Al Lubab fi Ulum Al Kitab — الليل 92:1 – الضحى 93:11
المحتويات
- الليل 92:1
- الليل 92:2
- الليل 92:3
- الليل 92:4
- الليل 92:5
- الليل 92:6
- الليل 92:7
- الليل 92:8
- الليل 92:9
- الليل 92:10
- الليل 92:11
- الليل 92:12
- الليل 92:13
- الليل 92:14
- الليل 92:15
- الليل 92:16
- الليل 92:17
- الليل 92:18
- الليل 92:19
- الليل 92:20
- الليل 92:21
- الضحى 93:1
- الضحى 93:2
- الضحى 93:3
- الضحى 93:4
- الضحى 93:5
- الضحى 93:6
- الضحى 93:7
- الضحى 93:8
- الضحى 93:9
- الضحى 93:10
- الضحى 93:11
الليل 92:1
مكية، وقيل: مدنية، وهي إحدى وعشرون آية، وإحدى وسبعون كلمة، وثلاثمائة وعشرة أحرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والليل إِذَا يغشى﴾ . أي: يغطي، ولم يذكر مفعولاً، للعلم به.
وقيل: يغشى النهار.
وقيل: الأرض.
قال قتادة: أول ما خلق الله تعالى النور والظلمة ثم ميز بينهما، فجعل الظلمة ليلاً أسود مظلماً، والنور نهاراً والنهار مضيئاً مبصراً.
قال ابن الخطيب: أقسم بالليل الذي يأوي فيه كل حيوان إلى مأواه وتسكن الخلق عن الاضطراب، ويجيئهم النوم الذي جعله الله تعالى راحة لأبدانهم وغذاء لأرواحهم ثم أقسم تعالى بالنهار إذا تجلى، لأن النهار إذا كشف بضوئه ما كان في الدنيا من الظلمة، جاء الوقت الذي يتحرك فيه الناس لمعاشهم والطير والهوام من مكانها، فلو كان الدهر كله ليلاً لتعذر المعاش، ولو كان كله نهاراً لبطلت الراحة، لكن المصلحة في تعاقبهما، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي جَعَلَ الليل والنهار خِلْفَةً﴾ [الفرقان: 62] ، وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الليل والنهار﴾ [إبراهيم: 33] فقوله ﴿والنهار إِذَا تجلى﴾ أي: انكشف وظهر وبان بضوئه عن ظلمة الليل. وقرأ العامة: «تَجَلّي» فعلاً ماضياً، وفاعله ضمير عائد على النهار.
وقرأ عبد الله بن عمير: «تتجلى» بتاءين، أي: الشمس، وقرأ «تُجْلِي» بضم التاء وسكون الجيم أي: الشمس أيضاً، ولا بد من عائد على النهار محذوف أي: تتجلى أو تجلى فيه. قوله: ﴿وَمَا خَلَقَ﴾ . يجوز في «ما» أن تكون بمعنى «من» على ما تقدم في سورة «والشمس» .
قال الحسن: معناه، والذي خلق فيكون قد أقسم بنفسه تعالى.
وقيل: مصدرية.
قال الزمخشري: «والقادر: العظيم القدرة الذي قدر على خلق الذكر والأنثى من ماء واحد» ، وقد تقدم هذا القول، والاعتراض عليه، والجواب عنه في السورة قبلها. وقرأ أبو الدرداء: «والذكر والأنثى» ، وقرأ عبد الله: «والذي خلق» وقرأ الكسائي، ونقلها ثعلبة عن بعض السلف: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرِ﴾ بجر الذكر.
قال الزمخشري: «على أنه بدل من محل ما خلق بمعنى وما خلقه الله، أي: ومخلوق الله الذكر والأنثى، وجاز إضمار اسم الله لأنه معلوم بالخلق، إذ لا خالق سواه» .
وقيل: المعنى، وما خلق من الذكر والأنثى، فتكون «من» مضمرة، ويكون القسم منه بأهل طاعته، من أنبيائه وأوليائه ويكون قسمه بهم تكريماً لهم وتشريفاً.
قال أبو حيان: وقد يخرج على توهم المصدر، أي: وخلق الذكر؛ كقوله: [المتقارب]
5224 - تَطُوفُ العُفَاةُ بأبْوابِهِ ... كمَا طَافَ بالبَيْعَةِ الرَّاهبِ
بجر «الراهب» على توهم النطق بالمصدر، أي: كطوف الراهب انتهى.
والذي يظهر في تخريج البيت أن أصله: الراهبي - بياء النسب - ثم خفف، وهو قليل، كقولهم: أحمري، وداودي، وهذا التخريج بعينه في قول امرئ القيس: [الطويل]
5225 - ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... . ... فَقِلْ في مَقِيلٍ نَحسهُ مُتغيِّبِ
لما استشهد به الكوفيون على تقديم الفاعل.
وروي عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه كان يقرأ: ﴿والنهار إِذَا تجلى والذكر والأنثى﴾ ويسقط ﴿وَمَا خَلَقَ﴾ .
وفي صحيح مسلم عن علقمة، قال: قدمنا «الشام» ، فأتانا أبو الدرداء، فقال: فيكم أحد يقرأ عليّ قراءة عبد الله؟ فقلت: نعم، أنا، قال: فكيف سمعت عبد الله يقرأ هذه الآية: ﴿والليل إِذَا يغشى﴾ ؟ قال: سمعته يقرأ «والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى، والذكر والأنثى» قال. وأنا والله هكذا سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقرؤها، ولكن هؤلاء يريدون أن أقرأ «ومَا خَلَقَ» فلا أتابعهم.
وقال ابن الأنباري: حدثنا محمد بن يحيى المروزي بسنده إلى عبد الله، قال: أقرأني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنِّي أنَا الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المتينُ» .
قال ابن الأنباري: كل من هذين الحديثين مردود بخلاف الإجماع له، وإن حمزة وعاصماً يرويان عن عبد الله بن مسعود فيما عليه جماعة من المسلمين، وموافقة الإجماع أولى من الأخذ بقول واحد يخالفه الإجماع.
فصل في المراد بالذكر والأنثى
قيل المراد بالذكر والأنثى، آدم وحواء - عليهما الصلاة والسلام - قاله ابن عباس والحسن والكلبي.
وقيل: جميع الذكور والإناث من جميع الحيوانات.
وقيل: كل ذكر وأنثى من الآدميين فقط لاختصاصهم بولاية الله تعالى وطاعته.
فصل في معنى الآية
وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى﴾ . هذا جواب القسم، والمعنى: إن أعمالكم لتختلف، [ويجوز أن يكون محذوفاً كما قيل في نظائره المتقدمة، وشتى واحدهُ شتيت مثل مريض ومرضى، وإنما قيل للمختلف: شتَّى، لتباعد ما بين بعضه وبعضه، أي إن أعمالكم المتباعدة بعضه عن بعض لشتى، لأن بعضه ضلالة وبعضه هدى، أي: فمنكم مؤمن، وبر، وكافر، وفاجر، ومطيع، وعاص.
وقيل: لشتَّى أي: لمختلف الجزاء فمنكم مثاب بالجنة ومعاقب بالنار وقيل لمختلف الأخلاق، فمنكم راحم وقاسي وحليم وطائش وجواد وبخيل]
قال المفسرون: نزلت هذه الآية في أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وأبي سفيان.
الليل 92:2
مكية، وقيل: مدنية، وهي إحدى وعشرون آية، وإحدى وسبعون كلمة، وثلاثمائة وعشرة أحرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والليل إِذَا يغشى﴾ . أي: يغطي، ولم يذكر مفعولاً، للعلم به.
وقيل: يغشى النهار.
وقيل: الأرض.
قال قتادة: أول ما خلق الله تعالى النور والظلمة ثم ميز بينهما، فجعل الظلمة ليلاً أسود مظلماً، والنور نهاراً والنهار مضيئاً مبصراً.
قال ابن الخطيب: أقسم بالليل الذي يأوي فيه كل حيوان إلى مأواه وتسكن الخلق عن الاضطراب، ويجيئهم النوم الذي جعله الله تعالى راحة لأبدانهم وغذاء لأرواحهم ثم أقسم تعالى بالنهار إذا تجلى، لأن النهار إذا كشف بضوئه ما كان في الدنيا من الظلمة، جاء الوقت الذي يتحرك فيه الناس لمعاشهم والطير والهوام من مكانها، فلو كان الدهر كله ليلاً لتعذر المعاش، ولو كان كله نهاراً لبطلت الراحة، لكن المصلحة في تعاقبهما، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي جَعَلَ الليل والنهار خِلْفَةً﴾ [الفرقان: 62] ، وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الليل والنهار﴾ [إبراهيم: 33] فقوله ﴿والنهار إِذَا تجلى﴾ أي: انكشف وظهر وبان بضوئه عن ظلمة الليل. وقرأ العامة: «تَجَلّي» فعلاً ماضياً، وفاعله ضمير عائد على النهار.
وقرأ عبد الله بن عمير: «تتجلى» بتاءين، أي: الشمس، وقرأ «تُجْلِي» بضم التاء وسكون الجيم أي: الشمس أيضاً، ولا بد من عائد على النهار محذوف أي: تتجلى أو تجلى فيه. قوله: ﴿وَمَا خَلَقَ﴾ . يجوز في «ما» أن تكون بمعنى «من» على ما تقدم في سورة «والشمس» .
قال الحسن: معناه، والذي خلق فيكون قد أقسم بنفسه تعالى.
وقيل: مصدرية.
قال الزمخشري: «والقادر: العظيم القدرة الذي قدر على خلق الذكر والأنثى من ماء واحد» ، وقد تقدم هذا القول، والاعتراض عليه، والجواب عنه في السورة قبلها. وقرأ أبو الدرداء: «والذكر والأنثى» ، وقرأ عبد الله: «والذي خلق» وقرأ الكسائي، ونقلها ثعلبة عن بعض السلف: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرِ﴾ بجر الذكر.
قال الزمخشري: «على أنه بدل من محل ما خلق بمعنى وما خلقه الله، أي: ومخلوق الله الذكر والأنثى، وجاز إضمار اسم الله لأنه معلوم بالخلق، إذ لا خالق سواه» .
وقيل: المعنى، وما خلق من الذكر والأنثى، فتكون «من» مضمرة، ويكون القسم منه بأهل طاعته، من أنبيائه وأوليائه ويكون قسمه بهم تكريماً لهم وتشريفاً.
قال أبو حيان: وقد يخرج على توهم المصدر، أي: وخلق الذكر؛ كقوله: [المتقارب]
5224 - تَطُوفُ العُفَاةُ بأبْوابِهِ ... كمَا طَافَ بالبَيْعَةِ الرَّاهبِ
بجر «الراهب» على توهم النطق بالمصدر، أي: كطوف الراهب انتهى.
والذي يظهر في تخريج البيت أن أصله: الراهبي - بياء النسب - ثم خفف، وهو قليل، كقولهم: أحمري، وداودي، وهذا التخريج بعينه في قول امرئ القيس: [الطويل]
5225 - ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... . ... فَقِلْ في مَقِيلٍ نَحسهُ مُتغيِّبِ
لما استشهد به الكوفيون على تقديم الفاعل.
وروي عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه كان يقرأ: ﴿والنهار إِذَا تجلى والذكر والأنثى﴾ ويسقط ﴿وَمَا خَلَقَ﴾ .
وفي صحيح مسلم عن علقمة، قال: قدمنا «الشام» ، فأتانا أبو الدرداء، فقال: فيكم أحد يقرأ عليّ قراءة عبد الله؟ فقلت: نعم، أنا، قال: فكيف سمعت عبد الله يقرأ هذه الآية: ﴿والليل إِذَا يغشى﴾ ؟ قال: سمعته يقرأ «والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى، والذكر والأنثى» قال. وأنا والله هكذا سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقرؤها، ولكن هؤلاء يريدون أن أقرأ «ومَا خَلَقَ» فلا أتابعهم.
وقال ابن الأنباري: حدثنا محمد بن يحيى المروزي بسنده إلى عبد الله، قال: أقرأني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنِّي أنَا الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المتينُ» .
قال ابن الأنباري: كل من هذين الحديثين مردود بخلاف الإجماع له، وإن حمزة وعاصماً يرويان عن عبد الله بن مسعود فيما عليه جماعة من المسلمين، وموافقة الإجماع أولى من الأخذ بقول واحد يخالفه الإجماع.
فصل في المراد بالذكر والأنثى
قيل المراد بالذكر والأنثى، آدم وحواء - عليهما الصلاة والسلام - قاله ابن عباس والحسن والكلبي.
وقيل: جميع الذكور والإناث من جميع الحيوانات.
وقيل: كل ذكر وأنثى من الآدميين فقط لاختصاصهم بولاية الله تعالى وطاعته.
فصل في معنى الآية
وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى﴾ . هذا جواب القسم، والمعنى: إن أعمالكم لتختلف، [ويجوز أن يكون محذوفاً كما قيل في نظائره المتقدمة، وشتى واحدهُ شتيت مثل مريض ومرضى، وإنما قيل للمختلف: شتَّى، لتباعد ما بين بعضه وبعضه، أي إن أعمالكم المتباعدة بعضه عن بعض لشتى، لأن بعضه ضلالة وبعضه هدى، أي: فمنكم مؤمن، وبر، وكافر، وفاجر، ومطيع، وعاص.
وقيل: لشتَّى أي: لمختلف الجزاء فمنكم مثاب بالجنة ومعاقب بالنار وقيل لمختلف الأخلاق، فمنكم راحم وقاسي وحليم وطائش وجواد وبخيل]
قال المفسرون: نزلت هذه الآية في أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وأبي سفيان.
الليل 92:3
مكية، وقيل: مدنية، وهي إحدى وعشرون آية، وإحدى وسبعون كلمة، وثلاثمائة وعشرة أحرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والليل إِذَا يغشى﴾ . أي: يغطي، ولم يذكر مفعولاً، للعلم به.
وقيل: يغشى النهار.
وقيل: الأرض.
قال قتادة: أول ما خلق الله تعالى النور والظلمة ثم ميز بينهما، فجعل الظلمة ليلاً أسود مظلماً، والنور نهاراً والنهار مضيئاً مبصراً.
قال ابن الخطيب: أقسم بالليل الذي يأوي فيه كل حيوان إلى مأواه وتسكن الخلق عن الاضطراب، ويجيئهم النوم الذي جعله الله تعالى راحة لأبدانهم وغذاء لأرواحهم ثم أقسم تعالى بالنهار إذا تجلى، لأن النهار إذا كشف بضوئه ما كان في الدنيا من الظلمة، جاء الوقت الذي يتحرك فيه الناس لمعاشهم والطير والهوام من مكانها، فلو كان الدهر كله ليلاً لتعذر المعاش، ولو كان كله نهاراً لبطلت الراحة، لكن المصلحة في تعاقبهما، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي جَعَلَ الليل والنهار خِلْفَةً﴾ [الفرقان: 62] ، وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الليل والنهار﴾ [إبراهيم: 33] فقوله ﴿والنهار إِذَا تجلى﴾ أي: انكشف وظهر وبان بضوئه عن ظلمة الليل. وقرأ العامة: «تَجَلّي» فعلاً ماضياً، وفاعله ضمير عائد على النهار.
وقرأ عبد الله بن عمير: «تتجلى» بتاءين، أي: الشمس، وقرأ «تُجْلِي» بضم التاء وسكون الجيم أي: الشمس أيضاً، ولا بد من عائد على النهار محذوف أي: تتجلى أو تجلى فيه. قوله: ﴿وَمَا خَلَقَ﴾ . يجوز في «ما» أن تكون بمعنى «من» على ما تقدم في سورة «والشمس» .
قال الحسن: معناه، والذي خلق فيكون قد أقسم بنفسه تعالى.
وقيل: مصدرية.
قال الزمخشري: «والقادر: العظيم القدرة الذي قدر على خلق الذكر والأنثى من ماء واحد» ، وقد تقدم هذا القول، والاعتراض عليه، والجواب عنه في السورة قبلها. وقرأ أبو الدرداء: «والذكر والأنثى» ، وقرأ عبد الله: «والذي خلق» وقرأ الكسائي، ونقلها ثعلبة عن بعض السلف: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرِ﴾ بجر الذكر.
قال الزمخشري: «على أنه بدل من محل ما خلق بمعنى وما خلقه الله، أي: ومخلوق الله الذكر والأنثى، وجاز إضمار اسم الله لأنه معلوم بالخلق، إذ لا خالق سواه» .
وقيل: المعنى، وما خلق من الذكر والأنثى، فتكون «من» مضمرة، ويكون القسم منه بأهل طاعته، من أنبيائه وأوليائه ويكون قسمه بهم تكريماً لهم وتشريفاً.
قال أبو حيان: وقد يخرج على توهم المصدر، أي: وخلق الذكر؛ كقوله: [المتقارب]
5224 - تَطُوفُ العُفَاةُ بأبْوابِهِ ... كمَا طَافَ بالبَيْعَةِ الرَّاهبِ
بجر «الراهب» على توهم النطق بالمصدر، أي: كطوف الراهب انتهى.
والذي يظهر في تخريج البيت أن أصله: الراهبي - بياء النسب - ثم خفف، وهو قليل، كقولهم: أحمري، وداودي، وهذا التخريج بعينه في قول امرئ القيس: [الطويل]
5225 - ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... . ... فَقِلْ في مَقِيلٍ نَحسهُ مُتغيِّبِ
لما استشهد به الكوفيون على تقديم الفاعل.
وروي عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه كان يقرأ: ﴿والنهار إِذَا تجلى والذكر والأنثى﴾ ويسقط ﴿وَمَا خَلَقَ﴾ .
وفي صحيح مسلم عن علقمة، قال: قدمنا «الشام» ، فأتانا أبو الدرداء، فقال: فيكم أحد يقرأ عليّ قراءة عبد الله؟ فقلت: نعم، أنا، قال: فكيف سمعت عبد الله يقرأ هذه الآية: ﴿والليل إِذَا يغشى﴾ ؟ قال: سمعته يقرأ «والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى، والذكر والأنثى» قال. وأنا والله هكذا سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقرؤها، ولكن هؤلاء يريدون أن أقرأ «ومَا خَلَقَ» فلا أتابعهم.
وقال ابن الأنباري: حدثنا محمد بن يحيى المروزي بسنده إلى عبد الله، قال: أقرأني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنِّي أنَا الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المتينُ» .
قال ابن الأنباري: كل من هذين الحديثين مردود بخلاف الإجماع له، وإن حمزة وعاصماً يرويان عن عبد الله بن مسعود فيما عليه جماعة من المسلمين، وموافقة الإجماع أولى من الأخذ بقول واحد يخالفه الإجماع.
فصل في المراد بالذكر والأنثى
قيل المراد بالذكر والأنثى، آدم وحواء - عليهما الصلاة والسلام - قاله ابن عباس والحسن والكلبي.
وقيل: جميع الذكور والإناث من جميع الحيوانات.
وقيل: كل ذكر وأنثى من الآدميين فقط لاختصاصهم بولاية الله تعالى وطاعته.
فصل في معنى الآية
وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى﴾ . هذا جواب القسم، والمعنى: إن أعمالكم لتختلف، [ويجوز أن يكون محذوفاً كما قيل في نظائره المتقدمة، وشتى واحدهُ شتيت مثل مريض ومرضى، وإنما قيل للمختلف: شتَّى، لتباعد ما بين بعضه وبعضه، أي إن أعمالكم المتباعدة بعضه عن بعض لشتى، لأن بعضه ضلالة وبعضه هدى، أي: فمنكم مؤمن، وبر، وكافر، وفاجر، ومطيع، وعاص.
وقيل: لشتَّى أي: لمختلف الجزاء فمنكم مثاب بالجنة ومعاقب بالنار وقيل لمختلف الأخلاق، فمنكم راحم وقاسي وحليم وطائش وجواد وبخيل]
قال المفسرون: نزلت هذه الآية في أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وأبي سفيان.
الليل 92:4
مكية، وقيل: مدنية، وهي إحدى وعشرون آية، وإحدى وسبعون كلمة، وثلاثمائة وعشرة أحرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والليل إِذَا يغشى﴾ . أي: يغطي، ولم يذكر مفعولاً، للعلم به.
وقيل: يغشى النهار.
وقيل: الأرض.
قال قتادة: أول ما خلق الله تعالى النور والظلمة ثم ميز بينهما، فجعل الظلمة ليلاً أسود مظلماً، والنور نهاراً والنهار مضيئاً مبصراً.
قال ابن الخطيب: أقسم بالليل الذي يأوي فيه كل حيوان إلى مأواه وتسكن الخلق عن الاضطراب، ويجيئهم النوم الذي جعله الله تعالى راحة لأبدانهم وغذاء لأرواحهم ثم أقسم تعالى بالنهار إذا تجلى، لأن النهار إذا كشف بضوئه ما كان في الدنيا من الظلمة، جاء الوقت الذي يتحرك فيه الناس لمعاشهم والطير والهوام من مكانها، فلو كان الدهر كله ليلاً لتعذر المعاش، ولو كان كله نهاراً لبطلت الراحة، لكن المصلحة في تعاقبهما، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي جَعَلَ الليل والنهار خِلْفَةً﴾ [الفرقان: 62] ، وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الليل والنهار﴾ [إبراهيم: 33] فقوله ﴿والنهار إِذَا تجلى﴾ أي: انكشف وظهر وبان بضوئه عن ظلمة الليل. وقرأ العامة: «تَجَلّي» فعلاً ماضياً، وفاعله ضمير عائد على النهار.
وقرأ عبد الله بن عمير: «تتجلى» بتاءين، أي: الشمس، وقرأ «تُجْلِي» بضم التاء وسكون الجيم أي: الشمس أيضاً، ولا بد من عائد على النهار محذوف أي: تتجلى أو تجلى فيه. قوله: ﴿وَمَا خَلَقَ﴾ . يجوز في «ما» أن تكون بمعنى «من» على ما تقدم في سورة «والشمس» .
قال الحسن: معناه، والذي خلق فيكون قد أقسم بنفسه تعالى.
وقيل: مصدرية.
قال الزمخشري: «والقادر: العظيم القدرة الذي قدر على خلق الذكر والأنثى من ماء واحد» ، وقد تقدم هذا القول، والاعتراض عليه، والجواب عنه في السورة قبلها. وقرأ أبو الدرداء: «والذكر والأنثى» ، وقرأ عبد الله: «والذي خلق» وقرأ الكسائي، ونقلها ثعلبة عن بعض السلف: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرِ﴾ بجر الذكر.
قال الزمخشري: «على أنه بدل من محل ما خلق بمعنى وما خلقه الله، أي: ومخلوق الله الذكر والأنثى، وجاز إضمار اسم الله لأنه معلوم بالخلق، إذ لا خالق سواه» .
وقيل: المعنى، وما خلق من الذكر والأنثى، فتكون «من» مضمرة، ويكون القسم منه بأهل طاعته، من أنبيائه وأوليائه ويكون قسمه بهم تكريماً لهم وتشريفاً.
قال أبو حيان: وقد يخرج على توهم المصدر، أي: وخلق الذكر؛ كقوله: [المتقارب]
5224 - تَطُوفُ العُفَاةُ بأبْوابِهِ ... كمَا طَافَ بالبَيْعَةِ الرَّاهبِ
بجر «الراهب» على توهم النطق بالمصدر، أي: كطوف الراهب انتهى.
والذي يظهر في تخريج البيت أن أصله: الراهبي - بياء النسب - ثم خفف، وهو قليل، كقولهم: أحمري، وداودي، وهذا التخريج بعينه في قول امرئ القيس: [الطويل]
5225 - ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... . ... فَقِلْ في مَقِيلٍ نَحسهُ مُتغيِّبِ
لما استشهد به الكوفيون على تقديم الفاعل.
وروي عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه كان يقرأ: ﴿والنهار إِذَا تجلى والذكر والأنثى﴾ ويسقط ﴿وَمَا خَلَقَ﴾ .
وفي صحيح مسلم عن علقمة، قال: قدمنا «الشام» ، فأتانا أبو الدرداء، فقال: فيكم أحد يقرأ عليّ قراءة عبد الله؟ فقلت: نعم، أنا، قال: فكيف سمعت عبد الله يقرأ هذه الآية: ﴿والليل إِذَا يغشى﴾ ؟ قال: سمعته يقرأ «والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى، والذكر والأنثى» قال. وأنا والله هكذا سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقرؤها، ولكن هؤلاء يريدون أن أقرأ «ومَا خَلَقَ» فلا أتابعهم.
وقال ابن الأنباري: حدثنا محمد بن يحيى المروزي بسنده إلى عبد الله، قال: أقرأني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنِّي أنَا الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المتينُ» .
قال ابن الأنباري: كل من هذين الحديثين مردود بخلاف الإجماع له، وإن حمزة وعاصماً يرويان عن عبد الله بن مسعود فيما عليه جماعة من المسلمين، وموافقة الإجماع أولى من الأخذ بقول واحد يخالفه الإجماع.
فصل في المراد بالذكر والأنثى
قيل المراد بالذكر والأنثى، آدم وحواء - عليهما الصلاة والسلام - قاله ابن عباس والحسن والكلبي.
وقيل: جميع الذكور والإناث من جميع الحيوانات.
وقيل: كل ذكر وأنثى من الآدميين فقط لاختصاصهم بولاية الله تعالى وطاعته.
فصل في معنى الآية
وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى﴾ . هذا جواب القسم، والمعنى: إن أعمالكم لتختلف، [ويجوز أن يكون محذوفاً كما قيل في نظائره المتقدمة، وشتى واحدهُ شتيت مثل مريض ومرضى، وإنما قيل للمختلف: شتَّى، لتباعد ما بين بعضه وبعضه، أي إن أعمالكم المتباعدة بعضه عن بعض لشتى، لأن بعضه ضلالة وبعضه هدى، أي: فمنكم مؤمن، وبر، وكافر، وفاجر، ومطيع، وعاص.
وقيل: لشتَّى أي: لمختلف الجزاء فمنكم مثاب بالجنة ومعاقب بالنار وقيل لمختلف الأخلاق، فمنكم راحم وقاسي وحليم وطائش وجواد وبخيل]
قال المفسرون: نزلت هذه الآية في أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وأبي سفيان.
الليل 92:5
قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى﴾ . قال ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - يعني أبا بكر، وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى﴾ أي: بذل واتقى محارم الله التي نهي عنها ﴿وَصَدَّقَ بالحسنى﴾ أي: بالخلف من الله تعالى على عطائه ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى﴾ .
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَا مِنْ يَومٍ غَربت شَمْسهُ إلا بُعِثَ بجَنْبتها مَلكانِ يُنَاديانِ يَسْمَعُهمَا خلقُ اللهِ كُلُّهم إلاَّ الثَّقليْنِ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفقاً خَلفاً، وأعْطِ مُمْسِكاً تَلفاً» .
وأنزل الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى وَصَدَّقَ بالحسنى﴾ ... الآيات.
فصل
حذف مفعول «أعطى» ومفعول «اتقى» ، ومفعول «صدّق» المجرور ب «على» ، لأن الغرض ذكرُ هذه الأحداث دون متعلقاتها، وكذلك متعلقات البخل والاستغناء، وقوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى﴾ إما من باب المقابلة لقوله ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى﴾ وإما نيسرهُ: بمعنى نهيئه، والتهيئة تكون في العسر واليسر.
فصل في المراد بالإعطاء
قال المفسرون: «فأمَّا مَنْ أعْطَى» المعسرين.
وقال قتادة: أعطى حق الله الواجب.
وقال الحسن: أعطى الصدق من قلبه وصدق بالحسنى، أي بلا إله إلا الله، وهو قول ابن عباس والضحاك والسلمي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
وقال مجاهد: بالجنة؛ لقوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] .
وقال زيد بن أسلم: في الصلاة والزكاة والصوم.
وقوله: «فسنيسره لليسرى» أي نرشده لأسباب الخير والصلاح حتى يسهل عليه فعلها.
وقال زيد بن أسلم: لليسرى؛ للجنة.
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» مَا مِن نَفسٍ إلاَّ كتَبَ اللهُ - تَعَالَى - مَدخَلهَا «فقال القَوْمُ: يَا رسُولَ اللهِ، أفَلا نَتَّكِلُ على كِتَابِنَا؟ فقَال - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ -:» بَل اعملُوا فكُلٌّ مُيسَّرٌ، فمن كانَ من أهْلِ السَّعَادةِ فإنَّهُ مُيَسَّرٌ لعملِ أهْلِ السَّعادةِ، ومن كَانِ مِنْ أهْلِ الشَّقَاوةِ فإنَّهُ ميسَّرٌ لعملِ أهْلِ الشَّقاوةِ «ثُمَّ قَرَأ: ﴿فأما من أعْطَى واتَّقَى، وصَدقَ بِالحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ » .
قوله: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ واستغنى﴾ . أي: ضنَّ بما عنده فلم يبذل خيراً، وروي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - في قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى﴾ ، قال: سوف أحول بينه وبين الإيمان بالله وبرسوله.
وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال نزلت في أمية بن خلف. وعن ابن عباس: ﴿وأمَّا من بَخِلَ واسْتَغَنَى﴾ ، أي: بخل بماله واستغنى عن ربه ﴿وَكَذَّبَ بالحسنى﴾ أي: بالخلف الذي وعده الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: 39] .
[وقال مجاهد: وكذب بالحسنى أي بالجنة، وعنه: بلا إله إلا الله. فنيسره للعسرى أي نسهل عليه طريقة العسرى للشر، وعن ابن مسعود: أي للنار] .
قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى﴾ يدل على أن التوفيق والخذلان من الله تعالى لأن التيسير يدل على الرجحان ولزم الوجوب، لأنه لا واسطة بين الفعل والترك، ومع الاستواء لا ترجيح فحال المرجوحية أولى بالامتناع، ومتى امتنع أحد الطرفين وجب الآخر إذ لا خروج عن النقيضين. أجاب القفال: أنه من باب تسمية أحد الضدين باسم الآخر، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ [الشورى: 40] فسمى الله الألفاظ الداعية إلى الطَّاعة تيسيراً لليسرى، وسمى ترك هذه الألفاظ تيسيراً للعسرى، أو هو من باب إضافة الفعل إلى السبب دون الفاعل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً﴾ [إبراهيم: 36] ، أو يكون على سبيل الحكم، والإخبار عنه.
وأجيب بأن هذا كلهُ عدول عن الظاهر، والظاهر من جهتنا وهو المقصود من الحديث المتقدم: «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنفوسةٍ» .
قال القفال: معنى الحديث: أن النَّاس خلقوا للعبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] ، وهذا ضعيفٌ؛ لأن هذا جواب عن قولهم: «ألا نتكل» ؟ فقال: اعملوا فكلٌّ ميسر، لما وافق معلوم الله تعالى.
فصل في اليسرى والعسرى
التأنيثُ في «اليُسرَى» و «العُسرَى» إن أريد جماعة الأعمال فظاهر، وإن أريد عمل من الأعمال باعتبار الخصلة، أو الفعلة، أو الطريقة، فمن فسر اليسرى بالجنة، فتيسيرها بإكرام، وسهولة، ومن فسرها بالخير، فتيسيره حضّه عليه ونشاطه، بخلاف المنافق والمرائي، ودخلت السين في «فَسنُيسِّرهُ» بمعنى الترجي، وهذا يفيد القطع من الله تعالى، أو لأن الأعمال بالخواتيم، فقد يعصي المطيع، وبالعكس، أو لأن أكثر الثواب يكون بالآخرة، وهي متأخرة.
قوله: ﴿وَمَا يُغْنِي﴾ ، يجوز أن تكون «ما» نافية، أي: لا يغني عنه ماله شيئاً، وأن تكون استفهاماً إنكارياً، أي: أيُّ شيء يغني عنه ماله إذا هلك، ووقع في جهنم وتردى، ويروى إما من الهلاك يقال: ردي الرجل يردي، إذا هلك؛ قال: [الطويل]
5226 - صَرَفْتُ الهَوَى عَنهُنَّ مِنْ خَشْيَةِ الرَّدَى ...
وقال أبو صالح وزيد بن أسلم: تردى، أي سقط في جهنم، ومنه «المتردية» ، ويقال: ردي من في البئر وتردى: إذا سقط في بئر أو نهر أو من جبل، ويقال: ما أدري أين ردى أي أين ذهب.
ويحتمل أن يكون من تردى، وهو كناية عن الموت؛ كقوله: [الكامل]
5227 - وخُطَّا بأطْرافِ الأسنَّةِ مَضْجعِي ... ورُدَّا عَلى عيْنيَّ فضْلَ رِدائِيَا
وقول الآخر: [الطويل]
5228 - نَصِيبُكَ ممّا تَجْمَعُ الدَّهْرَ كُلَّهُ ... رِداءانِ تُلْوَى فِيهِمَا وحَنُوطُ
الليل 92:6
قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى﴾ . قال ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - يعني أبا بكر، وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى﴾ أي: بذل واتقى محارم الله التي نهي عنها ﴿وَصَدَّقَ بالحسنى﴾ أي: بالخلف من الله تعالى على عطائه ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى﴾ .
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَا مِنْ يَومٍ غَربت شَمْسهُ إلا بُعِثَ بجَنْبتها مَلكانِ يُنَاديانِ يَسْمَعُهمَا خلقُ اللهِ كُلُّهم إلاَّ الثَّقليْنِ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفقاً خَلفاً، وأعْطِ مُمْسِكاً تَلفاً» .
وأنزل الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى وَصَدَّقَ بالحسنى﴾ ... الآيات.
فصل
حذف مفعول «أعطى» ومفعول «اتقى» ، ومفعول «صدّق» المجرور ب «على» ، لأن الغرض ذكرُ هذه الأحداث دون متعلقاتها، وكذلك متعلقات البخل والاستغناء، وقوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى﴾ إما من باب المقابلة لقوله ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى﴾ وإما نيسرهُ: بمعنى نهيئه، والتهيئة تكون في العسر واليسر.
فصل في المراد بالإعطاء
قال المفسرون: «فأمَّا مَنْ أعْطَى» المعسرين.
وقال قتادة: أعطى حق الله الواجب.
وقال الحسن: أعطى الصدق من قلبه وصدق بالحسنى، أي بلا إله إلا الله، وهو قول ابن عباس والضحاك والسلمي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
وقال مجاهد: بالجنة؛ لقوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] .
وقال زيد بن أسلم: في الصلاة والزكاة والصوم.
وقوله: «فسنيسره لليسرى» أي نرشده لأسباب الخير والصلاح حتى يسهل عليه فعلها.
وقال زيد بن أسلم: لليسرى؛ للجنة.
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» مَا مِن نَفسٍ إلاَّ كتَبَ اللهُ - تَعَالَى - مَدخَلهَا «فقال القَوْمُ: يَا رسُولَ اللهِ، أفَلا نَتَّكِلُ على كِتَابِنَا؟ فقَال - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ -:» بَل اعملُوا فكُلٌّ مُيسَّرٌ، فمن كانَ من أهْلِ السَّعَادةِ فإنَّهُ مُيَسَّرٌ لعملِ أهْلِ السَّعادةِ، ومن كَانِ مِنْ أهْلِ الشَّقَاوةِ فإنَّهُ ميسَّرٌ لعملِ أهْلِ الشَّقاوةِ «ثُمَّ قَرَأ: ﴿فأما من أعْطَى واتَّقَى، وصَدقَ بِالحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ » .
قوله: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ واستغنى﴾ . أي: ضنَّ بما عنده فلم يبذل خيراً، وروي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - في قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى﴾ ، قال: سوف أحول بينه وبين الإيمان بالله وبرسوله.
وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال نزلت في أمية بن خلف. وعن ابن عباس: ﴿وأمَّا من بَخِلَ واسْتَغَنَى﴾ ، أي: بخل بماله واستغنى عن ربه ﴿وَكَذَّبَ بالحسنى﴾ أي: بالخلف الذي وعده الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: 39] .
[وقال مجاهد: وكذب بالحسنى أي بالجنة، وعنه: بلا إله إلا الله. فنيسره للعسرى أي نسهل عليه طريقة العسرى للشر، وعن ابن مسعود: أي للنار] .
قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى﴾ يدل على أن التوفيق والخذلان من الله تعالى لأن التيسير يدل على الرجحان ولزم الوجوب، لأنه لا واسطة بين الفعل والترك، ومع الاستواء لا ترجيح فحال المرجوحية أولى بالامتناع، ومتى امتنع أحد الطرفين وجب الآخر إذ لا خروج عن النقيضين. أجاب القفال: أنه من باب تسمية أحد الضدين باسم الآخر، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ [الشورى: 40] فسمى الله الألفاظ الداعية إلى الطَّاعة تيسيراً لليسرى، وسمى ترك هذه الألفاظ تيسيراً للعسرى، أو هو من باب إضافة الفعل إلى السبب دون الفاعل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً﴾ [إبراهيم: 36] ، أو يكون على سبيل الحكم، والإخبار عنه.
وأجيب بأن هذا كلهُ عدول عن الظاهر، والظاهر من جهتنا وهو المقصود من الحديث المتقدم: «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنفوسةٍ» .
قال القفال: معنى الحديث: أن النَّاس خلقوا للعبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] ، وهذا ضعيفٌ؛ لأن هذا جواب عن قولهم: «ألا نتكل» ؟ فقال: اعملوا فكلٌّ ميسر، لما وافق معلوم الله تعالى.
فصل في اليسرى والعسرى
التأنيثُ في «اليُسرَى» و «العُسرَى» إن أريد جماعة الأعمال فظاهر، وإن أريد عمل من الأعمال باعتبار الخصلة، أو الفعلة، أو الطريقة، فمن فسر اليسرى بالجنة، فتيسيرها بإكرام، وسهولة، ومن فسرها بالخير، فتيسيره حضّه عليه ونشاطه، بخلاف المنافق والمرائي، ودخلت السين في «فَسنُيسِّرهُ» بمعنى الترجي، وهذا يفيد القطع من الله تعالى، أو لأن الأعمال بالخواتيم، فقد يعصي المطيع، وبالعكس، أو لأن أكثر الثواب يكون بالآخرة، وهي متأخرة.
قوله: ﴿وَمَا يُغْنِي﴾ ، يجوز أن تكون «ما» نافية، أي: لا يغني عنه ماله شيئاً، وأن تكون استفهاماً إنكارياً، أي: أيُّ شيء يغني عنه ماله إذا هلك، ووقع في جهنم وتردى، ويروى إما من الهلاك يقال: ردي الرجل يردي، إذا هلك؛ قال: [الطويل]
5226 - صَرَفْتُ الهَوَى عَنهُنَّ مِنْ خَشْيَةِ الرَّدَى ...
وقال أبو صالح وزيد بن أسلم: تردى، أي سقط في جهنم، ومنه «المتردية» ، ويقال: ردي من في البئر وتردى: إذا سقط في بئر أو نهر أو من جبل، ويقال: ما أدري أين ردى أي أين ذهب.
ويحتمل أن يكون من تردى، وهو كناية عن الموت؛ كقوله: [الكامل]
5227 - وخُطَّا بأطْرافِ الأسنَّةِ مَضْجعِي ... ورُدَّا عَلى عيْنيَّ فضْلَ رِدائِيَا
وقول الآخر: [الطويل]
5228 - نَصِيبُكَ ممّا تَجْمَعُ الدَّهْرَ كُلَّهُ ... رِداءانِ تُلْوَى فِيهِمَا وحَنُوطُ
الليل 92:7
قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى﴾ . قال ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - يعني أبا بكر، وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى﴾ أي: بذل واتقى محارم الله التي نهي عنها ﴿وَصَدَّقَ بالحسنى﴾ أي: بالخلف من الله تعالى على عطائه ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى﴾ .
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَا مِنْ يَومٍ غَربت شَمْسهُ إلا بُعِثَ بجَنْبتها مَلكانِ يُنَاديانِ يَسْمَعُهمَا خلقُ اللهِ كُلُّهم إلاَّ الثَّقليْنِ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفقاً خَلفاً، وأعْطِ مُمْسِكاً تَلفاً» .
وأنزل الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى وَصَدَّقَ بالحسنى﴾ ... الآيات.
فصل
حذف مفعول «أعطى» ومفعول «اتقى» ، ومفعول «صدّق» المجرور ب «على» ، لأن الغرض ذكرُ هذه الأحداث دون متعلقاتها، وكذلك متعلقات البخل والاستغناء، وقوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى﴾ إما من باب المقابلة لقوله ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى﴾ وإما نيسرهُ: بمعنى نهيئه، والتهيئة تكون في العسر واليسر.
فصل في المراد بالإعطاء
قال المفسرون: «فأمَّا مَنْ أعْطَى» المعسرين.
وقال قتادة: أعطى حق الله الواجب.
وقال الحسن: أعطى الصدق من قلبه وصدق بالحسنى، أي بلا إله إلا الله، وهو قول ابن عباس والضحاك والسلمي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
وقال مجاهد: بالجنة؛ لقوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] .
وقال زيد بن أسلم: في الصلاة والزكاة والصوم.
وقوله: «فسنيسره لليسرى» أي نرشده لأسباب الخير والصلاح حتى يسهل عليه فعلها.
وقال زيد بن أسلم: لليسرى؛ للجنة.
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» مَا مِن نَفسٍ إلاَّ كتَبَ اللهُ - تَعَالَى - مَدخَلهَا «فقال القَوْمُ: يَا رسُولَ اللهِ، أفَلا نَتَّكِلُ على كِتَابِنَا؟ فقَال - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ -:» بَل اعملُوا فكُلٌّ مُيسَّرٌ، فمن كانَ من أهْلِ السَّعَادةِ فإنَّهُ مُيَسَّرٌ لعملِ أهْلِ السَّعادةِ، ومن كَانِ مِنْ أهْلِ الشَّقَاوةِ فإنَّهُ ميسَّرٌ لعملِ أهْلِ الشَّقاوةِ «ثُمَّ قَرَأ: ﴿فأما من أعْطَى واتَّقَى، وصَدقَ بِالحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ » .
قوله: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ واستغنى﴾ . أي: ضنَّ بما عنده فلم يبذل خيراً، وروي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - في قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى﴾ ، قال: سوف أحول بينه وبين الإيمان بالله وبرسوله.
وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال نزلت في أمية بن خلف. وعن ابن عباس: ﴿وأمَّا من بَخِلَ واسْتَغَنَى﴾ ، أي: بخل بماله واستغنى عن ربه ﴿وَكَذَّبَ بالحسنى﴾ أي: بالخلف الذي وعده الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: 39] .
[وقال مجاهد: وكذب بالحسنى أي بالجنة، وعنه: بلا إله إلا الله. فنيسره للعسرى أي نسهل عليه طريقة العسرى للشر، وعن ابن مسعود: أي للنار] .
قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى﴾ يدل على أن التوفيق والخذلان من الله تعالى لأن التيسير يدل على الرجحان ولزم الوجوب، لأنه لا واسطة بين الفعل والترك، ومع الاستواء لا ترجيح فحال المرجوحية أولى بالامتناع، ومتى امتنع أحد الطرفين وجب الآخر إذ لا خروج عن النقيضين. أجاب القفال: أنه من باب تسمية أحد الضدين باسم الآخر، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ [الشورى: 40] فسمى الله الألفاظ الداعية إلى الطَّاعة تيسيراً لليسرى، وسمى ترك هذه الألفاظ تيسيراً للعسرى، أو هو من باب إضافة الفعل إلى السبب دون الفاعل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً﴾ [إبراهيم: 36] ، أو يكون على سبيل الحكم، والإخبار عنه.
وأجيب بأن هذا كلهُ عدول عن الظاهر، والظاهر من جهتنا وهو المقصود من الحديث المتقدم: «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنفوسةٍ» .
قال القفال: معنى الحديث: أن النَّاس خلقوا للعبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] ، وهذا ضعيفٌ؛ لأن هذا جواب عن قولهم: «ألا نتكل» ؟ فقال: اعملوا فكلٌّ ميسر، لما وافق معلوم الله تعالى.
فصل في اليسرى والعسرى
التأنيثُ في «اليُسرَى» و «العُسرَى» إن أريد جماعة الأعمال فظاهر، وإن أريد عمل من الأعمال باعتبار الخصلة، أو الفعلة، أو الطريقة، فمن فسر اليسرى بالجنة، فتيسيرها بإكرام، وسهولة، ومن فسرها بالخير، فتيسيره حضّه عليه ونشاطه، بخلاف المنافق والمرائي، ودخلت السين في «فَسنُيسِّرهُ» بمعنى الترجي، وهذا يفيد القطع من الله تعالى، أو لأن الأعمال بالخواتيم، فقد يعصي المطيع، وبالعكس، أو لأن أكثر الثواب يكون بالآخرة، وهي متأخرة.
قوله: ﴿وَمَا يُغْنِي﴾ ، يجوز أن تكون «ما» نافية، أي: لا يغني عنه ماله شيئاً، وأن تكون استفهاماً إنكارياً، أي: أيُّ شيء يغني عنه ماله إذا هلك، ووقع في جهنم وتردى، ويروى إما من الهلاك يقال: ردي الرجل يردي، إذا هلك؛ قال: [الطويل]
5226 - صَرَفْتُ الهَوَى عَنهُنَّ مِنْ خَشْيَةِ الرَّدَى ...
وقال أبو صالح وزيد بن أسلم: تردى، أي سقط في جهنم، ومنه «المتردية» ، ويقال: ردي من في البئر وتردى: إذا سقط في بئر أو نهر أو من جبل، ويقال: ما أدري أين ردى أي أين ذهب.
ويحتمل أن يكون من تردى، وهو كناية عن الموت؛ كقوله: [الكامل]
5227 - وخُطَّا بأطْرافِ الأسنَّةِ مَضْجعِي ... ورُدَّا عَلى عيْنيَّ فضْلَ رِدائِيَا
وقول الآخر: [الطويل]
5228 - نَصِيبُكَ ممّا تَجْمَعُ الدَّهْرَ كُلَّهُ ... رِداءانِ تُلْوَى فِيهِمَا وحَنُوطُ
الليل 92:8
قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى﴾ . قال ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - يعني أبا بكر، وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى﴾ أي: بذل واتقى محارم الله التي نهي عنها ﴿وَصَدَّقَ بالحسنى﴾ أي: بالخلف من الله تعالى على عطائه ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى﴾ .
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَا مِنْ يَومٍ غَربت شَمْسهُ إلا بُعِثَ بجَنْبتها مَلكانِ يُنَاديانِ يَسْمَعُهمَا خلقُ اللهِ كُلُّهم إلاَّ الثَّقليْنِ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفقاً خَلفاً، وأعْطِ مُمْسِكاً تَلفاً» .
وأنزل الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى وَصَدَّقَ بالحسنى﴾ ... الآيات.
فصل
حذف مفعول «أعطى» ومفعول «اتقى» ، ومفعول «صدّق» المجرور ب «على» ، لأن الغرض ذكرُ هذه الأحداث دون متعلقاتها، وكذلك متعلقات البخل والاستغناء، وقوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى﴾ إما من باب المقابلة لقوله ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى﴾ وإما نيسرهُ: بمعنى نهيئه، والتهيئة تكون في العسر واليسر.
فصل في المراد بالإعطاء
قال المفسرون: «فأمَّا مَنْ أعْطَى» المعسرين.
وقال قتادة: أعطى حق الله الواجب.
وقال الحسن: أعطى الصدق من قلبه وصدق بالحسنى، أي بلا إله إلا الله، وهو قول ابن عباس والضحاك والسلمي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
وقال مجاهد: بالجنة؛ لقوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] .
وقال زيد بن أسلم: في الصلاة والزكاة والصوم.
وقوله: «فسنيسره لليسرى» أي نرشده لأسباب الخير والصلاح حتى يسهل عليه فعلها.
وقال زيد بن أسلم: لليسرى؛ للجنة.
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» مَا مِن نَفسٍ إلاَّ كتَبَ اللهُ - تَعَالَى - مَدخَلهَا «فقال القَوْمُ: يَا رسُولَ اللهِ، أفَلا نَتَّكِلُ على كِتَابِنَا؟ فقَال - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ -:» بَل اعملُوا فكُلٌّ مُيسَّرٌ، فمن كانَ من أهْلِ السَّعَادةِ فإنَّهُ مُيَسَّرٌ لعملِ أهْلِ السَّعادةِ، ومن كَانِ مِنْ أهْلِ الشَّقَاوةِ فإنَّهُ ميسَّرٌ لعملِ أهْلِ الشَّقاوةِ «ثُمَّ قَرَأ: ﴿فأما من أعْطَى واتَّقَى، وصَدقَ بِالحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ » .
قوله: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ واستغنى﴾ . أي: ضنَّ بما عنده فلم يبذل خيراً، وروي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - في قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى﴾ ، قال: سوف أحول بينه وبين الإيمان بالله وبرسوله.
وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال نزلت في أمية بن خلف. وعن ابن عباس: ﴿وأمَّا من بَخِلَ واسْتَغَنَى﴾ ، أي: بخل بماله واستغنى عن ربه ﴿وَكَذَّبَ بالحسنى﴾ أي: بالخلف الذي وعده الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: 39] .
[وقال مجاهد: وكذب بالحسنى أي بالجنة، وعنه: بلا إله إلا الله. فنيسره للعسرى أي نسهل عليه طريقة العسرى للشر، وعن ابن مسعود: أي للنار] .
قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى﴾ يدل على أن التوفيق والخذلان من الله تعالى لأن التيسير يدل على الرجحان ولزم الوجوب، لأنه لا واسطة بين الفعل والترك، ومع الاستواء لا ترجيح فحال المرجوحية أولى بالامتناع، ومتى امتنع أحد الطرفين وجب الآخر إذ لا خروج عن النقيضين. أجاب القفال: أنه من باب تسمية أحد الضدين باسم الآخر، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ [الشورى: 40] فسمى الله الألفاظ الداعية إلى الطَّاعة تيسيراً لليسرى، وسمى ترك هذه الألفاظ تيسيراً للعسرى، أو هو من باب إضافة الفعل إلى السبب دون الفاعل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً﴾ [إبراهيم: 36] ، أو يكون على سبيل الحكم، والإخبار عنه.
