالية ومجاهدٌ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم﴾ أي على أنفه، ويسودُّ وجهه في الآخرة، فعرف بسواد وجهه.
قال القرطبيُّ: «والخرطوم: الأنف من الإنسان، ومن السباع موضع الشفة، وخراطيم القوم: سادتهم» .
قال الفراء: وإن كان الخرطومُ قد خُصَّ بالسِّمة فإنَّهُ في الوجه لأن بعض الشيء يعبر به عن الكل.
وقال الطبريُّ: نبين أمره تبياناً واضحاً، فلا يخفى عليهم كما لا تخفى السِّمةُ على الخراطيم.
وقال: المعنى: سنلحق به عاراً وسبة حتى يكون كمن وسم على أنفه.
قال القتيبي: تقول العرب للرجل يُسَبُّ سبة سوءٍ قبيحة باقية قد وسم ميسم سوء، أي: ألصق به عار لا يفارقه، كما أن السمة لا يمحى أثرها.
وهذا كلهُ نزل في الوليد بن المغيرة، ولا شك أنَّ المبالغة العظيمة في ذمه بقيت على وجه الأرض الدهر، ولا يعلم أن اللَّه تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغ منه، فألحق به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة كالوسم على الخرطوم.
وقيل: ما ابتلاه اللَّهُ به في الدنيا في نفسه؛ وأهله وماله من سوء، وذل وصغار، قاله ابن بحر.
وقال النضر بن شميل: المعنى سنحده على شرب الخمر، والخرطوم: الخمر، وجمعه: خراطيم، وأنشد البيت المتقدم.
قال ابن الخطيب: «وهذا تعسفٌ» .
القلم 68:12
قوله: ﴿فَلاَ تُطِعِ المكذبين﴾ نهاه عن ممايلة المشركين وكانوا يدعونه إلى أن يكف عنهم ليكفوا عنه، فبين الله تعالى أن ممايلتهم كفر، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 74] وقيل: فلا تطع المكذبين فيما دعوك إليه من دينهم الخبيث، نزلت في مشركي قريش حين دعوه إلى دين آبائه.
قوله: ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ .
المشهور في قراءة الناس ومصاحفهم: «فَيُدهِنُونَ» بثبوت نون الرفع وفيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على «تُدهِنُ» فيكون داخلاً في حيز «لَوْ» .
والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: فهم يدهنون.
وقال الزمخشريُّ: «فإن قلت: لم رفع» فَيُدْهنُونَ «ولم ينصب بإضمار» أن «وهو جواب التمني؟ .
قلت: قد عدل به إلى طريق آخر وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف، أي فهم يدهنون، كقوله: ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾ [الجن: 13] على معنى ودوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذ، أو ودوا إدهانك، فهم الآن يدهنون لطمعهم في إدهانك قال سيبويه: وزعم هارون أنها في بعض المصاحف: ودُّوا لو تُدهِنُ فيُدْهِنُوا» انتهى.
وفي نصبه على ما وجد في بعض المصاحف وجهان:
أحدهما: أنه عطف على التوهم، كأنه توهم أن نطق ب «أنْ» فنصب الفعل على هذا التوهم وهذا إنما يجيء على القول بمصدرية «لَوْ» ، وفيه خلاف تقدم تحقيقه في «البقرة» .
والثاني: أنه نُصِبَ على جواب التمني المفهوم من «ودّ» .
والظاهر أن «لَوْ» حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وأن جوابها محذوف ومفعول الودادة أيضاً محذوف، تقديره: ودوا إدهانك، فحذف إدهانك، لدلالة «لَو» وما بعدها عليه وتقدير الجواب: لسروا بذلك.
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس وعطية والضحاك والسديُّ: ودوا لو تكفر فيتمادون على كفرهم، وعن ابن عباس أيضاً: ودوا لو ترخص لهم فيرخصون لك.
وقال الفراء والكلبي: لو تلين فيلينون لك. والإدهان: التليين لمن لا ينبغي له التليين. قاله الفراء والليث.
وقال مجاهدٌ: ودوا لو ركنت إليهم وتركت الحق فيمالئونك.
وقال الربيع بن أنس: ودوا لو تكذب، فيكذبون.
وقال قتادة: ودوا لو تذهب عن هذا الأمر فيذهبوا.
وقال الحسنُ: ودوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك في دينهم، وعنه أيضاً: ودوا لو ترفض بعض أمرك فيرفضون بعض أمرهم.
وقال زيد بن أسلم: ودّوا لو تنافق وترائي، فينافقون ويراءون.
وقيل: ودُّوا لو تضعف فيضعفون. قاله أبو جعفر.
وقال القتيبي: ودوا لو تداهن في دينك فيداهنون في أديانهم، وعنه: طلبوا منه أن يعبد آلهتهم مدة ويعبدوا إلهه مدة.
وهذان القولان الأخيران هما المتقدمان في معنى ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [النساء: 89] ومعنى: لو تصانعهم وقال ابن العربي: ذكر المفسرون فيها نحو عشرة أقوالٍ، كلها دعاوى على اللغة والمعنى، وأمثلها قولهم «ودُّوا لو تكذبُ فيكذبون، ودوا لو تكفر فيكفرون» .
وقال القرطبيُّ: كلها إن شاء الله تعالى صحيحة على مقتضى اللغة والمعنى، فإن الإدهان اللين والمصانعة.
وقيل: المقاربة في الكلام والتليين في القول، وقال المفضل: النفاق وترك المناصحةِ، فهي على هذا الوجه مذمومة، وعلى الوجه الأول غير مذمومة وكل شيء منها لم يكن.
وقال المبردُ: أدهن في دينه، وداهن في أمره أي: خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر.
وقال قوم: داهنت بمعنى واريت، وأدهنت بمعنى غششت، قاله الجوهري، وقوله « فيُدْهِنُونَ» ساقه على العطف، ولو جاء به جواباً للنهي لقال: «فيُدْهِنُوا» ، وإنما أراد أنهم تمنوا لو فعلت فيفعلون مثل فعلك عطفاً لا جزاء عليه ولا مكافأة، وإنما هو تمثيل وتنظير.
قوله: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾ .
قال السديُّ والشعبي وابن إسحاق: يعني الأخنس بن شريق.
وقال مجاهدٌ: يعني الأسود بن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود.
وقال مقاتل: يعني الوليد بن المغيرة عرض على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مالاً، وحلف أنه يعطيه إن رجع عن دينه.
وقال ابن عباس: هو أبو جهل بن هشام.
والحلاف: الكثير الحلف. و «المَهين» قال مجاهد: هو الضعيف القلب.
وقال ابن عباس: هو الكذاب، والكذاب مهين.
وقال الحسن وقتادة: هو المكثار في الشر.
وقال الكلبي: المهين: الفاجر.
وقال عبد الله: هو الحقير.
وقال ابن بحر: هو الذليل.
وقال الرماني: هو الوضيع لإكثاره من القبيح.
وهو «فعيل» من المهانة بمعنى القلة، وهي هنا القلة في الرأي والتمييز، أو هو «فعيل» بمعنى «مُفْعَل» والمعنى «مُهَان» .
قوله ﴿هَمَّازٍ﴾ ، الهماز: مثال مبالغة من الهمز، وهو في اللغة الضرب طعناً باليد والعصا، واستعير للمغتاب الذي يغتاب الناس كأنه يضربهم بإيذائه.
قال ابن زيد: الهمَّاز: الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمّاز: باللسان.
وقيل الهمَّاز الذي يذكر الناس في وجوههم، واللمَّازُ: الذي يذكرهم في مغيبهم.
وقال مقاتل بالعكس، وقال مرة: هما سواء، ونحوه عن ابن عباس وقتادة.
قال الشاعر: [البسيط]
4811 - تُدْلِي بودٍّ إذَا لاقَيْتنِي كَذِباً ... وإنْ تغَيَّبْتُ كُنْتَ الهَامِزَ اللُّمَزَهْ
والنميم: قيل: هو مصدر النميمة.
وقيل: هو جمعها أي اسم جنس ك «تمرةٍ وتمرٍ» ، وهو نقل الكلام الذي يسوء سامعه، ويحرش بين الناس.
وقال الزمخشري: والنميم والنميمة: السعاية، وأنشدني بعض العرب: [الرجز]
4812 - تَشَبَّبِي تَشَبُّبَ النَّميمهْ ... تَمْشِي بِهَا زَهْراً إلى تَمِيْمَه
والمشاء: مثال مبالغة من المشي، أي: يكثر السعاية بين الناس ليفسد بينهم، يقال: نَمَّ يَنِمُّ نميماً ونَمِيمَة، أي: يمشي ويسعى بالفسادِ.
وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «لا يَدخُلُ الجَنَّة نَمَّامٌ» .
والعتل: الذي يعتل الناس، أي: يحملهم، ويجرهم إلى ما يكرهون من حبس وضربٍ ومنه: ﴿خُذُوهُ فاعتلوه﴾ [الدخان: 47] .
وقيل: العتل: الشديد الخصومة.
وقال أبو عبيدة: هو الفاحش اللئيم.
وأنشد:
4813 - بِعُتُلٍّ مِنَ الرِّجالِ زَنِيمٍ ... غيْرِ ذِي نَجْدةٍ وغَيْرِ كَريمِ
وقيل: الغليظ الجافي.
ويقال: عَتَلْتُه وعَتنتُهُ باللام والنون. نقله يعقوب.
وقيل: العتل: الجافي الشديد في كفره.
وقال الكلبيُّ والفراء: هو الشديد الخصومة بالباطل.
قال الجوهري: ويقال: عَتَلْتُ الرجل أعْتِلُهُ وأعْتُلُهُ إذا جذبته جذباً عنيفاً. ورجل مِعْتَل - بالكسر -، والعَتَل أيضاً: الرمح الغليظ، ورجل عَتِلٌ - بالكسر - بين العتل، أي سريع إلى الشَّر ويقال: لا أنعتل معك، أي: لا أبرح مكاني.
وقال عبيد بن عمير: العتل: الأكول الشروب القوي الشديد يوضع في الميزان فلا يزن شعيرة، يدفع الملك من أولئك في جهنم بالدفعة الواحدة سبعين ألفاً.
والزنيم: الدعي بنسب إلى قوم ليس منهم.
قال حسانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الطويل]
4814 - أ - زَنِيمٌ تَداعَاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ... كَمَا زيدَ في عَرْضِ الأديمِ الأكَارعُ
وقال أيضاً: [الوافر]
4814 - ب - زَنِيمُ ليسَ يُعْرَفُ مَنْ أبُوهُ ... بَغِيُّ الأمِّ ذُو حسب لَئِيمُ
وقال أيضاً: [الطويل]
4815 - وأنْتَ زَنِيمٌ نيطَ في آلِ هَاشمٍ ... كَمَا نِيطَ خَلْفَ الرَّاكبِ القَدَحُ الفَرْد
وأصله: من الزنمةِ، وهي ما بقي من جلد الماعز معلقاً في حلقها يترك عند القطع، فاستعير للدعي، لأنه كالمعلق بما ليس منه.
فصل فيمن هو الحلاف المهين
تقدم القول في «الحلاف المَهين» ، عن الشعبي والسديِّ وابن إسحاقَ: أنه الأخنس بن شريق، وعلى قول غيرهم: أنه الأسود بن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود، أو الوليد بن المغيرة، أو أبو جهل بن هشام، وتقدم تفسير «الهَمَّاز والمشَّاء بنميمٍ» .
وأما قوله «منَّاعٍ للخَيْرِ» أي: للمال أن ينفق في وجوهه.
وقال ابن عباس: يمنع عن الإسلام ولده وعشيرته.
قيل: كان للوليد بن المغيرة عشرةٌ من الولد، وكان يقول لهم ولأقاربه: من تبع منكم محمداً منعته رفدي.
وقال الحسنُ: يقول لهم: من دخل منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء أبداً.
وقوله «مُعْتَدٍ» أي: على الناس في الظلم، متجاوز للحد، صاحب باطل، وقوله « أثيمٍ» أي: ذا إثمٍ، ومعناه «أثُوم» ، فهو «فعيل» بمعنى «فَعُول» .
قال البغوي: «أثيم فاجر» . وأما العتل فتقدم الكلام عليه في اللغة.
وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «ألاْ أخْبرُكمْ بأهْلِ الجنَّةِ؟ قالوا: بَلَى، قال: كُلُّ ضعيفٍ مُتضعَّفٍّ، لَوْ أقسمَ على اللَّهِ لأبرَّهُ، ألا أخْبركُمْ بأَهْلِ النَّارِ؟ قالوا: بَلَى، قال: كُل عُتُلٍّ جواظٍ مستكبرٍ»
وفي رواية: «كُلُّ جوَّاظٍ زَنيمٍ مُستَكْبرٍ» .
«الجوَّاظ» الجموع المنوع.
وقيل: الكثير اللحم، المختال في مشيته.
وقيل: القصير البطين.
وذكر الماورديُّ عن ابن مسعود أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لا يَدخُل الجنَّة جوَّاظ ولا جَعْظَرِي ولا العُتلُ الزَّنِيمُ» .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الجوَّاظ: الذي جمع ومنع، والجعظري: الفظ الغليظ المتكبر» .
قال ابن الأثير: «وقيل: هو الذي ينتفخ بما ليس عنده، وفيه قصر» .
قال القرطبيُّ: وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «الشَّدِيدُ الخُلقِ، الرَّحيبُ الجوْفِ، المصحُّ الأكولُ، الشَّروبُ، الواجدُ للطعامِ، الظَّلُومُ للنَّاسِ» .
وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ قال: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «تَبْكِي السَّماءُ على رجُلٍ أصحَّ اللَّهُ جِسْمهَ ورحَبَ جوفه، وأعطاهُ من الدُّنْيَا بعضاً، فكانَ للنَّاسِ ظلُوماً، فذلك العُتُلَّ الزَّنِيمُ» .
وقوله «بَعْدَ ذلِكَ» أي مع ذلك، يريد ما وصفناه به «زنيم» وتقدم معنى الزنيم. وعن ابن عباس: أنه رجل من قريش كانت له زنمة كزنمة الشاة.
وروى عنه ابن جبير: أنه الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها.
وقال عكرمة: هو الذي يعرف بلؤمه، كما تعرف الشاة بزنمتها.
وقيل: إنه الذي يعرف بالأبنة، وهو مروي عن ابن عباس، وعنه: إنه الظلوم.
وقال مجاهدٌ: «زَنِيمٍ» كانت له ستة أصابع في يده في كل إبهام له أصبع زائدة.
وعنه أيضاً وسعيد بن المسيب وعكرمة: هو ولد الزنا الملحق في النسب بالقوم.
وكان الوليد دعياً في قريش ليس من سنخهم، ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة من مولده.
قال الشاعر: [الوافر]
4816 - زَنِيمٌ ليْسَ يُعرفُ من أبُوهُ ... بَغِيُّ الأمِّ ذُو حسبٍ لَئِيم
قيل: بغتْ أمه ولم يعرف حتى نزلت الآية، وهذا لأن الغالب أن المنطقة إذا خبثت خبث الولدُ، كا روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لا يَدْخلُ الجنَّة ولدُ زِنَا، ولا ولَدُ وَلدِهِ» .
وقال عبد الله بن عمر: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إنَّ أوْلادَ الزِّنَا يُحشَرُونَ يومَ القِيامةِ في صُورةِ القِرَدةِ والخَنازِيرِ» .
وقالت ميمونة: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «لا تَزالُ أمَّتِي بخيْرٍ، مَا لَمْ يَفْشُ فِيهِمْ ولدُ الزِّنَا، فإذا فَشَى فيهِمْ ولدُ الزِّنَا أوشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بعذابٍ» .
وقال عكرمة: إذا كثر ولد الزنا قحط المطر.
قال القرطبي: ومعظم المفسرين على أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وكان يطعم أهل منى حيساً ثلاثة أيام، وينادي ألا لا يوقدن أحدكم تحت بُرمةٍ، ألا لا يدخلن أحد بكُراع، ألا ومن أراد الحيس فليأت الوليد بن المغيرة، وكان ينفق في الحجة الواحدة عشرين ألفاً، أو أكثر، ولا يعطي المسكين درهماً واحداً؛ فقيل: «منَّاعٍ للخَيرِ» ، وفيه نزل:
﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكاة﴾ [فصلت: 6، 7] .
وقال محمد بن إسحاق: نزلت في الأخنس بن شريق؛ لأنه حليف ملحق في بني زهرة، فلذلك سمي زنيماً. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: في هذه الآية نُعت، فلم يعرف، حتى قتل زنيم فعرف، وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها.
قال ابن قتيبة: لا نعلم أن الله وصف أحداً، ولا ذكر من عيوبه ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة وألحق به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة.
فصل
قرأ الحسن: «عُتُلٌّ» بالرفع، أي هو عتل.
وحقه أن يقرأ ما بعده بالرفع أيضاً، لأنهم قالوا في القطع: إنه يبدأ بالإتباع، ثم بالقطع من غير عكس، وقوله: «بَعْدَ ذلِكَ» أي: بعدما وصفناه به.
قال ابن عطية: فهذا الترتيب إنما هو في قول الواصفِ لا في حصول تلك الصفات في الموصوف، وإلا فكونه عتلاًّ هو قبل كونه صاحب خير يمنعه.
وقال الزمخشريُّ: «بَعْدَ ذَلِكَ» أي: بعدما عد له من المثالب، والنقائصِ، ثم قال: جعل جفاءه ودعوته أشد معايبه، لأنه إذا غلظ وجفا طبعه قسا قلبُه واجترأ على كل معصية.
ونظير قوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين﴾ [البلد: 17] .
قوله: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ .
العامة: على فتح همزة «أن» ثم اختلفوا بعد، فقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر وأضاف القرطبي معهم أبا جعفر وأبا حيوة والمغيرة والأعرج: بالاستفهام.
وباقي السبعة بالخبر.
والقارئون بالاستفهام على أصولهم من تحقيق، وتسهيل، وإدخال ألف بين الهمزتين وعدمه، ولا بد من بيان ذلك فنقول: قرأ حمزة وأبو بكر وذكر القرطبي معهم المفضل: بتحقيق الهمزتين، وعدم إدخال ألف بينهما، وهذا هو أصلهما.
وقرأ ابن ذكوان: بتسهيل الثانية، وعدم إدخال ألف.
وهشام بالتسهيل المذكور إلا أنه أدخل ألفاً بينهما.
فقد خالف كل منهما أصله، أما ابن ذكوان فإنه يحقق الهمزتين فقد سهل الثانية هنا، وأما هشام فإن أصله أن يجري في الثانية من هذا النحو وجهين من التحقيق كرفيقه، والتسهيل وقد التزم التسهيل هنا، وأما إدخال الألف فإنه فيه على أصله، كما تقدم أول البقرة.
وقرأ نافع في رواية اليزيدي عنه: «إن» بكسر الهمزة على الشرط.
فأما قراءة «أنْ» - بالفتح - على الخبر، ففيه أربعة أوجه:
أحدها: أنها «أن» المصدرية في موضع المفعول به مجرورة بلام مقدرة، واللام متعلقة بفعل النهي، أي: ولا تطع من هذه صفاته، لأن كان متمولاً وصاحب بنين.
الثاني: أنها متعلقة ب «عُتُل» وإن كان قد وصف.
قاله الفارسي.
وهذا لا يجوز عند البصريين، وكأن الفارسي اغتفره في الجار.
الثالث: أن يتعلق ب «زَنِيمٍ» ، ولا سيما عند من يفسره بقبيح الأفعال.
الرابع: أن يتعلق بمحذوف يدل عليه ما بعده من الجملة الشرطية تقديره لكونه متمولاً، مستظهراً بالبنين كذب بآياتنا، قاله الزمخشريُّ.
قال: ولا يعمل فيه، قال: الذي هو جواب «إذا» لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، ولكن ما دلت عليه الجملةُ من معنى التكذيب.
وقال مكيٌّ، وتبعه أبو البقاء: «لا يجوز أن يكون العامل» تُتْلَى «لأن ما بعد» إذَا «لا يعمل فيما قبلها، لأن» إذَا «تضاف إلى الجمل، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف» انتهى.
وهذا يوهم أن المانع من ذلك ما ذكره فقط، والمانع أمرٌ معنوي، حتى لو فقد هذا المانع الذي ذكره لامتنع من جهة المعنى، وهو لا يصلح أن يعلل تلاوة آياتِ اللَّهِ عليه بكونه ذا مالٍ وبنين.
وأما قراءة «آنْ كان» على الاستفهام، ففيها وجهان:
أحدهما: أن يتعلق بمقدر يدل عليه ما قبله، أي: أتطيعه لأن كان، أو الكون طواعية لأن كان.
والثاني: أن يتعلق بمقدر يدل عليه ما بعده، أي: لأن كان كذب وجحد.
وأما قراءة «إنْ كَانَ» - بالكسر - فعلى الشرط، وجوابه مقدر، تقديره: إن كان كذا يكفر ويجحد، دل عليه ما بعده.
وقال الزمخشريُّ: والشرط للمخاطب، أي: لا تطع كل حلاف شارطاً يساره، لأنه إن أطاع الكافر لغنائه فكأنه اشترط في الطاعة الغنى، ونحو صرف الشرط للمخاطب صرف الترجي إليه في قوله ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى﴾ [طه: 44] .
وجعله أبو حيَّان من دخول شرط على شرط، يعني «إن، وإذا» إلا أنه قال: ليسا من الشروط المترتبة الوقوع. وجعل نظير ذلك قول ابن دُريْدٍ: [الرجز]
4817 - فإن عَثَرتُ بعْدها إنْ وألَتْ ... نَفْسِيَ مِنْ هَاتَا فَقُولاَ لاَ لَعَا
قال: «لأن الحامل على تدبر آياتِ اللَّهِ كونه ذا مالِ وبنينَ، وهو مشغول القلب بذلك غافل عن النظر قد استولت عليه الدُّنيا وأنظرته» .
وقرأ الحسن بن أبزى: بالاستفهام، وهو استفهام تقريعٍ وتوبيخٍ، على قوله حين تليت عليه آيات الله: ﴿أَسَاطِيرُ الأولين﴾ .
فصل في توجيه قراءة الآية
قال القرطبيُّ: فمن قرأ بهمزة مُطوَّلةٍ، أو بهمزتين محققتين، فهو استفهام والمراد به التوبيخ، ويحسن له أن يقف على «زَنِيمٍ» ، ويبتدىء «أنْ كَانَ» على معنى: لأن كان ذا مال وبنين تطيعه، ويجوز أن يكون التقدير: لأن كان ذا مال وبنين يكفر ويستكبر، ودل عليه ما تقدم من الكلامِ، فصار كالمذكور بعد الاستفهام، ومن قرأ «أن كَانَ» بغير استفهام، فهو مفعول من أجله، والعامل فيه فعل مضمر والتقدير: يكفر لأن كان ذا مال وبنين، ودل على هذا الفعل: ﴿إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ ولا يعمل في «أن» : «تُتْلَى» ولا «قَالَ» ، لأن ما بعد «إذَا» لا يعمل فيما قبلها؛ لأن «إذَا» تضاف إلى الجمل التي بعدها، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف و «قال» جواب الجزاء، ولا يعمل فيما قبل الجزاء، إذ حكم العامل أن يكون قبل المعمول فيه، وحكم الجواب أن يكون بعد الشرط، فيكون مقدماً مؤخراً في حالة واحدةٍ، ويجوز أن يكون المعنى: لا تطعه لأن كان ذا يسار وعدد.
قال ابن الأنباريُّ: ومن قرأ بلا استفهام لم يحسن أن يقف على «زَنيمٍ» لأن المعنى: لأن كان ذا مالٍ كان، ف «أنْ» متعلقة بما قبلها.
وقال غيره: يجوز أن يتعلق بقوله «مشَّاءٍ بنمِيمٍ» ، والتقدير: يمشي بنميم، لأن كان ذا مال وبنين، وأجاز أبو علي أن يتعلق ب «عُتُلٍّ» ومعنى «أسَاطيرُ الأوَّليْنَ» أباطيلهم، وتُرهاتُهُم.
قوله: «سَنَسِمُهُ» . أي: نجعل له سمة، أي: علامة يعرف بها.
