Lafzullah

Al Lubab fi Ulum Al Kitab — القارعة 101:1 – قريش 106:4

المؤلف / المصدر: Al Lubab fi Ulum Al Kitab

المحتويات
  1. القارعة 101:1
  2. القارعة 101:2
  3. القارعة 101:3
  4. القارعة 101:4
  5. القارعة 101:5
  6. القارعة 101:6
  7. القارعة 101:7
  8. القارعة 101:8
  9. القارعة 101:9
  10. القارعة 101:10
  11. القارعة 101:11
  12. التكاثر 102:1
  13. التكاثر 102:2
  14. التكاثر 102:3
  15. التكاثر 102:4
  16. التكاثر 102:5
  17. التكاثر 102:6
  18. التكاثر 102:7
  19. التكاثر 102:8
  20. العصر 103:1
  21. العصر 103:2
  22. العصر 103:3
  23. الهمزة 104:1
  24. الهمزة 104:2
  25. الهمزة 104:3
  26. الهمزة 104:4
  27. الهمزة 104:5
  28. الهمزة 104:6
  29. الهمزة 104:7
  30. الهمزة 104:8
  31. الهمزة 104:9
  32. الفيل 105:1
  33. الفيل 105:2
  34. الفيل 105:3
  35. الفيل 105:4
  36. الفيل 105:5
  37. قريش 106:1
  38. قريش 106:2
  39. قريش 106:3
  40. قريش 106:4

القارعة 101:1

مكية، وهي إحدى عشرة آية، وست وثلاثون كلمة، ومائة واثنان وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿القارعة مَا القارعة﴾ كقوله تعالى: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: 1، 2] ، وكقوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ [الواقعة: 27] ، وقد تقدم ما نقله مكي من أنه يجوز رفع «القَارِعَةُ» بفعل مضمر ناصب ل «يوم» . وقيل: ستأتيكم القارعة. وقيل: القارعة: مبتدأ وما بعده الخبر. وقيل: معنى الكلام على التحذير. قال الزجاجُ: والعرب تحذر، وتغري بالرفع كالنصب، وأنشد: [الخفيف] 5287 - لجَدِيرُونَ بالوَفَاءِ إذَا قَا ... لَ أخُو النَّجدةِ: السِّلاحُ السِّلاحُ وقد تقدم ذلك في قوله تعالى: ﴿نَاقَةَ الله﴾ [الشمس: 13] ، فيمن رفعه، ويدل على ذلك قراءة عيسى: «القَارِعَة ما القارعة» بالنصب، بإضمار فعل، أي: احذروا القارعة و «مَا» زائدة، و «القَارِعَة» تأكيد للأولى تأكيداً لفظيًّا. والقرعُ: الضرب بشدةٍ واعتماد. والمراد بالقارعة: القيامة، لأنها تقرع الخلائق بأهوالها، وأفزاعها. وأهل اللغة يقولون: تقول العرب: قرعتهم القارعة، وفقرتهم الفاقرة , إذا وقع الخلائق بأهوالها , وأفزاعها. وأهل اللغة يقولون: تقول العرب: قرعتهم القارعة , وفقرتهم الفاقرة , إذا وقع بهم أمر فظيع، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ﴾ [الرعد: 31] ، وهي الشديدة من شدائد الدَّهرِ. قوله تعالى: ﴿مَا القارعة﴾ استفهام على جهة التعظيم والتفخيم لشأنها، كقوله تعالى: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: 1، 2] ، واختلفوا في سبب تسمية القيامة بالقارعة، فقيل: المراد بالقارعة: الصيحة التي يموت منها الخلائقُ؛ لأنها تقرع أسماعهم. وقيل: إنَّ الأجرام العلوية والسفلية يصطكّان، فيموت العالم بسبب تلك القرعة، فلذلك سميت بالقارعة، [وقيل: تقرع الناس بالأهوال كانشقاق السموات، وأقطارها وتكوير الشمس، وانتثار الكواكب، ودك الجبال ونسفها، وطي الأرض. وقيل: لأنها تقرع أعداء الله بالعذاب] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا القارعة﴾ ، أي: لا علم لك بكنهها؛ لأنها في الشدة بحيث لا يبلغها وهم أحد، وعلى هذا يكون آخر السورة مطابقاً لأولها. فإن قيل: هاهنا قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا القارعة﴾ ، ثم قال في آخر السورة: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ ، ولم يقل: وما أدراك ما هاوية؟ فالجواب: الفرق أن كونها قارعة أمر محسوس، وكونها هاوية ليس كذلك، فظهر الفرق. قوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ﴾ . في ناصب «يَوْمَ» أوجه: أحدها: مضمر يدلّ عليه القارعة، أي: تقرعهم يوم يكون وقيل: تقديره: تأتي القارعة يوم. الثاني: أنه اذكر مقدراً، فهو مفعول به لا ظرف. الثالث: أنه «القَارِعَةُ» قاله ابن عطية، وأبو البقاء، ومكيٌّ. قال أبو حيان: فإن كان عنى ابن عطيَّة اللفظ الأول، فلا يجوز، للفصل بين العاملين وهو في صلة «أل» والمعمول بأجنبي، وهو الخبر، وإن جعل القارعة علماً للقيامة، فلا يعمل أيضاً، وإن عنى الثاني والثالث، فلا يلتئم معنى الظرفية معه. الرابع: أنه فعل مقدر رافع للقارعة الأولى، كأنه قيل: تأتي القارعة يوم يكون. قاله مكي. وعلى هذا يكون ما بينهما اعتراضاً، وهو بعيد جداً منافر لنظم الكلامِ. وقرأ زيد بن علي: «يَوْمُ» بالرفع، خبراً لمبتدأ محذوف، أي: وقتها يوم. قوله: «كالفَراشِ» . يجوز أن يكون خبراً للناقصة، وأن يكون حالاً من فاعل التامة، أي: يؤخذون ويحشرون شبه الفراش، وهو طائر معروف. وقال قتادة: الفراش: الطَّير الذي يتساقط في النار والسراج، الواحدة: فراشة. وقال الفراءُ: هو الهمج من البعوض والجراد وغيرهما، وبه يضرب المثل في الطّيش والهوج، يقال: أطيش من فراشة؛ وأنشد: [البسيط] 5288 - فَراشَةُ الحِلْمِ فِرعَوْنُ العَذابُ وإنْ ... يَطلُبْ نَداهُ فَكَلْبٌ دُونَهُ كُلُبُ وقال آخر: [الطويل] 5289 - وقَدْ كَانَ أقْوَامٌ رَدَدْتَ قُلوبَهُمْ ... عَليْهِمْ وكَانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ وقال آخر: [الرجز] 5290 - طُويِّشٌ من نَفرٍ أطْيَاشِ ... أطْيَشُ من طَائرةِ الفَراشِ والفراشة: الماءُ القليلُ في الإناء وفراشة القُفل لشبهها بالفراشة، وروى «مسلم» عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَثلِي ومَثلكُمْ كَمَثلِ رجُلٍ أوْقدَ نَاراً فجعَلَ الجنَادِبُ والفراشُ يَقعْنَ فِيهَا وهو يذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وأنَا آخِذٌ بحُجَزِكُمْ عَن النَّارِ، وأنْتُمْ تَفْلتُونَ مِنْ يَدِي» . في تشبيه الناس بالفراش مبالغات شتَّى: منها الطيشُ الذي يلحقهم، وانتشارهم في الأرض، وركوب بعضهم بعضاً، والكثرة، والضعف، والذلة والمجيء من غير ذهاب، والقصد إلى الداعي من كل جهة، والتطاير إلى النار؛ قال جريرٌ: [الكامل] 5291 - إنَّ الفَرزْدَقَ ما عَلمْتَ وقوْمَهُ ... مِثْلُ الفَرَاشِ غشيْنَ نَارَ المُصْطَلِي والمبثوث: المتفرق، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: 7] . فأول حالهم كالفراش لا وجه له يتحير في كل وجه، ثم يكون كالجراد، لأن لها وجهاً تقصده والمبثوث: المتفرق المنتشر، وإنما ذكر على اللفظ كقوله تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: 7] . قال ابن عباس: «كالفَرَاشِ المبثُوثِ» كغوغاء الجراد، يركب بعضها بعضاً، كذلك الناس، يجول بعضهم في بعض إذا بعثوا. فإن قيل كيف يشبهُ الشيء الواحد بالصغير والكبير معاً، لأنه شبههم بالجراد المنتشر والفراش المبثوث؟ . فالجواب: أما التشبيه بالفرش، فبذهاب كل واحد إلى جهة الآخر، وأما التشبيه بالجراد، فبالكثرة والتتابع، ويكون كباراً، ثم يكون صغاراً. قوله: ﴿وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش﴾ . أي: الصوف الذي ينفش باليد، أي: تصير هباء وتزول، كقوله تعالى: ﴿هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: 6] . قال أهل اللغة: العهنُ: الصوف المصبوغ. وقد تقدم.

القارعة 101:2

مكية، وهي إحدى عشرة آية، وست وثلاثون كلمة، ومائة واثنان وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿القارعة مَا القارعة﴾ كقوله تعالى: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: 1، 2] ، وكقوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ [الواقعة: 27] ، وقد تقدم ما نقله مكي من أنه يجوز رفع «القَارِعَةُ» بفعل مضمر ناصب ل «يوم» . وقيل: ستأتيكم القارعة. وقيل: القارعة: مبتدأ وما بعده الخبر. وقيل: معنى الكلام على التحذير. قال الزجاجُ: والعرب تحذر، وتغري بالرفع كالنصب، وأنشد: [الخفيف] 5287 - لجَدِيرُونَ بالوَفَاءِ إذَا قَا ... لَ أخُو النَّجدةِ: السِّلاحُ السِّلاحُ وقد تقدم ذلك في قوله تعالى: ﴿نَاقَةَ الله﴾ [الشمس: 13] ، فيمن رفعه، ويدل على ذلك قراءة عيسى: «القَارِعَة ما القارعة» بالنصب، بإضمار فعل، أي: احذروا القارعة و «مَا» زائدة، و «القَارِعَة» تأكيد للأولى تأكيداً لفظيًّا. والقرعُ: الضرب بشدةٍ واعتماد. والمراد بالقارعة: القيامة، لأنها تقرع الخلائق بأهوالها، وأفزاعها. وأهل اللغة يقولون: تقول العرب: قرعتهم القارعة، وفقرتهم الفاقرة , إذا وقع الخلائق بأهوالها , وأفزاعها. وأهل اللغة يقولون: تقول العرب: قرعتهم القارعة , وفقرتهم الفاقرة , إذا وقع بهم أمر فظيع، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ﴾ [الرعد: 31] ، وهي الشديدة من شدائد الدَّهرِ. قوله تعالى: ﴿مَا القارعة﴾ استفهام على جهة التعظيم والتفخيم لشأنها، كقوله تعالى: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: 1، 2] ، واختلفوا في سبب تسمية القيامة بالقارعة، فقيل: المراد بالقارعة: الصيحة التي يموت منها الخلائقُ؛ لأنها تقرع أسماعهم. وقيل: إنَّ الأجرام العلوية والسفلية يصطكّان، فيموت العالم بسبب تلك القرعة، فلذلك سميت بالقارعة، [وقيل: تقرع الناس بالأهوال كانشقاق السموات، وأقطارها وتكوير الشمس، وانتثار الكواكب، ودك الجبال ونسفها، وطي الأرض. وقيل: لأنها تقرع أعداء الله بالعذاب] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا القارعة﴾ ، أي: لا علم لك بكنهها؛ لأنها في الشدة بحيث لا يبلغها وهم أحد، وعلى هذا يكون آخر السورة مطابقاً لأولها. فإن قيل: هاهنا قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا القارعة﴾ ، ثم قال في آخر السورة: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ ، ولم يقل: وما أدراك ما هاوية؟ فالجواب: الفرق أن كونها قارعة أمر محسوس، وكونها هاوية ليس كذلك، فظهر الفرق. قوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ﴾ . في ناصب «يَوْمَ» أوجه: أحدها: مضمر يدلّ عليه القارعة، أي: تقرعهم يوم يكون وقيل: تقديره: تأتي القارعة يوم. الثاني: أنه اذكر مقدراً، فهو مفعول به لا ظرف. الثالث: أنه «القَارِعَةُ» قاله ابن عطية، وأبو البقاء، ومكيٌّ. قال أبو حيان: فإن كان عنى ابن عطيَّة اللفظ الأول، فلا يجوز، للفصل بين العاملين وهو في صلة «أل» والمعمول بأجنبي، وهو الخبر، وإن جعل القارعة علماً للقيامة، فلا يعمل أيضاً، وإن عنى الثاني والثالث، فلا يلتئم معنى الظرفية معه. الرابع: أنه فعل مقدر رافع للقارعة الأولى، كأنه قيل: تأتي القارعة يوم يكون. قاله مكي. وعلى هذا يكون ما بينهما اعتراضاً، وهو بعيد جداً منافر لنظم الكلامِ. وقرأ زيد بن علي: «يَوْمُ» بالرفع، خبراً لمبتدأ محذوف، أي: وقتها يوم. قوله: «كالفَراشِ» . يجوز أن يكون خبراً للناقصة، وأن يكون حالاً من فاعل التامة، أي: يؤخذون ويحشرون شبه الفراش، وهو طائر معروف. وقال قتادة: الفراش: الطَّير الذي يتساقط في النار والسراج، الواحدة: فراشة. وقال الفراءُ: هو الهمج من البعوض والجراد وغيرهما، وبه يضرب المثل في الطّيش والهوج، يقال: أطيش من فراشة؛ وأنشد: [البسيط] 5288 - فَراشَةُ الحِلْمِ فِرعَوْنُ العَذابُ وإنْ ... يَطلُبْ نَداهُ فَكَلْبٌ دُونَهُ كُلُبُ وقال آخر: [الطويل] 5289 - وقَدْ كَانَ أقْوَامٌ رَدَدْتَ قُلوبَهُمْ ... عَليْهِمْ وكَانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ وقال آخر: [الرجز] 5290 - طُويِّشٌ من نَفرٍ أطْيَاشِ ... أطْيَشُ من طَائرةِ الفَراشِ والفراشة: الماءُ القليلُ في الإناء وفراشة القُفل لشبهها بالفراشة، وروى «مسلم» عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَثلِي ومَثلكُمْ كَمَثلِ رجُلٍ أوْقدَ نَاراً فجعَلَ الجنَادِبُ والفراشُ يَقعْنَ فِيهَا وهو يذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وأنَا آخِذٌ بحُجَزِكُمْ عَن النَّارِ، وأنْتُمْ تَفْلتُونَ مِنْ يَدِي» . في تشبيه الناس بالفراش مبالغات شتَّى: منها الطيشُ الذي يلحقهم، وانتشارهم في الأرض، وركوب بعضهم بعضاً، والكثرة، والضعف، والذلة والمجيء من غير ذهاب، والقصد إلى الداعي من كل جهة، والتطاير إلى النار؛ قال جريرٌ: [الكامل] 5291 - إنَّ الفَرزْدَقَ ما عَلمْتَ وقوْمَهُ ... مِثْلُ الفَرَاشِ غشيْنَ نَارَ المُصْطَلِي والمبثوث: المتفرق، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: 7] . فأول حالهم كالفراش لا وجه له يتحير في كل وجه، ثم يكون كالجراد، لأن لها وجهاً تقصده والمبثوث: المتفرق المنتشر، وإنما ذكر على اللفظ كقوله تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: 7] . قال ابن عباس: «كالفَرَاشِ المبثُوثِ» كغوغاء الجراد، يركب بعضها بعضاً، كذلك الناس، يجول بعضهم في بعض إذا بعثوا. فإن قيل كيف يشبهُ الشيء الواحد بالصغير والكبير معاً، لأنه شبههم بالجراد المنتشر والفراش المبثوث؟ . فالجواب: أما التشبيه بالفرش، فبذهاب كل واحد إلى جهة الآخر، وأما التشبيه بالجراد، فبالكثرة والتتابع، ويكون كباراً، ثم يكون صغاراً. قوله: ﴿وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش﴾ . أي: الصوف الذي ينفش باليد، أي: تصير هباء وتزول، كقوله تعالى: ﴿هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: 6] . قال أهل اللغة: العهنُ: الصوف المصبوغ. وقد تقدم.

القارعة 101:3

مكية، وهي إحدى عشرة آية، وست وثلاثون كلمة، ومائة واثنان وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿القارعة مَا القارعة﴾ كقوله تعالى: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: 1، 2] ، وكقوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ [الواقعة: 27] ، وقد تقدم ما نقله مكي من أنه يجوز رفع «القَارِعَةُ» بفعل مضمر ناصب ل «يوم» . وقيل: ستأتيكم القارعة. وقيل: القارعة: مبتدأ وما بعده الخبر. وقيل: معنى الكلام على التحذير. قال الزجاجُ: والعرب تحذر، وتغري بالرفع كالنصب، وأنشد: [الخفيف] 5287 - لجَدِيرُونَ بالوَفَاءِ إذَا قَا ... لَ أخُو النَّجدةِ: السِّلاحُ السِّلاحُ وقد تقدم ذلك في قوله تعالى: ﴿نَاقَةَ الله﴾ [الشمس: 13] ، فيمن رفعه، ويدل على ذلك قراءة عيسى: «القَارِعَة ما القارعة» بالنصب، بإضمار فعل، أي: احذروا القارعة و «مَا» زائدة، و «القَارِعَة» تأكيد للأولى تأكيداً لفظيًّا. والقرعُ: الضرب بشدةٍ واعتماد. والمراد بالقارعة: القيامة، لأنها تقرع الخلائق بأهوالها، وأفزاعها. وأهل اللغة يقولون: تقول العرب: قرعتهم القارعة، وفقرتهم الفاقرة , إذا وقع الخلائق بأهوالها , وأفزاعها. وأهل اللغة يقولون: تقول العرب: قرعتهم القارعة , وفقرتهم الفاقرة , إذا وقع بهم أمر فظيع، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ﴾ [الرعد: 31] ، وهي الشديدة من شدائد الدَّهرِ. قوله تعالى: ﴿مَا القارعة﴾ استفهام على جهة التعظيم والتفخيم لشأنها، كقوله تعالى: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: 1، 2] ، واختلفوا في سبب تسمية القيامة بالقارعة، فقيل: المراد بالقارعة: الصيحة التي يموت منها الخلائقُ؛ لأنها تقرع أسماعهم. وقيل: إنَّ الأجرام العلوية والسفلية يصطكّان، فيموت العالم بسبب تلك القرعة، فلذلك سميت بالقارعة، [وقيل: تقرع الناس بالأهوال كانشقاق السموات، وأقطارها وتكوير الشمس، وانتثار الكواكب، ودك الجبال ونسفها، وطي الأرض. وقيل: لأنها تقرع أعداء الله بالعذاب] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا القارعة﴾ ، أي: لا علم لك بكنهها؛ لأنها في الشدة بحيث لا يبلغها وهم أحد، وعلى هذا يكون آخر السورة مطابقاً لأولها. فإن قيل: هاهنا قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا القارعة﴾ ، ثم قال في آخر السورة: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ ، ولم يقل: وما أدراك ما هاوية؟ فالجواب: الفرق أن كونها قارعة أمر محسوس، وكونها هاوية ليس كذلك، فظهر الفرق. قوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ﴾ . في ناصب «يَوْمَ» أوجه: أحدها: مضمر يدلّ عليه القارعة، أي: تقرعهم يوم يكون وقيل: تقديره: تأتي القارعة يوم. الثاني: أنه اذكر مقدراً، فهو مفعول به لا ظرف. الثالث: أنه «القَارِعَةُ» قاله ابن عطية، وأبو البقاء، ومكيٌّ. قال أبو حيان: فإن كان عنى ابن عطيَّة اللفظ الأول، فلا يجوز، للفصل بين العاملين وهو في صلة «أل» والمعمول بأجنبي، وهو الخبر، وإن جعل القارعة علماً للقيامة، فلا يعمل أيضاً، وإن عنى الثاني والثالث، فلا يلتئم معنى الظرفية معه. الرابع: أنه فعل مقدر رافع للقارعة الأولى، كأنه قيل: تأتي القارعة يوم يكون. قاله مكي. وعلى هذا يكون ما بينهما اعتراضاً، وهو بعيد جداً منافر لنظم الكلامِ. وقرأ زيد بن علي: «يَوْمُ» بالرفع، خبراً لمبتدأ محذوف، أي: وقتها يوم. قوله: «كالفَراشِ» . يجوز أن يكون خبراً للناقصة، وأن يكون حالاً من فاعل التامة، أي: يؤخذون ويحشرون شبه الفراش، وهو طائر معروف. وقال قتادة: الفراش: الطَّير الذي يتساقط في النار والسراج، الواحدة: فراشة. وقال الفراءُ: هو الهمج من البعوض والجراد وغيرهما، وبه يضرب المثل في الطّيش والهوج، يقال: أطيش من فراشة؛ وأنشد: [البسيط] 5288 - فَراشَةُ الحِلْمِ فِرعَوْنُ العَذابُ وإنْ ... يَطلُبْ نَداهُ فَكَلْبٌ دُونَهُ كُلُبُ وقال آخر: [الطويل] 5289 - وقَدْ كَانَ أقْوَامٌ رَدَدْتَ قُلوبَهُمْ ... عَليْهِمْ وكَانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ وقال آخر: [الرجز] 5290 - طُويِّشٌ من نَفرٍ أطْيَاشِ ... أطْيَشُ من طَائرةِ الفَراشِ والفراشة: الماءُ القليلُ في الإناء وفراشة القُفل لشبهها بالفراشة، وروى «مسلم» عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَثلِي ومَثلكُمْ كَمَثلِ رجُلٍ أوْقدَ نَاراً فجعَلَ الجنَادِبُ والفراشُ يَقعْنَ فِيهَا وهو يذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وأنَا آخِذٌ بحُجَزِكُمْ عَن النَّارِ، وأنْتُمْ تَفْلتُونَ مِنْ يَدِي» . في تشبيه الناس بالفراش مبالغات شتَّى: منها الطيشُ الذي يلحقهم، وانتشارهم في الأرض، وركوب بعضهم بعضاً، والكثرة، والضعف، والذلة والمجيء من غير ذهاب، والقصد إلى الداعي من كل جهة، والتطاير إلى النار؛ قال جريرٌ: [الكامل] 5291 - إنَّ الفَرزْدَقَ ما عَلمْتَ وقوْمَهُ ... مِثْلُ الفَرَاشِ غشيْنَ نَارَ المُصْطَلِي والمبثوث: المتفرق، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: 7] . فأول حالهم كالفراش لا وجه له يتحير في كل وجه، ثم يكون كالجراد، لأن لها وجهاً تقصده والمبثوث: المتفرق المنتشر، وإنما ذكر على اللفظ كقوله تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: 7] . قال ابن عباس: «كالفَرَاشِ المبثُوثِ» كغوغاء الجراد، يركب بعضها بعضاً، كذلك الناس، يجول بعضهم في بعض إذا بعثوا. فإن قيل كيف يشبهُ الشيء الواحد بالصغير والكبير معاً، لأنه شبههم بالجراد المنتشر والفراش المبثوث؟ . فالجواب: أما التشبيه بالفرش، فبذهاب كل واحد إلى جهة الآخر، وأما التشبيه بالجراد، فبالكثرة والتتابع، ويكون كباراً، ثم يكون صغاراً. قوله: ﴿وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش﴾ . أي: الصوف الذي ينفش باليد، أي: تصير هباء وتزول، كقوله تعالى: ﴿هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: 6] . قال أهل اللغة: العهنُ: الصوف المصبوغ. وقد تقدم.

القارعة 101:4

مكية، وهي إحدى عشرة آية، وست وثلاثون كلمة، ومائة واثنان وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿القارعة مَا القارعة﴾ كقوله تعالى: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: 1، 2] ، وكقوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ [الواقعة: 27] ، وقد تقدم ما نقله مكي من أنه يجوز رفع «القَارِعَةُ» بفعل مضمر ناصب ل «يوم» . وقيل: ستأتيكم القارعة. وقيل: القارعة: مبتدأ وما بعده الخبر. وقيل: معنى الكلام على التحذير. قال الزجاجُ: والعرب تحذر، وتغري بالرفع كالنصب، وأنشد: [الخفيف] 5287 - لجَدِيرُونَ بالوَفَاءِ إذَا قَا ... لَ أخُو النَّجدةِ: السِّلاحُ السِّلاحُ وقد تقدم ذلك في قوله تعالى: ﴿نَاقَةَ الله﴾ [الشمس: 13] ، فيمن رفعه، ويدل على ذلك قراءة عيسى: «القَارِعَة ما القارعة» بالنصب، بإضمار فعل، أي: احذروا القارعة و «مَا» زائدة، و «القَارِعَة» تأكيد للأولى تأكيداً لفظيًّا. والقرعُ: الضرب بشدةٍ واعتماد. والمراد بالقارعة: القيامة، لأنها تقرع الخلائق بأهوالها، وأفزاعها. وأهل اللغة يقولون: تقول العرب: قرعتهم القارعة، وفقرتهم الفاقرة , إذا وقع الخلائق بأهوالها , وأفزاعها. وأهل اللغة يقولون: تقول العرب: قرعتهم القارعة , وفقرتهم الفاقرة , إذا وقع بهم أمر فظيع، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ﴾ [الرعد: 31] ، وهي الشديدة من شدائد الدَّهرِ. قوله تعالى: ﴿مَا القارعة﴾ استفهام على جهة التعظيم والتفخيم لشأنها، كقوله تعالى: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: 1، 2] ، واختلفوا في سبب تسمية القيامة بالقارعة، فقيل: المراد بالقارعة: الصيحة التي يموت منها الخلائقُ؛ لأنها تقرع أسماعهم. وقيل: إنَّ الأجرام العلوية والسفلية يصطكّان، فيموت العالم بسبب تلك القرعة، فلذلك سميت بالقارعة، [وقيل: تقرع الناس بالأهوال كانشقاق السموات، وأقطارها وتكوير الشمس، وانتثار الكواكب، ودك الجبال ونسفها، وطي الأرض. وقيل: لأنها تقرع أعداء الله بالعذاب] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا القارعة﴾ ، أي: لا علم لك بكنهها؛ لأنها في الشدة بحيث لا يبلغها وهم أحد، وعلى هذا يكون آخر السورة مطابقاً لأولها. فإن قيل: هاهنا قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا القارعة﴾ ، ثم قال في آخر السورة: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ ، ولم يقل: وما أدراك ما هاوية؟ فالجواب: الفرق أن كونها قارعة أمر محسوس، وكونها هاوية ليس كذلك، فظهر الفرق. قوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ﴾ . في ناصب «يَوْمَ» أوجه: أحدها: مضمر يدلّ عليه القارعة، أي: تقرعهم يوم يكون وقيل: تقديره: تأتي القارعة يوم. الثاني: أنه اذكر مقدراً، فهو مفعول به لا ظرف. الثالث: أنه «القَارِعَةُ» قاله ابن عطية، وأبو البقاء، ومكيٌّ. قال أبو حيان: فإن كان عنى ابن عطيَّة اللفظ الأول، فلا يجوز، للفصل بين العاملين وهو في صلة «أل» والمعمول بأجنبي، وهو الخبر، وإن جعل القارعة علماً للقيامة، فلا يعمل أيضاً، وإن عنى الثاني والثالث، فلا يلتئم معنى الظرفية معه. الرابع: أنه فعل مقدر رافع للقارعة الأولى، كأنه قيل: تأتي القارعة يوم يكون. قاله مكي. وعلى هذا يكون ما بينهما اعتراضاً، وهو بعيد جداً منافر لنظم الكلامِ. وقرأ زيد بن علي: «يَوْمُ» بالرفع، خبراً لمبتدأ محذوف، أي: وقتها يوم. قوله: «كالفَراشِ» . يجوز أن يكون خبراً للناقصة، وأن يكون حالاً من فاعل التامة، أي: يؤخذون ويحشرون شبه الفراش، وهو طائر معروف. وقال قتادة: الفراش: الطَّير الذي يتساقط في النار والسراج، الواحدة: فراشة. وقال الفراءُ: هو الهمج من البعوض والجراد وغيرهما، وبه يضرب المثل في الطّيش والهوج، يقال: أطيش من فراشة؛ وأنشد: [البسيط] 5288 - فَراشَةُ الحِلْمِ فِرعَوْنُ العَذابُ وإنْ ... يَطلُبْ نَداهُ فَكَلْبٌ دُونَهُ كُلُبُ وقال آخر: [الطويل] 5289 - وقَدْ كَانَ أقْوَامٌ رَدَدْتَ قُلوبَهُمْ ... عَليْهِمْ وكَانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ وقال آخر: [الرجز] 5290 - طُويِّشٌ من نَفرٍ أطْيَاشِ ... أطْيَشُ من طَائرةِ الفَراشِ والفراشة: الماءُ القليلُ في الإناء وفراشة القُفل لشبهها بالفراشة، وروى «مسلم» عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَثلِي ومَثلكُمْ كَمَثلِ رجُلٍ أوْقدَ نَاراً فجعَلَ الجنَادِبُ والفراشُ يَقعْنَ فِيهَا وهو يذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وأنَا آخِذٌ بحُجَزِكُمْ عَن النَّارِ، وأنْتُمْ تَفْلتُونَ مِنْ يَدِي» . في تشبيه الناس بالفراش مبالغات شتَّى: منها الطيشُ الذي يلحقهم، وانتشارهم في الأرض، وركوب بعضهم بعضاً، والكثرة، والضعف، والذلة والمجيء من غير ذهاب، والقصد إلى الداعي من كل جهة، والتطاير إلى النار؛ قال جريرٌ: [الكامل] 5291 - إنَّ الفَرزْدَقَ ما عَلمْتَ وقوْمَهُ ... مِثْلُ الفَرَاشِ غشيْنَ نَارَ المُصْطَلِي والمبثوث: المتفرق، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: 7] . فأول حالهم كالفراش لا وجه له يتحير في كل وجه، ثم يكون كالجراد، لأن لها وجهاً تقصده والمبثوث: المتفرق المنتشر، وإنما ذكر على اللفظ كقوله تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: 7] . قال ابن عباس: «كالفَرَاشِ المبثُوثِ» كغوغاء الجراد، يركب بعضها بعضاً، كذلك الناس، يجول بعضهم في بعض إذا بعثوا. فإن قيل كيف يشبهُ الشيء الواحد بالصغير والكبير معاً، لأنه شبههم بالجراد المنتشر والفراش المبثوث؟ . فالجواب: أما التشبيه بالفرش، فبذهاب كل واحد إلى جهة الآخر، وأما التشبيه بالجراد، فبالكثرة والتتابع، ويكون كباراً، ثم يكون صغاراً. قوله: ﴿وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش﴾ . أي: الصوف الذي ينفش باليد، أي: تصير هباء وتزول، كقوله تعالى: ﴿هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: 6] . قال أهل اللغة: العهنُ: الصوف المصبوغ. وقد تقدم.

القارعة 101:5

مكية، وهي إحدى عشرة آية، وست وثلاثون كلمة، ومائة واثنان وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿القارعة مَا القارعة﴾ كقوله تعالى: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: 1، 2] ، وكقوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ [الواقعة: 27] ، وقد تقدم ما نقله مكي من أنه يجوز رفع «القَارِعَةُ» بفعل مضمر ناصب ل «يوم» . وقيل: ستأتيكم القارعة. وقيل: القارعة: مبتدأ وما بعده الخبر. وقيل: معنى الكلام على التحذير. قال الزجاجُ: والعرب تحذر، وتغري بالرفع كالنصب، وأنشد: [الخفيف] 5287 - لجَدِيرُونَ بالوَفَاءِ إذَا قَا ... لَ أخُو النَّجدةِ: السِّلاحُ السِّلاحُ وقد تقدم ذلك في قوله تعالى: ﴿نَاقَةَ الله﴾ [الشمس: 13] ، فيمن رفعه، ويدل على ذلك قراءة عيسى: «القَارِعَة ما القارعة» بالنصب، بإضمار فعل، أي: احذروا القارعة و «مَا» زائدة، و «القَارِعَة» تأكيد للأولى تأكيداً لفظيًّا. والقرعُ: الضرب بشدةٍ واعتماد. والمراد بالقارعة: القيامة، لأنها تقرع الخلائق بأهوالها، وأفزاعها. وأهل اللغة يقولون: تقول العرب: قرعتهم القارعة، وفقرتهم الفاقرة , إذا وقع الخلائق بأهوالها , وأفزاعها. وأهل اللغة يقولون: تقول العرب: قرعتهم القارعة , وفقرتهم الفاقرة , إذا وقع بهم أمر فظيع، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ﴾ [الرعد: 31] ، وهي الشديدة من شدائد الدَّهرِ. قوله تعالى: ﴿مَا القارعة﴾ استفهام على جهة التعظيم والتفخيم لشأنها، كقوله تعالى: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: 1، 2] ، واختلفوا في سبب تسمية القيامة بالقارعة، فقيل: المراد بالقارعة: الصيحة التي يموت منها الخلائقُ؛ لأنها تقرع أسماعهم. وقيل: إنَّ الأجرام العلوية والسفلية يصطكّان، فيموت العالم بسبب تلك القرعة، فلذلك سميت بالقارعة، [وقيل: تقرع الناس بالأهوال كانشقاق السموات، وأقطارها وتكوير الشمس، وانتثار الكواكب، ودك الجبال ونسفها، وطي الأرض. وقيل: لأنها تقرع أعداء الله بالعذاب] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا القارعة﴾ ، أي: لا علم لك بكنهها؛ لأنها في الشدة بحيث لا يبلغها وهم أحد، وعلى هذا يكون آخر السورة مطابقاً لأولها. فإن قيل: هاهنا قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا القارعة﴾ ، ثم قال في آخر السورة: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ ، ولم يقل: وما أدراك ما هاوية؟ فالجواب: الفرق أن كونها قارعة أمر محسوس، وكونها هاوية ليس كذلك، فظهر الفرق. قوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ﴾ . في ناصب «يَوْمَ» أوجه: أحدها: مضمر يدلّ عليه القارعة، أي: تقرعهم يوم يكون وقيل: تقديره: تأتي القارعة يوم. الثاني: أنه اذكر مقدراً، فهو مفعول به لا ظرف. الثالث: أنه «القَارِعَةُ» قاله ابن عطية، وأبو البقاء، ومكيٌّ. قال أبو حيان: فإن كان عنى ابن عطيَّة اللفظ الأول، فلا يجوز، للفصل بين العاملين وهو في صلة «أل» والمعمول بأجنبي، وهو الخبر، وإن جعل القارعة علماً للقيامة، فلا يعمل أيضاً، وإن عنى الثاني والثالث، فلا يلتئم معنى الظرفية معه. الرابع: أنه فعل مقدر رافع للقارعة الأولى، كأنه قيل: تأتي القارعة يوم يكون. قاله مكي. وعلى هذا يكون ما بينهما اعتراضاً، وهو بعيد جداً منافر لنظم الكلامِ. وقرأ زيد بن علي: «يَوْمُ» بالرفع، خبراً لمبتدأ محذوف، أي: وقتها يوم. قوله: «كالفَراشِ» . يجوز أن يكون خبراً للناقصة، وأن يكون حالاً من فاعل التامة، أي: يؤخذون ويحشرون شبه الفراش، وهو طائر معروف. وقال قتادة: الفراش: الطَّير الذي يتساقط في النار والسراج، الواحدة: فراشة. وقال الفراءُ: هو الهمج من البعوض والجراد وغيرهما، وبه يضرب المثل في الطّيش والهوج، يقال: أطيش من فراشة؛ وأنشد: [البسيط] 5288 - فَراشَةُ الحِلْمِ فِرعَوْنُ العَذابُ وإنْ ... يَطلُبْ نَداهُ فَكَلْبٌ دُونَهُ كُلُبُ وقال آخر: [الطويل] 5289 - وقَدْ كَانَ أقْوَامٌ رَدَدْتَ قُلوبَهُمْ ... عَليْهِمْ وكَانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ وقال آخر: [الرجز] 5290 - طُويِّشٌ من نَفرٍ أطْيَاشِ ... أطْيَشُ من طَائرةِ الفَراشِ والفراشة: الماءُ القليلُ في الإناء وفراشة القُفل لشبهها بالفراشة، وروى «مسلم» عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَثلِي ومَثلكُمْ كَمَثلِ رجُلٍ أوْقدَ نَاراً فجعَلَ الجنَادِبُ والفراشُ يَقعْنَ فِيهَا وهو يذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وأنَا آخِذٌ بحُجَزِكُمْ عَن النَّارِ، وأنْتُمْ تَفْلتُونَ مِنْ يَدِي» . في تشبيه الناس بالفراش مبالغات شتَّى: منها الطيشُ الذي يلحقهم، وانتشارهم في الأرض، وركوب بعضهم بعضاً، والكثرة، والضعف، والذلة والمجيء من غير ذهاب، والقصد إلى الداعي من كل جهة، والتطاير إلى النار؛ قال جريرٌ: [الكامل] 5291 - إنَّ الفَرزْدَقَ ما عَلمْتَ وقوْمَهُ ... مِثْلُ الفَرَاشِ غشيْنَ نَارَ المُصْطَلِي والمبثوث: المتفرق، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: 7] . فأول حالهم كالفراش لا وجه له يتحير في كل وجه، ثم يكون كالجراد، لأن لها وجهاً تقصده والمبثوث: المتفرق المنتشر، وإنما ذكر على اللفظ كقوله تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: 7] . قال ابن عباس: «كالفَرَاشِ المبثُوثِ» كغوغاء الجراد، يركب بعضها بعضاً، كذلك الناس، يجول بعضهم في بعض إذا بعثوا. فإن قيل كيف يشبهُ الشيء الواحد بالصغير والكبير معاً، لأنه شبههم بالجراد المنتشر والفراش المبثوث؟ . فالجواب: أما التشبيه بالفرش، فبذهاب كل واحد إلى جهة الآخر، وأما التشبيه بالجراد، فبالكثرة والتتابع، ويكون كباراً، ثم يكون صغاراً. قوله: ﴿وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش﴾ . أي: الصوف الذي ينفش باليد، أي: تصير هباء وتزول، كقوله تعالى: ﴿هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: 6] . قال أهل اللغة: العهنُ: الصوف المصبوغ. وقد تقدم.

القارعة 101:6

قوله: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ . في الموازين قولان: أحدهما: أنه جمع موزون، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله تعالى، وهذا قول الفراء، ونظيره قولك: له عندي درهم بميزان درهمك، ووزن درهمك، ويقولون: داري بميزان ووزن دارك، أي: حذاؤها. والثاني: قال ابن عباس: جمع ميزان لها لسان وكتفان يوزن فيه الأعمال. [وقد تقدم القول في الميزان في سورة «الأعراف» و «الكهف» و «الأنبياء» ، وأنه له كفة ولسان يوزن فيها الصحف المكتوب فيها الحسنات، والسيئات. ثم قيل: إنه ميزان واحد بيد جبريل عليه السلام يزن به أعمال بني آدم، فعبر عنه بلفظ الجمع. وقيل: موازين لكل حادثة ميزان] . وقيل: الموازين: الحجج والدلائل، قاله عبد العزيز بن يحيى. واستشهد بقول الشاعر: [الكامل] 5292 - قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقَائِكُمْ ذَا مِرَّةٍ ... عِنْدِي لكُلّ مُخَاصِم مِيزانهُ ومعنى ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ ، أي: عيش مرضي، يرضاه صاحبه. وقيل: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ ، أي: فاعله للرضا، وهو اللين والانقياد لأهلها، فالفعل للعيشة؛ لأنها أعطت الرضا من نفسها، وهو اللين والانقياد. فالعيشة كلمة تجمع النعم التي في الجنة، فهي فاعلة للرضا كالفرس المرفوعة، وارتفاعها مقدار مائة عام، فإذا دنا منها ولي الله اتضعت حتى يستوي عليها، ثم ترتفع، وكذلك فروع الشجرة تتدلى لارتفاعها للولي، فإذا تناول من ثمرها ترتفع، كقوله تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: 23] وحيثما مشى من مكان إلى مكان جرى معه نهر حيث شاء. قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ ، أي: رجحت سيئاته على حسناته، قال مقاتل وابن حيان: إنما رجحت الحسناتُ؛ لأن الحق ثقيلٌ، والباطل خفيفٌ. قوله: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ ، أي: هالكة، وهذا مثل يقولونه لمن هلك، تقول: هوت أمه لأنه إذا هلك سقطت أمه ثكلاً وحزناً، وعليه قوله فهي هاوية، أي: ثاكلة، قال: [الطويل] 5293 - هَوَتْ أمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحَ غَادِياً ... ومَاذَا يُؤدِّي اللَّيلُ حينُ يَثُوبُ فكأنه قال تعالى: من خفت موازينه فقد هلك. وقيل: الهاوية من أسماء النار، كأنها النار العميقة يهوي أهل النار فيها والمعنى: فمأواهم النار. وقيل للمأوى: أم، على سبيل التشبيه بالأم، كما يأوي إلى أمه، قاله ابن زيد. ومنه قول أمية بن أبي الصلت: [الكامل] 5294 - فالأرْضُ مَعْقِلُنَا وكَانَتْ أمَّنَا ... فِيهَا مَقابِرُنَا وفِيهَا نُولَدُ ويروى أن الهاوية اسم الباب الأسفل من النار. وقال عكرمة: لأنه يهوي فيها على أم رأسه. وذكر الأخفش والكلبي وقتادة: المهوى والمهواة ما بين الجبلين، ونحو ذلك، وتهاوى القوم في المهواة إذا سقط بعضهم في أثر بعض. وقرأ طلحة: «فإمّه» بكسر الهمزة، نقل ابن خالوية عن ابن دريد، أنها لغة النحويين لا يجيزون ذلك إلا إذا تقدمها كسرة أو ياء. وقد تقدم تحقيق ذلك في سورة «النساء» . قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ ، الأصل: «مَا هِيَ» فدخلت الهاء للسكت. وقرأ حمزة، والكسائي، ويعقوب، وابن محيصن: «مَا هِيَ» بغير هاء في الوصل ووقفوا بها، وقد تقدم في سورة «الحَاقَّة» . و «مَا هِيَ» مبتدأ وخبر، سادَّان مسد المفعولين ل «أدْرَاكَ» ، وهو من التعليق، وهي ضمير الهاويةِ، إن كانت الهاوية - كما قيل - اسماً لدركه من دركات النَّار، وإلا عادت إلى الداهية المفهومة من الهاوية. قوله: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ . «نارٌ» خبر مبتدأ مضمر، أي: هي نار شديدة الحر. روى مسلم عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «» نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتي يُوقِدُ ابنُ آدَمَ جزءٌ من سبعينَ جُزْءاً من حرِّ جَهَنَّم «، قالوا: إنها لكافية يا رسول الله، قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -» فإنَّها فُضِّلت عَليْهَا بِتِسْعَةٍ وستِّين جُزءاً كُلُّهَا مِثلُ حرِّهَا «» . روى الثعلبي عن أبيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿القارعة﴾ ثقل اللهُ مَوَازِينَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» والله أعلم. سورة التكاثر

القارعة 101:7

قوله: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ . في الموازين قولان: أحدهما: أنه جمع موزون، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله تعالى، وهذا قول الفراء، ونظيره قولك: له عندي درهم بميزان درهمك، ووزن درهمك، ويقولون: داري بميزان ووزن دارك، أي: حذاؤها. والثاني: قال ابن عباس: جمع ميزان لها لسان وكتفان يوزن فيه الأعمال. [وقد تقدم القول في الميزان في سورة «الأعراف» و «الكهف» و «الأنبياء» ، وأنه له كفة ولسان يوزن فيها الصحف المكتوب فيها الحسنات، والسيئات. ثم قيل: إنه ميزان واحد بيد جبريل عليه السلام يزن به أعمال بني آدم، فعبر عنه بلفظ الجمع. وقيل: موازين لكل حادثة ميزان] . وقيل: الموازين: الحجج والدلائل، قاله عبد العزيز بن يحيى. واستشهد بقول الشاعر: [الكامل] 5292 - قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقَائِكُمْ ذَا مِرَّةٍ ... عِنْدِي لكُلّ مُخَاصِم مِيزانهُ ومعنى ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ ، أي: عيش مرضي، يرضاه صاحبه. وقيل: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ ، أي: فاعله للرضا، وهو اللين والانقياد لأهلها، فالفعل للعيشة؛ لأنها أعطت الرضا من نفسها، وهو اللين والانقياد. فالعيشة كلمة تجمع النعم التي في الجنة، فهي فاعلة للرضا كالفرس المرفوعة، وارتفاعها مقدار مائة عام، فإذا دنا منها ولي الله اتضعت حتى يستوي عليها، ثم ترتفع، وكذلك فروع الشجرة تتدلى لارتفاعها للولي، فإذا تناول من ثمرها ترتفع، كقوله تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: 23] وحيثما مشى من مكان إلى مكان جرى معه نهر حيث شاء. قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ ، أي: رجحت سيئاته على حسناته، قال مقاتل وابن حيان: إنما رجحت الحسناتُ؛ لأن الحق ثقيلٌ، والباطل خفيفٌ. قوله: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ ، أي: هالكة، وهذا مثل يقولونه لمن هلك، تقول: هوت أمه لأنه إذا هلك سقطت أمه ثكلاً وحزناً، وعليه قوله فهي هاوية، أي: ثاكلة، قال: [الطويل] 5293 - هَوَتْ أمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحَ غَادِياً ... ومَاذَا يُؤدِّي اللَّيلُ حينُ يَثُوبُ فكأنه قال تعالى: من خفت موازينه فقد هلك. وقيل: الهاوية من أسماء النار، كأنها النار العميقة يهوي أهل النار فيها والمعنى: فمأواهم النار. وقيل للمأوى: أم، على سبيل التشبيه بالأم، كما يأوي إلى أمه، قاله ابن زيد. ومنه قول أمية بن أبي الصلت: [الكامل] 5294 - فالأرْضُ مَعْقِلُنَا وكَانَتْ أمَّنَا ... فِيهَا مَقابِرُنَا وفِيهَا نُولَدُ ويروى أن الهاوية اسم الباب الأسفل من النار. وقال عكرمة: لأنه يهوي فيها على أم رأسه. وذكر الأخفش والكلبي وقتادة: المهوى والمهواة ما بين الجبلين، ونحو ذلك، وتهاوى القوم في المهواة إذا سقط بعضهم في أثر بعض. وقرأ طلحة: «فإمّه» بكسر الهمزة، نقل ابن خالوية عن ابن دريد، أنها لغة النحويين لا يجيزون ذلك إلا إذا تقدمها كسرة أو ياء. وقد تقدم تحقيق ذلك في سورة «النساء» . قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ ، الأصل: «مَا هِيَ» فدخلت الهاء للسكت. وقرأ حمزة، والكسائي، ويعقوب، وابن محيصن: «مَا هِيَ» بغير هاء في الوصل ووقفوا بها، وقد تقدم في سورة «الحَاقَّة» . و «مَا هِيَ» مبتدأ وخبر، سادَّان مسد المفعولين ل «أدْرَاكَ» ، وهو من التعليق، وهي ضمير الهاويةِ، إن كانت الهاوية - كما قيل - اسماً لدركه من دركات النَّار، وإلا عادت إلى الداهية المفهومة من الهاوية. قوله: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ . «نارٌ» خبر مبتدأ مضمر، أي: هي نار شديدة الحر. روى مسلم عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «» نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتي يُوقِدُ ابنُ آدَمَ جزءٌ من سبعينَ جُزْءاً من حرِّ جَهَنَّم «، قالوا: إنها لكافية يا رسول الله، قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -» فإنَّها فُضِّلت عَليْهَا بِتِسْعَةٍ وستِّين جُزءاً كُلُّهَا مِثلُ حرِّهَا «» . روى الثعلبي عن أبيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿القارعة﴾ ثقل اللهُ مَوَازِينَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» والله أعلم. سورة التكاثر

القارعة 101:8

قوله: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ . في الموازين قولان: أحدهما: أنه جمع موزون، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله تعالى، وهذا قول الفراء، ونظيره قولك: له عندي درهم بميزان درهمك، ووزن درهمك، ويقولون: داري بميزان ووزن دارك، أي: حذاؤها. والثاني: قال ابن عباس: جمع ميزان لها لسان وكتفان يوزن فيه الأعمال. [وقد تقدم القول في الميزان في سورة «الأعراف» و «الكهف» و «الأنبياء» ، وأنه له كفة ولسان يوزن فيها الصحف المكتوب فيها الحسنات، والسيئات. ثم قيل: إنه ميزان واحد بيد جبريل عليه السلام يزن به أعمال بني آدم، فعبر عنه بلفظ الجمع. وقيل: موازين لكل حادثة ميزان] . وقيل: الموازين: الحجج والدلائل، قاله عبد العزيز بن يحيى. واستشهد بقول الشاعر: [الكامل] 5292 - قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقَائِكُمْ ذَا مِرَّةٍ ... عِنْدِي لكُلّ مُخَاصِم مِيزانهُ ومعنى ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ ، أي: عيش مرضي، يرضاه صاحبه. وقيل: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ ، أي: فاعله للرضا، وهو اللين والانقياد لأهلها، فالفعل للعيشة؛ لأنها أعطت الرضا من نفسها، وهو اللين والانقياد. فالعيشة كلمة تجمع النعم التي في الجنة، فهي فاعلة للرضا كالفرس المرفوعة، وارتفاعها مقدار مائة عام، فإذا دنا منها ولي الله اتضعت حتى يستوي عليها، ثم ترتفع، وكذلك فروع الشجرة تتدلى لارتفاعها للولي، فإذا تناول من ثمرها ترتفع، كقوله تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: 23] وحيثما مشى من مكان إلى مكان جرى معه نهر حيث شاء. قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ ، أي: رجحت سيئاته على حسناته، قال مقاتل وابن حيان: إنما رجحت الحسناتُ؛ لأن الحق ثقيلٌ، والباطل خفيفٌ. قوله: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ ، أي: هالكة، وهذا مثل يقولونه لمن هلك، تقول: هوت أمه لأنه إذا هلك سقطت أمه ثكلاً وحزناً، وعليه قوله فهي هاوية، أي: ثاكلة، قال: [الطويل] 5293 - هَوَتْ أمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحَ غَادِياً ... ومَاذَا يُؤدِّي اللَّيلُ حينُ يَثُوبُ فكأنه قال تعالى: من خفت موازينه فقد هلك. وقيل: الهاوية من أسماء النار، كأنها النار العميقة يهوي أهل النار فيها والمعنى: فمأواهم النار. وقيل للمأوى: أم، على سبيل التشبيه بالأم، كما يأوي إلى أمه، قاله ابن زيد. ومنه قول أمية بن أبي الصلت: [الكامل] 5294 - فالأرْضُ مَعْقِلُنَا وكَانَتْ أمَّنَا ... فِيهَا مَقابِرُنَا وفِيهَا نُولَدُ ويروى أن الهاوية اسم الباب الأسفل من النار. وقال عكرمة: لأنه يهوي فيها على أم رأسه. وذكر الأخفش والكلبي وقتادة: المهوى والمهواة ما بين الجبلين، ونحو ذلك، وتهاوى القوم في المهواة إذا سقط بعضهم في أثر بعض. وقرأ طلحة: «فإمّه» بكسر الهمزة، نقل ابن خالوية عن ابن دريد، أنها لغة النحويين لا يجيزون ذلك إلا إذا تقدمها كسرة أو ياء. وقد تقدم تحقيق ذلك في سورة «النساء» . قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ ، الأصل: «مَا هِيَ» فدخلت الهاء للسكت. وقرأ حمزة، والكسائي، ويعقوب، وابن محيصن: «مَا هِيَ» بغير هاء في الوصل ووقفوا بها، وقد تقدم في سورة «الحَاقَّة» . و «مَا هِيَ» مبتدأ وخبر، سادَّان مسد المفعولين ل «أدْرَاكَ» ، وهو من التعليق، وهي ضمير الهاويةِ، إن كانت الهاوية - كما قيل - اسماً لدركه من دركات النَّار، وإلا عادت إلى الداهية المفهومة من الهاوية. قوله: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ . «نارٌ» خبر مبتدأ مضمر، أي: هي نار شديدة الحر. روى مسلم عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «» نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتي يُوقِدُ ابنُ آدَمَ جزءٌ من سبعينَ جُزْءاً من حرِّ جَهَنَّم «، قالوا: إنها لكافية يا رسول الله، قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -» فإنَّها فُضِّلت عَليْهَا بِتِسْعَةٍ وستِّين جُزءاً كُلُّهَا مِثلُ حرِّهَا «» . روى الثعلبي عن أبيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿القارعة﴾ ثقل اللهُ مَوَازِينَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» والله أعلم. سورة التكاثر

