Lafzullah

Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — آل عمران 3:1 – آل عمران 3:60

المؤلف / المصدر: Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah

المحتويات
  1. آل عمران 3:1
  2. آل عمران 3:2
  3. آل عمران 3:3
  4. آل عمران 3:4
  5. آل عمران 3:5
  6. آل عمران 3:6
  7. آل عمران 3:7
  8. آل عمران 3:8
  9. آل عمران 3:9
  10. آل عمران 3:10
  11. آل عمران 3:11
  12. آل عمران 3:12
  13. آل عمران 3:13
  14. آل عمران 3:14
  15. آل عمران 3:15
  16. آل عمران 3:16
  17. آل عمران 3:17
  18. آل عمران 3:18
  19. آل عمران 3:19
  20. آل عمران 3:20
  21. آل عمران 3:21
  22. آل عمران 3:22
  23. آل عمران 3:23
  24. آل عمران 3:24
  25. آل عمران 3:25
  26. آل عمران 3:26
  27. آل عمران 3:27
  28. آل عمران 3:28
  29. آل عمران 3:29
  30. آل عمران 3:30
  31. آل عمران 3:31
  32. آل عمران 3:32
  33. آل عمران 3:33
  34. آل عمران 3:34
  35. آل عمران 3:35
  36. آل عمران 3:36
  37. آل عمران 3:37
  38. آل عمران 3:38
  39. آل عمران 3:39
  40. آل عمران 3:40
  41. آل عمران 3:41
  42. آل عمران 3:42
  43. آل عمران 3:43
  44. آل عمران 3:44
  45. آل عمران 3:45
  46. آل عمران 3:46
  47. آل عمران 3:47
  48. آل عمران 3:48
  49. آل عمران 3:49
  50. آل عمران 3:50
  51. آل عمران 3:51
  52. آل عمران 3:52
  53. آل عمران 3:53
  54. آل عمران 3:54
  55. آل عمران 3:55
  56. آل عمران 3:56
  57. آل عمران 3:57
  58. آل عمران 3:58
  59. آل عمران 3:59
  60. آل عمران 3:60

آل عمران 3:1

(p-١٤٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ فِيما عَلِمْتُ، وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ اسْمَ هَذِهِ السُورَةِ في التَوْراةِ طَيِّبَةُ. قوله عزّ وجلّ: ﴿الم﴾ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلافِ العُلَماءِ في الحُرُوفِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومِن حَيْثُ جاءَ في هَذِهِ السُورَةِ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ جُمْلَةً قائِمَةً بِنَفْسِها فَتُتَصَوَّرُ تِلْكَ الأقْوالُ كُلُّها فِي: "الم" في هَذِهِ السُورَةِ، وذَهَبَ الجُرْجانِيُّ في النَظْمِ إلى أنَّ أحْسَنَ الأقْوالِ هُنا أنْ يَكُونَ "الم" إشارَةً إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابُكَ أو نَحْوُ هَذا، ويَدُلُّ قَوْلُهُ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ عَلى ما تَرَكَ ذِكْرَهُ مِمّا هو خَبَرٌ عَنِ الحُرُوفِ، قالَ: وذَلِكَ في نَظْمِهِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] وتَرْكُ الجَوابِ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزمر: ٢٢] تَقْدِيرُهُ: كَمَن قَسا قَلْبُهُ. ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-١٤٨) ؎ فَلا تَدْفِنُونِي إنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ ∗∗∗ عَلَيْكُمْ، ولَكِنْ خامِرِي أُمَّ عامِرِ التَقْدِيرُ: ولَكِنِ اتْرُكُونِي لِلَّتِي يُقالُ لَها: "خامِرِي أُمَّ عامِرٍ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَحْسُنُ في هَذا القَوْلِ أنْ يَكُونَ "نَزَّلَ" خَبَرَ قَوْلِهِ "اللهُ" حَتّى يَرْتَبِطَ الكَلامُ إلى هَذا المَعْنى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ القاضِي الجُرْجانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ مِثْلَهُ لَيْسَتْ صَحِيحَةَ الشَبَهِ بِالمَعْنى الَّذِي نَحا إلَيْهِ، وما قالَهُ في الآيَةِ مُحْتَمَلٌ، ولَكِنَّ الأبْرَعَ في نَظْمِ الآيَةِ أنْ تَكُونَ "الم" لا تَضُمُّ ما بَعْدَها إلى نَفْسِها في المَعْنى، وأنْ يَكُونَ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ كَلامًا مُبْتَدَأً جَزْمًا جُمْلَةً رادَّةً عَلى نَصارى نَجْرانَ الَّذِينَ وفَدُوا عَلى رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ فَحاجُّوهُ في عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وقالُوا: إنَّهُ اللهُ، وذَلِكَ أنَّ ابْنَ إسْحاقَ والرَبِيعَ وغَيْرَهُما مِمَّنْ ذَكَرَ السِيَرَ، رَوَوْا «أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ: نَصارى سِتُّونَ راكِبًا، فِيهِمْ مِن أشْرافِهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، في الأرْبَعَةَ عَشَرَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، إلَيْهِ يَرْجِعُ أمْرُهُمُ: العاقِبُ أمِيرُ القَوْمِ وذُو رَأْيِهِمْ واسْمُهُ عَبْدُ المَسِيحِ، والسَيِّدُ ثِمالُهم وصاحِبُ مُجْتَمَعِهِمْ واسْمُهُ الأيْهَمُ، وأبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ وائِلٍ أُسْقُفُهم وعالِمُهُمْ؛ فَدَخَلُوا عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ المَسْجِدَ إثْرَ صَلاةِ العَصْرِ، عَلَيْهِمُ الحَبِراتُ جِبَبٌ وأرْدِيَةٌ، فَقالَ أصْحابُ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ: ما رَأيْنا وفْدًا مِثْلَهم جَمالًا وجَلالَةً، وحانَتْ صَلاتُهم فَقامُوا فَصَلُّوا في مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى المَشْرِقِ، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "دَعُوهُمْ"؛ ثُمَّ أقامُوا بِالمَدِينَةِ أيّامًا يُناظِرُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ في عِيسى ويَزْعُمُونَ أنَّهُ اللهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أقْوالٍ بَشِعَةٍ مُضْطَرِبَةٍ، ورَسُولُ اللهِ ﷺ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ بِالبَراهِينِ الساطِعَةِ وهم لا يُبْصِرُونَ، ونَزَلَ فِيهِمْ صَدْرُ هَذِهِ السُوَرِ إلى نَيِّفٍ وثَمانِينَ آيَةً، إلى أنْ آلَ أمْرُهم إلى أنْ دَعاهم رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى الِابْتِهالِ،» وسَيَأْتِي تَفْسِيرُ ذَلِكَ. (p-١٤٩)وَقَرَأ السَبْعَةُ "ألَمَ اللهُ" بِفَتْحِ المِيمِ والألِفِ ساقِطَةً، ورُوِيَ عن عاصِمٍ أنَّهُ سَكَّنَ المِيمَ ثُمَّ قَطَعَ الألِفَ، رَوى الأُولى الَّتِي هي كالجَماعَةِ حَفْصٌ، ورَوى الثانِيَةَ أبُو بَكْرٍ، وذَكَرَها الفَرّاءُ عن عاصِمٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الرُؤاسِيُّ وأبُو حَيْوَةَ " ألَمِ" بِكَسْرِ المِيمِ لِلِالتِقاءِ وذَلِكَ رَدِيءٌ لِأنَّ الياءَ تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، والصَوابُ الفَتْحُ قِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: حُرُوفُ التَهَجِّي مَبْنِيَّةٌ عَلى الوَقْفِ فالمِيمُ ساكِنَةٌ واللامُ ساكِنَةٌ، فَحُرِّكَتِ المِيمُ بِالفَتْحِ كَما حُرِّكَتِ النُونُ في قَوْلِكَ: مِنَ اللهِ ومِنَ المُسْلِمِينَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَن قالَ بِأنَّ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ أُلْقِيَتْ عَلى المِيمِ فَذَلِكَ ضَعِيفٌ لِإجْماعِهِمْ عَلى أنَّ الألِفَ المَوْصُولَةَ في التَعْرِيفِ تَسْقُطُ في الوَصْلِ، فَما يَسْقُطُ فَلا تُلْقى حَرَكَتُهُ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: "الحَيُّ القَيُّومُ" في آيَةِ الكُرْسِيِّ، والآيَةُ هُنالِكَ إخْبارٌ لِجَمِيعِ الناسِ، وكُرِّرَتْ هُنا إخْبارًا لِحُجَجِ هَؤُلاءِ النَصارى، ولِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ أنْ هَذِهِ الصِفاتِ لا يُمْكِنُهُمُ ادِّعاؤُها لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهم إذْ يَقُولُونَ إنَّهُ صُلِبَ، فَذَلِكَ مَوْتٌ في مُعْتَقَدِهِمْ لا مَحالَةَ، إذْ مِنَ البَيِّنِ أنَّهُ لَيْسَ بِقَيُّومٍ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ "القَيُّومُ" وزْنُهُ فَيْعُولُ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ "القَيّامُ" وزْنُهُ- فَيْعالُ- ورُوِيَ عن عَلْقَمَةَ أيْضًا أنَّهُ (p-١٥٠)قَرَأ "القَيِّمُ" وزْنُهُ فَيْعِلُ، وهَذا كُلُّهُ مِن: قامَ بِالأمْرِ يَقُومُ بِهِ إذا اضْطَلَعَ بِحِفْظِهِ وبِجَمِيعِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في وُجُودِهِ، فاللهُ تَعالى القَيّامُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِما يَنْبَغِي لَهُ أو فِيهِ أو عَلَيْهِ. وتَنْزِيلُ اللهِ الكِتابَ هو بِواسِطَةِ المَلَكِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، و"الكِتابَ" في هَذا المَوْضِعِ القُرْآنُ بِاتِّفاقٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "نَزَّلَ عَلَيْكَ" بِتَشْدِيدِ الزايِ "الكِتابَ" بِنَصْبِ الباءِ، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ "نَزَلَ عَلَيْكَ الكِتابُ" بِتَخْفِيفِ الزايِ ورَفْعِ الباءِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُنْحازَةٌ. وقَوْلُهُ "بِالحَقِّ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى ضِمْنَ الحَقائِقِ مِن خَيْرِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ ومَواعِظِهِ، فالباءُ عَلى حَدِّها في قَوْلِهِ: جاءَنِي كِتابٌ بِخَبَرِ كَذا وكَذا، أيْ ذَلِكَ الخَبَرُ مُقْتَصٌّ فِيهِ، والثانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ نَزَّلَ الكِتابَ بِاسْتِحْقاقِ أنْ يَنْزِلَ لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ الشامِلَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ واجِبٌ عَلى اللهِ تَعالى أنْ يَفْعَلَهُ، بَلْ لَهُ بِالحَقِّ أنْ يَفْعَلَهُ، فالباءُ في هَذا المَعْنى عَلى حَدِّها في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦]. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ: مَعْنى قَوْلِهِ "بِالحَقِّ": أيْ مِمّا اخْتَلَفَ فِيهِ أهْلُ الكِتابِ واضْطَرَبَ فِيهِ هَؤُلاءِ النَصارى الوافِدُونَ، وهَذا داخِلٌ في المَعْنى الأوَّلِ. و"مُصَدِّقًا" حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وهي راتِبَةٌ غَيْرُ مُنْتَقِلَةٍ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُصَدِّقٍ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِن كِتابِ اللهِ، فَهو كَقَوْلِ ابْنِ دارَةَ: ؎ أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِها نَسَبِي ∗∗∗ ∗∗∗ وهَلْ بِدارَةَ يا لَلنّاسِ مِن عارِ؟ و"ما بَيْنَ يَدَيْهِ" التَوْراةُ والإنْجِيلُ وسائِرُ كُتُبِ اللهِ الَّتِي تُلُقِّيَتْ مِن شَرْعِنا كالزَبُورِ (p-١٥١)والصُحُفِ؛ وما بَيْنَ اليَدِ في هَذِهِ الحَوادِثِ هو المُتَقَدِّمُ في الزَمَنِ. و"التَوْراةَ والإنْجِيلَ" اسْمانِ أصْلُهُما عِبْرانِيٌّ، لَكِنَّ النُحاةَ وأهْلَ اللِسانِ حَمَلُوها عَلى الِاشْتِقاقِ العَرَبِيِّ، فَقالُوا في التَوْراةِ: إنَّها مِن ورِيَ الزَنْدُ يَرِي إذا قُدِحَ وظَهَرَتْ نارُهُ، يُقالُ: أورَيْتُهُ فَوَرِيَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُورِياتِ" وقَوْلُهُ: ﴿أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١]. قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَأمّا قَوْلُهُمْ: ورِيَتْ بِكَ زِنادِي عَلى وزْنِ فَعِلَتْ، فَزَعَمَ أبُو عُثْمانَ أنَّهُ اسْتُعْمِلَ في هَذا الكَلامِ فَقَطْ ولَمْ يُجاوَزْ بِهِ غَيْرُهُ. وتَوْراةٌ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وسائِرِ البَصْرِيِّينَ فَوْعَلَةٌ، كَحَوْقَلَةٍ، أصْلُها ووْرَيَةٌ قُلِبَتِ الواوُ الأُولى تاءً، كَما قُلِبَتْ في "تَوْلَجَ" وأصْلُهُ "وَوْلَجَ" مِن: ولَجَتْ. وحَكى الزَجّاجُ عن بَعْضِ الكُوفِيِّينَ: أنَّ تَوْراةً أصْلُها تَفْعَلَةٌ بِفَتْحِ العَيْنِ، مِن: ورِيَتْ بِكَ زِنادِي، قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ مِن: أورَيْتَ، قالَ: فَهي تَوْرِيَةٌ. وقالَ بَعْضُهُمْ: يَصْلُحُ أنْ تَكُونَ تَفْعِلَةً بِكَسْرِ العَيْنِ مِثْلَ تَوْصِيَةٍ "ثُمَّ رُدَّتْ إلى تَفْعَلَةٍ بِفَتْحِ العَيْنِ. قالَ الزَجّاجُ وكَأنَّهُ يُجِيزُ في تَوْصِيَةٍ" تَوْصِأةً وذَلِكَ غَيْرُ مَسْمُوعٍ، وعَلى كُلِّ قَوْلٍ فالياءُ لَمّا انْفَتَحَ ما قَبْلَها وتَحَرَّكَتْ هي انْقَلَبَتْ ألِفًا فَقِيلَ: تَوْراةٌ، ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ قَوْلَ البَصْرِيِّينَ وضَعَّفَهُ غَيْرُهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ "التَوْراةَ" مَفْتُوحَةَ الراءِ، وكانَ حَمْزَةُ ونافِعٌ يَلْفِظانِ بِالراءِ بَيْنَ اللَفْظَيْنِ بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ، وكَذَلِكَ فَعَلا في قَوْلِهِ: "مَعَ الأبْرارِ" و"مِنَ الأشْرارِ" و"مِن قَرارٍ" إذا كانَ الحَرْفُ مَخْفُوضًا. ورَوى المُسَيِّبِيُّ عن نافِعٍ فَتْحَ الراءِ مِنَ التَوْراةِ، ورَوى ورْشٌ عنهُ كَسْرَها، وكانَ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ يَكْسِرانِ (p-١٥٢)الراءَ مِنَ التَوْراةِ ويُمِيلانِ "مِنَ الأبْرارِ" وغَيْرَها أشَدَّ مِن إمالَةِ حَمْزَةَ ونافِعٍ. وقالُوا في الإنْجِيلِ: إنَّهُ إفْعِيلٌ مِنَ النَجْلِ، وهو الماءُ الَّذِي يَنِزُّ مِنَ الأرْضِ؛ قالَ الخَلِيلُ: اسْتَنْجَلَتِ الأرْضُ وبِها نِجالٌ إذا خَرَجَ مِنها الماءُ. والنَجْلُ أيْضًا الوَلَدُ والنَسْلُ قالَهُ الخَلِيلُ وغَيْرُهُ، ونَجَلَهُ أبُوهُ أيْ ولَدَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: ؎ أنْجَبَ أيّامَ والِداهُ بِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ إذْ نَجَلاهُ فَنِعْمَ ما نَجَلا قالَ ابْنُ سِيدَهْ عن أبِي عَلِيٍّ: مَعْنى قَوْلِهِ: "أيّامَ والِداهُ بِهِ" كَما تَقُولُ: أنا بِاللهِ وبِكَ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: مَعْنى البَيْتِ: أنْجَبَ والِداهُ بِهِ أيّامَ إذْ نَجَلاهُ، فَهو كَقَوْلِكَ: حِينَئِذٍ ويَوْمَئِذٍ لَكِنَّهُ حالٌ بِالفاعِلِ بَيْنَ المُضافِ الَّذِي هو "أيّامَ" وبَيْنَ المُضافِ إلَيْهِ الَّذِي هو "إذْ". ويُرْوى هَذا البَيْتُ: "أنْجَبَ أيّامَ والِدَيْهِ". والنَجْلُ: الرَمْيُ بِالشَيْءِ وذَلِكَ أيْضًا مِن مَعْنى الظُهُورِ وفِراقِ شَيْءٍ شَيْئًا، وحَكى أبُو القاسِمِ الزَجّاجِيُّ في نَوادِرِهِ: أنَّ الوالِدَ يُقالُ لَهُ: نَجْلٌ، وأنَّ اللَفْظَةَ مِنَ الأضْدادِ، وأمّا بَيْتُ زُهَيْرٍ فالرِوايَةُ الصَحِيحَةُ فِيهِ: ؎ ....................... ∗∗∗ وكُلُّ فَحْلٍ لَهُ نَجْلُ أيْ ولَدٌ كَرِيمٌ ونَسْلٌ. ورَوى الأصْمَعِيُّ فِيما حُكِيَ "عنهُ" "وَكُلُّ فَرْعٍ لَهُ نَجْلُ"، وهَذا لا يَتَّجِهُ إلّا عَلى تَسْمِيَةِ الوالِدِ نَجْلًا. وقالَ الزَجّاجُ: الإنْجِيلُ مَأْخُوذٌ مِنَ النَجْلِ وهو الأصْلُ، فَهَذا يَنْحُو إلى ما حَكى أبُو القاسِمِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: فالتَوْراةُ مِن ورى الزِنادُ إذا ظَهَرَتْ نارُهُ والإنْجِيلُ مِن نَجَلَ إذا ظَهَرَ ولَدُهُ، أو مِن ظُهُورِ الماءِ مِنَ الأرْضِ، فَهو مُسْتَخْرَجٌ إمّا مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ وإمّا مِنَ التَوْراةِ. و"الفُرْقانَ" مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَحُرُوفُها مُخْتَلِفَةٌ، والمَعْنى قَرِيبٌ (p-١٥٣)بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، إذْ كُلُّها مَعْناهُ: ظُهُورُ الحَقِّ، وبَيانُ الشَرْعِ وفَصْلُهُ مِن غَيْرِهِ مِنَ الأباطِيلِ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "الأنْجِيلَ" - بِفَتْحِ الهَمْزَةِ - وذَلِكَ لا يَتَّجِهُ في كَلامِ العَرَبِ، ولَكِنْ تَحْمِيهِ مَكانَةُ الحَسَنِ مِنَ الفَصاحَةِ، وأنَّهُ لا يَقْرَأُ إلّا بِما رَوى، وأراهُ نَحا بِهِ نَحْوَ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ يَعْنِي مِن قَبْلِ القُرْآنِ. وقَوْلُهُ: "هُدىً لِلنّاسِ" مَعْناهُ دُعاءٌ، والناسُ: بَنُو إسْرائِيلَ في هَذا المَوْضِعِ، لِأنَّهُمُ المَدْعُوُّونَ بِهِما لا غَيْرُ، وإنْ أرادَ أنَّهُما هُدىً في ذاتِهِما مَدْعُوٌّ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ وغَيْرُهُ، مَنصُوبٌ لِمَنِ اهْتَدى بِهِ، فالناسُ عامٌّ في كُلِّ مَن شاءَ حِينَئِذٍ أنْ يَسْتَبْصِرَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ هُنا "لِلنّاسِ"، وقالَ في القُرْآنِ: "هُدىً لِلْمُتَّقِينَ" وذَلِكَ عِنْدِي لِأنَّ هَذا خَبَرٌ مُجَرَّدٌ، وقَوْلُهُ: "هُدىً لِلْمُتَّقِينَ" خَبَرٌ مُقْتَرِنٌ بِهِ الِاسْتِدْعاءُ والصَرْفُ إلى الإيمانِ، فَحَسُنَتِ الصِفَةُ، لِيَقَعَ مِنَ السامِعِ النَشاطُ والبِدارُ، وذَكَرَ الهُدى الَّذِي هو إيجادُ الهِدايَةِ في القَلْبِ، وهُنا إنَّما ذَكَرَ الهُدى الَّذِي هو الدُعاءُ، والهُدى الَّذِي هو في نَفْسِهِ مُعَدٌّ يَهْتَدِي بِهِ الناسُ، فَسُمِّيَ هُدىً لِذَلِكَ، وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: التَقْدِيرُ هُنا: هُدىً لِلنّاسِ المُتَّقِينَ، ويَرُدُّ هَذا العامَّ إلى ذَلِكَ الخاصِّ، وفي هَذا نَظَرٌ. والفُرْقانُ: القُرْآنُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، الَّذِي جادَلَ فِيهِ الوَفْدُ، وقالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ وغَيْرُهُما: فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في أحْكامِ الشَرائِعِ، وفي الحَلالِ والحَرامِ (p-١٥٤)وَنَحْوِهِ، والفُرْقانُ يَعُمُّ هَذا كُلَّهُ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الفُرْقانُ هُنا: كُلُّ أمْرٍ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فِيما قَدُمَ وحَدُثَ، فَيَدْخُلُ في هَذا التَأْوِيلِ طُوفانُ نُوحٍ، وفَرْقُ البَحْرِ لِغَرَقِ فِرْعَوْنَ، ويَوْمُ بَدْرٍ، وسائِرُ أفْعالِ اللهِ تَعالى المُفَرِّقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَكَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الكِتابَ العَزِيزَ، ثُمَّ التَوْراةَ والإنْجِيلَ، ثُمَّ كُلَّ أفْعالِهِ ومَخْلُوقاتِهِ الَّتِي فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، كَما فَعَلَتْ هَذِهِ الكُتُبُ ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى الكُفّارَ عُمُومًا بِالعَذابِ الشَدِيدِ، وذَلِكَ يَعُمُّ عَذابَ الدُنْيا بِالسَيْفِ والغَلَبَةِ، وعَذابَ الآخِرَةِ بِالنارِ، والإشارَةُ بِهَذا الوَعِيدِ إلى نَصارى نَجْرانَ، وقالَ النَقّاشُ: إلى اليَهُودِ، كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وكَعْبِ بْنِ أسَدٍ، وابْنَيْ أخْطَبَ وغَيْرِهِمْ. و"عَزِيزٌ"، مَعْناهُ: غالِبٌ، وقَدْ ذَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ والنِقْمَةُ والِانْتِقامُ: مُعاقَبَةُ المُذْنِبِ بِمُبالَغَةٍ في ذَلِكَ..

آل عمران 3:2

(p-١٤٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ فِيما عَلِمْتُ، وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ اسْمَ هَذِهِ السُورَةِ في التَوْراةِ طَيِّبَةُ. قوله عزّ وجلّ: ﴿الم﴾ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلافِ العُلَماءِ في الحُرُوفِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومِن حَيْثُ جاءَ في هَذِهِ السُورَةِ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ جُمْلَةً قائِمَةً بِنَفْسِها فَتُتَصَوَّرُ تِلْكَ الأقْوالُ كُلُّها فِي: "الم" في هَذِهِ السُورَةِ، وذَهَبَ الجُرْجانِيُّ في النَظْمِ إلى أنَّ أحْسَنَ الأقْوالِ هُنا أنْ يَكُونَ "الم" إشارَةً إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابُكَ أو نَحْوُ هَذا، ويَدُلُّ قَوْلُهُ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ عَلى ما تَرَكَ ذِكْرَهُ مِمّا هو خَبَرٌ عَنِ الحُرُوفِ، قالَ: وذَلِكَ في نَظْمِهِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] وتَرْكُ الجَوابِ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزمر: ٢٢] تَقْدِيرُهُ: كَمَن قَسا قَلْبُهُ. ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-١٤٨) ؎ فَلا تَدْفِنُونِي إنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ ∗∗∗ عَلَيْكُمْ، ولَكِنْ خامِرِي أُمَّ عامِرِ التَقْدِيرُ: ولَكِنِ اتْرُكُونِي لِلَّتِي يُقالُ لَها: "خامِرِي أُمَّ عامِرٍ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَحْسُنُ في هَذا القَوْلِ أنْ يَكُونَ "نَزَّلَ" خَبَرَ قَوْلِهِ "اللهُ" حَتّى يَرْتَبِطَ الكَلامُ إلى هَذا المَعْنى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ القاضِي الجُرْجانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ مِثْلَهُ لَيْسَتْ صَحِيحَةَ الشَبَهِ بِالمَعْنى الَّذِي نَحا إلَيْهِ، وما قالَهُ في الآيَةِ مُحْتَمَلٌ، ولَكِنَّ الأبْرَعَ في نَظْمِ الآيَةِ أنْ تَكُونَ "الم" لا تَضُمُّ ما بَعْدَها إلى نَفْسِها في المَعْنى، وأنْ يَكُونَ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ كَلامًا مُبْتَدَأً جَزْمًا جُمْلَةً رادَّةً عَلى نَصارى نَجْرانَ الَّذِينَ وفَدُوا عَلى رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ فَحاجُّوهُ في عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وقالُوا: إنَّهُ اللهُ، وذَلِكَ أنَّ ابْنَ إسْحاقَ والرَبِيعَ وغَيْرَهُما مِمَّنْ ذَكَرَ السِيَرَ، رَوَوْا «أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ: نَصارى سِتُّونَ راكِبًا، فِيهِمْ مِن أشْرافِهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، في الأرْبَعَةَ عَشَرَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، إلَيْهِ يَرْجِعُ أمْرُهُمُ: العاقِبُ أمِيرُ القَوْمِ وذُو رَأْيِهِمْ واسْمُهُ عَبْدُ المَسِيحِ، والسَيِّدُ ثِمالُهم وصاحِبُ مُجْتَمَعِهِمْ واسْمُهُ الأيْهَمُ، وأبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ وائِلٍ أُسْقُفُهم وعالِمُهُمْ؛ فَدَخَلُوا عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ المَسْجِدَ إثْرَ صَلاةِ العَصْرِ، عَلَيْهِمُ الحَبِراتُ جِبَبٌ وأرْدِيَةٌ، فَقالَ أصْحابُ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ: ما رَأيْنا وفْدًا مِثْلَهم جَمالًا وجَلالَةً، وحانَتْ صَلاتُهم فَقامُوا فَصَلُّوا في مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى المَشْرِقِ، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "دَعُوهُمْ"؛ ثُمَّ أقامُوا بِالمَدِينَةِ أيّامًا يُناظِرُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ في عِيسى ويَزْعُمُونَ أنَّهُ اللهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أقْوالٍ بَشِعَةٍ مُضْطَرِبَةٍ، ورَسُولُ اللهِ ﷺ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ بِالبَراهِينِ الساطِعَةِ وهم لا يُبْصِرُونَ، ونَزَلَ فِيهِمْ صَدْرُ هَذِهِ السُوَرِ إلى نَيِّفٍ وثَمانِينَ آيَةً، إلى أنْ آلَ أمْرُهم إلى أنْ دَعاهم رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى الِابْتِهالِ،» وسَيَأْتِي تَفْسِيرُ ذَلِكَ. (p-١٤٩)وَقَرَأ السَبْعَةُ "ألَمَ اللهُ" بِفَتْحِ المِيمِ والألِفِ ساقِطَةً، ورُوِيَ عن عاصِمٍ أنَّهُ سَكَّنَ المِيمَ ثُمَّ قَطَعَ الألِفَ، رَوى الأُولى الَّتِي هي كالجَماعَةِ حَفْصٌ، ورَوى الثانِيَةَ أبُو بَكْرٍ، وذَكَرَها الفَرّاءُ عن عاصِمٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الرُؤاسِيُّ وأبُو حَيْوَةَ " ألَمِ" بِكَسْرِ المِيمِ لِلِالتِقاءِ وذَلِكَ رَدِيءٌ لِأنَّ الياءَ تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، والصَوابُ الفَتْحُ قِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: حُرُوفُ التَهَجِّي مَبْنِيَّةٌ عَلى الوَقْفِ فالمِيمُ ساكِنَةٌ واللامُ ساكِنَةٌ، فَحُرِّكَتِ المِيمُ بِالفَتْحِ كَما حُرِّكَتِ النُونُ في قَوْلِكَ: مِنَ اللهِ ومِنَ المُسْلِمِينَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَن قالَ بِأنَّ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ أُلْقِيَتْ عَلى المِيمِ فَذَلِكَ ضَعِيفٌ لِإجْماعِهِمْ عَلى أنَّ الألِفَ المَوْصُولَةَ في التَعْرِيفِ تَسْقُطُ في الوَصْلِ، فَما يَسْقُطُ فَلا تُلْقى حَرَكَتُهُ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: "الحَيُّ القَيُّومُ" في آيَةِ الكُرْسِيِّ، والآيَةُ هُنالِكَ إخْبارٌ لِجَمِيعِ الناسِ، وكُرِّرَتْ هُنا إخْبارًا لِحُجَجِ هَؤُلاءِ النَصارى، ولِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ أنْ هَذِهِ الصِفاتِ لا يُمْكِنُهُمُ ادِّعاؤُها لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهم إذْ يَقُولُونَ إنَّهُ صُلِبَ، فَذَلِكَ مَوْتٌ في مُعْتَقَدِهِمْ لا مَحالَةَ، إذْ مِنَ البَيِّنِ أنَّهُ لَيْسَ بِقَيُّومٍ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ "القَيُّومُ" وزْنُهُ فَيْعُولُ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ "القَيّامُ" وزْنُهُ- فَيْعالُ- ورُوِيَ عن عَلْقَمَةَ أيْضًا أنَّهُ (p-١٥٠)قَرَأ "القَيِّمُ" وزْنُهُ فَيْعِلُ، وهَذا كُلُّهُ مِن: قامَ بِالأمْرِ يَقُومُ بِهِ إذا اضْطَلَعَ بِحِفْظِهِ وبِجَمِيعِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في وُجُودِهِ، فاللهُ تَعالى القَيّامُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِما يَنْبَغِي لَهُ أو فِيهِ أو عَلَيْهِ. وتَنْزِيلُ اللهِ الكِتابَ هو بِواسِطَةِ المَلَكِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، و"الكِتابَ" في هَذا المَوْضِعِ القُرْآنُ بِاتِّفاقٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "نَزَّلَ عَلَيْكَ" بِتَشْدِيدِ الزايِ "الكِتابَ" بِنَصْبِ الباءِ، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ "نَزَلَ عَلَيْكَ الكِتابُ" بِتَخْفِيفِ الزايِ ورَفْعِ الباءِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُنْحازَةٌ. وقَوْلُهُ "بِالحَقِّ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى ضِمْنَ الحَقائِقِ مِن خَيْرِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ ومَواعِظِهِ، فالباءُ عَلى حَدِّها في قَوْلِهِ: جاءَنِي كِتابٌ بِخَبَرِ كَذا وكَذا، أيْ ذَلِكَ الخَبَرُ مُقْتَصٌّ فِيهِ، والثانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ نَزَّلَ الكِتابَ بِاسْتِحْقاقِ أنْ يَنْزِلَ لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ الشامِلَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ واجِبٌ عَلى اللهِ تَعالى أنْ يَفْعَلَهُ، بَلْ لَهُ بِالحَقِّ أنْ يَفْعَلَهُ، فالباءُ في هَذا المَعْنى عَلى حَدِّها في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦]. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ: مَعْنى قَوْلِهِ "بِالحَقِّ": أيْ مِمّا اخْتَلَفَ فِيهِ أهْلُ الكِتابِ واضْطَرَبَ فِيهِ هَؤُلاءِ النَصارى الوافِدُونَ، وهَذا داخِلٌ في المَعْنى الأوَّلِ. و"مُصَدِّقًا" حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وهي راتِبَةٌ غَيْرُ مُنْتَقِلَةٍ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُصَدِّقٍ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِن كِتابِ اللهِ، فَهو كَقَوْلِ ابْنِ دارَةَ: ؎ أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِها نَسَبِي ∗∗∗ ∗∗∗ وهَلْ بِدارَةَ يا لَلنّاسِ مِن عارِ؟ و"ما بَيْنَ يَدَيْهِ" التَوْراةُ والإنْجِيلُ وسائِرُ كُتُبِ اللهِ الَّتِي تُلُقِّيَتْ مِن شَرْعِنا كالزَبُورِ (p-١٥١)والصُحُفِ؛ وما بَيْنَ اليَدِ في هَذِهِ الحَوادِثِ هو المُتَقَدِّمُ في الزَمَنِ. و"التَوْراةَ والإنْجِيلَ" اسْمانِ أصْلُهُما عِبْرانِيٌّ، لَكِنَّ النُحاةَ وأهْلَ اللِسانِ حَمَلُوها عَلى الِاشْتِقاقِ العَرَبِيِّ، فَقالُوا في التَوْراةِ: إنَّها مِن ورِيَ الزَنْدُ يَرِي إذا قُدِحَ وظَهَرَتْ نارُهُ، يُقالُ: أورَيْتُهُ فَوَرِيَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُورِياتِ" وقَوْلُهُ: ﴿أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١]. قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَأمّا قَوْلُهُمْ: ورِيَتْ بِكَ زِنادِي عَلى وزْنِ فَعِلَتْ، فَزَعَمَ أبُو عُثْمانَ أنَّهُ اسْتُعْمِلَ في هَذا الكَلامِ فَقَطْ ولَمْ يُجاوَزْ بِهِ غَيْرُهُ. وتَوْراةٌ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وسائِرِ البَصْرِيِّينَ فَوْعَلَةٌ، كَحَوْقَلَةٍ، أصْلُها ووْرَيَةٌ قُلِبَتِ الواوُ الأُولى تاءً، كَما قُلِبَتْ في "تَوْلَجَ" وأصْلُهُ "وَوْلَجَ" مِن: ولَجَتْ. وحَكى الزَجّاجُ عن بَعْضِ الكُوفِيِّينَ: أنَّ تَوْراةً أصْلُها تَفْعَلَةٌ بِفَتْحِ العَيْنِ، مِن: ورِيَتْ بِكَ زِنادِي، قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ مِن: أورَيْتَ، قالَ: فَهي تَوْرِيَةٌ. وقالَ بَعْضُهُمْ: يَصْلُحُ أنْ تَكُونَ تَفْعِلَةً بِكَسْرِ العَيْنِ مِثْلَ تَوْصِيَةٍ "ثُمَّ رُدَّتْ إلى تَفْعَلَةٍ بِفَتْحِ العَيْنِ. قالَ الزَجّاجُ وكَأنَّهُ يُجِيزُ في تَوْصِيَةٍ" تَوْصِأةً وذَلِكَ غَيْرُ مَسْمُوعٍ، وعَلى كُلِّ قَوْلٍ فالياءُ لَمّا انْفَتَحَ ما قَبْلَها وتَحَرَّكَتْ هي انْقَلَبَتْ ألِفًا فَقِيلَ: تَوْراةٌ، ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ قَوْلَ البَصْرِيِّينَ وضَعَّفَهُ غَيْرُهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ "التَوْراةَ" مَفْتُوحَةَ الراءِ، وكانَ حَمْزَةُ ونافِعٌ يَلْفِظانِ بِالراءِ بَيْنَ اللَفْظَيْنِ بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ، وكَذَلِكَ فَعَلا في قَوْلِهِ: "مَعَ الأبْرارِ" و"مِنَ الأشْرارِ" و"مِن قَرارٍ" إذا كانَ الحَرْفُ مَخْفُوضًا. ورَوى المُسَيِّبِيُّ عن نافِعٍ فَتْحَ الراءِ مِنَ التَوْراةِ، ورَوى ورْشٌ عنهُ كَسْرَها، وكانَ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ يَكْسِرانِ (p-١٥٢)الراءَ مِنَ التَوْراةِ ويُمِيلانِ "مِنَ الأبْرارِ" وغَيْرَها أشَدَّ مِن إمالَةِ حَمْزَةَ ونافِعٍ. وقالُوا في الإنْجِيلِ: إنَّهُ إفْعِيلٌ مِنَ النَجْلِ، وهو الماءُ الَّذِي يَنِزُّ مِنَ الأرْضِ؛ قالَ الخَلِيلُ: اسْتَنْجَلَتِ الأرْضُ وبِها نِجالٌ إذا خَرَجَ مِنها الماءُ. والنَجْلُ أيْضًا الوَلَدُ والنَسْلُ قالَهُ الخَلِيلُ وغَيْرُهُ، ونَجَلَهُ أبُوهُ أيْ ولَدَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: ؎ أنْجَبَ أيّامَ والِداهُ بِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ إذْ نَجَلاهُ فَنِعْمَ ما نَجَلا قالَ ابْنُ سِيدَهْ عن أبِي عَلِيٍّ: مَعْنى قَوْلِهِ: "أيّامَ والِداهُ بِهِ" كَما تَقُولُ: أنا بِاللهِ وبِكَ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: مَعْنى البَيْتِ: أنْجَبَ والِداهُ بِهِ أيّامَ إذْ نَجَلاهُ، فَهو كَقَوْلِكَ: حِينَئِذٍ ويَوْمَئِذٍ لَكِنَّهُ حالٌ بِالفاعِلِ بَيْنَ المُضافِ الَّذِي هو "أيّامَ" وبَيْنَ المُضافِ إلَيْهِ الَّذِي هو "إذْ". ويُرْوى هَذا البَيْتُ: "أنْجَبَ أيّامَ والِدَيْهِ". والنَجْلُ: الرَمْيُ بِالشَيْءِ وذَلِكَ أيْضًا مِن مَعْنى الظُهُورِ وفِراقِ شَيْءٍ شَيْئًا، وحَكى أبُو القاسِمِ الزَجّاجِيُّ في نَوادِرِهِ: أنَّ الوالِدَ يُقالُ لَهُ: نَجْلٌ، وأنَّ اللَفْظَةَ مِنَ الأضْدادِ، وأمّا بَيْتُ زُهَيْرٍ فالرِوايَةُ الصَحِيحَةُ فِيهِ: ؎ ....................... ∗∗∗ وكُلُّ فَحْلٍ لَهُ نَجْلُ أيْ ولَدٌ كَرِيمٌ ونَسْلٌ. ورَوى الأصْمَعِيُّ فِيما حُكِيَ "عنهُ" "وَكُلُّ فَرْعٍ لَهُ نَجْلُ"، وهَذا لا يَتَّجِهُ إلّا عَلى تَسْمِيَةِ الوالِدِ نَجْلًا. وقالَ الزَجّاجُ: الإنْجِيلُ مَأْخُوذٌ مِنَ النَجْلِ وهو الأصْلُ، فَهَذا يَنْحُو إلى ما حَكى أبُو القاسِمِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: فالتَوْراةُ مِن ورى الزِنادُ إذا ظَهَرَتْ نارُهُ والإنْجِيلُ مِن نَجَلَ إذا ظَهَرَ ولَدُهُ، أو مِن ظُهُورِ الماءِ مِنَ الأرْضِ، فَهو مُسْتَخْرَجٌ إمّا مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ وإمّا مِنَ التَوْراةِ. و"الفُرْقانَ" مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَحُرُوفُها مُخْتَلِفَةٌ، والمَعْنى قَرِيبٌ (p-١٥٣)بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، إذْ كُلُّها مَعْناهُ: ظُهُورُ الحَقِّ، وبَيانُ الشَرْعِ وفَصْلُهُ مِن غَيْرِهِ مِنَ الأباطِيلِ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "الأنْجِيلَ" - بِفَتْحِ الهَمْزَةِ - وذَلِكَ لا يَتَّجِهُ في كَلامِ العَرَبِ، ولَكِنْ تَحْمِيهِ مَكانَةُ الحَسَنِ مِنَ الفَصاحَةِ، وأنَّهُ لا يَقْرَأُ إلّا بِما رَوى، وأراهُ نَحا بِهِ نَحْوَ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ يَعْنِي مِن قَبْلِ القُرْآنِ. وقَوْلُهُ: "هُدىً لِلنّاسِ" مَعْناهُ دُعاءٌ، والناسُ: بَنُو إسْرائِيلَ في هَذا المَوْضِعِ، لِأنَّهُمُ المَدْعُوُّونَ بِهِما لا غَيْرُ، وإنْ أرادَ أنَّهُما هُدىً في ذاتِهِما مَدْعُوٌّ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ وغَيْرُهُ، مَنصُوبٌ لِمَنِ اهْتَدى بِهِ، فالناسُ عامٌّ في كُلِّ مَن شاءَ حِينَئِذٍ أنْ يَسْتَبْصِرَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ هُنا "لِلنّاسِ"، وقالَ في القُرْآنِ: "هُدىً لِلْمُتَّقِينَ" وذَلِكَ عِنْدِي لِأنَّ هَذا خَبَرٌ مُجَرَّدٌ، وقَوْلُهُ: "هُدىً لِلْمُتَّقِينَ" خَبَرٌ مُقْتَرِنٌ بِهِ الِاسْتِدْعاءُ والصَرْفُ إلى الإيمانِ، فَحَسُنَتِ الصِفَةُ، لِيَقَعَ مِنَ السامِعِ النَشاطُ والبِدارُ، وذَكَرَ الهُدى الَّذِي هو إيجادُ الهِدايَةِ في القَلْبِ، وهُنا إنَّما ذَكَرَ الهُدى الَّذِي هو الدُعاءُ، والهُدى الَّذِي هو في نَفْسِهِ مُعَدٌّ يَهْتَدِي بِهِ الناسُ، فَسُمِّيَ هُدىً لِذَلِكَ، وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: التَقْدِيرُ هُنا: هُدىً لِلنّاسِ المُتَّقِينَ، ويَرُدُّ هَذا العامَّ إلى ذَلِكَ الخاصِّ، وفي هَذا نَظَرٌ. والفُرْقانُ: القُرْآنُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، الَّذِي جادَلَ فِيهِ الوَفْدُ، وقالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ وغَيْرُهُما: فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في أحْكامِ الشَرائِعِ، وفي الحَلالِ والحَرامِ (p-١٥٤)وَنَحْوِهِ، والفُرْقانُ يَعُمُّ هَذا كُلَّهُ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الفُرْقانُ هُنا: كُلُّ أمْرٍ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فِيما قَدُمَ وحَدُثَ، فَيَدْخُلُ في هَذا التَأْوِيلِ طُوفانُ نُوحٍ، وفَرْقُ البَحْرِ لِغَرَقِ فِرْعَوْنَ، ويَوْمُ بَدْرٍ، وسائِرُ أفْعالِ اللهِ تَعالى المُفَرِّقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَكَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الكِتابَ العَزِيزَ، ثُمَّ التَوْراةَ والإنْجِيلَ، ثُمَّ كُلَّ أفْعالِهِ ومَخْلُوقاتِهِ الَّتِي فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، كَما فَعَلَتْ هَذِهِ الكُتُبُ ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى الكُفّارَ عُمُومًا بِالعَذابِ الشَدِيدِ، وذَلِكَ يَعُمُّ عَذابَ الدُنْيا بِالسَيْفِ والغَلَبَةِ، وعَذابَ الآخِرَةِ بِالنارِ، والإشارَةُ بِهَذا الوَعِيدِ إلى نَصارى نَجْرانَ، وقالَ النَقّاشُ: إلى اليَهُودِ، كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وكَعْبِ بْنِ أسَدٍ، وابْنَيْ أخْطَبَ وغَيْرِهِمْ. و"عَزِيزٌ"، مَعْناهُ: غالِبٌ، وقَدْ ذَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ والنِقْمَةُ والِانْتِقامُ: مُعاقَبَةُ المُذْنِبِ بِمُبالَغَةٍ في ذَلِكَ..

آل عمران 3:3

(p-١٤٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ فِيما عَلِمْتُ، وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ اسْمَ هَذِهِ السُورَةِ في التَوْراةِ طَيِّبَةُ. قوله عزّ وجلّ: ﴿الم﴾ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلافِ العُلَماءِ في الحُرُوفِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومِن حَيْثُ جاءَ في هَذِهِ السُورَةِ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ جُمْلَةً قائِمَةً بِنَفْسِها فَتُتَصَوَّرُ تِلْكَ الأقْوالُ كُلُّها فِي: "الم" في هَذِهِ السُورَةِ، وذَهَبَ الجُرْجانِيُّ في النَظْمِ إلى أنَّ أحْسَنَ الأقْوالِ هُنا أنْ يَكُونَ "الم" إشارَةً إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابُكَ أو نَحْوُ هَذا، ويَدُلُّ قَوْلُهُ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ عَلى ما تَرَكَ ذِكْرَهُ مِمّا هو خَبَرٌ عَنِ الحُرُوفِ، قالَ: وذَلِكَ في نَظْمِهِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] وتَرْكُ الجَوابِ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزمر: ٢٢] تَقْدِيرُهُ: كَمَن قَسا قَلْبُهُ. ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-١٤٨) ؎ فَلا تَدْفِنُونِي إنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ ∗∗∗ عَلَيْكُمْ، ولَكِنْ خامِرِي أُمَّ عامِرِ التَقْدِيرُ: ولَكِنِ اتْرُكُونِي لِلَّتِي يُقالُ لَها: "خامِرِي أُمَّ عامِرٍ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَحْسُنُ في هَذا القَوْلِ أنْ يَكُونَ "نَزَّلَ" خَبَرَ قَوْلِهِ "اللهُ" حَتّى يَرْتَبِطَ الكَلامُ إلى هَذا المَعْنى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ القاضِي الجُرْجانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ مِثْلَهُ لَيْسَتْ صَحِيحَةَ الشَبَهِ بِالمَعْنى الَّذِي نَحا إلَيْهِ، وما قالَهُ في الآيَةِ مُحْتَمَلٌ، ولَكِنَّ الأبْرَعَ في نَظْمِ الآيَةِ أنْ تَكُونَ "الم" لا تَضُمُّ ما بَعْدَها إلى نَفْسِها في المَعْنى، وأنْ يَكُونَ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ كَلامًا مُبْتَدَأً جَزْمًا جُمْلَةً رادَّةً عَلى نَصارى نَجْرانَ الَّذِينَ وفَدُوا عَلى رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ فَحاجُّوهُ في عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وقالُوا: إنَّهُ اللهُ، وذَلِكَ أنَّ ابْنَ إسْحاقَ والرَبِيعَ وغَيْرَهُما مِمَّنْ ذَكَرَ السِيَرَ، رَوَوْا «أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ: نَصارى سِتُّونَ راكِبًا، فِيهِمْ مِن أشْرافِهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، في الأرْبَعَةَ عَشَرَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، إلَيْهِ يَرْجِعُ أمْرُهُمُ: العاقِبُ أمِيرُ القَوْمِ وذُو رَأْيِهِمْ واسْمُهُ عَبْدُ المَسِيحِ، والسَيِّدُ ثِمالُهم وصاحِبُ مُجْتَمَعِهِمْ واسْمُهُ الأيْهَمُ، وأبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ وائِلٍ أُسْقُفُهم وعالِمُهُمْ؛ فَدَخَلُوا عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ المَسْجِدَ إثْرَ صَلاةِ العَصْرِ، عَلَيْهِمُ الحَبِراتُ جِبَبٌ وأرْدِيَةٌ، فَقالَ أصْحابُ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ: ما رَأيْنا وفْدًا مِثْلَهم جَمالًا وجَلالَةً، وحانَتْ صَلاتُهم فَقامُوا فَصَلُّوا في مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى المَشْرِقِ، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "دَعُوهُمْ"؛ ثُمَّ أقامُوا بِالمَدِينَةِ أيّامًا يُناظِرُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ في عِيسى ويَزْعُمُونَ أنَّهُ اللهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أقْوالٍ بَشِعَةٍ مُضْطَرِبَةٍ، ورَسُولُ اللهِ ﷺ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ بِالبَراهِينِ الساطِعَةِ وهم لا يُبْصِرُونَ، ونَزَلَ فِيهِمْ صَدْرُ هَذِهِ السُوَرِ إلى نَيِّفٍ وثَمانِينَ آيَةً، إلى أنْ آلَ أمْرُهم إلى أنْ دَعاهم رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى الِابْتِهالِ،» وسَيَأْتِي تَفْسِيرُ ذَلِكَ. (p-١٤٩)وَقَرَأ السَبْعَةُ "ألَمَ اللهُ" بِفَتْحِ المِيمِ والألِفِ ساقِطَةً، ورُوِيَ عن عاصِمٍ أنَّهُ سَكَّنَ المِيمَ ثُمَّ قَطَعَ الألِفَ، رَوى الأُولى الَّتِي هي كالجَماعَةِ حَفْصٌ، ورَوى الثانِيَةَ أبُو بَكْرٍ، وذَكَرَها الفَرّاءُ عن عاصِمٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الرُؤاسِيُّ وأبُو حَيْوَةَ " ألَمِ" بِكَسْرِ المِيمِ لِلِالتِقاءِ وذَلِكَ رَدِيءٌ لِأنَّ الياءَ تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، والصَوابُ الفَتْحُ قِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: حُرُوفُ التَهَجِّي مَبْنِيَّةٌ عَلى الوَقْفِ فالمِيمُ ساكِنَةٌ واللامُ ساكِنَةٌ، فَحُرِّكَتِ المِيمُ بِالفَتْحِ كَما حُرِّكَتِ النُونُ في قَوْلِكَ: مِنَ اللهِ ومِنَ المُسْلِمِينَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَن قالَ بِأنَّ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ أُلْقِيَتْ عَلى المِيمِ فَذَلِكَ ضَعِيفٌ لِإجْماعِهِمْ عَلى أنَّ الألِفَ المَوْصُولَةَ في التَعْرِيفِ تَسْقُطُ في الوَصْلِ، فَما يَسْقُطُ فَلا تُلْقى حَرَكَتُهُ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: "الحَيُّ القَيُّومُ" في آيَةِ الكُرْسِيِّ، والآيَةُ هُنالِكَ إخْبارٌ لِجَمِيعِ الناسِ، وكُرِّرَتْ هُنا إخْبارًا لِحُجَجِ هَؤُلاءِ النَصارى، ولِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ أنْ هَذِهِ الصِفاتِ لا يُمْكِنُهُمُ ادِّعاؤُها لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهم إذْ يَقُولُونَ إنَّهُ صُلِبَ، فَذَلِكَ مَوْتٌ في مُعْتَقَدِهِمْ لا مَحالَةَ، إذْ مِنَ البَيِّنِ أنَّهُ لَيْسَ بِقَيُّومٍ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ "القَيُّومُ" وزْنُهُ فَيْعُولُ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ "القَيّامُ" وزْنُهُ- فَيْعالُ- ورُوِيَ عن عَلْقَمَةَ أيْضًا أنَّهُ (p-١٥٠)قَرَأ "القَيِّمُ" وزْنُهُ فَيْعِلُ، وهَذا كُلُّهُ مِن: قامَ بِالأمْرِ يَقُومُ بِهِ إذا اضْطَلَعَ بِحِفْظِهِ وبِجَمِيعِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في وُجُودِهِ، فاللهُ تَعالى القَيّامُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِما يَنْبَغِي لَهُ أو فِيهِ أو عَلَيْهِ. وتَنْزِيلُ اللهِ الكِتابَ هو بِواسِطَةِ المَلَكِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، و"الكِتابَ" في هَذا المَوْضِعِ القُرْآنُ بِاتِّفاقٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "نَزَّلَ عَلَيْكَ" بِتَشْدِيدِ الزايِ "الكِتابَ" بِنَصْبِ الباءِ، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ "نَزَلَ عَلَيْكَ الكِتابُ" بِتَخْفِيفِ الزايِ ورَفْعِ الباءِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُنْحازَةٌ. وقَوْلُهُ "بِالحَقِّ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى ضِمْنَ الحَقائِقِ مِن خَيْرِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ ومَواعِظِهِ، فالباءُ عَلى حَدِّها في قَوْلِهِ: جاءَنِي كِتابٌ بِخَبَرِ كَذا وكَذا، أيْ ذَلِكَ الخَبَرُ مُقْتَصٌّ فِيهِ، والثانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ نَزَّلَ الكِتابَ بِاسْتِحْقاقِ أنْ يَنْزِلَ لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ الشامِلَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ واجِبٌ عَلى اللهِ تَعالى أنْ يَفْعَلَهُ، بَلْ لَهُ بِالحَقِّ أنْ يَفْعَلَهُ، فالباءُ في هَذا المَعْنى عَلى حَدِّها في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦]. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ: مَعْنى قَوْلِهِ "بِالحَقِّ": أيْ مِمّا اخْتَلَفَ فِيهِ أهْلُ الكِتابِ واضْطَرَبَ فِيهِ هَؤُلاءِ النَصارى الوافِدُونَ، وهَذا داخِلٌ في المَعْنى الأوَّلِ. و"مُصَدِّقًا" حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وهي راتِبَةٌ غَيْرُ مُنْتَقِلَةٍ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُصَدِّقٍ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِن كِتابِ اللهِ، فَهو كَقَوْلِ ابْنِ دارَةَ: ؎ أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِها نَسَبِي ∗∗∗ ∗∗∗ وهَلْ بِدارَةَ يا لَلنّاسِ مِن عارِ؟ و"ما بَيْنَ يَدَيْهِ" التَوْراةُ والإنْجِيلُ وسائِرُ كُتُبِ اللهِ الَّتِي تُلُقِّيَتْ مِن شَرْعِنا كالزَبُورِ (p-١٥١)والصُحُفِ؛ وما بَيْنَ اليَدِ في هَذِهِ الحَوادِثِ هو المُتَقَدِّمُ في الزَمَنِ. و"التَوْراةَ والإنْجِيلَ" اسْمانِ أصْلُهُما عِبْرانِيٌّ، لَكِنَّ النُحاةَ وأهْلَ اللِسانِ حَمَلُوها عَلى الِاشْتِقاقِ العَرَبِيِّ، فَقالُوا في التَوْراةِ: إنَّها مِن ورِيَ الزَنْدُ يَرِي إذا قُدِحَ وظَهَرَتْ نارُهُ، يُقالُ: أورَيْتُهُ فَوَرِيَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُورِياتِ" وقَوْلُهُ: ﴿أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١]. قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَأمّا قَوْلُهُمْ: ورِيَتْ بِكَ زِنادِي عَلى وزْنِ فَعِلَتْ، فَزَعَمَ أبُو عُثْمانَ أنَّهُ اسْتُعْمِلَ في هَذا الكَلامِ فَقَطْ ولَمْ يُجاوَزْ بِهِ غَيْرُهُ. وتَوْراةٌ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وسائِرِ البَصْرِيِّينَ فَوْعَلَةٌ، كَحَوْقَلَةٍ، أصْلُها ووْرَيَةٌ قُلِبَتِ الواوُ الأُولى تاءً، كَما قُلِبَتْ في "تَوْلَجَ" وأصْلُهُ "وَوْلَجَ" مِن: ولَجَتْ. وحَكى الزَجّاجُ عن بَعْضِ الكُوفِيِّينَ: أنَّ تَوْراةً أصْلُها تَفْعَلَةٌ بِفَتْحِ العَيْنِ، مِن: ورِيَتْ بِكَ زِنادِي، قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ مِن: أورَيْتَ، قالَ: فَهي تَوْرِيَةٌ. وقالَ بَعْضُهُمْ: يَصْلُحُ أنْ تَكُونَ تَفْعِلَةً بِكَسْرِ العَيْنِ مِثْلَ تَوْصِيَةٍ "ثُمَّ رُدَّتْ إلى تَفْعَلَةٍ بِفَتْحِ العَيْنِ. قالَ الزَجّاجُ وكَأنَّهُ يُجِيزُ في تَوْصِيَةٍ" تَوْصِأةً وذَلِكَ غَيْرُ مَسْمُوعٍ، وعَلى كُلِّ قَوْلٍ فالياءُ لَمّا انْفَتَحَ ما قَبْلَها وتَحَرَّكَتْ هي انْقَلَبَتْ ألِفًا فَقِيلَ: تَوْراةٌ، ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ قَوْلَ البَصْرِيِّينَ وضَعَّفَهُ غَيْرُهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ "التَوْراةَ" مَفْتُوحَةَ الراءِ، وكانَ حَمْزَةُ ونافِعٌ يَلْفِظانِ بِالراءِ بَيْنَ اللَفْظَيْنِ بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ، وكَذَلِكَ فَعَلا في قَوْلِهِ: "مَعَ الأبْرارِ" و"مِنَ الأشْرارِ" و"مِن قَرارٍ" إذا كانَ الحَرْفُ مَخْفُوضًا. ورَوى المُسَيِّبِيُّ عن نافِعٍ فَتْحَ الراءِ مِنَ التَوْراةِ، ورَوى ورْشٌ عنهُ كَسْرَها، وكانَ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ يَكْسِرانِ (p-١٥٢)الراءَ مِنَ التَوْراةِ ويُمِيلانِ "مِنَ الأبْرارِ" وغَيْرَها أشَدَّ مِن إمالَةِ حَمْزَةَ ونافِعٍ. وقالُوا في الإنْجِيلِ: إنَّهُ إفْعِيلٌ مِنَ النَجْلِ، وهو الماءُ الَّذِي يَنِزُّ مِنَ الأرْضِ؛ قالَ الخَلِيلُ: اسْتَنْجَلَتِ الأرْضُ وبِها نِجالٌ إذا خَرَجَ مِنها الماءُ. والنَجْلُ أيْضًا الوَلَدُ والنَسْلُ قالَهُ الخَلِيلُ وغَيْرُهُ، ونَجَلَهُ أبُوهُ أيْ ولَدَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: ؎ أنْجَبَ أيّامَ والِداهُ بِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ إذْ نَجَلاهُ فَنِعْمَ ما نَجَلا قالَ ابْنُ سِيدَهْ عن أبِي عَلِيٍّ: مَعْنى قَوْلِهِ: "أيّامَ والِداهُ بِهِ" كَما تَقُولُ: أنا بِاللهِ وبِكَ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: مَعْنى البَيْتِ: أنْجَبَ والِداهُ بِهِ أيّامَ إذْ نَجَلاهُ، فَهو كَقَوْلِكَ: حِينَئِذٍ ويَوْمَئِذٍ لَكِنَّهُ حالٌ بِالفاعِلِ بَيْنَ المُضافِ الَّذِي هو "أيّامَ" وبَيْنَ المُضافِ إلَيْهِ الَّذِي هو "إذْ". ويُرْوى هَذا البَيْتُ: "أنْجَبَ أيّامَ والِدَيْهِ". والنَجْلُ: الرَمْيُ بِالشَيْءِ وذَلِكَ أيْضًا مِن مَعْنى الظُهُورِ وفِراقِ شَيْءٍ شَيْئًا، وحَكى أبُو القاسِمِ الزَجّاجِيُّ في نَوادِرِهِ: أنَّ الوالِدَ يُقالُ لَهُ: نَجْلٌ، وأنَّ اللَفْظَةَ مِنَ الأضْدادِ، وأمّا بَيْتُ زُهَيْرٍ فالرِوايَةُ الصَحِيحَةُ فِيهِ: ؎ ....................... ∗∗∗ وكُلُّ فَحْلٍ لَهُ نَجْلُ أيْ ولَدٌ كَرِيمٌ ونَسْلٌ. ورَوى الأصْمَعِيُّ فِيما حُكِيَ "عنهُ" "وَكُلُّ فَرْعٍ لَهُ نَجْلُ"، وهَذا لا يَتَّجِهُ إلّا عَلى تَسْمِيَةِ الوالِدِ نَجْلًا. وقالَ الزَجّاجُ: الإنْجِيلُ مَأْخُوذٌ مِنَ النَجْلِ وهو الأصْلُ، فَهَذا يَنْحُو إلى ما حَكى أبُو القاسِمِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: فالتَوْراةُ مِن ورى الزِنادُ إذا ظَهَرَتْ نارُهُ والإنْجِيلُ مِن نَجَلَ إذا ظَهَرَ ولَدُهُ، أو مِن ظُهُورِ الماءِ مِنَ الأرْضِ، فَهو مُسْتَخْرَجٌ إمّا مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ وإمّا مِنَ التَوْراةِ. و"الفُرْقانَ" مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَحُرُوفُها مُخْتَلِفَةٌ، والمَعْنى قَرِيبٌ (p-١٥٣)بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، إذْ كُلُّها مَعْناهُ: ظُهُورُ الحَقِّ، وبَيانُ الشَرْعِ وفَصْلُهُ مِن غَيْرِهِ مِنَ الأباطِيلِ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "الأنْجِيلَ" - بِفَتْحِ الهَمْزَةِ - وذَلِكَ لا يَتَّجِهُ في كَلامِ العَرَبِ، ولَكِنْ تَحْمِيهِ مَكانَةُ الحَسَنِ مِنَ الفَصاحَةِ، وأنَّهُ لا يَقْرَأُ إلّا بِما رَوى، وأراهُ نَحا بِهِ نَحْوَ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ يَعْنِي مِن قَبْلِ القُرْآنِ. وقَوْلُهُ: "هُدىً لِلنّاسِ" مَعْناهُ دُعاءٌ، والناسُ: بَنُو إسْرائِيلَ في هَذا المَوْضِعِ، لِأنَّهُمُ المَدْعُوُّونَ بِهِما لا غَيْرُ، وإنْ أرادَ أنَّهُما هُدىً في ذاتِهِما مَدْعُوٌّ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ وغَيْرُهُ، مَنصُوبٌ لِمَنِ اهْتَدى بِهِ، فالناسُ عامٌّ في كُلِّ مَن شاءَ حِينَئِذٍ أنْ يَسْتَبْصِرَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ هُنا "لِلنّاسِ"، وقالَ في القُرْآنِ: "هُدىً لِلْمُتَّقِينَ" وذَلِكَ عِنْدِي لِأنَّ هَذا خَبَرٌ مُجَرَّدٌ، وقَوْلُهُ: "هُدىً لِلْمُتَّقِينَ" خَبَرٌ مُقْتَرِنٌ بِهِ الِاسْتِدْعاءُ والصَرْفُ إلى الإيمانِ، فَحَسُنَتِ الصِفَةُ، لِيَقَعَ مِنَ السامِعِ النَشاطُ والبِدارُ، وذَكَرَ الهُدى الَّذِي هو إيجادُ الهِدايَةِ في القَلْبِ، وهُنا إنَّما ذَكَرَ الهُدى الَّذِي هو الدُعاءُ، والهُدى الَّذِي هو في نَفْسِهِ مُعَدٌّ يَهْتَدِي بِهِ الناسُ، فَسُمِّيَ هُدىً لِذَلِكَ، وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: التَقْدِيرُ هُنا: هُدىً لِلنّاسِ المُتَّقِينَ، ويَرُدُّ هَذا العامَّ إلى ذَلِكَ الخاصِّ، وفي هَذا نَظَرٌ. والفُرْقانُ: القُرْآنُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، الَّذِي جادَلَ فِيهِ الوَفْدُ، وقالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ وغَيْرُهُما: فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في أحْكامِ الشَرائِعِ، وفي الحَلالِ والحَرامِ (p-١٥٤)وَنَحْوِهِ، والفُرْقانُ يَعُمُّ هَذا كُلَّهُ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الفُرْقانُ هُنا: كُلُّ أمْرٍ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فِيما قَدُمَ وحَدُثَ، فَيَدْخُلُ في هَذا التَأْوِيلِ طُوفانُ نُوحٍ، وفَرْقُ البَحْرِ لِغَرَقِ فِرْعَوْنَ، ويَوْمُ بَدْرٍ، وسائِرُ أفْعالِ اللهِ تَعالى المُفَرِّقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَكَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الكِتابَ العَزِيزَ، ثُمَّ التَوْراةَ والإنْجِيلَ، ثُمَّ كُلَّ أفْعالِهِ ومَخْلُوقاتِهِ الَّتِي فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، كَما فَعَلَتْ هَذِهِ الكُتُبُ ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى الكُفّارَ عُمُومًا بِالعَذابِ الشَدِيدِ، وذَلِكَ يَعُمُّ عَذابَ الدُنْيا بِالسَيْفِ والغَلَبَةِ، وعَذابَ الآخِرَةِ بِالنارِ، والإشارَةُ بِهَذا الوَعِيدِ إلى نَصارى نَجْرانَ، وقالَ النَقّاشُ: إلى اليَهُودِ، كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وكَعْبِ بْنِ أسَدٍ، وابْنَيْ أخْطَبَ وغَيْرِهِمْ. و"عَزِيزٌ"، مَعْناهُ: غالِبٌ، وقَدْ ذَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ والنِقْمَةُ والِانْتِقامُ: مُعاقَبَةُ المُذْنِبِ بِمُبالَغَةٍ في ذَلِكَ..

آل عمران 3:4

(p-١٤٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ فِيما عَلِمْتُ، وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ اسْمَ هَذِهِ السُورَةِ في التَوْراةِ طَيِّبَةُ. قوله عزّ وجلّ: ﴿الم﴾ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلافِ العُلَماءِ في الحُرُوفِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومِن حَيْثُ جاءَ في هَذِهِ السُورَةِ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ جُمْلَةً قائِمَةً بِنَفْسِها فَتُتَصَوَّرُ تِلْكَ الأقْوالُ كُلُّها فِي: "الم" في هَذِهِ السُورَةِ، وذَهَبَ الجُرْجانِيُّ في النَظْمِ إلى أنَّ أحْسَنَ الأقْوالِ هُنا أنْ يَكُونَ "الم" إشارَةً إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابُكَ أو نَحْوُ هَذا، ويَدُلُّ قَوْلُهُ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ عَلى ما تَرَكَ ذِكْرَهُ مِمّا هو خَبَرٌ عَنِ الحُرُوفِ، قالَ: وذَلِكَ في نَظْمِهِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] وتَرْكُ الجَوابِ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزمر: ٢٢] تَقْدِيرُهُ: كَمَن قَسا قَلْبُهُ. ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-١٤٨) ؎ فَلا تَدْفِنُونِي إنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ ∗∗∗ عَلَيْكُمْ، ولَكِنْ خامِرِي أُمَّ عامِرِ التَقْدِيرُ: ولَكِنِ اتْرُكُونِي لِلَّتِي يُقالُ لَها: "خامِرِي أُمَّ عامِرٍ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَحْسُنُ في هَذا القَوْلِ أنْ يَكُونَ "نَزَّلَ" خَبَرَ قَوْلِهِ "اللهُ" حَتّى يَرْتَبِطَ الكَلامُ إلى هَذا المَعْنى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ القاضِي الجُرْجانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ مِثْلَهُ لَيْسَتْ صَحِيحَةَ الشَبَهِ بِالمَعْنى الَّذِي نَحا إلَيْهِ، وما قالَهُ في الآيَةِ مُحْتَمَلٌ، ولَكِنَّ الأبْرَعَ في نَظْمِ الآيَةِ أنْ تَكُونَ "الم" لا تَضُمُّ ما بَعْدَها إلى نَفْسِها في المَعْنى، وأنْ يَكُونَ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ كَلامًا مُبْتَدَأً جَزْمًا جُمْلَةً رادَّةً عَلى نَصارى نَجْرانَ الَّذِينَ وفَدُوا عَلى رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ فَحاجُّوهُ في عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وقالُوا: إنَّهُ اللهُ، وذَلِكَ أنَّ ابْنَ إسْحاقَ والرَبِيعَ وغَيْرَهُما مِمَّنْ ذَكَرَ السِيَرَ، رَوَوْا «أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ: نَصارى سِتُّونَ راكِبًا، فِيهِمْ مِن أشْرافِهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، في الأرْبَعَةَ عَشَرَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، إلَيْهِ يَرْجِعُ أمْرُهُمُ: العاقِبُ أمِيرُ القَوْمِ وذُو رَأْيِهِمْ واسْمُهُ عَبْدُ المَسِيحِ، والسَيِّدُ ثِمالُهم وصاحِبُ مُجْتَمَعِهِمْ واسْمُهُ الأيْهَمُ، وأبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ وائِلٍ أُسْقُفُهم وعالِمُهُمْ؛ فَدَخَلُوا عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ المَسْجِدَ إثْرَ صَلاةِ العَصْرِ، عَلَيْهِمُ الحَبِراتُ جِبَبٌ وأرْدِيَةٌ، فَقالَ أصْحابُ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ: ما رَأيْنا وفْدًا مِثْلَهم جَمالًا وجَلالَةً، وحانَتْ صَلاتُهم فَقامُوا فَصَلُّوا في مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى المَشْرِقِ، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "دَعُوهُمْ"؛ ثُمَّ أقامُوا بِالمَدِينَةِ أيّامًا يُناظِرُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ في عِيسى ويَزْعُمُونَ أنَّهُ اللهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أقْوالٍ بَشِعَةٍ مُضْطَرِبَةٍ، ورَسُولُ اللهِ ﷺ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ بِالبَراهِينِ الساطِعَةِ وهم لا يُبْصِرُونَ، ونَزَلَ فِيهِمْ صَدْرُ هَذِهِ السُوَرِ إلى نَيِّفٍ وثَمانِينَ آيَةً، إلى أنْ آلَ أمْرُهم إلى أنْ دَعاهم رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى الِابْتِهالِ،» وسَيَأْتِي تَفْسِيرُ ذَلِكَ. (p-١٤٩)وَقَرَأ السَبْعَةُ "ألَمَ اللهُ" بِفَتْحِ المِيمِ والألِفِ ساقِطَةً، ورُوِيَ عن عاصِمٍ أنَّهُ سَكَّنَ المِيمَ ثُمَّ قَطَعَ الألِفَ، رَوى الأُولى الَّتِي هي كالجَماعَةِ حَفْصٌ، ورَوى الثانِيَةَ أبُو بَكْرٍ، وذَكَرَها الفَرّاءُ عن عاصِمٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الرُؤاسِيُّ وأبُو حَيْوَةَ " ألَمِ" بِكَسْرِ المِيمِ لِلِالتِقاءِ وذَلِكَ رَدِيءٌ لِأنَّ الياءَ تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، والصَوابُ الفَتْحُ قِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: حُرُوفُ التَهَجِّي مَبْنِيَّةٌ عَلى الوَقْفِ فالمِيمُ ساكِنَةٌ واللامُ ساكِنَةٌ، فَحُرِّكَتِ المِيمُ بِالفَتْحِ كَما حُرِّكَتِ النُونُ في قَوْلِكَ: مِنَ اللهِ ومِنَ المُسْلِمِينَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَن قالَ بِأنَّ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ أُلْقِيَتْ عَلى المِيمِ فَذَلِكَ ضَعِيفٌ لِإجْماعِهِمْ عَلى أنَّ الألِفَ المَوْصُولَةَ في التَعْرِيفِ تَسْقُطُ في الوَصْلِ، فَما يَسْقُطُ فَلا تُلْقى حَرَكَتُهُ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: "الحَيُّ القَيُّومُ" في آيَةِ الكُرْسِيِّ، والآيَةُ هُنالِكَ إخْبارٌ لِجَمِيعِ الناسِ، وكُرِّرَتْ هُنا إخْبارًا لِحُجَجِ هَؤُلاءِ النَصارى، ولِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ أنْ هَذِهِ الصِفاتِ لا يُمْكِنُهُمُ ادِّعاؤُها لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهم إذْ يَقُولُونَ إنَّهُ صُلِبَ، فَذَلِكَ مَوْتٌ في مُعْتَقَدِهِمْ لا مَحالَةَ، إذْ مِنَ البَيِّنِ أنَّهُ لَيْسَ بِقَيُّومٍ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ "القَيُّومُ" وزْنُهُ فَيْعُولُ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ "القَيّامُ" وزْنُهُ- فَيْعالُ- ورُوِيَ عن عَلْقَمَةَ أيْضًا أنَّهُ (p-١٥٠)قَرَأ "القَيِّمُ" وزْنُهُ فَيْعِلُ، وهَذا كُلُّهُ مِن: قامَ بِالأمْرِ يَقُومُ بِهِ إذا اضْطَلَعَ بِحِفْظِهِ وبِجَمِيعِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في وُجُودِهِ، فاللهُ تَعالى القَيّامُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِما يَنْبَغِي لَهُ أو فِيهِ أو عَلَيْهِ. وتَنْزِيلُ اللهِ الكِتابَ هو بِواسِطَةِ المَلَكِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، و"الكِتابَ" في هَذا المَوْضِعِ القُرْآنُ بِاتِّفاقٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "نَزَّلَ عَلَيْكَ" بِتَشْدِيدِ الزايِ "الكِتابَ" بِنَصْبِ الباءِ، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ "نَزَلَ عَلَيْكَ الكِتابُ" بِتَخْفِيفِ الزايِ ورَفْعِ الباءِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُنْحازَةٌ. وقَوْلُهُ "بِالحَقِّ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى ضِمْنَ الحَقائِقِ مِن خَيْرِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ ومَواعِظِهِ، فالباءُ عَلى حَدِّها في قَوْلِهِ: جاءَنِي كِتابٌ بِخَبَرِ كَذا وكَذا، أيْ ذَلِكَ الخَبَرُ مُقْتَصٌّ فِيهِ، والثانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ نَزَّلَ الكِتابَ بِاسْتِحْقاقِ أنْ يَنْزِلَ لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ الشامِلَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ واجِبٌ عَلى اللهِ تَعالى أنْ يَفْعَلَهُ، بَلْ لَهُ بِالحَقِّ أنْ يَفْعَلَهُ، فالباءُ في هَذا المَعْنى عَلى حَدِّها في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦]. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ: مَعْنى قَوْلِهِ "بِالحَقِّ": أيْ مِمّا اخْتَلَفَ فِيهِ أهْلُ الكِتابِ واضْطَرَبَ فِيهِ هَؤُلاءِ النَصارى الوافِدُونَ، وهَذا داخِلٌ في المَعْنى الأوَّلِ. و"مُصَدِّقًا" حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وهي راتِبَةٌ غَيْرُ مُنْتَقِلَةٍ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُصَدِّقٍ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِن كِتابِ اللهِ، فَهو كَقَوْلِ ابْنِ دارَةَ: ؎ أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِها نَسَبِي ∗∗∗ ∗∗∗ وهَلْ بِدارَةَ يا لَلنّاسِ مِن عارِ؟ و"ما بَيْنَ يَدَيْهِ" التَوْراةُ والإنْجِيلُ وسائِرُ كُتُبِ اللهِ الَّتِي تُلُقِّيَتْ مِن شَرْعِنا كالزَبُورِ (p-١٥١)والصُحُفِ؛ وما بَيْنَ اليَدِ في هَذِهِ الحَوادِثِ هو المُتَقَدِّمُ في الزَمَنِ. و"التَوْراةَ والإنْجِيلَ" اسْمانِ أصْلُهُما عِبْرانِيٌّ، لَكِنَّ النُحاةَ وأهْلَ اللِسانِ حَمَلُوها عَلى الِاشْتِقاقِ العَرَبِيِّ، فَقالُوا في التَوْراةِ: إنَّها مِن ورِيَ الزَنْدُ يَرِي إذا قُدِحَ وظَهَرَتْ نارُهُ، يُقالُ: أورَيْتُهُ فَوَرِيَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُورِياتِ" وقَوْلُهُ: ﴿أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١]. قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَأمّا قَوْلُهُمْ: ورِيَتْ بِكَ زِنادِي عَلى وزْنِ فَعِلَتْ، فَزَعَمَ أبُو عُثْمانَ أنَّهُ اسْتُعْمِلَ في هَذا الكَلامِ فَقَطْ ولَمْ يُجاوَزْ بِهِ غَيْرُهُ. وتَوْراةٌ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وسائِرِ البَصْرِيِّينَ فَوْعَلَةٌ، كَحَوْقَلَةٍ، أصْلُها ووْرَيَةٌ قُلِبَتِ الواوُ الأُولى تاءً، كَما قُلِبَتْ في "تَوْلَجَ" وأصْلُهُ "وَوْلَجَ" مِن: ولَجَتْ. وحَكى الزَجّاجُ عن بَعْضِ الكُوفِيِّينَ: أنَّ تَوْراةً أصْلُها تَفْعَلَةٌ بِفَتْحِ العَيْنِ، مِن: ورِيَتْ بِكَ زِنادِي، قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ مِن: أورَيْتَ، قالَ: فَهي تَوْرِيَةٌ. وقالَ بَعْضُهُمْ: يَصْلُحُ أنْ تَكُونَ تَفْعِلَةً بِكَسْرِ العَيْنِ مِثْلَ تَوْصِيَةٍ "ثُمَّ رُدَّتْ إلى تَفْعَلَةٍ بِفَتْحِ العَيْنِ. قالَ الزَجّاجُ وكَأنَّهُ يُجِيزُ في تَوْصِيَةٍ" تَوْصِأةً وذَلِكَ غَيْرُ مَسْمُوعٍ، وعَلى كُلِّ قَوْلٍ فالياءُ لَمّا انْفَتَحَ ما قَبْلَها وتَحَرَّكَتْ هي انْقَلَبَتْ ألِفًا فَقِيلَ: تَوْراةٌ، ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ قَوْلَ البَصْرِيِّينَ وضَعَّفَهُ غَيْرُهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ "التَوْراةَ" مَفْتُوحَةَ الراءِ، وكانَ حَمْزَةُ ونافِعٌ يَلْفِظانِ بِالراءِ بَيْنَ اللَفْظَيْنِ بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ، وكَذَلِكَ فَعَلا في قَوْلِهِ: "مَعَ الأبْرارِ" و"مِنَ الأشْرارِ" و"مِن قَرارٍ" إذا كانَ الحَرْفُ مَخْفُوضًا. ورَوى المُسَيِّبِيُّ عن نافِعٍ فَتْحَ الراءِ مِنَ التَوْراةِ، ورَوى ورْشٌ عنهُ كَسْرَها، وكانَ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ يَكْسِرانِ (p-١٥٢)الراءَ مِنَ التَوْراةِ ويُمِيلانِ "مِنَ الأبْرارِ" وغَيْرَها أشَدَّ مِن إمالَةِ حَمْزَةَ ونافِعٍ. وقالُوا في الإنْجِيلِ: إنَّهُ إفْعِيلٌ مِنَ النَجْلِ، وهو الماءُ الَّذِي يَنِزُّ مِنَ الأرْضِ؛ قالَ الخَلِيلُ: اسْتَنْجَلَتِ الأرْضُ وبِها نِجالٌ إذا خَرَجَ مِنها الماءُ. والنَجْلُ أيْضًا الوَلَدُ والنَسْلُ قالَهُ الخَلِيلُ وغَيْرُهُ، ونَجَلَهُ أبُوهُ أيْ ولَدَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: ؎ أنْجَبَ أيّامَ والِداهُ بِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ إذْ نَجَلاهُ فَنِعْمَ ما نَجَلا قالَ ابْنُ سِيدَهْ عن أبِي عَلِيٍّ: مَعْنى قَوْلِهِ: "أيّامَ والِداهُ بِهِ" كَما تَقُولُ: أنا بِاللهِ وبِكَ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: مَعْنى البَيْتِ: أنْجَبَ والِداهُ بِهِ أيّامَ إذْ نَجَلاهُ، فَهو كَقَوْلِكَ: حِينَئِذٍ ويَوْمَئِذٍ لَكِنَّهُ حالٌ بِالفاعِلِ بَيْنَ المُضافِ الَّذِي هو "أيّامَ" وبَيْنَ المُضافِ إلَيْهِ الَّذِي هو "إذْ". ويُرْوى هَذا البَيْتُ: "أنْجَبَ أيّامَ والِدَيْهِ". والنَجْلُ: الرَمْيُ بِالشَيْءِ وذَلِكَ أيْضًا مِن مَعْنى الظُهُورِ وفِراقِ شَيْءٍ شَيْئًا، وحَكى أبُو القاسِمِ الزَجّاجِيُّ في نَوادِرِهِ: أنَّ الوالِدَ يُقالُ لَهُ: نَجْلٌ، وأنَّ اللَفْظَةَ مِنَ الأضْدادِ، وأمّا بَيْتُ زُهَيْرٍ فالرِوايَةُ الصَحِيحَةُ فِيهِ: ؎ ....................... ∗∗∗ وكُلُّ فَحْلٍ لَهُ نَجْلُ أيْ ولَدٌ كَرِيمٌ ونَسْلٌ. ورَوى الأصْمَعِيُّ فِيما حُكِيَ "عنهُ" "وَكُلُّ فَرْعٍ لَهُ نَجْلُ"، وهَذا لا يَتَّجِهُ إلّا عَلى تَسْمِيَةِ الوالِدِ نَجْلًا. وقالَ الزَجّاجُ: الإنْجِيلُ مَأْخُوذٌ مِنَ النَجْلِ وهو الأصْلُ، فَهَذا يَنْحُو إلى ما حَكى أبُو القاسِمِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: فالتَوْراةُ مِن ورى الزِنادُ إذا ظَهَرَتْ نارُهُ والإنْجِيلُ مِن نَجَلَ إذا ظَهَرَ ولَدُهُ، أو مِن ظُهُورِ الماءِ مِنَ الأرْضِ، فَهو مُسْتَخْرَجٌ إمّا مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ وإمّا مِنَ التَوْراةِ. و"الفُرْقانَ" مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَحُرُوفُها مُخْتَلِفَةٌ، والمَعْنى قَرِيبٌ (p-١٥٣)بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، إذْ كُلُّها مَعْناهُ: ظُهُورُ الحَقِّ، وبَيانُ الشَرْعِ وفَصْلُهُ مِن غَيْرِهِ مِنَ الأباطِيلِ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "الأنْجِيلَ" - بِفَتْحِ الهَمْزَةِ - وذَلِكَ لا يَتَّجِهُ في كَلامِ العَرَبِ، ولَكِنْ تَحْمِيهِ مَكانَةُ الحَسَنِ مِنَ الفَصاحَةِ، وأنَّهُ لا يَقْرَأُ إلّا بِما رَوى، وأراهُ نَحا بِهِ نَحْوَ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ يَعْنِي مِن قَبْلِ القُرْآنِ. وقَوْلُهُ: "هُدىً لِلنّاسِ" مَعْناهُ دُعاءٌ، والناسُ: بَنُو إسْرائِيلَ في هَذا المَوْضِعِ، لِأنَّهُمُ المَدْعُوُّونَ بِهِما لا غَيْرُ، وإنْ أرادَ أنَّهُما هُدىً في ذاتِهِما مَدْعُوٌّ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ وغَيْرُهُ، مَنصُوبٌ لِمَنِ اهْتَدى بِهِ، فالناسُ عامٌّ في كُلِّ مَن شاءَ حِينَئِذٍ أنْ يَسْتَبْصِرَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ هُنا "لِلنّاسِ"، وقالَ في القُرْآنِ: "هُدىً لِلْمُتَّقِينَ" وذَلِكَ عِنْدِي لِأنَّ هَذا خَبَرٌ مُجَرَّدٌ، وقَوْلُهُ: "هُدىً لِلْمُتَّقِينَ" خَبَرٌ مُقْتَرِنٌ بِهِ الِاسْتِدْعاءُ والصَرْفُ إلى الإيمانِ، فَحَسُنَتِ الصِفَةُ، لِيَقَعَ مِنَ السامِعِ النَشاطُ والبِدارُ، وذَكَرَ الهُدى الَّذِي هو إيجادُ الهِدايَةِ في القَلْبِ، وهُنا إنَّما ذَكَرَ الهُدى الَّذِي هو الدُعاءُ، والهُدى الَّذِي هو في نَفْسِهِ مُعَدٌّ يَهْتَدِي بِهِ الناسُ، فَسُمِّيَ هُدىً لِذَلِكَ، وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: التَقْدِيرُ هُنا: هُدىً لِلنّاسِ المُتَّقِينَ، ويَرُدُّ هَذا العامَّ إلى ذَلِكَ الخاصِّ، وفي هَذا نَظَرٌ. والفُرْقانُ: القُرْآنُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، الَّذِي جادَلَ فِيهِ الوَفْدُ، وقالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ وغَيْرُهُما: فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في أحْكامِ الشَرائِعِ، وفي الحَلالِ والحَرامِ (p-١٥٤)وَنَحْوِهِ، والفُرْقانُ يَعُمُّ هَذا كُلَّهُ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الفُرْقانُ هُنا: كُلُّ أمْرٍ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فِيما قَدُمَ وحَدُثَ، فَيَدْخُلُ في هَذا التَأْوِيلِ طُوفانُ نُوحٍ، وفَرْقُ البَحْرِ لِغَرَقِ فِرْعَوْنَ، ويَوْمُ بَدْرٍ، وسائِرُ أفْعالِ اللهِ تَعالى المُفَرِّقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَكَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الكِتابَ العَزِيزَ، ثُمَّ التَوْراةَ والإنْجِيلَ، ثُمَّ كُلَّ أفْعالِهِ ومَخْلُوقاتِهِ الَّتِي فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، كَما فَعَلَتْ هَذِهِ الكُتُبُ ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى الكُفّارَ عُمُومًا بِالعَذابِ الشَدِيدِ، وذَلِكَ يَعُمُّ عَذابَ الدُنْيا بِالسَيْفِ والغَلَبَةِ، وعَذابَ الآخِرَةِ بِالنارِ، والإشارَةُ بِهَذا الوَعِيدِ إلى نَصارى نَجْرانَ، وقالَ النَقّاشُ: إلى اليَهُودِ، كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وكَعْبِ بْنِ أسَدٍ، وابْنَيْ أخْطَبَ وغَيْرِهِمْ. و"عَزِيزٌ"، مَعْناهُ: غالِبٌ، وقَدْ ذَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ والنِقْمَةُ والِانْتِقامُ: مُعاقَبَةُ المُذْنِبِ بِمُبالَغَةٍ في ذَلِكَ..

