Lafzullah

Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — آل عمران 3:61 – آل عمران 3:124

المؤلف / المصدر: Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah

المحتويات
  1. آل عمران 3:61
  2. آل عمران 3:62
  3. آل عمران 3:63
  4. آل عمران 3:64
  5. آل عمران 3:65
  6. آل عمران 3:66
  7. آل عمران 3:67
  8. آل عمران 3:68
  9. آل عمران 3:69
  10. آل عمران 3:70
  11. آل عمران 3:71
  12. آل عمران 3:72
  13. آل عمران 3:73
  14. آل عمران 3:74
  15. آل عمران 3:75
  16. آل عمران 3:76
  17. آل عمران 3:77
  18. آل عمران 3:78
  19. آل عمران 3:79
  20. آل عمران 3:80
  21. آل عمران 3:81
  22. آل عمران 3:82
  23. آل عمران 3:83
  24. آل عمران 3:84
  25. آل عمران 3:85
  26. آل عمران 3:86
  27. آل عمران 3:87
  28. آل عمران 3:88
  29. آل عمران 3:89
  30. آل عمران 3:90
  31. آل عمران 3:91
  32. آل عمران 3:92
  33. آل عمران 3:93
  34. آل عمران 3:94
  35. آل عمران 3:95
  36. آل عمران 3:96
  37. آل عمران 3:97
  38. آل عمران 3:98
  39. آل عمران 3:99
  40. آل عمران 3:100
  41. آل عمران 3:101
  42. آل عمران 3:102
  43. آل عمران 3:103
  44. آل عمران 3:104
  45. آل عمران 3:105
  46. آل عمران 3:106
  47. آل عمران 3:107
  48. آل عمران 3:108
  49. آل عمران 3:109
  50. آل عمران 3:110
  51. آل عمران 3:111
  52. آل عمران 3:112
  53. آل عمران 3:113
  54. آل عمران 3:114
  55. آل عمران 3:115
  56. آل عمران 3:116
  57. آل عمران 3:117
  58. آل عمران 3:118
  59. آل عمران 3:119
  60. آل عمران 3:120
  61. آل عمران 3:121
  62. آل عمران 3:122
  63. آل عمران 3:123
  64. آل عمران 3:124

آل عمران 3:61

قوله عزّ وجلّ: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ والذِكْرِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِن المُمْتَرِينَ﴾ ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكم ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ "ذَلِكَ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ والإشارَةُ بِهِ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأنْباءِ. و﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ خَبَرُ ابْتِداءٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الآياتِ﴾ لِبَيانِ الجِنْسِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ: ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ حالًا، ويَكُونَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الآياتِ﴾، وعَلى قَوْلِ (p-٢٤٠)الكُوفِيِّينَ يَكُونُ قَوْلُهُ "نَتْلُوهُ" صِلَةً لِذَلِكَ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ في بَيْتِ ابْنِ مُفَرِّغٍ الحِمْيَرِيِّ: ؎ ................ وهَذا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ ويَكُونُ الخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الآياتِ﴾. وقَوْلُ البَصْرِيِّينَ في البَيْتِ: أنَّ "تَحْمِلِينَ" حالٌ، التَقْدِيرُ: وهَذا مَحْمُولًا. و"نَتْلُوهُ" مَعْناهُ: نَسْرُدُهُ، و﴿مِنَ الآياتِ﴾ ظاهِرُهُ آياتُ القُرْآنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الآياتِ﴾ مِنَ المُعْجِزاتِ والمُسْتَغْرَباتِ أنْ تَأْتِيَهم بِهَذِهِ الغُيُوبِ مِن قِبَلِنا، وبِسَبَبِ تِلاوَتِنا وأنْتَ أُمِّيٌّ لا تَقْرَأُ. ولَسْتَ مِمَّنْ صَحِبَ أهْلَ الكِتابِ. فالمَعْنى: أنَّها آياتٌ لِنُبُوَّتِكَ. وهَذا الِاحْتِمالُ إنَّما يَتَمَكَّنُ مَعَ كَوْنِ "نَتْلُوهُ" حالًا. و"الذِكْرِ" ما يَنْزِلُ مِن عِنْدِ اللهِ، "الحَكِيمِ" يَجُوزُ أنْ يُتَأوَّلَ بِمَعْنى المُحْكَمِ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٌ، ويَصِحُّ أنْ يُتَأوَّلَ بِمَعْنى مُصَرِّحٍ بِالحِكْمَةِ، فَيَكُونَ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الذِكْرِ": القُرْآنُ، و"الحَكِيمِ": الَّذِي قَدْ كَمُلَ في حِكْمَتِهِ. وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُمْ، قالُوا: سَبَبُ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ﴾.... الآيَةِ «أنَّ وفْدَ نَصارى نَجْرانَ جادَلُوا النَبِيَّ ﷺ في أمْرِ عِيسى، وقالُوا: بَلَغَنا أنَّكَ تَشْتُمُ صاحِبَنا وتَقُولُ: هو عَبْدٌ، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: وما يَضُرُّ ذَلِكَ عِيسى، أجَلْ هو عَبْدُ اللهِ، وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ، فَقالُوا: فَهَلْ رَأيْتَ بَشَرًا قَطُّ جاءَ مِن غَيْرِ فَحْلٍ أو سَمِعْتَ بِهِ؟ وخَرَجُوا مِن عِنْدِ النَبِيِّ فَأنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ﴾ عَبَّرَ عنهُ بَعْضُ الناسِ، بِأنَّهُ صِفَةُ عِيسى، وقَرَنُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥] قالُوا: مَعْناهُ: صِفَةُ الجَنَّةِ. وهَذا عِنْدِي ضَعْفٌ في (p-٢٤١)فَهْمِ مَعْنى الكَلامِ، وإنَّما المَعْنى: أنَّ المَثَلَ الَّذِي تَتَصَوَّرُهُ النُفُوسُ والعُقُولُ مِن عِيسى؛ هو كالمُتَصَوَّرِ مِن آدَمَ، إذِ الناسُ كُلُّهم مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَهُ مِن تُرابٍ مِن غَيْرِ فَحْلٍ، وكَذَلِكَ مَثَلُ الجَنَّةِ عِبارَةٌ عَنِ المُتَصَوَّرِ مِنها، وفي هَذِهِ الآيَةِ صِحَّةُ القِياسِ، أيْ: إذا تُصُوِّرَ أمْرُ آدَمَ؛ قِيسَ عَلَيْهِ جَوازُ أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ. والكافُ في قَوْلِهِ: "كَمَثَلِ" اسْمٌ عَلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ المَعْنى، وقَوْلُهُ: "عِنْدَ اللهِ" عِبارَةٌ عَنِ الحَقِّ في نَفْسِهِ، أيْ: هَكَذا هو الأمْرُ فِيما غابَ عنكم. وقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ تَفْسِيرٌ لِمَثَلِ آدَمَ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُتَصَوَّرَ، والمَثَلُ والمِثالُ بِمَعْنىً واحِدٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "خَلَقَهُ" صِلَةً لِآدَمَ ولا حالًا مِنهُ، قالَ الزَجّاجُ: إذِ الماضِي لا يَكُونُ حالًا أنْتَ فِيها، بَلْ هو كَلامٌ مَقْطُوعٌ مِنهُ، مُضَمَّنُهُ تَفْسِيرُ المَثَلِ. وقوله عزّ وجلّ: "ثُمَّ قالَ" تَرْتِيبٌ لِلْأخْبارِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، المَعْنى: خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ كانَ مِن أمْرِهِ في الأزَلِ أنْ قالَ لَهُ: كُنْ وقْتَ كَذا، وعَلى مَذْهَبِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في أنَّ القَوْلَ مَجازِيٌّ، مِثْلُ "وَقالَ قَطْنِي" وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ عِبارَةٌ عَنِ التَكْوِينِ، فَـ "ثُمَّ" عَلى بابِها في تَرْتِيبِ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: "فَيَكُونُ" بِالرَفْعِ عَلى مَعْنى: فَهو يَكُونُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "فَيَكُونَ" بِالنَصْبِ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةُ الوَجْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُها آنِفًا في مُخاطَبَةِ مَرْيَمَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ قَوْلُهُ: "مِن رَبِّكَ"، أوِ الحَقُّ ذَلِكَ، أو ما قُلْنا لَكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ، تَقْدِيرُهُ هَذا الحَقُّ. و"المُمْتَرِينَ" هُمُ الشاكُّونَ، والمِرْيَةُ: الشَكُّ. ونُهِيَ النَبِيُّ ﷺ في عِبارَةٍ اقْتَضَتْ ذَمَّ المُمْتَرِينَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالِامْتِراءِ غَيْرُهُ، ولَوْ قِيلَ: فَلا تَكُنْ مُمْتَرِيًا لَكانَتْ هَذِهِ الدَلالَةُ أقَلَّ، ولَوْ قِيلَ: فَلا تَمْتَرِ لَكانَتْ أقَلَّ ونَهْيُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ عَنِ الامْتِراءِ مَعَ بُعْدِهِ عنهُ عَلى جِهَةِ التَثْبِيتِ والدَوامِ عَلى حالِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ﴾ مَعْناهُ: جادَلَكَ ونازَعَكَ الحُجَّةَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِيهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى عِيسى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الحَقِّ. و"العِلْمِ" الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِالمَجِيءِ هو ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ مِن أمْرِ عِيسى. (p-٢٤٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: "فَقُلْ تَعالَوْا"... الآيَةُ، اسْتِدْعاءُ المُباهَلَةِ، و"تَعالَوْا" تَفاعَلُوا مِنَ العُلُوِّ، وهي كَلِمَةٌ قُصِدَ بِها أوَّلًا تَحْسِينُ الأدَبِ مَعَ المَدْعُوِّ ثُمَّ اطَّرَدَتْ حَتّى يَقُولَها الإنْسانُ لِعَدُوِّهِ ولِلْبَهِيمَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ. و"نَبْتَهِلْ" مَعْناهُ: نَلْتَعِنْ، ويُقالُ عَلَيْهِمْ بَهْلَةُ اللهِ بِمَعْنى اللَعْنَةِ، والِابْتِهالُ: الجِدُّ في الدُعاءِ بِالبَهْلَةِ. ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ مُحاجَّةِ نَصارى نَجْرانَ في عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وقَوْلِهِمْ: هو اللهُ، وكانُوا يُكْثِرُونَ الجِدالَ، وقَدْ رَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ بْنِ جُزْءٍ السِوائِيُّ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ قالَ: « "لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَ أهْلِ نَجْرانَ حِجابًا فَلا أراهم ولا يَرَوْنِي"» لِشِدَّةِ ما كانُوا يُمارُونَ، فَلَمّا قَرَأ النَبِيُّ ﷺ الآيَةَ دَعاهم إلى ذَلِكَ. فَرَوى الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ «أنَّهم وعَدُوهُ بِالغَدِ أنْ يُلاعِنُوهُ، فانْطَلَقُوا إلى السَيِّدِ والعاقِبِ فَتابَعاهم عَلى أنْ يُلاعِنُوا، فانْطَلَقُوا إلى رَجُلٍ آخَرَ مِنهم عاقِلٍ فَذَكَرُوا لَهُ ما صَنَعُوا فَذَمَّهم وقالَ لَهُمْ: إنْ كانَ نَبِيًّا ثُمَّ دَعا عَلَيْكم هَلَكْتُمْ، وإنْ كانَ مَلِكًا فَظَهَرَ لَمْ يُبْقِ عَلَيْكُمْ، قالُوا: فَكَيْفَ نَصْنَعُ وقَدْ واعَدْناهُ؟ قالَ: إذا غَدَوْتُمْ فَدَعاكم إلى ذَلِكَ فاسْتَعِيذُوا بِاللهِ مِن ذَلِكَ، فَعَسى أنْ يُعْفِيَكُمْ؛ فَلَمّا كانَ الغَدُ غَدا رَسُولُ اللهِ ﷺ مُحْتَضِنًا حُسَيْنًا آخِذًا بِيَدِ الحَسَنِ، وفاطِمَةُ تَمْشِي خَلْفَهُ، فَدَعاهم إلى المِيعادِ، فَقالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ، فَأعادَ فَأعادُوا التَعَوُّذَ، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: فَإنْ أبَيْتُمْ فَأسْلِمُوا، فَإنْ أبَيْتُمْ فَأعْطُوا الجِزْيَةَ عن يَدٍ وأنْتُمْ صاغِرُونَ، فَإنْ أبَيْتُمْ فَإنِّي أنْبِذُ إلَيْكم عَلى سَواءٍ، قالُوا: لا طاقَةَ لَنا بِحَرْبِ العَرَبِ، ولَكِنّا نُؤَدِّي الجِزْيَةَ قالَ: فَجَعَلَ عَلَيْهِمْ كُلَّ سَنَةٍ ألْفَيْ حُلَّةٍ "ألْفًا في رَجَبَ وألْفًا في صَفَرَ"، وطَلَبُوا مِنهُ رَجُلًا أمِينًا يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ، فَبَعَثَ مَعَهم أبا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرّاحِ وقالَ عَلَيْهِ السَلامُ: "لَقَدْ أتانِي البَشِيرُ بِهَلَكَةِ أهْلِ نَجْرانَ لَوْ تَمُّوا عَلى المُلاعَنَةِ"» (p-٢٤٣)، ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ وغَيْرُهُ: «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا دَعاهم قالُوا: دَعْنا نَنْظُرْ في أمْرِنا ثُمَّ نَأْتِيكَ بِما نَفْعَلُ، فَذَهَبُوا إلى العاقِبِ وهو ذُو رَأْيِهِمْ فَقالُوا: يا عَبْدَ المَسِيحِ ما تَرى؟ فَقالَ: يا مَعْشَرَ النَصارى، واللهِ لَقَدْ عَرَفْتُمْ أنَّ مُحَمَّدًا لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ ولَقَدْ جاءَكم بِالفَصْلِ مِن خَبَرِ صاحِبِكم عِيسى، ولَقَدْ عَلِمْتُمْ ما لاعَنَ قَوْمٌ قَطُّ نَبِيًّا فَبَقِيَ كَبِيرُهُمْ، ولا نَبَتَ صَغِيرُهُمْ، وإنَّهُ الِاسْتِئْصالُ إنْ فَعَلْتُمْ، فَإنْ أبَيْتُمْ إلّا إلْفَ دِينِكم وما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ في صاحِبِكُمْ؛ فَوادِعُوا الرَجُلَ وانْصَرِفُوا إلى بِلادِكم حَتّى يُرِيَكُمُ الزَمانُ رَأْيَهُ. فَأتَوُا النَبِيَّ عَلَيْهِ السَلامُ فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ، قَدْ رَأيْنا ألّا نُلاعِنَكَ وأنْ نَبْقى عَلى دِينِنا، وصالَحُوهُ عَلى أمْوالٍ وقالُوا لَهُ: ابْعَثْ مَعَنا رَجُلًا مِن أصْحابِكَ تَرْضاهُ لَنا يَحْكُمُ في أشْياءَ قَدِ اخْتَلَفْنا فِيها مِن أمْوالِنا، فَإنَّكم عِنْدَنا رِضىً.» ورَوى السُدِّيُّ وغَيْرُهُ أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ السَلامُ جاءَ هو وعَلِيٌّ وفاطِمَةُ والحَسَنُ والحُسَيْنُ ودَعاهم فَأبَوْا وجَزِعُوا، وقالَ لَهم أحْبارُهُمْ: إنْ فَعَلْتُمُ اضْطَرَمَ الوادِي عَلَيْكم نارًا، فَصالَحُوا النَبِيَّ ﷺ عَلى ثَمانِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ في العامِ، فَما عَجَزَتْ عنهُ الدَراهِمُ فَفي العُرُوضِ: الحُلَّةُ بِأرْبَعِينَ، وعَلى أنَّ عَلَيْهِمْ ثَلاثًا وثَلاثِينَ دِرْعًا، وثَلاثَةً وثَلاثِينَ بَعِيرًا وأرْبَعًا وثَلاثِينَ فَرَسًا عارِيَةً كُلَّ سَنَةٍ، ورَسُولُ اللهِ ﷺ ضامِنٌ لِذَلِكَ حَتّى يُؤَدِّيَها إلَيْهِمْ. وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "لَوْ لاعَنُوا لاسْتُؤْصِلُوا مِن جَدِيدِ الأرْضِ"،» وقالَ أيْضًا: « "لَوْ فَعَلُوا لاضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ الوادِي نارًا".» ورَوى عِلْباءُ بْنُ أحْمَرَ اليَشْكُرِيُّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، أرْسَلَ مُحَمَّدٌ ﷺ إلى عَلِيٍّ وفاطِمَةَ وابْنَيْهِما الحَسَنِ والحُسَيْنِ ودَعا اليَهُودَ لِيُلاعِنَهُمْ، فَقالَ شابٌّ مِنَ اليَهُودِ: ويْحَكُمْ، ألَيْسَ عَهْدُكم بِالأمْسِ بِإخْوانِكُمُ الَّذِينَ مُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ؟ فَلا تُلاعِنُوا، فانْتَهَوْا.» وفي هَذِهِ القِصَّةِ اخْتِلافاتٌ لِلرُّواةِ وعِباراتٌ تَجْرِي كُلُّها في مَعْنى ما ذَكَرْناهُ، لَكِنّا قَصَدْنا الإيجازَ. (p-٢٤٤)وَفِي تَرْكِ النَصارى المُلاعَنَةَ لِعِلْمِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، شاهِدٌ عَظِيمٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ﷺ، وما رُوِيَ مِن ذَلِكَ خَيْرٌ مِمّا رَوى الشَعْبِيُّ مِن تَقْسِيمِ ذَلِكَ الرَجُلِ العاقِلِ فِيهِمْ أمْرَ مُحَمَّدٍ بِأنَّهُ إمّا نَبِيٌّ وإمّا مَلِكٌ، لِأنَّ هَذا نَظَرٌ دُنْياوِيٌّ، وما رَوى الرُواةُ مِن أنَّهم تَرَكُوا المُلاعَنَةَ لِعِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ؛ أحَجُّ لَنا عَلى سائِرِ الكَفَرَةِ، وألْيَقُ بِحالِ مُحَمَّدٍ ﷺ. ودُعاءُ النِساءِ والأبْناءِ لِلْمُلاعَنَةِ أهَزُّ لِلنُّفُوسِ وأدْعى لِرَحْمَةِ اللهِ، أو لِغَضَبِهِ عَلى المُبْطِلِينَ. وظاهِرُ الأمْرِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ جاءَهم بِما يَخُصُّهُ، ولَوْ عَزَمُوا؛ اسْتَدْعى المُؤْمِنِينَ بِأبْنائِهِمْ ونِسائِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ يَكْتَفِي بِنَفْسِهِ وخاصَّتِهِ فَقَطْ.

