Al Lubab fi Ulum Al Kitab — البلد 90:1 – الشمس 91:15
المحتويات
- البلد 90:1
- البلد 90:2
- البلد 90:3
- البلد 90:4
- البلد 90:5
- البلد 90:6
- البلد 90:7
- البلد 90:8
- البلد 90:9
- البلد 90:10
- البلد 90:11
- البلد 90:12
- البلد 90:13
- البلد 90:14
- البلد 90:15
- البلد 90:16
- البلد 90:17
- البلد 90:18
- البلد 90:19
- البلد 90:20
- الشمس 91:1
- الشمس 91:2
- الشمس 91:3
- الشمس 91:4
- الشمس 91:5
- الشمس 91:6
- الشمس 91:7
- الشمس 91:8
- الشمس 91:9
- الشمس 91:10
- الشمس 91:11
- الشمس 91:12
- الشمس 91:13
- الشمس 91:14
- الشمس 91:15
البلد 90:1
مكية، وهي عشرون آية، واثنتان وثمانون كلمة، وثلاثمائة وعشرون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ : يجوز أن تكون «لا» : زائدة، كما تقدم في: «لا أقسم بيوم القيامة» ، قاله الأخفش: أي: أقسم؛ لأنه قال: «بهذا البلد» ، وقد أقسم به في قوله: ﴿وهذا البلد الأمين﴾ [التين: 3] ، فكيف يجوز القسمُ به، وقد أقسم به سبحانه؛ قال الشاعر: [الطويل]
5210 - تَذَكَّرتُ لَيْلَى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ ... وكَادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتَقطَّعُ
أي: يتقطع، ودخل حرف «لا» : صلة، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12] وقد قال تعالى في سورة «ص» : ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ﴾ [ص: 75] .
وقرأ الحسن والأعمش وابن كثير: «لأُقْسِمُ» من غير ألفٍ بعد اللام إثباتاً.
وأجاز الأخفش أيضاً، أن تكون بمعنى: «ألا» .
وقيل: ليست بنفي القسم،، وإنما هو كقول العرب: لا والله لا فعلت كذا، ولا والله ما كان كذا، لا والله لأفعلن كذا.
وقيل: هي نفي صحيح، والمعنى: لا أقسم بهذا البلد، إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه. حكاه مكيٌّ، ورواه ابنُ أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ، قال: «لا» : رد عليهم، وهذا اختيار ابن العربي، لأنه قال: «وأما من قال: إنها رد، فهو قول ليس له رد؛ لأنه يصح به المعنى، ويتمكن اللفظ والمراد» .
فهو رد لكلام من أنكر البعث، ثم ابتدأ القسم.
وقال القشيريُّ: قوله: «لا» رد لما توهم الإنسان المذكور في هذه السورة، المغرور في الدنيا، أي: ليس الأمر كما تحسبه من أنه لم يقسم عليه أحد، ثم ابتدأ القسم، وأجمعوا على أنَّ المراد بالبلد: مكَّة المشرفة، أي: أقسم بالبلد الحرام، الذي أنت فيه، لكرامتك عليَّ وحبي لك.
قوله: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أن الجملة اعتراضية على أحد معنيين، إما على معنى: أنه - تعالى - أقسم بهذا البلد، وما بعده، على أن الإنسان في كبد، واعترض بينهما بهذه الجملة، يعني: ومن المكابدة، أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد، كما يستحل الصيد في غير المحرم.
وإما على معنى: أنه أقسم ببلدة، على أنَّ الإنسان لا يخلُو من مقاساة الشدائد، واعترض بأن وعده فتح «مكة» ، تتميماً للتَّسلية، فقال تعالى: وأنت حلٌّ به فيما يستقبل، تصنع فيه ما تريد من القتل، والأسر، ف «حِلٌّ» بمعنى: حلال، قال معناه الزّمخشري. ثم قال: فإن قلت: أين نظير قوله تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ﴾ في معنى الاستقبال؟ .
قلت: قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30] ، ومثله واسع في كلام العبادِ، تقول لمن تَعدُه الإكرام والحباء: أنت مكرم محبوٌّ، وهو في كلام الله أوسع؛ لأنَّ الأحوال المستقبلة عنده، كالحاضرة المشاهدة، وكفاك دليلاً قاطعاً على أنه للاستقبال، وأنَّ تفسيره بالحال محال؛ لأن السورة بالاتفاق مكية، وأين الهجرة وقت نزولها فما بال الفتح؟ .
الثاني من الوجهين الأولين: أن الجملة حالية، أي: لا أقسم بهذا البلد، وأنت حالٌّ بها، لعظم قدرك، أي: لا نقسم بشيء، وأنت أحق بالإقسام بك منه.
وقيل: المعنى: لا أقسم به، وأنت مستحلّ فيه، أي: مستحل إذ ذاك.
فصل في المراد بهذا البلد
أجمع المفسرون على أن ذلك البلد «مكة» ، وفضلها معروف، فإنه تعالى، جعله حرماً آمناً قال تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران: 97] ، وجعل مسجده قبلة لأهل المشرق والمغرب، وقال تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144] ، وأمر النَّاس بحجِّ البيتِ، فقال: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: 97] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ [البقرة: 125] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت﴾ [الحج: 26] ، وقال تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً وعلى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ﴾ [الحج: 27] ، وشرف مقام إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بقوله تعالى: ﴿واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] ، وحرم صيده، وجعل البيت المعمور بإزائه، ودحيت الأرض من تحته، فهذه الفضائل، وأكثر منها، لما اجتمعت في «مكة» لا جرم أقسم الله تعالى بها.
فصل في تفسير وأنت حلّ
روى منصورٌ عن مجاهدٍ: «وأنْتَ حِلٌّ» ، قال: ما صنعت فيه من شيء، فأنت في حل.
وكذا قال ابن عبَّاسٍ: أحل له يوم دخل «مكة» ، أن يقتل من شاء، فقتل ابن خطل ومقيس بن صبابة وغيرهما، ولم يحل لأحد من الناس، أن يقتل بها أحداً بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقال السدي: أنت في حل ممن قاتلك أن تقتله.
وروى أبو صالحٍ عن ابن عبَّاسٍ، قال: أحلت له ساعة من نهارٍ، ثم أطبقت، وحرمت إلى يوم القيامة، وذلك يوم فتح «مكة» .
[قال ابن زيد: ولم يكن بها أحد حلالاً غير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقيل: معناه: وأنت مقيم فيه، وهو محلك أي: من أهل «مكة» نشأت بينهم، ويعرفون فضلك وطهارتك لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: 128] .
وقيل: أنت فيه محسن، وأنا عنك فيه راضٍ] .
وذكر أهل اللغة أنه يقال: رجل حلٌّ وحلالٌ ومحل، ورجل حرم وحرام ومحرم.
وقال قتادة: «وأنت حل به» أي لست بآثم، قيل: معناه أنك غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليه ارتكابه معرفة منك بحق هذا البيت لا كالمشركين الذين يرتكبون الكفر بالله فيه.
وقال شرحبيل بن سعد: ﴿وأنْتَ حلٌّ بِهَذَا البَلدِ﴾ أي: حلال، أي هم يحرمون «مكة» أن يقتلوا بها صيداً، أو يعضدوا بها شجرة، ثم هم مع هذا يستحلُّون إخراجك وقتلك، ففيه تعجُّب في جرأتهم وشدة عدواتهم له.
قوله: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ .
قيل «ما» بمعنى: «من» ، أو بمعنى: «الذي» .
وقيل: مصدرية أقسم بالشخص وفعله.
وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: هلا قيل: ومَنْ ولد؟
قلت: فيه ما في قوله: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: 36] ، أي: بأي شيء وضعت، يعني: موضوعاً عجيب الشأن.
وقيل: «ما» : فيحتاج إلى إضمار موصول به يصح الكلام، تقديره: والذي ما ولد، إذ المراد بالوالد، الذي يولد له، «ومَا وَلَد» يعني: العَاقِر الذي لا يُولدُ له، قال معناه ابنُ عبَّاسٍ، وتلميذه ابنُ جبيرٍ وعكرمةُ.
فصل في الكلام على الآية
هذا معطوف على قوله: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾ معترض بين المعطوف والمعطوف عليه.
قال ابنُ عباسٍ ومجاهد وقتادةُ والضحاكُ والحسنُ وأبو صالحٍ والطبريُّ: المراد بالوالد: آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، «ومَا وَلَد» أي: وما نسل من ولده، أقسم بهم؛ لأنهم أعجب ما خلق تعالى على وجه الأرض، لما فيهم من البنيان، والنُّطق، والتدبير، وإخراج العلوم، وفيهم الأنبياء، والدُّعاة إلى الله تعالى، والأنصار لدينه، وأمر الملائكة بالسُّجود لآدم - عليه السلام - وعلمه الأسماء كلَّها، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70] .
وقيل: هو إقسام بآدم، والصالحين من ذريته، وأما الطالحون، فكأنهم بهائم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام﴾ [الفرقان: 44] ، وقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: 18] .
وقيل: الوالد: إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ [ذريته.
وقيل: الوالد إبراهيم وإسماعيل، وما ولد محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأنه أقسم بمكة وإبراهيم] .
قال الفراء: وصلح «ما» للناس، كقوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: 3] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: 3] ، وهو خالق الذكر والأنثى.
قال الماورديُّ: ويحتمل أن الوالد: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لتقدم ذكره، «ومَا وَلَد» : أمته: لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، «إنَّما أنَا بِمنزْلَةِ الوَالِدِ أعَلِّمكُمْ» ، فأقسم به وبأمته، بعد أن أقسم ببلده، مبالغة في تشريفه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ : هذا هو المقسم عليه، والكبد: المشقة.
قال الزمخشريُّ: والكَبدُ: أصله من قولك: كبدَ الرجل كبداً، فهو أكْبَد، إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه، حتى استعمل في كل تعب ومشقة، ومنه اشتقت المُكابَدةُ، كما قيل: كبته بمعنى أهلكه، وأصله: كبده إذا أصاب كبده.
قال لبيد: [المنسرح]
5211 - يَا عَيْنُ هَلاَّ بَكَيْتِ أربَدَ إذْ ... قُمْنَا وقَامَ الخُصومُ في كَبدِ
أي: في شدة الأمر، وصعوبة الخطب؛ وقال أبو الإصبع: [البسيط]
5212 - لِيَ ابنُ عَمٍّ لو انَّ النَّاس في كَبدٍ ... لظَلَّ مُحْتَجِزاً بالنَّبْلِ يَرْمينِي
فصل في المراد ب " الإنسان "
الإنسان هنا ابن آدم.
قال القرطبيُّ: ومنه تكبَّد اللبن: غلظ واشتد ومنه الكبدُ؛ لأنه دمٌ تغلظ واشتد ويقال: كابدتُ هذا الأمر قاسيت شدته.
فصل في المراد ب «الإنسان»
الإنسان هنا ابن آدم.
قال ابنُ عباسٍ والحسنُ: «في كبدٍ» أي: في شدة ونصبٍ وعن ابن عباسٍ أيضاً: في شدّة من حمله، وولادته، ورضاعه ونبت أسنانه، وسائر أحواله.
وروى عكرمةُ عنه قال: منتصباً في بطن أمه، والكبدُ: الاستواء، والاستقامة، فهذا امتنان عليه في الحقيقة، ولم يخلق الله تعالى دابة في بطن أمها إلاَّ منكبةً على وجهها إلا ابن آدم، فإنه منتصب انتصاباً. وهو قول النخعي ومجاهد وغيرهما.
وقال يمان: لم يخلق الله تعالى خلقاً يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق.
[وقال ابن كيسان: منتصباً في بطن أمه، فإذا أراد الله تعالى أن يخرجه من بطن أمه قلب رأسه إلى رجل أمه.
وقال الحسن: كابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة] .
قال بعضُ العلماء: أول ما يكابدُ قطع سرته، ثم إذا قمط قماطاً، وشد رباطاً، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته لضاع، ثم يكابد نبت أسنانه، وتحرك لسانه، ثم يكابد الفطام الذي هو أشد من اللطام، ثم يكابد الخِتَان، والأوجاع والأحزان، ثم يكابد المعلم وصولته، والمؤدب وسياسته، والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج، ثم يكابد شغل الأولاد، والأجناد، ثم يكابد شغل الدُّور، وبناء القصور، ثم الكِبر والهرم، وضعف الركبة والقدم، في مصائب يكثر تعدادها ونوائب يطول إيرادها، من صداع الرأس، ووجع الأضراس، ورمد العين، وغم الدَّينِ، ووجع السن، وألم الأذُنِ، ويكابد مِحَناً في المال، والنفس، مثل الضرب والحبس، ولا يمر عليه يوم إلا يقاسي فيه شدة، ثم يكابد بعد ذلك مشقة الموت، ثم بعد ذلك مساءلة الملك، وضغطة القبر وظلمته، ثم البعث، والعرض على الله، إلى أن يستقر به القرار، إما في الجنة أو في النار، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ فلو كان الأمر إليه، ما اختار هذه الشَّدائد، ودل هذا على أن له خالقاً دبره، وقضى عليه بهذه الأحوال، فليتمثل أمره. وقال ابن زيد: المراد بالإنسان هنا آدم عليه السلام.
وقوله تعالى: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أي: في وسط السماء.
وقال الكلبيُّ: إنَّ هذا نزل في رجل من بني جمح، يقال له: أبو الأشدين واسمه أسيد بن كلدة بن جُمَح، وكان قوياً، وكان يأخذ الأديم العكاظي، فيجعله تحت قدميه، فيقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة حتى يتمزّق الأديم، ولا تزول قدماه، وكان من أعداء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وفيه نزل: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ، يعني: لقوته.
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ، أي: أيظنّ ابن آدم أن لن يحاسبه الله عزَّ وجل قال ابنُ الخطيب: إن فسرنا الكبد بالشدة والقوة، فالمعنى: أيحسب الإنسان الشديد أن لشدته لا يقدر عليه أحد؟ وإن فسرنا بالمحنة، والبلاء، كان المعنى: أنَّ الإنسان كان في النعمة، والشدة، أي: أفيظنّ أنه في تلك الحالة لا يقدر عليه شيء، فهو استفهام على سبيل الإنكار.
قوله: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً﴾ : يجوز أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالاً.
وقرأ العامة: «لُبَداً» بضم اللام وفتح الباء.
وشدَّد أبُو جعفرٍ الباء جمع لابِدٍ، مثل: راكع وركع، وساجد وسُجَّد، وعنه أيضاً: سكونها.
ومجاهدٌ وابنُ أبِي الزِّناد: بضمتين، وتقدم الكلام على هذه اللفظة في سورة: «الجن» .
قال أبو عبيدة: «لُبَداً» : فعل من التلبيد، وهذا المال الكثير، بعضه على بعض.
قال الزَّجَّاجُ: و «فعل» للكثرة، يقال: رجل حطم، إذا كان كثير الحطم.
قال الفراءُ: واحدته: «لُبْدَة» و «لُبَدٌ» : جمع.
وجعل بعضهم: واحد، ك «حطم» ، وهو في الوجهين للكثرة، والمعنى: أنفقت مالاً كثيراً مجتمعاً؛ لأن أهل الجاهلية يدعونه مكارم ومفاخر.
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ ، أي: أيظن أن لم يعاينه أحد، بل علم الله ذلك منه، فكان كاذباً، في قوله: أهلكت، ولم يكن أنفقه. وقال: أيظن أن لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين اكتسبه وأين أنفقه.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: كان أبو الأشدين يقول: أنفقت في عداوة محمد مالاً كثيراً، وهو في ذلك كاذب.
وقال مقاتلٌ: نزلت في الحارثِ بنِ عامرٍ بنِ نوفل، أذنب، فاستفتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فأمره أن يكفر، فقال: لقد ذهب مالي في الكفَّارات، والنفقات، منذ دخلت في دين محمد. وهذا القول منه، يحتمل أن يكون استطالة بما أنفق، فيكون طغياناً منه، أو أسفاً منه، فيكون ندماً منه.
قال القرطبيُّ: «وروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أنه كان يقرأ:» أيَحْسُبُ «، بضم السين، في الموضعين» .
وقال الحسنُ: يقول: أتلفت مالاً كثيراً فمن يحاسبني به، دعني أحسبه، ألم يعلم أن الله قادر على محاسبته، وأن الله - عزَّ وجلَّ - يرى صنيعه، ثم عدد عليه نعمه، فقال:
﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ﴾ : يبصر بهما، ﴿وَلِسَاناً﴾ ينطق بهما، ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ : يستر بهما ثغرهُ، والمعنى: نحن فعلنا ذلك، ونحن نقدر على أن نبعثه، ونحصي عليه ما عمله.
قوله: ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ ، الشِّفةُ: محذوفة اللام، والأصل: شفهةٌ، بدليل تصغيرها على «شُفَيْهَة» ، وجمعها على «ِفاه» ونظيره: سنة في إحدى اللغتين، وشافهته أي كلمته من غير واسطة، ولا يجمع بالألف والتاء، استغناء بتكسيرها عن تصحيحها.
قال القرطبي: «يقال: شفهاتٌ وشفواتٌ، والهاء: أقيس، والواو أعم تشبيهاً بالسنوات» .
قال
الأزهريُّ
: «يقال: هذه شفة، في الوصل، وشفة، بالتاء والهاء» .
قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾ ، يعني: الطريقتين: طريق الخير وطريق الشِّر.
روى قتادةُ قال: ذكر لنا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، كان يقول: «يا أيُّها النَّاس، إنَّما هُمَا النَّجدانِ: نَجْدُ الخيرِ، ونجدُ الشَّرِّ، فلم تَجْعَلُ نَجْدَ الشر أحبَّ إليْكَ من نَجْدِ الخَيْرِ» .
فكأنه لما وهمت الدلائل، جعلت كالطريق المرتفعة العالية، لكونها واضحة للعقول، كوضوح الطريق العالي للأبصار، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: 3] ، بعد قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان: 2] .
ورُوِيَ عن عكرمة، قال: النجدانِ: الثَّديانِ، وهو قول سعيد بن المسيب والضحاك.
ورُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - لأنهما كالطريقين لحياة الولد، ورزقه.
فقوله: «النجدين» إما ظرف، وإما على حذف الجار إن أريد بهما الثديان.
والنَّجدُ في الأصل: العنقُ، لارتفاعه.
وقيل: الطريق العالي.
قال امرؤ القيس: [الطويل]
5213 - فَريقَانِ: مِنْهُمْ جَازعٌ بَطْنَ نَخْلَةٍ ... وأخَرُ مِنْهُمْ قَاطِعٌ نَجْدَ كَبْكَبِ
ومنه سميت نجد، لعلوها عن انخفاض تهامة.
البلد 90:2
مكية، وهي عشرون آية، واثنتان وثمانون كلمة، وثلاثمائة وعشرون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ : يجوز أن تكون «لا» : زائدة، كما تقدم في: «لا أقسم بيوم القيامة» ، قاله الأخفش: أي: أقسم؛ لأنه قال: «بهذا البلد» ، وقد أقسم به في قوله: ﴿وهذا البلد الأمين﴾ [التين: 3] ، فكيف يجوز القسمُ به، وقد أقسم به سبحانه؛ قال الشاعر: [الطويل]
5210 - تَذَكَّرتُ لَيْلَى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ ... وكَادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتَقطَّعُ
أي: يتقطع، ودخل حرف «لا» : صلة، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12] وقد قال تعالى في سورة «ص» : ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ﴾ [ص: 75] .
وقرأ الحسن والأعمش وابن كثير: «لأُقْسِمُ» من غير ألفٍ بعد اللام إثباتاً.
وأجاز الأخفش أيضاً، أن تكون بمعنى: «ألا» .
وقيل: ليست بنفي القسم،، وإنما هو كقول العرب: لا والله لا فعلت كذا، ولا والله ما كان كذا، لا والله لأفعلن كذا.
وقيل: هي نفي صحيح، والمعنى: لا أقسم بهذا البلد، إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه. حكاه مكيٌّ، ورواه ابنُ أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ، قال: «لا» : رد عليهم، وهذا اختيار ابن العربي، لأنه قال: «وأما من قال: إنها رد، فهو قول ليس له رد؛ لأنه يصح به المعنى، ويتمكن اللفظ والمراد» .
فهو رد لكلام من أنكر البعث، ثم ابتدأ القسم.
وقال القشيريُّ: قوله: «لا» رد لما توهم الإنسان المذكور في هذه السورة، المغرور في الدنيا، أي: ليس الأمر كما تحسبه من أنه لم يقسم عليه أحد، ثم ابتدأ القسم، وأجمعوا على أنَّ المراد بالبلد: مكَّة المشرفة، أي: أقسم بالبلد الحرام، الذي أنت فيه، لكرامتك عليَّ وحبي لك.
قوله: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أن الجملة اعتراضية على أحد معنيين، إما على معنى: أنه - تعالى - أقسم بهذا البلد، وما بعده، على أن الإنسان في كبد، واعترض بينهما بهذه الجملة، يعني: ومن المكابدة، أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد، كما يستحل الصيد في غير المحرم.
وإما على معنى: أنه أقسم ببلدة، على أنَّ الإنسان لا يخلُو من مقاساة الشدائد، واعترض بأن وعده فتح «مكة» ، تتميماً للتَّسلية، فقال تعالى: وأنت حلٌّ به فيما يستقبل، تصنع فيه ما تريد من القتل، والأسر، ف «حِلٌّ» بمعنى: حلال، قال معناه الزّمخشري. ثم قال: فإن قلت: أين نظير قوله تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ﴾ في معنى الاستقبال؟ .
قلت: قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30] ، ومثله واسع في كلام العبادِ، تقول لمن تَعدُه الإكرام والحباء: أنت مكرم محبوٌّ، وهو في كلام الله أوسع؛ لأنَّ الأحوال المستقبلة عنده، كالحاضرة المشاهدة، وكفاك دليلاً قاطعاً على أنه للاستقبال، وأنَّ تفسيره بالحال محال؛ لأن السورة بالاتفاق مكية، وأين الهجرة وقت نزولها فما بال الفتح؟ .
الثاني من الوجهين الأولين: أن الجملة حالية، أي: لا أقسم بهذا البلد، وأنت حالٌّ بها، لعظم قدرك، أي: لا نقسم بشيء، وأنت أحق بالإقسام بك منه.
وقيل: المعنى: لا أقسم به، وأنت مستحلّ فيه، أي: مستحل إذ ذاك.
فصل في المراد بهذا البلد
أجمع المفسرون على أن ذلك البلد «مكة» ، وفضلها معروف، فإنه تعالى، جعله حرماً آمناً قال تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران: 97] ، وجعل مسجده قبلة لأهل المشرق والمغرب، وقال تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144] ، وأمر النَّاس بحجِّ البيتِ، فقال: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: 97] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ [البقرة: 125] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت﴾ [الحج: 26] ، وقال تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً وعلى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ﴾ [الحج: 27] ، وشرف مقام إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بقوله تعالى: ﴿واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] ، وحرم صيده، وجعل البيت المعمور بإزائه، ودحيت الأرض من تحته، فهذه الفضائل، وأكثر منها، لما اجتمعت في «مكة» لا جرم أقسم الله تعالى بها.
فصل في تفسير وأنت حلّ
روى منصورٌ عن مجاهدٍ: «وأنْتَ حِلٌّ» ، قال: ما صنعت فيه من شيء، فأنت في حل.
وكذا قال ابن عبَّاسٍ: أحل له يوم دخل «مكة» ، أن يقتل من شاء، فقتل ابن خطل ومقيس بن صبابة وغيرهما، ولم يحل لأحد من الناس، أن يقتل بها أحداً بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقال السدي: أنت في حل ممن قاتلك أن تقتله.
وروى أبو صالحٍ عن ابن عبَّاسٍ، قال: أحلت له ساعة من نهارٍ، ثم أطبقت، وحرمت إلى يوم القيامة، وذلك يوم فتح «مكة» .
[قال ابن زيد: ولم يكن بها أحد حلالاً غير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقيل: معناه: وأنت مقيم فيه، وهو محلك أي: من أهل «مكة» نشأت بينهم، ويعرفون فضلك وطهارتك لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: 128] .
وقيل: أنت فيه محسن، وأنا عنك فيه راضٍ] .
وذكر أهل اللغة أنه يقال: رجل حلٌّ وحلالٌ ومحل، ورجل حرم وحرام ومحرم.
وقال قتادة: «وأنت حل به» أي لست بآثم، قيل: معناه أنك غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليه ارتكابه معرفة منك بحق هذا البيت لا كالمشركين الذين يرتكبون الكفر بالله فيه.
وقال شرحبيل بن سعد: ﴿وأنْتَ حلٌّ بِهَذَا البَلدِ﴾ أي: حلال، أي هم يحرمون «مكة» أن يقتلوا بها صيداً، أو يعضدوا بها شجرة، ثم هم مع هذا يستحلُّون إخراجك وقتلك، ففيه تعجُّب في جرأتهم وشدة عدواتهم له.
قوله: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ .
قيل «ما» بمعنى: «من» ، أو بمعنى: «الذي» .
وقيل: مصدرية أقسم بالشخص وفعله.
وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: هلا قيل: ومَنْ ولد؟
قلت: فيه ما في قوله: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: 36] ، أي: بأي شيء وضعت، يعني: موضوعاً عجيب الشأن.
وقيل: «ما» : فيحتاج إلى إضمار موصول به يصح الكلام، تقديره: والذي ما ولد، إذ المراد بالوالد، الذي يولد له، «ومَا وَلَد» يعني: العَاقِر الذي لا يُولدُ له، قال معناه ابنُ عبَّاسٍ، وتلميذه ابنُ جبيرٍ وعكرمةُ.
فصل في الكلام على الآية
هذا معطوف على قوله: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾ معترض بين المعطوف والمعطوف عليه.
قال ابنُ عباسٍ ومجاهد وقتادةُ والضحاكُ والحسنُ وأبو صالحٍ والطبريُّ: المراد بالوالد: آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، «ومَا وَلَد» أي: وما نسل من ولده، أقسم بهم؛ لأنهم أعجب ما خلق تعالى على وجه الأرض، لما فيهم من البنيان، والنُّطق، والتدبير، وإخراج العلوم، وفيهم الأنبياء، والدُّعاة إلى الله تعالى، والأنصار لدينه، وأمر الملائكة بالسُّجود لآدم - عليه السلام - وعلمه الأسماء كلَّها، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70] .
وقيل: هو إقسام بآدم، والصالحين من ذريته، وأما الطالحون، فكأنهم بهائم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام﴾ [الفرقان: 44] ، وقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: 18] .
وقيل: الوالد: إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ [ذريته.
وقيل: الوالد إبراهيم وإسماعيل، وما ولد محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأنه أقسم بمكة وإبراهيم] .
قال الفراء: وصلح «ما» للناس، كقوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: 3] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: 3] ، وهو خالق الذكر والأنثى.
قال الماورديُّ: ويحتمل أن الوالد: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لتقدم ذكره، «ومَا وَلَد» : أمته: لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، «إنَّما أنَا بِمنزْلَةِ الوَالِدِ أعَلِّمكُمْ» ، فأقسم به وبأمته، بعد أن أقسم ببلده، مبالغة في تشريفه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ : هذا هو المقسم عليه، والكبد: المشقة.
قال الزمخشريُّ: والكَبدُ: أصله من قولك: كبدَ الرجل كبداً، فهو أكْبَد، إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه، حتى استعمل في كل تعب ومشقة، ومنه اشتقت المُكابَدةُ، كما قيل: كبته بمعنى أهلكه، وأصله: كبده إذا أصاب كبده.
قال لبيد: [المنسرح]
5211 - يَا عَيْنُ هَلاَّ بَكَيْتِ أربَدَ إذْ ... قُمْنَا وقَامَ الخُصومُ في كَبدِ
أي: في شدة الأمر، وصعوبة الخطب؛ وقال أبو الإصبع: [البسيط]
5212 - لِيَ ابنُ عَمٍّ لو انَّ النَّاس في كَبدٍ ... لظَلَّ مُحْتَجِزاً بالنَّبْلِ يَرْمينِي
فصل في المراد ب " الإنسان "
الإنسان هنا ابن آدم.
قال القرطبيُّ: ومنه تكبَّد اللبن: غلظ واشتد ومنه الكبدُ؛ لأنه دمٌ تغلظ واشتد ويقال: كابدتُ هذا الأمر قاسيت شدته.
فصل في المراد ب «الإنسان»
الإنسان هنا ابن آدم.
قال ابنُ عباسٍ والحسنُ: «في كبدٍ» أي: في شدة ونصبٍ وعن ابن عباسٍ أيضاً: في شدّة من حمله، وولادته، ورضاعه ونبت أسنانه، وسائر أحواله.
وروى عكرمةُ عنه قال: منتصباً في بطن أمه، والكبدُ: الاستواء، والاستقامة، فهذا امتنان عليه في الحقيقة، ولم يخلق الله تعالى دابة في بطن أمها إلاَّ منكبةً على وجهها إلا ابن آدم، فإنه منتصب انتصاباً. وهو قول النخعي ومجاهد وغيرهما.
وقال يمان: لم يخلق الله تعالى خلقاً يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق.
[وقال ابن كيسان: منتصباً في بطن أمه، فإذا أراد الله تعالى أن يخرجه من بطن أمه قلب رأسه إلى رجل أمه.
وقال الحسن: كابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة] .
قال بعضُ العلماء: أول ما يكابدُ قطع سرته، ثم إذا قمط قماطاً، وشد رباطاً، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته لضاع، ثم يكابد نبت أسنانه، وتحرك لسانه، ثم يكابد الفطام الذي هو أشد من اللطام، ثم يكابد الخِتَان، والأوجاع والأحزان، ثم يكابد المعلم وصولته، والمؤدب وسياسته، والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج، ثم يكابد شغل الأولاد، والأجناد، ثم يكابد شغل الدُّور، وبناء القصور، ثم الكِبر والهرم، وضعف الركبة والقدم، في مصائب يكثر تعدادها ونوائب يطول إيرادها، من صداع الرأس، ووجع الأضراس، ورمد العين، وغم الدَّينِ، ووجع السن، وألم الأذُنِ، ويكابد مِحَناً في المال، والنفس، مثل الضرب والحبس، ولا يمر عليه يوم إلا يقاسي فيه شدة، ثم يكابد بعد ذلك مشقة الموت، ثم بعد ذلك مساءلة الملك، وضغطة القبر وظلمته، ثم البعث، والعرض على الله، إلى أن يستقر به القرار، إما في الجنة أو في النار، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ فلو كان الأمر إليه، ما اختار هذه الشَّدائد، ودل هذا على أن له خالقاً دبره، وقضى عليه بهذه الأحوال، فليتمثل أمره. وقال ابن زيد: المراد بالإنسان هنا آدم عليه السلام.
وقوله تعالى: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أي: في وسط السماء.
وقال الكلبيُّ: إنَّ هذا نزل في رجل من بني جمح، يقال له: أبو الأشدين واسمه أسيد بن كلدة بن جُمَح، وكان قوياً، وكان يأخذ الأديم العكاظي، فيجعله تحت قدميه، فيقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة حتى يتمزّق الأديم، ولا تزول قدماه، وكان من أعداء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وفيه نزل: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ، يعني: لقوته.
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ، أي: أيظنّ ابن آدم أن لن يحاسبه الله عزَّ وجل قال ابنُ الخطيب: إن فسرنا الكبد بالشدة والقوة، فالمعنى: أيحسب الإنسان الشديد أن لشدته لا يقدر عليه أحد؟ وإن فسرنا بالمحنة، والبلاء، كان المعنى: أنَّ الإنسان كان في النعمة، والشدة، أي: أفيظنّ أنه في تلك الحالة لا يقدر عليه شيء، فهو استفهام على سبيل الإنكار.
قوله: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً﴾ : يجوز أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالاً.
وقرأ العامة: «لُبَداً» بضم اللام وفتح الباء.
وشدَّد أبُو جعفرٍ الباء جمع لابِدٍ، مثل: راكع وركع، وساجد وسُجَّد، وعنه أيضاً: سكونها.
ومجاهدٌ وابنُ أبِي الزِّناد: بضمتين، وتقدم الكلام على هذه اللفظة في سورة: «الجن» .
قال أبو عبيدة: «لُبَداً» : فعل من التلبيد، وهذا المال الكثير، بعضه على بعض.
قال الزَّجَّاجُ: و «فعل» للكثرة، يقال: رجل حطم، إذا كان كثير الحطم.
قال الفراءُ: واحدته: «لُبْدَة» و «لُبَدٌ» : جمع.
وجعل بعضهم: واحد، ك «حطم» ، وهو في الوجهين للكثرة، والمعنى: أنفقت مالاً كثيراً مجتمعاً؛ لأن أهل الجاهلية يدعونه مكارم ومفاخر.
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ ، أي: أيظن أن لم يعاينه أحد، بل علم الله ذلك منه، فكان كاذباً، في قوله: أهلكت، ولم يكن أنفقه. وقال: أيظن أن لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين اكتسبه وأين أنفقه.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: كان أبو الأشدين يقول: أنفقت في عداوة محمد مالاً كثيراً، وهو في ذلك كاذب.
وقال مقاتلٌ: نزلت في الحارثِ بنِ عامرٍ بنِ نوفل، أذنب، فاستفتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فأمره أن يكفر، فقال: لقد ذهب مالي في الكفَّارات، والنفقات، منذ دخلت في دين محمد. وهذا القول منه، يحتمل أن يكون استطالة بما أنفق، فيكون طغياناً منه، أو أسفاً منه، فيكون ندماً منه.
قال القرطبيُّ: «وروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أنه كان يقرأ:» أيَحْسُبُ «، بضم السين، في الموضعين» .
وقال الحسنُ: يقول: أتلفت مالاً كثيراً فمن يحاسبني به، دعني أحسبه، ألم يعلم أن الله قادر على محاسبته، وأن الله - عزَّ وجلَّ - يرى صنيعه، ثم عدد عليه نعمه، فقال:
﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ﴾ : يبصر بهما، ﴿وَلِسَاناً﴾ ينطق بهما، ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ : يستر بهما ثغرهُ، والمعنى: نحن فعلنا ذلك، ونحن نقدر على أن نبعثه، ونحصي عليه ما عمله.
قوله: ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ ، الشِّفةُ: محذوفة اللام، والأصل: شفهةٌ، بدليل تصغيرها على «شُفَيْهَة» ، وجمعها على «ِفاه» ونظيره: سنة في إحدى اللغتين، وشافهته أي كلمته من غير واسطة، ولا يجمع بالألف والتاء، استغناء بتكسيرها عن تصحيحها.
قال القرطبي: «يقال: شفهاتٌ وشفواتٌ، والهاء: أقيس، والواو أعم تشبيهاً بالسنوات» .
قال
الأزهريُّ
: «يقال: هذه شفة، في الوصل، وشفة، بالتاء والهاء» .
قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾ ، يعني: الطريقتين: طريق الخير وطريق الشِّر.
روى قتادةُ قال: ذكر لنا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، كان يقول: «يا أيُّها النَّاس، إنَّما هُمَا النَّجدانِ: نَجْدُ الخيرِ، ونجدُ الشَّرِّ، فلم تَجْعَلُ نَجْدَ الشر أحبَّ إليْكَ من نَجْدِ الخَيْرِ» .
فكأنه لما وهمت الدلائل، جعلت كالطريق المرتفعة العالية، لكونها واضحة للعقول، كوضوح الطريق العالي للأبصار، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: 3] ، بعد قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان: 2] .
ورُوِيَ عن عكرمة، قال: النجدانِ: الثَّديانِ، وهو قول سعيد بن المسيب والضحاك.
ورُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - لأنهما كالطريقين لحياة الولد، ورزقه.
فقوله: «النجدين» إما ظرف، وإما على حذف الجار إن أريد بهما الثديان.
والنَّجدُ في الأصل: العنقُ، لارتفاعه.
وقيل: الطريق العالي.
قال امرؤ القيس: [الطويل]
5213 - فَريقَانِ: مِنْهُمْ جَازعٌ بَطْنَ نَخْلَةٍ ... وأخَرُ مِنْهُمْ قَاطِعٌ نَجْدَ كَبْكَبِ
ومنه سميت نجد، لعلوها عن انخفاض تهامة.
البلد 90:3
مكية، وهي عشرون آية، واثنتان وثمانون كلمة، وثلاثمائة وعشرون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ : يجوز أن تكون «لا» : زائدة، كما تقدم في: «لا أقسم بيوم القيامة» ، قاله الأخفش: أي: أقسم؛ لأنه قال: «بهذا البلد» ، وقد أقسم به في قوله: ﴿وهذا البلد الأمين﴾ [التين: 3] ، فكيف يجوز القسمُ به، وقد أقسم به سبحانه؛ قال الشاعر: [الطويل]
5210 - تَذَكَّرتُ لَيْلَى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ ... وكَادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتَقطَّعُ
أي: يتقطع، ودخل حرف «لا» : صلة، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12] وقد قال تعالى في سورة «ص» : ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ﴾ [ص: 75] .
وقرأ الحسن والأعمش وابن كثير: «لأُقْسِمُ» من غير ألفٍ بعد اللام إثباتاً.
وأجاز الأخفش أيضاً، أن تكون بمعنى: «ألا» .
وقيل: ليست بنفي القسم،، وإنما هو كقول العرب: لا والله لا فعلت كذا، ولا والله ما كان كذا، لا والله لأفعلن كذا.
وقيل: هي نفي صحيح، والمعنى: لا أقسم بهذا البلد، إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه. حكاه مكيٌّ، ورواه ابنُ أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ، قال: «لا» : رد عليهم، وهذا اختيار ابن العربي، لأنه قال: «وأما من قال: إنها رد، فهو قول ليس له رد؛ لأنه يصح به المعنى، ويتمكن اللفظ والمراد» .
فهو رد لكلام من أنكر البعث، ثم ابتدأ القسم.
وقال القشيريُّ: قوله: «لا» رد لما توهم الإنسان المذكور في هذه السورة، المغرور في الدنيا، أي: ليس الأمر كما تحسبه من أنه لم يقسم عليه أحد، ثم ابتدأ القسم، وأجمعوا على أنَّ المراد بالبلد: مكَّة المشرفة، أي: أقسم بالبلد الحرام، الذي أنت فيه، لكرامتك عليَّ وحبي لك.
قوله: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أن الجملة اعتراضية على أحد معنيين، إما على معنى: أنه - تعالى - أقسم بهذا البلد، وما بعده، على أن الإنسان في كبد، واعترض بينهما بهذه الجملة، يعني: ومن المكابدة، أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد، كما يستحل الصيد في غير المحرم.
وإما على معنى: أنه أقسم ببلدة، على أنَّ الإنسان لا يخلُو من مقاساة الشدائد، واعترض بأن وعده فتح «مكة» ، تتميماً للتَّسلية، فقال تعالى: وأنت حلٌّ به فيما يستقبل، تصنع فيه ما تريد من القتل، والأسر، ف «حِلٌّ» بمعنى: حلال، قال معناه الزّمخشري. ثم قال: فإن قلت: أين نظير قوله تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ﴾ في معنى الاستقبال؟ .
قلت: قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30] ، ومثله واسع في كلام العبادِ، تقول لمن تَعدُه الإكرام والحباء: أنت مكرم محبوٌّ، وهو في كلام الله أوسع؛ لأنَّ الأحوال المستقبلة عنده، كالحاضرة المشاهدة، وكفاك دليلاً قاطعاً على أنه للاستقبال، وأنَّ تفسيره بالحال محال؛ لأن السورة بالاتفاق مكية، وأين الهجرة وقت نزولها فما بال الفتح؟ .
الثاني من الوجهين الأولين: أن الجملة حالية، أي: لا أقسم بهذا البلد، وأنت حالٌّ بها، لعظم قدرك، أي: لا نقسم بشيء، وأنت أحق بالإقسام بك منه.
وقيل: المعنى: لا أقسم به، وأنت مستحلّ فيه، أي: مستحل إذ ذاك.
فصل في المراد بهذا البلد
أجمع المفسرون على أن ذلك البلد «مكة» ، وفضلها معروف، فإنه تعالى، جعله حرماً آمناً قال تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران: 97] ، وجعل مسجده قبلة لأهل المشرق والمغرب، وقال تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144] ، وأمر النَّاس بحجِّ البيتِ، فقال: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: 97] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ [البقرة: 125] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت﴾ [الحج: 26] ، وقال تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً وعلى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ﴾ [الحج: 27] ، وشرف مقام إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بقوله تعالى: ﴿واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] ، وحرم صيده، وجعل البيت المعمور بإزائه، ودحيت الأرض من تحته، فهذه الفضائل، وأكثر منها، لما اجتمعت في «مكة» لا جرم أقسم الله تعالى بها.
فصل في تفسير وأنت حلّ
روى منصورٌ عن مجاهدٍ: «وأنْتَ حِلٌّ» ، قال: ما صنعت فيه من شيء، فأنت في حل.
وكذا قال ابن عبَّاسٍ: أحل له يوم دخل «مكة» ، أن يقتل من شاء، فقتل ابن خطل ومقيس بن صبابة وغيرهما، ولم يحل لأحد من الناس، أن يقتل بها أحداً بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقال السدي: أنت في حل ممن قاتلك أن تقتله.
وروى أبو صالحٍ عن ابن عبَّاسٍ، قال: أحلت له ساعة من نهارٍ، ثم أطبقت، وحرمت إلى يوم القيامة، وذلك يوم فتح «مكة» .
[قال ابن زيد: ولم يكن بها أحد حلالاً غير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقيل: معناه: وأنت مقيم فيه، وهو محلك أي: من أهل «مكة» نشأت بينهم، ويعرفون فضلك وطهارتك لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: 128] .
وقيل: أنت فيه محسن، وأنا عنك فيه راضٍ] .
وذكر أهل اللغة أنه يقال: رجل حلٌّ وحلالٌ ومحل، ورجل حرم وحرام ومحرم.
وقال قتادة: «وأنت حل به» أي لست بآثم، قيل: معناه أنك غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليه ارتكابه معرفة منك بحق هذا البيت لا كالمشركين الذين يرتكبون الكفر بالله فيه.
وقال شرحبيل بن سعد: ﴿وأنْتَ حلٌّ بِهَذَا البَلدِ﴾ أي: حلال، أي هم يحرمون «مكة» أن يقتلوا بها صيداً، أو يعضدوا بها شجرة، ثم هم مع هذا يستحلُّون إخراجك وقتلك، ففيه تعجُّب في جرأتهم وشدة عدواتهم له.
قوله: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ .
قيل «ما» بمعنى: «من» ، أو بمعنى: «الذي» .
وقيل: مصدرية أقسم بالشخص وفعله.
وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: هلا قيل: ومَنْ ولد؟
قلت: فيه ما في قوله: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: 36] ، أي: بأي شيء وضعت، يعني: موضوعاً عجيب الشأن.
وقيل: «ما» : فيحتاج إلى إضمار موصول به يصح الكلام، تقديره: والذي ما ولد، إذ المراد بالوالد، الذي يولد له، «ومَا وَلَد» يعني: العَاقِر الذي لا يُولدُ له، قال معناه ابنُ عبَّاسٍ، وتلميذه ابنُ جبيرٍ وعكرمةُ.
فصل في الكلام على الآية
هذا معطوف على قوله: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾ معترض بين المعطوف والمعطوف عليه.
قال ابنُ عباسٍ ومجاهد وقتادةُ والضحاكُ والحسنُ وأبو صالحٍ والطبريُّ: المراد بالوالد: آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، «ومَا وَلَد» أي: وما نسل من ولده، أقسم بهم؛ لأنهم أعجب ما خلق تعالى على وجه الأرض، لما فيهم من البنيان، والنُّطق، والتدبير، وإخراج العلوم، وفيهم الأنبياء، والدُّعاة إلى الله تعالى، والأنصار لدينه، وأمر الملائكة بالسُّجود لآدم - عليه السلام - وعلمه الأسماء كلَّها، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70] .
وقيل: هو إقسام بآدم، والصالحين من ذريته، وأما الطالحون، فكأنهم بهائم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام﴾ [الفرقان: 44] ، وقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: 18] .
وقيل: الوالد: إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ [ذريته.
وقيل: الوالد إبراهيم وإسماعيل، وما ولد محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأنه أقسم بمكة وإبراهيم] .
قال الفراء: وصلح «ما» للناس، كقوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: 3] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: 3] ، وهو خالق الذكر والأنثى.
قال الماورديُّ: ويحتمل أن الوالد: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لتقدم ذكره، «ومَا وَلَد» : أمته: لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، «إنَّما أنَا بِمنزْلَةِ الوَالِدِ أعَلِّمكُمْ» ، فأقسم به وبأمته، بعد أن أقسم ببلده، مبالغة في تشريفه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ : هذا هو المقسم عليه، والكبد: المشقة.
قال الزمخشريُّ: والكَبدُ: أصله من قولك: كبدَ الرجل كبداً، فهو أكْبَد، إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه، حتى استعمل في كل تعب ومشقة، ومنه اشتقت المُكابَدةُ، كما قيل: كبته بمعنى أهلكه، وأصله: كبده إذا أصاب كبده.
قال لبيد: [المنسرح]
5211 - يَا عَيْنُ هَلاَّ بَكَيْتِ أربَدَ إذْ ... قُمْنَا وقَامَ الخُصومُ في كَبدِ
أي: في شدة الأمر، وصعوبة الخطب؛ وقال أبو الإصبع: [البسيط]
5212 - لِيَ ابنُ عَمٍّ لو انَّ النَّاس في كَبدٍ ... لظَلَّ مُحْتَجِزاً بالنَّبْلِ يَرْمينِي
فصل في المراد ب " الإنسان "
الإنسان هنا ابن آدم.
قال القرطبيُّ: ومنه تكبَّد اللبن: غلظ واشتد ومنه الكبدُ؛ لأنه دمٌ تغلظ واشتد ويقال: كابدتُ هذا الأمر قاسيت شدته.
فصل في المراد ب «الإنسان»
الإنسان هنا ابن آدم.
قال ابنُ عباسٍ والحسنُ: «في كبدٍ» أي: في شدة ونصبٍ وعن ابن عباسٍ أيضاً: في شدّة من حمله، وولادته، ورضاعه ونبت أسنانه، وسائر أحواله.
وروى عكرمةُ عنه قال: منتصباً في بطن أمه، والكبدُ: الاستواء، والاستقامة، فهذا امتنان عليه في الحقيقة، ولم يخلق الله تعالى دابة في بطن أمها إلاَّ منكبةً على وجهها إلا ابن آدم، فإنه منتصب انتصاباً. وهو قول النخعي ومجاهد وغيرهما.
وقال يمان: لم يخلق الله تعالى خلقاً يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق.
[وقال ابن كيسان: منتصباً في بطن أمه، فإذا أراد الله تعالى أن يخرجه من بطن أمه قلب رأسه إلى رجل أمه.
وقال الحسن: كابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة] .
قال بعضُ العلماء: أول ما يكابدُ قطع سرته، ثم إذا قمط قماطاً، وشد رباطاً، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته لضاع، ثم يكابد نبت أسنانه، وتحرك لسانه، ثم يكابد الفطام الذي هو أشد من اللطام، ثم يكابد الخِتَان، والأوجاع والأحزان، ثم يكابد المعلم وصولته، والمؤدب وسياسته، والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج، ثم يكابد شغل الأولاد، والأجناد، ثم يكابد شغل الدُّور، وبناء القصور، ثم الكِبر والهرم، وضعف الركبة والقدم، في مصائب يكثر تعدادها ونوائب يطول إيرادها، من صداع الرأس، ووجع الأضراس، ورمد العين، وغم الدَّينِ، ووجع السن، وألم الأذُنِ، ويكابد مِحَناً في المال، والنفس، مثل الضرب والحبس، ولا يمر عليه يوم إلا يقاسي فيه شدة، ثم يكابد بعد ذلك مشقة الموت، ثم بعد ذلك مساءلة الملك، وضغطة القبر وظلمته، ثم البعث، والعرض على الله، إلى أن يستقر به القرار، إما في الجنة أو في النار، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ فلو كان الأمر إليه، ما اختار هذه الشَّدائد، ودل هذا على أن له خالقاً دبره، وقضى عليه بهذه الأحوال، فليتمثل أمره. وقال ابن زيد: المراد بالإنسان هنا آدم عليه السلام.
وقوله تعالى: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أي: في وسط السماء.
وقال الكلبيُّ: إنَّ هذا نزل في رجل من بني جمح، يقال له: أبو الأشدين واسمه أسيد بن كلدة بن جُمَح، وكان قوياً، وكان يأخذ الأديم العكاظي، فيجعله تحت قدميه، فيقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة حتى يتمزّق الأديم، ولا تزول قدماه، وكان من أعداء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وفيه نزل: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ، يعني: لقوته.
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ، أي: أيظنّ ابن آدم أن لن يحاسبه الله عزَّ وجل قال ابنُ الخطيب: إن فسرنا الكبد بالشدة والقوة، فالمعنى: أيحسب الإنسان الشديد أن لشدته لا يقدر عليه أحد؟ وإن فسرنا بالمحنة، والبلاء، كان المعنى: أنَّ الإنسان كان في النعمة، والشدة، أي: أفيظنّ أنه في تلك الحالة لا يقدر عليه شيء، فهو استفهام على سبيل الإنكار.
قوله: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً﴾ : يجوز أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالاً.
وقرأ العامة: «لُبَداً» بضم اللام وفتح الباء.
وشدَّد أبُو جعفرٍ الباء جمع لابِدٍ، مثل: راكع وركع، وساجد وسُجَّد، وعنه أيضاً: سكونها.
ومجاهدٌ وابنُ أبِي الزِّناد: بضمتين، وتقدم الكلام على هذه اللفظة في سورة: «الجن» .
قال أبو عبيدة: «لُبَداً» : فعل من التلبيد، وهذا المال الكثير، بعضه على بعض.
قال الزَّجَّاجُ: و «فعل» للكثرة، يقال: رجل حطم، إذا كان كثير الحطم.
قال الفراءُ: واحدته: «لُبْدَة» و «لُبَدٌ» : جمع.
وجعل بعضهم: واحد، ك «حطم» ، وهو في الوجهين للكثرة، والمعنى: أنفقت مالاً كثيراً مجتمعاً؛ لأن أهل الجاهلية يدعونه مكارم ومفاخر.
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ ، أي: أيظن أن لم يعاينه أحد، بل علم الله ذلك منه، فكان كاذباً، في قوله: أهلكت، ولم يكن أنفقه. وقال: أيظن أن لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين اكتسبه وأين أنفقه.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: كان أبو الأشدين يقول: أنفقت في عداوة محمد مالاً كثيراً، وهو في ذلك كاذب.
وقال مقاتلٌ: نزلت في الحارثِ بنِ عامرٍ بنِ نوفل، أذنب، فاستفتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فأمره أن يكفر، فقال: لقد ذهب مالي في الكفَّارات، والنفقات، منذ دخلت في دين محمد. وهذا القول منه، يحتمل أن يكون استطالة بما أنفق، فيكون طغياناً منه، أو أسفاً منه، فيكون ندماً منه.
قال القرطبيُّ: «وروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أنه كان يقرأ:» أيَحْسُبُ «، بضم السين، في الموضعين» .
وقال الحسنُ: يقول: أتلفت مالاً كثيراً فمن يحاسبني به، دعني أحسبه، ألم يعلم أن الله قادر على محاسبته، وأن الله - عزَّ وجلَّ - يرى صنيعه، ثم عدد عليه نعمه، فقال:
﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ﴾ : يبصر بهما، ﴿وَلِسَاناً﴾ ينطق بهما، ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ : يستر بهما ثغرهُ، والمعنى: نحن فعلنا ذلك، ونحن نقدر على أن نبعثه، ونحصي عليه ما عمله.
قوله: ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ ، الشِّفةُ: محذوفة اللام، والأصل: شفهةٌ، بدليل تصغيرها على «شُفَيْهَة» ، وجمعها على «ِفاه» ونظيره: سنة في إحدى اللغتين، وشافهته أي كلمته من غير واسطة، ولا يجمع بالألف والتاء، استغناء بتكسيرها عن تصحيحها.
قال القرطبي: «يقال: شفهاتٌ وشفواتٌ، والهاء: أقيس، والواو أعم تشبيهاً بالسنوات» .
قال
الأزهريُّ
: «يقال: هذه شفة، في الوصل، وشفة، بالتاء والهاء» .
قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾ ، يعني: الطريقتين: طريق الخير وطريق الشِّر.
روى قتادةُ قال: ذكر لنا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، كان يقول: «يا أيُّها النَّاس، إنَّما هُمَا النَّجدانِ: نَجْدُ الخيرِ، ونجدُ الشَّرِّ، فلم تَجْعَلُ نَجْدَ الشر أحبَّ إليْكَ من نَجْدِ الخَيْرِ» .
فكأنه لما وهمت الدلائل، جعلت كالطريق المرتفعة العالية، لكونها واضحة للعقول، كوضوح الطريق العالي للأبصار، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: 3] ، بعد قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان: 2] .
ورُوِيَ عن عكرمة، قال: النجدانِ: الثَّديانِ، وهو قول سعيد بن المسيب والضحاك.
ورُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - لأنهما كالطريقين لحياة الولد، ورزقه.
فقوله: «النجدين» إما ظرف، وإما على حذف الجار إن أريد بهما الثديان.
والنَّجدُ في الأصل: العنقُ، لارتفاعه.
وقيل: الطريق العالي.
قال امرؤ القيس: [الطويل]
5213 - فَريقَانِ: مِنْهُمْ جَازعٌ بَطْنَ نَخْلَةٍ ... وأخَرُ مِنْهُمْ قَاطِعٌ نَجْدَ كَبْكَبِ
ومنه سميت نجد، لعلوها عن انخفاض تهامة.
البلد 90:4
مكية، وهي عشرون آية، واثنتان وثمانون كلمة، وثلاثمائة وعشرون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ : يجوز أن تكون «لا» : زائدة، كما تقدم في: «لا أقسم بيوم القيامة» ، قاله الأخفش: أي: أقسم؛ لأنه قال: «بهذا البلد» ، وقد أقسم به في قوله: ﴿وهذا البلد الأمين﴾ [التين: 3] ، فكيف يجوز القسمُ به، وقد أقسم به سبحانه؛ قال الشاعر: [الطويل]
5210 - تَذَكَّرتُ لَيْلَى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ ... وكَادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتَقطَّعُ
أي: يتقطع، ودخل حرف «لا» : صلة، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12] وقد قال تعالى في سورة «ص» : ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ﴾ [ص: 75] .
وقرأ الحسن والأعمش وابن كثير: «لأُقْسِمُ» من غير ألفٍ بعد اللام إثباتاً.
وأجاز الأخفش أيضاً، أن تكون بمعنى: «ألا» .
وقيل: ليست بنفي القسم،، وإنما هو كقول العرب: لا والله لا فعلت كذا، ولا والله ما كان كذا، لا والله لأفعلن كذا.
وقيل: هي نفي صحيح، والمعنى: لا أقسم بهذا البلد، إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه. حكاه مكيٌّ، ورواه ابنُ أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ، قال: «لا» : رد عليهم، وهذا اختيار ابن العربي، لأنه قال: «وأما من قال: إنها رد، فهو قول ليس له رد؛ لأنه يصح به المعنى، ويتمكن اللفظ والمراد» .
فهو رد لكلام من أنكر البعث، ثم ابتدأ القسم.
وقال القشيريُّ: قوله: «لا» رد لما توهم الإنسان المذكور في هذه السورة، المغرور في الدنيا، أي: ليس الأمر كما تحسبه من أنه لم يقسم عليه أحد، ثم ابتدأ القسم، وأجمعوا على أنَّ المراد بالبلد: مكَّة المشرفة، أي: أقسم بالبلد الحرام، الذي أنت فيه، لكرامتك عليَّ وحبي لك.
قوله: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أن الجملة اعتراضية على أحد معنيين، إما على معنى: أنه - تعالى - أقسم بهذا البلد، وما بعده، على أن الإنسان في كبد، واعترض بينهما بهذه الجملة، يعني: ومن المكابدة، أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد، كما يستحل الصيد في غير المحرم.
وإما على معنى: أنه أقسم ببلدة، على أنَّ الإنسان لا يخلُو من مقاساة الشدائد، واعترض بأن وعده فتح «مكة» ، تتميماً للتَّسلية، فقال تعالى: وأنت حلٌّ به فيما يستقبل، تصنع فيه ما تريد من القتل، والأسر، ف «حِلٌّ» بمعنى: حلال، قال معناه الزّمخشري. ثم قال: فإن قلت: أين نظير قوله تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ﴾ في معنى الاستقبال؟ .
قلت: قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30] ، ومثله واسع في كلام العبادِ، تقول لمن تَعدُه الإكرام والحباء: أنت مكرم محبوٌّ، وهو في كلام الله أوسع؛ لأنَّ الأحوال المستقبلة عنده، كالحاضرة المشاهدة، وكفاك دليلاً قاطعاً على أنه للاستقبال، وأنَّ تفسيره بالحال محال؛ لأن السورة بالاتفاق مكية، وأين الهجرة وقت نزولها فما بال الفتح؟ .
الثاني من الوجهين الأولين: أن الجملة حالية، أي: لا أقسم بهذا البلد، وأنت حالٌّ بها، لعظم قدرك، أي: لا نقسم بشيء، وأنت أحق بالإقسام بك منه.
وقيل: المعنى: لا أقسم به، وأنت مستحلّ فيه، أي: مستحل إذ ذاك.
فصل في المراد بهذا البلد
أجمع المفسرون على أن ذلك البلد «مكة» ، وفضلها معروف، فإنه تعالى، جعله حرماً آمناً قال تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران: 97] ، وجعل مسجده قبلة لأهل المشرق والمغرب، وقال تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144] ، وأمر النَّاس بحجِّ البيتِ، فقال: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: 97] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ [البقرة: 125] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت﴾ [الحج: 26] ، وقال تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً وعلى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ﴾ [الحج: 27] ، وشرف مقام إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بقوله تعالى: ﴿واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] ، وحرم صيده، وجعل البيت المعمور بإزائه، ودحيت الأرض من تحته، فهذه الفضائل، وأكثر منها، لما اجتمعت في «مكة» لا جرم أقسم الله تعالى بها.
فصل في تفسير وأنت حلّ
روى منصورٌ عن مجاهدٍ: «وأنْتَ حِلٌّ» ، قال: ما صنعت فيه من شيء، فأنت في حل.
وكذا قال ابن عبَّاسٍ: أحل له يوم دخل «مكة» ، أن يقتل من شاء، فقتل ابن خطل ومقيس بن صبابة وغيرهما، ولم يحل لأحد من الناس، أن يقتل بها أحداً بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقال السدي: أنت في حل ممن قاتلك أن تقتله.
وروى أبو صالحٍ عن ابن عبَّاسٍ، قال: أحلت له ساعة من نهارٍ، ثم أطبقت، وحرمت إلى يوم القيامة، وذلك يوم فتح «مكة» .
[قال ابن زيد: ولم يكن بها أحد حلالاً غير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقيل: معناه: وأنت مقيم فيه، وهو محلك أي: من أهل «مكة» نشأت بينهم، ويعرفون فضلك وطهارتك لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: 128] .
وقيل: أنت فيه محسن، وأنا عنك فيه راضٍ] .
وذكر أهل اللغة أنه يقال: رجل حلٌّ وحلالٌ ومحل، ورجل حرم وحرام ومحرم.
وقال قتادة: «وأنت حل به» أي لست بآثم، قيل: معناه أنك غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليه ارتكابه معرفة منك بحق هذا البيت لا كالمشركين الذين يرتكبون الكفر بالله فيه.
وقال شرحبيل بن سعد: ﴿وأنْتَ حلٌّ بِهَذَا البَلدِ﴾ أي: حلال، أي هم يحرمون «مكة» أن يقتلوا بها صيداً، أو يعضدوا بها شجرة، ثم هم مع هذا يستحلُّون إخراجك وقتلك، ففيه تعجُّب في جرأتهم وشدة عدواتهم له.
قوله: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ .
قيل «ما» بمعنى: «من» ، أو بمعنى: «الذي» .
وقيل: مصدرية أقسم بالشخص وفعله.
وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: هلا قيل: ومَنْ ولد؟
قلت: فيه ما في قوله: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: 36] ، أي: بأي شيء وضعت، يعني: موضوعاً عجيب الشأن.
وقيل: «ما» : فيحتاج إلى إضمار موصول به يصح الكلام، تقديره: والذي ما ولد، إذ المراد بالوالد، الذي يولد له، «ومَا وَلَد» يعني: العَاقِر الذي لا يُولدُ له، قال معناه ابنُ عبَّاسٍ، وتلميذه ابنُ جبيرٍ وعكرمةُ.
فصل في الكلام على الآية
هذا معطوف على قوله: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾ معترض بين المعطوف والمعطوف عليه.
قال ابنُ عباسٍ ومجاهد وقتادةُ والضحاكُ والحسنُ وأبو صالحٍ والطبريُّ: المراد بالوالد: آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، «ومَا وَلَد» أي: وما نسل من ولده، أقسم بهم؛ لأنهم أعجب ما خلق تعالى على وجه الأرض، لما فيهم من البنيان، والنُّطق، والتدبير، وإخراج العلوم، وفيهم الأنبياء، والدُّعاة إلى الله تعالى، والأنصار لدينه، وأمر الملائكة بالسُّجود لآدم - عليه السلام - وعلمه الأسماء كلَّها، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70] .
وقيل: هو إقسام بآدم، والصالحين من ذريته، وأما الطالحون، فكأنهم بهائم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام﴾ [الفرقان: 44] ، وقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: 18] .
وقيل: الوالد: إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ [ذريته.
وقيل: الوالد إبراهيم وإسماعيل، وما ولد محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأنه أقسم بمكة وإبراهيم] .
قال الفراء: وصلح «ما» للناس، كقوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: 3] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: 3] ، وهو خالق الذكر والأنثى.
قال الماورديُّ: ويحتمل أن الوالد: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لتقدم ذكره، «ومَا وَلَد» : أمته: لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، «إنَّما أنَا بِمنزْلَةِ الوَالِدِ أعَلِّمكُمْ» ، فأقسم به وبأمته، بعد أن أقسم ببلده، مبالغة في تشريفه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ : هذا هو المقسم عليه، والكبد: المشقة.
قال الزمخشريُّ: والكَبدُ: أصله من قولك: كبدَ الرجل كبداً، فهو أكْبَد، إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه، حتى استعمل في كل تعب ومشقة، ومنه اشتقت المُكابَدةُ، كما قيل: كبته بمعنى أهلكه، وأصله: كبده إذا أصاب كبده.
قال لبيد: [المنسرح]
5211 - يَا عَيْنُ هَلاَّ بَكَيْتِ أربَدَ إذْ ... قُمْنَا وقَامَ الخُصومُ في كَبدِ
أي: في شدة الأمر، وصعوبة الخطب؛ وقال أبو الإصبع: [البسيط]
5212 - لِيَ ابنُ عَمٍّ لو انَّ النَّاس في كَبدٍ ... لظَلَّ مُحْتَجِزاً بالنَّبْلِ يَرْمينِي
فصل في المراد ب " الإنسان "
الإنسان هنا ابن آدم.
قال القرطبيُّ: ومنه تكبَّد اللبن: غلظ واشتد ومنه الكبدُ؛ لأنه دمٌ تغلظ واشتد ويقال: كابدتُ هذا الأمر قاسيت شدته.
فصل في المراد ب «الإنسان»
الإنسان هنا ابن آدم.
قال ابنُ عباسٍ والحسنُ: «في كبدٍ» أي: في شدة ونصبٍ وعن ابن عباسٍ أيضاً: في شدّة من حمله، وولادته، ورضاعه ونبت أسنانه، وسائر أحواله.
وروى عكرمةُ عنه قال: منتصباً في بطن أمه، والكبدُ: الاستواء، والاستقامة، فهذا امتنان عليه في الحقيقة، ولم يخلق الله تعالى دابة في بطن أمها إلاَّ منكبةً على وجهها إلا ابن آدم، فإنه منتصب انتصاباً. وهو قول النخعي ومجاهد وغيرهما.
وقال يمان: لم يخلق الله تعالى خلقاً يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق.
[وقال ابن كيسان: منتصباً في بطن أمه، فإذا أراد الله تعالى أن يخرجه من بطن أمه قلب رأسه إلى رجل أمه.
وقال الحسن: كابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة] .
قال بعضُ العلماء: أول ما يكابدُ قطع سرته، ثم إذا قمط قماطاً، وشد رباطاً، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته لضاع، ثم يكابد نبت أسنانه، وتحرك لسانه، ثم يكابد الفطام الذي هو أشد من اللطام، ثم يكابد الخِتَان، والأوجاع والأحزان، ثم يكابد المعلم وصولته، والمؤدب وسياسته، والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج، ثم يكابد شغل الأولاد، والأجناد، ثم يكابد شغل الدُّور، وبناء القصور، ثم الكِبر والهرم، وضعف الركبة والقدم، في مصائب يكثر تعدادها ونوائب يطول إيرادها، من صداع الرأس، ووجع الأضراس، ورمد العين، وغم الدَّينِ، ووجع السن، وألم الأذُنِ، ويكابد مِحَناً في المال، والنفس، مثل الضرب والحبس، ولا يمر عليه يوم إلا يقاسي فيه شدة، ثم يكابد بعد ذلك مشقة الموت، ثم بعد ذلك مساءلة الملك، وضغطة القبر وظلمته، ثم البعث، والعرض على الله، إلى أن يستقر به القرار، إما في الجنة أو في النار، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ فلو كان الأمر إليه، ما اختار هذه الشَّدائد، ودل هذا على أن له خالقاً دبره، وقضى عليه بهذه الأحوال، فليتمثل أمره. وقال ابن زيد: المراد بالإنسان هنا آدم عليه السلام.
وقوله تعالى: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أي: في وسط السماء.
وقال الكلبيُّ: إنَّ هذا نزل في رجل من بني جمح، يقال له: أبو الأشدين واسمه أسيد بن كلدة بن جُمَح، وكان قوياً، وكان يأخذ الأديم العكاظي، فيجعله تحت قدميه، فيقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة حتى يتمزّق الأديم، ولا تزول قدماه، وكان من أعداء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وفيه نزل: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ، يعني: لقوته.
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ، أي: أيظنّ ابن آدم أن لن يحاسبه الله عزَّ وجل قال ابنُ الخطيب: إن فسرنا الكبد بالشدة والقوة، فالمعنى: أيحسب الإنسان الشديد أن لشدته لا يقدر عليه أحد؟ وإن فسرنا بالمحنة، والبلاء، كان المعنى: أنَّ الإنسان كان في النعمة، والشدة، أي: أفيظنّ أنه في تلك الحالة لا يقدر عليه شيء، فهو استفهام على سبيل الإنكار.
قوله: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً﴾ : يجوز أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالاً.
وقرأ العامة: «لُبَداً» بضم اللام وفتح الباء.
وشدَّد أبُو جعفرٍ الباء جمع لابِدٍ، مثل: راكع وركع، وساجد وسُجَّد، وعنه أيضاً: سكونها.
ومجاهدٌ وابنُ أبِي الزِّناد: بضمتين، وتقدم الكلام على هذه اللفظة في سورة: «الجن» .
قال أبو عبيدة: «لُبَداً» : فعل من التلبيد، وهذا المال الكثير، بعضه على بعض.
قال الزَّجَّاجُ: و «فعل» للكثرة، يقال: رجل حطم، إذا كان كثير الحطم.
قال الفراءُ: واحدته: «لُبْدَة» و «لُبَدٌ» : جمع.
وجعل بعضهم: واحد، ك «حطم» ، وهو في الوجهين للكثرة، والمعنى: أنفقت مالاً كثيراً مجتمعاً؛ لأن أهل الجاهلية يدعونه مكارم ومفاخر.
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ ، أي: أيظن أن لم يعاينه أحد، بل علم الله ذلك منه، فكان كاذباً، في قوله: أهلكت، ولم يكن أنفقه. وقال: أيظن أن لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين اكتسبه وأين أنفقه.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: كان أبو الأشدين يقول: أنفقت في عداوة محمد مالاً كثيراً، وهو في ذلك كاذب.
وقال مقاتلٌ: نزلت في الحارثِ بنِ عامرٍ بنِ نوفل، أذنب، فاستفتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فأمره أن يكفر، فقال: لقد ذهب مالي في الكفَّارات، والنفقات، منذ دخلت في دين محمد. وهذا القول منه، يحتمل أن يكون استطالة بما أنفق، فيكون طغياناً منه، أو أسفاً منه، فيكون ندماً منه.
قال القرطبيُّ: «وروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أنه كان يقرأ:» أيَحْسُبُ «، بضم السين، في الموضعين» .
وقال الحسنُ: يقول: أتلفت مالاً كثيراً فمن يحاسبني به، دعني أحسبه، ألم يعلم أن الله قادر على محاسبته، وأن الله - عزَّ وجلَّ - يرى صنيعه، ثم عدد عليه نعمه، فقال:
﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ﴾ : يبصر بهما، ﴿وَلِسَاناً﴾ ينطق بهما، ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ : يستر بهما ثغرهُ، والمعنى: نحن فعلنا ذلك، ونحن نقدر على أن نبعثه، ونحصي عليه ما عمله.
قوله: ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ ، الشِّفةُ: محذوفة اللام، والأصل: شفهةٌ، بدليل تصغيرها على «شُفَيْهَة» ، وجمعها على «ِفاه» ونظيره: سنة في إحدى اللغتين، وشافهته أي كلمته من غير واسطة، ولا يجمع بالألف والتاء، استغناء بتكسيرها عن تصحيحها.
قال القرطبي: «يقال: شفهاتٌ وشفواتٌ، والهاء: أقيس، والواو أعم تشبيهاً بالسنوات» .
قال
الأزهريُّ
: «يقال: هذه شفة، في الوصل، وشفة، بالتاء والهاء» .
قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾ ، يعني: الطريقتين: طريق الخير وطريق الشِّر.
روى قتادةُ قال: ذكر لنا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، كان يقول: «يا أيُّها النَّاس، إنَّما هُمَا النَّجدانِ: نَجْدُ الخيرِ، ونجدُ الشَّرِّ، فلم تَجْعَلُ نَجْدَ الشر أحبَّ إليْكَ من نَجْدِ الخَيْرِ» .
فكأنه لما وهمت الدلائل، جعلت كالطريق المرتفعة العالية، لكونها واضحة للعقول، كوضوح الطريق العالي للأبصار، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: 3] ، بعد قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان: 2] .
ورُوِيَ عن عكرمة، قال: النجدانِ: الثَّديانِ، وهو قول سعيد بن المسيب والضحاك.
ورُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - لأنهما كالطريقين لحياة الولد، ورزقه.
فقوله: «النجدين» إما ظرف، وإما على حذف الجار إن أريد بهما الثديان.
والنَّجدُ في الأصل: العنقُ، لارتفاعه.
وقيل: الطريق العالي.
قال امرؤ القيس: [الطويل]
5213 - فَريقَانِ: مِنْهُمْ جَازعٌ بَطْنَ نَخْلَةٍ ... وأخَرُ مِنْهُمْ قَاطِعٌ نَجْدَ كَبْكَبِ
ومنه سميت نجد، لعلوها عن انخفاض تهامة.
البلد 90:5
مكية، وهي عشرون آية، واثنتان وثمانون كلمة، وثلاثمائة وعشرون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ : يجوز أن تكون «لا» : زائدة، كما تقدم في: «لا أقسم بيوم القيامة» ، قاله الأخفش: أي: أقسم؛ لأنه قال: «بهذا البلد» ، وقد أقسم به في قوله: ﴿وهذا البلد الأمين﴾ [التين: 3] ، فكيف يجوز القسمُ به، وقد أقسم به سبحانه؛ قال الشاعر: [الطويل]
5210 - تَذَكَّرتُ لَيْلَى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ ... وكَادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتَقطَّعُ
أي: يتقطع، ودخل حرف «لا» : صلة، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12] وقد قال تعالى في سورة «ص» : ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ﴾ [ص: 75] .
وقرأ الحسن والأعمش وابن كثير: «لأُقْسِمُ» من غير ألفٍ بعد اللام إثباتاً.
وأجاز الأخفش أيضاً، أن تكون بمعنى: «ألا» .
وقيل: ليست بنفي القسم،، وإنما هو كقول العرب: لا والله لا فعلت كذا، ولا والله ما كان كذا، لا والله لأفعلن كذا.
وقيل: هي نفي صحيح، والمعنى: لا أقسم بهذا البلد، إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه. حكاه مكيٌّ، ورواه ابنُ أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ، قال: «لا» : رد عليهم، وهذا اختيار ابن العربي، لأنه قال: «وأما من قال: إنها رد، فهو قول ليس له رد؛ لأنه يصح به المعنى، ويتمكن اللفظ والمراد» .
فهو رد لكلام من أنكر البعث، ثم ابتدأ القسم.
وقال القشيريُّ: قوله: «لا» رد لما توهم الإنسان المذكور في هذه السورة، المغرور في الدنيا، أي: ليس الأمر كما تحسبه من أنه لم يقسم عليه أحد، ثم ابتدأ القسم، وأجمعوا على أنَّ المراد بالبلد: مكَّة المشرفة، أي: أقسم بالبلد الحرام، الذي أنت فيه، لكرامتك عليَّ وحبي لك.
قوله: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أن الجملة اعتراضية على أحد معنيين، إما على معنى: أنه - تعالى - أقسم بهذا البلد، وما بعده، على أن الإنسان في كبد، واعترض بينهما بهذه الجملة، يعني: ومن المكابدة، أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد، كما يستحل الصيد في غير المحرم.
وإما على معنى: أنه أقسم ببلدة، على أنَّ الإنسان لا يخلُو من مقاساة الشدائد، واعترض بأن وعده فتح «مكة» ، تتميماً للتَّسلية، فقال تعالى: وأنت حلٌّ به فيما يستقبل، تصنع فيه ما تريد من القتل، والأسر، ف «حِلٌّ» بمعنى: حلال، قال معناه الزّمخشري. ثم قال: فإن قلت: أين نظير قوله تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ﴾ في معنى الاستقبال؟ .
قلت: قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30] ، ومثله واسع في كلام العبادِ، تقول لمن تَعدُه الإكرام والحباء: أنت مكرم محبوٌّ، وهو في كلام الله أوسع؛ لأنَّ الأحوال المستقبلة عنده، كالحاضرة المشاهدة، وكفاك دليلاً قاطعاً على أنه للاستقبال، وأنَّ تفسيره بالحال محال؛ لأن السورة بالاتفاق مكية، وأين الهجرة وقت نزولها فما بال الفتح؟ .
الثاني من الوجهين الأولين: أن الجملة حالية، أي: لا أقسم بهذا البلد، وأنت حالٌّ بها، لعظم قدرك، أي: لا نقسم بشيء، وأنت أحق بالإقسام بك منه.
وقيل: المعنى: لا أقسم به، وأنت مستحلّ فيه، أي: مستحل إذ ذاك.
فصل في المراد بهذا البلد
أجمع المفسرون على أن ذلك البلد «مكة» ، وفضلها معروف، فإنه تعالى، جعله حرماً آمناً قال تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران: 97] ، وجعل مسجده قبلة لأهل المشرق والمغرب، وقال تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144] ، وأمر النَّاس بحجِّ البيتِ، فقال: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: 97] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ [البقرة: 125] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت﴾ [الحج: 26] ، وقال تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً وعلى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ﴾ [الحج: 27] ، وشرف مقام إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بقوله تعالى: ﴿واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] ، وحرم صيده، وجعل البيت المعمور بإزائه، ودحيت الأرض من تحته، فهذه الفضائل، وأكثر منها، لما اجتمعت في «مكة» لا جرم أقسم الله تعالى بها.
فصل في تفسير وأنت حلّ
روى منصورٌ عن مجاهدٍ: «وأنْتَ حِلٌّ» ، قال: ما صنعت فيه من شيء، فأنت في حل.
وكذا قال ابن عبَّاسٍ: أحل له يوم دخل «مكة» ، أن يقتل من شاء، فقتل ابن خطل ومقيس بن صبابة وغيرهما، ولم يحل لأحد من الناس، أن يقتل بها أحداً بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقال السدي: أنت في حل ممن قاتلك أن تقتله.
