Al Lubab fi Ulum Al Kitab — القدر 97:1 – العاديات 100:11
المحتويات
- القدر 97:1
- القدر 97:2
- القدر 97:3
- القدر 97:4
- القدر 97:5
- البينة 98:1
- البينة 98:2
- البينة 98:3
- البينة 98:4
- البينة 98:5
- البينة 98:6
- البينة 98:7
- البينة 98:8
- الزلزلة 99:1
- الزلزلة 99:2
- الزلزلة 99:3
- الزلزلة 99:4
- الزلزلة 99:5
- الزلزلة 99:6
- الزلزلة 99:7
- الزلزلة 99:8
- العاديات 100:1
- العاديات 100:2
- العاديات 100:3
- العاديات 100:4
- العاديات 100:5
- العاديات 100:6
- العاديات 100:7
- العاديات 100:8
- العاديات 100:9
- العاديات 100:10
- العاديات 100:11
القدر 97:1
وذكره الواقدي: أنها أول سورة نزلت ب " المدينة "، وهي خمس آيات، وثلاثون كلمة، ومائة واثنا عشر حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ ، أي: القرآن، أضمر للعلم به ﴿فِي لَيْلَةِ القدر﴾ يجوز أن يكون ظرفاً للإنزال، والقرآن كله كالسورة الواحدة، وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن﴾ [البقرة: 185] ، وقال: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: 3] يريد: ليلة القدر.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: نزل به جبريل - عليه السلام - جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا إلى بيت العزة، وأملاه جبريل على السَّفرةِ، ثم كان جبريل ينزله على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ منجماً، وكان بين أوله وآخره ثلاث وعشرون سنة.
حكى الماورديُّ عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: نزل القرآنُ في شهر رمضان، وفي ليلة القدر، وفي ليلة مباركة، جملة واحدة من عند الله، من اللوح المحفوظ إلى السَّفرة الكرام الكاتبين في سماء الدنيا، فنجمته السَّفرة الكرام الكاتبون على جبريل عشرين سنة، ونجمه جبريل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عشرين سنة.
قال ابن العربي: وهذا باطل، ليس بين جبريل - عليه السَّلام - وبين الله واسطة، ولا بين جبريل محمد - عليهما السلام - واسطة.
وقيل: المعنى أنزل في شأنها وفضلها، فليست ظرفاً، وإنما كقول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: خشيت أن ينزل فيَّ قرآن، وقول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: لأنا أحقر في نفسي أن ينزل فيّ قرآن.
وسميت ليلة القدر بذلك؛ لأن الله يقدر فيها ما يشاء من أمره إلى مثلها من السَّنة القابلة من أمر الموت، والأجل، والرزق، وغيره، ويسلمه إلى مدبرات الأمور، وهم أربعة من الملائكة: إسرافيل، وميكائيل، وعزرائيل، وجبريل، عليهم السلام.
وعن ابن عباس أيضاً: أن الله يقضي الأقضية في ليلة نصف شعبان، ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر، وأما تضييقها بالملائكة قال الخليل: لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: 7] .
وقيل: سميت بذلك لعظمها، وشرفها، وقدرها، من قولهم: لفلان قدر: أي شرف ومنزلة. قاله الزهري: وقيل: سميت بذلك لأن للطاعة فيها قدراً عظيماً، وثواباً جزيلاً.
وقيل: لأنه أنزل فيها كتاباً ذا قدر على رسول ذي قدر على أمه ذاتِ قدر، والقدر: مصدر، والمراد ما يمضيه الله تعالى من الأمور، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49] ، وهو بمعنى القدر، إلا أنه بالتسكين، مصدر، وبالفتح اسم.
قوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القدر لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ بين فضلها، وعظمها، وفضيلة الزمان إنما تكون بكثرة ما يقع فيه من الفضائل وفي تلك الليلة يقسم الخير الكثير الذي لا يوجد مثله في ألف شهر، جميع الدهر، لأن العرب تذكر الألف، لا تريد حقيقتها، وإنما تريد المبالغة في الكثرة، كقوله تعالى:
﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: 96] ، يعني جمع الدهر.
[وقيل: إن العابد فيما مضى لا يسمى عابداً، حتى يعبد الله ألف شهر، فجعل الله تعالى لهذه الأمة أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عبادة ليلة خير من ألف شهر كانوا يعبدونها] .
وقال أبو بكر الوراق: كان ملك سليمان - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - خمسمائة شهر، وملك ذي القرنين خمسمائة شهر، فصار ملكهما ألف شهر، فجعل الله العمل في هذه الليلة لمن أدركها خيراً من ملكهما.
وقال ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذكر رجُلاً من بني إسرائيل حمل السلاح ألف شهرٍ، فعجب المسلمون من ذلك فنزلت هذه الآية، يعني خير من ألف شهر التي لبس السلاح فيها في سبيل الله، ونحوه عن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
وقال مالك بن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أري رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أعمار الناس، فاستقصر أعمار أمته، فخاف ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر، وجعلها خيراً من ألف شهر لسائر الأمم.
وقال عكرمة وعروة: ذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أربعة من بني إسرائيل، يقال: عبدوا الله ثمانين سنة، لم يعصوا الله - تعالى - طرفة عين: أيوب، وزكريا، وحزقيل بن العجوز، ويوشع ابن نون، فعجب أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من ذلك، فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد، عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النَّفر ثمانين سنة، لم يعصوا الله تعالى طرفة عين، فقد أنزل الله عليك خيراً من ذلك، ثم قرأ: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾ ، فسر بذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قوله: ﴿تَنَزَّلُ الملائكة﴾ ، أي: تهبط من كل سماء إلى الأرض، ويؤمنون على دعاء النَّاس إلى وقت طلوع الفجر، وقوله تعالى: ﴿والروح فِيهَا﴾ . يجوز أن ترتفع «الرُّوحُ» بالابتداء، والجار بعده الخبر وأن ترتفع بالفاعلية عطفاً على الملائكة، و «فيها» متعلق ب «تنزل» وأن يكون معطوفاً على الفاعل، و «فِيهَا» ظرف أو حال، والمراد بالروح جبريل عليه السلام.
[وحكى القشيري: أن الروح صنف من الملائكة؛ جعله حفظة على سائرهم، وأن الملائكة لا يرونهم كما لا نرى نحن الملائكة.
ووقال مقاتل: هم أشرف الملائكة، وأقربهم إلى الله تعالى.
وقيل: هم جند الله - تعالى - غير الملائكة رواه ابن عبَّاس مرفوعاً حكاه الماوردي.
وقيل: الروح خلق عظيم يقوم صفاً واحداً، والملائكة صفاً] .
وقيل: «الرُّوحُ» : الرحمة ينزل بها جبريل عليه السلام مع الملائكة في هذه الليلة على أهلها، بدليل قوله تعالى:
﴿يُنَزِّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: 2] ، أي: بالرحمة فيها، أي: في ليلة القدر.
قوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِم﴾ . يجوز أن يتعلق ب «تَنَزَّلُ» ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من المرفوع ب «تَنَزَّل» أي: ملتبساً بإذن ربهم.
قوله: ﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ . يجوز في «مِنْ» وجهان:
أحدهما: أنها بمعنى اللام، وتتعلق ب «تَنزَّلُ» ، أي: تنزل من أجل كل أمر قضي إلى العام القابل.
الثاني: أنها بمعنى الباء، أي: تنزل بكل أمر، فهي للتعدية، قاله أبو حاتم.
وقرأ العامة: «أمْرٍ» واحد الأمور.
وقرأ ابن عباس، وعكرمة، والكلبي: «مِنْ كُلِّ امْرئٍ» ، أي: من أجل كل إنسانٍ.
قال القرطبيُّ: وتأولها الكلبي على أن جبريل - عليه السلام - ينزل فيها مع الملائكة، فيسلمون على كُلِّ امرئ مسلم، ف «مِنْ» بمعنى «عَلَى» .
وقيل: من أجل كل ملك، وهو بعيد.
وقيل: «مِنْ كُلِّ أمْرٍ» ليس متعلقاً ب «تَنَزَّلُ» إنما هو متعلق بما بعده، أي: هي سلام من كل أمر مخوف، وهذا لا يتم على ظاهره؛ لأن «سلام» مصدر لا يتقدم عليه معموله، وإنما المراد أنه متعلق بمحذوف يدل عليه هذا المصدر.
فصل في معنى الآية
قوله: ﴿سَلاَمٌ هِيَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن «هِيَ» ضمير الملائكة، و «سلامٌ» بمعنى التسليم، أي: الملائكة ذات التَّسليم على المؤمنين من مغيب الشمس حتى مطلع الفجر وقيل: الملائكة يسلم بعضهم على بعض فيها.
الثاني: أنها ضمير ليلة القدر، و «سلامٌ» بمعنى سلامة، أي: ليلة القدر ذات سلامة من كلّ شيء مخوف.
قال الضحاكُ: لا يقدر الله - تعالى - في تلك الليلة إلا السلامة.
وقيل: هي ذات سلامة من أن يؤثر فيها شيطان في مؤمن ومؤمنة، قاله مجاهد.
وعلى التقديرين: يجوز أن يرتفع «سلامٌ» على أنه خبر مقدم، و «هِيَ» مبتدأ مؤخر، وهذا هو المشهور، ويجوز أن يرتفع بالابتداء، و «هي» فاعلة عند الأخفش؛ لأنه لا يشترط الاعتماد على الوصف.
وقد تقدم أن بعضهم يجعل الكلام تاماً على قوله: «بِإذْنِ ربِّهِمْ» ، وتعلق «كُلِّ أمْرٍ» بما بعده، وتقدم تأويله.
وقال أبو الفضل: «وقيل: معناه هي سلام من كل أمرٍ أو امرئٍ؛ أي سالمة، أو مسلمة منه، ولا يجوز أن يكون» سلامٌ «بهذه اللفظة الظَّاهرة التي هي المصدر عاملاً فيما قبله، لامتناع تقدم معمول المصدر على المصدر، كما أن الصفة كذلك لا يجوز تقديمها على الموصول» انتهى.
[وقد تقدم أن معنى ذلك عند هذا القائل أن يتعلق بمحذوف مدلول عليه ب «سلام» فهو تفسير معنى لا تفسير إعراب] .
وما يروى عن ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أن الكلام تمَّ عند قوله تعالى: «سلامٌ» ويبتدئ ب «هِيَ» على أنها خبر مبتدأ، والإشارة بذلك إلى أنها ليلة السابع والعشرين، لأن لفظه: هي سابعة وعشرون، من كلم هذه السورة، فلا ينبغي أن يعتقد صحته لأنه إلغاز وتغيير لنظم أفصح الكلام.
[قوله: ﴿حتى مَطْلَعِ الفجر﴾ متعلق ب «تنزل» أو ب «سلام» وفيه إشكال للفصل بين المصدر والمعمول للمبتدأ، إلا أن يتوسع في الجار] .
وقرأ الكسائي وابن محيصن: «مطلِع» بكسر اللام، والباقون: بالفتح، والفتح هو القياس، والكسر سماع، وله أخوات تحفظ فيها الكسر مما ضم مضارعه، أو فتح، نحو: المَشْرِق، والمَغْرِب، والمنْسِك، والمسْكِن، والمحْشِر، والمسْقِط.
قال القرطبي: «حكي في ذلك كله الفتح والكسر» .
وهل هما مصدران أو المفتوح مصدر، والمكسور مكان؟ خلاف، وعلى كل تقدير، فالقياس في الفعل مطلقاً مما ضمت عين مضارعه أو فتحت فتح العين، وإنما يقع الفرق في المكسور العين الصحيح، نحو: «يضرب» .
فصل في تعيين ليلة القدر
اختلفوا في تعيين ليلة القدر، فالأكثرون على أنها ليلة سبع وعشرين، لحديث أبيٍّ ابن كعب: أنها في العشر الأواخر، وأنَّها ليلةُ سبعٍ وعشرين.
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ كَانَ مُتَحَرِّياً لليلة القدرِ فَلْيَتَحَرَّهَا في ليلة سبعٍ وعشرين» .
وقال أبيُّ بن كعب: سَمعتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «لَيلَةُ القَدرِ سَبعٍ وعشْرينَ» .
وقال أبو بكر الوراق: كرر ذكرها ثلاث مرات، وهي تسعة أحرف، فيكون سبعة وعشرين.
وقال عبيد بن عمير: كنت ليلة السابع والعشرين في البحر فأخذت من مائة، فوجدته عذباً سلسلاً.
وقال أبو هريرة وغيره: هي في ليلة السنة كلها، وإليه ذهب أبو حنيفة، وعنه أنها رفعت، وأنها إنما كانت مرة واحدة قال الخليل: من قال: إن فضلها لنزول القرآن [يقول] انقطعت، والجمهور على أنها في كل عام من رمضان، ثم اختلفوا.
فقيل: هي ليلة إحدى وعشرين، وإليه مال الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لحديث الماء والطين.
وقيل: ليلة الثالث والعشرين لما روى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، إني رأيتُ ليلة القدر في سابعة تبقى، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» أرَى رُؤيَاكُمْ قَدْ تَواطَأتْ عَلى ثَلاثٍ وعِشريْنَ، فَمَنْ أرَادَ أن يقُومَ مِنَ الشَّهرِ شَيْئاً فليَقُمْ لَيْلَةَ ثلاثٍ وعِشْريْنَ «» .
وقيل: ليلة خمس وعشرين، لما روى مسلم عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال:
«التَمِسُوهَا في العَشْرِ الأواخرِ، في تَاسعةٍ تَبْقَى، في سابِعةٍ تَبْقَى، فِي خَامسةٍ تَبْقَى» .
[قال مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يريد بالتاسعة ليلة إحدى وعشرين، وبالسابعة ليلة ثلاث وعشرين، وبالخامسة ليلة خمس وعشرين.
وقيل: سبع وعشرين وقد تقدم] .
وقيل: ليلة تسع وعشرين، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَيْلةُ القَدرِ التَّاسعةُ والعِشرُونَ، والسَّابِعَةُ والعِشْرُونَ» .
وقال الحسن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «ارتقبت الشمس ليلة أربع وعشرين عشرين سنة فرأيتها تطلع بيضاء لا شعاع لها، يعني من كثرة الأنوار في تلك الليلة» .
[وروي عن أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنها في ليالي الأفراد من النصف الأخير من شهر رمضان مستقلة في ليالي الجمع، ونظمه محمد ابن الأثير فقال: [الطويل]
5263 - ثَلاثُ شُرُوطٍ هُنَّ فِي ليْلَةِ القَدرِ ... كَذَا قَال شَيخُ العُربِ فِيهَا أبُو بكْرٍ
فأوَّلُهَا وتْرٌ وليْلةُ جُمْعَةٍ ... وثَالثُهَا النِّصفُ الأخيرُ من الشَّهْرِ
وقيل: هي تنتقل في جميع السنة] .
قالوا: والحكمة في إخفائها ليجتهد الناس في إحياء جميع الليالي، كما أخفى رمضان في الطاعات، حتى يرغبوا في الكل، وأخفى ساعة الإجابة في الدعاء، ليبالغوا في كل الساعات، وأخفى الاسم الأعظم، ليعظموا كل الأسماء، وأخفى قبول التوبة، ليحافظوا على جميع أقسام التوبة، وأخفى وقت الموت، ليخاف الموت المكلف، وكذلك أخفى هذه الليلة، ليعظموا جميع ليالي رمضان.
فصل في أحكام تتعلق بليلة القدر
نقل القرطبي عن بعض العلماء: أن من علق طلاق امرأته، أو عتق عبده بليلة القدر لم يقع الطلاق والعتق إلى مضى سنةٍ من يوم حلف، لأنه لا يجوز إيقاع الطلاق بالشك، ولم يثبت اختصاصها بوقت، فلا ينبغي وقوع الطلاق إلا لمضي حولٍ.
وفي هذا نظر؛ لأنه تقدم عن أبي حنيفة في أحد قوليه أنها رفعت، فعلى هذا لا ينبغي أن يقع شيء أصلاً، لوجود الخلاف في بقائها.
وروى الثعلبي عن أبيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورة القَدرِ، كانَ كَمنْ صَامَ رَمَضَانَ، وأحْيَا لَيْلَةَ القَدرِ» .
سورة البينة
القدر 97:2
وذكره الواقدي: أنها أول سورة نزلت ب " المدينة "، وهي خمس آيات، وثلاثون كلمة، ومائة واثنا عشر حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ ، أي: القرآن، أضمر للعلم به ﴿فِي لَيْلَةِ القدر﴾ يجوز أن يكون ظرفاً للإنزال، والقرآن كله كالسورة الواحدة، وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن﴾ [البقرة: 185] ، وقال: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: 3] يريد: ليلة القدر.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: نزل به جبريل - عليه السلام - جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا إلى بيت العزة، وأملاه جبريل على السَّفرةِ، ثم كان جبريل ينزله على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ منجماً، وكان بين أوله وآخره ثلاث وعشرون سنة.
حكى الماورديُّ عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: نزل القرآنُ في شهر رمضان، وفي ليلة القدر، وفي ليلة مباركة، جملة واحدة من عند الله، من اللوح المحفوظ إلى السَّفرة الكرام الكاتبين في سماء الدنيا، فنجمته السَّفرة الكرام الكاتبون على جبريل عشرين سنة، ونجمه جبريل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عشرين سنة.
قال ابن العربي: وهذا باطل، ليس بين جبريل - عليه السَّلام - وبين الله واسطة، ولا بين جبريل محمد - عليهما السلام - واسطة.
وقيل: المعنى أنزل في شأنها وفضلها، فليست ظرفاً، وإنما كقول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: خشيت أن ينزل فيَّ قرآن، وقول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: لأنا أحقر في نفسي أن ينزل فيّ قرآن.
وسميت ليلة القدر بذلك؛ لأن الله يقدر فيها ما يشاء من أمره إلى مثلها من السَّنة القابلة من أمر الموت، والأجل، والرزق، وغيره، ويسلمه إلى مدبرات الأمور، وهم أربعة من الملائكة: إسرافيل، وميكائيل، وعزرائيل، وجبريل، عليهم السلام.
وعن ابن عباس أيضاً: أن الله يقضي الأقضية في ليلة نصف شعبان، ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر، وأما تضييقها بالملائكة قال الخليل: لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: 7] .
وقيل: سميت بذلك لعظمها، وشرفها، وقدرها، من قولهم: لفلان قدر: أي شرف ومنزلة. قاله الزهري: وقيل: سميت بذلك لأن للطاعة فيها قدراً عظيماً، وثواباً جزيلاً.
وقيل: لأنه أنزل فيها كتاباً ذا قدر على رسول ذي قدر على أمه ذاتِ قدر، والقدر: مصدر، والمراد ما يمضيه الله تعالى من الأمور، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49] ، وهو بمعنى القدر، إلا أنه بالتسكين، مصدر، وبالفتح اسم.
قوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القدر لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ بين فضلها، وعظمها، وفضيلة الزمان إنما تكون بكثرة ما يقع فيه من الفضائل وفي تلك الليلة يقسم الخير الكثير الذي لا يوجد مثله في ألف شهر، جميع الدهر، لأن العرب تذكر الألف، لا تريد حقيقتها، وإنما تريد المبالغة في الكثرة، كقوله تعالى:
﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: 96] ، يعني جمع الدهر.
[وقيل: إن العابد فيما مضى لا يسمى عابداً، حتى يعبد الله ألف شهر، فجعل الله تعالى لهذه الأمة أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عبادة ليلة خير من ألف شهر كانوا يعبدونها] .
وقال أبو بكر الوراق: كان ملك سليمان - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - خمسمائة شهر، وملك ذي القرنين خمسمائة شهر، فصار ملكهما ألف شهر، فجعل الله العمل في هذه الليلة لمن أدركها خيراً من ملكهما.
وقال ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذكر رجُلاً من بني إسرائيل حمل السلاح ألف شهرٍ، فعجب المسلمون من ذلك فنزلت هذه الآية، يعني خير من ألف شهر التي لبس السلاح فيها في سبيل الله، ونحوه عن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
وقال مالك بن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أري رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أعمار الناس، فاستقصر أعمار أمته، فخاف ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر، وجعلها خيراً من ألف شهر لسائر الأمم.
وقال عكرمة وعروة: ذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أربعة من بني إسرائيل، يقال: عبدوا الله ثمانين سنة، لم يعصوا الله - تعالى - طرفة عين: أيوب، وزكريا، وحزقيل بن العجوز، ويوشع ابن نون، فعجب أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من ذلك، فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد، عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النَّفر ثمانين سنة، لم يعصوا الله تعالى طرفة عين، فقد أنزل الله عليك خيراً من ذلك، ثم قرأ: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾ ، فسر بذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قوله: ﴿تَنَزَّلُ الملائكة﴾ ، أي: تهبط من كل سماء إلى الأرض، ويؤمنون على دعاء النَّاس إلى وقت طلوع الفجر، وقوله تعالى: ﴿والروح فِيهَا﴾ . يجوز أن ترتفع «الرُّوحُ» بالابتداء، والجار بعده الخبر وأن ترتفع بالفاعلية عطفاً على الملائكة، و «فيها» متعلق ب «تنزل» وأن يكون معطوفاً على الفاعل، و «فِيهَا» ظرف أو حال، والمراد بالروح جبريل عليه السلام.
[وحكى القشيري: أن الروح صنف من الملائكة؛ جعله حفظة على سائرهم، وأن الملائكة لا يرونهم كما لا نرى نحن الملائكة.
ووقال مقاتل: هم أشرف الملائكة، وأقربهم إلى الله تعالى.
وقيل: هم جند الله - تعالى - غير الملائكة رواه ابن عبَّاس مرفوعاً حكاه الماوردي.
وقيل: الروح خلق عظيم يقوم صفاً واحداً، والملائكة صفاً] .
وقيل: «الرُّوحُ» : الرحمة ينزل بها جبريل عليه السلام مع الملائكة في هذه الليلة على أهلها، بدليل قوله تعالى:
﴿يُنَزِّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: 2] ، أي: بالرحمة فيها، أي: في ليلة القدر.
قوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِم﴾ . يجوز أن يتعلق ب «تَنَزَّلُ» ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من المرفوع ب «تَنَزَّل» أي: ملتبساً بإذن ربهم.
قوله: ﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ . يجوز في «مِنْ» وجهان:
أحدهما: أنها بمعنى اللام، وتتعلق ب «تَنزَّلُ» ، أي: تنزل من أجل كل أمر قضي إلى العام القابل.
الثاني: أنها بمعنى الباء، أي: تنزل بكل أمر، فهي للتعدية، قاله أبو حاتم.
وقرأ العامة: «أمْرٍ» واحد الأمور.
وقرأ ابن عباس، وعكرمة، والكلبي: «مِنْ كُلِّ امْرئٍ» ، أي: من أجل كل إنسانٍ.
قال القرطبيُّ: وتأولها الكلبي على أن جبريل - عليه السلام - ينزل فيها مع الملائكة، فيسلمون على كُلِّ امرئ مسلم، ف «مِنْ» بمعنى «عَلَى» .
وقيل: من أجل كل ملك، وهو بعيد.
وقيل: «مِنْ كُلِّ أمْرٍ» ليس متعلقاً ب «تَنَزَّلُ» إنما هو متعلق بما بعده، أي: هي سلام من كل أمر مخوف، وهذا لا يتم على ظاهره؛ لأن «سلام» مصدر لا يتقدم عليه معموله، وإنما المراد أنه متعلق بمحذوف يدل عليه هذا المصدر.
فصل في معنى الآية
قوله: ﴿سَلاَمٌ هِيَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن «هِيَ» ضمير الملائكة، و «سلامٌ» بمعنى التسليم، أي: الملائكة ذات التَّسليم على المؤمنين من مغيب الشمس حتى مطلع الفجر وقيل: الملائكة يسلم بعضهم على بعض فيها.
الثاني: أنها ضمير ليلة القدر، و «سلامٌ» بمعنى سلامة، أي: ليلة القدر ذات سلامة من كلّ شيء مخوف.
قال الضحاكُ: لا يقدر الله - تعالى - في تلك الليلة إلا السلامة.
وقيل: هي ذات سلامة من أن يؤثر فيها شيطان في مؤمن ومؤمنة، قاله مجاهد.
وعلى التقديرين: يجوز أن يرتفع «سلامٌ» على أنه خبر مقدم، و «هِيَ» مبتدأ مؤخر، وهذا هو المشهور، ويجوز أن يرتفع بالابتداء، و «هي» فاعلة عند الأخفش؛ لأنه لا يشترط الاعتماد على الوصف.
وقد تقدم أن بعضهم يجعل الكلام تاماً على قوله: «بِإذْنِ ربِّهِمْ» ، وتعلق «كُلِّ أمْرٍ» بما بعده، وتقدم تأويله.
وقال أبو الفضل: «وقيل: معناه هي سلام من كل أمرٍ أو امرئٍ؛ أي سالمة، أو مسلمة منه، ولا يجوز أن يكون» سلامٌ «بهذه اللفظة الظَّاهرة التي هي المصدر عاملاً فيما قبله، لامتناع تقدم معمول المصدر على المصدر، كما أن الصفة كذلك لا يجوز تقديمها على الموصول» انتهى.
[وقد تقدم أن معنى ذلك عند هذا القائل أن يتعلق بمحذوف مدلول عليه ب «سلام» فهو تفسير معنى لا تفسير إعراب] .
وما يروى عن ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أن الكلام تمَّ عند قوله تعالى: «سلامٌ» ويبتدئ ب «هِيَ» على أنها خبر مبتدأ، والإشارة بذلك إلى أنها ليلة السابع والعشرين، لأن لفظه: هي سابعة وعشرون، من كلم هذه السورة، فلا ينبغي أن يعتقد صحته لأنه إلغاز وتغيير لنظم أفصح الكلام.
[قوله: ﴿حتى مَطْلَعِ الفجر﴾ متعلق ب «تنزل» أو ب «سلام» وفيه إشكال للفصل بين المصدر والمعمول للمبتدأ، إلا أن يتوسع في الجار] .
وقرأ الكسائي وابن محيصن: «مطلِع» بكسر اللام، والباقون: بالفتح، والفتح هو القياس، والكسر سماع، وله أخوات تحفظ فيها الكسر مما ضم مضارعه، أو فتح، نحو: المَشْرِق، والمَغْرِب، والمنْسِك، والمسْكِن، والمحْشِر، والمسْقِط.
قال القرطبي: «حكي في ذلك كله الفتح والكسر» .
وهل هما مصدران أو المفتوح مصدر، والمكسور مكان؟ خلاف، وعلى كل تقدير، فالقياس في الفعل مطلقاً مما ضمت عين مضارعه أو فتحت فتح العين، وإنما يقع الفرق في المكسور العين الصحيح، نحو: «يضرب» .
فصل في تعيين ليلة القدر
اختلفوا في تعيين ليلة القدر، فالأكثرون على أنها ليلة سبع وعشرين، لحديث أبيٍّ ابن كعب: أنها في العشر الأواخر، وأنَّها ليلةُ سبعٍ وعشرين.
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ كَانَ مُتَحَرِّياً لليلة القدرِ فَلْيَتَحَرَّهَا في ليلة سبعٍ وعشرين» .
وقال أبيُّ بن كعب: سَمعتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «لَيلَةُ القَدرِ سَبعٍ وعشْرينَ» .
وقال أبو بكر الوراق: كرر ذكرها ثلاث مرات، وهي تسعة أحرف، فيكون سبعة وعشرين.
وقال عبيد بن عمير: كنت ليلة السابع والعشرين في البحر فأخذت من مائة، فوجدته عذباً سلسلاً.
وقال أبو هريرة وغيره: هي في ليلة السنة كلها، وإليه ذهب أبو حنيفة، وعنه أنها رفعت، وأنها إنما كانت مرة واحدة قال الخليل: من قال: إن فضلها لنزول القرآن [يقول] انقطعت، والجمهور على أنها في كل عام من رمضان، ثم اختلفوا.
فقيل: هي ليلة إحدى وعشرين، وإليه مال الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لحديث الماء والطين.
وقيل: ليلة الثالث والعشرين لما روى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، إني رأيتُ ليلة القدر في سابعة تبقى، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» أرَى رُؤيَاكُمْ قَدْ تَواطَأتْ عَلى ثَلاثٍ وعِشريْنَ، فَمَنْ أرَادَ أن يقُومَ مِنَ الشَّهرِ شَيْئاً فليَقُمْ لَيْلَةَ ثلاثٍ وعِشْريْنَ «» .
وقيل: ليلة خمس وعشرين، لما روى مسلم عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال:
«التَمِسُوهَا في العَشْرِ الأواخرِ، في تَاسعةٍ تَبْقَى، في سابِعةٍ تَبْقَى، فِي خَامسةٍ تَبْقَى» .
[قال مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يريد بالتاسعة ليلة إحدى وعشرين، وبالسابعة ليلة ثلاث وعشرين، وبالخامسة ليلة خمس وعشرين.
وقيل: سبع وعشرين وقد تقدم] .
وقيل: ليلة تسع وعشرين، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَيْلةُ القَدرِ التَّاسعةُ والعِشرُونَ، والسَّابِعَةُ والعِشْرُونَ» .
وقال الحسن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «ارتقبت الشمس ليلة أربع وعشرين عشرين سنة فرأيتها تطلع بيضاء لا شعاع لها، يعني من كثرة الأنوار في تلك الليلة» .
[وروي عن أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنها في ليالي الأفراد من النصف الأخير من شهر رمضان مستقلة في ليالي الجمع، ونظمه محمد ابن الأثير فقال: [الطويل]
5263 - ثَلاثُ شُرُوطٍ هُنَّ فِي ليْلَةِ القَدرِ ... كَذَا قَال شَيخُ العُربِ فِيهَا أبُو بكْرٍ
فأوَّلُهَا وتْرٌ وليْلةُ جُمْعَةٍ ... وثَالثُهَا النِّصفُ الأخيرُ من الشَّهْرِ
وقيل: هي تنتقل في جميع السنة] .
قالوا: والحكمة في إخفائها ليجتهد الناس في إحياء جميع الليالي، كما أخفى رمضان في الطاعات، حتى يرغبوا في الكل، وأخفى ساعة الإجابة في الدعاء، ليبالغوا في كل الساعات، وأخفى الاسم الأعظم، ليعظموا كل الأسماء، وأخفى قبول التوبة، ليحافظوا على جميع أقسام التوبة، وأخفى وقت الموت، ليخاف الموت المكلف، وكذلك أخفى هذه الليلة، ليعظموا جميع ليالي رمضان.
فصل في أحكام تتعلق بليلة القدر
نقل القرطبي عن بعض العلماء: أن من علق طلاق امرأته، أو عتق عبده بليلة القدر لم يقع الطلاق والعتق إلى مضى سنةٍ من يوم حلف، لأنه لا يجوز إيقاع الطلاق بالشك، ولم يثبت اختصاصها بوقت، فلا ينبغي وقوع الطلاق إلا لمضي حولٍ.
وفي هذا نظر؛ لأنه تقدم عن أبي حنيفة في أحد قوليه أنها رفعت، فعلى هذا لا ينبغي أن يقع شيء أصلاً، لوجود الخلاف في بقائها.
وروى الثعلبي عن أبيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورة القَدرِ، كانَ كَمنْ صَامَ رَمَضَانَ، وأحْيَا لَيْلَةَ القَدرِ» .
سورة البينة
القدر 97:3
وذكره الواقدي: أنها أول سورة نزلت ب " المدينة "، وهي خمس آيات، وثلاثون كلمة، ومائة واثنا عشر حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ ، أي: القرآن، أضمر للعلم به ﴿فِي لَيْلَةِ القدر﴾ يجوز أن يكون ظرفاً للإنزال، والقرآن كله كالسورة الواحدة، وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن﴾ [البقرة: 185] ، وقال: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: 3] يريد: ليلة القدر.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: نزل به جبريل - عليه السلام - جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا إلى بيت العزة، وأملاه جبريل على السَّفرةِ، ثم كان جبريل ينزله على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ منجماً، وكان بين أوله وآخره ثلاث وعشرون سنة.
حكى الماورديُّ عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: نزل القرآنُ في شهر رمضان، وفي ليلة القدر، وفي ليلة مباركة، جملة واحدة من عند الله، من اللوح المحفوظ إلى السَّفرة الكرام الكاتبين في سماء الدنيا، فنجمته السَّفرة الكرام الكاتبون على جبريل عشرين سنة، ونجمه جبريل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عشرين سنة.
قال ابن العربي: وهذا باطل، ليس بين جبريل - عليه السَّلام - وبين الله واسطة، ولا بين جبريل محمد - عليهما السلام - واسطة.
وقيل: المعنى أنزل في شأنها وفضلها، فليست ظرفاً، وإنما كقول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: خشيت أن ينزل فيَّ قرآن، وقول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: لأنا أحقر في نفسي أن ينزل فيّ قرآن.
وسميت ليلة القدر بذلك؛ لأن الله يقدر فيها ما يشاء من أمره إلى مثلها من السَّنة القابلة من أمر الموت، والأجل، والرزق، وغيره، ويسلمه إلى مدبرات الأمور، وهم أربعة من الملائكة: إسرافيل، وميكائيل، وعزرائيل، وجبريل، عليهم السلام.
وعن ابن عباس أيضاً: أن الله يقضي الأقضية في ليلة نصف شعبان، ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر، وأما تضييقها بالملائكة قال الخليل: لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: 7] .
وقيل: سميت بذلك لعظمها، وشرفها، وقدرها، من قولهم: لفلان قدر: أي شرف ومنزلة. قاله الزهري: وقيل: سميت بذلك لأن للطاعة فيها قدراً عظيماً، وثواباً جزيلاً.
وقيل: لأنه أنزل فيها كتاباً ذا قدر على رسول ذي قدر على أمه ذاتِ قدر، والقدر: مصدر، والمراد ما يمضيه الله تعالى من الأمور، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49] ، وهو بمعنى القدر، إلا أنه بالتسكين، مصدر، وبالفتح اسم.
قوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القدر لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ بين فضلها، وعظمها، وفضيلة الزمان إنما تكون بكثرة ما يقع فيه من الفضائل وفي تلك الليلة يقسم الخير الكثير الذي لا يوجد مثله في ألف شهر، جميع الدهر، لأن العرب تذكر الألف، لا تريد حقيقتها، وإنما تريد المبالغة في الكثرة، كقوله تعالى:
﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: 96] ، يعني جمع الدهر.
[وقيل: إن العابد فيما مضى لا يسمى عابداً، حتى يعبد الله ألف شهر، فجعل الله تعالى لهذه الأمة أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عبادة ليلة خير من ألف شهر كانوا يعبدونها] .
وقال أبو بكر الوراق: كان ملك سليمان - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - خمسمائة شهر، وملك ذي القرنين خمسمائة شهر، فصار ملكهما ألف شهر، فجعل الله العمل في هذه الليلة لمن أدركها خيراً من ملكهما.
وقال ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذكر رجُلاً من بني إسرائيل حمل السلاح ألف شهرٍ، فعجب المسلمون من ذلك فنزلت هذه الآية، يعني خير من ألف شهر التي لبس السلاح فيها في سبيل الله، ونحوه عن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
وقال مالك بن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أري رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أعمار الناس، فاستقصر أعمار أمته، فخاف ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر، وجعلها خيراً من ألف شهر لسائر الأمم.
وقال عكرمة وعروة: ذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أربعة من بني إسرائيل، يقال: عبدوا الله ثمانين سنة، لم يعصوا الله - تعالى - طرفة عين: أيوب، وزكريا، وحزقيل بن العجوز، ويوشع ابن نون، فعجب أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من ذلك، فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد، عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النَّفر ثمانين سنة، لم يعصوا الله تعالى طرفة عين، فقد أنزل الله عليك خيراً من ذلك، ثم قرأ: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾ ، فسر بذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قوله: ﴿تَنَزَّلُ الملائكة﴾ ، أي: تهبط من كل سماء إلى الأرض، ويؤمنون على دعاء النَّاس إلى وقت طلوع الفجر، وقوله تعالى: ﴿والروح فِيهَا﴾ . يجوز أن ترتفع «الرُّوحُ» بالابتداء، والجار بعده الخبر وأن ترتفع بالفاعلية عطفاً على الملائكة، و «فيها» متعلق ب «تنزل» وأن يكون معطوفاً على الفاعل، و «فِيهَا» ظرف أو حال، والمراد بالروح جبريل عليه السلام.
[وحكى القشيري: أن الروح صنف من الملائكة؛ جعله حفظة على سائرهم، وأن الملائكة لا يرونهم كما لا نرى نحن الملائكة.
ووقال مقاتل: هم أشرف الملائكة، وأقربهم إلى الله تعالى.
وقيل: هم جند الله - تعالى - غير الملائكة رواه ابن عبَّاس مرفوعاً حكاه الماوردي.
وقيل: الروح خلق عظيم يقوم صفاً واحداً، والملائكة صفاً] .
وقيل: «الرُّوحُ» : الرحمة ينزل بها جبريل عليه السلام مع الملائكة في هذه الليلة على أهلها، بدليل قوله تعالى:
﴿يُنَزِّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: 2] ، أي: بالرحمة فيها، أي: في ليلة القدر.
قوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِم﴾ . يجوز أن يتعلق ب «تَنَزَّلُ» ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من المرفوع ب «تَنَزَّل» أي: ملتبساً بإذن ربهم.
قوله: ﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ . يجوز في «مِنْ» وجهان:
أحدهما: أنها بمعنى اللام، وتتعلق ب «تَنزَّلُ» ، أي: تنزل من أجل كل أمر قضي إلى العام القابل.
الثاني: أنها بمعنى الباء، أي: تنزل بكل أمر، فهي للتعدية، قاله أبو حاتم.
وقرأ العامة: «أمْرٍ» واحد الأمور.
وقرأ ابن عباس، وعكرمة، والكلبي: «مِنْ كُلِّ امْرئٍ» ، أي: من أجل كل إنسانٍ.
قال القرطبيُّ: وتأولها الكلبي على أن جبريل - عليه السلام - ينزل فيها مع الملائكة، فيسلمون على كُلِّ امرئ مسلم، ف «مِنْ» بمعنى «عَلَى» .
وقيل: من أجل كل ملك، وهو بعيد.
وقيل: «مِنْ كُلِّ أمْرٍ» ليس متعلقاً ب «تَنَزَّلُ» إنما هو متعلق بما بعده، أي: هي سلام من كل أمر مخوف، وهذا لا يتم على ظاهره؛ لأن «سلام» مصدر لا يتقدم عليه معموله، وإنما المراد أنه متعلق بمحذوف يدل عليه هذا المصدر.
فصل في معنى الآية
قوله: ﴿سَلاَمٌ هِيَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن «هِيَ» ضمير الملائكة، و «سلامٌ» بمعنى التسليم، أي: الملائكة ذات التَّسليم على المؤمنين من مغيب الشمس حتى مطلع الفجر وقيل: الملائكة يسلم بعضهم على بعض فيها.
الثاني: أنها ضمير ليلة القدر، و «سلامٌ» بمعنى سلامة، أي: ليلة القدر ذات سلامة من كلّ شيء مخوف.
قال الضحاكُ: لا يقدر الله - تعالى - في تلك الليلة إلا السلامة.
وقيل: هي ذات سلامة من أن يؤثر فيها شيطان في مؤمن ومؤمنة، قاله مجاهد.
وعلى التقديرين: يجوز أن يرتفع «سلامٌ» على أنه خبر مقدم، و «هِيَ» مبتدأ مؤخر، وهذا هو المشهور، ويجوز أن يرتفع بالابتداء، و «هي» فاعلة عند الأخفش؛ لأنه لا يشترط الاعتماد على الوصف.
وقد تقدم أن بعضهم يجعل الكلام تاماً على قوله: «بِإذْنِ ربِّهِمْ» ، وتعلق «كُلِّ أمْرٍ» بما بعده، وتقدم تأويله.
وقال أبو الفضل: «وقيل: معناه هي سلام من كل أمرٍ أو امرئٍ؛ أي سالمة، أو مسلمة منه، ولا يجوز أن يكون» سلامٌ «بهذه اللفظة الظَّاهرة التي هي المصدر عاملاً فيما قبله، لامتناع تقدم معمول المصدر على المصدر، كما أن الصفة كذلك لا يجوز تقديمها على الموصول» انتهى.
[وقد تقدم أن معنى ذلك عند هذا القائل أن يتعلق بمحذوف مدلول عليه ب «سلام» فهو تفسير معنى لا تفسير إعراب] .
وما يروى عن ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أن الكلام تمَّ عند قوله تعالى: «سلامٌ» ويبتدئ ب «هِيَ» على أنها خبر مبتدأ، والإشارة بذلك إلى أنها ليلة السابع والعشرين، لأن لفظه: هي سابعة وعشرون، من كلم هذه السورة، فلا ينبغي أن يعتقد صحته لأنه إلغاز وتغيير لنظم أفصح الكلام.
[قوله: ﴿حتى مَطْلَعِ الفجر﴾ متعلق ب «تنزل» أو ب «سلام» وفيه إشكال للفصل بين المصدر والمعمول للمبتدأ، إلا أن يتوسع في الجار] .
وقرأ الكسائي وابن محيصن: «مطلِع» بكسر اللام، والباقون: بالفتح، والفتح هو القياس، والكسر سماع، وله أخوات تحفظ فيها الكسر مما ضم مضارعه، أو فتح، نحو: المَشْرِق، والمَغْرِب، والمنْسِك، والمسْكِن، والمحْشِر، والمسْقِط.
قال القرطبي: «حكي في ذلك كله الفتح والكسر» .
وهل هما مصدران أو المفتوح مصدر، والمكسور مكان؟ خلاف، وعلى كل تقدير، فالقياس في الفعل مطلقاً مما ضمت عين مضارعه أو فتحت فتح العين، وإنما يقع الفرق في المكسور العين الصحيح، نحو: «يضرب» .
فصل في تعيين ليلة القدر
اختلفوا في تعيين ليلة القدر، فالأكثرون على أنها ليلة سبع وعشرين، لحديث أبيٍّ ابن كعب: أنها في العشر الأواخر، وأنَّها ليلةُ سبعٍ وعشرين.
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ كَانَ مُتَحَرِّياً لليلة القدرِ فَلْيَتَحَرَّهَا في ليلة سبعٍ وعشرين» .
وقال أبيُّ بن كعب: سَمعتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «لَيلَةُ القَدرِ سَبعٍ وعشْرينَ» .
وقال أبو بكر الوراق: كرر ذكرها ثلاث مرات، وهي تسعة أحرف، فيكون سبعة وعشرين.
وقال عبيد بن عمير: كنت ليلة السابع والعشرين في البحر فأخذت من مائة، فوجدته عذباً سلسلاً.
وقال أبو هريرة وغيره: هي في ليلة السنة كلها، وإليه ذهب أبو حنيفة، وعنه أنها رفعت، وأنها إنما كانت مرة واحدة قال الخليل: من قال: إن فضلها لنزول القرآن [يقول] انقطعت، والجمهور على أنها في كل عام من رمضان، ثم اختلفوا.
فقيل: هي ليلة إحدى وعشرين، وإليه مال الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لحديث الماء والطين.
وقيل: ليلة الثالث والعشرين لما روى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، إني رأيتُ ليلة القدر في سابعة تبقى، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» أرَى رُؤيَاكُمْ قَدْ تَواطَأتْ عَلى ثَلاثٍ وعِشريْنَ، فَمَنْ أرَادَ أن يقُومَ مِنَ الشَّهرِ شَيْئاً فليَقُمْ لَيْلَةَ ثلاثٍ وعِشْريْنَ «» .
وقيل: ليلة خمس وعشرين، لما روى مسلم عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال:
«التَمِسُوهَا في العَشْرِ الأواخرِ، في تَاسعةٍ تَبْقَى، في سابِعةٍ تَبْقَى، فِي خَامسةٍ تَبْقَى» .
[قال مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يريد بالتاسعة ليلة إحدى وعشرين، وبالسابعة ليلة ثلاث وعشرين، وبالخامسة ليلة خمس وعشرين.
وقيل: سبع وعشرين وقد تقدم] .
وقيل: ليلة تسع وعشرين، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَيْلةُ القَدرِ التَّاسعةُ والعِشرُونَ، والسَّابِعَةُ والعِشْرُونَ» .
وقال الحسن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «ارتقبت الشمس ليلة أربع وعشرين عشرين سنة فرأيتها تطلع بيضاء لا شعاع لها، يعني من كثرة الأنوار في تلك الليلة» .
[وروي عن أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنها في ليالي الأفراد من النصف الأخير من شهر رمضان مستقلة في ليالي الجمع، ونظمه محمد ابن الأثير فقال: [الطويل]
5263 - ثَلاثُ شُرُوطٍ هُنَّ فِي ليْلَةِ القَدرِ ... كَذَا قَال شَيخُ العُربِ فِيهَا أبُو بكْرٍ
فأوَّلُهَا وتْرٌ وليْلةُ جُمْعَةٍ ... وثَالثُهَا النِّصفُ الأخيرُ من الشَّهْرِ
وقيل: هي تنتقل في جميع السنة] .
قالوا: والحكمة في إخفائها ليجتهد الناس في إحياء جميع الليالي، كما أخفى رمضان في الطاعات، حتى يرغبوا في الكل، وأخفى ساعة الإجابة في الدعاء، ليبالغوا في كل الساعات، وأخفى الاسم الأعظم، ليعظموا كل الأسماء، وأخفى قبول التوبة، ليحافظوا على جميع أقسام التوبة، وأخفى وقت الموت، ليخاف الموت المكلف، وكذلك أخفى هذه الليلة، ليعظموا جميع ليالي رمضان.
فصل في أحكام تتعلق بليلة القدر
نقل القرطبي عن بعض العلماء: أن من علق طلاق امرأته، أو عتق عبده بليلة القدر لم يقع الطلاق والعتق إلى مضى سنةٍ من يوم حلف، لأنه لا يجوز إيقاع الطلاق بالشك، ولم يثبت اختصاصها بوقت، فلا ينبغي وقوع الطلاق إلا لمضي حولٍ.
وفي هذا نظر؛ لأنه تقدم عن أبي حنيفة في أحد قوليه أنها رفعت، فعلى هذا لا ينبغي أن يقع شيء أصلاً، لوجود الخلاف في بقائها.
وروى الثعلبي عن أبيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورة القَدرِ، كانَ كَمنْ صَامَ رَمَضَانَ، وأحْيَا لَيْلَةَ القَدرِ» .