آل عمران 3:62

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ وما مِن إلَهٍ إلا اللهُ وإنَّ اللهُ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنْ اللهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألا نَعْبُدَ إلا اللهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللهَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ هَذا خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى جَزْمٌ مُؤَكَّدٌ فَصَلَ بِهِ بَيْنَ المُخْتَصِمِينَ، والإشارَةُ بِـ "هَذا" هي إلى ما تَقَدَّمَ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم. و"القَصَصُ" مَعْناهُ: الأخْبارُ، تَقُولُ: قَصَّ يَقُصُّ قَصًّا وقَصَصًا، إذا تَتَبَّعَ الأمْرَ يُخْبِرُ بِهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، قالَ قَوْمٌ: هو مَأْخُوذٌ مِن قَصَّ الأثَرَ. وقَوْلُهُ "لَهُوَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً، و"مِن" في قَوْلِهِ: "مِن إلَهٍ" مُؤَكِّدَةٌ بَعْدَ النَفْيِ، وهي الَّتِي يَتِمُّ الكَلامُ دُونَها لَكِنَّها تُعْطِي مَعْنى التَأْكِيدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ وعِيدٌ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ؛ مَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا﴾ فَقالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ: دَعا يَهُودَ المَدِينَةِ إلى الكَلِمَةِ السَواءِ، وهُمُ الَّذِينَ حاجُّوا في إبْراهِيمَ، وقالَهُ الرَبِيعُ وابْنُ جُرَيْجٍ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ: نَزَلَتِ الآيَةُ في وفْدِ نَجْرانَ، وقالَهُ السُدِّيُّ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمّا أبى أهْلُ نَجْرانَ ما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ المُلاعَنَةِ، (p-٢٤٥)دُعُوا إلى أيْسَرَ مِن ذَلِكَ، وهي الكَلِمَةُ السَواءُ. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في وفْدِ نَجْرانَ، لَكِنَّ لَفْظَ أهْلِ الكِتابِ يَعُمُّهم وسِواهم مِنَ النَصارى واليَهُودِ، فَدَعا النَبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يَهُودَ المَدِينَةِ بِالآيَةِ، وكَذَلِكَ كَتَبَ بِها إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُومِ، وكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يُدْعى بِها أهْلُ الكِتابِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إلى كَلِمَةٍ" بِفَتْحِ الكافِ وكَسْرِ اللامِ، ورَوى أبُو السَمّالِ: "كَلْمَةٍ" - بِفَتْحِ الكافِ وسُكُونِ اللامِ - ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "كِلْمَةٍ" - بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ اللامِ - وذَلِكَ عَلى إلْقاءِ حَرَكَةِ اللامِ عَلى الكافِ، كَما قالُوا في كَبِدٍ، كِبْدْ بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ الباءِ. والكَلِمَةُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الألْفاظِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ المَعانِيَ المَدْعُوَّ إلَيْها، وهي ما فَسَّرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: "ألّا نَعْبُدَ".... الآيَةِ، وهَذا كَما تُسَمِّي العَرَبُ القَصِيدَةَ كَلِمَةً، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الكَلِمَةَ هي ما فُسِّرَ بَعْدُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: الكَلِمَةُ السَواءُ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، والقَوْلانِ مُجْتَمِعانِ، لِأنَّ كُلَّ ما فُسِّرَ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ مَعْنى: لا إلَهَ إلّا اللهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "سَواءٍ" نَعْتٌ لِلْكَلِمَةِ. قالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: إلى كَلِمَةِ عَدْلٍ، فَهَذا مَعْنى السَواءِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "إلى كَلِمَةِ عَدْلٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ" كَما فَسَّرَ قَتادَةُ والرَبِيعُ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: إلى كَلِمَةِ قَصْدٍ. وهَذا قَرِيبٌ في المَعْنى مِنَ الأوَّلِ، والسَواءُ والعَدْلُ والقَصْدُ مَصادِرُ وُصِفَ بِها في هَذِهِ التَقْدِيراتِ كُلِّها. والَّذِي أقُولُهُ في لَفْظَةِ "سَواءٍ" أنَّها يَنْبَغِي أنْ تُفَسَّرَ بِتَفْسِيرٍ خاصٍّ بِها في هَذا المَوْضِعِ، وهو أنَّهُ دَعاهم إلى مَعانٍ، جَمِيعُ الناسِ فِيها مُسْتَوُونَ، صَغِيرُهم وكَبِيرُهم. وقَدْ كانَتْ سِيرَةُ المَدْعُوِّينَ أنْ يَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا أرْبابًا فَلَمْ يَكُونُوا عَلى اسْتِواءِ حالٍ، فَدَعاهم بِهَذِهِ الآيَةِ إلى ما تَأْلَفُهُ النُفُوسُ "مِن حَقٍّ" لا يَتَفاضَلُ الناسُ فِيهِ، فَـ "سَواءٍ" - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ لِآخَرٍ: هَذا شَرِيكِي في مالٍ سَواءٍ بَيْنِي وبَيْنَهُ. والفَرْقُ بَيْنَ هَذا التَفْسِيرِ وبَيْنَ تَفْسِيرِ اللَفْظَةِ بِعَدْلٍ، أنَّكَ لَوْ دَعَوْتَ أسِيرًا عِنْدَكَ إلى أنْ يُسْلِمَ أو تَضْرِبَ (p-٢٤٦)عُنُقَهُ، لَكُنْتَ قَدْ دَعَوْتَهُ إلى السَواءِ الَّذِي هو العَدْلُ، وعَلى هَذا الحَدِّ جاءَتْ لَفْظَةُ "سَواءٍ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ، ولَوْ دَعَوْتَ أسِيرَكَ إلى أنْ يُؤْمِنَ فَيَكُونَ حُرًّا مُقاسِمًا لَكَ في عَيْشِكَ، لَكُنْتَ قَدْ دَعَوْتَهُ إلى السَواءِ الَّذِي هو اسْتِواءُ الحالِ عَلى ما فَسَّرْتُهُ. واللَفْظَةُ عَلى كُلِّ تَأْوِيلٍ فِيها مَعْنى العَدْلِ، ولَكِنِّي لَمْ أرَ لِمُتَقَدِّمٍ أنْ يَكُونَ في اللَفْظَةِ مَعْنىً قَصَدَ اسْتِواءَ الحالِ، وهو عِنْدِي حَسَنٌ، لِأنَّ النُفُوسَ تَأْلَفُهُ، واللهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ بِرَحْمَتِهِ. وقَوْلُهُ: "ألّا نَعْبُدَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِمَعْنى: إلى ألّا نَعْبُدَ، فَذَلِكَ عَلى البَدَلِ مِن "كَلِمَةٍ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِمَعْنى: هي ألّا نَعْبُدَ، وما ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الجائِزاتِ الَّتِي يَلْزَمُ عنها رَفْعُ "نَعْبُدُ" إكْثارٌ مِنهم فاخْتَصَرْتُهُ. واتِّخاذُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا أرْبابًا هو عَلى مَراتِبَ، أعْلاها اعْتِقادُهم فِيهِمُ الأُلُوهِيَّةَ، وعِبادَتُهم لَهم عَلى ذَلِكَ، كَعُزَيْرٍ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وبِهَذا فَسَّرَ عِكْرِمَةُ، وأدْنى ذَلِكَ طاعَتُهم لِأساقِفَتِهِمْ ورُؤَسائِهِمْ في كُلِّ ما أمَرُوا بِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي والتِزامُهم طاعَتَهم شَرْعًا، وبِهَذا فَسَّرَ ابْنُ جُرَيْجٍ. فَجاءَتِ الآيَةُ بِالدُعاءِ إلى تَرْكِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وأنْ يَكُونَ المُمْتَثَلُ ما قالَهُ اللهُ تَعالى عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ أمْرٌ بِالإعْلانِ بِمُخالَفَتِهِمْ ومُواجَهَتِهِمْ بِذَلِكَ، وإشْهادِهِمْ عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ والتَهْدِيدِ، أيْ سَتَرَوْنَ أنْتُمْ أيُّها المُتَوَلُّونَ عاقِبَةَ تَوَلِّيكم كَيْفَ تَكُونُ.

آل عمران 3:63

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ وما مِن إلَهٍ إلا اللهُ وإنَّ اللهُ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنْ اللهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألا نَعْبُدَ إلا اللهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللهَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ هَذا خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى جَزْمٌ مُؤَكَّدٌ فَصَلَ بِهِ بَيْنَ المُخْتَصِمِينَ، والإشارَةُ بِـ "هَذا" هي إلى ما تَقَدَّمَ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم. و"القَصَصُ" مَعْناهُ: الأخْبارُ، تَقُولُ: قَصَّ يَقُصُّ قَصًّا وقَصَصًا، إذا تَتَبَّعَ الأمْرَ يُخْبِرُ بِهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، قالَ قَوْمٌ: هو مَأْخُوذٌ مِن قَصَّ الأثَرَ. وقَوْلُهُ "لَهُوَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً، و"مِن" في قَوْلِهِ: "مِن إلَهٍ" مُؤَكِّدَةٌ بَعْدَ النَفْيِ، وهي الَّتِي يَتِمُّ الكَلامُ دُونَها لَكِنَّها تُعْطِي مَعْنى التَأْكِيدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ وعِيدٌ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ؛ مَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا﴾ فَقالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ: دَعا يَهُودَ المَدِينَةِ إلى الكَلِمَةِ السَواءِ، وهُمُ الَّذِينَ حاجُّوا في إبْراهِيمَ، وقالَهُ الرَبِيعُ وابْنُ جُرَيْجٍ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ: نَزَلَتِ الآيَةُ في وفْدِ نَجْرانَ، وقالَهُ السُدِّيُّ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمّا أبى أهْلُ نَجْرانَ ما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ المُلاعَنَةِ، (p-٢٤٥)دُعُوا إلى أيْسَرَ مِن ذَلِكَ، وهي الكَلِمَةُ السَواءُ. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في وفْدِ نَجْرانَ، لَكِنَّ لَفْظَ أهْلِ الكِتابِ يَعُمُّهم وسِواهم مِنَ النَصارى واليَهُودِ، فَدَعا النَبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يَهُودَ المَدِينَةِ بِالآيَةِ، وكَذَلِكَ كَتَبَ بِها إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُومِ، وكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يُدْعى بِها أهْلُ الكِتابِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إلى كَلِمَةٍ" بِفَتْحِ الكافِ وكَسْرِ اللامِ، ورَوى أبُو السَمّالِ: "كَلْمَةٍ" - بِفَتْحِ الكافِ وسُكُونِ اللامِ - ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "كِلْمَةٍ" - بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ اللامِ - وذَلِكَ عَلى إلْقاءِ حَرَكَةِ اللامِ عَلى الكافِ، كَما قالُوا في كَبِدٍ، كِبْدْ بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ الباءِ. والكَلِمَةُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الألْفاظِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ المَعانِيَ المَدْعُوَّ إلَيْها، وهي ما فَسَّرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: "ألّا نَعْبُدَ".... الآيَةِ، وهَذا كَما تُسَمِّي العَرَبُ القَصِيدَةَ كَلِمَةً، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الكَلِمَةَ هي ما فُسِّرَ بَعْدُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: الكَلِمَةُ السَواءُ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، والقَوْلانِ مُجْتَمِعانِ، لِأنَّ كُلَّ ما فُسِّرَ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ مَعْنى: لا إلَهَ إلّا اللهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "سَواءٍ" نَعْتٌ لِلْكَلِمَةِ. قالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: إلى كَلِمَةِ عَدْلٍ، فَهَذا مَعْنى السَواءِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "إلى كَلِمَةِ عَدْلٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ" كَما فَسَّرَ قَتادَةُ والرَبِيعُ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: إلى كَلِمَةِ قَصْدٍ. وهَذا قَرِيبٌ في المَعْنى مِنَ الأوَّلِ، والسَواءُ والعَدْلُ والقَصْدُ مَصادِرُ وُصِفَ بِها في هَذِهِ التَقْدِيراتِ كُلِّها. والَّذِي أقُولُهُ في لَفْظَةِ "سَواءٍ" أنَّها يَنْبَغِي أنْ تُفَسَّرَ بِتَفْسِيرٍ خاصٍّ بِها في هَذا المَوْضِعِ، وهو أنَّهُ دَعاهم إلى مَعانٍ، جَمِيعُ الناسِ فِيها مُسْتَوُونَ، صَغِيرُهم وكَبِيرُهم. وقَدْ كانَتْ سِيرَةُ المَدْعُوِّينَ أنْ يَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا أرْبابًا فَلَمْ يَكُونُوا عَلى اسْتِواءِ حالٍ، فَدَعاهم بِهَذِهِ الآيَةِ إلى ما تَأْلَفُهُ النُفُوسُ "مِن حَقٍّ" لا يَتَفاضَلُ الناسُ فِيهِ، فَـ "سَواءٍ" - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ لِآخَرٍ: هَذا شَرِيكِي في مالٍ سَواءٍ بَيْنِي وبَيْنَهُ. والفَرْقُ بَيْنَ هَذا التَفْسِيرِ وبَيْنَ تَفْسِيرِ اللَفْظَةِ بِعَدْلٍ، أنَّكَ لَوْ دَعَوْتَ أسِيرًا عِنْدَكَ إلى أنْ يُسْلِمَ أو تَضْرِبَ (p-٢٤٦)عُنُقَهُ، لَكُنْتَ قَدْ دَعَوْتَهُ إلى السَواءِ الَّذِي هو العَدْلُ، وعَلى هَذا الحَدِّ جاءَتْ لَفْظَةُ "سَواءٍ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ، ولَوْ دَعَوْتَ أسِيرَكَ إلى أنْ يُؤْمِنَ فَيَكُونَ حُرًّا مُقاسِمًا لَكَ في عَيْشِكَ، لَكُنْتَ قَدْ دَعَوْتَهُ إلى السَواءِ الَّذِي هو اسْتِواءُ الحالِ عَلى ما فَسَّرْتُهُ. واللَفْظَةُ عَلى كُلِّ تَأْوِيلٍ فِيها مَعْنى العَدْلِ، ولَكِنِّي لَمْ أرَ لِمُتَقَدِّمٍ أنْ يَكُونَ في اللَفْظَةِ مَعْنىً قَصَدَ اسْتِواءَ الحالِ، وهو عِنْدِي حَسَنٌ، لِأنَّ النُفُوسَ تَأْلَفُهُ، واللهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ بِرَحْمَتِهِ. وقَوْلُهُ: "ألّا نَعْبُدَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِمَعْنى: إلى ألّا نَعْبُدَ، فَذَلِكَ عَلى البَدَلِ مِن "كَلِمَةٍ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِمَعْنى: هي ألّا نَعْبُدَ، وما ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الجائِزاتِ الَّتِي يَلْزَمُ عنها رَفْعُ "نَعْبُدُ" إكْثارٌ مِنهم فاخْتَصَرْتُهُ. واتِّخاذُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا أرْبابًا هو عَلى مَراتِبَ، أعْلاها اعْتِقادُهم فِيهِمُ الأُلُوهِيَّةَ، وعِبادَتُهم لَهم عَلى ذَلِكَ، كَعُزَيْرٍ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وبِهَذا فَسَّرَ عِكْرِمَةُ، وأدْنى ذَلِكَ طاعَتُهم لِأساقِفَتِهِمْ ورُؤَسائِهِمْ في كُلِّ ما أمَرُوا بِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي والتِزامُهم طاعَتَهم شَرْعًا، وبِهَذا فَسَّرَ ابْنُ جُرَيْجٍ. فَجاءَتِ الآيَةُ بِالدُعاءِ إلى تَرْكِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وأنْ يَكُونَ المُمْتَثَلُ ما قالَهُ اللهُ تَعالى عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ أمْرٌ بِالإعْلانِ بِمُخالَفَتِهِمْ ومُواجَهَتِهِمْ بِذَلِكَ، وإشْهادِهِمْ عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ والتَهْدِيدِ، أيْ سَتَرَوْنَ أنْتُمْ أيُّها المُتَوَلُّونَ عاقِبَةَ تَوَلِّيكم كَيْفَ تَكُونُ.

آل عمران 3:64

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ وما مِن إلَهٍ إلا اللهُ وإنَّ اللهُ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنْ اللهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألا نَعْبُدَ إلا اللهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللهَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ هَذا خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى جَزْمٌ مُؤَكَّدٌ فَصَلَ بِهِ بَيْنَ المُخْتَصِمِينَ، والإشارَةُ بِـ "هَذا" هي إلى ما تَقَدَّمَ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم. و"القَصَصُ" مَعْناهُ: الأخْبارُ، تَقُولُ: قَصَّ يَقُصُّ قَصًّا وقَصَصًا، إذا تَتَبَّعَ الأمْرَ يُخْبِرُ بِهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، قالَ قَوْمٌ: هو مَأْخُوذٌ مِن قَصَّ الأثَرَ. وقَوْلُهُ "لَهُوَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً، و"مِن" في قَوْلِهِ: "مِن إلَهٍ" مُؤَكِّدَةٌ بَعْدَ النَفْيِ، وهي الَّتِي يَتِمُّ الكَلامُ دُونَها لَكِنَّها تُعْطِي مَعْنى التَأْكِيدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ وعِيدٌ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ؛ مَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا﴾ فَقالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ: دَعا يَهُودَ المَدِينَةِ إلى الكَلِمَةِ السَواءِ، وهُمُ الَّذِينَ حاجُّوا في إبْراهِيمَ، وقالَهُ الرَبِيعُ وابْنُ جُرَيْجٍ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ: نَزَلَتِ الآيَةُ في وفْدِ نَجْرانَ، وقالَهُ السُدِّيُّ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمّا أبى أهْلُ نَجْرانَ ما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ المُلاعَنَةِ، (p-٢٤٥)دُعُوا إلى أيْسَرَ مِن ذَلِكَ، وهي الكَلِمَةُ السَواءُ. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في وفْدِ نَجْرانَ، لَكِنَّ لَفْظَ أهْلِ الكِتابِ يَعُمُّهم وسِواهم مِنَ النَصارى واليَهُودِ، فَدَعا النَبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يَهُودَ المَدِينَةِ بِالآيَةِ، وكَذَلِكَ كَتَبَ بِها إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُومِ، وكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يُدْعى بِها أهْلُ الكِتابِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إلى كَلِمَةٍ" بِفَتْحِ الكافِ وكَسْرِ اللامِ، ورَوى أبُو السَمّالِ: "كَلْمَةٍ" - بِفَتْحِ الكافِ وسُكُونِ اللامِ - ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "كِلْمَةٍ" - بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ اللامِ - وذَلِكَ عَلى إلْقاءِ حَرَكَةِ اللامِ عَلى الكافِ، كَما قالُوا في كَبِدٍ، كِبْدْ بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ الباءِ. والكَلِمَةُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الألْفاظِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ المَعانِيَ المَدْعُوَّ إلَيْها، وهي ما فَسَّرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: "ألّا نَعْبُدَ".... الآيَةِ، وهَذا كَما تُسَمِّي العَرَبُ القَصِيدَةَ كَلِمَةً، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الكَلِمَةَ هي ما فُسِّرَ بَعْدُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: الكَلِمَةُ السَواءُ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، والقَوْلانِ مُجْتَمِعانِ، لِأنَّ كُلَّ ما فُسِّرَ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ مَعْنى: لا إلَهَ إلّا اللهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "سَواءٍ" نَعْتٌ لِلْكَلِمَةِ. قالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: إلى كَلِمَةِ عَدْلٍ، فَهَذا مَعْنى السَواءِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "إلى كَلِمَةِ عَدْلٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ" كَما فَسَّرَ قَتادَةُ والرَبِيعُ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: إلى كَلِمَةِ قَصْدٍ. وهَذا قَرِيبٌ في المَعْنى مِنَ الأوَّلِ، والسَواءُ والعَدْلُ والقَصْدُ مَصادِرُ وُصِفَ بِها في هَذِهِ التَقْدِيراتِ كُلِّها. والَّذِي أقُولُهُ في لَفْظَةِ "سَواءٍ" أنَّها يَنْبَغِي أنْ تُفَسَّرَ بِتَفْسِيرٍ خاصٍّ بِها في هَذا المَوْضِعِ، وهو أنَّهُ دَعاهم إلى مَعانٍ، جَمِيعُ الناسِ فِيها مُسْتَوُونَ، صَغِيرُهم وكَبِيرُهم. وقَدْ كانَتْ سِيرَةُ المَدْعُوِّينَ أنْ يَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا أرْبابًا فَلَمْ يَكُونُوا عَلى اسْتِواءِ حالٍ، فَدَعاهم بِهَذِهِ الآيَةِ إلى ما تَأْلَفُهُ النُفُوسُ "مِن حَقٍّ" لا يَتَفاضَلُ الناسُ فِيهِ، فَـ "سَواءٍ" - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ لِآخَرٍ: هَذا شَرِيكِي في مالٍ سَواءٍ بَيْنِي وبَيْنَهُ. والفَرْقُ بَيْنَ هَذا التَفْسِيرِ وبَيْنَ تَفْسِيرِ اللَفْظَةِ بِعَدْلٍ، أنَّكَ لَوْ دَعَوْتَ أسِيرًا عِنْدَكَ إلى أنْ يُسْلِمَ أو تَضْرِبَ (p-٢٤٦)عُنُقَهُ، لَكُنْتَ قَدْ دَعَوْتَهُ إلى السَواءِ الَّذِي هو العَدْلُ، وعَلى هَذا الحَدِّ جاءَتْ لَفْظَةُ "سَواءٍ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ، ولَوْ دَعَوْتَ أسِيرَكَ إلى أنْ يُؤْمِنَ فَيَكُونَ حُرًّا مُقاسِمًا لَكَ في عَيْشِكَ، لَكُنْتَ قَدْ دَعَوْتَهُ إلى السَواءِ الَّذِي هو اسْتِواءُ الحالِ عَلى ما فَسَّرْتُهُ. واللَفْظَةُ عَلى كُلِّ تَأْوِيلٍ فِيها مَعْنى العَدْلِ، ولَكِنِّي لَمْ أرَ لِمُتَقَدِّمٍ أنْ يَكُونَ في اللَفْظَةِ مَعْنىً قَصَدَ اسْتِواءَ الحالِ، وهو عِنْدِي حَسَنٌ، لِأنَّ النُفُوسَ تَأْلَفُهُ، واللهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ بِرَحْمَتِهِ. وقَوْلُهُ: "ألّا نَعْبُدَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِمَعْنى: إلى ألّا نَعْبُدَ، فَذَلِكَ عَلى البَدَلِ مِن "كَلِمَةٍ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِمَعْنى: هي ألّا نَعْبُدَ، وما ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الجائِزاتِ الَّتِي يَلْزَمُ عنها رَفْعُ "نَعْبُدُ" إكْثارٌ مِنهم فاخْتَصَرْتُهُ. واتِّخاذُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا أرْبابًا هو عَلى مَراتِبَ، أعْلاها اعْتِقادُهم فِيهِمُ الأُلُوهِيَّةَ، وعِبادَتُهم لَهم عَلى ذَلِكَ، كَعُزَيْرٍ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وبِهَذا فَسَّرَ عِكْرِمَةُ، وأدْنى ذَلِكَ طاعَتُهم لِأساقِفَتِهِمْ ورُؤَسائِهِمْ في كُلِّ ما أمَرُوا بِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي والتِزامُهم طاعَتَهم شَرْعًا، وبِهَذا فَسَّرَ ابْنُ جُرَيْجٍ. فَجاءَتِ الآيَةُ بِالدُعاءِ إلى تَرْكِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وأنْ يَكُونَ المُمْتَثَلُ ما قالَهُ اللهُ تَعالى عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ أمْرٌ بِالإعْلانِ بِمُخالَفَتِهِمْ ومُواجَهَتِهِمْ بِذَلِكَ، وإشْهادِهِمْ عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ والتَهْدِيدِ، أيْ سَتَرَوْنَ أنْتُمْ أيُّها المُتَوَلُّونَ عاقِبَةَ تَوَلِّيكم كَيْفَ تَكُونُ.