وروى أبو صالحٍ عن ابن عبَّاسٍ، قال: أحلت له ساعة من نهارٍ، ثم أطبقت، وحرمت إلى يوم القيامة، وذلك يوم فتح «مكة» .
[قال ابن زيد: ولم يكن بها أحد حلالاً غير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقيل: معناه: وأنت مقيم فيه، وهو محلك أي: من أهل «مكة» نشأت بينهم، ويعرفون فضلك وطهارتك لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: 128] .
وقيل: أنت فيه محسن، وأنا عنك فيه راضٍ] .
وذكر أهل اللغة أنه يقال: رجل حلٌّ وحلالٌ ومحل، ورجل حرم وحرام ومحرم.
وقال قتادة: «وأنت حل به» أي لست بآثم، قيل: معناه أنك غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليه ارتكابه معرفة منك بحق هذا البيت لا كالمشركين الذين يرتكبون الكفر بالله فيه.
وقال شرحبيل بن سعد: ﴿وأنْتَ حلٌّ بِهَذَا البَلدِ﴾ أي: حلال، أي هم يحرمون «مكة» أن يقتلوا بها صيداً، أو يعضدوا بها شجرة، ثم هم مع هذا يستحلُّون إخراجك وقتلك، ففيه تعجُّب في جرأتهم وشدة عدواتهم له.
قوله: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ .
قيل «ما» بمعنى: «من» ، أو بمعنى: «الذي» .
وقيل: مصدرية أقسم بالشخص وفعله.
وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: هلا قيل: ومَنْ ولد؟
قلت: فيه ما في قوله: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: 36] ، أي: بأي شيء وضعت، يعني: موضوعاً عجيب الشأن.
وقيل: «ما» : فيحتاج إلى إضمار موصول به يصح الكلام، تقديره: والذي ما ولد، إذ المراد بالوالد، الذي يولد له، «ومَا وَلَد» يعني: العَاقِر الذي لا يُولدُ له، قال معناه ابنُ عبَّاسٍ، وتلميذه ابنُ جبيرٍ وعكرمةُ.
فصل في الكلام على الآية
هذا معطوف على قوله: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾ معترض بين المعطوف والمعطوف عليه.
قال ابنُ عباسٍ ومجاهد وقتادةُ والضحاكُ والحسنُ وأبو صالحٍ والطبريُّ: المراد بالوالد: آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، «ومَا وَلَد» أي: وما نسل من ولده، أقسم بهم؛ لأنهم أعجب ما خلق تعالى على وجه الأرض، لما فيهم من البنيان، والنُّطق، والتدبير، وإخراج العلوم، وفيهم الأنبياء، والدُّعاة إلى الله تعالى، والأنصار لدينه، وأمر الملائكة بالسُّجود لآدم - عليه السلام - وعلمه الأسماء كلَّها، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70] .
وقيل: هو إقسام بآدم، والصالحين من ذريته، وأما الطالحون، فكأنهم بهائم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام﴾ [الفرقان: 44] ، وقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: 18] .
وقيل: الوالد: إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ [ذريته.
وقيل: الوالد إبراهيم وإسماعيل، وما ولد محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأنه أقسم بمكة وإبراهيم] .
قال الفراء: وصلح «ما» للناس، كقوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: 3] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: 3] ، وهو خالق الذكر والأنثى.
قال الماورديُّ: ويحتمل أن الوالد: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لتقدم ذكره، «ومَا وَلَد» : أمته: لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، «إنَّما أنَا بِمنزْلَةِ الوَالِدِ أعَلِّمكُمْ» ، فأقسم به وبأمته، بعد أن أقسم ببلده، مبالغة في تشريفه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ : هذا هو المقسم عليه، والكبد: المشقة.
قال الزمخشريُّ: والكَبدُ: أصله من قولك: كبدَ الرجل كبداً، فهو أكْبَد، إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه، حتى استعمل في كل تعب ومشقة، ومنه اشتقت المُكابَدةُ، كما قيل: كبته بمعنى أهلكه، وأصله: كبده إذا أصاب كبده.
قال لبيد: [المنسرح]
5211 - يَا عَيْنُ هَلاَّ بَكَيْتِ أربَدَ إذْ ... قُمْنَا وقَامَ الخُصومُ في كَبدِ
أي: في شدة الأمر، وصعوبة الخطب؛ وقال أبو الإصبع: [البسيط]
5212 - لِيَ ابنُ عَمٍّ لو انَّ النَّاس في كَبدٍ ... لظَلَّ مُحْتَجِزاً بالنَّبْلِ يَرْمينِي
فصل في المراد ب " الإنسان "
الإنسان هنا ابن آدم.
قال القرطبيُّ: ومنه تكبَّد اللبن: غلظ واشتد ومنه الكبدُ؛ لأنه دمٌ تغلظ واشتد ويقال: كابدتُ هذا الأمر قاسيت شدته.
فصل في المراد ب «الإنسان»
الإنسان هنا ابن آدم.
قال ابنُ عباسٍ والحسنُ: «في كبدٍ» أي: في شدة ونصبٍ وعن ابن عباسٍ أيضاً: في شدّة من حمله، وولادته، ورضاعه ونبت أسنانه، وسائر أحواله.
وروى عكرمةُ عنه قال: منتصباً في بطن أمه، والكبدُ: الاستواء، والاستقامة، فهذا امتنان عليه في الحقيقة، ولم يخلق الله تعالى دابة في بطن أمها إلاَّ منكبةً على وجهها إلا ابن آدم، فإنه منتصب انتصاباً. وهو قول النخعي ومجاهد وغيرهما.
وقال يمان: لم يخلق الله تعالى خلقاً يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق.
[وقال ابن كيسان: منتصباً في بطن أمه، فإذا أراد الله تعالى أن يخرجه من بطن أمه قلب رأسه إلى رجل أمه.
وقال الحسن: كابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة] .
قال بعضُ العلماء: أول ما يكابدُ قطع سرته، ثم إذا قمط قماطاً، وشد رباطاً، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته لضاع، ثم يكابد نبت أسنانه، وتحرك لسانه، ثم يكابد الفطام الذي هو أشد من اللطام، ثم يكابد الخِتَان، والأوجاع والأحزان، ثم يكابد المعلم وصولته، والمؤدب وسياسته، والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج، ثم يكابد شغل الأولاد، والأجناد، ثم يكابد شغل الدُّور، وبناء القصور، ثم الكِبر والهرم، وضعف الركبة والقدم، في مصائب يكثر تعدادها ونوائب يطول إيرادها، من صداع الرأس، ووجع الأضراس، ورمد العين، وغم الدَّينِ، ووجع السن، وألم الأذُنِ، ويكابد مِحَناً في المال، والنفس، مثل الضرب والحبس، ولا يمر عليه يوم إلا يقاسي فيه شدة، ثم يكابد بعد ذلك مشقة الموت، ثم بعد ذلك مساءلة الملك، وضغطة القبر وظلمته، ثم البعث، والعرض على الله، إلى أن يستقر به القرار، إما في الجنة أو في النار، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ فلو كان الأمر إليه، ما اختار هذه الشَّدائد، ودل هذا على أن له خالقاً دبره، وقضى عليه بهذه الأحوال، فليتمثل أمره. وقال ابن زيد: المراد بالإنسان هنا آدم عليه السلام.
وقوله تعالى: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أي: في وسط السماء.
وقال الكلبيُّ: إنَّ هذا نزل في رجل من بني جمح، يقال له: أبو الأشدين واسمه أسيد بن كلدة بن جُمَح، وكان قوياً، وكان يأخذ الأديم العكاظي، فيجعله تحت قدميه، فيقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة حتى يتمزّق الأديم، ولا تزول قدماه، وكان من أعداء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وفيه نزل: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ، يعني: لقوته.
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ، أي: أيظنّ ابن آدم أن لن يحاسبه الله عزَّ وجل قال ابنُ الخطيب: إن فسرنا الكبد بالشدة والقوة، فالمعنى: أيحسب الإنسان الشديد أن لشدته لا يقدر عليه أحد؟ وإن فسرنا بالمحنة، والبلاء، كان المعنى: أنَّ الإنسان كان في النعمة، والشدة، أي: أفيظنّ أنه في تلك الحالة لا يقدر عليه شيء، فهو استفهام على سبيل الإنكار.
قوله: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً﴾ : يجوز أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالاً.
وقرأ العامة: «لُبَداً» بضم اللام وفتح الباء.
وشدَّد أبُو جعفرٍ الباء جمع لابِدٍ، مثل: راكع وركع، وساجد وسُجَّد، وعنه أيضاً: سكونها.
ومجاهدٌ وابنُ أبِي الزِّناد: بضمتين، وتقدم الكلام على هذه اللفظة في سورة: «الجن» .
قال أبو عبيدة: «لُبَداً» : فعل من التلبيد، وهذا المال الكثير، بعضه على بعض.
قال الزَّجَّاجُ: و «فعل» للكثرة، يقال: رجل حطم، إذا كان كثير الحطم.
قال الفراءُ: واحدته: «لُبْدَة» و «لُبَدٌ» : جمع.
وجعل بعضهم: واحد، ك «حطم» ، وهو في الوجهين للكثرة، والمعنى: أنفقت مالاً كثيراً مجتمعاً؛ لأن أهل الجاهلية يدعونه مكارم ومفاخر.
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ ، أي: أيظن أن لم يعاينه أحد، بل علم الله ذلك منه، فكان كاذباً، في قوله: أهلكت، ولم يكن أنفقه. وقال: أيظن أن لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين اكتسبه وأين أنفقه.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: كان أبو الأشدين يقول: أنفقت في عداوة محمد مالاً كثيراً، وهو في ذلك كاذب.
وقال مقاتلٌ: نزلت في الحارثِ بنِ عامرٍ بنِ نوفل، أذنب، فاستفتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فأمره أن يكفر، فقال: لقد ذهب مالي في الكفَّارات، والنفقات، منذ دخلت في دين محمد. وهذا القول منه، يحتمل أن يكون استطالة بما أنفق، فيكون طغياناً منه، أو أسفاً منه، فيكون ندماً منه.
قال القرطبيُّ: «وروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أنه كان يقرأ:» أيَحْسُبُ «، بضم السين، في الموضعين» .
وقال الحسنُ: يقول: أتلفت مالاً كثيراً فمن يحاسبني به، دعني أحسبه، ألم يعلم أن الله قادر على محاسبته، وأن الله - عزَّ وجلَّ - يرى صنيعه، ثم عدد عليه نعمه، فقال:
﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ﴾ : يبصر بهما، ﴿وَلِسَاناً﴾ ينطق بهما، ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ : يستر بهما ثغرهُ، والمعنى: نحن فعلنا ذلك، ونحن نقدر على أن نبعثه، ونحصي عليه ما عمله.
قوله: ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ ، الشِّفةُ: محذوفة اللام، والأصل: شفهةٌ، بدليل تصغيرها على «شُفَيْهَة» ، وجمعها على «ِفاه» ونظيره: سنة في إحدى اللغتين، وشافهته أي كلمته من غير واسطة، ولا يجمع بالألف والتاء، استغناء بتكسيرها عن تصحيحها.
قال القرطبي: «يقال: شفهاتٌ وشفواتٌ، والهاء: أقيس، والواو أعم تشبيهاً بالسنوات» .
قال
الأزهريُّ
: «يقال: هذه شفة، في الوصل، وشفة، بالتاء والهاء» .
قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾ ، يعني: الطريقتين: طريق الخير وطريق الشِّر.
روى قتادةُ قال: ذكر لنا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، كان يقول: «يا أيُّها النَّاس، إنَّما هُمَا النَّجدانِ: نَجْدُ الخيرِ، ونجدُ الشَّرِّ، فلم تَجْعَلُ نَجْدَ الشر أحبَّ إليْكَ من نَجْدِ الخَيْرِ» .
فكأنه لما وهمت الدلائل، جعلت كالطريق المرتفعة العالية، لكونها واضحة للعقول، كوضوح الطريق العالي للأبصار، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: 3] ، بعد قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان: 2] .
ورُوِيَ عن عكرمة، قال: النجدانِ: الثَّديانِ، وهو قول سعيد بن المسيب والضحاك.
ورُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - لأنهما كالطريقين لحياة الولد، ورزقه.
فقوله: «النجدين» إما ظرف، وإما على حذف الجار إن أريد بهما الثديان.
والنَّجدُ في الأصل: العنقُ، لارتفاعه.
وقيل: الطريق العالي.
قال امرؤ القيس: [الطويل]
5213 - فَريقَانِ: مِنْهُمْ جَازعٌ بَطْنَ نَخْلَةٍ ... وأخَرُ مِنْهُمْ قَاطِعٌ نَجْدَ كَبْكَبِ
ومنه سميت نجد، لعلوها عن انخفاض تهامة.
البلد 90:6
مكية، وهي عشرون آية، واثنتان وثمانون كلمة، وثلاثمائة وعشرون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ : يجوز أن تكون «لا» : زائدة، كما تقدم في: «لا أقسم بيوم القيامة» ، قاله الأخفش: أي: أقسم؛ لأنه قال: «بهذا البلد» ، وقد أقسم به في قوله: ﴿وهذا البلد الأمين﴾ [التين: 3] ، فكيف يجوز القسمُ به، وقد أقسم به سبحانه؛ قال الشاعر: [الطويل]
5210 - تَذَكَّرتُ لَيْلَى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ ... وكَادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتَقطَّعُ
أي: يتقطع، ودخل حرف «لا» : صلة، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12] وقد قال تعالى في سورة «ص» : ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ﴾ [ص: 75] .
وقرأ الحسن والأعمش وابن كثير: «لأُقْسِمُ» من غير ألفٍ بعد اللام إثباتاً.
وأجاز الأخفش أيضاً، أن تكون بمعنى: «ألا» .
وقيل: ليست بنفي القسم،، وإنما هو كقول العرب: لا والله لا فعلت كذا، ولا والله ما كان كذا، لا والله لأفعلن كذا.
وقيل: هي نفي صحيح، والمعنى: لا أقسم بهذا البلد، إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه. حكاه مكيٌّ، ورواه ابنُ أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ، قال: «لا» : رد عليهم، وهذا اختيار ابن العربي، لأنه قال: «وأما من قال: إنها رد، فهو قول ليس له رد؛ لأنه يصح به المعنى، ويتمكن اللفظ والمراد» .
فهو رد لكلام من أنكر البعث، ثم ابتدأ القسم.
وقال القشيريُّ: قوله: «لا» رد لما توهم الإنسان المذكور في هذه السورة، المغرور في الدنيا، أي: ليس الأمر كما تحسبه من أنه لم يقسم عليه أحد، ثم ابتدأ القسم، وأجمعوا على أنَّ المراد بالبلد: مكَّة المشرفة، أي: أقسم بالبلد الحرام، الذي أنت فيه، لكرامتك عليَّ وحبي لك.
قوله: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أن الجملة اعتراضية على أحد معنيين، إما على معنى: أنه - تعالى - أقسم بهذا البلد، وما بعده، على أن الإنسان في كبد، واعترض بينهما بهذه الجملة، يعني: ومن المكابدة، أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد، كما يستحل الصيد في غير المحرم.
وإما على معنى: أنه أقسم ببلدة، على أنَّ الإنسان لا يخلُو من مقاساة الشدائد، واعترض بأن وعده فتح «مكة» ، تتميماً للتَّسلية، فقال تعالى: وأنت حلٌّ به فيما يستقبل، تصنع فيه ما تريد من القتل، والأسر، ف «حِلٌّ» بمعنى: حلال، قال معناه الزّمخشري. ثم قال: فإن قلت: أين نظير قوله تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ﴾ في معنى الاستقبال؟ .
قلت: قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30] ، ومثله واسع في كلام العبادِ، تقول لمن تَعدُه الإكرام والحباء: أنت مكرم محبوٌّ، وهو في كلام الله أوسع؛ لأنَّ الأحوال المستقبلة عنده، كالحاضرة المشاهدة، وكفاك دليلاً قاطعاً على أنه للاستقبال، وأنَّ تفسيره بالحال محال؛ لأن السورة بالاتفاق مكية، وأين الهجرة وقت نزولها فما بال الفتح؟ .
الثاني من الوجهين الأولين: أن الجملة حالية، أي: لا أقسم بهذا البلد، وأنت حالٌّ بها، لعظم قدرك، أي: لا نقسم بشيء، وأنت أحق بالإقسام بك منه.
وقيل: المعنى: لا أقسم به، وأنت مستحلّ فيه، أي: مستحل إذ ذاك.
فصل في المراد بهذا البلد
أجمع المفسرون على أن ذلك البلد «مكة» ، وفضلها معروف، فإنه تعالى، جعله حرماً آمناً قال تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران: 97] ، وجعل مسجده قبلة لأهل المشرق والمغرب، وقال تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144] ، وأمر النَّاس بحجِّ البيتِ، فقال: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: 97] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ [البقرة: 125] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت﴾ [الحج: 26] ، وقال تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً وعلى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ﴾ [الحج: 27] ، وشرف مقام إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بقوله تعالى: ﴿واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] ، وحرم صيده، وجعل البيت المعمور بإزائه، ودحيت الأرض من تحته، فهذه الفضائل، وأكثر منها، لما اجتمعت في «مكة» لا جرم أقسم الله تعالى بها.
فصل في تفسير وأنت حلّ
روى منصورٌ عن مجاهدٍ: «وأنْتَ حِلٌّ» ، قال: ما صنعت فيه من شيء، فأنت في حل.
وكذا قال ابن عبَّاسٍ: أحل له يوم دخل «مكة» ، أن يقتل من شاء، فقتل ابن خطل ومقيس بن صبابة وغيرهما، ولم يحل لأحد من الناس، أن يقتل بها أحداً بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقال السدي: أنت في حل ممن قاتلك أن تقتله.
وروى أبو صالحٍ عن ابن عبَّاسٍ، قال: أحلت له ساعة من نهارٍ، ثم أطبقت، وحرمت إلى يوم القيامة، وذلك يوم فتح «مكة» .
[قال ابن زيد: ولم يكن بها أحد حلالاً غير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقيل: معناه: وأنت مقيم فيه، وهو محلك أي: من أهل «مكة» نشأت بينهم، ويعرفون فضلك وطهارتك لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: 128] .
وقيل: أنت فيه محسن، وأنا عنك فيه راضٍ] .
وذكر أهل اللغة أنه يقال: رجل حلٌّ وحلالٌ ومحل، ورجل حرم وحرام ومحرم.
وقال قتادة: «وأنت حل به» أي لست بآثم، قيل: معناه أنك غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليه ارتكابه معرفة منك بحق هذا البيت لا كالمشركين الذين يرتكبون الكفر بالله فيه.
وقال شرحبيل بن سعد: ﴿وأنْتَ حلٌّ بِهَذَا البَلدِ﴾ أي: حلال، أي هم يحرمون «مكة» أن يقتلوا بها صيداً، أو يعضدوا بها شجرة، ثم هم مع هذا يستحلُّون إخراجك وقتلك، ففيه تعجُّب في جرأتهم وشدة عدواتهم له.
قوله: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ .
قيل «ما» بمعنى: «من» ، أو بمعنى: «الذي» .
وقيل: مصدرية أقسم بالشخص وفعله.
وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: هلا قيل: ومَنْ ولد؟
قلت: فيه ما في قوله: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: 36] ، أي: بأي شيء وضعت، يعني: موضوعاً عجيب الشأن.
وقيل: «ما» : فيحتاج إلى إضمار موصول به يصح الكلام، تقديره: والذي ما ولد، إذ المراد بالوالد، الذي يولد له، «ومَا وَلَد» يعني: العَاقِر الذي لا يُولدُ له، قال معناه ابنُ عبَّاسٍ، وتلميذه ابنُ جبيرٍ وعكرمةُ.
فصل في الكلام على الآية
هذا معطوف على قوله: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾ معترض بين المعطوف والمعطوف عليه.
قال ابنُ عباسٍ ومجاهد وقتادةُ والضحاكُ والحسنُ وأبو صالحٍ والطبريُّ: المراد بالوالد: آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، «ومَا وَلَد» أي: وما نسل من ولده، أقسم بهم؛ لأنهم أعجب ما خلق تعالى على وجه الأرض، لما فيهم من البنيان، والنُّطق، والتدبير، وإخراج العلوم، وفيهم الأنبياء، والدُّعاة إلى الله تعالى، والأنصار لدينه، وأمر الملائكة بالسُّجود لآدم - عليه السلام - وعلمه الأسماء كلَّها، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70] .
وقيل: هو إقسام بآدم، والصالحين من ذريته، وأما الطالحون، فكأنهم بهائم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام﴾ [الفرقان: 44] ، وقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: 18] .
وقيل: الوالد: إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ [ذريته.
وقيل: الوالد إبراهيم وإسماعيل، وما ولد محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأنه أقسم بمكة وإبراهيم] .
قال الفراء: وصلح «ما» للناس، كقوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: 3] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: 3] ، وهو خالق الذكر والأنثى.
قال الماورديُّ: ويحتمل أن الوالد: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لتقدم ذكره، «ومَا وَلَد» : أمته: لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، «إنَّما أنَا بِمنزْلَةِ الوَالِدِ أعَلِّمكُمْ» ، فأقسم به وبأمته، بعد أن أقسم ببلده، مبالغة في تشريفه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ : هذا هو المقسم عليه، والكبد: المشقة.
قال الزمخشريُّ: والكَبدُ: أصله من قولك: كبدَ الرجل كبداً، فهو أكْبَد، إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه، حتى استعمل في كل تعب ومشقة، ومنه اشتقت المُكابَدةُ، كما قيل: كبته بمعنى أهلكه، وأصله: كبده إذا أصاب كبده.
قال لبيد: [المنسرح]
5211 - يَا عَيْنُ هَلاَّ بَكَيْتِ أربَدَ إذْ ... قُمْنَا وقَامَ الخُصومُ في كَبدِ
أي: في شدة الأمر، وصعوبة الخطب؛ وقال أبو الإصبع: [البسيط]
5212 - لِيَ ابنُ عَمٍّ لو انَّ النَّاس في كَبدٍ ... لظَلَّ مُحْتَجِزاً بالنَّبْلِ يَرْمينِي
فصل في المراد ب " الإنسان "
الإنسان هنا ابن آدم.
قال القرطبيُّ: ومنه تكبَّد اللبن: غلظ واشتد ومنه الكبدُ؛ لأنه دمٌ تغلظ واشتد ويقال: كابدتُ هذا الأمر قاسيت شدته.
فصل في المراد ب «الإنسان»
الإنسان هنا ابن آدم.
قال ابنُ عباسٍ والحسنُ: «في كبدٍ» أي: في شدة ونصبٍ وعن ابن عباسٍ أيضاً: في شدّة من حمله، وولادته، ورضاعه ونبت أسنانه، وسائر أحواله.
وروى عكرمةُ عنه قال: منتصباً في بطن أمه، والكبدُ: الاستواء، والاستقامة، فهذا امتنان عليه في الحقيقة، ولم يخلق الله تعالى دابة في بطن أمها إلاَّ منكبةً على وجهها إلا ابن آدم، فإنه منتصب انتصاباً. وهو قول النخعي ومجاهد وغيرهما.
وقال يمان: لم يخلق الله تعالى خلقاً يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق.
[وقال ابن كيسان: منتصباً في بطن أمه، فإذا أراد الله تعالى أن يخرجه من بطن أمه قلب رأسه إلى رجل أمه.
وقال الحسن: كابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة] .
قال بعضُ العلماء: أول ما يكابدُ قطع سرته، ثم إذا قمط قماطاً، وشد رباطاً، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته لضاع، ثم يكابد نبت أسنانه، وتحرك لسانه، ثم يكابد الفطام الذي هو أشد من اللطام، ثم يكابد الخِتَان، والأوجاع والأحزان، ثم يكابد المعلم وصولته، والمؤدب وسياسته، والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج، ثم يكابد شغل الأولاد، والأجناد، ثم يكابد شغل الدُّور، وبناء القصور، ثم الكِبر والهرم، وضعف الركبة والقدم، في مصائب يكثر تعدادها ونوائب يطول إيرادها، من صداع الرأس، ووجع الأضراس، ورمد العين، وغم الدَّينِ، ووجع السن، وألم الأذُنِ، ويكابد مِحَناً في المال، والنفس، مثل الضرب والحبس، ولا يمر عليه يوم إلا يقاسي فيه شدة، ثم يكابد بعد ذلك مشقة الموت، ثم بعد ذلك مساءلة الملك، وضغطة القبر وظلمته، ثم البعث، والعرض على الله، إلى أن يستقر به القرار، إما في الجنة أو في النار، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ فلو كان الأمر إليه، ما اختار هذه الشَّدائد، ودل هذا على أن له خالقاً دبره، وقضى عليه بهذه الأحوال، فليتمثل أمره. وقال ابن زيد: المراد بالإنسان هنا آدم عليه السلام.
وقوله تعالى: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أي: في وسط السماء.
وقال الكلبيُّ: إنَّ هذا نزل في رجل من بني جمح، يقال له: أبو الأشدين واسمه أسيد بن كلدة بن جُمَح، وكان قوياً، وكان يأخذ الأديم العكاظي، فيجعله تحت قدميه، فيقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة حتى يتمزّق الأديم، ولا تزول قدماه، وكان من أعداء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وفيه نزل: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ، يعني: لقوته.
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ، أي: أيظنّ ابن آدم أن لن يحاسبه الله عزَّ وجل قال ابنُ الخطيب: إن فسرنا الكبد بالشدة والقوة، فالمعنى: أيحسب الإنسان الشديد أن لشدته لا يقدر عليه أحد؟ وإن فسرنا بالمحنة، والبلاء، كان المعنى: أنَّ الإنسان كان في النعمة، والشدة، أي: أفيظنّ أنه في تلك الحالة لا يقدر عليه شيء، فهو استفهام على سبيل الإنكار.
قوله: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً﴾ : يجوز أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالاً.
وقرأ العامة: «لُبَداً» بضم اللام وفتح الباء.
وشدَّد أبُو جعفرٍ الباء جمع لابِدٍ، مثل: راكع وركع، وساجد وسُجَّد، وعنه أيضاً: سكونها.
ومجاهدٌ وابنُ أبِي الزِّناد: بضمتين، وتقدم الكلام على هذه اللفظة في سورة: «الجن» .
قال أبو عبيدة: «لُبَداً» : فعل من التلبيد، وهذا المال الكثير، بعضه على بعض.
قال الزَّجَّاجُ: و «فعل» للكثرة، يقال: رجل حطم، إذا كان كثير الحطم.
قال الفراءُ: واحدته: «لُبْدَة» و «لُبَدٌ» : جمع.
وجعل بعضهم: واحد، ك «حطم» ، وهو في الوجهين للكثرة، والمعنى: أنفقت مالاً كثيراً مجتمعاً؛ لأن أهل الجاهلية يدعونه مكارم ومفاخر.
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ ، أي: أيظن أن لم يعاينه أحد، بل علم الله ذلك منه، فكان كاذباً، في قوله: أهلكت، ولم يكن أنفقه. وقال: أيظن أن لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين اكتسبه وأين أنفقه.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: كان أبو الأشدين يقول: أنفقت في عداوة محمد مالاً كثيراً، وهو في ذلك كاذب.
وقال مقاتلٌ: نزلت في الحارثِ بنِ عامرٍ بنِ نوفل، أذنب، فاستفتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فأمره أن يكفر، فقال: لقد ذهب مالي في الكفَّارات، والنفقات، منذ دخلت في دين محمد. وهذا القول منه، يحتمل أن يكون استطالة بما أنفق، فيكون طغياناً منه، أو أسفاً منه، فيكون ندماً منه.
قال القرطبيُّ: «وروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أنه كان يقرأ:» أيَحْسُبُ «، بضم السين، في الموضعين» .
وقال الحسنُ: يقول: أتلفت مالاً كثيراً فمن يحاسبني به، دعني أحسبه، ألم يعلم أن الله قادر على محاسبته، وأن الله - عزَّ وجلَّ - يرى صنيعه، ثم عدد عليه نعمه، فقال:
﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ﴾ : يبصر بهما، ﴿وَلِسَاناً﴾ ينطق بهما، ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ : يستر بهما ثغرهُ، والمعنى: نحن فعلنا ذلك، ونحن نقدر على أن نبعثه، ونحصي عليه ما عمله.
قوله: ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ ، الشِّفةُ: محذوفة اللام، والأصل: شفهةٌ، بدليل تصغيرها على «شُفَيْهَة» ، وجمعها على «ِفاه» ونظيره: سنة في إحدى اللغتين، وشافهته أي كلمته من غير واسطة، ولا يجمع بالألف والتاء، استغناء بتكسيرها عن تصحيحها.
قال القرطبي: «يقال: شفهاتٌ وشفواتٌ، والهاء: أقيس، والواو أعم تشبيهاً بالسنوات» .
قال
الأزهريُّ
: «يقال: هذه شفة، في الوصل، وشفة، بالتاء والهاء» .
قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾ ، يعني: الطريقتين: طريق الخير وطريق الشِّر.
روى قتادةُ قال: ذكر لنا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، كان يقول: «يا أيُّها النَّاس، إنَّما هُمَا النَّجدانِ: نَجْدُ الخيرِ، ونجدُ الشَّرِّ، فلم تَجْعَلُ نَجْدَ الشر أحبَّ إليْكَ من نَجْدِ الخَيْرِ» .
فكأنه لما وهمت الدلائل، جعلت كالطريق المرتفعة العالية، لكونها واضحة للعقول، كوضوح الطريق العالي للأبصار، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: 3] ، بعد قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان: 2] .
ورُوِيَ عن عكرمة، قال: النجدانِ: الثَّديانِ، وهو قول سعيد بن المسيب والضحاك.
ورُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - لأنهما كالطريقين لحياة الولد، ورزقه.
فقوله: «النجدين» إما ظرف، وإما على حذف الجار إن أريد بهما الثديان.
والنَّجدُ في الأصل: العنقُ، لارتفاعه.
وقيل: الطريق العالي.
قال امرؤ القيس: [الطويل]
5213 - فَريقَانِ: مِنْهُمْ جَازعٌ بَطْنَ نَخْلَةٍ ... وأخَرُ مِنْهُمْ قَاطِعٌ نَجْدَ كَبْكَبِ
ومنه سميت نجد، لعلوها عن انخفاض تهامة.
البلد 90:7
مكية، وهي عشرون آية، واثنتان وثمانون كلمة، وثلاثمائة وعشرون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ : يجوز أن تكون «لا» : زائدة، كما تقدم في: «لا أقسم بيوم القيامة» ، قاله الأخفش: أي: أقسم؛ لأنه قال: «بهذا البلد» ، وقد أقسم به في قوله: ﴿وهذا البلد الأمين﴾ [التين: 3] ، فكيف يجوز القسمُ به، وقد أقسم به سبحانه؛ قال الشاعر: [الطويل]
5210 - تَذَكَّرتُ لَيْلَى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ ... وكَادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتَقطَّعُ
أي: يتقطع، ودخل حرف «لا» : صلة، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12] وقد قال تعالى في سورة «ص» : ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ﴾ [ص: 75] .
وقرأ الحسن والأعمش وابن كثير: «لأُقْسِمُ» من غير ألفٍ بعد اللام إثباتاً.
وأجاز الأخفش أيضاً، أن تكون بمعنى: «ألا» .
وقيل: ليست بنفي القسم،، وإنما هو كقول العرب: لا والله لا فعلت كذا، ولا والله ما كان كذا، لا والله لأفعلن كذا.
وقيل: هي نفي صحيح، والمعنى: لا أقسم بهذا البلد، إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه. حكاه مكيٌّ، ورواه ابنُ أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ، قال: «لا» : رد عليهم، وهذا اختيار ابن العربي، لأنه قال: «وأما من قال: إنها رد، فهو قول ليس له رد؛ لأنه يصح به المعنى، ويتمكن اللفظ والمراد» .
فهو رد لكلام من أنكر البعث، ثم ابتدأ القسم.
وقال القشيريُّ: قوله: «لا» رد لما توهم الإنسان المذكور في هذه السورة، المغرور في الدنيا، أي: ليس الأمر كما تحسبه من أنه لم يقسم عليه أحد، ثم ابتدأ القسم، وأجمعوا على أنَّ المراد بالبلد: مكَّة المشرفة، أي: أقسم بالبلد الحرام، الذي أنت فيه، لكرامتك عليَّ وحبي لك.
قوله: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أن الجملة اعتراضية على أحد معنيين، إما على معنى: أنه - تعالى - أقسم بهذا البلد، وما بعده، على أن الإنسان في كبد، واعترض بينهما بهذه الجملة، يعني: ومن المكابدة، أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد، كما يستحل الصيد في غير المحرم.
وإما على معنى: أنه أقسم ببلدة، على أنَّ الإنسان لا يخلُو من مقاساة الشدائد، واعترض بأن وعده فتح «مكة» ، تتميماً للتَّسلية، فقال تعالى: وأنت حلٌّ به فيما يستقبل، تصنع فيه ما تريد من القتل، والأسر، ف «حِلٌّ» بمعنى: حلال، قال معناه الزّمخشري. ثم قال: فإن قلت: أين نظير قوله تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ﴾ في معنى الاستقبال؟ .
قلت: قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30] ، ومثله واسع في كلام العبادِ، تقول لمن تَعدُه الإكرام والحباء: أنت مكرم محبوٌّ، وهو في كلام الله أوسع؛ لأنَّ الأحوال المستقبلة عنده، كالحاضرة المشاهدة، وكفاك دليلاً قاطعاً على أنه للاستقبال، وأنَّ تفسيره بالحال محال؛ لأن السورة بالاتفاق مكية، وأين الهجرة وقت نزولها فما بال الفتح؟ .
الثاني من الوجهين الأولين: أن الجملة حالية، أي: لا أقسم بهذا البلد، وأنت حالٌّ بها، لعظم قدرك، أي: لا نقسم بشيء، وأنت أحق بالإقسام بك منه.
وقيل: المعنى: لا أقسم به، وأنت مستحلّ فيه، أي: مستحل إذ ذاك.
فصل في المراد بهذا البلد
أجمع المفسرون على أن ذلك البلد «مكة» ، وفضلها معروف، فإنه تعالى، جعله حرماً آمناً قال تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران: 97] ، وجعل مسجده قبلة لأهل المشرق والمغرب، وقال تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144] ، وأمر النَّاس بحجِّ البيتِ، فقال: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: 97] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ [البقرة: 125] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت﴾ [الحج: 26] ، وقال تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً وعلى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ﴾ [الحج: 27] ، وشرف مقام إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بقوله تعالى: ﴿واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] ، وحرم صيده، وجعل البيت المعمور بإزائه، ودحيت الأرض من تحته، فهذه الفضائل، وأكثر منها، لما اجتمعت في «مكة» لا جرم أقسم الله تعالى بها.
فصل في تفسير وأنت حلّ
روى منصورٌ عن مجاهدٍ: «وأنْتَ حِلٌّ» ، قال: ما صنعت فيه من شيء، فأنت في حل.
وكذا قال ابن عبَّاسٍ: أحل له يوم دخل «مكة» ، أن يقتل من شاء، فقتل ابن خطل ومقيس بن صبابة وغيرهما، ولم يحل لأحد من الناس، أن يقتل بها أحداً بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقال السدي: أنت في حل ممن قاتلك أن تقتله.
وروى أبو صالحٍ عن ابن عبَّاسٍ، قال: أحلت له ساعة من نهارٍ، ثم أطبقت، وحرمت إلى يوم القيامة، وذلك يوم فتح «مكة» .
[قال ابن زيد: ولم يكن بها أحد حلالاً غير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقيل: معناه: وأنت مقيم فيه، وهو محلك أي: من أهل «مكة» نشأت بينهم، ويعرفون فضلك وطهارتك لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: 128] .
وقيل: أنت فيه محسن، وأنا عنك فيه راضٍ] .
وذكر أهل اللغة أنه يقال: رجل حلٌّ وحلالٌ ومحل، ورجل حرم وحرام ومحرم.
وقال قتادة: «وأنت حل به» أي لست بآثم، قيل: معناه أنك غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليه ارتكابه معرفة منك بحق هذا البيت لا كالمشركين الذين يرتكبون الكفر بالله فيه.
وقال شرحبيل بن سعد: ﴿وأنْتَ حلٌّ بِهَذَا البَلدِ﴾ أي: حلال، أي هم يحرمون «مكة» أن يقتلوا بها صيداً، أو يعضدوا بها شجرة، ثم هم مع هذا يستحلُّون إخراجك وقتلك، ففيه تعجُّب في جرأتهم وشدة عدواتهم له.
قوله: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ .
قيل «ما» بمعنى: «من» ، أو بمعنى: «الذي» .
وقيل: مصدرية أقسم بالشخص وفعله.
وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: هلا قيل: ومَنْ ولد؟
قلت: فيه ما في قوله: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: 36] ، أي: بأي شيء وضعت، يعني: موضوعاً عجيب الشأن.
وقيل: «ما» : فيحتاج إلى إضمار موصول به يصح الكلام، تقديره: والذي ما ولد، إذ المراد بالوالد، الذي يولد له، «ومَا وَلَد» يعني: العَاقِر الذي لا يُولدُ له، قال معناه ابنُ عبَّاسٍ، وتلميذه ابنُ جبيرٍ وعكرمةُ.
فصل في الكلام على الآية
هذا معطوف على قوله: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾ معترض بين المعطوف والمعطوف عليه.
قال ابنُ عباسٍ ومجاهد وقتادةُ والضحاكُ والحسنُ وأبو صالحٍ والطبريُّ: المراد بالوالد: آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، «ومَا وَلَد» أي: وما نسل من ولده، أقسم بهم؛ لأنهم أعجب ما خلق تعالى على وجه الأرض، لما فيهم من البنيان، والنُّطق، والتدبير، وإخراج العلوم، وفيهم الأنبياء، والدُّعاة إلى الله تعالى، والأنصار لدينه، وأمر الملائكة بالسُّجود لآدم - عليه السلام - وعلمه الأسماء كلَّها، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70] .
وقيل: هو إقسام بآدم، والصالحين من ذريته، وأما الطالحون، فكأنهم بهائم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام﴾ [الفرقان: 44] ، وقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: 18] .
وقيل: الوالد: إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ [ذريته.
وقيل: الوالد إبراهيم وإسماعيل، وما ولد محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأنه أقسم بمكة وإبراهيم] .
قال الفراء: وصلح «ما» للناس، كقوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: 3] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: 3] ، وهو خالق الذكر والأنثى.
قال الماورديُّ: ويحتمل أن الوالد: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لتقدم ذكره، «ومَا وَلَد» : أمته: لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، «إنَّما أنَا بِمنزْلَةِ الوَالِدِ أعَلِّمكُمْ» ، فأقسم به وبأمته، بعد أن أقسم ببلده، مبالغة في تشريفه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ : هذا هو المقسم عليه، والكبد: المشقة.
قال الزمخشريُّ: والكَبدُ: أصله من قولك: كبدَ الرجل كبداً، فهو أكْبَد، إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه، حتى استعمل في كل تعب ومشقة، ومنه اشتقت المُكابَدةُ، كما قيل: كبته بمعنى أهلكه، وأصله: كبده إذا أصاب كبده.
قال لبيد: [المنسرح]
5211 - يَا عَيْنُ هَلاَّ بَكَيْتِ أربَدَ إذْ ... قُمْنَا وقَامَ الخُصومُ في كَبدِ
أي: في شدة الأمر، وصعوبة الخطب؛ وقال أبو الإصبع: [البسيط]
5212 - لِيَ ابنُ عَمٍّ لو انَّ النَّاس في كَبدٍ ... لظَلَّ مُحْتَجِزاً بالنَّبْلِ يَرْمينِي
فصل في المراد ب " الإنسان "
الإنسان هنا ابن آدم.
قال القرطبيُّ: ومنه تكبَّد اللبن: غلظ واشتد ومنه الكبدُ؛ لأنه دمٌ تغلظ واشتد ويقال: كابدتُ هذا الأمر قاسيت شدته.
فصل في المراد ب «الإنسان»
الإنسان هنا ابن آدم.
قال ابنُ عباسٍ والحسنُ: «في كبدٍ» أي: في شدة ونصبٍ وعن ابن عباسٍ أيضاً: في شدّة من حمله، وولادته، ورضاعه ونبت أسنانه، وسائر أحواله.
وروى عكرمةُ عنه قال: منتصباً في بطن أمه، والكبدُ: الاستواء، والاستقامة، فهذا امتنان عليه في الحقيقة، ولم يخلق الله تعالى دابة في بطن أمها إلاَّ منكبةً على وجهها إلا ابن آدم، فإنه منتصب انتصاباً. وهو قول النخعي ومجاهد وغيرهما.
وقال يمان: لم يخلق الله تعالى خلقاً يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق.
[وقال ابن كيسان: منتصباً في بطن أمه، فإذا أراد الله تعالى أن يخرجه من بطن أمه قلب رأسه إلى رجل أمه.
وقال الحسن: كابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة] .
قال بعضُ العلماء: أول ما يكابدُ قطع سرته، ثم إذا قمط قماطاً، وشد رباطاً، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته لضاع، ثم يكابد نبت أسنانه، وتحرك لسانه، ثم يكابد الفطام الذي هو أشد من اللطام، ثم يكابد الخِتَان، والأوجاع والأحزان، ثم يكابد المعلم وصولته، والمؤدب وسياسته، والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج، ثم يكابد شغل الأولاد، والأجناد، ثم يكابد شغل الدُّور، وبناء القصور، ثم الكِبر والهرم، وضعف الركبة والقدم، في مصائب يكثر تعدادها ونوائب يطول إيرادها، من صداع الرأس، ووجع الأضراس، ورمد العين، وغم الدَّينِ، ووجع السن، وألم الأذُنِ، ويكابد مِحَناً في المال، والنفس، مثل الضرب والحبس، ولا يمر عليه يوم إلا يقاسي فيه شدة، ثم يكابد بعد ذلك مشقة الموت، ثم بعد ذلك مساءلة الملك، وضغطة القبر وظلمته، ثم البعث، والعرض على الله، إلى أن يستقر به القرار، إما في الجنة أو في النار، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ فلو كان الأمر إليه، ما اختار هذه الشَّدائد، ودل هذا على أن له خالقاً دبره، وقضى عليه بهذه الأحوال، فليتمثل أمره. وقال ابن زيد: المراد بالإنسان هنا آدم عليه السلام.
وقوله تعالى: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أي: في وسط السماء.
وقال الكلبيُّ: إنَّ هذا نزل في رجل من بني جمح، يقال له: أبو الأشدين واسمه أسيد بن كلدة بن جُمَح، وكان قوياً، وكان يأخذ الأديم العكاظي، فيجعله تحت قدميه، فيقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة حتى يتمزّق الأديم، ولا تزول قدماه، وكان من أعداء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وفيه نزل: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ، يعني: لقوته.
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ، أي: أيظنّ ابن آدم أن لن يحاسبه الله عزَّ وجل قال ابنُ الخطيب: إن فسرنا الكبد بالشدة والقوة، فالمعنى: أيحسب الإنسان الشديد أن لشدته لا يقدر عليه أحد؟ وإن فسرنا بالمحنة، والبلاء، كان المعنى: أنَّ الإنسان كان في النعمة، والشدة، أي: أفيظنّ أنه في تلك الحالة لا يقدر عليه شيء، فهو استفهام على سبيل الإنكار.
قوله: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً﴾ : يجوز أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالاً.
وقرأ العامة: «لُبَداً» بضم اللام وفتح الباء.
وشدَّد أبُو جعفرٍ الباء جمع لابِدٍ، مثل: راكع وركع، وساجد وسُجَّد، وعنه أيضاً: سكونها.
ومجاهدٌ وابنُ أبِي الزِّناد: بضمتين، وتقدم الكلام على هذه اللفظة في سورة: «الجن» .
قال أبو عبيدة: «لُبَداً» : فعل من التلبيد، وهذا المال الكثير، بعضه على بعض.
قال الزَّجَّاجُ: و «فعل» للكثرة، يقال: رجل حطم، إذا كان كثير الحطم.
قال الفراءُ: واحدته: «لُبْدَة» و «لُبَدٌ» : جمع.
وجعل بعضهم: واحد، ك «حطم» ، وهو في الوجهين للكثرة، والمعنى: أنفقت مالاً كثيراً مجتمعاً؛ لأن أهل الجاهلية يدعونه مكارم ومفاخر.
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ ، أي: أيظن أن لم يعاينه أحد، بل علم الله ذلك منه، فكان كاذباً، في قوله: أهلكت، ولم يكن أنفقه. وقال: أيظن أن لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين اكتسبه وأين أنفقه.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: كان أبو الأشدين يقول: أنفقت في عداوة محمد مالاً كثيراً، وهو في ذلك كاذب.
وقال مقاتلٌ: نزلت في الحارثِ بنِ عامرٍ بنِ نوفل، أذنب، فاستفتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فأمره أن يكفر، فقال: لقد ذهب مالي في الكفَّارات، والنفقات، منذ دخلت في دين محمد. وهذا القول منه، يحتمل أن يكون استطالة بما أنفق، فيكون طغياناً منه، أو أسفاً منه، فيكون ندماً منه.
قال القرطبيُّ: «وروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أنه كان يقرأ:» أيَحْسُبُ «، بضم السين، في الموضعين» .
وقال الحسنُ: يقول: أتلفت مالاً كثيراً فمن يحاسبني به، دعني أحسبه، ألم يعلم أن الله قادر على محاسبته، وأن الله - عزَّ وجلَّ - يرى صنيعه، ثم عدد عليه نعمه، فقال:
﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ﴾ : يبصر بهما، ﴿وَلِسَاناً﴾ ينطق بهما، ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ : يستر بهما ثغرهُ، والمعنى: نحن فعلنا ذلك، ونحن نقدر على أن نبعثه، ونحصي عليه ما عمله.
قوله: ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ ، الشِّفةُ: محذوفة اللام، والأصل: شفهةٌ، بدليل تصغيرها على «شُفَيْهَة» ، وجمعها على «ِفاه» ونظيره: سنة في إحدى اللغتين، وشافهته أي كلمته من غير واسطة، ولا يجمع بالألف والتاء، استغناء بتكسيرها عن تصحيحها.
قال القرطبي: «يقال: شفهاتٌ وشفواتٌ، والهاء: أقيس، والواو أعم تشبيهاً بالسنوات» .
قال
الأزهريُّ
: «يقال: هذه شفة، في الوصل، وشفة، بالتاء والهاء» .
قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾ ، يعني: الطريقتين: طريق الخير وطريق الشِّر.
روى قتادةُ قال: ذكر لنا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، كان يقول: «يا أيُّها النَّاس، إنَّما هُمَا النَّجدانِ: نَجْدُ الخيرِ، ونجدُ الشَّرِّ، فلم تَجْعَلُ نَجْدَ الشر أحبَّ إليْكَ من نَجْدِ الخَيْرِ» .
فكأنه لما وهمت الدلائل، جعلت كالطريق المرتفعة العالية، لكونها واضحة للعقول، كوضوح الطريق العالي للأبصار، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: 3] ، بعد قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان: 2] .
ورُوِيَ عن عكرمة، قال: النجدانِ: الثَّديانِ، وهو قول سعيد بن المسيب والضحاك.
ورُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - لأنهما كالطريقين لحياة الولد، ورزقه.
فقوله: «النجدين» إما ظرف، وإما على حذف الجار إن أريد بهما الثديان.
والنَّجدُ في الأصل: العنقُ، لارتفاعه.
وقيل: الطريق العالي.
قال امرؤ القيس: [الطويل]
5213 - فَريقَانِ: مِنْهُمْ جَازعٌ بَطْنَ نَخْلَةٍ ... وأخَرُ مِنْهُمْ قَاطِعٌ نَجْدَ كَبْكَبِ
ومنه سميت نجد، لعلوها عن انخفاض تهامة.
البلد 90:8
مكية، وهي عشرون آية، واثنتان وثمانون كلمة، وثلاثمائة وعشرون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ : يجوز أن تكون «لا» : زائدة، كما تقدم في: «لا أقسم بيوم القيامة» ، قاله الأخفش: أي: أقسم؛ لأنه قال: «بهذا البلد» ، وقد أقسم به في قوله: ﴿وهذا البلد الأمين﴾ [التين: 3] ، فكيف يجوز القسمُ به، وقد أقسم به سبحانه؛ قال الشاعر: [الطويل]
5210 - تَذَكَّرتُ لَيْلَى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ ... وكَادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتَقطَّعُ
أي: يتقطع، ودخل حرف «لا» : صلة، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12] وقد قال تعالى في سورة «ص» : ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ﴾ [ص: 75] .
وقرأ الحسن والأعمش وابن كثير: «لأُقْسِمُ» من غير ألفٍ بعد اللام إثباتاً.
وأجاز الأخفش أيضاً، أن تكون بمعنى: «ألا» .
وقيل: ليست بنفي القسم،، وإنما هو كقول العرب: لا والله لا فعلت كذا، ولا والله ما كان كذا، لا والله لأفعلن كذا.
وقيل: هي نفي صحيح، والمعنى: لا أقسم بهذا البلد، إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه. حكاه مكيٌّ، ورواه ابنُ أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ، قال: «لا» : رد عليهم، وهذا اختيار ابن العربي، لأنه قال: «وأما من قال: إنها رد، فهو قول ليس له رد؛ لأنه يصح به المعنى، ويتمكن اللفظ والمراد» .
فهو رد لكلام من أنكر البعث، ثم ابتدأ القسم.
وقال القشيريُّ: قوله: «لا» رد لما توهم الإنسان المذكور في هذه السورة، المغرور في الدنيا، أي: ليس الأمر كما تحسبه من أنه لم يقسم عليه أحد، ثم ابتدأ القسم، وأجمعوا على أنَّ المراد بالبلد: مكَّة المشرفة، أي: أقسم بالبلد الحرام، الذي أنت فيه، لكرامتك عليَّ وحبي لك.
قوله: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أن الجملة اعتراضية على أحد معنيين، إما على معنى: أنه - تعالى - أقسم بهذا البلد، وما بعده، على أن الإنسان في كبد، واعترض بينهما بهذه الجملة، يعني: ومن المكابدة، أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد، كما يستحل الصيد في غير المحرم.
وإما على معنى: أنه أقسم ببلدة، على أنَّ الإنسان لا يخلُو من مقاساة الشدائد، واعترض بأن وعده فتح «مكة» ، تتميماً للتَّسلية، فقال تعالى: وأنت حلٌّ به فيما يستقبل، تصنع فيه ما تريد من القتل، والأسر، ف «حِلٌّ» بمعنى: حلال، قال معناه الزّمخشري. ثم قال: فإن قلت: أين نظير قوله تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ﴾ في معنى الاستقبال؟ .
قلت: قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30] ، ومثله واسع في كلام العبادِ، تقول لمن تَعدُه الإكرام والحباء: أنت مكرم محبوٌّ، وهو في كلام الله أوسع؛ لأنَّ الأحوال المستقبلة عنده، كالحاضرة المشاهدة، وكفاك دليلاً قاطعاً على أنه للاستقبال، وأنَّ تفسيره بالحال محال؛ لأن السورة بالاتفاق مكية، وأين الهجرة وقت نزولها فما بال الفتح؟ .
الثاني من الوجهين الأولين: أن الجملة حالية، أي: لا أقسم بهذا البلد، وأنت حالٌّ بها، لعظم قدرك، أي: لا نقسم بشيء، وأنت أحق بالإقسام بك منه.
وقيل: المعنى: لا أقسم به، وأنت مستحلّ فيه، أي: مستحل إذ ذاك.
فصل في المراد بهذا البلد
أجمع المفسرون على أن ذلك البلد «مكة» ، وفضلها معروف، فإنه تعالى، جعله حرماً آمناً قال تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران: 97] ، وجعل مسجده قبلة لأهل المشرق والمغرب، وقال تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144] ، وأمر النَّاس بحجِّ البيتِ، فقال: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: 97] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ [البقرة: 125] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت﴾ [الحج: 26] ، وقال تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً وعلى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ﴾ [الحج: 27] ، وشرف مقام إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بقوله تعالى: ﴿واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] ، وحرم صيده، وجعل البيت المعمور بإزائه، ودحيت الأرض من تحته، فهذه الفضائل، وأكثر منها، لما اجتمعت في «مكة» لا جرم أقسم الله تعالى بها.
فصل في تفسير وأنت حلّ
روى منصورٌ عن مجاهدٍ: «وأنْتَ حِلٌّ» ، قال: ما صنعت فيه من شيء، فأنت في حل.
وكذا قال ابن عبَّاسٍ: أحل له يوم دخل «مكة» ، أن يقتل من شاء، فقتل ابن خطل ومقيس بن صبابة وغيرهما، ولم يحل لأحد من الناس، أن يقتل بها أحداً بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقال السدي: أنت في حل ممن قاتلك أن تقتله.
وروى أبو صالحٍ عن ابن عبَّاسٍ، قال: أحلت له ساعة من نهارٍ، ثم أطبقت، وحرمت إلى يوم القيامة، وذلك يوم فتح «مكة» .
[قال ابن زيد: ولم يكن بها أحد حلالاً غير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقيل: معناه: وأنت مقيم فيه، وهو محلك أي: من أهل «مكة» نشأت بينهم، ويعرفون فضلك وطهارتك لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: 128] .
وقيل: أنت فيه محسن، وأنا عنك فيه راضٍ] .
وذكر أهل اللغة أنه يقال: رجل حلٌّ وحلالٌ ومحل، ورجل حرم وحرام ومحرم.
وقال قتادة: «وأنت حل به» أي لست بآثم، قيل: معناه أنك غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليه ارتكابه معرفة منك بحق هذا البيت لا كالمشركين الذين يرتكبون الكفر بالله فيه.
وقال شرحبيل بن سعد: ﴿وأنْتَ حلٌّ بِهَذَا البَلدِ﴾ أي: حلال، أي هم يحرمون «مكة» أن يقتلوا بها صيداً، أو يعضدوا بها شجرة، ثم هم مع هذا يستحلُّون إخراجك وقتلك، ففيه تعجُّب في جرأتهم وشدة عدواتهم له.
قوله: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ .
قيل «ما» بمعنى: «من» ، أو بمعنى: «الذي» .
وقيل: مصدرية أقسم بالشخص وفعله.
وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: هلا قيل: ومَنْ ولد؟
قلت: فيه ما في قوله: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: 36] ، أي: بأي شيء وضعت، يعني: موضوعاً عجيب الشأن.
وقيل: «ما» : فيحتاج إلى إضمار موصول به يصح الكلام، تقديره: والذي ما ولد، إذ المراد بالوالد، الذي يولد له، «ومَا وَلَد» يعني: العَاقِر الذي لا يُولدُ له، قال معناه ابنُ عبَّاسٍ، وتلميذه ابنُ جبيرٍ وعكرمةُ.
فصل في الكلام على الآية
هذا معطوف على قوله: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾ معترض بين المعطوف والمعطوف عليه.
قال ابنُ عباسٍ ومجاهد وقتادةُ والضحاكُ والحسنُ وأبو صالحٍ والطبريُّ: المراد بالوالد: آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، «ومَا وَلَد» أي: وما نسل من ولده، أقسم بهم؛ لأنهم أعجب ما خلق تعالى على وجه الأرض، لما فيهم من البنيان، والنُّطق، والتدبير، وإخراج العلوم، وفيهم الأنبياء، والدُّعاة إلى الله تعالى، والأنصار لدينه، وأمر الملائكة بالسُّجود لآدم - عليه السلام - وعلمه الأسماء كلَّها، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70] .
وقيل: هو إقسام بآدم، والصالحين من ذريته، وأما الطالحون، فكأنهم بهائم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام﴾ [الفرقان: 44] ، وقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: 18] .
وقيل: الوالد: إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ [ذريته.
وقيل: الوالد إبراهيم وإسماعيل، وما ولد محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأنه أقسم بمكة وإبراهيم] .
قال الفراء: وصلح «ما» للناس، كقوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: 3] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: 3] ، وهو خالق الذكر والأنثى.
قال الماورديُّ: ويحتمل أن الوالد: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لتقدم ذكره، «ومَا وَلَد» : أمته: لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، «إنَّما أنَا بِمنزْلَةِ الوَالِدِ أعَلِّمكُمْ» ، فأقسم به وبأمته، بعد أن أقسم ببلده، مبالغة في تشريفه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ : هذا هو المقسم عليه، والكبد: المشقة.
قال الزمخشريُّ: والكَبدُ: أصله من قولك: كبدَ الرجل كبداً، فهو أكْبَد، إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه، حتى استعمل في كل تعب ومشقة، ومنه اشتقت المُكابَدةُ، كما قيل: كبته بمعنى أهلكه، وأصله: كبده إذا أصاب كبده.
قال لبيد: [المنسرح]
5211 - يَا عَيْنُ هَلاَّ بَكَيْتِ أربَدَ إذْ ... قُمْنَا وقَامَ الخُصومُ في كَبدِ
أي: في شدة الأمر، وصعوبة الخطب؛ وقال أبو الإصبع: [البسيط]
5212 - لِيَ ابنُ عَمٍّ لو انَّ النَّاس في كَبدٍ ... لظَلَّ مُحْتَجِزاً بالنَّبْلِ يَرْمينِي
فصل في المراد ب " الإنسان "
الإنسان هنا ابن آدم.
قال القرطبيُّ: ومنه تكبَّد اللبن: غلظ واشتد ومنه الكبدُ؛ لأنه دمٌ تغلظ واشتد ويقال: كابدتُ هذا الأمر قاسيت شدته.
فصل في المراد ب «الإنسان»
الإنسان هنا ابن آدم.
قال ابنُ عباسٍ والحسنُ: «في كبدٍ» أي: في شدة ونصبٍ وعن ابن عباسٍ أيضاً: في شدّة من حمله، وولادته، ورضاعه ونبت أسنانه، وسائر أحواله.
وروى عكرمةُ عنه قال: منتصباً في بطن أمه، والكبدُ: الاستواء، والاستقامة، فهذا امتنان عليه في الحقيقة، ولم يخلق الله تعالى دابة في بطن أمها إلاَّ منكبةً على وجهها إلا ابن آدم، فإنه منتصب انتصاباً. وهو قول النخعي ومجاهد وغيرهما.
وقال يمان: لم يخلق الله تعالى خلقاً يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق.
[وقال ابن كيسان: منتصباً في بطن أمه، فإذا أراد الله تعالى أن يخرجه من بطن أمه قلب رأسه إلى رجل أمه.
وقال الحسن: كابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة] .
قال بعضُ العلماء: أول ما يكابدُ قطع سرته، ثم إذا قمط قماطاً، وشد رباطاً، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته لضاع، ثم يكابد نبت أسنانه، وتحرك لسانه، ثم يكابد الفطام الذي هو أشد من اللطام، ثم يكابد الخِتَان، والأوجاع والأحزان، ثم يكابد المعلم وصولته، والمؤدب وسياسته، والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج، ثم يكابد شغل الأولاد، والأجناد، ثم يكابد شغل الدُّور، وبناء القصور، ثم الكِبر والهرم، وضعف الركبة والقدم، في مصائب يكثر تعدادها ونوائب يطول إيرادها، من صداع الرأس، ووجع الأضراس، ورمد العين، وغم الدَّينِ، ووجع السن، وألم الأذُنِ، ويكابد مِحَناً في المال، والنفس، مثل الضرب والحبس، ولا يمر عليه يوم إلا يقاسي فيه شدة، ثم يكابد بعد ذلك مشقة الموت، ثم بعد ذلك مساءلة الملك، وضغطة القبر وظلمته، ثم البعث، والعرض على الله، إلى أن يستقر به القرار، إما في الجنة أو في النار، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ فلو كان الأمر إليه، ما اختار هذه الشَّدائد، ودل هذا على أن له خالقاً دبره، وقضى عليه بهذه الأحوال، فليتمثل أمره. وقال ابن زيد: المراد بالإنسان هنا آدم عليه السلام.
وقوله تعالى: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أي: في وسط السماء.
وقال الكلبيُّ: إنَّ هذا نزل في رجل من بني جمح، يقال له: أبو الأشدين واسمه أسيد بن كلدة بن جُمَح، وكان قوياً، وكان يأخذ الأديم العكاظي، فيجعله تحت قدميه، فيقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة حتى يتمزّق الأديم، ولا تزول قدماه، وكان من أعداء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وفيه نزل: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ، يعني: لقوته.
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ، أي: أيظنّ ابن آدم أن لن يحاسبه الله عزَّ وجل قال ابنُ الخطيب: إن فسرنا الكبد بالشدة والقوة، فالمعنى: أيحسب الإنسان الشديد أن لشدته لا يقدر عليه أحد؟ وإن فسرنا بالمحنة، والبلاء، كان المعنى: أنَّ الإنسان كان في النعمة، والشدة، أي: أفيظنّ أنه في تلك الحالة لا يقدر عليه شيء، فهو استفهام على سبيل الإنكار.
قوله: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً﴾ : يجوز أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالاً.
وقرأ العامة: «لُبَداً» بضم اللام وفتح الباء.
وشدَّد أبُو جعفرٍ الباء جمع لابِدٍ، مثل: راكع وركع، وساجد وسُجَّد، وعنه أيضاً: سكونها.
ومجاهدٌ وابنُ أبِي الزِّناد: بضمتين، وتقدم الكلام على هذه اللفظة في سورة: «الجن» .
قال أبو عبيدة: «لُبَداً» : فعل من التلبيد، وهذا المال الكثير، بعضه على بعض.
قال الزَّجَّاجُ: و «فعل» للكثرة، يقال: رجل حطم، إذا كان كثير الحطم.
قال الفراءُ: واحدته: «لُبْدَة» و «لُبَدٌ» : جمع.
وجعل بعضهم: واحد، ك «حطم» ، وهو في الوجهين للكثرة، والمعنى: أنفقت مالاً كثيراً مجتمعاً؛ لأن أهل الجاهلية يدعونه مكارم ومفاخر.
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ ، أي: أيظن أن لم يعاينه أحد، بل علم الله ذلك منه، فكان كاذباً، في قوله: أهلكت، ولم يكن أنفقه. وقال: أيظن أن لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين اكتسبه وأين أنفقه.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: كان أبو الأشدين يقول: أنفقت في عداوة محمد مالاً كثيراً، وهو في ذلك كاذب.
وقال مقاتلٌ: نزلت في الحارثِ بنِ عامرٍ بنِ نوفل، أذنب، فاستفتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فأمره أن يكفر، فقال: لقد ذهب مالي في الكفَّارات، والنفقات، منذ دخلت في دين محمد. وهذا القول منه، يحتمل أن يكون استطالة بما أنفق، فيكون طغياناً منه، أو أسفاً منه، فيكون ندماً منه.
قال القرطبيُّ: «وروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أنه كان يقرأ:» أيَحْسُبُ «، بضم السين، في الموضعين» .
وقال الحسنُ: يقول: أتلفت مالاً كثيراً فمن يحاسبني به، دعني أحسبه، ألم يعلم أن الله قادر على محاسبته، وأن الله - عزَّ وجلَّ - يرى صنيعه، ثم عدد عليه نعمه، فقال:
﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ﴾ : يبصر بهما، ﴿وَلِسَاناً﴾ ينطق بهما، ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ : يستر بهما ثغرهُ، والمعنى: نحن فعلنا ذلك، ونحن نقدر على أن نبعثه، ونحصي عليه ما عمله.
قوله: ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ ، الشِّفةُ: محذوفة اللام، والأصل: شفهةٌ، بدليل تصغيرها على «شُفَيْهَة» ، وجمعها على «ِفاه» ونظيره: سنة في إحدى اللغتين، وشافهته أي كلمته من غير واسطة، ولا يجمع بالألف والتاء، استغناء بتكسيرها عن تصحيحها.
قال القرطبي: «يقال: شفهاتٌ وشفواتٌ، والهاء: أقيس، والواو أعم تشبيهاً بالسنوات» .
قال
الأزهريُّ
: «يقال: هذه شفة، في الوصل، وشفة، بالتاء والهاء» .
قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾ ، يعني: الطريقتين: طريق الخير وطريق الشِّر.
روى قتادةُ قال: ذكر لنا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، كان يقول: «يا أيُّها النَّاس، إنَّما هُمَا النَّجدانِ: نَجْدُ الخيرِ، ونجدُ الشَّرِّ، فلم تَجْعَلُ نَجْدَ الشر أحبَّ إليْكَ من نَجْدِ الخَيْرِ» .
فكأنه لما وهمت الدلائل، جعلت كالطريق المرتفعة العالية، لكونها واضحة للعقول، كوضوح الطريق العالي للأبصار، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: 3] ، بعد قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان: 2] .
ورُوِيَ عن عكرمة، قال: النجدانِ: الثَّديانِ، وهو قول سعيد بن المسيب والضحاك.
ورُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - لأنهما كالطريقين لحياة الولد، ورزقه.
فقوله: «النجدين» إما ظرف، وإما على حذف الجار إن أريد بهما الثديان.
والنَّجدُ في الأصل: العنقُ، لارتفاعه.
وقيل: الطريق العالي.
قال امرؤ القيس: [الطويل]
5213 - فَريقَانِ: مِنْهُمْ جَازعٌ بَطْنَ نَخْلَةٍ ... وأخَرُ مِنْهُمْ قَاطِعٌ نَجْدَ كَبْكَبِ
ومنه سميت نجد، لعلوها عن انخفاض تهامة.
البلد 90:9
مكية، وهي عشرون آية، واثنتان وثمانون كلمة، وثلاثمائة وعشرون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ : يجوز أن تكون «لا» : زائدة، كما تقدم في: «لا أقسم بيوم القيامة» ، قاله الأخفش: أي: أقسم؛ لأنه قال: «بهذا البلد» ، وقد أقسم به في قوله: ﴿وهذا البلد الأمين﴾ [التين: 3] ، فكيف يجوز القسمُ به، وقد أقسم به سبحانه؛ قال الشاعر: [الطويل]
5210 - تَذَكَّرتُ لَيْلَى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ ... وكَادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتَقطَّعُ
أي: يتقطع، ودخل حرف «لا» : صلة، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12] وقد قال تعالى في سورة «ص» : ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ﴾ [ص: 75] .
وقرأ الحسن والأعمش وابن كثير: «لأُقْسِمُ» من غير ألفٍ بعد اللام إثباتاً.
وأجاز الأخفش أيضاً، أن تكون بمعنى: «ألا» .
وقيل: ليست بنفي القسم،، وإنما هو كقول العرب: لا والله لا فعلت كذا، ولا والله ما كان كذا، لا والله لأفعلن كذا.
وقيل: هي نفي صحيح، والمعنى: لا أقسم بهذا البلد، إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه. حكاه مكيٌّ، ورواه ابنُ أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ، قال: «لا» : رد عليهم، وهذا اختيار ابن العربي، لأنه قال: «وأما من قال: إنها رد، فهو قول ليس له رد؛ لأنه يصح به المعنى، ويتمكن اللفظ والمراد» .
فهو رد لكلام من أنكر البعث، ثم ابتدأ القسم.
وقال القشيريُّ: قوله: «لا» رد لما توهم الإنسان المذكور في هذه السورة، المغرور في الدنيا، أي: ليس الأمر كما تحسبه من أنه لم يقسم عليه أحد، ثم ابتدأ القسم، وأجمعوا على أنَّ المراد بالبلد: مكَّة المشرفة، أي: أقسم بالبلد الحرام، الذي أنت فيه، لكرامتك عليَّ وحبي لك.
قوله: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أن الجملة اعتراضية على أحد معنيين، إما على معنى: أنه - تعالى - أقسم بهذا البلد، وما بعده، على أن الإنسان في كبد، واعترض بينهما بهذه الجملة، يعني: ومن المكابدة، أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد، كما يستحل الصيد في غير المحرم.
وإما على معنى: أنه أقسم ببلدة، على أنَّ الإنسان لا يخلُو من مقاساة الشدائد، واعترض بأن وعده فتح «مكة» ، تتميماً للتَّسلية، فقال تعالى: وأنت حلٌّ به فيما يستقبل، تصنع فيه ما تريد من القتل، والأسر، ف «حِلٌّ» بمعنى: حلال، قال معناه الزّمخشري. ثم قال: فإن قلت: أين نظير قوله تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ﴾ في معنى الاستقبال؟ .
قلت: قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30] ، ومثله واسع في كلام العبادِ، تقول لمن تَعدُه الإكرام والحباء: أنت مكرم محبوٌّ، وهو في كلام الله أوسع؛ لأنَّ الأحوال المستقبلة عنده، كالحاضرة المشاهدة، وكفاك دليلاً قاطعاً على أنه للاستقبال، وأنَّ تفسيره بالحال محال؛ لأن السورة بالاتفاق مكية، وأين الهجرة وقت نزولها فما بال الفتح؟ .
الثاني من الوجهين الأولين: أن الجملة حالية، أي: لا أقسم بهذا البلد، وأنت حالٌّ بها، لعظم قدرك، أي: لا نقسم بشيء، وأنت أحق بالإقسام بك منه.
وقيل: المعنى: لا أقسم به، وأنت مستحلّ فيه، أي: مستحل إذ ذاك.
فصل في المراد بهذا البلد
أجمع المفسرون على أن ذلك البلد «مكة» ، وفضلها معروف، فإنه تعالى، جعله حرماً آمناً قال تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران: 97] ، وجعل مسجده قبلة لأهل المشرق والمغرب، وقال تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144] ، وأمر النَّاس بحجِّ البيتِ، فقال: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: 97] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ [البقرة: 125] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت﴾ [الحج: 26] ، وقال تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً وعلى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ﴾ [الحج: 27] ، وشرف مقام إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بقوله تعالى: ﴿واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] ، وحرم صيده، وجعل البيت المعمور بإزائه، ودحيت الأرض من تحته، فهذه الفضائل، وأكثر منها، لما اجتمعت في «مكة» لا جرم أقسم الله تعالى بها.
فصل في تفسير وأنت حلّ
روى منصورٌ عن مجاهدٍ: «وأنْتَ حِلٌّ» ، قال: ما صنعت فيه من شيء، فأنت في حل.
وكذا قال ابن عبَّاسٍ: أحل له يوم دخل «مكة» ، أن يقتل من شاء، فقتل ابن خطل ومقيس بن صبابة وغيرهما، ولم يحل لأحد من الناس، أن يقتل بها أحداً بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقال السدي: أنت في حل ممن قاتلك أن تقتله.
وروى أبو صالحٍ عن ابن عبَّاسٍ، قال: أحلت له ساعة من نهارٍ، ثم أطبقت، وحرمت إلى يوم القيامة، وذلك يوم فتح «مكة» .
[قال ابن زيد: ولم يكن بها أحد حلالاً غير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقيل: معناه: وأنت مقيم فيه، وهو محلك أي: من أهل «مكة» نشأت بينهم، ويعرفون فضلك وطهارتك لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: 128] .
وقيل: أنت فيه محسن، وأنا عنك فيه راضٍ] .
وذكر أهل اللغة أنه يقال: رجل حلٌّ وحلالٌ ومحل، ورجل حرم وحرام ومحرم.
وقال قتادة: «وأنت حل به» أي لست بآثم، قيل: معناه أنك غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليه ارتكابه معرفة منك بحق هذا البيت لا كالمشركين الذين يرتكبون الكفر بالله فيه.
وقال شرحبيل بن سعد: ﴿وأنْتَ حلٌّ بِهَذَا البَلدِ﴾ أي: حلال، أي هم يحرمون «مكة» أن يقتلوا بها صيداً، أو يعضدوا بها شجرة، ثم هم مع هذا يستحلُّون إخراجك وقتلك، ففيه تعجُّب في جرأتهم وشدة عدواتهم له.
قوله: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ .
قيل «ما» بمعنى: «من» ، أو بمعنى: «الذي» .
وقيل: مصدرية أقسم بالشخص وفعله.
وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: هلا قيل: ومَنْ ولد؟
قلت: فيه ما في قوله: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: 36] ، أي: بأي شيء وضعت، يعني: موضوعاً عجيب الشأن.
وقيل: «ما» : فيحتاج إلى إضمار موصول به يصح الكلام، تقديره: والذي ما ولد، إذ المراد بالوالد، الذي يولد له، «ومَا وَلَد» يعني: العَاقِر الذي لا يُولدُ له، قال معناه ابنُ عبَّاسٍ، وتلميذه ابنُ جبيرٍ وعكرمةُ.
فصل في الكلام على الآية
هذا معطوف على قوله: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾ معترض بين المعطوف والمعطوف عليه.
قال ابنُ عباسٍ ومجاهد وقتادةُ والضحاكُ والحسنُ وأبو صالحٍ والطبريُّ: المراد بالوالد: آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، «ومَا وَلَد» أي: وما نسل من ولده، أقسم بهم؛ لأنهم أعجب ما خلق تعالى على وجه الأرض، لما فيهم من البنيان، والنُّطق، والتدبير، وإخراج العلوم، وفيهم الأنبياء، والدُّعاة إلى الله تعالى، والأنصار لدينه، وأمر الملائكة بالسُّجود لآدم - عليه السلام - وعلمه الأسماء كلَّها، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70] .
وقيل: هو إقسام بآدم، والصالحين من ذريته، وأما الطالحون، فكأنهم بهائم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام﴾ [الفرقان: 44] ، وقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: 18] .
وقيل: الوالد: إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ [ذريته.
وقيل: الوالد إبراهيم وإسماعيل، وما ولد محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأنه أقسم بمكة وإبراهيم] .
قال الفراء: وصلح «ما» للناس، كقوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: 3] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: 3] ، وهو خالق الذكر والأنثى.
قال الماورديُّ: ويحتمل أن الوالد: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لتقدم ذكره، «ومَا وَلَد» : أمته: لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، «إنَّما أنَا بِمنزْلَةِ الوَالِدِ أعَلِّمكُمْ» ، فأقسم به وبأمته، بعد أن أقسم ببلده، مبالغة في تشريفه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ : هذا هو المقسم عليه، والكبد: المشقة.
قال الزمخشريُّ: والكَبدُ: أصله من قولك: كبدَ الرجل كبداً، فهو أكْبَد، إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه، حتى استعمل في كل تعب ومشقة، ومنه اشتقت المُكابَدةُ، كما قيل: كبته بمعنى أهلكه، وأصله: كبده إذا أصاب كبده.
قال لبيد: [المنسرح]
5211 - يَا عَيْنُ هَلاَّ بَكَيْتِ أربَدَ إذْ ... قُمْنَا وقَامَ الخُصومُ في كَبدِ
أي: في شدة الأمر، وصعوبة الخطب؛ وقال أبو الإصبع: [البسيط]
5212 - لِيَ ابنُ عَمٍّ لو انَّ النَّاس في كَبدٍ ... لظَلَّ مُحْتَجِزاً بالنَّبْلِ يَرْمينِي
فصل في المراد ب " الإنسان "
الإنسان هنا ابن آدم.
قال القرطبيُّ: ومنه تكبَّد اللبن: غلظ واشتد ومنه الكبدُ؛ لأنه دمٌ تغلظ واشتد ويقال: كابدتُ هذا الأمر قاسيت شدته.
فصل في المراد ب «الإنسان»
الإنسان هنا ابن آدم.
قال ابنُ عباسٍ والحسنُ: «في كبدٍ» أي: في شدة ونصبٍ وعن ابن عباسٍ أيضاً: في شدّة من حمله، وولادته، ورضاعه ونبت أسنانه، وسائر أحواله.
وروى عكرمةُ عنه قال: منتصباً في بطن أمه، والكبدُ: الاستواء، والاستقامة، فهذا امتنان عليه في الحقيقة، ولم يخلق الله تعالى دابة في بطن أمها إلاَّ منكبةً على وجهها إلا ابن آدم، فإنه منتصب انتصاباً. وهو قول النخعي ومجاهد وغيرهما.
وقال يمان: لم يخلق الله تعالى خلقاً يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق.
[وقال ابن كيسان: منتصباً في بطن أمه، فإذا أراد الله تعالى أن يخرجه من بطن أمه قلب رأسه إلى رجل أمه.
وقال الحسن: كابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة] .
