Lafzullah

Al Lubab fi Ulum Al Kitab — القلم 68:20 – القلم 68:52

المؤلف / المصدر: Al Lubab fi Ulum Al Kitab

المحتويات
  1. القلم 68:20
  2. القلم 68:21
  3. القلم 68:22
  4. القلم 68:23
  5. القلم 68:24
  6. القلم 68:25
  7. القلم 68:26
  8. القلم 68:27
  9. القلم 68:28
  10. القلم 68:29
  11. القلم 68:30
  12. القلم 68:31
  13. القلم 68:32
  14. القلم 68:33
  15. القلم 68:34
  16. القلم 68:35
  17. القلم 68:36
  18. القلم 68:37
  19. القلم 68:38
  20. القلم 68:39
  21. القلم 68:40
  22. القلم 68:41
  23. القلم 68:42
  24. القلم 68:43
  25. القلم 68:44
  26. القلم 68:45
  27. القلم 68:46
  28. القلم 68:47
  29. القلم 68:48
  30. القلم 68:49
  31. القلم 68:50
  32. القلم 68:51
  33. القلم 68:52

القلم 68:20

قوله ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة﴾ . يريد أهل مكة، والابتلاء: الاختبار. والمعنى: أعطيناهم الأموال ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا وعادوا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ابتليناهم بالجوع والقحط كما بلونا أصحاب الجنَّة المعروف خبرها عندهم، وذلك أنها كانت بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من «صنعاء» ، ويقال: بفرسخين، كانت لرجل يؤدي حقَّ الله منهما، فلما مات صارت إلى ولده، فمعنوا الناس خيرها، وبخلوا بحق الله فيها؛ فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حل بها. قال الكلبيُّ: كان بينهم وبين «صنعاء» فرسخان ابتلاهم اللَّهُ بأن أحرق جنتهم. وقيل: جنة بصوران على فراسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بيسير. وقيل: كانوا من بني إسرائيل. وقيل: وكانوا من ثقيف، وكانوا بخلاء، وكانوا يجذون النخل ليلاً من أجل المساكين، فأرادوا حصاد زرعها، وقالوا: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ فغدوا عليها فإذا هي قد اقتلعت من أصلها ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ أي: الليل، ويقال أيضاً للنهار: صريم، فإن كان أراد الليل، فلاسوداد مواضعها وكأنهم وجدوا مواضعها حمأة، وإن كان أراد بالصريم النهار، فلذهاب الشجر والزَّرْع وخلو الأرض منه، وكان الطائف الذي طاف عليها جبريل - عليه السلام - فاقتلعها. فقيل: إنه طاف بها حول البيت ثم وضعها حيثُ مدينة الطائف اليوم، ولذلك سميت الطائف، وليس في أرض الحجازِ بلدة فيها الماء، والشجر [والزرع] والأعناب غيرها. وقال البكريُّ في المعجم: سميت الطائف، لأن رجلاً من العرب يقالُ له: الدَّمُون، بَنَى حائطاً، وقال: إني قد بنيت لكم حائطاً حول بلدكم، فسميت الطائف. والله أعلم. قوله «إذ أقْسَمُوا» ، أي: حلفوا فيما بينهم «ليَصْرِمُنَّهَا» أي: ليجذُّنها «مُصْبحِيْنَ» أي: وقت الصباح قبل أن يخرج المساكين «ولا يَسْتَثْنُونَ» ، أي: لم يقولوا: إن شاء الله. قوله: «مُصْبحِيْنَ» حال من فاعل «ليَصْرمُنَّها» وهو من «أصبح» التامة، أي داخلين في الصباح، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ [الصافات: 137] وقوله: إذا سمعت بِسُرَى القين فاعلم بأنه مصبح والكاف في «كما» في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف، أي: بلوناهم ابتلاء كما بلونا، و «ما» مصدرية، أو بمعنى «الذي» و «إذَا» منصوبة ب «بَلَوْنَا» و «ليَصْرمُنَّهَا» جواب للقسم، وجاء على خلاف منطوقهم، ولو جاء لقيل: «لنَصْرمُنَّهَا» بنون المتكلم. قوله: ﴿وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾ . هذه مستأنفة، ويضعف كونها حالاً من حيث إن المضارع المنفي ب «لا» كالمثبت في عدم دخول الواو عليه وإضمار مبتدأ قبله، كقولهم: «قمت وأصك عينه» مستغنى عنه. ومعنى: «لا يَسْتثْنُونَ» لا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم للمساكين، من الثني، وهو الكف والرد؛ لأنَّ الحالف إذا قال: واللَّهِ لأفعلن كذا إلا أن يشاء اللَّهُ غيره فقد رد انعقاد تلك اليمين. وقيل: المعنى: لا يستثنون عزمهم عن الحرماتِ. وقيل: لا يقولون، إن شاء الله. قال الزمخشريُّ: وسمي استثناء وهو شرط؛ لأن معنى: لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد. قوله ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ﴾ . أي هلاك، أو بلاء طائف، والطائف غلب في الشر. قال الفراء: هو الأمر الذي يأتي ليلاً. ورد عليه بقوله ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان﴾ [الأعراف: 201] وذلك لا يختص بليلٍ، ولا نهارٍ. وقرأ النخعيُّ: «طَيْفٌ» . قوله «مِن ربِّك» . يجوز أن يتعلق ب «طاف» وأن يتعلق بمحذوف صفة ل «طَائِفٌ» . قوله: ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ . والصرام: جذاذ النخلِ، وأصل المادة الدلالة على القطع، ومنه الصُّرم، والصَّرْم - بالضم والفتح - وهو القطيعة؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] 4821 - أفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هذا التَدلُّلِ ... وإنْ كنتِ قَدْ أزمَعْتِ صَرْمِي فأجْملِي ومنه الصريمة، وهي قطعة منصرمة عن الرمل لا تنبت شيئاً؛ قال: [البسيط] 4822 - وبالصَّريمَةِ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ خَلَقٌ ... عَافٍ تَغَيَّرَ، إلاَّ النُّؤيُ والوتِدُ والصارم: القاطع الماضي، وناقة مصرمة: انقطع لبنها، وانصرم الشهر والسنة، أي: قرب انفصالهما، وأصرم زيد: ساءت حاله، كأنه انقطع سعده. فقوله «كالصَّريمِ» . قيل: هي الأشجار المنْصَرِم حملها. وقال ابن عباس: كالليل؛ لأنه يقال له: الصريم، لسواده، والصريم أيضاً: النهار وقيل: الصُّبحُ؛ لأنه انصرم من الليلة، قاله الأخفش. فهو من الأضداد. وقال شمر: الصريم الليل، والصريم النهار. وقيل: الصريم: رملة معروفة باليمنِ لا تنبت شيئاً. وقال الثوريُّ: كالزرع المحصود، فالصريم بمعنى المصروم، أي: المقطوع ما فيه. وقال الحسنُ: صرم عنها الخير، أي: قطع، فالصريم مفعول أيضاً. وقال المؤرج: كالرملة انصرمت من معظم الرمل، يقال: صريمة وصرائم، فالرملة لا تنبت شيئاً ينتفع به. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، ولهذا يكون «فَعِيْل» ، بمعنى «فاعل» . قال القشيريُّ: وفي هذا نظر؛ لأن النهار يسمى صريماً، ولا يقطع عن التصرف. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يصر نور البصر ويقطعه. فصل في بيان أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. قال القرطبيُّ: في الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. لأنهم عزموا على أن يفعلوا، فعوقبوا على فعلهم؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25] . وفي الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إذَا التَقَى المُسلِمَانِ بِسيْفِهِمَا فالقَاتِلُ والمَقْتُولُ في النَّارِ، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنَّه كَانَ حريصاَ على قَتْلِ صاحِبهِ» وقد مضى في آل عمران عند قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ﴾ [آل عمران: 135] . قوله: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ﴾ . قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض: ﴿اغدوا على حَرْثِكُمْ﴾ يعني بالحرث الثِّمار والزروع والأعناب، ولذلك قال: «صَارمِيْنَ» ، لأنهم أرادوا قطع الثمار من الأشجار. «أن اغْدُوْا» يجوز أن تكون المصدرية، أي: تنادوا بهذا الكلام، وأن تكون المفسرة، لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول. قال الزمخشريُّ: «فإن قلت: هلاَّ قيل: اغدوا إلى حرثكم، وما معنى على؟ . قلت: لما كان الغدو إليه ليصرموه، ويقطعوه كان غدواً عليه كما تقول: غدا عليهم العدو ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال كقولهم: يغدى عليهم بالجفنة ويراح» انتهى. فجعل «غَدَا» متعدياً في الأصل ب «إلى» فاحتاج إلى تأويل تعديه ب «عَلَى» ، وفيه نظر؛ لورود تعديه ب «عَلَى» في غير موضع؛ كقوله: [الوافر] 4823 - وقَدْ أغْدُو على ثُبَةٍ كِرامٍ ... نَشَاوَى واجِدينَ لَمَا نَشَاءُ وإذا كانوا قد عدوا مرادفه ب «عَلَى» فليعدوه بها، ومرادفه «بكر» تقول: بكرتُ عليه و «غدوتُ عليه» بمعنى واحد؛ قال: [الطويل] 4824 - بَكَرْتُ عَليْهِ غُدْوةً فَرأيْتُهُ ... قُعُوداً إليْهِ بالصَّريمِ عَواذِلُه قوله ﴿إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾ . جوابه محذوف، أي فاغدوا و «صارمين» : قاطعين حادين. وقيل: ماضين العزم من قولك: سيف صارم. قوله ﴿فانطلقوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ . أي: يتشاورون فيما بينهم، والمعنى يخفون كلامهم، ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد، قاله عطاء وقتادة. وهو من خفت يخفت إذا سكت، ولم يبين. قال ابن الخطيب: «وخَفَى وخَفَت، كلاهما في معنى الكتم، ومنه الخمود والخفاء» . وقيل: يخفون أنفسهم من الناس، حتى لا يروهم، وكان أبوهم يخبر الفقراء والمساكين فيحضروا وقت الحصاد والصرام. وقوله: ﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ جملة حالية من فاعل «انْطَلقُوا» . قوله: ﴿أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ . «أنْ» مفسرة، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: يتخافتون بهذا الكلام، أي: يقوله بعضهم لبعض: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ . قال ابن الخطيب: والنهي للمسكين عن الدخول نهيٌ لهم عن تمكينه منه، أي: لا تمكنوه من الدخول. وقرأ عبد الله وابن أبي عبلة: «لا يدْخُلنَّهَا» بإسقاط «أنْ» إما على إضمار القولِ كمذهب البصريين، وإما على إجراء «يَتَخافتُونَ» مجراه كقول الكوفيين. قوله: ﴿وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ . يجوز أن يكون «قَادِريْنَ» حالاً من فاعل «غَدَوْا» و «عَلى حَرْدٍ» متعلق به وأن يكون «على حَردٍ» هو الحال و «قَادِريْنَ» إما حال ثانية، وإما حال من ضمير الحالِ الأول. والحرد: قيل: الغضب والحنق. قاله السديُّ وسفيان. وأنشد للأشهب بن رميلة: [الطويل] 4825 - أسُودُ شَرًى لاقَتْ أسُودَ خَفيَّةٍ ... تَساقَوْا على حَرْدٍ دِماءَ الأسَاوِدِ قيل: ومثله: [الرجز] 4826 - إذَا جِيادُ الخَيْلِ جَاءتْ تَرْدِي ... مَملُوءةً مِنْ غضَبٍ وحَرْدِ عطف لما تغاير اللفظان؛ كقوله: [الوافر] 4827 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... وألْفَى قوْلهَا كذِباً ومَيْنَا قال أبو عبيدة والقتيبي: «عَلى حَرْدٍ» على منع من حاردت الناقة حراداً، أي: قل لبنها. والحرود من النوق القليلة الدر، وحاردت السَّنةُ: قل مطرها، وخيرها. ويقال: حرد - بالكسر - يحرد حرداً، وقد تفتح فيقال: حَرَدَ فهو حردان وحارد، وليوث حوارد. وقيل: الحرد، والحرود: الانفراد، يقال: حَرَدَ - بالفتح - يَحْرُدُ - بالضم - حروداً وحرداً، أي: انعزل. ومنه كوكب حارد، أي: منفرد. قال الأصمعي: هي لغة هذيل. وقال القرطبيُّ: يقال: حرد يحرد حروداً، أي: تنحى عن قومه، ولم يخالطهم. وقال أبو زيدٍ: رجل حريد من قوم حرداء، وقد حَرَدَ يَحْرِدُ حُرُوداً إذا ترك قومه، وتحول عنهم. قال الأصمعي: رجل حريد، أي: فريد وحيد، قال: والمنفرد والمنحرد في لغة هذيل وأنشد لأبي ذؤيب: [البسيط] 4828 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... كأنَّهُ كَوكَبٌ في الجَوِّ مُنْحِرِدُ ورواه أبو عمرو: بالجيم، قال: وهو سهيل. وقيل: الحردُ القصد، يقال: حَرَد يحْرِدُ - بالكسر - حرداً، قصداً، تقول: حردت حردك، أي: قصدت قصدك؛ قال الراجز: [الرجز] 4829 - أقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ وقال قتادة ومجاهدٌ: «عَلى حَرْدٍ» ، أي: على جد وجهد. وقال القرطبيُّ ومجاهد وعكرمة: أي: على أمر مجتمع قد أسموه بينهم. قال البغويُّ: «وهذا معنى القصدِ» . وقال الحسنُ: على حاجةٍ وفاقةٍ. وقيل: الحرد اسم جنتهم بعينها، قاله السديُّ. وقال الأزهريُّ: حرد اسم قريتهم. وفيهما بعد. و «قَادِريْنَ» إما من القدرة وهو الظاهرُ، وإما من التقدير، وهو التضييق، أي: مضيقين على المساكين. وقرأ العامة: بالإسكان. وقرأ أبو العالية وابن السميفع: بالفتح، وهما لغتان. فصل في تفسير «قادرين» قال الفرَّاء: ومعنى «قادرين» قد قدروا أمرم، وبنوا عليه. وقال قتادة: قادرين على جنتهم عند أنفسهم. وقال الشعبيُّ: قادرين على المساكين. وقيل: معناه من الوجود، أي: منعوا وهم واجدون. ومعنى الآيةِ: وغدوا، وكانوا عند أنفسهم، وفي ظنهم أنهم قادرون على منع المساكينَ. قوله ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾ . يعني الجنة محترقة، لا شيء فيها قد صارت كالليل الأسود ينظرون إليها كالرماد أنكروها، وشكوا فيها، وقال بعضهم لبعض: «إنَّا لضالُّونَ» أي: ضللنا الطريق إلى جنتنا، ثم لما تأملوا وعرفوا أنها هي، قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حرمنا خيرها بشؤم عزمنا على البخل ومنعنا الفقراء، قاله قتادة. وقيل: «إنَّا لضالُّون» عن الصَّواب في غدونا على نية منع المساكين، فلذلك عوقبنا ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: حرمنا جنتنا بما صنعنا. روى ابن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» إيَّاكم والمَعاصِي إنَّ العَبْدَ ليذْنبُ الذَّنْبَ فيُحرَمُ بِهِ رِزْقاً كان هُيِّىء له «ثم تلا: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ » الآيتين. قوله: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ ، يعني أعدلهم، وأفضلهم وأعقلهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ: لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ أي: هلا تستثنون، وكان استثناؤهم تسبيحاً. قاله مجاهدٌ وغيره، وهذا يدل على أن هذا الأوسط كان يأمرهم بالاستثناء، فلم يطيعوه. قال أبو صالحٍ: كان استثناؤهم سبحان الله، فقال لهم: «هَلاَّ تسبِّحُونَ اللَّهَ» ، أي تقولون: سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم. وقال النحاس: أصل التسبيحِ التنزيه لله - عَزَّ وَجَلَّ -، فجعل مجاهد التسبيح في موضع إن شاء اللَّهُ؛ لأن المعنى تنزيه الله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وقال ابن الخطيب: التسبيحُ عبارة عن تنزيهه عن كل سوء فلو دخل شيء في الوجود على خلاف إرادة الله تعالى، لوجب عود النقص إلى قدرة الله تعالى، فقولك: «إن شاء الله» مزيل هذا النقص، فكان ذلك تسبيحاً. وقيل: المعنى: هلاَّ تَسْتغفرونهُ من فِعْلكُم، وتتوبون إليه من خبث نيتكم. قيل: إنَّ القوم لمَّا عزموا على منع الزكاةِ واغتروا بالمال والقوة، قال لهم أوسطهم: توبوا عن هذه المعصية قبل نزول العذابِ، فلما رأوا العذاب ذكرهم أوسطهم كلامهُ الأول، وقال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ فحينئذ اشتغلوا بالتوبة وقالوا: ﴿ِسُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ قال ابن عباس في قولهم سبحان ربنا أي نستغفر ربنا من ذنوبنا لأنا كنا ظالمين لأنفسنا في منعنا المساكين. وقال الحسنُ: هذا التسبيحُ هُو الصَّلاةُ كأنهم كانوا يتكاسلون في الصلاة، وإلا لكانت ناهية لهم [عن الفحشاء والمنكر، ولكانت داعية لهم] إلى أن يواظبوا على ذكر الله، وعلى قول إن شاء الله. قوله ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾ . أي: يلوم بعضهم بعضاً، يقول هذا لهذا: أنت أشرت علينا بهذا الرأي، ويقول ذلك لهذا: أنت خوفتنا بالفقر، ويقول الثالث لغيره: أنت رغبتني في جمع المال، ثم نادوا على أنفسهم بالوَيْلِ فقالوا: ﴿ياويلنا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ أي: عاصين بمنع حق الفقراءِ، وترك الاستثناء. وقال ابنُ كيسان: طغينا نعم اللَّهِ، فلم نشكرهَا كما شكرها آباؤنا من قبل ﴿عسى رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ تعاقدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيراً منها لنصنعنّ كما صنع آباؤنا فدعوا الله وتضرعوا فأبدلهم الله من ليلتهم ما هو خير منها. قرىء: «يبدلنا» بالتخفيف والتشديد، وهما لغتانِ. وقيل: التبديلُ تغير الشيء، أو تغير حاله وعين الشيء قائم، والإبدال رفع الشيء ووضع آخر مكانه، ثم قال: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ أي: طالبون منه الخير راجعون لعفوه. قال المفسرون: إن الله أمر جبريل عليه السلام أن يقتلع تلك الجنة، بزغر من أرض الشام، ويأخذ من أرض الشام جنة، فيجعلها مكانها. وقال ابن مسعود: إن القوم لما أخلصوا وعرف الله منهم صدقهم أبدلهم اللَّهُ جنة يقال لها: الخيوان فيها عنب يحمل البغل منها عنقوداً واحداً. وقال أبو خالد اليماني: دخلت تلك الجنة، فرأيت كُلَّ عنقودٍ منها كالرَّجلِ الأسودِ القائمِ. وقال الحسنُ: قول أهل الجنة: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ لا أدري إيماناً كان ذلك منهم، أو على حد ما يكون من المشركين إذا أصابهم الشدة. فتوقف في كونهم مؤمنين. وسئل قتادةُ عن أهل الجنَّة، أهم من أهل الجنَّة أم من أهل النَّارِ؟ . قال: لقد كلفتني تعباً. والأكثرون يقولون: إنهم تابوا وأخلصوا. حكاه القشيري. قوله: ﴿كَذَلِكَ العذاب﴾ . مبتدأ وخيره مقدم، أي: مثل ذلك العذاب عذاب الدنيا وأما عذاب الآخرة فأكبر منه ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابنُ زيدٍ: «كذَلكَ العَذابُ» أي: عذاب الدنيا وهلاك الأموال. وقيل: هذا وعظٌ لأهل مكة بالرجوعِ إلى اللَّه لما ابتلاهم بالجدب لدعاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أي: كفعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا في الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الآخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابنُ عباسٍ: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر، وحلفوا ليقتلنَّ محمداً، وأصحابه، وليرجعوا إلى أهل مكة، حتى يطوفوا بالبيت، ويشربوا الخمر، وتضرب القيانُ على رءوسهم، فأخلف الله ظنهم، وقتلوا وأسروا وانهزموا كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصرم، فخابوا. فصل في العبرة من هذه الآية بضرب المثل قال ابن الخطيب: قوله تعالى ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [القلم: 14 - 15] ، والمعنى: لأجل أن أعطاه الله المال والبنين كفر بالله، كلا، بل الله تعالى إنما أعطاه ذلك للابتلاء، فإذا صرفه إلى الكفر دمر الله عليه، بدليل أن أصحاب الجنة لما أتوا بهذه المعصيةِ اليسيرةِ دمر الله جنتهم، فكيف حال من عاند الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وأصرَّ على الكفر والمعصيةِ. فصل في بيان هل كان الحق واجباً عليهم أم لا؟ قيل: إن الحق الذي منعه أهل الجنَّة المساكين كان واجباً عليهم، ويحتمل أنه كان تطوعاً، والأول أظهر. وقيل: السورة مكية، فبعد حمل الآية على ما أصاب أهل مكة من القحطِ، وعلى قتال بدر.

القلم 68:21

قوله ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة﴾ . يريد أهل مكة، والابتلاء: الاختبار. والمعنى: أعطيناهم الأموال ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا وعادوا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ابتليناهم بالجوع والقحط كما بلونا أصحاب الجنَّة المعروف خبرها عندهم، وذلك أنها كانت بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من «صنعاء» ، ويقال: بفرسخين، كانت لرجل يؤدي حقَّ الله منهما، فلما مات صارت إلى ولده، فمعنوا الناس خيرها، وبخلوا بحق الله فيها؛ فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حل بها. قال الكلبيُّ: كان بينهم وبين «صنعاء» فرسخان ابتلاهم اللَّهُ بأن أحرق جنتهم. وقيل: جنة بصوران على فراسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بيسير. وقيل: كانوا من بني إسرائيل. وقيل: وكانوا من ثقيف، وكانوا بخلاء، وكانوا يجذون النخل ليلاً من أجل المساكين، فأرادوا حصاد زرعها، وقالوا: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ فغدوا عليها فإذا هي قد اقتلعت من أصلها ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ أي: الليل، ويقال أيضاً للنهار: صريم، فإن كان أراد الليل، فلاسوداد مواضعها وكأنهم وجدوا مواضعها حمأة، وإن كان أراد بالصريم النهار، فلذهاب الشجر والزَّرْع وخلو الأرض منه، وكان الطائف الذي طاف عليها جبريل - عليه السلام - فاقتلعها. فقيل: إنه طاف بها حول البيت ثم وضعها حيثُ مدينة الطائف اليوم، ولذلك سميت الطائف، وليس في أرض الحجازِ بلدة فيها الماء، والشجر [والزرع] والأعناب غيرها. وقال البكريُّ في المعجم: سميت الطائف، لأن رجلاً من العرب يقالُ له: الدَّمُون، بَنَى حائطاً، وقال: إني قد بنيت لكم حائطاً حول بلدكم، فسميت الطائف. والله أعلم. قوله «إذ أقْسَمُوا» ، أي: حلفوا فيما بينهم «ليَصْرِمُنَّهَا» أي: ليجذُّنها «مُصْبحِيْنَ» أي: وقت الصباح قبل أن يخرج المساكين «ولا يَسْتَثْنُونَ» ، أي: لم يقولوا: إن شاء الله. قوله: «مُصْبحِيْنَ» حال من فاعل «ليَصْرمُنَّها» وهو من «أصبح» التامة، أي داخلين في الصباح، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ [الصافات: 137] وقوله: إذا سمعت بِسُرَى القين فاعلم بأنه مصبح والكاف في «كما» في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف، أي: بلوناهم ابتلاء كما بلونا، و «ما» مصدرية، أو بمعنى «الذي» و «إذَا» منصوبة ب «بَلَوْنَا» و «ليَصْرمُنَّهَا» جواب للقسم، وجاء على خلاف منطوقهم، ولو جاء لقيل: «لنَصْرمُنَّهَا» بنون المتكلم. قوله: ﴿وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾ . هذه مستأنفة، ويضعف كونها حالاً من حيث إن المضارع المنفي ب «لا» كالمثبت في عدم دخول الواو عليه وإضمار مبتدأ قبله، كقولهم: «قمت وأصك عينه» مستغنى عنه. ومعنى: «لا يَسْتثْنُونَ» لا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم للمساكين، من الثني، وهو الكف والرد؛ لأنَّ الحالف إذا قال: واللَّهِ لأفعلن كذا إلا أن يشاء اللَّهُ غيره فقد رد انعقاد تلك اليمين. وقيل: المعنى: لا يستثنون عزمهم عن الحرماتِ. وقيل: لا يقولون، إن شاء الله. قال الزمخشريُّ: وسمي استثناء وهو شرط؛ لأن معنى: لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد. قوله ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ﴾ . أي هلاك، أو بلاء طائف، والطائف غلب في الشر. قال الفراء: هو الأمر الذي يأتي ليلاً. ورد عليه بقوله ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان﴾ [الأعراف: 201] وذلك لا يختص بليلٍ، ولا نهارٍ. وقرأ النخعيُّ: «طَيْفٌ» . قوله «مِن ربِّك» . يجوز أن يتعلق ب «طاف» وأن يتعلق بمحذوف صفة ل «طَائِفٌ» . قوله: ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ . والصرام: جذاذ النخلِ، وأصل المادة الدلالة على القطع، ومنه الصُّرم، والصَّرْم - بالضم والفتح - وهو القطيعة؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] 4821 - أفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هذا التَدلُّلِ ... وإنْ كنتِ قَدْ أزمَعْتِ صَرْمِي فأجْملِي ومنه الصريمة، وهي قطعة منصرمة عن الرمل لا تنبت شيئاً؛ قال: [البسيط] 4822 - وبالصَّريمَةِ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ خَلَقٌ ... عَافٍ تَغَيَّرَ، إلاَّ النُّؤيُ والوتِدُ والصارم: القاطع الماضي، وناقة مصرمة: انقطع لبنها، وانصرم الشهر والسنة، أي: قرب انفصالهما، وأصرم زيد: ساءت حاله، كأنه انقطع سعده. فقوله «كالصَّريمِ» . قيل: هي الأشجار المنْصَرِم حملها. وقال ابن عباس: كالليل؛ لأنه يقال له: الصريم، لسواده، والصريم أيضاً: النهار وقيل: الصُّبحُ؛ لأنه انصرم من الليلة، قاله الأخفش. فهو من الأضداد. وقال شمر: الصريم الليل، والصريم النهار. وقيل: الصريم: رملة معروفة باليمنِ لا تنبت شيئاً. وقال الثوريُّ: كالزرع المحصود، فالصريم بمعنى المصروم، أي: المقطوع ما فيه. وقال الحسنُ: صرم عنها الخير، أي: قطع، فالصريم مفعول أيضاً. وقال المؤرج: كالرملة انصرمت من معظم الرمل، يقال: صريمة وصرائم، فالرملة لا تنبت شيئاً ينتفع به. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، ولهذا يكون «فَعِيْل» ، بمعنى «فاعل» . قال القشيريُّ: وفي هذا نظر؛ لأن النهار يسمى صريماً، ولا يقطع عن التصرف. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يصر نور البصر ويقطعه. فصل في بيان أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. قال القرطبيُّ: في الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. لأنهم عزموا على أن يفعلوا، فعوقبوا على فعلهم؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25] . وفي الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إذَا التَقَى المُسلِمَانِ بِسيْفِهِمَا فالقَاتِلُ والمَقْتُولُ في النَّارِ، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنَّه كَانَ حريصاَ على قَتْلِ صاحِبهِ» وقد مضى في آل عمران عند قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ﴾ [آل عمران: 135] . قوله: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ﴾ . قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض: ﴿اغدوا على حَرْثِكُمْ﴾ يعني بالحرث الثِّمار والزروع والأعناب، ولذلك قال: «صَارمِيْنَ» ، لأنهم أرادوا قطع الثمار من الأشجار. «أن اغْدُوْا» يجوز أن تكون المصدرية، أي: تنادوا بهذا الكلام، وأن تكون المفسرة، لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول. قال الزمخشريُّ: «فإن قلت: هلاَّ قيل: اغدوا إلى حرثكم، وما معنى على؟ . قلت: لما كان الغدو إليه ليصرموه، ويقطعوه كان غدواً عليه كما تقول: غدا عليهم العدو ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال كقولهم: يغدى عليهم بالجفنة ويراح» انتهى. فجعل «غَدَا» متعدياً في الأصل ب «إلى» فاحتاج إلى تأويل تعديه ب «عَلَى» ، وفيه نظر؛ لورود تعديه ب «عَلَى» في غير موضع؛ كقوله: [الوافر] 4823 - وقَدْ أغْدُو على ثُبَةٍ كِرامٍ ... نَشَاوَى واجِدينَ لَمَا نَشَاءُ وإذا كانوا قد عدوا مرادفه ب «عَلَى» فليعدوه بها، ومرادفه «بكر» تقول: بكرتُ عليه و «غدوتُ عليه» بمعنى واحد؛ قال: [الطويل] 4824 - بَكَرْتُ عَليْهِ غُدْوةً فَرأيْتُهُ ... قُعُوداً إليْهِ بالصَّريمِ عَواذِلُه قوله ﴿إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾ . جوابه محذوف، أي فاغدوا و «صارمين» : قاطعين حادين. وقيل: ماضين العزم من قولك: سيف صارم. قوله ﴿فانطلقوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ . أي: يتشاورون فيما بينهم، والمعنى يخفون كلامهم، ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد، قاله عطاء وقتادة. وهو من خفت يخفت إذا سكت، ولم يبين. قال ابن الخطيب: «وخَفَى وخَفَت، كلاهما في معنى الكتم، ومنه الخمود والخفاء» . وقيل: يخفون أنفسهم من الناس، حتى لا يروهم، وكان أبوهم يخبر الفقراء والمساكين فيحضروا وقت الحصاد والصرام. وقوله: ﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ جملة حالية من فاعل «انْطَلقُوا» . قوله: ﴿أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ . «أنْ» مفسرة، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: يتخافتون بهذا الكلام، أي: يقوله بعضهم لبعض: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ . قال ابن الخطيب: والنهي للمسكين عن الدخول نهيٌ لهم عن تمكينه منه، أي: لا تمكنوه من الدخول. وقرأ عبد الله وابن أبي عبلة: «لا يدْخُلنَّهَا» بإسقاط «أنْ» إما على إضمار القولِ كمذهب البصريين، وإما على إجراء «يَتَخافتُونَ» مجراه كقول الكوفيين. قوله: ﴿وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ . يجوز أن يكون «قَادِريْنَ» حالاً من فاعل «غَدَوْا» و «عَلى حَرْدٍ» متعلق به وأن يكون «على حَردٍ» هو الحال و «قَادِريْنَ» إما حال ثانية، وإما حال من ضمير الحالِ الأول. والحرد: قيل: الغضب والحنق. قاله السديُّ وسفيان. وأنشد للأشهب بن رميلة: [الطويل] 4825 - أسُودُ شَرًى لاقَتْ أسُودَ خَفيَّةٍ ... تَساقَوْا على حَرْدٍ دِماءَ الأسَاوِدِ قيل: ومثله: [الرجز] 4826 - إذَا جِيادُ الخَيْلِ جَاءتْ تَرْدِي ... مَملُوءةً مِنْ غضَبٍ وحَرْدِ عطف لما تغاير اللفظان؛ كقوله: [الوافر] 4827 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... وألْفَى قوْلهَا كذِباً ومَيْنَا قال أبو عبيدة والقتيبي: «عَلى حَرْدٍ» على منع من حاردت الناقة حراداً، أي: قل لبنها. والحرود من النوق القليلة الدر، وحاردت السَّنةُ: قل مطرها، وخيرها. ويقال: حرد - بالكسر - يحرد حرداً، وقد تفتح فيقال: حَرَدَ فهو حردان وحارد، وليوث حوارد. وقيل: الحرد، والحرود: الانفراد، يقال: حَرَدَ - بالفتح - يَحْرُدُ - بالضم - حروداً وحرداً، أي: انعزل. ومنه كوكب حارد، أي: منفرد. قال الأصمعي: هي لغة هذيل. وقال القرطبيُّ: يقال: حرد يحرد حروداً، أي: تنحى عن قومه، ولم يخالطهم. وقال أبو زيدٍ: رجل حريد من قوم حرداء، وقد حَرَدَ يَحْرِدُ حُرُوداً إذا ترك قومه، وتحول عنهم. قال الأصمعي: رجل حريد، أي: فريد وحيد، قال: والمنفرد والمنحرد في لغة هذيل وأنشد لأبي ذؤيب: [البسيط] 4828 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... كأنَّهُ كَوكَبٌ في الجَوِّ مُنْحِرِدُ ورواه أبو عمرو: بالجيم، قال: وهو سهيل. وقيل: الحردُ القصد، يقال: حَرَد يحْرِدُ - بالكسر - حرداً، قصداً، تقول: حردت حردك، أي: قصدت قصدك؛ قال الراجز: [الرجز] 4829 - أقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ وقال قتادة ومجاهدٌ: «عَلى حَرْدٍ» ، أي: على جد وجهد. وقال القرطبيُّ ومجاهد وعكرمة: أي: على أمر مجتمع قد أسموه بينهم. قال البغويُّ: «وهذا معنى القصدِ» . وقال الحسنُ: على حاجةٍ وفاقةٍ. وقيل: الحرد اسم جنتهم بعينها، قاله السديُّ. وقال الأزهريُّ: حرد اسم قريتهم. وفيهما بعد. و «قَادِريْنَ» إما من القدرة وهو الظاهرُ، وإما من التقدير، وهو التضييق، أي: مضيقين على المساكين. وقرأ العامة: بالإسكان. وقرأ أبو العالية وابن السميفع: بالفتح، وهما لغتان. فصل في تفسير «قادرين» قال الفرَّاء: ومعنى «قادرين» قد قدروا أمرم، وبنوا عليه. وقال قتادة: قادرين على جنتهم عند أنفسهم. وقال الشعبيُّ: قادرين على المساكين. وقيل: معناه من الوجود، أي: منعوا وهم واجدون. ومعنى الآيةِ: وغدوا، وكانوا عند أنفسهم، وفي ظنهم أنهم قادرون على منع المساكينَ. قوله ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾ . يعني الجنة محترقة، لا شيء فيها قد صارت كالليل الأسود ينظرون إليها كالرماد أنكروها، وشكوا فيها، وقال بعضهم لبعض: «إنَّا لضالُّونَ» أي: ضللنا الطريق إلى جنتنا، ثم لما تأملوا وعرفوا أنها هي، قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حرمنا خيرها بشؤم عزمنا على البخل ومنعنا الفقراء، قاله قتادة. وقيل: «إنَّا لضالُّون» عن الصَّواب في غدونا على نية منع المساكين، فلذلك عوقبنا ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: حرمنا جنتنا بما صنعنا. روى ابن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» إيَّاكم والمَعاصِي إنَّ العَبْدَ ليذْنبُ الذَّنْبَ فيُحرَمُ بِهِ رِزْقاً كان هُيِّىء له «ثم تلا: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ » الآيتين. قوله: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ ، يعني أعدلهم، وأفضلهم وأعقلهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ: لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ أي: هلا تستثنون، وكان استثناؤهم تسبيحاً. قاله مجاهدٌ وغيره، وهذا يدل على أن هذا الأوسط كان يأمرهم بالاستثناء، فلم يطيعوه. قال أبو صالحٍ: كان استثناؤهم سبحان الله، فقال لهم: «هَلاَّ تسبِّحُونَ اللَّهَ» ، أي تقولون: سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم. وقال النحاس: أصل التسبيحِ التنزيه لله - عَزَّ وَجَلَّ -، فجعل مجاهد التسبيح في موضع إن شاء اللَّهُ؛ لأن المعنى تنزيه الله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وقال ابن الخطيب: التسبيحُ عبارة عن تنزيهه عن كل سوء فلو دخل شيء في الوجود على خلاف إرادة الله تعالى، لوجب عود النقص إلى قدرة الله تعالى، فقولك: «إن شاء الله» مزيل هذا النقص، فكان ذلك تسبيحاً. وقيل: المعنى: هلاَّ تَسْتغفرونهُ من فِعْلكُم، وتتوبون إليه من خبث نيتكم. قيل: إنَّ القوم لمَّا عزموا على منع الزكاةِ واغتروا بالمال والقوة، قال لهم أوسطهم: توبوا عن هذه المعصية قبل نزول العذابِ، فلما رأوا العذاب ذكرهم أوسطهم كلامهُ الأول، وقال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ فحينئذ اشتغلوا بالتوبة وقالوا: ﴿ِسُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ قال ابن عباس في قولهم سبحان ربنا أي نستغفر ربنا من ذنوبنا لأنا كنا ظالمين لأنفسنا في منعنا المساكين. وقال الحسنُ: هذا التسبيحُ هُو الصَّلاةُ كأنهم كانوا يتكاسلون في الصلاة، وإلا لكانت ناهية لهم [عن الفحشاء والمنكر، ولكانت داعية لهم] إلى أن يواظبوا على ذكر الله، وعلى قول إن شاء الله. قوله ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾ . أي: يلوم بعضهم بعضاً، يقول هذا لهذا: أنت أشرت علينا بهذا الرأي، ويقول ذلك لهذا: أنت خوفتنا بالفقر، ويقول الثالث لغيره: أنت رغبتني في جمع المال، ثم نادوا على أنفسهم بالوَيْلِ فقالوا: ﴿ياويلنا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ أي: عاصين بمنع حق الفقراءِ، وترك الاستثناء. وقال ابنُ كيسان: طغينا نعم اللَّهِ، فلم نشكرهَا كما شكرها آباؤنا من قبل ﴿عسى رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ تعاقدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيراً منها لنصنعنّ كما صنع آباؤنا فدعوا الله وتضرعوا فأبدلهم الله من ليلتهم ما هو خير منها. قرىء: «يبدلنا» بالتخفيف والتشديد، وهما لغتانِ. وقيل: التبديلُ تغير الشيء، أو تغير حاله وعين الشيء قائم، والإبدال رفع الشيء ووضع آخر مكانه، ثم قال: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ أي: طالبون منه الخير راجعون لعفوه. قال المفسرون: إن الله أمر جبريل عليه السلام أن يقتلع تلك الجنة، بزغر من أرض الشام، ويأخذ من أرض الشام جنة، فيجعلها مكانها. وقال ابن مسعود: إن القوم لما أخلصوا وعرف الله منهم صدقهم أبدلهم اللَّهُ جنة يقال لها: الخيوان فيها عنب يحمل البغل منها عنقوداً واحداً. وقال أبو خالد اليماني: دخلت تلك الجنة، فرأيت كُلَّ عنقودٍ منها كالرَّجلِ الأسودِ القائمِ. وقال الحسنُ: قول أهل الجنة: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ لا أدري إيماناً كان ذلك منهم، أو على حد ما يكون من المشركين إذا أصابهم الشدة. فتوقف في كونهم مؤمنين. وسئل قتادةُ عن أهل الجنَّة، أهم من أهل الجنَّة أم من أهل النَّارِ؟ . قال: لقد كلفتني تعباً. والأكثرون يقولون: إنهم تابوا وأخلصوا. حكاه القشيري. قوله: ﴿كَذَلِكَ العذاب﴾ . مبتدأ وخيره مقدم، أي: مثل ذلك العذاب عذاب الدنيا وأما عذاب الآخرة فأكبر منه ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابنُ زيدٍ: «كذَلكَ العَذابُ» أي: عذاب الدنيا وهلاك الأموال. وقيل: هذا وعظٌ لأهل مكة بالرجوعِ إلى اللَّه لما ابتلاهم بالجدب لدعاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أي: كفعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا في الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الآخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابنُ عباسٍ: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر، وحلفوا ليقتلنَّ محمداً، وأصحابه، وليرجعوا إلى أهل مكة، حتى يطوفوا بالبيت، ويشربوا الخمر، وتضرب القيانُ على رءوسهم، فأخلف الله ظنهم، وقتلوا وأسروا وانهزموا كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصرم، فخابوا. فصل في العبرة من هذه الآية بضرب المثل قال ابن الخطيب: قوله تعالى ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [القلم: 14 - 15] ، والمعنى: لأجل أن أعطاه الله المال والبنين كفر بالله، كلا، بل الله تعالى إنما أعطاه ذلك للابتلاء، فإذا صرفه إلى الكفر دمر الله عليه، بدليل أن أصحاب الجنة لما أتوا بهذه المعصيةِ اليسيرةِ دمر الله جنتهم، فكيف حال من عاند الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وأصرَّ على الكفر والمعصيةِ. فصل في بيان هل كان الحق واجباً عليهم أم لا؟ قيل: إن الحق الذي منعه أهل الجنَّة المساكين كان واجباً عليهم، ويحتمل أنه كان تطوعاً، والأول أظهر. وقيل: السورة مكية، فبعد حمل الآية على ما أصاب أهل مكة من القحطِ، وعلى قتال بدر.

القلم 68:22

قوله ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة﴾ . يريد أهل مكة، والابتلاء: الاختبار. والمعنى: أعطيناهم الأموال ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا وعادوا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ابتليناهم بالجوع والقحط كما بلونا أصحاب الجنَّة المعروف خبرها عندهم، وذلك أنها كانت بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من «صنعاء» ، ويقال: بفرسخين، كانت لرجل يؤدي حقَّ الله منهما، فلما مات صارت إلى ولده، فمعنوا الناس خيرها، وبخلوا بحق الله فيها؛ فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حل بها. قال الكلبيُّ: كان بينهم وبين «صنعاء» فرسخان ابتلاهم اللَّهُ بأن أحرق جنتهم. وقيل: جنة بصوران على فراسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بيسير. وقيل: كانوا من بني إسرائيل. وقيل: وكانوا من ثقيف، وكانوا بخلاء، وكانوا يجذون النخل ليلاً من أجل المساكين، فأرادوا حصاد زرعها، وقالوا: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ فغدوا عليها فإذا هي قد اقتلعت من أصلها ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ أي: الليل، ويقال أيضاً للنهار: صريم، فإن كان أراد الليل، فلاسوداد مواضعها وكأنهم وجدوا مواضعها حمأة، وإن كان أراد بالصريم النهار، فلذهاب الشجر والزَّرْع وخلو الأرض منه، وكان الطائف الذي طاف عليها جبريل - عليه السلام - فاقتلعها. فقيل: إنه طاف بها حول البيت ثم وضعها حيثُ مدينة الطائف اليوم، ولذلك سميت الطائف، وليس في أرض الحجازِ بلدة فيها الماء، والشجر [والزرع] والأعناب غيرها. وقال البكريُّ في المعجم: سميت الطائف، لأن رجلاً من العرب يقالُ له: الدَّمُون، بَنَى حائطاً، وقال: إني قد بنيت لكم حائطاً حول بلدكم، فسميت الطائف. والله أعلم. قوله «إذ أقْسَمُوا» ، أي: حلفوا فيما بينهم «ليَصْرِمُنَّهَا» أي: ليجذُّنها «مُصْبحِيْنَ» أي: وقت الصباح قبل أن يخرج المساكين «ولا يَسْتَثْنُونَ» ، أي: لم يقولوا: إن شاء الله. قوله: «مُصْبحِيْنَ» حال من فاعل «ليَصْرمُنَّها» وهو من «أصبح» التامة، أي داخلين في الصباح، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ [الصافات: 137] وقوله: إذا سمعت بِسُرَى القين فاعلم بأنه مصبح والكاف في «كما» في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف، أي: بلوناهم ابتلاء كما بلونا، و «ما» مصدرية، أو بمعنى «الذي» و «إذَا» منصوبة ب «بَلَوْنَا» و «ليَصْرمُنَّهَا» جواب للقسم، وجاء على خلاف منطوقهم، ولو جاء لقيل: «لنَصْرمُنَّهَا» بنون المتكلم. قوله: ﴿وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾ . هذه مستأنفة، ويضعف كونها حالاً من حيث إن المضارع المنفي ب «لا» كالمثبت في عدم دخول الواو عليه وإضمار مبتدأ قبله، كقولهم: «قمت وأصك عينه» مستغنى عنه. ومعنى: «لا يَسْتثْنُونَ» لا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم للمساكين، من الثني، وهو الكف والرد؛ لأنَّ الحالف إذا قال: واللَّهِ لأفعلن كذا إلا أن يشاء اللَّهُ غيره فقد رد انعقاد تلك اليمين. وقيل: المعنى: لا يستثنون عزمهم عن الحرماتِ. وقيل: لا يقولون، إن شاء الله. قال الزمخشريُّ: وسمي استثناء وهو شرط؛ لأن معنى: لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد. قوله ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ﴾ . أي هلاك، أو بلاء طائف، والطائف غلب في الشر. قال الفراء: هو الأمر الذي يأتي ليلاً. ورد عليه بقوله ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان﴾ [الأعراف: 201] وذلك لا يختص بليلٍ، ولا نهارٍ. وقرأ النخعيُّ: «طَيْفٌ» . قوله «مِن ربِّك» . يجوز أن يتعلق ب «طاف» وأن يتعلق بمحذوف صفة ل «طَائِفٌ» . قوله: ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ . والصرام: جذاذ النخلِ، وأصل المادة الدلالة على القطع، ومنه الصُّرم، والصَّرْم - بالضم والفتح - وهو القطيعة؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] 4821 - أفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هذا التَدلُّلِ ... وإنْ كنتِ قَدْ أزمَعْتِ صَرْمِي فأجْملِي ومنه الصريمة، وهي قطعة منصرمة عن الرمل لا تنبت شيئاً؛ قال: [البسيط] 4822 - وبالصَّريمَةِ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ خَلَقٌ ... عَافٍ تَغَيَّرَ، إلاَّ النُّؤيُ والوتِدُ والصارم: القاطع الماضي، وناقة مصرمة: انقطع لبنها، وانصرم الشهر والسنة، أي: قرب انفصالهما، وأصرم زيد: ساءت حاله، كأنه انقطع سعده. فقوله «كالصَّريمِ» . قيل: هي الأشجار المنْصَرِم حملها. وقال ابن عباس: كالليل؛ لأنه يقال له: الصريم، لسواده، والصريم أيضاً: النهار وقيل: الصُّبحُ؛ لأنه انصرم من الليلة، قاله الأخفش. فهو من الأضداد. وقال شمر: الصريم الليل، والصريم النهار. وقيل: الصريم: رملة معروفة باليمنِ لا تنبت شيئاً. وقال الثوريُّ: كالزرع المحصود، فالصريم بمعنى المصروم، أي: المقطوع ما فيه. وقال الحسنُ: صرم عنها الخير، أي: قطع، فالصريم مفعول أيضاً. وقال المؤرج: كالرملة انصرمت من معظم الرمل، يقال: صريمة وصرائم، فالرملة لا تنبت شيئاً ينتفع به. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، ولهذا يكون «فَعِيْل» ، بمعنى «فاعل» . قال القشيريُّ: وفي هذا نظر؛ لأن النهار يسمى صريماً، ولا يقطع عن التصرف. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يصر نور البصر ويقطعه. فصل في بيان أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. قال القرطبيُّ: في الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. لأنهم عزموا على أن يفعلوا، فعوقبوا على فعلهم؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25] . وفي الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إذَا التَقَى المُسلِمَانِ بِسيْفِهِمَا فالقَاتِلُ والمَقْتُولُ في النَّارِ، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنَّه كَانَ حريصاَ على قَتْلِ صاحِبهِ» وقد مضى في آل عمران عند قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ﴾ [آل عمران: 135] . قوله: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ﴾ . قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض: ﴿اغدوا على حَرْثِكُمْ﴾ يعني بالحرث الثِّمار والزروع والأعناب، ولذلك قال: «صَارمِيْنَ» ، لأنهم أرادوا قطع الثمار من الأشجار. «أن اغْدُوْا» يجوز أن تكون المصدرية، أي: تنادوا بهذا الكلام، وأن تكون المفسرة، لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول. قال الزمخشريُّ: «فإن قلت: هلاَّ قيل: اغدوا إلى حرثكم، وما معنى على؟ . قلت: لما كان الغدو إليه ليصرموه، ويقطعوه كان غدواً عليه كما تقول: غدا عليهم العدو ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال كقولهم: يغدى عليهم بالجفنة ويراح» انتهى. فجعل «غَدَا» متعدياً في الأصل ب «إلى» فاحتاج إلى تأويل تعديه ب «عَلَى» ، وفيه نظر؛ لورود تعديه ب «عَلَى» في غير موضع؛ كقوله: [الوافر] 4823 - وقَدْ أغْدُو على ثُبَةٍ كِرامٍ ... نَشَاوَى واجِدينَ لَمَا نَشَاءُ وإذا كانوا قد عدوا مرادفه ب «عَلَى» فليعدوه بها، ومرادفه «بكر» تقول: بكرتُ عليه و «غدوتُ عليه» بمعنى واحد؛ قال: [الطويل] 4824 - بَكَرْتُ عَليْهِ غُدْوةً فَرأيْتُهُ ... قُعُوداً إليْهِ بالصَّريمِ عَواذِلُه قوله ﴿إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾ . جوابه محذوف، أي فاغدوا و «صارمين» : قاطعين حادين. وقيل: ماضين العزم من قولك: سيف صارم. قوله ﴿فانطلقوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ . أي: يتشاورون فيما بينهم، والمعنى يخفون كلامهم، ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد، قاله عطاء وقتادة. وهو من خفت يخفت إذا سكت، ولم يبين. قال ابن الخطيب: «وخَفَى وخَفَت، كلاهما في معنى الكتم، ومنه الخمود والخفاء» . وقيل: يخفون أنفسهم من الناس، حتى لا يروهم، وكان أبوهم يخبر الفقراء والمساكين فيحضروا وقت الحصاد والصرام. وقوله: ﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ جملة حالية من فاعل «انْطَلقُوا» . قوله: ﴿أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ . «أنْ» مفسرة، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: يتخافتون بهذا الكلام، أي: يقوله بعضهم لبعض: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ . قال ابن الخطيب: والنهي للمسكين عن الدخول نهيٌ لهم عن تمكينه منه، أي: لا تمكنوه من الدخول. وقرأ عبد الله وابن أبي عبلة: «لا يدْخُلنَّهَا» بإسقاط «أنْ» إما على إضمار القولِ كمذهب البصريين، وإما على إجراء «يَتَخافتُونَ» مجراه كقول الكوفيين. قوله: ﴿وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ . يجوز أن يكون «قَادِريْنَ» حالاً من فاعل «غَدَوْا» و «عَلى حَرْدٍ» متعلق به وأن يكون «على حَردٍ» هو الحال و «قَادِريْنَ» إما حال ثانية، وإما حال من ضمير الحالِ الأول. والحرد: قيل: الغضب والحنق. قاله السديُّ وسفيان. وأنشد للأشهب بن رميلة: [الطويل] 4825 - أسُودُ شَرًى لاقَتْ أسُودَ خَفيَّةٍ ... تَساقَوْا على حَرْدٍ دِماءَ الأسَاوِدِ قيل: ومثله: [الرجز] 4826 - إذَا جِيادُ الخَيْلِ جَاءتْ تَرْدِي ... مَملُوءةً مِنْ غضَبٍ وحَرْدِ عطف لما تغاير اللفظان؛ كقوله: [الوافر] 4827 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... وألْفَى قوْلهَا كذِباً ومَيْنَا قال أبو عبيدة والقتيبي: «عَلى حَرْدٍ» على منع من حاردت الناقة حراداً، أي: قل لبنها. والحرود من النوق القليلة الدر، وحاردت السَّنةُ: قل مطرها، وخيرها. ويقال: حرد - بالكسر - يحرد حرداً، وقد تفتح فيقال: حَرَدَ فهو حردان وحارد، وليوث حوارد. وقيل: الحرد، والحرود: الانفراد، يقال: حَرَدَ - بالفتح - يَحْرُدُ - بالضم - حروداً وحرداً، أي: انعزل. ومنه كوكب حارد، أي: منفرد. قال الأصمعي: هي لغة هذيل. وقال القرطبيُّ: يقال: حرد يحرد حروداً، أي: تنحى عن قومه، ولم يخالطهم. وقال أبو زيدٍ: رجل حريد من قوم حرداء، وقد حَرَدَ يَحْرِدُ حُرُوداً إذا ترك قومه، وتحول عنهم. قال الأصمعي: رجل حريد، أي: فريد وحيد، قال: والمنفرد والمنحرد في لغة هذيل وأنشد لأبي ذؤيب: [البسيط] 4828 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... كأنَّهُ كَوكَبٌ في الجَوِّ مُنْحِرِدُ ورواه أبو عمرو: بالجيم، قال: وهو سهيل. وقيل: الحردُ القصد، يقال: حَرَد يحْرِدُ - بالكسر - حرداً، قصداً، تقول: حردت حردك، أي: قصدت قصدك؛ قال الراجز: [الرجز] 4829 - أقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ وقال قتادة ومجاهدٌ: «عَلى حَرْدٍ» ، أي: على جد وجهد. وقال القرطبيُّ ومجاهد وعكرمة: أي: على أمر مجتمع قد أسموه بينهم. قال البغويُّ: «وهذا معنى القصدِ» . وقال الحسنُ: على حاجةٍ وفاقةٍ. وقيل: الحرد اسم جنتهم بعينها، قاله السديُّ. وقال الأزهريُّ: حرد اسم قريتهم. وفيهما بعد. و «قَادِريْنَ» إما من القدرة وهو الظاهرُ، وإما من التقدير، وهو التضييق، أي: مضيقين على المساكين. وقرأ العامة: بالإسكان. وقرأ أبو العالية وابن السميفع: بالفتح، وهما لغتان. فصل في تفسير «قادرين» قال الفرَّاء: ومعنى «قادرين» قد قدروا أمرم، وبنوا عليه. وقال قتادة: قادرين على جنتهم عند أنفسهم. وقال الشعبيُّ: قادرين على المساكين. وقيل: معناه من الوجود، أي: منعوا وهم واجدون. ومعنى الآيةِ: وغدوا، وكانوا عند أنفسهم، وفي ظنهم أنهم قادرون على منع المساكينَ. قوله ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾ . يعني الجنة محترقة، لا شيء فيها قد صارت كالليل الأسود ينظرون إليها كالرماد أنكروها، وشكوا فيها، وقال بعضهم لبعض: «إنَّا لضالُّونَ» أي: ضللنا الطريق إلى جنتنا، ثم لما تأملوا وعرفوا أنها هي، قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حرمنا خيرها بشؤم عزمنا على البخل ومنعنا الفقراء، قاله قتادة. وقيل: «إنَّا لضالُّون» عن الصَّواب في غدونا على نية منع المساكين، فلذلك عوقبنا ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: حرمنا جنتنا بما صنعنا. روى ابن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» إيَّاكم والمَعاصِي إنَّ العَبْدَ ليذْنبُ الذَّنْبَ فيُحرَمُ بِهِ رِزْقاً كان هُيِّىء له «ثم تلا: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ » الآيتين. قوله: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ ، يعني أعدلهم، وأفضلهم وأعقلهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ: لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ أي: هلا تستثنون، وكان استثناؤهم تسبيحاً. قاله مجاهدٌ وغيره، وهذا يدل على أن هذا الأوسط كان يأمرهم بالاستثناء، فلم يطيعوه. قال أبو صالحٍ: كان استثناؤهم سبحان الله، فقال لهم: «هَلاَّ تسبِّحُونَ اللَّهَ» ، أي تقولون: سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم. وقال النحاس: أصل التسبيحِ التنزيه لله - عَزَّ وَجَلَّ -، فجعل مجاهد التسبيح في موضع إن شاء اللَّهُ؛ لأن المعنى تنزيه الله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وقال ابن الخطيب: التسبيحُ عبارة عن تنزيهه عن كل سوء فلو دخل شيء في الوجود على خلاف إرادة الله تعالى، لوجب عود النقص إلى قدرة الله تعالى، فقولك: «إن شاء الله» مزيل هذا النقص، فكان ذلك تسبيحاً. وقيل: المعنى: هلاَّ تَسْتغفرونهُ من فِعْلكُم، وتتوبون إليه من خبث نيتكم. قيل: إنَّ القوم لمَّا عزموا على منع الزكاةِ واغتروا بالمال والقوة، قال لهم أوسطهم: توبوا عن هذه المعصية قبل نزول العذابِ، فلما رأوا العذاب ذكرهم أوسطهم كلامهُ الأول، وقال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ فحينئذ اشتغلوا بالتوبة وقالوا: ﴿ِسُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ قال ابن عباس في قولهم سبحان ربنا أي نستغفر ربنا من ذنوبنا لأنا كنا ظالمين لأنفسنا في منعنا المساكين. وقال الحسنُ: هذا التسبيحُ هُو الصَّلاةُ كأنهم كانوا يتكاسلون في الصلاة، وإلا لكانت ناهية لهم [عن الفحشاء والمنكر، ولكانت داعية لهم] إلى أن يواظبوا على ذكر الله، وعلى قول إن شاء الله. قوله ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾ . أي: يلوم بعضهم بعضاً، يقول هذا لهذا: أنت أشرت علينا بهذا الرأي، ويقول ذلك لهذا: أنت خوفتنا بالفقر، ويقول الثالث لغيره: أنت رغبتني في جمع المال، ثم نادوا على أنفسهم بالوَيْلِ فقالوا: ﴿ياويلنا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ أي: عاصين بمنع حق الفقراءِ، وترك الاستثناء. وقال ابنُ كيسان: طغينا نعم اللَّهِ، فلم نشكرهَا كما شكرها آباؤنا من قبل ﴿عسى رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ تعاقدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيراً منها لنصنعنّ كما صنع آباؤنا فدعوا الله وتضرعوا فأبدلهم الله من ليلتهم ما هو خير منها. قرىء: «يبدلنا» بالتخفيف والتشديد، وهما لغتانِ. وقيل: التبديلُ تغير الشيء، أو تغير حاله وعين الشيء قائم، والإبدال رفع الشيء ووضع آخر مكانه، ثم قال: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ أي: طالبون منه الخير راجعون لعفوه. قال المفسرون: إن الله أمر جبريل عليه السلام أن يقتلع تلك الجنة، بزغر من أرض الشام، ويأخذ من أرض الشام جنة، فيجعلها مكانها. وقال ابن مسعود: إن القوم لما أخلصوا وعرف الله منهم صدقهم أبدلهم اللَّهُ جنة يقال لها: الخيوان فيها عنب يحمل البغل منها عنقوداً واحداً. وقال أبو خالد اليماني: دخلت تلك الجنة، فرأيت كُلَّ عنقودٍ منها كالرَّجلِ الأسودِ القائمِ. وقال الحسنُ: قول أهل الجنة: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ لا أدري إيماناً كان ذلك منهم، أو على حد ما يكون من المشركين إذا أصابهم الشدة. فتوقف في كونهم مؤمنين. وسئل قتادةُ عن أهل الجنَّة، أهم من أهل الجنَّة أم من أهل النَّارِ؟ . قال: لقد كلفتني تعباً. والأكثرون يقولون: إنهم تابوا وأخلصوا. حكاه القشيري. قوله: ﴿كَذَلِكَ العذاب﴾ . مبتدأ وخيره مقدم، أي: مثل ذلك العذاب عذاب الدنيا وأما عذاب الآخرة فأكبر منه ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابنُ زيدٍ: «كذَلكَ العَذابُ» أي: عذاب الدنيا وهلاك الأموال. وقيل: هذا وعظٌ لأهل مكة بالرجوعِ إلى اللَّه لما ابتلاهم بالجدب لدعاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أي: كفعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا في الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الآخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابنُ عباسٍ: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر، وحلفوا ليقتلنَّ محمداً، وأصحابه، وليرجعوا إلى أهل مكة، حتى يطوفوا بالبيت، ويشربوا الخمر، وتضرب القيانُ على رءوسهم، فأخلف الله ظنهم، وقتلوا وأسروا وانهزموا كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصرم، فخابوا. فصل في العبرة من هذه الآية بضرب المثل قال ابن الخطيب: قوله تعالى ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [القلم: 14 - 15] ، والمعنى: لأجل أن أعطاه الله المال والبنين كفر بالله، كلا، بل الله تعالى إنما أعطاه ذلك للابتلاء، فإذا صرفه إلى الكفر دمر الله عليه، بدليل أن أصحاب الجنة لما أتوا بهذه المعصيةِ اليسيرةِ دمر الله جنتهم، فكيف حال من عاند الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وأصرَّ على الكفر والمعصيةِ. فصل في بيان هل كان الحق واجباً عليهم أم لا؟ قيل: إن الحق الذي منعه أهل الجنَّة المساكين كان واجباً عليهم، ويحتمل أنه كان تطوعاً، والأول أظهر. وقيل: السورة مكية، فبعد حمل الآية على ما أصاب أهل مكة من القحطِ، وعلى قتال بدر.