قال جرير: [الكامل]
4818 - لمَّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي ... وعَلَى البَعيثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ
والخرطوم: الأنف، وهو هنا عبارة عن الوجه كله من التعبير عن الكل بالجزء؛ لأنه أظهر ما فيه وأعلاه، والخرطوم أيضاً: الخمر، وكأنه استعاره لها لأن الشنتمري قال: هي الخمر أول ما يخرج من الدَّن؛ فجعلت كالأنف لأنه أول ما يبدو من الوجه فليست الخرطومُ الوجه مطلقاً، ومن مجيء الخرطوم بمعنى الخمر، قول علقمة بن عبدة: [البسيط]
4819 - قَدْ أشْهَدَ الشَّرْبَ فِيهِمْ مِزْهَرٌ رَنِمٌ ... والقَوْمُ تَصْرعُهُمْ صَهْبَاءُ خرْطُومُ
وأنشد نضر بن شميل: [البسيط]
4820 - تَظَلُّ يَومَكَ في لَهْوٍ وفِي طَرَبٍ ... وأنْتَ باللَّيْلِ شَرَّابُ الخَراطِيمِ
فصل في تفسير «سنسمه»
قال ابن عباس: «سَنَسِمُهُ» سنحطمه بالسَّيفِ، قال: وقد حطم الذي نزلت فيه يوم بدرِ بالسيف، فلم يزل محطوماً إلى أن مات.
وقال قتادةُ: سنسمهُ يوم القيامة على أنفه سِمَةً يعرفُ بها، يقال: وسمه وسماً وسمة إذا أثرت فيه بسمة وكيّ.
قال الضحاك: سنكويه على وجهه، وقد قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] فهي علامة ظاهرة، وقال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: 102] وهذه علامة أخرى ظاهرة. وأفادت هذه الآية علامة ثالثة، وهي الوسم على الأنف بالنار، وهذا كقوله: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: 41] .
قاله الكلبي وغيره وقال أبو العالية ومجاهدٌ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم﴾ أي على أنفه، ويسودُّ وجهه في الآخرة، فعرف بسواد وجهه.
قال القرطبيُّ: «والخرطوم: الأنف من الإنسان، ومن السباع موضع الشفة، وخراطيم القوم: سادتهم» .
قال الفراء: وإن كان الخرطومُ قد خُصَّ بالسِّمة فإنَّهُ في الوجه لأن بعض الشيء يعبر به عن الكل.
وقال الطبريُّ: نبين أمره تبياناً واضحاً، فلا يخفى عليهم كما لا تخفى السِّمةُ على الخراطيم.
وقال: المعنى: سنلحق به عاراً وسبة حتى يكون كمن وسم على أنفه.
قال القتيبي: تقول العرب للرجل يُسَبُّ سبة سوءٍ قبيحة باقية قد وسم ميسم سوء، أي: ألصق به عار لا يفارقه، كما أن السمة لا يمحى أثرها.
وهذا كلهُ نزل في الوليد بن المغيرة، ولا شك أنَّ المبالغة العظيمة في ذمه بقيت على وجه الأرض الدهر، ولا يعلم أن اللَّه تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغ منه، فألحق به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة كالوسم على الخرطوم.
وقيل: ما ابتلاه اللَّهُ به في الدنيا في نفسه؛ وأهله وماله من سوء، وذل وصغار، قاله ابن بحر.
وقال النضر بن شميل: المعنى سنحده على شرب الخمر، والخرطوم: الخمر، وجمعه: خراطيم، وأنشد البيت المتقدم.
قال ابن الخطيب: «وهذا تعسفٌ» .
القلم 68:13
قوله: ﴿فَلاَ تُطِعِ المكذبين﴾ نهاه عن ممايلة المشركين وكانوا يدعونه إلى أن يكف عنهم ليكفوا عنه، فبين الله تعالى أن ممايلتهم كفر، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 74] وقيل: فلا تطع المكذبين فيما دعوك إليه من دينهم الخبيث، نزلت في مشركي قريش حين دعوه إلى دين آبائه.
قوله: ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ .
المشهور في قراءة الناس ومصاحفهم: «فَيُدهِنُونَ» بثبوت نون الرفع وفيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على «تُدهِنُ» فيكون داخلاً في حيز «لَوْ» .
والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: فهم يدهنون.
وقال الزمخشريُّ: «فإن قلت: لم رفع» فَيُدْهنُونَ «ولم ينصب بإضمار» أن «وهو جواب التمني؟ .
قلت: قد عدل به إلى طريق آخر وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف، أي فهم يدهنون، كقوله: ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾ [الجن: 13] على معنى ودوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذ، أو ودوا إدهانك، فهم الآن يدهنون لطمعهم في إدهانك قال سيبويه: وزعم هارون أنها في بعض المصاحف: ودُّوا لو تُدهِنُ فيُدْهِنُوا» انتهى.
وفي نصبه على ما وجد في بعض المصاحف وجهان:
أحدهما: أنه عطف على التوهم، كأنه توهم أن نطق ب «أنْ» فنصب الفعل على هذا التوهم وهذا إنما يجيء على القول بمصدرية «لَوْ» ، وفيه خلاف تقدم تحقيقه في «البقرة» .
والثاني: أنه نُصِبَ على جواب التمني المفهوم من «ودّ» .
والظاهر أن «لَوْ» حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وأن جوابها محذوف ومفعول الودادة أيضاً محذوف، تقديره: ودوا إدهانك، فحذف إدهانك، لدلالة «لَو» وما بعدها عليه وتقدير الجواب: لسروا بذلك.
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس وعطية والضحاك والسديُّ: ودوا لو تكفر فيتمادون على كفرهم، وعن ابن عباس أيضاً: ودوا لو ترخص لهم فيرخصون لك.
وقال الفراء والكلبي: لو تلين فيلينون لك. والإدهان: التليين لمن لا ينبغي له التليين. قاله الفراء والليث.
وقال مجاهدٌ: ودوا لو ركنت إليهم وتركت الحق فيمالئونك.
وقال الربيع بن أنس: ودوا لو تكذب، فيكذبون.
وقال قتادة: ودوا لو تذهب عن هذا الأمر فيذهبوا.
وقال الحسنُ: ودوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك في دينهم، وعنه أيضاً: ودوا لو ترفض بعض أمرك فيرفضون بعض أمرهم.
وقال زيد بن أسلم: ودّوا لو تنافق وترائي، فينافقون ويراءون.
وقيل: ودُّوا لو تضعف فيضعفون. قاله أبو جعفر.
وقال القتيبي: ودوا لو تداهن في دينك فيداهنون في أديانهم، وعنه: طلبوا منه أن يعبد آلهتهم مدة ويعبدوا إلهه مدة.
وهذان القولان الأخيران هما المتقدمان في معنى ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [النساء: 89] ومعنى: لو تصانعهم وقال ابن العربي: ذكر المفسرون فيها نحو عشرة أقوالٍ، كلها دعاوى على اللغة والمعنى، وأمثلها قولهم «ودُّوا لو تكذبُ فيكذبون، ودوا لو تكفر فيكفرون» .
وقال القرطبيُّ: كلها إن شاء الله تعالى صحيحة على مقتضى اللغة والمعنى، فإن الإدهان اللين والمصانعة.
وقيل: المقاربة في الكلام والتليين في القول، وقال المفضل: النفاق وترك المناصحةِ، فهي على هذا الوجه مذمومة، وعلى الوجه الأول غير مذمومة وكل شيء منها لم يكن.
وقال المبردُ: أدهن في دينه، وداهن في أمره أي: خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر.
وقال قوم: داهنت بمعنى واريت، وأدهنت بمعنى غششت، قاله الجوهري، وقوله « فيُدْهِنُونَ» ساقه على العطف، ولو جاء به جواباً للنهي لقال: «فيُدْهِنُوا» ، وإنما أراد أنهم تمنوا لو فعلت فيفعلون مثل فعلك عطفاً لا جزاء عليه ولا مكافأة، وإنما هو تمثيل وتنظير.
قوله: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾ .
قال السديُّ والشعبي وابن إسحاق: يعني الأخنس بن شريق.
وقال مجاهدٌ: يعني الأسود بن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود.
وقال مقاتل: يعني الوليد بن المغيرة عرض على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مالاً، وحلف أنه يعطيه إن رجع عن دينه.
وقال ابن عباس: هو أبو جهل بن هشام.
والحلاف: الكثير الحلف. و «المَهين» قال مجاهد: هو الضعيف القلب.
وقال ابن عباس: هو الكذاب، والكذاب مهين.
وقال الحسن وقتادة: هو المكثار في الشر.
وقال الكلبي: المهين: الفاجر.
وقال عبد الله: هو الحقير.
وقال ابن بحر: هو الذليل.
وقال الرماني: هو الوضيع لإكثاره من القبيح.
وهو «فعيل» من المهانة بمعنى القلة، وهي هنا القلة في الرأي والتمييز، أو هو «فعيل» بمعنى «مُفْعَل» والمعنى «مُهَان» .
قوله ﴿هَمَّازٍ﴾ ، الهماز: مثال مبالغة من الهمز، وهو في اللغة الضرب طعناً باليد والعصا، واستعير للمغتاب الذي يغتاب الناس كأنه يضربهم بإيذائه.
قال ابن زيد: الهمَّاز: الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمّاز: باللسان.
وقيل الهمَّاز الذي يذكر الناس في وجوههم، واللمَّازُ: الذي يذكرهم في مغيبهم.
وقال مقاتل بالعكس، وقال مرة: هما سواء، ونحوه عن ابن عباس وقتادة.
قال الشاعر: [البسيط]
4811 - تُدْلِي بودٍّ إذَا لاقَيْتنِي كَذِباً ... وإنْ تغَيَّبْتُ كُنْتَ الهَامِزَ اللُّمَزَهْ
والنميم: قيل: هو مصدر النميمة.
وقيل: هو جمعها أي اسم جنس ك «تمرةٍ وتمرٍ» ، وهو نقل الكلام الذي يسوء سامعه، ويحرش بين الناس.
وقال الزمخشري: والنميم والنميمة: السعاية، وأنشدني بعض العرب: [الرجز]
4812 - تَشَبَّبِي تَشَبُّبَ النَّميمهْ ... تَمْشِي بِهَا زَهْراً إلى تَمِيْمَه
والمشاء: مثال مبالغة من المشي، أي: يكثر السعاية بين الناس ليفسد بينهم، يقال: نَمَّ يَنِمُّ نميماً ونَمِيمَة، أي: يمشي ويسعى بالفسادِ.
وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «لا يَدخُلُ الجَنَّة نَمَّامٌ» .
والعتل: الذي يعتل الناس، أي: يحملهم، ويجرهم إلى ما يكرهون من حبس وضربٍ ومنه: ﴿خُذُوهُ فاعتلوه﴾ [الدخان: 47] .
وقيل: العتل: الشديد الخصومة.
وقال أبو عبيدة: هو الفاحش اللئيم.
وأنشد:
4813 - بِعُتُلٍّ مِنَ الرِّجالِ زَنِيمٍ ... غيْرِ ذِي نَجْدةٍ وغَيْرِ كَريمِ
وقيل: الغليظ الجافي.
ويقال: عَتَلْتُه وعَتنتُهُ باللام والنون. نقله يعقوب.
وقيل: العتل: الجافي الشديد في كفره.
وقال الكلبيُّ والفراء: هو الشديد الخصومة بالباطل.
قال الجوهري: ويقال: عَتَلْتُ الرجل أعْتِلُهُ وأعْتُلُهُ إذا جذبته جذباً عنيفاً. ورجل مِعْتَل - بالكسر -، والعَتَل أيضاً: الرمح الغليظ، ورجل عَتِلٌ - بالكسر - بين العتل، أي سريع إلى الشَّر ويقال: لا أنعتل معك، أي: لا أبرح مكاني.
وقال عبيد بن عمير: العتل: الأكول الشروب القوي الشديد يوضع في الميزان فلا يزن شعيرة، يدفع الملك من أولئك في جهنم بالدفعة الواحدة سبعين ألفاً.
والزنيم: الدعي بنسب إلى قوم ليس منهم.
قال حسانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الطويل]
4814 - أ - زَنِيمٌ تَداعَاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ... كَمَا زيدَ في عَرْضِ الأديمِ الأكَارعُ
وقال أيضاً: [الوافر]
4814 - ب - زَنِيمُ ليسَ يُعْرَفُ مَنْ أبُوهُ ... بَغِيُّ الأمِّ ذُو حسب لَئِيمُ
وقال أيضاً: [الطويل]
4815 - وأنْتَ زَنِيمٌ نيطَ في آلِ هَاشمٍ ... كَمَا نِيطَ خَلْفَ الرَّاكبِ القَدَحُ الفَرْد
وأصله: من الزنمةِ، وهي ما بقي من جلد الماعز معلقاً في حلقها يترك عند القطع، فاستعير للدعي، لأنه كالمعلق بما ليس منه.
فصل فيمن هو الحلاف المهين
تقدم القول في «الحلاف المَهين» ، عن الشعبي والسديِّ وابن إسحاقَ: أنه الأخنس بن شريق، وعلى قول غيرهم: أنه الأسود بن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود، أو الوليد بن المغيرة، أو أبو جهل بن هشام، وتقدم تفسير «الهَمَّاز والمشَّاء بنميمٍ» .
وأما قوله «منَّاعٍ للخَيْرِ» أي: للمال أن ينفق في وجوهه.
وقال ابن عباس: يمنع عن الإسلام ولده وعشيرته.
قيل: كان للوليد بن المغيرة عشرةٌ من الولد، وكان يقول لهم ولأقاربه: من تبع منكم محمداً منعته رفدي.
وقال الحسنُ: يقول لهم: من دخل منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء أبداً.
وقوله «مُعْتَدٍ» أي: على الناس في الظلم، متجاوز للحد، صاحب باطل، وقوله « أثيمٍ» أي: ذا إثمٍ، ومعناه «أثُوم» ، فهو «فعيل» بمعنى «فَعُول» .
قال البغوي: «أثيم فاجر» . وأما العتل فتقدم الكلام عليه في اللغة.
وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «ألاْ أخْبرُكمْ بأهْلِ الجنَّةِ؟ قالوا: بَلَى، قال: كُلُّ ضعيفٍ مُتضعَّفٍّ، لَوْ أقسمَ على اللَّهِ لأبرَّهُ، ألا أخْبركُمْ بأَهْلِ النَّارِ؟ قالوا: بَلَى، قال: كُل عُتُلٍّ جواظٍ مستكبرٍ»
وفي رواية: «كُلُّ جوَّاظٍ زَنيمٍ مُستَكْبرٍ» .
«الجوَّاظ» الجموع المنوع.
وقيل: الكثير اللحم، المختال في مشيته.
وقيل: القصير البطين.
وذكر الماورديُّ عن ابن مسعود أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لا يَدخُل الجنَّة جوَّاظ ولا جَعْظَرِي ولا العُتلُ الزَّنِيمُ» .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الجوَّاظ: الذي جمع ومنع، والجعظري: الفظ الغليظ المتكبر» .
قال ابن الأثير: «وقيل: هو الذي ينتفخ بما ليس عنده، وفيه قصر» .
قال القرطبيُّ: وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «الشَّدِيدُ الخُلقِ، الرَّحيبُ الجوْفِ، المصحُّ الأكولُ، الشَّروبُ، الواجدُ للطعامِ، الظَّلُومُ للنَّاسِ» .
وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ قال: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «تَبْكِي السَّماءُ على رجُلٍ أصحَّ اللَّهُ جِسْمهَ ورحَبَ جوفه، وأعطاهُ من الدُّنْيَا بعضاً، فكانَ للنَّاسِ ظلُوماً، فذلك العُتُلَّ الزَّنِيمُ» .
وقوله «بَعْدَ ذلِكَ» أي مع ذلك، يريد ما وصفناه به «زنيم» وتقدم معنى الزنيم. وعن ابن عباس: أنه رجل من قريش كانت له زنمة كزنمة الشاة.
وروى عنه ابن جبير: أنه الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها.
وقال عكرمة: هو الذي يعرف بلؤمه، كما تعرف الشاة بزنمتها.
وقيل: إنه الذي يعرف بالأبنة، وهو مروي عن ابن عباس، وعنه: إنه الظلوم.
وقال مجاهدٌ: «زَنِيمٍ» كانت له ستة أصابع في يده في كل إبهام له أصبع زائدة.
وعنه أيضاً وسعيد بن المسيب وعكرمة: هو ولد الزنا الملحق في النسب بالقوم.
وكان الوليد دعياً في قريش ليس من سنخهم، ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة من مولده.
قال الشاعر: [الوافر]
4816 - زَنِيمٌ ليْسَ يُعرفُ من أبُوهُ ... بَغِيُّ الأمِّ ذُو حسبٍ لَئِيم
قيل: بغتْ أمه ولم يعرف حتى نزلت الآية، وهذا لأن الغالب أن المنطقة إذا خبثت خبث الولدُ، كا روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لا يَدْخلُ الجنَّة ولدُ زِنَا، ولا ولَدُ وَلدِهِ» .
وقال عبد الله بن عمر: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إنَّ أوْلادَ الزِّنَا يُحشَرُونَ يومَ القِيامةِ في صُورةِ القِرَدةِ والخَنازِيرِ» .
وقالت ميمونة: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «لا تَزالُ أمَّتِي بخيْرٍ، مَا لَمْ يَفْشُ فِيهِمْ ولدُ الزِّنَا، فإذا فَشَى فيهِمْ ولدُ الزِّنَا أوشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بعذابٍ» .
وقال عكرمة: إذا كثر ولد الزنا قحط المطر.
قال القرطبي: ومعظم المفسرين على أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وكان يطعم أهل منى حيساً ثلاثة أيام، وينادي ألا لا يوقدن أحدكم تحت بُرمةٍ، ألا لا يدخلن أحد بكُراع، ألا ومن أراد الحيس فليأت الوليد بن المغيرة، وكان ينفق في الحجة الواحدة عشرين ألفاً، أو أكثر، ولا يعطي المسكين درهماً واحداً؛ فقيل: «منَّاعٍ للخَيرِ» ، وفيه نزل:
﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكاة﴾ [فصلت: 6، 7] .
وقال محمد بن إسحاق: نزلت في الأخنس بن شريق؛ لأنه حليف ملحق في بني زهرة، فلذلك سمي زنيماً. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: في هذه الآية نُعت، فلم يعرف، حتى قتل زنيم فعرف، وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها.
قال ابن قتيبة: لا نعلم أن الله وصف أحداً، ولا ذكر من عيوبه ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة وألحق به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة.
فصل
قرأ الحسن: «عُتُلٌّ» بالرفع، أي هو عتل.
وحقه أن يقرأ ما بعده بالرفع أيضاً، لأنهم قالوا في القطع: إنه يبدأ بالإتباع، ثم بالقطع من غير عكس، وقوله: «بَعْدَ ذلِكَ» أي: بعدما وصفناه به.
قال ابن عطية: فهذا الترتيب إنما هو في قول الواصفِ لا في حصول تلك الصفات في الموصوف، وإلا فكونه عتلاًّ هو قبل كونه صاحب خير يمنعه.
وقال الزمخشريُّ: «بَعْدَ ذَلِكَ» أي: بعدما عد له من المثالب، والنقائصِ، ثم قال: جعل جفاءه ودعوته أشد معايبه، لأنه إذا غلظ وجفا طبعه قسا قلبُه واجترأ على كل معصية.
ونظير قوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين﴾ [البلد: 17] .
قوله: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ .
العامة: على فتح همزة «أن» ثم اختلفوا بعد، فقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر وأضاف القرطبي معهم أبا جعفر وأبا حيوة والمغيرة والأعرج: بالاستفهام.
وباقي السبعة بالخبر.
والقارئون بالاستفهام على أصولهم من تحقيق، وتسهيل، وإدخال ألف بين الهمزتين وعدمه، ولا بد من بيان ذلك فنقول: قرأ حمزة وأبو بكر وذكر القرطبي معهم المفضل: بتحقيق الهمزتين، وعدم إدخال ألف بينهما، وهذا هو أصلهما.
وقرأ ابن ذكوان: بتسهيل الثانية، وعدم إدخال ألف.
وهشام بالتسهيل المذكور إلا أنه أدخل ألفاً بينهما.
فقد خالف كل منهما أصله، أما ابن ذكوان فإنه يحقق الهمزتين فقد سهل الثانية هنا، وأما هشام فإن أصله أن يجري في الثانية من هذا النحو وجهين من التحقيق كرفيقه، والتسهيل وقد التزم التسهيل هنا، وأما إدخال الألف فإنه فيه على أصله، كما تقدم أول البقرة.
وقرأ نافع في رواية اليزيدي عنه: «إن» بكسر الهمزة على الشرط.
فأما قراءة «أنْ» - بالفتح - على الخبر، ففيه أربعة أوجه:
أحدها: أنها «أن» المصدرية في موضع المفعول به مجرورة بلام مقدرة، واللام متعلقة بفعل النهي، أي: ولا تطع من هذه صفاته، لأن كان متمولاً وصاحب بنين.
الثاني: أنها متعلقة ب «عُتُل» وإن كان قد وصف.
قاله الفارسي.
وهذا لا يجوز عند البصريين، وكأن الفارسي اغتفره في الجار.
الثالث: أن يتعلق ب «زَنِيمٍ» ، ولا سيما عند من يفسره بقبيح الأفعال.
الرابع: أن يتعلق بمحذوف يدل عليه ما بعده من الجملة الشرطية تقديره لكونه متمولاً، مستظهراً بالبنين كذب بآياتنا، قاله الزمخشريُّ.
قال: ولا يعمل فيه، قال: الذي هو جواب «إذا» لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، ولكن ما دلت عليه الجملةُ من معنى التكذيب.
وقال مكيٌّ، وتبعه أبو البقاء: «لا يجوز أن يكون العامل» تُتْلَى «لأن ما بعد» إذَا «لا يعمل فيما قبلها، لأن» إذَا «تضاف إلى الجمل، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف» انتهى.
وهذا يوهم أن المانع من ذلك ما ذكره فقط، والمانع أمرٌ معنوي، حتى لو فقد هذا المانع الذي ذكره لامتنع من جهة المعنى، وهو لا يصلح أن يعلل تلاوة آياتِ اللَّهِ عليه بكونه ذا مالٍ وبنين.
وأما قراءة «آنْ كان» على الاستفهام، ففيها وجهان:
أحدهما: أن يتعلق بمقدر يدل عليه ما قبله، أي: أتطيعه لأن كان، أو الكون طواعية لأن كان.
والثاني: أن يتعلق بمقدر يدل عليه ما بعده، أي: لأن كان كذب وجحد.
وأما قراءة «إنْ كَانَ» - بالكسر - فعلى الشرط، وجوابه مقدر، تقديره: إن كان كذا يكفر ويجحد، دل عليه ما بعده.
وقال الزمخشريُّ: والشرط للمخاطب، أي: لا تطع كل حلاف شارطاً يساره، لأنه إن أطاع الكافر لغنائه فكأنه اشترط في الطاعة الغنى، ونحو صرف الشرط للمخاطب صرف الترجي إليه في قوله ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى﴾ [طه: 44] .
وجعله أبو حيَّان من دخول شرط على شرط، يعني «إن، وإذا» إلا أنه قال: ليسا من الشروط المترتبة الوقوع. وجعل نظير ذلك قول ابن دُريْدٍ: [الرجز]
4817 - فإن عَثَرتُ بعْدها إنْ وألَتْ ... نَفْسِيَ مِنْ هَاتَا فَقُولاَ لاَ لَعَا
قال: «لأن الحامل على تدبر آياتِ اللَّهِ كونه ذا مالِ وبنينَ، وهو مشغول القلب بذلك غافل عن النظر قد استولت عليه الدُّنيا وأنظرته» .
وقرأ الحسن بن أبزى: بالاستفهام، وهو استفهام تقريعٍ وتوبيخٍ، على قوله حين تليت عليه آيات الله: ﴿أَسَاطِيرُ الأولين﴾ .