وأجيب بأن هذا كلهُ عدول عن الظاهر، والظاهر من جهتنا وهو المقصود من الحديث المتقدم: «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنفوسةٍ» .
قال القفال: معنى الحديث: أن النَّاس خلقوا للعبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] ، وهذا ضعيفٌ؛ لأن هذا جواب عن قولهم: «ألا نتكل» ؟ فقال: اعملوا فكلٌّ ميسر، لما وافق معلوم الله تعالى.
فصل في اليسرى والعسرى
التأنيثُ في «اليُسرَى» و «العُسرَى» إن أريد جماعة الأعمال فظاهر، وإن أريد عمل من الأعمال باعتبار الخصلة، أو الفعلة، أو الطريقة، فمن فسر اليسرى بالجنة، فتيسيرها بإكرام، وسهولة، ومن فسرها بالخير، فتيسيره حضّه عليه ونشاطه، بخلاف المنافق والمرائي، ودخلت السين في «فَسنُيسِّرهُ» بمعنى الترجي، وهذا يفيد القطع من الله تعالى، أو لأن الأعمال بالخواتيم، فقد يعصي المطيع، وبالعكس، أو لأن أكثر الثواب يكون بالآخرة، وهي متأخرة.
قوله: ﴿وَمَا يُغْنِي﴾ ، يجوز أن تكون «ما» نافية، أي: لا يغني عنه ماله شيئاً، وأن تكون استفهاماً إنكارياً، أي: أيُّ شيء يغني عنه ماله إذا هلك، ووقع في جهنم وتردى، ويروى إما من الهلاك يقال: ردي الرجل يردي، إذا هلك؛ قال: [الطويل]
5226 - صَرَفْتُ الهَوَى عَنهُنَّ مِنْ خَشْيَةِ الرَّدَى ...
وقال أبو صالح وزيد بن أسلم: تردى، أي سقط في جهنم، ومنه «المتردية» ، ويقال: ردي من في البئر وتردى: إذا سقط في بئر أو نهر أو من جبل، ويقال: ما أدري أين ردى أي أين ذهب.
ويحتمل أن يكون من تردى، وهو كناية عن الموت؛ كقوله: [الكامل]
5227 - وخُطَّا بأطْرافِ الأسنَّةِ مَضْجعِي ... ورُدَّا عَلى عيْنيَّ فضْلَ رِدائِيَا
وقول الآخر: [الطويل]
5228 - نَصِيبُكَ ممّا تَجْمَعُ الدَّهْرَ كُلَّهُ ... رِداءانِ تُلْوَى فِيهِمَا وحَنُوطُ
الليل 92:9
قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى﴾ . قال ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - يعني أبا بكر، وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى﴾ أي: بذل واتقى محارم الله التي نهي عنها ﴿وَصَدَّقَ بالحسنى﴾ أي: بالخلف من الله تعالى على عطائه ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى﴾ .
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَا مِنْ يَومٍ غَربت شَمْسهُ إلا بُعِثَ بجَنْبتها مَلكانِ يُنَاديانِ يَسْمَعُهمَا خلقُ اللهِ كُلُّهم إلاَّ الثَّقليْنِ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفقاً خَلفاً، وأعْطِ مُمْسِكاً تَلفاً» .
وأنزل الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى وَصَدَّقَ بالحسنى﴾ ... الآيات.
فصل
حذف مفعول «أعطى» ومفعول «اتقى» ، ومفعول «صدّق» المجرور ب «على» ، لأن الغرض ذكرُ هذه الأحداث دون متعلقاتها، وكذلك متعلقات البخل والاستغناء، وقوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى﴾ إما من باب المقابلة لقوله ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى﴾ وإما نيسرهُ: بمعنى نهيئه، والتهيئة تكون في العسر واليسر.
فصل في المراد بالإعطاء
قال المفسرون: «فأمَّا مَنْ أعْطَى» المعسرين.
وقال قتادة: أعطى حق الله الواجب.
وقال الحسن: أعطى الصدق من قلبه وصدق بالحسنى، أي بلا إله إلا الله، وهو قول ابن عباس والضحاك والسلمي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
وقال مجاهد: بالجنة؛ لقوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] .
وقال زيد بن أسلم: في الصلاة والزكاة والصوم.
وقوله: «فسنيسره لليسرى» أي نرشده لأسباب الخير والصلاح حتى يسهل عليه فعلها.
وقال زيد بن أسلم: لليسرى؛ للجنة.
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» مَا مِن نَفسٍ إلاَّ كتَبَ اللهُ - تَعَالَى - مَدخَلهَا «فقال القَوْمُ: يَا رسُولَ اللهِ، أفَلا نَتَّكِلُ على كِتَابِنَا؟ فقَال - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ -:» بَل اعملُوا فكُلٌّ مُيسَّرٌ، فمن كانَ من أهْلِ السَّعَادةِ فإنَّهُ مُيَسَّرٌ لعملِ أهْلِ السَّعادةِ، ومن كَانِ مِنْ أهْلِ الشَّقَاوةِ فإنَّهُ ميسَّرٌ لعملِ أهْلِ الشَّقاوةِ «ثُمَّ قَرَأ: ﴿فأما من أعْطَى واتَّقَى، وصَدقَ بِالحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ » .
قوله: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ واستغنى﴾ . أي: ضنَّ بما عنده فلم يبذل خيراً، وروي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - في قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى﴾ ، قال: سوف أحول بينه وبين الإيمان بالله وبرسوله.
وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال نزلت في أمية بن خلف. وعن ابن عباس: ﴿وأمَّا من بَخِلَ واسْتَغَنَى﴾ ، أي: بخل بماله واستغنى عن ربه ﴿وَكَذَّبَ بالحسنى﴾ أي: بالخلف الذي وعده الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: 39] .
[وقال مجاهد: وكذب بالحسنى أي بالجنة، وعنه: بلا إله إلا الله. فنيسره للعسرى أي نسهل عليه طريقة العسرى للشر، وعن ابن مسعود: أي للنار] .
قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى﴾ يدل على أن التوفيق والخذلان من الله تعالى لأن التيسير يدل على الرجحان ولزم الوجوب، لأنه لا واسطة بين الفعل والترك، ومع الاستواء لا ترجيح فحال المرجوحية أولى بالامتناع، ومتى امتنع أحد الطرفين وجب الآخر إذ لا خروج عن النقيضين. أجاب القفال: أنه من باب تسمية أحد الضدين باسم الآخر، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ [الشورى: 40] فسمى الله الألفاظ الداعية إلى الطَّاعة تيسيراً لليسرى، وسمى ترك هذه الألفاظ تيسيراً للعسرى، أو هو من باب إضافة الفعل إلى السبب دون الفاعل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً﴾ [إبراهيم: 36] ، أو يكون على سبيل الحكم، والإخبار عنه.
وأجيب بأن هذا كلهُ عدول عن الظاهر، والظاهر من جهتنا وهو المقصود من الحديث المتقدم: «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنفوسةٍ» .
قال القفال: معنى الحديث: أن النَّاس خلقوا للعبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] ، وهذا ضعيفٌ؛ لأن هذا جواب عن قولهم: «ألا نتكل» ؟ فقال: اعملوا فكلٌّ ميسر، لما وافق معلوم الله تعالى.
فصل في اليسرى والعسرى
التأنيثُ في «اليُسرَى» و «العُسرَى» إن أريد جماعة الأعمال فظاهر، وإن أريد عمل من الأعمال باعتبار الخصلة، أو الفعلة، أو الطريقة، فمن فسر اليسرى بالجنة، فتيسيرها بإكرام، وسهولة، ومن فسرها بالخير، فتيسيره حضّه عليه ونشاطه، بخلاف المنافق والمرائي، ودخلت السين في «فَسنُيسِّرهُ» بمعنى الترجي، وهذا يفيد القطع من الله تعالى، أو لأن الأعمال بالخواتيم، فقد يعصي المطيع، وبالعكس، أو لأن أكثر الثواب يكون بالآخرة، وهي متأخرة.
قوله: ﴿وَمَا يُغْنِي﴾ ، يجوز أن تكون «ما» نافية، أي: لا يغني عنه ماله شيئاً، وأن تكون استفهاماً إنكارياً، أي: أيُّ شيء يغني عنه ماله إذا هلك، ووقع في جهنم وتردى، ويروى إما من الهلاك يقال: ردي الرجل يردي، إذا هلك؛ قال: [الطويل]
5226 - صَرَفْتُ الهَوَى عَنهُنَّ مِنْ خَشْيَةِ الرَّدَى ...
وقال أبو صالح وزيد بن أسلم: تردى، أي سقط في جهنم، ومنه «المتردية» ، ويقال: ردي من في البئر وتردى: إذا سقط في بئر أو نهر أو من جبل، ويقال: ما أدري أين ردى أي أين ذهب.
ويحتمل أن يكون من تردى، وهو كناية عن الموت؛ كقوله: [الكامل]
5227 - وخُطَّا بأطْرافِ الأسنَّةِ مَضْجعِي ... ورُدَّا عَلى عيْنيَّ فضْلَ رِدائِيَا
وقول الآخر: [الطويل]
5228 - نَصِيبُكَ ممّا تَجْمَعُ الدَّهْرَ كُلَّهُ ... رِداءانِ تُلْوَى فِيهِمَا وحَنُوطُ
الليل 92:10
قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى﴾ . قال ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - يعني أبا بكر، وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى﴾ أي: بذل واتقى محارم الله التي نهي عنها ﴿وَصَدَّقَ بالحسنى﴾ أي: بالخلف من الله تعالى على عطائه ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى﴾ .
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَا مِنْ يَومٍ غَربت شَمْسهُ إلا بُعِثَ بجَنْبتها مَلكانِ يُنَاديانِ يَسْمَعُهمَا خلقُ اللهِ كُلُّهم إلاَّ الثَّقليْنِ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفقاً خَلفاً، وأعْطِ مُمْسِكاً تَلفاً» .
وأنزل الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى وَصَدَّقَ بالحسنى﴾ ... الآيات.
فصل
حذف مفعول «أعطى» ومفعول «اتقى» ، ومفعول «صدّق» المجرور ب «على» ، لأن الغرض ذكرُ هذه الأحداث دون متعلقاتها، وكذلك متعلقات البخل والاستغناء، وقوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى﴾ إما من باب المقابلة لقوله ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى﴾ وإما نيسرهُ: بمعنى نهيئه، والتهيئة تكون في العسر واليسر.
فصل في المراد بالإعطاء
قال المفسرون: «فأمَّا مَنْ أعْطَى» المعسرين.
وقال قتادة: أعطى حق الله الواجب.
وقال الحسن: أعطى الصدق من قلبه وصدق بالحسنى، أي بلا إله إلا الله، وهو قول ابن عباس والضحاك والسلمي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
وقال مجاهد: بالجنة؛ لقوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] .
وقال زيد بن أسلم: في الصلاة والزكاة والصوم.
وقوله: «فسنيسره لليسرى» أي نرشده لأسباب الخير والصلاح حتى يسهل عليه فعلها.
وقال زيد بن أسلم: لليسرى؛ للجنة.
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» مَا مِن نَفسٍ إلاَّ كتَبَ اللهُ - تَعَالَى - مَدخَلهَا «فقال القَوْمُ: يَا رسُولَ اللهِ، أفَلا نَتَّكِلُ على كِتَابِنَا؟ فقَال - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ -:» بَل اعملُوا فكُلٌّ مُيسَّرٌ، فمن كانَ من أهْلِ السَّعَادةِ فإنَّهُ مُيَسَّرٌ لعملِ أهْلِ السَّعادةِ، ومن كَانِ مِنْ أهْلِ الشَّقَاوةِ فإنَّهُ ميسَّرٌ لعملِ أهْلِ الشَّقاوةِ «ثُمَّ قَرَأ: ﴿فأما من أعْطَى واتَّقَى، وصَدقَ بِالحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ » .
قوله: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ واستغنى﴾ . أي: ضنَّ بما عنده فلم يبذل خيراً، وروي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - في قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى﴾ ، قال: سوف أحول بينه وبين الإيمان بالله وبرسوله.
وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال نزلت في أمية بن خلف. وعن ابن عباس: ﴿وأمَّا من بَخِلَ واسْتَغَنَى﴾ ، أي: بخل بماله واستغنى عن ربه ﴿وَكَذَّبَ بالحسنى﴾ أي: بالخلف الذي وعده الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: 39] .
[وقال مجاهد: وكذب بالحسنى أي بالجنة، وعنه: بلا إله إلا الله. فنيسره للعسرى أي نسهل عليه طريقة العسرى للشر، وعن ابن مسعود: أي للنار] .
قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى﴾ يدل على أن التوفيق والخذلان من الله تعالى لأن التيسير يدل على الرجحان ولزم الوجوب، لأنه لا واسطة بين الفعل والترك، ومع الاستواء لا ترجيح فحال المرجوحية أولى بالامتناع، ومتى امتنع أحد الطرفين وجب الآخر إذ لا خروج عن النقيضين. أجاب القفال: أنه من باب تسمية أحد الضدين باسم الآخر، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ [الشورى: 40] فسمى الله الألفاظ الداعية إلى الطَّاعة تيسيراً لليسرى، وسمى ترك هذه الألفاظ تيسيراً للعسرى، أو هو من باب إضافة الفعل إلى السبب دون الفاعل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً﴾ [إبراهيم: 36] ، أو يكون على سبيل الحكم، والإخبار عنه.
وأجيب بأن هذا كلهُ عدول عن الظاهر، والظاهر من جهتنا وهو المقصود من الحديث المتقدم: «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنفوسةٍ» .
قال القفال: معنى الحديث: أن النَّاس خلقوا للعبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] ، وهذا ضعيفٌ؛ لأن هذا جواب عن قولهم: «ألا نتكل» ؟ فقال: اعملوا فكلٌّ ميسر، لما وافق معلوم الله تعالى.
فصل في اليسرى والعسرى
التأنيثُ في «اليُسرَى» و «العُسرَى» إن أريد جماعة الأعمال فظاهر، وإن أريد عمل من الأعمال باعتبار الخصلة، أو الفعلة، أو الطريقة، فمن فسر اليسرى بالجنة، فتيسيرها بإكرام، وسهولة، ومن فسرها بالخير، فتيسيره حضّه عليه ونشاطه، بخلاف المنافق والمرائي، ودخلت السين في «فَسنُيسِّرهُ» بمعنى الترجي، وهذا يفيد القطع من الله تعالى، أو لأن الأعمال بالخواتيم، فقد يعصي المطيع، وبالعكس، أو لأن أكثر الثواب يكون بالآخرة، وهي متأخرة.
قوله: ﴿وَمَا يُغْنِي﴾ ، يجوز أن تكون «ما» نافية، أي: لا يغني عنه ماله شيئاً، وأن تكون استفهاماً إنكارياً، أي: أيُّ شيء يغني عنه ماله إذا هلك، ووقع في جهنم وتردى، ويروى إما من الهلاك يقال: ردي الرجل يردي، إذا هلك؛ قال: [الطويل]
5226 - صَرَفْتُ الهَوَى عَنهُنَّ مِنْ خَشْيَةِ الرَّدَى ...
وقال أبو صالح وزيد بن أسلم: تردى، أي سقط في جهنم، ومنه «المتردية» ، ويقال: ردي من في البئر وتردى: إذا سقط في بئر أو نهر أو من جبل، ويقال: ما أدري أين ردى أي أين ذهب.
ويحتمل أن يكون من تردى، وهو كناية عن الموت؛ كقوله: [الكامل]
5227 - وخُطَّا بأطْرافِ الأسنَّةِ مَضْجعِي ... ورُدَّا عَلى عيْنيَّ فضْلَ رِدائِيَا
وقول الآخر: [الطويل]
5228 - نَصِيبُكَ ممّا تَجْمَعُ الدَّهْرَ كُلَّهُ ... رِداءانِ تُلْوَى فِيهِمَا وحَنُوطُ
الليل 92:11
قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى﴾ . قال ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - يعني أبا بكر، وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى﴾ أي: بذل واتقى محارم الله التي نهي عنها ﴿وَصَدَّقَ بالحسنى﴾ أي: بالخلف من الله تعالى على عطائه ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى﴾ .
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَا مِنْ يَومٍ غَربت شَمْسهُ إلا بُعِثَ بجَنْبتها مَلكانِ يُنَاديانِ يَسْمَعُهمَا خلقُ اللهِ كُلُّهم إلاَّ الثَّقليْنِ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفقاً خَلفاً، وأعْطِ مُمْسِكاً تَلفاً» .
وأنزل الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى وَصَدَّقَ بالحسنى﴾ ... الآيات.
فصل
حذف مفعول «أعطى» ومفعول «اتقى» ، ومفعول «صدّق» المجرور ب «على» ، لأن الغرض ذكرُ هذه الأحداث دون متعلقاتها، وكذلك متعلقات البخل والاستغناء، وقوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى﴾ إما من باب المقابلة لقوله ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى﴾ وإما نيسرهُ: بمعنى نهيئه، والتهيئة تكون في العسر واليسر.
فصل في المراد بالإعطاء
قال المفسرون: «فأمَّا مَنْ أعْطَى» المعسرين.
وقال قتادة: أعطى حق الله الواجب.
وقال الحسن: أعطى الصدق من قلبه وصدق بالحسنى، أي بلا إله إلا الله، وهو قول ابن عباس والضحاك والسلمي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
وقال مجاهد: بالجنة؛ لقوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] .
وقال زيد بن أسلم: في الصلاة والزكاة والصوم.
وقوله: «فسنيسره لليسرى» أي نرشده لأسباب الخير والصلاح حتى يسهل عليه فعلها.
وقال زيد بن أسلم: لليسرى؛ للجنة.
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» مَا مِن نَفسٍ إلاَّ كتَبَ اللهُ - تَعَالَى - مَدخَلهَا «فقال القَوْمُ: يَا رسُولَ اللهِ، أفَلا نَتَّكِلُ على كِتَابِنَا؟ فقَال - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ -:» بَل اعملُوا فكُلٌّ مُيسَّرٌ، فمن كانَ من أهْلِ السَّعَادةِ فإنَّهُ مُيَسَّرٌ لعملِ أهْلِ السَّعادةِ، ومن كَانِ مِنْ أهْلِ الشَّقَاوةِ فإنَّهُ ميسَّرٌ لعملِ أهْلِ الشَّقاوةِ «ثُمَّ قَرَأ: ﴿فأما من أعْطَى واتَّقَى، وصَدقَ بِالحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ » .
قوله: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ واستغنى﴾ . أي: ضنَّ بما عنده فلم يبذل خيراً، وروي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - في قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى﴾ ، قال: سوف أحول بينه وبين الإيمان بالله وبرسوله.
وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال نزلت في أمية بن خلف. وعن ابن عباس: ﴿وأمَّا من بَخِلَ واسْتَغَنَى﴾ ، أي: بخل بماله واستغنى عن ربه ﴿وَكَذَّبَ بالحسنى﴾ أي: بالخلف الذي وعده الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: 39] .
[وقال مجاهد: وكذب بالحسنى أي بالجنة، وعنه: بلا إله إلا الله. فنيسره للعسرى أي نسهل عليه طريقة العسرى للشر، وعن ابن مسعود: أي للنار] .
قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى﴾ يدل على أن التوفيق والخذلان من الله تعالى لأن التيسير يدل على الرجحان ولزم الوجوب، لأنه لا واسطة بين الفعل والترك، ومع الاستواء لا ترجيح فحال المرجوحية أولى بالامتناع، ومتى امتنع أحد الطرفين وجب الآخر إذ لا خروج عن النقيضين. أجاب القفال: أنه من باب تسمية أحد الضدين باسم الآخر، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ [الشورى: 40] فسمى الله الألفاظ الداعية إلى الطَّاعة تيسيراً لليسرى، وسمى ترك هذه الألفاظ تيسيراً للعسرى، أو هو من باب إضافة الفعل إلى السبب دون الفاعل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً﴾ [إبراهيم: 36] ، أو يكون على سبيل الحكم، والإخبار عنه.
وأجيب بأن هذا كلهُ عدول عن الظاهر، والظاهر من جهتنا وهو المقصود من الحديث المتقدم: «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنفوسةٍ» .
قال القفال: معنى الحديث: أن النَّاس خلقوا للعبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] ، وهذا ضعيفٌ؛ لأن هذا جواب عن قولهم: «ألا نتكل» ؟ فقال: اعملوا فكلٌّ ميسر، لما وافق معلوم الله تعالى.
فصل في اليسرى والعسرى
التأنيثُ في «اليُسرَى» و «العُسرَى» إن أريد جماعة الأعمال فظاهر، وإن أريد عمل من الأعمال باعتبار الخصلة، أو الفعلة، أو الطريقة، فمن فسر اليسرى بالجنة، فتيسيرها بإكرام، وسهولة، ومن فسرها بالخير، فتيسيره حضّه عليه ونشاطه، بخلاف المنافق والمرائي، ودخلت السين في «فَسنُيسِّرهُ» بمعنى الترجي، وهذا يفيد القطع من الله تعالى، أو لأن الأعمال بالخواتيم، فقد يعصي المطيع، وبالعكس، أو لأن أكثر الثواب يكون بالآخرة، وهي متأخرة.
قوله: ﴿وَمَا يُغْنِي﴾ ، يجوز أن تكون «ما» نافية، أي: لا يغني عنه ماله شيئاً، وأن تكون استفهاماً إنكارياً، أي: أيُّ شيء يغني عنه ماله إذا هلك، ووقع في جهنم وتردى، ويروى إما من الهلاك يقال: ردي الرجل يردي، إذا هلك؛ قال: [الطويل]
5226 - صَرَفْتُ الهَوَى عَنهُنَّ مِنْ خَشْيَةِ الرَّدَى ...
وقال أبو صالح وزيد بن أسلم: تردى، أي سقط في جهنم، ومنه «المتردية» ، ويقال: ردي من في البئر وتردى: إذا سقط في بئر أو نهر أو من جبل، ويقال: ما أدري أين ردى أي أين ذهب.
ويحتمل أن يكون من تردى، وهو كناية عن الموت؛ كقوله: [الكامل]
5227 - وخُطَّا بأطْرافِ الأسنَّةِ مَضْجعِي ... ورُدَّا عَلى عيْنيَّ فضْلَ رِدائِيَا
وقول الآخر: [الطويل]
5228 - نَصِيبُكَ ممّا تَجْمَعُ الدَّهْرَ كُلَّهُ ... رِداءانِ تُلْوَى فِيهِمَا وحَنُوطُ
الليل 92:12
قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا للهدى﴾ ، أن نبين طريق الهدى، من طريق الضلال، فالهدى بمعنى بيان الأحكام قاله الزجاجُ: أي: على الله بيان حلاله، وحرامه، وطاعته ومعصيته، وهو قول قتادة.
وقال الفراءُ: من سلك الهدى، فعلى الله سبيله، كقوله تعالى: ﴿وعلى الله قَصْدُ السبيل﴾ [النحل: 9] ، وقيل: معناه إنَّ علينا للهدى والإضلال، فترك الإضلال كقوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الخير﴾ [آل عمران: 26] ، وقوله تعالى: ﴿تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: 81] وهي تقي الحرَّ وهي تقي البرد، قاله الفراء أيضاً. وهو يروي عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
فصل
لما عرفهم سبحانه أن سعيهم شتى، وبين ما للمحسنين من اليسرى، وللمسيئين من العسرى أخبرهم أنه قد مضى ما عليه من البيان، والدلالة، والترغيب، والترهيب، أي: أن الذي يجب علينا في الحكمة إذا خلقنا الخلق للعبادة أن نبين لهم وجوه التعبد، ونبين المتعبد به.
قالت المعتزلة: إباحة الأعذار تقتضي أنه تعالى كلفهم بما في وسعهم وطاقتهم.
وأيضاً فكلمة «على» للوجوب، وأيضاً: فلو لم يستقل العبد بالإيجاد، لم يكن في نصب الأدلة فائدة، وجوابهم قد تقدم.
وزاد الواحديُّ: أن الفراء، قال: إن معنى: إن علينا للهدى والإضلال، فحذف المعطوف كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: 81] ، وهو معنى قول ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما، يريد: أرشد أوليائي للعمل بطاعتي، وأحول بين أعدائي أن يعملوا بطاعتي، وهو معنى الإضلال، ورد المعتزلة هذا التأويل بقوله تعالى: ﴿وعلى الله قَصْدُ السبيل وَمِنْهَا جَآئِرٌ﴾ [النحل: 9] ، وتقدم جوابهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ والأولى﴾ ، أي: لنا كل ما في الدنيا، والآخرة، فلا يضرنا ترككم الاهتداء بهدانا، ولا يزيد في ملكنا اهتداؤكم بل نفع ذلك وضره عائدان عليكم، ولو شئنا لمنعناكم عن المعاصي لكن ذلك يخل بالتكليف، بل نمنعكم بالبيان والتعريف، والوعد والوعيد، ونكون نحن نملك الدارين، فليطلب منا سعادة الدارين؛ فالأول أوفق لقول المعتزلة، والثاني أوفق لقولنا.
وروى أبو صالح عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: ثواب الدنيا والآخرة، وهو كقوله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والآخرة﴾ [النساء: 134] فمن طلبهما من غير مالكهما فقد أخطأ الطريق.
قوله: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى﴾ . قد تقدم في «البقرة» : أن البزي يشدد مثل هذه التاء، والتشديد فيها عسر لالتقاء الساكنين فيهما على غير حدهما، وهو نظير قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: 15] وقد تقدم.
وقال أبو البقاء: يقرأ بكسر التنوين، وتشديد التاء، وقد ذكر وجهه في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث﴾ [البقرة: 267] انتهى. وهذه قراءة غريبة، ولكنها موافقة للقياس من حيث إنه لم يلتق فيها ساكنان وقد ذكر وجهه، أي الذي قاله في «البقرة» ، ولا يفيد هنا شيئاً ألبتة فإنه قال هناك: «ويقرأ بتشديد التاء، وقبله ألف، وهو جمع بين ساكنين، وإنام سوغ ذلك المد الذي في الألف.
وقال ابنُ الزبير، وسفيان، وزيد بن علي، وطلحة،» تَتَلظَّى» بتاءين وهو الأصل.
قال القرطبي: «وهي قراءة عبد الله بن عمير ويحيى بن يعمر» .
فصل في معنى الآية
المعنى: خوفتكم، وحذرتكم ناراً تلظى، أي: تلهّب، وتوقّد، وتوهّج، يقال: تلظت النار تلظياً، ومنه سميت جهنم: لظى.
قوله تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ﴾ ، أي: لا يجد صلاها، وهو حرها ﴿إِلاَّ الأشقى﴾ ، أي: الشقي.
قيل: الأشقى، والأتقى، بمعنى الشقي والتقي، ولا تفضيل فيهما، لأن النار مختصة بالأكثر شقاء، وتجنبها ليس مختصاً بالأكثر تقوى.
وقيل: بل هما على بابهما، وإليه ذهب الزمخشريُّ، فإنه قال: فإن قلت: كيف قال: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ الأشقى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ ، وقد علم أن كلَّ شقي يصلاها، وكل تقي يجنبها، لا يختص بالصليّ أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء، وإن زعمت أنه نكَّر النار، فأراد ناراً بعينها مخصوصة بالأشقى، فما تصنع بقوله ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ فقد علم أن أفسق المسلمين يجنب تلك النار المخصوصة، لا الأتقى منهم خاصة.
قلت: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين، وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين؛ فقيل: الأشقى، وجعل: مختصاً بالصلي كأن النار لم تخلق إلا له. وقيل: الأتقى، وجعل مختصاً بالنجاة، كأن الجنة لم تخلق إلا له، وقيل: هما أبو جهل وأمية وأبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
قال: جوابه المراد بهما شخصان معينان. انتهى.
فصل
قال المفسرون: المراد بالأشقى، والشقي: الذي «كذَّب» نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «وتولَّى» أعرض عن الإيمان.
وقال الفرَّاء: معناه إلاَّ مَنْ كان شقياً في علمِ الله تعالى.
قال بعضهم: «الأشقَى» بمعنى الشقي؛ كقوله: [الطويل]
5229 - ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . ..... . . لَسْتُ فِيهَا بأوْحَدِ
«بأوحد» ، أي: بواحد، ووحيد، ويوضع «أفعل» موضع «فعيل» نحو قولهم: «اللهُ أكْبَرُ» بمعنى كبير وهو أهون عليه بمعنى هين، قالت المرجئة: الآية تدل على أن الوعيد مختص بالكافر.
والجواب: المعارضة بآيات الوعيد.
وأيضاً: فهذا إغراء بالمعاصي، وأيضاً، فقوله تعالى بعده: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ يدل على ترك هذه الظاهرة؛ لأن الفاسق ليس «بأتقى» فالمراد بقوله تعالى: ﴿نَاراً تلظى﴾ أنها مخصوصة من بين النيران؛ لأن النار دركات، ولا يلزم من هذا أنَّ الفاسق لا يدخل النَّار أصلاً، والمراد لا يصلاها بعد الاستحقاق.
وأجاب الواحديُّ: بأن معنى «لا يَصْلاَهَا» : لا يلزمها، وهذه الملازمة لا تثبت إلا للكافر.
قوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ ، أي: يبعد عنها الأتقى، أي: التقي الخائف.
قال ابن عباس: وهو أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -، ثم وصف الأتقى، فقال سبحانه: ﴿الذى يُؤْتِي مَالَهُ يتزكى﴾ أي: يطلب أن يكون عند الله زاكياً، ولا يطلب بذلك رياء، ولا سمعةً بل يتصدق به مبتغياً به وجه الله.
قوله: «يَتَوكَّى» . قرأ العامة: «يتزكّى» مضارع «تَزَكَّى» .
والحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: «يزكَّى» بإدغام الياء في الزاي، وفي هذه الجملة وجهان:
أحدهما: أنها في موضع الحال من فاعل «يُؤتِي» ، أي: يؤتيه متزكياً به.
والثاني: أنها لا موضع لها من الإعراب على أنها بدل من صلة «الَّذي» ، ذكرهما الزمخشري.
قوله تعالى: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تجزى﴾ ، أي: ليس يتصدق ليجازى على نعمة بل يبتغي وجه ربه الأعلى، أي: المتعالي، و «تجزى» صفة ل «نِعْمَة» ، أي: يجزى الإنسان، وإنَّما جيء به مضارعاً مبنياً للمفعول، لأجل الفواصل؛ إذ الأصل: يجزيها إياه أو يجزيه إياها.
قوله: ﴿إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ﴾ . في نصب «إلاَّ ابتِغَاءَ» وجهان:
أحدهما: أنه مفعول له قال الزمخشري: «ويجوز أن يكون مفعولاً له على المعنى؛ لأن المعنى: لا يؤتي ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمة» . وهذا أخذه من قول الفراء، فإنه قال: ونصب على تأويل: ما أعطيتك ابتغاء جزائك، بل ابتغاء وجه الله تعالى.
والثاني: أنه منصوب على الاستثناء المنقطع، إذ لم يندرج تحت جنس «مِنْ نِعْمَةٍ» وهذه قراءة العامة، أعني: النصب، والمد.
وقرأ يحيى: برفعه ممدوداً على البدل من محل «نِعْمَةٍ» ؛ لأن محلها الرفع، إما على الفاعلية، وإما على الابتداء، و «من» مزيدة في الوجهين، والبدل لغة تميم؛ لأنهم يجرون المنقطع في غير الإيجاب مجرى المتصل، وأنشد الزمخشري بالوجهين: النصب؛ والبدل قول بشر بن أبي خازم: [البسيط] 5230 - أضْحَتْ خَلاَءً قِفَاراً لا أنِيَ بِهَا ... إلاَّ الجَآذِرَ والظُّلْمَانَ تَخَتَلِفُ
وقول القائل في الرفع: [الرجز]
5231 - وبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أنيسُ ... إلاَّ اليَعافِيرُ وإلاَّ العيسُ
وفي التنزيل: ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: 66] .
وقال مكي: «وأجاز الفَرَّاءُ الرفع في» ابتغاء» على البدل في موضع «نعمة» ، وهو بعيد» .
قال شهاب الدين: «كأنه لم يطلع عليها قراءة، واستبعاده هو البعيد، فإنها لغة فاشية» .
وقرأ ابن أبي عبلة: «ابتغا» بالقصر.
فصل في سبب نزول الآية
روى عطاء، والضحاك عن ابن عباس، قال: «عذَّب المشركون بلالاً، وبلال يقول: أحدٌ أحدٌ فمرَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال:» أحَدٌ، يعني اللهُ يُنْجِيْكَ بِهَا» ، ثم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأبي بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «يا أبا بكرٍ إنَّ بلالاً يُعذَّبُ في اللهِ» ، فعرفَ أبو بكرٍ الذي يُرِيدُهُ رسُول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فانصرفَ إلى مَنْزلهِ، فأخذَ رَطْلاً مِنْ ذهبٍ ومضى به إلى أمية بن خلفٍ، فقال له: أتبيعني بلالاً؟ قال: نعم، فاشتراه، فأعتقه أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لا ليدٍ كانت له عنده»
، فنزلت ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ﴾ ، أي: عند أبي بكر «مِنْ نَعْمَةٍ» أي: مزية ومنّةٍ «تُجْزَى» بل ابتغى بما فعل وجه ربِّه الأعلى.
قال بعضهم: المراد ابتغاء ثوابه وكرامته لأن ابتغاء ذاته محال، وقال بعضهم: لا حاجة إلى هذا الإضمار، بل حقيقة هذه المسألة ترجع إلى أن العبد هل يمكن أن يحب ذات الله، والمراد من هذه المحبة ذاته، وكرامته. ذكره ابن الخطيب.
والأعلى من نعت الربِّ الذي استحق صفات العلو، ويجوز أن يكون ابتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمة] .
قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يرضى﴾ . هذا جواب قسم مضمر، والعامة: على «يَرضَى» مبنياً للفاعل وقرئ: ببنائه للمفعول، من أرضاه الله تعالى.
[وهو قريب من قوله تعالى في آخر سورة طه ﴿لَعَلَّكَ ترضى﴾ [طه: 130] .
ومعنى الآية: سوف يعطيه الله تعالى في الجنَّة ما يرضى، بأن يعطيه أضعاف ما أنفق.
قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر، وهو أن المراد أنه إنما طلب رضوان الله تعالى، وليس يرضى الله عنه، قال: وهذا أعظم من الأول؛ لأن رضا الله أكمل للعبد من رضاه عن ربِّه، والله أعلم.
روى الثعلبيُّ عن أبي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿والليل﴾ أعْطَاهُ اللهُ حتَّى يَرْضَى، وعافاهُ اللهُ تعالى من العُسْرِ، ويسَّر لهُ اليُسْرَ» .
قال الثعلبي: وإذا ثبت نزولها ب «مكة» ضعف تأويلها بقصة أبي الدحداح، وقوي تأويلها بنزولها في حق أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لأنه كان ب «مكة» ، وإنفاقه ب «مكة» وقصة أبي الدحداح كانت بالمدينة.
وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «رحم اللهُ أبا بَكْرٍ، زوَّجنِي ابنَتُه، وحَملنِي إلى دَارِ الهِجْرَةِ، وأعْتَقَ بلالاً مِنْ مَالهِ» والله أعلم.
سورة الضحى
الليل 92:13
قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا للهدى﴾ ، أن نبين طريق الهدى، من طريق الضلال، فالهدى بمعنى بيان الأحكام قاله الزجاجُ: أي: على الله بيان حلاله، وحرامه، وطاعته ومعصيته، وهو قول قتادة.
وقال الفراءُ: من سلك الهدى، فعلى الله سبيله، كقوله تعالى: ﴿وعلى الله قَصْدُ السبيل﴾ [النحل: 9] ، وقيل: معناه إنَّ علينا للهدى والإضلال، فترك الإضلال كقوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الخير﴾ [آل عمران: 26] ، وقوله تعالى: ﴿تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: 81] وهي تقي الحرَّ وهي تقي البرد، قاله الفراء أيضاً. وهو يروي عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
فصل
لما عرفهم سبحانه أن سعيهم شتى، وبين ما للمحسنين من اليسرى، وللمسيئين من العسرى أخبرهم أنه قد مضى ما عليه من البيان، والدلالة، والترغيب، والترهيب، أي: أن الذي يجب علينا في الحكمة إذا خلقنا الخلق للعبادة أن نبين لهم وجوه التعبد، ونبين المتعبد به.
قالت المعتزلة: إباحة الأعذار تقتضي أنه تعالى كلفهم بما في وسعهم وطاقتهم.
وأيضاً فكلمة «على» للوجوب، وأيضاً: فلو لم يستقل العبد بالإيجاد، لم يكن في نصب الأدلة فائدة، وجوابهم قد تقدم.
وزاد الواحديُّ: أن الفراء، قال: إن معنى: إن علينا للهدى والإضلال، فحذف المعطوف كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: 81] ، وهو معنى قول ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما، يريد: أرشد أوليائي للعمل بطاعتي، وأحول بين أعدائي أن يعملوا بطاعتي، وهو معنى الإضلال، ورد المعتزلة هذا التأويل بقوله تعالى: ﴿وعلى الله قَصْدُ السبيل وَمِنْهَا جَآئِرٌ﴾ [النحل: 9] ، وتقدم جوابهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ والأولى﴾ ، أي: لنا كل ما في الدنيا، والآخرة، فلا يضرنا ترككم الاهتداء بهدانا، ولا يزيد في ملكنا اهتداؤكم بل نفع ذلك وضره عائدان عليكم، ولو شئنا لمنعناكم عن المعاصي لكن ذلك يخل بالتكليف، بل نمنعكم بالبيان والتعريف، والوعد والوعيد، ونكون نحن نملك الدارين، فليطلب منا سعادة الدارين؛ فالأول أوفق لقول المعتزلة، والثاني أوفق لقولنا.
وروى أبو صالح عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: ثواب الدنيا والآخرة، وهو كقوله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والآخرة﴾ [النساء: 134] فمن طلبهما من غير مالكهما فقد أخطأ الطريق.
قوله: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى﴾ . قد تقدم في «البقرة» : أن البزي يشدد مثل هذه التاء، والتشديد فيها عسر لالتقاء الساكنين فيهما على غير حدهما، وهو نظير قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: 15] وقد تقدم.
وقال أبو البقاء: يقرأ بكسر التنوين، وتشديد التاء، وقد ذكر وجهه في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث﴾ [البقرة: 267] انتهى. وهذه قراءة غريبة، ولكنها موافقة للقياس من حيث إنه لم يلتق فيها ساكنان وقد ذكر وجهه، أي الذي قاله في «البقرة» ، ولا يفيد هنا شيئاً ألبتة فإنه قال هناك: «ويقرأ بتشديد التاء، وقبله ألف، وهو جمع بين ساكنين، وإنام سوغ ذلك المد الذي في الألف.
وقال ابنُ الزبير، وسفيان، وزيد بن علي، وطلحة،» تَتَلظَّى» بتاءين وهو الأصل.
قال القرطبي: «وهي قراءة عبد الله بن عمير ويحيى بن يعمر» .
فصل في معنى الآية
المعنى: خوفتكم، وحذرتكم ناراً تلظى، أي: تلهّب، وتوقّد، وتوهّج، يقال: تلظت النار تلظياً، ومنه سميت جهنم: لظى.
قوله تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ﴾ ، أي: لا يجد صلاها، وهو حرها ﴿إِلاَّ الأشقى﴾ ، أي: الشقي.
قيل: الأشقى، والأتقى، بمعنى الشقي والتقي، ولا تفضيل فيهما، لأن النار مختصة بالأكثر شقاء، وتجنبها ليس مختصاً بالأكثر تقوى.
وقيل: بل هما على بابهما، وإليه ذهب الزمخشريُّ، فإنه قال: فإن قلت: كيف قال: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ الأشقى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ ، وقد علم أن كلَّ شقي يصلاها، وكل تقي يجنبها، لا يختص بالصليّ أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء، وإن زعمت أنه نكَّر النار، فأراد ناراً بعينها مخصوصة بالأشقى، فما تصنع بقوله ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ فقد علم أن أفسق المسلمين يجنب تلك النار المخصوصة، لا الأتقى منهم خاصة.
قلت: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين، وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين؛ فقيل: الأشقى، وجعل: مختصاً بالصلي كأن النار لم تخلق إلا له. وقيل: الأتقى، وجعل مختصاً بالنجاة، كأن الجنة لم تخلق إلا له، وقيل: هما أبو جهل وأمية وأبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
قال: جوابه المراد بهما شخصان معينان. انتهى.
فصل
قال المفسرون: المراد بالأشقى، والشقي: الذي «كذَّب» نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «وتولَّى» أعرض عن الإيمان.
وقال الفرَّاء: معناه إلاَّ مَنْ كان شقياً في علمِ الله تعالى.
قال بعضهم: «الأشقَى» بمعنى الشقي؛ كقوله: [الطويل]
5229 - ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . ..... . . لَسْتُ فِيهَا بأوْحَدِ
«بأوحد» ، أي: بواحد، ووحيد، ويوضع «أفعل» موضع «فعيل» نحو قولهم: «اللهُ أكْبَرُ» بمعنى كبير وهو أهون عليه بمعنى هين، قالت المرجئة: الآية تدل على أن الوعيد مختص بالكافر.
والجواب: المعارضة بآيات الوعيد.
وأيضاً: فهذا إغراء بالمعاصي، وأيضاً، فقوله تعالى بعده: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ يدل على ترك هذه الظاهرة؛ لأن الفاسق ليس «بأتقى» فالمراد بقوله تعالى: ﴿نَاراً تلظى﴾ أنها مخصوصة من بين النيران؛ لأن النار دركات، ولا يلزم من هذا أنَّ الفاسق لا يدخل النَّار أصلاً، والمراد لا يصلاها بعد الاستحقاق.
وأجاب الواحديُّ: بأن معنى «لا يَصْلاَهَا» : لا يلزمها، وهذه الملازمة لا تثبت إلا للكافر.
قوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ ، أي: يبعد عنها الأتقى، أي: التقي الخائف.
قال ابن عباس: وهو أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -، ثم وصف الأتقى، فقال سبحانه: ﴿الذى يُؤْتِي مَالَهُ يتزكى﴾ أي: يطلب أن يكون عند الله زاكياً، ولا يطلب بذلك رياء، ولا سمعةً بل يتصدق به مبتغياً به وجه الله.
قوله: «يَتَوكَّى» . قرأ العامة: «يتزكّى» مضارع «تَزَكَّى» .
والحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: «يزكَّى» بإدغام الياء في الزاي، وفي هذه الجملة وجهان:
أحدهما: أنها في موضع الحال من فاعل «يُؤتِي» ، أي: يؤتيه متزكياً به.
والثاني: أنها لا موضع لها من الإعراب على أنها بدل من صلة «الَّذي» ، ذكرهما الزمخشري.
قوله تعالى: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تجزى﴾ ، أي: ليس يتصدق ليجازى على نعمة بل يبتغي وجه ربه الأعلى، أي: المتعالي، و «تجزى» صفة ل «نِعْمَة» ، أي: يجزى الإنسان، وإنَّما جيء به مضارعاً مبنياً للمفعول، لأجل الفواصل؛ إذ الأصل: يجزيها إياه أو يجزيه إياها.
قوله: ﴿إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ﴾ . في نصب «إلاَّ ابتِغَاءَ» وجهان:
أحدهما: أنه مفعول له قال الزمخشري: «ويجوز أن يكون مفعولاً له على المعنى؛ لأن المعنى: لا يؤتي ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمة» . وهذا أخذه من قول الفراء، فإنه قال: ونصب على تأويل: ما أعطيتك ابتغاء جزائك، بل ابتغاء وجه الله تعالى.
والثاني: أنه منصوب على الاستثناء المنقطع، إذ لم يندرج تحت جنس «مِنْ نِعْمَةٍ» وهذه قراءة العامة، أعني: النصب، والمد.
وقرأ يحيى: برفعه ممدوداً على البدل من محل «نِعْمَةٍ» ؛ لأن محلها الرفع، إما على الفاعلية، وإما على الابتداء، و «من» مزيدة في الوجهين، والبدل لغة تميم؛ لأنهم يجرون المنقطع في غير الإيجاب مجرى المتصل، وأنشد الزمخشري بالوجهين: النصب؛ والبدل قول بشر بن أبي خازم: [البسيط] 5230 - أضْحَتْ خَلاَءً قِفَاراً لا أنِيَ بِهَا ... إلاَّ الجَآذِرَ والظُّلْمَانَ تَخَتَلِفُ
وقول القائل في الرفع: [الرجز]
5231 - وبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أنيسُ ... إلاَّ اليَعافِيرُ وإلاَّ العيسُ
وفي التنزيل: ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: 66] .
وقال مكي: «وأجاز الفَرَّاءُ الرفع في» ابتغاء» على البدل في موضع «نعمة» ، وهو بعيد» .
قال شهاب الدين: «كأنه لم يطلع عليها قراءة، واستبعاده هو البعيد، فإنها لغة فاشية» .
وقرأ ابن أبي عبلة: «ابتغا» بالقصر.
فصل في سبب نزول الآية
روى عطاء، والضحاك عن ابن عباس، قال: «عذَّب المشركون بلالاً، وبلال يقول: أحدٌ أحدٌ فمرَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال:» أحَدٌ، يعني اللهُ يُنْجِيْكَ بِهَا» ، ثم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأبي بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «يا أبا بكرٍ إنَّ بلالاً يُعذَّبُ في اللهِ» ، فعرفَ أبو بكرٍ الذي يُرِيدُهُ رسُول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فانصرفَ إلى مَنْزلهِ، فأخذَ رَطْلاً مِنْ ذهبٍ ومضى به إلى أمية بن خلفٍ، فقال له: أتبيعني بلالاً؟ قال: نعم، فاشتراه، فأعتقه أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لا ليدٍ كانت له عنده»
، فنزلت ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ﴾ ، أي: عند أبي بكر «مِنْ نَعْمَةٍ» أي: مزية ومنّةٍ «تُجْزَى» بل ابتغى بما فعل وجه ربِّه الأعلى.
قال بعضهم: المراد ابتغاء ثوابه وكرامته لأن ابتغاء ذاته محال، وقال بعضهم: لا حاجة إلى هذا الإضمار، بل حقيقة هذه المسألة ترجع إلى أن العبد هل يمكن أن يحب ذات الله، والمراد من هذه المحبة ذاته، وكرامته. ذكره ابن الخطيب.
والأعلى من نعت الربِّ الذي استحق صفات العلو، ويجوز أن يكون ابتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمة] .
قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يرضى﴾ . هذا جواب قسم مضمر، والعامة: على «يَرضَى» مبنياً للفاعل وقرئ: ببنائه للمفعول، من أرضاه الله تعالى.
[وهو قريب من قوله تعالى في آخر سورة طه ﴿لَعَلَّكَ ترضى﴾ [طه: 130] .
ومعنى الآية: سوف يعطيه الله تعالى في الجنَّة ما يرضى، بأن يعطيه أضعاف ما أنفق.
قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر، وهو أن المراد أنه إنما طلب رضوان الله تعالى، وليس يرضى الله عنه، قال: وهذا أعظم من الأول؛ لأن رضا الله أكمل للعبد من رضاه عن ربِّه، والله أعلم.
روى الثعلبيُّ عن أبي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿والليل﴾ أعْطَاهُ اللهُ حتَّى يَرْضَى، وعافاهُ اللهُ تعالى من العُسْرِ، ويسَّر لهُ اليُسْرَ» .
قال الثعلبي: وإذا ثبت نزولها ب «مكة» ضعف تأويلها بقصة أبي الدحداح، وقوي تأويلها بنزولها في حق أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لأنه كان ب «مكة» ، وإنفاقه ب «مكة» وقصة أبي الدحداح كانت بالمدينة.
وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «رحم اللهُ أبا بَكْرٍ، زوَّجنِي ابنَتُه، وحَملنِي إلى دَارِ الهِجْرَةِ، وأعْتَقَ بلالاً مِنْ مَالهِ» والله أعلم.
سورة الضحى
الليل 92:14
قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا للهدى﴾ ، أن نبين طريق الهدى، من طريق الضلال، فالهدى بمعنى بيان الأحكام قاله الزجاجُ: أي: على الله بيان حلاله، وحرامه، وطاعته ومعصيته، وهو قول قتادة.
وقال الفراءُ: من سلك الهدى، فعلى الله سبيله، كقوله تعالى: ﴿وعلى الله قَصْدُ السبيل﴾ [النحل: 9] ، وقيل: معناه إنَّ علينا للهدى والإضلال، فترك الإضلال كقوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الخير﴾ [آل عمران: 26] ، وقوله تعالى: ﴿تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: 81] وهي تقي الحرَّ وهي تقي البرد، قاله الفراء أيضاً. وهو يروي عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
فصل
لما عرفهم سبحانه أن سعيهم شتى، وبين ما للمحسنين من اليسرى، وللمسيئين من العسرى أخبرهم أنه قد مضى ما عليه من البيان، والدلالة، والترغيب، والترهيب، أي: أن الذي يجب علينا في الحكمة إذا خلقنا الخلق للعبادة أن نبين لهم وجوه التعبد، ونبين المتعبد به.
قالت المعتزلة: إباحة الأعذار تقتضي أنه تعالى كلفهم بما في وسعهم وطاقتهم.
وأيضاً فكلمة «على» للوجوب، وأيضاً: فلو لم يستقل العبد بالإيجاد، لم يكن في نصب الأدلة فائدة، وجوابهم قد تقدم.