آل عمران 3:5

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَماءِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إلَهَ إلا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابَ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ هَذِهِ الآيَةُ خَبَرٌ عن عِلْمِ اللهِ تَعالى بِالأشْياءِ عَلى التَفْصِيلِ، وهَذِهِ صِفَةٌ لَمْ تَكُنْ لِعِيسى (p-١٥٥)وَلا لِأحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ، ثُمَّ أخْبَرَ عن تَصْوِيرِهِ البَشَرَ في أرْحامِ الأُمَّهاتِ، وهَذا أمْرٌ لا يُنْكِرُهُ عاقِلٌ، ولا يُنْكِرُ أنَّ عِيسى وسائِرَ البَشَرِ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، ولا يُنْكِرُ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ المُصَوَّرِينَ في الأرْحامِ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ تَعالى في ضِمْنِها الرَدُّ عَلى نَصارى نَجْرانَ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ وعِيدٌ ما لَهُمْ؛ فَسَّرَ بِنَحْوِ هَذا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ والرَبِيعُ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ رَدٌّ عَلى أهْلِ الطَبِيعَةِ، إذْ يَجْعَلُونَها فاعِلَةً مُسْتَبِدَّةً، وشَرَحَ النَبِيُّ ﷺ كَيْفِيَّةَ التَصْوِيرِ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ: « "إنَّ النُطْفَةَ إذا وقَعَتْ في الرَحِمِ مَكَثَتْ نُطْفَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ إلَيْها مَلَكًا فَيَقُولُ: يا رَبُّ، أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟ أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ؟".» الحَدِيثُ بِطُولِهِ عَلى اخْتِلافِ ألْفاظِهِ. وفي مُسْنَدِ ابْنِ سَنْجَرٍ حَدِيثُ: « "إنَّ اللهَ يَخْلُقُ عِظامَ الجَنِينِ وغَضارِيفَهُ مِن مَنِيِّ الرَجُلِ، ولَحْمَهُ وشَحْمَهُ وسائِرَ ذَلِكَ مِن مَنِيِّ المَرْأةِ".» و"صَوَّرَ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن: صارَ يَصُورُ إذا أمالَ وثَنى إلى حالٍ ما، فَلَمّا كانَ التَصْوِيرُ إمالَةً إلى حالٍ وإثْباتًا فِيها، جاءَ بِناؤُهُ عَلى المُبالَغَةِ. والرَحِمُ: مَوْضِعُ نَشْأةِ الجَنِينِ. و"كَيْفَ يَشاءُ" يَعْنِي مِن طُولٍ وقِصَرٍ ولَوْنٍ وسَلامَةٍ وعاهَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلافاتِ. و"العَزِيزُ": الغالِبُ، و"الحَكِيمُ": ذُو الحِكْمَةِ أوِ المُحَكِّمُ في مَخْلُوقاتِهِ، وهَذا أخَصُّ بِما ذَكَرَ مِنَ التَصْوِيرِ. و"الكِتابَ" في هَذِهِ الآيَةِ: القُرْآنُ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، والمُحْكَماتُ: (p-١٥٦)المُفَصَّلاتُ المُبَيَّناتُ الثابِتاتُ الأحْكامِ، والمُتَشابِهاتُ: هي الَّتِي فِيها نَظَرٌ وتَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ، ويَظْهَرُ فِيها بِبادِئِ النَظَرِ إمّا تَعارُضٌ مَعَ أُخْرى أو مَعَ العَقْلِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ التَشابُهِ، فَهَذا الشَبَهُ الَّذِي مِن أجْلِهِ تُوصَفُ بِمُتَشابِهاتٍ إنَّما هو بَيْنَها وبَيْنَ المَعانِي الفاسِدَةِ الَّتِي يَظُنُّها أهْلُ الزَيْغِ ومَن لَمْ يُمْعِنِ النَظَرَ، وهَذا نَحْوَ الحَدِيثِ الصَحِيحِ، عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "الحَلالُ بَيِّنٌ والحَرامُ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُما أُمُورٌ مُتَشابِهاتٌ"» أيْ يَكُونُ الشَيْءُ حَرامًا في نَفْسِهِ فَيُشْبِهُ عِنْدَ مَن لَمْ يُمْعِنِ النَظَرَ شَيْئًا حَلالًا، وكَذَلِكَ الآيَةُ يَكُونُ لَها في نَفْسِها مَعْنىً صَحِيحٌ فَتُشْبِهُ عِنْدَ مَن لَمْ يُمْعِنِ النَظَرَ أو عِنْدَ الزائِغِ مَعْنىً آخَرَ فاسِدًا، فَرُبَّما أرادَ الِاعْتِراضَ بِهِ عَلى كِتابِ اللهِ، هَذا عِنْدِي مَعْنى الإحْكامِ والتَشابُهِ في هَذِهِ الآيَةِ، ألا تَرى «أنَّ نَصارى نَجْرانَ قالُوا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: ألَيْسَ عِنْدَكَ في كِتابِكَ أنَّ عِيسى كَلِمَةُ اللهِ ورُوحٌ مِنهُ؟ قالَ نَعَمْ، قالُوا: فَحَسْبُنا إذًا،» فَهَذا التَشابُهُ. واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في تَعْيِينِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ المُرادِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُحْكَماتُ: هي قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى ثَلاثِ آياتٍ، وقَوْلُهُ في بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وهَذا عِنْدِي مِثالٌ أعْطاهُ في المُحْكَماتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المُحْكَماتُ: ناسِخُهُ وحَلالُهُ وحَرامُهُ وما يُؤْمَنُ بِهِ ويُعْمَلُ بِهِ؛ والمُتَشابِهاتُ: مَنسُوخُهُ ومُقَدَّمُهُ ومُؤَخَّرُهُ وأمْثالُهُ وأقْسامُهُ وما يُؤْمَنُ بِهِ ولا يُعْمَلُ بِهِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ: المُحْكَماتُ الناسِخاتُ، والمُتَشابِهاتُ: المَنسُوخاتُ. وهَذا عِنْدِي عَلى جِهَةِ التَمْثِيلِ أيْ يُوجَدُ الإحْكامُ في هَذا والتَشابُهُ في هَذا، لا أنَّهُ وقْفٌ عَلى هَذا النَوْعِ مِنَ الآياتِ. وقالَ بِهَذا القَوْلِ قَتادَةُ والرَبِيعُ والضَحّاكُ. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: المُحْكَماتُ: ما فِيهِ الحَلالُ والحَرامُ، وما سِوى ذَلِكَ فَهو مُتَشابِهٌ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، (p-١٥٧)وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَما يُضِلُّ بِهِ إلا الفاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] وقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. وهَذِهِ الأقْوالُ وما ضارَعَها؛ يُضْعِفُها أنَّ أهْلَ الزَيْغِ لا تَعَلُّقَ لَهم بِنَوْعٍ مِمّا ذُكِرَ دُونَ سِواهُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ: المُحْكَماتُ: هي الَّتِي فِيهِنَّ حُجَّةُ الرَبِّ وعِصْمَةُ العِبادِ ودَفْعُ الخُصُومِ والباطِلِ، لَيْسَ لَها تَصْرِيفٌ ولا تَحْرِيفٌ عَمّا وُضِعْنَ عَلَيْهِ، والمُتَشابِهاتُ: لَهُنَّ تَصْرِيفٌ وتَحْرِيفٌ وتَأْوِيلٌ ابْتَلى اللهُ فِيهِنَّ العِبادَ، وهَذا أحْسَنُ الأقْوالِ في هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُحْكَمُ: ما أُحْكِمَ فِيهِ قِصَصُ الأنْبِياءِ والأُمَمِ، وبُيِّنَ لِمُحَمَّدٍ وأُمَّتِهِ، والمُتَشابِهُ: هو ما اشْتَبَهَتِ الألْفاظُ بِهِ مِن قِصَصِهِمْ عِنْدَ التَكْرِيرِ في السُوَرِ بَعْضُهُ بِاتِّفاقِ الألْفاظِ واخْتِلافِ المَعانِي، وبَعْضُهُ بِعَكْسِ ذَلِكَ نَحْوِ قَوْلِهِ: "حَيَّةٌ تَسْعى" و"ثُعْبانٌ مُبِينٌ" ونَحْوِ: "اسْلُكْ يَدَكَ" و"أدْخِلْ يَدَكَ". وقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ؛ مِنهم جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ رِئابٍ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ الشَعْبِيِّ وسُفْيانَ الثَوْرِيِّ وغَيْرِهِما: المُحْكَماتُ مِن آيِ القُرْآنِ: ما عَرَفَ العُلَماءُ تَأْوِيلَهُ وفَهِمُوا مَعْناهُ وتَفْسِيرَهُ، والمُتَشابِهُ: ما لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ إلى عِلْمِهِ سَبِيلٌ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللهُ بِعِلْمِهِ دُونَ خَلْقِهِ. قالَ بَعْضُهُمْ: وذَلِكَ مِثْلُ وقْتِ قِيامِ الساعَةِ وخُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ والدَجّالِ ونُزُولِ عِيسى، ونَحْوِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُوَرِ. (p-١٥٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الحَقِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أمّا الغُيُوبُ الَّتِي تَأْتِي فَهي مِنَ المُحْكَماتِ، لِأنَّ ما يَعْلَمُ البَشَرُ مِنها مَحْدُودٌ، وما لا يَعْلَمُونَهُ وهو تَحْدِيدُ الوَقْتِ مَحْدُودٌ أيْضًا. وأمّا أوائِلُ السُوَرِ فَمِنَ المُتَشابِهِ لِأنَّها مُعَرَّضَةٌ لِلتَّأْوِيلِ، ولِذَلِكَ اتَّبَعَتْهُ اليَهُودُ وأرادُوا أنْ يَفْهَمُوا مِنهُ مُدَّةَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ. وفِي بَعْضِ هَذِهِ العِباراتِ الَّتِي ذَكَرْنا لِلْعُلَماءِ اعْتِراضاتٌ، وذَلِكَ أنَّ التَشابُهَ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ مُقَيَّدٌ بِأنَّهُ مِمّا لِأهْلِ الزَيْغِ بِهِ تَعَلُّقٌ، وفي بَعْضِ عِباراتِ المُفَسِّرِينَ تَشابُهٌ لا يَقْتَضِي لِأهْلِ الزَيْغِ تَعَلُّقًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ فَمَعْناهُ الإعْلامُ بِأنَّها مُعْظَمُ الكِتابِ وعُمْدَةُ ما فِيهِ، إذِ المُحْكَمُ في آياتِ اللهِ كَثِيرٌ قَدْ فُصِّلَ ولَمْ يُفَرَّطْ في شَيْءٍ مِنهُ. قالَ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: هَذا كَما يُقالُ لِمَكَّةَ: أُمُّ القُرى، ولِمُرْوٍ: أُمُّ خُراسانَ، وكَما يُقالُ: أُمُّ الرَأْسِ لِمُجْتَمَعِ الشُؤُونِ إذْ هو أخْطَرُ مَكانٍ. قالَ المَهْدَوِيُّ والنَقّاشُ: كُلُّ آيَةٍ مُحْكَمَةٍ في كِتابِ اللهِ يُقالُ لَها أُمُّ الكِتابِ؛ وهَذا مَرْدُودٌ بَلْ جَمِيعُ المُحْكَمِ هو أُمُّ الكِتابِ، وقالَ النَقّاشُ: وهَذا كَما تَقُولُ: كُلُّكم عَلَيَّ أسَدٌ ضارٍ، وهَذا المِثالُ غَيْرُ مُحْكَمٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "أُمُّ الكِتابِ" مَعْناهُ: جِماعُ الكِتابِ. وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي فاخِتَةَ أنَّهُ قالَ: "هُنَّ أُمُّ الكِتابِ" يُرادُ بِهِ فَواتِحُ السُوَرِ إذْ مِنها يُسْتَخْرَجُ القُرْآنُ ﴿الم﴾ [البقرة: ١] ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] مِنهُ اسْتُخْرِجَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ، ﴿الم﴾ [آل عمران: ١] ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] مِنهُ اسْتُخْرِجَتْ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ. وهَذا قَوْلٌ مُتَداعٍ لِلسُّقُوطِ، مُضْطَرِبٌ لَمْ يَنْظُرْ قائِلُهُ أوَّلَ (p-١٥٩)الآيَةِ وآخِرَها ومَقْصِدَها، وإنَّما مَعْنى الآيَةِ الإنْحاءُ عَلى أهْلِ الزَيْغِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ أوَّلًا إلى نَصارى نَجْرانَ، وإلى اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا مُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، فَإنَّهم كانُوا يَعْتَرِضُونَ مَعانِيَ القُرْآنِ، ثُمَّ تَعُمُّ بَعْدَ ذَلِكَ كُلَّ زائِغٍ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ نَزَّلَ الكِتابَ عَلى مُحَمَّدٍ إفْضالًا مِنهُ ونِعْمَةً، وأنَّ مُحْكَمَهُ وبَيِّنَهُ الَّذِي لا اعْتِراضَ فِيهِ هو مُعْظَمُهُ والغالِبُ عَلَيْهِ، وأنَّ مُتَشابِهَهُ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَأْوِيلَ ويَحْتاجُ إلى التَفَهُّمِ، هو أقَلُّهُ. ثُمَّ إنَّ أهْلَ الزَيْغِ يَتْرُكُونَ المُحْكَمَ الَّذِي فِيهِ غُنْيَتُهُمْ، ويَتَّبِعُونَ المُتَشابِهَ، ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وأنْ يُفْسِدُوا ذاتَ البَيْنِ ويَرُدُّوا الناسَ إلى زَيْغِهِمْ، فَهَكَذا تَتَوَجَّهُ المَذَمَّةُ عَلَيْهِمْ. "وَأُخَرُ" جَمْعُ أُخْرى لا يَنْصَرِفُ لِأنَّهُ صِفَةٌ، وعُدِلَ عَنِ الألِفِ واللامِ في أنَّهُ يُثَنّى ويُجْمَعُ، وصِفاتُ التَفْضِيلِ كُلُّها إذا عَرِيَتْ عَنِ الألِفِ واللامِ لَمْ تُثَنَّ ولَمْ تُجْمَعْ، كَأفْضَلِ وما جَرى مَجْراهُ، ولا يُفاضَلُ بِهَذِهِ الصِفاتِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ إلّا وهي مُنَكَّرَةٌ، ومَتى دَخَلَتْ عَلَيْهِ الألِفُ واللامُ زالَ مَعْنى التَفْضِيلِ بَيْنَ أمْرَيْنِ، ولَيْسَ عَدْلُ "أُخَرُ" عَنِ الألِفِ واللامِ مُؤَثِّرًا في التَعْرِيفِ كَما هو عَدْلُ "سَحَرْ" بَلْ أُخَرُ نَكِرَةٌ، وأمّا سَحَرٌ فَعَدَلَ بِأنَّهُ زالَتِ الألِفُ واللامُ، وبَقِيَ مَعْرِفَةً في قَوْلِهِ "جِئْتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ سَحَرْ". وخَلَطَ المَهْدَوِيُّ في هَذِهِ المَسْألَةِ وأفْسَدَ كَلامَ سِيبَوَيْهِ فَتَأمَّلْهُ. ** قوله عزّ وجلّ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلِهِ إلا اللهُ والراسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا وما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ يَعُمُّ كُلَّ طائِفَةٍ مِن كافِرٍ وزِنْدِيقٍ وجاهِلٍ صاحِبِ بِدْعَةٍ. والزَيْغُ: المَيْلُ، ومِنهُ زاغَتِ الشَمْسُ، وزاغَتِ الأبْصارُ. والإشارَةُ بِالآيَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَتْ إلى نَصارى نَجْرانَ لِتَعَرُّضِهِمْ لِلْقُرْآنِ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ (p-١٦٠)السَلامُ، قالَهُ الرَبِيعُ، وإلى اليَهُودِ، ثُمَّ تَنْسَحِبُ عَلى كُلِّ ذِي بِدْعَةٍ أو كُفْرٍ، وبِالمَيْلِ عَنِ الهُدى فَسَّرَ الزَيْغَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ، وابْنُ مَسْعُودٍ وجَماعَةٌ مِنَ الصَحابَةِ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهم. و﴿ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ هو المَوْصُوفُ آنِفًا بِـ "مُتَشابِهاتٌ". وقالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾: إنْ لَمْ يَكُونُوا الحَرُورِيَّةَ وأنْواعَ الخَوارِجِ فَلا أدْرِي مَن هم. وقالَتْ عائِشَةُ: "إذا رَأيْتُمُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في القُرْآنِ فَهُمُ الَّذِي عَنى اللهُ فاحْذَرُوهُمْ" وقالَ الطَبَرِيُّ: الأشْبَهُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ في الَّذِينَ جادَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ في مُدَّتِهِ ومُدَّةِ أُمَّتِهِ بِسَبَبِ حُرُوفِ أوائِلِ السُوَرِ، وهَؤُلاءِ هُمُ اليَهُودُ. و"ابْتِغاءَ" نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، ومَعْناهُ طَلَبُ الفِتْنَةِ. وقالَ الرَبِيعُ: الفِتْنَةُ هُنا: الشِرْكُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الفِتْنَةُ الشُبُهاتُ واللَبْسُ عَلى المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ قالَ: و"ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ" والتَأْوِيلُ هو مَرَدُّ الكَلامِ ومَرْجِعُهُ، والشَيْءُ الَّذِي يَقِفُ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي، وهو مِن آلَ يَؤُولُ، إذا رَجَعَ، فالمَعْنى: وطَلَبَ تَأْوِيلَهُ عَلى مَنازِعِهِمُ الفاسِدَةِ. هَذا فِيما لَهُ تَأْوِيلٌ حَسَنٌ، وإنْ كانَ مِمّا لا يُتَأوَّلُ، بَلْ يُوقَفُ فِيهِ كالكَلامِ في مَعْنى الرُوحِ ونَحْوِهِ، فَنَفْسُ طَلَبِ تَأْوِيلِهِ هو اتِّباعُ ما تَشابَهَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ابْتَغَوْا مَعْرِفَةَ مُدَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللهُ﴾ فَهَذا عَلى الكَمالِ والتَوْفِيَةِ فِيما لا يُتَأوَّلُ ولا سَبِيلَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ كَأمْرِ الرُوحِ، وتَعَرُّفِ وقْتِ قِيامِ الساعَةِ وسائِرِ الأحْداثِ الَّتِي أنْذَرَ بِها الشَرْعُ، وفِيما يُمْكِنُ أنْ يَتَأوَّلَهُ العُلَماءُ ويَصِحَّ التَطَرُّقُ إلَيْهِ، فَمَعْنى الآيَةِ: وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ عَلى الكَمالِ إلّا اللهُ. (p-١٦١)واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والراسِخُونَ في العِلْمِ﴾ فَرَأتْ فِرْقَةٌ أنَّ رَفْعَ "والراسِخُونَ" هو بِالعَطْفِ عَلى اسْمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهم داخِلُونَ في عِلْمِ المُتَشابِهِ في كِتابِ اللهِ، وأنَّهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ "يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ"... الآيَةُ، قالَ بِهَذا القَوْلِ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ: أنا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: والراسِخُونَ في العِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ ويَقُولُونَ آمَنّا بِهِ، وقالَهُ الرَبِيعُ ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ وغَيْرُهُمْ، و"يَقُولُونَ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ نُصِبَ عَلى الحالِ. وقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: "والراسِخُونَ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وهو مَقْطُوعٌ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ، وخَبَرُهُ "يَقُولُونَ". والمُنْفَرِدُ بِعِلْمِ المُتَشابِهِ هو اللهُ وحْدَهُ بِحَسَبِ اللَفْظِ في الآيَةِ، وفِعْلُ الراسِخِينَ قَوْلُهُمْ: "آمَنّا بِهِ" قالَتْهُ عائِشَةُ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: إنَّ الراسِخِينَ لا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ ولَكِنَّهم يَقُولُونَ: "آمَنّا بِهِ". وقالَ أبُو نَهِيكٍ الأسَدِيُّ: إنَّكم تَصِلُونَ هَذِهِ الآيَةَ وإنَّها مَقْطُوعَةٌ، وما انْتَهى عِلْمُ الراسِخِينَ إلّا إلى قَوْلِهِمْ: ﴿آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ وقالَ مِثْلَ هَذا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وحَكى نَحْوَهُ الطَبَرِيُّ عن يُونُسَ عن أشْهَبَ عن مالِكِ بْنِ أنَسٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ المَسْألَةُ إذا تُؤُمِّلَتْ قَرُبَ الخِلافُ فِيها مِنَ الِاتِّفاقِ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى قَسَمَ آيَ الكِتابِ قِسْمَيْنِ: مُحْكَمًا ومُتَشابِهًا، فالمُحْكَمُ هو المُتَّضِحُ المَعْنى لِكُلِّ مَن يَفْهَمُ كَلامَ العَرَبِ، لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى نَظَرٍ ولا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ يُلْبِسُ، ويَسْتَوِي في عِلْمِهِ الراسِخُ وغَيْرُهُ، والمُتَشابِهُ يَتَنَوَّعُ، فَمِنهُ ما لا يُعْلَمُ البَتَّةَ، كَأمْرِ الرُوحِ، وآمادِ المُغَيَّباتِ الَّتِي قَدْ أعْلَمَ اللهُ بِوُقُوعِها، إلى سائِرِ ذَلِكَ، ومِنهُ ما يُحْمَلُ عَلى وُجُوهٍ في اللُغَةِ ومَناحٍ في كَلامِ العَرَبِ، فَيُتَأوَّلُ ويُعْلَمُ تَأْوِيلُهُ المُسْتَقِيمُ، ويُزالُ ما فِيهِ مِمّا عَسى أنْ يُتَعَلَّقَ بِهِ مِن تَأْوِيلٍ غَيْرِ مُسْتَقِيمٍ كَقَوْلِهِ في عِيسى: "وَرُوحٌ مِنهُ" إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولا يُسَمّى أحَدٌ راسِخًا إلّا بِأنْ يَعْلَمَ مِن (p-١٦٢)هَذا النَوْعِ كَثِيرًا بِحَسَبِ ما قُدِّرَ لَهُ، وإلّا فَمَن لا يَعْلَمُ سِوى المُحْكَمِ فَلَيْسَ يُسَمّى راسِخًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى جَمِيعِ مُتَشابِهِ القُرْآنِ، وهو نَوْعانِ كَما ذَكَرْنا، فَقَوْلُهُ: "إلّا اللهُ" مُقْتَضٍ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ أنَّهُ يَعْلَمُهُ عَلى الكَمالِ والِاسْتِيفاءِ، يَعْلَمُ نَوْعَيْهِ جَمِيعًا. فَإنْ جَعَلْنا قَوْلَهُ: "والراسِخُونَ" عَطْفًا عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى، فالمَعْنى إدْخالُهم في عِلْمِ التَأْوِيلِ لا عَلى الكَمالِ، بَلْ عِلْمُهم إنَّما هو في النَوْعِ الثانِي مِنَ المُتَشابِهِ، وبَدِيهَةُ العَقْلِ تَقْضِي بِهَذا، والكَلامُ مُسْتَقِيمٌ عَلى فَصاحَةِ العَرَبِ كَما تَقُولُ: ما قامَ لِنُصْرَتِي إلّا فُلانٌ وفُلانٌ، وأحَدُهُما قَدْ نَصَرَكَ بِأنْ حارَبَ مَعَكَ، والآخَرُ إنَّما أعانَكَ بِكَلامٍ فَقَطْ، إلى كَثِيرٍ مِنَ المُثُلِ، فالمَعْنى "وَما يَعْلَمُ" تَأْوِيلَ المُتَشابِهِ إلّا اللهُ والراسِخُونَ كُلٌّ بِقَدْرِهِ وما يَصْلُحُ لَهُ، والراسِخُونَ بِحالِ قَوْلٍ في جَمِيعِهِ "آمَنّا بِهِ"، وإذا تَحَصَّلَ لَهم في الَّذِي لا يُعْلَمُ ولا يُتَصَوَّرُ عَلَيْهِ تَمْيِيزُهُ مِن غَيْرِهِ، فَذَلِكَ قَدْرٌ مِنَ العِلْمِ بِتَأْوِيلِهِ، وإنْ جَعَلْنا قَوْلَهُ: "والراسِخُونَ" رَفْعًا بِالِابْتِداءِ مَقْطُوعًا مِمّا قَبْلَهُ، فَتَسْمِيَتُهم راسِخِينَ يَقْتَضِي بِأنَّهم يَعْلَمُونَ أكْثَرَ مِنَ المُحْكَمِ الَّذِي يَسْتَوِي في عِلْمِهِ جَمِيعُ مَن يَفْهَمُ كَلامَ العَرَبِ، وفي أيِّ شَيْءٍ هو رُسُوخُهُمْ، إذا لَمْ يَعْلَمُوا إلّا ما يَعْلَمُ الجَمِيعُ؟ وما الرُسُوخُ إلّا المَعْرِفَةُ بِتَصارِيفِ الكَلامِ، ومَوارِدِ الأحْكامِ، ومَواقِعِ المَواعِظِ، وذَلِكَ كُلُّهُ بِقَرِيحَةٍ مُعَدَّةٍ، فالمَعْنى: وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ عَلى الِاسْتِيفاءِ إلّا اللهُ، والقَوْمُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مِنهُ ما يُمْكِنُ أنْ يُعْلَمَ يَقُولُونَ في جَمِيعِهِ: "آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا" وهَذا القَدْرُ هو الَّذِي تَعاطى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وهو تُرْجُمانُ القُرْآنِ، ولا يُتَأوَّلُ عَلَيْهِ أنَّهُ عَلِمَ وقْتَ الساعَةِ وأمْرَ الرُوحِ وما شاكَلَهُ. فَإعْرابُ "الراسِخُونَ" يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِهِما، والمَعْنى فِيهِما يَتَقارَبُ بِهَذا النَظَرِ الَّذِي سَطَّرْناهُ. فَأمّا مَن يَقُولُ: إنَّ المُتَشابِهَ إنَّما هو ما لا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى عِلْمِهِ، فَيَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِهِ إخْراجُ الراسِخِينَ مِن عِلْمِ تَأْوِيلِهِ، لَكِنَّ تَخْصِيصَهُ المُتَشابِهاتِ بِهَذا النَوْعِ غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلِ الصَحِيحُ في ذَلِكَ قَوْلُ مَن قالَ: المُحْكَمُ ما لا يَحْتَمِلُ إلّا تَأْوِيلًا واحِدًا والمُتَشابِهُ ما (p-١٦٣)احْتَمَلَ مِنَ التَأْوِيلِ أوجُهًا. وهَذا هو مُتَّبَعُ أهْلِ الزَيْغِ، وعَلى ذَلِكَ يَتَرَتَّبُ النَظَرُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ. ومَن قالَ مِنَ العُلَماءِ الحُذّاقِ بِأنَّ الراسِخِينَ لا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ المُتَشابِهِ فَإنَّما أرادُوا هَذا النَوْعَ، وخافُوا أنْ يَظُنَّ أحَدٌ أنَّ اللهَ وصَفَ الراسِخِينَ بِعِلْمِ التَأْوِيلِ عَلى الكَمالِ، وكَذَلِكَ ذَهَبَ الزَجّاجُ إلى أنَّ الإشارَةَ بِما تَشابَهَ مِنهُ إنَّما هي إلى وقْتِ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرَهُ وفَسَّرَ باقِي الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، فَهَذا أيْضًا تَخْصِيصٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وأمّا مَن يَقُولُ: إنَّ المُتَشابِهَ هو المَنسُوخُ فَيَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِهِ إدْخالُ الراسِخِينَ في عِلْمِ التَأْوِيلِ، ولَكِنَّ تَخْصِيصَهُ المُتَشابِهاتِ بِهَذا النَوْعِ غَيْرُ صَحِيحٍ. ورَجَّحَ ابْنُ فُورَكٍ أنَّ الراسِخِينَ يَعْلَمُونَ التَأْوِيلَ، وأطْنَبَ في ذَلِكَ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ عَبّاسٍ: "إلّا اللهُ ويَقُولُ الراسِخُونَ في العِلْمِ آمَنّا بِهِ". وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ "وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ إنْ تَأْوِيلُهُ إلّا عِنْدَ اللهِ، والراسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ". والرُسُوخُ: الثُبُوتُ في الشَيْءِ، وأصْلُهُ في الأجْرامِ أنْ يَرْسَخَ الجَبَلُ أوِ الشَجَرُ في الأرْضِ. وسُئِلَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَنِ الراسِخِينَ في العِلْمِ فَقالَ: "هُوَ مَن بَرَّتْ يَمِينُهُ وصَدَقَ لِسانُهُ واسْتَقامَ قَلْبُهُ". وقَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ فِيهِ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى كِتابِ اللهِ، مُحْكَمِهِ ومُتَشابِهِهِ، والتَقْدِيرُ: كُلُّهُ مِن عِنْدِ رَبِّنا، وحُذِفَ الضَمِيرُ لِدَلالَةِ لَفْظِ "كُلٌّ" عَلَيْهِ، إذْ هي لَفْظَةٌ تَقْتَضِي الإضافَةَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ ما يَقُولُ هَذا ويُؤْمِنُ بِهِ ويَقِفُ حَيْثُ وقَفَ ويَدَعُ اتِّباعَ المُتَشابِهِ إلّا ذُو لُبٍّ، وهو العَقْلُ، وأولو: جَمْعُ ذُو.

آل عمران 3:6

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَماءِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إلَهَ إلا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابَ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ هَذِهِ الآيَةُ خَبَرٌ عن عِلْمِ اللهِ تَعالى بِالأشْياءِ عَلى التَفْصِيلِ، وهَذِهِ صِفَةٌ لَمْ تَكُنْ لِعِيسى (p-١٥٥)وَلا لِأحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ، ثُمَّ أخْبَرَ عن تَصْوِيرِهِ البَشَرَ في أرْحامِ الأُمَّهاتِ، وهَذا أمْرٌ لا يُنْكِرُهُ عاقِلٌ، ولا يُنْكِرُ أنَّ عِيسى وسائِرَ البَشَرِ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، ولا يُنْكِرُ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ المُصَوَّرِينَ في الأرْحامِ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ تَعالى في ضِمْنِها الرَدُّ عَلى نَصارى نَجْرانَ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ وعِيدٌ ما لَهُمْ؛ فَسَّرَ بِنَحْوِ هَذا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ والرَبِيعُ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ رَدٌّ عَلى أهْلِ الطَبِيعَةِ، إذْ يَجْعَلُونَها فاعِلَةً مُسْتَبِدَّةً، وشَرَحَ النَبِيُّ ﷺ كَيْفِيَّةَ التَصْوِيرِ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ: « "إنَّ النُطْفَةَ إذا وقَعَتْ في الرَحِمِ مَكَثَتْ نُطْفَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ إلَيْها مَلَكًا فَيَقُولُ: يا رَبُّ، أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟ أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ؟".» الحَدِيثُ بِطُولِهِ عَلى اخْتِلافِ ألْفاظِهِ. وفي مُسْنَدِ ابْنِ سَنْجَرٍ حَدِيثُ: « "إنَّ اللهَ يَخْلُقُ عِظامَ الجَنِينِ وغَضارِيفَهُ مِن مَنِيِّ الرَجُلِ، ولَحْمَهُ وشَحْمَهُ وسائِرَ ذَلِكَ مِن مَنِيِّ المَرْأةِ".» و"صَوَّرَ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن: صارَ يَصُورُ إذا أمالَ وثَنى إلى حالٍ ما، فَلَمّا كانَ التَصْوِيرُ إمالَةً إلى حالٍ وإثْباتًا فِيها، جاءَ بِناؤُهُ عَلى المُبالَغَةِ. والرَحِمُ: مَوْضِعُ نَشْأةِ الجَنِينِ. و"كَيْفَ يَشاءُ" يَعْنِي مِن طُولٍ وقِصَرٍ ولَوْنٍ وسَلامَةٍ وعاهَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلافاتِ. و"العَزِيزُ": الغالِبُ، و"الحَكِيمُ": ذُو الحِكْمَةِ أوِ المُحَكِّمُ في مَخْلُوقاتِهِ، وهَذا أخَصُّ بِما ذَكَرَ مِنَ التَصْوِيرِ. و"الكِتابَ" في هَذِهِ الآيَةِ: القُرْآنُ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، والمُحْكَماتُ: (p-١٥٦)المُفَصَّلاتُ المُبَيَّناتُ الثابِتاتُ الأحْكامِ، والمُتَشابِهاتُ: هي الَّتِي فِيها نَظَرٌ وتَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ، ويَظْهَرُ فِيها بِبادِئِ النَظَرِ إمّا تَعارُضٌ مَعَ أُخْرى أو مَعَ العَقْلِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ التَشابُهِ، فَهَذا الشَبَهُ الَّذِي مِن أجْلِهِ تُوصَفُ بِمُتَشابِهاتٍ إنَّما هو بَيْنَها وبَيْنَ المَعانِي الفاسِدَةِ الَّتِي يَظُنُّها أهْلُ الزَيْغِ ومَن لَمْ يُمْعِنِ النَظَرَ، وهَذا نَحْوَ الحَدِيثِ الصَحِيحِ، عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "الحَلالُ بَيِّنٌ والحَرامُ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُما أُمُورٌ مُتَشابِهاتٌ"» أيْ يَكُونُ الشَيْءُ حَرامًا في نَفْسِهِ فَيُشْبِهُ عِنْدَ مَن لَمْ يُمْعِنِ النَظَرَ شَيْئًا حَلالًا، وكَذَلِكَ الآيَةُ يَكُونُ لَها في نَفْسِها مَعْنىً صَحِيحٌ فَتُشْبِهُ عِنْدَ مَن لَمْ يُمْعِنِ النَظَرَ أو عِنْدَ الزائِغِ مَعْنىً آخَرَ فاسِدًا، فَرُبَّما أرادَ الِاعْتِراضَ بِهِ عَلى كِتابِ اللهِ، هَذا عِنْدِي مَعْنى الإحْكامِ والتَشابُهِ في هَذِهِ الآيَةِ، ألا تَرى «أنَّ نَصارى نَجْرانَ قالُوا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: ألَيْسَ عِنْدَكَ في كِتابِكَ أنَّ عِيسى كَلِمَةُ اللهِ ورُوحٌ مِنهُ؟ قالَ نَعَمْ، قالُوا: فَحَسْبُنا إذًا،» فَهَذا التَشابُهُ. واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في تَعْيِينِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ المُرادِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُحْكَماتُ: هي قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى ثَلاثِ آياتٍ، وقَوْلُهُ في بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وهَذا عِنْدِي مِثالٌ أعْطاهُ في المُحْكَماتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المُحْكَماتُ: ناسِخُهُ وحَلالُهُ وحَرامُهُ وما يُؤْمَنُ بِهِ ويُعْمَلُ بِهِ؛ والمُتَشابِهاتُ: مَنسُوخُهُ ومُقَدَّمُهُ ومُؤَخَّرُهُ وأمْثالُهُ وأقْسامُهُ وما يُؤْمَنُ بِهِ ولا يُعْمَلُ بِهِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ: المُحْكَماتُ الناسِخاتُ، والمُتَشابِهاتُ: المَنسُوخاتُ. وهَذا عِنْدِي عَلى جِهَةِ التَمْثِيلِ أيْ يُوجَدُ الإحْكامُ في هَذا والتَشابُهُ في هَذا، لا أنَّهُ وقْفٌ عَلى هَذا النَوْعِ مِنَ الآياتِ. وقالَ بِهَذا القَوْلِ قَتادَةُ والرَبِيعُ والضَحّاكُ. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: المُحْكَماتُ: ما فِيهِ الحَلالُ والحَرامُ، وما سِوى ذَلِكَ فَهو مُتَشابِهٌ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، (p-١٥٧)وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَما يُضِلُّ بِهِ إلا الفاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] وقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. وهَذِهِ الأقْوالُ وما ضارَعَها؛ يُضْعِفُها أنَّ أهْلَ الزَيْغِ لا تَعَلُّقَ لَهم بِنَوْعٍ مِمّا ذُكِرَ دُونَ سِواهُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ: المُحْكَماتُ: هي الَّتِي فِيهِنَّ حُجَّةُ الرَبِّ وعِصْمَةُ العِبادِ ودَفْعُ الخُصُومِ والباطِلِ، لَيْسَ لَها تَصْرِيفٌ ولا تَحْرِيفٌ عَمّا وُضِعْنَ عَلَيْهِ، والمُتَشابِهاتُ: لَهُنَّ تَصْرِيفٌ وتَحْرِيفٌ وتَأْوِيلٌ ابْتَلى اللهُ فِيهِنَّ العِبادَ، وهَذا أحْسَنُ الأقْوالِ في هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُحْكَمُ: ما أُحْكِمَ فِيهِ قِصَصُ الأنْبِياءِ والأُمَمِ، وبُيِّنَ لِمُحَمَّدٍ وأُمَّتِهِ، والمُتَشابِهُ: هو ما اشْتَبَهَتِ الألْفاظُ بِهِ مِن قِصَصِهِمْ عِنْدَ التَكْرِيرِ في السُوَرِ بَعْضُهُ بِاتِّفاقِ الألْفاظِ واخْتِلافِ المَعانِي، وبَعْضُهُ بِعَكْسِ ذَلِكَ نَحْوِ قَوْلِهِ: "حَيَّةٌ تَسْعى" و"ثُعْبانٌ مُبِينٌ" ونَحْوِ: "اسْلُكْ يَدَكَ" و"أدْخِلْ يَدَكَ". وقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ؛ مِنهم جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ رِئابٍ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ الشَعْبِيِّ وسُفْيانَ الثَوْرِيِّ وغَيْرِهِما: المُحْكَماتُ مِن آيِ القُرْآنِ: ما عَرَفَ العُلَماءُ تَأْوِيلَهُ وفَهِمُوا مَعْناهُ وتَفْسِيرَهُ، والمُتَشابِهُ: ما لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ إلى عِلْمِهِ سَبِيلٌ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللهُ بِعِلْمِهِ دُونَ خَلْقِهِ. قالَ بَعْضُهُمْ: وذَلِكَ مِثْلُ وقْتِ قِيامِ الساعَةِ وخُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ والدَجّالِ ونُزُولِ عِيسى، ونَحْوِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُوَرِ. (p-١٥٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الحَقِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أمّا الغُيُوبُ الَّتِي تَأْتِي فَهي مِنَ المُحْكَماتِ، لِأنَّ ما يَعْلَمُ البَشَرُ مِنها مَحْدُودٌ، وما لا يَعْلَمُونَهُ وهو تَحْدِيدُ الوَقْتِ مَحْدُودٌ أيْضًا. وأمّا أوائِلُ السُوَرِ فَمِنَ المُتَشابِهِ لِأنَّها مُعَرَّضَةٌ لِلتَّأْوِيلِ، ولِذَلِكَ اتَّبَعَتْهُ اليَهُودُ وأرادُوا أنْ يَفْهَمُوا مِنهُ مُدَّةَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ. وفِي بَعْضِ هَذِهِ العِباراتِ الَّتِي ذَكَرْنا لِلْعُلَماءِ اعْتِراضاتٌ، وذَلِكَ أنَّ التَشابُهَ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ مُقَيَّدٌ بِأنَّهُ مِمّا لِأهْلِ الزَيْغِ بِهِ تَعَلُّقٌ، وفي بَعْضِ عِباراتِ المُفَسِّرِينَ تَشابُهٌ لا يَقْتَضِي لِأهْلِ الزَيْغِ تَعَلُّقًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ فَمَعْناهُ الإعْلامُ بِأنَّها مُعْظَمُ الكِتابِ وعُمْدَةُ ما فِيهِ، إذِ المُحْكَمُ في آياتِ اللهِ كَثِيرٌ قَدْ فُصِّلَ ولَمْ يُفَرَّطْ في شَيْءٍ مِنهُ. قالَ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: هَذا كَما يُقالُ لِمَكَّةَ: أُمُّ القُرى، ولِمُرْوٍ: أُمُّ خُراسانَ، وكَما يُقالُ: أُمُّ الرَأْسِ لِمُجْتَمَعِ الشُؤُونِ إذْ هو أخْطَرُ مَكانٍ. قالَ المَهْدَوِيُّ والنَقّاشُ: كُلُّ آيَةٍ مُحْكَمَةٍ في كِتابِ اللهِ يُقالُ لَها أُمُّ الكِتابِ؛ وهَذا مَرْدُودٌ بَلْ جَمِيعُ المُحْكَمِ هو أُمُّ الكِتابِ، وقالَ النَقّاشُ: وهَذا كَما تَقُولُ: كُلُّكم عَلَيَّ أسَدٌ ضارٍ، وهَذا المِثالُ غَيْرُ مُحْكَمٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "أُمُّ الكِتابِ" مَعْناهُ: جِماعُ الكِتابِ. وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي فاخِتَةَ أنَّهُ قالَ: "هُنَّ أُمُّ الكِتابِ" يُرادُ بِهِ فَواتِحُ السُوَرِ إذْ مِنها يُسْتَخْرَجُ القُرْآنُ ﴿الم﴾ [البقرة: ١] ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] مِنهُ اسْتُخْرِجَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ، ﴿الم﴾ [آل عمران: ١] ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] مِنهُ اسْتُخْرِجَتْ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ. وهَذا قَوْلٌ مُتَداعٍ لِلسُّقُوطِ، مُضْطَرِبٌ لَمْ يَنْظُرْ قائِلُهُ أوَّلَ (p-١٥٩)الآيَةِ وآخِرَها ومَقْصِدَها، وإنَّما مَعْنى الآيَةِ الإنْحاءُ عَلى أهْلِ الزَيْغِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ أوَّلًا إلى نَصارى نَجْرانَ، وإلى اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا مُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، فَإنَّهم كانُوا يَعْتَرِضُونَ مَعانِيَ القُرْآنِ، ثُمَّ تَعُمُّ بَعْدَ ذَلِكَ كُلَّ زائِغٍ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ نَزَّلَ الكِتابَ عَلى مُحَمَّدٍ إفْضالًا مِنهُ ونِعْمَةً، وأنَّ مُحْكَمَهُ وبَيِّنَهُ الَّذِي لا اعْتِراضَ فِيهِ هو مُعْظَمُهُ والغالِبُ عَلَيْهِ، وأنَّ مُتَشابِهَهُ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَأْوِيلَ ويَحْتاجُ إلى التَفَهُّمِ، هو أقَلُّهُ. ثُمَّ إنَّ أهْلَ الزَيْغِ يَتْرُكُونَ المُحْكَمَ الَّذِي فِيهِ غُنْيَتُهُمْ، ويَتَّبِعُونَ المُتَشابِهَ، ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وأنْ يُفْسِدُوا ذاتَ البَيْنِ ويَرُدُّوا الناسَ إلى زَيْغِهِمْ، فَهَكَذا تَتَوَجَّهُ المَذَمَّةُ عَلَيْهِمْ. "وَأُخَرُ" جَمْعُ أُخْرى لا يَنْصَرِفُ لِأنَّهُ صِفَةٌ، وعُدِلَ عَنِ الألِفِ واللامِ في أنَّهُ يُثَنّى ويُجْمَعُ، وصِفاتُ التَفْضِيلِ كُلُّها إذا عَرِيَتْ عَنِ الألِفِ واللامِ لَمْ تُثَنَّ ولَمْ تُجْمَعْ، كَأفْضَلِ وما جَرى مَجْراهُ، ولا يُفاضَلُ بِهَذِهِ الصِفاتِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ إلّا وهي مُنَكَّرَةٌ، ومَتى دَخَلَتْ عَلَيْهِ الألِفُ واللامُ زالَ مَعْنى التَفْضِيلِ بَيْنَ أمْرَيْنِ، ولَيْسَ عَدْلُ "أُخَرُ" عَنِ الألِفِ واللامِ مُؤَثِّرًا في التَعْرِيفِ كَما هو عَدْلُ "سَحَرْ" بَلْ أُخَرُ نَكِرَةٌ، وأمّا سَحَرٌ فَعَدَلَ بِأنَّهُ زالَتِ الألِفُ واللامُ، وبَقِيَ مَعْرِفَةً في قَوْلِهِ "جِئْتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ سَحَرْ". وخَلَطَ المَهْدَوِيُّ في هَذِهِ المَسْألَةِ وأفْسَدَ كَلامَ سِيبَوَيْهِ فَتَأمَّلْهُ. ** قوله عزّ وجلّ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلِهِ إلا اللهُ والراسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا وما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ يَعُمُّ كُلَّ طائِفَةٍ مِن كافِرٍ وزِنْدِيقٍ وجاهِلٍ صاحِبِ بِدْعَةٍ. والزَيْغُ: المَيْلُ، ومِنهُ زاغَتِ الشَمْسُ، وزاغَتِ الأبْصارُ. والإشارَةُ بِالآيَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَتْ إلى نَصارى نَجْرانَ لِتَعَرُّضِهِمْ لِلْقُرْآنِ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ (p-١٦٠)السَلامُ، قالَهُ الرَبِيعُ، وإلى اليَهُودِ، ثُمَّ تَنْسَحِبُ عَلى كُلِّ ذِي بِدْعَةٍ أو كُفْرٍ، وبِالمَيْلِ عَنِ الهُدى فَسَّرَ الزَيْغَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ، وابْنُ مَسْعُودٍ وجَماعَةٌ مِنَ الصَحابَةِ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهم. و﴿ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ هو المَوْصُوفُ آنِفًا بِـ "مُتَشابِهاتٌ". وقالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾: إنْ لَمْ يَكُونُوا الحَرُورِيَّةَ وأنْواعَ الخَوارِجِ فَلا أدْرِي مَن هم. وقالَتْ عائِشَةُ: "إذا رَأيْتُمُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في القُرْآنِ فَهُمُ الَّذِي عَنى اللهُ فاحْذَرُوهُمْ" وقالَ الطَبَرِيُّ: الأشْبَهُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ في الَّذِينَ جادَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ في مُدَّتِهِ ومُدَّةِ أُمَّتِهِ بِسَبَبِ حُرُوفِ أوائِلِ السُوَرِ، وهَؤُلاءِ هُمُ اليَهُودُ. و"ابْتِغاءَ" نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، ومَعْناهُ طَلَبُ الفِتْنَةِ. وقالَ الرَبِيعُ: الفِتْنَةُ هُنا: الشِرْكُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الفِتْنَةُ الشُبُهاتُ واللَبْسُ عَلى المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ قالَ: و"ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ" والتَأْوِيلُ هو مَرَدُّ الكَلامِ ومَرْجِعُهُ، والشَيْءُ الَّذِي يَقِفُ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي، وهو مِن آلَ يَؤُولُ، إذا رَجَعَ، فالمَعْنى: وطَلَبَ تَأْوِيلَهُ عَلى مَنازِعِهِمُ الفاسِدَةِ. هَذا فِيما لَهُ تَأْوِيلٌ حَسَنٌ، وإنْ كانَ مِمّا لا يُتَأوَّلُ، بَلْ يُوقَفُ فِيهِ كالكَلامِ في مَعْنى الرُوحِ ونَحْوِهِ، فَنَفْسُ طَلَبِ تَأْوِيلِهِ هو اتِّباعُ ما تَشابَهَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ابْتَغَوْا مَعْرِفَةَ مُدَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللهُ﴾ فَهَذا عَلى الكَمالِ والتَوْفِيَةِ فِيما لا يُتَأوَّلُ ولا سَبِيلَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ كَأمْرِ الرُوحِ، وتَعَرُّفِ وقْتِ قِيامِ الساعَةِ وسائِرِ الأحْداثِ الَّتِي أنْذَرَ بِها الشَرْعُ، وفِيما يُمْكِنُ أنْ يَتَأوَّلَهُ العُلَماءُ ويَصِحَّ التَطَرُّقُ إلَيْهِ، فَمَعْنى الآيَةِ: وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ عَلى الكَمالِ إلّا اللهُ. (p-١٦١)واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والراسِخُونَ في العِلْمِ﴾ فَرَأتْ فِرْقَةٌ أنَّ رَفْعَ "والراسِخُونَ" هو بِالعَطْفِ عَلى اسْمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهم داخِلُونَ في عِلْمِ المُتَشابِهِ في كِتابِ اللهِ، وأنَّهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ "يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ"... الآيَةُ، قالَ بِهَذا القَوْلِ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ: أنا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: والراسِخُونَ في العِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ ويَقُولُونَ آمَنّا بِهِ، وقالَهُ الرَبِيعُ ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ وغَيْرُهُمْ، و"يَقُولُونَ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ نُصِبَ عَلى الحالِ. وقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: "والراسِخُونَ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وهو مَقْطُوعٌ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ، وخَبَرُهُ "يَقُولُونَ". والمُنْفَرِدُ بِعِلْمِ المُتَشابِهِ هو اللهُ وحْدَهُ بِحَسَبِ اللَفْظِ في الآيَةِ، وفِعْلُ الراسِخِينَ قَوْلُهُمْ: "آمَنّا بِهِ" قالَتْهُ عائِشَةُ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: إنَّ الراسِخِينَ لا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ ولَكِنَّهم يَقُولُونَ: "آمَنّا بِهِ". وقالَ أبُو نَهِيكٍ الأسَدِيُّ: إنَّكم تَصِلُونَ هَذِهِ الآيَةَ وإنَّها مَقْطُوعَةٌ، وما انْتَهى عِلْمُ الراسِخِينَ إلّا إلى قَوْلِهِمْ: ﴿آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ وقالَ مِثْلَ هَذا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وحَكى نَحْوَهُ الطَبَرِيُّ عن يُونُسَ عن أشْهَبَ عن مالِكِ بْنِ أنَسٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ المَسْألَةُ إذا تُؤُمِّلَتْ قَرُبَ الخِلافُ فِيها مِنَ الِاتِّفاقِ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى قَسَمَ آيَ الكِتابِ قِسْمَيْنِ: مُحْكَمًا ومُتَشابِهًا، فالمُحْكَمُ هو المُتَّضِحُ المَعْنى لِكُلِّ مَن يَفْهَمُ كَلامَ العَرَبِ، لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى نَظَرٍ ولا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ يُلْبِسُ، ويَسْتَوِي في عِلْمِهِ الراسِخُ وغَيْرُهُ، والمُتَشابِهُ يَتَنَوَّعُ، فَمِنهُ ما لا يُعْلَمُ البَتَّةَ، كَأمْرِ الرُوحِ، وآمادِ المُغَيَّباتِ الَّتِي قَدْ أعْلَمَ اللهُ بِوُقُوعِها، إلى سائِرِ ذَلِكَ، ومِنهُ ما يُحْمَلُ عَلى وُجُوهٍ في اللُغَةِ ومَناحٍ في كَلامِ العَرَبِ، فَيُتَأوَّلُ ويُعْلَمُ تَأْوِيلُهُ المُسْتَقِيمُ، ويُزالُ ما فِيهِ مِمّا عَسى أنْ يُتَعَلَّقَ بِهِ مِن تَأْوِيلٍ غَيْرِ مُسْتَقِيمٍ كَقَوْلِهِ في عِيسى: "وَرُوحٌ مِنهُ" إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولا يُسَمّى أحَدٌ راسِخًا إلّا بِأنْ يَعْلَمَ مِن (p-١٦٢)هَذا النَوْعِ كَثِيرًا بِحَسَبِ ما قُدِّرَ لَهُ، وإلّا فَمَن لا يَعْلَمُ سِوى المُحْكَمِ فَلَيْسَ يُسَمّى راسِخًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى جَمِيعِ مُتَشابِهِ القُرْآنِ، وهو نَوْعانِ كَما ذَكَرْنا، فَقَوْلُهُ: "إلّا اللهُ" مُقْتَضٍ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ أنَّهُ يَعْلَمُهُ عَلى الكَمالِ والِاسْتِيفاءِ، يَعْلَمُ نَوْعَيْهِ جَمِيعًا. فَإنْ جَعَلْنا قَوْلَهُ: "والراسِخُونَ" عَطْفًا عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى، فالمَعْنى إدْخالُهم في عِلْمِ التَأْوِيلِ لا عَلى الكَمالِ، بَلْ عِلْمُهم إنَّما هو في النَوْعِ الثانِي مِنَ المُتَشابِهِ، وبَدِيهَةُ العَقْلِ تَقْضِي بِهَذا، والكَلامُ مُسْتَقِيمٌ عَلى فَصاحَةِ العَرَبِ كَما تَقُولُ: ما قامَ لِنُصْرَتِي إلّا فُلانٌ وفُلانٌ، وأحَدُهُما قَدْ نَصَرَكَ بِأنْ حارَبَ مَعَكَ، والآخَرُ إنَّما أعانَكَ بِكَلامٍ فَقَطْ، إلى كَثِيرٍ مِنَ المُثُلِ، فالمَعْنى "وَما يَعْلَمُ" تَأْوِيلَ المُتَشابِهِ إلّا اللهُ والراسِخُونَ كُلٌّ بِقَدْرِهِ وما يَصْلُحُ لَهُ، والراسِخُونَ بِحالِ قَوْلٍ في جَمِيعِهِ "آمَنّا بِهِ"، وإذا تَحَصَّلَ لَهم في الَّذِي لا يُعْلَمُ ولا يُتَصَوَّرُ عَلَيْهِ تَمْيِيزُهُ مِن غَيْرِهِ، فَذَلِكَ قَدْرٌ مِنَ العِلْمِ بِتَأْوِيلِهِ، وإنْ جَعَلْنا قَوْلَهُ: "والراسِخُونَ" رَفْعًا بِالِابْتِداءِ مَقْطُوعًا مِمّا قَبْلَهُ، فَتَسْمِيَتُهم راسِخِينَ يَقْتَضِي بِأنَّهم يَعْلَمُونَ أكْثَرَ مِنَ المُحْكَمِ الَّذِي يَسْتَوِي في عِلْمِهِ جَمِيعُ مَن يَفْهَمُ كَلامَ العَرَبِ، وفي أيِّ شَيْءٍ هو رُسُوخُهُمْ، إذا لَمْ يَعْلَمُوا إلّا ما يَعْلَمُ الجَمِيعُ؟ وما الرُسُوخُ إلّا المَعْرِفَةُ بِتَصارِيفِ الكَلامِ، ومَوارِدِ الأحْكامِ، ومَواقِعِ المَواعِظِ، وذَلِكَ كُلُّهُ بِقَرِيحَةٍ مُعَدَّةٍ، فالمَعْنى: وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ عَلى الِاسْتِيفاءِ إلّا اللهُ، والقَوْمُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مِنهُ ما يُمْكِنُ أنْ يُعْلَمَ يَقُولُونَ في جَمِيعِهِ: "آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا" وهَذا القَدْرُ هو الَّذِي تَعاطى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وهو تُرْجُمانُ القُرْآنِ، ولا يُتَأوَّلُ عَلَيْهِ أنَّهُ عَلِمَ وقْتَ الساعَةِ وأمْرَ الرُوحِ وما شاكَلَهُ. فَإعْرابُ "الراسِخُونَ" يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِهِما، والمَعْنى فِيهِما يَتَقارَبُ بِهَذا النَظَرِ الَّذِي سَطَّرْناهُ. فَأمّا مَن يَقُولُ: إنَّ المُتَشابِهَ إنَّما هو ما لا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى عِلْمِهِ، فَيَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِهِ إخْراجُ الراسِخِينَ مِن عِلْمِ تَأْوِيلِهِ، لَكِنَّ تَخْصِيصَهُ المُتَشابِهاتِ بِهَذا النَوْعِ غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلِ الصَحِيحُ في ذَلِكَ قَوْلُ مَن قالَ: المُحْكَمُ ما لا يَحْتَمِلُ إلّا تَأْوِيلًا واحِدًا والمُتَشابِهُ ما (p-١٦٣)احْتَمَلَ مِنَ التَأْوِيلِ أوجُهًا. وهَذا هو مُتَّبَعُ أهْلِ الزَيْغِ، وعَلى ذَلِكَ يَتَرَتَّبُ النَظَرُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ. ومَن قالَ مِنَ العُلَماءِ الحُذّاقِ بِأنَّ الراسِخِينَ لا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ المُتَشابِهِ فَإنَّما أرادُوا هَذا النَوْعَ، وخافُوا أنْ يَظُنَّ أحَدٌ أنَّ اللهَ وصَفَ الراسِخِينَ بِعِلْمِ التَأْوِيلِ عَلى الكَمالِ، وكَذَلِكَ ذَهَبَ الزَجّاجُ إلى أنَّ الإشارَةَ بِما تَشابَهَ مِنهُ إنَّما هي إلى وقْتِ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرَهُ وفَسَّرَ باقِي الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، فَهَذا أيْضًا تَخْصِيصٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وأمّا مَن يَقُولُ: إنَّ المُتَشابِهَ هو المَنسُوخُ فَيَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِهِ إدْخالُ الراسِخِينَ في عِلْمِ التَأْوِيلِ، ولَكِنَّ تَخْصِيصَهُ المُتَشابِهاتِ بِهَذا النَوْعِ غَيْرُ صَحِيحٍ. ورَجَّحَ ابْنُ فُورَكٍ أنَّ الراسِخِينَ يَعْلَمُونَ التَأْوِيلَ، وأطْنَبَ في ذَلِكَ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ عَبّاسٍ: "إلّا اللهُ ويَقُولُ الراسِخُونَ في العِلْمِ آمَنّا بِهِ". وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ "وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ إنْ تَأْوِيلُهُ إلّا عِنْدَ اللهِ، والراسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ". والرُسُوخُ: الثُبُوتُ في الشَيْءِ، وأصْلُهُ في الأجْرامِ أنْ يَرْسَخَ الجَبَلُ أوِ الشَجَرُ في الأرْضِ. وسُئِلَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَنِ الراسِخِينَ في العِلْمِ فَقالَ: "هُوَ مَن بَرَّتْ يَمِينُهُ وصَدَقَ لِسانُهُ واسْتَقامَ قَلْبُهُ". وقَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ فِيهِ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى كِتابِ اللهِ، مُحْكَمِهِ ومُتَشابِهِهِ، والتَقْدِيرُ: كُلُّهُ مِن عِنْدِ رَبِّنا، وحُذِفَ الضَمِيرُ لِدَلالَةِ لَفْظِ "كُلٌّ" عَلَيْهِ، إذْ هي لَفْظَةٌ تَقْتَضِي الإضافَةَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ ما يَقُولُ هَذا ويُؤْمِنُ بِهِ ويَقِفُ حَيْثُ وقَفَ ويَدَعُ اتِّباعَ المُتَشابِهِ إلّا ذُو لُبٍّ، وهو العَقْلُ، وأولو: جَمْعُ ذُو.

آل عمران 3:7

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَماءِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إلَهَ إلا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابَ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ هَذِهِ الآيَةُ خَبَرٌ عن عِلْمِ اللهِ تَعالى بِالأشْياءِ عَلى التَفْصِيلِ، وهَذِهِ صِفَةٌ لَمْ تَكُنْ لِعِيسى (p-١٥٥)وَلا لِأحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ، ثُمَّ أخْبَرَ عن تَصْوِيرِهِ البَشَرَ في أرْحامِ الأُمَّهاتِ، وهَذا أمْرٌ لا يُنْكِرُهُ عاقِلٌ، ولا يُنْكِرُ أنَّ عِيسى وسائِرَ البَشَرِ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، ولا يُنْكِرُ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ المُصَوَّرِينَ في الأرْحامِ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ تَعالى في ضِمْنِها الرَدُّ عَلى نَصارى نَجْرانَ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ وعِيدٌ ما لَهُمْ؛ فَسَّرَ بِنَحْوِ هَذا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ والرَبِيعُ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ رَدٌّ عَلى أهْلِ الطَبِيعَةِ، إذْ يَجْعَلُونَها فاعِلَةً مُسْتَبِدَّةً، وشَرَحَ النَبِيُّ ﷺ كَيْفِيَّةَ التَصْوِيرِ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ: « "إنَّ النُطْفَةَ إذا وقَعَتْ في الرَحِمِ مَكَثَتْ نُطْفَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ إلَيْها مَلَكًا فَيَقُولُ: يا رَبُّ، أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟ أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ؟".» الحَدِيثُ بِطُولِهِ عَلى اخْتِلافِ ألْفاظِهِ. وفي مُسْنَدِ ابْنِ سَنْجَرٍ حَدِيثُ: « "إنَّ اللهَ يَخْلُقُ عِظامَ الجَنِينِ وغَضارِيفَهُ مِن مَنِيِّ الرَجُلِ، ولَحْمَهُ وشَحْمَهُ وسائِرَ ذَلِكَ مِن مَنِيِّ المَرْأةِ".» و"صَوَّرَ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن: صارَ يَصُورُ إذا أمالَ وثَنى إلى حالٍ ما، فَلَمّا كانَ التَصْوِيرُ إمالَةً إلى حالٍ وإثْباتًا فِيها، جاءَ بِناؤُهُ عَلى المُبالَغَةِ. والرَحِمُ: مَوْضِعُ نَشْأةِ الجَنِينِ. و"كَيْفَ يَشاءُ" يَعْنِي مِن طُولٍ وقِصَرٍ ولَوْنٍ وسَلامَةٍ وعاهَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلافاتِ. و"العَزِيزُ": الغالِبُ، و"الحَكِيمُ": ذُو الحِكْمَةِ أوِ المُحَكِّمُ في مَخْلُوقاتِهِ، وهَذا أخَصُّ بِما ذَكَرَ مِنَ التَصْوِيرِ. و"الكِتابَ" في هَذِهِ الآيَةِ: القُرْآنُ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، والمُحْكَماتُ: (p-١٥٦)المُفَصَّلاتُ المُبَيَّناتُ الثابِتاتُ الأحْكامِ، والمُتَشابِهاتُ: هي الَّتِي فِيها نَظَرٌ وتَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ، ويَظْهَرُ فِيها بِبادِئِ النَظَرِ إمّا تَعارُضٌ مَعَ أُخْرى أو مَعَ العَقْلِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ التَشابُهِ، فَهَذا الشَبَهُ الَّذِي مِن أجْلِهِ تُوصَفُ بِمُتَشابِهاتٍ إنَّما هو بَيْنَها وبَيْنَ المَعانِي الفاسِدَةِ الَّتِي يَظُنُّها أهْلُ الزَيْغِ ومَن لَمْ يُمْعِنِ النَظَرَ، وهَذا نَحْوَ الحَدِيثِ الصَحِيحِ، عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "الحَلالُ بَيِّنٌ والحَرامُ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُما أُمُورٌ مُتَشابِهاتٌ"» أيْ يَكُونُ الشَيْءُ حَرامًا في نَفْسِهِ فَيُشْبِهُ عِنْدَ مَن لَمْ يُمْعِنِ النَظَرَ شَيْئًا حَلالًا، وكَذَلِكَ الآيَةُ يَكُونُ لَها في نَفْسِها مَعْنىً صَحِيحٌ فَتُشْبِهُ عِنْدَ مَن لَمْ يُمْعِنِ النَظَرَ أو عِنْدَ الزائِغِ مَعْنىً آخَرَ فاسِدًا، فَرُبَّما أرادَ الِاعْتِراضَ بِهِ عَلى كِتابِ اللهِ، هَذا عِنْدِي مَعْنى الإحْكامِ والتَشابُهِ في هَذِهِ الآيَةِ، ألا تَرى «أنَّ نَصارى نَجْرانَ قالُوا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: ألَيْسَ عِنْدَكَ في كِتابِكَ أنَّ عِيسى كَلِمَةُ اللهِ ورُوحٌ مِنهُ؟ قالَ نَعَمْ، قالُوا: فَحَسْبُنا إذًا،» فَهَذا التَشابُهُ. واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في تَعْيِينِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ المُرادِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُحْكَماتُ: هي قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى ثَلاثِ آياتٍ، وقَوْلُهُ في بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وهَذا عِنْدِي مِثالٌ أعْطاهُ في المُحْكَماتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المُحْكَماتُ: ناسِخُهُ وحَلالُهُ وحَرامُهُ وما يُؤْمَنُ بِهِ ويُعْمَلُ بِهِ؛ والمُتَشابِهاتُ: مَنسُوخُهُ ومُقَدَّمُهُ ومُؤَخَّرُهُ وأمْثالُهُ وأقْسامُهُ وما يُؤْمَنُ بِهِ ولا يُعْمَلُ بِهِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ: المُحْكَماتُ الناسِخاتُ، والمُتَشابِهاتُ: المَنسُوخاتُ. وهَذا عِنْدِي عَلى جِهَةِ التَمْثِيلِ أيْ يُوجَدُ الإحْكامُ في هَذا والتَشابُهُ في هَذا، لا أنَّهُ وقْفٌ عَلى هَذا النَوْعِ مِنَ الآياتِ. وقالَ بِهَذا القَوْلِ قَتادَةُ والرَبِيعُ والضَحّاكُ. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: المُحْكَماتُ: ما فِيهِ الحَلالُ والحَرامُ، وما سِوى ذَلِكَ فَهو مُتَشابِهٌ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، (p-١٥٧)وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَما يُضِلُّ بِهِ إلا الفاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] وقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. وهَذِهِ الأقْوالُ وما ضارَعَها؛ يُضْعِفُها أنَّ أهْلَ الزَيْغِ لا تَعَلُّقَ لَهم بِنَوْعٍ مِمّا ذُكِرَ دُونَ سِواهُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ: المُحْكَماتُ: هي الَّتِي فِيهِنَّ حُجَّةُ الرَبِّ وعِصْمَةُ العِبادِ ودَفْعُ الخُصُومِ والباطِلِ، لَيْسَ لَها تَصْرِيفٌ ولا تَحْرِيفٌ عَمّا وُضِعْنَ عَلَيْهِ، والمُتَشابِهاتُ: لَهُنَّ تَصْرِيفٌ وتَحْرِيفٌ وتَأْوِيلٌ ابْتَلى اللهُ فِيهِنَّ العِبادَ، وهَذا أحْسَنُ الأقْوالِ في هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُحْكَمُ: ما أُحْكِمَ فِيهِ قِصَصُ الأنْبِياءِ والأُمَمِ، وبُيِّنَ لِمُحَمَّدٍ وأُمَّتِهِ، والمُتَشابِهُ: هو ما اشْتَبَهَتِ الألْفاظُ بِهِ مِن قِصَصِهِمْ عِنْدَ التَكْرِيرِ في السُوَرِ بَعْضُهُ بِاتِّفاقِ الألْفاظِ واخْتِلافِ المَعانِي، وبَعْضُهُ بِعَكْسِ ذَلِكَ نَحْوِ قَوْلِهِ: "حَيَّةٌ تَسْعى" و"ثُعْبانٌ مُبِينٌ" ونَحْوِ: "اسْلُكْ يَدَكَ" و"أدْخِلْ يَدَكَ". وقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ؛ مِنهم جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ رِئابٍ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ الشَعْبِيِّ وسُفْيانَ الثَوْرِيِّ وغَيْرِهِما: المُحْكَماتُ مِن آيِ القُرْآنِ: ما عَرَفَ العُلَماءُ تَأْوِيلَهُ وفَهِمُوا مَعْناهُ وتَفْسِيرَهُ، والمُتَشابِهُ: ما لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ إلى عِلْمِهِ سَبِيلٌ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللهُ بِعِلْمِهِ دُونَ خَلْقِهِ. قالَ بَعْضُهُمْ: وذَلِكَ مِثْلُ وقْتِ قِيامِ الساعَةِ وخُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ والدَجّالِ ونُزُولِ عِيسى، ونَحْوِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُوَرِ. (p-١٥٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الحَقِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أمّا الغُيُوبُ الَّتِي تَأْتِي فَهي مِنَ المُحْكَماتِ، لِأنَّ ما يَعْلَمُ البَشَرُ مِنها مَحْدُودٌ، وما لا يَعْلَمُونَهُ وهو تَحْدِيدُ الوَقْتِ مَحْدُودٌ أيْضًا. وأمّا أوائِلُ السُوَرِ فَمِنَ المُتَشابِهِ لِأنَّها مُعَرَّضَةٌ لِلتَّأْوِيلِ، ولِذَلِكَ اتَّبَعَتْهُ اليَهُودُ وأرادُوا أنْ يَفْهَمُوا مِنهُ مُدَّةَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ. وفِي بَعْضِ هَذِهِ العِباراتِ الَّتِي ذَكَرْنا لِلْعُلَماءِ اعْتِراضاتٌ، وذَلِكَ أنَّ التَشابُهَ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ مُقَيَّدٌ بِأنَّهُ مِمّا لِأهْلِ الزَيْغِ بِهِ تَعَلُّقٌ، وفي بَعْضِ عِباراتِ المُفَسِّرِينَ تَشابُهٌ لا يَقْتَضِي لِأهْلِ الزَيْغِ تَعَلُّقًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ فَمَعْناهُ الإعْلامُ بِأنَّها مُعْظَمُ الكِتابِ وعُمْدَةُ ما فِيهِ، إذِ المُحْكَمُ في آياتِ اللهِ كَثِيرٌ قَدْ فُصِّلَ ولَمْ يُفَرَّطْ في شَيْءٍ مِنهُ. قالَ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: هَذا كَما يُقالُ لِمَكَّةَ: أُمُّ القُرى، ولِمُرْوٍ: أُمُّ خُراسانَ، وكَما يُقالُ: أُمُّ الرَأْسِ لِمُجْتَمَعِ الشُؤُونِ إذْ هو أخْطَرُ مَكانٍ. قالَ المَهْدَوِيُّ والنَقّاشُ: كُلُّ آيَةٍ مُحْكَمَةٍ في كِتابِ اللهِ يُقالُ لَها أُمُّ الكِتابِ؛ وهَذا مَرْدُودٌ بَلْ جَمِيعُ المُحْكَمِ هو أُمُّ الكِتابِ، وقالَ النَقّاشُ: وهَذا كَما تَقُولُ: كُلُّكم عَلَيَّ أسَدٌ ضارٍ، وهَذا المِثالُ غَيْرُ مُحْكَمٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "أُمُّ الكِتابِ" مَعْناهُ: جِماعُ الكِتابِ. وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي فاخِتَةَ أنَّهُ قالَ: "هُنَّ أُمُّ الكِتابِ" يُرادُ بِهِ فَواتِحُ السُوَرِ إذْ مِنها يُسْتَخْرَجُ القُرْآنُ ﴿الم﴾ [البقرة: ١] ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] مِنهُ اسْتُخْرِجَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ، ﴿الم﴾ [آل عمران: ١] ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] مِنهُ اسْتُخْرِجَتْ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ. وهَذا قَوْلٌ مُتَداعٍ لِلسُّقُوطِ، مُضْطَرِبٌ لَمْ يَنْظُرْ قائِلُهُ أوَّلَ (p-١٥٩)الآيَةِ وآخِرَها ومَقْصِدَها، وإنَّما مَعْنى الآيَةِ الإنْحاءُ عَلى أهْلِ الزَيْغِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ أوَّلًا إلى نَصارى نَجْرانَ، وإلى اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا مُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، فَإنَّهم كانُوا يَعْتَرِضُونَ مَعانِيَ القُرْآنِ، ثُمَّ تَعُمُّ بَعْدَ ذَلِكَ كُلَّ زائِغٍ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ نَزَّلَ الكِتابَ عَلى مُحَمَّدٍ إفْضالًا مِنهُ ونِعْمَةً، وأنَّ مُحْكَمَهُ وبَيِّنَهُ الَّذِي لا اعْتِراضَ فِيهِ هو مُعْظَمُهُ والغالِبُ عَلَيْهِ، وأنَّ مُتَشابِهَهُ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَأْوِيلَ ويَحْتاجُ إلى التَفَهُّمِ، هو أقَلُّهُ. ثُمَّ إنَّ أهْلَ الزَيْغِ يَتْرُكُونَ المُحْكَمَ الَّذِي فِيهِ غُنْيَتُهُمْ، ويَتَّبِعُونَ المُتَشابِهَ، ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وأنْ يُفْسِدُوا ذاتَ البَيْنِ ويَرُدُّوا الناسَ إلى زَيْغِهِمْ، فَهَكَذا تَتَوَجَّهُ المَذَمَّةُ عَلَيْهِمْ. "وَأُخَرُ" جَمْعُ أُخْرى لا يَنْصَرِفُ لِأنَّهُ صِفَةٌ، وعُدِلَ عَنِ الألِفِ واللامِ في أنَّهُ يُثَنّى ويُجْمَعُ، وصِفاتُ التَفْضِيلِ كُلُّها إذا عَرِيَتْ عَنِ الألِفِ واللامِ لَمْ تُثَنَّ ولَمْ تُجْمَعْ، كَأفْضَلِ وما جَرى مَجْراهُ، ولا يُفاضَلُ بِهَذِهِ الصِفاتِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ إلّا وهي مُنَكَّرَةٌ، ومَتى دَخَلَتْ عَلَيْهِ الألِفُ واللامُ زالَ مَعْنى التَفْضِيلِ بَيْنَ أمْرَيْنِ، ولَيْسَ عَدْلُ "أُخَرُ" عَنِ الألِفِ واللامِ مُؤَثِّرًا في التَعْرِيفِ كَما هو عَدْلُ "سَحَرْ" بَلْ أُخَرُ نَكِرَةٌ، وأمّا سَحَرٌ فَعَدَلَ بِأنَّهُ زالَتِ الألِفُ واللامُ، وبَقِيَ مَعْرِفَةً في قَوْلِهِ "جِئْتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ سَحَرْ". وخَلَطَ المَهْدَوِيُّ في هَذِهِ المَسْألَةِ وأفْسَدَ كَلامَ سِيبَوَيْهِ فَتَأمَّلْهُ. ** قوله عزّ وجلّ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلِهِ إلا اللهُ والراسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا وما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ يَعُمُّ كُلَّ طائِفَةٍ مِن كافِرٍ وزِنْدِيقٍ وجاهِلٍ صاحِبِ بِدْعَةٍ. والزَيْغُ: المَيْلُ، ومِنهُ زاغَتِ الشَمْسُ، وزاغَتِ الأبْصارُ. والإشارَةُ بِالآيَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَتْ إلى نَصارى نَجْرانَ لِتَعَرُّضِهِمْ لِلْقُرْآنِ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ (p-١٦٠)السَلامُ، قالَهُ الرَبِيعُ، وإلى اليَهُودِ، ثُمَّ تَنْسَحِبُ عَلى كُلِّ ذِي بِدْعَةٍ أو كُفْرٍ، وبِالمَيْلِ عَنِ الهُدى فَسَّرَ الزَيْغَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ، وابْنُ مَسْعُودٍ وجَماعَةٌ مِنَ الصَحابَةِ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهم. و﴿ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ هو المَوْصُوفُ آنِفًا بِـ "مُتَشابِهاتٌ". وقالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾: إنْ لَمْ يَكُونُوا الحَرُورِيَّةَ وأنْواعَ الخَوارِجِ فَلا أدْرِي مَن هم. وقالَتْ عائِشَةُ: "إذا رَأيْتُمُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في القُرْآنِ فَهُمُ الَّذِي عَنى اللهُ فاحْذَرُوهُمْ" وقالَ الطَبَرِيُّ: الأشْبَهُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ في الَّذِينَ جادَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ في مُدَّتِهِ ومُدَّةِ أُمَّتِهِ بِسَبَبِ حُرُوفِ أوائِلِ السُوَرِ، وهَؤُلاءِ هُمُ اليَهُودُ. و"ابْتِغاءَ" نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، ومَعْناهُ طَلَبُ الفِتْنَةِ. وقالَ الرَبِيعُ: الفِتْنَةُ هُنا: الشِرْكُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الفِتْنَةُ الشُبُهاتُ واللَبْسُ عَلى المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ قالَ: و"ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ" والتَأْوِيلُ هو مَرَدُّ الكَلامِ ومَرْجِعُهُ، والشَيْءُ الَّذِي يَقِفُ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي، وهو مِن آلَ يَؤُولُ، إذا رَجَعَ، فالمَعْنى: وطَلَبَ تَأْوِيلَهُ عَلى مَنازِعِهِمُ الفاسِدَةِ. هَذا فِيما لَهُ تَأْوِيلٌ حَسَنٌ، وإنْ كانَ مِمّا لا يُتَأوَّلُ، بَلْ يُوقَفُ فِيهِ كالكَلامِ في مَعْنى الرُوحِ ونَحْوِهِ، فَنَفْسُ طَلَبِ تَأْوِيلِهِ هو اتِّباعُ ما تَشابَهَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ابْتَغَوْا مَعْرِفَةَ مُدَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللهُ﴾ فَهَذا عَلى الكَمالِ والتَوْفِيَةِ فِيما لا يُتَأوَّلُ ولا سَبِيلَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ كَأمْرِ الرُوحِ، وتَعَرُّفِ وقْتِ قِيامِ الساعَةِ وسائِرِ الأحْداثِ الَّتِي أنْذَرَ بِها الشَرْعُ، وفِيما يُمْكِنُ أنْ يَتَأوَّلَهُ العُلَماءُ ويَصِحَّ التَطَرُّقُ إلَيْهِ، فَمَعْنى الآيَةِ: وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ عَلى الكَمالِ إلّا اللهُ. (p-١٦١)واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والراسِخُونَ في العِلْمِ﴾ فَرَأتْ فِرْقَةٌ أنَّ رَفْعَ "والراسِخُونَ" هو بِالعَطْفِ عَلى اسْمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهم داخِلُونَ في عِلْمِ المُتَشابِهِ في كِتابِ اللهِ، وأنَّهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ "يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ"... الآيَةُ، قالَ بِهَذا القَوْلِ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ: أنا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: والراسِخُونَ في العِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ ويَقُولُونَ آمَنّا بِهِ، وقالَهُ الرَبِيعُ ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ وغَيْرُهُمْ، و"يَقُولُونَ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ نُصِبَ عَلى الحالِ. وقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: "والراسِخُونَ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وهو مَقْطُوعٌ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ، وخَبَرُهُ "يَقُولُونَ". والمُنْفَرِدُ بِعِلْمِ المُتَشابِهِ هو اللهُ وحْدَهُ بِحَسَبِ اللَفْظِ في الآيَةِ، وفِعْلُ الراسِخِينَ قَوْلُهُمْ: "آمَنّا بِهِ" قالَتْهُ عائِشَةُ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: إنَّ الراسِخِينَ لا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ ولَكِنَّهم يَقُولُونَ: "آمَنّا بِهِ". وقالَ أبُو نَهِيكٍ الأسَدِيُّ: إنَّكم تَصِلُونَ هَذِهِ الآيَةَ وإنَّها مَقْطُوعَةٌ، وما انْتَهى عِلْمُ الراسِخِينَ إلّا إلى قَوْلِهِمْ: ﴿آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ وقالَ مِثْلَ هَذا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وحَكى نَحْوَهُ الطَبَرِيُّ عن يُونُسَ عن أشْهَبَ عن مالِكِ بْنِ أنَسٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ المَسْألَةُ إذا تُؤُمِّلَتْ قَرُبَ الخِلافُ فِيها مِنَ الِاتِّفاقِ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى قَسَمَ آيَ الكِتابِ قِسْمَيْنِ: مُحْكَمًا ومُتَشابِهًا، فالمُحْكَمُ هو المُتَّضِحُ المَعْنى لِكُلِّ مَن يَفْهَمُ كَلامَ العَرَبِ، لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى نَظَرٍ ولا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ يُلْبِسُ، ويَسْتَوِي في عِلْمِهِ الراسِخُ وغَيْرُهُ، والمُتَشابِهُ يَتَنَوَّعُ، فَمِنهُ ما لا يُعْلَمُ البَتَّةَ، كَأمْرِ الرُوحِ، وآمادِ المُغَيَّباتِ الَّتِي قَدْ أعْلَمَ اللهُ بِوُقُوعِها، إلى سائِرِ ذَلِكَ، ومِنهُ ما يُحْمَلُ عَلى وُجُوهٍ في اللُغَةِ ومَناحٍ في كَلامِ العَرَبِ، فَيُتَأوَّلُ ويُعْلَمُ تَأْوِيلُهُ المُسْتَقِيمُ، ويُزالُ ما فِيهِ مِمّا عَسى أنْ يُتَعَلَّقَ بِهِ مِن تَأْوِيلٍ غَيْرِ مُسْتَقِيمٍ كَقَوْلِهِ في عِيسى: "وَرُوحٌ مِنهُ" إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولا يُسَمّى أحَدٌ راسِخًا إلّا بِأنْ يَعْلَمَ مِن (p-١٦٢)هَذا النَوْعِ كَثِيرًا بِحَسَبِ ما قُدِّرَ لَهُ، وإلّا فَمَن لا يَعْلَمُ سِوى المُحْكَمِ فَلَيْسَ يُسَمّى راسِخًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى جَمِيعِ مُتَشابِهِ القُرْآنِ، وهو نَوْعانِ كَما ذَكَرْنا، فَقَوْلُهُ: "إلّا اللهُ" مُقْتَضٍ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ أنَّهُ يَعْلَمُهُ عَلى الكَمالِ والِاسْتِيفاءِ، يَعْلَمُ نَوْعَيْهِ جَمِيعًا. فَإنْ جَعَلْنا قَوْلَهُ: "والراسِخُونَ" عَطْفًا عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى، فالمَعْنى إدْخالُهم في عِلْمِ التَأْوِيلِ لا عَلى الكَمالِ، بَلْ عِلْمُهم إنَّما هو في النَوْعِ الثانِي مِنَ المُتَشابِهِ، وبَدِيهَةُ العَقْلِ تَقْضِي بِهَذا، والكَلامُ مُسْتَقِيمٌ عَلى فَصاحَةِ العَرَبِ كَما تَقُولُ: ما قامَ لِنُصْرَتِي إلّا فُلانٌ وفُلانٌ، وأحَدُهُما قَدْ نَصَرَكَ بِأنْ حارَبَ مَعَكَ، والآخَرُ إنَّما أعانَكَ بِكَلامٍ فَقَطْ، إلى كَثِيرٍ مِنَ المُثُلِ، فالمَعْنى "وَما يَعْلَمُ" تَأْوِيلَ المُتَشابِهِ إلّا اللهُ والراسِخُونَ كُلٌّ بِقَدْرِهِ وما يَصْلُحُ لَهُ، والراسِخُونَ بِحالِ قَوْلٍ في جَمِيعِهِ "آمَنّا بِهِ"، وإذا تَحَصَّلَ لَهم في الَّذِي لا يُعْلَمُ ولا يُتَصَوَّرُ عَلَيْهِ تَمْيِيزُهُ مِن غَيْرِهِ، فَذَلِكَ قَدْرٌ مِنَ العِلْمِ بِتَأْوِيلِهِ، وإنْ جَعَلْنا قَوْلَهُ: "والراسِخُونَ" رَفْعًا بِالِابْتِداءِ مَقْطُوعًا مِمّا قَبْلَهُ، فَتَسْمِيَتُهم راسِخِينَ يَقْتَضِي بِأنَّهم يَعْلَمُونَ أكْثَرَ مِنَ المُحْكَمِ الَّذِي يَسْتَوِي في عِلْمِهِ جَمِيعُ مَن يَفْهَمُ كَلامَ العَرَبِ، وفي أيِّ شَيْءٍ هو رُسُوخُهُمْ، إذا لَمْ يَعْلَمُوا إلّا ما يَعْلَمُ الجَمِيعُ؟ وما الرُسُوخُ إلّا المَعْرِفَةُ بِتَصارِيفِ الكَلامِ، ومَوارِدِ الأحْكامِ، ومَواقِعِ المَواعِظِ، وذَلِكَ كُلُّهُ بِقَرِيحَةٍ مُعَدَّةٍ، فالمَعْنى: وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ عَلى الِاسْتِيفاءِ إلّا اللهُ، والقَوْمُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مِنهُ ما يُمْكِنُ أنْ يُعْلَمَ يَقُولُونَ في جَمِيعِهِ: "آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا" وهَذا القَدْرُ هو الَّذِي تَعاطى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وهو تُرْجُمانُ القُرْآنِ، ولا يُتَأوَّلُ عَلَيْهِ أنَّهُ عَلِمَ وقْتَ الساعَةِ وأمْرَ الرُوحِ وما شاكَلَهُ. فَإعْرابُ "الراسِخُونَ" يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِهِما، والمَعْنى فِيهِما يَتَقارَبُ بِهَذا النَظَرِ الَّذِي سَطَّرْناهُ. فَأمّا مَن يَقُولُ: إنَّ المُتَشابِهَ إنَّما هو ما لا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى عِلْمِهِ، فَيَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِهِ إخْراجُ الراسِخِينَ مِن عِلْمِ تَأْوِيلِهِ، لَكِنَّ تَخْصِيصَهُ المُتَشابِهاتِ بِهَذا النَوْعِ غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلِ الصَحِيحُ في ذَلِكَ قَوْلُ مَن قالَ: المُحْكَمُ ما لا يَحْتَمِلُ إلّا تَأْوِيلًا واحِدًا والمُتَشابِهُ ما (p-١٦٣)احْتَمَلَ مِنَ التَأْوِيلِ أوجُهًا. وهَذا هو مُتَّبَعُ أهْلِ الزَيْغِ، وعَلى ذَلِكَ يَتَرَتَّبُ النَظَرُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ. ومَن قالَ مِنَ العُلَماءِ الحُذّاقِ بِأنَّ الراسِخِينَ لا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ المُتَشابِهِ فَإنَّما أرادُوا هَذا النَوْعَ، وخافُوا أنْ يَظُنَّ أحَدٌ أنَّ اللهَ وصَفَ الراسِخِينَ بِعِلْمِ التَأْوِيلِ عَلى الكَمالِ، وكَذَلِكَ ذَهَبَ الزَجّاجُ إلى أنَّ الإشارَةَ بِما تَشابَهَ مِنهُ إنَّما هي إلى وقْتِ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرَهُ وفَسَّرَ باقِي الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، فَهَذا أيْضًا تَخْصِيصٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وأمّا مَن يَقُولُ: إنَّ المُتَشابِهَ هو المَنسُوخُ فَيَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِهِ إدْخالُ الراسِخِينَ في عِلْمِ التَأْوِيلِ، ولَكِنَّ تَخْصِيصَهُ المُتَشابِهاتِ بِهَذا النَوْعِ غَيْرُ صَحِيحٍ. ورَجَّحَ ابْنُ فُورَكٍ أنَّ الراسِخِينَ يَعْلَمُونَ التَأْوِيلَ، وأطْنَبَ في ذَلِكَ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ عَبّاسٍ: "إلّا اللهُ ويَقُولُ الراسِخُونَ في العِلْمِ آمَنّا بِهِ". وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ "وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ إنْ تَأْوِيلُهُ إلّا عِنْدَ اللهِ، والراسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ". والرُسُوخُ: الثُبُوتُ في الشَيْءِ، وأصْلُهُ في الأجْرامِ أنْ يَرْسَخَ الجَبَلُ أوِ الشَجَرُ في الأرْضِ. وسُئِلَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَنِ الراسِخِينَ في العِلْمِ فَقالَ: "هُوَ مَن بَرَّتْ يَمِينُهُ وصَدَقَ لِسانُهُ واسْتَقامَ قَلْبُهُ". وقَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ فِيهِ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى كِتابِ اللهِ، مُحْكَمِهِ ومُتَشابِهِهِ، والتَقْدِيرُ: كُلُّهُ مِن عِنْدِ رَبِّنا، وحُذِفَ الضَمِيرُ لِدَلالَةِ لَفْظِ "كُلٌّ" عَلَيْهِ، إذْ هي لَفْظَةٌ تَقْتَضِي الإضافَةَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ ما يَقُولُ هَذا ويُؤْمِنُ بِهِ ويَقِفُ حَيْثُ وقَفَ ويَدَعُ اتِّباعَ المُتَشابِهِ إلّا ذُو لُبٍّ، وهو العَقْلُ، وأولو: جَمْعُ ذُو.