القارعة 101:9

قوله: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ . في الموازين قولان: أحدهما: أنه جمع موزون، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله تعالى، وهذا قول الفراء، ونظيره قولك: له عندي درهم بميزان درهمك، ووزن درهمك، ويقولون: داري بميزان ووزن دارك، أي: حذاؤها. والثاني: قال ابن عباس: جمع ميزان لها لسان وكتفان يوزن فيه الأعمال. [وقد تقدم القول في الميزان في سورة «الأعراف» و «الكهف» و «الأنبياء» ، وأنه له كفة ولسان يوزن فيها الصحف المكتوب فيها الحسنات، والسيئات. ثم قيل: إنه ميزان واحد بيد جبريل عليه السلام يزن به أعمال بني آدم، فعبر عنه بلفظ الجمع. وقيل: موازين لكل حادثة ميزان] . وقيل: الموازين: الحجج والدلائل، قاله عبد العزيز بن يحيى. واستشهد بقول الشاعر: [الكامل] 5292 - قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقَائِكُمْ ذَا مِرَّةٍ ... عِنْدِي لكُلّ مُخَاصِم مِيزانهُ ومعنى ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ ، أي: عيش مرضي، يرضاه صاحبه. وقيل: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ ، أي: فاعله للرضا، وهو اللين والانقياد لأهلها، فالفعل للعيشة؛ لأنها أعطت الرضا من نفسها، وهو اللين والانقياد. فالعيشة كلمة تجمع النعم التي في الجنة، فهي فاعلة للرضا كالفرس المرفوعة، وارتفاعها مقدار مائة عام، فإذا دنا منها ولي الله اتضعت حتى يستوي عليها، ثم ترتفع، وكذلك فروع الشجرة تتدلى لارتفاعها للولي، فإذا تناول من ثمرها ترتفع، كقوله تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: 23] وحيثما مشى من مكان إلى مكان جرى معه نهر حيث شاء. قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ ، أي: رجحت سيئاته على حسناته، قال مقاتل وابن حيان: إنما رجحت الحسناتُ؛ لأن الحق ثقيلٌ، والباطل خفيفٌ. قوله: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ ، أي: هالكة، وهذا مثل يقولونه لمن هلك، تقول: هوت أمه لأنه إذا هلك سقطت أمه ثكلاً وحزناً، وعليه قوله فهي هاوية، أي: ثاكلة، قال: [الطويل] 5293 - هَوَتْ أمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحَ غَادِياً ... ومَاذَا يُؤدِّي اللَّيلُ حينُ يَثُوبُ فكأنه قال تعالى: من خفت موازينه فقد هلك. وقيل: الهاوية من أسماء النار، كأنها النار العميقة يهوي أهل النار فيها والمعنى: فمأواهم النار. وقيل للمأوى: أم، على سبيل التشبيه بالأم، كما يأوي إلى أمه، قاله ابن زيد. ومنه قول أمية بن أبي الصلت: [الكامل] 5294 - فالأرْضُ مَعْقِلُنَا وكَانَتْ أمَّنَا ... فِيهَا مَقابِرُنَا وفِيهَا نُولَدُ ويروى أن الهاوية اسم الباب الأسفل من النار. وقال عكرمة: لأنه يهوي فيها على أم رأسه. وذكر الأخفش والكلبي وقتادة: المهوى والمهواة ما بين الجبلين، ونحو ذلك، وتهاوى القوم في المهواة إذا سقط بعضهم في أثر بعض. وقرأ طلحة: «فإمّه» بكسر الهمزة، نقل ابن خالوية عن ابن دريد، أنها لغة النحويين لا يجيزون ذلك إلا إذا تقدمها كسرة أو ياء. وقد تقدم تحقيق ذلك في سورة «النساء» . قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ ، الأصل: «مَا هِيَ» فدخلت الهاء للسكت. وقرأ حمزة، والكسائي، ويعقوب، وابن محيصن: «مَا هِيَ» بغير هاء في الوصل ووقفوا بها، وقد تقدم في سورة «الحَاقَّة» . و «مَا هِيَ» مبتدأ وخبر، سادَّان مسد المفعولين ل «أدْرَاكَ» ، وهو من التعليق، وهي ضمير الهاويةِ، إن كانت الهاوية - كما قيل - اسماً لدركه من دركات النَّار، وإلا عادت إلى الداهية المفهومة من الهاوية. قوله: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ . «نارٌ» خبر مبتدأ مضمر، أي: هي نار شديدة الحر. روى مسلم عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «» نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتي يُوقِدُ ابنُ آدَمَ جزءٌ من سبعينَ جُزْءاً من حرِّ جَهَنَّم «، قالوا: إنها لكافية يا رسول الله، قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -» فإنَّها فُضِّلت عَليْهَا بِتِسْعَةٍ وستِّين جُزءاً كُلُّهَا مِثلُ حرِّهَا «» . روى الثعلبي عن أبيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿القارعة﴾ ثقل اللهُ مَوَازِينَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» والله أعلم. سورة التكاثر

القارعة 101:10

قوله: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ . في الموازين قولان: أحدهما: أنه جمع موزون، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله تعالى، وهذا قول الفراء، ونظيره قولك: له عندي درهم بميزان درهمك، ووزن درهمك، ويقولون: داري بميزان ووزن دارك، أي: حذاؤها. والثاني: قال ابن عباس: جمع ميزان لها لسان وكتفان يوزن فيه الأعمال. [وقد تقدم القول في الميزان في سورة «الأعراف» و «الكهف» و «الأنبياء» ، وأنه له كفة ولسان يوزن فيها الصحف المكتوب فيها الحسنات، والسيئات. ثم قيل: إنه ميزان واحد بيد جبريل عليه السلام يزن به أعمال بني آدم، فعبر عنه بلفظ الجمع. وقيل: موازين لكل حادثة ميزان] . وقيل: الموازين: الحجج والدلائل، قاله عبد العزيز بن يحيى. واستشهد بقول الشاعر: [الكامل] 5292 - قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقَائِكُمْ ذَا مِرَّةٍ ... عِنْدِي لكُلّ مُخَاصِم مِيزانهُ ومعنى ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ ، أي: عيش مرضي، يرضاه صاحبه. وقيل: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ ، أي: فاعله للرضا، وهو اللين والانقياد لأهلها، فالفعل للعيشة؛ لأنها أعطت الرضا من نفسها، وهو اللين والانقياد. فالعيشة كلمة تجمع النعم التي في الجنة، فهي فاعلة للرضا كالفرس المرفوعة، وارتفاعها مقدار مائة عام، فإذا دنا منها ولي الله اتضعت حتى يستوي عليها، ثم ترتفع، وكذلك فروع الشجرة تتدلى لارتفاعها للولي، فإذا تناول من ثمرها ترتفع، كقوله تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: 23] وحيثما مشى من مكان إلى مكان جرى معه نهر حيث شاء. قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ ، أي: رجحت سيئاته على حسناته، قال مقاتل وابن حيان: إنما رجحت الحسناتُ؛ لأن الحق ثقيلٌ، والباطل خفيفٌ. قوله: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ ، أي: هالكة، وهذا مثل يقولونه لمن هلك، تقول: هوت أمه لأنه إذا هلك سقطت أمه ثكلاً وحزناً، وعليه قوله فهي هاوية، أي: ثاكلة، قال: [الطويل] 5293 - هَوَتْ أمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحَ غَادِياً ... ومَاذَا يُؤدِّي اللَّيلُ حينُ يَثُوبُ فكأنه قال تعالى: من خفت موازينه فقد هلك. وقيل: الهاوية من أسماء النار، كأنها النار العميقة يهوي أهل النار فيها والمعنى: فمأواهم النار. وقيل للمأوى: أم، على سبيل التشبيه بالأم، كما يأوي إلى أمه، قاله ابن زيد. ومنه قول أمية بن أبي الصلت: [الكامل] 5294 - فالأرْضُ مَعْقِلُنَا وكَانَتْ أمَّنَا ... فِيهَا مَقابِرُنَا وفِيهَا نُولَدُ ويروى أن الهاوية اسم الباب الأسفل من النار. وقال عكرمة: لأنه يهوي فيها على أم رأسه. وذكر الأخفش والكلبي وقتادة: المهوى والمهواة ما بين الجبلين، ونحو ذلك، وتهاوى القوم في المهواة إذا سقط بعضهم في أثر بعض. وقرأ طلحة: «فإمّه» بكسر الهمزة، نقل ابن خالوية عن ابن دريد، أنها لغة النحويين لا يجيزون ذلك إلا إذا تقدمها كسرة أو ياء. وقد تقدم تحقيق ذلك في سورة «النساء» . قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ ، الأصل: «مَا هِيَ» فدخلت الهاء للسكت. وقرأ حمزة، والكسائي، ويعقوب، وابن محيصن: «مَا هِيَ» بغير هاء في الوصل ووقفوا بها، وقد تقدم في سورة «الحَاقَّة» . و «مَا هِيَ» مبتدأ وخبر، سادَّان مسد المفعولين ل «أدْرَاكَ» ، وهو من التعليق، وهي ضمير الهاويةِ، إن كانت الهاوية - كما قيل - اسماً لدركه من دركات النَّار، وإلا عادت إلى الداهية المفهومة من الهاوية. قوله: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ . «نارٌ» خبر مبتدأ مضمر، أي: هي نار شديدة الحر. روى مسلم عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «» نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتي يُوقِدُ ابنُ آدَمَ جزءٌ من سبعينَ جُزْءاً من حرِّ جَهَنَّم «، قالوا: إنها لكافية يا رسول الله، قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -» فإنَّها فُضِّلت عَليْهَا بِتِسْعَةٍ وستِّين جُزءاً كُلُّهَا مِثلُ حرِّهَا «» . روى الثعلبي عن أبيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿القارعة﴾ ثقل اللهُ مَوَازِينَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» والله أعلم. سورة التكاثر

القارعة 101:11

قوله: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ . في الموازين قولان: أحدهما: أنه جمع موزون، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله تعالى، وهذا قول الفراء، ونظيره قولك: له عندي درهم بميزان درهمك، ووزن درهمك، ويقولون: داري بميزان ووزن دارك، أي: حذاؤها. والثاني: قال ابن عباس: جمع ميزان لها لسان وكتفان يوزن فيه الأعمال. [وقد تقدم القول في الميزان في سورة «الأعراف» و «الكهف» و «الأنبياء» ، وأنه له كفة ولسان يوزن فيها الصحف المكتوب فيها الحسنات، والسيئات. ثم قيل: إنه ميزان واحد بيد جبريل عليه السلام يزن به أعمال بني آدم، فعبر عنه بلفظ الجمع. وقيل: موازين لكل حادثة ميزان] . وقيل: الموازين: الحجج والدلائل، قاله عبد العزيز بن يحيى. واستشهد بقول الشاعر: [الكامل] 5292 - قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقَائِكُمْ ذَا مِرَّةٍ ... عِنْدِي لكُلّ مُخَاصِم مِيزانهُ ومعنى ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ ، أي: عيش مرضي، يرضاه صاحبه. وقيل: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ ، أي: فاعله للرضا، وهو اللين والانقياد لأهلها، فالفعل للعيشة؛ لأنها أعطت الرضا من نفسها، وهو اللين والانقياد. فالعيشة كلمة تجمع النعم التي في الجنة، فهي فاعلة للرضا كالفرس المرفوعة، وارتفاعها مقدار مائة عام، فإذا دنا منها ولي الله اتضعت حتى يستوي عليها، ثم ترتفع، وكذلك فروع الشجرة تتدلى لارتفاعها للولي، فإذا تناول من ثمرها ترتفع، كقوله تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: 23] وحيثما مشى من مكان إلى مكان جرى معه نهر حيث شاء. قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ ، أي: رجحت سيئاته على حسناته، قال مقاتل وابن حيان: إنما رجحت الحسناتُ؛ لأن الحق ثقيلٌ، والباطل خفيفٌ. قوله: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ ، أي: هالكة، وهذا مثل يقولونه لمن هلك، تقول: هوت أمه لأنه إذا هلك سقطت أمه ثكلاً وحزناً، وعليه قوله فهي هاوية، أي: ثاكلة، قال: [الطويل] 5293 - هَوَتْ أمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحَ غَادِياً ... ومَاذَا يُؤدِّي اللَّيلُ حينُ يَثُوبُ فكأنه قال تعالى: من خفت موازينه فقد هلك. وقيل: الهاوية من أسماء النار، كأنها النار العميقة يهوي أهل النار فيها والمعنى: فمأواهم النار. وقيل للمأوى: أم، على سبيل التشبيه بالأم، كما يأوي إلى أمه، قاله ابن زيد. ومنه قول أمية بن أبي الصلت: [الكامل] 5294 - فالأرْضُ مَعْقِلُنَا وكَانَتْ أمَّنَا ... فِيهَا مَقابِرُنَا وفِيهَا نُولَدُ ويروى أن الهاوية اسم الباب الأسفل من النار. وقال عكرمة: لأنه يهوي فيها على أم رأسه. وذكر الأخفش والكلبي وقتادة: المهوى والمهواة ما بين الجبلين، ونحو ذلك، وتهاوى القوم في المهواة إذا سقط بعضهم في أثر بعض. وقرأ طلحة: «فإمّه» بكسر الهمزة، نقل ابن خالوية عن ابن دريد، أنها لغة النحويين لا يجيزون ذلك إلا إذا تقدمها كسرة أو ياء. وقد تقدم تحقيق ذلك في سورة «النساء» . قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ ، الأصل: «مَا هِيَ» فدخلت الهاء للسكت. وقرأ حمزة، والكسائي، ويعقوب، وابن محيصن: «مَا هِيَ» بغير هاء في الوصل ووقفوا بها، وقد تقدم في سورة «الحَاقَّة» . و «مَا هِيَ» مبتدأ وخبر، سادَّان مسد المفعولين ل «أدْرَاكَ» ، وهو من التعليق، وهي ضمير الهاويةِ، إن كانت الهاوية - كما قيل - اسماً لدركه من دركات النَّار، وإلا عادت إلى الداهية المفهومة من الهاوية. قوله: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ . «نارٌ» خبر مبتدأ مضمر، أي: هي نار شديدة الحر. روى مسلم عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «» نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتي يُوقِدُ ابنُ آدَمَ جزءٌ من سبعينَ جُزْءاً من حرِّ جَهَنَّم «، قالوا: إنها لكافية يا رسول الله، قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -» فإنَّها فُضِّلت عَليْهَا بِتِسْعَةٍ وستِّين جُزءاً كُلُّهَا مِثلُ حرِّهَا «» . روى الثعلبي عن أبيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿القارعة﴾ ثقل اللهُ مَوَازِينَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» والله أعلم. سورة التكاثر

التكاثر 102:1

مكية في قول الجميع، وروى البخاري أنها مدنية، وهي ثماني آيات. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ ، «ألْهَاكُم» : شغلكم؛ قال امرؤُ القيسِ: [الطويل] 5295 - ... ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... فألْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْولِ أي: شغلكم المباهاة، بكثرة المال والعدد عن طاعة الله، حتَّى متم ودفنتم في المقابر. قال ابن عباس والحسن: «ألْهَاكُم» : أنساكم، «التَّكاثرُ» ، أي: من الأموال، والأولاد قاله ابن عباسٍ والحسنُ وقتادةُ أي: التَّفاخر بالقبائل والعشائر، وقال الضحاك: ألهاكم التشاغل بالمعاش والتجارة، يقال: لهيت عن كذا - بالكسر - ألهى لهياً، ولهياناً: إذا سلوت عنه، وتركت ذكره، وأضربت عنه، وألهاه: أي: شغله، ولهاه به تلهيه: أي: تملله والتكاثر: المكاثرة قال قتادةُ ومقاتل وغيرهما: نزلت في اليهود حين قالوا: نحن أكثر من بني فلان وبنو فلان أكثر من بني فلان، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالاً. وقال ابن زيد: نزلت في فخذ من الأنصار. وقال ابن عباسٍ: ومقاتل، والكلبي: نزلت في حيين من قريش: بني عبد مناف، وبني سهم، تعادوا وتكاثروا بالسادة، والأشراف في الإسلام، فقال كل حي منهم: نحن أكثر سيداً، وأعز عزيزاً، وأعظم نفراً، وأكثر عائذاً، فكثر بنو عبد مناف سهماً، ثم تكاثروا بالأموات، فكثرتهم سهم، فنزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ بأحيائكم فلم ترضوا ﴿حتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ﴾ مفتخرين بالأموات. وعن عمرو بن دينار: حلف أن هذه السورة نزلت في التجار. وعن شيبان عن قتادة، قال: نزلت في أهل الكتاب. قال القرطبي: «والآية تعمّ جميع ما ذكر وغيره» . وروى ابن شهاب عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لَوْ أنَّ لابْنِ آدَمَ وادِساً مِنْ ذَهَبٍ، لأحَبَّ أنْ يكُونَ لَهُ وادِيانِ، ولنْ يَمْلأ فَاهُ إلاَّ التُّرابُ، ويتُوبُ اللهُ على مَنْ تَابَ» ، رواه البخاري. قال ثابت عن أنس عن أبيّ: كنا نرى هذا من القرآن، حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ . رواه البخاري. قال ابن العربي: وهذا نصٌّ صريح، غاب عن أهل التفسير [فجهلوا وجهَّلوا، والحمد لله على المعرفة] . وقرأ ابن عباس: «أألهاكم» على استفهام التقرير والإنكار ونقل في هذا المد مع التسهيل، ونقل فيه بتحقيق الهمزتين من غير مد. قوله تعالى: ﴿حتى زُرْتُمُ المقابر﴾ ، «حتَّى» غاية لقوله: «ألْهَاكُم» ، وهو عطف عليه، والمعنى: أي أتاكم الموت، فصرتم في المقابر زواراً، ترجعون فيها كرجوع الزائر إلى منزلة من جنة أو نار. وقيل: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ حتى عددتم الأموات. وقيل: هذا وعيد، أي: اشتغلتم بمفاخرة الدنيا حتى تزورا القبور، فتروا ما ينزل بكم من عذاب الله - عزَّ وجلَّ - و «المَقابِر» جمع مَقْبَرة، ومَقْبَرة بفتح الباء وضمها والقبور: جمع قبر، وسمي سعيد المقبري؛ لأنه كان يسكن المقابر، وقبرت الميت أقبَره وأقبُره قبراً؛ أي: دفنته، وأقبرته، أي: أمرت بأن يقبر. فصل في معنى ألهاكم قال المفسرون: معنى الآية: ألهاكم حرصكم على تكثير أموالكم عن طاعة ربكم حتى أتاكم الموت فأنتم على ذلك. قال ابن الخطيب: فإن قيل: شأن الزائر أن ينصرف قريباً، والأموات ملازمون القبور، فكيف يقال: إنه زار القبر؟ . وأيضاً: فقوله - جل ذكره -: ﴿حتى زُرْتُمُ المقابر﴾ إخبار عن الماضي، فكيف يحمل على المستقبل؟ . فالجواب عن الأول: أنَّ سكان القبور، لا بد أن ينصرفوا منها. وعن الثاني: أن المراد من كان مشرفاً على الموت لكبر أو لغيره كما يقال: إنه على شفير قبره وإما أن المراد من تقدمهم، كقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النبيين﴾ [البقرة: 61] . وقال أبو مسلم: إن الله يتكلم بهذه السورة يوم القيامة تعييراً للكفار، وهم في ذلك الوقت تقدمت منهم زيارة القبور. فصل في ذكر المقابر قال القرطبي: لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة. وفيه نظر؛ لأنه تعالى قال في سورة أخرى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: 21] . واعلم أن زيارة القبور من أعظم الأدوية للقلب القاسي، لأنها تذكر الموت، والآخرة، وذلك يحمل على قصر الأمل، والزُّهد في الدنيا، وترك الرغبة فيها. قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، فزُوْرُوهَا، فإنَّها تُزْهِدُ في الدُّنيا، وتذكرُ الآخِرةَ» . وروى أبو هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لعن زوّارات القبور. قال بعض أهل العلم: كان هذا قبل ترخيصه في زيارة القبور، فلما رخص دخل في الرخصة الرجال والنساء. وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنِّساء، لقلّة صبرهن، وكثرة جزعهن. وقال بعضهم: زيارة القبور للرجال متفق عليه، وأما النِّساء فمختلف فيه: أما الشوابّ فحرام عليهن الخروج، وأما لقواعد فمباح لهن ذلك، وجاز لجميعهن ذلك إذا انفردن بالخروج عن الرجال بغير خلاف لعدم خشية الفتنة. فصل في آداب زيارة القبور ينبغي لمن زار القُبُور أن يتأدب بآدابها، ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظّه منها إلا التّطواف فقط، فإن هذه حالة يشاركه فيها البهائم، بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى، وإصلاح فساد قلبه، ونفع الميت بما يتلوه عنده من القرآن، والدعاء، ويتجنب المشي على القبور، والجلوس عليها، ويسلم إذا دخل المقابر، وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضاً، وأتاه من تلقاء وجهه؛ لأنه في زيارته كمخاطبته حياً، ثم يعتبر بمن صار تحت التراب، وانقطع عن الأهل والأحباب، ويتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه أنه كيف انقطعت آمالهم، ولم تغن عنهم أموالهم ومحا التراب محاسن وجوههم، وتفرقت في القبور أجزاؤهم، وترمَّل من بعدهم نساؤهم، وشمل ذل اليتم أولادهم، وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم، وأنَّ حاله كحالهم، ومآله كمآلهم. [قوله تعالى: ﴿كَلاَّ﴾ قال الفراء: أي ليس الأمر على ما أنتم عليه من التفاخر والتكاثر. والتمام على هذا ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي سوف تعلمون عاقبة هذا. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ جعله ابن مالك من التوكيد مع توسّط حرف العطف] . وقال الزمخشريُّ: والتكرير تأكيد للردع، والرد عليهم، و «ثُمَّ» دالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول، وأشد كما تقول للمنصوح: أقول لك ثم أقول لك: «لا تَفْعَلْ» انتهى. ونقل عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تعلمُون﴾ في الدنيا ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلمُونَ﴾ في الآخرة فعلى هذا يكون غير مكرر لحصول التَّغاير بينهما؛ لأجل تغاير المتعلقين، و «ثُمَّ» على بابها من المهلة وحذف متعلق العلم في الأفعال الثلاثة، لأن الغرض الفعل لا متعلقه. وقال الزمخشريُّ: والمعنى: سوف تعلمون الخطأ فيما أنتم عليه إذا عاينتم ما قدامكم من هول لقاء الله، انتهى. فقدر له مفعولاً واحداً كأنه جعله بمعنى «عَرَفَ» . فصل في تفسير الآية قال ابن عباس: ﴿كَلاَّ سَوفَ تَعْلمُونَ﴾ ما ينزل بكم من العذاب في القبور ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلمُونَ﴾ في الآخرة إذا حل بكم العذاب، فالتَّكرار للحالين. وروى زر بن حبيش عن عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: كنا نشك في عذاب القبر، حتى نزلت هذه السورة فأشار إلى أن قوله: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني في القبور. [وقيل: كلا سوف تعلمون إذا نزل بكم الموت، وجاءتكم رسل ربكم تنزع أرواحكم، ثم كلا سوف تعلمون في القيامة أنكم معذبون، وعلى هذا تضمنت أحوال القيامة من بعث، وحشر، وعرض، وسؤال، إلى غير ذلك من أهوال يوم القيامة] . وقال الضحاكُ: ﴿كَلاَّ سَوفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيها المؤمنون وكذلك كان يقرؤها الأولى بالتاء والثانية بالياء فالأول وعيد والثاني وعد. قوله: ﴿كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ جواب «لَوْ» محذوف، أي: لفعلتم ما لا يوصف. وقيل: التقدير: لرجعتم عن كفركم. قال ابن الخطيب: وجواب «لَوْ» محذوف، وليس «لترونَّ» جوابها، لأن هذا مثبت، وجواب «لو» يكون منفياً، ولأنه عطف عليه قوله: «ثُمَّ لتُسْألُنَّ» وهو مستقبل، لا بد من وقوعه، وحذف جواب «لَوْ» كثير. قال الأخفش: التقدير: لو تعلمُون علم اليقين ما ألهاكم. وقيل: لو تعلمون لماذا خلقتم لاشتغلتم وحذفُ الجواب أفخر، لأنه يذهب الوهم معه كل مذهب، قال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الذين كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ﴾ [الأنبياء: 39] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: 30] وأعاد «كلاَّ» وهو زجر وتنبيه؛ لأنه عقب كل واحد بشيء آخر، كأنه قال: لا تفعلُوا، فإنكم تندمون، لا تفعلوا، فإنكم تستوجبون العقاب. و ﴿عِلْمَ اليقين﴾ مصدر. قيل: وأصله العلم اليقين، فأضيف الموصوف إلى صفته. وقيل: لا حاجة إلى ذلك؛ لأن العلم يكون يقيناً وغير يقين، فأضيف إليه إضافة العام للخاص، وهذا يدل على أنَّ اليقينَ أخصُّ. فصل في المراد باليقين قال المفسِّرون: أضاف العلم إلى اليقين، كقوله تعالى: ﴿لَهُوَ حَقُّ اليقين﴾ [الواقعة: 95] ، قال قتادة: اليقين هنا: الموت. وعنه أيضاً: البعث، لأنه إذا جاء زال الشكُّ، أي: لو تعلمون علم البعث أو الموت، فعبر عن الموت باليقين، كقولك: علم الطب، وعلم الحساب، والعلم من أشد البواعث على الفعل، فإذا كان بحيث يمكن العمل، كان تذكرة، وموعظة، وإن كان بعد فوات العمل كان حسرة، وندامة، وفيها تهديد عظيم للعلماء، الذين لا يعملون بعلمهم. قوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الجحيم﴾ . جواب قسم مقدر، أي: لترون الجحيم في الآخرة. والخطاب للكفار الذين وجبت لهم النار. وقيل: عام [كقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71] فهي للكفار دار، وللمؤمنين مَمَرّ] . وقرأ ابن عامر، والكسائي: «لتُروُنَّ» مبنياً للمفعول، وهي مفعولة من «رأى» الثلاثي أي: أريته الشيء، فاكتسب مفعولاً آخر، فقام الأول مقام الفاعل، وبقي الثاني منصوباً. والباقون مبنياً للفاعل، جعلوه غير منقول، فتعدى لواحد فقط، فإن الرؤية بصرية. وأمير المؤمنين، وعاصم، وابن كثير في رواية عنهم: بالفتح في الأول، والضم في الثاني، يعني: لترونها. ومجاهد، وابن أبي عبلة، وأشهب: بضمها فيهما. والعامة على أن الواوين لا يهمزان؛ لأن حركتهما عارضة. وقد نصّ مكي، وأبو البقاء على عدم جوازه، وعللا بعروض الحركة. وقرأ الحسن وأبو عمرو بخلاف عنهما: بهمز الواوين استثقالاً لضمة الواو. قال الزمخشري: «هِيَ مُسْتكرَهة» ، يعني لعروض الحركة عليها، إلا أنهم قد همزوا ما هو أولى لعدم الهمز من هذه الواو، نحو: ﴿اشتروا الضلالة﴾ [البقرة: 16] همزوا واو «اشترؤا» مع أنها حركة عارضة، وتزول في الوقف، وحركة هذه الواو، وإن كانت عارضة، إلا أنَّها غير زائلة في الوقف، فهو أولى بهمزها. قوله: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين﴾ هذا مصدر مؤكد، كأنه قيل: رؤية اليقين نفياً لتوهم المجاز في الرؤية الأولى. وقال أبو البقاء: لأن «رأى» ، و «عاين» بمعنى. فصل في معنى الآية معنى الكلام: «لتَرَوُنَّ الجَحِيمَ» بأبصاركم على البعد «ثُمَّ لتَروُنَّهَا عَيْنَ اليَقِينِ» أي: مشاهدة. وقيل: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلمَ اليَقِينَ﴾ ، معناه: «لَوْ تَعْلَمُونَ» اليوم في الدنيا «عِلمَ اليَقِينِ» بما أمامكم مما وصفت «لَتَروُنَّ الجَحِيم» بعيون قلوبكم، فإن علم اليقين يريك الجحيم بعين فؤادك، وهو أن يصور لك نار القيامة ﴿ثُمَّ لتَرونَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ ، أي: عند المعاينة بعين الرأس، فتراها يقيناً، لا تغيب عن عينك، ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم﴾ في موقف السؤال والعرض. قال الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار، لأن أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «لما نزلت هذه الآية، قال: يا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعيرٍ، ولحم، وبسر، وماء عذب، أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي يسأل عنه؟ . قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -» إنما ذلِكَ للكُفَّارِ «ثم قرأ: ﴿وَهَلْ نجازي إِلاَّ الكفور﴾ [سبأ: 17] ؛ ولأن ظاهر الآية يدل على ذلك لأن الكفار ألهاهم التكاثر بالدنيا، والتفاخر بلذاتها عن طاعة الله، والاشتغال بذكر الله تعالى، يسألهم عنها يوم القيامة، حتى يظهر لهم أن الذي ظنوه لسعادتهم كان من أعظم الأسباب لشقاوتهم. وقيل: السؤال عام في حق المؤمن، والكافر لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» أوَّلُ ما يُسْألُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ عن النَّعِيمِ، فيقالُ لَهُ: ألَمْ نُصْحِحْ جِسْمكَ؟ ألَمْ نَروِكَ مِنْ المَاءِ البَاردِ» وقيل: الزائد عما لا بد منه. وقيل غير ذلك. قال ابن الخطيب: والأولى على جميع النعيم، لأن الألف واللام تفيد الاستغراق، وليس صرف اللفظ إلى بعض أولى من غيرها إلى الباقي، فيسأل عنها، هل شكرها أم كفرها؟ وإذا قيل: هذا السؤال للكفار. فقيل: السؤال في موقف الحساب. وقيل: بعد دخول النار، يقال لهم: إنَّما حل بكم هذا العذاب لاشتغالكم في الدنيا بالنعيم عن العمل الذي ينجيكم، ولو صرفتم عمركم إلى طاعة ربكم لكنتم اليوم من أهل النجاة. والله أعلم. سورة العصر

التكاثر 102:2

مكية في قول الجميع، وروى البخاري أنها مدنية، وهي ثماني آيات. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ ، «ألْهَاكُم» : شغلكم؛ قال امرؤُ القيسِ: [الطويل] 5295 - ... ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... فألْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْولِ أي: شغلكم المباهاة، بكثرة المال والعدد عن طاعة الله، حتَّى متم ودفنتم في المقابر. قال ابن عباس والحسن: «ألْهَاكُم» : أنساكم، «التَّكاثرُ» ، أي: من الأموال، والأولاد قاله ابن عباسٍ والحسنُ وقتادةُ أي: التَّفاخر بالقبائل والعشائر، وقال الضحاك: ألهاكم التشاغل بالمعاش والتجارة، يقال: لهيت عن كذا - بالكسر - ألهى لهياً، ولهياناً: إذا سلوت عنه، وتركت ذكره، وأضربت عنه، وألهاه: أي: شغله، ولهاه به تلهيه: أي: تملله والتكاثر: المكاثرة قال قتادةُ ومقاتل وغيرهما: نزلت في اليهود حين قالوا: نحن أكثر من بني فلان وبنو فلان أكثر من بني فلان، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالاً. وقال ابن زيد: نزلت في فخذ من الأنصار. وقال ابن عباسٍ: ومقاتل، والكلبي: نزلت في حيين من قريش: بني عبد مناف، وبني سهم، تعادوا وتكاثروا بالسادة، والأشراف في الإسلام، فقال كل حي منهم: نحن أكثر سيداً، وأعز عزيزاً، وأعظم نفراً، وأكثر عائذاً، فكثر بنو عبد مناف سهماً، ثم تكاثروا بالأموات، فكثرتهم سهم، فنزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ بأحيائكم فلم ترضوا ﴿حتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ﴾ مفتخرين بالأموات. وعن عمرو بن دينار: حلف أن هذه السورة نزلت في التجار. وعن شيبان عن قتادة، قال: نزلت في أهل الكتاب. قال القرطبي: «والآية تعمّ جميع ما ذكر وغيره» . وروى ابن شهاب عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لَوْ أنَّ لابْنِ آدَمَ وادِساً مِنْ ذَهَبٍ، لأحَبَّ أنْ يكُونَ لَهُ وادِيانِ، ولنْ يَمْلأ فَاهُ إلاَّ التُّرابُ، ويتُوبُ اللهُ على مَنْ تَابَ» ، رواه البخاري. قال ثابت عن أنس عن أبيّ: كنا نرى هذا من القرآن، حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ . رواه البخاري. قال ابن العربي: وهذا نصٌّ صريح، غاب عن أهل التفسير [فجهلوا وجهَّلوا، والحمد لله على المعرفة] . وقرأ ابن عباس: «أألهاكم» على استفهام التقرير والإنكار ونقل في هذا المد مع التسهيل، ونقل فيه بتحقيق الهمزتين من غير مد. قوله تعالى: ﴿حتى زُرْتُمُ المقابر﴾ ، «حتَّى» غاية لقوله: «ألْهَاكُم» ، وهو عطف عليه، والمعنى: أي أتاكم الموت، فصرتم في المقابر زواراً، ترجعون فيها كرجوع الزائر إلى منزلة من جنة أو نار. وقيل: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ حتى عددتم الأموات. وقيل: هذا وعيد، أي: اشتغلتم بمفاخرة الدنيا حتى تزورا القبور، فتروا ما ينزل بكم من عذاب الله - عزَّ وجلَّ - و «المَقابِر» جمع مَقْبَرة، ومَقْبَرة بفتح الباء وضمها والقبور: جمع قبر، وسمي سعيد المقبري؛ لأنه كان يسكن المقابر، وقبرت الميت أقبَره وأقبُره قبراً؛ أي: دفنته، وأقبرته، أي: أمرت بأن يقبر. فصل في معنى ألهاكم قال المفسرون: معنى الآية: ألهاكم حرصكم على تكثير أموالكم عن طاعة ربكم حتى أتاكم الموت فأنتم على ذلك. قال ابن الخطيب: فإن قيل: شأن الزائر أن ينصرف قريباً، والأموات ملازمون القبور، فكيف يقال: إنه زار القبر؟ . وأيضاً: فقوله - جل ذكره -: ﴿حتى زُرْتُمُ المقابر﴾ إخبار عن الماضي، فكيف يحمل على المستقبل؟ . فالجواب عن الأول: أنَّ سكان القبور، لا بد أن ينصرفوا منها. وعن الثاني: أن المراد من كان مشرفاً على الموت لكبر أو لغيره كما يقال: إنه على شفير قبره وإما أن المراد من تقدمهم، كقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النبيين﴾ [البقرة: 61] . وقال أبو مسلم: إن الله يتكلم بهذه السورة يوم القيامة تعييراً للكفار، وهم في ذلك الوقت تقدمت منهم زيارة القبور. فصل في ذكر المقابر قال القرطبي: لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة. وفيه نظر؛ لأنه تعالى قال في سورة أخرى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: 21] . واعلم أن زيارة القبور من أعظم الأدوية للقلب القاسي، لأنها تذكر الموت، والآخرة، وذلك يحمل على قصر الأمل، والزُّهد في الدنيا، وترك الرغبة فيها. قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، فزُوْرُوهَا، فإنَّها تُزْهِدُ في الدُّنيا، وتذكرُ الآخِرةَ» . وروى أبو هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لعن زوّارات القبور. قال بعض أهل العلم: كان هذا قبل ترخيصه في زيارة القبور، فلما رخص دخل في الرخصة الرجال والنساء. وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنِّساء، لقلّة صبرهن، وكثرة جزعهن. وقال بعضهم: زيارة القبور للرجال متفق عليه، وأما النِّساء فمختلف فيه: أما الشوابّ فحرام عليهن الخروج، وأما لقواعد فمباح لهن ذلك، وجاز لجميعهن ذلك إذا انفردن بالخروج عن الرجال بغير خلاف لعدم خشية الفتنة. فصل في آداب زيارة القبور ينبغي لمن زار القُبُور أن يتأدب بآدابها، ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظّه منها إلا التّطواف فقط، فإن هذه حالة يشاركه فيها البهائم، بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى، وإصلاح فساد قلبه، ونفع الميت بما يتلوه عنده من القرآن، والدعاء، ويتجنب المشي على القبور، والجلوس عليها، ويسلم إذا دخل المقابر، وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضاً، وأتاه من تلقاء وجهه؛ لأنه في زيارته كمخاطبته حياً، ثم يعتبر بمن صار تحت التراب، وانقطع عن الأهل والأحباب، ويتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه أنه كيف انقطعت آمالهم، ولم تغن عنهم أموالهم ومحا التراب محاسن وجوههم، وتفرقت في القبور أجزاؤهم، وترمَّل من بعدهم نساؤهم، وشمل ذل اليتم أولادهم، وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم، وأنَّ حاله كحالهم، ومآله كمآلهم. [قوله تعالى: ﴿كَلاَّ﴾ قال الفراء: أي ليس الأمر على ما أنتم عليه من التفاخر والتكاثر. والتمام على هذا ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي سوف تعلمون عاقبة هذا. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ جعله ابن مالك من التوكيد مع توسّط حرف العطف] . وقال الزمخشريُّ: والتكرير تأكيد للردع، والرد عليهم، و «ثُمَّ» دالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول، وأشد كما تقول للمنصوح: أقول لك ثم أقول لك: «لا تَفْعَلْ» انتهى. ونقل عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تعلمُون﴾ في الدنيا ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلمُونَ﴾ في الآخرة فعلى هذا يكون غير مكرر لحصول التَّغاير بينهما؛ لأجل تغاير المتعلقين، و «ثُمَّ» على بابها من المهلة وحذف متعلق العلم في الأفعال الثلاثة، لأن الغرض الفعل لا متعلقه. وقال الزمخشريُّ: والمعنى: سوف تعلمون الخطأ فيما أنتم عليه إذا عاينتم ما قدامكم من هول لقاء الله، انتهى. فقدر له مفعولاً واحداً كأنه جعله بمعنى «عَرَفَ» . فصل في تفسير الآية قال ابن عباس: ﴿كَلاَّ سَوفَ تَعْلمُونَ﴾ ما ينزل بكم من العذاب في القبور ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلمُونَ﴾ في الآخرة إذا حل بكم العذاب، فالتَّكرار للحالين. وروى زر بن حبيش عن عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: كنا نشك في عذاب القبر، حتى نزلت هذه السورة فأشار إلى أن قوله: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني في القبور. [وقيل: كلا سوف تعلمون إذا نزل بكم الموت، وجاءتكم رسل ربكم تنزع أرواحكم، ثم كلا سوف تعلمون في القيامة أنكم معذبون، وعلى هذا تضمنت أحوال القيامة من بعث، وحشر، وعرض، وسؤال، إلى غير ذلك من أهوال يوم القيامة] . وقال الضحاكُ: ﴿كَلاَّ سَوفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيها المؤمنون وكذلك كان يقرؤها الأولى بالتاء والثانية بالياء فالأول وعيد والثاني وعد. قوله: ﴿كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ جواب «لَوْ» محذوف، أي: لفعلتم ما لا يوصف. وقيل: التقدير: لرجعتم عن كفركم. قال ابن الخطيب: وجواب «لَوْ» محذوف، وليس «لترونَّ» جوابها، لأن هذا مثبت، وجواب «لو» يكون منفياً، ولأنه عطف عليه قوله: «ثُمَّ لتُسْألُنَّ» وهو مستقبل، لا بد من وقوعه، وحذف جواب «لَوْ» كثير. قال الأخفش: التقدير: لو تعلمُون علم اليقين ما ألهاكم. وقيل: لو تعلمون لماذا خلقتم لاشتغلتم وحذفُ الجواب أفخر، لأنه يذهب الوهم معه كل مذهب، قال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الذين كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ﴾ [الأنبياء: 39] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: 30] وأعاد «كلاَّ» وهو زجر وتنبيه؛ لأنه عقب كل واحد بشيء آخر، كأنه قال: لا تفعلُوا، فإنكم تندمون، لا تفعلوا، فإنكم تستوجبون العقاب. و ﴿عِلْمَ اليقين﴾ مصدر. قيل: وأصله العلم اليقين، فأضيف الموصوف إلى صفته. وقيل: لا حاجة إلى ذلك؛ لأن العلم يكون يقيناً وغير يقين، فأضيف إليه إضافة العام للخاص، وهذا يدل على أنَّ اليقينَ أخصُّ. فصل في المراد باليقين قال المفسِّرون: أضاف العلم إلى اليقين، كقوله تعالى: ﴿لَهُوَ حَقُّ اليقين﴾ [الواقعة: 95] ، قال قتادة: اليقين هنا: الموت. وعنه أيضاً: البعث، لأنه إذا جاء زال الشكُّ، أي: لو تعلمون علم البعث أو الموت، فعبر عن الموت باليقين، كقولك: علم الطب، وعلم الحساب، والعلم من أشد البواعث على الفعل، فإذا كان بحيث يمكن العمل، كان تذكرة، وموعظة، وإن كان بعد فوات العمل كان حسرة، وندامة، وفيها تهديد عظيم للعلماء، الذين لا يعملون بعلمهم. قوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الجحيم﴾ . جواب قسم مقدر، أي: لترون الجحيم في الآخرة. والخطاب للكفار الذين وجبت لهم النار. وقيل: عام [كقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71] فهي للكفار دار، وللمؤمنين مَمَرّ] . وقرأ ابن عامر، والكسائي: «لتُروُنَّ» مبنياً للمفعول، وهي مفعولة من «رأى» الثلاثي أي: أريته الشيء، فاكتسب مفعولاً آخر، فقام الأول مقام الفاعل، وبقي الثاني منصوباً. والباقون مبنياً للفاعل، جعلوه غير منقول، فتعدى لواحد فقط، فإن الرؤية بصرية. وأمير المؤمنين، وعاصم، وابن كثير في رواية عنهم: بالفتح في الأول، والضم في الثاني، يعني: لترونها. ومجاهد، وابن أبي عبلة، وأشهب: بضمها فيهما. والعامة على أن الواوين لا يهمزان؛ لأن حركتهما عارضة. وقد نصّ مكي، وأبو البقاء على عدم جوازه، وعللا بعروض الحركة. وقرأ الحسن وأبو عمرو بخلاف عنهما: بهمز الواوين استثقالاً لضمة الواو. قال الزمخشري: «هِيَ مُسْتكرَهة» ، يعني لعروض الحركة عليها، إلا أنهم قد همزوا ما هو أولى لعدم الهمز من هذه الواو، نحو: ﴿اشتروا الضلالة﴾ [البقرة: 16] همزوا واو «اشترؤا» مع أنها حركة عارضة، وتزول في الوقف، وحركة هذه الواو، وإن كانت عارضة، إلا أنَّها غير زائلة في الوقف، فهو أولى بهمزها. قوله: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين﴾ هذا مصدر مؤكد، كأنه قيل: رؤية اليقين نفياً لتوهم المجاز في الرؤية الأولى. وقال أبو البقاء: لأن «رأى» ، و «عاين» بمعنى. فصل في معنى الآية معنى الكلام: «لتَرَوُنَّ الجَحِيمَ» بأبصاركم على البعد «ثُمَّ لتَروُنَّهَا عَيْنَ اليَقِينِ» أي: مشاهدة. وقيل: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلمَ اليَقِينَ﴾ ، معناه: «لَوْ تَعْلَمُونَ» اليوم في الدنيا «عِلمَ اليَقِينِ» بما أمامكم مما وصفت «لَتَروُنَّ الجَحِيم» بعيون قلوبكم، فإن علم اليقين يريك الجحيم بعين فؤادك، وهو أن يصور لك نار القيامة ﴿ثُمَّ لتَرونَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ ، أي: عند المعاينة بعين الرأس، فتراها يقيناً، لا تغيب عن عينك، ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم﴾ في موقف السؤال والعرض. قال الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار، لأن أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «لما نزلت هذه الآية، قال: يا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعيرٍ، ولحم، وبسر، وماء عذب، أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي يسأل عنه؟ . قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -» إنما ذلِكَ للكُفَّارِ «ثم قرأ: ﴿وَهَلْ نجازي إِلاَّ الكفور﴾ [سبأ: 17] ؛ ولأن ظاهر الآية يدل على ذلك لأن الكفار ألهاهم التكاثر بالدنيا، والتفاخر بلذاتها عن طاعة الله، والاشتغال بذكر الله تعالى، يسألهم عنها يوم القيامة، حتى يظهر لهم أن الذي ظنوه لسعادتهم كان من أعظم الأسباب لشقاوتهم. وقيل: السؤال عام في حق المؤمن، والكافر لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» أوَّلُ ما يُسْألُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ عن النَّعِيمِ، فيقالُ لَهُ: ألَمْ نُصْحِحْ جِسْمكَ؟ ألَمْ نَروِكَ مِنْ المَاءِ البَاردِ» وقيل: الزائد عما لا بد منه. وقيل غير ذلك. قال ابن الخطيب: والأولى على جميع النعيم، لأن الألف واللام تفيد الاستغراق، وليس صرف اللفظ إلى بعض أولى من غيرها إلى الباقي، فيسأل عنها، هل شكرها أم كفرها؟ وإذا قيل: هذا السؤال للكفار. فقيل: السؤال في موقف الحساب. وقيل: بعد دخول النار، يقال لهم: إنَّما حل بكم هذا العذاب لاشتغالكم في الدنيا بالنعيم عن العمل الذي ينجيكم، ولو صرفتم عمركم إلى طاعة ربكم لكنتم اليوم من أهل النجاة. والله أعلم. سورة العصر