وزاد الواحديُّ: أن الفراء، قال: إن معنى: إن علينا للهدى والإضلال، فحذف المعطوف كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: 81] ، وهو معنى قول ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما، يريد: أرشد أوليائي للعمل بطاعتي، وأحول بين أعدائي أن يعملوا بطاعتي، وهو معنى الإضلال، ورد المعتزلة هذا التأويل بقوله تعالى: ﴿وعلى الله قَصْدُ السبيل وَمِنْهَا جَآئِرٌ﴾ [النحل: 9] ، وتقدم جوابهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ والأولى﴾ ، أي: لنا كل ما في الدنيا، والآخرة، فلا يضرنا ترككم الاهتداء بهدانا، ولا يزيد في ملكنا اهتداؤكم بل نفع ذلك وضره عائدان عليكم، ولو شئنا لمنعناكم عن المعاصي لكن ذلك يخل بالتكليف، بل نمنعكم بالبيان والتعريف، والوعد والوعيد، ونكون نحن نملك الدارين، فليطلب منا سعادة الدارين؛ فالأول أوفق لقول المعتزلة، والثاني أوفق لقولنا.
وروى أبو صالح عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: ثواب الدنيا والآخرة، وهو كقوله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والآخرة﴾ [النساء: 134] فمن طلبهما من غير مالكهما فقد أخطأ الطريق.
قوله: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى﴾ . قد تقدم في «البقرة» : أن البزي يشدد مثل هذه التاء، والتشديد فيها عسر لالتقاء الساكنين فيهما على غير حدهما، وهو نظير قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: 15] وقد تقدم.
وقال أبو البقاء: يقرأ بكسر التنوين، وتشديد التاء، وقد ذكر وجهه في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث﴾ [البقرة: 267] انتهى. وهذه قراءة غريبة، ولكنها موافقة للقياس من حيث إنه لم يلتق فيها ساكنان وقد ذكر وجهه، أي الذي قاله في «البقرة» ، ولا يفيد هنا شيئاً ألبتة فإنه قال هناك: «ويقرأ بتشديد التاء، وقبله ألف، وهو جمع بين ساكنين، وإنام سوغ ذلك المد الذي في الألف.
وقال ابنُ الزبير، وسفيان، وزيد بن علي، وطلحة،» تَتَلظَّى» بتاءين وهو الأصل.
قال القرطبي: «وهي قراءة عبد الله بن عمير ويحيى بن يعمر» .
فصل في معنى الآية
المعنى: خوفتكم، وحذرتكم ناراً تلظى، أي: تلهّب، وتوقّد، وتوهّج، يقال: تلظت النار تلظياً، ومنه سميت جهنم: لظى.
قوله تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ﴾ ، أي: لا يجد صلاها، وهو حرها ﴿إِلاَّ الأشقى﴾ ، أي: الشقي.
قيل: الأشقى، والأتقى، بمعنى الشقي والتقي، ولا تفضيل فيهما، لأن النار مختصة بالأكثر شقاء، وتجنبها ليس مختصاً بالأكثر تقوى.
وقيل: بل هما على بابهما، وإليه ذهب الزمخشريُّ، فإنه قال: فإن قلت: كيف قال: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ الأشقى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ ، وقد علم أن كلَّ شقي يصلاها، وكل تقي يجنبها، لا يختص بالصليّ أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء، وإن زعمت أنه نكَّر النار، فأراد ناراً بعينها مخصوصة بالأشقى، فما تصنع بقوله ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ فقد علم أن أفسق المسلمين يجنب تلك النار المخصوصة، لا الأتقى منهم خاصة.
قلت: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين، وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين؛ فقيل: الأشقى، وجعل: مختصاً بالصلي كأن النار لم تخلق إلا له. وقيل: الأتقى، وجعل مختصاً بالنجاة، كأن الجنة لم تخلق إلا له، وقيل: هما أبو جهل وأمية وأبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
قال: جوابه المراد بهما شخصان معينان. انتهى.
فصل
قال المفسرون: المراد بالأشقى، والشقي: الذي «كذَّب» نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «وتولَّى» أعرض عن الإيمان.
وقال الفرَّاء: معناه إلاَّ مَنْ كان شقياً في علمِ الله تعالى.
قال بعضهم: «الأشقَى» بمعنى الشقي؛ كقوله: [الطويل]
5229 - ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . ..... . . لَسْتُ فِيهَا بأوْحَدِ
«بأوحد» ، أي: بواحد، ووحيد، ويوضع «أفعل» موضع «فعيل» نحو قولهم: «اللهُ أكْبَرُ» بمعنى كبير وهو أهون عليه بمعنى هين، قالت المرجئة: الآية تدل على أن الوعيد مختص بالكافر.
والجواب: المعارضة بآيات الوعيد.
وأيضاً: فهذا إغراء بالمعاصي، وأيضاً، فقوله تعالى بعده: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ يدل على ترك هذه الظاهرة؛ لأن الفاسق ليس «بأتقى» فالمراد بقوله تعالى: ﴿نَاراً تلظى﴾ أنها مخصوصة من بين النيران؛ لأن النار دركات، ولا يلزم من هذا أنَّ الفاسق لا يدخل النَّار أصلاً، والمراد لا يصلاها بعد الاستحقاق.
وأجاب الواحديُّ: بأن معنى «لا يَصْلاَهَا» : لا يلزمها، وهذه الملازمة لا تثبت إلا للكافر.
قوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ ، أي: يبعد عنها الأتقى، أي: التقي الخائف.
قال ابن عباس: وهو أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -، ثم وصف الأتقى، فقال سبحانه: ﴿الذى يُؤْتِي مَالَهُ يتزكى﴾ أي: يطلب أن يكون عند الله زاكياً، ولا يطلب بذلك رياء، ولا سمعةً بل يتصدق به مبتغياً به وجه الله.
قوله: «يَتَوكَّى» . قرأ العامة: «يتزكّى» مضارع «تَزَكَّى» .
والحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: «يزكَّى» بإدغام الياء في الزاي، وفي هذه الجملة وجهان:
أحدهما: أنها في موضع الحال من فاعل «يُؤتِي» ، أي: يؤتيه متزكياً به.
والثاني: أنها لا موضع لها من الإعراب على أنها بدل من صلة «الَّذي» ، ذكرهما الزمخشري.
قوله تعالى: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تجزى﴾ ، أي: ليس يتصدق ليجازى على نعمة بل يبتغي وجه ربه الأعلى، أي: المتعالي، و «تجزى» صفة ل «نِعْمَة» ، أي: يجزى الإنسان، وإنَّما جيء به مضارعاً مبنياً للمفعول، لأجل الفواصل؛ إذ الأصل: يجزيها إياه أو يجزيه إياها.
قوله: ﴿إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ﴾ . في نصب «إلاَّ ابتِغَاءَ» وجهان:
أحدهما: أنه مفعول له قال الزمخشري: «ويجوز أن يكون مفعولاً له على المعنى؛ لأن المعنى: لا يؤتي ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمة» . وهذا أخذه من قول الفراء، فإنه قال: ونصب على تأويل: ما أعطيتك ابتغاء جزائك، بل ابتغاء وجه الله تعالى.
والثاني: أنه منصوب على الاستثناء المنقطع، إذ لم يندرج تحت جنس «مِنْ نِعْمَةٍ» وهذه قراءة العامة، أعني: النصب، والمد.
وقرأ يحيى: برفعه ممدوداً على البدل من محل «نِعْمَةٍ» ؛ لأن محلها الرفع، إما على الفاعلية، وإما على الابتداء، و «من» مزيدة في الوجهين، والبدل لغة تميم؛ لأنهم يجرون المنقطع في غير الإيجاب مجرى المتصل، وأنشد الزمخشري بالوجهين: النصب؛ والبدل قول بشر بن أبي خازم: [البسيط] 5230 - أضْحَتْ خَلاَءً قِفَاراً لا أنِيَ بِهَا ... إلاَّ الجَآذِرَ والظُّلْمَانَ تَخَتَلِفُ
وقول القائل في الرفع: [الرجز]
5231 - وبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أنيسُ ... إلاَّ اليَعافِيرُ وإلاَّ العيسُ
وفي التنزيل: ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: 66] .
وقال مكي: «وأجاز الفَرَّاءُ الرفع في» ابتغاء» على البدل في موضع «نعمة» ، وهو بعيد» .
قال شهاب الدين: «كأنه لم يطلع عليها قراءة، واستبعاده هو البعيد، فإنها لغة فاشية» .
وقرأ ابن أبي عبلة: «ابتغا» بالقصر.
فصل في سبب نزول الآية
روى عطاء، والضحاك عن ابن عباس، قال: «عذَّب المشركون بلالاً، وبلال يقول: أحدٌ أحدٌ فمرَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال:» أحَدٌ، يعني اللهُ يُنْجِيْكَ بِهَا» ، ثم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأبي بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «يا أبا بكرٍ إنَّ بلالاً يُعذَّبُ في اللهِ» ، فعرفَ أبو بكرٍ الذي يُرِيدُهُ رسُول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فانصرفَ إلى مَنْزلهِ، فأخذَ رَطْلاً مِنْ ذهبٍ ومضى به إلى أمية بن خلفٍ، فقال له: أتبيعني بلالاً؟ قال: نعم، فاشتراه، فأعتقه أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لا ليدٍ كانت له عنده»
، فنزلت ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ﴾ ، أي: عند أبي بكر «مِنْ نَعْمَةٍ» أي: مزية ومنّةٍ «تُجْزَى» بل ابتغى بما فعل وجه ربِّه الأعلى.
قال بعضهم: المراد ابتغاء ثوابه وكرامته لأن ابتغاء ذاته محال، وقال بعضهم: لا حاجة إلى هذا الإضمار، بل حقيقة هذه المسألة ترجع إلى أن العبد هل يمكن أن يحب ذات الله، والمراد من هذه المحبة ذاته، وكرامته. ذكره ابن الخطيب.
والأعلى من نعت الربِّ الذي استحق صفات العلو، ويجوز أن يكون ابتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمة] .
قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يرضى﴾ . هذا جواب قسم مضمر، والعامة: على «يَرضَى» مبنياً للفاعل وقرئ: ببنائه للمفعول، من أرضاه الله تعالى.
[وهو قريب من قوله تعالى في آخر سورة طه ﴿لَعَلَّكَ ترضى﴾ [طه: 130] .
ومعنى الآية: سوف يعطيه الله تعالى في الجنَّة ما يرضى، بأن يعطيه أضعاف ما أنفق.
قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر، وهو أن المراد أنه إنما طلب رضوان الله تعالى، وليس يرضى الله عنه، قال: وهذا أعظم من الأول؛ لأن رضا الله أكمل للعبد من رضاه عن ربِّه، والله أعلم.
روى الثعلبيُّ عن أبي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿والليل﴾ أعْطَاهُ اللهُ حتَّى يَرْضَى، وعافاهُ اللهُ تعالى من العُسْرِ، ويسَّر لهُ اليُسْرَ» .
قال الثعلبي: وإذا ثبت نزولها ب «مكة» ضعف تأويلها بقصة أبي الدحداح، وقوي تأويلها بنزولها في حق أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لأنه كان ب «مكة» ، وإنفاقه ب «مكة» وقصة أبي الدحداح كانت بالمدينة.
وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «رحم اللهُ أبا بَكْرٍ، زوَّجنِي ابنَتُه، وحَملنِي إلى دَارِ الهِجْرَةِ، وأعْتَقَ بلالاً مِنْ مَالهِ» والله أعلم.
سورة الضحى
الليل 92:15
قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا للهدى﴾ ، أن نبين طريق الهدى، من طريق الضلال، فالهدى بمعنى بيان الأحكام قاله الزجاجُ: أي: على الله بيان حلاله، وحرامه، وطاعته ومعصيته، وهو قول قتادة.
وقال الفراءُ: من سلك الهدى، فعلى الله سبيله، كقوله تعالى: ﴿وعلى الله قَصْدُ السبيل﴾ [النحل: 9] ، وقيل: معناه إنَّ علينا للهدى والإضلال، فترك الإضلال كقوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الخير﴾ [آل عمران: 26] ، وقوله تعالى: ﴿تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: 81] وهي تقي الحرَّ وهي تقي البرد، قاله الفراء أيضاً. وهو يروي عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
فصل
لما عرفهم سبحانه أن سعيهم شتى، وبين ما للمحسنين من اليسرى، وللمسيئين من العسرى أخبرهم أنه قد مضى ما عليه من البيان، والدلالة، والترغيب، والترهيب، أي: أن الذي يجب علينا في الحكمة إذا خلقنا الخلق للعبادة أن نبين لهم وجوه التعبد، ونبين المتعبد به.
قالت المعتزلة: إباحة الأعذار تقتضي أنه تعالى كلفهم بما في وسعهم وطاقتهم.
وأيضاً فكلمة «على» للوجوب، وأيضاً: فلو لم يستقل العبد بالإيجاد، لم يكن في نصب الأدلة فائدة، وجوابهم قد تقدم.
وزاد الواحديُّ: أن الفراء، قال: إن معنى: إن علينا للهدى والإضلال، فحذف المعطوف كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: 81] ، وهو معنى قول ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما، يريد: أرشد أوليائي للعمل بطاعتي، وأحول بين أعدائي أن يعملوا بطاعتي، وهو معنى الإضلال، ورد المعتزلة هذا التأويل بقوله تعالى: ﴿وعلى الله قَصْدُ السبيل وَمِنْهَا جَآئِرٌ﴾ [النحل: 9] ، وتقدم جوابهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ والأولى﴾ ، أي: لنا كل ما في الدنيا، والآخرة، فلا يضرنا ترككم الاهتداء بهدانا، ولا يزيد في ملكنا اهتداؤكم بل نفع ذلك وضره عائدان عليكم، ولو شئنا لمنعناكم عن المعاصي لكن ذلك يخل بالتكليف، بل نمنعكم بالبيان والتعريف، والوعد والوعيد، ونكون نحن نملك الدارين، فليطلب منا سعادة الدارين؛ فالأول أوفق لقول المعتزلة، والثاني أوفق لقولنا.
وروى أبو صالح عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: ثواب الدنيا والآخرة، وهو كقوله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والآخرة﴾ [النساء: 134] فمن طلبهما من غير مالكهما فقد أخطأ الطريق.
قوله: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى﴾ . قد تقدم في «البقرة» : أن البزي يشدد مثل هذه التاء، والتشديد فيها عسر لالتقاء الساكنين فيهما على غير حدهما، وهو نظير قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: 15] وقد تقدم.
وقال أبو البقاء: يقرأ بكسر التنوين، وتشديد التاء، وقد ذكر وجهه في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث﴾ [البقرة: 267] انتهى. وهذه قراءة غريبة، ولكنها موافقة للقياس من حيث إنه لم يلتق فيها ساكنان وقد ذكر وجهه، أي الذي قاله في «البقرة» ، ولا يفيد هنا شيئاً ألبتة فإنه قال هناك: «ويقرأ بتشديد التاء، وقبله ألف، وهو جمع بين ساكنين، وإنام سوغ ذلك المد الذي في الألف.
وقال ابنُ الزبير، وسفيان، وزيد بن علي، وطلحة،» تَتَلظَّى» بتاءين وهو الأصل.
قال القرطبي: «وهي قراءة عبد الله بن عمير ويحيى بن يعمر» .
فصل في معنى الآية
المعنى: خوفتكم، وحذرتكم ناراً تلظى، أي: تلهّب، وتوقّد، وتوهّج، يقال: تلظت النار تلظياً، ومنه سميت جهنم: لظى.
قوله تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ﴾ ، أي: لا يجد صلاها، وهو حرها ﴿إِلاَّ الأشقى﴾ ، أي: الشقي.
قيل: الأشقى، والأتقى، بمعنى الشقي والتقي، ولا تفضيل فيهما، لأن النار مختصة بالأكثر شقاء، وتجنبها ليس مختصاً بالأكثر تقوى.
وقيل: بل هما على بابهما، وإليه ذهب الزمخشريُّ، فإنه قال: فإن قلت: كيف قال: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ الأشقى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ ، وقد علم أن كلَّ شقي يصلاها، وكل تقي يجنبها، لا يختص بالصليّ أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء، وإن زعمت أنه نكَّر النار، فأراد ناراً بعينها مخصوصة بالأشقى، فما تصنع بقوله ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ فقد علم أن أفسق المسلمين يجنب تلك النار المخصوصة، لا الأتقى منهم خاصة.
قلت: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين، وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين؛ فقيل: الأشقى، وجعل: مختصاً بالصلي كأن النار لم تخلق إلا له. وقيل: الأتقى، وجعل مختصاً بالنجاة، كأن الجنة لم تخلق إلا له، وقيل: هما أبو جهل وأمية وأبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
قال: جوابه المراد بهما شخصان معينان. انتهى.
فصل
قال المفسرون: المراد بالأشقى، والشقي: الذي «كذَّب» نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «وتولَّى» أعرض عن الإيمان.
وقال الفرَّاء: معناه إلاَّ مَنْ كان شقياً في علمِ الله تعالى.
قال بعضهم: «الأشقَى» بمعنى الشقي؛ كقوله: [الطويل]
5229 - ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . ..... . . لَسْتُ فِيهَا بأوْحَدِ
«بأوحد» ، أي: بواحد، ووحيد، ويوضع «أفعل» موضع «فعيل» نحو قولهم: «اللهُ أكْبَرُ» بمعنى كبير وهو أهون عليه بمعنى هين، قالت المرجئة: الآية تدل على أن الوعيد مختص بالكافر.
والجواب: المعارضة بآيات الوعيد.
وأيضاً: فهذا إغراء بالمعاصي، وأيضاً، فقوله تعالى بعده: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ يدل على ترك هذه الظاهرة؛ لأن الفاسق ليس «بأتقى» فالمراد بقوله تعالى: ﴿نَاراً تلظى﴾ أنها مخصوصة من بين النيران؛ لأن النار دركات، ولا يلزم من هذا أنَّ الفاسق لا يدخل النَّار أصلاً، والمراد لا يصلاها بعد الاستحقاق.
وأجاب الواحديُّ: بأن معنى «لا يَصْلاَهَا» : لا يلزمها، وهذه الملازمة لا تثبت إلا للكافر.
قوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ ، أي: يبعد عنها الأتقى، أي: التقي الخائف.
قال ابن عباس: وهو أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -، ثم وصف الأتقى، فقال سبحانه: ﴿الذى يُؤْتِي مَالَهُ يتزكى﴾ أي: يطلب أن يكون عند الله زاكياً، ولا يطلب بذلك رياء، ولا سمعةً بل يتصدق به مبتغياً به وجه الله.
قوله: «يَتَوكَّى» . قرأ العامة: «يتزكّى» مضارع «تَزَكَّى» .
والحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: «يزكَّى» بإدغام الياء في الزاي، وفي هذه الجملة وجهان:
أحدهما: أنها في موضع الحال من فاعل «يُؤتِي» ، أي: يؤتيه متزكياً به.
والثاني: أنها لا موضع لها من الإعراب على أنها بدل من صلة «الَّذي» ، ذكرهما الزمخشري.
قوله تعالى: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تجزى﴾ ، أي: ليس يتصدق ليجازى على نعمة بل يبتغي وجه ربه الأعلى، أي: المتعالي، و «تجزى» صفة ل «نِعْمَة» ، أي: يجزى الإنسان، وإنَّما جيء به مضارعاً مبنياً للمفعول، لأجل الفواصل؛ إذ الأصل: يجزيها إياه أو يجزيه إياها.
قوله: ﴿إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ﴾ . في نصب «إلاَّ ابتِغَاءَ» وجهان:
أحدهما: أنه مفعول له قال الزمخشري: «ويجوز أن يكون مفعولاً له على المعنى؛ لأن المعنى: لا يؤتي ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمة» . وهذا أخذه من قول الفراء، فإنه قال: ونصب على تأويل: ما أعطيتك ابتغاء جزائك، بل ابتغاء وجه الله تعالى.
والثاني: أنه منصوب على الاستثناء المنقطع، إذ لم يندرج تحت جنس «مِنْ نِعْمَةٍ» وهذه قراءة العامة، أعني: النصب، والمد.
وقرأ يحيى: برفعه ممدوداً على البدل من محل «نِعْمَةٍ» ؛ لأن محلها الرفع، إما على الفاعلية، وإما على الابتداء، و «من» مزيدة في الوجهين، والبدل لغة تميم؛ لأنهم يجرون المنقطع في غير الإيجاب مجرى المتصل، وأنشد الزمخشري بالوجهين: النصب؛ والبدل قول بشر بن أبي خازم: [البسيط] 5230 - أضْحَتْ خَلاَءً قِفَاراً لا أنِيَ بِهَا ... إلاَّ الجَآذِرَ والظُّلْمَانَ تَخَتَلِفُ
وقول القائل في الرفع: [الرجز]
5231 - وبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أنيسُ ... إلاَّ اليَعافِيرُ وإلاَّ العيسُ
وفي التنزيل: ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: 66] .
وقال مكي: «وأجاز الفَرَّاءُ الرفع في» ابتغاء» على البدل في موضع «نعمة» ، وهو بعيد» .
قال شهاب الدين: «كأنه لم يطلع عليها قراءة، واستبعاده هو البعيد، فإنها لغة فاشية» .
وقرأ ابن أبي عبلة: «ابتغا» بالقصر.
فصل في سبب نزول الآية
روى عطاء، والضحاك عن ابن عباس، قال: «عذَّب المشركون بلالاً، وبلال يقول: أحدٌ أحدٌ فمرَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال:» أحَدٌ، يعني اللهُ يُنْجِيْكَ بِهَا» ، ثم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأبي بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «يا أبا بكرٍ إنَّ بلالاً يُعذَّبُ في اللهِ» ، فعرفَ أبو بكرٍ الذي يُرِيدُهُ رسُول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فانصرفَ إلى مَنْزلهِ، فأخذَ رَطْلاً مِنْ ذهبٍ ومضى به إلى أمية بن خلفٍ، فقال له: أتبيعني بلالاً؟ قال: نعم، فاشتراه، فأعتقه أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لا ليدٍ كانت له عنده»
، فنزلت ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ﴾ ، أي: عند أبي بكر «مِنْ نَعْمَةٍ» أي: مزية ومنّةٍ «تُجْزَى» بل ابتغى بما فعل وجه ربِّه الأعلى.
قال بعضهم: المراد ابتغاء ثوابه وكرامته لأن ابتغاء ذاته محال، وقال بعضهم: لا حاجة إلى هذا الإضمار، بل حقيقة هذه المسألة ترجع إلى أن العبد هل يمكن أن يحب ذات الله، والمراد من هذه المحبة ذاته، وكرامته. ذكره ابن الخطيب.
والأعلى من نعت الربِّ الذي استحق صفات العلو، ويجوز أن يكون ابتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمة] .
قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يرضى﴾ . هذا جواب قسم مضمر، والعامة: على «يَرضَى» مبنياً للفاعل وقرئ: ببنائه للمفعول، من أرضاه الله تعالى.
[وهو قريب من قوله تعالى في آخر سورة طه ﴿لَعَلَّكَ ترضى﴾ [طه: 130] .
ومعنى الآية: سوف يعطيه الله تعالى في الجنَّة ما يرضى، بأن يعطيه أضعاف ما أنفق.
قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر، وهو أن المراد أنه إنما طلب رضوان الله تعالى، وليس يرضى الله عنه، قال: وهذا أعظم من الأول؛ لأن رضا الله أكمل للعبد من رضاه عن ربِّه، والله أعلم.
روى الثعلبيُّ عن أبي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿والليل﴾ أعْطَاهُ اللهُ حتَّى يَرْضَى، وعافاهُ اللهُ تعالى من العُسْرِ، ويسَّر لهُ اليُسْرَ» .
قال الثعلبي: وإذا ثبت نزولها ب «مكة» ضعف تأويلها بقصة أبي الدحداح، وقوي تأويلها بنزولها في حق أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لأنه كان ب «مكة» ، وإنفاقه ب «مكة» وقصة أبي الدحداح كانت بالمدينة.
وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «رحم اللهُ أبا بَكْرٍ، زوَّجنِي ابنَتُه، وحَملنِي إلى دَارِ الهِجْرَةِ، وأعْتَقَ بلالاً مِنْ مَالهِ» والله أعلم.
سورة الضحى
الليل 92:16
قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا للهدى﴾ ، أن نبين طريق الهدى، من طريق الضلال، فالهدى بمعنى بيان الأحكام قاله الزجاجُ: أي: على الله بيان حلاله، وحرامه، وطاعته ومعصيته، وهو قول قتادة.
وقال الفراءُ: من سلك الهدى، فعلى الله سبيله، كقوله تعالى: ﴿وعلى الله قَصْدُ السبيل﴾ [النحل: 9] ، وقيل: معناه إنَّ علينا للهدى والإضلال، فترك الإضلال كقوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الخير﴾ [آل عمران: 26] ، وقوله تعالى: ﴿تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: 81] وهي تقي الحرَّ وهي تقي البرد، قاله الفراء أيضاً. وهو يروي عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
فصل
لما عرفهم سبحانه أن سعيهم شتى، وبين ما للمحسنين من اليسرى، وللمسيئين من العسرى أخبرهم أنه قد مضى ما عليه من البيان، والدلالة، والترغيب، والترهيب، أي: أن الذي يجب علينا في الحكمة إذا خلقنا الخلق للعبادة أن نبين لهم وجوه التعبد، ونبين المتعبد به.
قالت المعتزلة: إباحة الأعذار تقتضي أنه تعالى كلفهم بما في وسعهم وطاقتهم.
وأيضاً فكلمة «على» للوجوب، وأيضاً: فلو لم يستقل العبد بالإيجاد، لم يكن في نصب الأدلة فائدة، وجوابهم قد تقدم.
وزاد الواحديُّ: أن الفراء، قال: إن معنى: إن علينا للهدى والإضلال، فحذف المعطوف كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: 81] ، وهو معنى قول ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما، يريد: أرشد أوليائي للعمل بطاعتي، وأحول بين أعدائي أن يعملوا بطاعتي، وهو معنى الإضلال، ورد المعتزلة هذا التأويل بقوله تعالى: ﴿وعلى الله قَصْدُ السبيل وَمِنْهَا جَآئِرٌ﴾ [النحل: 9] ، وتقدم جوابهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ والأولى﴾ ، أي: لنا كل ما في الدنيا، والآخرة، فلا يضرنا ترككم الاهتداء بهدانا، ولا يزيد في ملكنا اهتداؤكم بل نفع ذلك وضره عائدان عليكم، ولو شئنا لمنعناكم عن المعاصي لكن ذلك يخل بالتكليف، بل نمنعكم بالبيان والتعريف، والوعد والوعيد، ونكون نحن نملك الدارين، فليطلب منا سعادة الدارين؛ فالأول أوفق لقول المعتزلة، والثاني أوفق لقولنا.
وروى أبو صالح عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: ثواب الدنيا والآخرة، وهو كقوله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والآخرة﴾ [النساء: 134] فمن طلبهما من غير مالكهما فقد أخطأ الطريق.
قوله: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى﴾ . قد تقدم في «البقرة» : أن البزي يشدد مثل هذه التاء، والتشديد فيها عسر لالتقاء الساكنين فيهما على غير حدهما، وهو نظير قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: 15] وقد تقدم.
وقال أبو البقاء: يقرأ بكسر التنوين، وتشديد التاء، وقد ذكر وجهه في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث﴾ [البقرة: 267] انتهى. وهذه قراءة غريبة، ولكنها موافقة للقياس من حيث إنه لم يلتق فيها ساكنان وقد ذكر وجهه، أي الذي قاله في «البقرة» ، ولا يفيد هنا شيئاً ألبتة فإنه قال هناك: «ويقرأ بتشديد التاء، وقبله ألف، وهو جمع بين ساكنين، وإنام سوغ ذلك المد الذي في الألف.
وقال ابنُ الزبير، وسفيان، وزيد بن علي، وطلحة،» تَتَلظَّى» بتاءين وهو الأصل.
قال القرطبي: «وهي قراءة عبد الله بن عمير ويحيى بن يعمر» .
فصل في معنى الآية
المعنى: خوفتكم، وحذرتكم ناراً تلظى، أي: تلهّب، وتوقّد، وتوهّج، يقال: تلظت النار تلظياً، ومنه سميت جهنم: لظى.
قوله تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ﴾ ، أي: لا يجد صلاها، وهو حرها ﴿إِلاَّ الأشقى﴾ ، أي: الشقي.
قيل: الأشقى، والأتقى، بمعنى الشقي والتقي، ولا تفضيل فيهما، لأن النار مختصة بالأكثر شقاء، وتجنبها ليس مختصاً بالأكثر تقوى.
وقيل: بل هما على بابهما، وإليه ذهب الزمخشريُّ، فإنه قال: فإن قلت: كيف قال: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ الأشقى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ ، وقد علم أن كلَّ شقي يصلاها، وكل تقي يجنبها، لا يختص بالصليّ أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء، وإن زعمت أنه نكَّر النار، فأراد ناراً بعينها مخصوصة بالأشقى، فما تصنع بقوله ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ فقد علم أن أفسق المسلمين يجنب تلك النار المخصوصة، لا الأتقى منهم خاصة.
قلت: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين، وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين؛ فقيل: الأشقى، وجعل: مختصاً بالصلي كأن النار لم تخلق إلا له. وقيل: الأتقى، وجعل مختصاً بالنجاة، كأن الجنة لم تخلق إلا له، وقيل: هما أبو جهل وأمية وأبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
قال: جوابه المراد بهما شخصان معينان. انتهى.
فصل
قال المفسرون: المراد بالأشقى، والشقي: الذي «كذَّب» نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «وتولَّى» أعرض عن الإيمان.
وقال الفرَّاء: معناه إلاَّ مَنْ كان شقياً في علمِ الله تعالى.
قال بعضهم: «الأشقَى» بمعنى الشقي؛ كقوله: [الطويل]
5229 - ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . ..... . . لَسْتُ فِيهَا بأوْحَدِ
«بأوحد» ، أي: بواحد، ووحيد، ويوضع «أفعل» موضع «فعيل» نحو قولهم: «اللهُ أكْبَرُ» بمعنى كبير وهو أهون عليه بمعنى هين، قالت المرجئة: الآية تدل على أن الوعيد مختص بالكافر.
والجواب: المعارضة بآيات الوعيد.
وأيضاً: فهذا إغراء بالمعاصي، وأيضاً، فقوله تعالى بعده: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ يدل على ترك هذه الظاهرة؛ لأن الفاسق ليس «بأتقى» فالمراد بقوله تعالى: ﴿نَاراً تلظى﴾ أنها مخصوصة من بين النيران؛ لأن النار دركات، ولا يلزم من هذا أنَّ الفاسق لا يدخل النَّار أصلاً، والمراد لا يصلاها بعد الاستحقاق.
وأجاب الواحديُّ: بأن معنى «لا يَصْلاَهَا» : لا يلزمها، وهذه الملازمة لا تثبت إلا للكافر.
قوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ ، أي: يبعد عنها الأتقى، أي: التقي الخائف.
قال ابن عباس: وهو أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -، ثم وصف الأتقى، فقال سبحانه: ﴿الذى يُؤْتِي مَالَهُ يتزكى﴾ أي: يطلب أن يكون عند الله زاكياً، ولا يطلب بذلك رياء، ولا سمعةً بل يتصدق به مبتغياً به وجه الله.
قوله: «يَتَوكَّى» . قرأ العامة: «يتزكّى» مضارع «تَزَكَّى» .
والحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: «يزكَّى» بإدغام الياء في الزاي، وفي هذه الجملة وجهان:
أحدهما: أنها في موضع الحال من فاعل «يُؤتِي» ، أي: يؤتيه متزكياً به.
والثاني: أنها لا موضع لها من الإعراب على أنها بدل من صلة «الَّذي» ، ذكرهما الزمخشري.
قوله تعالى: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تجزى﴾ ، أي: ليس يتصدق ليجازى على نعمة بل يبتغي وجه ربه الأعلى، أي: المتعالي، و «تجزى» صفة ل «نِعْمَة» ، أي: يجزى الإنسان، وإنَّما جيء به مضارعاً مبنياً للمفعول، لأجل الفواصل؛ إذ الأصل: يجزيها إياه أو يجزيه إياها.
قوله: ﴿إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ﴾ . في نصب «إلاَّ ابتِغَاءَ» وجهان:
أحدهما: أنه مفعول له قال الزمخشري: «ويجوز أن يكون مفعولاً له على المعنى؛ لأن المعنى: لا يؤتي ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمة» . وهذا أخذه من قول الفراء، فإنه قال: ونصب على تأويل: ما أعطيتك ابتغاء جزائك، بل ابتغاء وجه الله تعالى.
والثاني: أنه منصوب على الاستثناء المنقطع، إذ لم يندرج تحت جنس «مِنْ نِعْمَةٍ» وهذه قراءة العامة، أعني: النصب، والمد.
وقرأ يحيى: برفعه ممدوداً على البدل من محل «نِعْمَةٍ» ؛ لأن محلها الرفع، إما على الفاعلية، وإما على الابتداء، و «من» مزيدة في الوجهين، والبدل لغة تميم؛ لأنهم يجرون المنقطع في غير الإيجاب مجرى المتصل، وأنشد الزمخشري بالوجهين: النصب؛ والبدل قول بشر بن أبي خازم: [البسيط] 5230 - أضْحَتْ خَلاَءً قِفَاراً لا أنِيَ بِهَا ... إلاَّ الجَآذِرَ والظُّلْمَانَ تَخَتَلِفُ
وقول القائل في الرفع: [الرجز]
5231 - وبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أنيسُ ... إلاَّ اليَعافِيرُ وإلاَّ العيسُ
وفي التنزيل: ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: 66] .
وقال مكي: «وأجاز الفَرَّاءُ الرفع في» ابتغاء» على البدل في موضع «نعمة» ، وهو بعيد» .
قال شهاب الدين: «كأنه لم يطلع عليها قراءة، واستبعاده هو البعيد، فإنها لغة فاشية» .
وقرأ ابن أبي عبلة: «ابتغا» بالقصر.
فصل في سبب نزول الآية
روى عطاء، والضحاك عن ابن عباس، قال: «عذَّب المشركون بلالاً، وبلال يقول: أحدٌ أحدٌ فمرَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال:» أحَدٌ، يعني اللهُ يُنْجِيْكَ بِهَا» ، ثم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأبي بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «يا أبا بكرٍ إنَّ بلالاً يُعذَّبُ في اللهِ» ، فعرفَ أبو بكرٍ الذي يُرِيدُهُ رسُول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فانصرفَ إلى مَنْزلهِ، فأخذَ رَطْلاً مِنْ ذهبٍ ومضى به إلى أمية بن خلفٍ، فقال له: أتبيعني بلالاً؟ قال: نعم، فاشتراه، فأعتقه أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لا ليدٍ كانت له عنده»
، فنزلت ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ﴾ ، أي: عند أبي بكر «مِنْ نَعْمَةٍ» أي: مزية ومنّةٍ «تُجْزَى» بل ابتغى بما فعل وجه ربِّه الأعلى.
قال بعضهم: المراد ابتغاء ثوابه وكرامته لأن ابتغاء ذاته محال، وقال بعضهم: لا حاجة إلى هذا الإضمار، بل حقيقة هذه المسألة ترجع إلى أن العبد هل يمكن أن يحب ذات الله، والمراد من هذه المحبة ذاته، وكرامته. ذكره ابن الخطيب.
والأعلى من نعت الربِّ الذي استحق صفات العلو، ويجوز أن يكون ابتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمة] .
قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يرضى﴾ . هذا جواب قسم مضمر، والعامة: على «يَرضَى» مبنياً للفاعل وقرئ: ببنائه للمفعول، من أرضاه الله تعالى.
[وهو قريب من قوله تعالى في آخر سورة طه ﴿لَعَلَّكَ ترضى﴾ [طه: 130] .
ومعنى الآية: سوف يعطيه الله تعالى في الجنَّة ما يرضى، بأن يعطيه أضعاف ما أنفق.
قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر، وهو أن المراد أنه إنما طلب رضوان الله تعالى، وليس يرضى الله عنه، قال: وهذا أعظم من الأول؛ لأن رضا الله أكمل للعبد من رضاه عن ربِّه، والله أعلم.
روى الثعلبيُّ عن أبي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿والليل﴾ أعْطَاهُ اللهُ حتَّى يَرْضَى، وعافاهُ اللهُ تعالى من العُسْرِ، ويسَّر لهُ اليُسْرَ» .
قال الثعلبي: وإذا ثبت نزولها ب «مكة» ضعف تأويلها بقصة أبي الدحداح، وقوي تأويلها بنزولها في حق أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لأنه كان ب «مكة» ، وإنفاقه ب «مكة» وقصة أبي الدحداح كانت بالمدينة.
وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «رحم اللهُ أبا بَكْرٍ، زوَّجنِي ابنَتُه، وحَملنِي إلى دَارِ الهِجْرَةِ، وأعْتَقَ بلالاً مِنْ مَالهِ» والله أعلم.
سورة الضحى
الليل 92:17
قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا للهدى﴾ ، أن نبين طريق الهدى، من طريق الضلال، فالهدى بمعنى بيان الأحكام قاله الزجاجُ: أي: على الله بيان حلاله، وحرامه، وطاعته ومعصيته، وهو قول قتادة.
وقال الفراءُ: من سلك الهدى، فعلى الله سبيله، كقوله تعالى: ﴿وعلى الله قَصْدُ السبيل﴾ [النحل: 9] ، وقيل: معناه إنَّ علينا للهدى والإضلال، فترك الإضلال كقوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الخير﴾ [آل عمران: 26] ، وقوله تعالى: ﴿تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: 81] وهي تقي الحرَّ وهي تقي البرد، قاله الفراء أيضاً. وهو يروي عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
فصل
لما عرفهم سبحانه أن سعيهم شتى، وبين ما للمحسنين من اليسرى، وللمسيئين من العسرى أخبرهم أنه قد مضى ما عليه من البيان، والدلالة، والترغيب، والترهيب، أي: أن الذي يجب علينا في الحكمة إذا خلقنا الخلق للعبادة أن نبين لهم وجوه التعبد، ونبين المتعبد به.
قالت المعتزلة: إباحة الأعذار تقتضي أنه تعالى كلفهم بما في وسعهم وطاقتهم.
وأيضاً فكلمة «على» للوجوب، وأيضاً: فلو لم يستقل العبد بالإيجاد، لم يكن في نصب الأدلة فائدة، وجوابهم قد تقدم.
وزاد الواحديُّ: أن الفراء، قال: إن معنى: إن علينا للهدى والإضلال، فحذف المعطوف كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: 81] ، وهو معنى قول ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما، يريد: أرشد أوليائي للعمل بطاعتي، وأحول بين أعدائي أن يعملوا بطاعتي، وهو معنى الإضلال، ورد المعتزلة هذا التأويل بقوله تعالى: ﴿وعلى الله قَصْدُ السبيل وَمِنْهَا جَآئِرٌ﴾ [النحل: 9] ، وتقدم جوابهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ والأولى﴾ ، أي: لنا كل ما في الدنيا، والآخرة، فلا يضرنا ترككم الاهتداء بهدانا، ولا يزيد في ملكنا اهتداؤكم بل نفع ذلك وضره عائدان عليكم، ولو شئنا لمنعناكم عن المعاصي لكن ذلك يخل بالتكليف، بل نمنعكم بالبيان والتعريف، والوعد والوعيد، ونكون نحن نملك الدارين، فليطلب منا سعادة الدارين؛ فالأول أوفق لقول المعتزلة، والثاني أوفق لقولنا.
وروى أبو صالح عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: ثواب الدنيا والآخرة، وهو كقوله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والآخرة﴾ [النساء: 134] فمن طلبهما من غير مالكهما فقد أخطأ الطريق.
قوله: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى﴾ . قد تقدم في «البقرة» : أن البزي يشدد مثل هذه التاء، والتشديد فيها عسر لالتقاء الساكنين فيهما على غير حدهما، وهو نظير قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: 15] وقد تقدم.
وقال أبو البقاء: يقرأ بكسر التنوين، وتشديد التاء، وقد ذكر وجهه في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث﴾ [البقرة: 267] انتهى. وهذه قراءة غريبة، ولكنها موافقة للقياس من حيث إنه لم يلتق فيها ساكنان وقد ذكر وجهه، أي الذي قاله في «البقرة» ، ولا يفيد هنا شيئاً ألبتة فإنه قال هناك: «ويقرأ بتشديد التاء، وقبله ألف، وهو جمع بين ساكنين، وإنام سوغ ذلك المد الذي في الألف.
وقال ابنُ الزبير، وسفيان، وزيد بن علي، وطلحة،» تَتَلظَّى» بتاءين وهو الأصل.
قال القرطبي: «وهي قراءة عبد الله بن عمير ويحيى بن يعمر» .
فصل في معنى الآية
المعنى: خوفتكم، وحذرتكم ناراً تلظى، أي: تلهّب، وتوقّد، وتوهّج، يقال: تلظت النار تلظياً، ومنه سميت جهنم: لظى.
قوله تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ﴾ ، أي: لا يجد صلاها، وهو حرها ﴿إِلاَّ الأشقى﴾ ، أي: الشقي.
قيل: الأشقى، والأتقى، بمعنى الشقي والتقي، ولا تفضيل فيهما، لأن النار مختصة بالأكثر شقاء، وتجنبها ليس مختصاً بالأكثر تقوى.
وقيل: بل هما على بابهما، وإليه ذهب الزمخشريُّ، فإنه قال: فإن قلت: كيف قال: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ الأشقى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ ، وقد علم أن كلَّ شقي يصلاها، وكل تقي يجنبها، لا يختص بالصليّ أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء، وإن زعمت أنه نكَّر النار، فأراد ناراً بعينها مخصوصة بالأشقى، فما تصنع بقوله ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ فقد علم أن أفسق المسلمين يجنب تلك النار المخصوصة، لا الأتقى منهم خاصة.
قلت: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين، وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين؛ فقيل: الأشقى، وجعل: مختصاً بالصلي كأن النار لم تخلق إلا له. وقيل: الأتقى، وجعل مختصاً بالنجاة، كأن الجنة لم تخلق إلا له، وقيل: هما أبو جهل وأمية وأبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
قال: جوابه المراد بهما شخصان معينان. انتهى.
فصل
قال المفسرون: المراد بالأشقى، والشقي: الذي «كذَّب» نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «وتولَّى» أعرض عن الإيمان.
وقال الفرَّاء: معناه إلاَّ مَنْ كان شقياً في علمِ الله تعالى.
قال بعضهم: «الأشقَى» بمعنى الشقي؛ كقوله: [الطويل]
5229 - ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . ..... . . لَسْتُ فِيهَا بأوْحَدِ
«بأوحد» ، أي: بواحد، ووحيد، ويوضع «أفعل» موضع «فعيل» نحو قولهم: «اللهُ أكْبَرُ» بمعنى كبير وهو أهون عليه بمعنى هين، قالت المرجئة: الآية تدل على أن الوعيد مختص بالكافر.
والجواب: المعارضة بآيات الوعيد.
وأيضاً: فهذا إغراء بالمعاصي، وأيضاً، فقوله تعالى بعده: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ يدل على ترك هذه الظاهرة؛ لأن الفاسق ليس «بأتقى» فالمراد بقوله تعالى: ﴿نَاراً تلظى﴾ أنها مخصوصة من بين النيران؛ لأن النار دركات، ولا يلزم من هذا أنَّ الفاسق لا يدخل النَّار أصلاً، والمراد لا يصلاها بعد الاستحقاق.
وأجاب الواحديُّ: بأن معنى «لا يَصْلاَهَا» : لا يلزمها، وهذه الملازمة لا تثبت إلا للكافر.
قوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ ، أي: يبعد عنها الأتقى، أي: التقي الخائف.
قال ابن عباس: وهو أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -، ثم وصف الأتقى، فقال سبحانه: ﴿الذى يُؤْتِي مَالَهُ يتزكى﴾ أي: يطلب أن يكون عند الله زاكياً، ولا يطلب بذلك رياء، ولا سمعةً بل يتصدق به مبتغياً به وجه الله.
قوله: «يَتَوكَّى» . قرأ العامة: «يتزكّى» مضارع «تَزَكَّى» .
والحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: «يزكَّى» بإدغام الياء في الزاي، وفي هذه الجملة وجهان:
أحدهما: أنها في موضع الحال من فاعل «يُؤتِي» ، أي: يؤتيه متزكياً به.
والثاني: أنها لا موضع لها من الإعراب على أنها بدل من صلة «الَّذي» ، ذكرهما الزمخشري.
قوله تعالى: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تجزى﴾ ، أي: ليس يتصدق ليجازى على نعمة بل يبتغي وجه ربه الأعلى، أي: المتعالي، و «تجزى» صفة ل «نِعْمَة» ، أي: يجزى الإنسان، وإنَّما جيء به مضارعاً مبنياً للمفعول، لأجل الفواصل؛ إذ الأصل: يجزيها إياه أو يجزيه إياها.
قوله: ﴿إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ﴾ . في نصب «إلاَّ ابتِغَاءَ» وجهان:
أحدهما: أنه مفعول له قال الزمخشري: «ويجوز أن يكون مفعولاً له على المعنى؛ لأن المعنى: لا يؤتي ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمة» . وهذا أخذه من قول الفراء، فإنه قال: ونصب على تأويل: ما أعطيتك ابتغاء جزائك، بل ابتغاء وجه الله تعالى.
والثاني: أنه منصوب على الاستثناء المنقطع، إذ لم يندرج تحت جنس «مِنْ نِعْمَةٍ» وهذه قراءة العامة، أعني: النصب، والمد.
وقرأ يحيى: برفعه ممدوداً على البدل من محل «نِعْمَةٍ» ؛ لأن محلها الرفع، إما على الفاعلية، وإما على الابتداء، و «من» مزيدة في الوجهين، والبدل لغة تميم؛ لأنهم يجرون المنقطع في غير الإيجاب مجرى المتصل، وأنشد الزمخشري بالوجهين: النصب؛ والبدل قول بشر بن أبي خازم: [البسيط] 5230 - أضْحَتْ خَلاَءً قِفَاراً لا أنِيَ بِهَا ... إلاَّ الجَآذِرَ والظُّلْمَانَ تَخَتَلِفُ
وقول القائل في الرفع: [الرجز]
5231 - وبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أنيسُ ... إلاَّ اليَعافِيرُ وإلاَّ العيسُ
وفي التنزيل: ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: 66] .
وقال مكي: «وأجاز الفَرَّاءُ الرفع في» ابتغاء» على البدل في موضع «نعمة» ، وهو بعيد» .
قال شهاب الدين: «كأنه لم يطلع عليها قراءة، واستبعاده هو البعيد، فإنها لغة فاشية» .
وقرأ ابن أبي عبلة: «ابتغا» بالقصر.
فصل في سبب نزول الآية
روى عطاء، والضحاك عن ابن عباس، قال: «عذَّب المشركون بلالاً، وبلال يقول: أحدٌ أحدٌ فمرَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال:» أحَدٌ، يعني اللهُ يُنْجِيْكَ بِهَا» ، ثم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأبي بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «يا أبا بكرٍ إنَّ بلالاً يُعذَّبُ في اللهِ» ، فعرفَ أبو بكرٍ الذي يُرِيدُهُ رسُول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فانصرفَ إلى مَنْزلهِ، فأخذَ رَطْلاً مِنْ ذهبٍ ومضى به إلى أمية بن خلفٍ، فقال له: أتبيعني بلالاً؟ قال: نعم، فاشتراه، فأعتقه أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لا ليدٍ كانت له عنده»
، فنزلت ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ﴾ ، أي: عند أبي بكر «مِنْ نَعْمَةٍ» أي: مزية ومنّةٍ «تُجْزَى» بل ابتغى بما فعل وجه ربِّه الأعلى.
قال بعضهم: المراد ابتغاء ثوابه وكرامته لأن ابتغاء ذاته محال، وقال بعضهم: لا حاجة إلى هذا الإضمار، بل حقيقة هذه المسألة ترجع إلى أن العبد هل يمكن أن يحب ذات الله، والمراد من هذه المحبة ذاته، وكرامته. ذكره ابن الخطيب.
والأعلى من نعت الربِّ الذي استحق صفات العلو، ويجوز أن يكون ابتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمة] .
قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يرضى﴾ . هذا جواب قسم مضمر، والعامة: على «يَرضَى» مبنياً للفاعل وقرئ: ببنائه للمفعول، من أرضاه الله تعالى.
[وهو قريب من قوله تعالى في آخر سورة طه ﴿لَعَلَّكَ ترضى﴾ [طه: 130] .
ومعنى الآية: سوف يعطيه الله تعالى في الجنَّة ما يرضى، بأن يعطيه أضعاف ما أنفق.
قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر، وهو أن المراد أنه إنما طلب رضوان الله تعالى، وليس يرضى الله عنه، قال: وهذا أعظم من الأول؛ لأن رضا الله أكمل للعبد من رضاه عن ربِّه، والله أعلم.
روى الثعلبيُّ عن أبي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿والليل﴾ أعْطَاهُ اللهُ حتَّى يَرْضَى، وعافاهُ اللهُ تعالى من العُسْرِ، ويسَّر لهُ اليُسْرَ» .
قال الثعلبي: وإذا ثبت نزولها ب «مكة» ضعف تأويلها بقصة أبي الدحداح، وقوي تأويلها بنزولها في حق أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لأنه كان ب «مكة» ، وإنفاقه ب «مكة» وقصة أبي الدحداح كانت بالمدينة.
وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «رحم اللهُ أبا بَكْرٍ، زوَّجنِي ابنَتُه، وحَملنِي إلى دَارِ الهِجْرَةِ، وأعْتَقَ بلالاً مِنْ مَالهِ» والله أعلم.