آل عمران 3:8

قوله عزّ وجلّ: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ الناسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ حِكايَةً عَنِ الراسِخِينَ في العِلْمِ أنَّهم يَقُولُونَ هَذا مَعَ (p-١٦٤)قَوْلِهِمْ "آمَنّا بِهِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى مُنْقَطِعًا مِنَ الأوَّلِ، لَمّا ذَكَرَ أهْلَ الزَيْغِ وذَكَرَ نَقِيضَهم وظَهَرَ ما بَيْنَ الحالَتَيْنِ؛ عَقَّبَ ذَلِكَ بِأنْ عَلَّمَ عِبادَهُ الدُعاءَ إلَيْهِ في أنْ لا يَكُونُوا مِنَ الطائِفَةِ الذَمِيمَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ، وهي أهْلُ الزَيْغِ. وهَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ: إنَّ اللهَ لا يُضِلُّ العِبادَ، ولَوْ لَمْ تَكُنِ الإزاغَةُ مِن قِبَلِهِ لَما جازَ أنْ يُدْعى في دَفْعِ ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ. وتُزِغْ مَعْناهُ: تُمِلْ قُلُوبَنا عَنِ الهُدى والحَقِّ. وقَرَأ أبُو واقِدٍ والجَرّاحُ: "لا تَزِغْ قُلُوبُنا" بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى القُلُوبِ، وهَذِهِ أيْضًا رَغْبَةٌ إلى اللهِ تَعالى. وقالَ أبُو الفَتْحِ: ظاهِرُ هَذا ونَحْوِهِ الرَغْبَةُ إلى القُلُوبِ وإنَّما المَسْؤُولُ اللهُ تَعالى، [وَقَوْلُهُ: "الرَغْبَةُ إلى القُلُوبِ" غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ]. ومَعْنى الآيَةِ عَلى القِراءَتَيْنِ أيْ لا يَكُنْ مِثْلَ خَلْقِ الزَيْغِ فَتَزِيغُ هِيَ، قالَ الزَجّاجُ: وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: لا تُكَلِّفْنا عِبادَةً ثَقِيلَةً تَزِيغُ مِنها قُلُوبُنا، وهَذا قَوْلٌ فِيهِ التَحَفُّظُ مِن خَلْقِ اللهِ تَعالى الزَيْغَ والضَلالَةَ في قَلْبِ أحَدٍ مِنَ العِبادِ. و"مِن لَدُنْكَ" مَعْناهُ: مِن عِنْدِكَ ومِن قِبَلِكَ، أيْ يَكُونُ تَفَضُّلًا لا عن سَبَبٍ مِنًّا ولا عن عَمَلٍ. وفي هَذا اسْتِسْلامٌ وتَطارُحٌ. والمُرادُ: هَبْ لَنا نَعِيمًا صادِرًا عَنِ الرَحْمَةِ، لِأنَّ الرَحْمَةَ راجِعَةٌ إلى صِفاتِ الذاتِ، فَلا تُتَصَوَّرُ فِيها الهِبَةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ الناسِ﴾ إقْرارٌ بِالبَعْثِ لِيَوْمِ القِيامَةِ. قالَ الزَجّاجُ: هَذا هو التَأْوِيلُ الَّذِي عَلِمَهُ الراسِخُونَ فَأقَرُّوا بِهِ، وخالَفَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ما تَشابَهَ عَلَيْهِمْ مِن أمْرِ البَعْثِ حِينَ أنْكَرُوهُ. والرَيْبُ: الشَكُّ، والمَعْنى: أنَّهُ في نَفْسِهِ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيهِ، وإنْ وقَعَ فِيهِ رَيْبٌ عِنْدَ المُكَذِّبِينَ بِهِ فَذَلِكَ لا يُعْتَدُّ بِهِ، إذْ هو خَطَأٌ مِنهم. (p-١٦٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأُمَّتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً مِن قَوْلِ الداعِينَ، فَفي ذَلِكَ إقْرارٌ بِصِفَةِ ذاتِ اللهِ تَعالى. والمِيعادُ: مِفْعالٌ مِنَ الوَعْدِ.

آل عمران 3:9

قوله عزّ وجلّ: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ الناسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ حِكايَةً عَنِ الراسِخِينَ في العِلْمِ أنَّهم يَقُولُونَ هَذا مَعَ (p-١٦٤)قَوْلِهِمْ "آمَنّا بِهِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى مُنْقَطِعًا مِنَ الأوَّلِ، لَمّا ذَكَرَ أهْلَ الزَيْغِ وذَكَرَ نَقِيضَهم وظَهَرَ ما بَيْنَ الحالَتَيْنِ؛ عَقَّبَ ذَلِكَ بِأنْ عَلَّمَ عِبادَهُ الدُعاءَ إلَيْهِ في أنْ لا يَكُونُوا مِنَ الطائِفَةِ الذَمِيمَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ، وهي أهْلُ الزَيْغِ. وهَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ: إنَّ اللهَ لا يُضِلُّ العِبادَ، ولَوْ لَمْ تَكُنِ الإزاغَةُ مِن قِبَلِهِ لَما جازَ أنْ يُدْعى في دَفْعِ ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ. وتُزِغْ مَعْناهُ: تُمِلْ قُلُوبَنا عَنِ الهُدى والحَقِّ. وقَرَأ أبُو واقِدٍ والجَرّاحُ: "لا تَزِغْ قُلُوبُنا" بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى القُلُوبِ، وهَذِهِ أيْضًا رَغْبَةٌ إلى اللهِ تَعالى. وقالَ أبُو الفَتْحِ: ظاهِرُ هَذا ونَحْوِهِ الرَغْبَةُ إلى القُلُوبِ وإنَّما المَسْؤُولُ اللهُ تَعالى، [وَقَوْلُهُ: "الرَغْبَةُ إلى القُلُوبِ" غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ]. ومَعْنى الآيَةِ عَلى القِراءَتَيْنِ أيْ لا يَكُنْ مِثْلَ خَلْقِ الزَيْغِ فَتَزِيغُ هِيَ، قالَ الزَجّاجُ: وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: لا تُكَلِّفْنا عِبادَةً ثَقِيلَةً تَزِيغُ مِنها قُلُوبُنا، وهَذا قَوْلٌ فِيهِ التَحَفُّظُ مِن خَلْقِ اللهِ تَعالى الزَيْغَ والضَلالَةَ في قَلْبِ أحَدٍ مِنَ العِبادِ. و"مِن لَدُنْكَ" مَعْناهُ: مِن عِنْدِكَ ومِن قِبَلِكَ، أيْ يَكُونُ تَفَضُّلًا لا عن سَبَبٍ مِنًّا ولا عن عَمَلٍ. وفي هَذا اسْتِسْلامٌ وتَطارُحٌ. والمُرادُ: هَبْ لَنا نَعِيمًا صادِرًا عَنِ الرَحْمَةِ، لِأنَّ الرَحْمَةَ راجِعَةٌ إلى صِفاتِ الذاتِ، فَلا تُتَصَوَّرُ فِيها الهِبَةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ الناسِ﴾ إقْرارٌ بِالبَعْثِ لِيَوْمِ القِيامَةِ. قالَ الزَجّاجُ: هَذا هو التَأْوِيلُ الَّذِي عَلِمَهُ الراسِخُونَ فَأقَرُّوا بِهِ، وخالَفَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ما تَشابَهَ عَلَيْهِمْ مِن أمْرِ البَعْثِ حِينَ أنْكَرُوهُ. والرَيْبُ: الشَكُّ، والمَعْنى: أنَّهُ في نَفْسِهِ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيهِ، وإنْ وقَعَ فِيهِ رَيْبٌ عِنْدَ المُكَذِّبِينَ بِهِ فَذَلِكَ لا يُعْتَدُّ بِهِ، إذْ هو خَطَأٌ مِنهم. (p-١٦٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأُمَّتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً مِن قَوْلِ الداعِينَ، فَفي ذَلِكَ إقْرارٌ بِصِفَةِ ذاتِ اللهِ تَعالى. والمِيعادُ: مِفْعالٌ مِنَ الوَعْدِ.

آل عمران 3:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عنهم أمْوالُهم ولا أولادُهم مِنَ اللهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ هم وقُودُ النارِ﴾ ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ واللهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ هِمَمُ الكُفّارِ الَّذِينَ لا يُقِرُّونَ بِبَعْثٍ إنَّما هي عَلى وجْهِ الدَهْرِ وإلى يَوْمِ القِيامَةِ - في زِينَةِ الدُنْيا، وهي المالُ والبَنُونَ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، أنَّ ذَلِكَ المُتَهَمَّمَ فِيهِ لا يُغْنِي عن صاحِبِهِ شَيْئًا، ولا يَمْنَعُهُ مِن عَذابِ اللهِ وعِقابِهِ. و"مِنَ" في قَوْلِهِ: "مِنَ اللهِ" لِابْتِداءِ الغايَةِ، والإشارَةُ بِالآيَةِ إلى مُعاصِرِي النَبِيِّ ﷺ، وكانُوا يَفْخَرُونَ بِأمْوالِهِمْ وأبْنائِهِمْ، وهِيَ- بَعْدُ- مُتَناوِلَةٌ كُلَّ كافِرٍ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "لَنْ يُغْنِيَ" بِالياءِ، عَلى تَذْكِيرِ العَلامَةِ. والوَقُودُ بِفَتْحِ الواوِ: ما يَحْتَرِقُ في النارِ مِن حَطَبٍ ونَحْوِهِ، وكَذَلِكَ هي قِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ. وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وجَماعَةٌ غَيْرُهُما: "وُقُودُ" بِضَمِّ الواوِ، وهَذا عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: "حَطَبُ وُقُودِ النارِ" والوُقُودُ بِضَمِّ الواوِ: المَصْدَرُ، وقَدَتِ النارُ تَقِدُ إذا اشْتَعَلَتْ. والدَأْبُ والدَأبُ - بِسُكُونِ الهَمْزَةِ وفَتْحِها - مَصْدَرُ دَأبَ يَدْأبُ، إذا لازَمَ فِعْلَ شَيْءٍ ودامَ عَلَيْهِ مُجْتَهِدًا فِيهِ، ويُقالُ لِلْعادَةِ "دَأْبٌ"، فالمَعْنى في الآيَةِ: (p-١٦٦)تَشْبِيهُ هَؤُلاءِ في لُزُومِهِمُ الكُفْرَ ودَوامِهِمْ عَلَيْهِ بِأُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ، وآخِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي الوَعِيدَ بِأنْ يُصِيبَ هَؤُلاءِ مِثْلَ ما أصابَ أُولَئِكَ مِنَ العِقابِ. والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كَدَأْبِ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والتَقْدِيرُ: دَأْبُهم كَدَأْبِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. قالَ الفَرّاءُ: هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: كُفْرًا كَدَأْبِ، فالعامِلُ فِيهِ "كَفَرُوا"، ورَدَّ هَذا القَوْلَ الزَجّاجُ بِأنَّ الكافَ خارِجَةٌ مِنَ الصِلَةِ فَلا يُعْمَلُ فِيهِ ما في الصِلَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ مِن لَفْظِ الوَقُودِ ويَكُونَ التَشْبِيهُ في نَفْسِ الِاحْتِراقِ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٥] ﴿النارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] والقَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ الأقْوالِ أنْ تَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والهاءُ في "قَبْلِهِمْ" عائِدَةٌ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَعُودَ عَلى مُعاصِرِي رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الكُفّارِ. وقَوْلُهُ: "بِآياتِنا" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ: المَتْلُوَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: العَلاماتِ المَنصُوبَةَ. واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ الدَأْبِ، وذَلِكَ كُلُّهُ راجِعٌ إلى المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ.

آل عمران 3:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عنهم أمْوالُهم ولا أولادُهم مِنَ اللهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ هم وقُودُ النارِ﴾ ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ واللهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ هِمَمُ الكُفّارِ الَّذِينَ لا يُقِرُّونَ بِبَعْثٍ إنَّما هي عَلى وجْهِ الدَهْرِ وإلى يَوْمِ القِيامَةِ - في زِينَةِ الدُنْيا، وهي المالُ والبَنُونَ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، أنَّ ذَلِكَ المُتَهَمَّمَ فِيهِ لا يُغْنِي عن صاحِبِهِ شَيْئًا، ولا يَمْنَعُهُ مِن عَذابِ اللهِ وعِقابِهِ. و"مِنَ" في قَوْلِهِ: "مِنَ اللهِ" لِابْتِداءِ الغايَةِ، والإشارَةُ بِالآيَةِ إلى مُعاصِرِي النَبِيِّ ﷺ، وكانُوا يَفْخَرُونَ بِأمْوالِهِمْ وأبْنائِهِمْ، وهِيَ- بَعْدُ- مُتَناوِلَةٌ كُلَّ كافِرٍ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "لَنْ يُغْنِيَ" بِالياءِ، عَلى تَذْكِيرِ العَلامَةِ. والوَقُودُ بِفَتْحِ الواوِ: ما يَحْتَرِقُ في النارِ مِن حَطَبٍ ونَحْوِهِ، وكَذَلِكَ هي قِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ. وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وجَماعَةٌ غَيْرُهُما: "وُقُودُ" بِضَمِّ الواوِ، وهَذا عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: "حَطَبُ وُقُودِ النارِ" والوُقُودُ بِضَمِّ الواوِ: المَصْدَرُ، وقَدَتِ النارُ تَقِدُ إذا اشْتَعَلَتْ. والدَأْبُ والدَأبُ - بِسُكُونِ الهَمْزَةِ وفَتْحِها - مَصْدَرُ دَأبَ يَدْأبُ، إذا لازَمَ فِعْلَ شَيْءٍ ودامَ عَلَيْهِ مُجْتَهِدًا فِيهِ، ويُقالُ لِلْعادَةِ "دَأْبٌ"، فالمَعْنى في الآيَةِ: (p-١٦٦)تَشْبِيهُ هَؤُلاءِ في لُزُومِهِمُ الكُفْرَ ودَوامِهِمْ عَلَيْهِ بِأُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ، وآخِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي الوَعِيدَ بِأنْ يُصِيبَ هَؤُلاءِ مِثْلَ ما أصابَ أُولَئِكَ مِنَ العِقابِ. والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كَدَأْبِ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والتَقْدِيرُ: دَأْبُهم كَدَأْبِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. قالَ الفَرّاءُ: هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: كُفْرًا كَدَأْبِ، فالعامِلُ فِيهِ "كَفَرُوا"، ورَدَّ هَذا القَوْلَ الزَجّاجُ بِأنَّ الكافَ خارِجَةٌ مِنَ الصِلَةِ فَلا يُعْمَلُ فِيهِ ما في الصِلَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ مِن لَفْظِ الوَقُودِ ويَكُونَ التَشْبِيهُ في نَفْسِ الِاحْتِراقِ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٥] ﴿النارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] والقَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ الأقْوالِ أنْ تَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والهاءُ في "قَبْلِهِمْ" عائِدَةٌ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَعُودَ عَلى مُعاصِرِي رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الكُفّارِ. وقَوْلُهُ: "بِآياتِنا" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ: المَتْلُوَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: العَلاماتِ المَنصُوبَةَ. واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ الدَأْبِ، وذَلِكَ كُلُّهُ راجِعٌ إلى المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ.

آل عمران 3:12

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللهِ وأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ واللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ: "سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"يَرَوْنَهُمْ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وحَكى أبانُ عن عاصِمٍ "تَرَوْنَهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ وقَرَأ نافِعٌ ثَلاثَتَهُنَّ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ ثَلاثَتَهُنَّ بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وبِكُلِّ قِراءَةٍ مِن هَذِهِ قَرَأ جُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وأبُو حَيْوَةَ: (p-١٦٧)"يُرَوْنَهُمْ" بِالياءِ المَضْمُومَةِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ مَضْمُومَةً. واخْتُلِفَ، مَنِ الَّذِينَ أُمِرَ بِالقَوْلِ لَهم مِنَ الكُفّارِ؟ فَقِيلَ: هم جَمِيعُ مُعاصِرِيهِ مِنَ الكُفّارِ، أُمِرَ بِأنْ يَقُولَ لَهم هَذا الَّذِي فِيهِ إعْلامٌ بِغَيْبٍ ووَعِيدٌ قَدْ صَدَقَ بِحَمْدِ اللهِ، غُلِبَ الكُفْرُ وصارَ مَن ماتَ عَلَيْهِ إلى جَهَنَّمَ. ونَحا إلى هَذا أبُو عَلِيٍّ في "الحُجَّةِ" وتَظاهَرَتْ رِواياتٌ بِأنَّ المُرادَ يَهُودُ المَدِينَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: « "لَمّا أصابَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ، وقَدِمَ المَدِينَةَ، جَمَعَ اليَهُودَ في سُوقِ بَنِي قَيْنُقاعَ فَقالَ: "يا مَعْشَرَ يَهُودَ، أسْلِمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكم مِثْلَ ما أصابَ قُرَيْشًا" فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، لا يَغُرَّنَّكَ نَفْسُكَ أنْ قَتَلْتَ نَفَرًا مِن قُرَيْشٍ كانُوا أغْمارًا لا يَعْرِفُونَ القِتالَ، إنَّكَ لَوْ قاتَلْتَنا لَعَرَفْتَ أنّا نَحْنُ الناسُ، فَأنْزَلَ اللهُ في قَوْلِهِمْ هَذِهِ الآيَةَ".» ورُوِيَ حَدِيثٌ آخَرُ ذَكَرَهُ النَقّاشُ، وهو « "أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمّا غَلَبَ قُرَيْشًا بِبَدْرٍ قالَتِ اليَهُودُ: هَذا هو النَبِيُّ المَبْعُوثُ الَّذِي في كِتابِنا وهو الَّذِي لا تُهْزَمُ لَهُ رايَةٌ، وكَثُرَتْ فِتْنَتُهم بِالأمْرِ، فَقالَ لَهم رُؤَساؤُهم وشَياطِينُهُمْ: لا تَعْجَلُوا وأمْهِلُوا حَتّى نَرى أمْرَهُ في وقْعَةٍ أُخْرى، فَلَمّا وقَعَتْ أُحُدٌ كَفَرَ جَمِيعُهم وبَقُوا عَلى أوَّلِهِمْ، وقالُوا: لَيْسَ مُحَمَّدٌ بِالنَبِيِّ المَنصُورِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ،» أيْ قُلْ لِهَؤُلاءِ اليَهُودِ. سَيَغْلِبُونَ "يَعْنِي قُرَيْشًا" وهَذا التَأْوِيلُ إنَّما يَسْتَقِيمُ عَلى قِراءَةِ "سَيُغْلَبُونَ ويُحْشَرُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، ومَن قَرَأ بِالتاءِ فَمَعْنى الآيَةِ: قُلْ لِلْكُفّارِ جَمِيعًا هَذِهِ الألْفاظَ. ومَن قَرَأ بِالياءِ مِن تَحْتٍ، فالمَعْنى: قُلْ لَهم كَلامًا هَذا مَعْناهُ، وتَحْتَمِلُ قِراءَةُ التاءِ التَأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرْناهُ آنِفًا، أيْ قُلْ لِلْيَهُودِ: سَتُغْلَبُ قُرَيْشٌ. ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ قِراءَةَ التاءِ عَلى المُواجَهَةِ، وأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ: المُشْرِكِينَ واليَهُودَ، وكُلٌّ قَدْ غُلِبَ بِالسَيْفِ والجِزْيَةِ والذِلَّةِ. والحَشْرُ: الجَمْعُ والإحْضارُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبِئْسَ المِهادُ﴾ يَعْنِي جَهَنَّمَ، هَذا ظاهِرُ الآيَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى بِئْسَ ما مَهَّدُوا لِأنْفُسِهِمْ، فَكَأنَّ المَعْنى: وبِئْسَ فِعْلُهُمُ الَّذِي أدّاهم إلى جَهَنَّمَ. (p-١٦٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ﴾... الآيَةُ تَحْتَمِلُ أنْ يُخاطَبَ بِها المُؤْمِنُونَ، وأنْ يُخاطَبَ بِها جَمِيعُ الكُفّارِ، وأنْ يُخاطَبَ بِها يَهُودُ المَدِينَةِ، وبِكُلِّ احْتِمالٍ مِنها قَدْ قالَ قَوْمٌ، فَمَن رَأى أنَّ الخِطابَ بِها لِلْمُؤْمِنِينَ، فَمَعْنى الآيَةِ تَثْبِيتُ النُفُوسِ وتَشْجِيعُها، لِأنَّهُ لَمّا قالَ لِلْكُفّارِ ما أُمِرَ بِهِ أمْكَنَ أنْ يَسْتَبْعِدَ ذَلِكَ المُنافِقُونَ وبَعْضُ ضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ، كَما قالَ قائِلٌ يَوْمَ الخَنْدَقِ: "يَعِدُنا مُحَمَّدٌ أمْوالَ كِسْرى وقَيْصَرٍ، ونَحْنُ لا نَأْمَنُ عَلى أنْفُسِنا في المَذْهَبِ"، وكَما قالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ حِينَ أخْبَرَهُ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِالأمَنَةِ الَّتِي تَأْتِي، فَقُلْتُ في نَفْسِي: « "وَأيْنَ دُعّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ سَعَّرُوا البِلادَ"؟...» الحَدِيثُ بِكَمالِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُقَوِّيَةً لِنُفُوسِ المُؤْمِنِينَ ومُبَيِّنَةً صِحَّةَ ما أخْبَرَ بِهِ بِالمِثالِ الواقِعِ. فَمَن قَرَأ "تَرَوْنَهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ فَهي مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ إذْ قَدْ رَأى ذَلِكَ جُمْهُورٌ مِنهُمْ، والهاءُ والمِيمُ في "تَرَوْنَهُمْ" لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ، وفي "مِثْلَيْهِمْ" لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، ومَن قَرَأ بِالياءِ مِن تَحْتٍ، فالمَعْنى يَرى الجَمْعُ مِنَ المُؤْمِنِينَ جَمْعَ الكُفّارِ مِثْلَيْ جَمْعِ المُؤْمِنِينَ، ومَن رَأى أنَّ الخِطابَ لِجَمِيعِ الكُفّارِ ومَن رَأى أنَّهُ لِلْيَهُودِ فالآيَةُ عِنْدَهُ داخِلَةٌ فِيما أُمِرَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَقُولَهُ لَهُمُ احْتِجاجًا عَلَيْهِمْ، وتَبْيِينًا لِصُورَةِ الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ في أنَّهم سَيُغْلَبُونَ. فَمَن قَرَأ "يَرَوْنَهُمْ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، فالمَعْنى: يَرى الجَمْعُ مِنَ المُؤْمِنِينَ جَمْعَ الكُفّارِ مِثْلَيْ جَمْعِ المُؤْمِنِينَ، ومَن قَرَأ بِالتاءِ فالمَعْنى: فَلَوْ حَضَرْتُمْ أو إنْ كُنْتُمْ حَضَرْتُمْ، وساغَتِ العِبارَةُ لِوُضُوحِ الأمْرِ في نَفْسِهِ ووُقُوعِ اليَقِينِ بِهِ لِكُلِّ إنْسانٍ في ذَلِكَ العَصْرِ، ومَن قَرَأ بِضَمِّ التاءِ أوِ الياءِ فَكَأنَّ المَعْنى: إنَّ اعْتِقادَ التَضْعِيفِ في جَمِيعِ الكُفّارِ إنَّما كانَ تَخْمِينًا وظَنًّا لا يَقِينًا، فَلِذَلِكَ تُرِكَ في العِبارَةِ ضَرْبٌ مِنَ الشَكِّ، وذَلِكَ أنَّ أُرى - بِضَمِّ الهَمْزَةِ - تَقُولُها فِيما بَقِيَ عِنْدَكَ فِيهِ نَظَرٌ، وأرى- بِفَتْحِ الهَمْزَةِ - تَقُولُها فِيما قَدْ صَحَّ نَظَرُكَ فِيهِ. ونَحا هَذا المَنحى أبُو الفَتْحِ وهو صَحِيحٌ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: والرُؤْيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ عَيْنٌ، ولِذَلِكَ تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، (p-١٦٩)وَ"مِثْلَيْهِمْ" نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ والمِيمِ في "تَرَوْنَهُمْ"، وأجْمَعَ الناسُ عَلى أنَّ الفاعِلَ بِـ "تَرَوْنَ" هُمُ المُؤْمِنُونَ، والضَمِيرَ المُتَّصِلَ هو لِلْكُفّارِ، إلّا ما حَكى الطَبَرِيُّ عن قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: بَلْ كَثَّرَ اللهُ عَدَدَ المُؤْمِنِينَ في عُيُونِ الكافِرِينَ حَتّى كانُوا عِنْدَهم ضِعْفَيْهِمْ، وضَعَّفَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ، وكَذَلِكَ هو مَرْدُودٌ مِن جِهاتٍ، بَلْ قَلَّلَ اللهُ كُلَّ طائِفَةٍ في عَيْنِ الأُخْرى، لِيَقْضِيَ اللهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا، فَقَلَّلَ الكُفّارَ في عُيُونِ المُؤْمِنِينَ لِيَقَعَ التَجاسُرُ ويُحْتَقَرَ العَدُوُّ، وهَذا مَعَ اعْتِقادِ النَبِيِّ وقَوْلِهِ، واعْتِقادِ أُولِي الفَهْمِ مِن أصْحابِهِ أنَّهم مِنَ التِسْعِمِائَةِ إلى الألْفِ، لَكِنْ أذْهَبَ اللهُ عنهُمُ البَهاءَ وانْتِشارَ العَساكِرِ وفَخامَةَ التَرْتِيبِ، حَتّى قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: لَقَدْ قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي أتَراهم سَبْعِينَ؟ فَقالَ: أظُنُّهم مِائَةً، فَلَمّا أخَذْنا الأسْرى أخْبَرُونا أنَّهم كانُوا ألْفًا. وقَلَّلَ اللهُ المُؤْمِنِينَ في عُيُونِ الكُفّارِ لِيَغْتَرُّوا ولا يَحْزَمُوا، وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ أنَّ جَمْعَ الكُفّارِ بِبَدْرٍ كانَ نَحْوَ الألْفِ فَوْقَ التِسْعِمِائَةِ، وأنَّ جَمْعَ المُؤْمِنِينَ كانَ ثَلاثَمِائَةً وأرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا وقِيلَ: وثَلاثَةَ عَشَرَ، فَكانَ الكُفّارُ ثَلاثَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ، لَكِنْ رَجَعَ بَنُو زُهْرَةَ مَعَ الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، ورَجَعَ طالِبُ بْنُ أبِي طالِبٍ وأتْباعٌ وناسٌ كَثِيرٌ حَتّى بَقِيَ لِلْقِتالِ مَن يَقْرُبُ مِنَ المِثْلَيْنِ، وقَدْ ذَكَرَ النَقّاشُ نَحْوًا مِن هَذا. فَذِكْرُ اللهِ تَعالى المَثَلَيْنِ إذْ أمَرَهُما مُتَيَقَّنٌ لَمْ يَدْفَعْهُ قَطُّ أحَدٌ، وقَدْ حَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُشْرِكِينَ في قِتالِ بَدْرٍ كانُوا سِتَّمِائَةٍ وسِتَّةً وعِشْرِينَ رَجُلًا. وقَدْ ذَهَبَ الزَجّاجُ وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهم كانُوا نَحْوَ الألْفِ، وأراهُمُ اللهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِثْلَيْهِمْ فَقَطْ، قالَ: فَهَذا التَقْلِيلُ في الآيَةِ الأُخْرى، ثُمَّ نَصَرَهم عَلَيْهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهم مِثْلاهم في العَدَدِ، لِأنَّهُ كانَ أعْلَمَ (p-١٧٠)المُسْلِمِينَ أنَّ المِائَةَ مِنهم تَغْلِبُ المِائَتَيْنِ مِنَ الكُفّارِ، ورَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ «عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ "القَوْمُ ألْفٌ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكم آيَةٌ﴾ يُرِيدُ عَلامَةً وأمارَةً ومُعْتَبَرًا، والفِئَةُ: الجَماعَةُ مِنَ الناسِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها يُفاءُ إلَيْها، أيْ يُرْجَعُ في وقْتِ الشِدَّةِ، وقالَ الزَجّاجُ: الفِئَةُ: الفِرْقَةُ، مَأْخُوذَةٌ مِن فَأوتُ رَأْسَهُ بِالسَيْفِ، ويُقالُ: فَأيْتُهُ إذا فَلَقْتُهُ، ولا خِلافَ أنَّ الإشارَةَ بِهاتَيْنِ الفِئَتَيْنِ هي إلى يَوْمِ بَدْرٍ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "فِئَةٌ تُقاتِلُ" بِرَفْعِ فِئَةٍ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: إحْداهُما فِئَةٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ والزُهْرِيُّ وحُمَيْدٌ: "فِئَةٍ" بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ، ومِنهم مَن رَفَعَ "كافِرَةٌ". ومِنهم مَن خَفَضَها عَلى العَطْفِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فِئَةً" بِالنَصْبِ وكَذَلِكَ "كافِرَةً" قالَ الزَجّاجُ: يَتَّجِهُ ذَلِكَ عَلى الحالِ كَأنَّهُ قالَ: التَقَتا مُؤْمِنَةً وكافِرَةً، ويَتَّجِهُ أنْ يُضْمِرَ فِعْلَ أعْنِي ونَحْوَهُ. و"رَأْيَ العَيْنِ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ. و"يُؤَيِّدُ" مَعْناهُ: يُقَوِّي مِنَ الأيْدِ وهو القُوَّةُ.

آل عمران 3:13

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللهِ وأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ واللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ: "سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"يَرَوْنَهُمْ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وحَكى أبانُ عن عاصِمٍ "تَرَوْنَهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ وقَرَأ نافِعٌ ثَلاثَتَهُنَّ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ ثَلاثَتَهُنَّ بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وبِكُلِّ قِراءَةٍ مِن هَذِهِ قَرَأ جُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وأبُو حَيْوَةَ: (p-١٦٧)"يُرَوْنَهُمْ" بِالياءِ المَضْمُومَةِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ مَضْمُومَةً. واخْتُلِفَ، مَنِ الَّذِينَ أُمِرَ بِالقَوْلِ لَهم مِنَ الكُفّارِ؟ فَقِيلَ: هم جَمِيعُ مُعاصِرِيهِ مِنَ الكُفّارِ، أُمِرَ بِأنْ يَقُولَ لَهم هَذا الَّذِي فِيهِ إعْلامٌ بِغَيْبٍ ووَعِيدٌ قَدْ صَدَقَ بِحَمْدِ اللهِ، غُلِبَ الكُفْرُ وصارَ مَن ماتَ عَلَيْهِ إلى جَهَنَّمَ. ونَحا إلى هَذا أبُو عَلِيٍّ في "الحُجَّةِ" وتَظاهَرَتْ رِواياتٌ بِأنَّ المُرادَ يَهُودُ المَدِينَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: « "لَمّا أصابَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ، وقَدِمَ المَدِينَةَ، جَمَعَ اليَهُودَ في سُوقِ بَنِي قَيْنُقاعَ فَقالَ: "يا مَعْشَرَ يَهُودَ، أسْلِمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكم مِثْلَ ما أصابَ قُرَيْشًا" فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، لا يَغُرَّنَّكَ نَفْسُكَ أنْ قَتَلْتَ نَفَرًا مِن قُرَيْشٍ كانُوا أغْمارًا لا يَعْرِفُونَ القِتالَ، إنَّكَ لَوْ قاتَلْتَنا لَعَرَفْتَ أنّا نَحْنُ الناسُ، فَأنْزَلَ اللهُ في قَوْلِهِمْ هَذِهِ الآيَةَ".» ورُوِيَ حَدِيثٌ آخَرُ ذَكَرَهُ النَقّاشُ، وهو « "أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمّا غَلَبَ قُرَيْشًا بِبَدْرٍ قالَتِ اليَهُودُ: هَذا هو النَبِيُّ المَبْعُوثُ الَّذِي في كِتابِنا وهو الَّذِي لا تُهْزَمُ لَهُ رايَةٌ، وكَثُرَتْ فِتْنَتُهم بِالأمْرِ، فَقالَ لَهم رُؤَساؤُهم وشَياطِينُهُمْ: لا تَعْجَلُوا وأمْهِلُوا حَتّى نَرى أمْرَهُ في وقْعَةٍ أُخْرى، فَلَمّا وقَعَتْ أُحُدٌ كَفَرَ جَمِيعُهم وبَقُوا عَلى أوَّلِهِمْ، وقالُوا: لَيْسَ مُحَمَّدٌ بِالنَبِيِّ المَنصُورِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ،» أيْ قُلْ لِهَؤُلاءِ اليَهُودِ. سَيَغْلِبُونَ "يَعْنِي قُرَيْشًا" وهَذا التَأْوِيلُ إنَّما يَسْتَقِيمُ عَلى قِراءَةِ "سَيُغْلَبُونَ ويُحْشَرُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، ومَن قَرَأ بِالتاءِ فَمَعْنى الآيَةِ: قُلْ لِلْكُفّارِ جَمِيعًا هَذِهِ الألْفاظَ. ومَن قَرَأ بِالياءِ مِن تَحْتٍ، فالمَعْنى: قُلْ لَهم كَلامًا هَذا مَعْناهُ، وتَحْتَمِلُ قِراءَةُ التاءِ التَأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرْناهُ آنِفًا، أيْ قُلْ لِلْيَهُودِ: سَتُغْلَبُ قُرَيْشٌ. ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ قِراءَةَ التاءِ عَلى المُواجَهَةِ، وأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ: المُشْرِكِينَ واليَهُودَ، وكُلٌّ قَدْ غُلِبَ بِالسَيْفِ والجِزْيَةِ والذِلَّةِ. والحَشْرُ: الجَمْعُ والإحْضارُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبِئْسَ المِهادُ﴾ يَعْنِي جَهَنَّمَ، هَذا ظاهِرُ الآيَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى بِئْسَ ما مَهَّدُوا لِأنْفُسِهِمْ، فَكَأنَّ المَعْنى: وبِئْسَ فِعْلُهُمُ الَّذِي أدّاهم إلى جَهَنَّمَ. (p-١٦٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ﴾... الآيَةُ تَحْتَمِلُ أنْ يُخاطَبَ بِها المُؤْمِنُونَ، وأنْ يُخاطَبَ بِها جَمِيعُ الكُفّارِ، وأنْ يُخاطَبَ بِها يَهُودُ المَدِينَةِ، وبِكُلِّ احْتِمالٍ مِنها قَدْ قالَ قَوْمٌ، فَمَن رَأى أنَّ الخِطابَ بِها لِلْمُؤْمِنِينَ، فَمَعْنى الآيَةِ تَثْبِيتُ النُفُوسِ وتَشْجِيعُها، لِأنَّهُ لَمّا قالَ لِلْكُفّارِ ما أُمِرَ بِهِ أمْكَنَ أنْ يَسْتَبْعِدَ ذَلِكَ المُنافِقُونَ وبَعْضُ ضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ، كَما قالَ قائِلٌ يَوْمَ الخَنْدَقِ: "يَعِدُنا مُحَمَّدٌ أمْوالَ كِسْرى وقَيْصَرٍ، ونَحْنُ لا نَأْمَنُ عَلى أنْفُسِنا في المَذْهَبِ"، وكَما قالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ حِينَ أخْبَرَهُ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِالأمَنَةِ الَّتِي تَأْتِي، فَقُلْتُ في نَفْسِي: « "وَأيْنَ دُعّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ سَعَّرُوا البِلادَ"؟...» الحَدِيثُ بِكَمالِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُقَوِّيَةً لِنُفُوسِ المُؤْمِنِينَ ومُبَيِّنَةً صِحَّةَ ما أخْبَرَ بِهِ بِالمِثالِ الواقِعِ. فَمَن قَرَأ "تَرَوْنَهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ فَهي مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ إذْ قَدْ رَأى ذَلِكَ جُمْهُورٌ مِنهُمْ، والهاءُ والمِيمُ في "تَرَوْنَهُمْ" لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ، وفي "مِثْلَيْهِمْ" لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، ومَن قَرَأ بِالياءِ مِن تَحْتٍ، فالمَعْنى يَرى الجَمْعُ مِنَ المُؤْمِنِينَ جَمْعَ الكُفّارِ مِثْلَيْ جَمْعِ المُؤْمِنِينَ، ومَن رَأى أنَّ الخِطابَ لِجَمِيعِ الكُفّارِ ومَن رَأى أنَّهُ لِلْيَهُودِ فالآيَةُ عِنْدَهُ داخِلَةٌ فِيما أُمِرَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَقُولَهُ لَهُمُ احْتِجاجًا عَلَيْهِمْ، وتَبْيِينًا لِصُورَةِ الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ في أنَّهم سَيُغْلَبُونَ. فَمَن قَرَأ "يَرَوْنَهُمْ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، فالمَعْنى: يَرى الجَمْعُ مِنَ المُؤْمِنِينَ جَمْعَ الكُفّارِ مِثْلَيْ جَمْعِ المُؤْمِنِينَ، ومَن قَرَأ بِالتاءِ فالمَعْنى: فَلَوْ حَضَرْتُمْ أو إنْ كُنْتُمْ حَضَرْتُمْ، وساغَتِ العِبارَةُ لِوُضُوحِ الأمْرِ في نَفْسِهِ ووُقُوعِ اليَقِينِ بِهِ لِكُلِّ إنْسانٍ في ذَلِكَ العَصْرِ، ومَن قَرَأ بِضَمِّ التاءِ أوِ الياءِ فَكَأنَّ المَعْنى: إنَّ اعْتِقادَ التَضْعِيفِ في جَمِيعِ الكُفّارِ إنَّما كانَ تَخْمِينًا وظَنًّا لا يَقِينًا، فَلِذَلِكَ تُرِكَ في العِبارَةِ ضَرْبٌ مِنَ الشَكِّ، وذَلِكَ أنَّ أُرى - بِضَمِّ الهَمْزَةِ - تَقُولُها فِيما بَقِيَ عِنْدَكَ فِيهِ نَظَرٌ، وأرى- بِفَتْحِ الهَمْزَةِ - تَقُولُها فِيما قَدْ صَحَّ نَظَرُكَ فِيهِ. ونَحا هَذا المَنحى أبُو الفَتْحِ وهو صَحِيحٌ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: والرُؤْيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ عَيْنٌ، ولِذَلِكَ تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، (p-١٦٩)وَ"مِثْلَيْهِمْ" نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ والمِيمِ في "تَرَوْنَهُمْ"، وأجْمَعَ الناسُ عَلى أنَّ الفاعِلَ بِـ "تَرَوْنَ" هُمُ المُؤْمِنُونَ، والضَمِيرَ المُتَّصِلَ هو لِلْكُفّارِ، إلّا ما حَكى الطَبَرِيُّ عن قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: بَلْ كَثَّرَ اللهُ عَدَدَ المُؤْمِنِينَ في عُيُونِ الكافِرِينَ حَتّى كانُوا عِنْدَهم ضِعْفَيْهِمْ، وضَعَّفَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ، وكَذَلِكَ هو مَرْدُودٌ مِن جِهاتٍ، بَلْ قَلَّلَ اللهُ كُلَّ طائِفَةٍ في عَيْنِ الأُخْرى، لِيَقْضِيَ اللهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا، فَقَلَّلَ الكُفّارَ في عُيُونِ المُؤْمِنِينَ لِيَقَعَ التَجاسُرُ ويُحْتَقَرَ العَدُوُّ، وهَذا مَعَ اعْتِقادِ النَبِيِّ وقَوْلِهِ، واعْتِقادِ أُولِي الفَهْمِ مِن أصْحابِهِ أنَّهم مِنَ التِسْعِمِائَةِ إلى الألْفِ، لَكِنْ أذْهَبَ اللهُ عنهُمُ البَهاءَ وانْتِشارَ العَساكِرِ وفَخامَةَ التَرْتِيبِ، حَتّى قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: لَقَدْ قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي أتَراهم سَبْعِينَ؟ فَقالَ: أظُنُّهم مِائَةً، فَلَمّا أخَذْنا الأسْرى أخْبَرُونا أنَّهم كانُوا ألْفًا. وقَلَّلَ اللهُ المُؤْمِنِينَ في عُيُونِ الكُفّارِ لِيَغْتَرُّوا ولا يَحْزَمُوا، وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ أنَّ جَمْعَ الكُفّارِ بِبَدْرٍ كانَ نَحْوَ الألْفِ فَوْقَ التِسْعِمِائَةِ، وأنَّ جَمْعَ المُؤْمِنِينَ كانَ ثَلاثَمِائَةً وأرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا وقِيلَ: وثَلاثَةَ عَشَرَ، فَكانَ الكُفّارُ ثَلاثَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ، لَكِنْ رَجَعَ بَنُو زُهْرَةَ مَعَ الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، ورَجَعَ طالِبُ بْنُ أبِي طالِبٍ وأتْباعٌ وناسٌ كَثِيرٌ حَتّى بَقِيَ لِلْقِتالِ مَن يَقْرُبُ مِنَ المِثْلَيْنِ، وقَدْ ذَكَرَ النَقّاشُ نَحْوًا مِن هَذا. فَذِكْرُ اللهِ تَعالى المَثَلَيْنِ إذْ أمَرَهُما مُتَيَقَّنٌ لَمْ يَدْفَعْهُ قَطُّ أحَدٌ، وقَدْ حَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُشْرِكِينَ في قِتالِ بَدْرٍ كانُوا سِتَّمِائَةٍ وسِتَّةً وعِشْرِينَ رَجُلًا. وقَدْ ذَهَبَ الزَجّاجُ وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهم كانُوا نَحْوَ الألْفِ، وأراهُمُ اللهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِثْلَيْهِمْ فَقَطْ، قالَ: فَهَذا التَقْلِيلُ في الآيَةِ الأُخْرى، ثُمَّ نَصَرَهم عَلَيْهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهم مِثْلاهم في العَدَدِ، لِأنَّهُ كانَ أعْلَمَ (p-١٧٠)المُسْلِمِينَ أنَّ المِائَةَ مِنهم تَغْلِبُ المِائَتَيْنِ مِنَ الكُفّارِ، ورَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ «عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ "القَوْمُ ألْفٌ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكم آيَةٌ﴾ يُرِيدُ عَلامَةً وأمارَةً ومُعْتَبَرًا، والفِئَةُ: الجَماعَةُ مِنَ الناسِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها يُفاءُ إلَيْها، أيْ يُرْجَعُ في وقْتِ الشِدَّةِ، وقالَ الزَجّاجُ: الفِئَةُ: الفِرْقَةُ، مَأْخُوذَةٌ مِن فَأوتُ رَأْسَهُ بِالسَيْفِ، ويُقالُ: فَأيْتُهُ إذا فَلَقْتُهُ، ولا خِلافَ أنَّ الإشارَةَ بِهاتَيْنِ الفِئَتَيْنِ هي إلى يَوْمِ بَدْرٍ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "فِئَةٌ تُقاتِلُ" بِرَفْعِ فِئَةٍ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: إحْداهُما فِئَةٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ والزُهْرِيُّ وحُمَيْدٌ: "فِئَةٍ" بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ، ومِنهم مَن رَفَعَ "كافِرَةٌ". ومِنهم مَن خَفَضَها عَلى العَطْفِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فِئَةً" بِالنَصْبِ وكَذَلِكَ "كافِرَةً" قالَ الزَجّاجُ: يَتَّجِهُ ذَلِكَ عَلى الحالِ كَأنَّهُ قالَ: التَقَتا مُؤْمِنَةً وكافِرَةً، ويَتَّجِهُ أنْ يُضْمِرَ فِعْلَ أعْنِي ونَحْوَهُ. و"رَأْيَ العَيْنِ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ. و"يُؤَيِّدُ" مَعْناهُ: يُقَوِّي مِنَ الأيْدِ وهو القُوَّةُ.

آل عمران 3:14

قوله عزّ وجلّ: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَهَواتِ مِنَ النِساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا واللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "زُيِّنَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ "حُبُّ" عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقَرَأ الضَحّاكُ ومُجاهِدٌ "زَيَّنَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ "حُبَّ" عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ، واخْتَلَفَ الناسُ مَنِ المُزَيِّنُ؟ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: اللهُ زَيَّنَ ذَلِكَ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِأنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: قُلْتُ: الآنَ يا رَبُّ حِينَ زَيَّنْتَها لَنا، فَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥]، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُزَيِّنُ هو الشَيْطانُ، وهَذا ظاهِرُ قَوْلِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، فَإنَّهُ قالَ: مَن زَيَّنَها؟ ما أحَدٌ أشَدُّ لَها ذَمًّا مِن خالِقِها. (p-١٧١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإذا قِيلَ: زَيَّنَ اللهُ، فَمَعْناهُ بِالإيجادِ والتَهْيِئَةِ لِانْتِفاعٍ وإنْشاءِ الجِبِلَّةِ عَلى المَيْلِ إلى هَذِهِ الأشْياءِ. وإذا قِيلَ: زَيَّنَ الشَيْطانُ فَمَعْناهُ: بِالوَسْوَسَةِ والخَدِيعَةِ وتَحْسِينِ أخْذِها مِن غَيْرِ وُجُوهِها. والآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذِهِ النَوْعَيْنِ مِنَ التَزْيِينِ، ولا يَخْتَلِفُ مَعَ هَذا النَظَرُ. وهَذِهِ الآيَةُ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ ابْتِداءُ وعْظٍ لِجَمِيعِ الناسِ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ تَوْبِيخٌ لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ، والشَهَواتُ ذَمِيمَةٌ، واتِّباعُها مُرْدٍ وطاعَتُها مُهْلِكَةٌ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "حُفَّتِ النارُ بِالشَهَواتِ وحُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ"» فَحَسْبُكَ أنَّ النارَ حُفَّتْ بِها، فَمَن واقَعَها خَلَصَ إلى النارِ. و"القَناطِيرِ" جَمْعُ قِنْطارٍ، وهو العُقْدَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ المالِ. واخْتَلَفَ الناسُ في تَحْرِيرِ حَدِّهِ كَمْ هُوَ؟ فَرَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ: « "القِنْطارُ ألْفٌ ومِائَتا أُوقِيَّةٍ"،» وقالَ بِذَلِكَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ وأبُو هُرَيْرَةَ وعاصِمُ بْنُ أبِي النَجُودِ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وهو أصَحُّ الأقْوالِ. لَكِنَّ القِنْطارَ عَلى هَذا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ البِلادِ في قَدْرِ الأُوقِيَّةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: القِنْطارُ: ألْفٌ ومِائَتا مِثْقالٍ. ورَوى الحَسَنُ ذَلِكَ مَرْفُوعًا عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ. قالَ الضَحّاكُ: وهو مِنَ الفِضَّةِ ألْفٌ ومِائَتا مِثْقالٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: القِنْطارُ مِنَ الفِضَّةِ اثْنا عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ، ومِنَ الذَهَبِ ألْفُ دِينارٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ والضَحّاكِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: القِنْطارُ ثَمانُونَ ألْفًا. وقالَ قَتادَةُ: القِنْطارُ (p-١٧٢)مِائَةُ رِطْلٍ مِنَ الذَهَبِ أو ثَمانُونَ ألْفَ دِرْهَمٍ مِنَ الفِضَّةِ. وقالَ السُدِّيُّ: القِنْطارُ ثَمانِيَةُ آلافِ مِثْقالٍ وهي مِائَةُ رِطْلٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: القِنْطارُ سَبْعُونَ ألْفَ دِينارٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وقالَ أبُو نَضْرَةَ: القِنْطارُ مَلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا. قالَ ابْنُ سِيدَهْ: هَكَذا هو بِالسُرْيانِيَّةِ. وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: القِنْطارُ المالُ الكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. وحَكى النَقّاشُ عَنِ ابْنِ الكَلْبِيِّ: أنَّ القِنْطارَ بِلُغَةِ الرُومِ مَلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا. وقالَ النَقّاشُ: القَناطِيرُ ثَلاثَةٌ، والمُقَنْطَرَةُ تِسْعَةٌ لِأنَّهُ جَمْعُ الجَمْعِ، وهَذا ضَعْفُ نَظَرٍ وكَلامٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، وقَدْ حَكى مَكِّيٌّ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ كَيْسانَ أنَّهُ قالَ: لا تَكُونُ المُقَنْطَرَةُ أقَلَّ مِن تِسْعَةٍ، وحَكى المَهْدَوِيُّ عنهُ وعَنِ الفَرّاءِ: لا تَكُونُ المُقَنْطَرَةُ أكْثَرَ مِن تِسْعَةٍ.. وهَذا كُلُّهُ تَحَكُّمٌ. قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: القِنْطارُ اثْنا عَشَرَ ألْفَ أُوقِيَّةٍ. وحَكى مَكِّيٌّ قَوْلًا إنَّ القِنْطارَ أرْبَعُونَ أُوقِيَّةً ذَهَبًا أو فِضَّةً، وقالَهُ ابْنُ سِيدَهْ في المُحْكَمِ، وقالَ: القِنْطارُ بِلُغَةِ بَرْبَرٍ ألْفُ مِثْقالٍ. ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ «عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا﴾ [النساء: ٢٠] قالَ: ألْفَ دِينارٍ،» ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ، وحَكى الزَجّاجُ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ القِنْطارَ هو رِطْلٌ ذَهَبًا أو فِضَّةً، وأظُنُّها وهْمًا، وأنَّ القَوْلَ مِائَةُ رِطْلٍ فَسَقَطَتْ "مِائَةُ" لِلنّاقِلِ. والقِنْطارُ إنَّما هو اسْمُ المِعْيارِ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ، كَما هو الرِطْلُ والرُبْعُ، ويُقالُ لِما بَلَغَ ذَلِكَ الوَزْنَ: هَذا قِنْطارٌ أيْ يَعْدِلُ القِنْطارَ. والعَرَبُ تَقُولُ: قَنْطَرَ الرَجُلُ إذا بَلَغَ مالُهُ أنْ يُوزَنَ بِالقِنْطارِ. وقالَ الزَجّاجُ: القِنْطارُ مَأْخُوذٌ مِن عَقْدِ الشَيْءِ وإحْكامِهِ، والقَنْطَرَةُ المَعْقُودَةُ نَحْوُهُ، فَكَأنَّ القِنْطارَ عُقْدَةُ مالٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "المُقَنْطَرَةِ" فَقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: المُضَعَّفَةُ، وكَأنَّ القَناطِيرَ ثَلاثَةٌ والمُقَنْطَرَةَ تِسْعٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا النَظَرِ، وقالَ الرَبِيعُ: مَعْناهُ: (p-١٧٤)المالُ الكَثِيرُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ. وقالَ السُدِّيُّ: مَعْنى المُقَنْطَرَةِ: المَضْرُوبَةُ حَتّى صارَتْ دَنانِيرَ أو دَراهِمَ. وقالَ مَكِّيٌّ: المُقَنْطَرَةُ المُكَمَّلَةُ، والَّذِي أقُولُ: إنَّها إشارَةٌ إلى حُضُورِ المالِ وكَوْنِهِ عَتِيدًا، فَذَلِكَ أشْهى في أمْرِهِ، وذَلِكَ أنَّكَ تَقُولُ في رَجُلٍ غَنِيٍّ مِنَ الحَيَوانِ والأمْلاكِ: فُلانٌ صاحِبُ قَناطِيرِ مالٍ، أيْ لَوْ قُوِّمَتْ أمْلاكُهُ لاجْتَمَعَ مِن ذَلِكَ ما يَعْدِلُ قَناطِيرَ، وتَقُولُ في صاحِبِ المالِ الحاضِرِ العَتِيدِ: هو صاحِبُ قَناطِيرَ مُقَنْطَرَةٍ، أيْ قَدْ حَصَلَتْ كَذَلِكَ بِالفِعْلِ بِها، أيْ قُنْطِرَتْ فَهي مُقَنْطَرَةٌ، وذَلِكَ أشْهى لِلنُّفُوسِ وأقْرَبُ لِلِانْتِفاعِ وبُلُوغِ الآمالِ. وقَدْ قالَ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ: ما المالُ إلّا ما حازَتْهُ العِيابُ، وإذا كانَ هَذا فَسَواءٌ كانَ المالُ مَسْكُوكًا أو غَيْرَ مَسْكُوكٍ، أمّا أنَّ المَسْكُوكَ أشْهى لِما ذَكَرْناهُ، ولَكِنْ لا تُعْطِي ذَلِكَ لَفْظَةُ "المُقَنْطَرَةِ". "والخَيْلِ" جَمْعُ خائِلٍ عِنْدَ أبِي عُبَيْدَةَ، سُمِّيَ بِذَلِكَ الفَرَسُ لِأنَّهُ يَخْتالُ في مَشْيِهِ فَهو كَطائِرٍ وطَيْرٍ، وقالَ غَيْرُهُ: هو اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى "المُسَوَّمَةِ"، فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ أبْزى والحَسَنُ والرَبِيعُ ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: الراعِيَةُ في المُرُوجِ والمَسارِحِ، تَقُولُ: سامَتِ الدابَّةُ والشاةُ إذا سَرَحَتْ وأخَذَتْ سَوْمَها مِنَ الرَعْيِ، أيْ غايَةَ جُهْدِها ولَمْ تُقَصِّرْ عن حالٍ دُونَ حالٍ، وأسْمَتُها أنا إذا تَرَكْتُها لِذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "فِي سائِمَةِ الغَنَمِ الزَكاةُ"» ومِنهُ قوله عزّ وجلّ: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: المُسَوَّمَةُ مَعْناهُ: المُطَهَّمَةُ الحِسانُ، وقالَهُ عِكْرِمَةُ: سَوَّمَها الحُسْنُ. (p-١٧٤)وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: المُسَوَّمَةُ مَعْناهُ: المُعَلَّمَةُ، شِياتُ الخَيْلِ في وُجُوهِها، "وَقالَهُ قَتادَةُ" ويَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ بَيْتُ لَبِيدٍ: ؎ وغَداةَ قاعِ القَرْنَتَيْنِ أتَيْنَهم ∗∗∗ زُجَلًا يَلُوحُ خِلالَها التَسْوِيمُ وأمّا قَوْلُ النابِغَةِ:: ؎ بِسُمْرٍ كالقِداحِ مُسَوَّماتٍ ∗∗∗ ∗∗∗ عَلَيْها مَعْشَرٌ أشْباهُ جِنِّ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المُطَهَّمَةَ الحِسانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المُعَلَّمَةَ بِالشِياتِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المُعَدَّةَ. وقَدْ فَسَّرَ الناسُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [هود: ٨٣] بِمَعْنى مُعَدَّةٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ مَعْناهُ: المُعَدَّةُ لِلْجِهادِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قَوْلُهُ لِلْجِهادِ لَيْسَ مِن تَفْسِيرِ اللَفْظَةِ. "والأنْعامِ" الأصْنافُ الأرْبَعَةُ: الإبِلُ والبَقَرُ والضَأْنُ والمَعْزُ. "والحَرْثِ" هُنا اسْمٌ لِكُلِّ ما يُحْرَثُ، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ، تَقُولُ: حَرَثَ الرَجُلُ حَرْثًا إذا أثارَ الأرْضَ لِمَعْنى الفِلاحَةِ، فَيَقَعُ اسْمُ الحَرْثِ عَلى زَرْعِ الحُبُوبِ وعَلى الجَنّاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الفِلاحَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: كانَ كَرْمًا. والمَتاعُ: ما يُسْتَمْتَعُ بِهِ ويُنْتَفَعُ مُدَّةً ما مُنْحَصِرَةً. و"المَآبِ": المَرْجِعُ، تَقُولُ: آبَ الرَجُلُ يَؤُوبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-١٧٥) ؎ .......................... ∗∗∗ رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎ ....................... ∗∗∗ إذا ما القارِظُ العنزِيُّ آبا وقَوْلُ عَبِيدٍ: ؎ ....................... ∗∗∗ وغائِبُ المَوْتِ لا يَؤُوبُ وأصْلُ مَآبٍ مَأْوَبٌ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى الهَمْزَةِ وأُبْدِلَ مِنَ الواوِ ألِفٌ، مِثْلُ مَقالٍ، فَمَعْنى الآيَةِ تَقْلِيلُ أمْرِ الدُنْيا وتَحْقِيرُها، والتَرْغِيبُ في حُسْنِ المَرْجِعِ إلى اللهِ تَعالى في الآخِرَةِ. وفِي قَوْلِهِ: "زُيِّنَ لِلنّاسِ" الآيَةِ، تَحَسُّرٌ ما عَلى نَحْوِ ما في قَوْلِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "تُتَزَوَّجُ المَرْأةُ لِأرْبَعٍ"....» الحَدِيثِ؛. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أأُنَبِّئُكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥] الآيَةُ بِمَثابَةِ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "فاظْفَرْ بِذاتِ الدِينِ".»

آل عمران 3:15

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِن اللهِ واللهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ فِي هَذِهِ الآيَةِ تَسْلِيَةٌ عَنِ الدُنْيا وتَقْوِيَةٌ لِنُفُوسِ تارِكِيها، وذَكَرَ تَعالى حالَ الدُنْيا وكَيْفَ اسْتَقَرَّ تَزْيِينُ شَهَواتِها، ثُمَّ جاءَ الإنْباءُ بِخَيْرٍ مِن ذَلِكَ، هازًّا لِلنُّفُوسِ وجامِعًا لَها، لِتَسْمَعَ هَذا النَبَأ المُسْتَغْرَبَ النافِعَ لِمَن عَقَلَ. وأُنَبِّئُ: مَعْناهُ أُخْبِرُ. (p-١٧٦)وَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مِنَ الناسِ إلى أنَّ الكَلامَ الَّذِي أُمِرَ النَبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ تَمَّ في قَوْلِهِ تَعالى: "عِنْدَ رَبِّهِمْ". و"جَنّاتٌ" عَلى هَذا؛ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ المُضْمَرِ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ جَنّاتٌ؛ وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: "مِن ذَلِكُمْ" وأنَّ قَوْلَهُ "لِلَّذِينَ" خَبَرٌ مُتَقَدِّمٌ، و"جَنّاتٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَجُوزُ في "جَنّاتٌ" الخَفْضُ بَدَلًا مِن "خَيْرٍ"، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى التَأْوِيلِ الثانِي، والتَأْوِيلانِ مُحْتَمَلانِ. وقَوْلُهُ "مِن تَحْتِها" يَعْنِي مِن تَحْتِ أشْجارِها، وعُلُوِّها مِنَ الغُرَفِ ونَحْوِها. "وَخالِدِينَ" نُصِبَ عَلى الحالِ. وقَوْلُهُ: "وَأزْواجٌ" عَطْفٌ عَلى الجَنّاتِ، وهو جَمْعُ زَوْجٍ، وهي امْرَأةُ الإنْسانِ، وقَدْ يُقالُ زَوْجَةٌ، ولَمْ يَأْتِ في القُرْآنِ. و"مُطَهَّرَةٌ"، مَعْناهُ مِنَ المَعْهُودِ في الدُنْيا مِنَ الأقْذارِ والرَيْبِ وكُلِّ ما يَصِمُ في الخَلْقِ والخُلُقِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأزْواجُ: الأنْواعَ والأشْباهَ. والرِضْوانُ: مَصْدَرٌ مِنَ الرِضى، وفي الحَدِيثِ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا اسْتَقَرُّوا فِيها وحَصَلَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ؛ قالَ اللهُ لَهُمْ: أتُرِيدُونَ أنْ أُعْطِيَكم ما هو أفْضَلُ مِن هَذا؟ قالُوا: يا رَبَّنا وأيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن هَذا؟ فَيَقُولُ اللهُ تَعالى: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا"» هَذا سِياقُ الحَدِيثِ، وقَدْ يَجِيءُ مُخْتَلِفَ الألْفاظِ، والمَعْنى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ.

آل عمران 3:16

وَقوله عزّ وجلّ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النارِ﴾ ﴿الصابِرِينَ والصادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ "الَّذِينَ" بَدَلٌ مِنَ "الَّذِينَ اتَّقَوْا"، فَسَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ أحْوالَ المُتَّقِينَ المَوْعُودِينَ بِالجَنّاتِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إعْرابُ قَوْلِهِ: "الَّذِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ رَفْعًا عَلى القَطْعِ (p-١٧٧)وَإضْمارِ الِابْتِداءِ، ويَحْتاجُ إلى القَطْعِ وإضْمارِ فِعْلٍ في قَوْلِهِ "الصابِرِينَ"، والخَفْضُ في ذَلِكَ كُلِّهِ عَلى البَدَلِ أوجَهُ. ويَجُوزُ في "الَّذِينَ"، وما بَعْدَهُ النَصْبُ عَلى المَدْحِ. والصَبْرُ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: عَلى الطاعاتِ وعَنِ المَعاصِي والشَهَواتِ. والصِدْقُ مَعْناهُ: في الأقْوالِ والأفْعالِ. والقُنُوتُ: الطاعَةُ والدُعاءُ أيْضًا وبِكُلِّ ذَلِكَ يَتَّصِفُ المُتَّقِي. والإنْفاقُ مَعْناهُ: في سَبِيلِ اللهِ ومَظانِّ الأجْرِ كالصِلَةِ لِلرَّحِمِ وغَيْرِها، ولا يَخْتَصُّ هَذا الإنْفاقُ بِالزَكاةِ المَفْرُوضَةِ. والِاسْتِغْفارُ: طَلَبُ المَغْفِرَةِ مِنَ اللهِ تَعالى، وخَصَّ تَعالى السَحَرَ لِما فَسَّرَ النَبِيُّ ﷺ في قَوْلِهِ: « "يَنْزِلُ رَبُّنا عَزَّ وجَلَّ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى سَماءِ الدُنْيا حِينَ يَبْقى ثُلُثُ اللَيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَن يَسْألُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ فَلا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يَطْلُعَ الفَجْرُ.» ورُوِيَ في تَفْسِيرِ قَوْلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ: "سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي" أنَّهُ أخَّرَ الأمْرَ إلى السَحَرِ، ورَوى إبْراهِيمُ بْنُ حاطِبٍ عن أبِيهِ قالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا في السَحَرِ في ناحِيَةِ المَسْجِدِ يَقُولُ: رَبِّ أمَرْتَنِي فَأطَعْتُكَ، وهَذا سَحَرٌ فاغْفِرْ لِي، فَنَظَرْتُ فَإذا ابْنُ مَسْعُودٍ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: أُمِرْنا أنْ نَسْتَغْفِرَ بِالسَحَرِ سَبْعِينَ اسْتِغْفارَةً. وقالَ نافِعٌ: كانَ ابْنُ عُمَرَ يُحْيِي اللَيْلَ صَلاةً ثُمَّ يَقُولُ: يا نافِعُ أسَحِرْنا؟ فَأقُولُ: لا، فَيُعاوِدُ الصَلاةَ ثُمَّ يَسْألُ، فَإذا قُلْتُ نَعَمْ قَعَدَ يَسْتَغْفِرُ. فَلَفْظُ الآيَةِ إنَّما يُعْطِي طَلَبَ المَغْفِرَةِ، وهَكَذا تَأوَّلَهُ مَن ذَكَرْناهُ مِنَ الصَحابَةِ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالآيَةِ، المُصَلُّونَ بِالسَحَرِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: المُرادُ بِها الَّذِينَ يُصَلُّونَ صَلاةَ الصُبْحِ في جَماعَةٍ، وهَذا كُلُّهُ يَقْتَرِنُ بِهِ الِاسْتِغْفارُ. والسَحَرُ - بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِها-: آخِرُ اللَيْلِ. قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: هو قَبْلَ طُلُوعِ (p-١٧٨)الفَجْرِ، وهَذا صَحِيحٌ لِأنَّ ما بَعْدَ الفَجْرِ هو مِنَ اليَوْمِ لا مِنَ اللَيْلَةِ. وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: السَحَرُ مِن ثُلُثِ اللَيْلِ الآخِرِ إلى الفَجْرِ. والحَدِيثُ في التَنَزُّلِ وهَذِهِ الآيَةُ في الِاسْتِغْفارِ يُؤَيِّدانِ هَذا. وقَدْ يَجِيءُ في أشْعارِ العَرَبِ ما يَقْتَضِي أنَّ حُكْمَ السَحَرِ يَسْتَمِرُّ فِيما بَعْدَ الفَجْرِ، نَحْوِ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ يُعَلُّ بِهِ بَرْدُ أنْيابِها ∗∗∗ إذا غَرَّدَ الطائِرُ المُسْتَحِرْ يُقالُ: أسْحَرَ واسْتَحَرَ إذا دَخَلَ في السَحَرِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: نَسِيمُ السَحَرِ، يَقَعُ لِما بَعْدَ الفَجْرِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ يَجِدُ النِساءَ حَواسِرًا يَنْدُبْنَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ قَدْ قُمْنَ قَبْلَ تَبَلُّجِ الأسْحارِ فَقَدْ قَضى أنَّ السَحَرَ يَتَبَلَّجُ بِطُلُوعِ الفَجْرِ، ولَكِنَّ حَقِيقَةَ السَحَرِ في هَذِهِ الأحْكامِ الشَرْعِيَّةِ مِنَ الِاسْتِغْفارِ المَحْمُودِ، ومِن سَحُورِ الصائِمِ، ومِن يَمِينٍ لَوْ وقَعَتْ - إنَّما هي مِن ثُلُثِ اللَيْلِ الباقِي إلى الفَجْرِ.

آل عمران 3:17

وَقوله عزّ وجلّ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النارِ﴾ ﴿الصابِرِينَ والصادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ "الَّذِينَ" بَدَلٌ مِنَ "الَّذِينَ اتَّقَوْا"، فَسَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ أحْوالَ المُتَّقِينَ المَوْعُودِينَ بِالجَنّاتِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إعْرابُ قَوْلِهِ: "الَّذِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ رَفْعًا عَلى القَطْعِ (p-١٧٧)وَإضْمارِ الِابْتِداءِ، ويَحْتاجُ إلى القَطْعِ وإضْمارِ فِعْلٍ في قَوْلِهِ "الصابِرِينَ"، والخَفْضُ في ذَلِكَ كُلِّهِ عَلى البَدَلِ أوجَهُ. ويَجُوزُ في "الَّذِينَ"، وما بَعْدَهُ النَصْبُ عَلى المَدْحِ. والصَبْرُ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: عَلى الطاعاتِ وعَنِ المَعاصِي والشَهَواتِ. والصِدْقُ مَعْناهُ: في الأقْوالِ والأفْعالِ. والقُنُوتُ: الطاعَةُ والدُعاءُ أيْضًا وبِكُلِّ ذَلِكَ يَتَّصِفُ المُتَّقِي. والإنْفاقُ مَعْناهُ: في سَبِيلِ اللهِ ومَظانِّ الأجْرِ كالصِلَةِ لِلرَّحِمِ وغَيْرِها، ولا يَخْتَصُّ هَذا الإنْفاقُ بِالزَكاةِ المَفْرُوضَةِ. والِاسْتِغْفارُ: طَلَبُ المَغْفِرَةِ مِنَ اللهِ تَعالى، وخَصَّ تَعالى السَحَرَ لِما فَسَّرَ النَبِيُّ ﷺ في قَوْلِهِ: « "يَنْزِلُ رَبُّنا عَزَّ وجَلَّ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى سَماءِ الدُنْيا حِينَ يَبْقى ثُلُثُ اللَيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَن يَسْألُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ فَلا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يَطْلُعَ الفَجْرُ.» ورُوِيَ في تَفْسِيرِ قَوْلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ: "سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي" أنَّهُ أخَّرَ الأمْرَ إلى السَحَرِ، ورَوى إبْراهِيمُ بْنُ حاطِبٍ عن أبِيهِ قالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا في السَحَرِ في ناحِيَةِ المَسْجِدِ يَقُولُ: رَبِّ أمَرْتَنِي فَأطَعْتُكَ، وهَذا سَحَرٌ فاغْفِرْ لِي، فَنَظَرْتُ فَإذا ابْنُ مَسْعُودٍ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: أُمِرْنا أنْ نَسْتَغْفِرَ بِالسَحَرِ سَبْعِينَ اسْتِغْفارَةً. وقالَ نافِعٌ: كانَ ابْنُ عُمَرَ يُحْيِي اللَيْلَ صَلاةً ثُمَّ يَقُولُ: يا نافِعُ أسَحِرْنا؟ فَأقُولُ: لا، فَيُعاوِدُ الصَلاةَ ثُمَّ يَسْألُ، فَإذا قُلْتُ نَعَمْ قَعَدَ يَسْتَغْفِرُ. فَلَفْظُ الآيَةِ إنَّما يُعْطِي طَلَبَ المَغْفِرَةِ، وهَكَذا تَأوَّلَهُ مَن ذَكَرْناهُ مِنَ الصَحابَةِ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالآيَةِ، المُصَلُّونَ بِالسَحَرِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: المُرادُ بِها الَّذِينَ يُصَلُّونَ صَلاةَ الصُبْحِ في جَماعَةٍ، وهَذا كُلُّهُ يَقْتَرِنُ بِهِ الِاسْتِغْفارُ. والسَحَرُ - بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِها-: آخِرُ اللَيْلِ. قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: هو قَبْلَ طُلُوعِ (p-١٧٨)الفَجْرِ، وهَذا صَحِيحٌ لِأنَّ ما بَعْدَ الفَجْرِ هو مِنَ اليَوْمِ لا مِنَ اللَيْلَةِ. وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: السَحَرُ مِن ثُلُثِ اللَيْلِ الآخِرِ إلى الفَجْرِ. والحَدِيثُ في التَنَزُّلِ وهَذِهِ الآيَةُ في الِاسْتِغْفارِ يُؤَيِّدانِ هَذا. وقَدْ يَجِيءُ في أشْعارِ العَرَبِ ما يَقْتَضِي أنَّ حُكْمَ السَحَرِ يَسْتَمِرُّ فِيما بَعْدَ الفَجْرِ، نَحْوِ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ يُعَلُّ بِهِ بَرْدُ أنْيابِها ∗∗∗ إذا غَرَّدَ الطائِرُ المُسْتَحِرْ يُقالُ: أسْحَرَ واسْتَحَرَ إذا دَخَلَ في السَحَرِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: نَسِيمُ السَحَرِ، يَقَعُ لِما بَعْدَ الفَجْرِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ يَجِدُ النِساءَ حَواسِرًا يَنْدُبْنَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ قَدْ قُمْنَ قَبْلَ تَبَلُّجِ الأسْحارِ فَقَدْ قَضى أنَّ السَحَرَ يَتَبَلَّجُ بِطُلُوعِ الفَجْرِ، ولَكِنَّ حَقِيقَةَ السَحَرِ في هَذِهِ الأحْكامِ الشَرْعِيَّةِ مِنَ الِاسْتِغْفارِ المَحْمُودِ، ومِن سَحُورِ الصائِمِ، ومِن يَمِينٍ لَوْ وقَعَتْ - إنَّما هي مِن ثُلُثِ اللَيْلِ الباقِي إلى الفَجْرِ.

آل عمران 3:18

قوله عزّ وجلّ: ﴿شَهِدَ اللهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ لا إلَهَ إلا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أصْلُ شَهِدَ في كَلامِ العَرَبِ: حَضَرَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ثُمَّ صُرِّفَتِ الكَلِمَةُ حَتّى قِيلَ في أداءِ ما تَقَرَّرَ عِلْمُهُ في النَفْسِ، بِأيِّ وجْهٍ تَقَرَّرَ؛ مِن حُضُورٍ أو غَيْرِهِ: شَهِدَ يَشْهَدُ؛ فَمَعْنى "شَهِدَ اللهُ": أعْلَمَ عِبادَهُ بِهَذا الأمْرِ الحَقِّ وبَيَّنَهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: شَهِدَ اللهُ مَعْناهُ: قَضى اللهُ، وهَذا مَرْدُودٌ مِن جِهاتٍ. وقَرَأ جَمِيعُ القُرّاءِ: "أنَّهُ لا إلَهَ" بِفَتْحِ الألِفِ مِن "أنَّهُ" وبِكَسْرِها مِن قَوْلِهِ: "إنَّ (p-١٧٩)الدِينَ" واسْتِئْنافِ الكَلامِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "أنَّ الدِينَ" بِفَتْحِ الألِفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: "أنَّ" بَدَلٌ مِن "أنَّهُ" الأُولى، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مِن بَدَلِ الشَيْءِ مِنَ الشَيْءِ وهو هُوَ، لِأنَّهُ الإسْلامُ هو التَوْحِيدُ والعَدْلُ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، لِأنَّ الإسْلامَ يَشْتَمِلُ عَلى التَوْحِيدِ والعَدْلِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ "إنَّ الدِينَ" بَدَلًا مِنَ "القِسْطِ" لِأنَّهُ هو في المَعْنى. ووَجَّهَ الطَبَرِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ بِأنْ قَدَّرَ في الكَلامِ واوَ عَطْفٍ ثُمَّ حُذِفَتْ وهي مُرادَةٌ، كَأنَّهُ قالَ: "وَإنَّ الدِينَ" وهَذا ضَعِيفٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ العَبّاسِ: "إنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ" بِكَسْرِ الألِفِ مِن "إنَّهُ"، وقَرَأ "أنَّ الدِينَ" بِفَتْحِ الألِفِ، فَأعْمَلَ "شَهِدَ" في "أنَّ الدِينَ" وجاءَ قَوْلُهُ: "إنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ" اعْتِراضًا جَمِيلًا في نَفْسِ الكَلامِ المُتَّصِلِ. وتَأوَّلَ السُدِّيُّ الآيَةَ عَلى نَحْوِ قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: اللهُ ومَلائِكَتُهُ والعُلَماءُ يَشْهَدُونَ: "أنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ". وقَرَأ أبُو المُهَلَّبِ عَمُّ مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ: "شُهَداءَ اللهِ" عَلى وزْنِ فُعَلاءَ وبِالإضافَةِ إلى المَكْتُوبَةِ. قالَ أبُو الفَتْحِ، هو نَصْبٌ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "المُسْتَغْفِرِينَ"، وهو جَمْعُ شَهِيدٍ أو جَمْعُ شاهِدٍ كَعالِمٍ وعُلَماءٍ، ورُوِيَ عن أبِي المُهَلَّبِ هَذا أنَّهُ قَرَأ "شُهَداءُ اللهِ" بِرَفْعِ الشُهَداءِ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "شُهُدَ اللهِ" عَلى وزْنِ فُعُلٍ، بِضَمِّ الفاءِ والعَيْنِ، ونَصْبِ شُهَداءَ عَلى الحالِ. وحَكى النَقّاشُ أنَّهُ قُرِئَ: "شُهُدُ اللهِ" بِضَمِّ الشِينِ والهاءِ والإضافَةِ إلى المَكْتُوبَةِ، قالَ: فَمِنهم مَن نَصَبَ الدالَ ومِنهم مَن رَفَعَها. وأصْوَبُ هَذِهِ القِراءاتِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وإيقاعُ الشَهادَةِ عَلى التَوْحِيدِ. ﴿والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾ عَطْفٌ عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى. وعَلى بَعْضِ ما ذَكَرْناهُ مِنَ القِراءاتِ يَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾ ابْتِداءً وخَبَرُهُ مُقَدَّرٌ، كَأنَّهُ قالَ: ﴿والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾ يَشْهَدُونَ و﴿قائِمًا﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ مِنِ اسْمِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللهُ﴾ أو مِن قَوْلِهِ: ﴿إلا هُوَ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ "القائِمُ بِالقِسْطِ" والقِسْطُ العَدْلُ.

آل عمران 3:19

(p-١٨٠)قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ فَإنَّ اللهِ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلافِ القُرّاءِ في كَسْرِ الألِفِ مِن إنَّ الدِينَ وفَتْحِها، والدِينُ في هَذِهِ الآيَةِ: الطاعَةُ والمِلَّةُ، والمَعْنى: أنَّ الدِينَ المَقْبُولَ أوِ النافِعَ أوِ المُقَرَّرَ. و"الإسْلامُ" في هَذِهِ الآيَةِ هو الإيمانُ والطاعَةُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وعَلَيْهِ جُمْهُورُ المُتَكَلِّمِينَ، وعَبَّرَ عنهُ قَتادَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ بِالإيمانِ، ومُرادُهُما أنَّهُ مَعَ الأعْمالِ. والإسْلامُ هو الَّذِي سَألَ عنهُ جِبْرِيلُ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ حِينَ جاءَ يُعَلِّمُ الناسَ دِينَهُمُ.... الحَدِيثُ، وجَوابُ النَبِيِّ لَهُ في الإيمانِ والإسْلامِ يُفَسِّرُ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ تَفْسِيرُهُ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَلامُ: « "بُنِيَ الإسْلامُ عَلى خَمْسٍ"...» الحَدِيثَ. وكُلُّ مُؤْمِنٍ بِنَبِيِّهِ مُلْتَزِمٍ لِطاعاتِ شَرْعِهِ، فَهو داخِلٌ تَحْتَ هَذِهِ الصِفَةِ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "إنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ لَلْإسْلامُ" بِاللامِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ اخْتِلافِ أهْلِ الكِتابِ أنَّهُ كانَ عَلى عِلْمٍ مِنهم بِالحَقائِقِ، وأنَّهُ كانَ بَغْيًا وطَلَبًا لِلدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ وغَيْرُهُ. (p-١٨١)"والَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ" لَفْظٌ يَعُمُّ اليَهُودَ "والنَصارى، لَكِنَّ الرَبِيعَ بْنَ أنَسٍ قالَ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ اليَهُودُ" وذَلِكَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ، دَعا سَبْعِينَ حَبْرًا مِن أحْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ فاسْتَوْدَعَهُمُ التَوْراةَ، عِنْدَ كُلِّ حَبْرٍ جُزْءٌ، واسْتَخْلَفَ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ، فَلَمّا مَضَتْ ثَلاثَةُ قُرُونٍ وقَعَتِ الفُرْقَةُ بَيْنَهم. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ النَصارى، وهي تَوْبِيخٌ لِنَصارى نَجْرانَ. و"بَغْيًا" نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، أو عَلى الحالِ مِنَ "الَّذِينَ" ثُمَّ تَوَعَّدَ عَزَّ وجَلَّ الكُفّارَ. وسُرْعَةُ الحِسابِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها سُرْعَةُ مَجِيءِ القِيامَةِ والحِسابِ، إذْ هي مُتَيَقَّنَةُ الوُقُوعِ، فَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِسُرْعَةِ الحِسابِ أنَّ اللهَ تَعالى بِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، لا يَحْتاجُ إلى عَدٍّ ولا فِكْرَةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ..