فصل في توجيه قراءة الآية
قال القرطبيُّ: فمن قرأ بهمزة مُطوَّلةٍ، أو بهمزتين محققتين، فهو استفهام والمراد به التوبيخ، ويحسن له أن يقف على «زَنِيمٍ» ، ويبتدىء «أنْ كَانَ» على معنى: لأن كان ذا مال وبنين تطيعه، ويجوز أن يكون التقدير: لأن كان ذا مال وبنين يكفر ويستكبر، ودل عليه ما تقدم من الكلامِ، فصار كالمذكور بعد الاستفهام، ومن قرأ «أن كَانَ» بغير استفهام، فهو مفعول من أجله، والعامل فيه فعل مضمر والتقدير: يكفر لأن كان ذا مال وبنين، ودل على هذا الفعل: ﴿إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ ولا يعمل في «أن» : «تُتْلَى» ولا «قَالَ» ، لأن ما بعد «إذَا» لا يعمل فيما قبلها؛ لأن «إذَا» تضاف إلى الجمل التي بعدها، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف و «قال» جواب الجزاء، ولا يعمل فيما قبل الجزاء، إذ حكم العامل أن يكون قبل المعمول فيه، وحكم الجواب أن يكون بعد الشرط، فيكون مقدماً مؤخراً في حالة واحدةٍ، ويجوز أن يكون المعنى: لا تطعه لأن كان ذا يسار وعدد.
قال ابن الأنباريُّ: ومن قرأ بلا استفهام لم يحسن أن يقف على «زَنيمٍ» لأن المعنى: لأن كان ذا مالٍ كان، ف «أنْ» متعلقة بما قبلها.
وقال غيره: يجوز أن يتعلق بقوله «مشَّاءٍ بنمِيمٍ» ، والتقدير: يمشي بنميم، لأن كان ذا مال وبنين، وأجاز أبو علي أن يتعلق ب «عُتُلٍّ» ومعنى «أسَاطيرُ الأوَّليْنَ» أباطيلهم، وتُرهاتُهُم.
قوله: «سَنَسِمُهُ» . أي: نجعل له سمة، أي: علامة يعرف بها.
قال جرير: [الكامل]
4818 - لمَّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي ... وعَلَى البَعيثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ
والخرطوم: الأنف، وهو هنا عبارة عن الوجه كله من التعبير عن الكل بالجزء؛ لأنه أظهر ما فيه وأعلاه، والخرطوم أيضاً: الخمر، وكأنه استعاره لها لأن الشنتمري قال: هي الخمر أول ما يخرج من الدَّن؛ فجعلت كالأنف لأنه أول ما يبدو من الوجه فليست الخرطومُ الوجه مطلقاً، ومن مجيء الخرطوم بمعنى الخمر، قول علقمة بن عبدة: [البسيط]
4819 - قَدْ أشْهَدَ الشَّرْبَ فِيهِمْ مِزْهَرٌ رَنِمٌ ... والقَوْمُ تَصْرعُهُمْ صَهْبَاءُ خرْطُومُ
وأنشد نضر بن شميل: [البسيط]
4820 - تَظَلُّ يَومَكَ في لَهْوٍ وفِي طَرَبٍ ... وأنْتَ باللَّيْلِ شَرَّابُ الخَراطِيمِ
فصل في تفسير «سنسمه»
قال ابن عباس: «سَنَسِمُهُ» سنحطمه بالسَّيفِ، قال: وقد حطم الذي نزلت فيه يوم بدرِ بالسيف، فلم يزل محطوماً إلى أن مات.
وقال قتادةُ: سنسمهُ يوم القيامة على أنفه سِمَةً يعرفُ بها، يقال: وسمه وسماً وسمة إذا أثرت فيه بسمة وكيّ.
قال الضحاك: سنكويه على وجهه، وقد قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] فهي علامة ظاهرة، وقال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: 102] وهذه علامة أخرى ظاهرة. وأفادت هذه الآية علامة ثالثة، وهي الوسم على الأنف بالنار، وهذا كقوله: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: 41] .
قاله الكلبي وغيره وقال أبو العالية ومجاهدٌ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم﴾ أي على أنفه، ويسودُّ وجهه في الآخرة، فعرف بسواد وجهه.
قال القرطبيُّ: «والخرطوم: الأنف من الإنسان، ومن السباع موضع الشفة، وخراطيم القوم: سادتهم» .
قال الفراء: وإن كان الخرطومُ قد خُصَّ بالسِّمة فإنَّهُ في الوجه لأن بعض الشيء يعبر به عن الكل.
وقال الطبريُّ: نبين أمره تبياناً واضحاً، فلا يخفى عليهم كما لا تخفى السِّمةُ على الخراطيم.
وقال: المعنى: سنلحق به عاراً وسبة حتى يكون كمن وسم على أنفه.
قال القتيبي: تقول العرب للرجل يُسَبُّ سبة سوءٍ قبيحة باقية قد وسم ميسم سوء، أي: ألصق به عار لا يفارقه، كما أن السمة لا يمحى أثرها.
وهذا كلهُ نزل في الوليد بن المغيرة، ولا شك أنَّ المبالغة العظيمة في ذمه بقيت على وجه الأرض الدهر، ولا يعلم أن اللَّه تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغ منه، فألحق به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة كالوسم على الخرطوم.
وقيل: ما ابتلاه اللَّهُ به في الدنيا في نفسه؛ وأهله وماله من سوء، وذل وصغار، قاله ابن بحر.
وقال النضر بن شميل: المعنى سنحده على شرب الخمر، والخرطوم: الخمر، وجمعه: خراطيم، وأنشد البيت المتقدم.
قال ابن الخطيب: «وهذا تعسفٌ» .
القلم 68:14
قوله: ﴿فَلاَ تُطِعِ المكذبين﴾ نهاه عن ممايلة المشركين وكانوا يدعونه إلى أن يكف عنهم ليكفوا عنه، فبين الله تعالى أن ممايلتهم كفر، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 74] وقيل: فلا تطع المكذبين فيما دعوك إليه من دينهم الخبيث، نزلت في مشركي قريش حين دعوه إلى دين آبائه.
قوله: ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ .
المشهور في قراءة الناس ومصاحفهم: «فَيُدهِنُونَ» بثبوت نون الرفع وفيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على «تُدهِنُ» فيكون داخلاً في حيز «لَوْ» .
والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: فهم يدهنون.
وقال الزمخشريُّ: «فإن قلت: لم رفع» فَيُدْهنُونَ «ولم ينصب بإضمار» أن «وهو جواب التمني؟ .
قلت: قد عدل به إلى طريق آخر وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف، أي فهم يدهنون، كقوله: ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾ [الجن: 13] على معنى ودوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذ، أو ودوا إدهانك، فهم الآن يدهنون لطمعهم في إدهانك قال سيبويه: وزعم هارون أنها في بعض المصاحف: ودُّوا لو تُدهِنُ فيُدْهِنُوا» انتهى.
وفي نصبه على ما وجد في بعض المصاحف وجهان:
أحدهما: أنه عطف على التوهم، كأنه توهم أن نطق ب «أنْ» فنصب الفعل على هذا التوهم وهذا إنما يجيء على القول بمصدرية «لَوْ» ، وفيه خلاف تقدم تحقيقه في «البقرة» .
والثاني: أنه نُصِبَ على جواب التمني المفهوم من «ودّ» .
والظاهر أن «لَوْ» حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وأن جوابها محذوف ومفعول الودادة أيضاً محذوف، تقديره: ودوا إدهانك، فحذف إدهانك، لدلالة «لَو» وما بعدها عليه وتقدير الجواب: لسروا بذلك.
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس وعطية والضحاك والسديُّ: ودوا لو تكفر فيتمادون على كفرهم، وعن ابن عباس أيضاً: ودوا لو ترخص لهم فيرخصون لك.
وقال الفراء والكلبي: لو تلين فيلينون لك. والإدهان: التليين لمن لا ينبغي له التليين. قاله الفراء والليث.
وقال مجاهدٌ: ودوا لو ركنت إليهم وتركت الحق فيمالئونك.
وقال الربيع بن أنس: ودوا لو تكذب، فيكذبون.
وقال قتادة: ودوا لو تذهب عن هذا الأمر فيذهبوا.
وقال الحسنُ: ودوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك في دينهم، وعنه أيضاً: ودوا لو ترفض بعض أمرك فيرفضون بعض أمرهم.
وقال زيد بن أسلم: ودّوا لو تنافق وترائي، فينافقون ويراءون.
وقيل: ودُّوا لو تضعف فيضعفون. قاله أبو جعفر.
وقال القتيبي: ودوا لو تداهن في دينك فيداهنون في أديانهم، وعنه: طلبوا منه أن يعبد آلهتهم مدة ويعبدوا إلهه مدة.
وهذان القولان الأخيران هما المتقدمان في معنى ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [النساء: 89] ومعنى: لو تصانعهم وقال ابن العربي: ذكر المفسرون فيها نحو عشرة أقوالٍ، كلها دعاوى على اللغة والمعنى، وأمثلها قولهم «ودُّوا لو تكذبُ فيكذبون، ودوا لو تكفر فيكفرون» .
وقال القرطبيُّ: كلها إن شاء الله تعالى صحيحة على مقتضى اللغة والمعنى، فإن الإدهان اللين والمصانعة.
وقيل: المقاربة في الكلام والتليين في القول، وقال المفضل: النفاق وترك المناصحةِ، فهي على هذا الوجه مذمومة، وعلى الوجه الأول غير مذمومة وكل شيء منها لم يكن.
وقال المبردُ: أدهن في دينه، وداهن في أمره أي: خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر.
وقال قوم: داهنت بمعنى واريت، وأدهنت بمعنى غششت، قاله الجوهري، وقوله « فيُدْهِنُونَ» ساقه على العطف، ولو جاء به جواباً للنهي لقال: «فيُدْهِنُوا» ، وإنما أراد أنهم تمنوا لو فعلت فيفعلون مثل فعلك عطفاً لا جزاء عليه ولا مكافأة، وإنما هو تمثيل وتنظير.
قوله: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾ .
قال السديُّ والشعبي وابن إسحاق: يعني الأخنس بن شريق.
وقال مجاهدٌ: يعني الأسود بن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود.
وقال مقاتل: يعني الوليد بن المغيرة عرض على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مالاً، وحلف أنه يعطيه إن رجع عن دينه.
وقال ابن عباس: هو أبو جهل بن هشام.
والحلاف: الكثير الحلف. و «المَهين» قال مجاهد: هو الضعيف القلب.
وقال ابن عباس: هو الكذاب، والكذاب مهين.
وقال الحسن وقتادة: هو المكثار في الشر.
وقال الكلبي: المهين: الفاجر.
وقال عبد الله: هو الحقير.
وقال ابن بحر: هو الذليل.
وقال الرماني: هو الوضيع لإكثاره من القبيح.
وهو «فعيل» من المهانة بمعنى القلة، وهي هنا القلة في الرأي والتمييز، أو هو «فعيل» بمعنى «مُفْعَل» والمعنى «مُهَان» .
قوله ﴿هَمَّازٍ﴾ ، الهماز: مثال مبالغة من الهمز، وهو في اللغة الضرب طعناً باليد والعصا، واستعير للمغتاب الذي يغتاب الناس كأنه يضربهم بإيذائه.
قال ابن زيد: الهمَّاز: الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمّاز: باللسان.
وقيل الهمَّاز الذي يذكر الناس في وجوههم، واللمَّازُ: الذي يذكرهم في مغيبهم.
وقال مقاتل بالعكس، وقال مرة: هما سواء، ونحوه عن ابن عباس وقتادة.
قال الشاعر: [البسيط]
4811 - تُدْلِي بودٍّ إذَا لاقَيْتنِي كَذِباً ... وإنْ تغَيَّبْتُ كُنْتَ الهَامِزَ اللُّمَزَهْ
والنميم: قيل: هو مصدر النميمة.
وقيل: هو جمعها أي اسم جنس ك «تمرةٍ وتمرٍ» ، وهو نقل الكلام الذي يسوء سامعه، ويحرش بين الناس.
وقال الزمخشري: والنميم والنميمة: السعاية، وأنشدني بعض العرب: [الرجز]
4812 - تَشَبَّبِي تَشَبُّبَ النَّميمهْ ... تَمْشِي بِهَا زَهْراً إلى تَمِيْمَه
والمشاء: مثال مبالغة من المشي، أي: يكثر السعاية بين الناس ليفسد بينهم، يقال: نَمَّ يَنِمُّ نميماً ونَمِيمَة، أي: يمشي ويسعى بالفسادِ.
وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «لا يَدخُلُ الجَنَّة نَمَّامٌ» .
والعتل: الذي يعتل الناس، أي: يحملهم، ويجرهم إلى ما يكرهون من حبس وضربٍ ومنه: ﴿خُذُوهُ فاعتلوه﴾ [الدخان: 47] .
وقيل: العتل: الشديد الخصومة.
وقال أبو عبيدة: هو الفاحش اللئيم.
وأنشد:
4813 - بِعُتُلٍّ مِنَ الرِّجالِ زَنِيمٍ ... غيْرِ ذِي نَجْدةٍ وغَيْرِ كَريمِ
وقيل: الغليظ الجافي.
ويقال: عَتَلْتُه وعَتنتُهُ باللام والنون. نقله يعقوب.
وقيل: العتل: الجافي الشديد في كفره.
وقال الكلبيُّ والفراء: هو الشديد الخصومة بالباطل.
قال الجوهري: ويقال: عَتَلْتُ الرجل أعْتِلُهُ وأعْتُلُهُ إذا جذبته جذباً عنيفاً. ورجل مِعْتَل - بالكسر -، والعَتَل أيضاً: الرمح الغليظ، ورجل عَتِلٌ - بالكسر - بين العتل، أي سريع إلى الشَّر ويقال: لا أنعتل معك، أي: لا أبرح مكاني.
وقال عبيد بن عمير: العتل: الأكول الشروب القوي الشديد يوضع في الميزان فلا يزن شعيرة، يدفع الملك من أولئك في جهنم بالدفعة الواحدة سبعين ألفاً.
والزنيم: الدعي بنسب إلى قوم ليس منهم.
قال حسانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الطويل]
4814 - أ - زَنِيمٌ تَداعَاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ... كَمَا زيدَ في عَرْضِ الأديمِ الأكَارعُ
وقال أيضاً: [الوافر]
4814 - ب - زَنِيمُ ليسَ يُعْرَفُ مَنْ أبُوهُ ... بَغِيُّ الأمِّ ذُو حسب لَئِيمُ
وقال أيضاً: [الطويل]
4815 - وأنْتَ زَنِيمٌ نيطَ في آلِ هَاشمٍ ... كَمَا نِيطَ خَلْفَ الرَّاكبِ القَدَحُ الفَرْد
وأصله: من الزنمةِ، وهي ما بقي من جلد الماعز معلقاً في حلقها يترك عند القطع، فاستعير للدعي، لأنه كالمعلق بما ليس منه.
فصل فيمن هو الحلاف المهين
تقدم القول في «الحلاف المَهين» ، عن الشعبي والسديِّ وابن إسحاقَ: أنه الأخنس بن شريق، وعلى قول غيرهم: أنه الأسود بن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود، أو الوليد بن المغيرة، أو أبو جهل بن هشام، وتقدم تفسير «الهَمَّاز والمشَّاء بنميمٍ» .
وأما قوله «منَّاعٍ للخَيْرِ» أي: للمال أن ينفق في وجوهه.
وقال ابن عباس: يمنع عن الإسلام ولده وعشيرته.
قيل: كان للوليد بن المغيرة عشرةٌ من الولد، وكان يقول لهم ولأقاربه: من تبع منكم محمداً منعته رفدي.
وقال الحسنُ: يقول لهم: من دخل منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء أبداً.
وقوله «مُعْتَدٍ» أي: على الناس في الظلم، متجاوز للحد، صاحب باطل، وقوله « أثيمٍ» أي: ذا إثمٍ، ومعناه «أثُوم» ، فهو «فعيل» بمعنى «فَعُول» .
قال البغوي: «أثيم فاجر» . وأما العتل فتقدم الكلام عليه في اللغة.
وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «ألاْ أخْبرُكمْ بأهْلِ الجنَّةِ؟ قالوا: بَلَى، قال: كُلُّ ضعيفٍ مُتضعَّفٍّ، لَوْ أقسمَ على اللَّهِ لأبرَّهُ، ألا أخْبركُمْ بأَهْلِ النَّارِ؟ قالوا: بَلَى، قال: كُل عُتُلٍّ جواظٍ مستكبرٍ»
وفي رواية: «كُلُّ جوَّاظٍ زَنيمٍ مُستَكْبرٍ» .
«الجوَّاظ» الجموع المنوع.
وقيل: الكثير اللحم، المختال في مشيته.
وقيل: القصير البطين.
وذكر الماورديُّ عن ابن مسعود أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لا يَدخُل الجنَّة جوَّاظ ولا جَعْظَرِي ولا العُتلُ الزَّنِيمُ» .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الجوَّاظ: الذي جمع ومنع، والجعظري: الفظ الغليظ المتكبر» .
قال ابن الأثير: «وقيل: هو الذي ينتفخ بما ليس عنده، وفيه قصر» .
قال القرطبيُّ: وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «الشَّدِيدُ الخُلقِ، الرَّحيبُ الجوْفِ، المصحُّ الأكولُ، الشَّروبُ، الواجدُ للطعامِ، الظَّلُومُ للنَّاسِ» .
وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ قال: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «تَبْكِي السَّماءُ على رجُلٍ أصحَّ اللَّهُ جِسْمهَ ورحَبَ جوفه، وأعطاهُ من الدُّنْيَا بعضاً، فكانَ للنَّاسِ ظلُوماً، فذلك العُتُلَّ الزَّنِيمُ» .
وقوله «بَعْدَ ذلِكَ» أي مع ذلك، يريد ما وصفناه به «زنيم» وتقدم معنى الزنيم. وعن ابن عباس: أنه رجل من قريش كانت له زنمة كزنمة الشاة.
وروى عنه ابن جبير: أنه الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها.
وقال عكرمة: هو الذي يعرف بلؤمه، كما تعرف الشاة بزنمتها.
وقيل: إنه الذي يعرف بالأبنة، وهو مروي عن ابن عباس، وعنه: إنه الظلوم.
وقال مجاهدٌ: «زَنِيمٍ» كانت له ستة أصابع في يده في كل إبهام له أصبع زائدة.
وعنه أيضاً وسعيد بن المسيب وعكرمة: هو ولد الزنا الملحق في النسب بالقوم.
وكان الوليد دعياً في قريش ليس من سنخهم، ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة من مولده.
قال الشاعر: [الوافر]
4816 - زَنِيمٌ ليْسَ يُعرفُ من أبُوهُ ... بَغِيُّ الأمِّ ذُو حسبٍ لَئِيم
قيل: بغتْ أمه ولم يعرف حتى نزلت الآية، وهذا لأن الغالب أن المنطقة إذا خبثت خبث الولدُ، كا روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لا يَدْخلُ الجنَّة ولدُ زِنَا، ولا ولَدُ وَلدِهِ» .
وقال عبد الله بن عمر: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إنَّ أوْلادَ الزِّنَا يُحشَرُونَ يومَ القِيامةِ في صُورةِ القِرَدةِ والخَنازِيرِ» .
وقالت ميمونة: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «لا تَزالُ أمَّتِي بخيْرٍ، مَا لَمْ يَفْشُ فِيهِمْ ولدُ الزِّنَا، فإذا فَشَى فيهِمْ ولدُ الزِّنَا أوشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بعذابٍ» .
وقال عكرمة: إذا كثر ولد الزنا قحط المطر.
قال القرطبي: ومعظم المفسرين على أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وكان يطعم أهل منى حيساً ثلاثة أيام، وينادي ألا لا يوقدن أحدكم تحت بُرمةٍ، ألا لا يدخلن أحد بكُراع، ألا ومن أراد الحيس فليأت الوليد بن المغيرة، وكان ينفق في الحجة الواحدة عشرين ألفاً، أو أكثر، ولا يعطي المسكين درهماً واحداً؛ فقيل: «منَّاعٍ للخَيرِ» ، وفيه نزل:
﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكاة﴾ [فصلت: 6، 7] .
وقال محمد بن إسحاق: نزلت في الأخنس بن شريق؛ لأنه حليف ملحق في بني زهرة، فلذلك سمي زنيماً. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: في هذه الآية نُعت، فلم يعرف، حتى قتل زنيم فعرف، وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها.
قال ابن قتيبة: لا نعلم أن الله وصف أحداً، ولا ذكر من عيوبه ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة وألحق به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة.
فصل
قرأ الحسن: «عُتُلٌّ» بالرفع، أي هو عتل.
وحقه أن يقرأ ما بعده بالرفع أيضاً، لأنهم قالوا في القطع: إنه يبدأ بالإتباع، ثم بالقطع من غير عكس، وقوله: «بَعْدَ ذلِكَ» أي: بعدما وصفناه به.
قال ابن عطية: فهذا الترتيب إنما هو في قول الواصفِ لا في حصول تلك الصفات في الموصوف، وإلا فكونه عتلاًّ هو قبل كونه صاحب خير يمنعه.
وقال الزمخشريُّ: «بَعْدَ ذَلِكَ» أي: بعدما عد له من المثالب، والنقائصِ، ثم قال: جعل جفاءه ودعوته أشد معايبه، لأنه إذا غلظ وجفا طبعه قسا قلبُه واجترأ على كل معصية.
ونظير قوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين﴾ [البلد: 17] .
قوله: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ .
العامة: على فتح همزة «أن» ثم اختلفوا بعد، فقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر وأضاف القرطبي معهم أبا جعفر وأبا حيوة والمغيرة والأعرج: بالاستفهام.
وباقي السبعة بالخبر.
والقارئون بالاستفهام على أصولهم من تحقيق، وتسهيل، وإدخال ألف بين الهمزتين وعدمه، ولا بد من بيان ذلك فنقول: قرأ حمزة وأبو بكر وذكر القرطبي معهم المفضل: بتحقيق الهمزتين، وعدم إدخال ألف بينهما، وهذا هو أصلهما.
وقرأ ابن ذكوان: بتسهيل الثانية، وعدم إدخال ألف.
وهشام بالتسهيل المذكور إلا أنه أدخل ألفاً بينهما.
فقد خالف كل منهما أصله، أما ابن ذكوان فإنه يحقق الهمزتين فقد سهل الثانية هنا، وأما هشام فإن أصله أن يجري في الثانية من هذا النحو وجهين من التحقيق كرفيقه، والتسهيل وقد التزم التسهيل هنا، وأما إدخال الألف فإنه فيه على أصله، كما تقدم أول البقرة.
وقرأ نافع في رواية اليزيدي عنه: «إن» بكسر الهمزة على الشرط.
فأما قراءة «أنْ» - بالفتح - على الخبر، ففيه أربعة أوجه:
أحدها: أنها «أن» المصدرية في موضع المفعول به مجرورة بلام مقدرة، واللام متعلقة بفعل النهي، أي: ولا تطع من هذه صفاته، لأن كان متمولاً وصاحب بنين.
الثاني: أنها متعلقة ب «عُتُل» وإن كان قد وصف.
قاله الفارسي.
وهذا لا يجوز عند البصريين، وكأن الفارسي اغتفره في الجار.
الثالث: أن يتعلق ب «زَنِيمٍ» ، ولا سيما عند من يفسره بقبيح الأفعال.
الرابع: أن يتعلق بمحذوف يدل عليه ما بعده من الجملة الشرطية تقديره لكونه متمولاً، مستظهراً بالبنين كذب بآياتنا، قاله الزمخشريُّ.
قال: ولا يعمل فيه، قال: الذي هو جواب «إذا» لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، ولكن ما دلت عليه الجملةُ من معنى التكذيب.
وقال مكيٌّ، وتبعه أبو البقاء: «لا يجوز أن يكون العامل» تُتْلَى «لأن ما بعد» إذَا «لا يعمل فيما قبلها، لأن» إذَا «تضاف إلى الجمل، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف» انتهى.
وهذا يوهم أن المانع من ذلك ما ذكره فقط، والمانع أمرٌ معنوي، حتى لو فقد هذا المانع الذي ذكره لامتنع من جهة المعنى، وهو لا يصلح أن يعلل تلاوة آياتِ اللَّهِ عليه بكونه ذا مالٍ وبنين.