سورة الضحى
الليل 92:18
قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا للهدى﴾ ، أن نبين طريق الهدى، من طريق الضلال، فالهدى بمعنى بيان الأحكام قاله الزجاجُ: أي: على الله بيان حلاله، وحرامه، وطاعته ومعصيته، وهو قول قتادة.
وقال الفراءُ: من سلك الهدى، فعلى الله سبيله، كقوله تعالى: ﴿وعلى الله قَصْدُ السبيل﴾ [النحل: 9] ، وقيل: معناه إنَّ علينا للهدى والإضلال، فترك الإضلال كقوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الخير﴾ [آل عمران: 26] ، وقوله تعالى: ﴿تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: 81] وهي تقي الحرَّ وهي تقي البرد، قاله الفراء أيضاً. وهو يروي عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
فصل
لما عرفهم سبحانه أن سعيهم شتى، وبين ما للمحسنين من اليسرى، وللمسيئين من العسرى أخبرهم أنه قد مضى ما عليه من البيان، والدلالة، والترغيب، والترهيب، أي: أن الذي يجب علينا في الحكمة إذا خلقنا الخلق للعبادة أن نبين لهم وجوه التعبد، ونبين المتعبد به.
قالت المعتزلة: إباحة الأعذار تقتضي أنه تعالى كلفهم بما في وسعهم وطاقتهم.
وأيضاً فكلمة «على» للوجوب، وأيضاً: فلو لم يستقل العبد بالإيجاد، لم يكن في نصب الأدلة فائدة، وجوابهم قد تقدم.
وزاد الواحديُّ: أن الفراء، قال: إن معنى: إن علينا للهدى والإضلال، فحذف المعطوف كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: 81] ، وهو معنى قول ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما، يريد: أرشد أوليائي للعمل بطاعتي، وأحول بين أعدائي أن يعملوا بطاعتي، وهو معنى الإضلال، ورد المعتزلة هذا التأويل بقوله تعالى: ﴿وعلى الله قَصْدُ السبيل وَمِنْهَا جَآئِرٌ﴾ [النحل: 9] ، وتقدم جوابهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ والأولى﴾ ، أي: لنا كل ما في الدنيا، والآخرة، فلا يضرنا ترككم الاهتداء بهدانا، ولا يزيد في ملكنا اهتداؤكم بل نفع ذلك وضره عائدان عليكم، ولو شئنا لمنعناكم عن المعاصي لكن ذلك يخل بالتكليف، بل نمنعكم بالبيان والتعريف، والوعد والوعيد، ونكون نحن نملك الدارين، فليطلب منا سعادة الدارين؛ فالأول أوفق لقول المعتزلة، والثاني أوفق لقولنا.
وروى أبو صالح عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: ثواب الدنيا والآخرة، وهو كقوله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والآخرة﴾ [النساء: 134] فمن طلبهما من غير مالكهما فقد أخطأ الطريق.
قوله: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى﴾ . قد تقدم في «البقرة» : أن البزي يشدد مثل هذه التاء، والتشديد فيها عسر لالتقاء الساكنين فيهما على غير حدهما، وهو نظير قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: 15] وقد تقدم.
وقال أبو البقاء: يقرأ بكسر التنوين، وتشديد التاء، وقد ذكر وجهه في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث﴾ [البقرة: 267] انتهى. وهذه قراءة غريبة، ولكنها موافقة للقياس من حيث إنه لم يلتق فيها ساكنان وقد ذكر وجهه، أي الذي قاله في «البقرة» ، ولا يفيد هنا شيئاً ألبتة فإنه قال هناك: «ويقرأ بتشديد التاء، وقبله ألف، وهو جمع بين ساكنين، وإنام سوغ ذلك المد الذي في الألف.
وقال ابنُ الزبير، وسفيان، وزيد بن علي، وطلحة،» تَتَلظَّى» بتاءين وهو الأصل.
قال القرطبي: «وهي قراءة عبد الله بن عمير ويحيى بن يعمر» .
فصل في معنى الآية
المعنى: خوفتكم، وحذرتكم ناراً تلظى، أي: تلهّب، وتوقّد، وتوهّج، يقال: تلظت النار تلظياً، ومنه سميت جهنم: لظى.
قوله تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ﴾ ، أي: لا يجد صلاها، وهو حرها ﴿إِلاَّ الأشقى﴾ ، أي: الشقي.
قيل: الأشقى، والأتقى، بمعنى الشقي والتقي، ولا تفضيل فيهما، لأن النار مختصة بالأكثر شقاء، وتجنبها ليس مختصاً بالأكثر تقوى.
وقيل: بل هما على بابهما، وإليه ذهب الزمخشريُّ، فإنه قال: فإن قلت: كيف قال: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ الأشقى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ ، وقد علم أن كلَّ شقي يصلاها، وكل تقي يجنبها، لا يختص بالصليّ أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء، وإن زعمت أنه نكَّر النار، فأراد ناراً بعينها مخصوصة بالأشقى، فما تصنع بقوله ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ فقد علم أن أفسق المسلمين يجنب تلك النار المخصوصة، لا الأتقى منهم خاصة.
قلت: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين، وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين؛ فقيل: الأشقى، وجعل: مختصاً بالصلي كأن النار لم تخلق إلا له. وقيل: الأتقى، وجعل مختصاً بالنجاة، كأن الجنة لم تخلق إلا له، وقيل: هما أبو جهل وأمية وأبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
قال: جوابه المراد بهما شخصان معينان. انتهى.
فصل
قال المفسرون: المراد بالأشقى، والشقي: الذي «كذَّب» نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «وتولَّى» أعرض عن الإيمان.
وقال الفرَّاء: معناه إلاَّ مَنْ كان شقياً في علمِ الله تعالى.
قال بعضهم: «الأشقَى» بمعنى الشقي؛ كقوله: [الطويل]
5229 - ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . ..... . . لَسْتُ فِيهَا بأوْحَدِ
«بأوحد» ، أي: بواحد، ووحيد، ويوضع «أفعل» موضع «فعيل» نحو قولهم: «اللهُ أكْبَرُ» بمعنى كبير وهو أهون عليه بمعنى هين، قالت المرجئة: الآية تدل على أن الوعيد مختص بالكافر.
والجواب: المعارضة بآيات الوعيد.
وأيضاً: فهذا إغراء بالمعاصي، وأيضاً، فقوله تعالى بعده: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ يدل على ترك هذه الظاهرة؛ لأن الفاسق ليس «بأتقى» فالمراد بقوله تعالى: ﴿نَاراً تلظى﴾ أنها مخصوصة من بين النيران؛ لأن النار دركات، ولا يلزم من هذا أنَّ الفاسق لا يدخل النَّار أصلاً، والمراد لا يصلاها بعد الاستحقاق.
وأجاب الواحديُّ: بأن معنى «لا يَصْلاَهَا» : لا يلزمها، وهذه الملازمة لا تثبت إلا للكافر.
قوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ ، أي: يبعد عنها الأتقى، أي: التقي الخائف.
قال ابن عباس: وهو أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -، ثم وصف الأتقى، فقال سبحانه: ﴿الذى يُؤْتِي مَالَهُ يتزكى﴾ أي: يطلب أن يكون عند الله زاكياً، ولا يطلب بذلك رياء، ولا سمعةً بل يتصدق به مبتغياً به وجه الله.
قوله: «يَتَوكَّى» . قرأ العامة: «يتزكّى» مضارع «تَزَكَّى» .
والحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: «يزكَّى» بإدغام الياء في الزاي، وفي هذه الجملة وجهان:
أحدهما: أنها في موضع الحال من فاعل «يُؤتِي» ، أي: يؤتيه متزكياً به.
والثاني: أنها لا موضع لها من الإعراب على أنها بدل من صلة «الَّذي» ، ذكرهما الزمخشري.
قوله تعالى: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تجزى﴾ ، أي: ليس يتصدق ليجازى على نعمة بل يبتغي وجه ربه الأعلى، أي: المتعالي، و «تجزى» صفة ل «نِعْمَة» ، أي: يجزى الإنسان، وإنَّما جيء به مضارعاً مبنياً للمفعول، لأجل الفواصل؛ إذ الأصل: يجزيها إياه أو يجزيه إياها.
قوله: ﴿إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ﴾ . في نصب «إلاَّ ابتِغَاءَ» وجهان:
أحدهما: أنه مفعول له قال الزمخشري: «ويجوز أن يكون مفعولاً له على المعنى؛ لأن المعنى: لا يؤتي ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمة» . وهذا أخذه من قول الفراء، فإنه قال: ونصب على تأويل: ما أعطيتك ابتغاء جزائك، بل ابتغاء وجه الله تعالى.
والثاني: أنه منصوب على الاستثناء المنقطع، إذ لم يندرج تحت جنس «مِنْ نِعْمَةٍ» وهذه قراءة العامة، أعني: النصب، والمد.
وقرأ يحيى: برفعه ممدوداً على البدل من محل «نِعْمَةٍ» ؛ لأن محلها الرفع، إما على الفاعلية، وإما على الابتداء، و «من» مزيدة في الوجهين، والبدل لغة تميم؛ لأنهم يجرون المنقطع في غير الإيجاب مجرى المتصل، وأنشد الزمخشري بالوجهين: النصب؛ والبدل قول بشر بن أبي خازم: [البسيط] 5230 - أضْحَتْ خَلاَءً قِفَاراً لا أنِيَ بِهَا ... إلاَّ الجَآذِرَ والظُّلْمَانَ تَخَتَلِفُ
وقول القائل في الرفع: [الرجز]
5231 - وبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أنيسُ ... إلاَّ اليَعافِيرُ وإلاَّ العيسُ
وفي التنزيل: ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: 66] .
وقال مكي: «وأجاز الفَرَّاءُ الرفع في» ابتغاء» على البدل في موضع «نعمة» ، وهو بعيد» .
قال شهاب الدين: «كأنه لم يطلع عليها قراءة، واستبعاده هو البعيد، فإنها لغة فاشية» .
وقرأ ابن أبي عبلة: «ابتغا» بالقصر.
فصل في سبب نزول الآية
روى عطاء، والضحاك عن ابن عباس، قال: «عذَّب المشركون بلالاً، وبلال يقول: أحدٌ أحدٌ فمرَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال:» أحَدٌ، يعني اللهُ يُنْجِيْكَ بِهَا» ، ثم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأبي بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «يا أبا بكرٍ إنَّ بلالاً يُعذَّبُ في اللهِ» ، فعرفَ أبو بكرٍ الذي يُرِيدُهُ رسُول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فانصرفَ إلى مَنْزلهِ، فأخذَ رَطْلاً مِنْ ذهبٍ ومضى به إلى أمية بن خلفٍ، فقال له: أتبيعني بلالاً؟ قال: نعم، فاشتراه، فأعتقه أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لا ليدٍ كانت له عنده»
، فنزلت ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ﴾ ، أي: عند أبي بكر «مِنْ نَعْمَةٍ» أي: مزية ومنّةٍ «تُجْزَى» بل ابتغى بما فعل وجه ربِّه الأعلى.
قال بعضهم: المراد ابتغاء ثوابه وكرامته لأن ابتغاء ذاته محال، وقال بعضهم: لا حاجة إلى هذا الإضمار، بل حقيقة هذه المسألة ترجع إلى أن العبد هل يمكن أن يحب ذات الله، والمراد من هذه المحبة ذاته، وكرامته. ذكره ابن الخطيب.
والأعلى من نعت الربِّ الذي استحق صفات العلو، ويجوز أن يكون ابتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمة] .
قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يرضى﴾ . هذا جواب قسم مضمر، والعامة: على «يَرضَى» مبنياً للفاعل وقرئ: ببنائه للمفعول، من أرضاه الله تعالى.
[وهو قريب من قوله تعالى في آخر سورة طه ﴿لَعَلَّكَ ترضى﴾ [طه: 130] .
ومعنى الآية: سوف يعطيه الله تعالى في الجنَّة ما يرضى، بأن يعطيه أضعاف ما أنفق.
قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر، وهو أن المراد أنه إنما طلب رضوان الله تعالى، وليس يرضى الله عنه، قال: وهذا أعظم من الأول؛ لأن رضا الله أكمل للعبد من رضاه عن ربِّه، والله أعلم.
روى الثعلبيُّ عن أبي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿والليل﴾ أعْطَاهُ اللهُ حتَّى يَرْضَى، وعافاهُ اللهُ تعالى من العُسْرِ، ويسَّر لهُ اليُسْرَ» .
قال الثعلبي: وإذا ثبت نزولها ب «مكة» ضعف تأويلها بقصة أبي الدحداح، وقوي تأويلها بنزولها في حق أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لأنه كان ب «مكة» ، وإنفاقه ب «مكة» وقصة أبي الدحداح كانت بالمدينة.
وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «رحم اللهُ أبا بَكْرٍ، زوَّجنِي ابنَتُه، وحَملنِي إلى دَارِ الهِجْرَةِ، وأعْتَقَ بلالاً مِنْ مَالهِ» والله أعلم.
سورة الضحى
الليل 92:19
قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا للهدى﴾ ، أن نبين طريق الهدى، من طريق الضلال، فالهدى بمعنى بيان الأحكام قاله الزجاجُ: أي: على الله بيان حلاله، وحرامه، وطاعته ومعصيته، وهو قول قتادة.
وقال الفراءُ: من سلك الهدى، فعلى الله سبيله، كقوله تعالى: ﴿وعلى الله قَصْدُ السبيل﴾ [النحل: 9] ، وقيل: معناه إنَّ علينا للهدى والإضلال، فترك الإضلال كقوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الخير﴾ [آل عمران: 26] ، وقوله تعالى: ﴿تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: 81] وهي تقي الحرَّ وهي تقي البرد، قاله الفراء أيضاً. وهو يروي عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
فصل
لما عرفهم سبحانه أن سعيهم شتى، وبين ما للمحسنين من اليسرى، وللمسيئين من العسرى أخبرهم أنه قد مضى ما عليه من البيان، والدلالة، والترغيب، والترهيب، أي: أن الذي يجب علينا في الحكمة إذا خلقنا الخلق للعبادة أن نبين لهم وجوه التعبد، ونبين المتعبد به.
قالت المعتزلة: إباحة الأعذار تقتضي أنه تعالى كلفهم بما في وسعهم وطاقتهم.
وأيضاً فكلمة «على» للوجوب، وأيضاً: فلو لم يستقل العبد بالإيجاد، لم يكن في نصب الأدلة فائدة، وجوابهم قد تقدم.
وزاد الواحديُّ: أن الفراء، قال: إن معنى: إن علينا للهدى والإضلال، فحذف المعطوف كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: 81] ، وهو معنى قول ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما، يريد: أرشد أوليائي للعمل بطاعتي، وأحول بين أعدائي أن يعملوا بطاعتي، وهو معنى الإضلال، ورد المعتزلة هذا التأويل بقوله تعالى: ﴿وعلى الله قَصْدُ السبيل وَمِنْهَا جَآئِرٌ﴾ [النحل: 9] ، وتقدم جوابهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ والأولى﴾ ، أي: لنا كل ما في الدنيا، والآخرة، فلا يضرنا ترككم الاهتداء بهدانا، ولا يزيد في ملكنا اهتداؤكم بل نفع ذلك وضره عائدان عليكم، ولو شئنا لمنعناكم عن المعاصي لكن ذلك يخل بالتكليف، بل نمنعكم بالبيان والتعريف، والوعد والوعيد، ونكون نحن نملك الدارين، فليطلب منا سعادة الدارين؛ فالأول أوفق لقول المعتزلة، والثاني أوفق لقولنا.
وروى أبو صالح عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: ثواب الدنيا والآخرة، وهو كقوله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والآخرة﴾ [النساء: 134] فمن طلبهما من غير مالكهما فقد أخطأ الطريق.
قوله: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى﴾ . قد تقدم في «البقرة» : أن البزي يشدد مثل هذه التاء، والتشديد فيها عسر لالتقاء الساكنين فيهما على غير حدهما، وهو نظير قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: 15] وقد تقدم.
وقال أبو البقاء: يقرأ بكسر التنوين، وتشديد التاء، وقد ذكر وجهه في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث﴾ [البقرة: 267] انتهى. وهذه قراءة غريبة، ولكنها موافقة للقياس من حيث إنه لم يلتق فيها ساكنان وقد ذكر وجهه، أي الذي قاله في «البقرة» ، ولا يفيد هنا شيئاً ألبتة فإنه قال هناك: «ويقرأ بتشديد التاء، وقبله ألف، وهو جمع بين ساكنين، وإنام سوغ ذلك المد الذي في الألف.
وقال ابنُ الزبير، وسفيان، وزيد بن علي، وطلحة،» تَتَلظَّى» بتاءين وهو الأصل.
قال القرطبي: «وهي قراءة عبد الله بن عمير ويحيى بن يعمر» .
فصل في معنى الآية
المعنى: خوفتكم، وحذرتكم ناراً تلظى، أي: تلهّب، وتوقّد، وتوهّج، يقال: تلظت النار تلظياً، ومنه سميت جهنم: لظى.
قوله تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ﴾ ، أي: لا يجد صلاها، وهو حرها ﴿إِلاَّ الأشقى﴾ ، أي: الشقي.
قيل: الأشقى، والأتقى، بمعنى الشقي والتقي، ولا تفضيل فيهما، لأن النار مختصة بالأكثر شقاء، وتجنبها ليس مختصاً بالأكثر تقوى.
وقيل: بل هما على بابهما، وإليه ذهب الزمخشريُّ، فإنه قال: فإن قلت: كيف قال: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ الأشقى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ ، وقد علم أن كلَّ شقي يصلاها، وكل تقي يجنبها، لا يختص بالصليّ أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء، وإن زعمت أنه نكَّر النار، فأراد ناراً بعينها مخصوصة بالأشقى، فما تصنع بقوله ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ فقد علم أن أفسق المسلمين يجنب تلك النار المخصوصة، لا الأتقى منهم خاصة.
قلت: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين، وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين؛ فقيل: الأشقى، وجعل: مختصاً بالصلي كأن النار لم تخلق إلا له. وقيل: الأتقى، وجعل مختصاً بالنجاة، كأن الجنة لم تخلق إلا له، وقيل: هما أبو جهل وأمية وأبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
قال: جوابه المراد بهما شخصان معينان. انتهى.
فصل
قال المفسرون: المراد بالأشقى، والشقي: الذي «كذَّب» نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «وتولَّى» أعرض عن الإيمان.
وقال الفرَّاء: معناه إلاَّ مَنْ كان شقياً في علمِ الله تعالى.
قال بعضهم: «الأشقَى» بمعنى الشقي؛ كقوله: [الطويل]
5229 - ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . ..... . . لَسْتُ فِيهَا بأوْحَدِ
«بأوحد» ، أي: بواحد، ووحيد، ويوضع «أفعل» موضع «فعيل» نحو قولهم: «اللهُ أكْبَرُ» بمعنى كبير وهو أهون عليه بمعنى هين، قالت المرجئة: الآية تدل على أن الوعيد مختص بالكافر.
والجواب: المعارضة بآيات الوعيد.
وأيضاً: فهذا إغراء بالمعاصي، وأيضاً، فقوله تعالى بعده: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ يدل على ترك هذه الظاهرة؛ لأن الفاسق ليس «بأتقى» فالمراد بقوله تعالى: ﴿نَاراً تلظى﴾ أنها مخصوصة من بين النيران؛ لأن النار دركات، ولا يلزم من هذا أنَّ الفاسق لا يدخل النَّار أصلاً، والمراد لا يصلاها بعد الاستحقاق.
وأجاب الواحديُّ: بأن معنى «لا يَصْلاَهَا» : لا يلزمها، وهذه الملازمة لا تثبت إلا للكافر.
قوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ ، أي: يبعد عنها الأتقى، أي: التقي الخائف.
قال ابن عباس: وهو أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -، ثم وصف الأتقى، فقال سبحانه: ﴿الذى يُؤْتِي مَالَهُ يتزكى﴾ أي: يطلب أن يكون عند الله زاكياً، ولا يطلب بذلك رياء، ولا سمعةً بل يتصدق به مبتغياً به وجه الله.
قوله: «يَتَوكَّى» . قرأ العامة: «يتزكّى» مضارع «تَزَكَّى» .
والحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: «يزكَّى» بإدغام الياء في الزاي، وفي هذه الجملة وجهان:
أحدهما: أنها في موضع الحال من فاعل «يُؤتِي» ، أي: يؤتيه متزكياً به.
والثاني: أنها لا موضع لها من الإعراب على أنها بدل من صلة «الَّذي» ، ذكرهما الزمخشري.
قوله تعالى: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تجزى﴾ ، أي: ليس يتصدق ليجازى على نعمة بل يبتغي وجه ربه الأعلى، أي: المتعالي، و «تجزى» صفة ل «نِعْمَة» ، أي: يجزى الإنسان، وإنَّما جيء به مضارعاً مبنياً للمفعول، لأجل الفواصل؛ إذ الأصل: يجزيها إياه أو يجزيه إياها.
قوله: ﴿إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ﴾ . في نصب «إلاَّ ابتِغَاءَ» وجهان:
أحدهما: أنه مفعول له قال الزمخشري: «ويجوز أن يكون مفعولاً له على المعنى؛ لأن المعنى: لا يؤتي ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمة» . وهذا أخذه من قول الفراء، فإنه قال: ونصب على تأويل: ما أعطيتك ابتغاء جزائك، بل ابتغاء وجه الله تعالى.
والثاني: أنه منصوب على الاستثناء المنقطع، إذ لم يندرج تحت جنس «مِنْ نِعْمَةٍ» وهذه قراءة العامة، أعني: النصب، والمد.
وقرأ يحيى: برفعه ممدوداً على البدل من محل «نِعْمَةٍ» ؛ لأن محلها الرفع، إما على الفاعلية، وإما على الابتداء، و «من» مزيدة في الوجهين، والبدل لغة تميم؛ لأنهم يجرون المنقطع في غير الإيجاب مجرى المتصل، وأنشد الزمخشري بالوجهين: النصب؛ والبدل قول بشر بن أبي خازم: [البسيط] 5230 - أضْحَتْ خَلاَءً قِفَاراً لا أنِيَ بِهَا ... إلاَّ الجَآذِرَ والظُّلْمَانَ تَخَتَلِفُ
وقول القائل في الرفع: [الرجز]
5231 - وبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أنيسُ ... إلاَّ اليَعافِيرُ وإلاَّ العيسُ
وفي التنزيل: ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: 66] .
وقال مكي: «وأجاز الفَرَّاءُ الرفع في» ابتغاء» على البدل في موضع «نعمة» ، وهو بعيد» .
قال شهاب الدين: «كأنه لم يطلع عليها قراءة، واستبعاده هو البعيد، فإنها لغة فاشية» .
وقرأ ابن أبي عبلة: «ابتغا» بالقصر.
فصل في سبب نزول الآية
روى عطاء، والضحاك عن ابن عباس، قال: «عذَّب المشركون بلالاً، وبلال يقول: أحدٌ أحدٌ فمرَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال:» أحَدٌ، يعني اللهُ يُنْجِيْكَ بِهَا» ، ثم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأبي بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «يا أبا بكرٍ إنَّ بلالاً يُعذَّبُ في اللهِ» ، فعرفَ أبو بكرٍ الذي يُرِيدُهُ رسُول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فانصرفَ إلى مَنْزلهِ، فأخذَ رَطْلاً مِنْ ذهبٍ ومضى به إلى أمية بن خلفٍ، فقال له: أتبيعني بلالاً؟ قال: نعم، فاشتراه، فأعتقه أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لا ليدٍ كانت له عنده»
، فنزلت ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ﴾ ، أي: عند أبي بكر «مِنْ نَعْمَةٍ» أي: مزية ومنّةٍ «تُجْزَى» بل ابتغى بما فعل وجه ربِّه الأعلى.
قال بعضهم: المراد ابتغاء ثوابه وكرامته لأن ابتغاء ذاته محال، وقال بعضهم: لا حاجة إلى هذا الإضمار، بل حقيقة هذه المسألة ترجع إلى أن العبد هل يمكن أن يحب ذات الله، والمراد من هذه المحبة ذاته، وكرامته. ذكره ابن الخطيب.
والأعلى من نعت الربِّ الذي استحق صفات العلو، ويجوز أن يكون ابتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمة] .
قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يرضى﴾ . هذا جواب قسم مضمر، والعامة: على «يَرضَى» مبنياً للفاعل وقرئ: ببنائه للمفعول، من أرضاه الله تعالى.
[وهو قريب من قوله تعالى في آخر سورة طه ﴿لَعَلَّكَ ترضى﴾ [طه: 130] .
ومعنى الآية: سوف يعطيه الله تعالى في الجنَّة ما يرضى، بأن يعطيه أضعاف ما أنفق.
قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر، وهو أن المراد أنه إنما طلب رضوان الله تعالى، وليس يرضى الله عنه، قال: وهذا أعظم من الأول؛ لأن رضا الله أكمل للعبد من رضاه عن ربِّه، والله أعلم.
روى الثعلبيُّ عن أبي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿والليل﴾ أعْطَاهُ اللهُ حتَّى يَرْضَى، وعافاهُ اللهُ تعالى من العُسْرِ، ويسَّر لهُ اليُسْرَ» .
قال الثعلبي: وإذا ثبت نزولها ب «مكة» ضعف تأويلها بقصة أبي الدحداح، وقوي تأويلها بنزولها في حق أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لأنه كان ب «مكة» ، وإنفاقه ب «مكة» وقصة أبي الدحداح كانت بالمدينة.
وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «رحم اللهُ أبا بَكْرٍ، زوَّجنِي ابنَتُه، وحَملنِي إلى دَارِ الهِجْرَةِ، وأعْتَقَ بلالاً مِنْ مَالهِ» والله أعلم.
سورة الضحى
الليل 92:20
قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا للهدى﴾ ، أن نبين طريق الهدى، من طريق الضلال، فالهدى بمعنى بيان الأحكام قاله الزجاجُ: أي: على الله بيان حلاله، وحرامه، وطاعته ومعصيته، وهو قول قتادة.
وقال الفراءُ: من سلك الهدى، فعلى الله سبيله، كقوله تعالى: ﴿وعلى الله قَصْدُ السبيل﴾ [النحل: 9] ، وقيل: معناه إنَّ علينا للهدى والإضلال، فترك الإضلال كقوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الخير﴾ [آل عمران: 26] ، وقوله تعالى: ﴿تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: 81] وهي تقي الحرَّ وهي تقي البرد، قاله الفراء أيضاً. وهو يروي عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
فصل
لما عرفهم سبحانه أن سعيهم شتى، وبين ما للمحسنين من اليسرى، وللمسيئين من العسرى أخبرهم أنه قد مضى ما عليه من البيان، والدلالة، والترغيب، والترهيب، أي: أن الذي يجب علينا في الحكمة إذا خلقنا الخلق للعبادة أن نبين لهم وجوه التعبد، ونبين المتعبد به.
قالت المعتزلة: إباحة الأعذار تقتضي أنه تعالى كلفهم بما في وسعهم وطاقتهم.
وأيضاً فكلمة «على» للوجوب، وأيضاً: فلو لم يستقل العبد بالإيجاد، لم يكن في نصب الأدلة فائدة، وجوابهم قد تقدم.
وزاد الواحديُّ: أن الفراء، قال: إن معنى: إن علينا للهدى والإضلال، فحذف المعطوف كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: 81] ، وهو معنى قول ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما، يريد: أرشد أوليائي للعمل بطاعتي، وأحول بين أعدائي أن يعملوا بطاعتي، وهو معنى الإضلال، ورد المعتزلة هذا التأويل بقوله تعالى: ﴿وعلى الله قَصْدُ السبيل وَمِنْهَا جَآئِرٌ﴾ [النحل: 9] ، وتقدم جوابهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ والأولى﴾ ، أي: لنا كل ما في الدنيا، والآخرة، فلا يضرنا ترككم الاهتداء بهدانا، ولا يزيد في ملكنا اهتداؤكم بل نفع ذلك وضره عائدان عليكم، ولو شئنا لمنعناكم عن المعاصي لكن ذلك يخل بالتكليف، بل نمنعكم بالبيان والتعريف، والوعد والوعيد، ونكون نحن نملك الدارين، فليطلب منا سعادة الدارين؛ فالأول أوفق لقول المعتزلة، والثاني أوفق لقولنا.
وروى أبو صالح عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: ثواب الدنيا والآخرة، وهو كقوله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والآخرة﴾ [النساء: 134] فمن طلبهما من غير مالكهما فقد أخطأ الطريق.
قوله: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى﴾ . قد تقدم في «البقرة» : أن البزي يشدد مثل هذه التاء، والتشديد فيها عسر لالتقاء الساكنين فيهما على غير حدهما، وهو نظير قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: 15] وقد تقدم.
وقال أبو البقاء: يقرأ بكسر التنوين، وتشديد التاء، وقد ذكر وجهه في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث﴾ [البقرة: 267] انتهى. وهذه قراءة غريبة، ولكنها موافقة للقياس من حيث إنه لم يلتق فيها ساكنان وقد ذكر وجهه، أي الذي قاله في «البقرة» ، ولا يفيد هنا شيئاً ألبتة فإنه قال هناك: «ويقرأ بتشديد التاء، وقبله ألف، وهو جمع بين ساكنين، وإنام سوغ ذلك المد الذي في الألف.
وقال ابنُ الزبير، وسفيان، وزيد بن علي، وطلحة،» تَتَلظَّى» بتاءين وهو الأصل.
قال القرطبي: «وهي قراءة عبد الله بن عمير ويحيى بن يعمر» .
فصل في معنى الآية
المعنى: خوفتكم، وحذرتكم ناراً تلظى، أي: تلهّب، وتوقّد، وتوهّج، يقال: تلظت النار تلظياً، ومنه سميت جهنم: لظى.
قوله تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ﴾ ، أي: لا يجد صلاها، وهو حرها ﴿إِلاَّ الأشقى﴾ ، أي: الشقي.
قيل: الأشقى، والأتقى، بمعنى الشقي والتقي، ولا تفضيل فيهما، لأن النار مختصة بالأكثر شقاء، وتجنبها ليس مختصاً بالأكثر تقوى.
وقيل: بل هما على بابهما، وإليه ذهب الزمخشريُّ، فإنه قال: فإن قلت: كيف قال: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ الأشقى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ ، وقد علم أن كلَّ شقي يصلاها، وكل تقي يجنبها، لا يختص بالصليّ أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء، وإن زعمت أنه نكَّر النار، فأراد ناراً بعينها مخصوصة بالأشقى، فما تصنع بقوله ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ فقد علم أن أفسق المسلمين يجنب تلك النار المخصوصة، لا الأتقى منهم خاصة.
قلت: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين، وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين؛ فقيل: الأشقى، وجعل: مختصاً بالصلي كأن النار لم تخلق إلا له. وقيل: الأتقى، وجعل مختصاً بالنجاة، كأن الجنة لم تخلق إلا له، وقيل: هما أبو جهل وأمية وأبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
قال: جوابه المراد بهما شخصان معينان. انتهى.
فصل
قال المفسرون: المراد بالأشقى، والشقي: الذي «كذَّب» نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «وتولَّى» أعرض عن الإيمان.
وقال الفرَّاء: معناه إلاَّ مَنْ كان شقياً في علمِ الله تعالى.
قال بعضهم: «الأشقَى» بمعنى الشقي؛ كقوله: [الطويل]
5229 - ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . ..... . . لَسْتُ فِيهَا بأوْحَدِ
«بأوحد» ، أي: بواحد، ووحيد، ويوضع «أفعل» موضع «فعيل» نحو قولهم: «اللهُ أكْبَرُ» بمعنى كبير وهو أهون عليه بمعنى هين، قالت المرجئة: الآية تدل على أن الوعيد مختص بالكافر.
والجواب: المعارضة بآيات الوعيد.
وأيضاً: فهذا إغراء بالمعاصي، وأيضاً، فقوله تعالى بعده: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ يدل على ترك هذه الظاهرة؛ لأن الفاسق ليس «بأتقى» فالمراد بقوله تعالى: ﴿نَاراً تلظى﴾ أنها مخصوصة من بين النيران؛ لأن النار دركات، ولا يلزم من هذا أنَّ الفاسق لا يدخل النَّار أصلاً، والمراد لا يصلاها بعد الاستحقاق.
وأجاب الواحديُّ: بأن معنى «لا يَصْلاَهَا» : لا يلزمها، وهذه الملازمة لا تثبت إلا للكافر.
قوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ ، أي: يبعد عنها الأتقى، أي: التقي الخائف.
قال ابن عباس: وهو أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -، ثم وصف الأتقى، فقال سبحانه: ﴿الذى يُؤْتِي مَالَهُ يتزكى﴾ أي: يطلب أن يكون عند الله زاكياً، ولا يطلب بذلك رياء، ولا سمعةً بل يتصدق به مبتغياً به وجه الله.
قوله: «يَتَوكَّى» . قرأ العامة: «يتزكّى» مضارع «تَزَكَّى» .
والحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: «يزكَّى» بإدغام الياء في الزاي، وفي هذه الجملة وجهان:
أحدهما: أنها في موضع الحال من فاعل «يُؤتِي» ، أي: يؤتيه متزكياً به.
والثاني: أنها لا موضع لها من الإعراب على أنها بدل من صلة «الَّذي» ، ذكرهما الزمخشري.
قوله تعالى: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تجزى﴾ ، أي: ليس يتصدق ليجازى على نعمة بل يبتغي وجه ربه الأعلى، أي: المتعالي، و «تجزى» صفة ل «نِعْمَة» ، أي: يجزى الإنسان، وإنَّما جيء به مضارعاً مبنياً للمفعول، لأجل الفواصل؛ إذ الأصل: يجزيها إياه أو يجزيه إياها.
قوله: ﴿إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ﴾ . في نصب «إلاَّ ابتِغَاءَ» وجهان:
أحدهما: أنه مفعول له قال الزمخشري: «ويجوز أن يكون مفعولاً له على المعنى؛ لأن المعنى: لا يؤتي ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمة» . وهذا أخذه من قول الفراء، فإنه قال: ونصب على تأويل: ما أعطيتك ابتغاء جزائك، بل ابتغاء وجه الله تعالى.
والثاني: أنه منصوب على الاستثناء المنقطع، إذ لم يندرج تحت جنس «مِنْ نِعْمَةٍ» وهذه قراءة العامة، أعني: النصب، والمد.
وقرأ يحيى: برفعه ممدوداً على البدل من محل «نِعْمَةٍ» ؛ لأن محلها الرفع، إما على الفاعلية، وإما على الابتداء، و «من» مزيدة في الوجهين، والبدل لغة تميم؛ لأنهم يجرون المنقطع في غير الإيجاب مجرى المتصل، وأنشد الزمخشري بالوجهين: النصب؛ والبدل قول بشر بن أبي خازم: [البسيط] 5230 - أضْحَتْ خَلاَءً قِفَاراً لا أنِيَ بِهَا ... إلاَّ الجَآذِرَ والظُّلْمَانَ تَخَتَلِفُ
وقول القائل في الرفع: [الرجز]
5231 - وبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أنيسُ ... إلاَّ اليَعافِيرُ وإلاَّ العيسُ
وفي التنزيل: ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: 66] .
وقال مكي: «وأجاز الفَرَّاءُ الرفع في» ابتغاء» على البدل في موضع «نعمة» ، وهو بعيد» .
قال شهاب الدين: «كأنه لم يطلع عليها قراءة، واستبعاده هو البعيد، فإنها لغة فاشية» .
وقرأ ابن أبي عبلة: «ابتغا» بالقصر.
فصل في سبب نزول الآية
روى عطاء، والضحاك عن ابن عباس، قال: «عذَّب المشركون بلالاً، وبلال يقول: أحدٌ أحدٌ فمرَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال:» أحَدٌ، يعني اللهُ يُنْجِيْكَ بِهَا» ، ثم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأبي بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «يا أبا بكرٍ إنَّ بلالاً يُعذَّبُ في اللهِ» ، فعرفَ أبو بكرٍ الذي يُرِيدُهُ رسُول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فانصرفَ إلى مَنْزلهِ، فأخذَ رَطْلاً مِنْ ذهبٍ ومضى به إلى أمية بن خلفٍ، فقال له: أتبيعني بلالاً؟ قال: نعم، فاشتراه، فأعتقه أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لا ليدٍ كانت له عنده»
، فنزلت ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ﴾ ، أي: عند أبي بكر «مِنْ نَعْمَةٍ» أي: مزية ومنّةٍ «تُجْزَى» بل ابتغى بما فعل وجه ربِّه الأعلى.
قال بعضهم: المراد ابتغاء ثوابه وكرامته لأن ابتغاء ذاته محال، وقال بعضهم: لا حاجة إلى هذا الإضمار، بل حقيقة هذه المسألة ترجع إلى أن العبد هل يمكن أن يحب ذات الله، والمراد من هذه المحبة ذاته، وكرامته. ذكره ابن الخطيب.
والأعلى من نعت الربِّ الذي استحق صفات العلو، ويجوز أن يكون ابتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمة] .
قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يرضى﴾ . هذا جواب قسم مضمر، والعامة: على «يَرضَى» مبنياً للفاعل وقرئ: ببنائه للمفعول، من أرضاه الله تعالى.
[وهو قريب من قوله تعالى في آخر سورة طه ﴿لَعَلَّكَ ترضى﴾ [طه: 130] .
ومعنى الآية: سوف يعطيه الله تعالى في الجنَّة ما يرضى، بأن يعطيه أضعاف ما أنفق.
قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر، وهو أن المراد أنه إنما طلب رضوان الله تعالى، وليس يرضى الله عنه، قال: وهذا أعظم من الأول؛ لأن رضا الله أكمل للعبد من رضاه عن ربِّه، والله أعلم.
روى الثعلبيُّ عن أبي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿والليل﴾ أعْطَاهُ اللهُ حتَّى يَرْضَى، وعافاهُ اللهُ تعالى من العُسْرِ، ويسَّر لهُ اليُسْرَ» .
قال الثعلبي: وإذا ثبت نزولها ب «مكة» ضعف تأويلها بقصة أبي الدحداح، وقوي تأويلها بنزولها في حق أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لأنه كان ب «مكة» ، وإنفاقه ب «مكة» وقصة أبي الدحداح كانت بالمدينة.
وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «رحم اللهُ أبا بَكْرٍ، زوَّجنِي ابنَتُه، وحَملنِي إلى دَارِ الهِجْرَةِ، وأعْتَقَ بلالاً مِنْ مَالهِ» والله أعلم.
سورة الضحى
الليل 92:21
قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا للهدى﴾ ، أن نبين طريق الهدى، من طريق الضلال، فالهدى بمعنى بيان الأحكام قاله الزجاجُ: أي: على الله بيان حلاله، وحرامه، وطاعته ومعصيته، وهو قول قتادة.
وقال الفراءُ: من سلك الهدى، فعلى الله سبيله، كقوله تعالى: ﴿وعلى الله قَصْدُ السبيل﴾ [النحل: 9] ، وقيل: معناه إنَّ علينا للهدى والإضلال، فترك الإضلال كقوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الخير﴾ [آل عمران: 26] ، وقوله تعالى: ﴿تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: 81] وهي تقي الحرَّ وهي تقي البرد، قاله الفراء أيضاً. وهو يروي عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
فصل
لما عرفهم سبحانه أن سعيهم شتى، وبين ما للمحسنين من اليسرى، وللمسيئين من العسرى أخبرهم أنه قد مضى ما عليه من البيان، والدلالة، والترغيب، والترهيب، أي: أن الذي يجب علينا في الحكمة إذا خلقنا الخلق للعبادة أن نبين لهم وجوه التعبد، ونبين المتعبد به.
قالت المعتزلة: إباحة الأعذار تقتضي أنه تعالى كلفهم بما في وسعهم وطاقتهم.
وأيضاً فكلمة «على» للوجوب، وأيضاً: فلو لم يستقل العبد بالإيجاد، لم يكن في نصب الأدلة فائدة، وجوابهم قد تقدم.
وزاد الواحديُّ: أن الفراء، قال: إن معنى: إن علينا للهدى والإضلال، فحذف المعطوف كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: 81] ، وهو معنى قول ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما، يريد: أرشد أوليائي للعمل بطاعتي، وأحول بين أعدائي أن يعملوا بطاعتي، وهو معنى الإضلال، ورد المعتزلة هذا التأويل بقوله تعالى: ﴿وعلى الله قَصْدُ السبيل وَمِنْهَا جَآئِرٌ﴾ [النحل: 9] ، وتقدم جوابهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ والأولى﴾ ، أي: لنا كل ما في الدنيا، والآخرة، فلا يضرنا ترككم الاهتداء بهدانا، ولا يزيد في ملكنا اهتداؤكم بل نفع ذلك وضره عائدان عليكم، ولو شئنا لمنعناكم عن المعاصي لكن ذلك يخل بالتكليف، بل نمنعكم بالبيان والتعريف، والوعد والوعيد، ونكون نحن نملك الدارين، فليطلب منا سعادة الدارين؛ فالأول أوفق لقول المعتزلة، والثاني أوفق لقولنا.
وروى أبو صالح عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: ثواب الدنيا والآخرة، وهو كقوله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والآخرة﴾ [النساء: 134] فمن طلبهما من غير مالكهما فقد أخطأ الطريق.
قوله: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى﴾ . قد تقدم في «البقرة» : أن البزي يشدد مثل هذه التاء، والتشديد فيها عسر لالتقاء الساكنين فيهما على غير حدهما، وهو نظير قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: 15] وقد تقدم.
وقال أبو البقاء: يقرأ بكسر التنوين، وتشديد التاء، وقد ذكر وجهه في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث﴾ [البقرة: 267] انتهى. وهذه قراءة غريبة، ولكنها موافقة للقياس من حيث إنه لم يلتق فيها ساكنان وقد ذكر وجهه، أي الذي قاله في «البقرة» ، ولا يفيد هنا شيئاً ألبتة فإنه قال هناك: «ويقرأ بتشديد التاء، وقبله ألف، وهو جمع بين ساكنين، وإنام سوغ ذلك المد الذي في الألف.
وقال ابنُ الزبير، وسفيان، وزيد بن علي، وطلحة،» تَتَلظَّى» بتاءين وهو الأصل.
قال القرطبي: «وهي قراءة عبد الله بن عمير ويحيى بن يعمر» .
فصل في معنى الآية
المعنى: خوفتكم، وحذرتكم ناراً تلظى، أي: تلهّب، وتوقّد، وتوهّج، يقال: تلظت النار تلظياً، ومنه سميت جهنم: لظى.
قوله تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ﴾ ، أي: لا يجد صلاها، وهو حرها ﴿إِلاَّ الأشقى﴾ ، أي: الشقي.
قيل: الأشقى، والأتقى، بمعنى الشقي والتقي، ولا تفضيل فيهما، لأن النار مختصة بالأكثر شقاء، وتجنبها ليس مختصاً بالأكثر تقوى.
وقيل: بل هما على بابهما، وإليه ذهب الزمخشريُّ، فإنه قال: فإن قلت: كيف قال: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ الأشقى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ ، وقد علم أن كلَّ شقي يصلاها، وكل تقي يجنبها، لا يختص بالصليّ أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء، وإن زعمت أنه نكَّر النار، فأراد ناراً بعينها مخصوصة بالأشقى، فما تصنع بقوله ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ فقد علم أن أفسق المسلمين يجنب تلك النار المخصوصة، لا الأتقى منهم خاصة.
قلت: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين، وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين؛ فقيل: الأشقى، وجعل: مختصاً بالصلي كأن النار لم تخلق إلا له. وقيل: الأتقى، وجعل مختصاً بالنجاة، كأن الجنة لم تخلق إلا له، وقيل: هما أبو جهل وأمية وأبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
قال: جوابه المراد بهما شخصان معينان. انتهى.
فصل
قال المفسرون: المراد بالأشقى، والشقي: الذي «كذَّب» نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «وتولَّى» أعرض عن الإيمان.
وقال الفرَّاء: معناه إلاَّ مَنْ كان شقياً في علمِ الله تعالى.
قال بعضهم: «الأشقَى» بمعنى الشقي؛ كقوله: [الطويل]
5229 - ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . ..... . . لَسْتُ فِيهَا بأوْحَدِ
«بأوحد» ، أي: بواحد، ووحيد، ويوضع «أفعل» موضع «فعيل» نحو قولهم: «اللهُ أكْبَرُ» بمعنى كبير وهو أهون عليه بمعنى هين، قالت المرجئة: الآية تدل على أن الوعيد مختص بالكافر.
والجواب: المعارضة بآيات الوعيد.
وأيضاً: فهذا إغراء بالمعاصي، وأيضاً، فقوله تعالى بعده: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ يدل على ترك هذه الظاهرة؛ لأن الفاسق ليس «بأتقى» فالمراد بقوله تعالى: ﴿نَاراً تلظى﴾ أنها مخصوصة من بين النيران؛ لأن النار دركات، ولا يلزم من هذا أنَّ الفاسق لا يدخل النَّار أصلاً، والمراد لا يصلاها بعد الاستحقاق.
وأجاب الواحديُّ: بأن معنى «لا يَصْلاَهَا» : لا يلزمها، وهذه الملازمة لا تثبت إلا للكافر.
قوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ ، أي: يبعد عنها الأتقى، أي: التقي الخائف.
قال ابن عباس: وهو أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -، ثم وصف الأتقى، فقال سبحانه: ﴿الذى يُؤْتِي مَالَهُ يتزكى﴾ أي: يطلب أن يكون عند الله زاكياً، ولا يطلب بذلك رياء، ولا سمعةً بل يتصدق به مبتغياً به وجه الله.
قوله: «يَتَوكَّى» . قرأ العامة: «يتزكّى» مضارع «تَزَكَّى» .
والحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: «يزكَّى» بإدغام الياء في الزاي، وفي هذه الجملة وجهان:
أحدهما: أنها في موضع الحال من فاعل «يُؤتِي» ، أي: يؤتيه متزكياً به.
والثاني: أنها لا موضع لها من الإعراب على أنها بدل من صلة «الَّذي» ، ذكرهما الزمخشري.
قوله تعالى: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تجزى﴾ ، أي: ليس يتصدق ليجازى على نعمة بل يبتغي وجه ربه الأعلى، أي: المتعالي، و «تجزى» صفة ل «نِعْمَة» ، أي: يجزى الإنسان، وإنَّما جيء به مضارعاً مبنياً للمفعول، لأجل الفواصل؛ إذ الأصل: يجزيها إياه أو يجزيه إياها.
قوله: ﴿إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ﴾ . في نصب «إلاَّ ابتِغَاءَ» وجهان:
أحدهما: أنه مفعول له قال الزمخشري: «ويجوز أن يكون مفعولاً له على المعنى؛ لأن المعنى: لا يؤتي ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمة» . وهذا أخذه من قول الفراء، فإنه قال: ونصب على تأويل: ما أعطيتك ابتغاء جزائك، بل ابتغاء وجه الله تعالى.
والثاني: أنه منصوب على الاستثناء المنقطع، إذ لم يندرج تحت جنس «مِنْ نِعْمَةٍ» وهذه قراءة العامة، أعني: النصب، والمد.
وقرأ يحيى: برفعه ممدوداً على البدل من محل «نِعْمَةٍ» ؛ لأن محلها الرفع، إما على الفاعلية، وإما على الابتداء، و «من» مزيدة في الوجهين، والبدل لغة تميم؛ لأنهم يجرون المنقطع في غير الإيجاب مجرى المتصل، وأنشد الزمخشري بالوجهين: النصب؛ والبدل قول بشر بن أبي خازم: [البسيط] 5230 - أضْحَتْ خَلاَءً قِفَاراً لا أنِيَ بِهَا ... إلاَّ الجَآذِرَ والظُّلْمَانَ تَخَتَلِفُ
وقول القائل في الرفع: [الرجز]
5231 - وبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أنيسُ ... إلاَّ اليَعافِيرُ وإلاَّ العيسُ
وفي التنزيل: ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: 66] .
وقال مكي: «وأجاز الفَرَّاءُ الرفع في» ابتغاء» على البدل في موضع «نعمة» ، وهو بعيد» .
قال شهاب الدين: «كأنه لم يطلع عليها قراءة، واستبعاده هو البعيد، فإنها لغة فاشية» .
وقرأ ابن أبي عبلة: «ابتغا» بالقصر.
فصل في سبب نزول الآية
روى عطاء، والضحاك عن ابن عباس، قال: «عذَّب المشركون بلالاً، وبلال يقول: أحدٌ أحدٌ فمرَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال:» أحَدٌ، يعني اللهُ يُنْجِيْكَ بِهَا» ، ثم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأبي بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «يا أبا بكرٍ إنَّ بلالاً يُعذَّبُ في اللهِ» ، فعرفَ أبو بكرٍ الذي يُرِيدُهُ رسُول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فانصرفَ إلى مَنْزلهِ، فأخذَ رَطْلاً مِنْ ذهبٍ ومضى به إلى أمية بن خلفٍ، فقال له: أتبيعني بلالاً؟ قال: نعم، فاشتراه، فأعتقه أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لا ليدٍ كانت له عنده»
، فنزلت ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ﴾ ، أي: عند أبي بكر «مِنْ نَعْمَةٍ» أي: مزية ومنّةٍ «تُجْزَى» بل ابتغى بما فعل وجه ربِّه الأعلى.
قال بعضهم: المراد ابتغاء ثوابه وكرامته لأن ابتغاء ذاته محال، وقال بعضهم: لا حاجة إلى هذا الإضمار، بل حقيقة هذه المسألة ترجع إلى أن العبد هل يمكن أن يحب ذات الله، والمراد من هذه المحبة ذاته، وكرامته. ذكره ابن الخطيب.
والأعلى من نعت الربِّ الذي استحق صفات العلو، ويجوز أن يكون ابتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمة] .
قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يرضى﴾ . هذا جواب قسم مضمر، والعامة: على «يَرضَى» مبنياً للفاعل وقرئ: ببنائه للمفعول، من أرضاه الله تعالى.
[وهو قريب من قوله تعالى في آخر سورة طه ﴿لَعَلَّكَ ترضى﴾ [طه: 130] .
ومعنى الآية: سوف يعطيه الله تعالى في الجنَّة ما يرضى، بأن يعطيه أضعاف ما أنفق.
قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر، وهو أن المراد أنه إنما طلب رضوان الله تعالى، وليس يرضى الله عنه، قال: وهذا أعظم من الأول؛ لأن رضا الله أكمل للعبد من رضاه عن ربِّه، والله أعلم.
روى الثعلبيُّ عن أبي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿والليل﴾ أعْطَاهُ اللهُ حتَّى يَرْضَى، وعافاهُ اللهُ تعالى من العُسْرِ، ويسَّر لهُ اليُسْرَ» .
قال الثعلبي: وإذا ثبت نزولها ب «مكة» ضعف تأويلها بقصة أبي الدحداح، وقوي تأويلها بنزولها في حق أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لأنه كان ب «مكة» ، وإنفاقه ب «مكة» وقصة أبي الدحداح كانت بالمدينة.
وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «رحم اللهُ أبا بَكْرٍ، زوَّجنِي ابنَتُه، وحَملنِي إلى دَارِ الهِجْرَةِ، وأعْتَقَ بلالاً مِنْ مَالهِ» والله أعلم.
سورة الضحى
الضحى 93:1
مكية، وهي إحدى عشرة آية، وأربعون كلمة، ومائة وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والضحى والليل إِذَا سجى﴾ ، تقدم الكلام في «الضُّحَى» والمراد به هنا: النهارُ، لمقابلته بقوله تعالى: ﴿والليل إِذَا سجى﴾ ، ولقوله تعالى: ﴿أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: 98] ، أي: نهاراً.
وقال قتادة ومقاتل وجعفر الصادق، أقسم بالضحى الذي كلم الله فيه موسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وبليلة المعراج.
وقيل: «الضُّحَى» هي الساعة التي خرّ فيها السحرة سُجَّداً لقوله تعالى: ﴿وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى﴾ [طه: 59] .
وقال القرطبي: «يعني عباده الذين يعبدونه في وقت الضحى، وعباده الذين يعبدونه بالليل إذا أظلم» .
وقيل: الضحى نور الجنة، والليل ظلمة النار.
وقيل: الضحى نور قلوب العارفين كهيئة النهار، والليل سواد قلوب الكافرين كهيئة الليل، أقسم تعالى بهذه الأشياء.
وقال أهل المعاني فيه وفي أمثاله: فيه إضمار مجازه ورب الضحى وسيجيء معناه. و «سَجَى» ، أي: سكن، قاله قتادة ومجاهد وابن زيد وعكرمة.
يقال: ليلة ساجية، أي: ساكنة.
ويقال للعين إذا سكن طرفها ساجية، ويقال: سَجَا الشَّيءُ سَجْواً إذا سكن، وسَجَا البحر سُجُوًّا، أي: سكنت أمواجُه وطرف ساج، أي: فاتر، ومنه استعير تسجية الميت، أي: تغطيته بالثواب؛ قاله الراغب.
وقال الأعشى: [الطويل]
5232 - فَمَا ذَنْبُنَا أنْ جَاشَ بَحْرُ ابْنِ عمِّكُم ... وبَحْرُكَ سَاجٍ ما يُوَارِي الدَّعَامِصَا
وقال الفراء: أظلم.
وقال ابن الأعرابي: اشتد ظلامه.
وقال الشاعر: [الرجز]
5233 - يا حَبَّذَا القَمراءُ واللَّيلُ السَّاجْ ... وطُرقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسَّاجْ
[قال الضحاك: سجا غطى كل شيء.
قال الأصمعي: سجو الليل؛ تغطيته النهار، ومثل ما يسجَّى الرجل الثوب.
وعن ابن عباس: سجا أدبر، وعنه: أظلم.
وقال سعيد بن جبير: أقبل.
وعن مجاهد: سَجَا: استوى.
والقول الأول أشهر في اللغة، أي: سكن الناس فيه كما قال: نهار صائم وليل قائم.
وقيل: سكونه استقرار ظلامه، وهو من ذوات الواو، وإنما أميل لموافقة رءوس الآي، كالضحى، فإنه من ذوات الواو أيضاً] .
فصل
قال ابن الخطيب: وقدم هنا الضحى، وفي السورة التي قبلها قدم الليل إما لأن لكلَّ منهما أثر عظيمٌ في صلاح العالم، ولليل فضيلة السبق لقوله تعالى: {وَجَعَلَ الظلمات والنور} [الأنعام: 1] ، وللنهار فضيلة النور، فقدم سبحانه هذا تارة وقدم هذا تارة، كالركوع والسجود في قوله تعالى: ﴿اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: 77] وقوله تعالى: ﴿واسجدي واركعي مَعَ الراكعين﴾ [آل عمران: 43] .
وقيل: قدم الليل في سورة أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لأن أبا بكر سبقه كفر، وقدم الضحى في سورة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأنه نور محض، ولم يتقدمه ذنب.
وقيل: لما كانت سورة «الليل» سورة أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وسورة «الضحى» سورة محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم يجعل بينهما واسطة، ليعلم أنه لا واسطة بين محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وبين أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
فصل في ذكر الضحى والليل
قال ابن الخطيب: وذكر الضحى، وهو ساعة، وذكر الليل بجملته، إشارة إلى أن ساعة من النهار توازي جميع الليل، كما أنَّ محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يوازن جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وأيضاً: فالضحى وقت السرورٍ، والليل وقتُ الوحشةِ، ففيه إشارة إلى أن سرور الدنيا، أقل من شرورها، وأن هموم الدنيا أدوم من سرورها، فإن الضحى ساعة، والليل ساعات، يروى أن الله - سبحانه وتعالى - لما خلق العرش أظلت غمامة سوداء، ونادت: ماذا أمطر؟ فأجيبت أن أمطري الهموم والأحزان مائة عامٍ، ثم انكشفت، فأمرت مرة أخرى بذلك، وهكذا إلى ثلاثمائة سنة، ثم بعد ذلك أظَّلت عن يمين العرش غمامة بيضاء، ونادت ماذا أمطر؟ فأجيبت أن أمطري السرور ساعة فلهذا ترى الهموم، والأحزان دائمة، والسرور قليلاً ونادراً، وقدم ذكر الضحى لأنه يشبه الحياة، وأخر الليل؛ لأنه يشبه الموت.
قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ ، هذا جواب القسم، والعامة: على تشديد الدال من التوديع.
وقرأ عروة بن الزبير وابنه هاشم، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة بتخفيفها، من قولهم: «ودَعَهُ» ، أي: تركه والمشهور في اللغة الاستغناء عن «ودع، ووذرَ» واسم فاعلهما، واسم مفعولهما ومصدرهما ب «ترك» وما تصرف منه، وقد جاء «ودع ووذَرَ» ؛ قال الشاعر: [الرمل]
5234 - سَلْ أمِيرِي: ما الَّذي غَيَّرهُ ... عَنْ وصالِي اليَوْمَ حَتَّى وَدَعَهْ وقال آخر: [الطويل]
5235 - وثَمَّ ودعْنَا آل عمرٍو وعامِرٍ ... فَرائِسَ أطْرافِ المُثقَّفَةِ السُّمْرِ
قيل: والتوديع مبالغة في الودع؛ لأن من ودعك مفارقاً، فقد بالغ في تركك.
قال القرطبيُّ: واستعماله قليل يقال: هو يدع كذا، أي: يتركه.
قال المبرد: لا يكادون يقولون: ودع، ولا ذر، لضعف الواو إذا قدمت، واستغنوا عنهما ب «ترك» .
قوله: ﴿وَمَا قلى﴾ ، أي: ما أبغضك، يقال: قلاه يقليه - بكسر العين في المضارع - وتقول: قلاه يقلاه، بالفتح؛ قال: [الهزج]
5236 - أيَا مَنْ لَستُ أنسَاهُ ... وَلاَ واللَّهِ أقْلاهُ
لَكَ اللَّهُ عَلَى ذَاكَا ... لَكَ اللَّهُ لَكَ اللَّهُ
وحذف مفعول «قَلاَ» مراعاة للفواصل مع العلم به، وكذا بعد «فآوَى» وما بعده.
فصل في «القِلَى»
القلى: البغض، أي: ما أبغضك ربك منذ أحبك، فإن فتحت القاف مددت، تقول: قلاه يقليه قى وقلاء، كما تقول: قريت الضيف أقرية قرى وقراء، ويقلاه: لغة طيىء. وأنشد:
5237 - أيَّامَ أمِّ الغَمْرِ لا نَقْلاَهَا ... أي: لا نبغضها، ونقلي: أي: نبغض؛ وقال: [الطويل]
5238 - أسِيئِي بِنَا أو أحْسِنِي لا ملُومَةٌ ... لَديْنَا ولا مَقلِيَّةٌ إنْ تقلَّتِ
وقال امرؤ القيس: [الطويل]
5239 - ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ...
ولَسْتُ بِمقْلِيِّ الخِلالِ ولا قَالِ
ومعنى الآية: ما ودعك ربك وما قلاك، فترك الكاف، لأنه رأس آية، كقوله تعالى: ﴿والذاكرين الله كَثِيراً والذاكرات﴾ [الأحزاب: 35] أي: والذاكرات الله.
فصل في سبب نزول الآية
قال المفسرون: انحبس الوحي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ اثني عشر يوماً.
وقال ابن عباس: خمسة عشر يوماً [وقيل خمسة وعشرين يوماً.
وقال مقاتل: أربعين يوماً] .
فقال المشركون: إن محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قلاه ربه وودعه، ولو كان أمره من الله لتابع عليه كما كان يفعل بمن كان قبله من الأنبياء، فنزلت هذه الآية.
وروى البخاريُّ عن جندب بن سفيان قال: اشتكى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فلم يقم ليلتين، أو ثلاثاً، فجاءت أم جميل امرأة أبي لهب - لعنة الله عليها - فقالت: يا محمدُ، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك ليلتين، أو ثلاث، فأنزل الله تعالى: ﴿والضحى والليل إِذَا سجى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ .
وروي عن أبي عمران الجوني: قال: أبطأ جبريل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حتى شق عليه، فجاءه وهو واضع جبهته على الكعبة يدعو، فنكت بين كتفيه، وأنزل عليه: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ .
وروي أن خولة كانت تخدم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: «إن جرواً دخل البيت، فدخل تحت السرير فمات، فمكث نبي الله أياماً لا ينزل عليه الوحي، فقال:» يا خولةُ ما حدّثَ في بَيْتِي؟ ما لِجِبْريلَ لا يَأْتِينِي» ؟ قالت خولة: فقلت: لو هيأت البيت، وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فإذا جرو ميت، فأخذته، فألقيته خلف الجدار، فجاء نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ترعد لحياه - وكان إذا نزل عليه الوحي استقبلته الرعدة - فقال: يا خولة دثِّرِيِنْي، فأنزل الله هذه السورة، ولما نزل جبريل سأله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن التّأخر، فقال: «أما عَلِمْتَ أنَّا لا ندخلُ بَيْتَاً فيهِ كَلبٌ، ولا صُورةٌ» .
وقيل: لما سألته اليهود عن الروح، وذي القرنين وأهل الكهف، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «سَأخْبركُمْ غداً» ولم يقل: إن شاء الله، فاحتبس عنه الوحي إلى أن نزل جبريل - عليه السلام - بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الكهف: 23، 24] ، فأخبره بما سئل عنه، وفي هذه القصة نزلت: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ .
قوله: ﴿وَلَلآخِرَةُ﴾ الظاهر في هذه اللام أنها جواب القسم، وكذلك وفي» ولسَوْفَ «أقسم الله تعالى على أربعة أشياءٍ: اثنان منفيان، وهما توديعه وقلاه، واثنان مثبتان مؤكدان، وهما كون الآخرة خيراً له من الأولى، وأنه سوف يعطيه ما يرضيه. وقال الزمخشري:» فإن قلت: ما هذه اللام الداخلة على «سَوْفَ» ؟ .
قلت: هي لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والمبتدأ محذوف، تقديره: وأنت سوف - كما ذكرنا في «لأقسمُ» أن المعنى: لأنا أقسم - وذلك أنها لا تخلو من أن تكون لام قسم، أو ابتداء، فلام القسم لا تدخل مع المضارع إلا مع نون التوكيد، فبقي أن تكون لام ابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلاَّ على الجملة من المبتدأ، والخبر، فلا بد من تقدير مبتدأ، وخبره، وأن يكون أصله: ولأنت سوف يعطيك» .
ونقل أبو حيَّان عنه، أنه قال: «وخلع من اللام دلالتها على الحال» انتهى.
وهذا الذي رده على الزمخشري، يختار منه: أنها لام القسم، وقوله: «لا يدخل مع المضارع إلا مع نون التوكيد» ، استثنى النحاة منه صورتين:
إحداهما: أن لا يفصل بينها وبين الفعل حرف التنفيس كهذه الآية، وكقولك: «والله لسأعطيك» .
والثاني: ألاَّ يفصل بينهما بمعمول الفعل، كقوله: ﴿لإِلَى الله تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: 158] .
ويدل لما قلت ما قال الفارسي: ليست هذه اللام هي التي في قولك: «إن زيداً لقائم» ، بل هي التي في قولك: «لأقُومنَّ» ونابت» سَوْفَ «عن إحدى نوني التأكيد، فكأنه قال: ولنعطينك.
وقوله: «خلع منها دلالتها على الحال» يعني أن لام الابتداء الداخلة على المضارع مخلصة للحال وهنا لا يمكن ذلك؛ لأجل حرف التنفيس، فلذلك خلعت الحالية منها.
وقال أبو حيَّان: واللام في «وللآخِرةُ» لام ابتداء أكدت مضمون الجملة، ثم حكى بعض ما تقدم عن الزمخشري وأبي علي، ثم قال: «ويجوز عندي أن تكون اللام في» وللآخِرَةُ خَيْرٌ» وفي «ولسَوْفَ يُعْطِيكَ» اللام التي يُتَلَقَّى بها القسم، عطفهما على جواب القسم، وهي قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ ، فيكون هذا قسماً على هذه الثلاثة «انتهى.
فظاهره أن هذه اللام في» وللآخِرةُ» لام ابتداء غير متلقى بها القسم بدليل قوله ثانياً: «ويجوز عندي» ، ولا يظهر انقطاع هذه الجملة عن جواب القسم ألبتة، وكذلك في «وَلَسَوْفَ» ، وتقدير الزمخشريِّ: مبتدأ بعدها لا ينافي كونها جواباً للقسمِ، إنَّما منع أن يكون جواباً لكونها داخلة على المضارع لفظاً، وتقديراً.
وقال ابن الخطيب: فإن قيل: ما معنى الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير؟ .
قلت: معناه أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة.
فصل
قال إبن إسحاق: معنى قوله: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى﴾ ، أي: ما عندي من مرجعك إليَّ يا محمد خير لك مما عجلت لك من الكرامة في الدنيا.
روى علقمة عن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:
«إنَّا أهْل بيتٍ اخْتَارَ اللهُ لنَا الآخِرَةِ على الدُّنْيَا» .
وقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ روى عطاء عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى، وهو قول علي والحسن.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تلا قول الله تعالى في إبراهيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 36] ، وهو قول عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المائدة: 118] ، الآية، فرفع يديه وقال:» اللَّهُمَّ أمَّتِي أمَّتِي «وبكى، فقال الله تعالى لجبريل» اذهب إلى محمد، وربُّك أعلم، فسلهُ ما يُبْكِيكَ «فأتى جبريل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فسأله فأخبره، فقال الله تعالى لجبريل:» اذهب إلى محمد، فقل له: إن الله يقول لك: إنَّا سَنُرضِيْكَ فِي أمَّتكَ، ولا نَسُوءَكَ «وقال حرب بن شريح: سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقول: إنكم يا معشر أهل العراق تقولون: إنَّ أرْجَى آية في كتاب الله تعالى: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله﴾ [الزمر: 53] قالوا: إنا نقول ذلك، قال: ولكنا أهل البيت نقول: إن أرجى آية في كتاب الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ .
وقيل: يعطيك ربك من الثواب، وقيل: من النصر، فترضى، وقيل: الحوض والشفاعة.
فصل في الكلام على انقطاع الوحي
وجه النظم، كأنه قيل: انقطاع الوحي لا يكون عزلاً عن النبوّة، بل غايته أنه أمارة الموت للاستغناء عن الرسالة، فإن فهمت منه قرب الموت، فالموت خير لك من الأولى، وفهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من الخطاب بقوله: ما ودعك ربك وما قلى تشريفاً عظيماً، فقيل له: ﴿وللآخِرةُ خيرٌ لك من الأوْلَى﴾ ، أي: أنَّ الأحوال الآتية خير لك من الماضية، فهو وعد بأنه سيزيده عزَّا إلى عزِّه، وبيان أن الآخرة خيرٌ، كأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يفعل فيها ما يريد، ولأنه آثرها فهي ملكه، وملكه خير مما لا يكون ملكه، أو لأن الكفار يؤذونك وأمتك في الدنيا، وأما في الآخرة فهم شهداء على الناس، أو لأن خيرات الدنيا قليلة مقطوعة، ولم يقل: خير لك، لأن فيهم من الآخرة شر له، فلو ميزهم لافتضحوا.
الضحى 93:2
مكية، وهي إحدى عشرة آية، وأربعون كلمة، ومائة وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والضحى والليل إِذَا سجى﴾ ، تقدم الكلام في «الضُّحَى» والمراد به هنا: النهارُ، لمقابلته بقوله تعالى: ﴿والليل إِذَا سجى﴾ ، ولقوله تعالى: ﴿أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: 98] ، أي: نهاراً.
وقال قتادة ومقاتل وجعفر الصادق، أقسم بالضحى الذي كلم الله فيه موسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وبليلة المعراج.
وقيل: «الضُّحَى» هي الساعة التي خرّ فيها السحرة سُجَّداً لقوله تعالى: ﴿وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى﴾ [طه: 59] .
وقال القرطبي: «يعني عباده الذين يعبدونه في وقت الضحى، وعباده الذين يعبدونه بالليل إذا أظلم» .
وقيل: الضحى نور الجنة، والليل ظلمة النار.
وقيل: الضحى نور قلوب العارفين كهيئة النهار، والليل سواد قلوب الكافرين كهيئة الليل، أقسم تعالى بهذه الأشياء.
وقال أهل المعاني فيه وفي أمثاله: فيه إضمار مجازه ورب الضحى وسيجيء معناه. و «سَجَى» ، أي: سكن، قاله قتادة ومجاهد وابن زيد وعكرمة.
يقال: ليلة ساجية، أي: ساكنة.
ويقال للعين إذا سكن طرفها ساجية، ويقال: سَجَا الشَّيءُ سَجْواً إذا سكن، وسَجَا البحر سُجُوًّا، أي: سكنت أمواجُه وطرف ساج، أي: فاتر، ومنه استعير تسجية الميت، أي: تغطيته بالثواب؛ قاله الراغب.
وقال الأعشى: [الطويل]
5232 - فَمَا ذَنْبُنَا أنْ جَاشَ بَحْرُ ابْنِ عمِّكُم ... وبَحْرُكَ سَاجٍ ما يُوَارِي الدَّعَامِصَا
وقال الفراء: أظلم.
وقال ابن الأعرابي: اشتد ظلامه.
وقال الشاعر: [الرجز]
5233 - يا حَبَّذَا القَمراءُ واللَّيلُ السَّاجْ ... وطُرقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسَّاجْ
[قال الضحاك: سجا غطى كل شيء.
قال الأصمعي: سجو الليل؛ تغطيته النهار، ومثل ما يسجَّى الرجل الثوب.
وعن ابن عباس: سجا أدبر، وعنه: أظلم.
وقال سعيد بن جبير: أقبل.
وعن مجاهد: سَجَا: استوى.
والقول الأول أشهر في اللغة، أي: سكن الناس فيه كما قال: نهار صائم وليل قائم.
وقيل: سكونه استقرار ظلامه، وهو من ذوات الواو، وإنما أميل لموافقة رءوس الآي، كالضحى، فإنه من ذوات الواو أيضاً] .
فصل
قال ابن الخطيب: وقدم هنا الضحى، وفي السورة التي قبلها قدم الليل إما لأن لكلَّ منهما أثر عظيمٌ في صلاح العالم، ولليل فضيلة السبق لقوله تعالى: {وَجَعَلَ الظلمات والنور} [الأنعام: 1] ، وللنهار فضيلة النور، فقدم سبحانه هذا تارة وقدم هذا تارة، كالركوع والسجود في قوله تعالى: ﴿اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: 77] وقوله تعالى: ﴿واسجدي واركعي مَعَ الراكعين﴾ [آل عمران: 43] .
وقيل: قدم الليل في سورة أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لأن أبا بكر سبقه كفر، وقدم الضحى في سورة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأنه نور محض، ولم يتقدمه ذنب.
وقيل: لما كانت سورة «الليل» سورة أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وسورة «الضحى» سورة محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم يجعل بينهما واسطة، ليعلم أنه لا واسطة بين محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وبين أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
فصل في ذكر الضحى والليل
قال ابن الخطيب: وذكر الضحى، وهو ساعة، وذكر الليل بجملته، إشارة إلى أن ساعة من النهار توازي جميع الليل، كما أنَّ محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يوازن جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وأيضاً: فالضحى وقت السرورٍ، والليل وقتُ الوحشةِ، ففيه إشارة إلى أن سرور الدنيا، أقل من شرورها، وأن هموم الدنيا أدوم من سرورها، فإن الضحى ساعة، والليل ساعات، يروى أن الله - سبحانه وتعالى - لما خلق العرش أظلت غمامة سوداء، ونادت: ماذا أمطر؟ فأجيبت أن أمطري الهموم والأحزان مائة عامٍ، ثم انكشفت، فأمرت مرة أخرى بذلك، وهكذا إلى ثلاثمائة سنة، ثم بعد ذلك أظَّلت عن يمين العرش غمامة بيضاء، ونادت ماذا أمطر؟ فأجيبت أن أمطري السرور ساعة فلهذا ترى الهموم، والأحزان دائمة، والسرور قليلاً ونادراً، وقدم ذكر الضحى لأنه يشبه الحياة، وأخر الليل؛ لأنه يشبه الموت.
قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ ، هذا جواب القسم، والعامة: على تشديد الدال من التوديع.
وقرأ عروة بن الزبير وابنه هاشم، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة بتخفيفها، من قولهم: «ودَعَهُ» ، أي: تركه والمشهور في اللغة الاستغناء عن «ودع، ووذرَ» واسم فاعلهما، واسم مفعولهما ومصدرهما ب «ترك» وما تصرف منه، وقد جاء «ودع ووذَرَ» ؛ قال الشاعر: [الرمل]
5234 - سَلْ أمِيرِي: ما الَّذي غَيَّرهُ ... عَنْ وصالِي اليَوْمَ حَتَّى وَدَعَهْ وقال آخر: [الطويل]
5235 - وثَمَّ ودعْنَا آل عمرٍو وعامِرٍ ... فَرائِسَ أطْرافِ المُثقَّفَةِ السُّمْرِ
قيل: والتوديع مبالغة في الودع؛ لأن من ودعك مفارقاً، فقد بالغ في تركك.
قال القرطبيُّ: واستعماله قليل يقال: هو يدع كذا، أي: يتركه.
قال المبرد: لا يكادون يقولون: ودع، ولا ذر، لضعف الواو إذا قدمت، واستغنوا عنهما ب «ترك» .
قوله: ﴿وَمَا قلى﴾ ، أي: ما أبغضك، يقال: قلاه يقليه - بكسر العين في المضارع - وتقول: قلاه يقلاه، بالفتح؛ قال: [الهزج]
5236 - أيَا مَنْ لَستُ أنسَاهُ ... وَلاَ واللَّهِ أقْلاهُ
لَكَ اللَّهُ عَلَى ذَاكَا ... لَكَ اللَّهُ لَكَ اللَّهُ
وحذف مفعول «قَلاَ» مراعاة للفواصل مع العلم به، وكذا بعد «فآوَى» وما بعده.
فصل في «القِلَى»
القلى: البغض، أي: ما أبغضك ربك منذ أحبك، فإن فتحت القاف مددت، تقول: قلاه يقليه قى وقلاء، كما تقول: قريت الضيف أقرية قرى وقراء، ويقلاه: لغة طيىء. وأنشد:
5237 - أيَّامَ أمِّ الغَمْرِ لا نَقْلاَهَا ... أي: لا نبغضها، ونقلي: أي: نبغض؛ وقال: [الطويل]
5238 - أسِيئِي بِنَا أو أحْسِنِي لا ملُومَةٌ ... لَديْنَا ولا مَقلِيَّةٌ إنْ تقلَّتِ
وقال امرؤ القيس: [الطويل]
5239 - ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ...
ولَسْتُ بِمقْلِيِّ الخِلالِ ولا قَالِ
ومعنى الآية: ما ودعك ربك وما قلاك، فترك الكاف، لأنه رأس آية، كقوله تعالى: ﴿والذاكرين الله كَثِيراً والذاكرات﴾ [الأحزاب: 35] أي: والذاكرات الله.
فصل في سبب نزول الآية
قال المفسرون: انحبس الوحي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ اثني عشر يوماً.
وقال ابن عباس: خمسة عشر يوماً [وقيل خمسة وعشرين يوماً.
وقال مقاتل: أربعين يوماً] .
فقال المشركون: إن محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قلاه ربه وودعه، ولو كان أمره من الله لتابع عليه كما كان يفعل بمن كان قبله من الأنبياء، فنزلت هذه الآية.
وروى البخاريُّ عن جندب بن سفيان قال: اشتكى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فلم يقم ليلتين، أو ثلاثاً، فجاءت أم جميل امرأة أبي لهب - لعنة الله عليها - فقالت: يا محمدُ، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك ليلتين، أو ثلاث، فأنزل الله تعالى: ﴿والضحى والليل إِذَا سجى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ .
وروي عن أبي عمران الجوني: قال: أبطأ جبريل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حتى شق عليه، فجاءه وهو واضع جبهته على الكعبة يدعو، فنكت بين كتفيه، وأنزل عليه: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ .
وروي أن خولة كانت تخدم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: «إن جرواً دخل البيت، فدخل تحت السرير فمات، فمكث نبي الله أياماً لا ينزل عليه الوحي، فقال:» يا خولةُ ما حدّثَ في بَيْتِي؟ ما لِجِبْريلَ لا يَأْتِينِي» ؟ قالت خولة: فقلت: لو هيأت البيت، وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فإذا جرو ميت، فأخذته، فألقيته خلف الجدار، فجاء نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ترعد لحياه - وكان إذا نزل عليه الوحي استقبلته الرعدة - فقال: يا خولة دثِّرِيِنْي، فأنزل الله هذه السورة، ولما نزل جبريل سأله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن التّأخر، فقال: «أما عَلِمْتَ أنَّا لا ندخلُ بَيْتَاً فيهِ كَلبٌ، ولا صُورةٌ» .
وقيل: لما سألته اليهود عن الروح، وذي القرنين وأهل الكهف، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «سَأخْبركُمْ غداً» ولم يقل: إن شاء الله، فاحتبس عنه الوحي إلى أن نزل جبريل - عليه السلام - بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الكهف: 23، 24] ، فأخبره بما سئل عنه، وفي هذه القصة نزلت: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ .
قوله: ﴿وَلَلآخِرَةُ﴾ الظاهر في هذه اللام أنها جواب القسم، وكذلك وفي» ولسَوْفَ «أقسم الله تعالى على أربعة أشياءٍ: اثنان منفيان، وهما توديعه وقلاه، واثنان مثبتان مؤكدان، وهما كون الآخرة خيراً له من الأولى، وأنه سوف يعطيه ما يرضيه. وقال الزمخشري:» فإن قلت: ما هذه اللام الداخلة على «سَوْفَ» ؟ .
قلت: هي لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والمبتدأ محذوف، تقديره: وأنت سوف - كما ذكرنا في «لأقسمُ» أن المعنى: لأنا أقسم - وذلك أنها لا تخلو من أن تكون لام قسم، أو ابتداء، فلام القسم لا تدخل مع المضارع إلا مع نون التوكيد، فبقي أن تكون لام ابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلاَّ على الجملة من المبتدأ، والخبر، فلا بد من تقدير مبتدأ، وخبره، وأن يكون أصله: ولأنت سوف يعطيك» .
ونقل أبو حيَّان عنه، أنه قال: «وخلع من اللام دلالتها على الحال» انتهى.
وهذا الذي رده على الزمخشري، يختار منه: أنها لام القسم، وقوله: «لا يدخل مع المضارع إلا مع نون التوكيد» ، استثنى النحاة منه صورتين:
إحداهما: أن لا يفصل بينها وبين الفعل حرف التنفيس كهذه الآية، وكقولك: «والله لسأعطيك» .
والثاني: ألاَّ يفصل بينهما بمعمول الفعل، كقوله: ﴿لإِلَى الله تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: 158] .
ويدل لما قلت ما قال الفارسي: ليست هذه اللام هي التي في قولك: «إن زيداً لقائم» ، بل هي التي في قولك: «لأقُومنَّ» ونابت» سَوْفَ «عن إحدى نوني التأكيد، فكأنه قال: ولنعطينك.
وقوله: «خلع منها دلالتها على الحال» يعني أن لام الابتداء الداخلة على المضارع مخلصة للحال وهنا لا يمكن ذلك؛ لأجل حرف التنفيس، فلذلك خلعت الحالية منها.
وقال أبو حيَّان: واللام في «وللآخِرةُ» لام ابتداء أكدت مضمون الجملة، ثم حكى بعض ما تقدم عن الزمخشري وأبي علي، ثم قال: «ويجوز عندي أن تكون اللام في» وللآخِرَةُ خَيْرٌ» وفي «ولسَوْفَ يُعْطِيكَ» اللام التي يُتَلَقَّى بها القسم، عطفهما على جواب القسم، وهي قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ ، فيكون هذا قسماً على هذه الثلاثة «انتهى.
فظاهره أن هذه اللام في» وللآخِرةُ» لام ابتداء غير متلقى بها القسم بدليل قوله ثانياً: «ويجوز عندي» ، ولا يظهر انقطاع هذه الجملة عن جواب القسم ألبتة، وكذلك في «وَلَسَوْفَ» ، وتقدير الزمخشريِّ: مبتدأ بعدها لا ينافي كونها جواباً للقسمِ، إنَّما منع أن يكون جواباً لكونها داخلة على المضارع لفظاً، وتقديراً.
وقال ابن الخطيب: فإن قيل: ما معنى الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير؟ .
قلت: معناه أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة.
فصل
قال إبن إسحاق: معنى قوله: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى﴾ ، أي: ما عندي من مرجعك إليَّ يا محمد خير لك مما عجلت لك من الكرامة في الدنيا.
روى علقمة عن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:
«إنَّا أهْل بيتٍ اخْتَارَ اللهُ لنَا الآخِرَةِ على الدُّنْيَا» .
وقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ روى عطاء عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى، وهو قول علي والحسن.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تلا قول الله تعالى في إبراهيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 36] ، وهو قول عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المائدة: 118] ، الآية، فرفع يديه وقال:» اللَّهُمَّ أمَّتِي أمَّتِي «وبكى، فقال الله تعالى لجبريل» اذهب إلى محمد، وربُّك أعلم، فسلهُ ما يُبْكِيكَ «فأتى جبريل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فسأله فأخبره، فقال الله تعالى لجبريل:» اذهب إلى محمد، فقل له: إن الله يقول لك: إنَّا سَنُرضِيْكَ فِي أمَّتكَ، ولا نَسُوءَكَ «وقال حرب بن شريح: سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقول: إنكم يا معشر أهل العراق تقولون: إنَّ أرْجَى آية في كتاب الله تعالى: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله﴾ [الزمر: 53] قالوا: إنا نقول ذلك، قال: ولكنا أهل البيت نقول: إن أرجى آية في كتاب الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ .
وقيل: يعطيك ربك من الثواب، وقيل: من النصر، فترضى، وقيل: الحوض والشفاعة.
فصل في الكلام على انقطاع الوحي
وجه النظم، كأنه قيل: انقطاع الوحي لا يكون عزلاً عن النبوّة، بل غايته أنه أمارة الموت للاستغناء عن الرسالة، فإن فهمت منه قرب الموت، فالموت خير لك من الأولى، وفهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من الخطاب بقوله: ما ودعك ربك وما قلى تشريفاً عظيماً، فقيل له: ﴿وللآخِرةُ خيرٌ لك من الأوْلَى﴾ ، أي: أنَّ الأحوال الآتية خير لك من الماضية، فهو وعد بأنه سيزيده عزَّا إلى عزِّه، وبيان أن الآخرة خيرٌ، كأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يفعل فيها ما يريد، ولأنه آثرها فهي ملكه، وملكه خير مما لا يكون ملكه، أو لأن الكفار يؤذونك وأمتك في الدنيا، وأما في الآخرة فهم شهداء على الناس، أو لأن خيرات الدنيا قليلة مقطوعة، ولم يقل: خير لك، لأن فيهم من الآخرة شر له، فلو ميزهم لافتضحوا.
الضحى 93:3
مكية، وهي إحدى عشرة آية، وأربعون كلمة، ومائة وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والضحى والليل إِذَا سجى﴾ ، تقدم الكلام في «الضُّحَى» والمراد به هنا: النهارُ، لمقابلته بقوله تعالى: ﴿والليل إِذَا سجى﴾ ، ولقوله تعالى: ﴿أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: 98] ، أي: نهاراً.
وقال قتادة ومقاتل وجعفر الصادق، أقسم بالضحى الذي كلم الله فيه موسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وبليلة المعراج.
وقيل: «الضُّحَى» هي الساعة التي خرّ فيها السحرة سُجَّداً لقوله تعالى: ﴿وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى﴾ [طه: 59] .
وقال القرطبي: «يعني عباده الذين يعبدونه في وقت الضحى، وعباده الذين يعبدونه بالليل إذا أظلم» .
وقيل: الضحى نور الجنة، والليل ظلمة النار.
وقيل: الضحى نور قلوب العارفين كهيئة النهار، والليل سواد قلوب الكافرين كهيئة الليل، أقسم تعالى بهذه الأشياء.
وقال أهل المعاني فيه وفي أمثاله: فيه إضمار مجازه ورب الضحى وسيجيء معناه. و «سَجَى» ، أي: سكن، قاله قتادة ومجاهد وابن زيد وعكرمة.
يقال: ليلة ساجية، أي: ساكنة.
ويقال للعين إذا سكن طرفها ساجية، ويقال: سَجَا الشَّيءُ سَجْواً إذا سكن، وسَجَا البحر سُجُوًّا، أي: سكنت أمواجُه وطرف ساج، أي: فاتر، ومنه استعير تسجية الميت، أي: تغطيته بالثواب؛ قاله الراغب.
وقال الأعشى: [الطويل]
5232 - فَمَا ذَنْبُنَا أنْ جَاشَ بَحْرُ ابْنِ عمِّكُم ... وبَحْرُكَ سَاجٍ ما يُوَارِي الدَّعَامِصَا
وقال الفراء: أظلم.
وقال ابن الأعرابي: اشتد ظلامه.
وقال الشاعر: [الرجز]
5233 - يا حَبَّذَا القَمراءُ واللَّيلُ السَّاجْ ... وطُرقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسَّاجْ
[قال الضحاك: سجا غطى كل شيء.
قال الأصمعي: سجو الليل؛ تغطيته النهار، ومثل ما يسجَّى الرجل الثوب.
وعن ابن عباس: سجا أدبر، وعنه: أظلم.
وقال سعيد بن جبير: أقبل.
وعن مجاهد: سَجَا: استوى.
والقول الأول أشهر في اللغة، أي: سكن الناس فيه كما قال: نهار صائم وليل قائم.
وقيل: سكونه استقرار ظلامه، وهو من ذوات الواو، وإنما أميل لموافقة رءوس الآي، كالضحى، فإنه من ذوات الواو أيضاً] .
فصل
قال ابن الخطيب: وقدم هنا الضحى، وفي السورة التي قبلها قدم الليل إما لأن لكلَّ منهما أثر عظيمٌ في صلاح العالم، ولليل فضيلة السبق لقوله تعالى: {وَجَعَلَ الظلمات والنور} [الأنعام: 1] ، وللنهار فضيلة النور، فقدم سبحانه هذا تارة وقدم هذا تارة، كالركوع والسجود في قوله تعالى: ﴿اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: 77] وقوله تعالى: ﴿واسجدي واركعي مَعَ الراكعين﴾ [آل عمران: 43] .
وقيل: قدم الليل في سورة أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لأن أبا بكر سبقه كفر، وقدم الضحى في سورة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأنه نور محض، ولم يتقدمه ذنب.
وقيل: لما كانت سورة «الليل» سورة أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وسورة «الضحى» سورة محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم يجعل بينهما واسطة، ليعلم أنه لا واسطة بين محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وبين أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
فصل في ذكر الضحى والليل
قال ابن الخطيب: وذكر الضحى، وهو ساعة، وذكر الليل بجملته، إشارة إلى أن ساعة من النهار توازي جميع الليل، كما أنَّ محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يوازن جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وأيضاً: فالضحى وقت السرورٍ، والليل وقتُ الوحشةِ، ففيه إشارة إلى أن سرور الدنيا، أقل من شرورها، وأن هموم الدنيا أدوم من سرورها، فإن الضحى ساعة، والليل ساعات، يروى أن الله - سبحانه وتعالى - لما خلق العرش أظلت غمامة سوداء، ونادت: ماذا أمطر؟ فأجيبت أن أمطري الهموم والأحزان مائة عامٍ، ثم انكشفت، فأمرت مرة أخرى بذلك، وهكذا إلى ثلاثمائة سنة، ثم بعد ذلك أظَّلت عن يمين العرش غمامة بيضاء، ونادت ماذا أمطر؟ فأجيبت أن أمطري السرور ساعة فلهذا ترى الهموم، والأحزان دائمة، والسرور قليلاً ونادراً، وقدم ذكر الضحى لأنه يشبه الحياة، وأخر الليل؛ لأنه يشبه الموت.
قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ ، هذا جواب القسم، والعامة: على تشديد الدال من التوديع.
وقرأ عروة بن الزبير وابنه هاشم، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة بتخفيفها، من قولهم: «ودَعَهُ» ، أي: تركه والمشهور في اللغة الاستغناء عن «ودع، ووذرَ» واسم فاعلهما، واسم مفعولهما ومصدرهما ب «ترك» وما تصرف منه، وقد جاء «ودع ووذَرَ» ؛ قال الشاعر: [الرمل]
5234 - سَلْ أمِيرِي: ما الَّذي غَيَّرهُ ... عَنْ وصالِي اليَوْمَ حَتَّى وَدَعَهْ وقال آخر: [الطويل]
5235 - وثَمَّ ودعْنَا آل عمرٍو وعامِرٍ ... فَرائِسَ أطْرافِ المُثقَّفَةِ السُّمْرِ
قيل: والتوديع مبالغة في الودع؛ لأن من ودعك مفارقاً، فقد بالغ في تركك.
قال القرطبيُّ: واستعماله قليل يقال: هو يدع كذا، أي: يتركه.
قال المبرد: لا يكادون يقولون: ودع، ولا ذر، لضعف الواو إذا قدمت، واستغنوا عنهما ب «ترك» .
قوله: ﴿وَمَا قلى﴾ ، أي: ما أبغضك، يقال: قلاه يقليه - بكسر العين في المضارع - وتقول: قلاه يقلاه، بالفتح؛ قال: [الهزج]
5236 - أيَا مَنْ لَستُ أنسَاهُ ... وَلاَ واللَّهِ أقْلاهُ
لَكَ اللَّهُ عَلَى ذَاكَا ... لَكَ اللَّهُ لَكَ اللَّهُ
وحذف مفعول «قَلاَ» مراعاة للفواصل مع العلم به، وكذا بعد «فآوَى» وما بعده.
فصل في «القِلَى»
القلى: البغض، أي: ما أبغضك ربك منذ أحبك، فإن فتحت القاف مددت، تقول: قلاه يقليه قى وقلاء، كما تقول: قريت الضيف أقرية قرى وقراء، ويقلاه: لغة طيىء. وأنشد:
5237 - أيَّامَ أمِّ الغَمْرِ لا نَقْلاَهَا ... أي: لا نبغضها، ونقلي: أي: نبغض؛ وقال: [الطويل]
5238 - أسِيئِي بِنَا أو أحْسِنِي لا ملُومَةٌ ... لَديْنَا ولا مَقلِيَّةٌ إنْ تقلَّتِ
وقال امرؤ القيس: [الطويل]
5239 - ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ...
ولَسْتُ بِمقْلِيِّ الخِلالِ ولا قَالِ
ومعنى الآية: ما ودعك ربك وما قلاك، فترك الكاف، لأنه رأس آية، كقوله تعالى: ﴿والذاكرين الله كَثِيراً والذاكرات﴾ [الأحزاب: 35] أي: والذاكرات الله.
فصل في سبب نزول الآية
قال المفسرون: انحبس الوحي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ اثني عشر يوماً.
وقال ابن عباس: خمسة عشر يوماً [وقيل خمسة وعشرين يوماً.
وقال مقاتل: أربعين يوماً] .
فقال المشركون: إن محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قلاه ربه وودعه، ولو كان أمره من الله لتابع عليه كما كان يفعل بمن كان قبله من الأنبياء، فنزلت هذه الآية.
وروى البخاريُّ عن جندب بن سفيان قال: اشتكى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فلم يقم ليلتين، أو ثلاثاً، فجاءت أم جميل امرأة أبي لهب - لعنة الله عليها - فقالت: يا محمدُ، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك ليلتين، أو ثلاث، فأنزل الله تعالى: ﴿والضحى والليل إِذَا سجى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ .
وروي عن أبي عمران الجوني: قال: أبطأ جبريل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حتى شق عليه، فجاءه وهو واضع جبهته على الكعبة يدعو، فنكت بين كتفيه، وأنزل عليه: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ .
وروي أن خولة كانت تخدم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: «إن جرواً دخل البيت، فدخل تحت السرير فمات، فمكث نبي الله أياماً لا ينزل عليه الوحي، فقال:» يا خولةُ ما حدّثَ في بَيْتِي؟ ما لِجِبْريلَ لا يَأْتِينِي» ؟ قالت خولة: فقلت: لو هيأت البيت، وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فإذا جرو ميت، فأخذته، فألقيته خلف الجدار، فجاء نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ترعد لحياه - وكان إذا نزل عليه الوحي استقبلته الرعدة - فقال: يا خولة دثِّرِيِنْي، فأنزل الله هذه السورة، ولما نزل جبريل سأله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن التّأخر، فقال: «أما عَلِمْتَ أنَّا لا ندخلُ بَيْتَاً فيهِ كَلبٌ، ولا صُورةٌ» .
وقيل: لما سألته اليهود عن الروح، وذي القرنين وأهل الكهف، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «سَأخْبركُمْ غداً» ولم يقل: إن شاء الله، فاحتبس عنه الوحي إلى أن نزل جبريل - عليه السلام - بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الكهف: 23، 24] ، فأخبره بما سئل عنه، وفي هذه القصة نزلت: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ .
قوله: ﴿وَلَلآخِرَةُ﴾ الظاهر في هذه اللام أنها جواب القسم، وكذلك وفي» ولسَوْفَ «أقسم الله تعالى على أربعة أشياءٍ: اثنان منفيان، وهما توديعه وقلاه، واثنان مثبتان مؤكدان، وهما كون الآخرة خيراً له من الأولى، وأنه سوف يعطيه ما يرضيه. وقال الزمخشري:» فإن قلت: ما هذه اللام الداخلة على «سَوْفَ» ؟ .
قلت: هي لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والمبتدأ محذوف، تقديره: وأنت سوف - كما ذكرنا في «لأقسمُ» أن المعنى: لأنا أقسم - وذلك أنها لا تخلو من أن تكون لام قسم، أو ابتداء، فلام القسم لا تدخل مع المضارع إلا مع نون التوكيد، فبقي أن تكون لام ابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلاَّ على الجملة من المبتدأ، والخبر، فلا بد من تقدير مبتدأ، وخبره، وأن يكون أصله: ولأنت سوف يعطيك» .
ونقل أبو حيَّان عنه، أنه قال: «وخلع من اللام دلالتها على الحال» انتهى.
وهذا الذي رده على الزمخشري، يختار منه: أنها لام القسم، وقوله: «لا يدخل مع المضارع إلا مع نون التوكيد» ، استثنى النحاة منه صورتين:
إحداهما: أن لا يفصل بينها وبين الفعل حرف التنفيس كهذه الآية، وكقولك: «والله لسأعطيك» .
والثاني: ألاَّ يفصل بينهما بمعمول الفعل، كقوله: ﴿لإِلَى الله تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: 158] .
ويدل لما قلت ما قال الفارسي: ليست هذه اللام هي التي في قولك: «إن زيداً لقائم» ، بل هي التي في قولك: «لأقُومنَّ» ونابت» سَوْفَ «عن إحدى نوني التأكيد، فكأنه قال: ولنعطينك.
وقوله: «خلع منها دلالتها على الحال» يعني أن لام الابتداء الداخلة على المضارع مخلصة للحال وهنا لا يمكن ذلك؛ لأجل حرف التنفيس، فلذلك خلعت الحالية منها.
وقال أبو حيَّان: واللام في «وللآخِرةُ» لام ابتداء أكدت مضمون الجملة، ثم حكى بعض ما تقدم عن الزمخشري وأبي علي، ثم قال: «ويجوز عندي أن تكون اللام في» وللآخِرَةُ خَيْرٌ» وفي «ولسَوْفَ يُعْطِيكَ» اللام التي يُتَلَقَّى بها القسم، عطفهما على جواب القسم، وهي قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ ، فيكون هذا قسماً على هذه الثلاثة «انتهى.
فظاهره أن هذه اللام في» وللآخِرةُ» لام ابتداء غير متلقى بها القسم بدليل قوله ثانياً: «ويجوز عندي» ، ولا يظهر انقطاع هذه الجملة عن جواب القسم ألبتة، وكذلك في «وَلَسَوْفَ» ، وتقدير الزمخشريِّ: مبتدأ بعدها لا ينافي كونها جواباً للقسمِ، إنَّما منع أن يكون جواباً لكونها داخلة على المضارع لفظاً، وتقديراً.
وقال ابن الخطيب: فإن قيل: ما معنى الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير؟ .
قلت: معناه أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة.
فصل
قال إبن إسحاق: معنى قوله: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى﴾ ، أي: ما عندي من مرجعك إليَّ يا محمد خير لك مما عجلت لك من الكرامة في الدنيا.
روى علقمة عن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:
«إنَّا أهْل بيتٍ اخْتَارَ اللهُ لنَا الآخِرَةِ على الدُّنْيَا» .
وقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ روى عطاء عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى، وهو قول علي والحسن.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تلا قول الله تعالى في إبراهيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 36] ، وهو قول عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المائدة: 118] ، الآية، فرفع يديه وقال:» اللَّهُمَّ أمَّتِي أمَّتِي «وبكى، فقال الله تعالى لجبريل» اذهب إلى محمد، وربُّك أعلم، فسلهُ ما يُبْكِيكَ «فأتى جبريل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فسأله فأخبره، فقال الله تعالى لجبريل:» اذهب إلى محمد، فقل له: إن الله يقول لك: إنَّا سَنُرضِيْكَ فِي أمَّتكَ، ولا نَسُوءَكَ «وقال حرب بن شريح: سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقول: إنكم يا معشر أهل العراق تقولون: إنَّ أرْجَى آية في كتاب الله تعالى: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله﴾ [الزمر: 53] قالوا: إنا نقول ذلك، قال: ولكنا أهل البيت نقول: إن أرجى آية في كتاب الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ .
وقيل: يعطيك ربك من الثواب، وقيل: من النصر، فترضى، وقيل: الحوض والشفاعة.
فصل في الكلام على انقطاع الوحي
وجه النظم، كأنه قيل: انقطاع الوحي لا يكون عزلاً عن النبوّة، بل غايته أنه أمارة الموت للاستغناء عن الرسالة، فإن فهمت منه قرب الموت، فالموت خير لك من الأولى، وفهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من الخطاب بقوله: ما ودعك ربك وما قلى تشريفاً عظيماً، فقيل له: ﴿وللآخِرةُ خيرٌ لك من الأوْلَى﴾ ، أي: أنَّ الأحوال الآتية خير لك من الماضية، فهو وعد بأنه سيزيده عزَّا إلى عزِّه، وبيان أن الآخرة خيرٌ، كأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يفعل فيها ما يريد، ولأنه آثرها فهي ملكه، وملكه خير مما لا يكون ملكه، أو لأن الكفار يؤذونك وأمتك في الدنيا، وأما في الآخرة فهم شهداء على الناس، أو لأن خيرات الدنيا قليلة مقطوعة، ولم يقل: خير لك، لأن فيهم من الآخرة شر له، فلو ميزهم لافتضحوا.
الضحى 93:4
مكية، وهي إحدى عشرة آية، وأربعون كلمة، ومائة وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والضحى والليل إِذَا سجى﴾ ، تقدم الكلام في «الضُّحَى» والمراد به هنا: النهارُ، لمقابلته بقوله تعالى: ﴿والليل إِذَا سجى﴾ ، ولقوله تعالى: ﴿أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: 98] ، أي: نهاراً.
وقال قتادة ومقاتل وجعفر الصادق، أقسم بالضحى الذي كلم الله فيه موسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وبليلة المعراج.