آل عمران 3:65

(p-٢٤٧)قوله عزّ وجلّ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْزِلَتِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ إلا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ واللهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «اجْتَمَعَتْ نَصارى نَجْرانَ وأحْبارُ يَهُودَ عِنْدَ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ فَتَنازَعُوا عِنْدَهُ، فَقالَتِ الأحْبارُ: ما كانَ إبْراهِيمُ إلّا يَهُودِيًّا، وقالَتِ النَصارى: ما كانَ إبْراهِيمُ إلّا نَصْرانِيًّا، فَأنْزَلَ اللهُ الآيَةَ.» وقالَ السُدِّيُّ وقَتادَةُ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ وقَتادَةَ أيْضًا أنَّهُما قالا: نَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ دَعْوى اليَهُودِ أنَّهُ مِنهم وأنَّهُ ماتَ يَهُودِيًّا، وجَعَلَ هَذا القَوْلَ تَحْتَ تَرْجَمَةٍ مُفْرَدَةٍ لَهُ. والصَحِيحُ أنَّ جَمِيعَ المُتَأوِّلِينَ إنَّما نَحَوْا مَنحىً واحِدًا، وأنَّ الآيَةَ في اليَهُودِ والنَصارى، وألْفاظُ الآيَةِ تُعْطِي ذَلِكَ، فَكَيْفَ يُدافِعُ أحَدٌ أحَدَ الفَرِيقَيْنِ عن ذَلِكَ؟ وهَذِهِ الآيَةُ مُبَيِّنَةٌ فَسادَ هَذِهِ الدَعاوى الَّتِي لا تُشَبَّهُ لِقِيامِ الدَلِيلِ القاطِعِ عَلى فَسادِها، لِأنَّهُمُ ادَّعَوْا لِإبْراهِيمَ الخَلِيلِ نِحَلًا لَمْ تَحْدُثْ في الأرْضِ، ولا وُجِدَتْ إلّا بَعْدَ مَوْتِهِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، ولَمّا كانَ الدَلِيلُ عَقْلِيًّا؛ قالَ اللهُ تَعالى لَهم مُوَبِّخًا "أفَلا تَعْقِلُونَ"؟ واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ: "ها أنْتُمْ" في المَدِّ والهَمْزِ وتَرْكِهِ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "هَأنْتُمْ" في وزْنِ هَعنتُمْ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو: "هانْتُمْ"؟ اسْتِفْهامًا بِلا هَمْزٍ، وقَرَأ الباقُونَ: "ها أنْتُمْ" مَمْدُودًا مَهْمُوزًا، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في مَدِّ "هَؤُلاءِ" و"أُولاءِ". فَوَجْهُ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ أبْدَلَ مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الهاءَ، أرادَ: "أأنْتُمْ"،، ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو أحَدُ أمْرَيْنِ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ها- الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ دَخَلَتْ عَلى أنْتُمْ - ويَكُونَ التَنْبِيهُ داخِلًا عَلى الجُمْلَةِ، كَما دَخَلَ عَلى قَوْلِهِمْ: هَلُمَّ، وكَما دَخَلَتْ "يا" الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ في قَوْلِهِ: "ألّا يا سْجُدُوا"، وفي قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ يا قاتَلَ اللهُ صِبْيانًا تَجِيءُ بِهِمْ ∗∗∗ أُمُّ الهُنَيِّدِ مِن زَنْدٍ لَها وارى (p-٢٤٨)وَقَوْلِ الآخَرِ: ؎ يا لَعْنَةَ اللهِ والأقْوامِ كُلِّهِمُ ∗∗∗ ∗∗∗ والصالِحِينَ عَلى سَمْعانَ مِن جارِ وخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ مِن "أنْتُمْ" ولَمْ تُحَقَّقْ بَعْدَ الألِفِ، كَما قالُوا في هَباءَةٍ: هَباةً، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهاءُ في "هانْتُمْ" بَدَلًا مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، كَوَجْهِ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، وتَكُونَ الألِفُ هي الَّتِي تَدْخُلُ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ، لِتَفْصِلَ بَيْنَهُما. ووَجْهُ قِراءَةِ الباقِينَ "ها أنْتُمْ" مَهْمُوزًا مَمْدُودًا يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ في قِراءَةِ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو، وحَقَّقُوا الهَمْزَةَ الَّتِي بَعْدَ الألِفِ، ولَمْ يُخَفِّفُوها كَما خَفَّفَها أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ، ومَن لَمْ يَرَ إلْحاقَ الألِفِ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ كَما يَراهُ أبُو عَمْرٍو، فَيَنْبَغِي أنْ تَكُونَ ها في قَوْلِهِ لِلتَّنْبِيهِ، ولا تَكُونَ بَدَلًا مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأمّا "هَؤُلاءِ" فَفِيهِ لُغَتانِ، المَدُّ والقَصْرُ، وقَدْ جَمَعَهُما بَيْتُ الأعْشى في بَعْضِ الرِواياتِ: ؎ هَؤُلاءِ ثُمَّ هَؤُلاءِ قَدْ أعْطَيْـ ∗∗∗ ـتُ نِعالًا مَحْذُوَّةً بِنِعالِ وأمّا إعْرابُ: "ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ" فابْتِداءٌ وخَبَرٌ، و"حاجَجْتُمْ" في مَوْضِعِ الحالِ لا يُسْتَغْنى عنها، وهي بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥]. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "هَؤُلاءِ" بَدَلًا أو صِفَةً ويَكُونَ الخَبَرُ "حاجَجْتُمْ" وعَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ "حاجَجْتُمْ" صِلَةٌ لِأُولاءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ: "فَلِمَ تُحاجُّونَ" ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ عَلى زَعْمِكُمْ، وإنَّما المَعْنى فِيما تُشَبَّهُ فِيهِ دَعْواكُمْ، ويَكُونُ الدَلِيلُ العَقْلِيُّ لا يَرُدُّ عَلَيْكُمْ، وفَسَّرَ الطَبَرِيُّ هَذا المَوْضِعَ بِأنَّهُ فِيما لَهم بِهِ عِلْمٌ مِن جِهَةِ كُتُبِهِمْ وأنْبائِهِمْ، مِمّا أيْقَنُوهُ وثَبَتَ عِنْدَهم صِحَّتُهُ؛ وذُهِبَ عنهُ رَحِمَهُ اللهُ أنَّ ما كانَ هَكَذا فَلا يُحْتاجُ مَعَهم فِيهِ إلى مُحاجَّةٍ، لِأنَّهم يَجِدُونَهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَما كانَ هُنالِكَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ

آل عمران 3:66

(p-٢٤٧)قوله عزّ وجلّ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْزِلَتِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ إلا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ واللهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «اجْتَمَعَتْ نَصارى نَجْرانَ وأحْبارُ يَهُودَ عِنْدَ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ فَتَنازَعُوا عِنْدَهُ، فَقالَتِ الأحْبارُ: ما كانَ إبْراهِيمُ إلّا يَهُودِيًّا، وقالَتِ النَصارى: ما كانَ إبْراهِيمُ إلّا نَصْرانِيًّا، فَأنْزَلَ اللهُ الآيَةَ.» وقالَ السُدِّيُّ وقَتادَةُ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ وقَتادَةَ أيْضًا أنَّهُما قالا: نَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ دَعْوى اليَهُودِ أنَّهُ مِنهم وأنَّهُ ماتَ يَهُودِيًّا، وجَعَلَ هَذا القَوْلَ تَحْتَ تَرْجَمَةٍ مُفْرَدَةٍ لَهُ. والصَحِيحُ أنَّ جَمِيعَ المُتَأوِّلِينَ إنَّما نَحَوْا مَنحىً واحِدًا، وأنَّ الآيَةَ في اليَهُودِ والنَصارى، وألْفاظُ الآيَةِ تُعْطِي ذَلِكَ، فَكَيْفَ يُدافِعُ أحَدٌ أحَدَ الفَرِيقَيْنِ عن ذَلِكَ؟ وهَذِهِ الآيَةُ مُبَيِّنَةٌ فَسادَ هَذِهِ الدَعاوى الَّتِي لا تُشَبَّهُ لِقِيامِ الدَلِيلِ القاطِعِ عَلى فَسادِها، لِأنَّهُمُ ادَّعَوْا لِإبْراهِيمَ الخَلِيلِ نِحَلًا لَمْ تَحْدُثْ في الأرْضِ، ولا وُجِدَتْ إلّا بَعْدَ مَوْتِهِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، ولَمّا كانَ الدَلِيلُ عَقْلِيًّا؛ قالَ اللهُ تَعالى لَهم مُوَبِّخًا "أفَلا تَعْقِلُونَ"؟ واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ: "ها أنْتُمْ" في المَدِّ والهَمْزِ وتَرْكِهِ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "هَأنْتُمْ" في وزْنِ هَعنتُمْ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو: "هانْتُمْ"؟ اسْتِفْهامًا بِلا هَمْزٍ، وقَرَأ الباقُونَ: "ها أنْتُمْ" مَمْدُودًا مَهْمُوزًا، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في مَدِّ "هَؤُلاءِ" و"أُولاءِ". فَوَجْهُ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ أبْدَلَ مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الهاءَ، أرادَ: "أأنْتُمْ"،، ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو أحَدُ أمْرَيْنِ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ها- الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ دَخَلَتْ عَلى أنْتُمْ - ويَكُونَ التَنْبِيهُ داخِلًا عَلى الجُمْلَةِ، كَما دَخَلَ عَلى قَوْلِهِمْ: هَلُمَّ، وكَما دَخَلَتْ "يا" الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ في قَوْلِهِ: "ألّا يا سْجُدُوا"، وفي قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ يا قاتَلَ اللهُ صِبْيانًا تَجِيءُ بِهِمْ ∗∗∗ أُمُّ الهُنَيِّدِ مِن زَنْدٍ لَها وارى (p-٢٤٨)وَقَوْلِ الآخَرِ: ؎ يا لَعْنَةَ اللهِ والأقْوامِ كُلِّهِمُ ∗∗∗ ∗∗∗ والصالِحِينَ عَلى سَمْعانَ مِن جارِ وخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ مِن "أنْتُمْ" ولَمْ تُحَقَّقْ بَعْدَ الألِفِ، كَما قالُوا في هَباءَةٍ: هَباةً، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهاءُ في "هانْتُمْ" بَدَلًا مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، كَوَجْهِ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، وتَكُونَ الألِفُ هي الَّتِي تَدْخُلُ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ، لِتَفْصِلَ بَيْنَهُما. ووَجْهُ قِراءَةِ الباقِينَ "ها أنْتُمْ" مَهْمُوزًا مَمْدُودًا يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ في قِراءَةِ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو، وحَقَّقُوا الهَمْزَةَ الَّتِي بَعْدَ الألِفِ، ولَمْ يُخَفِّفُوها كَما خَفَّفَها أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ، ومَن لَمْ يَرَ إلْحاقَ الألِفِ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ كَما يَراهُ أبُو عَمْرٍو، فَيَنْبَغِي أنْ تَكُونَ ها في قَوْلِهِ لِلتَّنْبِيهِ، ولا تَكُونَ بَدَلًا مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأمّا "هَؤُلاءِ" فَفِيهِ لُغَتانِ، المَدُّ والقَصْرُ، وقَدْ جَمَعَهُما بَيْتُ الأعْشى في بَعْضِ الرِواياتِ: ؎ هَؤُلاءِ ثُمَّ هَؤُلاءِ قَدْ أعْطَيْـ ∗∗∗ ـتُ نِعالًا مَحْذُوَّةً بِنِعالِ وأمّا إعْرابُ: "ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ" فابْتِداءٌ وخَبَرٌ، و"حاجَجْتُمْ" في مَوْضِعِ الحالِ لا يُسْتَغْنى عنها، وهي بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥]. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "هَؤُلاءِ" بَدَلًا أو صِفَةً ويَكُونَ الخَبَرُ "حاجَجْتُمْ" وعَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ "حاجَجْتُمْ" صِلَةٌ لِأُولاءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ: "فَلِمَ تُحاجُّونَ" ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ عَلى زَعْمِكُمْ، وإنَّما المَعْنى فِيما تُشَبَّهُ فِيهِ دَعْواكُمْ، ويَكُونُ الدَلِيلُ العَقْلِيُّ لا يَرُدُّ عَلَيْكُمْ، وفَسَّرَ الطَبَرِيُّ هَذا المَوْضِعَ بِأنَّهُ فِيما لَهم بِهِ عِلْمٌ مِن جِهَةِ كُتُبِهِمْ وأنْبائِهِمْ، مِمّا أيْقَنُوهُ وثَبَتَ عِنْدَهم صِحَّتُهُ؛ وذُهِبَ عنهُ رَحِمَهُ اللهُ أنَّ ما كانَ هَكَذا فَلا يُحْتاجُ مَعَهم فِيهِ إلى مُحاجَّةٍ، لِأنَّهم يَجِدُونَهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَما كانَ هُنالِكَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ

آل عمران 3:67

(p-٢٤٩)قوله عزّ وجلّ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنَّ أولى الناسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا واللهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ أخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، عن حَقِيقَةِ أمْرِ إبْراهِيمَ، فَنَفى عنهُ اليَهُودِيَّةَ والنَصْرانِيَّةَ والإشْراكَ الَّذِي هو عِبادَةُ الأوثانِ، ودَخَلَ في ذَلِكَ الإشْراكُ الَّذِي تَتَضَمَّنُهُ اليَهُودِيَّةُ والنَصْرانِيَّةُ. وجاءَ تَرْتِيبُ النَفْيِ عَلى غايَةِ الفَصاحَةِ: نَفى نَفْسَ المِلَلِ وقَرَّرَ الحالَةَ الحَسَنَةَ، ثُمَّ نَفى نَفْيًا بَيَّنَ بِهِ أنَّ تِلْكَ المِلَلَ فِيها هَذا الفَسادُ الَّذِي هو الشِرْكُ، وهَذا كَما تَقُولُ: ما أخَذْتُ لَكَ مالًا بَلْ حَفِظْتُهُ، وما كُنْتُ سارِقًا، فَنَفَيْتَ أقْبَحَ ما يَكُونُ في الأخْذِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى إخْبارًا مُؤَكَّدًا أنَّ أولى الناسِ بِإبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَلامُ، هُمُ القَوْمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ عَلى مِلَّتِهِ الحَنِيفِيَّةِ؛ وهُنا يَدْخُلُ كُلُّ مَنِ اتَّبَعَ الحَنِيفِيَّةَ في الفَتَراتِ، وهَذا النَبِيُّ مُحَمَّدٌ ﷺ لِأنَّهُ بُعِثَ بِالحَنِيفِيَّةِ السَمْحَةِ، و"النَبِيُّ" في الإعْرابِ نَعْتٌ، أو عَطْفُ بَيانٍ، أو بَدَلٌ، وفي كَوْنِهِ بَدَلًا نَظَرٌ. "والَّذِينَ آمَنُوا" يَعْنِي بِمُحَمَّدٍ ﷺ وسائِرِ الأنْبِياءِ عَلى ما يَجِبُ دُونَ المُحَرِّفِينَ المُبَدِّلِينَ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ اللهَ تَعالى "وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ" وعْدًا مِنهُ لَهم بِالنَصْرِ في الدُنْيا والنَعِيمِ في الآخِرَةِ. والحَنِيفُ مَأْخُوذٌ مِنَ الحَنَفِ، وهو الِاسْتِقامَةُ، وقِيلَ: هو المَيْلُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمائِلِ الرِجْلِ: أحْنَفٌ، فالحَنِيفُ مِنَ الاسْتِقامَةِ مَعْناهُ المُسْتَقِيمُ، ومِنَ المَيْلِ مَعْناهُ: المائِلُ عن مُعْوَجِّ الأدْيانِ إلى طَرِيقِ الحَقِّ. واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ عن لَفْظَةِ الحَنِيفِ حَتّى قالَ بَعْضُهُمُ: الحَنِيفُ: الحاجُّ، وكُلُّها عِبارَةٌ عَنِ الحَنَفِ بِإجْراءٍ مِنهُ كالحَجِّ وغَيْرِهِ. وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عن أبِيهِ، أنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ إلى الشامِ يَسْألُ عَنِ الدِينِ ويَتْبَعُهُ، فَلَقِيَ عالِمًا مِنَ اليَهُودِ، فَسَألَهُ عن دِينِهِ، وقالَ لَهُ: إنِّي أُرِيدُ أنْ أكُونَ عَلى دِينِكُمْ، فَقالَ اليَهُودِيُّ: إنَّكَ لَنْ تَكُونَ عَلى دِينِنا حَتّى تَأْخُذَ نَصِيبَكَ مِن غَضَبِ اللهِ، قالَ زَيْدٌ: ما أفِرُّ إلّا مِن غَضَبِ اللهِ، ولا أحْمِلُ مِن غَضَبِ اللهِ شَيْئًا أبَدًا وأنا أسْتَطِيعُ، فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلى دِينٍ لَيْسَ فِيهِ هَذا؟ قالَ: ما أعْلَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ (p-٢٥٠)حَنِيفًا، قالَ وما الحَنِيفُ؟ قالَ: دِينُ إبْراهِيمَ، لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا، وكانَ لا يَعْبُدُ إلّا اللهَ. فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِ فَلَقِيَ عالِمًا مِنَ النَصارى فَقاوَلَهُ بِمِثْلِ مُقاوَلَةِ اليَهُودِيِّ، إلّا أنَّ النَصْرانِيَّ قالَ: بِنَصِيبِكَ مِن لَعْنَةِ اللهِ، فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِ وقَدِ اتَّفَقا لَهُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، فَلَمْ يَزَلْ رافِعًا يَدَيْهِ إلى اللهِ، وقالَ: اللهُمَّ إنِّي أُشْهِدُكَ أنِّي عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، ورَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلاةٌ مِنَ النَبِيِّينَ وإنَّ ولِيِّي مِنهم أبِي وخَلِيلُ رَبِّي إبْراهِيمُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنَّ أولى الناسِ بِإبْراهِيمَ﴾ الآيَةَ".»