سورة البينة
القدر 97:4
وذكره الواقدي: أنها أول سورة نزلت ب " المدينة "، وهي خمس آيات، وثلاثون كلمة، ومائة واثنا عشر حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ ، أي: القرآن، أضمر للعلم به ﴿فِي لَيْلَةِ القدر﴾ يجوز أن يكون ظرفاً للإنزال، والقرآن كله كالسورة الواحدة، وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن﴾ [البقرة: 185] ، وقال: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: 3] يريد: ليلة القدر.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: نزل به جبريل - عليه السلام - جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا إلى بيت العزة، وأملاه جبريل على السَّفرةِ، ثم كان جبريل ينزله على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ منجماً، وكان بين أوله وآخره ثلاث وعشرون سنة.
حكى الماورديُّ عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: نزل القرآنُ في شهر رمضان، وفي ليلة القدر، وفي ليلة مباركة، جملة واحدة من عند الله، من اللوح المحفوظ إلى السَّفرة الكرام الكاتبين في سماء الدنيا، فنجمته السَّفرة الكرام الكاتبون على جبريل عشرين سنة، ونجمه جبريل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عشرين سنة.
قال ابن العربي: وهذا باطل، ليس بين جبريل - عليه السَّلام - وبين الله واسطة، ولا بين جبريل محمد - عليهما السلام - واسطة.
وقيل: المعنى أنزل في شأنها وفضلها، فليست ظرفاً، وإنما كقول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: خشيت أن ينزل فيَّ قرآن، وقول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: لأنا أحقر في نفسي أن ينزل فيّ قرآن.
وسميت ليلة القدر بذلك؛ لأن الله يقدر فيها ما يشاء من أمره إلى مثلها من السَّنة القابلة من أمر الموت، والأجل، والرزق، وغيره، ويسلمه إلى مدبرات الأمور، وهم أربعة من الملائكة: إسرافيل، وميكائيل، وعزرائيل، وجبريل، عليهم السلام.
وعن ابن عباس أيضاً: أن الله يقضي الأقضية في ليلة نصف شعبان، ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر، وأما تضييقها بالملائكة قال الخليل: لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: 7] .
وقيل: سميت بذلك لعظمها، وشرفها، وقدرها، من قولهم: لفلان قدر: أي شرف ومنزلة. قاله الزهري: وقيل: سميت بذلك لأن للطاعة فيها قدراً عظيماً، وثواباً جزيلاً.
وقيل: لأنه أنزل فيها كتاباً ذا قدر على رسول ذي قدر على أمه ذاتِ قدر، والقدر: مصدر، والمراد ما يمضيه الله تعالى من الأمور، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49] ، وهو بمعنى القدر، إلا أنه بالتسكين، مصدر، وبالفتح اسم.
قوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القدر لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ بين فضلها، وعظمها، وفضيلة الزمان إنما تكون بكثرة ما يقع فيه من الفضائل وفي تلك الليلة يقسم الخير الكثير الذي لا يوجد مثله في ألف شهر، جميع الدهر، لأن العرب تذكر الألف، لا تريد حقيقتها، وإنما تريد المبالغة في الكثرة، كقوله تعالى:
﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: 96] ، يعني جمع الدهر.
[وقيل: إن العابد فيما مضى لا يسمى عابداً، حتى يعبد الله ألف شهر، فجعل الله تعالى لهذه الأمة أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عبادة ليلة خير من ألف شهر كانوا يعبدونها] .
وقال أبو بكر الوراق: كان ملك سليمان - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - خمسمائة شهر، وملك ذي القرنين خمسمائة شهر، فصار ملكهما ألف شهر، فجعل الله العمل في هذه الليلة لمن أدركها خيراً من ملكهما.
وقال ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذكر رجُلاً من بني إسرائيل حمل السلاح ألف شهرٍ، فعجب المسلمون من ذلك فنزلت هذه الآية، يعني خير من ألف شهر التي لبس السلاح فيها في سبيل الله، ونحوه عن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
وقال مالك بن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أري رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أعمار الناس، فاستقصر أعمار أمته، فخاف ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر، وجعلها خيراً من ألف شهر لسائر الأمم.
وقال عكرمة وعروة: ذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أربعة من بني إسرائيل، يقال: عبدوا الله ثمانين سنة، لم يعصوا الله - تعالى - طرفة عين: أيوب، وزكريا، وحزقيل بن العجوز، ويوشع ابن نون، فعجب أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من ذلك، فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد، عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النَّفر ثمانين سنة، لم يعصوا الله تعالى طرفة عين، فقد أنزل الله عليك خيراً من ذلك، ثم قرأ: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾ ، فسر بذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قوله: ﴿تَنَزَّلُ الملائكة﴾ ، أي: تهبط من كل سماء إلى الأرض، ويؤمنون على دعاء النَّاس إلى وقت طلوع الفجر، وقوله تعالى: ﴿والروح فِيهَا﴾ . يجوز أن ترتفع «الرُّوحُ» بالابتداء، والجار بعده الخبر وأن ترتفع بالفاعلية عطفاً على الملائكة، و «فيها» متعلق ب «تنزل» وأن يكون معطوفاً على الفاعل، و «فِيهَا» ظرف أو حال، والمراد بالروح جبريل عليه السلام.
[وحكى القشيري: أن الروح صنف من الملائكة؛ جعله حفظة على سائرهم، وأن الملائكة لا يرونهم كما لا نرى نحن الملائكة.
ووقال مقاتل: هم أشرف الملائكة، وأقربهم إلى الله تعالى.
وقيل: هم جند الله - تعالى - غير الملائكة رواه ابن عبَّاس مرفوعاً حكاه الماوردي.
وقيل: الروح خلق عظيم يقوم صفاً واحداً، والملائكة صفاً] .
وقيل: «الرُّوحُ» : الرحمة ينزل بها جبريل عليه السلام مع الملائكة في هذه الليلة على أهلها، بدليل قوله تعالى:
﴿يُنَزِّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: 2] ، أي: بالرحمة فيها، أي: في ليلة القدر.
قوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِم﴾ . يجوز أن يتعلق ب «تَنَزَّلُ» ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من المرفوع ب «تَنَزَّل» أي: ملتبساً بإذن ربهم.
قوله: ﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ . يجوز في «مِنْ» وجهان:
أحدهما: أنها بمعنى اللام، وتتعلق ب «تَنزَّلُ» ، أي: تنزل من أجل كل أمر قضي إلى العام القابل.
الثاني: أنها بمعنى الباء، أي: تنزل بكل أمر، فهي للتعدية، قاله أبو حاتم.
وقرأ العامة: «أمْرٍ» واحد الأمور.
وقرأ ابن عباس، وعكرمة، والكلبي: «مِنْ كُلِّ امْرئٍ» ، أي: من أجل كل إنسانٍ.
قال القرطبيُّ: وتأولها الكلبي على أن جبريل - عليه السلام - ينزل فيها مع الملائكة، فيسلمون على كُلِّ امرئ مسلم، ف «مِنْ» بمعنى «عَلَى» .
وقيل: من أجل كل ملك، وهو بعيد.
وقيل: «مِنْ كُلِّ أمْرٍ» ليس متعلقاً ب «تَنَزَّلُ» إنما هو متعلق بما بعده، أي: هي سلام من كل أمر مخوف، وهذا لا يتم على ظاهره؛ لأن «سلام» مصدر لا يتقدم عليه معموله، وإنما المراد أنه متعلق بمحذوف يدل عليه هذا المصدر.
فصل في معنى الآية
قوله: ﴿سَلاَمٌ هِيَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن «هِيَ» ضمير الملائكة، و «سلامٌ» بمعنى التسليم، أي: الملائكة ذات التَّسليم على المؤمنين من مغيب الشمس حتى مطلع الفجر وقيل: الملائكة يسلم بعضهم على بعض فيها.
الثاني: أنها ضمير ليلة القدر، و «سلامٌ» بمعنى سلامة، أي: ليلة القدر ذات سلامة من كلّ شيء مخوف.
قال الضحاكُ: لا يقدر الله - تعالى - في تلك الليلة إلا السلامة.
وقيل: هي ذات سلامة من أن يؤثر فيها شيطان في مؤمن ومؤمنة، قاله مجاهد.
وعلى التقديرين: يجوز أن يرتفع «سلامٌ» على أنه خبر مقدم، و «هِيَ» مبتدأ مؤخر، وهذا هو المشهور، ويجوز أن يرتفع بالابتداء، و «هي» فاعلة عند الأخفش؛ لأنه لا يشترط الاعتماد على الوصف.
وقد تقدم أن بعضهم يجعل الكلام تاماً على قوله: «بِإذْنِ ربِّهِمْ» ، وتعلق «كُلِّ أمْرٍ» بما بعده، وتقدم تأويله.
وقال أبو الفضل: «وقيل: معناه هي سلام من كل أمرٍ أو امرئٍ؛ أي سالمة، أو مسلمة منه، ولا يجوز أن يكون» سلامٌ «بهذه اللفظة الظَّاهرة التي هي المصدر عاملاً فيما قبله، لامتناع تقدم معمول المصدر على المصدر، كما أن الصفة كذلك لا يجوز تقديمها على الموصول» انتهى.
[وقد تقدم أن معنى ذلك عند هذا القائل أن يتعلق بمحذوف مدلول عليه ب «سلام» فهو تفسير معنى لا تفسير إعراب] .
وما يروى عن ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أن الكلام تمَّ عند قوله تعالى: «سلامٌ» ويبتدئ ب «هِيَ» على أنها خبر مبتدأ، والإشارة بذلك إلى أنها ليلة السابع والعشرين، لأن لفظه: هي سابعة وعشرون، من كلم هذه السورة، فلا ينبغي أن يعتقد صحته لأنه إلغاز وتغيير لنظم أفصح الكلام.
[قوله: ﴿حتى مَطْلَعِ الفجر﴾ متعلق ب «تنزل» أو ب «سلام» وفيه إشكال للفصل بين المصدر والمعمول للمبتدأ، إلا أن يتوسع في الجار] .
وقرأ الكسائي وابن محيصن: «مطلِع» بكسر اللام، والباقون: بالفتح، والفتح هو القياس، والكسر سماع، وله أخوات تحفظ فيها الكسر مما ضم مضارعه، أو فتح، نحو: المَشْرِق، والمَغْرِب، والمنْسِك، والمسْكِن، والمحْشِر، والمسْقِط.
قال القرطبي: «حكي في ذلك كله الفتح والكسر» .
وهل هما مصدران أو المفتوح مصدر، والمكسور مكان؟ خلاف، وعلى كل تقدير، فالقياس في الفعل مطلقاً مما ضمت عين مضارعه أو فتحت فتح العين، وإنما يقع الفرق في المكسور العين الصحيح، نحو: «يضرب» .
فصل في تعيين ليلة القدر
اختلفوا في تعيين ليلة القدر، فالأكثرون على أنها ليلة سبع وعشرين، لحديث أبيٍّ ابن كعب: أنها في العشر الأواخر، وأنَّها ليلةُ سبعٍ وعشرين.
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ كَانَ مُتَحَرِّياً لليلة القدرِ فَلْيَتَحَرَّهَا في ليلة سبعٍ وعشرين» .
وقال أبيُّ بن كعب: سَمعتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «لَيلَةُ القَدرِ سَبعٍ وعشْرينَ» .
وقال أبو بكر الوراق: كرر ذكرها ثلاث مرات، وهي تسعة أحرف، فيكون سبعة وعشرين.
وقال عبيد بن عمير: كنت ليلة السابع والعشرين في البحر فأخذت من مائة، فوجدته عذباً سلسلاً.
وقال أبو هريرة وغيره: هي في ليلة السنة كلها، وإليه ذهب أبو حنيفة، وعنه أنها رفعت، وأنها إنما كانت مرة واحدة قال الخليل: من قال: إن فضلها لنزول القرآن [يقول] انقطعت، والجمهور على أنها في كل عام من رمضان، ثم اختلفوا.
فقيل: هي ليلة إحدى وعشرين، وإليه مال الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لحديث الماء والطين.
وقيل: ليلة الثالث والعشرين لما روى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، إني رأيتُ ليلة القدر في سابعة تبقى، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» أرَى رُؤيَاكُمْ قَدْ تَواطَأتْ عَلى ثَلاثٍ وعِشريْنَ، فَمَنْ أرَادَ أن يقُومَ مِنَ الشَّهرِ شَيْئاً فليَقُمْ لَيْلَةَ ثلاثٍ وعِشْريْنَ «» .
وقيل: ليلة خمس وعشرين، لما روى مسلم عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال:
«التَمِسُوهَا في العَشْرِ الأواخرِ، في تَاسعةٍ تَبْقَى، في سابِعةٍ تَبْقَى، فِي خَامسةٍ تَبْقَى» .
[قال مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يريد بالتاسعة ليلة إحدى وعشرين، وبالسابعة ليلة ثلاث وعشرين، وبالخامسة ليلة خمس وعشرين.
وقيل: سبع وعشرين وقد تقدم] .
وقيل: ليلة تسع وعشرين، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَيْلةُ القَدرِ التَّاسعةُ والعِشرُونَ، والسَّابِعَةُ والعِشْرُونَ» .
وقال الحسن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «ارتقبت الشمس ليلة أربع وعشرين عشرين سنة فرأيتها تطلع بيضاء لا شعاع لها، يعني من كثرة الأنوار في تلك الليلة» .
[وروي عن أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنها في ليالي الأفراد من النصف الأخير من شهر رمضان مستقلة في ليالي الجمع، ونظمه محمد ابن الأثير فقال: [الطويل]
5263 - ثَلاثُ شُرُوطٍ هُنَّ فِي ليْلَةِ القَدرِ ... كَذَا قَال شَيخُ العُربِ فِيهَا أبُو بكْرٍ
فأوَّلُهَا وتْرٌ وليْلةُ جُمْعَةٍ ... وثَالثُهَا النِّصفُ الأخيرُ من الشَّهْرِ
وقيل: هي تنتقل في جميع السنة] .
قالوا: والحكمة في إخفائها ليجتهد الناس في إحياء جميع الليالي، كما أخفى رمضان في الطاعات، حتى يرغبوا في الكل، وأخفى ساعة الإجابة في الدعاء، ليبالغوا في كل الساعات، وأخفى الاسم الأعظم، ليعظموا كل الأسماء، وأخفى قبول التوبة، ليحافظوا على جميع أقسام التوبة، وأخفى وقت الموت، ليخاف الموت المكلف، وكذلك أخفى هذه الليلة، ليعظموا جميع ليالي رمضان.
فصل في أحكام تتعلق بليلة القدر
نقل القرطبي عن بعض العلماء: أن من علق طلاق امرأته، أو عتق عبده بليلة القدر لم يقع الطلاق والعتق إلى مضى سنةٍ من يوم حلف، لأنه لا يجوز إيقاع الطلاق بالشك، ولم يثبت اختصاصها بوقت، فلا ينبغي وقوع الطلاق إلا لمضي حولٍ.
وفي هذا نظر؛ لأنه تقدم عن أبي حنيفة في أحد قوليه أنها رفعت، فعلى هذا لا ينبغي أن يقع شيء أصلاً، لوجود الخلاف في بقائها.
وروى الثعلبي عن أبيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورة القَدرِ، كانَ كَمنْ صَامَ رَمَضَانَ، وأحْيَا لَيْلَةَ القَدرِ» .
سورة البينة
القدر 97:5
وذكره الواقدي: أنها أول سورة نزلت ب " المدينة "، وهي خمس آيات، وثلاثون كلمة، ومائة واثنا عشر حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ ، أي: القرآن، أضمر للعلم به ﴿فِي لَيْلَةِ القدر﴾ يجوز أن يكون ظرفاً للإنزال، والقرآن كله كالسورة الواحدة، وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن﴾ [البقرة: 185] ، وقال: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: 3] يريد: ليلة القدر.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: نزل به جبريل - عليه السلام - جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا إلى بيت العزة، وأملاه جبريل على السَّفرةِ، ثم كان جبريل ينزله على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ منجماً، وكان بين أوله وآخره ثلاث وعشرون سنة.
حكى الماورديُّ عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: نزل القرآنُ في شهر رمضان، وفي ليلة القدر، وفي ليلة مباركة، جملة واحدة من عند الله، من اللوح المحفوظ إلى السَّفرة الكرام الكاتبين في سماء الدنيا، فنجمته السَّفرة الكرام الكاتبون على جبريل عشرين سنة، ونجمه جبريل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عشرين سنة.
قال ابن العربي: وهذا باطل، ليس بين جبريل - عليه السَّلام - وبين الله واسطة، ولا بين جبريل محمد - عليهما السلام - واسطة.
وقيل: المعنى أنزل في شأنها وفضلها، فليست ظرفاً، وإنما كقول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: خشيت أن ينزل فيَّ قرآن، وقول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: لأنا أحقر في نفسي أن ينزل فيّ قرآن.
وسميت ليلة القدر بذلك؛ لأن الله يقدر فيها ما يشاء من أمره إلى مثلها من السَّنة القابلة من أمر الموت، والأجل، والرزق، وغيره، ويسلمه إلى مدبرات الأمور، وهم أربعة من الملائكة: إسرافيل، وميكائيل، وعزرائيل، وجبريل، عليهم السلام.
وعن ابن عباس أيضاً: أن الله يقضي الأقضية في ليلة نصف شعبان، ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر، وأما تضييقها بالملائكة قال الخليل: لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: 7] .
وقيل: سميت بذلك لعظمها، وشرفها، وقدرها، من قولهم: لفلان قدر: أي شرف ومنزلة. قاله الزهري: وقيل: سميت بذلك لأن للطاعة فيها قدراً عظيماً، وثواباً جزيلاً.
وقيل: لأنه أنزل فيها كتاباً ذا قدر على رسول ذي قدر على أمه ذاتِ قدر، والقدر: مصدر، والمراد ما يمضيه الله تعالى من الأمور، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49] ، وهو بمعنى القدر، إلا أنه بالتسكين، مصدر، وبالفتح اسم.
قوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القدر لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ بين فضلها، وعظمها، وفضيلة الزمان إنما تكون بكثرة ما يقع فيه من الفضائل وفي تلك الليلة يقسم الخير الكثير الذي لا يوجد مثله في ألف شهر، جميع الدهر، لأن العرب تذكر الألف، لا تريد حقيقتها، وإنما تريد المبالغة في الكثرة، كقوله تعالى:
﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: 96] ، يعني جمع الدهر.
[وقيل: إن العابد فيما مضى لا يسمى عابداً، حتى يعبد الله ألف شهر، فجعل الله تعالى لهذه الأمة أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عبادة ليلة خير من ألف شهر كانوا يعبدونها] .
وقال أبو بكر الوراق: كان ملك سليمان - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - خمسمائة شهر، وملك ذي القرنين خمسمائة شهر، فصار ملكهما ألف شهر، فجعل الله العمل في هذه الليلة لمن أدركها خيراً من ملكهما.
وقال ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذكر رجُلاً من بني إسرائيل حمل السلاح ألف شهرٍ، فعجب المسلمون من ذلك فنزلت هذه الآية، يعني خير من ألف شهر التي لبس السلاح فيها في سبيل الله، ونحوه عن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
وقال مالك بن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أري رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أعمار الناس، فاستقصر أعمار أمته، فخاف ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر، وجعلها خيراً من ألف شهر لسائر الأمم.
وقال عكرمة وعروة: ذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أربعة من بني إسرائيل، يقال: عبدوا الله ثمانين سنة، لم يعصوا الله - تعالى - طرفة عين: أيوب، وزكريا، وحزقيل بن العجوز، ويوشع ابن نون، فعجب أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من ذلك، فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد، عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النَّفر ثمانين سنة، لم يعصوا الله تعالى طرفة عين، فقد أنزل الله عليك خيراً من ذلك، ثم قرأ: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾ ، فسر بذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قوله: ﴿تَنَزَّلُ الملائكة﴾ ، أي: تهبط من كل سماء إلى الأرض، ويؤمنون على دعاء النَّاس إلى وقت طلوع الفجر، وقوله تعالى: ﴿والروح فِيهَا﴾ . يجوز أن ترتفع «الرُّوحُ» بالابتداء، والجار بعده الخبر وأن ترتفع بالفاعلية عطفاً على الملائكة، و «فيها» متعلق ب «تنزل» وأن يكون معطوفاً على الفاعل، و «فِيهَا» ظرف أو حال، والمراد بالروح جبريل عليه السلام.
[وحكى القشيري: أن الروح صنف من الملائكة؛ جعله حفظة على سائرهم، وأن الملائكة لا يرونهم كما لا نرى نحن الملائكة.
ووقال مقاتل: هم أشرف الملائكة، وأقربهم إلى الله تعالى.
وقيل: هم جند الله - تعالى - غير الملائكة رواه ابن عبَّاس مرفوعاً حكاه الماوردي.
وقيل: الروح خلق عظيم يقوم صفاً واحداً، والملائكة صفاً] .
وقيل: «الرُّوحُ» : الرحمة ينزل بها جبريل عليه السلام مع الملائكة في هذه الليلة على أهلها، بدليل قوله تعالى:
﴿يُنَزِّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: 2] ، أي: بالرحمة فيها، أي: في ليلة القدر.
قوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِم﴾ . يجوز أن يتعلق ب «تَنَزَّلُ» ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من المرفوع ب «تَنَزَّل» أي: ملتبساً بإذن ربهم.
قوله: ﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ . يجوز في «مِنْ» وجهان:
أحدهما: أنها بمعنى اللام، وتتعلق ب «تَنزَّلُ» ، أي: تنزل من أجل كل أمر قضي إلى العام القابل.
الثاني: أنها بمعنى الباء، أي: تنزل بكل أمر، فهي للتعدية، قاله أبو حاتم.
وقرأ العامة: «أمْرٍ» واحد الأمور.
وقرأ ابن عباس، وعكرمة، والكلبي: «مِنْ كُلِّ امْرئٍ» ، أي: من أجل كل إنسانٍ.
قال القرطبيُّ: وتأولها الكلبي على أن جبريل - عليه السلام - ينزل فيها مع الملائكة، فيسلمون على كُلِّ امرئ مسلم، ف «مِنْ» بمعنى «عَلَى» .
وقيل: من أجل كل ملك، وهو بعيد.
وقيل: «مِنْ كُلِّ أمْرٍ» ليس متعلقاً ب «تَنَزَّلُ» إنما هو متعلق بما بعده، أي: هي سلام من كل أمر مخوف، وهذا لا يتم على ظاهره؛ لأن «سلام» مصدر لا يتقدم عليه معموله، وإنما المراد أنه متعلق بمحذوف يدل عليه هذا المصدر.
فصل في معنى الآية
قوله: ﴿سَلاَمٌ هِيَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن «هِيَ» ضمير الملائكة، و «سلامٌ» بمعنى التسليم، أي: الملائكة ذات التَّسليم على المؤمنين من مغيب الشمس حتى مطلع الفجر وقيل: الملائكة يسلم بعضهم على بعض فيها.
الثاني: أنها ضمير ليلة القدر، و «سلامٌ» بمعنى سلامة، أي: ليلة القدر ذات سلامة من كلّ شيء مخوف.
قال الضحاكُ: لا يقدر الله - تعالى - في تلك الليلة إلا السلامة.
وقيل: هي ذات سلامة من أن يؤثر فيها شيطان في مؤمن ومؤمنة، قاله مجاهد.
وعلى التقديرين: يجوز أن يرتفع «سلامٌ» على أنه خبر مقدم، و «هِيَ» مبتدأ مؤخر، وهذا هو المشهور، ويجوز أن يرتفع بالابتداء، و «هي» فاعلة عند الأخفش؛ لأنه لا يشترط الاعتماد على الوصف.
وقد تقدم أن بعضهم يجعل الكلام تاماً على قوله: «بِإذْنِ ربِّهِمْ» ، وتعلق «كُلِّ أمْرٍ» بما بعده، وتقدم تأويله.
وقال أبو الفضل: «وقيل: معناه هي سلام من كل أمرٍ أو امرئٍ؛ أي سالمة، أو مسلمة منه، ولا يجوز أن يكون» سلامٌ «بهذه اللفظة الظَّاهرة التي هي المصدر عاملاً فيما قبله، لامتناع تقدم معمول المصدر على المصدر، كما أن الصفة كذلك لا يجوز تقديمها على الموصول» انتهى.
[وقد تقدم أن معنى ذلك عند هذا القائل أن يتعلق بمحذوف مدلول عليه ب «سلام» فهو تفسير معنى لا تفسير إعراب] .
وما يروى عن ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أن الكلام تمَّ عند قوله تعالى: «سلامٌ» ويبتدئ ب «هِيَ» على أنها خبر مبتدأ، والإشارة بذلك إلى أنها ليلة السابع والعشرين، لأن لفظه: هي سابعة وعشرون، من كلم هذه السورة، فلا ينبغي أن يعتقد صحته لأنه إلغاز وتغيير لنظم أفصح الكلام.
[قوله: ﴿حتى مَطْلَعِ الفجر﴾ متعلق ب «تنزل» أو ب «سلام» وفيه إشكال للفصل بين المصدر والمعمول للمبتدأ، إلا أن يتوسع في الجار] .
وقرأ الكسائي وابن محيصن: «مطلِع» بكسر اللام، والباقون: بالفتح، والفتح هو القياس، والكسر سماع، وله أخوات تحفظ فيها الكسر مما ضم مضارعه، أو فتح، نحو: المَشْرِق، والمَغْرِب، والمنْسِك، والمسْكِن، والمحْشِر، والمسْقِط.
قال القرطبي: «حكي في ذلك كله الفتح والكسر» .
وهل هما مصدران أو المفتوح مصدر، والمكسور مكان؟ خلاف، وعلى كل تقدير، فالقياس في الفعل مطلقاً مما ضمت عين مضارعه أو فتحت فتح العين، وإنما يقع الفرق في المكسور العين الصحيح، نحو: «يضرب» .
فصل في تعيين ليلة القدر
اختلفوا في تعيين ليلة القدر، فالأكثرون على أنها ليلة سبع وعشرين، لحديث أبيٍّ ابن كعب: أنها في العشر الأواخر، وأنَّها ليلةُ سبعٍ وعشرين.
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ كَانَ مُتَحَرِّياً لليلة القدرِ فَلْيَتَحَرَّهَا في ليلة سبعٍ وعشرين» .
وقال أبيُّ بن كعب: سَمعتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «لَيلَةُ القَدرِ سَبعٍ وعشْرينَ» .
وقال أبو بكر الوراق: كرر ذكرها ثلاث مرات، وهي تسعة أحرف، فيكون سبعة وعشرين.
وقال عبيد بن عمير: كنت ليلة السابع والعشرين في البحر فأخذت من مائة، فوجدته عذباً سلسلاً.
وقال أبو هريرة وغيره: هي في ليلة السنة كلها، وإليه ذهب أبو حنيفة، وعنه أنها رفعت، وأنها إنما كانت مرة واحدة قال الخليل: من قال: إن فضلها لنزول القرآن [يقول] انقطعت، والجمهور على أنها في كل عام من رمضان، ثم اختلفوا.
فقيل: هي ليلة إحدى وعشرين، وإليه مال الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لحديث الماء والطين.
وقيل: ليلة الثالث والعشرين لما روى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، إني رأيتُ ليلة القدر في سابعة تبقى، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» أرَى رُؤيَاكُمْ قَدْ تَواطَأتْ عَلى ثَلاثٍ وعِشريْنَ، فَمَنْ أرَادَ أن يقُومَ مِنَ الشَّهرِ شَيْئاً فليَقُمْ لَيْلَةَ ثلاثٍ وعِشْريْنَ «» .
وقيل: ليلة خمس وعشرين، لما روى مسلم عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال:
«التَمِسُوهَا في العَشْرِ الأواخرِ، في تَاسعةٍ تَبْقَى، في سابِعةٍ تَبْقَى، فِي خَامسةٍ تَبْقَى» .
[قال مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يريد بالتاسعة ليلة إحدى وعشرين، وبالسابعة ليلة ثلاث وعشرين، وبالخامسة ليلة خمس وعشرين.
وقيل: سبع وعشرين وقد تقدم] .
وقيل: ليلة تسع وعشرين، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَيْلةُ القَدرِ التَّاسعةُ والعِشرُونَ، والسَّابِعَةُ والعِشْرُونَ» .
وقال الحسن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «ارتقبت الشمس ليلة أربع وعشرين عشرين سنة فرأيتها تطلع بيضاء لا شعاع لها، يعني من كثرة الأنوار في تلك الليلة» .
[وروي عن أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنها في ليالي الأفراد من النصف الأخير من شهر رمضان مستقلة في ليالي الجمع، ونظمه محمد ابن الأثير فقال: [الطويل]
5263 - ثَلاثُ شُرُوطٍ هُنَّ فِي ليْلَةِ القَدرِ ... كَذَا قَال شَيخُ العُربِ فِيهَا أبُو بكْرٍ
فأوَّلُهَا وتْرٌ وليْلةُ جُمْعَةٍ ... وثَالثُهَا النِّصفُ الأخيرُ من الشَّهْرِ
وقيل: هي تنتقل في جميع السنة] .
قالوا: والحكمة في إخفائها ليجتهد الناس في إحياء جميع الليالي، كما أخفى رمضان في الطاعات، حتى يرغبوا في الكل، وأخفى ساعة الإجابة في الدعاء، ليبالغوا في كل الساعات، وأخفى الاسم الأعظم، ليعظموا كل الأسماء، وأخفى قبول التوبة، ليحافظوا على جميع أقسام التوبة، وأخفى وقت الموت، ليخاف الموت المكلف، وكذلك أخفى هذه الليلة، ليعظموا جميع ليالي رمضان.
فصل في أحكام تتعلق بليلة القدر
نقل القرطبي عن بعض العلماء: أن من علق طلاق امرأته، أو عتق عبده بليلة القدر لم يقع الطلاق والعتق إلى مضى سنةٍ من يوم حلف، لأنه لا يجوز إيقاع الطلاق بالشك، ولم يثبت اختصاصها بوقت، فلا ينبغي وقوع الطلاق إلا لمضي حولٍ.
وفي هذا نظر؛ لأنه تقدم عن أبي حنيفة في أحد قوليه أنها رفعت، فعلى هذا لا ينبغي أن يقع شيء أصلاً، لوجود الخلاف في بقائها.
وروى الثعلبي عن أبيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورة القَدرِ، كانَ كَمنْ صَامَ رَمَضَانَ، وأحْيَا لَيْلَةَ القَدرِ» .
سورة البينة
البينة 98:1
مكية في قول يحيى بن سلام، ومدنية في قول الجمهور، وهي ثمان آيات وأربع وتسعون كلمة، وثلاثمائة وتسعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين﴾ ، هذه قراءة العامة، وخط المصحف.
وقرأ عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «لَمْ يكُن المُشْركُونَ وأهْلُ الكِتابِ منفكين» وهذه قراءة على التفسير.
قال ابن العربي: «وهي جائزة في معرض البيان، لا في معرض التلاوة، فقد قرأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في رواية الصحيح» فَطلِّقُوهُنَّ لقُبُلِ عدَّتهِنَّ «وهو تفسيرٌ، فإن التلاوة هو ما كان في خط المصحف» .
وقرئ: «والمُشرِكُون» بالواو نسقاً على «الَّذينَ كَفَرُوا» .
قوله: ﴿مُنفَكِّينَ﴾ اسم فاعل من «انفكَ» ، وهي هنا التامة، فلذلك لم تحتج إلى خبر.
وزعم بعضهم: أنها هنا ناقصة، وأن الخبر مقدر، تقديره: منفكّين عارفين محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قال أبو حيان: وحذف خبر «كَانَ» لا يجوز اقتصاراً، ولا اختصاراً.
وجعلوا قوله: [الكامل]
5263 - ب -..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... يَبْغِي جِوَاركَ حَيْثُ لَيْسَ مُجِيرُ
أي: في الدنيا، ضرورة، ووجه من منع من ذلك أنه قال: صار الخبر مطلوباً من جهتين: من جهة كونه مخبراً به، فهو أحد جزئي الإسناد، ومن حيث كونه منصوباً بالفعل، وهذا منتقض بمفعولي ظن، فإن كلاًّ منهما فيه المعنيان المذكوران ومع ذلك يحذفان، أو أحدهما اختصاراً، وأما الاقتصار ففيه خلاف وتفصيل وتقدم ذكره.
وقوله: ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ﴾ متعلق ب «لَمْ يَكُنْ» أو ب «مُنفكِّينَ» .
فصل
قال الواحديُّ: هذه الآية من أصعب ما في القرآن نظماً وتفسيراً، ولم يبين كيفية الإشكال قال ابن الخطيب: ووجه الإشكال أن تقدير الآية: لم يكن الذين كفروا إلى أن تأتيهم البينة التي هي الرسول، ثم إنه تعالى لم يذكر الشيء المنفكّ عنه، والظاهر أن المراد لم ينفكوا عن كفرهم، حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول، فانفكوا عنه لأن «حتَّى» لانتهاء الغاية، فهذه الآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، لكن قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ يقتضي زيادة كفرهم عند مجيء الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فحينئذ يحصل التناقض، والجواب من وجوه:
أحدها: وهو أحسنها، ما لخصه الزمخشريُّ: أن الأول حكاية ما كانوا يقولونه من أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الموعود به لا ننفك عما نحن عليه من ديننا.
والثاني: إخبار عن الواقع، يعني أنهم كانوا يعدون الاتِّفاق على الحق إذا جاءهم الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، والمعنى أن الذي وقع فيه كان خلافاً لما ادعوا.
وثالثها: المعنى: لم يكونوا منفكين عن كفرهم، وإن جاءتهم بينة، قاله القاضي. إلا أن جعل «حتى» بمعنى «أن» بعيد في اللغة.
ورابعها: المعنى لم يكونوا منفكين عن ذكر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالمناقب والفضائل، حتى أتتهم البينة، والمضارع هنا بمعنى الماضي كقوله تعالى: ﴿واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين﴾ [البقرة: 102] ، أي ما تلت أي: ما كانوا منفكين عن ذكر مناقبه، ثم لما جاءهم محمد تفرقوا، ونظيره ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ [البقرة: 89] .
وخامسها: أنهم كانوا متفقين على الكفر قبل البينة، فلما جاءتهم البينة تفرقوا، وتكفي هذه المغايرة.
وسادسها: هي كقوله تعالى: ﴿كَانَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ الله النبيين﴾ [البقرة: 213] الآية، أي: كان كل منهم جازماً بمذهبه ودينه، فلما بعث محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ شكوا في أديانهم، لأن قوله تعالى ﴿مُنفَكِّينَ﴾ مشعر بهذا؛ لأن الانفكاك من الشيء هو الانفصال عنه، فمعناه: أن قلوبهم ما خلت عن تلك العقائد، وما انفصلت عن الجزم بصحتها، ثم بعد المبعث لم يبق الأمر على تلك الحالة.
فصل في المراد بأهل الكتاب هنا
قال ابن عباس: أهل الكتاب الذين كانوا ب «يثرب» ، وهم: قريظة، والنضير، وبنو قينقاع، والمشركون الذين كانوا ب «مكة» وما حولها، و «المدينة» ، وهم مشركو قريش، وقوله تعالى: ﴿مُنفَكِّينَ﴾ أي: منتهين من كفرهم ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ البينة﴾ يعني محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: لانتهاء بلوغ الغاية أي لم يكونوا ليبلغوا نهاية أعمارهم فيموتوا حتى تأتيهم البينة. وقيل: منفكين زائلين إن لم تكن مدتهم لتزول حتى يأتيهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، والعرب تقول: ما انفككت أفعل كذا، أي ما زلت، وما انفك فلان قائماً، أي: ما زال قائماً.
وأصل الفك للفتح، ومنه: فك الكتاب، وفك الخلخال.
وقيل: «مُنفكِّينَ» ، بارحين، أي: لم يكونوا ليبرحوا ويفارقوا الدنيا حتى تأتيهم البينة.
وقال ابن كيسان: أي: لم يكن أهل الكتاب تاركين صفة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويسمونه الأمين في كتابهم حتى بعث فلما بعث صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حسدوه، وجحدوه، وهو قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ [البقرة: 89] ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ [البينة: 4] ، وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿والمشركين﴾ أي: ما كانوا يسيئون القول في محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حتى بعث، فإنهم كانوا يسمونه الأمين، حتى أتتهم البينة على لسانه، وبعث إليهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فحينئذ عادوه.
وقال بعض اللغويين: «مُنفكِّينَ» ، أي: هالكين، من قولهم: انفك صلا المرأة عند الولادة، وهو أن ينفصل فلا يلتئم فتهلك، والمعنى: لم يكونوا معذّبين، ولا هالكين إلا بعد قيام الحجة عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
فصل في المراد بالمشركين
قال قوم: المراد بالمشركين من أهل الكتاب، فمن اليهود من قال: عزير ابن الله ومن النصارى من قال: عيسى هو الله.
ومنهم من قال: هو ابنه.
ومنهم من قال: هو ثالث ثلاثة وكذبوا فيما قالوا عن الله تعالى، وأن الله سبحانه وتعالى واحد لا شريك له، ولا ولد له، ولا مثل ولا ضد له، ولا ند له، ولا شبيه له، ولا صاحبة له، ولا زوجة له، ولا وزير له، ولا حاجب له، ولا بواب له، وهو سبحانه وتعالى كما قال في كتابه المنزل على نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الاخلاص 1 - 4] .
وقيل: المشركون وصف لأهل الكتاب أيضاً، لأنهم لم ينتفعوا بكتابهم، وتركوا التوحيد، فالنصارى مثلثة، وعامة اليهود مشبهة، والكل شرك، وهو كقولك: جاءني العقلاء والظرفاء، وأنت تريد أقواماً بعينهم تصفهم بالأمرين، قال تعالى: ﴿الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عَنِ المنكر والحافظون لِحُدُودِ الله﴾ [التوبة: 112] ، وهذا وصف للطائفة الواحدة، فالمعنى على هنا من أهل الكتاب المشركين.
ٌ [وقيل: أهل الكتاب كانوا مؤمنين، ثم كفروا بعد أنبيئاهم، والمشركون ولدوا على الفطرة، ثم كفروا حين بلغوا.
وقيل: الكفر هنا هو الكفر بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، أي: لم يكن الذين كفروا بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من اليهود والنصارى الذين هم أهل الكتاب، ولم يكن المشركون الذين هم عبدة الأوثان من العرب وغيرهم، وهم الذين ليس لهم كتاب منفكين.
قال القشيريُّ: وفيه بعد، لأن الظاهر من قوله تعالى: ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ البينة رَسُولٌ مِّنَ الله﴾ أنّ هذا الرسول هو محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
فيبعد أن يقال لم يكن الذين كفروا الآن بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ منفكين، حتى يأتيهم محمد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلا أن يقال: أراد لم يكن الذين كفروا الآن بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقد كانوا من قبل معظمين له منتهين عن هذا الكفر إلى أن يبعث الله تعالى لهم محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويبين لهم الآيات، فحينئذٍ يؤمن قوم] .
وقرأ الأعمش وإبراهيم: «والمُشْرِكُونَ» رفعاً عطفاً على «الَّذِينَ كَفرُوا» .
قال القرطبيُّ: «والقراءة الأولى أبين، لأن الرفع يصير فيه الصنفان، كأنهم من غير أهل الكتاب» .
وفي حرف أبيّ: «فما كان الذين من أهل الكتاب والمشركون منفكين» .
قال ابن الخطيب: فإن قيل: لم قال الذين كفروا، بلفظ الفعل، وذكر المشركين باسم الفاعل؟ فالجوابُ: أن أهل الكتاب ما كانوا كافرين من أول الأمر؛ لأنهم كانوا مصدقين بالتوراة والإنجيل، وبمبعث محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بخلاف المشركين، فإنهم ولدوا على عبادةِ الأوثان، وذلك يدل على الثبات على الكفر.
قوله: ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ البينة﴾ .
قيل: البينة، محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأنه في نفسه بينة وحُجَّة ولذلك سمَّاه الله - تعالى - سراجاً منيراً.
قوله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِّنَ الله﴾ ، وهو رفع على البدل من «البَيِّنةُ» ، ولأن اللام في «البَيِّنةُ» للتعريف أي: هو الذي سبق ذكره في التوراة والإنجيل على لسان موسى وعيسى، وقد يكون التعريف للتفخيم؛ إذ هو البينة التي لا مزيد عليها والبينة كل البينة، وكذا التنكير، وقد جمعهما الله - تعالى - ها هنا - في حق الرسول، أي: هو رسول، وأي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ونظيره: قوله تعالى حين أثنى على نفسه، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ذُو العرش المجيد﴾ [البروج: 15] ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: 16] فنكر بعد التعريف.
وقال أبو مسلم: المراد من البينة مطلق الرسل، فقوله تعالى: ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ البينة﴾ أي: تأتيهم رسل من ملائكة الله تعالى، تتلو عليهم صحفاً مطهرة، نظيره: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يؤتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً﴾ [المدثر: 52] .
وقال قتادة وابن زيد: «البَيِّنةُ» هي القرآن، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى﴾ [طه: 133] .
قوله: «رسُولٌ» ، العامة: على رفعه بدلاً من «البينة» ، إما بدل اشتمال، وإما بدل كل من كل على سبيل المبالغة، جعل الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نفس البينة، أو على حذف مضاف، أي: بينة رسول.
وقال الفرَّاء: رفع على خبر ابتداء مضمر، أي: هي رسول، أو هو رسول من الله لأن البينة قد تذكَّر، فيقال: بَيَّنتي فلان.
وقرأ عبد الله وأبيّ: «رسولاً» على الحال من «البينة» .
وقال القرطبي: «بالنصب على القطع» .
قوله: «من اللهِ» يجوز تعلُّقه بنفس «رسول» أو بمحذوف على أنه صفة ل «رسول» ، وجوز أبو البقاء ثالثاً، وهو أن يكون حالاً من «صحفاً» ، والتقدير: يتلو صحفاً مطهرة منزلة من الله تعالى.
يعني كانت صفة في الأصل للنَّكرة، فلما تقدمت عليها نصبت حالاً.
قوله: «يتلو» يجوز أن يكون صفة ل «رسول» وأن يكون حالاً من الضمير في الجار قبله، إذا جعله صفة ل «رسول» . و «يتلو» : أي: يقرأ، يقال: تلا يتلو تلاوة. و «صُحُفاً» جمع صحيفة، وهي ظرف المكتوب.
«مُطهَّرة» ، قال ابن عبَّاسٍ: من الزور، والشك، والنفاق، والضلالة، وقال قتادة: من الباطل.
وقيل: من الكذب والشبهات، والمعنى واحد [أي: يقرأ ما تتضمن الصحف من المكتوب بدليل أنه كان يتلو على ظهر قلب لا عن كتاب، ولأنه كان أميًّا لا يقرأ، ولا يكتب، ومطهرة من نعت الصحف كقوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: 13، 14] فالمطهرة: نعت للصحف في الظاهر، وهو نعت لما في الصحف من القرآن.
وقيل: مطهرة أي: لا يسمُّها إلا المطهرون كما تقدم في سورة «الواقعة» .
وقيل: الصحف المطهرة هي التي عند الله - تعالى - في أم الكتاب الذي منه نسخ ما أنزل على الأنبياء صلوات الله عليهم من الكتب لقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ [البروج: 21 - 22] .
قوله: ﴿فِيهَا كُتُبٌ﴾ . يجوز أن تكون جملة صفة ل «صُحُفاً» ، أو حالاً من ضمير «مُطهَّرة» وأن يكون الوصف أو الحال الجار والمجرور فقط، و «كتب» فاعل به، وهو الأحسن، والمراد بالكتب: الآيات المكتوبة في الصحف، والقيمةُ: المستقيمة المحكمةُ، من قول العرب: قام يقوم إذا استوى وصح.
وقال صاحب «النَّظم» : الكتب بمعنى الحكم؛ لقوله تعالى: ﴿لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي﴾ [المجادلة: 21] ، ومنه حديث العسيف: «لأقضينَّ بَينكُمَا بِكتابِ اللهِ» ، ثم قضى بالرَّجْم، وليس ذكر الرجم مسطُوراً في الكتاب.
وقيل: الكتب القيمة: هي القرآن، سمي كتباً، لأنه يشتمل على أنواع من البيان.
البينة 98:2
مكية في قول يحيى بن سلام، ومدنية في قول الجمهور، وهي ثمان آيات وأربع وتسعون كلمة، وثلاثمائة وتسعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين﴾ ، هذه قراءة العامة، وخط المصحف.
وقرأ عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «لَمْ يكُن المُشْركُونَ وأهْلُ الكِتابِ منفكين» وهذه قراءة على التفسير.
قال ابن العربي: «وهي جائزة في معرض البيان، لا في معرض التلاوة، فقد قرأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في رواية الصحيح» فَطلِّقُوهُنَّ لقُبُلِ عدَّتهِنَّ «وهو تفسيرٌ، فإن التلاوة هو ما كان في خط المصحف» .
وقرئ: «والمُشرِكُون» بالواو نسقاً على «الَّذينَ كَفَرُوا» .
قوله: ﴿مُنفَكِّينَ﴾ اسم فاعل من «انفكَ» ، وهي هنا التامة، فلذلك لم تحتج إلى خبر.
وزعم بعضهم: أنها هنا ناقصة، وأن الخبر مقدر، تقديره: منفكّين عارفين محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قال أبو حيان: وحذف خبر «كَانَ» لا يجوز اقتصاراً، ولا اختصاراً.
وجعلوا قوله: [الكامل]
5263 - ب -..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... يَبْغِي جِوَاركَ حَيْثُ لَيْسَ مُجِيرُ
أي: في الدنيا، ضرورة، ووجه من منع من ذلك أنه قال: صار الخبر مطلوباً من جهتين: من جهة كونه مخبراً به، فهو أحد جزئي الإسناد، ومن حيث كونه منصوباً بالفعل، وهذا منتقض بمفعولي ظن، فإن كلاًّ منهما فيه المعنيان المذكوران ومع ذلك يحذفان، أو أحدهما اختصاراً، وأما الاقتصار ففيه خلاف وتفصيل وتقدم ذكره.
وقوله: ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ﴾ متعلق ب «لَمْ يَكُنْ» أو ب «مُنفكِّينَ» .