وقيل: «الضُّحَى» هي الساعة التي خرّ فيها السحرة سُجَّداً لقوله تعالى: ﴿وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى﴾ [طه: 59] .
وقال القرطبي: «يعني عباده الذين يعبدونه في وقت الضحى، وعباده الذين يعبدونه بالليل إذا أظلم» .
وقيل: الضحى نور الجنة، والليل ظلمة النار.
وقيل: الضحى نور قلوب العارفين كهيئة النهار، والليل سواد قلوب الكافرين كهيئة الليل، أقسم تعالى بهذه الأشياء.
وقال أهل المعاني فيه وفي أمثاله: فيه إضمار مجازه ورب الضحى وسيجيء معناه. و «سَجَى» ، أي: سكن، قاله قتادة ومجاهد وابن زيد وعكرمة.
يقال: ليلة ساجية، أي: ساكنة.
ويقال للعين إذا سكن طرفها ساجية، ويقال: سَجَا الشَّيءُ سَجْواً إذا سكن، وسَجَا البحر سُجُوًّا، أي: سكنت أمواجُه وطرف ساج، أي: فاتر، ومنه استعير تسجية الميت، أي: تغطيته بالثواب؛ قاله الراغب.
وقال الأعشى: [الطويل]
5232 - فَمَا ذَنْبُنَا أنْ جَاشَ بَحْرُ ابْنِ عمِّكُم ... وبَحْرُكَ سَاجٍ ما يُوَارِي الدَّعَامِصَا
وقال الفراء: أظلم.
وقال ابن الأعرابي: اشتد ظلامه.
وقال الشاعر: [الرجز]
5233 - يا حَبَّذَا القَمراءُ واللَّيلُ السَّاجْ ... وطُرقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسَّاجْ
[قال الضحاك: سجا غطى كل شيء.
قال الأصمعي: سجو الليل؛ تغطيته النهار، ومثل ما يسجَّى الرجل الثوب.
وعن ابن عباس: سجا أدبر، وعنه: أظلم.
وقال سعيد بن جبير: أقبل.
وعن مجاهد: سَجَا: استوى.
والقول الأول أشهر في اللغة، أي: سكن الناس فيه كما قال: نهار صائم وليل قائم.
وقيل: سكونه استقرار ظلامه، وهو من ذوات الواو، وإنما أميل لموافقة رءوس الآي، كالضحى، فإنه من ذوات الواو أيضاً] .
فصل
قال ابن الخطيب: وقدم هنا الضحى، وفي السورة التي قبلها قدم الليل إما لأن لكلَّ منهما أثر عظيمٌ في صلاح العالم، ولليل فضيلة السبق لقوله تعالى: {وَجَعَلَ الظلمات والنور} [الأنعام: 1] ، وللنهار فضيلة النور، فقدم سبحانه هذا تارة وقدم هذا تارة، كالركوع والسجود في قوله تعالى: ﴿اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: 77] وقوله تعالى: ﴿واسجدي واركعي مَعَ الراكعين﴾ [آل عمران: 43] .
وقيل: قدم الليل في سورة أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لأن أبا بكر سبقه كفر، وقدم الضحى في سورة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأنه نور محض، ولم يتقدمه ذنب.
وقيل: لما كانت سورة «الليل» سورة أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وسورة «الضحى» سورة محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم يجعل بينهما واسطة، ليعلم أنه لا واسطة بين محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وبين أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
فصل في ذكر الضحى والليل
قال ابن الخطيب: وذكر الضحى، وهو ساعة، وذكر الليل بجملته، إشارة إلى أن ساعة من النهار توازي جميع الليل، كما أنَّ محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يوازن جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وأيضاً: فالضحى وقت السرورٍ، والليل وقتُ الوحشةِ، ففيه إشارة إلى أن سرور الدنيا، أقل من شرورها، وأن هموم الدنيا أدوم من سرورها، فإن الضحى ساعة، والليل ساعات، يروى أن الله - سبحانه وتعالى - لما خلق العرش أظلت غمامة سوداء، ونادت: ماذا أمطر؟ فأجيبت أن أمطري الهموم والأحزان مائة عامٍ، ثم انكشفت، فأمرت مرة أخرى بذلك، وهكذا إلى ثلاثمائة سنة، ثم بعد ذلك أظَّلت عن يمين العرش غمامة بيضاء، ونادت ماذا أمطر؟ فأجيبت أن أمطري السرور ساعة فلهذا ترى الهموم، والأحزان دائمة، والسرور قليلاً ونادراً، وقدم ذكر الضحى لأنه يشبه الحياة، وأخر الليل؛ لأنه يشبه الموت.
قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ ، هذا جواب القسم، والعامة: على تشديد الدال من التوديع.
وقرأ عروة بن الزبير وابنه هاشم، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة بتخفيفها، من قولهم: «ودَعَهُ» ، أي: تركه والمشهور في اللغة الاستغناء عن «ودع، ووذرَ» واسم فاعلهما، واسم مفعولهما ومصدرهما ب «ترك» وما تصرف منه، وقد جاء «ودع ووذَرَ» ؛ قال الشاعر: [الرمل]
5234 - سَلْ أمِيرِي: ما الَّذي غَيَّرهُ ... عَنْ وصالِي اليَوْمَ حَتَّى وَدَعَهْ وقال آخر: [الطويل]
5235 - وثَمَّ ودعْنَا آل عمرٍو وعامِرٍ ... فَرائِسَ أطْرافِ المُثقَّفَةِ السُّمْرِ
قيل: والتوديع مبالغة في الودع؛ لأن من ودعك مفارقاً، فقد بالغ في تركك.
قال القرطبيُّ: واستعماله قليل يقال: هو يدع كذا، أي: يتركه.
قال المبرد: لا يكادون يقولون: ودع، ولا ذر، لضعف الواو إذا قدمت، واستغنوا عنهما ب «ترك» .
قوله: ﴿وَمَا قلى﴾ ، أي: ما أبغضك، يقال: قلاه يقليه - بكسر العين في المضارع - وتقول: قلاه يقلاه، بالفتح؛ قال: [الهزج]
5236 - أيَا مَنْ لَستُ أنسَاهُ ... وَلاَ واللَّهِ أقْلاهُ
لَكَ اللَّهُ عَلَى ذَاكَا ... لَكَ اللَّهُ لَكَ اللَّهُ
وحذف مفعول «قَلاَ» مراعاة للفواصل مع العلم به، وكذا بعد «فآوَى» وما بعده.
فصل في «القِلَى»
القلى: البغض، أي: ما أبغضك ربك منذ أحبك، فإن فتحت القاف مددت، تقول: قلاه يقليه قى وقلاء، كما تقول: قريت الضيف أقرية قرى وقراء، ويقلاه: لغة طيىء. وأنشد:
5237 - أيَّامَ أمِّ الغَمْرِ لا نَقْلاَهَا ... أي: لا نبغضها، ونقلي: أي: نبغض؛ وقال: [الطويل]
5238 - أسِيئِي بِنَا أو أحْسِنِي لا ملُومَةٌ ... لَديْنَا ولا مَقلِيَّةٌ إنْ تقلَّتِ
وقال امرؤ القيس: [الطويل]
5239 - ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ...
ولَسْتُ بِمقْلِيِّ الخِلالِ ولا قَالِ
ومعنى الآية: ما ودعك ربك وما قلاك، فترك الكاف، لأنه رأس آية، كقوله تعالى: ﴿والذاكرين الله كَثِيراً والذاكرات﴾ [الأحزاب: 35] أي: والذاكرات الله.
فصل في سبب نزول الآية
قال المفسرون: انحبس الوحي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ اثني عشر يوماً.
وقال ابن عباس: خمسة عشر يوماً [وقيل خمسة وعشرين يوماً.
وقال مقاتل: أربعين يوماً] .
فقال المشركون: إن محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قلاه ربه وودعه، ولو كان أمره من الله لتابع عليه كما كان يفعل بمن كان قبله من الأنبياء، فنزلت هذه الآية.
وروى البخاريُّ عن جندب بن سفيان قال: اشتكى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فلم يقم ليلتين، أو ثلاثاً، فجاءت أم جميل امرأة أبي لهب - لعنة الله عليها - فقالت: يا محمدُ، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك ليلتين، أو ثلاث، فأنزل الله تعالى: ﴿والضحى والليل إِذَا سجى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ .
وروي عن أبي عمران الجوني: قال: أبطأ جبريل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حتى شق عليه، فجاءه وهو واضع جبهته على الكعبة يدعو، فنكت بين كتفيه، وأنزل عليه: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ .
وروي أن خولة كانت تخدم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: «إن جرواً دخل البيت، فدخل تحت السرير فمات، فمكث نبي الله أياماً لا ينزل عليه الوحي، فقال:» يا خولةُ ما حدّثَ في بَيْتِي؟ ما لِجِبْريلَ لا يَأْتِينِي» ؟ قالت خولة: فقلت: لو هيأت البيت، وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فإذا جرو ميت، فأخذته، فألقيته خلف الجدار، فجاء نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ترعد لحياه - وكان إذا نزل عليه الوحي استقبلته الرعدة - فقال: يا خولة دثِّرِيِنْي، فأنزل الله هذه السورة، ولما نزل جبريل سأله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن التّأخر، فقال: «أما عَلِمْتَ أنَّا لا ندخلُ بَيْتَاً فيهِ كَلبٌ، ولا صُورةٌ» .
وقيل: لما سألته اليهود عن الروح، وذي القرنين وأهل الكهف، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «سَأخْبركُمْ غداً» ولم يقل: إن شاء الله، فاحتبس عنه الوحي إلى أن نزل جبريل - عليه السلام - بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الكهف: 23، 24] ، فأخبره بما سئل عنه، وفي هذه القصة نزلت: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ .
قوله: ﴿وَلَلآخِرَةُ﴾ الظاهر في هذه اللام أنها جواب القسم، وكذلك وفي» ولسَوْفَ «أقسم الله تعالى على أربعة أشياءٍ: اثنان منفيان، وهما توديعه وقلاه، واثنان مثبتان مؤكدان، وهما كون الآخرة خيراً له من الأولى، وأنه سوف يعطيه ما يرضيه. وقال الزمخشري:» فإن قلت: ما هذه اللام الداخلة على «سَوْفَ» ؟ .
قلت: هي لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والمبتدأ محذوف، تقديره: وأنت سوف - كما ذكرنا في «لأقسمُ» أن المعنى: لأنا أقسم - وذلك أنها لا تخلو من أن تكون لام قسم، أو ابتداء، فلام القسم لا تدخل مع المضارع إلا مع نون التوكيد، فبقي أن تكون لام ابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلاَّ على الجملة من المبتدأ، والخبر، فلا بد من تقدير مبتدأ، وخبره، وأن يكون أصله: ولأنت سوف يعطيك» .
ونقل أبو حيَّان عنه، أنه قال: «وخلع من اللام دلالتها على الحال» انتهى.
وهذا الذي رده على الزمخشري، يختار منه: أنها لام القسم، وقوله: «لا يدخل مع المضارع إلا مع نون التوكيد» ، استثنى النحاة منه صورتين:
إحداهما: أن لا يفصل بينها وبين الفعل حرف التنفيس كهذه الآية، وكقولك: «والله لسأعطيك» .
والثاني: ألاَّ يفصل بينهما بمعمول الفعل، كقوله: ﴿لإِلَى الله تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: 158] .
ويدل لما قلت ما قال الفارسي: ليست هذه اللام هي التي في قولك: «إن زيداً لقائم» ، بل هي التي في قولك: «لأقُومنَّ» ونابت» سَوْفَ «عن إحدى نوني التأكيد، فكأنه قال: ولنعطينك.
وقوله: «خلع منها دلالتها على الحال» يعني أن لام الابتداء الداخلة على المضارع مخلصة للحال وهنا لا يمكن ذلك؛ لأجل حرف التنفيس، فلذلك خلعت الحالية منها.
وقال أبو حيَّان: واللام في «وللآخِرةُ» لام ابتداء أكدت مضمون الجملة، ثم حكى بعض ما تقدم عن الزمخشري وأبي علي، ثم قال: «ويجوز عندي أن تكون اللام في» وللآخِرَةُ خَيْرٌ» وفي «ولسَوْفَ يُعْطِيكَ» اللام التي يُتَلَقَّى بها القسم، عطفهما على جواب القسم، وهي قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ ، فيكون هذا قسماً على هذه الثلاثة «انتهى.
فظاهره أن هذه اللام في» وللآخِرةُ» لام ابتداء غير متلقى بها القسم بدليل قوله ثانياً: «ويجوز عندي» ، ولا يظهر انقطاع هذه الجملة عن جواب القسم ألبتة، وكذلك في «وَلَسَوْفَ» ، وتقدير الزمخشريِّ: مبتدأ بعدها لا ينافي كونها جواباً للقسمِ، إنَّما منع أن يكون جواباً لكونها داخلة على المضارع لفظاً، وتقديراً.
وقال ابن الخطيب: فإن قيل: ما معنى الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير؟ .
قلت: معناه أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة.
فصل
قال إبن إسحاق: معنى قوله: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى﴾ ، أي: ما عندي من مرجعك إليَّ يا محمد خير لك مما عجلت لك من الكرامة في الدنيا.
روى علقمة عن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:
«إنَّا أهْل بيتٍ اخْتَارَ اللهُ لنَا الآخِرَةِ على الدُّنْيَا» .
وقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ روى عطاء عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى، وهو قول علي والحسن.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تلا قول الله تعالى في إبراهيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 36] ، وهو قول عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المائدة: 118] ، الآية، فرفع يديه وقال:» اللَّهُمَّ أمَّتِي أمَّتِي «وبكى، فقال الله تعالى لجبريل» اذهب إلى محمد، وربُّك أعلم، فسلهُ ما يُبْكِيكَ «فأتى جبريل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فسأله فأخبره، فقال الله تعالى لجبريل:» اذهب إلى محمد، فقل له: إن الله يقول لك: إنَّا سَنُرضِيْكَ فِي أمَّتكَ، ولا نَسُوءَكَ «وقال حرب بن شريح: سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقول: إنكم يا معشر أهل العراق تقولون: إنَّ أرْجَى آية في كتاب الله تعالى: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله﴾ [الزمر: 53] قالوا: إنا نقول ذلك، قال: ولكنا أهل البيت نقول: إن أرجى آية في كتاب الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ .
وقيل: يعطيك ربك من الثواب، وقيل: من النصر، فترضى، وقيل: الحوض والشفاعة.
فصل في الكلام على انقطاع الوحي
وجه النظم، كأنه قيل: انقطاع الوحي لا يكون عزلاً عن النبوّة، بل غايته أنه أمارة الموت للاستغناء عن الرسالة، فإن فهمت منه قرب الموت، فالموت خير لك من الأولى، وفهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من الخطاب بقوله: ما ودعك ربك وما قلى تشريفاً عظيماً، فقيل له: ﴿وللآخِرةُ خيرٌ لك من الأوْلَى﴾ ، أي: أنَّ الأحوال الآتية خير لك من الماضية، فهو وعد بأنه سيزيده عزَّا إلى عزِّه، وبيان أن الآخرة خيرٌ، كأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يفعل فيها ما يريد، ولأنه آثرها فهي ملكه، وملكه خير مما لا يكون ملكه، أو لأن الكفار يؤذونك وأمتك في الدنيا، وأما في الآخرة فهم شهداء على الناس، أو لأن خيرات الدنيا قليلة مقطوعة، ولم يقل: خير لك، لأن فيهم من الآخرة شر له، فلو ميزهم لافتضحوا.
الضحى 93:5
مكية، وهي إحدى عشرة آية، وأربعون كلمة، ومائة وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والضحى والليل إِذَا سجى﴾ ، تقدم الكلام في «الضُّحَى» والمراد به هنا: النهارُ، لمقابلته بقوله تعالى: ﴿والليل إِذَا سجى﴾ ، ولقوله تعالى: ﴿أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: 98] ، أي: نهاراً.
وقال قتادة ومقاتل وجعفر الصادق، أقسم بالضحى الذي كلم الله فيه موسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وبليلة المعراج.
وقيل: «الضُّحَى» هي الساعة التي خرّ فيها السحرة سُجَّداً لقوله تعالى: ﴿وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى﴾ [طه: 59] .
وقال القرطبي: «يعني عباده الذين يعبدونه في وقت الضحى، وعباده الذين يعبدونه بالليل إذا أظلم» .
وقيل: الضحى نور الجنة، والليل ظلمة النار.
وقيل: الضحى نور قلوب العارفين كهيئة النهار، والليل سواد قلوب الكافرين كهيئة الليل، أقسم تعالى بهذه الأشياء.
وقال أهل المعاني فيه وفي أمثاله: فيه إضمار مجازه ورب الضحى وسيجيء معناه. و «سَجَى» ، أي: سكن، قاله قتادة ومجاهد وابن زيد وعكرمة.
يقال: ليلة ساجية، أي: ساكنة.
ويقال للعين إذا سكن طرفها ساجية، ويقال: سَجَا الشَّيءُ سَجْواً إذا سكن، وسَجَا البحر سُجُوًّا، أي: سكنت أمواجُه وطرف ساج، أي: فاتر، ومنه استعير تسجية الميت، أي: تغطيته بالثواب؛ قاله الراغب.
وقال الأعشى: [الطويل]
5232 - فَمَا ذَنْبُنَا أنْ جَاشَ بَحْرُ ابْنِ عمِّكُم ... وبَحْرُكَ سَاجٍ ما يُوَارِي الدَّعَامِصَا
وقال الفراء: أظلم.
وقال ابن الأعرابي: اشتد ظلامه.
وقال الشاعر: [الرجز]
5233 - يا حَبَّذَا القَمراءُ واللَّيلُ السَّاجْ ... وطُرقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسَّاجْ
[قال الضحاك: سجا غطى كل شيء.
قال الأصمعي: سجو الليل؛ تغطيته النهار، ومثل ما يسجَّى الرجل الثوب.
وعن ابن عباس: سجا أدبر، وعنه: أظلم.
وقال سعيد بن جبير: أقبل.
وعن مجاهد: سَجَا: استوى.
والقول الأول أشهر في اللغة، أي: سكن الناس فيه كما قال: نهار صائم وليل قائم.
وقيل: سكونه استقرار ظلامه، وهو من ذوات الواو، وإنما أميل لموافقة رءوس الآي، كالضحى، فإنه من ذوات الواو أيضاً] .
فصل
قال ابن الخطيب: وقدم هنا الضحى، وفي السورة التي قبلها قدم الليل إما لأن لكلَّ منهما أثر عظيمٌ في صلاح العالم، ولليل فضيلة السبق لقوله تعالى: {وَجَعَلَ الظلمات والنور} [الأنعام: 1] ، وللنهار فضيلة النور، فقدم سبحانه هذا تارة وقدم هذا تارة، كالركوع والسجود في قوله تعالى: ﴿اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: 77] وقوله تعالى: ﴿واسجدي واركعي مَعَ الراكعين﴾ [آل عمران: 43] .
وقيل: قدم الليل في سورة أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لأن أبا بكر سبقه كفر، وقدم الضحى في سورة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأنه نور محض، ولم يتقدمه ذنب.
وقيل: لما كانت سورة «الليل» سورة أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وسورة «الضحى» سورة محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم يجعل بينهما واسطة، ليعلم أنه لا واسطة بين محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وبين أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
فصل في ذكر الضحى والليل
قال ابن الخطيب: وذكر الضحى، وهو ساعة، وذكر الليل بجملته، إشارة إلى أن ساعة من النهار توازي جميع الليل، كما أنَّ محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يوازن جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وأيضاً: فالضحى وقت السرورٍ، والليل وقتُ الوحشةِ، ففيه إشارة إلى أن سرور الدنيا، أقل من شرورها، وأن هموم الدنيا أدوم من سرورها، فإن الضحى ساعة، والليل ساعات، يروى أن الله - سبحانه وتعالى - لما خلق العرش أظلت غمامة سوداء، ونادت: ماذا أمطر؟ فأجيبت أن أمطري الهموم والأحزان مائة عامٍ، ثم انكشفت، فأمرت مرة أخرى بذلك، وهكذا إلى ثلاثمائة سنة، ثم بعد ذلك أظَّلت عن يمين العرش غمامة بيضاء، ونادت ماذا أمطر؟ فأجيبت أن أمطري السرور ساعة فلهذا ترى الهموم، والأحزان دائمة، والسرور قليلاً ونادراً، وقدم ذكر الضحى لأنه يشبه الحياة، وأخر الليل؛ لأنه يشبه الموت.
قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ ، هذا جواب القسم، والعامة: على تشديد الدال من التوديع.
وقرأ عروة بن الزبير وابنه هاشم، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة بتخفيفها، من قولهم: «ودَعَهُ» ، أي: تركه والمشهور في اللغة الاستغناء عن «ودع، ووذرَ» واسم فاعلهما، واسم مفعولهما ومصدرهما ب «ترك» وما تصرف منه، وقد جاء «ودع ووذَرَ» ؛ قال الشاعر: [الرمل]
5234 - سَلْ أمِيرِي: ما الَّذي غَيَّرهُ ... عَنْ وصالِي اليَوْمَ حَتَّى وَدَعَهْ وقال آخر: [الطويل]
5235 - وثَمَّ ودعْنَا آل عمرٍو وعامِرٍ ... فَرائِسَ أطْرافِ المُثقَّفَةِ السُّمْرِ
قيل: والتوديع مبالغة في الودع؛ لأن من ودعك مفارقاً، فقد بالغ في تركك.
قال القرطبيُّ: واستعماله قليل يقال: هو يدع كذا، أي: يتركه.
قال المبرد: لا يكادون يقولون: ودع، ولا ذر، لضعف الواو إذا قدمت، واستغنوا عنهما ب «ترك» .
قوله: ﴿وَمَا قلى﴾ ، أي: ما أبغضك، يقال: قلاه يقليه - بكسر العين في المضارع - وتقول: قلاه يقلاه، بالفتح؛ قال: [الهزج]
5236 - أيَا مَنْ لَستُ أنسَاهُ ... وَلاَ واللَّهِ أقْلاهُ
لَكَ اللَّهُ عَلَى ذَاكَا ... لَكَ اللَّهُ لَكَ اللَّهُ
وحذف مفعول «قَلاَ» مراعاة للفواصل مع العلم به، وكذا بعد «فآوَى» وما بعده.
فصل في «القِلَى»
القلى: البغض، أي: ما أبغضك ربك منذ أحبك، فإن فتحت القاف مددت، تقول: قلاه يقليه قى وقلاء، كما تقول: قريت الضيف أقرية قرى وقراء، ويقلاه: لغة طيىء. وأنشد:
5237 - أيَّامَ أمِّ الغَمْرِ لا نَقْلاَهَا ... أي: لا نبغضها، ونقلي: أي: نبغض؛ وقال: [الطويل]
5238 - أسِيئِي بِنَا أو أحْسِنِي لا ملُومَةٌ ... لَديْنَا ولا مَقلِيَّةٌ إنْ تقلَّتِ
وقال امرؤ القيس: [الطويل]
5239 - ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ...
ولَسْتُ بِمقْلِيِّ الخِلالِ ولا قَالِ
ومعنى الآية: ما ودعك ربك وما قلاك، فترك الكاف، لأنه رأس آية، كقوله تعالى: ﴿والذاكرين الله كَثِيراً والذاكرات﴾ [الأحزاب: 35] أي: والذاكرات الله.
فصل في سبب نزول الآية
قال المفسرون: انحبس الوحي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ اثني عشر يوماً.
وقال ابن عباس: خمسة عشر يوماً [وقيل خمسة وعشرين يوماً.
وقال مقاتل: أربعين يوماً] .
فقال المشركون: إن محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قلاه ربه وودعه، ولو كان أمره من الله لتابع عليه كما كان يفعل بمن كان قبله من الأنبياء، فنزلت هذه الآية.
وروى البخاريُّ عن جندب بن سفيان قال: اشتكى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فلم يقم ليلتين، أو ثلاثاً، فجاءت أم جميل امرأة أبي لهب - لعنة الله عليها - فقالت: يا محمدُ، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك ليلتين، أو ثلاث، فأنزل الله تعالى: ﴿والضحى والليل إِذَا سجى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ .
وروي عن أبي عمران الجوني: قال: أبطأ جبريل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حتى شق عليه، فجاءه وهو واضع جبهته على الكعبة يدعو، فنكت بين كتفيه، وأنزل عليه: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ .
وروي أن خولة كانت تخدم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: «إن جرواً دخل البيت، فدخل تحت السرير فمات، فمكث نبي الله أياماً لا ينزل عليه الوحي، فقال:» يا خولةُ ما حدّثَ في بَيْتِي؟ ما لِجِبْريلَ لا يَأْتِينِي» ؟ قالت خولة: فقلت: لو هيأت البيت، وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فإذا جرو ميت، فأخذته، فألقيته خلف الجدار، فجاء نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ترعد لحياه - وكان إذا نزل عليه الوحي استقبلته الرعدة - فقال: يا خولة دثِّرِيِنْي، فأنزل الله هذه السورة، ولما نزل جبريل سأله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن التّأخر، فقال: «أما عَلِمْتَ أنَّا لا ندخلُ بَيْتَاً فيهِ كَلبٌ، ولا صُورةٌ» .
وقيل: لما سألته اليهود عن الروح، وذي القرنين وأهل الكهف، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «سَأخْبركُمْ غداً» ولم يقل: إن شاء الله، فاحتبس عنه الوحي إلى أن نزل جبريل - عليه السلام - بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الكهف: 23، 24] ، فأخبره بما سئل عنه، وفي هذه القصة نزلت: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ .
قوله: ﴿وَلَلآخِرَةُ﴾ الظاهر في هذه اللام أنها جواب القسم، وكذلك وفي» ولسَوْفَ «أقسم الله تعالى على أربعة أشياءٍ: اثنان منفيان، وهما توديعه وقلاه، واثنان مثبتان مؤكدان، وهما كون الآخرة خيراً له من الأولى، وأنه سوف يعطيه ما يرضيه. وقال الزمخشري:» فإن قلت: ما هذه اللام الداخلة على «سَوْفَ» ؟ .
قلت: هي لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والمبتدأ محذوف، تقديره: وأنت سوف - كما ذكرنا في «لأقسمُ» أن المعنى: لأنا أقسم - وذلك أنها لا تخلو من أن تكون لام قسم، أو ابتداء، فلام القسم لا تدخل مع المضارع إلا مع نون التوكيد، فبقي أن تكون لام ابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلاَّ على الجملة من المبتدأ، والخبر، فلا بد من تقدير مبتدأ، وخبره، وأن يكون أصله: ولأنت سوف يعطيك» .
ونقل أبو حيَّان عنه، أنه قال: «وخلع من اللام دلالتها على الحال» انتهى.
وهذا الذي رده على الزمخشري، يختار منه: أنها لام القسم، وقوله: «لا يدخل مع المضارع إلا مع نون التوكيد» ، استثنى النحاة منه صورتين:
إحداهما: أن لا يفصل بينها وبين الفعل حرف التنفيس كهذه الآية، وكقولك: «والله لسأعطيك» .
والثاني: ألاَّ يفصل بينهما بمعمول الفعل، كقوله: ﴿لإِلَى الله تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: 158] .
ويدل لما قلت ما قال الفارسي: ليست هذه اللام هي التي في قولك: «إن زيداً لقائم» ، بل هي التي في قولك: «لأقُومنَّ» ونابت» سَوْفَ «عن إحدى نوني التأكيد، فكأنه قال: ولنعطينك.
وقوله: «خلع منها دلالتها على الحال» يعني أن لام الابتداء الداخلة على المضارع مخلصة للحال وهنا لا يمكن ذلك؛ لأجل حرف التنفيس، فلذلك خلعت الحالية منها.
وقال أبو حيَّان: واللام في «وللآخِرةُ» لام ابتداء أكدت مضمون الجملة، ثم حكى بعض ما تقدم عن الزمخشري وأبي علي، ثم قال: «ويجوز عندي أن تكون اللام في» وللآخِرَةُ خَيْرٌ» وفي «ولسَوْفَ يُعْطِيكَ» اللام التي يُتَلَقَّى بها القسم، عطفهما على جواب القسم، وهي قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ ، فيكون هذا قسماً على هذه الثلاثة «انتهى.
فظاهره أن هذه اللام في» وللآخِرةُ» لام ابتداء غير متلقى بها القسم بدليل قوله ثانياً: «ويجوز عندي» ، ولا يظهر انقطاع هذه الجملة عن جواب القسم ألبتة، وكذلك في «وَلَسَوْفَ» ، وتقدير الزمخشريِّ: مبتدأ بعدها لا ينافي كونها جواباً للقسمِ، إنَّما منع أن يكون جواباً لكونها داخلة على المضارع لفظاً، وتقديراً.
وقال ابن الخطيب: فإن قيل: ما معنى الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير؟ .
قلت: معناه أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة.
فصل
قال إبن إسحاق: معنى قوله: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى﴾ ، أي: ما عندي من مرجعك إليَّ يا محمد خير لك مما عجلت لك من الكرامة في الدنيا.
روى علقمة عن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:
«إنَّا أهْل بيتٍ اخْتَارَ اللهُ لنَا الآخِرَةِ على الدُّنْيَا» .
وقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ روى عطاء عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى، وهو قول علي والحسن.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تلا قول الله تعالى في إبراهيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 36] ، وهو قول عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المائدة: 118] ، الآية، فرفع يديه وقال:» اللَّهُمَّ أمَّتِي أمَّتِي «وبكى، فقال الله تعالى لجبريل» اذهب إلى محمد، وربُّك أعلم، فسلهُ ما يُبْكِيكَ «فأتى جبريل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فسأله فأخبره، فقال الله تعالى لجبريل:» اذهب إلى محمد، فقل له: إن الله يقول لك: إنَّا سَنُرضِيْكَ فِي أمَّتكَ، ولا نَسُوءَكَ «وقال حرب بن شريح: سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقول: إنكم يا معشر أهل العراق تقولون: إنَّ أرْجَى آية في كتاب الله تعالى: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله﴾ [الزمر: 53] قالوا: إنا نقول ذلك، قال: ولكنا أهل البيت نقول: إن أرجى آية في كتاب الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ .
وقيل: يعطيك ربك من الثواب، وقيل: من النصر، فترضى، وقيل: الحوض والشفاعة.
فصل في الكلام على انقطاع الوحي
وجه النظم، كأنه قيل: انقطاع الوحي لا يكون عزلاً عن النبوّة، بل غايته أنه أمارة الموت للاستغناء عن الرسالة، فإن فهمت منه قرب الموت، فالموت خير لك من الأولى، وفهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من الخطاب بقوله: ما ودعك ربك وما قلى تشريفاً عظيماً، فقيل له: ﴿وللآخِرةُ خيرٌ لك من الأوْلَى﴾ ، أي: أنَّ الأحوال الآتية خير لك من الماضية، فهو وعد بأنه سيزيده عزَّا إلى عزِّه، وبيان أن الآخرة خيرٌ، كأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يفعل فيها ما يريد، ولأنه آثرها فهي ملكه، وملكه خير مما لا يكون ملكه، أو لأن الكفار يؤذونك وأمتك في الدنيا، وأما في الآخرة فهم شهداء على الناس، أو لأن خيرات الدنيا قليلة مقطوعة، ولم يقل: خير لك، لأن فيهم من الآخرة شر له، فلو ميزهم لافتضحوا.
الضحى 93:6
ثم أخبر الله تعالى عن حاله التي كان عليها قبل الوحي وذكره نعمه فقال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ ، العامة على: «فآوى» بألف بعد الهمزة رباعياً.
وأبو الأشهب: «فأوى» ثلاثياً.
قال الزمخشري: «وهو على معنيين: إما من» أواه «بمعنى» آواه «سمع بعض الرعاة يقول: أين آوي هذه الموقسة؟ وإما من أوى له، إذا رحمه» . انتهى.
وعلى الثاني قوله: [الطويل]
5240 - أرَانِي ولا كُفْرانَ للَّهِ أيَّةَ ... لنَفْسِي لقَدْ طَالبْتُ غَيْرَ مُنيلِ أي: رحمة لنفسي، ووجه الدلالة من قوله «أين آوي هذه» ، أنه لو كان من الرباعي [لقال: أُأْوي - بضم الهمزة الأولى وسكون الثانية - لأنه مضارع آوى مثل أكرم، وهذه الهمزة] المضمومة هي حرف المضارعة، والثانية هي فاء الكلمة، وأما همزة «أفْعَل» فمحذوفة على القاعدة، ولم تبدل هذه الهمزة كما أبدلت في «أومن» لئلا يستثقل بالإدغام، ولذلك نص الفراء على أن «تُؤويهِ» من قوله تعالى ﴿وَفَصِيلَتِهِ التي تُؤْوِيهِ﴾ [المعارج: 13] لا يجوز إبدالها للثقل.
فصل
قال ابن الخطيب: «يَجدْكَ» من الوجود الذي بمعنى العلم، والمفعولان منصوبان ب «وجد» ، والوجود من الله العلم، والمعنى: ألم يعلمك الله يتيماً فآوى.
قال القرطبي: «يَتِيْماً» لا أب لك، قد مات أبوك، «فآوى» ، أي: جعل لك مأوى تأوى إليه عند عمك أبي طالب، فكفلك.
وقيل لجعفر بن محمد الصادق: لم أوتم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من أبويه؟ .
فقال: لئلاَّ يكون لمخلوق عليه حق.
وعن مجاهدٍ: هو من قول العرب: درة يتيمة إذا لم يكن لها مثل، فمجاز الآية ألم يجدك واحداً في شرفك، لا نظير لك، فآواك الله بأصحاب يحفظونك، ويحوطونك.
فصل في جواب سؤال
أورد ابن الخطيب هنا سؤالاً: وهو أنه كيف يحسن من الجواد أن يمن بنعمة، فيقول: ﴿ألمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ ، ويؤكد هذا السؤال أن الله - تعالى - حكى عن فرعون قوله لموسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ [الشعراء: 18] في معرض الذَّم لفرعون فما كان مذموماً من فرعون، كيف يحسن من الله تعالى؟ قال: والجواب: أن ذلك يحسن إذا قصد بذلك تقوية قلبه، ووعده بدوام النعمة، ولهذا ظهر الفرق بين هذا الامتنان، وبين امتنان فرعون، لأن امتنان فرعون معناه: فما بالك لا تخدمني، وامتنان الله تعالى: زيادة نعمه، كأنه يقول: ما لك تقطع عني رجاءك، ألست شرعت في تربيتك أتظنني تاركاً لما صنعته، بل لا بد وأ أتمّ النعمة كما قال تعالى: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 150] .
فإن قيل: إن الله تعالى منَّ عليه بثلاثة أشياء، ثم أمره أن يذكر نعمة ربه، فما وجه المناسبة؟ .
فالجوابُ: وجه المناسبة أن تقول: قضاء الدين واجب، والدين نوعان: مالي وإنعامي، والإنعامي أقوى وجوباً لأن المال قد يسقط بالإبراء، والإنعامي يتأكد بالإبراء، والمالي يقضى مرة فينجو منه الإنسان، والإنعامي يجب عليه قضاؤه طول عمره، فإذا تعذر قضاء النعمة القليلة من منعم، هو مملوك، فكيف حال النعمة العظيمة من المنعم المالك، فكان العبد يقول: إلهي أخرجتني من العدم، إلى الوجود بشراً مستوياً، طاهر الظاهر نجس الباطن، بشارة منك، تستر عليَّ ذنوبي بستر عفوك، كما سترت نجاستي بالجلد الظاهر، فكيف يمكنني قضاء نعمتك التي لا حصر لها، فيقول تبارك وتعالى: الطريق إلى ذلك أن تفعل في حق [عبيدي ذلك، وكنت عائلاً فأغنيتك، فافعل في حق] الأيتام ذلك ثم إذا فعلت كل ذلك، فاعلم أنما فعلته بتوفيقي، ولطفي، وإرشادي، فكن أبداً ذاكراً لهذه النعم.
قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى﴾ ، أي: غافلاً عما يراد بك من أمر النبوة فهداك أي: أرشدك، والضلال هنا بمعنى الغفلة، لقوله تعالى: ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ [طه: 52] أي: لا يغفل، وقال في حق نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافلين﴾ [يوسف: 3] وقيل: معنى قوله: «ضالاًّ» لم تكن تدري القرآن، والشرائع، فهداك اللهُ إلى القرآن، وشرائع الإسلام، قاله الضحاك وشهر بن حوشب وغيرهما. قال تعالى: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان﴾ [الشورى: 52] على ما تقدم في سورة الشورى.
وقال السديُّ والكلبي والفراء: وجدك ضالاًّ، أي: في قوم ضلال، فهداهم الله بك، أو فهداك إلى إرشادهم.
وقيل: وجدك ضالاً عن الهجرة، فهداك وقيل: «ضالاً» ، أي: ناسياً شأن الاستثناء حين سئلت عن أصحاب الكهفِ، وذي القرنين، والروح، فأذكرك، لقوله تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: 282] .
وقيل: ووجدك طالباً للقبلة فهداك إليها، لقوله تعالى: ﴿قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء﴾ [البقرة: 144] ، ويكون الضلال بمعنى الطلب؛ لأن الضال طالب.
وقيل: وجدك ضائعاً في قومك، فهداك إليهم، ويكون الضلال بمعنى الضياع.
وقيل: ووجدك محباً للهداية، فهداك إليها؛ ويكون الضلال بمعنى المحبة ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُواْ تالله إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ القديم﴾ [يوسف: 95] ، أي: في محبتك.
قال الشاعر: [الكامل]
5241 - هَذا الضَّلالُ أشَابَ منِّي المفْرِقَا ... والعَارضَينِ ولَمْ أكُنْ مُتحقِّقَا عَجَباً لعزَّة في اخْتِيَارِ قَطيعَتِي ... بَعْدَ الضَّلالِ فحِبْلُهَا قَدْ أخْلقَا
وقيل: ضالاً في شعاب «مكة» ، فهداك وردك إلى جدك عبد المطلب.
وقال كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: إن حليمة لما قضت حق الرضاع، جاءت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لتردهُ على عبد المطلب، فسمعت عند باب «مكة» : هنيئاً لك يا بطحاء «مكة» ، اليوم يرد إليك الدين والبهاء والنور والجمالُ، قالت: فوضعته لأصلح ثيابي، فسمعت هدة شديدة فالتفت فلم أره، فقلت: معشر الناس، أين الصبي؟ فقالوا: لم نر شيئاً فصحتُ: وامحمداه، فإذا شيخ فإن يتوكأ على عصاه، فقال: اذهبي إلى الصنم الأعظم، فإن شاء أن يرده إليك فعل، ثم طاف الشيخ بالصَّنم، وقبل رأسه وقال: يا رب، لم تزل منتك على قريش، وهذه السعدية تزعم أن ابنها قد ضلّ، فرده إن شئت، فانكبّ هبل على وجهه، وتساقطت الأصنام؛ وقالت: إليك عنا أيها الشيخ فهلاكُنَا على يدي محمد فألقى الشيخ عصاه وارتعد وقال: إن لابنك رباً لا يضيعه فاطلبيه على مهل، فانحشرت قريش إلى عبد المطلب، وطلبوه في جميع «مكة» ، فلم يجدوه فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعاً، وتضرع إلى الله أن يرده؛ وقال: [الرجز]
5242 - يا ربِّ، رُدَّ ولَدِي مُحَمَّداً ... أرْدُدْهُ ربِّي واصْطَنِعْ عِنْدِي يَدَا
فسمعوا منادياً ينادي من السماء: معاشر الناس لا تضجوا، فإن لمحمد ربَّا لا يضيعه ولا يخذله، وإن محمداً بوادي «تهامة» ، عند شجرة السَّمُرِ، فسار عبد المطلب هو وورقة بن نوفل، فإذا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قائم تحت شجرة يلعب بالإغصان وبالورق.
وفي رواية: فما زال عبد المطلب يردد البيت حتى أتاه أبو جهل على ناقة، ومحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بين يديه، وهو يقول: ألا تدري ماذا جرى من ابنك؟ .
فقال عبد المطلب: ولم؟ قال: إني أنخت الناقة، وأركبته خلفي فأبت الناقة أن تقوم، فلما أركبته أمامي قامت النَّاقة.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: رده إلى جده وبيد عدوه، كما فعل بموسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - حين حفظه عند فرعون.
وقال سعيد بن جبيرٍ: خرج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مع عمه أبي طالب في سفر، فأخذ إبليس بزمام ناقته في ليلة ظلماء فعدل بها على الطريق، فجاء جبريل - عليه السلام - فنفخ لإبليس نفخة وقع منها إلى أرض «الهند» ، ورده إلى القافلة صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: ووجدك ضالاً ليلة المعراج حين انصرف عنك جبريل، وأنت لا تعرف الطريق، فهداك إلى ساق العرش.
وقال بعض المتكلمين: إذا وجدت العرب شجرة منفردة في فلاة من الأرض، لا شجر معها، سموها ضالة، فيهتدى بها إلى الطريق، فقال تعالى لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «ووجَدَكَ ضالاًّ» أي لا أحد على دينك، بل وأنت وحيد ليس معك أحد، فهديت بك الخلق إلي.
وقيل: ووجدك مغموراً في أهل الشرك، فميزك عنهم، يقال: ضل الماءُ في اللبن، ومنه ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض﴾ [السجدة: 10] ، أي: لحقنا بالتراب عند الدَّفن، حتى كأنا لا نتميز من جملته وقيل: ضالاًّ عن معرفة الله حين كنت طفلاً صغيراً، كقوله تعالى: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾
[النحل: 78] فخلق فيك العقل والهداية والمعرفة، فالمراد من الضال الخالي من العلم لا الموصوف بالاعتقاد، قيل: قد يخاطب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، والمراد قومه فقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى﴾ أي وجد قومك ضلالاً فهداهم بك.
وقيل: إنه كان على ما كان القوم عليه لا يظهر لهم في الظاهر الحال، وأما الشرك فلا يظن به على مواسم القوم في الظاهر أربعين سنة.
وقال الكلبي والسدي أي وجدك كافراً والقوم كفاراً فهداك، وقد مضى الرد على هذا القول في سورة الشورى.
قوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فأغنى﴾ ، العائل: الفقير، وهذه قراءة العامة يقال: عال زيد، أي: افتقر.
قال الشاعر: [الوافر]
5243 - ومَا يَدْري الفَقِيرُ متَى غِنَاهُ ... ومَا يَدْرِي الغَنِيُّ متَى يَعِيلُ
وقال جرير: [الكامل]
5244 - اللهُ أنْزَلَ في الكِتَابِ فَريضَةً ... لابْنِ السَّبِيلِ وللفَقِيرِ العَائِلِ
وقرأ اليماني: «عيِّلاً» بكسر الياء المشددة ك «سيد» .
وقال ابن الخطيب: العائل ذو العيلة، ثم أطلق على الفقير لم يكن له عيال، والمشهور أن المراد به الفقير، ويؤيده ما روي في مصحف عبد الله: «وَوَجَدَكَ عديماً» .
وقوله تعالى: ﴿فأغنى﴾ ، أي: فأغناك خديجة وتربية أبي طالب، ولما اختل ذلك أغناك بمال أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -، ولما اختل ذلك أمره بالهجرة وأغناه بإعانة الأنصار - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -، ثم أمره بالجهاد، وأغناه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالغنائم.
[وقال مقاتل: أغناك بما أعطاك من الرزق.
وقال عطاء: وجدك فقير النفس، فأغنى قلبك، وقيل: فقيراً من الحجج والبراهين، فأغناك بها] .
قوله: ﴿فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ﴾ . اليتيم منصوب ب «تَقْهَرْ» ، وبه استدل ابن مالك على أنه لا يلزم من تقديم المعمول تقديم العامل؛ ألا ترى أنَّ اليتيم منصوب بالمجزوم، وقد تقدم الجازم، لو قدمت المجزوم على جازمه، لامتنع، لأن المجزوم لا يتقدم على جازمه، كالمجرور لا يقدم على جاره.
وتقدَّم ذلك في سورة هود عليه السلام عند قوله تعالى: ﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ [هود: 8] .
وقرأ العامة: «تَقْهَر» بالقاف من الغلبة، وابن مسعود، والشعبي، وإبراهيم النخعي والأشهب العقيلي، «تكهر» بالكاف. كهر في وجهه: أي عبس، وفلان ذو كهرة، أي: عابس الوجه.
ومنه الحديث: «فَبِأبِي هُوَ وأمِّي فوالله ما كهرني» .
قال أبو حيان: «وهي لغة بمعنى قراءة الجمهور» انتهى.
والكهر في الأصل: ارتفاع النهار مع شدة الحر.
وقيل: الكهر: الغلبة، والكهر: الزجر. والمعنى: لا تسلط عليه بالظلم، بل ادفع إليه حقه، واذكر يتمكَ. قاله الأخفش.
وقال مجاهدٌ: لا تحتقر. وخص اليتيم، لأنه لا ناصر له غير الله تعالى، فغلظ في تأثير العقوبة على ظالمه، والمعنى: عامله كما عاملناك به، ونظيره:
﴿وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ﴾ [القصص: 77] .
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الله الله فيمَنْ لَيْسَ له إلا الله» .
فصل
دلت الآية على اللطف باليتيم وبره والإحسان إليه، قال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أنا وكافل اليتيم كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى» .
وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ ضَمَّ يَتِيمَاً فَكَانَ فِي نَفَقَتِهِ وكفاهُ مؤنَتَهُ، كَانَ لَهُ حِجَابَاً مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ» .
وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ مَسَحَ برأسِ يَتِيمٍ كَانَ لَهُ بكُلِّ شَعْرةً حَسَنةٌ» .
فصل
الحكمة في أن الله تعالى اختار لنبيه اليتم، أنه عرف حرارة اليتم، فيرفق باليتيم، وأيضاً ليشاركه في الاسم، فيكرمه لأجل ذلك، لقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «إذَا سَمَّيْتُم الوَلَدَ مُحَمَّداً فأكْرِمُوهُ ووسِّعُوا لَهُ فِي المَجْلسِ» وأيضاً ليعتمد من أول عمره على الله تعالى، فيشبه إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - في قوله: «حَسْبي مِنْ سُؤالِي، علمهُ بِحَالِي» .
وأيضاً فالغالب أن اليتيم تظهر عيوبه فلما لم يجدوا فيه عيباً، لم يجدوا فيه مطعناً.
وأيضاً جعله يتيماً، ليعلم كل أحد فضيلته ابتداء من الله تعالى، لا من التعليم، لأن من له أب فإن أباه يعلمه، ويؤدبه.
وأيضاً فاليتم والفقر نقص في العادة، فكونه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مع هذين الوصفين من أكرم الخلق كان ذلك قلباً للعادة، فكان معجزة ظاهرة.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ﴾ ، أي: فلا تزجره، يقال: نهره، وانتهره إذا زجره، وأغلظ له في القول، ولكن يرده ردَّا جميلاً.
[قال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السؤال، يحملون زادنا إلى الآخرة. وقال إبراهيم النخعي: السائل يريد الآخرة يجيء إلى باب أحدكم فيقول: هل تبعثون إلى أهليكم بشيء.
وقيل: المراد بالسائل الذي يسأل عن الدين] .
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «سَألتُ ربِّي مَسْألةً ودِدْتُ أنِّي لَمْ أسْألْهَا، قُلْتُ: يَا ربِّ، اتَّخذتَ إبْراهِيمَ خَلِيلاً، وكلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيماً، وسخَّرتَ مَع دَاوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ، وأعطيتَ فُلاناً كَذَا فقال عَزَّ وَجَلَّ: ألَمْ أجِدْكَ يَتِيماً فَأويتك؟ أَلَمْ أَجِدْكَ ضالاً فَهَدَيْتُكَ؟ أَلَمْ أَجِدكَ عائِلاً فَأَغْنَيْتُكِ؟ أَلَمْ أَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ؟ أَلَمْ أُوتِكَ مَا لَمْ أُوتِ أَحَدَاً قبلَكَ خَوَاتِيِمَ سورةِ البقرة؟ أَلَمْ أَتَّخِذُكَ خَلِيْلاً كَمَا اتَّخَذْتُ إبراهيمَ خليلاً؟ قلت: بلى يا ربِّ» .
قوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ . الجار متعلق ب «حدِّثْ» والفاء غير مانعة من ذلك قال مجاهدٌ: تلك النعمة هي القرآن والحديث.
وعنه أيضاً: تلك النعمة هي النبوة، أي: بلغ ما أنزل إليك من ربك قيل: تلك النعمة هي أن وفقك الله تعالى، ورعيت حق اليتيم والسائل، فحدث بها؛ ليقتدي بك غيرك.
وعن الحسين علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: إذا عملت خيراً فحدث به الثقة من إخوانك ليقتدوا بك.
إلا أنَّ هذا لا يحسن إلا إذا لم يتضمن رياء، وظن أن غيره يقتدي به.
وروى مالك بن نضلة الجشمي، قال: «كنت جالساً عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فرآني رثَّ الثياب فقال:» أَلَكَ مَالٌ» ؟ .
قلت: نعم، يا رسول الله، من كل المال، قال: «إذَا آتَاكَ اللهُ مالاً فليُرَ أثرهُ عَلَيْكَ» .
وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ اللهَ تعالى جَميلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، ويُحِبُّ أنْ يَرَى أثَرَ نِعْمَتِهِ على عَبْدِهِ» .
فإن قيل: ما الحكمة في أن الله أخر نفسه على حق اليتيم والسائل؟ .
فالجواب: كأنه سبحانه وتعالى يقول: أنا غني، وهما محتاجان، وحق المحتاج أولى بالتقديم، واختار قوله: «فحدث» على قوله» فخبِّرْ «ليكون ذلك حديثاً عنه وينساه، ويعيده مرة أخرى.