وأما قراءة «آنْ كان» على الاستفهام، ففيها وجهان:
أحدهما: أن يتعلق بمقدر يدل عليه ما قبله، أي: أتطيعه لأن كان، أو الكون طواعية لأن كان.
والثاني: أن يتعلق بمقدر يدل عليه ما بعده، أي: لأن كان كذب وجحد.
وأما قراءة «إنْ كَانَ» - بالكسر - فعلى الشرط، وجوابه مقدر، تقديره: إن كان كذا يكفر ويجحد، دل عليه ما بعده.
وقال الزمخشريُّ: والشرط للمخاطب، أي: لا تطع كل حلاف شارطاً يساره، لأنه إن أطاع الكافر لغنائه فكأنه اشترط في الطاعة الغنى، ونحو صرف الشرط للمخاطب صرف الترجي إليه في قوله ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى﴾ [طه: 44] .
وجعله أبو حيَّان من دخول شرط على شرط، يعني «إن، وإذا» إلا أنه قال: ليسا من الشروط المترتبة الوقوع. وجعل نظير ذلك قول ابن دُريْدٍ: [الرجز]
4817 - فإن عَثَرتُ بعْدها إنْ وألَتْ ... نَفْسِيَ مِنْ هَاتَا فَقُولاَ لاَ لَعَا
قال: «لأن الحامل على تدبر آياتِ اللَّهِ كونه ذا مالِ وبنينَ، وهو مشغول القلب بذلك غافل عن النظر قد استولت عليه الدُّنيا وأنظرته» .
وقرأ الحسن بن أبزى: بالاستفهام، وهو استفهام تقريعٍ وتوبيخٍ، على قوله حين تليت عليه آيات الله: ﴿أَسَاطِيرُ الأولين﴾ .
فصل في توجيه قراءة الآية
قال القرطبيُّ: فمن قرأ بهمزة مُطوَّلةٍ، أو بهمزتين محققتين، فهو استفهام والمراد به التوبيخ، ويحسن له أن يقف على «زَنِيمٍ» ، ويبتدىء «أنْ كَانَ» على معنى: لأن كان ذا مال وبنين تطيعه، ويجوز أن يكون التقدير: لأن كان ذا مال وبنين يكفر ويستكبر، ودل عليه ما تقدم من الكلامِ، فصار كالمذكور بعد الاستفهام، ومن قرأ «أن كَانَ» بغير استفهام، فهو مفعول من أجله، والعامل فيه فعل مضمر والتقدير: يكفر لأن كان ذا مال وبنين، ودل على هذا الفعل: ﴿إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ ولا يعمل في «أن» : «تُتْلَى» ولا «قَالَ» ، لأن ما بعد «إذَا» لا يعمل فيما قبلها؛ لأن «إذَا» تضاف إلى الجمل التي بعدها، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف و «قال» جواب الجزاء، ولا يعمل فيما قبل الجزاء، إذ حكم العامل أن يكون قبل المعمول فيه، وحكم الجواب أن يكون بعد الشرط، فيكون مقدماً مؤخراً في حالة واحدةٍ، ويجوز أن يكون المعنى: لا تطعه لأن كان ذا يسار وعدد.
قال ابن الأنباريُّ: ومن قرأ بلا استفهام لم يحسن أن يقف على «زَنيمٍ» لأن المعنى: لأن كان ذا مالٍ كان، ف «أنْ» متعلقة بما قبلها.
وقال غيره: يجوز أن يتعلق بقوله «مشَّاءٍ بنمِيمٍ» ، والتقدير: يمشي بنميم، لأن كان ذا مال وبنين، وأجاز أبو علي أن يتعلق ب «عُتُلٍّ» ومعنى «أسَاطيرُ الأوَّليْنَ» أباطيلهم، وتُرهاتُهُم.
قوله: «سَنَسِمُهُ» . أي: نجعل له سمة، أي: علامة يعرف بها.
قال جرير: [الكامل]
4818 - لمَّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي ... وعَلَى البَعيثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ
والخرطوم: الأنف، وهو هنا عبارة عن الوجه كله من التعبير عن الكل بالجزء؛ لأنه أظهر ما فيه وأعلاه، والخرطوم أيضاً: الخمر، وكأنه استعاره لها لأن الشنتمري قال: هي الخمر أول ما يخرج من الدَّن؛ فجعلت كالأنف لأنه أول ما يبدو من الوجه فليست الخرطومُ الوجه مطلقاً، ومن مجيء الخرطوم بمعنى الخمر، قول علقمة بن عبدة: [البسيط]
4819 - قَدْ أشْهَدَ الشَّرْبَ فِيهِمْ مِزْهَرٌ رَنِمٌ ... والقَوْمُ تَصْرعُهُمْ صَهْبَاءُ خرْطُومُ
وأنشد نضر بن شميل: [البسيط]
4820 - تَظَلُّ يَومَكَ في لَهْوٍ وفِي طَرَبٍ ... وأنْتَ باللَّيْلِ شَرَّابُ الخَراطِيمِ
فصل في تفسير «سنسمه»
قال ابن عباس: «سَنَسِمُهُ» سنحطمه بالسَّيفِ، قال: وقد حطم الذي نزلت فيه يوم بدرِ بالسيف، فلم يزل محطوماً إلى أن مات.
وقال قتادةُ: سنسمهُ يوم القيامة على أنفه سِمَةً يعرفُ بها، يقال: وسمه وسماً وسمة إذا أثرت فيه بسمة وكيّ.
قال الضحاك: سنكويه على وجهه، وقد قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] فهي علامة ظاهرة، وقال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: 102] وهذه علامة أخرى ظاهرة. وأفادت هذه الآية علامة ثالثة، وهي الوسم على الأنف بالنار، وهذا كقوله: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: 41] .
قاله الكلبي وغيره وقال أبو العالية ومجاهدٌ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم﴾ أي على أنفه، ويسودُّ وجهه في الآخرة، فعرف بسواد وجهه.
قال القرطبيُّ: «والخرطوم: الأنف من الإنسان، ومن السباع موضع الشفة، وخراطيم القوم: سادتهم» .
قال الفراء: وإن كان الخرطومُ قد خُصَّ بالسِّمة فإنَّهُ في الوجه لأن بعض الشيء يعبر به عن الكل.
وقال الطبريُّ: نبين أمره تبياناً واضحاً، فلا يخفى عليهم كما لا تخفى السِّمةُ على الخراطيم.
وقال: المعنى: سنلحق به عاراً وسبة حتى يكون كمن وسم على أنفه.
قال القتيبي: تقول العرب للرجل يُسَبُّ سبة سوءٍ قبيحة باقية قد وسم ميسم سوء، أي: ألصق به عار لا يفارقه، كما أن السمة لا يمحى أثرها.
وهذا كلهُ نزل في الوليد بن المغيرة، ولا شك أنَّ المبالغة العظيمة في ذمه بقيت على وجه الأرض الدهر، ولا يعلم أن اللَّه تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغ منه، فألحق به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة كالوسم على الخرطوم.
وقيل: ما ابتلاه اللَّهُ به في الدنيا في نفسه؛ وأهله وماله من سوء، وذل وصغار، قاله ابن بحر.
وقال النضر بن شميل: المعنى سنحده على شرب الخمر، والخرطوم: الخمر، وجمعه: خراطيم، وأنشد البيت المتقدم.
قال ابن الخطيب: «وهذا تعسفٌ» .
القلم 68:15
قوله: ﴿فَلاَ تُطِعِ المكذبين﴾ نهاه عن ممايلة المشركين وكانوا يدعونه إلى أن يكف عنهم ليكفوا عنه، فبين الله تعالى أن ممايلتهم كفر، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 74] وقيل: فلا تطع المكذبين فيما دعوك إليه من دينهم الخبيث، نزلت في مشركي قريش حين دعوه إلى دين آبائه.
قوله: ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ .
المشهور في قراءة الناس ومصاحفهم: «فَيُدهِنُونَ» بثبوت نون الرفع وفيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على «تُدهِنُ» فيكون داخلاً في حيز «لَوْ» .
والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: فهم يدهنون.
وقال الزمخشريُّ: «فإن قلت: لم رفع» فَيُدْهنُونَ «ولم ينصب بإضمار» أن «وهو جواب التمني؟ .
قلت: قد عدل به إلى طريق آخر وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف، أي فهم يدهنون، كقوله: ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾ [الجن: 13] على معنى ودوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذ، أو ودوا إدهانك، فهم الآن يدهنون لطمعهم في إدهانك قال سيبويه: وزعم هارون أنها في بعض المصاحف: ودُّوا لو تُدهِنُ فيُدْهِنُوا» انتهى.
وفي نصبه على ما وجد في بعض المصاحف وجهان:
أحدهما: أنه عطف على التوهم، كأنه توهم أن نطق ب «أنْ» فنصب الفعل على هذا التوهم وهذا إنما يجيء على القول بمصدرية «لَوْ» ، وفيه خلاف تقدم تحقيقه في «البقرة» .
والثاني: أنه نُصِبَ على جواب التمني المفهوم من «ودّ» .
والظاهر أن «لَوْ» حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وأن جوابها محذوف ومفعول الودادة أيضاً محذوف، تقديره: ودوا إدهانك، فحذف إدهانك، لدلالة «لَو» وما بعدها عليه وتقدير الجواب: لسروا بذلك.
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس وعطية والضحاك والسديُّ: ودوا لو تكفر فيتمادون على كفرهم، وعن ابن عباس أيضاً: ودوا لو ترخص لهم فيرخصون لك.
وقال الفراء والكلبي: لو تلين فيلينون لك. والإدهان: التليين لمن لا ينبغي له التليين. قاله الفراء والليث.
وقال مجاهدٌ: ودوا لو ركنت إليهم وتركت الحق فيمالئونك.
وقال الربيع بن أنس: ودوا لو تكذب، فيكذبون.
وقال قتادة: ودوا لو تذهب عن هذا الأمر فيذهبوا.
وقال الحسنُ: ودوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك في دينهم، وعنه أيضاً: ودوا لو ترفض بعض أمرك فيرفضون بعض أمرهم.
وقال زيد بن أسلم: ودّوا لو تنافق وترائي، فينافقون ويراءون.
وقيل: ودُّوا لو تضعف فيضعفون. قاله أبو جعفر.
وقال القتيبي: ودوا لو تداهن في دينك فيداهنون في أديانهم، وعنه: طلبوا منه أن يعبد آلهتهم مدة ويعبدوا إلهه مدة.
وهذان القولان الأخيران هما المتقدمان في معنى ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [النساء: 89] ومعنى: لو تصانعهم وقال ابن العربي: ذكر المفسرون فيها نحو عشرة أقوالٍ، كلها دعاوى على اللغة والمعنى، وأمثلها قولهم «ودُّوا لو تكذبُ فيكذبون، ودوا لو تكفر فيكفرون» .
وقال القرطبيُّ: كلها إن شاء الله تعالى صحيحة على مقتضى اللغة والمعنى، فإن الإدهان اللين والمصانعة.
وقيل: المقاربة في الكلام والتليين في القول، وقال المفضل: النفاق وترك المناصحةِ، فهي على هذا الوجه مذمومة، وعلى الوجه الأول غير مذمومة وكل شيء منها لم يكن.
وقال المبردُ: أدهن في دينه، وداهن في أمره أي: خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر.
وقال قوم: داهنت بمعنى واريت، وأدهنت بمعنى غششت، قاله الجوهري، وقوله « فيُدْهِنُونَ» ساقه على العطف، ولو جاء به جواباً للنهي لقال: «فيُدْهِنُوا» ، وإنما أراد أنهم تمنوا لو فعلت فيفعلون مثل فعلك عطفاً لا جزاء عليه ولا مكافأة، وإنما هو تمثيل وتنظير.
قوله: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾ .
قال السديُّ والشعبي وابن إسحاق: يعني الأخنس بن شريق.
وقال مجاهدٌ: يعني الأسود بن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود.
وقال مقاتل: يعني الوليد بن المغيرة عرض على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مالاً، وحلف أنه يعطيه إن رجع عن دينه.
وقال ابن عباس: هو أبو جهل بن هشام.
والحلاف: الكثير الحلف. و «المَهين» قال مجاهد: هو الضعيف القلب.
وقال ابن عباس: هو الكذاب، والكذاب مهين.
وقال الحسن وقتادة: هو المكثار في الشر.
وقال الكلبي: المهين: الفاجر.
وقال عبد الله: هو الحقير.
وقال ابن بحر: هو الذليل.
وقال الرماني: هو الوضيع لإكثاره من القبيح.
وهو «فعيل» من المهانة بمعنى القلة، وهي هنا القلة في الرأي والتمييز، أو هو «فعيل» بمعنى «مُفْعَل» والمعنى «مُهَان» .
قوله ﴿هَمَّازٍ﴾ ، الهماز: مثال مبالغة من الهمز، وهو في اللغة الضرب طعناً باليد والعصا، واستعير للمغتاب الذي يغتاب الناس كأنه يضربهم بإيذائه.
قال ابن زيد: الهمَّاز: الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمّاز: باللسان.
وقيل الهمَّاز الذي يذكر الناس في وجوههم، واللمَّازُ: الذي يذكرهم في مغيبهم.
وقال مقاتل بالعكس، وقال مرة: هما سواء، ونحوه عن ابن عباس وقتادة.
قال الشاعر: [البسيط]
4811 - تُدْلِي بودٍّ إذَا لاقَيْتنِي كَذِباً ... وإنْ تغَيَّبْتُ كُنْتَ الهَامِزَ اللُّمَزَهْ
والنميم: قيل: هو مصدر النميمة.
وقيل: هو جمعها أي اسم جنس ك «تمرةٍ وتمرٍ» ، وهو نقل الكلام الذي يسوء سامعه، ويحرش بين الناس.
وقال الزمخشري: والنميم والنميمة: السعاية، وأنشدني بعض العرب: [الرجز]
4812 - تَشَبَّبِي تَشَبُّبَ النَّميمهْ ... تَمْشِي بِهَا زَهْراً إلى تَمِيْمَه
والمشاء: مثال مبالغة من المشي، أي: يكثر السعاية بين الناس ليفسد بينهم، يقال: نَمَّ يَنِمُّ نميماً ونَمِيمَة، أي: يمشي ويسعى بالفسادِ.
وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «لا يَدخُلُ الجَنَّة نَمَّامٌ» .
والعتل: الذي يعتل الناس، أي: يحملهم، ويجرهم إلى ما يكرهون من حبس وضربٍ ومنه: ﴿خُذُوهُ فاعتلوه﴾ [الدخان: 47] .
وقيل: العتل: الشديد الخصومة.
وقال أبو عبيدة: هو الفاحش اللئيم.
وأنشد:
4813 - بِعُتُلٍّ مِنَ الرِّجالِ زَنِيمٍ ... غيْرِ ذِي نَجْدةٍ وغَيْرِ كَريمِ
وقيل: الغليظ الجافي.
ويقال: عَتَلْتُه وعَتنتُهُ باللام والنون. نقله يعقوب.
وقيل: العتل: الجافي الشديد في كفره.
وقال الكلبيُّ والفراء: هو الشديد الخصومة بالباطل.
قال الجوهري: ويقال: عَتَلْتُ الرجل أعْتِلُهُ وأعْتُلُهُ إذا جذبته جذباً عنيفاً. ورجل مِعْتَل - بالكسر -، والعَتَل أيضاً: الرمح الغليظ، ورجل عَتِلٌ - بالكسر - بين العتل، أي سريع إلى الشَّر ويقال: لا أنعتل معك، أي: لا أبرح مكاني.
وقال عبيد بن عمير: العتل: الأكول الشروب القوي الشديد يوضع في الميزان فلا يزن شعيرة، يدفع الملك من أولئك في جهنم بالدفعة الواحدة سبعين ألفاً.
والزنيم: الدعي بنسب إلى قوم ليس منهم.
قال حسانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الطويل]
4814 - أ - زَنِيمٌ تَداعَاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ... كَمَا زيدَ في عَرْضِ الأديمِ الأكَارعُ
وقال أيضاً: [الوافر]
4814 - ب - زَنِيمُ ليسَ يُعْرَفُ مَنْ أبُوهُ ... بَغِيُّ الأمِّ ذُو حسب لَئِيمُ
وقال أيضاً: [الطويل]
4815 - وأنْتَ زَنِيمٌ نيطَ في آلِ هَاشمٍ ... كَمَا نِيطَ خَلْفَ الرَّاكبِ القَدَحُ الفَرْد
وأصله: من الزنمةِ، وهي ما بقي من جلد الماعز معلقاً في حلقها يترك عند القطع، فاستعير للدعي، لأنه كالمعلق بما ليس منه.
فصل فيمن هو الحلاف المهين
تقدم القول في «الحلاف المَهين» ، عن الشعبي والسديِّ وابن إسحاقَ: أنه الأخنس بن شريق، وعلى قول غيرهم: أنه الأسود بن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود، أو الوليد بن المغيرة، أو أبو جهل بن هشام، وتقدم تفسير «الهَمَّاز والمشَّاء بنميمٍ» .
وأما قوله «منَّاعٍ للخَيْرِ» أي: للمال أن ينفق في وجوهه.
وقال ابن عباس: يمنع عن الإسلام ولده وعشيرته.
قيل: كان للوليد بن المغيرة عشرةٌ من الولد، وكان يقول لهم ولأقاربه: من تبع منكم محمداً منعته رفدي.
وقال الحسنُ: يقول لهم: من دخل منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء أبداً.
وقوله «مُعْتَدٍ» أي: على الناس في الظلم، متجاوز للحد، صاحب باطل، وقوله « أثيمٍ» أي: ذا إثمٍ، ومعناه «أثُوم» ، فهو «فعيل» بمعنى «فَعُول» .
قال البغوي: «أثيم فاجر» . وأما العتل فتقدم الكلام عليه في اللغة.
وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «ألاْ أخْبرُكمْ بأهْلِ الجنَّةِ؟ قالوا: بَلَى، قال: كُلُّ ضعيفٍ مُتضعَّفٍّ، لَوْ أقسمَ على اللَّهِ لأبرَّهُ، ألا أخْبركُمْ بأَهْلِ النَّارِ؟ قالوا: بَلَى، قال: كُل عُتُلٍّ جواظٍ مستكبرٍ»
وفي رواية: «كُلُّ جوَّاظٍ زَنيمٍ مُستَكْبرٍ» .
«الجوَّاظ» الجموع المنوع.
وقيل: الكثير اللحم، المختال في مشيته.
وقيل: القصير البطين.
وذكر الماورديُّ عن ابن مسعود أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لا يَدخُل الجنَّة جوَّاظ ولا جَعْظَرِي ولا العُتلُ الزَّنِيمُ» .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الجوَّاظ: الذي جمع ومنع، والجعظري: الفظ الغليظ المتكبر» .
قال ابن الأثير: «وقيل: هو الذي ينتفخ بما ليس عنده، وفيه قصر» .
قال القرطبيُّ: وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «الشَّدِيدُ الخُلقِ، الرَّحيبُ الجوْفِ، المصحُّ الأكولُ، الشَّروبُ، الواجدُ للطعامِ، الظَّلُومُ للنَّاسِ» .
وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ قال: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «تَبْكِي السَّماءُ على رجُلٍ أصحَّ اللَّهُ جِسْمهَ ورحَبَ جوفه، وأعطاهُ من الدُّنْيَا بعضاً، فكانَ للنَّاسِ ظلُوماً، فذلك العُتُلَّ الزَّنِيمُ» .
وقوله «بَعْدَ ذلِكَ» أي مع ذلك، يريد ما وصفناه به «زنيم» وتقدم معنى الزنيم. وعن ابن عباس: أنه رجل من قريش كانت له زنمة كزنمة الشاة.
وروى عنه ابن جبير: أنه الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها.
وقال عكرمة: هو الذي يعرف بلؤمه، كما تعرف الشاة بزنمتها.
وقيل: إنه الذي يعرف بالأبنة، وهو مروي عن ابن عباس، وعنه: إنه الظلوم.
وقال مجاهدٌ: «زَنِيمٍ» كانت له ستة أصابع في يده في كل إبهام له أصبع زائدة.
وعنه أيضاً وسعيد بن المسيب وعكرمة: هو ولد الزنا الملحق في النسب بالقوم.
وكان الوليد دعياً في قريش ليس من سنخهم، ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة من مولده.
قال الشاعر: [الوافر]
4816 - زَنِيمٌ ليْسَ يُعرفُ من أبُوهُ ... بَغِيُّ الأمِّ ذُو حسبٍ لَئِيم
قيل: بغتْ أمه ولم يعرف حتى نزلت الآية، وهذا لأن الغالب أن المنطقة إذا خبثت خبث الولدُ، كا روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لا يَدْخلُ الجنَّة ولدُ زِنَا، ولا ولَدُ وَلدِهِ» .
وقال عبد الله بن عمر: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إنَّ أوْلادَ الزِّنَا يُحشَرُونَ يومَ القِيامةِ في صُورةِ القِرَدةِ والخَنازِيرِ» .
وقالت ميمونة: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «لا تَزالُ أمَّتِي بخيْرٍ، مَا لَمْ يَفْشُ فِيهِمْ ولدُ الزِّنَا، فإذا فَشَى فيهِمْ ولدُ الزِّنَا أوشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بعذابٍ» .
وقال عكرمة: إذا كثر ولد الزنا قحط المطر.
قال القرطبي: ومعظم المفسرين على أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وكان يطعم أهل منى حيساً ثلاثة أيام، وينادي ألا لا يوقدن أحدكم تحت بُرمةٍ، ألا لا يدخلن أحد بكُراع، ألا ومن أراد الحيس فليأت الوليد بن المغيرة، وكان ينفق في الحجة الواحدة عشرين ألفاً، أو أكثر، ولا يعطي المسكين درهماً واحداً؛ فقيل: «منَّاعٍ للخَيرِ» ، وفيه نزل:
﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكاة﴾ [فصلت: 6، 7] .
وقال محمد بن إسحاق: نزلت في الأخنس بن شريق؛ لأنه حليف ملحق في بني زهرة، فلذلك سمي زنيماً. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: في هذه الآية نُعت، فلم يعرف، حتى قتل زنيم فعرف، وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها.
قال ابن قتيبة: لا نعلم أن الله وصف أحداً، ولا ذكر من عيوبه ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة وألحق به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة.
فصل
قرأ الحسن: «عُتُلٌّ» بالرفع، أي هو عتل.
وحقه أن يقرأ ما بعده بالرفع أيضاً، لأنهم قالوا في القطع: إنه يبدأ بالإتباع، ثم بالقطع من غير عكس، وقوله: «بَعْدَ ذلِكَ» أي: بعدما وصفناه به.
قال ابن عطية: فهذا الترتيب إنما هو في قول الواصفِ لا في حصول تلك الصفات في الموصوف، وإلا فكونه عتلاًّ هو قبل كونه صاحب خير يمنعه.
وقال الزمخشريُّ: «بَعْدَ ذَلِكَ» أي: بعدما عد له من المثالب، والنقائصِ، ثم قال: جعل جفاءه ودعوته أشد معايبه، لأنه إذا غلظ وجفا طبعه قسا قلبُه واجترأ على كل معصية.
ونظير قوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين﴾ [البلد: 17] .
قوله: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ .
العامة: على فتح همزة «أن» ثم اختلفوا بعد، فقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر وأضاف القرطبي معهم أبا جعفر وأبا حيوة والمغيرة والأعرج: بالاستفهام.
وباقي السبعة بالخبر.
والقارئون بالاستفهام على أصولهم من تحقيق، وتسهيل، وإدخال ألف بين الهمزتين وعدمه، ولا بد من بيان ذلك فنقول: قرأ حمزة وأبو بكر وذكر القرطبي معهم المفضل: بتحقيق الهمزتين، وعدم إدخال ألف بينهما، وهذا هو أصلهما.
وقرأ ابن ذكوان: بتسهيل الثانية، وعدم إدخال ألف.
وهشام بالتسهيل المذكور إلا أنه أدخل ألفاً بينهما.