فصل
قال الواحديُّ: هذه الآية من أصعب ما في القرآن نظماً وتفسيراً، ولم يبين كيفية الإشكال قال ابن الخطيب: ووجه الإشكال أن تقدير الآية: لم يكن الذين كفروا إلى أن تأتيهم البينة التي هي الرسول، ثم إنه تعالى لم يذكر الشيء المنفكّ عنه، والظاهر أن المراد لم ينفكوا عن كفرهم، حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول، فانفكوا عنه لأن «حتَّى» لانتهاء الغاية، فهذه الآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، لكن قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ يقتضي زيادة كفرهم عند مجيء الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فحينئذ يحصل التناقض، والجواب من وجوه:
أحدها: وهو أحسنها، ما لخصه الزمخشريُّ: أن الأول حكاية ما كانوا يقولونه من أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الموعود به لا ننفك عما نحن عليه من ديننا.
والثاني: إخبار عن الواقع، يعني أنهم كانوا يعدون الاتِّفاق على الحق إذا جاءهم الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، والمعنى أن الذي وقع فيه كان خلافاً لما ادعوا.
وثالثها: المعنى: لم يكونوا منفكين عن كفرهم، وإن جاءتهم بينة، قاله القاضي. إلا أن جعل «حتى» بمعنى «أن» بعيد في اللغة.
ورابعها: المعنى لم يكونوا منفكين عن ذكر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالمناقب والفضائل، حتى أتتهم البينة، والمضارع هنا بمعنى الماضي كقوله تعالى: ﴿واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين﴾ [البقرة: 102] ، أي ما تلت أي: ما كانوا منفكين عن ذكر مناقبه، ثم لما جاءهم محمد تفرقوا، ونظيره ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ [البقرة: 89] .
وخامسها: أنهم كانوا متفقين على الكفر قبل البينة، فلما جاءتهم البينة تفرقوا، وتكفي هذه المغايرة.
وسادسها: هي كقوله تعالى: ﴿كَانَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ الله النبيين﴾ [البقرة: 213] الآية، أي: كان كل منهم جازماً بمذهبه ودينه، فلما بعث محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ شكوا في أديانهم، لأن قوله تعالى ﴿مُنفَكِّينَ﴾ مشعر بهذا؛ لأن الانفكاك من الشيء هو الانفصال عنه، فمعناه: أن قلوبهم ما خلت عن تلك العقائد، وما انفصلت عن الجزم بصحتها، ثم بعد المبعث لم يبق الأمر على تلك الحالة.
فصل في المراد بأهل الكتاب هنا
قال ابن عباس: أهل الكتاب الذين كانوا ب «يثرب» ، وهم: قريظة، والنضير، وبنو قينقاع، والمشركون الذين كانوا ب «مكة» وما حولها، و «المدينة» ، وهم مشركو قريش، وقوله تعالى: ﴿مُنفَكِّينَ﴾ أي: منتهين من كفرهم ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ البينة﴾ يعني محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: لانتهاء بلوغ الغاية أي لم يكونوا ليبلغوا نهاية أعمارهم فيموتوا حتى تأتيهم البينة. وقيل: منفكين زائلين إن لم تكن مدتهم لتزول حتى يأتيهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، والعرب تقول: ما انفككت أفعل كذا، أي ما زلت، وما انفك فلان قائماً، أي: ما زال قائماً.
وأصل الفك للفتح، ومنه: فك الكتاب، وفك الخلخال.
وقيل: «مُنفكِّينَ» ، بارحين، أي: لم يكونوا ليبرحوا ويفارقوا الدنيا حتى تأتيهم البينة.
وقال ابن كيسان: أي: لم يكن أهل الكتاب تاركين صفة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويسمونه الأمين في كتابهم حتى بعث فلما بعث صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حسدوه، وجحدوه، وهو قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ [البقرة: 89] ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ [البينة: 4] ، وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿والمشركين﴾ أي: ما كانوا يسيئون القول في محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حتى بعث، فإنهم كانوا يسمونه الأمين، حتى أتتهم البينة على لسانه، وبعث إليهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فحينئذ عادوه.
وقال بعض اللغويين: «مُنفكِّينَ» ، أي: هالكين، من قولهم: انفك صلا المرأة عند الولادة، وهو أن ينفصل فلا يلتئم فتهلك، والمعنى: لم يكونوا معذّبين، ولا هالكين إلا بعد قيام الحجة عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
فصل في المراد بالمشركين
قال قوم: المراد بالمشركين من أهل الكتاب، فمن اليهود من قال: عزير ابن الله ومن النصارى من قال: عيسى هو الله.
ومنهم من قال: هو ابنه.
ومنهم من قال: هو ثالث ثلاثة وكذبوا فيما قالوا عن الله تعالى، وأن الله سبحانه وتعالى واحد لا شريك له، ولا ولد له، ولا مثل ولا ضد له، ولا ند له، ولا شبيه له، ولا صاحبة له، ولا زوجة له، ولا وزير له، ولا حاجب له، ولا بواب له، وهو سبحانه وتعالى كما قال في كتابه المنزل على نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الاخلاص 1 - 4] .
وقيل: المشركون وصف لأهل الكتاب أيضاً، لأنهم لم ينتفعوا بكتابهم، وتركوا التوحيد، فالنصارى مثلثة، وعامة اليهود مشبهة، والكل شرك، وهو كقولك: جاءني العقلاء والظرفاء، وأنت تريد أقواماً بعينهم تصفهم بالأمرين، قال تعالى: ﴿الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عَنِ المنكر والحافظون لِحُدُودِ الله﴾ [التوبة: 112] ، وهذا وصف للطائفة الواحدة، فالمعنى على هنا من أهل الكتاب المشركين.
ٌ [وقيل: أهل الكتاب كانوا مؤمنين، ثم كفروا بعد أنبيئاهم، والمشركون ولدوا على الفطرة، ثم كفروا حين بلغوا.
وقيل: الكفر هنا هو الكفر بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، أي: لم يكن الذين كفروا بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من اليهود والنصارى الذين هم أهل الكتاب، ولم يكن المشركون الذين هم عبدة الأوثان من العرب وغيرهم، وهم الذين ليس لهم كتاب منفكين.
قال القشيريُّ: وفيه بعد، لأن الظاهر من قوله تعالى: ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ البينة رَسُولٌ مِّنَ الله﴾ أنّ هذا الرسول هو محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
فيبعد أن يقال لم يكن الذين كفروا الآن بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ منفكين، حتى يأتيهم محمد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلا أن يقال: أراد لم يكن الذين كفروا الآن بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقد كانوا من قبل معظمين له منتهين عن هذا الكفر إلى أن يبعث الله تعالى لهم محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويبين لهم الآيات، فحينئذٍ يؤمن قوم] .
وقرأ الأعمش وإبراهيم: «والمُشْرِكُونَ» رفعاً عطفاً على «الَّذِينَ كَفرُوا» .
قال القرطبيُّ: «والقراءة الأولى أبين، لأن الرفع يصير فيه الصنفان، كأنهم من غير أهل الكتاب» .
وفي حرف أبيّ: «فما كان الذين من أهل الكتاب والمشركون منفكين» .
قال ابن الخطيب: فإن قيل: لم قال الذين كفروا، بلفظ الفعل، وذكر المشركين باسم الفاعل؟ فالجوابُ: أن أهل الكتاب ما كانوا كافرين من أول الأمر؛ لأنهم كانوا مصدقين بالتوراة والإنجيل، وبمبعث محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بخلاف المشركين، فإنهم ولدوا على عبادةِ الأوثان، وذلك يدل على الثبات على الكفر.
قوله: ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ البينة﴾ .
قيل: البينة، محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأنه في نفسه بينة وحُجَّة ولذلك سمَّاه الله - تعالى - سراجاً منيراً.
قوله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِّنَ الله﴾ ، وهو رفع على البدل من «البَيِّنةُ» ، ولأن اللام في «البَيِّنةُ» للتعريف أي: هو الذي سبق ذكره في التوراة والإنجيل على لسان موسى وعيسى، وقد يكون التعريف للتفخيم؛ إذ هو البينة التي لا مزيد عليها والبينة كل البينة، وكذا التنكير، وقد جمعهما الله - تعالى - ها هنا - في حق الرسول، أي: هو رسول، وأي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ونظيره: قوله تعالى حين أثنى على نفسه، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ذُو العرش المجيد﴾ [البروج: 15] ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: 16] فنكر بعد التعريف.
وقال أبو مسلم: المراد من البينة مطلق الرسل، فقوله تعالى: ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ البينة﴾ أي: تأتيهم رسل من ملائكة الله تعالى، تتلو عليهم صحفاً مطهرة، نظيره: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يؤتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً﴾ [المدثر: 52] .
وقال قتادة وابن زيد: «البَيِّنةُ» هي القرآن، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى﴾ [طه: 133] .
قوله: «رسُولٌ» ، العامة: على رفعه بدلاً من «البينة» ، إما بدل اشتمال، وإما بدل كل من كل على سبيل المبالغة، جعل الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نفس البينة، أو على حذف مضاف، أي: بينة رسول.
وقال الفرَّاء: رفع على خبر ابتداء مضمر، أي: هي رسول، أو هو رسول من الله لأن البينة قد تذكَّر، فيقال: بَيَّنتي فلان.
وقرأ عبد الله وأبيّ: «رسولاً» على الحال من «البينة» .
وقال القرطبي: «بالنصب على القطع» .
قوله: «من اللهِ» يجوز تعلُّقه بنفس «رسول» أو بمحذوف على أنه صفة ل «رسول» ، وجوز أبو البقاء ثالثاً، وهو أن يكون حالاً من «صحفاً» ، والتقدير: يتلو صحفاً مطهرة منزلة من الله تعالى.
يعني كانت صفة في الأصل للنَّكرة، فلما تقدمت عليها نصبت حالاً.
قوله: «يتلو» يجوز أن يكون صفة ل «رسول» وأن يكون حالاً من الضمير في الجار قبله، إذا جعله صفة ل «رسول» . و «يتلو» : أي: يقرأ، يقال: تلا يتلو تلاوة. و «صُحُفاً» جمع صحيفة، وهي ظرف المكتوب.
«مُطهَّرة» ، قال ابن عبَّاسٍ: من الزور، والشك، والنفاق، والضلالة، وقال قتادة: من الباطل.
وقيل: من الكذب والشبهات، والمعنى واحد [أي: يقرأ ما تتضمن الصحف من المكتوب بدليل أنه كان يتلو على ظهر قلب لا عن كتاب، ولأنه كان أميًّا لا يقرأ، ولا يكتب، ومطهرة من نعت الصحف كقوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: 13، 14] فالمطهرة: نعت للصحف في الظاهر، وهو نعت لما في الصحف من القرآن.
وقيل: مطهرة أي: لا يسمُّها إلا المطهرون كما تقدم في سورة «الواقعة» .
وقيل: الصحف المطهرة هي التي عند الله - تعالى - في أم الكتاب الذي منه نسخ ما أنزل على الأنبياء صلوات الله عليهم من الكتب لقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ [البروج: 21 - 22] .
قوله: ﴿فِيهَا كُتُبٌ﴾ . يجوز أن تكون جملة صفة ل «صُحُفاً» ، أو حالاً من ضمير «مُطهَّرة» وأن يكون الوصف أو الحال الجار والمجرور فقط، و «كتب» فاعل به، وهو الأحسن، والمراد بالكتب: الآيات المكتوبة في الصحف، والقيمةُ: المستقيمة المحكمةُ، من قول العرب: قام يقوم إذا استوى وصح.
وقال صاحب «النَّظم» : الكتب بمعنى الحكم؛ لقوله تعالى: ﴿لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي﴾ [المجادلة: 21] ، ومنه حديث العسيف: «لأقضينَّ بَينكُمَا بِكتابِ اللهِ» ، ثم قضى بالرَّجْم، وليس ذكر الرجم مسطُوراً في الكتاب.
وقيل: الكتب القيمة: هي القرآن، سمي كتباً، لأنه يشتمل على أنواع من البيان.
البينة 98:3
مكية في قول يحيى بن سلام، ومدنية في قول الجمهور، وهي ثمان آيات وأربع وتسعون كلمة، وثلاثمائة وتسعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين﴾ ، هذه قراءة العامة، وخط المصحف.
وقرأ عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «لَمْ يكُن المُشْركُونَ وأهْلُ الكِتابِ منفكين» وهذه قراءة على التفسير.
قال ابن العربي: «وهي جائزة في معرض البيان، لا في معرض التلاوة، فقد قرأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في رواية الصحيح» فَطلِّقُوهُنَّ لقُبُلِ عدَّتهِنَّ «وهو تفسيرٌ، فإن التلاوة هو ما كان في خط المصحف» .
وقرئ: «والمُشرِكُون» بالواو نسقاً على «الَّذينَ كَفَرُوا» .
قوله: ﴿مُنفَكِّينَ﴾ اسم فاعل من «انفكَ» ، وهي هنا التامة، فلذلك لم تحتج إلى خبر.
وزعم بعضهم: أنها هنا ناقصة، وأن الخبر مقدر، تقديره: منفكّين عارفين محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قال أبو حيان: وحذف خبر «كَانَ» لا يجوز اقتصاراً، ولا اختصاراً.
وجعلوا قوله: [الكامل]
5263 - ب -..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... يَبْغِي جِوَاركَ حَيْثُ لَيْسَ مُجِيرُ
أي: في الدنيا، ضرورة، ووجه من منع من ذلك أنه قال: صار الخبر مطلوباً من جهتين: من جهة كونه مخبراً به، فهو أحد جزئي الإسناد، ومن حيث كونه منصوباً بالفعل، وهذا منتقض بمفعولي ظن، فإن كلاًّ منهما فيه المعنيان المذكوران ومع ذلك يحذفان، أو أحدهما اختصاراً، وأما الاقتصار ففيه خلاف وتفصيل وتقدم ذكره.
وقوله: ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ﴾ متعلق ب «لَمْ يَكُنْ» أو ب «مُنفكِّينَ» .
فصل
قال الواحديُّ: هذه الآية من أصعب ما في القرآن نظماً وتفسيراً، ولم يبين كيفية الإشكال قال ابن الخطيب: ووجه الإشكال أن تقدير الآية: لم يكن الذين كفروا إلى أن تأتيهم البينة التي هي الرسول، ثم إنه تعالى لم يذكر الشيء المنفكّ عنه، والظاهر أن المراد لم ينفكوا عن كفرهم، حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول، فانفكوا عنه لأن «حتَّى» لانتهاء الغاية، فهذه الآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، لكن قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ يقتضي زيادة كفرهم عند مجيء الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فحينئذ يحصل التناقض، والجواب من وجوه:
أحدها: وهو أحسنها، ما لخصه الزمخشريُّ: أن الأول حكاية ما كانوا يقولونه من أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الموعود به لا ننفك عما نحن عليه من ديننا.
والثاني: إخبار عن الواقع، يعني أنهم كانوا يعدون الاتِّفاق على الحق إذا جاءهم الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، والمعنى أن الذي وقع فيه كان خلافاً لما ادعوا.
وثالثها: المعنى: لم يكونوا منفكين عن كفرهم، وإن جاءتهم بينة، قاله القاضي. إلا أن جعل «حتى» بمعنى «أن» بعيد في اللغة.
ورابعها: المعنى لم يكونوا منفكين عن ذكر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالمناقب والفضائل، حتى أتتهم البينة، والمضارع هنا بمعنى الماضي كقوله تعالى: ﴿واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين﴾ [البقرة: 102] ، أي ما تلت أي: ما كانوا منفكين عن ذكر مناقبه، ثم لما جاءهم محمد تفرقوا، ونظيره ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ [البقرة: 89] .
وخامسها: أنهم كانوا متفقين على الكفر قبل البينة، فلما جاءتهم البينة تفرقوا، وتكفي هذه المغايرة.
وسادسها: هي كقوله تعالى: ﴿كَانَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ الله النبيين﴾ [البقرة: 213] الآية، أي: كان كل منهم جازماً بمذهبه ودينه، فلما بعث محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ شكوا في أديانهم، لأن قوله تعالى ﴿مُنفَكِّينَ﴾ مشعر بهذا؛ لأن الانفكاك من الشيء هو الانفصال عنه، فمعناه: أن قلوبهم ما خلت عن تلك العقائد، وما انفصلت عن الجزم بصحتها، ثم بعد المبعث لم يبق الأمر على تلك الحالة.
فصل في المراد بأهل الكتاب هنا
قال ابن عباس: أهل الكتاب الذين كانوا ب «يثرب» ، وهم: قريظة، والنضير، وبنو قينقاع، والمشركون الذين كانوا ب «مكة» وما حولها، و «المدينة» ، وهم مشركو قريش، وقوله تعالى: ﴿مُنفَكِّينَ﴾ أي: منتهين من كفرهم ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ البينة﴾ يعني محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: لانتهاء بلوغ الغاية أي لم يكونوا ليبلغوا نهاية أعمارهم فيموتوا حتى تأتيهم البينة. وقيل: منفكين زائلين إن لم تكن مدتهم لتزول حتى يأتيهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، والعرب تقول: ما انفككت أفعل كذا، أي ما زلت، وما انفك فلان قائماً، أي: ما زال قائماً.
وأصل الفك للفتح، ومنه: فك الكتاب، وفك الخلخال.
وقيل: «مُنفكِّينَ» ، بارحين، أي: لم يكونوا ليبرحوا ويفارقوا الدنيا حتى تأتيهم البينة.
وقال ابن كيسان: أي: لم يكن أهل الكتاب تاركين صفة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويسمونه الأمين في كتابهم حتى بعث فلما بعث صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حسدوه، وجحدوه، وهو قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ [البقرة: 89] ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ [البينة: 4] ، وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿والمشركين﴾ أي: ما كانوا يسيئون القول في محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حتى بعث، فإنهم كانوا يسمونه الأمين، حتى أتتهم البينة على لسانه، وبعث إليهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فحينئذ عادوه.
وقال بعض اللغويين: «مُنفكِّينَ» ، أي: هالكين، من قولهم: انفك صلا المرأة عند الولادة، وهو أن ينفصل فلا يلتئم فتهلك، والمعنى: لم يكونوا معذّبين، ولا هالكين إلا بعد قيام الحجة عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
فصل في المراد بالمشركين
قال قوم: المراد بالمشركين من أهل الكتاب، فمن اليهود من قال: عزير ابن الله ومن النصارى من قال: عيسى هو الله.
ومنهم من قال: هو ابنه.
ومنهم من قال: هو ثالث ثلاثة وكذبوا فيما قالوا عن الله تعالى، وأن الله سبحانه وتعالى واحد لا شريك له، ولا ولد له، ولا مثل ولا ضد له، ولا ند له، ولا شبيه له، ولا صاحبة له، ولا زوجة له، ولا وزير له، ولا حاجب له، ولا بواب له، وهو سبحانه وتعالى كما قال في كتابه المنزل على نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الاخلاص 1 - 4] .
وقيل: المشركون وصف لأهل الكتاب أيضاً، لأنهم لم ينتفعوا بكتابهم، وتركوا التوحيد، فالنصارى مثلثة، وعامة اليهود مشبهة، والكل شرك، وهو كقولك: جاءني العقلاء والظرفاء، وأنت تريد أقواماً بعينهم تصفهم بالأمرين، قال تعالى: ﴿الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عَنِ المنكر والحافظون لِحُدُودِ الله﴾ [التوبة: 112] ، وهذا وصف للطائفة الواحدة، فالمعنى على هنا من أهل الكتاب المشركين.
ٌ [وقيل: أهل الكتاب كانوا مؤمنين، ثم كفروا بعد أنبيئاهم، والمشركون ولدوا على الفطرة، ثم كفروا حين بلغوا.
وقيل: الكفر هنا هو الكفر بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، أي: لم يكن الذين كفروا بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من اليهود والنصارى الذين هم أهل الكتاب، ولم يكن المشركون الذين هم عبدة الأوثان من العرب وغيرهم، وهم الذين ليس لهم كتاب منفكين.
قال القشيريُّ: وفيه بعد، لأن الظاهر من قوله تعالى: ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ البينة رَسُولٌ مِّنَ الله﴾ أنّ هذا الرسول هو محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
فيبعد أن يقال لم يكن الذين كفروا الآن بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ منفكين، حتى يأتيهم محمد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلا أن يقال: أراد لم يكن الذين كفروا الآن بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقد كانوا من قبل معظمين له منتهين عن هذا الكفر إلى أن يبعث الله تعالى لهم محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويبين لهم الآيات، فحينئذٍ يؤمن قوم] .
وقرأ الأعمش وإبراهيم: «والمُشْرِكُونَ» رفعاً عطفاً على «الَّذِينَ كَفرُوا» .
قال القرطبيُّ: «والقراءة الأولى أبين، لأن الرفع يصير فيه الصنفان، كأنهم من غير أهل الكتاب» .
وفي حرف أبيّ: «فما كان الذين من أهل الكتاب والمشركون منفكين» .
قال ابن الخطيب: فإن قيل: لم قال الذين كفروا، بلفظ الفعل، وذكر المشركين باسم الفاعل؟ فالجوابُ: أن أهل الكتاب ما كانوا كافرين من أول الأمر؛ لأنهم كانوا مصدقين بالتوراة والإنجيل، وبمبعث محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بخلاف المشركين، فإنهم ولدوا على عبادةِ الأوثان، وذلك يدل على الثبات على الكفر.
قوله: ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ البينة﴾ .
قيل: البينة، محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأنه في نفسه بينة وحُجَّة ولذلك سمَّاه الله - تعالى - سراجاً منيراً.
قوله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِّنَ الله﴾ ، وهو رفع على البدل من «البَيِّنةُ» ، ولأن اللام في «البَيِّنةُ» للتعريف أي: هو الذي سبق ذكره في التوراة والإنجيل على لسان موسى وعيسى، وقد يكون التعريف للتفخيم؛ إذ هو البينة التي لا مزيد عليها والبينة كل البينة، وكذا التنكير، وقد جمعهما الله - تعالى - ها هنا - في حق الرسول، أي: هو رسول، وأي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ونظيره: قوله تعالى حين أثنى على نفسه، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ذُو العرش المجيد﴾ [البروج: 15] ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: 16] فنكر بعد التعريف.
وقال أبو مسلم: المراد من البينة مطلق الرسل، فقوله تعالى: ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ البينة﴾ أي: تأتيهم رسل من ملائكة الله تعالى، تتلو عليهم صحفاً مطهرة، نظيره: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يؤتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً﴾ [المدثر: 52] .
وقال قتادة وابن زيد: «البَيِّنةُ» هي القرآن، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى﴾ [طه: 133] .
قوله: «رسُولٌ» ، العامة: على رفعه بدلاً من «البينة» ، إما بدل اشتمال، وإما بدل كل من كل على سبيل المبالغة، جعل الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نفس البينة، أو على حذف مضاف، أي: بينة رسول.
وقال الفرَّاء: رفع على خبر ابتداء مضمر، أي: هي رسول، أو هو رسول من الله لأن البينة قد تذكَّر، فيقال: بَيَّنتي فلان.
وقرأ عبد الله وأبيّ: «رسولاً» على الحال من «البينة» .
وقال القرطبي: «بالنصب على القطع» .
قوله: «من اللهِ» يجوز تعلُّقه بنفس «رسول» أو بمحذوف على أنه صفة ل «رسول» ، وجوز أبو البقاء ثالثاً، وهو أن يكون حالاً من «صحفاً» ، والتقدير: يتلو صحفاً مطهرة منزلة من الله تعالى.
يعني كانت صفة في الأصل للنَّكرة، فلما تقدمت عليها نصبت حالاً.
قوله: «يتلو» يجوز أن يكون صفة ل «رسول» وأن يكون حالاً من الضمير في الجار قبله، إذا جعله صفة ل «رسول» . و «يتلو» : أي: يقرأ، يقال: تلا يتلو تلاوة. و «صُحُفاً» جمع صحيفة، وهي ظرف المكتوب.
«مُطهَّرة» ، قال ابن عبَّاسٍ: من الزور، والشك، والنفاق، والضلالة، وقال قتادة: من الباطل.
وقيل: من الكذب والشبهات، والمعنى واحد [أي: يقرأ ما تتضمن الصحف من المكتوب بدليل أنه كان يتلو على ظهر قلب لا عن كتاب، ولأنه كان أميًّا لا يقرأ، ولا يكتب، ومطهرة من نعت الصحف كقوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: 13، 14] فالمطهرة: نعت للصحف في الظاهر، وهو نعت لما في الصحف من القرآن.
وقيل: مطهرة أي: لا يسمُّها إلا المطهرون كما تقدم في سورة «الواقعة» .
وقيل: الصحف المطهرة هي التي عند الله - تعالى - في أم الكتاب الذي منه نسخ ما أنزل على الأنبياء صلوات الله عليهم من الكتب لقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ [البروج: 21 - 22] .
قوله: ﴿فِيهَا كُتُبٌ﴾ . يجوز أن تكون جملة صفة ل «صُحُفاً» ، أو حالاً من ضمير «مُطهَّرة» وأن يكون الوصف أو الحال الجار والمجرور فقط، و «كتب» فاعل به، وهو الأحسن، والمراد بالكتب: الآيات المكتوبة في الصحف، والقيمةُ: المستقيمة المحكمةُ، من قول العرب: قام يقوم إذا استوى وصح.
وقال صاحب «النَّظم» : الكتب بمعنى الحكم؛ لقوله تعالى: ﴿لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي﴾ [المجادلة: 21] ، ومنه حديث العسيف: «لأقضينَّ بَينكُمَا بِكتابِ اللهِ» ، ثم قضى بالرَّجْم، وليس ذكر الرجم مسطُوراً في الكتاب.
وقيل: الكتب القيمة: هي القرآن، سمي كتباً، لأنه يشتمل على أنواع من البيان.
البينة 98:4
قوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ . أي: من اليهود والنصارى، خصَّ أهل الكتاب بالتفريق دون غيرهم، وإن كانوا مجموعين مع الكافرين؛ لأنهم مظنون بهم علم، فإذا تفرقوا كان غيرهم ممن لا كتاب لهم أدخل في هذا الوصف.
قوله: ﴿إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينة﴾ . أي: أتتهم البينة الواضحة، والمعني به محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، أي القرآن موافقاً لما في أيديهم من الكتاب بنعته وصفته، وذلك أنهم كانوا مجتمعين على نبوته، فلما بعث جحدوا نبوته وتفرقوا، فمنهم من كفر، بغياً وحسداً، ومنهم من آمن، كقوله تعالى: ﴿وَمَا تفرقوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 14] وقيل: البينة البيان الذي في كتبهم أنه نبي مرسل.
قال العلماء: من أول السورة، إلى قوله: «قَيِّمة» حكمها فيمن آمن من أهل الكتاب والمشركين، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ﴾ حكمه فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب بعد قيام الحُججِ.
قوله: ﴿وَمَآ أمروا﴾ . يعني هؤلاء الكفار في التوراة والإنجيل ﴿إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله﴾ أي: يوحدوه، واللام في ﴿لِيَعْبُدُواْ﴾ بمعنى «أنْ» كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: 26] ، أي: أن يبين، و ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله﴾ [الصف: 8] .
قوله: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ . العامة: على كسر اللام، اسم فاعل، وانتصب به الدين.
والحسن: بفتحها، على أنهم يخلصون هم أنفسهم في شأنهم.
وانتصب «الدِّينَ» على أحد وجهين: إما إسقاط الخافض، أي: «في الدين» ، وإما على المصدر من معنى «ليعبدوا» ، وكأنه قيل: ليدينوا الدين، أو ليعبدوا العبادة. [فالتجوز إما في الفعل، وإما في المصدر، وانتصاب مخلصين على الحال من فاعل «يعبدون» ] .
قوله: «حنفاء» حال ثانية، أو حال من الحال قبلها، أي: من الضمير المستكن فيها.
[قوله: ﴿وَمَآ أمروا﴾ أي: وما أمروا بما أمروا به إلا لكذا، وقرأ عبد الله: وما أمروا إلا أن يعبدوا، أي بأن يعبدوا، وتقديم تحرير مثله عند قوله تعالى: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالمين﴾ في سورة الأنعام: [آية: 71]] .
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: المعنى، وما أمر هؤلاء الكفار في التوراة والإنجيل ﴿إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله﴾ ، أي: ليوحدوه، واللام بمعنى «أنْ» كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: 26] ، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ إني أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين﴾ [الزمر: 11] أي: العبادة، وفي هذا دليل على وجوب النية في العبادات، فإن الإخلاص عمل القلب، وهو أن يراد به وجه الله لا غيره، وقوله تعالى: ﴿حُنَفَآءَ﴾ ، أي: مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، وكان ابن عباس يقول: حنفاء: على دين إبراهيم عليه السَّلام.
وقيل: الحنيف: من اختتن وحجّ، قاله سعيد بن جبير.
وقال أهل اللغة: وأصله أنه تحنف إلى الإسلام، أي: مال إليه.
قوله: ﴿وَيُقِيمُواْ الصلاة﴾ ، أي يصلُّوها في أوقاتها ﴿وَيُؤْتُواْ الزكاة﴾ ، أي: يعطوها عند محلها، وقوله: ﴿وَذَلِكَ دِينُ القيمة﴾ أي: ذلك الدين الذي أمروا به دين القيمة، أي: الدين المستقيم، وقال الزجاج أي: ذلك دين الملة المستقيمة، و «القَيِّمَةِ» نعت لموصوف محذوف، وقيل: «ذلك» إشارة إلى الدين، أي ذلك الدين الذي أمروا به أي الدين المستقيم أي ذلك دين الأمة القيمة.
وقال محمد بن الأشعث الطالقاني: الكتب القيمة، لأنها قد تقدمت في الذكر، قال تعالى: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ فلما أعادها مع «أل» العهدية، كقوله تعالى: ﴿فعصى فِرْعَوْنُ الرسول﴾ [المزمل: 16] ، وهو حسن.
وقرأ الحسن، وعبد الله: «وذلك الدين القيمة» ، والتأنيث حينئذٍ، إما على تأويل الدين بالملة، كقوله: [البسيط]
5264 - ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... . ... سَائِلْ بَنِي أسدٍ مَا هَذهِ الصَّوتُ
وقال الخليل: القيمة جمع القيم، والقيم والقيمة واحد بتأويل: الصيحة، وإما على أنها تاء المبالغة: ك «علامة» .
وقال الفراء: أضاف الدين إلى «القيمة» وهو نعته، لاختلاف اللفظين، وعنه أيضاً: هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، ودخلت الهاء للمدح.
البينة 98:5
قوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ . أي: من اليهود والنصارى، خصَّ أهل الكتاب بالتفريق دون غيرهم، وإن كانوا مجموعين مع الكافرين؛ لأنهم مظنون بهم علم، فإذا تفرقوا كان غيرهم ممن لا كتاب لهم أدخل في هذا الوصف.
قوله: ﴿إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينة﴾ . أي: أتتهم البينة الواضحة، والمعني به محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، أي القرآن موافقاً لما في أيديهم من الكتاب بنعته وصفته، وذلك أنهم كانوا مجتمعين على نبوته، فلما بعث جحدوا نبوته وتفرقوا، فمنهم من كفر، بغياً وحسداً، ومنهم من آمن، كقوله تعالى: ﴿وَمَا تفرقوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 14] وقيل: البينة البيان الذي في كتبهم أنه نبي مرسل.
قال العلماء: من أول السورة، إلى قوله: «قَيِّمة» حكمها فيمن آمن من أهل الكتاب والمشركين، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ﴾ حكمه فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب بعد قيام الحُججِ.
قوله: ﴿وَمَآ أمروا﴾ . يعني هؤلاء الكفار في التوراة والإنجيل ﴿إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله﴾ أي: يوحدوه، واللام في ﴿لِيَعْبُدُواْ﴾ بمعنى «أنْ» كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: 26] ، أي: أن يبين، و ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله﴾ [الصف: 8] .
قوله: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ . العامة: على كسر اللام، اسم فاعل، وانتصب به الدين.
والحسن: بفتحها، على أنهم يخلصون هم أنفسهم في شأنهم.
وانتصب «الدِّينَ» على أحد وجهين: إما إسقاط الخافض، أي: «في الدين» ، وإما على المصدر من معنى «ليعبدوا» ، وكأنه قيل: ليدينوا الدين، أو ليعبدوا العبادة. [فالتجوز إما في الفعل، وإما في المصدر، وانتصاب مخلصين على الحال من فاعل «يعبدون» ] .
قوله: «حنفاء» حال ثانية، أو حال من الحال قبلها، أي: من الضمير المستكن فيها.
[قوله: ﴿وَمَآ أمروا﴾ أي: وما أمروا بما أمروا به إلا لكذا، وقرأ عبد الله: وما أمروا إلا أن يعبدوا، أي بأن يعبدوا، وتقديم تحرير مثله عند قوله تعالى: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالمين﴾ في سورة الأنعام: [آية: 71]] .
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: المعنى، وما أمر هؤلاء الكفار في التوراة والإنجيل ﴿إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله﴾ ، أي: ليوحدوه، واللام بمعنى «أنْ» كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: 26] ، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ إني أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين﴾ [الزمر: 11] أي: العبادة، وفي هذا دليل على وجوب النية في العبادات، فإن الإخلاص عمل القلب، وهو أن يراد به وجه الله لا غيره، وقوله تعالى: ﴿حُنَفَآءَ﴾ ، أي: مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، وكان ابن عباس يقول: حنفاء: على دين إبراهيم عليه السَّلام.
وقيل: الحنيف: من اختتن وحجّ، قاله سعيد بن جبير.
وقال أهل اللغة: وأصله أنه تحنف إلى الإسلام، أي: مال إليه.
قوله: ﴿وَيُقِيمُواْ الصلاة﴾ ، أي يصلُّوها في أوقاتها ﴿وَيُؤْتُواْ الزكاة﴾ ، أي: يعطوها عند محلها، وقوله: ﴿وَذَلِكَ دِينُ القيمة﴾ أي: ذلك الدين الذي أمروا به دين القيمة، أي: الدين المستقيم، وقال الزجاج أي: ذلك دين الملة المستقيمة، و «القَيِّمَةِ» نعت لموصوف محذوف، وقيل: «ذلك» إشارة إلى الدين، أي ذلك الدين الذي أمروا به أي الدين المستقيم أي ذلك دين الأمة القيمة.
وقال محمد بن الأشعث الطالقاني: الكتب القيمة، لأنها قد تقدمت في الذكر، قال تعالى: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ فلما أعادها مع «أل» العهدية، كقوله تعالى: ﴿فعصى فِرْعَوْنُ الرسول﴾ [المزمل: 16] ، وهو حسن.
وقرأ الحسن، وعبد الله: «وذلك الدين القيمة» ، والتأنيث حينئذٍ، إما على تأويل الدين بالملة، كقوله: [البسيط]
5264 - ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... . ... سَائِلْ بَنِي أسدٍ مَا هَذهِ الصَّوتُ
وقال الخليل: القيمة جمع القيم، والقيم والقيمة واحد بتأويل: الصيحة، وإما على أنها تاء المبالغة: ك «علامة» .
وقال الفراء: أضاف الدين إلى «القيمة» وهو نعته، لاختلاف اللفظين، وعنه أيضاً: هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، ودخلت الهاء للمدح.
البينة 98:6
قوله: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين﴾ كما مرَّ في أول السورة، وقوله تعالى: ﴿فِي نَارِ﴾ هذا هو الخبر، و ﴿خَالِدِينَ﴾ حال من الضمير المستكن في الخبر.
قوله: ﴿أولئك هُمْ شَرُّ البرية﴾ .
وقرأ نافع وابن ذكوان: «البريئة» بالهمز في الحرفين، والباقون: بياء مشددة.
واختلف في ذلك الهمز، فقيل: هو الأصل من برأ الله الخلق، ابتدأه واخترعه، قال تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ﴾ [الحديد: 22] ، فهي فعيلة بمعنى مفعولة، وإنما خففت والتزم تخفيفها عند عامة العرب.
وقد تقدم أن العرب التزمت غالباً تخفيف ألفاظ منها: النبي، والجاثية، والذرية.
قال القرطبي: «وتشديد الياء عوض من الهمزة» .
وقيل: «البريَّة» دون همز مشتقة من «البرى» وهو التراب، فهي أصل بنفسها، والقراءتان مختلفتا الأصل متّفقتا المعنى. إلا أن عطية ضعف هذا، فقال: «وهذا الاشتقاق يجعل الهمز خطأ، وهو اشتقاق غير مُرْض» انتهى.
يعني أنه إذا قيل: إنها مشتقة من «البرى» وهو التراب، فمن أين تجيء الهمزة في القراءة الأخرى.
قال شهاب الدين: «هذا غير لازم، لأنهما قراءتان مشتقتان، لكل منهما أصل مستقل، فتلك من» برأ» ، أي: خلق، وهذه من «البرى» لأنهم خلقوا منه، والمعني بالقراءتين شيء واحد وهو جميع الخلق، ولا يلتفت إلى من ضعف الهمز من النحاة لثبوته متواتراً» .
قال القشيريُّ: «ومن قال: البرية من البرى، وهو التراب، قال: لا تدخل الملائكة تحت هذه اللفظة» .
وقيل: البرية: من بريت القلم، أي قدرته، فتدخل فيه الملائكة، ولكنه قول ضعيف؛ لأنه يجب فيه تخطئةُ من همز.
وقوله: ﴿هُمْ شَرُّ البرية﴾ ، أي: شر الخليقة، فقيل: يحتمل أن يكون على التعميم.
وقال قوم: أي هم شرُّ البرية الذين كانوا في عصر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كقوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين﴾ [البقرة: 47] ، أي: على عالمي زمانكم، ولا يبعد أن يكون في كفار الأمم قبل هذا من هو شرّ منهم، مثل: فرعون، وعاقر ناقة صالح، وكذا قوله: ﴿خَيْرُ البرية﴾ إما على التعميم، أو خير برية عصرهم، وقد استدل بقراءة الهمزة من فضل بني آدم على الملائكة.
وقال أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: المؤمن أكرم على الله - عزَّ وجلَّ - من بعض الملائكة الذين عنده.
وقرأ العامة: ﴿خَيْرُ البرية﴾ مقابلاً ل «شرّ» .
وقرأ عامر بن عبد الواحد: «خِيارُ البريَّةِ» وهو جمع «خير» نحو: جِيَاد، وطِيَاب، في جمع جيد وطيب؛ قاله الزمخشريُّ. قال ابن الخطيب: وقدم الوعيد على الوعد، لأنه كالداء، والوعد: كالغذاء والدَّواء، فإذا بقي البدن استعمل الغذاء، فينتفع به البدن، لأن الإنسان إذا وقع في شدة رجع إلى الله تعالى، فإذا نال الدنيا أعرض.
قوله: ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ . أي: ثوابهم عند خالقهم ومالكهم ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ .
قال ابن الخطيب: قال بعض الفقهاء: من قال: لا شيء لي على فلان انتفى الدين، وله أن يدعي الوديعة، وإن قال: لا شيء لي عنده انصرف إلى الوديعة دون الدين، ولإن قال: لا شيء لي قبلهُ انصرف إليهماً معاً، فقوله تعالى: ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ يفيد أنها أعيان مودعة عنده، والعين أشرف من الدين، والضمان إنما يرغب فيه خوف الهلاك، وهو محال في حقه تعالى. وتقدم الكلام على نظيره.
قوله: ﴿تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأنهار﴾ ، الجنات: البساتين، والعدن: الإقامة، يقال: عدن بالمكان يعدن عدناً وعدوناً، أي: أقام. ومعدن الشيء: مركزه ومستقره، وقيل: «عدن» : بطنان الجنة ووسطها.
قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ﴾ ، حال عامله محذوف، تقديره: ادخلوها خالدين، أو أعطوها، ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير المجرور في «جزَاؤهُم» لئلا يلزم الفصلُ بين المصدر ومعموله بأجنبي، على أنَّ بعضهم: أجازه من «هم» واعتذر هنا بأن المصدر غير مقدر بحرف مصدري.
قال أبو البقاء: وهو بعيد، وأما «عِند ربِّهِمْ» فيجوز أن يكون حالاً من «جَزاؤهُمْ» ، وأن يكون ظرفاً له، و «أبَداً» ظرف مكان منصُوب ب «خالدِيْنَ» . أي لا يظعنون ولا يموتون.
قوله: ﴿رِّضِىَ الله عَنْهُمْ﴾ ، يجوز أن يكون دعاء مستأنفاً، وأن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً ثانياً بإضمار «قَد» عند من يلزم ذلك.
قال ابن عباس: «رضي اللهُ عنهُمْ ورَضُوا عنه» أي: رضوا بثواب الله تعالى.
قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أي: ذلك المذكور من استقرار الجنة مع الخلود.
أي: خاف ربه، فتناهى عن المعاصي.
روى أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال لأبيِّ بن كعب: إن الله تَعالَى أمَرنِي أنْ أقْرَأ عليْكَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ﴾ ، قال: وسمَّاني لك؟ قال - عليه الصَّلاة والسلام -:» نَعم «فبكى» خرجه البخاري ومسلم.
قال القرطبيُّ: «من الفقه قراءة العالم على المتعلم» .
قال بعضهم: إنما قرأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على أبيٍّ، ليعلم الناس التواضع لئلا يأنف أحد من التعليم والقراءة على من دونه من المنزلة.
وقيل: إن أبياً كان أسرع آخذاً لألفاظ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويعلم غيره، فأراد بقراءته عليه أن يأخذ ألفاظه ويقرأ كما سمع منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وفيه فضيلة عظيمة لأبيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وعن بقية الصحابة أجمعين إذ أمر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يقرأ عليه. والله أعلم.
سورة الزلزلة
البينة 98:7
قوله: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين﴾ كما مرَّ في أول السورة، وقوله تعالى: ﴿فِي نَارِ﴾ هذا هو الخبر، و ﴿خَالِدِينَ﴾ حال من الضمير المستكن في الخبر.
قوله: ﴿أولئك هُمْ شَرُّ البرية﴾ .
وقرأ نافع وابن ذكوان: «البريئة» بالهمز في الحرفين، والباقون: بياء مشددة.
واختلف في ذلك الهمز، فقيل: هو الأصل من برأ الله الخلق، ابتدأه واخترعه، قال تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ﴾ [الحديد: 22] ، فهي فعيلة بمعنى مفعولة، وإنما خففت والتزم تخفيفها عند عامة العرب.
وقد تقدم أن العرب التزمت غالباً تخفيف ألفاظ منها: النبي، والجاثية، والذرية.
قال القرطبي: «وتشديد الياء عوض من الهمزة» .
وقيل: «البريَّة» دون همز مشتقة من «البرى» وهو التراب، فهي أصل بنفسها، والقراءتان مختلفتا الأصل متّفقتا المعنى. إلا أن عطية ضعف هذا، فقال: «وهذا الاشتقاق يجعل الهمز خطأ، وهو اشتقاق غير مُرْض» انتهى.
يعني أنه إذا قيل: إنها مشتقة من «البرى» وهو التراب، فمن أين تجيء الهمزة في القراءة الأخرى.
قال شهاب الدين: «هذا غير لازم، لأنهما قراءتان مشتقتان، لكل منهما أصل مستقل، فتلك من» برأ» ، أي: خلق، وهذه من «البرى» لأنهم خلقوا منه، والمعني بالقراءتين شيء واحد وهو جميع الخلق، ولا يلتفت إلى من ضعف الهمز من النحاة لثبوته متواتراً» .
قال القشيريُّ: «ومن قال: البرية من البرى، وهو التراب، قال: لا تدخل الملائكة تحت هذه اللفظة» .
وقيل: البرية: من بريت القلم، أي قدرته، فتدخل فيه الملائكة، ولكنه قول ضعيف؛ لأنه يجب فيه تخطئةُ من همز.
وقوله: ﴿هُمْ شَرُّ البرية﴾ ، أي: شر الخليقة، فقيل: يحتمل أن يكون على التعميم.
وقال قوم: أي هم شرُّ البرية الذين كانوا في عصر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كقوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين﴾ [البقرة: 47] ، أي: على عالمي زمانكم، ولا يبعد أن يكون في كفار الأمم قبل هذا من هو شرّ منهم، مثل: فرعون، وعاقر ناقة صالح، وكذا قوله: ﴿خَيْرُ البرية﴾ إما على التعميم، أو خير برية عصرهم، وقد استدل بقراءة الهمزة من فضل بني آدم على الملائكة.
وقال أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: المؤمن أكرم على الله - عزَّ وجلَّ - من بعض الملائكة الذين عنده.
وقرأ العامة: ﴿خَيْرُ البرية﴾ مقابلاً ل «شرّ» .
وقرأ عامر بن عبد الواحد: «خِيارُ البريَّةِ» وهو جمع «خير» نحو: جِيَاد، وطِيَاب، في جمع جيد وطيب؛ قاله الزمخشريُّ. قال ابن الخطيب: وقدم الوعيد على الوعد، لأنه كالداء، والوعد: كالغذاء والدَّواء، فإذا بقي البدن استعمل الغذاء، فينتفع به البدن، لأن الإنسان إذا وقع في شدة رجع إلى الله تعالى، فإذا نال الدنيا أعرض.
قوله: ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ . أي: ثوابهم عند خالقهم ومالكهم ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ .
قال ابن الخطيب: قال بعض الفقهاء: من قال: لا شيء لي على فلان انتفى الدين، وله أن يدعي الوديعة، وإن قال: لا شيء لي عنده انصرف إلى الوديعة دون الدين، ولإن قال: لا شيء لي قبلهُ انصرف إليهماً معاً، فقوله تعالى: ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ يفيد أنها أعيان مودعة عنده، والعين أشرف من الدين، والضمان إنما يرغب فيه خوف الهلاك، وهو محال في حقه تعالى. وتقدم الكلام على نظيره.
قوله: ﴿تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأنهار﴾ ، الجنات: البساتين، والعدن: الإقامة، يقال: عدن بالمكان يعدن عدناً وعدوناً، أي: أقام. ومعدن الشيء: مركزه ومستقره، وقيل: «عدن» : بطنان الجنة ووسطها.
قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ﴾ ، حال عامله محذوف، تقديره: ادخلوها خالدين، أو أعطوها، ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير المجرور في «جزَاؤهُم» لئلا يلزم الفصلُ بين المصدر ومعموله بأجنبي، على أنَّ بعضهم: أجازه من «هم» واعتذر هنا بأن المصدر غير مقدر بحرف مصدري.