آل عمران 3:20

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ واللهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ "حاجُّوكَ" فاعَلُوكَ مِنَ الحُجَّةِ، والضَمِيرُ في حاجُّوكَ لِلْيَهُودِ ولِنَصارى نَجْرانَ، والمَعْنى: إنْ جادَلُوكَ وتَعَنَّتُوا بِالأقاوِيلِ المُزَوَّرَةِ، والمُغالَطاتِ، فَأسْنِدْ إلى ما كُلِّفْتَ مِنَ الإيمانِ والتَبْلِيغِ، وعَلى اللهِ نَصْرُكَ. وقَوْلُهُ "وَجْهِيَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَقْصِدُ كَما تَقُولُ: خَرَجَ فُلانٌ في وجْهِ كَذا، فَيَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: جَعَلْتُ مَقْصِدِي لِلَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: أسْلَمْتُ شَخْصِي وذاتِي وكُلِّيَّتِي؛ وجَعَلْتُ ذَلِكَ لِلَّهِ. وعَبَّرَ بِالوَجْهِ إذِ الوَجْهُ أشْرَفُ أعْضاءِ الشَخْصِ وأجْمَعُها لِلْحَواسِّ. وقَدْ قالَ حُذّاقُ المُتَكَلِّمِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] أنَّها عِبارَةٌ عَنِ الذاتِ. (p-١٨٢)"أسْلَمْتُ" في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى دَفَعْتُ وأمْضَيْتُ، ولَيْسَتْ بِمَعْنى دَخَلْتُ في السَلْمِ لِأنَّ تِلْكَ لا تَتَعَدّى. وقَوْلُهُ: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، عُطِفَ عَلى الضَمِيرِ في "أسْلَمْتُ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، أىْ: ومَنِ اتَّبَعَنِ أسْلَمَ وجْهَهُ. وقالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى كَأنَّهُ يَقُولُ: جَعَلْتُ مَقْصِدِي لِلَّهِ بِالإيمانِ بِهِ والطاعَةِ لَهُ، ولِمَنِ اتَّبَعَنِ بِالحِفْظِ لَهُ والتَحَفِّي بِتَعْلِيمِهِ وصُحْبَتِهِ. ولَكَ في "اتَّبَعَنِ" حَذْفُ الياءِ وإثْباتُها، وحَذْفُها أحْسَنُ اتِّباعًا لِخَطِّ المُصْحَفِ. وهَذِهِ النُونُ إنَّما هي لِتَسْلَمَ فَتْحَةُ لامِ الفِعْلِ، فَهي مَعَ الكَسْرَةِ تُغْنِي عَنِ الياءِ لا سِيَّما إذا كانَتْ رَأْسَ آيَةٍ، فَإنَّها تُشَبَّهُ بِقَوافِي الشِعْرِ، كَما قالَ الأعْشى: ؎ وهَلْ يَمْنَعُنَّ ارْتِيادِي البِلادَ ∗∗∗ مِن حَذَرِ المَوْتِ أنْ يَأْتِيَنْ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّي أكْرَمَنِ﴾ [الفجر: ١٥]، فَإذا لَمْ تَكُنْ نُونٌ فَإثْباتُ الياءِ أحْسَنُ، لَكِنَّهم قَدْ قالُوا: هَذا غُلامِ قَدْ جاءَ، فاكْتَفَوْا بِالكَسْرَةِ دَلالَةً عَلى الياءِ. و( الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ) في هَذا المَوْضِعِ يَجْمَعُ اليَهُودَ والنَصارى بِاتِّفاقٍ. والأُمِّيُّونَ: هُمُ الَّذِينَ لا يَكْتُبُونَ، وهُمُالعَرَبُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهَذِهِ النِسْبَةُ هي إلى الأُمِّ أو إلى الأُمَّةِ أيْ كَما هي الأُمُّ، أو عَلى حالِ خُرُوجِ الإنْسانِ عَنِ الأُمِّ، أو عَلى حالِ الأُمَّةِ الساذَجَةِ قَبْلَ التَعَلُّمِ والتَحَذُّقِ. وقَوْلُهُ: "أأسْلَمْتُمْ" تَقْرِيرٌ في ضِمْنِهِ الأمْرُ، كَذا قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ، "وَذَلِكَ بَيِّنٌ"، وقالَ الزَجّاجُ "أأسْلَمْتُمْ" تَهَدُّدٌ، وهَذا حَسَنٌ، لِأنَّ المَعْنى: أأسْلَمْتُمْ أمْ لا؟ (p-١٨٣)وَقَوْلُهُ: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة: ١٣٧] جاءَتِ العِبارَةُ بِالماضِي مُبالَغَةً في الإخْبارِ بِوُقُوعِ الهُدى لَهم وتَحَصُّلِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾، ذَكَرَ بَعْضُ الناسِ أنَّها آيَةُ مُوادَعَةٍ، وأنَّها مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ السَيْفِ. وهَذا يَحْتاجُ أنْ يَقْتَرِنَ بِهِ مَعْرِفَةُ تارِيخِ نُزُولِها، وأمّا عَلى ظاهِرِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في وقْتِ وفْدِ نَجْرانَ فَإنَّما المَعْنى: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ بِما فِيهِ قِتالٌ وغَيْرُهُ، والبَلاغُ مَصْدَرُ بَلَغَ بِتَخْفِيفِ عَيْنِ الفِعْلِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، ووَعِيدٌ لِلْكافِرِينَ..

آل عمران 3:21

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ ويَقْتُلُونَ النَبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ الناسِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في اليَهُودِ والنَصارى. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَعُمُّ كُلَّ مَن كانَ بِهَذِهِ الحالِ. والآيَةُ تَوْبِيخٌ لِلْمُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَساوِئِ أسْلافِهِمْ وبِبَقائِهِمْ أنْفُسِهِمْ عَلى فِعْلِ ما أمْكَنَهم مِن تِلْكَ المَساوِئِ؛ لِأنَّهم كانُوا حَرْصى عَلى قَتْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ. ورُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَتَلُوا في يَوْمٍ واحِدٍ سَبْعِينَ نَبِيًّا وقامَتْ سُوقُ البَقْلِ بَعْدَ ذَلِكَ. ورَوى أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ «أنَّهم قَتَلُوا ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا، فاجْتَمَعَ مِن خِيارِهِمْ وأحْبارِهِمْ مِائَةٌ وعِشْرُونَ لِيُغَيِّرُوا ويُنْكِرُوا فَقُتِلُوا أجْمَعِينَ، كُلُّ ذَلِكَ في يَوْمٍ واحِدٍ؛» وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: (p-١٨٤)﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ﴾. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ مُبالَغَةٌ في "التَحْرِيرِ لِلذَّنْبِ إذْ في الإمْكانِ" أنْ يَقْتَضِيَ ذَلِكَ أمْرُ اللهِ تَعالى بِوَجْهٍ ما مِن تَكْرِمَةِ النَبِيِّ أو غَيْرِ ذَلِكَ. وعَلى هَذا المَعْنى تَجِيءُ أفْعَلُ مِن كَذا، إذا كانَ فِيها شِياعٌ مِثْلُ: أحَبُّ وخَيْرٌ وأفْضَلُ ونَحْوُهُ مَقُولَةً بَيْنَ شَيْئَيْنِ ظاهِرُهُما الِاشْتِراكُ بَيْنَهُما. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ" وقَرَأ حَمْزَةُ وجَماعَةٌ مِن غَيْرِ السَبْعَةِ: "وَيُقاتِلُونَ الَّذِينَ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَقاتِلُوا الَّذِينَ"، وقَرَأها الأعْمَشُ، وكُلُّها مُتَوَجِّهَةٌ، وأبْيَنُها قِراءَةُ الجُمْهُورِ. والقِسْطُ: العَدْلُ، وجاءَتِ البِشارَةُ بِالعَذابِ مِن حَيْثُ نُصَّ عَلَيْهِ، وإذا جاءَتِ البِشارَةُ مُطْلَقَةً فَمُجْمَلُها فِيما يُسْتَحْسَنُ. ودَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: "فَبَشِّرْهُمْ" لِما في "الَّذِي" مِن مَعْنى الشَرْطِ في هَذا المَوْضِعِ، فَذَلِكَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: الَّذِي يَفْعَلُ كَذا فَلَهُ كَذا، إذا أرَدْتَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لَهُ بِسَبَبِ فِعْلِهِ الشَيْءَ الآخَرَ، فَيَكُونُ الفِعْلُ في صِلَتِها، وتَكُونُ بِحَيْثُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْها عامِلٌ يُغَيِّرُ مَعْناها، كَلَيْتَ ولَعَلَّ، وهَذا المَعْنى نَصٌّ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ في بابٍ تَرْجَمَتُهُ "هَذا بابُ الحُرُوفِ الَّتِي تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ الأمْرِ والنَهْيِ، لِأنَّ فِيها مَعْنى الأمْرِ والنَهْيِ". "وَحَبِطَتْ" مَعْناهُ: بَطَلَتْ وسَقَطَ حُكْمُها، وحَبْطُها في الدُنْيا: بَقاءُ الذَمِّ واللَعْنَةِ (p-١٨٥)عَلَيْهِمْ، وحَبْطُها في الآخِرَةِ: كَوْنُها هَباءً مُنْبَثًّا وتَعْذِيبُهم عَلَيْها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو السَمّالِ العَدَوِيُّ: "حَبَطَتْ" بِفَتْحِ الباءِ وهي لُغَةٌ، ثُمَّ نَفى النَصْرَ عنهم في كِلا الحالَيْنِ.

آل عمران 3:22

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ ويَقْتُلُونَ النَبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ الناسِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في اليَهُودِ والنَصارى. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَعُمُّ كُلَّ مَن كانَ بِهَذِهِ الحالِ. والآيَةُ تَوْبِيخٌ لِلْمُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَساوِئِ أسْلافِهِمْ وبِبَقائِهِمْ أنْفُسِهِمْ عَلى فِعْلِ ما أمْكَنَهم مِن تِلْكَ المَساوِئِ؛ لِأنَّهم كانُوا حَرْصى عَلى قَتْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ. ورُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَتَلُوا في يَوْمٍ واحِدٍ سَبْعِينَ نَبِيًّا وقامَتْ سُوقُ البَقْلِ بَعْدَ ذَلِكَ. ورَوى أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ «أنَّهم قَتَلُوا ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا، فاجْتَمَعَ مِن خِيارِهِمْ وأحْبارِهِمْ مِائَةٌ وعِشْرُونَ لِيُغَيِّرُوا ويُنْكِرُوا فَقُتِلُوا أجْمَعِينَ، كُلُّ ذَلِكَ في يَوْمٍ واحِدٍ؛» وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: (p-١٨٤)﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ﴾. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ مُبالَغَةٌ في "التَحْرِيرِ لِلذَّنْبِ إذْ في الإمْكانِ" أنْ يَقْتَضِيَ ذَلِكَ أمْرُ اللهِ تَعالى بِوَجْهٍ ما مِن تَكْرِمَةِ النَبِيِّ أو غَيْرِ ذَلِكَ. وعَلى هَذا المَعْنى تَجِيءُ أفْعَلُ مِن كَذا، إذا كانَ فِيها شِياعٌ مِثْلُ: أحَبُّ وخَيْرٌ وأفْضَلُ ونَحْوُهُ مَقُولَةً بَيْنَ شَيْئَيْنِ ظاهِرُهُما الِاشْتِراكُ بَيْنَهُما. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ" وقَرَأ حَمْزَةُ وجَماعَةٌ مِن غَيْرِ السَبْعَةِ: "وَيُقاتِلُونَ الَّذِينَ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَقاتِلُوا الَّذِينَ"، وقَرَأها الأعْمَشُ، وكُلُّها مُتَوَجِّهَةٌ، وأبْيَنُها قِراءَةُ الجُمْهُورِ. والقِسْطُ: العَدْلُ، وجاءَتِ البِشارَةُ بِالعَذابِ مِن حَيْثُ نُصَّ عَلَيْهِ، وإذا جاءَتِ البِشارَةُ مُطْلَقَةً فَمُجْمَلُها فِيما يُسْتَحْسَنُ. ودَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: "فَبَشِّرْهُمْ" لِما في "الَّذِي" مِن مَعْنى الشَرْطِ في هَذا المَوْضِعِ، فَذَلِكَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: الَّذِي يَفْعَلُ كَذا فَلَهُ كَذا، إذا أرَدْتَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لَهُ بِسَبَبِ فِعْلِهِ الشَيْءَ الآخَرَ، فَيَكُونُ الفِعْلُ في صِلَتِها، وتَكُونُ بِحَيْثُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْها عامِلٌ يُغَيِّرُ مَعْناها، كَلَيْتَ ولَعَلَّ، وهَذا المَعْنى نَصٌّ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ في بابٍ تَرْجَمَتُهُ "هَذا بابُ الحُرُوفِ الَّتِي تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ الأمْرِ والنَهْيِ، لِأنَّ فِيها مَعْنى الأمْرِ والنَهْيِ". "وَحَبِطَتْ" مَعْناهُ: بَطَلَتْ وسَقَطَ حُكْمُها، وحَبْطُها في الدُنْيا: بَقاءُ الذَمِّ واللَعْنَةِ (p-١٨٥)عَلَيْهِمْ، وحَبْطُها في الآخِرَةِ: كَوْنُها هَباءً مُنْبَثًّا وتَعْذِيبُهم عَلَيْها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو السَمّالِ العَدَوِيُّ: "حَبَطَتْ" بِفَتْحِ الباءِ وهي لُغَةٌ، ثُمَّ نَفى النَصْرَ عنهم في كِلا الحالَيْنِ.

آل عمران 3:23

قوله عزّ وجلّ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النارُ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ بَيْتَ المَدارِسِ عَلى جَماعَةٍ مِن يَهُودَ فَدَعاهم إلى اللهِ، فَقالَ لَهُ نُعَيْمُ بْنُ عَمْرٍو والحارِثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "أنا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ" فَقالا: فَإنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا، فَقالَ لَهُما النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ: "فَهَلُمُّوا إلى التَوْراةِ فَهي بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ" فَأبَيا عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ.» وذَكَرَ النَقّاشُ «أنَّها نَزَلَتْ لِأنَّ جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ أنْكَرُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ. فَقالَ لَهُمُ النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ: "هَلُمُّوا إلى التَوْراةِ فَفِيها صِفَتِي" فَأبَوْا.» فالكِتابُ في قَوْلِهِ: "مِنَ الكِتابِ" هو اسْمُ الجِنْسِ، والكِتابُ في قَوْلِهِ: ﴿إلى كِتابِ اللهِ﴾ هو التَوْراةُ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: الكِتابُ في قَوْلِهِ ﴿إلى كِتابِ اللهِ﴾ هو القُرْآنُ، كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُوهم إلَيْهِ فَكانُوا يُعْرِضُونَ، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ القَوْلَ الأوَّلَ، (p-١٨٦)وَقالَ مَكِّيٌّ: الكِتابُ الأوَّلُ اللَوْحُ المَحْفُوظُ، والثانِي؛ التَوْراةُ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِيَحْكُمَ" بِفَتْحِ الياءِ أيْ لِيَحْكُمَ الكِتابُ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ "لِيُحْكَمَ" بِضَمِّ الياءِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ. وخَصَّ اللهُ تَعالى بِالتَوَلِّي فَرِيقًا دُونَ الكُلِّ، لِأنَّ مِنهم مَن لَمْ يَتَوَلَّ كابْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ بِأنَّهُمْ" الإشارَةُ فِيهِ إلى التَوَلِّي والإعْراضِ، أيْ إنَّما تَوَلَّوْا وأعْرَضُوا لِاغْتِرارِهِمْ بِهَذِهِ الأقْوالِ والِافْتِراءِ الَّذِي لَهم في قَوْلِهِمْ: "نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ" إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن هَذا المَعْنى. وكانَ مِن قَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ: إنَّهم لَنْ تَمَسَّهُمُ النارُ إلّا أرْبَعِينَ يَوْمًا عَدَدَ الأيّامِ الَّتِي عَبَدُوا فِيها العِجْلَ، قالَهُ الرَبِيعُ وقَتادَةُ. وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهم قالُوا: إنَّ اللهَ وعَدَ أباهم يَعْقُوبَ ألّا يُدْخِلَ أحَدًا مِن ولَدِهِ النارَ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ لِلْيَهُودِ: "مَن أوَّلُ مَن يَدْخُلُ النارَ؟ فَقالُوا نَحْنُ، فَتْرَةً يَسِيرَةً ثُمَّ تَخْلُفُونَنا فِيها، فَقالَ: كَذَبْتُمْ"...» الحَدِيثُ بِطُولِهِ و"يَفْتَرُونَ" مَعْناهُ: يُشَقِّقُونَ ويَخْتَلِقُونَ مِنَ الأحادِيثِ في مَدْحِ دِينِهِمْ وأنْفُسِهِمْ وادِّعاءِ الفَضائِلِ لَها. ثُمَّ قالَ تَعالى خِطابًا لِمُحَمَّدٍ وأُمَّتِهِ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ والتَعْجِيبِ: فَكَيْفَ حالُ هَؤُلاءِ المُغْتَرِّينَ بِالأباطِيلِ إذا حُشِرُوا يَوْمَ القِيامَةِ، واضْمَحَلَّتْ تِلْكَ الزَخارِفُ الَّتِي ادَّعَوْها في الدُنْيا وجُوزُوا بِما اكْتَسَبُوهُ مِن كُفْرِهِمْ وأعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ؟ قالَ النَقّاشُ: واليَوْمُ: الوَقْتُ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤] و﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] و﴿أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ [فصلت: ١٠] إنَّما هي عِبارَةٌ عن أوقاتٍ، فَإنَّما الأيّامُ واللَيالِي عِنْدَنا. والصَحِيحُ في يَوْمِ القِيامَةِ أنَّهُ يَوْمٌ لِأنَّ قَبْلَهُ لَيْلَةً وفِيهِ شَمْسٌ، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِيَوْمٍ" طالِبَةٌ لِمَحْذُوفٍ، قالَ الطَبَرِيُّ: تَقْدِيرُهُ: لِما يَحْدُثُ في يَوْمٍ..

آل عمران 3:24

قوله عزّ وجلّ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النارُ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ بَيْتَ المَدارِسِ عَلى جَماعَةٍ مِن يَهُودَ فَدَعاهم إلى اللهِ، فَقالَ لَهُ نُعَيْمُ بْنُ عَمْرٍو والحارِثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "أنا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ" فَقالا: فَإنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا، فَقالَ لَهُما النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ: "فَهَلُمُّوا إلى التَوْراةِ فَهي بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ" فَأبَيا عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ.» وذَكَرَ النَقّاشُ «أنَّها نَزَلَتْ لِأنَّ جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ أنْكَرُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ. فَقالَ لَهُمُ النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ: "هَلُمُّوا إلى التَوْراةِ فَفِيها صِفَتِي" فَأبَوْا.» فالكِتابُ في قَوْلِهِ: "مِنَ الكِتابِ" هو اسْمُ الجِنْسِ، والكِتابُ في قَوْلِهِ: ﴿إلى كِتابِ اللهِ﴾ هو التَوْراةُ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: الكِتابُ في قَوْلِهِ ﴿إلى كِتابِ اللهِ﴾ هو القُرْآنُ، كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُوهم إلَيْهِ فَكانُوا يُعْرِضُونَ، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ القَوْلَ الأوَّلَ، (p-١٨٦)وَقالَ مَكِّيٌّ: الكِتابُ الأوَّلُ اللَوْحُ المَحْفُوظُ، والثانِي؛ التَوْراةُ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِيَحْكُمَ" بِفَتْحِ الياءِ أيْ لِيَحْكُمَ الكِتابُ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ "لِيُحْكَمَ" بِضَمِّ الياءِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ. وخَصَّ اللهُ تَعالى بِالتَوَلِّي فَرِيقًا دُونَ الكُلِّ، لِأنَّ مِنهم مَن لَمْ يَتَوَلَّ كابْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ بِأنَّهُمْ" الإشارَةُ فِيهِ إلى التَوَلِّي والإعْراضِ، أيْ إنَّما تَوَلَّوْا وأعْرَضُوا لِاغْتِرارِهِمْ بِهَذِهِ الأقْوالِ والِافْتِراءِ الَّذِي لَهم في قَوْلِهِمْ: "نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ" إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن هَذا المَعْنى. وكانَ مِن قَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ: إنَّهم لَنْ تَمَسَّهُمُ النارُ إلّا أرْبَعِينَ يَوْمًا عَدَدَ الأيّامِ الَّتِي عَبَدُوا فِيها العِجْلَ، قالَهُ الرَبِيعُ وقَتادَةُ. وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهم قالُوا: إنَّ اللهَ وعَدَ أباهم يَعْقُوبَ ألّا يُدْخِلَ أحَدًا مِن ولَدِهِ النارَ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ لِلْيَهُودِ: "مَن أوَّلُ مَن يَدْخُلُ النارَ؟ فَقالُوا نَحْنُ، فَتْرَةً يَسِيرَةً ثُمَّ تَخْلُفُونَنا فِيها، فَقالَ: كَذَبْتُمْ"...» الحَدِيثُ بِطُولِهِ و"يَفْتَرُونَ" مَعْناهُ: يُشَقِّقُونَ ويَخْتَلِقُونَ مِنَ الأحادِيثِ في مَدْحِ دِينِهِمْ وأنْفُسِهِمْ وادِّعاءِ الفَضائِلِ لَها. ثُمَّ قالَ تَعالى خِطابًا لِمُحَمَّدٍ وأُمَّتِهِ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ والتَعْجِيبِ: فَكَيْفَ حالُ هَؤُلاءِ المُغْتَرِّينَ بِالأباطِيلِ إذا حُشِرُوا يَوْمَ القِيامَةِ، واضْمَحَلَّتْ تِلْكَ الزَخارِفُ الَّتِي ادَّعَوْها في الدُنْيا وجُوزُوا بِما اكْتَسَبُوهُ مِن كُفْرِهِمْ وأعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ؟ قالَ النَقّاشُ: واليَوْمُ: الوَقْتُ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤] و﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] و﴿أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ [فصلت: ١٠] إنَّما هي عِبارَةٌ عن أوقاتٍ، فَإنَّما الأيّامُ واللَيالِي عِنْدَنا. والصَحِيحُ في يَوْمِ القِيامَةِ أنَّهُ يَوْمٌ لِأنَّ قَبْلَهُ لَيْلَةً وفِيهِ شَمْسٌ، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِيَوْمٍ" طالِبَةٌ لِمَحْذُوفٍ، قالَ الطَبَرِيُّ: تَقْدِيرُهُ: لِما يَحْدُثُ في يَوْمٍ..

آل عمران 3:25

قوله عزّ وجلّ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النارُ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ بَيْتَ المَدارِسِ عَلى جَماعَةٍ مِن يَهُودَ فَدَعاهم إلى اللهِ، فَقالَ لَهُ نُعَيْمُ بْنُ عَمْرٍو والحارِثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "أنا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ" فَقالا: فَإنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا، فَقالَ لَهُما النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ: "فَهَلُمُّوا إلى التَوْراةِ فَهي بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ" فَأبَيا عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ.» وذَكَرَ النَقّاشُ «أنَّها نَزَلَتْ لِأنَّ جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ أنْكَرُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ. فَقالَ لَهُمُ النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ: "هَلُمُّوا إلى التَوْراةِ فَفِيها صِفَتِي" فَأبَوْا.» فالكِتابُ في قَوْلِهِ: "مِنَ الكِتابِ" هو اسْمُ الجِنْسِ، والكِتابُ في قَوْلِهِ: ﴿إلى كِتابِ اللهِ﴾ هو التَوْراةُ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: الكِتابُ في قَوْلِهِ ﴿إلى كِتابِ اللهِ﴾ هو القُرْآنُ، كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُوهم إلَيْهِ فَكانُوا يُعْرِضُونَ، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ القَوْلَ الأوَّلَ، (p-١٨٦)وَقالَ مَكِّيٌّ: الكِتابُ الأوَّلُ اللَوْحُ المَحْفُوظُ، والثانِي؛ التَوْراةُ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِيَحْكُمَ" بِفَتْحِ الياءِ أيْ لِيَحْكُمَ الكِتابُ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ "لِيُحْكَمَ" بِضَمِّ الياءِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ. وخَصَّ اللهُ تَعالى بِالتَوَلِّي فَرِيقًا دُونَ الكُلِّ، لِأنَّ مِنهم مَن لَمْ يَتَوَلَّ كابْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ بِأنَّهُمْ" الإشارَةُ فِيهِ إلى التَوَلِّي والإعْراضِ، أيْ إنَّما تَوَلَّوْا وأعْرَضُوا لِاغْتِرارِهِمْ بِهَذِهِ الأقْوالِ والِافْتِراءِ الَّذِي لَهم في قَوْلِهِمْ: "نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ" إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن هَذا المَعْنى. وكانَ مِن قَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ: إنَّهم لَنْ تَمَسَّهُمُ النارُ إلّا أرْبَعِينَ يَوْمًا عَدَدَ الأيّامِ الَّتِي عَبَدُوا فِيها العِجْلَ، قالَهُ الرَبِيعُ وقَتادَةُ. وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهم قالُوا: إنَّ اللهَ وعَدَ أباهم يَعْقُوبَ ألّا يُدْخِلَ أحَدًا مِن ولَدِهِ النارَ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ لِلْيَهُودِ: "مَن أوَّلُ مَن يَدْخُلُ النارَ؟ فَقالُوا نَحْنُ، فَتْرَةً يَسِيرَةً ثُمَّ تَخْلُفُونَنا فِيها، فَقالَ: كَذَبْتُمْ"...» الحَدِيثُ بِطُولِهِ و"يَفْتَرُونَ" مَعْناهُ: يُشَقِّقُونَ ويَخْتَلِقُونَ مِنَ الأحادِيثِ في مَدْحِ دِينِهِمْ وأنْفُسِهِمْ وادِّعاءِ الفَضائِلِ لَها. ثُمَّ قالَ تَعالى خِطابًا لِمُحَمَّدٍ وأُمَّتِهِ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ والتَعْجِيبِ: فَكَيْفَ حالُ هَؤُلاءِ المُغْتَرِّينَ بِالأباطِيلِ إذا حُشِرُوا يَوْمَ القِيامَةِ، واضْمَحَلَّتْ تِلْكَ الزَخارِفُ الَّتِي ادَّعَوْها في الدُنْيا وجُوزُوا بِما اكْتَسَبُوهُ مِن كُفْرِهِمْ وأعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ؟ قالَ النَقّاشُ: واليَوْمُ: الوَقْتُ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤] و﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] و﴿أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ [فصلت: ١٠] إنَّما هي عِبارَةٌ عن أوقاتٍ، فَإنَّما الأيّامُ واللَيالِي عِنْدَنا. والصَحِيحُ في يَوْمِ القِيامَةِ أنَّهُ يَوْمٌ لِأنَّ قَبْلَهُ لَيْلَةً وفِيهِ شَمْسٌ، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِيَوْمٍ" طالِبَةٌ لِمَحْذُوفٍ، قالَ الطَبَرِيُّ: تَقْدِيرُهُ: لِما يَحْدُثُ في يَوْمٍ..

آل عمران 3:26

(p-١٨٧)قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكِ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكِ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿تُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ وتُولِجُ النَهارِ في اللَيْلَ وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيَّ وتَرْزُقُ مِنَ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ دافِعَةٌ لِباطِلِ نَصارى نَجْرانَ في قَوْلِهِمْ: إنَّ عِيسى هو اللهُ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الأوصافَ تُبَيِّنُ لِكُلِّ صَحِيحِ الفِطْرَةِ؛ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنها، وقالَ قَتادَةُ: "ذُكِرَ لَنا «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ سَألَ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَ في أُمَّتِهِ مُلْكَ فارِسَ والرُومِ" فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» وقالَ مُجاهِدٌ: المُلْكُ في هَذِهِ الآيَةِ: النُبُوَّةُ. والصَحِيحُ أنَّهُ مالِكُ المُلْكِ كُلِّهِ مُطْلَقًا في جَمِيعِ أنْواعِهِ، وأشْرَفُ مُلْكٍ يُؤْتِيهِ سَعادَةُ الآخِرَةِ، ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بَشَّرَ أُمَّتَهُ بِفَتْحِ مُلْكِ فارِسَ وغَيْرِهِ فَقالَتِ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ: هَيْهاتَ وكَذَّبُوا ذَلِكَ. واخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في تَرْكِيبِ لَفْظَةِ "اللهُمَّ" بَعْدَ إجْماعِهِمْ عَلى أنَّها مَضْمُومَةُ الهاءِ مُشَدَّدَةُ المِيمِ المَفْتُوحَةِ وأنَّها مُنادى، ودَلِيلُ ذَلِكَ أنَّها لا تَأْتِي مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنى خَبَرٍ، فَمَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ والبَصْرِيِّينَ أنَّ الأصْلَ: "يا اللهُ"، فَلَمّا اسْتُعْمِلَتِ الكَلِمَةُ دُونَ حَرْفِ النِداءِ الَّذِي هو "يا" جَعَلُوا بَدَلَ حَرْفِ النِداءِ هَذِهِ المِيمَ المُشَدَّدَةَ، والضَمَّةُ في الهاءِ هي ضَمَّةُ الِاسْمِ المُنادى المُفْرَدِ، وذَهَبَ حَرْفانِ فَعُوِّضَ بِحَرْفَيْنِ. ومَذْهَبُالفَرّاءِ والكُوفِيِّينَ أنَّ أصْلَ "اللهُمَّ" يا اللهَ أُمَّ: أيْ أُمَّ بِخَيْرٍ، وأنَّ ضَمَّةَ الهاءِ هي ضَمَّةُ الهَمْزَةِ الَّتِي كانَتْ في "أُمَّ" نُقِلَتْ. ورَدَّ الزَجّاجُ عَلى هَذا القَوْلِ وقالَ: مُحالٌ أنْ يُتْرَكَ الضَمُّ الَّذِي هو دَلِيلٌ عَلى نِداءِ المُفْرَدِ وأنْ تُجْعَلَ في اسْمِ اللهِ ضَمَّةُ "أُمَّ"، هَذا إلْحادٌ في اسْمِ اللهِ تَعالى. وهَذا غُلُوٌّ مِنَ الزَجّاجِ. وقالَ أيْضًا: إنَّ هَذا الهَمْزَ الَّذِي يُطْرَحُ في الكَلامِ، فَشَأْنُهُ أنْ يُؤْتى بِهِ أحْيانًا كَما قالُوا: ويْلُمِّهِ في ويْلُ أُمِّهِ، والأكْثَرُ إثْباتُ الهَمْزَةِ، وما سُمِعَ قَطُّ يا اللهَ أُمَّ في هَذا اللَفْظِ. وقالَ أيْضًا: ولا تَقُولُ العَرَبُ يا اللهُمَّ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ (p-١٨٨)حَرْفُ النِداءِ عَلى "اللهُمَّ" وأنْشَدُوا عَلى ذَلِكَ: ؎ وما عَلَيْكِ أنْ تَقُولِي كُلَّما ∗∗∗ سَبَّحْتِ أو هَلَّلْتِ ياللهُمَّ ما ؎ ارْدُدْ عَلَيْنا شَيْخَنا مُسَلَّما قالُوا: فَلَوْ كانَتِ المِيمُ عِوَضًا مِن حَرْفِ النِداءِ لَما اجْتَمَعا. قالَ الزَجّاجُ: وهَذا شاذٌّ لا يُعْرَفُ قائِلُهُ، ولا يُتْرَكُ لَهُ ما في كِتابِ اللهِ وفي جَمِيعِ دِيوانِ العَرَبِ. قالَ الكُوفِيُّونَ: وإنَّما تُزادُ المِيمُ مُخَفَّفَةً في فَمِ وابْنَمِ ونَحْوِهِ، فَأمّا مِيمٌ مُشَدَّدَةٌ فَلا تُزادُ. قالَ البَصْرِيُّونَ: لَمّا ذَهَبَ حَرْفانِ، عُوِّضَ بِحَرْفَيْنِ. و"مالِكَ" نُصِبَ عَلى النِداءِ، نَصَّ سِيبَوَيْهِ "عَلى" ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَماواتِ والأرْضِ﴾ [الزمر: ٤٦] وقالَ: إنَّ "اللهُمَّ" لا يُوصَفُ لِأنَّهُ قَدْ ضُمَّتْ إلَيْهِ المِيمُ، قالَ الزَجّاجُ: و"مالِكَ" عِنْدِي صِفَةٌ لِاسْمِ اللهِ تَعالى، وكَذَلِكَ ( فاطِرِ السَماواتِ ) قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهو مَذْهَبُ أبِي العَبّاسِ، وما قالَ سِيبَوَيْهِ أصْوَبُ، وذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ في الأسْماءِ المَوْصُوفَةِ شَيْءٌ عَلى حَدِّ "اللهُمَّ" لِأنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ ضُمَّ إلَيْهِ صَوْتٌ، والأصْواتُ لا تُوصَفُ، نَحْوَ، "غاقِ" وما أشْبَهَهُ. وكَأنَّ حُكْمَ الِاسْمِ المُفْرَدِ أنْ لا يُوصَفَ، وإنْ كانُوا قَدْ وصَفُوهُ في مَواضِعَ، فَلَمّا ضُمَّ هُنا ما لا يُوصَفُ إلى ما كانَ قِياسُهُ ألّا يُوصَفَ صارَ بِمَنزِلَةِ صَوْتٍ ضُمَّ إلى صَوْتٍ نَحْوِ "حَيْهَلَ" فَلَمْ يُوصَفْ. قالَ النَضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ، مَن قالَ: اللهُمَّ، فَقَدْ دَعا اللهَ بِجَمِيعِ أسْمائِهِ كُلِّها، وقالَ الحَسَنُ: اللهُمَّ مَجْمَعُ الدُعاءِ. وخَصَّ اللهُ تَعالى: "الخَيْرُ" بِالذِكْرِ وهو تَعالى بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ، إذِ الآيَةُ في مَعْنى دُعاءٍ (p-١٨٩)وَرَغْبَةٍ، فَكَأنَّ المَعْنى: بِيَدِكَ الخَيْرُ فَأجْزِلْ حَظِّي مِنهُ. وقِيلَ: المُرادُ بِيَدِكَ الخَيْرُ والشَرُّ فَحُذِفَ لِدَلالَةِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، كَما قالَ: ﴿تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]. قالَ النَقّاشُ: بِيَدِكَ الخَيْرُ أيِ: النَصْرُ والغَنِيمَةُ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ أحَدِهِما. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ وقَتادَةُ والسُدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ﴾.... الآيَةِ: أنَّهُ ما يَنْتَقِصُ مِنَ النَهارِ فَيَزِيدُ في اللَيْلِ، وما يَنْتَقِصُ مِنَ اللَيْلِ فَيَزِيدُ في النَهارِ، دَأبًا كُلَّ فَصْلٍ مِنَ السَنَةِ، وتَحْتَمِلُ ألْفاظُ الآيَةِ أنْ يَدْخُلَ فِيها تَعاقُبُ اللَيْلِ والنَهارِ كَأنَّ زَوالَ أحَدِهِما وُلُوجٌ في الآخَرِ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾.... الآيَةِ، فَقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ تُخْرِجُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عن سَلْمانَ الفارِسِيِّ. ورَوى الزُهْرِيُّ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلى بَعْضِ أزْواجِهِ فَإذا بِامْرَأةٍ حَسَنَةِ النَغْمَةِ فَقالَ: "مَن هَذِهِ؟ قالَتْ: إحْدى خالاتِكَ، فَقالَ: إنَّ خالاتِي بِهَذِهِ البَلْدَةِ لَغَرائِبٌ، أيُّ خالاتِي هِيَ؟ قالَتْ: خالِدَةُ بِنْتُ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: سُبْحانَ الَّذِي يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ"» وكانَتِ امْرَأةً صالِحَةً، وكانَ أبُوها كافِرًا وهو أحَدُ المُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ كُفِيَهُمُ النَبِيُّ ﷺ. عَلَيْهِ السَلامُ. فالمُرادُ عَلى هَذا القَوْلِ مَوْتُ قَلْبِ الكافِرِ وحَياةُ قَلْبِ المُؤْمِنِ، والحَياةُ والمَوْتُ مُسْتَعارانِ. وذَهَبَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ الحَياةَ والمَوْتَ في الآيَةِ إنَّما هُما الحَياةُ حَقِيقَةً والمَوْتُ حَقِيقَةً لا بِاسْتِعارَةٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في المُثُلِ الَّتِي فَسَّرُوا بِها فَقالَ عِكْرِمَةُ: هو إخْراجُ الدَجاجَةِ وهي حَيَّةٌ مِنَ البَيْضَةِ وهي مَيِّتَةٌ، وإخْراجُ البَيْضَةِ وهي مَيِّتَةٌ مِنَ الدَجاجَةِ وهي حَيَّةٌ، ولَفْظُ الإخْراجِ في هَذا المِثالِ وما ناسَبَهُ لَفْظٌ مُتَمَكِّنٌ عَلى عُرْفِ اسْتِعْمالِهِ. وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: هي النُطْفَةُ تَخْرُجُ مِنَ الرَجُلِ وهي مَيِّتَةٌ وهو (p-١٩٠)حَيٌّ، ويَخْرُجُ الرَجُلُ مِنها وهي مَيِّتَةٌ. ولَفْظُ الإخْراجِ في تَنَقُّلِ النُطْفَةِ حَتّى تَكُونَ رَجُلًا إنَّما هو عِبارَةٌ عن تَغَيُّرِ الحالِ، كَما تَقُولُ في صَبِيٍّ جَيِّدِ البِنْيَةِ: يَخْرُجُ مِن هَذا رَجُلٌ قَوِيٌّ، وهَذا المَعْنى يُسَمِّيهِ ابْنُ جِنِّيٍّ: التَجْرِيدَ، أيْ تَجَرُّدُ الشَيْءِ مِن حالٍ إلى حالٍ هو خُرُوجٌ. وقَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى: ( ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ) أنْ يُرادَ بِهِ أنَّ الحَيَوانَ كُلَّهُ يُمِيتُهُ فَهَذا هو مَعْنى التَجْرِيدِ بِعَيْنِهِ، وأنْشَدَ ابْنُ جِنِّيٍّ عَلى ذَلِكَ: ؎ أفاءَتْ بَنُو مَرْوانَ ظُلْمًا دِماءَنا ∗∗∗ ∗∗∗ وفي اللهِ - إنْ لَمْ يُنْصِفُوا- حَكَمٌ عَدْلُ ورَوى السُدِّيُّ عن أبِي مالِكٍ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: هي الحَبَّةُ تَخْرُجُ مِنَ السُنْبُلَةِ، والسُنْبُلَةُ تَخْرُجُ مِنَ الحَبَّةِ، والنَواةُ تَخْرُجُ مِنَ النَخْلَةِ، والنَخْلَةُ تَخْرُجُ مِنَ النَواةِ، والحَياةُ في النَخْلَةِ والسُنْبُلَةِ تَشْبِيهٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ قِيلَ مَعْناهُ: بِغَيْرِ حِسابٍ مِنكَ، لِأنَّهُ تَعالى لا يَخافُ أنْ تُنْتَقَصَ خَزائِنُهُ، هَذا قَوْلُ الرَبِيعِ وغَيْرِهِ. وقِيلَ: مَعْنى بِغَيْرِ حِسابٍ: أيْ مِن أحَدٍ لَكَ، لِأنَّهُ تَعالى لا مُعَقِّبَ لِأمْرِهِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ "المَيْتَ" بِسُكُونِ الياءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ. ورَوى حَفْصٌ عن عاصِمٍ "مِنَ المَيِّتِ" بِتَشْدِيدِ الياءِ، وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ "المَيِّتِ" بِتَشْدِيدِ الياءِ في هَذِهِ الآيَةِ، وفي قَوْلِهِ: إلى "بَلَدٍ مَيِّتٍ" و"لِبَلَدٍ مَيِّتٍ" وخَفَّفَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ غَيْرَ هَذِهِ الحُرُوفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَيِّتُ هو الأصْلُ، والواوُ الَّتِي هي عَيْنٌ مِنهُ انْقَلَبَتْ ياءً لِإدْغامِ الياءِ فِيها، و"مَيْتُ" بِالتَخْفِيفِ مَحْذُوفٌ مِنهُ عَيْنُهُ أُعِلَّتْ بِالحَذْفِ كَما أُعِلَّتْ بِالقَلْبِ، والحَذْفُ حَسَنٌ والإتْمامُ حَسَنٌ، وما ماتَ وما لَمْ يَمُتْ في هَذا البابِ يَسْتَوِيانِ في الِاسْتِعْمالِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المَيْتَ بِالتَخْفِيفِ إنَّما يُسْتَعْمَلُ فِيما قَدْ ماتَ، وأمّا المَيِّتُ بِالتَشْدِيدِ فَيُسْتَعْمَلُ فِيما ماتَ وفِيما لَمْ يَمُتْ بَعْدُ.

آل عمران 3:27

(p-١٨٧)قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكِ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكِ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿تُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ وتُولِجُ النَهارِ في اللَيْلَ وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيَّ وتَرْزُقُ مِنَ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ دافِعَةٌ لِباطِلِ نَصارى نَجْرانَ في قَوْلِهِمْ: إنَّ عِيسى هو اللهُ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الأوصافَ تُبَيِّنُ لِكُلِّ صَحِيحِ الفِطْرَةِ؛ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنها، وقالَ قَتادَةُ: "ذُكِرَ لَنا «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ سَألَ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَ في أُمَّتِهِ مُلْكَ فارِسَ والرُومِ" فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» وقالَ مُجاهِدٌ: المُلْكُ في هَذِهِ الآيَةِ: النُبُوَّةُ. والصَحِيحُ أنَّهُ مالِكُ المُلْكِ كُلِّهِ مُطْلَقًا في جَمِيعِ أنْواعِهِ، وأشْرَفُ مُلْكٍ يُؤْتِيهِ سَعادَةُ الآخِرَةِ، ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بَشَّرَ أُمَّتَهُ بِفَتْحِ مُلْكِ فارِسَ وغَيْرِهِ فَقالَتِ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ: هَيْهاتَ وكَذَّبُوا ذَلِكَ. واخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في تَرْكِيبِ لَفْظَةِ "اللهُمَّ" بَعْدَ إجْماعِهِمْ عَلى أنَّها مَضْمُومَةُ الهاءِ مُشَدَّدَةُ المِيمِ المَفْتُوحَةِ وأنَّها مُنادى، ودَلِيلُ ذَلِكَ أنَّها لا تَأْتِي مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنى خَبَرٍ، فَمَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ والبَصْرِيِّينَ أنَّ الأصْلَ: "يا اللهُ"، فَلَمّا اسْتُعْمِلَتِ الكَلِمَةُ دُونَ حَرْفِ النِداءِ الَّذِي هو "يا" جَعَلُوا بَدَلَ حَرْفِ النِداءِ هَذِهِ المِيمَ المُشَدَّدَةَ، والضَمَّةُ في الهاءِ هي ضَمَّةُ الِاسْمِ المُنادى المُفْرَدِ، وذَهَبَ حَرْفانِ فَعُوِّضَ بِحَرْفَيْنِ. ومَذْهَبُالفَرّاءِ والكُوفِيِّينَ أنَّ أصْلَ "اللهُمَّ" يا اللهَ أُمَّ: أيْ أُمَّ بِخَيْرٍ، وأنَّ ضَمَّةَ الهاءِ هي ضَمَّةُ الهَمْزَةِ الَّتِي كانَتْ في "أُمَّ" نُقِلَتْ. ورَدَّ الزَجّاجُ عَلى هَذا القَوْلِ وقالَ: مُحالٌ أنْ يُتْرَكَ الضَمُّ الَّذِي هو دَلِيلٌ عَلى نِداءِ المُفْرَدِ وأنْ تُجْعَلَ في اسْمِ اللهِ ضَمَّةُ "أُمَّ"، هَذا إلْحادٌ في اسْمِ اللهِ تَعالى. وهَذا غُلُوٌّ مِنَ الزَجّاجِ. وقالَ أيْضًا: إنَّ هَذا الهَمْزَ الَّذِي يُطْرَحُ في الكَلامِ، فَشَأْنُهُ أنْ يُؤْتى بِهِ أحْيانًا كَما قالُوا: ويْلُمِّهِ في ويْلُ أُمِّهِ، والأكْثَرُ إثْباتُ الهَمْزَةِ، وما سُمِعَ قَطُّ يا اللهَ أُمَّ في هَذا اللَفْظِ. وقالَ أيْضًا: ولا تَقُولُ العَرَبُ يا اللهُمَّ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ (p-١٨٨)حَرْفُ النِداءِ عَلى "اللهُمَّ" وأنْشَدُوا عَلى ذَلِكَ: ؎ وما عَلَيْكِ أنْ تَقُولِي كُلَّما ∗∗∗ سَبَّحْتِ أو هَلَّلْتِ ياللهُمَّ ما ؎ ارْدُدْ عَلَيْنا شَيْخَنا مُسَلَّما قالُوا: فَلَوْ كانَتِ المِيمُ عِوَضًا مِن حَرْفِ النِداءِ لَما اجْتَمَعا. قالَ الزَجّاجُ: وهَذا شاذٌّ لا يُعْرَفُ قائِلُهُ، ولا يُتْرَكُ لَهُ ما في كِتابِ اللهِ وفي جَمِيعِ دِيوانِ العَرَبِ. قالَ الكُوفِيُّونَ: وإنَّما تُزادُ المِيمُ مُخَفَّفَةً في فَمِ وابْنَمِ ونَحْوِهِ، فَأمّا مِيمٌ مُشَدَّدَةٌ فَلا تُزادُ. قالَ البَصْرِيُّونَ: لَمّا ذَهَبَ حَرْفانِ، عُوِّضَ بِحَرْفَيْنِ. و"مالِكَ" نُصِبَ عَلى النِداءِ، نَصَّ سِيبَوَيْهِ "عَلى" ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَماواتِ والأرْضِ﴾ [الزمر: ٤٦] وقالَ: إنَّ "اللهُمَّ" لا يُوصَفُ لِأنَّهُ قَدْ ضُمَّتْ إلَيْهِ المِيمُ، قالَ الزَجّاجُ: و"مالِكَ" عِنْدِي صِفَةٌ لِاسْمِ اللهِ تَعالى، وكَذَلِكَ ( فاطِرِ السَماواتِ ) قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهو مَذْهَبُ أبِي العَبّاسِ، وما قالَ سِيبَوَيْهِ أصْوَبُ، وذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ في الأسْماءِ المَوْصُوفَةِ شَيْءٌ عَلى حَدِّ "اللهُمَّ" لِأنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ ضُمَّ إلَيْهِ صَوْتٌ، والأصْواتُ لا تُوصَفُ، نَحْوَ، "غاقِ" وما أشْبَهَهُ. وكَأنَّ حُكْمَ الِاسْمِ المُفْرَدِ أنْ لا يُوصَفَ، وإنْ كانُوا قَدْ وصَفُوهُ في مَواضِعَ، فَلَمّا ضُمَّ هُنا ما لا يُوصَفُ إلى ما كانَ قِياسُهُ ألّا يُوصَفَ صارَ بِمَنزِلَةِ صَوْتٍ ضُمَّ إلى صَوْتٍ نَحْوِ "حَيْهَلَ" فَلَمْ يُوصَفْ. قالَ النَضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ، مَن قالَ: اللهُمَّ، فَقَدْ دَعا اللهَ بِجَمِيعِ أسْمائِهِ كُلِّها، وقالَ الحَسَنُ: اللهُمَّ مَجْمَعُ الدُعاءِ. وخَصَّ اللهُ تَعالى: "الخَيْرُ" بِالذِكْرِ وهو تَعالى بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ، إذِ الآيَةُ في مَعْنى دُعاءٍ (p-١٨٩)وَرَغْبَةٍ، فَكَأنَّ المَعْنى: بِيَدِكَ الخَيْرُ فَأجْزِلْ حَظِّي مِنهُ. وقِيلَ: المُرادُ بِيَدِكَ الخَيْرُ والشَرُّ فَحُذِفَ لِدَلالَةِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، كَما قالَ: ﴿تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]. قالَ النَقّاشُ: بِيَدِكَ الخَيْرُ أيِ: النَصْرُ والغَنِيمَةُ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ أحَدِهِما. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ وقَتادَةُ والسُدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ﴾.... الآيَةِ: أنَّهُ ما يَنْتَقِصُ مِنَ النَهارِ فَيَزِيدُ في اللَيْلِ، وما يَنْتَقِصُ مِنَ اللَيْلِ فَيَزِيدُ في النَهارِ، دَأبًا كُلَّ فَصْلٍ مِنَ السَنَةِ، وتَحْتَمِلُ ألْفاظُ الآيَةِ أنْ يَدْخُلَ فِيها تَعاقُبُ اللَيْلِ والنَهارِ كَأنَّ زَوالَ أحَدِهِما وُلُوجٌ في الآخَرِ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾.... الآيَةِ، فَقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ تُخْرِجُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عن سَلْمانَ الفارِسِيِّ. ورَوى الزُهْرِيُّ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلى بَعْضِ أزْواجِهِ فَإذا بِامْرَأةٍ حَسَنَةِ النَغْمَةِ فَقالَ: "مَن هَذِهِ؟ قالَتْ: إحْدى خالاتِكَ، فَقالَ: إنَّ خالاتِي بِهَذِهِ البَلْدَةِ لَغَرائِبٌ، أيُّ خالاتِي هِيَ؟ قالَتْ: خالِدَةُ بِنْتُ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: سُبْحانَ الَّذِي يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ"» وكانَتِ امْرَأةً صالِحَةً، وكانَ أبُوها كافِرًا وهو أحَدُ المُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ كُفِيَهُمُ النَبِيُّ ﷺ. عَلَيْهِ السَلامُ. فالمُرادُ عَلى هَذا القَوْلِ مَوْتُ قَلْبِ الكافِرِ وحَياةُ قَلْبِ المُؤْمِنِ، والحَياةُ والمَوْتُ مُسْتَعارانِ. وذَهَبَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ الحَياةَ والمَوْتَ في الآيَةِ إنَّما هُما الحَياةُ حَقِيقَةً والمَوْتُ حَقِيقَةً لا بِاسْتِعارَةٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في المُثُلِ الَّتِي فَسَّرُوا بِها فَقالَ عِكْرِمَةُ: هو إخْراجُ الدَجاجَةِ وهي حَيَّةٌ مِنَ البَيْضَةِ وهي مَيِّتَةٌ، وإخْراجُ البَيْضَةِ وهي مَيِّتَةٌ مِنَ الدَجاجَةِ وهي حَيَّةٌ، ولَفْظُ الإخْراجِ في هَذا المِثالِ وما ناسَبَهُ لَفْظٌ مُتَمَكِّنٌ عَلى عُرْفِ اسْتِعْمالِهِ. وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: هي النُطْفَةُ تَخْرُجُ مِنَ الرَجُلِ وهي مَيِّتَةٌ وهو (p-١٩٠)حَيٌّ، ويَخْرُجُ الرَجُلُ مِنها وهي مَيِّتَةٌ. ولَفْظُ الإخْراجِ في تَنَقُّلِ النُطْفَةِ حَتّى تَكُونَ رَجُلًا إنَّما هو عِبارَةٌ عن تَغَيُّرِ الحالِ، كَما تَقُولُ في صَبِيٍّ جَيِّدِ البِنْيَةِ: يَخْرُجُ مِن هَذا رَجُلٌ قَوِيٌّ، وهَذا المَعْنى يُسَمِّيهِ ابْنُ جِنِّيٍّ: التَجْرِيدَ، أيْ تَجَرُّدُ الشَيْءِ مِن حالٍ إلى حالٍ هو خُرُوجٌ. وقَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى: ( ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ) أنْ يُرادَ بِهِ أنَّ الحَيَوانَ كُلَّهُ يُمِيتُهُ فَهَذا هو مَعْنى التَجْرِيدِ بِعَيْنِهِ، وأنْشَدَ ابْنُ جِنِّيٍّ عَلى ذَلِكَ: ؎ أفاءَتْ بَنُو مَرْوانَ ظُلْمًا دِماءَنا ∗∗∗ ∗∗∗ وفي اللهِ - إنْ لَمْ يُنْصِفُوا- حَكَمٌ عَدْلُ ورَوى السُدِّيُّ عن أبِي مالِكٍ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: هي الحَبَّةُ تَخْرُجُ مِنَ السُنْبُلَةِ، والسُنْبُلَةُ تَخْرُجُ مِنَ الحَبَّةِ، والنَواةُ تَخْرُجُ مِنَ النَخْلَةِ، والنَخْلَةُ تَخْرُجُ مِنَ النَواةِ، والحَياةُ في النَخْلَةِ والسُنْبُلَةِ تَشْبِيهٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ قِيلَ مَعْناهُ: بِغَيْرِ حِسابٍ مِنكَ، لِأنَّهُ تَعالى لا يَخافُ أنْ تُنْتَقَصَ خَزائِنُهُ، هَذا قَوْلُ الرَبِيعِ وغَيْرِهِ. وقِيلَ: مَعْنى بِغَيْرِ حِسابٍ: أيْ مِن أحَدٍ لَكَ، لِأنَّهُ تَعالى لا مُعَقِّبَ لِأمْرِهِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ "المَيْتَ" بِسُكُونِ الياءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ. ورَوى حَفْصٌ عن عاصِمٍ "مِنَ المَيِّتِ" بِتَشْدِيدِ الياءِ، وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ "المَيِّتِ" بِتَشْدِيدِ الياءِ في هَذِهِ الآيَةِ، وفي قَوْلِهِ: إلى "بَلَدٍ مَيِّتٍ" و"لِبَلَدٍ مَيِّتٍ" وخَفَّفَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ غَيْرَ هَذِهِ الحُرُوفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَيِّتُ هو الأصْلُ، والواوُ الَّتِي هي عَيْنٌ مِنهُ انْقَلَبَتْ ياءً لِإدْغامِ الياءِ فِيها، و"مَيْتُ" بِالتَخْفِيفِ مَحْذُوفٌ مِنهُ عَيْنُهُ أُعِلَّتْ بِالحَذْفِ كَما أُعِلَّتْ بِالقَلْبِ، والحَذْفُ حَسَنٌ والإتْمامُ حَسَنٌ، وما ماتَ وما لَمْ يَمُتْ في هَذا البابِ يَسْتَوِيانِ في الِاسْتِعْمالِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المَيْتَ بِالتَخْفِيفِ إنَّما يُسْتَعْمَلُ فِيما قَدْ ماتَ، وأمّا المَيِّتُ بِالتَشْدِيدِ فَيُسْتَعْمَلُ فِيما ماتَ وفِيما لَمْ يَمُتْ بَعْدُ.

آل عمران 3:28

(p-١٩١)قوله عزّ وجلّ: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أولِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِن اللهِ في شَيْءٍ إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً ويُحَذِّرُكُمُ اللهِ نَفْسَهُ وإلى اللهِ المَصِيرُ﴾ هَذا النَهْيُ عَنِ الاتِّخاذِ إنَّما هو فِيما يُظْهِرُهُ المَرْءُ، فَأمّا أنْ يَتَّخِذَهُ بِقَلْبِهِ ونِيَّتِهِ فَلا يَفْعَلُ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ، والمَنهِيُّونَ هُنا قَدْ قَرَّرَ لَهُمُ الإيمانَ، فالنَهْيُ إنَّما هو عِبارَةٌ عن إظْهارِ اللُطْفِ لِلْكُفّارِ والمَيْلِ إلَيْهِمْ، ولَفْظُ الآيَةِ عامٌّ في جَمِيعِ الأعْصارِ. واخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وابْنُ أبِي الحَقِيقِ وقَيْسُ بْنُ زَيْدٍ قَدْ بَطَنُوا بِنَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ لِيَفْتِنُوهم عن دِينِهِمْ، فَقالَ رِفاعَةُ بْنُ المُنْذِرِ بْنِ زَبِيرٍ وعَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرٍ وسَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ لِأُولَئِكَ النَفَرِ: اجْتَنِبُوا هَؤُلاءِ اليَهُودَ واحْذَرُوا مُباطَنَتَهُمْ، فَأبى أُولَئِكَ النَفَرُ إلّا مُوالاةَ اليَهُودِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. وقالَ قَوْمٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قِصَّةِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ وكِتابِهِ إلى أهْلِ مَكَّةَ، والآيَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ هَذا، ويَدْخُلُ فِيها فِعْلُ أبِي لُبابَةَ في إشارَتِهِ إلى حَلْقِهِ (p-١٩٢)حِينَ بَعَثَهُ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في اسْتِنْزالِ بَنِي قُرَيْظَةَ. وأمّا تَعْذِيبُ بَنِي المُغِيرَةِ لِعَمّارٍ فَنَزَلَ فِيما أباحَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِعَمّارٍ ﴿إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن دُونِ﴾ عِبارَةٌ عن كَوْنِ الشَيْءِ الَّذِي تُضافُ إلَيْهِ "دُونَ" غائِبًا مُتَنَحِّيًا لَيْسَ مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ في شَيْءٍ، وفي المَثَلِ: "وَأُمِرَّ دُونَ عُبَيْدَةَ الوَذَمُ" كَأنَّهُ مِن غَيْرِ أنْ يَنْتَهِيَ إلى الشَيْءِ الَّذِي تُضافُ إلَيْهِ، ورَتَّبَها الزَجّاجُ: المُضادَّةَ لِلشَّرَفِ مِنَ الشَيْءِ الدُونِ، وفِيما قالَهُ نَظَرٌ. قَوْلُهُ: ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شَيْءٍ﴾ مَعْناهُ: في شَيْءٍ مَرْضِيٍّ عَلى الكَمالِ والصَوابِ، وهَذا كَما قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "مَن غَشَّنا فَلَيْسَ مِنّا"» وفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: فَلَيْسَ مِنَ التَقَرُّبِ إلى اللهِ أوِ التَزَلُّفِ ونَحْوِ هَذا. وقَوْلُهُ "فِي شَيْءٍ" هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ ( لَيْسَ مِن اللهِ ) ثُمَّ أباحَ اللهُ إظْهارَ اتِّخاذِهِمْ بِشَرْطِ الِاتِّقاءِ، فَأمّا إبْطانُهُ فَلا يَصِحُّ أنْ يَتَّصِفَ بِهِ مُؤْمِنٌ في حالٍ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "تُقاةً" أصْلُهُ وُقَيَةٌ - عَلى وزْنِ فُعَلَةٍ- بِضَمِّ الفاءِ وفَتْحِ العَيْنِ - أبْدَلُوا مِنَ الواوِ تاءً كَتُجاهَ وتُكَأةٍ فَصارَ تُقَيَةً ثُمَّ قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها فَجاءَ تُقاةً قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تُقاةً مِثْلَ رُماةٍ حالًا مِن "تَتَّقُوا" وهو جَمْعُ فاعِلٍ وإنْ كانَ لَمْ يُسْتَعْمَلْ مِنهُ فاعِلٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ تَقِيٍّ وجُعِلَ فَعِيلٌ بِمَنزِلَةِ فاعِلٍ. (p-١٩٣)وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَحّاكُ وأبُو رَجاءٍ والجَحْدَرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ "تَقِيَّةً" - بِفَتْحِ التاءِ وشَدِّ الياءِ - عَلى وزْنِ فَعِيلَةٍ، وكَذَلِكَ رَوى المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، وأمالَ الكِسائِيُّ القافَ في "تُقاةً" في المَوْضِعَيْنِ، وأمالَ حَمْزَةُ في هَذِهِ الآيَةِ ولَمْ يُمِلْ في قَوْلِهِ: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، وفَتَحَ سائِرُ القُرّاءِ القافَ إلّا أنَّ نافِعًا كانَ يَقْرَؤُها بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ. وذَهَبَ قَتادَةُ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: ﴿إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ مِن جِهَةِ صِلَةِ الرَحِمِ أيْ: مَلامَةً، فَكَأنَّ الآيَةَ عِنْدَهُ مُبِيحَةٌ الإحْسانَ إلى القَرابَةِ مِنَ الكُفّارِ. وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: إلّا أنْ تَخافُوا مِنهم خَوْفًا، وهَذا هو مَعْنى التَقِيَّةِ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في التَقِيَّةِ مِمَّنْ تَكُونُ؟ وبِأيِّ شَيْءٍ تَكُونُ؟ وأيَّ شَيْءٍ تُبِيحُ؟ فَأمّا الَّذِي تَكُونُ مِنهُ التَقِيَّةُ؛ فَكُلُّ قادِرٍ غالِبٍ يُكْرِهُ بِجَوْرٍ مِنهُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الكُفّارُ إذا غَلَبُوا وجَوَرَةُ الرُؤَساءِ والسَلّابَةُ، وأهْلُ الجاهِ في الحَواضِرِ. قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: وزَوْجُ المَرْأةِ قَدْ يُكْرِهُ. وأمّا بِأيِّ شَيْءٍ تَكُونُ التَقِيَّةُ ويَتَرَتَّبُ حُكْمُها؟ فَذَلِكَ بِخَوْفِ القَتْلِ، وبِالخَوْفِ عَلى الجَوارِحِ، وبِالضَرْبِ بِالسَوْطِ، وبِسائِرِ التَعْذِيبِ، فَإذا فُعِلَ بِالإنْسانِ شَيْءٌ مِن هَذا أو خافَهُ خَوْفًا مُتَمَكِّنًا؛ فَهو مُكْرَهٌ ولَهُ حُكْمُ التَقِيَّةِ. والسَجْنُ إكْراهٌ، والتَقْيِيدُ إكْراهٌ، والتَهْدِيدُ والوَعِيدُ إكْراهٌ، وعَداوَةُ أهْلِ الجاهِ الجَوَرَةِ تَقِيَّةٌ. وهَذِهِ كُلُّها بِحَسَبِ حالِ المُكْرَهِ وبِحَسَبِ الشَيْءِ الَّذِي يُكْرَهُ عَلَيْهِ، فَكَمْ مِنَ الناسِ لَيْسَ السَجْنُ فِيهِمْ بِإكْراهٍ، وكَذَلِكَ الرَجُلُ العَظِيمُ يُكْرَهُ بِالسَجْنِ والضَرْبِ غَيْرِ المُتْلِفِ لِيَكْفُرَ، فَهَذا لا تُتَصَوَّرُ تَقِيَّتُهُ مِن جِهَةِ عِظَمِ الشَيْءِ الَّذِي طُلِبَ مِنهُ، ومَسائِلُ الإكْراهِ هي مِنَ النَوْعِ الَّذِي يَدْخُلُهُ فِقْهُ الحالِ. وأمّا أيَّ شَيْءٍ تُبِيحُ؟ فاتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى إباحَتِها لِلْأقْوالِ بِاللِسانِ؛ مِنَ الكُفْرِ وما دُونَهُ، ومِن بَيْعٍ وهِبَةٍ وطَلاقٍ، وإطْلاقِ القَوْلِ بِهَذا كُلِّهِ، ومِن مُداراةٍ ومُصانَعَةٍ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ما مِن كَلامٍ يَدْرَأُ عَنِّي سَوْطَيْنِ مِن ذِي سُلْطانٍ إلّا كُنْتُ مُتَكَلِّمًا بِهِ. واخْتَلَفَ الناسُ في الأفْعالِ، فَقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ مِنهُمُ الحَسَنُ ومَكْحُولٌ ومَسْرُوقٌ: (p-١٩٤)يَفْعَلُ المُكْرَهُ كُلَّ ما حُمِلَ عَلَيْهِ مِمّا حَرَّمَ اللهُ فِعْلَهُ، ويُنْجِي نَفْسَهُ بِذَلِكَ. وقالَ مَسْرُوقٌ: فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتّى ماتَ دَخَلَ النارَ. وقالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهم سَحْنُونُ: بَلْ إنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتّى ماتَ فَهو مَأْجُورٌ، وتَرْكُهُ ذَلِكَ المُباحَ أفْضَلُ مِنَ اسْتِعْمالِهِ. ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ في رَجُلٍ يُقالُ لَهُ: نَهِيتُ بْنُ الحارِثِ، أخَذَتْهُ الفُرْسُ أسِيرًا، فَعُرِضَ عَلَيْهِ شُرْبُ الخَمْرِ وأكْلُ الخِنْزِيرِ وهُدِّدَ بِالنارِ فَلَمْ يَفْعَلْ فَقَذَفُوهُ فِيها، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَقالَ: وما كانَ عَلى نَهِيتٍ أنْ يَأْكُلَ؟ وقالَ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: التَقِيَّةُ إنَّما هي مُبِيحَةٌ لِلْأقْوالِ، فَأمّا الأفْعالُ فَلا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والرَبِيعِ والضَحّاكِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن سَحْنُونٍ، وقالَ الحَسَنُ في الرَجُلِ يُقالُ لَهُ: اسْجُدْ لِصَنَمٍ وإلّا قَتَلْناكَ، قالَ: إنْ كانَ الصَنَمُ مُقابِلَ القِبْلَةِ فَلْيَسْجُدْ ويَجْعَلْ نِيَّتَهُ لِلَّهِ، فَإنْ كانَ إلى غَيْرِ القِبْلَةِ فَلا وإنْ قَتَلُوهُ، قالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما يَمْنَعُهُ أنْ يَجْعَلَ نِيَّتَهُ لِلَّهِ وإنْ كانَ لِغَيْرِ قِبْلَةٍ، وفي كِتابِ اللهِ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. وفي الشَرْعِ إباحَةُ التَنَفُّلِ لِلْمُسافِرِ إلى غَيْرِ القِبْلَةِ. هَذِهِ قَواعِدُ مَسْألَةِ التَقِيَّةِ، وأمّا تَشَعُّبُ مَسائِلِها فَكَثِيرٌ لا يَقْتَضِي الإيجازُ جَمْعَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾... إلى آخِرِ الآيَةِ، وعِيدٌ وتَنْبِيهٌ ووَعْظٌ وتَذْكِيرٌ بِالآخِرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:" نَفْسَهُ" نائِبَةٌ عن إيّاهُ، وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ عَلى مَعْهُودِ ما يَفْهَمُهُ البَشَرُ، والنَفْسُ في مِثْلِ هَذا راجِعٌ إلى الذاتِ، وفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ لِأنَّ التَحْذِيرَ إنَّما هو مِن عِقابٍ وتَنْكِيلٍ ونَحْوِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: ويُحَذِّرُكُمُ اللهُ عِقابَهُ..

آل عمران 3:29

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أو تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ ويَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا ويُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ واللهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ الضَمِيرُ في "تُخْفُوا" هو لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ نُهُوا عَنِ اتِّخاذِ الكافِرِينَ أولِياءً، (p-١٩٥)والمَعْنى: إنَّكم إنْ أبْطَنْتُمُ الحِرْصَ عَلى إظْهارِ مُوالاتِهِمْ؛ فَإنَّ اللهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ ويَكْرَهُهُ مِنكم. وقَوْلُهُ: ﴿وَيَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ مَعْناهُ: عَلى التَفْصِيلِ. وقَوْلُهُ: ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عُمُومٌ، والشَيْءُ في كَلامِ العَرَبِ: المَوْجُودُ. و"يَوْمَ" نُصِبَ عَلى الظَرْفِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في العامِلِ فِيهِ، فَقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: العامِلُ فِيهِ "قَدِيرٌ"، وقالَ الطَبَرِيُّ: العامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ: ﴿وَإلى اللهِ المَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، وقالَهُ الزَجّاجُ، وقالَ أيْضًا: العامِلُ فِيهِ ( ويُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ يَوْم ) ورَجَّحَهُ، وقالَ مَكِّيٌّ حِكايَةً: العامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: "اذْكُرْ يَوْمَ" و"ما" بِمَعْنى الَّذِي، و"مُحْضَرًا" قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: مُوَفَّرًا، وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، والحُضُورُ أبْيَنُ مِن أنْ يُفَسَّرَ بِلَفْظٍ آخَرَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَعْطُوفَةً عَلى "ما" الأُولى فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ وتَكُونَ "تَوَدُّ" في مَوْضِعِ الحالِ، وإلى هَذا العَطْفِ ذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، ويَكُونَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ "تَوَدُّ" وما بَعْدَهُ، كَأنَّهُ قالَ: وعَمَلُها السَيِّءُ مَرْدُودٌ عِنْدَها، إنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا. وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "مِن سُوءٍ ودَّتْ"، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَجُوزُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ تَكُونَ "ما" شَرْطِيَّةً، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى قِراءَةِ "تَوَدُّ" لِأنَّ الفِعْلَ مُسْتَقْبَلٌ مَرْفُوعٌ، والشَرْطُ يَقْتَضِي جَزْمَهُ، اللهُمَّ إلّا أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ "فَهِيَ تَوَدُّ" وفي ذَلِكَ ضَعْفٌ. والأمَدُ: الغايَةُ المَحْدُودَةُ مِنَ المَكانِ أوِ الزَمانِ. قالَ النابِغَةُ: ؎ ....................... سَبْقَ الجَوادِ إذا اسْتَوْلى عَلى الأمَدِ فَهَذِهِ غايَةٌ في المَكانِ. وقالَ الطِرِمّاحُ: ؎ كُلُّ حَيٍّ مُسْتَكْمِلٌ عِدَّةَ العُمْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـرِ ومُودٍ إذا انْقَضى أمَدُهُ فَهَذِهِ غايَةٌ في الزَمانِ. (p-١٩٦)وَقالَ الحَسَنُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يَسُرُّ أحَدَهم أنْ لا يَلْقى عَمَلَهُ ذَلِكَ أبَدًا، ذَلِكَ مُناهُ، وأمّا في الدُنْيا فَقَدْ كانَتْ خَطِيئَتُهُ يَسْتَلِذُّها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى التَحْذِيرِ، لِأنَّ تَحْذِيرَهُ وتَنْبِيهَهُ عَلى النَجاةِ؛ رَأْفَةٌ مِنهُ بِعِبادِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ إعْلامٍ بِهَذِهِ الصِفَةِ، فَمُقْتَضى ذَلِكَ التَأْنِيسُ لِئَلّا يَفْرُطَ الوَعِيدُ عَلى نَفْسِ مُؤْمِنٍ، وتَجِيءُ الآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ( إنَّ رَبَّكَ شَدِيدُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ مَعْناهُ: واللهُ مَحْذُورُ العِقابِ.

آل عمران 3:30

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أو تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ ويَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا ويُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ واللهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ الضَمِيرُ في "تُخْفُوا" هو لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ نُهُوا عَنِ اتِّخاذِ الكافِرِينَ أولِياءً، (p-١٩٥)والمَعْنى: إنَّكم إنْ أبْطَنْتُمُ الحِرْصَ عَلى إظْهارِ مُوالاتِهِمْ؛ فَإنَّ اللهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ ويَكْرَهُهُ مِنكم. وقَوْلُهُ: ﴿وَيَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ مَعْناهُ: عَلى التَفْصِيلِ. وقَوْلُهُ: ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عُمُومٌ، والشَيْءُ في كَلامِ العَرَبِ: المَوْجُودُ. و"يَوْمَ" نُصِبَ عَلى الظَرْفِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في العامِلِ فِيهِ، فَقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: العامِلُ فِيهِ "قَدِيرٌ"، وقالَ الطَبَرِيُّ: العامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ: ﴿وَإلى اللهِ المَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، وقالَهُ الزَجّاجُ، وقالَ أيْضًا: العامِلُ فِيهِ ( ويُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ يَوْم ) ورَجَّحَهُ، وقالَ مَكِّيٌّ حِكايَةً: العامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: "اذْكُرْ يَوْمَ" و"ما" بِمَعْنى الَّذِي، و"مُحْضَرًا" قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: مُوَفَّرًا، وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، والحُضُورُ أبْيَنُ مِن أنْ يُفَسَّرَ بِلَفْظٍ آخَرَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَعْطُوفَةً عَلى "ما" الأُولى فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ وتَكُونَ "تَوَدُّ" في مَوْضِعِ الحالِ، وإلى هَذا العَطْفِ ذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، ويَكُونَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ "تَوَدُّ" وما بَعْدَهُ، كَأنَّهُ قالَ: وعَمَلُها السَيِّءُ مَرْدُودٌ عِنْدَها، إنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا. وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "مِن سُوءٍ ودَّتْ"، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَجُوزُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ تَكُونَ "ما" شَرْطِيَّةً، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى قِراءَةِ "تَوَدُّ" لِأنَّ الفِعْلَ مُسْتَقْبَلٌ مَرْفُوعٌ، والشَرْطُ يَقْتَضِي جَزْمَهُ، اللهُمَّ إلّا أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ "فَهِيَ تَوَدُّ" وفي ذَلِكَ ضَعْفٌ. والأمَدُ: الغايَةُ المَحْدُودَةُ مِنَ المَكانِ أوِ الزَمانِ. قالَ النابِغَةُ: ؎ ....................... سَبْقَ الجَوادِ إذا اسْتَوْلى عَلى الأمَدِ فَهَذِهِ غايَةٌ في المَكانِ. وقالَ الطِرِمّاحُ: ؎ كُلُّ حَيٍّ مُسْتَكْمِلٌ عِدَّةَ العُمْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـرِ ومُودٍ إذا انْقَضى أمَدُهُ فَهَذِهِ غايَةٌ في الزَمانِ. (p-١٩٦)وَقالَ الحَسَنُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يَسُرُّ أحَدَهم أنْ لا يَلْقى عَمَلَهُ ذَلِكَ أبَدًا، ذَلِكَ مُناهُ، وأمّا في الدُنْيا فَقَدْ كانَتْ خَطِيئَتُهُ يَسْتَلِذُّها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى التَحْذِيرِ، لِأنَّ تَحْذِيرَهُ وتَنْبِيهَهُ عَلى النَجاةِ؛ رَأْفَةٌ مِنهُ بِعِبادِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ إعْلامٍ بِهَذِهِ الصِفَةِ، فَمُقْتَضى ذَلِكَ التَأْنِيسُ لِئَلّا يَفْرُطَ الوَعِيدُ عَلى نَفْسِ مُؤْمِنٍ، وتَجِيءُ الآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ( إنَّ رَبَّكَ شَدِيدُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ مَعْناهُ: واللهُ مَحْذُورُ العِقابِ.

آل عمران 3:31

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهَ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿قُلْ أطِيعُوا اللهَ والرَسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنْ اللهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيمَن أُمِرَ مُحَمَّدٌ ﷺ أنْ يَقُولَ لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وابْنُ جُرَيْجٍ: «إنَّ قَوْمًا عَلى عَهْدِ النَبِيِّ ﷺ قالُوا: يا مُحَمَّدُ إنّا نُحِبُّ رَبَّنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَوْلِهِمْ،» جَعَلَ اللهُ فِيها اتِّباعَ مُحَمَّدٍ عَلَمًا لِحُبِّهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرَ بْنِ الزُبَيْرِ: أُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَقُولَ هَذا القَوْلَ لِنَصارى نَجْرانَ، أيْ: إنْ كانَ قَوْلُكم في عِيسى وغُلُوُّكم في أمْرِهِ حُبًّا لِلَّهِ، فاتَّبِعُونِي. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ عامَّةً لِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودِ والنَصارى لِأنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم يُحِبُّونَ اللهَ ويُحِبُّهم. ألا تَرى أنَّ جَمِيعَهم قالُوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، ولَفْظُ "أحِبّاؤُهُ" إنَّما يُعْطِي أنَّ اللهَ يُحِبُّهُمْ، لَكِنْ يَعْلَمُ أنَّ مُرادَهم "وَمُحِبُّوهُ" فَيَحْسُنُ أنْ يُقالَ لَهُمْ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ﴾. وقَرَأ الزُهْرِيُّ "فاتَّبِعُونِي" بِتَشْدِيدِ النُونِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ "يَحْبُبْكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الباءِ الأُولى مِن "حَبَّ" وهي لُغَةٌ، قالَ الزَجّاجُ: حَبُبْتُ قَلِيلَةٌ في اللُغَةِ، وزَعَمَ (p-١٩٧)الكِسائِيُّ أنَّها لُغَةٌ قَدْ ماتَتْ، وعَلَيْها اسْتُعْمِلَ مَحْبُوبٌ. والمَحَبَّةُ إرادَةٌ يَقْتَرِنُ بِها إقْبالٌ مِنَ النَفْسِ ومَيْلٌ بِالمُعْتَقَدِ. وقَدْ تَكُونُ الإرادَةُ المُجَرَّدَةُ فِيما يَكْرَهُ المُرِيدُ، واللهُ تَعالى يُرِيدُ وُقُوعَ الكُفْرِ ولا يُحِبُّهُ، ومَحَبَّةُ العَبْدِ لِلَّهِ تَعالى يَلْزَمُ عنها ولا بُدَّ أنْ يُطِيعَهُ، وتَكُونُ أعْمالُهُ بِحَسَبِ إقْبالِ النَفْسِ، وقَدْ تَمَثَّلَ بَعْضُ العُلَماءِ حِينَ رَأى الكَعْبَةَ فَأنْشَدَ: ؎ هَذِهِ دارُهُ وأنْتَ مُحِبٌّ ∗∗∗ ما بَقاءُ الدُمُوعِ في الآماقِ ومَحَبَّةُ اللهِ لِلْعَبْدِ أمارَتُها لِلْمُتَأمِّلِ؛ أنْ يَرى العَبْدَ مَهْدِيًّا مُسَدَّدًا ذا قَبُولٍ في الأرْضِ، فَلُطْفُ اللهِ بِالعَبْدِ ورَحْمَتُهُ إيّاهُ، هي ثَمَرَةُ مَحَبَّتِهِ، وبِهَذا النَظَرِ يَتَفَسَّرُ لَفْظُ المَحَبَّةِ حَيْثُ وقَعَتْ مِن كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ. وذَكَرَ الزَجّاجُ: أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأ: "وَيَغْفِر لَّكُمْ" بِإدْغامِ الراءِ في اللامِ، وخَطَّأ القُرّاءَ، وغَلَّطَ مَن رَواها عن أبِي عَمْرٍو فِيما حَسِبْتُ. وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللهَ والرَسُولَ﴾ خِطابٌ لِنَصارى نَجْرانَ وفي قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ وعِيدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ الصَدْعِ بِالقِتالِ.

آل عمران 3:32

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهَ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿قُلْ أطِيعُوا اللهَ والرَسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنْ اللهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيمَن أُمِرَ مُحَمَّدٌ ﷺ أنْ يَقُولَ لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وابْنُ جُرَيْجٍ: «إنَّ قَوْمًا عَلى عَهْدِ النَبِيِّ ﷺ قالُوا: يا مُحَمَّدُ إنّا نُحِبُّ رَبَّنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَوْلِهِمْ،» جَعَلَ اللهُ فِيها اتِّباعَ مُحَمَّدٍ عَلَمًا لِحُبِّهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرَ بْنِ الزُبَيْرِ: أُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَقُولَ هَذا القَوْلَ لِنَصارى نَجْرانَ، أيْ: إنْ كانَ قَوْلُكم في عِيسى وغُلُوُّكم في أمْرِهِ حُبًّا لِلَّهِ، فاتَّبِعُونِي. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ عامَّةً لِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودِ والنَصارى لِأنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم يُحِبُّونَ اللهَ ويُحِبُّهم. ألا تَرى أنَّ جَمِيعَهم قالُوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، ولَفْظُ "أحِبّاؤُهُ" إنَّما يُعْطِي أنَّ اللهَ يُحِبُّهُمْ، لَكِنْ يَعْلَمُ أنَّ مُرادَهم "وَمُحِبُّوهُ" فَيَحْسُنُ أنْ يُقالَ لَهُمْ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ﴾. وقَرَأ الزُهْرِيُّ "فاتَّبِعُونِي" بِتَشْدِيدِ النُونِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ "يَحْبُبْكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الباءِ الأُولى مِن "حَبَّ" وهي لُغَةٌ، قالَ الزَجّاجُ: حَبُبْتُ قَلِيلَةٌ في اللُغَةِ، وزَعَمَ (p-١٩٧)الكِسائِيُّ أنَّها لُغَةٌ قَدْ ماتَتْ، وعَلَيْها اسْتُعْمِلَ مَحْبُوبٌ. والمَحَبَّةُ إرادَةٌ يَقْتَرِنُ بِها إقْبالٌ مِنَ النَفْسِ ومَيْلٌ بِالمُعْتَقَدِ. وقَدْ تَكُونُ الإرادَةُ المُجَرَّدَةُ فِيما يَكْرَهُ المُرِيدُ، واللهُ تَعالى يُرِيدُ وُقُوعَ الكُفْرِ ولا يُحِبُّهُ، ومَحَبَّةُ العَبْدِ لِلَّهِ تَعالى يَلْزَمُ عنها ولا بُدَّ أنْ يُطِيعَهُ، وتَكُونُ أعْمالُهُ بِحَسَبِ إقْبالِ النَفْسِ، وقَدْ تَمَثَّلَ بَعْضُ العُلَماءِ حِينَ رَأى الكَعْبَةَ فَأنْشَدَ: ؎ هَذِهِ دارُهُ وأنْتَ مُحِبٌّ ∗∗∗ ما بَقاءُ الدُمُوعِ في الآماقِ ومَحَبَّةُ اللهِ لِلْعَبْدِ أمارَتُها لِلْمُتَأمِّلِ؛ أنْ يَرى العَبْدَ مَهْدِيًّا مُسَدَّدًا ذا قَبُولٍ في الأرْضِ، فَلُطْفُ اللهِ بِالعَبْدِ ورَحْمَتُهُ إيّاهُ، هي ثَمَرَةُ مَحَبَّتِهِ، وبِهَذا النَظَرِ يَتَفَسَّرُ لَفْظُ المَحَبَّةِ حَيْثُ وقَعَتْ مِن كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ. وذَكَرَ الزَجّاجُ: أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأ: "وَيَغْفِر لَّكُمْ" بِإدْغامِ الراءِ في اللامِ، وخَطَّأ القُرّاءَ، وغَلَّطَ مَن رَواها عن أبِي عَمْرٍو فِيما حَسِبْتُ. وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللهَ والرَسُولَ﴾ خِطابٌ لِنَصارى نَجْرانَ وفي قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ وعِيدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ الصَدْعِ بِالقِتالِ.