فقد خالف كل منهما أصله، أما ابن ذكوان فإنه يحقق الهمزتين فقد سهل الثانية هنا، وأما هشام فإن أصله أن يجري في الثانية من هذا النحو وجهين من التحقيق كرفيقه، والتسهيل وقد التزم التسهيل هنا، وأما إدخال الألف فإنه فيه على أصله، كما تقدم أول البقرة.
وقرأ نافع في رواية اليزيدي عنه: «إن» بكسر الهمزة على الشرط.
فأما قراءة «أنْ» - بالفتح - على الخبر، ففيه أربعة أوجه:
أحدها: أنها «أن» المصدرية في موضع المفعول به مجرورة بلام مقدرة، واللام متعلقة بفعل النهي، أي: ولا تطع من هذه صفاته، لأن كان متمولاً وصاحب بنين.
الثاني: أنها متعلقة ب «عُتُل» وإن كان قد وصف.
قاله الفارسي.
وهذا لا يجوز عند البصريين، وكأن الفارسي اغتفره في الجار.
الثالث: أن يتعلق ب «زَنِيمٍ» ، ولا سيما عند من يفسره بقبيح الأفعال.
الرابع: أن يتعلق بمحذوف يدل عليه ما بعده من الجملة الشرطية تقديره لكونه متمولاً، مستظهراً بالبنين كذب بآياتنا، قاله الزمخشريُّ.
قال: ولا يعمل فيه، قال: الذي هو جواب «إذا» لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، ولكن ما دلت عليه الجملةُ من معنى التكذيب.
وقال مكيٌّ، وتبعه أبو البقاء: «لا يجوز أن يكون العامل» تُتْلَى «لأن ما بعد» إذَا «لا يعمل فيما قبلها، لأن» إذَا «تضاف إلى الجمل، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف» انتهى.
وهذا يوهم أن المانع من ذلك ما ذكره فقط، والمانع أمرٌ معنوي، حتى لو فقد هذا المانع الذي ذكره لامتنع من جهة المعنى، وهو لا يصلح أن يعلل تلاوة آياتِ اللَّهِ عليه بكونه ذا مالٍ وبنين.
وأما قراءة «آنْ كان» على الاستفهام، ففيها وجهان:
أحدهما: أن يتعلق بمقدر يدل عليه ما قبله، أي: أتطيعه لأن كان، أو الكون طواعية لأن كان.
والثاني: أن يتعلق بمقدر يدل عليه ما بعده، أي: لأن كان كذب وجحد.
وأما قراءة «إنْ كَانَ» - بالكسر - فعلى الشرط، وجوابه مقدر، تقديره: إن كان كذا يكفر ويجحد، دل عليه ما بعده.
وقال الزمخشريُّ: والشرط للمخاطب، أي: لا تطع كل حلاف شارطاً يساره، لأنه إن أطاع الكافر لغنائه فكأنه اشترط في الطاعة الغنى، ونحو صرف الشرط للمخاطب صرف الترجي إليه في قوله ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى﴾ [طه: 44] .
وجعله أبو حيَّان من دخول شرط على شرط، يعني «إن، وإذا» إلا أنه قال: ليسا من الشروط المترتبة الوقوع. وجعل نظير ذلك قول ابن دُريْدٍ: [الرجز]
4817 - فإن عَثَرتُ بعْدها إنْ وألَتْ ... نَفْسِيَ مِنْ هَاتَا فَقُولاَ لاَ لَعَا
قال: «لأن الحامل على تدبر آياتِ اللَّهِ كونه ذا مالِ وبنينَ، وهو مشغول القلب بذلك غافل عن النظر قد استولت عليه الدُّنيا وأنظرته» .
وقرأ الحسن بن أبزى: بالاستفهام، وهو استفهام تقريعٍ وتوبيخٍ، على قوله حين تليت عليه آيات الله: ﴿أَسَاطِيرُ الأولين﴾ .
فصل في توجيه قراءة الآية
قال القرطبيُّ: فمن قرأ بهمزة مُطوَّلةٍ، أو بهمزتين محققتين، فهو استفهام والمراد به التوبيخ، ويحسن له أن يقف على «زَنِيمٍ» ، ويبتدىء «أنْ كَانَ» على معنى: لأن كان ذا مال وبنين تطيعه، ويجوز أن يكون التقدير: لأن كان ذا مال وبنين يكفر ويستكبر، ودل عليه ما تقدم من الكلامِ، فصار كالمذكور بعد الاستفهام، ومن قرأ «أن كَانَ» بغير استفهام، فهو مفعول من أجله، والعامل فيه فعل مضمر والتقدير: يكفر لأن كان ذا مال وبنين، ودل على هذا الفعل: ﴿إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ ولا يعمل في «أن» : «تُتْلَى» ولا «قَالَ» ، لأن ما بعد «إذَا» لا يعمل فيما قبلها؛ لأن «إذَا» تضاف إلى الجمل التي بعدها، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف و «قال» جواب الجزاء، ولا يعمل فيما قبل الجزاء، إذ حكم العامل أن يكون قبل المعمول فيه، وحكم الجواب أن يكون بعد الشرط، فيكون مقدماً مؤخراً في حالة واحدةٍ، ويجوز أن يكون المعنى: لا تطعه لأن كان ذا يسار وعدد.
قال ابن الأنباريُّ: ومن قرأ بلا استفهام لم يحسن أن يقف على «زَنيمٍ» لأن المعنى: لأن كان ذا مالٍ كان، ف «أنْ» متعلقة بما قبلها.
وقال غيره: يجوز أن يتعلق بقوله «مشَّاءٍ بنمِيمٍ» ، والتقدير: يمشي بنميم، لأن كان ذا مال وبنين، وأجاز أبو علي أن يتعلق ب «عُتُلٍّ» ومعنى «أسَاطيرُ الأوَّليْنَ» أباطيلهم، وتُرهاتُهُم.
قوله: «سَنَسِمُهُ» . أي: نجعل له سمة، أي: علامة يعرف بها.
قال جرير: [الكامل]
4818 - لمَّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي ... وعَلَى البَعيثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ
والخرطوم: الأنف، وهو هنا عبارة عن الوجه كله من التعبير عن الكل بالجزء؛ لأنه أظهر ما فيه وأعلاه، والخرطوم أيضاً: الخمر، وكأنه استعاره لها لأن الشنتمري قال: هي الخمر أول ما يخرج من الدَّن؛ فجعلت كالأنف لأنه أول ما يبدو من الوجه فليست الخرطومُ الوجه مطلقاً، ومن مجيء الخرطوم بمعنى الخمر، قول علقمة بن عبدة: [البسيط]
4819 - قَدْ أشْهَدَ الشَّرْبَ فِيهِمْ مِزْهَرٌ رَنِمٌ ... والقَوْمُ تَصْرعُهُمْ صَهْبَاءُ خرْطُومُ
وأنشد نضر بن شميل: [البسيط]
4820 - تَظَلُّ يَومَكَ في لَهْوٍ وفِي طَرَبٍ ... وأنْتَ باللَّيْلِ شَرَّابُ الخَراطِيمِ
فصل في تفسير «سنسمه»
قال ابن عباس: «سَنَسِمُهُ» سنحطمه بالسَّيفِ، قال: وقد حطم الذي نزلت فيه يوم بدرِ بالسيف، فلم يزل محطوماً إلى أن مات.
وقال قتادةُ: سنسمهُ يوم القيامة على أنفه سِمَةً يعرفُ بها، يقال: وسمه وسماً وسمة إذا أثرت فيه بسمة وكيّ.
قال الضحاك: سنكويه على وجهه، وقد قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] فهي علامة ظاهرة، وقال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: 102] وهذه علامة أخرى ظاهرة. وأفادت هذه الآية علامة ثالثة، وهي الوسم على الأنف بالنار، وهذا كقوله: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: 41] .
قاله الكلبي وغيره وقال أبو العالية ومجاهدٌ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم﴾ أي على أنفه، ويسودُّ وجهه في الآخرة، فعرف بسواد وجهه.
قال القرطبيُّ: «والخرطوم: الأنف من الإنسان، ومن السباع موضع الشفة، وخراطيم القوم: سادتهم» .
قال الفراء: وإن كان الخرطومُ قد خُصَّ بالسِّمة فإنَّهُ في الوجه لأن بعض الشيء يعبر به عن الكل.
وقال الطبريُّ: نبين أمره تبياناً واضحاً، فلا يخفى عليهم كما لا تخفى السِّمةُ على الخراطيم.
وقال: المعنى: سنلحق به عاراً وسبة حتى يكون كمن وسم على أنفه.
قال القتيبي: تقول العرب للرجل يُسَبُّ سبة سوءٍ قبيحة باقية قد وسم ميسم سوء، أي: ألصق به عار لا يفارقه، كما أن السمة لا يمحى أثرها.
وهذا كلهُ نزل في الوليد بن المغيرة، ولا شك أنَّ المبالغة العظيمة في ذمه بقيت على وجه الأرض الدهر، ولا يعلم أن اللَّه تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغ منه، فألحق به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة كالوسم على الخرطوم.
وقيل: ما ابتلاه اللَّهُ به في الدنيا في نفسه؛ وأهله وماله من سوء، وذل وصغار، قاله ابن بحر.
وقال النضر بن شميل: المعنى سنحده على شرب الخمر، والخرطوم: الخمر، وجمعه: خراطيم، وأنشد البيت المتقدم.
قال ابن الخطيب: «وهذا تعسفٌ» .
القلم 68:16
قوله: ﴿فَلاَ تُطِعِ المكذبين﴾ نهاه عن ممايلة المشركين وكانوا يدعونه إلى أن يكف عنهم ليكفوا عنه، فبين الله تعالى أن ممايلتهم كفر، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 74] وقيل: فلا تطع المكذبين فيما دعوك إليه من دينهم الخبيث، نزلت في مشركي قريش حين دعوه إلى دين آبائه.
قوله: ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ .
المشهور في قراءة الناس ومصاحفهم: «فَيُدهِنُونَ» بثبوت نون الرفع وفيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على «تُدهِنُ» فيكون داخلاً في حيز «لَوْ» .
والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: فهم يدهنون.
وقال الزمخشريُّ: «فإن قلت: لم رفع» فَيُدْهنُونَ «ولم ينصب بإضمار» أن «وهو جواب التمني؟ .
قلت: قد عدل به إلى طريق آخر وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف، أي فهم يدهنون، كقوله: ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾ [الجن: 13] على معنى ودوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذ، أو ودوا إدهانك، فهم الآن يدهنون لطمعهم في إدهانك قال سيبويه: وزعم هارون أنها في بعض المصاحف: ودُّوا لو تُدهِنُ فيُدْهِنُوا» انتهى.
وفي نصبه على ما وجد في بعض المصاحف وجهان:
أحدهما: أنه عطف على التوهم، كأنه توهم أن نطق ب «أنْ» فنصب الفعل على هذا التوهم وهذا إنما يجيء على القول بمصدرية «لَوْ» ، وفيه خلاف تقدم تحقيقه في «البقرة» .
والثاني: أنه نُصِبَ على جواب التمني المفهوم من «ودّ» .
والظاهر أن «لَوْ» حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وأن جوابها محذوف ومفعول الودادة أيضاً محذوف، تقديره: ودوا إدهانك، فحذف إدهانك، لدلالة «لَو» وما بعدها عليه وتقدير الجواب: لسروا بذلك.
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس وعطية والضحاك والسديُّ: ودوا لو تكفر فيتمادون على كفرهم، وعن ابن عباس أيضاً: ودوا لو ترخص لهم فيرخصون لك.
وقال الفراء والكلبي: لو تلين فيلينون لك. والإدهان: التليين لمن لا ينبغي له التليين. قاله الفراء والليث.
وقال مجاهدٌ: ودوا لو ركنت إليهم وتركت الحق فيمالئونك.
وقال الربيع بن أنس: ودوا لو تكذب، فيكذبون.
وقال قتادة: ودوا لو تذهب عن هذا الأمر فيذهبوا.
وقال الحسنُ: ودوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك في دينهم، وعنه أيضاً: ودوا لو ترفض بعض أمرك فيرفضون بعض أمرهم.
وقال زيد بن أسلم: ودّوا لو تنافق وترائي، فينافقون ويراءون.
وقيل: ودُّوا لو تضعف فيضعفون. قاله أبو جعفر.
وقال القتيبي: ودوا لو تداهن في دينك فيداهنون في أديانهم، وعنه: طلبوا منه أن يعبد آلهتهم مدة ويعبدوا إلهه مدة.
وهذان القولان الأخيران هما المتقدمان في معنى ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [النساء: 89] ومعنى: لو تصانعهم وقال ابن العربي: ذكر المفسرون فيها نحو عشرة أقوالٍ، كلها دعاوى على اللغة والمعنى، وأمثلها قولهم «ودُّوا لو تكذبُ فيكذبون، ودوا لو تكفر فيكفرون» .
وقال القرطبيُّ: كلها إن شاء الله تعالى صحيحة على مقتضى اللغة والمعنى، فإن الإدهان اللين والمصانعة.
وقيل: المقاربة في الكلام والتليين في القول، وقال المفضل: النفاق وترك المناصحةِ، فهي على هذا الوجه مذمومة، وعلى الوجه الأول غير مذمومة وكل شيء منها لم يكن.
وقال المبردُ: أدهن في دينه، وداهن في أمره أي: خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر.
وقال قوم: داهنت بمعنى واريت، وأدهنت بمعنى غششت، قاله الجوهري، وقوله « فيُدْهِنُونَ» ساقه على العطف، ولو جاء به جواباً للنهي لقال: «فيُدْهِنُوا» ، وإنما أراد أنهم تمنوا لو فعلت فيفعلون مثل فعلك عطفاً لا جزاء عليه ولا مكافأة، وإنما هو تمثيل وتنظير.
قوله: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾ .
قال السديُّ والشعبي وابن إسحاق: يعني الأخنس بن شريق.
وقال مجاهدٌ: يعني الأسود بن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود.
وقال مقاتل: يعني الوليد بن المغيرة عرض على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مالاً، وحلف أنه يعطيه إن رجع عن دينه.
وقال ابن عباس: هو أبو جهل بن هشام.
والحلاف: الكثير الحلف. و «المَهين» قال مجاهد: هو الضعيف القلب.
وقال ابن عباس: هو الكذاب، والكذاب مهين.
وقال الحسن وقتادة: هو المكثار في الشر.
وقال الكلبي: المهين: الفاجر.
وقال عبد الله: هو الحقير.
وقال ابن بحر: هو الذليل.
وقال الرماني: هو الوضيع لإكثاره من القبيح.
وهو «فعيل» من المهانة بمعنى القلة، وهي هنا القلة في الرأي والتمييز، أو هو «فعيل» بمعنى «مُفْعَل» والمعنى «مُهَان» .
قوله ﴿هَمَّازٍ﴾ ، الهماز: مثال مبالغة من الهمز، وهو في اللغة الضرب طعناً باليد والعصا، واستعير للمغتاب الذي يغتاب الناس كأنه يضربهم بإيذائه.
قال ابن زيد: الهمَّاز: الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمّاز: باللسان.
وقيل الهمَّاز الذي يذكر الناس في وجوههم، واللمَّازُ: الذي يذكرهم في مغيبهم.
وقال مقاتل بالعكس، وقال مرة: هما سواء، ونحوه عن ابن عباس وقتادة.
قال الشاعر: [البسيط]
4811 - تُدْلِي بودٍّ إذَا لاقَيْتنِي كَذِباً ... وإنْ تغَيَّبْتُ كُنْتَ الهَامِزَ اللُّمَزَهْ
والنميم: قيل: هو مصدر النميمة.
وقيل: هو جمعها أي اسم جنس ك «تمرةٍ وتمرٍ» ، وهو نقل الكلام الذي يسوء سامعه، ويحرش بين الناس.
وقال الزمخشري: والنميم والنميمة: السعاية، وأنشدني بعض العرب: [الرجز]
4812 - تَشَبَّبِي تَشَبُّبَ النَّميمهْ ... تَمْشِي بِهَا زَهْراً إلى تَمِيْمَه
والمشاء: مثال مبالغة من المشي، أي: يكثر السعاية بين الناس ليفسد بينهم، يقال: نَمَّ يَنِمُّ نميماً ونَمِيمَة، أي: يمشي ويسعى بالفسادِ.
وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «لا يَدخُلُ الجَنَّة نَمَّامٌ» .
والعتل: الذي يعتل الناس، أي: يحملهم، ويجرهم إلى ما يكرهون من حبس وضربٍ ومنه: ﴿خُذُوهُ فاعتلوه﴾ [الدخان: 47] .
وقيل: العتل: الشديد الخصومة.
وقال أبو عبيدة: هو الفاحش اللئيم.
وأنشد:
4813 - بِعُتُلٍّ مِنَ الرِّجالِ زَنِيمٍ ... غيْرِ ذِي نَجْدةٍ وغَيْرِ كَريمِ
وقيل: الغليظ الجافي.
ويقال: عَتَلْتُه وعَتنتُهُ باللام والنون. نقله يعقوب.
وقيل: العتل: الجافي الشديد في كفره.
وقال الكلبيُّ والفراء: هو الشديد الخصومة بالباطل.
قال الجوهري: ويقال: عَتَلْتُ الرجل أعْتِلُهُ وأعْتُلُهُ إذا جذبته جذباً عنيفاً. ورجل مِعْتَل - بالكسر -، والعَتَل أيضاً: الرمح الغليظ، ورجل عَتِلٌ - بالكسر - بين العتل، أي سريع إلى الشَّر ويقال: لا أنعتل معك، أي: لا أبرح مكاني.
وقال عبيد بن عمير: العتل: الأكول الشروب القوي الشديد يوضع في الميزان فلا يزن شعيرة، يدفع الملك من أولئك في جهنم بالدفعة الواحدة سبعين ألفاً.
والزنيم: الدعي بنسب إلى قوم ليس منهم.
قال حسانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الطويل]
4814 - أ - زَنِيمٌ تَداعَاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ... كَمَا زيدَ في عَرْضِ الأديمِ الأكَارعُ
وقال أيضاً: [الوافر]
4814 - ب - زَنِيمُ ليسَ يُعْرَفُ مَنْ أبُوهُ ... بَغِيُّ الأمِّ ذُو حسب لَئِيمُ
وقال أيضاً: [الطويل]
4815 - وأنْتَ زَنِيمٌ نيطَ في آلِ هَاشمٍ ... كَمَا نِيطَ خَلْفَ الرَّاكبِ القَدَحُ الفَرْد
وأصله: من الزنمةِ، وهي ما بقي من جلد الماعز معلقاً في حلقها يترك عند القطع، فاستعير للدعي، لأنه كالمعلق بما ليس منه.
فصل فيمن هو الحلاف المهين
تقدم القول في «الحلاف المَهين» ، عن الشعبي والسديِّ وابن إسحاقَ: أنه الأخنس بن شريق، وعلى قول غيرهم: أنه الأسود بن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود، أو الوليد بن المغيرة، أو أبو جهل بن هشام، وتقدم تفسير «الهَمَّاز والمشَّاء بنميمٍ» .
وأما قوله «منَّاعٍ للخَيْرِ» أي: للمال أن ينفق في وجوهه.
وقال ابن عباس: يمنع عن الإسلام ولده وعشيرته.
قيل: كان للوليد بن المغيرة عشرةٌ من الولد، وكان يقول لهم ولأقاربه: من تبع منكم محمداً منعته رفدي.
وقال الحسنُ: يقول لهم: من دخل منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء أبداً.
وقوله «مُعْتَدٍ» أي: على الناس في الظلم، متجاوز للحد، صاحب باطل، وقوله « أثيمٍ» أي: ذا إثمٍ، ومعناه «أثُوم» ، فهو «فعيل» بمعنى «فَعُول» .
قال البغوي: «أثيم فاجر» . وأما العتل فتقدم الكلام عليه في اللغة.
وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «ألاْ أخْبرُكمْ بأهْلِ الجنَّةِ؟ قالوا: بَلَى، قال: كُلُّ ضعيفٍ مُتضعَّفٍّ، لَوْ أقسمَ على اللَّهِ لأبرَّهُ، ألا أخْبركُمْ بأَهْلِ النَّارِ؟ قالوا: بَلَى، قال: كُل عُتُلٍّ جواظٍ مستكبرٍ»
وفي رواية: «كُلُّ جوَّاظٍ زَنيمٍ مُستَكْبرٍ» .
«الجوَّاظ» الجموع المنوع.
وقيل: الكثير اللحم، المختال في مشيته.
وقيل: القصير البطين.
وذكر الماورديُّ عن ابن مسعود أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لا يَدخُل الجنَّة جوَّاظ ولا جَعْظَرِي ولا العُتلُ الزَّنِيمُ» .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الجوَّاظ: الذي جمع ومنع، والجعظري: الفظ الغليظ المتكبر» .
قال ابن الأثير: «وقيل: هو الذي ينتفخ بما ليس عنده، وفيه قصر» .
قال القرطبيُّ: وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «الشَّدِيدُ الخُلقِ، الرَّحيبُ الجوْفِ، المصحُّ الأكولُ، الشَّروبُ، الواجدُ للطعامِ، الظَّلُومُ للنَّاسِ» .
وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ قال: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «تَبْكِي السَّماءُ على رجُلٍ أصحَّ اللَّهُ جِسْمهَ ورحَبَ جوفه، وأعطاهُ من الدُّنْيَا بعضاً، فكانَ للنَّاسِ ظلُوماً، فذلك العُتُلَّ الزَّنِيمُ» .
وقوله «بَعْدَ ذلِكَ» أي مع ذلك، يريد ما وصفناه به «زنيم» وتقدم معنى الزنيم. وعن ابن عباس: أنه رجل من قريش كانت له زنمة كزنمة الشاة.
وروى عنه ابن جبير: أنه الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها.
وقال عكرمة: هو الذي يعرف بلؤمه، كما تعرف الشاة بزنمتها.
وقيل: إنه الذي يعرف بالأبنة، وهو مروي عن ابن عباس، وعنه: إنه الظلوم.
وقال مجاهدٌ: «زَنِيمٍ» كانت له ستة أصابع في يده في كل إبهام له أصبع زائدة.
وعنه أيضاً وسعيد بن المسيب وعكرمة: هو ولد الزنا الملحق في النسب بالقوم.
وكان الوليد دعياً في قريش ليس من سنخهم، ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة من مولده.
قال الشاعر: [الوافر]
4816 - زَنِيمٌ ليْسَ يُعرفُ من أبُوهُ ... بَغِيُّ الأمِّ ذُو حسبٍ لَئِيم
قيل: بغتْ أمه ولم يعرف حتى نزلت الآية، وهذا لأن الغالب أن المنطقة إذا خبثت خبث الولدُ، كا روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لا يَدْخلُ الجنَّة ولدُ زِنَا، ولا ولَدُ وَلدِهِ» .
وقال عبد الله بن عمر: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إنَّ أوْلادَ الزِّنَا يُحشَرُونَ يومَ القِيامةِ في صُورةِ القِرَدةِ والخَنازِيرِ» .
وقالت ميمونة: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «لا تَزالُ أمَّتِي بخيْرٍ، مَا لَمْ يَفْشُ فِيهِمْ ولدُ الزِّنَا، فإذا فَشَى فيهِمْ ولدُ الزِّنَا أوشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بعذابٍ» .
وقال عكرمة: إذا كثر ولد الزنا قحط المطر.
قال القرطبي: ومعظم المفسرين على أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وكان يطعم أهل منى حيساً ثلاثة أيام، وينادي ألا لا يوقدن أحدكم تحت بُرمةٍ، ألا لا يدخلن أحد بكُراع، ألا ومن أراد الحيس فليأت الوليد بن المغيرة، وكان ينفق في الحجة الواحدة عشرين ألفاً، أو أكثر، ولا يعطي المسكين درهماً واحداً؛ فقيل: «منَّاعٍ للخَيرِ» ، وفيه نزل:
﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكاة﴾ [فصلت: 6، 7] .
وقال محمد بن إسحاق: نزلت في الأخنس بن شريق؛ لأنه حليف ملحق في بني زهرة، فلذلك سمي زنيماً. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: في هذه الآية نُعت، فلم يعرف، حتى قتل زنيم فعرف، وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها.