قال أبو البقاء: وهو بعيد، وأما «عِند ربِّهِمْ» فيجوز أن يكون حالاً من «جَزاؤهُمْ» ، وأن يكون ظرفاً له، و «أبَداً» ظرف مكان منصُوب ب «خالدِيْنَ» . أي لا يظعنون ولا يموتون.
قوله: ﴿رِّضِىَ الله عَنْهُمْ﴾ ، يجوز أن يكون دعاء مستأنفاً، وأن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً ثانياً بإضمار «قَد» عند من يلزم ذلك.
قال ابن عباس: «رضي اللهُ عنهُمْ ورَضُوا عنه» أي: رضوا بثواب الله تعالى.
قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أي: ذلك المذكور من استقرار الجنة مع الخلود.
أي: خاف ربه، فتناهى عن المعاصي.
روى أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال لأبيِّ بن كعب: إن الله تَعالَى أمَرنِي أنْ أقْرَأ عليْكَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ﴾ ، قال: وسمَّاني لك؟ قال - عليه الصَّلاة والسلام -:» نَعم «فبكى» خرجه البخاري ومسلم.
قال القرطبيُّ: «من الفقه قراءة العالم على المتعلم» .
قال بعضهم: إنما قرأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على أبيٍّ، ليعلم الناس التواضع لئلا يأنف أحد من التعليم والقراءة على من دونه من المنزلة.
وقيل: إن أبياً كان أسرع آخذاً لألفاظ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويعلم غيره، فأراد بقراءته عليه أن يأخذ ألفاظه ويقرأ كما سمع منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وفيه فضيلة عظيمة لأبيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وعن بقية الصحابة أجمعين إذ أمر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يقرأ عليه. والله أعلم.
سورة الزلزلة
البينة 98:8
قوله: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين﴾ كما مرَّ في أول السورة، وقوله تعالى: ﴿فِي نَارِ﴾ هذا هو الخبر، و ﴿خَالِدِينَ﴾ حال من الضمير المستكن في الخبر.
قوله: ﴿أولئك هُمْ شَرُّ البرية﴾ .
وقرأ نافع وابن ذكوان: «البريئة» بالهمز في الحرفين، والباقون: بياء مشددة.
واختلف في ذلك الهمز، فقيل: هو الأصل من برأ الله الخلق، ابتدأه واخترعه، قال تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ﴾ [الحديد: 22] ، فهي فعيلة بمعنى مفعولة، وإنما خففت والتزم تخفيفها عند عامة العرب.
وقد تقدم أن العرب التزمت غالباً تخفيف ألفاظ منها: النبي، والجاثية، والذرية.
قال القرطبي: «وتشديد الياء عوض من الهمزة» .
وقيل: «البريَّة» دون همز مشتقة من «البرى» وهو التراب، فهي أصل بنفسها، والقراءتان مختلفتا الأصل متّفقتا المعنى. إلا أن عطية ضعف هذا، فقال: «وهذا الاشتقاق يجعل الهمز خطأ، وهو اشتقاق غير مُرْض» انتهى.
يعني أنه إذا قيل: إنها مشتقة من «البرى» وهو التراب، فمن أين تجيء الهمزة في القراءة الأخرى.
قال شهاب الدين: «هذا غير لازم، لأنهما قراءتان مشتقتان، لكل منهما أصل مستقل، فتلك من» برأ» ، أي: خلق، وهذه من «البرى» لأنهم خلقوا منه، والمعني بالقراءتين شيء واحد وهو جميع الخلق، ولا يلتفت إلى من ضعف الهمز من النحاة لثبوته متواتراً» .
قال القشيريُّ: «ومن قال: البرية من البرى، وهو التراب، قال: لا تدخل الملائكة تحت هذه اللفظة» .
وقيل: البرية: من بريت القلم، أي قدرته، فتدخل فيه الملائكة، ولكنه قول ضعيف؛ لأنه يجب فيه تخطئةُ من همز.
وقوله: ﴿هُمْ شَرُّ البرية﴾ ، أي: شر الخليقة، فقيل: يحتمل أن يكون على التعميم.
وقال قوم: أي هم شرُّ البرية الذين كانوا في عصر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كقوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين﴾ [البقرة: 47] ، أي: على عالمي زمانكم، ولا يبعد أن يكون في كفار الأمم قبل هذا من هو شرّ منهم، مثل: فرعون، وعاقر ناقة صالح، وكذا قوله: ﴿خَيْرُ البرية﴾ إما على التعميم، أو خير برية عصرهم، وقد استدل بقراءة الهمزة من فضل بني آدم على الملائكة.
وقال أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: المؤمن أكرم على الله - عزَّ وجلَّ - من بعض الملائكة الذين عنده.
وقرأ العامة: ﴿خَيْرُ البرية﴾ مقابلاً ل «شرّ» .
وقرأ عامر بن عبد الواحد: «خِيارُ البريَّةِ» وهو جمع «خير» نحو: جِيَاد، وطِيَاب، في جمع جيد وطيب؛ قاله الزمخشريُّ. قال ابن الخطيب: وقدم الوعيد على الوعد، لأنه كالداء، والوعد: كالغذاء والدَّواء، فإذا بقي البدن استعمل الغذاء، فينتفع به البدن، لأن الإنسان إذا وقع في شدة رجع إلى الله تعالى، فإذا نال الدنيا أعرض.
قوله: ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ . أي: ثوابهم عند خالقهم ومالكهم ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ .
قال ابن الخطيب: قال بعض الفقهاء: من قال: لا شيء لي على فلان انتفى الدين، وله أن يدعي الوديعة، وإن قال: لا شيء لي عنده انصرف إلى الوديعة دون الدين، ولإن قال: لا شيء لي قبلهُ انصرف إليهماً معاً، فقوله تعالى: ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ يفيد أنها أعيان مودعة عنده، والعين أشرف من الدين، والضمان إنما يرغب فيه خوف الهلاك، وهو محال في حقه تعالى. وتقدم الكلام على نظيره.
قوله: ﴿تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأنهار﴾ ، الجنات: البساتين، والعدن: الإقامة، يقال: عدن بالمكان يعدن عدناً وعدوناً، أي: أقام. ومعدن الشيء: مركزه ومستقره، وقيل: «عدن» : بطنان الجنة ووسطها.
قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ﴾ ، حال عامله محذوف، تقديره: ادخلوها خالدين، أو أعطوها، ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير المجرور في «جزَاؤهُم» لئلا يلزم الفصلُ بين المصدر ومعموله بأجنبي، على أنَّ بعضهم: أجازه من «هم» واعتذر هنا بأن المصدر غير مقدر بحرف مصدري.
قال أبو البقاء: وهو بعيد، وأما «عِند ربِّهِمْ» فيجوز أن يكون حالاً من «جَزاؤهُمْ» ، وأن يكون ظرفاً له، و «أبَداً» ظرف مكان منصُوب ب «خالدِيْنَ» . أي لا يظعنون ولا يموتون.
قوله: ﴿رِّضِىَ الله عَنْهُمْ﴾ ، يجوز أن يكون دعاء مستأنفاً، وأن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً ثانياً بإضمار «قَد» عند من يلزم ذلك.
قال ابن عباس: «رضي اللهُ عنهُمْ ورَضُوا عنه» أي: رضوا بثواب الله تعالى.
قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أي: ذلك المذكور من استقرار الجنة مع الخلود.
أي: خاف ربه، فتناهى عن المعاصي.
روى أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال لأبيِّ بن كعب: إن الله تَعالَى أمَرنِي أنْ أقْرَأ عليْكَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ﴾ ، قال: وسمَّاني لك؟ قال - عليه الصَّلاة والسلام -:» نَعم «فبكى» خرجه البخاري ومسلم.
قال القرطبيُّ: «من الفقه قراءة العالم على المتعلم» .
قال بعضهم: إنما قرأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على أبيٍّ، ليعلم الناس التواضع لئلا يأنف أحد من التعليم والقراءة على من دونه من المنزلة.
وقيل: إن أبياً كان أسرع آخذاً لألفاظ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويعلم غيره، فأراد بقراءته عليه أن يأخذ ألفاظه ويقرأ كما سمع منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وفيه فضيلة عظيمة لأبيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وعن بقية الصحابة أجمعين إذ أمر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يقرأ عليه. والله أعلم.
سورة الزلزلة
الزلزلة 99:1
مدنية في قول ابن عباس وقتادة، ومكية في قول ابن مسعود وعطاء وجابر، وهي ثمان آيات، وخمس وثلاثون كلمة، ومائة وتسع وأربعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا﴾ . «إذّا» شرط، وجوابه «تُحدِّثُ» ، وهو النَّاصب لها عند الجمهور.
وجوَّز أبو البقاء أن يكون العامل فيها مصدراً.
وغيره يجعل العامل فيها ما بعدها، وإن كان معمولاً لها بالإضافة تقديراً، واختاره مكي، وجعل ذلك نظير «من وما» ، يعني أنهما يعملان فيما بعدهما الجزم، وما بعدهما يعمل فيهما النصب، ولو مثل ب «أي» لكان أوضح.
وقيل: العامل فيها مقدر، أي: يحشرون.
وقيل: اذكر، وحينئذ يخرج عن الظرفية والشرط.
فصل في المناسبة بين أول هذه السورة وآخر السورة المتقدمة
وجه المناسبة بين أول هذه السُّورة وآخر السورة المتقدمة، أنه تعالى لما قال: ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ فكأن المكلف قال: ومتى يكون ذلك؟ .
فقيل له: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض﴾ فالعاملون كلهم يكونون في الخوف، وأنت في ذلك الوقت تنال جزاءك، وتكون آمناً، لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: 89] .
وقيل: لما ذكر في السُّورة المتقدمة وعيد الكافر ووعد المؤمن أراد أن يزيد في وعيد الكافر، فقال: أجازيه، حتى يقول الكافر السابق ذكره: ما للأرض تزلزلت، نظيره ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] ، فذكر سبحانه الطائفتين، وذكر ما لكل طائفةٍ، ثم جمع بينهما في آخر السورة بذكر الذرة من الخير، فإن قيل: «إذَا» للوقت، فكيف وجه البداية بها في السورة؟ الجواب: أنهم كانوا يسألونه عن الساعة، فقال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا﴾ فإنه تعالى يقول: لا سبيل إلى تعيينها بحسب وقتها، ولكن أعينه بحسب علاماته، أو أنه تعالى أراد أن يخبر المكلف أن الأرض تتحدث وتشهد يوم القيامة مع أنها في هذه الساعة جماد، فكأنه لما قيل: متى يكون ذلك؟ قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض﴾ .
فصل في معنى الزلزلة
روى عكرمة عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أنه كان يقول: النفخة الأولى تزلزلها، وهو قول مجاهد، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الراجفة تَتْبَعُهَا الرادفة﴾ [النازعات: 6، 7] ، ثم تزلزل ثانية، فتخرج موتاها، وهي الأثقال، وذكر المصدر للتأكيد، ثم أضيف إلى الأرض، كقولك: لأعطينَّكَ عطيتك، أي: عطيتي لك، وحسن ذلك لموافقة رءوس الآي بعدها.
وهو مصدر مضاف لفاعله، والمعنى زلزالها الذي تستحق ويقتضيه عظمها.
قال الزمخشري: «ونحوه قولك: أكرم التقي إكرامه، وأهن الفاسق إهانته» .
قرأ الجمهور: «زِلْزالهَا» بكسر الزاي، والجحدري وعيسى: بفتحها.
قيل: هما مصدران بمعنى.
وقيل: المكسور مصدر، والمفتوح اسم، قاله الزمخشري. وليس في الأبنية «فعلال» يعني غالباً، وإلا فقد ورد: ناقة جزعال.
قال القرطبيُّ: «والزَّلزال - بالفتح - مصدر، كالوسواس، والقلقال والجرْجَار» .
قوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ .
قال أبو عبيدة والأخفش: إذا كان الميت في بطن الأرض، فهو ثقل لها، وإذا كان فوقها، فهو ثقل عليها.
وقال ابن عباس ومجاهد: «أثْقَالهَا» موتاها، تخرجهم في النفخة الثانية.
ومنه قيل للجن والإنس: الثقلان، وقيل: «أثْقالهَا» : كنوزها، ومنه الحديث: «تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الإسطوان من الذهب والفضة» .
قوله: ﴿وَقَالَ الإنسان﴾ ، أي ابن آدم، الكافر.
وقال ابن عباس: هو الأسود بن عبد الأسد.
وقيل: أراد كلَّ إنسان يشاهد ذلك عند قيام الساعة في النفخة الأولى من مؤمن وكافر، وقوله: ﴿مَا لَهَا﴾ ابتداء وخبر، وهذا يرد قول من قال: إن الحال في نحو قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: 49] لازمة لئلا يصير الكلام غير مفيد، فإنه لا حال هنا، ومعنى: ﴿مَا لَهَا﴾ أي: ما لها زلزلت، وقيل: ما لها أخرجت أثقالها ﴿وهي كلمة تعجب، أي: لأي شيء زلزلت؟﴾ ويجوز أن يُحيي الله الموتى بعد وقوع النفخة الأولى، ثم تتحرك الأرض، فتخرج الموتى، وقد رأوا الزلزلة، وانشقاق الأرض عن الموتى فيقولون من الهول: ما لها، [كأنهم يخاطبون أنفسهم تعجباً] .
قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ، أي: يوم إذا زلزلت، والعامل في «يَومَئذٍ» : «تُحدِّثُ» إن جعلت «إذَا» منصوبة بما بعدها، [أو بمحذوف، وإن جعلت العامل فيها «تحدّث» كان «يومئذ» بدلاً منها فالعامل فيه] العامل فيها، أو شيء آخر، لأنه على تكرير العاملِ، وهو خلاف مشهور.
فصل في معنى الآية
معنى «تحدث أخبارها» ، أي: تخبر الأرض بما عمل عليها من خير، أو شر يومئذ.
ثم قيل: هو من قول الله تعالى.
وقيل: من قول الإنسان، أي: يقول الإنسان «مَا لَهَا» ، «تُحدِّثُ أخْبارهَا» متعجباً.
روى الترمذي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «قال قرأ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هذه الآية ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ قال: أتدْرُونَ ما أخْبارُهَا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنَّ أخبارها أن تشْهَدَ على كُلِّ عبدٍ أو أمةٍ بما عمل على ظهرهَا تقُول: عملَ يَوْمَ كَذَا، كَذَا وكَذَا، قال:» فهَذهِ أخْبارُهَا «» .
قال الماورديُّ: قوله تعالى: ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن تحدث أخبارها بأعمال العباد على ظهرها، قاله أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ورواه مرفوعاً، وهو قول من زعم أنها زلزلة القيامة.
الثاني: قال يحيى بن سلام: ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ بما أخرجت من أثقالها، وهو قول من زعم أنها زلزلة أشراط الساعة.
الثالث: قال ابن مسعود: أنها تحدث بقيام الساعة، إذا قال الإنسان: ما لها؟ فتحبر أن أمر الدنيا قد انقضى، وأمر الآخرةِ قد أتى، فيكونُ ذلك منها جواباً لهم عند سؤالهم، ووعيداً للكافر، وإنذاراً للمؤمن.
وفي حديثها بأخبارها ثلاثةُ أقاويل:
أحدها: أن الله تعالى يقلبها حيواناً ناطقاً، فتتكلم بذلك.
الثاني: أن الله يحدث فيها الكلام.
الثالث: أنه يكون منها بيان يقوم مقام الكلام.
قال الطبريُّ: تبين أخبارها بالرَّجَّة، والزلزلة، وإخراج الموتى.
قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ﴾ متعلق ب «تُحدِّثُ» ، أي: تحدث الأرض بما أوحى إليها ويجوز أن يتعلق بنفس أخبارها.
وقيل: الباء زائدة و «أنَّ» وما في حيزها بدل من أخبارها.
وقيل: الباء سببية، أي: بسبب إيحاء الله إليها.
وقال الزمخشريُّ: «فإن قلت: أين مفعولاً» تُحدِّثُ» ؟ .
قلت: حذف أولهما، والثاني: أخبارها، أي: تحدث الخلق أخبارها، إلا أن المقصود ذكر تحديثها الأخبار لا ذكر الخلق تعظيماً لليوم.
فإن قلت: بم تعلقت الباء، في قوله «بأنَّ ربَّك» ؟ .
قلتُ: ب» تحدث «ومعناه: تحدث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها، وأمره إياها بالتحديث، ويجوز أن يكون المعنى: يومئذٍ تحدثُ بتحديث أن ربَّك أوحى لها أخبارها على أن تحديثها بأن ربِّك أوحى لها تحديث بأخبارها، كما تقول: نصحتني كُلَّ نصيحة بأن نصحتني في الدين» .
قال أبو حيان: وهو كلام فيه عفش، ينزه القرآن عنه.
قال شهاب الدين: وأي عفش فيه، فصحته وفصاحته، ولكنه لما طال تقديره من جهة إفادة هذا المعنى الحسن جعله عفشاً وحاشاه.
ثم قال الزمخشري: «ويجوز أن يكون» بأنَّ ربَّك «بدلاً من» أخبارها «كأنه قيل: يومئذ تحدث بأخبارها بأن ربَّك أوحى لها، لأنك تقول: حدثته كذا، وحدثته بكذا» .
قال أبو حيَّان: «وإذا كان الفعل تارة يتعدى بحرف جر، وتارة يتعدى بنفسه، وحرف الجر ليس بزائد، فلا يجوز في تابعه إلاَّ الموافقة في الإعراب، فلا يجوز:» استغفرتُ الذنب العظيم «بنصب» الذنب «وجر» العظيم «لجواز أنك تقول:» من الذنب «، ولا» اخترتُ زيداً الرجال الكرام «بنصب» الرجال «وخفض» الكرام «وكذلك لا يجوز:» استغفرتُ من الذنب العظيم «بجر» الذنب «ونصب» العظيم «وكذلك في» اخترتُ «فلو كان حرف الجر زائداً جاز الإتباع على موضع الاسم، بشروطه المحررة في علم النحو، تقول: ما رأيت من رجل عاقلاً، لأن» من «زائدة، ومن رجل عاقل على اللفظ، ولا يجوز نصب» رجل «وجر» عاقل «على مراعاة جواز دخول» من «وإن ورد شيء من ذلك، فبابه الشعر» . انتهى.
قال شهاب الدين: ولا أدري كيف يلزم الزمخشري ما ألزمه به من جميع المسائلِ التي ذكرها، فإن الزمخشري يقول: إن هذا بدل مما قبله، ثم ذكر مسوغ دخول الباءِ في البدل، وهو أن المبدل منه يجوز دخول الباء عليه، فلو حل البدل محل المبدل منه ومعه الباء لكان جائزاً، لأن العامل يتعدى به، وذكر مسوغاً لخلو المبدل منه من الباء، فقال: «لأنك تقول: حدثته كذا وحدثته بكذا» ، وأما كونه يمتنع أن يقول: «استغفرتُ الذنب العظيم» بنصب «الذنب» وجرّ «العظيمِ» إلى آخره، فليس في كلام الزمخشري شيء منه ألبتة، ونظير ما قاله الزمخشري في باب «استغفر» ان تقول: استغفرت الله ذنباً من شتمي زيداً، فقولك «من شتمي» بدل من «الذنب» ، وهذا جائزٌ لا محالة.
قوله
﴿أوحى لَهَا ﴾ . في هذه اللام أوجه: أحدها: أنها بمعنى «إلى» ، وإنما أوثرت على «إلى» لمراعاة الفواصل، والمعنى: أوحى لها تحدث أخبارها بوحي الله تعالى لها أي إليها، والعرب تضع لام الصفة موضع «إلى» ، قال العجَّاجُ يصفُ الأرض: [الرجز]
5265 - أوْحَى لهَا القَرار فاسْتقرَّتِ ... وشدَّهَا بالرَّاسياتِ الثُّبَّتِ
قاله أبو عبيدة.
الثاني: على أصلها، «أوحَى» يتعدى باللام تارة، وب «إلى» أخرى، ومنه البيت.
الثالث: اللام على بابها من العلة، والموحى إليه محذوف، وهو الملائكة، تقديره: أوحى إلى الملائكة لأجل الأرض، أي: لأجل ما يفعلون فيها.
قال الثوريُّ: تحدث أخبارها مما كان عليها من الطَّاعات والمعاصي، وما كان على ظهرها من خير وشر.
الزلزلة 99:2
مدنية في قول ابن عباس وقتادة، ومكية في قول ابن مسعود وعطاء وجابر، وهي ثمان آيات، وخمس وثلاثون كلمة، ومائة وتسع وأربعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا﴾ . «إذّا» شرط، وجوابه «تُحدِّثُ» ، وهو النَّاصب لها عند الجمهور.
وجوَّز أبو البقاء أن يكون العامل فيها مصدراً.
وغيره يجعل العامل فيها ما بعدها، وإن كان معمولاً لها بالإضافة تقديراً، واختاره مكي، وجعل ذلك نظير «من وما» ، يعني أنهما يعملان فيما بعدهما الجزم، وما بعدهما يعمل فيهما النصب، ولو مثل ب «أي» لكان أوضح.
وقيل: العامل فيها مقدر، أي: يحشرون.
وقيل: اذكر، وحينئذ يخرج عن الظرفية والشرط.
فصل في المناسبة بين أول هذه السورة وآخر السورة المتقدمة
وجه المناسبة بين أول هذه السُّورة وآخر السورة المتقدمة، أنه تعالى لما قال: ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ فكأن المكلف قال: ومتى يكون ذلك؟ .
فقيل له: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض﴾ فالعاملون كلهم يكونون في الخوف، وأنت في ذلك الوقت تنال جزاءك، وتكون آمناً، لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: 89] .
وقيل: لما ذكر في السُّورة المتقدمة وعيد الكافر ووعد المؤمن أراد أن يزيد في وعيد الكافر، فقال: أجازيه، حتى يقول الكافر السابق ذكره: ما للأرض تزلزلت، نظيره ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] ، فذكر سبحانه الطائفتين، وذكر ما لكل طائفةٍ، ثم جمع بينهما في آخر السورة بذكر الذرة من الخير، فإن قيل: «إذَا» للوقت، فكيف وجه البداية بها في السورة؟ الجواب: أنهم كانوا يسألونه عن الساعة، فقال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا﴾ فإنه تعالى يقول: لا سبيل إلى تعيينها بحسب وقتها، ولكن أعينه بحسب علاماته، أو أنه تعالى أراد أن يخبر المكلف أن الأرض تتحدث وتشهد يوم القيامة مع أنها في هذه الساعة جماد، فكأنه لما قيل: متى يكون ذلك؟ قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض﴾ .
فصل في معنى الزلزلة
روى عكرمة عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أنه كان يقول: النفخة الأولى تزلزلها، وهو قول مجاهد، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الراجفة تَتْبَعُهَا الرادفة﴾ [النازعات: 6، 7] ، ثم تزلزل ثانية، فتخرج موتاها، وهي الأثقال، وذكر المصدر للتأكيد، ثم أضيف إلى الأرض، كقولك: لأعطينَّكَ عطيتك، أي: عطيتي لك، وحسن ذلك لموافقة رءوس الآي بعدها.
وهو مصدر مضاف لفاعله، والمعنى زلزالها الذي تستحق ويقتضيه عظمها.
قال الزمخشري: «ونحوه قولك: أكرم التقي إكرامه، وأهن الفاسق إهانته» .
قرأ الجمهور: «زِلْزالهَا» بكسر الزاي، والجحدري وعيسى: بفتحها.
قيل: هما مصدران بمعنى.
وقيل: المكسور مصدر، والمفتوح اسم، قاله الزمخشري. وليس في الأبنية «فعلال» يعني غالباً، وإلا فقد ورد: ناقة جزعال.
قال القرطبيُّ: «والزَّلزال - بالفتح - مصدر، كالوسواس، والقلقال والجرْجَار» .
قوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ .
قال أبو عبيدة والأخفش: إذا كان الميت في بطن الأرض، فهو ثقل لها، وإذا كان فوقها، فهو ثقل عليها.
وقال ابن عباس ومجاهد: «أثْقَالهَا» موتاها، تخرجهم في النفخة الثانية.
ومنه قيل للجن والإنس: الثقلان، وقيل: «أثْقالهَا» : كنوزها، ومنه الحديث: «تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الإسطوان من الذهب والفضة» .
قوله: ﴿وَقَالَ الإنسان﴾ ، أي ابن آدم، الكافر.
وقال ابن عباس: هو الأسود بن عبد الأسد.
وقيل: أراد كلَّ إنسان يشاهد ذلك عند قيام الساعة في النفخة الأولى من مؤمن وكافر، وقوله: ﴿مَا لَهَا﴾ ابتداء وخبر، وهذا يرد قول من قال: إن الحال في نحو قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: 49] لازمة لئلا يصير الكلام غير مفيد، فإنه لا حال هنا، ومعنى: ﴿مَا لَهَا﴾ أي: ما لها زلزلت، وقيل: ما لها أخرجت أثقالها ﴿وهي كلمة تعجب، أي: لأي شيء زلزلت؟﴾ ويجوز أن يُحيي الله الموتى بعد وقوع النفخة الأولى، ثم تتحرك الأرض، فتخرج الموتى، وقد رأوا الزلزلة، وانشقاق الأرض عن الموتى فيقولون من الهول: ما لها، [كأنهم يخاطبون أنفسهم تعجباً] .
قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ، أي: يوم إذا زلزلت، والعامل في «يَومَئذٍ» : «تُحدِّثُ» إن جعلت «إذَا» منصوبة بما بعدها، [أو بمحذوف، وإن جعلت العامل فيها «تحدّث» كان «يومئذ» بدلاً منها فالعامل فيه] العامل فيها، أو شيء آخر، لأنه على تكرير العاملِ، وهو خلاف مشهور.
فصل في معنى الآية
معنى «تحدث أخبارها» ، أي: تخبر الأرض بما عمل عليها من خير، أو شر يومئذ.
ثم قيل: هو من قول الله تعالى.
وقيل: من قول الإنسان، أي: يقول الإنسان «مَا لَهَا» ، «تُحدِّثُ أخْبارهَا» متعجباً.
روى الترمذي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «قال قرأ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هذه الآية ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ قال: أتدْرُونَ ما أخْبارُهَا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنَّ أخبارها أن تشْهَدَ على كُلِّ عبدٍ أو أمةٍ بما عمل على ظهرهَا تقُول: عملَ يَوْمَ كَذَا، كَذَا وكَذَا، قال:» فهَذهِ أخْبارُهَا «» .
قال الماورديُّ: قوله تعالى: ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن تحدث أخبارها بأعمال العباد على ظهرها، قاله أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ورواه مرفوعاً، وهو قول من زعم أنها زلزلة القيامة.
الثاني: قال يحيى بن سلام: ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ بما أخرجت من أثقالها، وهو قول من زعم أنها زلزلة أشراط الساعة.
الثالث: قال ابن مسعود: أنها تحدث بقيام الساعة، إذا قال الإنسان: ما لها؟ فتحبر أن أمر الدنيا قد انقضى، وأمر الآخرةِ قد أتى، فيكونُ ذلك منها جواباً لهم عند سؤالهم، ووعيداً للكافر، وإنذاراً للمؤمن.
وفي حديثها بأخبارها ثلاثةُ أقاويل:
أحدها: أن الله تعالى يقلبها حيواناً ناطقاً، فتتكلم بذلك.
الثاني: أن الله يحدث فيها الكلام.
الثالث: أنه يكون منها بيان يقوم مقام الكلام.
قال الطبريُّ: تبين أخبارها بالرَّجَّة، والزلزلة، وإخراج الموتى.
قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ﴾ متعلق ب «تُحدِّثُ» ، أي: تحدث الأرض بما أوحى إليها ويجوز أن يتعلق بنفس أخبارها.
وقيل: الباء زائدة و «أنَّ» وما في حيزها بدل من أخبارها.
وقيل: الباء سببية، أي: بسبب إيحاء الله إليها.
وقال الزمخشريُّ: «فإن قلت: أين مفعولاً» تُحدِّثُ» ؟ .
قلت: حذف أولهما، والثاني: أخبارها، أي: تحدث الخلق أخبارها، إلا أن المقصود ذكر تحديثها الأخبار لا ذكر الخلق تعظيماً لليوم.
فإن قلت: بم تعلقت الباء، في قوله «بأنَّ ربَّك» ؟ .
قلتُ: ب» تحدث «ومعناه: تحدث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها، وأمره إياها بالتحديث، ويجوز أن يكون المعنى: يومئذٍ تحدثُ بتحديث أن ربَّك أوحى لها أخبارها على أن تحديثها بأن ربِّك أوحى لها تحديث بأخبارها، كما تقول: نصحتني كُلَّ نصيحة بأن نصحتني في الدين» .
قال أبو حيان: وهو كلام فيه عفش، ينزه القرآن عنه.
قال شهاب الدين: وأي عفش فيه، فصحته وفصاحته، ولكنه لما طال تقديره من جهة إفادة هذا المعنى الحسن جعله عفشاً وحاشاه.
ثم قال الزمخشري: «ويجوز أن يكون» بأنَّ ربَّك «بدلاً من» أخبارها «كأنه قيل: يومئذ تحدث بأخبارها بأن ربَّك أوحى لها، لأنك تقول: حدثته كذا، وحدثته بكذا» .
قال أبو حيَّان: «وإذا كان الفعل تارة يتعدى بحرف جر، وتارة يتعدى بنفسه، وحرف الجر ليس بزائد، فلا يجوز في تابعه إلاَّ الموافقة في الإعراب، فلا يجوز:» استغفرتُ الذنب العظيم «بنصب» الذنب «وجر» العظيم «لجواز أنك تقول:» من الذنب «، ولا» اخترتُ زيداً الرجال الكرام «بنصب» الرجال «وخفض» الكرام «وكذلك لا يجوز:» استغفرتُ من الذنب العظيم «بجر» الذنب «ونصب» العظيم «وكذلك في» اخترتُ «فلو كان حرف الجر زائداً جاز الإتباع على موضع الاسم، بشروطه المحررة في علم النحو، تقول: ما رأيت من رجل عاقلاً، لأن» من «زائدة، ومن رجل عاقل على اللفظ، ولا يجوز نصب» رجل «وجر» عاقل «على مراعاة جواز دخول» من «وإن ورد شيء من ذلك، فبابه الشعر» . انتهى.
قال شهاب الدين: ولا أدري كيف يلزم الزمخشري ما ألزمه به من جميع المسائلِ التي ذكرها، فإن الزمخشري يقول: إن هذا بدل مما قبله، ثم ذكر مسوغ دخول الباءِ في البدل، وهو أن المبدل منه يجوز دخول الباء عليه، فلو حل البدل محل المبدل منه ومعه الباء لكان جائزاً، لأن العامل يتعدى به، وذكر مسوغاً لخلو المبدل منه من الباء، فقال: «لأنك تقول: حدثته كذا وحدثته بكذا» ، وأما كونه يمتنع أن يقول: «استغفرتُ الذنب العظيم» بنصب «الذنب» وجرّ «العظيمِ» إلى آخره، فليس في كلام الزمخشري شيء منه ألبتة، ونظير ما قاله الزمخشري في باب «استغفر» ان تقول: استغفرت الله ذنباً من شتمي زيداً، فقولك «من شتمي» بدل من «الذنب» ، وهذا جائزٌ لا محالة.
قوله
﴿أوحى لَهَا ﴾ . في هذه اللام أوجه: أحدها: أنها بمعنى «إلى» ، وإنما أوثرت على «إلى» لمراعاة الفواصل، والمعنى: أوحى لها تحدث أخبارها بوحي الله تعالى لها أي إليها، والعرب تضع لام الصفة موضع «إلى» ، قال العجَّاجُ يصفُ الأرض: [الرجز]
5265 - أوْحَى لهَا القَرار فاسْتقرَّتِ ... وشدَّهَا بالرَّاسياتِ الثُّبَّتِ
قاله أبو عبيدة.
الثاني: على أصلها، «أوحَى» يتعدى باللام تارة، وب «إلى» أخرى، ومنه البيت.
الثالث: اللام على بابها من العلة، والموحى إليه محذوف، وهو الملائكة، تقديره: أوحى إلى الملائكة لأجل الأرض، أي: لأجل ما يفعلون فيها.
قال الثوريُّ: تحدث أخبارها مما كان عليها من الطَّاعات والمعاصي، وما كان على ظهرها من خير وشر.
الزلزلة 99:3
مدنية في قول ابن عباس وقتادة، ومكية في قول ابن مسعود وعطاء وجابر، وهي ثمان آيات، وخمس وثلاثون كلمة، ومائة وتسع وأربعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا﴾ . «إذّا» شرط، وجوابه «تُحدِّثُ» ، وهو النَّاصب لها عند الجمهور.
وجوَّز أبو البقاء أن يكون العامل فيها مصدراً.
وغيره يجعل العامل فيها ما بعدها، وإن كان معمولاً لها بالإضافة تقديراً، واختاره مكي، وجعل ذلك نظير «من وما» ، يعني أنهما يعملان فيما بعدهما الجزم، وما بعدهما يعمل فيهما النصب، ولو مثل ب «أي» لكان أوضح.
وقيل: العامل فيها مقدر، أي: يحشرون.
وقيل: اذكر، وحينئذ يخرج عن الظرفية والشرط.
فصل في المناسبة بين أول هذه السورة وآخر السورة المتقدمة
وجه المناسبة بين أول هذه السُّورة وآخر السورة المتقدمة، أنه تعالى لما قال: ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ فكأن المكلف قال: ومتى يكون ذلك؟ .
فقيل له: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض﴾ فالعاملون كلهم يكونون في الخوف، وأنت في ذلك الوقت تنال جزاءك، وتكون آمناً، لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: 89] .
وقيل: لما ذكر في السُّورة المتقدمة وعيد الكافر ووعد المؤمن أراد أن يزيد في وعيد الكافر، فقال: أجازيه، حتى يقول الكافر السابق ذكره: ما للأرض تزلزلت، نظيره ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] ، فذكر سبحانه الطائفتين، وذكر ما لكل طائفةٍ، ثم جمع بينهما في آخر السورة بذكر الذرة من الخير، فإن قيل: «إذَا» للوقت، فكيف وجه البداية بها في السورة؟ الجواب: أنهم كانوا يسألونه عن الساعة، فقال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا﴾ فإنه تعالى يقول: لا سبيل إلى تعيينها بحسب وقتها، ولكن أعينه بحسب علاماته، أو أنه تعالى أراد أن يخبر المكلف أن الأرض تتحدث وتشهد يوم القيامة مع أنها في هذه الساعة جماد، فكأنه لما قيل: متى يكون ذلك؟ قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض﴾ .
فصل في معنى الزلزلة
روى عكرمة عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أنه كان يقول: النفخة الأولى تزلزلها، وهو قول مجاهد، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الراجفة تَتْبَعُهَا الرادفة﴾ [النازعات: 6، 7] ، ثم تزلزل ثانية، فتخرج موتاها، وهي الأثقال، وذكر المصدر للتأكيد، ثم أضيف إلى الأرض، كقولك: لأعطينَّكَ عطيتك، أي: عطيتي لك، وحسن ذلك لموافقة رءوس الآي بعدها.
وهو مصدر مضاف لفاعله، والمعنى زلزالها الذي تستحق ويقتضيه عظمها.
قال الزمخشري: «ونحوه قولك: أكرم التقي إكرامه، وأهن الفاسق إهانته» .
قرأ الجمهور: «زِلْزالهَا» بكسر الزاي، والجحدري وعيسى: بفتحها.
قيل: هما مصدران بمعنى.
وقيل: المكسور مصدر، والمفتوح اسم، قاله الزمخشري. وليس في الأبنية «فعلال» يعني غالباً، وإلا فقد ورد: ناقة جزعال.
قال القرطبيُّ: «والزَّلزال - بالفتح - مصدر، كالوسواس، والقلقال والجرْجَار» .
قوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ .
قال أبو عبيدة والأخفش: إذا كان الميت في بطن الأرض، فهو ثقل لها، وإذا كان فوقها، فهو ثقل عليها.
وقال ابن عباس ومجاهد: «أثْقَالهَا» موتاها، تخرجهم في النفخة الثانية.
ومنه قيل للجن والإنس: الثقلان، وقيل: «أثْقالهَا» : كنوزها، ومنه الحديث: «تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الإسطوان من الذهب والفضة» .
قوله: ﴿وَقَالَ الإنسان﴾ ، أي ابن آدم، الكافر.
وقال ابن عباس: هو الأسود بن عبد الأسد.
وقيل: أراد كلَّ إنسان يشاهد ذلك عند قيام الساعة في النفخة الأولى من مؤمن وكافر، وقوله: ﴿مَا لَهَا﴾ ابتداء وخبر، وهذا يرد قول من قال: إن الحال في نحو قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: 49] لازمة لئلا يصير الكلام غير مفيد، فإنه لا حال هنا، ومعنى: ﴿مَا لَهَا﴾ أي: ما لها زلزلت، وقيل: ما لها أخرجت أثقالها ﴿وهي كلمة تعجب، أي: لأي شيء زلزلت؟﴾ ويجوز أن يُحيي الله الموتى بعد وقوع النفخة الأولى، ثم تتحرك الأرض، فتخرج الموتى، وقد رأوا الزلزلة، وانشقاق الأرض عن الموتى فيقولون من الهول: ما لها، [كأنهم يخاطبون أنفسهم تعجباً] .
قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ، أي: يوم إذا زلزلت، والعامل في «يَومَئذٍ» : «تُحدِّثُ» إن جعلت «إذَا» منصوبة بما بعدها، [أو بمحذوف، وإن جعلت العامل فيها «تحدّث» كان «يومئذ» بدلاً منها فالعامل فيه] العامل فيها، أو شيء آخر، لأنه على تكرير العاملِ، وهو خلاف مشهور.
فصل في معنى الآية
معنى «تحدث أخبارها» ، أي: تخبر الأرض بما عمل عليها من خير، أو شر يومئذ.
ثم قيل: هو من قول الله تعالى.
وقيل: من قول الإنسان، أي: يقول الإنسان «مَا لَهَا» ، «تُحدِّثُ أخْبارهَا» متعجباً.
روى الترمذي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «قال قرأ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هذه الآية ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ قال: أتدْرُونَ ما أخْبارُهَا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنَّ أخبارها أن تشْهَدَ على كُلِّ عبدٍ أو أمةٍ بما عمل على ظهرهَا تقُول: عملَ يَوْمَ كَذَا، كَذَا وكَذَا، قال:» فهَذهِ أخْبارُهَا «» .
قال الماورديُّ: قوله تعالى: ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن تحدث أخبارها بأعمال العباد على ظهرها، قاله أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ورواه مرفوعاً، وهو قول من زعم أنها زلزلة القيامة.
الثاني: قال يحيى بن سلام: ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ بما أخرجت من أثقالها، وهو قول من زعم أنها زلزلة أشراط الساعة.
الثالث: قال ابن مسعود: أنها تحدث بقيام الساعة، إذا قال الإنسان: ما لها؟ فتحبر أن أمر الدنيا قد انقضى، وأمر الآخرةِ قد أتى، فيكونُ ذلك منها جواباً لهم عند سؤالهم، ووعيداً للكافر، وإنذاراً للمؤمن.
وفي حديثها بأخبارها ثلاثةُ أقاويل:
أحدها: أن الله تعالى يقلبها حيواناً ناطقاً، فتتكلم بذلك.
الثاني: أن الله يحدث فيها الكلام.
الثالث: أنه يكون منها بيان يقوم مقام الكلام.
قال الطبريُّ: تبين أخبارها بالرَّجَّة، والزلزلة، وإخراج الموتى.
قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ﴾ متعلق ب «تُحدِّثُ» ، أي: تحدث الأرض بما أوحى إليها ويجوز أن يتعلق بنفس أخبارها.
وقيل: الباء زائدة و «أنَّ» وما في حيزها بدل من أخبارها.
وقيل: الباء سببية، أي: بسبب إيحاء الله إليها.
وقال الزمخشريُّ: «فإن قلت: أين مفعولاً» تُحدِّثُ» ؟ .
قلت: حذف أولهما، والثاني: أخبارها، أي: تحدث الخلق أخبارها، إلا أن المقصود ذكر تحديثها الأخبار لا ذكر الخلق تعظيماً لليوم.
فإن قلت: بم تعلقت الباء، في قوله «بأنَّ ربَّك» ؟ .
قلتُ: ب» تحدث «ومعناه: تحدث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها، وأمره إياها بالتحديث، ويجوز أن يكون المعنى: يومئذٍ تحدثُ بتحديث أن ربَّك أوحى لها أخبارها على أن تحديثها بأن ربِّك أوحى لها تحديث بأخبارها، كما تقول: نصحتني كُلَّ نصيحة بأن نصحتني في الدين» .
قال أبو حيان: وهو كلام فيه عفش، ينزه القرآن عنه.
قال شهاب الدين: وأي عفش فيه، فصحته وفصاحته، ولكنه لما طال تقديره من جهة إفادة هذا المعنى الحسن جعله عفشاً وحاشاه.
ثم قال الزمخشري: «ويجوز أن يكون» بأنَّ ربَّك «بدلاً من» أخبارها «كأنه قيل: يومئذ تحدث بأخبارها بأن ربَّك أوحى لها، لأنك تقول: حدثته كذا، وحدثته بكذا» .
قال أبو حيَّان: «وإذا كان الفعل تارة يتعدى بحرف جر، وتارة يتعدى بنفسه، وحرف الجر ليس بزائد، فلا يجوز في تابعه إلاَّ الموافقة في الإعراب، فلا يجوز:» استغفرتُ الذنب العظيم «بنصب» الذنب «وجر» العظيم «لجواز أنك تقول:» من الذنب «، ولا» اخترتُ زيداً الرجال الكرام «بنصب» الرجال «وخفض» الكرام «وكذلك لا يجوز:» استغفرتُ من الذنب العظيم «بجر» الذنب «ونصب» العظيم «وكذلك في» اخترتُ «فلو كان حرف الجر زائداً جاز الإتباع على موضع الاسم، بشروطه المحررة في علم النحو، تقول: ما رأيت من رجل عاقلاً، لأن» من «زائدة، ومن رجل عاقل على اللفظ، ولا يجوز نصب» رجل «وجر» عاقل «على مراعاة جواز دخول» من «وإن ورد شيء من ذلك، فبابه الشعر» . انتهى.
قال شهاب الدين: ولا أدري كيف يلزم الزمخشري ما ألزمه به من جميع المسائلِ التي ذكرها، فإن الزمخشري يقول: إن هذا بدل مما قبله، ثم ذكر مسوغ دخول الباءِ في البدل، وهو أن المبدل منه يجوز دخول الباء عليه، فلو حل البدل محل المبدل منه ومعه الباء لكان جائزاً، لأن العامل يتعدى به، وذكر مسوغاً لخلو المبدل منه من الباء، فقال: «لأنك تقول: حدثته كذا وحدثته بكذا» ، وأما كونه يمتنع أن يقول: «استغفرتُ الذنب العظيم» بنصب «الذنب» وجرّ «العظيمِ» إلى آخره، فليس في كلام الزمخشري شيء منه ألبتة، ونظير ما قاله الزمخشري في باب «استغفر» ان تقول: استغفرت الله ذنباً من شتمي زيداً، فقولك «من شتمي» بدل من «الذنب» ، وهذا جائزٌ لا محالة.
قوله
﴿أوحى لَهَا ﴾ . في هذه اللام أوجه: أحدها: أنها بمعنى «إلى» ، وإنما أوثرت على «إلى» لمراعاة الفواصل، والمعنى: أوحى لها تحدث أخبارها بوحي الله تعالى لها أي إليها، والعرب تضع لام الصفة موضع «إلى» ، قال العجَّاجُ يصفُ الأرض: [الرجز]
5265 - أوْحَى لهَا القَرار فاسْتقرَّتِ ... وشدَّهَا بالرَّاسياتِ الثُّبَّتِ
قاله أبو عبيدة.
الثاني: على أصلها، «أوحَى» يتعدى باللام تارة، وب «إلى» أخرى، ومنه البيت.
الثالث: اللام على بابها من العلة، والموحى إليه محذوف، وهو الملائكة، تقديره: أوحى إلى الملائكة لأجل الأرض، أي: لأجل ما يفعلون فيها.
قال الثوريُّ: تحدث أخبارها مما كان عليها من الطَّاعات والمعاصي، وما كان على ظهرها من خير وشر.
الزلزلة 99:4
مدنية في قول ابن عباس وقتادة، ومكية في قول ابن مسعود وعطاء وجابر، وهي ثمان آيات، وخمس وثلاثون كلمة، ومائة وتسع وأربعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا﴾ . «إذّا» شرط، وجوابه «تُحدِّثُ» ، وهو النَّاصب لها عند الجمهور.
وجوَّز أبو البقاء أن يكون العامل فيها مصدراً.
وغيره يجعل العامل فيها ما بعدها، وإن كان معمولاً لها بالإضافة تقديراً، واختاره مكي، وجعل ذلك نظير «من وما» ، يعني أنهما يعملان فيما بعدهما الجزم، وما بعدهما يعمل فيهما النصب، ولو مثل ب «أي» لكان أوضح.
وقيل: العامل فيها مقدر، أي: يحشرون.
وقيل: اذكر، وحينئذ يخرج عن الظرفية والشرط.
فصل في المناسبة بين أول هذه السورة وآخر السورة المتقدمة
وجه المناسبة بين أول هذه السُّورة وآخر السورة المتقدمة، أنه تعالى لما قال: ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ فكأن المكلف قال: ومتى يكون ذلك؟ .
فقيل له: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض﴾ فالعاملون كلهم يكونون في الخوف، وأنت في ذلك الوقت تنال جزاءك، وتكون آمناً، لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: 89] .
وقيل: لما ذكر في السُّورة المتقدمة وعيد الكافر ووعد المؤمن أراد أن يزيد في وعيد الكافر، فقال: أجازيه، حتى يقول الكافر السابق ذكره: ما للأرض تزلزلت، نظيره ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] ، فذكر سبحانه الطائفتين، وذكر ما لكل طائفةٍ، ثم جمع بينهما في آخر السورة بذكر الذرة من الخير، فإن قيل: «إذَا» للوقت، فكيف وجه البداية بها في السورة؟ الجواب: أنهم كانوا يسألونه عن الساعة، فقال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا﴾ فإنه تعالى يقول: لا سبيل إلى تعيينها بحسب وقتها، ولكن أعينه بحسب علاماته، أو أنه تعالى أراد أن يخبر المكلف أن الأرض تتحدث وتشهد يوم القيامة مع أنها في هذه الساعة جماد، فكأنه لما قيل: متى يكون ذلك؟ قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض﴾ .