القلم 68:23

قوله ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة﴾ . يريد أهل مكة، والابتلاء: الاختبار. والمعنى: أعطيناهم الأموال ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا وعادوا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ابتليناهم بالجوع والقحط كما بلونا أصحاب الجنَّة المعروف خبرها عندهم، وذلك أنها كانت بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من «صنعاء» ، ويقال: بفرسخين، كانت لرجل يؤدي حقَّ الله منهما، فلما مات صارت إلى ولده، فمعنوا الناس خيرها، وبخلوا بحق الله فيها؛ فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حل بها. قال الكلبيُّ: كان بينهم وبين «صنعاء» فرسخان ابتلاهم اللَّهُ بأن أحرق جنتهم. وقيل: جنة بصوران على فراسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بيسير. وقيل: كانوا من بني إسرائيل. وقيل: وكانوا من ثقيف، وكانوا بخلاء، وكانوا يجذون النخل ليلاً من أجل المساكين، فأرادوا حصاد زرعها، وقالوا: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ فغدوا عليها فإذا هي قد اقتلعت من أصلها ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ أي: الليل، ويقال أيضاً للنهار: صريم، فإن كان أراد الليل، فلاسوداد مواضعها وكأنهم وجدوا مواضعها حمأة، وإن كان أراد بالصريم النهار، فلذهاب الشجر والزَّرْع وخلو الأرض منه، وكان الطائف الذي طاف عليها جبريل - عليه السلام - فاقتلعها. فقيل: إنه طاف بها حول البيت ثم وضعها حيثُ مدينة الطائف اليوم، ولذلك سميت الطائف، وليس في أرض الحجازِ بلدة فيها الماء، والشجر [والزرع] والأعناب غيرها. وقال البكريُّ في المعجم: سميت الطائف، لأن رجلاً من العرب يقالُ له: الدَّمُون، بَنَى حائطاً، وقال: إني قد بنيت لكم حائطاً حول بلدكم، فسميت الطائف. والله أعلم. قوله «إذ أقْسَمُوا» ، أي: حلفوا فيما بينهم «ليَصْرِمُنَّهَا» أي: ليجذُّنها «مُصْبحِيْنَ» أي: وقت الصباح قبل أن يخرج المساكين «ولا يَسْتَثْنُونَ» ، أي: لم يقولوا: إن شاء الله. قوله: «مُصْبحِيْنَ» حال من فاعل «ليَصْرمُنَّها» وهو من «أصبح» التامة، أي داخلين في الصباح، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ [الصافات: 137] وقوله: إذا سمعت بِسُرَى القين فاعلم بأنه مصبح والكاف في «كما» في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف، أي: بلوناهم ابتلاء كما بلونا، و «ما» مصدرية، أو بمعنى «الذي» و «إذَا» منصوبة ب «بَلَوْنَا» و «ليَصْرمُنَّهَا» جواب للقسم، وجاء على خلاف منطوقهم، ولو جاء لقيل: «لنَصْرمُنَّهَا» بنون المتكلم. قوله: ﴿وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾ . هذه مستأنفة، ويضعف كونها حالاً من حيث إن المضارع المنفي ب «لا» كالمثبت في عدم دخول الواو عليه وإضمار مبتدأ قبله، كقولهم: «قمت وأصك عينه» مستغنى عنه. ومعنى: «لا يَسْتثْنُونَ» لا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم للمساكين، من الثني، وهو الكف والرد؛ لأنَّ الحالف إذا قال: واللَّهِ لأفعلن كذا إلا أن يشاء اللَّهُ غيره فقد رد انعقاد تلك اليمين. وقيل: المعنى: لا يستثنون عزمهم عن الحرماتِ. وقيل: لا يقولون، إن شاء الله. قال الزمخشريُّ: وسمي استثناء وهو شرط؛ لأن معنى: لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد. قوله ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ﴾ . أي هلاك، أو بلاء طائف، والطائف غلب في الشر. قال الفراء: هو الأمر الذي يأتي ليلاً. ورد عليه بقوله ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان﴾ [الأعراف: 201] وذلك لا يختص بليلٍ، ولا نهارٍ. وقرأ النخعيُّ: «طَيْفٌ» . قوله «مِن ربِّك» . يجوز أن يتعلق ب «طاف» وأن يتعلق بمحذوف صفة ل «طَائِفٌ» . قوله: ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ . والصرام: جذاذ النخلِ، وأصل المادة الدلالة على القطع، ومنه الصُّرم، والصَّرْم - بالضم والفتح - وهو القطيعة؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] 4821 - أفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هذا التَدلُّلِ ... وإنْ كنتِ قَدْ أزمَعْتِ صَرْمِي فأجْملِي ومنه الصريمة، وهي قطعة منصرمة عن الرمل لا تنبت شيئاً؛ قال: [البسيط] 4822 - وبالصَّريمَةِ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ خَلَقٌ ... عَافٍ تَغَيَّرَ، إلاَّ النُّؤيُ والوتِدُ والصارم: القاطع الماضي، وناقة مصرمة: انقطع لبنها، وانصرم الشهر والسنة، أي: قرب انفصالهما، وأصرم زيد: ساءت حاله، كأنه انقطع سعده. فقوله «كالصَّريمِ» . قيل: هي الأشجار المنْصَرِم حملها. وقال ابن عباس: كالليل؛ لأنه يقال له: الصريم، لسواده، والصريم أيضاً: النهار وقيل: الصُّبحُ؛ لأنه انصرم من الليلة، قاله الأخفش. فهو من الأضداد. وقال شمر: الصريم الليل، والصريم النهار. وقيل: الصريم: رملة معروفة باليمنِ لا تنبت شيئاً. وقال الثوريُّ: كالزرع المحصود، فالصريم بمعنى المصروم، أي: المقطوع ما فيه. وقال الحسنُ: صرم عنها الخير، أي: قطع، فالصريم مفعول أيضاً. وقال المؤرج: كالرملة انصرمت من معظم الرمل، يقال: صريمة وصرائم، فالرملة لا تنبت شيئاً ينتفع به. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، ولهذا يكون «فَعِيْل» ، بمعنى «فاعل» . قال القشيريُّ: وفي هذا نظر؛ لأن النهار يسمى صريماً، ولا يقطع عن التصرف. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يصر نور البصر ويقطعه. فصل في بيان أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. قال القرطبيُّ: في الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. لأنهم عزموا على أن يفعلوا، فعوقبوا على فعلهم؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25] . وفي الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إذَا التَقَى المُسلِمَانِ بِسيْفِهِمَا فالقَاتِلُ والمَقْتُولُ في النَّارِ، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنَّه كَانَ حريصاَ على قَتْلِ صاحِبهِ» وقد مضى في آل عمران عند قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ﴾ [آل عمران: 135] . قوله: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ﴾ . قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض: ﴿اغدوا على حَرْثِكُمْ﴾ يعني بالحرث الثِّمار والزروع والأعناب، ولذلك قال: «صَارمِيْنَ» ، لأنهم أرادوا قطع الثمار من الأشجار. «أن اغْدُوْا» يجوز أن تكون المصدرية، أي: تنادوا بهذا الكلام، وأن تكون المفسرة، لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول. قال الزمخشريُّ: «فإن قلت: هلاَّ قيل: اغدوا إلى حرثكم، وما معنى على؟ . قلت: لما كان الغدو إليه ليصرموه، ويقطعوه كان غدواً عليه كما تقول: غدا عليهم العدو ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال كقولهم: يغدى عليهم بالجفنة ويراح» انتهى. فجعل «غَدَا» متعدياً في الأصل ب «إلى» فاحتاج إلى تأويل تعديه ب «عَلَى» ، وفيه نظر؛ لورود تعديه ب «عَلَى» في غير موضع؛ كقوله: [الوافر] 4823 - وقَدْ أغْدُو على ثُبَةٍ كِرامٍ ... نَشَاوَى واجِدينَ لَمَا نَشَاءُ وإذا كانوا قد عدوا مرادفه ب «عَلَى» فليعدوه بها، ومرادفه «بكر» تقول: بكرتُ عليه و «غدوتُ عليه» بمعنى واحد؛ قال: [الطويل] 4824 - بَكَرْتُ عَليْهِ غُدْوةً فَرأيْتُهُ ... قُعُوداً إليْهِ بالصَّريمِ عَواذِلُه قوله ﴿إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾ . جوابه محذوف، أي فاغدوا و «صارمين» : قاطعين حادين. وقيل: ماضين العزم من قولك: سيف صارم. قوله ﴿فانطلقوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ . أي: يتشاورون فيما بينهم، والمعنى يخفون كلامهم، ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد، قاله عطاء وقتادة. وهو من خفت يخفت إذا سكت، ولم يبين. قال ابن الخطيب: «وخَفَى وخَفَت، كلاهما في معنى الكتم، ومنه الخمود والخفاء» . وقيل: يخفون أنفسهم من الناس، حتى لا يروهم، وكان أبوهم يخبر الفقراء والمساكين فيحضروا وقت الحصاد والصرام. وقوله: ﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ جملة حالية من فاعل «انْطَلقُوا» . قوله: ﴿أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ . «أنْ» مفسرة، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: يتخافتون بهذا الكلام، أي: يقوله بعضهم لبعض: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ . قال ابن الخطيب: والنهي للمسكين عن الدخول نهيٌ لهم عن تمكينه منه، أي: لا تمكنوه من الدخول. وقرأ عبد الله وابن أبي عبلة: «لا يدْخُلنَّهَا» بإسقاط «أنْ» إما على إضمار القولِ كمذهب البصريين، وإما على إجراء «يَتَخافتُونَ» مجراه كقول الكوفيين. قوله: ﴿وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ . يجوز أن يكون «قَادِريْنَ» حالاً من فاعل «غَدَوْا» و «عَلى حَرْدٍ» متعلق به وأن يكون «على حَردٍ» هو الحال و «قَادِريْنَ» إما حال ثانية، وإما حال من ضمير الحالِ الأول. والحرد: قيل: الغضب والحنق. قاله السديُّ وسفيان. وأنشد للأشهب بن رميلة: [الطويل] 4825 - أسُودُ شَرًى لاقَتْ أسُودَ خَفيَّةٍ ... تَساقَوْا على حَرْدٍ دِماءَ الأسَاوِدِ قيل: ومثله: [الرجز] 4826 - إذَا جِيادُ الخَيْلِ جَاءتْ تَرْدِي ... مَملُوءةً مِنْ غضَبٍ وحَرْدِ عطف لما تغاير اللفظان؛ كقوله: [الوافر] 4827 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... وألْفَى قوْلهَا كذِباً ومَيْنَا قال أبو عبيدة والقتيبي: «عَلى حَرْدٍ» على منع من حاردت الناقة حراداً، أي: قل لبنها. والحرود من النوق القليلة الدر، وحاردت السَّنةُ: قل مطرها، وخيرها. ويقال: حرد - بالكسر - يحرد حرداً، وقد تفتح فيقال: حَرَدَ فهو حردان وحارد، وليوث حوارد. وقيل: الحرد، والحرود: الانفراد، يقال: حَرَدَ - بالفتح - يَحْرُدُ - بالضم - حروداً وحرداً، أي: انعزل. ومنه كوكب حارد، أي: منفرد. قال الأصمعي: هي لغة هذيل. وقال القرطبيُّ: يقال: حرد يحرد حروداً، أي: تنحى عن قومه، ولم يخالطهم. وقال أبو زيدٍ: رجل حريد من قوم حرداء، وقد حَرَدَ يَحْرِدُ حُرُوداً إذا ترك قومه، وتحول عنهم. قال الأصمعي: رجل حريد، أي: فريد وحيد، قال: والمنفرد والمنحرد في لغة هذيل وأنشد لأبي ذؤيب: [البسيط] 4828 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... كأنَّهُ كَوكَبٌ في الجَوِّ مُنْحِرِدُ ورواه أبو عمرو: بالجيم، قال: وهو سهيل. وقيل: الحردُ القصد، يقال: حَرَد يحْرِدُ - بالكسر - حرداً، قصداً، تقول: حردت حردك، أي: قصدت قصدك؛ قال الراجز: [الرجز] 4829 - أقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ وقال قتادة ومجاهدٌ: «عَلى حَرْدٍ» ، أي: على جد وجهد. وقال القرطبيُّ ومجاهد وعكرمة: أي: على أمر مجتمع قد أسموه بينهم. قال البغويُّ: «وهذا معنى القصدِ» . وقال الحسنُ: على حاجةٍ وفاقةٍ. وقيل: الحرد اسم جنتهم بعينها، قاله السديُّ. وقال الأزهريُّ: حرد اسم قريتهم. وفيهما بعد. و «قَادِريْنَ» إما من القدرة وهو الظاهرُ، وإما من التقدير، وهو التضييق، أي: مضيقين على المساكين. وقرأ العامة: بالإسكان. وقرأ أبو العالية وابن السميفع: بالفتح، وهما لغتان. فصل في تفسير «قادرين» قال الفرَّاء: ومعنى «قادرين» قد قدروا أمرم، وبنوا عليه. وقال قتادة: قادرين على جنتهم عند أنفسهم. وقال الشعبيُّ: قادرين على المساكين. وقيل: معناه من الوجود، أي: منعوا وهم واجدون. ومعنى الآيةِ: وغدوا، وكانوا عند أنفسهم، وفي ظنهم أنهم قادرون على منع المساكينَ. قوله ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾ . يعني الجنة محترقة، لا شيء فيها قد صارت كالليل الأسود ينظرون إليها كالرماد أنكروها، وشكوا فيها، وقال بعضهم لبعض: «إنَّا لضالُّونَ» أي: ضللنا الطريق إلى جنتنا، ثم لما تأملوا وعرفوا أنها هي، قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حرمنا خيرها بشؤم عزمنا على البخل ومنعنا الفقراء، قاله قتادة. وقيل: «إنَّا لضالُّون» عن الصَّواب في غدونا على نية منع المساكين، فلذلك عوقبنا ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: حرمنا جنتنا بما صنعنا. روى ابن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» إيَّاكم والمَعاصِي إنَّ العَبْدَ ليذْنبُ الذَّنْبَ فيُحرَمُ بِهِ رِزْقاً كان هُيِّىء له «ثم تلا: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ » الآيتين. قوله: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ ، يعني أعدلهم، وأفضلهم وأعقلهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ: لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ أي: هلا تستثنون، وكان استثناؤهم تسبيحاً. قاله مجاهدٌ وغيره، وهذا يدل على أن هذا الأوسط كان يأمرهم بالاستثناء، فلم يطيعوه. قال أبو صالحٍ: كان استثناؤهم سبحان الله، فقال لهم: «هَلاَّ تسبِّحُونَ اللَّهَ» ، أي تقولون: سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم. وقال النحاس: أصل التسبيحِ التنزيه لله - عَزَّ وَجَلَّ -، فجعل مجاهد التسبيح في موضع إن شاء اللَّهُ؛ لأن المعنى تنزيه الله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وقال ابن الخطيب: التسبيحُ عبارة عن تنزيهه عن كل سوء فلو دخل شيء في الوجود على خلاف إرادة الله تعالى، لوجب عود النقص إلى قدرة الله تعالى، فقولك: «إن شاء الله» مزيل هذا النقص، فكان ذلك تسبيحاً. وقيل: المعنى: هلاَّ تَسْتغفرونهُ من فِعْلكُم، وتتوبون إليه من خبث نيتكم. قيل: إنَّ القوم لمَّا عزموا على منع الزكاةِ واغتروا بالمال والقوة، قال لهم أوسطهم: توبوا عن هذه المعصية قبل نزول العذابِ، فلما رأوا العذاب ذكرهم أوسطهم كلامهُ الأول، وقال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ فحينئذ اشتغلوا بالتوبة وقالوا: ﴿ِسُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ قال ابن عباس في قولهم سبحان ربنا أي نستغفر ربنا من ذنوبنا لأنا كنا ظالمين لأنفسنا في منعنا المساكين. وقال الحسنُ: هذا التسبيحُ هُو الصَّلاةُ كأنهم كانوا يتكاسلون في الصلاة، وإلا لكانت ناهية لهم [عن الفحشاء والمنكر، ولكانت داعية لهم] إلى أن يواظبوا على ذكر الله، وعلى قول إن شاء الله. قوله ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾ . أي: يلوم بعضهم بعضاً، يقول هذا لهذا: أنت أشرت علينا بهذا الرأي، ويقول ذلك لهذا: أنت خوفتنا بالفقر، ويقول الثالث لغيره: أنت رغبتني في جمع المال، ثم نادوا على أنفسهم بالوَيْلِ فقالوا: ﴿ياويلنا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ أي: عاصين بمنع حق الفقراءِ، وترك الاستثناء. وقال ابنُ كيسان: طغينا نعم اللَّهِ، فلم نشكرهَا كما شكرها آباؤنا من قبل ﴿عسى رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ تعاقدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيراً منها لنصنعنّ كما صنع آباؤنا فدعوا الله وتضرعوا فأبدلهم الله من ليلتهم ما هو خير منها. قرىء: «يبدلنا» بالتخفيف والتشديد، وهما لغتانِ. وقيل: التبديلُ تغير الشيء، أو تغير حاله وعين الشيء قائم، والإبدال رفع الشيء ووضع آخر مكانه، ثم قال: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ أي: طالبون منه الخير راجعون لعفوه. قال المفسرون: إن الله أمر جبريل عليه السلام أن يقتلع تلك الجنة، بزغر من أرض الشام، ويأخذ من أرض الشام جنة، فيجعلها مكانها. وقال ابن مسعود: إن القوم لما أخلصوا وعرف الله منهم صدقهم أبدلهم اللَّهُ جنة يقال لها: الخيوان فيها عنب يحمل البغل منها عنقوداً واحداً. وقال أبو خالد اليماني: دخلت تلك الجنة، فرأيت كُلَّ عنقودٍ منها كالرَّجلِ الأسودِ القائمِ. وقال الحسنُ: قول أهل الجنة: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ لا أدري إيماناً كان ذلك منهم، أو على حد ما يكون من المشركين إذا أصابهم الشدة. فتوقف في كونهم مؤمنين. وسئل قتادةُ عن أهل الجنَّة، أهم من أهل الجنَّة أم من أهل النَّارِ؟ . قال: لقد كلفتني تعباً. والأكثرون يقولون: إنهم تابوا وأخلصوا. حكاه القشيري. قوله: ﴿كَذَلِكَ العذاب﴾ . مبتدأ وخيره مقدم، أي: مثل ذلك العذاب عذاب الدنيا وأما عذاب الآخرة فأكبر منه ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابنُ زيدٍ: «كذَلكَ العَذابُ» أي: عذاب الدنيا وهلاك الأموال. وقيل: هذا وعظٌ لأهل مكة بالرجوعِ إلى اللَّه لما ابتلاهم بالجدب لدعاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أي: كفعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا في الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الآخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابنُ عباسٍ: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر، وحلفوا ليقتلنَّ محمداً، وأصحابه، وليرجعوا إلى أهل مكة، حتى يطوفوا بالبيت، ويشربوا الخمر، وتضرب القيانُ على رءوسهم، فأخلف الله ظنهم، وقتلوا وأسروا وانهزموا كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصرم، فخابوا. فصل في العبرة من هذه الآية بضرب المثل قال ابن الخطيب: قوله تعالى ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [القلم: 14 - 15] ، والمعنى: لأجل أن أعطاه الله المال والبنين كفر بالله، كلا، بل الله تعالى إنما أعطاه ذلك للابتلاء، فإذا صرفه إلى الكفر دمر الله عليه، بدليل أن أصحاب الجنة لما أتوا بهذه المعصيةِ اليسيرةِ دمر الله جنتهم، فكيف حال من عاند الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وأصرَّ على الكفر والمعصيةِ. فصل في بيان هل كان الحق واجباً عليهم أم لا؟ قيل: إن الحق الذي منعه أهل الجنَّة المساكين كان واجباً عليهم، ويحتمل أنه كان تطوعاً، والأول أظهر. وقيل: السورة مكية، فبعد حمل الآية على ما أصاب أهل مكة من القحطِ، وعلى قتال بدر.

القلم 68:24

قوله ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة﴾ . يريد أهل مكة، والابتلاء: الاختبار. والمعنى: أعطيناهم الأموال ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا وعادوا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ابتليناهم بالجوع والقحط كما بلونا أصحاب الجنَّة المعروف خبرها عندهم، وذلك أنها كانت بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من «صنعاء» ، ويقال: بفرسخين، كانت لرجل يؤدي حقَّ الله منهما، فلما مات صارت إلى ولده، فمعنوا الناس خيرها، وبخلوا بحق الله فيها؛ فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حل بها. قال الكلبيُّ: كان بينهم وبين «صنعاء» فرسخان ابتلاهم اللَّهُ بأن أحرق جنتهم. وقيل: جنة بصوران على فراسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بيسير. وقيل: كانوا من بني إسرائيل. وقيل: وكانوا من ثقيف، وكانوا بخلاء، وكانوا يجذون النخل ليلاً من أجل المساكين، فأرادوا حصاد زرعها، وقالوا: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ فغدوا عليها فإذا هي قد اقتلعت من أصلها ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ أي: الليل، ويقال أيضاً للنهار: صريم، فإن كان أراد الليل، فلاسوداد مواضعها وكأنهم وجدوا مواضعها حمأة، وإن كان أراد بالصريم النهار، فلذهاب الشجر والزَّرْع وخلو الأرض منه، وكان الطائف الذي طاف عليها جبريل - عليه السلام - فاقتلعها. فقيل: إنه طاف بها حول البيت ثم وضعها حيثُ مدينة الطائف اليوم، ولذلك سميت الطائف، وليس في أرض الحجازِ بلدة فيها الماء، والشجر [والزرع] والأعناب غيرها. وقال البكريُّ في المعجم: سميت الطائف، لأن رجلاً من العرب يقالُ له: الدَّمُون، بَنَى حائطاً، وقال: إني قد بنيت لكم حائطاً حول بلدكم، فسميت الطائف. والله أعلم. قوله «إذ أقْسَمُوا» ، أي: حلفوا فيما بينهم «ليَصْرِمُنَّهَا» أي: ليجذُّنها «مُصْبحِيْنَ» أي: وقت الصباح قبل أن يخرج المساكين «ولا يَسْتَثْنُونَ» ، أي: لم يقولوا: إن شاء الله. قوله: «مُصْبحِيْنَ» حال من فاعل «ليَصْرمُنَّها» وهو من «أصبح» التامة، أي داخلين في الصباح، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ [الصافات: 137] وقوله: إذا سمعت بِسُرَى القين فاعلم بأنه مصبح والكاف في «كما» في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف، أي: بلوناهم ابتلاء كما بلونا، و «ما» مصدرية، أو بمعنى «الذي» و «إذَا» منصوبة ب «بَلَوْنَا» و «ليَصْرمُنَّهَا» جواب للقسم، وجاء على خلاف منطوقهم، ولو جاء لقيل: «لنَصْرمُنَّهَا» بنون المتكلم. قوله: ﴿وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾ . هذه مستأنفة، ويضعف كونها حالاً من حيث إن المضارع المنفي ب «لا» كالمثبت في عدم دخول الواو عليه وإضمار مبتدأ قبله، كقولهم: «قمت وأصك عينه» مستغنى عنه. ومعنى: «لا يَسْتثْنُونَ» لا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم للمساكين، من الثني، وهو الكف والرد؛ لأنَّ الحالف إذا قال: واللَّهِ لأفعلن كذا إلا أن يشاء اللَّهُ غيره فقد رد انعقاد تلك اليمين. وقيل: المعنى: لا يستثنون عزمهم عن الحرماتِ. وقيل: لا يقولون، إن شاء الله. قال الزمخشريُّ: وسمي استثناء وهو شرط؛ لأن معنى: لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد. قوله ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ﴾ . أي هلاك، أو بلاء طائف، والطائف غلب في الشر. قال الفراء: هو الأمر الذي يأتي ليلاً. ورد عليه بقوله ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان﴾ [الأعراف: 201] وذلك لا يختص بليلٍ، ولا نهارٍ. وقرأ النخعيُّ: «طَيْفٌ» . قوله «مِن ربِّك» . يجوز أن يتعلق ب «طاف» وأن يتعلق بمحذوف صفة ل «طَائِفٌ» . قوله: ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ . والصرام: جذاذ النخلِ، وأصل المادة الدلالة على القطع، ومنه الصُّرم، والصَّرْم - بالضم والفتح - وهو القطيعة؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] 4821 - أفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هذا التَدلُّلِ ... وإنْ كنتِ قَدْ أزمَعْتِ صَرْمِي فأجْملِي ومنه الصريمة، وهي قطعة منصرمة عن الرمل لا تنبت شيئاً؛ قال: [البسيط] 4822 - وبالصَّريمَةِ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ خَلَقٌ ... عَافٍ تَغَيَّرَ، إلاَّ النُّؤيُ والوتِدُ والصارم: القاطع الماضي، وناقة مصرمة: انقطع لبنها، وانصرم الشهر والسنة، أي: قرب انفصالهما، وأصرم زيد: ساءت حاله، كأنه انقطع سعده. فقوله «كالصَّريمِ» . قيل: هي الأشجار المنْصَرِم حملها. وقال ابن عباس: كالليل؛ لأنه يقال له: الصريم، لسواده، والصريم أيضاً: النهار وقيل: الصُّبحُ؛ لأنه انصرم من الليلة، قاله الأخفش. فهو من الأضداد. وقال شمر: الصريم الليل، والصريم النهار. وقيل: الصريم: رملة معروفة باليمنِ لا تنبت شيئاً. وقال الثوريُّ: كالزرع المحصود، فالصريم بمعنى المصروم، أي: المقطوع ما فيه. وقال الحسنُ: صرم عنها الخير، أي: قطع، فالصريم مفعول أيضاً. وقال المؤرج: كالرملة انصرمت من معظم الرمل، يقال: صريمة وصرائم، فالرملة لا تنبت شيئاً ينتفع به. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، ولهذا يكون «فَعِيْل» ، بمعنى «فاعل» . قال القشيريُّ: وفي هذا نظر؛ لأن النهار يسمى صريماً، ولا يقطع عن التصرف. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يصر نور البصر ويقطعه. فصل في بيان أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. قال القرطبيُّ: في الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. لأنهم عزموا على أن يفعلوا، فعوقبوا على فعلهم؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25] . وفي الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إذَا التَقَى المُسلِمَانِ بِسيْفِهِمَا فالقَاتِلُ والمَقْتُولُ في النَّارِ، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنَّه كَانَ حريصاَ على قَتْلِ صاحِبهِ» وقد مضى في آل عمران عند قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ﴾ [آل عمران: 135] . قوله: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ﴾ . قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض: ﴿اغدوا على حَرْثِكُمْ﴾ يعني بالحرث الثِّمار والزروع والأعناب، ولذلك قال: «صَارمِيْنَ» ، لأنهم أرادوا قطع الثمار من الأشجار. «أن اغْدُوْا» يجوز أن تكون المصدرية، أي: تنادوا بهذا الكلام، وأن تكون المفسرة، لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول. قال الزمخشريُّ: «فإن قلت: هلاَّ قيل: اغدوا إلى حرثكم، وما معنى على؟ . قلت: لما كان الغدو إليه ليصرموه، ويقطعوه كان غدواً عليه كما تقول: غدا عليهم العدو ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال كقولهم: يغدى عليهم بالجفنة ويراح» انتهى. فجعل «غَدَا» متعدياً في الأصل ب «إلى» فاحتاج إلى تأويل تعديه ب «عَلَى» ، وفيه نظر؛ لورود تعديه ب «عَلَى» في غير موضع؛ كقوله: [الوافر] 4823 - وقَدْ أغْدُو على ثُبَةٍ كِرامٍ ... نَشَاوَى واجِدينَ لَمَا نَشَاءُ وإذا كانوا قد عدوا مرادفه ب «عَلَى» فليعدوه بها، ومرادفه «بكر» تقول: بكرتُ عليه و «غدوتُ عليه» بمعنى واحد؛ قال: [الطويل] 4824 - بَكَرْتُ عَليْهِ غُدْوةً فَرأيْتُهُ ... قُعُوداً إليْهِ بالصَّريمِ عَواذِلُه قوله ﴿إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾ . جوابه محذوف، أي فاغدوا و «صارمين» : قاطعين حادين. وقيل: ماضين العزم من قولك: سيف صارم. قوله ﴿فانطلقوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ . أي: يتشاورون فيما بينهم، والمعنى يخفون كلامهم، ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد، قاله عطاء وقتادة. وهو من خفت يخفت إذا سكت، ولم يبين. قال ابن الخطيب: «وخَفَى وخَفَت، كلاهما في معنى الكتم، ومنه الخمود والخفاء» . وقيل: يخفون أنفسهم من الناس، حتى لا يروهم، وكان أبوهم يخبر الفقراء والمساكين فيحضروا وقت الحصاد والصرام. وقوله: ﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ جملة حالية من فاعل «انْطَلقُوا» . قوله: ﴿أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ . «أنْ» مفسرة، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: يتخافتون بهذا الكلام، أي: يقوله بعضهم لبعض: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ . قال ابن الخطيب: والنهي للمسكين عن الدخول نهيٌ لهم عن تمكينه منه، أي: لا تمكنوه من الدخول. وقرأ عبد الله وابن أبي عبلة: «لا يدْخُلنَّهَا» بإسقاط «أنْ» إما على إضمار القولِ كمذهب البصريين، وإما على إجراء «يَتَخافتُونَ» مجراه كقول الكوفيين. قوله: ﴿وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ . يجوز أن يكون «قَادِريْنَ» حالاً من فاعل «غَدَوْا» و «عَلى حَرْدٍ» متعلق به وأن يكون «على حَردٍ» هو الحال و «قَادِريْنَ» إما حال ثانية، وإما حال من ضمير الحالِ الأول. والحرد: قيل: الغضب والحنق. قاله السديُّ وسفيان. وأنشد للأشهب بن رميلة: [الطويل] 4825 - أسُودُ شَرًى لاقَتْ أسُودَ خَفيَّةٍ ... تَساقَوْا على حَرْدٍ دِماءَ الأسَاوِدِ قيل: ومثله: [الرجز] 4826 - إذَا جِيادُ الخَيْلِ جَاءتْ تَرْدِي ... مَملُوءةً مِنْ غضَبٍ وحَرْدِ عطف لما تغاير اللفظان؛ كقوله: [الوافر] 4827 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... وألْفَى قوْلهَا كذِباً ومَيْنَا قال أبو عبيدة والقتيبي: «عَلى حَرْدٍ» على منع من حاردت الناقة حراداً، أي: قل لبنها. والحرود من النوق القليلة الدر، وحاردت السَّنةُ: قل مطرها، وخيرها. ويقال: حرد - بالكسر - يحرد حرداً، وقد تفتح فيقال: حَرَدَ فهو حردان وحارد، وليوث حوارد. وقيل: الحرد، والحرود: الانفراد، يقال: حَرَدَ - بالفتح - يَحْرُدُ - بالضم - حروداً وحرداً، أي: انعزل. ومنه كوكب حارد، أي: منفرد. قال الأصمعي: هي لغة هذيل. وقال القرطبيُّ: يقال: حرد يحرد حروداً، أي: تنحى عن قومه، ولم يخالطهم. وقال أبو زيدٍ: رجل حريد من قوم حرداء، وقد حَرَدَ يَحْرِدُ حُرُوداً إذا ترك قومه، وتحول عنهم. قال الأصمعي: رجل حريد، أي: فريد وحيد، قال: والمنفرد والمنحرد في لغة هذيل وأنشد لأبي ذؤيب: [البسيط] 4828 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... كأنَّهُ كَوكَبٌ في الجَوِّ مُنْحِرِدُ ورواه أبو عمرو: بالجيم، قال: وهو سهيل. وقيل: الحردُ القصد، يقال: حَرَد يحْرِدُ - بالكسر - حرداً، قصداً، تقول: حردت حردك، أي: قصدت قصدك؛ قال الراجز: [الرجز] 4829 - أقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ وقال قتادة ومجاهدٌ: «عَلى حَرْدٍ» ، أي: على جد وجهد. وقال القرطبيُّ ومجاهد وعكرمة: أي: على أمر مجتمع قد أسموه بينهم. قال البغويُّ: «وهذا معنى القصدِ» . وقال الحسنُ: على حاجةٍ وفاقةٍ. وقيل: الحرد اسم جنتهم بعينها، قاله السديُّ. وقال الأزهريُّ: حرد اسم قريتهم. وفيهما بعد. و «قَادِريْنَ» إما من القدرة وهو الظاهرُ، وإما من التقدير، وهو التضييق، أي: مضيقين على المساكين. وقرأ العامة: بالإسكان. وقرأ أبو العالية وابن السميفع: بالفتح، وهما لغتان. فصل في تفسير «قادرين» قال الفرَّاء: ومعنى «قادرين» قد قدروا أمرم، وبنوا عليه. وقال قتادة: قادرين على جنتهم عند أنفسهم. وقال الشعبيُّ: قادرين على المساكين. وقيل: معناه من الوجود، أي: منعوا وهم واجدون. ومعنى الآيةِ: وغدوا، وكانوا عند أنفسهم، وفي ظنهم أنهم قادرون على منع المساكينَ. قوله ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾ . يعني الجنة محترقة، لا شيء فيها قد صارت كالليل الأسود ينظرون إليها كالرماد أنكروها، وشكوا فيها، وقال بعضهم لبعض: «إنَّا لضالُّونَ» أي: ضللنا الطريق إلى جنتنا، ثم لما تأملوا وعرفوا أنها هي، قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حرمنا خيرها بشؤم عزمنا على البخل ومنعنا الفقراء، قاله قتادة. وقيل: «إنَّا لضالُّون» عن الصَّواب في غدونا على نية منع المساكين، فلذلك عوقبنا ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: حرمنا جنتنا بما صنعنا. روى ابن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» إيَّاكم والمَعاصِي إنَّ العَبْدَ ليذْنبُ الذَّنْبَ فيُحرَمُ بِهِ رِزْقاً كان هُيِّىء له «ثم تلا: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ » الآيتين. قوله: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ ، يعني أعدلهم، وأفضلهم وأعقلهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ: لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ أي: هلا تستثنون، وكان استثناؤهم تسبيحاً. قاله مجاهدٌ وغيره، وهذا يدل على أن هذا الأوسط كان يأمرهم بالاستثناء، فلم يطيعوه. قال أبو صالحٍ: كان استثناؤهم سبحان الله، فقال لهم: «هَلاَّ تسبِّحُونَ اللَّهَ» ، أي تقولون: سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم. وقال النحاس: أصل التسبيحِ التنزيه لله - عَزَّ وَجَلَّ -، فجعل مجاهد التسبيح في موضع إن شاء اللَّهُ؛ لأن المعنى تنزيه الله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وقال ابن الخطيب: التسبيحُ عبارة عن تنزيهه عن كل سوء فلو دخل شيء في الوجود على خلاف إرادة الله تعالى، لوجب عود النقص إلى قدرة الله تعالى، فقولك: «إن شاء الله» مزيل هذا النقص، فكان ذلك تسبيحاً. وقيل: المعنى: هلاَّ تَسْتغفرونهُ من فِعْلكُم، وتتوبون إليه من خبث نيتكم. قيل: إنَّ القوم لمَّا عزموا على منع الزكاةِ واغتروا بالمال والقوة، قال لهم أوسطهم: توبوا عن هذه المعصية قبل نزول العذابِ، فلما رأوا العذاب ذكرهم أوسطهم كلامهُ الأول، وقال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ فحينئذ اشتغلوا بالتوبة وقالوا: ﴿ِسُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ قال ابن عباس في قولهم سبحان ربنا أي نستغفر ربنا من ذنوبنا لأنا كنا ظالمين لأنفسنا في منعنا المساكين. وقال الحسنُ: هذا التسبيحُ هُو الصَّلاةُ كأنهم كانوا يتكاسلون في الصلاة، وإلا لكانت ناهية لهم [عن الفحشاء والمنكر، ولكانت داعية لهم] إلى أن يواظبوا على ذكر الله، وعلى قول إن شاء الله. قوله ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾ . أي: يلوم بعضهم بعضاً، يقول هذا لهذا: أنت أشرت علينا بهذا الرأي، ويقول ذلك لهذا: أنت خوفتنا بالفقر، ويقول الثالث لغيره: أنت رغبتني في جمع المال، ثم نادوا على أنفسهم بالوَيْلِ فقالوا: ﴿ياويلنا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ أي: عاصين بمنع حق الفقراءِ، وترك الاستثناء. وقال ابنُ كيسان: طغينا نعم اللَّهِ، فلم نشكرهَا كما شكرها آباؤنا من قبل ﴿عسى رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ تعاقدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيراً منها لنصنعنّ كما صنع آباؤنا فدعوا الله وتضرعوا فأبدلهم الله من ليلتهم ما هو خير منها. قرىء: «يبدلنا» بالتخفيف والتشديد، وهما لغتانِ. وقيل: التبديلُ تغير الشيء، أو تغير حاله وعين الشيء قائم، والإبدال رفع الشيء ووضع آخر مكانه، ثم قال: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ أي: طالبون منه الخير راجعون لعفوه. قال المفسرون: إن الله أمر جبريل عليه السلام أن يقتلع تلك الجنة، بزغر من أرض الشام، ويأخذ من أرض الشام جنة، فيجعلها مكانها. وقال ابن مسعود: إن القوم لما أخلصوا وعرف الله منهم صدقهم أبدلهم اللَّهُ جنة يقال لها: الخيوان فيها عنب يحمل البغل منها عنقوداً واحداً. وقال أبو خالد اليماني: دخلت تلك الجنة، فرأيت كُلَّ عنقودٍ منها كالرَّجلِ الأسودِ القائمِ. وقال الحسنُ: قول أهل الجنة: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ لا أدري إيماناً كان ذلك منهم، أو على حد ما يكون من المشركين إذا أصابهم الشدة. فتوقف في كونهم مؤمنين. وسئل قتادةُ عن أهل الجنَّة، أهم من أهل الجنَّة أم من أهل النَّارِ؟ . قال: لقد كلفتني تعباً. والأكثرون يقولون: إنهم تابوا وأخلصوا. حكاه القشيري. قوله: ﴿كَذَلِكَ العذاب﴾ . مبتدأ وخيره مقدم، أي: مثل ذلك العذاب عذاب الدنيا وأما عذاب الآخرة فأكبر منه ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابنُ زيدٍ: «كذَلكَ العَذابُ» أي: عذاب الدنيا وهلاك الأموال. وقيل: هذا وعظٌ لأهل مكة بالرجوعِ إلى اللَّه لما ابتلاهم بالجدب لدعاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أي: كفعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا في الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الآخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابنُ عباسٍ: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر، وحلفوا ليقتلنَّ محمداً، وأصحابه، وليرجعوا إلى أهل مكة، حتى يطوفوا بالبيت، ويشربوا الخمر، وتضرب القيانُ على رءوسهم، فأخلف الله ظنهم، وقتلوا وأسروا وانهزموا كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصرم، فخابوا. فصل في العبرة من هذه الآية بضرب المثل قال ابن الخطيب: قوله تعالى ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [القلم: 14 - 15] ، والمعنى: لأجل أن أعطاه الله المال والبنين كفر بالله، كلا، بل الله تعالى إنما أعطاه ذلك للابتلاء، فإذا صرفه إلى الكفر دمر الله عليه، بدليل أن أصحاب الجنة لما أتوا بهذه المعصيةِ اليسيرةِ دمر الله جنتهم، فكيف حال من عاند الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وأصرَّ على الكفر والمعصيةِ. فصل في بيان هل كان الحق واجباً عليهم أم لا؟ قيل: إن الحق الذي منعه أهل الجنَّة المساكين كان واجباً عليهم، ويحتمل أنه كان تطوعاً، والأول أظهر. وقيل: السورة مكية، فبعد حمل الآية على ما أصاب أهل مكة من القحطِ، وعلى قتال بدر.

القلم 68:25

قوله ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة﴾ . يريد أهل مكة، والابتلاء: الاختبار. والمعنى: أعطيناهم الأموال ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا وعادوا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ابتليناهم بالجوع والقحط كما بلونا أصحاب الجنَّة المعروف خبرها عندهم، وذلك أنها كانت بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من «صنعاء» ، ويقال: بفرسخين، كانت لرجل يؤدي حقَّ الله منهما، فلما مات صارت إلى ولده، فمعنوا الناس خيرها، وبخلوا بحق الله فيها؛ فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حل بها. قال الكلبيُّ: كان بينهم وبين «صنعاء» فرسخان ابتلاهم اللَّهُ بأن أحرق جنتهم. وقيل: جنة بصوران على فراسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بيسير. وقيل: كانوا من بني إسرائيل. وقيل: وكانوا من ثقيف، وكانوا بخلاء، وكانوا يجذون النخل ليلاً من أجل المساكين، فأرادوا حصاد زرعها، وقالوا: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ فغدوا عليها فإذا هي قد اقتلعت من أصلها ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ أي: الليل، ويقال أيضاً للنهار: صريم، فإن كان أراد الليل، فلاسوداد مواضعها وكأنهم وجدوا مواضعها حمأة، وإن كان أراد بالصريم النهار، فلذهاب الشجر والزَّرْع وخلو الأرض منه، وكان الطائف الذي طاف عليها جبريل - عليه السلام - فاقتلعها. فقيل: إنه طاف بها حول البيت ثم وضعها حيثُ مدينة الطائف اليوم، ولذلك سميت الطائف، وليس في أرض الحجازِ بلدة فيها الماء، والشجر [والزرع] والأعناب غيرها. وقال البكريُّ في المعجم: سميت الطائف، لأن رجلاً من العرب يقالُ له: الدَّمُون، بَنَى حائطاً، وقال: إني قد بنيت لكم حائطاً حول بلدكم، فسميت الطائف. والله أعلم. قوله «إذ أقْسَمُوا» ، أي: حلفوا فيما بينهم «ليَصْرِمُنَّهَا» أي: ليجذُّنها «مُصْبحِيْنَ» أي: وقت الصباح قبل أن يخرج المساكين «ولا يَسْتَثْنُونَ» ، أي: لم يقولوا: إن شاء الله. قوله: «مُصْبحِيْنَ» حال من فاعل «ليَصْرمُنَّها» وهو من «أصبح» التامة، أي داخلين في الصباح، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ [الصافات: 137] وقوله: إذا سمعت بِسُرَى القين فاعلم بأنه مصبح والكاف في «كما» في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف، أي: بلوناهم ابتلاء كما بلونا، و «ما» مصدرية، أو بمعنى «الذي» و «إذَا» منصوبة ب «بَلَوْنَا» و «ليَصْرمُنَّهَا» جواب للقسم، وجاء على خلاف منطوقهم، ولو جاء لقيل: «لنَصْرمُنَّهَا» بنون المتكلم. قوله: ﴿وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾ . هذه مستأنفة، ويضعف كونها حالاً من حيث إن المضارع المنفي ب «لا» كالمثبت في عدم دخول الواو عليه وإضمار مبتدأ قبله، كقولهم: «قمت وأصك عينه» مستغنى عنه. ومعنى: «لا يَسْتثْنُونَ» لا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم للمساكين، من الثني، وهو الكف والرد؛ لأنَّ الحالف إذا قال: واللَّهِ لأفعلن كذا إلا أن يشاء اللَّهُ غيره فقد رد انعقاد تلك اليمين. وقيل: المعنى: لا يستثنون عزمهم عن الحرماتِ. وقيل: لا يقولون، إن شاء الله. قال الزمخشريُّ: وسمي استثناء وهو شرط؛ لأن معنى: لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد. قوله ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ﴾ . أي هلاك، أو بلاء طائف، والطائف غلب في الشر. قال الفراء: هو الأمر الذي يأتي ليلاً. ورد عليه بقوله ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان﴾ [الأعراف: 201] وذلك لا يختص بليلٍ، ولا نهارٍ. وقرأ النخعيُّ: «طَيْفٌ» . قوله «مِن ربِّك» . يجوز أن يتعلق ب «طاف» وأن يتعلق بمحذوف صفة ل «طَائِفٌ» . قوله: ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ . والصرام: جذاذ النخلِ، وأصل المادة الدلالة على القطع، ومنه الصُّرم، والصَّرْم - بالضم والفتح - وهو القطيعة؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] 4821 - أفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هذا التَدلُّلِ ... وإنْ كنتِ قَدْ أزمَعْتِ صَرْمِي فأجْملِي ومنه الصريمة، وهي قطعة منصرمة عن الرمل لا تنبت شيئاً؛ قال: [البسيط] 4822 - وبالصَّريمَةِ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ خَلَقٌ ... عَافٍ تَغَيَّرَ، إلاَّ النُّؤيُ والوتِدُ والصارم: القاطع الماضي، وناقة مصرمة: انقطع لبنها، وانصرم الشهر والسنة، أي: قرب انفصالهما، وأصرم زيد: ساءت حاله، كأنه انقطع سعده. فقوله «كالصَّريمِ» . قيل: هي الأشجار المنْصَرِم حملها. وقال ابن عباس: كالليل؛ لأنه يقال له: الصريم، لسواده، والصريم أيضاً: النهار وقيل: الصُّبحُ؛ لأنه انصرم من الليلة، قاله الأخفش. فهو من الأضداد. وقال شمر: الصريم الليل، والصريم النهار. وقيل: الصريم: رملة معروفة باليمنِ لا تنبت شيئاً. وقال الثوريُّ: كالزرع المحصود، فالصريم بمعنى المصروم، أي: المقطوع ما فيه. وقال الحسنُ: صرم عنها الخير، أي: قطع، فالصريم مفعول أيضاً. وقال المؤرج: كالرملة انصرمت من معظم الرمل، يقال: صريمة وصرائم، فالرملة لا تنبت شيئاً ينتفع به. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، ولهذا يكون «فَعِيْل» ، بمعنى «فاعل» . قال القشيريُّ: وفي هذا نظر؛ لأن النهار يسمى صريماً، ولا يقطع عن التصرف. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يصر نور البصر ويقطعه. فصل في بيان أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. قال القرطبيُّ: في الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. لأنهم عزموا على أن يفعلوا، فعوقبوا على فعلهم؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25] . وفي الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إذَا التَقَى المُسلِمَانِ بِسيْفِهِمَا فالقَاتِلُ والمَقْتُولُ في النَّارِ، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنَّه كَانَ حريصاَ على قَتْلِ صاحِبهِ» وقد مضى في آل عمران عند قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ﴾ [آل عمران: 135] . قوله: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ﴾ . قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض: ﴿اغدوا على حَرْثِكُمْ﴾ يعني بالحرث الثِّمار والزروع والأعناب، ولذلك قال: «صَارمِيْنَ» ، لأنهم أرادوا قطع الثمار من الأشجار. «أن اغْدُوْا» يجوز أن تكون المصدرية، أي: تنادوا بهذا الكلام، وأن تكون المفسرة، لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول. قال الزمخشريُّ: «فإن قلت: هلاَّ قيل: اغدوا إلى حرثكم، وما معنى على؟ . قلت: لما كان الغدو إليه ليصرموه، ويقطعوه كان غدواً عليه كما تقول: غدا عليهم العدو ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال كقولهم: يغدى عليهم بالجفنة ويراح» انتهى. فجعل «غَدَا» متعدياً في الأصل ب «إلى» فاحتاج إلى تأويل تعديه ب «عَلَى» ، وفيه نظر؛ لورود تعديه ب «عَلَى» في غير موضع؛ كقوله: [الوافر] 4823 - وقَدْ أغْدُو على ثُبَةٍ كِرامٍ ... نَشَاوَى واجِدينَ لَمَا نَشَاءُ وإذا كانوا قد عدوا مرادفه ب «عَلَى» فليعدوه بها، ومرادفه «بكر» تقول: بكرتُ عليه و «غدوتُ عليه» بمعنى واحد؛ قال: [الطويل] 4824 - بَكَرْتُ عَليْهِ غُدْوةً فَرأيْتُهُ ... قُعُوداً إليْهِ بالصَّريمِ عَواذِلُه قوله ﴿إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾ . جوابه محذوف، أي فاغدوا و «صارمين» : قاطعين حادين. وقيل: ماضين العزم من قولك: سيف صارم. قوله ﴿فانطلقوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ . أي: يتشاورون فيما بينهم، والمعنى يخفون كلامهم، ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد، قاله عطاء وقتادة. وهو من خفت يخفت إذا سكت، ولم يبين. قال ابن الخطيب: «وخَفَى وخَفَت، كلاهما في معنى الكتم، ومنه الخمود والخفاء» . وقيل: يخفون أنفسهم من الناس، حتى لا يروهم، وكان أبوهم يخبر الفقراء والمساكين فيحضروا وقت الحصاد والصرام. وقوله: ﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ جملة حالية من فاعل «انْطَلقُوا» . قوله: ﴿أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ . «أنْ» مفسرة، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: يتخافتون بهذا الكلام، أي: يقوله بعضهم لبعض: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ . قال ابن الخطيب: والنهي للمسكين عن الدخول نهيٌ لهم عن تمكينه منه، أي: لا تمكنوه من الدخول. وقرأ عبد الله وابن أبي عبلة: «لا يدْخُلنَّهَا» بإسقاط «أنْ» إما على إضمار القولِ كمذهب البصريين، وإما على إجراء «يَتَخافتُونَ» مجراه كقول الكوفيين. قوله: ﴿وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ . يجوز أن يكون «قَادِريْنَ» حالاً من فاعل «غَدَوْا» و «عَلى حَرْدٍ» متعلق به وأن يكون «على حَردٍ» هو الحال و «قَادِريْنَ» إما حال ثانية، وإما حال من ضمير الحالِ الأول. والحرد: قيل: الغضب والحنق. قاله السديُّ وسفيان. وأنشد للأشهب بن رميلة: [الطويل] 4825 - أسُودُ شَرًى لاقَتْ أسُودَ خَفيَّةٍ ... تَساقَوْا على حَرْدٍ دِماءَ الأسَاوِدِ قيل: ومثله: [الرجز] 4826 - إذَا جِيادُ الخَيْلِ جَاءتْ تَرْدِي ... مَملُوءةً مِنْ غضَبٍ وحَرْدِ عطف لما تغاير اللفظان؛ كقوله: [الوافر] 4827 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... وألْفَى قوْلهَا كذِباً ومَيْنَا قال أبو عبيدة والقتيبي: «عَلى حَرْدٍ» على منع من حاردت الناقة حراداً، أي: قل لبنها. والحرود من النوق القليلة الدر، وحاردت السَّنةُ: قل مطرها، وخيرها. ويقال: حرد - بالكسر - يحرد حرداً، وقد تفتح فيقال: حَرَدَ فهو حردان وحارد، وليوث حوارد. وقيل: الحرد، والحرود: الانفراد، يقال: حَرَدَ - بالفتح - يَحْرُدُ - بالضم - حروداً وحرداً، أي: انعزل. ومنه كوكب حارد، أي: منفرد. قال الأصمعي: هي لغة هذيل. وقال القرطبيُّ: يقال: حرد يحرد حروداً، أي: تنحى عن قومه، ولم يخالطهم. وقال أبو زيدٍ: رجل حريد من قوم حرداء، وقد حَرَدَ يَحْرِدُ حُرُوداً إذا ترك قومه، وتحول عنهم. قال الأصمعي: رجل حريد، أي: فريد وحيد، قال: والمنفرد والمنحرد في لغة هذيل وأنشد لأبي ذؤيب: [البسيط] 4828 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... كأنَّهُ كَوكَبٌ في الجَوِّ مُنْحِرِدُ ورواه أبو عمرو: بالجيم، قال: وهو سهيل. وقيل: الحردُ القصد، يقال: حَرَد يحْرِدُ - بالكسر - حرداً، قصداً، تقول: حردت حردك، أي: قصدت قصدك؛ قال الراجز: [الرجز] 4829 - أقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ وقال قتادة ومجاهدٌ: «عَلى حَرْدٍ» ، أي: على جد وجهد. وقال القرطبيُّ ومجاهد وعكرمة: أي: على أمر مجتمع قد أسموه بينهم. قال البغويُّ: «وهذا معنى القصدِ» . وقال الحسنُ: على حاجةٍ وفاقةٍ. وقيل: الحرد اسم جنتهم بعينها، قاله السديُّ. وقال الأزهريُّ: حرد اسم قريتهم. وفيهما بعد. و «قَادِريْنَ» إما من القدرة وهو الظاهرُ، وإما من التقدير، وهو التضييق، أي: مضيقين على المساكين. وقرأ العامة: بالإسكان. وقرأ أبو العالية وابن السميفع: بالفتح، وهما لغتان. فصل في تفسير «قادرين» قال الفرَّاء: ومعنى «قادرين» قد قدروا أمرم، وبنوا عليه. وقال قتادة: قادرين على جنتهم عند أنفسهم. وقال الشعبيُّ: قادرين على المساكين. وقيل: معناه من الوجود، أي: منعوا وهم واجدون. ومعنى الآيةِ: وغدوا، وكانوا عند أنفسهم، وفي ظنهم أنهم قادرون على منع المساكينَ. قوله ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾ . يعني الجنة محترقة، لا شيء فيها قد صارت كالليل الأسود ينظرون إليها كالرماد أنكروها، وشكوا فيها، وقال بعضهم لبعض: «إنَّا لضالُّونَ» أي: ضللنا الطريق إلى جنتنا، ثم لما تأملوا وعرفوا أنها هي، قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حرمنا خيرها بشؤم عزمنا على البخل ومنعنا الفقراء، قاله قتادة. وقيل: «إنَّا لضالُّون» عن الصَّواب في غدونا على نية منع المساكين، فلذلك عوقبنا ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: حرمنا جنتنا بما صنعنا. روى ابن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» إيَّاكم والمَعاصِي إنَّ العَبْدَ ليذْنبُ الذَّنْبَ فيُحرَمُ بِهِ رِزْقاً كان هُيِّىء له «ثم تلا: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ » الآيتين. قوله: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ ، يعني أعدلهم، وأفضلهم وأعقلهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ: لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ أي: هلا تستثنون، وكان استثناؤهم تسبيحاً. قاله مجاهدٌ وغيره، وهذا يدل على أن هذا الأوسط كان يأمرهم بالاستثناء، فلم يطيعوه. قال أبو صالحٍ: كان استثناؤهم سبحان الله، فقال لهم: «هَلاَّ تسبِّحُونَ اللَّهَ» ، أي تقولون: سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم. وقال النحاس: أصل التسبيحِ التنزيه لله - عَزَّ وَجَلَّ -، فجعل مجاهد التسبيح في موضع إن شاء اللَّهُ؛ لأن المعنى تنزيه الله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وقال ابن الخطيب: التسبيحُ عبارة عن تنزيهه عن كل سوء فلو دخل شيء في الوجود على خلاف إرادة الله تعالى، لوجب عود النقص إلى قدرة الله تعالى، فقولك: «إن شاء الله» مزيل هذا النقص، فكان ذلك تسبيحاً. وقيل: المعنى: هلاَّ تَسْتغفرونهُ من فِعْلكُم، وتتوبون إليه من خبث نيتكم. قيل: إنَّ القوم لمَّا عزموا على منع الزكاةِ واغتروا بالمال والقوة، قال لهم أوسطهم: توبوا عن هذه المعصية قبل نزول العذابِ، فلما رأوا العذاب ذكرهم أوسطهم كلامهُ الأول، وقال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ فحينئذ اشتغلوا بالتوبة وقالوا: ﴿ِسُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ قال ابن عباس في قولهم سبحان ربنا أي نستغفر ربنا من ذنوبنا لأنا كنا ظالمين لأنفسنا في منعنا المساكين. وقال الحسنُ: هذا التسبيحُ هُو الصَّلاةُ كأنهم كانوا يتكاسلون في الصلاة، وإلا لكانت ناهية لهم [عن الفحشاء والمنكر، ولكانت داعية لهم] إلى أن يواظبوا على ذكر الله، وعلى قول إن شاء الله. قوله ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾ . أي: يلوم بعضهم بعضاً، يقول هذا لهذا: أنت أشرت علينا بهذا الرأي، ويقول ذلك لهذا: أنت خوفتنا بالفقر، ويقول الثالث لغيره: أنت رغبتني في جمع المال، ثم نادوا على أنفسهم بالوَيْلِ فقالوا: ﴿ياويلنا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ أي: عاصين بمنع حق الفقراءِ، وترك الاستثناء. وقال ابنُ كيسان: طغينا نعم اللَّهِ، فلم نشكرهَا كما شكرها آباؤنا من قبل ﴿عسى رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ تعاقدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيراً منها لنصنعنّ كما صنع آباؤنا فدعوا الله وتضرعوا فأبدلهم الله من ليلتهم ما هو خير منها. قرىء: «يبدلنا» بالتخفيف والتشديد، وهما لغتانِ. وقيل: التبديلُ تغير الشيء، أو تغير حاله وعين الشيء قائم، والإبدال رفع الشيء ووضع آخر مكانه، ثم قال: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ أي: طالبون منه الخير راجعون لعفوه. قال المفسرون: إن الله أمر جبريل عليه السلام أن يقتلع تلك الجنة، بزغر من أرض الشام، ويأخذ من أرض الشام جنة، فيجعلها مكانها. وقال ابن مسعود: إن القوم لما أخلصوا وعرف الله منهم صدقهم أبدلهم اللَّهُ جنة يقال لها: الخيوان فيها عنب يحمل البغل منها عنقوداً واحداً. وقال أبو خالد اليماني: دخلت تلك الجنة، فرأيت كُلَّ عنقودٍ منها كالرَّجلِ الأسودِ القائمِ. وقال الحسنُ: قول أهل الجنة: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ لا أدري إيماناً كان ذلك منهم، أو على حد ما يكون من المشركين إذا أصابهم الشدة. فتوقف في كونهم مؤمنين. وسئل قتادةُ عن أهل الجنَّة، أهم من أهل الجنَّة أم من أهل النَّارِ؟ . قال: لقد كلفتني تعباً. والأكثرون يقولون: إنهم تابوا وأخلصوا. حكاه القشيري. قوله: ﴿كَذَلِكَ العذاب﴾ . مبتدأ وخيره مقدم، أي: مثل ذلك العذاب عذاب الدنيا وأما عذاب الآخرة فأكبر منه ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابنُ زيدٍ: «كذَلكَ العَذابُ» أي: عذاب الدنيا وهلاك الأموال. وقيل: هذا وعظٌ لأهل مكة بالرجوعِ إلى اللَّه لما ابتلاهم بالجدب لدعاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أي: كفعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا في الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الآخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابنُ عباسٍ: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر، وحلفوا ليقتلنَّ محمداً، وأصحابه، وليرجعوا إلى أهل مكة، حتى يطوفوا بالبيت، ويشربوا الخمر، وتضرب القيانُ على رءوسهم، فأخلف الله ظنهم، وقتلوا وأسروا وانهزموا كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصرم، فخابوا. فصل في العبرة من هذه الآية بضرب المثل قال ابن الخطيب: قوله تعالى ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [القلم: 14 - 15] ، والمعنى: لأجل أن أعطاه الله المال والبنين كفر بالله، كلا، بل الله تعالى إنما أعطاه ذلك للابتلاء، فإذا صرفه إلى الكفر دمر الله عليه، بدليل أن أصحاب الجنة لما أتوا بهذه المعصيةِ اليسيرةِ دمر الله جنتهم، فكيف حال من عاند الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وأصرَّ على الكفر والمعصيةِ. فصل في بيان هل كان الحق واجباً عليهم أم لا؟ قيل: إن الحق الذي منعه أهل الجنَّة المساكين كان واجباً عليهم، ويحتمل أنه كان تطوعاً، والأول أظهر. وقيل: السورة مكية، فبعد حمل الآية على ما أصاب أهل مكة من القحطِ، وعلى قتال بدر.