قال بعضُ العلماء: أول ما يكابدُ قطع سرته، ثم إذا قمط قماطاً، وشد رباطاً، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته لضاع، ثم يكابد نبت أسنانه، وتحرك لسانه، ثم يكابد الفطام الذي هو أشد من اللطام، ثم يكابد الخِتَان، والأوجاع والأحزان، ثم يكابد المعلم وصولته، والمؤدب وسياسته، والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج، ثم يكابد شغل الأولاد، والأجناد، ثم يكابد شغل الدُّور، وبناء القصور، ثم الكِبر والهرم، وضعف الركبة والقدم، في مصائب يكثر تعدادها ونوائب يطول إيرادها، من صداع الرأس، ووجع الأضراس، ورمد العين، وغم الدَّينِ، ووجع السن، وألم الأذُنِ، ويكابد مِحَناً في المال، والنفس، مثل الضرب والحبس، ولا يمر عليه يوم إلا يقاسي فيه شدة، ثم يكابد بعد ذلك مشقة الموت، ثم بعد ذلك مساءلة الملك، وضغطة القبر وظلمته، ثم البعث، والعرض على الله، إلى أن يستقر به القرار، إما في الجنة أو في النار، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ فلو كان الأمر إليه، ما اختار هذه الشَّدائد، ودل هذا على أن له خالقاً دبره، وقضى عليه بهذه الأحوال، فليتمثل أمره. وقال ابن زيد: المراد بالإنسان هنا آدم عليه السلام.
وقوله تعالى: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أي: في وسط السماء.
وقال الكلبيُّ: إنَّ هذا نزل في رجل من بني جمح، يقال له: أبو الأشدين واسمه أسيد بن كلدة بن جُمَح، وكان قوياً، وكان يأخذ الأديم العكاظي، فيجعله تحت قدميه، فيقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة حتى يتمزّق الأديم، ولا تزول قدماه، وكان من أعداء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وفيه نزل: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ، يعني: لقوته.
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ، أي: أيظنّ ابن آدم أن لن يحاسبه الله عزَّ وجل قال ابنُ الخطيب: إن فسرنا الكبد بالشدة والقوة، فالمعنى: أيحسب الإنسان الشديد أن لشدته لا يقدر عليه أحد؟ وإن فسرنا بالمحنة، والبلاء، كان المعنى: أنَّ الإنسان كان في النعمة، والشدة، أي: أفيظنّ أنه في تلك الحالة لا يقدر عليه شيء، فهو استفهام على سبيل الإنكار.
قوله: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً﴾ : يجوز أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالاً.
وقرأ العامة: «لُبَداً» بضم اللام وفتح الباء.
وشدَّد أبُو جعفرٍ الباء جمع لابِدٍ، مثل: راكع وركع، وساجد وسُجَّد، وعنه أيضاً: سكونها.
ومجاهدٌ وابنُ أبِي الزِّناد: بضمتين، وتقدم الكلام على هذه اللفظة في سورة: «الجن» .
قال أبو عبيدة: «لُبَداً» : فعل من التلبيد، وهذا المال الكثير، بعضه على بعض.
قال الزَّجَّاجُ: و «فعل» للكثرة، يقال: رجل حطم، إذا كان كثير الحطم.
قال الفراءُ: واحدته: «لُبْدَة» و «لُبَدٌ» : جمع.
وجعل بعضهم: واحد، ك «حطم» ، وهو في الوجهين للكثرة، والمعنى: أنفقت مالاً كثيراً مجتمعاً؛ لأن أهل الجاهلية يدعونه مكارم ومفاخر.
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ ، أي: أيظن أن لم يعاينه أحد، بل علم الله ذلك منه، فكان كاذباً، في قوله: أهلكت، ولم يكن أنفقه. وقال: أيظن أن لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين اكتسبه وأين أنفقه.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: كان أبو الأشدين يقول: أنفقت في عداوة محمد مالاً كثيراً، وهو في ذلك كاذب.
وقال مقاتلٌ: نزلت في الحارثِ بنِ عامرٍ بنِ نوفل، أذنب، فاستفتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فأمره أن يكفر، فقال: لقد ذهب مالي في الكفَّارات، والنفقات، منذ دخلت في دين محمد. وهذا القول منه، يحتمل أن يكون استطالة بما أنفق، فيكون طغياناً منه، أو أسفاً منه، فيكون ندماً منه.
قال القرطبيُّ: «وروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أنه كان يقرأ:» أيَحْسُبُ «، بضم السين، في الموضعين» .
وقال الحسنُ: يقول: أتلفت مالاً كثيراً فمن يحاسبني به، دعني أحسبه، ألم يعلم أن الله قادر على محاسبته، وأن الله - عزَّ وجلَّ - يرى صنيعه، ثم عدد عليه نعمه، فقال:
﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ﴾ : يبصر بهما، ﴿وَلِسَاناً﴾ ينطق بهما، ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ : يستر بهما ثغرهُ، والمعنى: نحن فعلنا ذلك، ونحن نقدر على أن نبعثه، ونحصي عليه ما عمله.
قوله: ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ ، الشِّفةُ: محذوفة اللام، والأصل: شفهةٌ، بدليل تصغيرها على «شُفَيْهَة» ، وجمعها على «ِفاه» ونظيره: سنة في إحدى اللغتين، وشافهته أي كلمته من غير واسطة، ولا يجمع بالألف والتاء، استغناء بتكسيرها عن تصحيحها.
قال القرطبي: «يقال: شفهاتٌ وشفواتٌ، والهاء: أقيس، والواو أعم تشبيهاً بالسنوات» .
قال
الأزهريُّ
: «يقال: هذه شفة، في الوصل، وشفة، بالتاء والهاء» .
قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾ ، يعني: الطريقتين: طريق الخير وطريق الشِّر.
روى قتادةُ قال: ذكر لنا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، كان يقول: «يا أيُّها النَّاس، إنَّما هُمَا النَّجدانِ: نَجْدُ الخيرِ، ونجدُ الشَّرِّ، فلم تَجْعَلُ نَجْدَ الشر أحبَّ إليْكَ من نَجْدِ الخَيْرِ» .
فكأنه لما وهمت الدلائل، جعلت كالطريق المرتفعة العالية، لكونها واضحة للعقول، كوضوح الطريق العالي للأبصار، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: 3] ، بعد قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان: 2] .
ورُوِيَ عن عكرمة، قال: النجدانِ: الثَّديانِ، وهو قول سعيد بن المسيب والضحاك.
ورُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - لأنهما كالطريقين لحياة الولد، ورزقه.
فقوله: «النجدين» إما ظرف، وإما على حذف الجار إن أريد بهما الثديان.
والنَّجدُ في الأصل: العنقُ، لارتفاعه.
وقيل: الطريق العالي.
قال امرؤ القيس: [الطويل]
5213 - فَريقَانِ: مِنْهُمْ جَازعٌ بَطْنَ نَخْلَةٍ ... وأخَرُ مِنْهُمْ قَاطِعٌ نَجْدَ كَبْكَبِ
ومنه سميت نجد، لعلوها عن انخفاض تهامة.
البلد 90:10
مكية، وهي عشرون آية، واثنتان وثمانون كلمة، وثلاثمائة وعشرون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ : يجوز أن تكون «لا» : زائدة، كما تقدم في: «لا أقسم بيوم القيامة» ، قاله الأخفش: أي: أقسم؛ لأنه قال: «بهذا البلد» ، وقد أقسم به في قوله: ﴿وهذا البلد الأمين﴾ [التين: 3] ، فكيف يجوز القسمُ به، وقد أقسم به سبحانه؛ قال الشاعر: [الطويل]
5210 - تَذَكَّرتُ لَيْلَى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ ... وكَادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتَقطَّعُ
أي: يتقطع، ودخل حرف «لا» : صلة، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12] وقد قال تعالى في سورة «ص» : ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ﴾ [ص: 75] .
وقرأ الحسن والأعمش وابن كثير: «لأُقْسِمُ» من غير ألفٍ بعد اللام إثباتاً.
وأجاز الأخفش أيضاً، أن تكون بمعنى: «ألا» .
وقيل: ليست بنفي القسم،، وإنما هو كقول العرب: لا والله لا فعلت كذا، ولا والله ما كان كذا، لا والله لأفعلن كذا.
وقيل: هي نفي صحيح، والمعنى: لا أقسم بهذا البلد، إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه. حكاه مكيٌّ، ورواه ابنُ أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ، قال: «لا» : رد عليهم، وهذا اختيار ابن العربي، لأنه قال: «وأما من قال: إنها رد، فهو قول ليس له رد؛ لأنه يصح به المعنى، ويتمكن اللفظ والمراد» .
فهو رد لكلام من أنكر البعث، ثم ابتدأ القسم.
وقال القشيريُّ: قوله: «لا» رد لما توهم الإنسان المذكور في هذه السورة، المغرور في الدنيا، أي: ليس الأمر كما تحسبه من أنه لم يقسم عليه أحد، ثم ابتدأ القسم، وأجمعوا على أنَّ المراد بالبلد: مكَّة المشرفة، أي: أقسم بالبلد الحرام، الذي أنت فيه، لكرامتك عليَّ وحبي لك.
قوله: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أن الجملة اعتراضية على أحد معنيين، إما على معنى: أنه - تعالى - أقسم بهذا البلد، وما بعده، على أن الإنسان في كبد، واعترض بينهما بهذه الجملة، يعني: ومن المكابدة، أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد، كما يستحل الصيد في غير المحرم.
وإما على معنى: أنه أقسم ببلدة، على أنَّ الإنسان لا يخلُو من مقاساة الشدائد، واعترض بأن وعده فتح «مكة» ، تتميماً للتَّسلية، فقال تعالى: وأنت حلٌّ به فيما يستقبل، تصنع فيه ما تريد من القتل، والأسر، ف «حِلٌّ» بمعنى: حلال، قال معناه الزّمخشري. ثم قال: فإن قلت: أين نظير قوله تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ﴾ في معنى الاستقبال؟ .
قلت: قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30] ، ومثله واسع في كلام العبادِ، تقول لمن تَعدُه الإكرام والحباء: أنت مكرم محبوٌّ، وهو في كلام الله أوسع؛ لأنَّ الأحوال المستقبلة عنده، كالحاضرة المشاهدة، وكفاك دليلاً قاطعاً على أنه للاستقبال، وأنَّ تفسيره بالحال محال؛ لأن السورة بالاتفاق مكية، وأين الهجرة وقت نزولها فما بال الفتح؟ .
الثاني من الوجهين الأولين: أن الجملة حالية، أي: لا أقسم بهذا البلد، وأنت حالٌّ بها، لعظم قدرك، أي: لا نقسم بشيء، وأنت أحق بالإقسام بك منه.
وقيل: المعنى: لا أقسم به، وأنت مستحلّ فيه، أي: مستحل إذ ذاك.
فصل في المراد بهذا البلد
أجمع المفسرون على أن ذلك البلد «مكة» ، وفضلها معروف، فإنه تعالى، جعله حرماً آمناً قال تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران: 97] ، وجعل مسجده قبلة لأهل المشرق والمغرب، وقال تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144] ، وأمر النَّاس بحجِّ البيتِ، فقال: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: 97] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ [البقرة: 125] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت﴾ [الحج: 26] ، وقال تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً وعلى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ﴾ [الحج: 27] ، وشرف مقام إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بقوله تعالى: ﴿واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] ، وحرم صيده، وجعل البيت المعمور بإزائه، ودحيت الأرض من تحته، فهذه الفضائل، وأكثر منها، لما اجتمعت في «مكة» لا جرم أقسم الله تعالى بها.
فصل في تفسير وأنت حلّ
روى منصورٌ عن مجاهدٍ: «وأنْتَ حِلٌّ» ، قال: ما صنعت فيه من شيء، فأنت في حل.
وكذا قال ابن عبَّاسٍ: أحل له يوم دخل «مكة» ، أن يقتل من شاء، فقتل ابن خطل ومقيس بن صبابة وغيرهما، ولم يحل لأحد من الناس، أن يقتل بها أحداً بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقال السدي: أنت في حل ممن قاتلك أن تقتله.
وروى أبو صالحٍ عن ابن عبَّاسٍ، قال: أحلت له ساعة من نهارٍ، ثم أطبقت، وحرمت إلى يوم القيامة، وذلك يوم فتح «مكة» .
[قال ابن زيد: ولم يكن بها أحد حلالاً غير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقيل: معناه: وأنت مقيم فيه، وهو محلك أي: من أهل «مكة» نشأت بينهم، ويعرفون فضلك وطهارتك لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: 128] .
وقيل: أنت فيه محسن، وأنا عنك فيه راضٍ] .
وذكر أهل اللغة أنه يقال: رجل حلٌّ وحلالٌ ومحل، ورجل حرم وحرام ومحرم.
وقال قتادة: «وأنت حل به» أي لست بآثم، قيل: معناه أنك غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليه ارتكابه معرفة منك بحق هذا البيت لا كالمشركين الذين يرتكبون الكفر بالله فيه.
وقال شرحبيل بن سعد: ﴿وأنْتَ حلٌّ بِهَذَا البَلدِ﴾ أي: حلال، أي هم يحرمون «مكة» أن يقتلوا بها صيداً، أو يعضدوا بها شجرة، ثم هم مع هذا يستحلُّون إخراجك وقتلك، ففيه تعجُّب في جرأتهم وشدة عدواتهم له.
قوله: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ .
قيل «ما» بمعنى: «من» ، أو بمعنى: «الذي» .
وقيل: مصدرية أقسم بالشخص وفعله.
وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: هلا قيل: ومَنْ ولد؟
قلت: فيه ما في قوله: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: 36] ، أي: بأي شيء وضعت، يعني: موضوعاً عجيب الشأن.
وقيل: «ما» : فيحتاج إلى إضمار موصول به يصح الكلام، تقديره: والذي ما ولد، إذ المراد بالوالد، الذي يولد له، «ومَا وَلَد» يعني: العَاقِر الذي لا يُولدُ له، قال معناه ابنُ عبَّاسٍ، وتلميذه ابنُ جبيرٍ وعكرمةُ.
فصل في الكلام على الآية
هذا معطوف على قوله: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾ معترض بين المعطوف والمعطوف عليه.
قال ابنُ عباسٍ ومجاهد وقتادةُ والضحاكُ والحسنُ وأبو صالحٍ والطبريُّ: المراد بالوالد: آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، «ومَا وَلَد» أي: وما نسل من ولده، أقسم بهم؛ لأنهم أعجب ما خلق تعالى على وجه الأرض، لما فيهم من البنيان، والنُّطق، والتدبير، وإخراج العلوم، وفيهم الأنبياء، والدُّعاة إلى الله تعالى، والأنصار لدينه، وأمر الملائكة بالسُّجود لآدم - عليه السلام - وعلمه الأسماء كلَّها، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70] .
وقيل: هو إقسام بآدم، والصالحين من ذريته، وأما الطالحون، فكأنهم بهائم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام﴾ [الفرقان: 44] ، وقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: 18] .
وقيل: الوالد: إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ [ذريته.
وقيل: الوالد إبراهيم وإسماعيل، وما ولد محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأنه أقسم بمكة وإبراهيم] .
قال الفراء: وصلح «ما» للناس، كقوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: 3] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: 3] ، وهو خالق الذكر والأنثى.
قال الماورديُّ: ويحتمل أن الوالد: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لتقدم ذكره، «ومَا وَلَد» : أمته: لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، «إنَّما أنَا بِمنزْلَةِ الوَالِدِ أعَلِّمكُمْ» ، فأقسم به وبأمته، بعد أن أقسم ببلده، مبالغة في تشريفه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ : هذا هو المقسم عليه، والكبد: المشقة.
قال الزمخشريُّ: والكَبدُ: أصله من قولك: كبدَ الرجل كبداً، فهو أكْبَد، إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه، حتى استعمل في كل تعب ومشقة، ومنه اشتقت المُكابَدةُ، كما قيل: كبته بمعنى أهلكه، وأصله: كبده إذا أصاب كبده.
قال لبيد: [المنسرح]
5211 - يَا عَيْنُ هَلاَّ بَكَيْتِ أربَدَ إذْ ... قُمْنَا وقَامَ الخُصومُ في كَبدِ
أي: في شدة الأمر، وصعوبة الخطب؛ وقال أبو الإصبع: [البسيط]
5212 - لِيَ ابنُ عَمٍّ لو انَّ النَّاس في كَبدٍ ... لظَلَّ مُحْتَجِزاً بالنَّبْلِ يَرْمينِي
فصل في المراد ب " الإنسان "
الإنسان هنا ابن آدم.
قال القرطبيُّ: ومنه تكبَّد اللبن: غلظ واشتد ومنه الكبدُ؛ لأنه دمٌ تغلظ واشتد ويقال: كابدتُ هذا الأمر قاسيت شدته.
فصل في المراد ب «الإنسان»
الإنسان هنا ابن آدم.
قال ابنُ عباسٍ والحسنُ: «في كبدٍ» أي: في شدة ونصبٍ وعن ابن عباسٍ أيضاً: في شدّة من حمله، وولادته، ورضاعه ونبت أسنانه، وسائر أحواله.
وروى عكرمةُ عنه قال: منتصباً في بطن أمه، والكبدُ: الاستواء، والاستقامة، فهذا امتنان عليه في الحقيقة، ولم يخلق الله تعالى دابة في بطن أمها إلاَّ منكبةً على وجهها إلا ابن آدم، فإنه منتصب انتصاباً. وهو قول النخعي ومجاهد وغيرهما.
وقال يمان: لم يخلق الله تعالى خلقاً يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق.
[وقال ابن كيسان: منتصباً في بطن أمه، فإذا أراد الله تعالى أن يخرجه من بطن أمه قلب رأسه إلى رجل أمه.
وقال الحسن: كابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة] .
قال بعضُ العلماء: أول ما يكابدُ قطع سرته، ثم إذا قمط قماطاً، وشد رباطاً، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته لضاع، ثم يكابد نبت أسنانه، وتحرك لسانه، ثم يكابد الفطام الذي هو أشد من اللطام، ثم يكابد الخِتَان، والأوجاع والأحزان، ثم يكابد المعلم وصولته، والمؤدب وسياسته، والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج، ثم يكابد شغل الأولاد، والأجناد، ثم يكابد شغل الدُّور، وبناء القصور، ثم الكِبر والهرم، وضعف الركبة والقدم، في مصائب يكثر تعدادها ونوائب يطول إيرادها، من صداع الرأس، ووجع الأضراس، ورمد العين، وغم الدَّينِ، ووجع السن، وألم الأذُنِ، ويكابد مِحَناً في المال، والنفس، مثل الضرب والحبس، ولا يمر عليه يوم إلا يقاسي فيه شدة، ثم يكابد بعد ذلك مشقة الموت، ثم بعد ذلك مساءلة الملك، وضغطة القبر وظلمته، ثم البعث، والعرض على الله، إلى أن يستقر به القرار، إما في الجنة أو في النار، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ﴾ فلو كان الأمر إليه، ما اختار هذه الشَّدائد، ودل هذا على أن له خالقاً دبره، وقضى عليه بهذه الأحوال، فليتمثل أمره. وقال ابن زيد: المراد بالإنسان هنا آدم عليه السلام.
وقوله تعالى: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أي: في وسط السماء.
وقال الكلبيُّ: إنَّ هذا نزل في رجل من بني جمح، يقال له: أبو الأشدين واسمه أسيد بن كلدة بن جُمَح، وكان قوياً، وكان يأخذ الأديم العكاظي، فيجعله تحت قدميه، فيقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة حتى يتمزّق الأديم، ولا تزول قدماه، وكان من أعداء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وفيه نزل: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ، يعني: لقوته.
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ، أي: أيظنّ ابن آدم أن لن يحاسبه الله عزَّ وجل قال ابنُ الخطيب: إن فسرنا الكبد بالشدة والقوة، فالمعنى: أيحسب الإنسان الشديد أن لشدته لا يقدر عليه أحد؟ وإن فسرنا بالمحنة، والبلاء، كان المعنى: أنَّ الإنسان كان في النعمة، والشدة، أي: أفيظنّ أنه في تلك الحالة لا يقدر عليه شيء، فهو استفهام على سبيل الإنكار.
قوله: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً﴾ : يجوز أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالاً.
وقرأ العامة: «لُبَداً» بضم اللام وفتح الباء.
وشدَّد أبُو جعفرٍ الباء جمع لابِدٍ، مثل: راكع وركع، وساجد وسُجَّد، وعنه أيضاً: سكونها.
ومجاهدٌ وابنُ أبِي الزِّناد: بضمتين، وتقدم الكلام على هذه اللفظة في سورة: «الجن» .
قال أبو عبيدة: «لُبَداً» : فعل من التلبيد، وهذا المال الكثير، بعضه على بعض.
قال الزَّجَّاجُ: و «فعل» للكثرة، يقال: رجل حطم، إذا كان كثير الحطم.
قال الفراءُ: واحدته: «لُبْدَة» و «لُبَدٌ» : جمع.
وجعل بعضهم: واحد، ك «حطم» ، وهو في الوجهين للكثرة، والمعنى: أنفقت مالاً كثيراً مجتمعاً؛ لأن أهل الجاهلية يدعونه مكارم ومفاخر.
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ ، أي: أيظن أن لم يعاينه أحد، بل علم الله ذلك منه، فكان كاذباً، في قوله: أهلكت، ولم يكن أنفقه. وقال: أيظن أن لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين اكتسبه وأين أنفقه.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: كان أبو الأشدين يقول: أنفقت في عداوة محمد مالاً كثيراً، وهو في ذلك كاذب.
وقال مقاتلٌ: نزلت في الحارثِ بنِ عامرٍ بنِ نوفل، أذنب، فاستفتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فأمره أن يكفر، فقال: لقد ذهب مالي في الكفَّارات، والنفقات، منذ دخلت في دين محمد. وهذا القول منه، يحتمل أن يكون استطالة بما أنفق، فيكون طغياناً منه، أو أسفاً منه، فيكون ندماً منه.
قال القرطبيُّ: «وروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أنه كان يقرأ:» أيَحْسُبُ «، بضم السين، في الموضعين» .
وقال الحسنُ: يقول: أتلفت مالاً كثيراً فمن يحاسبني به، دعني أحسبه، ألم يعلم أن الله قادر على محاسبته، وأن الله - عزَّ وجلَّ - يرى صنيعه، ثم عدد عليه نعمه، فقال:
﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ﴾ : يبصر بهما، ﴿وَلِسَاناً﴾ ينطق بهما، ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ : يستر بهما ثغرهُ، والمعنى: نحن فعلنا ذلك، ونحن نقدر على أن نبعثه، ونحصي عليه ما عمله.
قوله: ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ ، الشِّفةُ: محذوفة اللام، والأصل: شفهةٌ، بدليل تصغيرها على «شُفَيْهَة» ، وجمعها على «ِفاه» ونظيره: سنة في إحدى اللغتين، وشافهته أي كلمته من غير واسطة، ولا يجمع بالألف والتاء، استغناء بتكسيرها عن تصحيحها.
قال القرطبي: «يقال: شفهاتٌ وشفواتٌ، والهاء: أقيس، والواو أعم تشبيهاً بالسنوات» .
قال
الأزهريُّ
: «يقال: هذه شفة، في الوصل، وشفة، بالتاء والهاء» .
قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾ ، يعني: الطريقتين: طريق الخير وطريق الشِّر.
روى قتادةُ قال: ذكر لنا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، كان يقول: «يا أيُّها النَّاس، إنَّما هُمَا النَّجدانِ: نَجْدُ الخيرِ، ونجدُ الشَّرِّ، فلم تَجْعَلُ نَجْدَ الشر أحبَّ إليْكَ من نَجْدِ الخَيْرِ» .
فكأنه لما وهمت الدلائل، جعلت كالطريق المرتفعة العالية، لكونها واضحة للعقول، كوضوح الطريق العالي للأبصار، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: 3] ، بعد قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان: 2] .
ورُوِيَ عن عكرمة، قال: النجدانِ: الثَّديانِ، وهو قول سعيد بن المسيب والضحاك.
ورُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - لأنهما كالطريقين لحياة الولد، ورزقه.
فقوله: «النجدين» إما ظرف، وإما على حذف الجار إن أريد بهما الثديان.
والنَّجدُ في الأصل: العنقُ، لارتفاعه.
وقيل: الطريق العالي.
قال امرؤ القيس: [الطويل]
5213 - فَريقَانِ: مِنْهُمْ جَازعٌ بَطْنَ نَخْلَةٍ ... وأخَرُ مِنْهُمْ قَاطِعٌ نَجْدَ كَبْكَبِ
ومنه سميت نجد، لعلوها عن انخفاض تهامة.
البلد 90:11
قوله: ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ .
قال الفراءُ والزجاجُ: ذكر «لا» مرة واحدة، والعرب لا تكاد تفرد: «لا» مع الفعل الماضي، حتى تعيد «لا» ، كقوله تعالى: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ [القيامة: 31] وإنَّما أفردها لدلالة آخر الكلام على معناه، فيجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ قائماً مقام التكرير، فكأنه قال: فلا اقتحم العقبة ولا آمن.
وقال الزمخشريُّ: هي متكررة في المعنى؛ لأن معنى: «فلا اقتحم العقبة: فلا فكَّ رقبة، ولا أطعم مسكيناً» . ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك؟ .
قال أبو حيَّان: ولا يتم له هذا إلا على قراءة: «فكّ» فعلاً ماضياً.
وقال الزجاج والمبردُ وأبو عليٍّ، وذكره البخاري عن مجاهد: أن قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ} يدل على أن «لا» بمعنى: «لم» ، ولا يلزم التكرير مع «لم» ، فإن كررت «لا» كقوله: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ [القيامة: 31] ، فهو كقوله تعالى: ﴿لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ [الفرقان: 67] .
فصل في معنى الآية
المعنى: فهلاَّ أنفق ماله في اقتحام العقبة، الذي يزعم أنه أنفقه في عداوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هلا أنفقه في اقتحام العقبة، فيأمن، والاقتحامُ: الرمي بالنفس في شيء من غير روية، يقال منه: قحم في الأمر قُحُوماً، أي: رمى بنفسه فيه من غير روية، وقَحَّم الفرس فارسه تقحيماً على وجهه: إذا رماه وتقحيم النفس في الشيء: إدخالها فيه من غير روية، والقُحْمَةُ - بالضم - المهلكة والسَّنة الشديدة، يقال: أصاب العرب القُحْمَةُ: إذا أصابهم قحط [فدخلوا الريف] والقُحَمُ: صعاب الطريق.
وقال عطاء: يريد عقبة جهنم.
وقال مجاهدٌ والضحاك: هي الصراطُ.
قال الواحدي: وهذا فيه نظر؛ لأن من المعلوم أن هذا الإنسان وغيره، لم يقتحموا عقبة جهنم ولا جاوزوها.
وقال ابن العربي: قال مجاهد: اقتحام العقبة في الدنيا؛ لأنه فسره بعد ذلك، بقوله: «فكُّ رقَبةٍ» أو أطعم في يومٍ يتيماً، أو مسكيناً، وهذه الأعمال إنما تكون في الدنيا.
وقال الحسنُ ومقاتلٌ: هذا مثلٌ ضربه الله تعالى، لمجاهدة النفس، والشيطان في أعمال البر.
قال القفال: قوله تعالى: ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ ، معناه: فلا أنفق ماله فيما فيه اقتحام العقبة.
وقيل: معنى قوله تعالى: ﴿فَلاَ اقتحم﴾ دعاء، أي: فلا نجا ولا سلم، من لم ينفق ماله في كذا وكذا.
وقيل: شبه عظيم الذنوب، وثقلها بعقبةٍ، فإذا أعتق رقبة، أو عمل صالحاً، كان مثله مثل من اقتحم العقبة، وهي الذنوب تضره، وتؤذيه وتثقله.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا العقبة﴾ .
قال سفيان بن عيينة: كل شيء قال فيه: «وَمَا أدْرَاكَ» ، فقد أخبر به، وكل شيء قال فيه: «ومَا يُدرِيكَ» ، فإنه لم يخبره به، وما أدراك ما اقتحام العقبة، وهذا تعظيم لإلزام أمر الدين، والخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليعلمه اقتحام العقبة، ثم إنه تعالى فسر العقبة بقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ .
قوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ .
قرأ أبو عمرو وابن كثيرٍ والكسائي: «فكَّ» : فعلاً ماضياً، و «رَقَبةٌ» : نصباً، «أو أطْعَمَ» : فعلاً ماضياً.
والباقون: «فكُّ» : يرفع الكاف اسماً، «رقَبَةٍ» : خفض بالإضافة، «أوْ إطْعَامٌ» : اسم مرفوع أيضاً.
فالقراءة الأولى: الفعل فيها، بدل من قوله: «اقتحم» ، فهو بيان له، فكأنه قيل: فلا فك رقبة ولا أطعم.
والثانية: مرتفع فيها: «فكُّ» ، على إضمار مبتدأ، أي: هو فك رقبة، «أو إطعام» على معنى الإباحة، وفي الكلام حذف مضاف، دل عليه «فلا اقتحم» ، تقديره: وما أدراك ما اقتحام العقبة، فالتقدير: اقتحام العقبة فك رقبة، أو إطعام، وإنما احتيج إلى تقدير هذا المضاف ليطابق المفسر والمفسر؛ ألا ترى أن المفسِّر - بكسر السين - مصدر، والمفسَّر - بفتح السين - وهو العقبة غير مصدر، فلو لم يقدر مضافاً، لكان المصدر، وهو «فك» مفسراً للعين، وهي العقبة.
وقرأ أميرُ المؤمنين وأبو رجاء: «فكَّ، أو أطعمَ» فعلين - كما تقدم - إلا أنهما نصبا: «ذا» الألف.
وقرأ الحسنُ: «إطعام» ، و «ذا» بالألف أيضاً، وهو على هاتين القراءتين: مفعول: «أطعم» ، أو «إطعام» ، و «يتيماً» حينئذ بدل منه أو نعت له، وهو في قراءة العامة: «ذي» بالياء: نعت ل «يوم» ، على سبيل المجاز، وصف اليوم بالجوع مبالغة، كقولهم: ليلك قائم، ونهارك صائم، والفاعل ل «إطعام» : محذوف، وهذا أحد المواضع التي يطرد فيها حذف الفاعل وحده عند البصريين.
فصل في الاستفهام في الآية
قال ابنُ زيدٍ، وجماعة من المفسرين: معنى الكلام الاستفهام على معنى الإنكار، تقديره: هلاَّ أقتحم العقبة، تقول: هلا أنفق ماله في فك الرقاب، وإطعام السغبان، فيكون خيراً له من إنفاقه في عداوة محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
فصل في الفرق بين الفك والرق
الفكّ: التفريق، ومنه فكُّ القيد وفكُّ الرقبة، فرق بينها وبين صفة الرق بإيجاد الحرفة، وإبطال العبودية، ومنه فكُّ الرهن، وهو إزالته عن المرتهن، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أيُّمَا امرئٍ مُسْلمٍ أعتقَ امْرءاً مُسْلِمَاً كَانَ فِكاكَه مِنَ النَّارِ يَجرِي على كُلِّ عَضوٍ مِنهُ عُضواً مِنهُ»
الحديث.
وسمي المرقوق رقبة؛ لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته، وسمي عتقها فكَّا كفك الأسير من الأسْر؛ قال: [البسيط]
5214 - كَمْ مِنْ أسِيرٍ فَكَكنَاهُ بِلاَ ثَمَنٍ ... وجَرِّ نَاصِيةٍ كُنَّا مَواليهَا
قال الماورديُّ: ويحتمل ثانياً: إنه أراد فك رقبته، وخلاص نفسه، باجتناب المعاصي، وفعل الطاعات، ولا يمتنع الخبر من هذا التأويل، وهو أشبه بالصواب.
فص في أن العتق أفضل من الصدقة
قال أبو حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: العِتْقُ أفضل من الصدقة، وعند صاحبيه الصدقة أفضل، والآية أدلّ على قول أبي حنيفة، لتقديم العتق على الصدقة.
قوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ، أي: مجاعة، والسَّغبُ: الجوع، والسَّاغبُ: الجائع.
قال شهابُ الدِّين: والمسغبةُ: الجوع مع التعب، وربما قيل في العطش مع التعب.
قال الراغب: يقال سغَبَ الرجل يسغبُ سغباً وسغوباً فهو ساغبٌ، وسغبان، والمسغبةُ: مفعل منه.
وأنشد أبو عبيدة: [الطويل]
5215 - فَلَوْ كُنْت جاراً يَا بْنَ قَيْسٍ بن عاصمٍ ... لمَا بتَّ شَبْعَاناً وجاركَ سَاغِبا فصل
إطعام الطعام فضيلة، وهو مع السغب الذي هو الجوع أفضل.
وقال النخعي في قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ، قال: في يوم عزيز فيه الطَّعام.
قوله: ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ ، أي: قرابة.
قال الزمخشريُّ: «والمَسْغبَةُ، والمَقربةُ، والمَتربةُ: مفعلات، من سغبَ إذا جاع، وقرب في النسب، قال: فلان ذو قرابتي وذو مقربتي، وترب إذا افتقر» .
وهذه الآية تدل على أن الصدقة على الأقارب، أفضل منها على الأجانب.
واليتيم: قال بعض العلماء: اليتيمُ في الناس من قبل الأب، وفي البهائمِ من قبلِ الأمَّهاتِ.
وقال بعضهم: اليتيمُ: «الذي يموت أبواه» .
قال قيس بن الملوح: [الطويل]
5216 - إلى اللهِ أشْكُو فَقْدَ لَيْلَى كَما شَكَا ... إلى الله فَقْدَ الوَالِدَيْنِ يَتِيمُ
ويقال: يتم الرجل يتماً: إذا ضعف.
قوله: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ ، أي: لا شيء له، حتى كأنه قد لصق بالتراب من الفقر يقال: ترب أي افتقر حتى لصق جلده بالتراب، فأما أترب بالألف فمعناه استغنى نحو: أثرى أي صار مالكه كالتراب وكالثرى.
قال المفسرون: هو الذي ليس له مأوى إلا التراب.
وقال ابن عباس: هو المطروح على الطريق الذي لا بيت له.
وقال مجاهد: الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره.
وقال قتادة: إنه ذو العيال.
وقال عكرمة عن ابن عباس: ذو المتربة هو البعيد عن وطنه، ليس له مأوى إلاَّ التراب.
فصل في أن المسكين قد يملك شيئاً
احتجوا بهذه الآية على أن المسكين قد يملك شيئاً؛ لأنه لو كان المسكين هو الذي لا يملك شيئاً - ألبتة - لكان تقييده بقوله: «ذا مَتْربة» تكرير.
قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ . التراخي في الإيمان، وتباعده في المرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة، لا في الوقت؛ لأن الإيمان هو السابق، ولا يثبت عمل إلاَّ به.
قاله الزمخشري وقيل: المعنى: ثُمَّ كان في عاقبة أمره من الذين وافوا الموت على الإيمان؛ لأنَّ الموافاة عليه شرط في الانتفاع بالطَّاعات.
وقيل: التراخي في الذكر.
قال المفسرون: معناه أنه لا يقتحم العقبة من فك رقبته، أو أطعم في يوم ذي مسغبة، حتى يكون من الذين آمنوا، أي: صدقوا، فإنّ شرط قبول الطاعات الإيمان بالله تعالى، فالإيمان بعد الإنفاق لا ينفع، قال تعالى في المنافقين: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله﴾ [التوبة: 54] .
وقيل: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ أي: فعل هذه الأشياء وهو مؤمن ثم بقي على إيمانه حتى الوفاة [فيكون المعنى: ثم كان مع تلك الطاعات من الذين آمنوا] ، نظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهتدى﴾ [طه: 82] .
وقيل: المعنى: ثم كان من الذين يؤمنون بأن هذا نافع لهم عند الله تعالى.
وقيل: أتى بهذه القرب لوجه الله - تعالى - ثم آمن بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: إن «ثُمَّ» بمعنى: الواو، أي: وكان هذا المعتق للرقبة، والمطعم في المسغبةِ، من الذين آمنوا.
قوله: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ ، أي: أوصى بعضهم بعضاً على طاعة الله، وعن معاصيه، وعلى ما أصابهم من البلاء والمصائب، ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة﴾ ، أي: بالرحمة على الخلق فإنَّهم إذا فعلوا ذلك، رحموا اليتيم والمسكين، ثم إنه تعالى بينهم، فقال تعالى: ﴿أولئك أَصْحَابُ الميمنة﴾ ، أي: الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، قاله محمد بن كعب القرظي.
[وقال يحيى بن سلام: لأنهم ميامين على أنفسهم.
وقال ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيمن.
وقال ميمون بن مهران لأن منزلتهم عن اليمين] .
قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا﴾ ، أي: القرآن، ﴿هُمْ أَصْحَابُ المشأمة﴾ أي: يأخذون كتبهم بشمائلهم قاله محمد بن كعب، وقال يحيى بن سلام: لأنهم مشائيم على أنفسهم.
وقال ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيسر.
وقال ميمون: لأن منزلتهم على اليسار.
قال القرطبي: ويجمع هذه الأقوال أن يقال: إن أصحاب الميمنة أصحاب الجنة، وأصحاب المشئمة أصحاب النار.
قوله: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾ ، قرأ أبو عمروٍ وحمزةُ وحفصٌ: بالهمزة.
والباقون: بلا همز.
فالقراءة الأولى: من «آصَدتُ الباب» أي: أغلقته، أوصده، فهو مؤصد، قيل: ويحتمل أن يكون من «أوْصدْتُ» ، ولكنه همز الواو السَّاكنة لضمة ما قبلها، كما همز ﴿بالسوق والأعناق﴾ [ص: 33] .
والقراءة الثانية - أيضاً - تحتمل المادتين، ويكون قد خفف الهمزة، لسكونها بعد ضمة.
وقد نقل الفرَّاء عن السوسي الذي قاعدته إبدال مثل هذه الهمزة، أنه لا يبدل هذه، وعللوا ذلك بالإلباس وأيقن أنه قرأ: «مؤصدة» بالواو من قاعدته تخفيف الهمزة.
والظاهر أن القراءتين من مادتين: الأولى من «آصَدَ يُوصِدُ» ك «أكرم يكرم» ، والثانية من «أوْصَدَ، يُوصِدُ» مثل «أوصل يوصل» .
وقال الشاعر: [الطويل]
5217 - تَحِنُّ إلى أجْبَالِ مكَّةَ نَاقتِي ... ومِنْ دُونهَا أبْوابُ صَنعاءُ مُؤصَدَهْ
أي: مغلقة؛ وقال آخر: [الكامل]
5218 - قَوْمٌ يُعَالِجُ قُمَّلاً أبْناؤُهُمْ ... وسَلاسِلاً حِلقاً وبَاباً مُؤصدا
وكان أبو بكر راوي عاصم يكره الهمز في هذا الحرف، وقال: لنا إمام يهمز: «مؤصدة» ، فأشتهي أن أسد أذني إذا سمعته.
قال شهابُ الدِّين: وكأنه لم يحفظ عن شيخه إلا ترك الهمزة مع حفظ حفص إياه عنه، وهو أضبط لحرفه من أبي بكر، على ما نقله الفراء، وإن كان أبو بكر أكبر وأتقن، وأوثق عند أهل الحديث.
وقال القرطبيُّ: وأهل اللغة يقولون: أوصدت الباب وآصدته، أي: أغلقته، فمن قال: أوصدت، فالاسم: الوصاد. ومن قال: آصدته، فالاسم: الإصاد.
قال الفراء: ويقال من هذا «الأصيد» ، وهو الباب المطبق، ومعنى «مؤصدة» أي: مغلقة.
قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ﴾ ، يجوز أن تكون جملة مستأنفة، وأن تكون خبراً ثانياً، وأن يكون الخبر وحده: «عَلَيْهِمْ» ، و «نارٌ» : فاصل به، وهو الأحسن.
وقيل: معنى «عليهم نار» ، أي: أحاطت النَّار بهم، كقوله تعالى: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29] . والله أعلم.
روى الثَّعلبيُّ عن أبيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ أعْطَاهُ اللهُ الأمْنَ مِنْ غَضبهِ يَوْمَ القِيامَةِ» .
سورة الشمس
البلد 90:12
قوله: ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ .
قال الفراءُ والزجاجُ: ذكر «لا» مرة واحدة، والعرب لا تكاد تفرد: «لا» مع الفعل الماضي، حتى تعيد «لا» ، كقوله تعالى: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ [القيامة: 31] وإنَّما أفردها لدلالة آخر الكلام على معناه، فيجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ قائماً مقام التكرير، فكأنه قال: فلا اقتحم العقبة ولا آمن.
وقال الزمخشريُّ: هي متكررة في المعنى؛ لأن معنى: «فلا اقتحم العقبة: فلا فكَّ رقبة، ولا أطعم مسكيناً» . ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك؟ .
قال أبو حيَّان: ولا يتم له هذا إلا على قراءة: «فكّ» فعلاً ماضياً.
وقال الزجاج والمبردُ وأبو عليٍّ، وذكره البخاري عن مجاهد: أن قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ} يدل على أن «لا» بمعنى: «لم» ، ولا يلزم التكرير مع «لم» ، فإن كررت «لا» كقوله: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ [القيامة: 31] ، فهو كقوله تعالى: ﴿لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ [الفرقان: 67] .
فصل في معنى الآية
المعنى: فهلاَّ أنفق ماله في اقتحام العقبة، الذي يزعم أنه أنفقه في عداوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هلا أنفقه في اقتحام العقبة، فيأمن، والاقتحامُ: الرمي بالنفس في شيء من غير روية، يقال منه: قحم في الأمر قُحُوماً، أي: رمى بنفسه فيه من غير روية، وقَحَّم الفرس فارسه تقحيماً على وجهه: إذا رماه وتقحيم النفس في الشيء: إدخالها فيه من غير روية، والقُحْمَةُ - بالضم - المهلكة والسَّنة الشديدة، يقال: أصاب العرب القُحْمَةُ: إذا أصابهم قحط [فدخلوا الريف] والقُحَمُ: صعاب الطريق.
وقال عطاء: يريد عقبة جهنم.
وقال مجاهدٌ والضحاك: هي الصراطُ.
قال الواحدي: وهذا فيه نظر؛ لأن من المعلوم أن هذا الإنسان وغيره، لم يقتحموا عقبة جهنم ولا جاوزوها.
وقال ابن العربي: قال مجاهد: اقتحام العقبة في الدنيا؛ لأنه فسره بعد ذلك، بقوله: «فكُّ رقَبةٍ» أو أطعم في يومٍ يتيماً، أو مسكيناً، وهذه الأعمال إنما تكون في الدنيا.
وقال الحسنُ ومقاتلٌ: هذا مثلٌ ضربه الله تعالى، لمجاهدة النفس، والشيطان في أعمال البر.
قال القفال: قوله تعالى: ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ ، معناه: فلا أنفق ماله فيما فيه اقتحام العقبة.
وقيل: معنى قوله تعالى: ﴿فَلاَ اقتحم﴾ دعاء، أي: فلا نجا ولا سلم، من لم ينفق ماله في كذا وكذا.
وقيل: شبه عظيم الذنوب، وثقلها بعقبةٍ، فإذا أعتق رقبة، أو عمل صالحاً، كان مثله مثل من اقتحم العقبة، وهي الذنوب تضره، وتؤذيه وتثقله.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا العقبة﴾ .
قال سفيان بن عيينة: كل شيء قال فيه: «وَمَا أدْرَاكَ» ، فقد أخبر به، وكل شيء قال فيه: «ومَا يُدرِيكَ» ، فإنه لم يخبره به، وما أدراك ما اقتحام العقبة، وهذا تعظيم لإلزام أمر الدين، والخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليعلمه اقتحام العقبة، ثم إنه تعالى فسر العقبة بقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ .
قوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ .
قرأ أبو عمرو وابن كثيرٍ والكسائي: «فكَّ» : فعلاً ماضياً، و «رَقَبةٌ» : نصباً، «أو أطْعَمَ» : فعلاً ماضياً.
والباقون: «فكُّ» : يرفع الكاف اسماً، «رقَبَةٍ» : خفض بالإضافة، «أوْ إطْعَامٌ» : اسم مرفوع أيضاً.
فالقراءة الأولى: الفعل فيها، بدل من قوله: «اقتحم» ، فهو بيان له، فكأنه قيل: فلا فك رقبة ولا أطعم.
والثانية: مرتفع فيها: «فكُّ» ، على إضمار مبتدأ، أي: هو فك رقبة، «أو إطعام» على معنى الإباحة، وفي الكلام حذف مضاف، دل عليه «فلا اقتحم» ، تقديره: وما أدراك ما اقتحام العقبة، فالتقدير: اقتحام العقبة فك رقبة، أو إطعام، وإنما احتيج إلى تقدير هذا المضاف ليطابق المفسر والمفسر؛ ألا ترى أن المفسِّر - بكسر السين - مصدر، والمفسَّر - بفتح السين - وهو العقبة غير مصدر، فلو لم يقدر مضافاً، لكان المصدر، وهو «فك» مفسراً للعين، وهي العقبة.
وقرأ أميرُ المؤمنين وأبو رجاء: «فكَّ، أو أطعمَ» فعلين - كما تقدم - إلا أنهما نصبا: «ذا» الألف.
وقرأ الحسنُ: «إطعام» ، و «ذا» بالألف أيضاً، وهو على هاتين القراءتين: مفعول: «أطعم» ، أو «إطعام» ، و «يتيماً» حينئذ بدل منه أو نعت له، وهو في قراءة العامة: «ذي» بالياء: نعت ل «يوم» ، على سبيل المجاز، وصف اليوم بالجوع مبالغة، كقولهم: ليلك قائم، ونهارك صائم، والفاعل ل «إطعام» : محذوف، وهذا أحد المواضع التي يطرد فيها حذف الفاعل وحده عند البصريين.
فصل في الاستفهام في الآية
قال ابنُ زيدٍ، وجماعة من المفسرين: معنى الكلام الاستفهام على معنى الإنكار، تقديره: هلاَّ أقتحم العقبة، تقول: هلا أنفق ماله في فك الرقاب، وإطعام السغبان، فيكون خيراً له من إنفاقه في عداوة محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
فصل في الفرق بين الفك والرق
الفكّ: التفريق، ومنه فكُّ القيد وفكُّ الرقبة، فرق بينها وبين صفة الرق بإيجاد الحرفة، وإبطال العبودية، ومنه فكُّ الرهن، وهو إزالته عن المرتهن، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أيُّمَا امرئٍ مُسْلمٍ أعتقَ امْرءاً مُسْلِمَاً كَانَ فِكاكَه مِنَ النَّارِ يَجرِي على كُلِّ عَضوٍ مِنهُ عُضواً مِنهُ»
الحديث.
وسمي المرقوق رقبة؛ لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته، وسمي عتقها فكَّا كفك الأسير من الأسْر؛ قال: [البسيط]
5214 - كَمْ مِنْ أسِيرٍ فَكَكنَاهُ بِلاَ ثَمَنٍ ... وجَرِّ نَاصِيةٍ كُنَّا مَواليهَا
قال الماورديُّ: ويحتمل ثانياً: إنه أراد فك رقبته، وخلاص نفسه، باجتناب المعاصي، وفعل الطاعات، ولا يمتنع الخبر من هذا التأويل، وهو أشبه بالصواب.
فص في أن العتق أفضل من الصدقة
قال أبو حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: العِتْقُ أفضل من الصدقة، وعند صاحبيه الصدقة أفضل، والآية أدلّ على قول أبي حنيفة، لتقديم العتق على الصدقة.
قوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ، أي: مجاعة، والسَّغبُ: الجوع، والسَّاغبُ: الجائع.
قال شهابُ الدِّين: والمسغبةُ: الجوع مع التعب، وربما قيل في العطش مع التعب.
قال الراغب: يقال سغَبَ الرجل يسغبُ سغباً وسغوباً فهو ساغبٌ، وسغبان، والمسغبةُ: مفعل منه.
وأنشد أبو عبيدة: [الطويل]
5215 - فَلَوْ كُنْت جاراً يَا بْنَ قَيْسٍ بن عاصمٍ ... لمَا بتَّ شَبْعَاناً وجاركَ سَاغِبا فصل
إطعام الطعام فضيلة، وهو مع السغب الذي هو الجوع أفضل.
وقال النخعي في قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ، قال: في يوم عزيز فيه الطَّعام.
قوله: ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ ، أي: قرابة.
قال الزمخشريُّ: «والمَسْغبَةُ، والمَقربةُ، والمَتربةُ: مفعلات، من سغبَ إذا جاع، وقرب في النسب، قال: فلان ذو قرابتي وذو مقربتي، وترب إذا افتقر» .
وهذه الآية تدل على أن الصدقة على الأقارب، أفضل منها على الأجانب.
واليتيم: قال بعض العلماء: اليتيمُ في الناس من قبل الأب، وفي البهائمِ من قبلِ الأمَّهاتِ.
وقال بعضهم: اليتيمُ: «الذي يموت أبواه» .
قال قيس بن الملوح: [الطويل]
5216 - إلى اللهِ أشْكُو فَقْدَ لَيْلَى كَما شَكَا ... إلى الله فَقْدَ الوَالِدَيْنِ يَتِيمُ
ويقال: يتم الرجل يتماً: إذا ضعف.
قوله: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ ، أي: لا شيء له، حتى كأنه قد لصق بالتراب من الفقر يقال: ترب أي افتقر حتى لصق جلده بالتراب، فأما أترب بالألف فمعناه استغنى نحو: أثرى أي صار مالكه كالتراب وكالثرى.
قال المفسرون: هو الذي ليس له مأوى إلا التراب.
وقال ابن عباس: هو المطروح على الطريق الذي لا بيت له.
وقال مجاهد: الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره.
وقال قتادة: إنه ذو العيال.
وقال عكرمة عن ابن عباس: ذو المتربة هو البعيد عن وطنه، ليس له مأوى إلاَّ التراب.
فصل في أن المسكين قد يملك شيئاً
احتجوا بهذه الآية على أن المسكين قد يملك شيئاً؛ لأنه لو كان المسكين هو الذي لا يملك شيئاً - ألبتة - لكان تقييده بقوله: «ذا مَتْربة» تكرير.
قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ . التراخي في الإيمان، وتباعده في المرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة، لا في الوقت؛ لأن الإيمان هو السابق، ولا يثبت عمل إلاَّ به.
قاله الزمخشري وقيل: المعنى: ثُمَّ كان في عاقبة أمره من الذين وافوا الموت على الإيمان؛ لأنَّ الموافاة عليه شرط في الانتفاع بالطَّاعات.
وقيل: التراخي في الذكر.
قال المفسرون: معناه أنه لا يقتحم العقبة من فك رقبته، أو أطعم في يوم ذي مسغبة، حتى يكون من الذين آمنوا، أي: صدقوا، فإنّ شرط قبول الطاعات الإيمان بالله تعالى، فالإيمان بعد الإنفاق لا ينفع، قال تعالى في المنافقين: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله﴾ [التوبة: 54] .
وقيل: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ أي: فعل هذه الأشياء وهو مؤمن ثم بقي على إيمانه حتى الوفاة [فيكون المعنى: ثم كان مع تلك الطاعات من الذين آمنوا] ، نظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهتدى﴾ [طه: 82] .
وقيل: المعنى: ثم كان من الذين يؤمنون بأن هذا نافع لهم عند الله تعالى.
وقيل: أتى بهذه القرب لوجه الله - تعالى - ثم آمن بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: إن «ثُمَّ» بمعنى: الواو، أي: وكان هذا المعتق للرقبة، والمطعم في المسغبةِ، من الذين آمنوا.
قوله: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ ، أي: أوصى بعضهم بعضاً على طاعة الله، وعن معاصيه، وعلى ما أصابهم من البلاء والمصائب، ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة﴾ ، أي: بالرحمة على الخلق فإنَّهم إذا فعلوا ذلك، رحموا اليتيم والمسكين، ثم إنه تعالى بينهم، فقال تعالى: ﴿أولئك أَصْحَابُ الميمنة﴾ ، أي: الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، قاله محمد بن كعب القرظي.
[وقال يحيى بن سلام: لأنهم ميامين على أنفسهم.
وقال ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيمن.
وقال ميمون بن مهران لأن منزلتهم عن اليمين] .
قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا﴾ ، أي: القرآن، ﴿هُمْ أَصْحَابُ المشأمة﴾ أي: يأخذون كتبهم بشمائلهم قاله محمد بن كعب، وقال يحيى بن سلام: لأنهم مشائيم على أنفسهم.
وقال ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيسر.
وقال ميمون: لأن منزلتهم على اليسار.
قال القرطبي: ويجمع هذه الأقوال أن يقال: إن أصحاب الميمنة أصحاب الجنة، وأصحاب المشئمة أصحاب النار.
قوله: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾ ، قرأ أبو عمروٍ وحمزةُ وحفصٌ: بالهمزة.
والباقون: بلا همز.
فالقراءة الأولى: من «آصَدتُ الباب» أي: أغلقته، أوصده، فهو مؤصد، قيل: ويحتمل أن يكون من «أوْصدْتُ» ، ولكنه همز الواو السَّاكنة لضمة ما قبلها، كما همز ﴿بالسوق والأعناق﴾ [ص: 33] .
والقراءة الثانية - أيضاً - تحتمل المادتين، ويكون قد خفف الهمزة، لسكونها بعد ضمة.
وقد نقل الفرَّاء عن السوسي الذي قاعدته إبدال مثل هذه الهمزة، أنه لا يبدل هذه، وعللوا ذلك بالإلباس وأيقن أنه قرأ: «مؤصدة» بالواو من قاعدته تخفيف الهمزة.
والظاهر أن القراءتين من مادتين: الأولى من «آصَدَ يُوصِدُ» ك «أكرم يكرم» ، والثانية من «أوْصَدَ، يُوصِدُ» مثل «أوصل يوصل» .
وقال الشاعر: [الطويل]
5217 - تَحِنُّ إلى أجْبَالِ مكَّةَ نَاقتِي ... ومِنْ دُونهَا أبْوابُ صَنعاءُ مُؤصَدَهْ
أي: مغلقة؛ وقال آخر: [الكامل]
5218 - قَوْمٌ يُعَالِجُ قُمَّلاً أبْناؤُهُمْ ... وسَلاسِلاً حِلقاً وبَاباً مُؤصدا
وكان أبو بكر راوي عاصم يكره الهمز في هذا الحرف، وقال: لنا إمام يهمز: «مؤصدة» ، فأشتهي أن أسد أذني إذا سمعته.
قال شهابُ الدِّين: وكأنه لم يحفظ عن شيخه إلا ترك الهمزة مع حفظ حفص إياه عنه، وهو أضبط لحرفه من أبي بكر، على ما نقله الفراء، وإن كان أبو بكر أكبر وأتقن، وأوثق عند أهل الحديث.
وقال القرطبيُّ: وأهل اللغة يقولون: أوصدت الباب وآصدته، أي: أغلقته، فمن قال: أوصدت، فالاسم: الوصاد. ومن قال: آصدته، فالاسم: الإصاد.
قال الفراء: ويقال من هذا «الأصيد» ، وهو الباب المطبق، ومعنى «مؤصدة» أي: مغلقة.
قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ﴾ ، يجوز أن تكون جملة مستأنفة، وأن تكون خبراً ثانياً، وأن يكون الخبر وحده: «عَلَيْهِمْ» ، و «نارٌ» : فاصل به، وهو الأحسن.
وقيل: معنى «عليهم نار» ، أي: أحاطت النَّار بهم، كقوله تعالى: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29] . والله أعلم.
روى الثَّعلبيُّ عن أبيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ أعْطَاهُ اللهُ الأمْنَ مِنْ غَضبهِ يَوْمَ القِيامَةِ» .
سورة الشمس
البلد 90:13
قوله: ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ .
قال الفراءُ والزجاجُ: ذكر «لا» مرة واحدة، والعرب لا تكاد تفرد: «لا» مع الفعل الماضي، حتى تعيد «لا» ، كقوله تعالى: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ [القيامة: 31] وإنَّما أفردها لدلالة آخر الكلام على معناه، فيجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ قائماً مقام التكرير، فكأنه قال: فلا اقتحم العقبة ولا آمن.
وقال الزمخشريُّ: هي متكررة في المعنى؛ لأن معنى: «فلا اقتحم العقبة: فلا فكَّ رقبة، ولا أطعم مسكيناً» . ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك؟ .
قال أبو حيَّان: ولا يتم له هذا إلا على قراءة: «فكّ» فعلاً ماضياً.
وقال الزجاج والمبردُ وأبو عليٍّ، وذكره البخاري عن مجاهد: أن قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ} يدل على أن «لا» بمعنى: «لم» ، ولا يلزم التكرير مع «لم» ، فإن كررت «لا» كقوله: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ [القيامة: 31] ، فهو كقوله تعالى: ﴿لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ [الفرقان: 67] .
فصل في معنى الآية
المعنى: فهلاَّ أنفق ماله في اقتحام العقبة، الذي يزعم أنه أنفقه في عداوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هلا أنفقه في اقتحام العقبة، فيأمن، والاقتحامُ: الرمي بالنفس في شيء من غير روية، يقال منه: قحم في الأمر قُحُوماً، أي: رمى بنفسه فيه من غير روية، وقَحَّم الفرس فارسه تقحيماً على وجهه: إذا رماه وتقحيم النفس في الشيء: إدخالها فيه من غير روية، والقُحْمَةُ - بالضم - المهلكة والسَّنة الشديدة، يقال: أصاب العرب القُحْمَةُ: إذا أصابهم قحط [فدخلوا الريف] والقُحَمُ: صعاب الطريق.
وقال عطاء: يريد عقبة جهنم.
وقال مجاهدٌ والضحاك: هي الصراطُ.
قال الواحدي: وهذا فيه نظر؛ لأن من المعلوم أن هذا الإنسان وغيره، لم يقتحموا عقبة جهنم ولا جاوزوها.
وقال ابن العربي: قال مجاهد: اقتحام العقبة في الدنيا؛ لأنه فسره بعد ذلك، بقوله: «فكُّ رقَبةٍ» أو أطعم في يومٍ يتيماً، أو مسكيناً، وهذه الأعمال إنما تكون في الدنيا.
وقال الحسنُ ومقاتلٌ: هذا مثلٌ ضربه الله تعالى، لمجاهدة النفس، والشيطان في أعمال البر.
قال القفال: قوله تعالى: ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ ، معناه: فلا أنفق ماله فيما فيه اقتحام العقبة.
وقيل: معنى قوله تعالى: ﴿فَلاَ اقتحم﴾ دعاء، أي: فلا نجا ولا سلم، من لم ينفق ماله في كذا وكذا.
وقيل: شبه عظيم الذنوب، وثقلها بعقبةٍ، فإذا أعتق رقبة، أو عمل صالحاً، كان مثله مثل من اقتحم العقبة، وهي الذنوب تضره، وتؤذيه وتثقله.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا العقبة﴾ .
قال سفيان بن عيينة: كل شيء قال فيه: «وَمَا أدْرَاكَ» ، فقد أخبر به، وكل شيء قال فيه: «ومَا يُدرِيكَ» ، فإنه لم يخبره به، وما أدراك ما اقتحام العقبة، وهذا تعظيم لإلزام أمر الدين، والخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليعلمه اقتحام العقبة، ثم إنه تعالى فسر العقبة بقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ .
قوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ .
قرأ أبو عمرو وابن كثيرٍ والكسائي: «فكَّ» : فعلاً ماضياً، و «رَقَبةٌ» : نصباً، «أو أطْعَمَ» : فعلاً ماضياً.
والباقون: «فكُّ» : يرفع الكاف اسماً، «رقَبَةٍ» : خفض بالإضافة، «أوْ إطْعَامٌ» : اسم مرفوع أيضاً.
فالقراءة الأولى: الفعل فيها، بدل من قوله: «اقتحم» ، فهو بيان له، فكأنه قيل: فلا فك رقبة ولا أطعم.
والثانية: مرتفع فيها: «فكُّ» ، على إضمار مبتدأ، أي: هو فك رقبة، «أو إطعام» على معنى الإباحة، وفي الكلام حذف مضاف، دل عليه «فلا اقتحم» ، تقديره: وما أدراك ما اقتحام العقبة، فالتقدير: اقتحام العقبة فك رقبة، أو إطعام، وإنما احتيج إلى تقدير هذا المضاف ليطابق المفسر والمفسر؛ ألا ترى أن المفسِّر - بكسر السين - مصدر، والمفسَّر - بفتح السين - وهو العقبة غير مصدر، فلو لم يقدر مضافاً، لكان المصدر، وهو «فك» مفسراً للعين، وهي العقبة.
وقرأ أميرُ المؤمنين وأبو رجاء: «فكَّ، أو أطعمَ» فعلين - كما تقدم - إلا أنهما نصبا: «ذا» الألف.
وقرأ الحسنُ: «إطعام» ، و «ذا» بالألف أيضاً، وهو على هاتين القراءتين: مفعول: «أطعم» ، أو «إطعام» ، و «يتيماً» حينئذ بدل منه أو نعت له، وهو في قراءة العامة: «ذي» بالياء: نعت ل «يوم» ، على سبيل المجاز، وصف اليوم بالجوع مبالغة، كقولهم: ليلك قائم، ونهارك صائم، والفاعل ل «إطعام» : محذوف، وهذا أحد المواضع التي يطرد فيها حذف الفاعل وحده عند البصريين.
فصل في الاستفهام في الآية
قال ابنُ زيدٍ، وجماعة من المفسرين: معنى الكلام الاستفهام على معنى الإنكار، تقديره: هلاَّ أقتحم العقبة، تقول: هلا أنفق ماله في فك الرقاب، وإطعام السغبان، فيكون خيراً له من إنفاقه في عداوة محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
فصل في الفرق بين الفك والرق
الفكّ: التفريق، ومنه فكُّ القيد وفكُّ الرقبة، فرق بينها وبين صفة الرق بإيجاد الحرفة، وإبطال العبودية، ومنه فكُّ الرهن، وهو إزالته عن المرتهن، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أيُّمَا امرئٍ مُسْلمٍ أعتقَ امْرءاً مُسْلِمَاً كَانَ فِكاكَه مِنَ النَّارِ يَجرِي على كُلِّ عَضوٍ مِنهُ عُضواً مِنهُ»
الحديث.
وسمي المرقوق رقبة؛ لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته، وسمي عتقها فكَّا كفك الأسير من الأسْر؛ قال: [البسيط]
5214 - كَمْ مِنْ أسِيرٍ فَكَكنَاهُ بِلاَ ثَمَنٍ ... وجَرِّ نَاصِيةٍ كُنَّا مَواليهَا
قال الماورديُّ: ويحتمل ثانياً: إنه أراد فك رقبته، وخلاص نفسه، باجتناب المعاصي، وفعل الطاعات، ولا يمتنع الخبر من هذا التأويل، وهو أشبه بالصواب.
فص في أن العتق أفضل من الصدقة
قال أبو حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: العِتْقُ أفضل من الصدقة، وعند صاحبيه الصدقة أفضل، والآية أدلّ على قول أبي حنيفة، لتقديم العتق على الصدقة.
قوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ، أي: مجاعة، والسَّغبُ: الجوع، والسَّاغبُ: الجائع.
قال شهابُ الدِّين: والمسغبةُ: الجوع مع التعب، وربما قيل في العطش مع التعب.
قال الراغب: يقال سغَبَ الرجل يسغبُ سغباً وسغوباً فهو ساغبٌ، وسغبان، والمسغبةُ: مفعل منه.
وأنشد أبو عبيدة: [الطويل]
5215 - فَلَوْ كُنْت جاراً يَا بْنَ قَيْسٍ بن عاصمٍ ... لمَا بتَّ شَبْعَاناً وجاركَ سَاغِبا فصل
إطعام الطعام فضيلة، وهو مع السغب الذي هو الجوع أفضل.
وقال النخعي في قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ، قال: في يوم عزيز فيه الطَّعام.
قوله: ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ ، أي: قرابة.
قال الزمخشريُّ: «والمَسْغبَةُ، والمَقربةُ، والمَتربةُ: مفعلات، من سغبَ إذا جاع، وقرب في النسب، قال: فلان ذو قرابتي وذو مقربتي، وترب إذا افتقر» .
وهذه الآية تدل على أن الصدقة على الأقارب، أفضل منها على الأجانب.
واليتيم: قال بعض العلماء: اليتيمُ في الناس من قبل الأب، وفي البهائمِ من قبلِ الأمَّهاتِ.
وقال بعضهم: اليتيمُ: «الذي يموت أبواه» .
قال قيس بن الملوح: [الطويل]
5216 - إلى اللهِ أشْكُو فَقْدَ لَيْلَى كَما شَكَا ... إلى الله فَقْدَ الوَالِدَيْنِ يَتِيمُ
ويقال: يتم الرجل يتماً: إذا ضعف.
قوله: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ ، أي: لا شيء له، حتى كأنه قد لصق بالتراب من الفقر يقال: ترب أي افتقر حتى لصق جلده بالتراب، فأما أترب بالألف فمعناه استغنى نحو: أثرى أي صار مالكه كالتراب وكالثرى.
قال المفسرون: هو الذي ليس له مأوى إلا التراب.
وقال ابن عباس: هو المطروح على الطريق الذي لا بيت له.
وقال مجاهد: الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره.
وقال قتادة: إنه ذو العيال.
وقال عكرمة عن ابن عباس: ذو المتربة هو البعيد عن وطنه، ليس له مأوى إلاَّ التراب.
فصل في أن المسكين قد يملك شيئاً
احتجوا بهذه الآية على أن المسكين قد يملك شيئاً؛ لأنه لو كان المسكين هو الذي لا يملك شيئاً - ألبتة - لكان تقييده بقوله: «ذا مَتْربة» تكرير.
قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ . التراخي في الإيمان، وتباعده في المرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة، لا في الوقت؛ لأن الإيمان هو السابق، ولا يثبت عمل إلاَّ به.
قاله الزمخشري وقيل: المعنى: ثُمَّ كان في عاقبة أمره من الذين وافوا الموت على الإيمان؛ لأنَّ الموافاة عليه شرط في الانتفاع بالطَّاعات.
وقيل: التراخي في الذكر.
قال المفسرون: معناه أنه لا يقتحم العقبة من فك رقبته، أو أطعم في يوم ذي مسغبة، حتى يكون من الذين آمنوا، أي: صدقوا، فإنّ شرط قبول الطاعات الإيمان بالله تعالى، فالإيمان بعد الإنفاق لا ينفع، قال تعالى في المنافقين: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله﴾ [التوبة: 54] .
وقيل: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ أي: فعل هذه الأشياء وهو مؤمن ثم بقي على إيمانه حتى الوفاة [فيكون المعنى: ثم كان مع تلك الطاعات من الذين آمنوا] ، نظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهتدى﴾ [طه: 82] .
وقيل: المعنى: ثم كان من الذين يؤمنون بأن هذا نافع لهم عند الله تعالى.
وقيل: أتى بهذه القرب لوجه الله - تعالى - ثم آمن بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: إن «ثُمَّ» بمعنى: الواو، أي: وكان هذا المعتق للرقبة، والمطعم في المسغبةِ، من الذين آمنوا.
قوله: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ ، أي: أوصى بعضهم بعضاً على طاعة الله، وعن معاصيه، وعلى ما أصابهم من البلاء والمصائب، ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة﴾ ، أي: بالرحمة على الخلق فإنَّهم إذا فعلوا ذلك، رحموا اليتيم والمسكين، ثم إنه تعالى بينهم، فقال تعالى: ﴿أولئك أَصْحَابُ الميمنة﴾ ، أي: الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، قاله محمد بن كعب القرظي.
[وقال يحيى بن سلام: لأنهم ميامين على أنفسهم.
وقال ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيمن.
وقال ميمون بن مهران لأن منزلتهم عن اليمين] .
قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا﴾ ، أي: القرآن، ﴿هُمْ أَصْحَابُ المشأمة﴾ أي: يأخذون كتبهم بشمائلهم قاله محمد بن كعب، وقال يحيى بن سلام: لأنهم مشائيم على أنفسهم.
وقال ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيسر.
وقال ميمون: لأن منزلتهم على اليسار.
قال القرطبي: ويجمع هذه الأقوال أن يقال: إن أصحاب الميمنة أصحاب الجنة، وأصحاب المشئمة أصحاب النار.
قوله: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾ ، قرأ أبو عمروٍ وحمزةُ وحفصٌ: بالهمزة.
والباقون: بلا همز.
فالقراءة الأولى: من «آصَدتُ الباب» أي: أغلقته، أوصده، فهو مؤصد، قيل: ويحتمل أن يكون من «أوْصدْتُ» ، ولكنه همز الواو السَّاكنة لضمة ما قبلها، كما همز ﴿بالسوق والأعناق﴾ [ص: 33] .
والقراءة الثانية - أيضاً - تحتمل المادتين، ويكون قد خفف الهمزة، لسكونها بعد ضمة.
وقد نقل الفرَّاء عن السوسي الذي قاعدته إبدال مثل هذه الهمزة، أنه لا يبدل هذه، وعللوا ذلك بالإلباس وأيقن أنه قرأ: «مؤصدة» بالواو من قاعدته تخفيف الهمزة.
والظاهر أن القراءتين من مادتين: الأولى من «آصَدَ يُوصِدُ» ك «أكرم يكرم» ، والثانية من «أوْصَدَ، يُوصِدُ» مثل «أوصل يوصل» .
وقال الشاعر: [الطويل]
5217 - تَحِنُّ إلى أجْبَالِ مكَّةَ نَاقتِي ... ومِنْ دُونهَا أبْوابُ صَنعاءُ مُؤصَدَهْ
أي: مغلقة؛ وقال آخر: [الكامل]
5218 - قَوْمٌ يُعَالِجُ قُمَّلاً أبْناؤُهُمْ ... وسَلاسِلاً حِلقاً وبَاباً مُؤصدا
وكان أبو بكر راوي عاصم يكره الهمز في هذا الحرف، وقال: لنا إمام يهمز: «مؤصدة» ، فأشتهي أن أسد أذني إذا سمعته.
قال شهابُ الدِّين: وكأنه لم يحفظ عن شيخه إلا ترك الهمزة مع حفظ حفص إياه عنه، وهو أضبط لحرفه من أبي بكر، على ما نقله الفراء، وإن كان أبو بكر أكبر وأتقن، وأوثق عند أهل الحديث.
وقال القرطبيُّ: وأهل اللغة يقولون: أوصدت الباب وآصدته، أي: أغلقته، فمن قال: أوصدت، فالاسم: الوصاد. ومن قال: آصدته، فالاسم: الإصاد.
قال الفراء: ويقال من هذا «الأصيد» ، وهو الباب المطبق، ومعنى «مؤصدة» أي: مغلقة.
قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ﴾ ، يجوز أن تكون جملة مستأنفة، وأن تكون خبراً ثانياً، وأن يكون الخبر وحده: «عَلَيْهِمْ» ، و «نارٌ» : فاصل به، وهو الأحسن.
وقيل: معنى «عليهم نار» ، أي: أحاطت النَّار بهم، كقوله تعالى: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29] . والله أعلم.
روى الثَّعلبيُّ عن أبيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ أعْطَاهُ اللهُ الأمْنَ مِنْ غَضبهِ يَوْمَ القِيامَةِ» .
سورة الشمس
البلد 90:14
قوله: ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ .
قال الفراءُ والزجاجُ: ذكر «لا» مرة واحدة، والعرب لا تكاد تفرد: «لا» مع الفعل الماضي، حتى تعيد «لا» ، كقوله تعالى: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ [القيامة: 31] وإنَّما أفردها لدلالة آخر الكلام على معناه، فيجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ قائماً مقام التكرير، فكأنه قال: فلا اقتحم العقبة ولا آمن.
وقال الزمخشريُّ: هي متكررة في المعنى؛ لأن معنى: «فلا اقتحم العقبة: فلا فكَّ رقبة، ولا أطعم مسكيناً» . ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك؟ .
قال أبو حيَّان: ولا يتم له هذا إلا على قراءة: «فكّ» فعلاً ماضياً.
وقال الزجاج والمبردُ وأبو عليٍّ، وذكره البخاري عن مجاهد: أن قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ} يدل على أن «لا» بمعنى: «لم» ، ولا يلزم التكرير مع «لم» ، فإن كررت «لا» كقوله: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ [القيامة: 31] ، فهو كقوله تعالى: ﴿لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ [الفرقان: 67] .
فصل في معنى الآية
المعنى: فهلاَّ أنفق ماله في اقتحام العقبة، الذي يزعم أنه أنفقه في عداوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هلا أنفقه في اقتحام العقبة، فيأمن، والاقتحامُ: الرمي بالنفس في شيء من غير روية، يقال منه: قحم في الأمر قُحُوماً، أي: رمى بنفسه فيه من غير روية، وقَحَّم الفرس فارسه تقحيماً على وجهه: إذا رماه وتقحيم النفس في الشيء: إدخالها فيه من غير روية، والقُحْمَةُ - بالضم - المهلكة والسَّنة الشديدة، يقال: أصاب العرب القُحْمَةُ: إذا أصابهم قحط [فدخلوا الريف] والقُحَمُ: صعاب الطريق.
وقال عطاء: يريد عقبة جهنم.
وقال مجاهدٌ والضحاك: هي الصراطُ.
قال الواحدي: وهذا فيه نظر؛ لأن من المعلوم أن هذا الإنسان وغيره، لم يقتحموا عقبة جهنم ولا جاوزوها.
وقال ابن العربي: قال مجاهد: اقتحام العقبة في الدنيا؛ لأنه فسره بعد ذلك، بقوله: «فكُّ رقَبةٍ» أو أطعم في يومٍ يتيماً، أو مسكيناً، وهذه الأعمال إنما تكون في الدنيا.
وقال الحسنُ ومقاتلٌ: هذا مثلٌ ضربه الله تعالى، لمجاهدة النفس، والشيطان في أعمال البر.
قال القفال: قوله تعالى: ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ ، معناه: فلا أنفق ماله فيما فيه اقتحام العقبة.
وقيل: معنى قوله تعالى: ﴿فَلاَ اقتحم﴾ دعاء، أي: فلا نجا ولا سلم، من لم ينفق ماله في كذا وكذا.
وقيل: شبه عظيم الذنوب، وثقلها بعقبةٍ، فإذا أعتق رقبة، أو عمل صالحاً، كان مثله مثل من اقتحم العقبة، وهي الذنوب تضره، وتؤذيه وتثقله.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا العقبة﴾ .
قال سفيان بن عيينة: كل شيء قال فيه: «وَمَا أدْرَاكَ» ، فقد أخبر به، وكل شيء قال فيه: «ومَا يُدرِيكَ» ، فإنه لم يخبره به، وما أدراك ما اقتحام العقبة، وهذا تعظيم لإلزام أمر الدين، والخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليعلمه اقتحام العقبة، ثم إنه تعالى فسر العقبة بقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ .
قوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ .
قرأ أبو عمرو وابن كثيرٍ والكسائي: «فكَّ» : فعلاً ماضياً، و «رَقَبةٌ» : نصباً، «أو أطْعَمَ» : فعلاً ماضياً.
والباقون: «فكُّ» : يرفع الكاف اسماً، «رقَبَةٍ» : خفض بالإضافة، «أوْ إطْعَامٌ» : اسم مرفوع أيضاً.
فالقراءة الأولى: الفعل فيها، بدل من قوله: «اقتحم» ، فهو بيان له، فكأنه قيل: فلا فك رقبة ولا أطعم.
والثانية: مرتفع فيها: «فكُّ» ، على إضمار مبتدأ، أي: هو فك رقبة، «أو إطعام» على معنى الإباحة، وفي الكلام حذف مضاف، دل عليه «فلا اقتحم» ، تقديره: وما أدراك ما اقتحام العقبة، فالتقدير: اقتحام العقبة فك رقبة، أو إطعام، وإنما احتيج إلى تقدير هذا المضاف ليطابق المفسر والمفسر؛ ألا ترى أن المفسِّر - بكسر السين - مصدر، والمفسَّر - بفتح السين - وهو العقبة غير مصدر، فلو لم يقدر مضافاً، لكان المصدر، وهو «فك» مفسراً للعين، وهي العقبة.
وقرأ أميرُ المؤمنين وأبو رجاء: «فكَّ، أو أطعمَ» فعلين - كما تقدم - إلا أنهما نصبا: «ذا» الألف.
وقرأ الحسنُ: «إطعام» ، و «ذا» بالألف أيضاً، وهو على هاتين القراءتين: مفعول: «أطعم» ، أو «إطعام» ، و «يتيماً» حينئذ بدل منه أو نعت له، وهو في قراءة العامة: «ذي» بالياء: نعت ل «يوم» ، على سبيل المجاز، وصف اليوم بالجوع مبالغة، كقولهم: ليلك قائم، ونهارك صائم، والفاعل ل «إطعام» : محذوف، وهذا أحد المواضع التي يطرد فيها حذف الفاعل وحده عند البصريين.