التكاثر 102:3

مكية في قول الجميع، وروى البخاري أنها مدنية، وهي ثماني آيات. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ ، «ألْهَاكُم» : شغلكم؛ قال امرؤُ القيسِ: [الطويل] 5295 - ... ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... فألْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْولِ أي: شغلكم المباهاة، بكثرة المال والعدد عن طاعة الله، حتَّى متم ودفنتم في المقابر. قال ابن عباس والحسن: «ألْهَاكُم» : أنساكم، «التَّكاثرُ» ، أي: من الأموال، والأولاد قاله ابن عباسٍ والحسنُ وقتادةُ أي: التَّفاخر بالقبائل والعشائر، وقال الضحاك: ألهاكم التشاغل بالمعاش والتجارة، يقال: لهيت عن كذا - بالكسر - ألهى لهياً، ولهياناً: إذا سلوت عنه، وتركت ذكره، وأضربت عنه، وألهاه: أي: شغله، ولهاه به تلهيه: أي: تملله والتكاثر: المكاثرة قال قتادةُ ومقاتل وغيرهما: نزلت في اليهود حين قالوا: نحن أكثر من بني فلان وبنو فلان أكثر من بني فلان، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالاً. وقال ابن زيد: نزلت في فخذ من الأنصار. وقال ابن عباسٍ: ومقاتل، والكلبي: نزلت في حيين من قريش: بني عبد مناف، وبني سهم، تعادوا وتكاثروا بالسادة، والأشراف في الإسلام، فقال كل حي منهم: نحن أكثر سيداً، وأعز عزيزاً، وأعظم نفراً، وأكثر عائذاً، فكثر بنو عبد مناف سهماً، ثم تكاثروا بالأموات، فكثرتهم سهم، فنزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ بأحيائكم فلم ترضوا ﴿حتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ﴾ مفتخرين بالأموات. وعن عمرو بن دينار: حلف أن هذه السورة نزلت في التجار. وعن شيبان عن قتادة، قال: نزلت في أهل الكتاب. قال القرطبي: «والآية تعمّ جميع ما ذكر وغيره» . وروى ابن شهاب عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لَوْ أنَّ لابْنِ آدَمَ وادِساً مِنْ ذَهَبٍ، لأحَبَّ أنْ يكُونَ لَهُ وادِيانِ، ولنْ يَمْلأ فَاهُ إلاَّ التُّرابُ، ويتُوبُ اللهُ على مَنْ تَابَ» ، رواه البخاري. قال ثابت عن أنس عن أبيّ: كنا نرى هذا من القرآن، حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ . رواه البخاري. قال ابن العربي: وهذا نصٌّ صريح، غاب عن أهل التفسير [فجهلوا وجهَّلوا، والحمد لله على المعرفة] . وقرأ ابن عباس: «أألهاكم» على استفهام التقرير والإنكار ونقل في هذا المد مع التسهيل، ونقل فيه بتحقيق الهمزتين من غير مد. قوله تعالى: ﴿حتى زُرْتُمُ المقابر﴾ ، «حتَّى» غاية لقوله: «ألْهَاكُم» ، وهو عطف عليه، والمعنى: أي أتاكم الموت، فصرتم في المقابر زواراً، ترجعون فيها كرجوع الزائر إلى منزلة من جنة أو نار. وقيل: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ حتى عددتم الأموات. وقيل: هذا وعيد، أي: اشتغلتم بمفاخرة الدنيا حتى تزورا القبور، فتروا ما ينزل بكم من عذاب الله - عزَّ وجلَّ - و «المَقابِر» جمع مَقْبَرة، ومَقْبَرة بفتح الباء وضمها والقبور: جمع قبر، وسمي سعيد المقبري؛ لأنه كان يسكن المقابر، وقبرت الميت أقبَره وأقبُره قبراً؛ أي: دفنته، وأقبرته، أي: أمرت بأن يقبر. فصل في معنى ألهاكم قال المفسرون: معنى الآية: ألهاكم حرصكم على تكثير أموالكم عن طاعة ربكم حتى أتاكم الموت فأنتم على ذلك. قال ابن الخطيب: فإن قيل: شأن الزائر أن ينصرف قريباً، والأموات ملازمون القبور، فكيف يقال: إنه زار القبر؟ . وأيضاً: فقوله - جل ذكره -: ﴿حتى زُرْتُمُ المقابر﴾ إخبار عن الماضي، فكيف يحمل على المستقبل؟ . فالجواب عن الأول: أنَّ سكان القبور، لا بد أن ينصرفوا منها. وعن الثاني: أن المراد من كان مشرفاً على الموت لكبر أو لغيره كما يقال: إنه على شفير قبره وإما أن المراد من تقدمهم، كقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النبيين﴾ [البقرة: 61] . وقال أبو مسلم: إن الله يتكلم بهذه السورة يوم القيامة تعييراً للكفار، وهم في ذلك الوقت تقدمت منهم زيارة القبور. فصل في ذكر المقابر قال القرطبي: لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة. وفيه نظر؛ لأنه تعالى قال في سورة أخرى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: 21] . واعلم أن زيارة القبور من أعظم الأدوية للقلب القاسي، لأنها تذكر الموت، والآخرة، وذلك يحمل على قصر الأمل، والزُّهد في الدنيا، وترك الرغبة فيها. قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، فزُوْرُوهَا، فإنَّها تُزْهِدُ في الدُّنيا، وتذكرُ الآخِرةَ» . وروى أبو هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لعن زوّارات القبور. قال بعض أهل العلم: كان هذا قبل ترخيصه في زيارة القبور، فلما رخص دخل في الرخصة الرجال والنساء. وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنِّساء، لقلّة صبرهن، وكثرة جزعهن. وقال بعضهم: زيارة القبور للرجال متفق عليه، وأما النِّساء فمختلف فيه: أما الشوابّ فحرام عليهن الخروج، وأما لقواعد فمباح لهن ذلك، وجاز لجميعهن ذلك إذا انفردن بالخروج عن الرجال بغير خلاف لعدم خشية الفتنة. فصل في آداب زيارة القبور ينبغي لمن زار القُبُور أن يتأدب بآدابها، ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظّه منها إلا التّطواف فقط، فإن هذه حالة يشاركه فيها البهائم، بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى، وإصلاح فساد قلبه، ونفع الميت بما يتلوه عنده من القرآن، والدعاء، ويتجنب المشي على القبور، والجلوس عليها، ويسلم إذا دخل المقابر، وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضاً، وأتاه من تلقاء وجهه؛ لأنه في زيارته كمخاطبته حياً، ثم يعتبر بمن صار تحت التراب، وانقطع عن الأهل والأحباب، ويتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه أنه كيف انقطعت آمالهم، ولم تغن عنهم أموالهم ومحا التراب محاسن وجوههم، وتفرقت في القبور أجزاؤهم، وترمَّل من بعدهم نساؤهم، وشمل ذل اليتم أولادهم، وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم، وأنَّ حاله كحالهم، ومآله كمآلهم. [قوله تعالى: ﴿كَلاَّ﴾ قال الفراء: أي ليس الأمر على ما أنتم عليه من التفاخر والتكاثر. والتمام على هذا ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي سوف تعلمون عاقبة هذا. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ جعله ابن مالك من التوكيد مع توسّط حرف العطف] . وقال الزمخشريُّ: والتكرير تأكيد للردع، والرد عليهم، و «ثُمَّ» دالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول، وأشد كما تقول للمنصوح: أقول لك ثم أقول لك: «لا تَفْعَلْ» انتهى. ونقل عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تعلمُون﴾ في الدنيا ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلمُونَ﴾ في الآخرة فعلى هذا يكون غير مكرر لحصول التَّغاير بينهما؛ لأجل تغاير المتعلقين، و «ثُمَّ» على بابها من المهلة وحذف متعلق العلم في الأفعال الثلاثة، لأن الغرض الفعل لا متعلقه. وقال الزمخشريُّ: والمعنى: سوف تعلمون الخطأ فيما أنتم عليه إذا عاينتم ما قدامكم من هول لقاء الله، انتهى. فقدر له مفعولاً واحداً كأنه جعله بمعنى «عَرَفَ» . فصل في تفسير الآية قال ابن عباس: ﴿كَلاَّ سَوفَ تَعْلمُونَ﴾ ما ينزل بكم من العذاب في القبور ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلمُونَ﴾ في الآخرة إذا حل بكم العذاب، فالتَّكرار للحالين. وروى زر بن حبيش عن عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: كنا نشك في عذاب القبر، حتى نزلت هذه السورة فأشار إلى أن قوله: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني في القبور. [وقيل: كلا سوف تعلمون إذا نزل بكم الموت، وجاءتكم رسل ربكم تنزع أرواحكم، ثم كلا سوف تعلمون في القيامة أنكم معذبون، وعلى هذا تضمنت أحوال القيامة من بعث، وحشر، وعرض، وسؤال، إلى غير ذلك من أهوال يوم القيامة] . وقال الضحاكُ: ﴿كَلاَّ سَوفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيها المؤمنون وكذلك كان يقرؤها الأولى بالتاء والثانية بالياء فالأول وعيد والثاني وعد. قوله: ﴿كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ جواب «لَوْ» محذوف، أي: لفعلتم ما لا يوصف. وقيل: التقدير: لرجعتم عن كفركم. قال ابن الخطيب: وجواب «لَوْ» محذوف، وليس «لترونَّ» جوابها، لأن هذا مثبت، وجواب «لو» يكون منفياً، ولأنه عطف عليه قوله: «ثُمَّ لتُسْألُنَّ» وهو مستقبل، لا بد من وقوعه، وحذف جواب «لَوْ» كثير. قال الأخفش: التقدير: لو تعلمُون علم اليقين ما ألهاكم. وقيل: لو تعلمون لماذا خلقتم لاشتغلتم وحذفُ الجواب أفخر، لأنه يذهب الوهم معه كل مذهب، قال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الذين كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ﴾ [الأنبياء: 39] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: 30] وأعاد «كلاَّ» وهو زجر وتنبيه؛ لأنه عقب كل واحد بشيء آخر، كأنه قال: لا تفعلُوا، فإنكم تندمون، لا تفعلوا، فإنكم تستوجبون العقاب. و ﴿عِلْمَ اليقين﴾ مصدر. قيل: وأصله العلم اليقين، فأضيف الموصوف إلى صفته. وقيل: لا حاجة إلى ذلك؛ لأن العلم يكون يقيناً وغير يقين، فأضيف إليه إضافة العام للخاص، وهذا يدل على أنَّ اليقينَ أخصُّ. فصل في المراد باليقين قال المفسِّرون: أضاف العلم إلى اليقين، كقوله تعالى: ﴿لَهُوَ حَقُّ اليقين﴾ [الواقعة: 95] ، قال قتادة: اليقين هنا: الموت. وعنه أيضاً: البعث، لأنه إذا جاء زال الشكُّ، أي: لو تعلمون علم البعث أو الموت، فعبر عن الموت باليقين، كقولك: علم الطب، وعلم الحساب، والعلم من أشد البواعث على الفعل، فإذا كان بحيث يمكن العمل، كان تذكرة، وموعظة، وإن كان بعد فوات العمل كان حسرة، وندامة، وفيها تهديد عظيم للعلماء، الذين لا يعملون بعلمهم. قوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الجحيم﴾ . جواب قسم مقدر، أي: لترون الجحيم في الآخرة. والخطاب للكفار الذين وجبت لهم النار. وقيل: عام [كقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71] فهي للكفار دار، وللمؤمنين مَمَرّ] . وقرأ ابن عامر، والكسائي: «لتُروُنَّ» مبنياً للمفعول، وهي مفعولة من «رأى» الثلاثي أي: أريته الشيء، فاكتسب مفعولاً آخر، فقام الأول مقام الفاعل، وبقي الثاني منصوباً. والباقون مبنياً للفاعل، جعلوه غير منقول، فتعدى لواحد فقط، فإن الرؤية بصرية. وأمير المؤمنين، وعاصم، وابن كثير في رواية عنهم: بالفتح في الأول، والضم في الثاني، يعني: لترونها. ومجاهد، وابن أبي عبلة، وأشهب: بضمها فيهما. والعامة على أن الواوين لا يهمزان؛ لأن حركتهما عارضة. وقد نصّ مكي، وأبو البقاء على عدم جوازه، وعللا بعروض الحركة. وقرأ الحسن وأبو عمرو بخلاف عنهما: بهمز الواوين استثقالاً لضمة الواو. قال الزمخشري: «هِيَ مُسْتكرَهة» ، يعني لعروض الحركة عليها، إلا أنهم قد همزوا ما هو أولى لعدم الهمز من هذه الواو، نحو: ﴿اشتروا الضلالة﴾ [البقرة: 16] همزوا واو «اشترؤا» مع أنها حركة عارضة، وتزول في الوقف، وحركة هذه الواو، وإن كانت عارضة، إلا أنَّها غير زائلة في الوقف، فهو أولى بهمزها. قوله: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين﴾ هذا مصدر مؤكد، كأنه قيل: رؤية اليقين نفياً لتوهم المجاز في الرؤية الأولى. وقال أبو البقاء: لأن «رأى» ، و «عاين» بمعنى. فصل في معنى الآية معنى الكلام: «لتَرَوُنَّ الجَحِيمَ» بأبصاركم على البعد «ثُمَّ لتَروُنَّهَا عَيْنَ اليَقِينِ» أي: مشاهدة. وقيل: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلمَ اليَقِينَ﴾ ، معناه: «لَوْ تَعْلَمُونَ» اليوم في الدنيا «عِلمَ اليَقِينِ» بما أمامكم مما وصفت «لَتَروُنَّ الجَحِيم» بعيون قلوبكم، فإن علم اليقين يريك الجحيم بعين فؤادك، وهو أن يصور لك نار القيامة ﴿ثُمَّ لتَرونَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ ، أي: عند المعاينة بعين الرأس، فتراها يقيناً، لا تغيب عن عينك، ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم﴾ في موقف السؤال والعرض. قال الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار، لأن أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «لما نزلت هذه الآية، قال: يا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعيرٍ، ولحم، وبسر، وماء عذب، أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي يسأل عنه؟ . قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -» إنما ذلِكَ للكُفَّارِ «ثم قرأ: ﴿وَهَلْ نجازي إِلاَّ الكفور﴾ [سبأ: 17] ؛ ولأن ظاهر الآية يدل على ذلك لأن الكفار ألهاهم التكاثر بالدنيا، والتفاخر بلذاتها عن طاعة الله، والاشتغال بذكر الله تعالى، يسألهم عنها يوم القيامة، حتى يظهر لهم أن الذي ظنوه لسعادتهم كان من أعظم الأسباب لشقاوتهم. وقيل: السؤال عام في حق المؤمن، والكافر لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» أوَّلُ ما يُسْألُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ عن النَّعِيمِ، فيقالُ لَهُ: ألَمْ نُصْحِحْ جِسْمكَ؟ ألَمْ نَروِكَ مِنْ المَاءِ البَاردِ» وقيل: الزائد عما لا بد منه. وقيل غير ذلك. قال ابن الخطيب: والأولى على جميع النعيم، لأن الألف واللام تفيد الاستغراق، وليس صرف اللفظ إلى بعض أولى من غيرها إلى الباقي، فيسأل عنها، هل شكرها أم كفرها؟ وإذا قيل: هذا السؤال للكفار. فقيل: السؤال في موقف الحساب. وقيل: بعد دخول النار، يقال لهم: إنَّما حل بكم هذا العذاب لاشتغالكم في الدنيا بالنعيم عن العمل الذي ينجيكم، ولو صرفتم عمركم إلى طاعة ربكم لكنتم اليوم من أهل النجاة. والله أعلم. سورة العصر

التكاثر 102:4

مكية في قول الجميع، وروى البخاري أنها مدنية، وهي ثماني آيات. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ ، «ألْهَاكُم» : شغلكم؛ قال امرؤُ القيسِ: [الطويل] 5295 - ... ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... فألْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْولِ أي: شغلكم المباهاة، بكثرة المال والعدد عن طاعة الله، حتَّى متم ودفنتم في المقابر. قال ابن عباس والحسن: «ألْهَاكُم» : أنساكم، «التَّكاثرُ» ، أي: من الأموال، والأولاد قاله ابن عباسٍ والحسنُ وقتادةُ أي: التَّفاخر بالقبائل والعشائر، وقال الضحاك: ألهاكم التشاغل بالمعاش والتجارة، يقال: لهيت عن كذا - بالكسر - ألهى لهياً، ولهياناً: إذا سلوت عنه، وتركت ذكره، وأضربت عنه، وألهاه: أي: شغله، ولهاه به تلهيه: أي: تملله والتكاثر: المكاثرة قال قتادةُ ومقاتل وغيرهما: نزلت في اليهود حين قالوا: نحن أكثر من بني فلان وبنو فلان أكثر من بني فلان، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالاً. وقال ابن زيد: نزلت في فخذ من الأنصار. وقال ابن عباسٍ: ومقاتل، والكلبي: نزلت في حيين من قريش: بني عبد مناف، وبني سهم، تعادوا وتكاثروا بالسادة، والأشراف في الإسلام، فقال كل حي منهم: نحن أكثر سيداً، وأعز عزيزاً، وأعظم نفراً، وأكثر عائذاً، فكثر بنو عبد مناف سهماً، ثم تكاثروا بالأموات، فكثرتهم سهم، فنزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ بأحيائكم فلم ترضوا ﴿حتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ﴾ مفتخرين بالأموات. وعن عمرو بن دينار: حلف أن هذه السورة نزلت في التجار. وعن شيبان عن قتادة، قال: نزلت في أهل الكتاب. قال القرطبي: «والآية تعمّ جميع ما ذكر وغيره» . وروى ابن شهاب عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لَوْ أنَّ لابْنِ آدَمَ وادِساً مِنْ ذَهَبٍ، لأحَبَّ أنْ يكُونَ لَهُ وادِيانِ، ولنْ يَمْلأ فَاهُ إلاَّ التُّرابُ، ويتُوبُ اللهُ على مَنْ تَابَ» ، رواه البخاري. قال ثابت عن أنس عن أبيّ: كنا نرى هذا من القرآن، حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ . رواه البخاري. قال ابن العربي: وهذا نصٌّ صريح، غاب عن أهل التفسير [فجهلوا وجهَّلوا، والحمد لله على المعرفة] . وقرأ ابن عباس: «أألهاكم» على استفهام التقرير والإنكار ونقل في هذا المد مع التسهيل، ونقل فيه بتحقيق الهمزتين من غير مد. قوله تعالى: ﴿حتى زُرْتُمُ المقابر﴾ ، «حتَّى» غاية لقوله: «ألْهَاكُم» ، وهو عطف عليه، والمعنى: أي أتاكم الموت، فصرتم في المقابر زواراً، ترجعون فيها كرجوع الزائر إلى منزلة من جنة أو نار. وقيل: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ حتى عددتم الأموات. وقيل: هذا وعيد، أي: اشتغلتم بمفاخرة الدنيا حتى تزورا القبور، فتروا ما ينزل بكم من عذاب الله - عزَّ وجلَّ - و «المَقابِر» جمع مَقْبَرة، ومَقْبَرة بفتح الباء وضمها والقبور: جمع قبر، وسمي سعيد المقبري؛ لأنه كان يسكن المقابر، وقبرت الميت أقبَره وأقبُره قبراً؛ أي: دفنته، وأقبرته، أي: أمرت بأن يقبر. فصل في معنى ألهاكم قال المفسرون: معنى الآية: ألهاكم حرصكم على تكثير أموالكم عن طاعة ربكم حتى أتاكم الموت فأنتم على ذلك. قال ابن الخطيب: فإن قيل: شأن الزائر أن ينصرف قريباً، والأموات ملازمون القبور، فكيف يقال: إنه زار القبر؟ . وأيضاً: فقوله - جل ذكره -: ﴿حتى زُرْتُمُ المقابر﴾ إخبار عن الماضي، فكيف يحمل على المستقبل؟ . فالجواب عن الأول: أنَّ سكان القبور، لا بد أن ينصرفوا منها. وعن الثاني: أن المراد من كان مشرفاً على الموت لكبر أو لغيره كما يقال: إنه على شفير قبره وإما أن المراد من تقدمهم، كقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النبيين﴾ [البقرة: 61] . وقال أبو مسلم: إن الله يتكلم بهذه السورة يوم القيامة تعييراً للكفار، وهم في ذلك الوقت تقدمت منهم زيارة القبور. فصل في ذكر المقابر قال القرطبي: لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة. وفيه نظر؛ لأنه تعالى قال في سورة أخرى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: 21] . واعلم أن زيارة القبور من أعظم الأدوية للقلب القاسي، لأنها تذكر الموت، والآخرة، وذلك يحمل على قصر الأمل، والزُّهد في الدنيا، وترك الرغبة فيها. قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، فزُوْرُوهَا، فإنَّها تُزْهِدُ في الدُّنيا، وتذكرُ الآخِرةَ» . وروى أبو هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لعن زوّارات القبور. قال بعض أهل العلم: كان هذا قبل ترخيصه في زيارة القبور، فلما رخص دخل في الرخصة الرجال والنساء. وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنِّساء، لقلّة صبرهن، وكثرة جزعهن. وقال بعضهم: زيارة القبور للرجال متفق عليه، وأما النِّساء فمختلف فيه: أما الشوابّ فحرام عليهن الخروج، وأما لقواعد فمباح لهن ذلك، وجاز لجميعهن ذلك إذا انفردن بالخروج عن الرجال بغير خلاف لعدم خشية الفتنة. فصل في آداب زيارة القبور ينبغي لمن زار القُبُور أن يتأدب بآدابها، ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظّه منها إلا التّطواف فقط، فإن هذه حالة يشاركه فيها البهائم، بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى، وإصلاح فساد قلبه، ونفع الميت بما يتلوه عنده من القرآن، والدعاء، ويتجنب المشي على القبور، والجلوس عليها، ويسلم إذا دخل المقابر، وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضاً، وأتاه من تلقاء وجهه؛ لأنه في زيارته كمخاطبته حياً، ثم يعتبر بمن صار تحت التراب، وانقطع عن الأهل والأحباب، ويتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه أنه كيف انقطعت آمالهم، ولم تغن عنهم أموالهم ومحا التراب محاسن وجوههم، وتفرقت في القبور أجزاؤهم، وترمَّل من بعدهم نساؤهم، وشمل ذل اليتم أولادهم، وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم، وأنَّ حاله كحالهم، ومآله كمآلهم. [قوله تعالى: ﴿كَلاَّ﴾ قال الفراء: أي ليس الأمر على ما أنتم عليه من التفاخر والتكاثر. والتمام على هذا ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي سوف تعلمون عاقبة هذا. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ جعله ابن مالك من التوكيد مع توسّط حرف العطف] . وقال الزمخشريُّ: والتكرير تأكيد للردع، والرد عليهم، و «ثُمَّ» دالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول، وأشد كما تقول للمنصوح: أقول لك ثم أقول لك: «لا تَفْعَلْ» انتهى. ونقل عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تعلمُون﴾ في الدنيا ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلمُونَ﴾ في الآخرة فعلى هذا يكون غير مكرر لحصول التَّغاير بينهما؛ لأجل تغاير المتعلقين، و «ثُمَّ» على بابها من المهلة وحذف متعلق العلم في الأفعال الثلاثة، لأن الغرض الفعل لا متعلقه. وقال الزمخشريُّ: والمعنى: سوف تعلمون الخطأ فيما أنتم عليه إذا عاينتم ما قدامكم من هول لقاء الله، انتهى. فقدر له مفعولاً واحداً كأنه جعله بمعنى «عَرَفَ» . فصل في تفسير الآية قال ابن عباس: ﴿كَلاَّ سَوفَ تَعْلمُونَ﴾ ما ينزل بكم من العذاب في القبور ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلمُونَ﴾ في الآخرة إذا حل بكم العذاب، فالتَّكرار للحالين. وروى زر بن حبيش عن عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: كنا نشك في عذاب القبر، حتى نزلت هذه السورة فأشار إلى أن قوله: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني في القبور. [وقيل: كلا سوف تعلمون إذا نزل بكم الموت، وجاءتكم رسل ربكم تنزع أرواحكم، ثم كلا سوف تعلمون في القيامة أنكم معذبون، وعلى هذا تضمنت أحوال القيامة من بعث، وحشر، وعرض، وسؤال، إلى غير ذلك من أهوال يوم القيامة] . وقال الضحاكُ: ﴿كَلاَّ سَوفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيها المؤمنون وكذلك كان يقرؤها الأولى بالتاء والثانية بالياء فالأول وعيد والثاني وعد. قوله: ﴿كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ جواب «لَوْ» محذوف، أي: لفعلتم ما لا يوصف. وقيل: التقدير: لرجعتم عن كفركم. قال ابن الخطيب: وجواب «لَوْ» محذوف، وليس «لترونَّ» جوابها، لأن هذا مثبت، وجواب «لو» يكون منفياً، ولأنه عطف عليه قوله: «ثُمَّ لتُسْألُنَّ» وهو مستقبل، لا بد من وقوعه، وحذف جواب «لَوْ» كثير. قال الأخفش: التقدير: لو تعلمُون علم اليقين ما ألهاكم. وقيل: لو تعلمون لماذا خلقتم لاشتغلتم وحذفُ الجواب أفخر، لأنه يذهب الوهم معه كل مذهب، قال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الذين كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ﴾ [الأنبياء: 39] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: 30] وأعاد «كلاَّ» وهو زجر وتنبيه؛ لأنه عقب كل واحد بشيء آخر، كأنه قال: لا تفعلُوا، فإنكم تندمون، لا تفعلوا، فإنكم تستوجبون العقاب. و ﴿عِلْمَ اليقين﴾ مصدر. قيل: وأصله العلم اليقين، فأضيف الموصوف إلى صفته. وقيل: لا حاجة إلى ذلك؛ لأن العلم يكون يقيناً وغير يقين، فأضيف إليه إضافة العام للخاص، وهذا يدل على أنَّ اليقينَ أخصُّ. فصل في المراد باليقين قال المفسِّرون: أضاف العلم إلى اليقين، كقوله تعالى: ﴿لَهُوَ حَقُّ اليقين﴾ [الواقعة: 95] ، قال قتادة: اليقين هنا: الموت. وعنه أيضاً: البعث، لأنه إذا جاء زال الشكُّ، أي: لو تعلمون علم البعث أو الموت، فعبر عن الموت باليقين، كقولك: علم الطب، وعلم الحساب، والعلم من أشد البواعث على الفعل، فإذا كان بحيث يمكن العمل، كان تذكرة، وموعظة، وإن كان بعد فوات العمل كان حسرة، وندامة، وفيها تهديد عظيم للعلماء، الذين لا يعملون بعلمهم. قوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الجحيم﴾ . جواب قسم مقدر، أي: لترون الجحيم في الآخرة. والخطاب للكفار الذين وجبت لهم النار. وقيل: عام [كقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71] فهي للكفار دار، وللمؤمنين مَمَرّ] . وقرأ ابن عامر، والكسائي: «لتُروُنَّ» مبنياً للمفعول، وهي مفعولة من «رأى» الثلاثي أي: أريته الشيء، فاكتسب مفعولاً آخر، فقام الأول مقام الفاعل، وبقي الثاني منصوباً. والباقون مبنياً للفاعل، جعلوه غير منقول، فتعدى لواحد فقط، فإن الرؤية بصرية. وأمير المؤمنين، وعاصم، وابن كثير في رواية عنهم: بالفتح في الأول، والضم في الثاني، يعني: لترونها. ومجاهد، وابن أبي عبلة، وأشهب: بضمها فيهما. والعامة على أن الواوين لا يهمزان؛ لأن حركتهما عارضة. وقد نصّ مكي، وأبو البقاء على عدم جوازه، وعللا بعروض الحركة. وقرأ الحسن وأبو عمرو بخلاف عنهما: بهمز الواوين استثقالاً لضمة الواو. قال الزمخشري: «هِيَ مُسْتكرَهة» ، يعني لعروض الحركة عليها، إلا أنهم قد همزوا ما هو أولى لعدم الهمز من هذه الواو، نحو: ﴿اشتروا الضلالة﴾ [البقرة: 16] همزوا واو «اشترؤا» مع أنها حركة عارضة، وتزول في الوقف، وحركة هذه الواو، وإن كانت عارضة، إلا أنَّها غير زائلة في الوقف، فهو أولى بهمزها. قوله: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين﴾ هذا مصدر مؤكد، كأنه قيل: رؤية اليقين نفياً لتوهم المجاز في الرؤية الأولى. وقال أبو البقاء: لأن «رأى» ، و «عاين» بمعنى. فصل في معنى الآية معنى الكلام: «لتَرَوُنَّ الجَحِيمَ» بأبصاركم على البعد «ثُمَّ لتَروُنَّهَا عَيْنَ اليَقِينِ» أي: مشاهدة. وقيل: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلمَ اليَقِينَ﴾ ، معناه: «لَوْ تَعْلَمُونَ» اليوم في الدنيا «عِلمَ اليَقِينِ» بما أمامكم مما وصفت «لَتَروُنَّ الجَحِيم» بعيون قلوبكم، فإن علم اليقين يريك الجحيم بعين فؤادك، وهو أن يصور لك نار القيامة ﴿ثُمَّ لتَرونَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ ، أي: عند المعاينة بعين الرأس، فتراها يقيناً، لا تغيب عن عينك، ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم﴾ في موقف السؤال والعرض. قال الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار، لأن أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «لما نزلت هذه الآية، قال: يا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعيرٍ، ولحم، وبسر، وماء عذب، أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي يسأل عنه؟ . قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -» إنما ذلِكَ للكُفَّارِ «ثم قرأ: ﴿وَهَلْ نجازي إِلاَّ الكفور﴾ [سبأ: 17] ؛ ولأن ظاهر الآية يدل على ذلك لأن الكفار ألهاهم التكاثر بالدنيا، والتفاخر بلذاتها عن طاعة الله، والاشتغال بذكر الله تعالى، يسألهم عنها يوم القيامة، حتى يظهر لهم أن الذي ظنوه لسعادتهم كان من أعظم الأسباب لشقاوتهم. وقيل: السؤال عام في حق المؤمن، والكافر لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» أوَّلُ ما يُسْألُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ عن النَّعِيمِ، فيقالُ لَهُ: ألَمْ نُصْحِحْ جِسْمكَ؟ ألَمْ نَروِكَ مِنْ المَاءِ البَاردِ» وقيل: الزائد عما لا بد منه. وقيل غير ذلك. قال ابن الخطيب: والأولى على جميع النعيم، لأن الألف واللام تفيد الاستغراق، وليس صرف اللفظ إلى بعض أولى من غيرها إلى الباقي، فيسأل عنها، هل شكرها أم كفرها؟ وإذا قيل: هذا السؤال للكفار. فقيل: السؤال في موقف الحساب. وقيل: بعد دخول النار، يقال لهم: إنَّما حل بكم هذا العذاب لاشتغالكم في الدنيا بالنعيم عن العمل الذي ينجيكم، ولو صرفتم عمركم إلى طاعة ربكم لكنتم اليوم من أهل النجاة. والله أعلم. سورة العصر

التكاثر 102:5

مكية في قول الجميع، وروى البخاري أنها مدنية، وهي ثماني آيات. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ ، «ألْهَاكُم» : شغلكم؛ قال امرؤُ القيسِ: [الطويل] 5295 - ... ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... فألْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْولِ أي: شغلكم المباهاة، بكثرة المال والعدد عن طاعة الله، حتَّى متم ودفنتم في المقابر. قال ابن عباس والحسن: «ألْهَاكُم» : أنساكم، «التَّكاثرُ» ، أي: من الأموال، والأولاد قاله ابن عباسٍ والحسنُ وقتادةُ أي: التَّفاخر بالقبائل والعشائر، وقال الضحاك: ألهاكم التشاغل بالمعاش والتجارة، يقال: لهيت عن كذا - بالكسر - ألهى لهياً، ولهياناً: إذا سلوت عنه، وتركت ذكره، وأضربت عنه، وألهاه: أي: شغله، ولهاه به تلهيه: أي: تملله والتكاثر: المكاثرة قال قتادةُ ومقاتل وغيرهما: نزلت في اليهود حين قالوا: نحن أكثر من بني فلان وبنو فلان أكثر من بني فلان، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالاً. وقال ابن زيد: نزلت في فخذ من الأنصار. وقال ابن عباسٍ: ومقاتل، والكلبي: نزلت في حيين من قريش: بني عبد مناف، وبني سهم، تعادوا وتكاثروا بالسادة، والأشراف في الإسلام، فقال كل حي منهم: نحن أكثر سيداً، وأعز عزيزاً، وأعظم نفراً، وأكثر عائذاً، فكثر بنو عبد مناف سهماً، ثم تكاثروا بالأموات، فكثرتهم سهم، فنزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ بأحيائكم فلم ترضوا ﴿حتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ﴾ مفتخرين بالأموات. وعن عمرو بن دينار: حلف أن هذه السورة نزلت في التجار. وعن شيبان عن قتادة، قال: نزلت في أهل الكتاب. قال القرطبي: «والآية تعمّ جميع ما ذكر وغيره» . وروى ابن شهاب عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لَوْ أنَّ لابْنِ آدَمَ وادِساً مِنْ ذَهَبٍ، لأحَبَّ أنْ يكُونَ لَهُ وادِيانِ، ولنْ يَمْلأ فَاهُ إلاَّ التُّرابُ، ويتُوبُ اللهُ على مَنْ تَابَ» ، رواه البخاري. قال ثابت عن أنس عن أبيّ: كنا نرى هذا من القرآن، حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ . رواه البخاري. قال ابن العربي: وهذا نصٌّ صريح، غاب عن أهل التفسير [فجهلوا وجهَّلوا، والحمد لله على المعرفة] . وقرأ ابن عباس: «أألهاكم» على استفهام التقرير والإنكار ونقل في هذا المد مع التسهيل، ونقل فيه بتحقيق الهمزتين من غير مد. قوله تعالى: ﴿حتى زُرْتُمُ المقابر﴾ ، «حتَّى» غاية لقوله: «ألْهَاكُم» ، وهو عطف عليه، والمعنى: أي أتاكم الموت، فصرتم في المقابر زواراً، ترجعون فيها كرجوع الزائر إلى منزلة من جنة أو نار. وقيل: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ حتى عددتم الأموات. وقيل: هذا وعيد، أي: اشتغلتم بمفاخرة الدنيا حتى تزورا القبور، فتروا ما ينزل بكم من عذاب الله - عزَّ وجلَّ - و «المَقابِر» جمع مَقْبَرة، ومَقْبَرة بفتح الباء وضمها والقبور: جمع قبر، وسمي سعيد المقبري؛ لأنه كان يسكن المقابر، وقبرت الميت أقبَره وأقبُره قبراً؛ أي: دفنته، وأقبرته، أي: أمرت بأن يقبر. فصل في معنى ألهاكم قال المفسرون: معنى الآية: ألهاكم حرصكم على تكثير أموالكم عن طاعة ربكم حتى أتاكم الموت فأنتم على ذلك. قال ابن الخطيب: فإن قيل: شأن الزائر أن ينصرف قريباً، والأموات ملازمون القبور، فكيف يقال: إنه زار القبر؟ . وأيضاً: فقوله - جل ذكره -: ﴿حتى زُرْتُمُ المقابر﴾ إخبار عن الماضي، فكيف يحمل على المستقبل؟ . فالجواب عن الأول: أنَّ سكان القبور، لا بد أن ينصرفوا منها. وعن الثاني: أن المراد من كان مشرفاً على الموت لكبر أو لغيره كما يقال: إنه على شفير قبره وإما أن المراد من تقدمهم، كقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النبيين﴾ [البقرة: 61] . وقال أبو مسلم: إن الله يتكلم بهذه السورة يوم القيامة تعييراً للكفار، وهم في ذلك الوقت تقدمت منهم زيارة القبور. فصل في ذكر المقابر قال القرطبي: لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة. وفيه نظر؛ لأنه تعالى قال في سورة أخرى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: 21] . واعلم أن زيارة القبور من أعظم الأدوية للقلب القاسي، لأنها تذكر الموت، والآخرة، وذلك يحمل على قصر الأمل، والزُّهد في الدنيا، وترك الرغبة فيها. قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، فزُوْرُوهَا، فإنَّها تُزْهِدُ في الدُّنيا، وتذكرُ الآخِرةَ» . وروى أبو هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لعن زوّارات القبور. قال بعض أهل العلم: كان هذا قبل ترخيصه في زيارة القبور، فلما رخص دخل في الرخصة الرجال والنساء. وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنِّساء، لقلّة صبرهن، وكثرة جزعهن. وقال بعضهم: زيارة القبور للرجال متفق عليه، وأما النِّساء فمختلف فيه: أما الشوابّ فحرام عليهن الخروج، وأما لقواعد فمباح لهن ذلك، وجاز لجميعهن ذلك إذا انفردن بالخروج عن الرجال بغير خلاف لعدم خشية الفتنة. فصل في آداب زيارة القبور ينبغي لمن زار القُبُور أن يتأدب بآدابها، ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظّه منها إلا التّطواف فقط، فإن هذه حالة يشاركه فيها البهائم، بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى، وإصلاح فساد قلبه، ونفع الميت بما يتلوه عنده من القرآن، والدعاء، ويتجنب المشي على القبور، والجلوس عليها، ويسلم إذا دخل المقابر، وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضاً، وأتاه من تلقاء وجهه؛ لأنه في زيارته كمخاطبته حياً، ثم يعتبر بمن صار تحت التراب، وانقطع عن الأهل والأحباب، ويتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه أنه كيف انقطعت آمالهم، ولم تغن عنهم أموالهم ومحا التراب محاسن وجوههم، وتفرقت في القبور أجزاؤهم، وترمَّل من بعدهم نساؤهم، وشمل ذل اليتم أولادهم، وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم، وأنَّ حاله كحالهم، ومآله كمآلهم. [قوله تعالى: ﴿كَلاَّ﴾ قال الفراء: أي ليس الأمر على ما أنتم عليه من التفاخر والتكاثر. والتمام على هذا ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي سوف تعلمون عاقبة هذا. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ جعله ابن مالك من التوكيد مع توسّط حرف العطف] . وقال الزمخشريُّ: والتكرير تأكيد للردع، والرد عليهم، و «ثُمَّ» دالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول، وأشد كما تقول للمنصوح: أقول لك ثم أقول لك: «لا تَفْعَلْ» انتهى. ونقل عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تعلمُون﴾ في الدنيا ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلمُونَ﴾ في الآخرة فعلى هذا يكون غير مكرر لحصول التَّغاير بينهما؛ لأجل تغاير المتعلقين، و «ثُمَّ» على بابها من المهلة وحذف متعلق العلم في الأفعال الثلاثة، لأن الغرض الفعل لا متعلقه. وقال الزمخشريُّ: والمعنى: سوف تعلمون الخطأ فيما أنتم عليه إذا عاينتم ما قدامكم من هول لقاء الله، انتهى. فقدر له مفعولاً واحداً كأنه جعله بمعنى «عَرَفَ» . فصل في تفسير الآية قال ابن عباس: ﴿كَلاَّ سَوفَ تَعْلمُونَ﴾ ما ينزل بكم من العذاب في القبور ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلمُونَ﴾ في الآخرة إذا حل بكم العذاب، فالتَّكرار للحالين. وروى زر بن حبيش عن عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: كنا نشك في عذاب القبر، حتى نزلت هذه السورة فأشار إلى أن قوله: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني في القبور. [وقيل: كلا سوف تعلمون إذا نزل بكم الموت، وجاءتكم رسل ربكم تنزع أرواحكم، ثم كلا سوف تعلمون في القيامة أنكم معذبون، وعلى هذا تضمنت أحوال القيامة من بعث، وحشر، وعرض، وسؤال، إلى غير ذلك من أهوال يوم القيامة] . وقال الضحاكُ: ﴿كَلاَّ سَوفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيها المؤمنون وكذلك كان يقرؤها الأولى بالتاء والثانية بالياء فالأول وعيد والثاني وعد. قوله: ﴿كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ جواب «لَوْ» محذوف، أي: لفعلتم ما لا يوصف. وقيل: التقدير: لرجعتم عن كفركم. قال ابن الخطيب: وجواب «لَوْ» محذوف، وليس «لترونَّ» جوابها، لأن هذا مثبت، وجواب «لو» يكون منفياً، ولأنه عطف عليه قوله: «ثُمَّ لتُسْألُنَّ» وهو مستقبل، لا بد من وقوعه، وحذف جواب «لَوْ» كثير. قال الأخفش: التقدير: لو تعلمُون علم اليقين ما ألهاكم. وقيل: لو تعلمون لماذا خلقتم لاشتغلتم وحذفُ الجواب أفخر، لأنه يذهب الوهم معه كل مذهب، قال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الذين كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ﴾ [الأنبياء: 39] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: 30] وأعاد «كلاَّ» وهو زجر وتنبيه؛ لأنه عقب كل واحد بشيء آخر، كأنه قال: لا تفعلُوا، فإنكم تندمون، لا تفعلوا، فإنكم تستوجبون العقاب. و ﴿عِلْمَ اليقين﴾ مصدر. قيل: وأصله العلم اليقين، فأضيف الموصوف إلى صفته. وقيل: لا حاجة إلى ذلك؛ لأن العلم يكون يقيناً وغير يقين، فأضيف إليه إضافة العام للخاص، وهذا يدل على أنَّ اليقينَ أخصُّ. فصل في المراد باليقين قال المفسِّرون: أضاف العلم إلى اليقين، كقوله تعالى: ﴿لَهُوَ حَقُّ اليقين﴾ [الواقعة: 95] ، قال قتادة: اليقين هنا: الموت. وعنه أيضاً: البعث، لأنه إذا جاء زال الشكُّ، أي: لو تعلمون علم البعث أو الموت، فعبر عن الموت باليقين، كقولك: علم الطب، وعلم الحساب، والعلم من أشد البواعث على الفعل، فإذا كان بحيث يمكن العمل، كان تذكرة، وموعظة، وإن كان بعد فوات العمل كان حسرة، وندامة، وفيها تهديد عظيم للعلماء، الذين لا يعملون بعلمهم. قوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الجحيم﴾ . جواب قسم مقدر، أي: لترون الجحيم في الآخرة. والخطاب للكفار الذين وجبت لهم النار. وقيل: عام [كقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71] فهي للكفار دار، وللمؤمنين مَمَرّ] . وقرأ ابن عامر، والكسائي: «لتُروُنَّ» مبنياً للمفعول، وهي مفعولة من «رأى» الثلاثي أي: أريته الشيء، فاكتسب مفعولاً آخر، فقام الأول مقام الفاعل، وبقي الثاني منصوباً. والباقون مبنياً للفاعل، جعلوه غير منقول، فتعدى لواحد فقط، فإن الرؤية بصرية. وأمير المؤمنين، وعاصم، وابن كثير في رواية عنهم: بالفتح في الأول، والضم في الثاني، يعني: لترونها. ومجاهد، وابن أبي عبلة، وأشهب: بضمها فيهما. والعامة على أن الواوين لا يهمزان؛ لأن حركتهما عارضة. وقد نصّ مكي، وأبو البقاء على عدم جوازه، وعللا بعروض الحركة. وقرأ الحسن وأبو عمرو بخلاف عنهما: بهمز الواوين استثقالاً لضمة الواو. قال الزمخشري: «هِيَ مُسْتكرَهة» ، يعني لعروض الحركة عليها، إلا أنهم قد همزوا ما هو أولى لعدم الهمز من هذه الواو، نحو: ﴿اشتروا الضلالة﴾ [البقرة: 16] همزوا واو «اشترؤا» مع أنها حركة عارضة، وتزول في الوقف، وحركة هذه الواو، وإن كانت عارضة، إلا أنَّها غير زائلة في الوقف، فهو أولى بهمزها. قوله: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين﴾ هذا مصدر مؤكد، كأنه قيل: رؤية اليقين نفياً لتوهم المجاز في الرؤية الأولى. وقال أبو البقاء: لأن «رأى» ، و «عاين» بمعنى. فصل في معنى الآية معنى الكلام: «لتَرَوُنَّ الجَحِيمَ» بأبصاركم على البعد «ثُمَّ لتَروُنَّهَا عَيْنَ اليَقِينِ» أي: مشاهدة. وقيل: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلمَ اليَقِينَ﴾ ، معناه: «لَوْ تَعْلَمُونَ» اليوم في الدنيا «عِلمَ اليَقِينِ» بما أمامكم مما وصفت «لَتَروُنَّ الجَحِيم» بعيون قلوبكم، فإن علم اليقين يريك الجحيم بعين فؤادك، وهو أن يصور لك نار القيامة ﴿ثُمَّ لتَرونَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ ، أي: عند المعاينة بعين الرأس، فتراها يقيناً، لا تغيب عن عينك، ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم﴾ في موقف السؤال والعرض. قال الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار، لأن أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «لما نزلت هذه الآية، قال: يا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعيرٍ، ولحم، وبسر، وماء عذب، أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي يسأل عنه؟ . قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -» إنما ذلِكَ للكُفَّارِ «ثم قرأ: ﴿وَهَلْ نجازي إِلاَّ الكفور﴾ [سبأ: 17] ؛ ولأن ظاهر الآية يدل على ذلك لأن الكفار ألهاهم التكاثر بالدنيا، والتفاخر بلذاتها عن طاعة الله، والاشتغال بذكر الله تعالى، يسألهم عنها يوم القيامة، حتى يظهر لهم أن الذي ظنوه لسعادتهم كان من أعظم الأسباب لشقاوتهم. وقيل: السؤال عام في حق المؤمن، والكافر لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» أوَّلُ ما يُسْألُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ عن النَّعِيمِ، فيقالُ لَهُ: ألَمْ نُصْحِحْ جِسْمكَ؟ ألَمْ نَروِكَ مِنْ المَاءِ البَاردِ» وقيل: الزائد عما لا بد منه. وقيل غير ذلك. قال ابن الخطيب: والأولى على جميع النعيم، لأن الألف واللام تفيد الاستغراق، وليس صرف اللفظ إلى بعض أولى من غيرها إلى الباقي، فيسأل عنها، هل شكرها أم كفرها؟ وإذا قيل: هذا السؤال للكفار. فقيل: السؤال في موقف الحساب. وقيل: بعد دخول النار، يقال لهم: إنَّما حل بكم هذا العذاب لاشتغالكم في الدنيا بالنعيم عن العمل الذي ينجيكم، ولو صرفتم عمركم إلى طاعة ربكم لكنتم اليوم من أهل النجاة. والله أعلم. سورة العصر

التكاثر 102:6

مكية في قول الجميع، وروى البخاري أنها مدنية، وهي ثماني آيات. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ ، «ألْهَاكُم» : شغلكم؛ قال امرؤُ القيسِ: [الطويل] 5295 - ... ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... فألْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْولِ أي: شغلكم المباهاة، بكثرة المال والعدد عن طاعة الله، حتَّى متم ودفنتم في المقابر. قال ابن عباس والحسن: «ألْهَاكُم» : أنساكم، «التَّكاثرُ» ، أي: من الأموال، والأولاد قاله ابن عباسٍ والحسنُ وقتادةُ أي: التَّفاخر بالقبائل والعشائر، وقال الضحاك: ألهاكم التشاغل بالمعاش والتجارة، يقال: لهيت عن كذا - بالكسر - ألهى لهياً، ولهياناً: إذا سلوت عنه، وتركت ذكره، وأضربت عنه، وألهاه: أي: شغله، ولهاه به تلهيه: أي: تملله والتكاثر: المكاثرة قال قتادةُ ومقاتل وغيرهما: نزلت في اليهود حين قالوا: نحن أكثر من بني فلان وبنو فلان أكثر من بني فلان، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالاً. وقال ابن زيد: نزلت في فخذ من الأنصار. وقال ابن عباسٍ: ومقاتل، والكلبي: نزلت في حيين من قريش: بني عبد مناف، وبني سهم، تعادوا وتكاثروا بالسادة، والأشراف في الإسلام، فقال كل حي منهم: نحن أكثر سيداً، وأعز عزيزاً، وأعظم نفراً، وأكثر عائذاً، فكثر بنو عبد مناف سهماً، ثم تكاثروا بالأموات، فكثرتهم سهم، فنزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ بأحيائكم فلم ترضوا ﴿حتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ﴾ مفتخرين بالأموات. وعن عمرو بن دينار: حلف أن هذه السورة نزلت في التجار. وعن شيبان عن قتادة، قال: نزلت في أهل الكتاب. قال القرطبي: «والآية تعمّ جميع ما ذكر وغيره» . وروى ابن شهاب عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لَوْ أنَّ لابْنِ آدَمَ وادِساً مِنْ ذَهَبٍ، لأحَبَّ أنْ يكُونَ لَهُ وادِيانِ، ولنْ يَمْلأ فَاهُ إلاَّ التُّرابُ، ويتُوبُ اللهُ على مَنْ تَابَ» ، رواه البخاري. قال ثابت عن أنس عن أبيّ: كنا نرى هذا من القرآن، حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ . رواه البخاري. قال ابن العربي: وهذا نصٌّ صريح، غاب عن أهل التفسير [فجهلوا وجهَّلوا، والحمد لله على المعرفة] . وقرأ ابن عباس: «أألهاكم» على استفهام التقرير والإنكار ونقل في هذا المد مع التسهيل، ونقل فيه بتحقيق الهمزتين من غير مد. قوله تعالى: ﴿حتى زُرْتُمُ المقابر﴾ ، «حتَّى» غاية لقوله: «ألْهَاكُم» ، وهو عطف عليه، والمعنى: أي أتاكم الموت، فصرتم في المقابر زواراً، ترجعون فيها كرجوع الزائر إلى منزلة من جنة أو نار. وقيل: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ حتى عددتم الأموات. وقيل: هذا وعيد، أي: اشتغلتم بمفاخرة الدنيا حتى تزورا القبور، فتروا ما ينزل بكم من عذاب الله - عزَّ وجلَّ - و «المَقابِر» جمع مَقْبَرة، ومَقْبَرة بفتح الباء وضمها والقبور: جمع قبر، وسمي سعيد المقبري؛ لأنه كان يسكن المقابر، وقبرت الميت أقبَره وأقبُره قبراً؛ أي: دفنته، وأقبرته، أي: أمرت بأن يقبر. فصل في معنى ألهاكم قال المفسرون: معنى الآية: ألهاكم حرصكم على تكثير أموالكم عن طاعة ربكم حتى أتاكم الموت فأنتم على ذلك. قال ابن الخطيب: فإن قيل: شأن الزائر أن ينصرف قريباً، والأموات ملازمون القبور، فكيف يقال: إنه زار القبر؟ . وأيضاً: فقوله - جل ذكره -: ﴿حتى زُرْتُمُ المقابر﴾ إخبار عن الماضي، فكيف يحمل على المستقبل؟ . فالجواب عن الأول: أنَّ سكان القبور، لا بد أن ينصرفوا منها. وعن الثاني: أن المراد من كان مشرفاً على الموت لكبر أو لغيره كما يقال: إنه على شفير قبره وإما أن المراد من تقدمهم، كقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النبيين﴾ [البقرة: 61] . وقال أبو مسلم: إن الله يتكلم بهذه السورة يوم القيامة تعييراً للكفار، وهم في ذلك الوقت تقدمت منهم زيارة القبور. فصل في ذكر المقابر قال القرطبي: لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة. وفيه نظر؛ لأنه تعالى قال في سورة أخرى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: 21] . واعلم أن زيارة القبور من أعظم الأدوية للقلب القاسي، لأنها تذكر الموت، والآخرة، وذلك يحمل على قصر الأمل، والزُّهد في الدنيا، وترك الرغبة فيها. قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، فزُوْرُوهَا، فإنَّها تُزْهِدُ في الدُّنيا، وتذكرُ الآخِرةَ» . وروى أبو هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لعن زوّارات القبور. قال بعض أهل العلم: كان هذا قبل ترخيصه في زيارة القبور، فلما رخص دخل في الرخصة الرجال والنساء. وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنِّساء، لقلّة صبرهن، وكثرة جزعهن. وقال بعضهم: زيارة القبور للرجال متفق عليه، وأما النِّساء فمختلف فيه: أما الشوابّ فحرام عليهن الخروج، وأما لقواعد فمباح لهن ذلك، وجاز لجميعهن ذلك إذا انفردن بالخروج عن الرجال بغير خلاف لعدم خشية الفتنة. فصل في آداب زيارة القبور ينبغي لمن زار القُبُور أن يتأدب بآدابها، ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظّه منها إلا التّطواف فقط، فإن هذه حالة يشاركه فيها البهائم، بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى، وإصلاح فساد قلبه، ونفع الميت بما يتلوه عنده من القرآن، والدعاء، ويتجنب المشي على القبور، والجلوس عليها، ويسلم إذا دخل المقابر، وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضاً، وأتاه من تلقاء وجهه؛ لأنه في زيارته كمخاطبته حياً، ثم يعتبر بمن صار تحت التراب، وانقطع عن الأهل والأحباب، ويتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه أنه كيف انقطعت آمالهم، ولم تغن عنهم أموالهم ومحا التراب محاسن وجوههم، وتفرقت في القبور أجزاؤهم، وترمَّل من بعدهم نساؤهم، وشمل ذل اليتم أولادهم، وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم، وأنَّ حاله كحالهم، ومآله كمآلهم. [قوله تعالى: ﴿كَلاَّ﴾ قال الفراء: أي ليس الأمر على ما أنتم عليه من التفاخر والتكاثر. والتمام على هذا ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي سوف تعلمون عاقبة هذا. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ جعله ابن مالك من التوكيد مع توسّط حرف العطف] . وقال الزمخشريُّ: والتكرير تأكيد للردع، والرد عليهم، و «ثُمَّ» دالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول، وأشد كما تقول للمنصوح: أقول لك ثم أقول لك: «لا تَفْعَلْ» انتهى. ونقل عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تعلمُون﴾ في الدنيا ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلمُونَ﴾ في الآخرة فعلى هذا يكون غير مكرر لحصول التَّغاير بينهما؛ لأجل تغاير المتعلقين، و «ثُمَّ» على بابها من المهلة وحذف متعلق العلم في الأفعال الثلاثة، لأن الغرض الفعل لا متعلقه. وقال الزمخشريُّ: والمعنى: سوف تعلمون الخطأ فيما أنتم عليه إذا عاينتم ما قدامكم من هول لقاء الله، انتهى. فقدر له مفعولاً واحداً كأنه جعله بمعنى «عَرَفَ» . فصل في تفسير الآية قال ابن عباس: ﴿كَلاَّ سَوفَ تَعْلمُونَ﴾ ما ينزل بكم من العذاب في القبور ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلمُونَ﴾ في الآخرة إذا حل بكم العذاب، فالتَّكرار للحالين. وروى زر بن حبيش عن عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: كنا نشك في عذاب القبر، حتى نزلت هذه السورة فأشار إلى أن قوله: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني في القبور. [وقيل: كلا سوف تعلمون إذا نزل بكم الموت، وجاءتكم رسل ربكم تنزع أرواحكم، ثم كلا سوف تعلمون في القيامة أنكم معذبون، وعلى هذا تضمنت أحوال القيامة من بعث، وحشر، وعرض، وسؤال، إلى غير ذلك من أهوال يوم القيامة] . وقال الضحاكُ: ﴿كَلاَّ سَوفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيها المؤمنون وكذلك كان يقرؤها الأولى بالتاء والثانية بالياء فالأول وعيد والثاني وعد. قوله: ﴿كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ جواب «لَوْ» محذوف، أي: لفعلتم ما لا يوصف. وقيل: التقدير: لرجعتم عن كفركم. قال ابن الخطيب: وجواب «لَوْ» محذوف، وليس «لترونَّ» جوابها، لأن هذا مثبت، وجواب «لو» يكون منفياً، ولأنه عطف عليه قوله: «ثُمَّ لتُسْألُنَّ» وهو مستقبل، لا بد من وقوعه، وحذف جواب «لَوْ» كثير. قال الأخفش: التقدير: لو تعلمُون علم اليقين ما ألهاكم. وقيل: لو تعلمون لماذا خلقتم لاشتغلتم وحذفُ الجواب أفخر، لأنه يذهب الوهم معه كل مذهب، قال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الذين كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ﴾ [الأنبياء: 39] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: 30] وأعاد «كلاَّ» وهو زجر وتنبيه؛ لأنه عقب كل واحد بشيء آخر، كأنه قال: لا تفعلُوا، فإنكم تندمون، لا تفعلوا، فإنكم تستوجبون العقاب. و ﴿عِلْمَ اليقين﴾ مصدر. قيل: وأصله العلم اليقين، فأضيف الموصوف إلى صفته. وقيل: لا حاجة إلى ذلك؛ لأن العلم يكون يقيناً وغير يقين، فأضيف إليه إضافة العام للخاص، وهذا يدل على أنَّ اليقينَ أخصُّ. فصل في المراد باليقين قال المفسِّرون: أضاف العلم إلى اليقين، كقوله تعالى: ﴿لَهُوَ حَقُّ اليقين﴾ [الواقعة: 95] ، قال قتادة: اليقين هنا: الموت. وعنه أيضاً: البعث، لأنه إذا جاء زال الشكُّ، أي: لو تعلمون علم البعث أو الموت، فعبر عن الموت باليقين، كقولك: علم الطب، وعلم الحساب، والعلم من أشد البواعث على الفعل، فإذا كان بحيث يمكن العمل، كان تذكرة، وموعظة، وإن كان بعد فوات العمل كان حسرة، وندامة، وفيها تهديد عظيم للعلماء، الذين لا يعملون بعلمهم. قوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الجحيم﴾ . جواب قسم مقدر، أي: لترون الجحيم في الآخرة. والخطاب للكفار الذين وجبت لهم النار. وقيل: عام [كقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71] فهي للكفار دار، وللمؤمنين مَمَرّ] . وقرأ ابن عامر، والكسائي: «لتُروُنَّ» مبنياً للمفعول، وهي مفعولة من «رأى» الثلاثي أي: أريته الشيء، فاكتسب مفعولاً آخر، فقام الأول مقام الفاعل، وبقي الثاني منصوباً. والباقون مبنياً للفاعل، جعلوه غير منقول، فتعدى لواحد فقط، فإن الرؤية بصرية. وأمير المؤمنين، وعاصم، وابن كثير في رواية عنهم: بالفتح في الأول، والضم في الثاني، يعني: لترونها. ومجاهد، وابن أبي عبلة، وأشهب: بضمها فيهما. والعامة على أن الواوين لا يهمزان؛ لأن حركتهما عارضة. وقد نصّ مكي، وأبو البقاء على عدم جوازه، وعللا بعروض الحركة. وقرأ الحسن وأبو عمرو بخلاف عنهما: بهمز الواوين استثقالاً لضمة الواو. قال الزمخشري: «هِيَ مُسْتكرَهة» ، يعني لعروض الحركة عليها، إلا أنهم قد همزوا ما هو أولى لعدم الهمز من هذه الواو، نحو: ﴿اشتروا الضلالة﴾ [البقرة: 16] همزوا واو «اشترؤا» مع أنها حركة عارضة، وتزول في الوقف، وحركة هذه الواو، وإن كانت عارضة، إلا أنَّها غير زائلة في الوقف، فهو أولى بهمزها. قوله: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين﴾ هذا مصدر مؤكد، كأنه قيل: رؤية اليقين نفياً لتوهم المجاز في الرؤية الأولى. وقال أبو البقاء: لأن «رأى» ، و «عاين» بمعنى. فصل في معنى الآية معنى الكلام: «لتَرَوُنَّ الجَحِيمَ» بأبصاركم على البعد «ثُمَّ لتَروُنَّهَا عَيْنَ اليَقِينِ» أي: مشاهدة. وقيل: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلمَ اليَقِينَ﴾ ، معناه: «لَوْ تَعْلَمُونَ» اليوم في الدنيا «عِلمَ اليَقِينِ» بما أمامكم مما وصفت «لَتَروُنَّ الجَحِيم» بعيون قلوبكم، فإن علم اليقين يريك الجحيم بعين فؤادك، وهو أن يصور لك نار القيامة ﴿ثُمَّ لتَرونَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ ، أي: عند المعاينة بعين الرأس، فتراها يقيناً، لا تغيب عن عينك، ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم﴾ في موقف السؤال والعرض. قال الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار، لأن أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «لما نزلت هذه الآية، قال: يا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعيرٍ، ولحم، وبسر، وماء عذب، أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي يسأل عنه؟ . قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -» إنما ذلِكَ للكُفَّارِ «ثم قرأ: ﴿وَهَلْ نجازي إِلاَّ الكفور﴾ [سبأ: 17] ؛ ولأن ظاهر الآية يدل على ذلك لأن الكفار ألهاهم التكاثر بالدنيا، والتفاخر بلذاتها عن طاعة الله، والاشتغال بذكر الله تعالى، يسألهم عنها يوم القيامة، حتى يظهر لهم أن الذي ظنوه لسعادتهم كان من أعظم الأسباب لشقاوتهم. وقيل: السؤال عام في حق المؤمن، والكافر لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» أوَّلُ ما يُسْألُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ عن النَّعِيمِ، فيقالُ لَهُ: ألَمْ نُصْحِحْ جِسْمكَ؟ ألَمْ نَروِكَ مِنْ المَاءِ البَاردِ» وقيل: الزائد عما لا بد منه. وقيل غير ذلك. قال ابن الخطيب: والأولى على جميع النعيم، لأن الألف واللام تفيد الاستغراق، وليس صرف اللفظ إلى بعض أولى من غيرها إلى الباقي، فيسأل عنها، هل شكرها أم كفرها؟ وإذا قيل: هذا السؤال للكفار. فقيل: السؤال في موقف الحساب. وقيل: بعد دخول النار، يقال لهم: إنَّما حل بكم هذا العذاب لاشتغالكم في الدنيا بالنعيم عن العمل الذي ينجيكم، ولو صرفتم عمركم إلى طاعة ربكم لكنتم اليوم من أهل النجاة. والله أعلم. سورة العصر