القلم 68:26

قوله ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة﴾ . يريد أهل مكة، والابتلاء: الاختبار. والمعنى: أعطيناهم الأموال ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا وعادوا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ابتليناهم بالجوع والقحط كما بلونا أصحاب الجنَّة المعروف خبرها عندهم، وذلك أنها كانت بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من «صنعاء» ، ويقال: بفرسخين، كانت لرجل يؤدي حقَّ الله منهما، فلما مات صارت إلى ولده، فمعنوا الناس خيرها، وبخلوا بحق الله فيها؛ فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حل بها. قال الكلبيُّ: كان بينهم وبين «صنعاء» فرسخان ابتلاهم اللَّهُ بأن أحرق جنتهم. وقيل: جنة بصوران على فراسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بيسير. وقيل: كانوا من بني إسرائيل. وقيل: وكانوا من ثقيف، وكانوا بخلاء، وكانوا يجذون النخل ليلاً من أجل المساكين، فأرادوا حصاد زرعها، وقالوا: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ فغدوا عليها فإذا هي قد اقتلعت من أصلها ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ أي: الليل، ويقال أيضاً للنهار: صريم، فإن كان أراد الليل، فلاسوداد مواضعها وكأنهم وجدوا مواضعها حمأة، وإن كان أراد بالصريم النهار، فلذهاب الشجر والزَّرْع وخلو الأرض منه، وكان الطائف الذي طاف عليها جبريل - عليه السلام - فاقتلعها. فقيل: إنه طاف بها حول البيت ثم وضعها حيثُ مدينة الطائف اليوم، ولذلك سميت الطائف، وليس في أرض الحجازِ بلدة فيها الماء، والشجر [والزرع] والأعناب غيرها. وقال البكريُّ في المعجم: سميت الطائف، لأن رجلاً من العرب يقالُ له: الدَّمُون، بَنَى حائطاً، وقال: إني قد بنيت لكم حائطاً حول بلدكم، فسميت الطائف. والله أعلم. قوله «إذ أقْسَمُوا» ، أي: حلفوا فيما بينهم «ليَصْرِمُنَّهَا» أي: ليجذُّنها «مُصْبحِيْنَ» أي: وقت الصباح قبل أن يخرج المساكين «ولا يَسْتَثْنُونَ» ، أي: لم يقولوا: إن شاء الله. قوله: «مُصْبحِيْنَ» حال من فاعل «ليَصْرمُنَّها» وهو من «أصبح» التامة، أي داخلين في الصباح، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ [الصافات: 137] وقوله: إذا سمعت بِسُرَى القين فاعلم بأنه مصبح والكاف في «كما» في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف، أي: بلوناهم ابتلاء كما بلونا، و «ما» مصدرية، أو بمعنى «الذي» و «إذَا» منصوبة ب «بَلَوْنَا» و «ليَصْرمُنَّهَا» جواب للقسم، وجاء على خلاف منطوقهم، ولو جاء لقيل: «لنَصْرمُنَّهَا» بنون المتكلم. قوله: ﴿وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾ . هذه مستأنفة، ويضعف كونها حالاً من حيث إن المضارع المنفي ب «لا» كالمثبت في عدم دخول الواو عليه وإضمار مبتدأ قبله، كقولهم: «قمت وأصك عينه» مستغنى عنه. ومعنى: «لا يَسْتثْنُونَ» لا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم للمساكين، من الثني، وهو الكف والرد؛ لأنَّ الحالف إذا قال: واللَّهِ لأفعلن كذا إلا أن يشاء اللَّهُ غيره فقد رد انعقاد تلك اليمين. وقيل: المعنى: لا يستثنون عزمهم عن الحرماتِ. وقيل: لا يقولون، إن شاء الله. قال الزمخشريُّ: وسمي استثناء وهو شرط؛ لأن معنى: لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد. قوله ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ﴾ . أي هلاك، أو بلاء طائف، والطائف غلب في الشر. قال الفراء: هو الأمر الذي يأتي ليلاً. ورد عليه بقوله ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان﴾ [الأعراف: 201] وذلك لا يختص بليلٍ، ولا نهارٍ. وقرأ النخعيُّ: «طَيْفٌ» . قوله «مِن ربِّك» . يجوز أن يتعلق ب «طاف» وأن يتعلق بمحذوف صفة ل «طَائِفٌ» . قوله: ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ . والصرام: جذاذ النخلِ، وأصل المادة الدلالة على القطع، ومنه الصُّرم، والصَّرْم - بالضم والفتح - وهو القطيعة؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] 4821 - أفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هذا التَدلُّلِ ... وإنْ كنتِ قَدْ أزمَعْتِ صَرْمِي فأجْملِي ومنه الصريمة، وهي قطعة منصرمة عن الرمل لا تنبت شيئاً؛ قال: [البسيط] 4822 - وبالصَّريمَةِ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ خَلَقٌ ... عَافٍ تَغَيَّرَ، إلاَّ النُّؤيُ والوتِدُ والصارم: القاطع الماضي، وناقة مصرمة: انقطع لبنها، وانصرم الشهر والسنة، أي: قرب انفصالهما، وأصرم زيد: ساءت حاله، كأنه انقطع سعده. فقوله «كالصَّريمِ» . قيل: هي الأشجار المنْصَرِم حملها. وقال ابن عباس: كالليل؛ لأنه يقال له: الصريم، لسواده، والصريم أيضاً: النهار وقيل: الصُّبحُ؛ لأنه انصرم من الليلة، قاله الأخفش. فهو من الأضداد. وقال شمر: الصريم الليل، والصريم النهار. وقيل: الصريم: رملة معروفة باليمنِ لا تنبت شيئاً. وقال الثوريُّ: كالزرع المحصود، فالصريم بمعنى المصروم، أي: المقطوع ما فيه. وقال الحسنُ: صرم عنها الخير، أي: قطع، فالصريم مفعول أيضاً. وقال المؤرج: كالرملة انصرمت من معظم الرمل، يقال: صريمة وصرائم، فالرملة لا تنبت شيئاً ينتفع به. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، ولهذا يكون «فَعِيْل» ، بمعنى «فاعل» . قال القشيريُّ: وفي هذا نظر؛ لأن النهار يسمى صريماً، ولا يقطع عن التصرف. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يصر نور البصر ويقطعه. فصل في بيان أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. قال القرطبيُّ: في الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. لأنهم عزموا على أن يفعلوا، فعوقبوا على فعلهم؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25] . وفي الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إذَا التَقَى المُسلِمَانِ بِسيْفِهِمَا فالقَاتِلُ والمَقْتُولُ في النَّارِ، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنَّه كَانَ حريصاَ على قَتْلِ صاحِبهِ» وقد مضى في آل عمران عند قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ﴾ [آل عمران: 135] . قوله: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ﴾ . قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض: ﴿اغدوا على حَرْثِكُمْ﴾ يعني بالحرث الثِّمار والزروع والأعناب، ولذلك قال: «صَارمِيْنَ» ، لأنهم أرادوا قطع الثمار من الأشجار. «أن اغْدُوْا» يجوز أن تكون المصدرية، أي: تنادوا بهذا الكلام، وأن تكون المفسرة، لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول. قال الزمخشريُّ: «فإن قلت: هلاَّ قيل: اغدوا إلى حرثكم، وما معنى على؟ . قلت: لما كان الغدو إليه ليصرموه، ويقطعوه كان غدواً عليه كما تقول: غدا عليهم العدو ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال كقولهم: يغدى عليهم بالجفنة ويراح» انتهى. فجعل «غَدَا» متعدياً في الأصل ب «إلى» فاحتاج إلى تأويل تعديه ب «عَلَى» ، وفيه نظر؛ لورود تعديه ب «عَلَى» في غير موضع؛ كقوله: [الوافر] 4823 - وقَدْ أغْدُو على ثُبَةٍ كِرامٍ ... نَشَاوَى واجِدينَ لَمَا نَشَاءُ وإذا كانوا قد عدوا مرادفه ب «عَلَى» فليعدوه بها، ومرادفه «بكر» تقول: بكرتُ عليه و «غدوتُ عليه» بمعنى واحد؛ قال: [الطويل] 4824 - بَكَرْتُ عَليْهِ غُدْوةً فَرأيْتُهُ ... قُعُوداً إليْهِ بالصَّريمِ عَواذِلُه قوله ﴿إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾ . جوابه محذوف، أي فاغدوا و «صارمين» : قاطعين حادين. وقيل: ماضين العزم من قولك: سيف صارم. قوله ﴿فانطلقوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ . أي: يتشاورون فيما بينهم، والمعنى يخفون كلامهم، ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد، قاله عطاء وقتادة. وهو من خفت يخفت إذا سكت، ولم يبين. قال ابن الخطيب: «وخَفَى وخَفَت، كلاهما في معنى الكتم، ومنه الخمود والخفاء» . وقيل: يخفون أنفسهم من الناس، حتى لا يروهم، وكان أبوهم يخبر الفقراء والمساكين فيحضروا وقت الحصاد والصرام. وقوله: ﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ جملة حالية من فاعل «انْطَلقُوا» . قوله: ﴿أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ . «أنْ» مفسرة، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: يتخافتون بهذا الكلام، أي: يقوله بعضهم لبعض: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ . قال ابن الخطيب: والنهي للمسكين عن الدخول نهيٌ لهم عن تمكينه منه، أي: لا تمكنوه من الدخول. وقرأ عبد الله وابن أبي عبلة: «لا يدْخُلنَّهَا» بإسقاط «أنْ» إما على إضمار القولِ كمذهب البصريين، وإما على إجراء «يَتَخافتُونَ» مجراه كقول الكوفيين. قوله: ﴿وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ . يجوز أن يكون «قَادِريْنَ» حالاً من فاعل «غَدَوْا» و «عَلى حَرْدٍ» متعلق به وأن يكون «على حَردٍ» هو الحال و «قَادِريْنَ» إما حال ثانية، وإما حال من ضمير الحالِ الأول. والحرد: قيل: الغضب والحنق. قاله السديُّ وسفيان. وأنشد للأشهب بن رميلة: [الطويل] 4825 - أسُودُ شَرًى لاقَتْ أسُودَ خَفيَّةٍ ... تَساقَوْا على حَرْدٍ دِماءَ الأسَاوِدِ قيل: ومثله: [الرجز] 4826 - إذَا جِيادُ الخَيْلِ جَاءتْ تَرْدِي ... مَملُوءةً مِنْ غضَبٍ وحَرْدِ عطف لما تغاير اللفظان؛ كقوله: [الوافر] 4827 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... وألْفَى قوْلهَا كذِباً ومَيْنَا قال أبو عبيدة والقتيبي: «عَلى حَرْدٍ» على منع من حاردت الناقة حراداً، أي: قل لبنها. والحرود من النوق القليلة الدر، وحاردت السَّنةُ: قل مطرها، وخيرها. ويقال: حرد - بالكسر - يحرد حرداً، وقد تفتح فيقال: حَرَدَ فهو حردان وحارد، وليوث حوارد. وقيل: الحرد، والحرود: الانفراد، يقال: حَرَدَ - بالفتح - يَحْرُدُ - بالضم - حروداً وحرداً، أي: انعزل. ومنه كوكب حارد، أي: منفرد. قال الأصمعي: هي لغة هذيل. وقال القرطبيُّ: يقال: حرد يحرد حروداً، أي: تنحى عن قومه، ولم يخالطهم. وقال أبو زيدٍ: رجل حريد من قوم حرداء، وقد حَرَدَ يَحْرِدُ حُرُوداً إذا ترك قومه، وتحول عنهم. قال الأصمعي: رجل حريد، أي: فريد وحيد، قال: والمنفرد والمنحرد في لغة هذيل وأنشد لأبي ذؤيب: [البسيط] 4828 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... كأنَّهُ كَوكَبٌ في الجَوِّ مُنْحِرِدُ ورواه أبو عمرو: بالجيم، قال: وهو سهيل. وقيل: الحردُ القصد، يقال: حَرَد يحْرِدُ - بالكسر - حرداً، قصداً، تقول: حردت حردك، أي: قصدت قصدك؛ قال الراجز: [الرجز] 4829 - أقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ وقال قتادة ومجاهدٌ: «عَلى حَرْدٍ» ، أي: على جد وجهد. وقال القرطبيُّ ومجاهد وعكرمة: أي: على أمر مجتمع قد أسموه بينهم. قال البغويُّ: «وهذا معنى القصدِ» . وقال الحسنُ: على حاجةٍ وفاقةٍ. وقيل: الحرد اسم جنتهم بعينها، قاله السديُّ. وقال الأزهريُّ: حرد اسم قريتهم. وفيهما بعد. و «قَادِريْنَ» إما من القدرة وهو الظاهرُ، وإما من التقدير، وهو التضييق، أي: مضيقين على المساكين. وقرأ العامة: بالإسكان. وقرأ أبو العالية وابن السميفع: بالفتح، وهما لغتان. فصل في تفسير «قادرين» قال الفرَّاء: ومعنى «قادرين» قد قدروا أمرم، وبنوا عليه. وقال قتادة: قادرين على جنتهم عند أنفسهم. وقال الشعبيُّ: قادرين على المساكين. وقيل: معناه من الوجود، أي: منعوا وهم واجدون. ومعنى الآيةِ: وغدوا، وكانوا عند أنفسهم، وفي ظنهم أنهم قادرون على منع المساكينَ. قوله ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾ . يعني الجنة محترقة، لا شيء فيها قد صارت كالليل الأسود ينظرون إليها كالرماد أنكروها، وشكوا فيها، وقال بعضهم لبعض: «إنَّا لضالُّونَ» أي: ضللنا الطريق إلى جنتنا، ثم لما تأملوا وعرفوا أنها هي، قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حرمنا خيرها بشؤم عزمنا على البخل ومنعنا الفقراء، قاله قتادة. وقيل: «إنَّا لضالُّون» عن الصَّواب في غدونا على نية منع المساكين، فلذلك عوقبنا ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: حرمنا جنتنا بما صنعنا. روى ابن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» إيَّاكم والمَعاصِي إنَّ العَبْدَ ليذْنبُ الذَّنْبَ فيُحرَمُ بِهِ رِزْقاً كان هُيِّىء له «ثم تلا: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ » الآيتين. قوله: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ ، يعني أعدلهم، وأفضلهم وأعقلهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ: لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ أي: هلا تستثنون، وكان استثناؤهم تسبيحاً. قاله مجاهدٌ وغيره، وهذا يدل على أن هذا الأوسط كان يأمرهم بالاستثناء، فلم يطيعوه. قال أبو صالحٍ: كان استثناؤهم سبحان الله، فقال لهم: «هَلاَّ تسبِّحُونَ اللَّهَ» ، أي تقولون: سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم. وقال النحاس: أصل التسبيحِ التنزيه لله - عَزَّ وَجَلَّ -، فجعل مجاهد التسبيح في موضع إن شاء اللَّهُ؛ لأن المعنى تنزيه الله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وقال ابن الخطيب: التسبيحُ عبارة عن تنزيهه عن كل سوء فلو دخل شيء في الوجود على خلاف إرادة الله تعالى، لوجب عود النقص إلى قدرة الله تعالى، فقولك: «إن شاء الله» مزيل هذا النقص، فكان ذلك تسبيحاً. وقيل: المعنى: هلاَّ تَسْتغفرونهُ من فِعْلكُم، وتتوبون إليه من خبث نيتكم. قيل: إنَّ القوم لمَّا عزموا على منع الزكاةِ واغتروا بالمال والقوة، قال لهم أوسطهم: توبوا عن هذه المعصية قبل نزول العذابِ، فلما رأوا العذاب ذكرهم أوسطهم كلامهُ الأول، وقال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ فحينئذ اشتغلوا بالتوبة وقالوا: ﴿ِسُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ قال ابن عباس في قولهم سبحان ربنا أي نستغفر ربنا من ذنوبنا لأنا كنا ظالمين لأنفسنا في منعنا المساكين. وقال الحسنُ: هذا التسبيحُ هُو الصَّلاةُ كأنهم كانوا يتكاسلون في الصلاة، وإلا لكانت ناهية لهم [عن الفحشاء والمنكر، ولكانت داعية لهم] إلى أن يواظبوا على ذكر الله، وعلى قول إن شاء الله. قوله ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾ . أي: يلوم بعضهم بعضاً، يقول هذا لهذا: أنت أشرت علينا بهذا الرأي، ويقول ذلك لهذا: أنت خوفتنا بالفقر، ويقول الثالث لغيره: أنت رغبتني في جمع المال، ثم نادوا على أنفسهم بالوَيْلِ فقالوا: ﴿ياويلنا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ أي: عاصين بمنع حق الفقراءِ، وترك الاستثناء. وقال ابنُ كيسان: طغينا نعم اللَّهِ، فلم نشكرهَا كما شكرها آباؤنا من قبل ﴿عسى رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ تعاقدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيراً منها لنصنعنّ كما صنع آباؤنا فدعوا الله وتضرعوا فأبدلهم الله من ليلتهم ما هو خير منها. قرىء: «يبدلنا» بالتخفيف والتشديد، وهما لغتانِ. وقيل: التبديلُ تغير الشيء، أو تغير حاله وعين الشيء قائم، والإبدال رفع الشيء ووضع آخر مكانه، ثم قال: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ أي: طالبون منه الخير راجعون لعفوه. قال المفسرون: إن الله أمر جبريل عليه السلام أن يقتلع تلك الجنة، بزغر من أرض الشام، ويأخذ من أرض الشام جنة، فيجعلها مكانها. وقال ابن مسعود: إن القوم لما أخلصوا وعرف الله منهم صدقهم أبدلهم اللَّهُ جنة يقال لها: الخيوان فيها عنب يحمل البغل منها عنقوداً واحداً. وقال أبو خالد اليماني: دخلت تلك الجنة، فرأيت كُلَّ عنقودٍ منها كالرَّجلِ الأسودِ القائمِ. وقال الحسنُ: قول أهل الجنة: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ لا أدري إيماناً كان ذلك منهم، أو على حد ما يكون من المشركين إذا أصابهم الشدة. فتوقف في كونهم مؤمنين. وسئل قتادةُ عن أهل الجنَّة، أهم من أهل الجنَّة أم من أهل النَّارِ؟ . قال: لقد كلفتني تعباً. والأكثرون يقولون: إنهم تابوا وأخلصوا. حكاه القشيري. قوله: ﴿كَذَلِكَ العذاب﴾ . مبتدأ وخيره مقدم، أي: مثل ذلك العذاب عذاب الدنيا وأما عذاب الآخرة فأكبر منه ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابنُ زيدٍ: «كذَلكَ العَذابُ» أي: عذاب الدنيا وهلاك الأموال. وقيل: هذا وعظٌ لأهل مكة بالرجوعِ إلى اللَّه لما ابتلاهم بالجدب لدعاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أي: كفعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا في الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الآخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابنُ عباسٍ: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر، وحلفوا ليقتلنَّ محمداً، وأصحابه، وليرجعوا إلى أهل مكة، حتى يطوفوا بالبيت، ويشربوا الخمر، وتضرب القيانُ على رءوسهم، فأخلف الله ظنهم، وقتلوا وأسروا وانهزموا كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصرم، فخابوا. فصل في العبرة من هذه الآية بضرب المثل قال ابن الخطيب: قوله تعالى ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [القلم: 14 - 15] ، والمعنى: لأجل أن أعطاه الله المال والبنين كفر بالله، كلا، بل الله تعالى إنما أعطاه ذلك للابتلاء، فإذا صرفه إلى الكفر دمر الله عليه، بدليل أن أصحاب الجنة لما أتوا بهذه المعصيةِ اليسيرةِ دمر الله جنتهم، فكيف حال من عاند الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وأصرَّ على الكفر والمعصيةِ. فصل في بيان هل كان الحق واجباً عليهم أم لا؟ قيل: إن الحق الذي منعه أهل الجنَّة المساكين كان واجباً عليهم، ويحتمل أنه كان تطوعاً، والأول أظهر. وقيل: السورة مكية، فبعد حمل الآية على ما أصاب أهل مكة من القحطِ، وعلى قتال بدر.

القلم 68:27

قوله ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة﴾ . يريد أهل مكة، والابتلاء: الاختبار. والمعنى: أعطيناهم الأموال ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا وعادوا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ابتليناهم بالجوع والقحط كما بلونا أصحاب الجنَّة المعروف خبرها عندهم، وذلك أنها كانت بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من «صنعاء» ، ويقال: بفرسخين، كانت لرجل يؤدي حقَّ الله منهما، فلما مات صارت إلى ولده، فمعنوا الناس خيرها، وبخلوا بحق الله فيها؛ فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حل بها. قال الكلبيُّ: كان بينهم وبين «صنعاء» فرسخان ابتلاهم اللَّهُ بأن أحرق جنتهم. وقيل: جنة بصوران على فراسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بيسير. وقيل: كانوا من بني إسرائيل. وقيل: وكانوا من ثقيف، وكانوا بخلاء، وكانوا يجذون النخل ليلاً من أجل المساكين، فأرادوا حصاد زرعها، وقالوا: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ فغدوا عليها فإذا هي قد اقتلعت من أصلها ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ أي: الليل، ويقال أيضاً للنهار: صريم، فإن كان أراد الليل، فلاسوداد مواضعها وكأنهم وجدوا مواضعها حمأة، وإن كان أراد بالصريم النهار، فلذهاب الشجر والزَّرْع وخلو الأرض منه، وكان الطائف الذي طاف عليها جبريل - عليه السلام - فاقتلعها. فقيل: إنه طاف بها حول البيت ثم وضعها حيثُ مدينة الطائف اليوم، ولذلك سميت الطائف، وليس في أرض الحجازِ بلدة فيها الماء، والشجر [والزرع] والأعناب غيرها. وقال البكريُّ في المعجم: سميت الطائف، لأن رجلاً من العرب يقالُ له: الدَّمُون، بَنَى حائطاً، وقال: إني قد بنيت لكم حائطاً حول بلدكم، فسميت الطائف. والله أعلم. قوله «إذ أقْسَمُوا» ، أي: حلفوا فيما بينهم «ليَصْرِمُنَّهَا» أي: ليجذُّنها «مُصْبحِيْنَ» أي: وقت الصباح قبل أن يخرج المساكين «ولا يَسْتَثْنُونَ» ، أي: لم يقولوا: إن شاء الله. قوله: «مُصْبحِيْنَ» حال من فاعل «ليَصْرمُنَّها» وهو من «أصبح» التامة، أي داخلين في الصباح، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ [الصافات: 137] وقوله: إذا سمعت بِسُرَى القين فاعلم بأنه مصبح والكاف في «كما» في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف، أي: بلوناهم ابتلاء كما بلونا، و «ما» مصدرية، أو بمعنى «الذي» و «إذَا» منصوبة ب «بَلَوْنَا» و «ليَصْرمُنَّهَا» جواب للقسم، وجاء على خلاف منطوقهم، ولو جاء لقيل: «لنَصْرمُنَّهَا» بنون المتكلم. قوله: ﴿وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾ . هذه مستأنفة، ويضعف كونها حالاً من حيث إن المضارع المنفي ب «لا» كالمثبت في عدم دخول الواو عليه وإضمار مبتدأ قبله، كقولهم: «قمت وأصك عينه» مستغنى عنه. ومعنى: «لا يَسْتثْنُونَ» لا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم للمساكين، من الثني، وهو الكف والرد؛ لأنَّ الحالف إذا قال: واللَّهِ لأفعلن كذا إلا أن يشاء اللَّهُ غيره فقد رد انعقاد تلك اليمين. وقيل: المعنى: لا يستثنون عزمهم عن الحرماتِ. وقيل: لا يقولون، إن شاء الله. قال الزمخشريُّ: وسمي استثناء وهو شرط؛ لأن معنى: لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد. قوله ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ﴾ . أي هلاك، أو بلاء طائف، والطائف غلب في الشر. قال الفراء: هو الأمر الذي يأتي ليلاً. ورد عليه بقوله ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان﴾ [الأعراف: 201] وذلك لا يختص بليلٍ، ولا نهارٍ. وقرأ النخعيُّ: «طَيْفٌ» . قوله «مِن ربِّك» . يجوز أن يتعلق ب «طاف» وأن يتعلق بمحذوف صفة ل «طَائِفٌ» . قوله: ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ . والصرام: جذاذ النخلِ، وأصل المادة الدلالة على القطع، ومنه الصُّرم، والصَّرْم - بالضم والفتح - وهو القطيعة؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] 4821 - أفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هذا التَدلُّلِ ... وإنْ كنتِ قَدْ أزمَعْتِ صَرْمِي فأجْملِي ومنه الصريمة، وهي قطعة منصرمة عن الرمل لا تنبت شيئاً؛ قال: [البسيط] 4822 - وبالصَّريمَةِ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ خَلَقٌ ... عَافٍ تَغَيَّرَ، إلاَّ النُّؤيُ والوتِدُ والصارم: القاطع الماضي، وناقة مصرمة: انقطع لبنها، وانصرم الشهر والسنة، أي: قرب انفصالهما، وأصرم زيد: ساءت حاله، كأنه انقطع سعده. فقوله «كالصَّريمِ» . قيل: هي الأشجار المنْصَرِم حملها. وقال ابن عباس: كالليل؛ لأنه يقال له: الصريم، لسواده، والصريم أيضاً: النهار وقيل: الصُّبحُ؛ لأنه انصرم من الليلة، قاله الأخفش. فهو من الأضداد. وقال شمر: الصريم الليل، والصريم النهار. وقيل: الصريم: رملة معروفة باليمنِ لا تنبت شيئاً. وقال الثوريُّ: كالزرع المحصود، فالصريم بمعنى المصروم، أي: المقطوع ما فيه. وقال الحسنُ: صرم عنها الخير، أي: قطع، فالصريم مفعول أيضاً. وقال المؤرج: كالرملة انصرمت من معظم الرمل، يقال: صريمة وصرائم، فالرملة لا تنبت شيئاً ينتفع به. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، ولهذا يكون «فَعِيْل» ، بمعنى «فاعل» . قال القشيريُّ: وفي هذا نظر؛ لأن النهار يسمى صريماً، ولا يقطع عن التصرف. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يصر نور البصر ويقطعه. فصل في بيان أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. قال القرطبيُّ: في الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. لأنهم عزموا على أن يفعلوا، فعوقبوا على فعلهم؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25] . وفي الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إذَا التَقَى المُسلِمَانِ بِسيْفِهِمَا فالقَاتِلُ والمَقْتُولُ في النَّارِ، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنَّه كَانَ حريصاَ على قَتْلِ صاحِبهِ» وقد مضى في آل عمران عند قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ﴾ [آل عمران: 135] . قوله: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ﴾ . قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض: ﴿اغدوا على حَرْثِكُمْ﴾ يعني بالحرث الثِّمار والزروع والأعناب، ولذلك قال: «صَارمِيْنَ» ، لأنهم أرادوا قطع الثمار من الأشجار. «أن اغْدُوْا» يجوز أن تكون المصدرية، أي: تنادوا بهذا الكلام، وأن تكون المفسرة، لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول. قال الزمخشريُّ: «فإن قلت: هلاَّ قيل: اغدوا إلى حرثكم، وما معنى على؟ . قلت: لما كان الغدو إليه ليصرموه، ويقطعوه كان غدواً عليه كما تقول: غدا عليهم العدو ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال كقولهم: يغدى عليهم بالجفنة ويراح» انتهى. فجعل «غَدَا» متعدياً في الأصل ب «إلى» فاحتاج إلى تأويل تعديه ب «عَلَى» ، وفيه نظر؛ لورود تعديه ب «عَلَى» في غير موضع؛ كقوله: [الوافر] 4823 - وقَدْ أغْدُو على ثُبَةٍ كِرامٍ ... نَشَاوَى واجِدينَ لَمَا نَشَاءُ وإذا كانوا قد عدوا مرادفه ب «عَلَى» فليعدوه بها، ومرادفه «بكر» تقول: بكرتُ عليه و «غدوتُ عليه» بمعنى واحد؛ قال: [الطويل] 4824 - بَكَرْتُ عَليْهِ غُدْوةً فَرأيْتُهُ ... قُعُوداً إليْهِ بالصَّريمِ عَواذِلُه قوله ﴿إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾ . جوابه محذوف، أي فاغدوا و «صارمين» : قاطعين حادين. وقيل: ماضين العزم من قولك: سيف صارم. قوله ﴿فانطلقوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ . أي: يتشاورون فيما بينهم، والمعنى يخفون كلامهم، ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد، قاله عطاء وقتادة. وهو من خفت يخفت إذا سكت، ولم يبين. قال ابن الخطيب: «وخَفَى وخَفَت، كلاهما في معنى الكتم، ومنه الخمود والخفاء» . وقيل: يخفون أنفسهم من الناس، حتى لا يروهم، وكان أبوهم يخبر الفقراء والمساكين فيحضروا وقت الحصاد والصرام. وقوله: ﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ جملة حالية من فاعل «انْطَلقُوا» . قوله: ﴿أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ . «أنْ» مفسرة، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: يتخافتون بهذا الكلام، أي: يقوله بعضهم لبعض: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ . قال ابن الخطيب: والنهي للمسكين عن الدخول نهيٌ لهم عن تمكينه منه، أي: لا تمكنوه من الدخول. وقرأ عبد الله وابن أبي عبلة: «لا يدْخُلنَّهَا» بإسقاط «أنْ» إما على إضمار القولِ كمذهب البصريين، وإما على إجراء «يَتَخافتُونَ» مجراه كقول الكوفيين. قوله: ﴿وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ . يجوز أن يكون «قَادِريْنَ» حالاً من فاعل «غَدَوْا» و «عَلى حَرْدٍ» متعلق به وأن يكون «على حَردٍ» هو الحال و «قَادِريْنَ» إما حال ثانية، وإما حال من ضمير الحالِ الأول. والحرد: قيل: الغضب والحنق. قاله السديُّ وسفيان. وأنشد للأشهب بن رميلة: [الطويل] 4825 - أسُودُ شَرًى لاقَتْ أسُودَ خَفيَّةٍ ... تَساقَوْا على حَرْدٍ دِماءَ الأسَاوِدِ قيل: ومثله: [الرجز] 4826 - إذَا جِيادُ الخَيْلِ جَاءتْ تَرْدِي ... مَملُوءةً مِنْ غضَبٍ وحَرْدِ عطف لما تغاير اللفظان؛ كقوله: [الوافر] 4827 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... وألْفَى قوْلهَا كذِباً ومَيْنَا قال أبو عبيدة والقتيبي: «عَلى حَرْدٍ» على منع من حاردت الناقة حراداً، أي: قل لبنها. والحرود من النوق القليلة الدر، وحاردت السَّنةُ: قل مطرها، وخيرها. ويقال: حرد - بالكسر - يحرد حرداً، وقد تفتح فيقال: حَرَدَ فهو حردان وحارد، وليوث حوارد. وقيل: الحرد، والحرود: الانفراد، يقال: حَرَدَ - بالفتح - يَحْرُدُ - بالضم - حروداً وحرداً، أي: انعزل. ومنه كوكب حارد، أي: منفرد. قال الأصمعي: هي لغة هذيل. وقال القرطبيُّ: يقال: حرد يحرد حروداً، أي: تنحى عن قومه، ولم يخالطهم. وقال أبو زيدٍ: رجل حريد من قوم حرداء، وقد حَرَدَ يَحْرِدُ حُرُوداً إذا ترك قومه، وتحول عنهم. قال الأصمعي: رجل حريد، أي: فريد وحيد، قال: والمنفرد والمنحرد في لغة هذيل وأنشد لأبي ذؤيب: [البسيط] 4828 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... كأنَّهُ كَوكَبٌ في الجَوِّ مُنْحِرِدُ ورواه أبو عمرو: بالجيم، قال: وهو سهيل. وقيل: الحردُ القصد، يقال: حَرَد يحْرِدُ - بالكسر - حرداً، قصداً، تقول: حردت حردك، أي: قصدت قصدك؛ قال الراجز: [الرجز] 4829 - أقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ وقال قتادة ومجاهدٌ: «عَلى حَرْدٍ» ، أي: على جد وجهد. وقال القرطبيُّ ومجاهد وعكرمة: أي: على أمر مجتمع قد أسموه بينهم. قال البغويُّ: «وهذا معنى القصدِ» . وقال الحسنُ: على حاجةٍ وفاقةٍ. وقيل: الحرد اسم جنتهم بعينها، قاله السديُّ. وقال الأزهريُّ: حرد اسم قريتهم. وفيهما بعد. و «قَادِريْنَ» إما من القدرة وهو الظاهرُ، وإما من التقدير، وهو التضييق، أي: مضيقين على المساكين. وقرأ العامة: بالإسكان. وقرأ أبو العالية وابن السميفع: بالفتح، وهما لغتان. فصل في تفسير «قادرين» قال الفرَّاء: ومعنى «قادرين» قد قدروا أمرم، وبنوا عليه. وقال قتادة: قادرين على جنتهم عند أنفسهم. وقال الشعبيُّ: قادرين على المساكين. وقيل: معناه من الوجود، أي: منعوا وهم واجدون. ومعنى الآيةِ: وغدوا، وكانوا عند أنفسهم، وفي ظنهم أنهم قادرون على منع المساكينَ. قوله ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾ . يعني الجنة محترقة، لا شيء فيها قد صارت كالليل الأسود ينظرون إليها كالرماد أنكروها، وشكوا فيها، وقال بعضهم لبعض: «إنَّا لضالُّونَ» أي: ضللنا الطريق إلى جنتنا، ثم لما تأملوا وعرفوا أنها هي، قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حرمنا خيرها بشؤم عزمنا على البخل ومنعنا الفقراء، قاله قتادة. وقيل: «إنَّا لضالُّون» عن الصَّواب في غدونا على نية منع المساكين، فلذلك عوقبنا ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: حرمنا جنتنا بما صنعنا. روى ابن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» إيَّاكم والمَعاصِي إنَّ العَبْدَ ليذْنبُ الذَّنْبَ فيُحرَمُ بِهِ رِزْقاً كان هُيِّىء له «ثم تلا: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ » الآيتين. قوله: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ ، يعني أعدلهم، وأفضلهم وأعقلهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ: لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ أي: هلا تستثنون، وكان استثناؤهم تسبيحاً. قاله مجاهدٌ وغيره، وهذا يدل على أن هذا الأوسط كان يأمرهم بالاستثناء، فلم يطيعوه. قال أبو صالحٍ: كان استثناؤهم سبحان الله، فقال لهم: «هَلاَّ تسبِّحُونَ اللَّهَ» ، أي تقولون: سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم. وقال النحاس: أصل التسبيحِ التنزيه لله - عَزَّ وَجَلَّ -، فجعل مجاهد التسبيح في موضع إن شاء اللَّهُ؛ لأن المعنى تنزيه الله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وقال ابن الخطيب: التسبيحُ عبارة عن تنزيهه عن كل سوء فلو دخل شيء في الوجود على خلاف إرادة الله تعالى، لوجب عود النقص إلى قدرة الله تعالى، فقولك: «إن شاء الله» مزيل هذا النقص، فكان ذلك تسبيحاً. وقيل: المعنى: هلاَّ تَسْتغفرونهُ من فِعْلكُم، وتتوبون إليه من خبث نيتكم. قيل: إنَّ القوم لمَّا عزموا على منع الزكاةِ واغتروا بالمال والقوة، قال لهم أوسطهم: توبوا عن هذه المعصية قبل نزول العذابِ، فلما رأوا العذاب ذكرهم أوسطهم كلامهُ الأول، وقال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ فحينئذ اشتغلوا بالتوبة وقالوا: ﴿ِسُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ قال ابن عباس في قولهم سبحان ربنا أي نستغفر ربنا من ذنوبنا لأنا كنا ظالمين لأنفسنا في منعنا المساكين. وقال الحسنُ: هذا التسبيحُ هُو الصَّلاةُ كأنهم كانوا يتكاسلون في الصلاة، وإلا لكانت ناهية لهم [عن الفحشاء والمنكر، ولكانت داعية لهم] إلى أن يواظبوا على ذكر الله، وعلى قول إن شاء الله. قوله ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾ . أي: يلوم بعضهم بعضاً، يقول هذا لهذا: أنت أشرت علينا بهذا الرأي، ويقول ذلك لهذا: أنت خوفتنا بالفقر، ويقول الثالث لغيره: أنت رغبتني في جمع المال، ثم نادوا على أنفسهم بالوَيْلِ فقالوا: ﴿ياويلنا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ أي: عاصين بمنع حق الفقراءِ، وترك الاستثناء. وقال ابنُ كيسان: طغينا نعم اللَّهِ، فلم نشكرهَا كما شكرها آباؤنا من قبل ﴿عسى رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ تعاقدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيراً منها لنصنعنّ كما صنع آباؤنا فدعوا الله وتضرعوا فأبدلهم الله من ليلتهم ما هو خير منها. قرىء: «يبدلنا» بالتخفيف والتشديد، وهما لغتانِ. وقيل: التبديلُ تغير الشيء، أو تغير حاله وعين الشيء قائم، والإبدال رفع الشيء ووضع آخر مكانه، ثم قال: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ أي: طالبون منه الخير راجعون لعفوه. قال المفسرون: إن الله أمر جبريل عليه السلام أن يقتلع تلك الجنة، بزغر من أرض الشام، ويأخذ من أرض الشام جنة، فيجعلها مكانها. وقال ابن مسعود: إن القوم لما أخلصوا وعرف الله منهم صدقهم أبدلهم اللَّهُ جنة يقال لها: الخيوان فيها عنب يحمل البغل منها عنقوداً واحداً. وقال أبو خالد اليماني: دخلت تلك الجنة، فرأيت كُلَّ عنقودٍ منها كالرَّجلِ الأسودِ القائمِ. وقال الحسنُ: قول أهل الجنة: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ لا أدري إيماناً كان ذلك منهم، أو على حد ما يكون من المشركين إذا أصابهم الشدة. فتوقف في كونهم مؤمنين. وسئل قتادةُ عن أهل الجنَّة، أهم من أهل الجنَّة أم من أهل النَّارِ؟ . قال: لقد كلفتني تعباً. والأكثرون يقولون: إنهم تابوا وأخلصوا. حكاه القشيري. قوله: ﴿كَذَلِكَ العذاب﴾ . مبتدأ وخيره مقدم، أي: مثل ذلك العذاب عذاب الدنيا وأما عذاب الآخرة فأكبر منه ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابنُ زيدٍ: «كذَلكَ العَذابُ» أي: عذاب الدنيا وهلاك الأموال. وقيل: هذا وعظٌ لأهل مكة بالرجوعِ إلى اللَّه لما ابتلاهم بالجدب لدعاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أي: كفعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا في الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الآخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابنُ عباسٍ: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر، وحلفوا ليقتلنَّ محمداً، وأصحابه، وليرجعوا إلى أهل مكة، حتى يطوفوا بالبيت، ويشربوا الخمر، وتضرب القيانُ على رءوسهم، فأخلف الله ظنهم، وقتلوا وأسروا وانهزموا كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصرم، فخابوا. فصل في العبرة من هذه الآية بضرب المثل قال ابن الخطيب: قوله تعالى ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [القلم: 14 - 15] ، والمعنى: لأجل أن أعطاه الله المال والبنين كفر بالله، كلا، بل الله تعالى إنما أعطاه ذلك للابتلاء، فإذا صرفه إلى الكفر دمر الله عليه، بدليل أن أصحاب الجنة لما أتوا بهذه المعصيةِ اليسيرةِ دمر الله جنتهم، فكيف حال من عاند الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وأصرَّ على الكفر والمعصيةِ. فصل في بيان هل كان الحق واجباً عليهم أم لا؟ قيل: إن الحق الذي منعه أهل الجنَّة المساكين كان واجباً عليهم، ويحتمل أنه كان تطوعاً، والأول أظهر. وقيل: السورة مكية، فبعد حمل الآية على ما أصاب أهل مكة من القحطِ، وعلى قتال بدر.

القلم 68:28

قوله ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة﴾ . يريد أهل مكة، والابتلاء: الاختبار. والمعنى: أعطيناهم الأموال ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا وعادوا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ابتليناهم بالجوع والقحط كما بلونا أصحاب الجنَّة المعروف خبرها عندهم، وذلك أنها كانت بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من «صنعاء» ، ويقال: بفرسخين، كانت لرجل يؤدي حقَّ الله منهما، فلما مات صارت إلى ولده، فمعنوا الناس خيرها، وبخلوا بحق الله فيها؛ فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حل بها. قال الكلبيُّ: كان بينهم وبين «صنعاء» فرسخان ابتلاهم اللَّهُ بأن أحرق جنتهم. وقيل: جنة بصوران على فراسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بيسير. وقيل: كانوا من بني إسرائيل. وقيل: وكانوا من ثقيف، وكانوا بخلاء، وكانوا يجذون النخل ليلاً من أجل المساكين، فأرادوا حصاد زرعها، وقالوا: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ فغدوا عليها فإذا هي قد اقتلعت من أصلها ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ أي: الليل، ويقال أيضاً للنهار: صريم، فإن كان أراد الليل، فلاسوداد مواضعها وكأنهم وجدوا مواضعها حمأة، وإن كان أراد بالصريم النهار، فلذهاب الشجر والزَّرْع وخلو الأرض منه، وكان الطائف الذي طاف عليها جبريل - عليه السلام - فاقتلعها. فقيل: إنه طاف بها حول البيت ثم وضعها حيثُ مدينة الطائف اليوم، ولذلك سميت الطائف، وليس في أرض الحجازِ بلدة فيها الماء، والشجر [والزرع] والأعناب غيرها. وقال البكريُّ في المعجم: سميت الطائف، لأن رجلاً من العرب يقالُ له: الدَّمُون، بَنَى حائطاً، وقال: إني قد بنيت لكم حائطاً حول بلدكم، فسميت الطائف. والله أعلم. قوله «إذ أقْسَمُوا» ، أي: حلفوا فيما بينهم «ليَصْرِمُنَّهَا» أي: ليجذُّنها «مُصْبحِيْنَ» أي: وقت الصباح قبل أن يخرج المساكين «ولا يَسْتَثْنُونَ» ، أي: لم يقولوا: إن شاء الله. قوله: «مُصْبحِيْنَ» حال من فاعل «ليَصْرمُنَّها» وهو من «أصبح» التامة، أي داخلين في الصباح، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ [الصافات: 137] وقوله: إذا سمعت بِسُرَى القين فاعلم بأنه مصبح والكاف في «كما» في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف، أي: بلوناهم ابتلاء كما بلونا، و «ما» مصدرية، أو بمعنى «الذي» و «إذَا» منصوبة ب «بَلَوْنَا» و «ليَصْرمُنَّهَا» جواب للقسم، وجاء على خلاف منطوقهم، ولو جاء لقيل: «لنَصْرمُنَّهَا» بنون المتكلم. قوله: ﴿وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾ . هذه مستأنفة، ويضعف كونها حالاً من حيث إن المضارع المنفي ب «لا» كالمثبت في عدم دخول الواو عليه وإضمار مبتدأ قبله، كقولهم: «قمت وأصك عينه» مستغنى عنه. ومعنى: «لا يَسْتثْنُونَ» لا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم للمساكين، من الثني، وهو الكف والرد؛ لأنَّ الحالف إذا قال: واللَّهِ لأفعلن كذا إلا أن يشاء اللَّهُ غيره فقد رد انعقاد تلك اليمين. وقيل: المعنى: لا يستثنون عزمهم عن الحرماتِ. وقيل: لا يقولون، إن شاء الله. قال الزمخشريُّ: وسمي استثناء وهو شرط؛ لأن معنى: لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد. قوله ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ﴾ . أي هلاك، أو بلاء طائف، والطائف غلب في الشر. قال الفراء: هو الأمر الذي يأتي ليلاً. ورد عليه بقوله ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان﴾ [الأعراف: 201] وذلك لا يختص بليلٍ، ولا نهارٍ. وقرأ النخعيُّ: «طَيْفٌ» . قوله «مِن ربِّك» . يجوز أن يتعلق ب «طاف» وأن يتعلق بمحذوف صفة ل «طَائِفٌ» . قوله: ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ . والصرام: جذاذ النخلِ، وأصل المادة الدلالة على القطع، ومنه الصُّرم، والصَّرْم - بالضم والفتح - وهو القطيعة؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] 4821 - أفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هذا التَدلُّلِ ... وإنْ كنتِ قَدْ أزمَعْتِ صَرْمِي فأجْملِي ومنه الصريمة، وهي قطعة منصرمة عن الرمل لا تنبت شيئاً؛ قال: [البسيط] 4822 - وبالصَّريمَةِ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ خَلَقٌ ... عَافٍ تَغَيَّرَ، إلاَّ النُّؤيُ والوتِدُ والصارم: القاطع الماضي، وناقة مصرمة: انقطع لبنها، وانصرم الشهر والسنة، أي: قرب انفصالهما، وأصرم زيد: ساءت حاله، كأنه انقطع سعده. فقوله «كالصَّريمِ» . قيل: هي الأشجار المنْصَرِم حملها. وقال ابن عباس: كالليل؛ لأنه يقال له: الصريم، لسواده، والصريم أيضاً: النهار وقيل: الصُّبحُ؛ لأنه انصرم من الليلة، قاله الأخفش. فهو من الأضداد. وقال شمر: الصريم الليل، والصريم النهار. وقيل: الصريم: رملة معروفة باليمنِ لا تنبت شيئاً. وقال الثوريُّ: كالزرع المحصود، فالصريم بمعنى المصروم، أي: المقطوع ما فيه. وقال الحسنُ: صرم عنها الخير، أي: قطع، فالصريم مفعول أيضاً. وقال المؤرج: كالرملة انصرمت من معظم الرمل، يقال: صريمة وصرائم، فالرملة لا تنبت شيئاً ينتفع به. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، ولهذا يكون «فَعِيْل» ، بمعنى «فاعل» . قال القشيريُّ: وفي هذا نظر؛ لأن النهار يسمى صريماً، ولا يقطع عن التصرف. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يصر نور البصر ويقطعه. فصل في بيان أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. قال القرطبيُّ: في الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. لأنهم عزموا على أن يفعلوا، فعوقبوا على فعلهم؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25] . وفي الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إذَا التَقَى المُسلِمَانِ بِسيْفِهِمَا فالقَاتِلُ والمَقْتُولُ في النَّارِ، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنَّه كَانَ حريصاَ على قَتْلِ صاحِبهِ» وقد مضى في آل عمران عند قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ﴾ [آل عمران: 135] . قوله: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ﴾ . قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض: ﴿اغدوا على حَرْثِكُمْ﴾ يعني بالحرث الثِّمار والزروع والأعناب، ولذلك قال: «صَارمِيْنَ» ، لأنهم أرادوا قطع الثمار من الأشجار. «أن اغْدُوْا» يجوز أن تكون المصدرية، أي: تنادوا بهذا الكلام، وأن تكون المفسرة، لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول. قال الزمخشريُّ: «فإن قلت: هلاَّ قيل: اغدوا إلى حرثكم، وما معنى على؟ . قلت: لما كان الغدو إليه ليصرموه، ويقطعوه كان غدواً عليه كما تقول: غدا عليهم العدو ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال كقولهم: يغدى عليهم بالجفنة ويراح» انتهى. فجعل «غَدَا» متعدياً في الأصل ب «إلى» فاحتاج إلى تأويل تعديه ب «عَلَى» ، وفيه نظر؛ لورود تعديه ب «عَلَى» في غير موضع؛ كقوله: [الوافر] 4823 - وقَدْ أغْدُو على ثُبَةٍ كِرامٍ ... نَشَاوَى واجِدينَ لَمَا نَشَاءُ وإذا كانوا قد عدوا مرادفه ب «عَلَى» فليعدوه بها، ومرادفه «بكر» تقول: بكرتُ عليه و «غدوتُ عليه» بمعنى واحد؛ قال: [الطويل] 4824 - بَكَرْتُ عَليْهِ غُدْوةً فَرأيْتُهُ ... قُعُوداً إليْهِ بالصَّريمِ عَواذِلُه قوله ﴿إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾ . جوابه محذوف، أي فاغدوا و «صارمين» : قاطعين حادين. وقيل: ماضين العزم من قولك: سيف صارم. قوله ﴿فانطلقوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ . أي: يتشاورون فيما بينهم، والمعنى يخفون كلامهم، ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد، قاله عطاء وقتادة. وهو من خفت يخفت إذا سكت، ولم يبين. قال ابن الخطيب: «وخَفَى وخَفَت، كلاهما في معنى الكتم، ومنه الخمود والخفاء» . وقيل: يخفون أنفسهم من الناس، حتى لا يروهم، وكان أبوهم يخبر الفقراء والمساكين فيحضروا وقت الحصاد والصرام. وقوله: ﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ جملة حالية من فاعل «انْطَلقُوا» . قوله: ﴿أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ . «أنْ» مفسرة، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: يتخافتون بهذا الكلام، أي: يقوله بعضهم لبعض: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ . قال ابن الخطيب: والنهي للمسكين عن الدخول نهيٌ لهم عن تمكينه منه، أي: لا تمكنوه من الدخول. وقرأ عبد الله وابن أبي عبلة: «لا يدْخُلنَّهَا» بإسقاط «أنْ» إما على إضمار القولِ كمذهب البصريين، وإما على إجراء «يَتَخافتُونَ» مجراه كقول الكوفيين. قوله: ﴿وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ . يجوز أن يكون «قَادِريْنَ» حالاً من فاعل «غَدَوْا» و «عَلى حَرْدٍ» متعلق به وأن يكون «على حَردٍ» هو الحال و «قَادِريْنَ» إما حال ثانية، وإما حال من ضمير الحالِ الأول. والحرد: قيل: الغضب والحنق. قاله السديُّ وسفيان. وأنشد للأشهب بن رميلة: [الطويل] 4825 - أسُودُ شَرًى لاقَتْ أسُودَ خَفيَّةٍ ... تَساقَوْا على حَرْدٍ دِماءَ الأسَاوِدِ قيل: ومثله: [الرجز] 4826 - إذَا جِيادُ الخَيْلِ جَاءتْ تَرْدِي ... مَملُوءةً مِنْ غضَبٍ وحَرْدِ عطف لما تغاير اللفظان؛ كقوله: [الوافر] 4827 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... وألْفَى قوْلهَا كذِباً ومَيْنَا قال أبو عبيدة والقتيبي: «عَلى حَرْدٍ» على منع من حاردت الناقة حراداً، أي: قل لبنها. والحرود من النوق القليلة الدر، وحاردت السَّنةُ: قل مطرها، وخيرها. ويقال: حرد - بالكسر - يحرد حرداً، وقد تفتح فيقال: حَرَدَ فهو حردان وحارد، وليوث حوارد. وقيل: الحرد، والحرود: الانفراد، يقال: حَرَدَ - بالفتح - يَحْرُدُ - بالضم - حروداً وحرداً، أي: انعزل. ومنه كوكب حارد، أي: منفرد. قال الأصمعي: هي لغة هذيل. وقال القرطبيُّ: يقال: حرد يحرد حروداً، أي: تنحى عن قومه، ولم يخالطهم. وقال أبو زيدٍ: رجل حريد من قوم حرداء، وقد حَرَدَ يَحْرِدُ حُرُوداً إذا ترك قومه، وتحول عنهم. قال الأصمعي: رجل حريد، أي: فريد وحيد، قال: والمنفرد والمنحرد في لغة هذيل وأنشد لأبي ذؤيب: [البسيط] 4828 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... كأنَّهُ كَوكَبٌ في الجَوِّ مُنْحِرِدُ ورواه أبو عمرو: بالجيم، قال: وهو سهيل. وقيل: الحردُ القصد، يقال: حَرَد يحْرِدُ - بالكسر - حرداً، قصداً، تقول: حردت حردك، أي: قصدت قصدك؛ قال الراجز: [الرجز] 4829 - أقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ وقال قتادة ومجاهدٌ: «عَلى حَرْدٍ» ، أي: على جد وجهد. وقال القرطبيُّ ومجاهد وعكرمة: أي: على أمر مجتمع قد أسموه بينهم. قال البغويُّ: «وهذا معنى القصدِ» . وقال الحسنُ: على حاجةٍ وفاقةٍ. وقيل: الحرد اسم جنتهم بعينها، قاله السديُّ. وقال الأزهريُّ: حرد اسم قريتهم. وفيهما بعد. و «قَادِريْنَ» إما من القدرة وهو الظاهرُ، وإما من التقدير، وهو التضييق، أي: مضيقين على المساكين. وقرأ العامة: بالإسكان. وقرأ أبو العالية وابن السميفع: بالفتح، وهما لغتان. فصل في تفسير «قادرين» قال الفرَّاء: ومعنى «قادرين» قد قدروا أمرم، وبنوا عليه. وقال قتادة: قادرين على جنتهم عند أنفسهم. وقال الشعبيُّ: قادرين على المساكين. وقيل: معناه من الوجود، أي: منعوا وهم واجدون. ومعنى الآيةِ: وغدوا، وكانوا عند أنفسهم، وفي ظنهم أنهم قادرون على منع المساكينَ. قوله ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾ . يعني الجنة محترقة، لا شيء فيها قد صارت كالليل الأسود ينظرون إليها كالرماد أنكروها، وشكوا فيها، وقال بعضهم لبعض: «إنَّا لضالُّونَ» أي: ضللنا الطريق إلى جنتنا، ثم لما تأملوا وعرفوا أنها هي، قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حرمنا خيرها بشؤم عزمنا على البخل ومنعنا الفقراء، قاله قتادة. وقيل: «إنَّا لضالُّون» عن الصَّواب في غدونا على نية منع المساكين، فلذلك عوقبنا ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: حرمنا جنتنا بما صنعنا. روى ابن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» إيَّاكم والمَعاصِي إنَّ العَبْدَ ليذْنبُ الذَّنْبَ فيُحرَمُ بِهِ رِزْقاً كان هُيِّىء له «ثم تلا: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ » الآيتين. قوله: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ ، يعني أعدلهم، وأفضلهم وأعقلهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ: لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ أي: هلا تستثنون، وكان استثناؤهم تسبيحاً. قاله مجاهدٌ وغيره، وهذا يدل على أن هذا الأوسط كان يأمرهم بالاستثناء، فلم يطيعوه. قال أبو صالحٍ: كان استثناؤهم سبحان الله، فقال لهم: «هَلاَّ تسبِّحُونَ اللَّهَ» ، أي تقولون: سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم. وقال النحاس: أصل التسبيحِ التنزيه لله - عَزَّ وَجَلَّ -، فجعل مجاهد التسبيح في موضع إن شاء اللَّهُ؛ لأن المعنى تنزيه الله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وقال ابن الخطيب: التسبيحُ عبارة عن تنزيهه عن كل سوء فلو دخل شيء في الوجود على خلاف إرادة الله تعالى، لوجب عود النقص إلى قدرة الله تعالى، فقولك: «إن شاء الله» مزيل هذا النقص، فكان ذلك تسبيحاً. وقيل: المعنى: هلاَّ تَسْتغفرونهُ من فِعْلكُم، وتتوبون إليه من خبث نيتكم. قيل: إنَّ القوم لمَّا عزموا على منع الزكاةِ واغتروا بالمال والقوة، قال لهم أوسطهم: توبوا عن هذه المعصية قبل نزول العذابِ، فلما رأوا العذاب ذكرهم أوسطهم كلامهُ الأول، وقال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ فحينئذ اشتغلوا بالتوبة وقالوا: ﴿ِسُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ قال ابن عباس في قولهم سبحان ربنا أي نستغفر ربنا من ذنوبنا لأنا كنا ظالمين لأنفسنا في منعنا المساكين. وقال الحسنُ: هذا التسبيحُ هُو الصَّلاةُ كأنهم كانوا يتكاسلون في الصلاة، وإلا لكانت ناهية لهم [عن الفحشاء والمنكر، ولكانت داعية لهم] إلى أن يواظبوا على ذكر الله، وعلى قول إن شاء الله. قوله ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾ . أي: يلوم بعضهم بعضاً، يقول هذا لهذا: أنت أشرت علينا بهذا الرأي، ويقول ذلك لهذا: أنت خوفتنا بالفقر، ويقول الثالث لغيره: أنت رغبتني في جمع المال، ثم نادوا على أنفسهم بالوَيْلِ فقالوا: ﴿ياويلنا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ أي: عاصين بمنع حق الفقراءِ، وترك الاستثناء. وقال ابنُ كيسان: طغينا نعم اللَّهِ، فلم نشكرهَا كما شكرها آباؤنا من قبل ﴿عسى رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ تعاقدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيراً منها لنصنعنّ كما صنع آباؤنا فدعوا الله وتضرعوا فأبدلهم الله من ليلتهم ما هو خير منها. قرىء: «يبدلنا» بالتخفيف والتشديد، وهما لغتانِ. وقيل: التبديلُ تغير الشيء، أو تغير حاله وعين الشيء قائم، والإبدال رفع الشيء ووضع آخر مكانه، ثم قال: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ أي: طالبون منه الخير راجعون لعفوه. قال المفسرون: إن الله أمر جبريل عليه السلام أن يقتلع تلك الجنة، بزغر من أرض الشام، ويأخذ من أرض الشام جنة، فيجعلها مكانها. وقال ابن مسعود: إن القوم لما أخلصوا وعرف الله منهم صدقهم أبدلهم اللَّهُ جنة يقال لها: الخيوان فيها عنب يحمل البغل منها عنقوداً واحداً. وقال أبو خالد اليماني: دخلت تلك الجنة، فرأيت كُلَّ عنقودٍ منها كالرَّجلِ الأسودِ القائمِ. وقال الحسنُ: قول أهل الجنة: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ لا أدري إيماناً كان ذلك منهم، أو على حد ما يكون من المشركين إذا أصابهم الشدة. فتوقف في كونهم مؤمنين. وسئل قتادةُ عن أهل الجنَّة، أهم من أهل الجنَّة أم من أهل النَّارِ؟ . قال: لقد كلفتني تعباً. والأكثرون يقولون: إنهم تابوا وأخلصوا. حكاه القشيري. قوله: ﴿كَذَلِكَ العذاب﴾ . مبتدأ وخيره مقدم، أي: مثل ذلك العذاب عذاب الدنيا وأما عذاب الآخرة فأكبر منه ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابنُ زيدٍ: «كذَلكَ العَذابُ» أي: عذاب الدنيا وهلاك الأموال. وقيل: هذا وعظٌ لأهل مكة بالرجوعِ إلى اللَّه لما ابتلاهم بالجدب لدعاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أي: كفعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا في الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الآخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابنُ عباسٍ: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر، وحلفوا ليقتلنَّ محمداً، وأصحابه، وليرجعوا إلى أهل مكة، حتى يطوفوا بالبيت، ويشربوا الخمر، وتضرب القيانُ على رءوسهم، فأخلف الله ظنهم، وقتلوا وأسروا وانهزموا كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصرم، فخابوا. فصل في العبرة من هذه الآية بضرب المثل قال ابن الخطيب: قوله تعالى ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [القلم: 14 - 15] ، والمعنى: لأجل أن أعطاه الله المال والبنين كفر بالله، كلا، بل الله تعالى إنما أعطاه ذلك للابتلاء، فإذا صرفه إلى الكفر دمر الله عليه، بدليل أن أصحاب الجنة لما أتوا بهذه المعصيةِ اليسيرةِ دمر الله جنتهم، فكيف حال من عاند الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وأصرَّ على الكفر والمعصيةِ. فصل في بيان هل كان الحق واجباً عليهم أم لا؟ قيل: إن الحق الذي منعه أهل الجنَّة المساكين كان واجباً عليهم، ويحتمل أنه كان تطوعاً، والأول أظهر. وقيل: السورة مكية، فبعد حمل الآية على ما أصاب أهل مكة من القحطِ، وعلى قتال بدر.

القلم 68:29

قوله ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة﴾ . يريد أهل مكة، والابتلاء: الاختبار. والمعنى: أعطيناهم الأموال ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا وعادوا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ابتليناهم بالجوع والقحط كما بلونا أصحاب الجنَّة المعروف خبرها عندهم، وذلك أنها كانت بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من «صنعاء» ، ويقال: بفرسخين، كانت لرجل يؤدي حقَّ الله منهما، فلما مات صارت إلى ولده، فمعنوا الناس خيرها، وبخلوا بحق الله فيها؛ فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حل بها. قال الكلبيُّ: كان بينهم وبين «صنعاء» فرسخان ابتلاهم اللَّهُ بأن أحرق جنتهم. وقيل: جنة بصوران على فراسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بيسير. وقيل: كانوا من بني إسرائيل. وقيل: وكانوا من ثقيف، وكانوا بخلاء، وكانوا يجذون النخل ليلاً من أجل المساكين، فأرادوا حصاد زرعها، وقالوا: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ فغدوا عليها فإذا هي قد اقتلعت من أصلها ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ أي: الليل، ويقال أيضاً للنهار: صريم، فإن كان أراد الليل، فلاسوداد مواضعها وكأنهم وجدوا مواضعها حمأة، وإن كان أراد بالصريم النهار، فلذهاب الشجر والزَّرْع وخلو الأرض منه، وكان الطائف الذي طاف عليها جبريل - عليه السلام - فاقتلعها. فقيل: إنه طاف بها حول البيت ثم وضعها حيثُ مدينة الطائف اليوم، ولذلك سميت الطائف، وليس في أرض الحجازِ بلدة فيها الماء، والشجر [والزرع] والأعناب غيرها. وقال البكريُّ في المعجم: سميت الطائف، لأن رجلاً من العرب يقالُ له: الدَّمُون، بَنَى حائطاً، وقال: إني قد بنيت لكم حائطاً حول بلدكم، فسميت الطائف. والله أعلم. قوله «إذ أقْسَمُوا» ، أي: حلفوا فيما بينهم «ليَصْرِمُنَّهَا» أي: ليجذُّنها «مُصْبحِيْنَ» أي: وقت الصباح قبل أن يخرج المساكين «ولا يَسْتَثْنُونَ» ، أي: لم يقولوا: إن شاء الله. قوله: «مُصْبحِيْنَ» حال من فاعل «ليَصْرمُنَّها» وهو من «أصبح» التامة، أي داخلين في الصباح، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ [الصافات: 137] وقوله: إذا سمعت بِسُرَى القين فاعلم بأنه مصبح والكاف في «كما» في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف، أي: بلوناهم ابتلاء كما بلونا، و «ما» مصدرية، أو بمعنى «الذي» و «إذَا» منصوبة ب «بَلَوْنَا» و «ليَصْرمُنَّهَا» جواب للقسم، وجاء على خلاف منطوقهم، ولو جاء لقيل: «لنَصْرمُنَّهَا» بنون المتكلم. قوله: ﴿وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾ . هذه مستأنفة، ويضعف كونها حالاً من حيث إن المضارع المنفي ب «لا» كالمثبت في عدم دخول الواو عليه وإضمار مبتدأ قبله، كقولهم: «قمت وأصك عينه» مستغنى عنه. ومعنى: «لا يَسْتثْنُونَ» لا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم للمساكين، من الثني، وهو الكف والرد؛ لأنَّ الحالف إذا قال: واللَّهِ لأفعلن كذا إلا أن يشاء اللَّهُ غيره فقد رد انعقاد تلك اليمين. وقيل: المعنى: لا يستثنون عزمهم عن الحرماتِ. وقيل: لا يقولون، إن شاء الله. قال الزمخشريُّ: وسمي استثناء وهو شرط؛ لأن معنى: لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد. قوله ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ﴾ . أي هلاك، أو بلاء طائف، والطائف غلب في الشر. قال الفراء: هو الأمر الذي يأتي ليلاً. ورد عليه بقوله ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان﴾ [الأعراف: 201] وذلك لا يختص بليلٍ، ولا نهارٍ. وقرأ النخعيُّ: «طَيْفٌ» . قوله «مِن ربِّك» . يجوز أن يتعلق ب «طاف» وأن يتعلق بمحذوف صفة ل «طَائِفٌ» . قوله: ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ . والصرام: جذاذ النخلِ، وأصل المادة الدلالة على القطع، ومنه الصُّرم، والصَّرْم - بالضم والفتح - وهو القطيعة؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] 4821 - أفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هذا التَدلُّلِ ... وإنْ كنتِ قَدْ أزمَعْتِ صَرْمِي فأجْملِي ومنه الصريمة، وهي قطعة منصرمة عن الرمل لا تنبت شيئاً؛ قال: [البسيط] 4822 - وبالصَّريمَةِ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ خَلَقٌ ... عَافٍ تَغَيَّرَ، إلاَّ النُّؤيُ والوتِدُ والصارم: القاطع الماضي، وناقة مصرمة: انقطع لبنها، وانصرم الشهر والسنة، أي: قرب انفصالهما، وأصرم زيد: ساءت حاله، كأنه انقطع سعده. فقوله «كالصَّريمِ» . قيل: هي الأشجار المنْصَرِم حملها. وقال ابن عباس: كالليل؛ لأنه يقال له: الصريم، لسواده، والصريم أيضاً: النهار وقيل: الصُّبحُ؛ لأنه انصرم من الليلة، قاله الأخفش. فهو من الأضداد. وقال شمر: الصريم الليل، والصريم النهار. وقيل: الصريم: رملة معروفة باليمنِ لا تنبت شيئاً. وقال الثوريُّ: كالزرع المحصود، فالصريم بمعنى المصروم، أي: المقطوع ما فيه. وقال الحسنُ: صرم عنها الخير، أي: قطع، فالصريم مفعول أيضاً. وقال المؤرج: كالرملة انصرمت من معظم الرمل، يقال: صريمة وصرائم، فالرملة لا تنبت شيئاً ينتفع به. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، ولهذا يكون «فَعِيْل» ، بمعنى «فاعل» . قال القشيريُّ: وفي هذا نظر؛ لأن النهار يسمى صريماً، ولا يقطع عن التصرف. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يصر نور البصر ويقطعه. فصل في بيان أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. قال القرطبيُّ: في الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. لأنهم عزموا على أن يفعلوا، فعوقبوا على فعلهم؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25] . وفي الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إذَا التَقَى المُسلِمَانِ بِسيْفِهِمَا فالقَاتِلُ والمَقْتُولُ في النَّارِ، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنَّه كَانَ حريصاَ على قَتْلِ صاحِبهِ» وقد مضى في آل عمران عند قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ﴾ [آل عمران: 135] . قوله: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ﴾ . قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض: ﴿اغدوا على حَرْثِكُمْ﴾ يعني بالحرث الثِّمار والزروع والأعناب، ولذلك قال: «صَارمِيْنَ» ، لأنهم أرادوا قطع الثمار من الأشجار. «أن اغْدُوْا» يجوز أن تكون المصدرية، أي: تنادوا بهذا الكلام، وأن تكون المفسرة، لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول. قال الزمخشريُّ: «فإن قلت: هلاَّ قيل: اغدوا إلى حرثكم، وما معنى على؟ . قلت: لما كان الغدو إليه ليصرموه، ويقطعوه كان غدواً عليه كما تقول: غدا عليهم العدو ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال كقولهم: يغدى عليهم بالجفنة ويراح» انتهى. فجعل «غَدَا» متعدياً في الأصل ب «إلى» فاحتاج إلى تأويل تعديه ب «عَلَى» ، وفيه نظر؛ لورود تعديه ب «عَلَى» في غير موضع؛ كقوله: [الوافر] 4823 - وقَدْ أغْدُو على ثُبَةٍ كِرامٍ ... نَشَاوَى واجِدينَ لَمَا نَشَاءُ وإذا كانوا قد عدوا مرادفه ب «عَلَى» فليعدوه بها، ومرادفه «بكر» تقول: بكرتُ عليه و «غدوتُ عليه» بمعنى واحد؛ قال: [الطويل] 4824 - بَكَرْتُ عَليْهِ غُدْوةً فَرأيْتُهُ ... قُعُوداً إليْهِ بالصَّريمِ عَواذِلُه قوله ﴿إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾ . جوابه محذوف، أي فاغدوا و «صارمين» : قاطعين حادين. وقيل: ماضين العزم من قولك: سيف صارم. قوله ﴿فانطلقوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ . أي: يتشاورون فيما بينهم، والمعنى يخفون كلامهم، ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد، قاله عطاء وقتادة. وهو من خفت يخفت إذا سكت، ولم يبين. قال ابن الخطيب: «وخَفَى وخَفَت، كلاهما في معنى الكتم، ومنه الخمود والخفاء» . وقيل: يخفون أنفسهم من الناس، حتى لا يروهم، وكان أبوهم يخبر الفقراء والمساكين فيحضروا وقت الحصاد والصرام. وقوله: ﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ جملة حالية من فاعل «انْطَلقُوا» . قوله: ﴿أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ . «أنْ» مفسرة، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: يتخافتون بهذا الكلام، أي: يقوله بعضهم لبعض: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ . قال ابن الخطيب: والنهي للمسكين عن الدخول نهيٌ لهم عن تمكينه منه، أي: لا تمكنوه من الدخول. وقرأ عبد الله وابن أبي عبلة: «لا يدْخُلنَّهَا» بإسقاط «أنْ» إما على إضمار القولِ كمذهب البصريين، وإما على إجراء «يَتَخافتُونَ» مجراه كقول الكوفيين. قوله: ﴿وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ . يجوز أن يكون «قَادِريْنَ» حالاً من فاعل «غَدَوْا» و «عَلى حَرْدٍ» متعلق به وأن يكون «على حَردٍ» هو الحال و «قَادِريْنَ» إما حال ثانية، وإما حال من ضمير الحالِ الأول. والحرد: قيل: الغضب والحنق. قاله السديُّ وسفيان. وأنشد للأشهب بن رميلة: [الطويل] 4825 - أسُودُ شَرًى لاقَتْ أسُودَ خَفيَّةٍ ... تَساقَوْا على حَرْدٍ دِماءَ الأسَاوِدِ قيل: ومثله: [الرجز] 4826 - إذَا جِيادُ الخَيْلِ جَاءتْ تَرْدِي ... مَملُوءةً مِنْ غضَبٍ وحَرْدِ عطف لما تغاير اللفظان؛ كقوله: [الوافر] 4827 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... وألْفَى قوْلهَا كذِباً ومَيْنَا قال أبو عبيدة والقتيبي: «عَلى حَرْدٍ» على منع من حاردت الناقة حراداً، أي: قل لبنها. والحرود من النوق القليلة الدر، وحاردت السَّنةُ: قل مطرها، وخيرها. ويقال: حرد - بالكسر - يحرد حرداً، وقد تفتح فيقال: حَرَدَ فهو حردان وحارد، وليوث حوارد. وقيل: الحرد، والحرود: الانفراد، يقال: حَرَدَ - بالفتح - يَحْرُدُ - بالضم - حروداً وحرداً، أي: انعزل. ومنه كوكب حارد، أي: منفرد. قال الأصمعي: هي لغة هذيل. وقال القرطبيُّ: يقال: حرد يحرد حروداً، أي: تنحى عن قومه، ولم يخالطهم. وقال أبو زيدٍ: رجل حريد من قوم حرداء، وقد حَرَدَ يَحْرِدُ حُرُوداً إذا ترك قومه، وتحول عنهم. قال الأصمعي: رجل حريد، أي: فريد وحيد، قال: والمنفرد والمنحرد في لغة هذيل وأنشد لأبي ذؤيب: [البسيط] 4828 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... كأنَّهُ كَوكَبٌ في الجَوِّ مُنْحِرِدُ ورواه أبو عمرو: بالجيم، قال: وهو سهيل. وقيل: الحردُ القصد، يقال: حَرَد يحْرِدُ - بالكسر - حرداً، قصداً، تقول: حردت حردك، أي: قصدت قصدك؛ قال الراجز: [الرجز] 4829 - أقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ وقال قتادة ومجاهدٌ: «عَلى حَرْدٍ» ، أي: على جد وجهد. وقال القرطبيُّ ومجاهد وعكرمة: أي: على أمر مجتمع قد أسموه بينهم. قال البغويُّ: «وهذا معنى القصدِ» . وقال الحسنُ: على حاجةٍ وفاقةٍ. وقيل: الحرد اسم جنتهم بعينها، قاله السديُّ. وقال الأزهريُّ: حرد اسم قريتهم. وفيهما بعد. و «قَادِريْنَ» إما من القدرة وهو الظاهرُ، وإما من التقدير، وهو التضييق، أي: مضيقين على المساكين. وقرأ العامة: بالإسكان. وقرأ أبو العالية وابن السميفع: بالفتح، وهما لغتان. فصل في تفسير «قادرين» قال الفرَّاء: ومعنى «قادرين» قد قدروا أمرم، وبنوا عليه. وقال قتادة: قادرين على جنتهم عند أنفسهم. وقال الشعبيُّ: قادرين على المساكين. وقيل: معناه من الوجود، أي: منعوا وهم واجدون. ومعنى الآيةِ: وغدوا، وكانوا عند أنفسهم، وفي ظنهم أنهم قادرون على منع المساكينَ. قوله ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾ . يعني الجنة محترقة، لا شيء فيها قد صارت كالليل الأسود ينظرون إليها كالرماد أنكروها، وشكوا فيها، وقال بعضهم لبعض: «إنَّا لضالُّونَ» أي: ضللنا الطريق إلى جنتنا، ثم لما تأملوا وعرفوا أنها هي، قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حرمنا خيرها بشؤم عزمنا على البخل ومنعنا الفقراء، قاله قتادة. وقيل: «إنَّا لضالُّون» عن الصَّواب في غدونا على نية منع المساكين، فلذلك عوقبنا ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: حرمنا جنتنا بما صنعنا. روى ابن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» إيَّاكم والمَعاصِي إنَّ العَبْدَ ليذْنبُ الذَّنْبَ فيُحرَمُ بِهِ رِزْقاً كان هُيِّىء له «ثم تلا: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ » الآيتين. قوله: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ ، يعني أعدلهم، وأفضلهم وأعقلهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ: لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ أي: هلا تستثنون، وكان استثناؤهم تسبيحاً. قاله مجاهدٌ وغيره، وهذا يدل على أن هذا الأوسط كان يأمرهم بالاستثناء، فلم يطيعوه. قال أبو صالحٍ: كان استثناؤهم سبحان الله، فقال لهم: «هَلاَّ تسبِّحُونَ اللَّهَ» ، أي تقولون: سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم. وقال النحاس: أصل التسبيحِ التنزيه لله - عَزَّ وَجَلَّ -، فجعل مجاهد التسبيح في موضع إن شاء اللَّهُ؛ لأن المعنى تنزيه الله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وقال ابن الخطيب: التسبيحُ عبارة عن تنزيهه عن كل سوء فلو دخل شيء في الوجود على خلاف إرادة الله تعالى، لوجب عود النقص إلى قدرة الله تعالى، فقولك: «إن شاء الله» مزيل هذا النقص، فكان ذلك تسبيحاً. وقيل: المعنى: هلاَّ تَسْتغفرونهُ من فِعْلكُم، وتتوبون إليه من خبث نيتكم. قيل: إنَّ القوم لمَّا عزموا على منع الزكاةِ واغتروا بالمال والقوة، قال لهم أوسطهم: توبوا عن هذه المعصية قبل نزول العذابِ، فلما رأوا العذاب ذكرهم أوسطهم كلامهُ الأول، وقال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ فحينئذ اشتغلوا بالتوبة وقالوا: ﴿ِسُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ قال ابن عباس في قولهم سبحان ربنا أي نستغفر ربنا من ذنوبنا لأنا كنا ظالمين لأنفسنا في منعنا المساكين. وقال الحسنُ: هذا التسبيحُ هُو الصَّلاةُ كأنهم كانوا يتكاسلون في الصلاة، وإلا لكانت ناهية لهم [عن الفحشاء والمنكر، ولكانت داعية لهم] إلى أن يواظبوا على ذكر الله، وعلى قول إن شاء الله. قوله ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾ . أي: يلوم بعضهم بعضاً، يقول هذا لهذا: أنت أشرت علينا بهذا الرأي، ويقول ذلك لهذا: أنت خوفتنا بالفقر، ويقول الثالث لغيره: أنت رغبتني في جمع المال، ثم نادوا على أنفسهم بالوَيْلِ فقالوا: ﴿ياويلنا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ أي: عاصين بمنع حق الفقراءِ، وترك الاستثناء. وقال ابنُ كيسان: طغينا نعم اللَّهِ، فلم نشكرهَا كما شكرها آباؤنا من قبل ﴿عسى رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ تعاقدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيراً منها لنصنعنّ كما صنع آباؤنا فدعوا الله وتضرعوا فأبدلهم الله من ليلتهم ما هو خير منها. قرىء: «يبدلنا» بالتخفيف والتشديد، وهما لغتانِ. وقيل: التبديلُ تغير الشيء، أو تغير حاله وعين الشيء قائم، والإبدال رفع الشيء ووضع آخر مكانه، ثم قال: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ أي: طالبون منه الخير راجعون لعفوه. قال المفسرون: إن الله أمر جبريل عليه السلام أن يقتلع تلك الجنة، بزغر من أرض الشام، ويأخذ من أرض الشام جنة، فيجعلها مكانها. وقال ابن مسعود: إن القوم لما أخلصوا وعرف الله منهم صدقهم أبدلهم اللَّهُ جنة يقال لها: الخيوان فيها عنب يحمل البغل منها عنقوداً واحداً. وقال أبو خالد اليماني: دخلت تلك الجنة، فرأيت كُلَّ عنقودٍ منها كالرَّجلِ الأسودِ القائمِ. وقال الحسنُ: قول أهل الجنة: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ لا أدري إيماناً كان ذلك منهم، أو على حد ما يكون من المشركين إذا أصابهم الشدة. فتوقف في كونهم مؤمنين. وسئل قتادةُ عن أهل الجنَّة، أهم من أهل الجنَّة أم من أهل النَّارِ؟ . قال: لقد كلفتني تعباً. والأكثرون يقولون: إنهم تابوا وأخلصوا. حكاه القشيري. قوله: ﴿كَذَلِكَ العذاب﴾ . مبتدأ وخيره مقدم، أي: مثل ذلك العذاب عذاب الدنيا وأما عذاب الآخرة فأكبر منه ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابنُ زيدٍ: «كذَلكَ العَذابُ» أي: عذاب الدنيا وهلاك الأموال. وقيل: هذا وعظٌ لأهل مكة بالرجوعِ إلى اللَّه لما ابتلاهم بالجدب لدعاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أي: كفعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا في الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الآخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابنُ عباسٍ: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر، وحلفوا ليقتلنَّ محمداً، وأصحابه، وليرجعوا إلى أهل مكة، حتى يطوفوا بالبيت، ويشربوا الخمر، وتضرب القيانُ على رءوسهم، فأخلف الله ظنهم، وقتلوا وأسروا وانهزموا كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصرم، فخابوا. فصل في العبرة من هذه الآية بضرب المثل قال ابن الخطيب: قوله تعالى ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [القلم: 14 - 15] ، والمعنى: لأجل أن أعطاه الله المال والبنين كفر بالله، كلا، بل الله تعالى إنما أعطاه ذلك للابتلاء، فإذا صرفه إلى الكفر دمر الله عليه، بدليل أن أصحاب الجنة لما أتوا بهذه المعصيةِ اليسيرةِ دمر الله جنتهم، فكيف حال من عاند الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وأصرَّ على الكفر والمعصيةِ. فصل في بيان هل كان الحق واجباً عليهم أم لا؟ قيل: إن الحق الذي منعه أهل الجنَّة المساكين كان واجباً عليهم، ويحتمل أنه كان تطوعاً، والأول أظهر. وقيل: السورة مكية، فبعد حمل الآية على ما أصاب أهل مكة من القحطِ، وعلى قتال بدر.