فصل في الاستفهام في الآية
قال ابنُ زيدٍ، وجماعة من المفسرين: معنى الكلام الاستفهام على معنى الإنكار، تقديره: هلاَّ أقتحم العقبة، تقول: هلا أنفق ماله في فك الرقاب، وإطعام السغبان، فيكون خيراً له من إنفاقه في عداوة محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
فصل في الفرق بين الفك والرق
الفكّ: التفريق، ومنه فكُّ القيد وفكُّ الرقبة، فرق بينها وبين صفة الرق بإيجاد الحرفة، وإبطال العبودية، ومنه فكُّ الرهن، وهو إزالته عن المرتهن، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أيُّمَا امرئٍ مُسْلمٍ أعتقَ امْرءاً مُسْلِمَاً كَانَ فِكاكَه مِنَ النَّارِ يَجرِي على كُلِّ عَضوٍ مِنهُ عُضواً مِنهُ»
الحديث.
وسمي المرقوق رقبة؛ لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته، وسمي عتقها فكَّا كفك الأسير من الأسْر؛ قال: [البسيط]
5214 - كَمْ مِنْ أسِيرٍ فَكَكنَاهُ بِلاَ ثَمَنٍ ... وجَرِّ نَاصِيةٍ كُنَّا مَواليهَا
قال الماورديُّ: ويحتمل ثانياً: إنه أراد فك رقبته، وخلاص نفسه، باجتناب المعاصي، وفعل الطاعات، ولا يمتنع الخبر من هذا التأويل، وهو أشبه بالصواب.
فص في أن العتق أفضل من الصدقة
قال أبو حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: العِتْقُ أفضل من الصدقة، وعند صاحبيه الصدقة أفضل، والآية أدلّ على قول أبي حنيفة، لتقديم العتق على الصدقة.
قوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ، أي: مجاعة، والسَّغبُ: الجوع، والسَّاغبُ: الجائع.
قال شهابُ الدِّين: والمسغبةُ: الجوع مع التعب، وربما قيل في العطش مع التعب.
قال الراغب: يقال سغَبَ الرجل يسغبُ سغباً وسغوباً فهو ساغبٌ، وسغبان، والمسغبةُ: مفعل منه.
وأنشد أبو عبيدة: [الطويل]
5215 - فَلَوْ كُنْت جاراً يَا بْنَ قَيْسٍ بن عاصمٍ ... لمَا بتَّ شَبْعَاناً وجاركَ سَاغِبا فصل
إطعام الطعام فضيلة، وهو مع السغب الذي هو الجوع أفضل.
وقال النخعي في قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ، قال: في يوم عزيز فيه الطَّعام.
قوله: ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ ، أي: قرابة.
قال الزمخشريُّ: «والمَسْغبَةُ، والمَقربةُ، والمَتربةُ: مفعلات، من سغبَ إذا جاع، وقرب في النسب، قال: فلان ذو قرابتي وذو مقربتي، وترب إذا افتقر» .
وهذه الآية تدل على أن الصدقة على الأقارب، أفضل منها على الأجانب.
واليتيم: قال بعض العلماء: اليتيمُ في الناس من قبل الأب، وفي البهائمِ من قبلِ الأمَّهاتِ.
وقال بعضهم: اليتيمُ: «الذي يموت أبواه» .
قال قيس بن الملوح: [الطويل]
5216 - إلى اللهِ أشْكُو فَقْدَ لَيْلَى كَما شَكَا ... إلى الله فَقْدَ الوَالِدَيْنِ يَتِيمُ
ويقال: يتم الرجل يتماً: إذا ضعف.
قوله: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ ، أي: لا شيء له، حتى كأنه قد لصق بالتراب من الفقر يقال: ترب أي افتقر حتى لصق جلده بالتراب، فأما أترب بالألف فمعناه استغنى نحو: أثرى أي صار مالكه كالتراب وكالثرى.
قال المفسرون: هو الذي ليس له مأوى إلا التراب.
وقال ابن عباس: هو المطروح على الطريق الذي لا بيت له.
وقال مجاهد: الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره.
وقال قتادة: إنه ذو العيال.
وقال عكرمة عن ابن عباس: ذو المتربة هو البعيد عن وطنه، ليس له مأوى إلاَّ التراب.
فصل في أن المسكين قد يملك شيئاً
احتجوا بهذه الآية على أن المسكين قد يملك شيئاً؛ لأنه لو كان المسكين هو الذي لا يملك شيئاً - ألبتة - لكان تقييده بقوله: «ذا مَتْربة» تكرير.
قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ . التراخي في الإيمان، وتباعده في المرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة، لا في الوقت؛ لأن الإيمان هو السابق، ولا يثبت عمل إلاَّ به.
قاله الزمخشري وقيل: المعنى: ثُمَّ كان في عاقبة أمره من الذين وافوا الموت على الإيمان؛ لأنَّ الموافاة عليه شرط في الانتفاع بالطَّاعات.
وقيل: التراخي في الذكر.
قال المفسرون: معناه أنه لا يقتحم العقبة من فك رقبته، أو أطعم في يوم ذي مسغبة، حتى يكون من الذين آمنوا، أي: صدقوا، فإنّ شرط قبول الطاعات الإيمان بالله تعالى، فالإيمان بعد الإنفاق لا ينفع، قال تعالى في المنافقين: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله﴾ [التوبة: 54] .
وقيل: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ أي: فعل هذه الأشياء وهو مؤمن ثم بقي على إيمانه حتى الوفاة [فيكون المعنى: ثم كان مع تلك الطاعات من الذين آمنوا] ، نظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهتدى﴾ [طه: 82] .
وقيل: المعنى: ثم كان من الذين يؤمنون بأن هذا نافع لهم عند الله تعالى.
وقيل: أتى بهذه القرب لوجه الله - تعالى - ثم آمن بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: إن «ثُمَّ» بمعنى: الواو، أي: وكان هذا المعتق للرقبة، والمطعم في المسغبةِ، من الذين آمنوا.
قوله: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ ، أي: أوصى بعضهم بعضاً على طاعة الله، وعن معاصيه، وعلى ما أصابهم من البلاء والمصائب، ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة﴾ ، أي: بالرحمة على الخلق فإنَّهم إذا فعلوا ذلك، رحموا اليتيم والمسكين، ثم إنه تعالى بينهم، فقال تعالى: ﴿أولئك أَصْحَابُ الميمنة﴾ ، أي: الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، قاله محمد بن كعب القرظي.
[وقال يحيى بن سلام: لأنهم ميامين على أنفسهم.
وقال ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيمن.
وقال ميمون بن مهران لأن منزلتهم عن اليمين] .
قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا﴾ ، أي: القرآن، ﴿هُمْ أَصْحَابُ المشأمة﴾ أي: يأخذون كتبهم بشمائلهم قاله محمد بن كعب، وقال يحيى بن سلام: لأنهم مشائيم على أنفسهم.
وقال ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيسر.
وقال ميمون: لأن منزلتهم على اليسار.
قال القرطبي: ويجمع هذه الأقوال أن يقال: إن أصحاب الميمنة أصحاب الجنة، وأصحاب المشئمة أصحاب النار.
قوله: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾ ، قرأ أبو عمروٍ وحمزةُ وحفصٌ: بالهمزة.
والباقون: بلا همز.
فالقراءة الأولى: من «آصَدتُ الباب» أي: أغلقته، أوصده، فهو مؤصد، قيل: ويحتمل أن يكون من «أوْصدْتُ» ، ولكنه همز الواو السَّاكنة لضمة ما قبلها، كما همز ﴿بالسوق والأعناق﴾ [ص: 33] .
والقراءة الثانية - أيضاً - تحتمل المادتين، ويكون قد خفف الهمزة، لسكونها بعد ضمة.
وقد نقل الفرَّاء عن السوسي الذي قاعدته إبدال مثل هذه الهمزة، أنه لا يبدل هذه، وعللوا ذلك بالإلباس وأيقن أنه قرأ: «مؤصدة» بالواو من قاعدته تخفيف الهمزة.
والظاهر أن القراءتين من مادتين: الأولى من «آصَدَ يُوصِدُ» ك «أكرم يكرم» ، والثانية من «أوْصَدَ، يُوصِدُ» مثل «أوصل يوصل» .
وقال الشاعر: [الطويل]
5217 - تَحِنُّ إلى أجْبَالِ مكَّةَ نَاقتِي ... ومِنْ دُونهَا أبْوابُ صَنعاءُ مُؤصَدَهْ
أي: مغلقة؛ وقال آخر: [الكامل]
5218 - قَوْمٌ يُعَالِجُ قُمَّلاً أبْناؤُهُمْ ... وسَلاسِلاً حِلقاً وبَاباً مُؤصدا
وكان أبو بكر راوي عاصم يكره الهمز في هذا الحرف، وقال: لنا إمام يهمز: «مؤصدة» ، فأشتهي أن أسد أذني إذا سمعته.
قال شهابُ الدِّين: وكأنه لم يحفظ عن شيخه إلا ترك الهمزة مع حفظ حفص إياه عنه، وهو أضبط لحرفه من أبي بكر، على ما نقله الفراء، وإن كان أبو بكر أكبر وأتقن، وأوثق عند أهل الحديث.
وقال القرطبيُّ: وأهل اللغة يقولون: أوصدت الباب وآصدته، أي: أغلقته، فمن قال: أوصدت، فالاسم: الوصاد. ومن قال: آصدته، فالاسم: الإصاد.
قال الفراء: ويقال من هذا «الأصيد» ، وهو الباب المطبق، ومعنى «مؤصدة» أي: مغلقة.
قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ﴾ ، يجوز أن تكون جملة مستأنفة، وأن تكون خبراً ثانياً، وأن يكون الخبر وحده: «عَلَيْهِمْ» ، و «نارٌ» : فاصل به، وهو الأحسن.
وقيل: معنى «عليهم نار» ، أي: أحاطت النَّار بهم، كقوله تعالى: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29] . والله أعلم.
روى الثَّعلبيُّ عن أبيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ أعْطَاهُ اللهُ الأمْنَ مِنْ غَضبهِ يَوْمَ القِيامَةِ» .
سورة الشمس
البلد 90:15
قوله: ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ .
قال الفراءُ والزجاجُ: ذكر «لا» مرة واحدة، والعرب لا تكاد تفرد: «لا» مع الفعل الماضي، حتى تعيد «لا» ، كقوله تعالى: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ [القيامة: 31] وإنَّما أفردها لدلالة آخر الكلام على معناه، فيجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ قائماً مقام التكرير، فكأنه قال: فلا اقتحم العقبة ولا آمن.
وقال الزمخشريُّ: هي متكررة في المعنى؛ لأن معنى: «فلا اقتحم العقبة: فلا فكَّ رقبة، ولا أطعم مسكيناً» . ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك؟ .
قال أبو حيَّان: ولا يتم له هذا إلا على قراءة: «فكّ» فعلاً ماضياً.
وقال الزجاج والمبردُ وأبو عليٍّ، وذكره البخاري عن مجاهد: أن قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ} يدل على أن «لا» بمعنى: «لم» ، ولا يلزم التكرير مع «لم» ، فإن كررت «لا» كقوله: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ [القيامة: 31] ، فهو كقوله تعالى: ﴿لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ [الفرقان: 67] .
فصل في معنى الآية
المعنى: فهلاَّ أنفق ماله في اقتحام العقبة، الذي يزعم أنه أنفقه في عداوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هلا أنفقه في اقتحام العقبة، فيأمن، والاقتحامُ: الرمي بالنفس في شيء من غير روية، يقال منه: قحم في الأمر قُحُوماً، أي: رمى بنفسه فيه من غير روية، وقَحَّم الفرس فارسه تقحيماً على وجهه: إذا رماه وتقحيم النفس في الشيء: إدخالها فيه من غير روية، والقُحْمَةُ - بالضم - المهلكة والسَّنة الشديدة، يقال: أصاب العرب القُحْمَةُ: إذا أصابهم قحط [فدخلوا الريف] والقُحَمُ: صعاب الطريق.
وقال عطاء: يريد عقبة جهنم.
وقال مجاهدٌ والضحاك: هي الصراطُ.
قال الواحدي: وهذا فيه نظر؛ لأن من المعلوم أن هذا الإنسان وغيره، لم يقتحموا عقبة جهنم ولا جاوزوها.
وقال ابن العربي: قال مجاهد: اقتحام العقبة في الدنيا؛ لأنه فسره بعد ذلك، بقوله: «فكُّ رقَبةٍ» أو أطعم في يومٍ يتيماً، أو مسكيناً، وهذه الأعمال إنما تكون في الدنيا.
وقال الحسنُ ومقاتلٌ: هذا مثلٌ ضربه الله تعالى، لمجاهدة النفس، والشيطان في أعمال البر.
قال القفال: قوله تعالى: ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ ، معناه: فلا أنفق ماله فيما فيه اقتحام العقبة.
وقيل: معنى قوله تعالى: ﴿فَلاَ اقتحم﴾ دعاء، أي: فلا نجا ولا سلم، من لم ينفق ماله في كذا وكذا.
وقيل: شبه عظيم الذنوب، وثقلها بعقبةٍ، فإذا أعتق رقبة، أو عمل صالحاً، كان مثله مثل من اقتحم العقبة، وهي الذنوب تضره، وتؤذيه وتثقله.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا العقبة﴾ .
قال سفيان بن عيينة: كل شيء قال فيه: «وَمَا أدْرَاكَ» ، فقد أخبر به، وكل شيء قال فيه: «ومَا يُدرِيكَ» ، فإنه لم يخبره به، وما أدراك ما اقتحام العقبة، وهذا تعظيم لإلزام أمر الدين، والخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليعلمه اقتحام العقبة، ثم إنه تعالى فسر العقبة بقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ .
قوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ .
قرأ أبو عمرو وابن كثيرٍ والكسائي: «فكَّ» : فعلاً ماضياً، و «رَقَبةٌ» : نصباً، «أو أطْعَمَ» : فعلاً ماضياً.
والباقون: «فكُّ» : يرفع الكاف اسماً، «رقَبَةٍ» : خفض بالإضافة، «أوْ إطْعَامٌ» : اسم مرفوع أيضاً.
فالقراءة الأولى: الفعل فيها، بدل من قوله: «اقتحم» ، فهو بيان له، فكأنه قيل: فلا فك رقبة ولا أطعم.
والثانية: مرتفع فيها: «فكُّ» ، على إضمار مبتدأ، أي: هو فك رقبة، «أو إطعام» على معنى الإباحة، وفي الكلام حذف مضاف، دل عليه «فلا اقتحم» ، تقديره: وما أدراك ما اقتحام العقبة، فالتقدير: اقتحام العقبة فك رقبة، أو إطعام، وإنما احتيج إلى تقدير هذا المضاف ليطابق المفسر والمفسر؛ ألا ترى أن المفسِّر - بكسر السين - مصدر، والمفسَّر - بفتح السين - وهو العقبة غير مصدر، فلو لم يقدر مضافاً، لكان المصدر، وهو «فك» مفسراً للعين، وهي العقبة.
وقرأ أميرُ المؤمنين وأبو رجاء: «فكَّ، أو أطعمَ» فعلين - كما تقدم - إلا أنهما نصبا: «ذا» الألف.
وقرأ الحسنُ: «إطعام» ، و «ذا» بالألف أيضاً، وهو على هاتين القراءتين: مفعول: «أطعم» ، أو «إطعام» ، و «يتيماً» حينئذ بدل منه أو نعت له، وهو في قراءة العامة: «ذي» بالياء: نعت ل «يوم» ، على سبيل المجاز، وصف اليوم بالجوع مبالغة، كقولهم: ليلك قائم، ونهارك صائم، والفاعل ل «إطعام» : محذوف، وهذا أحد المواضع التي يطرد فيها حذف الفاعل وحده عند البصريين.
فصل في الاستفهام في الآية
قال ابنُ زيدٍ، وجماعة من المفسرين: معنى الكلام الاستفهام على معنى الإنكار، تقديره: هلاَّ أقتحم العقبة، تقول: هلا أنفق ماله في فك الرقاب، وإطعام السغبان، فيكون خيراً له من إنفاقه في عداوة محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
فصل في الفرق بين الفك والرق
الفكّ: التفريق، ومنه فكُّ القيد وفكُّ الرقبة، فرق بينها وبين صفة الرق بإيجاد الحرفة، وإبطال العبودية، ومنه فكُّ الرهن، وهو إزالته عن المرتهن، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أيُّمَا امرئٍ مُسْلمٍ أعتقَ امْرءاً مُسْلِمَاً كَانَ فِكاكَه مِنَ النَّارِ يَجرِي على كُلِّ عَضوٍ مِنهُ عُضواً مِنهُ»
الحديث.
وسمي المرقوق رقبة؛ لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته، وسمي عتقها فكَّا كفك الأسير من الأسْر؛ قال: [البسيط]
5214 - كَمْ مِنْ أسِيرٍ فَكَكنَاهُ بِلاَ ثَمَنٍ ... وجَرِّ نَاصِيةٍ كُنَّا مَواليهَا
قال الماورديُّ: ويحتمل ثانياً: إنه أراد فك رقبته، وخلاص نفسه، باجتناب المعاصي، وفعل الطاعات، ولا يمتنع الخبر من هذا التأويل، وهو أشبه بالصواب.
فص في أن العتق أفضل من الصدقة
قال أبو حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: العِتْقُ أفضل من الصدقة، وعند صاحبيه الصدقة أفضل، والآية أدلّ على قول أبي حنيفة، لتقديم العتق على الصدقة.
قوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ، أي: مجاعة، والسَّغبُ: الجوع، والسَّاغبُ: الجائع.
قال شهابُ الدِّين: والمسغبةُ: الجوع مع التعب، وربما قيل في العطش مع التعب.
قال الراغب: يقال سغَبَ الرجل يسغبُ سغباً وسغوباً فهو ساغبٌ، وسغبان، والمسغبةُ: مفعل منه.
وأنشد أبو عبيدة: [الطويل]
5215 - فَلَوْ كُنْت جاراً يَا بْنَ قَيْسٍ بن عاصمٍ ... لمَا بتَّ شَبْعَاناً وجاركَ سَاغِبا فصل
إطعام الطعام فضيلة، وهو مع السغب الذي هو الجوع أفضل.
وقال النخعي في قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ، قال: في يوم عزيز فيه الطَّعام.
قوله: ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ ، أي: قرابة.
قال الزمخشريُّ: «والمَسْغبَةُ، والمَقربةُ، والمَتربةُ: مفعلات، من سغبَ إذا جاع، وقرب في النسب، قال: فلان ذو قرابتي وذو مقربتي، وترب إذا افتقر» .
وهذه الآية تدل على أن الصدقة على الأقارب، أفضل منها على الأجانب.
واليتيم: قال بعض العلماء: اليتيمُ في الناس من قبل الأب، وفي البهائمِ من قبلِ الأمَّهاتِ.
وقال بعضهم: اليتيمُ: «الذي يموت أبواه» .
قال قيس بن الملوح: [الطويل]
5216 - إلى اللهِ أشْكُو فَقْدَ لَيْلَى كَما شَكَا ... إلى الله فَقْدَ الوَالِدَيْنِ يَتِيمُ
ويقال: يتم الرجل يتماً: إذا ضعف.
قوله: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ ، أي: لا شيء له، حتى كأنه قد لصق بالتراب من الفقر يقال: ترب أي افتقر حتى لصق جلده بالتراب، فأما أترب بالألف فمعناه استغنى نحو: أثرى أي صار مالكه كالتراب وكالثرى.
قال المفسرون: هو الذي ليس له مأوى إلا التراب.
وقال ابن عباس: هو المطروح على الطريق الذي لا بيت له.
وقال مجاهد: الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره.
وقال قتادة: إنه ذو العيال.
وقال عكرمة عن ابن عباس: ذو المتربة هو البعيد عن وطنه، ليس له مأوى إلاَّ التراب.
فصل في أن المسكين قد يملك شيئاً
احتجوا بهذه الآية على أن المسكين قد يملك شيئاً؛ لأنه لو كان المسكين هو الذي لا يملك شيئاً - ألبتة - لكان تقييده بقوله: «ذا مَتْربة» تكرير.
قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ . التراخي في الإيمان، وتباعده في المرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة، لا في الوقت؛ لأن الإيمان هو السابق، ولا يثبت عمل إلاَّ به.
قاله الزمخشري وقيل: المعنى: ثُمَّ كان في عاقبة أمره من الذين وافوا الموت على الإيمان؛ لأنَّ الموافاة عليه شرط في الانتفاع بالطَّاعات.
وقيل: التراخي في الذكر.
قال المفسرون: معناه أنه لا يقتحم العقبة من فك رقبته، أو أطعم في يوم ذي مسغبة، حتى يكون من الذين آمنوا، أي: صدقوا، فإنّ شرط قبول الطاعات الإيمان بالله تعالى، فالإيمان بعد الإنفاق لا ينفع، قال تعالى في المنافقين: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله﴾ [التوبة: 54] .
وقيل: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ أي: فعل هذه الأشياء وهو مؤمن ثم بقي على إيمانه حتى الوفاة [فيكون المعنى: ثم كان مع تلك الطاعات من الذين آمنوا] ، نظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهتدى﴾ [طه: 82] .
وقيل: المعنى: ثم كان من الذين يؤمنون بأن هذا نافع لهم عند الله تعالى.
وقيل: أتى بهذه القرب لوجه الله - تعالى - ثم آمن بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: إن «ثُمَّ» بمعنى: الواو، أي: وكان هذا المعتق للرقبة، والمطعم في المسغبةِ، من الذين آمنوا.
قوله: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ ، أي: أوصى بعضهم بعضاً على طاعة الله، وعن معاصيه، وعلى ما أصابهم من البلاء والمصائب، ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة﴾ ، أي: بالرحمة على الخلق فإنَّهم إذا فعلوا ذلك، رحموا اليتيم والمسكين، ثم إنه تعالى بينهم، فقال تعالى: ﴿أولئك أَصْحَابُ الميمنة﴾ ، أي: الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، قاله محمد بن كعب القرظي.
[وقال يحيى بن سلام: لأنهم ميامين على أنفسهم.
وقال ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيمن.
وقال ميمون بن مهران لأن منزلتهم عن اليمين] .
قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا﴾ ، أي: القرآن، ﴿هُمْ أَصْحَابُ المشأمة﴾ أي: يأخذون كتبهم بشمائلهم قاله محمد بن كعب، وقال يحيى بن سلام: لأنهم مشائيم على أنفسهم.
وقال ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيسر.
وقال ميمون: لأن منزلتهم على اليسار.
قال القرطبي: ويجمع هذه الأقوال أن يقال: إن أصحاب الميمنة أصحاب الجنة، وأصحاب المشئمة أصحاب النار.
قوله: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾ ، قرأ أبو عمروٍ وحمزةُ وحفصٌ: بالهمزة.
والباقون: بلا همز.
فالقراءة الأولى: من «آصَدتُ الباب» أي: أغلقته، أوصده، فهو مؤصد، قيل: ويحتمل أن يكون من «أوْصدْتُ» ، ولكنه همز الواو السَّاكنة لضمة ما قبلها، كما همز ﴿بالسوق والأعناق﴾ [ص: 33] .
والقراءة الثانية - أيضاً - تحتمل المادتين، ويكون قد خفف الهمزة، لسكونها بعد ضمة.
وقد نقل الفرَّاء عن السوسي الذي قاعدته إبدال مثل هذه الهمزة، أنه لا يبدل هذه، وعللوا ذلك بالإلباس وأيقن أنه قرأ: «مؤصدة» بالواو من قاعدته تخفيف الهمزة.
والظاهر أن القراءتين من مادتين: الأولى من «آصَدَ يُوصِدُ» ك «أكرم يكرم» ، والثانية من «أوْصَدَ، يُوصِدُ» مثل «أوصل يوصل» .
وقال الشاعر: [الطويل]
5217 - تَحِنُّ إلى أجْبَالِ مكَّةَ نَاقتِي ... ومِنْ دُونهَا أبْوابُ صَنعاءُ مُؤصَدَهْ
أي: مغلقة؛ وقال آخر: [الكامل]
5218 - قَوْمٌ يُعَالِجُ قُمَّلاً أبْناؤُهُمْ ... وسَلاسِلاً حِلقاً وبَاباً مُؤصدا
وكان أبو بكر راوي عاصم يكره الهمز في هذا الحرف، وقال: لنا إمام يهمز: «مؤصدة» ، فأشتهي أن أسد أذني إذا سمعته.
قال شهابُ الدِّين: وكأنه لم يحفظ عن شيخه إلا ترك الهمزة مع حفظ حفص إياه عنه، وهو أضبط لحرفه من أبي بكر، على ما نقله الفراء، وإن كان أبو بكر أكبر وأتقن، وأوثق عند أهل الحديث.
وقال القرطبيُّ: وأهل اللغة يقولون: أوصدت الباب وآصدته، أي: أغلقته، فمن قال: أوصدت، فالاسم: الوصاد. ومن قال: آصدته، فالاسم: الإصاد.
قال الفراء: ويقال من هذا «الأصيد» ، وهو الباب المطبق، ومعنى «مؤصدة» أي: مغلقة.
قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ﴾ ، يجوز أن تكون جملة مستأنفة، وأن تكون خبراً ثانياً، وأن يكون الخبر وحده: «عَلَيْهِمْ» ، و «نارٌ» : فاصل به، وهو الأحسن.
وقيل: معنى «عليهم نار» ، أي: أحاطت النَّار بهم، كقوله تعالى: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29] . والله أعلم.
روى الثَّعلبيُّ عن أبيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ أعْطَاهُ اللهُ الأمْنَ مِنْ غَضبهِ يَوْمَ القِيامَةِ» .
سورة الشمس
البلد 90:16
قوله: ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ .
قال الفراءُ والزجاجُ: ذكر «لا» مرة واحدة، والعرب لا تكاد تفرد: «لا» مع الفعل الماضي، حتى تعيد «لا» ، كقوله تعالى: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ [القيامة: 31] وإنَّما أفردها لدلالة آخر الكلام على معناه، فيجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ قائماً مقام التكرير، فكأنه قال: فلا اقتحم العقبة ولا آمن.
وقال الزمخشريُّ: هي متكررة في المعنى؛ لأن معنى: «فلا اقتحم العقبة: فلا فكَّ رقبة، ولا أطعم مسكيناً» . ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك؟ .
قال أبو حيَّان: ولا يتم له هذا إلا على قراءة: «فكّ» فعلاً ماضياً.
وقال الزجاج والمبردُ وأبو عليٍّ، وذكره البخاري عن مجاهد: أن قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ} يدل على أن «لا» بمعنى: «لم» ، ولا يلزم التكرير مع «لم» ، فإن كررت «لا» كقوله: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ [القيامة: 31] ، فهو كقوله تعالى: ﴿لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ [الفرقان: 67] .
فصل في معنى الآية
المعنى: فهلاَّ أنفق ماله في اقتحام العقبة، الذي يزعم أنه أنفقه في عداوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هلا أنفقه في اقتحام العقبة، فيأمن، والاقتحامُ: الرمي بالنفس في شيء من غير روية، يقال منه: قحم في الأمر قُحُوماً، أي: رمى بنفسه فيه من غير روية، وقَحَّم الفرس فارسه تقحيماً على وجهه: إذا رماه وتقحيم النفس في الشيء: إدخالها فيه من غير روية، والقُحْمَةُ - بالضم - المهلكة والسَّنة الشديدة، يقال: أصاب العرب القُحْمَةُ: إذا أصابهم قحط [فدخلوا الريف] والقُحَمُ: صعاب الطريق.
وقال عطاء: يريد عقبة جهنم.
وقال مجاهدٌ والضحاك: هي الصراطُ.
قال الواحدي: وهذا فيه نظر؛ لأن من المعلوم أن هذا الإنسان وغيره، لم يقتحموا عقبة جهنم ولا جاوزوها.
وقال ابن العربي: قال مجاهد: اقتحام العقبة في الدنيا؛ لأنه فسره بعد ذلك، بقوله: «فكُّ رقَبةٍ» أو أطعم في يومٍ يتيماً، أو مسكيناً، وهذه الأعمال إنما تكون في الدنيا.
وقال الحسنُ ومقاتلٌ: هذا مثلٌ ضربه الله تعالى، لمجاهدة النفس، والشيطان في أعمال البر.
قال القفال: قوله تعالى: ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ ، معناه: فلا أنفق ماله فيما فيه اقتحام العقبة.
وقيل: معنى قوله تعالى: ﴿فَلاَ اقتحم﴾ دعاء، أي: فلا نجا ولا سلم، من لم ينفق ماله في كذا وكذا.
وقيل: شبه عظيم الذنوب، وثقلها بعقبةٍ، فإذا أعتق رقبة، أو عمل صالحاً، كان مثله مثل من اقتحم العقبة، وهي الذنوب تضره، وتؤذيه وتثقله.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا العقبة﴾ .
قال سفيان بن عيينة: كل شيء قال فيه: «وَمَا أدْرَاكَ» ، فقد أخبر به، وكل شيء قال فيه: «ومَا يُدرِيكَ» ، فإنه لم يخبره به، وما أدراك ما اقتحام العقبة، وهذا تعظيم لإلزام أمر الدين، والخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليعلمه اقتحام العقبة، ثم إنه تعالى فسر العقبة بقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ .
قوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ .
قرأ أبو عمرو وابن كثيرٍ والكسائي: «فكَّ» : فعلاً ماضياً، و «رَقَبةٌ» : نصباً، «أو أطْعَمَ» : فعلاً ماضياً.
والباقون: «فكُّ» : يرفع الكاف اسماً، «رقَبَةٍ» : خفض بالإضافة، «أوْ إطْعَامٌ» : اسم مرفوع أيضاً.
فالقراءة الأولى: الفعل فيها، بدل من قوله: «اقتحم» ، فهو بيان له، فكأنه قيل: فلا فك رقبة ولا أطعم.
والثانية: مرتفع فيها: «فكُّ» ، على إضمار مبتدأ، أي: هو فك رقبة، «أو إطعام» على معنى الإباحة، وفي الكلام حذف مضاف، دل عليه «فلا اقتحم» ، تقديره: وما أدراك ما اقتحام العقبة، فالتقدير: اقتحام العقبة فك رقبة، أو إطعام، وإنما احتيج إلى تقدير هذا المضاف ليطابق المفسر والمفسر؛ ألا ترى أن المفسِّر - بكسر السين - مصدر، والمفسَّر - بفتح السين - وهو العقبة غير مصدر، فلو لم يقدر مضافاً، لكان المصدر، وهو «فك» مفسراً للعين، وهي العقبة.
وقرأ أميرُ المؤمنين وأبو رجاء: «فكَّ، أو أطعمَ» فعلين - كما تقدم - إلا أنهما نصبا: «ذا» الألف.
وقرأ الحسنُ: «إطعام» ، و «ذا» بالألف أيضاً، وهو على هاتين القراءتين: مفعول: «أطعم» ، أو «إطعام» ، و «يتيماً» حينئذ بدل منه أو نعت له، وهو في قراءة العامة: «ذي» بالياء: نعت ل «يوم» ، على سبيل المجاز، وصف اليوم بالجوع مبالغة، كقولهم: ليلك قائم، ونهارك صائم، والفاعل ل «إطعام» : محذوف، وهذا أحد المواضع التي يطرد فيها حذف الفاعل وحده عند البصريين.
فصل في الاستفهام في الآية
قال ابنُ زيدٍ، وجماعة من المفسرين: معنى الكلام الاستفهام على معنى الإنكار، تقديره: هلاَّ أقتحم العقبة، تقول: هلا أنفق ماله في فك الرقاب، وإطعام السغبان، فيكون خيراً له من إنفاقه في عداوة محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
فصل في الفرق بين الفك والرق
الفكّ: التفريق، ومنه فكُّ القيد وفكُّ الرقبة، فرق بينها وبين صفة الرق بإيجاد الحرفة، وإبطال العبودية، ومنه فكُّ الرهن، وهو إزالته عن المرتهن، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أيُّمَا امرئٍ مُسْلمٍ أعتقَ امْرءاً مُسْلِمَاً كَانَ فِكاكَه مِنَ النَّارِ يَجرِي على كُلِّ عَضوٍ مِنهُ عُضواً مِنهُ»
الحديث.
وسمي المرقوق رقبة؛ لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته، وسمي عتقها فكَّا كفك الأسير من الأسْر؛ قال: [البسيط]
5214 - كَمْ مِنْ أسِيرٍ فَكَكنَاهُ بِلاَ ثَمَنٍ ... وجَرِّ نَاصِيةٍ كُنَّا مَواليهَا
قال الماورديُّ: ويحتمل ثانياً: إنه أراد فك رقبته، وخلاص نفسه، باجتناب المعاصي، وفعل الطاعات، ولا يمتنع الخبر من هذا التأويل، وهو أشبه بالصواب.
فص في أن العتق أفضل من الصدقة
قال أبو حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: العِتْقُ أفضل من الصدقة، وعند صاحبيه الصدقة أفضل، والآية أدلّ على قول أبي حنيفة، لتقديم العتق على الصدقة.
قوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ، أي: مجاعة، والسَّغبُ: الجوع، والسَّاغبُ: الجائع.
قال شهابُ الدِّين: والمسغبةُ: الجوع مع التعب، وربما قيل في العطش مع التعب.
قال الراغب: يقال سغَبَ الرجل يسغبُ سغباً وسغوباً فهو ساغبٌ، وسغبان، والمسغبةُ: مفعل منه.
وأنشد أبو عبيدة: [الطويل]
5215 - فَلَوْ كُنْت جاراً يَا بْنَ قَيْسٍ بن عاصمٍ ... لمَا بتَّ شَبْعَاناً وجاركَ سَاغِبا فصل
إطعام الطعام فضيلة، وهو مع السغب الذي هو الجوع أفضل.
وقال النخعي في قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ، قال: في يوم عزيز فيه الطَّعام.
قوله: ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ ، أي: قرابة.
قال الزمخشريُّ: «والمَسْغبَةُ، والمَقربةُ، والمَتربةُ: مفعلات، من سغبَ إذا جاع، وقرب في النسب، قال: فلان ذو قرابتي وذو مقربتي، وترب إذا افتقر» .
وهذه الآية تدل على أن الصدقة على الأقارب، أفضل منها على الأجانب.
واليتيم: قال بعض العلماء: اليتيمُ في الناس من قبل الأب، وفي البهائمِ من قبلِ الأمَّهاتِ.
وقال بعضهم: اليتيمُ: «الذي يموت أبواه» .
قال قيس بن الملوح: [الطويل]
5216 - إلى اللهِ أشْكُو فَقْدَ لَيْلَى كَما شَكَا ... إلى الله فَقْدَ الوَالِدَيْنِ يَتِيمُ
ويقال: يتم الرجل يتماً: إذا ضعف.
قوله: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ ، أي: لا شيء له، حتى كأنه قد لصق بالتراب من الفقر يقال: ترب أي افتقر حتى لصق جلده بالتراب، فأما أترب بالألف فمعناه استغنى نحو: أثرى أي صار مالكه كالتراب وكالثرى.
قال المفسرون: هو الذي ليس له مأوى إلا التراب.
وقال ابن عباس: هو المطروح على الطريق الذي لا بيت له.
وقال مجاهد: الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره.
وقال قتادة: إنه ذو العيال.
وقال عكرمة عن ابن عباس: ذو المتربة هو البعيد عن وطنه، ليس له مأوى إلاَّ التراب.
فصل في أن المسكين قد يملك شيئاً
احتجوا بهذه الآية على أن المسكين قد يملك شيئاً؛ لأنه لو كان المسكين هو الذي لا يملك شيئاً - ألبتة - لكان تقييده بقوله: «ذا مَتْربة» تكرير.
قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ . التراخي في الإيمان، وتباعده في المرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة، لا في الوقت؛ لأن الإيمان هو السابق، ولا يثبت عمل إلاَّ به.
قاله الزمخشري وقيل: المعنى: ثُمَّ كان في عاقبة أمره من الذين وافوا الموت على الإيمان؛ لأنَّ الموافاة عليه شرط في الانتفاع بالطَّاعات.
وقيل: التراخي في الذكر.
قال المفسرون: معناه أنه لا يقتحم العقبة من فك رقبته، أو أطعم في يوم ذي مسغبة، حتى يكون من الذين آمنوا، أي: صدقوا، فإنّ شرط قبول الطاعات الإيمان بالله تعالى، فالإيمان بعد الإنفاق لا ينفع، قال تعالى في المنافقين: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله﴾ [التوبة: 54] .
وقيل: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ أي: فعل هذه الأشياء وهو مؤمن ثم بقي على إيمانه حتى الوفاة [فيكون المعنى: ثم كان مع تلك الطاعات من الذين آمنوا] ، نظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهتدى﴾ [طه: 82] .
وقيل: المعنى: ثم كان من الذين يؤمنون بأن هذا نافع لهم عند الله تعالى.
وقيل: أتى بهذه القرب لوجه الله - تعالى - ثم آمن بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: إن «ثُمَّ» بمعنى: الواو، أي: وكان هذا المعتق للرقبة، والمطعم في المسغبةِ، من الذين آمنوا.
قوله: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ ، أي: أوصى بعضهم بعضاً على طاعة الله، وعن معاصيه، وعلى ما أصابهم من البلاء والمصائب، ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة﴾ ، أي: بالرحمة على الخلق فإنَّهم إذا فعلوا ذلك، رحموا اليتيم والمسكين، ثم إنه تعالى بينهم، فقال تعالى: ﴿أولئك أَصْحَابُ الميمنة﴾ ، أي: الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، قاله محمد بن كعب القرظي.
[وقال يحيى بن سلام: لأنهم ميامين على أنفسهم.
وقال ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيمن.
وقال ميمون بن مهران لأن منزلتهم عن اليمين] .
قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا﴾ ، أي: القرآن، ﴿هُمْ أَصْحَابُ المشأمة﴾ أي: يأخذون كتبهم بشمائلهم قاله محمد بن كعب، وقال يحيى بن سلام: لأنهم مشائيم على أنفسهم.
وقال ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيسر.
وقال ميمون: لأن منزلتهم على اليسار.
قال القرطبي: ويجمع هذه الأقوال أن يقال: إن أصحاب الميمنة أصحاب الجنة، وأصحاب المشئمة أصحاب النار.
قوله: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾ ، قرأ أبو عمروٍ وحمزةُ وحفصٌ: بالهمزة.
والباقون: بلا همز.
فالقراءة الأولى: من «آصَدتُ الباب» أي: أغلقته، أوصده، فهو مؤصد، قيل: ويحتمل أن يكون من «أوْصدْتُ» ، ولكنه همز الواو السَّاكنة لضمة ما قبلها، كما همز ﴿بالسوق والأعناق﴾ [ص: 33] .
والقراءة الثانية - أيضاً - تحتمل المادتين، ويكون قد خفف الهمزة، لسكونها بعد ضمة.
وقد نقل الفرَّاء عن السوسي الذي قاعدته إبدال مثل هذه الهمزة، أنه لا يبدل هذه، وعللوا ذلك بالإلباس وأيقن أنه قرأ: «مؤصدة» بالواو من قاعدته تخفيف الهمزة.
والظاهر أن القراءتين من مادتين: الأولى من «آصَدَ يُوصِدُ» ك «أكرم يكرم» ، والثانية من «أوْصَدَ، يُوصِدُ» مثل «أوصل يوصل» .
وقال الشاعر: [الطويل]
5217 - تَحِنُّ إلى أجْبَالِ مكَّةَ نَاقتِي ... ومِنْ دُونهَا أبْوابُ صَنعاءُ مُؤصَدَهْ
أي: مغلقة؛ وقال آخر: [الكامل]
5218 - قَوْمٌ يُعَالِجُ قُمَّلاً أبْناؤُهُمْ ... وسَلاسِلاً حِلقاً وبَاباً مُؤصدا
وكان أبو بكر راوي عاصم يكره الهمز في هذا الحرف، وقال: لنا إمام يهمز: «مؤصدة» ، فأشتهي أن أسد أذني إذا سمعته.
قال شهابُ الدِّين: وكأنه لم يحفظ عن شيخه إلا ترك الهمزة مع حفظ حفص إياه عنه، وهو أضبط لحرفه من أبي بكر، على ما نقله الفراء، وإن كان أبو بكر أكبر وأتقن، وأوثق عند أهل الحديث.
وقال القرطبيُّ: وأهل اللغة يقولون: أوصدت الباب وآصدته، أي: أغلقته، فمن قال: أوصدت، فالاسم: الوصاد. ومن قال: آصدته، فالاسم: الإصاد.
قال الفراء: ويقال من هذا «الأصيد» ، وهو الباب المطبق، ومعنى «مؤصدة» أي: مغلقة.
قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ﴾ ، يجوز أن تكون جملة مستأنفة، وأن تكون خبراً ثانياً، وأن يكون الخبر وحده: «عَلَيْهِمْ» ، و «نارٌ» : فاصل به، وهو الأحسن.
وقيل: معنى «عليهم نار» ، أي: أحاطت النَّار بهم، كقوله تعالى: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29] . والله أعلم.
روى الثَّعلبيُّ عن أبيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ أعْطَاهُ اللهُ الأمْنَ مِنْ غَضبهِ يَوْمَ القِيامَةِ» .
سورة الشمس
البلد 90:17
قوله: ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ .
قال الفراءُ والزجاجُ: ذكر «لا» مرة واحدة، والعرب لا تكاد تفرد: «لا» مع الفعل الماضي، حتى تعيد «لا» ، كقوله تعالى: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ [القيامة: 31] وإنَّما أفردها لدلالة آخر الكلام على معناه، فيجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ قائماً مقام التكرير، فكأنه قال: فلا اقتحم العقبة ولا آمن.
وقال الزمخشريُّ: هي متكررة في المعنى؛ لأن معنى: «فلا اقتحم العقبة: فلا فكَّ رقبة، ولا أطعم مسكيناً» . ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك؟ .
قال أبو حيَّان: ولا يتم له هذا إلا على قراءة: «فكّ» فعلاً ماضياً.
وقال الزجاج والمبردُ وأبو عليٍّ، وذكره البخاري عن مجاهد: أن قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ} يدل على أن «لا» بمعنى: «لم» ، ولا يلزم التكرير مع «لم» ، فإن كررت «لا» كقوله: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ [القيامة: 31] ، فهو كقوله تعالى: ﴿لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ [الفرقان: 67] .
فصل في معنى الآية
المعنى: فهلاَّ أنفق ماله في اقتحام العقبة، الذي يزعم أنه أنفقه في عداوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هلا أنفقه في اقتحام العقبة، فيأمن، والاقتحامُ: الرمي بالنفس في شيء من غير روية، يقال منه: قحم في الأمر قُحُوماً، أي: رمى بنفسه فيه من غير روية، وقَحَّم الفرس فارسه تقحيماً على وجهه: إذا رماه وتقحيم النفس في الشيء: إدخالها فيه من غير روية، والقُحْمَةُ - بالضم - المهلكة والسَّنة الشديدة، يقال: أصاب العرب القُحْمَةُ: إذا أصابهم قحط [فدخلوا الريف] والقُحَمُ: صعاب الطريق.
وقال عطاء: يريد عقبة جهنم.
وقال مجاهدٌ والضحاك: هي الصراطُ.
قال الواحدي: وهذا فيه نظر؛ لأن من المعلوم أن هذا الإنسان وغيره، لم يقتحموا عقبة جهنم ولا جاوزوها.
وقال ابن العربي: قال مجاهد: اقتحام العقبة في الدنيا؛ لأنه فسره بعد ذلك، بقوله: «فكُّ رقَبةٍ» أو أطعم في يومٍ يتيماً، أو مسكيناً، وهذه الأعمال إنما تكون في الدنيا.
وقال الحسنُ ومقاتلٌ: هذا مثلٌ ضربه الله تعالى، لمجاهدة النفس، والشيطان في أعمال البر.
قال القفال: قوله تعالى: ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ ، معناه: فلا أنفق ماله فيما فيه اقتحام العقبة.
وقيل: معنى قوله تعالى: ﴿فَلاَ اقتحم﴾ دعاء، أي: فلا نجا ولا سلم، من لم ينفق ماله في كذا وكذا.
وقيل: شبه عظيم الذنوب، وثقلها بعقبةٍ، فإذا أعتق رقبة، أو عمل صالحاً، كان مثله مثل من اقتحم العقبة، وهي الذنوب تضره، وتؤذيه وتثقله.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا العقبة﴾ .
قال سفيان بن عيينة: كل شيء قال فيه: «وَمَا أدْرَاكَ» ، فقد أخبر به، وكل شيء قال فيه: «ومَا يُدرِيكَ» ، فإنه لم يخبره به، وما أدراك ما اقتحام العقبة، وهذا تعظيم لإلزام أمر الدين، والخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليعلمه اقتحام العقبة، ثم إنه تعالى فسر العقبة بقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ .
قوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ .
قرأ أبو عمرو وابن كثيرٍ والكسائي: «فكَّ» : فعلاً ماضياً، و «رَقَبةٌ» : نصباً، «أو أطْعَمَ» : فعلاً ماضياً.
والباقون: «فكُّ» : يرفع الكاف اسماً، «رقَبَةٍ» : خفض بالإضافة، «أوْ إطْعَامٌ» : اسم مرفوع أيضاً.
فالقراءة الأولى: الفعل فيها، بدل من قوله: «اقتحم» ، فهو بيان له، فكأنه قيل: فلا فك رقبة ولا أطعم.
والثانية: مرتفع فيها: «فكُّ» ، على إضمار مبتدأ، أي: هو فك رقبة، «أو إطعام» على معنى الإباحة، وفي الكلام حذف مضاف، دل عليه «فلا اقتحم» ، تقديره: وما أدراك ما اقتحام العقبة، فالتقدير: اقتحام العقبة فك رقبة، أو إطعام، وإنما احتيج إلى تقدير هذا المضاف ليطابق المفسر والمفسر؛ ألا ترى أن المفسِّر - بكسر السين - مصدر، والمفسَّر - بفتح السين - وهو العقبة غير مصدر، فلو لم يقدر مضافاً، لكان المصدر، وهو «فك» مفسراً للعين، وهي العقبة.
وقرأ أميرُ المؤمنين وأبو رجاء: «فكَّ، أو أطعمَ» فعلين - كما تقدم - إلا أنهما نصبا: «ذا» الألف.
وقرأ الحسنُ: «إطعام» ، و «ذا» بالألف أيضاً، وهو على هاتين القراءتين: مفعول: «أطعم» ، أو «إطعام» ، و «يتيماً» حينئذ بدل منه أو نعت له، وهو في قراءة العامة: «ذي» بالياء: نعت ل «يوم» ، على سبيل المجاز، وصف اليوم بالجوع مبالغة، كقولهم: ليلك قائم، ونهارك صائم، والفاعل ل «إطعام» : محذوف، وهذا أحد المواضع التي يطرد فيها حذف الفاعل وحده عند البصريين.
فصل في الاستفهام في الآية
قال ابنُ زيدٍ، وجماعة من المفسرين: معنى الكلام الاستفهام على معنى الإنكار، تقديره: هلاَّ أقتحم العقبة، تقول: هلا أنفق ماله في فك الرقاب، وإطعام السغبان، فيكون خيراً له من إنفاقه في عداوة محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
فصل في الفرق بين الفك والرق
الفكّ: التفريق، ومنه فكُّ القيد وفكُّ الرقبة، فرق بينها وبين صفة الرق بإيجاد الحرفة، وإبطال العبودية، ومنه فكُّ الرهن، وهو إزالته عن المرتهن، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أيُّمَا امرئٍ مُسْلمٍ أعتقَ امْرءاً مُسْلِمَاً كَانَ فِكاكَه مِنَ النَّارِ يَجرِي على كُلِّ عَضوٍ مِنهُ عُضواً مِنهُ»
الحديث.
وسمي المرقوق رقبة؛ لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته، وسمي عتقها فكَّا كفك الأسير من الأسْر؛ قال: [البسيط]
5214 - كَمْ مِنْ أسِيرٍ فَكَكنَاهُ بِلاَ ثَمَنٍ ... وجَرِّ نَاصِيةٍ كُنَّا مَواليهَا
قال الماورديُّ: ويحتمل ثانياً: إنه أراد فك رقبته، وخلاص نفسه، باجتناب المعاصي، وفعل الطاعات، ولا يمتنع الخبر من هذا التأويل، وهو أشبه بالصواب.
فص في أن العتق أفضل من الصدقة
قال أبو حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: العِتْقُ أفضل من الصدقة، وعند صاحبيه الصدقة أفضل، والآية أدلّ على قول أبي حنيفة، لتقديم العتق على الصدقة.
قوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ، أي: مجاعة، والسَّغبُ: الجوع، والسَّاغبُ: الجائع.
قال شهابُ الدِّين: والمسغبةُ: الجوع مع التعب، وربما قيل في العطش مع التعب.
قال الراغب: يقال سغَبَ الرجل يسغبُ سغباً وسغوباً فهو ساغبٌ، وسغبان، والمسغبةُ: مفعل منه.
وأنشد أبو عبيدة: [الطويل]
5215 - فَلَوْ كُنْت جاراً يَا بْنَ قَيْسٍ بن عاصمٍ ... لمَا بتَّ شَبْعَاناً وجاركَ سَاغِبا فصل
إطعام الطعام فضيلة، وهو مع السغب الذي هو الجوع أفضل.
وقال النخعي في قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ، قال: في يوم عزيز فيه الطَّعام.
قوله: ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ ، أي: قرابة.
قال الزمخشريُّ: «والمَسْغبَةُ، والمَقربةُ، والمَتربةُ: مفعلات، من سغبَ إذا جاع، وقرب في النسب، قال: فلان ذو قرابتي وذو مقربتي، وترب إذا افتقر» .
وهذه الآية تدل على أن الصدقة على الأقارب، أفضل منها على الأجانب.
واليتيم: قال بعض العلماء: اليتيمُ في الناس من قبل الأب، وفي البهائمِ من قبلِ الأمَّهاتِ.
وقال بعضهم: اليتيمُ: «الذي يموت أبواه» .
قال قيس بن الملوح: [الطويل]
5216 - إلى اللهِ أشْكُو فَقْدَ لَيْلَى كَما شَكَا ... إلى الله فَقْدَ الوَالِدَيْنِ يَتِيمُ
ويقال: يتم الرجل يتماً: إذا ضعف.
قوله: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ ، أي: لا شيء له، حتى كأنه قد لصق بالتراب من الفقر يقال: ترب أي افتقر حتى لصق جلده بالتراب، فأما أترب بالألف فمعناه استغنى نحو: أثرى أي صار مالكه كالتراب وكالثرى.
قال المفسرون: هو الذي ليس له مأوى إلا التراب.
وقال ابن عباس: هو المطروح على الطريق الذي لا بيت له.
وقال مجاهد: الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره.
وقال قتادة: إنه ذو العيال.
وقال عكرمة عن ابن عباس: ذو المتربة هو البعيد عن وطنه، ليس له مأوى إلاَّ التراب.
فصل في أن المسكين قد يملك شيئاً
احتجوا بهذه الآية على أن المسكين قد يملك شيئاً؛ لأنه لو كان المسكين هو الذي لا يملك شيئاً - ألبتة - لكان تقييده بقوله: «ذا مَتْربة» تكرير.
قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ . التراخي في الإيمان، وتباعده في المرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة، لا في الوقت؛ لأن الإيمان هو السابق، ولا يثبت عمل إلاَّ به.
قاله الزمخشري وقيل: المعنى: ثُمَّ كان في عاقبة أمره من الذين وافوا الموت على الإيمان؛ لأنَّ الموافاة عليه شرط في الانتفاع بالطَّاعات.
وقيل: التراخي في الذكر.
قال المفسرون: معناه أنه لا يقتحم العقبة من فك رقبته، أو أطعم في يوم ذي مسغبة، حتى يكون من الذين آمنوا، أي: صدقوا، فإنّ شرط قبول الطاعات الإيمان بالله تعالى، فالإيمان بعد الإنفاق لا ينفع، قال تعالى في المنافقين: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله﴾ [التوبة: 54] .
وقيل: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ أي: فعل هذه الأشياء وهو مؤمن ثم بقي على إيمانه حتى الوفاة [فيكون المعنى: ثم كان مع تلك الطاعات من الذين آمنوا] ، نظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهتدى﴾ [طه: 82] .
وقيل: المعنى: ثم كان من الذين يؤمنون بأن هذا نافع لهم عند الله تعالى.
وقيل: أتى بهذه القرب لوجه الله - تعالى - ثم آمن بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: إن «ثُمَّ» بمعنى: الواو، أي: وكان هذا المعتق للرقبة، والمطعم في المسغبةِ، من الذين آمنوا.
قوله: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ ، أي: أوصى بعضهم بعضاً على طاعة الله، وعن معاصيه، وعلى ما أصابهم من البلاء والمصائب، ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة﴾ ، أي: بالرحمة على الخلق فإنَّهم إذا فعلوا ذلك، رحموا اليتيم والمسكين، ثم إنه تعالى بينهم، فقال تعالى: ﴿أولئك أَصْحَابُ الميمنة﴾ ، أي: الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، قاله محمد بن كعب القرظي.
[وقال يحيى بن سلام: لأنهم ميامين على أنفسهم.
وقال ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيمن.
وقال ميمون بن مهران لأن منزلتهم عن اليمين] .
قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا﴾ ، أي: القرآن، ﴿هُمْ أَصْحَابُ المشأمة﴾ أي: يأخذون كتبهم بشمائلهم قاله محمد بن كعب، وقال يحيى بن سلام: لأنهم مشائيم على أنفسهم.
وقال ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيسر.
وقال ميمون: لأن منزلتهم على اليسار.
قال القرطبي: ويجمع هذه الأقوال أن يقال: إن أصحاب الميمنة أصحاب الجنة، وأصحاب المشئمة أصحاب النار.
قوله: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾ ، قرأ أبو عمروٍ وحمزةُ وحفصٌ: بالهمزة.
والباقون: بلا همز.
فالقراءة الأولى: من «آصَدتُ الباب» أي: أغلقته، أوصده، فهو مؤصد، قيل: ويحتمل أن يكون من «أوْصدْتُ» ، ولكنه همز الواو السَّاكنة لضمة ما قبلها، كما همز ﴿بالسوق والأعناق﴾ [ص: 33] .
والقراءة الثانية - أيضاً - تحتمل المادتين، ويكون قد خفف الهمزة، لسكونها بعد ضمة.
وقد نقل الفرَّاء عن السوسي الذي قاعدته إبدال مثل هذه الهمزة، أنه لا يبدل هذه، وعللوا ذلك بالإلباس وأيقن أنه قرأ: «مؤصدة» بالواو من قاعدته تخفيف الهمزة.
والظاهر أن القراءتين من مادتين: الأولى من «آصَدَ يُوصِدُ» ك «أكرم يكرم» ، والثانية من «أوْصَدَ، يُوصِدُ» مثل «أوصل يوصل» .
وقال الشاعر: [الطويل]
5217 - تَحِنُّ إلى أجْبَالِ مكَّةَ نَاقتِي ... ومِنْ دُونهَا أبْوابُ صَنعاءُ مُؤصَدَهْ
أي: مغلقة؛ وقال آخر: [الكامل]
5218 - قَوْمٌ يُعَالِجُ قُمَّلاً أبْناؤُهُمْ ... وسَلاسِلاً حِلقاً وبَاباً مُؤصدا
وكان أبو بكر راوي عاصم يكره الهمز في هذا الحرف، وقال: لنا إمام يهمز: «مؤصدة» ، فأشتهي أن أسد أذني إذا سمعته.
قال شهابُ الدِّين: وكأنه لم يحفظ عن شيخه إلا ترك الهمزة مع حفظ حفص إياه عنه، وهو أضبط لحرفه من أبي بكر، على ما نقله الفراء، وإن كان أبو بكر أكبر وأتقن، وأوثق عند أهل الحديث.
وقال القرطبيُّ: وأهل اللغة يقولون: أوصدت الباب وآصدته، أي: أغلقته، فمن قال: أوصدت، فالاسم: الوصاد. ومن قال: آصدته، فالاسم: الإصاد.
قال الفراء: ويقال من هذا «الأصيد» ، وهو الباب المطبق، ومعنى «مؤصدة» أي: مغلقة.
قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ﴾ ، يجوز أن تكون جملة مستأنفة، وأن تكون خبراً ثانياً، وأن يكون الخبر وحده: «عَلَيْهِمْ» ، و «نارٌ» : فاصل به، وهو الأحسن.
وقيل: معنى «عليهم نار» ، أي: أحاطت النَّار بهم، كقوله تعالى: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29] . والله أعلم.
روى الثَّعلبيُّ عن أبيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ أعْطَاهُ اللهُ الأمْنَ مِنْ غَضبهِ يَوْمَ القِيامَةِ» .
سورة الشمس
البلد 90:18
قوله: ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ .
قال الفراءُ والزجاجُ: ذكر «لا» مرة واحدة، والعرب لا تكاد تفرد: «لا» مع الفعل الماضي، حتى تعيد «لا» ، كقوله تعالى: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ [القيامة: 31] وإنَّما أفردها لدلالة آخر الكلام على معناه، فيجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ قائماً مقام التكرير، فكأنه قال: فلا اقتحم العقبة ولا آمن.
وقال الزمخشريُّ: هي متكررة في المعنى؛ لأن معنى: «فلا اقتحم العقبة: فلا فكَّ رقبة، ولا أطعم مسكيناً» . ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك؟ .
قال أبو حيَّان: ولا يتم له هذا إلا على قراءة: «فكّ» فعلاً ماضياً.
وقال الزجاج والمبردُ وأبو عليٍّ، وذكره البخاري عن مجاهد: أن قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ} يدل على أن «لا» بمعنى: «لم» ، ولا يلزم التكرير مع «لم» ، فإن كررت «لا» كقوله: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ [القيامة: 31] ، فهو كقوله تعالى: ﴿لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ [الفرقان: 67] .
فصل في معنى الآية
المعنى: فهلاَّ أنفق ماله في اقتحام العقبة، الذي يزعم أنه أنفقه في عداوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هلا أنفقه في اقتحام العقبة، فيأمن، والاقتحامُ: الرمي بالنفس في شيء من غير روية، يقال منه: قحم في الأمر قُحُوماً، أي: رمى بنفسه فيه من غير روية، وقَحَّم الفرس فارسه تقحيماً على وجهه: إذا رماه وتقحيم النفس في الشيء: إدخالها فيه من غير روية، والقُحْمَةُ - بالضم - المهلكة والسَّنة الشديدة، يقال: أصاب العرب القُحْمَةُ: إذا أصابهم قحط [فدخلوا الريف] والقُحَمُ: صعاب الطريق.
وقال عطاء: يريد عقبة جهنم.
وقال مجاهدٌ والضحاك: هي الصراطُ.
قال الواحدي: وهذا فيه نظر؛ لأن من المعلوم أن هذا الإنسان وغيره، لم يقتحموا عقبة جهنم ولا جاوزوها.
وقال ابن العربي: قال مجاهد: اقتحام العقبة في الدنيا؛ لأنه فسره بعد ذلك، بقوله: «فكُّ رقَبةٍ» أو أطعم في يومٍ يتيماً، أو مسكيناً، وهذه الأعمال إنما تكون في الدنيا.
وقال الحسنُ ومقاتلٌ: هذا مثلٌ ضربه الله تعالى، لمجاهدة النفس، والشيطان في أعمال البر.
قال القفال: قوله تعالى: ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ ، معناه: فلا أنفق ماله فيما فيه اقتحام العقبة.
وقيل: معنى قوله تعالى: ﴿فَلاَ اقتحم﴾ دعاء، أي: فلا نجا ولا سلم، من لم ينفق ماله في كذا وكذا.
وقيل: شبه عظيم الذنوب، وثقلها بعقبةٍ، فإذا أعتق رقبة، أو عمل صالحاً، كان مثله مثل من اقتحم العقبة، وهي الذنوب تضره، وتؤذيه وتثقله.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا العقبة﴾ .
قال سفيان بن عيينة: كل شيء قال فيه: «وَمَا أدْرَاكَ» ، فقد أخبر به، وكل شيء قال فيه: «ومَا يُدرِيكَ» ، فإنه لم يخبره به، وما أدراك ما اقتحام العقبة، وهذا تعظيم لإلزام أمر الدين، والخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليعلمه اقتحام العقبة، ثم إنه تعالى فسر العقبة بقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ .
قوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ .
قرأ أبو عمرو وابن كثيرٍ والكسائي: «فكَّ» : فعلاً ماضياً، و «رَقَبةٌ» : نصباً، «أو أطْعَمَ» : فعلاً ماضياً.
والباقون: «فكُّ» : يرفع الكاف اسماً، «رقَبَةٍ» : خفض بالإضافة، «أوْ إطْعَامٌ» : اسم مرفوع أيضاً.
فالقراءة الأولى: الفعل فيها، بدل من قوله: «اقتحم» ، فهو بيان له، فكأنه قيل: فلا فك رقبة ولا أطعم.
والثانية: مرتفع فيها: «فكُّ» ، على إضمار مبتدأ، أي: هو فك رقبة، «أو إطعام» على معنى الإباحة، وفي الكلام حذف مضاف، دل عليه «فلا اقتحم» ، تقديره: وما أدراك ما اقتحام العقبة، فالتقدير: اقتحام العقبة فك رقبة، أو إطعام، وإنما احتيج إلى تقدير هذا المضاف ليطابق المفسر والمفسر؛ ألا ترى أن المفسِّر - بكسر السين - مصدر، والمفسَّر - بفتح السين - وهو العقبة غير مصدر، فلو لم يقدر مضافاً، لكان المصدر، وهو «فك» مفسراً للعين، وهي العقبة.
وقرأ أميرُ المؤمنين وأبو رجاء: «فكَّ، أو أطعمَ» فعلين - كما تقدم - إلا أنهما نصبا: «ذا» الألف.
وقرأ الحسنُ: «إطعام» ، و «ذا» بالألف أيضاً، وهو على هاتين القراءتين: مفعول: «أطعم» ، أو «إطعام» ، و «يتيماً» حينئذ بدل منه أو نعت له، وهو في قراءة العامة: «ذي» بالياء: نعت ل «يوم» ، على سبيل المجاز، وصف اليوم بالجوع مبالغة، كقولهم: ليلك قائم، ونهارك صائم، والفاعل ل «إطعام» : محذوف، وهذا أحد المواضع التي يطرد فيها حذف الفاعل وحده عند البصريين.
فصل في الاستفهام في الآية
قال ابنُ زيدٍ، وجماعة من المفسرين: معنى الكلام الاستفهام على معنى الإنكار، تقديره: هلاَّ أقتحم العقبة، تقول: هلا أنفق ماله في فك الرقاب، وإطعام السغبان، فيكون خيراً له من إنفاقه في عداوة محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
فصل في الفرق بين الفك والرق
الفكّ: التفريق، ومنه فكُّ القيد وفكُّ الرقبة، فرق بينها وبين صفة الرق بإيجاد الحرفة، وإبطال العبودية، ومنه فكُّ الرهن، وهو إزالته عن المرتهن، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أيُّمَا امرئٍ مُسْلمٍ أعتقَ امْرءاً مُسْلِمَاً كَانَ فِكاكَه مِنَ النَّارِ يَجرِي على كُلِّ عَضوٍ مِنهُ عُضواً مِنهُ»
الحديث.
وسمي المرقوق رقبة؛ لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته، وسمي عتقها فكَّا كفك الأسير من الأسْر؛ قال: [البسيط]
5214 - كَمْ مِنْ أسِيرٍ فَكَكنَاهُ بِلاَ ثَمَنٍ ... وجَرِّ نَاصِيةٍ كُنَّا مَواليهَا
قال الماورديُّ: ويحتمل ثانياً: إنه أراد فك رقبته، وخلاص نفسه، باجتناب المعاصي، وفعل الطاعات، ولا يمتنع الخبر من هذا التأويل، وهو أشبه بالصواب.
فص في أن العتق أفضل من الصدقة
قال أبو حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: العِتْقُ أفضل من الصدقة، وعند صاحبيه الصدقة أفضل، والآية أدلّ على قول أبي حنيفة، لتقديم العتق على الصدقة.
قوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ، أي: مجاعة، والسَّغبُ: الجوع، والسَّاغبُ: الجائع.
قال شهابُ الدِّين: والمسغبةُ: الجوع مع التعب، وربما قيل في العطش مع التعب.
قال الراغب: يقال سغَبَ الرجل يسغبُ سغباً وسغوباً فهو ساغبٌ، وسغبان، والمسغبةُ: مفعل منه.
وأنشد أبو عبيدة: [الطويل]
5215 - فَلَوْ كُنْت جاراً يَا بْنَ قَيْسٍ بن عاصمٍ ... لمَا بتَّ شَبْعَاناً وجاركَ سَاغِبا فصل
إطعام الطعام فضيلة، وهو مع السغب الذي هو الجوع أفضل.
وقال النخعي في قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ، قال: في يوم عزيز فيه الطَّعام.
قوله: ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ ، أي: قرابة.
قال الزمخشريُّ: «والمَسْغبَةُ، والمَقربةُ، والمَتربةُ: مفعلات، من سغبَ إذا جاع، وقرب في النسب، قال: فلان ذو قرابتي وذو مقربتي، وترب إذا افتقر» .
وهذه الآية تدل على أن الصدقة على الأقارب، أفضل منها على الأجانب.
واليتيم: قال بعض العلماء: اليتيمُ في الناس من قبل الأب، وفي البهائمِ من قبلِ الأمَّهاتِ.
وقال بعضهم: اليتيمُ: «الذي يموت أبواه» .
قال قيس بن الملوح: [الطويل]
5216 - إلى اللهِ أشْكُو فَقْدَ لَيْلَى كَما شَكَا ... إلى الله فَقْدَ الوَالِدَيْنِ يَتِيمُ
ويقال: يتم الرجل يتماً: إذا ضعف.
قوله: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ ، أي: لا شيء له، حتى كأنه قد لصق بالتراب من الفقر يقال: ترب أي افتقر حتى لصق جلده بالتراب، فأما أترب بالألف فمعناه استغنى نحو: أثرى أي صار مالكه كالتراب وكالثرى.
قال المفسرون: هو الذي ليس له مأوى إلا التراب.
وقال ابن عباس: هو المطروح على الطريق الذي لا بيت له.
وقال مجاهد: الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره.
وقال قتادة: إنه ذو العيال.
وقال عكرمة عن ابن عباس: ذو المتربة هو البعيد عن وطنه، ليس له مأوى إلاَّ التراب.
فصل في أن المسكين قد يملك شيئاً
احتجوا بهذه الآية على أن المسكين قد يملك شيئاً؛ لأنه لو كان المسكين هو الذي لا يملك شيئاً - ألبتة - لكان تقييده بقوله: «ذا مَتْربة» تكرير.
قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ . التراخي في الإيمان، وتباعده في المرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة، لا في الوقت؛ لأن الإيمان هو السابق، ولا يثبت عمل إلاَّ به.
قاله الزمخشري وقيل: المعنى: ثُمَّ كان في عاقبة أمره من الذين وافوا الموت على الإيمان؛ لأنَّ الموافاة عليه شرط في الانتفاع بالطَّاعات.
وقيل: التراخي في الذكر.
قال المفسرون: معناه أنه لا يقتحم العقبة من فك رقبته، أو أطعم في يوم ذي مسغبة، حتى يكون من الذين آمنوا، أي: صدقوا، فإنّ شرط قبول الطاعات الإيمان بالله تعالى، فالإيمان بعد الإنفاق لا ينفع، قال تعالى في المنافقين: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله﴾ [التوبة: 54] .
وقيل: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ أي: فعل هذه الأشياء وهو مؤمن ثم بقي على إيمانه حتى الوفاة [فيكون المعنى: ثم كان مع تلك الطاعات من الذين آمنوا] ، نظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهتدى﴾ [طه: 82] .
وقيل: المعنى: ثم كان من الذين يؤمنون بأن هذا نافع لهم عند الله تعالى.
وقيل: أتى بهذه القرب لوجه الله - تعالى - ثم آمن بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: إن «ثُمَّ» بمعنى: الواو، أي: وكان هذا المعتق للرقبة، والمطعم في المسغبةِ، من الذين آمنوا.
قوله: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ ، أي: أوصى بعضهم بعضاً على طاعة الله، وعن معاصيه، وعلى ما أصابهم من البلاء والمصائب، ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة﴾ ، أي: بالرحمة على الخلق فإنَّهم إذا فعلوا ذلك، رحموا اليتيم والمسكين، ثم إنه تعالى بينهم، فقال تعالى: ﴿أولئك أَصْحَابُ الميمنة﴾ ، أي: الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، قاله محمد بن كعب القرظي.
[وقال يحيى بن سلام: لأنهم ميامين على أنفسهم.
وقال ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيمن.
وقال ميمون بن مهران لأن منزلتهم عن اليمين] .
قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا﴾ ، أي: القرآن، ﴿هُمْ أَصْحَابُ المشأمة﴾ أي: يأخذون كتبهم بشمائلهم قاله محمد بن كعب، وقال يحيى بن سلام: لأنهم مشائيم على أنفسهم.
وقال ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيسر.
وقال ميمون: لأن منزلتهم على اليسار.
قال القرطبي: ويجمع هذه الأقوال أن يقال: إن أصحاب الميمنة أصحاب الجنة، وأصحاب المشئمة أصحاب النار.
قوله: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾ ، قرأ أبو عمروٍ وحمزةُ وحفصٌ: بالهمزة.
والباقون: بلا همز.
فالقراءة الأولى: من «آصَدتُ الباب» أي: أغلقته، أوصده، فهو مؤصد، قيل: ويحتمل أن يكون من «أوْصدْتُ» ، ولكنه همز الواو السَّاكنة لضمة ما قبلها، كما همز ﴿بالسوق والأعناق﴾ [ص: 33] .
والقراءة الثانية - أيضاً - تحتمل المادتين، ويكون قد خفف الهمزة، لسكونها بعد ضمة.
وقد نقل الفرَّاء عن السوسي الذي قاعدته إبدال مثل هذه الهمزة، أنه لا يبدل هذه، وعللوا ذلك بالإلباس وأيقن أنه قرأ: «مؤصدة» بالواو من قاعدته تخفيف الهمزة.
والظاهر أن القراءتين من مادتين: الأولى من «آصَدَ يُوصِدُ» ك «أكرم يكرم» ، والثانية من «أوْصَدَ، يُوصِدُ» مثل «أوصل يوصل» .
وقال الشاعر: [الطويل]
5217 - تَحِنُّ إلى أجْبَالِ مكَّةَ نَاقتِي ... ومِنْ دُونهَا أبْوابُ صَنعاءُ مُؤصَدَهْ
أي: مغلقة؛ وقال آخر: [الكامل]
5218 - قَوْمٌ يُعَالِجُ قُمَّلاً أبْناؤُهُمْ ... وسَلاسِلاً حِلقاً وبَاباً مُؤصدا
وكان أبو بكر راوي عاصم يكره الهمز في هذا الحرف، وقال: لنا إمام يهمز: «مؤصدة» ، فأشتهي أن أسد أذني إذا سمعته.
قال شهابُ الدِّين: وكأنه لم يحفظ عن شيخه إلا ترك الهمزة مع حفظ حفص إياه عنه، وهو أضبط لحرفه من أبي بكر، على ما نقله الفراء، وإن كان أبو بكر أكبر وأتقن، وأوثق عند أهل الحديث.
وقال القرطبيُّ: وأهل اللغة يقولون: أوصدت الباب وآصدته، أي: أغلقته، فمن قال: أوصدت، فالاسم: الوصاد. ومن قال: آصدته، فالاسم: الإصاد.
قال الفراء: ويقال من هذا «الأصيد» ، وهو الباب المطبق، ومعنى «مؤصدة» أي: مغلقة.
قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ﴾ ، يجوز أن تكون جملة مستأنفة، وأن تكون خبراً ثانياً، وأن يكون الخبر وحده: «عَلَيْهِمْ» ، و «نارٌ» : فاصل به، وهو الأحسن.
وقيل: معنى «عليهم نار» ، أي: أحاطت النَّار بهم، كقوله تعالى: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29] . والله أعلم.
روى الثَّعلبيُّ عن أبيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ أعْطَاهُ اللهُ الأمْنَ مِنْ غَضبهِ يَوْمَ القِيامَةِ» .
سورة الشمس
البلد 90:19
قوله: ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ .
قال الفراءُ والزجاجُ: ذكر «لا» مرة واحدة، والعرب لا تكاد تفرد: «لا» مع الفعل الماضي، حتى تعيد «لا» ، كقوله تعالى: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ [القيامة: 31] وإنَّما أفردها لدلالة آخر الكلام على معناه، فيجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ قائماً مقام التكرير، فكأنه قال: فلا اقتحم العقبة ولا آمن.
وقال الزمخشريُّ: هي متكررة في المعنى؛ لأن معنى: «فلا اقتحم العقبة: فلا فكَّ رقبة، ولا أطعم مسكيناً» . ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك؟ .
قال أبو حيَّان: ولا يتم له هذا إلا على قراءة: «فكّ» فعلاً ماضياً.
وقال الزجاج والمبردُ وأبو عليٍّ، وذكره البخاري عن مجاهد: أن قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ} يدل على أن «لا» بمعنى: «لم» ، ولا يلزم التكرير مع «لم» ، فإن كررت «لا» كقوله: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ [القيامة: 31] ، فهو كقوله تعالى: ﴿لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ [الفرقان: 67] .
فصل في معنى الآية
المعنى: فهلاَّ أنفق ماله في اقتحام العقبة، الذي يزعم أنه أنفقه في عداوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هلا أنفقه في اقتحام العقبة، فيأمن، والاقتحامُ: الرمي بالنفس في شيء من غير روية، يقال منه: قحم في الأمر قُحُوماً، أي: رمى بنفسه فيه من غير روية، وقَحَّم الفرس فارسه تقحيماً على وجهه: إذا رماه وتقحيم النفس في الشيء: إدخالها فيه من غير روية، والقُحْمَةُ - بالضم - المهلكة والسَّنة الشديدة، يقال: أصاب العرب القُحْمَةُ: إذا أصابهم قحط [فدخلوا الريف] والقُحَمُ: صعاب الطريق.
وقال عطاء: يريد عقبة جهنم.
وقال مجاهدٌ والضحاك: هي الصراطُ.
قال الواحدي: وهذا فيه نظر؛ لأن من المعلوم أن هذا الإنسان وغيره، لم يقتحموا عقبة جهنم ولا جاوزوها.
وقال ابن العربي: قال مجاهد: اقتحام العقبة في الدنيا؛ لأنه فسره بعد ذلك، بقوله: «فكُّ رقَبةٍ» أو أطعم في يومٍ يتيماً، أو مسكيناً، وهذه الأعمال إنما تكون في الدنيا.
وقال الحسنُ ومقاتلٌ: هذا مثلٌ ضربه الله تعالى، لمجاهدة النفس، والشيطان في أعمال البر.
قال القفال: قوله تعالى: ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ ، معناه: فلا أنفق ماله فيما فيه اقتحام العقبة.
وقيل: معنى قوله تعالى: ﴿فَلاَ اقتحم﴾ دعاء، أي: فلا نجا ولا سلم، من لم ينفق ماله في كذا وكذا.
وقيل: شبه عظيم الذنوب، وثقلها بعقبةٍ، فإذا أعتق رقبة، أو عمل صالحاً، كان مثله مثل من اقتحم العقبة، وهي الذنوب تضره، وتؤذيه وتثقله.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا العقبة﴾ .
قال سفيان بن عيينة: كل شيء قال فيه: «وَمَا أدْرَاكَ» ، فقد أخبر به، وكل شيء قال فيه: «ومَا يُدرِيكَ» ، فإنه لم يخبره به، وما أدراك ما اقتحام العقبة، وهذا تعظيم لإلزام أمر الدين، والخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليعلمه اقتحام العقبة، ثم إنه تعالى فسر العقبة بقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ .
قوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ .
قرأ أبو عمرو وابن كثيرٍ والكسائي: «فكَّ» : فعلاً ماضياً، و «رَقَبةٌ» : نصباً، «أو أطْعَمَ» : فعلاً ماضياً.
والباقون: «فكُّ» : يرفع الكاف اسماً، «رقَبَةٍ» : خفض بالإضافة، «أوْ إطْعَامٌ» : اسم مرفوع أيضاً.