قال ابن قتيبة: لا نعلم أن الله وصف أحداً، ولا ذكر من عيوبه ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة وألحق به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة.
فصل
قرأ الحسن: «عُتُلٌّ» بالرفع، أي هو عتل.
وحقه أن يقرأ ما بعده بالرفع أيضاً، لأنهم قالوا في القطع: إنه يبدأ بالإتباع، ثم بالقطع من غير عكس، وقوله: «بَعْدَ ذلِكَ» أي: بعدما وصفناه به.
قال ابن عطية: فهذا الترتيب إنما هو في قول الواصفِ لا في حصول تلك الصفات في الموصوف، وإلا فكونه عتلاًّ هو قبل كونه صاحب خير يمنعه.
وقال الزمخشريُّ: «بَعْدَ ذَلِكَ» أي: بعدما عد له من المثالب، والنقائصِ، ثم قال: جعل جفاءه ودعوته أشد معايبه، لأنه إذا غلظ وجفا طبعه قسا قلبُه واجترأ على كل معصية.
ونظير قوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين﴾ [البلد: 17] .
قوله: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ .
العامة: على فتح همزة «أن» ثم اختلفوا بعد، فقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر وأضاف القرطبي معهم أبا جعفر وأبا حيوة والمغيرة والأعرج: بالاستفهام.
وباقي السبعة بالخبر.
والقارئون بالاستفهام على أصولهم من تحقيق، وتسهيل، وإدخال ألف بين الهمزتين وعدمه، ولا بد من بيان ذلك فنقول: قرأ حمزة وأبو بكر وذكر القرطبي معهم المفضل: بتحقيق الهمزتين، وعدم إدخال ألف بينهما، وهذا هو أصلهما.
وقرأ ابن ذكوان: بتسهيل الثانية، وعدم إدخال ألف.
وهشام بالتسهيل المذكور إلا أنه أدخل ألفاً بينهما.
فقد خالف كل منهما أصله، أما ابن ذكوان فإنه يحقق الهمزتين فقد سهل الثانية هنا، وأما هشام فإن أصله أن يجري في الثانية من هذا النحو وجهين من التحقيق كرفيقه، والتسهيل وقد التزم التسهيل هنا، وأما إدخال الألف فإنه فيه على أصله، كما تقدم أول البقرة.
وقرأ نافع في رواية اليزيدي عنه: «إن» بكسر الهمزة على الشرط.
فأما قراءة «أنْ» - بالفتح - على الخبر، ففيه أربعة أوجه:
أحدها: أنها «أن» المصدرية في موضع المفعول به مجرورة بلام مقدرة، واللام متعلقة بفعل النهي، أي: ولا تطع من هذه صفاته، لأن كان متمولاً وصاحب بنين.
الثاني: أنها متعلقة ب «عُتُل» وإن كان قد وصف.
قاله الفارسي.
وهذا لا يجوز عند البصريين، وكأن الفارسي اغتفره في الجار.
الثالث: أن يتعلق ب «زَنِيمٍ» ، ولا سيما عند من يفسره بقبيح الأفعال.
الرابع: أن يتعلق بمحذوف يدل عليه ما بعده من الجملة الشرطية تقديره لكونه متمولاً، مستظهراً بالبنين كذب بآياتنا، قاله الزمخشريُّ.
قال: ولا يعمل فيه، قال: الذي هو جواب «إذا» لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، ولكن ما دلت عليه الجملةُ من معنى التكذيب.
وقال مكيٌّ، وتبعه أبو البقاء: «لا يجوز أن يكون العامل» تُتْلَى «لأن ما بعد» إذَا «لا يعمل فيما قبلها، لأن» إذَا «تضاف إلى الجمل، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف» انتهى.
وهذا يوهم أن المانع من ذلك ما ذكره فقط، والمانع أمرٌ معنوي، حتى لو فقد هذا المانع الذي ذكره لامتنع من جهة المعنى، وهو لا يصلح أن يعلل تلاوة آياتِ اللَّهِ عليه بكونه ذا مالٍ وبنين.
وأما قراءة «آنْ كان» على الاستفهام، ففيها وجهان:
أحدهما: أن يتعلق بمقدر يدل عليه ما قبله، أي: أتطيعه لأن كان، أو الكون طواعية لأن كان.
والثاني: أن يتعلق بمقدر يدل عليه ما بعده، أي: لأن كان كذب وجحد.
وأما قراءة «إنْ كَانَ» - بالكسر - فعلى الشرط، وجوابه مقدر، تقديره: إن كان كذا يكفر ويجحد، دل عليه ما بعده.
وقال الزمخشريُّ: والشرط للمخاطب، أي: لا تطع كل حلاف شارطاً يساره، لأنه إن أطاع الكافر لغنائه فكأنه اشترط في الطاعة الغنى، ونحو صرف الشرط للمخاطب صرف الترجي إليه في قوله ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى﴾ [طه: 44] .
وجعله أبو حيَّان من دخول شرط على شرط، يعني «إن، وإذا» إلا أنه قال: ليسا من الشروط المترتبة الوقوع. وجعل نظير ذلك قول ابن دُريْدٍ: [الرجز]
4817 - فإن عَثَرتُ بعْدها إنْ وألَتْ ... نَفْسِيَ مِنْ هَاتَا فَقُولاَ لاَ لَعَا
قال: «لأن الحامل على تدبر آياتِ اللَّهِ كونه ذا مالِ وبنينَ، وهو مشغول القلب بذلك غافل عن النظر قد استولت عليه الدُّنيا وأنظرته» .
وقرأ الحسن بن أبزى: بالاستفهام، وهو استفهام تقريعٍ وتوبيخٍ، على قوله حين تليت عليه آيات الله: ﴿أَسَاطِيرُ الأولين﴾ .
فصل في توجيه قراءة الآية
قال القرطبيُّ: فمن قرأ بهمزة مُطوَّلةٍ، أو بهمزتين محققتين، فهو استفهام والمراد به التوبيخ، ويحسن له أن يقف على «زَنِيمٍ» ، ويبتدىء «أنْ كَانَ» على معنى: لأن كان ذا مال وبنين تطيعه، ويجوز أن يكون التقدير: لأن كان ذا مال وبنين يكفر ويستكبر، ودل عليه ما تقدم من الكلامِ، فصار كالمذكور بعد الاستفهام، ومن قرأ «أن كَانَ» بغير استفهام، فهو مفعول من أجله، والعامل فيه فعل مضمر والتقدير: يكفر لأن كان ذا مال وبنين، ودل على هذا الفعل: ﴿إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ ولا يعمل في «أن» : «تُتْلَى» ولا «قَالَ» ، لأن ما بعد «إذَا» لا يعمل فيما قبلها؛ لأن «إذَا» تضاف إلى الجمل التي بعدها، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف و «قال» جواب الجزاء، ولا يعمل فيما قبل الجزاء، إذ حكم العامل أن يكون قبل المعمول فيه، وحكم الجواب أن يكون بعد الشرط، فيكون مقدماً مؤخراً في حالة واحدةٍ، ويجوز أن يكون المعنى: لا تطعه لأن كان ذا يسار وعدد.
قال ابن الأنباريُّ: ومن قرأ بلا استفهام لم يحسن أن يقف على «زَنيمٍ» لأن المعنى: لأن كان ذا مالٍ كان، ف «أنْ» متعلقة بما قبلها.
وقال غيره: يجوز أن يتعلق بقوله «مشَّاءٍ بنمِيمٍ» ، والتقدير: يمشي بنميم، لأن كان ذا مال وبنين، وأجاز أبو علي أن يتعلق ب «عُتُلٍّ» ومعنى «أسَاطيرُ الأوَّليْنَ» أباطيلهم، وتُرهاتُهُم.
قوله: «سَنَسِمُهُ» . أي: نجعل له سمة، أي: علامة يعرف بها.
قال جرير: [الكامل]
4818 - لمَّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي ... وعَلَى البَعيثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ
والخرطوم: الأنف، وهو هنا عبارة عن الوجه كله من التعبير عن الكل بالجزء؛ لأنه أظهر ما فيه وأعلاه، والخرطوم أيضاً: الخمر، وكأنه استعاره لها لأن الشنتمري قال: هي الخمر أول ما يخرج من الدَّن؛ فجعلت كالأنف لأنه أول ما يبدو من الوجه فليست الخرطومُ الوجه مطلقاً، ومن مجيء الخرطوم بمعنى الخمر، قول علقمة بن عبدة: [البسيط]
4819 - قَدْ أشْهَدَ الشَّرْبَ فِيهِمْ مِزْهَرٌ رَنِمٌ ... والقَوْمُ تَصْرعُهُمْ صَهْبَاءُ خرْطُومُ
وأنشد نضر بن شميل: [البسيط]
4820 - تَظَلُّ يَومَكَ في لَهْوٍ وفِي طَرَبٍ ... وأنْتَ باللَّيْلِ شَرَّابُ الخَراطِيمِ
فصل في تفسير «سنسمه»
قال ابن عباس: «سَنَسِمُهُ» سنحطمه بالسَّيفِ، قال: وقد حطم الذي نزلت فيه يوم بدرِ بالسيف، فلم يزل محطوماً إلى أن مات.
وقال قتادةُ: سنسمهُ يوم القيامة على أنفه سِمَةً يعرفُ بها، يقال: وسمه وسماً وسمة إذا أثرت فيه بسمة وكيّ.
قال الضحاك: سنكويه على وجهه، وقد قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] فهي علامة ظاهرة، وقال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: 102] وهذه علامة أخرى ظاهرة. وأفادت هذه الآية علامة ثالثة، وهي الوسم على الأنف بالنار، وهذا كقوله: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: 41] .
قاله الكلبي وغيره وقال أبو العالية ومجاهدٌ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم﴾ أي على أنفه، ويسودُّ وجهه في الآخرة، فعرف بسواد وجهه.
قال القرطبيُّ: «والخرطوم: الأنف من الإنسان، ومن السباع موضع الشفة، وخراطيم القوم: سادتهم» .
قال الفراء: وإن كان الخرطومُ قد خُصَّ بالسِّمة فإنَّهُ في الوجه لأن بعض الشيء يعبر به عن الكل.
وقال الطبريُّ: نبين أمره تبياناً واضحاً، فلا يخفى عليهم كما لا تخفى السِّمةُ على الخراطيم.
وقال: المعنى: سنلحق به عاراً وسبة حتى يكون كمن وسم على أنفه.
قال القتيبي: تقول العرب للرجل يُسَبُّ سبة سوءٍ قبيحة باقية قد وسم ميسم سوء، أي: ألصق به عار لا يفارقه، كما أن السمة لا يمحى أثرها.
وهذا كلهُ نزل في الوليد بن المغيرة، ولا شك أنَّ المبالغة العظيمة في ذمه بقيت على وجه الأرض الدهر، ولا يعلم أن اللَّه تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغ منه، فألحق به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة كالوسم على الخرطوم.
وقيل: ما ابتلاه اللَّهُ به في الدنيا في نفسه؛ وأهله وماله من سوء، وذل وصغار، قاله ابن بحر.
وقال النضر بن شميل: المعنى سنحده على شرب الخمر، والخرطوم: الخمر، وجمعه: خراطيم، وأنشد البيت المتقدم.
قال ابن الخطيب: «وهذا تعسفٌ» .
القلم 68:17
قوله ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة﴾ . يريد أهل مكة، والابتلاء: الاختبار. والمعنى: أعطيناهم الأموال ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا وعادوا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ابتليناهم بالجوع والقحط كما بلونا أصحاب الجنَّة المعروف خبرها عندهم، وذلك أنها كانت بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من «صنعاء» ، ويقال: بفرسخين، كانت لرجل يؤدي حقَّ الله منهما، فلما مات صارت إلى ولده، فمعنوا الناس خيرها، وبخلوا بحق الله فيها؛ فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حل بها.
قال الكلبيُّ: كان بينهم وبين «صنعاء» فرسخان ابتلاهم اللَّهُ بأن أحرق جنتهم.
وقيل: جنة بصوران على فراسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بيسير.
وقيل: كانوا من بني إسرائيل.
وقيل: وكانوا من ثقيف، وكانوا بخلاء، وكانوا يجذون النخل ليلاً من أجل المساكين، فأرادوا حصاد زرعها، وقالوا: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ فغدوا عليها فإذا هي قد اقتلعت من أصلها ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ أي: الليل، ويقال أيضاً للنهار: صريم، فإن كان أراد الليل، فلاسوداد مواضعها وكأنهم وجدوا مواضعها حمأة، وإن كان أراد بالصريم النهار، فلذهاب الشجر والزَّرْع وخلو الأرض منه، وكان الطائف الذي طاف عليها جبريل - عليه السلام - فاقتلعها.
فقيل: إنه طاف بها حول البيت ثم وضعها حيثُ مدينة الطائف اليوم، ولذلك سميت الطائف، وليس في أرض الحجازِ بلدة فيها الماء، والشجر [والزرع] والأعناب غيرها.
وقال البكريُّ في المعجم: سميت الطائف، لأن رجلاً من العرب يقالُ له: الدَّمُون، بَنَى حائطاً، وقال: إني قد بنيت لكم حائطاً حول بلدكم، فسميت الطائف. والله أعلم.
قوله «إذ أقْسَمُوا» ، أي: حلفوا فيما بينهم «ليَصْرِمُنَّهَا» أي: ليجذُّنها «مُصْبحِيْنَ» أي: وقت الصباح قبل أن يخرج المساكين «ولا يَسْتَثْنُونَ» ، أي: لم يقولوا: إن شاء الله.
قوله: «مُصْبحِيْنَ» حال من فاعل «ليَصْرمُنَّها» وهو من «أصبح» التامة، أي داخلين في الصباح، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ [الصافات: 137] وقوله: إذا سمعت بِسُرَى القين فاعلم بأنه مصبح والكاف في «كما» في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف، أي: بلوناهم ابتلاء كما بلونا، و «ما» مصدرية، أو بمعنى «الذي» و «إذَا» منصوبة ب «بَلَوْنَا» و «ليَصْرمُنَّهَا» جواب للقسم، وجاء على خلاف منطوقهم، ولو جاء لقيل: «لنَصْرمُنَّهَا» بنون المتكلم.
قوله: ﴿وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾ .
هذه مستأنفة، ويضعف كونها حالاً من حيث إن المضارع المنفي ب «لا» كالمثبت في عدم دخول الواو عليه وإضمار مبتدأ قبله، كقولهم: «قمت وأصك عينه» مستغنى عنه.
ومعنى: «لا يَسْتثْنُونَ» لا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم للمساكين، من الثني، وهو الكف والرد؛ لأنَّ الحالف إذا قال: واللَّهِ لأفعلن كذا إلا أن يشاء اللَّهُ غيره فقد رد انعقاد تلك اليمين.
وقيل: المعنى: لا يستثنون عزمهم عن الحرماتِ.
وقيل: لا يقولون، إن شاء الله.
قال الزمخشريُّ: وسمي استثناء وهو شرط؛ لأن معنى: لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد.
قوله ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ﴾ . أي هلاك، أو بلاء طائف، والطائف غلب في الشر.
قال الفراء: هو الأمر الذي يأتي ليلاً.
ورد عليه بقوله ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان﴾ [الأعراف: 201] وذلك لا يختص بليلٍ، ولا نهارٍ.
وقرأ النخعيُّ: «طَيْفٌ» .
قوله «مِن ربِّك» . يجوز أن يتعلق ب «طاف» وأن يتعلق بمحذوف صفة ل «طَائِفٌ» .
قوله: ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ . والصرام: جذاذ النخلِ، وأصل المادة الدلالة على القطع، ومنه الصُّرم، والصَّرْم - بالضم والفتح - وهو القطيعة؛ قال امرؤ القيس: [الطويل]
4821 - أفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هذا التَدلُّلِ ... وإنْ كنتِ قَدْ أزمَعْتِ صَرْمِي فأجْملِي
ومنه الصريمة، وهي قطعة منصرمة عن الرمل لا تنبت شيئاً؛ قال: [البسيط]
4822 - وبالصَّريمَةِ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ خَلَقٌ ... عَافٍ تَغَيَّرَ، إلاَّ النُّؤيُ والوتِدُ
والصارم: القاطع الماضي، وناقة مصرمة: انقطع لبنها، وانصرم الشهر والسنة، أي: قرب انفصالهما، وأصرم زيد: ساءت حاله، كأنه انقطع سعده.
فقوله «كالصَّريمِ» . قيل: هي الأشجار المنْصَرِم حملها.
وقال ابن عباس: كالليل؛ لأنه يقال له: الصريم، لسواده، والصريم أيضاً: النهار وقيل: الصُّبحُ؛ لأنه انصرم من الليلة، قاله الأخفش. فهو من الأضداد.
وقال شمر: الصريم الليل، والصريم النهار.
وقيل: الصريم: رملة معروفة باليمنِ لا تنبت شيئاً.
وقال الثوريُّ: كالزرع المحصود، فالصريم بمعنى المصروم، أي: المقطوع ما فيه.
وقال الحسنُ: صرم عنها الخير، أي: قطع، فالصريم مفعول أيضاً.
وقال المؤرج: كالرملة انصرمت من معظم الرمل، يقال: صريمة وصرائم، فالرملة لا تنبت شيئاً ينتفع به.
وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، ولهذا يكون «فَعِيْل» ، بمعنى «فاعل» .
قال القشيريُّ: وفي هذا نظر؛ لأن النهار يسمى صريماً، ولا يقطع عن التصرف.
وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يصر نور البصر ويقطعه.
فصل في بيان أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان.
قال القرطبيُّ: في الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. لأنهم عزموا على أن يفعلوا، فعوقبوا على فعلهم؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25] .
وفي الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:
«إذَا التَقَى المُسلِمَانِ بِسيْفِهِمَا فالقَاتِلُ والمَقْتُولُ في النَّارِ، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنَّه كَانَ حريصاَ على قَتْلِ صاحِبهِ» وقد مضى في آل عمران عند قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ﴾ [آل عمران: 135] .
قوله: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ﴾ .
قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض: ﴿اغدوا على حَرْثِكُمْ﴾ يعني بالحرث الثِّمار والزروع والأعناب، ولذلك قال: «صَارمِيْنَ» ، لأنهم أرادوا قطع الثمار من الأشجار.
«أن اغْدُوْا» يجوز أن تكون المصدرية، أي: تنادوا بهذا الكلام، وأن تكون المفسرة، لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول.
قال الزمخشريُّ: «فإن قلت: هلاَّ قيل: اغدوا إلى حرثكم، وما معنى على؟ .
قلت: لما كان الغدو إليه ليصرموه، ويقطعوه كان غدواً عليه كما تقول: غدا عليهم العدو ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال كقولهم: يغدى عليهم بالجفنة ويراح» انتهى.
فجعل «غَدَا» متعدياً في الأصل ب «إلى» فاحتاج إلى تأويل تعديه ب «عَلَى» ، وفيه نظر؛ لورود تعديه ب «عَلَى» في غير موضع؛ كقوله: [الوافر]
4823 - وقَدْ أغْدُو على ثُبَةٍ كِرامٍ ... نَشَاوَى واجِدينَ لَمَا نَشَاءُ
وإذا كانوا قد عدوا مرادفه ب «عَلَى» فليعدوه بها، ومرادفه «بكر» تقول: بكرتُ عليه و «غدوتُ عليه» بمعنى واحد؛ قال: [الطويل] 4824 - بَكَرْتُ عَليْهِ غُدْوةً فَرأيْتُهُ ... قُعُوداً إليْهِ بالصَّريمِ عَواذِلُه
قوله ﴿إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾ . جوابه محذوف، أي فاغدوا و «صارمين» : قاطعين حادين.
وقيل: ماضين العزم من قولك: سيف صارم.
قوله ﴿فانطلقوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ . أي: يتشاورون فيما بينهم، والمعنى يخفون كلامهم، ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد، قاله عطاء وقتادة.
وهو من خفت يخفت إذا سكت، ولم يبين.
قال ابن الخطيب: «وخَفَى وخَفَت، كلاهما في معنى الكتم، ومنه الخمود والخفاء» .
وقيل: يخفون أنفسهم من الناس، حتى لا يروهم، وكان أبوهم يخبر الفقراء والمساكين فيحضروا وقت الحصاد والصرام.
وقوله: ﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ جملة حالية من فاعل «انْطَلقُوا» .
قوله: ﴿أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ .
«أنْ» مفسرة، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: يتخافتون بهذا الكلام، أي: يقوله بعضهم لبعض: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ .
قال ابن الخطيب: والنهي للمسكين عن الدخول نهيٌ لهم عن تمكينه منه، أي: لا تمكنوه من الدخول.
وقرأ عبد الله وابن أبي عبلة: «لا يدْخُلنَّهَا» بإسقاط «أنْ» إما على إضمار القولِ كمذهب البصريين، وإما على إجراء «يَتَخافتُونَ» مجراه كقول الكوفيين.
قوله: ﴿وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ .
يجوز أن يكون «قَادِريْنَ» حالاً من فاعل «غَدَوْا» و «عَلى حَرْدٍ» متعلق به وأن يكون «على حَردٍ» هو الحال و «قَادِريْنَ» إما حال ثانية، وإما حال من ضمير الحالِ الأول.
والحرد: قيل: الغضب والحنق. قاله السديُّ وسفيان.
وأنشد للأشهب بن رميلة: [الطويل]
4825 - أسُودُ شَرًى لاقَتْ أسُودَ خَفيَّةٍ ... تَساقَوْا على حَرْدٍ دِماءَ الأسَاوِدِ
قيل: ومثله: [الرجز]
4826 - إذَا جِيادُ الخَيْلِ جَاءتْ تَرْدِي ... مَملُوءةً مِنْ غضَبٍ وحَرْدِ
عطف لما تغاير اللفظان؛ كقوله: [الوافر]
4827 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... وألْفَى قوْلهَا كذِباً ومَيْنَا
قال أبو عبيدة والقتيبي: «عَلى حَرْدٍ» على منع من حاردت الناقة حراداً، أي: قل لبنها.
والحرود من النوق القليلة الدر، وحاردت السَّنةُ: قل مطرها، وخيرها.
ويقال: حرد - بالكسر - يحرد حرداً، وقد تفتح فيقال: حَرَدَ فهو حردان وحارد، وليوث حوارد.
وقيل: الحرد، والحرود: الانفراد، يقال: حَرَدَ - بالفتح - يَحْرُدُ - بالضم - حروداً وحرداً، أي: انعزل. ومنه كوكب حارد، أي: منفرد.
قال الأصمعي: هي لغة هذيل.
وقال القرطبيُّ: يقال: حرد يحرد حروداً، أي: تنحى عن قومه، ولم يخالطهم.
وقال أبو زيدٍ: رجل حريد من قوم حرداء، وقد حَرَدَ يَحْرِدُ حُرُوداً إذا ترك قومه، وتحول عنهم.
قال الأصمعي: رجل حريد، أي: فريد وحيد، قال: والمنفرد والمنحرد في لغة هذيل وأنشد لأبي ذؤيب: [البسيط]
4828 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... كأنَّهُ كَوكَبٌ في الجَوِّ مُنْحِرِدُ ورواه أبو عمرو: بالجيم، قال: وهو سهيل.
وقيل: الحردُ القصد، يقال: حَرَد يحْرِدُ - بالكسر - حرداً، قصداً، تقول: حردت حردك، أي: قصدت قصدك؛ قال الراجز: [الرجز]
4829 - أقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ
وقال قتادة ومجاهدٌ: «عَلى حَرْدٍ» ، أي: على جد وجهد.
وقال القرطبيُّ ومجاهد وعكرمة: أي: على أمر مجتمع قد أسموه بينهم.
قال البغويُّ: «وهذا معنى القصدِ» .
وقال الحسنُ: على حاجةٍ وفاقةٍ.
وقيل: الحرد اسم جنتهم بعينها، قاله السديُّ.
وقال الأزهريُّ: حرد اسم قريتهم. وفيهما بعد. و «قَادِريْنَ» إما من القدرة وهو الظاهرُ، وإما من التقدير، وهو التضييق، أي: مضيقين على المساكين.
وقرأ العامة: بالإسكان.