آل عمران 3:68

(p-٢٤٩)قوله عزّ وجلّ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنَّ أولى الناسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا واللهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ أخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، عن حَقِيقَةِ أمْرِ إبْراهِيمَ، فَنَفى عنهُ اليَهُودِيَّةَ والنَصْرانِيَّةَ والإشْراكَ الَّذِي هو عِبادَةُ الأوثانِ، ودَخَلَ في ذَلِكَ الإشْراكُ الَّذِي تَتَضَمَّنُهُ اليَهُودِيَّةُ والنَصْرانِيَّةُ. وجاءَ تَرْتِيبُ النَفْيِ عَلى غايَةِ الفَصاحَةِ: نَفى نَفْسَ المِلَلِ وقَرَّرَ الحالَةَ الحَسَنَةَ، ثُمَّ نَفى نَفْيًا بَيَّنَ بِهِ أنَّ تِلْكَ المِلَلَ فِيها هَذا الفَسادُ الَّذِي هو الشِرْكُ، وهَذا كَما تَقُولُ: ما أخَذْتُ لَكَ مالًا بَلْ حَفِظْتُهُ، وما كُنْتُ سارِقًا، فَنَفَيْتَ أقْبَحَ ما يَكُونُ في الأخْذِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى إخْبارًا مُؤَكَّدًا أنَّ أولى الناسِ بِإبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَلامُ، هُمُ القَوْمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ عَلى مِلَّتِهِ الحَنِيفِيَّةِ؛ وهُنا يَدْخُلُ كُلُّ مَنِ اتَّبَعَ الحَنِيفِيَّةَ في الفَتَراتِ، وهَذا النَبِيُّ مُحَمَّدٌ ﷺ لِأنَّهُ بُعِثَ بِالحَنِيفِيَّةِ السَمْحَةِ، و"النَبِيُّ" في الإعْرابِ نَعْتٌ، أو عَطْفُ بَيانٍ، أو بَدَلٌ، وفي كَوْنِهِ بَدَلًا نَظَرٌ. "والَّذِينَ آمَنُوا" يَعْنِي بِمُحَمَّدٍ ﷺ وسائِرِ الأنْبِياءِ عَلى ما يَجِبُ دُونَ المُحَرِّفِينَ المُبَدِّلِينَ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ اللهَ تَعالى "وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ" وعْدًا مِنهُ لَهم بِالنَصْرِ في الدُنْيا والنَعِيمِ في الآخِرَةِ. والحَنِيفُ مَأْخُوذٌ مِنَ الحَنَفِ، وهو الِاسْتِقامَةُ، وقِيلَ: هو المَيْلُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمائِلِ الرِجْلِ: أحْنَفٌ، فالحَنِيفُ مِنَ الاسْتِقامَةِ مَعْناهُ المُسْتَقِيمُ، ومِنَ المَيْلِ مَعْناهُ: المائِلُ عن مُعْوَجِّ الأدْيانِ إلى طَرِيقِ الحَقِّ. واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ عن لَفْظَةِ الحَنِيفِ حَتّى قالَ بَعْضُهُمُ: الحَنِيفُ: الحاجُّ، وكُلُّها عِبارَةٌ عَنِ الحَنَفِ بِإجْراءٍ مِنهُ كالحَجِّ وغَيْرِهِ. وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عن أبِيهِ، أنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ إلى الشامِ يَسْألُ عَنِ الدِينِ ويَتْبَعُهُ، فَلَقِيَ عالِمًا مِنَ اليَهُودِ، فَسَألَهُ عن دِينِهِ، وقالَ لَهُ: إنِّي أُرِيدُ أنْ أكُونَ عَلى دِينِكُمْ، فَقالَ اليَهُودِيُّ: إنَّكَ لَنْ تَكُونَ عَلى دِينِنا حَتّى تَأْخُذَ نَصِيبَكَ مِن غَضَبِ اللهِ، قالَ زَيْدٌ: ما أفِرُّ إلّا مِن غَضَبِ اللهِ، ولا أحْمِلُ مِن غَضَبِ اللهِ شَيْئًا أبَدًا وأنا أسْتَطِيعُ، فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلى دِينٍ لَيْسَ فِيهِ هَذا؟ قالَ: ما أعْلَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ (p-٢٥٠)حَنِيفًا، قالَ وما الحَنِيفُ؟ قالَ: دِينُ إبْراهِيمَ، لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا، وكانَ لا يَعْبُدُ إلّا اللهَ. فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِ فَلَقِيَ عالِمًا مِنَ النَصارى فَقاوَلَهُ بِمِثْلِ مُقاوَلَةِ اليَهُودِيِّ، إلّا أنَّ النَصْرانِيَّ قالَ: بِنَصِيبِكَ مِن لَعْنَةِ اللهِ، فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِ وقَدِ اتَّفَقا لَهُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، فَلَمْ يَزَلْ رافِعًا يَدَيْهِ إلى اللهِ، وقالَ: اللهُمَّ إنِّي أُشْهِدُكَ أنِّي عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، ورَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلاةٌ مِنَ النَبِيِّينَ وإنَّ ولِيِّي مِنهم أبِي وخَلِيلُ رَبِّي إبْراهِيمُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنَّ أولى الناسِ بِإبْراهِيمَ﴾ الآيَةَ".»

آل عمران 3:69

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكم وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن طائِفَةٍ أنَّها تَوَدُّ وتَشْتَهِي أنْ تُضِلَّ المُسْلِمِينَ، أيْ تُتْلِفَهم عن دِينِهِمْ وتَجْعَلَهم في ضَلالٍ، ثُمَّ فَسَّرَ الطائِفَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ فَتَحْتَمِلُ "مِن" أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، وتَكُونَ الطائِفَةُ الرُؤَساءَ والأحْبارَ الَّذِينَ يَسْكُنُ الناسُ إلى قَوْلِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ، وتَكُونَ الطائِفَةُ جَمِيعَ أهْلِ الكِتابِ. وقالَ الطَبَرِيُّ: "يُضِلُّونَكُمْ" مَعْناهُ: يُهْلِكُونَكُمْ، واسْتَشْهَدَ بِبَيْتِ جَرِيرٍ. ؎ كُنْتَ القَذى في مَوْجِ أخْضَرَ مُزْبِدٍ ∗∗∗ قَذَفَ الأتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلالا وقَوْلِ النابِغَةِ: ؎ فَآبَ مُصَلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ... ∗∗∗ البَيْتِ. (p-٢٥١)وَهَذا تَفْسِيرٌ غَيْرُ خاصٍّ بِاللَفْظَةِ، وإنَّما اطَّرَدَ لَهُ هَذا الضَلالُ في الآيَةِ وفي البَيْتَيْنِ اقْتَرَنَ بِهِ هَلاكٌ، وأمّا أنْ تُفَسَّرَ لَفْظَةُ الضَلالِ بِالهَلاكِ فَغَيْرُ قَوِيمٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ إعْلامٌ بِأنَّ سُوءَ فِعْلِهِمْ عائِدٌ عَلَيْهِمْ، وأنَّهم بِبُعْدِهِمْ عَنِ الإسْلامِ هُمُ الضالُّونَ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّهم لا يَشْعُرُونَ لِذَلِكَ أىْ لا يَتَفَطَّنُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الشِعارِ المَأْخُوذِ مِنَ الشَعْرِ، وقِيلَ: المَعْنى: ولا يَشْعُرُونَ أنَّهم لا يَصِلُونَ إلى إضْلالِكم. ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى مُوَبِّخًا لَهم عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ، والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: لِأيِّ سَبَبٍ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ الَّتِي هي آيَةُ القُرْآنِ؛ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ أنَّ أمْرَهُ وصِفَةَ مُحَمَّدٍ الَّذِي هو الآتِي بِهِ في كِتابِكُمْ؟ قالَ هَذا المَعْنى قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ والسُدِّيُّ. وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ مِن تَعْجِيزِ العَرَبِ والإعْلامِ بِالغُيُوبِ وتَكَلُّمِ الجَماعاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ و"تَشْهَدُونَ" - عَلى هَذا - يَكُونُ بِمَعْنى تَحْضُرُونَ وتُعايِنُونَ. والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أقْوى لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ كانُوا قَبْلَ ظُهُورِ مُحَمَّدٍ ﷺ يُخْبِرُونَ بِصِفَةِ النَبِيِّ الخارِجِ وحالِهِ، فَلَمّا ظَهَرَ كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا، فَإخْبارُهُمُ المُتَقَدِّمُ لِظُهُورِهِ هو الشَهادَةُ الَّتِي وقَفُوا عَلَيْها. قالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ عُنِيَ بِها قُرَيْظَةُ والنَضِيرُ وبَنُو قَيْنُقاعَ ونَصارى نَجْرانَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ﴾ مَعْناهُ: تَخْلِطُونَ، تَقُولُ: لَبَسْتُ الأمْرَ -بِفَتْحِ الباءِ- بِمَعْنى خَلَطْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] وتَقُولُ: لَبِسْتُ الثَوْبَ، بِكَسْرِ الباءِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الحَقُّ الَّذِي لَبَسُوهُ هو التَوْراةُ المُنَزَّلَةُ، والباطِلُ الَّذِي لَبَسُوهُ بِهِ هو ما كَتَبُوهُ بِأيْدِيهِمْ ونَسَبُوهُ إلى التَوْراةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَقُّ إسْلامُهم بُكْرَةً، والباطِلُ كُفْرُهم عَشِيَّةً؛ والآيَةُ نَزَلَتْ في قَوْلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَيْفِ وعَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ والحارِثِ بْنِ عَوْفٍ:. تَعالَوْا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ وجْهَ النَهارِ، (p-٢٥٢)وَنَكْفُرُ آخِرَهُ، عَسى أنْ نَلْبِسَ عَلى المُسْلِمِينَ أمْرَهم. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: "لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ" لِمَ تَخْلِطُونَ اليَهُودِيَّةَ والنَصْرانِيَّةَ بِالإسْلامِ، وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ دِينَ اللهِ الَّذِي لا يُقْبَلُ غَيْرُهُ الإسْلامُ؟ فَكَأنَّ المَعْنى عَلى هَذا: لِمَ تُبْقُونَ عَلى هَذِهِ الأدْيانِ وتُوجِدُونَها فَيَكُونُ في ذَلِكَ لَبْسٌ عَلى الناسِ أجْمَعِينَ؟ وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الحَقُّ الَّذِي لَبَسُوهُ قَوْلُهُمْ: مُحَمَّدٌ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، والباطِلُ الَّذِي لَبَسُوهُ بِهِ؛ قَوْلُ أحْبارِهِمْ: لَكِنْ لَيْسَ إلَيْنا، بَلْ مِلَّةُ مُوسى مُؤَبَّدَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يُرِيدُ شَأْنَ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَذَلِكَ قالَ الرَبِيعُ وابْنُ جُرَيْجٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهم. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى العِنادِ ظاهِرٌ؛ قالَ أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ: ولَوْ قِيلَ: "وَتَكْتُمُوا الحَقَّ" لَجازَ عَلى قَوْلِكَ: لِمَ تَجْمَعُونَ ذا وذا؟ عَلى أنَّ "تَكْتُمُوا" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الظَرْفِ في قَوْلِ الكُوفِيِّينَ، وبِإضْمارِ "أنْ" في قَوْلِ أصْحابِنا. قالَ أبُو عَلِيٍّ: الظَرْفُ هاهُنا يَقْبُحُ، وكَذَلِكَ إضْمارُ "أنْ" لِأنَّ "تَكْتُمُونَ" مَعْطُوفٌ عَلى مُوجَبٍ مُقَرَّرٍ، ولَيْسَ بِمُسْتَفْهَمٍ عنهُ، وإنَّما اسْتَفْهَمَ عَنِ السَبَبِ في اللَبْسِ، واللَبْسُ مُوجَبٌ، فَلَيْسَتِ الآيَةُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: أتَأْكُلُ السَمَكَ وتَشْرَبُ اللَبَنَ؟ وبِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: أتَقُومُ فَأقُومُ؟ والعَطْفُ عَلى المُوجَبِ المُقَرَّرِ قَبِيحٌ مَتى نُصِبَ، إلّا في ضَرُورَةِ شِعْرٍ كَما رُوِيَ: ؎ .............. ∗∗∗ وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا وقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِكَ: أسِرْتَ حَتّى تَدْخُلَ المَدِينَةَ؟ لا يَجُوزُ إلّا النَصْبُ في "تَدْخُلَ" لِأنَّ السَيْرَ مُسْتَفْهَمٌ عنهُ غَيْرُ مُوجَبٍ، وإذا قُلْتَ: أيُّهم سارَ حَتّى يَدْخُلُها؟ رَفَعْتَ، لِأنَّ السَيْرَ مُوجَبٌ والِاسْتِفْهامَ إنَّما وقَعَ عن غَيْرِهِ.

آل عمران 3:70

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكم وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن طائِفَةٍ أنَّها تَوَدُّ وتَشْتَهِي أنْ تُضِلَّ المُسْلِمِينَ، أيْ تُتْلِفَهم عن دِينِهِمْ وتَجْعَلَهم في ضَلالٍ، ثُمَّ فَسَّرَ الطائِفَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ فَتَحْتَمِلُ "مِن" أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، وتَكُونَ الطائِفَةُ الرُؤَساءَ والأحْبارَ الَّذِينَ يَسْكُنُ الناسُ إلى قَوْلِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ، وتَكُونَ الطائِفَةُ جَمِيعَ أهْلِ الكِتابِ. وقالَ الطَبَرِيُّ: "يُضِلُّونَكُمْ" مَعْناهُ: يُهْلِكُونَكُمْ، واسْتَشْهَدَ بِبَيْتِ جَرِيرٍ. ؎ كُنْتَ القَذى في مَوْجِ أخْضَرَ مُزْبِدٍ ∗∗∗ قَذَفَ الأتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلالا وقَوْلِ النابِغَةِ: ؎ فَآبَ مُصَلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ... ∗∗∗ البَيْتِ. (p-٢٥١)وَهَذا تَفْسِيرٌ غَيْرُ خاصٍّ بِاللَفْظَةِ، وإنَّما اطَّرَدَ لَهُ هَذا الضَلالُ في الآيَةِ وفي البَيْتَيْنِ اقْتَرَنَ بِهِ هَلاكٌ، وأمّا أنْ تُفَسَّرَ لَفْظَةُ الضَلالِ بِالهَلاكِ فَغَيْرُ قَوِيمٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ إعْلامٌ بِأنَّ سُوءَ فِعْلِهِمْ عائِدٌ عَلَيْهِمْ، وأنَّهم بِبُعْدِهِمْ عَنِ الإسْلامِ هُمُ الضالُّونَ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّهم لا يَشْعُرُونَ لِذَلِكَ أىْ لا يَتَفَطَّنُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الشِعارِ المَأْخُوذِ مِنَ الشَعْرِ، وقِيلَ: المَعْنى: ولا يَشْعُرُونَ أنَّهم لا يَصِلُونَ إلى إضْلالِكم. ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى مُوَبِّخًا لَهم عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ، والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: لِأيِّ سَبَبٍ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ الَّتِي هي آيَةُ القُرْآنِ؛ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ أنَّ أمْرَهُ وصِفَةَ مُحَمَّدٍ الَّذِي هو الآتِي بِهِ في كِتابِكُمْ؟ قالَ هَذا المَعْنى قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ والسُدِّيُّ. وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ مِن تَعْجِيزِ العَرَبِ والإعْلامِ بِالغُيُوبِ وتَكَلُّمِ الجَماعاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ و"تَشْهَدُونَ" - عَلى هَذا - يَكُونُ بِمَعْنى تَحْضُرُونَ وتُعايِنُونَ. والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أقْوى لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ كانُوا قَبْلَ ظُهُورِ مُحَمَّدٍ ﷺ يُخْبِرُونَ بِصِفَةِ النَبِيِّ الخارِجِ وحالِهِ، فَلَمّا ظَهَرَ كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا، فَإخْبارُهُمُ المُتَقَدِّمُ لِظُهُورِهِ هو الشَهادَةُ الَّتِي وقَفُوا عَلَيْها. قالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ عُنِيَ بِها قُرَيْظَةُ والنَضِيرُ وبَنُو قَيْنُقاعَ ونَصارى نَجْرانَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ﴾ مَعْناهُ: تَخْلِطُونَ، تَقُولُ: لَبَسْتُ الأمْرَ -بِفَتْحِ الباءِ- بِمَعْنى خَلَطْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] وتَقُولُ: لَبِسْتُ الثَوْبَ، بِكَسْرِ الباءِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الحَقُّ الَّذِي لَبَسُوهُ هو التَوْراةُ المُنَزَّلَةُ، والباطِلُ الَّذِي لَبَسُوهُ بِهِ هو ما كَتَبُوهُ بِأيْدِيهِمْ ونَسَبُوهُ إلى التَوْراةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَقُّ إسْلامُهم بُكْرَةً، والباطِلُ كُفْرُهم عَشِيَّةً؛ والآيَةُ نَزَلَتْ في قَوْلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَيْفِ وعَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ والحارِثِ بْنِ عَوْفٍ:. تَعالَوْا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ وجْهَ النَهارِ، (p-٢٥٢)وَنَكْفُرُ آخِرَهُ، عَسى أنْ نَلْبِسَ عَلى المُسْلِمِينَ أمْرَهم. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: "لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ" لِمَ تَخْلِطُونَ اليَهُودِيَّةَ والنَصْرانِيَّةَ بِالإسْلامِ، وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ دِينَ اللهِ الَّذِي لا يُقْبَلُ غَيْرُهُ الإسْلامُ؟ فَكَأنَّ المَعْنى عَلى هَذا: لِمَ تُبْقُونَ عَلى هَذِهِ الأدْيانِ وتُوجِدُونَها فَيَكُونُ في ذَلِكَ لَبْسٌ عَلى الناسِ أجْمَعِينَ؟ وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الحَقُّ الَّذِي لَبَسُوهُ قَوْلُهُمْ: مُحَمَّدٌ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، والباطِلُ الَّذِي لَبَسُوهُ بِهِ؛ قَوْلُ أحْبارِهِمْ: لَكِنْ لَيْسَ إلَيْنا، بَلْ مِلَّةُ مُوسى مُؤَبَّدَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يُرِيدُ شَأْنَ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَذَلِكَ قالَ الرَبِيعُ وابْنُ جُرَيْجٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهم. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى العِنادِ ظاهِرٌ؛ قالَ أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ: ولَوْ قِيلَ: "وَتَكْتُمُوا الحَقَّ" لَجازَ عَلى قَوْلِكَ: لِمَ تَجْمَعُونَ ذا وذا؟ عَلى أنَّ "تَكْتُمُوا" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الظَرْفِ في قَوْلِ الكُوفِيِّينَ، وبِإضْمارِ "أنْ" في قَوْلِ أصْحابِنا. قالَ أبُو عَلِيٍّ: الظَرْفُ هاهُنا يَقْبُحُ، وكَذَلِكَ إضْمارُ "أنْ" لِأنَّ "تَكْتُمُونَ" مَعْطُوفٌ عَلى مُوجَبٍ مُقَرَّرٍ، ولَيْسَ بِمُسْتَفْهَمٍ عنهُ، وإنَّما اسْتَفْهَمَ عَنِ السَبَبِ في اللَبْسِ، واللَبْسُ مُوجَبٌ، فَلَيْسَتِ الآيَةُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: أتَأْكُلُ السَمَكَ وتَشْرَبُ اللَبَنَ؟ وبِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: أتَقُومُ فَأقُومُ؟ والعَطْفُ عَلى المُوجَبِ المُقَرَّرِ قَبِيحٌ مَتى نُصِبَ، إلّا في ضَرُورَةِ شِعْرٍ كَما رُوِيَ: ؎ .............. ∗∗∗ وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا وقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِكَ: أسِرْتَ حَتّى تَدْخُلَ المَدِينَةَ؟ لا يَجُوزُ إلّا النَصْبُ في "تَدْخُلَ" لِأنَّ السَيْرَ مُسْتَفْهَمٌ عنهُ غَيْرُ مُوجَبٍ، وإذا قُلْتَ: أيُّهم سارَ حَتّى يَدْخُلُها؟ رَفَعْتَ، لِأنَّ السَيْرَ مُوجَبٌ والِاسْتِفْهامَ إنَّما وقَعَ عن غَيْرِهِ.