التكاثر 102:7

مكية في قول الجميع، وروى البخاري أنها مدنية، وهي ثماني آيات. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ ، «ألْهَاكُم» : شغلكم؛ قال امرؤُ القيسِ: [الطويل] 5295 - ... ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... فألْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْولِ أي: شغلكم المباهاة، بكثرة المال والعدد عن طاعة الله، حتَّى متم ودفنتم في المقابر. قال ابن عباس والحسن: «ألْهَاكُم» : أنساكم، «التَّكاثرُ» ، أي: من الأموال، والأولاد قاله ابن عباسٍ والحسنُ وقتادةُ أي: التَّفاخر بالقبائل والعشائر، وقال الضحاك: ألهاكم التشاغل بالمعاش والتجارة، يقال: لهيت عن كذا - بالكسر - ألهى لهياً، ولهياناً: إذا سلوت عنه، وتركت ذكره، وأضربت عنه، وألهاه: أي: شغله، ولهاه به تلهيه: أي: تملله والتكاثر: المكاثرة قال قتادةُ ومقاتل وغيرهما: نزلت في اليهود حين قالوا: نحن أكثر من بني فلان وبنو فلان أكثر من بني فلان، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالاً. وقال ابن زيد: نزلت في فخذ من الأنصار. وقال ابن عباسٍ: ومقاتل، والكلبي: نزلت في حيين من قريش: بني عبد مناف، وبني سهم، تعادوا وتكاثروا بالسادة، والأشراف في الإسلام، فقال كل حي منهم: نحن أكثر سيداً، وأعز عزيزاً، وأعظم نفراً، وأكثر عائذاً، فكثر بنو عبد مناف سهماً، ثم تكاثروا بالأموات، فكثرتهم سهم، فنزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ بأحيائكم فلم ترضوا ﴿حتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ﴾ مفتخرين بالأموات. وعن عمرو بن دينار: حلف أن هذه السورة نزلت في التجار. وعن شيبان عن قتادة، قال: نزلت في أهل الكتاب. قال القرطبي: «والآية تعمّ جميع ما ذكر وغيره» . وروى ابن شهاب عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لَوْ أنَّ لابْنِ آدَمَ وادِساً مِنْ ذَهَبٍ، لأحَبَّ أنْ يكُونَ لَهُ وادِيانِ، ولنْ يَمْلأ فَاهُ إلاَّ التُّرابُ، ويتُوبُ اللهُ على مَنْ تَابَ» ، رواه البخاري. قال ثابت عن أنس عن أبيّ: كنا نرى هذا من القرآن، حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ . رواه البخاري. قال ابن العربي: وهذا نصٌّ صريح، غاب عن أهل التفسير [فجهلوا وجهَّلوا، والحمد لله على المعرفة] . وقرأ ابن عباس: «أألهاكم» على استفهام التقرير والإنكار ونقل في هذا المد مع التسهيل، ونقل فيه بتحقيق الهمزتين من غير مد. قوله تعالى: ﴿حتى زُرْتُمُ المقابر﴾ ، «حتَّى» غاية لقوله: «ألْهَاكُم» ، وهو عطف عليه، والمعنى: أي أتاكم الموت، فصرتم في المقابر زواراً، ترجعون فيها كرجوع الزائر إلى منزلة من جنة أو نار. وقيل: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ حتى عددتم الأموات. وقيل: هذا وعيد، أي: اشتغلتم بمفاخرة الدنيا حتى تزورا القبور، فتروا ما ينزل بكم من عذاب الله - عزَّ وجلَّ - و «المَقابِر» جمع مَقْبَرة، ومَقْبَرة بفتح الباء وضمها والقبور: جمع قبر، وسمي سعيد المقبري؛ لأنه كان يسكن المقابر، وقبرت الميت أقبَره وأقبُره قبراً؛ أي: دفنته، وأقبرته، أي: أمرت بأن يقبر. فصل في معنى ألهاكم قال المفسرون: معنى الآية: ألهاكم حرصكم على تكثير أموالكم عن طاعة ربكم حتى أتاكم الموت فأنتم على ذلك. قال ابن الخطيب: فإن قيل: شأن الزائر أن ينصرف قريباً، والأموات ملازمون القبور، فكيف يقال: إنه زار القبر؟ . وأيضاً: فقوله - جل ذكره -: ﴿حتى زُرْتُمُ المقابر﴾ إخبار عن الماضي، فكيف يحمل على المستقبل؟ . فالجواب عن الأول: أنَّ سكان القبور، لا بد أن ينصرفوا منها. وعن الثاني: أن المراد من كان مشرفاً على الموت لكبر أو لغيره كما يقال: إنه على شفير قبره وإما أن المراد من تقدمهم، كقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النبيين﴾ [البقرة: 61] . وقال أبو مسلم: إن الله يتكلم بهذه السورة يوم القيامة تعييراً للكفار، وهم في ذلك الوقت تقدمت منهم زيارة القبور. فصل في ذكر المقابر قال القرطبي: لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة. وفيه نظر؛ لأنه تعالى قال في سورة أخرى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: 21] . واعلم أن زيارة القبور من أعظم الأدوية للقلب القاسي، لأنها تذكر الموت، والآخرة، وذلك يحمل على قصر الأمل، والزُّهد في الدنيا، وترك الرغبة فيها. قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، فزُوْرُوهَا، فإنَّها تُزْهِدُ في الدُّنيا، وتذكرُ الآخِرةَ» . وروى أبو هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لعن زوّارات القبور. قال بعض أهل العلم: كان هذا قبل ترخيصه في زيارة القبور، فلما رخص دخل في الرخصة الرجال والنساء. وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنِّساء، لقلّة صبرهن، وكثرة جزعهن. وقال بعضهم: زيارة القبور للرجال متفق عليه، وأما النِّساء فمختلف فيه: أما الشوابّ فحرام عليهن الخروج، وأما لقواعد فمباح لهن ذلك، وجاز لجميعهن ذلك إذا انفردن بالخروج عن الرجال بغير خلاف لعدم خشية الفتنة. فصل في آداب زيارة القبور ينبغي لمن زار القُبُور أن يتأدب بآدابها، ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظّه منها إلا التّطواف فقط، فإن هذه حالة يشاركه فيها البهائم، بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى، وإصلاح فساد قلبه، ونفع الميت بما يتلوه عنده من القرآن، والدعاء، ويتجنب المشي على القبور، والجلوس عليها، ويسلم إذا دخل المقابر، وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضاً، وأتاه من تلقاء وجهه؛ لأنه في زيارته كمخاطبته حياً، ثم يعتبر بمن صار تحت التراب، وانقطع عن الأهل والأحباب، ويتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه أنه كيف انقطعت آمالهم، ولم تغن عنهم أموالهم ومحا التراب محاسن وجوههم، وتفرقت في القبور أجزاؤهم، وترمَّل من بعدهم نساؤهم، وشمل ذل اليتم أولادهم، وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم، وأنَّ حاله كحالهم، ومآله كمآلهم. [قوله تعالى: ﴿كَلاَّ﴾ قال الفراء: أي ليس الأمر على ما أنتم عليه من التفاخر والتكاثر. والتمام على هذا ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي سوف تعلمون عاقبة هذا. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ جعله ابن مالك من التوكيد مع توسّط حرف العطف] . وقال الزمخشريُّ: والتكرير تأكيد للردع، والرد عليهم، و «ثُمَّ» دالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول، وأشد كما تقول للمنصوح: أقول لك ثم أقول لك: «لا تَفْعَلْ» انتهى. ونقل عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تعلمُون﴾ في الدنيا ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلمُونَ﴾ في الآخرة فعلى هذا يكون غير مكرر لحصول التَّغاير بينهما؛ لأجل تغاير المتعلقين، و «ثُمَّ» على بابها من المهلة وحذف متعلق العلم في الأفعال الثلاثة، لأن الغرض الفعل لا متعلقه. وقال الزمخشريُّ: والمعنى: سوف تعلمون الخطأ فيما أنتم عليه إذا عاينتم ما قدامكم من هول لقاء الله، انتهى. فقدر له مفعولاً واحداً كأنه جعله بمعنى «عَرَفَ» . فصل في تفسير الآية قال ابن عباس: ﴿كَلاَّ سَوفَ تَعْلمُونَ﴾ ما ينزل بكم من العذاب في القبور ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلمُونَ﴾ في الآخرة إذا حل بكم العذاب، فالتَّكرار للحالين. وروى زر بن حبيش عن عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: كنا نشك في عذاب القبر، حتى نزلت هذه السورة فأشار إلى أن قوله: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني في القبور. [وقيل: كلا سوف تعلمون إذا نزل بكم الموت، وجاءتكم رسل ربكم تنزع أرواحكم، ثم كلا سوف تعلمون في القيامة أنكم معذبون، وعلى هذا تضمنت أحوال القيامة من بعث، وحشر، وعرض، وسؤال، إلى غير ذلك من أهوال يوم القيامة] . وقال الضحاكُ: ﴿كَلاَّ سَوفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيها المؤمنون وكذلك كان يقرؤها الأولى بالتاء والثانية بالياء فالأول وعيد والثاني وعد. قوله: ﴿كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ جواب «لَوْ» محذوف، أي: لفعلتم ما لا يوصف. وقيل: التقدير: لرجعتم عن كفركم. قال ابن الخطيب: وجواب «لَوْ» محذوف، وليس «لترونَّ» جوابها، لأن هذا مثبت، وجواب «لو» يكون منفياً، ولأنه عطف عليه قوله: «ثُمَّ لتُسْألُنَّ» وهو مستقبل، لا بد من وقوعه، وحذف جواب «لَوْ» كثير. قال الأخفش: التقدير: لو تعلمُون علم اليقين ما ألهاكم. وقيل: لو تعلمون لماذا خلقتم لاشتغلتم وحذفُ الجواب أفخر، لأنه يذهب الوهم معه كل مذهب، قال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الذين كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ﴾ [الأنبياء: 39] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: 30] وأعاد «كلاَّ» وهو زجر وتنبيه؛ لأنه عقب كل واحد بشيء آخر، كأنه قال: لا تفعلُوا، فإنكم تندمون، لا تفعلوا، فإنكم تستوجبون العقاب. و ﴿عِلْمَ اليقين﴾ مصدر. قيل: وأصله العلم اليقين، فأضيف الموصوف إلى صفته. وقيل: لا حاجة إلى ذلك؛ لأن العلم يكون يقيناً وغير يقين، فأضيف إليه إضافة العام للخاص، وهذا يدل على أنَّ اليقينَ أخصُّ. فصل في المراد باليقين قال المفسِّرون: أضاف العلم إلى اليقين، كقوله تعالى: ﴿لَهُوَ حَقُّ اليقين﴾ [الواقعة: 95] ، قال قتادة: اليقين هنا: الموت. وعنه أيضاً: البعث، لأنه إذا جاء زال الشكُّ، أي: لو تعلمون علم البعث أو الموت، فعبر عن الموت باليقين، كقولك: علم الطب، وعلم الحساب، والعلم من أشد البواعث على الفعل، فإذا كان بحيث يمكن العمل، كان تذكرة، وموعظة، وإن كان بعد فوات العمل كان حسرة، وندامة، وفيها تهديد عظيم للعلماء، الذين لا يعملون بعلمهم. قوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الجحيم﴾ . جواب قسم مقدر، أي: لترون الجحيم في الآخرة. والخطاب للكفار الذين وجبت لهم النار. وقيل: عام [كقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71] فهي للكفار دار، وللمؤمنين مَمَرّ] . وقرأ ابن عامر، والكسائي: «لتُروُنَّ» مبنياً للمفعول، وهي مفعولة من «رأى» الثلاثي أي: أريته الشيء، فاكتسب مفعولاً آخر، فقام الأول مقام الفاعل، وبقي الثاني منصوباً. والباقون مبنياً للفاعل، جعلوه غير منقول، فتعدى لواحد فقط، فإن الرؤية بصرية. وأمير المؤمنين، وعاصم، وابن كثير في رواية عنهم: بالفتح في الأول، والضم في الثاني، يعني: لترونها. ومجاهد، وابن أبي عبلة، وأشهب: بضمها فيهما. والعامة على أن الواوين لا يهمزان؛ لأن حركتهما عارضة. وقد نصّ مكي، وأبو البقاء على عدم جوازه، وعللا بعروض الحركة. وقرأ الحسن وأبو عمرو بخلاف عنهما: بهمز الواوين استثقالاً لضمة الواو. قال الزمخشري: «هِيَ مُسْتكرَهة» ، يعني لعروض الحركة عليها، إلا أنهم قد همزوا ما هو أولى لعدم الهمز من هذه الواو، نحو: ﴿اشتروا الضلالة﴾ [البقرة: 16] همزوا واو «اشترؤا» مع أنها حركة عارضة، وتزول في الوقف، وحركة هذه الواو، وإن كانت عارضة، إلا أنَّها غير زائلة في الوقف، فهو أولى بهمزها. قوله: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين﴾ هذا مصدر مؤكد، كأنه قيل: رؤية اليقين نفياً لتوهم المجاز في الرؤية الأولى. وقال أبو البقاء: لأن «رأى» ، و «عاين» بمعنى. فصل في معنى الآية معنى الكلام: «لتَرَوُنَّ الجَحِيمَ» بأبصاركم على البعد «ثُمَّ لتَروُنَّهَا عَيْنَ اليَقِينِ» أي: مشاهدة. وقيل: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلمَ اليَقِينَ﴾ ، معناه: «لَوْ تَعْلَمُونَ» اليوم في الدنيا «عِلمَ اليَقِينِ» بما أمامكم مما وصفت «لَتَروُنَّ الجَحِيم» بعيون قلوبكم، فإن علم اليقين يريك الجحيم بعين فؤادك، وهو أن يصور لك نار القيامة ﴿ثُمَّ لتَرونَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ ، أي: عند المعاينة بعين الرأس، فتراها يقيناً، لا تغيب عن عينك، ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم﴾ في موقف السؤال والعرض. قال الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار، لأن أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «لما نزلت هذه الآية، قال: يا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعيرٍ، ولحم، وبسر، وماء عذب، أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي يسأل عنه؟ . قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -» إنما ذلِكَ للكُفَّارِ «ثم قرأ: ﴿وَهَلْ نجازي إِلاَّ الكفور﴾ [سبأ: 17] ؛ ولأن ظاهر الآية يدل على ذلك لأن الكفار ألهاهم التكاثر بالدنيا، والتفاخر بلذاتها عن طاعة الله، والاشتغال بذكر الله تعالى، يسألهم عنها يوم القيامة، حتى يظهر لهم أن الذي ظنوه لسعادتهم كان من أعظم الأسباب لشقاوتهم. وقيل: السؤال عام في حق المؤمن، والكافر لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» أوَّلُ ما يُسْألُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ عن النَّعِيمِ، فيقالُ لَهُ: ألَمْ نُصْحِحْ جِسْمكَ؟ ألَمْ نَروِكَ مِنْ المَاءِ البَاردِ» وقيل: الزائد عما لا بد منه. وقيل غير ذلك. قال ابن الخطيب: والأولى على جميع النعيم، لأن الألف واللام تفيد الاستغراق، وليس صرف اللفظ إلى بعض أولى من غيرها إلى الباقي، فيسأل عنها، هل شكرها أم كفرها؟ وإذا قيل: هذا السؤال للكفار. فقيل: السؤال في موقف الحساب. وقيل: بعد دخول النار، يقال لهم: إنَّما حل بكم هذا العذاب لاشتغالكم في الدنيا بالنعيم عن العمل الذي ينجيكم، ولو صرفتم عمركم إلى طاعة ربكم لكنتم اليوم من أهل النجاة. والله أعلم. سورة العصر

التكاثر 102:8

مكية في قول الجميع، وروى البخاري أنها مدنية، وهي ثماني آيات. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ ، «ألْهَاكُم» : شغلكم؛ قال امرؤُ القيسِ: [الطويل] 5295 - ... ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... فألْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْولِ أي: شغلكم المباهاة، بكثرة المال والعدد عن طاعة الله، حتَّى متم ودفنتم في المقابر. قال ابن عباس والحسن: «ألْهَاكُم» : أنساكم، «التَّكاثرُ» ، أي: من الأموال، والأولاد قاله ابن عباسٍ والحسنُ وقتادةُ أي: التَّفاخر بالقبائل والعشائر، وقال الضحاك: ألهاكم التشاغل بالمعاش والتجارة، يقال: لهيت عن كذا - بالكسر - ألهى لهياً، ولهياناً: إذا سلوت عنه، وتركت ذكره، وأضربت عنه، وألهاه: أي: شغله، ولهاه به تلهيه: أي: تملله والتكاثر: المكاثرة قال قتادةُ ومقاتل وغيرهما: نزلت في اليهود حين قالوا: نحن أكثر من بني فلان وبنو فلان أكثر من بني فلان، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالاً. وقال ابن زيد: نزلت في فخذ من الأنصار. وقال ابن عباسٍ: ومقاتل، والكلبي: نزلت في حيين من قريش: بني عبد مناف، وبني سهم، تعادوا وتكاثروا بالسادة، والأشراف في الإسلام، فقال كل حي منهم: نحن أكثر سيداً، وأعز عزيزاً، وأعظم نفراً، وأكثر عائذاً، فكثر بنو عبد مناف سهماً، ثم تكاثروا بالأموات، فكثرتهم سهم، فنزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ بأحيائكم فلم ترضوا ﴿حتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ﴾ مفتخرين بالأموات. وعن عمرو بن دينار: حلف أن هذه السورة نزلت في التجار. وعن شيبان عن قتادة، قال: نزلت في أهل الكتاب. قال القرطبي: «والآية تعمّ جميع ما ذكر وغيره» . وروى ابن شهاب عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لَوْ أنَّ لابْنِ آدَمَ وادِساً مِنْ ذَهَبٍ، لأحَبَّ أنْ يكُونَ لَهُ وادِيانِ، ولنْ يَمْلأ فَاهُ إلاَّ التُّرابُ، ويتُوبُ اللهُ على مَنْ تَابَ» ، رواه البخاري. قال ثابت عن أنس عن أبيّ: كنا نرى هذا من القرآن، حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ . رواه البخاري. قال ابن العربي: وهذا نصٌّ صريح، غاب عن أهل التفسير [فجهلوا وجهَّلوا، والحمد لله على المعرفة] . وقرأ ابن عباس: «أألهاكم» على استفهام التقرير والإنكار ونقل في هذا المد مع التسهيل، ونقل فيه بتحقيق الهمزتين من غير مد. قوله تعالى: ﴿حتى زُرْتُمُ المقابر﴾ ، «حتَّى» غاية لقوله: «ألْهَاكُم» ، وهو عطف عليه، والمعنى: أي أتاكم الموت، فصرتم في المقابر زواراً، ترجعون فيها كرجوع الزائر إلى منزلة من جنة أو نار. وقيل: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ حتى عددتم الأموات. وقيل: هذا وعيد، أي: اشتغلتم بمفاخرة الدنيا حتى تزورا القبور، فتروا ما ينزل بكم من عذاب الله - عزَّ وجلَّ - و «المَقابِر» جمع مَقْبَرة، ومَقْبَرة بفتح الباء وضمها والقبور: جمع قبر، وسمي سعيد المقبري؛ لأنه كان يسكن المقابر، وقبرت الميت أقبَره وأقبُره قبراً؛ أي: دفنته، وأقبرته، أي: أمرت بأن يقبر. فصل في معنى ألهاكم قال المفسرون: معنى الآية: ألهاكم حرصكم على تكثير أموالكم عن طاعة ربكم حتى أتاكم الموت فأنتم على ذلك. قال ابن الخطيب: فإن قيل: شأن الزائر أن ينصرف قريباً، والأموات ملازمون القبور، فكيف يقال: إنه زار القبر؟ . وأيضاً: فقوله - جل ذكره -: ﴿حتى زُرْتُمُ المقابر﴾ إخبار عن الماضي، فكيف يحمل على المستقبل؟ . فالجواب عن الأول: أنَّ سكان القبور، لا بد أن ينصرفوا منها. وعن الثاني: أن المراد من كان مشرفاً على الموت لكبر أو لغيره كما يقال: إنه على شفير قبره وإما أن المراد من تقدمهم، كقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النبيين﴾ [البقرة: 61] . وقال أبو مسلم: إن الله يتكلم بهذه السورة يوم القيامة تعييراً للكفار، وهم في ذلك الوقت تقدمت منهم زيارة القبور. فصل في ذكر المقابر قال القرطبي: لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة. وفيه نظر؛ لأنه تعالى قال في سورة أخرى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: 21] . واعلم أن زيارة القبور من أعظم الأدوية للقلب القاسي، لأنها تذكر الموت، والآخرة، وذلك يحمل على قصر الأمل، والزُّهد في الدنيا، وترك الرغبة فيها. قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، فزُوْرُوهَا، فإنَّها تُزْهِدُ في الدُّنيا، وتذكرُ الآخِرةَ» . وروى أبو هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لعن زوّارات القبور. قال بعض أهل العلم: كان هذا قبل ترخيصه في زيارة القبور، فلما رخص دخل في الرخصة الرجال والنساء. وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنِّساء، لقلّة صبرهن، وكثرة جزعهن. وقال بعضهم: زيارة القبور للرجال متفق عليه، وأما النِّساء فمختلف فيه: أما الشوابّ فحرام عليهن الخروج، وأما لقواعد فمباح لهن ذلك، وجاز لجميعهن ذلك إذا انفردن بالخروج عن الرجال بغير خلاف لعدم خشية الفتنة. فصل في آداب زيارة القبور ينبغي لمن زار القُبُور أن يتأدب بآدابها، ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظّه منها إلا التّطواف فقط، فإن هذه حالة يشاركه فيها البهائم، بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى، وإصلاح فساد قلبه، ونفع الميت بما يتلوه عنده من القرآن، والدعاء، ويتجنب المشي على القبور، والجلوس عليها، ويسلم إذا دخل المقابر، وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضاً، وأتاه من تلقاء وجهه؛ لأنه في زيارته كمخاطبته حياً، ثم يعتبر بمن صار تحت التراب، وانقطع عن الأهل والأحباب، ويتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه أنه كيف انقطعت آمالهم، ولم تغن عنهم أموالهم ومحا التراب محاسن وجوههم، وتفرقت في القبور أجزاؤهم، وترمَّل من بعدهم نساؤهم، وشمل ذل اليتم أولادهم، وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم، وأنَّ حاله كحالهم، ومآله كمآلهم. [قوله تعالى: ﴿كَلاَّ﴾ قال الفراء: أي ليس الأمر على ما أنتم عليه من التفاخر والتكاثر. والتمام على هذا ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي سوف تعلمون عاقبة هذا. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ جعله ابن مالك من التوكيد مع توسّط حرف العطف] . وقال الزمخشريُّ: والتكرير تأكيد للردع، والرد عليهم، و «ثُمَّ» دالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول، وأشد كما تقول للمنصوح: أقول لك ثم أقول لك: «لا تَفْعَلْ» انتهى. ونقل عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تعلمُون﴾ في الدنيا ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلمُونَ﴾ في الآخرة فعلى هذا يكون غير مكرر لحصول التَّغاير بينهما؛ لأجل تغاير المتعلقين، و «ثُمَّ» على بابها من المهلة وحذف متعلق العلم في الأفعال الثلاثة، لأن الغرض الفعل لا متعلقه. وقال الزمخشريُّ: والمعنى: سوف تعلمون الخطأ فيما أنتم عليه إذا عاينتم ما قدامكم من هول لقاء الله، انتهى. فقدر له مفعولاً واحداً كأنه جعله بمعنى «عَرَفَ» . فصل في تفسير الآية قال ابن عباس: ﴿كَلاَّ سَوفَ تَعْلمُونَ﴾ ما ينزل بكم من العذاب في القبور ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلمُونَ﴾ في الآخرة إذا حل بكم العذاب، فالتَّكرار للحالين. وروى زر بن حبيش عن عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: كنا نشك في عذاب القبر، حتى نزلت هذه السورة فأشار إلى أن قوله: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني في القبور. [وقيل: كلا سوف تعلمون إذا نزل بكم الموت، وجاءتكم رسل ربكم تنزع أرواحكم، ثم كلا سوف تعلمون في القيامة أنكم معذبون، وعلى هذا تضمنت أحوال القيامة من بعث، وحشر، وعرض، وسؤال، إلى غير ذلك من أهوال يوم القيامة] . وقال الضحاكُ: ﴿كَلاَّ سَوفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيها المؤمنون وكذلك كان يقرؤها الأولى بالتاء والثانية بالياء فالأول وعيد والثاني وعد. قوله: ﴿كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ جواب «لَوْ» محذوف، أي: لفعلتم ما لا يوصف. وقيل: التقدير: لرجعتم عن كفركم. قال ابن الخطيب: وجواب «لَوْ» محذوف، وليس «لترونَّ» جوابها، لأن هذا مثبت، وجواب «لو» يكون منفياً، ولأنه عطف عليه قوله: «ثُمَّ لتُسْألُنَّ» وهو مستقبل، لا بد من وقوعه، وحذف جواب «لَوْ» كثير. قال الأخفش: التقدير: لو تعلمُون علم اليقين ما ألهاكم. وقيل: لو تعلمون لماذا خلقتم لاشتغلتم وحذفُ الجواب أفخر، لأنه يذهب الوهم معه كل مذهب، قال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الذين كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ﴾ [الأنبياء: 39] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: 30] وأعاد «كلاَّ» وهو زجر وتنبيه؛ لأنه عقب كل واحد بشيء آخر، كأنه قال: لا تفعلُوا، فإنكم تندمون، لا تفعلوا، فإنكم تستوجبون العقاب. و ﴿عِلْمَ اليقين﴾ مصدر. قيل: وأصله العلم اليقين، فأضيف الموصوف إلى صفته. وقيل: لا حاجة إلى ذلك؛ لأن العلم يكون يقيناً وغير يقين، فأضيف إليه إضافة العام للخاص، وهذا يدل على أنَّ اليقينَ أخصُّ. فصل في المراد باليقين قال المفسِّرون: أضاف العلم إلى اليقين، كقوله تعالى: ﴿لَهُوَ حَقُّ اليقين﴾ [الواقعة: 95] ، قال قتادة: اليقين هنا: الموت. وعنه أيضاً: البعث، لأنه إذا جاء زال الشكُّ، أي: لو تعلمون علم البعث أو الموت، فعبر عن الموت باليقين، كقولك: علم الطب، وعلم الحساب، والعلم من أشد البواعث على الفعل، فإذا كان بحيث يمكن العمل، كان تذكرة، وموعظة، وإن كان بعد فوات العمل كان حسرة، وندامة، وفيها تهديد عظيم للعلماء، الذين لا يعملون بعلمهم. قوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الجحيم﴾ . جواب قسم مقدر، أي: لترون الجحيم في الآخرة. والخطاب للكفار الذين وجبت لهم النار. وقيل: عام [كقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71] فهي للكفار دار، وللمؤمنين مَمَرّ] . وقرأ ابن عامر، والكسائي: «لتُروُنَّ» مبنياً للمفعول، وهي مفعولة من «رأى» الثلاثي أي: أريته الشيء، فاكتسب مفعولاً آخر، فقام الأول مقام الفاعل، وبقي الثاني منصوباً. والباقون مبنياً للفاعل، جعلوه غير منقول، فتعدى لواحد فقط، فإن الرؤية بصرية. وأمير المؤمنين، وعاصم، وابن كثير في رواية عنهم: بالفتح في الأول، والضم في الثاني، يعني: لترونها. ومجاهد، وابن أبي عبلة، وأشهب: بضمها فيهما. والعامة على أن الواوين لا يهمزان؛ لأن حركتهما عارضة. وقد نصّ مكي، وأبو البقاء على عدم جوازه، وعللا بعروض الحركة. وقرأ الحسن وأبو عمرو بخلاف عنهما: بهمز الواوين استثقالاً لضمة الواو. قال الزمخشري: «هِيَ مُسْتكرَهة» ، يعني لعروض الحركة عليها، إلا أنهم قد همزوا ما هو أولى لعدم الهمز من هذه الواو، نحو: ﴿اشتروا الضلالة﴾ [البقرة: 16] همزوا واو «اشترؤا» مع أنها حركة عارضة، وتزول في الوقف، وحركة هذه الواو، وإن كانت عارضة، إلا أنَّها غير زائلة في الوقف، فهو أولى بهمزها. قوله: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين﴾ هذا مصدر مؤكد، كأنه قيل: رؤية اليقين نفياً لتوهم المجاز في الرؤية الأولى. وقال أبو البقاء: لأن «رأى» ، و «عاين» بمعنى. فصل في معنى الآية معنى الكلام: «لتَرَوُنَّ الجَحِيمَ» بأبصاركم على البعد «ثُمَّ لتَروُنَّهَا عَيْنَ اليَقِينِ» أي: مشاهدة. وقيل: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلمَ اليَقِينَ﴾ ، معناه: «لَوْ تَعْلَمُونَ» اليوم في الدنيا «عِلمَ اليَقِينِ» بما أمامكم مما وصفت «لَتَروُنَّ الجَحِيم» بعيون قلوبكم، فإن علم اليقين يريك الجحيم بعين فؤادك، وهو أن يصور لك نار القيامة ﴿ثُمَّ لتَرونَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ ، أي: عند المعاينة بعين الرأس، فتراها يقيناً، لا تغيب عن عينك، ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم﴾ في موقف السؤال والعرض. قال الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار، لأن أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «لما نزلت هذه الآية، قال: يا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعيرٍ، ولحم، وبسر، وماء عذب، أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي يسأل عنه؟ . قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -» إنما ذلِكَ للكُفَّارِ «ثم قرأ: ﴿وَهَلْ نجازي إِلاَّ الكفور﴾ [سبأ: 17] ؛ ولأن ظاهر الآية يدل على ذلك لأن الكفار ألهاهم التكاثر بالدنيا، والتفاخر بلذاتها عن طاعة الله، والاشتغال بذكر الله تعالى، يسألهم عنها يوم القيامة، حتى يظهر لهم أن الذي ظنوه لسعادتهم كان من أعظم الأسباب لشقاوتهم. وقيل: السؤال عام في حق المؤمن، والكافر لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» أوَّلُ ما يُسْألُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ عن النَّعِيمِ، فيقالُ لَهُ: ألَمْ نُصْحِحْ جِسْمكَ؟ ألَمْ نَروِكَ مِنْ المَاءِ البَاردِ» وقيل: الزائد عما لا بد منه. وقيل غير ذلك. قال ابن الخطيب: والأولى على جميع النعيم، لأن الألف واللام تفيد الاستغراق، وليس صرف اللفظ إلى بعض أولى من غيرها إلى الباقي، فيسأل عنها، هل شكرها أم كفرها؟ وإذا قيل: هذا السؤال للكفار. فقيل: السؤال في موقف الحساب. وقيل: بعد دخول النار، يقال لهم: إنَّما حل بكم هذا العذاب لاشتغالكم في الدنيا بالنعيم عن العمل الذي ينجيكم، ولو صرفتم عمركم إلى طاعة ربكم لكنتم اليوم من أهل النجاة. والله أعلم. سورة العصر

العصر 103:1

مكية، وروى ابن عباس وقتادة: أنها مدنية، وهي ثلاث آيات [وأربع عشرة كلمة وستون حرفا] . بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والعصر﴾ . قرأ العامة: بسكون الصاد، وسلام: «والعَصِر» بكسرها، و «الصَّبْرِ» بكسر الباء. قال ابن عطية: «وهذا لا يجوز، إلا في الوقف على نقل الحركة» . وروي عن أبي عمرو: «بالصبْر» بسكون الباء إشماماً، وهذا أيضاً لا يجوز إلا في الوقف انتهى. ونقل هذه القراءة جماعة كالهذلي، وأبي الفضل الرازي، وابن خالويه. قال الهذلي: «والعصر، والصبر، والفجر، والوتر، بكسر ما قبل الساكن في هذه كلها: هارون، وابن موسى عن أبي عمرو، والباقون: بالإسكان، كالجماعة» انتهى. فهذا إطلاق منه لهذه القراءة في حالتي الوقف والوصل. قال ابن خالويه: «وتواصوا بالصبر» بنقل الحركة عن أبي عمرو. قال ابن خالويه [وقال صاحب «اللوامح» : وعيسى البصرة:] «بالصبر» بنقل حركة الراء إلى الباء، لئلا يحتاج، أن يأتي ببعض الحركة في الوقف، ولا إلى أن يسكن، فيجمع بين ساكنين، وذلك لغة شائعة، وليست بشاذة بل مستفيضة، وذلك دلالة على الإعراب، وانفصال عن التقاء الساكنين، وتأدية حق الموقوف عليه من السكون انتهى، فهذا يؤذن بما ذكر ابن عطية، أنه كان ينبغي ذلك. وأنشدوا على ذلك: [الرجز] 5296 - واعْتقَالاً بالرِّجِلْ ... يريد: بالرِّجْلِ. وقال آخر: [الرجز] 5297 - أنَا جَريرٌ كُنيَتِي أبُو عَمِرْ ... أضْرِبُ بالسَّيْفِ وسعْدٌ بالقَصِرْ والنقل جائز في الضم كقوله شعر: إذ جد النَّقُرْ ... وله شروط: «والعقد» الليلة واليوم قال: [الطويل] 5298 - ولَنْ يَلْبثِ العقْدانِ: يَومٌ ولَيْلةٌ ... إذَا طَلَبَا أنْ يُدْرِكَا تَيَمَّمَا قال ابن عباس وغيره: «والعصر» أي: الدهر، ومنه قول الشاعر: [الطويل] 5299 - سَيْلُ الهَوَى وعْرٌ وبَحْرُ الهَوَى غَمْرٌ ... ويَوْمُ الهَوَى شَهْرٌ وشَهْرُ الهَوَى دَهْرُ أقسم الله - تعالى - بالعصرِ لما فيه من الاعتبار للناظر بتصرف الأحوال وبتبدلها وما فيها من الأدلة على الصانع، والعصران أيضاً الغداة والعشي قال: [الطويل] 5300 - وأمْطُلُهُ العَصْرَيْن حتَّى يَملَّنِي ... ويَرْضَى بنِصْفِ الدِّيْن والأنْفُ رَاغِمُ يقول: إذا جاءني أول النهار وعدته آخره. وقيل: إنه العشي، وهو ما بين الزوال والغروب. قاله الحسن وقتادة. [وقال الشاعر] : 5301 - تَروَّحْ بِنَا يا عَمْرُو قَدْ قَصُرَ العَصرُ ... وفي الرَّوحةِ الأولَى الغَنِيمةُ والأَجْرُ وعن قتادة: هو آخر ساعة من النهار، فأقسم سبحانه بأحد طرفي النهار كما أقسم بالضحى، وهو أحد طرفي النَّهارِ، قاله أبو مسلم. وقيل: هو قسم بصلاة العصر، وهي الوسطى؛ لأنها أفضل الصلوات، قاله مقاتل. قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الصَّلاةُ الوُسْطَى، صلاةُ العَصْرِ» . وقيل: أقسم بعصر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لفضله بتجديد النبوة فيه. وقيل: معناه وربِّ العصر. فصل قال مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - من حلف ألاَّ يكلم رجلاً عصراً، لم يكلمه سنة. قال ابن العربي: [إنما حمل مالك يمين الحالف ألا يكلم امرءاً عصراً على السنة، لأنه أكثر ما قيل فيه، وذلك على أصله في تغليظ] المعنى في الإيمان. وقال الشافعي: يبر بساعة إلا أن تكون له نيّة، وبه أقول، إلا أن يكون الحالف عربياً، فيقال له: ما أردت؟ فإذا فسره بما يحتمله قبل منه إلا أن يكون الأقل، ويجيء على مذهب مالك أن يحمل على ما يفسر. قوله: ﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ ، هذا جواب القسم، والمراد به العموم بدليل الاستثناء منه، وهو من جملة أدلة العموم. وقال ابن عباس في رواية ابي صالح: المراد به الكافر. وقال في رواية الضحاك: يريد جماعة من المشركين الوليد بن المغيرة والعاص ابن وائل والأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى والأسود بن عبد يغوث. وقوله تعالى: ﴿لَفِى خُسْرٍ﴾ أي: لفي غبنٍ. وقال الأخفش: لفي هلكة. وقال الفراء: لفي عقوبة، ومنه قوله: ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾ [الطلاق: 9] ، وقال الفراء: لفي شرّ. وقيل: لفي نقص، والمعنى متقارب. وقرأ العامة: «لفي خُسرٍ» بسكون السين، وزيد بن علي، وابن هرمز، وعاصم في رواية أبي بكر، وزاد القرطبيُّ: الأعرج، وطلحة، وعيسى الثقفي: بضمها. وهي كالعسر واليسر، وقد تقدم في البقرة، والوجه فيها الإتباع، ويقال: خسْر وخسُر مثل عسْر وعسُر. وقرأ علي بن أبي طالب: «والعصر» : ونوائب الدهر، ﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ ؛ وإنه فيه إلى آخر الدهر. قال إبراهيم: إن الإنسان إذا عُمِّرَ في الدنيا وهرم لفي نقص، وضعف، وتراجع إلا المؤمنين، فإنهم يكتب لهم أجورهم التي كانوا يعملونها في حال شبابهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: 4، 5] . قال: وقراءتنا: «والعصر إنّ الإنسان لفي خُسْر فإنه في آخر الدهر» . والصحيح ما عليه الأمّة والمصاحف. [وقيل: المعنى أن الإنسان لا ينفك عن تضييع عمره؛ لأن كل ساعة تمر بالإنسان، فإن كان في المعصية، فالخسر ظاهر، وكذلك إن مرت في مباح، وإن مرت في طاعة فكان يمكن أن يأتي بها على وجه أكمل أي من الخشوع، والإخلاص، وترك الأعلى، والإتيان بالأدنى نوع خسران، والخسر والخسران مصدران، وتنكير الخسران إما للتعظيم، وإما للتحقير بالنسبة إلى خسر الشياطين، والأول أظهر، وأفرد الخسر مع كثرة أنواعه؛ لأن الخسر الحقيقي هو حرمان عن خدمة ربه سبحانه، وما عدا ذلك فالكعدم، وفيه مبالغات، ودخول «إن، واللام» ، وإحاطة الخسر به، أي: هو في طريق خسر وسبب خسر] . قوله: ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ﴾ . استثناء من الإنسان؛ إذ المراد به الجنس على الصحيح ﴿وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ ، أي: أدوا الفرائض المفترضة عليهم، وهم أصحاب الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «قال أبي بن كعب: قرأت على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» والعَصْرِ «ثم قلتُ: ما تفسيرها يا نبي الله؟ . قال:» والعَصْرِ: أقسم ربكم بآخر النهار، ﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ ؛ أبو جهل ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ﴾ أبو بكر، ﴿وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ عمر، ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالحق﴾ : عثمان، ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ : عليّ «» رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجمعين. وهكذا خطب ابن عباس على المنبر، موقوفاً عليه. ومعنى تواصوا أي تحاثوا أوصى بعضهم بعضاً وحث بعضهم بعضاً بالحق أي بالتوحيد وكذا روى الضحاك عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما وقال قتادة بالحق أي بالقرآن وقال السدي الحق هنا الله تعالى وتواصوا بالصبر على طاعة الله والصبر عن المعاصي. روى الثعلبي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿والعصر﴾ خَتمَ اللهُ لَهُ بالصَّبْرِ، وكَانَ مَعَ أصْحابِ رسول اللهِ يَوْمَ القِيَامَةٍ» والله أعلم. سورة الهمزة

العصر 103:2

مكية، وروى ابن عباس وقتادة: أنها مدنية، وهي ثلاث آيات [وأربع عشرة كلمة وستون حرفا] . بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والعصر﴾ . قرأ العامة: بسكون الصاد، وسلام: «والعَصِر» بكسرها، و «الصَّبْرِ» بكسر الباء. قال ابن عطية: «وهذا لا يجوز، إلا في الوقف على نقل الحركة» . وروي عن أبي عمرو: «بالصبْر» بسكون الباء إشماماً، وهذا أيضاً لا يجوز إلا في الوقف انتهى. ونقل هذه القراءة جماعة كالهذلي، وأبي الفضل الرازي، وابن خالويه. قال الهذلي: «والعصر، والصبر، والفجر، والوتر، بكسر ما قبل الساكن في هذه كلها: هارون، وابن موسى عن أبي عمرو، والباقون: بالإسكان، كالجماعة» انتهى. فهذا إطلاق منه لهذه القراءة في حالتي الوقف والوصل. قال ابن خالويه: «وتواصوا بالصبر» بنقل الحركة عن أبي عمرو. قال ابن خالويه [وقال صاحب «اللوامح» : وعيسى البصرة:] «بالصبر» بنقل حركة الراء إلى الباء، لئلا يحتاج، أن يأتي ببعض الحركة في الوقف، ولا إلى أن يسكن، فيجمع بين ساكنين، وذلك لغة شائعة، وليست بشاذة بل مستفيضة، وذلك دلالة على الإعراب، وانفصال عن التقاء الساكنين، وتأدية حق الموقوف عليه من السكون انتهى، فهذا يؤذن بما ذكر ابن عطية، أنه كان ينبغي ذلك. وأنشدوا على ذلك: [الرجز] 5296 - واعْتقَالاً بالرِّجِلْ ... يريد: بالرِّجْلِ. وقال آخر: [الرجز] 5297 - أنَا جَريرٌ كُنيَتِي أبُو عَمِرْ ... أضْرِبُ بالسَّيْفِ وسعْدٌ بالقَصِرْ والنقل جائز في الضم كقوله شعر: إذ جد النَّقُرْ ... وله شروط: «والعقد» الليلة واليوم قال: [الطويل] 5298 - ولَنْ يَلْبثِ العقْدانِ: يَومٌ ولَيْلةٌ ... إذَا طَلَبَا أنْ يُدْرِكَا تَيَمَّمَا قال ابن عباس وغيره: «والعصر» أي: الدهر، ومنه قول الشاعر: [الطويل] 5299 - سَيْلُ الهَوَى وعْرٌ وبَحْرُ الهَوَى غَمْرٌ ... ويَوْمُ الهَوَى شَهْرٌ وشَهْرُ الهَوَى دَهْرُ أقسم الله - تعالى - بالعصرِ لما فيه من الاعتبار للناظر بتصرف الأحوال وبتبدلها وما فيها من الأدلة على الصانع، والعصران أيضاً الغداة والعشي قال: [الطويل] 5300 - وأمْطُلُهُ العَصْرَيْن حتَّى يَملَّنِي ... ويَرْضَى بنِصْفِ الدِّيْن والأنْفُ رَاغِمُ يقول: إذا جاءني أول النهار وعدته آخره. وقيل: إنه العشي، وهو ما بين الزوال والغروب. قاله الحسن وقتادة. [وقال الشاعر] : 5301 - تَروَّحْ بِنَا يا عَمْرُو قَدْ قَصُرَ العَصرُ ... وفي الرَّوحةِ الأولَى الغَنِيمةُ والأَجْرُ وعن قتادة: هو آخر ساعة من النهار، فأقسم سبحانه بأحد طرفي النهار كما أقسم بالضحى، وهو أحد طرفي النَّهارِ، قاله أبو مسلم. وقيل: هو قسم بصلاة العصر، وهي الوسطى؛ لأنها أفضل الصلوات، قاله مقاتل. قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الصَّلاةُ الوُسْطَى، صلاةُ العَصْرِ» . وقيل: أقسم بعصر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لفضله بتجديد النبوة فيه. وقيل: معناه وربِّ العصر. فصل قال مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - من حلف ألاَّ يكلم رجلاً عصراً، لم يكلمه سنة. قال ابن العربي: [إنما حمل مالك يمين الحالف ألا يكلم امرءاً عصراً على السنة، لأنه أكثر ما قيل فيه، وذلك على أصله في تغليظ] المعنى في الإيمان. وقال الشافعي: يبر بساعة إلا أن تكون له نيّة، وبه أقول، إلا أن يكون الحالف عربياً، فيقال له: ما أردت؟ فإذا فسره بما يحتمله قبل منه إلا أن يكون الأقل، ويجيء على مذهب مالك أن يحمل على ما يفسر. قوله: ﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ ، هذا جواب القسم، والمراد به العموم بدليل الاستثناء منه، وهو من جملة أدلة العموم. وقال ابن عباس في رواية ابي صالح: المراد به الكافر. وقال في رواية الضحاك: يريد جماعة من المشركين الوليد بن المغيرة والعاص ابن وائل والأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى والأسود بن عبد يغوث. وقوله تعالى: ﴿لَفِى خُسْرٍ﴾ أي: لفي غبنٍ. وقال الأخفش: لفي هلكة. وقال الفراء: لفي عقوبة، ومنه قوله: ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾ [الطلاق: 9] ، وقال الفراء: لفي شرّ. وقيل: لفي نقص، والمعنى متقارب. وقرأ العامة: «لفي خُسرٍ» بسكون السين، وزيد بن علي، وابن هرمز، وعاصم في رواية أبي بكر، وزاد القرطبيُّ: الأعرج، وطلحة، وعيسى الثقفي: بضمها. وهي كالعسر واليسر، وقد تقدم في البقرة، والوجه فيها الإتباع، ويقال: خسْر وخسُر مثل عسْر وعسُر. وقرأ علي بن أبي طالب: «والعصر» : ونوائب الدهر، ﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ ؛ وإنه فيه إلى آخر الدهر. قال إبراهيم: إن الإنسان إذا عُمِّرَ في الدنيا وهرم لفي نقص، وضعف، وتراجع إلا المؤمنين، فإنهم يكتب لهم أجورهم التي كانوا يعملونها في حال شبابهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: 4، 5] . قال: وقراءتنا: «والعصر إنّ الإنسان لفي خُسْر فإنه في آخر الدهر» . والصحيح ما عليه الأمّة والمصاحف. [وقيل: المعنى أن الإنسان لا ينفك عن تضييع عمره؛ لأن كل ساعة تمر بالإنسان، فإن كان في المعصية، فالخسر ظاهر، وكذلك إن مرت في مباح، وإن مرت في طاعة فكان يمكن أن يأتي بها على وجه أكمل أي من الخشوع، والإخلاص، وترك الأعلى، والإتيان بالأدنى نوع خسران، والخسر والخسران مصدران، وتنكير الخسران إما للتعظيم، وإما للتحقير بالنسبة إلى خسر الشياطين، والأول أظهر، وأفرد الخسر مع كثرة أنواعه؛ لأن الخسر الحقيقي هو حرمان عن خدمة ربه سبحانه، وما عدا ذلك فالكعدم، وفيه مبالغات، ودخول «إن، واللام» ، وإحاطة الخسر به، أي: هو في طريق خسر وسبب خسر] . قوله: ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ﴾ . استثناء من الإنسان؛ إذ المراد به الجنس على الصحيح ﴿وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ ، أي: أدوا الفرائض المفترضة عليهم، وهم أصحاب الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «قال أبي بن كعب: قرأت على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» والعَصْرِ «ثم قلتُ: ما تفسيرها يا نبي الله؟ . قال:» والعَصْرِ: أقسم ربكم بآخر النهار، ﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ ؛ أبو جهل ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ﴾ أبو بكر، ﴿وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ عمر، ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالحق﴾ : عثمان، ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ : عليّ «» رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجمعين. وهكذا خطب ابن عباس على المنبر، موقوفاً عليه. ومعنى تواصوا أي تحاثوا أوصى بعضهم بعضاً وحث بعضهم بعضاً بالحق أي بالتوحيد وكذا روى الضحاك عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما وقال قتادة بالحق أي بالقرآن وقال السدي الحق هنا الله تعالى وتواصوا بالصبر على طاعة الله والصبر عن المعاصي. روى الثعلبي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿والعصر﴾ خَتمَ اللهُ لَهُ بالصَّبْرِ، وكَانَ مَعَ أصْحابِ رسول اللهِ يَوْمَ القِيَامَةٍ» والله أعلم. سورة الهمزة