القلم 68:30

قوله ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة﴾ . يريد أهل مكة، والابتلاء: الاختبار. والمعنى: أعطيناهم الأموال ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا وعادوا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ابتليناهم بالجوع والقحط كما بلونا أصحاب الجنَّة المعروف خبرها عندهم، وذلك أنها كانت بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من «صنعاء» ، ويقال: بفرسخين، كانت لرجل يؤدي حقَّ الله منهما، فلما مات صارت إلى ولده، فمعنوا الناس خيرها، وبخلوا بحق الله فيها؛ فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حل بها. قال الكلبيُّ: كان بينهم وبين «صنعاء» فرسخان ابتلاهم اللَّهُ بأن أحرق جنتهم. وقيل: جنة بصوران على فراسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بيسير. وقيل: كانوا من بني إسرائيل. وقيل: وكانوا من ثقيف، وكانوا بخلاء، وكانوا يجذون النخل ليلاً من أجل المساكين، فأرادوا حصاد زرعها، وقالوا: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ فغدوا عليها فإذا هي قد اقتلعت من أصلها ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ أي: الليل، ويقال أيضاً للنهار: صريم، فإن كان أراد الليل، فلاسوداد مواضعها وكأنهم وجدوا مواضعها حمأة، وإن كان أراد بالصريم النهار، فلذهاب الشجر والزَّرْع وخلو الأرض منه، وكان الطائف الذي طاف عليها جبريل - عليه السلام - فاقتلعها. فقيل: إنه طاف بها حول البيت ثم وضعها حيثُ مدينة الطائف اليوم، ولذلك سميت الطائف، وليس في أرض الحجازِ بلدة فيها الماء، والشجر [والزرع] والأعناب غيرها. وقال البكريُّ في المعجم: سميت الطائف، لأن رجلاً من العرب يقالُ له: الدَّمُون، بَنَى حائطاً، وقال: إني قد بنيت لكم حائطاً حول بلدكم، فسميت الطائف. والله أعلم. قوله «إذ أقْسَمُوا» ، أي: حلفوا فيما بينهم «ليَصْرِمُنَّهَا» أي: ليجذُّنها «مُصْبحِيْنَ» أي: وقت الصباح قبل أن يخرج المساكين «ولا يَسْتَثْنُونَ» ، أي: لم يقولوا: إن شاء الله. قوله: «مُصْبحِيْنَ» حال من فاعل «ليَصْرمُنَّها» وهو من «أصبح» التامة، أي داخلين في الصباح، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ [الصافات: 137] وقوله: إذا سمعت بِسُرَى القين فاعلم بأنه مصبح والكاف في «كما» في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف، أي: بلوناهم ابتلاء كما بلونا، و «ما» مصدرية، أو بمعنى «الذي» و «إذَا» منصوبة ب «بَلَوْنَا» و «ليَصْرمُنَّهَا» جواب للقسم، وجاء على خلاف منطوقهم، ولو جاء لقيل: «لنَصْرمُنَّهَا» بنون المتكلم. قوله: ﴿وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾ . هذه مستأنفة، ويضعف كونها حالاً من حيث إن المضارع المنفي ب «لا» كالمثبت في عدم دخول الواو عليه وإضمار مبتدأ قبله، كقولهم: «قمت وأصك عينه» مستغنى عنه. ومعنى: «لا يَسْتثْنُونَ» لا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم للمساكين، من الثني، وهو الكف والرد؛ لأنَّ الحالف إذا قال: واللَّهِ لأفعلن كذا إلا أن يشاء اللَّهُ غيره فقد رد انعقاد تلك اليمين. وقيل: المعنى: لا يستثنون عزمهم عن الحرماتِ. وقيل: لا يقولون، إن شاء الله. قال الزمخشريُّ: وسمي استثناء وهو شرط؛ لأن معنى: لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد. قوله ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ﴾ . أي هلاك، أو بلاء طائف، والطائف غلب في الشر. قال الفراء: هو الأمر الذي يأتي ليلاً. ورد عليه بقوله ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان﴾ [الأعراف: 201] وذلك لا يختص بليلٍ، ولا نهارٍ. وقرأ النخعيُّ: «طَيْفٌ» . قوله «مِن ربِّك» . يجوز أن يتعلق ب «طاف» وأن يتعلق بمحذوف صفة ل «طَائِفٌ» . قوله: ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ . والصرام: جذاذ النخلِ، وأصل المادة الدلالة على القطع، ومنه الصُّرم، والصَّرْم - بالضم والفتح - وهو القطيعة؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] 4821 - أفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هذا التَدلُّلِ ... وإنْ كنتِ قَدْ أزمَعْتِ صَرْمِي فأجْملِي ومنه الصريمة، وهي قطعة منصرمة عن الرمل لا تنبت شيئاً؛ قال: [البسيط] 4822 - وبالصَّريمَةِ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ خَلَقٌ ... عَافٍ تَغَيَّرَ، إلاَّ النُّؤيُ والوتِدُ والصارم: القاطع الماضي، وناقة مصرمة: انقطع لبنها، وانصرم الشهر والسنة، أي: قرب انفصالهما، وأصرم زيد: ساءت حاله، كأنه انقطع سعده. فقوله «كالصَّريمِ» . قيل: هي الأشجار المنْصَرِم حملها. وقال ابن عباس: كالليل؛ لأنه يقال له: الصريم، لسواده، والصريم أيضاً: النهار وقيل: الصُّبحُ؛ لأنه انصرم من الليلة، قاله الأخفش. فهو من الأضداد. وقال شمر: الصريم الليل، والصريم النهار. وقيل: الصريم: رملة معروفة باليمنِ لا تنبت شيئاً. وقال الثوريُّ: كالزرع المحصود، فالصريم بمعنى المصروم، أي: المقطوع ما فيه. وقال الحسنُ: صرم عنها الخير، أي: قطع، فالصريم مفعول أيضاً. وقال المؤرج: كالرملة انصرمت من معظم الرمل، يقال: صريمة وصرائم، فالرملة لا تنبت شيئاً ينتفع به. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، ولهذا يكون «فَعِيْل» ، بمعنى «فاعل» . قال القشيريُّ: وفي هذا نظر؛ لأن النهار يسمى صريماً، ولا يقطع عن التصرف. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يصر نور البصر ويقطعه. فصل في بيان أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. قال القرطبيُّ: في الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. لأنهم عزموا على أن يفعلوا، فعوقبوا على فعلهم؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25] . وفي الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إذَا التَقَى المُسلِمَانِ بِسيْفِهِمَا فالقَاتِلُ والمَقْتُولُ في النَّارِ، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنَّه كَانَ حريصاَ على قَتْلِ صاحِبهِ» وقد مضى في آل عمران عند قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ﴾ [آل عمران: 135] . قوله: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ﴾ . قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض: ﴿اغدوا على حَرْثِكُمْ﴾ يعني بالحرث الثِّمار والزروع والأعناب، ولذلك قال: «صَارمِيْنَ» ، لأنهم أرادوا قطع الثمار من الأشجار. «أن اغْدُوْا» يجوز أن تكون المصدرية، أي: تنادوا بهذا الكلام، وأن تكون المفسرة، لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول. قال الزمخشريُّ: «فإن قلت: هلاَّ قيل: اغدوا إلى حرثكم، وما معنى على؟ . قلت: لما كان الغدو إليه ليصرموه، ويقطعوه كان غدواً عليه كما تقول: غدا عليهم العدو ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال كقولهم: يغدى عليهم بالجفنة ويراح» انتهى. فجعل «غَدَا» متعدياً في الأصل ب «إلى» فاحتاج إلى تأويل تعديه ب «عَلَى» ، وفيه نظر؛ لورود تعديه ب «عَلَى» في غير موضع؛ كقوله: [الوافر] 4823 - وقَدْ أغْدُو على ثُبَةٍ كِرامٍ ... نَشَاوَى واجِدينَ لَمَا نَشَاءُ وإذا كانوا قد عدوا مرادفه ب «عَلَى» فليعدوه بها، ومرادفه «بكر» تقول: بكرتُ عليه و «غدوتُ عليه» بمعنى واحد؛ قال: [الطويل] 4824 - بَكَرْتُ عَليْهِ غُدْوةً فَرأيْتُهُ ... قُعُوداً إليْهِ بالصَّريمِ عَواذِلُه قوله ﴿إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾ . جوابه محذوف، أي فاغدوا و «صارمين» : قاطعين حادين. وقيل: ماضين العزم من قولك: سيف صارم. قوله ﴿فانطلقوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ . أي: يتشاورون فيما بينهم، والمعنى يخفون كلامهم، ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد، قاله عطاء وقتادة. وهو من خفت يخفت إذا سكت، ولم يبين. قال ابن الخطيب: «وخَفَى وخَفَت، كلاهما في معنى الكتم، ومنه الخمود والخفاء» . وقيل: يخفون أنفسهم من الناس، حتى لا يروهم، وكان أبوهم يخبر الفقراء والمساكين فيحضروا وقت الحصاد والصرام. وقوله: ﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ جملة حالية من فاعل «انْطَلقُوا» . قوله: ﴿أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ . «أنْ» مفسرة، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: يتخافتون بهذا الكلام، أي: يقوله بعضهم لبعض: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ . قال ابن الخطيب: والنهي للمسكين عن الدخول نهيٌ لهم عن تمكينه منه، أي: لا تمكنوه من الدخول. وقرأ عبد الله وابن أبي عبلة: «لا يدْخُلنَّهَا» بإسقاط «أنْ» إما على إضمار القولِ كمذهب البصريين، وإما على إجراء «يَتَخافتُونَ» مجراه كقول الكوفيين. قوله: ﴿وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ . يجوز أن يكون «قَادِريْنَ» حالاً من فاعل «غَدَوْا» و «عَلى حَرْدٍ» متعلق به وأن يكون «على حَردٍ» هو الحال و «قَادِريْنَ» إما حال ثانية، وإما حال من ضمير الحالِ الأول. والحرد: قيل: الغضب والحنق. قاله السديُّ وسفيان. وأنشد للأشهب بن رميلة: [الطويل] 4825 - أسُودُ شَرًى لاقَتْ أسُودَ خَفيَّةٍ ... تَساقَوْا على حَرْدٍ دِماءَ الأسَاوِدِ قيل: ومثله: [الرجز] 4826 - إذَا جِيادُ الخَيْلِ جَاءتْ تَرْدِي ... مَملُوءةً مِنْ غضَبٍ وحَرْدِ عطف لما تغاير اللفظان؛ كقوله: [الوافر] 4827 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... وألْفَى قوْلهَا كذِباً ومَيْنَا قال أبو عبيدة والقتيبي: «عَلى حَرْدٍ» على منع من حاردت الناقة حراداً، أي: قل لبنها. والحرود من النوق القليلة الدر، وحاردت السَّنةُ: قل مطرها، وخيرها. ويقال: حرد - بالكسر - يحرد حرداً، وقد تفتح فيقال: حَرَدَ فهو حردان وحارد، وليوث حوارد. وقيل: الحرد، والحرود: الانفراد، يقال: حَرَدَ - بالفتح - يَحْرُدُ - بالضم - حروداً وحرداً، أي: انعزل. ومنه كوكب حارد، أي: منفرد. قال الأصمعي: هي لغة هذيل. وقال القرطبيُّ: يقال: حرد يحرد حروداً، أي: تنحى عن قومه، ولم يخالطهم. وقال أبو زيدٍ: رجل حريد من قوم حرداء، وقد حَرَدَ يَحْرِدُ حُرُوداً إذا ترك قومه، وتحول عنهم. قال الأصمعي: رجل حريد، أي: فريد وحيد، قال: والمنفرد والمنحرد في لغة هذيل وأنشد لأبي ذؤيب: [البسيط] 4828 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... كأنَّهُ كَوكَبٌ في الجَوِّ مُنْحِرِدُ ورواه أبو عمرو: بالجيم، قال: وهو سهيل. وقيل: الحردُ القصد، يقال: حَرَد يحْرِدُ - بالكسر - حرداً، قصداً، تقول: حردت حردك، أي: قصدت قصدك؛ قال الراجز: [الرجز] 4829 - أقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ وقال قتادة ومجاهدٌ: «عَلى حَرْدٍ» ، أي: على جد وجهد. وقال القرطبيُّ ومجاهد وعكرمة: أي: على أمر مجتمع قد أسموه بينهم. قال البغويُّ: «وهذا معنى القصدِ» . وقال الحسنُ: على حاجةٍ وفاقةٍ. وقيل: الحرد اسم جنتهم بعينها، قاله السديُّ. وقال الأزهريُّ: حرد اسم قريتهم. وفيهما بعد. و «قَادِريْنَ» إما من القدرة وهو الظاهرُ، وإما من التقدير، وهو التضييق، أي: مضيقين على المساكين. وقرأ العامة: بالإسكان. وقرأ أبو العالية وابن السميفع: بالفتح، وهما لغتان. فصل في تفسير «قادرين» قال الفرَّاء: ومعنى «قادرين» قد قدروا أمرم، وبنوا عليه. وقال قتادة: قادرين على جنتهم عند أنفسهم. وقال الشعبيُّ: قادرين على المساكين. وقيل: معناه من الوجود، أي: منعوا وهم واجدون. ومعنى الآيةِ: وغدوا، وكانوا عند أنفسهم، وفي ظنهم أنهم قادرون على منع المساكينَ. قوله ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾ . يعني الجنة محترقة، لا شيء فيها قد صارت كالليل الأسود ينظرون إليها كالرماد أنكروها، وشكوا فيها، وقال بعضهم لبعض: «إنَّا لضالُّونَ» أي: ضللنا الطريق إلى جنتنا، ثم لما تأملوا وعرفوا أنها هي، قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حرمنا خيرها بشؤم عزمنا على البخل ومنعنا الفقراء، قاله قتادة. وقيل: «إنَّا لضالُّون» عن الصَّواب في غدونا على نية منع المساكين، فلذلك عوقبنا ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: حرمنا جنتنا بما صنعنا. روى ابن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» إيَّاكم والمَعاصِي إنَّ العَبْدَ ليذْنبُ الذَّنْبَ فيُحرَمُ بِهِ رِزْقاً كان هُيِّىء له «ثم تلا: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ » الآيتين. قوله: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ ، يعني أعدلهم، وأفضلهم وأعقلهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ: لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ أي: هلا تستثنون، وكان استثناؤهم تسبيحاً. قاله مجاهدٌ وغيره، وهذا يدل على أن هذا الأوسط كان يأمرهم بالاستثناء، فلم يطيعوه. قال أبو صالحٍ: كان استثناؤهم سبحان الله، فقال لهم: «هَلاَّ تسبِّحُونَ اللَّهَ» ، أي تقولون: سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم. وقال النحاس: أصل التسبيحِ التنزيه لله - عَزَّ وَجَلَّ -، فجعل مجاهد التسبيح في موضع إن شاء اللَّهُ؛ لأن المعنى تنزيه الله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وقال ابن الخطيب: التسبيحُ عبارة عن تنزيهه عن كل سوء فلو دخل شيء في الوجود على خلاف إرادة الله تعالى، لوجب عود النقص إلى قدرة الله تعالى، فقولك: «إن شاء الله» مزيل هذا النقص، فكان ذلك تسبيحاً. وقيل: المعنى: هلاَّ تَسْتغفرونهُ من فِعْلكُم، وتتوبون إليه من خبث نيتكم. قيل: إنَّ القوم لمَّا عزموا على منع الزكاةِ واغتروا بالمال والقوة، قال لهم أوسطهم: توبوا عن هذه المعصية قبل نزول العذابِ، فلما رأوا العذاب ذكرهم أوسطهم كلامهُ الأول، وقال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ فحينئذ اشتغلوا بالتوبة وقالوا: ﴿ِسُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ قال ابن عباس في قولهم سبحان ربنا أي نستغفر ربنا من ذنوبنا لأنا كنا ظالمين لأنفسنا في منعنا المساكين. وقال الحسنُ: هذا التسبيحُ هُو الصَّلاةُ كأنهم كانوا يتكاسلون في الصلاة، وإلا لكانت ناهية لهم [عن الفحشاء والمنكر، ولكانت داعية لهم] إلى أن يواظبوا على ذكر الله، وعلى قول إن شاء الله. قوله ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾ . أي: يلوم بعضهم بعضاً، يقول هذا لهذا: أنت أشرت علينا بهذا الرأي، ويقول ذلك لهذا: أنت خوفتنا بالفقر، ويقول الثالث لغيره: أنت رغبتني في جمع المال، ثم نادوا على أنفسهم بالوَيْلِ فقالوا: ﴿ياويلنا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ أي: عاصين بمنع حق الفقراءِ، وترك الاستثناء. وقال ابنُ كيسان: طغينا نعم اللَّهِ، فلم نشكرهَا كما شكرها آباؤنا من قبل ﴿عسى رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ تعاقدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيراً منها لنصنعنّ كما صنع آباؤنا فدعوا الله وتضرعوا فأبدلهم الله من ليلتهم ما هو خير منها. قرىء: «يبدلنا» بالتخفيف والتشديد، وهما لغتانِ. وقيل: التبديلُ تغير الشيء، أو تغير حاله وعين الشيء قائم، والإبدال رفع الشيء ووضع آخر مكانه، ثم قال: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ أي: طالبون منه الخير راجعون لعفوه. قال المفسرون: إن الله أمر جبريل عليه السلام أن يقتلع تلك الجنة، بزغر من أرض الشام، ويأخذ من أرض الشام جنة، فيجعلها مكانها. وقال ابن مسعود: إن القوم لما أخلصوا وعرف الله منهم صدقهم أبدلهم اللَّهُ جنة يقال لها: الخيوان فيها عنب يحمل البغل منها عنقوداً واحداً. وقال أبو خالد اليماني: دخلت تلك الجنة، فرأيت كُلَّ عنقودٍ منها كالرَّجلِ الأسودِ القائمِ. وقال الحسنُ: قول أهل الجنة: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ لا أدري إيماناً كان ذلك منهم، أو على حد ما يكون من المشركين إذا أصابهم الشدة. فتوقف في كونهم مؤمنين. وسئل قتادةُ عن أهل الجنَّة، أهم من أهل الجنَّة أم من أهل النَّارِ؟ . قال: لقد كلفتني تعباً. والأكثرون يقولون: إنهم تابوا وأخلصوا. حكاه القشيري. قوله: ﴿كَذَلِكَ العذاب﴾ . مبتدأ وخيره مقدم، أي: مثل ذلك العذاب عذاب الدنيا وأما عذاب الآخرة فأكبر منه ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابنُ زيدٍ: «كذَلكَ العَذابُ» أي: عذاب الدنيا وهلاك الأموال. وقيل: هذا وعظٌ لأهل مكة بالرجوعِ إلى اللَّه لما ابتلاهم بالجدب لدعاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أي: كفعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا في الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الآخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابنُ عباسٍ: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر، وحلفوا ليقتلنَّ محمداً، وأصحابه، وليرجعوا إلى أهل مكة، حتى يطوفوا بالبيت، ويشربوا الخمر، وتضرب القيانُ على رءوسهم، فأخلف الله ظنهم، وقتلوا وأسروا وانهزموا كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصرم، فخابوا. فصل في العبرة من هذه الآية بضرب المثل قال ابن الخطيب: قوله تعالى ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [القلم: 14 - 15] ، والمعنى: لأجل أن أعطاه الله المال والبنين كفر بالله، كلا، بل الله تعالى إنما أعطاه ذلك للابتلاء، فإذا صرفه إلى الكفر دمر الله عليه، بدليل أن أصحاب الجنة لما أتوا بهذه المعصيةِ اليسيرةِ دمر الله جنتهم، فكيف حال من عاند الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وأصرَّ على الكفر والمعصيةِ. فصل في بيان هل كان الحق واجباً عليهم أم لا؟ قيل: إن الحق الذي منعه أهل الجنَّة المساكين كان واجباً عليهم، ويحتمل أنه كان تطوعاً، والأول أظهر. وقيل: السورة مكية، فبعد حمل الآية على ما أصاب أهل مكة من القحطِ، وعلى قتال بدر.

القلم 68:31

قوله ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة﴾ . يريد أهل مكة، والابتلاء: الاختبار. والمعنى: أعطيناهم الأموال ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا وعادوا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ابتليناهم بالجوع والقحط كما بلونا أصحاب الجنَّة المعروف خبرها عندهم، وذلك أنها كانت بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من «صنعاء» ، ويقال: بفرسخين، كانت لرجل يؤدي حقَّ الله منهما، فلما مات صارت إلى ولده، فمعنوا الناس خيرها، وبخلوا بحق الله فيها؛ فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حل بها. قال الكلبيُّ: كان بينهم وبين «صنعاء» فرسخان ابتلاهم اللَّهُ بأن أحرق جنتهم. وقيل: جنة بصوران على فراسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بيسير. وقيل: كانوا من بني إسرائيل. وقيل: وكانوا من ثقيف، وكانوا بخلاء، وكانوا يجذون النخل ليلاً من أجل المساكين، فأرادوا حصاد زرعها، وقالوا: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ فغدوا عليها فإذا هي قد اقتلعت من أصلها ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ أي: الليل، ويقال أيضاً للنهار: صريم، فإن كان أراد الليل، فلاسوداد مواضعها وكأنهم وجدوا مواضعها حمأة، وإن كان أراد بالصريم النهار، فلذهاب الشجر والزَّرْع وخلو الأرض منه، وكان الطائف الذي طاف عليها جبريل - عليه السلام - فاقتلعها. فقيل: إنه طاف بها حول البيت ثم وضعها حيثُ مدينة الطائف اليوم، ولذلك سميت الطائف، وليس في أرض الحجازِ بلدة فيها الماء، والشجر [والزرع] والأعناب غيرها. وقال البكريُّ في المعجم: سميت الطائف، لأن رجلاً من العرب يقالُ له: الدَّمُون، بَنَى حائطاً، وقال: إني قد بنيت لكم حائطاً حول بلدكم، فسميت الطائف. والله أعلم. قوله «إذ أقْسَمُوا» ، أي: حلفوا فيما بينهم «ليَصْرِمُنَّهَا» أي: ليجذُّنها «مُصْبحِيْنَ» أي: وقت الصباح قبل أن يخرج المساكين «ولا يَسْتَثْنُونَ» ، أي: لم يقولوا: إن شاء الله. قوله: «مُصْبحِيْنَ» حال من فاعل «ليَصْرمُنَّها» وهو من «أصبح» التامة، أي داخلين في الصباح، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ [الصافات: 137] وقوله: إذا سمعت بِسُرَى القين فاعلم بأنه مصبح والكاف في «كما» في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف، أي: بلوناهم ابتلاء كما بلونا، و «ما» مصدرية، أو بمعنى «الذي» و «إذَا» منصوبة ب «بَلَوْنَا» و «ليَصْرمُنَّهَا» جواب للقسم، وجاء على خلاف منطوقهم، ولو جاء لقيل: «لنَصْرمُنَّهَا» بنون المتكلم. قوله: ﴿وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾ . هذه مستأنفة، ويضعف كونها حالاً من حيث إن المضارع المنفي ب «لا» كالمثبت في عدم دخول الواو عليه وإضمار مبتدأ قبله، كقولهم: «قمت وأصك عينه» مستغنى عنه. ومعنى: «لا يَسْتثْنُونَ» لا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم للمساكين، من الثني، وهو الكف والرد؛ لأنَّ الحالف إذا قال: واللَّهِ لأفعلن كذا إلا أن يشاء اللَّهُ غيره فقد رد انعقاد تلك اليمين. وقيل: المعنى: لا يستثنون عزمهم عن الحرماتِ. وقيل: لا يقولون، إن شاء الله. قال الزمخشريُّ: وسمي استثناء وهو شرط؛ لأن معنى: لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد. قوله ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ﴾ . أي هلاك، أو بلاء طائف، والطائف غلب في الشر. قال الفراء: هو الأمر الذي يأتي ليلاً. ورد عليه بقوله ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان﴾ [الأعراف: 201] وذلك لا يختص بليلٍ، ولا نهارٍ. وقرأ النخعيُّ: «طَيْفٌ» . قوله «مِن ربِّك» . يجوز أن يتعلق ب «طاف» وأن يتعلق بمحذوف صفة ل «طَائِفٌ» . قوله: ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ . والصرام: جذاذ النخلِ، وأصل المادة الدلالة على القطع، ومنه الصُّرم، والصَّرْم - بالضم والفتح - وهو القطيعة؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] 4821 - أفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هذا التَدلُّلِ ... وإنْ كنتِ قَدْ أزمَعْتِ صَرْمِي فأجْملِي ومنه الصريمة، وهي قطعة منصرمة عن الرمل لا تنبت شيئاً؛ قال: [البسيط] 4822 - وبالصَّريمَةِ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ خَلَقٌ ... عَافٍ تَغَيَّرَ، إلاَّ النُّؤيُ والوتِدُ والصارم: القاطع الماضي، وناقة مصرمة: انقطع لبنها، وانصرم الشهر والسنة، أي: قرب انفصالهما، وأصرم زيد: ساءت حاله، كأنه انقطع سعده. فقوله «كالصَّريمِ» . قيل: هي الأشجار المنْصَرِم حملها. وقال ابن عباس: كالليل؛ لأنه يقال له: الصريم، لسواده، والصريم أيضاً: النهار وقيل: الصُّبحُ؛ لأنه انصرم من الليلة، قاله الأخفش. فهو من الأضداد. وقال شمر: الصريم الليل، والصريم النهار. وقيل: الصريم: رملة معروفة باليمنِ لا تنبت شيئاً. وقال الثوريُّ: كالزرع المحصود، فالصريم بمعنى المصروم، أي: المقطوع ما فيه. وقال الحسنُ: صرم عنها الخير، أي: قطع، فالصريم مفعول أيضاً. وقال المؤرج: كالرملة انصرمت من معظم الرمل، يقال: صريمة وصرائم، فالرملة لا تنبت شيئاً ينتفع به. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، ولهذا يكون «فَعِيْل» ، بمعنى «فاعل» . قال القشيريُّ: وفي هذا نظر؛ لأن النهار يسمى صريماً، ولا يقطع عن التصرف. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يصر نور البصر ويقطعه. فصل في بيان أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. قال القرطبيُّ: في الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. لأنهم عزموا على أن يفعلوا، فعوقبوا على فعلهم؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25] . وفي الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إذَا التَقَى المُسلِمَانِ بِسيْفِهِمَا فالقَاتِلُ والمَقْتُولُ في النَّارِ، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنَّه كَانَ حريصاَ على قَتْلِ صاحِبهِ» وقد مضى في آل عمران عند قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ﴾ [آل عمران: 135] . قوله: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ﴾ . قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض: ﴿اغدوا على حَرْثِكُمْ﴾ يعني بالحرث الثِّمار والزروع والأعناب، ولذلك قال: «صَارمِيْنَ» ، لأنهم أرادوا قطع الثمار من الأشجار. «أن اغْدُوْا» يجوز أن تكون المصدرية، أي: تنادوا بهذا الكلام، وأن تكون المفسرة، لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول. قال الزمخشريُّ: «فإن قلت: هلاَّ قيل: اغدوا إلى حرثكم، وما معنى على؟ . قلت: لما كان الغدو إليه ليصرموه، ويقطعوه كان غدواً عليه كما تقول: غدا عليهم العدو ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال كقولهم: يغدى عليهم بالجفنة ويراح» انتهى. فجعل «غَدَا» متعدياً في الأصل ب «إلى» فاحتاج إلى تأويل تعديه ب «عَلَى» ، وفيه نظر؛ لورود تعديه ب «عَلَى» في غير موضع؛ كقوله: [الوافر] 4823 - وقَدْ أغْدُو على ثُبَةٍ كِرامٍ ... نَشَاوَى واجِدينَ لَمَا نَشَاءُ وإذا كانوا قد عدوا مرادفه ب «عَلَى» فليعدوه بها، ومرادفه «بكر» تقول: بكرتُ عليه و «غدوتُ عليه» بمعنى واحد؛ قال: [الطويل] 4824 - بَكَرْتُ عَليْهِ غُدْوةً فَرأيْتُهُ ... قُعُوداً إليْهِ بالصَّريمِ عَواذِلُه قوله ﴿إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾ . جوابه محذوف، أي فاغدوا و «صارمين» : قاطعين حادين. وقيل: ماضين العزم من قولك: سيف صارم. قوله ﴿فانطلقوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ . أي: يتشاورون فيما بينهم، والمعنى يخفون كلامهم، ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد، قاله عطاء وقتادة. وهو من خفت يخفت إذا سكت، ولم يبين. قال ابن الخطيب: «وخَفَى وخَفَت، كلاهما في معنى الكتم، ومنه الخمود والخفاء» . وقيل: يخفون أنفسهم من الناس، حتى لا يروهم، وكان أبوهم يخبر الفقراء والمساكين فيحضروا وقت الحصاد والصرام. وقوله: ﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ جملة حالية من فاعل «انْطَلقُوا» . قوله: ﴿أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ . «أنْ» مفسرة، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: يتخافتون بهذا الكلام، أي: يقوله بعضهم لبعض: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ . قال ابن الخطيب: والنهي للمسكين عن الدخول نهيٌ لهم عن تمكينه منه، أي: لا تمكنوه من الدخول. وقرأ عبد الله وابن أبي عبلة: «لا يدْخُلنَّهَا» بإسقاط «أنْ» إما على إضمار القولِ كمذهب البصريين، وإما على إجراء «يَتَخافتُونَ» مجراه كقول الكوفيين. قوله: ﴿وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ . يجوز أن يكون «قَادِريْنَ» حالاً من فاعل «غَدَوْا» و «عَلى حَرْدٍ» متعلق به وأن يكون «على حَردٍ» هو الحال و «قَادِريْنَ» إما حال ثانية، وإما حال من ضمير الحالِ الأول. والحرد: قيل: الغضب والحنق. قاله السديُّ وسفيان. وأنشد للأشهب بن رميلة: [الطويل] 4825 - أسُودُ شَرًى لاقَتْ أسُودَ خَفيَّةٍ ... تَساقَوْا على حَرْدٍ دِماءَ الأسَاوِدِ قيل: ومثله: [الرجز] 4826 - إذَا جِيادُ الخَيْلِ جَاءتْ تَرْدِي ... مَملُوءةً مِنْ غضَبٍ وحَرْدِ عطف لما تغاير اللفظان؛ كقوله: [الوافر] 4827 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... وألْفَى قوْلهَا كذِباً ومَيْنَا قال أبو عبيدة والقتيبي: «عَلى حَرْدٍ» على منع من حاردت الناقة حراداً، أي: قل لبنها. والحرود من النوق القليلة الدر، وحاردت السَّنةُ: قل مطرها، وخيرها. ويقال: حرد - بالكسر - يحرد حرداً، وقد تفتح فيقال: حَرَدَ فهو حردان وحارد، وليوث حوارد. وقيل: الحرد، والحرود: الانفراد، يقال: حَرَدَ - بالفتح - يَحْرُدُ - بالضم - حروداً وحرداً، أي: انعزل. ومنه كوكب حارد، أي: منفرد. قال الأصمعي: هي لغة هذيل. وقال القرطبيُّ: يقال: حرد يحرد حروداً، أي: تنحى عن قومه، ولم يخالطهم. وقال أبو زيدٍ: رجل حريد من قوم حرداء، وقد حَرَدَ يَحْرِدُ حُرُوداً إذا ترك قومه، وتحول عنهم. قال الأصمعي: رجل حريد، أي: فريد وحيد، قال: والمنفرد والمنحرد في لغة هذيل وأنشد لأبي ذؤيب: [البسيط] 4828 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... كأنَّهُ كَوكَبٌ في الجَوِّ مُنْحِرِدُ ورواه أبو عمرو: بالجيم، قال: وهو سهيل. وقيل: الحردُ القصد، يقال: حَرَد يحْرِدُ - بالكسر - حرداً، قصداً، تقول: حردت حردك، أي: قصدت قصدك؛ قال الراجز: [الرجز] 4829 - أقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ وقال قتادة ومجاهدٌ: «عَلى حَرْدٍ» ، أي: على جد وجهد. وقال القرطبيُّ ومجاهد وعكرمة: أي: على أمر مجتمع قد أسموه بينهم. قال البغويُّ: «وهذا معنى القصدِ» . وقال الحسنُ: على حاجةٍ وفاقةٍ. وقيل: الحرد اسم جنتهم بعينها، قاله السديُّ. وقال الأزهريُّ: حرد اسم قريتهم. وفيهما بعد. و «قَادِريْنَ» إما من القدرة وهو الظاهرُ، وإما من التقدير، وهو التضييق، أي: مضيقين على المساكين. وقرأ العامة: بالإسكان. وقرأ أبو العالية وابن السميفع: بالفتح، وهما لغتان. فصل في تفسير «قادرين» قال الفرَّاء: ومعنى «قادرين» قد قدروا أمرم، وبنوا عليه. وقال قتادة: قادرين على جنتهم عند أنفسهم. وقال الشعبيُّ: قادرين على المساكين. وقيل: معناه من الوجود، أي: منعوا وهم واجدون. ومعنى الآيةِ: وغدوا، وكانوا عند أنفسهم، وفي ظنهم أنهم قادرون على منع المساكينَ. قوله ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾ . يعني الجنة محترقة، لا شيء فيها قد صارت كالليل الأسود ينظرون إليها كالرماد أنكروها، وشكوا فيها، وقال بعضهم لبعض: «إنَّا لضالُّونَ» أي: ضللنا الطريق إلى جنتنا، ثم لما تأملوا وعرفوا أنها هي، قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حرمنا خيرها بشؤم عزمنا على البخل ومنعنا الفقراء، قاله قتادة. وقيل: «إنَّا لضالُّون» عن الصَّواب في غدونا على نية منع المساكين، فلذلك عوقبنا ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: حرمنا جنتنا بما صنعنا. روى ابن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» إيَّاكم والمَعاصِي إنَّ العَبْدَ ليذْنبُ الذَّنْبَ فيُحرَمُ بِهِ رِزْقاً كان هُيِّىء له «ثم تلا: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ » الآيتين. قوله: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ ، يعني أعدلهم، وأفضلهم وأعقلهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ: لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ أي: هلا تستثنون، وكان استثناؤهم تسبيحاً. قاله مجاهدٌ وغيره، وهذا يدل على أن هذا الأوسط كان يأمرهم بالاستثناء، فلم يطيعوه. قال أبو صالحٍ: كان استثناؤهم سبحان الله، فقال لهم: «هَلاَّ تسبِّحُونَ اللَّهَ» ، أي تقولون: سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم. وقال النحاس: أصل التسبيحِ التنزيه لله - عَزَّ وَجَلَّ -، فجعل مجاهد التسبيح في موضع إن شاء اللَّهُ؛ لأن المعنى تنزيه الله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وقال ابن الخطيب: التسبيحُ عبارة عن تنزيهه عن كل سوء فلو دخل شيء في الوجود على خلاف إرادة الله تعالى، لوجب عود النقص إلى قدرة الله تعالى، فقولك: «إن شاء الله» مزيل هذا النقص، فكان ذلك تسبيحاً. وقيل: المعنى: هلاَّ تَسْتغفرونهُ من فِعْلكُم، وتتوبون إليه من خبث نيتكم. قيل: إنَّ القوم لمَّا عزموا على منع الزكاةِ واغتروا بالمال والقوة، قال لهم أوسطهم: توبوا عن هذه المعصية قبل نزول العذابِ، فلما رأوا العذاب ذكرهم أوسطهم كلامهُ الأول، وقال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ فحينئذ اشتغلوا بالتوبة وقالوا: ﴿ِسُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ قال ابن عباس في قولهم سبحان ربنا أي نستغفر ربنا من ذنوبنا لأنا كنا ظالمين لأنفسنا في منعنا المساكين. وقال الحسنُ: هذا التسبيحُ هُو الصَّلاةُ كأنهم كانوا يتكاسلون في الصلاة، وإلا لكانت ناهية لهم [عن الفحشاء والمنكر، ولكانت داعية لهم] إلى أن يواظبوا على ذكر الله، وعلى قول إن شاء الله. قوله ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾ . أي: يلوم بعضهم بعضاً، يقول هذا لهذا: أنت أشرت علينا بهذا الرأي، ويقول ذلك لهذا: أنت خوفتنا بالفقر، ويقول الثالث لغيره: أنت رغبتني في جمع المال، ثم نادوا على أنفسهم بالوَيْلِ فقالوا: ﴿ياويلنا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ أي: عاصين بمنع حق الفقراءِ، وترك الاستثناء. وقال ابنُ كيسان: طغينا نعم اللَّهِ، فلم نشكرهَا كما شكرها آباؤنا من قبل ﴿عسى رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ تعاقدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيراً منها لنصنعنّ كما صنع آباؤنا فدعوا الله وتضرعوا فأبدلهم الله من ليلتهم ما هو خير منها. قرىء: «يبدلنا» بالتخفيف والتشديد، وهما لغتانِ. وقيل: التبديلُ تغير الشيء، أو تغير حاله وعين الشيء قائم، والإبدال رفع الشيء ووضع آخر مكانه، ثم قال: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ أي: طالبون منه الخير راجعون لعفوه. قال المفسرون: إن الله أمر جبريل عليه السلام أن يقتلع تلك الجنة، بزغر من أرض الشام، ويأخذ من أرض الشام جنة، فيجعلها مكانها. وقال ابن مسعود: إن القوم لما أخلصوا وعرف الله منهم صدقهم أبدلهم اللَّهُ جنة يقال لها: الخيوان فيها عنب يحمل البغل منها عنقوداً واحداً. وقال أبو خالد اليماني: دخلت تلك الجنة، فرأيت كُلَّ عنقودٍ منها كالرَّجلِ الأسودِ القائمِ. وقال الحسنُ: قول أهل الجنة: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ لا أدري إيماناً كان ذلك منهم، أو على حد ما يكون من المشركين إذا أصابهم الشدة. فتوقف في كونهم مؤمنين. وسئل قتادةُ عن أهل الجنَّة، أهم من أهل الجنَّة أم من أهل النَّارِ؟ . قال: لقد كلفتني تعباً. والأكثرون يقولون: إنهم تابوا وأخلصوا. حكاه القشيري. قوله: ﴿كَذَلِكَ العذاب﴾ . مبتدأ وخيره مقدم، أي: مثل ذلك العذاب عذاب الدنيا وأما عذاب الآخرة فأكبر منه ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابنُ زيدٍ: «كذَلكَ العَذابُ» أي: عذاب الدنيا وهلاك الأموال. وقيل: هذا وعظٌ لأهل مكة بالرجوعِ إلى اللَّه لما ابتلاهم بالجدب لدعاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أي: كفعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا في الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الآخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابنُ عباسٍ: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر، وحلفوا ليقتلنَّ محمداً، وأصحابه، وليرجعوا إلى أهل مكة، حتى يطوفوا بالبيت، ويشربوا الخمر، وتضرب القيانُ على رءوسهم، فأخلف الله ظنهم، وقتلوا وأسروا وانهزموا كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصرم، فخابوا. فصل في العبرة من هذه الآية بضرب المثل قال ابن الخطيب: قوله تعالى ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [القلم: 14 - 15] ، والمعنى: لأجل أن أعطاه الله المال والبنين كفر بالله، كلا، بل الله تعالى إنما أعطاه ذلك للابتلاء، فإذا صرفه إلى الكفر دمر الله عليه، بدليل أن أصحاب الجنة لما أتوا بهذه المعصيةِ اليسيرةِ دمر الله جنتهم، فكيف حال من عاند الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وأصرَّ على الكفر والمعصيةِ. فصل في بيان هل كان الحق واجباً عليهم أم لا؟ قيل: إن الحق الذي منعه أهل الجنَّة المساكين كان واجباً عليهم، ويحتمل أنه كان تطوعاً، والأول أظهر. وقيل: السورة مكية، فبعد حمل الآية على ما أصاب أهل مكة من القحطِ، وعلى قتال بدر.

القلم 68:32

قوله ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة﴾ . يريد أهل مكة، والابتلاء: الاختبار. والمعنى: أعطيناهم الأموال ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا وعادوا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ابتليناهم بالجوع والقحط كما بلونا أصحاب الجنَّة المعروف خبرها عندهم، وذلك أنها كانت بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من «صنعاء» ، ويقال: بفرسخين، كانت لرجل يؤدي حقَّ الله منهما، فلما مات صارت إلى ولده، فمعنوا الناس خيرها، وبخلوا بحق الله فيها؛ فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حل بها. قال الكلبيُّ: كان بينهم وبين «صنعاء» فرسخان ابتلاهم اللَّهُ بأن أحرق جنتهم. وقيل: جنة بصوران على فراسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بيسير. وقيل: كانوا من بني إسرائيل. وقيل: وكانوا من ثقيف، وكانوا بخلاء، وكانوا يجذون النخل ليلاً من أجل المساكين، فأرادوا حصاد زرعها، وقالوا: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ فغدوا عليها فإذا هي قد اقتلعت من أصلها ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ أي: الليل، ويقال أيضاً للنهار: صريم، فإن كان أراد الليل، فلاسوداد مواضعها وكأنهم وجدوا مواضعها حمأة، وإن كان أراد بالصريم النهار، فلذهاب الشجر والزَّرْع وخلو الأرض منه، وكان الطائف الذي طاف عليها جبريل - عليه السلام - فاقتلعها. فقيل: إنه طاف بها حول البيت ثم وضعها حيثُ مدينة الطائف اليوم، ولذلك سميت الطائف، وليس في أرض الحجازِ بلدة فيها الماء، والشجر [والزرع] والأعناب غيرها. وقال البكريُّ في المعجم: سميت الطائف، لأن رجلاً من العرب يقالُ له: الدَّمُون، بَنَى حائطاً، وقال: إني قد بنيت لكم حائطاً حول بلدكم، فسميت الطائف. والله أعلم. قوله «إذ أقْسَمُوا» ، أي: حلفوا فيما بينهم «ليَصْرِمُنَّهَا» أي: ليجذُّنها «مُصْبحِيْنَ» أي: وقت الصباح قبل أن يخرج المساكين «ولا يَسْتَثْنُونَ» ، أي: لم يقولوا: إن شاء الله. قوله: «مُصْبحِيْنَ» حال من فاعل «ليَصْرمُنَّها» وهو من «أصبح» التامة، أي داخلين في الصباح، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ [الصافات: 137] وقوله: إذا سمعت بِسُرَى القين فاعلم بأنه مصبح والكاف في «كما» في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف، أي: بلوناهم ابتلاء كما بلونا، و «ما» مصدرية، أو بمعنى «الذي» و «إذَا» منصوبة ب «بَلَوْنَا» و «ليَصْرمُنَّهَا» جواب للقسم، وجاء على خلاف منطوقهم، ولو جاء لقيل: «لنَصْرمُنَّهَا» بنون المتكلم. قوله: ﴿وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾ . هذه مستأنفة، ويضعف كونها حالاً من حيث إن المضارع المنفي ب «لا» كالمثبت في عدم دخول الواو عليه وإضمار مبتدأ قبله، كقولهم: «قمت وأصك عينه» مستغنى عنه. ومعنى: «لا يَسْتثْنُونَ» لا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم للمساكين، من الثني، وهو الكف والرد؛ لأنَّ الحالف إذا قال: واللَّهِ لأفعلن كذا إلا أن يشاء اللَّهُ غيره فقد رد انعقاد تلك اليمين. وقيل: المعنى: لا يستثنون عزمهم عن الحرماتِ. وقيل: لا يقولون، إن شاء الله. قال الزمخشريُّ: وسمي استثناء وهو شرط؛ لأن معنى: لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد. قوله ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ﴾ . أي هلاك، أو بلاء طائف، والطائف غلب في الشر. قال الفراء: هو الأمر الذي يأتي ليلاً. ورد عليه بقوله ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان﴾ [الأعراف: 201] وذلك لا يختص بليلٍ، ولا نهارٍ. وقرأ النخعيُّ: «طَيْفٌ» . قوله «مِن ربِّك» . يجوز أن يتعلق ب «طاف» وأن يتعلق بمحذوف صفة ل «طَائِفٌ» . قوله: ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ . والصرام: جذاذ النخلِ، وأصل المادة الدلالة على القطع، ومنه الصُّرم، والصَّرْم - بالضم والفتح - وهو القطيعة؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] 4821 - أفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هذا التَدلُّلِ ... وإنْ كنتِ قَدْ أزمَعْتِ صَرْمِي فأجْملِي ومنه الصريمة، وهي قطعة منصرمة عن الرمل لا تنبت شيئاً؛ قال: [البسيط] 4822 - وبالصَّريمَةِ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ خَلَقٌ ... عَافٍ تَغَيَّرَ، إلاَّ النُّؤيُ والوتِدُ والصارم: القاطع الماضي، وناقة مصرمة: انقطع لبنها، وانصرم الشهر والسنة، أي: قرب انفصالهما، وأصرم زيد: ساءت حاله، كأنه انقطع سعده. فقوله «كالصَّريمِ» . قيل: هي الأشجار المنْصَرِم حملها. وقال ابن عباس: كالليل؛ لأنه يقال له: الصريم، لسواده، والصريم أيضاً: النهار وقيل: الصُّبحُ؛ لأنه انصرم من الليلة، قاله الأخفش. فهو من الأضداد. وقال شمر: الصريم الليل، والصريم النهار. وقيل: الصريم: رملة معروفة باليمنِ لا تنبت شيئاً. وقال الثوريُّ: كالزرع المحصود، فالصريم بمعنى المصروم، أي: المقطوع ما فيه. وقال الحسنُ: صرم عنها الخير، أي: قطع، فالصريم مفعول أيضاً. وقال المؤرج: كالرملة انصرمت من معظم الرمل، يقال: صريمة وصرائم، فالرملة لا تنبت شيئاً ينتفع به. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، ولهذا يكون «فَعِيْل» ، بمعنى «فاعل» . قال القشيريُّ: وفي هذا نظر؛ لأن النهار يسمى صريماً، ولا يقطع عن التصرف. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يصر نور البصر ويقطعه. فصل في بيان أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. قال القرطبيُّ: في الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. لأنهم عزموا على أن يفعلوا، فعوقبوا على فعلهم؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25] . وفي الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إذَا التَقَى المُسلِمَانِ بِسيْفِهِمَا فالقَاتِلُ والمَقْتُولُ في النَّارِ، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنَّه كَانَ حريصاَ على قَتْلِ صاحِبهِ» وقد مضى في آل عمران عند قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ﴾ [آل عمران: 135] . قوله: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ﴾ . قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض: ﴿اغدوا على حَرْثِكُمْ﴾ يعني بالحرث الثِّمار والزروع والأعناب، ولذلك قال: «صَارمِيْنَ» ، لأنهم أرادوا قطع الثمار من الأشجار. «أن اغْدُوْا» يجوز أن تكون المصدرية، أي: تنادوا بهذا الكلام، وأن تكون المفسرة، لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول. قال الزمخشريُّ: «فإن قلت: هلاَّ قيل: اغدوا إلى حرثكم، وما معنى على؟ . قلت: لما كان الغدو إليه ليصرموه، ويقطعوه كان غدواً عليه كما تقول: غدا عليهم العدو ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال كقولهم: يغدى عليهم بالجفنة ويراح» انتهى. فجعل «غَدَا» متعدياً في الأصل ب «إلى» فاحتاج إلى تأويل تعديه ب «عَلَى» ، وفيه نظر؛ لورود تعديه ب «عَلَى» في غير موضع؛ كقوله: [الوافر] 4823 - وقَدْ أغْدُو على ثُبَةٍ كِرامٍ ... نَشَاوَى واجِدينَ لَمَا نَشَاءُ وإذا كانوا قد عدوا مرادفه ب «عَلَى» فليعدوه بها، ومرادفه «بكر» تقول: بكرتُ عليه و «غدوتُ عليه» بمعنى واحد؛ قال: [الطويل] 4824 - بَكَرْتُ عَليْهِ غُدْوةً فَرأيْتُهُ ... قُعُوداً إليْهِ بالصَّريمِ عَواذِلُه قوله ﴿إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾ . جوابه محذوف، أي فاغدوا و «صارمين» : قاطعين حادين. وقيل: ماضين العزم من قولك: سيف صارم. قوله ﴿فانطلقوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ . أي: يتشاورون فيما بينهم، والمعنى يخفون كلامهم، ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد، قاله عطاء وقتادة. وهو من خفت يخفت إذا سكت، ولم يبين. قال ابن الخطيب: «وخَفَى وخَفَت، كلاهما في معنى الكتم، ومنه الخمود والخفاء» . وقيل: يخفون أنفسهم من الناس، حتى لا يروهم، وكان أبوهم يخبر الفقراء والمساكين فيحضروا وقت الحصاد والصرام. وقوله: ﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ جملة حالية من فاعل «انْطَلقُوا» . قوله: ﴿أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ . «أنْ» مفسرة، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: يتخافتون بهذا الكلام، أي: يقوله بعضهم لبعض: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ . قال ابن الخطيب: والنهي للمسكين عن الدخول نهيٌ لهم عن تمكينه منه، أي: لا تمكنوه من الدخول. وقرأ عبد الله وابن أبي عبلة: «لا يدْخُلنَّهَا» بإسقاط «أنْ» إما على إضمار القولِ كمذهب البصريين، وإما على إجراء «يَتَخافتُونَ» مجراه كقول الكوفيين. قوله: ﴿وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ . يجوز أن يكون «قَادِريْنَ» حالاً من فاعل «غَدَوْا» و «عَلى حَرْدٍ» متعلق به وأن يكون «على حَردٍ» هو الحال و «قَادِريْنَ» إما حال ثانية، وإما حال من ضمير الحالِ الأول. والحرد: قيل: الغضب والحنق. قاله السديُّ وسفيان. وأنشد للأشهب بن رميلة: [الطويل] 4825 - أسُودُ شَرًى لاقَتْ أسُودَ خَفيَّةٍ ... تَساقَوْا على حَرْدٍ دِماءَ الأسَاوِدِ قيل: ومثله: [الرجز] 4826 - إذَا جِيادُ الخَيْلِ جَاءتْ تَرْدِي ... مَملُوءةً مِنْ غضَبٍ وحَرْدِ عطف لما تغاير اللفظان؛ كقوله: [الوافر] 4827 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... وألْفَى قوْلهَا كذِباً ومَيْنَا قال أبو عبيدة والقتيبي: «عَلى حَرْدٍ» على منع من حاردت الناقة حراداً، أي: قل لبنها. والحرود من النوق القليلة الدر، وحاردت السَّنةُ: قل مطرها، وخيرها. ويقال: حرد - بالكسر - يحرد حرداً، وقد تفتح فيقال: حَرَدَ فهو حردان وحارد، وليوث حوارد. وقيل: الحرد، والحرود: الانفراد، يقال: حَرَدَ - بالفتح - يَحْرُدُ - بالضم - حروداً وحرداً، أي: انعزل. ومنه كوكب حارد، أي: منفرد. قال الأصمعي: هي لغة هذيل. وقال القرطبيُّ: يقال: حرد يحرد حروداً، أي: تنحى عن قومه، ولم يخالطهم. وقال أبو زيدٍ: رجل حريد من قوم حرداء، وقد حَرَدَ يَحْرِدُ حُرُوداً إذا ترك قومه، وتحول عنهم. قال الأصمعي: رجل حريد، أي: فريد وحيد، قال: والمنفرد والمنحرد في لغة هذيل وأنشد لأبي ذؤيب: [البسيط] 4828 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... كأنَّهُ كَوكَبٌ في الجَوِّ مُنْحِرِدُ ورواه أبو عمرو: بالجيم، قال: وهو سهيل. وقيل: الحردُ القصد، يقال: حَرَد يحْرِدُ - بالكسر - حرداً، قصداً، تقول: حردت حردك، أي: قصدت قصدك؛ قال الراجز: [الرجز] 4829 - أقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ وقال قتادة ومجاهدٌ: «عَلى حَرْدٍ» ، أي: على جد وجهد. وقال القرطبيُّ ومجاهد وعكرمة: أي: على أمر مجتمع قد أسموه بينهم. قال البغويُّ: «وهذا معنى القصدِ» . وقال الحسنُ: على حاجةٍ وفاقةٍ. وقيل: الحرد اسم جنتهم بعينها، قاله السديُّ. وقال الأزهريُّ: حرد اسم قريتهم. وفيهما بعد. و «قَادِريْنَ» إما من القدرة وهو الظاهرُ، وإما من التقدير، وهو التضييق، أي: مضيقين على المساكين. وقرأ العامة: بالإسكان. وقرأ أبو العالية وابن السميفع: بالفتح، وهما لغتان. فصل في تفسير «قادرين» قال الفرَّاء: ومعنى «قادرين» قد قدروا أمرم، وبنوا عليه. وقال قتادة: قادرين على جنتهم عند أنفسهم. وقال الشعبيُّ: قادرين على المساكين. وقيل: معناه من الوجود، أي: منعوا وهم واجدون. ومعنى الآيةِ: وغدوا، وكانوا عند أنفسهم، وفي ظنهم أنهم قادرون على منع المساكينَ. قوله ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾ . يعني الجنة محترقة، لا شيء فيها قد صارت كالليل الأسود ينظرون إليها كالرماد أنكروها، وشكوا فيها، وقال بعضهم لبعض: «إنَّا لضالُّونَ» أي: ضللنا الطريق إلى جنتنا، ثم لما تأملوا وعرفوا أنها هي، قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حرمنا خيرها بشؤم عزمنا على البخل ومنعنا الفقراء، قاله قتادة. وقيل: «إنَّا لضالُّون» عن الصَّواب في غدونا على نية منع المساكين، فلذلك عوقبنا ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: حرمنا جنتنا بما صنعنا. روى ابن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» إيَّاكم والمَعاصِي إنَّ العَبْدَ ليذْنبُ الذَّنْبَ فيُحرَمُ بِهِ رِزْقاً كان هُيِّىء له «ثم تلا: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ » الآيتين. قوله: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ ، يعني أعدلهم، وأفضلهم وأعقلهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ: لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ أي: هلا تستثنون، وكان استثناؤهم تسبيحاً. قاله مجاهدٌ وغيره، وهذا يدل على أن هذا الأوسط كان يأمرهم بالاستثناء، فلم يطيعوه. قال أبو صالحٍ: كان استثناؤهم سبحان الله، فقال لهم: «هَلاَّ تسبِّحُونَ اللَّهَ» ، أي تقولون: سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم. وقال النحاس: أصل التسبيحِ التنزيه لله - عَزَّ وَجَلَّ -، فجعل مجاهد التسبيح في موضع إن شاء اللَّهُ؛ لأن المعنى تنزيه الله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وقال ابن الخطيب: التسبيحُ عبارة عن تنزيهه عن كل سوء فلو دخل شيء في الوجود على خلاف إرادة الله تعالى، لوجب عود النقص إلى قدرة الله تعالى، فقولك: «إن شاء الله» مزيل هذا النقص، فكان ذلك تسبيحاً. وقيل: المعنى: هلاَّ تَسْتغفرونهُ من فِعْلكُم، وتتوبون إليه من خبث نيتكم. قيل: إنَّ القوم لمَّا عزموا على منع الزكاةِ واغتروا بالمال والقوة، قال لهم أوسطهم: توبوا عن هذه المعصية قبل نزول العذابِ، فلما رأوا العذاب ذكرهم أوسطهم كلامهُ الأول، وقال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ فحينئذ اشتغلوا بالتوبة وقالوا: ﴿ِسُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ قال ابن عباس في قولهم سبحان ربنا أي نستغفر ربنا من ذنوبنا لأنا كنا ظالمين لأنفسنا في منعنا المساكين. وقال الحسنُ: هذا التسبيحُ هُو الصَّلاةُ كأنهم كانوا يتكاسلون في الصلاة، وإلا لكانت ناهية لهم [عن الفحشاء والمنكر، ولكانت داعية لهم] إلى أن يواظبوا على ذكر الله، وعلى قول إن شاء الله. قوله ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾ . أي: يلوم بعضهم بعضاً، يقول هذا لهذا: أنت أشرت علينا بهذا الرأي، ويقول ذلك لهذا: أنت خوفتنا بالفقر، ويقول الثالث لغيره: أنت رغبتني في جمع المال، ثم نادوا على أنفسهم بالوَيْلِ فقالوا: ﴿ياويلنا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ أي: عاصين بمنع حق الفقراءِ، وترك الاستثناء. وقال ابنُ كيسان: طغينا نعم اللَّهِ، فلم نشكرهَا كما شكرها آباؤنا من قبل ﴿عسى رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ تعاقدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيراً منها لنصنعنّ كما صنع آباؤنا فدعوا الله وتضرعوا فأبدلهم الله من ليلتهم ما هو خير منها. قرىء: «يبدلنا» بالتخفيف والتشديد، وهما لغتانِ. وقيل: التبديلُ تغير الشيء، أو تغير حاله وعين الشيء قائم، والإبدال رفع الشيء ووضع آخر مكانه، ثم قال: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ أي: طالبون منه الخير راجعون لعفوه. قال المفسرون: إن الله أمر جبريل عليه السلام أن يقتلع تلك الجنة، بزغر من أرض الشام، ويأخذ من أرض الشام جنة، فيجعلها مكانها. وقال ابن مسعود: إن القوم لما أخلصوا وعرف الله منهم صدقهم أبدلهم اللَّهُ جنة يقال لها: الخيوان فيها عنب يحمل البغل منها عنقوداً واحداً. وقال أبو خالد اليماني: دخلت تلك الجنة، فرأيت كُلَّ عنقودٍ منها كالرَّجلِ الأسودِ القائمِ. وقال الحسنُ: قول أهل الجنة: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ لا أدري إيماناً كان ذلك منهم، أو على حد ما يكون من المشركين إذا أصابهم الشدة. فتوقف في كونهم مؤمنين. وسئل قتادةُ عن أهل الجنَّة، أهم من أهل الجنَّة أم من أهل النَّارِ؟ . قال: لقد كلفتني تعباً. والأكثرون يقولون: إنهم تابوا وأخلصوا. حكاه القشيري. قوله: ﴿كَذَلِكَ العذاب﴾ . مبتدأ وخيره مقدم، أي: مثل ذلك العذاب عذاب الدنيا وأما عذاب الآخرة فأكبر منه ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابنُ زيدٍ: «كذَلكَ العَذابُ» أي: عذاب الدنيا وهلاك الأموال. وقيل: هذا وعظٌ لأهل مكة بالرجوعِ إلى اللَّه لما ابتلاهم بالجدب لدعاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أي: كفعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا في الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الآخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابنُ عباسٍ: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر، وحلفوا ليقتلنَّ محمداً، وأصحابه، وليرجعوا إلى أهل مكة، حتى يطوفوا بالبيت، ويشربوا الخمر، وتضرب القيانُ على رءوسهم، فأخلف الله ظنهم، وقتلوا وأسروا وانهزموا كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصرم، فخابوا. فصل في العبرة من هذه الآية بضرب المثل قال ابن الخطيب: قوله تعالى ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [القلم: 14 - 15] ، والمعنى: لأجل أن أعطاه الله المال والبنين كفر بالله، كلا، بل الله تعالى إنما أعطاه ذلك للابتلاء، فإذا صرفه إلى الكفر دمر الله عليه، بدليل أن أصحاب الجنة لما أتوا بهذه المعصيةِ اليسيرةِ دمر الله جنتهم، فكيف حال من عاند الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وأصرَّ على الكفر والمعصيةِ. فصل في بيان هل كان الحق واجباً عليهم أم لا؟ قيل: إن الحق الذي منعه أهل الجنَّة المساكين كان واجباً عليهم، ويحتمل أنه كان تطوعاً، والأول أظهر. وقيل: السورة مكية، فبعد حمل الآية على ما أصاب أهل مكة من القحطِ، وعلى قتال بدر.