فصل في معنى الزلزلة
روى عكرمة عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أنه كان يقول: النفخة الأولى تزلزلها، وهو قول مجاهد، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الراجفة تَتْبَعُهَا الرادفة﴾ [النازعات: 6، 7] ، ثم تزلزل ثانية، فتخرج موتاها، وهي الأثقال، وذكر المصدر للتأكيد، ثم أضيف إلى الأرض، كقولك: لأعطينَّكَ عطيتك، أي: عطيتي لك، وحسن ذلك لموافقة رءوس الآي بعدها.
وهو مصدر مضاف لفاعله، والمعنى زلزالها الذي تستحق ويقتضيه عظمها.
قال الزمخشري: «ونحوه قولك: أكرم التقي إكرامه، وأهن الفاسق إهانته» .
قرأ الجمهور: «زِلْزالهَا» بكسر الزاي، والجحدري وعيسى: بفتحها.
قيل: هما مصدران بمعنى.
وقيل: المكسور مصدر، والمفتوح اسم، قاله الزمخشري. وليس في الأبنية «فعلال» يعني غالباً، وإلا فقد ورد: ناقة جزعال.
قال القرطبيُّ: «والزَّلزال - بالفتح - مصدر، كالوسواس، والقلقال والجرْجَار» .
قوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ .
قال أبو عبيدة والأخفش: إذا كان الميت في بطن الأرض، فهو ثقل لها، وإذا كان فوقها، فهو ثقل عليها.
وقال ابن عباس ومجاهد: «أثْقَالهَا» موتاها، تخرجهم في النفخة الثانية.
ومنه قيل للجن والإنس: الثقلان، وقيل: «أثْقالهَا» : كنوزها، ومنه الحديث: «تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الإسطوان من الذهب والفضة» .
قوله: ﴿وَقَالَ الإنسان﴾ ، أي ابن آدم، الكافر.
وقال ابن عباس: هو الأسود بن عبد الأسد.
وقيل: أراد كلَّ إنسان يشاهد ذلك عند قيام الساعة في النفخة الأولى من مؤمن وكافر، وقوله: ﴿مَا لَهَا﴾ ابتداء وخبر، وهذا يرد قول من قال: إن الحال في نحو قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: 49] لازمة لئلا يصير الكلام غير مفيد، فإنه لا حال هنا، ومعنى: ﴿مَا لَهَا﴾ أي: ما لها زلزلت، وقيل: ما لها أخرجت أثقالها ﴿وهي كلمة تعجب، أي: لأي شيء زلزلت؟﴾ ويجوز أن يُحيي الله الموتى بعد وقوع النفخة الأولى، ثم تتحرك الأرض، فتخرج الموتى، وقد رأوا الزلزلة، وانشقاق الأرض عن الموتى فيقولون من الهول: ما لها، [كأنهم يخاطبون أنفسهم تعجباً] .
قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ، أي: يوم إذا زلزلت، والعامل في «يَومَئذٍ» : «تُحدِّثُ» إن جعلت «إذَا» منصوبة بما بعدها، [أو بمحذوف، وإن جعلت العامل فيها «تحدّث» كان «يومئذ» بدلاً منها فالعامل فيه] العامل فيها، أو شيء آخر، لأنه على تكرير العاملِ، وهو خلاف مشهور.
فصل في معنى الآية
معنى «تحدث أخبارها» ، أي: تخبر الأرض بما عمل عليها من خير، أو شر يومئذ.
ثم قيل: هو من قول الله تعالى.
وقيل: من قول الإنسان، أي: يقول الإنسان «مَا لَهَا» ، «تُحدِّثُ أخْبارهَا» متعجباً.
روى الترمذي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «قال قرأ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هذه الآية ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ قال: أتدْرُونَ ما أخْبارُهَا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنَّ أخبارها أن تشْهَدَ على كُلِّ عبدٍ أو أمةٍ بما عمل على ظهرهَا تقُول: عملَ يَوْمَ كَذَا، كَذَا وكَذَا، قال:» فهَذهِ أخْبارُهَا «» .
قال الماورديُّ: قوله تعالى: ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن تحدث أخبارها بأعمال العباد على ظهرها، قاله أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ورواه مرفوعاً، وهو قول من زعم أنها زلزلة القيامة.
الثاني: قال يحيى بن سلام: ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ بما أخرجت من أثقالها، وهو قول من زعم أنها زلزلة أشراط الساعة.
الثالث: قال ابن مسعود: أنها تحدث بقيام الساعة، إذا قال الإنسان: ما لها؟ فتحبر أن أمر الدنيا قد انقضى، وأمر الآخرةِ قد أتى، فيكونُ ذلك منها جواباً لهم عند سؤالهم، ووعيداً للكافر، وإنذاراً للمؤمن.
وفي حديثها بأخبارها ثلاثةُ أقاويل:
أحدها: أن الله تعالى يقلبها حيواناً ناطقاً، فتتكلم بذلك.
الثاني: أن الله يحدث فيها الكلام.
الثالث: أنه يكون منها بيان يقوم مقام الكلام.
قال الطبريُّ: تبين أخبارها بالرَّجَّة، والزلزلة، وإخراج الموتى.
قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ﴾ متعلق ب «تُحدِّثُ» ، أي: تحدث الأرض بما أوحى إليها ويجوز أن يتعلق بنفس أخبارها.
وقيل: الباء زائدة و «أنَّ» وما في حيزها بدل من أخبارها.
وقيل: الباء سببية، أي: بسبب إيحاء الله إليها.
وقال الزمخشريُّ: «فإن قلت: أين مفعولاً» تُحدِّثُ» ؟ .
قلت: حذف أولهما، والثاني: أخبارها، أي: تحدث الخلق أخبارها، إلا أن المقصود ذكر تحديثها الأخبار لا ذكر الخلق تعظيماً لليوم.
فإن قلت: بم تعلقت الباء، في قوله «بأنَّ ربَّك» ؟ .
قلتُ: ب» تحدث «ومعناه: تحدث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها، وأمره إياها بالتحديث، ويجوز أن يكون المعنى: يومئذٍ تحدثُ بتحديث أن ربَّك أوحى لها أخبارها على أن تحديثها بأن ربِّك أوحى لها تحديث بأخبارها، كما تقول: نصحتني كُلَّ نصيحة بأن نصحتني في الدين» .
قال أبو حيان: وهو كلام فيه عفش، ينزه القرآن عنه.
قال شهاب الدين: وأي عفش فيه، فصحته وفصاحته، ولكنه لما طال تقديره من جهة إفادة هذا المعنى الحسن جعله عفشاً وحاشاه.
ثم قال الزمخشري: «ويجوز أن يكون» بأنَّ ربَّك «بدلاً من» أخبارها «كأنه قيل: يومئذ تحدث بأخبارها بأن ربَّك أوحى لها، لأنك تقول: حدثته كذا، وحدثته بكذا» .
قال أبو حيَّان: «وإذا كان الفعل تارة يتعدى بحرف جر، وتارة يتعدى بنفسه، وحرف الجر ليس بزائد، فلا يجوز في تابعه إلاَّ الموافقة في الإعراب، فلا يجوز:» استغفرتُ الذنب العظيم «بنصب» الذنب «وجر» العظيم «لجواز أنك تقول:» من الذنب «، ولا» اخترتُ زيداً الرجال الكرام «بنصب» الرجال «وخفض» الكرام «وكذلك لا يجوز:» استغفرتُ من الذنب العظيم «بجر» الذنب «ونصب» العظيم «وكذلك في» اخترتُ «فلو كان حرف الجر زائداً جاز الإتباع على موضع الاسم، بشروطه المحررة في علم النحو، تقول: ما رأيت من رجل عاقلاً، لأن» من «زائدة، ومن رجل عاقل على اللفظ، ولا يجوز نصب» رجل «وجر» عاقل «على مراعاة جواز دخول» من «وإن ورد شيء من ذلك، فبابه الشعر» . انتهى.
قال شهاب الدين: ولا أدري كيف يلزم الزمخشري ما ألزمه به من جميع المسائلِ التي ذكرها، فإن الزمخشري يقول: إن هذا بدل مما قبله، ثم ذكر مسوغ دخول الباءِ في البدل، وهو أن المبدل منه يجوز دخول الباء عليه، فلو حل البدل محل المبدل منه ومعه الباء لكان جائزاً، لأن العامل يتعدى به، وذكر مسوغاً لخلو المبدل منه من الباء، فقال: «لأنك تقول: حدثته كذا وحدثته بكذا» ، وأما كونه يمتنع أن يقول: «استغفرتُ الذنب العظيم» بنصب «الذنب» وجرّ «العظيمِ» إلى آخره، فليس في كلام الزمخشري شيء منه ألبتة، ونظير ما قاله الزمخشري في باب «استغفر» ان تقول: استغفرت الله ذنباً من شتمي زيداً، فقولك «من شتمي» بدل من «الذنب» ، وهذا جائزٌ لا محالة.
قوله
﴿أوحى لَهَا ﴾ . في هذه اللام أوجه: أحدها: أنها بمعنى «إلى» ، وإنما أوثرت على «إلى» لمراعاة الفواصل، والمعنى: أوحى لها تحدث أخبارها بوحي الله تعالى لها أي إليها، والعرب تضع لام الصفة موضع «إلى» ، قال العجَّاجُ يصفُ الأرض: [الرجز]
5265 - أوْحَى لهَا القَرار فاسْتقرَّتِ ... وشدَّهَا بالرَّاسياتِ الثُّبَّتِ
قاله أبو عبيدة.
الثاني: على أصلها، «أوحَى» يتعدى باللام تارة، وب «إلى» أخرى، ومنه البيت.
الثالث: اللام على بابها من العلة، والموحى إليه محذوف، وهو الملائكة، تقديره: أوحى إلى الملائكة لأجل الأرض، أي: لأجل ما يفعلون فيها.
قال الثوريُّ: تحدث أخبارها مما كان عليها من الطَّاعات والمعاصي، وما كان على ظهرها من خير وشر.
الزلزلة 99:5
مدنية في قول ابن عباس وقتادة، ومكية في قول ابن مسعود وعطاء وجابر، وهي ثمان آيات، وخمس وثلاثون كلمة، ومائة وتسع وأربعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا﴾ . «إذّا» شرط، وجوابه «تُحدِّثُ» ، وهو النَّاصب لها عند الجمهور.
وجوَّز أبو البقاء أن يكون العامل فيها مصدراً.
وغيره يجعل العامل فيها ما بعدها، وإن كان معمولاً لها بالإضافة تقديراً، واختاره مكي، وجعل ذلك نظير «من وما» ، يعني أنهما يعملان فيما بعدهما الجزم، وما بعدهما يعمل فيهما النصب، ولو مثل ب «أي» لكان أوضح.
وقيل: العامل فيها مقدر، أي: يحشرون.
وقيل: اذكر، وحينئذ يخرج عن الظرفية والشرط.
فصل في المناسبة بين أول هذه السورة وآخر السورة المتقدمة
وجه المناسبة بين أول هذه السُّورة وآخر السورة المتقدمة، أنه تعالى لما قال: ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ فكأن المكلف قال: ومتى يكون ذلك؟ .
فقيل له: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض﴾ فالعاملون كلهم يكونون في الخوف، وأنت في ذلك الوقت تنال جزاءك، وتكون آمناً، لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: 89] .
وقيل: لما ذكر في السُّورة المتقدمة وعيد الكافر ووعد المؤمن أراد أن يزيد في وعيد الكافر، فقال: أجازيه، حتى يقول الكافر السابق ذكره: ما للأرض تزلزلت، نظيره ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] ، فذكر سبحانه الطائفتين، وذكر ما لكل طائفةٍ، ثم جمع بينهما في آخر السورة بذكر الذرة من الخير، فإن قيل: «إذَا» للوقت، فكيف وجه البداية بها في السورة؟ الجواب: أنهم كانوا يسألونه عن الساعة، فقال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا﴾ فإنه تعالى يقول: لا سبيل إلى تعيينها بحسب وقتها، ولكن أعينه بحسب علاماته، أو أنه تعالى أراد أن يخبر المكلف أن الأرض تتحدث وتشهد يوم القيامة مع أنها في هذه الساعة جماد، فكأنه لما قيل: متى يكون ذلك؟ قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض﴾ .
فصل في معنى الزلزلة
روى عكرمة عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أنه كان يقول: النفخة الأولى تزلزلها، وهو قول مجاهد، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الراجفة تَتْبَعُهَا الرادفة﴾ [النازعات: 6، 7] ، ثم تزلزل ثانية، فتخرج موتاها، وهي الأثقال، وذكر المصدر للتأكيد، ثم أضيف إلى الأرض، كقولك: لأعطينَّكَ عطيتك، أي: عطيتي لك، وحسن ذلك لموافقة رءوس الآي بعدها.
وهو مصدر مضاف لفاعله، والمعنى زلزالها الذي تستحق ويقتضيه عظمها.
قال الزمخشري: «ونحوه قولك: أكرم التقي إكرامه، وأهن الفاسق إهانته» .
قرأ الجمهور: «زِلْزالهَا» بكسر الزاي، والجحدري وعيسى: بفتحها.
قيل: هما مصدران بمعنى.
وقيل: المكسور مصدر، والمفتوح اسم، قاله الزمخشري. وليس في الأبنية «فعلال» يعني غالباً، وإلا فقد ورد: ناقة جزعال.
قال القرطبيُّ: «والزَّلزال - بالفتح - مصدر، كالوسواس، والقلقال والجرْجَار» .
قوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ .
قال أبو عبيدة والأخفش: إذا كان الميت في بطن الأرض، فهو ثقل لها، وإذا كان فوقها، فهو ثقل عليها.
وقال ابن عباس ومجاهد: «أثْقَالهَا» موتاها، تخرجهم في النفخة الثانية.
ومنه قيل للجن والإنس: الثقلان، وقيل: «أثْقالهَا» : كنوزها، ومنه الحديث: «تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الإسطوان من الذهب والفضة» .
قوله: ﴿وَقَالَ الإنسان﴾ ، أي ابن آدم، الكافر.
وقال ابن عباس: هو الأسود بن عبد الأسد.
وقيل: أراد كلَّ إنسان يشاهد ذلك عند قيام الساعة في النفخة الأولى من مؤمن وكافر، وقوله: ﴿مَا لَهَا﴾ ابتداء وخبر، وهذا يرد قول من قال: إن الحال في نحو قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: 49] لازمة لئلا يصير الكلام غير مفيد، فإنه لا حال هنا، ومعنى: ﴿مَا لَهَا﴾ أي: ما لها زلزلت، وقيل: ما لها أخرجت أثقالها ﴿وهي كلمة تعجب، أي: لأي شيء زلزلت؟﴾ ويجوز أن يُحيي الله الموتى بعد وقوع النفخة الأولى، ثم تتحرك الأرض، فتخرج الموتى، وقد رأوا الزلزلة، وانشقاق الأرض عن الموتى فيقولون من الهول: ما لها، [كأنهم يخاطبون أنفسهم تعجباً] .
قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ، أي: يوم إذا زلزلت، والعامل في «يَومَئذٍ» : «تُحدِّثُ» إن جعلت «إذَا» منصوبة بما بعدها، [أو بمحذوف، وإن جعلت العامل فيها «تحدّث» كان «يومئذ» بدلاً منها فالعامل فيه] العامل فيها، أو شيء آخر، لأنه على تكرير العاملِ، وهو خلاف مشهور.
فصل في معنى الآية
معنى «تحدث أخبارها» ، أي: تخبر الأرض بما عمل عليها من خير، أو شر يومئذ.
ثم قيل: هو من قول الله تعالى.
وقيل: من قول الإنسان، أي: يقول الإنسان «مَا لَهَا» ، «تُحدِّثُ أخْبارهَا» متعجباً.
روى الترمذي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «قال قرأ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هذه الآية ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ قال: أتدْرُونَ ما أخْبارُهَا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنَّ أخبارها أن تشْهَدَ على كُلِّ عبدٍ أو أمةٍ بما عمل على ظهرهَا تقُول: عملَ يَوْمَ كَذَا، كَذَا وكَذَا، قال:» فهَذهِ أخْبارُهَا «» .
قال الماورديُّ: قوله تعالى: ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن تحدث أخبارها بأعمال العباد على ظهرها، قاله أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ورواه مرفوعاً، وهو قول من زعم أنها زلزلة القيامة.
الثاني: قال يحيى بن سلام: ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ بما أخرجت من أثقالها، وهو قول من زعم أنها زلزلة أشراط الساعة.
الثالث: قال ابن مسعود: أنها تحدث بقيام الساعة، إذا قال الإنسان: ما لها؟ فتحبر أن أمر الدنيا قد انقضى، وأمر الآخرةِ قد أتى، فيكونُ ذلك منها جواباً لهم عند سؤالهم، ووعيداً للكافر، وإنذاراً للمؤمن.
وفي حديثها بأخبارها ثلاثةُ أقاويل:
أحدها: أن الله تعالى يقلبها حيواناً ناطقاً، فتتكلم بذلك.
الثاني: أن الله يحدث فيها الكلام.
الثالث: أنه يكون منها بيان يقوم مقام الكلام.
قال الطبريُّ: تبين أخبارها بالرَّجَّة، والزلزلة، وإخراج الموتى.
قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ﴾ متعلق ب «تُحدِّثُ» ، أي: تحدث الأرض بما أوحى إليها ويجوز أن يتعلق بنفس أخبارها.
وقيل: الباء زائدة و «أنَّ» وما في حيزها بدل من أخبارها.
وقيل: الباء سببية، أي: بسبب إيحاء الله إليها.
وقال الزمخشريُّ: «فإن قلت: أين مفعولاً» تُحدِّثُ» ؟ .
قلت: حذف أولهما، والثاني: أخبارها، أي: تحدث الخلق أخبارها، إلا أن المقصود ذكر تحديثها الأخبار لا ذكر الخلق تعظيماً لليوم.
فإن قلت: بم تعلقت الباء، في قوله «بأنَّ ربَّك» ؟ .
قلتُ: ب» تحدث «ومعناه: تحدث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها، وأمره إياها بالتحديث، ويجوز أن يكون المعنى: يومئذٍ تحدثُ بتحديث أن ربَّك أوحى لها أخبارها على أن تحديثها بأن ربِّك أوحى لها تحديث بأخبارها، كما تقول: نصحتني كُلَّ نصيحة بأن نصحتني في الدين» .
قال أبو حيان: وهو كلام فيه عفش، ينزه القرآن عنه.
قال شهاب الدين: وأي عفش فيه، فصحته وفصاحته، ولكنه لما طال تقديره من جهة إفادة هذا المعنى الحسن جعله عفشاً وحاشاه.
ثم قال الزمخشري: «ويجوز أن يكون» بأنَّ ربَّك «بدلاً من» أخبارها «كأنه قيل: يومئذ تحدث بأخبارها بأن ربَّك أوحى لها، لأنك تقول: حدثته كذا، وحدثته بكذا» .
قال أبو حيَّان: «وإذا كان الفعل تارة يتعدى بحرف جر، وتارة يتعدى بنفسه، وحرف الجر ليس بزائد، فلا يجوز في تابعه إلاَّ الموافقة في الإعراب، فلا يجوز:» استغفرتُ الذنب العظيم «بنصب» الذنب «وجر» العظيم «لجواز أنك تقول:» من الذنب «، ولا» اخترتُ زيداً الرجال الكرام «بنصب» الرجال «وخفض» الكرام «وكذلك لا يجوز:» استغفرتُ من الذنب العظيم «بجر» الذنب «ونصب» العظيم «وكذلك في» اخترتُ «فلو كان حرف الجر زائداً جاز الإتباع على موضع الاسم، بشروطه المحررة في علم النحو، تقول: ما رأيت من رجل عاقلاً، لأن» من «زائدة، ومن رجل عاقل على اللفظ، ولا يجوز نصب» رجل «وجر» عاقل «على مراعاة جواز دخول» من «وإن ورد شيء من ذلك، فبابه الشعر» . انتهى.
قال شهاب الدين: ولا أدري كيف يلزم الزمخشري ما ألزمه به من جميع المسائلِ التي ذكرها، فإن الزمخشري يقول: إن هذا بدل مما قبله، ثم ذكر مسوغ دخول الباءِ في البدل، وهو أن المبدل منه يجوز دخول الباء عليه، فلو حل البدل محل المبدل منه ومعه الباء لكان جائزاً، لأن العامل يتعدى به، وذكر مسوغاً لخلو المبدل منه من الباء، فقال: «لأنك تقول: حدثته كذا وحدثته بكذا» ، وأما كونه يمتنع أن يقول: «استغفرتُ الذنب العظيم» بنصب «الذنب» وجرّ «العظيمِ» إلى آخره، فليس في كلام الزمخشري شيء منه ألبتة، ونظير ما قاله الزمخشري في باب «استغفر» ان تقول: استغفرت الله ذنباً من شتمي زيداً، فقولك «من شتمي» بدل من «الذنب» ، وهذا جائزٌ لا محالة.
قوله
﴿أوحى لَهَا ﴾ . في هذه اللام أوجه: أحدها: أنها بمعنى «إلى» ، وإنما أوثرت على «إلى» لمراعاة الفواصل، والمعنى: أوحى لها تحدث أخبارها بوحي الله تعالى لها أي إليها، والعرب تضع لام الصفة موضع «إلى» ، قال العجَّاجُ يصفُ الأرض: [الرجز]
5265 - أوْحَى لهَا القَرار فاسْتقرَّتِ ... وشدَّهَا بالرَّاسياتِ الثُّبَّتِ
قاله أبو عبيدة.
الثاني: على أصلها، «أوحَى» يتعدى باللام تارة، وب «إلى» أخرى، ومنه البيت.
الثالث: اللام على بابها من العلة، والموحى إليه محذوف، وهو الملائكة، تقديره: أوحى إلى الملائكة لأجل الأرض، أي: لأجل ما يفعلون فيها.
قال الثوريُّ: تحدث أخبارها مما كان عليها من الطَّاعات والمعاصي، وما كان على ظهرها من خير وشر.
الزلزلة 99:6
قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ إما بدل من «يَومئذٍ» قبله، وإما منصوب ب «يَصْدرُ» ، وإما منصوب ب «اذكر» مقدراً. وقوله تعالى: ﴿أَشْتَاتاً﴾ : حال من الناس، وهو جمع «شت» أي: متفرقين في الأمن والخوف والبياض والسواد، والصدر ضد الورود عن موضع الحساب، فريق إلى جهة اليمين إلى الجنة، وفريق إلى جهة الشَّمال إلى النار، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: 14] ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] .
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «أشْتَاتاً» متفرقين على قدر أعمالهم، أهل الإيمان على حدة، وأهل كل دين على حدة.
وقيل: هذا الصدر إنما هو عند النشور، يصدرون أشتاتاً، من القبور إلى موقف الحساب ليروا أعمالهم في كتبهم، أو ليروا جزاء أعمالهم، فإنهم وردوا القبور فدفنوا فيها ثم صدروا عنها، وقوله تعالى: ﴿أَشْتَاتاً﴾ ، أي: يبعثون من أقطار الأرض، فعلى هذا قوله تعالى: ﴿لِّيُرَوْاْ﴾ متعلق ب «يصدرُ» ، وعلى القول الأول فيه تقديم وتأخير أي: تحدث أخبارها بأن ربَّك أوحى لها، ليروا أعمالهم، واعترض قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناس أَشْتَاتاً﴾ متفرقين عن موقف الحساب، وعلى هذا تتعلق ب «أوحى» ، وقرأ العامة: ببنائه للمفعول، وهو من رؤية البصر، فتعدى بالهمزة إلى ثان، وهو أعمالهم، والتقدير: ليريهم الله أعمالهم.
وقرأ الحسن والأعرج: وقتادة، وحماد بن سلمة، ونصر بن عاصم، وطلحة، ويروى عن نافع: بفتحها.
قال الزمخشري: وهي قراءة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مبنياً للفاعل.
قوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ .
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: من يعمل من الكفار مثقال ذرة خيراً يره في الدنيا، ولا يثاب عليه في الآخرة، ومن يعمل مثقال ذرة من شر عوقب عليه في الآخرة مع عقاب الشرك، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من المؤمنين يره في الدنيا، ولا يعاقب عليه في الآخرة إذا مات، ويتجاوز عنه، وإن عمل مثقال ذرة من خير يقبل منه، ويضاعف له في الآخرة.
وفي بعض الحديث: «أن الذرة لا زنةَ لهَا» ، وهذا مثل ضربه الله تعالى أنه لا يغفل من عمل ابن آدم صغيرة، ولا كبيرة، وهو مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: 40] وقد تقدم أن الذر لا وزن له.
وذكر بعض أهل اللغةِ: أن الذَّرَّ: أن يضرب الرَّجل بيده على الأرض، فما علق بها من التراب فهو الذَّر، وكذا قال ابن عباس: إذا وضعت يدك على الأرض، ورفعتها، فكل واحد مما لزق به من التراب ذرة.
وقيل: الذر نملة صغيرة، وأصغر ما تكون إذا مضى عليها حول.
قال امرؤ القيس: [الطويل]
5266 - مِنَ القَاصِراتِ الطَّرفِ لوْ دَبَّ مُحوِلٌ ... مِنَ الذَّرَّ فوْقَ الإتْبِ منْهَا لأثَّرَا
قال محمد بن كعب القرظي: فمن يعمل مثقال ذرة من خير من كافر، يرى ثوابه في الدنيا، في نفسه وماله وأهله ووطنه، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في ماله ونفسه وأهله وولده، حتى يخرج من الدنيا، وليس له عند الله شر، ودليله ما رواه أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «أن هذه الآية نزلت على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ [وأبو بكر يأكل فأمسك، وقال: يا رسول الله] ، وإنا لنرى ما عملنا من خير وشر؟ قال النبي:» يا أبا بكر، مَا رأيْتَ في الدُّنيا مِمَا تكرَهُ فَهُوَ مَثَاقيلُ ذر الشر، ويدخر لكم مثاقِيلُ ذرِّ الخَيْرِ، حتَّى تُعطوهُ يَوْمَ القِيَامَةِ «» .
قال أبو إدريس: إن مصداقه في كتاب الله: ﴿وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30] .
قال مقاتل: نزلت في رجلين، وذلك أنه لما نزل ﴿وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبِّهِ﴾ [الإنسان: 8] ، كان أحدهم يأتيه السائلُ، فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة والجوزة، وكان الآخر يتهاون بالذَّنب اليسير، كالكذبة والغيبة والنظرة، ويقول: إنما أوعد الله النَّار على الكبائر، فنزلت ترغبهم في القليل من الخير أن يعطوه، فإنه يوشك أن يكثر، وتحذرهم اليسير من الذنب، فإنه يوشك أن يكثر، ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «اتَّقُوا النَّارَ ولَوْ بِشقِّ تَمرةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجدْ فَبِكَلمَةٍ طيِّبةٍ» .
فصل في قراءة «يره»
قوله: ﴿يَرَهُ﴾ ، جواب الشرط في الموضعين.
وقرأ هشام: بسكون هاء «يَرَهُ» وصلاً في الحرفين، وباقي السبعة: بضمها موصولة بواو وصلاً، وساكنة وقفاً، كسائر «ها» الكناية.
ونقل أبو حيان عن هشام وأبي بكر: سكونها.
وعن أبي عمرو: بضمها مشبعتين، وباقي السبعة بإشباع الأولى وسكون الثانية انتهى.
وكان ذلك لأجل الوقف على آخر السورة غالباً، أما لو وصلوا آخرها بأول «العَادِيَات» كان الحكم الإشباع، وهذا مقتضى أصولهم، وهو المنقول.
وقرأ العامة: «يَرَهُ» مبنياً للفاعل فيهما.
وقرأ ابن عبَّاسٍ والحسن ابنا علي بن أبي طالب، وزيد بن علي وابو حيوة وعاصم والكسائي في رواية الجحدريِّ والسلمي وعيسى بن عمر: بضم الياء، أي: يريه اللهُ إياه.
قال القرطبيُّ: والأولى الاختيار، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً﴾ [آل عمران: 30] .
وقرأ عكرمة: «يَرَاه» بالألف، إما على تقدير الجزم بحذف الحركة المقدرة، وإما على توهم أن «من» موصولة. وتقدم هذا في أواخر «يوسف» . ومعنى «يره» أي: يرى جزاءه؛ لأن ما عمله قد مضى وعدم.
وحكى الزمخشري: إن أعرابياً أخر: «خَيْراً يرهُ» ، فقيل له: قدمت وأخرت؛ فقال: [الطويل]
5267 - خُذَا جَنْبَ هَرْشَى أو قَفَاهَا فإنَّهُ ... كِلاَ جَانِبَيْ هَرْشَى لهُنَّ طَريقُ
انتهى.
يريد: أن التقديم والتأخير سواء، وهذا لا يجوز - ألبتة - فإنه خطأ، فلا يعتمد به قراءة. وفي نصب «خيراً، وشراً» ، وجهان:
أظهرهما: أنهما تمييز لأنه مقدار.
والثاني: أنهما بدلان من مثقال.
فصل في الكلام على هذه الآية
قال ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: هذه أحكم آية في القرآن وأصدق. وقد اتفق العلماء على عموم هذه الآية، القائلون بالعموم ومن لم يقل به.
قال كعبُ الأحبار - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: لقد أنزل الله تعالى على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ آيتين، أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ . [وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يسمي هذه الآية الجامعة الفاذّة] .
روى مالك في «الموطأ» : أن مسكيناً استطعم عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وبين يديها عنب، فقالت لإنسان: خذ حبة وأعطه إياها، فجعل ينظر إليها ويتعجب، فقالت عائشة: أتعجب، كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة.
روى الترمذي عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ عدَلتْ لهُ نِصفَ القُرآنِ، ومَنْ قَرَأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ عدلتْ لهُ ثُلُثَ القُرآنِ» .
وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ أربعَ مرَّاتٍ، كَانَ كَمَنْ قَرَأ القُرآنَ كُلَّهُ» والله أعلم.
سورة العاديات
الزلزلة 99:7
قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ إما بدل من «يَومئذٍ» قبله، وإما منصوب ب «يَصْدرُ» ، وإما منصوب ب «اذكر» مقدراً. وقوله تعالى: ﴿أَشْتَاتاً﴾ : حال من الناس، وهو جمع «شت» أي: متفرقين في الأمن والخوف والبياض والسواد، والصدر ضد الورود عن موضع الحساب، فريق إلى جهة اليمين إلى الجنة، وفريق إلى جهة الشَّمال إلى النار، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: 14] ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] .
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «أشْتَاتاً» متفرقين على قدر أعمالهم، أهل الإيمان على حدة، وأهل كل دين على حدة.
وقيل: هذا الصدر إنما هو عند النشور، يصدرون أشتاتاً، من القبور إلى موقف الحساب ليروا أعمالهم في كتبهم، أو ليروا جزاء أعمالهم، فإنهم وردوا القبور فدفنوا فيها ثم صدروا عنها، وقوله تعالى: ﴿أَشْتَاتاً﴾ ، أي: يبعثون من أقطار الأرض، فعلى هذا قوله تعالى: ﴿لِّيُرَوْاْ﴾ متعلق ب «يصدرُ» ، وعلى القول الأول فيه تقديم وتأخير أي: تحدث أخبارها بأن ربَّك أوحى لها، ليروا أعمالهم، واعترض قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناس أَشْتَاتاً﴾ متفرقين عن موقف الحساب، وعلى هذا تتعلق ب «أوحى» ، وقرأ العامة: ببنائه للمفعول، وهو من رؤية البصر، فتعدى بالهمزة إلى ثان، وهو أعمالهم، والتقدير: ليريهم الله أعمالهم.
وقرأ الحسن والأعرج: وقتادة، وحماد بن سلمة، ونصر بن عاصم، وطلحة، ويروى عن نافع: بفتحها.
قال الزمخشري: وهي قراءة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مبنياً للفاعل.
قوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ .
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: من يعمل من الكفار مثقال ذرة خيراً يره في الدنيا، ولا يثاب عليه في الآخرة، ومن يعمل مثقال ذرة من شر عوقب عليه في الآخرة مع عقاب الشرك، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من المؤمنين يره في الدنيا، ولا يعاقب عليه في الآخرة إذا مات، ويتجاوز عنه، وإن عمل مثقال ذرة من خير يقبل منه، ويضاعف له في الآخرة.
وفي بعض الحديث: «أن الذرة لا زنةَ لهَا» ، وهذا مثل ضربه الله تعالى أنه لا يغفل من عمل ابن آدم صغيرة، ولا كبيرة، وهو مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: 40] وقد تقدم أن الذر لا وزن له.
وذكر بعض أهل اللغةِ: أن الذَّرَّ: أن يضرب الرَّجل بيده على الأرض، فما علق بها من التراب فهو الذَّر، وكذا قال ابن عباس: إذا وضعت يدك على الأرض، ورفعتها، فكل واحد مما لزق به من التراب ذرة.
وقيل: الذر نملة صغيرة، وأصغر ما تكون إذا مضى عليها حول.
قال امرؤ القيس: [الطويل]
5266 - مِنَ القَاصِراتِ الطَّرفِ لوْ دَبَّ مُحوِلٌ ... مِنَ الذَّرَّ فوْقَ الإتْبِ منْهَا لأثَّرَا
قال محمد بن كعب القرظي: فمن يعمل مثقال ذرة من خير من كافر، يرى ثوابه في الدنيا، في نفسه وماله وأهله ووطنه، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في ماله ونفسه وأهله وولده، حتى يخرج من الدنيا، وليس له عند الله شر، ودليله ما رواه أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «أن هذه الآية نزلت على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ [وأبو بكر يأكل فأمسك، وقال: يا رسول الله] ، وإنا لنرى ما عملنا من خير وشر؟ قال النبي:» يا أبا بكر، مَا رأيْتَ في الدُّنيا مِمَا تكرَهُ فَهُوَ مَثَاقيلُ ذر الشر، ويدخر لكم مثاقِيلُ ذرِّ الخَيْرِ، حتَّى تُعطوهُ يَوْمَ القِيَامَةِ «» .
قال أبو إدريس: إن مصداقه في كتاب الله: ﴿وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30] .
قال مقاتل: نزلت في رجلين، وذلك أنه لما نزل ﴿وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبِّهِ﴾ [الإنسان: 8] ، كان أحدهم يأتيه السائلُ، فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة والجوزة، وكان الآخر يتهاون بالذَّنب اليسير، كالكذبة والغيبة والنظرة، ويقول: إنما أوعد الله النَّار على الكبائر، فنزلت ترغبهم في القليل من الخير أن يعطوه، فإنه يوشك أن يكثر، وتحذرهم اليسير من الذنب، فإنه يوشك أن يكثر، ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «اتَّقُوا النَّارَ ولَوْ بِشقِّ تَمرةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجدْ فَبِكَلمَةٍ طيِّبةٍ» .
فصل في قراءة «يره»
قوله: ﴿يَرَهُ﴾ ، جواب الشرط في الموضعين.
وقرأ هشام: بسكون هاء «يَرَهُ» وصلاً في الحرفين، وباقي السبعة: بضمها موصولة بواو وصلاً، وساكنة وقفاً، كسائر «ها» الكناية.
ونقل أبو حيان عن هشام وأبي بكر: سكونها.
وعن أبي عمرو: بضمها مشبعتين، وباقي السبعة بإشباع الأولى وسكون الثانية انتهى.
وكان ذلك لأجل الوقف على آخر السورة غالباً، أما لو وصلوا آخرها بأول «العَادِيَات» كان الحكم الإشباع، وهذا مقتضى أصولهم، وهو المنقول.
وقرأ العامة: «يَرَهُ» مبنياً للفاعل فيهما.
وقرأ ابن عبَّاسٍ والحسن ابنا علي بن أبي طالب، وزيد بن علي وابو حيوة وعاصم والكسائي في رواية الجحدريِّ والسلمي وعيسى بن عمر: بضم الياء، أي: يريه اللهُ إياه.
قال القرطبيُّ: والأولى الاختيار، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً﴾ [آل عمران: 30] .
وقرأ عكرمة: «يَرَاه» بالألف، إما على تقدير الجزم بحذف الحركة المقدرة، وإما على توهم أن «من» موصولة. وتقدم هذا في أواخر «يوسف» . ومعنى «يره» أي: يرى جزاءه؛ لأن ما عمله قد مضى وعدم.
وحكى الزمخشري: إن أعرابياً أخر: «خَيْراً يرهُ» ، فقيل له: قدمت وأخرت؛ فقال: [الطويل]
5267 - خُذَا جَنْبَ هَرْشَى أو قَفَاهَا فإنَّهُ ... كِلاَ جَانِبَيْ هَرْشَى لهُنَّ طَريقُ
انتهى.
يريد: أن التقديم والتأخير سواء، وهذا لا يجوز - ألبتة - فإنه خطأ، فلا يعتمد به قراءة. وفي نصب «خيراً، وشراً» ، وجهان:
أظهرهما: أنهما تمييز لأنه مقدار.
والثاني: أنهما بدلان من مثقال.
فصل في الكلام على هذه الآية
قال ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: هذه أحكم آية في القرآن وأصدق. وقد اتفق العلماء على عموم هذه الآية، القائلون بالعموم ومن لم يقل به.
قال كعبُ الأحبار - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: لقد أنزل الله تعالى على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ آيتين، أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ . [وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يسمي هذه الآية الجامعة الفاذّة] .
روى مالك في «الموطأ» : أن مسكيناً استطعم عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وبين يديها عنب، فقالت لإنسان: خذ حبة وأعطه إياها، فجعل ينظر إليها ويتعجب، فقالت عائشة: أتعجب، كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة.
روى الترمذي عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ عدَلتْ لهُ نِصفَ القُرآنِ، ومَنْ قَرَأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ عدلتْ لهُ ثُلُثَ القُرآنِ» .
وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ أربعَ مرَّاتٍ، كَانَ كَمَنْ قَرَأ القُرآنَ كُلَّهُ» والله أعلم.
سورة العاديات
الزلزلة 99:8
قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ إما بدل من «يَومئذٍ» قبله، وإما منصوب ب «يَصْدرُ» ، وإما منصوب ب «اذكر» مقدراً. وقوله تعالى: ﴿أَشْتَاتاً﴾ : حال من الناس، وهو جمع «شت» أي: متفرقين في الأمن والخوف والبياض والسواد، والصدر ضد الورود عن موضع الحساب، فريق إلى جهة اليمين إلى الجنة، وفريق إلى جهة الشَّمال إلى النار، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: 14] ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] .
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «أشْتَاتاً» متفرقين على قدر أعمالهم، أهل الإيمان على حدة، وأهل كل دين على حدة.
وقيل: هذا الصدر إنما هو عند النشور، يصدرون أشتاتاً، من القبور إلى موقف الحساب ليروا أعمالهم في كتبهم، أو ليروا جزاء أعمالهم، فإنهم وردوا القبور فدفنوا فيها ثم صدروا عنها، وقوله تعالى: ﴿أَشْتَاتاً﴾ ، أي: يبعثون من أقطار الأرض، فعلى هذا قوله تعالى: ﴿لِّيُرَوْاْ﴾ متعلق ب «يصدرُ» ، وعلى القول الأول فيه تقديم وتأخير أي: تحدث أخبارها بأن ربَّك أوحى لها، ليروا أعمالهم، واعترض قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناس أَشْتَاتاً﴾ متفرقين عن موقف الحساب، وعلى هذا تتعلق ب «أوحى» ، وقرأ العامة: ببنائه للمفعول، وهو من رؤية البصر، فتعدى بالهمزة إلى ثان، وهو أعمالهم، والتقدير: ليريهم الله أعمالهم.
وقرأ الحسن والأعرج: وقتادة، وحماد بن سلمة، ونصر بن عاصم، وطلحة، ويروى عن نافع: بفتحها.
قال الزمخشري: وهي قراءة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مبنياً للفاعل.
قوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ .
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: من يعمل من الكفار مثقال ذرة خيراً يره في الدنيا، ولا يثاب عليه في الآخرة، ومن يعمل مثقال ذرة من شر عوقب عليه في الآخرة مع عقاب الشرك، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من المؤمنين يره في الدنيا، ولا يعاقب عليه في الآخرة إذا مات، ويتجاوز عنه، وإن عمل مثقال ذرة من خير يقبل منه، ويضاعف له في الآخرة.
وفي بعض الحديث: «أن الذرة لا زنةَ لهَا» ، وهذا مثل ضربه الله تعالى أنه لا يغفل من عمل ابن آدم صغيرة، ولا كبيرة، وهو مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: 40] وقد تقدم أن الذر لا وزن له.
وذكر بعض أهل اللغةِ: أن الذَّرَّ: أن يضرب الرَّجل بيده على الأرض، فما علق بها من التراب فهو الذَّر، وكذا قال ابن عباس: إذا وضعت يدك على الأرض، ورفعتها، فكل واحد مما لزق به من التراب ذرة.
وقيل: الذر نملة صغيرة، وأصغر ما تكون إذا مضى عليها حول.
قال امرؤ القيس: [الطويل]
5266 - مِنَ القَاصِراتِ الطَّرفِ لوْ دَبَّ مُحوِلٌ ... مِنَ الذَّرَّ فوْقَ الإتْبِ منْهَا لأثَّرَا
قال محمد بن كعب القرظي: فمن يعمل مثقال ذرة من خير من كافر، يرى ثوابه في الدنيا، في نفسه وماله وأهله ووطنه، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في ماله ونفسه وأهله وولده، حتى يخرج من الدنيا، وليس له عند الله شر، ودليله ما رواه أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «أن هذه الآية نزلت على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ [وأبو بكر يأكل فأمسك، وقال: يا رسول الله] ، وإنا لنرى ما عملنا من خير وشر؟ قال النبي:» يا أبا بكر، مَا رأيْتَ في الدُّنيا مِمَا تكرَهُ فَهُوَ مَثَاقيلُ ذر الشر، ويدخر لكم مثاقِيلُ ذرِّ الخَيْرِ، حتَّى تُعطوهُ يَوْمَ القِيَامَةِ «» .
قال أبو إدريس: إن مصداقه في كتاب الله: ﴿وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30] .
قال مقاتل: نزلت في رجلين، وذلك أنه لما نزل ﴿وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبِّهِ﴾ [الإنسان: 8] ، كان أحدهم يأتيه السائلُ، فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة والجوزة، وكان الآخر يتهاون بالذَّنب اليسير، كالكذبة والغيبة والنظرة، ويقول: إنما أوعد الله النَّار على الكبائر، فنزلت ترغبهم في القليل من الخير أن يعطوه، فإنه يوشك أن يكثر، وتحذرهم اليسير من الذنب، فإنه يوشك أن يكثر، ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «اتَّقُوا النَّارَ ولَوْ بِشقِّ تَمرةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجدْ فَبِكَلمَةٍ طيِّبةٍ» .
فصل في قراءة «يره»
قوله: ﴿يَرَهُ﴾ ، جواب الشرط في الموضعين.
وقرأ هشام: بسكون هاء «يَرَهُ» وصلاً في الحرفين، وباقي السبعة: بضمها موصولة بواو وصلاً، وساكنة وقفاً، كسائر «ها» الكناية.
ونقل أبو حيان عن هشام وأبي بكر: سكونها.
وعن أبي عمرو: بضمها مشبعتين، وباقي السبعة بإشباع الأولى وسكون الثانية انتهى.
وكان ذلك لأجل الوقف على آخر السورة غالباً، أما لو وصلوا آخرها بأول «العَادِيَات» كان الحكم الإشباع، وهذا مقتضى أصولهم، وهو المنقول.
وقرأ العامة: «يَرَهُ» مبنياً للفاعل فيهما.
وقرأ ابن عبَّاسٍ والحسن ابنا علي بن أبي طالب، وزيد بن علي وابو حيوة وعاصم والكسائي في رواية الجحدريِّ والسلمي وعيسى بن عمر: بضم الياء، أي: يريه اللهُ إياه.
قال القرطبيُّ: والأولى الاختيار، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً﴾ [آل عمران: 30] .
وقرأ عكرمة: «يَرَاه» بالألف، إما على تقدير الجزم بحذف الحركة المقدرة، وإما على توهم أن «من» موصولة. وتقدم هذا في أواخر «يوسف» . ومعنى «يره» أي: يرى جزاءه؛ لأن ما عمله قد مضى وعدم.
وحكى الزمخشري: إن أعرابياً أخر: «خَيْراً يرهُ» ، فقيل له: قدمت وأخرت؛ فقال: [الطويل]
5267 - خُذَا جَنْبَ هَرْشَى أو قَفَاهَا فإنَّهُ ... كِلاَ جَانِبَيْ هَرْشَى لهُنَّ طَريقُ
انتهى.
يريد: أن التقديم والتأخير سواء، وهذا لا يجوز - ألبتة - فإنه خطأ، فلا يعتمد به قراءة. وفي نصب «خيراً، وشراً» ، وجهان:
أظهرهما: أنهما تمييز لأنه مقدار.
والثاني: أنهما بدلان من مثقال.
فصل في الكلام على هذه الآية
قال ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: هذه أحكم آية في القرآن وأصدق. وقد اتفق العلماء على عموم هذه الآية، القائلون بالعموم ومن لم يقل به.
قال كعبُ الأحبار - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: لقد أنزل الله تعالى على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ آيتين، أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ . [وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يسمي هذه الآية الجامعة الفاذّة] .
روى مالك في «الموطأ» : أن مسكيناً استطعم عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وبين يديها عنب، فقالت لإنسان: خذ حبة وأعطه إياها، فجعل ينظر إليها ويتعجب، فقالت عائشة: أتعجب، كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة.
روى الترمذي عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ عدَلتْ لهُ نِصفَ القُرآنِ، ومَنْ قَرَأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ عدلتْ لهُ ثُلُثَ القُرآنِ» .
وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ أربعَ مرَّاتٍ، كَانَ كَمَنْ قَرَأ القُرآنَ كُلَّهُ» والله أعلم.
سورة العاديات
العاديات 100:1
مكية، في قول ابن مسعود، وجابر، والحسن، وعكرمة، وعطاء، ومدنية في قول ابن عباس، وأنس بن مالك، وقتادة، وهي إحدى عشرة آية، وأربعون كلمة، ومائة وثلاثة وستون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والعاديات﴾ ، جمع عادية، وهي الجارية بسرعة من العدو، وهو المشي بسرعةٍ، والياء منقلبة عن واو لكسر ما قبلها، نحو: الغازيات، من الغزو، ويقال: عَدا يَعْدُو عَدْواً، فهو عادٍ، وهي عادية. وقد تقدم هذا في سورة «المؤمنين» .