العصر 103:3

مكية، وروى ابن عباس وقتادة: أنها مدنية، وهي ثلاث آيات [وأربع عشرة كلمة وستون حرفا] . بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والعصر﴾ . قرأ العامة: بسكون الصاد، وسلام: «والعَصِر» بكسرها، و «الصَّبْرِ» بكسر الباء. قال ابن عطية: «وهذا لا يجوز، إلا في الوقف على نقل الحركة» . وروي عن أبي عمرو: «بالصبْر» بسكون الباء إشماماً، وهذا أيضاً لا يجوز إلا في الوقف انتهى. ونقل هذه القراءة جماعة كالهذلي، وأبي الفضل الرازي، وابن خالويه. قال الهذلي: «والعصر، والصبر، والفجر، والوتر، بكسر ما قبل الساكن في هذه كلها: هارون، وابن موسى عن أبي عمرو، والباقون: بالإسكان، كالجماعة» انتهى. فهذا إطلاق منه لهذه القراءة في حالتي الوقف والوصل. قال ابن خالويه: «وتواصوا بالصبر» بنقل الحركة عن أبي عمرو. قال ابن خالويه [وقال صاحب «اللوامح» : وعيسى البصرة:] «بالصبر» بنقل حركة الراء إلى الباء، لئلا يحتاج، أن يأتي ببعض الحركة في الوقف، ولا إلى أن يسكن، فيجمع بين ساكنين، وذلك لغة شائعة، وليست بشاذة بل مستفيضة، وذلك دلالة على الإعراب، وانفصال عن التقاء الساكنين، وتأدية حق الموقوف عليه من السكون انتهى، فهذا يؤذن بما ذكر ابن عطية، أنه كان ينبغي ذلك. وأنشدوا على ذلك: [الرجز] 5296 - واعْتقَالاً بالرِّجِلْ ... يريد: بالرِّجْلِ. وقال آخر: [الرجز] 5297 - أنَا جَريرٌ كُنيَتِي أبُو عَمِرْ ... أضْرِبُ بالسَّيْفِ وسعْدٌ بالقَصِرْ والنقل جائز في الضم كقوله شعر: إذ جد النَّقُرْ ... وله شروط: «والعقد» الليلة واليوم قال: [الطويل] 5298 - ولَنْ يَلْبثِ العقْدانِ: يَومٌ ولَيْلةٌ ... إذَا طَلَبَا أنْ يُدْرِكَا تَيَمَّمَا قال ابن عباس وغيره: «والعصر» أي: الدهر، ومنه قول الشاعر: [الطويل] 5299 - سَيْلُ الهَوَى وعْرٌ وبَحْرُ الهَوَى غَمْرٌ ... ويَوْمُ الهَوَى شَهْرٌ وشَهْرُ الهَوَى دَهْرُ أقسم الله - تعالى - بالعصرِ لما فيه من الاعتبار للناظر بتصرف الأحوال وبتبدلها وما فيها من الأدلة على الصانع، والعصران أيضاً الغداة والعشي قال: [الطويل] 5300 - وأمْطُلُهُ العَصْرَيْن حتَّى يَملَّنِي ... ويَرْضَى بنِصْفِ الدِّيْن والأنْفُ رَاغِمُ يقول: إذا جاءني أول النهار وعدته آخره. وقيل: إنه العشي، وهو ما بين الزوال والغروب. قاله الحسن وقتادة. [وقال الشاعر] : 5301 - تَروَّحْ بِنَا يا عَمْرُو قَدْ قَصُرَ العَصرُ ... وفي الرَّوحةِ الأولَى الغَنِيمةُ والأَجْرُ وعن قتادة: هو آخر ساعة من النهار، فأقسم سبحانه بأحد طرفي النهار كما أقسم بالضحى، وهو أحد طرفي النَّهارِ، قاله أبو مسلم. وقيل: هو قسم بصلاة العصر، وهي الوسطى؛ لأنها أفضل الصلوات، قاله مقاتل. قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الصَّلاةُ الوُسْطَى، صلاةُ العَصْرِ» . وقيل: أقسم بعصر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لفضله بتجديد النبوة فيه. وقيل: معناه وربِّ العصر. فصل قال مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - من حلف ألاَّ يكلم رجلاً عصراً، لم يكلمه سنة. قال ابن العربي: [إنما حمل مالك يمين الحالف ألا يكلم امرءاً عصراً على السنة، لأنه أكثر ما قيل فيه، وذلك على أصله في تغليظ] المعنى في الإيمان. وقال الشافعي: يبر بساعة إلا أن تكون له نيّة، وبه أقول، إلا أن يكون الحالف عربياً، فيقال له: ما أردت؟ فإذا فسره بما يحتمله قبل منه إلا أن يكون الأقل، ويجيء على مذهب مالك أن يحمل على ما يفسر. قوله: ﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ ، هذا جواب القسم، والمراد به العموم بدليل الاستثناء منه، وهو من جملة أدلة العموم. وقال ابن عباس في رواية ابي صالح: المراد به الكافر. وقال في رواية الضحاك: يريد جماعة من المشركين الوليد بن المغيرة والعاص ابن وائل والأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى والأسود بن عبد يغوث. وقوله تعالى: ﴿لَفِى خُسْرٍ﴾ أي: لفي غبنٍ. وقال الأخفش: لفي هلكة. وقال الفراء: لفي عقوبة، ومنه قوله: ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾ [الطلاق: 9] ، وقال الفراء: لفي شرّ. وقيل: لفي نقص، والمعنى متقارب. وقرأ العامة: «لفي خُسرٍ» بسكون السين، وزيد بن علي، وابن هرمز، وعاصم في رواية أبي بكر، وزاد القرطبيُّ: الأعرج، وطلحة، وعيسى الثقفي: بضمها. وهي كالعسر واليسر، وقد تقدم في البقرة، والوجه فيها الإتباع، ويقال: خسْر وخسُر مثل عسْر وعسُر. وقرأ علي بن أبي طالب: «والعصر» : ونوائب الدهر، ﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ ؛ وإنه فيه إلى آخر الدهر. قال إبراهيم: إن الإنسان إذا عُمِّرَ في الدنيا وهرم لفي نقص، وضعف، وتراجع إلا المؤمنين، فإنهم يكتب لهم أجورهم التي كانوا يعملونها في حال شبابهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: 4، 5] . قال: وقراءتنا: «والعصر إنّ الإنسان لفي خُسْر فإنه في آخر الدهر» . والصحيح ما عليه الأمّة والمصاحف. [وقيل: المعنى أن الإنسان لا ينفك عن تضييع عمره؛ لأن كل ساعة تمر بالإنسان، فإن كان في المعصية، فالخسر ظاهر، وكذلك إن مرت في مباح، وإن مرت في طاعة فكان يمكن أن يأتي بها على وجه أكمل أي من الخشوع، والإخلاص، وترك الأعلى، والإتيان بالأدنى نوع خسران، والخسر والخسران مصدران، وتنكير الخسران إما للتعظيم، وإما للتحقير بالنسبة إلى خسر الشياطين، والأول أظهر، وأفرد الخسر مع كثرة أنواعه؛ لأن الخسر الحقيقي هو حرمان عن خدمة ربه سبحانه، وما عدا ذلك فالكعدم، وفيه مبالغات، ودخول «إن، واللام» ، وإحاطة الخسر به، أي: هو في طريق خسر وسبب خسر] . قوله: ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ﴾ . استثناء من الإنسان؛ إذ المراد به الجنس على الصحيح ﴿وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ ، أي: أدوا الفرائض المفترضة عليهم، وهم أصحاب الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «قال أبي بن كعب: قرأت على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» والعَصْرِ «ثم قلتُ: ما تفسيرها يا نبي الله؟ . قال:» والعَصْرِ: أقسم ربكم بآخر النهار، ﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ ؛ أبو جهل ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ﴾ أبو بكر، ﴿وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ عمر، ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالحق﴾ : عثمان، ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ : عليّ «» رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجمعين. وهكذا خطب ابن عباس على المنبر، موقوفاً عليه. ومعنى تواصوا أي تحاثوا أوصى بعضهم بعضاً وحث بعضهم بعضاً بالحق أي بالتوحيد وكذا روى الضحاك عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما وقال قتادة بالحق أي بالقرآن وقال السدي الحق هنا الله تعالى وتواصوا بالصبر على طاعة الله والصبر عن المعاصي. روى الثعلبي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿والعصر﴾ خَتمَ اللهُ لَهُ بالصَّبْرِ، وكَانَ مَعَ أصْحابِ رسول اللهِ يَوْمَ القِيَامَةٍ» والله أعلم. سورة الهمزة

الهمزة 104:1

مكية، وهي تسع آيات، وثلاث وثلاثون كلمة، ومائة وثلاثون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله: ﴿ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَة﴾ ، «الوَيْل» لفظ الذم والسّخط، وهي كلمة كل مكروب، وقد تقدم الكلام في الويل، ومعناه: الخزي، والعذاب، والهلكة. وقيل: وادٍ في جهنم. ﴿لِّكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ ، أي: كثير الهمز، وكذلك «اللُّمَزَة» ، أي: الكثير اللَّمْز. وتقدم معنى الهمز في سورة «ن» واللمز في سورة «براءة» . والعامة: على فتح ميمها، على أن المراد الشخص الذي كثر منه ذلك الفعل. قال زياد الأعجم: [البسيط] 5302 - تُدْلِي بِوُدِّي إذَا لاقَيْتَنِي كَذِباً ... وإنْ أغَيَّبْ فأنْتَ الهَامِزُ اللُّمَزَه وقرأ أبو جعفر والأعرج: بالسكون، وهو الذي يهمز ويلمز أي يأتي بما يلمز به واللمزة كالضحكة [لمن يكثر ضحكه، والضحكة: بما يأتي لمن يضحك منه وهو مطرد، يعني أن «فُعَلَة» بفتح العين، لمن يكثر من الفعل، وبسكونها لمن الفعل بسببه] . قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - وهم المشَّاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبُرآء العيب، فعلى هذا هما بمعنى، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «شِرارُ عبادِ اللهِ تَعالَى: المشَّاءُونَ بالنَّمِيمَةِ المفسِدُونَ بَيْنَ الأحبَّةِ، الباغُونَ للبُرَآءِ العَيْبَ» . وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن الهمزة: القتَّات، واللُّمزة: المغتاب، والقتَّاتُ: هو النمام، يقال: قتّ الحديث يقتّه: إذا زوره وهيّأه وسواه. [وقيل: النَّمامُ الذي يكون مع القوم يتحدثون لينمّ عليهم، والقتَّات الذي يتسمع على القوم وهم لا يعلمون، ثم ينم، والقتات الذي يسأل عن الأخبار، ثم ينميها نقله ابن الأثير. وقال أبو العالية، والحسن، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح: الهمزة: الذي يغتاب ويطعن في وجه الرجل، واللُّمزة: الذي يعيب به من خلفه، وهذا اختيار النحاس. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات﴾ [التوبة: 58] . وقال مقاتل هنا هذا القول: إن الهمزة: الذي يغتاب بالغيبة، واللمزة الذي يغتاب في الوجه. وقال قتادة، ومجاهد: الهمزة: الطَّعَّان في أنسابهم، وقال ابن زيد: الهامز: الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللامز: الذي يلمزهم بلسانه ويلمز بعينه] . وقال ابن كيسان: الهمزة: الذي يؤدي جلساءه بسوء اللفظ، واللُّمزة: الذي يكسر عينه على جليسه، ويشير بعينه، ورأسه، وبحاجبيه. وقرأ عبد الله بن مسعود، وأبو وائل، والنخعي، والأعمش: «ويلٌ للهمزة اللمزة» . وأصل الهمز: الكسر، والعض على الشيء بعنف، ومنه همز الحرف، ويقال: همزت رأسه، وهمزت الجوز بكفي: كسرته. وقيل: أصل الهمزِ، واللمز: الدفع والضرب لمزه يلمزه لمزاً، إذا ضربه، ودفعه، وكذلك همزه: أي: دفعه، وضربه؛ قال الراجز: [الرجز] 5303 - ومَنْ هَمَزْنَا عِزَّهُ تَبَركَعَا ... عَلى اسْتِهِ زَوْبعَةً أوْ زَوْبَعَا البركعة: القيام على أربع وبركعه فتبركع، صرعه، فوقع على استه، قاله في «الصحاح» . فصل فيمن نزلت فيه السورة روى الضحاك عن ابن عبَّاس: أنها نزلت في الأخنس بن شريق، كان يلمز الناس، ويعيبهم مقبلين، ومدبرين. وقال ابن جريج: نزلت في الوليد بن المغيرة، كان يغتاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من ورائه، ويقدح فيه في وجهه. وقيل: إنها نزلت في أبي بن خلف. وقيل: في جميل بن عامر الثقفي. وقيل: إنها عامة من غير تخصيص، وهو قول الأكثرين. قال مجاهد: ليست بخاصة لأحد، بل لكل من كانت هذه صفته. وقال الفراءُ: يجوز أن يذكر الشيء العام، ويقصد به الخاص، قصد الواحد إذا قال: أزورك أبداً، فتقول: من لم يزرني فلست بزائره، تعني ذلك القائل. فصل في نظم الآية قال ابن الخطيب: فإن قيل: لم قال: «ويلٌ» منكراً، وفي موضع آخر: «ولَكُمُ الويْلُ» ، معرفاً؟ . فالجواب: لأن ثمة قالوا: ﴿ياويلنآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 14، 46] ، فقال: «ولكُمُ الويْلُ» وهاهنا نكر، حتى لا يعلم كنهه إلا الله تعالى. قيل: في «ويْلٌ» إنها كلمة تقبيح، و «ويس» استصغار، «ويح» ترحم، فنبه بهذا على قبيح هذا الفعل. قوله: ﴿الذى جَمَعَ﴾ قرأ ابن عامر والأخوان: بتشديد الميم، على المبالغة، والتكثير. والباقون: مخففاً، وهي محتملة للتكثير وعدمه. وقوله تعالى: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ ، العامة: على تثقيل الدَّال الأولى، وهي أيضاً للمبالغة. وقرأ الحسن والكلبي: بتخفيفها، وفيه أوجه: أحدها: أن المعنى جمع مالاً، وعدد ذلك المال، أي: وجمع عدده: أي: أحصاه. والثاني: أن المعنى وجمع عدد نفسه من عشيرته، وأقاربه وعدده، وعلى هذين التأويلين اسم معطوف على «مالاً» ، أي: وجمع عدد المال، وعدد نفسه. والثالث: أن عدده فعل ماض بمعنى عده، إلا أنه شذّ في إظهاره كما شذَّ في قوله: [البسيط] 5293 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... إنِّ أجُودُ لأقوامٍ وإنْ ضَنِنُوا أي: ضنوا وبخلوا، فأظهر التضعيف. و «الذي» بدل من كل أو نصب على الذم، وإنما وصفه تعالى بهذا الوصف، لأنه يجري مجرى المسبب والعلة في الهمز واللمز وهو إعجابه بما جمع من المال، وظنه أن الفضل فيه لأجل ذلك فسيتنقص غيره. فصل في معنى جمع المال قال المفسرون: ﴿جَمَعَ مالاً وعدَّدهُ﴾ ، أي: أعده لنوائب الدهر، مثل: كرم، وأكرم. وقيل: أحصى عدده. قاله السدي. وقال الضحاكُ: أي: أعد ماله لمن يرثه من أولاده. وقيل: تفاخر بعدده، وكثرته، والمقصود: الذم على إمساك المال على سبيل الطاعة، كقوله: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ﴾ [ق: 25] . قوله: ﴿يَحْسَبُ﴾ ، يجوز أن يكون مستأنفاً، وأن يكون حالاً من فاعل «جَمَعَ» ، و «أخْلدهُ» بمعنى: «يُخلِدهُ» وأوقع الماضي موقع المضارع. وقيل: هو على الأصل، أي: أطال عمره. قال السديُّ: «يظن أن ماله أخلده، أي: يبقيه حياً لا يموت» . وقال عكرمة: أي: يزيد في عمره وقيل: أحياه فيما مضى. وهو ماض بمعنى المستقبل، وقالوا: هلك والله فلان، ودخل النار. أي: يدخل النار.

الهمزة 104:2

مكية، وهي تسع آيات، وثلاث وثلاثون كلمة، ومائة وثلاثون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله: ﴿ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَة﴾ ، «الوَيْل» لفظ الذم والسّخط، وهي كلمة كل مكروب، وقد تقدم الكلام في الويل، ومعناه: الخزي، والعذاب، والهلكة. وقيل: وادٍ في جهنم. ﴿لِّكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ ، أي: كثير الهمز، وكذلك «اللُّمَزَة» ، أي: الكثير اللَّمْز. وتقدم معنى الهمز في سورة «ن» واللمز في سورة «براءة» . والعامة: على فتح ميمها، على أن المراد الشخص الذي كثر منه ذلك الفعل. قال زياد الأعجم: [البسيط] 5302 - تُدْلِي بِوُدِّي إذَا لاقَيْتَنِي كَذِباً ... وإنْ أغَيَّبْ فأنْتَ الهَامِزُ اللُّمَزَه وقرأ أبو جعفر والأعرج: بالسكون، وهو الذي يهمز ويلمز أي يأتي بما يلمز به واللمزة كالضحكة [لمن يكثر ضحكه، والضحكة: بما يأتي لمن يضحك منه وهو مطرد، يعني أن «فُعَلَة» بفتح العين، لمن يكثر من الفعل، وبسكونها لمن الفعل بسببه] . قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - وهم المشَّاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبُرآء العيب، فعلى هذا هما بمعنى، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «شِرارُ عبادِ اللهِ تَعالَى: المشَّاءُونَ بالنَّمِيمَةِ المفسِدُونَ بَيْنَ الأحبَّةِ، الباغُونَ للبُرَآءِ العَيْبَ» . وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن الهمزة: القتَّات، واللُّمزة: المغتاب، والقتَّاتُ: هو النمام، يقال: قتّ الحديث يقتّه: إذا زوره وهيّأه وسواه. [وقيل: النَّمامُ الذي يكون مع القوم يتحدثون لينمّ عليهم، والقتَّات الذي يتسمع على القوم وهم لا يعلمون، ثم ينم، والقتات الذي يسأل عن الأخبار، ثم ينميها نقله ابن الأثير. وقال أبو العالية، والحسن، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح: الهمزة: الذي يغتاب ويطعن في وجه الرجل، واللُّمزة: الذي يعيب به من خلفه، وهذا اختيار النحاس. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات﴾ [التوبة: 58] . وقال مقاتل هنا هذا القول: إن الهمزة: الذي يغتاب بالغيبة، واللمزة الذي يغتاب في الوجه. وقال قتادة، ومجاهد: الهمزة: الطَّعَّان في أنسابهم، وقال ابن زيد: الهامز: الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللامز: الذي يلمزهم بلسانه ويلمز بعينه] . وقال ابن كيسان: الهمزة: الذي يؤدي جلساءه بسوء اللفظ، واللُّمزة: الذي يكسر عينه على جليسه، ويشير بعينه، ورأسه، وبحاجبيه. وقرأ عبد الله بن مسعود، وأبو وائل، والنخعي، والأعمش: «ويلٌ للهمزة اللمزة» . وأصل الهمز: الكسر، والعض على الشيء بعنف، ومنه همز الحرف، ويقال: همزت رأسه، وهمزت الجوز بكفي: كسرته. وقيل: أصل الهمزِ، واللمز: الدفع والضرب لمزه يلمزه لمزاً، إذا ضربه، ودفعه، وكذلك همزه: أي: دفعه، وضربه؛ قال الراجز: [الرجز] 5303 - ومَنْ هَمَزْنَا عِزَّهُ تَبَركَعَا ... عَلى اسْتِهِ زَوْبعَةً أوْ زَوْبَعَا البركعة: القيام على أربع وبركعه فتبركع، صرعه، فوقع على استه، قاله في «الصحاح» . فصل فيمن نزلت فيه السورة روى الضحاك عن ابن عبَّاس: أنها نزلت في الأخنس بن شريق، كان يلمز الناس، ويعيبهم مقبلين، ومدبرين. وقال ابن جريج: نزلت في الوليد بن المغيرة، كان يغتاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من ورائه، ويقدح فيه في وجهه. وقيل: إنها نزلت في أبي بن خلف. وقيل: في جميل بن عامر الثقفي. وقيل: إنها عامة من غير تخصيص، وهو قول الأكثرين. قال مجاهد: ليست بخاصة لأحد، بل لكل من كانت هذه صفته. وقال الفراءُ: يجوز أن يذكر الشيء العام، ويقصد به الخاص، قصد الواحد إذا قال: أزورك أبداً، فتقول: من لم يزرني فلست بزائره، تعني ذلك القائل. فصل في نظم الآية قال ابن الخطيب: فإن قيل: لم قال: «ويلٌ» منكراً، وفي موضع آخر: «ولَكُمُ الويْلُ» ، معرفاً؟ . فالجواب: لأن ثمة قالوا: ﴿ياويلنآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 14، 46] ، فقال: «ولكُمُ الويْلُ» وهاهنا نكر، حتى لا يعلم كنهه إلا الله تعالى. قيل: في «ويْلٌ» إنها كلمة تقبيح، و «ويس» استصغار، «ويح» ترحم، فنبه بهذا على قبيح هذا الفعل. قوله: ﴿الذى جَمَعَ﴾ قرأ ابن عامر والأخوان: بتشديد الميم، على المبالغة، والتكثير. والباقون: مخففاً، وهي محتملة للتكثير وعدمه. وقوله تعالى: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ ، العامة: على تثقيل الدَّال الأولى، وهي أيضاً للمبالغة. وقرأ الحسن والكلبي: بتخفيفها، وفيه أوجه: أحدها: أن المعنى جمع مالاً، وعدد ذلك المال، أي: وجمع عدده: أي: أحصاه. والثاني: أن المعنى وجمع عدد نفسه من عشيرته، وأقاربه وعدده، وعلى هذين التأويلين اسم معطوف على «مالاً» ، أي: وجمع عدد المال، وعدد نفسه. والثالث: أن عدده فعل ماض بمعنى عده، إلا أنه شذّ في إظهاره كما شذَّ في قوله: [البسيط] 5293 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... إنِّ أجُودُ لأقوامٍ وإنْ ضَنِنُوا أي: ضنوا وبخلوا، فأظهر التضعيف. و «الذي» بدل من كل أو نصب على الذم، وإنما وصفه تعالى بهذا الوصف، لأنه يجري مجرى المسبب والعلة في الهمز واللمز وهو إعجابه بما جمع من المال، وظنه أن الفضل فيه لأجل ذلك فسيتنقص غيره. فصل في معنى جمع المال قال المفسرون: ﴿جَمَعَ مالاً وعدَّدهُ﴾ ، أي: أعده لنوائب الدهر، مثل: كرم، وأكرم. وقيل: أحصى عدده. قاله السدي. وقال الضحاكُ: أي: أعد ماله لمن يرثه من أولاده. وقيل: تفاخر بعدده، وكثرته، والمقصود: الذم على إمساك المال على سبيل الطاعة، كقوله: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ﴾ [ق: 25] . قوله: ﴿يَحْسَبُ﴾ ، يجوز أن يكون مستأنفاً، وأن يكون حالاً من فاعل «جَمَعَ» ، و «أخْلدهُ» بمعنى: «يُخلِدهُ» وأوقع الماضي موقع المضارع. وقيل: هو على الأصل، أي: أطال عمره. قال السديُّ: «يظن أن ماله أخلده، أي: يبقيه حياً لا يموت» . وقال عكرمة: أي: يزيد في عمره وقيل: أحياه فيما مضى. وهو ماض بمعنى المستقبل، وقالوا: هلك والله فلان، ودخل النار. أي: يدخل النار.

الهمزة 104:3

مكية، وهي تسع آيات، وثلاث وثلاثون كلمة، ومائة وثلاثون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله: ﴿ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَة﴾ ، «الوَيْل» لفظ الذم والسّخط، وهي كلمة كل مكروب، وقد تقدم الكلام في الويل، ومعناه: الخزي، والعذاب، والهلكة. وقيل: وادٍ في جهنم. ﴿لِّكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ ، أي: كثير الهمز، وكذلك «اللُّمَزَة» ، أي: الكثير اللَّمْز. وتقدم معنى الهمز في سورة «ن» واللمز في سورة «براءة» . والعامة: على فتح ميمها، على أن المراد الشخص الذي كثر منه ذلك الفعل. قال زياد الأعجم: [البسيط] 5302 - تُدْلِي بِوُدِّي إذَا لاقَيْتَنِي كَذِباً ... وإنْ أغَيَّبْ فأنْتَ الهَامِزُ اللُّمَزَه وقرأ أبو جعفر والأعرج: بالسكون، وهو الذي يهمز ويلمز أي يأتي بما يلمز به واللمزة كالضحكة [لمن يكثر ضحكه، والضحكة: بما يأتي لمن يضحك منه وهو مطرد، يعني أن «فُعَلَة» بفتح العين، لمن يكثر من الفعل، وبسكونها لمن الفعل بسببه] . قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - وهم المشَّاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبُرآء العيب، فعلى هذا هما بمعنى، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «شِرارُ عبادِ اللهِ تَعالَى: المشَّاءُونَ بالنَّمِيمَةِ المفسِدُونَ بَيْنَ الأحبَّةِ، الباغُونَ للبُرَآءِ العَيْبَ» . وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن الهمزة: القتَّات، واللُّمزة: المغتاب، والقتَّاتُ: هو النمام، يقال: قتّ الحديث يقتّه: إذا زوره وهيّأه وسواه. [وقيل: النَّمامُ الذي يكون مع القوم يتحدثون لينمّ عليهم، والقتَّات الذي يتسمع على القوم وهم لا يعلمون، ثم ينم، والقتات الذي يسأل عن الأخبار، ثم ينميها نقله ابن الأثير. وقال أبو العالية، والحسن، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح: الهمزة: الذي يغتاب ويطعن في وجه الرجل، واللُّمزة: الذي يعيب به من خلفه، وهذا اختيار النحاس. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات﴾ [التوبة: 58] . وقال مقاتل هنا هذا القول: إن الهمزة: الذي يغتاب بالغيبة، واللمزة الذي يغتاب في الوجه. وقال قتادة، ومجاهد: الهمزة: الطَّعَّان في أنسابهم، وقال ابن زيد: الهامز: الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللامز: الذي يلمزهم بلسانه ويلمز بعينه] . وقال ابن كيسان: الهمزة: الذي يؤدي جلساءه بسوء اللفظ، واللُّمزة: الذي يكسر عينه على جليسه، ويشير بعينه، ورأسه، وبحاجبيه. وقرأ عبد الله بن مسعود، وأبو وائل، والنخعي، والأعمش: «ويلٌ للهمزة اللمزة» . وأصل الهمز: الكسر، والعض على الشيء بعنف، ومنه همز الحرف، ويقال: همزت رأسه، وهمزت الجوز بكفي: كسرته. وقيل: أصل الهمزِ، واللمز: الدفع والضرب لمزه يلمزه لمزاً، إذا ضربه، ودفعه، وكذلك همزه: أي: دفعه، وضربه؛ قال الراجز: [الرجز] 5303 - ومَنْ هَمَزْنَا عِزَّهُ تَبَركَعَا ... عَلى اسْتِهِ زَوْبعَةً أوْ زَوْبَعَا البركعة: القيام على أربع وبركعه فتبركع، صرعه، فوقع على استه، قاله في «الصحاح» . فصل فيمن نزلت فيه السورة روى الضحاك عن ابن عبَّاس: أنها نزلت في الأخنس بن شريق، كان يلمز الناس، ويعيبهم مقبلين، ومدبرين. وقال ابن جريج: نزلت في الوليد بن المغيرة، كان يغتاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من ورائه، ويقدح فيه في وجهه. وقيل: إنها نزلت في أبي بن خلف. وقيل: في جميل بن عامر الثقفي. وقيل: إنها عامة من غير تخصيص، وهو قول الأكثرين. قال مجاهد: ليست بخاصة لأحد، بل لكل من كانت هذه صفته. وقال الفراءُ: يجوز أن يذكر الشيء العام، ويقصد به الخاص، قصد الواحد إذا قال: أزورك أبداً، فتقول: من لم يزرني فلست بزائره، تعني ذلك القائل. فصل في نظم الآية قال ابن الخطيب: فإن قيل: لم قال: «ويلٌ» منكراً، وفي موضع آخر: «ولَكُمُ الويْلُ» ، معرفاً؟ . فالجواب: لأن ثمة قالوا: ﴿ياويلنآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 14، 46] ، فقال: «ولكُمُ الويْلُ» وهاهنا نكر، حتى لا يعلم كنهه إلا الله تعالى. قيل: في «ويْلٌ» إنها كلمة تقبيح، و «ويس» استصغار، «ويح» ترحم، فنبه بهذا على قبيح هذا الفعل. قوله: ﴿الذى جَمَعَ﴾ قرأ ابن عامر والأخوان: بتشديد الميم، على المبالغة، والتكثير. والباقون: مخففاً، وهي محتملة للتكثير وعدمه. وقوله تعالى: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ ، العامة: على تثقيل الدَّال الأولى، وهي أيضاً للمبالغة. وقرأ الحسن والكلبي: بتخفيفها، وفيه أوجه: أحدها: أن المعنى جمع مالاً، وعدد ذلك المال، أي: وجمع عدده: أي: أحصاه. والثاني: أن المعنى وجمع عدد نفسه من عشيرته، وأقاربه وعدده، وعلى هذين التأويلين اسم معطوف على «مالاً» ، أي: وجمع عدد المال، وعدد نفسه. والثالث: أن عدده فعل ماض بمعنى عده، إلا أنه شذّ في إظهاره كما شذَّ في قوله: [البسيط] 5293 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... إنِّ أجُودُ لأقوامٍ وإنْ ضَنِنُوا أي: ضنوا وبخلوا، فأظهر التضعيف. و «الذي» بدل من كل أو نصب على الذم، وإنما وصفه تعالى بهذا الوصف، لأنه يجري مجرى المسبب والعلة في الهمز واللمز وهو إعجابه بما جمع من المال، وظنه أن الفضل فيه لأجل ذلك فسيتنقص غيره. فصل في معنى جمع المال قال المفسرون: ﴿جَمَعَ مالاً وعدَّدهُ﴾ ، أي: أعده لنوائب الدهر، مثل: كرم، وأكرم. وقيل: أحصى عدده. قاله السدي. وقال الضحاكُ: أي: أعد ماله لمن يرثه من أولاده. وقيل: تفاخر بعدده، وكثرته، والمقصود: الذم على إمساك المال على سبيل الطاعة، كقوله: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ﴾ [ق: 25] . قوله: ﴿يَحْسَبُ﴾ ، يجوز أن يكون مستأنفاً، وأن يكون حالاً من فاعل «جَمَعَ» ، و «أخْلدهُ» بمعنى: «يُخلِدهُ» وأوقع الماضي موقع المضارع. وقيل: هو على الأصل، أي: أطال عمره. قال السديُّ: «يظن أن ماله أخلده، أي: يبقيه حياً لا يموت» . وقال عكرمة: أي: يزيد في عمره وقيل: أحياه فيما مضى. وهو ماض بمعنى المستقبل، وقالوا: هلك والله فلان، ودخل النار. أي: يدخل النار.

الهمزة 104:4

قوله: ﴿كَلاَّ﴾ ، رد لما توهمه الكفار، أي: لا يخلد ولا يبقى له مال. وقيل: حقاً لينبذن. قوله: ﴿لَيُنبَذَنَّ﴾ ، جواب قسم مقدر، وقرأ علي والحسن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - بخلاف عنه، ومحمد بن كعب، ونصر بن عاصم، وحميد، وابن محيصن، وأبو عمرو في رواية: «لَيُنْبذَنَّ» بألف التثنية، لينبذان أي: هو وماله. وعن الحسن أيضاً: «ليُنبذُنَّ» بضم الذال، وهو مسند لضمير الجماعة، أي: ليطرحن الهمزة، وأنصاره واللمزة، والمال، وجامعه معاً. وقرأ الحسن أيضاً: «ليُنبذَنَّهُ» على معنى لينبذن ماله. وعنه أيضاً: بالنون «لَنَنْبُذَنَّهُ» على إخبار الله - تعالى - عن نفسه، وأنه ينبذ صاحب المال. ﴿فِي الحطمة﴾ وهي نار الله، سميت بذلك؛ لأنها تكسر كل ما يلقى فيها وتحطمه، وتهشمه، والحطمة: الكثير الحطم، يقال: رجل حطمة: أي أكول، وحطمته: كسرته، قال: [الرجز] 5304 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... قَدْ لفَّهَا اللَّيْلُ بِسَوَّاقٍ حُطَمْ وقال آخر: [الرجز] 5305 - إنَّا حَطَمْنَا بالقَضيبِ مُصْعبَا ... يَوْمَ كَسرْنَا أنفهُ ليَغْضَبَا حكى الماوردي عن الكلبي: ان الحطمة، هي الطبقة السادسة من طبقات جهنم، وحكي القشيريُّ عنه: «الحُطمةُ» الدرجة الثانية من درج النار. وقال الضحاك: وهي الدرك الرابع. وقال ابن زيدٍ: اسم من أسماء جهنم. قوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحطمة﴾ ، على التعظيم لشأنها، والتفخيم لأمرها: ثم فسرها ما هي فقال: ﴿نَارُ الله الموقدة﴾ ، أي: هي نار الله التي أوقد عليها ألف عام، حتى احمرت، وألف عام حتى اسودّت، وألف عام حتى ابيضّت. قوله: ﴿التي تَطَّلِعُ﴾ يجوز أن تكون تابعة ل «نارُ اللهِ» ، وأن تكون مقطوعة. قال محمد بن كعب: تأكل النار جميع ما في أجسادهم، حتى إذا بلغت إلى الفؤاد، خلقوا خلقاً جديداً، فرجعت تأكلهم، وكذلك روى خالد بن أبي عمران عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ النار تأكل أهلها، حتى إذا طلعت على أفئدتهم انتهت، ثُمَّ إذا صدروا تعود، فلذلك قوله تعالى: ﴿نَارُ الله الموقدة التي تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة﴾ » وخص الأفئدة؛ لأن الألم إذا صار إلى الفؤاد مات صاحبه، أي: أنه في حال من يموت، وهم لا يموتون، كما قال تعالى: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يحيى﴾ [طه: 74] فهم إذاً أحياءٌ، في معنى الأموات. وقيل: معنى ﴿تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة﴾ أي: تعلم مقدار ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب، وكذلك بما استبقاه الله - تعالى - من الأمارة الدَّالة عليه، ويقال: اطَّلَع فلان على كذا: أي: علمه، [وقد قال تعالى: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وتولى﴾ [المعارج: 17] . وقال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان: 12] . قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ﴾ . أي: مطبقة عليهم، قاله الحسن والضحاك وقد تقدم في سورة البلد. وقيل: مغلقة بلغة قريش، يقولون: أصدتُ الباب: إذا أغلقته. قاله مجاهد. ومنه قول عبيد الله بن قيس الرقيات: [الخفيف] 5306 - إنَِّ في القصْرِ لوْ دخلْنَا غَزالاً ... مُصْفقاً مُوصداً عليْهِ الحِجَابُ قوله: ﴿عَمَدٍ﴾ . قرأ الأخوان وأبو بكر: بضمتين، جمع عمود، نحو رسول ورسل. وقيل: جمع عماد، نحو: كتاب وكتب. وروي عن أبي عمرو: الضم، والسكون، وهوتخفيف لهذه القراءة. والباقون: «عَمَدٍ» بفتحتين، فقيل: بل هو اسم جمع ل «عمود» . وقيل: بل هو جمع له. قال الفراء: ك «أديم وأدم» . وقال أبو عبيدة: هو جمع عماد. و «فِي عَمَدٍ» يجوز أن يكون حالاً من الضمير في «عَليهِم» ، أي: موثقين، وأن يكون خبراً لمبتدأ مضمر، أي: هم في عمد، وأن يكون صفة ل «مُؤصَدةٌ» ، قاله أبو البقاء. يعني: فتكون النَّار داخل العمد. وقال القرطبي: «الفاء بمعنى الباء، أي: موصدة بعمد ممدة» . قاله ابن مسعود، وهي في قراءته: «بعمد ممددة» . قال الجوهريُّ: العمُود: عمود البيت، وجمع القلّة، أعمدة، وجمع الكثرة: عُمُد وعَمَد، وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ . وقال أبو عبيدة: العمُود: كل مستطيل من خشب، أو حديد، وهو أصل للبناء مثل العماد. عمدت الشيء فانعمد أي: أقمته بعماد يعتمد عليه، وأعمدته أي جعلت تحته عماداً. فصل في معنى الآية قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ الله تَبارَكَ وتَعَالَى يَبعَثُ عَليْهِمْ مَلائِكَةً بأطْباقٍ من نَارٍ، ومَسامِيرَ مِنْ نَارٍ، وعُمدٍ منْ نَارٍ، فتطبق عليهم بتِلْكَ الأطْبَاقِ، وتُسَدُّ بتلْكَ المَسَامِيرِ، وتُمَدُّ بتِلْكَ العُمدِ، فلا يَبْقَى فيْهَا خَلَلٌ يَدخلُ مِنهُ رَوْحٌ ولا يَخرجُ مِنهُ غمٌّ، فيكُونُ فِيهَا زَفيرٌ وشَهِيقٌ، فذلكَ قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ﴾ » . وقال قتادة: عمد يعذبون بها، واختاره الطَّبري. وقال ابن عبًّاس: إن العمد الممددة أغلال في أعناقهم. وقال أبو صالح: قيود في أرجلهم. وقال القشيري: العمد: أوتاد الأطباق. وقيل: المعنى، في دهور ممدودة، لا انقطاع لها. روى الثعلبي عن أبيّ بن كعب، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ ﴿ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ أعطيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسناتٍ، وبعدد من اسْتَهْزأ بمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» . سورة الفيل

الهمزة 104:5

قوله: ﴿كَلاَّ﴾ ، رد لما توهمه الكفار، أي: لا يخلد ولا يبقى له مال. وقيل: حقاً لينبذن. قوله: ﴿لَيُنبَذَنَّ﴾ ، جواب قسم مقدر، وقرأ علي والحسن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - بخلاف عنه، ومحمد بن كعب، ونصر بن عاصم، وحميد، وابن محيصن، وأبو عمرو في رواية: «لَيُنْبذَنَّ» بألف التثنية، لينبذان أي: هو وماله. وعن الحسن أيضاً: «ليُنبذُنَّ» بضم الذال، وهو مسند لضمير الجماعة، أي: ليطرحن الهمزة، وأنصاره واللمزة، والمال، وجامعه معاً. وقرأ الحسن أيضاً: «ليُنبذَنَّهُ» على معنى لينبذن ماله. وعنه أيضاً: بالنون «لَنَنْبُذَنَّهُ» على إخبار الله - تعالى - عن نفسه، وأنه ينبذ صاحب المال. ﴿فِي الحطمة﴾ وهي نار الله، سميت بذلك؛ لأنها تكسر كل ما يلقى فيها وتحطمه، وتهشمه، والحطمة: الكثير الحطم، يقال: رجل حطمة: أي أكول، وحطمته: كسرته، قال: [الرجز] 5304 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... قَدْ لفَّهَا اللَّيْلُ بِسَوَّاقٍ حُطَمْ وقال آخر: [الرجز] 5305 - إنَّا حَطَمْنَا بالقَضيبِ مُصْعبَا ... يَوْمَ كَسرْنَا أنفهُ ليَغْضَبَا حكى الماوردي عن الكلبي: ان الحطمة، هي الطبقة السادسة من طبقات جهنم، وحكي القشيريُّ عنه: «الحُطمةُ» الدرجة الثانية من درج النار. وقال الضحاك: وهي الدرك الرابع. وقال ابن زيدٍ: اسم من أسماء جهنم. قوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحطمة﴾ ، على التعظيم لشأنها، والتفخيم لأمرها: ثم فسرها ما هي فقال: ﴿نَارُ الله الموقدة﴾ ، أي: هي نار الله التي أوقد عليها ألف عام، حتى احمرت، وألف عام حتى اسودّت، وألف عام حتى ابيضّت. قوله: ﴿التي تَطَّلِعُ﴾ يجوز أن تكون تابعة ل «نارُ اللهِ» ، وأن تكون مقطوعة. قال محمد بن كعب: تأكل النار جميع ما في أجسادهم، حتى إذا بلغت إلى الفؤاد، خلقوا خلقاً جديداً، فرجعت تأكلهم، وكذلك روى خالد بن أبي عمران عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ النار تأكل أهلها، حتى إذا طلعت على أفئدتهم انتهت، ثُمَّ إذا صدروا تعود، فلذلك قوله تعالى: ﴿نَارُ الله الموقدة التي تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة﴾ » وخص الأفئدة؛ لأن الألم إذا صار إلى الفؤاد مات صاحبه، أي: أنه في حال من يموت، وهم لا يموتون، كما قال تعالى: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يحيى﴾ [طه: 74] فهم إذاً أحياءٌ، في معنى الأموات. وقيل: معنى ﴿تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة﴾ أي: تعلم مقدار ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب، وكذلك بما استبقاه الله - تعالى - من الأمارة الدَّالة عليه، ويقال: اطَّلَع فلان على كذا: أي: علمه، [وقد قال تعالى: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وتولى﴾ [المعارج: 17] . وقال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان: 12] . قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ﴾ . أي: مطبقة عليهم، قاله الحسن والضحاك وقد تقدم في سورة البلد. وقيل: مغلقة بلغة قريش، يقولون: أصدتُ الباب: إذا أغلقته. قاله مجاهد. ومنه قول عبيد الله بن قيس الرقيات: [الخفيف] 5306 - إنَِّ في القصْرِ لوْ دخلْنَا غَزالاً ... مُصْفقاً مُوصداً عليْهِ الحِجَابُ قوله: ﴿عَمَدٍ﴾ . قرأ الأخوان وأبو بكر: بضمتين، جمع عمود، نحو رسول ورسل. وقيل: جمع عماد، نحو: كتاب وكتب. وروي عن أبي عمرو: الضم، والسكون، وهوتخفيف لهذه القراءة. والباقون: «عَمَدٍ» بفتحتين، فقيل: بل هو اسم جمع ل «عمود» . وقيل: بل هو جمع له. قال الفراء: ك «أديم وأدم» . وقال أبو عبيدة: هو جمع عماد. و «فِي عَمَدٍ» يجوز أن يكون حالاً من الضمير في «عَليهِم» ، أي: موثقين، وأن يكون خبراً لمبتدأ مضمر، أي: هم في عمد، وأن يكون صفة ل «مُؤصَدةٌ» ، قاله أبو البقاء. يعني: فتكون النَّار داخل العمد. وقال القرطبي: «الفاء بمعنى الباء، أي: موصدة بعمد ممدة» . قاله ابن مسعود، وهي في قراءته: «بعمد ممددة» . قال الجوهريُّ: العمُود: عمود البيت، وجمع القلّة، أعمدة، وجمع الكثرة: عُمُد وعَمَد، وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ . وقال أبو عبيدة: العمُود: كل مستطيل من خشب، أو حديد، وهو أصل للبناء مثل العماد. عمدت الشيء فانعمد أي: أقمته بعماد يعتمد عليه، وأعمدته أي جعلت تحته عماداً. فصل في معنى الآية قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ الله تَبارَكَ وتَعَالَى يَبعَثُ عَليْهِمْ مَلائِكَةً بأطْباقٍ من نَارٍ، ومَسامِيرَ مِنْ نَارٍ، وعُمدٍ منْ نَارٍ، فتطبق عليهم بتِلْكَ الأطْبَاقِ، وتُسَدُّ بتلْكَ المَسَامِيرِ، وتُمَدُّ بتِلْكَ العُمدِ، فلا يَبْقَى فيْهَا خَلَلٌ يَدخلُ مِنهُ رَوْحٌ ولا يَخرجُ مِنهُ غمٌّ، فيكُونُ فِيهَا زَفيرٌ وشَهِيقٌ، فذلكَ قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ﴾ » . وقال قتادة: عمد يعذبون بها، واختاره الطَّبري. وقال ابن عبًّاس: إن العمد الممددة أغلال في أعناقهم. وقال أبو صالح: قيود في أرجلهم. وقال القشيري: العمد: أوتاد الأطباق. وقيل: المعنى، في دهور ممدودة، لا انقطاع لها. روى الثعلبي عن أبيّ بن كعب، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ ﴿ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ أعطيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسناتٍ، وبعدد من اسْتَهْزأ بمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» . سورة الفيل

الهمزة 104:6

قوله: ﴿كَلاَّ﴾ ، رد لما توهمه الكفار، أي: لا يخلد ولا يبقى له مال. وقيل: حقاً لينبذن. قوله: ﴿لَيُنبَذَنَّ﴾ ، جواب قسم مقدر، وقرأ علي والحسن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - بخلاف عنه، ومحمد بن كعب، ونصر بن عاصم، وحميد، وابن محيصن، وأبو عمرو في رواية: «لَيُنْبذَنَّ» بألف التثنية، لينبذان أي: هو وماله. وعن الحسن أيضاً: «ليُنبذُنَّ» بضم الذال، وهو مسند لضمير الجماعة، أي: ليطرحن الهمزة، وأنصاره واللمزة، والمال، وجامعه معاً. وقرأ الحسن أيضاً: «ليُنبذَنَّهُ» على معنى لينبذن ماله. وعنه أيضاً: بالنون «لَنَنْبُذَنَّهُ» على إخبار الله - تعالى - عن نفسه، وأنه ينبذ صاحب المال. ﴿فِي الحطمة﴾ وهي نار الله، سميت بذلك؛ لأنها تكسر كل ما يلقى فيها وتحطمه، وتهشمه، والحطمة: الكثير الحطم، يقال: رجل حطمة: أي أكول، وحطمته: كسرته، قال: [الرجز] 5304 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... قَدْ لفَّهَا اللَّيْلُ بِسَوَّاقٍ حُطَمْ وقال آخر: [الرجز] 5305 - إنَّا حَطَمْنَا بالقَضيبِ مُصْعبَا ... يَوْمَ كَسرْنَا أنفهُ ليَغْضَبَا حكى الماوردي عن الكلبي: ان الحطمة، هي الطبقة السادسة من طبقات جهنم، وحكي القشيريُّ عنه: «الحُطمةُ» الدرجة الثانية من درج النار. وقال الضحاك: وهي الدرك الرابع. وقال ابن زيدٍ: اسم من أسماء جهنم. قوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحطمة﴾ ، على التعظيم لشأنها، والتفخيم لأمرها: ثم فسرها ما هي فقال: ﴿نَارُ الله الموقدة﴾ ، أي: هي نار الله التي أوقد عليها ألف عام، حتى احمرت، وألف عام حتى اسودّت، وألف عام حتى ابيضّت. قوله: ﴿التي تَطَّلِعُ﴾ يجوز أن تكون تابعة ل «نارُ اللهِ» ، وأن تكون مقطوعة. قال محمد بن كعب: تأكل النار جميع ما في أجسادهم، حتى إذا بلغت إلى الفؤاد، خلقوا خلقاً جديداً، فرجعت تأكلهم، وكذلك روى خالد بن أبي عمران عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ النار تأكل أهلها، حتى إذا طلعت على أفئدتهم انتهت، ثُمَّ إذا صدروا تعود، فلذلك قوله تعالى: ﴿نَارُ الله الموقدة التي تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة﴾ » وخص الأفئدة؛ لأن الألم إذا صار إلى الفؤاد مات صاحبه، أي: أنه في حال من يموت، وهم لا يموتون، كما قال تعالى: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يحيى﴾ [طه: 74] فهم إذاً أحياءٌ، في معنى الأموات. وقيل: معنى ﴿تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة﴾ أي: تعلم مقدار ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب، وكذلك بما استبقاه الله - تعالى - من الأمارة الدَّالة عليه، ويقال: اطَّلَع فلان على كذا: أي: علمه، [وقد قال تعالى: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وتولى﴾ [المعارج: 17] . وقال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان: 12] . قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ﴾ . أي: مطبقة عليهم، قاله الحسن والضحاك وقد تقدم في سورة البلد. وقيل: مغلقة بلغة قريش، يقولون: أصدتُ الباب: إذا أغلقته. قاله مجاهد. ومنه قول عبيد الله بن قيس الرقيات: [الخفيف] 5306 - إنَِّ في القصْرِ لوْ دخلْنَا غَزالاً ... مُصْفقاً مُوصداً عليْهِ الحِجَابُ قوله: ﴿عَمَدٍ﴾ . قرأ الأخوان وأبو بكر: بضمتين، جمع عمود، نحو رسول ورسل. وقيل: جمع عماد، نحو: كتاب وكتب. وروي عن أبي عمرو: الضم، والسكون، وهوتخفيف لهذه القراءة. والباقون: «عَمَدٍ» بفتحتين، فقيل: بل هو اسم جمع ل «عمود» . وقيل: بل هو جمع له. قال الفراء: ك «أديم وأدم» . وقال أبو عبيدة: هو جمع عماد. و «فِي عَمَدٍ» يجوز أن يكون حالاً من الضمير في «عَليهِم» ، أي: موثقين، وأن يكون خبراً لمبتدأ مضمر، أي: هم في عمد، وأن يكون صفة ل «مُؤصَدةٌ» ، قاله أبو البقاء. يعني: فتكون النَّار داخل العمد. وقال القرطبي: «الفاء بمعنى الباء، أي: موصدة بعمد ممدة» . قاله ابن مسعود، وهي في قراءته: «بعمد ممددة» . قال الجوهريُّ: العمُود: عمود البيت، وجمع القلّة، أعمدة، وجمع الكثرة: عُمُد وعَمَد، وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ . وقال أبو عبيدة: العمُود: كل مستطيل من خشب، أو حديد، وهو أصل للبناء مثل العماد. عمدت الشيء فانعمد أي: أقمته بعماد يعتمد عليه، وأعمدته أي جعلت تحته عماداً. فصل في معنى الآية قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ الله تَبارَكَ وتَعَالَى يَبعَثُ عَليْهِمْ مَلائِكَةً بأطْباقٍ من نَارٍ، ومَسامِيرَ مِنْ نَارٍ، وعُمدٍ منْ نَارٍ، فتطبق عليهم بتِلْكَ الأطْبَاقِ، وتُسَدُّ بتلْكَ المَسَامِيرِ، وتُمَدُّ بتِلْكَ العُمدِ، فلا يَبْقَى فيْهَا خَلَلٌ يَدخلُ مِنهُ رَوْحٌ ولا يَخرجُ مِنهُ غمٌّ، فيكُونُ فِيهَا زَفيرٌ وشَهِيقٌ، فذلكَ قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ﴾ » . وقال قتادة: عمد يعذبون بها، واختاره الطَّبري. وقال ابن عبًّاس: إن العمد الممددة أغلال في أعناقهم. وقال أبو صالح: قيود في أرجلهم. وقال القشيري: العمد: أوتاد الأطباق. وقيل: المعنى، في دهور ممدودة، لا انقطاع لها. روى الثعلبي عن أبيّ بن كعب، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ ﴿ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ أعطيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسناتٍ، وبعدد من اسْتَهْزأ بمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» . سورة الفيل

الهمزة 104:7

قوله: ﴿كَلاَّ﴾ ، رد لما توهمه الكفار، أي: لا يخلد ولا يبقى له مال. وقيل: حقاً لينبذن. قوله: ﴿لَيُنبَذَنَّ﴾ ، جواب قسم مقدر، وقرأ علي والحسن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - بخلاف عنه، ومحمد بن كعب، ونصر بن عاصم، وحميد، وابن محيصن، وأبو عمرو في رواية: «لَيُنْبذَنَّ» بألف التثنية، لينبذان أي: هو وماله. وعن الحسن أيضاً: «ليُنبذُنَّ» بضم الذال، وهو مسند لضمير الجماعة، أي: ليطرحن الهمزة، وأنصاره واللمزة، والمال، وجامعه معاً. وقرأ الحسن أيضاً: «ليُنبذَنَّهُ» على معنى لينبذن ماله. وعنه أيضاً: بالنون «لَنَنْبُذَنَّهُ» على إخبار الله - تعالى - عن نفسه، وأنه ينبذ صاحب المال. ﴿فِي الحطمة﴾ وهي نار الله، سميت بذلك؛ لأنها تكسر كل ما يلقى فيها وتحطمه، وتهشمه، والحطمة: الكثير الحطم، يقال: رجل حطمة: أي أكول، وحطمته: كسرته، قال: [الرجز] 5304 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... قَدْ لفَّهَا اللَّيْلُ بِسَوَّاقٍ حُطَمْ وقال آخر: [الرجز] 5305 - إنَّا حَطَمْنَا بالقَضيبِ مُصْعبَا ... يَوْمَ كَسرْنَا أنفهُ ليَغْضَبَا حكى الماوردي عن الكلبي: ان الحطمة، هي الطبقة السادسة من طبقات جهنم، وحكي القشيريُّ عنه: «الحُطمةُ» الدرجة الثانية من درج النار. وقال الضحاك: وهي الدرك الرابع. وقال ابن زيدٍ: اسم من أسماء جهنم. قوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحطمة﴾ ، على التعظيم لشأنها، والتفخيم لأمرها: ثم فسرها ما هي فقال: ﴿نَارُ الله الموقدة﴾ ، أي: هي نار الله التي أوقد عليها ألف عام، حتى احمرت، وألف عام حتى اسودّت، وألف عام حتى ابيضّت. قوله: ﴿التي تَطَّلِعُ﴾ يجوز أن تكون تابعة ل «نارُ اللهِ» ، وأن تكون مقطوعة. قال محمد بن كعب: تأكل النار جميع ما في أجسادهم، حتى إذا بلغت إلى الفؤاد، خلقوا خلقاً جديداً، فرجعت تأكلهم، وكذلك روى خالد بن أبي عمران عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ النار تأكل أهلها، حتى إذا طلعت على أفئدتهم انتهت، ثُمَّ إذا صدروا تعود، فلذلك قوله تعالى: ﴿نَارُ الله الموقدة التي تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة﴾ » وخص الأفئدة؛ لأن الألم إذا صار إلى الفؤاد مات صاحبه، أي: أنه في حال من يموت، وهم لا يموتون، كما قال تعالى: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يحيى﴾ [طه: 74] فهم إذاً أحياءٌ، في معنى الأموات. وقيل: معنى ﴿تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة﴾ أي: تعلم مقدار ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب، وكذلك بما استبقاه الله - تعالى - من الأمارة الدَّالة عليه، ويقال: اطَّلَع فلان على كذا: أي: علمه، [وقد قال تعالى: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وتولى﴾ [المعارج: 17] . وقال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان: 12] . قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ﴾ . أي: مطبقة عليهم، قاله الحسن والضحاك وقد تقدم في سورة البلد. وقيل: مغلقة بلغة قريش، يقولون: أصدتُ الباب: إذا أغلقته. قاله مجاهد. ومنه قول عبيد الله بن قيس الرقيات: [الخفيف] 5306 - إنَِّ في القصْرِ لوْ دخلْنَا غَزالاً ... مُصْفقاً مُوصداً عليْهِ الحِجَابُ قوله: ﴿عَمَدٍ﴾ . قرأ الأخوان وأبو بكر: بضمتين، جمع عمود، نحو رسول ورسل. وقيل: جمع عماد، نحو: كتاب وكتب. وروي عن أبي عمرو: الضم، والسكون، وهوتخفيف لهذه القراءة. والباقون: «عَمَدٍ» بفتحتين، فقيل: بل هو اسم جمع ل «عمود» . وقيل: بل هو جمع له. قال الفراء: ك «أديم وأدم» . وقال أبو عبيدة: هو جمع عماد. و «فِي عَمَدٍ» يجوز أن يكون حالاً من الضمير في «عَليهِم» ، أي: موثقين، وأن يكون خبراً لمبتدأ مضمر، أي: هم في عمد، وأن يكون صفة ل «مُؤصَدةٌ» ، قاله أبو البقاء. يعني: فتكون النَّار داخل العمد. وقال القرطبي: «الفاء بمعنى الباء، أي: موصدة بعمد ممدة» . قاله ابن مسعود، وهي في قراءته: «بعمد ممددة» . قال الجوهريُّ: العمُود: عمود البيت، وجمع القلّة، أعمدة، وجمع الكثرة: عُمُد وعَمَد، وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ . وقال أبو عبيدة: العمُود: كل مستطيل من خشب، أو حديد، وهو أصل للبناء مثل العماد. عمدت الشيء فانعمد أي: أقمته بعماد يعتمد عليه، وأعمدته أي جعلت تحته عماداً. فصل في معنى الآية قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ الله تَبارَكَ وتَعَالَى يَبعَثُ عَليْهِمْ مَلائِكَةً بأطْباقٍ من نَارٍ، ومَسامِيرَ مِنْ نَارٍ، وعُمدٍ منْ نَارٍ، فتطبق عليهم بتِلْكَ الأطْبَاقِ، وتُسَدُّ بتلْكَ المَسَامِيرِ، وتُمَدُّ بتِلْكَ العُمدِ، فلا يَبْقَى فيْهَا خَلَلٌ يَدخلُ مِنهُ رَوْحٌ ولا يَخرجُ مِنهُ غمٌّ، فيكُونُ فِيهَا زَفيرٌ وشَهِيقٌ، فذلكَ قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ﴾ » . وقال قتادة: عمد يعذبون بها، واختاره الطَّبري. وقال ابن عبًّاس: إن العمد الممددة أغلال في أعناقهم. وقال أبو صالح: قيود في أرجلهم. وقال القشيري: العمد: أوتاد الأطباق. وقيل: المعنى، في دهور ممدودة، لا انقطاع لها. روى الثعلبي عن أبيّ بن كعب، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ ﴿ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ أعطيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسناتٍ، وبعدد من اسْتَهْزأ بمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» . سورة الفيل