القلم 68:33

قوله ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة﴾ . يريد أهل مكة، والابتلاء: الاختبار. والمعنى: أعطيناهم الأموال ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا وعادوا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ابتليناهم بالجوع والقحط كما بلونا أصحاب الجنَّة المعروف خبرها عندهم، وذلك أنها كانت بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من «صنعاء» ، ويقال: بفرسخين، كانت لرجل يؤدي حقَّ الله منهما، فلما مات صارت إلى ولده، فمعنوا الناس خيرها، وبخلوا بحق الله فيها؛ فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حل بها. قال الكلبيُّ: كان بينهم وبين «صنعاء» فرسخان ابتلاهم اللَّهُ بأن أحرق جنتهم. وقيل: جنة بصوران على فراسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بيسير. وقيل: كانوا من بني إسرائيل. وقيل: وكانوا من ثقيف، وكانوا بخلاء، وكانوا يجذون النخل ليلاً من أجل المساكين، فأرادوا حصاد زرعها، وقالوا: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ فغدوا عليها فإذا هي قد اقتلعت من أصلها ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ أي: الليل، ويقال أيضاً للنهار: صريم، فإن كان أراد الليل، فلاسوداد مواضعها وكأنهم وجدوا مواضعها حمأة، وإن كان أراد بالصريم النهار، فلذهاب الشجر والزَّرْع وخلو الأرض منه، وكان الطائف الذي طاف عليها جبريل - عليه السلام - فاقتلعها. فقيل: إنه طاف بها حول البيت ثم وضعها حيثُ مدينة الطائف اليوم، ولذلك سميت الطائف، وليس في أرض الحجازِ بلدة فيها الماء، والشجر [والزرع] والأعناب غيرها. وقال البكريُّ في المعجم: سميت الطائف، لأن رجلاً من العرب يقالُ له: الدَّمُون، بَنَى حائطاً، وقال: إني قد بنيت لكم حائطاً حول بلدكم، فسميت الطائف. والله أعلم. قوله «إذ أقْسَمُوا» ، أي: حلفوا فيما بينهم «ليَصْرِمُنَّهَا» أي: ليجذُّنها «مُصْبحِيْنَ» أي: وقت الصباح قبل أن يخرج المساكين «ولا يَسْتَثْنُونَ» ، أي: لم يقولوا: إن شاء الله. قوله: «مُصْبحِيْنَ» حال من فاعل «ليَصْرمُنَّها» وهو من «أصبح» التامة، أي داخلين في الصباح، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ [الصافات: 137] وقوله: إذا سمعت بِسُرَى القين فاعلم بأنه مصبح والكاف في «كما» في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف، أي: بلوناهم ابتلاء كما بلونا، و «ما» مصدرية، أو بمعنى «الذي» و «إذَا» منصوبة ب «بَلَوْنَا» و «ليَصْرمُنَّهَا» جواب للقسم، وجاء على خلاف منطوقهم، ولو جاء لقيل: «لنَصْرمُنَّهَا» بنون المتكلم. قوله: ﴿وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾ . هذه مستأنفة، ويضعف كونها حالاً من حيث إن المضارع المنفي ب «لا» كالمثبت في عدم دخول الواو عليه وإضمار مبتدأ قبله، كقولهم: «قمت وأصك عينه» مستغنى عنه. ومعنى: «لا يَسْتثْنُونَ» لا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم للمساكين، من الثني، وهو الكف والرد؛ لأنَّ الحالف إذا قال: واللَّهِ لأفعلن كذا إلا أن يشاء اللَّهُ غيره فقد رد انعقاد تلك اليمين. وقيل: المعنى: لا يستثنون عزمهم عن الحرماتِ. وقيل: لا يقولون، إن شاء الله. قال الزمخشريُّ: وسمي استثناء وهو شرط؛ لأن معنى: لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد. قوله ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ﴾ . أي هلاك، أو بلاء طائف، والطائف غلب في الشر. قال الفراء: هو الأمر الذي يأتي ليلاً. ورد عليه بقوله ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان﴾ [الأعراف: 201] وذلك لا يختص بليلٍ، ولا نهارٍ. وقرأ النخعيُّ: «طَيْفٌ» . قوله «مِن ربِّك» . يجوز أن يتعلق ب «طاف» وأن يتعلق بمحذوف صفة ل «طَائِفٌ» . قوله: ﴿فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ . والصرام: جذاذ النخلِ، وأصل المادة الدلالة على القطع، ومنه الصُّرم، والصَّرْم - بالضم والفتح - وهو القطيعة؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] 4821 - أفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هذا التَدلُّلِ ... وإنْ كنتِ قَدْ أزمَعْتِ صَرْمِي فأجْملِي ومنه الصريمة، وهي قطعة منصرمة عن الرمل لا تنبت شيئاً؛ قال: [البسيط] 4822 - وبالصَّريمَةِ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ خَلَقٌ ... عَافٍ تَغَيَّرَ، إلاَّ النُّؤيُ والوتِدُ والصارم: القاطع الماضي، وناقة مصرمة: انقطع لبنها، وانصرم الشهر والسنة، أي: قرب انفصالهما، وأصرم زيد: ساءت حاله، كأنه انقطع سعده. فقوله «كالصَّريمِ» . قيل: هي الأشجار المنْصَرِم حملها. وقال ابن عباس: كالليل؛ لأنه يقال له: الصريم، لسواده، والصريم أيضاً: النهار وقيل: الصُّبحُ؛ لأنه انصرم من الليلة، قاله الأخفش. فهو من الأضداد. وقال شمر: الصريم الليل، والصريم النهار. وقيل: الصريم: رملة معروفة باليمنِ لا تنبت شيئاً. وقال الثوريُّ: كالزرع المحصود، فالصريم بمعنى المصروم، أي: المقطوع ما فيه. وقال الحسنُ: صرم عنها الخير، أي: قطع، فالصريم مفعول أيضاً. وقال المؤرج: كالرملة انصرمت من معظم الرمل، يقال: صريمة وصرائم، فالرملة لا تنبت شيئاً ينتفع به. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، ولهذا يكون «فَعِيْل» ، بمعنى «فاعل» . قال القشيريُّ: وفي هذا نظر؛ لأن النهار يسمى صريماً، ولا يقطع عن التصرف. وقيل: سمي الليل صريماً؛ لأنه يصر نور البصر ويقطعه. فصل في بيان أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. قال القرطبيُّ: في الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان. لأنهم عزموا على أن يفعلوا، فعوقبوا على فعلهم؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25] . وفي الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إذَا التَقَى المُسلِمَانِ بِسيْفِهِمَا فالقَاتِلُ والمَقْتُولُ في النَّارِ، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنَّه كَانَ حريصاَ على قَتْلِ صاحِبهِ» وقد مضى في آل عمران عند قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ﴾ [آل عمران: 135] . قوله: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ﴾ . قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض: ﴿اغدوا على حَرْثِكُمْ﴾ يعني بالحرث الثِّمار والزروع والأعناب، ولذلك قال: «صَارمِيْنَ» ، لأنهم أرادوا قطع الثمار من الأشجار. «أن اغْدُوْا» يجوز أن تكون المصدرية، أي: تنادوا بهذا الكلام، وأن تكون المفسرة، لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول. قال الزمخشريُّ: «فإن قلت: هلاَّ قيل: اغدوا إلى حرثكم، وما معنى على؟ . قلت: لما كان الغدو إليه ليصرموه، ويقطعوه كان غدواً عليه كما تقول: غدا عليهم العدو ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال كقولهم: يغدى عليهم بالجفنة ويراح» انتهى. فجعل «غَدَا» متعدياً في الأصل ب «إلى» فاحتاج إلى تأويل تعديه ب «عَلَى» ، وفيه نظر؛ لورود تعديه ب «عَلَى» في غير موضع؛ كقوله: [الوافر] 4823 - وقَدْ أغْدُو على ثُبَةٍ كِرامٍ ... نَشَاوَى واجِدينَ لَمَا نَشَاءُ وإذا كانوا قد عدوا مرادفه ب «عَلَى» فليعدوه بها، ومرادفه «بكر» تقول: بكرتُ عليه و «غدوتُ عليه» بمعنى واحد؛ قال: [الطويل] 4824 - بَكَرْتُ عَليْهِ غُدْوةً فَرأيْتُهُ ... قُعُوداً إليْهِ بالصَّريمِ عَواذِلُه قوله ﴿إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾ . جوابه محذوف، أي فاغدوا و «صارمين» : قاطعين حادين. وقيل: ماضين العزم من قولك: سيف صارم. قوله ﴿فانطلقوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ . أي: يتشاورون فيما بينهم، والمعنى يخفون كلامهم، ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد، قاله عطاء وقتادة. وهو من خفت يخفت إذا سكت، ولم يبين. قال ابن الخطيب: «وخَفَى وخَفَت، كلاهما في معنى الكتم، ومنه الخمود والخفاء» . وقيل: يخفون أنفسهم من الناس، حتى لا يروهم، وكان أبوهم يخبر الفقراء والمساكين فيحضروا وقت الحصاد والصرام. وقوله: ﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ جملة حالية من فاعل «انْطَلقُوا» . قوله: ﴿أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ . «أنْ» مفسرة، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: يتخافتون بهذا الكلام، أي: يقوله بعضهم لبعض: ﴿لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ﴾ . قال ابن الخطيب: والنهي للمسكين عن الدخول نهيٌ لهم عن تمكينه منه، أي: لا تمكنوه من الدخول. وقرأ عبد الله وابن أبي عبلة: «لا يدْخُلنَّهَا» بإسقاط «أنْ» إما على إضمار القولِ كمذهب البصريين، وإما على إجراء «يَتَخافتُونَ» مجراه كقول الكوفيين. قوله: ﴿وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ . يجوز أن يكون «قَادِريْنَ» حالاً من فاعل «غَدَوْا» و «عَلى حَرْدٍ» متعلق به وأن يكون «على حَردٍ» هو الحال و «قَادِريْنَ» إما حال ثانية، وإما حال من ضمير الحالِ الأول. والحرد: قيل: الغضب والحنق. قاله السديُّ وسفيان. وأنشد للأشهب بن رميلة: [الطويل] 4825 - أسُودُ شَرًى لاقَتْ أسُودَ خَفيَّةٍ ... تَساقَوْا على حَرْدٍ دِماءَ الأسَاوِدِ قيل: ومثله: [الرجز] 4826 - إذَا جِيادُ الخَيْلِ جَاءتْ تَرْدِي ... مَملُوءةً مِنْ غضَبٍ وحَرْدِ عطف لما تغاير اللفظان؛ كقوله: [الوافر] 4827 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... وألْفَى قوْلهَا كذِباً ومَيْنَا قال أبو عبيدة والقتيبي: «عَلى حَرْدٍ» على منع من حاردت الناقة حراداً، أي: قل لبنها. والحرود من النوق القليلة الدر، وحاردت السَّنةُ: قل مطرها، وخيرها. ويقال: حرد - بالكسر - يحرد حرداً، وقد تفتح فيقال: حَرَدَ فهو حردان وحارد، وليوث حوارد. وقيل: الحرد، والحرود: الانفراد، يقال: حَرَدَ - بالفتح - يَحْرُدُ - بالضم - حروداً وحرداً، أي: انعزل. ومنه كوكب حارد، أي: منفرد. قال الأصمعي: هي لغة هذيل. وقال القرطبيُّ: يقال: حرد يحرد حروداً، أي: تنحى عن قومه، ولم يخالطهم. وقال أبو زيدٍ: رجل حريد من قوم حرداء، وقد حَرَدَ يَحْرِدُ حُرُوداً إذا ترك قومه، وتحول عنهم. قال الأصمعي: رجل حريد، أي: فريد وحيد، قال: والمنفرد والمنحرد في لغة هذيل وأنشد لأبي ذؤيب: [البسيط] 4828 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... كأنَّهُ كَوكَبٌ في الجَوِّ مُنْحِرِدُ ورواه أبو عمرو: بالجيم، قال: وهو سهيل. وقيل: الحردُ القصد، يقال: حَرَد يحْرِدُ - بالكسر - حرداً، قصداً، تقول: حردت حردك، أي: قصدت قصدك؛ قال الراجز: [الرجز] 4829 - أقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ وقال قتادة ومجاهدٌ: «عَلى حَرْدٍ» ، أي: على جد وجهد. وقال القرطبيُّ ومجاهد وعكرمة: أي: على أمر مجتمع قد أسموه بينهم. قال البغويُّ: «وهذا معنى القصدِ» . وقال الحسنُ: على حاجةٍ وفاقةٍ. وقيل: الحرد اسم جنتهم بعينها، قاله السديُّ. وقال الأزهريُّ: حرد اسم قريتهم. وفيهما بعد. و «قَادِريْنَ» إما من القدرة وهو الظاهرُ، وإما من التقدير، وهو التضييق، أي: مضيقين على المساكين. وقرأ العامة: بالإسكان. وقرأ أبو العالية وابن السميفع: بالفتح، وهما لغتان. فصل في تفسير «قادرين» قال الفرَّاء: ومعنى «قادرين» قد قدروا أمرم، وبنوا عليه. وقال قتادة: قادرين على جنتهم عند أنفسهم. وقال الشعبيُّ: قادرين على المساكين. وقيل: معناه من الوجود، أي: منعوا وهم واجدون. ومعنى الآيةِ: وغدوا، وكانوا عند أنفسهم، وفي ظنهم أنهم قادرون على منع المساكينَ. قوله ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾ . يعني الجنة محترقة، لا شيء فيها قد صارت كالليل الأسود ينظرون إليها كالرماد أنكروها، وشكوا فيها، وقال بعضهم لبعض: «إنَّا لضالُّونَ» أي: ضللنا الطريق إلى جنتنا، ثم لما تأملوا وعرفوا أنها هي، قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حرمنا خيرها بشؤم عزمنا على البخل ومنعنا الفقراء، قاله قتادة. وقيل: «إنَّا لضالُّون» عن الصَّواب في غدونا على نية منع المساكين، فلذلك عوقبنا ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: حرمنا جنتنا بما صنعنا. روى ابن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» إيَّاكم والمَعاصِي إنَّ العَبْدَ ليذْنبُ الذَّنْبَ فيُحرَمُ بِهِ رِزْقاً كان هُيِّىء له «ثم تلا: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ » الآيتين. قوله: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ ، يعني أعدلهم، وأفضلهم وأعقلهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ: لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ أي: هلا تستثنون، وكان استثناؤهم تسبيحاً. قاله مجاهدٌ وغيره، وهذا يدل على أن هذا الأوسط كان يأمرهم بالاستثناء، فلم يطيعوه. قال أبو صالحٍ: كان استثناؤهم سبحان الله، فقال لهم: «هَلاَّ تسبِّحُونَ اللَّهَ» ، أي تقولون: سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم. وقال النحاس: أصل التسبيحِ التنزيه لله - عَزَّ وَجَلَّ -، فجعل مجاهد التسبيح في موضع إن شاء اللَّهُ؛ لأن المعنى تنزيه الله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وقال ابن الخطيب: التسبيحُ عبارة عن تنزيهه عن كل سوء فلو دخل شيء في الوجود على خلاف إرادة الله تعالى، لوجب عود النقص إلى قدرة الله تعالى، فقولك: «إن شاء الله» مزيل هذا النقص، فكان ذلك تسبيحاً. وقيل: المعنى: هلاَّ تَسْتغفرونهُ من فِعْلكُم، وتتوبون إليه من خبث نيتكم. قيل: إنَّ القوم لمَّا عزموا على منع الزكاةِ واغتروا بالمال والقوة، قال لهم أوسطهم: توبوا عن هذه المعصية قبل نزول العذابِ، فلما رأوا العذاب ذكرهم أوسطهم كلامهُ الأول، وقال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ فحينئذ اشتغلوا بالتوبة وقالوا: ﴿ِسُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ قال ابن عباس في قولهم سبحان ربنا أي نستغفر ربنا من ذنوبنا لأنا كنا ظالمين لأنفسنا في منعنا المساكين. وقال الحسنُ: هذا التسبيحُ هُو الصَّلاةُ كأنهم كانوا يتكاسلون في الصلاة، وإلا لكانت ناهية لهم [عن الفحشاء والمنكر، ولكانت داعية لهم] إلى أن يواظبوا على ذكر الله، وعلى قول إن شاء الله. قوله ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾ . أي: يلوم بعضهم بعضاً، يقول هذا لهذا: أنت أشرت علينا بهذا الرأي، ويقول ذلك لهذا: أنت خوفتنا بالفقر، ويقول الثالث لغيره: أنت رغبتني في جمع المال، ثم نادوا على أنفسهم بالوَيْلِ فقالوا: ﴿ياويلنا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ أي: عاصين بمنع حق الفقراءِ، وترك الاستثناء. وقال ابنُ كيسان: طغينا نعم اللَّهِ، فلم نشكرهَا كما شكرها آباؤنا من قبل ﴿عسى رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ تعاقدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيراً منها لنصنعنّ كما صنع آباؤنا فدعوا الله وتضرعوا فأبدلهم الله من ليلتهم ما هو خير منها. قرىء: «يبدلنا» بالتخفيف والتشديد، وهما لغتانِ. وقيل: التبديلُ تغير الشيء، أو تغير حاله وعين الشيء قائم، والإبدال رفع الشيء ووضع آخر مكانه، ثم قال: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ أي: طالبون منه الخير راجعون لعفوه. قال المفسرون: إن الله أمر جبريل عليه السلام أن يقتلع تلك الجنة، بزغر من أرض الشام، ويأخذ من أرض الشام جنة، فيجعلها مكانها. وقال ابن مسعود: إن القوم لما أخلصوا وعرف الله منهم صدقهم أبدلهم اللَّهُ جنة يقال لها: الخيوان فيها عنب يحمل البغل منها عنقوداً واحداً. وقال أبو خالد اليماني: دخلت تلك الجنة، فرأيت كُلَّ عنقودٍ منها كالرَّجلِ الأسودِ القائمِ. وقال الحسنُ: قول أهل الجنة: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ لا أدري إيماناً كان ذلك منهم، أو على حد ما يكون من المشركين إذا أصابهم الشدة. فتوقف في كونهم مؤمنين. وسئل قتادةُ عن أهل الجنَّة، أهم من أهل الجنَّة أم من أهل النَّارِ؟ . قال: لقد كلفتني تعباً. والأكثرون يقولون: إنهم تابوا وأخلصوا. حكاه القشيري. قوله: ﴿كَذَلِكَ العذاب﴾ . مبتدأ وخيره مقدم، أي: مثل ذلك العذاب عذاب الدنيا وأما عذاب الآخرة فأكبر منه ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابنُ زيدٍ: «كذَلكَ العَذابُ» أي: عذاب الدنيا وهلاك الأموال. وقيل: هذا وعظٌ لأهل مكة بالرجوعِ إلى اللَّه لما ابتلاهم بالجدب لدعاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أي: كفعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا في الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الآخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابنُ عباسٍ: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر، وحلفوا ليقتلنَّ محمداً، وأصحابه، وليرجعوا إلى أهل مكة، حتى يطوفوا بالبيت، ويشربوا الخمر، وتضرب القيانُ على رءوسهم، فأخلف الله ظنهم، وقتلوا وأسروا وانهزموا كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصرم، فخابوا. فصل في العبرة من هذه الآية بضرب المثل قال ابن الخطيب: قوله تعالى ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [القلم: 14 - 15] ، والمعنى: لأجل أن أعطاه الله المال والبنين كفر بالله، كلا، بل الله تعالى إنما أعطاه ذلك للابتلاء، فإذا صرفه إلى الكفر دمر الله عليه، بدليل أن أصحاب الجنة لما أتوا بهذه المعصيةِ اليسيرةِ دمر الله جنتهم، فكيف حال من عاند الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وأصرَّ على الكفر والمعصيةِ. فصل في بيان هل كان الحق واجباً عليهم أم لا؟ قيل: إن الحق الذي منعه أهل الجنَّة المساكين كان واجباً عليهم، ويحتمل أنه كان تطوعاً، والأول أظهر. وقيل: السورة مكية، فبعد حمل الآية على ما أصاب أهل مكة من القحطِ، وعلى قتال بدر.

القلم 68:34

قوله: ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النعيم﴾ ، أي: جناتٌ ليس فيها إلا النعيمُ الخالصُ لا يشوبه ما ينغصُه كما يشوب جناتِ الدنيا. قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية، قال كفَّارُ مكة للمسلمين: إن الله تعالى فضَّلنا عليكم في الدنيا فلا بد وأن يُفضِّلنا عليكم في الآخرة، فإن لم يحصل التفضيلُ، فلا أقل من المساواةِ. فأجاب الله عن هذا الكلام بقوله: ﴿أَفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين﴾ ، أي: إن التسوية بين المُطيع والعاصي غيرُ جائزة ثم وبَّخهُمْ فقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هذا الحكم الأعوج كأن أمر الجزاءِ مفوضٌ إليكم حتى تحكموا فيه. قوله: «عِندَ ربِّهِمْ» . يجوز أن يكون منصوباً بالاستقرار، وأن يكون حالاً من «جنَّاتِ» . فصل في رد كلام القاضي قال القاضي: في الآية دليل واضح على أن وصف الإنسان بأنه مسلم ومجرم كالمتنافي، والفاسق لما كان مجرماً، وجب أن لا يكون مسلماً. وأجيب بأنه تعالى أنكر جعل المسلم مثلاً للمجرم، ولا شك أنه ليس المراد إنكار المماثلة في جميع الأمور، فإنهما متماثلان في الجوهرية، والجسمية، والحدوث، والحيوانية، وغيرها من الأمور الكثيرة، بل المراد: إنكارُ استوائهما في الإسلام والجرم، أو في آثارِ هذين الأمرينِ، فالمراد: أن يكون إنكار أثر الإسلام مساوياً لأثر جرم المجرم عند الله، وهذا لا نزاع فيه، فمن أين يدل على أن الشخص الواحد يمتنع فيه كونه مسلماً ومجرماً؟ . فصل في رد كلام الجبائي قال الجبائيُّ: دلت الآية على أن المجرم لا يكون ألبتةَ في الجنةِ؛ لأنه تعالى أنكر حصول التسوية بينهما في الثواب، بل لعله يكون ثواب المجرم أزيد من ثواب المسلم، إذا كان المجرمُ أطول عمراً من المسلم، وكانت طاعته غير محبطةٍ. والجوابُ: هذا ضعيفٌ، لأنا بينا التسوية في درجة الثوابِ، ولعلهما لا يستويان فيه بل يكون ثواب المسلمِ الذي لم يعص أكثر من ثواب من عصى، على أنا نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من المجرمين هم الكفار الذين حكى الله عنهم هذه الواقعة، لأن حمل الجمع المحلى بالألف واللام على المعهود السابق مشهور في اللغة والعرفِ. قوله: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ﴾ . أي: ألكم كتاب تجدون فيه المطيع كالعاصِي. وهذا كقوله ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ﴾ [الصافات: 156 - 157] . قوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ﴾ . العامة على كسر الهمزة، وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها معمولة ل «تَدْرُسُونَ» ، أي: تدرسون في الكتاب أن لكم ما تحتاجونه، فلما دخلت اللامُ كسرت الهمزة، كقولك: علمت أنك عاقل - بالفتح - وعلمت إنك لعاقل - بالكسر -. والثاني: أن تكون على الحكايةِ للمدروسِ كما هو، كقوله: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين سَلاَمٌ على نُوحٍ فِي العالمين} [الصافات: 78، 79] ، قالهما الزمخشري. وفي الفرق بين الوجهين عسرٌ، قال: «وتخير الشيء واختاره، أخذ خيره، كتنخله وانتخله، أخذ منخوله» . الثالث: أنها على الاستئناف على معنى «إن كَان لَكُمْ كتابٌ فلكُمْ متخير» . قال القرطبي: تم الكلام عند قوله «تَدْرسُونَ» ثم ابتدأ فقال: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لمَا تَخَيَّرُونَ﴾ أي: إن لكم في هذا الكتاب إذن ما تخيرون، أي: ليس لكم ذلك، والكناية في «فِيْهِ» الأولى والثانية راجعة إلى الكتاب. وقرأ طلحة والضحاك: «أنَّ لَكُمْ» بفتح الهمزة. وهو منصوب ب «تَدْرسُونَ» إلا أن فيه زيادة لام التأكيد، وهي نظير قراءة ﴿إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام﴾ [الفرقان: 20] بالفتح. وقرأ الأعرج وابن هرمز: «أإنَّ لَكُمْ» في الموضعين، يعني «أإنَّ لكُمْ فيْهِ لمَا تخيَّرُونَ» «أإنَّ لَكُمْ لمَا تَحْكُمونَ» بالاستفهام فيهما جميعاً. ثم إنه تعالى زاد في التوبيخ فقال: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ﴾ ، أي: عهود ومواثيق ﴿عَلَيْنَا بَالِغَةٌ﴾ مؤكدة والبالغة المؤكدة بالله تعالى، أي: أم لكم عهود على الله تعالى استوثقتم بها في أن يدخلكم الجنة. قال ابن الخطيب: والمعنى: أم ضمنا لكم، وأقسمنا لكم بأيمان مغلطة متناهية في التوكيد. قوله: «بَالِغَةٌ» . العامة على رفعها نعتاً ل «أيْمَانٌ» و ﴿إلى يَوْمِ القيامة﴾ متعلق بما تعلق به «لَكُمْ» زمن الاستقرار أي كائنة لكم إلى يوم، أو «ببالغة» ، أي: تبلغ إلى ذلك اليوم، وتنتهي إليه. وقرأ زيد بن علي والحسن: بنصبها. فقيل: على الحال من «أيْمَانٌ» لأنها تخصصت بالعمل، أو بالوصف. وقال القرطبيُّ: «على الحال من الضمير في» لَكُمْ» لأنه خبر عن «أيمانٌ» ففيه ضمير منه، وإما من الضمير في «عليْنَا» إن قدرت» علينا «وصفاً للأيمان لا متعلقاً بنفس الأيمانِ؛ لأن فيه ضميراً منه كما يكون إذا كان خبراً عنه. وقيل: من الضمير في «علينا إن قدرت علينا» وصفاً للأيمان» . وقوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ . أي: لأنفسكم من الخير والكرامة. قوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ ، جواب القسم في قوله: «أيْمانٌ» لأنها بمعنى أقسام. قوله: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ . أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين عليَّ: أيهم كفيل بما تقدم ذكره، والزعيم: الكفيل والضمين، قاله ابن عباس وقتادة، لقوله تعالى: ﴿وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] . وقال ابنُ كَيْسَان: الزعيم هنا: القائم بالحجة والدعوى. وقال الحسن: الزعيم: الرسول. قوله: «أَيُّهم» متعلق ب «سَلْهُمْ» و «بذلك» متعلق ب «زعيمٌ» ، أي: ضمين وكفيل وقد تقدم أن «سَألَ» تعلق لكونه سبباً في العلم، وأصله أن يتعدى ب «عَنْ» ، أو الباء كقوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [الفرقان: 59] ، وقوله: [الطويل] 4830 - فإنْ تَسْألُونِي بالنِّساءِ ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... والجملة في موضع نصب بعد إسقاط الخافض كما تقدم تقريره. قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ﴾ . هذه قراءة العامة. وقرأ عبد الله: ﴿أم لهم شرك فليأتوا بشركهم﴾ بلفظ المصدرِ. قال القرطبيُّ: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ﴾ ، أي: ألهم، والميم صلة، ومعنى: شركاءُ، أي: شهداء ﴿فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ يشهدون على ما زعموا ﴿إِن كَانُواْ صَادِقِينَ﴾ في دعواهم. وقيل: فليأتوا بشركائهم إن أمكنهم، فهو أمر تعجيز. وقال ابن الخطيب: «في تفسيره وجهان: الأول: أن المعنى أم لهم أشياء يعتقدون أنها شركاء لله ويعتقدون أن أولئك شركاء يجعلونهم في الآخرة مثل المؤمنين في الثواب، والخلاص من العقابِ، وإنما إضاف الشركاء إليهم؛ لأنهم جعلوها شركاء للَّهِ، كقوله: ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ [الروم: 40] . الثاني: أم لهم أناسٌ يشاركونهم في هذا المذهب، وهو التسوية بين المسلمين والمجرمين فليأتوا بهم إن كانوا صادقينَ في دعواهم، والمراد بيان أنه كما ليس لهم دليل عقلي، ولا دليل من كتاب يدرسونه، فليس لهم من يوافقهم من العقلاء على هذا القولِ، فدل ذلك على بطلانه» .

القلم 68:35

قوله: ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النعيم﴾ ، أي: جناتٌ ليس فيها إلا النعيمُ الخالصُ لا يشوبه ما ينغصُه كما يشوب جناتِ الدنيا. قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية، قال كفَّارُ مكة للمسلمين: إن الله تعالى فضَّلنا عليكم في الدنيا فلا بد وأن يُفضِّلنا عليكم في الآخرة، فإن لم يحصل التفضيلُ، فلا أقل من المساواةِ. فأجاب الله عن هذا الكلام بقوله: ﴿أَفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين﴾ ، أي: إن التسوية بين المُطيع والعاصي غيرُ جائزة ثم وبَّخهُمْ فقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هذا الحكم الأعوج كأن أمر الجزاءِ مفوضٌ إليكم حتى تحكموا فيه. قوله: «عِندَ ربِّهِمْ» . يجوز أن يكون منصوباً بالاستقرار، وأن يكون حالاً من «جنَّاتِ» . فصل في رد كلام القاضي قال القاضي: في الآية دليل واضح على أن وصف الإنسان بأنه مسلم ومجرم كالمتنافي، والفاسق لما كان مجرماً، وجب أن لا يكون مسلماً. وأجيب بأنه تعالى أنكر جعل المسلم مثلاً للمجرم، ولا شك أنه ليس المراد إنكار المماثلة في جميع الأمور، فإنهما متماثلان في الجوهرية، والجسمية، والحدوث، والحيوانية، وغيرها من الأمور الكثيرة، بل المراد: إنكارُ استوائهما في الإسلام والجرم، أو في آثارِ هذين الأمرينِ، فالمراد: أن يكون إنكار أثر الإسلام مساوياً لأثر جرم المجرم عند الله، وهذا لا نزاع فيه، فمن أين يدل على أن الشخص الواحد يمتنع فيه كونه مسلماً ومجرماً؟ . فصل في رد كلام الجبائي قال الجبائيُّ: دلت الآية على أن المجرم لا يكون ألبتةَ في الجنةِ؛ لأنه تعالى أنكر حصول التسوية بينهما في الثواب، بل لعله يكون ثواب المجرم أزيد من ثواب المسلم، إذا كان المجرمُ أطول عمراً من المسلم، وكانت طاعته غير محبطةٍ. والجوابُ: هذا ضعيفٌ، لأنا بينا التسوية في درجة الثوابِ، ولعلهما لا يستويان فيه بل يكون ثواب المسلمِ الذي لم يعص أكثر من ثواب من عصى، على أنا نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من المجرمين هم الكفار الذين حكى الله عنهم هذه الواقعة، لأن حمل الجمع المحلى بالألف واللام على المعهود السابق مشهور في اللغة والعرفِ. قوله: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ﴾ . أي: ألكم كتاب تجدون فيه المطيع كالعاصِي. وهذا كقوله ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ﴾ [الصافات: 156 - 157] . قوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ﴾ . العامة على كسر الهمزة، وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها معمولة ل «تَدْرُسُونَ» ، أي: تدرسون في الكتاب أن لكم ما تحتاجونه، فلما دخلت اللامُ كسرت الهمزة، كقولك: علمت أنك عاقل - بالفتح - وعلمت إنك لعاقل - بالكسر -. والثاني: أن تكون على الحكايةِ للمدروسِ كما هو، كقوله: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين سَلاَمٌ على نُوحٍ فِي العالمين} [الصافات: 78، 79] ، قالهما الزمخشري. وفي الفرق بين الوجهين عسرٌ، قال: «وتخير الشيء واختاره، أخذ خيره، كتنخله وانتخله، أخذ منخوله» . الثالث: أنها على الاستئناف على معنى «إن كَان لَكُمْ كتابٌ فلكُمْ متخير» . قال القرطبي: تم الكلام عند قوله «تَدْرسُونَ» ثم ابتدأ فقال: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لمَا تَخَيَّرُونَ﴾ أي: إن لكم في هذا الكتاب إذن ما تخيرون، أي: ليس لكم ذلك، والكناية في «فِيْهِ» الأولى والثانية راجعة إلى الكتاب. وقرأ طلحة والضحاك: «أنَّ لَكُمْ» بفتح الهمزة. وهو منصوب ب «تَدْرسُونَ» إلا أن فيه زيادة لام التأكيد، وهي نظير قراءة ﴿إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام﴾ [الفرقان: 20] بالفتح. وقرأ الأعرج وابن هرمز: «أإنَّ لَكُمْ» في الموضعين، يعني «أإنَّ لكُمْ فيْهِ لمَا تخيَّرُونَ» «أإنَّ لَكُمْ لمَا تَحْكُمونَ» بالاستفهام فيهما جميعاً. ثم إنه تعالى زاد في التوبيخ فقال: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ﴾ ، أي: عهود ومواثيق ﴿عَلَيْنَا بَالِغَةٌ﴾ مؤكدة والبالغة المؤكدة بالله تعالى، أي: أم لكم عهود على الله تعالى استوثقتم بها في أن يدخلكم الجنة. قال ابن الخطيب: والمعنى: أم ضمنا لكم، وأقسمنا لكم بأيمان مغلطة متناهية في التوكيد. قوله: «بَالِغَةٌ» . العامة على رفعها نعتاً ل «أيْمَانٌ» و ﴿إلى يَوْمِ القيامة﴾ متعلق بما تعلق به «لَكُمْ» زمن الاستقرار أي كائنة لكم إلى يوم، أو «ببالغة» ، أي: تبلغ إلى ذلك اليوم، وتنتهي إليه. وقرأ زيد بن علي والحسن: بنصبها. فقيل: على الحال من «أيْمَانٌ» لأنها تخصصت بالعمل، أو بالوصف. وقال القرطبيُّ: «على الحال من الضمير في» لَكُمْ» لأنه خبر عن «أيمانٌ» ففيه ضمير منه، وإما من الضمير في «عليْنَا» إن قدرت» علينا «وصفاً للأيمان لا متعلقاً بنفس الأيمانِ؛ لأن فيه ضميراً منه كما يكون إذا كان خبراً عنه. وقيل: من الضمير في «علينا إن قدرت علينا» وصفاً للأيمان» . وقوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ . أي: لأنفسكم من الخير والكرامة. قوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ ، جواب القسم في قوله: «أيْمانٌ» لأنها بمعنى أقسام. قوله: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ . أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين عليَّ: أيهم كفيل بما تقدم ذكره، والزعيم: الكفيل والضمين، قاله ابن عباس وقتادة، لقوله تعالى: ﴿وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] . وقال ابنُ كَيْسَان: الزعيم هنا: القائم بالحجة والدعوى. وقال الحسن: الزعيم: الرسول. قوله: «أَيُّهم» متعلق ب «سَلْهُمْ» و «بذلك» متعلق ب «زعيمٌ» ، أي: ضمين وكفيل وقد تقدم أن «سَألَ» تعلق لكونه سبباً في العلم، وأصله أن يتعدى ب «عَنْ» ، أو الباء كقوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [الفرقان: 59] ، وقوله: [الطويل] 4830 - فإنْ تَسْألُونِي بالنِّساءِ ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... والجملة في موضع نصب بعد إسقاط الخافض كما تقدم تقريره. قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ﴾ . هذه قراءة العامة. وقرأ عبد الله: ﴿أم لهم شرك فليأتوا بشركهم﴾ بلفظ المصدرِ. قال القرطبيُّ: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ﴾ ، أي: ألهم، والميم صلة، ومعنى: شركاءُ، أي: شهداء ﴿فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ يشهدون على ما زعموا ﴿إِن كَانُواْ صَادِقِينَ﴾ في دعواهم. وقيل: فليأتوا بشركائهم إن أمكنهم، فهو أمر تعجيز. وقال ابن الخطيب: «في تفسيره وجهان: الأول: أن المعنى أم لهم أشياء يعتقدون أنها شركاء لله ويعتقدون أن أولئك شركاء يجعلونهم في الآخرة مثل المؤمنين في الثواب، والخلاص من العقابِ، وإنما إضاف الشركاء إليهم؛ لأنهم جعلوها شركاء للَّهِ، كقوله: ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ [الروم: 40] . الثاني: أم لهم أناسٌ يشاركونهم في هذا المذهب، وهو التسوية بين المسلمين والمجرمين فليأتوا بهم إن كانوا صادقينَ في دعواهم، والمراد بيان أنه كما ليس لهم دليل عقلي، ولا دليل من كتاب يدرسونه، فليس لهم من يوافقهم من العقلاء على هذا القولِ، فدل ذلك على بطلانه» .

القلم 68:36

قوله: ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النعيم﴾ ، أي: جناتٌ ليس فيها إلا النعيمُ الخالصُ لا يشوبه ما ينغصُه كما يشوب جناتِ الدنيا. قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية، قال كفَّارُ مكة للمسلمين: إن الله تعالى فضَّلنا عليكم في الدنيا فلا بد وأن يُفضِّلنا عليكم في الآخرة، فإن لم يحصل التفضيلُ، فلا أقل من المساواةِ. فأجاب الله عن هذا الكلام بقوله: ﴿أَفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين﴾ ، أي: إن التسوية بين المُطيع والعاصي غيرُ جائزة ثم وبَّخهُمْ فقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هذا الحكم الأعوج كأن أمر الجزاءِ مفوضٌ إليكم حتى تحكموا فيه. قوله: «عِندَ ربِّهِمْ» . يجوز أن يكون منصوباً بالاستقرار، وأن يكون حالاً من «جنَّاتِ» . فصل في رد كلام القاضي قال القاضي: في الآية دليل واضح على أن وصف الإنسان بأنه مسلم ومجرم كالمتنافي، والفاسق لما كان مجرماً، وجب أن لا يكون مسلماً. وأجيب بأنه تعالى أنكر جعل المسلم مثلاً للمجرم، ولا شك أنه ليس المراد إنكار المماثلة في جميع الأمور، فإنهما متماثلان في الجوهرية، والجسمية، والحدوث، والحيوانية، وغيرها من الأمور الكثيرة، بل المراد: إنكارُ استوائهما في الإسلام والجرم، أو في آثارِ هذين الأمرينِ، فالمراد: أن يكون إنكار أثر الإسلام مساوياً لأثر جرم المجرم عند الله، وهذا لا نزاع فيه، فمن أين يدل على أن الشخص الواحد يمتنع فيه كونه مسلماً ومجرماً؟ . فصل في رد كلام الجبائي قال الجبائيُّ: دلت الآية على أن المجرم لا يكون ألبتةَ في الجنةِ؛ لأنه تعالى أنكر حصول التسوية بينهما في الثواب، بل لعله يكون ثواب المجرم أزيد من ثواب المسلم، إذا كان المجرمُ أطول عمراً من المسلم، وكانت طاعته غير محبطةٍ. والجوابُ: هذا ضعيفٌ، لأنا بينا التسوية في درجة الثوابِ، ولعلهما لا يستويان فيه بل يكون ثواب المسلمِ الذي لم يعص أكثر من ثواب من عصى، على أنا نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من المجرمين هم الكفار الذين حكى الله عنهم هذه الواقعة، لأن حمل الجمع المحلى بالألف واللام على المعهود السابق مشهور في اللغة والعرفِ. قوله: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ﴾ . أي: ألكم كتاب تجدون فيه المطيع كالعاصِي. وهذا كقوله ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ﴾ [الصافات: 156 - 157] . قوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ﴾ . العامة على كسر الهمزة، وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها معمولة ل «تَدْرُسُونَ» ، أي: تدرسون في الكتاب أن لكم ما تحتاجونه، فلما دخلت اللامُ كسرت الهمزة، كقولك: علمت أنك عاقل - بالفتح - وعلمت إنك لعاقل - بالكسر -. والثاني: أن تكون على الحكايةِ للمدروسِ كما هو، كقوله: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين سَلاَمٌ على نُوحٍ فِي العالمين} [الصافات: 78، 79] ، قالهما الزمخشري. وفي الفرق بين الوجهين عسرٌ، قال: «وتخير الشيء واختاره، أخذ خيره، كتنخله وانتخله، أخذ منخوله» . الثالث: أنها على الاستئناف على معنى «إن كَان لَكُمْ كتابٌ فلكُمْ متخير» . قال القرطبي: تم الكلام عند قوله «تَدْرسُونَ» ثم ابتدأ فقال: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لمَا تَخَيَّرُونَ﴾ أي: إن لكم في هذا الكتاب إذن ما تخيرون، أي: ليس لكم ذلك، والكناية في «فِيْهِ» الأولى والثانية راجعة إلى الكتاب. وقرأ طلحة والضحاك: «أنَّ لَكُمْ» بفتح الهمزة. وهو منصوب ب «تَدْرسُونَ» إلا أن فيه زيادة لام التأكيد، وهي نظير قراءة ﴿إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام﴾ [الفرقان: 20] بالفتح. وقرأ الأعرج وابن هرمز: «أإنَّ لَكُمْ» في الموضعين، يعني «أإنَّ لكُمْ فيْهِ لمَا تخيَّرُونَ» «أإنَّ لَكُمْ لمَا تَحْكُمونَ» بالاستفهام فيهما جميعاً. ثم إنه تعالى زاد في التوبيخ فقال: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ﴾ ، أي: عهود ومواثيق ﴿عَلَيْنَا بَالِغَةٌ﴾ مؤكدة والبالغة المؤكدة بالله تعالى، أي: أم لكم عهود على الله تعالى استوثقتم بها في أن يدخلكم الجنة. قال ابن الخطيب: والمعنى: أم ضمنا لكم، وأقسمنا لكم بأيمان مغلطة متناهية في التوكيد. قوله: «بَالِغَةٌ» . العامة على رفعها نعتاً ل «أيْمَانٌ» و ﴿إلى يَوْمِ القيامة﴾ متعلق بما تعلق به «لَكُمْ» زمن الاستقرار أي كائنة لكم إلى يوم، أو «ببالغة» ، أي: تبلغ إلى ذلك اليوم، وتنتهي إليه. وقرأ زيد بن علي والحسن: بنصبها. فقيل: على الحال من «أيْمَانٌ» لأنها تخصصت بالعمل، أو بالوصف. وقال القرطبيُّ: «على الحال من الضمير في» لَكُمْ» لأنه خبر عن «أيمانٌ» ففيه ضمير منه، وإما من الضمير في «عليْنَا» إن قدرت» علينا «وصفاً للأيمان لا متعلقاً بنفس الأيمانِ؛ لأن فيه ضميراً منه كما يكون إذا كان خبراً عنه. وقيل: من الضمير في «علينا إن قدرت علينا» وصفاً للأيمان» . وقوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ . أي: لأنفسكم من الخير والكرامة. قوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ ، جواب القسم في قوله: «أيْمانٌ» لأنها بمعنى أقسام. قوله: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ . أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين عليَّ: أيهم كفيل بما تقدم ذكره، والزعيم: الكفيل والضمين، قاله ابن عباس وقتادة، لقوله تعالى: ﴿وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] . وقال ابنُ كَيْسَان: الزعيم هنا: القائم بالحجة والدعوى. وقال الحسن: الزعيم: الرسول. قوله: «أَيُّهم» متعلق ب «سَلْهُمْ» و «بذلك» متعلق ب «زعيمٌ» ، أي: ضمين وكفيل وقد تقدم أن «سَألَ» تعلق لكونه سبباً في العلم، وأصله أن يتعدى ب «عَنْ» ، أو الباء كقوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [الفرقان: 59] ، وقوله: [الطويل] 4830 - فإنْ تَسْألُونِي بالنِّساءِ ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... والجملة في موضع نصب بعد إسقاط الخافض كما تقدم تقريره. قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ﴾ . هذه قراءة العامة. وقرأ عبد الله: ﴿أم لهم شرك فليأتوا بشركهم﴾ بلفظ المصدرِ. قال القرطبيُّ: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ﴾ ، أي: ألهم، والميم صلة، ومعنى: شركاءُ، أي: شهداء ﴿فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ يشهدون على ما زعموا ﴿إِن كَانُواْ صَادِقِينَ﴾ في دعواهم. وقيل: فليأتوا بشركائهم إن أمكنهم، فهو أمر تعجيز. وقال ابن الخطيب: «في تفسيره وجهان: الأول: أن المعنى أم لهم أشياء يعتقدون أنها شركاء لله ويعتقدون أن أولئك شركاء يجعلونهم في الآخرة مثل المؤمنين في الثواب، والخلاص من العقابِ، وإنما إضاف الشركاء إليهم؛ لأنهم جعلوها شركاء للَّهِ، كقوله: ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ [الروم: 40] . الثاني: أم لهم أناسٌ يشاركونهم في هذا المذهب، وهو التسوية بين المسلمين والمجرمين فليأتوا بهم إن كانوا صادقينَ في دعواهم، والمراد بيان أنه كما ليس لهم دليل عقلي، ولا دليل من كتاب يدرسونه، فليس لهم من يوافقهم من العقلاء على هذا القولِ، فدل ذلك على بطلانه» .

القلم 68:37

قوله: ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النعيم﴾ ، أي: جناتٌ ليس فيها إلا النعيمُ الخالصُ لا يشوبه ما ينغصُه كما يشوب جناتِ الدنيا. قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية، قال كفَّارُ مكة للمسلمين: إن الله تعالى فضَّلنا عليكم في الدنيا فلا بد وأن يُفضِّلنا عليكم في الآخرة، فإن لم يحصل التفضيلُ، فلا أقل من المساواةِ. فأجاب الله عن هذا الكلام بقوله: ﴿أَفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين﴾ ، أي: إن التسوية بين المُطيع والعاصي غيرُ جائزة ثم وبَّخهُمْ فقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هذا الحكم الأعوج كأن أمر الجزاءِ مفوضٌ إليكم حتى تحكموا فيه. قوله: «عِندَ ربِّهِمْ» . يجوز أن يكون منصوباً بالاستقرار، وأن يكون حالاً من «جنَّاتِ» . فصل في رد كلام القاضي قال القاضي: في الآية دليل واضح على أن وصف الإنسان بأنه مسلم ومجرم كالمتنافي، والفاسق لما كان مجرماً، وجب أن لا يكون مسلماً. وأجيب بأنه تعالى أنكر جعل المسلم مثلاً للمجرم، ولا شك أنه ليس المراد إنكار المماثلة في جميع الأمور، فإنهما متماثلان في الجوهرية، والجسمية، والحدوث، والحيوانية، وغيرها من الأمور الكثيرة، بل المراد: إنكارُ استوائهما في الإسلام والجرم، أو في آثارِ هذين الأمرينِ، فالمراد: أن يكون إنكار أثر الإسلام مساوياً لأثر جرم المجرم عند الله، وهذا لا نزاع فيه، فمن أين يدل على أن الشخص الواحد يمتنع فيه كونه مسلماً ومجرماً؟ . فصل في رد كلام الجبائي قال الجبائيُّ: دلت الآية على أن المجرم لا يكون ألبتةَ في الجنةِ؛ لأنه تعالى أنكر حصول التسوية بينهما في الثواب، بل لعله يكون ثواب المجرم أزيد من ثواب المسلم، إذا كان المجرمُ أطول عمراً من المسلم، وكانت طاعته غير محبطةٍ. والجوابُ: هذا ضعيفٌ، لأنا بينا التسوية في درجة الثوابِ، ولعلهما لا يستويان فيه بل يكون ثواب المسلمِ الذي لم يعص أكثر من ثواب من عصى، على أنا نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من المجرمين هم الكفار الذين حكى الله عنهم هذه الواقعة، لأن حمل الجمع المحلى بالألف واللام على المعهود السابق مشهور في اللغة والعرفِ. قوله: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ﴾ . أي: ألكم كتاب تجدون فيه المطيع كالعاصِي. وهذا كقوله ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ﴾ [الصافات: 156 - 157] . قوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ﴾ . العامة على كسر الهمزة، وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها معمولة ل «تَدْرُسُونَ» ، أي: تدرسون في الكتاب أن لكم ما تحتاجونه، فلما دخلت اللامُ كسرت الهمزة، كقولك: علمت أنك عاقل - بالفتح - وعلمت إنك لعاقل - بالكسر -. والثاني: أن تكون على الحكايةِ للمدروسِ كما هو، كقوله: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين سَلاَمٌ على نُوحٍ فِي العالمين} [الصافات: 78، 79] ، قالهما الزمخشري. وفي الفرق بين الوجهين عسرٌ، قال: «وتخير الشيء واختاره، أخذ خيره، كتنخله وانتخله، أخذ منخوله» . الثالث: أنها على الاستئناف على معنى «إن كَان لَكُمْ كتابٌ فلكُمْ متخير» . قال القرطبي: تم الكلام عند قوله «تَدْرسُونَ» ثم ابتدأ فقال: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لمَا تَخَيَّرُونَ﴾ أي: إن لكم في هذا الكتاب إذن ما تخيرون، أي: ليس لكم ذلك، والكناية في «فِيْهِ» الأولى والثانية راجعة إلى الكتاب. وقرأ طلحة والضحاك: «أنَّ لَكُمْ» بفتح الهمزة. وهو منصوب ب «تَدْرسُونَ» إلا أن فيه زيادة لام التأكيد، وهي نظير قراءة ﴿إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام﴾ [الفرقان: 20] بالفتح. وقرأ الأعرج وابن هرمز: «أإنَّ لَكُمْ» في الموضعين، يعني «أإنَّ لكُمْ فيْهِ لمَا تخيَّرُونَ» «أإنَّ لَكُمْ لمَا تَحْكُمونَ» بالاستفهام فيهما جميعاً. ثم إنه تعالى زاد في التوبيخ فقال: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ﴾ ، أي: عهود ومواثيق ﴿عَلَيْنَا بَالِغَةٌ﴾ مؤكدة والبالغة المؤكدة بالله تعالى، أي: أم لكم عهود على الله تعالى استوثقتم بها في أن يدخلكم الجنة. قال ابن الخطيب: والمعنى: أم ضمنا لكم، وأقسمنا لكم بأيمان مغلطة متناهية في التوكيد. قوله: «بَالِغَةٌ» . العامة على رفعها نعتاً ل «أيْمَانٌ» و ﴿إلى يَوْمِ القيامة﴾ متعلق بما تعلق به «لَكُمْ» زمن الاستقرار أي كائنة لكم إلى يوم، أو «ببالغة» ، أي: تبلغ إلى ذلك اليوم، وتنتهي إليه. وقرأ زيد بن علي والحسن: بنصبها. فقيل: على الحال من «أيْمَانٌ» لأنها تخصصت بالعمل، أو بالوصف. وقال القرطبيُّ: «على الحال من الضمير في» لَكُمْ» لأنه خبر عن «أيمانٌ» ففيه ضمير منه، وإما من الضمير في «عليْنَا» إن قدرت» علينا «وصفاً للأيمان لا متعلقاً بنفس الأيمانِ؛ لأن فيه ضميراً منه كما يكون إذا كان خبراً عنه. وقيل: من الضمير في «علينا إن قدرت علينا» وصفاً للأيمان» . وقوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ . أي: لأنفسكم من الخير والكرامة. قوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ ، جواب القسم في قوله: «أيْمانٌ» لأنها بمعنى أقسام. قوله: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ . أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين عليَّ: أيهم كفيل بما تقدم ذكره، والزعيم: الكفيل والضمين، قاله ابن عباس وقتادة، لقوله تعالى: ﴿وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] . وقال ابنُ كَيْسَان: الزعيم هنا: القائم بالحجة والدعوى. وقال الحسن: الزعيم: الرسول. قوله: «أَيُّهم» متعلق ب «سَلْهُمْ» و «بذلك» متعلق ب «زعيمٌ» ، أي: ضمين وكفيل وقد تقدم أن «سَألَ» تعلق لكونه سبباً في العلم، وأصله أن يتعدى ب «عَنْ» ، أو الباء كقوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [الفرقان: 59] ، وقوله: [الطويل] 4830 - فإنْ تَسْألُونِي بالنِّساءِ ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... والجملة في موضع نصب بعد إسقاط الخافض كما تقدم تقريره. قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ﴾ . هذه قراءة العامة. وقرأ عبد الله: ﴿أم لهم شرك فليأتوا بشركهم﴾ بلفظ المصدرِ. قال القرطبيُّ: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ﴾ ، أي: ألهم، والميم صلة، ومعنى: شركاءُ، أي: شهداء ﴿فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ يشهدون على ما زعموا ﴿إِن كَانُواْ صَادِقِينَ﴾ في دعواهم. وقيل: فليأتوا بشركائهم إن أمكنهم، فهو أمر تعجيز. وقال ابن الخطيب: «في تفسيره وجهان: الأول: أن المعنى أم لهم أشياء يعتقدون أنها شركاء لله ويعتقدون أن أولئك شركاء يجعلونهم في الآخرة مثل المؤمنين في الثواب، والخلاص من العقابِ، وإنما إضاف الشركاء إليهم؛ لأنهم جعلوها شركاء للَّهِ، كقوله: ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ [الروم: 40] . الثاني: أم لهم أناسٌ يشاركونهم في هذا المذهب، وهو التسوية بين المسلمين والمجرمين فليأتوا بهم إن كانوا صادقينَ في دعواهم، والمراد بيان أنه كما ليس لهم دليل عقلي، ولا دليل من كتاب يدرسونه، فليس لهم من يوافقهم من العقلاء على هذا القولِ، فدل ذلك على بطلانه» .

القلم 68:38

قوله: ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النعيم﴾ ، أي: جناتٌ ليس فيها إلا النعيمُ الخالصُ لا يشوبه ما ينغصُه كما يشوب جناتِ الدنيا. قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية، قال كفَّارُ مكة للمسلمين: إن الله تعالى فضَّلنا عليكم في الدنيا فلا بد وأن يُفضِّلنا عليكم في الآخرة، فإن لم يحصل التفضيلُ، فلا أقل من المساواةِ. فأجاب الله عن هذا الكلام بقوله: ﴿أَفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين﴾ ، أي: إن التسوية بين المُطيع والعاصي غيرُ جائزة ثم وبَّخهُمْ فقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هذا الحكم الأعوج كأن أمر الجزاءِ مفوضٌ إليكم حتى تحكموا فيه. قوله: «عِندَ ربِّهِمْ» . يجوز أن يكون منصوباً بالاستقرار، وأن يكون حالاً من «جنَّاتِ» . فصل في رد كلام القاضي قال القاضي: في الآية دليل واضح على أن وصف الإنسان بأنه مسلم ومجرم كالمتنافي، والفاسق لما كان مجرماً، وجب أن لا يكون مسلماً. وأجيب بأنه تعالى أنكر جعل المسلم مثلاً للمجرم، ولا شك أنه ليس المراد إنكار المماثلة في جميع الأمور، فإنهما متماثلان في الجوهرية، والجسمية، والحدوث، والحيوانية، وغيرها من الأمور الكثيرة، بل المراد: إنكارُ استوائهما في الإسلام والجرم، أو في آثارِ هذين الأمرينِ، فالمراد: أن يكون إنكار أثر الإسلام مساوياً لأثر جرم المجرم عند الله، وهذا لا نزاع فيه، فمن أين يدل على أن الشخص الواحد يمتنع فيه كونه مسلماً ومجرماً؟ . فصل في رد كلام الجبائي قال الجبائيُّ: دلت الآية على أن المجرم لا يكون ألبتةَ في الجنةِ؛ لأنه تعالى أنكر حصول التسوية بينهما في الثواب، بل لعله يكون ثواب المجرم أزيد من ثواب المسلم، إذا كان المجرمُ أطول عمراً من المسلم، وكانت طاعته غير محبطةٍ. والجوابُ: هذا ضعيفٌ، لأنا بينا التسوية في درجة الثوابِ، ولعلهما لا يستويان فيه بل يكون ثواب المسلمِ الذي لم يعص أكثر من ثواب من عصى، على أنا نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من المجرمين هم الكفار الذين حكى الله عنهم هذه الواقعة، لأن حمل الجمع المحلى بالألف واللام على المعهود السابق مشهور في اللغة والعرفِ. قوله: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ﴾ . أي: ألكم كتاب تجدون فيه المطيع كالعاصِي. وهذا كقوله ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ﴾ [الصافات: 156 - 157] . قوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ﴾ . العامة على كسر الهمزة، وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها معمولة ل «تَدْرُسُونَ» ، أي: تدرسون في الكتاب أن لكم ما تحتاجونه، فلما دخلت اللامُ كسرت الهمزة، كقولك: علمت أنك عاقل - بالفتح - وعلمت إنك لعاقل - بالكسر -. والثاني: أن تكون على الحكايةِ للمدروسِ كما هو، كقوله: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين سَلاَمٌ على نُوحٍ فِي العالمين} [الصافات: 78، 79] ، قالهما الزمخشري. وفي الفرق بين الوجهين عسرٌ، قال: «وتخير الشيء واختاره، أخذ خيره، كتنخله وانتخله، أخذ منخوله» . الثالث: أنها على الاستئناف على معنى «إن كَان لَكُمْ كتابٌ فلكُمْ متخير» . قال القرطبي: تم الكلام عند قوله «تَدْرسُونَ» ثم ابتدأ فقال: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لمَا تَخَيَّرُونَ﴾ أي: إن لكم في هذا الكتاب إذن ما تخيرون، أي: ليس لكم ذلك، والكناية في «فِيْهِ» الأولى والثانية راجعة إلى الكتاب. وقرأ طلحة والضحاك: «أنَّ لَكُمْ» بفتح الهمزة. وهو منصوب ب «تَدْرسُونَ» إلا أن فيه زيادة لام التأكيد، وهي نظير قراءة ﴿إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام﴾ [الفرقان: 20] بالفتح. وقرأ الأعرج وابن هرمز: «أإنَّ لَكُمْ» في الموضعين، يعني «أإنَّ لكُمْ فيْهِ لمَا تخيَّرُونَ» «أإنَّ لَكُمْ لمَا تَحْكُمونَ» بالاستفهام فيهما جميعاً. ثم إنه تعالى زاد في التوبيخ فقال: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ﴾ ، أي: عهود ومواثيق ﴿عَلَيْنَا بَالِغَةٌ﴾ مؤكدة والبالغة المؤكدة بالله تعالى، أي: أم لكم عهود على الله تعالى استوثقتم بها في أن يدخلكم الجنة. قال ابن الخطيب: والمعنى: أم ضمنا لكم، وأقسمنا لكم بأيمان مغلطة متناهية في التوكيد. قوله: «بَالِغَةٌ» . العامة على رفعها نعتاً ل «أيْمَانٌ» و ﴿إلى يَوْمِ القيامة﴾ متعلق بما تعلق به «لَكُمْ» زمن الاستقرار أي كائنة لكم إلى يوم، أو «ببالغة» ، أي: تبلغ إلى ذلك اليوم، وتنتهي إليه. وقرأ زيد بن علي والحسن: بنصبها. فقيل: على الحال من «أيْمَانٌ» لأنها تخصصت بالعمل، أو بالوصف. وقال القرطبيُّ: «على الحال من الضمير في» لَكُمْ» لأنه خبر عن «أيمانٌ» ففيه ضمير منه، وإما من الضمير في «عليْنَا» إن قدرت» علينا «وصفاً للأيمان لا متعلقاً بنفس الأيمانِ؛ لأن فيه ضميراً منه كما يكون إذا كان خبراً عنه. وقيل: من الضمير في «علينا إن قدرت علينا» وصفاً للأيمان» . وقوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ . أي: لأنفسكم من الخير والكرامة. قوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ ، جواب القسم في قوله: «أيْمانٌ» لأنها بمعنى أقسام. قوله: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ . أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين عليَّ: أيهم كفيل بما تقدم ذكره، والزعيم: الكفيل والضمين، قاله ابن عباس وقتادة، لقوله تعالى: ﴿وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] . وقال ابنُ كَيْسَان: الزعيم هنا: القائم بالحجة والدعوى. وقال الحسن: الزعيم: الرسول. قوله: «أَيُّهم» متعلق ب «سَلْهُمْ» و «بذلك» متعلق ب «زعيمٌ» ، أي: ضمين وكفيل وقد تقدم أن «سَألَ» تعلق لكونه سبباً في العلم، وأصله أن يتعدى ب «عَنْ» ، أو الباء كقوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [الفرقان: 59] ، وقوله: [الطويل] 4830 - فإنْ تَسْألُونِي بالنِّساءِ ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... والجملة في موضع نصب بعد إسقاط الخافض كما تقدم تقريره. قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ﴾ . هذه قراءة العامة. وقرأ عبد الله: ﴿أم لهم شرك فليأتوا بشركهم﴾ بلفظ المصدرِ. قال القرطبيُّ: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ﴾ ، أي: ألهم، والميم صلة، ومعنى: شركاءُ، أي: شهداء ﴿فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ يشهدون على ما زعموا ﴿إِن كَانُواْ صَادِقِينَ﴾ في دعواهم. وقيل: فليأتوا بشركائهم إن أمكنهم، فهو أمر تعجيز. وقال ابن الخطيب: «في تفسيره وجهان: الأول: أن المعنى أم لهم أشياء يعتقدون أنها شركاء لله ويعتقدون أن أولئك شركاء يجعلونهم في الآخرة مثل المؤمنين في الثواب، والخلاص من العقابِ، وإنما إضاف الشركاء إليهم؛ لأنهم جعلوها شركاء للَّهِ، كقوله: ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ [الروم: 40] . الثاني: أم لهم أناسٌ يشاركونهم في هذا المذهب، وهو التسوية بين المسلمين والمجرمين فليأتوا بهم إن كانوا صادقينَ في دعواهم، والمراد بيان أنه كما ليس لهم دليل عقلي، ولا دليل من كتاب يدرسونه، فليس لهم من يوافقهم من العقلاء على هذا القولِ، فدل ذلك على بطلانه» .