آل عمران 3:71

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكم وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن طائِفَةٍ أنَّها تَوَدُّ وتَشْتَهِي أنْ تُضِلَّ المُسْلِمِينَ، أيْ تُتْلِفَهم عن دِينِهِمْ وتَجْعَلَهم في ضَلالٍ، ثُمَّ فَسَّرَ الطائِفَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ فَتَحْتَمِلُ "مِن" أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، وتَكُونَ الطائِفَةُ الرُؤَساءَ والأحْبارَ الَّذِينَ يَسْكُنُ الناسُ إلى قَوْلِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ، وتَكُونَ الطائِفَةُ جَمِيعَ أهْلِ الكِتابِ. وقالَ الطَبَرِيُّ: "يُضِلُّونَكُمْ" مَعْناهُ: يُهْلِكُونَكُمْ، واسْتَشْهَدَ بِبَيْتِ جَرِيرٍ. ؎ كُنْتَ القَذى في مَوْجِ أخْضَرَ مُزْبِدٍ ∗∗∗ قَذَفَ الأتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلالا وقَوْلِ النابِغَةِ: ؎ فَآبَ مُصَلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ... ∗∗∗ البَيْتِ. (p-٢٥١)وَهَذا تَفْسِيرٌ غَيْرُ خاصٍّ بِاللَفْظَةِ، وإنَّما اطَّرَدَ لَهُ هَذا الضَلالُ في الآيَةِ وفي البَيْتَيْنِ اقْتَرَنَ بِهِ هَلاكٌ، وأمّا أنْ تُفَسَّرَ لَفْظَةُ الضَلالِ بِالهَلاكِ فَغَيْرُ قَوِيمٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ إعْلامٌ بِأنَّ سُوءَ فِعْلِهِمْ عائِدٌ عَلَيْهِمْ، وأنَّهم بِبُعْدِهِمْ عَنِ الإسْلامِ هُمُ الضالُّونَ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّهم لا يَشْعُرُونَ لِذَلِكَ أىْ لا يَتَفَطَّنُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الشِعارِ المَأْخُوذِ مِنَ الشَعْرِ، وقِيلَ: المَعْنى: ولا يَشْعُرُونَ أنَّهم لا يَصِلُونَ إلى إضْلالِكم. ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى مُوَبِّخًا لَهم عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ، والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: لِأيِّ سَبَبٍ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ الَّتِي هي آيَةُ القُرْآنِ؛ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ أنَّ أمْرَهُ وصِفَةَ مُحَمَّدٍ الَّذِي هو الآتِي بِهِ في كِتابِكُمْ؟ قالَ هَذا المَعْنى قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ والسُدِّيُّ. وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ مِن تَعْجِيزِ العَرَبِ والإعْلامِ بِالغُيُوبِ وتَكَلُّمِ الجَماعاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ و"تَشْهَدُونَ" - عَلى هَذا - يَكُونُ بِمَعْنى تَحْضُرُونَ وتُعايِنُونَ. والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أقْوى لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ كانُوا قَبْلَ ظُهُورِ مُحَمَّدٍ ﷺ يُخْبِرُونَ بِصِفَةِ النَبِيِّ الخارِجِ وحالِهِ، فَلَمّا ظَهَرَ كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا، فَإخْبارُهُمُ المُتَقَدِّمُ لِظُهُورِهِ هو الشَهادَةُ الَّتِي وقَفُوا عَلَيْها. قالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ عُنِيَ بِها قُرَيْظَةُ والنَضِيرُ وبَنُو قَيْنُقاعَ ونَصارى نَجْرانَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ﴾ مَعْناهُ: تَخْلِطُونَ، تَقُولُ: لَبَسْتُ الأمْرَ -بِفَتْحِ الباءِ- بِمَعْنى خَلَطْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] وتَقُولُ: لَبِسْتُ الثَوْبَ، بِكَسْرِ الباءِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الحَقُّ الَّذِي لَبَسُوهُ هو التَوْراةُ المُنَزَّلَةُ، والباطِلُ الَّذِي لَبَسُوهُ بِهِ هو ما كَتَبُوهُ بِأيْدِيهِمْ ونَسَبُوهُ إلى التَوْراةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَقُّ إسْلامُهم بُكْرَةً، والباطِلُ كُفْرُهم عَشِيَّةً؛ والآيَةُ نَزَلَتْ في قَوْلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَيْفِ وعَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ والحارِثِ بْنِ عَوْفٍ:. تَعالَوْا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ وجْهَ النَهارِ، (p-٢٥٢)وَنَكْفُرُ آخِرَهُ، عَسى أنْ نَلْبِسَ عَلى المُسْلِمِينَ أمْرَهم. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: "لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ" لِمَ تَخْلِطُونَ اليَهُودِيَّةَ والنَصْرانِيَّةَ بِالإسْلامِ، وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ دِينَ اللهِ الَّذِي لا يُقْبَلُ غَيْرُهُ الإسْلامُ؟ فَكَأنَّ المَعْنى عَلى هَذا: لِمَ تُبْقُونَ عَلى هَذِهِ الأدْيانِ وتُوجِدُونَها فَيَكُونُ في ذَلِكَ لَبْسٌ عَلى الناسِ أجْمَعِينَ؟ وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الحَقُّ الَّذِي لَبَسُوهُ قَوْلُهُمْ: مُحَمَّدٌ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، والباطِلُ الَّذِي لَبَسُوهُ بِهِ؛ قَوْلُ أحْبارِهِمْ: لَكِنْ لَيْسَ إلَيْنا، بَلْ مِلَّةُ مُوسى مُؤَبَّدَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يُرِيدُ شَأْنَ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَذَلِكَ قالَ الرَبِيعُ وابْنُ جُرَيْجٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهم. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى العِنادِ ظاهِرٌ؛ قالَ أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ: ولَوْ قِيلَ: "وَتَكْتُمُوا الحَقَّ" لَجازَ عَلى قَوْلِكَ: لِمَ تَجْمَعُونَ ذا وذا؟ عَلى أنَّ "تَكْتُمُوا" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الظَرْفِ في قَوْلِ الكُوفِيِّينَ، وبِإضْمارِ "أنْ" في قَوْلِ أصْحابِنا. قالَ أبُو عَلِيٍّ: الظَرْفُ هاهُنا يَقْبُحُ، وكَذَلِكَ إضْمارُ "أنْ" لِأنَّ "تَكْتُمُونَ" مَعْطُوفٌ عَلى مُوجَبٍ مُقَرَّرٍ، ولَيْسَ بِمُسْتَفْهَمٍ عنهُ، وإنَّما اسْتَفْهَمَ عَنِ السَبَبِ في اللَبْسِ، واللَبْسُ مُوجَبٌ، فَلَيْسَتِ الآيَةُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: أتَأْكُلُ السَمَكَ وتَشْرَبُ اللَبَنَ؟ وبِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: أتَقُومُ فَأقُومُ؟ والعَطْفُ عَلى المُوجَبِ المُقَرَّرِ قَبِيحٌ مَتى نُصِبَ، إلّا في ضَرُورَةِ شِعْرٍ كَما رُوِيَ: ؎ .............. ∗∗∗ وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا وقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِكَ: أسِرْتَ حَتّى تَدْخُلَ المَدِينَةَ؟ لا يَجُوزُ إلّا النَصْبُ في "تَدْخُلَ" لِأنَّ السَيْرَ مُسْتَفْهَمٌ عنهُ غَيْرُ مُوجَبٍ، وإذا قُلْتَ: أيُّهم سارَ حَتّى يَدْخُلُها؟ رَفَعْتَ، لِأنَّ السَيْرَ مُوجَبٌ والِاسْتِفْهامَ إنَّما وقَعَ عن غَيْرِهِ.