قال عامة المفسرين: يريد الأفراس تعدو في سبيل الله تعالى.
قوله: ﴿ضَبْحاً﴾ ، فيه أوجه:
أحدها: أنه مصدر مؤكد لاسم الفاعل، فإن الضبح نوعٌ من السير والعدو كالضبع، يقال: ضبح وضبع، إذا عدا بشدة، أخذاً من الضبع وهو الذراع، لأنه يمده عند العدو، وكأن الحاء بدل من العين، وإلى هذا ذهب أبو عبيدة والمبردُ.
قال عنترةُ: [مجزوء الكامل]
5268 - والخَيْلُ تَعْلَمُ حِينَ تَضْ ... بَحُ في حِيَاضِ المَوْتِ ضَبْحَا
الثاني: أنه مصدر في موضع الحال، أي: ضابحات وذوي ضبح والضبح: صوت يسمع من صدور الخيل عند العدو، وليس بصهيل.
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه حكاه، فقال: أحٍ أحٍ.
وقال قتادة: تضبح إذا عدت، أي: تحمحم.
وقال الفراء: والضبح: أصوات أنفاسها إذا عدون. وقيل: كانت تكمكم لئلا تصهل، فيعلم العدو بهم، فكانت تتنفس في هذه الحال بقوة.
ونقل عن ابن عباسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: أنه لم يضبح من الحيوان غير الخيل والكلب والثعلب، وهذا ينبغي أن يصحَّ عنه؛ لأنه روي عنه أنه قال: سُئلتُ عنها، ففسرتها بالخيل؛ وكان علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - تحت سقاية زمزم، فسأله، فذكر ما قلت؛ فدعاني، فلما وقفت على رأسه، قال: تفتي الناس بغير علمٍ، والله إنها لأولُ غزوةٍ في الإسلامِ، وهي بدر، ولم يكن معنا إلا فرسان: فرسٌ للمقدادِ، وفرس للزبير، فكيف تكون العاديات ضبحاً؟ إنما العاديات الإبل من «عرفة» إلى «المزدلفة» ، ومن «المزدلفة» إلى «منى» يعني إبل الحاج.
قال ابن عباسٍ: فرجعت إلى قول علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وبه قال ابن مسعود، وعبيد بن عمير، ومحمد بن كعب، والسديُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
ومنه قول صفية بنت عبد المطلب: [الوافر]
5269 - فَلاَ والعَاديَاتِ غَداةَ جَمْعٍ ... بأيْديهَا إذا سَطعَ الغُبَارُ
إلا أن الزمخشري، قال بعد ذلك: «فإن صحت الروايةُ، فقد استعير الضبحُ للإبل، كما استعير المشافر والحافر للإنسان، والشفتان للمُهْرِ» .
ونقل غيره: أن الضبح، يكون في الإبل، والأسود من الحيَّات، والبُوم، والصدى، والأرنب، والثعلب، والفرس.
وأنشد أبو حنيفة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الرجز]
5270 - حنَّانةٌ من نشَمٍ أو تَألَبِ ... تَضْبَحُ في الكفِّ ضُباحَ الثَّعْلبِ
قال شهاب الدين: وهذا عندي من الاستعارة، ونقل أهل اللغة أن أصل الضبح في الثعلب فاستعير للخيل، وهو ضبحته النار، إذا غيرت لونه ولم تبالغ وانضبح لونه تغير لسواد قليل، والضبح أيضاً الرماد.
الثالث من أوجه النصب: أن يكون منصوباً بفعل مقدر، أي: يضبح ضبحاً، وهذا الفعل حال من «العَاديَاتِ» .
الرابع: أنه منصوب ب «العَادِياتَ» ، وإن كان المراد به الصوت.
قال الزمخشري: «كأنه قيل: والضابحات، لأن الضبح يكون مع العدو» .
قال أبو حيَّان: «وإذا كان الضَّبح مع العدو، فلا يكونُ معنى والعاديات معنى الضابحات فلا ينبغي أن يفسر به» انتهى.
قال شهاب الدين: لم يقل الزمخشري إنه بمعناه، إنما جعله منصوباً، لأنه لازم لا يفارقه، فكأنه ملفوظ به. وقوله: كأنه قيل؛ تفسير التلازم لا أنه هو هو.
فصل في هذا القسم
قال ابن العربي: أقسم الله تعالى بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: ﴿يس والقرآن الحكيم﴾ [يس: 1، 2] ، وأقسم بحياته فقال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: 72] ، وأقسم بخيله وصهيلها وغبارها، وقدح حوافرها النار من الحجر، فقال: ﴿والعاديات ضَبْحاً﴾ .
وقال الشعبيُّ: تمارى عليٌّ وابن عباس في «العَادِياتَ» فقال علي: هي الإبل تعدو في الحج.
وقال ابن عباس: هي الخيلُ، ألا تراه يقولُ: «فأثَرْنَ بِهِ نَقْعاً» فهل تثير إلا بحوافرها وهل تضبح الإبل؟ .
فقال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: ليس كما قلت لقد رأيتنا يوم بدر وما معنا إلا فرس أبلق للمقداد، وفرس لمرثد بن أبي مرثد.
وعلى هذا فالقول: ﴿فالموريات قَدْحاً﴾ أي: الحافر يرمي بالحجر من شدة العدو، فيضرب به حجارة أخرى فتوري النار، أو يكون المعنى: الذين يركبون الإبل، وهم الحجيج إذا أوقدوا نيرانهم ب «المزدلفة» ، وقوله تعالى: ﴿فالمغيرات صُبْحاً﴾ ، والإغارة: سرعة السير، وهم يدفعون صبيحة يوم النحر مسرعين إلى «منى» .
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ يعني «مزدلفة» ، لأنها تسمى بجمع، لاجتماع الحاجِّ بها، وعلى هذا التقدير، فوجه القسم بها ما تقدم ذكره من المنافع الكثيرة في قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: 17] .
وأيضاً: الغرض بذكر إبل الحج: الترغيب في الحج، فإن الكنود: هو الكفور، والذي لم يحج بعد الوجوب موصوف بذلك، كما في قوله تعالى: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين﴾ [آل عمران: 97] .
ومن قال: هي الخيل، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك وعطاء وأكثر المحققين، قال: إنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بعث سرية إلى أناس من بني كنانة، فأبطأ عليه خبرها، وكان استعمل عليها المنذر بن عمرو الأنصاري، وكان أحد النقباء، فقال المنافقون: إنهم قتلوا فنزلت هذه السورة إخباراً للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بسلامتها، وبشارة له بإغارتها على القوم، فالمراد: الخيل التي يغزو عليها المؤمنون.
وفي الخبر:
«مَنْ لمْ يَعرفْ حُرمَةَ فرسِ الغَازي، ففيهِ شُعبةٌ مِنَ النِّفاقِ» ، وعلى هذا القول، فالسورة مدنية، لأن الإذن في القتال إنما كان ب «المدينة» .
قوله: ﴿فالموريات قَدْحاً﴾ ، قال عكرمة وعطاء والضحاك: هي الخيلُ حين توري النار بحوافرها وهي سنابكها.
و «قَدْحاً» يجوز أن يكون مصدراً مؤكداً؛ لأن الإيراء من القدح، يقال: قدح فأورى، وقدح فأصلد.
ويجوز أن يكون حالاً، فالمعنى: «قادحات» ، أي: ضابحات بحوافرها ما توري النار، ويقال: قدحت الحجر بالحجر، أي: صككته به.
وقال الزمخشريُّ: انتصب «قدحاً» بما انتصب به «ضبحاً» وكأنه جوّز في نصبه ثلاثة أوجه: النصب بإضمار فعله، والنصب باسم الفاعل قبله لأنه ملازمه، والنصب على الحال، وتسمى تلك النار التي تخرج من الحوافر: نار الحباحب.
قال: [الطويل]
5271 - تَقُدُّ السَّلوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجهُ ... وتُوقِدُ بالصُّفَّاحِ نَارَ الحُباحِبِ
فصل في معنى الموريات
روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أورت بحوافرها غباراً، وهذا يخالف سائر ما روي عنه في قدحِ النارِ، وإنما هذا في الإبل [وروى ابن نجيح عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - في قوله تعالى: ﴿فالموريات قَدْحاً﴾ قال هي في القتال وهو في الحج، قاله ابن مسعود هي الإبل تطأ الحصى فيخرج منه النار] .
وأصل القدح: الاستخراج، ومنه قدحت العين: إذا أخرجت منها الماء الفاسد، واقتدحت بالزّند، واقتدحت المرق: غرفته. ورَكيٌّ قدوح: يغرف باليد.
والقديح: ما يبقى في أسفل القدر، فيغرف بجهد، والمقدحة: ما تقدح به النار.
والقداحة والقداح: الحجر الذي يُورِي النار.
يقال: وَرَى الزند - بالفتح - يري ورْياً: إذا خرجت ناره، وفيه لغة أخرى، ورِي الزند - بالكسر - يرى فيهما، وقد مضى في سورة «الواقعة» .
وقيل: هذه الآيات في الخيل، ولكن إيراءها: أن تهيج الحرب بين أصحابها، وبين عدوهم. ويقال للحرب إذا التحمت: حَمِيَ الوطيس، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله﴾ [المائدة: 64] .
قال ابن عباس: المراد ب ﴿فالموريات قَدْحاً﴾ مكر الرجال في الحرب، وقاله مجاهد وزيد ين أسلم: والعربُ يقولون إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه: والله لأمكرن بك، ثم لأورين لك.
وعن ابن عباس أيضاً: هم الذين يغزون فيورون نيرانهم بالليل، لحاجتهم وطعامهم.
وعنه أيضاً أنها نيران المجاهدين إذا كثرت نارها إرهاباً، ليظنها العدو كثيراً.
وقيل: هي أفكار الرجال توري النار من عظيم ما تتكلم به ويظهر بها من إقامة الحججِ، وإقامةِ الدَّلائلِ، وإيضاح الحق، وإبطال الباطلِ.
قال القرطبي: هذه الأقوال مجاز , ومنه قولهم: فلان يُوري بها من إقامة الحججِ , وإقامة الدَّلائلِ , وإيضاح الحق , وإبطال الباطلِ. قال القرطبي: هذه الأقوال مجاز , ومنه قولهم: فلان يُوري زناد الضلالة , والأول: الحقيقة , وأن الخيل من شدة عدوها تقدح النَّار بحوافرها. قال مقاتل: العرب تسمى تلك النَّار نار أبي حُبَاحب , وكان أبو حباحب شيخاً من مضر في الجاهلية , من أبخل الناس , وكان لا يُوقد الخبز ولا غيره حتى تنام العيون , فيوقد نُويْرَة تقد مرة , وتخمد أخرى , فإن استيقظ لها أحد أطفأها , كراهية أن ينتفع بها أحدٌ , فشبهت هذه النار بناره؛ لأنه لا ينتفع بها.
وكذلك إذا وقع السيف على البيضة فاقتدحت ناراً فكذلك يسمونها.
قال النابغة: [الطويل]
5272 - ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلولٌ من قِرَاعِ الكَتائبِ
تَقُدُّ السَّلوقِيَّ المُضاعفَ نَسْجهُ ... وتُوقِدُ بالصُّفَّاحِ نَارَ الحُبَاحِبِ
قوله: ﴿فالمغيرات صُبْحاً﴾ ظرف؛ أي: التي تغير وقت الصبح، يقال: أغار يغير إغارة وغارةً: إذا باغت عدواً نهباً وقتلاً وأسراً؛ قال: [البسيط]
5273 - فَليْتَ لِي بِهمُ قَوماً إذَا رَكِبُوا ... شَنُّوا الإغَارَة فُرْسَاناً ورُكْبَانَا
وأغار وغار أيضاً: نزل الغور، وهو المنهبط من الأرض.
قوله: ﴿فَأَثَرْنَ﴾ . عطف الفعل على الاسم، لأن الاسم في تأويل الفعل لوقوعه صلى ل «أل» .
قال الزمخشريُّ: «معطوف على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه، يعني في الأصل؛ إذ الأصل: واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن» .
قوله: ﴿بِهِ﴾ . في الهاء أوجه:
أحدها: أنه ضمير الصبح، أي: فأثرن في وقت الصبح غباراً. وهذا حسن، لأنه مذكور بالتصريح.
الثاني: أنه عائد على المكان، وإن لم يجر له ذكر؛ لأن الإشارة لا بد لها من مكان، والسياق والعقل لا يدلان عليه، وإذا علم بالمعنى جاز أن يكون عما لم يجري له ذكر بالصريح كقوله تعالى: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] . وفي عبارة الزمخشري: «وقيل: الضمير لمكان الغارةِ» ، وهذا على تلك اللغيَّة وإلا فالفصيح أن تقول: الإغارة.
الثالث: أنه ضمير العدو الذي دل عليه «والعَادِيَاتِ» .
وقرأ العامة: بتخفيف الثاء، أثار كذا إذا نشره وفرقه من ارتفاع.
وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة: بتشديدها.
وخرجه الزمخشري على وجهين:
الأول: بمعنى فأظهرن به غباراً؛ لأن التأثير فيه معنى الإظهار.
الثاني: قلب «ثورن» إلى «وثَرْنَ» ، وقلب الواو همزة انتهى.
يعني: الأصل «ثَوّرنَ» من ثور يثور - بالتشديد - عداه بالتضعيف كما يعدى بالهمزة في قولك: أثاره ثم قلب الكلمة بأن جعل العين وهي الواو موضع الفاء وهي الثاء، ووزنها حينئذ «عفلن» ثم قلب الواو همزة، فصار: «أثَرْنَ» ، وهذا بعيد جداً، وعلى تقدير التسليم، فقلب الواو المفتوحة همزة لا ينقاس، إنما جاءت منه ألفاظ ك «احد وأناة» والنقع: الغبار.
وأنشد: [البسيط]
5274 - يَخْرُجْنَ مِنْ مُسْتَطَارِ دَائمَةً ... كَأنَّ آذَانهَا أطْرافُ أقْلامِ
وقال ابن رواحة: [الوافر]
5275 - عَدِمتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَروْهَا ... تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنفَيْ كَدَاءِ
وقال أبو عبيدة: النقع، رفع الصوت؛ قال لبيدٌ: [الرمل]
5276 - فَمتَى يَنْقَعْ صُراخٌ صَادِقٌ ... يُحْلبُوهَا ذَاتَ جَرْسٍ وزَجَلْ
يروى: «يجلبوها» أيضاً، يقول: متى سمعوا صراخاً أجلبوا الحرب، أي: جمعوا لها، وقوله: «ينقع صراخ» يعني رفع الصوت.
قال الزمخشري: ويجوز أن يراد بالنَّقع: الصياح، من قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «لَمْ يكُنْ نَقعٌ ولا لَقلَقةٌ» .
وقول لبيد: [الرمل]
5277 - فَمتَى يَنْقَعْ صُراخٌ صادِقٌ ... أي: فهيجن في المغار عليهم صياحاً وجلبة.
وقال أبو عبيد: وعلى هذا رأيت قول أكثر أهل العلم، انتهى. فعلى هذا تكون الباء بمعنى «في» ويعود الضمير على المكان الذي فيه الإغارة، كما تقدم.
وقال الكسائيُّ: قوله: «نقْعٌ ولا لقْلقَةٌ» النّقع: صنعة الطعام، يعني في المأتم يقال منه: نقعت أنقع نقعاً. قال أبو عبيد: ذهب بالنقع إلى النقيعة، وإنما النقيعة عند غيره من العلماء: صنعة الطعام عند القدوم من سفر، لا في المأتم.
وقال بعضهم: يريد عمرو بالنقع وضع التراب على الرأس فذهب إلى أن النقع هو التراب.
قال القرطبي: ولا أحسب عمراً ذهب إلى هذا، ولا خافه منهن، وكيف يبلغ خوفه ذا، وهو يكره لهن القيام، فقال: وهو الذي لا أدري ما هو من الحديث ولا أعرفه، وليس النقع عندي في هذا الحديث إلا الصوت الشديد، وأما اللَّقلقة: فشدة الصوت، ولم أسمع فيه اختلافاً.
[قال محمد بن كعب القرظي: النقع بين «مزدلفة» إلى «منى» .
وقيل: إنه طريق الوادي، ولعله يرجع إلى الغبار المثار من هذا الموضع.
وفي «الصحاح» النقع الغبار، والجمع: النقاع والنقع محبس الماء، وكذلك ما اجتمع في البئر منه.
وفي الحديث: أنه نهى أن يمنع نقع البئر.
والنقع: الأرض الحرة الطين يستنقع فيها الماء، والجمع: نقاع وأنقع، مثل: بحار وبحر وأبحر] .
قوله: ﴿فَوَسَطْنَ﴾ . العامة على تخفيف السين.
وفي الهاء في «به» أوجه:
أحدها: أنها للصبح.
والثاني: أنها للنَّقع، أي: وسطن النقع الجمع، أي: جعلن الغبار وسط الجمع. والباء للتعدية، وعلى الأول هي ظرفية.
الثالث: الباء للحالية، أي فتوسطن ملتبساً بالنقع، أي: بالغبار، جمعاً من جموع الأعداء.
وقيل: الباء مزيدة نقله أبو البقاء.
و «جَمْعاً» على هذه الأوجه: مفعول به.
الرابع: أن المراد ب «جمع» «المزدلفة» وهي تسمى جمعاً، والمراد: أن الإبل تتوسط جمعاً الذي هو «المزدلفة» ، كما مرَّ عن أمير المؤمنين فالمراد بالجمع مكان، لا جماعة الناس، كقول صفية: [الوافر]
5278 - فَلا والعَاديَاتِ غَداةَ جَمْعٍ ... وقول بشر بن أبي خازم: [الكامل]
5279 - فَوَسَطْنَ جَمعهُمُ وأفْلتَ حَاجبٌ ... تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبَارِ الأقْتَمِ
و «جَمْعاً» على هذا منصوب على الظرف، وعلى هذا فيكون الضمير في «به» إما للوقت أي في وقت الصبح، وإما للنقع، وتكون الباء للحال، أي: ملتبسات بالنقع، إلا أنه يشكل نصب الظرف المختص إذ كان حقه أن يتعدى إليه ب «في» .
وقال أبو البقاء: إن «جمعاً» حال، وسبقه إليه مكي. وفيه بعد؛ إذ المعنى على أن الخيل توسطت جمع الناس.
وقرأ علي، وزيد بن علي، وقتادة، وابن أبي ليلى: بتشديد السين، وهما لغتان بمعنى واحد.
وقال الزمخشري: التشديد للتعدية، والباء مزيدة للتأكيد، كقوله تعالى: ﴿وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ [البقرة: 25] وهي مبالغة في وسطن «انتهى.
وقوله:» وهي مبالغة» تناقض قوله أولاً للتعدية، لأن التشديد للمبالغة لا يكسب الفعل مفعولاً آخر، تقول: «ذبحت الغنم» مخففاً، ثم تبالغ فتقول: «ذبَّحتها» - مثقلاً - وهذا على رأيه قد جعله متعدياً بنفسه، بدليل جعله الباء مزيدة، فلا تكون للمبالغة.
فصل في معنى الآية
المعنى: فوسطن بركبانهن العدو، أي: الجمع الذين أغاروا عليهم.
وقال ابن مسعود: «فوسَطْنَ بِهِ جَمْعاً» يعني «مزدلفة» ، وسميت جمعاً لاجتماع الناس فيها.
ويقال: وسطت القوم أسطهم وسطاً وسطة، أي: صرت وسطهم، وقد أكثر الناس في وصف الخيل وهذا الذي ذكره الله أحسن.
وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الخَيْلُ معْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ» وقال أيضاً: «ظهرها حرز وبطنها كنز» .
ويروى أن بنت امرئ القيس أتت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: يا رسول الله، هل أنزل عليك ربُّك كلاماً في صفةِ الخَيْل كلاماً أفصح مما قاله جدِّي؟ فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «وما قال جدّكِ» .؟ قالت: [الطويل]
5280 - مِكَرٍّ مُقْبلٍ مُدبِرٍ معاً ... كجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَل
فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: ﴿والعاديات ضَبْحاً﴾ الآيات فأسلمت.
العاديات 100:2
مكية، في قول ابن مسعود، وجابر، والحسن، وعكرمة، وعطاء، ومدنية في قول ابن عباس، وأنس بن مالك، وقتادة، وهي إحدى عشرة آية، وأربعون كلمة، ومائة وثلاثة وستون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والعاديات﴾ ، جمع عادية، وهي الجارية بسرعة من العدو، وهو المشي بسرعةٍ، والياء منقلبة عن واو لكسر ما قبلها، نحو: الغازيات، من الغزو، ويقال: عَدا يَعْدُو عَدْواً، فهو عادٍ، وهي عادية. وقد تقدم هذا في سورة «المؤمنين» .
قال عامة المفسرين: يريد الأفراس تعدو في سبيل الله تعالى.
قوله: ﴿ضَبْحاً﴾ ، فيه أوجه:
أحدها: أنه مصدر مؤكد لاسم الفاعل، فإن الضبح نوعٌ من السير والعدو كالضبع، يقال: ضبح وضبع، إذا عدا بشدة، أخذاً من الضبع وهو الذراع، لأنه يمده عند العدو، وكأن الحاء بدل من العين، وإلى هذا ذهب أبو عبيدة والمبردُ.
قال عنترةُ: [مجزوء الكامل]
5268 - والخَيْلُ تَعْلَمُ حِينَ تَضْ ... بَحُ في حِيَاضِ المَوْتِ ضَبْحَا
الثاني: أنه مصدر في موضع الحال، أي: ضابحات وذوي ضبح والضبح: صوت يسمع من صدور الخيل عند العدو، وليس بصهيل.
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه حكاه، فقال: أحٍ أحٍ.
وقال قتادة: تضبح إذا عدت، أي: تحمحم.
وقال الفراء: والضبح: أصوات أنفاسها إذا عدون. وقيل: كانت تكمكم لئلا تصهل، فيعلم العدو بهم، فكانت تتنفس في هذه الحال بقوة.
ونقل عن ابن عباسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: أنه لم يضبح من الحيوان غير الخيل والكلب والثعلب، وهذا ينبغي أن يصحَّ عنه؛ لأنه روي عنه أنه قال: سُئلتُ عنها، ففسرتها بالخيل؛ وكان علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - تحت سقاية زمزم، فسأله، فذكر ما قلت؛ فدعاني، فلما وقفت على رأسه، قال: تفتي الناس بغير علمٍ، والله إنها لأولُ غزوةٍ في الإسلامِ، وهي بدر، ولم يكن معنا إلا فرسان: فرسٌ للمقدادِ، وفرس للزبير، فكيف تكون العاديات ضبحاً؟ إنما العاديات الإبل من «عرفة» إلى «المزدلفة» ، ومن «المزدلفة» إلى «منى» يعني إبل الحاج.
قال ابن عباسٍ: فرجعت إلى قول علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وبه قال ابن مسعود، وعبيد بن عمير، ومحمد بن كعب، والسديُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
ومنه قول صفية بنت عبد المطلب: [الوافر]
5269 - فَلاَ والعَاديَاتِ غَداةَ جَمْعٍ ... بأيْديهَا إذا سَطعَ الغُبَارُ
إلا أن الزمخشري، قال بعد ذلك: «فإن صحت الروايةُ، فقد استعير الضبحُ للإبل، كما استعير المشافر والحافر للإنسان، والشفتان للمُهْرِ» .
ونقل غيره: أن الضبح، يكون في الإبل، والأسود من الحيَّات، والبُوم، والصدى، والأرنب، والثعلب، والفرس.
وأنشد أبو حنيفة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الرجز]
5270 - حنَّانةٌ من نشَمٍ أو تَألَبِ ... تَضْبَحُ في الكفِّ ضُباحَ الثَّعْلبِ
قال شهاب الدين: وهذا عندي من الاستعارة، ونقل أهل اللغة أن أصل الضبح في الثعلب فاستعير للخيل، وهو ضبحته النار، إذا غيرت لونه ولم تبالغ وانضبح لونه تغير لسواد قليل، والضبح أيضاً الرماد.
الثالث من أوجه النصب: أن يكون منصوباً بفعل مقدر، أي: يضبح ضبحاً، وهذا الفعل حال من «العَاديَاتِ» .
الرابع: أنه منصوب ب «العَادِياتَ» ، وإن كان المراد به الصوت.
قال الزمخشري: «كأنه قيل: والضابحات، لأن الضبح يكون مع العدو» .
قال أبو حيَّان: «وإذا كان الضَّبح مع العدو، فلا يكونُ معنى والعاديات معنى الضابحات فلا ينبغي أن يفسر به» انتهى.
قال شهاب الدين: لم يقل الزمخشري إنه بمعناه، إنما جعله منصوباً، لأنه لازم لا يفارقه، فكأنه ملفوظ به. وقوله: كأنه قيل؛ تفسير التلازم لا أنه هو هو.
فصل في هذا القسم
قال ابن العربي: أقسم الله تعالى بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: ﴿يس والقرآن الحكيم﴾ [يس: 1، 2] ، وأقسم بحياته فقال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: 72] ، وأقسم بخيله وصهيلها وغبارها، وقدح حوافرها النار من الحجر، فقال: ﴿والعاديات ضَبْحاً﴾ .
وقال الشعبيُّ: تمارى عليٌّ وابن عباس في «العَادِياتَ» فقال علي: هي الإبل تعدو في الحج.
وقال ابن عباس: هي الخيلُ، ألا تراه يقولُ: «فأثَرْنَ بِهِ نَقْعاً» فهل تثير إلا بحوافرها وهل تضبح الإبل؟ .
فقال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: ليس كما قلت لقد رأيتنا يوم بدر وما معنا إلا فرس أبلق للمقداد، وفرس لمرثد بن أبي مرثد.
وعلى هذا فالقول: ﴿فالموريات قَدْحاً﴾ أي: الحافر يرمي بالحجر من شدة العدو، فيضرب به حجارة أخرى فتوري النار، أو يكون المعنى: الذين يركبون الإبل، وهم الحجيج إذا أوقدوا نيرانهم ب «المزدلفة» ، وقوله تعالى: ﴿فالمغيرات صُبْحاً﴾ ، والإغارة: سرعة السير، وهم يدفعون صبيحة يوم النحر مسرعين إلى «منى» .
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ يعني «مزدلفة» ، لأنها تسمى بجمع، لاجتماع الحاجِّ بها، وعلى هذا التقدير، فوجه القسم بها ما تقدم ذكره من المنافع الكثيرة في قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: 17] .
وأيضاً: الغرض بذكر إبل الحج: الترغيب في الحج، فإن الكنود: هو الكفور، والذي لم يحج بعد الوجوب موصوف بذلك، كما في قوله تعالى: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين﴾ [آل عمران: 97] .
ومن قال: هي الخيل، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك وعطاء وأكثر المحققين، قال: إنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بعث سرية إلى أناس من بني كنانة، فأبطأ عليه خبرها، وكان استعمل عليها المنذر بن عمرو الأنصاري، وكان أحد النقباء، فقال المنافقون: إنهم قتلوا فنزلت هذه السورة إخباراً للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بسلامتها، وبشارة له بإغارتها على القوم، فالمراد: الخيل التي يغزو عليها المؤمنون.
وفي الخبر:
«مَنْ لمْ يَعرفْ حُرمَةَ فرسِ الغَازي، ففيهِ شُعبةٌ مِنَ النِّفاقِ» ، وعلى هذا القول، فالسورة مدنية، لأن الإذن في القتال إنما كان ب «المدينة» .
قوله: ﴿فالموريات قَدْحاً﴾ ، قال عكرمة وعطاء والضحاك: هي الخيلُ حين توري النار بحوافرها وهي سنابكها.
و «قَدْحاً» يجوز أن يكون مصدراً مؤكداً؛ لأن الإيراء من القدح، يقال: قدح فأورى، وقدح فأصلد.
ويجوز أن يكون حالاً، فالمعنى: «قادحات» ، أي: ضابحات بحوافرها ما توري النار، ويقال: قدحت الحجر بالحجر، أي: صككته به.
وقال الزمخشريُّ: انتصب «قدحاً» بما انتصب به «ضبحاً» وكأنه جوّز في نصبه ثلاثة أوجه: النصب بإضمار فعله، والنصب باسم الفاعل قبله لأنه ملازمه، والنصب على الحال، وتسمى تلك النار التي تخرج من الحوافر: نار الحباحب.
قال: [الطويل]
5271 - تَقُدُّ السَّلوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجهُ ... وتُوقِدُ بالصُّفَّاحِ نَارَ الحُباحِبِ
فصل في معنى الموريات
روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أورت بحوافرها غباراً، وهذا يخالف سائر ما روي عنه في قدحِ النارِ، وإنما هذا في الإبل [وروى ابن نجيح عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - في قوله تعالى: ﴿فالموريات قَدْحاً﴾ قال هي في القتال وهو في الحج، قاله ابن مسعود هي الإبل تطأ الحصى فيخرج منه النار] .
وأصل القدح: الاستخراج، ومنه قدحت العين: إذا أخرجت منها الماء الفاسد، واقتدحت بالزّند، واقتدحت المرق: غرفته. ورَكيٌّ قدوح: يغرف باليد.
والقديح: ما يبقى في أسفل القدر، فيغرف بجهد، والمقدحة: ما تقدح به النار.
والقداحة والقداح: الحجر الذي يُورِي النار.
يقال: وَرَى الزند - بالفتح - يري ورْياً: إذا خرجت ناره، وفيه لغة أخرى، ورِي الزند - بالكسر - يرى فيهما، وقد مضى في سورة «الواقعة» .
وقيل: هذه الآيات في الخيل، ولكن إيراءها: أن تهيج الحرب بين أصحابها، وبين عدوهم. ويقال للحرب إذا التحمت: حَمِيَ الوطيس، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله﴾ [المائدة: 64] .
قال ابن عباس: المراد ب ﴿فالموريات قَدْحاً﴾ مكر الرجال في الحرب، وقاله مجاهد وزيد ين أسلم: والعربُ يقولون إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه: والله لأمكرن بك، ثم لأورين لك.
وعن ابن عباس أيضاً: هم الذين يغزون فيورون نيرانهم بالليل، لحاجتهم وطعامهم.
وعنه أيضاً أنها نيران المجاهدين إذا كثرت نارها إرهاباً، ليظنها العدو كثيراً.
وقيل: هي أفكار الرجال توري النار من عظيم ما تتكلم به ويظهر بها من إقامة الحججِ، وإقامةِ الدَّلائلِ، وإيضاح الحق، وإبطال الباطلِ.
قال القرطبي: هذه الأقوال مجاز , ومنه قولهم: فلان يُوري بها من إقامة الحججِ , وإقامة الدَّلائلِ , وإيضاح الحق , وإبطال الباطلِ. قال القرطبي: هذه الأقوال مجاز , ومنه قولهم: فلان يُوري زناد الضلالة , والأول: الحقيقة , وأن الخيل من شدة عدوها تقدح النَّار بحوافرها. قال مقاتل: العرب تسمى تلك النَّار نار أبي حُبَاحب , وكان أبو حباحب شيخاً من مضر في الجاهلية , من أبخل الناس , وكان لا يُوقد الخبز ولا غيره حتى تنام العيون , فيوقد نُويْرَة تقد مرة , وتخمد أخرى , فإن استيقظ لها أحد أطفأها , كراهية أن ينتفع بها أحدٌ , فشبهت هذه النار بناره؛ لأنه لا ينتفع بها.
وكذلك إذا وقع السيف على البيضة فاقتدحت ناراً فكذلك يسمونها.
قال النابغة: [الطويل]
5272 - ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلولٌ من قِرَاعِ الكَتائبِ
تَقُدُّ السَّلوقِيَّ المُضاعفَ نَسْجهُ ... وتُوقِدُ بالصُّفَّاحِ نَارَ الحُبَاحِبِ
قوله: ﴿فالمغيرات صُبْحاً﴾ ظرف؛ أي: التي تغير وقت الصبح، يقال: أغار يغير إغارة وغارةً: إذا باغت عدواً نهباً وقتلاً وأسراً؛ قال: [البسيط]
5273 - فَليْتَ لِي بِهمُ قَوماً إذَا رَكِبُوا ... شَنُّوا الإغَارَة فُرْسَاناً ورُكْبَانَا
وأغار وغار أيضاً: نزل الغور، وهو المنهبط من الأرض.
قوله: ﴿فَأَثَرْنَ﴾ . عطف الفعل على الاسم، لأن الاسم في تأويل الفعل لوقوعه صلى ل «أل» .
قال الزمخشريُّ: «معطوف على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه، يعني في الأصل؛ إذ الأصل: واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن» .
قوله: ﴿بِهِ﴾ . في الهاء أوجه:
أحدها: أنه ضمير الصبح، أي: فأثرن في وقت الصبح غباراً. وهذا حسن، لأنه مذكور بالتصريح.
الثاني: أنه عائد على المكان، وإن لم يجر له ذكر؛ لأن الإشارة لا بد لها من مكان، والسياق والعقل لا يدلان عليه، وإذا علم بالمعنى جاز أن يكون عما لم يجري له ذكر بالصريح كقوله تعالى: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] . وفي عبارة الزمخشري: «وقيل: الضمير لمكان الغارةِ» ، وهذا على تلك اللغيَّة وإلا فالفصيح أن تقول: الإغارة.
الثالث: أنه ضمير العدو الذي دل عليه «والعَادِيَاتِ» .
وقرأ العامة: بتخفيف الثاء، أثار كذا إذا نشره وفرقه من ارتفاع.
وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة: بتشديدها.
وخرجه الزمخشري على وجهين:
الأول: بمعنى فأظهرن به غباراً؛ لأن التأثير فيه معنى الإظهار.
الثاني: قلب «ثورن» إلى «وثَرْنَ» ، وقلب الواو همزة انتهى.
يعني: الأصل «ثَوّرنَ» من ثور يثور - بالتشديد - عداه بالتضعيف كما يعدى بالهمزة في قولك: أثاره ثم قلب الكلمة بأن جعل العين وهي الواو موضع الفاء وهي الثاء، ووزنها حينئذ «عفلن» ثم قلب الواو همزة، فصار: «أثَرْنَ» ، وهذا بعيد جداً، وعلى تقدير التسليم، فقلب الواو المفتوحة همزة لا ينقاس، إنما جاءت منه ألفاظ ك «احد وأناة» والنقع: الغبار.
وأنشد: [البسيط]
5274 - يَخْرُجْنَ مِنْ مُسْتَطَارِ دَائمَةً ... كَأنَّ آذَانهَا أطْرافُ أقْلامِ
وقال ابن رواحة: [الوافر]
5275 - عَدِمتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَروْهَا ... تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنفَيْ كَدَاءِ
وقال أبو عبيدة: النقع، رفع الصوت؛ قال لبيدٌ: [الرمل]
5276 - فَمتَى يَنْقَعْ صُراخٌ صَادِقٌ ... يُحْلبُوهَا ذَاتَ جَرْسٍ وزَجَلْ
يروى: «يجلبوها» أيضاً، يقول: متى سمعوا صراخاً أجلبوا الحرب، أي: جمعوا لها، وقوله: «ينقع صراخ» يعني رفع الصوت.
قال الزمخشري: ويجوز أن يراد بالنَّقع: الصياح، من قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «لَمْ يكُنْ نَقعٌ ولا لَقلَقةٌ» .
وقول لبيد: [الرمل]
5277 - فَمتَى يَنْقَعْ صُراخٌ صادِقٌ ... أي: فهيجن في المغار عليهم صياحاً وجلبة.
وقال أبو عبيد: وعلى هذا رأيت قول أكثر أهل العلم، انتهى. فعلى هذا تكون الباء بمعنى «في» ويعود الضمير على المكان الذي فيه الإغارة، كما تقدم.
وقال الكسائيُّ: قوله: «نقْعٌ ولا لقْلقَةٌ» النّقع: صنعة الطعام، يعني في المأتم يقال منه: نقعت أنقع نقعاً. قال أبو عبيد: ذهب بالنقع إلى النقيعة، وإنما النقيعة عند غيره من العلماء: صنعة الطعام عند القدوم من سفر، لا في المأتم.
وقال بعضهم: يريد عمرو بالنقع وضع التراب على الرأس فذهب إلى أن النقع هو التراب.
قال القرطبي: ولا أحسب عمراً ذهب إلى هذا، ولا خافه منهن، وكيف يبلغ خوفه ذا، وهو يكره لهن القيام، فقال: وهو الذي لا أدري ما هو من الحديث ولا أعرفه، وليس النقع عندي في هذا الحديث إلا الصوت الشديد، وأما اللَّقلقة: فشدة الصوت، ولم أسمع فيه اختلافاً.
[قال محمد بن كعب القرظي: النقع بين «مزدلفة» إلى «منى» .
وقيل: إنه طريق الوادي، ولعله يرجع إلى الغبار المثار من هذا الموضع.
وفي «الصحاح» النقع الغبار، والجمع: النقاع والنقع محبس الماء، وكذلك ما اجتمع في البئر منه.
وفي الحديث: أنه نهى أن يمنع نقع البئر.
والنقع: الأرض الحرة الطين يستنقع فيها الماء، والجمع: نقاع وأنقع، مثل: بحار وبحر وأبحر] .
قوله: ﴿فَوَسَطْنَ﴾ . العامة على تخفيف السين.
وفي الهاء في «به» أوجه:
أحدها: أنها للصبح.
والثاني: أنها للنَّقع، أي: وسطن النقع الجمع، أي: جعلن الغبار وسط الجمع. والباء للتعدية، وعلى الأول هي ظرفية.
الثالث: الباء للحالية، أي فتوسطن ملتبساً بالنقع، أي: بالغبار، جمعاً من جموع الأعداء.
وقيل: الباء مزيدة نقله أبو البقاء.
و «جَمْعاً» على هذه الأوجه: مفعول به.
الرابع: أن المراد ب «جمع» «المزدلفة» وهي تسمى جمعاً، والمراد: أن الإبل تتوسط جمعاً الذي هو «المزدلفة» ، كما مرَّ عن أمير المؤمنين فالمراد بالجمع مكان، لا جماعة الناس، كقول صفية: [الوافر]
5278 - فَلا والعَاديَاتِ غَداةَ جَمْعٍ ... وقول بشر بن أبي خازم: [الكامل]
5279 - فَوَسَطْنَ جَمعهُمُ وأفْلتَ حَاجبٌ ... تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبَارِ الأقْتَمِ
و «جَمْعاً» على هذا منصوب على الظرف، وعلى هذا فيكون الضمير في «به» إما للوقت أي في وقت الصبح، وإما للنقع، وتكون الباء للحال، أي: ملتبسات بالنقع، إلا أنه يشكل نصب الظرف المختص إذ كان حقه أن يتعدى إليه ب «في» .
وقال أبو البقاء: إن «جمعاً» حال، وسبقه إليه مكي. وفيه بعد؛ إذ المعنى على أن الخيل توسطت جمع الناس.
وقرأ علي، وزيد بن علي، وقتادة، وابن أبي ليلى: بتشديد السين، وهما لغتان بمعنى واحد.
وقال الزمخشري: التشديد للتعدية، والباء مزيدة للتأكيد، كقوله تعالى: ﴿وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ [البقرة: 25] وهي مبالغة في وسطن «انتهى.
وقوله:» وهي مبالغة» تناقض قوله أولاً للتعدية، لأن التشديد للمبالغة لا يكسب الفعل مفعولاً آخر، تقول: «ذبحت الغنم» مخففاً، ثم تبالغ فتقول: «ذبَّحتها» - مثقلاً - وهذا على رأيه قد جعله متعدياً بنفسه، بدليل جعله الباء مزيدة، فلا تكون للمبالغة.
فصل في معنى الآية
المعنى: فوسطن بركبانهن العدو، أي: الجمع الذين أغاروا عليهم.
وقال ابن مسعود: «فوسَطْنَ بِهِ جَمْعاً» يعني «مزدلفة» ، وسميت جمعاً لاجتماع الناس فيها.
ويقال: وسطت القوم أسطهم وسطاً وسطة، أي: صرت وسطهم، وقد أكثر الناس في وصف الخيل وهذا الذي ذكره الله أحسن.
وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الخَيْلُ معْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ» وقال أيضاً: «ظهرها حرز وبطنها كنز» .
ويروى أن بنت امرئ القيس أتت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: يا رسول الله، هل أنزل عليك ربُّك كلاماً في صفةِ الخَيْل كلاماً أفصح مما قاله جدِّي؟ فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «وما قال جدّكِ» .؟ قالت: [الطويل]
5280 - مِكَرٍّ مُقْبلٍ مُدبِرٍ معاً ... كجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَل
فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: ﴿والعاديات ضَبْحاً﴾ الآيات فأسلمت.
العاديات 100:3
مكية، في قول ابن مسعود، وجابر، والحسن، وعكرمة، وعطاء، ومدنية في قول ابن عباس، وأنس بن مالك، وقتادة، وهي إحدى عشرة آية، وأربعون كلمة، ومائة وثلاثة وستون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والعاديات﴾ ، جمع عادية، وهي الجارية بسرعة من العدو، وهو المشي بسرعةٍ، والياء منقلبة عن واو لكسر ما قبلها، نحو: الغازيات، من الغزو، ويقال: عَدا يَعْدُو عَدْواً، فهو عادٍ، وهي عادية. وقد تقدم هذا في سورة «المؤمنين» .
قال عامة المفسرين: يريد الأفراس تعدو في سبيل الله تعالى.
قوله: ﴿ضَبْحاً﴾ ، فيه أوجه:
أحدها: أنه مصدر مؤكد لاسم الفاعل، فإن الضبح نوعٌ من السير والعدو كالضبع، يقال: ضبح وضبع، إذا عدا بشدة، أخذاً من الضبع وهو الذراع، لأنه يمده عند العدو، وكأن الحاء بدل من العين، وإلى هذا ذهب أبو عبيدة والمبردُ.
قال عنترةُ: [مجزوء الكامل]
5268 - والخَيْلُ تَعْلَمُ حِينَ تَضْ ... بَحُ في حِيَاضِ المَوْتِ ضَبْحَا
الثاني: أنه مصدر في موضع الحال، أي: ضابحات وذوي ضبح والضبح: صوت يسمع من صدور الخيل عند العدو، وليس بصهيل.
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه حكاه، فقال: أحٍ أحٍ.
وقال قتادة: تضبح إذا عدت، أي: تحمحم.
وقال الفراء: والضبح: أصوات أنفاسها إذا عدون. وقيل: كانت تكمكم لئلا تصهل، فيعلم العدو بهم، فكانت تتنفس في هذه الحال بقوة.
ونقل عن ابن عباسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: أنه لم يضبح من الحيوان غير الخيل والكلب والثعلب، وهذا ينبغي أن يصحَّ عنه؛ لأنه روي عنه أنه قال: سُئلتُ عنها، ففسرتها بالخيل؛ وكان علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - تحت سقاية زمزم، فسأله، فذكر ما قلت؛ فدعاني، فلما وقفت على رأسه، قال: تفتي الناس بغير علمٍ، والله إنها لأولُ غزوةٍ في الإسلامِ، وهي بدر، ولم يكن معنا إلا فرسان: فرسٌ للمقدادِ، وفرس للزبير، فكيف تكون العاديات ضبحاً؟ إنما العاديات الإبل من «عرفة» إلى «المزدلفة» ، ومن «المزدلفة» إلى «منى» يعني إبل الحاج.
قال ابن عباسٍ: فرجعت إلى قول علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وبه قال ابن مسعود، وعبيد بن عمير، ومحمد بن كعب، والسديُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
ومنه قول صفية بنت عبد المطلب: [الوافر]
5269 - فَلاَ والعَاديَاتِ غَداةَ جَمْعٍ ... بأيْديهَا إذا سَطعَ الغُبَارُ
إلا أن الزمخشري، قال بعد ذلك: «فإن صحت الروايةُ، فقد استعير الضبحُ للإبل، كما استعير المشافر والحافر للإنسان، والشفتان للمُهْرِ» .
ونقل غيره: أن الضبح، يكون في الإبل، والأسود من الحيَّات، والبُوم، والصدى، والأرنب، والثعلب، والفرس.
وأنشد أبو حنيفة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الرجز]
5270 - حنَّانةٌ من نشَمٍ أو تَألَبِ ... تَضْبَحُ في الكفِّ ضُباحَ الثَّعْلبِ
قال شهاب الدين: وهذا عندي من الاستعارة، ونقل أهل اللغة أن أصل الضبح في الثعلب فاستعير للخيل، وهو ضبحته النار، إذا غيرت لونه ولم تبالغ وانضبح لونه تغير لسواد قليل، والضبح أيضاً الرماد.
الثالث من أوجه النصب: أن يكون منصوباً بفعل مقدر، أي: يضبح ضبحاً، وهذا الفعل حال من «العَاديَاتِ» .
الرابع: أنه منصوب ب «العَادِياتَ» ، وإن كان المراد به الصوت.
قال الزمخشري: «كأنه قيل: والضابحات، لأن الضبح يكون مع العدو» .
قال أبو حيَّان: «وإذا كان الضَّبح مع العدو، فلا يكونُ معنى والعاديات معنى الضابحات فلا ينبغي أن يفسر به» انتهى.
قال شهاب الدين: لم يقل الزمخشري إنه بمعناه، إنما جعله منصوباً، لأنه لازم لا يفارقه، فكأنه ملفوظ به. وقوله: كأنه قيل؛ تفسير التلازم لا أنه هو هو.
فصل في هذا القسم
قال ابن العربي: أقسم الله تعالى بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: ﴿يس والقرآن الحكيم﴾ [يس: 1، 2] ، وأقسم بحياته فقال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: 72] ، وأقسم بخيله وصهيلها وغبارها، وقدح حوافرها النار من الحجر، فقال: ﴿والعاديات ضَبْحاً﴾ .
وقال الشعبيُّ: تمارى عليٌّ وابن عباس في «العَادِياتَ» فقال علي: هي الإبل تعدو في الحج.
وقال ابن عباس: هي الخيلُ، ألا تراه يقولُ: «فأثَرْنَ بِهِ نَقْعاً» فهل تثير إلا بحوافرها وهل تضبح الإبل؟ .