آل عمران 3:33

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَمِيعُ العَلِيمُ﴾ لَمّا مَضى صَدْرٌ مِن مُحاجَّةِ نَصارى نَجْرانَ والرَدِّ عَلَيْهِمْ وبَيانِ فَسادِ ما هم عَلَيْهِ، جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُعْلِمَةً بِصُورَةِ الأمْرِ الَّذِي قَدْ ضَلُّوا فِيهِ، ومُنْبِئَةً عن حَقِيقَتِهِ كَيْفَ كانَتْ، فَبَدَأ تَعالى بِذِكْرِ فَضْلِهِ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ إلى آلِ عِمْرانَ مِنها، ثُمَّ خَصَّ امْرَأةَ عِمْرانَ بِالذِكْرِ، لِأنَّ القَصْدَ وصْفُ قِصَّةِ القَوْمِ إلى أنْ يَبِينَ أمْرُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وكَيْفَ كانَ. و"اصْطَفى" مَعْناهُ: اخْتارَ صَفْوَ الناسِ، فَكانَ ذَلِكَ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ وبَقِيَ الكُفّارُ (p-١٩٨)كَدَرًا. و"آدَمَ" هو أبُونا عَلَيْهِ السَلامُ، اصْطَفاهُ اللهُ تَعالى بِالإيجادِ والرِسالَةِ إلى بَنِيهِ والنُبُوَّةِ والتَكْلِيمِ، حَسْبَما ورَدَ في الحَدِيثِ، وحَكى الزَجّاجُ عن قَوْمٍ إنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ بِالرِسالَةِ إلى المَلائِكَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣] وهَذا ضَعِيفٌ؛ ونُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ هو أبُونا الأصْغَرُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وهو أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ إلى الكُفّارِ، وانْصَرَفَ نُوحٌ مَعَ عُجْمَتِهِ وتَعْرِيفِهِ لِخِفَّةِ الِاسْمِ، كَهُودٍ ولُوطٍ. "وَآلَ إبْراهِيمَ" يَعْنِي بِإبْراهِيمَ الخَلِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، والآلُ في اللُغَةِ: الأهْلُ والقَرابَةُ، ويُقالُ لِلْأتْباعِ وأهْلِ الطاعَةِ: آلٌ، فَمِنهُ آلُ فِرْعَوْنَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو أراكَةُ الثَقَفِيُّ في رِثاءِ النَبِيِّ ﷺ وهو يُعَزِّي نَفْسَهُ في أخِيهِ عَمْرٍو: ؎ فَلا تَبْكِ مَيْتًا بَعْدَ مَيْتٍ أجَنَّهُ ∗∗∗ عَلِيٌّ وعَبّاسٌ وآلُ أبِي بَكْرِ أرادَ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ. والآلُ في هَذِهِ الآيَةِ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، فَإذا قُلْنا أرادَ بِالآلِ القَرابَةَ والبَيْتِيَّةَ، فالتَقْدِيرُ: إنَّ اللهَ اصْطَفى هَؤُلاءِ عَلى عالِمِي زَمانِهِمْ، أو عَلى العالَمِينَ عامًّا بِأنْ يُقَدِّرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَلامُ مِن آلِ إبْراهِيمَ؛ وإنْ قُلْنا: أرادَ بِالآلِ الأتْباعَ فَيَسْتَقِيمُ دُخُولُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ في الآلِ لِأنَّها عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ. وذَهَبَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ إلى أنَّ ذِكْرَ آدَمَ يَتَضَمَّنُ الإشارَةَ إلى المُؤْمِنِينَ بِهِ مِن بَنِيهِ، وكَذَلِكَ ذِكْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّ الآلَ الأتْباعُ، فَعَمَّتِ الآيَةُ جَمِيعَ مُؤْمِنِي العالَمِ، فَكانَ المَعْنى: أنَّ اللهَ اصْطَفى المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ، وخَصَّ هَؤُلاءِ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لَهُمْ، ولِأنَّ الكَلامَ في قِصَّةِ بَعْضِهِمْ. ﴿وَآلَ عِمْرانَ﴾ أيْضًا يَحْتَمِلُ مِنَ التَأْوِيلِ ما تَقَدَّمَ في آلَ إبْراهِيمَ. وعِمْرانُ هو رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ فِيما حَكى الطَبَرِيُّ؛ قالَ مَكِّيٌّ: هو (p-١٩٩)عِمْرانُ بْنُ ماثالَ، وقالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ذَكَرَ اللهُ تَعالى أهْلَ بَيْتَيْنِ صالِحَيْنِ ورَجُلَيْنِ صالِحَيْنِ، فَفَضَّلَهم عَلى العالَمِينَ، فَكانَ مُحَمَّدٌ مِن آلِ إبْراهِيمَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اصْطَفى اللهُ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِالدِينِ والنُبُوَّةِ والطاعَةِ لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ذُرِّيَّةً" نُصِبَ عَلى البَدَلِ، وقِيلَ عَلى الحالِ لِأنَّ مَعْنى ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ مُتَشابِهُونَ في الدِينِ والحالِ، وهَذا أظْهَرُ مِنَ البَدَلِ. والذُرِّيَّةُ في عُرْفِ الِاسْتِعْمالِ تَقَعُ لِما تَناسَلَ مِنَ الأولادِ سِفْلًا، واشْتِقاقُ اللَفْظَةِ في اللُغَةِ يُعْطِي أنْ تَقَعَ عَلى جَمِيعِ الناسِ، أيْ كُلُّ أحَدٍ ذُرِّيَّةٌ لِغَيْرِهِ، فالناسُ كُلُّهم ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وهَكَذا اسْتُعْمِلَتِ الذُرِّيَّةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] أيْ ذُرِّيَّةَ هَذا الجِنْسِ، ولا يَسُوغُ أنْ يَقُولَ في والِدٍ: هَذا ذُرِّيَّةٌ لِوَلَدِهِ وإذِ اللَفْظَةُ مِن "ذَرَّ" إذا بَثَّ، فَهَكَذا يَجِيءُ مَعْناها، وكَذَلِكَ إنْ جَعَلْناها مِن "ذَرا"، وكَذَلِكَ إنْ جُعِلَتْ مِن "ذَرَأ" أو مِنَ الذَرِّ الَّذِي هو صِغارُ النَمْلِ.. قالَ أبُو الفَتْحِ: الذُرِّيَّةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُشْتَقَّةً مِن هَذِهِ الحُرُوفِ الأرْبَعَةِ، ثُمَّ طَوَّلَ أبُو الفَتْحِ القَوْلَ في وزْنِها عَلى كُلِّ اشْتِقاقٍ مِن هَذِهِ الأرْبَعَةِ الأحْرُفِ تَطْوِيلًا لا يَقْتَضِي هَذا الإيجازُ ذِكْرَهُ، وذَكَرَها أبُو عَلِيٍّ في الأعْرافِ في تَرْجَمَةِ: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] قالَ الزَجّاجُ: أصْلُها فُعْلِيَّةٌ مِنَ الذَرِّ، لِأنَّ اللهَ أخْرَجَ الخَلْقَ مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَرِّ. قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذِهِ نِسْبَةٌ إلى الذَرِّ غُيِّرَ أوَّلُها، كَما قالُوا في النِسْبَةِ إلى الحَرَمِ: حِرْمِيٌّ - بِكَسْرِ الحاءِ - وغَيْرِ ذَلِكَ مِن تَغْيِيرِ النَسَبِ، قالَ الزَجّاجُ: وقِيلَ أصْلُ "ذُرِّيَّةً" ذُرُّورَةٌ، وزْنُها فُعْلُولَةٌ، فَلَمّا كَثُرَتِ الراءاتُ أبْدَلُوا مِنَ الأخِيرَةِ ياءً فَصارَتْ ذُرُّويَةً، ثُمَّ أُدْغِمَتِ الواوُ في الياءِ فَجاءَتْ ذُرِّيَّةً. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اشْتِقاقٌ مِن ذَرَّ يَذُرُّ، أو مِن ذَرى، وإذا كانَتْ مِن ذَرَأ فَوَزْنُها فَعِيلَةٌ كَمَرِيقَةٍ، (p-٢٠٠)أصْلُها ذَرِيئَةٌ، فَأُلْزِمَتِ البَدَلَ والتَخْفِيفَ،كَما فَعَلُوا في البَرِيَّةِ في قَوْلِ مَن رَآها مِن بَرَأ اللهُ الخَلْقَ، وفي كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ، في قَوْلِ مَن رَآهُ مِن "دَرَأ" لِأنَّهُ يَدْفَعُ الظُلْمَةَ بِضَوْئِهِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "ذُرِّيَّةً" بِضَمِّ الذالِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ والضَحّاكُ: "ذِرِّيَّةً" - بِكَسْرِ الذالِ - وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ أيْ في الإيمانِ والطاعَةِ وإنْعامِ اللهِ عَلَيْهِمْ بِالنُبُوَّةِ. واخْتَلَفَ الناسُ في العامِلِ في قَوْلِهِ: "إذْ قالَتِ"، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ: "إذْ" زائِدَةٌ، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ، وقالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "اذْكُرْ إذْ" وقالَ الزَجّاجُ: العامِلُ مَعْنى الِاصْطِفاءِ، التَقْدِيرُ: "واصْطَفى آلَ عِمْرانَ إذْ". وعَلى هَذا القَوْلِ يَخْرُجُ عِمْرانُ مِنَ الاصْطِفاءِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ ما مَعْناهُ: إنَّ العامِلَ في "إذْ" قَوْلُهُ "سَمِيعٌ". وامْرَأةُ عِمْرانَ اسْمُها حِنَةُ بِنْتُ قاذُوذَ فِيما ذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وهي أُمُّ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ أيْ: جَعَلْتُ نَذْرًا أنْ يَكُونَ هَذا الوَلَدُ الَّذِي في بَطْنِي حَبِيسًا عَلى خِدْمَةِ بَيْتِكَ مُحَرَّرًا مِن كُلِّ خِدْمَةٍ وشُغْلٍ مِن أشْغالِ الدُنْيا، أيْ: عَتِيقًا مِن ذَلِكَ، فَهو مِن لَفْظِ الحُرِّيَّةِ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ. قالَ مَكِّيٌّ: فَمَن نَصَبَهُ عَلى النَعْتِ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ يُقَدِّرُهُ: غُلامًا مُحَرَّرًا، وفي هَذا نَظَرٌ، والبَيْتُ الَّذِي نَذَرَتْهُ لَهُ، هو بَيْتُ المَقْدِسِ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَ سَبَبُ نَذْرِ حِنَةَ، أنَّها كانَتْ قَدْ أُمْسِكَ عنها الوَلَدُ حَتّى أسَنَّتْ، فَبَيْنَما هي في ظِلِّ شَجَرَةٍ، إذْ رَأتْ طائِرًا يَزُقُّ فَرْخًا لَهُ فَتَحَرَّكَتْ نَفْسُها لِلْوَلَدِ، فَدَعَتِ اللهَ أنْ يَهَبَ لَها ولَدًا، فَحَمَلَتْ بِمَرْيَمَ، وهَلَكَ عِمْرانُ، فَلَمّا عَلِمَتْ أنَّ في بَطْنِها (p-٢٠١)جَنِينًا؛ جَعَلَتْهُ نَذِيرَةً لِلَّهِ أنْ يَخْدُمَ الكَنِيسَةَ، لا يُنْتَفَعُ بِهِ في شَيْءٍ مِن أمْرِ الدُنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ: "مُحَرَّرًا" مَعْناهُ: خادِمًا لِلْكَنِيسَةِ، وقالَ مِثْلَهُ الشَعْبِيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وكانَ هَذا المَعْنى مِنَ التَحْرِيرِ لِلْكَنائِسِ عُرْفًا في الذُكُورِ خاصَّةً، وكانَ فَرْضًا عَلى الأبْناءِ التِزامُ ذَلِكَ فَقالَتْ: "ما في بَطْنِي" ولَمْ تَنُصَّ عَلى ذُكُورَتِهِ لِمَكانِ الإشْكالِ، ولَكِنَّها جَزَمَتِ الدَعْوَةَ رَجاءً مِنها أنْ يَكُونَ ذَكَرًا. وتَقَبُّلُ الشَيْءِ وقَبُولُهُ: أخْذُهُ حَيْثُ يُتَصَوَّرُ الأخْذُ والرِضى بِهِ في كُلِّ حالٍ، فَمَعْنى قَوْلِها "فَتَقَبَّلْ مِنِّي": أيِ ارْضَ عَنِّي في ذَلِكَ، واجْعَلْهُ فِعْلًا مَقْبُولًا مُجازىً بِهِ، و"السَمِيعُ" إشارَةٌ إلى دُعائِها، "العَلِيمُ" إشارَةٌ إلى نِيَّتِها.

آل عمران 3:34

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَمِيعُ العَلِيمُ﴾ لَمّا مَضى صَدْرٌ مِن مُحاجَّةِ نَصارى نَجْرانَ والرَدِّ عَلَيْهِمْ وبَيانِ فَسادِ ما هم عَلَيْهِ، جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُعْلِمَةً بِصُورَةِ الأمْرِ الَّذِي قَدْ ضَلُّوا فِيهِ، ومُنْبِئَةً عن حَقِيقَتِهِ كَيْفَ كانَتْ، فَبَدَأ تَعالى بِذِكْرِ فَضْلِهِ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ إلى آلِ عِمْرانَ مِنها، ثُمَّ خَصَّ امْرَأةَ عِمْرانَ بِالذِكْرِ، لِأنَّ القَصْدَ وصْفُ قِصَّةِ القَوْمِ إلى أنْ يَبِينَ أمْرُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وكَيْفَ كانَ. و"اصْطَفى" مَعْناهُ: اخْتارَ صَفْوَ الناسِ، فَكانَ ذَلِكَ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ وبَقِيَ الكُفّارُ (p-١٩٨)كَدَرًا. و"آدَمَ" هو أبُونا عَلَيْهِ السَلامُ، اصْطَفاهُ اللهُ تَعالى بِالإيجادِ والرِسالَةِ إلى بَنِيهِ والنُبُوَّةِ والتَكْلِيمِ، حَسْبَما ورَدَ في الحَدِيثِ، وحَكى الزَجّاجُ عن قَوْمٍ إنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ بِالرِسالَةِ إلى المَلائِكَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣] وهَذا ضَعِيفٌ؛ ونُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ هو أبُونا الأصْغَرُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وهو أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ إلى الكُفّارِ، وانْصَرَفَ نُوحٌ مَعَ عُجْمَتِهِ وتَعْرِيفِهِ لِخِفَّةِ الِاسْمِ، كَهُودٍ ولُوطٍ. "وَآلَ إبْراهِيمَ" يَعْنِي بِإبْراهِيمَ الخَلِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، والآلُ في اللُغَةِ: الأهْلُ والقَرابَةُ، ويُقالُ لِلْأتْباعِ وأهْلِ الطاعَةِ: آلٌ، فَمِنهُ آلُ فِرْعَوْنَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو أراكَةُ الثَقَفِيُّ في رِثاءِ النَبِيِّ ﷺ وهو يُعَزِّي نَفْسَهُ في أخِيهِ عَمْرٍو: ؎ فَلا تَبْكِ مَيْتًا بَعْدَ مَيْتٍ أجَنَّهُ ∗∗∗ عَلِيٌّ وعَبّاسٌ وآلُ أبِي بَكْرِ أرادَ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ. والآلُ في هَذِهِ الآيَةِ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، فَإذا قُلْنا أرادَ بِالآلِ القَرابَةَ والبَيْتِيَّةَ، فالتَقْدِيرُ: إنَّ اللهَ اصْطَفى هَؤُلاءِ عَلى عالِمِي زَمانِهِمْ، أو عَلى العالَمِينَ عامًّا بِأنْ يُقَدِّرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَلامُ مِن آلِ إبْراهِيمَ؛ وإنْ قُلْنا: أرادَ بِالآلِ الأتْباعَ فَيَسْتَقِيمُ دُخُولُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ في الآلِ لِأنَّها عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ. وذَهَبَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ إلى أنَّ ذِكْرَ آدَمَ يَتَضَمَّنُ الإشارَةَ إلى المُؤْمِنِينَ بِهِ مِن بَنِيهِ، وكَذَلِكَ ذِكْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّ الآلَ الأتْباعُ، فَعَمَّتِ الآيَةُ جَمِيعَ مُؤْمِنِي العالَمِ، فَكانَ المَعْنى: أنَّ اللهَ اصْطَفى المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ، وخَصَّ هَؤُلاءِ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لَهُمْ، ولِأنَّ الكَلامَ في قِصَّةِ بَعْضِهِمْ. ﴿وَآلَ عِمْرانَ﴾ أيْضًا يَحْتَمِلُ مِنَ التَأْوِيلِ ما تَقَدَّمَ في آلَ إبْراهِيمَ. وعِمْرانُ هو رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ فِيما حَكى الطَبَرِيُّ؛ قالَ مَكِّيٌّ: هو (p-١٩٩)عِمْرانُ بْنُ ماثالَ، وقالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ذَكَرَ اللهُ تَعالى أهْلَ بَيْتَيْنِ صالِحَيْنِ ورَجُلَيْنِ صالِحَيْنِ، فَفَضَّلَهم عَلى العالَمِينَ، فَكانَ مُحَمَّدٌ مِن آلِ إبْراهِيمَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اصْطَفى اللهُ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِالدِينِ والنُبُوَّةِ والطاعَةِ لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ذُرِّيَّةً" نُصِبَ عَلى البَدَلِ، وقِيلَ عَلى الحالِ لِأنَّ مَعْنى ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ مُتَشابِهُونَ في الدِينِ والحالِ، وهَذا أظْهَرُ مِنَ البَدَلِ. والذُرِّيَّةُ في عُرْفِ الِاسْتِعْمالِ تَقَعُ لِما تَناسَلَ مِنَ الأولادِ سِفْلًا، واشْتِقاقُ اللَفْظَةِ في اللُغَةِ يُعْطِي أنْ تَقَعَ عَلى جَمِيعِ الناسِ، أيْ كُلُّ أحَدٍ ذُرِّيَّةٌ لِغَيْرِهِ، فالناسُ كُلُّهم ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وهَكَذا اسْتُعْمِلَتِ الذُرِّيَّةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] أيْ ذُرِّيَّةَ هَذا الجِنْسِ، ولا يَسُوغُ أنْ يَقُولَ في والِدٍ: هَذا ذُرِّيَّةٌ لِوَلَدِهِ وإذِ اللَفْظَةُ مِن "ذَرَّ" إذا بَثَّ، فَهَكَذا يَجِيءُ مَعْناها، وكَذَلِكَ إنْ جَعَلْناها مِن "ذَرا"، وكَذَلِكَ إنْ جُعِلَتْ مِن "ذَرَأ" أو مِنَ الذَرِّ الَّذِي هو صِغارُ النَمْلِ.. قالَ أبُو الفَتْحِ: الذُرِّيَّةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُشْتَقَّةً مِن هَذِهِ الحُرُوفِ الأرْبَعَةِ، ثُمَّ طَوَّلَ أبُو الفَتْحِ القَوْلَ في وزْنِها عَلى كُلِّ اشْتِقاقٍ مِن هَذِهِ الأرْبَعَةِ الأحْرُفِ تَطْوِيلًا لا يَقْتَضِي هَذا الإيجازُ ذِكْرَهُ، وذَكَرَها أبُو عَلِيٍّ في الأعْرافِ في تَرْجَمَةِ: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] قالَ الزَجّاجُ: أصْلُها فُعْلِيَّةٌ مِنَ الذَرِّ، لِأنَّ اللهَ أخْرَجَ الخَلْقَ مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَرِّ. قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذِهِ نِسْبَةٌ إلى الذَرِّ غُيِّرَ أوَّلُها، كَما قالُوا في النِسْبَةِ إلى الحَرَمِ: حِرْمِيٌّ - بِكَسْرِ الحاءِ - وغَيْرِ ذَلِكَ مِن تَغْيِيرِ النَسَبِ، قالَ الزَجّاجُ: وقِيلَ أصْلُ "ذُرِّيَّةً" ذُرُّورَةٌ، وزْنُها فُعْلُولَةٌ، فَلَمّا كَثُرَتِ الراءاتُ أبْدَلُوا مِنَ الأخِيرَةِ ياءً فَصارَتْ ذُرُّويَةً، ثُمَّ أُدْغِمَتِ الواوُ في الياءِ فَجاءَتْ ذُرِّيَّةً. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اشْتِقاقٌ مِن ذَرَّ يَذُرُّ، أو مِن ذَرى، وإذا كانَتْ مِن ذَرَأ فَوَزْنُها فَعِيلَةٌ كَمَرِيقَةٍ، (p-٢٠٠)أصْلُها ذَرِيئَةٌ، فَأُلْزِمَتِ البَدَلَ والتَخْفِيفَ،كَما فَعَلُوا في البَرِيَّةِ في قَوْلِ مَن رَآها مِن بَرَأ اللهُ الخَلْقَ، وفي كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ، في قَوْلِ مَن رَآهُ مِن "دَرَأ" لِأنَّهُ يَدْفَعُ الظُلْمَةَ بِضَوْئِهِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "ذُرِّيَّةً" بِضَمِّ الذالِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ والضَحّاكُ: "ذِرِّيَّةً" - بِكَسْرِ الذالِ - وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ أيْ في الإيمانِ والطاعَةِ وإنْعامِ اللهِ عَلَيْهِمْ بِالنُبُوَّةِ. واخْتَلَفَ الناسُ في العامِلِ في قَوْلِهِ: "إذْ قالَتِ"، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ: "إذْ" زائِدَةٌ، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ، وقالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "اذْكُرْ إذْ" وقالَ الزَجّاجُ: العامِلُ مَعْنى الِاصْطِفاءِ، التَقْدِيرُ: "واصْطَفى آلَ عِمْرانَ إذْ". وعَلى هَذا القَوْلِ يَخْرُجُ عِمْرانُ مِنَ الاصْطِفاءِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ ما مَعْناهُ: إنَّ العامِلَ في "إذْ" قَوْلُهُ "سَمِيعٌ". وامْرَأةُ عِمْرانَ اسْمُها حِنَةُ بِنْتُ قاذُوذَ فِيما ذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وهي أُمُّ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ أيْ: جَعَلْتُ نَذْرًا أنْ يَكُونَ هَذا الوَلَدُ الَّذِي في بَطْنِي حَبِيسًا عَلى خِدْمَةِ بَيْتِكَ مُحَرَّرًا مِن كُلِّ خِدْمَةٍ وشُغْلٍ مِن أشْغالِ الدُنْيا، أيْ: عَتِيقًا مِن ذَلِكَ، فَهو مِن لَفْظِ الحُرِّيَّةِ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ. قالَ مَكِّيٌّ: فَمَن نَصَبَهُ عَلى النَعْتِ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ يُقَدِّرُهُ: غُلامًا مُحَرَّرًا، وفي هَذا نَظَرٌ، والبَيْتُ الَّذِي نَذَرَتْهُ لَهُ، هو بَيْتُ المَقْدِسِ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَ سَبَبُ نَذْرِ حِنَةَ، أنَّها كانَتْ قَدْ أُمْسِكَ عنها الوَلَدُ حَتّى أسَنَّتْ، فَبَيْنَما هي في ظِلِّ شَجَرَةٍ، إذْ رَأتْ طائِرًا يَزُقُّ فَرْخًا لَهُ فَتَحَرَّكَتْ نَفْسُها لِلْوَلَدِ، فَدَعَتِ اللهَ أنْ يَهَبَ لَها ولَدًا، فَحَمَلَتْ بِمَرْيَمَ، وهَلَكَ عِمْرانُ، فَلَمّا عَلِمَتْ أنَّ في بَطْنِها (p-٢٠١)جَنِينًا؛ جَعَلَتْهُ نَذِيرَةً لِلَّهِ أنْ يَخْدُمَ الكَنِيسَةَ، لا يُنْتَفَعُ بِهِ في شَيْءٍ مِن أمْرِ الدُنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ: "مُحَرَّرًا" مَعْناهُ: خادِمًا لِلْكَنِيسَةِ، وقالَ مِثْلَهُ الشَعْبِيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وكانَ هَذا المَعْنى مِنَ التَحْرِيرِ لِلْكَنائِسِ عُرْفًا في الذُكُورِ خاصَّةً، وكانَ فَرْضًا عَلى الأبْناءِ التِزامُ ذَلِكَ فَقالَتْ: "ما في بَطْنِي" ولَمْ تَنُصَّ عَلى ذُكُورَتِهِ لِمَكانِ الإشْكالِ، ولَكِنَّها جَزَمَتِ الدَعْوَةَ رَجاءً مِنها أنْ يَكُونَ ذَكَرًا. وتَقَبُّلُ الشَيْءِ وقَبُولُهُ: أخْذُهُ حَيْثُ يُتَصَوَّرُ الأخْذُ والرِضى بِهِ في كُلِّ حالٍ، فَمَعْنى قَوْلِها "فَتَقَبَّلْ مِنِّي": أيِ ارْضَ عَنِّي في ذَلِكَ، واجْعَلْهُ فِعْلًا مَقْبُولًا مُجازىً بِهِ، و"السَمِيعُ" إشارَةٌ إلى دُعائِها، "العَلِيمُ" إشارَةٌ إلى نِيَّتِها.

آل عمران 3:35

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَمِيعُ العَلِيمُ﴾ لَمّا مَضى صَدْرٌ مِن مُحاجَّةِ نَصارى نَجْرانَ والرَدِّ عَلَيْهِمْ وبَيانِ فَسادِ ما هم عَلَيْهِ، جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُعْلِمَةً بِصُورَةِ الأمْرِ الَّذِي قَدْ ضَلُّوا فِيهِ، ومُنْبِئَةً عن حَقِيقَتِهِ كَيْفَ كانَتْ، فَبَدَأ تَعالى بِذِكْرِ فَضْلِهِ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ إلى آلِ عِمْرانَ مِنها، ثُمَّ خَصَّ امْرَأةَ عِمْرانَ بِالذِكْرِ، لِأنَّ القَصْدَ وصْفُ قِصَّةِ القَوْمِ إلى أنْ يَبِينَ أمْرُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وكَيْفَ كانَ. و"اصْطَفى" مَعْناهُ: اخْتارَ صَفْوَ الناسِ، فَكانَ ذَلِكَ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ وبَقِيَ الكُفّارُ (p-١٩٨)كَدَرًا. و"آدَمَ" هو أبُونا عَلَيْهِ السَلامُ، اصْطَفاهُ اللهُ تَعالى بِالإيجادِ والرِسالَةِ إلى بَنِيهِ والنُبُوَّةِ والتَكْلِيمِ، حَسْبَما ورَدَ في الحَدِيثِ، وحَكى الزَجّاجُ عن قَوْمٍ إنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ بِالرِسالَةِ إلى المَلائِكَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣] وهَذا ضَعِيفٌ؛ ونُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ هو أبُونا الأصْغَرُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وهو أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ إلى الكُفّارِ، وانْصَرَفَ نُوحٌ مَعَ عُجْمَتِهِ وتَعْرِيفِهِ لِخِفَّةِ الِاسْمِ، كَهُودٍ ولُوطٍ. "وَآلَ إبْراهِيمَ" يَعْنِي بِإبْراهِيمَ الخَلِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، والآلُ في اللُغَةِ: الأهْلُ والقَرابَةُ، ويُقالُ لِلْأتْباعِ وأهْلِ الطاعَةِ: آلٌ، فَمِنهُ آلُ فِرْعَوْنَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو أراكَةُ الثَقَفِيُّ في رِثاءِ النَبِيِّ ﷺ وهو يُعَزِّي نَفْسَهُ في أخِيهِ عَمْرٍو: ؎ فَلا تَبْكِ مَيْتًا بَعْدَ مَيْتٍ أجَنَّهُ ∗∗∗ عَلِيٌّ وعَبّاسٌ وآلُ أبِي بَكْرِ أرادَ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ. والآلُ في هَذِهِ الآيَةِ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، فَإذا قُلْنا أرادَ بِالآلِ القَرابَةَ والبَيْتِيَّةَ، فالتَقْدِيرُ: إنَّ اللهَ اصْطَفى هَؤُلاءِ عَلى عالِمِي زَمانِهِمْ، أو عَلى العالَمِينَ عامًّا بِأنْ يُقَدِّرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَلامُ مِن آلِ إبْراهِيمَ؛ وإنْ قُلْنا: أرادَ بِالآلِ الأتْباعَ فَيَسْتَقِيمُ دُخُولُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ في الآلِ لِأنَّها عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ. وذَهَبَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ إلى أنَّ ذِكْرَ آدَمَ يَتَضَمَّنُ الإشارَةَ إلى المُؤْمِنِينَ بِهِ مِن بَنِيهِ، وكَذَلِكَ ذِكْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّ الآلَ الأتْباعُ، فَعَمَّتِ الآيَةُ جَمِيعَ مُؤْمِنِي العالَمِ، فَكانَ المَعْنى: أنَّ اللهَ اصْطَفى المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ، وخَصَّ هَؤُلاءِ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لَهُمْ، ولِأنَّ الكَلامَ في قِصَّةِ بَعْضِهِمْ. ﴿وَآلَ عِمْرانَ﴾ أيْضًا يَحْتَمِلُ مِنَ التَأْوِيلِ ما تَقَدَّمَ في آلَ إبْراهِيمَ. وعِمْرانُ هو رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ فِيما حَكى الطَبَرِيُّ؛ قالَ مَكِّيٌّ: هو (p-١٩٩)عِمْرانُ بْنُ ماثالَ، وقالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ذَكَرَ اللهُ تَعالى أهْلَ بَيْتَيْنِ صالِحَيْنِ ورَجُلَيْنِ صالِحَيْنِ، فَفَضَّلَهم عَلى العالَمِينَ، فَكانَ مُحَمَّدٌ مِن آلِ إبْراهِيمَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اصْطَفى اللهُ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِالدِينِ والنُبُوَّةِ والطاعَةِ لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ذُرِّيَّةً" نُصِبَ عَلى البَدَلِ، وقِيلَ عَلى الحالِ لِأنَّ مَعْنى ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ مُتَشابِهُونَ في الدِينِ والحالِ، وهَذا أظْهَرُ مِنَ البَدَلِ. والذُرِّيَّةُ في عُرْفِ الِاسْتِعْمالِ تَقَعُ لِما تَناسَلَ مِنَ الأولادِ سِفْلًا، واشْتِقاقُ اللَفْظَةِ في اللُغَةِ يُعْطِي أنْ تَقَعَ عَلى جَمِيعِ الناسِ، أيْ كُلُّ أحَدٍ ذُرِّيَّةٌ لِغَيْرِهِ، فالناسُ كُلُّهم ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وهَكَذا اسْتُعْمِلَتِ الذُرِّيَّةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] أيْ ذُرِّيَّةَ هَذا الجِنْسِ، ولا يَسُوغُ أنْ يَقُولَ في والِدٍ: هَذا ذُرِّيَّةٌ لِوَلَدِهِ وإذِ اللَفْظَةُ مِن "ذَرَّ" إذا بَثَّ، فَهَكَذا يَجِيءُ مَعْناها، وكَذَلِكَ إنْ جَعَلْناها مِن "ذَرا"، وكَذَلِكَ إنْ جُعِلَتْ مِن "ذَرَأ" أو مِنَ الذَرِّ الَّذِي هو صِغارُ النَمْلِ.. قالَ أبُو الفَتْحِ: الذُرِّيَّةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُشْتَقَّةً مِن هَذِهِ الحُرُوفِ الأرْبَعَةِ، ثُمَّ طَوَّلَ أبُو الفَتْحِ القَوْلَ في وزْنِها عَلى كُلِّ اشْتِقاقٍ مِن هَذِهِ الأرْبَعَةِ الأحْرُفِ تَطْوِيلًا لا يَقْتَضِي هَذا الإيجازُ ذِكْرَهُ، وذَكَرَها أبُو عَلِيٍّ في الأعْرافِ في تَرْجَمَةِ: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] قالَ الزَجّاجُ: أصْلُها فُعْلِيَّةٌ مِنَ الذَرِّ، لِأنَّ اللهَ أخْرَجَ الخَلْقَ مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَرِّ. قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذِهِ نِسْبَةٌ إلى الذَرِّ غُيِّرَ أوَّلُها، كَما قالُوا في النِسْبَةِ إلى الحَرَمِ: حِرْمِيٌّ - بِكَسْرِ الحاءِ - وغَيْرِ ذَلِكَ مِن تَغْيِيرِ النَسَبِ، قالَ الزَجّاجُ: وقِيلَ أصْلُ "ذُرِّيَّةً" ذُرُّورَةٌ، وزْنُها فُعْلُولَةٌ، فَلَمّا كَثُرَتِ الراءاتُ أبْدَلُوا مِنَ الأخِيرَةِ ياءً فَصارَتْ ذُرُّويَةً، ثُمَّ أُدْغِمَتِ الواوُ في الياءِ فَجاءَتْ ذُرِّيَّةً. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اشْتِقاقٌ مِن ذَرَّ يَذُرُّ، أو مِن ذَرى، وإذا كانَتْ مِن ذَرَأ فَوَزْنُها فَعِيلَةٌ كَمَرِيقَةٍ، (p-٢٠٠)أصْلُها ذَرِيئَةٌ، فَأُلْزِمَتِ البَدَلَ والتَخْفِيفَ،كَما فَعَلُوا في البَرِيَّةِ في قَوْلِ مَن رَآها مِن بَرَأ اللهُ الخَلْقَ، وفي كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ، في قَوْلِ مَن رَآهُ مِن "دَرَأ" لِأنَّهُ يَدْفَعُ الظُلْمَةَ بِضَوْئِهِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "ذُرِّيَّةً" بِضَمِّ الذالِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ والضَحّاكُ: "ذِرِّيَّةً" - بِكَسْرِ الذالِ - وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ أيْ في الإيمانِ والطاعَةِ وإنْعامِ اللهِ عَلَيْهِمْ بِالنُبُوَّةِ. واخْتَلَفَ الناسُ في العامِلِ في قَوْلِهِ: "إذْ قالَتِ"، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ: "إذْ" زائِدَةٌ، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ، وقالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "اذْكُرْ إذْ" وقالَ الزَجّاجُ: العامِلُ مَعْنى الِاصْطِفاءِ، التَقْدِيرُ: "واصْطَفى آلَ عِمْرانَ إذْ". وعَلى هَذا القَوْلِ يَخْرُجُ عِمْرانُ مِنَ الاصْطِفاءِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ ما مَعْناهُ: إنَّ العامِلَ في "إذْ" قَوْلُهُ "سَمِيعٌ". وامْرَأةُ عِمْرانَ اسْمُها حِنَةُ بِنْتُ قاذُوذَ فِيما ذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وهي أُمُّ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ أيْ: جَعَلْتُ نَذْرًا أنْ يَكُونَ هَذا الوَلَدُ الَّذِي في بَطْنِي حَبِيسًا عَلى خِدْمَةِ بَيْتِكَ مُحَرَّرًا مِن كُلِّ خِدْمَةٍ وشُغْلٍ مِن أشْغالِ الدُنْيا، أيْ: عَتِيقًا مِن ذَلِكَ، فَهو مِن لَفْظِ الحُرِّيَّةِ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ. قالَ مَكِّيٌّ: فَمَن نَصَبَهُ عَلى النَعْتِ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ يُقَدِّرُهُ: غُلامًا مُحَرَّرًا، وفي هَذا نَظَرٌ، والبَيْتُ الَّذِي نَذَرَتْهُ لَهُ، هو بَيْتُ المَقْدِسِ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَ سَبَبُ نَذْرِ حِنَةَ، أنَّها كانَتْ قَدْ أُمْسِكَ عنها الوَلَدُ حَتّى أسَنَّتْ، فَبَيْنَما هي في ظِلِّ شَجَرَةٍ، إذْ رَأتْ طائِرًا يَزُقُّ فَرْخًا لَهُ فَتَحَرَّكَتْ نَفْسُها لِلْوَلَدِ، فَدَعَتِ اللهَ أنْ يَهَبَ لَها ولَدًا، فَحَمَلَتْ بِمَرْيَمَ، وهَلَكَ عِمْرانُ، فَلَمّا عَلِمَتْ أنَّ في بَطْنِها (p-٢٠١)جَنِينًا؛ جَعَلَتْهُ نَذِيرَةً لِلَّهِ أنْ يَخْدُمَ الكَنِيسَةَ، لا يُنْتَفَعُ بِهِ في شَيْءٍ مِن أمْرِ الدُنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ: "مُحَرَّرًا" مَعْناهُ: خادِمًا لِلْكَنِيسَةِ، وقالَ مِثْلَهُ الشَعْبِيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وكانَ هَذا المَعْنى مِنَ التَحْرِيرِ لِلْكَنائِسِ عُرْفًا في الذُكُورِ خاصَّةً، وكانَ فَرْضًا عَلى الأبْناءِ التِزامُ ذَلِكَ فَقالَتْ: "ما في بَطْنِي" ولَمْ تَنُصَّ عَلى ذُكُورَتِهِ لِمَكانِ الإشْكالِ، ولَكِنَّها جَزَمَتِ الدَعْوَةَ رَجاءً مِنها أنْ يَكُونَ ذَكَرًا. وتَقَبُّلُ الشَيْءِ وقَبُولُهُ: أخْذُهُ حَيْثُ يُتَصَوَّرُ الأخْذُ والرِضى بِهِ في كُلِّ حالٍ، فَمَعْنى قَوْلِها "فَتَقَبَّلْ مِنِّي": أيِ ارْضَ عَنِّي في ذَلِكَ، واجْعَلْهُ فِعْلًا مَقْبُولًا مُجازىً بِهِ، و"السَمِيعُ" إشارَةٌ إلى دُعائِها، "العَلِيمُ" إشارَةٌ إلى نِيَّتِها.

آل عمران 3:36

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعَتْها أُنْثى واللهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَيْطانِ الرَجِيمِ﴾ ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللهِ إنَّ اللهِ يَرْزُقُ مِن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ هَذِهِ الآيَةُ خِطابٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والوَضْعُ: الوِلادَةُ، وأنَّثَ الضَمِيرَ في "وَضَعَتْها" حَمْلًا عَلى المَوْجُودَةِ ورَفْعًا لِلَفْظِ "ما" الَّتِي في قَوْلِها: ﴿ما في بَطْنِي﴾ [آل عمران: ٣٥] وقَوْلُها: ﴿رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ لَفْظُ خَبَرٍ في ضِمْنِهِ التَحَسُّرُ والتَلَهُّفُ، وبَيَّنَ اللهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "وَضَعَتْ" بِفَتْحِ العَيْنِ وإسْكانِ التاءِ - وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "وَضَعْتُ" - بِضَمِّ التاءِ وإسْكانِ العَيْنِ - وهَذا أيْضًا مَخْرَجُ قَوْلِها: "رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى" مِن مَعْنى الخَبَرِ إلى مَعْنى التَلَهُّفِ، وإنَّما تَلَهَّفَتْ لِأنَّهم كانُوا لا يُحَرِّرُونَ الإناثَ لِخِدْمَةِ الكَنائِسِ ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وكانَتْ قَدْ رَجَتْ أنْ يَكُونَ ما في بَطْنِها ذَكَرًا، فَلَمّا وضَعَتْ أُنْثى تَلَهَّفَتْ عَلى فَوْتِ الأمَلِ وأفْزَعَها أنْ نَذَرَتْ ما لا (p-٢٠٢)يَجُوزُ نَذْرُهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ "وَضَعْتِ" - بِكَسْرِ التاءِ - عَلى الخِطابِ مِنَ اللهِ لَها. وقَوْلُها: "وَلَيْسَ الذَكَرُ كالأُنْثى" تُرِيدُ في امْتِناعِ نَذْرِهِ، إذِ الأُنْثى تَحِيضُ ولا تَصْلُحُ لِصُحْبَةِ الرُهْبانِ، قالَهُ قَتادَةُ والرَبِيعُ والسُدِّيُّ وعِكْرِمَةُ وغَيْرُهُمْ، وبَدَأتْ بِذِكْرِ الأهَمِّ في نَفْسِها، وإلّا فَسِياقُ قِصَّتِها يَقْتَضِي أنْ تَقُولَ: ولَيْسَتِ الأُنْثى كالذَكَرِ، فَتَضَعَ حَرْفَ النَفْيِ مَعَ الشَيْءِ الَّذِي عِنْدَها وانْتَفَتْ عنهُ صِفاتُ الكَمالِ لِلْغَرَضِ المُرادِ. وفِي قَوْلِها ﴿وَإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ سُنَّةُ تَسْمِيَةِ الأطْفالِ قُرْبَ الوِلادَةِ ونَحْوُهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "وُلِدَ لِيَ اللَيْلَةَ مَوْلُودٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أبِي إبْراهِيمَ".» وقَدْ رُوِيَ عنهُ عَلَيْهِ السَلامُ « "أنَّ ذَلِكَ في يَوْمِ السابِعِ يُعَقُّ عَنِ المَوْلُودِ ويُسَمّى"» قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: "وَمَن ماتَ ولَدُهُ قَبْلَ السابِعِ فَلا عَقِيقَةَ عَلَيْهِ ولا تَسْمِيَةَ" قالَ ابْنُ حَبِيبٍ: "أحَبُّ إلَيَّ أنْ يُسَمّى، وأنْ يُسَمّى السَقْطُ لِما رُوِيَ مِن رَجاءِ شَفاعَتِهِ". ومَرْيَمُ لا يَنْصَرِفُ لِعُجْمَتِهِ وتَعْرِيفِهِ وتَأْنِيثِهِ. وباقِي الآيَةِ إعادَةٌ، ووَرَدَ في الحَدِيثِ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِن رِوايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ مِن بَنِي آدَمَ لَهُ طَعْنَةٌ مِنَ الشَيْطانِ وبِها يَسْتَهِلُّ، إلّا ما كانَ مِن مَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرانَ وابْنِها، فَإنَّ أُمَّها قالَتْ حِينَ وضَعَتْها: ﴿وَإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَيْطانِ الرَجِيمِ﴾ فَضُرِبَ بَيْنَهُما حِجابٌ فَطَعَنَ الشَيْطانُ في الحِجابِ» وقَدِ اخْتَلَفَتْ ألْفاظُ الحَدِيثِ مِن طُرُقٍ، والمَعْنى واحِدٌ كَما ذَكَرْتُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَقَبَّلَها﴾ إخْبارٌ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ بِأنَّ اللهَ رَضِيَ مَرْيَمَ لِخِدْمَةِ (p-٢٠٣)المَسْجِدِ كَما نَذَرَتْ أُمُّها وسَنّى لَها الأمَلَ في ذَلِكَ، والمَعْنى يَقْتَضِي أنَّ اللهَ أوحى إلى زَكَرِيّا ومَن كانَ هُنالِكَ بِأنَّهُ تَقَبَّلَها، ولِذَلِكَ جَعَلُوها كَما نَذَرَتْ. وقَوْلُهُ "بِقَبُولٍ" مَصْدَرٌ جاءَ عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "نَباتًا" بَعْدَ أنْبَتَ. وقَوْلُهُ ﴿وَأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾، عِبارَةٌ عن حُسْنِ النَشْأةِ وسُرْعَةِ الجَوْدَةِ فِيها في خِلْقَةٍ وخُلُقٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ مَعْناهُ: ضَمَّها إلى إنْفاقِهِ وحِضْنِهِ، والكافِلُ هو المُرَبِّي الحاضِنُ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: إنَّ زَكَرِيّا كانَ زَوْجَ خالَتِها، لِأنَّهُ وعِمْرانَ كانا سِلْفَيْنِ عَلى أُخْتَيْنِ، ولَدَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا يَحْيى، ووَلَدَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ مَرْيَمَ، وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ زَكَرِيّاءَ كانَ زَوْجَ ابْنَةٍ أُخْرى لِعِمْرانَ، ويُعَضِّدُ هَذا القَوْلَ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في يَحْيى وعِيسى: "ابْنا الخالَةِ"» قالَ مَكِّيٌّ: وهو زَكَرِيّا بْنُ آذَنَ. وذَكَرَ قَتادَةُ وغَيْرُ واحِدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهم كانُوا في ذَلِكَ الزَمانِ يَتَشاحُّونَ في المُحَرَّرِ عِنْدَ مَن يَكُونُ مِنَ القائِمِينَ بِأمْرِ المَسْجِدِ فَيَتَساهَمُونَ عَلَيْهِ، وأنَّهم فَعَلُوا في مَرْيَمَ ذَلِكَ، فَرُوِيَ أنَّهم ألْقَوْا أقْلامَهُمُ الَّتِي كانُوا يَكْتُبُونَ بِها التَوْراةَ في النَهْرِ، وقِيلَ: أقْلامًا بَرَوْها مِن عُودٍ كالسِهامِ والقِداحِ، وقِيلَ: عِصِيًّا لَهُمْ، وهَذِهِ كُلُّها تُقَلَّمُ، ورُوِيَ أنَّهم ألْقَوْا ذَلِكَ في نَهْرِ الأُرْدُنِّ، ورُوِيَ أنَّهم ألْقَوْهُ في عَيْنٍ. ورُوِيَ أنَّ قَلَمَ زَكَرِيّا صاعَدَ الجَرْيَةَ ومَضَتْ أقْلامُ الآخَرِينَ مَعَ الماءِ في جَرْيَتِهِ. ورُوِيَ أنَّ أقْلامَ القَوْمِ عامَتْ عَلى الماءِ مَعْرُوضَةً كَما تَفْعَلُ العِيدانُ وبَقِيَ قَلَمُ زَكَرِيّا مُرْتَزًّا واقِفًا كَأنَّما رُكِزَ في طِينٍ، فَكَفَّلَها زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَلامُ بِهَذا الِاسْتِهامِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّها لَمّا تَرَعْرَعَتْ أصابَتْ بَنِي إسْرائِيلَ مَجاعَةٌ فَقالَ لَهم زَكَرِيّا: إنِّي قَدْ عَجَزْتُ عن إنْفاقِ مَرْيَمَ فاقْتَرِعُوا عَلى مَن يَكْفُلُها، فَفَعَلُوا، فَخَرَجَ السَهْمُ عَلى رَجُلٍ يُقالُ لَهُ جُرَيْجٌ، فَجَعَلَ يُنْفِقُ عَلَيْها، وحِينَئِذٍ كانَ زَكَرِيّا يَدْخُلُ عَلَيْها المِحْرابَ عِنْدَ جُرَيْجٍ فَيَجِدُ عِنْدَها الرِزْقَ. وهَذا اسْتِهامٌ غَيْرُ الأوَّلِ، هَذا المُرادُ مِنهُ دَفْعُها، والأوَّلُ المُرادُ مِنهُ أخْذُها. ومُضَمَّنُ هَذِهِ الرِوايَةِ أنَّ زَكَرِيّا كَفَّلَها مِن (p-٢٠٤)لَدُنِ طُفُولَتِها دُونَ اسْتِهامٍ، لَكِنْ لِأنَّ أُمَّها هَلَكَتْ، وقَدْ كانَ أبُوها هَلَكَ وهي في بَطْنِ أُمِّها، فَضَمَّها زَكَرِيّا إلى نَفْسِهِ لِقَرابَتِها مِنِ امْرَأتِهِ، وهَكَذا قالَ ابْنُ إسْحاقَ. والَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أنَّ زَكَرِيّا إنَّما كَفَّلَ بِالِاسْتِهامِ لِتَشاحِّهِمْ حِينَئِذٍ فِيمَن يَكْفُلُ المُحَرَّرَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ: "وَكَفَلَها" - مَفْتُوحَةَ الفاءِ خَفِيفَةً "زَكَرِيّاءُ" مَرْفُوعًا مَمْدُودًا، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: و"كَفَّلَها" - مُشَدَّدَةَ الفاءِ، "زَكَرِيّاءَ" مَمْدُودًا مَنصُوبًا في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: و"كَفَّلَها" - مُشَدَّدَةَ الفاءِ مَفْتُوحَةً، "زَكَرِيّا" مَقْصُورًا في جَمِيعِ القُرْآنِ، وفي رِوايَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: و"أكْفَلَها زَكَرِيّاءَ" - بِفَتْحِ الفاءِ - عَلى التَعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "فَتَقَبَّلْها" - بِسُكُونِ اللامِ - عَلى الدُعاءِ "رَبَّها" بِنَصْبِ الباءِ عَلى النِداءِ و"أنْبِتْها" - بِكَسْرِ الباءِ - عَلى الدُعاءِ، و"كَفِّلْها" - بِكَسْرِ الفاءِ وشَدِّها - عَلى الدُعاءِ "زَكَرِيّاءَ" مَنصُوبًا مَمْدُودًا، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَبْدِ اللهِ المُزْنِيِّ، "وَكَفِلَها" - بِكَسْرِ الفاءِ خَفِيفَةً - وهي لُغَةٌ يُقالُ: كَفِلَ يَكْفُلُ- بِضَمِّ العَيْنِ في المُضارِعِ، وكَفِلَ-بِكَسْرِ العَيْنِ- يَكْفَلُ- بِفَتْحِها- في المُضارِعِ. "زَكَرِيّا": اسْمٌ أعْجَمِيٌّ يُمَدُّ ويُقْصَرُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: لَمّا عُرِّبَ صادَفَ العَرَبِيَّةَ في بِنائِهِ فَهو كالهَيْجاءِ تُمَدُّ وتُقْصَرُ. قالَ الزَجّاجُ: فَأمّا تَرْكُ صَرْفِهِ فَلِأنَّ فِيهِ في المَدِّ ألِفَيْ تَأْنِيثٍ وفي القَصْرِ ألِفَ تَأْنِيثٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ألِفُ زَكَرِيّا ألِفُ تَأْنِيثٍ ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ألِفَ إلْحاقٍ، لِأنَّهُ لَيْسَ في الأُصُولِ شَيْءٌ عَلى وزْنِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُنْقَلِبَةً، ويُقالُ في لُغَةٍ: زَكَرِيٌّ مُنَوَّنٌ مُعَرَّبٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هاتانِ ياءُ نَسَبٍ ولَوْ كانَتا اللَتَيْنِ في زَكَرِيّا لَوَجَبَ ألّا يَنْصَرِفَ الِاسْمُ لِلْعُجْمَةِ والتَعْرِيفِ، وإنَّما حُذِفَتْ تِلْكَ وجُلِبَتْ ياءُ النَسَبِ. وحَكى أبُو حاتِمٍ زَكَرِيُّ بِغَيْرِ صَرْفٍ وهو غَلَطٌ عِنْدَ النُحاةِ، ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ. (p-٢٠٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: "كُلَّما" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "وَجَدَ"، والمِحْرابُ: المَبْنى الحَسَنُ كالغُرَفِ والعَلالِيِّ ونَحْوِهِ، ومِحْرابُ القَصْرِ أشْرَفُ ما فِيهِ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِأشْرَفِ ما في المُصَلّى - وهو مَوْقِفُ الإمامِ-: مِحْرابٌ، وقالَ الشاعِرُ: ؎ رَبَّةُ مِحْرابٍ إذا جِئْتُها ∗∗∗ لَمْ ألْقَها أو أرْتَقِي سُلَّما ومِثْلُ قَوْلِ الآخَرِ: ؎ كَدُمى العاجِ في المَحارِيبِ أو كالـ ∗∗∗ ∗∗∗ بَيْضِ في الرَوْضِ زَهْرُهُ مُسْتَنِيرُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ مَعْناهُ: طَعامًا تَتَغَذّى بِهِ ما لَمْ يَعْهَدْهُ ولا عَرَفَ كَيْفَ جُلِبَ إلَيْها، وكانَتْ- فِيما ذَكَرَ الرَبِيعُ- تَحْتَ سَبْعَةِ أبْوابٍ مُغْلَقَةٍ، وحَكى مَكِّيٌّ أنَّها كانَتْ في غُرْفَةٍ يُطْلَعُ إلَيْها بِسُلَّمٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجَدَ عِنْدَها عِنَبًا في مِكْتَلٍ في غَيْرِ حِينِهِ، وقالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقالَ الضَحّاكُ ومُجاهِدٌ أيْضًا وقَتادَةُ: كانَ يَجِدُ عِنْدَها فاكِهَةَ الشِتاءِ في الصَيْفِ، وفاكِهَةَ الصَيْفِ في الشِتاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ يَجِدُ عِنْدَها ثِمارَ الجَنَّةِ: فاكِهَةَ الصَيْفِ في الشِتاءِ وفاكِهَةَ الشِتاءِ في الصَيْفِ، وقالَ الحَسَنُ: كانَ يَجِدُ عِنْدَها رِزْقًا مِنَ السَماءِ لَيْسَ عِنْدَ الناسِ، ولَوْ أنَّهُ عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ الرِزْقَ مِن عِنْدِهِ لَمْ يَسْألْها عنهُ؛ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هَذا الدُخُولُ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها﴾ إنَّما هو دُخُولُ زَكَرِيّا عَلَيْها وهي في كَفالَةِ جُرَيْجٍ أخِيرًا، وذَلِكَ أنَّ جُرَيْجًا كانَ يَأْتِيها بِطَعامِها فَيُنَمِّيهِ اللهُ ويُكَثِّرُهُ، حَتّى إذا دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا عَجِبَ مِن كَثْرَتِهِ فَقالَ: ﴿يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا﴾ والَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أقْوى مِمّا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ. وقَوْلُهُ "أنّى" مَعْناهُ: كَيْفَ؟ ومِن أيْنَ؟ وقَوْلُها: ﴿هُوَ مِن عِنْدِ اللهِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن جَلْبِ بَشَرٍ، وهَكَذا تَلَقّى زَكَرِيّا المَعْنى، وإلّا فَلَيْسَ كانَ يَقْنَعُ بِهَذا الجَوابِ. (p-٢٠٦)قالَ الزَجّاجُ: وهَذا مِنَ الآيَةِ الَّتِي قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] ورُوِيَ أنَّها لَمْ تَلْقَمْ ثَدْيًا قَطُّ. وقَوْلُها: ﴿إنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ تَقْرِيرٌ لِكَوْنِ ذَلِكَ الرِزْقِ مِن عِنْدِ اللهِ. وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن قَوْلِ مَرْيَمَ وأنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ، واللهُ تَعالى لا تَنْتَقِصُ خَزائِنُهُ، فَلَيْسَ يَحْسِبُ ما يَخْرُجُ مِنها، وقَدْ يُعَبَّرُ بِهَذِهِ العِبارَةِ عَنِ المُكْثِرِينَ مِنَ الناسِ أنَّهم يُنْفِقُونَ بِغَيْرِ حِسابٍ، وذَلِكَ مَجازٌ وتَشْبِيهٌ، والحَقِيقَةُ هي فِيما يَنْتَفِقُ مِن خَزائِنِ اللهِ تَعالى.

آل عمران 3:37

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعَتْها أُنْثى واللهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَيْطانِ الرَجِيمِ﴾ ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللهِ إنَّ اللهِ يَرْزُقُ مِن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ هَذِهِ الآيَةُ خِطابٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والوَضْعُ: الوِلادَةُ، وأنَّثَ الضَمِيرَ في "وَضَعَتْها" حَمْلًا عَلى المَوْجُودَةِ ورَفْعًا لِلَفْظِ "ما" الَّتِي في قَوْلِها: ﴿ما في بَطْنِي﴾ [آل عمران: ٣٥] وقَوْلُها: ﴿رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ لَفْظُ خَبَرٍ في ضِمْنِهِ التَحَسُّرُ والتَلَهُّفُ، وبَيَّنَ اللهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "وَضَعَتْ" بِفَتْحِ العَيْنِ وإسْكانِ التاءِ - وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "وَضَعْتُ" - بِضَمِّ التاءِ وإسْكانِ العَيْنِ - وهَذا أيْضًا مَخْرَجُ قَوْلِها: "رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى" مِن مَعْنى الخَبَرِ إلى مَعْنى التَلَهُّفِ، وإنَّما تَلَهَّفَتْ لِأنَّهم كانُوا لا يُحَرِّرُونَ الإناثَ لِخِدْمَةِ الكَنائِسِ ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وكانَتْ قَدْ رَجَتْ أنْ يَكُونَ ما في بَطْنِها ذَكَرًا، فَلَمّا وضَعَتْ أُنْثى تَلَهَّفَتْ عَلى فَوْتِ الأمَلِ وأفْزَعَها أنْ نَذَرَتْ ما لا (p-٢٠٢)يَجُوزُ نَذْرُهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ "وَضَعْتِ" - بِكَسْرِ التاءِ - عَلى الخِطابِ مِنَ اللهِ لَها. وقَوْلُها: "وَلَيْسَ الذَكَرُ كالأُنْثى" تُرِيدُ في امْتِناعِ نَذْرِهِ، إذِ الأُنْثى تَحِيضُ ولا تَصْلُحُ لِصُحْبَةِ الرُهْبانِ، قالَهُ قَتادَةُ والرَبِيعُ والسُدِّيُّ وعِكْرِمَةُ وغَيْرُهُمْ، وبَدَأتْ بِذِكْرِ الأهَمِّ في نَفْسِها، وإلّا فَسِياقُ قِصَّتِها يَقْتَضِي أنْ تَقُولَ: ولَيْسَتِ الأُنْثى كالذَكَرِ، فَتَضَعَ حَرْفَ النَفْيِ مَعَ الشَيْءِ الَّذِي عِنْدَها وانْتَفَتْ عنهُ صِفاتُ الكَمالِ لِلْغَرَضِ المُرادِ. وفِي قَوْلِها ﴿وَإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ سُنَّةُ تَسْمِيَةِ الأطْفالِ قُرْبَ الوِلادَةِ ونَحْوُهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "وُلِدَ لِيَ اللَيْلَةَ مَوْلُودٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أبِي إبْراهِيمَ".» وقَدْ رُوِيَ عنهُ عَلَيْهِ السَلامُ « "أنَّ ذَلِكَ في يَوْمِ السابِعِ يُعَقُّ عَنِ المَوْلُودِ ويُسَمّى"» قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: "وَمَن ماتَ ولَدُهُ قَبْلَ السابِعِ فَلا عَقِيقَةَ عَلَيْهِ ولا تَسْمِيَةَ" قالَ ابْنُ حَبِيبٍ: "أحَبُّ إلَيَّ أنْ يُسَمّى، وأنْ يُسَمّى السَقْطُ لِما رُوِيَ مِن رَجاءِ شَفاعَتِهِ". ومَرْيَمُ لا يَنْصَرِفُ لِعُجْمَتِهِ وتَعْرِيفِهِ وتَأْنِيثِهِ. وباقِي الآيَةِ إعادَةٌ، ووَرَدَ في الحَدِيثِ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِن رِوايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ مِن بَنِي آدَمَ لَهُ طَعْنَةٌ مِنَ الشَيْطانِ وبِها يَسْتَهِلُّ، إلّا ما كانَ مِن مَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرانَ وابْنِها، فَإنَّ أُمَّها قالَتْ حِينَ وضَعَتْها: ﴿وَإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَيْطانِ الرَجِيمِ﴾ فَضُرِبَ بَيْنَهُما حِجابٌ فَطَعَنَ الشَيْطانُ في الحِجابِ» وقَدِ اخْتَلَفَتْ ألْفاظُ الحَدِيثِ مِن طُرُقٍ، والمَعْنى واحِدٌ كَما ذَكَرْتُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَقَبَّلَها﴾ إخْبارٌ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ بِأنَّ اللهَ رَضِيَ مَرْيَمَ لِخِدْمَةِ (p-٢٠٣)المَسْجِدِ كَما نَذَرَتْ أُمُّها وسَنّى لَها الأمَلَ في ذَلِكَ، والمَعْنى يَقْتَضِي أنَّ اللهَ أوحى إلى زَكَرِيّا ومَن كانَ هُنالِكَ بِأنَّهُ تَقَبَّلَها، ولِذَلِكَ جَعَلُوها كَما نَذَرَتْ. وقَوْلُهُ "بِقَبُولٍ" مَصْدَرٌ جاءَ عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "نَباتًا" بَعْدَ أنْبَتَ. وقَوْلُهُ ﴿وَأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾، عِبارَةٌ عن حُسْنِ النَشْأةِ وسُرْعَةِ الجَوْدَةِ فِيها في خِلْقَةٍ وخُلُقٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ مَعْناهُ: ضَمَّها إلى إنْفاقِهِ وحِضْنِهِ، والكافِلُ هو المُرَبِّي الحاضِنُ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: إنَّ زَكَرِيّا كانَ زَوْجَ خالَتِها، لِأنَّهُ وعِمْرانَ كانا سِلْفَيْنِ عَلى أُخْتَيْنِ، ولَدَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا يَحْيى، ووَلَدَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ مَرْيَمَ، وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ زَكَرِيّاءَ كانَ زَوْجَ ابْنَةٍ أُخْرى لِعِمْرانَ، ويُعَضِّدُ هَذا القَوْلَ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في يَحْيى وعِيسى: "ابْنا الخالَةِ"» قالَ مَكِّيٌّ: وهو زَكَرِيّا بْنُ آذَنَ. وذَكَرَ قَتادَةُ وغَيْرُ واحِدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهم كانُوا في ذَلِكَ الزَمانِ يَتَشاحُّونَ في المُحَرَّرِ عِنْدَ مَن يَكُونُ مِنَ القائِمِينَ بِأمْرِ المَسْجِدِ فَيَتَساهَمُونَ عَلَيْهِ، وأنَّهم فَعَلُوا في مَرْيَمَ ذَلِكَ، فَرُوِيَ أنَّهم ألْقَوْا أقْلامَهُمُ الَّتِي كانُوا يَكْتُبُونَ بِها التَوْراةَ في النَهْرِ، وقِيلَ: أقْلامًا بَرَوْها مِن عُودٍ كالسِهامِ والقِداحِ، وقِيلَ: عِصِيًّا لَهُمْ، وهَذِهِ كُلُّها تُقَلَّمُ، ورُوِيَ أنَّهم ألْقَوْا ذَلِكَ في نَهْرِ الأُرْدُنِّ، ورُوِيَ أنَّهم ألْقَوْهُ في عَيْنٍ. ورُوِيَ أنَّ قَلَمَ زَكَرِيّا صاعَدَ الجَرْيَةَ ومَضَتْ أقْلامُ الآخَرِينَ مَعَ الماءِ في جَرْيَتِهِ. ورُوِيَ أنَّ أقْلامَ القَوْمِ عامَتْ عَلى الماءِ مَعْرُوضَةً كَما تَفْعَلُ العِيدانُ وبَقِيَ قَلَمُ زَكَرِيّا مُرْتَزًّا واقِفًا كَأنَّما رُكِزَ في طِينٍ، فَكَفَّلَها زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَلامُ بِهَذا الِاسْتِهامِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّها لَمّا تَرَعْرَعَتْ أصابَتْ بَنِي إسْرائِيلَ مَجاعَةٌ فَقالَ لَهم زَكَرِيّا: إنِّي قَدْ عَجَزْتُ عن إنْفاقِ مَرْيَمَ فاقْتَرِعُوا عَلى مَن يَكْفُلُها، فَفَعَلُوا، فَخَرَجَ السَهْمُ عَلى رَجُلٍ يُقالُ لَهُ جُرَيْجٌ، فَجَعَلَ يُنْفِقُ عَلَيْها، وحِينَئِذٍ كانَ زَكَرِيّا يَدْخُلُ عَلَيْها المِحْرابَ عِنْدَ جُرَيْجٍ فَيَجِدُ عِنْدَها الرِزْقَ. وهَذا اسْتِهامٌ غَيْرُ الأوَّلِ، هَذا المُرادُ مِنهُ دَفْعُها، والأوَّلُ المُرادُ مِنهُ أخْذُها. ومُضَمَّنُ هَذِهِ الرِوايَةِ أنَّ زَكَرِيّا كَفَّلَها مِن (p-٢٠٤)لَدُنِ طُفُولَتِها دُونَ اسْتِهامٍ، لَكِنْ لِأنَّ أُمَّها هَلَكَتْ، وقَدْ كانَ أبُوها هَلَكَ وهي في بَطْنِ أُمِّها، فَضَمَّها زَكَرِيّا إلى نَفْسِهِ لِقَرابَتِها مِنِ امْرَأتِهِ، وهَكَذا قالَ ابْنُ إسْحاقَ. والَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أنَّ زَكَرِيّا إنَّما كَفَّلَ بِالِاسْتِهامِ لِتَشاحِّهِمْ حِينَئِذٍ فِيمَن يَكْفُلُ المُحَرَّرَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ: "وَكَفَلَها" - مَفْتُوحَةَ الفاءِ خَفِيفَةً "زَكَرِيّاءُ" مَرْفُوعًا مَمْدُودًا، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: و"كَفَّلَها" - مُشَدَّدَةَ الفاءِ، "زَكَرِيّاءَ" مَمْدُودًا مَنصُوبًا في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: و"كَفَّلَها" - مُشَدَّدَةَ الفاءِ مَفْتُوحَةً، "زَكَرِيّا" مَقْصُورًا في جَمِيعِ القُرْآنِ، وفي رِوايَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: و"أكْفَلَها زَكَرِيّاءَ" - بِفَتْحِ الفاءِ - عَلى التَعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "فَتَقَبَّلْها" - بِسُكُونِ اللامِ - عَلى الدُعاءِ "رَبَّها" بِنَصْبِ الباءِ عَلى النِداءِ و"أنْبِتْها" - بِكَسْرِ الباءِ - عَلى الدُعاءِ، و"كَفِّلْها" - بِكَسْرِ الفاءِ وشَدِّها - عَلى الدُعاءِ "زَكَرِيّاءَ" مَنصُوبًا مَمْدُودًا، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَبْدِ اللهِ المُزْنِيِّ، "وَكَفِلَها" - بِكَسْرِ الفاءِ خَفِيفَةً - وهي لُغَةٌ يُقالُ: كَفِلَ يَكْفُلُ- بِضَمِّ العَيْنِ في المُضارِعِ، وكَفِلَ-بِكَسْرِ العَيْنِ- يَكْفَلُ- بِفَتْحِها- في المُضارِعِ. "زَكَرِيّا": اسْمٌ أعْجَمِيٌّ يُمَدُّ ويُقْصَرُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: لَمّا عُرِّبَ صادَفَ العَرَبِيَّةَ في بِنائِهِ فَهو كالهَيْجاءِ تُمَدُّ وتُقْصَرُ. قالَ الزَجّاجُ: فَأمّا تَرْكُ صَرْفِهِ فَلِأنَّ فِيهِ في المَدِّ ألِفَيْ تَأْنِيثٍ وفي القَصْرِ ألِفَ تَأْنِيثٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ألِفُ زَكَرِيّا ألِفُ تَأْنِيثٍ ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ألِفَ إلْحاقٍ، لِأنَّهُ لَيْسَ في الأُصُولِ شَيْءٌ عَلى وزْنِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُنْقَلِبَةً، ويُقالُ في لُغَةٍ: زَكَرِيٌّ مُنَوَّنٌ مُعَرَّبٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هاتانِ ياءُ نَسَبٍ ولَوْ كانَتا اللَتَيْنِ في زَكَرِيّا لَوَجَبَ ألّا يَنْصَرِفَ الِاسْمُ لِلْعُجْمَةِ والتَعْرِيفِ، وإنَّما حُذِفَتْ تِلْكَ وجُلِبَتْ ياءُ النَسَبِ. وحَكى أبُو حاتِمٍ زَكَرِيُّ بِغَيْرِ صَرْفٍ وهو غَلَطٌ عِنْدَ النُحاةِ، ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ. (p-٢٠٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: "كُلَّما" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "وَجَدَ"، والمِحْرابُ: المَبْنى الحَسَنُ كالغُرَفِ والعَلالِيِّ ونَحْوِهِ، ومِحْرابُ القَصْرِ أشْرَفُ ما فِيهِ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِأشْرَفِ ما في المُصَلّى - وهو مَوْقِفُ الإمامِ-: مِحْرابٌ، وقالَ الشاعِرُ: ؎ رَبَّةُ مِحْرابٍ إذا جِئْتُها ∗∗∗ لَمْ ألْقَها أو أرْتَقِي سُلَّما ومِثْلُ قَوْلِ الآخَرِ: ؎ كَدُمى العاجِ في المَحارِيبِ أو كالـ ∗∗∗ ∗∗∗ بَيْضِ في الرَوْضِ زَهْرُهُ مُسْتَنِيرُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ مَعْناهُ: طَعامًا تَتَغَذّى بِهِ ما لَمْ يَعْهَدْهُ ولا عَرَفَ كَيْفَ جُلِبَ إلَيْها، وكانَتْ- فِيما ذَكَرَ الرَبِيعُ- تَحْتَ سَبْعَةِ أبْوابٍ مُغْلَقَةٍ، وحَكى مَكِّيٌّ أنَّها كانَتْ في غُرْفَةٍ يُطْلَعُ إلَيْها بِسُلَّمٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجَدَ عِنْدَها عِنَبًا في مِكْتَلٍ في غَيْرِ حِينِهِ، وقالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقالَ الضَحّاكُ ومُجاهِدٌ أيْضًا وقَتادَةُ: كانَ يَجِدُ عِنْدَها فاكِهَةَ الشِتاءِ في الصَيْفِ، وفاكِهَةَ الصَيْفِ في الشِتاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ يَجِدُ عِنْدَها ثِمارَ الجَنَّةِ: فاكِهَةَ الصَيْفِ في الشِتاءِ وفاكِهَةَ الشِتاءِ في الصَيْفِ، وقالَ الحَسَنُ: كانَ يَجِدُ عِنْدَها رِزْقًا مِنَ السَماءِ لَيْسَ عِنْدَ الناسِ، ولَوْ أنَّهُ عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ الرِزْقَ مِن عِنْدِهِ لَمْ يَسْألْها عنهُ؛ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هَذا الدُخُولُ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها﴾ إنَّما هو دُخُولُ زَكَرِيّا عَلَيْها وهي في كَفالَةِ جُرَيْجٍ أخِيرًا، وذَلِكَ أنَّ جُرَيْجًا كانَ يَأْتِيها بِطَعامِها فَيُنَمِّيهِ اللهُ ويُكَثِّرُهُ، حَتّى إذا دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا عَجِبَ مِن كَثْرَتِهِ فَقالَ: ﴿يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا﴾ والَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أقْوى مِمّا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ. وقَوْلُهُ "أنّى" مَعْناهُ: كَيْفَ؟ ومِن أيْنَ؟ وقَوْلُها: ﴿هُوَ مِن عِنْدِ اللهِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن جَلْبِ بَشَرٍ، وهَكَذا تَلَقّى زَكَرِيّا المَعْنى، وإلّا فَلَيْسَ كانَ يَقْنَعُ بِهَذا الجَوابِ. (p-٢٠٦)قالَ الزَجّاجُ: وهَذا مِنَ الآيَةِ الَّتِي قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] ورُوِيَ أنَّها لَمْ تَلْقَمْ ثَدْيًا قَطُّ. وقَوْلُها: ﴿إنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ تَقْرِيرٌ لِكَوْنِ ذَلِكَ الرِزْقِ مِن عِنْدِ اللهِ. وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن قَوْلِ مَرْيَمَ وأنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ، واللهُ تَعالى لا تَنْتَقِصُ خَزائِنُهُ، فَلَيْسَ يَحْسِبُ ما يَخْرُجُ مِنها، وقَدْ يُعَبَّرُ بِهَذِهِ العِبارَةِ عَنِ المُكْثِرِينَ مِنَ الناسِ أنَّهم يُنْفِقُونَ بِغَيْرِ حِسابٍ، وذَلِكَ مَجازٌ وتَشْبِيهٌ، والحَقِيقَةُ هي فِيما يَنْتَفِقُ مِن خَزائِنِ اللهِ تَعالى.

آل عمران 3:38

قوله عزّ وجلّ: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إنَّكَ سَمِيعُ الدُعاءِ﴾ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهَ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصالِحِينَ﴾ هُناكَ - في كَلامِ العَرَبِ - إشارَةٌ إلى مَكانٍ فِيهِ بُعْدٌ أو زَمانٌ، وهُنالِكَ بِاللامِ - أبْلَغُ في الدَلالَةِ عَلى البُعْدِ، ولا يُعْرَبُ "هُنالِكَ" لِأنَّهُ إشارَةٌ فَأشْبَهَ الحُرُوفَ الَّتِي جاءَتْ لِمَعْنىً. ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ في الوَقْتِ الَّذِي رَأى زَكَرِيّا رِزْقَ اللهِ لِمَرْيَمَ ومَكانَتَها مِنهُ، وفَكَّرَ في أنَّها جاءَتْ أُمَّها بَعْدَ أنْ أسَنَّتْ، وأنَّ اللهَ تَقَبَّلَها وجَعَلَها مِنَ الصالِحاتِ، تَحَرَّكَ أمَلُهُ لِطَلَبِ الوَلَدِ وقَوِيَ رَجاؤُهُ، وذَلِكَ مِنهُ عَلى حالِ سِنٍّ ووَهْنِ عَظْمٍ واشْتِعالِ شَيْبٍ، وذَلِكَ لِخَوْفِهِ المَوالِيَ مِن ورائِهِ - حَسْبَما يَتَفَسَّرُ في سُورَةِ مَرْيَمَ إنْ شاءَ اللهُ - فَدَعا رَبَّهُ أنْ يَهَبَ لَهُ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً. و"الذُرِّيَّةُ": اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى واحِدٍ فَصاعِدًا كَما الوَلِيُّ اسْمُ جِنْسٍ كَذَلِكَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: إنَّما أرادَ هُنا بِالذُرِّيَّةِ واحِدًا ودَلِيلُ ذَلِكَ طَلَبُهُ ولِيًّا ولَمْ يَطْلُبْ أولِياءَ، وأنَّثَ "الطَيِّبَةَ" حَمْلًا عَلى لَفْظِ الذُرِّيَّةِ كَما قالَ الشاعِرُ: ؎ أبُوكَ خَلِيفَةٌ ولَدَتْهُ أُخْرى ∗∗∗ وأنْتَ خَلِيفَةٌ ذاكَ الكَمالُ (p-٢٠٧)وَكَما قالَ الآخَرُ: ؎ فَما تَزْدَرِي مِن حَيَّةٍ جَبَلِيَّةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ سُكاتٍ إذا ما عَضَّ لَيْسَ بِأدْرَدا وفِيما قالَ الطَبَرِيُّ تَعَقُّبٌ، وإنَّما الذُرِّيَّةُ والوَلِيُّ اسْما جِنْسٍ يَقَعانِ لِلْواحِدِ فَما زادَ، وهَكَذا كانَ طَلَبُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَلامُ، و"طَيِّبَةً" مَعْناهُ: سَلِيمَةٌ في الخُلُقِ والدِينِ نَقِيَّةٌ، "سَمِيعُ" في هَذِهِ الآيَةِ بِناءُ اسْمِ فاعِلٍ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ وتُرِكَ مَحْذُوفٌ كَثِيرٌ دَلَّ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: فَقَبِلَ اللهُ دُعاءَهُ، ووَهَبَهُ يَحْيى، وبَعَثَ المَلَكَ أوِ المَلائِكَةَ بِذَلِكَ إلَيْهِ، فَنادَتْهُ، وذُكِرَ أنَّهُ كانَ بَيْنَ دُعائِهِ والِاسْتِجابَةِ لَهُ بِالبِشارَةِ أرْبَعُونَ سَنَةً، وذَكَرَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُنادِي المُخْبِرَ إنَّما كانَ جِبْرِيلَ وحْدَهُ، وهَذا هو العُرْفُ في الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ، وقالَ قَوْمٌ: بَلْ نادَتْ مَلائِكَةٌ كَثِيرَةٌ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ ألْفاظُ الآيَةِ. وقَدْ وجَدْنا اللهَ تَعالى بَعَثَ مَلائِكَةً إلى لُوطٍ وإلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ وفي غَيْرِ ما قِصَّةٍ. وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ وقِراءَتِهِ: "فَناداهُ جِبْرِيلُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي". وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو: "فَنادَتْهُ" بِالتاءِ "المَلائِكَةُ"، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "فَناداهُ المَلائِكَةُ" - بِالألِفِ وإمالَةِ الدالِ -. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِالتاءِ فَلِمَوْضِعِ الجَماعَةِ،والجَماعَةُ مِمَّنْ يَعْقِلُ في جَمْعِ التَكْسِيرِ؛ تَجْرِي مَجْرى ما لا يَعْقِلُ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: هي الرِجالُ كَما تَقُولُ: هي الجُذُوعُ وهي الجِمالُ، ومِثْلُهُ "قالَتِ الأعْرابُ". فَفَسَّرَ أبُو عَلِيٍّ عَلى أنَّ المُنادِيَ مَلائِكَةٌ كَثِيرَةٌ، والقِراءَةُ بِالتاءِ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: المُنادِي جِبْرِيلُ وحْدَهُ مُتَّجِهَةً عَلى مُراعاةِ لَفْظِ المَلائِكَةِ، وعَبَّرَ عن جِبْرِيلَ بِالمَلائِكَةِ إذْ هو مِنهُمْ، فَذَكَرَ اسْمَ الجِنْسِ كَما قالَ تَعالى: "الَّذِينَ قالَ لَهُمُ الناسُ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ومَن قَرَأ: "فَناداهُ المَلائِكَةُ"، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: "وَقالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ". (p-٢٠٨)قالَ القاضِي: وهَذا عَلى أنَّ المُنادِيَ كَثِيرٌ، ومَن قالَ إنَّهُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ كالسُدِّيِّ وغَيْرِهِ فَأفْرَدَ الفِعْلَ مُراعاةً لِلْمَعْنى، وعَبَّرَ عن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ بِالمَلائِكَةِ إذْ هو اسْمُ جِنْسِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَنادَتْهُ" عِبارَةٌ تُسْتَعْمَلُ في التَبْشِيرِ وفِيما يَنْبَغِي أنْ يُسْرَعَ بِهِ ويُنْهى إلى نَفْسِ السامِعِ لِيُسَرَّ بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ هَذا مِنَ المَلائِكَةِ إخْبارًا عَلى عُرْفِ الوَحْيِ، بَلْ نِداءً كَما نادى الرَجُلُ الأنْصارِيُّ كَعْبَ بْنَ مالِكٍ مِن أعْلى الجَبَلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ قائِمٌ﴾ [الرعد: ٣٣] جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، و"يُصَلِّي" صِفَةٌ لِـ "قائِمٌ"، و"المِحْرابِ" في هَذا المَوْضِعِ مَوْقِفُ الإمامِ مِنَ المَسْجِدِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: "إنَّ اللهَ" بِكَسْرِ الألِفِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا عَلى إضْمارِ القَوْلِ، كَأنَّهُ قالَ: "فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ" فَقالَتْ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: "فَدَعا رَبَّهُ إنِّي مَغْلُوبٌ" عَلى قِراءَةِ مَن كَسَرَ الألِفَ، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: كُسِرَتْ بَعْدَ النِداءِ والدُعاءِ لِأنَّ النِداءَ والدُعاءَ أقْوالٌ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الألِفِ مِن قَوْلِهِ: "أنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ" قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: فَنادَتْهُ بِأنَّ اللهَ، فَلَمّا حُذِفَ الجارُّ مِنها وصَلَ الفِعْلُ إلَيْها فَنَصَبَها، فَأنَّ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قِياسِ قَوْلِ الخَلِيلِ في مَوْضِعِ جَرٍّ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ "فِي المِحْرابِ يا زَكَرِيّاءُ إنَّ اللهَ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَقَوْلُهُ: "زَكَرِيّاءُ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِوُقُوعِ النِداءِ عَلَيْهِ، ولا يَجُوزُ فَتْحُ الألِفِ في "إنَّ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِأنَّ "نادَتْهُ" قَدِ اسْتَوْفَتْ مَفْعُولَيْها، أحَدُهُما الضَمِيرُ،، والآخَرُ المُنادى، فَإنْ فَتَحْتَ "إنَّ" لَمْ يَبْقَ لَها شَيْءٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وكُلُّهم قَرَأ: "فِي المِحْرابِ" بِفَتْحِ الراءِ - إلّا ابْنَ عامِرٍ فَإنَّهُ أمالَها، وأطْلَقَ ابْنُ مُجاهِدٍ القَوْلَ في إمالَةِ ابْنِ عامِرٍ الألِفَ مِن "مِحْرابْ" ولَمْ يَخُصَّ بِهِ الجَرَّ مِن غَيْرِهِ، وقالَ غَيْرُ ابْنِ مُجاهِدٍ: إنَّما نُمِيلُهُ في الجَرِّ فَقَطْ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: "يُبَشِّرُكَ"، بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الباءِ والتَشْدِيدِ - في كُلِّ القُرْآنِ إلّا فِي: "عسق" فَإنَّهُما قَرَآ "ذَلِكَ الَّذِي يَبْشُرُ اللهُ عِبادَهُ: - بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ (p-٢٠٩)الشِينِ، وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ: "يُبَشِّرُكَ" بِشَدِّ الشِينِ المَكْسُورَةِ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "يَبْشُرُ" خَفِيفًا - بِضَمِّ الشِينِ "مِمّا لَمْ يَقَعْ" في كُلِّ القُرْآنِ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: "فَبِمَ تُبَشِّرُونَ". وقَرَأ الكِسائِيُّ: "يَبْشُرُ" مُخَفَّفَةً في خَمْسَةِ مَواضِعَ: في آلِ عِمْرانَ في قِصَّةِ زَكَرِيّا وقِصَّةِ مَرْيَمَ، وفي سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ والكَهْفِ: "وَيَبْشُرُ المُؤْمِنِينَ" وفي عسق- "يَبْشُرُ اللهُ عِبادَهُ". قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اللُغَوِيِّينَ: في هَذِهِ اللَفْظَةِ ثَلاثُ لُغاتٍ، بَشَّرَ بِشَدِّ الشِينِ، وبَشَرَ بِتَخْفِيفِها، وأبْشَرَ يُبْشِرُ إبْشارًا، وهَذِهِ القِراءاتُ كُلُّها مُتَّجِهَةٌ فَصِيحَةٌ مَرْوِيَّةٌ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "يُبْشِرُكَ" -بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ الشِينِ المَكْسُورَةِ- مِن "أبْشَرَ" وهَكَذا قَرَأ في كُلِّ القُرْآنِ. و"يَحْيى" اسْمٌ سَمّاهُ اللهُ بِهِ قَبْلَ أنْ يُولَدَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هو اسْمٌ بِالعِبْرانِيَّةِ صادَفَ هَذا البِناءَ، والمَعْنى مِنَ العَرَبِيَّةِ، قالَ الزَجّاجُ: لا يَنْصَرِفُ لِأنَّهُ إنْ كانَ أعْجَمِيًّا فَفِيهِ التَعْرِيفُ والعُجْمَةُ، وإنْ كانَ عَرَبِيًّا فالتَعْرِيفُ ووَزْنُ الفِعْلِ، وقالَ قَتادَةُ: سَمّاهُ اللهُ يَحْيى لِأنَّهُ أحْياهُ بِالإيمانِ و"مُصَدِّقًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، وهي مُؤَكِّدَةٌ بِحَسَبِ حالِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُمُ: الكَلِمَةُ هُنا يُرادُ بِها عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ. وسَمّى اللهُ تَعالى عِيسى كَلِمَةً إذْ صَدَرَ عن كَلِمَةٍ مِنهُ تَعالى لا بِسَبَبِ إنْسانٍ آخَرَ كَعُرْفِ البَشَرِ. ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ امْرَأةَ زَكَرِيّاءَ قالَتْ لِمَرْيَمَ وهُما حامِلَتانِ: إنِّي أجِدُ ما في بَطْنِي يَتَحَرَّكُ لِما في بَطْنِكِ، وفي بَعْضِ الرِواياتِ: يَسْجُدُ لِما في بَطْنِكِ قالَ: فَذَلِكَ تَصْدِيقُهُ، أيْ: أوَّلُ التَصْدِيقِ. وقالَ بَعْضُ الناسِ: "بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ" مَعْناهُ: بِكِتابٍ مِنَ اللهِ، الإنْجِيلِ وغَيْرِهِ مِن كُتُبِ اللهِ، فَأوقَعَ المُفْرَدَ (p-٢١٠)مَوْقِعَ الجَمْعِ، فَـ "كَلِمَةٍ": اسْمُ جِنْسٍ، وعَلى هَذا النَظَرِ سَمَّتِ العَرَبُ القَصِيدَةَ الطَوِيلَةَ كَلِمَةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَيِّدًا﴾ قالَ فِيهِ قَتادَةُ: أيْ واللهِ، سَيِّدٌ في الحِلْمِ والعِبادَةِ والوَرَعِ، وقالَ مَرَّةً: مَعْناهُ: في العِلْمِ والعِبادَةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: "وَسَيِّدًا" أيْ حَلِيمًا، وقالَ مَرَّةً: السَيِّدُ: التَقِيُّ، وقالَ الضَحّاكُ: "وَسَيِّدًا" أيْ تَقِيًّا حَلِيمًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: السَيِّدُ الشَرِيفُ، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: السَيِّدُ الفَقِيهُ العالِمُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَسَيِّدًا" يَقُولُ، تَقِيًّا حَلِيمًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: السَيِّدُ الَّذِي لا يَغْلِبُهُ الغَضَبُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كُلُّ مَن فَسَّرَ مِن هَؤُلاءِ العُلَماءِ المَذْكُورِينَ السُؤْدُدَ بِالحِلْمِ، فَقَدْ أحْرَزَ أكْثَرَ مَعْنى السُؤْدُدِ، ومَن جَرَّدَ تَفْسِيرَهُ بِالعِلْمِ والتُقى ونَحْوِهِ فَلَمْ يُفَسِّرْ بِحَسَبِ كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ تَحَصَّلَ العِلْمُ لِيَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ﴾، وتَحَصَّلَ التُقى بِباقِي الآيَةِ. وخَصَّهُ اللهُ بِذِكْرِ السُؤْدُدِ الَّذِي هو الِاعْتِمالُ في رِضى الناسِ عَلى أشْرَفِ الوُجُوهِ دُونَ أنْ يَقَعَ في باطِلٍ- هَذا لَفْظٌ يَعُمُّ السُؤْدُدَ، وتَفْصِيلُهُ أنْ يُقالَ: بَذْلُ النَدى وهَذا هو الكَرَمُ، وكَفُّ الأذى وهُنا هي العِفَّةُ بِالفَرْجِ واليَدِ واللِسانِ، واحْتِمالُ العَظائِمِ وهُنا هو الحِلْمُ وغَيْرُهُ مِن تَحَمُّلِ الغَراماتِ وجَبْرِ الكَسِيرِ والإفْضالِ عَلى المُسْتَرْفِدِ والإنْقاذِ مِنَ الهَلَكاتِ. وانْظُرْ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ،» يَجْمَعُ اللهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ"، وذَكَرَ حَدِيثَ الشَفاعَةِ في إطْلاقِ المَوْقِفِ، وذَلِكَ مِنهُ احْتِمالٌ في رِضى ولَدِ آدَمَ فَهو سَيِّدُهم بِذَلِكَ. وقَدْ يُوجَدُ مِنَ الثِقاتِ العُلَماءِ مَن لا يَبْرُزُ في هَذِهِ الخِصالِ، وقَدْ يُوجَدُ مَن يَبْرُزُ في هَذِهِ فَيُسَمّى سَيِّدًا وإنْ قَصَّرَ في كَثِيرٍ مِنَ الواجِباتِ، أعْنِي واجِباتِ النَدْبِ والمُكافَحَةِ في الحَقِّ وقِلَّةِ المُبالاةِ بِاللائِمَةِ. وقَدْ قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما رَأيْتُ أحَدًا أسْوَدَ مِن مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ، قِيلَ لَهُ: (p-٢١١)وَأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ؟ قالَ: هُما خَيْرٌ مِن مُعاوِيَةَ، ومُعاوِيَةُ أسْوَدُ مِنهُما. فَهَذِهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مُعاوِيَةَ بَرَزَ في هَذِهِ الخِصالِ ما لَمْ يُواقِعْ مَحْذُورًا؛ وأنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ كانا مِنَ الاسْتِضْلاعِ بِالواجِباتِ وتَتَبُّعِ ذَلِكَ مِن أنْفُسِهِما وإقامَةِ الحَقائِقِ عَلى الناسِ بِحَيْثُ كانا خَيْرًا مِن مُعاوِيَةَ، ومَعَ تَتَبُّعِ الحَقائِقِ، وحَمْلِ الناسِ عَلى الجادَّةِ، وقِلَّةِ المُبالاةِ بِرِضاهُمْ، والوَزْنِ بِقِسْطاسِ الشَرِيعَةِ تَحْرِيرًا يَنْخَرِمُ كَثِيرٌ مِن هَذِهِ الخِصالِ الَّتِي هي السُؤْدُدُ ويَشْغَلُ الزَمَنُ عنها. والتُقى والعِلْمُ والأخْذُ بِالأشَدِّ أوكَدُ وأعْلى مِنَ السُؤْدُدِ، أمّا إنَّهُ يَحْسُنُ بِالتَقِيِّ العالِمِ أنْ يَأْخُذَ مِنَ السُؤْدُدِ بِكُلِّ ما لا يُخِلُّ بِعِلْمِهِ وتُقاهُ، وهَكَذا كانَ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ، ولَيْسَ هَذا الَّذِي يَحْسُنُ بِواجِبٍ ولا بُدَّ، كَما لَيْسَ التَتَبُّعُ والتَحْرِيرُ في الشِدَّةِ بِواجِبٍ ولا بُدَّ، وهُما طَرَفا خَيْرٍ حَفَّتْهُما الشَرِيعَةُ، فَمِن صائِرٍ إلى هَذا ومِن صائِرٍ إلى هَذا، ومِثالُ ذَلِكَ، حاكِمٌ صَلِيبٌ مُعَبِّسٌ فَظٌّ عَلى مَن عِنْدَهُ أدْنى عِوَجٍ لا يَعْتَنِي في حَوائِجِ الناسِ، وآخَرُ بَسْطُ الوَجْهِ بَسّامٌ يَعْتَنِي فِيما يَجُوزُ، ولا يَتَتَبَّعُ ما لَمْ يُرْفَعْ إلَيْهِ ويُنَفِّذُ الحُكْمَ مَعَ رِفْقٍ بِالمَحْكُومِ عَلَيْهِ، فَهُما طَرِيقانِ حَسَنانِ. وقَوْلُهُ: "وَحَصُورًا" أصْلُ هَذِهِ اللَفْظَةِ الحَبْسُ والمَنعُ، ومِنهُ الحَصِيرُ لِأنَّهُ يَحْصُرُ مَن جَلَسَ عَلَيْهِ، ومِنهُ سُمِّيَ السِجْنُ حَصِيرًا وجَهَنَّمُ حَصِيرًا، ومِنهُ حَصْرُ العَدُوِّ وإحْصارُ المَرَضِ والعُذْرِ، ومِنهُ قِيلَ: لِلَّذِي لا يُنْفِقُ مَعَ نُدَمائِهِ حَصُورٌ، قالَ الأخْطَلُ: ؎ وشارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكَأْسِ نادَمَنِي ∗∗∗ ∗∗∗ لا بِالحَصُورِ ولا فِيها بِسَوّارِ ويُقالُ لِلَّذِي يَكْتُمُ السِرَّ حَصُورٌ وحَصِرٌ، قالَ جَرِيرٌ: ؎ ولَقَدْ تَساقَطَنِي الوُشاةُ فَصادَفُوا ∗∗∗ ∗∗∗ حَصِرًا بِسِرِّكِ يا أُمَيْمُ ضَنِينا وأجْمَعَ مَن يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الصِفَةَ لِيَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما هي الِامْتِناعُ مِن وطْءِ النِساءِ، إلّا ما حَكى مَكِّيٌّ مِن قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ الحَصُورُ عَنِ الذُنُوبِ (p-٢١٢)أيْ لا يَأْتِيها. ورَوى ابْنُ المُسَيِّبِ عَنِ ابْنِ العاصِي- إمّا عَبْدُ اللهِ وإمّا أبُوهُ- عَنِ النَبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قالَ: « "كُلُّ بَنِي آدَمَ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ ولَهُ ذَنْبٌ إلّا ما كانَ مِن يَحْيى بْنِ زَكَرِيّاءَ" قالَ: ثُمَّ دَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ إلى الأرْضِ فَأخَذَ عُوَيْدًا صَغِيرًا، ثُمَّ قالَ: "وَذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ما لِلرِّجالِ إلّا مِثْلُ هَذا العُودِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ اللهُ سَيِّدًا وحَصُورًا"» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الحَصُورُ: العِنِّينُ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: الحَصُورُ: الَّذِي لا يَأْتِي النِساءَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَحّاكُ: الحَصُورُ: الَّذِي لا يُنْزِلُ الماءَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ حَصْرَ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ كانَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا مِثْلُ الهُدْبَةِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ حَصْرَهُ كانَ لِأنَّهُ كانَ عِنِّينًا لا يَأْتِي النِساءَ وإنْ كانَتْ خِلْقَتُهُ غَيْرَ ناقِصَةٍ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ حَصْرَهُ كانَ بِأنَّهُ كانَ يُمْسِكُ نَفْسَهُ تُقىً وجَلَدًا في طاعَةِ اللهِ، وكانَتْ بِهِ القُدْرَةُ عَلى جِماعِ النِساءِ. قالُوا: وهَذا أمْدَحُ لَهُ ولَيْسَ لَهُ في التَأْوِيلَيْنِ الأوَّلَيْنِ مَدْحٌ، إلّا بِأنَّ اللهَ يَسَّرَ لَهُ شَيْئًا لا تَكَسُّبَ لَهُ فِيهِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ، ورُوِيَ مِن صَلاحِهِ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ كانَ يَعِيشُ مِنَ العُشْبِ، وأنَّهُ كانَ كَثِيرَ البُكاءِ مِن خَشْيَةِ اللهِ حَتّى خَدَّدَ الدَمْعُ في وجْهِهِ طُرُقًا وأخادِيدَ.