وقرأ أبو العالية وابن السميفع: بالفتح، وهما لغتان.
فصل في تفسير «قادرين»
قال الفرَّاء: ومعنى «قادرين» قد قدروا أمرم، وبنوا عليه.
وقال قتادة: قادرين على جنتهم عند أنفسهم.
وقال الشعبيُّ: قادرين على المساكين.
وقيل: معناه من الوجود، أي: منعوا وهم واجدون.
ومعنى الآيةِ: وغدوا، وكانوا عند أنفسهم، وفي ظنهم أنهم قادرون على منع المساكينَ.
قوله ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾ . يعني الجنة محترقة، لا شيء فيها قد صارت كالليل الأسود ينظرون إليها كالرماد أنكروها، وشكوا فيها، وقال بعضهم لبعض: «إنَّا لضالُّونَ» أي: ضللنا الطريق إلى جنتنا، ثم لما تأملوا وعرفوا أنها هي، قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حرمنا خيرها بشؤم عزمنا على البخل ومنعنا الفقراء، قاله قتادة.
وقيل: «إنَّا لضالُّون» عن الصَّواب في غدونا على نية منع المساكين، فلذلك عوقبنا ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: حرمنا جنتنا بما صنعنا.
روى ابن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» إيَّاكم والمَعاصِي إنَّ العَبْدَ ليذْنبُ الذَّنْبَ فيُحرَمُ بِهِ رِزْقاً كان هُيِّىء له «ثم تلا: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ » الآيتين.
قوله: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ ، يعني أعدلهم، وأفضلهم وأعقلهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ: لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ أي: هلا تستثنون، وكان استثناؤهم تسبيحاً. قاله مجاهدٌ وغيره، وهذا يدل على أن هذا الأوسط كان يأمرهم بالاستثناء، فلم يطيعوه.
قال أبو صالحٍ: كان استثناؤهم سبحان الله، فقال لهم: «هَلاَّ تسبِّحُونَ اللَّهَ» ، أي تقولون: سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم.
وقال النحاس: أصل التسبيحِ التنزيه لله - عَزَّ وَجَلَّ -، فجعل مجاهد التسبيح في موضع إن شاء اللَّهُ؛ لأن المعنى تنزيه الله أن يكون شيء إلا بمشيئته.
وقال ابن الخطيب: التسبيحُ عبارة عن تنزيهه عن كل سوء فلو دخل شيء في الوجود على خلاف إرادة الله تعالى، لوجب عود النقص إلى قدرة الله تعالى، فقولك: «إن شاء الله» مزيل هذا النقص، فكان ذلك تسبيحاً.
وقيل: المعنى: هلاَّ تَسْتغفرونهُ من فِعْلكُم، وتتوبون إليه من خبث نيتكم.
قيل: إنَّ القوم لمَّا عزموا على منع الزكاةِ واغتروا بالمال والقوة، قال لهم أوسطهم: توبوا عن هذه المعصية قبل نزول العذابِ، فلما رأوا العذاب ذكرهم أوسطهم كلامهُ الأول، وقال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ فحينئذ اشتغلوا بالتوبة وقالوا: ﴿ِسُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ قال ابن عباس في قولهم سبحان ربنا أي نستغفر ربنا من ذنوبنا لأنا كنا ظالمين لأنفسنا في منعنا المساكين.
وقال الحسنُ: هذا التسبيحُ هُو الصَّلاةُ كأنهم كانوا يتكاسلون في الصلاة، وإلا لكانت ناهية لهم [عن الفحشاء والمنكر، ولكانت داعية لهم] إلى أن يواظبوا على ذكر الله، وعلى قول إن شاء الله.
قوله ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾ . أي: يلوم بعضهم بعضاً، يقول هذا لهذا: أنت أشرت علينا بهذا الرأي، ويقول ذلك لهذا: أنت خوفتنا بالفقر، ويقول الثالث لغيره: أنت رغبتني في جمع المال، ثم نادوا على أنفسهم بالوَيْلِ فقالوا: ﴿ياويلنا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ أي: عاصين بمنع حق الفقراءِ، وترك الاستثناء.
وقال ابنُ كيسان: طغينا نعم اللَّهِ، فلم نشكرهَا كما شكرها آباؤنا من قبل ﴿عسى رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ تعاقدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيراً منها لنصنعنّ كما صنع آباؤنا فدعوا الله وتضرعوا فأبدلهم الله من ليلتهم ما هو خير منها.
قرىء: «يبدلنا» بالتخفيف والتشديد، وهما لغتانِ.
وقيل: التبديلُ تغير الشيء، أو تغير حاله وعين الشيء قائم، والإبدال رفع الشيء ووضع آخر مكانه، ثم قال: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ أي: طالبون منه الخير راجعون لعفوه.
قال المفسرون: إن الله أمر جبريل عليه السلام أن يقتلع تلك الجنة، بزغر من أرض الشام، ويأخذ من أرض الشام جنة، فيجعلها مكانها.
وقال ابن مسعود: إن القوم لما أخلصوا وعرف الله منهم صدقهم أبدلهم اللَّهُ جنة يقال لها: الخيوان فيها عنب يحمل البغل منها عنقوداً واحداً.
وقال أبو خالد اليماني: دخلت تلك الجنة، فرأيت كُلَّ عنقودٍ منها كالرَّجلِ الأسودِ القائمِ.
وقال الحسنُ: قول أهل الجنة: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ لا أدري إيماناً كان ذلك منهم، أو على حد ما يكون من المشركين إذا أصابهم الشدة. فتوقف في كونهم مؤمنين.
وسئل قتادةُ عن أهل الجنَّة، أهم من أهل الجنَّة أم من أهل النَّارِ؟ .
قال: لقد كلفتني تعباً.
والأكثرون يقولون: إنهم تابوا وأخلصوا. حكاه القشيري.
قوله: ﴿كَذَلِكَ العذاب﴾ . مبتدأ وخيره مقدم، أي: مثل ذلك العذاب عذاب الدنيا وأما عذاب الآخرة فأكبر منه ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ .
قال ابنُ زيدٍ: «كذَلكَ العَذابُ» أي: عذاب الدنيا وهلاك الأموال.
وقيل: هذا وعظٌ لأهل مكة بالرجوعِ إلى اللَّه لما ابتلاهم بالجدب لدعاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أي: كفعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا في الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الآخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ .
قال ابنُ عباسٍ: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر، وحلفوا ليقتلنَّ محمداً، وأصحابه، وليرجعوا إلى أهل مكة، حتى يطوفوا بالبيت، ويشربوا الخمر، وتضرب القيانُ على رءوسهم، فأخلف الله ظنهم، وقتلوا وأسروا وانهزموا كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصرم، فخابوا.
فصل في العبرة من هذه الآية بضرب المثل
قال ابن الخطيب: قوله تعالى ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [القلم: 14 - 15] ، والمعنى: لأجل أن أعطاه الله المال والبنين كفر بالله، كلا، بل الله تعالى إنما أعطاه ذلك للابتلاء، فإذا صرفه إلى الكفر دمر الله عليه، بدليل أن أصحاب الجنة لما أتوا بهذه المعصيةِ اليسيرةِ دمر الله جنتهم، فكيف حال من عاند الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وأصرَّ على الكفر والمعصيةِ.
فصل في بيان هل كان الحق واجباً عليهم أم لا؟
قيل: إن الحق الذي منعه أهل الجنَّة المساكين كان واجباً عليهم، ويحتمل أنه كان تطوعاً، والأول أظهر.
وقيل: السورة مكية، فبعد حمل الآية على ما أصاب أهل مكة من القحطِ، وعلى قتال بدر.
القلم 68:18
قوله ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة﴾ . يريد أهل مكة، والابتلاء: الاختبار. والمعنى: أعطيناهم الأموال ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا وعادوا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ابتليناهم بالجوع والقحط كما بلونا أصحاب الجنَّة المعروف خبرها عندهم، وذلك أنها كانت بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من «صنعاء» ، ويقال: بفرسخين، كانت لرجل يؤدي حقَّ الله منهما، فلما مات صارت إلى ولده، فمعنوا الناس خيرها، وبخلوا بحق الله فيها؛ فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حل بها.
قال الكلبيُّ: كان بينهم وبين «صنعاء» فرسخان ابتلاهم اللَّهُ بأن أحرق جنتهم.
وقيل: جنة بصوران على فراسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بيسير.
وقيل: كانوا من بني إسرائيل.
وقيل: وكانوا من ثقيف، وكانوا بخلاء، وكانوا يجذون النخل ليلاً من أجل المساكين، فأرادوا حصاد زرعها، وقالوا: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ فغدوا عليها فإذا هي قد اقتلعت من أصلها ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ أي: الليل، ويقال أيضاً للنهار: صريم، فإن كان أراد الليل، فلاسوداد مواضعها وكأنهم وجدوا مواضعها حمأة، وإن كان أراد بالصريم النهار، فلذهاب الشجر والزَّرْع وخلو الأرض منه، وكان الطائف الذي طاف عليها جبريل - عليه السلام - فاقتلعها.
فقيل: إنه طاف بها حول البيت ثم وضعها حيثُ مدينة الطائف اليوم، ولذلك سميت الطائف، وليس في أرض الحجازِ بلدة فيها الماء، والشجر [والزرع] والأعناب غيرها.
وقال البكريُّ في المعجم: سميت الطائف، لأن رجلاً من العرب يقالُ له: الدَّمُون، بَنَى حائطاً، وقال: إني قد بنيت لكم حائطاً حول بلدكم، فسميت الطائف. والله أعلم.
قوله «إذ أقْسَمُوا» ، أي: حلفوا فيما بينهم «ليَصْرِمُنَّهَا» أي: ليجذُّنها «مُصْبحِيْنَ» أي: وقت الصباح قبل أن يخرج المساكين «ولا يَسْتَثْنُونَ» ، أي: لم يقولوا: إن شاء الله.
قوله: «مُصْبحِيْنَ» حال من فاعل «ليَصْرمُنَّها» وهو من «أصبح» التامة، أي داخلين في الصباح، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ [الصافات: 137] وقوله: إذا سمعت بِسُرَى القين فاعلم بأنه مصبح والكاف في «كما» في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف، أي: بلوناهم ابتلاء كما بلونا، و «ما» مصدرية، أو بمعنى «الذي» و «إذَا» منصوبة ب «بَلَوْنَا» و «ليَصْرمُنَّهَا» جواب للقسم، وجاء على خلاف منطوقهم، ولو جاء لقيل: «لنَصْرمُنَّهَا» بنون المتكلم.
قوله: ﴿وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾ .
هذه مستأنفة، ويضعف كونها حالاً من حيث إن المضارع المنفي ب «لا» كالمثبت في عدم دخول الواو عليه وإضمار مبتدأ قبله، كقولهم: «قمت وأصك عينه» مستغنى عنه.
ومعنى: «لا يَسْتثْنُونَ» لا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم للمساكين، من الثني، وهو الكف والرد؛ لأنَّ الحالف إذا قال: واللَّهِ لأفعلن كذا إلا أن يشاء اللَّهُ غيره فقد رد انعقاد تلك اليمين.
وقيل: المعنى: لا يستثنون عزمهم عن الحرماتِ.
وقيل: لا يقولون، إن شاء الله.
قال الزمخشريُّ: وسمي استثناء وهو شرط؛ لأن معنى: لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد.
قوله ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ﴾ . أي هلاك، أو بلاء طائف، والطائف غلب في الشر.
قال الفراء: هو الأمر الذي يأتي ليلاً.
ورد عليه بقوله ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان﴾ [الأعراف: 201] وذلك لا يختص بليلٍ، ولا نهارٍ.
وقرأ النخعيُّ: «طَيْفٌ» .
قوله «مِن ربِّك» . يجوز أن يتعلق ب «طاف» وأن يتعلق بمحذوف صفة ل «طَائِفٌ» .
قوله: ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ . والصرام: جذاذ النخلِ، وأصل المادة الدلالة على القطع، ومنه الصُّرم، والصَّرْم - بالضم والفتح - وهو القطيعة؛ قال امرؤ القيس: [الطويل]
4821 - أفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هذا التَدلُّلِ ... وإنْ كنتِ قَدْ أزمَعْتِ صَرْمِي فأجْملِي
ومنه الصريمة، وهي قطعة منصرمة عن الرمل لا تنبت شيئاً؛ قال: [البسيط]
4822 - وبالصَّريمَةِ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ خَلَقٌ ... عَافٍ تَغَيَّرَ، إلاَّ النُّؤيُ والوتِدُ
والصارم: القاطع الماضي، وناقة مصرمة: انقطع لبنها، وانصرم الشهر والسنة، أي: قرب انفصالهما، وأصرم زيد: ساءت حاله، كأنه انقطع سعده.
فقوله «كالصَّريمِ» . قيل: هي الأشجار المنْصَرِم حملها.
وقال ابن عباس: كالليل؛ لأنه يقال له: الصريم، لسواده، والصريم أيضاً: النهار وقيل: الصُّبحُ؛ لأنه انصرم من الليلة، قاله الأخفش. فهو من الأضداد.
وقال شمر: الصريم الليل، والصريم النهار.
وقيل: الصريم: رملة معروفة باليمنِ لا تنبت شيئاً.
وقال الثوريُّ: كالزرع المحصود، فالصريم بمعنى المصروم، أي: المقطوع ما فيه.
وقال الحسنُ: صرم عنها الخير، أي: قطع، فالصريم مفعول أيضاً.
وقال المؤرج: كالرملة انصرمت من معظم الرمل، يقال: صريمة وصرائم، فالرملة لا تنبت شيئاً ينتفع به.
وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، ولهذا يكون «فَعِيْل» ، بمعنى «فاعل» .
قال القشيريُّ: وفي هذا نظر؛ لأن النهار يسمى صريماً، ولا يقطع عن التصرف.
وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يصر نور البصر ويقطعه.
فصل في بيان أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان.
قال القرطبيُّ: في الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. لأنهم عزموا على أن يفعلوا، فعوقبوا على فعلهم؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25] .
وفي الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:
«إذَا التَقَى المُسلِمَانِ بِسيْفِهِمَا فالقَاتِلُ والمَقْتُولُ في النَّارِ، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنَّه كَانَ حريصاَ على قَتْلِ صاحِبهِ» وقد مضى في آل عمران عند قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ﴾ [آل عمران: 135] .
قوله: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ﴾ .
قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض: ﴿اغدوا على حَرْثِكُمْ﴾ يعني بالحرث الثِّمار والزروع والأعناب، ولذلك قال: «صَارمِيْنَ» ، لأنهم أرادوا قطع الثمار من الأشجار.
«أن اغْدُوْا» يجوز أن تكون المصدرية، أي: تنادوا بهذا الكلام، وأن تكون المفسرة، لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول.
قال الزمخشريُّ: «فإن قلت: هلاَّ قيل: اغدوا إلى حرثكم، وما معنى على؟ .
قلت: لما كان الغدو إليه ليصرموه، ويقطعوه كان غدواً عليه كما تقول: غدا عليهم العدو ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال كقولهم: يغدى عليهم بالجفنة ويراح» انتهى.
فجعل «غَدَا» متعدياً في الأصل ب «إلى» فاحتاج إلى تأويل تعديه ب «عَلَى» ، وفيه نظر؛ لورود تعديه ب «عَلَى» في غير موضع؛ كقوله: [الوافر]
4823 - وقَدْ أغْدُو على ثُبَةٍ كِرامٍ ... نَشَاوَى واجِدينَ لَمَا نَشَاءُ
وإذا كانوا قد عدوا مرادفه ب «عَلَى» فليعدوه بها، ومرادفه «بكر» تقول: بكرتُ عليه و «غدوتُ عليه» بمعنى واحد؛ قال: [الطويل] 4824 - بَكَرْتُ عَليْهِ غُدْوةً فَرأيْتُهُ ... قُعُوداً إليْهِ بالصَّريمِ عَواذِلُه
قوله ﴿إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾ . جوابه محذوف، أي فاغدوا و «صارمين» : قاطعين حادين.
وقيل: ماضين العزم من قولك: سيف صارم.
قوله ﴿فانطلقوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ . أي: يتشاورون فيما بينهم، والمعنى يخفون كلامهم، ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد، قاله عطاء وقتادة.
وهو من خفت يخفت إذا سكت، ولم يبين.
قال ابن الخطيب: «وخَفَى وخَفَت، كلاهما في معنى الكتم، ومنه الخمود والخفاء» .
وقيل: يخفون أنفسهم من الناس، حتى لا يروهم، وكان أبوهم يخبر الفقراء والمساكين فيحضروا وقت الحصاد والصرام.
وقوله: ﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ جملة حالية من فاعل «انْطَلقُوا» .
قوله: ﴿أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ .
«أنْ» مفسرة، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: يتخافتون بهذا الكلام، أي: يقوله بعضهم لبعض: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ .
قال ابن الخطيب: والنهي للمسكين عن الدخول نهيٌ لهم عن تمكينه منه، أي: لا تمكنوه من الدخول.
وقرأ عبد الله وابن أبي عبلة: «لا يدْخُلنَّهَا» بإسقاط «أنْ» إما على إضمار القولِ كمذهب البصريين، وإما على إجراء «يَتَخافتُونَ» مجراه كقول الكوفيين.
قوله: ﴿وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ .
يجوز أن يكون «قَادِريْنَ» حالاً من فاعل «غَدَوْا» و «عَلى حَرْدٍ» متعلق به وأن يكون «على حَردٍ» هو الحال و «قَادِريْنَ» إما حال ثانية، وإما حال من ضمير الحالِ الأول.
والحرد: قيل: الغضب والحنق. قاله السديُّ وسفيان.
وأنشد للأشهب بن رميلة: [الطويل]
4825 - أسُودُ شَرًى لاقَتْ أسُودَ خَفيَّةٍ ... تَساقَوْا على حَرْدٍ دِماءَ الأسَاوِدِ
قيل: ومثله: [الرجز]
4826 - إذَا جِيادُ الخَيْلِ جَاءتْ تَرْدِي ... مَملُوءةً مِنْ غضَبٍ وحَرْدِ
عطف لما تغاير اللفظان؛ كقوله: [الوافر]
4827 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... وألْفَى قوْلهَا كذِباً ومَيْنَا
قال أبو عبيدة والقتيبي: «عَلى حَرْدٍ» على منع من حاردت الناقة حراداً، أي: قل لبنها.
والحرود من النوق القليلة الدر، وحاردت السَّنةُ: قل مطرها، وخيرها.
ويقال: حرد - بالكسر - يحرد حرداً، وقد تفتح فيقال: حَرَدَ فهو حردان وحارد، وليوث حوارد.
وقيل: الحرد، والحرود: الانفراد، يقال: حَرَدَ - بالفتح - يَحْرُدُ - بالضم - حروداً وحرداً، أي: انعزل. ومنه كوكب حارد، أي: منفرد.
قال الأصمعي: هي لغة هذيل.
وقال القرطبيُّ: يقال: حرد يحرد حروداً، أي: تنحى عن قومه، ولم يخالطهم.
وقال أبو زيدٍ: رجل حريد من قوم حرداء، وقد حَرَدَ يَحْرِدُ حُرُوداً إذا ترك قومه، وتحول عنهم.
قال الأصمعي: رجل حريد، أي: فريد وحيد، قال: والمنفرد والمنحرد في لغة هذيل وأنشد لأبي ذؤيب: [البسيط]
4828 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... كأنَّهُ كَوكَبٌ في الجَوِّ مُنْحِرِدُ ورواه أبو عمرو: بالجيم، قال: وهو سهيل.
وقيل: الحردُ القصد، يقال: حَرَد يحْرِدُ - بالكسر - حرداً، قصداً، تقول: حردت حردك، أي: قصدت قصدك؛ قال الراجز: [الرجز]
4829 - أقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ
وقال قتادة ومجاهدٌ: «عَلى حَرْدٍ» ، أي: على جد وجهد.
وقال القرطبيُّ ومجاهد وعكرمة: أي: على أمر مجتمع قد أسموه بينهم.
قال البغويُّ: «وهذا معنى القصدِ» .
وقال الحسنُ: على حاجةٍ وفاقةٍ.
وقيل: الحرد اسم جنتهم بعينها، قاله السديُّ.
وقال الأزهريُّ: حرد اسم قريتهم. وفيهما بعد. و «قَادِريْنَ» إما من القدرة وهو الظاهرُ، وإما من التقدير، وهو التضييق، أي: مضيقين على المساكين.
وقرأ العامة: بالإسكان.
وقرأ أبو العالية وابن السميفع: بالفتح، وهما لغتان.
فصل في تفسير «قادرين»
قال الفرَّاء: ومعنى «قادرين» قد قدروا أمرم، وبنوا عليه.
وقال قتادة: قادرين على جنتهم عند أنفسهم.
وقال الشعبيُّ: قادرين على المساكين.
وقيل: معناه من الوجود، أي: منعوا وهم واجدون.
ومعنى الآيةِ: وغدوا، وكانوا عند أنفسهم، وفي ظنهم أنهم قادرون على منع المساكينَ.
قوله ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾ . يعني الجنة محترقة، لا شيء فيها قد صارت كالليل الأسود ينظرون إليها كالرماد أنكروها، وشكوا فيها، وقال بعضهم لبعض: «إنَّا لضالُّونَ» أي: ضللنا الطريق إلى جنتنا، ثم لما تأملوا وعرفوا أنها هي، قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حرمنا خيرها بشؤم عزمنا على البخل ومنعنا الفقراء، قاله قتادة.
وقيل: «إنَّا لضالُّون» عن الصَّواب في غدونا على نية منع المساكين، فلذلك عوقبنا ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: حرمنا جنتنا بما صنعنا.
روى ابن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» إيَّاكم والمَعاصِي إنَّ العَبْدَ ليذْنبُ الذَّنْبَ فيُحرَمُ بِهِ رِزْقاً كان هُيِّىء له «ثم تلا: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ » الآيتين.
قوله: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ ، يعني أعدلهم، وأفضلهم وأعقلهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ: لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ أي: هلا تستثنون، وكان استثناؤهم تسبيحاً. قاله مجاهدٌ وغيره، وهذا يدل على أن هذا الأوسط كان يأمرهم بالاستثناء، فلم يطيعوه.
قال أبو صالحٍ: كان استثناؤهم سبحان الله، فقال لهم: «هَلاَّ تسبِّحُونَ اللَّهَ» ، أي تقولون: سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم.
وقال النحاس: أصل التسبيحِ التنزيه لله - عَزَّ وَجَلَّ -، فجعل مجاهد التسبيح في موضع إن شاء اللَّهُ؛ لأن المعنى تنزيه الله أن يكون شيء إلا بمشيئته.
وقال ابن الخطيب: التسبيحُ عبارة عن تنزيهه عن كل سوء فلو دخل شيء في الوجود على خلاف إرادة الله تعالى، لوجب عود النقص إلى قدرة الله تعالى، فقولك: «إن شاء الله» مزيل هذا النقص، فكان ذلك تسبيحاً.
وقيل: المعنى: هلاَّ تَسْتغفرونهُ من فِعْلكُم، وتتوبون إليه من خبث نيتكم.
قيل: إنَّ القوم لمَّا عزموا على منع الزكاةِ واغتروا بالمال والقوة، قال لهم أوسطهم: توبوا عن هذه المعصية قبل نزول العذابِ، فلما رأوا العذاب ذكرهم أوسطهم كلامهُ الأول، وقال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ فحينئذ اشتغلوا بالتوبة وقالوا: ﴿ِسُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ قال ابن عباس في قولهم سبحان ربنا أي نستغفر ربنا من ذنوبنا لأنا كنا ظالمين لأنفسنا في منعنا المساكين.
وقال الحسنُ: هذا التسبيحُ هُو الصَّلاةُ كأنهم كانوا يتكاسلون في الصلاة، وإلا لكانت ناهية لهم [عن الفحشاء والمنكر، ولكانت داعية لهم] إلى أن يواظبوا على ذكر الله، وعلى قول إن شاء الله.