فقال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: ليس كما قلت لقد رأيتنا يوم بدر وما معنا إلا فرس أبلق للمقداد، وفرس لمرثد بن أبي مرثد.
وعلى هذا فالقول: ﴿فالموريات قَدْحاً﴾ أي: الحافر يرمي بالحجر من شدة العدو، فيضرب به حجارة أخرى فتوري النار، أو يكون المعنى: الذين يركبون الإبل، وهم الحجيج إذا أوقدوا نيرانهم ب «المزدلفة» ، وقوله تعالى: ﴿فالمغيرات صُبْحاً﴾ ، والإغارة: سرعة السير، وهم يدفعون صبيحة يوم النحر مسرعين إلى «منى» .
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ يعني «مزدلفة» ، لأنها تسمى بجمع، لاجتماع الحاجِّ بها، وعلى هذا التقدير، فوجه القسم بها ما تقدم ذكره من المنافع الكثيرة في قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: 17] .
وأيضاً: الغرض بذكر إبل الحج: الترغيب في الحج، فإن الكنود: هو الكفور، والذي لم يحج بعد الوجوب موصوف بذلك، كما في قوله تعالى: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين﴾ [آل عمران: 97] .
ومن قال: هي الخيل، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك وعطاء وأكثر المحققين، قال: إنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بعث سرية إلى أناس من بني كنانة، فأبطأ عليه خبرها، وكان استعمل عليها المنذر بن عمرو الأنصاري، وكان أحد النقباء، فقال المنافقون: إنهم قتلوا فنزلت هذه السورة إخباراً للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بسلامتها، وبشارة له بإغارتها على القوم، فالمراد: الخيل التي يغزو عليها المؤمنون.
وفي الخبر:
«مَنْ لمْ يَعرفْ حُرمَةَ فرسِ الغَازي، ففيهِ شُعبةٌ مِنَ النِّفاقِ» ، وعلى هذا القول، فالسورة مدنية، لأن الإذن في القتال إنما كان ب «المدينة» .
قوله: ﴿فالموريات قَدْحاً﴾ ، قال عكرمة وعطاء والضحاك: هي الخيلُ حين توري النار بحوافرها وهي سنابكها.
و «قَدْحاً» يجوز أن يكون مصدراً مؤكداً؛ لأن الإيراء من القدح، يقال: قدح فأورى، وقدح فأصلد.
ويجوز أن يكون حالاً، فالمعنى: «قادحات» ، أي: ضابحات بحوافرها ما توري النار، ويقال: قدحت الحجر بالحجر، أي: صككته به.
وقال الزمخشريُّ: انتصب «قدحاً» بما انتصب به «ضبحاً» وكأنه جوّز في نصبه ثلاثة أوجه: النصب بإضمار فعله، والنصب باسم الفاعل قبله لأنه ملازمه، والنصب على الحال، وتسمى تلك النار التي تخرج من الحوافر: نار الحباحب.
قال: [الطويل]
5271 - تَقُدُّ السَّلوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجهُ ... وتُوقِدُ بالصُّفَّاحِ نَارَ الحُباحِبِ
فصل في معنى الموريات
روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أورت بحوافرها غباراً، وهذا يخالف سائر ما روي عنه في قدحِ النارِ، وإنما هذا في الإبل [وروى ابن نجيح عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - في قوله تعالى: ﴿فالموريات قَدْحاً﴾ قال هي في القتال وهو في الحج، قاله ابن مسعود هي الإبل تطأ الحصى فيخرج منه النار] .
وأصل القدح: الاستخراج، ومنه قدحت العين: إذا أخرجت منها الماء الفاسد، واقتدحت بالزّند، واقتدحت المرق: غرفته. ورَكيٌّ قدوح: يغرف باليد.
والقديح: ما يبقى في أسفل القدر، فيغرف بجهد، والمقدحة: ما تقدح به النار.
والقداحة والقداح: الحجر الذي يُورِي النار.
يقال: وَرَى الزند - بالفتح - يري ورْياً: إذا خرجت ناره، وفيه لغة أخرى، ورِي الزند - بالكسر - يرى فيهما، وقد مضى في سورة «الواقعة» .
وقيل: هذه الآيات في الخيل، ولكن إيراءها: أن تهيج الحرب بين أصحابها، وبين عدوهم. ويقال للحرب إذا التحمت: حَمِيَ الوطيس، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله﴾ [المائدة: 64] .
قال ابن عباس: المراد ب ﴿فالموريات قَدْحاً﴾ مكر الرجال في الحرب، وقاله مجاهد وزيد ين أسلم: والعربُ يقولون إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه: والله لأمكرن بك، ثم لأورين لك.
وعن ابن عباس أيضاً: هم الذين يغزون فيورون نيرانهم بالليل، لحاجتهم وطعامهم.
وعنه أيضاً أنها نيران المجاهدين إذا كثرت نارها إرهاباً، ليظنها العدو كثيراً.
وقيل: هي أفكار الرجال توري النار من عظيم ما تتكلم به ويظهر بها من إقامة الحججِ، وإقامةِ الدَّلائلِ، وإيضاح الحق، وإبطال الباطلِ.
قال القرطبي: هذه الأقوال مجاز , ومنه قولهم: فلان يُوري بها من إقامة الحججِ , وإقامة الدَّلائلِ , وإيضاح الحق , وإبطال الباطلِ. قال القرطبي: هذه الأقوال مجاز , ومنه قولهم: فلان يُوري زناد الضلالة , والأول: الحقيقة , وأن الخيل من شدة عدوها تقدح النَّار بحوافرها. قال مقاتل: العرب تسمى تلك النَّار نار أبي حُبَاحب , وكان أبو حباحب شيخاً من مضر في الجاهلية , من أبخل الناس , وكان لا يُوقد الخبز ولا غيره حتى تنام العيون , فيوقد نُويْرَة تقد مرة , وتخمد أخرى , فإن استيقظ لها أحد أطفأها , كراهية أن ينتفع بها أحدٌ , فشبهت هذه النار بناره؛ لأنه لا ينتفع بها.
وكذلك إذا وقع السيف على البيضة فاقتدحت ناراً فكذلك يسمونها.
قال النابغة: [الطويل]
5272 - ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلولٌ من قِرَاعِ الكَتائبِ
تَقُدُّ السَّلوقِيَّ المُضاعفَ نَسْجهُ ... وتُوقِدُ بالصُّفَّاحِ نَارَ الحُبَاحِبِ
قوله: ﴿فالمغيرات صُبْحاً﴾ ظرف؛ أي: التي تغير وقت الصبح، يقال: أغار يغير إغارة وغارةً: إذا باغت عدواً نهباً وقتلاً وأسراً؛ قال: [البسيط]
5273 - فَليْتَ لِي بِهمُ قَوماً إذَا رَكِبُوا ... شَنُّوا الإغَارَة فُرْسَاناً ورُكْبَانَا
وأغار وغار أيضاً: نزل الغور، وهو المنهبط من الأرض.
قوله: ﴿فَأَثَرْنَ﴾ . عطف الفعل على الاسم، لأن الاسم في تأويل الفعل لوقوعه صلى ل «أل» .
قال الزمخشريُّ: «معطوف على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه، يعني في الأصل؛ إذ الأصل: واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن» .
قوله: ﴿بِهِ﴾ . في الهاء أوجه:
أحدها: أنه ضمير الصبح، أي: فأثرن في وقت الصبح غباراً. وهذا حسن، لأنه مذكور بالتصريح.
الثاني: أنه عائد على المكان، وإن لم يجر له ذكر؛ لأن الإشارة لا بد لها من مكان، والسياق والعقل لا يدلان عليه، وإذا علم بالمعنى جاز أن يكون عما لم يجري له ذكر بالصريح كقوله تعالى: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] . وفي عبارة الزمخشري: «وقيل: الضمير لمكان الغارةِ» ، وهذا على تلك اللغيَّة وإلا فالفصيح أن تقول: الإغارة.
الثالث: أنه ضمير العدو الذي دل عليه «والعَادِيَاتِ» .
وقرأ العامة: بتخفيف الثاء، أثار كذا إذا نشره وفرقه من ارتفاع.
وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة: بتشديدها.
وخرجه الزمخشري على وجهين:
الأول: بمعنى فأظهرن به غباراً؛ لأن التأثير فيه معنى الإظهار.
الثاني: قلب «ثورن» إلى «وثَرْنَ» ، وقلب الواو همزة انتهى.
يعني: الأصل «ثَوّرنَ» من ثور يثور - بالتشديد - عداه بالتضعيف كما يعدى بالهمزة في قولك: أثاره ثم قلب الكلمة بأن جعل العين وهي الواو موضع الفاء وهي الثاء، ووزنها حينئذ «عفلن» ثم قلب الواو همزة، فصار: «أثَرْنَ» ، وهذا بعيد جداً، وعلى تقدير التسليم، فقلب الواو المفتوحة همزة لا ينقاس، إنما جاءت منه ألفاظ ك «احد وأناة» والنقع: الغبار.
وأنشد: [البسيط]
5274 - يَخْرُجْنَ مِنْ مُسْتَطَارِ دَائمَةً ... كَأنَّ آذَانهَا أطْرافُ أقْلامِ
وقال ابن رواحة: [الوافر]
5275 - عَدِمتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَروْهَا ... تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنفَيْ كَدَاءِ
وقال أبو عبيدة: النقع، رفع الصوت؛ قال لبيدٌ: [الرمل]
5276 - فَمتَى يَنْقَعْ صُراخٌ صَادِقٌ ... يُحْلبُوهَا ذَاتَ جَرْسٍ وزَجَلْ
يروى: «يجلبوها» أيضاً، يقول: متى سمعوا صراخاً أجلبوا الحرب، أي: جمعوا لها، وقوله: «ينقع صراخ» يعني رفع الصوت.
قال الزمخشري: ويجوز أن يراد بالنَّقع: الصياح، من قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «لَمْ يكُنْ نَقعٌ ولا لَقلَقةٌ» .
وقول لبيد: [الرمل]
5277 - فَمتَى يَنْقَعْ صُراخٌ صادِقٌ ... أي: فهيجن في المغار عليهم صياحاً وجلبة.
وقال أبو عبيد: وعلى هذا رأيت قول أكثر أهل العلم، انتهى. فعلى هذا تكون الباء بمعنى «في» ويعود الضمير على المكان الذي فيه الإغارة، كما تقدم.
وقال الكسائيُّ: قوله: «نقْعٌ ولا لقْلقَةٌ» النّقع: صنعة الطعام، يعني في المأتم يقال منه: نقعت أنقع نقعاً. قال أبو عبيد: ذهب بالنقع إلى النقيعة، وإنما النقيعة عند غيره من العلماء: صنعة الطعام عند القدوم من سفر، لا في المأتم.
وقال بعضهم: يريد عمرو بالنقع وضع التراب على الرأس فذهب إلى أن النقع هو التراب.
قال القرطبي: ولا أحسب عمراً ذهب إلى هذا، ولا خافه منهن، وكيف يبلغ خوفه ذا، وهو يكره لهن القيام، فقال: وهو الذي لا أدري ما هو من الحديث ولا أعرفه، وليس النقع عندي في هذا الحديث إلا الصوت الشديد، وأما اللَّقلقة: فشدة الصوت، ولم أسمع فيه اختلافاً.
[قال محمد بن كعب القرظي: النقع بين «مزدلفة» إلى «منى» .
وقيل: إنه طريق الوادي، ولعله يرجع إلى الغبار المثار من هذا الموضع.
وفي «الصحاح» النقع الغبار، والجمع: النقاع والنقع محبس الماء، وكذلك ما اجتمع في البئر منه.
وفي الحديث: أنه نهى أن يمنع نقع البئر.
والنقع: الأرض الحرة الطين يستنقع فيها الماء، والجمع: نقاع وأنقع، مثل: بحار وبحر وأبحر] .
قوله: ﴿فَوَسَطْنَ﴾ . العامة على تخفيف السين.
وفي الهاء في «به» أوجه:
أحدها: أنها للصبح.
والثاني: أنها للنَّقع، أي: وسطن النقع الجمع، أي: جعلن الغبار وسط الجمع. والباء للتعدية، وعلى الأول هي ظرفية.
الثالث: الباء للحالية، أي فتوسطن ملتبساً بالنقع، أي: بالغبار، جمعاً من جموع الأعداء.
وقيل: الباء مزيدة نقله أبو البقاء.
و «جَمْعاً» على هذه الأوجه: مفعول به.
الرابع: أن المراد ب «جمع» «المزدلفة» وهي تسمى جمعاً، والمراد: أن الإبل تتوسط جمعاً الذي هو «المزدلفة» ، كما مرَّ عن أمير المؤمنين فالمراد بالجمع مكان، لا جماعة الناس، كقول صفية: [الوافر]
5278 - فَلا والعَاديَاتِ غَداةَ جَمْعٍ ... وقول بشر بن أبي خازم: [الكامل]
5279 - فَوَسَطْنَ جَمعهُمُ وأفْلتَ حَاجبٌ ... تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبَارِ الأقْتَمِ
و «جَمْعاً» على هذا منصوب على الظرف، وعلى هذا فيكون الضمير في «به» إما للوقت أي في وقت الصبح، وإما للنقع، وتكون الباء للحال، أي: ملتبسات بالنقع، إلا أنه يشكل نصب الظرف المختص إذ كان حقه أن يتعدى إليه ب «في» .
وقال أبو البقاء: إن «جمعاً» حال، وسبقه إليه مكي. وفيه بعد؛ إذ المعنى على أن الخيل توسطت جمع الناس.
وقرأ علي، وزيد بن علي، وقتادة، وابن أبي ليلى: بتشديد السين، وهما لغتان بمعنى واحد.
وقال الزمخشري: التشديد للتعدية، والباء مزيدة للتأكيد، كقوله تعالى: ﴿وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ [البقرة: 25] وهي مبالغة في وسطن «انتهى.
وقوله:» وهي مبالغة» تناقض قوله أولاً للتعدية، لأن التشديد للمبالغة لا يكسب الفعل مفعولاً آخر، تقول: «ذبحت الغنم» مخففاً، ثم تبالغ فتقول: «ذبَّحتها» - مثقلاً - وهذا على رأيه قد جعله متعدياً بنفسه، بدليل جعله الباء مزيدة، فلا تكون للمبالغة.
فصل في معنى الآية
المعنى: فوسطن بركبانهن العدو، أي: الجمع الذين أغاروا عليهم.
وقال ابن مسعود: «فوسَطْنَ بِهِ جَمْعاً» يعني «مزدلفة» ، وسميت جمعاً لاجتماع الناس فيها.
ويقال: وسطت القوم أسطهم وسطاً وسطة، أي: صرت وسطهم، وقد أكثر الناس في وصف الخيل وهذا الذي ذكره الله أحسن.
وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الخَيْلُ معْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ» وقال أيضاً: «ظهرها حرز وبطنها كنز» .
ويروى أن بنت امرئ القيس أتت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: يا رسول الله، هل أنزل عليك ربُّك كلاماً في صفةِ الخَيْل كلاماً أفصح مما قاله جدِّي؟ فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «وما قال جدّكِ» .؟ قالت: [الطويل]
5280 - مِكَرٍّ مُقْبلٍ مُدبِرٍ معاً ... كجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَل
فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: ﴿والعاديات ضَبْحاً﴾ الآيات فأسلمت.
العاديات 100:4
مكية، في قول ابن مسعود، وجابر، والحسن، وعكرمة، وعطاء، ومدنية في قول ابن عباس، وأنس بن مالك، وقتادة، وهي إحدى عشرة آية، وأربعون كلمة، ومائة وثلاثة وستون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والعاديات﴾ ، جمع عادية، وهي الجارية بسرعة من العدو، وهو المشي بسرعةٍ، والياء منقلبة عن واو لكسر ما قبلها، نحو: الغازيات، من الغزو، ويقال: عَدا يَعْدُو عَدْواً، فهو عادٍ، وهي عادية. وقد تقدم هذا في سورة «المؤمنين» .
قال عامة المفسرين: يريد الأفراس تعدو في سبيل الله تعالى.
قوله: ﴿ضَبْحاً﴾ ، فيه أوجه:
أحدها: أنه مصدر مؤكد لاسم الفاعل، فإن الضبح نوعٌ من السير والعدو كالضبع، يقال: ضبح وضبع، إذا عدا بشدة، أخذاً من الضبع وهو الذراع، لأنه يمده عند العدو، وكأن الحاء بدل من العين، وإلى هذا ذهب أبو عبيدة والمبردُ.
قال عنترةُ: [مجزوء الكامل]
5268 - والخَيْلُ تَعْلَمُ حِينَ تَضْ ... بَحُ في حِيَاضِ المَوْتِ ضَبْحَا
الثاني: أنه مصدر في موضع الحال، أي: ضابحات وذوي ضبح والضبح: صوت يسمع من صدور الخيل عند العدو، وليس بصهيل.
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه حكاه، فقال: أحٍ أحٍ.
وقال قتادة: تضبح إذا عدت، أي: تحمحم.
وقال الفراء: والضبح: أصوات أنفاسها إذا عدون. وقيل: كانت تكمكم لئلا تصهل، فيعلم العدو بهم، فكانت تتنفس في هذه الحال بقوة.
ونقل عن ابن عباسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: أنه لم يضبح من الحيوان غير الخيل والكلب والثعلب، وهذا ينبغي أن يصحَّ عنه؛ لأنه روي عنه أنه قال: سُئلتُ عنها، ففسرتها بالخيل؛ وكان علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - تحت سقاية زمزم، فسأله، فذكر ما قلت؛ فدعاني، فلما وقفت على رأسه، قال: تفتي الناس بغير علمٍ، والله إنها لأولُ غزوةٍ في الإسلامِ، وهي بدر، ولم يكن معنا إلا فرسان: فرسٌ للمقدادِ، وفرس للزبير، فكيف تكون العاديات ضبحاً؟ إنما العاديات الإبل من «عرفة» إلى «المزدلفة» ، ومن «المزدلفة» إلى «منى» يعني إبل الحاج.
قال ابن عباسٍ: فرجعت إلى قول علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وبه قال ابن مسعود، وعبيد بن عمير، ومحمد بن كعب، والسديُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
ومنه قول صفية بنت عبد المطلب: [الوافر]
5269 - فَلاَ والعَاديَاتِ غَداةَ جَمْعٍ ... بأيْديهَا إذا سَطعَ الغُبَارُ
إلا أن الزمخشري، قال بعد ذلك: «فإن صحت الروايةُ، فقد استعير الضبحُ للإبل، كما استعير المشافر والحافر للإنسان، والشفتان للمُهْرِ» .
ونقل غيره: أن الضبح، يكون في الإبل، والأسود من الحيَّات، والبُوم، والصدى، والأرنب، والثعلب، والفرس.
وأنشد أبو حنيفة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الرجز]
5270 - حنَّانةٌ من نشَمٍ أو تَألَبِ ... تَضْبَحُ في الكفِّ ضُباحَ الثَّعْلبِ
قال شهاب الدين: وهذا عندي من الاستعارة، ونقل أهل اللغة أن أصل الضبح في الثعلب فاستعير للخيل، وهو ضبحته النار، إذا غيرت لونه ولم تبالغ وانضبح لونه تغير لسواد قليل، والضبح أيضاً الرماد.
الثالث من أوجه النصب: أن يكون منصوباً بفعل مقدر، أي: يضبح ضبحاً، وهذا الفعل حال من «العَاديَاتِ» .
الرابع: أنه منصوب ب «العَادِياتَ» ، وإن كان المراد به الصوت.
قال الزمخشري: «كأنه قيل: والضابحات، لأن الضبح يكون مع العدو» .
قال أبو حيَّان: «وإذا كان الضَّبح مع العدو، فلا يكونُ معنى والعاديات معنى الضابحات فلا ينبغي أن يفسر به» انتهى.
قال شهاب الدين: لم يقل الزمخشري إنه بمعناه، إنما جعله منصوباً، لأنه لازم لا يفارقه، فكأنه ملفوظ به. وقوله: كأنه قيل؛ تفسير التلازم لا أنه هو هو.
فصل في هذا القسم
قال ابن العربي: أقسم الله تعالى بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: ﴿يس والقرآن الحكيم﴾ [يس: 1، 2] ، وأقسم بحياته فقال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: 72] ، وأقسم بخيله وصهيلها وغبارها، وقدح حوافرها النار من الحجر، فقال: ﴿والعاديات ضَبْحاً﴾ .
وقال الشعبيُّ: تمارى عليٌّ وابن عباس في «العَادِياتَ» فقال علي: هي الإبل تعدو في الحج.
وقال ابن عباس: هي الخيلُ، ألا تراه يقولُ: «فأثَرْنَ بِهِ نَقْعاً» فهل تثير إلا بحوافرها وهل تضبح الإبل؟ .
فقال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: ليس كما قلت لقد رأيتنا يوم بدر وما معنا إلا فرس أبلق للمقداد، وفرس لمرثد بن أبي مرثد.
وعلى هذا فالقول: ﴿فالموريات قَدْحاً﴾ أي: الحافر يرمي بالحجر من شدة العدو، فيضرب به حجارة أخرى فتوري النار، أو يكون المعنى: الذين يركبون الإبل، وهم الحجيج إذا أوقدوا نيرانهم ب «المزدلفة» ، وقوله تعالى: ﴿فالمغيرات صُبْحاً﴾ ، والإغارة: سرعة السير، وهم يدفعون صبيحة يوم النحر مسرعين إلى «منى» .
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ يعني «مزدلفة» ، لأنها تسمى بجمع، لاجتماع الحاجِّ بها، وعلى هذا التقدير، فوجه القسم بها ما تقدم ذكره من المنافع الكثيرة في قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: 17] .
وأيضاً: الغرض بذكر إبل الحج: الترغيب في الحج، فإن الكنود: هو الكفور، والذي لم يحج بعد الوجوب موصوف بذلك، كما في قوله تعالى: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين﴾ [آل عمران: 97] .
ومن قال: هي الخيل، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك وعطاء وأكثر المحققين، قال: إنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بعث سرية إلى أناس من بني كنانة، فأبطأ عليه خبرها، وكان استعمل عليها المنذر بن عمرو الأنصاري، وكان أحد النقباء، فقال المنافقون: إنهم قتلوا فنزلت هذه السورة إخباراً للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بسلامتها، وبشارة له بإغارتها على القوم، فالمراد: الخيل التي يغزو عليها المؤمنون.
وفي الخبر:
«مَنْ لمْ يَعرفْ حُرمَةَ فرسِ الغَازي، ففيهِ شُعبةٌ مِنَ النِّفاقِ» ، وعلى هذا القول، فالسورة مدنية، لأن الإذن في القتال إنما كان ب «المدينة» .
قوله: ﴿فالموريات قَدْحاً﴾ ، قال عكرمة وعطاء والضحاك: هي الخيلُ حين توري النار بحوافرها وهي سنابكها.
و «قَدْحاً» يجوز أن يكون مصدراً مؤكداً؛ لأن الإيراء من القدح، يقال: قدح فأورى، وقدح فأصلد.
ويجوز أن يكون حالاً، فالمعنى: «قادحات» ، أي: ضابحات بحوافرها ما توري النار، ويقال: قدحت الحجر بالحجر، أي: صككته به.
وقال الزمخشريُّ: انتصب «قدحاً» بما انتصب به «ضبحاً» وكأنه جوّز في نصبه ثلاثة أوجه: النصب بإضمار فعله، والنصب باسم الفاعل قبله لأنه ملازمه، والنصب على الحال، وتسمى تلك النار التي تخرج من الحوافر: نار الحباحب.
قال: [الطويل]
5271 - تَقُدُّ السَّلوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجهُ ... وتُوقِدُ بالصُّفَّاحِ نَارَ الحُباحِبِ
فصل في معنى الموريات
روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أورت بحوافرها غباراً، وهذا يخالف سائر ما روي عنه في قدحِ النارِ، وإنما هذا في الإبل [وروى ابن نجيح عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - في قوله تعالى: ﴿فالموريات قَدْحاً﴾ قال هي في القتال وهو في الحج، قاله ابن مسعود هي الإبل تطأ الحصى فيخرج منه النار] .
وأصل القدح: الاستخراج، ومنه قدحت العين: إذا أخرجت منها الماء الفاسد، واقتدحت بالزّند، واقتدحت المرق: غرفته. ورَكيٌّ قدوح: يغرف باليد.
والقديح: ما يبقى في أسفل القدر، فيغرف بجهد، والمقدحة: ما تقدح به النار.
والقداحة والقداح: الحجر الذي يُورِي النار.
يقال: وَرَى الزند - بالفتح - يري ورْياً: إذا خرجت ناره، وفيه لغة أخرى، ورِي الزند - بالكسر - يرى فيهما، وقد مضى في سورة «الواقعة» .
وقيل: هذه الآيات في الخيل، ولكن إيراءها: أن تهيج الحرب بين أصحابها، وبين عدوهم. ويقال للحرب إذا التحمت: حَمِيَ الوطيس، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله﴾ [المائدة: 64] .
قال ابن عباس: المراد ب ﴿فالموريات قَدْحاً﴾ مكر الرجال في الحرب، وقاله مجاهد وزيد ين أسلم: والعربُ يقولون إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه: والله لأمكرن بك، ثم لأورين لك.
وعن ابن عباس أيضاً: هم الذين يغزون فيورون نيرانهم بالليل، لحاجتهم وطعامهم.
وعنه أيضاً أنها نيران المجاهدين إذا كثرت نارها إرهاباً، ليظنها العدو كثيراً.
وقيل: هي أفكار الرجال توري النار من عظيم ما تتكلم به ويظهر بها من إقامة الحججِ، وإقامةِ الدَّلائلِ، وإيضاح الحق، وإبطال الباطلِ.
قال القرطبي: هذه الأقوال مجاز , ومنه قولهم: فلان يُوري بها من إقامة الحججِ , وإقامة الدَّلائلِ , وإيضاح الحق , وإبطال الباطلِ. قال القرطبي: هذه الأقوال مجاز , ومنه قولهم: فلان يُوري زناد الضلالة , والأول: الحقيقة , وأن الخيل من شدة عدوها تقدح النَّار بحوافرها. قال مقاتل: العرب تسمى تلك النَّار نار أبي حُبَاحب , وكان أبو حباحب شيخاً من مضر في الجاهلية , من أبخل الناس , وكان لا يُوقد الخبز ولا غيره حتى تنام العيون , فيوقد نُويْرَة تقد مرة , وتخمد أخرى , فإن استيقظ لها أحد أطفأها , كراهية أن ينتفع بها أحدٌ , فشبهت هذه النار بناره؛ لأنه لا ينتفع بها.
وكذلك إذا وقع السيف على البيضة فاقتدحت ناراً فكذلك يسمونها.
قال النابغة: [الطويل]
5272 - ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلولٌ من قِرَاعِ الكَتائبِ
تَقُدُّ السَّلوقِيَّ المُضاعفَ نَسْجهُ ... وتُوقِدُ بالصُّفَّاحِ نَارَ الحُبَاحِبِ
قوله: ﴿فالمغيرات صُبْحاً﴾ ظرف؛ أي: التي تغير وقت الصبح، يقال: أغار يغير إغارة وغارةً: إذا باغت عدواً نهباً وقتلاً وأسراً؛ قال: [البسيط]
5273 - فَليْتَ لِي بِهمُ قَوماً إذَا رَكِبُوا ... شَنُّوا الإغَارَة فُرْسَاناً ورُكْبَانَا
وأغار وغار أيضاً: نزل الغور، وهو المنهبط من الأرض.
قوله: ﴿فَأَثَرْنَ﴾ . عطف الفعل على الاسم، لأن الاسم في تأويل الفعل لوقوعه صلى ل «أل» .
قال الزمخشريُّ: «معطوف على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه، يعني في الأصل؛ إذ الأصل: واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن» .
قوله: ﴿بِهِ﴾ . في الهاء أوجه:
أحدها: أنه ضمير الصبح، أي: فأثرن في وقت الصبح غباراً. وهذا حسن، لأنه مذكور بالتصريح.
الثاني: أنه عائد على المكان، وإن لم يجر له ذكر؛ لأن الإشارة لا بد لها من مكان، والسياق والعقل لا يدلان عليه، وإذا علم بالمعنى جاز أن يكون عما لم يجري له ذكر بالصريح كقوله تعالى: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] . وفي عبارة الزمخشري: «وقيل: الضمير لمكان الغارةِ» ، وهذا على تلك اللغيَّة وإلا فالفصيح أن تقول: الإغارة.
الثالث: أنه ضمير العدو الذي دل عليه «والعَادِيَاتِ» .
وقرأ العامة: بتخفيف الثاء، أثار كذا إذا نشره وفرقه من ارتفاع.
وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة: بتشديدها.
وخرجه الزمخشري على وجهين:
الأول: بمعنى فأظهرن به غباراً؛ لأن التأثير فيه معنى الإظهار.
الثاني: قلب «ثورن» إلى «وثَرْنَ» ، وقلب الواو همزة انتهى.
يعني: الأصل «ثَوّرنَ» من ثور يثور - بالتشديد - عداه بالتضعيف كما يعدى بالهمزة في قولك: أثاره ثم قلب الكلمة بأن جعل العين وهي الواو موضع الفاء وهي الثاء، ووزنها حينئذ «عفلن» ثم قلب الواو همزة، فصار: «أثَرْنَ» ، وهذا بعيد جداً، وعلى تقدير التسليم، فقلب الواو المفتوحة همزة لا ينقاس، إنما جاءت منه ألفاظ ك «احد وأناة» والنقع: الغبار.
وأنشد: [البسيط]
5274 - يَخْرُجْنَ مِنْ مُسْتَطَارِ دَائمَةً ... كَأنَّ آذَانهَا أطْرافُ أقْلامِ
وقال ابن رواحة: [الوافر]
5275 - عَدِمتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَروْهَا ... تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنفَيْ كَدَاءِ
وقال أبو عبيدة: النقع، رفع الصوت؛ قال لبيدٌ: [الرمل]
5276 - فَمتَى يَنْقَعْ صُراخٌ صَادِقٌ ... يُحْلبُوهَا ذَاتَ جَرْسٍ وزَجَلْ
يروى: «يجلبوها» أيضاً، يقول: متى سمعوا صراخاً أجلبوا الحرب، أي: جمعوا لها، وقوله: «ينقع صراخ» يعني رفع الصوت.
قال الزمخشري: ويجوز أن يراد بالنَّقع: الصياح، من قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «لَمْ يكُنْ نَقعٌ ولا لَقلَقةٌ» .
وقول لبيد: [الرمل]
5277 - فَمتَى يَنْقَعْ صُراخٌ صادِقٌ ... أي: فهيجن في المغار عليهم صياحاً وجلبة.
وقال أبو عبيد: وعلى هذا رأيت قول أكثر أهل العلم، انتهى. فعلى هذا تكون الباء بمعنى «في» ويعود الضمير على المكان الذي فيه الإغارة، كما تقدم.
وقال الكسائيُّ: قوله: «نقْعٌ ولا لقْلقَةٌ» النّقع: صنعة الطعام، يعني في المأتم يقال منه: نقعت أنقع نقعاً. قال أبو عبيد: ذهب بالنقع إلى النقيعة، وإنما النقيعة عند غيره من العلماء: صنعة الطعام عند القدوم من سفر، لا في المأتم.
وقال بعضهم: يريد عمرو بالنقع وضع التراب على الرأس فذهب إلى أن النقع هو التراب.
قال القرطبي: ولا أحسب عمراً ذهب إلى هذا، ولا خافه منهن، وكيف يبلغ خوفه ذا، وهو يكره لهن القيام، فقال: وهو الذي لا أدري ما هو من الحديث ولا أعرفه، وليس النقع عندي في هذا الحديث إلا الصوت الشديد، وأما اللَّقلقة: فشدة الصوت، ولم أسمع فيه اختلافاً.
[قال محمد بن كعب القرظي: النقع بين «مزدلفة» إلى «منى» .
وقيل: إنه طريق الوادي، ولعله يرجع إلى الغبار المثار من هذا الموضع.
وفي «الصحاح» النقع الغبار، والجمع: النقاع والنقع محبس الماء، وكذلك ما اجتمع في البئر منه.
وفي الحديث: أنه نهى أن يمنع نقع البئر.
والنقع: الأرض الحرة الطين يستنقع فيها الماء، والجمع: نقاع وأنقع، مثل: بحار وبحر وأبحر] .
قوله: ﴿فَوَسَطْنَ﴾ . العامة على تخفيف السين.
وفي الهاء في «به» أوجه:
أحدها: أنها للصبح.
والثاني: أنها للنَّقع، أي: وسطن النقع الجمع، أي: جعلن الغبار وسط الجمع. والباء للتعدية، وعلى الأول هي ظرفية.
الثالث: الباء للحالية، أي فتوسطن ملتبساً بالنقع، أي: بالغبار، جمعاً من جموع الأعداء.
وقيل: الباء مزيدة نقله أبو البقاء.
و «جَمْعاً» على هذه الأوجه: مفعول به.
الرابع: أن المراد ب «جمع» «المزدلفة» وهي تسمى جمعاً، والمراد: أن الإبل تتوسط جمعاً الذي هو «المزدلفة» ، كما مرَّ عن أمير المؤمنين فالمراد بالجمع مكان، لا جماعة الناس، كقول صفية: [الوافر]
5278 - فَلا والعَاديَاتِ غَداةَ جَمْعٍ ... وقول بشر بن أبي خازم: [الكامل]
5279 - فَوَسَطْنَ جَمعهُمُ وأفْلتَ حَاجبٌ ... تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبَارِ الأقْتَمِ
و «جَمْعاً» على هذا منصوب على الظرف، وعلى هذا فيكون الضمير في «به» إما للوقت أي في وقت الصبح، وإما للنقع، وتكون الباء للحال، أي: ملتبسات بالنقع، إلا أنه يشكل نصب الظرف المختص إذ كان حقه أن يتعدى إليه ب «في» .
وقال أبو البقاء: إن «جمعاً» حال، وسبقه إليه مكي. وفيه بعد؛ إذ المعنى على أن الخيل توسطت جمع الناس.
وقرأ علي، وزيد بن علي، وقتادة، وابن أبي ليلى: بتشديد السين، وهما لغتان بمعنى واحد.
وقال الزمخشري: التشديد للتعدية، والباء مزيدة للتأكيد، كقوله تعالى: ﴿وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ [البقرة: 25] وهي مبالغة في وسطن «انتهى.
وقوله:» وهي مبالغة» تناقض قوله أولاً للتعدية، لأن التشديد للمبالغة لا يكسب الفعل مفعولاً آخر، تقول: «ذبحت الغنم» مخففاً، ثم تبالغ فتقول: «ذبَّحتها» - مثقلاً - وهذا على رأيه قد جعله متعدياً بنفسه، بدليل جعله الباء مزيدة، فلا تكون للمبالغة.
فصل في معنى الآية
المعنى: فوسطن بركبانهن العدو، أي: الجمع الذين أغاروا عليهم.
وقال ابن مسعود: «فوسَطْنَ بِهِ جَمْعاً» يعني «مزدلفة» ، وسميت جمعاً لاجتماع الناس فيها.
ويقال: وسطت القوم أسطهم وسطاً وسطة، أي: صرت وسطهم، وقد أكثر الناس في وصف الخيل وهذا الذي ذكره الله أحسن.
وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الخَيْلُ معْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ» وقال أيضاً: «ظهرها حرز وبطنها كنز» .
ويروى أن بنت امرئ القيس أتت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: يا رسول الله، هل أنزل عليك ربُّك كلاماً في صفةِ الخَيْل كلاماً أفصح مما قاله جدِّي؟ فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «وما قال جدّكِ» .؟ قالت: [الطويل]
5280 - مِكَرٍّ مُقْبلٍ مُدبِرٍ معاً ... كجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَل
فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: ﴿والعاديات ضَبْحاً﴾ الآيات فأسلمت.
العاديات 100:5
مكية، في قول ابن مسعود، وجابر، والحسن، وعكرمة، وعطاء، ومدنية في قول ابن عباس، وأنس بن مالك، وقتادة، وهي إحدى عشرة آية، وأربعون كلمة، ومائة وثلاثة وستون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والعاديات﴾ ، جمع عادية، وهي الجارية بسرعة من العدو، وهو المشي بسرعةٍ، والياء منقلبة عن واو لكسر ما قبلها، نحو: الغازيات، من الغزو، ويقال: عَدا يَعْدُو عَدْواً، فهو عادٍ، وهي عادية. وقد تقدم هذا في سورة «المؤمنين» .
قال عامة المفسرين: يريد الأفراس تعدو في سبيل الله تعالى.
قوله: ﴿ضَبْحاً﴾ ، فيه أوجه:
أحدها: أنه مصدر مؤكد لاسم الفاعل، فإن الضبح نوعٌ من السير والعدو كالضبع، يقال: ضبح وضبع، إذا عدا بشدة، أخذاً من الضبع وهو الذراع، لأنه يمده عند العدو، وكأن الحاء بدل من العين، وإلى هذا ذهب أبو عبيدة والمبردُ.
قال عنترةُ: [مجزوء الكامل]
5268 - والخَيْلُ تَعْلَمُ حِينَ تَضْ ... بَحُ في حِيَاضِ المَوْتِ ضَبْحَا
الثاني: أنه مصدر في موضع الحال، أي: ضابحات وذوي ضبح والضبح: صوت يسمع من صدور الخيل عند العدو، وليس بصهيل.
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه حكاه، فقال: أحٍ أحٍ.
وقال قتادة: تضبح إذا عدت، أي: تحمحم.
وقال الفراء: والضبح: أصوات أنفاسها إذا عدون. وقيل: كانت تكمكم لئلا تصهل، فيعلم العدو بهم، فكانت تتنفس في هذه الحال بقوة.
ونقل عن ابن عباسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: أنه لم يضبح من الحيوان غير الخيل والكلب والثعلب، وهذا ينبغي أن يصحَّ عنه؛ لأنه روي عنه أنه قال: سُئلتُ عنها، ففسرتها بالخيل؛ وكان علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - تحت سقاية زمزم، فسأله، فذكر ما قلت؛ فدعاني، فلما وقفت على رأسه، قال: تفتي الناس بغير علمٍ، والله إنها لأولُ غزوةٍ في الإسلامِ، وهي بدر، ولم يكن معنا إلا فرسان: فرسٌ للمقدادِ، وفرس للزبير، فكيف تكون العاديات ضبحاً؟ إنما العاديات الإبل من «عرفة» إلى «المزدلفة» ، ومن «المزدلفة» إلى «منى» يعني إبل الحاج.
قال ابن عباسٍ: فرجعت إلى قول علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وبه قال ابن مسعود، وعبيد بن عمير، ومحمد بن كعب، والسديُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
ومنه قول صفية بنت عبد المطلب: [الوافر]
5269 - فَلاَ والعَاديَاتِ غَداةَ جَمْعٍ ... بأيْديهَا إذا سَطعَ الغُبَارُ
إلا أن الزمخشري، قال بعد ذلك: «فإن صحت الروايةُ، فقد استعير الضبحُ للإبل، كما استعير المشافر والحافر للإنسان، والشفتان للمُهْرِ» .
ونقل غيره: أن الضبح، يكون في الإبل، والأسود من الحيَّات، والبُوم، والصدى، والأرنب، والثعلب، والفرس.
وأنشد أبو حنيفة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الرجز]
5270 - حنَّانةٌ من نشَمٍ أو تَألَبِ ... تَضْبَحُ في الكفِّ ضُباحَ الثَّعْلبِ
قال شهاب الدين: وهذا عندي من الاستعارة، ونقل أهل اللغة أن أصل الضبح في الثعلب فاستعير للخيل، وهو ضبحته النار، إذا غيرت لونه ولم تبالغ وانضبح لونه تغير لسواد قليل، والضبح أيضاً الرماد.
الثالث من أوجه النصب: أن يكون منصوباً بفعل مقدر، أي: يضبح ضبحاً، وهذا الفعل حال من «العَاديَاتِ» .
الرابع: أنه منصوب ب «العَادِياتَ» ، وإن كان المراد به الصوت.
قال الزمخشري: «كأنه قيل: والضابحات، لأن الضبح يكون مع العدو» .
قال أبو حيَّان: «وإذا كان الضَّبح مع العدو، فلا يكونُ معنى والعاديات معنى الضابحات فلا ينبغي أن يفسر به» انتهى.
قال شهاب الدين: لم يقل الزمخشري إنه بمعناه، إنما جعله منصوباً، لأنه لازم لا يفارقه، فكأنه ملفوظ به. وقوله: كأنه قيل؛ تفسير التلازم لا أنه هو هو.
فصل في هذا القسم
قال ابن العربي: أقسم الله تعالى بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: ﴿يس والقرآن الحكيم﴾ [يس: 1، 2] ، وأقسم بحياته فقال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: 72] ، وأقسم بخيله وصهيلها وغبارها، وقدح حوافرها النار من الحجر، فقال: ﴿والعاديات ضَبْحاً﴾ .
وقال الشعبيُّ: تمارى عليٌّ وابن عباس في «العَادِياتَ» فقال علي: هي الإبل تعدو في الحج.
وقال ابن عباس: هي الخيلُ، ألا تراه يقولُ: «فأثَرْنَ بِهِ نَقْعاً» فهل تثير إلا بحوافرها وهل تضبح الإبل؟ .
فقال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: ليس كما قلت لقد رأيتنا يوم بدر وما معنا إلا فرس أبلق للمقداد، وفرس لمرثد بن أبي مرثد.
وعلى هذا فالقول: ﴿فالموريات قَدْحاً﴾ أي: الحافر يرمي بالحجر من شدة العدو، فيضرب به حجارة أخرى فتوري النار، أو يكون المعنى: الذين يركبون الإبل، وهم الحجيج إذا أوقدوا نيرانهم ب «المزدلفة» ، وقوله تعالى: ﴿فالمغيرات صُبْحاً﴾ ، والإغارة: سرعة السير، وهم يدفعون صبيحة يوم النحر مسرعين إلى «منى» .
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ يعني «مزدلفة» ، لأنها تسمى بجمع، لاجتماع الحاجِّ بها، وعلى هذا التقدير، فوجه القسم بها ما تقدم ذكره من المنافع الكثيرة في قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: 17] .
وأيضاً: الغرض بذكر إبل الحج: الترغيب في الحج، فإن الكنود: هو الكفور، والذي لم يحج بعد الوجوب موصوف بذلك، كما في قوله تعالى: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين﴾ [آل عمران: 97] .
ومن قال: هي الخيل، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك وعطاء وأكثر المحققين، قال: إنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بعث سرية إلى أناس من بني كنانة، فأبطأ عليه خبرها، وكان استعمل عليها المنذر بن عمرو الأنصاري، وكان أحد النقباء، فقال المنافقون: إنهم قتلوا فنزلت هذه السورة إخباراً للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بسلامتها، وبشارة له بإغارتها على القوم، فالمراد: الخيل التي يغزو عليها المؤمنون.
وفي الخبر:
«مَنْ لمْ يَعرفْ حُرمَةَ فرسِ الغَازي، ففيهِ شُعبةٌ مِنَ النِّفاقِ» ، وعلى هذا القول، فالسورة مدنية، لأن الإذن في القتال إنما كان ب «المدينة» .
قوله: ﴿فالموريات قَدْحاً﴾ ، قال عكرمة وعطاء والضحاك: هي الخيلُ حين توري النار بحوافرها وهي سنابكها.
و «قَدْحاً» يجوز أن يكون مصدراً مؤكداً؛ لأن الإيراء من القدح، يقال: قدح فأورى، وقدح فأصلد.
ويجوز أن يكون حالاً، فالمعنى: «قادحات» ، أي: ضابحات بحوافرها ما توري النار، ويقال: قدحت الحجر بالحجر، أي: صككته به.
وقال الزمخشريُّ: انتصب «قدحاً» بما انتصب به «ضبحاً» وكأنه جوّز في نصبه ثلاثة أوجه: النصب بإضمار فعله، والنصب باسم الفاعل قبله لأنه ملازمه، والنصب على الحال، وتسمى تلك النار التي تخرج من الحوافر: نار الحباحب.
قال: [الطويل]
5271 - تَقُدُّ السَّلوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجهُ ... وتُوقِدُ بالصُّفَّاحِ نَارَ الحُباحِبِ
فصل في معنى الموريات
روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أورت بحوافرها غباراً، وهذا يخالف سائر ما روي عنه في قدحِ النارِ، وإنما هذا في الإبل [وروى ابن نجيح عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - في قوله تعالى: ﴿فالموريات قَدْحاً﴾ قال هي في القتال وهو في الحج، قاله ابن مسعود هي الإبل تطأ الحصى فيخرج منه النار] .
وأصل القدح: الاستخراج، ومنه قدحت العين: إذا أخرجت منها الماء الفاسد، واقتدحت بالزّند، واقتدحت المرق: غرفته. ورَكيٌّ قدوح: يغرف باليد.
والقديح: ما يبقى في أسفل القدر، فيغرف بجهد، والمقدحة: ما تقدح به النار.
والقداحة والقداح: الحجر الذي يُورِي النار.
يقال: وَرَى الزند - بالفتح - يري ورْياً: إذا خرجت ناره، وفيه لغة أخرى، ورِي الزند - بالكسر - يرى فيهما، وقد مضى في سورة «الواقعة» .
وقيل: هذه الآيات في الخيل، ولكن إيراءها: أن تهيج الحرب بين أصحابها، وبين عدوهم. ويقال للحرب إذا التحمت: حَمِيَ الوطيس، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله﴾ [المائدة: 64] .
قال ابن عباس: المراد ب ﴿فالموريات قَدْحاً﴾ مكر الرجال في الحرب، وقاله مجاهد وزيد ين أسلم: والعربُ يقولون إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه: والله لأمكرن بك، ثم لأورين لك.
وعن ابن عباس أيضاً: هم الذين يغزون فيورون نيرانهم بالليل، لحاجتهم وطعامهم.
وعنه أيضاً أنها نيران المجاهدين إذا كثرت نارها إرهاباً، ليظنها العدو كثيراً.
وقيل: هي أفكار الرجال توري النار من عظيم ما تتكلم به ويظهر بها من إقامة الحججِ، وإقامةِ الدَّلائلِ، وإيضاح الحق، وإبطال الباطلِ.