آل عمران 3:72

(p-٢٥٣)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا وجْهَ النَهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكم قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أو يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم.﴾ أخْبَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ طائِفَةً مِنَ اليَهُودِ مِن أحْبارِهِمْ ذَهَبَتْ إلى خَدِيعَةِ المُسْلِمِينَ بِهَذا المَنزَعِ، قالَ الحَسَنُ: قالَتْ ذَلِكَ يَهُودُ خَيْبَرَ لِيَهُودِ المَدِينَةِ، قالَ قَتادَةُ وأبُو مالِكٍ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُمْ: قالَ بَعْضُ الأحْبارِ: لِنُظْهِرِ الإيمانَ لِمُحَمَّدٍ صَدْرَ النَهارِ ثُمَّ لْنَكْفُرْ بِهِ آخِرَ النَهارِ، فَسَيَقُولُ المُسْلِمُونَ عِنْدَ ذَلِكَ: ما بالُ هَؤُلاءِ كانُوا مَعَنا ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنّا؟ ما ذَلِكَ إلّا لِأنَّهُمُ انْكَشَفَتْ لَهم حَقِيقَةٌ في الأمْرِ فَيَشُكُّونَ، ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ. ولَمّا كانَتِ الأحْبارُ يُظَنُّ بِهِمُ العِلْمُ وجَوْدَةُ النَظَرِ والِاطِّلاعُ عَلى الكِتابِ القَدِيمِ، طَمِعُوا أنْ تَنْخَدِعَ العَرَبُ بِهَذِهِ النَزْعَةِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ: جاؤُوا إلى النَبِيِّ ﷺ بُكْرَةً فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ أنْتَ هو المَوْصُوفُ في كِتابِنا، ولَكِنْ أمْهِلْنا إلى العَشِيِّ حَتّى نَنْظُرَ في أمْرِنا، ثُمَّ رَجَعُوا بِالعَشِيِّ، فَقالُوا: قَدْ نَظَرْنا ولَسْتَ بِهِ. "وَجْهَ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: "آمِنُوا" والمَعْنى: أظْهِرُوا الإيمانَ في وجْهِ النَهارِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "آخِرَهُ" عائِدٌ عَلى النَهارِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما: نَزَلَتِ الآيَةُ، لِأنَّ اليَهُودَ ذَهَبَتْ إلى المَكْرِ بِالمُؤْمِنِينَ، فَصَلُّوا مَعَ النَبِيِّ ﷺ صَلاةَ الصُبْحِ، ثُمَّ رَجَعُوا آخِرَ النَهارِ، فَصَلُّوا صَلاتَهم لِيَرى الناسُ أنَّهم بَدَتْ لَهم مِنهُ ضَلالَةٌ بَعْدَ أنْ كانُوا اتَّبَعُوهُ. وهَذا القَوْلُ قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أمْرِ القِبْلَةِ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلّى صَلاةَ الصُبْحِ إلى الشامِ كَما كانَ يُصَلِّي، ثُمَّ حُوِّلَتِ القِبْلَةُ فَصَلّى (p-٢٥٤)الظُهْرَ - وقِيلَ العَصْرُ- إلى مَكَّةَ، فَقالَتِ الأحْبارُ لِتُبّاعِهِمْ ولِلْعَرَبِ: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ في أوَّلِ النَهارِ واكْفُرُوا بِهَذِهِ القِبْلَةِ الأخِيرَةِ. والعامِلُ في قَوْلِهِ "وَجْهَ النَهارِ"- عَلى هَذا التَأْوِيلِ- قَوْلُهُ: "أُنْزِلَ" والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "آخِرَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَهارِ أو يَعُودَ عَلى "الَّذِي أُنْزِلَ". "وَيَرْجِعُونَ" - في هَذا التَأْوِيلِ- مَعْناهُ: عن مَكَّةَ إلى قِبْلَتِنا الَّتِي هي الشامُ، كَذَلِكَ قالَ قائِلُ هَذا التَأْوِيلِ. و"وَجْهَ النَهارِ" أوَّلُهُ الَّذِي يُواجَهُ مِنهُ، تَشْبِيهًا بِوَجْهِ الإنْسانِ، وكَذَلِكَ تَقُولُ: صَدْرُ النَهارِ وغُرَّةُ العامِ والشَهْرِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ « "أقَتَلْتَهُ في غُرَّةِ الإسْلامِ"؟» ومِن هَذا قَوْلُ الرَبِيعِ بْنِ زِيادٍ العَبْسِيِّ: ؎ مَن كانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مالِكٍ ∗∗∗ فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنا بِوَجْهِ نَهارِ ؎ يَجِدِ النِساءَ حَواسِرًا يَنْدُبْنَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ قَدْ قُمْنَ قَبْلَ تَبَلُّجِ الأسْحارِ يَقُولُ هَذا في مالِكِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ جُذَيْمَةَ العَبْسِيِّ وكانُوا قَدْ أخَذُوا بِثَأْرِهِ، وكانَ القَتِيلُ عِنْدَهم لا يُناحُ عَلَيْهِ ولا يُنْدَبُ إلّا بَعْدَ أخْذِ ثَأْرِهِ. فالمَعْنى: مَن سَرَّهُ مُصابُنا فِيهِ فَلْيَنْظُرْ إلى ما يَدُلُّهُ عَلى أنّا قَدْ أدْرَكْنا ثَأْرَهُ، فَيُكْمَدْ لِذَلِكَ ويَغْتَمَّ، ومِنِ اسْتِعارَةِ الوَجْهِ قَوْلُهُمْ: فَعَلْتُ كَذا عَلى وجْهِ الدَهْرِ، أيْ في القَدِيمِ. وذَكَرَ اللهُ تَعالى عن هَذِهِ الطائِفَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ، أنَّهم قالُوا: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ ولا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ التَأْوِيلِ أنَّ هَذا القَوْلَ هو مِن كَلامِ الطائِفَةِ. واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أو يُحاجُّوكُمْ﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ: الكَلامُ كُلُّهُ مِن قَوْلِ الطائِفَةِ لِأتْباعِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ. (p-٢٥٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والكَلامُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ يَحْتَمِلُ مَعانِيَ أحَدُها: ولا تُصَدِّقُوا تَصْدِيقًا صَحِيحًا وتُؤْمِنُوا إلّا لِمَن جاءَ بِمِثْلِ دِينِكم كَراهَةً أو مَخافَةً أو حِذارًا أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِنَ النُبُوَّةِ والكَرامَةِ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، وحَذَرًا أنْ يُحاجُّوكم بِتَصْدِيقِكم إيّاهم عِنْدَ رَبِّكم إذا لَمْ تَسْتَمِرُّوا عَلَيْهِ. وهَذا القَوْلُ عَلى هَذا المَعْنى ثَمَرَةُ الحَسَدِ والكُفْرِ، مَعَ المَعْرِفَةِ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ، أنْ "لا يُؤْتى" فَحُذِفَتْ "لا" لِدَلالَةِ الكَلامِ، ويَحْتَمِلُ الكَلامُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ولا تُصَدِّقُوا وتُؤْمِنُوا بِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم وجاءَ بِمِثْلِهِ وعاضِدًا لَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُؤْتاهُ غَيْرُكُمْ، ﴿أو يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ بِمَعْنى: إلّا أنْ يُحاجُّوكُمْ، كَما تَقُولُ: أنا لا أتْرُكُكَ أو تَقْتَضِينِي حَقِّي. وهَذا القَوْلُ عَلى هَذا المَعْنى ثَمَرَةُ التَكْذِيبِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ عَلى اعْتِقادٍ مِنهم أنَّ النُبُوَّةَ لا تَكُونُ إلّا في بَنِي إسْرائِيلَ. ويَحْتَمِلُ الكَلامُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ولا تُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ وتُقِرُّوا بِنُبُوَّتِهِ إذْ قَدْ عَلِمْتُمْ صِحَّتَها إلّا لِلْيَهُودِ الَّذِينَ هم مِنكُمْ، و﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ صِفَةٌ لِحالِ مُحَمَّدٍ، فالمَعْنى: تَسَتَّرُوا بِإقْرارِكم أنْ قَدْ أُوتِيَ أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، أو فَإنَّهم -يَعْنُونَ العَرَبَ - يُحاجُّوكم بِالإقْرارِ عِنْدَ رَبِّكم. قالَ أبُو عَلِيٍّ: و"تُؤْمِنُوا" تَعَدّى بِالباءِ المُقَدَّرَةِ في قَوْلِهِ: "أنْ يُؤْتى" كَما تَعَدّى أوَّلَ الآيَةِ في قَوْلِهِ: "بِالَّذِي أُنْزِلَ". واللامُ في قَوْلِهِ: "لِمَن تَبِعَ" لا يَسْهُلُ أنْ تُعَلَّقَ بِـ "تُؤْمِنُوا" وأنْتَ قَدْ أوصَلْتَهُ بِالباءِ فَتُعَلِّقَ بِالفِعْلِ جارَّيْنِ، كَما لا يَسْتَقِيمُ أنْ تُعَدِّيَهُ إلى مَفْعُولَيْنِ إذا كانَ لا يَتَعَدّى إلّا إلى واحِدٍ. وإنَّما يُحْمَلُ أمْرُ هَذِهِ اللامِ عَلى المَعْنى، والمَعْنى: لا تُقِرُّوا بِأنَّ اللهَ يُؤْتِي أحَدًا مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ إلّا لِمَن، فَهَذا كَما تَقُولُ: أقْرَرْتُ لِزَيْدٍ بِألْفٍ، فَتَكُونُ اللامُ مُتَعَلِّقَةً بِالمَعْنى ولا تَكُونُ زائِدَةً عَلى حَدِّ ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] ولا تَتَعَلَّقُ عَلى حَدِّ المَفْعُولِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ تَعَدّى "آمَنَ" بِاللامِ في (p-٢٥٦)قَوْلِهِ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلا ذُرِّيَّةٌ﴾ [يونس: ٨٣] وقَوْلِهِ: "آمَنتُمْ لَهُ" وقَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١]. و"أحَدٌ" إنَّما دَخَلَ في هَذا الكَلامِ بِسَبَبِ النَفْيِ الواقِعِ في قَوْلِهِ: "وَلا تُؤْمِنُوا" كَما دَخَلَتْ "مِن" في قَوْلِهِ: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥] فَكَما دَخَلَتْ "مِن" في صِلَةِ "أنْ يُنَزَّلَ" لِأنَّهُ مَفْعُولُ النَفْيِ اللاحِقِ لِأوَّلِ الكَلامِ، فَكَذَلِكَ دَخَلَ "أحَدٌ" في صِلَةِ "أنْ" في قَوْلِهِ ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ﴾ لِدُخُولِ النَفْيِ في أوَّلِ الكَلامِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لِأنَّ أحَدًا الَّذِي فِيهِ الشِياعُ لا يَجِيءُ في واجِبٍ مِنَ الكَلامِ، لِأنَّهُ لا يُفِيدُ مَعْنىً. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ بَيْنَ السَبْعَةِ: "آنْ يُؤْتى" بِالمَدِّ عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو تَقْرِيرٌ. وفَسَّرَ أبُو عَلِيٍّ قِراءَةَ ابْنِ كَثِيرٍ عَلى أنَّ الكَلامَ كُلَّهُ مِن قَوْلِ الطائِفَةِ، إلّا الِاعْتِراضَ الَّذِي هُوَ: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ﴾ فَإنَّهُ لا يُخْتَلَفُ أنَّهُ مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ قالَ: فَلا يَجُوزُ مَعَ الِاسْتِفْهامِ أنْ يُحْمَلَ: "أنْ يُؤْتى" عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الفِعْلِ، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ قاطِعٌ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنْ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تُصَدِّقُونَ بِهِ أو تَعْتَرِفُونَ أو تَذْكُرُونَهُ لِغَيْرِكُمْ، ونَحْوُ هَذا مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، ويَكُونَ "يُحاجُّوكُمْ"- عَلى هَذا- مَعْطُوفًا عَلى "أنْ يُؤْتى" قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ "أنْ" مَنصُوبًا، فَيَكُونَ المَعْنى: أتُشِيعُونَ أو أتَذْكُرُونَ ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ ويَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى عنهُمْ: ﴿أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٧٦] فَعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ مَعْنى الآيَةِ تَوْبِيخٌ مِنَ الأحْبارِ لِلْأتْباعِ عَلى تَصْدِيقِهِمْ بِأنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: "أو يُحاجُّوكُمْ" في تَأْوِيلِ نَصْبِ "أنْ" أيْ: أو تُرِيدُونَ أنْ يُحاجُّوكُمْ؟ قالَ أبُو عَلِيٍّ: و"أحَدٌ" عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ هو الَّذِي يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، وقَدْ مَنَعَ الِاسْتِفْهامُ القاطِعُ مِن أنْ يَشْفَعَ لِدُخُولِهِ النَفْيُ الَّذِي في أوَّلِ (p-٢٥٧)الكَلامِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقَدَّرَ أنَّ "أحَدٌ" الَّذِي في قَوْلِكَ: "أحَدٌ وعِشْرُونَ"، وهو يَقَعُ في الإيجابِ لِأنَّهُ بِمَعْنى واحِدٍ، وجَمَعَ ضَمِيرَهُ في قَوْلِهِ: "أو يُحاجُّوكُمْ" جَمْعًا عَلى المَعْنى، إذْ لِـ "أحَدٌ" المُرادِ بِمِثْلِ النُبُوَّةِ أتْباعٌ، فَهو في مَعْنى الكَثْرَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا مَوْضِعٌ يَنْبَغِي أنْ تُرَجَّحَ فِيهِ قِراءَةُ غَيْرِ ابْنِ كَثِيرٍ عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، لِأنَّ الأسْماءَ المُفْرَدَةَ لَيْسَ بِالمُسْتَمِرِّ أنْ تَدُلَّ عَلى الكَثْرَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إلّا أنَّ "أحَدًا" في مِثْلِ النُبُوَّةِ يَدُلُّ عَلَيْها مِن حَيْثُ يَقْتَضِي الأتْباعَ. وقَرَأ الأعْمَشُ وشُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: "إنْ يُؤْتى" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ بِمَعْنى: لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِثْلَ ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الكَرامَةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ خِطابًا مِنَ الطائِفَةِ القائِلَةِ، ويَكُونَ قَوْلُها: "أو يُحاجُّوكُمْ" بِمَعْنى: أو فَلْيُحاجُّوكم. وهَذا عَلى التَصْمِيمِ عَلى أنَّهُ لا يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: إلّا أنْ يُحاجُّوكُمْ، وهَذا عَلى تَجْوِيزِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ ذَلِكَ إذا قامَتِ الحُجَّةُ لَهُ، فَهَذا تَرْتِيبُ التَفْسِيرِ والقِراءاتِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: الكَلامُ كُلُّهُ مِن قَوْلِ الطائِفَةِ. وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: الكَلامُ كُلُّهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ﴾... إلى آخِرِ الآيَةِ، هو مِمّا أُمِرَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَقُولَهُ لِأُمَّتِهِ. وحَكى الزَجّاجُ وغَيْرُهُ أنَّ المَعْنى: قُلْ إنَّ الهُدى هو هَذا الهُدى، لا يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ. وحُكِيَ عن بَعْضِ النَحْوِيِّينَ أنَّ المَعْنى: أنْ لا يُؤْتِي أحَدًا، وحُذِفَتْ "لا" لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أيْ أنْ لا تَضِلُّوا. وحُكِيَ عن أبِي العَبّاسِ المُبَرِّدِ: لا تُحْذَفُ "لا" وإنَّما المَعْنى كَراهَةَ أنْ تَضِلُّوا، وكَذَلِكَ هُنا: كَراهَةَ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، أيْ مِمَّنْ خالَفَ دِينَ الإسْلامِ، لِأنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ، فَهُدى اللهِ بَعِيدٌ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَبْعُدُ مِن هَذا القَوْلِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ بِالِاسْتِفْهامِ والمَدِّ، وتُحْمَلُ عَلَيْهِ قِراءَةُ الأعْمَشِ وابْنِ أبِي حَمْزَةَ: "إنْ يُؤْتى" بِكَسْرِ الألِفِ، كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ يُخْبِرُ أُمَّتَهُ أنَّ اللهَ لا يُعْطِي (p-٢٥٨)أحَدًا ولا أعْطى فِيما سَلَفَ مِثْلَ ما أعْطى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ لِكَوْنِها وسَطًا ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: "أو يُحاجُّوكُمْ" -عَلى هَذِهِ المَعانِي الَّتِي تَرَتَّبَتْ في قَوْلِ السُدِّيِّ- يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما: أو فَلْيُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم، يَعْنِي اليَهُودَ، فالمَعْنى: لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِثْلَ حَظِّكم وإلّا فَلْيُحاجُّوكم مَنِ ادَّعى سِوى ذَلِكَ. والمَعْنى الثانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "أو يُحاجُّوكُمْ" بِمَعْنى التَقْرِيرِ والإزْراءِ بِاليَهُودِ، كَأنَّهُ قالَ: أو هَلْ لَهم أنْ يُحاجُّوكم أو يُخاصِمُوكم فِيما وهَبَكُمُ اللهُ وفَضَّلَكم بِهِ؟ وقَوْلُهُ: "هُدى اللهِ" عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ خَبَرُ"إنَّ"؛ وقالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ: الكَلامُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، هو مِمّا أُمِرَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَقُولَهُ لِلطّائِفَةِ الَّتِي قالَتْ: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ وتَتَّفِقُ مَعَ هَذا القَوْلِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ بِالِاسْتِفْهامِ والمَدِّ، وتَقْدِيرُ الخَبَرِ المَحْذُوفِ "أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ": "حَسَدْتُمْ وكَفَرْتُمْ"، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "أو يُحاجُّوكُمْ" مَحْمُولًا عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ: أتَحْسُدُونَ أو تَكْفُرُونَ لِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ؟ أو يُحاجُّوكم عَلى ما أُوتُوهُ فَإنَّهُ يَغْلِبُونَكم بِالحُجَّةِ. وأمّا عَلى قِراءَةِ غَيْرِ ابْنِ كَثِيرٍ بِغَيْرِ المَدِّ فَيَحْتَمِلُ "ذَلِكَ"أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَقْرِيرِ بِغَيْرِ حَرْفِ اسْتِفْهامٍ، وذَلِكَ هو الظاهِرُ مِن لَفْظِ قَتادَةَ فَإنَّهُ قالَ: يَقُولُ لَمّا أنْزَلَ اللهُ كِتابًا مِثْلَ كِتابِكم وبَعَثَ نَبِيًّا مِثْلَ نَبِيِّكم حَسَدْتُمُوهم عَلى ذَلِكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "أنْ يُؤْتى" بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: "هُدى اللهِ" ويَكُونَ المَعْنى: قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ، وهو أنْ يُؤْتى أحَدٌ كالَّذِي جاءَنا نَحْنُ. ويَكُونَ قَوْلُهُ: "أو يُحاجُّوكُمْ" بِمَعْنى: أو فَلْيُحاجُّوكُمْ، فَإنَّهُ يَغْلِبُونَكم. ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: "أنْ يُؤْتى" خَبَرَ "إنَّ" ويَكُونُ قَوْلُهُ: "هُدى اللهِ" بَدَلًا مِنَ "الهُدى"، وهَذا في المَعْنى قَرِيبٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَوْلُهُ تَعالى: "أنْ يُؤْتى" هو مِن قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِلْيَهُودِ، وتَمَّ الكَلامُ في قَوْلِهِ: "أُوتِيتُمْ" وقَوْلُهُ تَعالى: "أو يُحاجُّوكُمْ" مُتَّصِلٌ بِقَوْلِ الطائِفَةِ: "وَلا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ"، وهَذا القَوْلُ يُفَسِّرُ مَعانِيهِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِ غَيْرِهِ مِنَ التَقْسِيمِ واللهُ المُسْتَعانُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "أنْ يُحاجُّوكُمْ" بَدَلَ "أو" وهَذِهِ القِراءَةُ تَلْتَئِمُ مَعَ بَعْضِ المَعانِي الَّتِي تَقَدَّمَتْ، ولا تَلْتَئِمُ مَعَ بَعْضِها. (p-٢٥٩)وَقَوْلُهُ "عِنْدَ رَبِّكُمْ" يَجِيءُ في بَعْضِ المَعانِي عَلى مَعْنى "عِنْدَ رَبِّكم في الآخِرَةِ"، ويَجِيءُ في بَعْضِها عَلى مَعْنى "عِنْدَ كُتُبِ رَبِّكم والعِلْمِ الَّذِي جَعَلَ في العِبادِ"، فَأضافَ ذَلِكَ إلى الرَبِّ تَشْرِيفًا، وكَأنَّ المَعْنى: أو يُحاجُّوكم عِنْدَ الحَقِّ. وقَرَأ الحَسَنُ "إنْ يُؤْتِي أحَدٌ"، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والتاءِ، عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى "أحَدٌ" والمَعْنى: أنَّ إنْعامَ اللهِ لا يُشْبِهُهُ إنْعامُ أحَدٍ مِن خَلْقِهِ. وأظْهَرُ ما في القِراءَةِ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ لِأُمَّتِهِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ. إنْ يُؤْتِي أحَدٌ أحَدًا.