فالقراءة الأولى: الفعل فيها، بدل من قوله: «اقتحم» ، فهو بيان له، فكأنه قيل: فلا فك رقبة ولا أطعم.
والثانية: مرتفع فيها: «فكُّ» ، على إضمار مبتدأ، أي: هو فك رقبة، «أو إطعام» على معنى الإباحة، وفي الكلام حذف مضاف، دل عليه «فلا اقتحم» ، تقديره: وما أدراك ما اقتحام العقبة، فالتقدير: اقتحام العقبة فك رقبة، أو إطعام، وإنما احتيج إلى تقدير هذا المضاف ليطابق المفسر والمفسر؛ ألا ترى أن المفسِّر - بكسر السين - مصدر، والمفسَّر - بفتح السين - وهو العقبة غير مصدر، فلو لم يقدر مضافاً، لكان المصدر، وهو «فك» مفسراً للعين، وهي العقبة.
وقرأ أميرُ المؤمنين وأبو رجاء: «فكَّ، أو أطعمَ» فعلين - كما تقدم - إلا أنهما نصبا: «ذا» الألف.
وقرأ الحسنُ: «إطعام» ، و «ذا» بالألف أيضاً، وهو على هاتين القراءتين: مفعول: «أطعم» ، أو «إطعام» ، و «يتيماً» حينئذ بدل منه أو نعت له، وهو في قراءة العامة: «ذي» بالياء: نعت ل «يوم» ، على سبيل المجاز، وصف اليوم بالجوع مبالغة، كقولهم: ليلك قائم، ونهارك صائم، والفاعل ل «إطعام» : محذوف، وهذا أحد المواضع التي يطرد فيها حذف الفاعل وحده عند البصريين.
فصل في الاستفهام في الآية
قال ابنُ زيدٍ، وجماعة من المفسرين: معنى الكلام الاستفهام على معنى الإنكار، تقديره: هلاَّ أقتحم العقبة، تقول: هلا أنفق ماله في فك الرقاب، وإطعام السغبان، فيكون خيراً له من إنفاقه في عداوة محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
فصل في الفرق بين الفك والرق
الفكّ: التفريق، ومنه فكُّ القيد وفكُّ الرقبة، فرق بينها وبين صفة الرق بإيجاد الحرفة، وإبطال العبودية، ومنه فكُّ الرهن، وهو إزالته عن المرتهن، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أيُّمَا امرئٍ مُسْلمٍ أعتقَ امْرءاً مُسْلِمَاً كَانَ فِكاكَه مِنَ النَّارِ يَجرِي على كُلِّ عَضوٍ مِنهُ عُضواً مِنهُ»
الحديث.
وسمي المرقوق رقبة؛ لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته، وسمي عتقها فكَّا كفك الأسير من الأسْر؛ قال: [البسيط]
5214 - كَمْ مِنْ أسِيرٍ فَكَكنَاهُ بِلاَ ثَمَنٍ ... وجَرِّ نَاصِيةٍ كُنَّا مَواليهَا
قال الماورديُّ: ويحتمل ثانياً: إنه أراد فك رقبته، وخلاص نفسه، باجتناب المعاصي، وفعل الطاعات، ولا يمتنع الخبر من هذا التأويل، وهو أشبه بالصواب.
فص في أن العتق أفضل من الصدقة
قال أبو حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: العِتْقُ أفضل من الصدقة، وعند صاحبيه الصدقة أفضل، والآية أدلّ على قول أبي حنيفة، لتقديم العتق على الصدقة.
قوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ، أي: مجاعة، والسَّغبُ: الجوع، والسَّاغبُ: الجائع.
قال شهابُ الدِّين: والمسغبةُ: الجوع مع التعب، وربما قيل في العطش مع التعب.
قال الراغب: يقال سغَبَ الرجل يسغبُ سغباً وسغوباً فهو ساغبٌ، وسغبان، والمسغبةُ: مفعل منه.
وأنشد أبو عبيدة: [الطويل]
5215 - فَلَوْ كُنْت جاراً يَا بْنَ قَيْسٍ بن عاصمٍ ... لمَا بتَّ شَبْعَاناً وجاركَ سَاغِبا فصل
إطعام الطعام فضيلة، وهو مع السغب الذي هو الجوع أفضل.
وقال النخعي في قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ، قال: في يوم عزيز فيه الطَّعام.
قوله: ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ ، أي: قرابة.
قال الزمخشريُّ: «والمَسْغبَةُ، والمَقربةُ، والمَتربةُ: مفعلات، من سغبَ إذا جاع، وقرب في النسب، قال: فلان ذو قرابتي وذو مقربتي، وترب إذا افتقر» .
وهذه الآية تدل على أن الصدقة على الأقارب، أفضل منها على الأجانب.
واليتيم: قال بعض العلماء: اليتيمُ في الناس من قبل الأب، وفي البهائمِ من قبلِ الأمَّهاتِ.
وقال بعضهم: اليتيمُ: «الذي يموت أبواه» .
قال قيس بن الملوح: [الطويل]
5216 - إلى اللهِ أشْكُو فَقْدَ لَيْلَى كَما شَكَا ... إلى الله فَقْدَ الوَالِدَيْنِ يَتِيمُ
ويقال: يتم الرجل يتماً: إذا ضعف.
قوله: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ ، أي: لا شيء له، حتى كأنه قد لصق بالتراب من الفقر يقال: ترب أي افتقر حتى لصق جلده بالتراب، فأما أترب بالألف فمعناه استغنى نحو: أثرى أي صار مالكه كالتراب وكالثرى.
قال المفسرون: هو الذي ليس له مأوى إلا التراب.
وقال ابن عباس: هو المطروح على الطريق الذي لا بيت له.
وقال مجاهد: الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره.
وقال قتادة: إنه ذو العيال.
وقال عكرمة عن ابن عباس: ذو المتربة هو البعيد عن وطنه، ليس له مأوى إلاَّ التراب.
فصل في أن المسكين قد يملك شيئاً
احتجوا بهذه الآية على أن المسكين قد يملك شيئاً؛ لأنه لو كان المسكين هو الذي لا يملك شيئاً - ألبتة - لكان تقييده بقوله: «ذا مَتْربة» تكرير.
قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ . التراخي في الإيمان، وتباعده في المرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة، لا في الوقت؛ لأن الإيمان هو السابق، ولا يثبت عمل إلاَّ به.
قاله الزمخشري وقيل: المعنى: ثُمَّ كان في عاقبة أمره من الذين وافوا الموت على الإيمان؛ لأنَّ الموافاة عليه شرط في الانتفاع بالطَّاعات.
وقيل: التراخي في الذكر.
قال المفسرون: معناه أنه لا يقتحم العقبة من فك رقبته، أو أطعم في يوم ذي مسغبة، حتى يكون من الذين آمنوا، أي: صدقوا، فإنّ شرط قبول الطاعات الإيمان بالله تعالى، فالإيمان بعد الإنفاق لا ينفع، قال تعالى في المنافقين: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله﴾ [التوبة: 54] .
وقيل: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ أي: فعل هذه الأشياء وهو مؤمن ثم بقي على إيمانه حتى الوفاة [فيكون المعنى: ثم كان مع تلك الطاعات من الذين آمنوا] ، نظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهتدى﴾ [طه: 82] .
وقيل: المعنى: ثم كان من الذين يؤمنون بأن هذا نافع لهم عند الله تعالى.
وقيل: أتى بهذه القرب لوجه الله - تعالى - ثم آمن بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: إن «ثُمَّ» بمعنى: الواو، أي: وكان هذا المعتق للرقبة، والمطعم في المسغبةِ، من الذين آمنوا.
قوله: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ ، أي: أوصى بعضهم بعضاً على طاعة الله، وعن معاصيه، وعلى ما أصابهم من البلاء والمصائب، ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة﴾ ، أي: بالرحمة على الخلق فإنَّهم إذا فعلوا ذلك، رحموا اليتيم والمسكين، ثم إنه تعالى بينهم، فقال تعالى: ﴿أولئك أَصْحَابُ الميمنة﴾ ، أي: الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، قاله محمد بن كعب القرظي.
[وقال يحيى بن سلام: لأنهم ميامين على أنفسهم.
وقال ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيمن.
وقال ميمون بن مهران لأن منزلتهم عن اليمين] .
قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا﴾ ، أي: القرآن، ﴿هُمْ أَصْحَابُ المشأمة﴾ أي: يأخذون كتبهم بشمائلهم قاله محمد بن كعب، وقال يحيى بن سلام: لأنهم مشائيم على أنفسهم.
وقال ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيسر.
وقال ميمون: لأن منزلتهم على اليسار.
قال القرطبي: ويجمع هذه الأقوال أن يقال: إن أصحاب الميمنة أصحاب الجنة، وأصحاب المشئمة أصحاب النار.
قوله: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾ ، قرأ أبو عمروٍ وحمزةُ وحفصٌ: بالهمزة.
والباقون: بلا همز.
فالقراءة الأولى: من «آصَدتُ الباب» أي: أغلقته، أوصده، فهو مؤصد، قيل: ويحتمل أن يكون من «أوْصدْتُ» ، ولكنه همز الواو السَّاكنة لضمة ما قبلها، كما همز ﴿بالسوق والأعناق﴾ [ص: 33] .
والقراءة الثانية - أيضاً - تحتمل المادتين، ويكون قد خفف الهمزة، لسكونها بعد ضمة.
وقد نقل الفرَّاء عن السوسي الذي قاعدته إبدال مثل هذه الهمزة، أنه لا يبدل هذه، وعللوا ذلك بالإلباس وأيقن أنه قرأ: «مؤصدة» بالواو من قاعدته تخفيف الهمزة.
والظاهر أن القراءتين من مادتين: الأولى من «آصَدَ يُوصِدُ» ك «أكرم يكرم» ، والثانية من «أوْصَدَ، يُوصِدُ» مثل «أوصل يوصل» .
وقال الشاعر: [الطويل]
5217 - تَحِنُّ إلى أجْبَالِ مكَّةَ نَاقتِي ... ومِنْ دُونهَا أبْوابُ صَنعاءُ مُؤصَدَهْ
أي: مغلقة؛ وقال آخر: [الكامل]
5218 - قَوْمٌ يُعَالِجُ قُمَّلاً أبْناؤُهُمْ ... وسَلاسِلاً حِلقاً وبَاباً مُؤصدا
وكان أبو بكر راوي عاصم يكره الهمز في هذا الحرف، وقال: لنا إمام يهمز: «مؤصدة» ، فأشتهي أن أسد أذني إذا سمعته.
قال شهابُ الدِّين: وكأنه لم يحفظ عن شيخه إلا ترك الهمزة مع حفظ حفص إياه عنه، وهو أضبط لحرفه من أبي بكر، على ما نقله الفراء، وإن كان أبو بكر أكبر وأتقن، وأوثق عند أهل الحديث.
وقال القرطبيُّ: وأهل اللغة يقولون: أوصدت الباب وآصدته، أي: أغلقته، فمن قال: أوصدت، فالاسم: الوصاد. ومن قال: آصدته، فالاسم: الإصاد.
قال الفراء: ويقال من هذا «الأصيد» ، وهو الباب المطبق، ومعنى «مؤصدة» أي: مغلقة.
قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ﴾ ، يجوز أن تكون جملة مستأنفة، وأن تكون خبراً ثانياً، وأن يكون الخبر وحده: «عَلَيْهِمْ» ، و «نارٌ» : فاصل به، وهو الأحسن.
وقيل: معنى «عليهم نار» ، أي: أحاطت النَّار بهم، كقوله تعالى: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29] . والله أعلم.
روى الثَّعلبيُّ عن أبيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ أعْطَاهُ اللهُ الأمْنَ مِنْ غَضبهِ يَوْمَ القِيامَةِ» .
سورة الشمس
البلد 90:20
قوله: ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ .
قال الفراءُ والزجاجُ: ذكر «لا» مرة واحدة، والعرب لا تكاد تفرد: «لا» مع الفعل الماضي، حتى تعيد «لا» ، كقوله تعالى: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ [القيامة: 31] وإنَّما أفردها لدلالة آخر الكلام على معناه، فيجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ قائماً مقام التكرير، فكأنه قال: فلا اقتحم العقبة ولا آمن.
وقال الزمخشريُّ: هي متكررة في المعنى؛ لأن معنى: «فلا اقتحم العقبة: فلا فكَّ رقبة، ولا أطعم مسكيناً» . ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك؟ .
قال أبو حيَّان: ولا يتم له هذا إلا على قراءة: «فكّ» فعلاً ماضياً.
وقال الزجاج والمبردُ وأبو عليٍّ، وذكره البخاري عن مجاهد: أن قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ} يدل على أن «لا» بمعنى: «لم» ، ولا يلزم التكرير مع «لم» ، فإن كررت «لا» كقوله: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ [القيامة: 31] ، فهو كقوله تعالى: ﴿لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ [الفرقان: 67] .
فصل في معنى الآية
المعنى: فهلاَّ أنفق ماله في اقتحام العقبة، الذي يزعم أنه أنفقه في عداوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هلا أنفقه في اقتحام العقبة، فيأمن، والاقتحامُ: الرمي بالنفس في شيء من غير روية، يقال منه: قحم في الأمر قُحُوماً، أي: رمى بنفسه فيه من غير روية، وقَحَّم الفرس فارسه تقحيماً على وجهه: إذا رماه وتقحيم النفس في الشيء: إدخالها فيه من غير روية، والقُحْمَةُ - بالضم - المهلكة والسَّنة الشديدة، يقال: أصاب العرب القُحْمَةُ: إذا أصابهم قحط [فدخلوا الريف] والقُحَمُ: صعاب الطريق.
وقال عطاء: يريد عقبة جهنم.
وقال مجاهدٌ والضحاك: هي الصراطُ.
قال الواحدي: وهذا فيه نظر؛ لأن من المعلوم أن هذا الإنسان وغيره، لم يقتحموا عقبة جهنم ولا جاوزوها.
وقال ابن العربي: قال مجاهد: اقتحام العقبة في الدنيا؛ لأنه فسره بعد ذلك، بقوله: «فكُّ رقَبةٍ» أو أطعم في يومٍ يتيماً، أو مسكيناً، وهذه الأعمال إنما تكون في الدنيا.
وقال الحسنُ ومقاتلٌ: هذا مثلٌ ضربه الله تعالى، لمجاهدة النفس، والشيطان في أعمال البر.
قال القفال: قوله تعالى: ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ ، معناه: فلا أنفق ماله فيما فيه اقتحام العقبة.
وقيل: معنى قوله تعالى: ﴿فَلاَ اقتحم﴾ دعاء، أي: فلا نجا ولا سلم، من لم ينفق ماله في كذا وكذا.
وقيل: شبه عظيم الذنوب، وثقلها بعقبةٍ، فإذا أعتق رقبة، أو عمل صالحاً، كان مثله مثل من اقتحم العقبة، وهي الذنوب تضره، وتؤذيه وتثقله.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا العقبة﴾ .
قال سفيان بن عيينة: كل شيء قال فيه: «وَمَا أدْرَاكَ» ، فقد أخبر به، وكل شيء قال فيه: «ومَا يُدرِيكَ» ، فإنه لم يخبره به، وما أدراك ما اقتحام العقبة، وهذا تعظيم لإلزام أمر الدين، والخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليعلمه اقتحام العقبة، ثم إنه تعالى فسر العقبة بقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ .
قوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ .
قرأ أبو عمرو وابن كثيرٍ والكسائي: «فكَّ» : فعلاً ماضياً، و «رَقَبةٌ» : نصباً، «أو أطْعَمَ» : فعلاً ماضياً.
والباقون: «فكُّ» : يرفع الكاف اسماً، «رقَبَةٍ» : خفض بالإضافة، «أوْ إطْعَامٌ» : اسم مرفوع أيضاً.
فالقراءة الأولى: الفعل فيها، بدل من قوله: «اقتحم» ، فهو بيان له، فكأنه قيل: فلا فك رقبة ولا أطعم.
والثانية: مرتفع فيها: «فكُّ» ، على إضمار مبتدأ، أي: هو فك رقبة، «أو إطعام» على معنى الإباحة، وفي الكلام حذف مضاف، دل عليه «فلا اقتحم» ، تقديره: وما أدراك ما اقتحام العقبة، فالتقدير: اقتحام العقبة فك رقبة، أو إطعام، وإنما احتيج إلى تقدير هذا المضاف ليطابق المفسر والمفسر؛ ألا ترى أن المفسِّر - بكسر السين - مصدر، والمفسَّر - بفتح السين - وهو العقبة غير مصدر، فلو لم يقدر مضافاً، لكان المصدر، وهو «فك» مفسراً للعين، وهي العقبة.
وقرأ أميرُ المؤمنين وأبو رجاء: «فكَّ، أو أطعمَ» فعلين - كما تقدم - إلا أنهما نصبا: «ذا» الألف.
وقرأ الحسنُ: «إطعام» ، و «ذا» بالألف أيضاً، وهو على هاتين القراءتين: مفعول: «أطعم» ، أو «إطعام» ، و «يتيماً» حينئذ بدل منه أو نعت له، وهو في قراءة العامة: «ذي» بالياء: نعت ل «يوم» ، على سبيل المجاز، وصف اليوم بالجوع مبالغة، كقولهم: ليلك قائم، ونهارك صائم، والفاعل ل «إطعام» : محذوف، وهذا أحد المواضع التي يطرد فيها حذف الفاعل وحده عند البصريين.
فصل في الاستفهام في الآية
قال ابنُ زيدٍ، وجماعة من المفسرين: معنى الكلام الاستفهام على معنى الإنكار، تقديره: هلاَّ أقتحم العقبة، تقول: هلا أنفق ماله في فك الرقاب، وإطعام السغبان، فيكون خيراً له من إنفاقه في عداوة محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
فصل في الفرق بين الفك والرق
الفكّ: التفريق، ومنه فكُّ القيد وفكُّ الرقبة، فرق بينها وبين صفة الرق بإيجاد الحرفة، وإبطال العبودية، ومنه فكُّ الرهن، وهو إزالته عن المرتهن، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أيُّمَا امرئٍ مُسْلمٍ أعتقَ امْرءاً مُسْلِمَاً كَانَ فِكاكَه مِنَ النَّارِ يَجرِي على كُلِّ عَضوٍ مِنهُ عُضواً مِنهُ»
الحديث.
وسمي المرقوق رقبة؛ لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته، وسمي عتقها فكَّا كفك الأسير من الأسْر؛ قال: [البسيط]
5214 - كَمْ مِنْ أسِيرٍ فَكَكنَاهُ بِلاَ ثَمَنٍ ... وجَرِّ نَاصِيةٍ كُنَّا مَواليهَا
قال الماورديُّ: ويحتمل ثانياً: إنه أراد فك رقبته، وخلاص نفسه، باجتناب المعاصي، وفعل الطاعات، ولا يمتنع الخبر من هذا التأويل، وهو أشبه بالصواب.
فص في أن العتق أفضل من الصدقة
قال أبو حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: العِتْقُ أفضل من الصدقة، وعند صاحبيه الصدقة أفضل، والآية أدلّ على قول أبي حنيفة، لتقديم العتق على الصدقة.
قوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ، أي: مجاعة، والسَّغبُ: الجوع، والسَّاغبُ: الجائع.
قال شهابُ الدِّين: والمسغبةُ: الجوع مع التعب، وربما قيل في العطش مع التعب.
قال الراغب: يقال سغَبَ الرجل يسغبُ سغباً وسغوباً فهو ساغبٌ، وسغبان، والمسغبةُ: مفعل منه.
وأنشد أبو عبيدة: [الطويل]
5215 - فَلَوْ كُنْت جاراً يَا بْنَ قَيْسٍ بن عاصمٍ ... لمَا بتَّ شَبْعَاناً وجاركَ سَاغِبا فصل
إطعام الطعام فضيلة، وهو مع السغب الذي هو الجوع أفضل.
وقال النخعي في قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ، قال: في يوم عزيز فيه الطَّعام.
قوله: ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ ، أي: قرابة.
قال الزمخشريُّ: «والمَسْغبَةُ، والمَقربةُ، والمَتربةُ: مفعلات، من سغبَ إذا جاع، وقرب في النسب، قال: فلان ذو قرابتي وذو مقربتي، وترب إذا افتقر» .
وهذه الآية تدل على أن الصدقة على الأقارب، أفضل منها على الأجانب.
واليتيم: قال بعض العلماء: اليتيمُ في الناس من قبل الأب، وفي البهائمِ من قبلِ الأمَّهاتِ.
وقال بعضهم: اليتيمُ: «الذي يموت أبواه» .
قال قيس بن الملوح: [الطويل]
5216 - إلى اللهِ أشْكُو فَقْدَ لَيْلَى كَما شَكَا ... إلى الله فَقْدَ الوَالِدَيْنِ يَتِيمُ
ويقال: يتم الرجل يتماً: إذا ضعف.
قوله: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ ، أي: لا شيء له، حتى كأنه قد لصق بالتراب من الفقر يقال: ترب أي افتقر حتى لصق جلده بالتراب، فأما أترب بالألف فمعناه استغنى نحو: أثرى أي صار مالكه كالتراب وكالثرى.
قال المفسرون: هو الذي ليس له مأوى إلا التراب.
وقال ابن عباس: هو المطروح على الطريق الذي لا بيت له.
وقال مجاهد: الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره.
وقال قتادة: إنه ذو العيال.
وقال عكرمة عن ابن عباس: ذو المتربة هو البعيد عن وطنه، ليس له مأوى إلاَّ التراب.
فصل في أن المسكين قد يملك شيئاً
احتجوا بهذه الآية على أن المسكين قد يملك شيئاً؛ لأنه لو كان المسكين هو الذي لا يملك شيئاً - ألبتة - لكان تقييده بقوله: «ذا مَتْربة» تكرير.
قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ . التراخي في الإيمان، وتباعده في المرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة، لا في الوقت؛ لأن الإيمان هو السابق، ولا يثبت عمل إلاَّ به.
قاله الزمخشري وقيل: المعنى: ثُمَّ كان في عاقبة أمره من الذين وافوا الموت على الإيمان؛ لأنَّ الموافاة عليه شرط في الانتفاع بالطَّاعات.
وقيل: التراخي في الذكر.
قال المفسرون: معناه أنه لا يقتحم العقبة من فك رقبته، أو أطعم في يوم ذي مسغبة، حتى يكون من الذين آمنوا، أي: صدقوا، فإنّ شرط قبول الطاعات الإيمان بالله تعالى، فالإيمان بعد الإنفاق لا ينفع، قال تعالى في المنافقين: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله﴾ [التوبة: 54] .
وقيل: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ أي: فعل هذه الأشياء وهو مؤمن ثم بقي على إيمانه حتى الوفاة [فيكون المعنى: ثم كان مع تلك الطاعات من الذين آمنوا] ، نظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهتدى﴾ [طه: 82] .
وقيل: المعنى: ثم كان من الذين يؤمنون بأن هذا نافع لهم عند الله تعالى.
وقيل: أتى بهذه القرب لوجه الله - تعالى - ثم آمن بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: إن «ثُمَّ» بمعنى: الواو، أي: وكان هذا المعتق للرقبة، والمطعم في المسغبةِ، من الذين آمنوا.
قوله: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ ، أي: أوصى بعضهم بعضاً على طاعة الله، وعن معاصيه، وعلى ما أصابهم من البلاء والمصائب، ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة﴾ ، أي: بالرحمة على الخلق فإنَّهم إذا فعلوا ذلك، رحموا اليتيم والمسكين، ثم إنه تعالى بينهم، فقال تعالى: ﴿أولئك أَصْحَابُ الميمنة﴾ ، أي: الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، قاله محمد بن كعب القرظي.
[وقال يحيى بن سلام: لأنهم ميامين على أنفسهم.
وقال ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيمن.
وقال ميمون بن مهران لأن منزلتهم عن اليمين] .
قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا﴾ ، أي: القرآن، ﴿هُمْ أَصْحَابُ المشأمة﴾ أي: يأخذون كتبهم بشمائلهم قاله محمد بن كعب، وقال يحيى بن سلام: لأنهم مشائيم على أنفسهم.
وقال ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيسر.
وقال ميمون: لأن منزلتهم على اليسار.
قال القرطبي: ويجمع هذه الأقوال أن يقال: إن أصحاب الميمنة أصحاب الجنة، وأصحاب المشئمة أصحاب النار.
قوله: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾ ، قرأ أبو عمروٍ وحمزةُ وحفصٌ: بالهمزة.
والباقون: بلا همز.
فالقراءة الأولى: من «آصَدتُ الباب» أي: أغلقته، أوصده، فهو مؤصد، قيل: ويحتمل أن يكون من «أوْصدْتُ» ، ولكنه همز الواو السَّاكنة لضمة ما قبلها، كما همز ﴿بالسوق والأعناق﴾ [ص: 33] .
والقراءة الثانية - أيضاً - تحتمل المادتين، ويكون قد خفف الهمزة، لسكونها بعد ضمة.
وقد نقل الفرَّاء عن السوسي الذي قاعدته إبدال مثل هذه الهمزة، أنه لا يبدل هذه، وعللوا ذلك بالإلباس وأيقن أنه قرأ: «مؤصدة» بالواو من قاعدته تخفيف الهمزة.
والظاهر أن القراءتين من مادتين: الأولى من «آصَدَ يُوصِدُ» ك «أكرم يكرم» ، والثانية من «أوْصَدَ، يُوصِدُ» مثل «أوصل يوصل» .
وقال الشاعر: [الطويل]
5217 - تَحِنُّ إلى أجْبَالِ مكَّةَ نَاقتِي ... ومِنْ دُونهَا أبْوابُ صَنعاءُ مُؤصَدَهْ
أي: مغلقة؛ وقال آخر: [الكامل]
5218 - قَوْمٌ يُعَالِجُ قُمَّلاً أبْناؤُهُمْ ... وسَلاسِلاً حِلقاً وبَاباً مُؤصدا
وكان أبو بكر راوي عاصم يكره الهمز في هذا الحرف، وقال: لنا إمام يهمز: «مؤصدة» ، فأشتهي أن أسد أذني إذا سمعته.
قال شهابُ الدِّين: وكأنه لم يحفظ عن شيخه إلا ترك الهمزة مع حفظ حفص إياه عنه، وهو أضبط لحرفه من أبي بكر، على ما نقله الفراء، وإن كان أبو بكر أكبر وأتقن، وأوثق عند أهل الحديث.
وقال القرطبيُّ: وأهل اللغة يقولون: أوصدت الباب وآصدته، أي: أغلقته، فمن قال: أوصدت، فالاسم: الوصاد. ومن قال: آصدته، فالاسم: الإصاد.
قال الفراء: ويقال من هذا «الأصيد» ، وهو الباب المطبق، ومعنى «مؤصدة» أي: مغلقة.
قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ﴾ ، يجوز أن تكون جملة مستأنفة، وأن تكون خبراً ثانياً، وأن يكون الخبر وحده: «عَلَيْهِمْ» ، و «نارٌ» : فاصل به، وهو الأحسن.
وقيل: معنى «عليهم نار» ، أي: أحاطت النَّار بهم، كقوله تعالى: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29] . والله أعلم.
روى الثَّعلبيُّ عن أبيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ أعْطَاهُ اللهُ الأمْنَ مِنْ غَضبهِ يَوْمَ القِيامَةِ» .
سورة الشمس
الشمس 91:1
مكية، وهي خمس عشرة آية، وأربع وخمسون كلمة، ومائتان وسبعون حرفا. قوله تعالى: ﴿والشمس وَضُحَاهَا﴾ ، وقد تقدَّم أنَّ جماعة من أهل الأصول؛ قالوا: التقدير: ورب الشمس، ورب سائر ما ذكر إلى تمام القسم.
واحتج قوم على بطلان هذا القول، بأن في جملة هذا القسم: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ ، وذلك هو الله تعالى، لا يجوز أن يكون المراد منه تعالى أن يقدم قسمه بغيره على قسمه بنفسه، فإذن لا بد من تأويل، وهو أن «ما» مع ما بعده في حكم المصدر، فيكون التقدير: والسَّماءِ وبنائها.
واعترض الزمخشريُّ عليه، فقال: لو كان الأمر على هذا الوجه، لزم من عطف قوله: «فألهمها» عليه فساد النظم.
قوله: ﴿وَضُحَاهَا﴾ .
قال المبرِّدُ: إن الضُّحى، والضَّحوة، مشتقان من الضحّ، وهو النور فأبدلت الألف، والواو من الحاء، تقول: ضَحْوة، وضَحَوات، وضُحى فالواو من «ضَحْوة» مقلوبة عن الحاء الثانية، والألف في «ضُحَى» مقلوبة عن الواو.
وقال أبو الهيثم: الضحُّ نقيض الظل، وهو نور الشمس على ظهر وجه الأرض وأصله: الضحى، فاستثقلوا الياء مع سكون الواو فقلبوها ألفاً.
والضُّحَى: مؤنثة، يقال: ارتفعت الضُّحى فوق الصخور، وقد تذكر، فمن أنَّث ذهب إلى أنها جمع ضحوة، ومن ذكَّر ذهب إلى أنَّه اسم على «فُعَل» نحو «صُرَد، ونُغَر» وهو ظرف غير متمكن مثل: سحر، تقول: لقيته ضحًى، وضُحَى إذا أردت به ضحى يومك لم تنونه.
وقال الفراء: الضُّحَى، هو النهار، كقول قتادة، والمعروف عند العرب أنَّ الضحى إذا طلعت الشمس، وبُعَيْدَ ذلك قليلاً، فإذا زاد فهو الضّحاء بالمد.
ومن قال: الضحى، النهار كله، فذلك لدوام نور الشمس، ومن قال: إنه نور الشَّمس أو حرها، فنور الشمس لا يكون إلاَّ مع حرِّ الشمس، وقد استدل من قال: إن الضحى حر الشمس بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تضحى﴾ [طه: 119] أي: لا يؤذيك الحر.
فصل في تفسير الآية
قال مجاهد: «وضُحَاهَا» أي: ضوؤها وإشراقها، وأضاف الضحى إلى الشمس؛ لأنه إنما يكون بارتفاع الشمس.
وقال قتادةُ: بهاؤها.
وقال السدي: حرها.
وقال اليزيدي: انبساطها.
وقيل: ما ظهر بها من كل مخلوق، فيكون القسم بها، وبمخلوقات الأرض كلها. حكاه الماوردي.
قال ابن الخطيب: إنَّما أقسم بالشمس، وضحاها، لكثرة ما يتعلق به من المصالح، فإنَّ أهل العالم كانوا كالأموات في الليل، فلما ظهر الصبحُ في المشرق، صار ذلك الضوء، كالروح الذي تنفخ فيه الحياة، فصارت الأموات أحياء، ولا تزال تلك الحياة في القوة، والزيادة إلى غاية كمالها وقت الضحى، وذلك شبيه استقرار أهل الجنة.
قوله: ﴿والقمر إِذَا تَلاَهَا﴾ ، أي: تبعها، وذلك إذا سقطت رؤيا الهلال.
[قال الليث: تلوت فلاناً إذا تبعته.
وقال ابن زيد: إذا غربت الشمس في النصف الأول من الشهر، تلاها القمر بالطلوع، وفي آخر الشهر، يتلوها بالغروب] .
قال الفراء: «تَلاَهَا» : أخذ منها، يذهب إلى أن القمر يأخذ من ضوء الشمس.
وقال الزجاجُ: «إذا تَلاهَا» أي: حين استوى، واستدار، فكان مثلها في الضياء والنور.
وقال قتادةُ والكلبيُّ: معناه: أن الشمس، إذا قربت، فالقمر يتبعها ليلة الهلال في الغروب.
وقيل: يتلوها في كبر الجرم، بحسب الحسّ في ارتباط مصالح هذا العالم بحركته.
قوله: ﴿والنهار إِذَا جَلاَّهَا﴾ ، الفاعل: ضمير النهار.
وقيل: عائد على الله تعالى، والضمير المنصوب، إمَّا للشمس، وإما للظُّلمة، وإما للأرض.
ومعنى «جلاها» أي: كشفها، فمن قال: هي «الشمس» ، فالمعنى: أنه يبين بضوئه جرمها، ومن قال: هي «الظلمة» ، فهي ون لم يجر لها ذكر، كقولك: أضحتْ باردةً، تريد: أضحت غداتنا باردة، وهو قول الفراء والكلبي وغيرهما.
ومن قال: هي الدنيا والأرض، وإن لم يجر لهما ذكر، كقوله: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] .
قوله: «إذَا تَلاهَا» ، وما بعده فيه إشكال؛ لأنه إن جعل شرطاً اقتضى جواباً، ولا جواب لفظاً، وتقديره غير صالح، وإن جُعِلَ محضاً استدعى عاملاً وليس هنا عامل إلا فعل القسم حال؛ لأنه إنشاء، و «إذا» ظرف مستقبل، والحال لا يعمل في المستقبل.
ويخص «إذا» وما بعدها إشكال آخر ذكره الزمخشري، قال: فإن قلت: الأمر في نصب «إذَا» معضل، لأنك لا تخلو إمَّا أن تجعل الواو عاطفة، فتنصب بها وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: «مررت أمس بزيد واليوم عمرو» ، وإمَّا أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه.
قلت: الجواب فيه: أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل إطراحاً كلياً، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام الفعل، والباء سادة مسدهما معاً، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحقهن أن يكنّ عوامل على الفعل، والجار جميعاً، كما تقول: «ضَرب زيد بكراً وعمرو خالداً» ، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام «ضرب» الذي هو عاملهما انتهى.
وقال أبُو حيَّان: أما قوله في واوات العطف: «فتنصب وتجر» ، فليس هذا بالمختار على أن يكون حرف العطف عاملاً لقيامه مقام العامل، بل المختار أن العمل إنما هو للعامل في المعطوف عليه، ثم إن الإنشاء حجة في ذلك.
وقوله: «فتقع في العطف على عاملين» ، ليس ما في الآية من العطف عاملين، وإنما هو من باب عطف اسمين مجرور ومنصوب، على اسمين مجرور ومنصوب، فصرف العطف لم ينب مناب عاملين، وذلك نحو قولك: مررت بزيد قائماً وعمرو جالساً؛ وأنشد سيبويه في كتابه: [الطويل]
5219 - فَلَيْسَ بِمعروفٍ لَنا أنْ نَرُدَّهَا ... صِحَاحاً ولا مُسْتنكَرٌ أن تُعَقَّرَا
فهذا من عطف مجرور ومرفوع؛ والعطف على عاملين فيه أربعة مذاهب، ونسب الجواز إلى سيبويه.
وقوله في نحو قولك: «مررت أمس بزيد واليوم عمرو» ، هذا المثال مخالف لما في الآية، بل وزان ما في الآية: «مررت بزيد أمس وعمرو اليوم» ونحن نجيز هذا.
وأمَّا قوله: «على استكراه» ، فليس كما ذكر، بل كلام الخليل على المنع.
قال الخليل في قوله تعالى: ﴿والليل إِذَا يغشى والنهار إِذَا تجلى وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: 1 - 3] : «الواوان الأخريان ليستا بمنزلة الأولى، ولكنهما الواوان اللتان تضمان الأسماء إلى الأسماء في قولك: مررت بزيد وعمرو، والأولى بمنزلة الباء والتاء» .
وأما قوله: «إن واو القسم ليس يطرح معها إبراز الفعل إطراحاً كلياً» فليس هذا الحكم مجمعاً عليه، بل أجاز ابن كيسان التصريح بفعل القسم مع الواو، فتقول: «أقسم، أو أحلف والله لزيد قائم» .
وأما قوله: «والواوات العواطف نوائب عن هذا» إلى آخره، فمبني على أن حرف العطف عامل لنيابته مناب العامل، وليس هذا بالمختار.
قال: والذي يقول: إن المُعضلَ هو تقدير العامل في «إذا» بعد الإقسام، كقوله تعالى: ﴿والنجم إِذَا هوى﴾ [النجم: 1] ، ﴿والليل إِذْ أَدْبَرَ والصبح إِذَآ أَسْفَرَ﴾ [المدثر: 33، 34] ، ﴿والقمر إِذَا تَلاَهَا والنهار إِذَا جَلاَّهَا والليل إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: 2 - 4] ، وما أشبهها ف «إذا» ظرف مستقبل، لا جائز أن يكون العامل فيه فعل القسم المحذوف؛ لأنه فعل إنشائي، فهو في الحال ينافي أن يعمل في المستقبل لإطلاق زمان العامل زمان المعمول، ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف أقيم المقسم به مقامه أي وطلوع النجم، ومجيء الليل، لأنه فعل إنشائي , فهو في الحال ينافي أن يعمل في المستقبل لإطلاق زمان العامل زمان المعمول , ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف أقيم المقسم به مقامه أي وطلوع النجم , ومجيء الليل , لأنه معمول لذلك الفعل [فالطلوع حال، ولا يعمل فيه المستقبل ضرورة أن زمان المعمول زمان العامل ولا جائز أن يعمل فيه نفس المقسم به لأنه ليس من قبيل ما يعمل، سيما إن كان جزماً] ، ولا جائز أن يقدر محذوف قبل الظرف فيكون قد عمل فيه، ويكون ذلك العامل في موضع الحال، وتقديره: والنجم كائناً إذا هوى والليل كائناً إذا يغشى، لأنه لا يلزم كائناً منصوباً بالعامل، ولا يصح أن يكون معمولاً لشيء مما فرضناه أن يكون عاملاً، وأيضاً، فقد يكون المقسم به جثة، وظروف الزمان لا تكون أحوالاً عن الجثث كما لا تكون أخباراً. انتهى ما رد به أبو حيان وما استشكله من أمر العامل في «إذا» .
قال شهاب الدين: المختار أن حرف العطف لا يعمل لقيامه مقام العامل، فلا يلزم أبا القاسم لأنه يختار القول الآخر، وقوله «ليس ما في الآية من العطف على عاملين» ممنوع بل فيه العطف على عاملين ولكنه في غموض، وبيان أنه من العطف على عاملين، أن قوله: ﴿والنهار إِذَا جَلاَّهَا﴾ - ها هنا - معمولان، أحدهما مجرور وهو «النهار» والآخر منصوب وهو الظرف عطفاً على معمول عاملين والعاملان هنا في فعل المقسم به، الناصب ل «إذا» الأولى، وواو القسم الجارة، فقد تحقق معك عاملان، لهما معمولان، فإذا عطفت مجروراً على مجرور، وظرفاً على ظرف، معمولين لعاملين، لزم ما قاله أبو القاسم، وكيف يجهل هذا مع التأمل والتحقيق؟! .
وأما قوله: «وأنشد سيبويه» إلى آخره، فهو اعتراف منه بأنه من العطف على عاملين، غاية ما في الباب أنه استند إلى حكمه لسيبويه، وأما قوله: أجاز ابن كيسان، فلا يلزم مذهبه، وأما قوله: فالمثال ليس كالآية بل وزانها، إلى آخره، فصحيح لما فيه من تقديم الظرف الثاني على المجرور والمعطوف والآية والظرف فيها متأخر، وإنما مراد الزمخشري وجود معمول عاملين، وهو موجود في المثال المذكور إلا أن في الآية إشكالاً آخر، وهو كالتكرير للمسألة، وأما قوله: بل كلام الخليل يدل على المنع، إلى آخره، فليس فيه ردٌّ عليه بالنسبة إلى قصده بل فيه تقوية لما قال، غاية ما في الباب أنه عبر بالاستكراه عن المنع، ولم يفهم المنع، وقوله: ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف، إلى آخره، فأقول: بل يجوز تقديره، وهو العامل، ولا يلزم ما قاله من اختلاف الزمانين، لأنه يجوز أن يقسم [الآن بطلوع النجم في المستقبل، فالقسم في الحال والطلوع في المستقبل، ويجوز أن يقسم] بالشيء الذي سيوجد وقوله «ولا جائز أن يقدر محذوف قبل الظرف فيكون قد عمل فيه» إلى آخره، ليس بممنوع بل يجوز ذلك ويكون حالاً مقدرة، وقوله «ويلزم ألاَّ يكون له عامل» ليس كذلك بل له عامل وهو فعل القسم، ولا يضر كونه إنشائياً، لأن الحال مقدرة كما تقدم، وقوله «وقد يكون المقسم به جثة» جوايه: يقدر حينئذ حدث، يكون الظرف الزماني حالاً عنه وسئل ابن الحاجب عن هذه المسألة، فأجاب بنحو ما ذكرناه والله اعلم، ولا يخلو الكلام فيها من بحث.
قوله: ﴿والليل إِذَا يَغْشَاهَا﴾ . المفعول «الشمس» : أي: يغشى الشمس فيذهب بضوئها عند سقوطها، قاله مجاهد.
وقيل: للأرض أي: يغشى الدنيا بالظلمة، فتظلم الآفاق فالكناية ترجع إلى غير مذكور. وجيء ب «يَغْشَاهَا» مضارعاً دون ما قبله وما بعده مراعاة للفواصل؛ إذ لو أتى به ماضياً لكان التركيب «إذ غشيها» فتفوت المناسبة اللفظية بين الفواصل والمقاطع.
قوله: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ . في «ما» هذه وجهان:
أحدهما: أن «ما» موصولة بمعنى «الذي» وبه استشهد من يجوز وقوعها على العقلاء، ولأن المراد به الباري تعالى، وإليه ذهب الحسن ومجاهد وأبو عبيدة، واختاره ابن جرير.
والثاني: مصدر، أي وبنائها، وإليه ذهب الزجاج والمبرد، وهذا منهما بناء على أنها مختصة بغير العقلاء.
واعترض على هذا القول بأنه يلزم أن يكون القسم بنفس المصادر: بناء السماء وطحو الأرض، وتسوية النفس، وليس المقصود إلاَّ القسم بفاعل هذه الأشياء، وهو الرب تعالى، وأجيب عنه بوجهين:
أحدهما: أن يكون على حذف مضاف، أي: ورب بناء السماء ونحوه.
والثاني: أنه لا غرو لا يجوز في الإقسام بهذه الأشياء، كما أقسم سبحانه وتعالى بالصبح ونحوه.
وقال الزمخشري: «جعلت» ما «مصدرية في قوله» وما بناها» ، «وما طحاها» ، «وما سواها» ، وليس بالوجه، لقوله «فألهمها» ، وما يؤدي إليه من فساد النظم، والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على» من «لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء والقادر العظيم الذي بناها، ونفسٍ والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها، وفي كلامهم: سبحان من سخركن لنا» انتهى.
[يعني أن الفاعل في «فألهمها» عائد على الله تعالى، فليكن في بنائها كذلك] .
وحينئذ يلزم عوده على شيء، وليس هنا ما يمكن عوده عليه غير «ما» فتعين أن تكون موصولة.
قال أبو حيان: «أما قوله» وليس بالوجه «، لقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ يعني من عود الضمير في ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ على الله تعالى، فيكون قد عاد على مذكور، وهو» ما «المراد به» الذي» ، قال: ولا يلزم ذلك، لأنا إذا جعلناها مصدرية عاد الضمير على ما يفهم من سياق الكلام، في «بَنَاهَا» ضمير عائد على الله تعالى، أي: وبناها هو، أي: الله تعالى، كما إذا رأيت زيداً قد ضرب عمراً، فتقول: عجبت مما ضرب عمرو، تقديره: من ضرب عمرو هو، كان حسناً فصيحاً جائزاً، وعود الضمير على ما يفهمُ من سياق الكلام كثير.
وقوله» وما يؤدي إليه من فساد النظم «ليس كذلك، ولا يؤدي جعلها مصدرية إلى ما ذكر.
وقوله» وإنما أوثرت «إلى آخره، لا يراد ب» ما «ولا» من «الموصولتين، معنى الوصلية، لأنهما لا يوصف بهما» ما «دون» من «.
وقوله» في كلامهم «إلى آخره، تأوله أصحابنا على أن» سبحان «علم، و» ما «مصدرية ظرفية» .
قال شهاب الدين: أما ما رد به عليه من كونه يعود على ما يفهم من السياق، فليس يصلح رداً؛ لأنه إذا دار الأمر بين عوده على ملفوظ وبين غير ملفوظ به، فعوده على الملفوظ به أولى؛ لأنه الأصل وأما قوله: فلا ينفرد به «ما» دون «من» ، فليس مراد الزمخشري أنها توصف بها وصفاً صريحاً، بل مراده أنها تقع على نوع من يعقل وعلى صفته، ولذلك مثل النحويون بقوله تعالى:
﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: 3] .
وقالوا: تقديره: فانكِحُوا الطَّيِّب من النِّساءِ، ولا شك أن هذا الحكم تنفرد به «ما» دون «من» .
قوله: ﴿والأرض وَمَا طَحَاهَا﴾ . أي: وطحوها، وقيل: من طحاها: أي بسطها، قال عامة المفسرين: أي دحاها.
قال الحسن ومجاهد وغيرهما: طحاها ودحاها: واحد، أي: بسطها من كل جانب.
والطَّحْوُ: البسطُ، طحا، يطحو، طحواً، وطحى يطحى طحياً، وطحيت: اضطجعت، عن أبي عمرو، وعن ابن عباس: طحاها: أي قسمها، وقيل: خلقها؛ قال الشاعر: [الوافر]
5220 - ومَا تَدْرِي جَذيمةُ مَنْ طَحاهَا ... ولا مَنْ سَاكِنُ العَرْشِ الرَّفيعِ
قال الماوردي: ويحتمل أنه ما خرج منها من نبات وعيون وكنوز؛ لأنه حياة لما خلق عليها.
ويقال في بعض أيمان العرب: لا، والقمر الطاحي، أي: المشرق المرتفع.
قال أبو عمرو: طحا الرجل إذا ذهب في الأرض، يقال: ما أدري أين طحا؟ .
ويقال: طحا به قلبه، إذا ذهب به كلِّ شيء؛ قال علقمة: [الطويل]
5221 - طَحَا بِكَ قَلبٌ في الحِسانِ طَرُوب ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
قال ابن الخطيب: وإنما أخر هذا عن قوله تعالى: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ لقوله: ﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: 30] .
قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ . قيل: المعنى، وتسويتها، ف «ما» مصدرية.
وقيل: المعنى، ومن سواها، وهو الله تعالى، قيل: المراد بالنفس: آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
وقيل: كلُّ نفس منفوسةٍ، فما التنكير إلا لتعظيمها، أي نفس عظيمة، آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ وإما للتكثير، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: 14] ، و «سوَّى» بمعنى هيأ.
وقال مجاهد: سوَّى خلقها وعدَّل، وهذه الأسماء كلها مجرورة على القسم، أي أقسم الله تعالى بخلقه لما فيه من عجائب الصنعة الدالة عليه - سبحانه وتعالى -.
قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا﴾ أي: عرَّفها طريقَ الفجور والتقوى، قاله ابن عباس ومجاهد.
وعن مجاهد أيضاً: عرفها الطاعة والمعصية.
[وعن محمد بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - إذا أراد الله تعالى لعبده خيراً ألهمه الخير فعمل به، وإذا أراد به الشر ألهمه الشرّ فعمل به.
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: ألهم المؤمن التقي تقواه وألهم الكافر فجوره، وعن قتادة: بين لها فجورها وتقواها، والفجور والتقوى مصدران في موضع المفعول] .
قال الواحدي: الإلهام هو أن يوقع الله في قلب العبد شيئاً، وإذا أوقع في قلبه فقد ألزمه إياه، من قولهم: لهم الشيء وألهمه: إذا بلغه، وألهمته ذلك الشيء، أي أبلغته، هذا هو الأصل ثم استعمل ذلك فيما يقذفه الله تعالى في قلب العبد لأنه كالإبلاغ.
قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أنه جواب القسم، والأصل: لقد وإنما حذفت لطول الكلام، والثاني: أنه ليس بجواب، وإنما جيء به تابعاً لقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء، فالجواب محذوف، تقديره [ليدمرن] الله عليهم، أي: على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كما دمدم على ثمود لتكذيبهم صالحاً - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال معناه الزمخشري. وقدر غيره: لتبعثن.
وقيل: هو على التقديم والتأخير بغير حذف، والمعنى: قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها.
وفاعل «زكّاها» و «دسّاها» ، الظاهر أنه ضمير «مَنْ» .
وقيل: ضمير الباري تعالى، أي: أفلح وفاز من زكاها بالطاعة، وقد خاب من دساها أي: خسرت نفسٌ دسها الله تعالى بالمعصية، وأنحى الزمخشري على صاحب هذا القول لمنافرته مذهبه.
قال شهاب الدين: والحق أنه خلاف الظاهر، لا لما قال الزمخشري، بل لمنافرة نظمه للاحتياج إلى عود الضمير على النفس مقيدة بإضافتها إلى ضمير «من» .
وقال ابن عباس: خابت نفس أضلها الله وأغواها.
وقيل: أفلح من زكى نفسه بطاعة الله، «وخاب» خسر من دس نفسه في المعاصي. قاله قتادة.
وأصل الزكاة: النمو والزيادة، ومنه تزكى الزَّرع إذا كثر معه، ومنه تزكية القاضي الشاهد، لأنه يرفعه بالتعديل.
وقيل: دساها: أغواها، قال: [الطويل]
5222 - وأَنْتَ الَّذِي دسَّيْتَ عَمْراً فأصْبَحتَ ... حَلائِلهُ مِنْهُ أرَامِلَ ضُيَّعَا
قال أهل اللغة: والأصل، دسها، من التدسيس فكثرت الأمثال فأبدل من ثالثها حرف علة كما قالوا: قصيت أظفاري، وأصله قصصت، وتقضي البازي، والتدسية: الإخفاء يعني أخفاه بالفجور، وقد نطق بالأصل الشاعر المتقدم. وقال آخر: [الكامل]
5223 - ودَسَسْتَ عَمْراً في التُّرَابِ فأصْبَحَتْ ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .
[وهو إخفاء الشيء في الشيء، فأبدلت سينه ياءً. وقال ابن الأعرابي: «وقَدْ خَابَ من دسَّاهَا» أي: دس نفسه في جملة الصالحين وليس منهم] .
قال الواحدي: فكأنه - تعالى - أقسم على فلاح من طهره وخسارة من خذله لئلا يظن أن المراد بتولي ذلك من غير قضاء سابق، فقوله: «قَدْ أفلَحَ» : هو جواب القسم.
الشمس 91:2
مكية، وهي خمس عشرة آية، وأربع وخمسون كلمة، ومائتان وسبعون حرفا. قوله تعالى: ﴿والشمس وَضُحَاهَا﴾ ، وقد تقدَّم أنَّ جماعة من أهل الأصول؛ قالوا: التقدير: ورب الشمس، ورب سائر ما ذكر إلى تمام القسم.
واحتج قوم على بطلان هذا القول، بأن في جملة هذا القسم: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ ، وذلك هو الله تعالى، لا يجوز أن يكون المراد منه تعالى أن يقدم قسمه بغيره على قسمه بنفسه، فإذن لا بد من تأويل، وهو أن «ما» مع ما بعده في حكم المصدر، فيكون التقدير: والسَّماءِ وبنائها.
واعترض الزمخشريُّ عليه، فقال: لو كان الأمر على هذا الوجه، لزم من عطف قوله: «فألهمها» عليه فساد النظم.
قوله: ﴿وَضُحَاهَا﴾ .
قال المبرِّدُ: إن الضُّحى، والضَّحوة، مشتقان من الضحّ، وهو النور فأبدلت الألف، والواو من الحاء، تقول: ضَحْوة، وضَحَوات، وضُحى فالواو من «ضَحْوة» مقلوبة عن الحاء الثانية، والألف في «ضُحَى» مقلوبة عن الواو.
وقال أبو الهيثم: الضحُّ نقيض الظل، وهو نور الشمس على ظهر وجه الأرض وأصله: الضحى، فاستثقلوا الياء مع سكون الواو فقلبوها ألفاً.
والضُّحَى: مؤنثة، يقال: ارتفعت الضُّحى فوق الصخور، وقد تذكر، فمن أنَّث ذهب إلى أنها جمع ضحوة، ومن ذكَّر ذهب إلى أنَّه اسم على «فُعَل» نحو «صُرَد، ونُغَر» وهو ظرف غير متمكن مثل: سحر، تقول: لقيته ضحًى، وضُحَى إذا أردت به ضحى يومك لم تنونه.
وقال الفراء: الضُّحَى، هو النهار، كقول قتادة، والمعروف عند العرب أنَّ الضحى إذا طلعت الشمس، وبُعَيْدَ ذلك قليلاً، فإذا زاد فهو الضّحاء بالمد.
ومن قال: الضحى، النهار كله، فذلك لدوام نور الشمس، ومن قال: إنه نور الشَّمس أو حرها، فنور الشمس لا يكون إلاَّ مع حرِّ الشمس، وقد استدل من قال: إن الضحى حر الشمس بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تضحى﴾ [طه: 119] أي: لا يؤذيك الحر.
فصل في تفسير الآية
قال مجاهد: «وضُحَاهَا» أي: ضوؤها وإشراقها، وأضاف الضحى إلى الشمس؛ لأنه إنما يكون بارتفاع الشمس.
وقال قتادةُ: بهاؤها.
وقال السدي: حرها.
وقال اليزيدي: انبساطها.
وقيل: ما ظهر بها من كل مخلوق، فيكون القسم بها، وبمخلوقات الأرض كلها. حكاه الماوردي.
قال ابن الخطيب: إنَّما أقسم بالشمس، وضحاها، لكثرة ما يتعلق به من المصالح، فإنَّ أهل العالم كانوا كالأموات في الليل، فلما ظهر الصبحُ في المشرق، صار ذلك الضوء، كالروح الذي تنفخ فيه الحياة، فصارت الأموات أحياء، ولا تزال تلك الحياة في القوة، والزيادة إلى غاية كمالها وقت الضحى، وذلك شبيه استقرار أهل الجنة.
قوله: ﴿والقمر إِذَا تَلاَهَا﴾ ، أي: تبعها، وذلك إذا سقطت رؤيا الهلال.
[قال الليث: تلوت فلاناً إذا تبعته.
وقال ابن زيد: إذا غربت الشمس في النصف الأول من الشهر، تلاها القمر بالطلوع، وفي آخر الشهر، يتلوها بالغروب] .
قال الفراء: «تَلاَهَا» : أخذ منها، يذهب إلى أن القمر يأخذ من ضوء الشمس.
وقال الزجاجُ: «إذا تَلاهَا» أي: حين استوى، واستدار، فكان مثلها في الضياء والنور.
وقال قتادةُ والكلبيُّ: معناه: أن الشمس، إذا قربت، فالقمر يتبعها ليلة الهلال في الغروب.
وقيل: يتلوها في كبر الجرم، بحسب الحسّ في ارتباط مصالح هذا العالم بحركته.
قوله: ﴿والنهار إِذَا جَلاَّهَا﴾ ، الفاعل: ضمير النهار.
وقيل: عائد على الله تعالى، والضمير المنصوب، إمَّا للشمس، وإما للظُّلمة، وإما للأرض.
ومعنى «جلاها» أي: كشفها، فمن قال: هي «الشمس» ، فالمعنى: أنه يبين بضوئه جرمها، ومن قال: هي «الظلمة» ، فهي ون لم يجر لها ذكر، كقولك: أضحتْ باردةً، تريد: أضحت غداتنا باردة، وهو قول الفراء والكلبي وغيرهما.
ومن قال: هي الدنيا والأرض، وإن لم يجر لهما ذكر، كقوله: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] .
قوله: «إذَا تَلاهَا» ، وما بعده فيه إشكال؛ لأنه إن جعل شرطاً اقتضى جواباً، ولا جواب لفظاً، وتقديره غير صالح، وإن جُعِلَ محضاً استدعى عاملاً وليس هنا عامل إلا فعل القسم حال؛ لأنه إنشاء، و «إذا» ظرف مستقبل، والحال لا يعمل في المستقبل.
ويخص «إذا» وما بعدها إشكال آخر ذكره الزمخشري، قال: فإن قلت: الأمر في نصب «إذَا» معضل، لأنك لا تخلو إمَّا أن تجعل الواو عاطفة، فتنصب بها وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: «مررت أمس بزيد واليوم عمرو» ، وإمَّا أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه.
قلت: الجواب فيه: أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل إطراحاً كلياً، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام الفعل، والباء سادة مسدهما معاً، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحقهن أن يكنّ عوامل على الفعل، والجار جميعاً، كما تقول: «ضَرب زيد بكراً وعمرو خالداً» ، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام «ضرب» الذي هو عاملهما انتهى.
وقال أبُو حيَّان: أما قوله في واوات العطف: «فتنصب وتجر» ، فليس هذا بالمختار على أن يكون حرف العطف عاملاً لقيامه مقام العامل، بل المختار أن العمل إنما هو للعامل في المعطوف عليه، ثم إن الإنشاء حجة في ذلك.
وقوله: «فتقع في العطف على عاملين» ، ليس ما في الآية من العطف عاملين، وإنما هو من باب عطف اسمين مجرور ومنصوب، على اسمين مجرور ومنصوب، فصرف العطف لم ينب مناب عاملين، وذلك نحو قولك: مررت بزيد قائماً وعمرو جالساً؛ وأنشد سيبويه في كتابه: [الطويل]
5219 - فَلَيْسَ بِمعروفٍ لَنا أنْ نَرُدَّهَا ... صِحَاحاً ولا مُسْتنكَرٌ أن تُعَقَّرَا
فهذا من عطف مجرور ومرفوع؛ والعطف على عاملين فيه أربعة مذاهب، ونسب الجواز إلى سيبويه.
وقوله في نحو قولك: «مررت أمس بزيد واليوم عمرو» ، هذا المثال مخالف لما في الآية، بل وزان ما في الآية: «مررت بزيد أمس وعمرو اليوم» ونحن نجيز هذا.
وأمَّا قوله: «على استكراه» ، فليس كما ذكر، بل كلام الخليل على المنع.
قال الخليل في قوله تعالى: ﴿والليل إِذَا يغشى والنهار إِذَا تجلى وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: 1 - 3] : «الواوان الأخريان ليستا بمنزلة الأولى، ولكنهما الواوان اللتان تضمان الأسماء إلى الأسماء في قولك: مررت بزيد وعمرو، والأولى بمنزلة الباء والتاء» .
وأما قوله: «إن واو القسم ليس يطرح معها إبراز الفعل إطراحاً كلياً» فليس هذا الحكم مجمعاً عليه، بل أجاز ابن كيسان التصريح بفعل القسم مع الواو، فتقول: «أقسم، أو أحلف والله لزيد قائم» .
وأما قوله: «والواوات العواطف نوائب عن هذا» إلى آخره، فمبني على أن حرف العطف عامل لنيابته مناب العامل، وليس هذا بالمختار.
قال: والذي يقول: إن المُعضلَ هو تقدير العامل في «إذا» بعد الإقسام، كقوله تعالى: ﴿والنجم إِذَا هوى﴾ [النجم: 1] ، ﴿والليل إِذْ أَدْبَرَ والصبح إِذَآ أَسْفَرَ﴾ [المدثر: 33، 34] ، ﴿والقمر إِذَا تَلاَهَا والنهار إِذَا جَلاَّهَا والليل إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: 2 - 4] ، وما أشبهها ف «إذا» ظرف مستقبل، لا جائز أن يكون العامل فيه فعل القسم المحذوف؛ لأنه فعل إنشائي، فهو في الحال ينافي أن يعمل في المستقبل لإطلاق زمان العامل زمان المعمول، ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف أقيم المقسم به مقامه أي وطلوع النجم، ومجيء الليل، لأنه فعل إنشائي , فهو في الحال ينافي أن يعمل في المستقبل لإطلاق زمان العامل زمان المعمول , ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف أقيم المقسم به مقامه أي وطلوع النجم , ومجيء الليل , لأنه معمول لذلك الفعل [فالطلوع حال، ولا يعمل فيه المستقبل ضرورة أن زمان المعمول زمان العامل ولا جائز أن يعمل فيه نفس المقسم به لأنه ليس من قبيل ما يعمل، سيما إن كان جزماً] ، ولا جائز أن يقدر محذوف قبل الظرف فيكون قد عمل فيه، ويكون ذلك العامل في موضع الحال، وتقديره: والنجم كائناً إذا هوى والليل كائناً إذا يغشى، لأنه لا يلزم كائناً منصوباً بالعامل، ولا يصح أن يكون معمولاً لشيء مما فرضناه أن يكون عاملاً، وأيضاً، فقد يكون المقسم به جثة، وظروف الزمان لا تكون أحوالاً عن الجثث كما لا تكون أخباراً. انتهى ما رد به أبو حيان وما استشكله من أمر العامل في «إذا» .
قال شهاب الدين: المختار أن حرف العطف لا يعمل لقيامه مقام العامل، فلا يلزم أبا القاسم لأنه يختار القول الآخر، وقوله «ليس ما في الآية من العطف على عاملين» ممنوع بل فيه العطف على عاملين ولكنه في غموض، وبيان أنه من العطف على عاملين، أن قوله: ﴿والنهار إِذَا جَلاَّهَا﴾ - ها هنا - معمولان، أحدهما مجرور وهو «النهار» والآخر منصوب وهو الظرف عطفاً على معمول عاملين والعاملان هنا في فعل المقسم به، الناصب ل «إذا» الأولى، وواو القسم الجارة، فقد تحقق معك عاملان، لهما معمولان، فإذا عطفت مجروراً على مجرور، وظرفاً على ظرف، معمولين لعاملين، لزم ما قاله أبو القاسم، وكيف يجهل هذا مع التأمل والتحقيق؟! .
وأما قوله: «وأنشد سيبويه» إلى آخره، فهو اعتراف منه بأنه من العطف على عاملين، غاية ما في الباب أنه استند إلى حكمه لسيبويه، وأما قوله: أجاز ابن كيسان، فلا يلزم مذهبه، وأما قوله: فالمثال ليس كالآية بل وزانها، إلى آخره، فصحيح لما فيه من تقديم الظرف الثاني على المجرور والمعطوف والآية والظرف فيها متأخر، وإنما مراد الزمخشري وجود معمول عاملين، وهو موجود في المثال المذكور إلا أن في الآية إشكالاً آخر، وهو كالتكرير للمسألة، وأما قوله: بل كلام الخليل يدل على المنع، إلى آخره، فليس فيه ردٌّ عليه بالنسبة إلى قصده بل فيه تقوية لما قال، غاية ما في الباب أنه عبر بالاستكراه عن المنع، ولم يفهم المنع، وقوله: ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف، إلى آخره، فأقول: بل يجوز تقديره، وهو العامل، ولا يلزم ما قاله من اختلاف الزمانين، لأنه يجوز أن يقسم [الآن بطلوع النجم في المستقبل، فالقسم في الحال والطلوع في المستقبل، ويجوز أن يقسم] بالشيء الذي سيوجد وقوله «ولا جائز أن يقدر محذوف قبل الظرف فيكون قد عمل فيه» إلى آخره، ليس بممنوع بل يجوز ذلك ويكون حالاً مقدرة، وقوله «ويلزم ألاَّ يكون له عامل» ليس كذلك بل له عامل وهو فعل القسم، ولا يضر كونه إنشائياً، لأن الحال مقدرة كما تقدم، وقوله «وقد يكون المقسم به جثة» جوايه: يقدر حينئذ حدث، يكون الظرف الزماني حالاً عنه وسئل ابن الحاجب عن هذه المسألة، فأجاب بنحو ما ذكرناه والله اعلم، ولا يخلو الكلام فيها من بحث.
قوله: ﴿والليل إِذَا يَغْشَاهَا﴾ . المفعول «الشمس» : أي: يغشى الشمس فيذهب بضوئها عند سقوطها، قاله مجاهد.
وقيل: للأرض أي: يغشى الدنيا بالظلمة، فتظلم الآفاق فالكناية ترجع إلى غير مذكور. وجيء ب «يَغْشَاهَا» مضارعاً دون ما قبله وما بعده مراعاة للفواصل؛ إذ لو أتى به ماضياً لكان التركيب «إذ غشيها» فتفوت المناسبة اللفظية بين الفواصل والمقاطع.
قوله: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ . في «ما» هذه وجهان:
أحدهما: أن «ما» موصولة بمعنى «الذي» وبه استشهد من يجوز وقوعها على العقلاء، ولأن المراد به الباري تعالى، وإليه ذهب الحسن ومجاهد وأبو عبيدة، واختاره ابن جرير.
والثاني: مصدر، أي وبنائها، وإليه ذهب الزجاج والمبرد، وهذا منهما بناء على أنها مختصة بغير العقلاء.
واعترض على هذا القول بأنه يلزم أن يكون القسم بنفس المصادر: بناء السماء وطحو الأرض، وتسوية النفس، وليس المقصود إلاَّ القسم بفاعل هذه الأشياء، وهو الرب تعالى، وأجيب عنه بوجهين:
أحدهما: أن يكون على حذف مضاف، أي: ورب بناء السماء ونحوه.
والثاني: أنه لا غرو لا يجوز في الإقسام بهذه الأشياء، كما أقسم سبحانه وتعالى بالصبح ونحوه.
وقال الزمخشري: «جعلت» ما «مصدرية في قوله» وما بناها» ، «وما طحاها» ، «وما سواها» ، وليس بالوجه، لقوله «فألهمها» ، وما يؤدي إليه من فساد النظم، والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على» من «لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء والقادر العظيم الذي بناها، ونفسٍ والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها، وفي كلامهم: سبحان من سخركن لنا» انتهى.
[يعني أن الفاعل في «فألهمها» عائد على الله تعالى، فليكن في بنائها كذلك] .
وحينئذ يلزم عوده على شيء، وليس هنا ما يمكن عوده عليه غير «ما» فتعين أن تكون موصولة.
قال أبو حيان: «أما قوله» وليس بالوجه «، لقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ يعني من عود الضمير في ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ على الله تعالى، فيكون قد عاد على مذكور، وهو» ما «المراد به» الذي» ، قال: ولا يلزم ذلك، لأنا إذا جعلناها مصدرية عاد الضمير على ما يفهم من سياق الكلام، في «بَنَاهَا» ضمير عائد على الله تعالى، أي: وبناها هو، أي: الله تعالى، كما إذا رأيت زيداً قد ضرب عمراً، فتقول: عجبت مما ضرب عمرو، تقديره: من ضرب عمرو هو، كان حسناً فصيحاً جائزاً، وعود الضمير على ما يفهمُ من سياق الكلام كثير.
وقوله» وما يؤدي إليه من فساد النظم «ليس كذلك، ولا يؤدي جعلها مصدرية إلى ما ذكر.
وقوله» وإنما أوثرت «إلى آخره، لا يراد ب» ما «ولا» من «الموصولتين، معنى الوصلية، لأنهما لا يوصف بهما» ما «دون» من «.
وقوله» في كلامهم «إلى آخره، تأوله أصحابنا على أن» سبحان «علم، و» ما «مصدرية ظرفية» .
قال شهاب الدين: أما ما رد به عليه من كونه يعود على ما يفهم من السياق، فليس يصلح رداً؛ لأنه إذا دار الأمر بين عوده على ملفوظ وبين غير ملفوظ به، فعوده على الملفوظ به أولى؛ لأنه الأصل وأما قوله: فلا ينفرد به «ما» دون «من» ، فليس مراد الزمخشري أنها توصف بها وصفاً صريحاً، بل مراده أنها تقع على نوع من يعقل وعلى صفته، ولذلك مثل النحويون بقوله تعالى:
﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: 3] .
وقالوا: تقديره: فانكِحُوا الطَّيِّب من النِّساءِ، ولا شك أن هذا الحكم تنفرد به «ما» دون «من» .
قوله: ﴿والأرض وَمَا طَحَاهَا﴾ . أي: وطحوها، وقيل: من طحاها: أي بسطها، قال عامة المفسرين: أي دحاها.
قال الحسن ومجاهد وغيرهما: طحاها ودحاها: واحد، أي: بسطها من كل جانب.
والطَّحْوُ: البسطُ، طحا، يطحو، طحواً، وطحى يطحى طحياً، وطحيت: اضطجعت، عن أبي عمرو، وعن ابن عباس: طحاها: أي قسمها، وقيل: خلقها؛ قال الشاعر: [الوافر]
5220 - ومَا تَدْرِي جَذيمةُ مَنْ طَحاهَا ... ولا مَنْ سَاكِنُ العَرْشِ الرَّفيعِ
قال الماوردي: ويحتمل أنه ما خرج منها من نبات وعيون وكنوز؛ لأنه حياة لما خلق عليها.
ويقال في بعض أيمان العرب: لا، والقمر الطاحي، أي: المشرق المرتفع.
قال أبو عمرو: طحا الرجل إذا ذهب في الأرض، يقال: ما أدري أين طحا؟ .
ويقال: طحا به قلبه، إذا ذهب به كلِّ شيء؛ قال علقمة: [الطويل]
5221 - طَحَا بِكَ قَلبٌ في الحِسانِ طَرُوب ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
قال ابن الخطيب: وإنما أخر هذا عن قوله تعالى: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ لقوله: ﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: 30] .
قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ . قيل: المعنى، وتسويتها، ف «ما» مصدرية.
وقيل: المعنى، ومن سواها، وهو الله تعالى، قيل: المراد بالنفس: آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
وقيل: كلُّ نفس منفوسةٍ، فما التنكير إلا لتعظيمها، أي نفس عظيمة، آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ وإما للتكثير، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: 14] ، و «سوَّى» بمعنى هيأ.
وقال مجاهد: سوَّى خلقها وعدَّل، وهذه الأسماء كلها مجرورة على القسم، أي أقسم الله تعالى بخلقه لما فيه من عجائب الصنعة الدالة عليه - سبحانه وتعالى -.
قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا﴾ أي: عرَّفها طريقَ الفجور والتقوى، قاله ابن عباس ومجاهد.
وعن مجاهد أيضاً: عرفها الطاعة والمعصية.
[وعن محمد بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - إذا أراد الله تعالى لعبده خيراً ألهمه الخير فعمل به، وإذا أراد به الشر ألهمه الشرّ فعمل به.
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: ألهم المؤمن التقي تقواه وألهم الكافر فجوره، وعن قتادة: بين لها فجورها وتقواها، والفجور والتقوى مصدران في موضع المفعول] .
قال الواحدي: الإلهام هو أن يوقع الله في قلب العبد شيئاً، وإذا أوقع في قلبه فقد ألزمه إياه، من قولهم: لهم الشيء وألهمه: إذا بلغه، وألهمته ذلك الشيء، أي أبلغته، هذا هو الأصل ثم استعمل ذلك فيما يقذفه الله تعالى في قلب العبد لأنه كالإبلاغ.
قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أنه جواب القسم، والأصل: لقد وإنما حذفت لطول الكلام، والثاني: أنه ليس بجواب، وإنما جيء به تابعاً لقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء، فالجواب محذوف، تقديره [ليدمرن] الله عليهم، أي: على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كما دمدم على ثمود لتكذيبهم صالحاً - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال معناه الزمخشري. وقدر غيره: لتبعثن.
وقيل: هو على التقديم والتأخير بغير حذف، والمعنى: قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها.
وفاعل «زكّاها» و «دسّاها» ، الظاهر أنه ضمير «مَنْ» .
وقيل: ضمير الباري تعالى، أي: أفلح وفاز من زكاها بالطاعة، وقد خاب من دساها أي: خسرت نفسٌ دسها الله تعالى بالمعصية، وأنحى الزمخشري على صاحب هذا القول لمنافرته مذهبه.
قال شهاب الدين: والحق أنه خلاف الظاهر، لا لما قال الزمخشري، بل لمنافرة نظمه للاحتياج إلى عود الضمير على النفس مقيدة بإضافتها إلى ضمير «من» .
وقال ابن عباس: خابت نفس أضلها الله وأغواها.
وقيل: أفلح من زكى نفسه بطاعة الله، «وخاب» خسر من دس نفسه في المعاصي. قاله قتادة.
وأصل الزكاة: النمو والزيادة، ومنه تزكى الزَّرع إذا كثر معه، ومنه تزكية القاضي الشاهد، لأنه يرفعه بالتعديل.
وقيل: دساها: أغواها، قال: [الطويل]
5222 - وأَنْتَ الَّذِي دسَّيْتَ عَمْراً فأصْبَحتَ ... حَلائِلهُ مِنْهُ أرَامِلَ ضُيَّعَا
قال أهل اللغة: والأصل، دسها، من التدسيس فكثرت الأمثال فأبدل من ثالثها حرف علة كما قالوا: قصيت أظفاري، وأصله قصصت، وتقضي البازي، والتدسية: الإخفاء يعني أخفاه بالفجور، وقد نطق بالأصل الشاعر المتقدم. وقال آخر: [الكامل]
5223 - ودَسَسْتَ عَمْراً في التُّرَابِ فأصْبَحَتْ ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .
[وهو إخفاء الشيء في الشيء، فأبدلت سينه ياءً. وقال ابن الأعرابي: «وقَدْ خَابَ من دسَّاهَا» أي: دس نفسه في جملة الصالحين وليس منهم] .
قال الواحدي: فكأنه - تعالى - أقسم على فلاح من طهره وخسارة من خذله لئلا يظن أن المراد بتولي ذلك من غير قضاء سابق، فقوله: «قَدْ أفلَحَ» : هو جواب القسم.
الشمس 91:3
مكية، وهي خمس عشرة آية، وأربع وخمسون كلمة، ومائتان وسبعون حرفا. قوله تعالى: ﴿والشمس وَضُحَاهَا﴾ ، وقد تقدَّم أنَّ جماعة من أهل الأصول؛ قالوا: التقدير: ورب الشمس، ورب سائر ما ذكر إلى تمام القسم.
واحتج قوم على بطلان هذا القول، بأن في جملة هذا القسم: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ ، وذلك هو الله تعالى، لا يجوز أن يكون المراد منه تعالى أن يقدم قسمه بغيره على قسمه بنفسه، فإذن لا بد من تأويل، وهو أن «ما» مع ما بعده في حكم المصدر، فيكون التقدير: والسَّماءِ وبنائها.
واعترض الزمخشريُّ عليه، فقال: لو كان الأمر على هذا الوجه، لزم من عطف قوله: «فألهمها» عليه فساد النظم.
قوله: ﴿وَضُحَاهَا﴾ .
قال المبرِّدُ: إن الضُّحى، والضَّحوة، مشتقان من الضحّ، وهو النور فأبدلت الألف، والواو من الحاء، تقول: ضَحْوة، وضَحَوات، وضُحى فالواو من «ضَحْوة» مقلوبة عن الحاء الثانية، والألف في «ضُحَى» مقلوبة عن الواو.
وقال أبو الهيثم: الضحُّ نقيض الظل، وهو نور الشمس على ظهر وجه الأرض وأصله: الضحى، فاستثقلوا الياء مع سكون الواو فقلبوها ألفاً.
والضُّحَى: مؤنثة، يقال: ارتفعت الضُّحى فوق الصخور، وقد تذكر، فمن أنَّث ذهب إلى أنها جمع ضحوة، ومن ذكَّر ذهب إلى أنَّه اسم على «فُعَل» نحو «صُرَد، ونُغَر» وهو ظرف غير متمكن مثل: سحر، تقول: لقيته ضحًى، وضُحَى إذا أردت به ضحى يومك لم تنونه.
وقال الفراء: الضُّحَى، هو النهار، كقول قتادة، والمعروف عند العرب أنَّ الضحى إذا طلعت الشمس، وبُعَيْدَ ذلك قليلاً، فإذا زاد فهو الضّحاء بالمد.
ومن قال: الضحى، النهار كله، فذلك لدوام نور الشمس، ومن قال: إنه نور الشَّمس أو حرها، فنور الشمس لا يكون إلاَّ مع حرِّ الشمس، وقد استدل من قال: إن الضحى حر الشمس بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تضحى﴾ [طه: 119] أي: لا يؤذيك الحر.
فصل في تفسير الآية
قال مجاهد: «وضُحَاهَا» أي: ضوؤها وإشراقها، وأضاف الضحى إلى الشمس؛ لأنه إنما يكون بارتفاع الشمس.
وقال قتادةُ: بهاؤها.
وقال السدي: حرها.
وقال اليزيدي: انبساطها.
وقيل: ما ظهر بها من كل مخلوق، فيكون القسم بها، وبمخلوقات الأرض كلها. حكاه الماوردي.
قال ابن الخطيب: إنَّما أقسم بالشمس، وضحاها، لكثرة ما يتعلق به من المصالح، فإنَّ أهل العالم كانوا كالأموات في الليل، فلما ظهر الصبحُ في المشرق، صار ذلك الضوء، كالروح الذي تنفخ فيه الحياة، فصارت الأموات أحياء، ولا تزال تلك الحياة في القوة، والزيادة إلى غاية كمالها وقت الضحى، وذلك شبيه استقرار أهل الجنة.