القلم 68:39

قوله: ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النعيم﴾ ، أي: جناتٌ ليس فيها إلا النعيمُ الخالصُ لا يشوبه ما ينغصُه كما يشوب جناتِ الدنيا. قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية، قال كفَّارُ مكة للمسلمين: إن الله تعالى فضَّلنا عليكم في الدنيا فلا بد وأن يُفضِّلنا عليكم في الآخرة، فإن لم يحصل التفضيلُ، فلا أقل من المساواةِ. فأجاب الله عن هذا الكلام بقوله: ﴿أَفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين﴾ ، أي: إن التسوية بين المُطيع والعاصي غيرُ جائزة ثم وبَّخهُمْ فقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هذا الحكم الأعوج كأن أمر الجزاءِ مفوضٌ إليكم حتى تحكموا فيه. قوله: «عِندَ ربِّهِمْ» . يجوز أن يكون منصوباً بالاستقرار، وأن يكون حالاً من «جنَّاتِ» . فصل في رد كلام القاضي قال القاضي: في الآية دليل واضح على أن وصف الإنسان بأنه مسلم ومجرم كالمتنافي، والفاسق لما كان مجرماً، وجب أن لا يكون مسلماً. وأجيب بأنه تعالى أنكر جعل المسلم مثلاً للمجرم، ولا شك أنه ليس المراد إنكار المماثلة في جميع الأمور، فإنهما متماثلان في الجوهرية، والجسمية، والحدوث، والحيوانية، وغيرها من الأمور الكثيرة، بل المراد: إنكارُ استوائهما في الإسلام والجرم، أو في آثارِ هذين الأمرينِ، فالمراد: أن يكون إنكار أثر الإسلام مساوياً لأثر جرم المجرم عند الله، وهذا لا نزاع فيه، فمن أين يدل على أن الشخص الواحد يمتنع فيه كونه مسلماً ومجرماً؟ . فصل في رد كلام الجبائي قال الجبائيُّ: دلت الآية على أن المجرم لا يكون ألبتةَ في الجنةِ؛ لأنه تعالى أنكر حصول التسوية بينهما في الثواب، بل لعله يكون ثواب المجرم أزيد من ثواب المسلم، إذا كان المجرمُ أطول عمراً من المسلم، وكانت طاعته غير محبطةٍ. والجوابُ: هذا ضعيفٌ، لأنا بينا التسوية في درجة الثوابِ، ولعلهما لا يستويان فيه بل يكون ثواب المسلمِ الذي لم يعص أكثر من ثواب من عصى، على أنا نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من المجرمين هم الكفار الذين حكى الله عنهم هذه الواقعة، لأن حمل الجمع المحلى بالألف واللام على المعهود السابق مشهور في اللغة والعرفِ. قوله: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ﴾ . أي: ألكم كتاب تجدون فيه المطيع كالعاصِي. وهذا كقوله ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ﴾ [الصافات: 156 - 157] . قوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ﴾ . العامة على كسر الهمزة، وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها معمولة ل «تَدْرُسُونَ» ، أي: تدرسون في الكتاب أن لكم ما تحتاجونه، فلما دخلت اللامُ كسرت الهمزة، كقولك: علمت أنك عاقل - بالفتح - وعلمت إنك لعاقل - بالكسر -. والثاني: أن تكون على الحكايةِ للمدروسِ كما هو، كقوله: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين سَلاَمٌ على نُوحٍ فِي العالمين} [الصافات: 78، 79] ، قالهما الزمخشري. وفي الفرق بين الوجهين عسرٌ، قال: «وتخير الشيء واختاره، أخذ خيره، كتنخله وانتخله، أخذ منخوله» . الثالث: أنها على الاستئناف على معنى «إن كَان لَكُمْ كتابٌ فلكُمْ متخير» . قال القرطبي: تم الكلام عند قوله «تَدْرسُونَ» ثم ابتدأ فقال: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لمَا تَخَيَّرُونَ﴾ أي: إن لكم في هذا الكتاب إذن ما تخيرون، أي: ليس لكم ذلك، والكناية في «فِيْهِ» الأولى والثانية راجعة إلى الكتاب. وقرأ طلحة والضحاك: «أنَّ لَكُمْ» بفتح الهمزة. وهو منصوب ب «تَدْرسُونَ» إلا أن فيه زيادة لام التأكيد، وهي نظير قراءة ﴿إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام﴾ [الفرقان: 20] بالفتح. وقرأ الأعرج وابن هرمز: «أإنَّ لَكُمْ» في الموضعين، يعني «أإنَّ لكُمْ فيْهِ لمَا تخيَّرُونَ» «أإنَّ لَكُمْ لمَا تَحْكُمونَ» بالاستفهام فيهما جميعاً. ثم إنه تعالى زاد في التوبيخ فقال: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ﴾ ، أي: عهود ومواثيق ﴿عَلَيْنَا بَالِغَةٌ﴾ مؤكدة والبالغة المؤكدة بالله تعالى، أي: أم لكم عهود على الله تعالى استوثقتم بها في أن يدخلكم الجنة. قال ابن الخطيب: والمعنى: أم ضمنا لكم، وأقسمنا لكم بأيمان مغلطة متناهية في التوكيد. قوله: «بَالِغَةٌ» . العامة على رفعها نعتاً ل «أيْمَانٌ» و ﴿إلى يَوْمِ القيامة﴾ متعلق بما تعلق به «لَكُمْ» زمن الاستقرار أي كائنة لكم إلى يوم، أو «ببالغة» ، أي: تبلغ إلى ذلك اليوم، وتنتهي إليه. وقرأ زيد بن علي والحسن: بنصبها. فقيل: على الحال من «أيْمَانٌ» لأنها تخصصت بالعمل، أو بالوصف. وقال القرطبيُّ: «على الحال من الضمير في» لَكُمْ» لأنه خبر عن «أيمانٌ» ففيه ضمير منه، وإما من الضمير في «عليْنَا» إن قدرت» علينا «وصفاً للأيمان لا متعلقاً بنفس الأيمانِ؛ لأن فيه ضميراً منه كما يكون إذا كان خبراً عنه. وقيل: من الضمير في «علينا إن قدرت علينا» وصفاً للأيمان» . وقوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ . أي: لأنفسكم من الخير والكرامة. قوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ ، جواب القسم في قوله: «أيْمانٌ» لأنها بمعنى أقسام. قوله: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ . أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين عليَّ: أيهم كفيل بما تقدم ذكره، والزعيم: الكفيل والضمين، قاله ابن عباس وقتادة، لقوله تعالى: ﴿وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] . وقال ابنُ كَيْسَان: الزعيم هنا: القائم بالحجة والدعوى. وقال الحسن: الزعيم: الرسول. قوله: «أَيُّهم» متعلق ب «سَلْهُمْ» و «بذلك» متعلق ب «زعيمٌ» ، أي: ضمين وكفيل وقد تقدم أن «سَألَ» تعلق لكونه سبباً في العلم، وأصله أن يتعدى ب «عَنْ» ، أو الباء كقوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [الفرقان: 59] ، وقوله: [الطويل] 4830 - فإنْ تَسْألُونِي بالنِّساءِ ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... والجملة في موضع نصب بعد إسقاط الخافض كما تقدم تقريره. قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ﴾ . هذه قراءة العامة. وقرأ عبد الله: ﴿أم لهم شرك فليأتوا بشركهم﴾ بلفظ المصدرِ. قال القرطبيُّ: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ﴾ ، أي: ألهم، والميم صلة، ومعنى: شركاءُ، أي: شهداء ﴿فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ يشهدون على ما زعموا ﴿إِن كَانُواْ صَادِقِينَ﴾ في دعواهم. وقيل: فليأتوا بشركائهم إن أمكنهم، فهو أمر تعجيز. وقال ابن الخطيب: «في تفسيره وجهان: الأول: أن المعنى أم لهم أشياء يعتقدون أنها شركاء لله ويعتقدون أن أولئك شركاء يجعلونهم في الآخرة مثل المؤمنين في الثواب، والخلاص من العقابِ، وإنما إضاف الشركاء إليهم؛ لأنهم جعلوها شركاء للَّهِ، كقوله: ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ [الروم: 40] . الثاني: أم لهم أناسٌ يشاركونهم في هذا المذهب، وهو التسوية بين المسلمين والمجرمين فليأتوا بهم إن كانوا صادقينَ في دعواهم، والمراد بيان أنه كما ليس لهم دليل عقلي، ولا دليل من كتاب يدرسونه، فليس لهم من يوافقهم من العقلاء على هذا القولِ، فدل ذلك على بطلانه» .

القلم 68:40

قوله: ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النعيم﴾ ، أي: جناتٌ ليس فيها إلا النعيمُ الخالصُ لا يشوبه ما ينغصُه كما يشوب جناتِ الدنيا. قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية، قال كفَّارُ مكة للمسلمين: إن الله تعالى فضَّلنا عليكم في الدنيا فلا بد وأن يُفضِّلنا عليكم في الآخرة، فإن لم يحصل التفضيلُ، فلا أقل من المساواةِ. فأجاب الله عن هذا الكلام بقوله: ﴿أَفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين﴾ ، أي: إن التسوية بين المُطيع والعاصي غيرُ جائزة ثم وبَّخهُمْ فقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هذا الحكم الأعوج كأن أمر الجزاءِ مفوضٌ إليكم حتى تحكموا فيه. قوله: «عِندَ ربِّهِمْ» . يجوز أن يكون منصوباً بالاستقرار، وأن يكون حالاً من «جنَّاتِ» . فصل في رد كلام القاضي قال القاضي: في الآية دليل واضح على أن وصف الإنسان بأنه مسلم ومجرم كالمتنافي، والفاسق لما كان مجرماً، وجب أن لا يكون مسلماً. وأجيب بأنه تعالى أنكر جعل المسلم مثلاً للمجرم، ولا شك أنه ليس المراد إنكار المماثلة في جميع الأمور، فإنهما متماثلان في الجوهرية، والجسمية، والحدوث، والحيوانية، وغيرها من الأمور الكثيرة، بل المراد: إنكارُ استوائهما في الإسلام والجرم، أو في آثارِ هذين الأمرينِ، فالمراد: أن يكون إنكار أثر الإسلام مساوياً لأثر جرم المجرم عند الله، وهذا لا نزاع فيه، فمن أين يدل على أن الشخص الواحد يمتنع فيه كونه مسلماً ومجرماً؟ . فصل في رد كلام الجبائي قال الجبائيُّ: دلت الآية على أن المجرم لا يكون ألبتةَ في الجنةِ؛ لأنه تعالى أنكر حصول التسوية بينهما في الثواب، بل لعله يكون ثواب المجرم أزيد من ثواب المسلم، إذا كان المجرمُ أطول عمراً من المسلم، وكانت طاعته غير محبطةٍ. والجوابُ: هذا ضعيفٌ، لأنا بينا التسوية في درجة الثوابِ، ولعلهما لا يستويان فيه بل يكون ثواب المسلمِ الذي لم يعص أكثر من ثواب من عصى، على أنا نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من المجرمين هم الكفار الذين حكى الله عنهم هذه الواقعة، لأن حمل الجمع المحلى بالألف واللام على المعهود السابق مشهور في اللغة والعرفِ. قوله: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ﴾ . أي: ألكم كتاب تجدون فيه المطيع كالعاصِي. وهذا كقوله ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ﴾ [الصافات: 156 - 157] . قوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ﴾ . العامة على كسر الهمزة، وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها معمولة ل «تَدْرُسُونَ» ، أي: تدرسون في الكتاب أن لكم ما تحتاجونه، فلما دخلت اللامُ كسرت الهمزة، كقولك: علمت أنك عاقل - بالفتح - وعلمت إنك لعاقل - بالكسر -. والثاني: أن تكون على الحكايةِ للمدروسِ كما هو، كقوله: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين سَلاَمٌ على نُوحٍ فِي العالمين} [الصافات: 78، 79] ، قالهما الزمخشري. وفي الفرق بين الوجهين عسرٌ، قال: «وتخير الشيء واختاره، أخذ خيره، كتنخله وانتخله، أخذ منخوله» . الثالث: أنها على الاستئناف على معنى «إن كَان لَكُمْ كتابٌ فلكُمْ متخير» . قال القرطبي: تم الكلام عند قوله «تَدْرسُونَ» ثم ابتدأ فقال: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لمَا تَخَيَّرُونَ﴾ أي: إن لكم في هذا الكتاب إذن ما تخيرون، أي: ليس لكم ذلك، والكناية في «فِيْهِ» الأولى والثانية راجعة إلى الكتاب. وقرأ طلحة والضحاك: «أنَّ لَكُمْ» بفتح الهمزة. وهو منصوب ب «تَدْرسُونَ» إلا أن فيه زيادة لام التأكيد، وهي نظير قراءة ﴿إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام﴾ [الفرقان: 20] بالفتح. وقرأ الأعرج وابن هرمز: «أإنَّ لَكُمْ» في الموضعين، يعني «أإنَّ لكُمْ فيْهِ لمَا تخيَّرُونَ» «أإنَّ لَكُمْ لمَا تَحْكُمونَ» بالاستفهام فيهما جميعاً. ثم إنه تعالى زاد في التوبيخ فقال: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ﴾ ، أي: عهود ومواثيق ﴿عَلَيْنَا بَالِغَةٌ﴾ مؤكدة والبالغة المؤكدة بالله تعالى، أي: أم لكم عهود على الله تعالى استوثقتم بها في أن يدخلكم الجنة. قال ابن الخطيب: والمعنى: أم ضمنا لكم، وأقسمنا لكم بأيمان مغلطة متناهية في التوكيد. قوله: «بَالِغَةٌ» . العامة على رفعها نعتاً ل «أيْمَانٌ» و ﴿إلى يَوْمِ القيامة﴾ متعلق بما تعلق به «لَكُمْ» زمن الاستقرار أي كائنة لكم إلى يوم، أو «ببالغة» ، أي: تبلغ إلى ذلك اليوم، وتنتهي إليه. وقرأ زيد بن علي والحسن: بنصبها. فقيل: على الحال من «أيْمَانٌ» لأنها تخصصت بالعمل، أو بالوصف. وقال القرطبيُّ: «على الحال من الضمير في» لَكُمْ» لأنه خبر عن «أيمانٌ» ففيه ضمير منه، وإما من الضمير في «عليْنَا» إن قدرت» علينا «وصفاً للأيمان لا متعلقاً بنفس الأيمانِ؛ لأن فيه ضميراً منه كما يكون إذا كان خبراً عنه. وقيل: من الضمير في «علينا إن قدرت علينا» وصفاً للأيمان» . وقوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ . أي: لأنفسكم من الخير والكرامة. قوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ ، جواب القسم في قوله: «أيْمانٌ» لأنها بمعنى أقسام. قوله: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ . أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين عليَّ: أيهم كفيل بما تقدم ذكره، والزعيم: الكفيل والضمين، قاله ابن عباس وقتادة، لقوله تعالى: ﴿وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] . وقال ابنُ كَيْسَان: الزعيم هنا: القائم بالحجة والدعوى. وقال الحسن: الزعيم: الرسول. قوله: «أَيُّهم» متعلق ب «سَلْهُمْ» و «بذلك» متعلق ب «زعيمٌ» ، أي: ضمين وكفيل وقد تقدم أن «سَألَ» تعلق لكونه سبباً في العلم، وأصله أن يتعدى ب «عَنْ» ، أو الباء كقوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [الفرقان: 59] ، وقوله: [الطويل] 4830 - فإنْ تَسْألُونِي بالنِّساءِ ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... والجملة في موضع نصب بعد إسقاط الخافض كما تقدم تقريره. قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ﴾ . هذه قراءة العامة. وقرأ عبد الله: ﴿أم لهم شرك فليأتوا بشركهم﴾ بلفظ المصدرِ. قال القرطبيُّ: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ﴾ ، أي: ألهم، والميم صلة، ومعنى: شركاءُ، أي: شهداء ﴿فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ يشهدون على ما زعموا ﴿إِن كَانُواْ صَادِقِينَ﴾ في دعواهم. وقيل: فليأتوا بشركائهم إن أمكنهم، فهو أمر تعجيز. وقال ابن الخطيب: «في تفسيره وجهان: الأول: أن المعنى أم لهم أشياء يعتقدون أنها شركاء لله ويعتقدون أن أولئك شركاء يجعلونهم في الآخرة مثل المؤمنين في الثواب، والخلاص من العقابِ، وإنما إضاف الشركاء إليهم؛ لأنهم جعلوها شركاء للَّهِ، كقوله: ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ [الروم: 40] . الثاني: أم لهم أناسٌ يشاركونهم في هذا المذهب، وهو التسوية بين المسلمين والمجرمين فليأتوا بهم إن كانوا صادقينَ في دعواهم، والمراد بيان أنه كما ليس لهم دليل عقلي، ولا دليل من كتاب يدرسونه، فليس لهم من يوافقهم من العقلاء على هذا القولِ، فدل ذلك على بطلانه» .

القلم 68:41

قوله: ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النعيم﴾ ، أي: جناتٌ ليس فيها إلا النعيمُ الخالصُ لا يشوبه ما ينغصُه كما يشوب جناتِ الدنيا. قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية، قال كفَّارُ مكة للمسلمين: إن الله تعالى فضَّلنا عليكم في الدنيا فلا بد وأن يُفضِّلنا عليكم في الآخرة، فإن لم يحصل التفضيلُ، فلا أقل من المساواةِ. فأجاب الله عن هذا الكلام بقوله: ﴿أَفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين﴾ ، أي: إن التسوية بين المُطيع والعاصي غيرُ جائزة ثم وبَّخهُمْ فقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هذا الحكم الأعوج كأن أمر الجزاءِ مفوضٌ إليكم حتى تحكموا فيه. قوله: «عِندَ ربِّهِمْ» . يجوز أن يكون منصوباً بالاستقرار، وأن يكون حالاً من «جنَّاتِ» . فصل في رد كلام القاضي قال القاضي: في الآية دليل واضح على أن وصف الإنسان بأنه مسلم ومجرم كالمتنافي، والفاسق لما كان مجرماً، وجب أن لا يكون مسلماً. وأجيب بأنه تعالى أنكر جعل المسلم مثلاً للمجرم، ولا شك أنه ليس المراد إنكار المماثلة في جميع الأمور، فإنهما متماثلان في الجوهرية، والجسمية، والحدوث، والحيوانية، وغيرها من الأمور الكثيرة، بل المراد: إنكارُ استوائهما في الإسلام والجرم، أو في آثارِ هذين الأمرينِ، فالمراد: أن يكون إنكار أثر الإسلام مساوياً لأثر جرم المجرم عند الله، وهذا لا نزاع فيه، فمن أين يدل على أن الشخص الواحد يمتنع فيه كونه مسلماً ومجرماً؟ . فصل في رد كلام الجبائي قال الجبائيُّ: دلت الآية على أن المجرم لا يكون ألبتةَ في الجنةِ؛ لأنه تعالى أنكر حصول التسوية بينهما في الثواب، بل لعله يكون ثواب المجرم أزيد من ثواب المسلم، إذا كان المجرمُ أطول عمراً من المسلم، وكانت طاعته غير محبطةٍ. والجوابُ: هذا ضعيفٌ، لأنا بينا التسوية في درجة الثوابِ، ولعلهما لا يستويان فيه بل يكون ثواب المسلمِ الذي لم يعص أكثر من ثواب من عصى، على أنا نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من المجرمين هم الكفار الذين حكى الله عنهم هذه الواقعة، لأن حمل الجمع المحلى بالألف واللام على المعهود السابق مشهور في اللغة والعرفِ. قوله: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ﴾ . أي: ألكم كتاب تجدون فيه المطيع كالعاصِي. وهذا كقوله ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ﴾ [الصافات: 156 - 157] . قوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ﴾ . العامة على كسر الهمزة، وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها معمولة ل «تَدْرُسُونَ» ، أي: تدرسون في الكتاب أن لكم ما تحتاجونه، فلما دخلت اللامُ كسرت الهمزة، كقولك: علمت أنك عاقل - بالفتح - وعلمت إنك لعاقل - بالكسر -. والثاني: أن تكون على الحكايةِ للمدروسِ كما هو، كقوله: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين سَلاَمٌ على نُوحٍ فِي العالمين} [الصافات: 78، 79] ، قالهما الزمخشري. وفي الفرق بين الوجهين عسرٌ، قال: «وتخير الشيء واختاره، أخذ خيره، كتنخله وانتخله، أخذ منخوله» . الثالث: أنها على الاستئناف على معنى «إن كَان لَكُمْ كتابٌ فلكُمْ متخير» . قال القرطبي: تم الكلام عند قوله «تَدْرسُونَ» ثم ابتدأ فقال: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لمَا تَخَيَّرُونَ﴾ أي: إن لكم في هذا الكتاب إذن ما تخيرون، أي: ليس لكم ذلك، والكناية في «فِيْهِ» الأولى والثانية راجعة إلى الكتاب. وقرأ طلحة والضحاك: «أنَّ لَكُمْ» بفتح الهمزة. وهو منصوب ب «تَدْرسُونَ» إلا أن فيه زيادة لام التأكيد، وهي نظير قراءة ﴿إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام﴾ [الفرقان: 20] بالفتح. وقرأ الأعرج وابن هرمز: «أإنَّ لَكُمْ» في الموضعين، يعني «أإنَّ لكُمْ فيْهِ لمَا تخيَّرُونَ» «أإنَّ لَكُمْ لمَا تَحْكُمونَ» بالاستفهام فيهما جميعاً. ثم إنه تعالى زاد في التوبيخ فقال: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ﴾ ، أي: عهود ومواثيق ﴿عَلَيْنَا بَالِغَةٌ﴾ مؤكدة والبالغة المؤكدة بالله تعالى، أي: أم لكم عهود على الله تعالى استوثقتم بها في أن يدخلكم الجنة. قال ابن الخطيب: والمعنى: أم ضمنا لكم، وأقسمنا لكم بأيمان مغلطة متناهية في التوكيد. قوله: «بَالِغَةٌ» . العامة على رفعها نعتاً ل «أيْمَانٌ» و ﴿إلى يَوْمِ القيامة﴾ متعلق بما تعلق به «لَكُمْ» زمن الاستقرار أي كائنة لكم إلى يوم، أو «ببالغة» ، أي: تبلغ إلى ذلك اليوم، وتنتهي إليه. وقرأ زيد بن علي والحسن: بنصبها. فقيل: على الحال من «أيْمَانٌ» لأنها تخصصت بالعمل، أو بالوصف. وقال القرطبيُّ: «على الحال من الضمير في» لَكُمْ» لأنه خبر عن «أيمانٌ» ففيه ضمير منه، وإما من الضمير في «عليْنَا» إن قدرت» علينا «وصفاً للأيمان لا متعلقاً بنفس الأيمانِ؛ لأن فيه ضميراً منه كما يكون إذا كان خبراً عنه. وقيل: من الضمير في «علينا إن قدرت علينا» وصفاً للأيمان» . وقوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ . أي: لأنفسكم من الخير والكرامة. قوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ ، جواب القسم في قوله: «أيْمانٌ» لأنها بمعنى أقسام. قوله: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ . أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين عليَّ: أيهم كفيل بما تقدم ذكره، والزعيم: الكفيل والضمين، قاله ابن عباس وقتادة، لقوله تعالى: ﴿وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] . وقال ابنُ كَيْسَان: الزعيم هنا: القائم بالحجة والدعوى. وقال الحسن: الزعيم: الرسول. قوله: «أَيُّهم» متعلق ب «سَلْهُمْ» و «بذلك» متعلق ب «زعيمٌ» ، أي: ضمين وكفيل وقد تقدم أن «سَألَ» تعلق لكونه سبباً في العلم، وأصله أن يتعدى ب «عَنْ» ، أو الباء كقوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [الفرقان: 59] ، وقوله: [الطويل] 4830 - فإنْ تَسْألُونِي بالنِّساءِ ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... والجملة في موضع نصب بعد إسقاط الخافض كما تقدم تقريره. قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ﴾ . هذه قراءة العامة. وقرأ عبد الله: ﴿أم لهم شرك فليأتوا بشركهم﴾ بلفظ المصدرِ. قال القرطبيُّ: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ﴾ ، أي: ألهم، والميم صلة، ومعنى: شركاءُ، أي: شهداء ﴿فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ يشهدون على ما زعموا ﴿إِن كَانُواْ صَادِقِينَ﴾ في دعواهم. وقيل: فليأتوا بشركائهم إن أمكنهم، فهو أمر تعجيز. وقال ابن الخطيب: «في تفسيره وجهان: الأول: أن المعنى أم لهم أشياء يعتقدون أنها شركاء لله ويعتقدون أن أولئك شركاء يجعلونهم في الآخرة مثل المؤمنين في الثواب، والخلاص من العقابِ، وإنما إضاف الشركاء إليهم؛ لأنهم جعلوها شركاء للَّهِ، كقوله: ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ [الروم: 40] . الثاني: أم لهم أناسٌ يشاركونهم في هذا المذهب، وهو التسوية بين المسلمين والمجرمين فليأتوا بهم إن كانوا صادقينَ في دعواهم، والمراد بيان أنه كما ليس لهم دليل عقلي، ولا دليل من كتاب يدرسونه، فليس لهم من يوافقهم من العقلاء على هذا القولِ، فدل ذلك على بطلانه» .

القلم 68:42

ثم إنه تعالى لما أبطل قولهم شرح بعده عظمة يوم القيامة، وهو قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ «يَوْمَ» منصوب بقوله «فليَأتُوا» أي: فليأتوا بشركائهم يوم يكشفُ عن ساق ليشفع الشركاء لهم وحينئذ لا يوقف على «صَادِقينَ» . أو بإضمارِ «اذْكُرْ» فيكون مفعولاً به، أو بمحذوفٍ وهو ظرف، أي: يوم يكشف يكون كيت وكيت. أو ب «خَاشِعةً» . قاله أبو البقاء. و «عَنْ ساقٍ» قائم مقام الفاعل. وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة: «تكشف» بالتاء من فوق مبنياً للفاعل، أي: الشدة والساعة. وعنه أيضاً كذلك: مبنياً للمفعول. وهي مشكلة، لأن التأنيث لا معنى له هاهنا إلا أن يقال: إن المفعول مستتر، أي: تكشف هي، أي: الشدة، ويتعلق «عَنْ ساقٍ» بمحذوف، أي: تكشف عن ساقها. ولذلك قال الزمخشري: «وتكشف» بالتاء مبنياً للفاعل والمفعول جميعاً، والفعل للساعة، أو الحال: أي يشتد الحال، أو الساعة. وقرىء: «ويُكشِفُ» - بضم التاء أو الياء وكسر الشين - من «أكشف» إذا دخل في الكشف، وأكشف الرجل إذا انقلبت شفته العليا لانكشاف ما تحتها. ويقال له أيضاً: أخلع وكشف الساق كناية عن الشدة. قال الراجز: [الرجز] 4831 - عَجِبْتُ مِنْ نَفْسِي ومِنْ إشْفَاقِهَا ... ومِنْ طِرَادِي الطَّيْرَ عَنْ أرْزَاقِهَا في سَنةٍ قَدْ كشَفَتْ عَنْ سَاقِهَا ... حَمْرَاءِ َبْرِي اللَّحْمَ عَنْ عُراقِهَا وقال حاتم الطائيُّ: [الطويل] 4832 - أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ به الحَرْبُ عضَّهَا ... وإنْ شَمَّرْتَ عَنْ سَاقهَا الحَرْبُ شَمَّرَا وقال الآخر: [مجزوء الكامل] 4833 - كَشفَتْ لَهُمْ عَنْ سَاقِهَا ... وبَدَا مِنَ الشَّرِّ البَواحُ وقال الراجز: [الرجز] 4834 - أ - قَدْ شَمرَتْ عَنْ سَاقِهَا فشُدُّوا ... وجَدَّتِ الحَرْبُ بِكُمْ فَجِدُّوا وقال الآخر: [السريع، أو الرجز] 4834 - ب - صَبْراً أُمامُ إنَّهُ شَرُّ بَاقْ ... وقَامتِ الحَرْبُ بِنَا على سَاقْ قال الزمخشريُّ: الكشفُ عن الساق والإبداء عن الخدام مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدراتِ عن سوقهن في الهرب وإبداء خدامهن عند ذلك؛ قال حاتم: 4835 - أ - أخو الحَرْبِ ... ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . وقال ابن قيس الرُّقيَّاتِ: [الخفيف] 4835 - ب - تُذِهِلُ الشَّيْخَ عنْ بنيهِ وتُبْدِي ... عَنْ خِدَامِ العَقيلَةُ العَذْراءُ انتهى. فصل في «الساق» قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ ، قال: كرب وشدة. وعن مجاهد: شدة الأمر وحده. وروى مجاهد عن ابن عباس قال: أشد ساعةٍ في القيامة. وقال أبو عبيدة: إذا اشتد الأمر، أو الحرب قيل كشف الأمر عن ساقه. والأصل فيه: أن من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجد، شمر عن ساقه، فاستعير الساق والكشف عنها في موضع الشدة. وقيل: ساق الشيء: أصله الذي به قوامه كساق الشجرة، وساق الإنسان، أي: يوم يكشفُ عن أصل الأمر، فتظهر حقائق الأمور، وأصلها. وقيل: يكشف عن ساق جهنم. وقيل: عن ساق العرش. وقيل: يريد وقت اقتراب الأجل وضعف البدن، أي: يكشف المريض عن ساقه ليبصر ضعفه، ويدعوه المؤذنون إلى الصلاة، فلا يمكنه أن يقوم، ويخرج. فصل في تأويل «الساق» قال القرطبيُّ: فأما ما روي الله تعالى يكشف عن ساقه، فإنه - عَزَّ وَجَلَّ - يتعالى عن الأعضاء، والأبعاض، وأن ينكشف، ويتغطى، ومعناه أن يكشف عن العظيم من أمره وقيل: «يكشف عن نوره عَزَّ وَجَلَّ» . ؟؟؟ وروى أبو موسى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى ﴿عَنْ سَاقٍ﴾ قال: يكشف عن نورٍ عظيمٍ يخِرُّونَ لهُ سُجَّداً. وروى أبو بردة عن أبي موسى قال: حدثني أبي قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامةِ مثِّل لِكُلِّ قَوْمٍ مَا كَانُوا يَعْبدُونَ فِي الدُّنيَا فيَذْهبُ كُل قَوْمٍ إلى مَا كَانُوا يَعَبْدُون ويبقى أهلُ التَّوحيدِ، فيقال لهم: ما تَنْتَظِرُونَ، وقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ، فيقولون: لنَا رَبٌّ كنَّا نَعْبدُهُ في الدُّنيَا، ولَمْ نَرَهُ، قال: وتعْرِفُونهُ إذَا رأيتمُوهُ؟ فيقولون: نَعَم، فيُقَالُ لَهُمْ: فَكيْفَ تعرفونه، ولَمْ تَرَوهُ؟ قالوا: إنه لا شبيهَ لَهُ، فيكشفُ لَهُم الحجابُ، فينْظُرونَ إلى اللَّهِ تعالى، فيخِرُّونَ لَهُ سُجَّداً، ويبقى أقوامٌ ظُهُورُهُمْ كَصَياصِي البَقرِ، فينْظرُونَ إلى اللَّهِ تعالى فيريدون السُّجُودَ، فلا يَسْتطِيْعُونَ، فَذلكَ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ فيقول الله تعالى: عبادي ارفعوا رءوسكم، فقد جعلت بدل كل رجل منكم رجلاً من اليهود والنصارى في النار» ، قال أبو بردةُ: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال: الله الذي لا إله إلا هو لقد حدثك أبوك بهذا الحديث؟ فحلف له ثلاثة أيمانٍ، فقال عمر: سمعتُ في أهل التوحيد حديثاً هو أحب إليَّ من هذا. قوله ﴿خَاشِعَةٌ﴾ . حال من مرفوع «يُدْعَونَ» و «أبْصَارهُمْ» فاعل به، ونسب الخشوع للأبصار وإن كانت الأعضاء كُلها كذلك لظهور أثره فيها. وقوله: «وهُمْ سَالِمُونَ» . حال من مرفوع «يُدعَونَ» الثانية. ومعنى ﴿خَاشِعَةٌ أَبْصَارُهُمْ﴾ ، أي: متواضعةٌ «تَرْهقُهُمْ ذلَّةٌ» وذلك أن المؤمنين يرفعون رءوسهم، ووجوههم أشد بياضاً من الثلج، وتسود وجوه الكافرين والمنافقين حتى ترجع أشد سواداً من القار. فصل في تقرير كلام أهل اللغة في الساق قال ابن الخطيب بعد أن حكى أقوال أهلِ اللغةِ في الكشف عن الساق: واعلم أن هذا اعتراف من أهل اللغة بأن استعماله في الشدة مجاز، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز صرف الكلامِ إلى المجاز إلا بعد تعذر حمله على الحقيقة، فإذا أقمنا الدلائل القاطعة على أنه تعالى يستحيل أن يكون جسماً، فيجب حينئذٍ صرف هذا اللفظ إلى المجاز. واعلم أن صاحب الكشَّاف أورد هذا التأويل في معرض آخر، فقال: الكشف عن السَّاق مثلٌ في شدَّة الأمر، فمعنى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ يوم يشتد، ويتعاظم، ولا كشف ثمَّ ولا ساقَ، كما تقول: الشحيح يده مغلولة، ولا يد ثمَّ، ولا غل، وإنما هو مثل في البخلِ، ثم أخذ يعظم علم البيانِ ويقول: لولاه ما وقفنا على هذه الأسرارِ، وأقولُ: إما أن يدعي أنه يجوز صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل، أو تقول: لا يجوز ذلك إلا بعد امتناع حمله على الحقيقة، والأول باطل بالإجماع، ولأنا إن جوزنا ذلك انفتحت أبواب تأويلات الفلاسفةِ في أمر المعاد، فإنهم يقولون في قوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ [الحج: 23] ليس هناك أنهار ولا أشجار، وإنما هو مثل للّذة والسعادة ويقولون في قوله تعالى: ﴿اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: 77] وليس هناك ركوع ولا سجود وإنما هو مثل للتعظيم، ومعلوم أن ذلك يفضي إلى رفع الشرائع، وفساد الدينِ، وأما من قال: إنه لا يصار إلى التأويل، إلا عند قيام الدليل على أنه لا يجوز حمله على ظاهره، فهذا قولُ كُلِّ أحد من المتكلمين، فأين الدقائق التي استند هو بمعرفتها والاطلاع عليها بواسطةِ علم البيان، ثم إن قال بعد أن حكى القول بأن المراد بالساق جهنم، أو ساق العرش، أو ساق ملك عظيم إن اللفظ لا يدل إلا على ساق، وأما أي شيء هو فليس في اللفظ ما يدل عليه، ثم ذكر حديث ابن مسعود عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أنَّهُ تعالى يتَمثَّلُ للخَلْق يَوْمَ القِيامةِ حِيْنَ يَمُرُّ المُسْلمُونَ فيقول: مَنْ تَعْبُدُونَ؟ فيقولون: نَعْبُدُ اللَّهَ فيُشْهدُهمْ مرَّتينِ، أو ثلاثاً، ثُمَّ يقُولَ: هَلْ تَعْرفُون ربَّكُمْ؟ فيقولون: لَوْ عرَّفنَا نَفسَهُ عرفْناهُ، فعِنْدَ ذلِكَ يُكْشَفُ عن سَاقٍ فَلا يَبْقَى مُؤمِنٌ إلاَّ خَرَّ للَّه ساجِداً، ويَبْقَى المُنافِقُونَ ظُهُورهُمْ كالطَّبَقِ الوَاحدِ، كأنَّما فيهَا السَّفافِيدُ» . قال: واعلم أن هذا القول باطل لوجوه: أحدها: أن الدلائل دلت على أن كل جسم متناهي وكل متناهٍ محدث، وأنّ كلَّ جسم ممكن وكل ممكن محدث. وثانيها: أنه لو كان المراد ذلك لكان من حق الساق أن يعرف أنها ساق مخصوصة معهودة عنده، وهي ساق الرحمن، أما إذا أجملت ففائدة التنكير: الدلالة على التعظيم، كأنه قال: يوم يكشف عن شدة، وأي شدة لا يمكن وصفها. وثالثها: أن التعريف لا يحصل بالكشف عن الساق، وإنما يحصل بكشف الوجه، ثم حكى قول أبي مسلم: بأنه لا يمكن حمله على يوم القيامة؛ لأنه تعالى قال في وصفه: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود﴾ ويوم القيامة ليس فيها تعبد، ولا تكليف، بل المراد منه إما آخر أيام الرجل في دنياه، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: 22] ، وقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: 158] الآية لأنه الوقت الذي لا تنفع نفساً إيمانها، وإما حال المرض والهرم والعجز، ثم إنه يرى الناس يدعون إلى الصلاة إذا حضرت أوقاتها، وهو لا يستطيع الصلاة ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ مما بهم الآن من الشدة النازلة بهم من هول ما عاينوا عند الموت، أو من العجز والهرم، ونظير هذه الآية ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم﴾ [الواقعة: 83] . ثم قال: واعلم أنه لا نزاع في أنه يمكن حمل اللفظ على ما قال أبو مسلم، ثم قال: فأما قوله: «إنه لا يمكن حمله على يوم القيامة بسبب أن الأمر بالسجود حاصل في الدنيا والتكاليف زائلة يوم القيامة» . فجوابه: أن ذلك لا يكون على سبيل التكليف بل على سبيل التقريع والتخجيل فلم قلت: إن ذلك غير جائزٍ. قوله ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود﴾ في الدنيا ﴿وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ معافون أصحاء. قال إبراهيم التيمي: أي: يدعون بالأذان، والإقامة، فيأبون. وقال سعيد بن جبيرٍ: كانوا يسمعون حيّ على الفلاح، فلا يجيبون، وهم سالمون أصحاء. وقال كعبُ الأحبار: والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات. وقيل: أي: بالتكليف الموجه عليهم في الشرع. قوله: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بهذا الحديث﴾ ، أي: فدعني والمكذبين بالقرآن وخلّ بيني وبينهم. وقال الزجاجُ: لا تشغل بالك به كِلْهُ إليّ، فإني أكفيك أمره. و «مَنْ» منصوب إما نسقاً على ضمير المتكلم، أو مفعول معه، وهو مرجوح؛ لإمكان النسق من غير ضعف، وتقدم إعراب ما بعده. فصل في مناسبة الآية لما قبلها لما خوف الكفار بعظمة يوم القيامة زاد في التخويف مما عنده، وفي قدرته من القهر، يقال: ذَرْنِي وإياه أي كِلْهُ إليّ، فأنا أكفيكه. قال السديُّ: والمراد بالحديث القرآن. وقيل: يوم القيامةِ، وهذا تسلية للنبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ، أي: سنأخذهم على غفلة، وهم لا يعرفون، فعذبوا يوم بدر. وقال سفيان الثوري: نسبغ عليهم النعم، وننسيهم الشكر. وقال الحسن: كم مستدرجٍ بالإحسان إليه، وكم مفتون بالثناء عليه، وكم مغرورٍ بالستر عليه. وقال أبو روق: كلما أحدثوا الخطيئة جددنا لهم نعمة، وأنسيناهم الاستغفار. قال ابن عباسٍ: سنمكر بهم، وروي أن رجلاً من بني إسرائيل قال: يا ربِّ، كم أعصيك وأنت لا تعاقبني، فأوحى اللَّهُ إلى نبي زمانهم أن قُلْ له: كَمْ مِنْ عقُوبَةٍ لِي عليكَ وأنْتَ لا تَشْعرُ أنَّ جُمُودَ عَيْنِك، وقساوة قلبك استدراجٌ منِّي، وعقُوبةٌ لو عقَلْتَ. والاستدراج: ترك المعالجة، وأصله النقل من حال إلى حال كالتدريج. ومنه قيل: درجات، وهي منزلة واستدرج فلان فلاناً، أي: استخرج ما عنده قليلاً قليلاً، ويقال: درجه إلى كذا، واستدرجه بمعنى أدناه على التدريج، فتدرج. ومعنى الآية: إنا لما أنعمنا عليهم اعتقدوا أن ذلك الإنعام تفضيل لهم على المؤمنين، وهو في الحقيقة يسبب هلاكهم. قوله: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أي: أمهلهم، وأطيل لهم المدة، كقوله ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً﴾ [آل عمران: 178] والملاوة: المدة من الدهر، وأملى الله له، أي: أطال له، والملوان: الليل والنهار. وقيل: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ ، أي: لا أعاجلهم بالموت، والمعنى واحد، والملا مقصور: الأرضِ الواسعة سميت بها لامتدادها ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي: إن عذابي لقوي شديد؛ فلا يفوتني أحد، وسمى إحسانه كيداً كما سماه استدراجاً في صورة الكيدِ ووصفه بالمتانة لقوة أثر استحسانه في السبب للهلاك. فصل في إرادة الكائنات قال ابن الخطيبِ: تمسك الأصحاب بهذه الآية في مسألة إرادة الكائنات، لأن هذا الاستدراج والكيد إن لم يكن لهما أثر في الطغيان، فليسا بكيد، ولا استدراج، وإن كان لهما أثر فيه لزم أن يكون الحق سبحانه مريداً له، لأن من فعل شيئاً لحصول شيء وأكده وقواه لا بد وأن يكون مريداً لحصول ذلك الشيء. أجاب الكعبيُّ: بأن المراد استدراجهم إلى الموتِ، أي: يخفى عنهم زمن الموت من حيثُ لا يعلمون، وهو مقتضى الحكمة، وإلا لكان فيه إغراء بالمعاصي، لأنهم لو عرفوا الوقت الذي يموتون فيه أقدموا على المعاصي، ثم صاروا مفتنين.

القلم 68:43

ثم إنه تعالى لما أبطل قولهم شرح بعده عظمة يوم القيامة، وهو قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ «يَوْمَ» منصوب بقوله «فليَأتُوا» أي: فليأتوا بشركائهم يوم يكشفُ عن ساق ليشفع الشركاء لهم وحينئذ لا يوقف على «صَادِقينَ» . أو بإضمارِ «اذْكُرْ» فيكون مفعولاً به، أو بمحذوفٍ وهو ظرف، أي: يوم يكشف يكون كيت وكيت. أو ب «خَاشِعةً» . قاله أبو البقاء. و «عَنْ ساقٍ» قائم مقام الفاعل. وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة: «تكشف» بالتاء من فوق مبنياً للفاعل، أي: الشدة والساعة. وعنه أيضاً كذلك: مبنياً للمفعول. وهي مشكلة، لأن التأنيث لا معنى له هاهنا إلا أن يقال: إن المفعول مستتر، أي: تكشف هي، أي: الشدة، ويتعلق «عَنْ ساقٍ» بمحذوف، أي: تكشف عن ساقها. ولذلك قال الزمخشري: «وتكشف» بالتاء مبنياً للفاعل والمفعول جميعاً، والفعل للساعة، أو الحال: أي يشتد الحال، أو الساعة. وقرىء: «ويُكشِفُ» - بضم التاء أو الياء وكسر الشين - من «أكشف» إذا دخل في الكشف، وأكشف الرجل إذا انقلبت شفته العليا لانكشاف ما تحتها. ويقال له أيضاً: أخلع وكشف الساق كناية عن الشدة. قال الراجز: [الرجز] 4831 - عَجِبْتُ مِنْ نَفْسِي ومِنْ إشْفَاقِهَا ... ومِنْ طِرَادِي الطَّيْرَ عَنْ أرْزَاقِهَا في سَنةٍ قَدْ كشَفَتْ عَنْ سَاقِهَا ... حَمْرَاءِ َبْرِي اللَّحْمَ عَنْ عُراقِهَا وقال حاتم الطائيُّ: [الطويل] 4832 - أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ به الحَرْبُ عضَّهَا ... وإنْ شَمَّرْتَ عَنْ سَاقهَا الحَرْبُ شَمَّرَا وقال الآخر: [مجزوء الكامل] 4833 - كَشفَتْ لَهُمْ عَنْ سَاقِهَا ... وبَدَا مِنَ الشَّرِّ البَواحُ وقال الراجز: [الرجز] 4834 - أ - قَدْ شَمرَتْ عَنْ سَاقِهَا فشُدُّوا ... وجَدَّتِ الحَرْبُ بِكُمْ فَجِدُّوا وقال الآخر: [السريع، أو الرجز] 4834 - ب - صَبْراً أُمامُ إنَّهُ شَرُّ بَاقْ ... وقَامتِ الحَرْبُ بِنَا على سَاقْ قال الزمخشريُّ: الكشفُ عن الساق والإبداء عن الخدام مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدراتِ عن سوقهن في الهرب وإبداء خدامهن عند ذلك؛ قال حاتم: 4835 - أ - أخو الحَرْبِ ... ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . وقال ابن قيس الرُّقيَّاتِ: [الخفيف] 4835 - ب - تُذِهِلُ الشَّيْخَ عنْ بنيهِ وتُبْدِي ... عَنْ خِدَامِ العَقيلَةُ العَذْراءُ انتهى. فصل في «الساق» قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ ، قال: كرب وشدة. وعن مجاهد: شدة الأمر وحده. وروى مجاهد عن ابن عباس قال: أشد ساعةٍ في القيامة. وقال أبو عبيدة: إذا اشتد الأمر، أو الحرب قيل كشف الأمر عن ساقه. والأصل فيه: أن من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجد، شمر عن ساقه، فاستعير الساق والكشف عنها في موضع الشدة. وقيل: ساق الشيء: أصله الذي به قوامه كساق الشجرة، وساق الإنسان، أي: يوم يكشفُ عن أصل الأمر، فتظهر حقائق الأمور، وأصلها. وقيل: يكشف عن ساق جهنم. وقيل: عن ساق العرش. وقيل: يريد وقت اقتراب الأجل وضعف البدن، أي: يكشف المريض عن ساقه ليبصر ضعفه، ويدعوه المؤذنون إلى الصلاة، فلا يمكنه أن يقوم، ويخرج. فصل في تأويل «الساق» قال القرطبيُّ: فأما ما روي الله تعالى يكشف عن ساقه، فإنه - عَزَّ وَجَلَّ - يتعالى عن الأعضاء، والأبعاض، وأن ينكشف، ويتغطى، ومعناه أن يكشف عن العظيم من أمره وقيل: «يكشف عن نوره عَزَّ وَجَلَّ» . ؟؟؟ وروى أبو موسى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى ﴿عَنْ سَاقٍ﴾ قال: يكشف عن نورٍ عظيمٍ يخِرُّونَ لهُ سُجَّداً. وروى أبو بردة عن أبي موسى قال: حدثني أبي قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامةِ مثِّل لِكُلِّ قَوْمٍ مَا كَانُوا يَعْبدُونَ فِي الدُّنيَا فيَذْهبُ كُل قَوْمٍ إلى مَا كَانُوا يَعَبْدُون ويبقى أهلُ التَّوحيدِ، فيقال لهم: ما تَنْتَظِرُونَ، وقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ، فيقولون: لنَا رَبٌّ كنَّا نَعْبدُهُ في الدُّنيَا، ولَمْ نَرَهُ، قال: وتعْرِفُونهُ إذَا رأيتمُوهُ؟ فيقولون: نَعَم، فيُقَالُ لَهُمْ: فَكيْفَ تعرفونه، ولَمْ تَرَوهُ؟ قالوا: إنه لا شبيهَ لَهُ، فيكشفُ لَهُم الحجابُ، فينْظُرونَ إلى اللَّهِ تعالى، فيخِرُّونَ لَهُ سُجَّداً، ويبقى أقوامٌ ظُهُورُهُمْ كَصَياصِي البَقرِ، فينْظرُونَ إلى اللَّهِ تعالى فيريدون السُّجُودَ، فلا يَسْتطِيْعُونَ، فَذلكَ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ فيقول الله تعالى: عبادي ارفعوا رءوسكم، فقد جعلت بدل كل رجل منكم رجلاً من اليهود والنصارى في النار» ، قال أبو بردةُ: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال: الله الذي لا إله إلا هو لقد حدثك أبوك بهذا الحديث؟ فحلف له ثلاثة أيمانٍ، فقال عمر: سمعتُ في أهل التوحيد حديثاً هو أحب إليَّ من هذا. قوله ﴿خَاشِعَةٌ﴾ . حال من مرفوع «يُدْعَونَ» و «أبْصَارهُمْ» فاعل به، ونسب الخشوع للأبصار وإن كانت الأعضاء كُلها كذلك لظهور أثره فيها. وقوله: «وهُمْ سَالِمُونَ» . حال من مرفوع «يُدعَونَ» الثانية. ومعنى ﴿خَاشِعَةٌ أَبْصَارُهُمْ﴾ ، أي: متواضعةٌ «تَرْهقُهُمْ ذلَّةٌ» وذلك أن المؤمنين يرفعون رءوسهم، ووجوههم أشد بياضاً من الثلج، وتسود وجوه الكافرين والمنافقين حتى ترجع أشد سواداً من القار. فصل في تقرير كلام أهل اللغة في الساق قال ابن الخطيب بعد أن حكى أقوال أهلِ اللغةِ في الكشف عن الساق: واعلم أن هذا اعتراف من أهل اللغة بأن استعماله في الشدة مجاز، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز صرف الكلامِ إلى المجاز إلا بعد تعذر حمله على الحقيقة، فإذا أقمنا الدلائل القاطعة على أنه تعالى يستحيل أن يكون جسماً، فيجب حينئذٍ صرف هذا اللفظ إلى المجاز. واعلم أن صاحب الكشَّاف أورد هذا التأويل في معرض آخر، فقال: الكشف عن السَّاق مثلٌ في شدَّة الأمر، فمعنى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ يوم يشتد، ويتعاظم، ولا كشف ثمَّ ولا ساقَ، كما تقول: الشحيح يده مغلولة، ولا يد ثمَّ، ولا غل، وإنما هو مثل في البخلِ، ثم أخذ يعظم علم البيانِ ويقول: لولاه ما وقفنا على هذه الأسرارِ، وأقولُ: إما أن يدعي أنه يجوز صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل، أو تقول: لا يجوز ذلك إلا بعد امتناع حمله على الحقيقة، والأول باطل بالإجماع، ولأنا إن جوزنا ذلك انفتحت أبواب تأويلات الفلاسفةِ في أمر المعاد، فإنهم يقولون في قوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ [الحج: 23] ليس هناك أنهار ولا أشجار، وإنما هو مثل للّذة والسعادة ويقولون في قوله تعالى: ﴿اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: 77] وليس هناك ركوع ولا سجود وإنما هو مثل للتعظيم، ومعلوم أن ذلك يفضي إلى رفع الشرائع، وفساد الدينِ، وأما من قال: إنه لا يصار إلى التأويل، إلا عند قيام الدليل على أنه لا يجوز حمله على ظاهره، فهذا قولُ كُلِّ أحد من المتكلمين، فأين الدقائق التي استند هو بمعرفتها والاطلاع عليها بواسطةِ علم البيان، ثم إن قال بعد أن حكى القول بأن المراد بالساق جهنم، أو ساق العرش، أو ساق ملك عظيم إن اللفظ لا يدل إلا على ساق، وأما أي شيء هو فليس في اللفظ ما يدل عليه، ثم ذكر حديث ابن مسعود عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أنَّهُ تعالى يتَمثَّلُ للخَلْق يَوْمَ القِيامةِ حِيْنَ يَمُرُّ المُسْلمُونَ فيقول: مَنْ تَعْبُدُونَ؟ فيقولون: نَعْبُدُ اللَّهَ فيُشْهدُهمْ مرَّتينِ، أو ثلاثاً، ثُمَّ يقُولَ: هَلْ تَعْرفُون ربَّكُمْ؟ فيقولون: لَوْ عرَّفنَا نَفسَهُ عرفْناهُ، فعِنْدَ ذلِكَ يُكْشَفُ عن سَاقٍ فَلا يَبْقَى مُؤمِنٌ إلاَّ خَرَّ للَّه ساجِداً، ويَبْقَى المُنافِقُونَ ظُهُورهُمْ كالطَّبَقِ الوَاحدِ، كأنَّما فيهَا السَّفافِيدُ» . قال: واعلم أن هذا القول باطل لوجوه: أحدها: أن الدلائل دلت على أن كل جسم متناهي وكل متناهٍ محدث، وأنّ كلَّ جسم ممكن وكل ممكن محدث. وثانيها: أنه لو كان المراد ذلك لكان من حق الساق أن يعرف أنها ساق مخصوصة معهودة عنده، وهي ساق الرحمن، أما إذا أجملت ففائدة التنكير: الدلالة على التعظيم، كأنه قال: يوم يكشف عن شدة، وأي شدة لا يمكن وصفها. وثالثها: أن التعريف لا يحصل بالكشف عن الساق، وإنما يحصل بكشف الوجه، ثم حكى قول أبي مسلم: بأنه لا يمكن حمله على يوم القيامة؛ لأنه تعالى قال في وصفه: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود﴾ ويوم القيامة ليس فيها تعبد، ولا تكليف، بل المراد منه إما آخر أيام الرجل في دنياه، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: 22] ، وقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: 158] الآية لأنه الوقت الذي لا تنفع نفساً إيمانها، وإما حال المرض والهرم والعجز، ثم إنه يرى الناس يدعون إلى الصلاة إذا حضرت أوقاتها، وهو لا يستطيع الصلاة ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ مما بهم الآن من الشدة النازلة بهم من هول ما عاينوا عند الموت، أو من العجز والهرم، ونظير هذه الآية ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم﴾ [الواقعة: 83] . ثم قال: واعلم أنه لا نزاع في أنه يمكن حمل اللفظ على ما قال أبو مسلم، ثم قال: فأما قوله: «إنه لا يمكن حمله على يوم القيامة بسبب أن الأمر بالسجود حاصل في الدنيا والتكاليف زائلة يوم القيامة» . فجوابه: أن ذلك لا يكون على سبيل التكليف بل على سبيل التقريع والتخجيل فلم قلت: إن ذلك غير جائزٍ. قوله ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود﴾ في الدنيا ﴿وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ معافون أصحاء. قال إبراهيم التيمي: أي: يدعون بالأذان، والإقامة، فيأبون. وقال سعيد بن جبيرٍ: كانوا يسمعون حيّ على الفلاح، فلا يجيبون، وهم سالمون أصحاء. وقال كعبُ الأحبار: والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات. وقيل: أي: بالتكليف الموجه عليهم في الشرع. قوله: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بهذا الحديث﴾ ، أي: فدعني والمكذبين بالقرآن وخلّ بيني وبينهم. وقال الزجاجُ: لا تشغل بالك به كِلْهُ إليّ، فإني أكفيك أمره. و «مَنْ» منصوب إما نسقاً على ضمير المتكلم، أو مفعول معه، وهو مرجوح؛ لإمكان النسق من غير ضعف، وتقدم إعراب ما بعده. فصل في مناسبة الآية لما قبلها لما خوف الكفار بعظمة يوم القيامة زاد في التخويف مما عنده، وفي قدرته من القهر، يقال: ذَرْنِي وإياه أي كِلْهُ إليّ، فأنا أكفيكه. قال السديُّ: والمراد بالحديث القرآن. وقيل: يوم القيامةِ، وهذا تسلية للنبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ، أي: سنأخذهم على غفلة، وهم لا يعرفون، فعذبوا يوم بدر. وقال سفيان الثوري: نسبغ عليهم النعم، وننسيهم الشكر. وقال الحسن: كم مستدرجٍ بالإحسان إليه، وكم مفتون بالثناء عليه، وكم مغرورٍ بالستر عليه. وقال أبو روق: كلما أحدثوا الخطيئة جددنا لهم نعمة، وأنسيناهم الاستغفار. قال ابن عباسٍ: سنمكر بهم، وروي أن رجلاً من بني إسرائيل قال: يا ربِّ، كم أعصيك وأنت لا تعاقبني، فأوحى اللَّهُ إلى نبي زمانهم أن قُلْ له: كَمْ مِنْ عقُوبَةٍ لِي عليكَ وأنْتَ لا تَشْعرُ أنَّ جُمُودَ عَيْنِك، وقساوة قلبك استدراجٌ منِّي، وعقُوبةٌ لو عقَلْتَ. والاستدراج: ترك المعالجة، وأصله النقل من حال إلى حال كالتدريج. ومنه قيل: درجات، وهي منزلة واستدرج فلان فلاناً، أي: استخرج ما عنده قليلاً قليلاً، ويقال: درجه إلى كذا، واستدرجه بمعنى أدناه على التدريج، فتدرج. ومعنى الآية: إنا لما أنعمنا عليهم اعتقدوا أن ذلك الإنعام تفضيل لهم على المؤمنين، وهو في الحقيقة يسبب هلاكهم. قوله: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أي: أمهلهم، وأطيل لهم المدة، كقوله ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً﴾ [آل عمران: 178] والملاوة: المدة من الدهر، وأملى الله له، أي: أطال له، والملوان: الليل والنهار. وقيل: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ ، أي: لا أعاجلهم بالموت، والمعنى واحد، والملا مقصور: الأرضِ الواسعة سميت بها لامتدادها ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي: إن عذابي لقوي شديد؛ فلا يفوتني أحد، وسمى إحسانه كيداً كما سماه استدراجاً في صورة الكيدِ ووصفه بالمتانة لقوة أثر استحسانه في السبب للهلاك. فصل في إرادة الكائنات قال ابن الخطيبِ: تمسك الأصحاب بهذه الآية في مسألة إرادة الكائنات، لأن هذا الاستدراج والكيد إن لم يكن لهما أثر في الطغيان، فليسا بكيد، ولا استدراج، وإن كان لهما أثر فيه لزم أن يكون الحق سبحانه مريداً له، لأن من فعل شيئاً لحصول شيء وأكده وقواه لا بد وأن يكون مريداً لحصول ذلك الشيء. أجاب الكعبيُّ: بأن المراد استدراجهم إلى الموتِ، أي: يخفى عنهم زمن الموت من حيثُ لا يعلمون، وهو مقتضى الحكمة، وإلا لكان فيه إغراء بالمعاصي، لأنهم لو عرفوا الوقت الذي يموتون فيه أقدموا على المعاصي، ثم صاروا مفتنين.

القلم 68:44

ثم إنه تعالى لما أبطل قولهم شرح بعده عظمة يوم القيامة، وهو قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ «يَوْمَ» منصوب بقوله «فليَأتُوا» أي: فليأتوا بشركائهم يوم يكشفُ عن ساق ليشفع الشركاء لهم وحينئذ لا يوقف على «صَادِقينَ» . أو بإضمارِ «اذْكُرْ» فيكون مفعولاً به، أو بمحذوفٍ وهو ظرف، أي: يوم يكشف يكون كيت وكيت. أو ب «خَاشِعةً» . قاله أبو البقاء. و «عَنْ ساقٍ» قائم مقام الفاعل. وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة: «تكشف» بالتاء من فوق مبنياً للفاعل، أي: الشدة والساعة. وعنه أيضاً كذلك: مبنياً للمفعول. وهي مشكلة، لأن التأنيث لا معنى له هاهنا إلا أن يقال: إن المفعول مستتر، أي: تكشف هي، أي: الشدة، ويتعلق «عَنْ ساقٍ» بمحذوف، أي: تكشف عن ساقها. ولذلك قال الزمخشري: «وتكشف» بالتاء مبنياً للفاعل والمفعول جميعاً، والفعل للساعة، أو الحال: أي يشتد الحال، أو الساعة. وقرىء: «ويُكشِفُ» - بضم التاء أو الياء وكسر الشين - من «أكشف» إذا دخل في الكشف، وأكشف الرجل إذا انقلبت شفته العليا لانكشاف ما تحتها. ويقال له أيضاً: أخلع وكشف الساق كناية عن الشدة. قال الراجز: [الرجز] 4831 - عَجِبْتُ مِنْ نَفْسِي ومِنْ إشْفَاقِهَا ... ومِنْ طِرَادِي الطَّيْرَ عَنْ أرْزَاقِهَا في سَنةٍ قَدْ كشَفَتْ عَنْ سَاقِهَا ... حَمْرَاءِ َبْرِي اللَّحْمَ عَنْ عُراقِهَا وقال حاتم الطائيُّ: [الطويل] 4832 - أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ به الحَرْبُ عضَّهَا ... وإنْ شَمَّرْتَ عَنْ سَاقهَا الحَرْبُ شَمَّرَا وقال الآخر: [مجزوء الكامل] 4833 - كَشفَتْ لَهُمْ عَنْ سَاقِهَا ... وبَدَا مِنَ الشَّرِّ البَواحُ وقال الراجز: [الرجز] 4834 - أ - قَدْ شَمرَتْ عَنْ سَاقِهَا فشُدُّوا ... وجَدَّتِ الحَرْبُ بِكُمْ فَجِدُّوا وقال الآخر: [السريع، أو الرجز] 4834 - ب - صَبْراً أُمامُ إنَّهُ شَرُّ بَاقْ ... وقَامتِ الحَرْبُ بِنَا على سَاقْ قال الزمخشريُّ: الكشفُ عن الساق والإبداء عن الخدام مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدراتِ عن سوقهن في الهرب وإبداء خدامهن عند ذلك؛ قال حاتم: 4835 - أ - أخو الحَرْبِ ... ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . وقال ابن قيس الرُّقيَّاتِ: [الخفيف] 4835 - ب - تُذِهِلُ الشَّيْخَ عنْ بنيهِ وتُبْدِي ... عَنْ خِدَامِ العَقيلَةُ العَذْراءُ انتهى. فصل في «الساق» قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ ، قال: كرب وشدة. وعن مجاهد: شدة الأمر وحده. وروى مجاهد عن ابن عباس قال: أشد ساعةٍ في القيامة. وقال أبو عبيدة: إذا اشتد الأمر، أو الحرب قيل كشف الأمر عن ساقه. والأصل فيه: أن من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجد، شمر عن ساقه، فاستعير الساق والكشف عنها في موضع الشدة. وقيل: ساق الشيء: أصله الذي به قوامه كساق الشجرة، وساق الإنسان، أي: يوم يكشفُ عن أصل الأمر، فتظهر حقائق الأمور، وأصلها. وقيل: يكشف عن ساق جهنم. وقيل: عن ساق العرش. وقيل: يريد وقت اقتراب الأجل وضعف البدن، أي: يكشف المريض عن ساقه ليبصر ضعفه، ويدعوه المؤذنون إلى الصلاة، فلا يمكنه أن يقوم، ويخرج. فصل في تأويل «الساق» قال القرطبيُّ: فأما ما روي الله تعالى يكشف عن ساقه، فإنه - عَزَّ وَجَلَّ - يتعالى عن الأعضاء، والأبعاض، وأن ينكشف، ويتغطى، ومعناه أن يكشف عن العظيم من أمره وقيل: «يكشف عن نوره عَزَّ وَجَلَّ» . ؟؟؟ وروى أبو موسى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى ﴿عَنْ سَاقٍ﴾ قال: يكشف عن نورٍ عظيمٍ يخِرُّونَ لهُ سُجَّداً. وروى أبو بردة عن أبي موسى قال: حدثني أبي قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامةِ مثِّل لِكُلِّ قَوْمٍ مَا كَانُوا يَعْبدُونَ فِي الدُّنيَا فيَذْهبُ كُل قَوْمٍ إلى مَا كَانُوا يَعَبْدُون ويبقى أهلُ التَّوحيدِ، فيقال لهم: ما تَنْتَظِرُونَ، وقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ، فيقولون: لنَا رَبٌّ كنَّا نَعْبدُهُ في الدُّنيَا، ولَمْ نَرَهُ، قال: وتعْرِفُونهُ إذَا رأيتمُوهُ؟ فيقولون: نَعَم، فيُقَالُ لَهُمْ: فَكيْفَ تعرفونه، ولَمْ تَرَوهُ؟ قالوا: إنه لا شبيهَ لَهُ، فيكشفُ لَهُم الحجابُ، فينْظُرونَ إلى اللَّهِ تعالى، فيخِرُّونَ لَهُ سُجَّداً، ويبقى أقوامٌ ظُهُورُهُمْ كَصَياصِي البَقرِ، فينْظرُونَ إلى اللَّهِ تعالى فيريدون السُّجُودَ، فلا يَسْتطِيْعُونَ، فَذلكَ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ فيقول الله تعالى: عبادي ارفعوا رءوسكم، فقد جعلت بدل كل رجل منكم رجلاً من اليهود والنصارى في النار» ، قال أبو بردةُ: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال: الله الذي لا إله إلا هو لقد حدثك أبوك بهذا الحديث؟ فحلف له ثلاثة أيمانٍ، فقال عمر: سمعتُ في أهل التوحيد حديثاً هو أحب إليَّ من هذا. قوله ﴿خَاشِعَةٌ﴾ . حال من مرفوع «يُدْعَونَ» و «أبْصَارهُمْ» فاعل به، ونسب الخشوع للأبصار وإن كانت الأعضاء كُلها كذلك لظهور أثره فيها. وقوله: «وهُمْ سَالِمُونَ» . حال من مرفوع «يُدعَونَ» الثانية. ومعنى ﴿خَاشِعَةٌ أَبْصَارُهُمْ﴾ ، أي: متواضعةٌ «تَرْهقُهُمْ ذلَّةٌ» وذلك أن المؤمنين يرفعون رءوسهم، ووجوههم أشد بياضاً من الثلج، وتسود وجوه الكافرين والمنافقين حتى ترجع أشد سواداً من القار. فصل في تقرير كلام أهل اللغة في الساق قال ابن الخطيب بعد أن حكى أقوال أهلِ اللغةِ في الكشف عن الساق: واعلم أن هذا اعتراف من أهل اللغة بأن استعماله في الشدة مجاز، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز صرف الكلامِ إلى المجاز إلا بعد تعذر حمله على الحقيقة، فإذا أقمنا الدلائل القاطعة على أنه تعالى يستحيل أن يكون جسماً، فيجب حينئذٍ صرف هذا اللفظ إلى المجاز. واعلم أن صاحب الكشَّاف أورد هذا التأويل في معرض آخر، فقال: الكشف عن السَّاق مثلٌ في شدَّة الأمر، فمعنى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ يوم يشتد، ويتعاظم، ولا كشف ثمَّ ولا ساقَ، كما تقول: الشحيح يده مغلولة، ولا يد ثمَّ، ولا غل، وإنما هو مثل في البخلِ، ثم أخذ يعظم علم البيانِ ويقول: لولاه ما وقفنا على هذه الأسرارِ، وأقولُ: إما أن يدعي أنه يجوز صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل، أو تقول: لا يجوز ذلك إلا بعد امتناع حمله على الحقيقة، والأول باطل بالإجماع، ولأنا إن جوزنا ذلك انفتحت أبواب تأويلات الفلاسفةِ في أمر المعاد، فإنهم يقولون في قوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ [الحج: 23] ليس هناك أنهار ولا أشجار، وإنما هو مثل للّذة والسعادة ويقولون في قوله تعالى: ﴿اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: 77] وليس هناك ركوع ولا سجود وإنما هو مثل للتعظيم، ومعلوم أن ذلك يفضي إلى رفع الشرائع، وفساد الدينِ، وأما من قال: إنه لا يصار إلى التأويل، إلا عند قيام الدليل على أنه لا يجوز حمله على ظاهره، فهذا قولُ كُلِّ أحد من المتكلمين، فأين الدقائق التي استند هو بمعرفتها والاطلاع عليها بواسطةِ علم البيان، ثم إن قال بعد أن حكى القول بأن المراد بالساق جهنم، أو ساق العرش، أو ساق ملك عظيم إن اللفظ لا يدل إلا على ساق، وأما أي شيء هو فليس في اللفظ ما يدل عليه، ثم ذكر حديث ابن مسعود عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أنَّهُ تعالى يتَمثَّلُ للخَلْق يَوْمَ القِيامةِ حِيْنَ يَمُرُّ المُسْلمُونَ فيقول: مَنْ تَعْبُدُونَ؟ فيقولون: نَعْبُدُ اللَّهَ فيُشْهدُهمْ مرَّتينِ، أو ثلاثاً، ثُمَّ يقُولَ: هَلْ تَعْرفُون ربَّكُمْ؟ فيقولون: لَوْ عرَّفنَا نَفسَهُ عرفْناهُ، فعِنْدَ ذلِكَ يُكْشَفُ عن سَاقٍ فَلا يَبْقَى مُؤمِنٌ إلاَّ خَرَّ للَّه ساجِداً، ويَبْقَى المُنافِقُونَ ظُهُورهُمْ كالطَّبَقِ الوَاحدِ، كأنَّما فيهَا السَّفافِيدُ» . قال: واعلم أن هذا القول باطل لوجوه: أحدها: أن الدلائل دلت على أن كل جسم متناهي وكل متناهٍ محدث، وأنّ كلَّ جسم ممكن وكل ممكن محدث. وثانيها: أنه لو كان المراد ذلك لكان من حق الساق أن يعرف أنها ساق مخصوصة معهودة عنده، وهي ساق الرحمن، أما إذا أجملت ففائدة التنكير: الدلالة على التعظيم، كأنه قال: يوم يكشف عن شدة، وأي شدة لا يمكن وصفها. وثالثها: أن التعريف لا يحصل بالكشف عن الساق، وإنما يحصل بكشف الوجه، ثم حكى قول أبي مسلم: بأنه لا يمكن حمله على يوم القيامة؛ لأنه تعالى قال في وصفه: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود﴾ ويوم القيامة ليس فيها تعبد، ولا تكليف، بل المراد منه إما آخر أيام الرجل في دنياه، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: 22] ، وقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: 158] الآية لأنه الوقت الذي لا تنفع نفساً إيمانها، وإما حال المرض والهرم والعجز، ثم إنه يرى الناس يدعون إلى الصلاة إذا حضرت أوقاتها، وهو لا يستطيع الصلاة ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ مما بهم الآن من الشدة النازلة بهم من هول ما عاينوا عند الموت، أو من العجز والهرم، ونظير هذه الآية ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم﴾ [الواقعة: 83] . ثم قال: واعلم أنه لا نزاع في أنه يمكن حمل اللفظ على ما قال أبو مسلم، ثم قال: فأما قوله: «إنه لا يمكن حمله على يوم القيامة بسبب أن الأمر بالسجود حاصل في الدنيا والتكاليف زائلة يوم القيامة» . فجوابه: أن ذلك لا يكون على سبيل التكليف بل على سبيل التقريع والتخجيل فلم قلت: إن ذلك غير جائزٍ. قوله ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود﴾ في الدنيا ﴿وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ معافون أصحاء. قال إبراهيم التيمي: أي: يدعون بالأذان، والإقامة، فيأبون. وقال سعيد بن جبيرٍ: كانوا يسمعون حيّ على الفلاح، فلا يجيبون، وهم سالمون أصحاء. وقال كعبُ الأحبار: والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات. وقيل: أي: بالتكليف الموجه عليهم في الشرع. قوله: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بهذا الحديث﴾ ، أي: فدعني والمكذبين بالقرآن وخلّ بيني وبينهم. وقال الزجاجُ: لا تشغل بالك به كِلْهُ إليّ، فإني أكفيك أمره. و «مَنْ» منصوب إما نسقاً على ضمير المتكلم، أو مفعول معه، وهو مرجوح؛ لإمكان النسق من غير ضعف، وتقدم إعراب ما بعده. فصل في مناسبة الآية لما قبلها لما خوف الكفار بعظمة يوم القيامة زاد في التخويف مما عنده، وفي قدرته من القهر، يقال: ذَرْنِي وإياه أي كِلْهُ إليّ، فأنا أكفيكه. قال السديُّ: والمراد بالحديث القرآن. وقيل: يوم القيامةِ، وهذا تسلية للنبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ، أي: سنأخذهم على غفلة، وهم لا يعرفون، فعذبوا يوم بدر. وقال سفيان الثوري: نسبغ عليهم النعم، وننسيهم الشكر. وقال الحسن: كم مستدرجٍ بالإحسان إليه، وكم مفتون بالثناء عليه، وكم مغرورٍ بالستر عليه. وقال أبو روق: كلما أحدثوا الخطيئة جددنا لهم نعمة، وأنسيناهم الاستغفار. قال ابن عباسٍ: سنمكر بهم، وروي أن رجلاً من بني إسرائيل قال: يا ربِّ، كم أعصيك وأنت لا تعاقبني، فأوحى اللَّهُ إلى نبي زمانهم أن قُلْ له: كَمْ مِنْ عقُوبَةٍ لِي عليكَ وأنْتَ لا تَشْعرُ أنَّ جُمُودَ عَيْنِك، وقساوة قلبك استدراجٌ منِّي، وعقُوبةٌ لو عقَلْتَ. والاستدراج: ترك المعالجة، وأصله النقل من حال إلى حال كالتدريج. ومنه قيل: درجات، وهي منزلة واستدرج فلان فلاناً، أي: استخرج ما عنده قليلاً قليلاً، ويقال: درجه إلى كذا، واستدرجه بمعنى أدناه على التدريج، فتدرج. ومعنى الآية: إنا لما أنعمنا عليهم اعتقدوا أن ذلك الإنعام تفضيل لهم على المؤمنين، وهو في الحقيقة يسبب هلاكهم. قوله: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أي: أمهلهم، وأطيل لهم المدة، كقوله ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً﴾ [آل عمران: 178] والملاوة: المدة من الدهر، وأملى الله له، أي: أطال له، والملوان: الليل والنهار. وقيل: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ ، أي: لا أعاجلهم بالموت، والمعنى واحد، والملا مقصور: الأرضِ الواسعة سميت بها لامتدادها ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي: إن عذابي لقوي شديد؛ فلا يفوتني أحد، وسمى إحسانه كيداً كما سماه استدراجاً في صورة الكيدِ ووصفه بالمتانة لقوة أثر استحسانه في السبب للهلاك. فصل في إرادة الكائنات قال ابن الخطيبِ: تمسك الأصحاب بهذه الآية في مسألة إرادة الكائنات، لأن هذا الاستدراج والكيد إن لم يكن لهما أثر في الطغيان، فليسا بكيد، ولا استدراج، وإن كان لهما أثر فيه لزم أن يكون الحق سبحانه مريداً له، لأن من فعل شيئاً لحصول شيء وأكده وقواه لا بد وأن يكون مريداً لحصول ذلك الشيء. أجاب الكعبيُّ: بأن المراد استدراجهم إلى الموتِ، أي: يخفى عنهم زمن الموت من حيثُ لا يعلمون، وهو مقتضى الحكمة، وإلا لكان فيه إغراء بالمعاصي، لأنهم لو عرفوا الوقت الذي يموتون فيه أقدموا على المعاصي، ثم صاروا مفتنين.