آل عمران 3:73

(p-٢٥٣)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا وجْهَ النَهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكم قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أو يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم.﴾ أخْبَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ طائِفَةً مِنَ اليَهُودِ مِن أحْبارِهِمْ ذَهَبَتْ إلى خَدِيعَةِ المُسْلِمِينَ بِهَذا المَنزَعِ، قالَ الحَسَنُ: قالَتْ ذَلِكَ يَهُودُ خَيْبَرَ لِيَهُودِ المَدِينَةِ، قالَ قَتادَةُ وأبُو مالِكٍ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُمْ: قالَ بَعْضُ الأحْبارِ: لِنُظْهِرِ الإيمانَ لِمُحَمَّدٍ صَدْرَ النَهارِ ثُمَّ لْنَكْفُرْ بِهِ آخِرَ النَهارِ، فَسَيَقُولُ المُسْلِمُونَ عِنْدَ ذَلِكَ: ما بالُ هَؤُلاءِ كانُوا مَعَنا ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنّا؟ ما ذَلِكَ إلّا لِأنَّهُمُ انْكَشَفَتْ لَهم حَقِيقَةٌ في الأمْرِ فَيَشُكُّونَ، ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ. ولَمّا كانَتِ الأحْبارُ يُظَنُّ بِهِمُ العِلْمُ وجَوْدَةُ النَظَرِ والِاطِّلاعُ عَلى الكِتابِ القَدِيمِ، طَمِعُوا أنْ تَنْخَدِعَ العَرَبُ بِهَذِهِ النَزْعَةِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ: جاؤُوا إلى النَبِيِّ ﷺ بُكْرَةً فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ أنْتَ هو المَوْصُوفُ في كِتابِنا، ولَكِنْ أمْهِلْنا إلى العَشِيِّ حَتّى نَنْظُرَ في أمْرِنا، ثُمَّ رَجَعُوا بِالعَشِيِّ، فَقالُوا: قَدْ نَظَرْنا ولَسْتَ بِهِ. "وَجْهَ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: "آمِنُوا" والمَعْنى: أظْهِرُوا الإيمانَ في وجْهِ النَهارِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "آخِرَهُ" عائِدٌ عَلى النَهارِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما: نَزَلَتِ الآيَةُ، لِأنَّ اليَهُودَ ذَهَبَتْ إلى المَكْرِ بِالمُؤْمِنِينَ، فَصَلُّوا مَعَ النَبِيِّ ﷺ صَلاةَ الصُبْحِ، ثُمَّ رَجَعُوا آخِرَ النَهارِ، فَصَلُّوا صَلاتَهم لِيَرى الناسُ أنَّهم بَدَتْ لَهم مِنهُ ضَلالَةٌ بَعْدَ أنْ كانُوا اتَّبَعُوهُ. وهَذا القَوْلُ قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أمْرِ القِبْلَةِ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلّى صَلاةَ الصُبْحِ إلى الشامِ كَما كانَ يُصَلِّي، ثُمَّ حُوِّلَتِ القِبْلَةُ فَصَلّى (p-٢٥٤)الظُهْرَ - وقِيلَ العَصْرُ- إلى مَكَّةَ، فَقالَتِ الأحْبارُ لِتُبّاعِهِمْ ولِلْعَرَبِ: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ في أوَّلِ النَهارِ واكْفُرُوا بِهَذِهِ القِبْلَةِ الأخِيرَةِ. والعامِلُ في قَوْلِهِ "وَجْهَ النَهارِ"- عَلى هَذا التَأْوِيلِ- قَوْلُهُ: "أُنْزِلَ" والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "آخِرَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَهارِ أو يَعُودَ عَلى "الَّذِي أُنْزِلَ". "وَيَرْجِعُونَ" - في هَذا التَأْوِيلِ- مَعْناهُ: عن مَكَّةَ إلى قِبْلَتِنا الَّتِي هي الشامُ، كَذَلِكَ قالَ قائِلُ هَذا التَأْوِيلِ. و"وَجْهَ النَهارِ" أوَّلُهُ الَّذِي يُواجَهُ مِنهُ، تَشْبِيهًا بِوَجْهِ الإنْسانِ، وكَذَلِكَ تَقُولُ: صَدْرُ النَهارِ وغُرَّةُ العامِ والشَهْرِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ « "أقَتَلْتَهُ في غُرَّةِ الإسْلامِ"؟» ومِن هَذا قَوْلُ الرَبِيعِ بْنِ زِيادٍ العَبْسِيِّ: ؎ مَن كانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مالِكٍ ∗∗∗ فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنا بِوَجْهِ نَهارِ ؎ يَجِدِ النِساءَ حَواسِرًا يَنْدُبْنَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ قَدْ قُمْنَ قَبْلَ تَبَلُّجِ الأسْحارِ يَقُولُ هَذا في مالِكِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ جُذَيْمَةَ العَبْسِيِّ وكانُوا قَدْ أخَذُوا بِثَأْرِهِ، وكانَ القَتِيلُ عِنْدَهم لا يُناحُ عَلَيْهِ ولا يُنْدَبُ إلّا بَعْدَ أخْذِ ثَأْرِهِ. فالمَعْنى: مَن سَرَّهُ مُصابُنا فِيهِ فَلْيَنْظُرْ إلى ما يَدُلُّهُ عَلى أنّا قَدْ أدْرَكْنا ثَأْرَهُ، فَيُكْمَدْ لِذَلِكَ ويَغْتَمَّ، ومِنِ اسْتِعارَةِ الوَجْهِ قَوْلُهُمْ: فَعَلْتُ كَذا عَلى وجْهِ الدَهْرِ، أيْ في القَدِيمِ. وذَكَرَ اللهُ تَعالى عن هَذِهِ الطائِفَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ، أنَّهم قالُوا: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ ولا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ التَأْوِيلِ أنَّ هَذا القَوْلَ هو مِن كَلامِ الطائِفَةِ. واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أو يُحاجُّوكُمْ﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ: الكَلامُ كُلُّهُ مِن قَوْلِ الطائِفَةِ لِأتْباعِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ. (p-٢٥٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والكَلامُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ يَحْتَمِلُ مَعانِيَ أحَدُها: ولا تُصَدِّقُوا تَصْدِيقًا صَحِيحًا وتُؤْمِنُوا إلّا لِمَن جاءَ بِمِثْلِ دِينِكم كَراهَةً أو مَخافَةً أو حِذارًا أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِنَ النُبُوَّةِ والكَرامَةِ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، وحَذَرًا أنْ يُحاجُّوكم بِتَصْدِيقِكم إيّاهم عِنْدَ رَبِّكم إذا لَمْ تَسْتَمِرُّوا عَلَيْهِ. وهَذا القَوْلُ عَلى هَذا المَعْنى ثَمَرَةُ الحَسَدِ والكُفْرِ، مَعَ المَعْرِفَةِ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ، أنْ "لا يُؤْتى" فَحُذِفَتْ "لا" لِدَلالَةِ الكَلامِ، ويَحْتَمِلُ الكَلامُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ولا تُصَدِّقُوا وتُؤْمِنُوا بِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم وجاءَ بِمِثْلِهِ وعاضِدًا لَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُؤْتاهُ غَيْرُكُمْ، ﴿أو يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ بِمَعْنى: إلّا أنْ يُحاجُّوكُمْ، كَما تَقُولُ: أنا لا أتْرُكُكَ أو تَقْتَضِينِي حَقِّي. وهَذا القَوْلُ عَلى هَذا المَعْنى ثَمَرَةُ التَكْذِيبِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ عَلى اعْتِقادٍ مِنهم أنَّ النُبُوَّةَ لا تَكُونُ إلّا في بَنِي إسْرائِيلَ. ويَحْتَمِلُ الكَلامُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ولا تُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ وتُقِرُّوا بِنُبُوَّتِهِ إذْ قَدْ عَلِمْتُمْ صِحَّتَها إلّا لِلْيَهُودِ الَّذِينَ هم مِنكُمْ، و﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ صِفَةٌ لِحالِ مُحَمَّدٍ، فالمَعْنى: تَسَتَّرُوا بِإقْرارِكم أنْ قَدْ أُوتِيَ أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، أو فَإنَّهم -يَعْنُونَ العَرَبَ - يُحاجُّوكم بِالإقْرارِ عِنْدَ رَبِّكم. قالَ أبُو عَلِيٍّ: و"تُؤْمِنُوا" تَعَدّى بِالباءِ المُقَدَّرَةِ في قَوْلِهِ: "أنْ يُؤْتى" كَما تَعَدّى أوَّلَ الآيَةِ في قَوْلِهِ: "بِالَّذِي أُنْزِلَ". واللامُ في قَوْلِهِ: "لِمَن تَبِعَ" لا يَسْهُلُ أنْ تُعَلَّقَ بِـ "تُؤْمِنُوا" وأنْتَ قَدْ أوصَلْتَهُ بِالباءِ فَتُعَلِّقَ بِالفِعْلِ جارَّيْنِ، كَما لا يَسْتَقِيمُ أنْ تُعَدِّيَهُ إلى مَفْعُولَيْنِ إذا كانَ لا يَتَعَدّى إلّا إلى واحِدٍ. وإنَّما يُحْمَلُ أمْرُ هَذِهِ اللامِ عَلى المَعْنى، والمَعْنى: لا تُقِرُّوا بِأنَّ اللهَ يُؤْتِي أحَدًا مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ إلّا لِمَن، فَهَذا كَما تَقُولُ: أقْرَرْتُ لِزَيْدٍ بِألْفٍ، فَتَكُونُ اللامُ مُتَعَلِّقَةً بِالمَعْنى ولا تَكُونُ زائِدَةً عَلى حَدِّ ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] ولا تَتَعَلَّقُ عَلى حَدِّ المَفْعُولِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ تَعَدّى "آمَنَ" بِاللامِ في (p-٢٥٦)قَوْلِهِ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلا ذُرِّيَّةٌ﴾ [يونس: ٨٣] وقَوْلِهِ: "آمَنتُمْ لَهُ" وقَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١]. و"أحَدٌ" إنَّما دَخَلَ في هَذا الكَلامِ بِسَبَبِ النَفْيِ الواقِعِ في قَوْلِهِ: "وَلا تُؤْمِنُوا" كَما دَخَلَتْ "مِن" في قَوْلِهِ: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥] فَكَما دَخَلَتْ "مِن" في صِلَةِ "أنْ يُنَزَّلَ" لِأنَّهُ مَفْعُولُ النَفْيِ اللاحِقِ لِأوَّلِ الكَلامِ، فَكَذَلِكَ دَخَلَ "أحَدٌ" في صِلَةِ "أنْ" في قَوْلِهِ ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ﴾ لِدُخُولِ النَفْيِ في أوَّلِ الكَلامِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لِأنَّ أحَدًا الَّذِي فِيهِ الشِياعُ لا يَجِيءُ في واجِبٍ مِنَ الكَلامِ، لِأنَّهُ لا يُفِيدُ مَعْنىً. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ بَيْنَ السَبْعَةِ: "آنْ يُؤْتى" بِالمَدِّ عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو تَقْرِيرٌ. وفَسَّرَ أبُو عَلِيٍّ قِراءَةَ ابْنِ كَثِيرٍ عَلى أنَّ الكَلامَ كُلَّهُ مِن قَوْلِ الطائِفَةِ، إلّا الِاعْتِراضَ الَّذِي هُوَ: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ﴾ فَإنَّهُ لا يُخْتَلَفُ أنَّهُ مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ قالَ: فَلا يَجُوزُ مَعَ الِاسْتِفْهامِ أنْ يُحْمَلَ: "أنْ يُؤْتى" عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الفِعْلِ، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ قاطِعٌ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنْ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تُصَدِّقُونَ بِهِ أو تَعْتَرِفُونَ أو تَذْكُرُونَهُ لِغَيْرِكُمْ، ونَحْوُ هَذا مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، ويَكُونَ "يُحاجُّوكُمْ"- عَلى هَذا- مَعْطُوفًا عَلى "أنْ يُؤْتى" قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ "أنْ" مَنصُوبًا، فَيَكُونَ المَعْنى: أتُشِيعُونَ أو أتَذْكُرُونَ ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ ويَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى عنهُمْ: ﴿أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٧٦] فَعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ مَعْنى الآيَةِ تَوْبِيخٌ مِنَ الأحْبارِ لِلْأتْباعِ عَلى تَصْدِيقِهِمْ بِأنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: "أو يُحاجُّوكُمْ" في تَأْوِيلِ نَصْبِ "أنْ" أيْ: أو تُرِيدُونَ أنْ يُحاجُّوكُمْ؟ قالَ أبُو عَلِيٍّ: و"أحَدٌ" عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ هو الَّذِي يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، وقَدْ مَنَعَ الِاسْتِفْهامُ القاطِعُ مِن أنْ يَشْفَعَ لِدُخُولِهِ النَفْيُ الَّذِي في أوَّلِ (p-٢٥٧)الكَلامِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقَدَّرَ أنَّ "أحَدٌ" الَّذِي في قَوْلِكَ: "أحَدٌ وعِشْرُونَ"، وهو يَقَعُ في الإيجابِ لِأنَّهُ بِمَعْنى واحِدٍ، وجَمَعَ ضَمِيرَهُ في قَوْلِهِ: "أو يُحاجُّوكُمْ" جَمْعًا عَلى المَعْنى، إذْ لِـ "أحَدٌ" المُرادِ بِمِثْلِ النُبُوَّةِ أتْباعٌ، فَهو في مَعْنى الكَثْرَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا مَوْضِعٌ يَنْبَغِي أنْ تُرَجَّحَ فِيهِ قِراءَةُ غَيْرِ ابْنِ كَثِيرٍ عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، لِأنَّ الأسْماءَ المُفْرَدَةَ لَيْسَ بِالمُسْتَمِرِّ أنْ تَدُلَّ عَلى الكَثْرَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إلّا أنَّ "أحَدًا" في مِثْلِ النُبُوَّةِ يَدُلُّ عَلَيْها مِن حَيْثُ يَقْتَضِي الأتْباعَ. وقَرَأ الأعْمَشُ وشُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: "إنْ يُؤْتى" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ بِمَعْنى: لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِثْلَ ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الكَرامَةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ خِطابًا مِنَ الطائِفَةِ القائِلَةِ، ويَكُونَ قَوْلُها: "أو يُحاجُّوكُمْ" بِمَعْنى: أو فَلْيُحاجُّوكم. وهَذا عَلى التَصْمِيمِ عَلى أنَّهُ لا يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: إلّا أنْ يُحاجُّوكُمْ، وهَذا عَلى تَجْوِيزِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ ذَلِكَ إذا قامَتِ الحُجَّةُ لَهُ، فَهَذا تَرْتِيبُ التَفْسِيرِ والقِراءاتِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: الكَلامُ كُلُّهُ مِن قَوْلِ الطائِفَةِ. وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: الكَلامُ كُلُّهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ﴾... إلى آخِرِ الآيَةِ، هو مِمّا أُمِرَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَقُولَهُ لِأُمَّتِهِ. وحَكى الزَجّاجُ وغَيْرُهُ أنَّ المَعْنى: قُلْ إنَّ الهُدى هو هَذا الهُدى، لا يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ. وحُكِيَ عن بَعْضِ النَحْوِيِّينَ أنَّ المَعْنى: أنْ لا يُؤْتِي أحَدًا، وحُذِفَتْ "لا" لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أيْ أنْ لا تَضِلُّوا. وحُكِيَ عن أبِي العَبّاسِ المُبَرِّدِ: لا تُحْذَفُ "لا" وإنَّما المَعْنى كَراهَةَ أنْ تَضِلُّوا، وكَذَلِكَ هُنا: كَراهَةَ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، أيْ مِمَّنْ خالَفَ دِينَ الإسْلامِ، لِأنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ، فَهُدى اللهِ بَعِيدٌ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَبْعُدُ مِن هَذا القَوْلِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ بِالِاسْتِفْهامِ والمَدِّ، وتُحْمَلُ عَلَيْهِ قِراءَةُ الأعْمَشِ وابْنِ أبِي حَمْزَةَ: "إنْ يُؤْتى" بِكَسْرِ الألِفِ، كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ يُخْبِرُ أُمَّتَهُ أنَّ اللهَ لا يُعْطِي (p-٢٥٨)أحَدًا ولا أعْطى فِيما سَلَفَ مِثْلَ ما أعْطى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ لِكَوْنِها وسَطًا ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: "أو يُحاجُّوكُمْ" -عَلى هَذِهِ المَعانِي الَّتِي تَرَتَّبَتْ في قَوْلِ السُدِّيِّ- يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما: أو فَلْيُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم، يَعْنِي اليَهُودَ، فالمَعْنى: لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِثْلَ حَظِّكم وإلّا فَلْيُحاجُّوكم مَنِ ادَّعى سِوى ذَلِكَ. والمَعْنى الثانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "أو يُحاجُّوكُمْ" بِمَعْنى التَقْرِيرِ والإزْراءِ بِاليَهُودِ، كَأنَّهُ قالَ: أو هَلْ لَهم أنْ يُحاجُّوكم أو يُخاصِمُوكم فِيما وهَبَكُمُ اللهُ وفَضَّلَكم بِهِ؟ وقَوْلُهُ: "هُدى اللهِ" عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ خَبَرُ"إنَّ"؛ وقالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ: الكَلامُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، هو مِمّا أُمِرَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَقُولَهُ لِلطّائِفَةِ الَّتِي قالَتْ: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ وتَتَّفِقُ مَعَ هَذا القَوْلِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ بِالِاسْتِفْهامِ والمَدِّ، وتَقْدِيرُ الخَبَرِ المَحْذُوفِ "أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ": "حَسَدْتُمْ وكَفَرْتُمْ"، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "أو يُحاجُّوكُمْ" مَحْمُولًا عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ: أتَحْسُدُونَ أو تَكْفُرُونَ لِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ؟ أو يُحاجُّوكم عَلى ما أُوتُوهُ فَإنَّهُ يَغْلِبُونَكم بِالحُجَّةِ. وأمّا عَلى قِراءَةِ غَيْرِ ابْنِ كَثِيرٍ بِغَيْرِ المَدِّ فَيَحْتَمِلُ "ذَلِكَ"أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَقْرِيرِ بِغَيْرِ حَرْفِ اسْتِفْهامٍ، وذَلِكَ هو الظاهِرُ مِن لَفْظِ قَتادَةَ فَإنَّهُ قالَ: يَقُولُ لَمّا أنْزَلَ اللهُ كِتابًا مِثْلَ كِتابِكم وبَعَثَ نَبِيًّا مِثْلَ نَبِيِّكم حَسَدْتُمُوهم عَلى ذَلِكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "أنْ يُؤْتى" بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: "هُدى اللهِ" ويَكُونَ المَعْنى: قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ، وهو أنْ يُؤْتى أحَدٌ كالَّذِي جاءَنا نَحْنُ. ويَكُونَ قَوْلُهُ: "أو يُحاجُّوكُمْ" بِمَعْنى: أو فَلْيُحاجُّوكُمْ، فَإنَّهُ يَغْلِبُونَكم. ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: "أنْ يُؤْتى" خَبَرَ "إنَّ" ويَكُونُ قَوْلُهُ: "هُدى اللهِ" بَدَلًا مِنَ "الهُدى"، وهَذا في المَعْنى قَرِيبٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَوْلُهُ تَعالى: "أنْ يُؤْتى" هو مِن قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِلْيَهُودِ، وتَمَّ الكَلامُ في قَوْلِهِ: "أُوتِيتُمْ" وقَوْلُهُ تَعالى: "أو يُحاجُّوكُمْ" مُتَّصِلٌ بِقَوْلِ الطائِفَةِ: "وَلا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ"، وهَذا القَوْلُ يُفَسِّرُ مَعانِيهِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِ غَيْرِهِ مِنَ التَقْسِيمِ واللهُ المُسْتَعانُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "أنْ يُحاجُّوكُمْ" بَدَلَ "أو" وهَذِهِ القِراءَةُ تَلْتَئِمُ مَعَ بَعْضِ المَعانِي الَّتِي تَقَدَّمَتْ، ولا تَلْتَئِمُ مَعَ بَعْضِها. (p-٢٥٩)وَقَوْلُهُ "عِنْدَ رَبِّكُمْ" يَجِيءُ في بَعْضِ المَعانِي عَلى مَعْنى "عِنْدَ رَبِّكم في الآخِرَةِ"، ويَجِيءُ في بَعْضِها عَلى مَعْنى "عِنْدَ كُتُبِ رَبِّكم والعِلْمِ الَّذِي جَعَلَ في العِبادِ"، فَأضافَ ذَلِكَ إلى الرَبِّ تَشْرِيفًا، وكَأنَّ المَعْنى: أو يُحاجُّوكم عِنْدَ الحَقِّ. وقَرَأ الحَسَنُ "إنْ يُؤْتِي أحَدٌ"، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والتاءِ، عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى "أحَدٌ" والمَعْنى: أنَّ إنْعامَ اللهِ لا يُشْبِهُهُ إنْعامُ أحَدٍ مِن خَلْقِهِ. وأظْهَرُ ما في القِراءَةِ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ لِأُمَّتِهِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ. إنْ يُؤْتِي أحَدٌ أحَدًا.

آل عمران 3:74

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٣] ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَمِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ﴾ [آل عمران: ٧٣] إلى قَوْلِهِ: "العَظِيمِ" تَكْذِيبٌ لِلْيَهُودِ في قَوْلِهِمْ: "نُبُوءَةُ مُوسى مُؤَبَّدَةٌ، ولَنْ يُؤْتِيَ اللهُ أحَدًا مِثْلَ ما آتى بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ النُبُوَّةِ والشَرَفِ"، وسائِرُ ما في الآيَةِ مِن لَفْظَةِ "واسِعٌ" وغَيْرِ ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن أهْلِ الكِتابِ أنَّهم قِسْمانِ في الأمانَةِ، ومَقْصِدُ الآيَةِ ذَمُّ الخَوَنَةِ مِنهُمْ، والتَفْنِيدُ لِرَأْيِهِمْ وكَذِبِهِمْ عَلى اللهِ في اسْتِحْلالِهِمْ أمْوالَ العَرَبِ. وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "تِيمَنهُ" بِتاءٍ وياءٍ في الحَرْفَيْنِ وكَذَلِكَ: "تِيمَنّا" في يُوسُفَ، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: وهي لُغَةُ تَمِيمٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما أراهُ إلّا لُغَةً قُرَشِيَّةً، وهي كَسْرُ نُونِ الجَماعَةِ كَنِسْتَعِينَ، وألِفِ المُتَكَلِّمِ كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: لا إخالُهُ، وتاءِ المُخاطَبِ كَهَذِهِ الآيَةِ، ولا يَكْسِرُونَ الياءَ في الغائِبِ وبِها قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ في "تِيمَنّا" وابْنُ مَسْعُودٍ والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ وابْنُ وثّابٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في القِنْطارِ في صَدْرِ السُورَةِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ، "يُؤَدِّهِ إلَيْكَ" بِكَسْرِ الهاءِ الَّتِي هي ضَمِيرُ القِنْطارِ، وكَذَلِكَ (p-٢٦٠)فِي الأُخْرى الَّتِي هي ضَمِيرُ الدِينارِ، واتَّفَقَ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وعاصِمٌ والأعْمَشُ عَلى إسْكانِ الهاءِ، وكَذَلِكَ كُلُّ ما أشْبَهَهُ في القُرْآنِ، نَحْوُ: "نُصْلِهْ جَهَنَّمَ" و"نُؤْتِهْ" و"نُوَلِّهْ" إلّا حَرْفًا حُكِيَ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ كَسَرَهُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقِهْ إلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٢٨]. قالَ أبُو إسْحاقَ: وهَذا الإسْكانُ الَّذِي رُوِيَ عن هَؤُلاءِ غَلَطٌ بَيِّنٌ لِأنَّ الهاءَ لا يَنْبَغِي أنْ تُجْزَمَ، وإذا لَمْ تُجْزَمْ فَلا يَجُوزُ أنْ تُسَكَّنَ في الوَصْلِ. وأمّا أبُو عَمْرٍو فَأراهُ كانَ يَخْتَلِسُ الكَسْرَةَ فَغَلِطَ عَلَيْهِ، كَما غَلِطَ عَلَيْهِ في "بارِئِكُمْ" وقَدْ حَكى عنهُ سِيبَوَيْهِ -وَهُوَ ضابِطٌ لِمِثْلِ هَذا- أنَّهُ يَكْسِرُ كَسْرًا خَفِيفًا. والقِنْطارُ في هَذِهِ الآيَةِ: مِثالٌ لِلْمالِ الكَثِيرِ يَدْخُلُ فِيهِ أكْثَرُ مِنَ القِنْطارِ وأقَلُّ، وأمّا الدِينارُ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، مِثالًا لِما قَلَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ طَبَقَةً لا تَخُونُ إلّا في دِينارٍ فَما زادَ، ولَمْ يُعْنَ لِذِكْرِ الخائِنِينَ في أقَلَّ إذْ هم طَغامٌ حُثالَةٌ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "دُمْتَ" بِضَمِّ الدالِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ وابْنُ أبِي لَيْلى والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ وغَيْرُهُمْ: "دِمْتَ" "وَدِمْتُمْ" بِكَسْرِ الدالِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، قالَ أبُو إسْحاقَ: مِن قَوْلِهِمْ: دِمْتَ، تَدامُ مِثْلُ نِمْتَ، تَنامُ، وهي لُغَةٌ. ودامَ مَعْناهُ: ثَبَتَ عَلى حالٍ ما، والتَدْوِيمُ عَلى الشَيْءِ الِاسْتِدارَةُ حَوْلَ الشَيْءِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ.(p-٢٦١) ؎ .......................... والشَمْسُ حَيْرى لَها في الجَوِّ تَدْوِيمُ. والدُوامُ: الدُوارُ يَأْخُذُ في رَأْسِ الإنْسانِ فَيَرى الأشْياءَ تَدُورُ لَهُ، وتَدَوُّرُ الطائِرِ في السَماءِ، وهو ثُبُوتُهُ إذا صَفَّ واسْتَدارَ، والماءُ الدائِمُ وغَيْرُهُ هو الَّذِي كَأنَّهُ يَسْتَدِيرُ حَوْلَ مَرْكَزِهِ. وقَوْلُهُ: "قائِمًا" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، قالَ الزَجّاجُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: قائِمًا عَلى اقْتِضاءِ دَيْنِكَ؛. يُرِيدُونَ بِأنْواعِ الِاقْتِضاءِ مِنَ الحَفْزِ والمُرافَعَةِ إلى الحُكّامِ، فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ لا تُراعى هَيْئَةُ هَذا الدائِمِ، بَلِ اللَفْظَةُ مِن قِيامِ المَرْءِ عَلى أشْغالِهِ، أيِ اجْتِهادُهُ فِيها. وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: "قائِمًا" في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: قائِمًا عَلى رَأْسِهِ، عَلى الهَيْئَةِ المَعْرُوفَةِ، وتِلْكَ نِهايَةُ الحَفْزِ، لِأنَّ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ في صَدْرِ شُغْلٍ آخَرَ يُرِيدُ أنْ يَسْتَقْبِلَهُ. وذَهَبَ إلى هَذا التَأْوِيلِ جَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ وانْتَزَعُوا مِنَ الآياتِ جَوازَ السَجْنِ، لِأنَّ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ غَرِيمُهُ فَهو يَمْنَعُهُ مِن تَصَرُّفاتِهِ في غَيْرِ القَضاءِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ المَنعِ مِنَ التَصَرُّفاتِ وبَيْنَ السَجْنِ. وهَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها نَزَلَتْ فِيما رُوِيَ بِسَبَبِ أنَّ جَماعَةً مِنَ العَرَبِ كانَتْ لَهم دُيُونٌ في ذِمَمِ قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَلَمّا أسْلَمَ أُولَئِكَ العَرَبُ قالَتْ لَهُمُ اليَهُودُ: نَحْنُ لا نُؤَدِّي إلَيْكم شَيْئًا حِينَ فارَقْتُمْ دِينَكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ عَلَيْهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. ورُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا يَعْتَقِدُونَ اسْتِحْلالَ أمْوالِ العَرَبِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ أوثانٍ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ وأسْلَمَ مَن أسْلَمَ مِنَ العَرَبِ، بَقِيَ اليَهُودُ فِيهِمْ عَلى ذَلِكَ المُعْتَقَدِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ حامِيَةً مِن ذَلِكَ. وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "ألا كُلُّ شَيْءٍ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ فَهو تَحْتَ قَدَمِي، إلّا الأمانَةَ فَإنَّها مُؤَدّاةٌ إلى البَرِّ والفاجِرِ"».