قوله: ﴿والقمر إِذَا تَلاَهَا﴾ ، أي: تبعها، وذلك إذا سقطت رؤيا الهلال.
[قال الليث: تلوت فلاناً إذا تبعته.
وقال ابن زيد: إذا غربت الشمس في النصف الأول من الشهر، تلاها القمر بالطلوع، وفي آخر الشهر، يتلوها بالغروب] .
قال الفراء: «تَلاَهَا» : أخذ منها، يذهب إلى أن القمر يأخذ من ضوء الشمس.
وقال الزجاجُ: «إذا تَلاهَا» أي: حين استوى، واستدار، فكان مثلها في الضياء والنور.
وقال قتادةُ والكلبيُّ: معناه: أن الشمس، إذا قربت، فالقمر يتبعها ليلة الهلال في الغروب.
وقيل: يتلوها في كبر الجرم، بحسب الحسّ في ارتباط مصالح هذا العالم بحركته.
قوله: ﴿والنهار إِذَا جَلاَّهَا﴾ ، الفاعل: ضمير النهار.
وقيل: عائد على الله تعالى، والضمير المنصوب، إمَّا للشمس، وإما للظُّلمة، وإما للأرض.
ومعنى «جلاها» أي: كشفها، فمن قال: هي «الشمس» ، فالمعنى: أنه يبين بضوئه جرمها، ومن قال: هي «الظلمة» ، فهي ون لم يجر لها ذكر، كقولك: أضحتْ باردةً، تريد: أضحت غداتنا باردة، وهو قول الفراء والكلبي وغيرهما.
ومن قال: هي الدنيا والأرض، وإن لم يجر لهما ذكر، كقوله: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] .
قوله: «إذَا تَلاهَا» ، وما بعده فيه إشكال؛ لأنه إن جعل شرطاً اقتضى جواباً، ولا جواب لفظاً، وتقديره غير صالح، وإن جُعِلَ محضاً استدعى عاملاً وليس هنا عامل إلا فعل القسم حال؛ لأنه إنشاء، و «إذا» ظرف مستقبل، والحال لا يعمل في المستقبل.
ويخص «إذا» وما بعدها إشكال آخر ذكره الزمخشري، قال: فإن قلت: الأمر في نصب «إذَا» معضل، لأنك لا تخلو إمَّا أن تجعل الواو عاطفة، فتنصب بها وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: «مررت أمس بزيد واليوم عمرو» ، وإمَّا أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه.
قلت: الجواب فيه: أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل إطراحاً كلياً، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام الفعل، والباء سادة مسدهما معاً، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحقهن أن يكنّ عوامل على الفعل، والجار جميعاً، كما تقول: «ضَرب زيد بكراً وعمرو خالداً» ، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام «ضرب» الذي هو عاملهما انتهى.
وقال أبُو حيَّان: أما قوله في واوات العطف: «فتنصب وتجر» ، فليس هذا بالمختار على أن يكون حرف العطف عاملاً لقيامه مقام العامل، بل المختار أن العمل إنما هو للعامل في المعطوف عليه، ثم إن الإنشاء حجة في ذلك.
وقوله: «فتقع في العطف على عاملين» ، ليس ما في الآية من العطف عاملين، وإنما هو من باب عطف اسمين مجرور ومنصوب، على اسمين مجرور ومنصوب، فصرف العطف لم ينب مناب عاملين، وذلك نحو قولك: مررت بزيد قائماً وعمرو جالساً؛ وأنشد سيبويه في كتابه: [الطويل]
5219 - فَلَيْسَ بِمعروفٍ لَنا أنْ نَرُدَّهَا ... صِحَاحاً ولا مُسْتنكَرٌ أن تُعَقَّرَا
فهذا من عطف مجرور ومرفوع؛ والعطف على عاملين فيه أربعة مذاهب، ونسب الجواز إلى سيبويه.
وقوله في نحو قولك: «مررت أمس بزيد واليوم عمرو» ، هذا المثال مخالف لما في الآية، بل وزان ما في الآية: «مررت بزيد أمس وعمرو اليوم» ونحن نجيز هذا.
وأمَّا قوله: «على استكراه» ، فليس كما ذكر، بل كلام الخليل على المنع.
قال الخليل في قوله تعالى: ﴿والليل إِذَا يغشى والنهار إِذَا تجلى وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: 1 - 3] : «الواوان الأخريان ليستا بمنزلة الأولى، ولكنهما الواوان اللتان تضمان الأسماء إلى الأسماء في قولك: مررت بزيد وعمرو، والأولى بمنزلة الباء والتاء» .
وأما قوله: «إن واو القسم ليس يطرح معها إبراز الفعل إطراحاً كلياً» فليس هذا الحكم مجمعاً عليه، بل أجاز ابن كيسان التصريح بفعل القسم مع الواو، فتقول: «أقسم، أو أحلف والله لزيد قائم» .
وأما قوله: «والواوات العواطف نوائب عن هذا» إلى آخره، فمبني على أن حرف العطف عامل لنيابته مناب العامل، وليس هذا بالمختار.
قال: والذي يقول: إن المُعضلَ هو تقدير العامل في «إذا» بعد الإقسام، كقوله تعالى: ﴿والنجم إِذَا هوى﴾ [النجم: 1] ، ﴿والليل إِذْ أَدْبَرَ والصبح إِذَآ أَسْفَرَ﴾ [المدثر: 33، 34] ، ﴿والقمر إِذَا تَلاَهَا والنهار إِذَا جَلاَّهَا والليل إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: 2 - 4] ، وما أشبهها ف «إذا» ظرف مستقبل، لا جائز أن يكون العامل فيه فعل القسم المحذوف؛ لأنه فعل إنشائي، فهو في الحال ينافي أن يعمل في المستقبل لإطلاق زمان العامل زمان المعمول، ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف أقيم المقسم به مقامه أي وطلوع النجم، ومجيء الليل، لأنه فعل إنشائي , فهو في الحال ينافي أن يعمل في المستقبل لإطلاق زمان العامل زمان المعمول , ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف أقيم المقسم به مقامه أي وطلوع النجم , ومجيء الليل , لأنه معمول لذلك الفعل [فالطلوع حال، ولا يعمل فيه المستقبل ضرورة أن زمان المعمول زمان العامل ولا جائز أن يعمل فيه نفس المقسم به لأنه ليس من قبيل ما يعمل، سيما إن كان جزماً] ، ولا جائز أن يقدر محذوف قبل الظرف فيكون قد عمل فيه، ويكون ذلك العامل في موضع الحال، وتقديره: والنجم كائناً إذا هوى والليل كائناً إذا يغشى، لأنه لا يلزم كائناً منصوباً بالعامل، ولا يصح أن يكون معمولاً لشيء مما فرضناه أن يكون عاملاً، وأيضاً، فقد يكون المقسم به جثة، وظروف الزمان لا تكون أحوالاً عن الجثث كما لا تكون أخباراً. انتهى ما رد به أبو حيان وما استشكله من أمر العامل في «إذا» .
قال شهاب الدين: المختار أن حرف العطف لا يعمل لقيامه مقام العامل، فلا يلزم أبا القاسم لأنه يختار القول الآخر، وقوله «ليس ما في الآية من العطف على عاملين» ممنوع بل فيه العطف على عاملين ولكنه في غموض، وبيان أنه من العطف على عاملين، أن قوله: ﴿والنهار إِذَا جَلاَّهَا﴾ - ها هنا - معمولان، أحدهما مجرور وهو «النهار» والآخر منصوب وهو الظرف عطفاً على معمول عاملين والعاملان هنا في فعل المقسم به، الناصب ل «إذا» الأولى، وواو القسم الجارة، فقد تحقق معك عاملان، لهما معمولان، فإذا عطفت مجروراً على مجرور، وظرفاً على ظرف، معمولين لعاملين، لزم ما قاله أبو القاسم، وكيف يجهل هذا مع التأمل والتحقيق؟! .
وأما قوله: «وأنشد سيبويه» إلى آخره، فهو اعتراف منه بأنه من العطف على عاملين، غاية ما في الباب أنه استند إلى حكمه لسيبويه، وأما قوله: أجاز ابن كيسان، فلا يلزم مذهبه، وأما قوله: فالمثال ليس كالآية بل وزانها، إلى آخره، فصحيح لما فيه من تقديم الظرف الثاني على المجرور والمعطوف والآية والظرف فيها متأخر، وإنما مراد الزمخشري وجود معمول عاملين، وهو موجود في المثال المذكور إلا أن في الآية إشكالاً آخر، وهو كالتكرير للمسألة، وأما قوله: بل كلام الخليل يدل على المنع، إلى آخره، فليس فيه ردٌّ عليه بالنسبة إلى قصده بل فيه تقوية لما قال، غاية ما في الباب أنه عبر بالاستكراه عن المنع، ولم يفهم المنع، وقوله: ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف، إلى آخره، فأقول: بل يجوز تقديره، وهو العامل، ولا يلزم ما قاله من اختلاف الزمانين، لأنه يجوز أن يقسم [الآن بطلوع النجم في المستقبل، فالقسم في الحال والطلوع في المستقبل، ويجوز أن يقسم] بالشيء الذي سيوجد وقوله «ولا جائز أن يقدر محذوف قبل الظرف فيكون قد عمل فيه» إلى آخره، ليس بممنوع بل يجوز ذلك ويكون حالاً مقدرة، وقوله «ويلزم ألاَّ يكون له عامل» ليس كذلك بل له عامل وهو فعل القسم، ولا يضر كونه إنشائياً، لأن الحال مقدرة كما تقدم، وقوله «وقد يكون المقسم به جثة» جوايه: يقدر حينئذ حدث، يكون الظرف الزماني حالاً عنه وسئل ابن الحاجب عن هذه المسألة، فأجاب بنحو ما ذكرناه والله اعلم، ولا يخلو الكلام فيها من بحث.
قوله: ﴿والليل إِذَا يَغْشَاهَا﴾ . المفعول «الشمس» : أي: يغشى الشمس فيذهب بضوئها عند سقوطها، قاله مجاهد.
وقيل: للأرض أي: يغشى الدنيا بالظلمة، فتظلم الآفاق فالكناية ترجع إلى غير مذكور. وجيء ب «يَغْشَاهَا» مضارعاً دون ما قبله وما بعده مراعاة للفواصل؛ إذ لو أتى به ماضياً لكان التركيب «إذ غشيها» فتفوت المناسبة اللفظية بين الفواصل والمقاطع.
قوله: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ . في «ما» هذه وجهان:
أحدهما: أن «ما» موصولة بمعنى «الذي» وبه استشهد من يجوز وقوعها على العقلاء، ولأن المراد به الباري تعالى، وإليه ذهب الحسن ومجاهد وأبو عبيدة، واختاره ابن جرير.
والثاني: مصدر، أي وبنائها، وإليه ذهب الزجاج والمبرد، وهذا منهما بناء على أنها مختصة بغير العقلاء.
واعترض على هذا القول بأنه يلزم أن يكون القسم بنفس المصادر: بناء السماء وطحو الأرض، وتسوية النفس، وليس المقصود إلاَّ القسم بفاعل هذه الأشياء، وهو الرب تعالى، وأجيب عنه بوجهين:
أحدهما: أن يكون على حذف مضاف، أي: ورب بناء السماء ونحوه.
والثاني: أنه لا غرو لا يجوز في الإقسام بهذه الأشياء، كما أقسم سبحانه وتعالى بالصبح ونحوه.
وقال الزمخشري: «جعلت» ما «مصدرية في قوله» وما بناها» ، «وما طحاها» ، «وما سواها» ، وليس بالوجه، لقوله «فألهمها» ، وما يؤدي إليه من فساد النظم، والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على» من «لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء والقادر العظيم الذي بناها، ونفسٍ والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها، وفي كلامهم: سبحان من سخركن لنا» انتهى.
[يعني أن الفاعل في «فألهمها» عائد على الله تعالى، فليكن في بنائها كذلك] .
وحينئذ يلزم عوده على شيء، وليس هنا ما يمكن عوده عليه غير «ما» فتعين أن تكون موصولة.
قال أبو حيان: «أما قوله» وليس بالوجه «، لقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ يعني من عود الضمير في ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ على الله تعالى، فيكون قد عاد على مذكور، وهو» ما «المراد به» الذي» ، قال: ولا يلزم ذلك، لأنا إذا جعلناها مصدرية عاد الضمير على ما يفهم من سياق الكلام، في «بَنَاهَا» ضمير عائد على الله تعالى، أي: وبناها هو، أي: الله تعالى، كما إذا رأيت زيداً قد ضرب عمراً، فتقول: عجبت مما ضرب عمرو، تقديره: من ضرب عمرو هو، كان حسناً فصيحاً جائزاً، وعود الضمير على ما يفهمُ من سياق الكلام كثير.
وقوله» وما يؤدي إليه من فساد النظم «ليس كذلك، ولا يؤدي جعلها مصدرية إلى ما ذكر.
وقوله» وإنما أوثرت «إلى آخره، لا يراد ب» ما «ولا» من «الموصولتين، معنى الوصلية، لأنهما لا يوصف بهما» ما «دون» من «.
وقوله» في كلامهم «إلى آخره، تأوله أصحابنا على أن» سبحان «علم، و» ما «مصدرية ظرفية» .
قال شهاب الدين: أما ما رد به عليه من كونه يعود على ما يفهم من السياق، فليس يصلح رداً؛ لأنه إذا دار الأمر بين عوده على ملفوظ وبين غير ملفوظ به، فعوده على الملفوظ به أولى؛ لأنه الأصل وأما قوله: فلا ينفرد به «ما» دون «من» ، فليس مراد الزمخشري أنها توصف بها وصفاً صريحاً، بل مراده أنها تقع على نوع من يعقل وعلى صفته، ولذلك مثل النحويون بقوله تعالى:
﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: 3] .
وقالوا: تقديره: فانكِحُوا الطَّيِّب من النِّساءِ، ولا شك أن هذا الحكم تنفرد به «ما» دون «من» .
قوله: ﴿والأرض وَمَا طَحَاهَا﴾ . أي: وطحوها، وقيل: من طحاها: أي بسطها، قال عامة المفسرين: أي دحاها.
قال الحسن ومجاهد وغيرهما: طحاها ودحاها: واحد، أي: بسطها من كل جانب.
والطَّحْوُ: البسطُ، طحا، يطحو، طحواً، وطحى يطحى طحياً، وطحيت: اضطجعت، عن أبي عمرو، وعن ابن عباس: طحاها: أي قسمها، وقيل: خلقها؛ قال الشاعر: [الوافر]
5220 - ومَا تَدْرِي جَذيمةُ مَنْ طَحاهَا ... ولا مَنْ سَاكِنُ العَرْشِ الرَّفيعِ
قال الماوردي: ويحتمل أنه ما خرج منها من نبات وعيون وكنوز؛ لأنه حياة لما خلق عليها.
ويقال في بعض أيمان العرب: لا، والقمر الطاحي، أي: المشرق المرتفع.
قال أبو عمرو: طحا الرجل إذا ذهب في الأرض، يقال: ما أدري أين طحا؟ .
ويقال: طحا به قلبه، إذا ذهب به كلِّ شيء؛ قال علقمة: [الطويل]
5221 - طَحَا بِكَ قَلبٌ في الحِسانِ طَرُوب ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
قال ابن الخطيب: وإنما أخر هذا عن قوله تعالى: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ لقوله: ﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: 30] .
قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ . قيل: المعنى، وتسويتها، ف «ما» مصدرية.
وقيل: المعنى، ومن سواها، وهو الله تعالى، قيل: المراد بالنفس: آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
وقيل: كلُّ نفس منفوسةٍ، فما التنكير إلا لتعظيمها، أي نفس عظيمة، آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ وإما للتكثير، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: 14] ، و «سوَّى» بمعنى هيأ.
وقال مجاهد: سوَّى خلقها وعدَّل، وهذه الأسماء كلها مجرورة على القسم، أي أقسم الله تعالى بخلقه لما فيه من عجائب الصنعة الدالة عليه - سبحانه وتعالى -.
قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا﴾ أي: عرَّفها طريقَ الفجور والتقوى، قاله ابن عباس ومجاهد.
وعن مجاهد أيضاً: عرفها الطاعة والمعصية.
[وعن محمد بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - إذا أراد الله تعالى لعبده خيراً ألهمه الخير فعمل به، وإذا أراد به الشر ألهمه الشرّ فعمل به.
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: ألهم المؤمن التقي تقواه وألهم الكافر فجوره، وعن قتادة: بين لها فجورها وتقواها، والفجور والتقوى مصدران في موضع المفعول] .
قال الواحدي: الإلهام هو أن يوقع الله في قلب العبد شيئاً، وإذا أوقع في قلبه فقد ألزمه إياه، من قولهم: لهم الشيء وألهمه: إذا بلغه، وألهمته ذلك الشيء، أي أبلغته، هذا هو الأصل ثم استعمل ذلك فيما يقذفه الله تعالى في قلب العبد لأنه كالإبلاغ.
قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أنه جواب القسم، والأصل: لقد وإنما حذفت لطول الكلام، والثاني: أنه ليس بجواب، وإنما جيء به تابعاً لقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء، فالجواب محذوف، تقديره [ليدمرن] الله عليهم، أي: على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كما دمدم على ثمود لتكذيبهم صالحاً - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال معناه الزمخشري. وقدر غيره: لتبعثن.
وقيل: هو على التقديم والتأخير بغير حذف، والمعنى: قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها.
وفاعل «زكّاها» و «دسّاها» ، الظاهر أنه ضمير «مَنْ» .
وقيل: ضمير الباري تعالى، أي: أفلح وفاز من زكاها بالطاعة، وقد خاب من دساها أي: خسرت نفسٌ دسها الله تعالى بالمعصية، وأنحى الزمخشري على صاحب هذا القول لمنافرته مذهبه.
قال شهاب الدين: والحق أنه خلاف الظاهر، لا لما قال الزمخشري، بل لمنافرة نظمه للاحتياج إلى عود الضمير على النفس مقيدة بإضافتها إلى ضمير «من» .
وقال ابن عباس: خابت نفس أضلها الله وأغواها.
وقيل: أفلح من زكى نفسه بطاعة الله، «وخاب» خسر من دس نفسه في المعاصي. قاله قتادة.
وأصل الزكاة: النمو والزيادة، ومنه تزكى الزَّرع إذا كثر معه، ومنه تزكية القاضي الشاهد، لأنه يرفعه بالتعديل.
وقيل: دساها: أغواها، قال: [الطويل]
5222 - وأَنْتَ الَّذِي دسَّيْتَ عَمْراً فأصْبَحتَ ... حَلائِلهُ مِنْهُ أرَامِلَ ضُيَّعَا
قال أهل اللغة: والأصل، دسها، من التدسيس فكثرت الأمثال فأبدل من ثالثها حرف علة كما قالوا: قصيت أظفاري، وأصله قصصت، وتقضي البازي، والتدسية: الإخفاء يعني أخفاه بالفجور، وقد نطق بالأصل الشاعر المتقدم. وقال آخر: [الكامل]
5223 - ودَسَسْتَ عَمْراً في التُّرَابِ فأصْبَحَتْ ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .
[وهو إخفاء الشيء في الشيء، فأبدلت سينه ياءً. وقال ابن الأعرابي: «وقَدْ خَابَ من دسَّاهَا» أي: دس نفسه في جملة الصالحين وليس منهم] .
قال الواحدي: فكأنه - تعالى - أقسم على فلاح من طهره وخسارة من خذله لئلا يظن أن المراد بتولي ذلك من غير قضاء سابق، فقوله: «قَدْ أفلَحَ» : هو جواب القسم.
الشمس 91:4
مكية، وهي خمس عشرة آية، وأربع وخمسون كلمة، ومائتان وسبعون حرفا. قوله تعالى: ﴿والشمس وَضُحَاهَا﴾ ، وقد تقدَّم أنَّ جماعة من أهل الأصول؛ قالوا: التقدير: ورب الشمس، ورب سائر ما ذكر إلى تمام القسم.
واحتج قوم على بطلان هذا القول، بأن في جملة هذا القسم: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ ، وذلك هو الله تعالى، لا يجوز أن يكون المراد منه تعالى أن يقدم قسمه بغيره على قسمه بنفسه، فإذن لا بد من تأويل، وهو أن «ما» مع ما بعده في حكم المصدر، فيكون التقدير: والسَّماءِ وبنائها.
واعترض الزمخشريُّ عليه، فقال: لو كان الأمر على هذا الوجه، لزم من عطف قوله: «فألهمها» عليه فساد النظم.
قوله: ﴿وَضُحَاهَا﴾ .
قال المبرِّدُ: إن الضُّحى، والضَّحوة، مشتقان من الضحّ، وهو النور فأبدلت الألف، والواو من الحاء، تقول: ضَحْوة، وضَحَوات، وضُحى فالواو من «ضَحْوة» مقلوبة عن الحاء الثانية، والألف في «ضُحَى» مقلوبة عن الواو.
وقال أبو الهيثم: الضحُّ نقيض الظل، وهو نور الشمس على ظهر وجه الأرض وأصله: الضحى، فاستثقلوا الياء مع سكون الواو فقلبوها ألفاً.
والضُّحَى: مؤنثة، يقال: ارتفعت الضُّحى فوق الصخور، وقد تذكر، فمن أنَّث ذهب إلى أنها جمع ضحوة، ومن ذكَّر ذهب إلى أنَّه اسم على «فُعَل» نحو «صُرَد، ونُغَر» وهو ظرف غير متمكن مثل: سحر، تقول: لقيته ضحًى، وضُحَى إذا أردت به ضحى يومك لم تنونه.
وقال الفراء: الضُّحَى، هو النهار، كقول قتادة، والمعروف عند العرب أنَّ الضحى إذا طلعت الشمس، وبُعَيْدَ ذلك قليلاً، فإذا زاد فهو الضّحاء بالمد.
ومن قال: الضحى، النهار كله، فذلك لدوام نور الشمس، ومن قال: إنه نور الشَّمس أو حرها، فنور الشمس لا يكون إلاَّ مع حرِّ الشمس، وقد استدل من قال: إن الضحى حر الشمس بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تضحى﴾ [طه: 119] أي: لا يؤذيك الحر.
فصل في تفسير الآية
قال مجاهد: «وضُحَاهَا» أي: ضوؤها وإشراقها، وأضاف الضحى إلى الشمس؛ لأنه إنما يكون بارتفاع الشمس.
وقال قتادةُ: بهاؤها.
وقال السدي: حرها.
وقال اليزيدي: انبساطها.
وقيل: ما ظهر بها من كل مخلوق، فيكون القسم بها، وبمخلوقات الأرض كلها. حكاه الماوردي.
قال ابن الخطيب: إنَّما أقسم بالشمس، وضحاها، لكثرة ما يتعلق به من المصالح، فإنَّ أهل العالم كانوا كالأموات في الليل، فلما ظهر الصبحُ في المشرق، صار ذلك الضوء، كالروح الذي تنفخ فيه الحياة، فصارت الأموات أحياء، ولا تزال تلك الحياة في القوة، والزيادة إلى غاية كمالها وقت الضحى، وذلك شبيه استقرار أهل الجنة.
قوله: ﴿والقمر إِذَا تَلاَهَا﴾ ، أي: تبعها، وذلك إذا سقطت رؤيا الهلال.
[قال الليث: تلوت فلاناً إذا تبعته.
وقال ابن زيد: إذا غربت الشمس في النصف الأول من الشهر، تلاها القمر بالطلوع، وفي آخر الشهر، يتلوها بالغروب] .
قال الفراء: «تَلاَهَا» : أخذ منها، يذهب إلى أن القمر يأخذ من ضوء الشمس.
وقال الزجاجُ: «إذا تَلاهَا» أي: حين استوى، واستدار، فكان مثلها في الضياء والنور.
وقال قتادةُ والكلبيُّ: معناه: أن الشمس، إذا قربت، فالقمر يتبعها ليلة الهلال في الغروب.
وقيل: يتلوها في كبر الجرم، بحسب الحسّ في ارتباط مصالح هذا العالم بحركته.
قوله: ﴿والنهار إِذَا جَلاَّهَا﴾ ، الفاعل: ضمير النهار.
وقيل: عائد على الله تعالى، والضمير المنصوب، إمَّا للشمس، وإما للظُّلمة، وإما للأرض.
ومعنى «جلاها» أي: كشفها، فمن قال: هي «الشمس» ، فالمعنى: أنه يبين بضوئه جرمها، ومن قال: هي «الظلمة» ، فهي ون لم يجر لها ذكر، كقولك: أضحتْ باردةً، تريد: أضحت غداتنا باردة، وهو قول الفراء والكلبي وغيرهما.
ومن قال: هي الدنيا والأرض، وإن لم يجر لهما ذكر، كقوله: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] .
قوله: «إذَا تَلاهَا» ، وما بعده فيه إشكال؛ لأنه إن جعل شرطاً اقتضى جواباً، ولا جواب لفظاً، وتقديره غير صالح، وإن جُعِلَ محضاً استدعى عاملاً وليس هنا عامل إلا فعل القسم حال؛ لأنه إنشاء، و «إذا» ظرف مستقبل، والحال لا يعمل في المستقبل.
ويخص «إذا» وما بعدها إشكال آخر ذكره الزمخشري، قال: فإن قلت: الأمر في نصب «إذَا» معضل، لأنك لا تخلو إمَّا أن تجعل الواو عاطفة، فتنصب بها وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: «مررت أمس بزيد واليوم عمرو» ، وإمَّا أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه.
قلت: الجواب فيه: أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل إطراحاً كلياً، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام الفعل، والباء سادة مسدهما معاً، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحقهن أن يكنّ عوامل على الفعل، والجار جميعاً، كما تقول: «ضَرب زيد بكراً وعمرو خالداً» ، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام «ضرب» الذي هو عاملهما انتهى.
وقال أبُو حيَّان: أما قوله في واوات العطف: «فتنصب وتجر» ، فليس هذا بالمختار على أن يكون حرف العطف عاملاً لقيامه مقام العامل، بل المختار أن العمل إنما هو للعامل في المعطوف عليه، ثم إن الإنشاء حجة في ذلك.
وقوله: «فتقع في العطف على عاملين» ، ليس ما في الآية من العطف عاملين، وإنما هو من باب عطف اسمين مجرور ومنصوب، على اسمين مجرور ومنصوب، فصرف العطف لم ينب مناب عاملين، وذلك نحو قولك: مررت بزيد قائماً وعمرو جالساً؛ وأنشد سيبويه في كتابه: [الطويل]
5219 - فَلَيْسَ بِمعروفٍ لَنا أنْ نَرُدَّهَا ... صِحَاحاً ولا مُسْتنكَرٌ أن تُعَقَّرَا
فهذا من عطف مجرور ومرفوع؛ والعطف على عاملين فيه أربعة مذاهب، ونسب الجواز إلى سيبويه.
وقوله في نحو قولك: «مررت أمس بزيد واليوم عمرو» ، هذا المثال مخالف لما في الآية، بل وزان ما في الآية: «مررت بزيد أمس وعمرو اليوم» ونحن نجيز هذا.
وأمَّا قوله: «على استكراه» ، فليس كما ذكر، بل كلام الخليل على المنع.
قال الخليل في قوله تعالى: ﴿والليل إِذَا يغشى والنهار إِذَا تجلى وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: 1 - 3] : «الواوان الأخريان ليستا بمنزلة الأولى، ولكنهما الواوان اللتان تضمان الأسماء إلى الأسماء في قولك: مررت بزيد وعمرو، والأولى بمنزلة الباء والتاء» .
وأما قوله: «إن واو القسم ليس يطرح معها إبراز الفعل إطراحاً كلياً» فليس هذا الحكم مجمعاً عليه، بل أجاز ابن كيسان التصريح بفعل القسم مع الواو، فتقول: «أقسم، أو أحلف والله لزيد قائم» .
وأما قوله: «والواوات العواطف نوائب عن هذا» إلى آخره، فمبني على أن حرف العطف عامل لنيابته مناب العامل، وليس هذا بالمختار.
قال: والذي يقول: إن المُعضلَ هو تقدير العامل في «إذا» بعد الإقسام، كقوله تعالى: ﴿والنجم إِذَا هوى﴾ [النجم: 1] ، ﴿والليل إِذْ أَدْبَرَ والصبح إِذَآ أَسْفَرَ﴾ [المدثر: 33، 34] ، ﴿والقمر إِذَا تَلاَهَا والنهار إِذَا جَلاَّهَا والليل إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: 2 - 4] ، وما أشبهها ف «إذا» ظرف مستقبل، لا جائز أن يكون العامل فيه فعل القسم المحذوف؛ لأنه فعل إنشائي، فهو في الحال ينافي أن يعمل في المستقبل لإطلاق زمان العامل زمان المعمول، ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف أقيم المقسم به مقامه أي وطلوع النجم، ومجيء الليل، لأنه فعل إنشائي , فهو في الحال ينافي أن يعمل في المستقبل لإطلاق زمان العامل زمان المعمول , ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف أقيم المقسم به مقامه أي وطلوع النجم , ومجيء الليل , لأنه معمول لذلك الفعل [فالطلوع حال، ولا يعمل فيه المستقبل ضرورة أن زمان المعمول زمان العامل ولا جائز أن يعمل فيه نفس المقسم به لأنه ليس من قبيل ما يعمل، سيما إن كان جزماً] ، ولا جائز أن يقدر محذوف قبل الظرف فيكون قد عمل فيه، ويكون ذلك العامل في موضع الحال، وتقديره: والنجم كائناً إذا هوى والليل كائناً إذا يغشى، لأنه لا يلزم كائناً منصوباً بالعامل، ولا يصح أن يكون معمولاً لشيء مما فرضناه أن يكون عاملاً، وأيضاً، فقد يكون المقسم به جثة، وظروف الزمان لا تكون أحوالاً عن الجثث كما لا تكون أخباراً. انتهى ما رد به أبو حيان وما استشكله من أمر العامل في «إذا» .
قال شهاب الدين: المختار أن حرف العطف لا يعمل لقيامه مقام العامل، فلا يلزم أبا القاسم لأنه يختار القول الآخر، وقوله «ليس ما في الآية من العطف على عاملين» ممنوع بل فيه العطف على عاملين ولكنه في غموض، وبيان أنه من العطف على عاملين، أن قوله: ﴿والنهار إِذَا جَلاَّهَا﴾ - ها هنا - معمولان، أحدهما مجرور وهو «النهار» والآخر منصوب وهو الظرف عطفاً على معمول عاملين والعاملان هنا في فعل المقسم به، الناصب ل «إذا» الأولى، وواو القسم الجارة، فقد تحقق معك عاملان، لهما معمولان، فإذا عطفت مجروراً على مجرور، وظرفاً على ظرف، معمولين لعاملين، لزم ما قاله أبو القاسم، وكيف يجهل هذا مع التأمل والتحقيق؟! .
وأما قوله: «وأنشد سيبويه» إلى آخره، فهو اعتراف منه بأنه من العطف على عاملين، غاية ما في الباب أنه استند إلى حكمه لسيبويه، وأما قوله: أجاز ابن كيسان، فلا يلزم مذهبه، وأما قوله: فالمثال ليس كالآية بل وزانها، إلى آخره، فصحيح لما فيه من تقديم الظرف الثاني على المجرور والمعطوف والآية والظرف فيها متأخر، وإنما مراد الزمخشري وجود معمول عاملين، وهو موجود في المثال المذكور إلا أن في الآية إشكالاً آخر، وهو كالتكرير للمسألة، وأما قوله: بل كلام الخليل يدل على المنع، إلى آخره، فليس فيه ردٌّ عليه بالنسبة إلى قصده بل فيه تقوية لما قال، غاية ما في الباب أنه عبر بالاستكراه عن المنع، ولم يفهم المنع، وقوله: ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف، إلى آخره، فأقول: بل يجوز تقديره، وهو العامل، ولا يلزم ما قاله من اختلاف الزمانين، لأنه يجوز أن يقسم [الآن بطلوع النجم في المستقبل، فالقسم في الحال والطلوع في المستقبل، ويجوز أن يقسم] بالشيء الذي سيوجد وقوله «ولا جائز أن يقدر محذوف قبل الظرف فيكون قد عمل فيه» إلى آخره، ليس بممنوع بل يجوز ذلك ويكون حالاً مقدرة، وقوله «ويلزم ألاَّ يكون له عامل» ليس كذلك بل له عامل وهو فعل القسم، ولا يضر كونه إنشائياً، لأن الحال مقدرة كما تقدم، وقوله «وقد يكون المقسم به جثة» جوايه: يقدر حينئذ حدث، يكون الظرف الزماني حالاً عنه وسئل ابن الحاجب عن هذه المسألة، فأجاب بنحو ما ذكرناه والله اعلم، ولا يخلو الكلام فيها من بحث.
قوله: ﴿والليل إِذَا يَغْشَاهَا﴾ . المفعول «الشمس» : أي: يغشى الشمس فيذهب بضوئها عند سقوطها، قاله مجاهد.
وقيل: للأرض أي: يغشى الدنيا بالظلمة، فتظلم الآفاق فالكناية ترجع إلى غير مذكور. وجيء ب «يَغْشَاهَا» مضارعاً دون ما قبله وما بعده مراعاة للفواصل؛ إذ لو أتى به ماضياً لكان التركيب «إذ غشيها» فتفوت المناسبة اللفظية بين الفواصل والمقاطع.
قوله: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ . في «ما» هذه وجهان:
أحدهما: أن «ما» موصولة بمعنى «الذي» وبه استشهد من يجوز وقوعها على العقلاء، ولأن المراد به الباري تعالى، وإليه ذهب الحسن ومجاهد وأبو عبيدة، واختاره ابن جرير.
والثاني: مصدر، أي وبنائها، وإليه ذهب الزجاج والمبرد، وهذا منهما بناء على أنها مختصة بغير العقلاء.
واعترض على هذا القول بأنه يلزم أن يكون القسم بنفس المصادر: بناء السماء وطحو الأرض، وتسوية النفس، وليس المقصود إلاَّ القسم بفاعل هذه الأشياء، وهو الرب تعالى، وأجيب عنه بوجهين:
أحدهما: أن يكون على حذف مضاف، أي: ورب بناء السماء ونحوه.
والثاني: أنه لا غرو لا يجوز في الإقسام بهذه الأشياء، كما أقسم سبحانه وتعالى بالصبح ونحوه.
وقال الزمخشري: «جعلت» ما «مصدرية في قوله» وما بناها» ، «وما طحاها» ، «وما سواها» ، وليس بالوجه، لقوله «فألهمها» ، وما يؤدي إليه من فساد النظم، والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على» من «لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء والقادر العظيم الذي بناها، ونفسٍ والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها، وفي كلامهم: سبحان من سخركن لنا» انتهى.
[يعني أن الفاعل في «فألهمها» عائد على الله تعالى، فليكن في بنائها كذلك] .
وحينئذ يلزم عوده على شيء، وليس هنا ما يمكن عوده عليه غير «ما» فتعين أن تكون موصولة.
قال أبو حيان: «أما قوله» وليس بالوجه «، لقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ يعني من عود الضمير في ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ على الله تعالى، فيكون قد عاد على مذكور، وهو» ما «المراد به» الذي» ، قال: ولا يلزم ذلك، لأنا إذا جعلناها مصدرية عاد الضمير على ما يفهم من سياق الكلام، في «بَنَاهَا» ضمير عائد على الله تعالى، أي: وبناها هو، أي: الله تعالى، كما إذا رأيت زيداً قد ضرب عمراً، فتقول: عجبت مما ضرب عمرو، تقديره: من ضرب عمرو هو، كان حسناً فصيحاً جائزاً، وعود الضمير على ما يفهمُ من سياق الكلام كثير.
وقوله» وما يؤدي إليه من فساد النظم «ليس كذلك، ولا يؤدي جعلها مصدرية إلى ما ذكر.
وقوله» وإنما أوثرت «إلى آخره، لا يراد ب» ما «ولا» من «الموصولتين، معنى الوصلية، لأنهما لا يوصف بهما» ما «دون» من «.
وقوله» في كلامهم «إلى آخره، تأوله أصحابنا على أن» سبحان «علم، و» ما «مصدرية ظرفية» .
قال شهاب الدين: أما ما رد به عليه من كونه يعود على ما يفهم من السياق، فليس يصلح رداً؛ لأنه إذا دار الأمر بين عوده على ملفوظ وبين غير ملفوظ به، فعوده على الملفوظ به أولى؛ لأنه الأصل وأما قوله: فلا ينفرد به «ما» دون «من» ، فليس مراد الزمخشري أنها توصف بها وصفاً صريحاً، بل مراده أنها تقع على نوع من يعقل وعلى صفته، ولذلك مثل النحويون بقوله تعالى:
﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: 3] .
وقالوا: تقديره: فانكِحُوا الطَّيِّب من النِّساءِ، ولا شك أن هذا الحكم تنفرد به «ما» دون «من» .
قوله: ﴿والأرض وَمَا طَحَاهَا﴾ . أي: وطحوها، وقيل: من طحاها: أي بسطها، قال عامة المفسرين: أي دحاها.
قال الحسن ومجاهد وغيرهما: طحاها ودحاها: واحد، أي: بسطها من كل جانب.
والطَّحْوُ: البسطُ، طحا، يطحو، طحواً، وطحى يطحى طحياً، وطحيت: اضطجعت، عن أبي عمرو، وعن ابن عباس: طحاها: أي قسمها، وقيل: خلقها؛ قال الشاعر: [الوافر]
5220 - ومَا تَدْرِي جَذيمةُ مَنْ طَحاهَا ... ولا مَنْ سَاكِنُ العَرْشِ الرَّفيعِ
قال الماوردي: ويحتمل أنه ما خرج منها من نبات وعيون وكنوز؛ لأنه حياة لما خلق عليها.
ويقال في بعض أيمان العرب: لا، والقمر الطاحي، أي: المشرق المرتفع.
قال أبو عمرو: طحا الرجل إذا ذهب في الأرض، يقال: ما أدري أين طحا؟ .
ويقال: طحا به قلبه، إذا ذهب به كلِّ شيء؛ قال علقمة: [الطويل]
5221 - طَحَا بِكَ قَلبٌ في الحِسانِ طَرُوب ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
قال ابن الخطيب: وإنما أخر هذا عن قوله تعالى: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ لقوله: ﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: 30] .
قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ . قيل: المعنى، وتسويتها، ف «ما» مصدرية.
وقيل: المعنى، ومن سواها، وهو الله تعالى، قيل: المراد بالنفس: آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
وقيل: كلُّ نفس منفوسةٍ، فما التنكير إلا لتعظيمها، أي نفس عظيمة، آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ وإما للتكثير، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: 14] ، و «سوَّى» بمعنى هيأ.
وقال مجاهد: سوَّى خلقها وعدَّل، وهذه الأسماء كلها مجرورة على القسم، أي أقسم الله تعالى بخلقه لما فيه من عجائب الصنعة الدالة عليه - سبحانه وتعالى -.
قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا﴾ أي: عرَّفها طريقَ الفجور والتقوى، قاله ابن عباس ومجاهد.
وعن مجاهد أيضاً: عرفها الطاعة والمعصية.
[وعن محمد بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - إذا أراد الله تعالى لعبده خيراً ألهمه الخير فعمل به، وإذا أراد به الشر ألهمه الشرّ فعمل به.
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: ألهم المؤمن التقي تقواه وألهم الكافر فجوره، وعن قتادة: بين لها فجورها وتقواها، والفجور والتقوى مصدران في موضع المفعول] .
قال الواحدي: الإلهام هو أن يوقع الله في قلب العبد شيئاً، وإذا أوقع في قلبه فقد ألزمه إياه، من قولهم: لهم الشيء وألهمه: إذا بلغه، وألهمته ذلك الشيء، أي أبلغته، هذا هو الأصل ثم استعمل ذلك فيما يقذفه الله تعالى في قلب العبد لأنه كالإبلاغ.
قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أنه جواب القسم، والأصل: لقد وإنما حذفت لطول الكلام، والثاني: أنه ليس بجواب، وإنما جيء به تابعاً لقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء، فالجواب محذوف، تقديره [ليدمرن] الله عليهم، أي: على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كما دمدم على ثمود لتكذيبهم صالحاً - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال معناه الزمخشري. وقدر غيره: لتبعثن.
وقيل: هو على التقديم والتأخير بغير حذف، والمعنى: قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها.
وفاعل «زكّاها» و «دسّاها» ، الظاهر أنه ضمير «مَنْ» .
وقيل: ضمير الباري تعالى، أي: أفلح وفاز من زكاها بالطاعة، وقد خاب من دساها أي: خسرت نفسٌ دسها الله تعالى بالمعصية، وأنحى الزمخشري على صاحب هذا القول لمنافرته مذهبه.
قال شهاب الدين: والحق أنه خلاف الظاهر، لا لما قال الزمخشري، بل لمنافرة نظمه للاحتياج إلى عود الضمير على النفس مقيدة بإضافتها إلى ضمير «من» .
وقال ابن عباس: خابت نفس أضلها الله وأغواها.
وقيل: أفلح من زكى نفسه بطاعة الله، «وخاب» خسر من دس نفسه في المعاصي. قاله قتادة.
وأصل الزكاة: النمو والزيادة، ومنه تزكى الزَّرع إذا كثر معه، ومنه تزكية القاضي الشاهد، لأنه يرفعه بالتعديل.
وقيل: دساها: أغواها، قال: [الطويل]
5222 - وأَنْتَ الَّذِي دسَّيْتَ عَمْراً فأصْبَحتَ ... حَلائِلهُ مِنْهُ أرَامِلَ ضُيَّعَا
قال أهل اللغة: والأصل، دسها، من التدسيس فكثرت الأمثال فأبدل من ثالثها حرف علة كما قالوا: قصيت أظفاري، وأصله قصصت، وتقضي البازي، والتدسية: الإخفاء يعني أخفاه بالفجور، وقد نطق بالأصل الشاعر المتقدم. وقال آخر: [الكامل]
5223 - ودَسَسْتَ عَمْراً في التُّرَابِ فأصْبَحَتْ ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .
[وهو إخفاء الشيء في الشيء، فأبدلت سينه ياءً. وقال ابن الأعرابي: «وقَدْ خَابَ من دسَّاهَا» أي: دس نفسه في جملة الصالحين وليس منهم] .
قال الواحدي: فكأنه - تعالى - أقسم على فلاح من طهره وخسارة من خذله لئلا يظن أن المراد بتولي ذلك من غير قضاء سابق، فقوله: «قَدْ أفلَحَ» : هو جواب القسم.
الشمس 91:5
مكية، وهي خمس عشرة آية، وأربع وخمسون كلمة، ومائتان وسبعون حرفا. قوله تعالى: ﴿والشمس وَضُحَاهَا﴾ ، وقد تقدَّم أنَّ جماعة من أهل الأصول؛ قالوا: التقدير: ورب الشمس، ورب سائر ما ذكر إلى تمام القسم.
واحتج قوم على بطلان هذا القول، بأن في جملة هذا القسم: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ ، وذلك هو الله تعالى، لا يجوز أن يكون المراد منه تعالى أن يقدم قسمه بغيره على قسمه بنفسه، فإذن لا بد من تأويل، وهو أن «ما» مع ما بعده في حكم المصدر، فيكون التقدير: والسَّماءِ وبنائها.
واعترض الزمخشريُّ عليه، فقال: لو كان الأمر على هذا الوجه، لزم من عطف قوله: «فألهمها» عليه فساد النظم.
قوله: ﴿وَضُحَاهَا﴾ .
قال المبرِّدُ: إن الضُّحى، والضَّحوة، مشتقان من الضحّ، وهو النور فأبدلت الألف، والواو من الحاء، تقول: ضَحْوة، وضَحَوات، وضُحى فالواو من «ضَحْوة» مقلوبة عن الحاء الثانية، والألف في «ضُحَى» مقلوبة عن الواو.
وقال أبو الهيثم: الضحُّ نقيض الظل، وهو نور الشمس على ظهر وجه الأرض وأصله: الضحى، فاستثقلوا الياء مع سكون الواو فقلبوها ألفاً.
والضُّحَى: مؤنثة، يقال: ارتفعت الضُّحى فوق الصخور، وقد تذكر، فمن أنَّث ذهب إلى أنها جمع ضحوة، ومن ذكَّر ذهب إلى أنَّه اسم على «فُعَل» نحو «صُرَد، ونُغَر» وهو ظرف غير متمكن مثل: سحر، تقول: لقيته ضحًى، وضُحَى إذا أردت به ضحى يومك لم تنونه.
وقال الفراء: الضُّحَى، هو النهار، كقول قتادة، والمعروف عند العرب أنَّ الضحى إذا طلعت الشمس، وبُعَيْدَ ذلك قليلاً، فإذا زاد فهو الضّحاء بالمد.
ومن قال: الضحى، النهار كله، فذلك لدوام نور الشمس، ومن قال: إنه نور الشَّمس أو حرها، فنور الشمس لا يكون إلاَّ مع حرِّ الشمس، وقد استدل من قال: إن الضحى حر الشمس بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تضحى﴾ [طه: 119] أي: لا يؤذيك الحر.
فصل في تفسير الآية
قال مجاهد: «وضُحَاهَا» أي: ضوؤها وإشراقها، وأضاف الضحى إلى الشمس؛ لأنه إنما يكون بارتفاع الشمس.
وقال قتادةُ: بهاؤها.
وقال السدي: حرها.
وقال اليزيدي: انبساطها.
وقيل: ما ظهر بها من كل مخلوق، فيكون القسم بها، وبمخلوقات الأرض كلها. حكاه الماوردي.
قال ابن الخطيب: إنَّما أقسم بالشمس، وضحاها، لكثرة ما يتعلق به من المصالح، فإنَّ أهل العالم كانوا كالأموات في الليل، فلما ظهر الصبحُ في المشرق، صار ذلك الضوء، كالروح الذي تنفخ فيه الحياة، فصارت الأموات أحياء، ولا تزال تلك الحياة في القوة، والزيادة إلى غاية كمالها وقت الضحى، وذلك شبيه استقرار أهل الجنة.
قوله: ﴿والقمر إِذَا تَلاَهَا﴾ ، أي: تبعها، وذلك إذا سقطت رؤيا الهلال.
[قال الليث: تلوت فلاناً إذا تبعته.
وقال ابن زيد: إذا غربت الشمس في النصف الأول من الشهر، تلاها القمر بالطلوع، وفي آخر الشهر، يتلوها بالغروب] .
قال الفراء: «تَلاَهَا» : أخذ منها، يذهب إلى أن القمر يأخذ من ضوء الشمس.
وقال الزجاجُ: «إذا تَلاهَا» أي: حين استوى، واستدار، فكان مثلها في الضياء والنور.
وقال قتادةُ والكلبيُّ: معناه: أن الشمس، إذا قربت، فالقمر يتبعها ليلة الهلال في الغروب.
وقيل: يتلوها في كبر الجرم، بحسب الحسّ في ارتباط مصالح هذا العالم بحركته.
قوله: ﴿والنهار إِذَا جَلاَّهَا﴾ ، الفاعل: ضمير النهار.
وقيل: عائد على الله تعالى، والضمير المنصوب، إمَّا للشمس، وإما للظُّلمة، وإما للأرض.
ومعنى «جلاها» أي: كشفها، فمن قال: هي «الشمس» ، فالمعنى: أنه يبين بضوئه جرمها، ومن قال: هي «الظلمة» ، فهي ون لم يجر لها ذكر، كقولك: أضحتْ باردةً، تريد: أضحت غداتنا باردة، وهو قول الفراء والكلبي وغيرهما.
ومن قال: هي الدنيا والأرض، وإن لم يجر لهما ذكر، كقوله: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] .
قوله: «إذَا تَلاهَا» ، وما بعده فيه إشكال؛ لأنه إن جعل شرطاً اقتضى جواباً، ولا جواب لفظاً، وتقديره غير صالح، وإن جُعِلَ محضاً استدعى عاملاً وليس هنا عامل إلا فعل القسم حال؛ لأنه إنشاء، و «إذا» ظرف مستقبل، والحال لا يعمل في المستقبل.
ويخص «إذا» وما بعدها إشكال آخر ذكره الزمخشري، قال: فإن قلت: الأمر في نصب «إذَا» معضل، لأنك لا تخلو إمَّا أن تجعل الواو عاطفة، فتنصب بها وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: «مررت أمس بزيد واليوم عمرو» ، وإمَّا أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه.
قلت: الجواب فيه: أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل إطراحاً كلياً، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام الفعل، والباء سادة مسدهما معاً، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحقهن أن يكنّ عوامل على الفعل، والجار جميعاً، كما تقول: «ضَرب زيد بكراً وعمرو خالداً» ، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام «ضرب» الذي هو عاملهما انتهى.
وقال أبُو حيَّان: أما قوله في واوات العطف: «فتنصب وتجر» ، فليس هذا بالمختار على أن يكون حرف العطف عاملاً لقيامه مقام العامل، بل المختار أن العمل إنما هو للعامل في المعطوف عليه، ثم إن الإنشاء حجة في ذلك.
وقوله: «فتقع في العطف على عاملين» ، ليس ما في الآية من العطف عاملين، وإنما هو من باب عطف اسمين مجرور ومنصوب، على اسمين مجرور ومنصوب، فصرف العطف لم ينب مناب عاملين، وذلك نحو قولك: مررت بزيد قائماً وعمرو جالساً؛ وأنشد سيبويه في كتابه: [الطويل]
5219 - فَلَيْسَ بِمعروفٍ لَنا أنْ نَرُدَّهَا ... صِحَاحاً ولا مُسْتنكَرٌ أن تُعَقَّرَا
فهذا من عطف مجرور ومرفوع؛ والعطف على عاملين فيه أربعة مذاهب، ونسب الجواز إلى سيبويه.
وقوله في نحو قولك: «مررت أمس بزيد واليوم عمرو» ، هذا المثال مخالف لما في الآية، بل وزان ما في الآية: «مررت بزيد أمس وعمرو اليوم» ونحن نجيز هذا.
وأمَّا قوله: «على استكراه» ، فليس كما ذكر، بل كلام الخليل على المنع.
قال الخليل في قوله تعالى: ﴿والليل إِذَا يغشى والنهار إِذَا تجلى وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: 1 - 3] : «الواوان الأخريان ليستا بمنزلة الأولى، ولكنهما الواوان اللتان تضمان الأسماء إلى الأسماء في قولك: مررت بزيد وعمرو، والأولى بمنزلة الباء والتاء» .
وأما قوله: «إن واو القسم ليس يطرح معها إبراز الفعل إطراحاً كلياً» فليس هذا الحكم مجمعاً عليه، بل أجاز ابن كيسان التصريح بفعل القسم مع الواو، فتقول: «أقسم، أو أحلف والله لزيد قائم» .
وأما قوله: «والواوات العواطف نوائب عن هذا» إلى آخره، فمبني على أن حرف العطف عامل لنيابته مناب العامل، وليس هذا بالمختار.
قال: والذي يقول: إن المُعضلَ هو تقدير العامل في «إذا» بعد الإقسام، كقوله تعالى: ﴿والنجم إِذَا هوى﴾ [النجم: 1] ، ﴿والليل إِذْ أَدْبَرَ والصبح إِذَآ أَسْفَرَ﴾ [المدثر: 33، 34] ، ﴿والقمر إِذَا تَلاَهَا والنهار إِذَا جَلاَّهَا والليل إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: 2 - 4] ، وما أشبهها ف «إذا» ظرف مستقبل، لا جائز أن يكون العامل فيه فعل القسم المحذوف؛ لأنه فعل إنشائي، فهو في الحال ينافي أن يعمل في المستقبل لإطلاق زمان العامل زمان المعمول، ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف أقيم المقسم به مقامه أي وطلوع النجم، ومجيء الليل، لأنه فعل إنشائي , فهو في الحال ينافي أن يعمل في المستقبل لإطلاق زمان العامل زمان المعمول , ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف أقيم المقسم به مقامه أي وطلوع النجم , ومجيء الليل , لأنه معمول لذلك الفعل [فالطلوع حال، ولا يعمل فيه المستقبل ضرورة أن زمان المعمول زمان العامل ولا جائز أن يعمل فيه نفس المقسم به لأنه ليس من قبيل ما يعمل، سيما إن كان جزماً] ، ولا جائز أن يقدر محذوف قبل الظرف فيكون قد عمل فيه، ويكون ذلك العامل في موضع الحال، وتقديره: والنجم كائناً إذا هوى والليل كائناً إذا يغشى، لأنه لا يلزم كائناً منصوباً بالعامل، ولا يصح أن يكون معمولاً لشيء مما فرضناه أن يكون عاملاً، وأيضاً، فقد يكون المقسم به جثة، وظروف الزمان لا تكون أحوالاً عن الجثث كما لا تكون أخباراً. انتهى ما رد به أبو حيان وما استشكله من أمر العامل في «إذا» .
قال شهاب الدين: المختار أن حرف العطف لا يعمل لقيامه مقام العامل، فلا يلزم أبا القاسم لأنه يختار القول الآخر، وقوله «ليس ما في الآية من العطف على عاملين» ممنوع بل فيه العطف على عاملين ولكنه في غموض، وبيان أنه من العطف على عاملين، أن قوله: ﴿والنهار إِذَا جَلاَّهَا﴾ - ها هنا - معمولان، أحدهما مجرور وهو «النهار» والآخر منصوب وهو الظرف عطفاً على معمول عاملين والعاملان هنا في فعل المقسم به، الناصب ل «إذا» الأولى، وواو القسم الجارة، فقد تحقق معك عاملان، لهما معمولان، فإذا عطفت مجروراً على مجرور، وظرفاً على ظرف، معمولين لعاملين، لزم ما قاله أبو القاسم، وكيف يجهل هذا مع التأمل والتحقيق؟! .
وأما قوله: «وأنشد سيبويه» إلى آخره، فهو اعتراف منه بأنه من العطف على عاملين، غاية ما في الباب أنه استند إلى حكمه لسيبويه، وأما قوله: أجاز ابن كيسان، فلا يلزم مذهبه، وأما قوله: فالمثال ليس كالآية بل وزانها، إلى آخره، فصحيح لما فيه من تقديم الظرف الثاني على المجرور والمعطوف والآية والظرف فيها متأخر، وإنما مراد الزمخشري وجود معمول عاملين، وهو موجود في المثال المذكور إلا أن في الآية إشكالاً آخر، وهو كالتكرير للمسألة، وأما قوله: بل كلام الخليل يدل على المنع، إلى آخره، فليس فيه ردٌّ عليه بالنسبة إلى قصده بل فيه تقوية لما قال، غاية ما في الباب أنه عبر بالاستكراه عن المنع، ولم يفهم المنع، وقوله: ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف، إلى آخره، فأقول: بل يجوز تقديره، وهو العامل، ولا يلزم ما قاله من اختلاف الزمانين، لأنه يجوز أن يقسم [الآن بطلوع النجم في المستقبل، فالقسم في الحال والطلوع في المستقبل، ويجوز أن يقسم] بالشيء الذي سيوجد وقوله «ولا جائز أن يقدر محذوف قبل الظرف فيكون قد عمل فيه» إلى آخره، ليس بممنوع بل يجوز ذلك ويكون حالاً مقدرة، وقوله «ويلزم ألاَّ يكون له عامل» ليس كذلك بل له عامل وهو فعل القسم، ولا يضر كونه إنشائياً، لأن الحال مقدرة كما تقدم، وقوله «وقد يكون المقسم به جثة» جوايه: يقدر حينئذ حدث، يكون الظرف الزماني حالاً عنه وسئل ابن الحاجب عن هذه المسألة، فأجاب بنحو ما ذكرناه والله اعلم، ولا يخلو الكلام فيها من بحث.
قوله: ﴿والليل إِذَا يَغْشَاهَا﴾ . المفعول «الشمس» : أي: يغشى الشمس فيذهب بضوئها عند سقوطها، قاله مجاهد.
وقيل: للأرض أي: يغشى الدنيا بالظلمة، فتظلم الآفاق فالكناية ترجع إلى غير مذكور. وجيء ب «يَغْشَاهَا» مضارعاً دون ما قبله وما بعده مراعاة للفواصل؛ إذ لو أتى به ماضياً لكان التركيب «إذ غشيها» فتفوت المناسبة اللفظية بين الفواصل والمقاطع.
قوله: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ . في «ما» هذه وجهان:
أحدهما: أن «ما» موصولة بمعنى «الذي» وبه استشهد من يجوز وقوعها على العقلاء، ولأن المراد به الباري تعالى، وإليه ذهب الحسن ومجاهد وأبو عبيدة، واختاره ابن جرير.
والثاني: مصدر، أي وبنائها، وإليه ذهب الزجاج والمبرد، وهذا منهما بناء على أنها مختصة بغير العقلاء.
واعترض على هذا القول بأنه يلزم أن يكون القسم بنفس المصادر: بناء السماء وطحو الأرض، وتسوية النفس، وليس المقصود إلاَّ القسم بفاعل هذه الأشياء، وهو الرب تعالى، وأجيب عنه بوجهين:
أحدهما: أن يكون على حذف مضاف، أي: ورب بناء السماء ونحوه.
والثاني: أنه لا غرو لا يجوز في الإقسام بهذه الأشياء، كما أقسم سبحانه وتعالى بالصبح ونحوه.
وقال الزمخشري: «جعلت» ما «مصدرية في قوله» وما بناها» ، «وما طحاها» ، «وما سواها» ، وليس بالوجه، لقوله «فألهمها» ، وما يؤدي إليه من فساد النظم، والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على» من «لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء والقادر العظيم الذي بناها، ونفسٍ والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها، وفي كلامهم: سبحان من سخركن لنا» انتهى.
[يعني أن الفاعل في «فألهمها» عائد على الله تعالى، فليكن في بنائها كذلك] .
وحينئذ يلزم عوده على شيء، وليس هنا ما يمكن عوده عليه غير «ما» فتعين أن تكون موصولة.
قال أبو حيان: «أما قوله» وليس بالوجه «، لقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ يعني من عود الضمير في ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ على الله تعالى، فيكون قد عاد على مذكور، وهو» ما «المراد به» الذي» ، قال: ولا يلزم ذلك، لأنا إذا جعلناها مصدرية عاد الضمير على ما يفهم من سياق الكلام، في «بَنَاهَا» ضمير عائد على الله تعالى، أي: وبناها هو، أي: الله تعالى، كما إذا رأيت زيداً قد ضرب عمراً، فتقول: عجبت مما ضرب عمرو، تقديره: من ضرب عمرو هو، كان حسناً فصيحاً جائزاً، وعود الضمير على ما يفهمُ من سياق الكلام كثير.
وقوله» وما يؤدي إليه من فساد النظم «ليس كذلك، ولا يؤدي جعلها مصدرية إلى ما ذكر.
وقوله» وإنما أوثرت «إلى آخره، لا يراد ب» ما «ولا» من «الموصولتين، معنى الوصلية، لأنهما لا يوصف بهما» ما «دون» من «.
وقوله» في كلامهم «إلى آخره، تأوله أصحابنا على أن» سبحان «علم، و» ما «مصدرية ظرفية» .
قال شهاب الدين: أما ما رد به عليه من كونه يعود على ما يفهم من السياق، فليس يصلح رداً؛ لأنه إذا دار الأمر بين عوده على ملفوظ وبين غير ملفوظ به، فعوده على الملفوظ به أولى؛ لأنه الأصل وأما قوله: فلا ينفرد به «ما» دون «من» ، فليس مراد الزمخشري أنها توصف بها وصفاً صريحاً، بل مراده أنها تقع على نوع من يعقل وعلى صفته، ولذلك مثل النحويون بقوله تعالى:
﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: 3] .
وقالوا: تقديره: فانكِحُوا الطَّيِّب من النِّساءِ، ولا شك أن هذا الحكم تنفرد به «ما» دون «من» .
قوله: ﴿والأرض وَمَا طَحَاهَا﴾ . أي: وطحوها، وقيل: من طحاها: أي بسطها، قال عامة المفسرين: أي دحاها.
قال الحسن ومجاهد وغيرهما: طحاها ودحاها: واحد، أي: بسطها من كل جانب.
والطَّحْوُ: البسطُ، طحا، يطحو، طحواً، وطحى يطحى طحياً، وطحيت: اضطجعت، عن أبي عمرو، وعن ابن عباس: طحاها: أي قسمها، وقيل: خلقها؛ قال الشاعر: [الوافر]
5220 - ومَا تَدْرِي جَذيمةُ مَنْ طَحاهَا ... ولا مَنْ سَاكِنُ العَرْشِ الرَّفيعِ
قال الماوردي: ويحتمل أنه ما خرج منها من نبات وعيون وكنوز؛ لأنه حياة لما خلق عليها.
ويقال في بعض أيمان العرب: لا، والقمر الطاحي، أي: المشرق المرتفع.
قال أبو عمرو: طحا الرجل إذا ذهب في الأرض، يقال: ما أدري أين طحا؟ .
ويقال: طحا به قلبه، إذا ذهب به كلِّ شيء؛ قال علقمة: [الطويل]
5221 - طَحَا بِكَ قَلبٌ في الحِسانِ طَرُوب ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
قال ابن الخطيب: وإنما أخر هذا عن قوله تعالى: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ لقوله: ﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: 30] .
قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ . قيل: المعنى، وتسويتها، ف «ما» مصدرية.
وقيل: المعنى، ومن سواها، وهو الله تعالى، قيل: المراد بالنفس: آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
وقيل: كلُّ نفس منفوسةٍ، فما التنكير إلا لتعظيمها، أي نفس عظيمة، آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ وإما للتكثير، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: 14] ، و «سوَّى» بمعنى هيأ.
وقال مجاهد: سوَّى خلقها وعدَّل، وهذه الأسماء كلها مجرورة على القسم، أي أقسم الله تعالى بخلقه لما فيه من عجائب الصنعة الدالة عليه - سبحانه وتعالى -.
قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا﴾ أي: عرَّفها طريقَ الفجور والتقوى، قاله ابن عباس ومجاهد.
وعن مجاهد أيضاً: عرفها الطاعة والمعصية.
[وعن محمد بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - إذا أراد الله تعالى لعبده خيراً ألهمه الخير فعمل به، وإذا أراد به الشر ألهمه الشرّ فعمل به.
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: ألهم المؤمن التقي تقواه وألهم الكافر فجوره، وعن قتادة: بين لها فجورها وتقواها، والفجور والتقوى مصدران في موضع المفعول] .
قال الواحدي: الإلهام هو أن يوقع الله في قلب العبد شيئاً، وإذا أوقع في قلبه فقد ألزمه إياه، من قولهم: لهم الشيء وألهمه: إذا بلغه، وألهمته ذلك الشيء، أي أبلغته، هذا هو الأصل ثم استعمل ذلك فيما يقذفه الله تعالى في قلب العبد لأنه كالإبلاغ.
قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أنه جواب القسم، والأصل: لقد وإنما حذفت لطول الكلام، والثاني: أنه ليس بجواب، وإنما جيء به تابعاً لقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء، فالجواب محذوف، تقديره [ليدمرن] الله عليهم، أي: على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كما دمدم على ثمود لتكذيبهم صالحاً - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال معناه الزمخشري. وقدر غيره: لتبعثن.
وقيل: هو على التقديم والتأخير بغير حذف، والمعنى: قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها.
وفاعل «زكّاها» و «دسّاها» ، الظاهر أنه ضمير «مَنْ» .
وقيل: ضمير الباري تعالى، أي: أفلح وفاز من زكاها بالطاعة، وقد خاب من دساها أي: خسرت نفسٌ دسها الله تعالى بالمعصية، وأنحى الزمخشري على صاحب هذا القول لمنافرته مذهبه.
قال شهاب الدين: والحق أنه خلاف الظاهر، لا لما قال الزمخشري، بل لمنافرة نظمه للاحتياج إلى عود الضمير على النفس مقيدة بإضافتها إلى ضمير «من» .
وقال ابن عباس: خابت نفس أضلها الله وأغواها.
وقيل: أفلح من زكى نفسه بطاعة الله، «وخاب» خسر من دس نفسه في المعاصي. قاله قتادة.
وأصل الزكاة: النمو والزيادة، ومنه تزكى الزَّرع إذا كثر معه، ومنه تزكية القاضي الشاهد، لأنه يرفعه بالتعديل.
وقيل: دساها: أغواها، قال: [الطويل]
5222 - وأَنْتَ الَّذِي دسَّيْتَ عَمْراً فأصْبَحتَ ... حَلائِلهُ مِنْهُ أرَامِلَ ضُيَّعَا
قال أهل اللغة: والأصل، دسها، من التدسيس فكثرت الأمثال فأبدل من ثالثها حرف علة كما قالوا: قصيت أظفاري، وأصله قصصت، وتقضي البازي، والتدسية: الإخفاء يعني أخفاه بالفجور، وقد نطق بالأصل الشاعر المتقدم. وقال آخر: [الكامل]
5223 - ودَسَسْتَ عَمْراً في التُّرَابِ فأصْبَحَتْ ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .
[وهو إخفاء الشيء في الشيء، فأبدلت سينه ياءً. وقال ابن الأعرابي: «وقَدْ خَابَ من دسَّاهَا» أي: دس نفسه في جملة الصالحين وليس منهم] .
قال الواحدي: فكأنه - تعالى - أقسم على فلاح من طهره وخسارة من خذله لئلا يظن أن المراد بتولي ذلك من غير قضاء سابق، فقوله: «قَدْ أفلَحَ» : هو جواب القسم.
الشمس 91:6
مكية، وهي خمس عشرة آية، وأربع وخمسون كلمة، ومائتان وسبعون حرفا. قوله تعالى: ﴿والشمس وَضُحَاهَا﴾ ، وقد تقدَّم أنَّ جماعة من أهل الأصول؛ قالوا: التقدير: ورب الشمس، ورب سائر ما ذكر إلى تمام القسم.
واحتج قوم على بطلان هذا القول، بأن في جملة هذا القسم: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ ، وذلك هو الله تعالى، لا يجوز أن يكون المراد منه تعالى أن يقدم قسمه بغيره على قسمه بنفسه، فإذن لا بد من تأويل، وهو أن «ما» مع ما بعده في حكم المصدر، فيكون التقدير: والسَّماءِ وبنائها.
واعترض الزمخشريُّ عليه، فقال: لو كان الأمر على هذا الوجه، لزم من عطف قوله: «فألهمها» عليه فساد النظم.
قوله: ﴿وَضُحَاهَا﴾ .
قال المبرِّدُ: إن الضُّحى، والضَّحوة، مشتقان من الضحّ، وهو النور فأبدلت الألف، والواو من الحاء، تقول: ضَحْوة، وضَحَوات، وضُحى فالواو من «ضَحْوة» مقلوبة عن الحاء الثانية، والألف في «ضُحَى» مقلوبة عن الواو.
وقال أبو الهيثم: الضحُّ نقيض الظل، وهو نور الشمس على ظهر وجه الأرض وأصله: الضحى، فاستثقلوا الياء مع سكون الواو فقلبوها ألفاً.
والضُّحَى: مؤنثة، يقال: ارتفعت الضُّحى فوق الصخور، وقد تذكر، فمن أنَّث ذهب إلى أنها جمع ضحوة، ومن ذكَّر ذهب إلى أنَّه اسم على «فُعَل» نحو «صُرَد، ونُغَر» وهو ظرف غير متمكن مثل: سحر، تقول: لقيته ضحًى، وضُحَى إذا أردت به ضحى يومك لم تنونه.
وقال الفراء: الضُّحَى، هو النهار، كقول قتادة، والمعروف عند العرب أنَّ الضحى إذا طلعت الشمس، وبُعَيْدَ ذلك قليلاً، فإذا زاد فهو الضّحاء بالمد.
ومن قال: الضحى، النهار كله، فذلك لدوام نور الشمس، ومن قال: إنه نور الشَّمس أو حرها، فنور الشمس لا يكون إلاَّ مع حرِّ الشمس، وقد استدل من قال: إن الضحى حر الشمس بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تضحى﴾ [طه: 119] أي: لا يؤذيك الحر.
فصل في تفسير الآية
قال مجاهد: «وضُحَاهَا» أي: ضوؤها وإشراقها، وأضاف الضحى إلى الشمس؛ لأنه إنما يكون بارتفاع الشمس.
وقال قتادةُ: بهاؤها.
وقال السدي: حرها.
وقال اليزيدي: انبساطها.
وقيل: ما ظهر بها من كل مخلوق، فيكون القسم بها، وبمخلوقات الأرض كلها. حكاه الماوردي.
قال ابن الخطيب: إنَّما أقسم بالشمس، وضحاها، لكثرة ما يتعلق به من المصالح، فإنَّ أهل العالم كانوا كالأموات في الليل، فلما ظهر الصبحُ في المشرق، صار ذلك الضوء، كالروح الذي تنفخ فيه الحياة، فصارت الأموات أحياء، ولا تزال تلك الحياة في القوة، والزيادة إلى غاية كمالها وقت الضحى، وذلك شبيه استقرار أهل الجنة.
قوله: ﴿والقمر إِذَا تَلاَهَا﴾ ، أي: تبعها، وذلك إذا سقطت رؤيا الهلال.
[قال الليث: تلوت فلاناً إذا تبعته.
وقال ابن زيد: إذا غربت الشمس في النصف الأول من الشهر، تلاها القمر بالطلوع، وفي آخر الشهر، يتلوها بالغروب] .
قال الفراء: «تَلاَهَا» : أخذ منها، يذهب إلى أن القمر يأخذ من ضوء الشمس.
وقال الزجاجُ: «إذا تَلاهَا» أي: حين استوى، واستدار، فكان مثلها في الضياء والنور.
وقال قتادةُ والكلبيُّ: معناه: أن الشمس، إذا قربت، فالقمر يتبعها ليلة الهلال في الغروب.
وقيل: يتلوها في كبر الجرم، بحسب الحسّ في ارتباط مصالح هذا العالم بحركته.
قوله: ﴿والنهار إِذَا جَلاَّهَا﴾ ، الفاعل: ضمير النهار.
وقيل: عائد على الله تعالى، والضمير المنصوب، إمَّا للشمس، وإما للظُّلمة، وإما للأرض.
ومعنى «جلاها» أي: كشفها، فمن قال: هي «الشمس» ، فالمعنى: أنه يبين بضوئه جرمها، ومن قال: هي «الظلمة» ، فهي ون لم يجر لها ذكر، كقولك: أضحتْ باردةً، تريد: أضحت غداتنا باردة، وهو قول الفراء والكلبي وغيرهما.
ومن قال: هي الدنيا والأرض، وإن لم يجر لهما ذكر، كقوله: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] .
قوله: «إذَا تَلاهَا» ، وما بعده فيه إشكال؛ لأنه إن جعل شرطاً اقتضى جواباً، ولا جواب لفظاً، وتقديره غير صالح، وإن جُعِلَ محضاً استدعى عاملاً وليس هنا عامل إلا فعل القسم حال؛ لأنه إنشاء، و «إذا» ظرف مستقبل، والحال لا يعمل في المستقبل.
ويخص «إذا» وما بعدها إشكال آخر ذكره الزمخشري، قال: فإن قلت: الأمر في نصب «إذَا» معضل، لأنك لا تخلو إمَّا أن تجعل الواو عاطفة، فتنصب بها وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: «مررت أمس بزيد واليوم عمرو» ، وإمَّا أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه.
قلت: الجواب فيه: أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل إطراحاً كلياً، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام الفعل، والباء سادة مسدهما معاً، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحقهن أن يكنّ عوامل على الفعل، والجار جميعاً، كما تقول: «ضَرب زيد بكراً وعمرو خالداً» ، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام «ضرب» الذي هو عاملهما انتهى.
وقال أبُو حيَّان: أما قوله في واوات العطف: «فتنصب وتجر» ، فليس هذا بالمختار على أن يكون حرف العطف عاملاً لقيامه مقام العامل، بل المختار أن العمل إنما هو للعامل في المعطوف عليه، ثم إن الإنشاء حجة في ذلك.
وقوله: «فتقع في العطف على عاملين» ، ليس ما في الآية من العطف عاملين، وإنما هو من باب عطف اسمين مجرور ومنصوب، على اسمين مجرور ومنصوب، فصرف العطف لم ينب مناب عاملين، وذلك نحو قولك: مررت بزيد قائماً وعمرو جالساً؛ وأنشد سيبويه في كتابه: [الطويل]
5219 - فَلَيْسَ بِمعروفٍ لَنا أنْ نَرُدَّهَا ... صِحَاحاً ولا مُسْتنكَرٌ أن تُعَقَّرَا
فهذا من عطف مجرور ومرفوع؛ والعطف على عاملين فيه أربعة مذاهب، ونسب الجواز إلى سيبويه.
وقوله في نحو قولك: «مررت أمس بزيد واليوم عمرو» ، هذا المثال مخالف لما في الآية، بل وزان ما في الآية: «مررت بزيد أمس وعمرو اليوم» ونحن نجيز هذا.
وأمَّا قوله: «على استكراه» ، فليس كما ذكر، بل كلام الخليل على المنع.
قال الخليل في قوله تعالى: ﴿والليل إِذَا يغشى والنهار إِذَا تجلى وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: 1 - 3] : «الواوان الأخريان ليستا بمنزلة الأولى، ولكنهما الواوان اللتان تضمان الأسماء إلى الأسماء في قولك: مررت بزيد وعمرو، والأولى بمنزلة الباء والتاء» .
وأما قوله: «إن واو القسم ليس يطرح معها إبراز الفعل إطراحاً كلياً» فليس هذا الحكم مجمعاً عليه، بل أجاز ابن كيسان التصريح بفعل القسم مع الواو، فتقول: «أقسم، أو أحلف والله لزيد قائم» .
وأما قوله: «والواوات العواطف نوائب عن هذا» إلى آخره، فمبني على أن حرف العطف عامل لنيابته مناب العامل، وليس هذا بالمختار.
قال: والذي يقول: إن المُعضلَ هو تقدير العامل في «إذا» بعد الإقسام، كقوله تعالى: ﴿والنجم إِذَا هوى﴾ [النجم: 1] ، ﴿والليل إِذْ أَدْبَرَ والصبح إِذَآ أَسْفَرَ﴾ [المدثر: 33، 34] ، ﴿والقمر إِذَا تَلاَهَا والنهار إِذَا جَلاَّهَا والليل إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: 2 - 4] ، وما أشبهها ف «إذا» ظرف مستقبل، لا جائز أن يكون العامل فيه فعل القسم المحذوف؛ لأنه فعل إنشائي، فهو في الحال ينافي أن يعمل في المستقبل لإطلاق زمان العامل زمان المعمول، ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف أقيم المقسم به مقامه أي وطلوع النجم، ومجيء الليل، لأنه فعل إنشائي , فهو في الحال ينافي أن يعمل في المستقبل لإطلاق زمان العامل زمان المعمول , ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف أقيم المقسم به مقامه أي وطلوع النجم , ومجيء الليل , لأنه معمول لذلك الفعل [فالطلوع حال، ولا يعمل فيه المستقبل ضرورة أن زمان المعمول زمان العامل ولا جائز أن يعمل فيه نفس المقسم به لأنه ليس من قبيل ما يعمل، سيما إن كان جزماً] ، ولا جائز أن يقدر محذوف قبل الظرف فيكون قد عمل فيه، ويكون ذلك العامل في موضع الحال، وتقديره: والنجم كائناً إذا هوى والليل كائناً إذا يغشى، لأنه لا يلزم كائناً منصوباً بالعامل، ولا يصح أن يكون معمولاً لشيء مما فرضناه أن يكون عاملاً، وأيضاً، فقد يكون المقسم به جثة، وظروف الزمان لا تكون أحوالاً عن الجثث كما لا تكون أخباراً. انتهى ما رد به أبو حيان وما استشكله من أمر العامل في «إذا» .
قال شهاب الدين: المختار أن حرف العطف لا يعمل لقيامه مقام العامل، فلا يلزم أبا القاسم لأنه يختار القول الآخر، وقوله «ليس ما في الآية من العطف على عاملين» ممنوع بل فيه العطف على عاملين ولكنه في غموض، وبيان أنه من العطف على عاملين، أن قوله: ﴿والنهار إِذَا جَلاَّهَا﴾ - ها هنا - معمولان، أحدهما مجرور وهو «النهار» والآخر منصوب وهو الظرف عطفاً على معمول عاملين والعاملان هنا في فعل المقسم به، الناصب ل «إذا» الأولى، وواو القسم الجارة، فقد تحقق معك عاملان، لهما معمولان، فإذا عطفت مجروراً على مجرور، وظرفاً على ظرف، معمولين لعاملين، لزم ما قاله أبو القاسم، وكيف يجهل هذا مع التأمل والتحقيق؟! .