القلم 68:45

ثم إنه تعالى لما أبطل قولهم شرح بعده عظمة يوم القيامة، وهو قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ «يَوْمَ» منصوب بقوله «فليَأتُوا» أي: فليأتوا بشركائهم يوم يكشفُ عن ساق ليشفع الشركاء لهم وحينئذ لا يوقف على «صَادِقينَ» . أو بإضمارِ «اذْكُرْ» فيكون مفعولاً به، أو بمحذوفٍ وهو ظرف، أي: يوم يكشف يكون كيت وكيت. أو ب «خَاشِعةً» . قاله أبو البقاء. و «عَنْ ساقٍ» قائم مقام الفاعل. وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة: «تكشف» بالتاء من فوق مبنياً للفاعل، أي: الشدة والساعة. وعنه أيضاً كذلك: مبنياً للمفعول. وهي مشكلة، لأن التأنيث لا معنى له هاهنا إلا أن يقال: إن المفعول مستتر، أي: تكشف هي، أي: الشدة، ويتعلق «عَنْ ساقٍ» بمحذوف، أي: تكشف عن ساقها. ولذلك قال الزمخشري: «وتكشف» بالتاء مبنياً للفاعل والمفعول جميعاً، والفعل للساعة، أو الحال: أي يشتد الحال، أو الساعة. وقرىء: «ويُكشِفُ» - بضم التاء أو الياء وكسر الشين - من «أكشف» إذا دخل في الكشف، وأكشف الرجل إذا انقلبت شفته العليا لانكشاف ما تحتها. ويقال له أيضاً: أخلع وكشف الساق كناية عن الشدة. قال الراجز: [الرجز] 4831 - عَجِبْتُ مِنْ نَفْسِي ومِنْ إشْفَاقِهَا ... ومِنْ طِرَادِي الطَّيْرَ عَنْ أرْزَاقِهَا في سَنةٍ قَدْ كشَفَتْ عَنْ سَاقِهَا ... حَمْرَاءِ َبْرِي اللَّحْمَ عَنْ عُراقِهَا وقال حاتم الطائيُّ: [الطويل] 4832 - أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ به الحَرْبُ عضَّهَا ... وإنْ شَمَّرْتَ عَنْ سَاقهَا الحَرْبُ شَمَّرَا وقال الآخر: [مجزوء الكامل] 4833 - كَشفَتْ لَهُمْ عَنْ سَاقِهَا ... وبَدَا مِنَ الشَّرِّ البَواحُ وقال الراجز: [الرجز] 4834 - أ - قَدْ شَمرَتْ عَنْ سَاقِهَا فشُدُّوا ... وجَدَّتِ الحَرْبُ بِكُمْ فَجِدُّوا وقال الآخر: [السريع، أو الرجز] 4834 - ب - صَبْراً أُمامُ إنَّهُ شَرُّ بَاقْ ... وقَامتِ الحَرْبُ بِنَا على سَاقْ قال الزمخشريُّ: الكشفُ عن الساق والإبداء عن الخدام مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدراتِ عن سوقهن في الهرب وإبداء خدامهن عند ذلك؛ قال حاتم: 4835 - أ - أخو الحَرْبِ ... ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . وقال ابن قيس الرُّقيَّاتِ: [الخفيف] 4835 - ب - تُذِهِلُ الشَّيْخَ عنْ بنيهِ وتُبْدِي ... عَنْ خِدَامِ العَقيلَةُ العَذْراءُ انتهى. فصل في «الساق» قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ ، قال: كرب وشدة. وعن مجاهد: شدة الأمر وحده. وروى مجاهد عن ابن عباس قال: أشد ساعةٍ في القيامة. وقال أبو عبيدة: إذا اشتد الأمر، أو الحرب قيل كشف الأمر عن ساقه. والأصل فيه: أن من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجد، شمر عن ساقه، فاستعير الساق والكشف عنها في موضع الشدة. وقيل: ساق الشيء: أصله الذي به قوامه كساق الشجرة، وساق الإنسان، أي: يوم يكشفُ عن أصل الأمر، فتظهر حقائق الأمور، وأصلها. وقيل: يكشف عن ساق جهنم. وقيل: عن ساق العرش. وقيل: يريد وقت اقتراب الأجل وضعف البدن، أي: يكشف المريض عن ساقه ليبصر ضعفه، ويدعوه المؤذنون إلى الصلاة، فلا يمكنه أن يقوم، ويخرج. فصل في تأويل «الساق» قال القرطبيُّ: فأما ما روي الله تعالى يكشف عن ساقه، فإنه - عَزَّ وَجَلَّ - يتعالى عن الأعضاء، والأبعاض، وأن ينكشف، ويتغطى، ومعناه أن يكشف عن العظيم من أمره وقيل: «يكشف عن نوره عَزَّ وَجَلَّ» . ؟؟؟ وروى أبو موسى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى ﴿عَنْ سَاقٍ﴾ قال: يكشف عن نورٍ عظيمٍ يخِرُّونَ لهُ سُجَّداً. وروى أبو بردة عن أبي موسى قال: حدثني أبي قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامةِ مثِّل لِكُلِّ قَوْمٍ مَا كَانُوا يَعْبدُونَ فِي الدُّنيَا فيَذْهبُ كُل قَوْمٍ إلى مَا كَانُوا يَعَبْدُون ويبقى أهلُ التَّوحيدِ، فيقال لهم: ما تَنْتَظِرُونَ، وقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ، فيقولون: لنَا رَبٌّ كنَّا نَعْبدُهُ في الدُّنيَا، ولَمْ نَرَهُ، قال: وتعْرِفُونهُ إذَا رأيتمُوهُ؟ فيقولون: نَعَم، فيُقَالُ لَهُمْ: فَكيْفَ تعرفونه، ولَمْ تَرَوهُ؟ قالوا: إنه لا شبيهَ لَهُ، فيكشفُ لَهُم الحجابُ، فينْظُرونَ إلى اللَّهِ تعالى، فيخِرُّونَ لَهُ سُجَّداً، ويبقى أقوامٌ ظُهُورُهُمْ كَصَياصِي البَقرِ، فينْظرُونَ إلى اللَّهِ تعالى فيريدون السُّجُودَ، فلا يَسْتطِيْعُونَ، فَذلكَ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ فيقول الله تعالى: عبادي ارفعوا رءوسكم، فقد جعلت بدل كل رجل منكم رجلاً من اليهود والنصارى في النار» ، قال أبو بردةُ: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال: الله الذي لا إله إلا هو لقد حدثك أبوك بهذا الحديث؟ فحلف له ثلاثة أيمانٍ، فقال عمر: سمعتُ في أهل التوحيد حديثاً هو أحب إليَّ من هذا. قوله ﴿خَاشِعَةٌ﴾ . حال من مرفوع «يُدْعَونَ» و «أبْصَارهُمْ» فاعل به، ونسب الخشوع للأبصار وإن كانت الأعضاء كُلها كذلك لظهور أثره فيها. وقوله: «وهُمْ سَالِمُونَ» . حال من مرفوع «يُدعَونَ» الثانية. ومعنى ﴿خَاشِعَةٌ أَبْصَارُهُمْ﴾ ، أي: متواضعةٌ «تَرْهقُهُمْ ذلَّةٌ» وذلك أن المؤمنين يرفعون رءوسهم، ووجوههم أشد بياضاً من الثلج، وتسود وجوه الكافرين والمنافقين حتى ترجع أشد سواداً من القار. فصل في تقرير كلام أهل اللغة في الساق قال ابن الخطيب بعد أن حكى أقوال أهلِ اللغةِ في الكشف عن الساق: واعلم أن هذا اعتراف من أهل اللغة بأن استعماله في الشدة مجاز، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز صرف الكلامِ إلى المجاز إلا بعد تعذر حمله على الحقيقة، فإذا أقمنا الدلائل القاطعة على أنه تعالى يستحيل أن يكون جسماً، فيجب حينئذٍ صرف هذا اللفظ إلى المجاز. واعلم أن صاحب الكشَّاف أورد هذا التأويل في معرض آخر، فقال: الكشف عن السَّاق مثلٌ في شدَّة الأمر، فمعنى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ يوم يشتد، ويتعاظم، ولا كشف ثمَّ ولا ساقَ، كما تقول: الشحيح يده مغلولة، ولا يد ثمَّ، ولا غل، وإنما هو مثل في البخلِ، ثم أخذ يعظم علم البيانِ ويقول: لولاه ما وقفنا على هذه الأسرارِ، وأقولُ: إما أن يدعي أنه يجوز صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل، أو تقول: لا يجوز ذلك إلا بعد امتناع حمله على الحقيقة، والأول باطل بالإجماع، ولأنا إن جوزنا ذلك انفتحت أبواب تأويلات الفلاسفةِ في أمر المعاد، فإنهم يقولون في قوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ [الحج: 23] ليس هناك أنهار ولا أشجار، وإنما هو مثل للّذة والسعادة ويقولون في قوله تعالى: ﴿اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: 77] وليس هناك ركوع ولا سجود وإنما هو مثل للتعظيم، ومعلوم أن ذلك يفضي إلى رفع الشرائع، وفساد الدينِ، وأما من قال: إنه لا يصار إلى التأويل، إلا عند قيام الدليل على أنه لا يجوز حمله على ظاهره، فهذا قولُ كُلِّ أحد من المتكلمين، فأين الدقائق التي استند هو بمعرفتها والاطلاع عليها بواسطةِ علم البيان، ثم إن قال بعد أن حكى القول بأن المراد بالساق جهنم، أو ساق العرش، أو ساق ملك عظيم إن اللفظ لا يدل إلا على ساق، وأما أي شيء هو فليس في اللفظ ما يدل عليه، ثم ذكر حديث ابن مسعود عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أنَّهُ تعالى يتَمثَّلُ للخَلْق يَوْمَ القِيامةِ حِيْنَ يَمُرُّ المُسْلمُونَ فيقول: مَنْ تَعْبُدُونَ؟ فيقولون: نَعْبُدُ اللَّهَ فيُشْهدُهمْ مرَّتينِ، أو ثلاثاً، ثُمَّ يقُولَ: هَلْ تَعْرفُون ربَّكُمْ؟ فيقولون: لَوْ عرَّفنَا نَفسَهُ عرفْناهُ، فعِنْدَ ذلِكَ يُكْشَفُ عن سَاقٍ فَلا يَبْقَى مُؤمِنٌ إلاَّ خَرَّ للَّه ساجِداً، ويَبْقَى المُنافِقُونَ ظُهُورهُمْ كالطَّبَقِ الوَاحدِ، كأنَّما فيهَا السَّفافِيدُ» . قال: واعلم أن هذا القول باطل لوجوه: أحدها: أن الدلائل دلت على أن كل جسم متناهي وكل متناهٍ محدث، وأنّ كلَّ جسم ممكن وكل ممكن محدث. وثانيها: أنه لو كان المراد ذلك لكان من حق الساق أن يعرف أنها ساق مخصوصة معهودة عنده، وهي ساق الرحمن، أما إذا أجملت ففائدة التنكير: الدلالة على التعظيم، كأنه قال: يوم يكشف عن شدة، وأي شدة لا يمكن وصفها. وثالثها: أن التعريف لا يحصل بالكشف عن الساق، وإنما يحصل بكشف الوجه، ثم حكى قول أبي مسلم: بأنه لا يمكن حمله على يوم القيامة؛ لأنه تعالى قال في وصفه: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود﴾ ويوم القيامة ليس فيها تعبد، ولا تكليف، بل المراد منه إما آخر أيام الرجل في دنياه، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: 22] ، وقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: 158] الآية لأنه الوقت الذي لا تنفع نفساً إيمانها، وإما حال المرض والهرم والعجز، ثم إنه يرى الناس يدعون إلى الصلاة إذا حضرت أوقاتها، وهو لا يستطيع الصلاة ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ مما بهم الآن من الشدة النازلة بهم من هول ما عاينوا عند الموت، أو من العجز والهرم، ونظير هذه الآية ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم﴾ [الواقعة: 83] . ثم قال: واعلم أنه لا نزاع في أنه يمكن حمل اللفظ على ما قال أبو مسلم، ثم قال: فأما قوله: «إنه لا يمكن حمله على يوم القيامة بسبب أن الأمر بالسجود حاصل في الدنيا والتكاليف زائلة يوم القيامة» . فجوابه: أن ذلك لا يكون على سبيل التكليف بل على سبيل التقريع والتخجيل فلم قلت: إن ذلك غير جائزٍ. قوله ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود﴾ في الدنيا ﴿وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ معافون أصحاء. قال إبراهيم التيمي: أي: يدعون بالأذان، والإقامة، فيأبون. وقال سعيد بن جبيرٍ: كانوا يسمعون حيّ على الفلاح، فلا يجيبون، وهم سالمون أصحاء. وقال كعبُ الأحبار: والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات. وقيل: أي: بالتكليف الموجه عليهم في الشرع. قوله: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بهذا الحديث﴾ ، أي: فدعني والمكذبين بالقرآن وخلّ بيني وبينهم. وقال الزجاجُ: لا تشغل بالك به كِلْهُ إليّ، فإني أكفيك أمره. و «مَنْ» منصوب إما نسقاً على ضمير المتكلم، أو مفعول معه، وهو مرجوح؛ لإمكان النسق من غير ضعف، وتقدم إعراب ما بعده. فصل في مناسبة الآية لما قبلها لما خوف الكفار بعظمة يوم القيامة زاد في التخويف مما عنده، وفي قدرته من القهر، يقال: ذَرْنِي وإياه أي كِلْهُ إليّ، فأنا أكفيكه. قال السديُّ: والمراد بالحديث القرآن. وقيل: يوم القيامةِ، وهذا تسلية للنبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ، أي: سنأخذهم على غفلة، وهم لا يعرفون، فعذبوا يوم بدر. وقال سفيان الثوري: نسبغ عليهم النعم، وننسيهم الشكر. وقال الحسن: كم مستدرجٍ بالإحسان إليه، وكم مفتون بالثناء عليه، وكم مغرورٍ بالستر عليه. وقال أبو روق: كلما أحدثوا الخطيئة جددنا لهم نعمة، وأنسيناهم الاستغفار. قال ابن عباسٍ: سنمكر بهم، وروي أن رجلاً من بني إسرائيل قال: يا ربِّ، كم أعصيك وأنت لا تعاقبني، فأوحى اللَّهُ إلى نبي زمانهم أن قُلْ له: كَمْ مِنْ عقُوبَةٍ لِي عليكَ وأنْتَ لا تَشْعرُ أنَّ جُمُودَ عَيْنِك، وقساوة قلبك استدراجٌ منِّي، وعقُوبةٌ لو عقَلْتَ. والاستدراج: ترك المعالجة، وأصله النقل من حال إلى حال كالتدريج. ومنه قيل: درجات، وهي منزلة واستدرج فلان فلاناً، أي: استخرج ما عنده قليلاً قليلاً، ويقال: درجه إلى كذا، واستدرجه بمعنى أدناه على التدريج، فتدرج. ومعنى الآية: إنا لما أنعمنا عليهم اعتقدوا أن ذلك الإنعام تفضيل لهم على المؤمنين، وهو في الحقيقة يسبب هلاكهم. قوله: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أي: أمهلهم، وأطيل لهم المدة، كقوله ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً﴾ [آل عمران: 178] والملاوة: المدة من الدهر، وأملى الله له، أي: أطال له، والملوان: الليل والنهار. وقيل: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ ، أي: لا أعاجلهم بالموت، والمعنى واحد، والملا مقصور: الأرضِ الواسعة سميت بها لامتدادها ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي: إن عذابي لقوي شديد؛ فلا يفوتني أحد، وسمى إحسانه كيداً كما سماه استدراجاً في صورة الكيدِ ووصفه بالمتانة لقوة أثر استحسانه في السبب للهلاك. فصل في إرادة الكائنات قال ابن الخطيبِ: تمسك الأصحاب بهذه الآية في مسألة إرادة الكائنات، لأن هذا الاستدراج والكيد إن لم يكن لهما أثر في الطغيان، فليسا بكيد، ولا استدراج، وإن كان لهما أثر فيه لزم أن يكون الحق سبحانه مريداً له، لأن من فعل شيئاً لحصول شيء وأكده وقواه لا بد وأن يكون مريداً لحصول ذلك الشيء. أجاب الكعبيُّ: بأن المراد استدراجهم إلى الموتِ، أي: يخفى عنهم زمن الموت من حيثُ لا يعلمون، وهو مقتضى الحكمة، وإلا لكان فيه إغراء بالمعاصي، لأنهم لو عرفوا الوقت الذي يموتون فيه أقدموا على المعاصي، ثم صاروا مفتنين.

القلم 68:46

ثم إنه تعالى لما أبطل قولهم شرح بعده عظمة يوم القيامة، وهو قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ «يَوْمَ» منصوب بقوله «فليَأتُوا» أي: فليأتوا بشركائهم يوم يكشفُ عن ساق ليشفع الشركاء لهم وحينئذ لا يوقف على «صَادِقينَ» . أو بإضمارِ «اذْكُرْ» فيكون مفعولاً به، أو بمحذوفٍ وهو ظرف، أي: يوم يكشف يكون كيت وكيت. أو ب «خَاشِعةً» . قاله أبو البقاء. و «عَنْ ساقٍ» قائم مقام الفاعل. وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة: «تكشف» بالتاء من فوق مبنياً للفاعل، أي: الشدة والساعة. وعنه أيضاً كذلك: مبنياً للمفعول. وهي مشكلة، لأن التأنيث لا معنى له هاهنا إلا أن يقال: إن المفعول مستتر، أي: تكشف هي، أي: الشدة، ويتعلق «عَنْ ساقٍ» بمحذوف، أي: تكشف عن ساقها. ولذلك قال الزمخشري: «وتكشف» بالتاء مبنياً للفاعل والمفعول جميعاً، والفعل للساعة، أو الحال: أي يشتد الحال، أو الساعة. وقرىء: «ويُكشِفُ» - بضم التاء أو الياء وكسر الشين - من «أكشف» إذا دخل في الكشف، وأكشف الرجل إذا انقلبت شفته العليا لانكشاف ما تحتها. ويقال له أيضاً: أخلع وكشف الساق كناية عن الشدة. قال الراجز: [الرجز] 4831 - عَجِبْتُ مِنْ نَفْسِي ومِنْ إشْفَاقِهَا ... ومِنْ طِرَادِي الطَّيْرَ عَنْ أرْزَاقِهَا في سَنةٍ قَدْ كشَفَتْ عَنْ سَاقِهَا ... حَمْرَاءِ َبْرِي اللَّحْمَ عَنْ عُراقِهَا وقال حاتم الطائيُّ: [الطويل] 4832 - أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ به الحَرْبُ عضَّهَا ... وإنْ شَمَّرْتَ عَنْ سَاقهَا الحَرْبُ شَمَّرَا وقال الآخر: [مجزوء الكامل] 4833 - كَشفَتْ لَهُمْ عَنْ سَاقِهَا ... وبَدَا مِنَ الشَّرِّ البَواحُ وقال الراجز: [الرجز] 4834 - أ - قَدْ شَمرَتْ عَنْ سَاقِهَا فشُدُّوا ... وجَدَّتِ الحَرْبُ بِكُمْ فَجِدُّوا وقال الآخر: [السريع، أو الرجز] 4834 - ب - صَبْراً أُمامُ إنَّهُ شَرُّ بَاقْ ... وقَامتِ الحَرْبُ بِنَا على سَاقْ قال الزمخشريُّ: الكشفُ عن الساق والإبداء عن الخدام مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدراتِ عن سوقهن في الهرب وإبداء خدامهن عند ذلك؛ قال حاتم: 4835 - أ - أخو الحَرْبِ ... ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . وقال ابن قيس الرُّقيَّاتِ: [الخفيف] 4835 - ب - تُذِهِلُ الشَّيْخَ عنْ بنيهِ وتُبْدِي ... عَنْ خِدَامِ العَقيلَةُ العَذْراءُ انتهى. فصل في «الساق» قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ ، قال: كرب وشدة. وعن مجاهد: شدة الأمر وحده. وروى مجاهد عن ابن عباس قال: أشد ساعةٍ في القيامة. وقال أبو عبيدة: إذا اشتد الأمر، أو الحرب قيل كشف الأمر عن ساقه. والأصل فيه: أن من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجد، شمر عن ساقه، فاستعير الساق والكشف عنها في موضع الشدة. وقيل: ساق الشيء: أصله الذي به قوامه كساق الشجرة، وساق الإنسان، أي: يوم يكشفُ عن أصل الأمر، فتظهر حقائق الأمور، وأصلها. وقيل: يكشف عن ساق جهنم. وقيل: عن ساق العرش. وقيل: يريد وقت اقتراب الأجل وضعف البدن، أي: يكشف المريض عن ساقه ليبصر ضعفه، ويدعوه المؤذنون إلى الصلاة، فلا يمكنه أن يقوم، ويخرج. فصل في تأويل «الساق» قال القرطبيُّ: فأما ما روي الله تعالى يكشف عن ساقه، فإنه - عَزَّ وَجَلَّ - يتعالى عن الأعضاء، والأبعاض، وأن ينكشف، ويتغطى، ومعناه أن يكشف عن العظيم من أمره وقيل: «يكشف عن نوره عَزَّ وَجَلَّ» . ؟؟؟ وروى أبو موسى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى ﴿عَنْ سَاقٍ﴾ قال: يكشف عن نورٍ عظيمٍ يخِرُّونَ لهُ سُجَّداً. وروى أبو بردة عن أبي موسى قال: حدثني أبي قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامةِ مثِّل لِكُلِّ قَوْمٍ مَا كَانُوا يَعْبدُونَ فِي الدُّنيَا فيَذْهبُ كُل قَوْمٍ إلى مَا كَانُوا يَعَبْدُون ويبقى أهلُ التَّوحيدِ، فيقال لهم: ما تَنْتَظِرُونَ، وقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ، فيقولون: لنَا رَبٌّ كنَّا نَعْبدُهُ في الدُّنيَا، ولَمْ نَرَهُ، قال: وتعْرِفُونهُ إذَا رأيتمُوهُ؟ فيقولون: نَعَم، فيُقَالُ لَهُمْ: فَكيْفَ تعرفونه، ولَمْ تَرَوهُ؟ قالوا: إنه لا شبيهَ لَهُ، فيكشفُ لَهُم الحجابُ، فينْظُرونَ إلى اللَّهِ تعالى، فيخِرُّونَ لَهُ سُجَّداً، ويبقى أقوامٌ ظُهُورُهُمْ كَصَياصِي البَقرِ، فينْظرُونَ إلى اللَّهِ تعالى فيريدون السُّجُودَ، فلا يَسْتطِيْعُونَ، فَذلكَ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ فيقول الله تعالى: عبادي ارفعوا رءوسكم، فقد جعلت بدل كل رجل منكم رجلاً من اليهود والنصارى في النار» ، قال أبو بردةُ: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال: الله الذي لا إله إلا هو لقد حدثك أبوك بهذا الحديث؟ فحلف له ثلاثة أيمانٍ، فقال عمر: سمعتُ في أهل التوحيد حديثاً هو أحب إليَّ من هذا. قوله ﴿خَاشِعَةٌ﴾ . حال من مرفوع «يُدْعَونَ» و «أبْصَارهُمْ» فاعل به، ونسب الخشوع للأبصار وإن كانت الأعضاء كُلها كذلك لظهور أثره فيها. وقوله: «وهُمْ سَالِمُونَ» . حال من مرفوع «يُدعَونَ» الثانية. ومعنى ﴿خَاشِعَةٌ أَبْصَارُهُمْ﴾ ، أي: متواضعةٌ «تَرْهقُهُمْ ذلَّةٌ» وذلك أن المؤمنين يرفعون رءوسهم، ووجوههم أشد بياضاً من الثلج، وتسود وجوه الكافرين والمنافقين حتى ترجع أشد سواداً من القار. فصل في تقرير كلام أهل اللغة في الساق قال ابن الخطيب بعد أن حكى أقوال أهلِ اللغةِ في الكشف عن الساق: واعلم أن هذا اعتراف من أهل اللغة بأن استعماله في الشدة مجاز، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز صرف الكلامِ إلى المجاز إلا بعد تعذر حمله على الحقيقة، فإذا أقمنا الدلائل القاطعة على أنه تعالى يستحيل أن يكون جسماً، فيجب حينئذٍ صرف هذا اللفظ إلى المجاز. واعلم أن صاحب الكشَّاف أورد هذا التأويل في معرض آخر، فقال: الكشف عن السَّاق مثلٌ في شدَّة الأمر، فمعنى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ يوم يشتد، ويتعاظم، ولا كشف ثمَّ ولا ساقَ، كما تقول: الشحيح يده مغلولة، ولا يد ثمَّ، ولا غل، وإنما هو مثل في البخلِ، ثم أخذ يعظم علم البيانِ ويقول: لولاه ما وقفنا على هذه الأسرارِ، وأقولُ: إما أن يدعي أنه يجوز صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل، أو تقول: لا يجوز ذلك إلا بعد امتناع حمله على الحقيقة، والأول باطل بالإجماع، ولأنا إن جوزنا ذلك انفتحت أبواب تأويلات الفلاسفةِ في أمر المعاد، فإنهم يقولون في قوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ [الحج: 23] ليس هناك أنهار ولا أشجار، وإنما هو مثل للّذة والسعادة ويقولون في قوله تعالى: ﴿اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: 77] وليس هناك ركوع ولا سجود وإنما هو مثل للتعظيم، ومعلوم أن ذلك يفضي إلى رفع الشرائع، وفساد الدينِ، وأما من قال: إنه لا يصار إلى التأويل، إلا عند قيام الدليل على أنه لا يجوز حمله على ظاهره، فهذا قولُ كُلِّ أحد من المتكلمين، فأين الدقائق التي استند هو بمعرفتها والاطلاع عليها بواسطةِ علم البيان، ثم إن قال بعد أن حكى القول بأن المراد بالساق جهنم، أو ساق العرش، أو ساق ملك عظيم إن اللفظ لا يدل إلا على ساق، وأما أي شيء هو فليس في اللفظ ما يدل عليه، ثم ذكر حديث ابن مسعود عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أنَّهُ تعالى يتَمثَّلُ للخَلْق يَوْمَ القِيامةِ حِيْنَ يَمُرُّ المُسْلمُونَ فيقول: مَنْ تَعْبُدُونَ؟ فيقولون: نَعْبُدُ اللَّهَ فيُشْهدُهمْ مرَّتينِ، أو ثلاثاً، ثُمَّ يقُولَ: هَلْ تَعْرفُون ربَّكُمْ؟ فيقولون: لَوْ عرَّفنَا نَفسَهُ عرفْناهُ، فعِنْدَ ذلِكَ يُكْشَفُ عن سَاقٍ فَلا يَبْقَى مُؤمِنٌ إلاَّ خَرَّ للَّه ساجِداً، ويَبْقَى المُنافِقُونَ ظُهُورهُمْ كالطَّبَقِ الوَاحدِ، كأنَّما فيهَا السَّفافِيدُ» . قال: واعلم أن هذا القول باطل لوجوه: أحدها: أن الدلائل دلت على أن كل جسم متناهي وكل متناهٍ محدث، وأنّ كلَّ جسم ممكن وكل ممكن محدث. وثانيها: أنه لو كان المراد ذلك لكان من حق الساق أن يعرف أنها ساق مخصوصة معهودة عنده، وهي ساق الرحمن، أما إذا أجملت ففائدة التنكير: الدلالة على التعظيم، كأنه قال: يوم يكشف عن شدة، وأي شدة لا يمكن وصفها. وثالثها: أن التعريف لا يحصل بالكشف عن الساق، وإنما يحصل بكشف الوجه، ثم حكى قول أبي مسلم: بأنه لا يمكن حمله على يوم القيامة؛ لأنه تعالى قال في وصفه: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود﴾ ويوم القيامة ليس فيها تعبد، ولا تكليف، بل المراد منه إما آخر أيام الرجل في دنياه، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: 22] ، وقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: 158] الآية لأنه الوقت الذي لا تنفع نفساً إيمانها، وإما حال المرض والهرم والعجز، ثم إنه يرى الناس يدعون إلى الصلاة إذا حضرت أوقاتها، وهو لا يستطيع الصلاة ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ مما بهم الآن من الشدة النازلة بهم من هول ما عاينوا عند الموت، أو من العجز والهرم، ونظير هذه الآية ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم﴾ [الواقعة: 83] . ثم قال: واعلم أنه لا نزاع في أنه يمكن حمل اللفظ على ما قال أبو مسلم، ثم قال: فأما قوله: «إنه لا يمكن حمله على يوم القيامة بسبب أن الأمر بالسجود حاصل في الدنيا والتكاليف زائلة يوم القيامة» . فجوابه: أن ذلك لا يكون على سبيل التكليف بل على سبيل التقريع والتخجيل فلم قلت: إن ذلك غير جائزٍ. قوله ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود﴾ في الدنيا ﴿وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ معافون أصحاء. قال إبراهيم التيمي: أي: يدعون بالأذان، والإقامة، فيأبون. وقال سعيد بن جبيرٍ: كانوا يسمعون حيّ على الفلاح، فلا يجيبون، وهم سالمون أصحاء. وقال كعبُ الأحبار: والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات. وقيل: أي: بالتكليف الموجه عليهم في الشرع. قوله: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بهذا الحديث﴾ ، أي: فدعني والمكذبين بالقرآن وخلّ بيني وبينهم. وقال الزجاجُ: لا تشغل بالك به كِلْهُ إليّ، فإني أكفيك أمره. و «مَنْ» منصوب إما نسقاً على ضمير المتكلم، أو مفعول معه، وهو مرجوح؛ لإمكان النسق من غير ضعف، وتقدم إعراب ما بعده. فصل في مناسبة الآية لما قبلها لما خوف الكفار بعظمة يوم القيامة زاد في التخويف مما عنده، وفي قدرته من القهر، يقال: ذَرْنِي وإياه أي كِلْهُ إليّ، فأنا أكفيكه. قال السديُّ: والمراد بالحديث القرآن. وقيل: يوم القيامةِ، وهذا تسلية للنبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ، أي: سنأخذهم على غفلة، وهم لا يعرفون، فعذبوا يوم بدر. وقال سفيان الثوري: نسبغ عليهم النعم، وننسيهم الشكر. وقال الحسن: كم مستدرجٍ بالإحسان إليه، وكم مفتون بالثناء عليه، وكم مغرورٍ بالستر عليه. وقال أبو روق: كلما أحدثوا الخطيئة جددنا لهم نعمة، وأنسيناهم الاستغفار. قال ابن عباسٍ: سنمكر بهم، وروي أن رجلاً من بني إسرائيل قال: يا ربِّ، كم أعصيك وأنت لا تعاقبني، فأوحى اللَّهُ إلى نبي زمانهم أن قُلْ له: كَمْ مِنْ عقُوبَةٍ لِي عليكَ وأنْتَ لا تَشْعرُ أنَّ جُمُودَ عَيْنِك، وقساوة قلبك استدراجٌ منِّي، وعقُوبةٌ لو عقَلْتَ. والاستدراج: ترك المعالجة، وأصله النقل من حال إلى حال كالتدريج. ومنه قيل: درجات، وهي منزلة واستدرج فلان فلاناً، أي: استخرج ما عنده قليلاً قليلاً، ويقال: درجه إلى كذا، واستدرجه بمعنى أدناه على التدريج، فتدرج. ومعنى الآية: إنا لما أنعمنا عليهم اعتقدوا أن ذلك الإنعام تفضيل لهم على المؤمنين، وهو في الحقيقة يسبب هلاكهم. قوله: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أي: أمهلهم، وأطيل لهم المدة، كقوله ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً﴾ [آل عمران: 178] والملاوة: المدة من الدهر، وأملى الله له، أي: أطال له، والملوان: الليل والنهار. وقيل: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ ، أي: لا أعاجلهم بالموت، والمعنى واحد، والملا مقصور: الأرضِ الواسعة سميت بها لامتدادها ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي: إن عذابي لقوي شديد؛ فلا يفوتني أحد، وسمى إحسانه كيداً كما سماه استدراجاً في صورة الكيدِ ووصفه بالمتانة لقوة أثر استحسانه في السبب للهلاك. فصل في إرادة الكائنات قال ابن الخطيبِ: تمسك الأصحاب بهذه الآية في مسألة إرادة الكائنات، لأن هذا الاستدراج والكيد إن لم يكن لهما أثر في الطغيان، فليسا بكيد، ولا استدراج، وإن كان لهما أثر فيه لزم أن يكون الحق سبحانه مريداً له، لأن من فعل شيئاً لحصول شيء وأكده وقواه لا بد وأن يكون مريداً لحصول ذلك الشيء. أجاب الكعبيُّ: بأن المراد استدراجهم إلى الموتِ، أي: يخفى عنهم زمن الموت من حيثُ لا يعلمون، وهو مقتضى الحكمة، وإلا لكان فيه إغراء بالمعاصي، لأنهم لو عرفوا الوقت الذي يموتون فيه أقدموا على المعاصي، ثم صاروا مفتنين.

القلم 68:47

ثم إنه تعالى لما أبطل قولهم شرح بعده عظمة يوم القيامة، وهو قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ «يَوْمَ» منصوب بقوله «فليَأتُوا» أي: فليأتوا بشركائهم يوم يكشفُ عن ساق ليشفع الشركاء لهم وحينئذ لا يوقف على «صَادِقينَ» . أو بإضمارِ «اذْكُرْ» فيكون مفعولاً به، أو بمحذوفٍ وهو ظرف، أي: يوم يكشف يكون كيت وكيت. أو ب «خَاشِعةً» . قاله أبو البقاء. و «عَنْ ساقٍ» قائم مقام الفاعل. وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة: «تكشف» بالتاء من فوق مبنياً للفاعل، أي: الشدة والساعة. وعنه أيضاً كذلك: مبنياً للمفعول. وهي مشكلة، لأن التأنيث لا معنى له هاهنا إلا أن يقال: إن المفعول مستتر، أي: تكشف هي، أي: الشدة، ويتعلق «عَنْ ساقٍ» بمحذوف، أي: تكشف عن ساقها. ولذلك قال الزمخشري: «وتكشف» بالتاء مبنياً للفاعل والمفعول جميعاً، والفعل للساعة، أو الحال: أي يشتد الحال، أو الساعة. وقرىء: «ويُكشِفُ» - بضم التاء أو الياء وكسر الشين - من «أكشف» إذا دخل في الكشف، وأكشف الرجل إذا انقلبت شفته العليا لانكشاف ما تحتها. ويقال له أيضاً: أخلع وكشف الساق كناية عن الشدة. قال الراجز: [الرجز] 4831 - عَجِبْتُ مِنْ نَفْسِي ومِنْ إشْفَاقِهَا ... ومِنْ طِرَادِي الطَّيْرَ عَنْ أرْزَاقِهَا في سَنةٍ قَدْ كشَفَتْ عَنْ سَاقِهَا ... حَمْرَاءِ َبْرِي اللَّحْمَ عَنْ عُراقِهَا وقال حاتم الطائيُّ: [الطويل] 4832 - أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ به الحَرْبُ عضَّهَا ... وإنْ شَمَّرْتَ عَنْ سَاقهَا الحَرْبُ شَمَّرَا وقال الآخر: [مجزوء الكامل] 4833 - كَشفَتْ لَهُمْ عَنْ سَاقِهَا ... وبَدَا مِنَ الشَّرِّ البَواحُ وقال الراجز: [الرجز] 4834 - أ - قَدْ شَمرَتْ عَنْ سَاقِهَا فشُدُّوا ... وجَدَّتِ الحَرْبُ بِكُمْ فَجِدُّوا وقال الآخر: [السريع، أو الرجز] 4834 - ب - صَبْراً أُمامُ إنَّهُ شَرُّ بَاقْ ... وقَامتِ الحَرْبُ بِنَا على سَاقْ قال الزمخشريُّ: الكشفُ عن الساق والإبداء عن الخدام مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدراتِ عن سوقهن في الهرب وإبداء خدامهن عند ذلك؛ قال حاتم: 4835 - أ - أخو الحَرْبِ ... ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . وقال ابن قيس الرُّقيَّاتِ: [الخفيف] 4835 - ب - تُذِهِلُ الشَّيْخَ عنْ بنيهِ وتُبْدِي ... عَنْ خِدَامِ العَقيلَةُ العَذْراءُ انتهى. فصل في «الساق» قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ ، قال: كرب وشدة. وعن مجاهد: شدة الأمر وحده. وروى مجاهد عن ابن عباس قال: أشد ساعةٍ في القيامة. وقال أبو عبيدة: إذا اشتد الأمر، أو الحرب قيل كشف الأمر عن ساقه. والأصل فيه: أن من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجد، شمر عن ساقه، فاستعير الساق والكشف عنها في موضع الشدة. وقيل: ساق الشيء: أصله الذي به قوامه كساق الشجرة، وساق الإنسان، أي: يوم يكشفُ عن أصل الأمر، فتظهر حقائق الأمور، وأصلها. وقيل: يكشف عن ساق جهنم. وقيل: عن ساق العرش. وقيل: يريد وقت اقتراب الأجل وضعف البدن، أي: يكشف المريض عن ساقه ليبصر ضعفه، ويدعوه المؤذنون إلى الصلاة، فلا يمكنه أن يقوم، ويخرج. فصل في تأويل «الساق» قال القرطبيُّ: فأما ما روي الله تعالى يكشف عن ساقه، فإنه - عَزَّ وَجَلَّ - يتعالى عن الأعضاء، والأبعاض، وأن ينكشف، ويتغطى، ومعناه أن يكشف عن العظيم من أمره وقيل: «يكشف عن نوره عَزَّ وَجَلَّ» . ؟؟؟ وروى أبو موسى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى ﴿عَنْ سَاقٍ﴾ قال: يكشف عن نورٍ عظيمٍ يخِرُّونَ لهُ سُجَّداً. وروى أبو بردة عن أبي موسى قال: حدثني أبي قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامةِ مثِّل لِكُلِّ قَوْمٍ مَا كَانُوا يَعْبدُونَ فِي الدُّنيَا فيَذْهبُ كُل قَوْمٍ إلى مَا كَانُوا يَعَبْدُون ويبقى أهلُ التَّوحيدِ، فيقال لهم: ما تَنْتَظِرُونَ، وقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ، فيقولون: لنَا رَبٌّ كنَّا نَعْبدُهُ في الدُّنيَا، ولَمْ نَرَهُ، قال: وتعْرِفُونهُ إذَا رأيتمُوهُ؟ فيقولون: نَعَم، فيُقَالُ لَهُمْ: فَكيْفَ تعرفونه، ولَمْ تَرَوهُ؟ قالوا: إنه لا شبيهَ لَهُ، فيكشفُ لَهُم الحجابُ، فينْظُرونَ إلى اللَّهِ تعالى، فيخِرُّونَ لَهُ سُجَّداً، ويبقى أقوامٌ ظُهُورُهُمْ كَصَياصِي البَقرِ، فينْظرُونَ إلى اللَّهِ تعالى فيريدون السُّجُودَ، فلا يَسْتطِيْعُونَ، فَذلكَ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ فيقول الله تعالى: عبادي ارفعوا رءوسكم، فقد جعلت بدل كل رجل منكم رجلاً من اليهود والنصارى في النار» ، قال أبو بردةُ: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال: الله الذي لا إله إلا هو لقد حدثك أبوك بهذا الحديث؟ فحلف له ثلاثة أيمانٍ، فقال عمر: سمعتُ في أهل التوحيد حديثاً هو أحب إليَّ من هذا. قوله ﴿خَاشِعَةٌ﴾ . حال من مرفوع «يُدْعَونَ» و «أبْصَارهُمْ» فاعل به، ونسب الخشوع للأبصار وإن كانت الأعضاء كُلها كذلك لظهور أثره فيها. وقوله: «وهُمْ سَالِمُونَ» . حال من مرفوع «يُدعَونَ» الثانية. ومعنى ﴿خَاشِعَةٌ أَبْصَارُهُمْ﴾ ، أي: متواضعةٌ «تَرْهقُهُمْ ذلَّةٌ» وذلك أن المؤمنين يرفعون رءوسهم، ووجوههم أشد بياضاً من الثلج، وتسود وجوه الكافرين والمنافقين حتى ترجع أشد سواداً من القار. فصل في تقرير كلام أهل اللغة في الساق قال ابن الخطيب بعد أن حكى أقوال أهلِ اللغةِ في الكشف عن الساق: واعلم أن هذا اعتراف من أهل اللغة بأن استعماله في الشدة مجاز، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز صرف الكلامِ إلى المجاز إلا بعد تعذر حمله على الحقيقة، فإذا أقمنا الدلائل القاطعة على أنه تعالى يستحيل أن يكون جسماً، فيجب حينئذٍ صرف هذا اللفظ إلى المجاز. واعلم أن صاحب الكشَّاف أورد هذا التأويل في معرض آخر، فقال: الكشف عن السَّاق مثلٌ في شدَّة الأمر، فمعنى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ يوم يشتد، ويتعاظم، ولا كشف ثمَّ ولا ساقَ، كما تقول: الشحيح يده مغلولة، ولا يد ثمَّ، ولا غل، وإنما هو مثل في البخلِ، ثم أخذ يعظم علم البيانِ ويقول: لولاه ما وقفنا على هذه الأسرارِ، وأقولُ: إما أن يدعي أنه يجوز صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل، أو تقول: لا يجوز ذلك إلا بعد امتناع حمله على الحقيقة، والأول باطل بالإجماع، ولأنا إن جوزنا ذلك انفتحت أبواب تأويلات الفلاسفةِ في أمر المعاد، فإنهم يقولون في قوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ [الحج: 23] ليس هناك أنهار ولا أشجار، وإنما هو مثل للّذة والسعادة ويقولون في قوله تعالى: ﴿اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: 77] وليس هناك ركوع ولا سجود وإنما هو مثل للتعظيم، ومعلوم أن ذلك يفضي إلى رفع الشرائع، وفساد الدينِ، وأما من قال: إنه لا يصار إلى التأويل، إلا عند قيام الدليل على أنه لا يجوز حمله على ظاهره، فهذا قولُ كُلِّ أحد من المتكلمين، فأين الدقائق التي استند هو بمعرفتها والاطلاع عليها بواسطةِ علم البيان، ثم إن قال بعد أن حكى القول بأن المراد بالساق جهنم، أو ساق العرش، أو ساق ملك عظيم إن اللفظ لا يدل إلا على ساق، وأما أي شيء هو فليس في اللفظ ما يدل عليه، ثم ذكر حديث ابن مسعود عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أنَّهُ تعالى يتَمثَّلُ للخَلْق يَوْمَ القِيامةِ حِيْنَ يَمُرُّ المُسْلمُونَ فيقول: مَنْ تَعْبُدُونَ؟ فيقولون: نَعْبُدُ اللَّهَ فيُشْهدُهمْ مرَّتينِ، أو ثلاثاً، ثُمَّ يقُولَ: هَلْ تَعْرفُون ربَّكُمْ؟ فيقولون: لَوْ عرَّفنَا نَفسَهُ عرفْناهُ، فعِنْدَ ذلِكَ يُكْشَفُ عن سَاقٍ فَلا يَبْقَى مُؤمِنٌ إلاَّ خَرَّ للَّه ساجِداً، ويَبْقَى المُنافِقُونَ ظُهُورهُمْ كالطَّبَقِ الوَاحدِ، كأنَّما فيهَا السَّفافِيدُ» . قال: واعلم أن هذا القول باطل لوجوه: أحدها: أن الدلائل دلت على أن كل جسم متناهي وكل متناهٍ محدث، وأنّ كلَّ جسم ممكن وكل ممكن محدث. وثانيها: أنه لو كان المراد ذلك لكان من حق الساق أن يعرف أنها ساق مخصوصة معهودة عنده، وهي ساق الرحمن، أما إذا أجملت ففائدة التنكير: الدلالة على التعظيم، كأنه قال: يوم يكشف عن شدة، وأي شدة لا يمكن وصفها. وثالثها: أن التعريف لا يحصل بالكشف عن الساق، وإنما يحصل بكشف الوجه، ثم حكى قول أبي مسلم: بأنه لا يمكن حمله على يوم القيامة؛ لأنه تعالى قال في وصفه: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود﴾ ويوم القيامة ليس فيها تعبد، ولا تكليف، بل المراد منه إما آخر أيام الرجل في دنياه، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: 22] ، وقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: 158] الآية لأنه الوقت الذي لا تنفع نفساً إيمانها، وإما حال المرض والهرم والعجز، ثم إنه يرى الناس يدعون إلى الصلاة إذا حضرت أوقاتها، وهو لا يستطيع الصلاة ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ مما بهم الآن من الشدة النازلة بهم من هول ما عاينوا عند الموت، أو من العجز والهرم، ونظير هذه الآية ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم﴾ [الواقعة: 83] . ثم قال: واعلم أنه لا نزاع في أنه يمكن حمل اللفظ على ما قال أبو مسلم، ثم قال: فأما قوله: «إنه لا يمكن حمله على يوم القيامة بسبب أن الأمر بالسجود حاصل في الدنيا والتكاليف زائلة يوم القيامة» . فجوابه: أن ذلك لا يكون على سبيل التكليف بل على سبيل التقريع والتخجيل فلم قلت: إن ذلك غير جائزٍ. قوله ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود﴾ في الدنيا ﴿وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ معافون أصحاء. قال إبراهيم التيمي: أي: يدعون بالأذان، والإقامة، فيأبون. وقال سعيد بن جبيرٍ: كانوا يسمعون حيّ على الفلاح، فلا يجيبون، وهم سالمون أصحاء. وقال كعبُ الأحبار: والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات. وقيل: أي: بالتكليف الموجه عليهم في الشرع. قوله: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بهذا الحديث﴾ ، أي: فدعني والمكذبين بالقرآن وخلّ بيني وبينهم. وقال الزجاجُ: لا تشغل بالك به كِلْهُ إليّ، فإني أكفيك أمره. و «مَنْ» منصوب إما نسقاً على ضمير المتكلم، أو مفعول معه، وهو مرجوح؛ لإمكان النسق من غير ضعف، وتقدم إعراب ما بعده. فصل في مناسبة الآية لما قبلها لما خوف الكفار بعظمة يوم القيامة زاد في التخويف مما عنده، وفي قدرته من القهر، يقال: ذَرْنِي وإياه أي كِلْهُ إليّ، فأنا أكفيكه. قال السديُّ: والمراد بالحديث القرآن. وقيل: يوم القيامةِ، وهذا تسلية للنبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ، أي: سنأخذهم على غفلة، وهم لا يعرفون، فعذبوا يوم بدر. وقال سفيان الثوري: نسبغ عليهم النعم، وننسيهم الشكر. وقال الحسن: كم مستدرجٍ بالإحسان إليه، وكم مفتون بالثناء عليه، وكم مغرورٍ بالستر عليه. وقال أبو روق: كلما أحدثوا الخطيئة جددنا لهم نعمة، وأنسيناهم الاستغفار. قال ابن عباسٍ: سنمكر بهم، وروي أن رجلاً من بني إسرائيل قال: يا ربِّ، كم أعصيك وأنت لا تعاقبني، فأوحى اللَّهُ إلى نبي زمانهم أن قُلْ له: كَمْ مِنْ عقُوبَةٍ لِي عليكَ وأنْتَ لا تَشْعرُ أنَّ جُمُودَ عَيْنِك، وقساوة قلبك استدراجٌ منِّي، وعقُوبةٌ لو عقَلْتَ. والاستدراج: ترك المعالجة، وأصله النقل من حال إلى حال كالتدريج. ومنه قيل: درجات، وهي منزلة واستدرج فلان فلاناً، أي: استخرج ما عنده قليلاً قليلاً، ويقال: درجه إلى كذا، واستدرجه بمعنى أدناه على التدريج، فتدرج. ومعنى الآية: إنا لما أنعمنا عليهم اعتقدوا أن ذلك الإنعام تفضيل لهم على المؤمنين، وهو في الحقيقة يسبب هلاكهم. قوله: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أي: أمهلهم، وأطيل لهم المدة، كقوله ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً﴾ [آل عمران: 178] والملاوة: المدة من الدهر، وأملى الله له، أي: أطال له، والملوان: الليل والنهار. وقيل: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ ، أي: لا أعاجلهم بالموت، والمعنى واحد، والملا مقصور: الأرضِ الواسعة سميت بها لامتدادها ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي: إن عذابي لقوي شديد؛ فلا يفوتني أحد، وسمى إحسانه كيداً كما سماه استدراجاً في صورة الكيدِ ووصفه بالمتانة لقوة أثر استحسانه في السبب للهلاك. فصل في إرادة الكائنات قال ابن الخطيبِ: تمسك الأصحاب بهذه الآية في مسألة إرادة الكائنات، لأن هذا الاستدراج والكيد إن لم يكن لهما أثر في الطغيان، فليسا بكيد، ولا استدراج، وإن كان لهما أثر فيه لزم أن يكون الحق سبحانه مريداً له، لأن من فعل شيئاً لحصول شيء وأكده وقواه لا بد وأن يكون مريداً لحصول ذلك الشيء. أجاب الكعبيُّ: بأن المراد استدراجهم إلى الموتِ، أي: يخفى عنهم زمن الموت من حيثُ لا يعلمون، وهو مقتضى الحكمة، وإلا لكان فيه إغراء بالمعاصي، لأنهم لو عرفوا الوقت الذي يموتون فيه أقدموا على المعاصي، ثم صاروا مفتنين.