الهمزة 104:8

قوله: ﴿كَلاَّ﴾ ، رد لما توهمه الكفار، أي: لا يخلد ولا يبقى له مال. وقيل: حقاً لينبذن. قوله: ﴿لَيُنبَذَنَّ﴾ ، جواب قسم مقدر، وقرأ علي والحسن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - بخلاف عنه، ومحمد بن كعب، ونصر بن عاصم، وحميد، وابن محيصن، وأبو عمرو في رواية: «لَيُنْبذَنَّ» بألف التثنية، لينبذان أي: هو وماله. وعن الحسن أيضاً: «ليُنبذُنَّ» بضم الذال، وهو مسند لضمير الجماعة، أي: ليطرحن الهمزة، وأنصاره واللمزة، والمال، وجامعه معاً. وقرأ الحسن أيضاً: «ليُنبذَنَّهُ» على معنى لينبذن ماله. وعنه أيضاً: بالنون «لَنَنْبُذَنَّهُ» على إخبار الله - تعالى - عن نفسه، وأنه ينبذ صاحب المال. ﴿فِي الحطمة﴾ وهي نار الله، سميت بذلك؛ لأنها تكسر كل ما يلقى فيها وتحطمه، وتهشمه، والحطمة: الكثير الحطم، يقال: رجل حطمة: أي أكول، وحطمته: كسرته، قال: [الرجز] 5304 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... قَدْ لفَّهَا اللَّيْلُ بِسَوَّاقٍ حُطَمْ وقال آخر: [الرجز] 5305 - إنَّا حَطَمْنَا بالقَضيبِ مُصْعبَا ... يَوْمَ كَسرْنَا أنفهُ ليَغْضَبَا حكى الماوردي عن الكلبي: ان الحطمة، هي الطبقة السادسة من طبقات جهنم، وحكي القشيريُّ عنه: «الحُطمةُ» الدرجة الثانية من درج النار. وقال الضحاك: وهي الدرك الرابع. وقال ابن زيدٍ: اسم من أسماء جهنم. قوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحطمة﴾ ، على التعظيم لشأنها، والتفخيم لأمرها: ثم فسرها ما هي فقال: ﴿نَارُ الله الموقدة﴾ ، أي: هي نار الله التي أوقد عليها ألف عام، حتى احمرت، وألف عام حتى اسودّت، وألف عام حتى ابيضّت. قوله: ﴿التي تَطَّلِعُ﴾ يجوز أن تكون تابعة ل «نارُ اللهِ» ، وأن تكون مقطوعة. قال محمد بن كعب: تأكل النار جميع ما في أجسادهم، حتى إذا بلغت إلى الفؤاد، خلقوا خلقاً جديداً، فرجعت تأكلهم، وكذلك روى خالد بن أبي عمران عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ النار تأكل أهلها، حتى إذا طلعت على أفئدتهم انتهت، ثُمَّ إذا صدروا تعود، فلذلك قوله تعالى: ﴿نَارُ الله الموقدة التي تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة﴾ » وخص الأفئدة؛ لأن الألم إذا صار إلى الفؤاد مات صاحبه، أي: أنه في حال من يموت، وهم لا يموتون، كما قال تعالى: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يحيى﴾ [طه: 74] فهم إذاً أحياءٌ، في معنى الأموات. وقيل: معنى ﴿تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة﴾ أي: تعلم مقدار ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب، وكذلك بما استبقاه الله - تعالى - من الأمارة الدَّالة عليه، ويقال: اطَّلَع فلان على كذا: أي: علمه، [وقد قال تعالى: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وتولى﴾ [المعارج: 17] . وقال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان: 12] . قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ﴾ . أي: مطبقة عليهم، قاله الحسن والضحاك وقد تقدم في سورة البلد. وقيل: مغلقة بلغة قريش، يقولون: أصدتُ الباب: إذا أغلقته. قاله مجاهد. ومنه قول عبيد الله بن قيس الرقيات: [الخفيف] 5306 - إنَِّ في القصْرِ لوْ دخلْنَا غَزالاً ... مُصْفقاً مُوصداً عليْهِ الحِجَابُ قوله: ﴿عَمَدٍ﴾ . قرأ الأخوان وأبو بكر: بضمتين، جمع عمود، نحو رسول ورسل. وقيل: جمع عماد، نحو: كتاب وكتب. وروي عن أبي عمرو: الضم، والسكون، وهوتخفيف لهذه القراءة. والباقون: «عَمَدٍ» بفتحتين، فقيل: بل هو اسم جمع ل «عمود» . وقيل: بل هو جمع له. قال الفراء: ك «أديم وأدم» . وقال أبو عبيدة: هو جمع عماد. و «فِي عَمَدٍ» يجوز أن يكون حالاً من الضمير في «عَليهِم» ، أي: موثقين، وأن يكون خبراً لمبتدأ مضمر، أي: هم في عمد، وأن يكون صفة ل «مُؤصَدةٌ» ، قاله أبو البقاء. يعني: فتكون النَّار داخل العمد. وقال القرطبي: «الفاء بمعنى الباء، أي: موصدة بعمد ممدة» . قاله ابن مسعود، وهي في قراءته: «بعمد ممددة» . قال الجوهريُّ: العمُود: عمود البيت، وجمع القلّة، أعمدة، وجمع الكثرة: عُمُد وعَمَد، وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ . وقال أبو عبيدة: العمُود: كل مستطيل من خشب، أو حديد، وهو أصل للبناء مثل العماد. عمدت الشيء فانعمد أي: أقمته بعماد يعتمد عليه، وأعمدته أي جعلت تحته عماداً. فصل في معنى الآية قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ الله تَبارَكَ وتَعَالَى يَبعَثُ عَليْهِمْ مَلائِكَةً بأطْباقٍ من نَارٍ، ومَسامِيرَ مِنْ نَارٍ، وعُمدٍ منْ نَارٍ، فتطبق عليهم بتِلْكَ الأطْبَاقِ، وتُسَدُّ بتلْكَ المَسَامِيرِ، وتُمَدُّ بتِلْكَ العُمدِ، فلا يَبْقَى فيْهَا خَلَلٌ يَدخلُ مِنهُ رَوْحٌ ولا يَخرجُ مِنهُ غمٌّ، فيكُونُ فِيهَا زَفيرٌ وشَهِيقٌ، فذلكَ قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ﴾ » . وقال قتادة: عمد يعذبون بها، واختاره الطَّبري. وقال ابن عبًّاس: إن العمد الممددة أغلال في أعناقهم. وقال أبو صالح: قيود في أرجلهم. وقال القشيري: العمد: أوتاد الأطباق. وقيل: المعنى، في دهور ممدودة، لا انقطاع لها. روى الثعلبي عن أبيّ بن كعب، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ ﴿ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ أعطيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسناتٍ، وبعدد من اسْتَهْزأ بمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» . سورة الفيل

الهمزة 104:9

قوله: ﴿كَلاَّ﴾ ، رد لما توهمه الكفار، أي: لا يخلد ولا يبقى له مال. وقيل: حقاً لينبذن. قوله: ﴿لَيُنبَذَنَّ﴾ ، جواب قسم مقدر، وقرأ علي والحسن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - بخلاف عنه، ومحمد بن كعب، ونصر بن عاصم، وحميد، وابن محيصن، وأبو عمرو في رواية: «لَيُنْبذَنَّ» بألف التثنية، لينبذان أي: هو وماله. وعن الحسن أيضاً: «ليُنبذُنَّ» بضم الذال، وهو مسند لضمير الجماعة، أي: ليطرحن الهمزة، وأنصاره واللمزة، والمال، وجامعه معاً. وقرأ الحسن أيضاً: «ليُنبذَنَّهُ» على معنى لينبذن ماله. وعنه أيضاً: بالنون «لَنَنْبُذَنَّهُ» على إخبار الله - تعالى - عن نفسه، وأنه ينبذ صاحب المال. ﴿فِي الحطمة﴾ وهي نار الله، سميت بذلك؛ لأنها تكسر كل ما يلقى فيها وتحطمه، وتهشمه، والحطمة: الكثير الحطم، يقال: رجل حطمة: أي أكول، وحطمته: كسرته، قال: [الرجز] 5304 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... قَدْ لفَّهَا اللَّيْلُ بِسَوَّاقٍ حُطَمْ وقال آخر: [الرجز] 5305 - إنَّا حَطَمْنَا بالقَضيبِ مُصْعبَا ... يَوْمَ كَسرْنَا أنفهُ ليَغْضَبَا حكى الماوردي عن الكلبي: ان الحطمة، هي الطبقة السادسة من طبقات جهنم، وحكي القشيريُّ عنه: «الحُطمةُ» الدرجة الثانية من درج النار. وقال الضحاك: وهي الدرك الرابع. وقال ابن زيدٍ: اسم من أسماء جهنم. قوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحطمة﴾ ، على التعظيم لشأنها، والتفخيم لأمرها: ثم فسرها ما هي فقال: ﴿نَارُ الله الموقدة﴾ ، أي: هي نار الله التي أوقد عليها ألف عام، حتى احمرت، وألف عام حتى اسودّت، وألف عام حتى ابيضّت. قوله: ﴿التي تَطَّلِعُ﴾ يجوز أن تكون تابعة ل «نارُ اللهِ» ، وأن تكون مقطوعة. قال محمد بن كعب: تأكل النار جميع ما في أجسادهم، حتى إذا بلغت إلى الفؤاد، خلقوا خلقاً جديداً، فرجعت تأكلهم، وكذلك روى خالد بن أبي عمران عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ النار تأكل أهلها، حتى إذا طلعت على أفئدتهم انتهت، ثُمَّ إذا صدروا تعود، فلذلك قوله تعالى: ﴿نَارُ الله الموقدة التي تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة﴾ » وخص الأفئدة؛ لأن الألم إذا صار إلى الفؤاد مات صاحبه، أي: أنه في حال من يموت، وهم لا يموتون، كما قال تعالى: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يحيى﴾ [طه: 74] فهم إذاً أحياءٌ، في معنى الأموات. وقيل: معنى ﴿تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة﴾ أي: تعلم مقدار ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب، وكذلك بما استبقاه الله - تعالى - من الأمارة الدَّالة عليه، ويقال: اطَّلَع فلان على كذا: أي: علمه، [وقد قال تعالى: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وتولى﴾ [المعارج: 17] . وقال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان: 12] . قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ﴾ . أي: مطبقة عليهم، قاله الحسن والضحاك وقد تقدم في سورة البلد. وقيل: مغلقة بلغة قريش، يقولون: أصدتُ الباب: إذا أغلقته. قاله مجاهد. ومنه قول عبيد الله بن قيس الرقيات: [الخفيف] 5306 - إنَِّ في القصْرِ لوْ دخلْنَا غَزالاً ... مُصْفقاً مُوصداً عليْهِ الحِجَابُ قوله: ﴿عَمَدٍ﴾ . قرأ الأخوان وأبو بكر: بضمتين، جمع عمود، نحو رسول ورسل. وقيل: جمع عماد، نحو: كتاب وكتب. وروي عن أبي عمرو: الضم، والسكون، وهوتخفيف لهذه القراءة. والباقون: «عَمَدٍ» بفتحتين، فقيل: بل هو اسم جمع ل «عمود» . وقيل: بل هو جمع له. قال الفراء: ك «أديم وأدم» . وقال أبو عبيدة: هو جمع عماد. و «فِي عَمَدٍ» يجوز أن يكون حالاً من الضمير في «عَليهِم» ، أي: موثقين، وأن يكون خبراً لمبتدأ مضمر، أي: هم في عمد، وأن يكون صفة ل «مُؤصَدةٌ» ، قاله أبو البقاء. يعني: فتكون النَّار داخل العمد. وقال القرطبي: «الفاء بمعنى الباء، أي: موصدة بعمد ممدة» . قاله ابن مسعود، وهي في قراءته: «بعمد ممددة» . قال الجوهريُّ: العمُود: عمود البيت، وجمع القلّة، أعمدة، وجمع الكثرة: عُمُد وعَمَد، وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ . وقال أبو عبيدة: العمُود: كل مستطيل من خشب، أو حديد، وهو أصل للبناء مثل العماد. عمدت الشيء فانعمد أي: أقمته بعماد يعتمد عليه، وأعمدته أي جعلت تحته عماداً. فصل في معنى الآية قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ الله تَبارَكَ وتَعَالَى يَبعَثُ عَليْهِمْ مَلائِكَةً بأطْباقٍ من نَارٍ، ومَسامِيرَ مِنْ نَارٍ، وعُمدٍ منْ نَارٍ، فتطبق عليهم بتِلْكَ الأطْبَاقِ، وتُسَدُّ بتلْكَ المَسَامِيرِ، وتُمَدُّ بتِلْكَ العُمدِ، فلا يَبْقَى فيْهَا خَلَلٌ يَدخلُ مِنهُ رَوْحٌ ولا يَخرجُ مِنهُ غمٌّ، فيكُونُ فِيهَا زَفيرٌ وشَهِيقٌ، فذلكَ قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ﴾ » . وقال قتادة: عمد يعذبون بها، واختاره الطَّبري. وقال ابن عبًّاس: إن العمد الممددة أغلال في أعناقهم. وقال أبو صالح: قيود في أرجلهم. وقال القشيري: العمد: أوتاد الأطباق. وقيل: المعنى، في دهور ممدودة، لا انقطاع لها. روى الثعلبي عن أبيّ بن كعب، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ ﴿ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ أعطيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسناتٍ، وبعدد من اسْتَهْزأ بمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» . سورة الفيل

الفيل 105:1

مكية، وهي خمس آيات، وعشرون كلمة، وستة وتسعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفيل﴾ ، هذه قراءة الجمهور، أعني: فتح الراء وحذف الألف للجزم. وقرأ السلمي: «تَرْ» بسكون الراء، كأنه لم يعتمد بحذف الألف. وقرأ أيضاً: «ترأ» بسكون الراء وهمزة مفتوحة، وهو الأصل، و «كَيْفَ» معلقة للرؤية، وهي منصوبة بفعل بعدها، لان «ألَمْ تَر كَيفَ» من معنى الاستفهام. فصل في معنى الآية المعنى: الم تخبر. وقيل: ألم تعلم. وقال ابن عباس: ألم تسمع؟ واللفظ استفهام والمعنى تقرير، والخطاب للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولكنه عام، أي: ألم تروا ما فعلت بأصحاب الفيل؟ أي: قد رايتم ذلك، وعرفتم موضع منتي عليكم، فما لكم لا تؤمنون؟ . فصل في لفظ «الفيل» الفيل معروف، والجمع: أفيال، وفيول، وفيلة. قال ابن السكيت: ولا يقال: «أفيلة» والأنثى فيلة، وصاحبه: فيال. قال سيبويه: يجوز أن يكون أصل «فيل» : «فُعْلاً» فكسر من أجل الياء، كما قالوا: أبيض وبيض. وقال الأخفش: هذا لا يكون في الواحد، إنما يكون في الجمع، ورجل فيلُ الرأي، أي: ضعيف الرأي والجمع: أفيال، ورجل فالٌ: أي: ضعيف الرأي، مخطئ الفراسة، وقد فال الرأي، يفيلُ، فيُولة، وفيَّل رأيه تفييلاً: أي: ضعفه، فهو فيِّلُ الرأي. فصل في نزول السورة روي أن أبرهة بن الصباح الأشرم - ملك «اليمن» - بنى كنيسة ب «صنعاء» لم ير مثلها، وسمَّاها القليس، وأراد أن يصرف إليها الحاج، فخرج رجل من بني كنانة مختفياً، وجعل يبولُ ويتغوطُ في تلك الكنيسة ليلاً، فأغضبه ذلك. وقيل: أجج ناراً فحملتها ريح فاحرقتها، فقال: من صنع هذا؟ فقيل له: رجل من أهل البيت الذي يحج العرب إليه، فحلف ليهدمنَّ الكعبة، فخرج بجيشه ومعه فيلٌ اسمه محمود، وكان قويًّا عظيماً وثمانية أخرى. وقيل: اثنا عشر. وقيل: ألف، وبعث رجلاً إلى بني كنانة يدعوهم إلى حج تلك الكنيسة فقتلت بنو كنانة ذلك الرجل، فزاد ذلك أبرهة غضباً وحنقاً، فسار ليهدم الكعبة، فلما بلغ قريباً من «مكة» خرج إليه عبد المطلب، وعرض عليه ثلث أموال «تهامة» ، ليرجع فأبى، وقدم الفيل، فكانوا كلما وجهوه إلى الحرم برك، وإذا وجهوه إلى «اليمن» ، أو إلى سائر الجهات هرول، ثم إن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير، فخرج إليهم بسببها، فلما رآه أبرهة عظم في عينه، وكان رجلاً جسيماً وقيل له: هذا أسد قريش، وصاحب عير «مكة» ، فنزل أبرهة عن سريره، وجلس معه على بساطه، ثم قال لترجمانه: قل له حاجتك، فلما ذكر حاجته قال له: سقطت من عيني جئت لأهدم البيت الذي هو دينُك، ودين آبائك، لا تكلمني فيه، وألهاك عنه ذود لم أحسبها لك، فقال عبد المطلب: أنا ربّ الإبل، وإنَّ للبيت ربًّا سيمنعه، ثم رجع وأتى البيت، فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفرٌ من قريش يدعون الله تعالى، ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب: [مجزوء الكامل] 5307 - لاهُمَّ إنَّ العَبْدَ يَمْ ... نَعُ رَحْلهُ فامْنَعْ حَلالَكْ لا يَغلِبَنَّ صَليبهُمْ ... ومُحَالهُمْ عَدْواً مُحالَكْ إن يَدخُلُوا البَلدَ الحَرَا ... مَ فأمْرٌ ما بَدَا لَكْ وقال آخر: [الرجز] 5308 - يَا ربِّ لا أرْجُو لَهُمْ سِوَاكَا ... يَا ربِّ فامْنَعْ مِنهُمُ حِمَاكَا إنَّ عَدُوَّ البَيْتِ مِنْ عَاداكَا ... إنَّهُمُ لنْ يَقْهَرُوا قُواكَا فالتفت، وهو يدعو، فإذا هو بطير من ناحية «اليمن» ، فقال: والله إنها لطير غريبة، ما هي بجندية ولا تهامية، وكان مع كل طائر حجر في منقاره، وحجران في رجليه أكبر من العدسة، وأصغر من الحمصة. قال الراوي: فأرسل عبد المطلب حلقة الكعبة ثم انطلق هو ومن معه من قريش إلى شعب الجبال، فتحرَّزُوا فيها ينظرون ما يفعل أبرهة إذا دخل «مكة» ، فأرسل الله عليهم طيراً من البحر [أمثال الخطاطيف والبلسان مع كل طائر منها ثلاثة أحجار فكان الحجر يقع] على رأس الرجل فيخرج من دبره، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه، فهلكوا في كل طريق، ومنهل. روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أنه رأى من تلك الأحجار عند أم هانئ نحو قفيز مخططة بحمرة كالجزع الظفاري. قال الراوي: وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون إلى الطَّريق التي منها جاءوا. وروي ان أبرهة تساقطت أنامله، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، وانقلب هو ووزيره أبو يكسوم، وطائر يحلق فوقه حتى قدموا «صنعاء» وهو مثل فرخ الطائر. وقيل: قدموا على النجاشي، فَقَصّ عليه القصة فلما تممها وقع علي الحجر فخرَّ ميتاً بين يديه. فصل في ميلاد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حكى الماوردي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «وُلدتُ عَامَ الفِيْلِ» . وقال في كتاب «أعلام النبوةِ» : ولد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وكان بعد الفيل بخمسين يوماً، ووافق من شهور الروم العشرين من أشباط، في السَّنة الثانية عشرة من ملك هرمز بن أنوشروان. قال: وحكى أبو جعفر الطبري: أن مولده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان لاثنين وأربعين سنة من ملك أنوشروان. وقيل: إنه - عليه السلام - حملت به أمه في يوم عاشوراء من المحرم حكاه ابن شاهين أبو حفص في فضائل يوم عاشوراء، وولد يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلةً خلت من شهر رمضان، فكانت مدة الحمل ثمانية أشهر كملاً ويومين من التاسع. وقال ابن العربي: قال ابن وهب عن مالكٍ: ولد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عام الفيل [قال] قيس بن مخرمة: ولدت أنا ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عام الفيل. وقال عبد الملك بن مروان لعتَّاب بن أسيد: أنت أكبر أم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؟ فقال: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أكبر مني وأنا أسنّ منه، ولد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عام الفيل، وأنا أدركت سائسه وقائده أعميين مقعدين يستطعمان الناس. فصل في أن قصة الفيل من معجزات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال بعض العلماء: كانت قصة الفيل فيما بعد من معجزات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإن كانت قبله، وقبل التحدي، لأنها كانت توكيداً لأمره، وتمهيداً لشأنه، ولما تلا عليهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هذه السورة كان بمكة عدد كثير ممن شهد تلك الواقعة، ولهذا قال: «ألَمْ تَرَ» ولم يكن ب «مكة» أحد إلاَّ وقد رأى قائد الفيل، وسائقه أعميين [يتكففان] الناس. قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - مع حداثة سنّها: «لقَدْ رَأيتُ قَائِدَ لفِيْلِ وسَائقَهُ أعْميَيْنِ يَسْتطعِمَانِ النَّاسَ» . قوله: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ ، أي: في إبطال، وتضييع؛ لأنهم أرادوا أن يكيدوا قريشاً بالقتل، والسبي، والبيت بالتخريب، والهَدْم. قالت المعتزلة: إضافة الكيد إليهم دليل على أنه - تعالى - لا يرضى بالقبيح، إذ لو رضي لأضافه إلى ذاته. قوله: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ﴾ . قال النحاة: «أبابيل» نعت ل «طير» لأنه اسم جمع. وأبابيل: قيل: لا واحد له، كأساطير وعناديد. وقيل: واحده: «إبَّول» ك «عِجَّول» . وقيل: «إبَّال» ، وقيل: «إبِّيل» مثل سكين. وحكى الرقاشيّ: «أبابيل» جمع «إبَّالة» بالتشديد. وحكى الفرَّاء: «إبالة» مخففة. فصل في لفظ «أبابيل» الأبابيل: الجماعات شيئاً بعد شيء؛ قال: [الطويل] 5309 - طَريقٌ وجبَّارٌ رِوَاءٌ أصُولهُ ... عَليْهِ أبَابيلٌ من الطَّيْرِ تَنعَبُ وقال آخر: [البسيط] 5310 - كَادَتْ تُهَدُّ مِنَ الأصواتِ رَاحِلَتِي ... إذْ سَالتِ الأرضُ بالجُرْدِ الأبابيلِ قال أبو عبيدة: أبابيل: جماعات في تفرقة، يقال: جاءت الطير أبابيل من هاهنا، وهاهنا. قال سعيد بن جبير: كانت طيراً من السَّماء لم ير مثلها. «وروى الضحاك عن ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول:» إنَّهَا طَيْرٌ بَينَ السَّماءِ والأرضِ تُعَشِّشُ وتُفرِّخُ» . وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - كان لها خراطيم كخراطيم الفيلة، وأكفّ كأكفّ الكلاب. وقال عكرمة: كانت طيراً خضراً خرجت من البحر، لها رُءُوس كرءوس السِّباع، ولم تر قبل ذلك، ولا بعده. وقالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: هي أشبه شيء بالخطاطيف. [وقيل: إنها أشبه بالوطاويط] . وقيل: إنها العنقاء التي يضرب بها الأمثال. قال النحاس: وهذه الأقوال متفقة المعنى، وحقيقة المعنى: أنها جماعات عظام، يقال: فلان يؤبل على فلان، أي: يعظم عليه ويكثر، وهو مشتقّ من الإبل. قال ابن الخطيب: هذه الآية ردّ على الملحدين جدًّا، لأنهم ذكروا في الزَّلازل، والرياح والصواعق، والخسف، وسائر الأشياء التي عذب الله - تعالى - بها الأمم أعذاراً ضعيفة، أما هذه الواقعة، فلا يجري فيها تلك الأعذار، وليس في شيء من الطَّبائع والحيل أن يعهد طير معها حجارة، فيقصد قوماً دون قوم فيقتلهم، ولا يمكن أن يقال: إنه كسائر الأحاديث الضعيفة؛ لأنه لم يكن بين عام الفيل، ومبعث الرسول إلا نيفاً وأربعين سنة، ويوم تلا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هذه الآية، كان قد بقي جمع شاهدوا تلك الواقعة، فلا يجري فيها تلك الأعذار، ولو كان النقل ضعيفاً لكذبوه، فعلمنا أنه لا سبيل للطَّعن فيها. قوله: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ﴾ ، «بِحجَارَةِ» صفة ل «طير» ، وقرأ العامة: «تَرْميهِمْ» بالتأنيث. وأبو حنيفة، وابن يعمر، وعيسى، وطلحة: بالياء من أسفل، وهما واضحتان، لأن اسم الجمع يذكر ويؤنث. ومن الثانية قوله: [البسيط] 5311 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشُّؤبُوبِ ذي البَردِ وقيل: الضمير لربِّك، أي: يرميهم ربك بحجارة، و «مِنْ سِجِّيل» صفة ل «حِجَارة» والسجيل، قال الجوهري: قالوا حجارة من طين، طبخت بنار جهنم، مكتوب فيها أسماء القوم، لقوله تعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ﴾ [الذاريات: 33] . وقال عبد الرحمن بن أبزى: «مِنْ سجِّيْلٍ» من السماء، وهي الحجارة التي نزلت على قوم لوط. وقيل: من الجحيم، وهي «سِجِّين» ثم أبدلت اللام نُوناً، كما قالوا في أصيلان: أصيلال، قال ابن مقبلٍ: [البسيط] 5312 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... ضَرْباً تَواصَتْ بِهِ الأبطالُ سِجِّنَا إنما هو «سجيلاً» . وقال الزجاج: «مِنْ سجِّيل» ، أي: مما كتب عليهم أن يعذبوا به، مشتق من السجل وقد تقدم القول في السجيل في سورة «هود» . قال عكرمة: [كانت ترميهم بحجارة معها] ، فإذا أصاب أحدهم حجر منها خرج به الجدري لم ير قبل ذلك اليوم. وقال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: كان الحجر إذا وقع على أحدهم نفط جلده، وكان ذلك أول الجدري. قال يونس وأبو عبيدة: والسجيل عند العرب: الشديد الصلب. قال بعض المفسرين: إنهما كلمتان بالفارسية جعلتهما العرب كلمة واحدة، وإنهما: سجّ وجيل: فالسجُّ: الحجر، والجيل: الطِّين، أي من هذين الجنسين: الحجر والطين. قال أبو إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة أنه قال: أول ما دامت الحصبة بأرض العرب ذلك وإنه أول ما رأى بها مرائر الشجر الحرمل والحنظل والعشار ذلك العام. قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ﴾ . «كَعصْفٍ» هو المفعول الثاني للجعل، بمعنى التصيير، وفيه مبالغة حسنة، وهو أنه لم يكفهم أم جعلهم أهون شيء من الزَّرع، وهو ما لا يجدي طائلاً، حتى جعلهم رجيعاً. والمعنى: جعل الله تعالى أصحاب الفيل كورق الزروع إذا أكله الدواب، فرمت به من أسفل قاله ابن زيد وغيره، والعصف جمع واحده عصفة وعصافة، وأدخل الكاف في «كعصف» للتشبيه مع مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] ومعنى مأكول أن المراد به قشر البُرّ يعني الغلاف الذي يكون كقشر الحنطة إذا خرجت منه الحبة شبَّه تقطُّع أوصالهم بتفرُّق أجزائه، روي معناه عن ابن زيد، وغيره. قال ابن إسحاق: لما رج الله الحبشة عن «مكة» ، عظمت العرب قريشاً، وقالوا: أهل الله قاتل عنهم، وكفاهم مئونة عدوهم، فكان ذلك نعمةً من الله عليهم. روى الثَّعلبي عن أبيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورَة ﴿الفيل﴾ عَافاهُ اللهُ تعَالى حياته مِنَ المسْخِ، والعَدُوِّ» والله أعلم. سورة قريش

الفيل 105:2

مكية، وهي خمس آيات، وعشرون كلمة، وستة وتسعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفيل﴾ ، هذه قراءة الجمهور، أعني: فتح الراء وحذف الألف للجزم. وقرأ السلمي: «تَرْ» بسكون الراء، كأنه لم يعتمد بحذف الألف. وقرأ أيضاً: «ترأ» بسكون الراء وهمزة مفتوحة، وهو الأصل، و «كَيْفَ» معلقة للرؤية، وهي منصوبة بفعل بعدها، لان «ألَمْ تَر كَيفَ» من معنى الاستفهام. فصل في معنى الآية المعنى: الم تخبر. وقيل: ألم تعلم. وقال ابن عباس: ألم تسمع؟ واللفظ استفهام والمعنى تقرير، والخطاب للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولكنه عام، أي: ألم تروا ما فعلت بأصحاب الفيل؟ أي: قد رايتم ذلك، وعرفتم موضع منتي عليكم، فما لكم لا تؤمنون؟ . فصل في لفظ «الفيل» الفيل معروف، والجمع: أفيال، وفيول، وفيلة. قال ابن السكيت: ولا يقال: «أفيلة» والأنثى فيلة، وصاحبه: فيال. قال سيبويه: يجوز أن يكون أصل «فيل» : «فُعْلاً» فكسر من أجل الياء، كما قالوا: أبيض وبيض. وقال الأخفش: هذا لا يكون في الواحد، إنما يكون في الجمع، ورجل فيلُ الرأي، أي: ضعيف الرأي والجمع: أفيال، ورجل فالٌ: أي: ضعيف الرأي، مخطئ الفراسة، وقد فال الرأي، يفيلُ، فيُولة، وفيَّل رأيه تفييلاً: أي: ضعفه، فهو فيِّلُ الرأي. فصل في نزول السورة روي أن أبرهة بن الصباح الأشرم - ملك «اليمن» - بنى كنيسة ب «صنعاء» لم ير مثلها، وسمَّاها القليس، وأراد أن يصرف إليها الحاج، فخرج رجل من بني كنانة مختفياً، وجعل يبولُ ويتغوطُ في تلك الكنيسة ليلاً، فأغضبه ذلك. وقيل: أجج ناراً فحملتها ريح فاحرقتها، فقال: من صنع هذا؟ فقيل له: رجل من أهل البيت الذي يحج العرب إليه، فحلف ليهدمنَّ الكعبة، فخرج بجيشه ومعه فيلٌ اسمه محمود، وكان قويًّا عظيماً وثمانية أخرى. وقيل: اثنا عشر. وقيل: ألف، وبعث رجلاً إلى بني كنانة يدعوهم إلى حج تلك الكنيسة فقتلت بنو كنانة ذلك الرجل، فزاد ذلك أبرهة غضباً وحنقاً، فسار ليهدم الكعبة، فلما بلغ قريباً من «مكة» خرج إليه عبد المطلب، وعرض عليه ثلث أموال «تهامة» ، ليرجع فأبى، وقدم الفيل، فكانوا كلما وجهوه إلى الحرم برك، وإذا وجهوه إلى «اليمن» ، أو إلى سائر الجهات هرول، ثم إن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير، فخرج إليهم بسببها، فلما رآه أبرهة عظم في عينه، وكان رجلاً جسيماً وقيل له: هذا أسد قريش، وصاحب عير «مكة» ، فنزل أبرهة عن سريره، وجلس معه على بساطه، ثم قال لترجمانه: قل له حاجتك، فلما ذكر حاجته قال له: سقطت من عيني جئت لأهدم البيت الذي هو دينُك، ودين آبائك، لا تكلمني فيه، وألهاك عنه ذود لم أحسبها لك، فقال عبد المطلب: أنا ربّ الإبل، وإنَّ للبيت ربًّا سيمنعه، ثم رجع وأتى البيت، فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفرٌ من قريش يدعون الله تعالى، ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب: [مجزوء الكامل] 5307 - لاهُمَّ إنَّ العَبْدَ يَمْ ... نَعُ رَحْلهُ فامْنَعْ حَلالَكْ لا يَغلِبَنَّ صَليبهُمْ ... ومُحَالهُمْ عَدْواً مُحالَكْ إن يَدخُلُوا البَلدَ الحَرَا ... مَ فأمْرٌ ما بَدَا لَكْ وقال آخر: [الرجز] 5308 - يَا ربِّ لا أرْجُو لَهُمْ سِوَاكَا ... يَا ربِّ فامْنَعْ مِنهُمُ حِمَاكَا إنَّ عَدُوَّ البَيْتِ مِنْ عَاداكَا ... إنَّهُمُ لنْ يَقْهَرُوا قُواكَا فالتفت، وهو يدعو، فإذا هو بطير من ناحية «اليمن» ، فقال: والله إنها لطير غريبة، ما هي بجندية ولا تهامية، وكان مع كل طائر حجر في منقاره، وحجران في رجليه أكبر من العدسة، وأصغر من الحمصة. قال الراوي: فأرسل عبد المطلب حلقة الكعبة ثم انطلق هو ومن معه من قريش إلى شعب الجبال، فتحرَّزُوا فيها ينظرون ما يفعل أبرهة إذا دخل «مكة» ، فأرسل الله عليهم طيراً من البحر [أمثال الخطاطيف والبلسان مع كل طائر منها ثلاثة أحجار فكان الحجر يقع] على رأس الرجل فيخرج من دبره، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه، فهلكوا في كل طريق، ومنهل. روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أنه رأى من تلك الأحجار عند أم هانئ نحو قفيز مخططة بحمرة كالجزع الظفاري. قال الراوي: وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون إلى الطَّريق التي منها جاءوا. وروي ان أبرهة تساقطت أنامله، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، وانقلب هو ووزيره أبو يكسوم، وطائر يحلق فوقه حتى قدموا «صنعاء» وهو مثل فرخ الطائر. وقيل: قدموا على النجاشي، فَقَصّ عليه القصة فلما تممها وقع علي الحجر فخرَّ ميتاً بين يديه. فصل في ميلاد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حكى الماوردي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «وُلدتُ عَامَ الفِيْلِ» . وقال في كتاب «أعلام النبوةِ» : ولد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وكان بعد الفيل بخمسين يوماً، ووافق من شهور الروم العشرين من أشباط، في السَّنة الثانية عشرة من ملك هرمز بن أنوشروان. قال: وحكى أبو جعفر الطبري: أن مولده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان لاثنين وأربعين سنة من ملك أنوشروان. وقيل: إنه - عليه السلام - حملت به أمه في يوم عاشوراء من المحرم حكاه ابن شاهين أبو حفص في فضائل يوم عاشوراء، وولد يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلةً خلت من شهر رمضان، فكانت مدة الحمل ثمانية أشهر كملاً ويومين من التاسع. وقال ابن العربي: قال ابن وهب عن مالكٍ: ولد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عام الفيل [قال] قيس بن مخرمة: ولدت أنا ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عام الفيل. وقال عبد الملك بن مروان لعتَّاب بن أسيد: أنت أكبر أم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؟ فقال: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أكبر مني وأنا أسنّ منه، ولد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عام الفيل، وأنا أدركت سائسه وقائده أعميين مقعدين يستطعمان الناس. فصل في أن قصة الفيل من معجزات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال بعض العلماء: كانت قصة الفيل فيما بعد من معجزات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإن كانت قبله، وقبل التحدي، لأنها كانت توكيداً لأمره، وتمهيداً لشأنه، ولما تلا عليهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هذه السورة كان بمكة عدد كثير ممن شهد تلك الواقعة، ولهذا قال: «ألَمْ تَرَ» ولم يكن ب «مكة» أحد إلاَّ وقد رأى قائد الفيل، وسائقه أعميين [يتكففان] الناس. قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - مع حداثة سنّها: «لقَدْ رَأيتُ قَائِدَ لفِيْلِ وسَائقَهُ أعْميَيْنِ يَسْتطعِمَانِ النَّاسَ» . قوله: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ ، أي: في إبطال، وتضييع؛ لأنهم أرادوا أن يكيدوا قريشاً بالقتل، والسبي، والبيت بالتخريب، والهَدْم. قالت المعتزلة: إضافة الكيد إليهم دليل على أنه - تعالى - لا يرضى بالقبيح، إذ لو رضي لأضافه إلى ذاته. قوله: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ﴾ . قال النحاة: «أبابيل» نعت ل «طير» لأنه اسم جمع. وأبابيل: قيل: لا واحد له، كأساطير وعناديد. وقيل: واحده: «إبَّول» ك «عِجَّول» . وقيل: «إبَّال» ، وقيل: «إبِّيل» مثل سكين. وحكى الرقاشيّ: «أبابيل» جمع «إبَّالة» بالتشديد. وحكى الفرَّاء: «إبالة» مخففة. فصل في لفظ «أبابيل» الأبابيل: الجماعات شيئاً بعد شيء؛ قال: [الطويل] 5309 - طَريقٌ وجبَّارٌ رِوَاءٌ أصُولهُ ... عَليْهِ أبَابيلٌ من الطَّيْرِ تَنعَبُ وقال آخر: [البسيط] 5310 - كَادَتْ تُهَدُّ مِنَ الأصواتِ رَاحِلَتِي ... إذْ سَالتِ الأرضُ بالجُرْدِ الأبابيلِ قال أبو عبيدة: أبابيل: جماعات في تفرقة، يقال: جاءت الطير أبابيل من هاهنا، وهاهنا. قال سعيد بن جبير: كانت طيراً من السَّماء لم ير مثلها. «وروى الضحاك عن ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول:» إنَّهَا طَيْرٌ بَينَ السَّماءِ والأرضِ تُعَشِّشُ وتُفرِّخُ» . وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - كان لها خراطيم كخراطيم الفيلة، وأكفّ كأكفّ الكلاب. وقال عكرمة: كانت طيراً خضراً خرجت من البحر، لها رُءُوس كرءوس السِّباع، ولم تر قبل ذلك، ولا بعده. وقالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: هي أشبه شيء بالخطاطيف. [وقيل: إنها أشبه بالوطاويط] . وقيل: إنها العنقاء التي يضرب بها الأمثال. قال النحاس: وهذه الأقوال متفقة المعنى، وحقيقة المعنى: أنها جماعات عظام، يقال: فلان يؤبل على فلان، أي: يعظم عليه ويكثر، وهو مشتقّ من الإبل. قال ابن الخطيب: هذه الآية ردّ على الملحدين جدًّا، لأنهم ذكروا في الزَّلازل، والرياح والصواعق، والخسف، وسائر الأشياء التي عذب الله - تعالى - بها الأمم أعذاراً ضعيفة، أما هذه الواقعة، فلا يجري فيها تلك الأعذار، وليس في شيء من الطَّبائع والحيل أن يعهد طير معها حجارة، فيقصد قوماً دون قوم فيقتلهم، ولا يمكن أن يقال: إنه كسائر الأحاديث الضعيفة؛ لأنه لم يكن بين عام الفيل، ومبعث الرسول إلا نيفاً وأربعين سنة، ويوم تلا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هذه الآية، كان قد بقي جمع شاهدوا تلك الواقعة، فلا يجري فيها تلك الأعذار، ولو كان النقل ضعيفاً لكذبوه، فعلمنا أنه لا سبيل للطَّعن فيها. قوله: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ﴾ ، «بِحجَارَةِ» صفة ل «طير» ، وقرأ العامة: «تَرْميهِمْ» بالتأنيث. وأبو حنيفة، وابن يعمر، وعيسى، وطلحة: بالياء من أسفل، وهما واضحتان، لأن اسم الجمع يذكر ويؤنث. ومن الثانية قوله: [البسيط] 5311 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشُّؤبُوبِ ذي البَردِ وقيل: الضمير لربِّك، أي: يرميهم ربك بحجارة، و «مِنْ سِجِّيل» صفة ل «حِجَارة» والسجيل، قال الجوهري: قالوا حجارة من طين، طبخت بنار جهنم، مكتوب فيها أسماء القوم، لقوله تعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ﴾ [الذاريات: 33] . وقال عبد الرحمن بن أبزى: «مِنْ سجِّيْلٍ» من السماء، وهي الحجارة التي نزلت على قوم لوط. وقيل: من الجحيم، وهي «سِجِّين» ثم أبدلت اللام نُوناً، كما قالوا في أصيلان: أصيلال، قال ابن مقبلٍ: [البسيط] 5312 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... ضَرْباً تَواصَتْ بِهِ الأبطالُ سِجِّنَا إنما هو «سجيلاً» . وقال الزجاج: «مِنْ سجِّيل» ، أي: مما كتب عليهم أن يعذبوا به، مشتق من السجل وقد تقدم القول في السجيل في سورة «هود» . قال عكرمة: [كانت ترميهم بحجارة معها] ، فإذا أصاب أحدهم حجر منها خرج به الجدري لم ير قبل ذلك اليوم. وقال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: كان الحجر إذا وقع على أحدهم نفط جلده، وكان ذلك أول الجدري. قال يونس وأبو عبيدة: والسجيل عند العرب: الشديد الصلب. قال بعض المفسرين: إنهما كلمتان بالفارسية جعلتهما العرب كلمة واحدة، وإنهما: سجّ وجيل: فالسجُّ: الحجر، والجيل: الطِّين، أي من هذين الجنسين: الحجر والطين. قال أبو إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة أنه قال: أول ما دامت الحصبة بأرض العرب ذلك وإنه أول ما رأى بها مرائر الشجر الحرمل والحنظل والعشار ذلك العام. قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ﴾ . «كَعصْفٍ» هو المفعول الثاني للجعل، بمعنى التصيير، وفيه مبالغة حسنة، وهو أنه لم يكفهم أم جعلهم أهون شيء من الزَّرع، وهو ما لا يجدي طائلاً، حتى جعلهم رجيعاً. والمعنى: جعل الله تعالى أصحاب الفيل كورق الزروع إذا أكله الدواب، فرمت به من أسفل قاله ابن زيد وغيره، والعصف جمع واحده عصفة وعصافة، وأدخل الكاف في «كعصف» للتشبيه مع مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] ومعنى مأكول أن المراد به قشر البُرّ يعني الغلاف الذي يكون كقشر الحنطة إذا خرجت منه الحبة شبَّه تقطُّع أوصالهم بتفرُّق أجزائه، روي معناه عن ابن زيد، وغيره. قال ابن إسحاق: لما رج الله الحبشة عن «مكة» ، عظمت العرب قريشاً، وقالوا: أهل الله قاتل عنهم، وكفاهم مئونة عدوهم، فكان ذلك نعمةً من الله عليهم. روى الثَّعلبي عن أبيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورَة ﴿الفيل﴾ عَافاهُ اللهُ تعَالى حياته مِنَ المسْخِ، والعَدُوِّ» والله أعلم. سورة قريش

الفيل 105:3

مكية، وهي خمس آيات، وعشرون كلمة، وستة وتسعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفيل﴾ ، هذه قراءة الجمهور، أعني: فتح الراء وحذف الألف للجزم. وقرأ السلمي: «تَرْ» بسكون الراء، كأنه لم يعتمد بحذف الألف. وقرأ أيضاً: «ترأ» بسكون الراء وهمزة مفتوحة، وهو الأصل، و «كَيْفَ» معلقة للرؤية، وهي منصوبة بفعل بعدها، لان «ألَمْ تَر كَيفَ» من معنى الاستفهام. فصل في معنى الآية المعنى: الم تخبر. وقيل: ألم تعلم. وقال ابن عباس: ألم تسمع؟ واللفظ استفهام والمعنى تقرير، والخطاب للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولكنه عام، أي: ألم تروا ما فعلت بأصحاب الفيل؟ أي: قد رايتم ذلك، وعرفتم موضع منتي عليكم، فما لكم لا تؤمنون؟ . فصل في لفظ «الفيل» الفيل معروف، والجمع: أفيال، وفيول، وفيلة. قال ابن السكيت: ولا يقال: «أفيلة» والأنثى فيلة، وصاحبه: فيال. قال سيبويه: يجوز أن يكون أصل «فيل» : «فُعْلاً» فكسر من أجل الياء، كما قالوا: أبيض وبيض. وقال الأخفش: هذا لا يكون في الواحد، إنما يكون في الجمع، ورجل فيلُ الرأي، أي: ضعيف الرأي والجمع: أفيال، ورجل فالٌ: أي: ضعيف الرأي، مخطئ الفراسة، وقد فال الرأي، يفيلُ، فيُولة، وفيَّل رأيه تفييلاً: أي: ضعفه، فهو فيِّلُ الرأي. فصل في نزول السورة روي أن أبرهة بن الصباح الأشرم - ملك «اليمن» - بنى كنيسة ب «صنعاء» لم ير مثلها، وسمَّاها القليس، وأراد أن يصرف إليها الحاج، فخرج رجل من بني كنانة مختفياً، وجعل يبولُ ويتغوطُ في تلك الكنيسة ليلاً، فأغضبه ذلك. وقيل: أجج ناراً فحملتها ريح فاحرقتها، فقال: من صنع هذا؟ فقيل له: رجل من أهل البيت الذي يحج العرب إليه، فحلف ليهدمنَّ الكعبة، فخرج بجيشه ومعه فيلٌ اسمه محمود، وكان قويًّا عظيماً وثمانية أخرى. وقيل: اثنا عشر. وقيل: ألف، وبعث رجلاً إلى بني كنانة يدعوهم إلى حج تلك الكنيسة فقتلت بنو كنانة ذلك الرجل، فزاد ذلك أبرهة غضباً وحنقاً، فسار ليهدم الكعبة، فلما بلغ قريباً من «مكة» خرج إليه عبد المطلب، وعرض عليه ثلث أموال «تهامة» ، ليرجع فأبى، وقدم الفيل، فكانوا كلما وجهوه إلى الحرم برك، وإذا وجهوه إلى «اليمن» ، أو إلى سائر الجهات هرول، ثم إن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير، فخرج إليهم بسببها، فلما رآه أبرهة عظم في عينه، وكان رجلاً جسيماً وقيل له: هذا أسد قريش، وصاحب عير «مكة» ، فنزل أبرهة عن سريره، وجلس معه على بساطه، ثم قال لترجمانه: قل له حاجتك، فلما ذكر حاجته قال له: سقطت من عيني جئت لأهدم البيت الذي هو دينُك، ودين آبائك، لا تكلمني فيه، وألهاك عنه ذود لم أحسبها لك، فقال عبد المطلب: أنا ربّ الإبل، وإنَّ للبيت ربًّا سيمنعه، ثم رجع وأتى البيت، فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفرٌ من قريش يدعون الله تعالى، ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب: [مجزوء الكامل] 5307 - لاهُمَّ إنَّ العَبْدَ يَمْ ... نَعُ رَحْلهُ فامْنَعْ حَلالَكْ لا يَغلِبَنَّ صَليبهُمْ ... ومُحَالهُمْ عَدْواً مُحالَكْ إن يَدخُلُوا البَلدَ الحَرَا ... مَ فأمْرٌ ما بَدَا لَكْ وقال آخر: [الرجز] 5308 - يَا ربِّ لا أرْجُو لَهُمْ سِوَاكَا ... يَا ربِّ فامْنَعْ مِنهُمُ حِمَاكَا إنَّ عَدُوَّ البَيْتِ مِنْ عَاداكَا ... إنَّهُمُ لنْ يَقْهَرُوا قُواكَا فالتفت، وهو يدعو، فإذا هو بطير من ناحية «اليمن» ، فقال: والله إنها لطير غريبة، ما هي بجندية ولا تهامية، وكان مع كل طائر حجر في منقاره، وحجران في رجليه أكبر من العدسة، وأصغر من الحمصة. قال الراوي: فأرسل عبد المطلب حلقة الكعبة ثم انطلق هو ومن معه من قريش إلى شعب الجبال، فتحرَّزُوا فيها ينظرون ما يفعل أبرهة إذا دخل «مكة» ، فأرسل الله عليهم طيراً من البحر [أمثال الخطاطيف والبلسان مع كل طائر منها ثلاثة أحجار فكان الحجر يقع] على رأس الرجل فيخرج من دبره، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه، فهلكوا في كل طريق، ومنهل. روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أنه رأى من تلك الأحجار عند أم هانئ نحو قفيز مخططة بحمرة كالجزع الظفاري. قال الراوي: وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون إلى الطَّريق التي منها جاءوا. وروي ان أبرهة تساقطت أنامله، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، وانقلب هو ووزيره أبو يكسوم، وطائر يحلق فوقه حتى قدموا «صنعاء» وهو مثل فرخ الطائر. وقيل: قدموا على النجاشي، فَقَصّ عليه القصة فلما تممها وقع علي الحجر فخرَّ ميتاً بين يديه. فصل في ميلاد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حكى الماوردي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «وُلدتُ عَامَ الفِيْلِ» . وقال في كتاب «أعلام النبوةِ» : ولد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وكان بعد الفيل بخمسين يوماً، ووافق من شهور الروم العشرين من أشباط، في السَّنة الثانية عشرة من ملك هرمز بن أنوشروان. قال: وحكى أبو جعفر الطبري: أن مولده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان لاثنين وأربعين سنة من ملك أنوشروان. وقيل: إنه - عليه السلام - حملت به أمه في يوم عاشوراء من المحرم حكاه ابن شاهين أبو حفص في فضائل يوم عاشوراء، وولد يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلةً خلت من شهر رمضان، فكانت مدة الحمل ثمانية أشهر كملاً ويومين من التاسع. وقال ابن العربي: قال ابن وهب عن مالكٍ: ولد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عام الفيل [قال] قيس بن مخرمة: ولدت أنا ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عام الفيل. وقال عبد الملك بن مروان لعتَّاب بن أسيد: أنت أكبر أم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؟ فقال: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أكبر مني وأنا أسنّ منه، ولد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عام الفيل، وأنا أدركت سائسه وقائده أعميين مقعدين يستطعمان الناس. فصل في أن قصة الفيل من معجزات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال بعض العلماء: كانت قصة الفيل فيما بعد من معجزات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإن كانت قبله، وقبل التحدي، لأنها كانت توكيداً لأمره، وتمهيداً لشأنه، ولما تلا عليهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هذه السورة كان بمكة عدد كثير ممن شهد تلك الواقعة، ولهذا قال: «ألَمْ تَرَ» ولم يكن ب «مكة» أحد إلاَّ وقد رأى قائد الفيل، وسائقه أعميين [يتكففان] الناس. قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - مع حداثة سنّها: «لقَدْ رَأيتُ قَائِدَ لفِيْلِ وسَائقَهُ أعْميَيْنِ يَسْتطعِمَانِ النَّاسَ» . قوله: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ ، أي: في إبطال، وتضييع؛ لأنهم أرادوا أن يكيدوا قريشاً بالقتل، والسبي، والبيت بالتخريب، والهَدْم. قالت المعتزلة: إضافة الكيد إليهم دليل على أنه - تعالى - لا يرضى بالقبيح، إذ لو رضي لأضافه إلى ذاته. قوله: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ﴾ . قال النحاة: «أبابيل» نعت ل «طير» لأنه اسم جمع. وأبابيل: قيل: لا واحد له، كأساطير وعناديد. وقيل: واحده: «إبَّول» ك «عِجَّول» . وقيل: «إبَّال» ، وقيل: «إبِّيل» مثل سكين. وحكى الرقاشيّ: «أبابيل» جمع «إبَّالة» بالتشديد. وحكى الفرَّاء: «إبالة» مخففة. فصل في لفظ «أبابيل» الأبابيل: الجماعات شيئاً بعد شيء؛ قال: [الطويل] 5309 - طَريقٌ وجبَّارٌ رِوَاءٌ أصُولهُ ... عَليْهِ أبَابيلٌ من الطَّيْرِ تَنعَبُ وقال آخر: [البسيط] 5310 - كَادَتْ تُهَدُّ مِنَ الأصواتِ رَاحِلَتِي ... إذْ سَالتِ الأرضُ بالجُرْدِ الأبابيلِ قال أبو عبيدة: أبابيل: جماعات في تفرقة، يقال: جاءت الطير أبابيل من هاهنا، وهاهنا. قال سعيد بن جبير: كانت طيراً من السَّماء لم ير مثلها. «وروى الضحاك عن ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول:» إنَّهَا طَيْرٌ بَينَ السَّماءِ والأرضِ تُعَشِّشُ وتُفرِّخُ» . وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - كان لها خراطيم كخراطيم الفيلة، وأكفّ كأكفّ الكلاب. وقال عكرمة: كانت طيراً خضراً خرجت من البحر، لها رُءُوس كرءوس السِّباع، ولم تر قبل ذلك، ولا بعده. وقالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: هي أشبه شيء بالخطاطيف. [وقيل: إنها أشبه بالوطاويط] . وقيل: إنها العنقاء التي يضرب بها الأمثال. قال النحاس: وهذه الأقوال متفقة المعنى، وحقيقة المعنى: أنها جماعات عظام، يقال: فلان يؤبل على فلان، أي: يعظم عليه ويكثر، وهو مشتقّ من الإبل. قال ابن الخطيب: هذه الآية ردّ على الملحدين جدًّا، لأنهم ذكروا في الزَّلازل، والرياح والصواعق، والخسف، وسائر الأشياء التي عذب الله - تعالى - بها الأمم أعذاراً ضعيفة، أما هذه الواقعة، فلا يجري فيها تلك الأعذار، وليس في شيء من الطَّبائع والحيل أن يعهد طير معها حجارة، فيقصد قوماً دون قوم فيقتلهم، ولا يمكن أن يقال: إنه كسائر الأحاديث الضعيفة؛ لأنه لم يكن بين عام الفيل، ومبعث الرسول إلا نيفاً وأربعين سنة، ويوم تلا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هذه الآية، كان قد بقي جمع شاهدوا تلك الواقعة، فلا يجري فيها تلك الأعذار، ولو كان النقل ضعيفاً لكذبوه، فعلمنا أنه لا سبيل للطَّعن فيها. قوله: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ﴾ ، «بِحجَارَةِ» صفة ل «طير» ، وقرأ العامة: «تَرْميهِمْ» بالتأنيث. وأبو حنيفة، وابن يعمر، وعيسى، وطلحة: بالياء من أسفل، وهما واضحتان، لأن اسم الجمع يذكر ويؤنث. ومن الثانية قوله: [البسيط] 5311 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشُّؤبُوبِ ذي البَردِ وقيل: الضمير لربِّك، أي: يرميهم ربك بحجارة، و «مِنْ سِجِّيل» صفة ل «حِجَارة» والسجيل، قال الجوهري: قالوا حجارة من طين، طبخت بنار جهنم، مكتوب فيها أسماء القوم، لقوله تعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ﴾ [الذاريات: 33] . وقال عبد الرحمن بن أبزى: «مِنْ سجِّيْلٍ» من السماء، وهي الحجارة التي نزلت على قوم لوط. وقيل: من الجحيم، وهي «سِجِّين» ثم أبدلت اللام نُوناً، كما قالوا في أصيلان: أصيلال، قال ابن مقبلٍ: [البسيط] 5312 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... ضَرْباً تَواصَتْ بِهِ الأبطالُ سِجِّنَا إنما هو «سجيلاً» . وقال الزجاج: «مِنْ سجِّيل» ، أي: مما كتب عليهم أن يعذبوا به، مشتق من السجل وقد تقدم القول في السجيل في سورة «هود» . قال عكرمة: [كانت ترميهم بحجارة معها] ، فإذا أصاب أحدهم حجر منها خرج به الجدري لم ير قبل ذلك اليوم. وقال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: كان الحجر إذا وقع على أحدهم نفط جلده، وكان ذلك أول الجدري. قال يونس وأبو عبيدة: والسجيل عند العرب: الشديد الصلب. قال بعض المفسرين: إنهما كلمتان بالفارسية جعلتهما العرب كلمة واحدة، وإنهما: سجّ وجيل: فالسجُّ: الحجر، والجيل: الطِّين، أي من هذين الجنسين: الحجر والطين. قال أبو إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة أنه قال: أول ما دامت الحصبة بأرض العرب ذلك وإنه أول ما رأى بها مرائر الشجر الحرمل والحنظل والعشار ذلك العام. قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ﴾ . «كَعصْفٍ» هو المفعول الثاني للجعل، بمعنى التصيير، وفيه مبالغة حسنة، وهو أنه لم يكفهم أم جعلهم أهون شيء من الزَّرع، وهو ما لا يجدي طائلاً، حتى جعلهم رجيعاً. والمعنى: جعل الله تعالى أصحاب الفيل كورق الزروع إذا أكله الدواب، فرمت به من أسفل قاله ابن زيد وغيره، والعصف جمع واحده عصفة وعصافة، وأدخل الكاف في «كعصف» للتشبيه مع مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] ومعنى مأكول أن المراد به قشر البُرّ يعني الغلاف الذي يكون كقشر الحنطة إذا خرجت منه الحبة شبَّه تقطُّع أوصالهم بتفرُّق أجزائه، روي معناه عن ابن زيد، وغيره. قال ابن إسحاق: لما رج الله الحبشة عن «مكة» ، عظمت العرب قريشاً، وقالوا: أهل الله قاتل عنهم، وكفاهم مئونة عدوهم، فكان ذلك نعمةً من الله عليهم. روى الثَّعلبي عن أبيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورَة ﴿الفيل﴾ عَافاهُ اللهُ تعَالى حياته مِنَ المسْخِ، والعَدُوِّ» والله أعلم. سورة قريش