آل عمران 3:39

قوله عزّ وجلّ: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إنَّكَ سَمِيعُ الدُعاءِ﴾ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهَ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصالِحِينَ﴾ هُناكَ - في كَلامِ العَرَبِ - إشارَةٌ إلى مَكانٍ فِيهِ بُعْدٌ أو زَمانٌ، وهُنالِكَ بِاللامِ - أبْلَغُ في الدَلالَةِ عَلى البُعْدِ، ولا يُعْرَبُ "هُنالِكَ" لِأنَّهُ إشارَةٌ فَأشْبَهَ الحُرُوفَ الَّتِي جاءَتْ لِمَعْنىً. ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ في الوَقْتِ الَّذِي رَأى زَكَرِيّا رِزْقَ اللهِ لِمَرْيَمَ ومَكانَتَها مِنهُ، وفَكَّرَ في أنَّها جاءَتْ أُمَّها بَعْدَ أنْ أسَنَّتْ، وأنَّ اللهَ تَقَبَّلَها وجَعَلَها مِنَ الصالِحاتِ، تَحَرَّكَ أمَلُهُ لِطَلَبِ الوَلَدِ وقَوِيَ رَجاؤُهُ، وذَلِكَ مِنهُ عَلى حالِ سِنٍّ ووَهْنِ عَظْمٍ واشْتِعالِ شَيْبٍ، وذَلِكَ لِخَوْفِهِ المَوالِيَ مِن ورائِهِ - حَسْبَما يَتَفَسَّرُ في سُورَةِ مَرْيَمَ إنْ شاءَ اللهُ - فَدَعا رَبَّهُ أنْ يَهَبَ لَهُ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً. و"الذُرِّيَّةُ": اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى واحِدٍ فَصاعِدًا كَما الوَلِيُّ اسْمُ جِنْسٍ كَذَلِكَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: إنَّما أرادَ هُنا بِالذُرِّيَّةِ واحِدًا ودَلِيلُ ذَلِكَ طَلَبُهُ ولِيًّا ولَمْ يَطْلُبْ أولِياءَ، وأنَّثَ "الطَيِّبَةَ" حَمْلًا عَلى لَفْظِ الذُرِّيَّةِ كَما قالَ الشاعِرُ: ؎ أبُوكَ خَلِيفَةٌ ولَدَتْهُ أُخْرى ∗∗∗ وأنْتَ خَلِيفَةٌ ذاكَ الكَمالُ (p-٢٠٧)وَكَما قالَ الآخَرُ: ؎ فَما تَزْدَرِي مِن حَيَّةٍ جَبَلِيَّةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ سُكاتٍ إذا ما عَضَّ لَيْسَ بِأدْرَدا وفِيما قالَ الطَبَرِيُّ تَعَقُّبٌ، وإنَّما الذُرِّيَّةُ والوَلِيُّ اسْما جِنْسٍ يَقَعانِ لِلْواحِدِ فَما زادَ، وهَكَذا كانَ طَلَبُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَلامُ، و"طَيِّبَةً" مَعْناهُ: سَلِيمَةٌ في الخُلُقِ والدِينِ نَقِيَّةٌ، "سَمِيعُ" في هَذِهِ الآيَةِ بِناءُ اسْمِ فاعِلٍ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ وتُرِكَ مَحْذُوفٌ كَثِيرٌ دَلَّ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: فَقَبِلَ اللهُ دُعاءَهُ، ووَهَبَهُ يَحْيى، وبَعَثَ المَلَكَ أوِ المَلائِكَةَ بِذَلِكَ إلَيْهِ، فَنادَتْهُ، وذُكِرَ أنَّهُ كانَ بَيْنَ دُعائِهِ والِاسْتِجابَةِ لَهُ بِالبِشارَةِ أرْبَعُونَ سَنَةً، وذَكَرَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُنادِي المُخْبِرَ إنَّما كانَ جِبْرِيلَ وحْدَهُ، وهَذا هو العُرْفُ في الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ، وقالَ قَوْمٌ: بَلْ نادَتْ مَلائِكَةٌ كَثِيرَةٌ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ ألْفاظُ الآيَةِ. وقَدْ وجَدْنا اللهَ تَعالى بَعَثَ مَلائِكَةً إلى لُوطٍ وإلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ وفي غَيْرِ ما قِصَّةٍ. وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ وقِراءَتِهِ: "فَناداهُ جِبْرِيلُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي". وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو: "فَنادَتْهُ" بِالتاءِ "المَلائِكَةُ"، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "فَناداهُ المَلائِكَةُ" - بِالألِفِ وإمالَةِ الدالِ -. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِالتاءِ فَلِمَوْضِعِ الجَماعَةِ،والجَماعَةُ مِمَّنْ يَعْقِلُ في جَمْعِ التَكْسِيرِ؛ تَجْرِي مَجْرى ما لا يَعْقِلُ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: هي الرِجالُ كَما تَقُولُ: هي الجُذُوعُ وهي الجِمالُ، ومِثْلُهُ "قالَتِ الأعْرابُ". فَفَسَّرَ أبُو عَلِيٍّ عَلى أنَّ المُنادِيَ مَلائِكَةٌ كَثِيرَةٌ، والقِراءَةُ بِالتاءِ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: المُنادِي جِبْرِيلُ وحْدَهُ مُتَّجِهَةً عَلى مُراعاةِ لَفْظِ المَلائِكَةِ، وعَبَّرَ عن جِبْرِيلَ بِالمَلائِكَةِ إذْ هو مِنهُمْ، فَذَكَرَ اسْمَ الجِنْسِ كَما قالَ تَعالى: "الَّذِينَ قالَ لَهُمُ الناسُ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ومَن قَرَأ: "فَناداهُ المَلائِكَةُ"، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: "وَقالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ". (p-٢٠٨)قالَ القاضِي: وهَذا عَلى أنَّ المُنادِيَ كَثِيرٌ، ومَن قالَ إنَّهُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ كالسُدِّيِّ وغَيْرِهِ فَأفْرَدَ الفِعْلَ مُراعاةً لِلْمَعْنى، وعَبَّرَ عن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ بِالمَلائِكَةِ إذْ هو اسْمُ جِنْسِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَنادَتْهُ" عِبارَةٌ تُسْتَعْمَلُ في التَبْشِيرِ وفِيما يَنْبَغِي أنْ يُسْرَعَ بِهِ ويُنْهى إلى نَفْسِ السامِعِ لِيُسَرَّ بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ هَذا مِنَ المَلائِكَةِ إخْبارًا عَلى عُرْفِ الوَحْيِ، بَلْ نِداءً كَما نادى الرَجُلُ الأنْصارِيُّ كَعْبَ بْنَ مالِكٍ مِن أعْلى الجَبَلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ قائِمٌ﴾ [الرعد: ٣٣] جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، و"يُصَلِّي" صِفَةٌ لِـ "قائِمٌ"، و"المِحْرابِ" في هَذا المَوْضِعِ مَوْقِفُ الإمامِ مِنَ المَسْجِدِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: "إنَّ اللهَ" بِكَسْرِ الألِفِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا عَلى إضْمارِ القَوْلِ، كَأنَّهُ قالَ: "فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ" فَقالَتْ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: "فَدَعا رَبَّهُ إنِّي مَغْلُوبٌ" عَلى قِراءَةِ مَن كَسَرَ الألِفَ، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: كُسِرَتْ بَعْدَ النِداءِ والدُعاءِ لِأنَّ النِداءَ والدُعاءَ أقْوالٌ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الألِفِ مِن قَوْلِهِ: "أنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ" قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: فَنادَتْهُ بِأنَّ اللهَ، فَلَمّا حُذِفَ الجارُّ مِنها وصَلَ الفِعْلُ إلَيْها فَنَصَبَها، فَأنَّ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قِياسِ قَوْلِ الخَلِيلِ في مَوْضِعِ جَرٍّ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ "فِي المِحْرابِ يا زَكَرِيّاءُ إنَّ اللهَ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَقَوْلُهُ: "زَكَرِيّاءُ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِوُقُوعِ النِداءِ عَلَيْهِ، ولا يَجُوزُ فَتْحُ الألِفِ في "إنَّ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِأنَّ "نادَتْهُ" قَدِ اسْتَوْفَتْ مَفْعُولَيْها، أحَدُهُما الضَمِيرُ،، والآخَرُ المُنادى، فَإنْ فَتَحْتَ "إنَّ" لَمْ يَبْقَ لَها شَيْءٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وكُلُّهم قَرَأ: "فِي المِحْرابِ" بِفَتْحِ الراءِ - إلّا ابْنَ عامِرٍ فَإنَّهُ أمالَها، وأطْلَقَ ابْنُ مُجاهِدٍ القَوْلَ في إمالَةِ ابْنِ عامِرٍ الألِفَ مِن "مِحْرابْ" ولَمْ يَخُصَّ بِهِ الجَرَّ مِن غَيْرِهِ، وقالَ غَيْرُ ابْنِ مُجاهِدٍ: إنَّما نُمِيلُهُ في الجَرِّ فَقَطْ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: "يُبَشِّرُكَ"، بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الباءِ والتَشْدِيدِ - في كُلِّ القُرْآنِ إلّا فِي: "عسق" فَإنَّهُما قَرَآ "ذَلِكَ الَّذِي يَبْشُرُ اللهُ عِبادَهُ: - بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ (p-٢٠٩)الشِينِ، وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ: "يُبَشِّرُكَ" بِشَدِّ الشِينِ المَكْسُورَةِ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "يَبْشُرُ" خَفِيفًا - بِضَمِّ الشِينِ "مِمّا لَمْ يَقَعْ" في كُلِّ القُرْآنِ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: "فَبِمَ تُبَشِّرُونَ". وقَرَأ الكِسائِيُّ: "يَبْشُرُ" مُخَفَّفَةً في خَمْسَةِ مَواضِعَ: في آلِ عِمْرانَ في قِصَّةِ زَكَرِيّا وقِصَّةِ مَرْيَمَ، وفي سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ والكَهْفِ: "وَيَبْشُرُ المُؤْمِنِينَ" وفي عسق- "يَبْشُرُ اللهُ عِبادَهُ". قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اللُغَوِيِّينَ: في هَذِهِ اللَفْظَةِ ثَلاثُ لُغاتٍ، بَشَّرَ بِشَدِّ الشِينِ، وبَشَرَ بِتَخْفِيفِها، وأبْشَرَ يُبْشِرُ إبْشارًا، وهَذِهِ القِراءاتُ كُلُّها مُتَّجِهَةٌ فَصِيحَةٌ مَرْوِيَّةٌ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "يُبْشِرُكَ" -بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ الشِينِ المَكْسُورَةِ- مِن "أبْشَرَ" وهَكَذا قَرَأ في كُلِّ القُرْآنِ. و"يَحْيى" اسْمٌ سَمّاهُ اللهُ بِهِ قَبْلَ أنْ يُولَدَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هو اسْمٌ بِالعِبْرانِيَّةِ صادَفَ هَذا البِناءَ، والمَعْنى مِنَ العَرَبِيَّةِ، قالَ الزَجّاجُ: لا يَنْصَرِفُ لِأنَّهُ إنْ كانَ أعْجَمِيًّا فَفِيهِ التَعْرِيفُ والعُجْمَةُ، وإنْ كانَ عَرَبِيًّا فالتَعْرِيفُ ووَزْنُ الفِعْلِ، وقالَ قَتادَةُ: سَمّاهُ اللهُ يَحْيى لِأنَّهُ أحْياهُ بِالإيمانِ و"مُصَدِّقًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، وهي مُؤَكِّدَةٌ بِحَسَبِ حالِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُمُ: الكَلِمَةُ هُنا يُرادُ بِها عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ. وسَمّى اللهُ تَعالى عِيسى كَلِمَةً إذْ صَدَرَ عن كَلِمَةٍ مِنهُ تَعالى لا بِسَبَبِ إنْسانٍ آخَرَ كَعُرْفِ البَشَرِ. ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ امْرَأةَ زَكَرِيّاءَ قالَتْ لِمَرْيَمَ وهُما حامِلَتانِ: إنِّي أجِدُ ما في بَطْنِي يَتَحَرَّكُ لِما في بَطْنِكِ، وفي بَعْضِ الرِواياتِ: يَسْجُدُ لِما في بَطْنِكِ قالَ: فَذَلِكَ تَصْدِيقُهُ، أيْ: أوَّلُ التَصْدِيقِ. وقالَ بَعْضُ الناسِ: "بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ" مَعْناهُ: بِكِتابٍ مِنَ اللهِ، الإنْجِيلِ وغَيْرِهِ مِن كُتُبِ اللهِ، فَأوقَعَ المُفْرَدَ (p-٢١٠)مَوْقِعَ الجَمْعِ، فَـ "كَلِمَةٍ": اسْمُ جِنْسٍ، وعَلى هَذا النَظَرِ سَمَّتِ العَرَبُ القَصِيدَةَ الطَوِيلَةَ كَلِمَةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَيِّدًا﴾ قالَ فِيهِ قَتادَةُ: أيْ واللهِ، سَيِّدٌ في الحِلْمِ والعِبادَةِ والوَرَعِ، وقالَ مَرَّةً: مَعْناهُ: في العِلْمِ والعِبادَةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: "وَسَيِّدًا" أيْ حَلِيمًا، وقالَ مَرَّةً: السَيِّدُ: التَقِيُّ، وقالَ الضَحّاكُ: "وَسَيِّدًا" أيْ تَقِيًّا حَلِيمًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: السَيِّدُ الشَرِيفُ، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: السَيِّدُ الفَقِيهُ العالِمُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَسَيِّدًا" يَقُولُ، تَقِيًّا حَلِيمًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: السَيِّدُ الَّذِي لا يَغْلِبُهُ الغَضَبُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كُلُّ مَن فَسَّرَ مِن هَؤُلاءِ العُلَماءِ المَذْكُورِينَ السُؤْدُدَ بِالحِلْمِ، فَقَدْ أحْرَزَ أكْثَرَ مَعْنى السُؤْدُدِ، ومَن جَرَّدَ تَفْسِيرَهُ بِالعِلْمِ والتُقى ونَحْوِهِ فَلَمْ يُفَسِّرْ بِحَسَبِ كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ تَحَصَّلَ العِلْمُ لِيَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ﴾، وتَحَصَّلَ التُقى بِباقِي الآيَةِ. وخَصَّهُ اللهُ بِذِكْرِ السُؤْدُدِ الَّذِي هو الِاعْتِمالُ في رِضى الناسِ عَلى أشْرَفِ الوُجُوهِ دُونَ أنْ يَقَعَ في باطِلٍ- هَذا لَفْظٌ يَعُمُّ السُؤْدُدَ، وتَفْصِيلُهُ أنْ يُقالَ: بَذْلُ النَدى وهَذا هو الكَرَمُ، وكَفُّ الأذى وهُنا هي العِفَّةُ بِالفَرْجِ واليَدِ واللِسانِ، واحْتِمالُ العَظائِمِ وهُنا هو الحِلْمُ وغَيْرُهُ مِن تَحَمُّلِ الغَراماتِ وجَبْرِ الكَسِيرِ والإفْضالِ عَلى المُسْتَرْفِدِ والإنْقاذِ مِنَ الهَلَكاتِ. وانْظُرْ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ،» يَجْمَعُ اللهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ"، وذَكَرَ حَدِيثَ الشَفاعَةِ في إطْلاقِ المَوْقِفِ، وذَلِكَ مِنهُ احْتِمالٌ في رِضى ولَدِ آدَمَ فَهو سَيِّدُهم بِذَلِكَ. وقَدْ يُوجَدُ مِنَ الثِقاتِ العُلَماءِ مَن لا يَبْرُزُ في هَذِهِ الخِصالِ، وقَدْ يُوجَدُ مَن يَبْرُزُ في هَذِهِ فَيُسَمّى سَيِّدًا وإنْ قَصَّرَ في كَثِيرٍ مِنَ الواجِباتِ، أعْنِي واجِباتِ النَدْبِ والمُكافَحَةِ في الحَقِّ وقِلَّةِ المُبالاةِ بِاللائِمَةِ. وقَدْ قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما رَأيْتُ أحَدًا أسْوَدَ مِن مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ، قِيلَ لَهُ: (p-٢١١)وَأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ؟ قالَ: هُما خَيْرٌ مِن مُعاوِيَةَ، ومُعاوِيَةُ أسْوَدُ مِنهُما. فَهَذِهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مُعاوِيَةَ بَرَزَ في هَذِهِ الخِصالِ ما لَمْ يُواقِعْ مَحْذُورًا؛ وأنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ كانا مِنَ الاسْتِضْلاعِ بِالواجِباتِ وتَتَبُّعِ ذَلِكَ مِن أنْفُسِهِما وإقامَةِ الحَقائِقِ عَلى الناسِ بِحَيْثُ كانا خَيْرًا مِن مُعاوِيَةَ، ومَعَ تَتَبُّعِ الحَقائِقِ، وحَمْلِ الناسِ عَلى الجادَّةِ، وقِلَّةِ المُبالاةِ بِرِضاهُمْ، والوَزْنِ بِقِسْطاسِ الشَرِيعَةِ تَحْرِيرًا يَنْخَرِمُ كَثِيرٌ مِن هَذِهِ الخِصالِ الَّتِي هي السُؤْدُدُ ويَشْغَلُ الزَمَنُ عنها. والتُقى والعِلْمُ والأخْذُ بِالأشَدِّ أوكَدُ وأعْلى مِنَ السُؤْدُدِ، أمّا إنَّهُ يَحْسُنُ بِالتَقِيِّ العالِمِ أنْ يَأْخُذَ مِنَ السُؤْدُدِ بِكُلِّ ما لا يُخِلُّ بِعِلْمِهِ وتُقاهُ، وهَكَذا كانَ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ، ولَيْسَ هَذا الَّذِي يَحْسُنُ بِواجِبٍ ولا بُدَّ، كَما لَيْسَ التَتَبُّعُ والتَحْرِيرُ في الشِدَّةِ بِواجِبٍ ولا بُدَّ، وهُما طَرَفا خَيْرٍ حَفَّتْهُما الشَرِيعَةُ، فَمِن صائِرٍ إلى هَذا ومِن صائِرٍ إلى هَذا، ومِثالُ ذَلِكَ، حاكِمٌ صَلِيبٌ مُعَبِّسٌ فَظٌّ عَلى مَن عِنْدَهُ أدْنى عِوَجٍ لا يَعْتَنِي في حَوائِجِ الناسِ، وآخَرُ بَسْطُ الوَجْهِ بَسّامٌ يَعْتَنِي فِيما يَجُوزُ، ولا يَتَتَبَّعُ ما لَمْ يُرْفَعْ إلَيْهِ ويُنَفِّذُ الحُكْمَ مَعَ رِفْقٍ بِالمَحْكُومِ عَلَيْهِ، فَهُما طَرِيقانِ حَسَنانِ. وقَوْلُهُ: "وَحَصُورًا" أصْلُ هَذِهِ اللَفْظَةِ الحَبْسُ والمَنعُ، ومِنهُ الحَصِيرُ لِأنَّهُ يَحْصُرُ مَن جَلَسَ عَلَيْهِ، ومِنهُ سُمِّيَ السِجْنُ حَصِيرًا وجَهَنَّمُ حَصِيرًا، ومِنهُ حَصْرُ العَدُوِّ وإحْصارُ المَرَضِ والعُذْرِ، ومِنهُ قِيلَ: لِلَّذِي لا يُنْفِقُ مَعَ نُدَمائِهِ حَصُورٌ، قالَ الأخْطَلُ: ؎ وشارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكَأْسِ نادَمَنِي ∗∗∗ ∗∗∗ لا بِالحَصُورِ ولا فِيها بِسَوّارِ ويُقالُ لِلَّذِي يَكْتُمُ السِرَّ حَصُورٌ وحَصِرٌ، قالَ جَرِيرٌ: ؎ ولَقَدْ تَساقَطَنِي الوُشاةُ فَصادَفُوا ∗∗∗ ∗∗∗ حَصِرًا بِسِرِّكِ يا أُمَيْمُ ضَنِينا وأجْمَعَ مَن يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الصِفَةَ لِيَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما هي الِامْتِناعُ مِن وطْءِ النِساءِ، إلّا ما حَكى مَكِّيٌّ مِن قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ الحَصُورُ عَنِ الذُنُوبِ (p-٢١٢)أيْ لا يَأْتِيها. ورَوى ابْنُ المُسَيِّبِ عَنِ ابْنِ العاصِي- إمّا عَبْدُ اللهِ وإمّا أبُوهُ- عَنِ النَبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قالَ: « "كُلُّ بَنِي آدَمَ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ ولَهُ ذَنْبٌ إلّا ما كانَ مِن يَحْيى بْنِ زَكَرِيّاءَ" قالَ: ثُمَّ دَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ إلى الأرْضِ فَأخَذَ عُوَيْدًا صَغِيرًا، ثُمَّ قالَ: "وَذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ما لِلرِّجالِ إلّا مِثْلُ هَذا العُودِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ اللهُ سَيِّدًا وحَصُورًا"» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الحَصُورُ: العِنِّينُ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: الحَصُورُ: الَّذِي لا يَأْتِي النِساءَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَحّاكُ: الحَصُورُ: الَّذِي لا يُنْزِلُ الماءَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ حَصْرَ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ كانَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا مِثْلُ الهُدْبَةِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ حَصْرَهُ كانَ لِأنَّهُ كانَ عِنِّينًا لا يَأْتِي النِساءَ وإنْ كانَتْ خِلْقَتُهُ غَيْرَ ناقِصَةٍ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ حَصْرَهُ كانَ بِأنَّهُ كانَ يُمْسِكُ نَفْسَهُ تُقىً وجَلَدًا في طاعَةِ اللهِ، وكانَتْ بِهِ القُدْرَةُ عَلى جِماعِ النِساءِ. قالُوا: وهَذا أمْدَحُ لَهُ ولَيْسَ لَهُ في التَأْوِيلَيْنِ الأوَّلَيْنِ مَدْحٌ، إلّا بِأنَّ اللهَ يَسَّرَ لَهُ شَيْئًا لا تَكَسُّبَ لَهُ فِيهِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ، ورُوِيَ مِن صَلاحِهِ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ كانَ يَعِيشُ مِنَ العُشْبِ، وأنَّهُ كانَ كَثِيرَ البُكاءِ مِن خَشْيَةِ اللهِ حَتّى خَدَّدَ الدَمْعُ في وجْهِهِ طُرُقًا وأخادِيدَ.

آل عمران 3:40

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ قالَ كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ لِمَ قالَ زَكَرِيّاءُ ﴿رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ ؟ فَقالَ عِكْرِمَةُ والسُدِّيُّ: إنَّهُ نُودِيَ بِهَذِهِ البِشارَةِ، جاءَ الشَيْطانُ يُكَدِّرُ عَلَيْهِ نِعْمَةَ رَبِّهِ، فَقالَ: هَلْ تَدْرِي مَن ناداكَ؟ قالَ: نادَتْنِي مَلائِكَةُ رَبِّي، قالَ بَلْ ذَلِكَ الشَيْطانُ، ولَوْ كانَ هَذا مِن عِنْدِ رَبِّكَ لَأخْفاهُ لَكَ كَما أخْفَيْتَ نِداءَكَ، قالَ: فَخالَطَتْ قَلْبَهُ وسْوَسَةٌ وشَكٌّ مَكانَهُ، فَقالَ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ وذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّ زَكَرِيّاءَ لَمّا رَأى حالَ نَفْسِهِ وحالَ امْرَأتِهِ وأنَّها لَيْسَتْ (p-٢١٣)بِحالِ نَسْلٍ؛ سَألَ عَنِ الوَجْهِ الَّذِي بِهِ يَكُونُ الغُلامُ، أتُبَدَّلُ المَرْأةُ خِلْقَتَها أمْ كَيْفَ يَكُونُ؟ وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ يَلِيقُ بِزَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَلامُ. وقالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ إنَّما سَألَ لِأنَّهُ نَسِيَ دُعاءَهُ لِطُولِ المُدَّةِ بَيْنَ الدُعاءِ والبِشارَةِ، وذَلِكَ أرْبَعُونَ سَنَةً. وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفُ المَعْنى. و"أنّى" مَعْناهُ: كَيْفَ؟ ومِن أيْنَ؟ وقَوْلُهُ: ﴿بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ اسْتِعارَةٌ، كَأنَّ الزَمانَ طَرِيقٌ والحَوادِثَ تَتَساوَقُ فِيهِ، فَإذا التَقى حادِثانِ؛ فَكَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما قَدْ بَلَغَ صاحِبَهُ، وحَقِيقَةُ البُلُوغِ في الأجْرامِ أنْ يَنْتَقِلَ البالِغُ إلى المَبْلُوغِ إلَيْهِ. وحَسُنَ في الآيَةِ ﴿بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ مِن حَيْثُ هي عِبارَةُ واهِنٍ مُنْفَعِلٍ، و"بَلَغْتُ" عِبارَةُ فاعِلٍ مُسْتَعْلٍ، فَتَأمَّلْهُ. ولا يُعْتَرَضُ عَلى هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨] لِأنَّهُ قَدْ أفْصَحَ بِضَعْفِ حالِهِ في ذِكْرِ العِتِيِّ. والعاقِرُ: الإنْسانُ الَّذِي لا يَلِدُ، يُقالُ ذَلِكَ لِلْمَرْأةِ والرَجُلِ. قالَ عامِرُ بْنُ الطُفَيْلِ: ؎ لَبِئْسَ الفَتى إنْ كُنْتُ أعْوَرَ عاقِرًا ∗∗∗ جَبانًا فَما عُذْرِي لَدى كُلِّ مَحْضَرِ وعاقِرٌ: بِناءُ فاعِلٍ وهو عَلى النَسَبِ ولَيْسَ بِجارٍ عَلى الفِعْلِ. والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ اللهُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى هَذِهِ الغَرِيبَةِ الَّتِي بَشَّرَ بِها، أيْ كَهَذِهِ القُدْرَةِ المُسْتَغْرَبَةِ هي قُدْرَةُ اللهِ، فَفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ، والكَلامُ تامٌّ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ اللهُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ شَرَحَ الإبْهامَ الَّذِي في ذَلِكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ بِـ ذَلِكَ إلى حالِ زَكَرِيّاءَ وحالِ امْرَأتِهِ كَأنَّهُ قالَ: رَبِّ عَلى أيِّ وجْهٍ يَكُونُ لَنا غُلامٌ ونَحْنُ بِحالِ كَذا؟ فَقالَ لَهُ:" كَما أنْتُما يَكُونُ لَكُما الغُلامُ"، والكَلامُ تامٌّ عَلى هَذا التَأْوِيلِ في قَوْلِهِ: "كَذَلِكَ"، وقَوْلُهُ: ﴿اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ مُقَرِّرَةٌ في النَفْسِ وُقُوعَ هَذا الأمْرِ المُسْتَغْرَبِ.

آل عمران 3:41

(p-٢١٤)قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ الناسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلا رَمْزًا واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ الآيَةُ: العَلامَةُ. وقالَ الرَبِيعُ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُما: إنَّ زَكَرِيّاءَ قالَ: يا رَبِّ إنْ كانَ ذَلِكَ الكَلامُ مِن قِبَلِكَ والبِشارَةُ حَقٌّ، فاجْعَلْ لِي عَلامَةً أعْرِفُ صِحَّةَ ذَلِكَ بِها، فَعُوقِبَ عَلى هَذا الشَكِّ في أمْرِ اللهِ بِأنْ مُنِعَ الكَلامَ ثَلاثَةَ أيّامٍ مَعَ الناسِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: لَمْ يَشُكَّ قَطُّ زَكَرِيّاءُ، وإنَّما سَألَ عَنِ الجِهَةِ الَّتِي بِها يَكُونُ الوَلَدُ وتَتِمُّ البِشارَةُ، فَلَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠] سَألَ عَلامَةً عَلى وقْتِ الحَمْلِ لِيَعْرِفَ مَتى يُحْمَلُ بِيَحْيى. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، هَلْ كانَ مَنعُهُ الكَلامَ لِآفَةٍ نَزَلَتْ بِهِ أمْ كانَ ذَلِكَ لِغَيْرِ آفَةٍ؟ فَقالَ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ: رَبّا لِسانَهُ في فِيهِ حَتّى مَلَأهُ ثُمَّ أطْلَقَهُ اللهُ بَعْدَ ثَلاثٍ. وقالَ الرَبِيعُ وغَيْرُهُ: عُوقِبَ لِأنَّ المَلائِكَةَ شافَهَتْهُ بِالبِشارَةِ فَسَألَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلامَةً فَأخَذَ اللهُ عَلَيْهِ لِسانَهُ، فَجَعَلَ لا يَقْدِرُ عَلى الكَلامِ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: لَمْ تَكُنْ آفَةً، ولَكِنَّهُ مُنِعَ مُحاوَرَةَ الناسِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْها، وكانَ يَقْدِرُ عَلى ذِكْرِ اللهِ، قالَهُ الطَبَرِيُّ، وذُكِرَ نَحْوُهُ عن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ. ثُمَّ اسْتَثْنى الرَمْزَ، وهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. وذَهَبَ الفُقَهاءُ في الإشارَةِ ونَحْوِها إلى أنَّها في حُكْمِ الكَلامِ في الأيْمانِ ونَحْوِها، فَعَلى هَذا يَجِيءُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، والكَلامُ (p-٢١٥)المُرادُ بِالآيَةِ إنَّما هو النُطْقُ بِاللِسانِ لا الإعْلامُ بِما في النَفْسِ، فَحَقِيقَةُ هَذا الِاسْتِثْناءِ أنَّهُ مُنْقَطِعٌ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "رَمْزًا" - بِفَتْحِ الراءِ وسُكُونِ المِيمِ - وقَرَأ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ: "رُمُزًا" بِضَمِّهِما، وقَرَأ الأعْمَشُ: "رَمَزًا" بِفَتْحِهِما. والرَمْزُ في اللُغَةِ: حَرَكَةٌ تُعْلِمُ بِما في نَفْسِ الرامِزِ بِأيِّ شَيْءٍ كانَتِ الحَرَكَةُ؛ مِن عَيْنٍ أو حاجِبٍ أو شَفَةٍ أو يَدٍ أو عُودٍ أو غَيْرِ ذَلِكَ. وقَدْ قِيلَ لِلْكَلامِ المُحَرَّفِ عن ظاهِرِهِ: رُمُوزٌ، لِأنَّها عَلاماتٌ بِغَيْرِ اللَفْظِ المَوْضُوعِ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ الإعْلامُ بِهِ. وقَدْ يُقالُ لِلتَّصْوِيتِ الدالِّ عَلى مَعْنىً: رَمْزٌ، ومِنهُ قَوْلُ جُؤَيَّةَ بْنِ عائِدٍ: ؎ وكانَ تَكَلُّمُ الأبْطالِ رَمْزًا ∗∗∗ وغَمْغَمَةً لَهم مِثْلَ الهَدِيرِ وأمّا المُفَسِّرُونَ فَخَصَّصَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم نَوْعًا مِنَ الرَمْزِ في تَفْسِيرِهِ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ مُجاهِدٌ: "إلّا رَمْزًا" مَعْناهُ: إلّا تَحْرِيكًا بِالشَفَتَيْنِ، وقالَ الضَحّاكُ: مَعْناهُ إلّا إشارَةً بِاليَدِ والرَأْسِ، وبِهِ قالَ السُدِّيُّ وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ، وقالَ الحَسَنُ: أُمْسِكَ لِسانُهُ فَجَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ إلى قَوْمِهِ، وقالَ قَتادَةُ: "إلّا رَمْزًا" مَعْناهُ: إلّا إيماءً. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ألّا تُكَلِّمَ الناسَ" بِنَصْبِ الفِعْلِ بِأنْ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "ألّا تُكَلِّمُ" بِرَفْعِ المِيمِ، وهَذا عَلى أنْ تَكُونَ "أنْ" مُخَفَّفَةً مِنَ الثَقِيلَةِ ويَكُونَ فِيها ضَمِيرُ الأمْرِ والشَأْنِ، والتَقْدِيرُ: آيَتُكَ أنَّهُ لا تُكَلِّمُ الناسَ. والقَوْلُ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَها قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "لا صُمْتُ يَوْمًا إلى اللَيْلِ"» قَوْلٌ ظاهِرُ الفَسادِ مِن جِهاتٍ. وأمَرَهُ تَعالى بِالذِكْرِ لِرَبِّهِ كَثِيرًا لِأنَّهُ لَمْ يَحِلْ بَيْنَهُ وبَيْنَ ذِكْرِ اللهِ، وهَذا قاضٍ بِأنَّهُ لَمْ (p-٢١٦)تُدْرِكْهُ آفَةٌ ولا عِلَّةٌ في لِسانِهِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: لَوْ كانَ اللهُ رَخَّصَ لِأحَدٍ في تَرْكِ الذِكْرِ؛ لَرَخَّصَ لِزَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ الناسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلا رَمْزًا﴾ لَكِنَّهُ قالَ لَهُ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: "وَسَبِّحْ" مَعْناهُ: قُلْ: سُبْحانَ اللهِ، وقالَ قَوْمٌ مَعْناهُ: صَلِّ، والقَوْلُ الأوَّلُ أصْوَبُ لِأنَّهُ يُناسِبُ الذِكْرَ ويُسْتَغْرَبُ مَعَ امْتِناعِ الكَلامِ مَعَ الناسِ. والعَشِيُّ في اللُغَةِ: مِن زَوالِ الشَمْسِ إلى مَغِيبِها، ومِنهُ قَوْلُ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: ما أدْرَكْتُ الناسَ إلّا وهم يُصَلُّونَ الظُهْرَ بِعَشِيٍّ، والعَشِيُّ مِن حِينِ يَفِيءُ الفَيْءُ، ومِنهُ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ: ؎ فَلا الظِلَّ مِن بَرْدِ الضُحى تَسْتَطِيعُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا الفَيْءَ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ و العَشِيُّ: اسْمٌ مُفْرَدٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وجَمْعُ عَشِيَّةٍ عِنْدَ بَعْضِهِمْ كَسَفِينَةٍ وسَفِينٍ، و"الإبْكارِ" مَصْدَرُ أبْكَرَ الرَجُلُ، إذا بادَرَ أمْرَهُ مِن لَدُنِ طُلُوعِ الشَمْسِ، وتَتَمادى البُكْرَةُ شَيْئًا بَعْدَ طُلُوعِ الشَمْسِ، يُقالُ: أبْكَرَ الرَجُلُ وبَكَّرَ فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُ ابْنِ أبِي رَبِيعَةَ: ؎ أمِن آلِ نُعْمى أنْتَ غادٍ فَمُبْكِرُ... ∗∗∗.............. ومِنَ الثانِي قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ ألا بَكَّرَتْ سَلْمى فَجَدَّ بُكُورُها ∗∗∗ ∗∗∗ وشَقَّ العَصا بَعْدَ اجْتِماعٍ أمِيرُها وقالَ مُجاهِدٌ في تَفْسِيرِ الإبْكارِ: أوَّلُ الفَجْرِ، والعَشِيِّ: مَيْلُ الشَمْسِ حَتّى تَغِيبَ.

آل عمران 3:42

(p-٢١٧)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الراكِعِينَ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: العامِلُ في "إذْ" قَوْلُهُ: "سَمِيعٌ" فَهو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ﴾ [آل عمران: ٣٥]، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ النُحاةِ: العامِلُ في "إذْ" في هَذِهِ الآيَةِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرْ" وهَذا هو الراجِحُ لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ كُلَّها إنَّما هي إخْباراتٌ بِغَيْبٍ تَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، مَقْصِدُ ذِكْرِها هو الأظْهَرُ في حِفْظِ رَوْنَقِ الكَلامِ. وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَإذْ قالَ المَلائِكَةُ". واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ - هَلِ المُرادُ هُنا بِالمَلائِكَةِ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، أو جَمْعٌ مِنَ المَلائِكَةِ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى مَعْنى مِثْلِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩]. و"اصْطَفاكِ": مَأْخُوذٌ مِن صَفا يَصْفُو وزْنُهُ "افْتَعَلَ"، وبُدِّلَتْ طاءً لِتُناسِبَ الصادَ. فالمَعْنى: تَخَيَّرَكِ لِطاعَتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَطَهَّرَكِ " مَعْناهُ: مِن كُلِّ ما يَصِمُ النِساءَ في خَلْقٍ أو خُلُقٍ أو دِينٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. وقالَ الزَجّاجُ: قَدْ جاءَ في التَفْسِيرِ أنَّ مَعْناهُ: مِنَ الحَيْضِ والنِفاسِ؛ وهَذا يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ قَوِيٍّ وما أحْفَظُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ إنْ جَعَلْنا "العالَمِينَ" عامًّا فِيمَن تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ جَعَلْنا الِاصْطِفاءَ مَخْصُوصًا في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وأنَّها اصْطُفِيَتْ لِتَلِدَ مِن غَيْرِ فَحْلٍ، وإنْ جَعَلْنا الِاصْطِفاءَ عامًّا جَعَلْنا قَوْلَهُ: "العالَمِينَ" مَخْصُوصًا في عالَمِ ذَلِكَ الزَمانِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ، وقَدْ رُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "خَيْرُ نِساءِ الجَنَّةِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، خَيْرُ نِساءِ الجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ"،» ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: « "خَيْرُ نِسائِها مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وخَيْرُ نِسائِها خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ"» فَذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: « "خَيْرُ نِسائِها"» يُرادُ بِهِ الجَنَّةُ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ يُرادُ بِهِ الدُنْيا، أيْ كُلُّ امْرَأةٍ في زَمانِها، وقالَ النَبِيُّ ﷺ « "خَيْرُ نِساءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ صالِحُ نِساءِ (p-٢١٨)قُرَيْشٍ، أحْناهُ عَلى ولَدٍ في صِغَرِهِ، وأرْعاهُ إلى زَوْجٍ في ذاتِ يَدِهِ"».قالَ أبُو هُرَيْرَةَ راوِي الحَدِيثِ: ولَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ بَعِيرًا قَطُّ، وهَذِهِ الزِيادَةُ فِيها غَيْبٌ، فَلا يُتَأوَّلُ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَها إلّا عن سَماعٍ مِنَ النَبِيِّ ﷺ ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "خَيْرُ نِساءِ العالَمِينَ أرْبَعٌ: مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ".» وقَدْ أسْنَدَ الطَبَرِيُّ «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ لِفاطِمَةَ بِنْتِهِ: "أنْتِ سَيِّدَةُ نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ، إلّا مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرانَ البَتُولَ"،» وأنَّهُ قالَ: « "فُضِّلَتْ خَدِيجَةُ عَلى نِساءِ أُمَّتِي، كَما فُضِّلَتْ مَرْيَمُ عَلى نِساءِ العالَمِينَ".» وإذا تَأمَّلْتَ هَذِهِ الأحادِيثَ وغَيْرَها مِمّا هو في مَعْناها، وجَدْتَ مَرْيَمَ فِيها مُتَقَدِّمَةً، فَسائِغٌ أنْ يُتَأوَّلَ عُمُومُ الِاصْطِفاءِ عَلى العالَمِينَ عُمُومًا أيْضًا. وقَدْ قالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ مَرْيَمَ نَبِيَّةٌ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَتِ المَلائِكَةُ تُقْبِلُ عَلى مَرْيَمَ فَتَقُولُ: ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ اصْطَفاكِ﴾ الآيَةَ، فَيَسْمَعُ ذَلِكَ زَكَرِيّاءُ فَيَقُولُ: إنَّ لِمَرْيَمَ لَشَأْنًا، فَمِن مُخاطَبَةِ المَلائِكَةِ لَها، جَعَلَها هَذا القائِلُ نَبِيَّةً، وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّهُ لَمْ تُنَبَّإ امْرَأةٌ. و"اقْنُتِي" مَعْناهُ: اعْبُدِي وأطِيعِي، قالَهُ قَتادَةُ والحَسَنُ، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "كُلُّ قُنُوتٍ في القُرْآنِ فَهو بِمَعْنى طاعَةِ اللهِ"» ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: أطِيلِي القِيامَ في الصَلاةِ، وهَذا هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو المُناسِبُ في المَعْنى لِقَوْلِهِ: ﴿واسْجُدِي وارْكَعِي﴾ وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والرَبِيعُ، ورَوى مُجاهِدٌ أنَّها لَمّا خُوطِبَتْ بِهَذا قامَتْ حَتّى ورِمَتْ قَدَماها. ورَوى الأوزاعِيُّ أنَّها قامَتْ حَتّى سالَ الدَمُ والقَيْحُ مِن قَدَمَيْها. ورُوِيَ أنَّ الطَيْرَ كانَتْ تَنْزِلُ عَلى رَأْسِها، تَظُنُّها جَمادًا لِسُكُونِها في طُولِ قِيامِها. (p-٢١٩)وَقَدْ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "اقْنُتِي لِرَبِّكِ" مَعْناهُ: أخْلِصِي لِرَبِّكِ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ: لِمَ قَدَّمَ السُجُودَ عَلى الرُكُوعِ؟ فَقالَ قَوْمٌ: كانَ ذَلِكَ في شَرْعِ زَكَرِيّاءَ وغَيْرِهِ مِنهم وقالَ قَوْمٌ: الواوُ لا تُعْطِي رُتْبَةً، وإنَّما المَعْنى: افْعَلِي هَذا وهَذا، وقَدْ عُلِمَ تَقْدِيمُ الرُكُوعِ، وهَذِهِ الآيَةُ أكْثَرُ إشْكالًا مِن قَوْلِنا: "قامَ زَيْدٌ وعَمْرٌو" لِأنَّ قِيامَ زَيْدٍ وعَمْرٍو لَيْسَ لَهُ رُتْبَةٌ مَعْلُومَةٌ، وهَذِهِ الآيَةُ قَدْ عُلِمَ أنَّ السُجُودَ بَعْدَ الرُكُوعِ، فَكَيْفَ جاءَتِ الواوُ بِعَكْسِ ذَلِكَ؟ فالقَوْلُ عِنْدِي في ذَلِكَ أنَّ مَرْيَمَ أُمِرَتْ بِفَصْلَيْنِ ومَعْلَمَيْنِ مِن مَعالِمِ الصَلاةِ، وهُما طُولُ القِيامِ والسُجُودِ، وخُصّا بِالذِكْرِ لِشَرَفِهِما في أرْكانِ الصَلاةِ، إذِ العَبْدُ يَقْرُبُ في وقْتِ سُجُودِهِ مِنَ اللهِ تَعالى، وهَذانِ يَخْتَصّانِ بِصَلاتِها مُفْرَدَةً، وإلّا فَمَن يُصَلِّي وراءَ إمامٍ فَلَيْسَ يُقالُ لَهُ: أطِلْ قِيامَكَ، ثُمَّ أُمِرَتْ - بَعْدُ- بِالصَلاةِ في الجَماعَةِ، فَقِيلَ لَها: ﴿وارْكَعِي مَعَ الراكِعِينَ﴾ وقُصِدَ هُنا مَعْلَمٌ مِن مَعالِمِ الصَلاةِ، لِئَلّا يَتَكَرَّرَ لَفْظٌ، ولَمْ يُرِدْ بِالآيَةِ السُجُودَ والرُكُوعَ الَّذِي هو مُنْتَظَمٌ في رَكْعَةٍ واحِدَةٍ، واللهُ أعْلَمُ.

آل عمران 3:43

(p-٢١٧)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الراكِعِينَ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: العامِلُ في "إذْ" قَوْلُهُ: "سَمِيعٌ" فَهو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ﴾ [آل عمران: ٣٥]، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ النُحاةِ: العامِلُ في "إذْ" في هَذِهِ الآيَةِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرْ" وهَذا هو الراجِحُ لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ كُلَّها إنَّما هي إخْباراتٌ بِغَيْبٍ تَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، مَقْصِدُ ذِكْرِها هو الأظْهَرُ في حِفْظِ رَوْنَقِ الكَلامِ. وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَإذْ قالَ المَلائِكَةُ". واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ - هَلِ المُرادُ هُنا بِالمَلائِكَةِ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، أو جَمْعٌ مِنَ المَلائِكَةِ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى مَعْنى مِثْلِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩]. و"اصْطَفاكِ": مَأْخُوذٌ مِن صَفا يَصْفُو وزْنُهُ "افْتَعَلَ"، وبُدِّلَتْ طاءً لِتُناسِبَ الصادَ. فالمَعْنى: تَخَيَّرَكِ لِطاعَتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَطَهَّرَكِ " مَعْناهُ: مِن كُلِّ ما يَصِمُ النِساءَ في خَلْقٍ أو خُلُقٍ أو دِينٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. وقالَ الزَجّاجُ: قَدْ جاءَ في التَفْسِيرِ أنَّ مَعْناهُ: مِنَ الحَيْضِ والنِفاسِ؛ وهَذا يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ قَوِيٍّ وما أحْفَظُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ إنْ جَعَلْنا "العالَمِينَ" عامًّا فِيمَن تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ جَعَلْنا الِاصْطِفاءَ مَخْصُوصًا في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وأنَّها اصْطُفِيَتْ لِتَلِدَ مِن غَيْرِ فَحْلٍ، وإنْ جَعَلْنا الِاصْطِفاءَ عامًّا جَعَلْنا قَوْلَهُ: "العالَمِينَ" مَخْصُوصًا في عالَمِ ذَلِكَ الزَمانِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ، وقَدْ رُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "خَيْرُ نِساءِ الجَنَّةِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، خَيْرُ نِساءِ الجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ"،» ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: « "خَيْرُ نِسائِها مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وخَيْرُ نِسائِها خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ"» فَذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: « "خَيْرُ نِسائِها"» يُرادُ بِهِ الجَنَّةُ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ يُرادُ بِهِ الدُنْيا، أيْ كُلُّ امْرَأةٍ في زَمانِها، وقالَ النَبِيُّ ﷺ « "خَيْرُ نِساءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ صالِحُ نِساءِ (p-٢١٨)قُرَيْشٍ، أحْناهُ عَلى ولَدٍ في صِغَرِهِ، وأرْعاهُ إلى زَوْجٍ في ذاتِ يَدِهِ"».قالَ أبُو هُرَيْرَةَ راوِي الحَدِيثِ: ولَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ بَعِيرًا قَطُّ، وهَذِهِ الزِيادَةُ فِيها غَيْبٌ، فَلا يُتَأوَّلُ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَها إلّا عن سَماعٍ مِنَ النَبِيِّ ﷺ ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "خَيْرُ نِساءِ العالَمِينَ أرْبَعٌ: مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ".» وقَدْ أسْنَدَ الطَبَرِيُّ «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ لِفاطِمَةَ بِنْتِهِ: "أنْتِ سَيِّدَةُ نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ، إلّا مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرانَ البَتُولَ"،» وأنَّهُ قالَ: « "فُضِّلَتْ خَدِيجَةُ عَلى نِساءِ أُمَّتِي، كَما فُضِّلَتْ مَرْيَمُ عَلى نِساءِ العالَمِينَ".» وإذا تَأمَّلْتَ هَذِهِ الأحادِيثَ وغَيْرَها مِمّا هو في مَعْناها، وجَدْتَ مَرْيَمَ فِيها مُتَقَدِّمَةً، فَسائِغٌ أنْ يُتَأوَّلَ عُمُومُ الِاصْطِفاءِ عَلى العالَمِينَ عُمُومًا أيْضًا. وقَدْ قالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ مَرْيَمَ نَبِيَّةٌ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَتِ المَلائِكَةُ تُقْبِلُ عَلى مَرْيَمَ فَتَقُولُ: ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ اصْطَفاكِ﴾ الآيَةَ، فَيَسْمَعُ ذَلِكَ زَكَرِيّاءُ فَيَقُولُ: إنَّ لِمَرْيَمَ لَشَأْنًا، فَمِن مُخاطَبَةِ المَلائِكَةِ لَها، جَعَلَها هَذا القائِلُ نَبِيَّةً، وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّهُ لَمْ تُنَبَّإ امْرَأةٌ. و"اقْنُتِي" مَعْناهُ: اعْبُدِي وأطِيعِي، قالَهُ قَتادَةُ والحَسَنُ، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "كُلُّ قُنُوتٍ في القُرْآنِ فَهو بِمَعْنى طاعَةِ اللهِ"» ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: أطِيلِي القِيامَ في الصَلاةِ، وهَذا هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو المُناسِبُ في المَعْنى لِقَوْلِهِ: ﴿واسْجُدِي وارْكَعِي﴾ وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والرَبِيعُ، ورَوى مُجاهِدٌ أنَّها لَمّا خُوطِبَتْ بِهَذا قامَتْ حَتّى ورِمَتْ قَدَماها. ورَوى الأوزاعِيُّ أنَّها قامَتْ حَتّى سالَ الدَمُ والقَيْحُ مِن قَدَمَيْها. ورُوِيَ أنَّ الطَيْرَ كانَتْ تَنْزِلُ عَلى رَأْسِها، تَظُنُّها جَمادًا لِسُكُونِها في طُولِ قِيامِها. (p-٢١٩)وَقَدْ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "اقْنُتِي لِرَبِّكِ" مَعْناهُ: أخْلِصِي لِرَبِّكِ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ: لِمَ قَدَّمَ السُجُودَ عَلى الرُكُوعِ؟ فَقالَ قَوْمٌ: كانَ ذَلِكَ في شَرْعِ زَكَرِيّاءَ وغَيْرِهِ مِنهم وقالَ قَوْمٌ: الواوُ لا تُعْطِي رُتْبَةً، وإنَّما المَعْنى: افْعَلِي هَذا وهَذا، وقَدْ عُلِمَ تَقْدِيمُ الرُكُوعِ، وهَذِهِ الآيَةُ أكْثَرُ إشْكالًا مِن قَوْلِنا: "قامَ زَيْدٌ وعَمْرٌو" لِأنَّ قِيامَ زَيْدٍ وعَمْرٍو لَيْسَ لَهُ رُتْبَةٌ مَعْلُومَةٌ، وهَذِهِ الآيَةُ قَدْ عُلِمَ أنَّ السُجُودَ بَعْدَ الرُكُوعِ، فَكَيْفَ جاءَتِ الواوُ بِعَكْسِ ذَلِكَ؟ فالقَوْلُ عِنْدِي في ذَلِكَ أنَّ مَرْيَمَ أُمِرَتْ بِفَصْلَيْنِ ومَعْلَمَيْنِ مِن مَعالِمِ الصَلاةِ، وهُما طُولُ القِيامِ والسُجُودِ، وخُصّا بِالذِكْرِ لِشَرَفِهِما في أرْكانِ الصَلاةِ، إذِ العَبْدُ يَقْرُبُ في وقْتِ سُجُودِهِ مِنَ اللهِ تَعالى، وهَذانِ يَخْتَصّانِ بِصَلاتِها مُفْرَدَةً، وإلّا فَمَن يُصَلِّي وراءَ إمامٍ فَلَيْسَ يُقالُ لَهُ: أطِلْ قِيامَكَ، ثُمَّ أُمِرَتْ - بَعْدُ- بِالصَلاةِ في الجَماعَةِ، فَقِيلَ لَها: ﴿وارْكَعِي مَعَ الراكِعِينَ﴾ وقُصِدَ هُنا مَعْلَمٌ مِن مَعالِمِ الصَلاةِ، لِئَلّا يَتَكَرَّرَ لَفْظٌ، ولَمْ يُرِدْ بِالآيَةِ السُجُودَ والرُكُوعَ الَّذِي هو مُنْتَظَمٌ في رَكْعَةٍ واحِدَةٍ، واللهُ أعْلَمُ.

آل عمران 3:44

قوله عزّ وجلّ: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمُ وجِيهًا في الدُنْيا والآخِرَةِ ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ هَذِهِ المُخاطَبَةُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ القِصَصِ. والأنْباءُ الأخْبارُ، و"الغَيْبِ" ما غابَ عن مَدارِكِ الإنْسانِ. و"نُوحِيهِ" مَعْناهُ: نُلْقِيهِ في نَفْسِكَ في خَفاءٍ. وحَدُّ الوَحْيِ إلْقاءُ المَعْنى في النَفْسِ في خَفاءٍ، ثُمَّ تَخْتَلِفُ أنْواعُهُ، فَمِنهُ بِالمَلَكِ، ومِنهُ بِالإلْهامِ، ومِنهُ بِالإشارَةِ، ومِنهُ بِالكِتابِ، كَما قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:(p-٢٢٠) ؎ أتى العُجْمَ والآفاقَ مِنهُ قَصائِدٌ ∗∗∗ بَقِينَ بَقاءَ الوَحْيِ في الحَجَرِ الأصَمْ تَقُولُ العَرَبُ: أوحى، وتَقُولُ وحى. وفي هَذِهِ الآيَةِ بَيانٌ لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، إذْ جاءَهم بِغُيُوبٍ لا يَعْلَمُها إلّا مَن شاهَدَها وهو لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمْ، أو مَن قَرَأها في كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ، ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ أُمِّيٌّ مِن قَوْمٍ أُمِّيِّينَ، أو مَن أعْلَمَهُ اللهُ بِها وهو ذاكَ ﷺ، و"لَدَيْهِمْ" مَعْناهُ: عِنْدَهم ومَعَهُمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الأقْلامِ والكِفْلِ. وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ اسْتِهامٌ لِأخْذِها والمُنافَسَةِ فِيها. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: إنَّما كانَ اسْتِهامُهم حِينَ نالَتْهُمُ المَجاعَةُ دَفْعًا مِنهم لِتُحْمَلَ مَئُونَتُها. "يَخْتَصِمُونَ" مَعْناهُ: يَتَراجَعُونَ القَوْلَ الجَهِيرَ في أمْرِها، وفي هَذِهِ الآيَةِ اسْتِعْمالُ القُرْعَةِ والقُرْعَةُ سُنَّةٌ، «وَكانَ النَبِيُّ ﷺ إذا سافَرَ أقْرَعَ بَيْنَ نِسائِهِ،» وقالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "لَوْ يَعْلَمُونَ ما في الصَفِّ الأوَّلِ لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ"» وجُمْهُورُ الأُمَّةِ عَلى تَجْوِيزِ القُرْعَةِ إلّا مَن شَذَّ فَظَنَّ أنَّها قِمارٌ، وهَذا كُلُّهُ فِيما يَصْلُحُ التَراضِي بِكَوْنِهِ دُونَ قُرْعَةٍ، فَكَأنَّ القُرْعَةَ مُحَسِّنَةٌ لِذَلِكَ الِاخْتِصاصِ. وأمّا حَيْثُ لا يَجُوزُ التَراضِي كَعِتْقِ العَبِيدِ في ثُلُثِ المَيِّتِ فَجَوَّزَها الجُمْهُورُ ومَنَعَها أبُو حَنِيفَةَ. وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ أقْرَعَ بَيْنَ سِتَّةِ أعْبُدٍ، فَأعْتَقَ اثْنَيْنِ وأرَقَّ أرْبَعَةً.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: يَنْظُرُونَ ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾، والعامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾، وهَكَذا يَطَّرِدُ وصْفُ الآيَةِ وتَتَوالى الإعْلاماتُ بِهَذِهِ الغُيُوبِ. وقالَ الزَجّاجُ: العامِلُ فِيها: "يَخْتَصِمُونَ"، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾، وهَذا كُلُّهُ يَرُدُّهُ المَعْنى، لِأنَّ الِاخْتِصامَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ قَوْلِ المَلائِكَةِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: "إذْ قالَ المَلائِكَةُ". واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ؛ هَلِ المَلائِكَةُ هُنا عِبارَةٌ عن جِبْرِيلَ وحْدَهُ أو عن جَماعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى ذَلِكَ (p-٢٢١)كُلِّهِ في قَوْلِهِ آنِفًا: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩] فَتَأمَّلْهُ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ القِراءاتِ في قَوْلِهِ: "يُبَشِّرُكِ". واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، لِمَ عَبَّرَ عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ بِـ "كَلِمَةٍ" فَقالَ قَتادَةُ: جَعَلَهُ اللهُ "كَلِمَةً" إذْ هو مَوْجُودٌ بِكَلِمَةٍ وهي قَوْلُهُ تَعالى لِمُراداتِهِ: "كُنْ" وهَذا كَما تَقُولُ في شَيْءٍ حادِثٍ: هَذا قَدَرُ اللهِ، أيْ هو عِنْدَ قَدَرِ اللهِ، وكَذَلِكَ تَقُولُ: هَذا أمْرُ اللهِ. وتَرْجَمَ الطَبَرِيُّ فَقالَ: وقالَ آخَرُونَ: بَلِ الكَلِمَةُ اسْمٌ لِعِيسى سَمّاهُ اللهُ بِها كَما سَمّى سائِرَ خَلْقِهِ بِما شاءَ مِنَ الأسْماءِ، فَمُقْتَضى هَذِهِ التَرْجَمَةِ أنَّ الكَلِمَةَ اسْمٌ مُرْتَجَلٌ لِعِيسى، ثُمَّ أدْخَلَ الطَبَرِيُّ تَحْتَ التَرْجَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الكَلِمَةُ هي عِيسى، وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ مُحْتَمِلٌ أنْ يُفَسَّرَ بِما قالَ قَتادَةُ وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا سَنَذْكُرُهُ الآنَ، ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِمّا ادَّعى الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ. وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: سَمّاهُ اللهُ كَلِمَةً مِن حَيْثُ كانَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في تَوْراةِ مُوسى وغَيْرِها مِن كُتُبِ اللهِ وأنَّهُ سَيَكُونُ، فَهَذِهِ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ فِيهِ مِنَ اللهِ، فَمَعْنى الآيَةِ: أنْتِ يا مَرْيَمُ مُبَشَّرَةٌ بِأنَّكِ المَخْصُوصَةُ بِوِلادَةِ الإنْسانِ الَّذِي قَدْ تَكَلَّمَ اللهُ بِأمْرِهِ، وأخْبَرَ بِهِ في ماضِي كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ عَلى أنْبِيائِهِ. و"اسْمُهُ" في هَذا المَوْضِعِ، مَعْناهُ: تَسْمِيَتُهُ، وجاءَ الضَمِيرُ مُذَكَّرًا مِن أجْلِ المَعْنى، إذِ الكَلِمَةُ عِبارَةٌ عن ولَدٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في اشْتِقاقِ لَفْظَةِ "المَسِيحُ"، فَقالَ قَوْمٌ: هو مِن ساحَ يَسِيحُ في الأرْضِ إذا ذَهَبَ ومَشى أقْطارَها، فَوَزْنُهُ "مُفْعِلٌ". وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: هو مِن "مَسَحَ" فَوَزْنُهُ "فَعِيلٌ". واخْتَلَفُوا- بَعْدُ- في صُورَةِ اشْتِقاقِهِ مِن" مَسَحَ"؛ فَقالَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ: سُمِّيَ بِذَلِكَ مِن مِساحَةِ الأرْضِ لِأنَّهُ مَشاها فَكَأنَّهُ مَسَحَها، وقالَ آخَرُونَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ ما مَسَحَ بِيَدِهِ عَلى ذِي عِلَّةٍ إلّا بَرِئَ، فَهو عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ؛ "فَعِيلٌ" بِمَعْنى "فاعِلٌ". وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مُسِحَ بِالبَرَكَةِ، وقالَ آخَرُونَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مُسِحَ بِدُهْنِ القُدْسِ، فَهو عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ "فَعِيلٌ" بِمَعْنى "مَفْعُولٌ"، وكَذَلِكَ هو في قَوْلِ مَن قالَ: مَسَحَهُ اللهُ، فَطَهَّرَهُ مِنَ الذُنُوبِ. قالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: المَسِيحُ الصِدِّيقُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المَسِيحُ: المَلِكُ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مَلَكَ إحْياءَ المَوْتى وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٢٢٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: "عِيسى" يَحْتَمِلُ مِنَ الإعْرابِ ثَلاثَةَ أوجُهٍ: البَدَلَ مِنَ "المَسِيحُ"، وعَطْفَ البَيانِ، وأنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، ومَنَعَ بَعْضُ النُحاةِ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ وقالَ: كانَ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ أسْماؤُهُ عَلى المَعْنى أو أسْماؤُها عَلى اللَفْظِ لِلْكَلِمَةِ، ويَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ "عِيسى" خَبَرَ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: هو عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، ويَدْعُو إلى هَذا كَوْنُ قَوْلِهِ: "ابْنُ مَرْيَمَ" صِفَةً لِعِيسى إذْ قَدْ أجْمَعَ الناسُ عَلى كَتْبِهِ دُونَ ألِفٍ، وأمّا عَلى البَدَلِ أو عَطْفِ البَيانِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْنُ مَرْيَمَ صِفَةً لِعِيسى لِأنَّ الِاسْمَ هُنا لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَخْصُ، هَذِهِ النَزْعَةُ لِأبِي عَلِيٍّ، وفي صَدْرِ الكَلامِ نَظَرٌ. و"وَجِيهًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، وهو مِنَ الوَجْهِ، أيْ: لَهُ وجْهٌ ومَنزِلَةٌ عِنْدَ اللهِ والمَعْنى في الوَجِيهِ أنَّهُ حَيْثُما أقْبَلَ بِوَجْهِهِ، عُظِّمَ ورُوعِيَ أمْرُهُ، وتَقُولُ العَرَبُ: فُلانٌ لَهُ وجْهٌ في الناسِ ولَهُ جاهٌ، وهَذا عَلى قَلْبٍ في اللَفْظَةِ يَقُولُونَ: جاهَنِي يَجُوهُنِي بِكَذا أيْ واجَهَنِي بِهِ، وجاهُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ في الدُنْيا نُبُوَّتُهُ وذِكْرُهُ، ورَفْعُهُ في الآخِرَةِ مَكانَتُهُ ونَعِيمُهُ وشَفاعَتُهُ. و"مِنَ المُقَرَّبِينَ" مَعْناهُ: مِنَ اللهِ تَعالى.

آل عمران 3:45

قوله عزّ وجلّ: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمُ وجِيهًا في الدُنْيا والآخِرَةِ ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ هَذِهِ المُخاطَبَةُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ القِصَصِ. والأنْباءُ الأخْبارُ، و"الغَيْبِ" ما غابَ عن مَدارِكِ الإنْسانِ. و"نُوحِيهِ" مَعْناهُ: نُلْقِيهِ في نَفْسِكَ في خَفاءٍ. وحَدُّ الوَحْيِ إلْقاءُ المَعْنى في النَفْسِ في خَفاءٍ، ثُمَّ تَخْتَلِفُ أنْواعُهُ، فَمِنهُ بِالمَلَكِ، ومِنهُ بِالإلْهامِ، ومِنهُ بِالإشارَةِ، ومِنهُ بِالكِتابِ، كَما قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:(p-٢٢٠) ؎ أتى العُجْمَ والآفاقَ مِنهُ قَصائِدٌ ∗∗∗ بَقِينَ بَقاءَ الوَحْيِ في الحَجَرِ الأصَمْ تَقُولُ العَرَبُ: أوحى، وتَقُولُ وحى. وفي هَذِهِ الآيَةِ بَيانٌ لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، إذْ جاءَهم بِغُيُوبٍ لا يَعْلَمُها إلّا مَن شاهَدَها وهو لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمْ، أو مَن قَرَأها في كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ، ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ أُمِّيٌّ مِن قَوْمٍ أُمِّيِّينَ، أو مَن أعْلَمَهُ اللهُ بِها وهو ذاكَ ﷺ، و"لَدَيْهِمْ" مَعْناهُ: عِنْدَهم ومَعَهُمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الأقْلامِ والكِفْلِ. وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ اسْتِهامٌ لِأخْذِها والمُنافَسَةِ فِيها. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: إنَّما كانَ اسْتِهامُهم حِينَ نالَتْهُمُ المَجاعَةُ دَفْعًا مِنهم لِتُحْمَلَ مَئُونَتُها. "يَخْتَصِمُونَ" مَعْناهُ: يَتَراجَعُونَ القَوْلَ الجَهِيرَ في أمْرِها، وفي هَذِهِ الآيَةِ اسْتِعْمالُ القُرْعَةِ والقُرْعَةُ سُنَّةٌ، «وَكانَ النَبِيُّ ﷺ إذا سافَرَ أقْرَعَ بَيْنَ نِسائِهِ،» وقالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "لَوْ يَعْلَمُونَ ما في الصَفِّ الأوَّلِ لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ"» وجُمْهُورُ الأُمَّةِ عَلى تَجْوِيزِ القُرْعَةِ إلّا مَن شَذَّ فَظَنَّ أنَّها قِمارٌ، وهَذا كُلُّهُ فِيما يَصْلُحُ التَراضِي بِكَوْنِهِ دُونَ قُرْعَةٍ، فَكَأنَّ القُرْعَةَ مُحَسِّنَةٌ لِذَلِكَ الِاخْتِصاصِ. وأمّا حَيْثُ لا يَجُوزُ التَراضِي كَعِتْقِ العَبِيدِ في ثُلُثِ المَيِّتِ فَجَوَّزَها الجُمْهُورُ ومَنَعَها أبُو حَنِيفَةَ. وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ أقْرَعَ بَيْنَ سِتَّةِ أعْبُدٍ، فَأعْتَقَ اثْنَيْنِ وأرَقَّ أرْبَعَةً.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: يَنْظُرُونَ ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾، والعامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾، وهَكَذا يَطَّرِدُ وصْفُ الآيَةِ وتَتَوالى الإعْلاماتُ بِهَذِهِ الغُيُوبِ. وقالَ الزَجّاجُ: العامِلُ فِيها: "يَخْتَصِمُونَ"، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾، وهَذا كُلُّهُ يَرُدُّهُ المَعْنى، لِأنَّ الِاخْتِصامَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ قَوْلِ المَلائِكَةِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: "إذْ قالَ المَلائِكَةُ". واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ؛ هَلِ المَلائِكَةُ هُنا عِبارَةٌ عن جِبْرِيلَ وحْدَهُ أو عن جَماعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى ذَلِكَ (p-٢٢١)كُلِّهِ في قَوْلِهِ آنِفًا: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩] فَتَأمَّلْهُ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ القِراءاتِ في قَوْلِهِ: "يُبَشِّرُكِ". واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، لِمَ عَبَّرَ عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ بِـ "كَلِمَةٍ" فَقالَ قَتادَةُ: جَعَلَهُ اللهُ "كَلِمَةً" إذْ هو مَوْجُودٌ بِكَلِمَةٍ وهي قَوْلُهُ تَعالى لِمُراداتِهِ: "كُنْ" وهَذا كَما تَقُولُ في شَيْءٍ حادِثٍ: هَذا قَدَرُ اللهِ، أيْ هو عِنْدَ قَدَرِ اللهِ، وكَذَلِكَ تَقُولُ: هَذا أمْرُ اللهِ. وتَرْجَمَ الطَبَرِيُّ فَقالَ: وقالَ آخَرُونَ: بَلِ الكَلِمَةُ اسْمٌ لِعِيسى سَمّاهُ اللهُ بِها كَما سَمّى سائِرَ خَلْقِهِ بِما شاءَ مِنَ الأسْماءِ، فَمُقْتَضى هَذِهِ التَرْجَمَةِ أنَّ الكَلِمَةَ اسْمٌ مُرْتَجَلٌ لِعِيسى، ثُمَّ أدْخَلَ الطَبَرِيُّ تَحْتَ التَرْجَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الكَلِمَةُ هي عِيسى، وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ مُحْتَمِلٌ أنْ يُفَسَّرَ بِما قالَ قَتادَةُ وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا سَنَذْكُرُهُ الآنَ، ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِمّا ادَّعى الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ. وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: سَمّاهُ اللهُ كَلِمَةً مِن حَيْثُ كانَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في تَوْراةِ مُوسى وغَيْرِها مِن كُتُبِ اللهِ وأنَّهُ سَيَكُونُ، فَهَذِهِ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ فِيهِ مِنَ اللهِ، فَمَعْنى الآيَةِ: أنْتِ يا مَرْيَمُ مُبَشَّرَةٌ بِأنَّكِ المَخْصُوصَةُ بِوِلادَةِ الإنْسانِ الَّذِي قَدْ تَكَلَّمَ اللهُ بِأمْرِهِ، وأخْبَرَ بِهِ في ماضِي كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ عَلى أنْبِيائِهِ. و"اسْمُهُ" في هَذا المَوْضِعِ، مَعْناهُ: تَسْمِيَتُهُ، وجاءَ الضَمِيرُ مُذَكَّرًا مِن أجْلِ المَعْنى، إذِ الكَلِمَةُ عِبارَةٌ عن ولَدٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في اشْتِقاقِ لَفْظَةِ "المَسِيحُ"، فَقالَ قَوْمٌ: هو مِن ساحَ يَسِيحُ في الأرْضِ إذا ذَهَبَ ومَشى أقْطارَها، فَوَزْنُهُ "مُفْعِلٌ". وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: هو مِن "مَسَحَ" فَوَزْنُهُ "فَعِيلٌ". واخْتَلَفُوا- بَعْدُ- في صُورَةِ اشْتِقاقِهِ مِن" مَسَحَ"؛ فَقالَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ: سُمِّيَ بِذَلِكَ مِن مِساحَةِ الأرْضِ لِأنَّهُ مَشاها فَكَأنَّهُ مَسَحَها، وقالَ آخَرُونَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ ما مَسَحَ بِيَدِهِ عَلى ذِي عِلَّةٍ إلّا بَرِئَ، فَهو عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ؛ "فَعِيلٌ" بِمَعْنى "فاعِلٌ". وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مُسِحَ بِالبَرَكَةِ، وقالَ آخَرُونَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مُسِحَ بِدُهْنِ القُدْسِ، فَهو عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ "فَعِيلٌ" بِمَعْنى "مَفْعُولٌ"، وكَذَلِكَ هو في قَوْلِ مَن قالَ: مَسَحَهُ اللهُ، فَطَهَّرَهُ مِنَ الذُنُوبِ. قالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: المَسِيحُ الصِدِّيقُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المَسِيحُ: المَلِكُ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مَلَكَ إحْياءَ المَوْتى وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٢٢٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: "عِيسى" يَحْتَمِلُ مِنَ الإعْرابِ ثَلاثَةَ أوجُهٍ: البَدَلَ مِنَ "المَسِيحُ"، وعَطْفَ البَيانِ، وأنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، ومَنَعَ بَعْضُ النُحاةِ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ وقالَ: كانَ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ أسْماؤُهُ عَلى المَعْنى أو أسْماؤُها عَلى اللَفْظِ لِلْكَلِمَةِ، ويَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ "عِيسى" خَبَرَ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: هو عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، ويَدْعُو إلى هَذا كَوْنُ قَوْلِهِ: "ابْنُ مَرْيَمَ" صِفَةً لِعِيسى إذْ قَدْ أجْمَعَ الناسُ عَلى كَتْبِهِ دُونَ ألِفٍ، وأمّا عَلى البَدَلِ أو عَطْفِ البَيانِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْنُ مَرْيَمَ صِفَةً لِعِيسى لِأنَّ الِاسْمَ هُنا لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَخْصُ، هَذِهِ النَزْعَةُ لِأبِي عَلِيٍّ، وفي صَدْرِ الكَلامِ نَظَرٌ. و"وَجِيهًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، وهو مِنَ الوَجْهِ، أيْ: لَهُ وجْهٌ ومَنزِلَةٌ عِنْدَ اللهِ والمَعْنى في الوَجِيهِ أنَّهُ حَيْثُما أقْبَلَ بِوَجْهِهِ، عُظِّمَ ورُوعِيَ أمْرُهُ، وتَقُولُ العَرَبُ: فُلانٌ لَهُ وجْهٌ في الناسِ ولَهُ جاهٌ، وهَذا عَلى قَلْبٍ في اللَفْظَةِ يَقُولُونَ: جاهَنِي يَجُوهُنِي بِكَذا أيْ واجَهَنِي بِهِ، وجاهُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ في الدُنْيا نُبُوَّتُهُ وذِكْرُهُ، ورَفْعُهُ في الآخِرَةِ مَكانَتُهُ ونَعِيمُهُ وشَفاعَتُهُ. و"مِنَ المُقَرَّبِينَ" مَعْناهُ: مِنَ اللهِ تَعالى.

آل عمران 3:46

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَيُكَلِّمُ الناسَ في المَهْدِ وكَهْلا ومِنَ الصالِحِينَ﴾ ﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ قَوْلُهُ: "وَيُكَلِّمُ" نائِبٌ عن حالٍ تَقْدِيرُها: "وَمُكَلِّمًا"، وذَلِكَ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "وَجِيهًا"، وجاءَ عَطْفُ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ عَلى اسْمِ الفاعِلِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُضارَعَةِ، كَما (p-٢٢٣)جازَ عَطْفُ اسْمِ الفاعِلِ عَلى الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ في قَوْلِ الشاعِرِ:. ؎ بِتُّ أُعَشِّيها بِعَضْبٍ باتِرٍ ∗∗∗ يَقْصِدُ في أسْؤُقِها وجائِرِ وقَوْلُهُ: ﴿فِي المَهْدِ﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يُكَلِّمُ"، و"كَهْلًا" حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فِي المَهْدِ﴾، وقَوْلُهُ: ( مِنَ الصالِحِينَ ) حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: "وَيُكَلِّمُ" وهَذِهِ الآيَةُ إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِمَرْيَمَ؛ بِأنَّ ابْنَها يَتَكَلَّمُ في مَهْدِهِ مَعَ الناسِ آيَةً دالَّةً عَلى بَراءَةِ أُمِّهِ مِمّا عَسى أنْ يَقْذِفَها بِهِ مُتَعَسِّفٌ ظانٌّ. والمَهْدُ: مَوْضِعُ اضْطِجاعِ الصَبِيِّ وقْتَ تَرْبِيَتِهِ. وأخْبَرَ تَعالى عنهُ أنَّهُ أيْضًا يُكَلِّمُ الناسَ كَهْلًا، وفائِدَةُ ذَلِكَ -إذْ كَلامُ الكَهْلِ عُرِفَ- أنَّهُ إخْبارٌ لَها بِحَياتِهِ إلى سِنِّ الكُهُولَةِ، هَذا قَوْلُ الرَبِيعِ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فائِدَةُ قَوْلِهِ: "وَكَهْلًا: الإخْبارُ بِنُزُولِهِ عِنْدَ قَتْلِهِ الدَجّالَ كَهْلًا. وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: الكَهْلُ الَّذِي بَلَغَ سِنَّ الكُهُولَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الكَهْلُ: الحَلِيمُ، وهَذا تَفْسِيرُ الكُهُولَةِ بِعَرَضٍ مُصاحِبٍ لَها في الأغْلَبِ. واخْتَلَفَ الناسُ في حَدِّ الكُهُولَةِ، فَقِيلَ: الكَهْلُ: ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: ابْنُ خَمْسٍ وثَلاثِينَ، وقِيلَ: ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ، وقِيلَ: ابْنُ اثْنَتَيْنِ وثَلاثِينَ، وهَذا حَدُّ أوَّلِها،. وأمّا آخِرُها فاثْنَتانِ وخَمْسُونَ، ثُمَّ يَدْخُلُ سِنَّ الشَيْخُوخَةِ. وقَوْلُ مَرْيَمَ: ﴿رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ﴾ اسْتِفْهامٌ عن جِهَةِ حَمْلِها، واسْتِغْرابٌ لِلْحَمْلِ عَلى حالِ بَكارَتِها. و"يَمْسَسْنِي" مَعْناهُ: يَطَأُ ويُجامِعُ، والمَسِيسُ: الجِماعُ،وَمَرْيَمُ لَمْ تَنْفِ مَسِيسَ الأيْدِي، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "كَذَلِكِ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى هَذِهِ القُدْرَةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُها البِشارَةُ بِالكَلِمَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى حالِ مَرْيَمَ وبَكارَتِها، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَيْنِ التَأْوِيلَيْنِ في أمْرِ زَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَلامُ، وجاءَتِ العِبارَةُ في أمْرِ زَكَرِيّاءَ "يَفْعَلُ" وجاءَتْ هُنا، "يَخْلُقُ" مِن حَيْثُ أمْرُ زَكَرِيّاءَ داخِلٌ في الإمْكانِ الَّذِي (p-٢٢٤)يُتَعارَفُ وإنْ قَلَّ، وقِصَّةُ مَرْيَمَ لا تُتَعارَفُ البَتَّةَ، فَلَفْظُ الخَلْقِ أقْرَبُ إلى الِاخْتِراعِ وأدَلُّ عَلَيْهِ. ورُوِيَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وُلِدَ لِثَمانِيَةِ أشْهُرٍ فَلِذَلِكَ لا يَعِيشُ مَن يُولَدُ مِن غَيْرِهِ لِمِثْلِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا قَضى﴾ مَعْناهُ إذا أرادَ إيجادَهُ، والأمْرُ: واحِدُ الأُمُورِ، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ، والضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى الأمْرِ والقَوْلِ عَلى جِهَةِ المُخاطَبَةِ، قالَ مَكِّيٌّ وقِيلَ: المَعْنى يَقُولُ لِأجْلِهِ، وهَذا يَنْحُو إلى ما نُورِدُهُ عن أبِي عَلِيٍّ بَعْدُ. وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "فَيَكُونُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ "فَيَكُونَ" بِالنَصْبِ، فَوَجْهُ الرَفْعِ، العَطْفُ عَلى "يَقُولُ" أو تَقْدِيرُ: فَهو يَكُونُ. وأمّا قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ فَغَيْرُ مُتَّجِهَةٍ لِأنَّ الأمْرَ المُتَقَدِّمَ خِطابٌ لِلْمَقْضِيِّ وقَوْلُهُ: "فَيَكُونَ" خِطابٌ لِلْمُخْبَرِ، فَلَيْسَ كَقَوْلِهِ: قُمْ فَأُحْسِنْ إلَيْكَ، لَكِنَّ وجْهَها أنَّهُ راعى الشَبَهَ اللَفْظِيَّ في أنْ يُقَدَّمَ في الكَلامِ لَفْظُ أمْرٍ كَما قالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] إنَّهُ مَجْرى جَوابِ الأمْرِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ جَوابًا في الحَقِيقَةِ، فَكَذَلِكَ عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ يَكُونُ قَوْلُهُ: "فَيَكُونُ" بِمَنزِلَةِ جَوابِ الأمْرِ وإنْ لَمْ يَكُنْ جَوابًا. وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ في هَذِهِ المَسْألَةِ إلى أنَّ القَوْلَ فِيها لَيْسَ بِالمُخاطَبَةِ المَحْضَةِ، وإنَّما هو قَوْلٌ مَجازِيٌّ كَما قالَ: ؎ امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي... ∗∗∗......................... وغَيْرُ ذَلِكَ، قالَ: لِأنَّ المُنْتَفِيَ لَيْسَ بِكائِنٍ فَلا يُخاطَبُ كَما لا يُؤْمَرُ، وإنَّما المَعْنى: فَإنَّما يَكُونُهُ فَهو يَكُونُ، فَهَذِهِ نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، رَحِمَهُ اللهُ وغَفَرَ لَهُ.