وأما قوله: «وأنشد سيبويه» إلى آخره، فهو اعتراف منه بأنه من العطف على عاملين، غاية ما في الباب أنه استند إلى حكمه لسيبويه، وأما قوله: أجاز ابن كيسان، فلا يلزم مذهبه، وأما قوله: فالمثال ليس كالآية بل وزانها، إلى آخره، فصحيح لما فيه من تقديم الظرف الثاني على المجرور والمعطوف والآية والظرف فيها متأخر، وإنما مراد الزمخشري وجود معمول عاملين، وهو موجود في المثال المذكور إلا أن في الآية إشكالاً آخر، وهو كالتكرير للمسألة، وأما قوله: بل كلام الخليل يدل على المنع، إلى آخره، فليس فيه ردٌّ عليه بالنسبة إلى قصده بل فيه تقوية لما قال، غاية ما في الباب أنه عبر بالاستكراه عن المنع، ولم يفهم المنع، وقوله: ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف، إلى آخره، فأقول: بل يجوز تقديره، وهو العامل، ولا يلزم ما قاله من اختلاف الزمانين، لأنه يجوز أن يقسم [الآن بطلوع النجم في المستقبل، فالقسم في الحال والطلوع في المستقبل، ويجوز أن يقسم] بالشيء الذي سيوجد وقوله «ولا جائز أن يقدر محذوف قبل الظرف فيكون قد عمل فيه» إلى آخره، ليس بممنوع بل يجوز ذلك ويكون حالاً مقدرة، وقوله «ويلزم ألاَّ يكون له عامل» ليس كذلك بل له عامل وهو فعل القسم، ولا يضر كونه إنشائياً، لأن الحال مقدرة كما تقدم، وقوله «وقد يكون المقسم به جثة» جوايه: يقدر حينئذ حدث، يكون الظرف الزماني حالاً عنه وسئل ابن الحاجب عن هذه المسألة، فأجاب بنحو ما ذكرناه والله اعلم، ولا يخلو الكلام فيها من بحث.
قوله: ﴿والليل إِذَا يَغْشَاهَا﴾ . المفعول «الشمس» : أي: يغشى الشمس فيذهب بضوئها عند سقوطها، قاله مجاهد.
وقيل: للأرض أي: يغشى الدنيا بالظلمة، فتظلم الآفاق فالكناية ترجع إلى غير مذكور. وجيء ب «يَغْشَاهَا» مضارعاً دون ما قبله وما بعده مراعاة للفواصل؛ إذ لو أتى به ماضياً لكان التركيب «إذ غشيها» فتفوت المناسبة اللفظية بين الفواصل والمقاطع.
قوله: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ . في «ما» هذه وجهان:
أحدهما: أن «ما» موصولة بمعنى «الذي» وبه استشهد من يجوز وقوعها على العقلاء، ولأن المراد به الباري تعالى، وإليه ذهب الحسن ومجاهد وأبو عبيدة، واختاره ابن جرير.
والثاني: مصدر، أي وبنائها، وإليه ذهب الزجاج والمبرد، وهذا منهما بناء على أنها مختصة بغير العقلاء.
واعترض على هذا القول بأنه يلزم أن يكون القسم بنفس المصادر: بناء السماء وطحو الأرض، وتسوية النفس، وليس المقصود إلاَّ القسم بفاعل هذه الأشياء، وهو الرب تعالى، وأجيب عنه بوجهين:
أحدهما: أن يكون على حذف مضاف، أي: ورب بناء السماء ونحوه.
والثاني: أنه لا غرو لا يجوز في الإقسام بهذه الأشياء، كما أقسم سبحانه وتعالى بالصبح ونحوه.
وقال الزمخشري: «جعلت» ما «مصدرية في قوله» وما بناها» ، «وما طحاها» ، «وما سواها» ، وليس بالوجه، لقوله «فألهمها» ، وما يؤدي إليه من فساد النظم، والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على» من «لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء والقادر العظيم الذي بناها، ونفسٍ والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها، وفي كلامهم: سبحان من سخركن لنا» انتهى.
[يعني أن الفاعل في «فألهمها» عائد على الله تعالى، فليكن في بنائها كذلك] .
وحينئذ يلزم عوده على شيء، وليس هنا ما يمكن عوده عليه غير «ما» فتعين أن تكون موصولة.
قال أبو حيان: «أما قوله» وليس بالوجه «، لقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ يعني من عود الضمير في ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ على الله تعالى، فيكون قد عاد على مذكور، وهو» ما «المراد به» الذي» ، قال: ولا يلزم ذلك، لأنا إذا جعلناها مصدرية عاد الضمير على ما يفهم من سياق الكلام، في «بَنَاهَا» ضمير عائد على الله تعالى، أي: وبناها هو، أي: الله تعالى، كما إذا رأيت زيداً قد ضرب عمراً، فتقول: عجبت مما ضرب عمرو، تقديره: من ضرب عمرو هو، كان حسناً فصيحاً جائزاً، وعود الضمير على ما يفهمُ من سياق الكلام كثير.
وقوله» وما يؤدي إليه من فساد النظم «ليس كذلك، ولا يؤدي جعلها مصدرية إلى ما ذكر.
وقوله» وإنما أوثرت «إلى آخره، لا يراد ب» ما «ولا» من «الموصولتين، معنى الوصلية، لأنهما لا يوصف بهما» ما «دون» من «.
وقوله» في كلامهم «إلى آخره، تأوله أصحابنا على أن» سبحان «علم، و» ما «مصدرية ظرفية» .
قال شهاب الدين: أما ما رد به عليه من كونه يعود على ما يفهم من السياق، فليس يصلح رداً؛ لأنه إذا دار الأمر بين عوده على ملفوظ وبين غير ملفوظ به، فعوده على الملفوظ به أولى؛ لأنه الأصل وأما قوله: فلا ينفرد به «ما» دون «من» ، فليس مراد الزمخشري أنها توصف بها وصفاً صريحاً، بل مراده أنها تقع على نوع من يعقل وعلى صفته، ولذلك مثل النحويون بقوله تعالى:
﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: 3] .
وقالوا: تقديره: فانكِحُوا الطَّيِّب من النِّساءِ، ولا شك أن هذا الحكم تنفرد به «ما» دون «من» .
قوله: ﴿والأرض وَمَا طَحَاهَا﴾ . أي: وطحوها، وقيل: من طحاها: أي بسطها، قال عامة المفسرين: أي دحاها.
قال الحسن ومجاهد وغيرهما: طحاها ودحاها: واحد، أي: بسطها من كل جانب.
والطَّحْوُ: البسطُ، طحا، يطحو، طحواً، وطحى يطحى طحياً، وطحيت: اضطجعت، عن أبي عمرو، وعن ابن عباس: طحاها: أي قسمها، وقيل: خلقها؛ قال الشاعر: [الوافر]
5220 - ومَا تَدْرِي جَذيمةُ مَنْ طَحاهَا ... ولا مَنْ سَاكِنُ العَرْشِ الرَّفيعِ
قال الماوردي: ويحتمل أنه ما خرج منها من نبات وعيون وكنوز؛ لأنه حياة لما خلق عليها.
ويقال في بعض أيمان العرب: لا، والقمر الطاحي، أي: المشرق المرتفع.
قال أبو عمرو: طحا الرجل إذا ذهب في الأرض، يقال: ما أدري أين طحا؟ .
ويقال: طحا به قلبه، إذا ذهب به كلِّ شيء؛ قال علقمة: [الطويل]
5221 - طَحَا بِكَ قَلبٌ في الحِسانِ طَرُوب ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
قال ابن الخطيب: وإنما أخر هذا عن قوله تعالى: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ لقوله: ﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: 30] .
قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ . قيل: المعنى، وتسويتها، ف «ما» مصدرية.
وقيل: المعنى، ومن سواها، وهو الله تعالى، قيل: المراد بالنفس: آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
وقيل: كلُّ نفس منفوسةٍ، فما التنكير إلا لتعظيمها، أي نفس عظيمة، آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ وإما للتكثير، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: 14] ، و «سوَّى» بمعنى هيأ.
وقال مجاهد: سوَّى خلقها وعدَّل، وهذه الأسماء كلها مجرورة على القسم، أي أقسم الله تعالى بخلقه لما فيه من عجائب الصنعة الدالة عليه - سبحانه وتعالى -.
قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا﴾ أي: عرَّفها طريقَ الفجور والتقوى، قاله ابن عباس ومجاهد.
وعن مجاهد أيضاً: عرفها الطاعة والمعصية.
[وعن محمد بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - إذا أراد الله تعالى لعبده خيراً ألهمه الخير فعمل به، وإذا أراد به الشر ألهمه الشرّ فعمل به.
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: ألهم المؤمن التقي تقواه وألهم الكافر فجوره، وعن قتادة: بين لها فجورها وتقواها، والفجور والتقوى مصدران في موضع المفعول] .
قال الواحدي: الإلهام هو أن يوقع الله في قلب العبد شيئاً، وإذا أوقع في قلبه فقد ألزمه إياه، من قولهم: لهم الشيء وألهمه: إذا بلغه، وألهمته ذلك الشيء، أي أبلغته، هذا هو الأصل ثم استعمل ذلك فيما يقذفه الله تعالى في قلب العبد لأنه كالإبلاغ.
قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أنه جواب القسم، والأصل: لقد وإنما حذفت لطول الكلام، والثاني: أنه ليس بجواب، وإنما جيء به تابعاً لقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء، فالجواب محذوف، تقديره [ليدمرن] الله عليهم، أي: على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كما دمدم على ثمود لتكذيبهم صالحاً - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال معناه الزمخشري. وقدر غيره: لتبعثن.
وقيل: هو على التقديم والتأخير بغير حذف، والمعنى: قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها.
وفاعل «زكّاها» و «دسّاها» ، الظاهر أنه ضمير «مَنْ» .
وقيل: ضمير الباري تعالى، أي: أفلح وفاز من زكاها بالطاعة، وقد خاب من دساها أي: خسرت نفسٌ دسها الله تعالى بالمعصية، وأنحى الزمخشري على صاحب هذا القول لمنافرته مذهبه.
قال شهاب الدين: والحق أنه خلاف الظاهر، لا لما قال الزمخشري، بل لمنافرة نظمه للاحتياج إلى عود الضمير على النفس مقيدة بإضافتها إلى ضمير «من» .
وقال ابن عباس: خابت نفس أضلها الله وأغواها.
وقيل: أفلح من زكى نفسه بطاعة الله، «وخاب» خسر من دس نفسه في المعاصي. قاله قتادة.
وأصل الزكاة: النمو والزيادة، ومنه تزكى الزَّرع إذا كثر معه، ومنه تزكية القاضي الشاهد، لأنه يرفعه بالتعديل.
وقيل: دساها: أغواها، قال: [الطويل]
5222 - وأَنْتَ الَّذِي دسَّيْتَ عَمْراً فأصْبَحتَ ... حَلائِلهُ مِنْهُ أرَامِلَ ضُيَّعَا
قال أهل اللغة: والأصل، دسها، من التدسيس فكثرت الأمثال فأبدل من ثالثها حرف علة كما قالوا: قصيت أظفاري، وأصله قصصت، وتقضي البازي، والتدسية: الإخفاء يعني أخفاه بالفجور، وقد نطق بالأصل الشاعر المتقدم. وقال آخر: [الكامل]
5223 - ودَسَسْتَ عَمْراً في التُّرَابِ فأصْبَحَتْ ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .
[وهو إخفاء الشيء في الشيء، فأبدلت سينه ياءً. وقال ابن الأعرابي: «وقَدْ خَابَ من دسَّاهَا» أي: دس نفسه في جملة الصالحين وليس منهم] .
قال الواحدي: فكأنه - تعالى - أقسم على فلاح من طهره وخسارة من خذله لئلا يظن أن المراد بتولي ذلك من غير قضاء سابق، فقوله: «قَدْ أفلَحَ» : هو جواب القسم.
الشمس 91:7
مكية، وهي خمس عشرة آية، وأربع وخمسون كلمة، ومائتان وسبعون حرفا. قوله تعالى: ﴿والشمس وَضُحَاهَا﴾ ، وقد تقدَّم أنَّ جماعة من أهل الأصول؛ قالوا: التقدير: ورب الشمس، ورب سائر ما ذكر إلى تمام القسم.
واحتج قوم على بطلان هذا القول، بأن في جملة هذا القسم: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ ، وذلك هو الله تعالى، لا يجوز أن يكون المراد منه تعالى أن يقدم قسمه بغيره على قسمه بنفسه، فإذن لا بد من تأويل، وهو أن «ما» مع ما بعده في حكم المصدر، فيكون التقدير: والسَّماءِ وبنائها.
واعترض الزمخشريُّ عليه، فقال: لو كان الأمر على هذا الوجه، لزم من عطف قوله: «فألهمها» عليه فساد النظم.
قوله: ﴿وَضُحَاهَا﴾ .
قال المبرِّدُ: إن الضُّحى، والضَّحوة، مشتقان من الضحّ، وهو النور فأبدلت الألف، والواو من الحاء، تقول: ضَحْوة، وضَحَوات، وضُحى فالواو من «ضَحْوة» مقلوبة عن الحاء الثانية، والألف في «ضُحَى» مقلوبة عن الواو.
وقال أبو الهيثم: الضحُّ نقيض الظل، وهو نور الشمس على ظهر وجه الأرض وأصله: الضحى، فاستثقلوا الياء مع سكون الواو فقلبوها ألفاً.
والضُّحَى: مؤنثة، يقال: ارتفعت الضُّحى فوق الصخور، وقد تذكر، فمن أنَّث ذهب إلى أنها جمع ضحوة، ومن ذكَّر ذهب إلى أنَّه اسم على «فُعَل» نحو «صُرَد، ونُغَر» وهو ظرف غير متمكن مثل: سحر، تقول: لقيته ضحًى، وضُحَى إذا أردت به ضحى يومك لم تنونه.
وقال الفراء: الضُّحَى، هو النهار، كقول قتادة، والمعروف عند العرب أنَّ الضحى إذا طلعت الشمس، وبُعَيْدَ ذلك قليلاً، فإذا زاد فهو الضّحاء بالمد.
ومن قال: الضحى، النهار كله، فذلك لدوام نور الشمس، ومن قال: إنه نور الشَّمس أو حرها، فنور الشمس لا يكون إلاَّ مع حرِّ الشمس، وقد استدل من قال: إن الضحى حر الشمس بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تضحى﴾ [طه: 119] أي: لا يؤذيك الحر.
فصل في تفسير الآية
قال مجاهد: «وضُحَاهَا» أي: ضوؤها وإشراقها، وأضاف الضحى إلى الشمس؛ لأنه إنما يكون بارتفاع الشمس.
وقال قتادةُ: بهاؤها.
وقال السدي: حرها.
وقال اليزيدي: انبساطها.
وقيل: ما ظهر بها من كل مخلوق، فيكون القسم بها، وبمخلوقات الأرض كلها. حكاه الماوردي.
قال ابن الخطيب: إنَّما أقسم بالشمس، وضحاها، لكثرة ما يتعلق به من المصالح، فإنَّ أهل العالم كانوا كالأموات في الليل، فلما ظهر الصبحُ في المشرق، صار ذلك الضوء، كالروح الذي تنفخ فيه الحياة، فصارت الأموات أحياء، ولا تزال تلك الحياة في القوة، والزيادة إلى غاية كمالها وقت الضحى، وذلك شبيه استقرار أهل الجنة.
قوله: ﴿والقمر إِذَا تَلاَهَا﴾ ، أي: تبعها، وذلك إذا سقطت رؤيا الهلال.
[قال الليث: تلوت فلاناً إذا تبعته.
وقال ابن زيد: إذا غربت الشمس في النصف الأول من الشهر، تلاها القمر بالطلوع، وفي آخر الشهر، يتلوها بالغروب] .
قال الفراء: «تَلاَهَا» : أخذ منها، يذهب إلى أن القمر يأخذ من ضوء الشمس.
وقال الزجاجُ: «إذا تَلاهَا» أي: حين استوى، واستدار، فكان مثلها في الضياء والنور.
وقال قتادةُ والكلبيُّ: معناه: أن الشمس، إذا قربت، فالقمر يتبعها ليلة الهلال في الغروب.
وقيل: يتلوها في كبر الجرم، بحسب الحسّ في ارتباط مصالح هذا العالم بحركته.
قوله: ﴿والنهار إِذَا جَلاَّهَا﴾ ، الفاعل: ضمير النهار.
وقيل: عائد على الله تعالى، والضمير المنصوب، إمَّا للشمس، وإما للظُّلمة، وإما للأرض.
ومعنى «جلاها» أي: كشفها، فمن قال: هي «الشمس» ، فالمعنى: أنه يبين بضوئه جرمها، ومن قال: هي «الظلمة» ، فهي ون لم يجر لها ذكر، كقولك: أضحتْ باردةً، تريد: أضحت غداتنا باردة، وهو قول الفراء والكلبي وغيرهما.
ومن قال: هي الدنيا والأرض، وإن لم يجر لهما ذكر، كقوله: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] .
قوله: «إذَا تَلاهَا» ، وما بعده فيه إشكال؛ لأنه إن جعل شرطاً اقتضى جواباً، ولا جواب لفظاً، وتقديره غير صالح، وإن جُعِلَ محضاً استدعى عاملاً وليس هنا عامل إلا فعل القسم حال؛ لأنه إنشاء، و «إذا» ظرف مستقبل، والحال لا يعمل في المستقبل.
ويخص «إذا» وما بعدها إشكال آخر ذكره الزمخشري، قال: فإن قلت: الأمر في نصب «إذَا» معضل، لأنك لا تخلو إمَّا أن تجعل الواو عاطفة، فتنصب بها وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: «مررت أمس بزيد واليوم عمرو» ، وإمَّا أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه.
قلت: الجواب فيه: أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل إطراحاً كلياً، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام الفعل، والباء سادة مسدهما معاً، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحقهن أن يكنّ عوامل على الفعل، والجار جميعاً، كما تقول: «ضَرب زيد بكراً وعمرو خالداً» ، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام «ضرب» الذي هو عاملهما انتهى.
وقال أبُو حيَّان: أما قوله في واوات العطف: «فتنصب وتجر» ، فليس هذا بالمختار على أن يكون حرف العطف عاملاً لقيامه مقام العامل، بل المختار أن العمل إنما هو للعامل في المعطوف عليه، ثم إن الإنشاء حجة في ذلك.
وقوله: «فتقع في العطف على عاملين» ، ليس ما في الآية من العطف عاملين، وإنما هو من باب عطف اسمين مجرور ومنصوب، على اسمين مجرور ومنصوب، فصرف العطف لم ينب مناب عاملين، وذلك نحو قولك: مررت بزيد قائماً وعمرو جالساً؛ وأنشد سيبويه في كتابه: [الطويل]
5219 - فَلَيْسَ بِمعروفٍ لَنا أنْ نَرُدَّهَا ... صِحَاحاً ولا مُسْتنكَرٌ أن تُعَقَّرَا
فهذا من عطف مجرور ومرفوع؛ والعطف على عاملين فيه أربعة مذاهب، ونسب الجواز إلى سيبويه.
وقوله في نحو قولك: «مررت أمس بزيد واليوم عمرو» ، هذا المثال مخالف لما في الآية، بل وزان ما في الآية: «مررت بزيد أمس وعمرو اليوم» ونحن نجيز هذا.
وأمَّا قوله: «على استكراه» ، فليس كما ذكر، بل كلام الخليل على المنع.
قال الخليل في قوله تعالى: ﴿والليل إِذَا يغشى والنهار إِذَا تجلى وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: 1 - 3] : «الواوان الأخريان ليستا بمنزلة الأولى، ولكنهما الواوان اللتان تضمان الأسماء إلى الأسماء في قولك: مررت بزيد وعمرو، والأولى بمنزلة الباء والتاء» .
وأما قوله: «إن واو القسم ليس يطرح معها إبراز الفعل إطراحاً كلياً» فليس هذا الحكم مجمعاً عليه، بل أجاز ابن كيسان التصريح بفعل القسم مع الواو، فتقول: «أقسم، أو أحلف والله لزيد قائم» .
وأما قوله: «والواوات العواطف نوائب عن هذا» إلى آخره، فمبني على أن حرف العطف عامل لنيابته مناب العامل، وليس هذا بالمختار.
قال: والذي يقول: إن المُعضلَ هو تقدير العامل في «إذا» بعد الإقسام، كقوله تعالى: ﴿والنجم إِذَا هوى﴾ [النجم: 1] ، ﴿والليل إِذْ أَدْبَرَ والصبح إِذَآ أَسْفَرَ﴾ [المدثر: 33، 34] ، ﴿والقمر إِذَا تَلاَهَا والنهار إِذَا جَلاَّهَا والليل إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: 2 - 4] ، وما أشبهها ف «إذا» ظرف مستقبل، لا جائز أن يكون العامل فيه فعل القسم المحذوف؛ لأنه فعل إنشائي، فهو في الحال ينافي أن يعمل في المستقبل لإطلاق زمان العامل زمان المعمول، ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف أقيم المقسم به مقامه أي وطلوع النجم، ومجيء الليل، لأنه فعل إنشائي , فهو في الحال ينافي أن يعمل في المستقبل لإطلاق زمان العامل زمان المعمول , ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف أقيم المقسم به مقامه أي وطلوع النجم , ومجيء الليل , لأنه معمول لذلك الفعل [فالطلوع حال، ولا يعمل فيه المستقبل ضرورة أن زمان المعمول زمان العامل ولا جائز أن يعمل فيه نفس المقسم به لأنه ليس من قبيل ما يعمل، سيما إن كان جزماً] ، ولا جائز أن يقدر محذوف قبل الظرف فيكون قد عمل فيه، ويكون ذلك العامل في موضع الحال، وتقديره: والنجم كائناً إذا هوى والليل كائناً إذا يغشى، لأنه لا يلزم كائناً منصوباً بالعامل، ولا يصح أن يكون معمولاً لشيء مما فرضناه أن يكون عاملاً، وأيضاً، فقد يكون المقسم به جثة، وظروف الزمان لا تكون أحوالاً عن الجثث كما لا تكون أخباراً. انتهى ما رد به أبو حيان وما استشكله من أمر العامل في «إذا» .
قال شهاب الدين: المختار أن حرف العطف لا يعمل لقيامه مقام العامل، فلا يلزم أبا القاسم لأنه يختار القول الآخر، وقوله «ليس ما في الآية من العطف على عاملين» ممنوع بل فيه العطف على عاملين ولكنه في غموض، وبيان أنه من العطف على عاملين، أن قوله: ﴿والنهار إِذَا جَلاَّهَا﴾ - ها هنا - معمولان، أحدهما مجرور وهو «النهار» والآخر منصوب وهو الظرف عطفاً على معمول عاملين والعاملان هنا في فعل المقسم به، الناصب ل «إذا» الأولى، وواو القسم الجارة، فقد تحقق معك عاملان، لهما معمولان، فإذا عطفت مجروراً على مجرور، وظرفاً على ظرف، معمولين لعاملين، لزم ما قاله أبو القاسم، وكيف يجهل هذا مع التأمل والتحقيق؟! .
وأما قوله: «وأنشد سيبويه» إلى آخره، فهو اعتراف منه بأنه من العطف على عاملين، غاية ما في الباب أنه استند إلى حكمه لسيبويه، وأما قوله: أجاز ابن كيسان، فلا يلزم مذهبه، وأما قوله: فالمثال ليس كالآية بل وزانها، إلى آخره، فصحيح لما فيه من تقديم الظرف الثاني على المجرور والمعطوف والآية والظرف فيها متأخر، وإنما مراد الزمخشري وجود معمول عاملين، وهو موجود في المثال المذكور إلا أن في الآية إشكالاً آخر، وهو كالتكرير للمسألة، وأما قوله: بل كلام الخليل يدل على المنع، إلى آخره، فليس فيه ردٌّ عليه بالنسبة إلى قصده بل فيه تقوية لما قال، غاية ما في الباب أنه عبر بالاستكراه عن المنع، ولم يفهم المنع، وقوله: ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف، إلى آخره، فأقول: بل يجوز تقديره، وهو العامل، ولا يلزم ما قاله من اختلاف الزمانين، لأنه يجوز أن يقسم [الآن بطلوع النجم في المستقبل، فالقسم في الحال والطلوع في المستقبل، ويجوز أن يقسم] بالشيء الذي سيوجد وقوله «ولا جائز أن يقدر محذوف قبل الظرف فيكون قد عمل فيه» إلى آخره، ليس بممنوع بل يجوز ذلك ويكون حالاً مقدرة، وقوله «ويلزم ألاَّ يكون له عامل» ليس كذلك بل له عامل وهو فعل القسم، ولا يضر كونه إنشائياً، لأن الحال مقدرة كما تقدم، وقوله «وقد يكون المقسم به جثة» جوايه: يقدر حينئذ حدث، يكون الظرف الزماني حالاً عنه وسئل ابن الحاجب عن هذه المسألة، فأجاب بنحو ما ذكرناه والله اعلم، ولا يخلو الكلام فيها من بحث.
قوله: ﴿والليل إِذَا يَغْشَاهَا﴾ . المفعول «الشمس» : أي: يغشى الشمس فيذهب بضوئها عند سقوطها، قاله مجاهد.
وقيل: للأرض أي: يغشى الدنيا بالظلمة، فتظلم الآفاق فالكناية ترجع إلى غير مذكور. وجيء ب «يَغْشَاهَا» مضارعاً دون ما قبله وما بعده مراعاة للفواصل؛ إذ لو أتى به ماضياً لكان التركيب «إذ غشيها» فتفوت المناسبة اللفظية بين الفواصل والمقاطع.
قوله: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ . في «ما» هذه وجهان:
أحدهما: أن «ما» موصولة بمعنى «الذي» وبه استشهد من يجوز وقوعها على العقلاء، ولأن المراد به الباري تعالى، وإليه ذهب الحسن ومجاهد وأبو عبيدة، واختاره ابن جرير.
والثاني: مصدر، أي وبنائها، وإليه ذهب الزجاج والمبرد، وهذا منهما بناء على أنها مختصة بغير العقلاء.
واعترض على هذا القول بأنه يلزم أن يكون القسم بنفس المصادر: بناء السماء وطحو الأرض، وتسوية النفس، وليس المقصود إلاَّ القسم بفاعل هذه الأشياء، وهو الرب تعالى، وأجيب عنه بوجهين:
أحدهما: أن يكون على حذف مضاف، أي: ورب بناء السماء ونحوه.
والثاني: أنه لا غرو لا يجوز في الإقسام بهذه الأشياء، كما أقسم سبحانه وتعالى بالصبح ونحوه.
وقال الزمخشري: «جعلت» ما «مصدرية في قوله» وما بناها» ، «وما طحاها» ، «وما سواها» ، وليس بالوجه، لقوله «فألهمها» ، وما يؤدي إليه من فساد النظم، والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على» من «لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء والقادر العظيم الذي بناها، ونفسٍ والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها، وفي كلامهم: سبحان من سخركن لنا» انتهى.
[يعني أن الفاعل في «فألهمها» عائد على الله تعالى، فليكن في بنائها كذلك] .
وحينئذ يلزم عوده على شيء، وليس هنا ما يمكن عوده عليه غير «ما» فتعين أن تكون موصولة.
قال أبو حيان: «أما قوله» وليس بالوجه «، لقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ يعني من عود الضمير في ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ على الله تعالى، فيكون قد عاد على مذكور، وهو» ما «المراد به» الذي» ، قال: ولا يلزم ذلك، لأنا إذا جعلناها مصدرية عاد الضمير على ما يفهم من سياق الكلام، في «بَنَاهَا» ضمير عائد على الله تعالى، أي: وبناها هو، أي: الله تعالى، كما إذا رأيت زيداً قد ضرب عمراً، فتقول: عجبت مما ضرب عمرو، تقديره: من ضرب عمرو هو، كان حسناً فصيحاً جائزاً، وعود الضمير على ما يفهمُ من سياق الكلام كثير.
وقوله» وما يؤدي إليه من فساد النظم «ليس كذلك، ولا يؤدي جعلها مصدرية إلى ما ذكر.
وقوله» وإنما أوثرت «إلى آخره، لا يراد ب» ما «ولا» من «الموصولتين، معنى الوصلية، لأنهما لا يوصف بهما» ما «دون» من «.
وقوله» في كلامهم «إلى آخره، تأوله أصحابنا على أن» سبحان «علم، و» ما «مصدرية ظرفية» .
قال شهاب الدين: أما ما رد به عليه من كونه يعود على ما يفهم من السياق، فليس يصلح رداً؛ لأنه إذا دار الأمر بين عوده على ملفوظ وبين غير ملفوظ به، فعوده على الملفوظ به أولى؛ لأنه الأصل وأما قوله: فلا ينفرد به «ما» دون «من» ، فليس مراد الزمخشري أنها توصف بها وصفاً صريحاً، بل مراده أنها تقع على نوع من يعقل وعلى صفته، ولذلك مثل النحويون بقوله تعالى:
﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: 3] .
وقالوا: تقديره: فانكِحُوا الطَّيِّب من النِّساءِ، ولا شك أن هذا الحكم تنفرد به «ما» دون «من» .
قوله: ﴿والأرض وَمَا طَحَاهَا﴾ . أي: وطحوها، وقيل: من طحاها: أي بسطها، قال عامة المفسرين: أي دحاها.
قال الحسن ومجاهد وغيرهما: طحاها ودحاها: واحد، أي: بسطها من كل جانب.
والطَّحْوُ: البسطُ، طحا، يطحو، طحواً، وطحى يطحى طحياً، وطحيت: اضطجعت، عن أبي عمرو، وعن ابن عباس: طحاها: أي قسمها، وقيل: خلقها؛ قال الشاعر: [الوافر]
5220 - ومَا تَدْرِي جَذيمةُ مَنْ طَحاهَا ... ولا مَنْ سَاكِنُ العَرْشِ الرَّفيعِ
قال الماوردي: ويحتمل أنه ما خرج منها من نبات وعيون وكنوز؛ لأنه حياة لما خلق عليها.
ويقال في بعض أيمان العرب: لا، والقمر الطاحي، أي: المشرق المرتفع.
قال أبو عمرو: طحا الرجل إذا ذهب في الأرض، يقال: ما أدري أين طحا؟ .
ويقال: طحا به قلبه، إذا ذهب به كلِّ شيء؛ قال علقمة: [الطويل]
5221 - طَحَا بِكَ قَلبٌ في الحِسانِ طَرُوب ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
قال ابن الخطيب: وإنما أخر هذا عن قوله تعالى: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ لقوله: ﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: 30] .
قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ . قيل: المعنى، وتسويتها، ف «ما» مصدرية.
وقيل: المعنى، ومن سواها، وهو الله تعالى، قيل: المراد بالنفس: آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
وقيل: كلُّ نفس منفوسةٍ، فما التنكير إلا لتعظيمها، أي نفس عظيمة، آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ وإما للتكثير، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: 14] ، و «سوَّى» بمعنى هيأ.
وقال مجاهد: سوَّى خلقها وعدَّل، وهذه الأسماء كلها مجرورة على القسم، أي أقسم الله تعالى بخلقه لما فيه من عجائب الصنعة الدالة عليه - سبحانه وتعالى -.
قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا﴾ أي: عرَّفها طريقَ الفجور والتقوى، قاله ابن عباس ومجاهد.
وعن مجاهد أيضاً: عرفها الطاعة والمعصية.
[وعن محمد بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - إذا أراد الله تعالى لعبده خيراً ألهمه الخير فعمل به، وإذا أراد به الشر ألهمه الشرّ فعمل به.
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: ألهم المؤمن التقي تقواه وألهم الكافر فجوره، وعن قتادة: بين لها فجورها وتقواها، والفجور والتقوى مصدران في موضع المفعول] .
قال الواحدي: الإلهام هو أن يوقع الله في قلب العبد شيئاً، وإذا أوقع في قلبه فقد ألزمه إياه، من قولهم: لهم الشيء وألهمه: إذا بلغه، وألهمته ذلك الشيء، أي أبلغته، هذا هو الأصل ثم استعمل ذلك فيما يقذفه الله تعالى في قلب العبد لأنه كالإبلاغ.
قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أنه جواب القسم، والأصل: لقد وإنما حذفت لطول الكلام، والثاني: أنه ليس بجواب، وإنما جيء به تابعاً لقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء، فالجواب محذوف، تقديره [ليدمرن] الله عليهم، أي: على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كما دمدم على ثمود لتكذيبهم صالحاً - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال معناه الزمخشري. وقدر غيره: لتبعثن.
وقيل: هو على التقديم والتأخير بغير حذف، والمعنى: قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها.
وفاعل «زكّاها» و «دسّاها» ، الظاهر أنه ضمير «مَنْ» .
وقيل: ضمير الباري تعالى، أي: أفلح وفاز من زكاها بالطاعة، وقد خاب من دساها أي: خسرت نفسٌ دسها الله تعالى بالمعصية، وأنحى الزمخشري على صاحب هذا القول لمنافرته مذهبه.
قال شهاب الدين: والحق أنه خلاف الظاهر، لا لما قال الزمخشري، بل لمنافرة نظمه للاحتياج إلى عود الضمير على النفس مقيدة بإضافتها إلى ضمير «من» .
وقال ابن عباس: خابت نفس أضلها الله وأغواها.
وقيل: أفلح من زكى نفسه بطاعة الله، «وخاب» خسر من دس نفسه في المعاصي. قاله قتادة.
وأصل الزكاة: النمو والزيادة، ومنه تزكى الزَّرع إذا كثر معه، ومنه تزكية القاضي الشاهد، لأنه يرفعه بالتعديل.
وقيل: دساها: أغواها، قال: [الطويل]
5222 - وأَنْتَ الَّذِي دسَّيْتَ عَمْراً فأصْبَحتَ ... حَلائِلهُ مِنْهُ أرَامِلَ ضُيَّعَا
قال أهل اللغة: والأصل، دسها، من التدسيس فكثرت الأمثال فأبدل من ثالثها حرف علة كما قالوا: قصيت أظفاري، وأصله قصصت، وتقضي البازي، والتدسية: الإخفاء يعني أخفاه بالفجور، وقد نطق بالأصل الشاعر المتقدم. وقال آخر: [الكامل]
5223 - ودَسَسْتَ عَمْراً في التُّرَابِ فأصْبَحَتْ ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .
[وهو إخفاء الشيء في الشيء، فأبدلت سينه ياءً. وقال ابن الأعرابي: «وقَدْ خَابَ من دسَّاهَا» أي: دس نفسه في جملة الصالحين وليس منهم] .
قال الواحدي: فكأنه - تعالى - أقسم على فلاح من طهره وخسارة من خذله لئلا يظن أن المراد بتولي ذلك من غير قضاء سابق، فقوله: «قَدْ أفلَحَ» : هو جواب القسم.
الشمس 91:8
مكية، وهي خمس عشرة آية، وأربع وخمسون كلمة، ومائتان وسبعون حرفا. قوله تعالى: ﴿والشمس وَضُحَاهَا﴾ ، وقد تقدَّم أنَّ جماعة من أهل الأصول؛ قالوا: التقدير: ورب الشمس، ورب سائر ما ذكر إلى تمام القسم.
واحتج قوم على بطلان هذا القول، بأن في جملة هذا القسم: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ ، وذلك هو الله تعالى، لا يجوز أن يكون المراد منه تعالى أن يقدم قسمه بغيره على قسمه بنفسه، فإذن لا بد من تأويل، وهو أن «ما» مع ما بعده في حكم المصدر، فيكون التقدير: والسَّماءِ وبنائها.
واعترض الزمخشريُّ عليه، فقال: لو كان الأمر على هذا الوجه، لزم من عطف قوله: «فألهمها» عليه فساد النظم.
قوله: ﴿وَضُحَاهَا﴾ .
قال المبرِّدُ: إن الضُّحى، والضَّحوة، مشتقان من الضحّ، وهو النور فأبدلت الألف، والواو من الحاء، تقول: ضَحْوة، وضَحَوات، وضُحى فالواو من «ضَحْوة» مقلوبة عن الحاء الثانية، والألف في «ضُحَى» مقلوبة عن الواو.
وقال أبو الهيثم: الضحُّ نقيض الظل، وهو نور الشمس على ظهر وجه الأرض وأصله: الضحى، فاستثقلوا الياء مع سكون الواو فقلبوها ألفاً.
والضُّحَى: مؤنثة، يقال: ارتفعت الضُّحى فوق الصخور، وقد تذكر، فمن أنَّث ذهب إلى أنها جمع ضحوة، ومن ذكَّر ذهب إلى أنَّه اسم على «فُعَل» نحو «صُرَد، ونُغَر» وهو ظرف غير متمكن مثل: سحر، تقول: لقيته ضحًى، وضُحَى إذا أردت به ضحى يومك لم تنونه.
وقال الفراء: الضُّحَى، هو النهار، كقول قتادة، والمعروف عند العرب أنَّ الضحى إذا طلعت الشمس، وبُعَيْدَ ذلك قليلاً، فإذا زاد فهو الضّحاء بالمد.
ومن قال: الضحى، النهار كله، فذلك لدوام نور الشمس، ومن قال: إنه نور الشَّمس أو حرها، فنور الشمس لا يكون إلاَّ مع حرِّ الشمس، وقد استدل من قال: إن الضحى حر الشمس بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تضحى﴾ [طه: 119] أي: لا يؤذيك الحر.
فصل في تفسير الآية
قال مجاهد: «وضُحَاهَا» أي: ضوؤها وإشراقها، وأضاف الضحى إلى الشمس؛ لأنه إنما يكون بارتفاع الشمس.
وقال قتادةُ: بهاؤها.
وقال السدي: حرها.
وقال اليزيدي: انبساطها.
وقيل: ما ظهر بها من كل مخلوق، فيكون القسم بها، وبمخلوقات الأرض كلها. حكاه الماوردي.
قال ابن الخطيب: إنَّما أقسم بالشمس، وضحاها، لكثرة ما يتعلق به من المصالح، فإنَّ أهل العالم كانوا كالأموات في الليل، فلما ظهر الصبحُ في المشرق، صار ذلك الضوء، كالروح الذي تنفخ فيه الحياة، فصارت الأموات أحياء، ولا تزال تلك الحياة في القوة، والزيادة إلى غاية كمالها وقت الضحى، وذلك شبيه استقرار أهل الجنة.
قوله: ﴿والقمر إِذَا تَلاَهَا﴾ ، أي: تبعها، وذلك إذا سقطت رؤيا الهلال.
[قال الليث: تلوت فلاناً إذا تبعته.
وقال ابن زيد: إذا غربت الشمس في النصف الأول من الشهر، تلاها القمر بالطلوع، وفي آخر الشهر، يتلوها بالغروب] .
قال الفراء: «تَلاَهَا» : أخذ منها، يذهب إلى أن القمر يأخذ من ضوء الشمس.
وقال الزجاجُ: «إذا تَلاهَا» أي: حين استوى، واستدار، فكان مثلها في الضياء والنور.
وقال قتادةُ والكلبيُّ: معناه: أن الشمس، إذا قربت، فالقمر يتبعها ليلة الهلال في الغروب.
وقيل: يتلوها في كبر الجرم، بحسب الحسّ في ارتباط مصالح هذا العالم بحركته.
قوله: ﴿والنهار إِذَا جَلاَّهَا﴾ ، الفاعل: ضمير النهار.
وقيل: عائد على الله تعالى، والضمير المنصوب، إمَّا للشمس، وإما للظُّلمة، وإما للأرض.
ومعنى «جلاها» أي: كشفها، فمن قال: هي «الشمس» ، فالمعنى: أنه يبين بضوئه جرمها، ومن قال: هي «الظلمة» ، فهي ون لم يجر لها ذكر، كقولك: أضحتْ باردةً، تريد: أضحت غداتنا باردة، وهو قول الفراء والكلبي وغيرهما.
ومن قال: هي الدنيا والأرض، وإن لم يجر لهما ذكر، كقوله: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] .
قوله: «إذَا تَلاهَا» ، وما بعده فيه إشكال؛ لأنه إن جعل شرطاً اقتضى جواباً، ولا جواب لفظاً، وتقديره غير صالح، وإن جُعِلَ محضاً استدعى عاملاً وليس هنا عامل إلا فعل القسم حال؛ لأنه إنشاء، و «إذا» ظرف مستقبل، والحال لا يعمل في المستقبل.
ويخص «إذا» وما بعدها إشكال آخر ذكره الزمخشري، قال: فإن قلت: الأمر في نصب «إذَا» معضل، لأنك لا تخلو إمَّا أن تجعل الواو عاطفة، فتنصب بها وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: «مررت أمس بزيد واليوم عمرو» ، وإمَّا أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه.
قلت: الجواب فيه: أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل إطراحاً كلياً، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام الفعل، والباء سادة مسدهما معاً، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحقهن أن يكنّ عوامل على الفعل، والجار جميعاً، كما تقول: «ضَرب زيد بكراً وعمرو خالداً» ، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام «ضرب» الذي هو عاملهما انتهى.
وقال أبُو حيَّان: أما قوله في واوات العطف: «فتنصب وتجر» ، فليس هذا بالمختار على أن يكون حرف العطف عاملاً لقيامه مقام العامل، بل المختار أن العمل إنما هو للعامل في المعطوف عليه، ثم إن الإنشاء حجة في ذلك.
وقوله: «فتقع في العطف على عاملين» ، ليس ما في الآية من العطف عاملين، وإنما هو من باب عطف اسمين مجرور ومنصوب، على اسمين مجرور ومنصوب، فصرف العطف لم ينب مناب عاملين، وذلك نحو قولك: مررت بزيد قائماً وعمرو جالساً؛ وأنشد سيبويه في كتابه: [الطويل]
5219 - فَلَيْسَ بِمعروفٍ لَنا أنْ نَرُدَّهَا ... صِحَاحاً ولا مُسْتنكَرٌ أن تُعَقَّرَا
فهذا من عطف مجرور ومرفوع؛ والعطف على عاملين فيه أربعة مذاهب، ونسب الجواز إلى سيبويه.
وقوله في نحو قولك: «مررت أمس بزيد واليوم عمرو» ، هذا المثال مخالف لما في الآية، بل وزان ما في الآية: «مررت بزيد أمس وعمرو اليوم» ونحن نجيز هذا.
وأمَّا قوله: «على استكراه» ، فليس كما ذكر، بل كلام الخليل على المنع.
قال الخليل في قوله تعالى: ﴿والليل إِذَا يغشى والنهار إِذَا تجلى وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: 1 - 3] : «الواوان الأخريان ليستا بمنزلة الأولى، ولكنهما الواوان اللتان تضمان الأسماء إلى الأسماء في قولك: مررت بزيد وعمرو، والأولى بمنزلة الباء والتاء» .
وأما قوله: «إن واو القسم ليس يطرح معها إبراز الفعل إطراحاً كلياً» فليس هذا الحكم مجمعاً عليه، بل أجاز ابن كيسان التصريح بفعل القسم مع الواو، فتقول: «أقسم، أو أحلف والله لزيد قائم» .
وأما قوله: «والواوات العواطف نوائب عن هذا» إلى آخره، فمبني على أن حرف العطف عامل لنيابته مناب العامل، وليس هذا بالمختار.
قال: والذي يقول: إن المُعضلَ هو تقدير العامل في «إذا» بعد الإقسام، كقوله تعالى: ﴿والنجم إِذَا هوى﴾ [النجم: 1] ، ﴿والليل إِذْ أَدْبَرَ والصبح إِذَآ أَسْفَرَ﴾ [المدثر: 33، 34] ، ﴿والقمر إِذَا تَلاَهَا والنهار إِذَا جَلاَّهَا والليل إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: 2 - 4] ، وما أشبهها ف «إذا» ظرف مستقبل، لا جائز أن يكون العامل فيه فعل القسم المحذوف؛ لأنه فعل إنشائي، فهو في الحال ينافي أن يعمل في المستقبل لإطلاق زمان العامل زمان المعمول، ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف أقيم المقسم به مقامه أي وطلوع النجم، ومجيء الليل، لأنه فعل إنشائي , فهو في الحال ينافي أن يعمل في المستقبل لإطلاق زمان العامل زمان المعمول , ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف أقيم المقسم به مقامه أي وطلوع النجم , ومجيء الليل , لأنه معمول لذلك الفعل [فالطلوع حال، ولا يعمل فيه المستقبل ضرورة أن زمان المعمول زمان العامل ولا جائز أن يعمل فيه نفس المقسم به لأنه ليس من قبيل ما يعمل، سيما إن كان جزماً] ، ولا جائز أن يقدر محذوف قبل الظرف فيكون قد عمل فيه، ويكون ذلك العامل في موضع الحال، وتقديره: والنجم كائناً إذا هوى والليل كائناً إذا يغشى، لأنه لا يلزم كائناً منصوباً بالعامل، ولا يصح أن يكون معمولاً لشيء مما فرضناه أن يكون عاملاً، وأيضاً، فقد يكون المقسم به جثة، وظروف الزمان لا تكون أحوالاً عن الجثث كما لا تكون أخباراً. انتهى ما رد به أبو حيان وما استشكله من أمر العامل في «إذا» .
قال شهاب الدين: المختار أن حرف العطف لا يعمل لقيامه مقام العامل، فلا يلزم أبا القاسم لأنه يختار القول الآخر، وقوله «ليس ما في الآية من العطف على عاملين» ممنوع بل فيه العطف على عاملين ولكنه في غموض، وبيان أنه من العطف على عاملين، أن قوله: ﴿والنهار إِذَا جَلاَّهَا﴾ - ها هنا - معمولان، أحدهما مجرور وهو «النهار» والآخر منصوب وهو الظرف عطفاً على معمول عاملين والعاملان هنا في فعل المقسم به، الناصب ل «إذا» الأولى، وواو القسم الجارة، فقد تحقق معك عاملان، لهما معمولان، فإذا عطفت مجروراً على مجرور، وظرفاً على ظرف، معمولين لعاملين، لزم ما قاله أبو القاسم، وكيف يجهل هذا مع التأمل والتحقيق؟! .
وأما قوله: «وأنشد سيبويه» إلى آخره، فهو اعتراف منه بأنه من العطف على عاملين، غاية ما في الباب أنه استند إلى حكمه لسيبويه، وأما قوله: أجاز ابن كيسان، فلا يلزم مذهبه، وأما قوله: فالمثال ليس كالآية بل وزانها، إلى آخره، فصحيح لما فيه من تقديم الظرف الثاني على المجرور والمعطوف والآية والظرف فيها متأخر، وإنما مراد الزمخشري وجود معمول عاملين، وهو موجود في المثال المذكور إلا أن في الآية إشكالاً آخر، وهو كالتكرير للمسألة، وأما قوله: بل كلام الخليل يدل على المنع، إلى آخره، فليس فيه ردٌّ عليه بالنسبة إلى قصده بل فيه تقوية لما قال، غاية ما في الباب أنه عبر بالاستكراه عن المنع، ولم يفهم المنع، وقوله: ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف، إلى آخره، فأقول: بل يجوز تقديره، وهو العامل، ولا يلزم ما قاله من اختلاف الزمانين، لأنه يجوز أن يقسم [الآن بطلوع النجم في المستقبل، فالقسم في الحال والطلوع في المستقبل، ويجوز أن يقسم] بالشيء الذي سيوجد وقوله «ولا جائز أن يقدر محذوف قبل الظرف فيكون قد عمل فيه» إلى آخره، ليس بممنوع بل يجوز ذلك ويكون حالاً مقدرة، وقوله «ويلزم ألاَّ يكون له عامل» ليس كذلك بل له عامل وهو فعل القسم، ولا يضر كونه إنشائياً، لأن الحال مقدرة كما تقدم، وقوله «وقد يكون المقسم به جثة» جوايه: يقدر حينئذ حدث، يكون الظرف الزماني حالاً عنه وسئل ابن الحاجب عن هذه المسألة، فأجاب بنحو ما ذكرناه والله اعلم، ولا يخلو الكلام فيها من بحث.
قوله: ﴿والليل إِذَا يَغْشَاهَا﴾ . المفعول «الشمس» : أي: يغشى الشمس فيذهب بضوئها عند سقوطها، قاله مجاهد.
وقيل: للأرض أي: يغشى الدنيا بالظلمة، فتظلم الآفاق فالكناية ترجع إلى غير مذكور. وجيء ب «يَغْشَاهَا» مضارعاً دون ما قبله وما بعده مراعاة للفواصل؛ إذ لو أتى به ماضياً لكان التركيب «إذ غشيها» فتفوت المناسبة اللفظية بين الفواصل والمقاطع.
قوله: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ . في «ما» هذه وجهان:
أحدهما: أن «ما» موصولة بمعنى «الذي» وبه استشهد من يجوز وقوعها على العقلاء، ولأن المراد به الباري تعالى، وإليه ذهب الحسن ومجاهد وأبو عبيدة، واختاره ابن جرير.
والثاني: مصدر، أي وبنائها، وإليه ذهب الزجاج والمبرد، وهذا منهما بناء على أنها مختصة بغير العقلاء.
واعترض على هذا القول بأنه يلزم أن يكون القسم بنفس المصادر: بناء السماء وطحو الأرض، وتسوية النفس، وليس المقصود إلاَّ القسم بفاعل هذه الأشياء، وهو الرب تعالى، وأجيب عنه بوجهين:
أحدهما: أن يكون على حذف مضاف، أي: ورب بناء السماء ونحوه.
والثاني: أنه لا غرو لا يجوز في الإقسام بهذه الأشياء، كما أقسم سبحانه وتعالى بالصبح ونحوه.
وقال الزمخشري: «جعلت» ما «مصدرية في قوله» وما بناها» ، «وما طحاها» ، «وما سواها» ، وليس بالوجه، لقوله «فألهمها» ، وما يؤدي إليه من فساد النظم، والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على» من «لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء والقادر العظيم الذي بناها، ونفسٍ والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها، وفي كلامهم: سبحان من سخركن لنا» انتهى.
[يعني أن الفاعل في «فألهمها» عائد على الله تعالى، فليكن في بنائها كذلك] .
وحينئذ يلزم عوده على شيء، وليس هنا ما يمكن عوده عليه غير «ما» فتعين أن تكون موصولة.
قال أبو حيان: «أما قوله» وليس بالوجه «، لقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ يعني من عود الضمير في ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ على الله تعالى، فيكون قد عاد على مذكور، وهو» ما «المراد به» الذي» ، قال: ولا يلزم ذلك، لأنا إذا جعلناها مصدرية عاد الضمير على ما يفهم من سياق الكلام، في «بَنَاهَا» ضمير عائد على الله تعالى، أي: وبناها هو، أي: الله تعالى، كما إذا رأيت زيداً قد ضرب عمراً، فتقول: عجبت مما ضرب عمرو، تقديره: من ضرب عمرو هو، كان حسناً فصيحاً جائزاً، وعود الضمير على ما يفهمُ من سياق الكلام كثير.
وقوله» وما يؤدي إليه من فساد النظم «ليس كذلك، ولا يؤدي جعلها مصدرية إلى ما ذكر.
وقوله» وإنما أوثرت «إلى آخره، لا يراد ب» ما «ولا» من «الموصولتين، معنى الوصلية، لأنهما لا يوصف بهما» ما «دون» من «.
وقوله» في كلامهم «إلى آخره، تأوله أصحابنا على أن» سبحان «علم، و» ما «مصدرية ظرفية» .
قال شهاب الدين: أما ما رد به عليه من كونه يعود على ما يفهم من السياق، فليس يصلح رداً؛ لأنه إذا دار الأمر بين عوده على ملفوظ وبين غير ملفوظ به، فعوده على الملفوظ به أولى؛ لأنه الأصل وأما قوله: فلا ينفرد به «ما» دون «من» ، فليس مراد الزمخشري أنها توصف بها وصفاً صريحاً، بل مراده أنها تقع على نوع من يعقل وعلى صفته، ولذلك مثل النحويون بقوله تعالى:
﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: 3] .
وقالوا: تقديره: فانكِحُوا الطَّيِّب من النِّساءِ، ولا شك أن هذا الحكم تنفرد به «ما» دون «من» .
قوله: ﴿والأرض وَمَا طَحَاهَا﴾ . أي: وطحوها، وقيل: من طحاها: أي بسطها، قال عامة المفسرين: أي دحاها.
قال الحسن ومجاهد وغيرهما: طحاها ودحاها: واحد، أي: بسطها من كل جانب.
والطَّحْوُ: البسطُ، طحا، يطحو، طحواً، وطحى يطحى طحياً، وطحيت: اضطجعت، عن أبي عمرو، وعن ابن عباس: طحاها: أي قسمها، وقيل: خلقها؛ قال الشاعر: [الوافر]
5220 - ومَا تَدْرِي جَذيمةُ مَنْ طَحاهَا ... ولا مَنْ سَاكِنُ العَرْشِ الرَّفيعِ
قال الماوردي: ويحتمل أنه ما خرج منها من نبات وعيون وكنوز؛ لأنه حياة لما خلق عليها.
ويقال في بعض أيمان العرب: لا، والقمر الطاحي، أي: المشرق المرتفع.
قال أبو عمرو: طحا الرجل إذا ذهب في الأرض، يقال: ما أدري أين طحا؟ .
ويقال: طحا به قلبه، إذا ذهب به كلِّ شيء؛ قال علقمة: [الطويل]
5221 - طَحَا بِكَ قَلبٌ في الحِسانِ طَرُوب ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
قال ابن الخطيب: وإنما أخر هذا عن قوله تعالى: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ لقوله: ﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: 30] .
قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ . قيل: المعنى، وتسويتها، ف «ما» مصدرية.
وقيل: المعنى، ومن سواها، وهو الله تعالى، قيل: المراد بالنفس: آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
وقيل: كلُّ نفس منفوسةٍ، فما التنكير إلا لتعظيمها، أي نفس عظيمة، آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ وإما للتكثير، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: 14] ، و «سوَّى» بمعنى هيأ.
وقال مجاهد: سوَّى خلقها وعدَّل، وهذه الأسماء كلها مجرورة على القسم، أي أقسم الله تعالى بخلقه لما فيه من عجائب الصنعة الدالة عليه - سبحانه وتعالى -.
قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا﴾ أي: عرَّفها طريقَ الفجور والتقوى، قاله ابن عباس ومجاهد.
وعن مجاهد أيضاً: عرفها الطاعة والمعصية.
[وعن محمد بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - إذا أراد الله تعالى لعبده خيراً ألهمه الخير فعمل به، وإذا أراد به الشر ألهمه الشرّ فعمل به.
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: ألهم المؤمن التقي تقواه وألهم الكافر فجوره، وعن قتادة: بين لها فجورها وتقواها، والفجور والتقوى مصدران في موضع المفعول] .
قال الواحدي: الإلهام هو أن يوقع الله في قلب العبد شيئاً، وإذا أوقع في قلبه فقد ألزمه إياه، من قولهم: لهم الشيء وألهمه: إذا بلغه، وألهمته ذلك الشيء، أي أبلغته، هذا هو الأصل ثم استعمل ذلك فيما يقذفه الله تعالى في قلب العبد لأنه كالإبلاغ.
قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أنه جواب القسم، والأصل: لقد وإنما حذفت لطول الكلام، والثاني: أنه ليس بجواب، وإنما جيء به تابعاً لقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء، فالجواب محذوف، تقديره [ليدمرن] الله عليهم، أي: على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كما دمدم على ثمود لتكذيبهم صالحاً - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال معناه الزمخشري. وقدر غيره: لتبعثن.
وقيل: هو على التقديم والتأخير بغير حذف، والمعنى: قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها.
وفاعل «زكّاها» و «دسّاها» ، الظاهر أنه ضمير «مَنْ» .
وقيل: ضمير الباري تعالى، أي: أفلح وفاز من زكاها بالطاعة، وقد خاب من دساها أي: خسرت نفسٌ دسها الله تعالى بالمعصية، وأنحى الزمخشري على صاحب هذا القول لمنافرته مذهبه.
قال شهاب الدين: والحق أنه خلاف الظاهر، لا لما قال الزمخشري، بل لمنافرة نظمه للاحتياج إلى عود الضمير على النفس مقيدة بإضافتها إلى ضمير «من» .
وقال ابن عباس: خابت نفس أضلها الله وأغواها.
وقيل: أفلح من زكى نفسه بطاعة الله، «وخاب» خسر من دس نفسه في المعاصي. قاله قتادة.
وأصل الزكاة: النمو والزيادة، ومنه تزكى الزَّرع إذا كثر معه، ومنه تزكية القاضي الشاهد، لأنه يرفعه بالتعديل.
وقيل: دساها: أغواها، قال: [الطويل]
5222 - وأَنْتَ الَّذِي دسَّيْتَ عَمْراً فأصْبَحتَ ... حَلائِلهُ مِنْهُ أرَامِلَ ضُيَّعَا
قال أهل اللغة: والأصل، دسها، من التدسيس فكثرت الأمثال فأبدل من ثالثها حرف علة كما قالوا: قصيت أظفاري، وأصله قصصت، وتقضي البازي، والتدسية: الإخفاء يعني أخفاه بالفجور، وقد نطق بالأصل الشاعر المتقدم. وقال آخر: [الكامل]
5223 - ودَسَسْتَ عَمْراً في التُّرَابِ فأصْبَحَتْ ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .
[وهو إخفاء الشيء في الشيء، فأبدلت سينه ياءً. وقال ابن الأعرابي: «وقَدْ خَابَ من دسَّاهَا» أي: دس نفسه في جملة الصالحين وليس منهم] .
قال الواحدي: فكأنه - تعالى - أقسم على فلاح من طهره وخسارة من خذله لئلا يظن أن المراد بتولي ذلك من غير قضاء سابق، فقوله: «قَدْ أفلَحَ» : هو جواب القسم.
الشمس 91:9
مكية، وهي خمس عشرة آية، وأربع وخمسون كلمة، ومائتان وسبعون حرفا. قوله تعالى: ﴿والشمس وَضُحَاهَا﴾ ، وقد تقدَّم أنَّ جماعة من أهل الأصول؛ قالوا: التقدير: ورب الشمس، ورب سائر ما ذكر إلى تمام القسم.
واحتج قوم على بطلان هذا القول، بأن في جملة هذا القسم: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ ، وذلك هو الله تعالى، لا يجوز أن يكون المراد منه تعالى أن يقدم قسمه بغيره على قسمه بنفسه، فإذن لا بد من تأويل، وهو أن «ما» مع ما بعده في حكم المصدر، فيكون التقدير: والسَّماءِ وبنائها.
واعترض الزمخشريُّ عليه، فقال: لو كان الأمر على هذا الوجه، لزم من عطف قوله: «فألهمها» عليه فساد النظم.
قوله: ﴿وَضُحَاهَا﴾ .
قال المبرِّدُ: إن الضُّحى، والضَّحوة، مشتقان من الضحّ، وهو النور فأبدلت الألف، والواو من الحاء، تقول: ضَحْوة، وضَحَوات، وضُحى فالواو من «ضَحْوة» مقلوبة عن الحاء الثانية، والألف في «ضُحَى» مقلوبة عن الواو.
وقال أبو الهيثم: الضحُّ نقيض الظل، وهو نور الشمس على ظهر وجه الأرض وأصله: الضحى، فاستثقلوا الياء مع سكون الواو فقلبوها ألفاً.
والضُّحَى: مؤنثة، يقال: ارتفعت الضُّحى فوق الصخور، وقد تذكر، فمن أنَّث ذهب إلى أنها جمع ضحوة، ومن ذكَّر ذهب إلى أنَّه اسم على «فُعَل» نحو «صُرَد، ونُغَر» وهو ظرف غير متمكن مثل: سحر، تقول: لقيته ضحًى، وضُحَى إذا أردت به ضحى يومك لم تنونه.
وقال الفراء: الضُّحَى، هو النهار، كقول قتادة، والمعروف عند العرب أنَّ الضحى إذا طلعت الشمس، وبُعَيْدَ ذلك قليلاً، فإذا زاد فهو الضّحاء بالمد.
ومن قال: الضحى، النهار كله، فذلك لدوام نور الشمس، ومن قال: إنه نور الشَّمس أو حرها، فنور الشمس لا يكون إلاَّ مع حرِّ الشمس، وقد استدل من قال: إن الضحى حر الشمس بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تضحى﴾ [طه: 119] أي: لا يؤذيك الحر.
فصل في تفسير الآية
قال مجاهد: «وضُحَاهَا» أي: ضوؤها وإشراقها، وأضاف الضحى إلى الشمس؛ لأنه إنما يكون بارتفاع الشمس.
وقال قتادةُ: بهاؤها.
وقال السدي: حرها.
وقال اليزيدي: انبساطها.
وقيل: ما ظهر بها من كل مخلوق، فيكون القسم بها، وبمخلوقات الأرض كلها. حكاه الماوردي.
قال ابن الخطيب: إنَّما أقسم بالشمس، وضحاها، لكثرة ما يتعلق به من المصالح، فإنَّ أهل العالم كانوا كالأموات في الليل، فلما ظهر الصبحُ في المشرق، صار ذلك الضوء، كالروح الذي تنفخ فيه الحياة، فصارت الأموات أحياء، ولا تزال تلك الحياة في القوة، والزيادة إلى غاية كمالها وقت الضحى، وذلك شبيه استقرار أهل الجنة.
قوله: ﴿والقمر إِذَا تَلاَهَا﴾ ، أي: تبعها، وذلك إذا سقطت رؤيا الهلال.
[قال الليث: تلوت فلاناً إذا تبعته.
وقال ابن زيد: إذا غربت الشمس في النصف الأول من الشهر، تلاها القمر بالطلوع، وفي آخر الشهر، يتلوها بالغروب] .
قال الفراء: «تَلاَهَا» : أخذ منها، يذهب إلى أن القمر يأخذ من ضوء الشمس.
وقال الزجاجُ: «إذا تَلاهَا» أي: حين استوى، واستدار، فكان مثلها في الضياء والنور.
وقال قتادةُ والكلبيُّ: معناه: أن الشمس، إذا قربت، فالقمر يتبعها ليلة الهلال في الغروب.
وقيل: يتلوها في كبر الجرم، بحسب الحسّ في ارتباط مصالح هذا العالم بحركته.
قوله: ﴿والنهار إِذَا جَلاَّهَا﴾ ، الفاعل: ضمير النهار.
وقيل: عائد على الله تعالى، والضمير المنصوب، إمَّا للشمس، وإما للظُّلمة، وإما للأرض.
ومعنى «جلاها» أي: كشفها، فمن قال: هي «الشمس» ، فالمعنى: أنه يبين بضوئه جرمها، ومن قال: هي «الظلمة» ، فهي ون لم يجر لها ذكر، كقولك: أضحتْ باردةً، تريد: أضحت غداتنا باردة، وهو قول الفراء والكلبي وغيرهما.
ومن قال: هي الدنيا والأرض، وإن لم يجر لهما ذكر، كقوله: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] .
قوله: «إذَا تَلاهَا» ، وما بعده فيه إشكال؛ لأنه إن جعل شرطاً اقتضى جواباً، ولا جواب لفظاً، وتقديره غير صالح، وإن جُعِلَ محضاً استدعى عاملاً وليس هنا عامل إلا فعل القسم حال؛ لأنه إنشاء، و «إذا» ظرف مستقبل، والحال لا يعمل في المستقبل.
ويخص «إذا» وما بعدها إشكال آخر ذكره الزمخشري، قال: فإن قلت: الأمر في نصب «إذَا» معضل، لأنك لا تخلو إمَّا أن تجعل الواو عاطفة، فتنصب بها وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: «مررت أمس بزيد واليوم عمرو» ، وإمَّا أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه.
قلت: الجواب فيه: أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل إطراحاً كلياً، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام الفعل، والباء سادة مسدهما معاً، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحقهن أن يكنّ عوامل على الفعل، والجار جميعاً، كما تقول: «ضَرب زيد بكراً وعمرو خالداً» ، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام «ضرب» الذي هو عاملهما انتهى.
وقال أبُو حيَّان: أما قوله في واوات العطف: «فتنصب وتجر» ، فليس هذا بالمختار على أن يكون حرف العطف عاملاً لقيامه مقام العامل، بل المختار أن العمل إنما هو للعامل في المعطوف عليه، ثم إن الإنشاء حجة في ذلك.
وقوله: «فتقع في العطف على عاملين» ، ليس ما في الآية من العطف عاملين، وإنما هو من باب عطف اسمين مجرور ومنصوب، على اسمين مجرور ومنصوب، فصرف العطف لم ينب مناب عاملين، وذلك نحو قولك: مررت بزيد قائماً وعمرو جالساً؛ وأنشد سيبويه في كتابه: [الطويل]
5219 - فَلَيْسَ بِمعروفٍ لَنا أنْ نَرُدَّهَا ... صِحَاحاً ولا مُسْتنكَرٌ أن تُعَقَّرَا
فهذا من عطف مجرور ومرفوع؛ والعطف على عاملين فيه أربعة مذاهب، ونسب الجواز إلى سيبويه.
وقوله في نحو قولك: «مررت أمس بزيد واليوم عمرو» ، هذا المثال مخالف لما في الآية، بل وزان ما في الآية: «مررت بزيد أمس وعمرو اليوم» ونحن نجيز هذا.
وأمَّا قوله: «على استكراه» ، فليس كما ذكر، بل كلام الخليل على المنع.
قال الخليل في قوله تعالى: ﴿والليل إِذَا يغشى والنهار إِذَا تجلى وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: 1 - 3] : «الواوان الأخريان ليستا بمنزلة الأولى، ولكنهما الواوان اللتان تضمان الأسماء إلى الأسماء في قولك: مررت بزيد وعمرو، والأولى بمنزلة الباء والتاء» .
وأما قوله: «إن واو القسم ليس يطرح معها إبراز الفعل إطراحاً كلياً» فليس هذا الحكم مجمعاً عليه، بل أجاز ابن كيسان التصريح بفعل القسم مع الواو، فتقول: «أقسم، أو أحلف والله لزيد قائم» .
وأما قوله: «والواوات العواطف نوائب عن هذا» إلى آخره، فمبني على أن حرف العطف عامل لنيابته مناب العامل، وليس هذا بالمختار.
قال: والذي يقول: إن المُعضلَ هو تقدير العامل في «إذا» بعد الإقسام، كقوله تعالى: ﴿والنجم إِذَا هوى﴾ [النجم: 1] ، ﴿والليل إِذْ أَدْبَرَ والصبح إِذَآ أَسْفَرَ﴾ [المدثر: 33، 34] ، ﴿والقمر إِذَا تَلاَهَا والنهار إِذَا جَلاَّهَا والليل إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: 2 - 4] ، وما أشبهها ف «إذا» ظرف مستقبل، لا جائز أن يكون العامل فيه فعل القسم المحذوف؛ لأنه فعل إنشائي، فهو في الحال ينافي أن يعمل في المستقبل لإطلاق زمان العامل زمان المعمول، ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف أقيم المقسم به مقامه أي وطلوع النجم، ومجيء الليل، لأنه فعل إنشائي , فهو في الحال ينافي أن يعمل في المستقبل لإطلاق زمان العامل زمان المعمول , ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف أقيم المقسم به مقامه أي وطلوع النجم , ومجيء الليل , لأنه معمول لذلك الفعل [فالطلوع حال، ولا يعمل فيه المستقبل ضرورة أن زمان المعمول زمان العامل ولا جائز أن يعمل فيه نفس المقسم به لأنه ليس من قبيل ما يعمل، سيما إن كان جزماً] ، ولا جائز أن يقدر محذوف قبل الظرف فيكون قد عمل فيه، ويكون ذلك العامل في موضع الحال، وتقديره: والنجم كائناً إذا هوى والليل كائناً إذا يغشى، لأنه لا يلزم كائناً منصوباً بالعامل، ولا يصح أن يكون معمولاً لشيء مما فرضناه أن يكون عاملاً، وأيضاً، فقد يكون المقسم به جثة، وظروف الزمان لا تكون أحوالاً عن الجثث كما لا تكون أخباراً. انتهى ما رد به أبو حيان وما استشكله من أمر العامل في «إذا» .
قال شهاب الدين: المختار أن حرف العطف لا يعمل لقيامه مقام العامل، فلا يلزم أبا القاسم لأنه يختار القول الآخر، وقوله «ليس ما في الآية من العطف على عاملين» ممنوع بل فيه العطف على عاملين ولكنه في غموض، وبيان أنه من العطف على عاملين، أن قوله: ﴿والنهار إِذَا جَلاَّهَا﴾ - ها هنا - معمولان، أحدهما مجرور وهو «النهار» والآخر منصوب وهو الظرف عطفاً على معمول عاملين والعاملان هنا في فعل المقسم به، الناصب ل «إذا» الأولى، وواو القسم الجارة، فقد تحقق معك عاملان، لهما معمولان، فإذا عطفت مجروراً على مجرور، وظرفاً على ظرف، معمولين لعاملين، لزم ما قاله أبو القاسم، وكيف يجهل هذا مع التأمل والتحقيق؟! .
وأما قوله: «وأنشد سيبويه» إلى آخره، فهو اعتراف منه بأنه من العطف على عاملين، غاية ما في الباب أنه استند إلى حكمه لسيبويه، وأما قوله: أجاز ابن كيسان، فلا يلزم مذهبه، وأما قوله: فالمثال ليس كالآية بل وزانها، إلى آخره، فصحيح لما فيه من تقديم الظرف الثاني على المجرور والمعطوف والآية والظرف فيها متأخر، وإنما مراد الزمخشري وجود معمول عاملين، وهو موجود في المثال المذكور إلا أن في الآية إشكالاً آخر، وهو كالتكرير للمسألة، وأما قوله: بل كلام الخليل يدل على المنع، إلى آخره، فليس فيه ردٌّ عليه بالنسبة إلى قصده بل فيه تقوية لما قال، غاية ما في الباب أنه عبر بالاستكراه عن المنع، ولم يفهم المنع، وقوله: ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف، إلى آخره، فأقول: بل يجوز تقديره، وهو العامل، ولا يلزم ما قاله من اختلاف الزمانين، لأنه يجوز أن يقسم [الآن بطلوع النجم في المستقبل، فالقسم في الحال والطلوع في المستقبل، ويجوز أن يقسم] بالشيء الذي سيوجد وقوله «ولا جائز أن يقدر محذوف قبل الظرف فيكون قد عمل فيه» إلى آخره، ليس بممنوع بل يجوز ذلك ويكون حالاً مقدرة، وقوله «ويلزم ألاَّ يكون له عامل» ليس كذلك بل له عامل وهو فعل القسم، ولا يضر كونه إنشائياً، لأن الحال مقدرة كما تقدم، وقوله «وقد يكون المقسم به جثة» جوايه: يقدر حينئذ حدث، يكون الظرف الزماني حالاً عنه وسئل ابن الحاجب عن هذه المسألة، فأجاب بنحو ما ذكرناه والله اعلم، ولا يخلو الكلام فيها من بحث.
قوله: ﴿والليل إِذَا يَغْشَاهَا﴾ . المفعول «الشمس» : أي: يغشى الشمس فيذهب بضوئها عند سقوطها، قاله مجاهد.
وقيل: للأرض أي: يغشى الدنيا بالظلمة، فتظلم الآفاق فالكناية ترجع إلى غير مذكور. وجيء ب «يَغْشَاهَا» مضارعاً دون ما قبله وما بعده مراعاة للفواصل؛ إذ لو أتى به ماضياً لكان التركيب «إذ غشيها» فتفوت المناسبة اللفظية بين الفواصل والمقاطع.
قوله: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ . في «ما» هذه وجهان:
أحدهما: أن «ما» موصولة بمعنى «الذي» وبه استشهد من يجوز وقوعها على العقلاء، ولأن المراد به الباري تعالى، وإليه ذهب الحسن ومجاهد وأبو عبيدة، واختاره ابن جرير.
والثاني: مصدر، أي وبنائها، وإليه ذهب الزجاج والمبرد، وهذا منهما بناء على أنها مختصة بغير العقلاء.
واعترض على هذا القول بأنه يلزم أن يكون القسم بنفس المصادر: بناء السماء وطحو الأرض، وتسوية النفس، وليس المقصود إلاَّ القسم بفاعل هذه الأشياء، وهو الرب تعالى، وأجيب عنه بوجهين:
أحدهما: أن يكون على حذف مضاف، أي: ورب بناء السماء ونحوه.
والثاني: أنه لا غرو لا يجوز في الإقسام بهذه الأشياء، كما أقسم سبحانه وتعالى بالصبح ونحوه.
وقال الزمخشري: «جعلت» ما «مصدرية في قوله» وما بناها» ، «وما طحاها» ، «وما سواها» ، وليس بالوجه، لقوله «فألهمها» ، وما يؤدي إليه من فساد النظم، والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على» من «لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء والقادر العظيم الذي بناها، ونفسٍ والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها، وفي كلامهم: سبحان من سخركن لنا» انتهى.
[يعني أن الفاعل في «فألهمها» عائد على الله تعالى، فليكن في بنائها كذلك] .
وحينئذ يلزم عوده على شيء، وليس هنا ما يمكن عوده عليه غير «ما» فتعين أن تكون موصولة.
قال أبو حيان: «أما قوله» وليس بالوجه «، لقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ يعني من عود الضمير في ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ على الله تعالى، فيكون قد عاد على مذكور، وهو» ما «المراد به» الذي» ، قال: ولا يلزم ذلك، لأنا إذا جعلناها مصدرية عاد الضمير على ما يفهم من سياق الكلام، في «بَنَاهَا» ضمير عائد على الله تعالى، أي: وبناها هو، أي: الله تعالى، كما إذا رأيت زيداً قد ضرب عمراً، فتقول: عجبت مما ضرب عمرو، تقديره: من ضرب عمرو هو، كان حسناً فصيحاً جائزاً، وعود الضمير على ما يفهمُ من سياق الكلام كثير.
وقوله» وما يؤدي إليه من فساد النظم «ليس كذلك، ولا يؤدي جعلها مصدرية إلى ما ذكر.
وقوله» وإنما أوثرت «إلى آخره، لا يراد ب» ما «ولا» من «الموصولتين، معنى الوصلية، لأنهما لا يوصف بهما» ما «دون» من «.
وقوله» في كلامهم «إلى آخره، تأوله أصحابنا على أن» سبحان «علم، و» ما «مصدرية ظرفية» .
قال شهاب الدين: أما ما رد به عليه من كونه يعود على ما يفهم من السياق، فليس يصلح رداً؛ لأنه إذا دار الأمر بين عوده على ملفوظ وبين غير ملفوظ به، فعوده على الملفوظ به أولى؛ لأنه الأصل وأما قوله: فلا ينفرد به «ما» دون «من» ، فليس مراد الزمخشري أنها توصف بها وصفاً صريحاً، بل مراده أنها تقع على نوع من يعقل وعلى صفته، ولذلك مثل النحويون بقوله تعالى:
﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: 3] .
وقالوا: تقديره: فانكِحُوا الطَّيِّب من النِّساءِ، ولا شك أن هذا الحكم تنفرد به «ما» دون «من» .
قوله: ﴿والأرض وَمَا طَحَاهَا﴾ . أي: وطحوها، وقيل: من طحاها: أي بسطها، قال عامة المفسرين: أي دحاها.
قال الحسن ومجاهد وغيرهما: طحاها ودحاها: واحد، أي: بسطها من كل جانب.
والطَّحْوُ: البسطُ، طحا، يطحو، طحواً، وطحى يطحى طحياً، وطحيت: اضطجعت، عن أبي عمرو، وعن ابن عباس: طحاها: أي قسمها، وقيل: خلقها؛ قال الشاعر: [الوافر]
5220 - ومَا تَدْرِي جَذيمةُ مَنْ طَحاهَا ... ولا مَنْ سَاكِنُ العَرْشِ الرَّفيعِ
قال الماوردي: ويحتمل أنه ما خرج منها من نبات وعيون وكنوز؛ لأنه حياة لما خلق عليها.
ويقال في بعض أيمان العرب: لا، والقمر الطاحي، أي: المشرق المرتفع.
قال أبو عمرو: طحا الرجل إذا ذهب في الأرض، يقال: ما أدري أين طحا؟ .