الفيل 105:4

مكية، وهي خمس آيات، وعشرون كلمة، وستة وتسعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفيل﴾ ، هذه قراءة الجمهور، أعني: فتح الراء وحذف الألف للجزم. وقرأ السلمي: «تَرْ» بسكون الراء، كأنه لم يعتمد بحذف الألف. وقرأ أيضاً: «ترأ» بسكون الراء وهمزة مفتوحة، وهو الأصل، و «كَيْفَ» معلقة للرؤية، وهي منصوبة بفعل بعدها، لان «ألَمْ تَر كَيفَ» من معنى الاستفهام. فصل في معنى الآية المعنى: الم تخبر. وقيل: ألم تعلم. وقال ابن عباس: ألم تسمع؟ واللفظ استفهام والمعنى تقرير، والخطاب للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولكنه عام، أي: ألم تروا ما فعلت بأصحاب الفيل؟ أي: قد رايتم ذلك، وعرفتم موضع منتي عليكم، فما لكم لا تؤمنون؟ . فصل في لفظ «الفيل» الفيل معروف، والجمع: أفيال، وفيول، وفيلة. قال ابن السكيت: ولا يقال: «أفيلة» والأنثى فيلة، وصاحبه: فيال. قال سيبويه: يجوز أن يكون أصل «فيل» : «فُعْلاً» فكسر من أجل الياء، كما قالوا: أبيض وبيض. وقال الأخفش: هذا لا يكون في الواحد، إنما يكون في الجمع، ورجل فيلُ الرأي، أي: ضعيف الرأي والجمع: أفيال، ورجل فالٌ: أي: ضعيف الرأي، مخطئ الفراسة، وقد فال الرأي، يفيلُ، فيُولة، وفيَّل رأيه تفييلاً: أي: ضعفه، فهو فيِّلُ الرأي. فصل في نزول السورة روي أن أبرهة بن الصباح الأشرم - ملك «اليمن» - بنى كنيسة ب «صنعاء» لم ير مثلها، وسمَّاها القليس، وأراد أن يصرف إليها الحاج، فخرج رجل من بني كنانة مختفياً، وجعل يبولُ ويتغوطُ في تلك الكنيسة ليلاً، فأغضبه ذلك. وقيل: أجج ناراً فحملتها ريح فاحرقتها، فقال: من صنع هذا؟ فقيل له: رجل من أهل البيت الذي يحج العرب إليه، فحلف ليهدمنَّ الكعبة، فخرج بجيشه ومعه فيلٌ اسمه محمود، وكان قويًّا عظيماً وثمانية أخرى. وقيل: اثنا عشر. وقيل: ألف، وبعث رجلاً إلى بني كنانة يدعوهم إلى حج تلك الكنيسة فقتلت بنو كنانة ذلك الرجل، فزاد ذلك أبرهة غضباً وحنقاً، فسار ليهدم الكعبة، فلما بلغ قريباً من «مكة» خرج إليه عبد المطلب، وعرض عليه ثلث أموال «تهامة» ، ليرجع فأبى، وقدم الفيل، فكانوا كلما وجهوه إلى الحرم برك، وإذا وجهوه إلى «اليمن» ، أو إلى سائر الجهات هرول، ثم إن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير، فخرج إليهم بسببها، فلما رآه أبرهة عظم في عينه، وكان رجلاً جسيماً وقيل له: هذا أسد قريش، وصاحب عير «مكة» ، فنزل أبرهة عن سريره، وجلس معه على بساطه، ثم قال لترجمانه: قل له حاجتك، فلما ذكر حاجته قال له: سقطت من عيني جئت لأهدم البيت الذي هو دينُك، ودين آبائك، لا تكلمني فيه، وألهاك عنه ذود لم أحسبها لك، فقال عبد المطلب: أنا ربّ الإبل، وإنَّ للبيت ربًّا سيمنعه، ثم رجع وأتى البيت، فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفرٌ من قريش يدعون الله تعالى، ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب: [مجزوء الكامل] 5307 - لاهُمَّ إنَّ العَبْدَ يَمْ ... نَعُ رَحْلهُ فامْنَعْ حَلالَكْ لا يَغلِبَنَّ صَليبهُمْ ... ومُحَالهُمْ عَدْواً مُحالَكْ إن يَدخُلُوا البَلدَ الحَرَا ... مَ فأمْرٌ ما بَدَا لَكْ وقال آخر: [الرجز] 5308 - يَا ربِّ لا أرْجُو لَهُمْ سِوَاكَا ... يَا ربِّ فامْنَعْ مِنهُمُ حِمَاكَا إنَّ عَدُوَّ البَيْتِ مِنْ عَاداكَا ... إنَّهُمُ لنْ يَقْهَرُوا قُواكَا فالتفت، وهو يدعو، فإذا هو بطير من ناحية «اليمن» ، فقال: والله إنها لطير غريبة، ما هي بجندية ولا تهامية، وكان مع كل طائر حجر في منقاره، وحجران في رجليه أكبر من العدسة، وأصغر من الحمصة. قال الراوي: فأرسل عبد المطلب حلقة الكعبة ثم انطلق هو ومن معه من قريش إلى شعب الجبال، فتحرَّزُوا فيها ينظرون ما يفعل أبرهة إذا دخل «مكة» ، فأرسل الله عليهم طيراً من البحر [أمثال الخطاطيف والبلسان مع كل طائر منها ثلاثة أحجار فكان الحجر يقع] على رأس الرجل فيخرج من دبره، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه، فهلكوا في كل طريق، ومنهل. روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أنه رأى من تلك الأحجار عند أم هانئ نحو قفيز مخططة بحمرة كالجزع الظفاري. قال الراوي: وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون إلى الطَّريق التي منها جاءوا. وروي ان أبرهة تساقطت أنامله، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، وانقلب هو ووزيره أبو يكسوم، وطائر يحلق فوقه حتى قدموا «صنعاء» وهو مثل فرخ الطائر. وقيل: قدموا على النجاشي، فَقَصّ عليه القصة فلما تممها وقع علي الحجر فخرَّ ميتاً بين يديه. فصل في ميلاد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حكى الماوردي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «وُلدتُ عَامَ الفِيْلِ» . وقال في كتاب «أعلام النبوةِ» : ولد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وكان بعد الفيل بخمسين يوماً، ووافق من شهور الروم العشرين من أشباط، في السَّنة الثانية عشرة من ملك هرمز بن أنوشروان. قال: وحكى أبو جعفر الطبري: أن مولده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان لاثنين وأربعين سنة من ملك أنوشروان. وقيل: إنه - عليه السلام - حملت به أمه في يوم عاشوراء من المحرم حكاه ابن شاهين أبو حفص في فضائل يوم عاشوراء، وولد يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلةً خلت من شهر رمضان، فكانت مدة الحمل ثمانية أشهر كملاً ويومين من التاسع. وقال ابن العربي: قال ابن وهب عن مالكٍ: ولد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عام الفيل [قال] قيس بن مخرمة: ولدت أنا ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عام الفيل. وقال عبد الملك بن مروان لعتَّاب بن أسيد: أنت أكبر أم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؟ فقال: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أكبر مني وأنا أسنّ منه، ولد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عام الفيل، وأنا أدركت سائسه وقائده أعميين مقعدين يستطعمان الناس. فصل في أن قصة الفيل من معجزات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال بعض العلماء: كانت قصة الفيل فيما بعد من معجزات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإن كانت قبله، وقبل التحدي، لأنها كانت توكيداً لأمره، وتمهيداً لشأنه، ولما تلا عليهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هذه السورة كان بمكة عدد كثير ممن شهد تلك الواقعة، ولهذا قال: «ألَمْ تَرَ» ولم يكن ب «مكة» أحد إلاَّ وقد رأى قائد الفيل، وسائقه أعميين [يتكففان] الناس. قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - مع حداثة سنّها: «لقَدْ رَأيتُ قَائِدَ لفِيْلِ وسَائقَهُ أعْميَيْنِ يَسْتطعِمَانِ النَّاسَ» . قوله: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ ، أي: في إبطال، وتضييع؛ لأنهم أرادوا أن يكيدوا قريشاً بالقتل، والسبي، والبيت بالتخريب، والهَدْم. قالت المعتزلة: إضافة الكيد إليهم دليل على أنه - تعالى - لا يرضى بالقبيح، إذ لو رضي لأضافه إلى ذاته. قوله: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ﴾ . قال النحاة: «أبابيل» نعت ل «طير» لأنه اسم جمع. وأبابيل: قيل: لا واحد له، كأساطير وعناديد. وقيل: واحده: «إبَّول» ك «عِجَّول» . وقيل: «إبَّال» ، وقيل: «إبِّيل» مثل سكين. وحكى الرقاشيّ: «أبابيل» جمع «إبَّالة» بالتشديد. وحكى الفرَّاء: «إبالة» مخففة. فصل في لفظ «أبابيل» الأبابيل: الجماعات شيئاً بعد شيء؛ قال: [الطويل] 5309 - طَريقٌ وجبَّارٌ رِوَاءٌ أصُولهُ ... عَليْهِ أبَابيلٌ من الطَّيْرِ تَنعَبُ وقال آخر: [البسيط] 5310 - كَادَتْ تُهَدُّ مِنَ الأصواتِ رَاحِلَتِي ... إذْ سَالتِ الأرضُ بالجُرْدِ الأبابيلِ قال أبو عبيدة: أبابيل: جماعات في تفرقة، يقال: جاءت الطير أبابيل من هاهنا، وهاهنا. قال سعيد بن جبير: كانت طيراً من السَّماء لم ير مثلها. «وروى الضحاك عن ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول:» إنَّهَا طَيْرٌ بَينَ السَّماءِ والأرضِ تُعَشِّشُ وتُفرِّخُ» . وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - كان لها خراطيم كخراطيم الفيلة، وأكفّ كأكفّ الكلاب. وقال عكرمة: كانت طيراً خضراً خرجت من البحر، لها رُءُوس كرءوس السِّباع، ولم تر قبل ذلك، ولا بعده. وقالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: هي أشبه شيء بالخطاطيف. [وقيل: إنها أشبه بالوطاويط] . وقيل: إنها العنقاء التي يضرب بها الأمثال. قال النحاس: وهذه الأقوال متفقة المعنى، وحقيقة المعنى: أنها جماعات عظام، يقال: فلان يؤبل على فلان، أي: يعظم عليه ويكثر، وهو مشتقّ من الإبل. قال ابن الخطيب: هذه الآية ردّ على الملحدين جدًّا، لأنهم ذكروا في الزَّلازل، والرياح والصواعق، والخسف، وسائر الأشياء التي عذب الله - تعالى - بها الأمم أعذاراً ضعيفة، أما هذه الواقعة، فلا يجري فيها تلك الأعذار، وليس في شيء من الطَّبائع والحيل أن يعهد طير معها حجارة، فيقصد قوماً دون قوم فيقتلهم، ولا يمكن أن يقال: إنه كسائر الأحاديث الضعيفة؛ لأنه لم يكن بين عام الفيل، ومبعث الرسول إلا نيفاً وأربعين سنة، ويوم تلا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هذه الآية، كان قد بقي جمع شاهدوا تلك الواقعة، فلا يجري فيها تلك الأعذار، ولو كان النقل ضعيفاً لكذبوه، فعلمنا أنه لا سبيل للطَّعن فيها. قوله: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ﴾ ، «بِحجَارَةِ» صفة ل «طير» ، وقرأ العامة: «تَرْميهِمْ» بالتأنيث. وأبو حنيفة، وابن يعمر، وعيسى، وطلحة: بالياء من أسفل، وهما واضحتان، لأن اسم الجمع يذكر ويؤنث. ومن الثانية قوله: [البسيط] 5311 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشُّؤبُوبِ ذي البَردِ وقيل: الضمير لربِّك، أي: يرميهم ربك بحجارة، و «مِنْ سِجِّيل» صفة ل «حِجَارة» والسجيل، قال الجوهري: قالوا حجارة من طين، طبخت بنار جهنم، مكتوب فيها أسماء القوم، لقوله تعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ﴾ [الذاريات: 33] . وقال عبد الرحمن بن أبزى: «مِنْ سجِّيْلٍ» من السماء، وهي الحجارة التي نزلت على قوم لوط. وقيل: من الجحيم، وهي «سِجِّين» ثم أبدلت اللام نُوناً، كما قالوا في أصيلان: أصيلال، قال ابن مقبلٍ: [البسيط] 5312 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... ضَرْباً تَواصَتْ بِهِ الأبطالُ سِجِّنَا إنما هو «سجيلاً» . وقال الزجاج: «مِنْ سجِّيل» ، أي: مما كتب عليهم أن يعذبوا به، مشتق من السجل وقد تقدم القول في السجيل في سورة «هود» . قال عكرمة: [كانت ترميهم بحجارة معها] ، فإذا أصاب أحدهم حجر منها خرج به الجدري لم ير قبل ذلك اليوم. وقال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: كان الحجر إذا وقع على أحدهم نفط جلده، وكان ذلك أول الجدري. قال يونس وأبو عبيدة: والسجيل عند العرب: الشديد الصلب. قال بعض المفسرين: إنهما كلمتان بالفارسية جعلتهما العرب كلمة واحدة، وإنهما: سجّ وجيل: فالسجُّ: الحجر، والجيل: الطِّين، أي من هذين الجنسين: الحجر والطين. قال أبو إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة أنه قال: أول ما دامت الحصبة بأرض العرب ذلك وإنه أول ما رأى بها مرائر الشجر الحرمل والحنظل والعشار ذلك العام. قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ﴾ . «كَعصْفٍ» هو المفعول الثاني للجعل، بمعنى التصيير، وفيه مبالغة حسنة، وهو أنه لم يكفهم أم جعلهم أهون شيء من الزَّرع، وهو ما لا يجدي طائلاً، حتى جعلهم رجيعاً. والمعنى: جعل الله تعالى أصحاب الفيل كورق الزروع إذا أكله الدواب، فرمت به من أسفل قاله ابن زيد وغيره، والعصف جمع واحده عصفة وعصافة، وأدخل الكاف في «كعصف» للتشبيه مع مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] ومعنى مأكول أن المراد به قشر البُرّ يعني الغلاف الذي يكون كقشر الحنطة إذا خرجت منه الحبة شبَّه تقطُّع أوصالهم بتفرُّق أجزائه، روي معناه عن ابن زيد، وغيره. قال ابن إسحاق: لما رج الله الحبشة عن «مكة» ، عظمت العرب قريشاً، وقالوا: أهل الله قاتل عنهم، وكفاهم مئونة عدوهم، فكان ذلك نعمةً من الله عليهم. روى الثَّعلبي عن أبيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورَة ﴿الفيل﴾ عَافاهُ اللهُ تعَالى حياته مِنَ المسْخِ، والعَدُوِّ» والله أعلم. سورة قريش

الفيل 105:5

مكية، وهي خمس آيات، وعشرون كلمة، وستة وتسعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفيل﴾ ، هذه قراءة الجمهور، أعني: فتح الراء وحذف الألف للجزم. وقرأ السلمي: «تَرْ» بسكون الراء، كأنه لم يعتمد بحذف الألف. وقرأ أيضاً: «ترأ» بسكون الراء وهمزة مفتوحة، وهو الأصل، و «كَيْفَ» معلقة للرؤية، وهي منصوبة بفعل بعدها، لان «ألَمْ تَر كَيفَ» من معنى الاستفهام. فصل في معنى الآية المعنى: الم تخبر. وقيل: ألم تعلم. وقال ابن عباس: ألم تسمع؟ واللفظ استفهام والمعنى تقرير، والخطاب للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولكنه عام، أي: ألم تروا ما فعلت بأصحاب الفيل؟ أي: قد رايتم ذلك، وعرفتم موضع منتي عليكم، فما لكم لا تؤمنون؟ . فصل في لفظ «الفيل» الفيل معروف، والجمع: أفيال، وفيول، وفيلة. قال ابن السكيت: ولا يقال: «أفيلة» والأنثى فيلة، وصاحبه: فيال. قال سيبويه: يجوز أن يكون أصل «فيل» : «فُعْلاً» فكسر من أجل الياء، كما قالوا: أبيض وبيض. وقال الأخفش: هذا لا يكون في الواحد، إنما يكون في الجمع، ورجل فيلُ الرأي، أي: ضعيف الرأي والجمع: أفيال، ورجل فالٌ: أي: ضعيف الرأي، مخطئ الفراسة، وقد فال الرأي، يفيلُ، فيُولة، وفيَّل رأيه تفييلاً: أي: ضعفه، فهو فيِّلُ الرأي. فصل في نزول السورة روي أن أبرهة بن الصباح الأشرم - ملك «اليمن» - بنى كنيسة ب «صنعاء» لم ير مثلها، وسمَّاها القليس، وأراد أن يصرف إليها الحاج، فخرج رجل من بني كنانة مختفياً، وجعل يبولُ ويتغوطُ في تلك الكنيسة ليلاً، فأغضبه ذلك. وقيل: أجج ناراً فحملتها ريح فاحرقتها، فقال: من صنع هذا؟ فقيل له: رجل من أهل البيت الذي يحج العرب إليه، فحلف ليهدمنَّ الكعبة، فخرج بجيشه ومعه فيلٌ اسمه محمود، وكان قويًّا عظيماً وثمانية أخرى. وقيل: اثنا عشر. وقيل: ألف، وبعث رجلاً إلى بني كنانة يدعوهم إلى حج تلك الكنيسة فقتلت بنو كنانة ذلك الرجل، فزاد ذلك أبرهة غضباً وحنقاً، فسار ليهدم الكعبة، فلما بلغ قريباً من «مكة» خرج إليه عبد المطلب، وعرض عليه ثلث أموال «تهامة» ، ليرجع فأبى، وقدم الفيل، فكانوا كلما وجهوه إلى الحرم برك، وإذا وجهوه إلى «اليمن» ، أو إلى سائر الجهات هرول، ثم إن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير، فخرج إليهم بسببها، فلما رآه أبرهة عظم في عينه، وكان رجلاً جسيماً وقيل له: هذا أسد قريش، وصاحب عير «مكة» ، فنزل أبرهة عن سريره، وجلس معه على بساطه، ثم قال لترجمانه: قل له حاجتك، فلما ذكر حاجته قال له: سقطت من عيني جئت لأهدم البيت الذي هو دينُك، ودين آبائك، لا تكلمني فيه، وألهاك عنه ذود لم أحسبها لك، فقال عبد المطلب: أنا ربّ الإبل، وإنَّ للبيت ربًّا سيمنعه، ثم رجع وأتى البيت، فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفرٌ من قريش يدعون الله تعالى، ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب: [مجزوء الكامل] 5307 - لاهُمَّ إنَّ العَبْدَ يَمْ ... نَعُ رَحْلهُ فامْنَعْ حَلالَكْ لا يَغلِبَنَّ صَليبهُمْ ... ومُحَالهُمْ عَدْواً مُحالَكْ إن يَدخُلُوا البَلدَ الحَرَا ... مَ فأمْرٌ ما بَدَا لَكْ وقال آخر: [الرجز] 5308 - يَا ربِّ لا أرْجُو لَهُمْ سِوَاكَا ... يَا ربِّ فامْنَعْ مِنهُمُ حِمَاكَا إنَّ عَدُوَّ البَيْتِ مِنْ عَاداكَا ... إنَّهُمُ لنْ يَقْهَرُوا قُواكَا فالتفت، وهو يدعو، فإذا هو بطير من ناحية «اليمن» ، فقال: والله إنها لطير غريبة، ما هي بجندية ولا تهامية، وكان مع كل طائر حجر في منقاره، وحجران في رجليه أكبر من العدسة، وأصغر من الحمصة. قال الراوي: فأرسل عبد المطلب حلقة الكعبة ثم انطلق هو ومن معه من قريش إلى شعب الجبال، فتحرَّزُوا فيها ينظرون ما يفعل أبرهة إذا دخل «مكة» ، فأرسل الله عليهم طيراً من البحر [أمثال الخطاطيف والبلسان مع كل طائر منها ثلاثة أحجار فكان الحجر يقع] على رأس الرجل فيخرج من دبره، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه، فهلكوا في كل طريق، ومنهل. روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أنه رأى من تلك الأحجار عند أم هانئ نحو قفيز مخططة بحمرة كالجزع الظفاري. قال الراوي: وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون إلى الطَّريق التي منها جاءوا. وروي ان أبرهة تساقطت أنامله، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، وانقلب هو ووزيره أبو يكسوم، وطائر يحلق فوقه حتى قدموا «صنعاء» وهو مثل فرخ الطائر. وقيل: قدموا على النجاشي، فَقَصّ عليه القصة فلما تممها وقع علي الحجر فخرَّ ميتاً بين يديه. فصل في ميلاد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حكى الماوردي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «وُلدتُ عَامَ الفِيْلِ» . وقال في كتاب «أعلام النبوةِ» : ولد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وكان بعد الفيل بخمسين يوماً، ووافق من شهور الروم العشرين من أشباط، في السَّنة الثانية عشرة من ملك هرمز بن أنوشروان. قال: وحكى أبو جعفر الطبري: أن مولده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان لاثنين وأربعين سنة من ملك أنوشروان. وقيل: إنه - عليه السلام - حملت به أمه في يوم عاشوراء من المحرم حكاه ابن شاهين أبو حفص في فضائل يوم عاشوراء، وولد يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلةً خلت من شهر رمضان، فكانت مدة الحمل ثمانية أشهر كملاً ويومين من التاسع. وقال ابن العربي: قال ابن وهب عن مالكٍ: ولد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عام الفيل [قال] قيس بن مخرمة: ولدت أنا ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عام الفيل. وقال عبد الملك بن مروان لعتَّاب بن أسيد: أنت أكبر أم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؟ فقال: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أكبر مني وأنا أسنّ منه، ولد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عام الفيل، وأنا أدركت سائسه وقائده أعميين مقعدين يستطعمان الناس. فصل في أن قصة الفيل من معجزات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال بعض العلماء: كانت قصة الفيل فيما بعد من معجزات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإن كانت قبله، وقبل التحدي، لأنها كانت توكيداً لأمره، وتمهيداً لشأنه، ولما تلا عليهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هذه السورة كان بمكة عدد كثير ممن شهد تلك الواقعة، ولهذا قال: «ألَمْ تَرَ» ولم يكن ب «مكة» أحد إلاَّ وقد رأى قائد الفيل، وسائقه أعميين [يتكففان] الناس. قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - مع حداثة سنّها: «لقَدْ رَأيتُ قَائِدَ لفِيْلِ وسَائقَهُ أعْميَيْنِ يَسْتطعِمَانِ النَّاسَ» . قوله: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ ، أي: في إبطال، وتضييع؛ لأنهم أرادوا أن يكيدوا قريشاً بالقتل، والسبي، والبيت بالتخريب، والهَدْم. قالت المعتزلة: إضافة الكيد إليهم دليل على أنه - تعالى - لا يرضى بالقبيح، إذ لو رضي لأضافه إلى ذاته. قوله: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ﴾ . قال النحاة: «أبابيل» نعت ل «طير» لأنه اسم جمع. وأبابيل: قيل: لا واحد له، كأساطير وعناديد. وقيل: واحده: «إبَّول» ك «عِجَّول» . وقيل: «إبَّال» ، وقيل: «إبِّيل» مثل سكين. وحكى الرقاشيّ: «أبابيل» جمع «إبَّالة» بالتشديد. وحكى الفرَّاء: «إبالة» مخففة. فصل في لفظ «أبابيل» الأبابيل: الجماعات شيئاً بعد شيء؛ قال: [الطويل] 5309 - طَريقٌ وجبَّارٌ رِوَاءٌ أصُولهُ ... عَليْهِ أبَابيلٌ من الطَّيْرِ تَنعَبُ وقال آخر: [البسيط] 5310 - كَادَتْ تُهَدُّ مِنَ الأصواتِ رَاحِلَتِي ... إذْ سَالتِ الأرضُ بالجُرْدِ الأبابيلِ قال أبو عبيدة: أبابيل: جماعات في تفرقة، يقال: جاءت الطير أبابيل من هاهنا، وهاهنا. قال سعيد بن جبير: كانت طيراً من السَّماء لم ير مثلها. «وروى الضحاك عن ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول:» إنَّهَا طَيْرٌ بَينَ السَّماءِ والأرضِ تُعَشِّشُ وتُفرِّخُ» . وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - كان لها خراطيم كخراطيم الفيلة، وأكفّ كأكفّ الكلاب. وقال عكرمة: كانت طيراً خضراً خرجت من البحر، لها رُءُوس كرءوس السِّباع، ولم تر قبل ذلك، ولا بعده. وقالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: هي أشبه شيء بالخطاطيف. [وقيل: إنها أشبه بالوطاويط] . وقيل: إنها العنقاء التي يضرب بها الأمثال. قال النحاس: وهذه الأقوال متفقة المعنى، وحقيقة المعنى: أنها جماعات عظام، يقال: فلان يؤبل على فلان، أي: يعظم عليه ويكثر، وهو مشتقّ من الإبل. قال ابن الخطيب: هذه الآية ردّ على الملحدين جدًّا، لأنهم ذكروا في الزَّلازل، والرياح والصواعق، والخسف، وسائر الأشياء التي عذب الله - تعالى - بها الأمم أعذاراً ضعيفة، أما هذه الواقعة، فلا يجري فيها تلك الأعذار، وليس في شيء من الطَّبائع والحيل أن يعهد طير معها حجارة، فيقصد قوماً دون قوم فيقتلهم، ولا يمكن أن يقال: إنه كسائر الأحاديث الضعيفة؛ لأنه لم يكن بين عام الفيل، ومبعث الرسول إلا نيفاً وأربعين سنة، ويوم تلا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هذه الآية، كان قد بقي جمع شاهدوا تلك الواقعة، فلا يجري فيها تلك الأعذار، ولو كان النقل ضعيفاً لكذبوه، فعلمنا أنه لا سبيل للطَّعن فيها. قوله: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ﴾ ، «بِحجَارَةِ» صفة ل «طير» ، وقرأ العامة: «تَرْميهِمْ» بالتأنيث. وأبو حنيفة، وابن يعمر، وعيسى، وطلحة: بالياء من أسفل، وهما واضحتان، لأن اسم الجمع يذكر ويؤنث. ومن الثانية قوله: [البسيط] 5311 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشُّؤبُوبِ ذي البَردِ وقيل: الضمير لربِّك، أي: يرميهم ربك بحجارة، و «مِنْ سِجِّيل» صفة ل «حِجَارة» والسجيل، قال الجوهري: قالوا حجارة من طين، طبخت بنار جهنم، مكتوب فيها أسماء القوم، لقوله تعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ﴾ [الذاريات: 33] . وقال عبد الرحمن بن أبزى: «مِنْ سجِّيْلٍ» من السماء، وهي الحجارة التي نزلت على قوم لوط. وقيل: من الجحيم، وهي «سِجِّين» ثم أبدلت اللام نُوناً، كما قالوا في أصيلان: أصيلال، قال ابن مقبلٍ: [البسيط] 5312 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... ضَرْباً تَواصَتْ بِهِ الأبطالُ سِجِّنَا إنما هو «سجيلاً» . وقال الزجاج: «مِنْ سجِّيل» ، أي: مما كتب عليهم أن يعذبوا به، مشتق من السجل وقد تقدم القول في السجيل في سورة «هود» . قال عكرمة: [كانت ترميهم بحجارة معها] ، فإذا أصاب أحدهم حجر منها خرج به الجدري لم ير قبل ذلك اليوم. وقال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: كان الحجر إذا وقع على أحدهم نفط جلده، وكان ذلك أول الجدري. قال يونس وأبو عبيدة: والسجيل عند العرب: الشديد الصلب. قال بعض المفسرين: إنهما كلمتان بالفارسية جعلتهما العرب كلمة واحدة، وإنهما: سجّ وجيل: فالسجُّ: الحجر، والجيل: الطِّين، أي من هذين الجنسين: الحجر والطين. قال أبو إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة أنه قال: أول ما دامت الحصبة بأرض العرب ذلك وإنه أول ما رأى بها مرائر الشجر الحرمل والحنظل والعشار ذلك العام. قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ﴾ . «كَعصْفٍ» هو المفعول الثاني للجعل، بمعنى التصيير، وفيه مبالغة حسنة، وهو أنه لم يكفهم أم جعلهم أهون شيء من الزَّرع، وهو ما لا يجدي طائلاً، حتى جعلهم رجيعاً. والمعنى: جعل الله تعالى أصحاب الفيل كورق الزروع إذا أكله الدواب، فرمت به من أسفل قاله ابن زيد وغيره، والعصف جمع واحده عصفة وعصافة، وأدخل الكاف في «كعصف» للتشبيه مع مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] ومعنى مأكول أن المراد به قشر البُرّ يعني الغلاف الذي يكون كقشر الحنطة إذا خرجت منه الحبة شبَّه تقطُّع أوصالهم بتفرُّق أجزائه، روي معناه عن ابن زيد، وغيره. قال ابن إسحاق: لما رج الله الحبشة عن «مكة» ، عظمت العرب قريشاً، وقالوا: أهل الله قاتل عنهم، وكفاهم مئونة عدوهم، فكان ذلك نعمةً من الله عليهم. روى الثَّعلبي عن أبيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورَة ﴿الفيل﴾ عَافاهُ اللهُ تعَالى حياته مِنَ المسْخِ، والعَدُوِّ» والله أعلم. سورة قريش

قريش 106:1

مكية في قول الجمهور، مدنية في قول الضحاك والكلبي، هي أربع آيات، وسبع عشرة كلمة، وثلاث وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ ، في متعلق هذه الآية أوجه: أحدها: أنه ما في السورة قبلها من قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ﴾ . قال الزمخشري «هذا بمنزلة التضمين في الشعر، وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقاً لا يصح إلا به، وهما في مصحف أبيّ سورة واحدة بلا فصل. وعن عمر أنه قرأهما في الثانية من صلاة المغرب، وقرأ في الأولى:» والتِّينِ «، انتهى. وإلى هذا ذهب الأخفش، إلا أن الحوفي قال: ورد هذا القول جماعة، بأنه لو كان كذا، لكان» لإيْلافِ «بعض سورة» ألَمْ تَرَ» ، وفي إجماع الجميع على الفصل بينهما ما يدل على عدم ذلك. الثاني: أنه مضمر تقديره: فعلنا ذلك، أي: إهلاك أصحاب الفيل ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ ، أي: لتأليف قريش، أو لتنفق قريش، أو لكي تأمن قريش، فتؤلف رحلتيها. وقيل: تقديره: اعجبوا. الثالث: أنه قوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ﴾ لإيلافهم؛ فإنها أظهر نعمة عليهم. قاله الزمخشري؛ وهو قول الخليل من قبله. وقرأ ابن عامر: «لإلاف» دون ياء قبل اللام الثانية. والباقون: «لإيلاف» بياء قبلها، وأجمع الكل على إثبات الياء في الثاني، وهو «إيلافهم» . ومن غريب ما اتفق في هذين الحرفين: أن القراء اختلفوا في سقوط الياء وثبوتها في الأول مع اتفاق المصاحف على إثباتها خطًّا، واتفقوا على إثبات الياء في الثاني مع اتفاق المصاحف على سقوطها فيه خطًّا، وهذا دليل على أن القراء يتبعون الأثر والرواية، لا مجرد الخط. فأما قراءة ابن عامر ففيها وجهان: أحدهما: أنه مصدر ل» ألف «ثلاثياً، يقال: ألف الرجل، إلفاً، وإلافاً؛ نحو: كتبته كتاباً، ويقال: ألفته إلفاً وإلافاً. وقد جمع الشاعر بينهما في قوله: [الوافر] 5313 - زَعمْتُمْ أنَّ إخْوتَكُمْ قُريْشٌ ... لَهُمْ إلفٌ وليْسَ لَكُمْ إلافُ والثاني: أنه مصدر ل» آلف «رباعياً نحو قاتل قتالاً. وقال الزمخشري: لمُؤالفةِ قريش. وأما قراءة الباقين فمصدر آلف رباعياً بزنة» أكرم «يقال: آلفته، أولفه إيلافاً. قال الشاعر: [الطويل] 5314 - مِنَ المُؤلفَاتِ الرَّمْلَ أدمَاءُ حُرَّةٌ ... شُعَاعُ الضُّحَى في مَتْنِهَا يتوضَّحُ وقرأ عاصم في رواية:» إئلافهم» بهمزتين، الأولى مكسورة، والثانية ساكنة، وهي شاذة؛ لأنه يجب في مثله إبدال حرفاً مجانساً ك «إيمان» . وروي عنه أيضاً: بهمزتين مكسورتين، بعدهما ياء ساكنة. وخرجت على أنه أشبع كسر همزة الثانية فتولد منها ياء وهذه أشدُّ من الأولى. ونقل أبو البقاء أشد منها، فقال: «بهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة، بعدها همزة مكسورة» . وهو بعيد، ووجهه: أنه أشبع الكسرة، فنشأت الياء، وقصد بذلك الفصل بين الهمزتين كالألف في «أأنْذَرتَهُمْ» . وقرأ أبو جعفر: «لإلف قريش» بهمزة مكسورة، بزنة: «قِرْد» ، وقد تقدم أنه مصدر ل «ألف» كقوله: [الوافر] 5315 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... لَهُمْ إلْفٌ وليْسَ لَكُمْ إلافُ وعنه أيضاً، وعن ابن كثير: «إلفهم» ، وهي ساكنة اللام بغير ياء، وهي قراءة مجاهد وحميد. وروت أسماء - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنها سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقرأ: «إلفهم» ، وهو مروي أيضاً عن ابن عبَّاس وغيره. وعنه أيضاً وعن ابن عامر: «إلافهم» مثل «كتابهم» . وعنه أيضاً: «ليْلافهم» بياء ساكنة بعد اللام، وذلك أنه لما أبدل الثانية حذف الأولى على غير قياس. وقرأ عكرمة: «ليألف قريش» فعلاً مضارعاً. وعنه أيضاً: «لتألف قريش» على الأمر واللام مكسورة، وعنه فتحها مع الأمر وهي لغة. فصل في اتصال السورة بما قبلها تقدم أن هذه السورة، متصلة بما قبلها في المعنى، أي: أهلكت أصحاب الفيل لإيلاف قريش، أي: لتأليف قريش أو لتنفق قريش، أو لتأمن قريش فتؤلف رحلتيها. قال ابن الخطيب: فإن قيل: إنما كان الإهلاك لكفرهم. قلنا: جزاء الكفور يكون يوم القيامة، يجزي كل نفس بما كسبت للأمرين معاً، ولكن لا تكون اللام لام العاقبة، أو يكون المعنى: «ألم تَرَ كيف فعل ربُّك بأصحاب الفيل؛ لإيلاف قريش» ، أي: كل ما تضمنته السورة «لإيلافهم» ، أو تكون اللاَّم بمعنى «إلى» ، أي: وجعلنا هذه النعم مضافاً إلى قريش. وقال الكسائي والأخفش: اللام في ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ لام التعجب. أي اعجبوا لإيلاف قريش، نقله القرطبي. قال الفراء: هذه السورة متصلة بالسورة الأولى؛ لأنه ذكر أهل «مكة» عظيم نعمته عليهم فيما صنع بالحبشة، ثم قال - جلا وعلا -: ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ . فعلنا بأصحاب الفيل نعمة منا على قريش، وذلك أن قريشاً كانت تخرج في تجارتها، فلا يغار عليها في الجاهلية، يقولون: هم أهل بيت الله تعالى حتَّى جاء صاحب الفيل ليهدم الكعبة فأهلكه الله تعالى، فذكرهم نعمته، أي: فجعل الله تعالى ذلك ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ أي: ليألفوا الخروج ولا يتجرأ عليهم، قاله مجاهد وابن عباس في رواية سعيد بن جبير. قال ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ قال: نعمتي على قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، قال: كانوا يشتون ب «مكة» ، ويصيفون ب «الطائف» ، وعلى هذا القول يجوز الوقف على رءوس الآي، وإن لم يكن الكلام تاماً. قال ابن الخطيب: والمشهور أنهما سورتان، ولا يلزم من التعلق الاتحاد؛ لأن القرآن كسورة واحدة. وقال الخليل: ليست متصلة، كأنه قال: ألف الله قريشاً إيلافاً، فليعبدوا ربَّ هذا البيت [واللام متعلقة بقوله تعالى: فليعبد هؤلاء رب هذا البيت، لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف للامتياز، ويحمل ما بعد الألف ألفاً على ما قبلها؛ لأنها زائدة غير عاطفة كقولك: زيد فاضرب، وأما مصحف أبيّ فمعارض بإطباق على الفصل بينهما، وأما قراءة عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - فالإمام قد يقرأ سورتين] . قال ابن العربي: وليست المواقف التي ينتزع بها القراء شرعاً عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مروياً، وإنما أرادوا به تعليم الطلبة المعاني، فإذا علموها وقفوا [حيث شاءوا، فأما الوقف عند انقطاع النفس فلا خلاف فيه، ولا تعد ما قبله إذا اعتراك ذلك، ولكن ابدأ من حيث وقف بك نفسك، هذا رأيي فيه] ، ولا دليل على ما قالوه بحالٍ، ولكني أعتمد الوقف على التَّمام، كراهية الخروج عنهم. قال القرطبي: «وأجمع المسلمون أن الوقف عند قوله:» كَعصفٍ مأكُولٍ «، ليس بقبيح، وكيف يقال بقبحه، وهذه السورة تقرأ في الركعة الأولى، والتي بعدها في الركعة الثانية، ولا يمنع الوقف على إعجاز الآيات، سواء تمَّ الكلام أم لا» . فصل في الكلام على قريش قريش: اسم القبيلة. قي: هم ولد النضر بن كنانة، وكل من ولده النضر فهو قرشي، وهو الصحيح وقيل: هم ولد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، فمن لم يلده فهر فليس بقرشي، فوقع الوفاق على أن بني فهر قرشيون، وعلى أن كنانة ليسوا بقرشيين، ووقع الخلاف في النضر ومالك، ثم اختلف في اشتقاقه على أوجه: أحدها: أنه من التقرُّش، وهو التجمُّع، سموا بذلك لاجتماعهم بعد تفرق، قال: [الطويل] 5316 - أبُونَا قُصَيٌّ كَانَ يُدعَى مُجمِّعاً ... بِهِ جَمَّعَ اللهُ القَبائلَ مِنْ فِهْرِ والثاني: أنه من القرش: وهو الكسب، كانت قريش تجاراً، يقال: قرش يقرش: أي: اكتسب. والثالث: أنه من التفتيش، يقال: قَرَشَ يقرش عني أي: فتش، وكانت قريش يفتشون على ذوي الخلاَّت، فيسدون خلَّتهم. قال الشاعر: [الخفيف] 5317 - أيُّهَا الشَّامِتُ المُقرِّشُ عَنَّا ... عِنْدَ عَمْرٍو فَهلْ لهُ إبْقَاءُ والرابع: أن معاوية سأل ابن عباس لم سميت قريش قُريشاً؟ . فقال: لدابة في البحر يقال لها: القرش من أقوى دوابه، تأكل ولا تؤكل، وتعلُو ولا تُعْلَى. وأنشد قول تبع: [الخفيف] 5318 - وقُريشٌ هِيَ الَّتي تَسكنُ البَحْ ... رَ بِهَا سُمِّيَتْ قُريشٌ قُرَيْشَا تَأكُلُ الرثَّ والسَّمينَ ولا تَتْ ... رُكُ فِيهَا لِذِي جَناحَيْنِ رِيشَا هَكَذا في البِلادِ حَيُّ قُريْشٍ ... يَأكُلونَ البِلادَ أكْلاً كَمِيشَا ولهُمْ آخِرَ الزَّمانِ نبيٌّ ... يُكْثرُ القَتْلَ فِيهمُ والخُمُوشَا ثم قريش: إما أن يكون مصغراً تصغير ترخيم، فقيل: الأصل مقرش، وقيل: قارش، وإما أن يكون مصغراً من ثلاثي، نحو: القرش، وأجمعوا على صرفه هنا مراداً به الحي، ولو أريد به القبيلة لامتنع من الصَّرف؛ كقوله: [الكامل] 5319 - غَلَبَ المَسامِيحَ الولِيدُ سَماحَةً ... وكَفَى قُريْشَ المُعضِلاتِ وسَادَهَا قال سيبويه في معدّ، وقريش، وثقيف، وكينونة، هذه للأحياء أكثر، وإن جعلتها أسماء للقبائل، فهو جائز حسن. قوله: ﴿إِيلاَفِهِمْ﴾ مؤكد للأول تأكيداً لفظيًّا، وأعربه أبو البقاء: بدلاً. قوله: «رحلة» مفعول به بالمصدر، والمصدر مضاف لفاعله، أي: لأن ألفوا رحلة، والأصل: رحلتي الشتاء والصيف، ولكنه أفرد لأمن اللبس؛ كقوله: [الوافر] 5320 - كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكمُ تَعِفُّوا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . قاله الزمخشريُّ. وفيه نظر، لأن سيبويه يجعل هذا ضرورة، كقوله: [الطويل] 5321 - حَمَامَةَ بَطْنِ الوادِيَيْنِ تَرَنَّمِي..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . قال الليث: الرحلة اسم لارتحال القوم للمسير وقيل: رحلة اسم جنس، وكانت له أربع رحل، وجعله بعضهم غلطاً، وليس كذلك. قال القرطبي: «رِحْلة» نصب بالمصدر أي: ارتحالهم رحلة، أو بوقوع «إيْلافِهم» عليه، أو على الظرف، ولو جعلتها في محل الرفع على معنى هما رحلتا الشتاء، والصيف، لجاز. وقرأ العامة: بكسر الراء، وهي مصدر. وأبو السمال: بضمها، وهي الجهة التي يرتحل إليها، والشتاء: واد، شذُّوا في النسب إليه، فقالوا: شتوي، والقياس: شِتَائي، وشِتَاوي ك «كسائي، وكِسَاويّ» . فصل في معنى الآية قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشتآء والصيف﴾ : لا يشق عليهم رحلة شتاء ولا صيف منة منه على قريش. وقال الهروي وغيره: كان أصحاب الإيلاف أربعة إخوة: هاشم، وعبد شمس، والمطلب، ونوفل بنو عبد مناف، فأما هاشم فإنه كان يؤلف ملك «الشام» ، أي: أخذ منه حبلاً وعهداً يأمن به في تجارته إلى «الشام» ، وأخوه عبد شمس كان يؤلف إلى «الحبشة» ، والمطلب إلى «اليمن» ، ونوفل إلى «فارس» ، ومعنى يؤلف: يجير، فكان هؤلاء الإخوة يسمون المجيرين، فكان تُجَّارُ قريش يختلفون إلى الأمصار، بحبل هؤلاء الإخوة، فلا يتعرض لهم. قال الأزهري: الإيلاف: شبه الإجارة بالخفارة، يقال: آلف يؤلف: إذا أجار الحمائل بالخفارة، والحمائل: جمع حمولة. قال: والتأويل: أن قريشاً كانوا سكان الحرم، ولم يكن لهم زرع ولا ضرع، وكانوا يميرون في الشتاء، والصيف آمنين، والناس يتخطَّفُون من حولهم، فكانوا إذا عرض لهم عارض قالوا: نحن أهل حرم الله، فلا يتعرض الناس لهم، وكانت إحدى الرحلتين إلى اليمن في الشتاء، لأنها بلاد حامية، والرحلة الأخرى في الصيف إلى «الشام» ؛ لأنها بلاد باردة. وعن ابن عباس، قال: يشتون ب «مكة» لدفئها، ويصيفون ب «الطائف» لهوائها، وهذه من أجل النعم أن يكون للقوم ناحية حر تدفع عنهم برد الشتاء، وناحية برد تدفع عنهم حر الصيف، فذكرهم الله تعالى هذه النعمة. . فصل في الشتاء والصيف قال مالك: الشتاء نصف السُّنة، والصيف نصفها. وقال قوم آخرون: الزمان أربعة أقسام: شتاء، وربيع، وصيف، وخريف. وقيل: شتاء، وصيف، وقيظ، وخريف. قال القرطبيُّ: والذي قال مالك أصح؛ لأن اللهَّ قسم الزمان قسمين، ولم يجعل لهما ثالثاً. قوله: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت﴾ ، أمرهم تعالى بعبادته، وتوحيده لأجل إيلافهم رحلتين، وتقدم الكلام على الفاء، والبيت هو الكعبة، وفي تعريف نفسه بأنه تعالى رب هذا البيت وجهان: أحدهما: أنها كانت لهم أوثان، فميز نفسه تعالى عنها. الثاني: لأنهم شُرِّفوا بالبيت على سائر العرب، فذكر لهم ذلك تذكيراً لنعمته. وقيل: المعنى: أن يعبدوا رب هذا البيت، أي ليألفوا عبادة رب هذا البيت كما كانا يألفون الرحلتين. ﴿الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ﴾ ، أي: من أجل الجوع، و «آمنهم» من أجل الخوف، والتنكير للتعظيم أي: من جوع عظيم وخوف عظيم. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون في موضع الحال من مفعول «أطْعَمَهُمْ» . وأخفى نون «من» في الخاء: نافع في رواية، وكذلك مع العين، نحو: «من على» ، وهي لغة حكاها سيبويه. فصل في مكانة قريش قال ابنُ عبَّاسٍ: وذلك بدعوة إبراهيم - عليه السلام - حيث قال: ﴿رَبِّ اجعل هذا بَلَداً آمِناً وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات﴾ [البقرة: 126] . وقال ابن زيد: كانت العرب يغيرُ بعضهاعلى بعض ويسبي بعضها من بعض، فأمنت قريش من ذلك لمكان الحرم. وقيل: شق عليهم السَّفر في الشتاء والصيف، فألقى الله - تعالى - في قلوب الحبشة أن يحملوا إليهم طعاماً في السَّفر، فخافت قريش منهم وظنُّوا أنهم خرجوا لحربهم، فخرجوا إليهم متحرزين، فإذا هم قد جلبوا لهم الطعام، وأعانوهم بالأقوات، فكان أهلُ «مكة» يخرجون إلى «جدة» بالإبل والحمر فيشترون الطعام على مسيرة ليلتين. وقيل: إن قريشاً لما كذبوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ دعا عليهم، فقال: «اللَّهُم اجْعلهَا عَليهِمْ سِنيْنَ كَسني يُوسُفَ» فاشتد القحط، فقالوا: يا محمد، ادعُ الله لنا فإنا مؤمنون، فدعا لهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فأخصبت «تبالة» ، و «جرش» من بلاد «اليمن» ، فحملوا الطعام إلى «مكة» ، وأخصب أهلها . وقال الضحاك وربيع وشريك وسفيان: وآمنهم من خوف الحبشة مع الفيل. وقال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: وآمنهم من أن تكون الخلافة إلا فيهم. وقيل: كفاهم أخذ الإيلاف من الملوك. روى الثعلبي عن أبيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورَة ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ أعطِيَ من الأجْرِ حَسناتٍ بعَددِ مَنْ طَافَ بالكَعْبَةِ، واعْتكَفَ بِهَا» والله أعلم. سورة " الدين " وتسمى " الماعون "