القلم 68:48

وأجاب الجبائيُّ: بأن معنى قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾ أي: إلى العذاب ﴿مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ في الآخرة، ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ في الدنيا توكيداً للحجة عليهم ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ فأمهله، وأزيح الأعذار عنه ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ويحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: 42] ، ويدل على هذا قوله قبل ذلك: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بهذا الحديث﴾ ولا شك أن هذا التهديد إنما هو بعذاب الآخرة، فوجب أن يكون الاستدراج والكيد المذكور عقيبه هو عذاب الآخرة وأجاب الأصحاب: أن هنا الإمهال إذا كان مؤدياً إلى الطغيان كان الراضي بالإمهال العالم بتأديه إلى الطغيان لا بد وأن يكون راضياً بذلك الطغيان. قوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً﴾ . عاد الكلام إلى ما تقدم من قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ﴾ أي: أم تلتمس منهم ثواباً على ما تدعوهم إليه من الإيمان بالله، والمغرم: الغرامة فهم من غرامة ذلك مثقلُون، أي: يثقل حمل الغرامات عليهم في بذل المال، فيثبطهم ذلك عن الإيمان. والمعنى: ليس عليهم كلفة في متابعتك، بل يستولون بالإيمان على خزائن الأرض ويصلون إلى جنات النعيم. قوله: ﴿أَمْ عِندَهُمُ الغيب﴾ ، أي: علم ما غاب عنهم ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ . وقيل: أينزل عليهم الوحي بهذا الذي يقولون، وعن ابن عباسٍ: الغيب هنا هو اللوح المحفوظُ، فهم يكتبون منه ثوابَ ما هم عليه من الكفر، ويخاصمونك به، ويكتبون أنهم أفضل، وأنهم لا يعاقبون. وقيل: «يَكْتُبونَ» أي: يحكمون ما يريدون، وهذا استفهام على سبيل الإنكار. قوله ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أي: لقضاء ربِّك، والحكم هنا القضاء. وقيل: اصبر على ما حكم به عليك ربُّك من تبليغ الرسالةِ. وقال ابنُ بَحْرٍ: فاصبر لنصر ربك. وقيل: منسوخ بآية السيف ﴿وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحوت﴾ يعني يونس - عليه السلام - أي: لا تكن مثله في الغضب، والضجر، والعجلة. وقال قتادة: إن الله تعالى يعزي نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويأمره بالصبر، ولا يعجل كما عجل يونس - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -. وقد مضى الفرق بين «ذي» و «صاحب» في «يونس» . قوله: ﴿إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ . «إذْ» منصوب بمضاف محذوف، أي: ولا يكن حالك كحاله، أو قصتك كقصته في وقت ندائه، ويدل على المحذوف أن الذوات لا ينصبُّ عليها النهي على أحوالها، وصفاتها. وقوله: ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ . جملة حالية من الضمير في «نَادَى» . والمكظوم: الممتلىء حزناً وغيظاً، ومنه كظم السقاء إذا ملأه. قال ذو الرمة: [البسيط] 4836 - وأنْتَ مِنْ حُبِّ مَيٍّ مُضْمِرٌ حَزَناً ... عَانِي الفُؤادِ قَريحُ القَلْبِ مَكْظُومُ فصل في دعاء يونس «إذْ نَادَى» ، أي: حين دعا من بطن الحوتِ، فقال: ﴿لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ [الأنبياء: 87] . قال القرطبي: ومعنى ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أي: مملوء غمًّا. وقيل: كرباً، فالأول قول ابن عباس ومجاهد، والثاني: قول عطاء وأبي مالك، قال الماورديُّ: والفرق بينهما أن الغمَّ في القلب، والكرب في الأنفاس. وقيل: «مَكْظُومٌ» محبوس، والكظم: الحبس ومنه قولهم: كَظَمَ غَيْظَهُ، أي: حبس غضبه، قاله ابن بحر. وقيل: «إنه المأخوذ بكظمه وهو مجرى النفس، قاله المُبرِّدُ» . والمعنى: لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر، والمغاضبة، فتبتلى ببلائه. قوله: ﴿لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ﴾ . قال ابن الخطيب: لِمَ لَمْ يَقُلْ: تداركته نعمة؟ وأجاب: بأنه إنما حسن تذكير الفعل لفصل الضمير في «تَدَاركَهُ» . ولأن التأنيث غير حقيقي. وقرأ أبيّ وعبد الله بن عباس: «تَدارَكتْهُ» بتاء التأنيث لأجل اللفظِ. والحسن وابن هرمز والأعمش: «تَدّارَكهُ» - بتشديد الدال -. وخرجت على الأصل: تتداركه - بتاءين - مضارعاً، فأدغم، وهو شاذ؛ لأن الساكن الأول غير حرف لين؛ وهي كقراءة البزي ﴿إذْ تَلَّقَّوْنَهُ﴾ [النور: 15] ، و ﴿ناراً تَلَّظَّى﴾ [الليل: 14] ، وهذا على حكاية الحال، لأن المقصد ماضيه، فإيقاع المضارع هنا للحكاية، كأنه قال: لولا أن كان يقال فيه: تتداركه نعمة. قوله: ﴿نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ . قال الضحاكُ: النعمة هنا: النبوة. وقال ابن جبيرٍ: عبادته التي سلفت. وقال ابن زيدٍ: نداؤه بقوله ﴿لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ [الأنبياء: 87] . وقال ابن بحرٍ: إخراجه من بطن الحوتِ. وقيل: رحمة من ربِّه، فرحمه وتاب عليه. قوله: ﴿لَنُبِذَ بالعرآء﴾ ، هذا جواب «لَوْلاَ» ، أي: لنبذ مذموماً لكنه نبذ سقيماً غير مذموم. وقيل: جواب «لَولاَ» مقدر، أي: لولا هذه النعمة لبقي في بطن الحوتِ. ومعنى: «مَذْمُوم» ، قال ابن عباس: مُليمٌ. وقال بكر بن عبد الله: مُذنِبٌ. وقيل: مبعدٌ من كل خير. والعراء: الأرض الواسعة الفضاء التي ليس فيها جبل، ولا شجر يستر. وقيل: لولا فضلُ الله عليه لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة، ثم نبذ بعراء القيامة مذموماً، يدل عليه قوله تعالى ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: 143، 144] . فصل في عصمة الأنبياء قال ابن الخطيب: هل يدل قوله «وهُوَ مَذمُومٌ» على كونه فاعلاً للذنب؟ قال: والجوابُ من ثلاثة أوجه: الأول: أن كلمة «لولا» دلت على أن هذه المذمومية لم تحصل. الثاني: لعل المراد من المذموميةِ ترك الأفضلِ، فإن حسنات الأبرارِ سيئات المقربين. الثالث: لعل هذه الواقعة كانت قبل النبوة، لقوله «فاجْتبَاهُ رَبُّهُ» والفاء للتعقيب. قيل: إن هذه الآية نزلت بأحدٍ حين حل برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما حل فأراد أن يدعو على الذين انهزموا. وقيل: حين أراد أن يدعو على ثقيف. قوله: ﴿فاجتباه رَبُّهُ﴾ ، أي: فاصطفاه واختاره. ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصالحين﴾ . قال ابن عباس: رد الله إليه الوحي، وشفعه في نفسه، وفي قومه، وقبل توبته وجعله من الصالحين بأن أرسله إلى مائة ألفٍ، أو يزيدون. فصل فيمن قال: إن يونس لم يكن نبياً قبل واقعة الحوت قال ابن الخطيب: قال قوم: لعل صاحب الحوتِ ما كان رسولاً قبل هذه الواقعة، ثم بعد هذه الواقعة جعله الله رسولاً، وهو المرادُ من قوله ﴿فاجتباه رَبُّهُ﴾ والذين أنكروا الكرامات والإرهاص لا بد وأن يختاروا هذا القول، لأن الاحتباس في بطن الحوت، وعدم موته هناك لما لم يكن هناك إرهاص، ولا كرامة، فلا بد وأن تكون معجزة، وذلك يقتضي أنه كان رسولاً في تلك الحال. فصل في خلق أفعال العباد قال ابن الخطيب: احتج الأصحاب على أن فعل العبد خلق الله تعالى بقوله: ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصالحين﴾ وهذا يدل على أن الصلاح إنما حصل بجعل الله وخلقه. قال الجبائيُّ: يحتمل أن يكون معنى «جعلهُ» أنه أخبر بذلك، ويحتمل أن يكون لطف به حتى صلح، إذ الجعل يستعمل في اللغة في هذه المعاني. والجواب: أن ذلك مجاز، والأصل في الكلامِ الحقيقة. قوله: ﴿وَإِن يَكَادُ الذين كَفَرُواْ﴾ «إنْ» المخففة من الثقيلة: «ليُزلقُونَكَ» ، أي: يغتالونك بأبصارهم، قرأها نافع: بفتح الياء، والباقون: بضمها. فأما قراءة الجماعة: فمن أزلقه، أي: أزال رجله، فالتعدية بالهمزة من أزلق يزلق. وأما قراءة نافع، فالتعدية بالحركة، يقال: زَلِقَ - بالكسر - وزلقتُه - بالفتح، ونظيره: شترت عينه - بالكسر - وشترها الله - بالفتح. [وقد تقدم لذلك أخوات] . وقيل: زلقه وأزلقه - بمعنى واحد - إزلاقاً، إذا نحاه وأبعده، وأزلق برأسه يزلقه زلقاً، إذا حلقه. قال القرطبي: «وكذلك أزلقه، وزلقهُ تزليقاً، ورجل زلقٌ وزُملق - مثال هُدَبِد - وزمالِق وزملِق - بتشديد الميم - وهو الذي ينزل قبل أن يجامع، حكاه الجوهري وغيره» . والباء في «بأبْصارهِمْ» إما للتعدية كالداخلة على الآلة، أي: جعلوا أبصارهم كالآلة المزلقة لك ك «عملت بالقدوم» ، وإما للسببية، أي: بسبب عيونهم. وقرىء: «ليُزْهقونَكَ» من زهقت نفسه، وأزهقها. ثم فيه وجوه: أحدها: أنهم من شدة تحديقهم، ونظرهم إليك شزراً بعيون العداوة، والبغضاء يكادون يزلقون قدمك من قولهم: نظر إليّ نظراً يكاد يصرعني ويكاد يأكلني، أنشد ابن عباسٍ لما مر بأقوام حددوا النظر فيه: [الكامل] 4837 - نَظَرُوا إليَّ بأعْيُنٍ مُحَمَرَّةٍ ... نَظَرَ التيُوسِ إلى شِفارِ الجَازِرِ فصل في المراد بالنظر أخبر الله تعالى بشدة عداوتهم للنبي صلى الله عليهم وسلم وأرادوا أن يصيبوه بالعين، فنظر إليه قوم من قريش وقالوا: ما رأينا مثله، ولا مثل حججه. وقيل: كانت العين في بني أسد، حتى إن البقرة السمينة، أو الناقة السمينة تمر بأحدهم فيعاينها ثم يقول: يا جارية، خذي المكتل والدرهم، فأتنا بلحم هذه الناقة فما تبرح حتى تقع الناقة للموت فتنحر. وقال الكلبيُّ: كان رجل من العرب يمكث لا يأكل شيئاً يومين أو ثلاثة ثم يرجع جانب الخباء، فتمر به الإبل والغنم، فيقول: لم أر كاليوم إبلاً ولا غنماً أحسن من هذه فلا تذهب قليلاً حتى تسقط منها طائفة هالكة، فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب لهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالعين، فأجابهم، فلما مر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنشد: [الكامل] 4838 - قَدْ كَانَ قَوْمُكَ يَحْسبُونَكَ سيِّداً ... وإخَالُ أنَّك سَيِّدٌ مَعْيُونُ فعصم الله نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ونزلت هذه الآية. وذكر الماورديُّ: أن العرب كانوا إذا أراد أحدهم أن يصيب أحداً يعني في ماله ونفسه يجوع ثلاثة أيام ثم يتعرض لنفسه وماله، فيقول: بالله ما رأيتُ أقوى منه، ولا أشجع، ولا أكبر منه، ولا أحسن فيصيبه بعينه فيهلك هو وماله، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. قال القشيريُّ: وفي هذا نظرٌ؛ لأن الإصابة بالعين إنما تكون مع الاستحسان والإعجاب لا مع الكراهية والبغضِ، ولهذا قال: «ويقولون: إنه لمجْنُونٌ» أي: ينسبونك إلى الجنون إذا رأوك تقرأ القرآن. قال القرطبيُّ: أقوال المفسرين واللغويين تدل على ما ذكرنا، وأن مرادهم بالنظر إليه قتله، ولا يمنع كراهة الشيء من أن يصاب بالعين عداوة حتى يهلك. فمعنى الكلمة إذاً التنحية والإزالة، وذلك لا يكون في حق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلا بهلاكه وموته. قال الهرويُّ: أراد ليغتالونك بعيونهم، فيزيلونك عن مقامك الذي أقامك الله فيه عداوة لك. وقال ابن عباس: ينفذونك بأبصارهم، يقال: زلق السَّهم، وزهق إذا نفذ، وهو قول مجاهد أي: ينفذونك من شدة نظرهم. وقال الكلبي: يصرعونك، وعنه أيضاً والسُّدي وسعيد بن جبير: يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ الرسالة. وقال العوفي: يرمونك. وقال المؤرج: يزيلونك. وقال النضر بن شميل والأخفش: يفتنونك. وقال الحسن وابن كيسان: ليقتلونك كما يقال: صرعني بطرفه، وقتلني بعينه. قوله: ﴿لَمَّا سَمِعُواْ الذكر﴾ من جعلها ظرفية جعلها منصوبة ب «يُزْلقُونكَ» ، ومن جعلها حرفاً جعل جوابها محذوفاً للدلالة، أي: لما سمعوا الذِّكر كادوا يزلقونك، ومن جوز تقديم الجواب، قال: هو هنا متقدم. والمراد بالذكر القرآن، ثم قال: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ وهو على ما افتتح به السُّورة، ثم قال: «ومَا هُوَ» يعني: القرآن. ﴿إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِين﴾ أي: الذين يزعمون أنه دلالة جنونه إلا ذكر للعالمين تذكير لهم، وبيان لهم على ما في عقولهم من أدلة التوحيد. وقال الحسنُ: دَوَاء إصابةِ العيْنِ أنْ يَقْرَأ الإنسانُ هذه الآية. وقيل: وما محمدٌ إلا ذكر للعالمين يتذكرون به. وقيل: معناه شرف، أي: القرآن، كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44] والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ شرف للعالمين أيضاً شرفوا باتباعه والإيمان به. عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرأ سُورَةَ القلمِ أعْطَاهُ اللَّهُ - عزَّ وجلَّ - ثوابَ الذينَ حسَّنَ اللَّهُ أخلاقهم» . سورة الحاقة

القلم 68:49

وأجاب الجبائيُّ: بأن معنى قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾ أي: إلى العذاب ﴿مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ في الآخرة، ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ في الدنيا توكيداً للحجة عليهم ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ فأمهله، وأزيح الأعذار عنه ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ويحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: 42] ، ويدل على هذا قوله قبل ذلك: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بهذا الحديث﴾ ولا شك أن هذا التهديد إنما هو بعذاب الآخرة، فوجب أن يكون الاستدراج والكيد المذكور عقيبه هو عذاب الآخرة وأجاب الأصحاب: أن هنا الإمهال إذا كان مؤدياً إلى الطغيان كان الراضي بالإمهال العالم بتأديه إلى الطغيان لا بد وأن يكون راضياً بذلك الطغيان. قوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً﴾ . عاد الكلام إلى ما تقدم من قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ﴾ أي: أم تلتمس منهم ثواباً على ما تدعوهم إليه من الإيمان بالله، والمغرم: الغرامة فهم من غرامة ذلك مثقلُون، أي: يثقل حمل الغرامات عليهم في بذل المال، فيثبطهم ذلك عن الإيمان. والمعنى: ليس عليهم كلفة في متابعتك، بل يستولون بالإيمان على خزائن الأرض ويصلون إلى جنات النعيم. قوله: ﴿أَمْ عِندَهُمُ الغيب﴾ ، أي: علم ما غاب عنهم ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ . وقيل: أينزل عليهم الوحي بهذا الذي يقولون، وعن ابن عباسٍ: الغيب هنا هو اللوح المحفوظُ، فهم يكتبون منه ثوابَ ما هم عليه من الكفر، ويخاصمونك به، ويكتبون أنهم أفضل، وأنهم لا يعاقبون. وقيل: «يَكْتُبونَ» أي: يحكمون ما يريدون، وهذا استفهام على سبيل الإنكار. قوله ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أي: لقضاء ربِّك، والحكم هنا القضاء. وقيل: اصبر على ما حكم به عليك ربُّك من تبليغ الرسالةِ. وقال ابنُ بَحْرٍ: فاصبر لنصر ربك. وقيل: منسوخ بآية السيف ﴿وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحوت﴾ يعني يونس - عليه السلام - أي: لا تكن مثله في الغضب، والضجر، والعجلة. وقال قتادة: إن الله تعالى يعزي نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويأمره بالصبر، ولا يعجل كما عجل يونس - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -. وقد مضى الفرق بين «ذي» و «صاحب» في «يونس» . قوله: ﴿إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ . «إذْ» منصوب بمضاف محذوف، أي: ولا يكن حالك كحاله، أو قصتك كقصته في وقت ندائه، ويدل على المحذوف أن الذوات لا ينصبُّ عليها النهي على أحوالها، وصفاتها. وقوله: ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ . جملة حالية من الضمير في «نَادَى» . والمكظوم: الممتلىء حزناً وغيظاً، ومنه كظم السقاء إذا ملأه. قال ذو الرمة: [البسيط] 4836 - وأنْتَ مِنْ حُبِّ مَيٍّ مُضْمِرٌ حَزَناً ... عَانِي الفُؤادِ قَريحُ القَلْبِ مَكْظُومُ فصل في دعاء يونس «إذْ نَادَى» ، أي: حين دعا من بطن الحوتِ، فقال: ﴿لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ [الأنبياء: 87] . قال القرطبي: ومعنى ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أي: مملوء غمًّا. وقيل: كرباً، فالأول قول ابن عباس ومجاهد، والثاني: قول عطاء وأبي مالك، قال الماورديُّ: والفرق بينهما أن الغمَّ في القلب، والكرب في الأنفاس. وقيل: «مَكْظُومٌ» محبوس، والكظم: الحبس ومنه قولهم: كَظَمَ غَيْظَهُ، أي: حبس غضبه، قاله ابن بحر. وقيل: «إنه المأخوذ بكظمه وهو مجرى النفس، قاله المُبرِّدُ» . والمعنى: لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر، والمغاضبة، فتبتلى ببلائه. قوله: ﴿لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ﴾ . قال ابن الخطيب: لِمَ لَمْ يَقُلْ: تداركته نعمة؟ وأجاب: بأنه إنما حسن تذكير الفعل لفصل الضمير في «تَدَاركَهُ» . ولأن التأنيث غير حقيقي. وقرأ أبيّ وعبد الله بن عباس: «تَدارَكتْهُ» بتاء التأنيث لأجل اللفظِ. والحسن وابن هرمز والأعمش: «تَدّارَكهُ» - بتشديد الدال -. وخرجت على الأصل: تتداركه - بتاءين - مضارعاً، فأدغم، وهو شاذ؛ لأن الساكن الأول غير حرف لين؛ وهي كقراءة البزي ﴿إذْ تَلَّقَّوْنَهُ﴾ [النور: 15] ، و ﴿ناراً تَلَّظَّى﴾ [الليل: 14] ، وهذا على حكاية الحال، لأن المقصد ماضيه، فإيقاع المضارع هنا للحكاية، كأنه قال: لولا أن كان يقال فيه: تتداركه نعمة. قوله: ﴿نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ . قال الضحاكُ: النعمة هنا: النبوة. وقال ابن جبيرٍ: عبادته التي سلفت. وقال ابن زيدٍ: نداؤه بقوله ﴿لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ [الأنبياء: 87] . وقال ابن بحرٍ: إخراجه من بطن الحوتِ. وقيل: رحمة من ربِّه، فرحمه وتاب عليه. قوله: ﴿لَنُبِذَ بالعرآء﴾ ، هذا جواب «لَوْلاَ» ، أي: لنبذ مذموماً لكنه نبذ سقيماً غير مذموم. وقيل: جواب «لَولاَ» مقدر، أي: لولا هذه النعمة لبقي في بطن الحوتِ. ومعنى: «مَذْمُوم» ، قال ابن عباس: مُليمٌ. وقال بكر بن عبد الله: مُذنِبٌ. وقيل: مبعدٌ من كل خير. والعراء: الأرض الواسعة الفضاء التي ليس فيها جبل، ولا شجر يستر. وقيل: لولا فضلُ الله عليه لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة، ثم نبذ بعراء القيامة مذموماً، يدل عليه قوله تعالى ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: 143، 144] . فصل في عصمة الأنبياء قال ابن الخطيب: هل يدل قوله «وهُوَ مَذمُومٌ» على كونه فاعلاً للذنب؟ قال: والجوابُ من ثلاثة أوجه: الأول: أن كلمة «لولا» دلت على أن هذه المذمومية لم تحصل. الثاني: لعل المراد من المذموميةِ ترك الأفضلِ، فإن حسنات الأبرارِ سيئات المقربين. الثالث: لعل هذه الواقعة كانت قبل النبوة، لقوله «فاجْتبَاهُ رَبُّهُ» والفاء للتعقيب. قيل: إن هذه الآية نزلت بأحدٍ حين حل برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما حل فأراد أن يدعو على الذين انهزموا. وقيل: حين أراد أن يدعو على ثقيف. قوله: ﴿فاجتباه رَبُّهُ﴾ ، أي: فاصطفاه واختاره. ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصالحين﴾ . قال ابن عباس: رد الله إليه الوحي، وشفعه في نفسه، وفي قومه، وقبل توبته وجعله من الصالحين بأن أرسله إلى مائة ألفٍ، أو يزيدون. فصل فيمن قال: إن يونس لم يكن نبياً قبل واقعة الحوت قال ابن الخطيب: قال قوم: لعل صاحب الحوتِ ما كان رسولاً قبل هذه الواقعة، ثم بعد هذه الواقعة جعله الله رسولاً، وهو المرادُ من قوله ﴿فاجتباه رَبُّهُ﴾ والذين أنكروا الكرامات والإرهاص لا بد وأن يختاروا هذا القول، لأن الاحتباس في بطن الحوت، وعدم موته هناك لما لم يكن هناك إرهاص، ولا كرامة، فلا بد وأن تكون معجزة، وذلك يقتضي أنه كان رسولاً في تلك الحال. فصل في خلق أفعال العباد قال ابن الخطيب: احتج الأصحاب على أن فعل العبد خلق الله تعالى بقوله: ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصالحين﴾ وهذا يدل على أن الصلاح إنما حصل بجعل الله وخلقه. قال الجبائيُّ: يحتمل أن يكون معنى «جعلهُ» أنه أخبر بذلك، ويحتمل أن يكون لطف به حتى صلح، إذ الجعل يستعمل في اللغة في هذه المعاني. والجواب: أن ذلك مجاز، والأصل في الكلامِ الحقيقة. قوله: ﴿وَإِن يَكَادُ الذين كَفَرُواْ﴾ «إنْ» المخففة من الثقيلة: «ليُزلقُونَكَ» ، أي: يغتالونك بأبصارهم، قرأها نافع: بفتح الياء، والباقون: بضمها. فأما قراءة الجماعة: فمن أزلقه، أي: أزال رجله، فالتعدية بالهمزة من أزلق يزلق. وأما قراءة نافع، فالتعدية بالحركة، يقال: زَلِقَ - بالكسر - وزلقتُه - بالفتح، ونظيره: شترت عينه - بالكسر - وشترها الله - بالفتح. [وقد تقدم لذلك أخوات] . وقيل: زلقه وأزلقه - بمعنى واحد - إزلاقاً، إذا نحاه وأبعده، وأزلق برأسه يزلقه زلقاً، إذا حلقه. قال القرطبي: «وكذلك أزلقه، وزلقهُ تزليقاً، ورجل زلقٌ وزُملق - مثال هُدَبِد - وزمالِق وزملِق - بتشديد الميم - وهو الذي ينزل قبل أن يجامع، حكاه الجوهري وغيره» . والباء في «بأبْصارهِمْ» إما للتعدية كالداخلة على الآلة، أي: جعلوا أبصارهم كالآلة المزلقة لك ك «عملت بالقدوم» ، وإما للسببية، أي: بسبب عيونهم. وقرىء: «ليُزْهقونَكَ» من زهقت نفسه، وأزهقها. ثم فيه وجوه: أحدها: أنهم من شدة تحديقهم، ونظرهم إليك شزراً بعيون العداوة، والبغضاء يكادون يزلقون قدمك من قولهم: نظر إليّ نظراً يكاد يصرعني ويكاد يأكلني، أنشد ابن عباسٍ لما مر بأقوام حددوا النظر فيه: [الكامل] 4837 - نَظَرُوا إليَّ بأعْيُنٍ مُحَمَرَّةٍ ... نَظَرَ التيُوسِ إلى شِفارِ الجَازِرِ فصل في المراد بالنظر أخبر الله تعالى بشدة عداوتهم للنبي صلى الله عليهم وسلم وأرادوا أن يصيبوه بالعين، فنظر إليه قوم من قريش وقالوا: ما رأينا مثله، ولا مثل حججه. وقيل: كانت العين في بني أسد، حتى إن البقرة السمينة، أو الناقة السمينة تمر بأحدهم فيعاينها ثم يقول: يا جارية، خذي المكتل والدرهم، فأتنا بلحم هذه الناقة فما تبرح حتى تقع الناقة للموت فتنحر. وقال الكلبيُّ: كان رجل من العرب يمكث لا يأكل شيئاً يومين أو ثلاثة ثم يرجع جانب الخباء، فتمر به الإبل والغنم، فيقول: لم أر كاليوم إبلاً ولا غنماً أحسن من هذه فلا تذهب قليلاً حتى تسقط منها طائفة هالكة، فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب لهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالعين، فأجابهم، فلما مر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنشد: [الكامل] 4838 - قَدْ كَانَ قَوْمُكَ يَحْسبُونَكَ سيِّداً ... وإخَالُ أنَّك سَيِّدٌ مَعْيُونُ فعصم الله نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ونزلت هذه الآية. وذكر الماورديُّ: أن العرب كانوا إذا أراد أحدهم أن يصيب أحداً يعني في ماله ونفسه يجوع ثلاثة أيام ثم يتعرض لنفسه وماله، فيقول: بالله ما رأيتُ أقوى منه، ولا أشجع، ولا أكبر منه، ولا أحسن فيصيبه بعينه فيهلك هو وماله، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. قال القشيريُّ: وفي هذا نظرٌ؛ لأن الإصابة بالعين إنما تكون مع الاستحسان والإعجاب لا مع الكراهية والبغضِ، ولهذا قال: «ويقولون: إنه لمجْنُونٌ» أي: ينسبونك إلى الجنون إذا رأوك تقرأ القرآن. قال القرطبيُّ: أقوال المفسرين واللغويين تدل على ما ذكرنا، وأن مرادهم بالنظر إليه قتله، ولا يمنع كراهة الشيء من أن يصاب بالعين عداوة حتى يهلك. فمعنى الكلمة إذاً التنحية والإزالة، وذلك لا يكون في حق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلا بهلاكه وموته. قال الهرويُّ: أراد ليغتالونك بعيونهم، فيزيلونك عن مقامك الذي أقامك الله فيه عداوة لك. وقال ابن عباس: ينفذونك بأبصارهم، يقال: زلق السَّهم، وزهق إذا نفذ، وهو قول مجاهد أي: ينفذونك من شدة نظرهم. وقال الكلبي: يصرعونك، وعنه أيضاً والسُّدي وسعيد بن جبير: يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ الرسالة. وقال العوفي: يرمونك. وقال المؤرج: يزيلونك. وقال النضر بن شميل والأخفش: يفتنونك. وقال الحسن وابن كيسان: ليقتلونك كما يقال: صرعني بطرفه، وقتلني بعينه. قوله: ﴿لَمَّا سَمِعُواْ الذكر﴾ من جعلها ظرفية جعلها منصوبة ب «يُزْلقُونكَ» ، ومن جعلها حرفاً جعل جوابها محذوفاً للدلالة، أي: لما سمعوا الذِّكر كادوا يزلقونك، ومن جوز تقديم الجواب، قال: هو هنا متقدم. والمراد بالذكر القرآن، ثم قال: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ وهو على ما افتتح به السُّورة، ثم قال: «ومَا هُوَ» يعني: القرآن. ﴿إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِين﴾ أي: الذين يزعمون أنه دلالة جنونه إلا ذكر للعالمين تذكير لهم، وبيان لهم على ما في عقولهم من أدلة التوحيد. وقال الحسنُ: دَوَاء إصابةِ العيْنِ أنْ يَقْرَأ الإنسانُ هذه الآية. وقيل: وما محمدٌ إلا ذكر للعالمين يتذكرون به. وقيل: معناه شرف، أي: القرآن، كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44] والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ شرف للعالمين أيضاً شرفوا باتباعه والإيمان به. عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرأ سُورَةَ القلمِ أعْطَاهُ اللَّهُ - عزَّ وجلَّ - ثوابَ الذينَ حسَّنَ اللَّهُ أخلاقهم» . سورة الحاقة

القلم 68:50

وأجاب الجبائيُّ: بأن معنى قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾ أي: إلى العذاب ﴿مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ في الآخرة، ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ في الدنيا توكيداً للحجة عليهم ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ فأمهله، وأزيح الأعذار عنه ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ويحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: 42] ، ويدل على هذا قوله قبل ذلك: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بهذا الحديث﴾ ولا شك أن هذا التهديد إنما هو بعذاب الآخرة، فوجب أن يكون الاستدراج والكيد المذكور عقيبه هو عذاب الآخرة وأجاب الأصحاب: أن هنا الإمهال إذا كان مؤدياً إلى الطغيان كان الراضي بالإمهال العالم بتأديه إلى الطغيان لا بد وأن يكون راضياً بذلك الطغيان. قوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً﴾ . عاد الكلام إلى ما تقدم من قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ﴾ أي: أم تلتمس منهم ثواباً على ما تدعوهم إليه من الإيمان بالله، والمغرم: الغرامة فهم من غرامة ذلك مثقلُون، أي: يثقل حمل الغرامات عليهم في بذل المال، فيثبطهم ذلك عن الإيمان. والمعنى: ليس عليهم كلفة في متابعتك، بل يستولون بالإيمان على خزائن الأرض ويصلون إلى جنات النعيم. قوله: ﴿أَمْ عِندَهُمُ الغيب﴾ ، أي: علم ما غاب عنهم ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ . وقيل: أينزل عليهم الوحي بهذا الذي يقولون، وعن ابن عباسٍ: الغيب هنا هو اللوح المحفوظُ، فهم يكتبون منه ثوابَ ما هم عليه من الكفر، ويخاصمونك به، ويكتبون أنهم أفضل، وأنهم لا يعاقبون. وقيل: «يَكْتُبونَ» أي: يحكمون ما يريدون، وهذا استفهام على سبيل الإنكار. قوله ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أي: لقضاء ربِّك، والحكم هنا القضاء. وقيل: اصبر على ما حكم به عليك ربُّك من تبليغ الرسالةِ. وقال ابنُ بَحْرٍ: فاصبر لنصر ربك. وقيل: منسوخ بآية السيف ﴿وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحوت﴾ يعني يونس - عليه السلام - أي: لا تكن مثله في الغضب، والضجر، والعجلة. وقال قتادة: إن الله تعالى يعزي نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويأمره بالصبر، ولا يعجل كما عجل يونس - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -. وقد مضى الفرق بين «ذي» و «صاحب» في «يونس» . قوله: ﴿إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ . «إذْ» منصوب بمضاف محذوف، أي: ولا يكن حالك كحاله، أو قصتك كقصته في وقت ندائه، ويدل على المحذوف أن الذوات لا ينصبُّ عليها النهي على أحوالها، وصفاتها. وقوله: ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ . جملة حالية من الضمير في «نَادَى» . والمكظوم: الممتلىء حزناً وغيظاً، ومنه كظم السقاء إذا ملأه. قال ذو الرمة: [البسيط] 4836 - وأنْتَ مِنْ حُبِّ مَيٍّ مُضْمِرٌ حَزَناً ... عَانِي الفُؤادِ قَريحُ القَلْبِ مَكْظُومُ فصل في دعاء يونس «إذْ نَادَى» ، أي: حين دعا من بطن الحوتِ، فقال: ﴿لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ [الأنبياء: 87] . قال القرطبي: ومعنى ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أي: مملوء غمًّا. وقيل: كرباً، فالأول قول ابن عباس ومجاهد، والثاني: قول عطاء وأبي مالك، قال الماورديُّ: والفرق بينهما أن الغمَّ في القلب، والكرب في الأنفاس. وقيل: «مَكْظُومٌ» محبوس، والكظم: الحبس ومنه قولهم: كَظَمَ غَيْظَهُ، أي: حبس غضبه، قاله ابن بحر. وقيل: «إنه المأخوذ بكظمه وهو مجرى النفس، قاله المُبرِّدُ» . والمعنى: لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر، والمغاضبة، فتبتلى ببلائه. قوله: ﴿لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ﴾ . قال ابن الخطيب: لِمَ لَمْ يَقُلْ: تداركته نعمة؟ وأجاب: بأنه إنما حسن تذكير الفعل لفصل الضمير في «تَدَاركَهُ» . ولأن التأنيث غير حقيقي. وقرأ أبيّ وعبد الله بن عباس: «تَدارَكتْهُ» بتاء التأنيث لأجل اللفظِ. والحسن وابن هرمز والأعمش: «تَدّارَكهُ» - بتشديد الدال -. وخرجت على الأصل: تتداركه - بتاءين - مضارعاً، فأدغم، وهو شاذ؛ لأن الساكن الأول غير حرف لين؛ وهي كقراءة البزي ﴿إذْ تَلَّقَّوْنَهُ﴾ [النور: 15] ، و ﴿ناراً تَلَّظَّى﴾ [الليل: 14] ، وهذا على حكاية الحال، لأن المقصد ماضيه، فإيقاع المضارع هنا للحكاية، كأنه قال: لولا أن كان يقال فيه: تتداركه نعمة. قوله: ﴿نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ . قال الضحاكُ: النعمة هنا: النبوة. وقال ابن جبيرٍ: عبادته التي سلفت. وقال ابن زيدٍ: نداؤه بقوله ﴿لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ [الأنبياء: 87] . وقال ابن بحرٍ: إخراجه من بطن الحوتِ. وقيل: رحمة من ربِّه، فرحمه وتاب عليه. قوله: ﴿لَنُبِذَ بالعرآء﴾ ، هذا جواب «لَوْلاَ» ، أي: لنبذ مذموماً لكنه نبذ سقيماً غير مذموم. وقيل: جواب «لَولاَ» مقدر، أي: لولا هذه النعمة لبقي في بطن الحوتِ. ومعنى: «مَذْمُوم» ، قال ابن عباس: مُليمٌ. وقال بكر بن عبد الله: مُذنِبٌ. وقيل: مبعدٌ من كل خير. والعراء: الأرض الواسعة الفضاء التي ليس فيها جبل، ولا شجر يستر. وقيل: لولا فضلُ الله عليه لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة، ثم نبذ بعراء القيامة مذموماً، يدل عليه قوله تعالى ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: 143، 144] . فصل في عصمة الأنبياء قال ابن الخطيب: هل يدل قوله «وهُوَ مَذمُومٌ» على كونه فاعلاً للذنب؟ قال: والجوابُ من ثلاثة أوجه: الأول: أن كلمة «لولا» دلت على أن هذه المذمومية لم تحصل. الثاني: لعل المراد من المذموميةِ ترك الأفضلِ، فإن حسنات الأبرارِ سيئات المقربين. الثالث: لعل هذه الواقعة كانت قبل النبوة، لقوله «فاجْتبَاهُ رَبُّهُ» والفاء للتعقيب. قيل: إن هذه الآية نزلت بأحدٍ حين حل برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما حل فأراد أن يدعو على الذين انهزموا. وقيل: حين أراد أن يدعو على ثقيف. قوله: ﴿فاجتباه رَبُّهُ﴾ ، أي: فاصطفاه واختاره. ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصالحين﴾ . قال ابن عباس: رد الله إليه الوحي، وشفعه في نفسه، وفي قومه، وقبل توبته وجعله من الصالحين بأن أرسله إلى مائة ألفٍ، أو يزيدون. فصل فيمن قال: إن يونس لم يكن نبياً قبل واقعة الحوت قال ابن الخطيب: قال قوم: لعل صاحب الحوتِ ما كان رسولاً قبل هذه الواقعة، ثم بعد هذه الواقعة جعله الله رسولاً، وهو المرادُ من قوله ﴿فاجتباه رَبُّهُ﴾ والذين أنكروا الكرامات والإرهاص لا بد وأن يختاروا هذا القول، لأن الاحتباس في بطن الحوت، وعدم موته هناك لما لم يكن هناك إرهاص، ولا كرامة، فلا بد وأن تكون معجزة، وذلك يقتضي أنه كان رسولاً في تلك الحال. فصل في خلق أفعال العباد قال ابن الخطيب: احتج الأصحاب على أن فعل العبد خلق الله تعالى بقوله: ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصالحين﴾ وهذا يدل على أن الصلاح إنما حصل بجعل الله وخلقه. قال الجبائيُّ: يحتمل أن يكون معنى «جعلهُ» أنه أخبر بذلك، ويحتمل أن يكون لطف به حتى صلح، إذ الجعل يستعمل في اللغة في هذه المعاني. والجواب: أن ذلك مجاز، والأصل في الكلامِ الحقيقة. قوله: ﴿وَإِن يَكَادُ الذين كَفَرُواْ﴾ «إنْ» المخففة من الثقيلة: «ليُزلقُونَكَ» ، أي: يغتالونك بأبصارهم، قرأها نافع: بفتح الياء، والباقون: بضمها. فأما قراءة الجماعة: فمن أزلقه، أي: أزال رجله، فالتعدية بالهمزة من أزلق يزلق. وأما قراءة نافع، فالتعدية بالحركة، يقال: زَلِقَ - بالكسر - وزلقتُه - بالفتح، ونظيره: شترت عينه - بالكسر - وشترها الله - بالفتح. [وقد تقدم لذلك أخوات] . وقيل: زلقه وأزلقه - بمعنى واحد - إزلاقاً، إذا نحاه وأبعده، وأزلق برأسه يزلقه زلقاً، إذا حلقه. قال القرطبي: «وكذلك أزلقه، وزلقهُ تزليقاً، ورجل زلقٌ وزُملق - مثال هُدَبِد - وزمالِق وزملِق - بتشديد الميم - وهو الذي ينزل قبل أن يجامع، حكاه الجوهري وغيره» . والباء في «بأبْصارهِمْ» إما للتعدية كالداخلة على الآلة، أي: جعلوا أبصارهم كالآلة المزلقة لك ك «عملت بالقدوم» ، وإما للسببية، أي: بسبب عيونهم. وقرىء: «ليُزْهقونَكَ» من زهقت نفسه، وأزهقها. ثم فيه وجوه: أحدها: أنهم من شدة تحديقهم، ونظرهم إليك شزراً بعيون العداوة، والبغضاء يكادون يزلقون قدمك من قولهم: نظر إليّ نظراً يكاد يصرعني ويكاد يأكلني، أنشد ابن عباسٍ لما مر بأقوام حددوا النظر فيه: [الكامل] 4837 - نَظَرُوا إليَّ بأعْيُنٍ مُحَمَرَّةٍ ... نَظَرَ التيُوسِ إلى شِفارِ الجَازِرِ فصل في المراد بالنظر أخبر الله تعالى بشدة عداوتهم للنبي صلى الله عليهم وسلم وأرادوا أن يصيبوه بالعين، فنظر إليه قوم من قريش وقالوا: ما رأينا مثله، ولا مثل حججه. وقيل: كانت العين في بني أسد، حتى إن البقرة السمينة، أو الناقة السمينة تمر بأحدهم فيعاينها ثم يقول: يا جارية، خذي المكتل والدرهم، فأتنا بلحم هذه الناقة فما تبرح حتى تقع الناقة للموت فتنحر. وقال الكلبيُّ: كان رجل من العرب يمكث لا يأكل شيئاً يومين أو ثلاثة ثم يرجع جانب الخباء، فتمر به الإبل والغنم، فيقول: لم أر كاليوم إبلاً ولا غنماً أحسن من هذه فلا تذهب قليلاً حتى تسقط منها طائفة هالكة، فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب لهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالعين، فأجابهم، فلما مر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنشد: [الكامل] 4838 - قَدْ كَانَ قَوْمُكَ يَحْسبُونَكَ سيِّداً ... وإخَالُ أنَّك سَيِّدٌ مَعْيُونُ فعصم الله نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ونزلت هذه الآية. وذكر الماورديُّ: أن العرب كانوا إذا أراد أحدهم أن يصيب أحداً يعني في ماله ونفسه يجوع ثلاثة أيام ثم يتعرض لنفسه وماله، فيقول: بالله ما رأيتُ أقوى منه، ولا أشجع، ولا أكبر منه، ولا أحسن فيصيبه بعينه فيهلك هو وماله، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. قال القشيريُّ: وفي هذا نظرٌ؛ لأن الإصابة بالعين إنما تكون مع الاستحسان والإعجاب لا مع الكراهية والبغضِ، ولهذا قال: «ويقولون: إنه لمجْنُونٌ» أي: ينسبونك إلى الجنون إذا رأوك تقرأ القرآن. قال القرطبيُّ: أقوال المفسرين واللغويين تدل على ما ذكرنا، وأن مرادهم بالنظر إليه قتله، ولا يمنع كراهة الشيء من أن يصاب بالعين عداوة حتى يهلك. فمعنى الكلمة إذاً التنحية والإزالة، وذلك لا يكون في حق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلا بهلاكه وموته. قال الهرويُّ: أراد ليغتالونك بعيونهم، فيزيلونك عن مقامك الذي أقامك الله فيه عداوة لك. وقال ابن عباس: ينفذونك بأبصارهم، يقال: زلق السَّهم، وزهق إذا نفذ، وهو قول مجاهد أي: ينفذونك من شدة نظرهم. وقال الكلبي: يصرعونك، وعنه أيضاً والسُّدي وسعيد بن جبير: يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ الرسالة. وقال العوفي: يرمونك. وقال المؤرج: يزيلونك. وقال النضر بن شميل والأخفش: يفتنونك. وقال الحسن وابن كيسان: ليقتلونك كما يقال: صرعني بطرفه، وقتلني بعينه. قوله: ﴿لَمَّا سَمِعُواْ الذكر﴾ من جعلها ظرفية جعلها منصوبة ب «يُزْلقُونكَ» ، ومن جعلها حرفاً جعل جوابها محذوفاً للدلالة، أي: لما سمعوا الذِّكر كادوا يزلقونك، ومن جوز تقديم الجواب، قال: هو هنا متقدم. والمراد بالذكر القرآن، ثم قال: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ وهو على ما افتتح به السُّورة، ثم قال: «ومَا هُوَ» يعني: القرآن. ﴿إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِين﴾ أي: الذين يزعمون أنه دلالة جنونه إلا ذكر للعالمين تذكير لهم، وبيان لهم على ما في عقولهم من أدلة التوحيد. وقال الحسنُ: دَوَاء إصابةِ العيْنِ أنْ يَقْرَأ الإنسانُ هذه الآية. وقيل: وما محمدٌ إلا ذكر للعالمين يتذكرون به. وقيل: معناه شرف، أي: القرآن، كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44] والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ شرف للعالمين أيضاً شرفوا باتباعه والإيمان به. عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرأ سُورَةَ القلمِ أعْطَاهُ اللَّهُ - عزَّ وجلَّ - ثوابَ الذينَ حسَّنَ اللَّهُ أخلاقهم» . سورة الحاقة

القلم 68:51

وأجاب الجبائيُّ: بأن معنى قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾ أي: إلى العذاب ﴿مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ في الآخرة، ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ في الدنيا توكيداً للحجة عليهم ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ فأمهله، وأزيح الأعذار عنه ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ويحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: 42] ، ويدل على هذا قوله قبل ذلك: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بهذا الحديث﴾ ولا شك أن هذا التهديد إنما هو بعذاب الآخرة، فوجب أن يكون الاستدراج والكيد المذكور عقيبه هو عذاب الآخرة وأجاب الأصحاب: أن هنا الإمهال إذا كان مؤدياً إلى الطغيان كان الراضي بالإمهال العالم بتأديه إلى الطغيان لا بد وأن يكون راضياً بذلك الطغيان. قوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً﴾ . عاد الكلام إلى ما تقدم من قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ﴾ أي: أم تلتمس منهم ثواباً على ما تدعوهم إليه من الإيمان بالله، والمغرم: الغرامة فهم من غرامة ذلك مثقلُون، أي: يثقل حمل الغرامات عليهم في بذل المال، فيثبطهم ذلك عن الإيمان. والمعنى: ليس عليهم كلفة في متابعتك، بل يستولون بالإيمان على خزائن الأرض ويصلون إلى جنات النعيم. قوله: ﴿أَمْ عِندَهُمُ الغيب﴾ ، أي: علم ما غاب عنهم ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ . وقيل: أينزل عليهم الوحي بهذا الذي يقولون، وعن ابن عباسٍ: الغيب هنا هو اللوح المحفوظُ، فهم يكتبون منه ثوابَ ما هم عليه من الكفر، ويخاصمونك به، ويكتبون أنهم أفضل، وأنهم لا يعاقبون. وقيل: «يَكْتُبونَ» أي: يحكمون ما يريدون، وهذا استفهام على سبيل الإنكار. قوله ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أي: لقضاء ربِّك، والحكم هنا القضاء. وقيل: اصبر على ما حكم به عليك ربُّك من تبليغ الرسالةِ. وقال ابنُ بَحْرٍ: فاصبر لنصر ربك. وقيل: منسوخ بآية السيف ﴿وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحوت﴾ يعني يونس - عليه السلام - أي: لا تكن مثله في الغضب، والضجر، والعجلة. وقال قتادة: إن الله تعالى يعزي نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويأمره بالصبر، ولا يعجل كما عجل يونس - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -. وقد مضى الفرق بين «ذي» و «صاحب» في «يونس» . قوله: ﴿إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ . «إذْ» منصوب بمضاف محذوف، أي: ولا يكن حالك كحاله، أو قصتك كقصته في وقت ندائه، ويدل على المحذوف أن الذوات لا ينصبُّ عليها النهي على أحوالها، وصفاتها. وقوله: ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ . جملة حالية من الضمير في «نَادَى» . والمكظوم: الممتلىء حزناً وغيظاً، ومنه كظم السقاء إذا ملأه. قال ذو الرمة: [البسيط] 4836 - وأنْتَ مِنْ حُبِّ مَيٍّ مُضْمِرٌ حَزَناً ... عَانِي الفُؤادِ قَريحُ القَلْبِ مَكْظُومُ فصل في دعاء يونس «إذْ نَادَى» ، أي: حين دعا من بطن الحوتِ، فقال: ﴿لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ [الأنبياء: 87] . قال القرطبي: ومعنى ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أي: مملوء غمًّا. وقيل: كرباً، فالأول قول ابن عباس ومجاهد، والثاني: قول عطاء وأبي مالك، قال الماورديُّ: والفرق بينهما أن الغمَّ في القلب، والكرب في الأنفاس. وقيل: «مَكْظُومٌ» محبوس، والكظم: الحبس ومنه قولهم: كَظَمَ غَيْظَهُ، أي: حبس غضبه، قاله ابن بحر. وقيل: «إنه المأخوذ بكظمه وهو مجرى النفس، قاله المُبرِّدُ» . والمعنى: لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر، والمغاضبة، فتبتلى ببلائه. قوله: ﴿لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ﴾ . قال ابن الخطيب: لِمَ لَمْ يَقُلْ: تداركته نعمة؟ وأجاب: بأنه إنما حسن تذكير الفعل لفصل الضمير في «تَدَاركَهُ» . ولأن التأنيث غير حقيقي. وقرأ أبيّ وعبد الله بن عباس: «تَدارَكتْهُ» بتاء التأنيث لأجل اللفظِ. والحسن وابن هرمز والأعمش: «تَدّارَكهُ» - بتشديد الدال -. وخرجت على الأصل: تتداركه - بتاءين - مضارعاً، فأدغم، وهو شاذ؛ لأن الساكن الأول غير حرف لين؛ وهي كقراءة البزي ﴿إذْ تَلَّقَّوْنَهُ﴾ [النور: 15] ، و ﴿ناراً تَلَّظَّى﴾ [الليل: 14] ، وهذا على حكاية الحال، لأن المقصد ماضيه، فإيقاع المضارع هنا للحكاية، كأنه قال: لولا أن كان يقال فيه: تتداركه نعمة. قوله: ﴿نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ . قال الضحاكُ: النعمة هنا: النبوة. وقال ابن جبيرٍ: عبادته التي سلفت. وقال ابن زيدٍ: نداؤه بقوله ﴿لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ [الأنبياء: 87] . وقال ابن بحرٍ: إخراجه من بطن الحوتِ. وقيل: رحمة من ربِّه، فرحمه وتاب عليه. قوله: ﴿لَنُبِذَ بالعرآء﴾ ، هذا جواب «لَوْلاَ» ، أي: لنبذ مذموماً لكنه نبذ سقيماً غير مذموم. وقيل: جواب «لَولاَ» مقدر، أي: لولا هذه النعمة لبقي في بطن الحوتِ. ومعنى: «مَذْمُوم» ، قال ابن عباس: مُليمٌ. وقال بكر بن عبد الله: مُذنِبٌ. وقيل: مبعدٌ من كل خير. والعراء: الأرض الواسعة الفضاء التي ليس فيها جبل، ولا شجر يستر. وقيل: لولا فضلُ الله عليه لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة، ثم نبذ بعراء القيامة مذموماً، يدل عليه قوله تعالى ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: 143، 144] . فصل في عصمة الأنبياء قال ابن الخطيب: هل يدل قوله «وهُوَ مَذمُومٌ» على كونه فاعلاً للذنب؟ قال: والجوابُ من ثلاثة أوجه: الأول: أن كلمة «لولا» دلت على أن هذه المذمومية لم تحصل. الثاني: لعل المراد من المذموميةِ ترك الأفضلِ، فإن حسنات الأبرارِ سيئات المقربين. الثالث: لعل هذه الواقعة كانت قبل النبوة، لقوله «فاجْتبَاهُ رَبُّهُ» والفاء للتعقيب. قيل: إن هذه الآية نزلت بأحدٍ حين حل برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما حل فأراد أن يدعو على الذين انهزموا. وقيل: حين أراد أن يدعو على ثقيف. قوله: ﴿فاجتباه رَبُّهُ﴾ ، أي: فاصطفاه واختاره. ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصالحين﴾ . قال ابن عباس: رد الله إليه الوحي، وشفعه في نفسه، وفي قومه، وقبل توبته وجعله من الصالحين بأن أرسله إلى مائة ألفٍ، أو يزيدون. فصل فيمن قال: إن يونس لم يكن نبياً قبل واقعة الحوت قال ابن الخطيب: قال قوم: لعل صاحب الحوتِ ما كان رسولاً قبل هذه الواقعة، ثم بعد هذه الواقعة جعله الله رسولاً، وهو المرادُ من قوله ﴿فاجتباه رَبُّهُ﴾ والذين أنكروا الكرامات والإرهاص لا بد وأن يختاروا هذا القول، لأن الاحتباس في بطن الحوت، وعدم موته هناك لما لم يكن هناك إرهاص، ولا كرامة، فلا بد وأن تكون معجزة، وذلك يقتضي أنه كان رسولاً في تلك الحال. فصل في خلق أفعال العباد قال ابن الخطيب: احتج الأصحاب على أن فعل العبد خلق الله تعالى بقوله: ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصالحين﴾ وهذا يدل على أن الصلاح إنما حصل بجعل الله وخلقه. قال الجبائيُّ: يحتمل أن يكون معنى «جعلهُ» أنه أخبر بذلك، ويحتمل أن يكون لطف به حتى صلح، إذ الجعل يستعمل في اللغة في هذه المعاني. والجواب: أن ذلك مجاز، والأصل في الكلامِ الحقيقة. قوله: ﴿وَإِن يَكَادُ الذين كَفَرُواْ﴾ «إنْ» المخففة من الثقيلة: «ليُزلقُونَكَ» ، أي: يغتالونك بأبصارهم، قرأها نافع: بفتح الياء، والباقون: بضمها. فأما قراءة الجماعة: فمن أزلقه، أي: أزال رجله، فالتعدية بالهمزة من أزلق يزلق. وأما قراءة نافع، فالتعدية بالحركة، يقال: زَلِقَ - بالكسر - وزلقتُه - بالفتح، ونظيره: شترت عينه - بالكسر - وشترها الله - بالفتح. [وقد تقدم لذلك أخوات] . وقيل: زلقه وأزلقه - بمعنى واحد - إزلاقاً، إذا نحاه وأبعده، وأزلق برأسه يزلقه زلقاً، إذا حلقه. قال القرطبي: «وكذلك أزلقه، وزلقهُ تزليقاً، ورجل زلقٌ وزُملق - مثال هُدَبِد - وزمالِق وزملِق - بتشديد الميم - وهو الذي ينزل قبل أن يجامع، حكاه الجوهري وغيره» . والباء في «بأبْصارهِمْ» إما للتعدية كالداخلة على الآلة، أي: جعلوا أبصارهم كالآلة المزلقة لك ك «عملت بالقدوم» ، وإما للسببية، أي: بسبب عيونهم. وقرىء: «ليُزْهقونَكَ» من زهقت نفسه، وأزهقها. ثم فيه وجوه: أحدها: أنهم من شدة تحديقهم، ونظرهم إليك شزراً بعيون العداوة، والبغضاء يكادون يزلقون قدمك من قولهم: نظر إليّ نظراً يكاد يصرعني ويكاد يأكلني، أنشد ابن عباسٍ لما مر بأقوام حددوا النظر فيه: [الكامل] 4837 - نَظَرُوا إليَّ بأعْيُنٍ مُحَمَرَّةٍ ... نَظَرَ التيُوسِ إلى شِفارِ الجَازِرِ فصل في المراد بالنظر أخبر الله تعالى بشدة عداوتهم للنبي صلى الله عليهم وسلم وأرادوا أن يصيبوه بالعين، فنظر إليه قوم من قريش وقالوا: ما رأينا مثله، ولا مثل حججه. وقيل: كانت العين في بني أسد، حتى إن البقرة السمينة، أو الناقة السمينة تمر بأحدهم فيعاينها ثم يقول: يا جارية، خذي المكتل والدرهم، فأتنا بلحم هذه الناقة فما تبرح حتى تقع الناقة للموت فتنحر. وقال الكلبيُّ: كان رجل من العرب يمكث لا يأكل شيئاً يومين أو ثلاثة ثم يرجع جانب الخباء، فتمر به الإبل والغنم، فيقول: لم أر كاليوم إبلاً ولا غنماً أحسن من هذه فلا تذهب قليلاً حتى تسقط منها طائفة هالكة، فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب لهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالعين، فأجابهم، فلما مر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنشد: [الكامل] 4838 - قَدْ كَانَ قَوْمُكَ يَحْسبُونَكَ سيِّداً ... وإخَالُ أنَّك سَيِّدٌ مَعْيُونُ فعصم الله نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ونزلت هذه الآية. وذكر الماورديُّ: أن العرب كانوا إذا أراد أحدهم أن يصيب أحداً يعني في ماله ونفسه يجوع ثلاثة أيام ثم يتعرض لنفسه وماله، فيقول: بالله ما رأيتُ أقوى منه، ولا أشجع، ولا أكبر منه، ولا أحسن فيصيبه بعينه فيهلك هو وماله، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. قال القشيريُّ: وفي هذا نظرٌ؛ لأن الإصابة بالعين إنما تكون مع الاستحسان والإعجاب لا مع الكراهية والبغضِ، ولهذا قال: «ويقولون: إنه لمجْنُونٌ» أي: ينسبونك إلى الجنون إذا رأوك تقرأ القرآن. قال القرطبيُّ: أقوال المفسرين واللغويين تدل على ما ذكرنا، وأن مرادهم بالنظر إليه قتله، ولا يمنع كراهة الشيء من أن يصاب بالعين عداوة حتى يهلك. فمعنى الكلمة إذاً التنحية والإزالة، وذلك لا يكون في حق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلا بهلاكه وموته. قال الهرويُّ: أراد ليغتالونك بعيونهم، فيزيلونك عن مقامك الذي أقامك الله فيه عداوة لك. وقال ابن عباس: ينفذونك بأبصارهم، يقال: زلق السَّهم، وزهق إذا نفذ، وهو قول مجاهد أي: ينفذونك من شدة نظرهم. وقال الكلبي: يصرعونك، وعنه أيضاً والسُّدي وسعيد بن جبير: يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ الرسالة. وقال العوفي: يرمونك. وقال المؤرج: يزيلونك. وقال النضر بن شميل والأخفش: يفتنونك. وقال الحسن وابن كيسان: ليقتلونك كما يقال: صرعني بطرفه، وقتلني بعينه. قوله: ﴿لَمَّا سَمِعُواْ الذكر﴾ من جعلها ظرفية جعلها منصوبة ب «يُزْلقُونكَ» ، ومن جعلها حرفاً جعل جوابها محذوفاً للدلالة، أي: لما سمعوا الذِّكر كادوا يزلقونك، ومن جوز تقديم الجواب، قال: هو هنا متقدم. والمراد بالذكر القرآن، ثم قال: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ وهو على ما افتتح به السُّورة، ثم قال: «ومَا هُوَ» يعني: القرآن. ﴿إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِين﴾ أي: الذين يزعمون أنه دلالة جنونه إلا ذكر للعالمين تذكير لهم، وبيان لهم على ما في عقولهم من أدلة التوحيد. وقال الحسنُ: دَوَاء إصابةِ العيْنِ أنْ يَقْرَأ الإنسانُ هذه الآية. وقيل: وما محمدٌ إلا ذكر للعالمين يتذكرون به. وقيل: معناه شرف، أي: القرآن، كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44] والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ شرف للعالمين أيضاً شرفوا باتباعه والإيمان به. عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرأ سُورَةَ القلمِ أعْطَاهُ اللَّهُ - عزَّ وجلَّ - ثوابَ الذينَ حسَّنَ اللَّهُ أخلاقهم» . سورة الحاقة

القلم 68:52

وأجاب الجبائيُّ: بأن معنى قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾ أي: إلى العذاب ﴿مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ في الآخرة، ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ في الدنيا توكيداً للحجة عليهم ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ فأمهله، وأزيح الأعذار عنه ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ويحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: 42] ، ويدل على هذا قوله قبل ذلك: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بهذا الحديث﴾ ولا شك أن هذا التهديد إنما هو بعذاب الآخرة، فوجب أن يكون الاستدراج والكيد المذكور عقيبه هو عذاب الآخرة وأجاب الأصحاب: أن هنا الإمهال إذا كان مؤدياً إلى الطغيان كان الراضي بالإمهال العالم بتأديه إلى الطغيان لا بد وأن يكون راضياً بذلك الطغيان. قوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً﴾ . عاد الكلام إلى ما تقدم من قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ﴾ أي: أم تلتمس منهم ثواباً على ما تدعوهم إليه من الإيمان بالله، والمغرم: الغرامة فهم من غرامة ذلك مثقلُون، أي: يثقل حمل الغرامات عليهم في بذل المال، فيثبطهم ذلك عن الإيمان. والمعنى: ليس عليهم كلفة في متابعتك، بل يستولون بالإيمان على خزائن الأرض ويصلون إلى جنات النعيم. قوله: ﴿أَمْ عِندَهُمُ الغيب﴾ ، أي: علم ما غاب عنهم ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ . وقيل: أينزل عليهم الوحي بهذا الذي يقولون، وعن ابن عباسٍ: الغيب هنا هو اللوح المحفوظُ، فهم يكتبون منه ثوابَ ما هم عليه من الكفر، ويخاصمونك به، ويكتبون أنهم أفضل، وأنهم لا يعاقبون. وقيل: «يَكْتُبونَ» أي: يحكمون ما يريدون، وهذا استفهام على سبيل الإنكار. قوله ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أي: لقضاء ربِّك، والحكم هنا القضاء. وقيل: اصبر على ما حكم به عليك ربُّك من تبليغ الرسالةِ. وقال ابنُ بَحْرٍ: فاصبر لنصر ربك. وقيل: منسوخ بآية السيف ﴿وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحوت﴾ يعني يونس - عليه السلام - أي: لا تكن مثله في الغضب، والضجر، والعجلة. وقال قتادة: إن الله تعالى يعزي نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويأمره بالصبر، ولا يعجل كما عجل يونس - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -. وقد مضى الفرق بين «ذي» و «صاحب» في «يونس» . قوله: ﴿إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ . «إذْ» منصوب بمضاف محذوف، أي: ولا يكن حالك كحاله، أو قصتك كقصته في وقت ندائه، ويدل على المحذوف أن الذوات لا ينصبُّ عليها النهي على أحوالها، وصفاتها. وقوله: ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ . جملة حالية من الضمير في «نَادَى» . والمكظوم: الممتلىء حزناً وغيظاً، ومنه كظم السقاء إذا ملأه. قال ذو الرمة: [البسيط] 4836 - وأنْتَ مِنْ حُبِّ مَيٍّ مُضْمِرٌ حَزَناً ... عَانِي الفُؤادِ قَريحُ القَلْبِ مَكْظُومُ فصل في دعاء يونس «إذْ نَادَى» ، أي: حين دعا من بطن الحوتِ، فقال: ﴿لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ [الأنبياء: 87] . قال القرطبي: ومعنى ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أي: مملوء غمًّا. وقيل: كرباً، فالأول قول ابن عباس ومجاهد، والثاني: قول عطاء وأبي مالك، قال الماورديُّ: والفرق بينهما أن الغمَّ في القلب، والكرب في الأنفاس. وقيل: «مَكْظُومٌ» محبوس، والكظم: الحبس ومنه قولهم: كَظَمَ غَيْظَهُ، أي: حبس غضبه، قاله ابن بحر. وقيل: «إنه المأخوذ بكظمه وهو مجرى النفس، قاله المُبرِّدُ» . والمعنى: لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر، والمغاضبة، فتبتلى ببلائه. قوله: ﴿لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ﴾ . قال ابن الخطيب: لِمَ لَمْ يَقُلْ: تداركته نعمة؟ وأجاب: بأنه إنما حسن تذكير الفعل لفصل الضمير في «تَدَاركَهُ» . ولأن التأنيث غير حقيقي. وقرأ أبيّ وعبد الله بن عباس: «تَدارَكتْهُ» بتاء التأنيث لأجل اللفظِ. والحسن وابن هرمز والأعمش: «تَدّارَكهُ» - بتشديد الدال -. وخرجت على الأصل: تتداركه - بتاءين - مضارعاً، فأدغم، وهو شاذ؛ لأن الساكن الأول غير حرف لين؛ وهي كقراءة البزي ﴿إذْ تَلَّقَّوْنَهُ﴾ [النور: 15] ، و ﴿ناراً تَلَّظَّى﴾ [الليل: 14] ، وهذا على حكاية الحال، لأن المقصد ماضيه، فإيقاع المضارع هنا للحكاية، كأنه قال: لولا أن كان يقال فيه: تتداركه نعمة. قوله: ﴿نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ . قال الضحاكُ: النعمة هنا: النبوة. وقال ابن جبيرٍ: عبادته التي سلفت. وقال ابن زيدٍ: نداؤه بقوله ﴿لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ [الأنبياء: 87] . وقال ابن بحرٍ: إخراجه من بطن الحوتِ. وقيل: رحمة من ربِّه، فرحمه وتاب عليه. قوله: ﴿لَنُبِذَ بالعرآء﴾ ، هذا جواب «لَوْلاَ» ، أي: لنبذ مذموماً لكنه نبذ سقيماً غير مذموم. وقيل: جواب «لَولاَ» مقدر، أي: لولا هذه النعمة لبقي في بطن الحوتِ. ومعنى: «مَذْمُوم» ، قال ابن عباس: مُليمٌ. وقال بكر بن عبد الله: مُذنِبٌ. وقيل: مبعدٌ من كل خير. والعراء: الأرض الواسعة الفضاء التي ليس فيها جبل، ولا شجر يستر. وقيل: لولا فضلُ الله عليه لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة، ثم نبذ بعراء القيامة مذموماً، يدل عليه قوله تعالى ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: 143، 144] . فصل في عصمة الأنبياء قال ابن الخطيب: هل يدل قوله «وهُوَ مَذمُومٌ» على كونه فاعلاً للذنب؟ قال: والجوابُ من ثلاثة أوجه: الأول: أن كلمة «لولا» دلت على أن هذه المذمومية لم تحصل. الثاني: لعل المراد من المذموميةِ ترك الأفضلِ، فإن حسنات الأبرارِ سيئات المقربين. الثالث: لعل هذه الواقعة كانت قبل النبوة، لقوله «فاجْتبَاهُ رَبُّهُ» والفاء للتعقيب. قيل: إن هذه الآية نزلت بأحدٍ حين حل برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما حل فأراد أن يدعو على الذين انهزموا. وقيل: حين أراد أن يدعو على ثقيف. قوله: ﴿فاجتباه رَبُّهُ﴾ ، أي: فاصطفاه واختاره. ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصالحين﴾ . قال ابن عباس: رد الله إليه الوحي، وشفعه في نفسه، وفي قومه، وقبل توبته وجعله من الصالحين بأن أرسله إلى مائة ألفٍ، أو يزيدون. فصل فيمن قال: إن يونس لم يكن نبياً قبل واقعة الحوت قال ابن الخطيب: قال قوم: لعل صاحب الحوتِ ما كان رسولاً قبل هذه الواقعة، ثم بعد هذه الواقعة جعله الله رسولاً، وهو المرادُ من قوله ﴿فاجتباه رَبُّهُ﴾ والذين أنكروا الكرامات والإرهاص لا بد وأن يختاروا هذا القول، لأن الاحتباس في بطن الحوت، وعدم موته هناك لما لم يكن هناك إرهاص، ولا كرامة، فلا بد وأن تكون معجزة، وذلك يقتضي أنه كان رسولاً في تلك الحال. فصل في خلق أفعال العباد قال ابن الخطيب: احتج الأصحاب على أن فعل العبد خلق الله تعالى بقوله: ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصالحين﴾ وهذا يدل على أن الصلاح إنما حصل بجعل الله وخلقه. قال الجبائيُّ: يحتمل أن يكون معنى «جعلهُ» أنه أخبر بذلك، ويحتمل أن يكون لطف به حتى صلح، إذ الجعل يستعمل في اللغة في هذه المعاني. والجواب: أن ذلك مجاز، والأصل في الكلامِ الحقيقة. قوله: ﴿وَإِن يَكَادُ الذين كَفَرُواْ﴾ «إنْ» المخففة من الثقيلة: «ليُزلقُونَكَ» ، أي: يغتالونك بأبصارهم، قرأها نافع: بفتح الياء، والباقون: بضمها. فأما قراءة الجماعة: فمن أزلقه، أي: أزال رجله، فالتعدية بالهمزة من أزلق يزلق. وأما قراءة نافع، فالتعدية بالحركة، يقال: زَلِقَ - بالكسر - وزلقتُه - بالفتح، ونظيره: شترت عينه - بالكسر - وشترها الله - بالفتح. [وقد تقدم لذلك أخوات] . وقيل: زلقه وأزلقه - بمعنى واحد - إزلاقاً، إذا نحاه وأبعده، وأزلق برأسه يزلقه زلقاً، إذا حلقه. قال القرطبي: «وكذلك أزلقه، وزلقهُ تزليقاً، ورجل زلقٌ وزُملق - مثال هُدَبِد - وزمالِق وزملِق - بتشديد الميم - وهو الذي ينزل قبل أن يجامع، حكاه الجوهري وغيره» . والباء في «بأبْصارهِمْ» إما للتعدية كالداخلة على الآلة، أي: جعلوا أبصارهم كالآلة المزلقة لك ك «عملت بالقدوم» ، وإما للسببية، أي: بسبب عيونهم. وقرىء: «ليُزْهقونَكَ» من زهقت نفسه، وأزهقها. ثم فيه وجوه: أحدها: أنهم من شدة تحديقهم، ونظرهم إليك شزراً بعيون العداوة، والبغضاء يكادون يزلقون قدمك من قولهم: نظر إليّ نظراً يكاد يصرعني ويكاد يأكلني، أنشد ابن عباسٍ لما مر بأقوام حددوا النظر فيه: [الكامل] 4837 - نَظَرُوا إليَّ بأعْيُنٍ مُحَمَرَّةٍ ... نَظَرَ التيُوسِ إلى شِفارِ الجَازِرِ فصل في المراد بالنظر أخبر الله تعالى بشدة عداوتهم للنبي صلى الله عليهم وسلم وأرادوا أن يصيبوه بالعين، فنظر إليه قوم من قريش وقالوا: ما رأينا مثله، ولا مثل حججه. وقيل: كانت العين في بني أسد، حتى إن البقرة السمينة، أو الناقة السمينة تمر بأحدهم فيعاينها ثم يقول: يا جارية، خذي المكتل والدرهم، فأتنا بلحم هذه الناقة فما تبرح حتى تقع الناقة للموت فتنحر. وقال الكلبيُّ: كان رجل من العرب يمكث لا يأكل شيئاً يومين أو ثلاثة ثم يرجع جانب الخباء، فتمر به الإبل والغنم، فيقول: لم أر كاليوم إبلاً ولا غنماً أحسن من هذه فلا تذهب قليلاً حتى تسقط منها طائفة هالكة، فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب لهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالعين، فأجابهم، فلما مر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنشد: [الكامل] 4838 - قَدْ كَانَ قَوْمُكَ يَحْسبُونَكَ سيِّداً ... وإخَالُ أنَّك سَيِّدٌ مَعْيُونُ فعصم الله نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ونزلت هذه الآية. وذكر الماورديُّ: أن العرب كانوا إذا أراد أحدهم أن يصيب أحداً يعني في ماله ونفسه يجوع ثلاثة أيام ثم يتعرض لنفسه وماله، فيقول: بالله ما رأيتُ أقوى منه، ولا أشجع، ولا أكبر منه، ولا أحسن فيصيبه بعينه فيهلك هو وماله، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. قال القشيريُّ: وفي هذا نظرٌ؛ لأن الإصابة بالعين إنما تكون مع الاستحسان والإعجاب لا مع الكراهية والبغضِ، ولهذا قال: «ويقولون: إنه لمجْنُونٌ» أي: ينسبونك إلى الجنون إذا رأوك تقرأ القرآن. قال القرطبيُّ: أقوال المفسرين واللغويين تدل على ما ذكرنا، وأن مرادهم بالنظر إليه قتله، ولا يمنع كراهة الشيء من أن يصاب بالعين عداوة حتى يهلك. فمعنى الكلمة إذاً التنحية والإزالة، وذلك لا يكون في حق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلا بهلاكه وموته. قال الهرويُّ: أراد ليغتالونك بعيونهم، فيزيلونك عن مقامك الذي أقامك الله فيه عداوة لك. وقال ابن عباس: ينفذونك بأبصارهم، يقال: زلق السَّهم، وزهق إذا نفذ، وهو قول مجاهد أي: ينفذونك من شدة نظرهم. وقال الكلبي: يصرعونك، وعنه أيضاً والسُّدي وسعيد بن جبير: يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ الرسالة. وقال العوفي: يرمونك. وقال المؤرج: يزيلونك. وقال النضر بن شميل والأخفش: يفتنونك. وقال الحسن وابن كيسان: ليقتلونك كما يقال: صرعني بطرفه، وقتلني بعينه. قوله: ﴿لَمَّا سَمِعُواْ الذكر﴾ من جعلها ظرفية جعلها منصوبة ب «يُزْلقُونكَ» ، ومن جعلها حرفاً جعل جوابها محذوفاً للدلالة، أي: لما سمعوا الذِّكر كادوا يزلقونك، ومن جوز تقديم الجواب، قال: هو هنا متقدم. والمراد بالذكر القرآن، ثم قال: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ وهو على ما افتتح به السُّورة، ثم قال: «ومَا هُوَ» يعني: القرآن. ﴿إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِين﴾ أي: الذين يزعمون أنه دلالة جنونه إلا ذكر للعالمين تذكير لهم، وبيان لهم على ما في عقولهم من أدلة التوحيد. وقال الحسنُ: دَوَاء إصابةِ العيْنِ أنْ يَقْرَأ الإنسانُ هذه الآية. وقيل: وما محمدٌ إلا ذكر للعالمين يتذكرون به. وقيل: معناه شرف، أي: القرآن، كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44] والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ شرف للعالمين أيضاً شرفوا باتباعه والإيمان به. عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرأ سُورَةَ القلمِ أعْطَاهُ اللَّهُ - عزَّ وجلَّ - ثوابَ الذينَ حسَّنَ اللَّهُ أخلاقهم» . سورة الحاقة