ويقال: طحا به قلبه، إذا ذهب به كلِّ شيء؛ قال علقمة: [الطويل]
5221 - طَحَا بِكَ قَلبٌ في الحِسانِ طَرُوب ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
قال ابن الخطيب: وإنما أخر هذا عن قوله تعالى: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ لقوله: ﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: 30] .
قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ . قيل: المعنى، وتسويتها، ف «ما» مصدرية.
وقيل: المعنى، ومن سواها، وهو الله تعالى، قيل: المراد بالنفس: آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
وقيل: كلُّ نفس منفوسةٍ، فما التنكير إلا لتعظيمها، أي نفس عظيمة، آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ وإما للتكثير، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: 14] ، و «سوَّى» بمعنى هيأ.
وقال مجاهد: سوَّى خلقها وعدَّل، وهذه الأسماء كلها مجرورة على القسم، أي أقسم الله تعالى بخلقه لما فيه من عجائب الصنعة الدالة عليه - سبحانه وتعالى -.
قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا﴾ أي: عرَّفها طريقَ الفجور والتقوى، قاله ابن عباس ومجاهد.
وعن مجاهد أيضاً: عرفها الطاعة والمعصية.
[وعن محمد بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - إذا أراد الله تعالى لعبده خيراً ألهمه الخير فعمل به، وإذا أراد به الشر ألهمه الشرّ فعمل به.
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: ألهم المؤمن التقي تقواه وألهم الكافر فجوره، وعن قتادة: بين لها فجورها وتقواها، والفجور والتقوى مصدران في موضع المفعول] .
قال الواحدي: الإلهام هو أن يوقع الله في قلب العبد شيئاً، وإذا أوقع في قلبه فقد ألزمه إياه، من قولهم: لهم الشيء وألهمه: إذا بلغه، وألهمته ذلك الشيء، أي أبلغته، هذا هو الأصل ثم استعمل ذلك فيما يقذفه الله تعالى في قلب العبد لأنه كالإبلاغ.
قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أنه جواب القسم، والأصل: لقد وإنما حذفت لطول الكلام، والثاني: أنه ليس بجواب، وإنما جيء به تابعاً لقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء، فالجواب محذوف، تقديره [ليدمرن] الله عليهم، أي: على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كما دمدم على ثمود لتكذيبهم صالحاً - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال معناه الزمخشري. وقدر غيره: لتبعثن.
وقيل: هو على التقديم والتأخير بغير حذف، والمعنى: قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها.
وفاعل «زكّاها» و «دسّاها» ، الظاهر أنه ضمير «مَنْ» .
وقيل: ضمير الباري تعالى، أي: أفلح وفاز من زكاها بالطاعة، وقد خاب من دساها أي: خسرت نفسٌ دسها الله تعالى بالمعصية، وأنحى الزمخشري على صاحب هذا القول لمنافرته مذهبه.
قال شهاب الدين: والحق أنه خلاف الظاهر، لا لما قال الزمخشري، بل لمنافرة نظمه للاحتياج إلى عود الضمير على النفس مقيدة بإضافتها إلى ضمير «من» .
وقال ابن عباس: خابت نفس أضلها الله وأغواها.
وقيل: أفلح من زكى نفسه بطاعة الله، «وخاب» خسر من دس نفسه في المعاصي. قاله قتادة.
وأصل الزكاة: النمو والزيادة، ومنه تزكى الزَّرع إذا كثر معه، ومنه تزكية القاضي الشاهد، لأنه يرفعه بالتعديل.
وقيل: دساها: أغواها، قال: [الطويل]
5222 - وأَنْتَ الَّذِي دسَّيْتَ عَمْراً فأصْبَحتَ ... حَلائِلهُ مِنْهُ أرَامِلَ ضُيَّعَا
قال أهل اللغة: والأصل، دسها، من التدسيس فكثرت الأمثال فأبدل من ثالثها حرف علة كما قالوا: قصيت أظفاري، وأصله قصصت، وتقضي البازي، والتدسية: الإخفاء يعني أخفاه بالفجور، وقد نطق بالأصل الشاعر المتقدم. وقال آخر: [الكامل]
5223 - ودَسَسْتَ عَمْراً في التُّرَابِ فأصْبَحَتْ ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .
[وهو إخفاء الشيء في الشيء، فأبدلت سينه ياءً. وقال ابن الأعرابي: «وقَدْ خَابَ من دسَّاهَا» أي: دس نفسه في جملة الصالحين وليس منهم] .
قال الواحدي: فكأنه - تعالى - أقسم على فلاح من طهره وخسارة من خذله لئلا يظن أن المراد بتولي ذلك من غير قضاء سابق، فقوله: «قَدْ أفلَحَ» : هو جواب القسم.
الشمس 91:10
مكية، وهي خمس عشرة آية، وأربع وخمسون كلمة، ومائتان وسبعون حرفا. قوله تعالى: ﴿والشمس وَضُحَاهَا﴾ ، وقد تقدَّم أنَّ جماعة من أهل الأصول؛ قالوا: التقدير: ورب الشمس، ورب سائر ما ذكر إلى تمام القسم.
واحتج قوم على بطلان هذا القول، بأن في جملة هذا القسم: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ ، وذلك هو الله تعالى، لا يجوز أن يكون المراد منه تعالى أن يقدم قسمه بغيره على قسمه بنفسه، فإذن لا بد من تأويل، وهو أن «ما» مع ما بعده في حكم المصدر، فيكون التقدير: والسَّماءِ وبنائها.
واعترض الزمخشريُّ عليه، فقال: لو كان الأمر على هذا الوجه، لزم من عطف قوله: «فألهمها» عليه فساد النظم.
قوله: ﴿وَضُحَاهَا﴾ .
قال المبرِّدُ: إن الضُّحى، والضَّحوة، مشتقان من الضحّ، وهو النور فأبدلت الألف، والواو من الحاء، تقول: ضَحْوة، وضَحَوات، وضُحى فالواو من «ضَحْوة» مقلوبة عن الحاء الثانية، والألف في «ضُحَى» مقلوبة عن الواو.
وقال أبو الهيثم: الضحُّ نقيض الظل، وهو نور الشمس على ظهر وجه الأرض وأصله: الضحى، فاستثقلوا الياء مع سكون الواو فقلبوها ألفاً.
والضُّحَى: مؤنثة، يقال: ارتفعت الضُّحى فوق الصخور، وقد تذكر، فمن أنَّث ذهب إلى أنها جمع ضحوة، ومن ذكَّر ذهب إلى أنَّه اسم على «فُعَل» نحو «صُرَد، ونُغَر» وهو ظرف غير متمكن مثل: سحر، تقول: لقيته ضحًى، وضُحَى إذا أردت به ضحى يومك لم تنونه.
وقال الفراء: الضُّحَى، هو النهار، كقول قتادة، والمعروف عند العرب أنَّ الضحى إذا طلعت الشمس، وبُعَيْدَ ذلك قليلاً، فإذا زاد فهو الضّحاء بالمد.
ومن قال: الضحى، النهار كله، فذلك لدوام نور الشمس، ومن قال: إنه نور الشَّمس أو حرها، فنور الشمس لا يكون إلاَّ مع حرِّ الشمس، وقد استدل من قال: إن الضحى حر الشمس بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تضحى﴾ [طه: 119] أي: لا يؤذيك الحر.
فصل في تفسير الآية
قال مجاهد: «وضُحَاهَا» أي: ضوؤها وإشراقها، وأضاف الضحى إلى الشمس؛ لأنه إنما يكون بارتفاع الشمس.
وقال قتادةُ: بهاؤها.
وقال السدي: حرها.
وقال اليزيدي: انبساطها.
وقيل: ما ظهر بها من كل مخلوق، فيكون القسم بها، وبمخلوقات الأرض كلها. حكاه الماوردي.
قال ابن الخطيب: إنَّما أقسم بالشمس، وضحاها، لكثرة ما يتعلق به من المصالح، فإنَّ أهل العالم كانوا كالأموات في الليل، فلما ظهر الصبحُ في المشرق، صار ذلك الضوء، كالروح الذي تنفخ فيه الحياة، فصارت الأموات أحياء، ولا تزال تلك الحياة في القوة، والزيادة إلى غاية كمالها وقت الضحى، وذلك شبيه استقرار أهل الجنة.
قوله: ﴿والقمر إِذَا تَلاَهَا﴾ ، أي: تبعها، وذلك إذا سقطت رؤيا الهلال.
[قال الليث: تلوت فلاناً إذا تبعته.
وقال ابن زيد: إذا غربت الشمس في النصف الأول من الشهر، تلاها القمر بالطلوع، وفي آخر الشهر، يتلوها بالغروب] .
قال الفراء: «تَلاَهَا» : أخذ منها، يذهب إلى أن القمر يأخذ من ضوء الشمس.
وقال الزجاجُ: «إذا تَلاهَا» أي: حين استوى، واستدار، فكان مثلها في الضياء والنور.
وقال قتادةُ والكلبيُّ: معناه: أن الشمس، إذا قربت، فالقمر يتبعها ليلة الهلال في الغروب.
وقيل: يتلوها في كبر الجرم، بحسب الحسّ في ارتباط مصالح هذا العالم بحركته.
قوله: ﴿والنهار إِذَا جَلاَّهَا﴾ ، الفاعل: ضمير النهار.
وقيل: عائد على الله تعالى، والضمير المنصوب، إمَّا للشمس، وإما للظُّلمة، وإما للأرض.
ومعنى «جلاها» أي: كشفها، فمن قال: هي «الشمس» ، فالمعنى: أنه يبين بضوئه جرمها، ومن قال: هي «الظلمة» ، فهي ون لم يجر لها ذكر، كقولك: أضحتْ باردةً، تريد: أضحت غداتنا باردة، وهو قول الفراء والكلبي وغيرهما.
ومن قال: هي الدنيا والأرض، وإن لم يجر لهما ذكر، كقوله: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] .
قوله: «إذَا تَلاهَا» ، وما بعده فيه إشكال؛ لأنه إن جعل شرطاً اقتضى جواباً، ولا جواب لفظاً، وتقديره غير صالح، وإن جُعِلَ محضاً استدعى عاملاً وليس هنا عامل إلا فعل القسم حال؛ لأنه إنشاء، و «إذا» ظرف مستقبل، والحال لا يعمل في المستقبل.
ويخص «إذا» وما بعدها إشكال آخر ذكره الزمخشري، قال: فإن قلت: الأمر في نصب «إذَا» معضل، لأنك لا تخلو إمَّا أن تجعل الواو عاطفة، فتنصب بها وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: «مررت أمس بزيد واليوم عمرو» ، وإمَّا أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه.
قلت: الجواب فيه: أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل إطراحاً كلياً، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام الفعل، والباء سادة مسدهما معاً، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحقهن أن يكنّ عوامل على الفعل، والجار جميعاً، كما تقول: «ضَرب زيد بكراً وعمرو خالداً» ، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام «ضرب» الذي هو عاملهما انتهى.
وقال أبُو حيَّان: أما قوله في واوات العطف: «فتنصب وتجر» ، فليس هذا بالمختار على أن يكون حرف العطف عاملاً لقيامه مقام العامل، بل المختار أن العمل إنما هو للعامل في المعطوف عليه، ثم إن الإنشاء حجة في ذلك.
وقوله: «فتقع في العطف على عاملين» ، ليس ما في الآية من العطف عاملين، وإنما هو من باب عطف اسمين مجرور ومنصوب، على اسمين مجرور ومنصوب، فصرف العطف لم ينب مناب عاملين، وذلك نحو قولك: مررت بزيد قائماً وعمرو جالساً؛ وأنشد سيبويه في كتابه: [الطويل]
5219 - فَلَيْسَ بِمعروفٍ لَنا أنْ نَرُدَّهَا ... صِحَاحاً ولا مُسْتنكَرٌ أن تُعَقَّرَا
فهذا من عطف مجرور ومرفوع؛ والعطف على عاملين فيه أربعة مذاهب، ونسب الجواز إلى سيبويه.
وقوله في نحو قولك: «مررت أمس بزيد واليوم عمرو» ، هذا المثال مخالف لما في الآية، بل وزان ما في الآية: «مررت بزيد أمس وعمرو اليوم» ونحن نجيز هذا.
وأمَّا قوله: «على استكراه» ، فليس كما ذكر، بل كلام الخليل على المنع.
قال الخليل في قوله تعالى: ﴿والليل إِذَا يغشى والنهار إِذَا تجلى وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: 1 - 3] : «الواوان الأخريان ليستا بمنزلة الأولى، ولكنهما الواوان اللتان تضمان الأسماء إلى الأسماء في قولك: مررت بزيد وعمرو، والأولى بمنزلة الباء والتاء» .
وأما قوله: «إن واو القسم ليس يطرح معها إبراز الفعل إطراحاً كلياً» فليس هذا الحكم مجمعاً عليه، بل أجاز ابن كيسان التصريح بفعل القسم مع الواو، فتقول: «أقسم، أو أحلف والله لزيد قائم» .
وأما قوله: «والواوات العواطف نوائب عن هذا» إلى آخره، فمبني على أن حرف العطف عامل لنيابته مناب العامل، وليس هذا بالمختار.
قال: والذي يقول: إن المُعضلَ هو تقدير العامل في «إذا» بعد الإقسام، كقوله تعالى: ﴿والنجم إِذَا هوى﴾ [النجم: 1] ، ﴿والليل إِذْ أَدْبَرَ والصبح إِذَآ أَسْفَرَ﴾ [المدثر: 33، 34] ، ﴿والقمر إِذَا تَلاَهَا والنهار إِذَا جَلاَّهَا والليل إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: 2 - 4] ، وما أشبهها ف «إذا» ظرف مستقبل، لا جائز أن يكون العامل فيه فعل القسم المحذوف؛ لأنه فعل إنشائي، فهو في الحال ينافي أن يعمل في المستقبل لإطلاق زمان العامل زمان المعمول، ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف أقيم المقسم به مقامه أي وطلوع النجم، ومجيء الليل، لأنه فعل إنشائي , فهو في الحال ينافي أن يعمل في المستقبل لإطلاق زمان العامل زمان المعمول , ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف أقيم المقسم به مقامه أي وطلوع النجم , ومجيء الليل , لأنه معمول لذلك الفعل [فالطلوع حال، ولا يعمل فيه المستقبل ضرورة أن زمان المعمول زمان العامل ولا جائز أن يعمل فيه نفس المقسم به لأنه ليس من قبيل ما يعمل، سيما إن كان جزماً] ، ولا جائز أن يقدر محذوف قبل الظرف فيكون قد عمل فيه، ويكون ذلك العامل في موضع الحال، وتقديره: والنجم كائناً إذا هوى والليل كائناً إذا يغشى، لأنه لا يلزم كائناً منصوباً بالعامل، ولا يصح أن يكون معمولاً لشيء مما فرضناه أن يكون عاملاً، وأيضاً، فقد يكون المقسم به جثة، وظروف الزمان لا تكون أحوالاً عن الجثث كما لا تكون أخباراً. انتهى ما رد به أبو حيان وما استشكله من أمر العامل في «إذا» .
قال شهاب الدين: المختار أن حرف العطف لا يعمل لقيامه مقام العامل، فلا يلزم أبا القاسم لأنه يختار القول الآخر، وقوله «ليس ما في الآية من العطف على عاملين» ممنوع بل فيه العطف على عاملين ولكنه في غموض، وبيان أنه من العطف على عاملين، أن قوله: ﴿والنهار إِذَا جَلاَّهَا﴾ - ها هنا - معمولان، أحدهما مجرور وهو «النهار» والآخر منصوب وهو الظرف عطفاً على معمول عاملين والعاملان هنا في فعل المقسم به، الناصب ل «إذا» الأولى، وواو القسم الجارة، فقد تحقق معك عاملان، لهما معمولان، فإذا عطفت مجروراً على مجرور، وظرفاً على ظرف، معمولين لعاملين، لزم ما قاله أبو القاسم، وكيف يجهل هذا مع التأمل والتحقيق؟! .
وأما قوله: «وأنشد سيبويه» إلى آخره، فهو اعتراف منه بأنه من العطف على عاملين، غاية ما في الباب أنه استند إلى حكمه لسيبويه، وأما قوله: أجاز ابن كيسان، فلا يلزم مذهبه، وأما قوله: فالمثال ليس كالآية بل وزانها، إلى آخره، فصحيح لما فيه من تقديم الظرف الثاني على المجرور والمعطوف والآية والظرف فيها متأخر، وإنما مراد الزمخشري وجود معمول عاملين، وهو موجود في المثال المذكور إلا أن في الآية إشكالاً آخر، وهو كالتكرير للمسألة، وأما قوله: بل كلام الخليل يدل على المنع، إلى آخره، فليس فيه ردٌّ عليه بالنسبة إلى قصده بل فيه تقوية لما قال، غاية ما في الباب أنه عبر بالاستكراه عن المنع، ولم يفهم المنع، وقوله: ولا جائز أن يكون ثم مضاف محذوف، إلى آخره، فأقول: بل يجوز تقديره، وهو العامل، ولا يلزم ما قاله من اختلاف الزمانين، لأنه يجوز أن يقسم [الآن بطلوع النجم في المستقبل، فالقسم في الحال والطلوع في المستقبل، ويجوز أن يقسم] بالشيء الذي سيوجد وقوله «ولا جائز أن يقدر محذوف قبل الظرف فيكون قد عمل فيه» إلى آخره، ليس بممنوع بل يجوز ذلك ويكون حالاً مقدرة، وقوله «ويلزم ألاَّ يكون له عامل» ليس كذلك بل له عامل وهو فعل القسم، ولا يضر كونه إنشائياً، لأن الحال مقدرة كما تقدم، وقوله «وقد يكون المقسم به جثة» جوايه: يقدر حينئذ حدث، يكون الظرف الزماني حالاً عنه وسئل ابن الحاجب عن هذه المسألة، فأجاب بنحو ما ذكرناه والله اعلم، ولا يخلو الكلام فيها من بحث.
قوله: ﴿والليل إِذَا يَغْشَاهَا﴾ . المفعول «الشمس» : أي: يغشى الشمس فيذهب بضوئها عند سقوطها، قاله مجاهد.
وقيل: للأرض أي: يغشى الدنيا بالظلمة، فتظلم الآفاق فالكناية ترجع إلى غير مذكور. وجيء ب «يَغْشَاهَا» مضارعاً دون ما قبله وما بعده مراعاة للفواصل؛ إذ لو أتى به ماضياً لكان التركيب «إذ غشيها» فتفوت المناسبة اللفظية بين الفواصل والمقاطع.
قوله: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ . في «ما» هذه وجهان:
أحدهما: أن «ما» موصولة بمعنى «الذي» وبه استشهد من يجوز وقوعها على العقلاء، ولأن المراد به الباري تعالى، وإليه ذهب الحسن ومجاهد وأبو عبيدة، واختاره ابن جرير.
والثاني: مصدر، أي وبنائها، وإليه ذهب الزجاج والمبرد، وهذا منهما بناء على أنها مختصة بغير العقلاء.
واعترض على هذا القول بأنه يلزم أن يكون القسم بنفس المصادر: بناء السماء وطحو الأرض، وتسوية النفس، وليس المقصود إلاَّ القسم بفاعل هذه الأشياء، وهو الرب تعالى، وأجيب عنه بوجهين:
أحدهما: أن يكون على حذف مضاف، أي: ورب بناء السماء ونحوه.
والثاني: أنه لا غرو لا يجوز في الإقسام بهذه الأشياء، كما أقسم سبحانه وتعالى بالصبح ونحوه.
وقال الزمخشري: «جعلت» ما «مصدرية في قوله» وما بناها» ، «وما طحاها» ، «وما سواها» ، وليس بالوجه، لقوله «فألهمها» ، وما يؤدي إليه من فساد النظم، والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على» من «لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء والقادر العظيم الذي بناها، ونفسٍ والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها، وفي كلامهم: سبحان من سخركن لنا» انتهى.
[يعني أن الفاعل في «فألهمها» عائد على الله تعالى، فليكن في بنائها كذلك] .
وحينئذ يلزم عوده على شيء، وليس هنا ما يمكن عوده عليه غير «ما» فتعين أن تكون موصولة.
قال أبو حيان: «أما قوله» وليس بالوجه «، لقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ يعني من عود الضمير في ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ على الله تعالى، فيكون قد عاد على مذكور، وهو» ما «المراد به» الذي» ، قال: ولا يلزم ذلك، لأنا إذا جعلناها مصدرية عاد الضمير على ما يفهم من سياق الكلام، في «بَنَاهَا» ضمير عائد على الله تعالى، أي: وبناها هو، أي: الله تعالى، كما إذا رأيت زيداً قد ضرب عمراً، فتقول: عجبت مما ضرب عمرو، تقديره: من ضرب عمرو هو، كان حسناً فصيحاً جائزاً، وعود الضمير على ما يفهمُ من سياق الكلام كثير.
وقوله» وما يؤدي إليه من فساد النظم «ليس كذلك، ولا يؤدي جعلها مصدرية إلى ما ذكر.
وقوله» وإنما أوثرت «إلى آخره، لا يراد ب» ما «ولا» من «الموصولتين، معنى الوصلية، لأنهما لا يوصف بهما» ما «دون» من «.
وقوله» في كلامهم «إلى آخره، تأوله أصحابنا على أن» سبحان «علم، و» ما «مصدرية ظرفية» .
قال شهاب الدين: أما ما رد به عليه من كونه يعود على ما يفهم من السياق، فليس يصلح رداً؛ لأنه إذا دار الأمر بين عوده على ملفوظ وبين غير ملفوظ به، فعوده على الملفوظ به أولى؛ لأنه الأصل وأما قوله: فلا ينفرد به «ما» دون «من» ، فليس مراد الزمخشري أنها توصف بها وصفاً صريحاً، بل مراده أنها تقع على نوع من يعقل وعلى صفته، ولذلك مثل النحويون بقوله تعالى:
﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: 3] .
وقالوا: تقديره: فانكِحُوا الطَّيِّب من النِّساءِ، ولا شك أن هذا الحكم تنفرد به «ما» دون «من» .
قوله: ﴿والأرض وَمَا طَحَاهَا﴾ . أي: وطحوها، وقيل: من طحاها: أي بسطها، قال عامة المفسرين: أي دحاها.
قال الحسن ومجاهد وغيرهما: طحاها ودحاها: واحد، أي: بسطها من كل جانب.
والطَّحْوُ: البسطُ، طحا، يطحو، طحواً، وطحى يطحى طحياً، وطحيت: اضطجعت، عن أبي عمرو، وعن ابن عباس: طحاها: أي قسمها، وقيل: خلقها؛ قال الشاعر: [الوافر]
5220 - ومَا تَدْرِي جَذيمةُ مَنْ طَحاهَا ... ولا مَنْ سَاكِنُ العَرْشِ الرَّفيعِ
قال الماوردي: ويحتمل أنه ما خرج منها من نبات وعيون وكنوز؛ لأنه حياة لما خلق عليها.
ويقال في بعض أيمان العرب: لا، والقمر الطاحي، أي: المشرق المرتفع.
قال أبو عمرو: طحا الرجل إذا ذهب في الأرض، يقال: ما أدري أين طحا؟ .
ويقال: طحا به قلبه، إذا ذهب به كلِّ شيء؛ قال علقمة: [الطويل]
5221 - طَحَا بِكَ قَلبٌ في الحِسانِ طَرُوب ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
قال ابن الخطيب: وإنما أخر هذا عن قوله تعالى: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ لقوله: ﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: 30] .
قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ . قيل: المعنى، وتسويتها، ف «ما» مصدرية.
وقيل: المعنى، ومن سواها، وهو الله تعالى، قيل: المراد بالنفس: آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
وقيل: كلُّ نفس منفوسةٍ، فما التنكير إلا لتعظيمها، أي نفس عظيمة، آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ وإما للتكثير، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: 14] ، و «سوَّى» بمعنى هيأ.
وقال مجاهد: سوَّى خلقها وعدَّل، وهذه الأسماء كلها مجرورة على القسم، أي أقسم الله تعالى بخلقه لما فيه من عجائب الصنعة الدالة عليه - سبحانه وتعالى -.
قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا﴾ أي: عرَّفها طريقَ الفجور والتقوى، قاله ابن عباس ومجاهد.
وعن مجاهد أيضاً: عرفها الطاعة والمعصية.
[وعن محمد بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - إذا أراد الله تعالى لعبده خيراً ألهمه الخير فعمل به، وإذا أراد به الشر ألهمه الشرّ فعمل به.
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: ألهم المؤمن التقي تقواه وألهم الكافر فجوره، وعن قتادة: بين لها فجورها وتقواها، والفجور والتقوى مصدران في موضع المفعول] .
قال الواحدي: الإلهام هو أن يوقع الله في قلب العبد شيئاً، وإذا أوقع في قلبه فقد ألزمه إياه، من قولهم: لهم الشيء وألهمه: إذا بلغه، وألهمته ذلك الشيء، أي أبلغته، هذا هو الأصل ثم استعمل ذلك فيما يقذفه الله تعالى في قلب العبد لأنه كالإبلاغ.
قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أنه جواب القسم، والأصل: لقد وإنما حذفت لطول الكلام، والثاني: أنه ليس بجواب، وإنما جيء به تابعاً لقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء، فالجواب محذوف، تقديره [ليدمرن] الله عليهم، أي: على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كما دمدم على ثمود لتكذيبهم صالحاً - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال معناه الزمخشري. وقدر غيره: لتبعثن.
وقيل: هو على التقديم والتأخير بغير حذف، والمعنى: قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها.
وفاعل «زكّاها» و «دسّاها» ، الظاهر أنه ضمير «مَنْ» .
وقيل: ضمير الباري تعالى، أي: أفلح وفاز من زكاها بالطاعة، وقد خاب من دساها أي: خسرت نفسٌ دسها الله تعالى بالمعصية، وأنحى الزمخشري على صاحب هذا القول لمنافرته مذهبه.
قال شهاب الدين: والحق أنه خلاف الظاهر، لا لما قال الزمخشري، بل لمنافرة نظمه للاحتياج إلى عود الضمير على النفس مقيدة بإضافتها إلى ضمير «من» .
وقال ابن عباس: خابت نفس أضلها الله وأغواها.
وقيل: أفلح من زكى نفسه بطاعة الله، «وخاب» خسر من دس نفسه في المعاصي. قاله قتادة.
وأصل الزكاة: النمو والزيادة، ومنه تزكى الزَّرع إذا كثر معه، ومنه تزكية القاضي الشاهد، لأنه يرفعه بالتعديل.
وقيل: دساها: أغواها، قال: [الطويل]
5222 - وأَنْتَ الَّذِي دسَّيْتَ عَمْراً فأصْبَحتَ ... حَلائِلهُ مِنْهُ أرَامِلَ ضُيَّعَا
قال أهل اللغة: والأصل، دسها، من التدسيس فكثرت الأمثال فأبدل من ثالثها حرف علة كما قالوا: قصيت أظفاري، وأصله قصصت، وتقضي البازي، والتدسية: الإخفاء يعني أخفاه بالفجور، وقد نطق بالأصل الشاعر المتقدم. وقال آخر: [الكامل]
5223 - ودَسَسْتَ عَمْراً في التُّرَابِ فأصْبَحَتْ ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .
[وهو إخفاء الشيء في الشيء، فأبدلت سينه ياءً. وقال ابن الأعرابي: «وقَدْ خَابَ من دسَّاهَا» أي: دس نفسه في جملة الصالحين وليس منهم] .
قال الواحدي: فكأنه - تعالى - أقسم على فلاح من طهره وخسارة من خذله لئلا يظن أن المراد بتولي ذلك من غير قضاء سابق، فقوله: «قَدْ أفلَحَ» : هو جواب القسم.
الشمس 91:11
قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾ . في هذه الباء ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها للاستعانة مجازاً، كقولك: «كتبت بالقلم» ، وبه بدأ الزمخشري، يعني فعلت التكذيب بطغيانها، كقولك: ظلمني بجرأته على الله تعالى.
والثاني: أنها للتعدية، أي كذبت بما أوعدت به من عذابها ذي الطغيان، كقوله تعالى: ﴿فَأُهْلِكُواْ بالطاغية﴾ [الحاقة: 5] قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: وكان اسم العذاب الذي جاءها الطغوى، لأنه طغى عليهم. قال ابن الخطيب: وهذا لا يبعد لأن الطغيان مجاوزة [الحد فسمي عذابهم طغوا لأنه كالصيحة مجاوزة] للقدر المعتاد.
والثالث: أنها للسببية، أي: بسبب طغيانها، وهو خروجها عن الحدّ في العصيان قاله مجاهد وقتادة وغيرهما.
وقال محمد بن كعب: بأجمعها.
وقيل: مصدر، وخرج على هذا المخرج، لأنه أشكل برءوس الآي.
وقيل: إن الأصل «بطُغيانِهَا» إلا أن «فُعلَى» إذا كانت من ذوات الياء أبدلت في الاسم واو ليفصل بين الاسم والوصف.
وقرأ العامة: «بطغواها» بفتح الطاء، وهو مصدر بمعنى الطغيان، وإنما قلبت الياء واواً لما تقدم، من الفرق بين الاسم والصفة، يعني أنهم يقرون ياء «فَعْلى» - بالفتح - صفة، نحو جريا، وصديا، ويقلبونها في الاسم، نحو «تَقْوى، وشَرْوى» ، وكان الإقرار في الوصف، لأنه أثقل من الاسم والياء أخف من الواو، فلذلك جعلت في الأثقل.
وقرأ الحسن ومحمد بن كعب والجحدري، وحماد: بضم الطاء، وهو أيضاً مصدر، كالرُّجعى والحسنى، إلا أن هذا شاذ، إذ كان من حقه بقاء الياء على حالها، كالسُّقيا، وبابها، وهذا كله عند من يقول: «طغيت طغياناً» بالياء، فأما من يقول: «طغوت» بالواو فالواو أصل عنده. قاله أبو البقاء، وقد تقدم الكلام على اللغتين في البقرة.
قوله: ﴿إِذِ انبعث أَشْقَاهَا﴾ . يجوز في «إذ» وجهان:
أحدهما: أن تكون ظرفاً ل «كذبت» .
والثاني: أن تكون ظرفاً للطغوى.
و «انبعثت» مطاوع بعثت فلاناً على الأمر فانبعث له، و «أشْقَاهَا» فاعل «انبعَثَ» أي: نهض، والانبعاث: الإسراع، وفيه وجهان:
أحدهما: ان يراد به شخص معين، روي أن اسمه: قدار بن سالف.
والثاني: أن يراد به جماعة قال الزمخشري: ويجوز أن يكونوا جماعة للتسوية في «أفعل» التفضيل، إذا أضيف بين الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وكان يجوز أن يقول: «أشْقَوها» . وكان ينبغي أن يقيد، فيقول: إذا أضيف إلى معرفة، لأن المضاف إلى النكرة حكمه الإفراد والتذكير مطلقاً كالمقترن ب «من» .
فصل
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إذ انبَعَثَ أشْقَاهَا: انبعث لهَا رجلٌ عزيزٌ عارمٌ، منيعٌ في أهلِه، مثلُ أبي زمعة»
الحديث.
وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: قال له: «» أتَدْرِي من أشْقَى الأوَّلينَ» ؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «عَاقرُ النَّاقَةِ» ، ثم قال: «أتَدْرِي من أشْقَى الآخرينَ» ؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «قَاتِلُكَ» » .
قوله: ﴿فَقَالَ لَهُمْ﴾ . إن كان المراد ب «أشْقَاهَا» جماعة، فعود الضمير من «لهم» عليهم واضح وإن كان المراد به علماً بعينه، فالضمير من «لهم» يعود على «ثمود» ، والمراد برسول الله يعني: صالحاً.
وقوله تعالى: ﴿نَاقَةَ الله﴾ منصوب على التحذير، أي احذروا ناقة الله فلا تقربوها، وأضمار الناصب هنا واجب لمكان العطف، فإن إضمار الناصب يجب في ثلاثة مواضع:
أحدها: أن يكون المحذر نفس «إياك» وبابه.
الثاني: أنه يجب فيه عطف.
الثالث: أنه يوجد فيه تكرار، نحو «الأسد الأسد والصبيََّ الصبيَّ، والحذرَ الحذرَ» .
وقيل: ذروا ناقة الله، كقوله تعالى: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ في أَرْضِ الله﴾ [هود: 64] . وقرأ زيد بن علي: «ناقَةُ اللهِ» رفعاً، على إضمار مبتدأ مضمر، أي: هذه ناقة الله فلا تتعرضوا لها.
قوله: ﴿وَسُقْيَاهَا﴾ . أي ذروها وشربها، فإنهم لما اقترحوا الناقة، أخرجها لهم من الصخرة وجعل لهم شرب يوم من بئرهم، ولها شرب يوم مكان ذلك، فشق عليهم، فكذبوه يعني صالحاً - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - في وعيدهم بالعذاب.
﴿فَعَقَرُوهَا﴾ أي: عقرها الأشقى، وأضاف إلى الكل، لأنهم رضوا بفعله.
قال قتادة: بلغنا أنه لم يعقر حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم.
وقال الفراء: عقرها اثنان، والعرب تقول: هذان أفضل الناس، وهذا خير الناس، وهذه المرأة أشقى القوم، فلهذا لم يقل: أشقياها.
قوله: ﴿فَدَمْدمَ﴾ . الدمدمة: قيل: الإطباق، يقال: دمدمت عليه القبر، أي: أطبقته عليه، أي: أهلكهم وأطبق عليهم العذاب ﴿بِذَنبِهِمْ﴾ الذي هو الكفر والتكذيب والعقر.
وقال المؤرج: الدمدمة: الإهلاك باستئصال.
وروى الضحاك عن ابن عباس: «دمدم عليهم، دمر عليهم ربهم» بذَنبِهم «أي: بجرمهم.
وقال الفراء:» فدَمْدَمَ» أي: أرجف. وحقيقة الدمدمة: تضعيف العذاب وترديده، ويقال: دممت على الشيء: أي: أطبقت عليه، فإذا كرر الإطباق قلت: دمدمت. وفي «الصحاح» : ودمدمت الشيء: إذا ألصقته بالأرض وطحطحته.
[قال القشيري: وقيل دمدمت على الميت التراب أي سويته عليه، والمعنى على هذا فجعلهم تحت التراب فسواها أي فسوى عليهم الأرض، وعلى الأول: فسواها: أي فسوى الدمامة، وقيل: الدمدمة حكاية صوت الهدة، وذلك أن الصيحة أهلكتهم فأتت على صغيرهم وكبيرهم] .
وقال ابن الأنباري: دمدم: أي: غضب، والدمدمة: الكلام الذي يزعج الرجل ودمدمت الثوب طليته بالصيغ والباء في بذنبهم للسببية.
وقرأ ابن الزبير: «فدهدم» بهاء بين الدالين بدل الميم، وهي بمعنى القراءة المشهورة.
قال القرطبي: «وهما لغتان، كما يقال: امتقع لونه، وانتقع» .
قوله: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ . الضمير المنصوب يجوز عوده على «ثمود» باعتبار القبيلة كما أعاده في قوله تعالى ﴿بِطَغْوَاهَآ﴾ ويجوز عوده على «الدمدمة» والعقوبة أي: سواها بينهم، فلم يفلت منهم أحد.
قوله: ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ . قرأ نافع وابن عامر: «فَلاَ» بالفاء، والباقون: بالواو، ورسمت في مصاحف المدينة والشام بالفاء، وفي غيرها بالواو، فقد قرأ كل بما يوافق رسم مصحفه.
وروي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يقرأ: ولم يخف، وهي مؤيدة لقراءة الواو. ذكره الزمخشري.
فالفاء تقتضي التعقيب، وهو ظاهر، والواو يجوز أن تكون للحال، وأن تكون لاستئناف الإخبار.
قال القرطبي: روي أن ابن وهب وابن القاسم قالا: أخرج إلينا مالك مصحفاً لجده، وزعم أنه كتبه في أيام عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - حين كتب المصاحف، وفيه: «ولاَ يَخافُ» بالواو وكذا هي في مصاحف أهل مكة والعراق: بالواو، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم.
وضمير الفاعل في «يَخَافُ» الأظهر عوده على الرب تبارك وتعالى، لأنه أقرب مذكور، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد، والهاء في «عُقْبَاهَا» ترجع إلى الفعلة، وذلك لأنه تعالى يفعل ذلك بحق، وكل من فعل فعلاً بحق فإنه لا يخاف عاقبة فعله.
وقيل: المراد تحقيق ذلك الفعل والله تعالى أجل من أن يوصف بذلك.
وقيل: المعنى أنه بالغ في الإعذار إليهم مبالغة من لا يخاف عاقبة عذابهم.
وقيل: يرجع إلى رسول الله، أي: لا يخاف صالح - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - عقبى هذه العقوبة لإنذاره إياهم، ونجاه الله حين أهلكهم.
وقال السديُّ والضحاك والكلبي: إن الضمير يرجع إلى «أشْقَاهَا» ، أي: انبعث لعقرها والحال أنه غير خائف عاقبة هذه الفعلة الشنعاء، وهو مروي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أيضاً.
في الكلام تقديم وتأخير: إذ انبعث أشقاها ولا يخاف عقباها، وعقبى الشيء: خاتمته.
وروى الثعلبي عن أبيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ ﴿والشمس وَضُحَاهَا﴾ فكَأَنَّمَا تصدَّق بِكُلِّ شيءٍ طَلعتْ عليْهِ الشَّمْسُ والقَمرُ» .
سورة الليل
الشمس 91:12
قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾ . في هذه الباء ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها للاستعانة مجازاً، كقولك: «كتبت بالقلم» ، وبه بدأ الزمخشري، يعني فعلت التكذيب بطغيانها، كقولك: ظلمني بجرأته على الله تعالى.
والثاني: أنها للتعدية، أي كذبت بما أوعدت به من عذابها ذي الطغيان، كقوله تعالى: ﴿فَأُهْلِكُواْ بالطاغية﴾ [الحاقة: 5] قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: وكان اسم العذاب الذي جاءها الطغوى، لأنه طغى عليهم. قال ابن الخطيب: وهذا لا يبعد لأن الطغيان مجاوزة [الحد فسمي عذابهم طغوا لأنه كالصيحة مجاوزة] للقدر المعتاد.
والثالث: أنها للسببية، أي: بسبب طغيانها، وهو خروجها عن الحدّ في العصيان قاله مجاهد وقتادة وغيرهما.
وقال محمد بن كعب: بأجمعها.
وقيل: مصدر، وخرج على هذا المخرج، لأنه أشكل برءوس الآي.
وقيل: إن الأصل «بطُغيانِهَا» إلا أن «فُعلَى» إذا كانت من ذوات الياء أبدلت في الاسم واو ليفصل بين الاسم والوصف.
وقرأ العامة: «بطغواها» بفتح الطاء، وهو مصدر بمعنى الطغيان، وإنما قلبت الياء واواً لما تقدم، من الفرق بين الاسم والصفة، يعني أنهم يقرون ياء «فَعْلى» - بالفتح - صفة، نحو جريا، وصديا، ويقلبونها في الاسم، نحو «تَقْوى، وشَرْوى» ، وكان الإقرار في الوصف، لأنه أثقل من الاسم والياء أخف من الواو، فلذلك جعلت في الأثقل.
وقرأ الحسن ومحمد بن كعب والجحدري، وحماد: بضم الطاء، وهو أيضاً مصدر، كالرُّجعى والحسنى، إلا أن هذا شاذ، إذ كان من حقه بقاء الياء على حالها، كالسُّقيا، وبابها، وهذا كله عند من يقول: «طغيت طغياناً» بالياء، فأما من يقول: «طغوت» بالواو فالواو أصل عنده. قاله أبو البقاء، وقد تقدم الكلام على اللغتين في البقرة.
قوله: ﴿إِذِ انبعث أَشْقَاهَا﴾ . يجوز في «إذ» وجهان:
أحدهما: أن تكون ظرفاً ل «كذبت» .
والثاني: أن تكون ظرفاً للطغوى.
و «انبعثت» مطاوع بعثت فلاناً على الأمر فانبعث له، و «أشْقَاهَا» فاعل «انبعَثَ» أي: نهض، والانبعاث: الإسراع، وفيه وجهان:
أحدهما: ان يراد به شخص معين، روي أن اسمه: قدار بن سالف.
والثاني: أن يراد به جماعة قال الزمخشري: ويجوز أن يكونوا جماعة للتسوية في «أفعل» التفضيل، إذا أضيف بين الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وكان يجوز أن يقول: «أشْقَوها» . وكان ينبغي أن يقيد، فيقول: إذا أضيف إلى معرفة، لأن المضاف إلى النكرة حكمه الإفراد والتذكير مطلقاً كالمقترن ب «من» .
فصل
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إذ انبَعَثَ أشْقَاهَا: انبعث لهَا رجلٌ عزيزٌ عارمٌ، منيعٌ في أهلِه، مثلُ أبي زمعة»
الحديث.
وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: قال له: «» أتَدْرِي من أشْقَى الأوَّلينَ» ؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «عَاقرُ النَّاقَةِ» ، ثم قال: «أتَدْرِي من أشْقَى الآخرينَ» ؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «قَاتِلُكَ» » .
قوله: ﴿فَقَالَ لَهُمْ﴾ . إن كان المراد ب «أشْقَاهَا» جماعة، فعود الضمير من «لهم» عليهم واضح وإن كان المراد به علماً بعينه، فالضمير من «لهم» يعود على «ثمود» ، والمراد برسول الله يعني: صالحاً.
وقوله تعالى: ﴿نَاقَةَ الله﴾ منصوب على التحذير، أي احذروا ناقة الله فلا تقربوها، وأضمار الناصب هنا واجب لمكان العطف، فإن إضمار الناصب يجب في ثلاثة مواضع:
أحدها: أن يكون المحذر نفس «إياك» وبابه.
الثاني: أنه يجب فيه عطف.
الثالث: أنه يوجد فيه تكرار، نحو «الأسد الأسد والصبيََّ الصبيَّ، والحذرَ الحذرَ» .
وقيل: ذروا ناقة الله، كقوله تعالى: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ في أَرْضِ الله﴾ [هود: 64] . وقرأ زيد بن علي: «ناقَةُ اللهِ» رفعاً، على إضمار مبتدأ مضمر، أي: هذه ناقة الله فلا تتعرضوا لها.
قوله: ﴿وَسُقْيَاهَا﴾ . أي ذروها وشربها، فإنهم لما اقترحوا الناقة، أخرجها لهم من الصخرة وجعل لهم شرب يوم من بئرهم، ولها شرب يوم مكان ذلك، فشق عليهم، فكذبوه يعني صالحاً - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - في وعيدهم بالعذاب.
﴿فَعَقَرُوهَا﴾ أي: عقرها الأشقى، وأضاف إلى الكل، لأنهم رضوا بفعله.
قال قتادة: بلغنا أنه لم يعقر حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم.
وقال الفراء: عقرها اثنان، والعرب تقول: هذان أفضل الناس، وهذا خير الناس، وهذه المرأة أشقى القوم، فلهذا لم يقل: أشقياها.
قوله: ﴿فَدَمْدمَ﴾ . الدمدمة: قيل: الإطباق، يقال: دمدمت عليه القبر، أي: أطبقته عليه، أي: أهلكهم وأطبق عليهم العذاب ﴿بِذَنبِهِمْ﴾ الذي هو الكفر والتكذيب والعقر.
وقال المؤرج: الدمدمة: الإهلاك باستئصال.
وروى الضحاك عن ابن عباس: «دمدم عليهم، دمر عليهم ربهم» بذَنبِهم «أي: بجرمهم.
وقال الفراء:» فدَمْدَمَ» أي: أرجف. وحقيقة الدمدمة: تضعيف العذاب وترديده، ويقال: دممت على الشيء: أي: أطبقت عليه، فإذا كرر الإطباق قلت: دمدمت. وفي «الصحاح» : ودمدمت الشيء: إذا ألصقته بالأرض وطحطحته.
[قال القشيري: وقيل دمدمت على الميت التراب أي سويته عليه، والمعنى على هذا فجعلهم تحت التراب فسواها أي فسوى عليهم الأرض، وعلى الأول: فسواها: أي فسوى الدمامة، وقيل: الدمدمة حكاية صوت الهدة، وذلك أن الصيحة أهلكتهم فأتت على صغيرهم وكبيرهم] .
وقال ابن الأنباري: دمدم: أي: غضب، والدمدمة: الكلام الذي يزعج الرجل ودمدمت الثوب طليته بالصيغ والباء في بذنبهم للسببية.
وقرأ ابن الزبير: «فدهدم» بهاء بين الدالين بدل الميم، وهي بمعنى القراءة المشهورة.
قال القرطبي: «وهما لغتان، كما يقال: امتقع لونه، وانتقع» .
قوله: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ . الضمير المنصوب يجوز عوده على «ثمود» باعتبار القبيلة كما أعاده في قوله تعالى ﴿بِطَغْوَاهَآ﴾ ويجوز عوده على «الدمدمة» والعقوبة أي: سواها بينهم، فلم يفلت منهم أحد.
قوله: ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ . قرأ نافع وابن عامر: «فَلاَ» بالفاء، والباقون: بالواو، ورسمت في مصاحف المدينة والشام بالفاء، وفي غيرها بالواو، فقد قرأ كل بما يوافق رسم مصحفه.
وروي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يقرأ: ولم يخف، وهي مؤيدة لقراءة الواو. ذكره الزمخشري.
فالفاء تقتضي التعقيب، وهو ظاهر، والواو يجوز أن تكون للحال، وأن تكون لاستئناف الإخبار.
قال القرطبي: روي أن ابن وهب وابن القاسم قالا: أخرج إلينا مالك مصحفاً لجده، وزعم أنه كتبه في أيام عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - حين كتب المصاحف، وفيه: «ولاَ يَخافُ» بالواو وكذا هي في مصاحف أهل مكة والعراق: بالواو، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم.
وضمير الفاعل في «يَخَافُ» الأظهر عوده على الرب تبارك وتعالى، لأنه أقرب مذكور، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد، والهاء في «عُقْبَاهَا» ترجع إلى الفعلة، وذلك لأنه تعالى يفعل ذلك بحق، وكل من فعل فعلاً بحق فإنه لا يخاف عاقبة فعله.
وقيل: المراد تحقيق ذلك الفعل والله تعالى أجل من أن يوصف بذلك.
وقيل: المعنى أنه بالغ في الإعذار إليهم مبالغة من لا يخاف عاقبة عذابهم.
وقيل: يرجع إلى رسول الله، أي: لا يخاف صالح - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - عقبى هذه العقوبة لإنذاره إياهم، ونجاه الله حين أهلكهم.
وقال السديُّ والضحاك والكلبي: إن الضمير يرجع إلى «أشْقَاهَا» ، أي: انبعث لعقرها والحال أنه غير خائف عاقبة هذه الفعلة الشنعاء، وهو مروي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أيضاً.
في الكلام تقديم وتأخير: إذ انبعث أشقاها ولا يخاف عقباها، وعقبى الشيء: خاتمته.
وروى الثعلبي عن أبيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ ﴿والشمس وَضُحَاهَا﴾ فكَأَنَّمَا تصدَّق بِكُلِّ شيءٍ طَلعتْ عليْهِ الشَّمْسُ والقَمرُ» .
سورة الليل
الشمس 91:13
قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾ . في هذه الباء ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها للاستعانة مجازاً، كقولك: «كتبت بالقلم» ، وبه بدأ الزمخشري، يعني فعلت التكذيب بطغيانها، كقولك: ظلمني بجرأته على الله تعالى.
والثاني: أنها للتعدية، أي كذبت بما أوعدت به من عذابها ذي الطغيان، كقوله تعالى: ﴿فَأُهْلِكُواْ بالطاغية﴾ [الحاقة: 5] قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: وكان اسم العذاب الذي جاءها الطغوى، لأنه طغى عليهم. قال ابن الخطيب: وهذا لا يبعد لأن الطغيان مجاوزة [الحد فسمي عذابهم طغوا لأنه كالصيحة مجاوزة] للقدر المعتاد.
والثالث: أنها للسببية، أي: بسبب طغيانها، وهو خروجها عن الحدّ في العصيان قاله مجاهد وقتادة وغيرهما.
وقال محمد بن كعب: بأجمعها.
وقيل: مصدر، وخرج على هذا المخرج، لأنه أشكل برءوس الآي.
وقيل: إن الأصل «بطُغيانِهَا» إلا أن «فُعلَى» إذا كانت من ذوات الياء أبدلت في الاسم واو ليفصل بين الاسم والوصف.
وقرأ العامة: «بطغواها» بفتح الطاء، وهو مصدر بمعنى الطغيان، وإنما قلبت الياء واواً لما تقدم، من الفرق بين الاسم والصفة، يعني أنهم يقرون ياء «فَعْلى» - بالفتح - صفة، نحو جريا، وصديا، ويقلبونها في الاسم، نحو «تَقْوى، وشَرْوى» ، وكان الإقرار في الوصف، لأنه أثقل من الاسم والياء أخف من الواو، فلذلك جعلت في الأثقل.
وقرأ الحسن ومحمد بن كعب والجحدري، وحماد: بضم الطاء، وهو أيضاً مصدر، كالرُّجعى والحسنى، إلا أن هذا شاذ، إذ كان من حقه بقاء الياء على حالها، كالسُّقيا، وبابها، وهذا كله عند من يقول: «طغيت طغياناً» بالياء، فأما من يقول: «طغوت» بالواو فالواو أصل عنده. قاله أبو البقاء، وقد تقدم الكلام على اللغتين في البقرة.
قوله: ﴿إِذِ انبعث أَشْقَاهَا﴾ . يجوز في «إذ» وجهان:
أحدهما: أن تكون ظرفاً ل «كذبت» .
والثاني: أن تكون ظرفاً للطغوى.
و «انبعثت» مطاوع بعثت فلاناً على الأمر فانبعث له، و «أشْقَاهَا» فاعل «انبعَثَ» أي: نهض، والانبعاث: الإسراع، وفيه وجهان:
أحدهما: ان يراد به شخص معين، روي أن اسمه: قدار بن سالف.
والثاني: أن يراد به جماعة قال الزمخشري: ويجوز أن يكونوا جماعة للتسوية في «أفعل» التفضيل، إذا أضيف بين الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وكان يجوز أن يقول: «أشْقَوها» . وكان ينبغي أن يقيد، فيقول: إذا أضيف إلى معرفة، لأن المضاف إلى النكرة حكمه الإفراد والتذكير مطلقاً كالمقترن ب «من» .
فصل
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إذ انبَعَثَ أشْقَاهَا: انبعث لهَا رجلٌ عزيزٌ عارمٌ، منيعٌ في أهلِه، مثلُ أبي زمعة»
الحديث.
وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: قال له: «» أتَدْرِي من أشْقَى الأوَّلينَ» ؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «عَاقرُ النَّاقَةِ» ، ثم قال: «أتَدْرِي من أشْقَى الآخرينَ» ؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «قَاتِلُكَ» » .
قوله: ﴿فَقَالَ لَهُمْ﴾ . إن كان المراد ب «أشْقَاهَا» جماعة، فعود الضمير من «لهم» عليهم واضح وإن كان المراد به علماً بعينه، فالضمير من «لهم» يعود على «ثمود» ، والمراد برسول الله يعني: صالحاً.
وقوله تعالى: ﴿نَاقَةَ الله﴾ منصوب على التحذير، أي احذروا ناقة الله فلا تقربوها، وأضمار الناصب هنا واجب لمكان العطف، فإن إضمار الناصب يجب في ثلاثة مواضع:
أحدها: أن يكون المحذر نفس «إياك» وبابه.
الثاني: أنه يجب فيه عطف.
الثالث: أنه يوجد فيه تكرار، نحو «الأسد الأسد والصبيََّ الصبيَّ، والحذرَ الحذرَ» .
وقيل: ذروا ناقة الله، كقوله تعالى: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ في أَرْضِ الله﴾ [هود: 64] . وقرأ زيد بن علي: «ناقَةُ اللهِ» رفعاً، على إضمار مبتدأ مضمر، أي: هذه ناقة الله فلا تتعرضوا لها.
قوله: ﴿وَسُقْيَاهَا﴾ . أي ذروها وشربها، فإنهم لما اقترحوا الناقة، أخرجها لهم من الصخرة وجعل لهم شرب يوم من بئرهم، ولها شرب يوم مكان ذلك، فشق عليهم، فكذبوه يعني صالحاً - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - في وعيدهم بالعذاب.
﴿فَعَقَرُوهَا﴾ أي: عقرها الأشقى، وأضاف إلى الكل، لأنهم رضوا بفعله.
قال قتادة: بلغنا أنه لم يعقر حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم.
وقال الفراء: عقرها اثنان، والعرب تقول: هذان أفضل الناس، وهذا خير الناس، وهذه المرأة أشقى القوم، فلهذا لم يقل: أشقياها.
قوله: ﴿فَدَمْدمَ﴾ . الدمدمة: قيل: الإطباق، يقال: دمدمت عليه القبر، أي: أطبقته عليه، أي: أهلكهم وأطبق عليهم العذاب ﴿بِذَنبِهِمْ﴾ الذي هو الكفر والتكذيب والعقر.
وقال المؤرج: الدمدمة: الإهلاك باستئصال.
وروى الضحاك عن ابن عباس: «دمدم عليهم، دمر عليهم ربهم» بذَنبِهم «أي: بجرمهم.
وقال الفراء:» فدَمْدَمَ» أي: أرجف. وحقيقة الدمدمة: تضعيف العذاب وترديده، ويقال: دممت على الشيء: أي: أطبقت عليه، فإذا كرر الإطباق قلت: دمدمت. وفي «الصحاح» : ودمدمت الشيء: إذا ألصقته بالأرض وطحطحته.
[قال القشيري: وقيل دمدمت على الميت التراب أي سويته عليه، والمعنى على هذا فجعلهم تحت التراب فسواها أي فسوى عليهم الأرض، وعلى الأول: فسواها: أي فسوى الدمامة، وقيل: الدمدمة حكاية صوت الهدة، وذلك أن الصيحة أهلكتهم فأتت على صغيرهم وكبيرهم] .
وقال ابن الأنباري: دمدم: أي: غضب، والدمدمة: الكلام الذي يزعج الرجل ودمدمت الثوب طليته بالصيغ والباء في بذنبهم للسببية.
وقرأ ابن الزبير: «فدهدم» بهاء بين الدالين بدل الميم، وهي بمعنى القراءة المشهورة.
قال القرطبي: «وهما لغتان، كما يقال: امتقع لونه، وانتقع» .
قوله: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ . الضمير المنصوب يجوز عوده على «ثمود» باعتبار القبيلة كما أعاده في قوله تعالى ﴿بِطَغْوَاهَآ﴾ ويجوز عوده على «الدمدمة» والعقوبة أي: سواها بينهم، فلم يفلت منهم أحد.
قوله: ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ . قرأ نافع وابن عامر: «فَلاَ» بالفاء، والباقون: بالواو، ورسمت في مصاحف المدينة والشام بالفاء، وفي غيرها بالواو، فقد قرأ كل بما يوافق رسم مصحفه.
وروي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يقرأ: ولم يخف، وهي مؤيدة لقراءة الواو. ذكره الزمخشري.
فالفاء تقتضي التعقيب، وهو ظاهر، والواو يجوز أن تكون للحال، وأن تكون لاستئناف الإخبار.
قال القرطبي: روي أن ابن وهب وابن القاسم قالا: أخرج إلينا مالك مصحفاً لجده، وزعم أنه كتبه في أيام عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - حين كتب المصاحف، وفيه: «ولاَ يَخافُ» بالواو وكذا هي في مصاحف أهل مكة والعراق: بالواو، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم.
وضمير الفاعل في «يَخَافُ» الأظهر عوده على الرب تبارك وتعالى، لأنه أقرب مذكور، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد، والهاء في «عُقْبَاهَا» ترجع إلى الفعلة، وذلك لأنه تعالى يفعل ذلك بحق، وكل من فعل فعلاً بحق فإنه لا يخاف عاقبة فعله.
وقيل: المراد تحقيق ذلك الفعل والله تعالى أجل من أن يوصف بذلك.
وقيل: المعنى أنه بالغ في الإعذار إليهم مبالغة من لا يخاف عاقبة عذابهم.
وقيل: يرجع إلى رسول الله، أي: لا يخاف صالح - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - عقبى هذه العقوبة لإنذاره إياهم، ونجاه الله حين أهلكهم.
وقال السديُّ والضحاك والكلبي: إن الضمير يرجع إلى «أشْقَاهَا» ، أي: انبعث لعقرها والحال أنه غير خائف عاقبة هذه الفعلة الشنعاء، وهو مروي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أيضاً.
في الكلام تقديم وتأخير: إذ انبعث أشقاها ولا يخاف عقباها، وعقبى الشيء: خاتمته.
وروى الثعلبي عن أبيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ ﴿والشمس وَضُحَاهَا﴾ فكَأَنَّمَا تصدَّق بِكُلِّ شيءٍ طَلعتْ عليْهِ الشَّمْسُ والقَمرُ» .
سورة الليل
الشمس 91:14
قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾ . في هذه الباء ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها للاستعانة مجازاً، كقولك: «كتبت بالقلم» ، وبه بدأ الزمخشري، يعني فعلت التكذيب بطغيانها، كقولك: ظلمني بجرأته على الله تعالى.
والثاني: أنها للتعدية، أي كذبت بما أوعدت به من عذابها ذي الطغيان، كقوله تعالى: ﴿فَأُهْلِكُواْ بالطاغية﴾ [الحاقة: 5] قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: وكان اسم العذاب الذي جاءها الطغوى، لأنه طغى عليهم. قال ابن الخطيب: وهذا لا يبعد لأن الطغيان مجاوزة [الحد فسمي عذابهم طغوا لأنه كالصيحة مجاوزة] للقدر المعتاد.
والثالث: أنها للسببية، أي: بسبب طغيانها، وهو خروجها عن الحدّ في العصيان قاله مجاهد وقتادة وغيرهما.
وقال محمد بن كعب: بأجمعها.
وقيل: مصدر، وخرج على هذا المخرج، لأنه أشكل برءوس الآي.
وقيل: إن الأصل «بطُغيانِهَا» إلا أن «فُعلَى» إذا كانت من ذوات الياء أبدلت في الاسم واو ليفصل بين الاسم والوصف.
وقرأ العامة: «بطغواها» بفتح الطاء، وهو مصدر بمعنى الطغيان، وإنما قلبت الياء واواً لما تقدم، من الفرق بين الاسم والصفة، يعني أنهم يقرون ياء «فَعْلى» - بالفتح - صفة، نحو جريا، وصديا، ويقلبونها في الاسم، نحو «تَقْوى، وشَرْوى» ، وكان الإقرار في الوصف، لأنه أثقل من الاسم والياء أخف من الواو، فلذلك جعلت في الأثقل.
وقرأ الحسن ومحمد بن كعب والجحدري، وحماد: بضم الطاء، وهو أيضاً مصدر، كالرُّجعى والحسنى، إلا أن هذا شاذ، إذ كان من حقه بقاء الياء على حالها، كالسُّقيا، وبابها، وهذا كله عند من يقول: «طغيت طغياناً» بالياء، فأما من يقول: «طغوت» بالواو فالواو أصل عنده. قاله أبو البقاء، وقد تقدم الكلام على اللغتين في البقرة.
قوله: ﴿إِذِ انبعث أَشْقَاهَا﴾ . يجوز في «إذ» وجهان:
أحدهما: أن تكون ظرفاً ل «كذبت» .
والثاني: أن تكون ظرفاً للطغوى.
و «انبعثت» مطاوع بعثت فلاناً على الأمر فانبعث له، و «أشْقَاهَا» فاعل «انبعَثَ» أي: نهض، والانبعاث: الإسراع، وفيه وجهان:
أحدهما: ان يراد به شخص معين، روي أن اسمه: قدار بن سالف.
والثاني: أن يراد به جماعة قال الزمخشري: ويجوز أن يكونوا جماعة للتسوية في «أفعل» التفضيل، إذا أضيف بين الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وكان يجوز أن يقول: «أشْقَوها» . وكان ينبغي أن يقيد، فيقول: إذا أضيف إلى معرفة، لأن المضاف إلى النكرة حكمه الإفراد والتذكير مطلقاً كالمقترن ب «من» .
فصل
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إذ انبَعَثَ أشْقَاهَا: انبعث لهَا رجلٌ عزيزٌ عارمٌ، منيعٌ في أهلِه، مثلُ أبي زمعة»
الحديث.
وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: قال له: «» أتَدْرِي من أشْقَى الأوَّلينَ» ؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «عَاقرُ النَّاقَةِ» ، ثم قال: «أتَدْرِي من أشْقَى الآخرينَ» ؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «قَاتِلُكَ» » .
قوله: ﴿فَقَالَ لَهُمْ﴾ . إن كان المراد ب «أشْقَاهَا» جماعة، فعود الضمير من «لهم» عليهم واضح وإن كان المراد به علماً بعينه، فالضمير من «لهم» يعود على «ثمود» ، والمراد برسول الله يعني: صالحاً.
وقوله تعالى: ﴿نَاقَةَ الله﴾ منصوب على التحذير، أي احذروا ناقة الله فلا تقربوها، وأضمار الناصب هنا واجب لمكان العطف، فإن إضمار الناصب يجب في ثلاثة مواضع:
أحدها: أن يكون المحذر نفس «إياك» وبابه.
الثاني: أنه يجب فيه عطف.
الثالث: أنه يوجد فيه تكرار، نحو «الأسد الأسد والصبيََّ الصبيَّ، والحذرَ الحذرَ» .
وقيل: ذروا ناقة الله، كقوله تعالى: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ في أَرْضِ الله﴾ [هود: 64] . وقرأ زيد بن علي: «ناقَةُ اللهِ» رفعاً، على إضمار مبتدأ مضمر، أي: هذه ناقة الله فلا تتعرضوا لها.
قوله: ﴿وَسُقْيَاهَا﴾ . أي ذروها وشربها، فإنهم لما اقترحوا الناقة، أخرجها لهم من الصخرة وجعل لهم شرب يوم من بئرهم، ولها شرب يوم مكان ذلك، فشق عليهم، فكذبوه يعني صالحاً - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - في وعيدهم بالعذاب.
﴿فَعَقَرُوهَا﴾ أي: عقرها الأشقى، وأضاف إلى الكل، لأنهم رضوا بفعله.
قال قتادة: بلغنا أنه لم يعقر حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم.
وقال الفراء: عقرها اثنان، والعرب تقول: هذان أفضل الناس، وهذا خير الناس، وهذه المرأة أشقى القوم، فلهذا لم يقل: أشقياها.
قوله: ﴿فَدَمْدمَ﴾ . الدمدمة: قيل: الإطباق، يقال: دمدمت عليه القبر، أي: أطبقته عليه، أي: أهلكهم وأطبق عليهم العذاب ﴿بِذَنبِهِمْ﴾ الذي هو الكفر والتكذيب والعقر.
وقال المؤرج: الدمدمة: الإهلاك باستئصال.
وروى الضحاك عن ابن عباس: «دمدم عليهم، دمر عليهم ربهم» بذَنبِهم «أي: بجرمهم.
وقال الفراء:» فدَمْدَمَ» أي: أرجف. وحقيقة الدمدمة: تضعيف العذاب وترديده، ويقال: دممت على الشيء: أي: أطبقت عليه، فإذا كرر الإطباق قلت: دمدمت. وفي «الصحاح» : ودمدمت الشيء: إذا ألصقته بالأرض وطحطحته.
[قال القشيري: وقيل دمدمت على الميت التراب أي سويته عليه، والمعنى على هذا فجعلهم تحت التراب فسواها أي فسوى عليهم الأرض، وعلى الأول: فسواها: أي فسوى الدمامة، وقيل: الدمدمة حكاية صوت الهدة، وذلك أن الصيحة أهلكتهم فأتت على صغيرهم وكبيرهم] .
وقال ابن الأنباري: دمدم: أي: غضب، والدمدمة: الكلام الذي يزعج الرجل ودمدمت الثوب طليته بالصيغ والباء في بذنبهم للسببية.
وقرأ ابن الزبير: «فدهدم» بهاء بين الدالين بدل الميم، وهي بمعنى القراءة المشهورة.
قال القرطبي: «وهما لغتان، كما يقال: امتقع لونه، وانتقع» .
قوله: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ . الضمير المنصوب يجوز عوده على «ثمود» باعتبار القبيلة كما أعاده في قوله تعالى ﴿بِطَغْوَاهَآ﴾ ويجوز عوده على «الدمدمة» والعقوبة أي: سواها بينهم، فلم يفلت منهم أحد.
قوله: ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ . قرأ نافع وابن عامر: «فَلاَ» بالفاء، والباقون: بالواو، ورسمت في مصاحف المدينة والشام بالفاء، وفي غيرها بالواو، فقد قرأ كل بما يوافق رسم مصحفه.
وروي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يقرأ: ولم يخف، وهي مؤيدة لقراءة الواو. ذكره الزمخشري.
فالفاء تقتضي التعقيب، وهو ظاهر، والواو يجوز أن تكون للحال، وأن تكون لاستئناف الإخبار.
قال القرطبي: روي أن ابن وهب وابن القاسم قالا: أخرج إلينا مالك مصحفاً لجده، وزعم أنه كتبه في أيام عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - حين كتب المصاحف، وفيه: «ولاَ يَخافُ» بالواو وكذا هي في مصاحف أهل مكة والعراق: بالواو، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم.
وضمير الفاعل في «يَخَافُ» الأظهر عوده على الرب تبارك وتعالى، لأنه أقرب مذكور، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد، والهاء في «عُقْبَاهَا» ترجع إلى الفعلة، وذلك لأنه تعالى يفعل ذلك بحق، وكل من فعل فعلاً بحق فإنه لا يخاف عاقبة فعله.
وقيل: المراد تحقيق ذلك الفعل والله تعالى أجل من أن يوصف بذلك.
وقيل: المعنى أنه بالغ في الإعذار إليهم مبالغة من لا يخاف عاقبة عذابهم.
وقيل: يرجع إلى رسول الله، أي: لا يخاف صالح - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - عقبى هذه العقوبة لإنذاره إياهم، ونجاه الله حين أهلكهم.
وقال السديُّ والضحاك والكلبي: إن الضمير يرجع إلى «أشْقَاهَا» ، أي: انبعث لعقرها والحال أنه غير خائف عاقبة هذه الفعلة الشنعاء، وهو مروي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أيضاً.
في الكلام تقديم وتأخير: إذ انبعث أشقاها ولا يخاف عقباها، وعقبى الشيء: خاتمته.
وروى الثعلبي عن أبيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ ﴿والشمس وَضُحَاهَا﴾ فكَأَنَّمَا تصدَّق بِكُلِّ شيءٍ طَلعتْ عليْهِ الشَّمْسُ والقَمرُ» .
سورة الليل
الشمس 91:15
قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾ . في هذه الباء ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها للاستعانة مجازاً، كقولك: «كتبت بالقلم» ، وبه بدأ الزمخشري، يعني فعلت التكذيب بطغيانها، كقولك: ظلمني بجرأته على الله تعالى.
والثاني: أنها للتعدية، أي كذبت بما أوعدت به من عذابها ذي الطغيان، كقوله تعالى: ﴿فَأُهْلِكُواْ بالطاغية﴾ [الحاقة: 5] قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: وكان اسم العذاب الذي جاءها الطغوى، لأنه طغى عليهم. قال ابن الخطيب: وهذا لا يبعد لأن الطغيان مجاوزة [الحد فسمي عذابهم طغوا لأنه كالصيحة مجاوزة] للقدر المعتاد.
والثالث: أنها للسببية، أي: بسبب طغيانها، وهو خروجها عن الحدّ في العصيان قاله مجاهد وقتادة وغيرهما.
وقال محمد بن كعب: بأجمعها.
وقيل: مصدر، وخرج على هذا المخرج، لأنه أشكل برءوس الآي.
وقيل: إن الأصل «بطُغيانِهَا» إلا أن «فُعلَى» إذا كانت من ذوات الياء أبدلت في الاسم واو ليفصل بين الاسم والوصف.
وقرأ العامة: «بطغواها» بفتح الطاء، وهو مصدر بمعنى الطغيان، وإنما قلبت الياء واواً لما تقدم، من الفرق بين الاسم والصفة، يعني أنهم يقرون ياء «فَعْلى» - بالفتح - صفة، نحو جريا، وصديا، ويقلبونها في الاسم، نحو «تَقْوى، وشَرْوى» ، وكان الإقرار في الوصف، لأنه أثقل من الاسم والياء أخف من الواو، فلذلك جعلت في الأثقل.
وقرأ الحسن ومحمد بن كعب والجحدري، وحماد: بضم الطاء، وهو أيضاً مصدر، كالرُّجعى والحسنى، إلا أن هذا شاذ، إذ كان من حقه بقاء الياء على حالها، كالسُّقيا، وبابها، وهذا كله عند من يقول: «طغيت طغياناً» بالياء، فأما من يقول: «طغوت» بالواو فالواو أصل عنده. قاله أبو البقاء، وقد تقدم الكلام على اللغتين في البقرة.
قوله: ﴿إِذِ انبعث أَشْقَاهَا﴾ . يجوز في «إذ» وجهان:
أحدهما: أن تكون ظرفاً ل «كذبت» .
والثاني: أن تكون ظرفاً للطغوى.
و «انبعثت» مطاوع بعثت فلاناً على الأمر فانبعث له، و «أشْقَاهَا» فاعل «انبعَثَ» أي: نهض، والانبعاث: الإسراع، وفيه وجهان:
أحدهما: ان يراد به شخص معين، روي أن اسمه: قدار بن سالف.
والثاني: أن يراد به جماعة قال الزمخشري: ويجوز أن يكونوا جماعة للتسوية في «أفعل» التفضيل، إذا أضيف بين الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وكان يجوز أن يقول: «أشْقَوها» . وكان ينبغي أن يقيد، فيقول: إذا أضيف إلى معرفة، لأن المضاف إلى النكرة حكمه الإفراد والتذكير مطلقاً كالمقترن ب «من» .
فصل
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إذ انبَعَثَ أشْقَاهَا: انبعث لهَا رجلٌ عزيزٌ عارمٌ، منيعٌ في أهلِه، مثلُ أبي زمعة»
الحديث.
وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: قال له: «» أتَدْرِي من أشْقَى الأوَّلينَ» ؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «عَاقرُ النَّاقَةِ» ، ثم قال: «أتَدْرِي من أشْقَى الآخرينَ» ؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «قَاتِلُكَ» » .
قوله: ﴿فَقَالَ لَهُمْ﴾ . إن كان المراد ب «أشْقَاهَا» جماعة، فعود الضمير من «لهم» عليهم واضح وإن كان المراد به علماً بعينه، فالضمير من «لهم» يعود على «ثمود» ، والمراد برسول الله يعني: صالحاً.
وقوله تعالى: ﴿نَاقَةَ الله﴾ منصوب على التحذير، أي احذروا ناقة الله فلا تقربوها، وأضمار الناصب هنا واجب لمكان العطف، فإن إضمار الناصب يجب في ثلاثة مواضع:
أحدها: أن يكون المحذر نفس «إياك» وبابه.
الثاني: أنه يجب فيه عطف.
الثالث: أنه يوجد فيه تكرار، نحو «الأسد الأسد والصبيََّ الصبيَّ، والحذرَ الحذرَ» .
وقيل: ذروا ناقة الله، كقوله تعالى: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ في أَرْضِ الله﴾ [هود: 64] . وقرأ زيد بن علي: «ناقَةُ اللهِ» رفعاً، على إضمار مبتدأ مضمر، أي: هذه ناقة الله فلا تتعرضوا لها.
قوله: ﴿وَسُقْيَاهَا﴾ . أي ذروها وشربها، فإنهم لما اقترحوا الناقة، أخرجها لهم من الصخرة وجعل لهم شرب يوم من بئرهم، ولها شرب يوم مكان ذلك، فشق عليهم، فكذبوه يعني صالحاً - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - في وعيدهم بالعذاب.
﴿فَعَقَرُوهَا﴾ أي: عقرها الأشقى، وأضاف إلى الكل، لأنهم رضوا بفعله.
قال قتادة: بلغنا أنه لم يعقر حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم.
وقال الفراء: عقرها اثنان، والعرب تقول: هذان أفضل الناس، وهذا خير الناس، وهذه المرأة أشقى القوم، فلهذا لم يقل: أشقياها.
قوله: ﴿فَدَمْدمَ﴾ . الدمدمة: قيل: الإطباق، يقال: دمدمت عليه القبر، أي: أطبقته عليه، أي: أهلكهم وأطبق عليهم العذاب ﴿بِذَنبِهِمْ﴾ الذي هو الكفر والتكذيب والعقر.
وقال المؤرج: الدمدمة: الإهلاك باستئصال.
وروى الضحاك عن ابن عباس: «دمدم عليهم، دمر عليهم ربهم» بذَنبِهم «أي: بجرمهم.
وقال الفراء:» فدَمْدَمَ» أي: أرجف. وحقيقة الدمدمة: تضعيف العذاب وترديده، ويقال: دممت على الشيء: أي: أطبقت عليه، فإذا كرر الإطباق قلت: دمدمت. وفي «الصحاح» : ودمدمت الشيء: إذا ألصقته بالأرض وطحطحته.
[قال القشيري: وقيل دمدمت على الميت التراب أي سويته عليه، والمعنى على هذا فجعلهم تحت التراب فسواها أي فسوى عليهم الأرض، وعلى الأول: فسواها: أي فسوى الدمامة، وقيل: الدمدمة حكاية صوت الهدة، وذلك أن الصيحة أهلكتهم فأتت على صغيرهم وكبيرهم] .
وقال ابن الأنباري: دمدم: أي: غضب، والدمدمة: الكلام الذي يزعج الرجل ودمدمت الثوب طليته بالصيغ والباء في بذنبهم للسببية.
وقرأ ابن الزبير: «فدهدم» بهاء بين الدالين بدل الميم، وهي بمعنى القراءة المشهورة.
قال القرطبي: «وهما لغتان، كما يقال: امتقع لونه، وانتقع» .
قوله: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ . الضمير المنصوب يجوز عوده على «ثمود» باعتبار القبيلة كما أعاده في قوله تعالى ﴿بِطَغْوَاهَآ﴾ ويجوز عوده على «الدمدمة» والعقوبة أي: سواها بينهم، فلم يفلت منهم أحد.
قوله: ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ . قرأ نافع وابن عامر: «فَلاَ» بالفاء، والباقون: بالواو، ورسمت في مصاحف المدينة والشام بالفاء، وفي غيرها بالواو، فقد قرأ كل بما يوافق رسم مصحفه.
وروي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يقرأ: ولم يخف، وهي مؤيدة لقراءة الواو. ذكره الزمخشري.
فالفاء تقتضي التعقيب، وهو ظاهر، والواو يجوز أن تكون للحال، وأن تكون لاستئناف الإخبار.
قال القرطبي: روي أن ابن وهب وابن القاسم قالا: أخرج إلينا مالك مصحفاً لجده، وزعم أنه كتبه في أيام عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - حين كتب المصاحف، وفيه: «ولاَ يَخافُ» بالواو وكذا هي في مصاحف أهل مكة والعراق: بالواو، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم.
وضمير الفاعل في «يَخَافُ» الأظهر عوده على الرب تبارك وتعالى، لأنه أقرب مذكور، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد، والهاء في «عُقْبَاهَا» ترجع إلى الفعلة، وذلك لأنه تعالى يفعل ذلك بحق، وكل من فعل فعلاً بحق فإنه لا يخاف عاقبة فعله.
وقيل: المراد تحقيق ذلك الفعل والله تعالى أجل من أن يوصف بذلك.
وقيل: المعنى أنه بالغ في الإعذار إليهم مبالغة من لا يخاف عاقبة عذابهم.
وقيل: يرجع إلى رسول الله، أي: لا يخاف صالح - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - عقبى هذه العقوبة لإنذاره إياهم، ونجاه الله حين أهلكهم.
وقال السديُّ والضحاك والكلبي: إن الضمير يرجع إلى «أشْقَاهَا» ، أي: انبعث لعقرها والحال أنه غير خائف عاقبة هذه الفعلة الشنعاء، وهو مروي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أيضاً.
في الكلام تقديم وتأخير: إذ انبعث أشقاها ولا يخاف عقباها، وعقبى الشيء: خاتمته.
وروى الثعلبي عن أبيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ ﴿والشمس وَضُحَاهَا﴾ فكَأَنَّمَا تصدَّق بِكُلِّ شيءٍ طَلعتْ عليْهِ الشَّمْسُ والقَمرُ» .
سورة الليل