فصل
يكبر القارىء في رواية البزي عن ابن كثير وقد رواه مجاهد عن ابن عباس وروي عن أبيّ بن كعب عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه كان إذا بلغ آخر» الضُّحَى «كبَّر بين كلِّ سورةٍ تكبيرة إلى أن يختم القرآن، ولا يصل آخر السورة بتكبيرة، بل يفصل بينهما بسكتة، وكأن المعنى في ذلك أن الوحي تأخّر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أياماً، فقال ناس من المشركين: قد ودعه صاحبه، فنزلت هذه السورة فقال: «اللهُ أكْبَرُ» .
قال مجاهد: قرأت على ابن عبّاس، فأمرني به، وأخبرني به عن أبيٍّ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
ولا يكبر في [رواية] الباقين، لأنها ذريعة إلى الزيادة في القرآن.
قال القرطبي: القرآن ثبت نقله بالتواتر سُوَره، وآياته، وحروفه بغير زيادةٍ، ولا نقصان، وعلى هذا فالتكبير ليس بقرآن.
روى الثعلبي عن أبيّ بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿والضحى﴾ كان فيمن يرضاه الله تعالى لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يشفع له، وكتب الله تعالى له من الحسنات بعدد كل يتيم وسائل» والله أعلم.
سورة " ألم نشرح "
الضحى 93:7
ثم أخبر الله تعالى عن حاله التي كان عليها قبل الوحي وذكره نعمه فقال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ ، العامة على: «فآوى» بألف بعد الهمزة رباعياً.
وأبو الأشهب: «فأوى» ثلاثياً.
قال الزمخشري: «وهو على معنيين: إما من» أواه «بمعنى» آواه «سمع بعض الرعاة يقول: أين آوي هذه الموقسة؟ وإما من أوى له، إذا رحمه» . انتهى.
وعلى الثاني قوله: [الطويل]
5240 - أرَانِي ولا كُفْرانَ للَّهِ أيَّةَ ... لنَفْسِي لقَدْ طَالبْتُ غَيْرَ مُنيلِ أي: رحمة لنفسي، ووجه الدلالة من قوله «أين آوي هذه» ، أنه لو كان من الرباعي [لقال: أُأْوي - بضم الهمزة الأولى وسكون الثانية - لأنه مضارع آوى مثل أكرم، وهذه الهمزة] المضمومة هي حرف المضارعة، والثانية هي فاء الكلمة، وأما همزة «أفْعَل» فمحذوفة على القاعدة، ولم تبدل هذه الهمزة كما أبدلت في «أومن» لئلا يستثقل بالإدغام، ولذلك نص الفراء على أن «تُؤويهِ» من قوله تعالى ﴿وَفَصِيلَتِهِ التي تُؤْوِيهِ﴾ [المعارج: 13] لا يجوز إبدالها للثقل.
فصل
قال ابن الخطيب: «يَجدْكَ» من الوجود الذي بمعنى العلم، والمفعولان منصوبان ب «وجد» ، والوجود من الله العلم، والمعنى: ألم يعلمك الله يتيماً فآوى.
قال القرطبي: «يَتِيْماً» لا أب لك، قد مات أبوك، «فآوى» ، أي: جعل لك مأوى تأوى إليه عند عمك أبي طالب، فكفلك.
وقيل لجعفر بن محمد الصادق: لم أوتم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من أبويه؟ .
فقال: لئلاَّ يكون لمخلوق عليه حق.
وعن مجاهدٍ: هو من قول العرب: درة يتيمة إذا لم يكن لها مثل، فمجاز الآية ألم يجدك واحداً في شرفك، لا نظير لك، فآواك الله بأصحاب يحفظونك، ويحوطونك.
فصل في جواب سؤال
أورد ابن الخطيب هنا سؤالاً: وهو أنه كيف يحسن من الجواد أن يمن بنعمة، فيقول: ﴿ألمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ ، ويؤكد هذا السؤال أن الله - تعالى - حكى عن فرعون قوله لموسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ [الشعراء: 18] في معرض الذَّم لفرعون فما كان مذموماً من فرعون، كيف يحسن من الله تعالى؟ قال: والجواب: أن ذلك يحسن إذا قصد بذلك تقوية قلبه، ووعده بدوام النعمة، ولهذا ظهر الفرق بين هذا الامتنان، وبين امتنان فرعون، لأن امتنان فرعون معناه: فما بالك لا تخدمني، وامتنان الله تعالى: زيادة نعمه، كأنه يقول: ما لك تقطع عني رجاءك، ألست شرعت في تربيتك أتظنني تاركاً لما صنعته، بل لا بد وأ أتمّ النعمة كما قال تعالى: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 150] .
فإن قيل: إن الله تعالى منَّ عليه بثلاثة أشياء، ثم أمره أن يذكر نعمة ربه، فما وجه المناسبة؟ .
فالجوابُ: وجه المناسبة أن تقول: قضاء الدين واجب، والدين نوعان: مالي وإنعامي، والإنعامي أقوى وجوباً لأن المال قد يسقط بالإبراء، والإنعامي يتأكد بالإبراء، والمالي يقضى مرة فينجو منه الإنسان، والإنعامي يجب عليه قضاؤه طول عمره، فإذا تعذر قضاء النعمة القليلة من منعم، هو مملوك، فكيف حال النعمة العظيمة من المنعم المالك، فكان العبد يقول: إلهي أخرجتني من العدم، إلى الوجود بشراً مستوياً، طاهر الظاهر نجس الباطن، بشارة منك، تستر عليَّ ذنوبي بستر عفوك، كما سترت نجاستي بالجلد الظاهر، فكيف يمكنني قضاء نعمتك التي لا حصر لها، فيقول تبارك وتعالى: الطريق إلى ذلك أن تفعل في حق [عبيدي ذلك، وكنت عائلاً فأغنيتك، فافعل في حق] الأيتام ذلك ثم إذا فعلت كل ذلك، فاعلم أنما فعلته بتوفيقي، ولطفي، وإرشادي، فكن أبداً ذاكراً لهذه النعم.
قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى﴾ ، أي: غافلاً عما يراد بك من أمر النبوة فهداك أي: أرشدك، والضلال هنا بمعنى الغفلة، لقوله تعالى: ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ [طه: 52] أي: لا يغفل، وقال في حق نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافلين﴾ [يوسف: 3] وقيل: معنى قوله: «ضالاًّ» لم تكن تدري القرآن، والشرائع، فهداك اللهُ إلى القرآن، وشرائع الإسلام، قاله الضحاك وشهر بن حوشب وغيرهما. قال تعالى: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان﴾ [الشورى: 52] على ما تقدم في سورة الشورى.
وقال السديُّ والكلبي والفراء: وجدك ضالاًّ، أي: في قوم ضلال، فهداهم الله بك، أو فهداك إلى إرشادهم.
وقيل: وجدك ضالاً عن الهجرة، فهداك وقيل: «ضالاً» ، أي: ناسياً شأن الاستثناء حين سئلت عن أصحاب الكهفِ، وذي القرنين، والروح، فأذكرك، لقوله تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: 282] .
وقيل: ووجدك طالباً للقبلة فهداك إليها، لقوله تعالى: ﴿قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء﴾ [البقرة: 144] ، ويكون الضلال بمعنى الطلب؛ لأن الضال طالب.
وقيل: وجدك ضائعاً في قومك، فهداك إليهم، ويكون الضلال بمعنى الضياع.
وقيل: ووجدك محباً للهداية، فهداك إليها؛ ويكون الضلال بمعنى المحبة ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُواْ تالله إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ القديم﴾ [يوسف: 95] ، أي: في محبتك.
قال الشاعر: [الكامل]
5241 - هَذا الضَّلالُ أشَابَ منِّي المفْرِقَا ... والعَارضَينِ ولَمْ أكُنْ مُتحقِّقَا عَجَباً لعزَّة في اخْتِيَارِ قَطيعَتِي ... بَعْدَ الضَّلالِ فحِبْلُهَا قَدْ أخْلقَا
وقيل: ضالاً في شعاب «مكة» ، فهداك وردك إلى جدك عبد المطلب.
وقال كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: إن حليمة لما قضت حق الرضاع، جاءت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لتردهُ على عبد المطلب، فسمعت عند باب «مكة» : هنيئاً لك يا بطحاء «مكة» ، اليوم يرد إليك الدين والبهاء والنور والجمالُ، قالت: فوضعته لأصلح ثيابي، فسمعت هدة شديدة فالتفت فلم أره، فقلت: معشر الناس، أين الصبي؟ فقالوا: لم نر شيئاً فصحتُ: وامحمداه، فإذا شيخ فإن يتوكأ على عصاه، فقال: اذهبي إلى الصنم الأعظم، فإن شاء أن يرده إليك فعل، ثم طاف الشيخ بالصَّنم، وقبل رأسه وقال: يا رب، لم تزل منتك على قريش، وهذه السعدية تزعم أن ابنها قد ضلّ، فرده إن شئت، فانكبّ هبل على وجهه، وتساقطت الأصنام؛ وقالت: إليك عنا أيها الشيخ فهلاكُنَا على يدي محمد فألقى الشيخ عصاه وارتعد وقال: إن لابنك رباً لا يضيعه فاطلبيه على مهل، فانحشرت قريش إلى عبد المطلب، وطلبوه في جميع «مكة» ، فلم يجدوه فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعاً، وتضرع إلى الله أن يرده؛ وقال: [الرجز]
5242 - يا ربِّ، رُدَّ ولَدِي مُحَمَّداً ... أرْدُدْهُ ربِّي واصْطَنِعْ عِنْدِي يَدَا
فسمعوا منادياً ينادي من السماء: معاشر الناس لا تضجوا، فإن لمحمد ربَّا لا يضيعه ولا يخذله، وإن محمداً بوادي «تهامة» ، عند شجرة السَّمُرِ، فسار عبد المطلب هو وورقة بن نوفل، فإذا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قائم تحت شجرة يلعب بالإغصان وبالورق.
وفي رواية: فما زال عبد المطلب يردد البيت حتى أتاه أبو جهل على ناقة، ومحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بين يديه، وهو يقول: ألا تدري ماذا جرى من ابنك؟ .
فقال عبد المطلب: ولم؟ قال: إني أنخت الناقة، وأركبته خلفي فأبت الناقة أن تقوم، فلما أركبته أمامي قامت النَّاقة.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: رده إلى جده وبيد عدوه، كما فعل بموسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - حين حفظه عند فرعون.
وقال سعيد بن جبيرٍ: خرج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مع عمه أبي طالب في سفر، فأخذ إبليس بزمام ناقته في ليلة ظلماء فعدل بها على الطريق، فجاء جبريل - عليه السلام - فنفخ لإبليس نفخة وقع منها إلى أرض «الهند» ، ورده إلى القافلة صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: ووجدك ضالاً ليلة المعراج حين انصرف عنك جبريل، وأنت لا تعرف الطريق، فهداك إلى ساق العرش.
وقال بعض المتكلمين: إذا وجدت العرب شجرة منفردة في فلاة من الأرض، لا شجر معها، سموها ضالة، فيهتدى بها إلى الطريق، فقال تعالى لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «ووجَدَكَ ضالاًّ» أي لا أحد على دينك، بل وأنت وحيد ليس معك أحد، فهديت بك الخلق إلي.
وقيل: ووجدك مغموراً في أهل الشرك، فميزك عنهم، يقال: ضل الماءُ في اللبن، ومنه ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض﴾ [السجدة: 10] ، أي: لحقنا بالتراب عند الدَّفن، حتى كأنا لا نتميز من جملته وقيل: ضالاًّ عن معرفة الله حين كنت طفلاً صغيراً، كقوله تعالى: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾
[النحل: 78] فخلق فيك العقل والهداية والمعرفة، فالمراد من الضال الخالي من العلم لا الموصوف بالاعتقاد، قيل: قد يخاطب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، والمراد قومه فقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى﴾ أي وجد قومك ضلالاً فهداهم بك.
وقيل: إنه كان على ما كان القوم عليه لا يظهر لهم في الظاهر الحال، وأما الشرك فلا يظن به على مواسم القوم في الظاهر أربعين سنة.
وقال الكلبي والسدي أي وجدك كافراً والقوم كفاراً فهداك، وقد مضى الرد على هذا القول في سورة الشورى.
قوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فأغنى﴾ ، العائل: الفقير، وهذه قراءة العامة يقال: عال زيد، أي: افتقر.
قال الشاعر: [الوافر]
5243 - ومَا يَدْري الفَقِيرُ متَى غِنَاهُ ... ومَا يَدْرِي الغَنِيُّ متَى يَعِيلُ
وقال جرير: [الكامل]
5244 - اللهُ أنْزَلَ في الكِتَابِ فَريضَةً ... لابْنِ السَّبِيلِ وللفَقِيرِ العَائِلِ
وقرأ اليماني: «عيِّلاً» بكسر الياء المشددة ك «سيد» .
وقال ابن الخطيب: العائل ذو العيلة، ثم أطلق على الفقير لم يكن له عيال، والمشهور أن المراد به الفقير، ويؤيده ما روي في مصحف عبد الله: «وَوَجَدَكَ عديماً» .
وقوله تعالى: ﴿فأغنى﴾ ، أي: فأغناك خديجة وتربية أبي طالب، ولما اختل ذلك أغناك بمال أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -، ولما اختل ذلك أمره بالهجرة وأغناه بإعانة الأنصار - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -، ثم أمره بالجهاد، وأغناه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالغنائم.
[وقال مقاتل: أغناك بما أعطاك من الرزق.
وقال عطاء: وجدك فقير النفس، فأغنى قلبك، وقيل: فقيراً من الحجج والبراهين، فأغناك بها] .
قوله: ﴿فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ﴾ . اليتيم منصوب ب «تَقْهَرْ» ، وبه استدل ابن مالك على أنه لا يلزم من تقديم المعمول تقديم العامل؛ ألا ترى أنَّ اليتيم منصوب بالمجزوم، وقد تقدم الجازم، لو قدمت المجزوم على جازمه، لامتنع، لأن المجزوم لا يتقدم على جازمه، كالمجرور لا يقدم على جاره.
وتقدَّم ذلك في سورة هود عليه السلام عند قوله تعالى: ﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ [هود: 8] .
وقرأ العامة: «تَقْهَر» بالقاف من الغلبة، وابن مسعود، والشعبي، وإبراهيم النخعي والأشهب العقيلي، «تكهر» بالكاف. كهر في وجهه: أي عبس، وفلان ذو كهرة، أي: عابس الوجه.
ومنه الحديث: «فَبِأبِي هُوَ وأمِّي فوالله ما كهرني» .
قال أبو حيان: «وهي لغة بمعنى قراءة الجمهور» انتهى.
والكهر في الأصل: ارتفاع النهار مع شدة الحر.
وقيل: الكهر: الغلبة، والكهر: الزجر. والمعنى: لا تسلط عليه بالظلم، بل ادفع إليه حقه، واذكر يتمكَ. قاله الأخفش.
وقال مجاهدٌ: لا تحتقر. وخص اليتيم، لأنه لا ناصر له غير الله تعالى، فغلظ في تأثير العقوبة على ظالمه، والمعنى: عامله كما عاملناك به، ونظيره:
﴿وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ﴾ [القصص: 77] .
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الله الله فيمَنْ لَيْسَ له إلا الله» .
فصل
دلت الآية على اللطف باليتيم وبره والإحسان إليه، قال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أنا وكافل اليتيم كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى» .
وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ ضَمَّ يَتِيمَاً فَكَانَ فِي نَفَقَتِهِ وكفاهُ مؤنَتَهُ، كَانَ لَهُ حِجَابَاً مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ» .
وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ مَسَحَ برأسِ يَتِيمٍ كَانَ لَهُ بكُلِّ شَعْرةً حَسَنةٌ» .
فصل
الحكمة في أن الله تعالى اختار لنبيه اليتم، أنه عرف حرارة اليتم، فيرفق باليتيم، وأيضاً ليشاركه في الاسم، فيكرمه لأجل ذلك، لقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «إذَا سَمَّيْتُم الوَلَدَ مُحَمَّداً فأكْرِمُوهُ ووسِّعُوا لَهُ فِي المَجْلسِ» وأيضاً ليعتمد من أول عمره على الله تعالى، فيشبه إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - في قوله: «حَسْبي مِنْ سُؤالِي، علمهُ بِحَالِي» .
وأيضاً فالغالب أن اليتيم تظهر عيوبه فلما لم يجدوا فيه عيباً، لم يجدوا فيه مطعناً.
وأيضاً جعله يتيماً، ليعلم كل أحد فضيلته ابتداء من الله تعالى، لا من التعليم، لأن من له أب فإن أباه يعلمه، ويؤدبه.
وأيضاً فاليتم والفقر نقص في العادة، فكونه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مع هذين الوصفين من أكرم الخلق كان ذلك قلباً للعادة، فكان معجزة ظاهرة.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ﴾ ، أي: فلا تزجره، يقال: نهره، وانتهره إذا زجره، وأغلظ له في القول، ولكن يرده ردَّا جميلاً.
[قال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السؤال، يحملون زادنا إلى الآخرة. وقال إبراهيم النخعي: السائل يريد الآخرة يجيء إلى باب أحدكم فيقول: هل تبعثون إلى أهليكم بشيء.
وقيل: المراد بالسائل الذي يسأل عن الدين] .
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «سَألتُ ربِّي مَسْألةً ودِدْتُ أنِّي لَمْ أسْألْهَا، قُلْتُ: يَا ربِّ، اتَّخذتَ إبْراهِيمَ خَلِيلاً، وكلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيماً، وسخَّرتَ مَع دَاوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ، وأعطيتَ فُلاناً كَذَا فقال عَزَّ وَجَلَّ: ألَمْ أجِدْكَ يَتِيماً فَأويتك؟ أَلَمْ أَجِدْكَ ضالاً فَهَدَيْتُكَ؟ أَلَمْ أَجِدكَ عائِلاً فَأَغْنَيْتُكِ؟ أَلَمْ أَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ؟ أَلَمْ أُوتِكَ مَا لَمْ أُوتِ أَحَدَاً قبلَكَ خَوَاتِيِمَ سورةِ البقرة؟ أَلَمْ أَتَّخِذُكَ خَلِيْلاً كَمَا اتَّخَذْتُ إبراهيمَ خليلاً؟ قلت: بلى يا ربِّ» .
قوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ . الجار متعلق ب «حدِّثْ» والفاء غير مانعة من ذلك قال مجاهدٌ: تلك النعمة هي القرآن والحديث.
وعنه أيضاً: تلك النعمة هي النبوة، أي: بلغ ما أنزل إليك من ربك قيل: تلك النعمة هي أن وفقك الله تعالى، ورعيت حق اليتيم والسائل، فحدث بها؛ ليقتدي بك غيرك.
وعن الحسين علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: إذا عملت خيراً فحدث به الثقة من إخوانك ليقتدوا بك.
إلا أنَّ هذا لا يحسن إلا إذا لم يتضمن رياء، وظن أن غيره يقتدي به.
وروى مالك بن نضلة الجشمي، قال: «كنت جالساً عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فرآني رثَّ الثياب فقال:» أَلَكَ مَالٌ» ؟ .
قلت: نعم، يا رسول الله، من كل المال، قال: «إذَا آتَاكَ اللهُ مالاً فليُرَ أثرهُ عَلَيْكَ» .
وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ اللهَ تعالى جَميلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، ويُحِبُّ أنْ يَرَى أثَرَ نِعْمَتِهِ على عَبْدِهِ» .
فإن قيل: ما الحكمة في أن الله أخر نفسه على حق اليتيم والسائل؟ .
فالجواب: كأنه سبحانه وتعالى يقول: أنا غني، وهما محتاجان، وحق المحتاج أولى بالتقديم، واختار قوله: «فحدث» على قوله» فخبِّرْ «ليكون ذلك حديثاً عنه وينساه، ويعيده مرة أخرى.
فصل
يكبر القارىء في رواية البزي عن ابن كثير وقد رواه مجاهد عن ابن عباس وروي عن أبيّ بن كعب عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه كان إذا بلغ آخر» الضُّحَى «كبَّر بين كلِّ سورةٍ تكبيرة إلى أن يختم القرآن، ولا يصل آخر السورة بتكبيرة، بل يفصل بينهما بسكتة، وكأن المعنى في ذلك أن الوحي تأخّر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أياماً، فقال ناس من المشركين: قد ودعه صاحبه، فنزلت هذه السورة فقال: «اللهُ أكْبَرُ» .
قال مجاهد: قرأت على ابن عبّاس، فأمرني به، وأخبرني به عن أبيٍّ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
ولا يكبر في [رواية] الباقين، لأنها ذريعة إلى الزيادة في القرآن.
قال القرطبي: القرآن ثبت نقله بالتواتر سُوَره، وآياته، وحروفه بغير زيادةٍ، ولا نقصان، وعلى هذا فالتكبير ليس بقرآن.
روى الثعلبي عن أبيّ بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿والضحى﴾ كان فيمن يرضاه الله تعالى لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يشفع له، وكتب الله تعالى له من الحسنات بعدد كل يتيم وسائل» والله أعلم.
سورة " ألم نشرح "
الضحى 93:8
ثم أخبر الله تعالى عن حاله التي كان عليها قبل الوحي وذكره نعمه فقال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ ، العامة على: «فآوى» بألف بعد الهمزة رباعياً.
وأبو الأشهب: «فأوى» ثلاثياً.
قال الزمخشري: «وهو على معنيين: إما من» أواه «بمعنى» آواه «سمع بعض الرعاة يقول: أين آوي هذه الموقسة؟ وإما من أوى له، إذا رحمه» . انتهى.
وعلى الثاني قوله: [الطويل]
5240 - أرَانِي ولا كُفْرانَ للَّهِ أيَّةَ ... لنَفْسِي لقَدْ طَالبْتُ غَيْرَ مُنيلِ أي: رحمة لنفسي، ووجه الدلالة من قوله «أين آوي هذه» ، أنه لو كان من الرباعي [لقال: أُأْوي - بضم الهمزة الأولى وسكون الثانية - لأنه مضارع آوى مثل أكرم، وهذه الهمزة] المضمومة هي حرف المضارعة، والثانية هي فاء الكلمة، وأما همزة «أفْعَل» فمحذوفة على القاعدة، ولم تبدل هذه الهمزة كما أبدلت في «أومن» لئلا يستثقل بالإدغام، ولذلك نص الفراء على أن «تُؤويهِ» من قوله تعالى ﴿وَفَصِيلَتِهِ التي تُؤْوِيهِ﴾ [المعارج: 13] لا يجوز إبدالها للثقل.
فصل
قال ابن الخطيب: «يَجدْكَ» من الوجود الذي بمعنى العلم، والمفعولان منصوبان ب «وجد» ، والوجود من الله العلم، والمعنى: ألم يعلمك الله يتيماً فآوى.
قال القرطبي: «يَتِيْماً» لا أب لك، قد مات أبوك، «فآوى» ، أي: جعل لك مأوى تأوى إليه عند عمك أبي طالب، فكفلك.
وقيل لجعفر بن محمد الصادق: لم أوتم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من أبويه؟ .
فقال: لئلاَّ يكون لمخلوق عليه حق.
وعن مجاهدٍ: هو من قول العرب: درة يتيمة إذا لم يكن لها مثل، فمجاز الآية ألم يجدك واحداً في شرفك، لا نظير لك، فآواك الله بأصحاب يحفظونك، ويحوطونك.
فصل في جواب سؤال
أورد ابن الخطيب هنا سؤالاً: وهو أنه كيف يحسن من الجواد أن يمن بنعمة، فيقول: ﴿ألمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ ، ويؤكد هذا السؤال أن الله - تعالى - حكى عن فرعون قوله لموسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ [الشعراء: 18] في معرض الذَّم لفرعون فما كان مذموماً من فرعون، كيف يحسن من الله تعالى؟ قال: والجواب: أن ذلك يحسن إذا قصد بذلك تقوية قلبه، ووعده بدوام النعمة، ولهذا ظهر الفرق بين هذا الامتنان، وبين امتنان فرعون، لأن امتنان فرعون معناه: فما بالك لا تخدمني، وامتنان الله تعالى: زيادة نعمه، كأنه يقول: ما لك تقطع عني رجاءك، ألست شرعت في تربيتك أتظنني تاركاً لما صنعته، بل لا بد وأ أتمّ النعمة كما قال تعالى: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 150] .
فإن قيل: إن الله تعالى منَّ عليه بثلاثة أشياء، ثم أمره أن يذكر نعمة ربه، فما وجه المناسبة؟ .
فالجوابُ: وجه المناسبة أن تقول: قضاء الدين واجب، والدين نوعان: مالي وإنعامي، والإنعامي أقوى وجوباً لأن المال قد يسقط بالإبراء، والإنعامي يتأكد بالإبراء، والمالي يقضى مرة فينجو منه الإنسان، والإنعامي يجب عليه قضاؤه طول عمره، فإذا تعذر قضاء النعمة القليلة من منعم، هو مملوك، فكيف حال النعمة العظيمة من المنعم المالك، فكان العبد يقول: إلهي أخرجتني من العدم، إلى الوجود بشراً مستوياً، طاهر الظاهر نجس الباطن، بشارة منك، تستر عليَّ ذنوبي بستر عفوك، كما سترت نجاستي بالجلد الظاهر، فكيف يمكنني قضاء نعمتك التي لا حصر لها، فيقول تبارك وتعالى: الطريق إلى ذلك أن تفعل في حق [عبيدي ذلك، وكنت عائلاً فأغنيتك، فافعل في حق] الأيتام ذلك ثم إذا فعلت كل ذلك، فاعلم أنما فعلته بتوفيقي، ولطفي، وإرشادي، فكن أبداً ذاكراً لهذه النعم.
قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى﴾ ، أي: غافلاً عما يراد بك من أمر النبوة فهداك أي: أرشدك، والضلال هنا بمعنى الغفلة، لقوله تعالى: ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ [طه: 52] أي: لا يغفل، وقال في حق نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافلين﴾ [يوسف: 3] وقيل: معنى قوله: «ضالاًّ» لم تكن تدري القرآن، والشرائع، فهداك اللهُ إلى القرآن، وشرائع الإسلام، قاله الضحاك وشهر بن حوشب وغيرهما. قال تعالى: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان﴾ [الشورى: 52] على ما تقدم في سورة الشورى.
وقال السديُّ والكلبي والفراء: وجدك ضالاًّ، أي: في قوم ضلال، فهداهم الله بك، أو فهداك إلى إرشادهم.
وقيل: وجدك ضالاً عن الهجرة، فهداك وقيل: «ضالاً» ، أي: ناسياً شأن الاستثناء حين سئلت عن أصحاب الكهفِ، وذي القرنين، والروح، فأذكرك، لقوله تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: 282] .
وقيل: ووجدك طالباً للقبلة فهداك إليها، لقوله تعالى: ﴿قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء﴾ [البقرة: 144] ، ويكون الضلال بمعنى الطلب؛ لأن الضال طالب.
وقيل: وجدك ضائعاً في قومك، فهداك إليهم، ويكون الضلال بمعنى الضياع.
وقيل: ووجدك محباً للهداية، فهداك إليها؛ ويكون الضلال بمعنى المحبة ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُواْ تالله إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ القديم﴾ [يوسف: 95] ، أي: في محبتك.
قال الشاعر: [الكامل]
5241 - هَذا الضَّلالُ أشَابَ منِّي المفْرِقَا ... والعَارضَينِ ولَمْ أكُنْ مُتحقِّقَا عَجَباً لعزَّة في اخْتِيَارِ قَطيعَتِي ... بَعْدَ الضَّلالِ فحِبْلُهَا قَدْ أخْلقَا
وقيل: ضالاً في شعاب «مكة» ، فهداك وردك إلى جدك عبد المطلب.
وقال كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: إن حليمة لما قضت حق الرضاع، جاءت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لتردهُ على عبد المطلب، فسمعت عند باب «مكة» : هنيئاً لك يا بطحاء «مكة» ، اليوم يرد إليك الدين والبهاء والنور والجمالُ، قالت: فوضعته لأصلح ثيابي، فسمعت هدة شديدة فالتفت فلم أره، فقلت: معشر الناس، أين الصبي؟ فقالوا: لم نر شيئاً فصحتُ: وامحمداه، فإذا شيخ فإن يتوكأ على عصاه، فقال: اذهبي إلى الصنم الأعظم، فإن شاء أن يرده إليك فعل، ثم طاف الشيخ بالصَّنم، وقبل رأسه وقال: يا رب، لم تزل منتك على قريش، وهذه السعدية تزعم أن ابنها قد ضلّ، فرده إن شئت، فانكبّ هبل على وجهه، وتساقطت الأصنام؛ وقالت: إليك عنا أيها الشيخ فهلاكُنَا على يدي محمد فألقى الشيخ عصاه وارتعد وقال: إن لابنك رباً لا يضيعه فاطلبيه على مهل، فانحشرت قريش إلى عبد المطلب، وطلبوه في جميع «مكة» ، فلم يجدوه فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعاً، وتضرع إلى الله أن يرده؛ وقال: [الرجز]
5242 - يا ربِّ، رُدَّ ولَدِي مُحَمَّداً ... أرْدُدْهُ ربِّي واصْطَنِعْ عِنْدِي يَدَا
فسمعوا منادياً ينادي من السماء: معاشر الناس لا تضجوا، فإن لمحمد ربَّا لا يضيعه ولا يخذله، وإن محمداً بوادي «تهامة» ، عند شجرة السَّمُرِ، فسار عبد المطلب هو وورقة بن نوفل، فإذا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قائم تحت شجرة يلعب بالإغصان وبالورق.
وفي رواية: فما زال عبد المطلب يردد البيت حتى أتاه أبو جهل على ناقة، ومحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بين يديه، وهو يقول: ألا تدري ماذا جرى من ابنك؟ .
فقال عبد المطلب: ولم؟ قال: إني أنخت الناقة، وأركبته خلفي فأبت الناقة أن تقوم، فلما أركبته أمامي قامت النَّاقة.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: رده إلى جده وبيد عدوه، كما فعل بموسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - حين حفظه عند فرعون.
وقال سعيد بن جبيرٍ: خرج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مع عمه أبي طالب في سفر، فأخذ إبليس بزمام ناقته في ليلة ظلماء فعدل بها على الطريق، فجاء جبريل - عليه السلام - فنفخ لإبليس نفخة وقع منها إلى أرض «الهند» ، ورده إلى القافلة صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: ووجدك ضالاً ليلة المعراج حين انصرف عنك جبريل، وأنت لا تعرف الطريق، فهداك إلى ساق العرش.
وقال بعض المتكلمين: إذا وجدت العرب شجرة منفردة في فلاة من الأرض، لا شجر معها، سموها ضالة، فيهتدى بها إلى الطريق، فقال تعالى لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «ووجَدَكَ ضالاًّ» أي لا أحد على دينك، بل وأنت وحيد ليس معك أحد، فهديت بك الخلق إلي.
وقيل: ووجدك مغموراً في أهل الشرك، فميزك عنهم، يقال: ضل الماءُ في اللبن، ومنه ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض﴾ [السجدة: 10] ، أي: لحقنا بالتراب عند الدَّفن، حتى كأنا لا نتميز من جملته وقيل: ضالاًّ عن معرفة الله حين كنت طفلاً صغيراً، كقوله تعالى: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾
[النحل: 78] فخلق فيك العقل والهداية والمعرفة، فالمراد من الضال الخالي من العلم لا الموصوف بالاعتقاد، قيل: قد يخاطب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، والمراد قومه فقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى﴾ أي وجد قومك ضلالاً فهداهم بك.
وقيل: إنه كان على ما كان القوم عليه لا يظهر لهم في الظاهر الحال، وأما الشرك فلا يظن به على مواسم القوم في الظاهر أربعين سنة.
وقال الكلبي والسدي أي وجدك كافراً والقوم كفاراً فهداك، وقد مضى الرد على هذا القول في سورة الشورى.
قوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فأغنى﴾ ، العائل: الفقير، وهذه قراءة العامة يقال: عال زيد، أي: افتقر.
قال الشاعر: [الوافر]
5243 - ومَا يَدْري الفَقِيرُ متَى غِنَاهُ ... ومَا يَدْرِي الغَنِيُّ متَى يَعِيلُ
وقال جرير: [الكامل]
5244 - اللهُ أنْزَلَ في الكِتَابِ فَريضَةً ... لابْنِ السَّبِيلِ وللفَقِيرِ العَائِلِ
وقرأ اليماني: «عيِّلاً» بكسر الياء المشددة ك «سيد» .
وقال ابن الخطيب: العائل ذو العيلة، ثم أطلق على الفقير لم يكن له عيال، والمشهور أن المراد به الفقير، ويؤيده ما روي في مصحف عبد الله: «وَوَجَدَكَ عديماً» .
وقوله تعالى: ﴿فأغنى﴾ ، أي: فأغناك خديجة وتربية أبي طالب، ولما اختل ذلك أغناك بمال أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -، ولما اختل ذلك أمره بالهجرة وأغناه بإعانة الأنصار - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -، ثم أمره بالجهاد، وأغناه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالغنائم.
[وقال مقاتل: أغناك بما أعطاك من الرزق.
وقال عطاء: وجدك فقير النفس، فأغنى قلبك، وقيل: فقيراً من الحجج والبراهين، فأغناك بها] .
قوله: ﴿فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ﴾ . اليتيم منصوب ب «تَقْهَرْ» ، وبه استدل ابن مالك على أنه لا يلزم من تقديم المعمول تقديم العامل؛ ألا ترى أنَّ اليتيم منصوب بالمجزوم، وقد تقدم الجازم، لو قدمت المجزوم على جازمه، لامتنع، لأن المجزوم لا يتقدم على جازمه، كالمجرور لا يقدم على جاره.
وتقدَّم ذلك في سورة هود عليه السلام عند قوله تعالى: ﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ [هود: 8] .
وقرأ العامة: «تَقْهَر» بالقاف من الغلبة، وابن مسعود، والشعبي، وإبراهيم النخعي والأشهب العقيلي، «تكهر» بالكاف. كهر في وجهه: أي عبس، وفلان ذو كهرة، أي: عابس الوجه.
ومنه الحديث: «فَبِأبِي هُوَ وأمِّي فوالله ما كهرني» .
قال أبو حيان: «وهي لغة بمعنى قراءة الجمهور» انتهى.
والكهر في الأصل: ارتفاع النهار مع شدة الحر.
وقيل: الكهر: الغلبة، والكهر: الزجر. والمعنى: لا تسلط عليه بالظلم، بل ادفع إليه حقه، واذكر يتمكَ. قاله الأخفش.
وقال مجاهدٌ: لا تحتقر. وخص اليتيم، لأنه لا ناصر له غير الله تعالى، فغلظ في تأثير العقوبة على ظالمه، والمعنى: عامله كما عاملناك به، ونظيره:
﴿وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ﴾ [القصص: 77] .
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الله الله فيمَنْ لَيْسَ له إلا الله» .
فصل
دلت الآية على اللطف باليتيم وبره والإحسان إليه، قال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أنا وكافل اليتيم كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى» .
وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ ضَمَّ يَتِيمَاً فَكَانَ فِي نَفَقَتِهِ وكفاهُ مؤنَتَهُ، كَانَ لَهُ حِجَابَاً مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ» .
وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ مَسَحَ برأسِ يَتِيمٍ كَانَ لَهُ بكُلِّ شَعْرةً حَسَنةٌ» .
فصل
الحكمة في أن الله تعالى اختار لنبيه اليتم، أنه عرف حرارة اليتم، فيرفق باليتيم، وأيضاً ليشاركه في الاسم، فيكرمه لأجل ذلك، لقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «إذَا سَمَّيْتُم الوَلَدَ مُحَمَّداً فأكْرِمُوهُ ووسِّعُوا لَهُ فِي المَجْلسِ» وأيضاً ليعتمد من أول عمره على الله تعالى، فيشبه إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - في قوله: «حَسْبي مِنْ سُؤالِي، علمهُ بِحَالِي» .
وأيضاً فالغالب أن اليتيم تظهر عيوبه فلما لم يجدوا فيه عيباً، لم يجدوا فيه مطعناً.
وأيضاً جعله يتيماً، ليعلم كل أحد فضيلته ابتداء من الله تعالى، لا من التعليم، لأن من له أب فإن أباه يعلمه، ويؤدبه.
وأيضاً فاليتم والفقر نقص في العادة، فكونه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مع هذين الوصفين من أكرم الخلق كان ذلك قلباً للعادة، فكان معجزة ظاهرة.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ﴾ ، أي: فلا تزجره، يقال: نهره، وانتهره إذا زجره، وأغلظ له في القول، ولكن يرده ردَّا جميلاً.
[قال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السؤال، يحملون زادنا إلى الآخرة. وقال إبراهيم النخعي: السائل يريد الآخرة يجيء إلى باب أحدكم فيقول: هل تبعثون إلى أهليكم بشيء.
وقيل: المراد بالسائل الذي يسأل عن الدين] .
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «سَألتُ ربِّي مَسْألةً ودِدْتُ أنِّي لَمْ أسْألْهَا، قُلْتُ: يَا ربِّ، اتَّخذتَ إبْراهِيمَ خَلِيلاً، وكلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيماً، وسخَّرتَ مَع دَاوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ، وأعطيتَ فُلاناً كَذَا فقال عَزَّ وَجَلَّ: ألَمْ أجِدْكَ يَتِيماً فَأويتك؟ أَلَمْ أَجِدْكَ ضالاً فَهَدَيْتُكَ؟ أَلَمْ أَجِدكَ عائِلاً فَأَغْنَيْتُكِ؟ أَلَمْ أَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ؟ أَلَمْ أُوتِكَ مَا لَمْ أُوتِ أَحَدَاً قبلَكَ خَوَاتِيِمَ سورةِ البقرة؟ أَلَمْ أَتَّخِذُكَ خَلِيْلاً كَمَا اتَّخَذْتُ إبراهيمَ خليلاً؟ قلت: بلى يا ربِّ» .
قوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ . الجار متعلق ب «حدِّثْ» والفاء غير مانعة من ذلك قال مجاهدٌ: تلك النعمة هي القرآن والحديث.
وعنه أيضاً: تلك النعمة هي النبوة، أي: بلغ ما أنزل إليك من ربك قيل: تلك النعمة هي أن وفقك الله تعالى، ورعيت حق اليتيم والسائل، فحدث بها؛ ليقتدي بك غيرك.
وعن الحسين علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: إذا عملت خيراً فحدث به الثقة من إخوانك ليقتدوا بك.
إلا أنَّ هذا لا يحسن إلا إذا لم يتضمن رياء، وظن أن غيره يقتدي به.
وروى مالك بن نضلة الجشمي، قال: «كنت جالساً عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فرآني رثَّ الثياب فقال:» أَلَكَ مَالٌ» ؟ .
قلت: نعم، يا رسول الله، من كل المال، قال: «إذَا آتَاكَ اللهُ مالاً فليُرَ أثرهُ عَلَيْكَ» .
وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ اللهَ تعالى جَميلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، ويُحِبُّ أنْ يَرَى أثَرَ نِعْمَتِهِ على عَبْدِهِ» .
فإن قيل: ما الحكمة في أن الله أخر نفسه على حق اليتيم والسائل؟ .
فالجواب: كأنه سبحانه وتعالى يقول: أنا غني، وهما محتاجان، وحق المحتاج أولى بالتقديم، واختار قوله: «فحدث» على قوله» فخبِّرْ «ليكون ذلك حديثاً عنه وينساه، ويعيده مرة أخرى.
فصل
يكبر القارىء في رواية البزي عن ابن كثير وقد رواه مجاهد عن ابن عباس وروي عن أبيّ بن كعب عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه كان إذا بلغ آخر» الضُّحَى «كبَّر بين كلِّ سورةٍ تكبيرة إلى أن يختم القرآن، ولا يصل آخر السورة بتكبيرة، بل يفصل بينهما بسكتة، وكأن المعنى في ذلك أن الوحي تأخّر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أياماً، فقال ناس من المشركين: قد ودعه صاحبه، فنزلت هذه السورة فقال: «اللهُ أكْبَرُ» .
قال مجاهد: قرأت على ابن عبّاس، فأمرني به، وأخبرني به عن أبيٍّ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
ولا يكبر في [رواية] الباقين، لأنها ذريعة إلى الزيادة في القرآن.
قال القرطبي: القرآن ثبت نقله بالتواتر سُوَره، وآياته، وحروفه بغير زيادةٍ، ولا نقصان، وعلى هذا فالتكبير ليس بقرآن.
روى الثعلبي عن أبيّ بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿والضحى﴾ كان فيمن يرضاه الله تعالى لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يشفع له، وكتب الله تعالى له من الحسنات بعدد كل يتيم وسائل» والله أعلم.
سورة " ألم نشرح "
الضحى 93:9
ثم أخبر الله تعالى عن حاله التي كان عليها قبل الوحي وذكره نعمه فقال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ ، العامة على: «فآوى» بألف بعد الهمزة رباعياً.
وأبو الأشهب: «فأوى» ثلاثياً.
قال الزمخشري: «وهو على معنيين: إما من» أواه «بمعنى» آواه «سمع بعض الرعاة يقول: أين آوي هذه الموقسة؟ وإما من أوى له، إذا رحمه» . انتهى.
وعلى الثاني قوله: [الطويل]
5240 - أرَانِي ولا كُفْرانَ للَّهِ أيَّةَ ... لنَفْسِي لقَدْ طَالبْتُ غَيْرَ مُنيلِ أي: رحمة لنفسي، ووجه الدلالة من قوله «أين آوي هذه» ، أنه لو كان من الرباعي [لقال: أُأْوي - بضم الهمزة الأولى وسكون الثانية - لأنه مضارع آوى مثل أكرم، وهذه الهمزة] المضمومة هي حرف المضارعة، والثانية هي فاء الكلمة، وأما همزة «أفْعَل» فمحذوفة على القاعدة، ولم تبدل هذه الهمزة كما أبدلت في «أومن» لئلا يستثقل بالإدغام، ولذلك نص الفراء على أن «تُؤويهِ» من قوله تعالى ﴿وَفَصِيلَتِهِ التي تُؤْوِيهِ﴾ [المعارج: 13] لا يجوز إبدالها للثقل.
فصل
قال ابن الخطيب: «يَجدْكَ» من الوجود الذي بمعنى العلم، والمفعولان منصوبان ب «وجد» ، والوجود من الله العلم، والمعنى: ألم يعلمك الله يتيماً فآوى.
قال القرطبي: «يَتِيْماً» لا أب لك، قد مات أبوك، «فآوى» ، أي: جعل لك مأوى تأوى إليه عند عمك أبي طالب، فكفلك.
وقيل لجعفر بن محمد الصادق: لم أوتم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من أبويه؟ .
فقال: لئلاَّ يكون لمخلوق عليه حق.
وعن مجاهدٍ: هو من قول العرب: درة يتيمة إذا لم يكن لها مثل، فمجاز الآية ألم يجدك واحداً في شرفك، لا نظير لك، فآواك الله بأصحاب يحفظونك، ويحوطونك.
فصل في جواب سؤال
أورد ابن الخطيب هنا سؤالاً: وهو أنه كيف يحسن من الجواد أن يمن بنعمة، فيقول: ﴿ألمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ ، ويؤكد هذا السؤال أن الله - تعالى - حكى عن فرعون قوله لموسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ [الشعراء: 18] في معرض الذَّم لفرعون فما كان مذموماً من فرعون، كيف يحسن من الله تعالى؟ قال: والجواب: أن ذلك يحسن إذا قصد بذلك تقوية قلبه، ووعده بدوام النعمة، ولهذا ظهر الفرق بين هذا الامتنان، وبين امتنان فرعون، لأن امتنان فرعون معناه: فما بالك لا تخدمني، وامتنان الله تعالى: زيادة نعمه، كأنه يقول: ما لك تقطع عني رجاءك، ألست شرعت في تربيتك أتظنني تاركاً لما صنعته، بل لا بد وأ أتمّ النعمة كما قال تعالى: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 150] .
فإن قيل: إن الله تعالى منَّ عليه بثلاثة أشياء، ثم أمره أن يذكر نعمة ربه، فما وجه المناسبة؟ .
فالجوابُ: وجه المناسبة أن تقول: قضاء الدين واجب، والدين نوعان: مالي وإنعامي، والإنعامي أقوى وجوباً لأن المال قد يسقط بالإبراء، والإنعامي يتأكد بالإبراء، والمالي يقضى مرة فينجو منه الإنسان، والإنعامي يجب عليه قضاؤه طول عمره، فإذا تعذر قضاء النعمة القليلة من منعم، هو مملوك، فكيف حال النعمة العظيمة من المنعم المالك، فكان العبد يقول: إلهي أخرجتني من العدم، إلى الوجود بشراً مستوياً، طاهر الظاهر نجس الباطن، بشارة منك، تستر عليَّ ذنوبي بستر عفوك، كما سترت نجاستي بالجلد الظاهر، فكيف يمكنني قضاء نعمتك التي لا حصر لها، فيقول تبارك وتعالى: الطريق إلى ذلك أن تفعل في حق [عبيدي ذلك، وكنت عائلاً فأغنيتك، فافعل في حق] الأيتام ذلك ثم إذا فعلت كل ذلك، فاعلم أنما فعلته بتوفيقي، ولطفي، وإرشادي، فكن أبداً ذاكراً لهذه النعم.
قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى﴾ ، أي: غافلاً عما يراد بك من أمر النبوة فهداك أي: أرشدك، والضلال هنا بمعنى الغفلة، لقوله تعالى: ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ [طه: 52] أي: لا يغفل، وقال في حق نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافلين﴾ [يوسف: 3] وقيل: معنى قوله: «ضالاًّ» لم تكن تدري القرآن، والشرائع، فهداك اللهُ إلى القرآن، وشرائع الإسلام، قاله الضحاك وشهر بن حوشب وغيرهما. قال تعالى: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان﴾ [الشورى: 52] على ما تقدم في سورة الشورى.
وقال السديُّ والكلبي والفراء: وجدك ضالاًّ، أي: في قوم ضلال، فهداهم الله بك، أو فهداك إلى إرشادهم.
وقيل: وجدك ضالاً عن الهجرة، فهداك وقيل: «ضالاً» ، أي: ناسياً شأن الاستثناء حين سئلت عن أصحاب الكهفِ، وذي القرنين، والروح، فأذكرك، لقوله تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: 282] .
وقيل: ووجدك طالباً للقبلة فهداك إليها، لقوله تعالى: ﴿قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء﴾ [البقرة: 144] ، ويكون الضلال بمعنى الطلب؛ لأن الضال طالب.
وقيل: وجدك ضائعاً في قومك، فهداك إليهم، ويكون الضلال بمعنى الضياع.
وقيل: ووجدك محباً للهداية، فهداك إليها؛ ويكون الضلال بمعنى المحبة ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُواْ تالله إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ القديم﴾ [يوسف: 95] ، أي: في محبتك.
قال الشاعر: [الكامل]
5241 - هَذا الضَّلالُ أشَابَ منِّي المفْرِقَا ... والعَارضَينِ ولَمْ أكُنْ مُتحقِّقَا عَجَباً لعزَّة في اخْتِيَارِ قَطيعَتِي ... بَعْدَ الضَّلالِ فحِبْلُهَا قَدْ أخْلقَا
وقيل: ضالاً في شعاب «مكة» ، فهداك وردك إلى جدك عبد المطلب.
وقال كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: إن حليمة لما قضت حق الرضاع، جاءت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لتردهُ على عبد المطلب، فسمعت عند باب «مكة» : هنيئاً لك يا بطحاء «مكة» ، اليوم يرد إليك الدين والبهاء والنور والجمالُ، قالت: فوضعته لأصلح ثيابي، فسمعت هدة شديدة فالتفت فلم أره، فقلت: معشر الناس، أين الصبي؟ فقالوا: لم نر شيئاً فصحتُ: وامحمداه، فإذا شيخ فإن يتوكأ على عصاه، فقال: اذهبي إلى الصنم الأعظم، فإن شاء أن يرده إليك فعل، ثم طاف الشيخ بالصَّنم، وقبل رأسه وقال: يا رب، لم تزل منتك على قريش، وهذه السعدية تزعم أن ابنها قد ضلّ، فرده إن شئت، فانكبّ هبل على وجهه، وتساقطت الأصنام؛ وقالت: إليك عنا أيها الشيخ فهلاكُنَا على يدي محمد فألقى الشيخ عصاه وارتعد وقال: إن لابنك رباً لا يضيعه فاطلبيه على مهل، فانحشرت قريش إلى عبد المطلب، وطلبوه في جميع «مكة» ، فلم يجدوه فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعاً، وتضرع إلى الله أن يرده؛ وقال: [الرجز]
5242 - يا ربِّ، رُدَّ ولَدِي مُحَمَّداً ... أرْدُدْهُ ربِّي واصْطَنِعْ عِنْدِي يَدَا
فسمعوا منادياً ينادي من السماء: معاشر الناس لا تضجوا، فإن لمحمد ربَّا لا يضيعه ولا يخذله، وإن محمداً بوادي «تهامة» ، عند شجرة السَّمُرِ، فسار عبد المطلب هو وورقة بن نوفل، فإذا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قائم تحت شجرة يلعب بالإغصان وبالورق.
وفي رواية: فما زال عبد المطلب يردد البيت حتى أتاه أبو جهل على ناقة، ومحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بين يديه، وهو يقول: ألا تدري ماذا جرى من ابنك؟ .
فقال عبد المطلب: ولم؟ قال: إني أنخت الناقة، وأركبته خلفي فأبت الناقة أن تقوم، فلما أركبته أمامي قامت النَّاقة.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: رده إلى جده وبيد عدوه، كما فعل بموسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - حين حفظه عند فرعون.
وقال سعيد بن جبيرٍ: خرج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مع عمه أبي طالب في سفر، فأخذ إبليس بزمام ناقته في ليلة ظلماء فعدل بها على الطريق، فجاء جبريل - عليه السلام - فنفخ لإبليس نفخة وقع منها إلى أرض «الهند» ، ورده إلى القافلة صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: ووجدك ضالاً ليلة المعراج حين انصرف عنك جبريل، وأنت لا تعرف الطريق، فهداك إلى ساق العرش.