قال القرطبي: هذه الأقوال مجاز , ومنه قولهم: فلان يُوري بها من إقامة الحججِ , وإقامة الدَّلائلِ , وإيضاح الحق , وإبطال الباطلِ. قال القرطبي: هذه الأقوال مجاز , ومنه قولهم: فلان يُوري زناد الضلالة , والأول: الحقيقة , وأن الخيل من شدة عدوها تقدح النَّار بحوافرها. قال مقاتل: العرب تسمى تلك النَّار نار أبي حُبَاحب , وكان أبو حباحب شيخاً من مضر في الجاهلية , من أبخل الناس , وكان لا يُوقد الخبز ولا غيره حتى تنام العيون , فيوقد نُويْرَة تقد مرة , وتخمد أخرى , فإن استيقظ لها أحد أطفأها , كراهية أن ينتفع بها أحدٌ , فشبهت هذه النار بناره؛ لأنه لا ينتفع بها.
وكذلك إذا وقع السيف على البيضة فاقتدحت ناراً فكذلك يسمونها.
قال النابغة: [الطويل]
5272 - ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلولٌ من قِرَاعِ الكَتائبِ
تَقُدُّ السَّلوقِيَّ المُضاعفَ نَسْجهُ ... وتُوقِدُ بالصُّفَّاحِ نَارَ الحُبَاحِبِ
قوله: ﴿فالمغيرات صُبْحاً﴾ ظرف؛ أي: التي تغير وقت الصبح، يقال: أغار يغير إغارة وغارةً: إذا باغت عدواً نهباً وقتلاً وأسراً؛ قال: [البسيط]
5273 - فَليْتَ لِي بِهمُ قَوماً إذَا رَكِبُوا ... شَنُّوا الإغَارَة فُرْسَاناً ورُكْبَانَا
وأغار وغار أيضاً: نزل الغور، وهو المنهبط من الأرض.
قوله: ﴿فَأَثَرْنَ﴾ . عطف الفعل على الاسم، لأن الاسم في تأويل الفعل لوقوعه صلى ل «أل» .
قال الزمخشريُّ: «معطوف على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه، يعني في الأصل؛ إذ الأصل: واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن» .
قوله: ﴿بِهِ﴾ . في الهاء أوجه:
أحدها: أنه ضمير الصبح، أي: فأثرن في وقت الصبح غباراً. وهذا حسن، لأنه مذكور بالتصريح.
الثاني: أنه عائد على المكان، وإن لم يجر له ذكر؛ لأن الإشارة لا بد لها من مكان، والسياق والعقل لا يدلان عليه، وإذا علم بالمعنى جاز أن يكون عما لم يجري له ذكر بالصريح كقوله تعالى: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] . وفي عبارة الزمخشري: «وقيل: الضمير لمكان الغارةِ» ، وهذا على تلك اللغيَّة وإلا فالفصيح أن تقول: الإغارة.
الثالث: أنه ضمير العدو الذي دل عليه «والعَادِيَاتِ» .
وقرأ العامة: بتخفيف الثاء، أثار كذا إذا نشره وفرقه من ارتفاع.
وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة: بتشديدها.
وخرجه الزمخشري على وجهين:
الأول: بمعنى فأظهرن به غباراً؛ لأن التأثير فيه معنى الإظهار.
الثاني: قلب «ثورن» إلى «وثَرْنَ» ، وقلب الواو همزة انتهى.
يعني: الأصل «ثَوّرنَ» من ثور يثور - بالتشديد - عداه بالتضعيف كما يعدى بالهمزة في قولك: أثاره ثم قلب الكلمة بأن جعل العين وهي الواو موضع الفاء وهي الثاء، ووزنها حينئذ «عفلن» ثم قلب الواو همزة، فصار: «أثَرْنَ» ، وهذا بعيد جداً، وعلى تقدير التسليم، فقلب الواو المفتوحة همزة لا ينقاس، إنما جاءت منه ألفاظ ك «احد وأناة» والنقع: الغبار.
وأنشد: [البسيط]
5274 - يَخْرُجْنَ مِنْ مُسْتَطَارِ دَائمَةً ... كَأنَّ آذَانهَا أطْرافُ أقْلامِ
وقال ابن رواحة: [الوافر]
5275 - عَدِمتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَروْهَا ... تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنفَيْ كَدَاءِ
وقال أبو عبيدة: النقع، رفع الصوت؛ قال لبيدٌ: [الرمل]
5276 - فَمتَى يَنْقَعْ صُراخٌ صَادِقٌ ... يُحْلبُوهَا ذَاتَ جَرْسٍ وزَجَلْ
يروى: «يجلبوها» أيضاً، يقول: متى سمعوا صراخاً أجلبوا الحرب، أي: جمعوا لها، وقوله: «ينقع صراخ» يعني رفع الصوت.
قال الزمخشري: ويجوز أن يراد بالنَّقع: الصياح، من قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «لَمْ يكُنْ نَقعٌ ولا لَقلَقةٌ» .
وقول لبيد: [الرمل]
5277 - فَمتَى يَنْقَعْ صُراخٌ صادِقٌ ... أي: فهيجن في المغار عليهم صياحاً وجلبة.
وقال أبو عبيد: وعلى هذا رأيت قول أكثر أهل العلم، انتهى. فعلى هذا تكون الباء بمعنى «في» ويعود الضمير على المكان الذي فيه الإغارة، كما تقدم.
وقال الكسائيُّ: قوله: «نقْعٌ ولا لقْلقَةٌ» النّقع: صنعة الطعام، يعني في المأتم يقال منه: نقعت أنقع نقعاً. قال أبو عبيد: ذهب بالنقع إلى النقيعة، وإنما النقيعة عند غيره من العلماء: صنعة الطعام عند القدوم من سفر، لا في المأتم.
وقال بعضهم: يريد عمرو بالنقع وضع التراب على الرأس فذهب إلى أن النقع هو التراب.
قال القرطبي: ولا أحسب عمراً ذهب إلى هذا، ولا خافه منهن، وكيف يبلغ خوفه ذا، وهو يكره لهن القيام، فقال: وهو الذي لا أدري ما هو من الحديث ولا أعرفه، وليس النقع عندي في هذا الحديث إلا الصوت الشديد، وأما اللَّقلقة: فشدة الصوت، ولم أسمع فيه اختلافاً.
[قال محمد بن كعب القرظي: النقع بين «مزدلفة» إلى «منى» .
وقيل: إنه طريق الوادي، ولعله يرجع إلى الغبار المثار من هذا الموضع.
وفي «الصحاح» النقع الغبار، والجمع: النقاع والنقع محبس الماء، وكذلك ما اجتمع في البئر منه.
وفي الحديث: أنه نهى أن يمنع نقع البئر.
والنقع: الأرض الحرة الطين يستنقع فيها الماء، والجمع: نقاع وأنقع، مثل: بحار وبحر وأبحر] .
قوله: ﴿فَوَسَطْنَ﴾ . العامة على تخفيف السين.
وفي الهاء في «به» أوجه:
أحدها: أنها للصبح.
والثاني: أنها للنَّقع، أي: وسطن النقع الجمع، أي: جعلن الغبار وسط الجمع. والباء للتعدية، وعلى الأول هي ظرفية.
الثالث: الباء للحالية، أي فتوسطن ملتبساً بالنقع، أي: بالغبار، جمعاً من جموع الأعداء.
وقيل: الباء مزيدة نقله أبو البقاء.
و «جَمْعاً» على هذه الأوجه: مفعول به.
الرابع: أن المراد ب «جمع» «المزدلفة» وهي تسمى جمعاً، والمراد: أن الإبل تتوسط جمعاً الذي هو «المزدلفة» ، كما مرَّ عن أمير المؤمنين فالمراد بالجمع مكان، لا جماعة الناس، كقول صفية: [الوافر]
5278 - فَلا والعَاديَاتِ غَداةَ جَمْعٍ ... وقول بشر بن أبي خازم: [الكامل]
5279 - فَوَسَطْنَ جَمعهُمُ وأفْلتَ حَاجبٌ ... تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبَارِ الأقْتَمِ
و «جَمْعاً» على هذا منصوب على الظرف، وعلى هذا فيكون الضمير في «به» إما للوقت أي في وقت الصبح، وإما للنقع، وتكون الباء للحال، أي: ملتبسات بالنقع، إلا أنه يشكل نصب الظرف المختص إذ كان حقه أن يتعدى إليه ب «في» .
وقال أبو البقاء: إن «جمعاً» حال، وسبقه إليه مكي. وفيه بعد؛ إذ المعنى على أن الخيل توسطت جمع الناس.
وقرأ علي، وزيد بن علي، وقتادة، وابن أبي ليلى: بتشديد السين، وهما لغتان بمعنى واحد.
وقال الزمخشري: التشديد للتعدية، والباء مزيدة للتأكيد، كقوله تعالى: ﴿وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ [البقرة: 25] وهي مبالغة في وسطن «انتهى.
وقوله:» وهي مبالغة» تناقض قوله أولاً للتعدية، لأن التشديد للمبالغة لا يكسب الفعل مفعولاً آخر، تقول: «ذبحت الغنم» مخففاً، ثم تبالغ فتقول: «ذبَّحتها» - مثقلاً - وهذا على رأيه قد جعله متعدياً بنفسه، بدليل جعله الباء مزيدة، فلا تكون للمبالغة.
فصل في معنى الآية
المعنى: فوسطن بركبانهن العدو، أي: الجمع الذين أغاروا عليهم.
وقال ابن مسعود: «فوسَطْنَ بِهِ جَمْعاً» يعني «مزدلفة» ، وسميت جمعاً لاجتماع الناس فيها.
ويقال: وسطت القوم أسطهم وسطاً وسطة، أي: صرت وسطهم، وقد أكثر الناس في وصف الخيل وهذا الذي ذكره الله أحسن.
وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الخَيْلُ معْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ» وقال أيضاً: «ظهرها حرز وبطنها كنز» .
ويروى أن بنت امرئ القيس أتت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: يا رسول الله، هل أنزل عليك ربُّك كلاماً في صفةِ الخَيْل كلاماً أفصح مما قاله جدِّي؟ فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «وما قال جدّكِ» .؟ قالت: [الطويل]
5280 - مِكَرٍّ مُقْبلٍ مُدبِرٍ معاً ... كجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَل
فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: ﴿والعاديات ضَبْحاً﴾ الآيات فأسلمت.
العاديات 100:6
قوله: ﴿إِنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ . هذا هو المقسم عليه، و «لرَبِّهِ» متعلق بالخبر، وقدم الفواصل، والكنُود: الجحود.
وقيل: الكفور لنعمه، وأنشد: [الطويل]
5281 - كَنُودٌ لِنعْمَاءِ الرِّجَالِ ومَنْ يَكُنْ ... كَنُوداً لِنعْماءِ الرِّجَالِ يُبعَّدِ
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - هو بلسان «كندة» و «حضرموت» : العاصي، وبلسان «ربيعة» و «مضر» : الكفور، وبلسان «كنانة» : البخيل.
وأنشد أبو زيد: [الخفيف]
5282 - إنْ تَفُتْنِي فلمْ أطِبْ عَنْكَ نَفْساً ... غَيْرَ أنِّي أمْسِي بِدهْرٍ كَنُودِ
وقيل: لسان الجاحد للحق. وقيل: إنما سميت كندة لأنها جحدت أباها.
وقيل: الكنود: من كند إذا قطع، كأنه يقطع ما ينبغي أن يواصله من الشكر، ويقال: كند الخيل: إذا قطع؛ قال الأعشى: [المتقارب]
5283 - يُعْطِي عَطاءً بِصُلبِ الفُؤادِ ... وصُولِ حِبَالٍ وكنَّادِهَا
فهذا يدل على القطع، ويقال: كند يكند كنوداً، أي: كفر النعمة وجحدها، فهو كنود، وامرأة كنود أيضاً، وكند مثله؛ قال الأعشى: [الكامل]
5284 - أحْدِثْ لهَا تُحدِثُ لوصْلِكَ إنَّهَا ... كُنُدٌ لوِصْلِ الزَّائرِ المُعْتَادِ
أي: كفور للمواصلة، وروى أبو أمامة الباهلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الكنُودُ: هُو الَّذي يَأكلُ وحدهُ، ويمنعُ رفدهُ، ويَضربُ عَبْدَهُ» خرجه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول. وقال الحسن: الكنود اللوام لربه يعد المحن والمصيبات، وينسى النعم والراحات، وهو كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ ربي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: 16] .
واعلم أن الكنود لا يخرج عن أن يكون كفراً أو فسقاً، وكيفما كان فلان يمكن حمله على كل الناس، فلا بد من صرفه إلى كافر معين، وإن حملناه على الكل فالمعنى أن طبع الإنسان يحمله على ذلك إلا إذا عصمه الله بلطفه وتوفيقه.
قال ابن عباس: الإنسان هنا الكافر، يقول: إنه لكفور، ومنه الأرض الكنود التي لا تنبت شيئاً. وقال الضحاك: نزلت في الوليد بن المغيرة. وقال أبو بكر الواسطي: الكنُود: الذي ينفق نعم اللهِ في معاصي الله.
وقال ذو النون المصري: الهلوع والكنود: هو الذي إذا مسه الشرُّ جزوعٌ، وإذا مسَّه الخيرُ منوع. وقيل: هو الحسود الحقود.
قال القرطبي: «هذه الأقوال كلُّها ترجع إلى معنى الكفران والجحود» .
وقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - نزلت في قرط بن عبد الله بن عمرو بن نوفل القرشي، لقوله: ﴿أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي القبور﴾ [العاديات: 19] ولا يليق إلا بالكافر المنكر لذلك.
قوله: ﴿وَإِنَّهُ على ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ . أي: وإن الله - تعالى - على ذلك من ابن آدم لشهيد، قاله ابن عباس ومجاهد وأكثر المفسرين.
وقال الحسن وقتادة ومحمد بن كعب: «وإنَّهُ» أي: وإن الإنسان لشاهدٌ على نفسه بما يصنع كقوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخير لَشَدِيدٌ﴾ .
والأول أولى؛ لأنه كالوعيد والزجر له عن المعاصي.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخير﴾ . اللام متعلقة ب «شديد» وفيه وجهان:
أحدهما: أنها المعدية، والمعنى: وإنه لقوي مطيق لحب الخير أي: المال، يقال: هو شديد لهذا الأمر، أي: مطيق له، ويقال: لشديد: أي: بخيل، ويقال للبخيل: شديد ومتشدِّد؛ قال طرفة: [الطويل]
5285 - أرَى المَوْتَ يَعْتَامُ الكِرَامَ ويَصْطَفِي ... عَقِيلةَ مَالِ الفَاحشِ المُتَشَددِ
يقال: اعتامه واعتماه: أي: اختاره، والفاحش: البخيل أيضاً؛ قال تعالى: ﴿وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء﴾ [البقرة: 268] أي: البخل.
قال ابن زيد: سمى الله المال خيراً، وعسى أن يكون شراً وخيراً، ولكن الناس يعدونه خيراً، فسماه الله تعالى خيراً لذلك، قال تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْراً﴾ [البقرة: 180] وسمى الجهاد سوءاً، فقال: ﴿فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سواء﴾ [آل عمران: 174] على ما يسميه الناس.
الثاني: أن «اللام» للعلة، أي: وإنه لأجل حبِّ المالِ لبخيل.
وقيل: «اللام» بمعنى «على» .
وقال الفراءُ: أصل نظم الآية أن يقال: وإنه لشديد الحب للخير، فلما قدم الحب قال: «لشديد» وحذف من آخره ذكر الحب؛ لأنه قد جرى ذكره، لرءوس الآي، كقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: 18] والعصوف: للريح لا للأيام، فلما جرى ذكرُ الرِّيحِ قبل اليوم، طرح من آخره ذكر الريح، كأنه قال: في يوم عاصف الريح.
العاديات 100:7
قوله: ﴿إِنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ . هذا هو المقسم عليه، و «لرَبِّهِ» متعلق بالخبر، وقدم الفواصل، والكنُود: الجحود.
وقيل: الكفور لنعمه، وأنشد: [الطويل]
5281 - كَنُودٌ لِنعْمَاءِ الرِّجَالِ ومَنْ يَكُنْ ... كَنُوداً لِنعْماءِ الرِّجَالِ يُبعَّدِ
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - هو بلسان «كندة» و «حضرموت» : العاصي، وبلسان «ربيعة» و «مضر» : الكفور، وبلسان «كنانة» : البخيل.
وأنشد أبو زيد: [الخفيف]
5282 - إنْ تَفُتْنِي فلمْ أطِبْ عَنْكَ نَفْساً ... غَيْرَ أنِّي أمْسِي بِدهْرٍ كَنُودِ
وقيل: لسان الجاحد للحق. وقيل: إنما سميت كندة لأنها جحدت أباها.
وقيل: الكنود: من كند إذا قطع، كأنه يقطع ما ينبغي أن يواصله من الشكر، ويقال: كند الخيل: إذا قطع؛ قال الأعشى: [المتقارب]
5283 - يُعْطِي عَطاءً بِصُلبِ الفُؤادِ ... وصُولِ حِبَالٍ وكنَّادِهَا
فهذا يدل على القطع، ويقال: كند يكند كنوداً، أي: كفر النعمة وجحدها، فهو كنود، وامرأة كنود أيضاً، وكند مثله؛ قال الأعشى: [الكامل]
5284 - أحْدِثْ لهَا تُحدِثُ لوصْلِكَ إنَّهَا ... كُنُدٌ لوِصْلِ الزَّائرِ المُعْتَادِ
أي: كفور للمواصلة، وروى أبو أمامة الباهلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الكنُودُ: هُو الَّذي يَأكلُ وحدهُ، ويمنعُ رفدهُ، ويَضربُ عَبْدَهُ» خرجه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول. وقال الحسن: الكنود اللوام لربه يعد المحن والمصيبات، وينسى النعم والراحات، وهو كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ ربي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: 16] .
واعلم أن الكنود لا يخرج عن أن يكون كفراً أو فسقاً، وكيفما كان فلان يمكن حمله على كل الناس، فلا بد من صرفه إلى كافر معين، وإن حملناه على الكل فالمعنى أن طبع الإنسان يحمله على ذلك إلا إذا عصمه الله بلطفه وتوفيقه.
قال ابن عباس: الإنسان هنا الكافر، يقول: إنه لكفور، ومنه الأرض الكنود التي لا تنبت شيئاً. وقال الضحاك: نزلت في الوليد بن المغيرة. وقال أبو بكر الواسطي: الكنُود: الذي ينفق نعم اللهِ في معاصي الله.
وقال ذو النون المصري: الهلوع والكنود: هو الذي إذا مسه الشرُّ جزوعٌ، وإذا مسَّه الخيرُ منوع. وقيل: هو الحسود الحقود.
قال القرطبي: «هذه الأقوال كلُّها ترجع إلى معنى الكفران والجحود» .
وقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - نزلت في قرط بن عبد الله بن عمرو بن نوفل القرشي، لقوله: ﴿أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي القبور﴾ [العاديات: 19] ولا يليق إلا بالكافر المنكر لذلك.
قوله: ﴿وَإِنَّهُ على ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ . أي: وإن الله - تعالى - على ذلك من ابن آدم لشهيد، قاله ابن عباس ومجاهد وأكثر المفسرين.
وقال الحسن وقتادة ومحمد بن كعب: «وإنَّهُ» أي: وإن الإنسان لشاهدٌ على نفسه بما يصنع كقوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخير لَشَدِيدٌ﴾ .
والأول أولى؛ لأنه كالوعيد والزجر له عن المعاصي.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخير﴾ . اللام متعلقة ب «شديد» وفيه وجهان:
أحدهما: أنها المعدية، والمعنى: وإنه لقوي مطيق لحب الخير أي: المال، يقال: هو شديد لهذا الأمر، أي: مطيق له، ويقال: لشديد: أي: بخيل، ويقال للبخيل: شديد ومتشدِّد؛ قال طرفة: [الطويل]
5285 - أرَى المَوْتَ يَعْتَامُ الكِرَامَ ويَصْطَفِي ... عَقِيلةَ مَالِ الفَاحشِ المُتَشَددِ
يقال: اعتامه واعتماه: أي: اختاره، والفاحش: البخيل أيضاً؛ قال تعالى: ﴿وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء﴾ [البقرة: 268] أي: البخل.
قال ابن زيد: سمى الله المال خيراً، وعسى أن يكون شراً وخيراً، ولكن الناس يعدونه خيراً، فسماه الله تعالى خيراً لذلك، قال تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْراً﴾ [البقرة: 180] وسمى الجهاد سوءاً، فقال: ﴿فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سواء﴾ [آل عمران: 174] على ما يسميه الناس.
الثاني: أن «اللام» للعلة، أي: وإنه لأجل حبِّ المالِ لبخيل.
وقيل: «اللام» بمعنى «على» .
وقال الفراءُ: أصل نظم الآية أن يقال: وإنه لشديد الحب للخير، فلما قدم الحب قال: «لشديد» وحذف من آخره ذكر الحب؛ لأنه قد جرى ذكره، لرءوس الآي، كقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: 18] والعصوف: للريح لا للأيام، فلما جرى ذكرُ الرِّيحِ قبل اليوم، طرح من آخره ذكر الريح، كأنه قال: في يوم عاصف الريح.
العاديات 100:8
قوله: ﴿إِنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ . هذا هو المقسم عليه، و «لرَبِّهِ» متعلق بالخبر، وقدم الفواصل، والكنُود: الجحود.
وقيل: الكفور لنعمه، وأنشد: [الطويل]
5281 - كَنُودٌ لِنعْمَاءِ الرِّجَالِ ومَنْ يَكُنْ ... كَنُوداً لِنعْماءِ الرِّجَالِ يُبعَّدِ
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - هو بلسان «كندة» و «حضرموت» : العاصي، وبلسان «ربيعة» و «مضر» : الكفور، وبلسان «كنانة» : البخيل.
وأنشد أبو زيد: [الخفيف]
5282 - إنْ تَفُتْنِي فلمْ أطِبْ عَنْكَ نَفْساً ... غَيْرَ أنِّي أمْسِي بِدهْرٍ كَنُودِ
وقيل: لسان الجاحد للحق. وقيل: إنما سميت كندة لأنها جحدت أباها.
وقيل: الكنود: من كند إذا قطع، كأنه يقطع ما ينبغي أن يواصله من الشكر، ويقال: كند الخيل: إذا قطع؛ قال الأعشى: [المتقارب]
5283 - يُعْطِي عَطاءً بِصُلبِ الفُؤادِ ... وصُولِ حِبَالٍ وكنَّادِهَا
فهذا يدل على القطع، ويقال: كند يكند كنوداً، أي: كفر النعمة وجحدها، فهو كنود، وامرأة كنود أيضاً، وكند مثله؛ قال الأعشى: [الكامل]
5284 - أحْدِثْ لهَا تُحدِثُ لوصْلِكَ إنَّهَا ... كُنُدٌ لوِصْلِ الزَّائرِ المُعْتَادِ
أي: كفور للمواصلة، وروى أبو أمامة الباهلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الكنُودُ: هُو الَّذي يَأكلُ وحدهُ، ويمنعُ رفدهُ، ويَضربُ عَبْدَهُ» خرجه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول. وقال الحسن: الكنود اللوام لربه يعد المحن والمصيبات، وينسى النعم والراحات، وهو كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ ربي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: 16] .
واعلم أن الكنود لا يخرج عن أن يكون كفراً أو فسقاً، وكيفما كان فلان يمكن حمله على كل الناس، فلا بد من صرفه إلى كافر معين، وإن حملناه على الكل فالمعنى أن طبع الإنسان يحمله على ذلك إلا إذا عصمه الله بلطفه وتوفيقه.
قال ابن عباس: الإنسان هنا الكافر، يقول: إنه لكفور، ومنه الأرض الكنود التي لا تنبت شيئاً. وقال الضحاك: نزلت في الوليد بن المغيرة. وقال أبو بكر الواسطي: الكنُود: الذي ينفق نعم اللهِ في معاصي الله.
وقال ذو النون المصري: الهلوع والكنود: هو الذي إذا مسه الشرُّ جزوعٌ، وإذا مسَّه الخيرُ منوع. وقيل: هو الحسود الحقود.
قال القرطبي: «هذه الأقوال كلُّها ترجع إلى معنى الكفران والجحود» .
وقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - نزلت في قرط بن عبد الله بن عمرو بن نوفل القرشي، لقوله: ﴿أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي القبور﴾ [العاديات: 19] ولا يليق إلا بالكافر المنكر لذلك.
قوله: ﴿وَإِنَّهُ على ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ . أي: وإن الله - تعالى - على ذلك من ابن آدم لشهيد، قاله ابن عباس ومجاهد وأكثر المفسرين.
وقال الحسن وقتادة ومحمد بن كعب: «وإنَّهُ» أي: وإن الإنسان لشاهدٌ على نفسه بما يصنع كقوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخير لَشَدِيدٌ﴾ .
والأول أولى؛ لأنه كالوعيد والزجر له عن المعاصي.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخير﴾ . اللام متعلقة ب «شديد» وفيه وجهان:
أحدهما: أنها المعدية، والمعنى: وإنه لقوي مطيق لحب الخير أي: المال، يقال: هو شديد لهذا الأمر، أي: مطيق له، ويقال: لشديد: أي: بخيل، ويقال للبخيل: شديد ومتشدِّد؛ قال طرفة: [الطويل]
5285 - أرَى المَوْتَ يَعْتَامُ الكِرَامَ ويَصْطَفِي ... عَقِيلةَ مَالِ الفَاحشِ المُتَشَددِ
يقال: اعتامه واعتماه: أي: اختاره، والفاحش: البخيل أيضاً؛ قال تعالى: ﴿وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء﴾ [البقرة: 268] أي: البخل.
قال ابن زيد: سمى الله المال خيراً، وعسى أن يكون شراً وخيراً، ولكن الناس يعدونه خيراً، فسماه الله تعالى خيراً لذلك، قال تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْراً﴾ [البقرة: 180] وسمى الجهاد سوءاً، فقال: ﴿فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سواء﴾ [آل عمران: 174] على ما يسميه الناس.
الثاني: أن «اللام» للعلة، أي: وإنه لأجل حبِّ المالِ لبخيل.
وقيل: «اللام» بمعنى «على» .
وقال الفراءُ: أصل نظم الآية أن يقال: وإنه لشديد الحب للخير، فلما قدم الحب قال: «لشديد» وحذف من آخره ذكر الحب؛ لأنه قد جرى ذكره، لرءوس الآي، كقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: 18] والعصوف: للريح لا للأيام، فلما جرى ذكرُ الرِّيحِ قبل اليوم، طرح من آخره ذكر الريح، كأنه قال: في يوم عاصف الريح.
العاديات 100:9
قوله: ﴿أَفَلاَ يَعْلَمُ﴾ . لما عد عليه قبائح أفعاله خوّفه، فقال: ﴿أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي القبور﴾ .
العامل في «إذَا» أوجه:
أحدهما: «بُعْثِرَ» نقله مكيٌّ عن المبرِّد. وتقدم تحريره في السورة قبلها.
قال القرطبيُّ: العامل في «إذا» : «بعثر» ولا يعمل فيه «يعلمُ» إذ لا يراد به العلم من الإنسان ذلك الوقت؛ إنما يراد في الدنيا، ولا يعمل فيه «خبير» لأن ما بعد «إن» لا يعمل فيما قبلها، والعامل في «يَوْمئذٍ» : «خَبِيرٌ» وإن فصل اللام بينهما؛ لأن موضع اللام الابتداء، وإنما دخلت في الخبر لدخول «إن» على المبتدأ.
والثاني: ما دل عليه خبر «إن» ، أي: إذا بعثر جوزوا.
والثالث: أنه «يَعْلمُ» ، وإليه ذهب الحوفي وأبو البقاء، وردّه مكي، قال: «لأن الإنسان لا يراد منه العلم والاعتبار ذلك الوقت، وإنما يعتبر في الدنيا ويعلم» .
قال أبو حيان: «وليس بمتضح، لأن المعنى: أفلا يعلم الآن» .
وكان قال قبل ذلك: «ومفعول» يعلم «محذوف، وهو العامل في الظرف؛ أي: أفلا يعلم ما مآله إذا بُعثر» انتهى.
فجعلها متعدية في ظاهر قوله إلى واحد، وعلى هذا فقد يقال: إنها عاملة في «إذا» على سبيل أن «إذا» مفعول به لا ظرف؛ إذ التقدير: أفلا يعرف وقت بعثرة القبور، يعني أن يقر بالبعث ووقته، و «إذا» قد تصرفت وخرجت عن الظرفية، ولذلك شواهد تقدم ذكرها.
الرابع: أن العامل فيها محذوف، وهو مفعول «يَعْلَمُ» ، كما تقدم.
وقرأ العامة: «بُعْثِرَ» - بالعين - مبنيًّا للمفعول، والموصول قائم مقام الفاعل.
وابن مسعود: بالحاء.
قال الفرَّاءُ: سمعت بعض أعراب بني أسد يقرأ «بحثر» بالحاء وحكاه الماوردي عن ابن مسعودٍ.
وقرأ الأسود بن زيد ومحمد بن معدان: «بحث» من البحث.
وقرأ نصر بن عاصم: «بَعْثَرَ» مبنياً للفاعل، وهو اللهُ أو الملك.
فصل في معنى الآية
المعنى «أفَلا يَعْلمُ» ، أي: ابن آدم «إذَا بُعْثِرَ» أي: أثير وقلب وبحث، فأخرج ما فيها.
قال أبو عبيدة: بعثرت المتاع، جعله أسفله أعلاه.
قال محمد بن كعب: ذلك حين يبعثون.
فإن قيل: لم قال: «بُعثِرَ ما في القُبُور» ولم يقل: من في القبور؟ ثم إنه - تعالى - لما قال: «مَا فِي القُبورِ» فلم قال: ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾ ؟ .
فالجواب عن الأول: أن ما في الأرض غير المكلفين أكثر، فأخرج الكلام على الأغلب، أو أنهم حال ما يبعثرون لا يكونون أحياء عقلاء، بل يصيرون كذلك بعد البعث، فلذلك كان الضمير الأول غير العقلاء، والضمير الثاني ضمير العقلاء.
قوله: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصدور﴾ ، قرأ العامة: «حصّل» مبنيًّا للفاعل وروي عن ابن عمر، وعبيد بن عمير، وسعيد بن جبير ونصر أيضاً «حصل» خفيف الصاد مبنياً للفاعل بمعنى جميع ما في الصحف محصلاً، والتحصيل: جمع الشيء، والحصول: اجتماعه، والاسم: الحصيلة.
قال لبيد: [الطويل]
5289 - وكُلُّ امرِئٍ يَوماً سَيعْلَمُ سَعْيهُ ... إذا حُصِّلتْ عِنْدَ الإلهِ الحَواصِلُ والتحصيل: التمييز، ومنه قيل للمنخل: محصل، وحصل الشيء - مخففاً - ظهر واستبان وعليه القراءة الأخيرة.
وقال المفسرون: «وحُصِّل ما في الصُّدورِ» أي: ميز ما فيها من خير وشر، وقال ابن عباس: أبرز. قال ابن الخطيب: وخص أعمال القلوب بالذكر دون أعمال الجوارح؛ لأن أعمال الجوارح تابعة لأعمال القلوب؛ لأنه لولا البواعث والإرادات، لما حصلت أعمال الجوارح.
قوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ﴾ . العامة: على كسر الهمزة لوجود اللام في خبرها، والظاهر أنها معلقة ل «يَعْلَمُ» فهي في محل نصب، ولكن لا يعمل في «إذا» خبرها، لما تقدم، بل يقدر له عامل من معناه كما تقدم. ويدل على أنها معلقة للعلم، ولا مستأنفة. وقراءة أبي السمال وغيره: «أنَّ ربَّهم بهم يومئذٍ خبير» ، بالفتح وإسقاط اللام، فإنها في هذه القراءة سادة مسد مفعولها.
ويحكى عن الحجاج - الخبيث الروح - أنه لما فتح همزة «أن» استدرك على نفسه، وتعمد سقوط اللام، وهذا إن صح كفر، ولا يقال: إنها قراءة ثابتة، كما نقل عن أبي السمَّال فلا يكفر، لأنه لو قرأها كذلك ناقلاً لها لم يمنع منه، ولكنه أسقط اللام عمداً إصلاحاً للسانه، واجتمعت الأمة على أن من زاد حرفاً، أو نقص حرفاً في القرآن عمداً فهو كافر.
قال شهاب الدين: وإنما قلت ذلك لأني رأيت أبا حيَّان قال: وقرأ أبو السمال والحجاج، ولا يحفظ عن الحجاج إلا هذا الأثر السوء، والناس ينقلونه عنه كذلك، وهو أقل من أن ينقل عنه.
«ربهم، ويومئذ» متعلقان بالخبر، واللام غير مانعة من ذلك، وقدما لأجل الفاصلة، ومعنى «خَبِيرٌ» أي: عالم لا يخفى عليه منهم خافية، وهو عالم بهم في ذلك اليوم، وفي غيره، ولكن المعنى: أنه يجازيهم في ذلك اليوم.
روى الثعلبي عن أبيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿والعاديات﴾ أعطيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حسَناتٍ بعددِ مَنْ بَاتَ بالمُزدلفةِ، وشَهِدَ جَمْعاً» ، والله أعلم وهو حزبي.
سورة القارعة
العاديات 100:10
قوله: ﴿أَفَلاَ يَعْلَمُ﴾ . لما عد عليه قبائح أفعاله خوّفه، فقال: ﴿أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي القبور﴾ .
العامل في «إذَا» أوجه:
أحدهما: «بُعْثِرَ» نقله مكيٌّ عن المبرِّد. وتقدم تحريره في السورة قبلها.
قال القرطبيُّ: العامل في «إذا» : «بعثر» ولا يعمل فيه «يعلمُ» إذ لا يراد به العلم من الإنسان ذلك الوقت؛ إنما يراد في الدنيا، ولا يعمل فيه «خبير» لأن ما بعد «إن» لا يعمل فيما قبلها، والعامل في «يَوْمئذٍ» : «خَبِيرٌ» وإن فصل اللام بينهما؛ لأن موضع اللام الابتداء، وإنما دخلت في الخبر لدخول «إن» على المبتدأ.
والثاني: ما دل عليه خبر «إن» ، أي: إذا بعثر جوزوا.
والثالث: أنه «يَعْلمُ» ، وإليه ذهب الحوفي وأبو البقاء، وردّه مكي، قال: «لأن الإنسان لا يراد منه العلم والاعتبار ذلك الوقت، وإنما يعتبر في الدنيا ويعلم» .
قال أبو حيان: «وليس بمتضح، لأن المعنى: أفلا يعلم الآن» .
وكان قال قبل ذلك: «ومفعول» يعلم «محذوف، وهو العامل في الظرف؛ أي: أفلا يعلم ما مآله إذا بُعثر» انتهى.
فجعلها متعدية في ظاهر قوله إلى واحد، وعلى هذا فقد يقال: إنها عاملة في «إذا» على سبيل أن «إذا» مفعول به لا ظرف؛ إذ التقدير: أفلا يعرف وقت بعثرة القبور، يعني أن يقر بالبعث ووقته، و «إذا» قد تصرفت وخرجت عن الظرفية، ولذلك شواهد تقدم ذكرها.
الرابع: أن العامل فيها محذوف، وهو مفعول «يَعْلَمُ» ، كما تقدم.
وقرأ العامة: «بُعْثِرَ» - بالعين - مبنيًّا للمفعول، والموصول قائم مقام الفاعل.
وابن مسعود: بالحاء.
قال الفرَّاءُ: سمعت بعض أعراب بني أسد يقرأ «بحثر» بالحاء وحكاه الماوردي عن ابن مسعودٍ.
وقرأ الأسود بن زيد ومحمد بن معدان: «بحث» من البحث.
وقرأ نصر بن عاصم: «بَعْثَرَ» مبنياً للفاعل، وهو اللهُ أو الملك.
فصل في معنى الآية
المعنى «أفَلا يَعْلمُ» ، أي: ابن آدم «إذَا بُعْثِرَ» أي: أثير وقلب وبحث، فأخرج ما فيها.
قال أبو عبيدة: بعثرت المتاع، جعله أسفله أعلاه.
قال محمد بن كعب: ذلك حين يبعثون.
فإن قيل: لم قال: «بُعثِرَ ما في القُبُور» ولم يقل: من في القبور؟ ثم إنه - تعالى - لما قال: «مَا فِي القُبورِ» فلم قال: ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾ ؟ .
فالجواب عن الأول: أن ما في الأرض غير المكلفين أكثر، فأخرج الكلام على الأغلب، أو أنهم حال ما يبعثرون لا يكونون أحياء عقلاء، بل يصيرون كذلك بعد البعث، فلذلك كان الضمير الأول غير العقلاء، والضمير الثاني ضمير العقلاء.
قوله: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصدور﴾ ، قرأ العامة: «حصّل» مبنيًّا للفاعل وروي عن ابن عمر، وعبيد بن عمير، وسعيد بن جبير ونصر أيضاً «حصل» خفيف الصاد مبنياً للفاعل بمعنى جميع ما في الصحف محصلاً، والتحصيل: جمع الشيء، والحصول: اجتماعه، والاسم: الحصيلة.
قال لبيد: [الطويل]
5289 - وكُلُّ امرِئٍ يَوماً سَيعْلَمُ سَعْيهُ ... إذا حُصِّلتْ عِنْدَ الإلهِ الحَواصِلُ والتحصيل: التمييز، ومنه قيل للمنخل: محصل، وحصل الشيء - مخففاً - ظهر واستبان وعليه القراءة الأخيرة.
وقال المفسرون: «وحُصِّل ما في الصُّدورِ» أي: ميز ما فيها من خير وشر، وقال ابن عباس: أبرز. قال ابن الخطيب: وخص أعمال القلوب بالذكر دون أعمال الجوارح؛ لأن أعمال الجوارح تابعة لأعمال القلوب؛ لأنه لولا البواعث والإرادات، لما حصلت أعمال الجوارح.
قوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ﴾ . العامة: على كسر الهمزة لوجود اللام في خبرها، والظاهر أنها معلقة ل «يَعْلَمُ» فهي في محل نصب، ولكن لا يعمل في «إذا» خبرها، لما تقدم، بل يقدر له عامل من معناه كما تقدم. ويدل على أنها معلقة للعلم، ولا مستأنفة. وقراءة أبي السمال وغيره: «أنَّ ربَّهم بهم يومئذٍ خبير» ، بالفتح وإسقاط اللام، فإنها في هذه القراءة سادة مسد مفعولها.
ويحكى عن الحجاج - الخبيث الروح - أنه لما فتح همزة «أن» استدرك على نفسه، وتعمد سقوط اللام، وهذا إن صح كفر، ولا يقال: إنها قراءة ثابتة، كما نقل عن أبي السمَّال فلا يكفر، لأنه لو قرأها كذلك ناقلاً لها لم يمنع منه، ولكنه أسقط اللام عمداً إصلاحاً للسانه، واجتمعت الأمة على أن من زاد حرفاً، أو نقص حرفاً في القرآن عمداً فهو كافر.
قال شهاب الدين: وإنما قلت ذلك لأني رأيت أبا حيَّان قال: وقرأ أبو السمال والحجاج، ولا يحفظ عن الحجاج إلا هذا الأثر السوء، والناس ينقلونه عنه كذلك، وهو أقل من أن ينقل عنه.
«ربهم، ويومئذ» متعلقان بالخبر، واللام غير مانعة من ذلك، وقدما لأجل الفاصلة، ومعنى «خَبِيرٌ» أي: عالم لا يخفى عليه منهم خافية، وهو عالم بهم في ذلك اليوم، وفي غيره، ولكن المعنى: أنه يجازيهم في ذلك اليوم.
روى الثعلبي عن أبيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿والعاديات﴾ أعطيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حسَناتٍ بعددِ مَنْ بَاتَ بالمُزدلفةِ، وشَهِدَ جَمْعاً» ، والله أعلم وهو حزبي.
سورة القارعة
العاديات 100:11
قوله: ﴿أَفَلاَ يَعْلَمُ﴾ . لما عد عليه قبائح أفعاله خوّفه، فقال: ﴿أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي القبور﴾ .
العامل في «إذَا» أوجه:
أحدهما: «بُعْثِرَ» نقله مكيٌّ عن المبرِّد. وتقدم تحريره في السورة قبلها.
قال القرطبيُّ: العامل في «إذا» : «بعثر» ولا يعمل فيه «يعلمُ» إذ لا يراد به العلم من الإنسان ذلك الوقت؛ إنما يراد في الدنيا، ولا يعمل فيه «خبير» لأن ما بعد «إن» لا يعمل فيما قبلها، والعامل في «يَوْمئذٍ» : «خَبِيرٌ» وإن فصل اللام بينهما؛ لأن موضع اللام الابتداء، وإنما دخلت في الخبر لدخول «إن» على المبتدأ.
والثاني: ما دل عليه خبر «إن» ، أي: إذا بعثر جوزوا.
والثالث: أنه «يَعْلمُ» ، وإليه ذهب الحوفي وأبو البقاء، وردّه مكي، قال: «لأن الإنسان لا يراد منه العلم والاعتبار ذلك الوقت، وإنما يعتبر في الدنيا ويعلم» .
قال أبو حيان: «وليس بمتضح، لأن المعنى: أفلا يعلم الآن» .
وكان قال قبل ذلك: «ومفعول» يعلم «محذوف، وهو العامل في الظرف؛ أي: أفلا يعلم ما مآله إذا بُعثر» انتهى.
فجعلها متعدية في ظاهر قوله إلى واحد، وعلى هذا فقد يقال: إنها عاملة في «إذا» على سبيل أن «إذا» مفعول به لا ظرف؛ إذ التقدير: أفلا يعرف وقت بعثرة القبور، يعني أن يقر بالبعث ووقته، و «إذا» قد تصرفت وخرجت عن الظرفية، ولذلك شواهد تقدم ذكرها.
الرابع: أن العامل فيها محذوف، وهو مفعول «يَعْلَمُ» ، كما تقدم.
وقرأ العامة: «بُعْثِرَ» - بالعين - مبنيًّا للمفعول، والموصول قائم مقام الفاعل.
وابن مسعود: بالحاء.
قال الفرَّاءُ: سمعت بعض أعراب بني أسد يقرأ «بحثر» بالحاء وحكاه الماوردي عن ابن مسعودٍ.
وقرأ الأسود بن زيد ومحمد بن معدان: «بحث» من البحث.
وقرأ نصر بن عاصم: «بَعْثَرَ» مبنياً للفاعل، وهو اللهُ أو الملك.
فصل في معنى الآية
المعنى «أفَلا يَعْلمُ» ، أي: ابن آدم «إذَا بُعْثِرَ» أي: أثير وقلب وبحث، فأخرج ما فيها.
قال أبو عبيدة: بعثرت المتاع، جعله أسفله أعلاه.
قال محمد بن كعب: ذلك حين يبعثون.
فإن قيل: لم قال: «بُعثِرَ ما في القُبُور» ولم يقل: من في القبور؟ ثم إنه - تعالى - لما قال: «مَا فِي القُبورِ» فلم قال: ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾ ؟ .
فالجواب عن الأول: أن ما في الأرض غير المكلفين أكثر، فأخرج الكلام على الأغلب، أو أنهم حال ما يبعثرون لا يكونون أحياء عقلاء، بل يصيرون كذلك بعد البعث، فلذلك كان الضمير الأول غير العقلاء، والضمير الثاني ضمير العقلاء.
قوله: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصدور﴾ ، قرأ العامة: «حصّل» مبنيًّا للفاعل وروي عن ابن عمر، وعبيد بن عمير، وسعيد بن جبير ونصر أيضاً «حصل» خفيف الصاد مبنياً للفاعل بمعنى جميع ما في الصحف محصلاً، والتحصيل: جمع الشيء، والحصول: اجتماعه، والاسم: الحصيلة.
قال لبيد: [الطويل]
5289 - وكُلُّ امرِئٍ يَوماً سَيعْلَمُ سَعْيهُ ... إذا حُصِّلتْ عِنْدَ الإلهِ الحَواصِلُ والتحصيل: التمييز، ومنه قيل للمنخل: محصل، وحصل الشيء - مخففاً - ظهر واستبان وعليه القراءة الأخيرة.
وقال المفسرون: «وحُصِّل ما في الصُّدورِ» أي: ميز ما فيها من خير وشر، وقال ابن عباس: أبرز. قال ابن الخطيب: وخص أعمال القلوب بالذكر دون أعمال الجوارح؛ لأن أعمال الجوارح تابعة لأعمال القلوب؛ لأنه لولا البواعث والإرادات، لما حصلت أعمال الجوارح.
قوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ﴾ . العامة: على كسر الهمزة لوجود اللام في خبرها، والظاهر أنها معلقة ل «يَعْلَمُ» فهي في محل نصب، ولكن لا يعمل في «إذا» خبرها، لما تقدم، بل يقدر له عامل من معناه كما تقدم. ويدل على أنها معلقة للعلم، ولا مستأنفة. وقراءة أبي السمال وغيره: «أنَّ ربَّهم بهم يومئذٍ خبير» ، بالفتح وإسقاط اللام، فإنها في هذه القراءة سادة مسد مفعولها.
ويحكى عن الحجاج - الخبيث الروح - أنه لما فتح همزة «أن» استدرك على نفسه، وتعمد سقوط اللام، وهذا إن صح كفر، ولا يقال: إنها قراءة ثابتة، كما نقل عن أبي السمَّال فلا يكفر، لأنه لو قرأها كذلك ناقلاً لها لم يمنع منه، ولكنه أسقط اللام عمداً إصلاحاً للسانه، واجتمعت الأمة على أن من زاد حرفاً، أو نقص حرفاً في القرآن عمداً فهو كافر.
قال شهاب الدين: وإنما قلت ذلك لأني رأيت أبا حيَّان قال: وقرأ أبو السمال والحجاج، ولا يحفظ عن الحجاج إلا هذا الأثر السوء، والناس ينقلونه عنه كذلك، وهو أقل من أن ينقل عنه.
«ربهم، ويومئذ» متعلقان بالخبر، واللام غير مانعة من ذلك، وقدما لأجل الفاصلة، ومعنى «خَبِيرٌ» أي: عالم لا يخفى عليه منهم خافية، وهو عالم بهم في ذلك اليوم، وفي غيره، ولكن المعنى: أنه يجازيهم في ذلك اليوم.
روى الثعلبي عن أبيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿والعاديات﴾ أعطيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حسَناتٍ بعددِ مَنْ بَاتَ بالمُزدلفةِ، وشَهِدَ جَمْعاً» ، والله أعلم وهو حزبي.
سورة القارعة