قوله ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾ . أي: يلوم بعضهم بعضاً، يقول هذا لهذا: أنت أشرت علينا بهذا الرأي، ويقول ذلك لهذا: أنت خوفتنا بالفقر، ويقول الثالث لغيره: أنت رغبتني في جمع المال، ثم نادوا على أنفسهم بالوَيْلِ فقالوا: ﴿ياويلنا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ أي: عاصين بمنع حق الفقراءِ، وترك الاستثناء.
وقال ابنُ كيسان: طغينا نعم اللَّهِ، فلم نشكرهَا كما شكرها آباؤنا من قبل ﴿عسى رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ تعاقدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيراً منها لنصنعنّ كما صنع آباؤنا فدعوا الله وتضرعوا فأبدلهم الله من ليلتهم ما هو خير منها.
قرىء: «يبدلنا» بالتخفيف والتشديد، وهما لغتانِ.
وقيل: التبديلُ تغير الشيء، أو تغير حاله وعين الشيء قائم، والإبدال رفع الشيء ووضع آخر مكانه، ثم قال: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ أي: طالبون منه الخير راجعون لعفوه.
قال المفسرون: إن الله أمر جبريل عليه السلام أن يقتلع تلك الجنة، بزغر من أرض الشام، ويأخذ من أرض الشام جنة، فيجعلها مكانها.
وقال ابن مسعود: إن القوم لما أخلصوا وعرف الله منهم صدقهم أبدلهم اللَّهُ جنة يقال لها: الخيوان فيها عنب يحمل البغل منها عنقوداً واحداً.
وقال أبو خالد اليماني: دخلت تلك الجنة، فرأيت كُلَّ عنقودٍ منها كالرَّجلِ الأسودِ القائمِ.
وقال الحسنُ: قول أهل الجنة: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ لا أدري إيماناً كان ذلك منهم، أو على حد ما يكون من المشركين إذا أصابهم الشدة. فتوقف في كونهم مؤمنين.
وسئل قتادةُ عن أهل الجنَّة، أهم من أهل الجنَّة أم من أهل النَّارِ؟ .
قال: لقد كلفتني تعباً.
والأكثرون يقولون: إنهم تابوا وأخلصوا. حكاه القشيري.
قوله: ﴿كَذَلِكَ العذاب﴾ . مبتدأ وخيره مقدم، أي: مثل ذلك العذاب عذاب الدنيا وأما عذاب الآخرة فأكبر منه ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ .
قال ابنُ زيدٍ: «كذَلكَ العَذابُ» أي: عذاب الدنيا وهلاك الأموال.
وقيل: هذا وعظٌ لأهل مكة بالرجوعِ إلى اللَّه لما ابتلاهم بالجدب لدعاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أي: كفعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا في الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الآخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ .
قال ابنُ عباسٍ: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر، وحلفوا ليقتلنَّ محمداً، وأصحابه، وليرجعوا إلى أهل مكة، حتى يطوفوا بالبيت، ويشربوا الخمر، وتضرب القيانُ على رءوسهم، فأخلف الله ظنهم، وقتلوا وأسروا وانهزموا كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصرم، فخابوا.
فصل في العبرة من هذه الآية بضرب المثل
قال ابن الخطيب: قوله تعالى ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [القلم: 14 - 15] ، والمعنى: لأجل أن أعطاه الله المال والبنين كفر بالله، كلا، بل الله تعالى إنما أعطاه ذلك للابتلاء، فإذا صرفه إلى الكفر دمر الله عليه، بدليل أن أصحاب الجنة لما أتوا بهذه المعصيةِ اليسيرةِ دمر الله جنتهم، فكيف حال من عاند الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وأصرَّ على الكفر والمعصيةِ.
فصل في بيان هل كان الحق واجباً عليهم أم لا؟
قيل: إن الحق الذي منعه أهل الجنَّة المساكين كان واجباً عليهم، ويحتمل أنه كان تطوعاً، والأول أظهر.
وقيل: السورة مكية، فبعد حمل الآية على ما أصاب أهل مكة من القحطِ، وعلى قتال بدر.
القلم 68:19
قوله ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة﴾ . يريد أهل مكة، والابتلاء: الاختبار. والمعنى: أعطيناهم الأموال ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا وعادوا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ابتليناهم بالجوع والقحط كما بلونا أصحاب الجنَّة المعروف خبرها عندهم، وذلك أنها كانت بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من «صنعاء» ، ويقال: بفرسخين، كانت لرجل يؤدي حقَّ الله منهما، فلما مات صارت إلى ولده، فمعنوا الناس خيرها، وبخلوا بحق الله فيها؛ فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حل بها.
قال الكلبيُّ: كان بينهم وبين «صنعاء» فرسخان ابتلاهم اللَّهُ بأن أحرق جنتهم.
وقيل: جنة بصوران على فراسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بيسير.
وقيل: كانوا من بني إسرائيل.
وقيل: وكانوا من ثقيف، وكانوا بخلاء، وكانوا يجذون النخل ليلاً من أجل المساكين، فأرادوا حصاد زرعها، وقالوا: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ فغدوا عليها فإذا هي قد اقتلعت من أصلها ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ أي: الليل، ويقال أيضاً للنهار: صريم، فإن كان أراد الليل، فلاسوداد مواضعها وكأنهم وجدوا مواضعها حمأة، وإن كان أراد بالصريم النهار، فلذهاب الشجر والزَّرْع وخلو الأرض منه، وكان الطائف الذي طاف عليها جبريل - عليه السلام - فاقتلعها.
فقيل: إنه طاف بها حول البيت ثم وضعها حيثُ مدينة الطائف اليوم، ولذلك سميت الطائف، وليس في أرض الحجازِ بلدة فيها الماء، والشجر [والزرع] والأعناب غيرها.
وقال البكريُّ في المعجم: سميت الطائف، لأن رجلاً من العرب يقالُ له: الدَّمُون، بَنَى حائطاً، وقال: إني قد بنيت لكم حائطاً حول بلدكم، فسميت الطائف. والله أعلم.
قوله «إذ أقْسَمُوا» ، أي: حلفوا فيما بينهم «ليَصْرِمُنَّهَا» أي: ليجذُّنها «مُصْبحِيْنَ» أي: وقت الصباح قبل أن يخرج المساكين «ولا يَسْتَثْنُونَ» ، أي: لم يقولوا: إن شاء الله.
قوله: «مُصْبحِيْنَ» حال من فاعل «ليَصْرمُنَّها» وهو من «أصبح» التامة، أي داخلين في الصباح، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ [الصافات: 137] وقوله: إذا سمعت بِسُرَى القين فاعلم بأنه مصبح والكاف في «كما» في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف، أي: بلوناهم ابتلاء كما بلونا، و «ما» مصدرية، أو بمعنى «الذي» و «إذَا» منصوبة ب «بَلَوْنَا» و «ليَصْرمُنَّهَا» جواب للقسم، وجاء على خلاف منطوقهم، ولو جاء لقيل: «لنَصْرمُنَّهَا» بنون المتكلم.
قوله: ﴿وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾ .
هذه مستأنفة، ويضعف كونها حالاً من حيث إن المضارع المنفي ب «لا» كالمثبت في عدم دخول الواو عليه وإضمار مبتدأ قبله، كقولهم: «قمت وأصك عينه» مستغنى عنه.
ومعنى: «لا يَسْتثْنُونَ» لا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم للمساكين، من الثني، وهو الكف والرد؛ لأنَّ الحالف إذا قال: واللَّهِ لأفعلن كذا إلا أن يشاء اللَّهُ غيره فقد رد انعقاد تلك اليمين.
وقيل: المعنى: لا يستثنون عزمهم عن الحرماتِ.
وقيل: لا يقولون، إن شاء الله.
قال الزمخشريُّ: وسمي استثناء وهو شرط؛ لأن معنى: لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد.
قوله ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ﴾ . أي هلاك، أو بلاء طائف، والطائف غلب في الشر.
قال الفراء: هو الأمر الذي يأتي ليلاً.
ورد عليه بقوله ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان﴾ [الأعراف: 201] وذلك لا يختص بليلٍ، ولا نهارٍ.
وقرأ النخعيُّ: «طَيْفٌ» .
قوله «مِن ربِّك» . يجوز أن يتعلق ب «طاف» وأن يتعلق بمحذوف صفة ل «طَائِفٌ» .
قوله: ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ . والصرام: جذاذ النخلِ، وأصل المادة الدلالة على القطع، ومنه الصُّرم، والصَّرْم - بالضم والفتح - وهو القطيعة؛ قال امرؤ القيس: [الطويل]
4821 - أفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هذا التَدلُّلِ ... وإنْ كنتِ قَدْ أزمَعْتِ صَرْمِي فأجْملِي
ومنه الصريمة، وهي قطعة منصرمة عن الرمل لا تنبت شيئاً؛ قال: [البسيط]
4822 - وبالصَّريمَةِ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ خَلَقٌ ... عَافٍ تَغَيَّرَ، إلاَّ النُّؤيُ والوتِدُ
والصارم: القاطع الماضي، وناقة مصرمة: انقطع لبنها، وانصرم الشهر والسنة، أي: قرب انفصالهما، وأصرم زيد: ساءت حاله، كأنه انقطع سعده.
فقوله «كالصَّريمِ» . قيل: هي الأشجار المنْصَرِم حملها.
وقال ابن عباس: كالليل؛ لأنه يقال له: الصريم، لسواده، والصريم أيضاً: النهار وقيل: الصُّبحُ؛ لأنه انصرم من الليلة، قاله الأخفش. فهو من الأضداد.
وقال شمر: الصريم الليل، والصريم النهار.
وقيل: الصريم: رملة معروفة باليمنِ لا تنبت شيئاً.
وقال الثوريُّ: كالزرع المحصود، فالصريم بمعنى المصروم، أي: المقطوع ما فيه.
وقال الحسنُ: صرم عنها الخير، أي: قطع، فالصريم مفعول أيضاً.
وقال المؤرج: كالرملة انصرمت من معظم الرمل، يقال: صريمة وصرائم، فالرملة لا تنبت شيئاً ينتفع به.
وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، ولهذا يكون «فَعِيْل» ، بمعنى «فاعل» .
قال القشيريُّ: وفي هذا نظر؛ لأن النهار يسمى صريماً، ولا يقطع عن التصرف.
وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يصر نور البصر ويقطعه.
فصل في بيان أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان.
قال القرطبيُّ: في الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. لأنهم عزموا على أن يفعلوا، فعوقبوا على فعلهم؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25] .
وفي الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:
«إذَا التَقَى المُسلِمَانِ بِسيْفِهِمَا فالقَاتِلُ والمَقْتُولُ في النَّارِ، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنَّه كَانَ حريصاَ على قَتْلِ صاحِبهِ» وقد مضى في آل عمران عند قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ﴾ [آل عمران: 135] .
قوله: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ﴾ .
قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض: ﴿اغدوا على حَرْثِكُمْ﴾ يعني بالحرث الثِّمار والزروع والأعناب، ولذلك قال: «صَارمِيْنَ» ، لأنهم أرادوا قطع الثمار من الأشجار.
«أن اغْدُوْا» يجوز أن تكون المصدرية، أي: تنادوا بهذا الكلام، وأن تكون المفسرة، لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول.
قال الزمخشريُّ: «فإن قلت: هلاَّ قيل: اغدوا إلى حرثكم، وما معنى على؟ .
قلت: لما كان الغدو إليه ليصرموه، ويقطعوه كان غدواً عليه كما تقول: غدا عليهم العدو ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال كقولهم: يغدى عليهم بالجفنة ويراح» انتهى.
فجعل «غَدَا» متعدياً في الأصل ب «إلى» فاحتاج إلى تأويل تعديه ب «عَلَى» ، وفيه نظر؛ لورود تعديه ب «عَلَى» في غير موضع؛ كقوله: [الوافر]
4823 - وقَدْ أغْدُو على ثُبَةٍ كِرامٍ ... نَشَاوَى واجِدينَ لَمَا نَشَاءُ
وإذا كانوا قد عدوا مرادفه ب «عَلَى» فليعدوه بها، ومرادفه «بكر» تقول: بكرتُ عليه و «غدوتُ عليه» بمعنى واحد؛ قال: [الطويل] 4824 - بَكَرْتُ عَليْهِ غُدْوةً فَرأيْتُهُ ... قُعُوداً إليْهِ بالصَّريمِ عَواذِلُه
قوله ﴿إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾ . جوابه محذوف، أي فاغدوا و «صارمين» : قاطعين حادين.
وقيل: ماضين العزم من قولك: سيف صارم.
قوله ﴿فانطلقوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ . أي: يتشاورون فيما بينهم، والمعنى يخفون كلامهم، ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد، قاله عطاء وقتادة.
وهو من خفت يخفت إذا سكت، ولم يبين.
قال ابن الخطيب: «وخَفَى وخَفَت، كلاهما في معنى الكتم، ومنه الخمود والخفاء» .
وقيل: يخفون أنفسهم من الناس، حتى لا يروهم، وكان أبوهم يخبر الفقراء والمساكين فيحضروا وقت الحصاد والصرام.
وقوله: ﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ جملة حالية من فاعل «انْطَلقُوا» .
قوله: ﴿أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ .
«أنْ» مفسرة، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: يتخافتون بهذا الكلام، أي: يقوله بعضهم لبعض: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ .
قال ابن الخطيب: والنهي للمسكين عن الدخول نهيٌ لهم عن تمكينه منه، أي: لا تمكنوه من الدخول.
وقرأ عبد الله وابن أبي عبلة: «لا يدْخُلنَّهَا» بإسقاط «أنْ» إما على إضمار القولِ كمذهب البصريين، وإما على إجراء «يَتَخافتُونَ» مجراه كقول الكوفيين.
قوله: ﴿وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ .
يجوز أن يكون «قَادِريْنَ» حالاً من فاعل «غَدَوْا» و «عَلى حَرْدٍ» متعلق به وأن يكون «على حَردٍ» هو الحال و «قَادِريْنَ» إما حال ثانية، وإما حال من ضمير الحالِ الأول.
والحرد: قيل: الغضب والحنق. قاله السديُّ وسفيان.
وأنشد للأشهب بن رميلة: [الطويل]
4825 - أسُودُ شَرًى لاقَتْ أسُودَ خَفيَّةٍ ... تَساقَوْا على حَرْدٍ دِماءَ الأسَاوِدِ
قيل: ومثله: [الرجز]
4826 - إذَا جِيادُ الخَيْلِ جَاءتْ تَرْدِي ... مَملُوءةً مِنْ غضَبٍ وحَرْدِ
عطف لما تغاير اللفظان؛ كقوله: [الوافر]
4827 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... وألْفَى قوْلهَا كذِباً ومَيْنَا
قال أبو عبيدة والقتيبي: «عَلى حَرْدٍ» على منع من حاردت الناقة حراداً، أي: قل لبنها.
والحرود من النوق القليلة الدر، وحاردت السَّنةُ: قل مطرها، وخيرها.
ويقال: حرد - بالكسر - يحرد حرداً، وقد تفتح فيقال: حَرَدَ فهو حردان وحارد، وليوث حوارد.
وقيل: الحرد، والحرود: الانفراد، يقال: حَرَدَ - بالفتح - يَحْرُدُ - بالضم - حروداً وحرداً، أي: انعزل. ومنه كوكب حارد، أي: منفرد.
قال الأصمعي: هي لغة هذيل.
وقال القرطبيُّ: يقال: حرد يحرد حروداً، أي: تنحى عن قومه، ولم يخالطهم.
وقال أبو زيدٍ: رجل حريد من قوم حرداء، وقد حَرَدَ يَحْرِدُ حُرُوداً إذا ترك قومه، وتحول عنهم.
قال الأصمعي: رجل حريد، أي: فريد وحيد، قال: والمنفرد والمنحرد في لغة هذيل وأنشد لأبي ذؤيب: [البسيط]
4828 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... كأنَّهُ كَوكَبٌ في الجَوِّ مُنْحِرِدُ ورواه أبو عمرو: بالجيم، قال: وهو سهيل.
وقيل: الحردُ القصد، يقال: حَرَد يحْرِدُ - بالكسر - حرداً، قصداً، تقول: حردت حردك، أي: قصدت قصدك؛ قال الراجز: [الرجز]
4829 - أقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ
وقال قتادة ومجاهدٌ: «عَلى حَرْدٍ» ، أي: على جد وجهد.
وقال القرطبيُّ ومجاهد وعكرمة: أي: على أمر مجتمع قد أسموه بينهم.
قال البغويُّ: «وهذا معنى القصدِ» .
وقال الحسنُ: على حاجةٍ وفاقةٍ.
وقيل: الحرد اسم جنتهم بعينها، قاله السديُّ.
وقال الأزهريُّ: حرد اسم قريتهم. وفيهما بعد. و «قَادِريْنَ» إما من القدرة وهو الظاهرُ، وإما من التقدير، وهو التضييق، أي: مضيقين على المساكين.
وقرأ العامة: بالإسكان.
وقرأ أبو العالية وابن السميفع: بالفتح، وهما لغتان.
فصل في تفسير «قادرين»
قال الفرَّاء: ومعنى «قادرين» قد قدروا أمرم، وبنوا عليه.
وقال قتادة: قادرين على جنتهم عند أنفسهم.
وقال الشعبيُّ: قادرين على المساكين.
وقيل: معناه من الوجود، أي: منعوا وهم واجدون.
ومعنى الآيةِ: وغدوا، وكانوا عند أنفسهم، وفي ظنهم أنهم قادرون على منع المساكينَ.
قوله ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾ . يعني الجنة محترقة، لا شيء فيها قد صارت كالليل الأسود ينظرون إليها كالرماد أنكروها، وشكوا فيها، وقال بعضهم لبعض: «إنَّا لضالُّونَ» أي: ضللنا الطريق إلى جنتنا، ثم لما تأملوا وعرفوا أنها هي، قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حرمنا خيرها بشؤم عزمنا على البخل ومنعنا الفقراء، قاله قتادة.
وقيل: «إنَّا لضالُّون» عن الصَّواب في غدونا على نية منع المساكين، فلذلك عوقبنا ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: حرمنا جنتنا بما صنعنا.
روى ابن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» إيَّاكم والمَعاصِي إنَّ العَبْدَ ليذْنبُ الذَّنْبَ فيُحرَمُ بِهِ رِزْقاً كان هُيِّىء له «ثم تلا: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ » الآيتين.
قوله: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ ، يعني أعدلهم، وأفضلهم وأعقلهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ: لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ أي: هلا تستثنون، وكان استثناؤهم تسبيحاً. قاله مجاهدٌ وغيره، وهذا يدل على أن هذا الأوسط كان يأمرهم بالاستثناء، فلم يطيعوه.
قال أبو صالحٍ: كان استثناؤهم سبحان الله، فقال لهم: «هَلاَّ تسبِّحُونَ اللَّهَ» ، أي تقولون: سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم.
وقال النحاس: أصل التسبيحِ التنزيه لله - عَزَّ وَجَلَّ -، فجعل مجاهد التسبيح في موضع إن شاء اللَّهُ؛ لأن المعنى تنزيه الله أن يكون شيء إلا بمشيئته.
وقال ابن الخطيب: التسبيحُ عبارة عن تنزيهه عن كل سوء فلو دخل شيء في الوجود على خلاف إرادة الله تعالى، لوجب عود النقص إلى قدرة الله تعالى، فقولك: «إن شاء الله» مزيل هذا النقص، فكان ذلك تسبيحاً.
وقيل: المعنى: هلاَّ تَسْتغفرونهُ من فِعْلكُم، وتتوبون إليه من خبث نيتكم.
قيل: إنَّ القوم لمَّا عزموا على منع الزكاةِ واغتروا بالمال والقوة، قال لهم أوسطهم: توبوا عن هذه المعصية قبل نزول العذابِ، فلما رأوا العذاب ذكرهم أوسطهم كلامهُ الأول، وقال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ فحينئذ اشتغلوا بالتوبة وقالوا: ﴿ِسُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ قال ابن عباس في قولهم سبحان ربنا أي نستغفر ربنا من ذنوبنا لأنا كنا ظالمين لأنفسنا في منعنا المساكين.
وقال الحسنُ: هذا التسبيحُ هُو الصَّلاةُ كأنهم كانوا يتكاسلون في الصلاة، وإلا لكانت ناهية لهم [عن الفحشاء والمنكر، ولكانت داعية لهم] إلى أن يواظبوا على ذكر الله، وعلى قول إن شاء الله.
قوله ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾ . أي: يلوم بعضهم بعضاً، يقول هذا لهذا: أنت أشرت علينا بهذا الرأي، ويقول ذلك لهذا: أنت خوفتنا بالفقر، ويقول الثالث لغيره: أنت رغبتني في جمع المال، ثم نادوا على أنفسهم بالوَيْلِ فقالوا: ﴿ياويلنا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ أي: عاصين بمنع حق الفقراءِ، وترك الاستثناء.
وقال ابنُ كيسان: طغينا نعم اللَّهِ، فلم نشكرهَا كما شكرها آباؤنا من قبل ﴿عسى رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ تعاقدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيراً منها لنصنعنّ كما صنع آباؤنا فدعوا الله وتضرعوا فأبدلهم الله من ليلتهم ما هو خير منها.
قرىء: «يبدلنا» بالتخفيف والتشديد، وهما لغتانِ.
وقيل: التبديلُ تغير الشيء، أو تغير حاله وعين الشيء قائم، والإبدال رفع الشيء ووضع آخر مكانه، ثم قال: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ أي: طالبون منه الخير راجعون لعفوه.
قال المفسرون: إن الله أمر جبريل عليه السلام أن يقتلع تلك الجنة، بزغر من أرض الشام، ويأخذ من أرض الشام جنة، فيجعلها مكانها.
وقال ابن مسعود: إن القوم لما أخلصوا وعرف الله منهم صدقهم أبدلهم اللَّهُ جنة يقال لها: الخيوان فيها عنب يحمل البغل منها عنقوداً واحداً.
وقال أبو خالد اليماني: دخلت تلك الجنة، فرأيت كُلَّ عنقودٍ منها كالرَّجلِ الأسودِ القائمِ.
وقال الحسنُ: قول أهل الجنة: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ لا أدري إيماناً كان ذلك منهم، أو على حد ما يكون من المشركين إذا أصابهم الشدة. فتوقف في كونهم مؤمنين.
وسئل قتادةُ عن أهل الجنَّة، أهم من أهل الجنَّة أم من أهل النَّارِ؟ .
قال: لقد كلفتني تعباً.
والأكثرون يقولون: إنهم تابوا وأخلصوا. حكاه القشيري.
قوله: ﴿كَذَلِكَ العذاب﴾ . مبتدأ وخيره مقدم، أي: مثل ذلك العذاب عذاب الدنيا وأما عذاب الآخرة فأكبر منه ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ .
قال ابنُ زيدٍ: «كذَلكَ العَذابُ» أي: عذاب الدنيا وهلاك الأموال.
وقيل: هذا وعظٌ لأهل مكة بالرجوعِ إلى اللَّه لما ابتلاهم بالجدب لدعاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أي: كفعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا في الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الآخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ .
قال ابنُ عباسٍ: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر، وحلفوا ليقتلنَّ محمداً، وأصحابه، وليرجعوا إلى أهل مكة، حتى يطوفوا بالبيت، ويشربوا الخمر، وتضرب القيانُ على رءوسهم، فأخلف الله ظنهم، وقتلوا وأسروا وانهزموا كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصرم، فخابوا.
فصل في العبرة من هذه الآية بضرب المثل
قال ابن الخطيب: قوله تعالى ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [القلم: 14 - 15] ، والمعنى: لأجل أن أعطاه الله المال والبنين كفر بالله، كلا، بل الله تعالى إنما أعطاه ذلك للابتلاء، فإذا صرفه إلى الكفر دمر الله عليه، بدليل أن أصحاب الجنة لما أتوا بهذه المعصيةِ اليسيرةِ دمر الله جنتهم، فكيف حال من عاند الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وأصرَّ على الكفر والمعصيةِ.
فصل في بيان هل كان الحق واجباً عليهم أم لا؟
قيل: إن الحق الذي منعه أهل الجنَّة المساكين كان واجباً عليهم، ويحتمل أنه كان تطوعاً، والأول أظهر.
وقيل: السورة مكية، فبعد حمل الآية على ما أصاب أهل مكة من القحطِ، وعلى قتال بدر.