قريش 106:2

مكية في قول الجمهور، مدنية في قول الضحاك والكلبي، هي أربع آيات، وسبع عشرة كلمة، وثلاث وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ ، في متعلق هذه الآية أوجه: أحدها: أنه ما في السورة قبلها من قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ﴾ . قال الزمخشري «هذا بمنزلة التضمين في الشعر، وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقاً لا يصح إلا به، وهما في مصحف أبيّ سورة واحدة بلا فصل. وعن عمر أنه قرأهما في الثانية من صلاة المغرب، وقرأ في الأولى:» والتِّينِ «، انتهى. وإلى هذا ذهب الأخفش، إلا أن الحوفي قال: ورد هذا القول جماعة، بأنه لو كان كذا، لكان» لإيْلافِ «بعض سورة» ألَمْ تَرَ» ، وفي إجماع الجميع على الفصل بينهما ما يدل على عدم ذلك. الثاني: أنه مضمر تقديره: فعلنا ذلك، أي: إهلاك أصحاب الفيل ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ ، أي: لتأليف قريش، أو لتنفق قريش، أو لكي تأمن قريش، فتؤلف رحلتيها. وقيل: تقديره: اعجبوا. الثالث: أنه قوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ﴾ لإيلافهم؛ فإنها أظهر نعمة عليهم. قاله الزمخشري؛ وهو قول الخليل من قبله. وقرأ ابن عامر: «لإلاف» دون ياء قبل اللام الثانية. والباقون: «لإيلاف» بياء قبلها، وأجمع الكل على إثبات الياء في الثاني، وهو «إيلافهم» . ومن غريب ما اتفق في هذين الحرفين: أن القراء اختلفوا في سقوط الياء وثبوتها في الأول مع اتفاق المصاحف على إثباتها خطًّا، واتفقوا على إثبات الياء في الثاني مع اتفاق المصاحف على سقوطها فيه خطًّا، وهذا دليل على أن القراء يتبعون الأثر والرواية، لا مجرد الخط. فأما قراءة ابن عامر ففيها وجهان: أحدهما: أنه مصدر ل» ألف «ثلاثياً، يقال: ألف الرجل، إلفاً، وإلافاً؛ نحو: كتبته كتاباً، ويقال: ألفته إلفاً وإلافاً. وقد جمع الشاعر بينهما في قوله: [الوافر] 5313 - زَعمْتُمْ أنَّ إخْوتَكُمْ قُريْشٌ ... لَهُمْ إلفٌ وليْسَ لَكُمْ إلافُ والثاني: أنه مصدر ل» آلف «رباعياً نحو قاتل قتالاً. وقال الزمخشري: لمُؤالفةِ قريش. وأما قراءة الباقين فمصدر آلف رباعياً بزنة» أكرم «يقال: آلفته، أولفه إيلافاً. قال الشاعر: [الطويل] 5314 - مِنَ المُؤلفَاتِ الرَّمْلَ أدمَاءُ حُرَّةٌ ... شُعَاعُ الضُّحَى في مَتْنِهَا يتوضَّحُ وقرأ عاصم في رواية:» إئلافهم» بهمزتين، الأولى مكسورة، والثانية ساكنة، وهي شاذة؛ لأنه يجب في مثله إبدال حرفاً مجانساً ك «إيمان» . وروي عنه أيضاً: بهمزتين مكسورتين، بعدهما ياء ساكنة. وخرجت على أنه أشبع كسر همزة الثانية فتولد منها ياء وهذه أشدُّ من الأولى. ونقل أبو البقاء أشد منها، فقال: «بهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة، بعدها همزة مكسورة» . وهو بعيد، ووجهه: أنه أشبع الكسرة، فنشأت الياء، وقصد بذلك الفصل بين الهمزتين كالألف في «أأنْذَرتَهُمْ» . وقرأ أبو جعفر: «لإلف قريش» بهمزة مكسورة، بزنة: «قِرْد» ، وقد تقدم أنه مصدر ل «ألف» كقوله: [الوافر] 5315 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... لَهُمْ إلْفٌ وليْسَ لَكُمْ إلافُ وعنه أيضاً، وعن ابن كثير: «إلفهم» ، وهي ساكنة اللام بغير ياء، وهي قراءة مجاهد وحميد. وروت أسماء - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنها سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقرأ: «إلفهم» ، وهو مروي أيضاً عن ابن عبَّاس وغيره. وعنه أيضاً وعن ابن عامر: «إلافهم» مثل «كتابهم» . وعنه أيضاً: «ليْلافهم» بياء ساكنة بعد اللام، وذلك أنه لما أبدل الثانية حذف الأولى على غير قياس. وقرأ عكرمة: «ليألف قريش» فعلاً مضارعاً. وعنه أيضاً: «لتألف قريش» على الأمر واللام مكسورة، وعنه فتحها مع الأمر وهي لغة. فصل في اتصال السورة بما قبلها تقدم أن هذه السورة، متصلة بما قبلها في المعنى، أي: أهلكت أصحاب الفيل لإيلاف قريش، أي: لتأليف قريش أو لتنفق قريش، أو لتأمن قريش فتؤلف رحلتيها. قال ابن الخطيب: فإن قيل: إنما كان الإهلاك لكفرهم. قلنا: جزاء الكفور يكون يوم القيامة، يجزي كل نفس بما كسبت للأمرين معاً، ولكن لا تكون اللام لام العاقبة، أو يكون المعنى: «ألم تَرَ كيف فعل ربُّك بأصحاب الفيل؛ لإيلاف قريش» ، أي: كل ما تضمنته السورة «لإيلافهم» ، أو تكون اللاَّم بمعنى «إلى» ، أي: وجعلنا هذه النعم مضافاً إلى قريش. وقال الكسائي والأخفش: اللام في ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ لام التعجب. أي اعجبوا لإيلاف قريش، نقله القرطبي. قال الفراء: هذه السورة متصلة بالسورة الأولى؛ لأنه ذكر أهل «مكة» عظيم نعمته عليهم فيما صنع بالحبشة، ثم قال - جلا وعلا -: ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ . فعلنا بأصحاب الفيل نعمة منا على قريش، وذلك أن قريشاً كانت تخرج في تجارتها، فلا يغار عليها في الجاهلية، يقولون: هم أهل بيت الله تعالى حتَّى جاء صاحب الفيل ليهدم الكعبة فأهلكه الله تعالى، فذكرهم نعمته، أي: فجعل الله تعالى ذلك ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ أي: ليألفوا الخروج ولا يتجرأ عليهم، قاله مجاهد وابن عباس في رواية سعيد بن جبير. قال ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ قال: نعمتي على قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، قال: كانوا يشتون ب «مكة» ، ويصيفون ب «الطائف» ، وعلى هذا القول يجوز الوقف على رءوس الآي، وإن لم يكن الكلام تاماً. قال ابن الخطيب: والمشهور أنهما سورتان، ولا يلزم من التعلق الاتحاد؛ لأن القرآن كسورة واحدة. وقال الخليل: ليست متصلة، كأنه قال: ألف الله قريشاً إيلافاً، فليعبدوا ربَّ هذا البيت [واللام متعلقة بقوله تعالى: فليعبد هؤلاء رب هذا البيت، لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف للامتياز، ويحمل ما بعد الألف ألفاً على ما قبلها؛ لأنها زائدة غير عاطفة كقولك: زيد فاضرب، وأما مصحف أبيّ فمعارض بإطباق على الفصل بينهما، وأما قراءة عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - فالإمام قد يقرأ سورتين] . قال ابن العربي: وليست المواقف التي ينتزع بها القراء شرعاً عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مروياً، وإنما أرادوا به تعليم الطلبة المعاني، فإذا علموها وقفوا [حيث شاءوا، فأما الوقف عند انقطاع النفس فلا خلاف فيه، ولا تعد ما قبله إذا اعتراك ذلك، ولكن ابدأ من حيث وقف بك نفسك، هذا رأيي فيه] ، ولا دليل على ما قالوه بحالٍ، ولكني أعتمد الوقف على التَّمام، كراهية الخروج عنهم. قال القرطبي: «وأجمع المسلمون أن الوقف عند قوله:» كَعصفٍ مأكُولٍ «، ليس بقبيح، وكيف يقال بقبحه، وهذه السورة تقرأ في الركعة الأولى، والتي بعدها في الركعة الثانية، ولا يمنع الوقف على إعجاز الآيات، سواء تمَّ الكلام أم لا» . فصل في الكلام على قريش قريش: اسم القبيلة. قي: هم ولد النضر بن كنانة، وكل من ولده النضر فهو قرشي، وهو الصحيح وقيل: هم ولد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، فمن لم يلده فهر فليس بقرشي، فوقع الوفاق على أن بني فهر قرشيون، وعلى أن كنانة ليسوا بقرشيين، ووقع الخلاف في النضر ومالك، ثم اختلف في اشتقاقه على أوجه: أحدها: أنه من التقرُّش، وهو التجمُّع، سموا بذلك لاجتماعهم بعد تفرق، قال: [الطويل] 5316 - أبُونَا قُصَيٌّ كَانَ يُدعَى مُجمِّعاً ... بِهِ جَمَّعَ اللهُ القَبائلَ مِنْ فِهْرِ والثاني: أنه من القرش: وهو الكسب، كانت قريش تجاراً، يقال: قرش يقرش: أي: اكتسب. والثالث: أنه من التفتيش، يقال: قَرَشَ يقرش عني أي: فتش، وكانت قريش يفتشون على ذوي الخلاَّت، فيسدون خلَّتهم. قال الشاعر: [الخفيف] 5317 - أيُّهَا الشَّامِتُ المُقرِّشُ عَنَّا ... عِنْدَ عَمْرٍو فَهلْ لهُ إبْقَاءُ والرابع: أن معاوية سأل ابن عباس لم سميت قريش قُريشاً؟ . فقال: لدابة في البحر يقال لها: القرش من أقوى دوابه، تأكل ولا تؤكل، وتعلُو ولا تُعْلَى. وأنشد قول تبع: [الخفيف] 5318 - وقُريشٌ هِيَ الَّتي تَسكنُ البَحْ ... رَ بِهَا سُمِّيَتْ قُريشٌ قُرَيْشَا تَأكُلُ الرثَّ والسَّمينَ ولا تَتْ ... رُكُ فِيهَا لِذِي جَناحَيْنِ رِيشَا هَكَذا في البِلادِ حَيُّ قُريْشٍ ... يَأكُلونَ البِلادَ أكْلاً كَمِيشَا ولهُمْ آخِرَ الزَّمانِ نبيٌّ ... يُكْثرُ القَتْلَ فِيهمُ والخُمُوشَا ثم قريش: إما أن يكون مصغراً تصغير ترخيم، فقيل: الأصل مقرش، وقيل: قارش، وإما أن يكون مصغراً من ثلاثي، نحو: القرش، وأجمعوا على صرفه هنا مراداً به الحي، ولو أريد به القبيلة لامتنع من الصَّرف؛ كقوله: [الكامل] 5319 - غَلَبَ المَسامِيحَ الولِيدُ سَماحَةً ... وكَفَى قُريْشَ المُعضِلاتِ وسَادَهَا قال سيبويه في معدّ، وقريش، وثقيف، وكينونة، هذه للأحياء أكثر، وإن جعلتها أسماء للقبائل، فهو جائز حسن. قوله: ﴿إِيلاَفِهِمْ﴾ مؤكد للأول تأكيداً لفظيًّا، وأعربه أبو البقاء: بدلاً. قوله: «رحلة» مفعول به بالمصدر، والمصدر مضاف لفاعله، أي: لأن ألفوا رحلة، والأصل: رحلتي الشتاء والصيف، ولكنه أفرد لأمن اللبس؛ كقوله: [الوافر] 5320 - كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكمُ تَعِفُّوا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . قاله الزمخشريُّ. وفيه نظر، لأن سيبويه يجعل هذا ضرورة، كقوله: [الطويل] 5321 - حَمَامَةَ بَطْنِ الوادِيَيْنِ تَرَنَّمِي..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . قال الليث: الرحلة اسم لارتحال القوم للمسير وقيل: رحلة اسم جنس، وكانت له أربع رحل، وجعله بعضهم غلطاً، وليس كذلك. قال القرطبي: «رِحْلة» نصب بالمصدر أي: ارتحالهم رحلة، أو بوقوع «إيْلافِهم» عليه، أو على الظرف، ولو جعلتها في محل الرفع على معنى هما رحلتا الشتاء، والصيف، لجاز. وقرأ العامة: بكسر الراء، وهي مصدر. وأبو السمال: بضمها، وهي الجهة التي يرتحل إليها، والشتاء: واد، شذُّوا في النسب إليه، فقالوا: شتوي، والقياس: شِتَائي، وشِتَاوي ك «كسائي، وكِسَاويّ» . فصل في معنى الآية قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشتآء والصيف﴾ : لا يشق عليهم رحلة شتاء ولا صيف منة منه على قريش. وقال الهروي وغيره: كان أصحاب الإيلاف أربعة إخوة: هاشم، وعبد شمس، والمطلب، ونوفل بنو عبد مناف، فأما هاشم فإنه كان يؤلف ملك «الشام» ، أي: أخذ منه حبلاً وعهداً يأمن به في تجارته إلى «الشام» ، وأخوه عبد شمس كان يؤلف إلى «الحبشة» ، والمطلب إلى «اليمن» ، ونوفل إلى «فارس» ، ومعنى يؤلف: يجير، فكان هؤلاء الإخوة يسمون المجيرين، فكان تُجَّارُ قريش يختلفون إلى الأمصار، بحبل هؤلاء الإخوة، فلا يتعرض لهم. قال الأزهري: الإيلاف: شبه الإجارة بالخفارة، يقال: آلف يؤلف: إذا أجار الحمائل بالخفارة، والحمائل: جمع حمولة. قال: والتأويل: أن قريشاً كانوا سكان الحرم، ولم يكن لهم زرع ولا ضرع، وكانوا يميرون في الشتاء، والصيف آمنين، والناس يتخطَّفُون من حولهم، فكانوا إذا عرض لهم عارض قالوا: نحن أهل حرم الله، فلا يتعرض الناس لهم، وكانت إحدى الرحلتين إلى اليمن في الشتاء، لأنها بلاد حامية، والرحلة الأخرى في الصيف إلى «الشام» ؛ لأنها بلاد باردة. وعن ابن عباس، قال: يشتون ب «مكة» لدفئها، ويصيفون ب «الطائف» لهوائها، وهذه من أجل النعم أن يكون للقوم ناحية حر تدفع عنهم برد الشتاء، وناحية برد تدفع عنهم حر الصيف، فذكرهم الله تعالى هذه النعمة. . فصل في الشتاء والصيف قال مالك: الشتاء نصف السُّنة، والصيف نصفها. وقال قوم آخرون: الزمان أربعة أقسام: شتاء، وربيع، وصيف، وخريف. وقيل: شتاء، وصيف، وقيظ، وخريف. قال القرطبيُّ: والذي قال مالك أصح؛ لأن اللهَّ قسم الزمان قسمين، ولم يجعل لهما ثالثاً. قوله: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت﴾ ، أمرهم تعالى بعبادته، وتوحيده لأجل إيلافهم رحلتين، وتقدم الكلام على الفاء، والبيت هو الكعبة، وفي تعريف نفسه بأنه تعالى رب هذا البيت وجهان: أحدهما: أنها كانت لهم أوثان، فميز نفسه تعالى عنها. الثاني: لأنهم شُرِّفوا بالبيت على سائر العرب، فذكر لهم ذلك تذكيراً لنعمته. وقيل: المعنى: أن يعبدوا رب هذا البيت، أي ليألفوا عبادة رب هذا البيت كما كانا يألفون الرحلتين. ﴿الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ﴾ ، أي: من أجل الجوع، و «آمنهم» من أجل الخوف، والتنكير للتعظيم أي: من جوع عظيم وخوف عظيم. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون في موضع الحال من مفعول «أطْعَمَهُمْ» . وأخفى نون «من» في الخاء: نافع في رواية، وكذلك مع العين، نحو: «من على» ، وهي لغة حكاها سيبويه. فصل في مكانة قريش قال ابنُ عبَّاسٍ: وذلك بدعوة إبراهيم - عليه السلام - حيث قال: ﴿رَبِّ اجعل هذا بَلَداً آمِناً وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات﴾ [البقرة: 126] . وقال ابن زيد: كانت العرب يغيرُ بعضهاعلى بعض ويسبي بعضها من بعض، فأمنت قريش من ذلك لمكان الحرم. وقيل: شق عليهم السَّفر في الشتاء والصيف، فألقى الله - تعالى - في قلوب الحبشة أن يحملوا إليهم طعاماً في السَّفر، فخافت قريش منهم وظنُّوا أنهم خرجوا لحربهم، فخرجوا إليهم متحرزين، فإذا هم قد جلبوا لهم الطعام، وأعانوهم بالأقوات، فكان أهلُ «مكة» يخرجون إلى «جدة» بالإبل والحمر فيشترون الطعام على مسيرة ليلتين. وقيل: إن قريشاً لما كذبوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ دعا عليهم، فقال: «اللَّهُم اجْعلهَا عَليهِمْ سِنيْنَ كَسني يُوسُفَ» فاشتد القحط، فقالوا: يا محمد، ادعُ الله لنا فإنا مؤمنون، فدعا لهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فأخصبت «تبالة» ، و «جرش» من بلاد «اليمن» ، فحملوا الطعام إلى «مكة» ، وأخصب أهلها . وقال الضحاك وربيع وشريك وسفيان: وآمنهم من خوف الحبشة مع الفيل. وقال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: وآمنهم من أن تكون الخلافة إلا فيهم. وقيل: كفاهم أخذ الإيلاف من الملوك. روى الثعلبي عن أبيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورَة ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ أعطِيَ من الأجْرِ حَسناتٍ بعَددِ مَنْ طَافَ بالكَعْبَةِ، واعْتكَفَ بِهَا» والله أعلم. سورة " الدين " وتسمى " الماعون "

قريش 106:3

مكية في قول الجمهور، مدنية في قول الضحاك والكلبي، هي أربع آيات، وسبع عشرة كلمة، وثلاث وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ ، في متعلق هذه الآية أوجه: أحدها: أنه ما في السورة قبلها من قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ﴾ . قال الزمخشري «هذا بمنزلة التضمين في الشعر، وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقاً لا يصح إلا به، وهما في مصحف أبيّ سورة واحدة بلا فصل. وعن عمر أنه قرأهما في الثانية من صلاة المغرب، وقرأ في الأولى:» والتِّينِ «، انتهى. وإلى هذا ذهب الأخفش، إلا أن الحوفي قال: ورد هذا القول جماعة، بأنه لو كان كذا، لكان» لإيْلافِ «بعض سورة» ألَمْ تَرَ» ، وفي إجماع الجميع على الفصل بينهما ما يدل على عدم ذلك. الثاني: أنه مضمر تقديره: فعلنا ذلك، أي: إهلاك أصحاب الفيل ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ ، أي: لتأليف قريش، أو لتنفق قريش، أو لكي تأمن قريش، فتؤلف رحلتيها. وقيل: تقديره: اعجبوا. الثالث: أنه قوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ﴾ لإيلافهم؛ فإنها أظهر نعمة عليهم. قاله الزمخشري؛ وهو قول الخليل من قبله. وقرأ ابن عامر: «لإلاف» دون ياء قبل اللام الثانية. والباقون: «لإيلاف» بياء قبلها، وأجمع الكل على إثبات الياء في الثاني، وهو «إيلافهم» . ومن غريب ما اتفق في هذين الحرفين: أن القراء اختلفوا في سقوط الياء وثبوتها في الأول مع اتفاق المصاحف على إثباتها خطًّا، واتفقوا على إثبات الياء في الثاني مع اتفاق المصاحف على سقوطها فيه خطًّا، وهذا دليل على أن القراء يتبعون الأثر والرواية، لا مجرد الخط. فأما قراءة ابن عامر ففيها وجهان: أحدهما: أنه مصدر ل» ألف «ثلاثياً، يقال: ألف الرجل، إلفاً، وإلافاً؛ نحو: كتبته كتاباً، ويقال: ألفته إلفاً وإلافاً. وقد جمع الشاعر بينهما في قوله: [الوافر] 5313 - زَعمْتُمْ أنَّ إخْوتَكُمْ قُريْشٌ ... لَهُمْ إلفٌ وليْسَ لَكُمْ إلافُ والثاني: أنه مصدر ل» آلف «رباعياً نحو قاتل قتالاً. وقال الزمخشري: لمُؤالفةِ قريش. وأما قراءة الباقين فمصدر آلف رباعياً بزنة» أكرم «يقال: آلفته، أولفه إيلافاً. قال الشاعر: [الطويل] 5314 - مِنَ المُؤلفَاتِ الرَّمْلَ أدمَاءُ حُرَّةٌ ... شُعَاعُ الضُّحَى في مَتْنِهَا يتوضَّحُ وقرأ عاصم في رواية:» إئلافهم» بهمزتين، الأولى مكسورة، والثانية ساكنة، وهي شاذة؛ لأنه يجب في مثله إبدال حرفاً مجانساً ك «إيمان» . وروي عنه أيضاً: بهمزتين مكسورتين، بعدهما ياء ساكنة. وخرجت على أنه أشبع كسر همزة الثانية فتولد منها ياء وهذه أشدُّ من الأولى. ونقل أبو البقاء أشد منها، فقال: «بهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة، بعدها همزة مكسورة» . وهو بعيد، ووجهه: أنه أشبع الكسرة، فنشأت الياء، وقصد بذلك الفصل بين الهمزتين كالألف في «أأنْذَرتَهُمْ» . وقرأ أبو جعفر: «لإلف قريش» بهمزة مكسورة، بزنة: «قِرْد» ، وقد تقدم أنه مصدر ل «ألف» كقوله: [الوافر] 5315 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... لَهُمْ إلْفٌ وليْسَ لَكُمْ إلافُ وعنه أيضاً، وعن ابن كثير: «إلفهم» ، وهي ساكنة اللام بغير ياء، وهي قراءة مجاهد وحميد. وروت أسماء - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنها سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقرأ: «إلفهم» ، وهو مروي أيضاً عن ابن عبَّاس وغيره. وعنه أيضاً وعن ابن عامر: «إلافهم» مثل «كتابهم» . وعنه أيضاً: «ليْلافهم» بياء ساكنة بعد اللام، وذلك أنه لما أبدل الثانية حذف الأولى على غير قياس. وقرأ عكرمة: «ليألف قريش» فعلاً مضارعاً. وعنه أيضاً: «لتألف قريش» على الأمر واللام مكسورة، وعنه فتحها مع الأمر وهي لغة. فصل في اتصال السورة بما قبلها تقدم أن هذه السورة، متصلة بما قبلها في المعنى، أي: أهلكت أصحاب الفيل لإيلاف قريش، أي: لتأليف قريش أو لتنفق قريش، أو لتأمن قريش فتؤلف رحلتيها. قال ابن الخطيب: فإن قيل: إنما كان الإهلاك لكفرهم. قلنا: جزاء الكفور يكون يوم القيامة، يجزي كل نفس بما كسبت للأمرين معاً، ولكن لا تكون اللام لام العاقبة، أو يكون المعنى: «ألم تَرَ كيف فعل ربُّك بأصحاب الفيل؛ لإيلاف قريش» ، أي: كل ما تضمنته السورة «لإيلافهم» ، أو تكون اللاَّم بمعنى «إلى» ، أي: وجعلنا هذه النعم مضافاً إلى قريش. وقال الكسائي والأخفش: اللام في ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ لام التعجب. أي اعجبوا لإيلاف قريش، نقله القرطبي. قال الفراء: هذه السورة متصلة بالسورة الأولى؛ لأنه ذكر أهل «مكة» عظيم نعمته عليهم فيما صنع بالحبشة، ثم قال - جلا وعلا -: ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ . فعلنا بأصحاب الفيل نعمة منا على قريش، وذلك أن قريشاً كانت تخرج في تجارتها، فلا يغار عليها في الجاهلية، يقولون: هم أهل بيت الله تعالى حتَّى جاء صاحب الفيل ليهدم الكعبة فأهلكه الله تعالى، فذكرهم نعمته، أي: فجعل الله تعالى ذلك ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ أي: ليألفوا الخروج ولا يتجرأ عليهم، قاله مجاهد وابن عباس في رواية سعيد بن جبير. قال ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ قال: نعمتي على قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، قال: كانوا يشتون ب «مكة» ، ويصيفون ب «الطائف» ، وعلى هذا القول يجوز الوقف على رءوس الآي، وإن لم يكن الكلام تاماً. قال ابن الخطيب: والمشهور أنهما سورتان، ولا يلزم من التعلق الاتحاد؛ لأن القرآن كسورة واحدة. وقال الخليل: ليست متصلة، كأنه قال: ألف الله قريشاً إيلافاً، فليعبدوا ربَّ هذا البيت [واللام متعلقة بقوله تعالى: فليعبد هؤلاء رب هذا البيت، لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف للامتياز، ويحمل ما بعد الألف ألفاً على ما قبلها؛ لأنها زائدة غير عاطفة كقولك: زيد فاضرب، وأما مصحف أبيّ فمعارض بإطباق على الفصل بينهما، وأما قراءة عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - فالإمام قد يقرأ سورتين] . قال ابن العربي: وليست المواقف التي ينتزع بها القراء شرعاً عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مروياً، وإنما أرادوا به تعليم الطلبة المعاني، فإذا علموها وقفوا [حيث شاءوا، فأما الوقف عند انقطاع النفس فلا خلاف فيه، ولا تعد ما قبله إذا اعتراك ذلك، ولكن ابدأ من حيث وقف بك نفسك، هذا رأيي فيه] ، ولا دليل على ما قالوه بحالٍ، ولكني أعتمد الوقف على التَّمام، كراهية الخروج عنهم. قال القرطبي: «وأجمع المسلمون أن الوقف عند قوله:» كَعصفٍ مأكُولٍ «، ليس بقبيح، وكيف يقال بقبحه، وهذه السورة تقرأ في الركعة الأولى، والتي بعدها في الركعة الثانية، ولا يمنع الوقف على إعجاز الآيات، سواء تمَّ الكلام أم لا» . فصل في الكلام على قريش قريش: اسم القبيلة. قي: هم ولد النضر بن كنانة، وكل من ولده النضر فهو قرشي، وهو الصحيح وقيل: هم ولد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، فمن لم يلده فهر فليس بقرشي، فوقع الوفاق على أن بني فهر قرشيون، وعلى أن كنانة ليسوا بقرشيين، ووقع الخلاف في النضر ومالك، ثم اختلف في اشتقاقه على أوجه: أحدها: أنه من التقرُّش، وهو التجمُّع، سموا بذلك لاجتماعهم بعد تفرق، قال: [الطويل] 5316 - أبُونَا قُصَيٌّ كَانَ يُدعَى مُجمِّعاً ... بِهِ جَمَّعَ اللهُ القَبائلَ مِنْ فِهْرِ والثاني: أنه من القرش: وهو الكسب، كانت قريش تجاراً، يقال: قرش يقرش: أي: اكتسب. والثالث: أنه من التفتيش، يقال: قَرَشَ يقرش عني أي: فتش، وكانت قريش يفتشون على ذوي الخلاَّت، فيسدون خلَّتهم. قال الشاعر: [الخفيف] 5317 - أيُّهَا الشَّامِتُ المُقرِّشُ عَنَّا ... عِنْدَ عَمْرٍو فَهلْ لهُ إبْقَاءُ والرابع: أن معاوية سأل ابن عباس لم سميت قريش قُريشاً؟ . فقال: لدابة في البحر يقال لها: القرش من أقوى دوابه، تأكل ولا تؤكل، وتعلُو ولا تُعْلَى. وأنشد قول تبع: [الخفيف] 5318 - وقُريشٌ هِيَ الَّتي تَسكنُ البَحْ ... رَ بِهَا سُمِّيَتْ قُريشٌ قُرَيْشَا تَأكُلُ الرثَّ والسَّمينَ ولا تَتْ ... رُكُ فِيهَا لِذِي جَناحَيْنِ رِيشَا هَكَذا في البِلادِ حَيُّ قُريْشٍ ... يَأكُلونَ البِلادَ أكْلاً كَمِيشَا ولهُمْ آخِرَ الزَّمانِ نبيٌّ ... يُكْثرُ القَتْلَ فِيهمُ والخُمُوشَا ثم قريش: إما أن يكون مصغراً تصغير ترخيم، فقيل: الأصل مقرش، وقيل: قارش، وإما أن يكون مصغراً من ثلاثي، نحو: القرش، وأجمعوا على صرفه هنا مراداً به الحي، ولو أريد به القبيلة لامتنع من الصَّرف؛ كقوله: [الكامل] 5319 - غَلَبَ المَسامِيحَ الولِيدُ سَماحَةً ... وكَفَى قُريْشَ المُعضِلاتِ وسَادَهَا قال سيبويه في معدّ، وقريش، وثقيف، وكينونة، هذه للأحياء أكثر، وإن جعلتها أسماء للقبائل، فهو جائز حسن. قوله: ﴿إِيلاَفِهِمْ﴾ مؤكد للأول تأكيداً لفظيًّا، وأعربه أبو البقاء: بدلاً. قوله: «رحلة» مفعول به بالمصدر، والمصدر مضاف لفاعله، أي: لأن ألفوا رحلة، والأصل: رحلتي الشتاء والصيف، ولكنه أفرد لأمن اللبس؛ كقوله: [الوافر] 5320 - كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكمُ تَعِفُّوا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . قاله الزمخشريُّ. وفيه نظر، لأن سيبويه يجعل هذا ضرورة، كقوله: [الطويل] 5321 - حَمَامَةَ بَطْنِ الوادِيَيْنِ تَرَنَّمِي..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . قال الليث: الرحلة اسم لارتحال القوم للمسير وقيل: رحلة اسم جنس، وكانت له أربع رحل، وجعله بعضهم غلطاً، وليس كذلك. قال القرطبي: «رِحْلة» نصب بالمصدر أي: ارتحالهم رحلة، أو بوقوع «إيْلافِهم» عليه، أو على الظرف، ولو جعلتها في محل الرفع على معنى هما رحلتا الشتاء، والصيف، لجاز. وقرأ العامة: بكسر الراء، وهي مصدر. وأبو السمال: بضمها، وهي الجهة التي يرتحل إليها، والشتاء: واد، شذُّوا في النسب إليه، فقالوا: شتوي، والقياس: شِتَائي، وشِتَاوي ك «كسائي، وكِسَاويّ» . فصل في معنى الآية قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشتآء والصيف﴾ : لا يشق عليهم رحلة شتاء ولا صيف منة منه على قريش. وقال الهروي وغيره: كان أصحاب الإيلاف أربعة إخوة: هاشم، وعبد شمس، والمطلب، ونوفل بنو عبد مناف، فأما هاشم فإنه كان يؤلف ملك «الشام» ، أي: أخذ منه حبلاً وعهداً يأمن به في تجارته إلى «الشام» ، وأخوه عبد شمس كان يؤلف إلى «الحبشة» ، والمطلب إلى «اليمن» ، ونوفل إلى «فارس» ، ومعنى يؤلف: يجير، فكان هؤلاء الإخوة يسمون المجيرين، فكان تُجَّارُ قريش يختلفون إلى الأمصار، بحبل هؤلاء الإخوة، فلا يتعرض لهم. قال الأزهري: الإيلاف: شبه الإجارة بالخفارة، يقال: آلف يؤلف: إذا أجار الحمائل بالخفارة، والحمائل: جمع حمولة. قال: والتأويل: أن قريشاً كانوا سكان الحرم، ولم يكن لهم زرع ولا ضرع، وكانوا يميرون في الشتاء، والصيف آمنين، والناس يتخطَّفُون من حولهم، فكانوا إذا عرض لهم عارض قالوا: نحن أهل حرم الله، فلا يتعرض الناس لهم، وكانت إحدى الرحلتين إلى اليمن في الشتاء، لأنها بلاد حامية، والرحلة الأخرى في الصيف إلى «الشام» ؛ لأنها بلاد باردة. وعن ابن عباس، قال: يشتون ب «مكة» لدفئها، ويصيفون ب «الطائف» لهوائها، وهذه من أجل النعم أن يكون للقوم ناحية حر تدفع عنهم برد الشتاء، وناحية برد تدفع عنهم حر الصيف، فذكرهم الله تعالى هذه النعمة. . فصل في الشتاء والصيف قال مالك: الشتاء نصف السُّنة، والصيف نصفها. وقال قوم آخرون: الزمان أربعة أقسام: شتاء، وربيع، وصيف، وخريف. وقيل: شتاء، وصيف، وقيظ، وخريف. قال القرطبيُّ: والذي قال مالك أصح؛ لأن اللهَّ قسم الزمان قسمين، ولم يجعل لهما ثالثاً. قوله: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت﴾ ، أمرهم تعالى بعبادته، وتوحيده لأجل إيلافهم رحلتين، وتقدم الكلام على الفاء، والبيت هو الكعبة، وفي تعريف نفسه بأنه تعالى رب هذا البيت وجهان: أحدهما: أنها كانت لهم أوثان، فميز نفسه تعالى عنها. الثاني: لأنهم شُرِّفوا بالبيت على سائر العرب، فذكر لهم ذلك تذكيراً لنعمته. وقيل: المعنى: أن يعبدوا رب هذا البيت، أي ليألفوا عبادة رب هذا البيت كما كانا يألفون الرحلتين. ﴿الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ﴾ ، أي: من أجل الجوع، و «آمنهم» من أجل الخوف، والتنكير للتعظيم أي: من جوع عظيم وخوف عظيم. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون في موضع الحال من مفعول «أطْعَمَهُمْ» . وأخفى نون «من» في الخاء: نافع في رواية، وكذلك مع العين، نحو: «من على» ، وهي لغة حكاها سيبويه. فصل في مكانة قريش قال ابنُ عبَّاسٍ: وذلك بدعوة إبراهيم - عليه السلام - حيث قال: ﴿رَبِّ اجعل هذا بَلَداً آمِناً وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات﴾ [البقرة: 126] . وقال ابن زيد: كانت العرب يغيرُ بعضهاعلى بعض ويسبي بعضها من بعض، فأمنت قريش من ذلك لمكان الحرم. وقيل: شق عليهم السَّفر في الشتاء والصيف، فألقى الله - تعالى - في قلوب الحبشة أن يحملوا إليهم طعاماً في السَّفر، فخافت قريش منهم وظنُّوا أنهم خرجوا لحربهم، فخرجوا إليهم متحرزين، فإذا هم قد جلبوا لهم الطعام، وأعانوهم بالأقوات، فكان أهلُ «مكة» يخرجون إلى «جدة» بالإبل والحمر فيشترون الطعام على مسيرة ليلتين. وقيل: إن قريشاً لما كذبوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ دعا عليهم، فقال: «اللَّهُم اجْعلهَا عَليهِمْ سِنيْنَ كَسني يُوسُفَ» فاشتد القحط، فقالوا: يا محمد، ادعُ الله لنا فإنا مؤمنون، فدعا لهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فأخصبت «تبالة» ، و «جرش» من بلاد «اليمن» ، فحملوا الطعام إلى «مكة» ، وأخصب أهلها . وقال الضحاك وربيع وشريك وسفيان: وآمنهم من خوف الحبشة مع الفيل. وقال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: وآمنهم من أن تكون الخلافة إلا فيهم. وقيل: كفاهم أخذ الإيلاف من الملوك. روى الثعلبي عن أبيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورَة ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ أعطِيَ من الأجْرِ حَسناتٍ بعَددِ مَنْ طَافَ بالكَعْبَةِ، واعْتكَفَ بِهَا» والله أعلم. سورة " الدين " وتسمى " الماعون "

قريش 106:4

مكية في قول الجمهور، مدنية في قول الضحاك والكلبي، هي أربع آيات، وسبع عشرة كلمة، وثلاث وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ ، في متعلق هذه الآية أوجه: أحدها: أنه ما في السورة قبلها من قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ﴾ . قال الزمخشري «هذا بمنزلة التضمين في الشعر، وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقاً لا يصح إلا به، وهما في مصحف أبيّ سورة واحدة بلا فصل. وعن عمر أنه قرأهما في الثانية من صلاة المغرب، وقرأ في الأولى:» والتِّينِ «، انتهى. وإلى هذا ذهب الأخفش، إلا أن الحوفي قال: ورد هذا القول جماعة، بأنه لو كان كذا، لكان» لإيْلافِ «بعض سورة» ألَمْ تَرَ» ، وفي إجماع الجميع على الفصل بينهما ما يدل على عدم ذلك. الثاني: أنه مضمر تقديره: فعلنا ذلك، أي: إهلاك أصحاب الفيل ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ ، أي: لتأليف قريش، أو لتنفق قريش، أو لكي تأمن قريش، فتؤلف رحلتيها. وقيل: تقديره: اعجبوا. الثالث: أنه قوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ﴾ لإيلافهم؛ فإنها أظهر نعمة عليهم. قاله الزمخشري؛ وهو قول الخليل من قبله. وقرأ ابن عامر: «لإلاف» دون ياء قبل اللام الثانية. والباقون: «لإيلاف» بياء قبلها، وأجمع الكل على إثبات الياء في الثاني، وهو «إيلافهم» . ومن غريب ما اتفق في هذين الحرفين: أن القراء اختلفوا في سقوط الياء وثبوتها في الأول مع اتفاق المصاحف على إثباتها خطًّا، واتفقوا على إثبات الياء في الثاني مع اتفاق المصاحف على سقوطها فيه خطًّا، وهذا دليل على أن القراء يتبعون الأثر والرواية، لا مجرد الخط. فأما قراءة ابن عامر ففيها وجهان: أحدهما: أنه مصدر ل» ألف «ثلاثياً، يقال: ألف الرجل، إلفاً، وإلافاً؛ نحو: كتبته كتاباً، ويقال: ألفته إلفاً وإلافاً. وقد جمع الشاعر بينهما في قوله: [الوافر] 5313 - زَعمْتُمْ أنَّ إخْوتَكُمْ قُريْشٌ ... لَهُمْ إلفٌ وليْسَ لَكُمْ إلافُ والثاني: أنه مصدر ل» آلف «رباعياً نحو قاتل قتالاً. وقال الزمخشري: لمُؤالفةِ قريش. وأما قراءة الباقين فمصدر آلف رباعياً بزنة» أكرم «يقال: آلفته، أولفه إيلافاً. قال الشاعر: [الطويل] 5314 - مِنَ المُؤلفَاتِ الرَّمْلَ أدمَاءُ حُرَّةٌ ... شُعَاعُ الضُّحَى في مَتْنِهَا يتوضَّحُ وقرأ عاصم في رواية:» إئلافهم» بهمزتين، الأولى مكسورة، والثانية ساكنة، وهي شاذة؛ لأنه يجب في مثله إبدال حرفاً مجانساً ك «إيمان» . وروي عنه أيضاً: بهمزتين مكسورتين، بعدهما ياء ساكنة. وخرجت على أنه أشبع كسر همزة الثانية فتولد منها ياء وهذه أشدُّ من الأولى. ونقل أبو البقاء أشد منها، فقال: «بهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة، بعدها همزة مكسورة» . وهو بعيد، ووجهه: أنه أشبع الكسرة، فنشأت الياء، وقصد بذلك الفصل بين الهمزتين كالألف في «أأنْذَرتَهُمْ» . وقرأ أبو جعفر: «لإلف قريش» بهمزة مكسورة، بزنة: «قِرْد» ، وقد تقدم أنه مصدر ل «ألف» كقوله: [الوافر] 5315 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... لَهُمْ إلْفٌ وليْسَ لَكُمْ إلافُ وعنه أيضاً، وعن ابن كثير: «إلفهم» ، وهي ساكنة اللام بغير ياء، وهي قراءة مجاهد وحميد. وروت أسماء - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنها سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقرأ: «إلفهم» ، وهو مروي أيضاً عن ابن عبَّاس وغيره. وعنه أيضاً وعن ابن عامر: «إلافهم» مثل «كتابهم» . وعنه أيضاً: «ليْلافهم» بياء ساكنة بعد اللام، وذلك أنه لما أبدل الثانية حذف الأولى على غير قياس. وقرأ عكرمة: «ليألف قريش» فعلاً مضارعاً. وعنه أيضاً: «لتألف قريش» على الأمر واللام مكسورة، وعنه فتحها مع الأمر وهي لغة. فصل في اتصال السورة بما قبلها تقدم أن هذه السورة، متصلة بما قبلها في المعنى، أي: أهلكت أصحاب الفيل لإيلاف قريش، أي: لتأليف قريش أو لتنفق قريش، أو لتأمن قريش فتؤلف رحلتيها. قال ابن الخطيب: فإن قيل: إنما كان الإهلاك لكفرهم. قلنا: جزاء الكفور يكون يوم القيامة، يجزي كل نفس بما كسبت للأمرين معاً، ولكن لا تكون اللام لام العاقبة، أو يكون المعنى: «ألم تَرَ كيف فعل ربُّك بأصحاب الفيل؛ لإيلاف قريش» ، أي: كل ما تضمنته السورة «لإيلافهم» ، أو تكون اللاَّم بمعنى «إلى» ، أي: وجعلنا هذه النعم مضافاً إلى قريش. وقال الكسائي والأخفش: اللام في ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ لام التعجب. أي اعجبوا لإيلاف قريش، نقله القرطبي. قال الفراء: هذه السورة متصلة بالسورة الأولى؛ لأنه ذكر أهل «مكة» عظيم نعمته عليهم فيما صنع بالحبشة، ثم قال - جلا وعلا -: ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ . فعلنا بأصحاب الفيل نعمة منا على قريش، وذلك أن قريشاً كانت تخرج في تجارتها، فلا يغار عليها في الجاهلية، يقولون: هم أهل بيت الله تعالى حتَّى جاء صاحب الفيل ليهدم الكعبة فأهلكه الله تعالى، فذكرهم نعمته، أي: فجعل الله تعالى ذلك ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ أي: ليألفوا الخروج ولا يتجرأ عليهم، قاله مجاهد وابن عباس في رواية سعيد بن جبير. قال ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ قال: نعمتي على قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، قال: كانوا يشتون ب «مكة» ، ويصيفون ب «الطائف» ، وعلى هذا القول يجوز الوقف على رءوس الآي، وإن لم يكن الكلام تاماً. قال ابن الخطيب: والمشهور أنهما سورتان، ولا يلزم من التعلق الاتحاد؛ لأن القرآن كسورة واحدة. وقال الخليل: ليست متصلة، كأنه قال: ألف الله قريشاً إيلافاً، فليعبدوا ربَّ هذا البيت [واللام متعلقة بقوله تعالى: فليعبد هؤلاء رب هذا البيت، لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف للامتياز، ويحمل ما بعد الألف ألفاً على ما قبلها؛ لأنها زائدة غير عاطفة كقولك: زيد فاضرب، وأما مصحف أبيّ فمعارض بإطباق على الفصل بينهما، وأما قراءة عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - فالإمام قد يقرأ سورتين] . قال ابن العربي: وليست المواقف التي ينتزع بها القراء شرعاً عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مروياً، وإنما أرادوا به تعليم الطلبة المعاني، فإذا علموها وقفوا [حيث شاءوا، فأما الوقف عند انقطاع النفس فلا خلاف فيه، ولا تعد ما قبله إذا اعتراك ذلك، ولكن ابدأ من حيث وقف بك نفسك، هذا رأيي فيه] ، ولا دليل على ما قالوه بحالٍ، ولكني أعتمد الوقف على التَّمام، كراهية الخروج عنهم. قال القرطبي: «وأجمع المسلمون أن الوقف عند قوله:» كَعصفٍ مأكُولٍ «، ليس بقبيح، وكيف يقال بقبحه، وهذه السورة تقرأ في الركعة الأولى، والتي بعدها في الركعة الثانية، ولا يمنع الوقف على إعجاز الآيات، سواء تمَّ الكلام أم لا» . فصل في الكلام على قريش قريش: اسم القبيلة. قي: هم ولد النضر بن كنانة، وكل من ولده النضر فهو قرشي، وهو الصحيح وقيل: هم ولد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، فمن لم يلده فهر فليس بقرشي، فوقع الوفاق على أن بني فهر قرشيون، وعلى أن كنانة ليسوا بقرشيين، ووقع الخلاف في النضر ومالك، ثم اختلف في اشتقاقه على أوجه: أحدها: أنه من التقرُّش، وهو التجمُّع، سموا بذلك لاجتماعهم بعد تفرق، قال: [الطويل] 5316 - أبُونَا قُصَيٌّ كَانَ يُدعَى مُجمِّعاً ... بِهِ جَمَّعَ اللهُ القَبائلَ مِنْ فِهْرِ والثاني: أنه من القرش: وهو الكسب، كانت قريش تجاراً، يقال: قرش يقرش: أي: اكتسب. والثالث: أنه من التفتيش، يقال: قَرَشَ يقرش عني أي: فتش، وكانت قريش يفتشون على ذوي الخلاَّت، فيسدون خلَّتهم. قال الشاعر: [الخفيف] 5317 - أيُّهَا الشَّامِتُ المُقرِّشُ عَنَّا ... عِنْدَ عَمْرٍو فَهلْ لهُ إبْقَاءُ والرابع: أن معاوية سأل ابن عباس لم سميت قريش قُريشاً؟ . فقال: لدابة في البحر يقال لها: القرش من أقوى دوابه، تأكل ولا تؤكل، وتعلُو ولا تُعْلَى. وأنشد قول تبع: [الخفيف] 5318 - وقُريشٌ هِيَ الَّتي تَسكنُ البَحْ ... رَ بِهَا سُمِّيَتْ قُريشٌ قُرَيْشَا تَأكُلُ الرثَّ والسَّمينَ ولا تَتْ ... رُكُ فِيهَا لِذِي جَناحَيْنِ رِيشَا هَكَذا في البِلادِ حَيُّ قُريْشٍ ... يَأكُلونَ البِلادَ أكْلاً كَمِيشَا ولهُمْ آخِرَ الزَّمانِ نبيٌّ ... يُكْثرُ القَتْلَ فِيهمُ والخُمُوشَا ثم قريش: إما أن يكون مصغراً تصغير ترخيم، فقيل: الأصل مقرش، وقيل: قارش، وإما أن يكون مصغراً من ثلاثي، نحو: القرش، وأجمعوا على صرفه هنا مراداً به الحي، ولو أريد به القبيلة لامتنع من الصَّرف؛ كقوله: [الكامل] 5319 - غَلَبَ المَسامِيحَ الولِيدُ سَماحَةً ... وكَفَى قُريْشَ المُعضِلاتِ وسَادَهَا قال سيبويه في معدّ، وقريش، وثقيف، وكينونة، هذه للأحياء أكثر، وإن جعلتها أسماء للقبائل، فهو جائز حسن. قوله: ﴿إِيلاَفِهِمْ﴾ مؤكد للأول تأكيداً لفظيًّا، وأعربه أبو البقاء: بدلاً. قوله: «رحلة» مفعول به بالمصدر، والمصدر مضاف لفاعله، أي: لأن ألفوا رحلة، والأصل: رحلتي الشتاء والصيف، ولكنه أفرد لأمن اللبس؛ كقوله: [الوافر] 5320 - كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكمُ تَعِفُّوا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . قاله الزمخشريُّ. وفيه نظر، لأن سيبويه يجعل هذا ضرورة، كقوله: [الطويل] 5321 - حَمَامَةَ بَطْنِ الوادِيَيْنِ تَرَنَّمِي..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . قال الليث: الرحلة اسم لارتحال القوم للمسير وقيل: رحلة اسم جنس، وكانت له أربع رحل، وجعله بعضهم غلطاً، وليس كذلك. قال القرطبي: «رِحْلة» نصب بالمصدر أي: ارتحالهم رحلة، أو بوقوع «إيْلافِهم» عليه، أو على الظرف، ولو جعلتها في محل الرفع على معنى هما رحلتا الشتاء، والصيف، لجاز. وقرأ العامة: بكسر الراء، وهي مصدر. وأبو السمال: بضمها، وهي الجهة التي يرتحل إليها، والشتاء: واد، شذُّوا في النسب إليه، فقالوا: شتوي، والقياس: شِتَائي، وشِتَاوي ك «كسائي، وكِسَاويّ» . فصل في معنى الآية قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشتآء والصيف﴾ : لا يشق عليهم رحلة شتاء ولا صيف منة منه على قريش. وقال الهروي وغيره: كان أصحاب الإيلاف أربعة إخوة: هاشم، وعبد شمس، والمطلب، ونوفل بنو عبد مناف، فأما هاشم فإنه كان يؤلف ملك «الشام» ، أي: أخذ منه حبلاً وعهداً يأمن به في تجارته إلى «الشام» ، وأخوه عبد شمس كان يؤلف إلى «الحبشة» ، والمطلب إلى «اليمن» ، ونوفل إلى «فارس» ، ومعنى يؤلف: يجير، فكان هؤلاء الإخوة يسمون المجيرين، فكان تُجَّارُ قريش يختلفون إلى الأمصار، بحبل هؤلاء الإخوة، فلا يتعرض لهم. قال الأزهري: الإيلاف: شبه الإجارة بالخفارة، يقال: آلف يؤلف: إذا أجار الحمائل بالخفارة، والحمائل: جمع حمولة. قال: والتأويل: أن قريشاً كانوا سكان الحرم، ولم يكن لهم زرع ولا ضرع، وكانوا يميرون في الشتاء، والصيف آمنين، والناس يتخطَّفُون من حولهم، فكانوا إذا عرض لهم عارض قالوا: نحن أهل حرم الله، فلا يتعرض الناس لهم، وكانت إحدى الرحلتين إلى اليمن في الشتاء، لأنها بلاد حامية، والرحلة الأخرى في الصيف إلى «الشام» ؛ لأنها بلاد باردة. وعن ابن عباس، قال: يشتون ب «مكة» لدفئها، ويصيفون ب «الطائف» لهوائها، وهذه من أجل النعم أن يكون للقوم ناحية حر تدفع عنهم برد الشتاء، وناحية برد تدفع عنهم حر الصيف، فذكرهم الله تعالى هذه النعمة. . فصل في الشتاء والصيف قال مالك: الشتاء نصف السُّنة، والصيف نصفها. وقال قوم آخرون: الزمان أربعة أقسام: شتاء، وربيع، وصيف، وخريف. وقيل: شتاء، وصيف، وقيظ، وخريف. قال القرطبيُّ: والذي قال مالك أصح؛ لأن اللهَّ قسم الزمان قسمين، ولم يجعل لهما ثالثاً. قوله: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت﴾ ، أمرهم تعالى بعبادته، وتوحيده لأجل إيلافهم رحلتين، وتقدم الكلام على الفاء، والبيت هو الكعبة، وفي تعريف نفسه بأنه تعالى رب هذا البيت وجهان: أحدهما: أنها كانت لهم أوثان، فميز نفسه تعالى عنها. الثاني: لأنهم شُرِّفوا بالبيت على سائر العرب، فذكر لهم ذلك تذكيراً لنعمته. وقيل: المعنى: أن يعبدوا رب هذا البيت، أي ليألفوا عبادة رب هذا البيت كما كانا يألفون الرحلتين. ﴿الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ﴾ ، أي: من أجل الجوع، و «آمنهم» من أجل الخوف، والتنكير للتعظيم أي: من جوع عظيم وخوف عظيم. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون في موضع الحال من مفعول «أطْعَمَهُمْ» . وأخفى نون «من» في الخاء: نافع في رواية، وكذلك مع العين، نحو: «من على» ، وهي لغة حكاها سيبويه. فصل في مكانة قريش قال ابنُ عبَّاسٍ: وذلك بدعوة إبراهيم - عليه السلام - حيث قال: ﴿رَبِّ اجعل هذا بَلَداً آمِناً وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات﴾ [البقرة: 126] . وقال ابن زيد: كانت العرب يغيرُ بعضهاعلى بعض ويسبي بعضها من بعض، فأمنت قريش من ذلك لمكان الحرم. وقيل: شق عليهم السَّفر في الشتاء والصيف، فألقى الله - تعالى - في قلوب الحبشة أن يحملوا إليهم طعاماً في السَّفر، فخافت قريش منهم وظنُّوا أنهم خرجوا لحربهم، فخرجوا إليهم متحرزين، فإذا هم قد جلبوا لهم الطعام، وأعانوهم بالأقوات، فكان أهلُ «مكة» يخرجون إلى «جدة» بالإبل والحمر فيشترون الطعام على مسيرة ليلتين. وقيل: إن قريشاً لما كذبوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ دعا عليهم، فقال: «اللَّهُم اجْعلهَا عَليهِمْ سِنيْنَ كَسني يُوسُفَ» فاشتد القحط، فقالوا: يا محمد، ادعُ الله لنا فإنا مؤمنون، فدعا لهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فأخصبت «تبالة» ، و «جرش» من بلاد «اليمن» ، فحملوا الطعام إلى «مكة» ، وأخصب أهلها . وقال الضحاك وربيع وشريك وسفيان: وآمنهم من خوف الحبشة مع الفيل. وقال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: وآمنهم من أن تكون الخلافة إلا فيهم. وقيل: كفاهم أخذ الإيلاف من الملوك. روى الثعلبي عن أبيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورَة ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ أعطِيَ من الأجْرِ حَسناتٍ بعَددِ مَنْ طَافَ بالكَعْبَةِ، واعْتكَفَ بِهَا» والله أعلم. سورة " الدين " وتسمى " الماعون "