آل عمران 3:47

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَيُكَلِّمُ الناسَ في المَهْدِ وكَهْلا ومِنَ الصالِحِينَ﴾ ﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ قَوْلُهُ: "وَيُكَلِّمُ" نائِبٌ عن حالٍ تَقْدِيرُها: "وَمُكَلِّمًا"، وذَلِكَ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "وَجِيهًا"، وجاءَ عَطْفُ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ عَلى اسْمِ الفاعِلِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُضارَعَةِ، كَما (p-٢٢٣)جازَ عَطْفُ اسْمِ الفاعِلِ عَلى الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ في قَوْلِ الشاعِرِ:. ؎ بِتُّ أُعَشِّيها بِعَضْبٍ باتِرٍ ∗∗∗ يَقْصِدُ في أسْؤُقِها وجائِرِ وقَوْلُهُ: ﴿فِي المَهْدِ﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يُكَلِّمُ"، و"كَهْلًا" حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فِي المَهْدِ﴾، وقَوْلُهُ: ( مِنَ الصالِحِينَ ) حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: "وَيُكَلِّمُ" وهَذِهِ الآيَةُ إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِمَرْيَمَ؛ بِأنَّ ابْنَها يَتَكَلَّمُ في مَهْدِهِ مَعَ الناسِ آيَةً دالَّةً عَلى بَراءَةِ أُمِّهِ مِمّا عَسى أنْ يَقْذِفَها بِهِ مُتَعَسِّفٌ ظانٌّ. والمَهْدُ: مَوْضِعُ اضْطِجاعِ الصَبِيِّ وقْتَ تَرْبِيَتِهِ. وأخْبَرَ تَعالى عنهُ أنَّهُ أيْضًا يُكَلِّمُ الناسَ كَهْلًا، وفائِدَةُ ذَلِكَ -إذْ كَلامُ الكَهْلِ عُرِفَ- أنَّهُ إخْبارٌ لَها بِحَياتِهِ إلى سِنِّ الكُهُولَةِ، هَذا قَوْلُ الرَبِيعِ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فائِدَةُ قَوْلِهِ: "وَكَهْلًا: الإخْبارُ بِنُزُولِهِ عِنْدَ قَتْلِهِ الدَجّالَ كَهْلًا. وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: الكَهْلُ الَّذِي بَلَغَ سِنَّ الكُهُولَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الكَهْلُ: الحَلِيمُ، وهَذا تَفْسِيرُ الكُهُولَةِ بِعَرَضٍ مُصاحِبٍ لَها في الأغْلَبِ. واخْتَلَفَ الناسُ في حَدِّ الكُهُولَةِ، فَقِيلَ: الكَهْلُ: ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: ابْنُ خَمْسٍ وثَلاثِينَ، وقِيلَ: ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ، وقِيلَ: ابْنُ اثْنَتَيْنِ وثَلاثِينَ، وهَذا حَدُّ أوَّلِها،. وأمّا آخِرُها فاثْنَتانِ وخَمْسُونَ، ثُمَّ يَدْخُلُ سِنَّ الشَيْخُوخَةِ. وقَوْلُ مَرْيَمَ: ﴿رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ﴾ اسْتِفْهامٌ عن جِهَةِ حَمْلِها، واسْتِغْرابٌ لِلْحَمْلِ عَلى حالِ بَكارَتِها. و"يَمْسَسْنِي" مَعْناهُ: يَطَأُ ويُجامِعُ، والمَسِيسُ: الجِماعُ،وَمَرْيَمُ لَمْ تَنْفِ مَسِيسَ الأيْدِي، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "كَذَلِكِ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى هَذِهِ القُدْرَةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُها البِشارَةُ بِالكَلِمَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى حالِ مَرْيَمَ وبَكارَتِها، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَيْنِ التَأْوِيلَيْنِ في أمْرِ زَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَلامُ، وجاءَتِ العِبارَةُ في أمْرِ زَكَرِيّاءَ "يَفْعَلُ" وجاءَتْ هُنا، "يَخْلُقُ" مِن حَيْثُ أمْرُ زَكَرِيّاءَ داخِلٌ في الإمْكانِ الَّذِي (p-٢٢٤)يُتَعارَفُ وإنْ قَلَّ، وقِصَّةُ مَرْيَمَ لا تُتَعارَفُ البَتَّةَ، فَلَفْظُ الخَلْقِ أقْرَبُ إلى الِاخْتِراعِ وأدَلُّ عَلَيْهِ. ورُوِيَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وُلِدَ لِثَمانِيَةِ أشْهُرٍ فَلِذَلِكَ لا يَعِيشُ مَن يُولَدُ مِن غَيْرِهِ لِمِثْلِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا قَضى﴾ مَعْناهُ إذا أرادَ إيجادَهُ، والأمْرُ: واحِدُ الأُمُورِ، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ، والضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى الأمْرِ والقَوْلِ عَلى جِهَةِ المُخاطَبَةِ، قالَ مَكِّيٌّ وقِيلَ: المَعْنى يَقُولُ لِأجْلِهِ، وهَذا يَنْحُو إلى ما نُورِدُهُ عن أبِي عَلِيٍّ بَعْدُ. وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "فَيَكُونُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ "فَيَكُونَ" بِالنَصْبِ، فَوَجْهُ الرَفْعِ، العَطْفُ عَلى "يَقُولُ" أو تَقْدِيرُ: فَهو يَكُونُ. وأمّا قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ فَغَيْرُ مُتَّجِهَةٍ لِأنَّ الأمْرَ المُتَقَدِّمَ خِطابٌ لِلْمَقْضِيِّ وقَوْلُهُ: "فَيَكُونَ" خِطابٌ لِلْمُخْبَرِ، فَلَيْسَ كَقَوْلِهِ: قُمْ فَأُحْسِنْ إلَيْكَ، لَكِنَّ وجْهَها أنَّهُ راعى الشَبَهَ اللَفْظِيَّ في أنْ يُقَدَّمَ في الكَلامِ لَفْظُ أمْرٍ كَما قالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] إنَّهُ مَجْرى جَوابِ الأمْرِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ جَوابًا في الحَقِيقَةِ، فَكَذَلِكَ عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ يَكُونُ قَوْلُهُ: "فَيَكُونُ" بِمَنزِلَةِ جَوابِ الأمْرِ وإنْ لَمْ يَكُنْ جَوابًا. وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ في هَذِهِ المَسْألَةِ إلى أنَّ القَوْلَ فِيها لَيْسَ بِالمُخاطَبَةِ المَحْضَةِ، وإنَّما هو قَوْلٌ مَجازِيٌّ كَما قالَ: ؎ امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي... ∗∗∗......................... وغَيْرُ ذَلِكَ، قالَ: لِأنَّ المُنْتَفِيَ لَيْسَ بِكائِنٍ فَلا يُخاطَبُ كَما لا يُؤْمَرُ، وإنَّما المَعْنى: فَإنَّما يَكُونُهُ فَهو يَكُونُ، فَهَذِهِ نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، رَحِمَهُ اللهُ وغَفَرَ لَهُ.

آل عمران 3:48

(p-٢٢٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿وَرَسُولا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم أنِّي أخْلُقُ لَكم مِن الطِينِ كَهَيْئَةِ الطَيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللهِ﴾ قَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ "وَيُعَلِّمُهُ" بِالياءِ، وذَلِكَ عَطْفٌ عَلى: "يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ"، كَذا قالَ أبُو عَلِيٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ عَطْفًا عَلى: "وَيُكَلِّمُ". وقَرَأ الباقُونَ: و"نُعَلِّمُهُ" بِالنُونِ وهي مِثْلُ قِراءَةِ الياءِ في المَعْنى لَكِنْ جاءَتْ بِنُونِ العَظَمَةِ، قالَ الطَبَرِيُّ: قِراءَةُ الياءِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "يَخْلُقُ ما يَشاءُ"، وقِراءَةُ النُونِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "نُوحِيهِ إلَيْكَ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الَّذِي قالَهُ خَطَأٌ في الوَجْهَيْنِ مُفْسِدٌ لِلْمَعْنى. و"الكِتابَ" هو الخَطُّ بِاليَدِ، فَهو مَصْدَرُ كَتَبَ يَكْتُبُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ وجَماعَةِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هي إشارَةٌ إلى كِتابٍ مُنَزَّلٍ لَمْ يُعَيَّنْ، وهَذِهِ دَعْوى لا حُجَّةَ عَلَيْها. وأمّا "الحِكْمَةَ" فَهي السُنَّةُ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِها الأنْبِياءُ في الشَرْعِيّاتِ والمَواعِظِ ونَحْوِ ذَلِكَ، مِمّا لَمْ يُوحَ إلَيْهِمْ في كِتابٍ ولا بِمَلَكٍ، لَكِنَّهم يُلْهَمُونَ إلَيْهِ وتَقْوى غَرائِزُهم عَلَيْهِ. وقَدْ عَبَّرَ بَعْضُ العُلَماءِ عَنِ الحِكْمَةِ بِأنَّها الإصابَةُ في القَوْلِ والعَمَلِ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يُعَلِّمُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ الحِكْمَةَ، والتَعْلِيمُ مُتَمَكِّنٌ فِيما كانَ مِنَ الحِكْمَةِ بِوَحْيٍ أو مَأْثُورًا عَمَّنْ تَقَدَّمَ عِيسى مِن نَبِيٍّ وعالِمٍ. وأمّا ما كانَ مِن حِكْمَةِ عِيسى الخاصَّةِ بِهِ فَإنَّما يُقالُ فِيها نُعَلِّمُهُ عَلى مَعْنى نُهَيِّئُ غَرِيزَتَهُ لَها ونُقَدِّرُهُ ونَجْعَلُهُ يَتَمَرَّنُ في اسْتِخْراجِها ويَجْرِي ذِهْنُهُ إلى ذَلِكَ. و"التَوْراةَ" هي المُنَزَّلَةُ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ويُرْوى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يَسْتَظْهِرُ التَوْراةَ، وكانَ أعْلَمَ الناسِ وأعْمَلَ بِما فِيها، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَحْفَظْها عن ظَهْرِ (p-٢٢٦)قَلْبٍ إلّا أرْبَعَةٌ: مُوسى ويُوشَعُ بْنُ نُونَ وعُزَيْزٌ وعِيسى عَلَيْهِمُ السَلامُ. وذَكَرَ: "الإنْجِيلَ" لِمَرْيَمَ وهو لَمْ يُنْزَلْ- بَعْدُ- لِأنَّهُ كانَ كِتابًا مَذْكُورًا عِنْدَ الأنْبِياءِ والعُلَماءِ وأنَّهُ سَيَنْزِلُ. وقَوْلُهُ: "وَرَسُولًا" حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى "وَيُعَلِّمُهُ" إذِ التَقْدِيرُ: ومُعَلَّمًا الكِتابَ، فَهَذا كُلُّهُ عَطْفٌ بِالمَعْنى عَلى قَوْلِهِ: "وَجِيهًا" ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: ويَجْعَلُهُ رَسُولًا. وكانَتْ رِسالَةُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، مُبَيِّنًا حُكْمَ التَوْراةِ، ونادِبًا إلى العَمَلِ بِها، ومُحَلِّلًا أشْياءَ مِمّا حُرِّمَ فِيها، كالشُحُومِ ولُحُومِ الإبِلِ وأشْياءَ مِنَ الحِيتانِ والطَيْرِ. ومِن أوَّلِ القَوْلِ لِمَرْيَمَ إلى قَوْلِهِ "إسْرائِيلَ" خِطابٌ لِمَرْيَمَ، ومِن قَوْلِهِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: "مُسْتَقِيمٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمَرْيَمَ عَلى مَعْنى: يَكُونُ مِن قَوْلِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ: كَيْتَ وكَيْتَ، ويَكُونُ في آخِرِ الكَلامِ مَتْرُوكٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: فَجاءَ عِيسى بَنِي إسْرائِيلَ رَسُولًا فَقالَ لَهم ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ: "فَلَمّا أحَسَّ". ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَتْرُوكُ مُقَدَّرًا في صَدْرِ الكَلامِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ فَيَكُونَ تَقْدِيرُهُ: فَجاءَ عِيسى كَما بَشَّرَ اللهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ بِأنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ، ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ لَيْسَ بِخِطابٍ لِمَرْيَمَ، والأوَّلُ أظْهَرُ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ، تَقْدِيرُهُ: بِأنِّي، وقُرِئَ في الشاذِّ: "إنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ"، وجُمْهُورُ الناسِ قَرَؤُوا "بِآيَةٍ" عَلى الإفْرادِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بِآياتٍ"، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ بَعْدَ هَذا: "وَجِئْتُكم بِآياتٍ مِن رَبِّكُمْ". واخْتَلَفَ القُرّاءُ في فَتْحِ الألِفِ وكَسْرِها مِن قَوْلِهِ: "أنِّي أخْلُقُ"، فَقَرَأ نافِعٌ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: (p-٢٢٧)"إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: "أنِّي" بِفَتْحِ الألِفِ. فَوَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ: إمّا القَطْعُ والِاسْتِئْنافُ، وإمّا أنَّهُ فَسَّرَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: "إنِّي" كَما فَسَّرَ المَثَلَ في قَوْلِهِ: "كَمَثَلِ آدَمَ" بِقَوْلِهِ: "خَلَقَهُ مِن تُرابٍ" إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ، ووَجْهُ قِراءَةِ الباقِينَ البَدَلُ مِن "آيَةٍ"، كَأنَّهُ قالَ: وجِئْتُكم بِأنِّي أخْلُقُ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِن "أنِّي" الأُولى، وهَذا كُلُّهُ يَتَقارَبُ في المَعْنى. و"أخْلُقُ" مَعْناهُ: أقْدِرُ وأُهَيِّئُ بِيَدِي، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي وقَوْلُهُ "لَكُمْ" تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ: "أخْلُقُ" لِأنَّهُ يَدُلُّ دَلالَةً ما عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدِ الإيجادَ مِنَ العَدَمِ. ويُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: "بِإذْنِ اللهِ"، وحَقِيقَةُ الخَلْقِ في الأجْرامِ، ويُسْتَعْمَلُ في المَعانِي، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ مَن كانَ يَخْلُقُ ما يَقُو ∗∗∗ ∗∗∗ لُ فَحِيلَتِي فِيهِ قَلِيلَةْ وجُمْهُورُ الناسِ قَرَأ "كَهَيْئَةِ" عَلى وزْنِ فَعْلَةٍ - بِفَتْحِ الفاءِ- وهو مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ: هاءَ الشَيْءُ يَهاءُ هَيْئًا وهَيْئَةً، إذا تَرَتَّبَ واسْتَقَرَّ عَلى حالٍ ما، وهو الَّذِي تُعَدِّيهِ فَتَقُولُ: هَيَّأْتُ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "كَهِيَّئَةِ الطَيْرِ"، بِكَسْرِ الهاءِ وياءٍ مَفْتُوحَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "كَهَيْئَةِ الطائِرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طائِرًا" عَلى الإفْرادِ في المَوْضِعَيْنِ، فالأوَّلُ اسْمُ الجِنْسِ والثانِي مُفْرَدٌ، أيْ يَكُونُ طائِرًا مِنَ الطُيُورِ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "كَهَيْئَةِ الطَيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طائِرًا" بِالإفْرادِ في الأخِيرِ، وهَكَذا قَرَأ في المائِدَةِ. وقَرَأ الباقُونَ: "كَهَيْئَةِ الطَيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا" بِالجَمْعِ فِيهِما، وكَذَلِكَ في (p-٢٢٨)سُورَةِ المائِدَةِ، ومَعانِي هَذِهِ القِراءاتِ بَيِّنَةٌ. والطَيْرُ: اسْمُ جَمْعٍ ولَيْسَ مِن أبْنِيَةِ الجُمُوعِ، وإنَّما البِناءُ في جَمْعِ طائِرٍ أطْيارٌ، وجَمْعُ الجَمْعِ طُيُورٌ، وحَكاهُ أبُو عَلِيٍّ عن أبِي الحَسَنِ. وقَوْلُهُ "فَأنْفُخُ فِيهِ" ذَكَّرَ الضَمِيرَ هُنا لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الطِينِ المُهَيَّإ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ فَأنْفُخُ في المَذْكُورِ. وأنَّثَ الضَمِيرَ في سُورَةِ المائِدَةِ في قَوْلِهِ: "فَتَنْفُخُ فِيها" لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الهَيْئَةِ أو عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ الجَماعَةِ في قَوْلِهِ: "الطَيْرِ". وكَوْنُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ خالِقًا بِيَدِهِ ونافِخًا بِفِيهِ إنَّما هو لِيَبِينَ تَلَبُّسُهُ بِالمُعْجِزَةِ، وأنَّها جاءَتْ مِن قِبَلِهِ، وأمّا الإيجادُ مِنَ العَدَمِ وخَلْقُ الحَياةِ في ذَلِكَ الطِينِ فَمِنَ اللهِ تَعالى وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ. وقَوْلُهُ: "بِإذْنِ اللهِ" مَعْناهُ: بِعِلْمٍ مِنهُ تَعالى أنِّي أفْعَلُ ذَلِكَ وتَمْكِينٍ مِنهُ لِي. وحَقِيقَةُ الإذْنِ في الشَيْءِ، هي العِلْمُ بِأنَّهُ يُفْعَلُ والتَمْكِينُ مِن ذَلِكَ، فَإنِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ قَوْلٌ فَذَلِكَ أمْكَنُ في الإذْنِ وأبْلَغُ، ويَخْرُجُ مِن حَدِّ الإذْنِ إلى حَدِّ الأمْرِ، ولَكِنْ تَجِدُهُ أبَدًا في قِسْمِ الإباحَةِ. وتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٥١] وقَوْلَ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "وَإذْنُها صُماتُها".» ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يَقُولُ لِبَنِي إسْرائِيلَ: أيُّ الطَيْرِ أشَدُّ خِلْقَةً وأصْعَبُ أنْ يُحْكى؟ فَيَقُولُونَ: الخُفّاشُ، لِأنَّهُ طائِرٌ لا رِيشَ لَهُ، فَكانَ يَصْنَعُ مِنَ الطِينِ خَفافِيشَ ثُمَّ يَنْفُخُ فِيها فَتَطِيرُ، وكُلُّ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الناسِ ومُعايَنَتِهِمْ، فَكانُوا يَقُولُونَ: هَذا ساحِرٌ. ** قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللهِ وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكم إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لَكم إنَّ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. و"أُبْرِئُ" مَعْناهُ: أُزِيلُ المَرَضَ، يُقالُ: بَرَأ المَرِيضُ وأبْرَأهُ غَيْرُهُ، ويُقالُ: بَرِئَ (p-٢٢٩)المَرِيضُ أيْضًا كَما يُقالُ في الذَنْبِ والدَيْنِ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِي: "الأكْمَهَ" فَقالَ مُجاهِدٌ: الأكْمَهُ: هو الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَهارِ ولا يُبْصِرُ بِاللَيْلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ والسُدِّيُّ: الأكْمَهُ: الأعْمى عَلى الإطْلاقِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: الأكْمَهُ الأعْمَشُ، وحَكى النَقّاشُ قَوْلًا: أنَّ الأكْمَهَ هو الأبْكَمُ الَّذِي لا يَفْهَمُ ولا يُفْهَمُ، المَيِّتُ الفُؤادِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةُ: الأكْمَهُ: الَّذِي يُولَدُ أعْمى مَضْمُومَ العَيْنِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ يُبْرِئُ بِدُعائِهِ ومَسْحِ يَدِهِ كُلَّ عِلَّةٍ فَتُشْفى، ولَكِنَّ الِاحْتِجاجَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في مَعْنى النُبُوَّةِ لا يَقُومُ إلّا بِالإبْراءِ مِنَ العِلَلِ الَّتِي لا يُبْرِئُ مِنها طَبِيبٌ بِوَجْهٍ، فَلَيْسَ يَتَخَلَّصُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ في الأكْمَهِ إلّا القَوْلُ الأخِيرُ، إذِ الأكْمَهُ في اللُغَةِ هو الأعْمى، وكَمِهَتِ العَيْنُ عَمِيَتْ، ولَوْلا ضَبْطُ اللُغَةِ لَكانَ القَوْلُ الَّذِي حَكى النَقّاشُ حَسَنًا في مَعْنى قِيامِ الحُجَّةِ بِهِ، "والأبْرَصَ" مَعْرُوفٌ، وهو داءٌ لا يُبْرَأُ مِنهُ إذا تَمَكَّنَ. ورُوِيَ في إحْيائِهِ المَوْتى، أنَّهُ كانَ يَضْرِبُ بِعَصاهُ المَيِّتَ أوِ القَبْرَ أوِ الجُمْجُمَةَ، فَيُحْيِي الإنْسانَ ويُكَلِّمُهُ، ورُوِيَ أنَّهُ أحْيا سامَ بْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، ورُوِيَ أنَّ الَّذِي كانَ يُحْيِيهِ كانَتْ تَدُومُ حَياتُهُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَعُودُ لِمَوْتِهِ سَرِيعًا، وفي قِصَصِ الإحْياءِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ لا يُوقَفُ عَلى صِحَّتِها. وإحْياءُ المَوْتى هي آيَتُهُ المُعْجِزَةُ المُعَرَّضَةُ لِلتَّحَدِّي، وهي بِالمَعْنى مُتَحَدّىً بِها وإنْ كانَ لَمْ يُنَصَّ عَلى التَحَدِّي بِها. وآياتُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما تَجْرِي فِيما يُعارِضُ الطِبَّ لِأنَّ عِلْمَ الطِبِّ كانَ شَرَفَ الناسِ في ذَلِكَ الزَمانِ وشُغْلَهُمْ، وحِينَئِذٍ أُثِيرَتْ فِيهِ العَجائِبُ، فَلَمّا جاءَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ بِغَرائِبَ لا تَقْتَضِيها الأمْزِجَةُ وأُصُولُ الطِبِّ، وذَلِكَ إحْياءُ المَوْتى وإبْراءُ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، عَلِمَتِ الأطِبّاءُ أنَّ هَذِهِ (p-٢٣٠)القُوَّةَ مِن عِنْدِ اللهِ، وهَذا كَأمْرِ السَحَرَةِ مَعَ مُوسى والفُصَحاءِ مَعَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَلامُ، ووَقَعَ في التَوارِيخِ المُتَرْجَمَةِ عَنِ الأطِبّاءِ أنَّ جالِينُوسَ كانَ في زَمَنِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّهُ رَحَلَ إلَيْهِ مِن رُومِيَّةَ إلى الشامِ لِيَلْقاهُ فَماتَ في طَرِيقِهِ ذَلِكَ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "وَأُنَبِّئُكُمْ"... الآيَةِ فَقالَ السُدِّيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ إسْحاقَ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ: كانَ عِيسى مِن لَدُنِ طُفُولَتِهِ وهو في الكُتّابِ يُخْبِرُ الصِبْيانَ بِما يَفْعَلُ آباؤُهم في مَنازِلِهِمْ، وبِما يُؤْكَلُ مِنَ الطَعامِ ويُدَّخَرُ حَتّى قالَ بَنُو إسْرائِيلَ لِأبْنائِهِمْ: لا تُخالِطُوا هَذا الساحِرَ، وكَذَلِكَ إلى أنْ نُبِّئَ، فَكانَ يَقُولُ لِكُلِّ مَن سَألَهُ عن هَذا المَعْنى: أكَلْتَ البارِحَةَ كَذا وادَّخَرْتَ كَذا. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وكانَ مُعَلِّمُهُ يُرِيدُ أنْ يُعَلِّمَهُ الشَيْءَ فَيَسْبِقُهُ إلَيْهِ عِيسى، فَيَتَعَجَّبُ مُعَلِّمُهُ مِن ذَلِكَ ويَذْكُرُهُ لِلنّاسِ. وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى الآيَةِ إنَّما هو في نُزُولِ المائِدَةِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ أنَّها لَمّا أُنْزِلَتْ أخَذَ عَلَيْهِمْ عَهْدًا أنْ يَأْكُلُوا ولا يُخَبِّئَ أحَدٌ شَيْئًا ولا يَدَّخِرَهُ ويَحْمِلَهُ إلى بَيْتِهِ، فَخانُوا وجَعَلُوا يُخَبِّئُونَ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ وطَعامِها الَّذِي كانَ يَنْزِلُ عَلى المائِدَةِ، فَكانَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ يُخْبِرُ كُلَّ أحَدٍ عَمّا أكَلَ وعَمّا ادَّخَرَ في بَيْتِهِ مِن ذَلِكَ، وعُوقِبُوا عَلى ذَلِكَ. و"ما" في قَوْلِهِ: ﴿بِما تَأْكُلُونَ﴾ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي" وتَحْتَمِلُ المَصْدَرِيَّةَ، وكَذَلِكَ "وَما تَدَّخِرُونَ". وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَدَّخِرُونَ" بِدالٍ مُشَدَّدَةٍ وخاءٍ مَكْسُورَةٍ، وهو تَفْتَعِلُونَ مِن ذَخَرْتَ، أصْلُهُ، "تَذْتَخِرُونَ" اسْتُثْقِلَ النُطْقُ بِالذالِ والتاءِ لِتَقارُبِهِما في المَخْرَجِ فَأُبْدِلَتِ التاءُ دالًا وأُدْغِمَتِ الذالُ في الدالِ، كَما صُنِعَ في مُدَّكِرٍ ومُطَّلِعٍ، بِمَعْنى مُضْطَلِعٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، نَحْوِ قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ إنَّ الكَرِيمَ الَّذِي يُعْطِيكَ نائِلَهُ ∗∗∗ عَفْوًا ويُظْلَمُ أحْيانًا فَيَطَّلِمُ بِالطاءِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ. وقَرَأ الزُهْرِيُّ ومُجاهِدٌ وأيُّوبُ السِخْتِيانِيُّ وأبُو السَمّالِ: "تَدْخَرُونَ" بِدالٍ ساكِنَةٍ وخاءٍ مَفْتُوحَةٍ. (p-٢٣١)وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ مِنَ الإحْياءِ والإبْراءِ والإنْباءِ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "لَآياتٍ" عَلى الجَمْعِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تَوْقِيفٌ، والمَعْنى: لَآياتٍ نافِعَةً هادِيَةً إنْ آمَنتُمْ وأبْصَرْتُمْ، وإلّا فَلَيْسَتْ بِنافِعَةٍ ولا هادِيَةٍ، فَأمّا كَوْنُها آياتٍ فَعَلى كُلِّ حالٍ آمَنُوا أو كَفَرُوا، هَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ المُخاطَبَةَ لِمَن لَمْ يُؤْمِن- بَعْدُ- وهو ظاهِرُ حالِهِ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، وإنْ كانَ خِطابُهُ لِمُؤْمِنِينَ، أو لِمَن كانُوا مُؤْمِنِينَ بِمُوسى، فَمَعْنى الآيَةِ: التَثْبِيتُ وهَزُّ النَفْسِ، كَما تَقُولُ لِإنْسانٍ تُقِيمُ نَفْسَهُ إلى شَيْءٍ: أمّا أنْتَ يا فُلانُ يَلْزَمُكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا وكَذا إنْ كُنْتَ مِنَ الرِجالِ.

آل عمران 3:49

(p-٢٢٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿وَرَسُولا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم أنِّي أخْلُقُ لَكم مِن الطِينِ كَهَيْئَةِ الطَيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللهِ﴾ قَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ "وَيُعَلِّمُهُ" بِالياءِ، وذَلِكَ عَطْفٌ عَلى: "يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ"، كَذا قالَ أبُو عَلِيٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ عَطْفًا عَلى: "وَيُكَلِّمُ". وقَرَأ الباقُونَ: و"نُعَلِّمُهُ" بِالنُونِ وهي مِثْلُ قِراءَةِ الياءِ في المَعْنى لَكِنْ جاءَتْ بِنُونِ العَظَمَةِ، قالَ الطَبَرِيُّ: قِراءَةُ الياءِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "يَخْلُقُ ما يَشاءُ"، وقِراءَةُ النُونِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "نُوحِيهِ إلَيْكَ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الَّذِي قالَهُ خَطَأٌ في الوَجْهَيْنِ مُفْسِدٌ لِلْمَعْنى. و"الكِتابَ" هو الخَطُّ بِاليَدِ، فَهو مَصْدَرُ كَتَبَ يَكْتُبُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ وجَماعَةِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هي إشارَةٌ إلى كِتابٍ مُنَزَّلٍ لَمْ يُعَيَّنْ، وهَذِهِ دَعْوى لا حُجَّةَ عَلَيْها. وأمّا "الحِكْمَةَ" فَهي السُنَّةُ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِها الأنْبِياءُ في الشَرْعِيّاتِ والمَواعِظِ ونَحْوِ ذَلِكَ، مِمّا لَمْ يُوحَ إلَيْهِمْ في كِتابٍ ولا بِمَلَكٍ، لَكِنَّهم يُلْهَمُونَ إلَيْهِ وتَقْوى غَرائِزُهم عَلَيْهِ. وقَدْ عَبَّرَ بَعْضُ العُلَماءِ عَنِ الحِكْمَةِ بِأنَّها الإصابَةُ في القَوْلِ والعَمَلِ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يُعَلِّمُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ الحِكْمَةَ، والتَعْلِيمُ مُتَمَكِّنٌ فِيما كانَ مِنَ الحِكْمَةِ بِوَحْيٍ أو مَأْثُورًا عَمَّنْ تَقَدَّمَ عِيسى مِن نَبِيٍّ وعالِمٍ. وأمّا ما كانَ مِن حِكْمَةِ عِيسى الخاصَّةِ بِهِ فَإنَّما يُقالُ فِيها نُعَلِّمُهُ عَلى مَعْنى نُهَيِّئُ غَرِيزَتَهُ لَها ونُقَدِّرُهُ ونَجْعَلُهُ يَتَمَرَّنُ في اسْتِخْراجِها ويَجْرِي ذِهْنُهُ إلى ذَلِكَ. و"التَوْراةَ" هي المُنَزَّلَةُ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ويُرْوى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يَسْتَظْهِرُ التَوْراةَ، وكانَ أعْلَمَ الناسِ وأعْمَلَ بِما فِيها، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَحْفَظْها عن ظَهْرِ (p-٢٢٦)قَلْبٍ إلّا أرْبَعَةٌ: مُوسى ويُوشَعُ بْنُ نُونَ وعُزَيْزٌ وعِيسى عَلَيْهِمُ السَلامُ. وذَكَرَ: "الإنْجِيلَ" لِمَرْيَمَ وهو لَمْ يُنْزَلْ- بَعْدُ- لِأنَّهُ كانَ كِتابًا مَذْكُورًا عِنْدَ الأنْبِياءِ والعُلَماءِ وأنَّهُ سَيَنْزِلُ. وقَوْلُهُ: "وَرَسُولًا" حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى "وَيُعَلِّمُهُ" إذِ التَقْدِيرُ: ومُعَلَّمًا الكِتابَ، فَهَذا كُلُّهُ عَطْفٌ بِالمَعْنى عَلى قَوْلِهِ: "وَجِيهًا" ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: ويَجْعَلُهُ رَسُولًا. وكانَتْ رِسالَةُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، مُبَيِّنًا حُكْمَ التَوْراةِ، ونادِبًا إلى العَمَلِ بِها، ومُحَلِّلًا أشْياءَ مِمّا حُرِّمَ فِيها، كالشُحُومِ ولُحُومِ الإبِلِ وأشْياءَ مِنَ الحِيتانِ والطَيْرِ. ومِن أوَّلِ القَوْلِ لِمَرْيَمَ إلى قَوْلِهِ "إسْرائِيلَ" خِطابٌ لِمَرْيَمَ، ومِن قَوْلِهِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: "مُسْتَقِيمٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمَرْيَمَ عَلى مَعْنى: يَكُونُ مِن قَوْلِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ: كَيْتَ وكَيْتَ، ويَكُونُ في آخِرِ الكَلامِ مَتْرُوكٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: فَجاءَ عِيسى بَنِي إسْرائِيلَ رَسُولًا فَقالَ لَهم ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ: "فَلَمّا أحَسَّ". ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَتْرُوكُ مُقَدَّرًا في صَدْرِ الكَلامِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ فَيَكُونَ تَقْدِيرُهُ: فَجاءَ عِيسى كَما بَشَّرَ اللهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ بِأنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ، ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ لَيْسَ بِخِطابٍ لِمَرْيَمَ، والأوَّلُ أظْهَرُ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ، تَقْدِيرُهُ: بِأنِّي، وقُرِئَ في الشاذِّ: "إنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ"، وجُمْهُورُ الناسِ قَرَؤُوا "بِآيَةٍ" عَلى الإفْرادِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بِآياتٍ"، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ بَعْدَ هَذا: "وَجِئْتُكم بِآياتٍ مِن رَبِّكُمْ". واخْتَلَفَ القُرّاءُ في فَتْحِ الألِفِ وكَسْرِها مِن قَوْلِهِ: "أنِّي أخْلُقُ"، فَقَرَأ نافِعٌ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: (p-٢٢٧)"إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: "أنِّي" بِفَتْحِ الألِفِ. فَوَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ: إمّا القَطْعُ والِاسْتِئْنافُ، وإمّا أنَّهُ فَسَّرَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: "إنِّي" كَما فَسَّرَ المَثَلَ في قَوْلِهِ: "كَمَثَلِ آدَمَ" بِقَوْلِهِ: "خَلَقَهُ مِن تُرابٍ" إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ، ووَجْهُ قِراءَةِ الباقِينَ البَدَلُ مِن "آيَةٍ"، كَأنَّهُ قالَ: وجِئْتُكم بِأنِّي أخْلُقُ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِن "أنِّي" الأُولى، وهَذا كُلُّهُ يَتَقارَبُ في المَعْنى. و"أخْلُقُ" مَعْناهُ: أقْدِرُ وأُهَيِّئُ بِيَدِي، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي وقَوْلُهُ "لَكُمْ" تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ: "أخْلُقُ" لِأنَّهُ يَدُلُّ دَلالَةً ما عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدِ الإيجادَ مِنَ العَدَمِ. ويُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: "بِإذْنِ اللهِ"، وحَقِيقَةُ الخَلْقِ في الأجْرامِ، ويُسْتَعْمَلُ في المَعانِي، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ مَن كانَ يَخْلُقُ ما يَقُو ∗∗∗ ∗∗∗ لُ فَحِيلَتِي فِيهِ قَلِيلَةْ وجُمْهُورُ الناسِ قَرَأ "كَهَيْئَةِ" عَلى وزْنِ فَعْلَةٍ - بِفَتْحِ الفاءِ- وهو مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ: هاءَ الشَيْءُ يَهاءُ هَيْئًا وهَيْئَةً، إذا تَرَتَّبَ واسْتَقَرَّ عَلى حالٍ ما، وهو الَّذِي تُعَدِّيهِ فَتَقُولُ: هَيَّأْتُ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "كَهِيَّئَةِ الطَيْرِ"، بِكَسْرِ الهاءِ وياءٍ مَفْتُوحَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "كَهَيْئَةِ الطائِرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طائِرًا" عَلى الإفْرادِ في المَوْضِعَيْنِ، فالأوَّلُ اسْمُ الجِنْسِ والثانِي مُفْرَدٌ، أيْ يَكُونُ طائِرًا مِنَ الطُيُورِ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "كَهَيْئَةِ الطَيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طائِرًا" بِالإفْرادِ في الأخِيرِ، وهَكَذا قَرَأ في المائِدَةِ. وقَرَأ الباقُونَ: "كَهَيْئَةِ الطَيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا" بِالجَمْعِ فِيهِما، وكَذَلِكَ في (p-٢٢٨)سُورَةِ المائِدَةِ، ومَعانِي هَذِهِ القِراءاتِ بَيِّنَةٌ. والطَيْرُ: اسْمُ جَمْعٍ ولَيْسَ مِن أبْنِيَةِ الجُمُوعِ، وإنَّما البِناءُ في جَمْعِ طائِرٍ أطْيارٌ، وجَمْعُ الجَمْعِ طُيُورٌ، وحَكاهُ أبُو عَلِيٍّ عن أبِي الحَسَنِ. وقَوْلُهُ "فَأنْفُخُ فِيهِ" ذَكَّرَ الضَمِيرَ هُنا لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الطِينِ المُهَيَّإ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ فَأنْفُخُ في المَذْكُورِ. وأنَّثَ الضَمِيرَ في سُورَةِ المائِدَةِ في قَوْلِهِ: "فَتَنْفُخُ فِيها" لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الهَيْئَةِ أو عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ الجَماعَةِ في قَوْلِهِ: "الطَيْرِ". وكَوْنُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ خالِقًا بِيَدِهِ ونافِخًا بِفِيهِ إنَّما هو لِيَبِينَ تَلَبُّسُهُ بِالمُعْجِزَةِ، وأنَّها جاءَتْ مِن قِبَلِهِ، وأمّا الإيجادُ مِنَ العَدَمِ وخَلْقُ الحَياةِ في ذَلِكَ الطِينِ فَمِنَ اللهِ تَعالى وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ. وقَوْلُهُ: "بِإذْنِ اللهِ" مَعْناهُ: بِعِلْمٍ مِنهُ تَعالى أنِّي أفْعَلُ ذَلِكَ وتَمْكِينٍ مِنهُ لِي. وحَقِيقَةُ الإذْنِ في الشَيْءِ، هي العِلْمُ بِأنَّهُ يُفْعَلُ والتَمْكِينُ مِن ذَلِكَ، فَإنِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ قَوْلٌ فَذَلِكَ أمْكَنُ في الإذْنِ وأبْلَغُ، ويَخْرُجُ مِن حَدِّ الإذْنِ إلى حَدِّ الأمْرِ، ولَكِنْ تَجِدُهُ أبَدًا في قِسْمِ الإباحَةِ. وتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٥١] وقَوْلَ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "وَإذْنُها صُماتُها".» ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يَقُولُ لِبَنِي إسْرائِيلَ: أيُّ الطَيْرِ أشَدُّ خِلْقَةً وأصْعَبُ أنْ يُحْكى؟ فَيَقُولُونَ: الخُفّاشُ، لِأنَّهُ طائِرٌ لا رِيشَ لَهُ، فَكانَ يَصْنَعُ مِنَ الطِينِ خَفافِيشَ ثُمَّ يَنْفُخُ فِيها فَتَطِيرُ، وكُلُّ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الناسِ ومُعايَنَتِهِمْ، فَكانُوا يَقُولُونَ: هَذا ساحِرٌ. ** قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللهِ وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكم إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لَكم إنَّ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. و"أُبْرِئُ" مَعْناهُ: أُزِيلُ المَرَضَ، يُقالُ: بَرَأ المَرِيضُ وأبْرَأهُ غَيْرُهُ، ويُقالُ: بَرِئَ (p-٢٢٩)المَرِيضُ أيْضًا كَما يُقالُ في الذَنْبِ والدَيْنِ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِي: "الأكْمَهَ" فَقالَ مُجاهِدٌ: الأكْمَهُ: هو الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَهارِ ولا يُبْصِرُ بِاللَيْلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ والسُدِّيُّ: الأكْمَهُ: الأعْمى عَلى الإطْلاقِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: الأكْمَهُ الأعْمَشُ، وحَكى النَقّاشُ قَوْلًا: أنَّ الأكْمَهَ هو الأبْكَمُ الَّذِي لا يَفْهَمُ ولا يُفْهَمُ، المَيِّتُ الفُؤادِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةُ: الأكْمَهُ: الَّذِي يُولَدُ أعْمى مَضْمُومَ العَيْنِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ يُبْرِئُ بِدُعائِهِ ومَسْحِ يَدِهِ كُلَّ عِلَّةٍ فَتُشْفى، ولَكِنَّ الِاحْتِجاجَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في مَعْنى النُبُوَّةِ لا يَقُومُ إلّا بِالإبْراءِ مِنَ العِلَلِ الَّتِي لا يُبْرِئُ مِنها طَبِيبٌ بِوَجْهٍ، فَلَيْسَ يَتَخَلَّصُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ في الأكْمَهِ إلّا القَوْلُ الأخِيرُ، إذِ الأكْمَهُ في اللُغَةِ هو الأعْمى، وكَمِهَتِ العَيْنُ عَمِيَتْ، ولَوْلا ضَبْطُ اللُغَةِ لَكانَ القَوْلُ الَّذِي حَكى النَقّاشُ حَسَنًا في مَعْنى قِيامِ الحُجَّةِ بِهِ، "والأبْرَصَ" مَعْرُوفٌ، وهو داءٌ لا يُبْرَأُ مِنهُ إذا تَمَكَّنَ. ورُوِيَ في إحْيائِهِ المَوْتى، أنَّهُ كانَ يَضْرِبُ بِعَصاهُ المَيِّتَ أوِ القَبْرَ أوِ الجُمْجُمَةَ، فَيُحْيِي الإنْسانَ ويُكَلِّمُهُ، ورُوِيَ أنَّهُ أحْيا سامَ بْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، ورُوِيَ أنَّ الَّذِي كانَ يُحْيِيهِ كانَتْ تَدُومُ حَياتُهُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَعُودُ لِمَوْتِهِ سَرِيعًا، وفي قِصَصِ الإحْياءِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ لا يُوقَفُ عَلى صِحَّتِها. وإحْياءُ المَوْتى هي آيَتُهُ المُعْجِزَةُ المُعَرَّضَةُ لِلتَّحَدِّي، وهي بِالمَعْنى مُتَحَدّىً بِها وإنْ كانَ لَمْ يُنَصَّ عَلى التَحَدِّي بِها. وآياتُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما تَجْرِي فِيما يُعارِضُ الطِبَّ لِأنَّ عِلْمَ الطِبِّ كانَ شَرَفَ الناسِ في ذَلِكَ الزَمانِ وشُغْلَهُمْ، وحِينَئِذٍ أُثِيرَتْ فِيهِ العَجائِبُ، فَلَمّا جاءَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ بِغَرائِبَ لا تَقْتَضِيها الأمْزِجَةُ وأُصُولُ الطِبِّ، وذَلِكَ إحْياءُ المَوْتى وإبْراءُ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، عَلِمَتِ الأطِبّاءُ أنَّ هَذِهِ (p-٢٣٠)القُوَّةَ مِن عِنْدِ اللهِ، وهَذا كَأمْرِ السَحَرَةِ مَعَ مُوسى والفُصَحاءِ مَعَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَلامُ، ووَقَعَ في التَوارِيخِ المُتَرْجَمَةِ عَنِ الأطِبّاءِ أنَّ جالِينُوسَ كانَ في زَمَنِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّهُ رَحَلَ إلَيْهِ مِن رُومِيَّةَ إلى الشامِ لِيَلْقاهُ فَماتَ في طَرِيقِهِ ذَلِكَ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "وَأُنَبِّئُكُمْ"... الآيَةِ فَقالَ السُدِّيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ إسْحاقَ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ: كانَ عِيسى مِن لَدُنِ طُفُولَتِهِ وهو في الكُتّابِ يُخْبِرُ الصِبْيانَ بِما يَفْعَلُ آباؤُهم في مَنازِلِهِمْ، وبِما يُؤْكَلُ مِنَ الطَعامِ ويُدَّخَرُ حَتّى قالَ بَنُو إسْرائِيلَ لِأبْنائِهِمْ: لا تُخالِطُوا هَذا الساحِرَ، وكَذَلِكَ إلى أنْ نُبِّئَ، فَكانَ يَقُولُ لِكُلِّ مَن سَألَهُ عن هَذا المَعْنى: أكَلْتَ البارِحَةَ كَذا وادَّخَرْتَ كَذا. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وكانَ مُعَلِّمُهُ يُرِيدُ أنْ يُعَلِّمَهُ الشَيْءَ فَيَسْبِقُهُ إلَيْهِ عِيسى، فَيَتَعَجَّبُ مُعَلِّمُهُ مِن ذَلِكَ ويَذْكُرُهُ لِلنّاسِ. وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى الآيَةِ إنَّما هو في نُزُولِ المائِدَةِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ أنَّها لَمّا أُنْزِلَتْ أخَذَ عَلَيْهِمْ عَهْدًا أنْ يَأْكُلُوا ولا يُخَبِّئَ أحَدٌ شَيْئًا ولا يَدَّخِرَهُ ويَحْمِلَهُ إلى بَيْتِهِ، فَخانُوا وجَعَلُوا يُخَبِّئُونَ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ وطَعامِها الَّذِي كانَ يَنْزِلُ عَلى المائِدَةِ، فَكانَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ يُخْبِرُ كُلَّ أحَدٍ عَمّا أكَلَ وعَمّا ادَّخَرَ في بَيْتِهِ مِن ذَلِكَ، وعُوقِبُوا عَلى ذَلِكَ. و"ما" في قَوْلِهِ: ﴿بِما تَأْكُلُونَ﴾ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي" وتَحْتَمِلُ المَصْدَرِيَّةَ، وكَذَلِكَ "وَما تَدَّخِرُونَ". وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَدَّخِرُونَ" بِدالٍ مُشَدَّدَةٍ وخاءٍ مَكْسُورَةٍ، وهو تَفْتَعِلُونَ مِن ذَخَرْتَ، أصْلُهُ، "تَذْتَخِرُونَ" اسْتُثْقِلَ النُطْقُ بِالذالِ والتاءِ لِتَقارُبِهِما في المَخْرَجِ فَأُبْدِلَتِ التاءُ دالًا وأُدْغِمَتِ الذالُ في الدالِ، كَما صُنِعَ في مُدَّكِرٍ ومُطَّلِعٍ، بِمَعْنى مُضْطَلِعٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، نَحْوِ قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ إنَّ الكَرِيمَ الَّذِي يُعْطِيكَ نائِلَهُ ∗∗∗ عَفْوًا ويُظْلَمُ أحْيانًا فَيَطَّلِمُ بِالطاءِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ. وقَرَأ الزُهْرِيُّ ومُجاهِدٌ وأيُّوبُ السِخْتِيانِيُّ وأبُو السَمّالِ: "تَدْخَرُونَ" بِدالٍ ساكِنَةٍ وخاءٍ مَفْتُوحَةٍ. (p-٢٣١)وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ مِنَ الإحْياءِ والإبْراءِ والإنْباءِ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "لَآياتٍ" عَلى الجَمْعِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تَوْقِيفٌ، والمَعْنى: لَآياتٍ نافِعَةً هادِيَةً إنْ آمَنتُمْ وأبْصَرْتُمْ، وإلّا فَلَيْسَتْ بِنافِعَةٍ ولا هادِيَةٍ، فَأمّا كَوْنُها آياتٍ فَعَلى كُلِّ حالٍ آمَنُوا أو كَفَرُوا، هَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ المُخاطَبَةَ لِمَن لَمْ يُؤْمِن- بَعْدُ- وهو ظاهِرُ حالِهِ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، وإنْ كانَ خِطابُهُ لِمُؤْمِنِينَ، أو لِمَن كانُوا مُؤْمِنِينَ بِمُوسى، فَمَعْنى الآيَةِ: التَثْبِيتُ وهَزُّ النَفْسِ، كَما تَقُولُ لِإنْسانٍ تُقِيمُ نَفْسَهُ إلى شَيْءٍ: أمّا أنْتَ يا فُلانُ يَلْزَمُكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا وكَذا إنْ كُنْتَ مِنَ الرِجالِ.

آل عمران 3:50

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَوْراةِ ولأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِنَ رَبِّكم فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ قَوْلُهُ: "مُصَدِّقًا" حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ﴾ [آل عمران: ٤٩]. لِأنَّ قَوْلَهُ في مَوْضِعِ الحالِ، وكانَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ مُصَدِّقًا لِلتَّوْراةِ مُتَّبِعًا عامِلًا بِما فِيها. قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ يَسْبِتُ ويَسْتَقْبِلُ بَيْتَ المَقْدِسِ. وقالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وَلأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾، كانَ الَّذِي جاءَ بِهِ عِيسى ألْيَنَ مِنَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أحَلَّ لَهم لُحُومَ الإبِلِ والشُحُومَ، قالَ الرَبِيعُ: وأشْياءَ مِنَ السَمَكِ، وما لا صِئْصِئَةَ لَهُ مِنَ الطَيْرِ. وكانَ في التَوْراةِ مُحَرَّماتٌ تَرَكَها شَرْعُ عِيسى عَلى حالِها، فَلَفْظَةُ البَعْضِ عَلى هَذا مُتَمَكِّنَةٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البَعْضُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الكُلِّ، وخَطَّأهُ الناسُ في هَذِهِ المَقالَةِ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ شاهِدًا عَلى قَوْلِهِ بَيْتَ لَبِيدٍ: ؎ تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ يَرْضَها أو يَخْتَرِمْ بَعْضَ النُفُوسِ حِمامُها (p-٢٣٢)وَلَيْسَتْ في البَيْتِ لَهُ حُجَّةٌ، لِأنَّ لَبِيدًا أرادَ نَفْسَهُ فَهو تَبْعِيضٌ صَحِيحٌ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما حَرَّمَهُ الأحْبارُ بَعْدَ مُوسى وشَرَعُوهُ، فَكَأنَّ عِيسى رَدَّ أحْكامَ التَوْراةِ إلى حَقائِقِها الَّتِي نَزَلَتْ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "حَرَّمَ عَلَيْكُمْ" بِفَتْحِ الحاءِ والراءِ المُشَدَّدَةِ، وإسْنادِ الفِعْلِ إلى اللهِ تَعالى أو إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَجِئْتُكم بِآيَةٍ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَجِئْتُكم بِآياتٍ مِن رَبِّكُمْ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ﴾ تَحْذِيرٌ ودُعاءٌ إلى اللهِ تَعالى. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿إنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ بِكَسْرِ الألِفِ عَلى اسْتِئْنافِ الخَبَرِ، وقَرَأهُ قَوْمٌ "أنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ. قالَ الطَبَرِيُّ: "إنَّ" بَدَلٌ مِن "آيَةٍ"، في قَوْلِهِ: ﴿جِئْتُكم بِآيَةٍ﴾ [آل عمران: ٤٩]، وفي هَذا ضَعْفٌ، وإنَّما التَقْدِيرُ: أطِيعُونِي، لِأنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ، أو يَكُونُ المَعْنى: لِأنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ. وقَوْلُهُ: ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾، لِأنَّ ألْفاظَهُ جَمَعَتِ الإيمانَ والطاعاتِ. والصِراطُ: الطَرِيقُ، والمُسْتَقِيمُ: الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ.

آل عمران 3:51

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَوْراةِ ولأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِنَ رَبِّكم فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ قَوْلُهُ: "مُصَدِّقًا" حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ﴾ [آل عمران: ٤٩]. لِأنَّ قَوْلَهُ في مَوْضِعِ الحالِ، وكانَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ مُصَدِّقًا لِلتَّوْراةِ مُتَّبِعًا عامِلًا بِما فِيها. قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ يَسْبِتُ ويَسْتَقْبِلُ بَيْتَ المَقْدِسِ. وقالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وَلأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾، كانَ الَّذِي جاءَ بِهِ عِيسى ألْيَنَ مِنَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أحَلَّ لَهم لُحُومَ الإبِلِ والشُحُومَ، قالَ الرَبِيعُ: وأشْياءَ مِنَ السَمَكِ، وما لا صِئْصِئَةَ لَهُ مِنَ الطَيْرِ. وكانَ في التَوْراةِ مُحَرَّماتٌ تَرَكَها شَرْعُ عِيسى عَلى حالِها، فَلَفْظَةُ البَعْضِ عَلى هَذا مُتَمَكِّنَةٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البَعْضُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الكُلِّ، وخَطَّأهُ الناسُ في هَذِهِ المَقالَةِ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ شاهِدًا عَلى قَوْلِهِ بَيْتَ لَبِيدٍ: ؎ تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ يَرْضَها أو يَخْتَرِمْ بَعْضَ النُفُوسِ حِمامُها (p-٢٣٢)وَلَيْسَتْ في البَيْتِ لَهُ حُجَّةٌ، لِأنَّ لَبِيدًا أرادَ نَفْسَهُ فَهو تَبْعِيضٌ صَحِيحٌ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما حَرَّمَهُ الأحْبارُ بَعْدَ مُوسى وشَرَعُوهُ، فَكَأنَّ عِيسى رَدَّ أحْكامَ التَوْراةِ إلى حَقائِقِها الَّتِي نَزَلَتْ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "حَرَّمَ عَلَيْكُمْ" بِفَتْحِ الحاءِ والراءِ المُشَدَّدَةِ، وإسْنادِ الفِعْلِ إلى اللهِ تَعالى أو إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَجِئْتُكم بِآيَةٍ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَجِئْتُكم بِآياتٍ مِن رَبِّكُمْ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ﴾ تَحْذِيرٌ ودُعاءٌ إلى اللهِ تَعالى. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿إنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ بِكَسْرِ الألِفِ عَلى اسْتِئْنافِ الخَبَرِ، وقَرَأهُ قَوْمٌ "أنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ. قالَ الطَبَرِيُّ: "إنَّ" بَدَلٌ مِن "آيَةٍ"، في قَوْلِهِ: ﴿جِئْتُكم بِآيَةٍ﴾ [آل عمران: ٤٩]، وفي هَذا ضَعْفٌ، وإنَّما التَقْدِيرُ: أطِيعُونِي، لِأنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ، أو يَكُونُ المَعْنى: لِأنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ. وقَوْلُهُ: ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾، لِأنَّ ألْفاظَهُ جَمَعَتِ الإيمانَ والطاعاتِ. والصِراطُ: الطَرِيقُ، والمُسْتَقِيمُ: الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ.

آل عمران 3:52

(p-٢٣٣)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشاهِدِينَ﴾ ﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ واللهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ مَتْرُوكٌ، بِهِ يَتِمُّ اتِّساقُ الآياتِ، تَقْدِيرُهُ: فَجاءَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ كَما بَشَّرَ اللهُ بِهِ، فَقالَ جَمِيعَ ما ذَكَرَ لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴿فَلَمّا أحَسَّ﴾ ومَعْنى "أحَسَّ": عَلِمَ مِن جِهَةِ الحَواسِّ بِما سَمِعَ مِن أقْوالِهِمْ في تَكْذِيبِهِ، ورَأى مِن قَرائِنِ الأحْوالِ وشِدَّةِ العَداوَةِ والإعْراضِ؛ يُقالُ: أحْسَسْتُ بِالشَيْءِ وحَسَيْتُ بِهِ، أصْلُهُ: حَسَسْتُ فَأُبْدِلَتْ إحْدى السِينَيْنِ ياءً. و"الكُفْرَ" هو التَكْذِيبُ بِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ رَأى مِنهم إرادَةَ قَتْلِهِ، فَحِينَئِذٍ طَلَبَ النَصْرَ، والضَمِيرُ في "مِنهُمُ" لِبَنِي إسْرائِيلَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ مَن أنْصارِي إلى اللهِ﴾ عِبارَةٌ عن حالِ عِيسى في طَلَبِهِ مَن يَقُومُ بِالدِينِ ويُؤْمِنُ بِالشَرْعِ ويَحْمِيهِ، كَما كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلى القَبائِلِ ويَتَعَرَّضُ لِلْأحْياءِ في المَواسِمِ. وهَذِهِ الأفْعالُ كُلُّها وما فِيها مِن أقْوالٍ يُعَبَّرُ عنها. بِـ ﴿قالَ مَن أنْصارِي إلى اللهِ﴾. ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ كانَتْ في جُمْلَةِ أقْوالِهِ لِلنّاسِ. والأنْصارُ: جَمْعُ نَصِيرٍ، كَشَهِيدٍ وأشْهادٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقِيلَ: جَمْعُ ناصِرٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ. وقَوْلُهُ: "إلى اللهِ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما: مَن يَنْصُرُنِي في السَبِيلِ إلى اللهِ؟ فَتَكُونُ "إلى" دالَّةً عَلى الغايَةِ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى بابِها، والمَعْنى الثانِي: أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: مَن يُضِيفُ نُصْرَتَهُ إلى نُصْرَةِ اللهِ لِي؟ فَيَكُونَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] فَإذا تَأمَّلْتَها وجَدْتَ فِيها مَعْنى الغايَةِ لِأنَّها تَضَمَّنَتْ إضافَةَ شَيْءٍ إلى شَيْءٍ. (p-٢٣٤)وَقَدْ عَبَّرَ عنها ابْنُ جُرَيْجٍ والسُدِّيُّ بِأنَّها بِمَعْنى- "مَعَ"، ونَعَمْ إنَّ "مَعَ" تَسُدُّ في هَذِهِ المَعانِي مَسَدَّ "إلى" لَكِنْ لَيْسَ يُباحُ مِن هَذا أنْ يُقالَ إنَّ "إلى" بِمَعْنى "مَعَ"، حَتّى غَلِطَ في ذَلِكَ بَعْضُ الفُقَهاءِ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ [المائدة: ٦]. فَقالَ: "إلى" بِمَعْنى "مَعَ" وهَذِهِ عُجْمَةٌ، بَلْ "إلى" في هَذِهِ الآيَةِ غايَةٌ مُجَرَّدَةٌ، ويُنْظَرُ هَلْ يَدْخُلُ ما بَعْدَ "إلى" فِيما قَبْلَها مِن طَرِيقٍ آخَرٍ؟ و"الحَوارِيُّونَ" قَوْمٌ مَرَّ بِهِمْ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ فَدَعاهم إلى نَصْرِهِ واتِّباعِ مِلَّتِهِ، فَأجابُوهُ وقامُوا بِذَلِكَ خَيْرَ قِيامٍ، وصَبَرُوا في ذاتِ اللهِ. ورُوِيَ أنَّهُ مَرَّ بِهِمْ وهم يَصْطادُونَ السَمَكَ. واخْتَلَفَ الناسُ؛ لِمَ قِيلَ لَهُمُ الحَوارِيُّونَ؟ فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِبَياضِ ثِيابِهِمْ ونَقائِها، وقالَ أبُو أرْطَأةَ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا قَصّارِينَ يُحَوِّرُونَ الثِيابَ، أيْ يُبَيِّضُونَها، وقالَ قَتادَةُ، الحَوارِيُّونَ: أصْفِياءُ الأنْبِياءِ، الَّذِينَ تَصْلُحُ لَهُمُ الخِلافَةُ، وقالَ الضَحّاكُ نَحْوَهُ، وهَذا تَقْرِيرُ حالِ القَوْمِ ولَيْسَ بِتَفْسِيرِ اللَفْظَةِ؛ وعَلى هَذا الحَدِّ شَبَّهَ النَبِيُّ ﷺ ابْنَ عَمَّتِهِ بِهِمْ في قَوْلِهِ: « "وَحَوارِيِّ الزُبَيْرُ"» والأقْوالُ الأُولى هي تَفْسِيرُ اللَفْظِ، إذْ هي مِنَ الحَوَرِ، وهو البَياضُ، حَوَّرْتُ الثَوْبَ: بَيَّضْتُهُ، ومِنهُ الحَوارِيُّ. وقَدْ تُسَمِّي العَرَبُ النِساءَ الساكِناتِ في الأمْصارِ: الحَوارِيّاتِ، لِغَلَبَةِ البَياضِ عَلَيْهِنَّ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي جِلْدَةٍ اليَشْكُرِيِّ:(p-٢٣٥) ؎ فَقُلْ لِلْحَوارِيّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنا ∗∗∗ ولا تَبْكِنا إلّا الكِلابُ النَوابِحُ وذَكَرَ مَكِّيٌّ أنَّ مَرْيَمَ دَفَعَتْ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ في صِغَرِهِ في أعْمالٍ شَتّى، وكانَ آخِرَ ما دَفَعَتْهُ إلى الحَوارِيِّينَ، وهُمُ الَّذِينَ يُقَصِّرُونَ الثِيابَ ثُمَّ يَصْبِغُونَها، فَأراهم آياتٍ وصَبَغَ لَهم ألْوانًا شَتّى مِن ماءٍ واحِدٍ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الحَوارِيُّونَ" بِتَشْدِيدِ الياءِ، واحِدُهم "حَوارِيٌّ" ولَيْسَتْ بِياءِ نَسَبٍ وإنَّما هي كَياءِ كُرْسِيٍّ، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ وأبُو بَكْرٍ الثَقَفِيُّ: "الحَوارِيُونَ" مُخَفَّفَةَ الياءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: العَرَبُ تَعافُ ضَمَّةَ الياءِ الخَفِيفَةَ المَكْسُورِ ما قَبْلَها وتَمْتَنِعُ مِنها، ومَتى جاءَتْ في نَحْوِ قَوْلِهِمُ: العادِيُونَ والقاضِيُونَ والساعِيُونَ أعْلَتْ بِأنْ تَسْتَثْقِلَ الضَمَّةَ فَتُسَكِّنَ الياءَ وتَنْقُلَ حَرَكَتَها ثُمَّ تُحْذَفَ لِسُكُونِها وسُكُونِ الواوِ بَعْدَها، فَيَجِيءُ العادُونَ ونَحْوُهُ، فَكانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: الحَوارُونَ، لَكِنَّ وجْهَ القِراءَةِ عَلى ضَعْفِها أنَّ الياءَ خُفِّفَتِ اسْتِثْقالًا لِتَضْعِيفِها، وحَمَلَتِ الضَمَّةَ دَلالَةً عَلى أنَّ التَشْدِيدَ مُرادٌ، إذِ التَشْدِيدُ مُحْتَمِلٌ لِلضَّمَّةِ، وهَذا كَما ذَهَبَ أبُو الحَسَنِ في تَخْفِيفِ يَسْتَهْزِيُونَ، إلى أنْ أخْلَصَ الهَمْزَةَ ياءً البَتَّةَ، وحَمَّلَها الضَمَّةَ تَذَكُّرًا لِحالِ الهَمْزَةِ المُرادَةِ فِيها. وقَوْلُ الحَوارِيِّينَ: "واشْهَدْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، أيِ: اشْهَدْ لَنا عِنْدَ اللهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلَّهِ تَعالى كَما تَقُولُ: أنا أُشْهِدُ اللهَ عَلى كَذا، إذا عَزَمْتَ وبالَغْتَ في الِالتِزامِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في حَجَّةِ الوَداعِ: « "اللهُمَّ اشْهَدْ".» قالَ الطَبَرِيُّ: وفي هَذِهِ الآيَةِ تَوْبِيخٌ لِنَصارى نَجْرانَ، أيْ: هَذِهِ مَقالَةُ الأسْلافِ المُؤْمِنِينَ بِعِيسى، لا ما تَقُولُونَهُ أنْتُمْ، يا مَن يَدَّعِي لَهُ الأُلُوهِيَّةَ. وقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ﴾ يُرِيدُونَ الإنْجِيلَ وآياتِ عِيسى. و"الرَسُولَ" عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ. وقَوْلُهُمْ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشاهِدِينَ﴾ عِبارَةٌ عَنِ الرَغْبَةِ في أنْ يَكُونُوا عِنْدَهُ في عِدادِ مَن (p-٢٣٦)شَهِدَ بِالحَقِّ مِن مُؤْمِنِي الأُمَمِ، ولَمّا كانَ البَشَرُ يُقَيِّدُ ما يَحْتاجُ إلى عِلْمِهِ وتَحْقِيقِهِ في ثانِي حالٍ بِالكِتابِ، عَبَّرُوا عن فِعْلِ اللهِ بِهِمْ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوْلُهم "مَعَ الشاهِدِينَ" مَعْناهُ: اجْعَلْنا مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في أنْ نَكُونَ مِمَّنْ يَشْهَدُ عَلى الناسِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن بَنِي إسْرائِيلَ الكافِرِينَ بِعِيسى، فَقالَ: "وَمَكَرُوا" يُرِيدُ تَحَيُّلَهم في أخْذِ عِيسى لِلْقَتْلِ بِزَعْمِهِمْ، ويُرْوى أنَّهم تَحَيَّلُوا لَهُ، وأذْكَوْا عَلَيْهِ العُيُونَ حَتّى دَخَلَ هو والحَوارِيُّونَ بَيْتًا فَأخَذُوهم فِيهِ، فَهَذا مَكْرُ بَنِي إسْرائِيلَ، وجازاهُمُ اللهُ تَعالى بِأنْ طَرَحَ شَبَهَ عِيسى عَلى أحَدِ الحَوارِيِّينَ ورَفَعَ عِيسى، وأعْقَبَ بَنِي إسْرائِيلَ مَذَلَّةً وهَوانًا في الدُنْيا والآخِرَةِ. فَهَذِهِ العُقُوبَةُ هي الَّتِي سَمّاها اللهُ مَكْرًا في قَوْلِهِ ﴿وَمَكَرَ اللهُ﴾ وذَلِكَ مَهْيَعٌ أنْ تُسَمّى العُقُوبَةُ بِاسْمِ الذَنْبِ وإنْ لَمْ تَكُنْ في مَعْناهُ؛ وعَلى هَذا فَسَّرَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ الآيَةَ، وعَلى أنَّ عِيسى قالَ لِلْحَوارِيِّينَ: مَن يَصْبِرُ فَيُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ ولَهُ الجَنَّةُ؟ فَقالَ أحَدُهُمْ: أنا، فَكانَ ذَلِكَ. ورَوى قَوْمٌ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ دَسَّتْ يَهُودِيًّا جاسُوسًا عَلى عِيسى حَتّى صَحِبَهُ ودَلَّهم عَلَيْهِ ودَخَلَ مَعَهُ البَيْتَ، فَلَمّا أُحِيطَ بِهِمْ ألْقى اللهُ شَبَهَ عِيسى عَلى ذَلِكَ الرَجُلِ اليَهُودِيِّ فَأُخِذَ وصُلِبَ. فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ﴾ وهَذِهِ أيْضًا تَسْمِيَةُ عُقُوبَةٍ بِاسْمِ الذَنْبِ. والمَكْرُ في اللُغَةِ: السَعْيُ عَلى الإنْسانِ دُونَ أنْ يَظْهَرَ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ أنْ يُبْطِنَ الماكِرُ ضِدَّ ما يُبْدِي. وقَوْلُهُ: ﴿واللهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ مَعْناهُ: في أنَّهُ فاعِلُ حَقٍّ في ذَلِكَ، والماكِرُ مِنَ البَشَرِ فاعِلُ باطِلٍ في الأغْلَبِ، لِأنَّهُ في الأباطِيلِ يُحْتاجُ إلى التَحَيُّلِ، واللهُ سُبْحانَهُ أشَدُّ بَطْشًا وأنْفَذُ إرادَةً، فَهو خَيْرٌ مِن جِهاتٍ لا تُحْصى، لا إلَهَ إلّا هو. وذِكْرُ حَصْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وعِدَةِ أصْحابِهِ بِهِ وأمْرِ الشَبَهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أمْرِهِ سَيَأْتِي في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.

آل عمران 3:53

(p-٢٣٣)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشاهِدِينَ﴾ ﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ واللهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ مَتْرُوكٌ، بِهِ يَتِمُّ اتِّساقُ الآياتِ، تَقْدِيرُهُ: فَجاءَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ كَما بَشَّرَ اللهُ بِهِ، فَقالَ جَمِيعَ ما ذَكَرَ لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴿فَلَمّا أحَسَّ﴾ ومَعْنى "أحَسَّ": عَلِمَ مِن جِهَةِ الحَواسِّ بِما سَمِعَ مِن أقْوالِهِمْ في تَكْذِيبِهِ، ورَأى مِن قَرائِنِ الأحْوالِ وشِدَّةِ العَداوَةِ والإعْراضِ؛ يُقالُ: أحْسَسْتُ بِالشَيْءِ وحَسَيْتُ بِهِ، أصْلُهُ: حَسَسْتُ فَأُبْدِلَتْ إحْدى السِينَيْنِ ياءً. و"الكُفْرَ" هو التَكْذِيبُ بِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ رَأى مِنهم إرادَةَ قَتْلِهِ، فَحِينَئِذٍ طَلَبَ النَصْرَ، والضَمِيرُ في "مِنهُمُ" لِبَنِي إسْرائِيلَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ مَن أنْصارِي إلى اللهِ﴾ عِبارَةٌ عن حالِ عِيسى في طَلَبِهِ مَن يَقُومُ بِالدِينِ ويُؤْمِنُ بِالشَرْعِ ويَحْمِيهِ، كَما كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلى القَبائِلِ ويَتَعَرَّضُ لِلْأحْياءِ في المَواسِمِ. وهَذِهِ الأفْعالُ كُلُّها وما فِيها مِن أقْوالٍ يُعَبَّرُ عنها. بِـ ﴿قالَ مَن أنْصارِي إلى اللهِ﴾. ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ كانَتْ في جُمْلَةِ أقْوالِهِ لِلنّاسِ. والأنْصارُ: جَمْعُ نَصِيرٍ، كَشَهِيدٍ وأشْهادٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقِيلَ: جَمْعُ ناصِرٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ. وقَوْلُهُ: "إلى اللهِ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما: مَن يَنْصُرُنِي في السَبِيلِ إلى اللهِ؟ فَتَكُونُ "إلى" دالَّةً عَلى الغايَةِ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى بابِها، والمَعْنى الثانِي: أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: مَن يُضِيفُ نُصْرَتَهُ إلى نُصْرَةِ اللهِ لِي؟ فَيَكُونَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] فَإذا تَأمَّلْتَها وجَدْتَ فِيها مَعْنى الغايَةِ لِأنَّها تَضَمَّنَتْ إضافَةَ شَيْءٍ إلى شَيْءٍ. (p-٢٣٤)وَقَدْ عَبَّرَ عنها ابْنُ جُرَيْجٍ والسُدِّيُّ بِأنَّها بِمَعْنى- "مَعَ"، ونَعَمْ إنَّ "مَعَ" تَسُدُّ في هَذِهِ المَعانِي مَسَدَّ "إلى" لَكِنْ لَيْسَ يُباحُ مِن هَذا أنْ يُقالَ إنَّ "إلى" بِمَعْنى "مَعَ"، حَتّى غَلِطَ في ذَلِكَ بَعْضُ الفُقَهاءِ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ [المائدة: ٦]. فَقالَ: "إلى" بِمَعْنى "مَعَ" وهَذِهِ عُجْمَةٌ، بَلْ "إلى" في هَذِهِ الآيَةِ غايَةٌ مُجَرَّدَةٌ، ويُنْظَرُ هَلْ يَدْخُلُ ما بَعْدَ "إلى" فِيما قَبْلَها مِن طَرِيقٍ آخَرٍ؟ و"الحَوارِيُّونَ" قَوْمٌ مَرَّ بِهِمْ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ فَدَعاهم إلى نَصْرِهِ واتِّباعِ مِلَّتِهِ، فَأجابُوهُ وقامُوا بِذَلِكَ خَيْرَ قِيامٍ، وصَبَرُوا في ذاتِ اللهِ. ورُوِيَ أنَّهُ مَرَّ بِهِمْ وهم يَصْطادُونَ السَمَكَ. واخْتَلَفَ الناسُ؛ لِمَ قِيلَ لَهُمُ الحَوارِيُّونَ؟ فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِبَياضِ ثِيابِهِمْ ونَقائِها، وقالَ أبُو أرْطَأةَ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا قَصّارِينَ يُحَوِّرُونَ الثِيابَ، أيْ يُبَيِّضُونَها، وقالَ قَتادَةُ، الحَوارِيُّونَ: أصْفِياءُ الأنْبِياءِ، الَّذِينَ تَصْلُحُ لَهُمُ الخِلافَةُ، وقالَ الضَحّاكُ نَحْوَهُ، وهَذا تَقْرِيرُ حالِ القَوْمِ ولَيْسَ بِتَفْسِيرِ اللَفْظَةِ؛ وعَلى هَذا الحَدِّ شَبَّهَ النَبِيُّ ﷺ ابْنَ عَمَّتِهِ بِهِمْ في قَوْلِهِ: « "وَحَوارِيِّ الزُبَيْرُ"» والأقْوالُ الأُولى هي تَفْسِيرُ اللَفْظِ، إذْ هي مِنَ الحَوَرِ، وهو البَياضُ، حَوَّرْتُ الثَوْبَ: بَيَّضْتُهُ، ومِنهُ الحَوارِيُّ. وقَدْ تُسَمِّي العَرَبُ النِساءَ الساكِناتِ في الأمْصارِ: الحَوارِيّاتِ، لِغَلَبَةِ البَياضِ عَلَيْهِنَّ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي جِلْدَةٍ اليَشْكُرِيِّ:(p-٢٣٥) ؎ فَقُلْ لِلْحَوارِيّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنا ∗∗∗ ولا تَبْكِنا إلّا الكِلابُ النَوابِحُ وذَكَرَ مَكِّيٌّ أنَّ مَرْيَمَ دَفَعَتْ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ في صِغَرِهِ في أعْمالٍ شَتّى، وكانَ آخِرَ ما دَفَعَتْهُ إلى الحَوارِيِّينَ، وهُمُ الَّذِينَ يُقَصِّرُونَ الثِيابَ ثُمَّ يَصْبِغُونَها، فَأراهم آياتٍ وصَبَغَ لَهم ألْوانًا شَتّى مِن ماءٍ واحِدٍ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الحَوارِيُّونَ" بِتَشْدِيدِ الياءِ، واحِدُهم "حَوارِيٌّ" ولَيْسَتْ بِياءِ نَسَبٍ وإنَّما هي كَياءِ كُرْسِيٍّ، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ وأبُو بَكْرٍ الثَقَفِيُّ: "الحَوارِيُونَ" مُخَفَّفَةَ الياءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: العَرَبُ تَعافُ ضَمَّةَ الياءِ الخَفِيفَةَ المَكْسُورِ ما قَبْلَها وتَمْتَنِعُ مِنها، ومَتى جاءَتْ في نَحْوِ قَوْلِهِمُ: العادِيُونَ والقاضِيُونَ والساعِيُونَ أعْلَتْ بِأنْ تَسْتَثْقِلَ الضَمَّةَ فَتُسَكِّنَ الياءَ وتَنْقُلَ حَرَكَتَها ثُمَّ تُحْذَفَ لِسُكُونِها وسُكُونِ الواوِ بَعْدَها، فَيَجِيءُ العادُونَ ونَحْوُهُ، فَكانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: الحَوارُونَ، لَكِنَّ وجْهَ القِراءَةِ عَلى ضَعْفِها أنَّ الياءَ خُفِّفَتِ اسْتِثْقالًا لِتَضْعِيفِها، وحَمَلَتِ الضَمَّةَ دَلالَةً عَلى أنَّ التَشْدِيدَ مُرادٌ، إذِ التَشْدِيدُ مُحْتَمِلٌ لِلضَّمَّةِ، وهَذا كَما ذَهَبَ أبُو الحَسَنِ في تَخْفِيفِ يَسْتَهْزِيُونَ، إلى أنْ أخْلَصَ الهَمْزَةَ ياءً البَتَّةَ، وحَمَّلَها الضَمَّةَ تَذَكُّرًا لِحالِ الهَمْزَةِ المُرادَةِ فِيها. وقَوْلُ الحَوارِيِّينَ: "واشْهَدْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، أيِ: اشْهَدْ لَنا عِنْدَ اللهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلَّهِ تَعالى كَما تَقُولُ: أنا أُشْهِدُ اللهَ عَلى كَذا، إذا عَزَمْتَ وبالَغْتَ في الِالتِزامِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في حَجَّةِ الوَداعِ: « "اللهُمَّ اشْهَدْ".» قالَ الطَبَرِيُّ: وفي هَذِهِ الآيَةِ تَوْبِيخٌ لِنَصارى نَجْرانَ، أيْ: هَذِهِ مَقالَةُ الأسْلافِ المُؤْمِنِينَ بِعِيسى، لا ما تَقُولُونَهُ أنْتُمْ، يا مَن يَدَّعِي لَهُ الأُلُوهِيَّةَ. وقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ﴾ يُرِيدُونَ الإنْجِيلَ وآياتِ عِيسى. و"الرَسُولَ" عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ. وقَوْلُهُمْ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشاهِدِينَ﴾ عِبارَةٌ عَنِ الرَغْبَةِ في أنْ يَكُونُوا عِنْدَهُ في عِدادِ مَن (p-٢٣٦)شَهِدَ بِالحَقِّ مِن مُؤْمِنِي الأُمَمِ، ولَمّا كانَ البَشَرُ يُقَيِّدُ ما يَحْتاجُ إلى عِلْمِهِ وتَحْقِيقِهِ في ثانِي حالٍ بِالكِتابِ، عَبَّرُوا عن فِعْلِ اللهِ بِهِمْ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوْلُهم "مَعَ الشاهِدِينَ" مَعْناهُ: اجْعَلْنا مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في أنْ نَكُونَ مِمَّنْ يَشْهَدُ عَلى الناسِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن بَنِي إسْرائِيلَ الكافِرِينَ بِعِيسى، فَقالَ: "وَمَكَرُوا" يُرِيدُ تَحَيُّلَهم في أخْذِ عِيسى لِلْقَتْلِ بِزَعْمِهِمْ، ويُرْوى أنَّهم تَحَيَّلُوا لَهُ، وأذْكَوْا عَلَيْهِ العُيُونَ حَتّى دَخَلَ هو والحَوارِيُّونَ بَيْتًا فَأخَذُوهم فِيهِ، فَهَذا مَكْرُ بَنِي إسْرائِيلَ، وجازاهُمُ اللهُ تَعالى بِأنْ طَرَحَ شَبَهَ عِيسى عَلى أحَدِ الحَوارِيِّينَ ورَفَعَ عِيسى، وأعْقَبَ بَنِي إسْرائِيلَ مَذَلَّةً وهَوانًا في الدُنْيا والآخِرَةِ. فَهَذِهِ العُقُوبَةُ هي الَّتِي سَمّاها اللهُ مَكْرًا في قَوْلِهِ ﴿وَمَكَرَ اللهُ﴾ وذَلِكَ مَهْيَعٌ أنْ تُسَمّى العُقُوبَةُ بِاسْمِ الذَنْبِ وإنْ لَمْ تَكُنْ في مَعْناهُ؛ وعَلى هَذا فَسَّرَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ الآيَةَ، وعَلى أنَّ عِيسى قالَ لِلْحَوارِيِّينَ: مَن يَصْبِرُ فَيُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ ولَهُ الجَنَّةُ؟ فَقالَ أحَدُهُمْ: أنا، فَكانَ ذَلِكَ. ورَوى قَوْمٌ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ دَسَّتْ يَهُودِيًّا جاسُوسًا عَلى عِيسى حَتّى صَحِبَهُ ودَلَّهم عَلَيْهِ ودَخَلَ مَعَهُ البَيْتَ، فَلَمّا أُحِيطَ بِهِمْ ألْقى اللهُ شَبَهَ عِيسى عَلى ذَلِكَ الرَجُلِ اليَهُودِيِّ فَأُخِذَ وصُلِبَ. فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ﴾ وهَذِهِ أيْضًا تَسْمِيَةُ عُقُوبَةٍ بِاسْمِ الذَنْبِ. والمَكْرُ في اللُغَةِ: السَعْيُ عَلى الإنْسانِ دُونَ أنْ يَظْهَرَ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ أنْ يُبْطِنَ الماكِرُ ضِدَّ ما يُبْدِي. وقَوْلُهُ: ﴿واللهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ مَعْناهُ: في أنَّهُ فاعِلُ حَقٍّ في ذَلِكَ، والماكِرُ مِنَ البَشَرِ فاعِلُ باطِلٍ في الأغْلَبِ، لِأنَّهُ في الأباطِيلِ يُحْتاجُ إلى التَحَيُّلِ، واللهُ سُبْحانَهُ أشَدُّ بَطْشًا وأنْفَذُ إرادَةً، فَهو خَيْرٌ مِن جِهاتٍ لا تُحْصى، لا إلَهَ إلّا هو. وذِكْرُ حَصْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وعِدَةِ أصْحابِهِ بِهِ وأمْرِ الشَبَهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أمْرِهِ سَيَأْتِي في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.