وقال بعض المتكلمين: إذا وجدت العرب شجرة منفردة في فلاة من الأرض، لا شجر معها، سموها ضالة، فيهتدى بها إلى الطريق، فقال تعالى لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «ووجَدَكَ ضالاًّ» أي لا أحد على دينك، بل وأنت وحيد ليس معك أحد، فهديت بك الخلق إلي.
وقيل: ووجدك مغموراً في أهل الشرك، فميزك عنهم، يقال: ضل الماءُ في اللبن، ومنه ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض﴾ [السجدة: 10] ، أي: لحقنا بالتراب عند الدَّفن، حتى كأنا لا نتميز من جملته وقيل: ضالاًّ عن معرفة الله حين كنت طفلاً صغيراً، كقوله تعالى: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾
[النحل: 78] فخلق فيك العقل والهداية والمعرفة، فالمراد من الضال الخالي من العلم لا الموصوف بالاعتقاد، قيل: قد يخاطب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، والمراد قومه فقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى﴾ أي وجد قومك ضلالاً فهداهم بك.
وقيل: إنه كان على ما كان القوم عليه لا يظهر لهم في الظاهر الحال، وأما الشرك فلا يظن به على مواسم القوم في الظاهر أربعين سنة.
وقال الكلبي والسدي أي وجدك كافراً والقوم كفاراً فهداك، وقد مضى الرد على هذا القول في سورة الشورى.
قوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فأغنى﴾ ، العائل: الفقير، وهذه قراءة العامة يقال: عال زيد، أي: افتقر.
قال الشاعر: [الوافر]
5243 - ومَا يَدْري الفَقِيرُ متَى غِنَاهُ ... ومَا يَدْرِي الغَنِيُّ متَى يَعِيلُ
وقال جرير: [الكامل]
5244 - اللهُ أنْزَلَ في الكِتَابِ فَريضَةً ... لابْنِ السَّبِيلِ وللفَقِيرِ العَائِلِ
وقرأ اليماني: «عيِّلاً» بكسر الياء المشددة ك «سيد» .
وقال ابن الخطيب: العائل ذو العيلة، ثم أطلق على الفقير لم يكن له عيال، والمشهور أن المراد به الفقير، ويؤيده ما روي في مصحف عبد الله: «وَوَجَدَكَ عديماً» .
وقوله تعالى: ﴿فأغنى﴾ ، أي: فأغناك خديجة وتربية أبي طالب، ولما اختل ذلك أغناك بمال أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -، ولما اختل ذلك أمره بالهجرة وأغناه بإعانة الأنصار - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -، ثم أمره بالجهاد، وأغناه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالغنائم.
[وقال مقاتل: أغناك بما أعطاك من الرزق.
وقال عطاء: وجدك فقير النفس، فأغنى قلبك، وقيل: فقيراً من الحجج والبراهين، فأغناك بها] .
قوله: ﴿فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ﴾ . اليتيم منصوب ب «تَقْهَرْ» ، وبه استدل ابن مالك على أنه لا يلزم من تقديم المعمول تقديم العامل؛ ألا ترى أنَّ اليتيم منصوب بالمجزوم، وقد تقدم الجازم، لو قدمت المجزوم على جازمه، لامتنع، لأن المجزوم لا يتقدم على جازمه، كالمجرور لا يقدم على جاره.
وتقدَّم ذلك في سورة هود عليه السلام عند قوله تعالى: ﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ [هود: 8] .
وقرأ العامة: «تَقْهَر» بالقاف من الغلبة، وابن مسعود، والشعبي، وإبراهيم النخعي والأشهب العقيلي، «تكهر» بالكاف. كهر في وجهه: أي عبس، وفلان ذو كهرة، أي: عابس الوجه.
ومنه الحديث: «فَبِأبِي هُوَ وأمِّي فوالله ما كهرني» .
قال أبو حيان: «وهي لغة بمعنى قراءة الجمهور» انتهى.
والكهر في الأصل: ارتفاع النهار مع شدة الحر.
وقيل: الكهر: الغلبة، والكهر: الزجر. والمعنى: لا تسلط عليه بالظلم، بل ادفع إليه حقه، واذكر يتمكَ. قاله الأخفش.
وقال مجاهدٌ: لا تحتقر. وخص اليتيم، لأنه لا ناصر له غير الله تعالى، فغلظ في تأثير العقوبة على ظالمه، والمعنى: عامله كما عاملناك به، ونظيره:
﴿وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ﴾ [القصص: 77] .
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الله الله فيمَنْ لَيْسَ له إلا الله» .
فصل
دلت الآية على اللطف باليتيم وبره والإحسان إليه، قال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أنا وكافل اليتيم كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى» .
وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ ضَمَّ يَتِيمَاً فَكَانَ فِي نَفَقَتِهِ وكفاهُ مؤنَتَهُ، كَانَ لَهُ حِجَابَاً مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ» .
وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ مَسَحَ برأسِ يَتِيمٍ كَانَ لَهُ بكُلِّ شَعْرةً حَسَنةٌ» .
فصل
الحكمة في أن الله تعالى اختار لنبيه اليتم، أنه عرف حرارة اليتم، فيرفق باليتيم، وأيضاً ليشاركه في الاسم، فيكرمه لأجل ذلك، لقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «إذَا سَمَّيْتُم الوَلَدَ مُحَمَّداً فأكْرِمُوهُ ووسِّعُوا لَهُ فِي المَجْلسِ» وأيضاً ليعتمد من أول عمره على الله تعالى، فيشبه إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - في قوله: «حَسْبي مِنْ سُؤالِي، علمهُ بِحَالِي» .
وأيضاً فالغالب أن اليتيم تظهر عيوبه فلما لم يجدوا فيه عيباً، لم يجدوا فيه مطعناً.
وأيضاً جعله يتيماً، ليعلم كل أحد فضيلته ابتداء من الله تعالى، لا من التعليم، لأن من له أب فإن أباه يعلمه، ويؤدبه.
وأيضاً فاليتم والفقر نقص في العادة، فكونه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مع هذين الوصفين من أكرم الخلق كان ذلك قلباً للعادة، فكان معجزة ظاهرة.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ﴾ ، أي: فلا تزجره، يقال: نهره، وانتهره إذا زجره، وأغلظ له في القول، ولكن يرده ردَّا جميلاً.
[قال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السؤال، يحملون زادنا إلى الآخرة. وقال إبراهيم النخعي: السائل يريد الآخرة يجيء إلى باب أحدكم فيقول: هل تبعثون إلى أهليكم بشيء.
وقيل: المراد بالسائل الذي يسأل عن الدين] .
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «سَألتُ ربِّي مَسْألةً ودِدْتُ أنِّي لَمْ أسْألْهَا، قُلْتُ: يَا ربِّ، اتَّخذتَ إبْراهِيمَ خَلِيلاً، وكلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيماً، وسخَّرتَ مَع دَاوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ، وأعطيتَ فُلاناً كَذَا فقال عَزَّ وَجَلَّ: ألَمْ أجِدْكَ يَتِيماً فَأويتك؟ أَلَمْ أَجِدْكَ ضالاً فَهَدَيْتُكَ؟ أَلَمْ أَجِدكَ عائِلاً فَأَغْنَيْتُكِ؟ أَلَمْ أَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ؟ أَلَمْ أُوتِكَ مَا لَمْ أُوتِ أَحَدَاً قبلَكَ خَوَاتِيِمَ سورةِ البقرة؟ أَلَمْ أَتَّخِذُكَ خَلِيْلاً كَمَا اتَّخَذْتُ إبراهيمَ خليلاً؟ قلت: بلى يا ربِّ» .
قوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ . الجار متعلق ب «حدِّثْ» والفاء غير مانعة من ذلك قال مجاهدٌ: تلك النعمة هي القرآن والحديث.
وعنه أيضاً: تلك النعمة هي النبوة، أي: بلغ ما أنزل إليك من ربك قيل: تلك النعمة هي أن وفقك الله تعالى، ورعيت حق اليتيم والسائل، فحدث بها؛ ليقتدي بك غيرك.
وعن الحسين علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: إذا عملت خيراً فحدث به الثقة من إخوانك ليقتدوا بك.
إلا أنَّ هذا لا يحسن إلا إذا لم يتضمن رياء، وظن أن غيره يقتدي به.
وروى مالك بن نضلة الجشمي، قال: «كنت جالساً عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فرآني رثَّ الثياب فقال:» أَلَكَ مَالٌ» ؟ .
قلت: نعم، يا رسول الله، من كل المال، قال: «إذَا آتَاكَ اللهُ مالاً فليُرَ أثرهُ عَلَيْكَ» .
وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ اللهَ تعالى جَميلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، ويُحِبُّ أنْ يَرَى أثَرَ نِعْمَتِهِ على عَبْدِهِ» .
فإن قيل: ما الحكمة في أن الله أخر نفسه على حق اليتيم والسائل؟ .
فالجواب: كأنه سبحانه وتعالى يقول: أنا غني، وهما محتاجان، وحق المحتاج أولى بالتقديم، واختار قوله: «فحدث» على قوله» فخبِّرْ «ليكون ذلك حديثاً عنه وينساه، ويعيده مرة أخرى.
فصل
يكبر القارىء في رواية البزي عن ابن كثير وقد رواه مجاهد عن ابن عباس وروي عن أبيّ بن كعب عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه كان إذا بلغ آخر» الضُّحَى «كبَّر بين كلِّ سورةٍ تكبيرة إلى أن يختم القرآن، ولا يصل آخر السورة بتكبيرة، بل يفصل بينهما بسكتة، وكأن المعنى في ذلك أن الوحي تأخّر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أياماً، فقال ناس من المشركين: قد ودعه صاحبه، فنزلت هذه السورة فقال: «اللهُ أكْبَرُ» .
قال مجاهد: قرأت على ابن عبّاس، فأمرني به، وأخبرني به عن أبيٍّ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
ولا يكبر في [رواية] الباقين، لأنها ذريعة إلى الزيادة في القرآن.
قال القرطبي: القرآن ثبت نقله بالتواتر سُوَره، وآياته، وحروفه بغير زيادةٍ، ولا نقصان، وعلى هذا فالتكبير ليس بقرآن.
روى الثعلبي عن أبيّ بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿والضحى﴾ كان فيمن يرضاه الله تعالى لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يشفع له، وكتب الله تعالى له من الحسنات بعدد كل يتيم وسائل» والله أعلم.
سورة " ألم نشرح "
الضحى 93:10
ثم أخبر الله تعالى عن حاله التي كان عليها قبل الوحي وذكره نعمه فقال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ ، العامة على: «فآوى» بألف بعد الهمزة رباعياً.
وأبو الأشهب: «فأوى» ثلاثياً.
قال الزمخشري: «وهو على معنيين: إما من» أواه «بمعنى» آواه «سمع بعض الرعاة يقول: أين آوي هذه الموقسة؟ وإما من أوى له، إذا رحمه» . انتهى.
وعلى الثاني قوله: [الطويل]
5240 - أرَانِي ولا كُفْرانَ للَّهِ أيَّةَ ... لنَفْسِي لقَدْ طَالبْتُ غَيْرَ مُنيلِ أي: رحمة لنفسي، ووجه الدلالة من قوله «أين آوي هذه» ، أنه لو كان من الرباعي [لقال: أُأْوي - بضم الهمزة الأولى وسكون الثانية - لأنه مضارع آوى مثل أكرم، وهذه الهمزة] المضمومة هي حرف المضارعة، والثانية هي فاء الكلمة، وأما همزة «أفْعَل» فمحذوفة على القاعدة، ولم تبدل هذه الهمزة كما أبدلت في «أومن» لئلا يستثقل بالإدغام، ولذلك نص الفراء على أن «تُؤويهِ» من قوله تعالى ﴿وَفَصِيلَتِهِ التي تُؤْوِيهِ﴾ [المعارج: 13] لا يجوز إبدالها للثقل.
فصل
قال ابن الخطيب: «يَجدْكَ» من الوجود الذي بمعنى العلم، والمفعولان منصوبان ب «وجد» ، والوجود من الله العلم، والمعنى: ألم يعلمك الله يتيماً فآوى.
قال القرطبي: «يَتِيْماً» لا أب لك، قد مات أبوك، «فآوى» ، أي: جعل لك مأوى تأوى إليه عند عمك أبي طالب، فكفلك.
وقيل لجعفر بن محمد الصادق: لم أوتم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من أبويه؟ .
فقال: لئلاَّ يكون لمخلوق عليه حق.
وعن مجاهدٍ: هو من قول العرب: درة يتيمة إذا لم يكن لها مثل، فمجاز الآية ألم يجدك واحداً في شرفك، لا نظير لك، فآواك الله بأصحاب يحفظونك، ويحوطونك.
فصل في جواب سؤال
أورد ابن الخطيب هنا سؤالاً: وهو أنه كيف يحسن من الجواد أن يمن بنعمة، فيقول: ﴿ألمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ ، ويؤكد هذا السؤال أن الله - تعالى - حكى عن فرعون قوله لموسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ [الشعراء: 18] في معرض الذَّم لفرعون فما كان مذموماً من فرعون، كيف يحسن من الله تعالى؟ قال: والجواب: أن ذلك يحسن إذا قصد بذلك تقوية قلبه، ووعده بدوام النعمة، ولهذا ظهر الفرق بين هذا الامتنان، وبين امتنان فرعون، لأن امتنان فرعون معناه: فما بالك لا تخدمني، وامتنان الله تعالى: زيادة نعمه، كأنه يقول: ما لك تقطع عني رجاءك، ألست شرعت في تربيتك أتظنني تاركاً لما صنعته، بل لا بد وأ أتمّ النعمة كما قال تعالى: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 150] .
فإن قيل: إن الله تعالى منَّ عليه بثلاثة أشياء، ثم أمره أن يذكر نعمة ربه، فما وجه المناسبة؟ .
فالجوابُ: وجه المناسبة أن تقول: قضاء الدين واجب، والدين نوعان: مالي وإنعامي، والإنعامي أقوى وجوباً لأن المال قد يسقط بالإبراء، والإنعامي يتأكد بالإبراء، والمالي يقضى مرة فينجو منه الإنسان، والإنعامي يجب عليه قضاؤه طول عمره، فإذا تعذر قضاء النعمة القليلة من منعم، هو مملوك، فكيف حال النعمة العظيمة من المنعم المالك، فكان العبد يقول: إلهي أخرجتني من العدم، إلى الوجود بشراً مستوياً، طاهر الظاهر نجس الباطن، بشارة منك، تستر عليَّ ذنوبي بستر عفوك، كما سترت نجاستي بالجلد الظاهر، فكيف يمكنني قضاء نعمتك التي لا حصر لها، فيقول تبارك وتعالى: الطريق إلى ذلك أن تفعل في حق [عبيدي ذلك، وكنت عائلاً فأغنيتك، فافعل في حق] الأيتام ذلك ثم إذا فعلت كل ذلك، فاعلم أنما فعلته بتوفيقي، ولطفي، وإرشادي، فكن أبداً ذاكراً لهذه النعم.
قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى﴾ ، أي: غافلاً عما يراد بك من أمر النبوة فهداك أي: أرشدك، والضلال هنا بمعنى الغفلة، لقوله تعالى: ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ [طه: 52] أي: لا يغفل، وقال في حق نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافلين﴾ [يوسف: 3] وقيل: معنى قوله: «ضالاًّ» لم تكن تدري القرآن، والشرائع، فهداك اللهُ إلى القرآن، وشرائع الإسلام، قاله الضحاك وشهر بن حوشب وغيرهما. قال تعالى: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان﴾ [الشورى: 52] على ما تقدم في سورة الشورى.
وقال السديُّ والكلبي والفراء: وجدك ضالاًّ، أي: في قوم ضلال، فهداهم الله بك، أو فهداك إلى إرشادهم.
وقيل: وجدك ضالاً عن الهجرة، فهداك وقيل: «ضالاً» ، أي: ناسياً شأن الاستثناء حين سئلت عن أصحاب الكهفِ، وذي القرنين، والروح، فأذكرك، لقوله تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: 282] .
وقيل: ووجدك طالباً للقبلة فهداك إليها، لقوله تعالى: ﴿قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء﴾ [البقرة: 144] ، ويكون الضلال بمعنى الطلب؛ لأن الضال طالب.
وقيل: وجدك ضائعاً في قومك، فهداك إليهم، ويكون الضلال بمعنى الضياع.
وقيل: ووجدك محباً للهداية، فهداك إليها؛ ويكون الضلال بمعنى المحبة ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُواْ تالله إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ القديم﴾ [يوسف: 95] ، أي: في محبتك.
قال الشاعر: [الكامل]
5241 - هَذا الضَّلالُ أشَابَ منِّي المفْرِقَا ... والعَارضَينِ ولَمْ أكُنْ مُتحقِّقَا عَجَباً لعزَّة في اخْتِيَارِ قَطيعَتِي ... بَعْدَ الضَّلالِ فحِبْلُهَا قَدْ أخْلقَا
وقيل: ضالاً في شعاب «مكة» ، فهداك وردك إلى جدك عبد المطلب.
وقال كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: إن حليمة لما قضت حق الرضاع، جاءت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لتردهُ على عبد المطلب، فسمعت عند باب «مكة» : هنيئاً لك يا بطحاء «مكة» ، اليوم يرد إليك الدين والبهاء والنور والجمالُ، قالت: فوضعته لأصلح ثيابي، فسمعت هدة شديدة فالتفت فلم أره، فقلت: معشر الناس، أين الصبي؟ فقالوا: لم نر شيئاً فصحتُ: وامحمداه، فإذا شيخ فإن يتوكأ على عصاه، فقال: اذهبي إلى الصنم الأعظم، فإن شاء أن يرده إليك فعل، ثم طاف الشيخ بالصَّنم، وقبل رأسه وقال: يا رب، لم تزل منتك على قريش، وهذه السعدية تزعم أن ابنها قد ضلّ، فرده إن شئت، فانكبّ هبل على وجهه، وتساقطت الأصنام؛ وقالت: إليك عنا أيها الشيخ فهلاكُنَا على يدي محمد فألقى الشيخ عصاه وارتعد وقال: إن لابنك رباً لا يضيعه فاطلبيه على مهل، فانحشرت قريش إلى عبد المطلب، وطلبوه في جميع «مكة» ، فلم يجدوه فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعاً، وتضرع إلى الله أن يرده؛ وقال: [الرجز]
5242 - يا ربِّ، رُدَّ ولَدِي مُحَمَّداً ... أرْدُدْهُ ربِّي واصْطَنِعْ عِنْدِي يَدَا
فسمعوا منادياً ينادي من السماء: معاشر الناس لا تضجوا، فإن لمحمد ربَّا لا يضيعه ولا يخذله، وإن محمداً بوادي «تهامة» ، عند شجرة السَّمُرِ، فسار عبد المطلب هو وورقة بن نوفل، فإذا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قائم تحت شجرة يلعب بالإغصان وبالورق.
وفي رواية: فما زال عبد المطلب يردد البيت حتى أتاه أبو جهل على ناقة، ومحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بين يديه، وهو يقول: ألا تدري ماذا جرى من ابنك؟ .
فقال عبد المطلب: ولم؟ قال: إني أنخت الناقة، وأركبته خلفي فأبت الناقة أن تقوم، فلما أركبته أمامي قامت النَّاقة.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: رده إلى جده وبيد عدوه، كما فعل بموسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - حين حفظه عند فرعون.
وقال سعيد بن جبيرٍ: خرج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مع عمه أبي طالب في سفر، فأخذ إبليس بزمام ناقته في ليلة ظلماء فعدل بها على الطريق، فجاء جبريل - عليه السلام - فنفخ لإبليس نفخة وقع منها إلى أرض «الهند» ، ورده إلى القافلة صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: ووجدك ضالاً ليلة المعراج حين انصرف عنك جبريل، وأنت لا تعرف الطريق، فهداك إلى ساق العرش.
وقال بعض المتكلمين: إذا وجدت العرب شجرة منفردة في فلاة من الأرض، لا شجر معها، سموها ضالة، فيهتدى بها إلى الطريق، فقال تعالى لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «ووجَدَكَ ضالاًّ» أي لا أحد على دينك، بل وأنت وحيد ليس معك أحد، فهديت بك الخلق إلي.
وقيل: ووجدك مغموراً في أهل الشرك، فميزك عنهم، يقال: ضل الماءُ في اللبن، ومنه ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض﴾ [السجدة: 10] ، أي: لحقنا بالتراب عند الدَّفن، حتى كأنا لا نتميز من جملته وقيل: ضالاًّ عن معرفة الله حين كنت طفلاً صغيراً، كقوله تعالى: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾
[النحل: 78] فخلق فيك العقل والهداية والمعرفة، فالمراد من الضال الخالي من العلم لا الموصوف بالاعتقاد، قيل: قد يخاطب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، والمراد قومه فقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى﴾ أي وجد قومك ضلالاً فهداهم بك.
وقيل: إنه كان على ما كان القوم عليه لا يظهر لهم في الظاهر الحال، وأما الشرك فلا يظن به على مواسم القوم في الظاهر أربعين سنة.
وقال الكلبي والسدي أي وجدك كافراً والقوم كفاراً فهداك، وقد مضى الرد على هذا القول في سورة الشورى.
قوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فأغنى﴾ ، العائل: الفقير، وهذه قراءة العامة يقال: عال زيد، أي: افتقر.
قال الشاعر: [الوافر]
5243 - ومَا يَدْري الفَقِيرُ متَى غِنَاهُ ... ومَا يَدْرِي الغَنِيُّ متَى يَعِيلُ
وقال جرير: [الكامل]
5244 - اللهُ أنْزَلَ في الكِتَابِ فَريضَةً ... لابْنِ السَّبِيلِ وللفَقِيرِ العَائِلِ
وقرأ اليماني: «عيِّلاً» بكسر الياء المشددة ك «سيد» .
وقال ابن الخطيب: العائل ذو العيلة، ثم أطلق على الفقير لم يكن له عيال، والمشهور أن المراد به الفقير، ويؤيده ما روي في مصحف عبد الله: «وَوَجَدَكَ عديماً» .
وقوله تعالى: ﴿فأغنى﴾ ، أي: فأغناك خديجة وتربية أبي طالب، ولما اختل ذلك أغناك بمال أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -، ولما اختل ذلك أمره بالهجرة وأغناه بإعانة الأنصار - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -، ثم أمره بالجهاد، وأغناه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالغنائم.
[وقال مقاتل: أغناك بما أعطاك من الرزق.
وقال عطاء: وجدك فقير النفس، فأغنى قلبك، وقيل: فقيراً من الحجج والبراهين، فأغناك بها] .
قوله: ﴿فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ﴾ . اليتيم منصوب ب «تَقْهَرْ» ، وبه استدل ابن مالك على أنه لا يلزم من تقديم المعمول تقديم العامل؛ ألا ترى أنَّ اليتيم منصوب بالمجزوم، وقد تقدم الجازم، لو قدمت المجزوم على جازمه، لامتنع، لأن المجزوم لا يتقدم على جازمه، كالمجرور لا يقدم على جاره.
وتقدَّم ذلك في سورة هود عليه السلام عند قوله تعالى: ﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ [هود: 8] .
وقرأ العامة: «تَقْهَر» بالقاف من الغلبة، وابن مسعود، والشعبي، وإبراهيم النخعي والأشهب العقيلي، «تكهر» بالكاف. كهر في وجهه: أي عبس، وفلان ذو كهرة، أي: عابس الوجه.
ومنه الحديث: «فَبِأبِي هُوَ وأمِّي فوالله ما كهرني» .
قال أبو حيان: «وهي لغة بمعنى قراءة الجمهور» انتهى.
والكهر في الأصل: ارتفاع النهار مع شدة الحر.
وقيل: الكهر: الغلبة، والكهر: الزجر. والمعنى: لا تسلط عليه بالظلم، بل ادفع إليه حقه، واذكر يتمكَ. قاله الأخفش.
وقال مجاهدٌ: لا تحتقر. وخص اليتيم، لأنه لا ناصر له غير الله تعالى، فغلظ في تأثير العقوبة على ظالمه، والمعنى: عامله كما عاملناك به، ونظيره:
﴿وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ﴾ [القصص: 77] .
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الله الله فيمَنْ لَيْسَ له إلا الله» .
فصل
دلت الآية على اللطف باليتيم وبره والإحسان إليه، قال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أنا وكافل اليتيم كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى» .
وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ ضَمَّ يَتِيمَاً فَكَانَ فِي نَفَقَتِهِ وكفاهُ مؤنَتَهُ، كَانَ لَهُ حِجَابَاً مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ» .
وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ مَسَحَ برأسِ يَتِيمٍ كَانَ لَهُ بكُلِّ شَعْرةً حَسَنةٌ» .
فصل
الحكمة في أن الله تعالى اختار لنبيه اليتم، أنه عرف حرارة اليتم، فيرفق باليتيم، وأيضاً ليشاركه في الاسم، فيكرمه لأجل ذلك، لقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «إذَا سَمَّيْتُم الوَلَدَ مُحَمَّداً فأكْرِمُوهُ ووسِّعُوا لَهُ فِي المَجْلسِ» وأيضاً ليعتمد من أول عمره على الله تعالى، فيشبه إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - في قوله: «حَسْبي مِنْ سُؤالِي، علمهُ بِحَالِي» .
وأيضاً فالغالب أن اليتيم تظهر عيوبه فلما لم يجدوا فيه عيباً، لم يجدوا فيه مطعناً.
وأيضاً جعله يتيماً، ليعلم كل أحد فضيلته ابتداء من الله تعالى، لا من التعليم، لأن من له أب فإن أباه يعلمه، ويؤدبه.
وأيضاً فاليتم والفقر نقص في العادة، فكونه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مع هذين الوصفين من أكرم الخلق كان ذلك قلباً للعادة، فكان معجزة ظاهرة.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ﴾ ، أي: فلا تزجره، يقال: نهره، وانتهره إذا زجره، وأغلظ له في القول، ولكن يرده ردَّا جميلاً.
[قال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السؤال، يحملون زادنا إلى الآخرة. وقال إبراهيم النخعي: السائل يريد الآخرة يجيء إلى باب أحدكم فيقول: هل تبعثون إلى أهليكم بشيء.
وقيل: المراد بالسائل الذي يسأل عن الدين] .
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «سَألتُ ربِّي مَسْألةً ودِدْتُ أنِّي لَمْ أسْألْهَا، قُلْتُ: يَا ربِّ، اتَّخذتَ إبْراهِيمَ خَلِيلاً، وكلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيماً، وسخَّرتَ مَع دَاوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ، وأعطيتَ فُلاناً كَذَا فقال عَزَّ وَجَلَّ: ألَمْ أجِدْكَ يَتِيماً فَأويتك؟ أَلَمْ أَجِدْكَ ضالاً فَهَدَيْتُكَ؟ أَلَمْ أَجِدكَ عائِلاً فَأَغْنَيْتُكِ؟ أَلَمْ أَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ؟ أَلَمْ أُوتِكَ مَا لَمْ أُوتِ أَحَدَاً قبلَكَ خَوَاتِيِمَ سورةِ البقرة؟ أَلَمْ أَتَّخِذُكَ خَلِيْلاً كَمَا اتَّخَذْتُ إبراهيمَ خليلاً؟ قلت: بلى يا ربِّ» .
قوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ . الجار متعلق ب «حدِّثْ» والفاء غير مانعة من ذلك قال مجاهدٌ: تلك النعمة هي القرآن والحديث.
وعنه أيضاً: تلك النعمة هي النبوة، أي: بلغ ما أنزل إليك من ربك قيل: تلك النعمة هي أن وفقك الله تعالى، ورعيت حق اليتيم والسائل، فحدث بها؛ ليقتدي بك غيرك.
وعن الحسين علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: إذا عملت خيراً فحدث به الثقة من إخوانك ليقتدوا بك.
إلا أنَّ هذا لا يحسن إلا إذا لم يتضمن رياء، وظن أن غيره يقتدي به.
وروى مالك بن نضلة الجشمي، قال: «كنت جالساً عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فرآني رثَّ الثياب فقال:» أَلَكَ مَالٌ» ؟ .
قلت: نعم، يا رسول الله، من كل المال، قال: «إذَا آتَاكَ اللهُ مالاً فليُرَ أثرهُ عَلَيْكَ» .
وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ اللهَ تعالى جَميلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، ويُحِبُّ أنْ يَرَى أثَرَ نِعْمَتِهِ على عَبْدِهِ» .
فإن قيل: ما الحكمة في أن الله أخر نفسه على حق اليتيم والسائل؟ .
فالجواب: كأنه سبحانه وتعالى يقول: أنا غني، وهما محتاجان، وحق المحتاج أولى بالتقديم، واختار قوله: «فحدث» على قوله» فخبِّرْ «ليكون ذلك حديثاً عنه وينساه، ويعيده مرة أخرى.
فصل
يكبر القارىء في رواية البزي عن ابن كثير وقد رواه مجاهد عن ابن عباس وروي عن أبيّ بن كعب عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه كان إذا بلغ آخر» الضُّحَى «كبَّر بين كلِّ سورةٍ تكبيرة إلى أن يختم القرآن، ولا يصل آخر السورة بتكبيرة، بل يفصل بينهما بسكتة، وكأن المعنى في ذلك أن الوحي تأخّر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أياماً، فقال ناس من المشركين: قد ودعه صاحبه، فنزلت هذه السورة فقال: «اللهُ أكْبَرُ» .
قال مجاهد: قرأت على ابن عبّاس، فأمرني به، وأخبرني به عن أبيٍّ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
ولا يكبر في [رواية] الباقين، لأنها ذريعة إلى الزيادة في القرآن.
قال القرطبي: القرآن ثبت نقله بالتواتر سُوَره، وآياته، وحروفه بغير زيادةٍ، ولا نقصان، وعلى هذا فالتكبير ليس بقرآن.
روى الثعلبي عن أبيّ بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿والضحى﴾ كان فيمن يرضاه الله تعالى لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يشفع له، وكتب الله تعالى له من الحسنات بعدد كل يتيم وسائل» والله أعلم.
سورة " ألم نشرح "
الضحى 93:11
ثم أخبر الله تعالى عن حاله التي كان عليها قبل الوحي وذكره نعمه فقال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ ، العامة على: «فآوى» بألف بعد الهمزة رباعياً.
وأبو الأشهب: «فأوى» ثلاثياً.
قال الزمخشري: «وهو على معنيين: إما من» أواه «بمعنى» آواه «سمع بعض الرعاة يقول: أين آوي هذه الموقسة؟ وإما من أوى له، إذا رحمه» . انتهى.
وعلى الثاني قوله: [الطويل]
5240 - أرَانِي ولا كُفْرانَ للَّهِ أيَّةَ ... لنَفْسِي لقَدْ طَالبْتُ غَيْرَ مُنيلِ أي: رحمة لنفسي، ووجه الدلالة من قوله «أين آوي هذه» ، أنه لو كان من الرباعي [لقال: أُأْوي - بضم الهمزة الأولى وسكون الثانية - لأنه مضارع آوى مثل أكرم، وهذه الهمزة] المضمومة هي حرف المضارعة، والثانية هي فاء الكلمة، وأما همزة «أفْعَل» فمحذوفة على القاعدة، ولم تبدل هذه الهمزة كما أبدلت في «أومن» لئلا يستثقل بالإدغام، ولذلك نص الفراء على أن «تُؤويهِ» من قوله تعالى ﴿وَفَصِيلَتِهِ التي تُؤْوِيهِ﴾ [المعارج: 13] لا يجوز إبدالها للثقل.
فصل
قال ابن الخطيب: «يَجدْكَ» من الوجود الذي بمعنى العلم، والمفعولان منصوبان ب «وجد» ، والوجود من الله العلم، والمعنى: ألم يعلمك الله يتيماً فآوى.
قال القرطبي: «يَتِيْماً» لا أب لك، قد مات أبوك، «فآوى» ، أي: جعل لك مأوى تأوى إليه عند عمك أبي طالب، فكفلك.
وقيل لجعفر بن محمد الصادق: لم أوتم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من أبويه؟ .
فقال: لئلاَّ يكون لمخلوق عليه حق.
وعن مجاهدٍ: هو من قول العرب: درة يتيمة إذا لم يكن لها مثل، فمجاز الآية ألم يجدك واحداً في شرفك، لا نظير لك، فآواك الله بأصحاب يحفظونك، ويحوطونك.
فصل في جواب سؤال
أورد ابن الخطيب هنا سؤالاً: وهو أنه كيف يحسن من الجواد أن يمن بنعمة، فيقول: ﴿ألمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ ، ويؤكد هذا السؤال أن الله - تعالى - حكى عن فرعون قوله لموسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ [الشعراء: 18] في معرض الذَّم لفرعون فما كان مذموماً من فرعون، كيف يحسن من الله تعالى؟ قال: والجواب: أن ذلك يحسن إذا قصد بذلك تقوية قلبه، ووعده بدوام النعمة، ولهذا ظهر الفرق بين هذا الامتنان، وبين امتنان فرعون، لأن امتنان فرعون معناه: فما بالك لا تخدمني، وامتنان الله تعالى: زيادة نعمه، كأنه يقول: ما لك تقطع عني رجاءك، ألست شرعت في تربيتك أتظنني تاركاً لما صنعته، بل لا بد وأ أتمّ النعمة كما قال تعالى: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 150] .
فإن قيل: إن الله تعالى منَّ عليه بثلاثة أشياء، ثم أمره أن يذكر نعمة ربه، فما وجه المناسبة؟ .
فالجوابُ: وجه المناسبة أن تقول: قضاء الدين واجب، والدين نوعان: مالي وإنعامي، والإنعامي أقوى وجوباً لأن المال قد يسقط بالإبراء، والإنعامي يتأكد بالإبراء، والمالي يقضى مرة فينجو منه الإنسان، والإنعامي يجب عليه قضاؤه طول عمره، فإذا تعذر قضاء النعمة القليلة من منعم، هو مملوك، فكيف حال النعمة العظيمة من المنعم المالك، فكان العبد يقول: إلهي أخرجتني من العدم، إلى الوجود بشراً مستوياً، طاهر الظاهر نجس الباطن، بشارة منك، تستر عليَّ ذنوبي بستر عفوك، كما سترت نجاستي بالجلد الظاهر، فكيف يمكنني قضاء نعمتك التي لا حصر لها، فيقول تبارك وتعالى: الطريق إلى ذلك أن تفعل في حق [عبيدي ذلك، وكنت عائلاً فأغنيتك، فافعل في حق] الأيتام ذلك ثم إذا فعلت كل ذلك، فاعلم أنما فعلته بتوفيقي، ولطفي، وإرشادي، فكن أبداً ذاكراً لهذه النعم.
قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى﴾ ، أي: غافلاً عما يراد بك من أمر النبوة فهداك أي: أرشدك، والضلال هنا بمعنى الغفلة، لقوله تعالى: ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ [طه: 52] أي: لا يغفل، وقال في حق نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافلين﴾ [يوسف: 3] وقيل: معنى قوله: «ضالاًّ» لم تكن تدري القرآن، والشرائع، فهداك اللهُ إلى القرآن، وشرائع الإسلام، قاله الضحاك وشهر بن حوشب وغيرهما. قال تعالى: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان﴾ [الشورى: 52] على ما تقدم في سورة الشورى.
وقال السديُّ والكلبي والفراء: وجدك ضالاًّ، أي: في قوم ضلال، فهداهم الله بك، أو فهداك إلى إرشادهم.
وقيل: وجدك ضالاً عن الهجرة، فهداك وقيل: «ضالاً» ، أي: ناسياً شأن الاستثناء حين سئلت عن أصحاب الكهفِ، وذي القرنين، والروح، فأذكرك، لقوله تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: 282] .
وقيل: ووجدك طالباً للقبلة فهداك إليها، لقوله تعالى: ﴿قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء﴾ [البقرة: 144] ، ويكون الضلال بمعنى الطلب؛ لأن الضال طالب.
وقيل: وجدك ضائعاً في قومك، فهداك إليهم، ويكون الضلال بمعنى الضياع.
وقيل: ووجدك محباً للهداية، فهداك إليها؛ ويكون الضلال بمعنى المحبة ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُواْ تالله إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ القديم﴾ [يوسف: 95] ، أي: في محبتك.
قال الشاعر: [الكامل]
5241 - هَذا الضَّلالُ أشَابَ منِّي المفْرِقَا ... والعَارضَينِ ولَمْ أكُنْ مُتحقِّقَا عَجَباً لعزَّة في اخْتِيَارِ قَطيعَتِي ... بَعْدَ الضَّلالِ فحِبْلُهَا قَدْ أخْلقَا
وقيل: ضالاً في شعاب «مكة» ، فهداك وردك إلى جدك عبد المطلب.
وقال كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: إن حليمة لما قضت حق الرضاع، جاءت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لتردهُ على عبد المطلب، فسمعت عند باب «مكة» : هنيئاً لك يا بطحاء «مكة» ، اليوم يرد إليك الدين والبهاء والنور والجمالُ، قالت: فوضعته لأصلح ثيابي، فسمعت هدة شديدة فالتفت فلم أره، فقلت: معشر الناس، أين الصبي؟ فقالوا: لم نر شيئاً فصحتُ: وامحمداه، فإذا شيخ فإن يتوكأ على عصاه، فقال: اذهبي إلى الصنم الأعظم، فإن شاء أن يرده إليك فعل، ثم طاف الشيخ بالصَّنم، وقبل رأسه وقال: يا رب، لم تزل منتك على قريش، وهذه السعدية تزعم أن ابنها قد ضلّ، فرده إن شئت، فانكبّ هبل على وجهه، وتساقطت الأصنام؛ وقالت: إليك عنا أيها الشيخ فهلاكُنَا على يدي محمد فألقى الشيخ عصاه وارتعد وقال: إن لابنك رباً لا يضيعه فاطلبيه على مهل، فانحشرت قريش إلى عبد المطلب، وطلبوه في جميع «مكة» ، فلم يجدوه فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعاً، وتضرع إلى الله أن يرده؛ وقال: [الرجز]
5242 - يا ربِّ، رُدَّ ولَدِي مُحَمَّداً ... أرْدُدْهُ ربِّي واصْطَنِعْ عِنْدِي يَدَا
فسمعوا منادياً ينادي من السماء: معاشر الناس لا تضجوا، فإن لمحمد ربَّا لا يضيعه ولا يخذله، وإن محمداً بوادي «تهامة» ، عند شجرة السَّمُرِ، فسار عبد المطلب هو وورقة بن نوفل، فإذا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قائم تحت شجرة يلعب بالإغصان وبالورق.
وفي رواية: فما زال عبد المطلب يردد البيت حتى أتاه أبو جهل على ناقة، ومحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بين يديه، وهو يقول: ألا تدري ماذا جرى من ابنك؟ .
فقال عبد المطلب: ولم؟ قال: إني أنخت الناقة، وأركبته خلفي فأبت الناقة أن تقوم، فلما أركبته أمامي قامت النَّاقة.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: رده إلى جده وبيد عدوه، كما فعل بموسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - حين حفظه عند فرعون.
وقال سعيد بن جبيرٍ: خرج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مع عمه أبي طالب في سفر، فأخذ إبليس بزمام ناقته في ليلة ظلماء فعدل بها على الطريق، فجاء جبريل - عليه السلام - فنفخ لإبليس نفخة وقع منها إلى أرض «الهند» ، ورده إلى القافلة صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: ووجدك ضالاً ليلة المعراج حين انصرف عنك جبريل، وأنت لا تعرف الطريق، فهداك إلى ساق العرش.
وقال بعض المتكلمين: إذا وجدت العرب شجرة منفردة في فلاة من الأرض، لا شجر معها، سموها ضالة، فيهتدى بها إلى الطريق، فقال تعالى لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «ووجَدَكَ ضالاًّ» أي لا أحد على دينك، بل وأنت وحيد ليس معك أحد، فهديت بك الخلق إلي.
وقيل: ووجدك مغموراً في أهل الشرك، فميزك عنهم، يقال: ضل الماءُ في اللبن، ومنه ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض﴾ [السجدة: 10] ، أي: لحقنا بالتراب عند الدَّفن، حتى كأنا لا نتميز من جملته وقيل: ضالاًّ عن معرفة الله حين كنت طفلاً صغيراً، كقوله تعالى: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾
[النحل: 78] فخلق فيك العقل والهداية والمعرفة، فالمراد من الضال الخالي من العلم لا الموصوف بالاعتقاد، قيل: قد يخاطب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، والمراد قومه فقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى﴾ أي وجد قومك ضلالاً فهداهم بك.
وقيل: إنه كان على ما كان القوم عليه لا يظهر لهم في الظاهر الحال، وأما الشرك فلا يظن به على مواسم القوم في الظاهر أربعين سنة.
وقال الكلبي والسدي أي وجدك كافراً والقوم كفاراً فهداك، وقد مضى الرد على هذا القول في سورة الشورى.
قوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فأغنى﴾ ، العائل: الفقير، وهذه قراءة العامة يقال: عال زيد، أي: افتقر.
قال الشاعر: [الوافر]
5243 - ومَا يَدْري الفَقِيرُ متَى غِنَاهُ ... ومَا يَدْرِي الغَنِيُّ متَى يَعِيلُ
وقال جرير: [الكامل]
5244 - اللهُ أنْزَلَ في الكِتَابِ فَريضَةً ... لابْنِ السَّبِيلِ وللفَقِيرِ العَائِلِ
وقرأ اليماني: «عيِّلاً» بكسر الياء المشددة ك «سيد» .
وقال ابن الخطيب: العائل ذو العيلة، ثم أطلق على الفقير لم يكن له عيال، والمشهور أن المراد به الفقير، ويؤيده ما روي في مصحف عبد الله: «وَوَجَدَكَ عديماً» .
وقوله تعالى: ﴿فأغنى﴾ ، أي: فأغناك خديجة وتربية أبي طالب، ولما اختل ذلك أغناك بمال أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -، ولما اختل ذلك أمره بالهجرة وأغناه بإعانة الأنصار - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -، ثم أمره بالجهاد، وأغناه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالغنائم.
[وقال مقاتل: أغناك بما أعطاك من الرزق.
وقال عطاء: وجدك فقير النفس، فأغنى قلبك، وقيل: فقيراً من الحجج والبراهين، فأغناك بها] .
قوله: ﴿فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ﴾ . اليتيم منصوب ب «تَقْهَرْ» ، وبه استدل ابن مالك على أنه لا يلزم من تقديم المعمول تقديم العامل؛ ألا ترى أنَّ اليتيم منصوب بالمجزوم، وقد تقدم الجازم، لو قدمت المجزوم على جازمه، لامتنع، لأن المجزوم لا يتقدم على جازمه، كالمجرور لا يقدم على جاره.
وتقدَّم ذلك في سورة هود عليه السلام عند قوله تعالى: ﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ [هود: 8] .
وقرأ العامة: «تَقْهَر» بالقاف من الغلبة، وابن مسعود، والشعبي، وإبراهيم النخعي والأشهب العقيلي، «تكهر» بالكاف. كهر في وجهه: أي عبس، وفلان ذو كهرة، أي: عابس الوجه.
ومنه الحديث: «فَبِأبِي هُوَ وأمِّي فوالله ما كهرني» .
قال أبو حيان: «وهي لغة بمعنى قراءة الجمهور» انتهى.
والكهر في الأصل: ارتفاع النهار مع شدة الحر.
وقيل: الكهر: الغلبة، والكهر: الزجر. والمعنى: لا تسلط عليه بالظلم، بل ادفع إليه حقه، واذكر يتمكَ. قاله الأخفش.
وقال مجاهدٌ: لا تحتقر. وخص اليتيم، لأنه لا ناصر له غير الله تعالى، فغلظ في تأثير العقوبة على ظالمه، والمعنى: عامله كما عاملناك به، ونظيره:
﴿وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ﴾ [القصص: 77] .
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الله الله فيمَنْ لَيْسَ له إلا الله» .
فصل
دلت الآية على اللطف باليتيم وبره والإحسان إليه، قال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أنا وكافل اليتيم كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى» .
وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ ضَمَّ يَتِيمَاً فَكَانَ فِي نَفَقَتِهِ وكفاهُ مؤنَتَهُ، كَانَ لَهُ حِجَابَاً مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ» .
وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ مَسَحَ برأسِ يَتِيمٍ كَانَ لَهُ بكُلِّ شَعْرةً حَسَنةٌ» .
فصل
الحكمة في أن الله تعالى اختار لنبيه اليتم، أنه عرف حرارة اليتم، فيرفق باليتيم، وأيضاً ليشاركه في الاسم، فيكرمه لأجل ذلك، لقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «إذَا سَمَّيْتُم الوَلَدَ مُحَمَّداً فأكْرِمُوهُ ووسِّعُوا لَهُ فِي المَجْلسِ» وأيضاً ليعتمد من أول عمره على الله تعالى، فيشبه إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - في قوله: «حَسْبي مِنْ سُؤالِي، علمهُ بِحَالِي» .
وأيضاً فالغالب أن اليتيم تظهر عيوبه فلما لم يجدوا فيه عيباً، لم يجدوا فيه مطعناً.
وأيضاً جعله يتيماً، ليعلم كل أحد فضيلته ابتداء من الله تعالى، لا من التعليم، لأن من له أب فإن أباه يعلمه، ويؤدبه.
وأيضاً فاليتم والفقر نقص في العادة، فكونه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مع هذين الوصفين من أكرم الخلق كان ذلك قلباً للعادة، فكان معجزة ظاهرة.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ﴾ ، أي: فلا تزجره، يقال: نهره، وانتهره إذا زجره، وأغلظ له في القول، ولكن يرده ردَّا جميلاً.
[قال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السؤال، يحملون زادنا إلى الآخرة. وقال إبراهيم النخعي: السائل يريد الآخرة يجيء إلى باب أحدكم فيقول: هل تبعثون إلى أهليكم بشيء.
وقيل: المراد بالسائل الذي يسأل عن الدين] .
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «سَألتُ ربِّي مَسْألةً ودِدْتُ أنِّي لَمْ أسْألْهَا، قُلْتُ: يَا ربِّ، اتَّخذتَ إبْراهِيمَ خَلِيلاً، وكلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيماً، وسخَّرتَ مَع دَاوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ، وأعطيتَ فُلاناً كَذَا فقال عَزَّ وَجَلَّ: ألَمْ أجِدْكَ يَتِيماً فَأويتك؟ أَلَمْ أَجِدْكَ ضالاً فَهَدَيْتُكَ؟ أَلَمْ أَجِدكَ عائِلاً فَأَغْنَيْتُكِ؟ أَلَمْ أَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ؟ أَلَمْ أُوتِكَ مَا لَمْ أُوتِ أَحَدَاً قبلَكَ خَوَاتِيِمَ سورةِ البقرة؟ أَلَمْ أَتَّخِذُكَ خَلِيْلاً كَمَا اتَّخَذْتُ إبراهيمَ خليلاً؟ قلت: بلى يا ربِّ» .
قوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ . الجار متعلق ب «حدِّثْ» والفاء غير مانعة من ذلك قال مجاهدٌ: تلك النعمة هي القرآن والحديث.
وعنه أيضاً: تلك النعمة هي النبوة، أي: بلغ ما أنزل إليك من ربك قيل: تلك النعمة هي أن وفقك الله تعالى، ورعيت حق اليتيم والسائل، فحدث بها؛ ليقتدي بك غيرك.
وعن الحسين علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: إذا عملت خيراً فحدث به الثقة من إخوانك ليقتدوا بك.
إلا أنَّ هذا لا يحسن إلا إذا لم يتضمن رياء، وظن أن غيره يقتدي به.
وروى مالك بن نضلة الجشمي، قال: «كنت جالساً عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فرآني رثَّ الثياب فقال:» أَلَكَ مَالٌ» ؟ .
قلت: نعم، يا رسول الله، من كل المال، قال: «إذَا آتَاكَ اللهُ مالاً فليُرَ أثرهُ عَلَيْكَ» .
وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ اللهَ تعالى جَميلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، ويُحِبُّ أنْ يَرَى أثَرَ نِعْمَتِهِ على عَبْدِهِ» .
فإن قيل: ما الحكمة في أن الله أخر نفسه على حق اليتيم والسائل؟ .
فالجواب: كأنه سبحانه وتعالى يقول: أنا غني، وهما محتاجان، وحق المحتاج أولى بالتقديم، واختار قوله: «فحدث» على قوله» فخبِّرْ «ليكون ذلك حديثاً عنه وينساه، ويعيده مرة أخرى.
فصل
يكبر القارىء في رواية البزي عن ابن كثير وقد رواه مجاهد عن ابن عباس وروي عن أبيّ بن كعب عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه كان إذا بلغ آخر» الضُّحَى «كبَّر بين كلِّ سورةٍ تكبيرة إلى أن يختم القرآن، ولا يصل آخر السورة بتكبيرة، بل يفصل بينهما بسكتة، وكأن المعنى في ذلك أن الوحي تأخّر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أياماً، فقال ناس من المشركين: قد ودعه صاحبه، فنزلت هذه السورة فقال: «اللهُ أكْبَرُ» .
قال مجاهد: قرأت على ابن عبّاس، فأمرني به، وأخبرني به عن أبيٍّ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
ولا يكبر في [رواية] الباقين، لأنها ذريعة إلى الزيادة في القرآن.
قال القرطبي: القرآن ثبت نقله بالتواتر سُوَره، وآياته، وحروفه بغير زيادةٍ، ولا نقصان، وعلى هذا فالتكبير ليس بقرآن.
روى الثعلبي عن أبيّ بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿والضحى﴾ كان فيمن يرضاه الله تعالى لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يشفع له، وكتب الله تعالى له من الحسنات بعدد كل يتيم وسائل» والله أعلم.
سورة " ألم نشرح "