آل عمران 3:54

(p-٢٣٣)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشاهِدِينَ﴾ ﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ واللهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ مَتْرُوكٌ، بِهِ يَتِمُّ اتِّساقُ الآياتِ، تَقْدِيرُهُ: فَجاءَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ كَما بَشَّرَ اللهُ بِهِ، فَقالَ جَمِيعَ ما ذَكَرَ لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴿فَلَمّا أحَسَّ﴾ ومَعْنى "أحَسَّ": عَلِمَ مِن جِهَةِ الحَواسِّ بِما سَمِعَ مِن أقْوالِهِمْ في تَكْذِيبِهِ، ورَأى مِن قَرائِنِ الأحْوالِ وشِدَّةِ العَداوَةِ والإعْراضِ؛ يُقالُ: أحْسَسْتُ بِالشَيْءِ وحَسَيْتُ بِهِ، أصْلُهُ: حَسَسْتُ فَأُبْدِلَتْ إحْدى السِينَيْنِ ياءً. و"الكُفْرَ" هو التَكْذِيبُ بِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ رَأى مِنهم إرادَةَ قَتْلِهِ، فَحِينَئِذٍ طَلَبَ النَصْرَ، والضَمِيرُ في "مِنهُمُ" لِبَنِي إسْرائِيلَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ مَن أنْصارِي إلى اللهِ﴾ عِبارَةٌ عن حالِ عِيسى في طَلَبِهِ مَن يَقُومُ بِالدِينِ ويُؤْمِنُ بِالشَرْعِ ويَحْمِيهِ، كَما كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلى القَبائِلِ ويَتَعَرَّضُ لِلْأحْياءِ في المَواسِمِ. وهَذِهِ الأفْعالُ كُلُّها وما فِيها مِن أقْوالٍ يُعَبَّرُ عنها. بِـ ﴿قالَ مَن أنْصارِي إلى اللهِ﴾. ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ كانَتْ في جُمْلَةِ أقْوالِهِ لِلنّاسِ. والأنْصارُ: جَمْعُ نَصِيرٍ، كَشَهِيدٍ وأشْهادٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقِيلَ: جَمْعُ ناصِرٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ. وقَوْلُهُ: "إلى اللهِ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما: مَن يَنْصُرُنِي في السَبِيلِ إلى اللهِ؟ فَتَكُونُ "إلى" دالَّةً عَلى الغايَةِ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى بابِها، والمَعْنى الثانِي: أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: مَن يُضِيفُ نُصْرَتَهُ إلى نُصْرَةِ اللهِ لِي؟ فَيَكُونَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] فَإذا تَأمَّلْتَها وجَدْتَ فِيها مَعْنى الغايَةِ لِأنَّها تَضَمَّنَتْ إضافَةَ شَيْءٍ إلى شَيْءٍ. (p-٢٣٤)وَقَدْ عَبَّرَ عنها ابْنُ جُرَيْجٍ والسُدِّيُّ بِأنَّها بِمَعْنى- "مَعَ"، ونَعَمْ إنَّ "مَعَ" تَسُدُّ في هَذِهِ المَعانِي مَسَدَّ "إلى" لَكِنْ لَيْسَ يُباحُ مِن هَذا أنْ يُقالَ إنَّ "إلى" بِمَعْنى "مَعَ"، حَتّى غَلِطَ في ذَلِكَ بَعْضُ الفُقَهاءِ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ [المائدة: ٦]. فَقالَ: "إلى" بِمَعْنى "مَعَ" وهَذِهِ عُجْمَةٌ، بَلْ "إلى" في هَذِهِ الآيَةِ غايَةٌ مُجَرَّدَةٌ، ويُنْظَرُ هَلْ يَدْخُلُ ما بَعْدَ "إلى" فِيما قَبْلَها مِن طَرِيقٍ آخَرٍ؟ و"الحَوارِيُّونَ" قَوْمٌ مَرَّ بِهِمْ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ فَدَعاهم إلى نَصْرِهِ واتِّباعِ مِلَّتِهِ، فَأجابُوهُ وقامُوا بِذَلِكَ خَيْرَ قِيامٍ، وصَبَرُوا في ذاتِ اللهِ. ورُوِيَ أنَّهُ مَرَّ بِهِمْ وهم يَصْطادُونَ السَمَكَ. واخْتَلَفَ الناسُ؛ لِمَ قِيلَ لَهُمُ الحَوارِيُّونَ؟ فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِبَياضِ ثِيابِهِمْ ونَقائِها، وقالَ أبُو أرْطَأةَ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا قَصّارِينَ يُحَوِّرُونَ الثِيابَ، أيْ يُبَيِّضُونَها، وقالَ قَتادَةُ، الحَوارِيُّونَ: أصْفِياءُ الأنْبِياءِ، الَّذِينَ تَصْلُحُ لَهُمُ الخِلافَةُ، وقالَ الضَحّاكُ نَحْوَهُ، وهَذا تَقْرِيرُ حالِ القَوْمِ ولَيْسَ بِتَفْسِيرِ اللَفْظَةِ؛ وعَلى هَذا الحَدِّ شَبَّهَ النَبِيُّ ﷺ ابْنَ عَمَّتِهِ بِهِمْ في قَوْلِهِ: « "وَحَوارِيِّ الزُبَيْرُ"» والأقْوالُ الأُولى هي تَفْسِيرُ اللَفْظِ، إذْ هي مِنَ الحَوَرِ، وهو البَياضُ، حَوَّرْتُ الثَوْبَ: بَيَّضْتُهُ، ومِنهُ الحَوارِيُّ. وقَدْ تُسَمِّي العَرَبُ النِساءَ الساكِناتِ في الأمْصارِ: الحَوارِيّاتِ، لِغَلَبَةِ البَياضِ عَلَيْهِنَّ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي جِلْدَةٍ اليَشْكُرِيِّ:(p-٢٣٥) ؎ فَقُلْ لِلْحَوارِيّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنا ∗∗∗ ولا تَبْكِنا إلّا الكِلابُ النَوابِحُ وذَكَرَ مَكِّيٌّ أنَّ مَرْيَمَ دَفَعَتْ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ في صِغَرِهِ في أعْمالٍ شَتّى، وكانَ آخِرَ ما دَفَعَتْهُ إلى الحَوارِيِّينَ، وهُمُ الَّذِينَ يُقَصِّرُونَ الثِيابَ ثُمَّ يَصْبِغُونَها، فَأراهم آياتٍ وصَبَغَ لَهم ألْوانًا شَتّى مِن ماءٍ واحِدٍ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الحَوارِيُّونَ" بِتَشْدِيدِ الياءِ، واحِدُهم "حَوارِيٌّ" ولَيْسَتْ بِياءِ نَسَبٍ وإنَّما هي كَياءِ كُرْسِيٍّ، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ وأبُو بَكْرٍ الثَقَفِيُّ: "الحَوارِيُونَ" مُخَفَّفَةَ الياءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: العَرَبُ تَعافُ ضَمَّةَ الياءِ الخَفِيفَةَ المَكْسُورِ ما قَبْلَها وتَمْتَنِعُ مِنها، ومَتى جاءَتْ في نَحْوِ قَوْلِهِمُ: العادِيُونَ والقاضِيُونَ والساعِيُونَ أعْلَتْ بِأنْ تَسْتَثْقِلَ الضَمَّةَ فَتُسَكِّنَ الياءَ وتَنْقُلَ حَرَكَتَها ثُمَّ تُحْذَفَ لِسُكُونِها وسُكُونِ الواوِ بَعْدَها، فَيَجِيءُ العادُونَ ونَحْوُهُ، فَكانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: الحَوارُونَ، لَكِنَّ وجْهَ القِراءَةِ عَلى ضَعْفِها أنَّ الياءَ خُفِّفَتِ اسْتِثْقالًا لِتَضْعِيفِها، وحَمَلَتِ الضَمَّةَ دَلالَةً عَلى أنَّ التَشْدِيدَ مُرادٌ، إذِ التَشْدِيدُ مُحْتَمِلٌ لِلضَّمَّةِ، وهَذا كَما ذَهَبَ أبُو الحَسَنِ في تَخْفِيفِ يَسْتَهْزِيُونَ، إلى أنْ أخْلَصَ الهَمْزَةَ ياءً البَتَّةَ، وحَمَّلَها الضَمَّةَ تَذَكُّرًا لِحالِ الهَمْزَةِ المُرادَةِ فِيها. وقَوْلُ الحَوارِيِّينَ: "واشْهَدْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، أيِ: اشْهَدْ لَنا عِنْدَ اللهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلَّهِ تَعالى كَما تَقُولُ: أنا أُشْهِدُ اللهَ عَلى كَذا، إذا عَزَمْتَ وبالَغْتَ في الِالتِزامِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في حَجَّةِ الوَداعِ: « "اللهُمَّ اشْهَدْ".» قالَ الطَبَرِيُّ: وفي هَذِهِ الآيَةِ تَوْبِيخٌ لِنَصارى نَجْرانَ، أيْ: هَذِهِ مَقالَةُ الأسْلافِ المُؤْمِنِينَ بِعِيسى، لا ما تَقُولُونَهُ أنْتُمْ، يا مَن يَدَّعِي لَهُ الأُلُوهِيَّةَ. وقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ﴾ يُرِيدُونَ الإنْجِيلَ وآياتِ عِيسى. و"الرَسُولَ" عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ. وقَوْلُهُمْ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشاهِدِينَ﴾ عِبارَةٌ عَنِ الرَغْبَةِ في أنْ يَكُونُوا عِنْدَهُ في عِدادِ مَن (p-٢٣٦)شَهِدَ بِالحَقِّ مِن مُؤْمِنِي الأُمَمِ، ولَمّا كانَ البَشَرُ يُقَيِّدُ ما يَحْتاجُ إلى عِلْمِهِ وتَحْقِيقِهِ في ثانِي حالٍ بِالكِتابِ، عَبَّرُوا عن فِعْلِ اللهِ بِهِمْ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوْلُهم "مَعَ الشاهِدِينَ" مَعْناهُ: اجْعَلْنا مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في أنْ نَكُونَ مِمَّنْ يَشْهَدُ عَلى الناسِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن بَنِي إسْرائِيلَ الكافِرِينَ بِعِيسى، فَقالَ: "وَمَكَرُوا" يُرِيدُ تَحَيُّلَهم في أخْذِ عِيسى لِلْقَتْلِ بِزَعْمِهِمْ، ويُرْوى أنَّهم تَحَيَّلُوا لَهُ، وأذْكَوْا عَلَيْهِ العُيُونَ حَتّى دَخَلَ هو والحَوارِيُّونَ بَيْتًا فَأخَذُوهم فِيهِ، فَهَذا مَكْرُ بَنِي إسْرائِيلَ، وجازاهُمُ اللهُ تَعالى بِأنْ طَرَحَ شَبَهَ عِيسى عَلى أحَدِ الحَوارِيِّينَ ورَفَعَ عِيسى، وأعْقَبَ بَنِي إسْرائِيلَ مَذَلَّةً وهَوانًا في الدُنْيا والآخِرَةِ. فَهَذِهِ العُقُوبَةُ هي الَّتِي سَمّاها اللهُ مَكْرًا في قَوْلِهِ ﴿وَمَكَرَ اللهُ﴾ وذَلِكَ مَهْيَعٌ أنْ تُسَمّى العُقُوبَةُ بِاسْمِ الذَنْبِ وإنْ لَمْ تَكُنْ في مَعْناهُ؛ وعَلى هَذا فَسَّرَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ الآيَةَ، وعَلى أنَّ عِيسى قالَ لِلْحَوارِيِّينَ: مَن يَصْبِرُ فَيُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ ولَهُ الجَنَّةُ؟ فَقالَ أحَدُهُمْ: أنا، فَكانَ ذَلِكَ. ورَوى قَوْمٌ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ دَسَّتْ يَهُودِيًّا جاسُوسًا عَلى عِيسى حَتّى صَحِبَهُ ودَلَّهم عَلَيْهِ ودَخَلَ مَعَهُ البَيْتَ، فَلَمّا أُحِيطَ بِهِمْ ألْقى اللهُ شَبَهَ عِيسى عَلى ذَلِكَ الرَجُلِ اليَهُودِيِّ فَأُخِذَ وصُلِبَ. فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ﴾ وهَذِهِ أيْضًا تَسْمِيَةُ عُقُوبَةٍ بِاسْمِ الذَنْبِ. والمَكْرُ في اللُغَةِ: السَعْيُ عَلى الإنْسانِ دُونَ أنْ يَظْهَرَ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ أنْ يُبْطِنَ الماكِرُ ضِدَّ ما يُبْدِي. وقَوْلُهُ: ﴿واللهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ مَعْناهُ: في أنَّهُ فاعِلُ حَقٍّ في ذَلِكَ، والماكِرُ مِنَ البَشَرِ فاعِلُ باطِلٍ في الأغْلَبِ، لِأنَّهُ في الأباطِيلِ يُحْتاجُ إلى التَحَيُّلِ، واللهُ سُبْحانَهُ أشَدُّ بَطْشًا وأنْفَذُ إرادَةً، فَهو خَيْرٌ مِن جِهاتٍ لا تُحْصى، لا إلَهَ إلّا هو. وذِكْرُ حَصْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وعِدَةِ أصْحابِهِ بِهِ وأمْرِ الشَبَهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أمْرِهِ سَيَأْتِي في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.

آل عمران 3:55

(p-٢٣٧)قوله عزّ وجلّ: ﴿إذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم واللهُ لا يُحِبُّ الظالِمِينَ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: العامِلُ في "إذْ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وقالَ غَيْرُهُ مِنَ النُحاةِ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، وهَذا هو الأصْوَبُ. وهَذا القَوْلُ هو بِواسِطَةِ المَلَكِ لِأنَّ عِيسى لَيْسَ بِمُكَلَّمٍ. و"عِيسى" اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّفٌ فَلِذَلِكَ لا يَنْصَرِفُ، وهو بِالسُرْيانِيَّةِ- إيسُوعُ- عَدَّلَتْهُ العَرَبُ إلى "عِيسى". واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذا التَوَفِّي؛ فَقالَ الرَبِيعُ: هي وفاةُ نَوْمٍ، رَفَعَهُ اللهُ في مَنامِهِ، وقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ ومَطَرٌ الوَرّاقُ ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: المَعْنى: أنِّي قابِضُكَ مِنَ الأرْضِ ومُحَصِّلُكَ في السَماءِ فَهو تَوَفِّي قَبْضٍ وتَحْصِيلٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي وفاةُ مَوْتٍ، مَعْناهُ: أنِّي مُمِيتُكَ، هَذا لَفْظُ ابْنِ عَبّاسٍ ولَمْ يُفَسِّرْ. فَقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: تَوَفّاهُ اللهُ بِالمَوْتِ ثَلاثَ ساعاتٍ ورَفَعَهُ فِيها، ثُمَّ أحْياهُ اللهُ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَهُ في السَماءِ وفي بَعْضِ الكُتُبِ: سَبْعَ ساعاتٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هي وفاةُ مَوْتٍ ولَكِنَّ المَعْنى: إنِّي مُتَوَفِّيكَ في آخِرِ أمْرِكَ عِنْدَ نُزُولِكَ وقَتْلِكَ الدَجّالَ، فَفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وقالَ مالِكٌ في جامِعِ العُتْبِيَّةِ: ماتَ عِيسى وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً. ووَقَعَ في كِتابِ مَكِّيٍّ عن قَوْمٍ: إنَّ مَعْنى "مُتَوَفِّيكَ" مُتَقَبِّلٌ عَمَلَكَ، وهَذا ضَعِيفٌ مِن جِهَةِ اللَفْظِ. وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ الحَدِيثُ المُتَواتِرُ مِن أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ في (p-٢٣٨)السَماءِ حَيٌّ، وأنَّهُ يَنْزِلُ في آخِرِ الزَمانِ فَيَقْتُلُ الخِنْزِيرَ ويَكْسِرُ الصَلِيبَ ويَقْتُلُ الدَجّالَ ويُفِيضُ العَدْلَ ويُظْهِرُ هَذِهِ المِلَّةَ، مِلَّةَ مُحَمَّدٍ، ويَحُجُّ البَيْتَ ويَعْتَمِرُ، ويَبْقى في الأرْضِ أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُمِيتُهُ اللهُ تَعالى. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي وفاةُ مَوْتٍ لا بُدَّ أنْ يَتِمَّ، إمّا عَلى قَوْلِ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، وإمّا عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرافِعُكَ إلَيَّ﴾ عِبارَةٌ عن نَقْلِهِ إلى عُلُوٍّ مِن سُفْلٍ، وقَوْلُهُ: "إلَيَّ" إضافَةُ تَشْرِيفٍ لِما كانَتْ سَماءَهُ والجِهَةَ المُكَرَّمَةَ المُعَظَّمَةَ المَرْجُوَّةَ، وإلّا فَمَعْلُومٌ أنَّ اللهَ تَعالى غَيْرُ مُتَحَيِّزٍ في جِهَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمُطَهِّرُكَ﴾ حَقِيقَةُ التَطْهِيرِ إنَّما هي مِن دَنَسٍ ونَحْوِهِ، واسْتُعْمِلَ ذَلِكَ في السَبِّ والدَعاوى والآثامِ وخِلْطَةِ الشِرارِ ومُعاشَرَتِهِمْ، تَشْبِيهًا لِذَلِكَ كُلِّهِ بِالأدْناسِ، فَطَهَّرَ اللهُ العَظِيمُ عِيسى مِن دَعاوى الكَفَرَةِ ومُعاشَرَتِهِمُ القَبِيحَةِ لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاعِلُ﴾ اسْمُ فاعِلٍ لِلِاسْتِقْبالِ، وحُذِفَ تَنْوِينُهُ تَخْفِيفًا، وهو مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ، لِأنَّهُ بِمَعْنى مُصَيِّرٌ، فَأحَدُهُما "الَّذِينَ"، والآخَرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ هُمُ النَصارى، والَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ اليَهُودُ، والآيَةُ مُخْبِرَةٌ عن إذْلالِ اليَهُودِ وعُقُوبَتِهِمْ بِأنَّ النَصارى فَوْقَهم في جَمِيعِ أقْطارِ الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. فَخَصَّصَ ابْنُ زَيْدٍ المُتَّبِعِينَ والكافِرِينَ وجَعَلَهُ حُكْمًا دُنْيَوِيًّا لا فَضِيلَةَ فِيهِ لِلْمُتَّبِعِينَ الكُفّارِ مِنهم بَلْ كَوْنُهم فَوْقَ اليَهُودِ عُقُوبَةٌ لِلْيَهُودِ فَقَطْ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ بِعُمُومِ اللَفْظِ في المُتَّبِعِينَ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّها مُتَّبِعَةٌ لِعِيسى، نَصَّ عَلى ذَلِكَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، وكَذَلِكَ قالُوا بِعُمُومِ اللَفْظِ في الكافِرِينَ. فَمُقْتَضى الآيَةِ إعْلامُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ أهْلَ الإيمانِ بِهِ كَما يَجِبُ هم فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ وبِالعِزَّةِ والغَلَبَةِ، ويَظْهَرُ مِن قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ وغَيْرِهِ أنَّ المُرادَ المُتَّبِعُونَ لَهُ في وقْتِ اسْتِنْصارِهِ وهُمُ الحَوارِيُّونَ، جَعَلَهُمُ اللهُ فَوْقَ الكافِرِينَ لِأنَّهُ شَرَّفَهم وأبْقى لَهم في (p-٢٣٩)الصالِحِينَ ذِكْرًا، فَهم فَوْقَهم بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ، وما ظَهَرَ عَلَيْهِمْ مِن أماراتِ رِضْوانِ اللهِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ الخِطابُ لِعِيسى، والمُرادُ الإخْبارُ بِالقِيامَةِ والحَشْرِ، فَلِذَلِكَ جاءَ اللَفْظُ عامًّا مِن حَيْثُ الأمْرُ في نَفْسِهِ لا يَخُصُّ عِيسى وحْدَهُ فَكَأنَّهُ قالَ لَهُ: ثُمَّ إلَيَّ - أيْ إلى حُكْمِي وعَدْلِي - يَرْجِعُ الناسُ، فَخاطَبَهُ كَما تُخاطَبُ الجَماعَةُ إذْ هو أحَدُها، وإذْ هي مُرادَةٌ في المَعْنى، وفي قَوْلِهِ تَعالى: "فَأحْكُمُ".. إلى آخِرِ الآيَةِ، وعْدٌ لِعِيسى والمُؤْمِنِينَ ووَعِيدٌ لِلْكافِرِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةُ، إخْبارٌ بِما يُجْعَلُ عَلَيْهِ حالُهم مِن أوَّلِ أمْرِهِمْ، ولَيْسَ بِإخْبارٍ عَمّا يُفْعَلُ بَعْدَ يَوْمِ القِيامَةِ، لِأنَّهُ قَدْ ذَكَرَ الدُنْيا وهي قَبْلُ. وإنَّما المَعْنى: فَأمّا الكافِرُونَ فالصُنْعُ بِهِمْ أنَّهم يُعَذَّبُونَ عَذابًا شَدِيدًا في الدُنْيا بِالأسْرِ والقَتْلِ والجِزْيَةِ والذُلِّ، ومَن لَمْ يَنَلْهُ مِنهم فَهو تَحْتَ خَوْفِهِ إذْ يَعْلَمُ أنَّ شَرْعَ الإسْلامِ طالِبٌ لَهُ بِذَلِكَ، وقَدْ أبْرَزَ الوُجُودُ هَذا. وفي الآخِرَةِ مَعْناهُ: بِعَذابِ النارِ، ثُمَّ ذَكَرَ قِسْمَ الإيمانِ وقَرَنَ بِهِ الأعْمالَ الصالِحاتِ تَنْبِيهًا عَلى دَرَجَةِ الكَمالِ ودُعاءً إلَيْها. وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ "فَيُوَفِّيهِمْ" بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، والفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ الباقُونَ وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ "فَنُوَفِّيهِمْ" بِالنُونِ، وهي نُونُ العَظَمَةِ. وتَوْفِيَةُ الأُجُورِ هي قَسْمُ المَنازِلِ في الجَنَّةِ فَذَلِكَ هو بِحَسَبِ الأعْمالِ، وأمّا نَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ فَبِرَحْمَةِ اللهِ وبِفَضْلِهِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿واللهُ لا يُحِبُّ الظالِمِينَ﴾ في قَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنْ اللهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢].

آل عمران 3:56

(p-٢٣٧)قوله عزّ وجلّ: ﴿إذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم واللهُ لا يُحِبُّ الظالِمِينَ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: العامِلُ في "إذْ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وقالَ غَيْرُهُ مِنَ النُحاةِ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، وهَذا هو الأصْوَبُ. وهَذا القَوْلُ هو بِواسِطَةِ المَلَكِ لِأنَّ عِيسى لَيْسَ بِمُكَلَّمٍ. و"عِيسى" اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّفٌ فَلِذَلِكَ لا يَنْصَرِفُ، وهو بِالسُرْيانِيَّةِ- إيسُوعُ- عَدَّلَتْهُ العَرَبُ إلى "عِيسى". واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذا التَوَفِّي؛ فَقالَ الرَبِيعُ: هي وفاةُ نَوْمٍ، رَفَعَهُ اللهُ في مَنامِهِ، وقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ ومَطَرٌ الوَرّاقُ ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: المَعْنى: أنِّي قابِضُكَ مِنَ الأرْضِ ومُحَصِّلُكَ في السَماءِ فَهو تَوَفِّي قَبْضٍ وتَحْصِيلٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي وفاةُ مَوْتٍ، مَعْناهُ: أنِّي مُمِيتُكَ، هَذا لَفْظُ ابْنِ عَبّاسٍ ولَمْ يُفَسِّرْ. فَقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: تَوَفّاهُ اللهُ بِالمَوْتِ ثَلاثَ ساعاتٍ ورَفَعَهُ فِيها، ثُمَّ أحْياهُ اللهُ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَهُ في السَماءِ وفي بَعْضِ الكُتُبِ: سَبْعَ ساعاتٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هي وفاةُ مَوْتٍ ولَكِنَّ المَعْنى: إنِّي مُتَوَفِّيكَ في آخِرِ أمْرِكَ عِنْدَ نُزُولِكَ وقَتْلِكَ الدَجّالَ، فَفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وقالَ مالِكٌ في جامِعِ العُتْبِيَّةِ: ماتَ عِيسى وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً. ووَقَعَ في كِتابِ مَكِّيٍّ عن قَوْمٍ: إنَّ مَعْنى "مُتَوَفِّيكَ" مُتَقَبِّلٌ عَمَلَكَ، وهَذا ضَعِيفٌ مِن جِهَةِ اللَفْظِ. وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ الحَدِيثُ المُتَواتِرُ مِن أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ في (p-٢٣٨)السَماءِ حَيٌّ، وأنَّهُ يَنْزِلُ في آخِرِ الزَمانِ فَيَقْتُلُ الخِنْزِيرَ ويَكْسِرُ الصَلِيبَ ويَقْتُلُ الدَجّالَ ويُفِيضُ العَدْلَ ويُظْهِرُ هَذِهِ المِلَّةَ، مِلَّةَ مُحَمَّدٍ، ويَحُجُّ البَيْتَ ويَعْتَمِرُ، ويَبْقى في الأرْضِ أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُمِيتُهُ اللهُ تَعالى. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي وفاةُ مَوْتٍ لا بُدَّ أنْ يَتِمَّ، إمّا عَلى قَوْلِ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، وإمّا عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرافِعُكَ إلَيَّ﴾ عِبارَةٌ عن نَقْلِهِ إلى عُلُوٍّ مِن سُفْلٍ، وقَوْلُهُ: "إلَيَّ" إضافَةُ تَشْرِيفٍ لِما كانَتْ سَماءَهُ والجِهَةَ المُكَرَّمَةَ المُعَظَّمَةَ المَرْجُوَّةَ، وإلّا فَمَعْلُومٌ أنَّ اللهَ تَعالى غَيْرُ مُتَحَيِّزٍ في جِهَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمُطَهِّرُكَ﴾ حَقِيقَةُ التَطْهِيرِ إنَّما هي مِن دَنَسٍ ونَحْوِهِ، واسْتُعْمِلَ ذَلِكَ في السَبِّ والدَعاوى والآثامِ وخِلْطَةِ الشِرارِ ومُعاشَرَتِهِمْ، تَشْبِيهًا لِذَلِكَ كُلِّهِ بِالأدْناسِ، فَطَهَّرَ اللهُ العَظِيمُ عِيسى مِن دَعاوى الكَفَرَةِ ومُعاشَرَتِهِمُ القَبِيحَةِ لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاعِلُ﴾ اسْمُ فاعِلٍ لِلِاسْتِقْبالِ، وحُذِفَ تَنْوِينُهُ تَخْفِيفًا، وهو مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ، لِأنَّهُ بِمَعْنى مُصَيِّرٌ، فَأحَدُهُما "الَّذِينَ"، والآخَرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ هُمُ النَصارى، والَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ اليَهُودُ، والآيَةُ مُخْبِرَةٌ عن إذْلالِ اليَهُودِ وعُقُوبَتِهِمْ بِأنَّ النَصارى فَوْقَهم في جَمِيعِ أقْطارِ الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. فَخَصَّصَ ابْنُ زَيْدٍ المُتَّبِعِينَ والكافِرِينَ وجَعَلَهُ حُكْمًا دُنْيَوِيًّا لا فَضِيلَةَ فِيهِ لِلْمُتَّبِعِينَ الكُفّارِ مِنهم بَلْ كَوْنُهم فَوْقَ اليَهُودِ عُقُوبَةٌ لِلْيَهُودِ فَقَطْ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ بِعُمُومِ اللَفْظِ في المُتَّبِعِينَ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّها مُتَّبِعَةٌ لِعِيسى، نَصَّ عَلى ذَلِكَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، وكَذَلِكَ قالُوا بِعُمُومِ اللَفْظِ في الكافِرِينَ. فَمُقْتَضى الآيَةِ إعْلامُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ أهْلَ الإيمانِ بِهِ كَما يَجِبُ هم فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ وبِالعِزَّةِ والغَلَبَةِ، ويَظْهَرُ مِن قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ وغَيْرِهِ أنَّ المُرادَ المُتَّبِعُونَ لَهُ في وقْتِ اسْتِنْصارِهِ وهُمُ الحَوارِيُّونَ، جَعَلَهُمُ اللهُ فَوْقَ الكافِرِينَ لِأنَّهُ شَرَّفَهم وأبْقى لَهم في (p-٢٣٩)الصالِحِينَ ذِكْرًا، فَهم فَوْقَهم بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ، وما ظَهَرَ عَلَيْهِمْ مِن أماراتِ رِضْوانِ اللهِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ الخِطابُ لِعِيسى، والمُرادُ الإخْبارُ بِالقِيامَةِ والحَشْرِ، فَلِذَلِكَ جاءَ اللَفْظُ عامًّا مِن حَيْثُ الأمْرُ في نَفْسِهِ لا يَخُصُّ عِيسى وحْدَهُ فَكَأنَّهُ قالَ لَهُ: ثُمَّ إلَيَّ - أيْ إلى حُكْمِي وعَدْلِي - يَرْجِعُ الناسُ، فَخاطَبَهُ كَما تُخاطَبُ الجَماعَةُ إذْ هو أحَدُها، وإذْ هي مُرادَةٌ في المَعْنى، وفي قَوْلِهِ تَعالى: "فَأحْكُمُ".. إلى آخِرِ الآيَةِ، وعْدٌ لِعِيسى والمُؤْمِنِينَ ووَعِيدٌ لِلْكافِرِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةُ، إخْبارٌ بِما يُجْعَلُ عَلَيْهِ حالُهم مِن أوَّلِ أمْرِهِمْ، ولَيْسَ بِإخْبارٍ عَمّا يُفْعَلُ بَعْدَ يَوْمِ القِيامَةِ، لِأنَّهُ قَدْ ذَكَرَ الدُنْيا وهي قَبْلُ. وإنَّما المَعْنى: فَأمّا الكافِرُونَ فالصُنْعُ بِهِمْ أنَّهم يُعَذَّبُونَ عَذابًا شَدِيدًا في الدُنْيا بِالأسْرِ والقَتْلِ والجِزْيَةِ والذُلِّ، ومَن لَمْ يَنَلْهُ مِنهم فَهو تَحْتَ خَوْفِهِ إذْ يَعْلَمُ أنَّ شَرْعَ الإسْلامِ طالِبٌ لَهُ بِذَلِكَ، وقَدْ أبْرَزَ الوُجُودُ هَذا. وفي الآخِرَةِ مَعْناهُ: بِعَذابِ النارِ، ثُمَّ ذَكَرَ قِسْمَ الإيمانِ وقَرَنَ بِهِ الأعْمالَ الصالِحاتِ تَنْبِيهًا عَلى دَرَجَةِ الكَمالِ ودُعاءً إلَيْها. وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ "فَيُوَفِّيهِمْ" بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، والفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ الباقُونَ وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ "فَنُوَفِّيهِمْ" بِالنُونِ، وهي نُونُ العَظَمَةِ. وتَوْفِيَةُ الأُجُورِ هي قَسْمُ المَنازِلِ في الجَنَّةِ فَذَلِكَ هو بِحَسَبِ الأعْمالِ، وأمّا نَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ فَبِرَحْمَةِ اللهِ وبِفَضْلِهِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿واللهُ لا يُحِبُّ الظالِمِينَ﴾ في قَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنْ اللهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢].

آل عمران 3:57

(p-٢٣٧)قوله عزّ وجلّ: ﴿إذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم واللهُ لا يُحِبُّ الظالِمِينَ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: العامِلُ في "إذْ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وقالَ غَيْرُهُ مِنَ النُحاةِ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، وهَذا هو الأصْوَبُ. وهَذا القَوْلُ هو بِواسِطَةِ المَلَكِ لِأنَّ عِيسى لَيْسَ بِمُكَلَّمٍ. و"عِيسى" اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّفٌ فَلِذَلِكَ لا يَنْصَرِفُ، وهو بِالسُرْيانِيَّةِ- إيسُوعُ- عَدَّلَتْهُ العَرَبُ إلى "عِيسى". واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذا التَوَفِّي؛ فَقالَ الرَبِيعُ: هي وفاةُ نَوْمٍ، رَفَعَهُ اللهُ في مَنامِهِ، وقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ ومَطَرٌ الوَرّاقُ ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: المَعْنى: أنِّي قابِضُكَ مِنَ الأرْضِ ومُحَصِّلُكَ في السَماءِ فَهو تَوَفِّي قَبْضٍ وتَحْصِيلٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي وفاةُ مَوْتٍ، مَعْناهُ: أنِّي مُمِيتُكَ، هَذا لَفْظُ ابْنِ عَبّاسٍ ولَمْ يُفَسِّرْ. فَقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: تَوَفّاهُ اللهُ بِالمَوْتِ ثَلاثَ ساعاتٍ ورَفَعَهُ فِيها، ثُمَّ أحْياهُ اللهُ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَهُ في السَماءِ وفي بَعْضِ الكُتُبِ: سَبْعَ ساعاتٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هي وفاةُ مَوْتٍ ولَكِنَّ المَعْنى: إنِّي مُتَوَفِّيكَ في آخِرِ أمْرِكَ عِنْدَ نُزُولِكَ وقَتْلِكَ الدَجّالَ، فَفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وقالَ مالِكٌ في جامِعِ العُتْبِيَّةِ: ماتَ عِيسى وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً. ووَقَعَ في كِتابِ مَكِّيٍّ عن قَوْمٍ: إنَّ مَعْنى "مُتَوَفِّيكَ" مُتَقَبِّلٌ عَمَلَكَ، وهَذا ضَعِيفٌ مِن جِهَةِ اللَفْظِ. وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ الحَدِيثُ المُتَواتِرُ مِن أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ في (p-٢٣٨)السَماءِ حَيٌّ، وأنَّهُ يَنْزِلُ في آخِرِ الزَمانِ فَيَقْتُلُ الخِنْزِيرَ ويَكْسِرُ الصَلِيبَ ويَقْتُلُ الدَجّالَ ويُفِيضُ العَدْلَ ويُظْهِرُ هَذِهِ المِلَّةَ، مِلَّةَ مُحَمَّدٍ، ويَحُجُّ البَيْتَ ويَعْتَمِرُ، ويَبْقى في الأرْضِ أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُمِيتُهُ اللهُ تَعالى. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي وفاةُ مَوْتٍ لا بُدَّ أنْ يَتِمَّ، إمّا عَلى قَوْلِ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، وإمّا عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرافِعُكَ إلَيَّ﴾ عِبارَةٌ عن نَقْلِهِ إلى عُلُوٍّ مِن سُفْلٍ، وقَوْلُهُ: "إلَيَّ" إضافَةُ تَشْرِيفٍ لِما كانَتْ سَماءَهُ والجِهَةَ المُكَرَّمَةَ المُعَظَّمَةَ المَرْجُوَّةَ، وإلّا فَمَعْلُومٌ أنَّ اللهَ تَعالى غَيْرُ مُتَحَيِّزٍ في جِهَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمُطَهِّرُكَ﴾ حَقِيقَةُ التَطْهِيرِ إنَّما هي مِن دَنَسٍ ونَحْوِهِ، واسْتُعْمِلَ ذَلِكَ في السَبِّ والدَعاوى والآثامِ وخِلْطَةِ الشِرارِ ومُعاشَرَتِهِمْ، تَشْبِيهًا لِذَلِكَ كُلِّهِ بِالأدْناسِ، فَطَهَّرَ اللهُ العَظِيمُ عِيسى مِن دَعاوى الكَفَرَةِ ومُعاشَرَتِهِمُ القَبِيحَةِ لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاعِلُ﴾ اسْمُ فاعِلٍ لِلِاسْتِقْبالِ، وحُذِفَ تَنْوِينُهُ تَخْفِيفًا، وهو مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ، لِأنَّهُ بِمَعْنى مُصَيِّرٌ، فَأحَدُهُما "الَّذِينَ"، والآخَرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ هُمُ النَصارى، والَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ اليَهُودُ، والآيَةُ مُخْبِرَةٌ عن إذْلالِ اليَهُودِ وعُقُوبَتِهِمْ بِأنَّ النَصارى فَوْقَهم في جَمِيعِ أقْطارِ الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. فَخَصَّصَ ابْنُ زَيْدٍ المُتَّبِعِينَ والكافِرِينَ وجَعَلَهُ حُكْمًا دُنْيَوِيًّا لا فَضِيلَةَ فِيهِ لِلْمُتَّبِعِينَ الكُفّارِ مِنهم بَلْ كَوْنُهم فَوْقَ اليَهُودِ عُقُوبَةٌ لِلْيَهُودِ فَقَطْ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ بِعُمُومِ اللَفْظِ في المُتَّبِعِينَ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّها مُتَّبِعَةٌ لِعِيسى، نَصَّ عَلى ذَلِكَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، وكَذَلِكَ قالُوا بِعُمُومِ اللَفْظِ في الكافِرِينَ. فَمُقْتَضى الآيَةِ إعْلامُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ أهْلَ الإيمانِ بِهِ كَما يَجِبُ هم فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ وبِالعِزَّةِ والغَلَبَةِ، ويَظْهَرُ مِن قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ وغَيْرِهِ أنَّ المُرادَ المُتَّبِعُونَ لَهُ في وقْتِ اسْتِنْصارِهِ وهُمُ الحَوارِيُّونَ، جَعَلَهُمُ اللهُ فَوْقَ الكافِرِينَ لِأنَّهُ شَرَّفَهم وأبْقى لَهم في (p-٢٣٩)الصالِحِينَ ذِكْرًا، فَهم فَوْقَهم بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ، وما ظَهَرَ عَلَيْهِمْ مِن أماراتِ رِضْوانِ اللهِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ الخِطابُ لِعِيسى، والمُرادُ الإخْبارُ بِالقِيامَةِ والحَشْرِ، فَلِذَلِكَ جاءَ اللَفْظُ عامًّا مِن حَيْثُ الأمْرُ في نَفْسِهِ لا يَخُصُّ عِيسى وحْدَهُ فَكَأنَّهُ قالَ لَهُ: ثُمَّ إلَيَّ - أيْ إلى حُكْمِي وعَدْلِي - يَرْجِعُ الناسُ، فَخاطَبَهُ كَما تُخاطَبُ الجَماعَةُ إذْ هو أحَدُها، وإذْ هي مُرادَةٌ في المَعْنى، وفي قَوْلِهِ تَعالى: "فَأحْكُمُ".. إلى آخِرِ الآيَةِ، وعْدٌ لِعِيسى والمُؤْمِنِينَ ووَعِيدٌ لِلْكافِرِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةُ، إخْبارٌ بِما يُجْعَلُ عَلَيْهِ حالُهم مِن أوَّلِ أمْرِهِمْ، ولَيْسَ بِإخْبارٍ عَمّا يُفْعَلُ بَعْدَ يَوْمِ القِيامَةِ، لِأنَّهُ قَدْ ذَكَرَ الدُنْيا وهي قَبْلُ. وإنَّما المَعْنى: فَأمّا الكافِرُونَ فالصُنْعُ بِهِمْ أنَّهم يُعَذَّبُونَ عَذابًا شَدِيدًا في الدُنْيا بِالأسْرِ والقَتْلِ والجِزْيَةِ والذُلِّ، ومَن لَمْ يَنَلْهُ مِنهم فَهو تَحْتَ خَوْفِهِ إذْ يَعْلَمُ أنَّ شَرْعَ الإسْلامِ طالِبٌ لَهُ بِذَلِكَ، وقَدْ أبْرَزَ الوُجُودُ هَذا. وفي الآخِرَةِ مَعْناهُ: بِعَذابِ النارِ، ثُمَّ ذَكَرَ قِسْمَ الإيمانِ وقَرَنَ بِهِ الأعْمالَ الصالِحاتِ تَنْبِيهًا عَلى دَرَجَةِ الكَمالِ ودُعاءً إلَيْها. وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ "فَيُوَفِّيهِمْ" بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، والفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ الباقُونَ وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ "فَنُوَفِّيهِمْ" بِالنُونِ، وهي نُونُ العَظَمَةِ. وتَوْفِيَةُ الأُجُورِ هي قَسْمُ المَنازِلِ في الجَنَّةِ فَذَلِكَ هو بِحَسَبِ الأعْمالِ، وأمّا نَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ فَبِرَحْمَةِ اللهِ وبِفَضْلِهِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿واللهُ لا يُحِبُّ الظالِمِينَ﴾ في قَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنْ اللهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢].

آل عمران 3:58

قوله عزّ وجلّ: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ والذِكْرِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِن المُمْتَرِينَ﴾ ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكم ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ "ذَلِكَ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ والإشارَةُ بِهِ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأنْباءِ. و﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ خَبَرُ ابْتِداءٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الآياتِ﴾ لِبَيانِ الجِنْسِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ: ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ حالًا، ويَكُونَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الآياتِ﴾، وعَلى قَوْلِ (p-٢٤٠)الكُوفِيِّينَ يَكُونُ قَوْلُهُ "نَتْلُوهُ" صِلَةً لِذَلِكَ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ في بَيْتِ ابْنِ مُفَرِّغٍ الحِمْيَرِيِّ: ؎ ................ وهَذا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ ويَكُونُ الخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الآياتِ﴾. وقَوْلُ البَصْرِيِّينَ في البَيْتِ: أنَّ "تَحْمِلِينَ" حالٌ، التَقْدِيرُ: وهَذا مَحْمُولًا. و"نَتْلُوهُ" مَعْناهُ: نَسْرُدُهُ، و﴿مِنَ الآياتِ﴾ ظاهِرُهُ آياتُ القُرْآنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الآياتِ﴾ مِنَ المُعْجِزاتِ والمُسْتَغْرَباتِ أنْ تَأْتِيَهم بِهَذِهِ الغُيُوبِ مِن قِبَلِنا، وبِسَبَبِ تِلاوَتِنا وأنْتَ أُمِّيٌّ لا تَقْرَأُ. ولَسْتَ مِمَّنْ صَحِبَ أهْلَ الكِتابِ. فالمَعْنى: أنَّها آياتٌ لِنُبُوَّتِكَ. وهَذا الِاحْتِمالُ إنَّما يَتَمَكَّنُ مَعَ كَوْنِ "نَتْلُوهُ" حالًا. و"الذِكْرِ" ما يَنْزِلُ مِن عِنْدِ اللهِ، "الحَكِيمِ" يَجُوزُ أنْ يُتَأوَّلَ بِمَعْنى المُحْكَمِ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٌ، ويَصِحُّ أنْ يُتَأوَّلَ بِمَعْنى مُصَرِّحٍ بِالحِكْمَةِ، فَيَكُونَ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الذِكْرِ": القُرْآنُ، و"الحَكِيمِ": الَّذِي قَدْ كَمُلَ في حِكْمَتِهِ. وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُمْ، قالُوا: سَبَبُ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ﴾.... الآيَةِ «أنَّ وفْدَ نَصارى نَجْرانَ جادَلُوا النَبِيَّ ﷺ في أمْرِ عِيسى، وقالُوا: بَلَغَنا أنَّكَ تَشْتُمُ صاحِبَنا وتَقُولُ: هو عَبْدٌ، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: وما يَضُرُّ ذَلِكَ عِيسى، أجَلْ هو عَبْدُ اللهِ، وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ، فَقالُوا: فَهَلْ رَأيْتَ بَشَرًا قَطُّ جاءَ مِن غَيْرِ فَحْلٍ أو سَمِعْتَ بِهِ؟ وخَرَجُوا مِن عِنْدِ النَبِيِّ فَأنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ﴾ عَبَّرَ عنهُ بَعْضُ الناسِ، بِأنَّهُ صِفَةُ عِيسى، وقَرَنُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥] قالُوا: مَعْناهُ: صِفَةُ الجَنَّةِ. وهَذا عِنْدِي ضَعْفٌ في (p-٢٤١)فَهْمِ مَعْنى الكَلامِ، وإنَّما المَعْنى: أنَّ المَثَلَ الَّذِي تَتَصَوَّرُهُ النُفُوسُ والعُقُولُ مِن عِيسى؛ هو كالمُتَصَوَّرِ مِن آدَمَ، إذِ الناسُ كُلُّهم مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَهُ مِن تُرابٍ مِن غَيْرِ فَحْلٍ، وكَذَلِكَ مَثَلُ الجَنَّةِ عِبارَةٌ عَنِ المُتَصَوَّرِ مِنها، وفي هَذِهِ الآيَةِ صِحَّةُ القِياسِ، أيْ: إذا تُصُوِّرَ أمْرُ آدَمَ؛ قِيسَ عَلَيْهِ جَوازُ أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ. والكافُ في قَوْلِهِ: "كَمَثَلِ" اسْمٌ عَلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ المَعْنى، وقَوْلُهُ: "عِنْدَ اللهِ" عِبارَةٌ عَنِ الحَقِّ في نَفْسِهِ، أيْ: هَكَذا هو الأمْرُ فِيما غابَ عنكم. وقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ تَفْسِيرٌ لِمَثَلِ آدَمَ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُتَصَوَّرَ، والمَثَلُ والمِثالُ بِمَعْنىً واحِدٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "خَلَقَهُ" صِلَةً لِآدَمَ ولا حالًا مِنهُ، قالَ الزَجّاجُ: إذِ الماضِي لا يَكُونُ حالًا أنْتَ فِيها، بَلْ هو كَلامٌ مَقْطُوعٌ مِنهُ، مُضَمَّنُهُ تَفْسِيرُ المَثَلِ. وقوله عزّ وجلّ: "ثُمَّ قالَ" تَرْتِيبٌ لِلْأخْبارِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، المَعْنى: خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ كانَ مِن أمْرِهِ في الأزَلِ أنْ قالَ لَهُ: كُنْ وقْتَ كَذا، وعَلى مَذْهَبِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في أنَّ القَوْلَ مَجازِيٌّ، مِثْلُ "وَقالَ قَطْنِي" وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ عِبارَةٌ عَنِ التَكْوِينِ، فَـ "ثُمَّ" عَلى بابِها في تَرْتِيبِ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: "فَيَكُونُ" بِالرَفْعِ عَلى مَعْنى: فَهو يَكُونُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "فَيَكُونَ" بِالنَصْبِ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةُ الوَجْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُها آنِفًا في مُخاطَبَةِ مَرْيَمَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ قَوْلُهُ: "مِن رَبِّكَ"، أوِ الحَقُّ ذَلِكَ، أو ما قُلْنا لَكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ، تَقْدِيرُهُ هَذا الحَقُّ. و"المُمْتَرِينَ" هُمُ الشاكُّونَ، والمِرْيَةُ: الشَكُّ. ونُهِيَ النَبِيُّ ﷺ في عِبارَةٍ اقْتَضَتْ ذَمَّ المُمْتَرِينَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالِامْتِراءِ غَيْرُهُ، ولَوْ قِيلَ: فَلا تَكُنْ مُمْتَرِيًا لَكانَتْ هَذِهِ الدَلالَةُ أقَلَّ، ولَوْ قِيلَ: فَلا تَمْتَرِ لَكانَتْ أقَلَّ ونَهْيُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ عَنِ الامْتِراءِ مَعَ بُعْدِهِ عنهُ عَلى جِهَةِ التَثْبِيتِ والدَوامِ عَلى حالِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ﴾ مَعْناهُ: جادَلَكَ ونازَعَكَ الحُجَّةَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِيهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى عِيسى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الحَقِّ. و"العِلْمِ" الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِالمَجِيءِ هو ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ مِن أمْرِ عِيسى. (p-٢٤٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: "فَقُلْ تَعالَوْا"... الآيَةُ، اسْتِدْعاءُ المُباهَلَةِ، و"تَعالَوْا" تَفاعَلُوا مِنَ العُلُوِّ، وهي كَلِمَةٌ قُصِدَ بِها أوَّلًا تَحْسِينُ الأدَبِ مَعَ المَدْعُوِّ ثُمَّ اطَّرَدَتْ حَتّى يَقُولَها الإنْسانُ لِعَدُوِّهِ ولِلْبَهِيمَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ. و"نَبْتَهِلْ" مَعْناهُ: نَلْتَعِنْ، ويُقالُ عَلَيْهِمْ بَهْلَةُ اللهِ بِمَعْنى اللَعْنَةِ، والِابْتِهالُ: الجِدُّ في الدُعاءِ بِالبَهْلَةِ. ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ مُحاجَّةِ نَصارى نَجْرانَ في عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وقَوْلِهِمْ: هو اللهُ، وكانُوا يُكْثِرُونَ الجِدالَ، وقَدْ رَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ بْنِ جُزْءٍ السِوائِيُّ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ قالَ: « "لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَ أهْلِ نَجْرانَ حِجابًا فَلا أراهم ولا يَرَوْنِي"» لِشِدَّةِ ما كانُوا يُمارُونَ، فَلَمّا قَرَأ النَبِيُّ ﷺ الآيَةَ دَعاهم إلى ذَلِكَ. فَرَوى الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ «أنَّهم وعَدُوهُ بِالغَدِ أنْ يُلاعِنُوهُ، فانْطَلَقُوا إلى السَيِّدِ والعاقِبِ فَتابَعاهم عَلى أنْ يُلاعِنُوا، فانْطَلَقُوا إلى رَجُلٍ آخَرَ مِنهم عاقِلٍ فَذَكَرُوا لَهُ ما صَنَعُوا فَذَمَّهم وقالَ لَهُمْ: إنْ كانَ نَبِيًّا ثُمَّ دَعا عَلَيْكم هَلَكْتُمْ، وإنْ كانَ مَلِكًا فَظَهَرَ لَمْ يُبْقِ عَلَيْكُمْ، قالُوا: فَكَيْفَ نَصْنَعُ وقَدْ واعَدْناهُ؟ قالَ: إذا غَدَوْتُمْ فَدَعاكم إلى ذَلِكَ فاسْتَعِيذُوا بِاللهِ مِن ذَلِكَ، فَعَسى أنْ يُعْفِيَكُمْ؛ فَلَمّا كانَ الغَدُ غَدا رَسُولُ اللهِ ﷺ مُحْتَضِنًا حُسَيْنًا آخِذًا بِيَدِ الحَسَنِ، وفاطِمَةُ تَمْشِي خَلْفَهُ، فَدَعاهم إلى المِيعادِ، فَقالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ، فَأعادَ فَأعادُوا التَعَوُّذَ، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: فَإنْ أبَيْتُمْ فَأسْلِمُوا، فَإنْ أبَيْتُمْ فَأعْطُوا الجِزْيَةَ عن يَدٍ وأنْتُمْ صاغِرُونَ، فَإنْ أبَيْتُمْ فَإنِّي أنْبِذُ إلَيْكم عَلى سَواءٍ، قالُوا: لا طاقَةَ لَنا بِحَرْبِ العَرَبِ، ولَكِنّا نُؤَدِّي الجِزْيَةَ قالَ: فَجَعَلَ عَلَيْهِمْ كُلَّ سَنَةٍ ألْفَيْ حُلَّةٍ "ألْفًا في رَجَبَ وألْفًا في صَفَرَ"، وطَلَبُوا مِنهُ رَجُلًا أمِينًا يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ، فَبَعَثَ مَعَهم أبا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرّاحِ وقالَ عَلَيْهِ السَلامُ: "لَقَدْ أتانِي البَشِيرُ بِهَلَكَةِ أهْلِ نَجْرانَ لَوْ تَمُّوا عَلى المُلاعَنَةِ"» (p-٢٤٣)، ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ وغَيْرُهُ: «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا دَعاهم قالُوا: دَعْنا نَنْظُرْ في أمْرِنا ثُمَّ نَأْتِيكَ بِما نَفْعَلُ، فَذَهَبُوا إلى العاقِبِ وهو ذُو رَأْيِهِمْ فَقالُوا: يا عَبْدَ المَسِيحِ ما تَرى؟ فَقالَ: يا مَعْشَرَ النَصارى، واللهِ لَقَدْ عَرَفْتُمْ أنَّ مُحَمَّدًا لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ ولَقَدْ جاءَكم بِالفَصْلِ مِن خَبَرِ صاحِبِكم عِيسى، ولَقَدْ عَلِمْتُمْ ما لاعَنَ قَوْمٌ قَطُّ نَبِيًّا فَبَقِيَ كَبِيرُهُمْ، ولا نَبَتَ صَغِيرُهُمْ، وإنَّهُ الِاسْتِئْصالُ إنْ فَعَلْتُمْ، فَإنْ أبَيْتُمْ إلّا إلْفَ دِينِكم وما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ في صاحِبِكُمْ؛ فَوادِعُوا الرَجُلَ وانْصَرِفُوا إلى بِلادِكم حَتّى يُرِيَكُمُ الزَمانُ رَأْيَهُ. فَأتَوُا النَبِيَّ عَلَيْهِ السَلامُ فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ، قَدْ رَأيْنا ألّا نُلاعِنَكَ وأنْ نَبْقى عَلى دِينِنا، وصالَحُوهُ عَلى أمْوالٍ وقالُوا لَهُ: ابْعَثْ مَعَنا رَجُلًا مِن أصْحابِكَ تَرْضاهُ لَنا يَحْكُمُ في أشْياءَ قَدِ اخْتَلَفْنا فِيها مِن أمْوالِنا، فَإنَّكم عِنْدَنا رِضىً.» ورَوى السُدِّيُّ وغَيْرُهُ أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ السَلامُ جاءَ هو وعَلِيٌّ وفاطِمَةُ والحَسَنُ والحُسَيْنُ ودَعاهم فَأبَوْا وجَزِعُوا، وقالَ لَهم أحْبارُهُمْ: إنْ فَعَلْتُمُ اضْطَرَمَ الوادِي عَلَيْكم نارًا، فَصالَحُوا النَبِيَّ ﷺ عَلى ثَمانِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ في العامِ، فَما عَجَزَتْ عنهُ الدَراهِمُ فَفي العُرُوضِ: الحُلَّةُ بِأرْبَعِينَ، وعَلى أنَّ عَلَيْهِمْ ثَلاثًا وثَلاثِينَ دِرْعًا، وثَلاثَةً وثَلاثِينَ بَعِيرًا وأرْبَعًا وثَلاثِينَ فَرَسًا عارِيَةً كُلَّ سَنَةٍ، ورَسُولُ اللهِ ﷺ ضامِنٌ لِذَلِكَ حَتّى يُؤَدِّيَها إلَيْهِمْ. وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "لَوْ لاعَنُوا لاسْتُؤْصِلُوا مِن جَدِيدِ الأرْضِ"،» وقالَ أيْضًا: « "لَوْ فَعَلُوا لاضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ الوادِي نارًا".» ورَوى عِلْباءُ بْنُ أحْمَرَ اليَشْكُرِيُّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، أرْسَلَ مُحَمَّدٌ ﷺ إلى عَلِيٍّ وفاطِمَةَ وابْنَيْهِما الحَسَنِ والحُسَيْنِ ودَعا اليَهُودَ لِيُلاعِنَهُمْ، فَقالَ شابٌّ مِنَ اليَهُودِ: ويْحَكُمْ، ألَيْسَ عَهْدُكم بِالأمْسِ بِإخْوانِكُمُ الَّذِينَ مُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ؟ فَلا تُلاعِنُوا، فانْتَهَوْا.» وفي هَذِهِ القِصَّةِ اخْتِلافاتٌ لِلرُّواةِ وعِباراتٌ تَجْرِي كُلُّها في مَعْنى ما ذَكَرْناهُ، لَكِنّا قَصَدْنا الإيجازَ. (p-٢٤٤)وَفِي تَرْكِ النَصارى المُلاعَنَةَ لِعِلْمِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، شاهِدٌ عَظِيمٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ﷺ، وما رُوِيَ مِن ذَلِكَ خَيْرٌ مِمّا رَوى الشَعْبِيُّ مِن تَقْسِيمِ ذَلِكَ الرَجُلِ العاقِلِ فِيهِمْ أمْرَ مُحَمَّدٍ بِأنَّهُ إمّا نَبِيٌّ وإمّا مَلِكٌ، لِأنَّ هَذا نَظَرٌ دُنْياوِيٌّ، وما رَوى الرُواةُ مِن أنَّهم تَرَكُوا المُلاعَنَةَ لِعِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ؛ أحَجُّ لَنا عَلى سائِرِ الكَفَرَةِ، وألْيَقُ بِحالِ مُحَمَّدٍ ﷺ. ودُعاءُ النِساءِ والأبْناءِ لِلْمُلاعَنَةِ أهَزُّ لِلنُّفُوسِ وأدْعى لِرَحْمَةِ اللهِ، أو لِغَضَبِهِ عَلى المُبْطِلِينَ. وظاهِرُ الأمْرِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ جاءَهم بِما يَخُصُّهُ، ولَوْ عَزَمُوا؛ اسْتَدْعى المُؤْمِنِينَ بِأبْنائِهِمْ ونِسائِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ يَكْتَفِي بِنَفْسِهِ وخاصَّتِهِ فَقَطْ.

آل عمران 3:59

قوله عزّ وجلّ: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ والذِكْرِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِن المُمْتَرِينَ﴾ ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكم ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ "ذَلِكَ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ والإشارَةُ بِهِ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأنْباءِ. و﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ خَبَرُ ابْتِداءٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الآياتِ﴾ لِبَيانِ الجِنْسِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ: ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ حالًا، ويَكُونَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الآياتِ﴾، وعَلى قَوْلِ (p-٢٤٠)الكُوفِيِّينَ يَكُونُ قَوْلُهُ "نَتْلُوهُ" صِلَةً لِذَلِكَ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ في بَيْتِ ابْنِ مُفَرِّغٍ الحِمْيَرِيِّ: ؎ ................ وهَذا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ ويَكُونُ الخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الآياتِ﴾. وقَوْلُ البَصْرِيِّينَ في البَيْتِ: أنَّ "تَحْمِلِينَ" حالٌ، التَقْدِيرُ: وهَذا مَحْمُولًا. و"نَتْلُوهُ" مَعْناهُ: نَسْرُدُهُ، و﴿مِنَ الآياتِ﴾ ظاهِرُهُ آياتُ القُرْآنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الآياتِ﴾ مِنَ المُعْجِزاتِ والمُسْتَغْرَباتِ أنْ تَأْتِيَهم بِهَذِهِ الغُيُوبِ مِن قِبَلِنا، وبِسَبَبِ تِلاوَتِنا وأنْتَ أُمِّيٌّ لا تَقْرَأُ. ولَسْتَ مِمَّنْ صَحِبَ أهْلَ الكِتابِ. فالمَعْنى: أنَّها آياتٌ لِنُبُوَّتِكَ. وهَذا الِاحْتِمالُ إنَّما يَتَمَكَّنُ مَعَ كَوْنِ "نَتْلُوهُ" حالًا. و"الذِكْرِ" ما يَنْزِلُ مِن عِنْدِ اللهِ، "الحَكِيمِ" يَجُوزُ أنْ يُتَأوَّلَ بِمَعْنى المُحْكَمِ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٌ، ويَصِحُّ أنْ يُتَأوَّلَ بِمَعْنى مُصَرِّحٍ بِالحِكْمَةِ، فَيَكُونَ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الذِكْرِ": القُرْآنُ، و"الحَكِيمِ": الَّذِي قَدْ كَمُلَ في حِكْمَتِهِ. وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُمْ، قالُوا: سَبَبُ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ﴾.... الآيَةِ «أنَّ وفْدَ نَصارى نَجْرانَ جادَلُوا النَبِيَّ ﷺ في أمْرِ عِيسى، وقالُوا: بَلَغَنا أنَّكَ تَشْتُمُ صاحِبَنا وتَقُولُ: هو عَبْدٌ، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: وما يَضُرُّ ذَلِكَ عِيسى، أجَلْ هو عَبْدُ اللهِ، وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ، فَقالُوا: فَهَلْ رَأيْتَ بَشَرًا قَطُّ جاءَ مِن غَيْرِ فَحْلٍ أو سَمِعْتَ بِهِ؟ وخَرَجُوا مِن عِنْدِ النَبِيِّ فَأنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ﴾ عَبَّرَ عنهُ بَعْضُ الناسِ، بِأنَّهُ صِفَةُ عِيسى، وقَرَنُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥] قالُوا: مَعْناهُ: صِفَةُ الجَنَّةِ. وهَذا عِنْدِي ضَعْفٌ في (p-٢٤١)فَهْمِ مَعْنى الكَلامِ، وإنَّما المَعْنى: أنَّ المَثَلَ الَّذِي تَتَصَوَّرُهُ النُفُوسُ والعُقُولُ مِن عِيسى؛ هو كالمُتَصَوَّرِ مِن آدَمَ، إذِ الناسُ كُلُّهم مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَهُ مِن تُرابٍ مِن غَيْرِ فَحْلٍ، وكَذَلِكَ مَثَلُ الجَنَّةِ عِبارَةٌ عَنِ المُتَصَوَّرِ مِنها، وفي هَذِهِ الآيَةِ صِحَّةُ القِياسِ، أيْ: إذا تُصُوِّرَ أمْرُ آدَمَ؛ قِيسَ عَلَيْهِ جَوازُ أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ. والكافُ في قَوْلِهِ: "كَمَثَلِ" اسْمٌ عَلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ المَعْنى، وقَوْلُهُ: "عِنْدَ اللهِ" عِبارَةٌ عَنِ الحَقِّ في نَفْسِهِ، أيْ: هَكَذا هو الأمْرُ فِيما غابَ عنكم. وقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ تَفْسِيرٌ لِمَثَلِ آدَمَ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُتَصَوَّرَ، والمَثَلُ والمِثالُ بِمَعْنىً واحِدٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "خَلَقَهُ" صِلَةً لِآدَمَ ولا حالًا مِنهُ، قالَ الزَجّاجُ: إذِ الماضِي لا يَكُونُ حالًا أنْتَ فِيها، بَلْ هو كَلامٌ مَقْطُوعٌ مِنهُ، مُضَمَّنُهُ تَفْسِيرُ المَثَلِ. وقوله عزّ وجلّ: "ثُمَّ قالَ" تَرْتِيبٌ لِلْأخْبارِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، المَعْنى: خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ كانَ مِن أمْرِهِ في الأزَلِ أنْ قالَ لَهُ: كُنْ وقْتَ كَذا، وعَلى مَذْهَبِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في أنَّ القَوْلَ مَجازِيٌّ، مِثْلُ "وَقالَ قَطْنِي" وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ عِبارَةٌ عَنِ التَكْوِينِ، فَـ "ثُمَّ" عَلى بابِها في تَرْتِيبِ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: "فَيَكُونُ" بِالرَفْعِ عَلى مَعْنى: فَهو يَكُونُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "فَيَكُونَ" بِالنَصْبِ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةُ الوَجْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُها آنِفًا في مُخاطَبَةِ مَرْيَمَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ قَوْلُهُ: "مِن رَبِّكَ"، أوِ الحَقُّ ذَلِكَ، أو ما قُلْنا لَكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ، تَقْدِيرُهُ هَذا الحَقُّ. و"المُمْتَرِينَ" هُمُ الشاكُّونَ، والمِرْيَةُ: الشَكُّ. ونُهِيَ النَبِيُّ ﷺ في عِبارَةٍ اقْتَضَتْ ذَمَّ المُمْتَرِينَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالِامْتِراءِ غَيْرُهُ، ولَوْ قِيلَ: فَلا تَكُنْ مُمْتَرِيًا لَكانَتْ هَذِهِ الدَلالَةُ أقَلَّ، ولَوْ قِيلَ: فَلا تَمْتَرِ لَكانَتْ أقَلَّ ونَهْيُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ عَنِ الامْتِراءِ مَعَ بُعْدِهِ عنهُ عَلى جِهَةِ التَثْبِيتِ والدَوامِ عَلى حالِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ﴾ مَعْناهُ: جادَلَكَ ونازَعَكَ الحُجَّةَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِيهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى عِيسى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الحَقِّ. و"العِلْمِ" الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِالمَجِيءِ هو ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ مِن أمْرِ عِيسى. (p-٢٤٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: "فَقُلْ تَعالَوْا"... الآيَةُ، اسْتِدْعاءُ المُباهَلَةِ، و"تَعالَوْا" تَفاعَلُوا مِنَ العُلُوِّ، وهي كَلِمَةٌ قُصِدَ بِها أوَّلًا تَحْسِينُ الأدَبِ مَعَ المَدْعُوِّ ثُمَّ اطَّرَدَتْ حَتّى يَقُولَها الإنْسانُ لِعَدُوِّهِ ولِلْبَهِيمَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ. و"نَبْتَهِلْ" مَعْناهُ: نَلْتَعِنْ، ويُقالُ عَلَيْهِمْ بَهْلَةُ اللهِ بِمَعْنى اللَعْنَةِ، والِابْتِهالُ: الجِدُّ في الدُعاءِ بِالبَهْلَةِ. ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ مُحاجَّةِ نَصارى نَجْرانَ في عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وقَوْلِهِمْ: هو اللهُ، وكانُوا يُكْثِرُونَ الجِدالَ، وقَدْ رَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ بْنِ جُزْءٍ السِوائِيُّ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ قالَ: « "لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَ أهْلِ نَجْرانَ حِجابًا فَلا أراهم ولا يَرَوْنِي"» لِشِدَّةِ ما كانُوا يُمارُونَ، فَلَمّا قَرَأ النَبِيُّ ﷺ الآيَةَ دَعاهم إلى ذَلِكَ. فَرَوى الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ «أنَّهم وعَدُوهُ بِالغَدِ أنْ يُلاعِنُوهُ، فانْطَلَقُوا إلى السَيِّدِ والعاقِبِ فَتابَعاهم عَلى أنْ يُلاعِنُوا، فانْطَلَقُوا إلى رَجُلٍ آخَرَ مِنهم عاقِلٍ فَذَكَرُوا لَهُ ما صَنَعُوا فَذَمَّهم وقالَ لَهُمْ: إنْ كانَ نَبِيًّا ثُمَّ دَعا عَلَيْكم هَلَكْتُمْ، وإنْ كانَ مَلِكًا فَظَهَرَ لَمْ يُبْقِ عَلَيْكُمْ، قالُوا: فَكَيْفَ نَصْنَعُ وقَدْ واعَدْناهُ؟ قالَ: إذا غَدَوْتُمْ فَدَعاكم إلى ذَلِكَ فاسْتَعِيذُوا بِاللهِ مِن ذَلِكَ، فَعَسى أنْ يُعْفِيَكُمْ؛ فَلَمّا كانَ الغَدُ غَدا رَسُولُ اللهِ ﷺ مُحْتَضِنًا حُسَيْنًا آخِذًا بِيَدِ الحَسَنِ، وفاطِمَةُ تَمْشِي خَلْفَهُ، فَدَعاهم إلى المِيعادِ، فَقالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ، فَأعادَ فَأعادُوا التَعَوُّذَ، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: فَإنْ أبَيْتُمْ فَأسْلِمُوا، فَإنْ أبَيْتُمْ فَأعْطُوا الجِزْيَةَ عن يَدٍ وأنْتُمْ صاغِرُونَ، فَإنْ أبَيْتُمْ فَإنِّي أنْبِذُ إلَيْكم عَلى سَواءٍ، قالُوا: لا طاقَةَ لَنا بِحَرْبِ العَرَبِ، ولَكِنّا نُؤَدِّي الجِزْيَةَ قالَ: فَجَعَلَ عَلَيْهِمْ كُلَّ سَنَةٍ ألْفَيْ حُلَّةٍ "ألْفًا في رَجَبَ وألْفًا في صَفَرَ"، وطَلَبُوا مِنهُ رَجُلًا أمِينًا يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ، فَبَعَثَ مَعَهم أبا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرّاحِ وقالَ عَلَيْهِ السَلامُ: "لَقَدْ أتانِي البَشِيرُ بِهَلَكَةِ أهْلِ نَجْرانَ لَوْ تَمُّوا عَلى المُلاعَنَةِ"» (p-٢٤٣)، ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ وغَيْرُهُ: «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا دَعاهم قالُوا: دَعْنا نَنْظُرْ في أمْرِنا ثُمَّ نَأْتِيكَ بِما نَفْعَلُ، فَذَهَبُوا إلى العاقِبِ وهو ذُو رَأْيِهِمْ فَقالُوا: يا عَبْدَ المَسِيحِ ما تَرى؟ فَقالَ: يا مَعْشَرَ النَصارى، واللهِ لَقَدْ عَرَفْتُمْ أنَّ مُحَمَّدًا لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ ولَقَدْ جاءَكم بِالفَصْلِ مِن خَبَرِ صاحِبِكم عِيسى، ولَقَدْ عَلِمْتُمْ ما لاعَنَ قَوْمٌ قَطُّ نَبِيًّا فَبَقِيَ كَبِيرُهُمْ، ولا نَبَتَ صَغِيرُهُمْ، وإنَّهُ الِاسْتِئْصالُ إنْ فَعَلْتُمْ، فَإنْ أبَيْتُمْ إلّا إلْفَ دِينِكم وما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ في صاحِبِكُمْ؛ فَوادِعُوا الرَجُلَ وانْصَرِفُوا إلى بِلادِكم حَتّى يُرِيَكُمُ الزَمانُ رَأْيَهُ. فَأتَوُا النَبِيَّ عَلَيْهِ السَلامُ فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ، قَدْ رَأيْنا ألّا نُلاعِنَكَ وأنْ نَبْقى عَلى دِينِنا، وصالَحُوهُ عَلى أمْوالٍ وقالُوا لَهُ: ابْعَثْ مَعَنا رَجُلًا مِن أصْحابِكَ تَرْضاهُ لَنا يَحْكُمُ في أشْياءَ قَدِ اخْتَلَفْنا فِيها مِن أمْوالِنا، فَإنَّكم عِنْدَنا رِضىً.» ورَوى السُدِّيُّ وغَيْرُهُ أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ السَلامُ جاءَ هو وعَلِيٌّ وفاطِمَةُ والحَسَنُ والحُسَيْنُ ودَعاهم فَأبَوْا وجَزِعُوا، وقالَ لَهم أحْبارُهُمْ: إنْ فَعَلْتُمُ اضْطَرَمَ الوادِي عَلَيْكم نارًا، فَصالَحُوا النَبِيَّ ﷺ عَلى ثَمانِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ في العامِ، فَما عَجَزَتْ عنهُ الدَراهِمُ فَفي العُرُوضِ: الحُلَّةُ بِأرْبَعِينَ، وعَلى أنَّ عَلَيْهِمْ ثَلاثًا وثَلاثِينَ دِرْعًا، وثَلاثَةً وثَلاثِينَ بَعِيرًا وأرْبَعًا وثَلاثِينَ فَرَسًا عارِيَةً كُلَّ سَنَةٍ، ورَسُولُ اللهِ ﷺ ضامِنٌ لِذَلِكَ حَتّى يُؤَدِّيَها إلَيْهِمْ. وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "لَوْ لاعَنُوا لاسْتُؤْصِلُوا مِن جَدِيدِ الأرْضِ"،» وقالَ أيْضًا: « "لَوْ فَعَلُوا لاضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ الوادِي نارًا".» ورَوى عِلْباءُ بْنُ أحْمَرَ اليَشْكُرِيُّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، أرْسَلَ مُحَمَّدٌ ﷺ إلى عَلِيٍّ وفاطِمَةَ وابْنَيْهِما الحَسَنِ والحُسَيْنِ ودَعا اليَهُودَ لِيُلاعِنَهُمْ، فَقالَ شابٌّ مِنَ اليَهُودِ: ويْحَكُمْ، ألَيْسَ عَهْدُكم بِالأمْسِ بِإخْوانِكُمُ الَّذِينَ مُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ؟ فَلا تُلاعِنُوا، فانْتَهَوْا.» وفي هَذِهِ القِصَّةِ اخْتِلافاتٌ لِلرُّواةِ وعِباراتٌ تَجْرِي كُلُّها في مَعْنى ما ذَكَرْناهُ، لَكِنّا قَصَدْنا الإيجازَ. (p-٢٤٤)وَفِي تَرْكِ النَصارى المُلاعَنَةَ لِعِلْمِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، شاهِدٌ عَظِيمٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ﷺ، وما رُوِيَ مِن ذَلِكَ خَيْرٌ مِمّا رَوى الشَعْبِيُّ مِن تَقْسِيمِ ذَلِكَ الرَجُلِ العاقِلِ فِيهِمْ أمْرَ مُحَمَّدٍ بِأنَّهُ إمّا نَبِيٌّ وإمّا مَلِكٌ، لِأنَّ هَذا نَظَرٌ دُنْياوِيٌّ، وما رَوى الرُواةُ مِن أنَّهم تَرَكُوا المُلاعَنَةَ لِعِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ؛ أحَجُّ لَنا عَلى سائِرِ الكَفَرَةِ، وألْيَقُ بِحالِ مُحَمَّدٍ ﷺ. ودُعاءُ النِساءِ والأبْناءِ لِلْمُلاعَنَةِ أهَزُّ لِلنُّفُوسِ وأدْعى لِرَحْمَةِ اللهِ، أو لِغَضَبِهِ عَلى المُبْطِلِينَ. وظاهِرُ الأمْرِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ جاءَهم بِما يَخُصُّهُ، ولَوْ عَزَمُوا؛ اسْتَدْعى المُؤْمِنِينَ بِأبْنائِهِمْ ونِسائِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ يَكْتَفِي بِنَفْسِهِ وخاصَّتِهِ فَقَطْ.

آل عمران 3:60

قوله عزّ وجلّ: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ والذِكْرِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِن المُمْتَرِينَ﴾ ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكم ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ "ذَلِكَ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ والإشارَةُ بِهِ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأنْباءِ. و﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ خَبَرُ ابْتِداءٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الآياتِ﴾ لِبَيانِ الجِنْسِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ: ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ حالًا، ويَكُونَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الآياتِ﴾، وعَلى قَوْلِ (p-٢٤٠)الكُوفِيِّينَ يَكُونُ قَوْلُهُ "نَتْلُوهُ" صِلَةً لِذَلِكَ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ في بَيْتِ ابْنِ مُفَرِّغٍ الحِمْيَرِيِّ: ؎ ................ وهَذا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ ويَكُونُ الخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الآياتِ﴾. وقَوْلُ البَصْرِيِّينَ في البَيْتِ: أنَّ "تَحْمِلِينَ" حالٌ، التَقْدِيرُ: وهَذا مَحْمُولًا. و"نَتْلُوهُ" مَعْناهُ: نَسْرُدُهُ، و﴿مِنَ الآياتِ﴾ ظاهِرُهُ آياتُ القُرْآنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الآياتِ﴾ مِنَ المُعْجِزاتِ والمُسْتَغْرَباتِ أنْ تَأْتِيَهم بِهَذِهِ الغُيُوبِ مِن قِبَلِنا، وبِسَبَبِ تِلاوَتِنا وأنْتَ أُمِّيٌّ لا تَقْرَأُ. ولَسْتَ مِمَّنْ صَحِبَ أهْلَ الكِتابِ. فالمَعْنى: أنَّها آياتٌ لِنُبُوَّتِكَ. وهَذا الِاحْتِمالُ إنَّما يَتَمَكَّنُ مَعَ كَوْنِ "نَتْلُوهُ" حالًا. و"الذِكْرِ" ما يَنْزِلُ مِن عِنْدِ اللهِ، "الحَكِيمِ" يَجُوزُ أنْ يُتَأوَّلَ بِمَعْنى المُحْكَمِ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٌ، ويَصِحُّ أنْ يُتَأوَّلَ بِمَعْنى مُصَرِّحٍ بِالحِكْمَةِ، فَيَكُونَ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الذِكْرِ": القُرْآنُ، و"الحَكِيمِ": الَّذِي قَدْ كَمُلَ في حِكْمَتِهِ. وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُمْ، قالُوا: سَبَبُ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ﴾.... الآيَةِ «أنَّ وفْدَ نَصارى نَجْرانَ جادَلُوا النَبِيَّ ﷺ في أمْرِ عِيسى، وقالُوا: بَلَغَنا أنَّكَ تَشْتُمُ صاحِبَنا وتَقُولُ: هو عَبْدٌ، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: وما يَضُرُّ ذَلِكَ عِيسى، أجَلْ هو عَبْدُ اللهِ، وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ، فَقالُوا: فَهَلْ رَأيْتَ بَشَرًا قَطُّ جاءَ مِن غَيْرِ فَحْلٍ أو سَمِعْتَ بِهِ؟ وخَرَجُوا مِن عِنْدِ النَبِيِّ فَأنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ﴾ عَبَّرَ عنهُ بَعْضُ الناسِ، بِأنَّهُ صِفَةُ عِيسى، وقَرَنُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥] قالُوا: مَعْناهُ: صِفَةُ الجَنَّةِ. وهَذا عِنْدِي ضَعْفٌ في (p-٢٤١)فَهْمِ مَعْنى الكَلامِ، وإنَّما المَعْنى: أنَّ المَثَلَ الَّذِي تَتَصَوَّرُهُ النُفُوسُ والعُقُولُ مِن عِيسى؛ هو كالمُتَصَوَّرِ مِن آدَمَ، إذِ الناسُ كُلُّهم مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَهُ مِن تُرابٍ مِن غَيْرِ فَحْلٍ، وكَذَلِكَ مَثَلُ الجَنَّةِ عِبارَةٌ عَنِ المُتَصَوَّرِ مِنها، وفي هَذِهِ الآيَةِ صِحَّةُ القِياسِ، أيْ: إذا تُصُوِّرَ أمْرُ آدَمَ؛ قِيسَ عَلَيْهِ جَوازُ أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ. والكافُ في قَوْلِهِ: "كَمَثَلِ" اسْمٌ عَلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ المَعْنى، وقَوْلُهُ: "عِنْدَ اللهِ" عِبارَةٌ عَنِ الحَقِّ في نَفْسِهِ، أيْ: هَكَذا هو الأمْرُ فِيما غابَ عنكم. وقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ تَفْسِيرٌ لِمَثَلِ آدَمَ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُتَصَوَّرَ، والمَثَلُ والمِثالُ بِمَعْنىً واحِدٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "خَلَقَهُ" صِلَةً لِآدَمَ ولا حالًا مِنهُ، قالَ الزَجّاجُ: إذِ الماضِي لا يَكُونُ حالًا أنْتَ فِيها، بَلْ هو كَلامٌ مَقْطُوعٌ مِنهُ، مُضَمَّنُهُ تَفْسِيرُ المَثَلِ. وقوله عزّ وجلّ: "ثُمَّ قالَ" تَرْتِيبٌ لِلْأخْبارِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، المَعْنى: خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ كانَ مِن أمْرِهِ في الأزَلِ أنْ قالَ لَهُ: كُنْ وقْتَ كَذا، وعَلى مَذْهَبِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في أنَّ القَوْلَ مَجازِيٌّ، مِثْلُ "وَقالَ قَطْنِي" وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ عِبارَةٌ عَنِ التَكْوِينِ، فَـ "ثُمَّ" عَلى بابِها في تَرْتِيبِ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: "فَيَكُونُ" بِالرَفْعِ عَلى مَعْنى: فَهو يَكُونُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "فَيَكُونَ" بِالنَصْبِ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةُ الوَجْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُها آنِفًا في مُخاطَبَةِ مَرْيَمَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ قَوْلُهُ: "مِن رَبِّكَ"، أوِ الحَقُّ ذَلِكَ، أو ما قُلْنا لَكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ، تَقْدِيرُهُ هَذا الحَقُّ. و"المُمْتَرِينَ" هُمُ الشاكُّونَ، والمِرْيَةُ: الشَكُّ. ونُهِيَ النَبِيُّ ﷺ في عِبارَةٍ اقْتَضَتْ ذَمَّ المُمْتَرِينَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالِامْتِراءِ غَيْرُهُ، ولَوْ قِيلَ: فَلا تَكُنْ مُمْتَرِيًا لَكانَتْ هَذِهِ الدَلالَةُ أقَلَّ، ولَوْ قِيلَ: فَلا تَمْتَرِ لَكانَتْ أقَلَّ ونَهْيُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ عَنِ الامْتِراءِ مَعَ بُعْدِهِ عنهُ عَلى جِهَةِ التَثْبِيتِ والدَوامِ عَلى حالِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ﴾ مَعْناهُ: جادَلَكَ ونازَعَكَ الحُجَّةَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِيهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى عِيسى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الحَقِّ. و"العِلْمِ" الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِالمَجِيءِ هو ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ مِن أمْرِ عِيسى. (p-٢٤٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: "فَقُلْ تَعالَوْا"... الآيَةُ، اسْتِدْعاءُ المُباهَلَةِ، و"تَعالَوْا" تَفاعَلُوا مِنَ العُلُوِّ، وهي كَلِمَةٌ قُصِدَ بِها أوَّلًا تَحْسِينُ الأدَبِ مَعَ المَدْعُوِّ ثُمَّ اطَّرَدَتْ حَتّى يَقُولَها الإنْسانُ لِعَدُوِّهِ ولِلْبَهِيمَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ. و"نَبْتَهِلْ" مَعْناهُ: نَلْتَعِنْ، ويُقالُ عَلَيْهِمْ بَهْلَةُ اللهِ بِمَعْنى اللَعْنَةِ، والِابْتِهالُ: الجِدُّ في الدُعاءِ بِالبَهْلَةِ. ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ مُحاجَّةِ نَصارى نَجْرانَ في عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وقَوْلِهِمْ: هو اللهُ، وكانُوا يُكْثِرُونَ الجِدالَ، وقَدْ رَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ بْنِ جُزْءٍ السِوائِيُّ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ قالَ: « "لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَ أهْلِ نَجْرانَ حِجابًا فَلا أراهم ولا يَرَوْنِي"» لِشِدَّةِ ما كانُوا يُمارُونَ، فَلَمّا قَرَأ النَبِيُّ ﷺ الآيَةَ دَعاهم إلى ذَلِكَ. فَرَوى الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ «أنَّهم وعَدُوهُ بِالغَدِ أنْ يُلاعِنُوهُ، فانْطَلَقُوا إلى السَيِّدِ والعاقِبِ فَتابَعاهم عَلى أنْ يُلاعِنُوا، فانْطَلَقُوا إلى رَجُلٍ آخَرَ مِنهم عاقِلٍ فَذَكَرُوا لَهُ ما صَنَعُوا فَذَمَّهم وقالَ لَهُمْ: إنْ كانَ نَبِيًّا ثُمَّ دَعا عَلَيْكم هَلَكْتُمْ، وإنْ كانَ مَلِكًا فَظَهَرَ لَمْ يُبْقِ عَلَيْكُمْ، قالُوا: فَكَيْفَ نَصْنَعُ وقَدْ واعَدْناهُ؟ قالَ: إذا غَدَوْتُمْ فَدَعاكم إلى ذَلِكَ فاسْتَعِيذُوا بِاللهِ مِن ذَلِكَ، فَعَسى أنْ يُعْفِيَكُمْ؛ فَلَمّا كانَ الغَدُ غَدا رَسُولُ اللهِ ﷺ مُحْتَضِنًا حُسَيْنًا آخِذًا بِيَدِ الحَسَنِ، وفاطِمَةُ تَمْشِي خَلْفَهُ، فَدَعاهم إلى المِيعادِ، فَقالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ، فَأعادَ فَأعادُوا التَعَوُّذَ، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: فَإنْ أبَيْتُمْ فَأسْلِمُوا، فَإنْ أبَيْتُمْ فَأعْطُوا الجِزْيَةَ عن يَدٍ وأنْتُمْ صاغِرُونَ، فَإنْ أبَيْتُمْ فَإنِّي أنْبِذُ إلَيْكم عَلى سَواءٍ، قالُوا: لا طاقَةَ لَنا بِحَرْبِ العَرَبِ، ولَكِنّا نُؤَدِّي الجِزْيَةَ قالَ: فَجَعَلَ عَلَيْهِمْ كُلَّ سَنَةٍ ألْفَيْ حُلَّةٍ "ألْفًا في رَجَبَ وألْفًا في صَفَرَ"، وطَلَبُوا مِنهُ رَجُلًا أمِينًا يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ، فَبَعَثَ مَعَهم أبا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرّاحِ وقالَ عَلَيْهِ السَلامُ: "لَقَدْ أتانِي البَشِيرُ بِهَلَكَةِ أهْلِ نَجْرانَ لَوْ تَمُّوا عَلى المُلاعَنَةِ"» (p-٢٤٣)، ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ وغَيْرُهُ: «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا دَعاهم قالُوا: دَعْنا نَنْظُرْ في أمْرِنا ثُمَّ نَأْتِيكَ بِما نَفْعَلُ، فَذَهَبُوا إلى العاقِبِ وهو ذُو رَأْيِهِمْ فَقالُوا: يا عَبْدَ المَسِيحِ ما تَرى؟ فَقالَ: يا مَعْشَرَ النَصارى، واللهِ لَقَدْ عَرَفْتُمْ أنَّ مُحَمَّدًا لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ ولَقَدْ جاءَكم بِالفَصْلِ مِن خَبَرِ صاحِبِكم عِيسى، ولَقَدْ عَلِمْتُمْ ما لاعَنَ قَوْمٌ قَطُّ نَبِيًّا فَبَقِيَ كَبِيرُهُمْ، ولا نَبَتَ صَغِيرُهُمْ، وإنَّهُ الِاسْتِئْصالُ إنْ فَعَلْتُمْ، فَإنْ أبَيْتُمْ إلّا إلْفَ دِينِكم وما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ في صاحِبِكُمْ؛ فَوادِعُوا الرَجُلَ وانْصَرِفُوا إلى بِلادِكم حَتّى يُرِيَكُمُ الزَمانُ رَأْيَهُ. فَأتَوُا النَبِيَّ عَلَيْهِ السَلامُ فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ، قَدْ رَأيْنا ألّا نُلاعِنَكَ وأنْ نَبْقى عَلى دِينِنا، وصالَحُوهُ عَلى أمْوالٍ وقالُوا لَهُ: ابْعَثْ مَعَنا رَجُلًا مِن أصْحابِكَ تَرْضاهُ لَنا يَحْكُمُ في أشْياءَ قَدِ اخْتَلَفْنا فِيها مِن أمْوالِنا، فَإنَّكم عِنْدَنا رِضىً.» ورَوى السُدِّيُّ وغَيْرُهُ أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ السَلامُ جاءَ هو وعَلِيٌّ وفاطِمَةُ والحَسَنُ والحُسَيْنُ ودَعاهم فَأبَوْا وجَزِعُوا، وقالَ لَهم أحْبارُهُمْ: إنْ فَعَلْتُمُ اضْطَرَمَ الوادِي عَلَيْكم نارًا، فَصالَحُوا النَبِيَّ ﷺ عَلى ثَمانِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ في العامِ، فَما عَجَزَتْ عنهُ الدَراهِمُ فَفي العُرُوضِ: الحُلَّةُ بِأرْبَعِينَ، وعَلى أنَّ عَلَيْهِمْ ثَلاثًا وثَلاثِينَ دِرْعًا، وثَلاثَةً وثَلاثِينَ بَعِيرًا وأرْبَعًا وثَلاثِينَ فَرَسًا عارِيَةً كُلَّ سَنَةٍ، ورَسُولُ اللهِ ﷺ ضامِنٌ لِذَلِكَ حَتّى يُؤَدِّيَها إلَيْهِمْ. وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "لَوْ لاعَنُوا لاسْتُؤْصِلُوا مِن جَدِيدِ الأرْضِ"،» وقالَ أيْضًا: « "لَوْ فَعَلُوا لاضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ الوادِي نارًا".» ورَوى عِلْباءُ بْنُ أحْمَرَ اليَشْكُرِيُّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، أرْسَلَ مُحَمَّدٌ ﷺ إلى عَلِيٍّ وفاطِمَةَ وابْنَيْهِما الحَسَنِ والحُسَيْنِ ودَعا اليَهُودَ لِيُلاعِنَهُمْ، فَقالَ شابٌّ مِنَ اليَهُودِ: ويْحَكُمْ، ألَيْسَ عَهْدُكم بِالأمْسِ بِإخْوانِكُمُ الَّذِينَ مُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ؟ فَلا تُلاعِنُوا، فانْتَهَوْا.» وفي هَذِهِ القِصَّةِ اخْتِلافاتٌ لِلرُّواةِ وعِباراتٌ تَجْرِي كُلُّها في مَعْنى ما ذَكَرْناهُ، لَكِنّا قَصَدْنا الإيجازَ. (p-٢٤٤)وَفِي تَرْكِ النَصارى المُلاعَنَةَ لِعِلْمِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، شاهِدٌ عَظِيمٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ﷺ، وما رُوِيَ مِن ذَلِكَ خَيْرٌ مِمّا رَوى الشَعْبِيُّ مِن تَقْسِيمِ ذَلِكَ الرَجُلِ العاقِلِ فِيهِمْ أمْرَ مُحَمَّدٍ بِأنَّهُ إمّا نَبِيٌّ وإمّا مَلِكٌ، لِأنَّ هَذا نَظَرٌ دُنْياوِيٌّ، وما رَوى الرُواةُ مِن أنَّهم تَرَكُوا المُلاعَنَةَ لِعِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ؛ أحَجُّ لَنا عَلى سائِرِ الكَفَرَةِ، وألْيَقُ بِحالِ مُحَمَّدٍ ﷺ. ودُعاءُ النِساءِ والأبْناءِ لِلْمُلاعَنَةِ أهَزُّ لِلنُّفُوسِ وأدْعى لِرَحْمَةِ اللهِ، أو لِغَضَبِهِ عَلى المُبْطِلِينَ. وظاهِرُ الأمْرِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ جاءَهم بِما يَخُصُّهُ، ولَوْ عَزَمُوا؛ اسْتَدْعى المُؤْمِنِينَ بِأبْنائِهِمْ ونِسائِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ يَكْتَفِي بِنَفْسِهِ وخاصَّتِهِ فَقَطْ.