آل عمران 3:75

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٣] ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَمِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ﴾ [آل عمران: ٧٣] إلى قَوْلِهِ: "العَظِيمِ" تَكْذِيبٌ لِلْيَهُودِ في قَوْلِهِمْ: "نُبُوءَةُ مُوسى مُؤَبَّدَةٌ، ولَنْ يُؤْتِيَ اللهُ أحَدًا مِثْلَ ما آتى بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ النُبُوَّةِ والشَرَفِ"، وسائِرُ ما في الآيَةِ مِن لَفْظَةِ "واسِعٌ" وغَيْرِ ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن أهْلِ الكِتابِ أنَّهم قِسْمانِ في الأمانَةِ، ومَقْصِدُ الآيَةِ ذَمُّ الخَوَنَةِ مِنهُمْ، والتَفْنِيدُ لِرَأْيِهِمْ وكَذِبِهِمْ عَلى اللهِ في اسْتِحْلالِهِمْ أمْوالَ العَرَبِ. وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "تِيمَنهُ" بِتاءٍ وياءٍ في الحَرْفَيْنِ وكَذَلِكَ: "تِيمَنّا" في يُوسُفَ، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: وهي لُغَةُ تَمِيمٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما أراهُ إلّا لُغَةً قُرَشِيَّةً، وهي كَسْرُ نُونِ الجَماعَةِ كَنِسْتَعِينَ، وألِفِ المُتَكَلِّمِ كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: لا إخالُهُ، وتاءِ المُخاطَبِ كَهَذِهِ الآيَةِ، ولا يَكْسِرُونَ الياءَ في الغائِبِ وبِها قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ في "تِيمَنّا" وابْنُ مَسْعُودٍ والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ وابْنُ وثّابٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في القِنْطارِ في صَدْرِ السُورَةِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ، "يُؤَدِّهِ إلَيْكَ" بِكَسْرِ الهاءِ الَّتِي هي ضَمِيرُ القِنْطارِ، وكَذَلِكَ (p-٢٦٠)فِي الأُخْرى الَّتِي هي ضَمِيرُ الدِينارِ، واتَّفَقَ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وعاصِمٌ والأعْمَشُ عَلى إسْكانِ الهاءِ، وكَذَلِكَ كُلُّ ما أشْبَهَهُ في القُرْآنِ، نَحْوُ: "نُصْلِهْ جَهَنَّمَ" و"نُؤْتِهْ" و"نُوَلِّهْ" إلّا حَرْفًا حُكِيَ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ كَسَرَهُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقِهْ إلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٢٨]. قالَ أبُو إسْحاقَ: وهَذا الإسْكانُ الَّذِي رُوِيَ عن هَؤُلاءِ غَلَطٌ بَيِّنٌ لِأنَّ الهاءَ لا يَنْبَغِي أنْ تُجْزَمَ، وإذا لَمْ تُجْزَمْ فَلا يَجُوزُ أنْ تُسَكَّنَ في الوَصْلِ. وأمّا أبُو عَمْرٍو فَأراهُ كانَ يَخْتَلِسُ الكَسْرَةَ فَغَلِطَ عَلَيْهِ، كَما غَلِطَ عَلَيْهِ في "بارِئِكُمْ" وقَدْ حَكى عنهُ سِيبَوَيْهِ -وَهُوَ ضابِطٌ لِمِثْلِ هَذا- أنَّهُ يَكْسِرُ كَسْرًا خَفِيفًا. والقِنْطارُ في هَذِهِ الآيَةِ: مِثالٌ لِلْمالِ الكَثِيرِ يَدْخُلُ فِيهِ أكْثَرُ مِنَ القِنْطارِ وأقَلُّ، وأمّا الدِينارُ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، مِثالًا لِما قَلَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ طَبَقَةً لا تَخُونُ إلّا في دِينارٍ فَما زادَ، ولَمْ يُعْنَ لِذِكْرِ الخائِنِينَ في أقَلَّ إذْ هم طَغامٌ حُثالَةٌ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "دُمْتَ" بِضَمِّ الدالِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ وابْنُ أبِي لَيْلى والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ وغَيْرُهُمْ: "دِمْتَ" "وَدِمْتُمْ" بِكَسْرِ الدالِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، قالَ أبُو إسْحاقَ: مِن قَوْلِهِمْ: دِمْتَ، تَدامُ مِثْلُ نِمْتَ، تَنامُ، وهي لُغَةٌ. ودامَ مَعْناهُ: ثَبَتَ عَلى حالٍ ما، والتَدْوِيمُ عَلى الشَيْءِ الِاسْتِدارَةُ حَوْلَ الشَيْءِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ.(p-٢٦١) ؎ .......................... والشَمْسُ حَيْرى لَها في الجَوِّ تَدْوِيمُ. والدُوامُ: الدُوارُ يَأْخُذُ في رَأْسِ الإنْسانِ فَيَرى الأشْياءَ تَدُورُ لَهُ، وتَدَوُّرُ الطائِرِ في السَماءِ، وهو ثُبُوتُهُ إذا صَفَّ واسْتَدارَ، والماءُ الدائِمُ وغَيْرُهُ هو الَّذِي كَأنَّهُ يَسْتَدِيرُ حَوْلَ مَرْكَزِهِ. وقَوْلُهُ: "قائِمًا" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، قالَ الزَجّاجُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: قائِمًا عَلى اقْتِضاءِ دَيْنِكَ؛. يُرِيدُونَ بِأنْواعِ الِاقْتِضاءِ مِنَ الحَفْزِ والمُرافَعَةِ إلى الحُكّامِ، فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ لا تُراعى هَيْئَةُ هَذا الدائِمِ، بَلِ اللَفْظَةُ مِن قِيامِ المَرْءِ عَلى أشْغالِهِ، أيِ اجْتِهادُهُ فِيها. وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: "قائِمًا" في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: قائِمًا عَلى رَأْسِهِ، عَلى الهَيْئَةِ المَعْرُوفَةِ، وتِلْكَ نِهايَةُ الحَفْزِ، لِأنَّ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ في صَدْرِ شُغْلٍ آخَرَ يُرِيدُ أنْ يَسْتَقْبِلَهُ. وذَهَبَ إلى هَذا التَأْوِيلِ جَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ وانْتَزَعُوا مِنَ الآياتِ جَوازَ السَجْنِ، لِأنَّ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ غَرِيمُهُ فَهو يَمْنَعُهُ مِن تَصَرُّفاتِهِ في غَيْرِ القَضاءِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ المَنعِ مِنَ التَصَرُّفاتِ وبَيْنَ السَجْنِ. وهَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها نَزَلَتْ فِيما رُوِيَ بِسَبَبِ أنَّ جَماعَةً مِنَ العَرَبِ كانَتْ لَهم دُيُونٌ في ذِمَمِ قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَلَمّا أسْلَمَ أُولَئِكَ العَرَبُ قالَتْ لَهُمُ اليَهُودُ: نَحْنُ لا نُؤَدِّي إلَيْكم شَيْئًا حِينَ فارَقْتُمْ دِينَكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ عَلَيْهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. ورُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا يَعْتَقِدُونَ اسْتِحْلالَ أمْوالِ العَرَبِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ أوثانٍ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ وأسْلَمَ مَن أسْلَمَ مِنَ العَرَبِ، بَقِيَ اليَهُودُ فِيهِمْ عَلى ذَلِكَ المُعْتَقَدِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ حامِيَةً مِن ذَلِكَ. وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "ألا كُلُّ شَيْءٍ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ فَهو تَحْتَ قَدَمِي، إلّا الأمانَةَ فَإنَّها مُؤَدّاةٌ إلى البَرِّ والفاجِرِ"».

آل عمران 3:76

(p-٢٦٢)قوله عزّ وجلّ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ويَقُولُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥] ﴿بَلى مَن أوفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللهِ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾. الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى كَوْنِهِمْ لا يُؤَدُّونَ الأمانَةَ في دِينارٍ فَما فَوْقَهُ، عَلى أحَدِ التَأْوِيلَيْنِ، والضَمِيرُ فِي: "قالُوا" يَعْنِي بِهِ لَفِيفَ بَنِي إسْرائِيلَ، لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ أهْلُ الكِتابِ، والعَرَبُ أُمِّيُّونَ أصْحابُ أوثانٍ، فَأمْوالُهم لَنا حَلالٌ مَتى قَدِرْنا عَلى شَيْءٍ مِنها لا حُجَّةَ عَلَيْنا في ذَلِكَ ولا سَبِيلَ لِمُعْتَرِضٍ وناقِدٍ إلَيْنا في ذَلِكَ. والأُمِّيُّونَ: القَوْمُ الَّذِينَ لا يَكْتُبُونَ لِأنَّهم لا يُحْسِنُونَ الكِتابَةَ، وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ اشْتِقاقُ اللَفْظِ. واسْتِعارَةُ السَبِيلِ هُنا في الحُجَّةِ هو عَلى نَحْوِ قَوْلِ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ: ؎ وهَلْ أنا إنْ عَلَّلْتُ نَفْسِي بِسَرْحَةٍ ∗∗∗ مِنَ السَرْحِ مَوْجُودٌ عَلَيَّ طَرِيقُ؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] هو مِن هَذا المَعْنى، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنّا نَمُرُّ في الغَزْوِ بِأمْوالِ أهْلِ الذِمَّةِ فَنَأْخُذُ مِنها الشاةَ والدَجاجَةَ ونَحْوَها قالَ: وتَقُولُونَ ماذا؟ قالَ نَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْنا بَأْسٌ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا كَما قالَ أهْلُ الكِتابِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] إنَّهم إذا أدَّوُا الجِزْيَةَ لَمْ تَحِلَّ لَكم أمْوالُهم إلّا بِطِيبِ أنْفُسِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥] ذَمٌّ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِأنَّهم يَكْذِبُونَ عَلى اللهِ تَعالى في غَيْرِ ما شَيْءٍ، وهم عُلَماءُ بِمَواضِعِ الصِدْقِ لَوْ قَصَدُوها، ومِن أخْطَرِ ذَلِكَ أمْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ. ورُوِيَ عَنِ السُدِّيِّ (p-٢٦٣)وابْنِ جُرَيْجٍ وغَيْرِهِما أنَّ طائِفَةً مِن أهْلِ الكِتابِ ادَّعَتْ أنَّ في التَوْراةِ إحْلالَ اللهِ لَهم أمْوالَ الأُمِّيِّينَ كَذِبًا مِنها وهي عالِمَةٌ بِكَذِبِها في ذَلِكَ، وقالا: والإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى ذَلِكَ الكَذِبِ المَخْصُوصِ في هَذا الفَصْلِ. ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى في صَدْرِ قَوْلِهِمْ: "لَيْسَ عَلَيْنا" بِقَوْلِهِ "بَلى" أيْ: عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ وحُجَّةٌ وتِباعَةٌ، ثُمَّ أخْبَرَ عَلى جِهَةِ الشَرْطِ أنَّ مَن أوفى بِالعَهْدِ واتَّقى عُقُوبَةَ اللهِ في نَقْضِهِ، فَإنَّهُ مَحْبُوبٌ عِنْدَ اللهِ. وتَقُولُ العَرَبُ: وفى بِالعَهْدِ، وأوفى بِهِ بِمَعْنىً، وأوفى هي لُغَةُ الحِجازِ، وفَسَّرَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ عَلى أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: "بِعَهْدِهِ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو عائِدٌ عَلى "مَن". والقَوْلانِ يَرْجِعانِ إلى مَعْنىً واحِدٍ، لِأنَّ أمْرَ اللهِ تَعالى بِالوَفاءِ مُقْتَرِنٌ بِعَهْدِ كُلِّ إنْسانٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "اتَّقى" في هَذِهِ الآيَةِ، مَعْناهُ: اتَّقى الشِرْكَ، ثُمَّ خَرَجَ جَوابُ الشَرْطِ عَلى تَعْمِيمِ المُتَّقِينَ تَشْرِيفًا لِلتَّقْوى وحَضًّا عَلَيْها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ﴾.....الآيَةُ، وعِيدٌ لِمَن فَعَلَ هَذِهِ الأفاعِيلَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهي آيَةٌ يَدْخُلُ فِيها الكُفْرُ فَما دُونَهُ مِن جَحْدِ الحُقُوقِ، وخَتْرِ المَواثِيقِ. وكُلُّ أحَدٍ يَأْخُذُ مِن وعِيدِ الآيَةِ عَلى قَدْرِ جَرِيمَتِهِ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ نُزُولِها، فَقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ، أبِي رافِعٍ وكِنانَةِ بْنِ أبِي الحَقِيقِ وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ، تَرَكُوا عَهْدَ اللهِ في التَوْراةِ لِلْمَكاسِبِ والرِياسَةِ الَّتِي كانُوا بِسَبِيلِها. ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ خُصُومَةِ الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ مَعَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ في أرْضٍ، فَوَجَبَتِ اليَمِينُ عَلى اليَهُودِيِّ فَقالَ الأشْعَثُ: إذَنْ يَحْلِفُ يا رَسُولَ اللهِ ويَذْهَبُ بِمالِي، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. ورُوِيَ أنَّ (p-٢٦٤)الأشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ اخْتَصَمَ في أرْضٍ مَعَ رَجُلٍ مِن قَرابَتِهِ فَوَجَبَتِ اليَمِينُ عَلى الأشْعَثِ، وكانَ في الحَقِيقَةِ مُبْطِلًا قَدْ غَصَبَ تِلْكَ الأرْضَ في جاهِلِيَّتِهِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَنَكَلَ الأشْعَثُ عَنِ اليَمِينِ، وتَحَرَّجَ وأعْطى الأرْضَ وزادَ مِن عِنْدِهِ أرْضًا أُخْرى. ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ خُصُومَةٍ لِغَيْرِ الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ. وقالَ الشَعْبِيُّ: نَزَلَتِ الآيَةُ في رَجُلٍ أقامَ سِلْعَةً في السُوقِ مِن أوَّلِ النَهارِ، فَلَمّا كانَ في آخِرِهِ جاءَهُ رَجُلٌ فَساوَمَهُ فَحَلَفَ حانِثًا: لَقَدْ مَنَعَها في أوَّلِ النَهارِ مِن كَذا وكَذا ولَوْلا المَساءُ ما باعَها، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: اليَمِينُ الفاجِرَةُ مِنَ الكَبائِرِ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كُنّا نَرى ونَحْنُ مَعَ نَبِيِّنا أنَّ مِنَ الذَنْبِ الَّذِي لا يُغْفَرُ يَمِينَ الصَبْرِ إذا فَجَرَ فِيها صاحِبُها، وقَدْ جَعَلَ اللهُ الأيْمانَ في هَذِهِ الألْفاظِ مُشْتَراةً، فَهي مَثْمُونَةٌ أيْضًا. والخَلاقُ: الحَظُّ والنَصِيبُ والقَدْرُ، وهو مُسْتَعْمَلٌ في المُسْتَحَبّاتِ. وقالَ الطَبَرِيُّ: "وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ" مَعْناهُ: بِما يَسُرُّهُمْ، وقالَ غَيْرُهُ: نَفى تَعالى أنْ يُكَلِّمَهم جُمْلَةً لِأنَّهُ يُكَلِّمُ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ: وهي عِبارَةٌ عَنِ الغَضَبِ؛ المَعْنى: لا يَحْفِلُ بِهِمْ ولا يَرْضى عنهم. "وَلا يُزَكِّيهِمْ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما: يُطَهِّرُهم مِنَ الذُنُوبِ وأدْرانِها، والآخَرُ: يُنَمِّي أعْمالَهُمْ، فَهي تَنْمِيَةٌ لَهُمْ، والوَجْهانِ مَنفِيّانِ عنهم في الآخِرَةِ، و"ألِيمٌ" فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٌ، فالمَعْنى، مُؤْلِمٌ.

آل عمران 3:77

(p-٢٦٢)قوله عزّ وجلّ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ويَقُولُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥] ﴿بَلى مَن أوفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللهِ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾. الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى كَوْنِهِمْ لا يُؤَدُّونَ الأمانَةَ في دِينارٍ فَما فَوْقَهُ، عَلى أحَدِ التَأْوِيلَيْنِ، والضَمِيرُ فِي: "قالُوا" يَعْنِي بِهِ لَفِيفَ بَنِي إسْرائِيلَ، لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ أهْلُ الكِتابِ، والعَرَبُ أُمِّيُّونَ أصْحابُ أوثانٍ، فَأمْوالُهم لَنا حَلالٌ مَتى قَدِرْنا عَلى شَيْءٍ مِنها لا حُجَّةَ عَلَيْنا في ذَلِكَ ولا سَبِيلَ لِمُعْتَرِضٍ وناقِدٍ إلَيْنا في ذَلِكَ. والأُمِّيُّونَ: القَوْمُ الَّذِينَ لا يَكْتُبُونَ لِأنَّهم لا يُحْسِنُونَ الكِتابَةَ، وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ اشْتِقاقُ اللَفْظِ. واسْتِعارَةُ السَبِيلِ هُنا في الحُجَّةِ هو عَلى نَحْوِ قَوْلِ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ: ؎ وهَلْ أنا إنْ عَلَّلْتُ نَفْسِي بِسَرْحَةٍ ∗∗∗ مِنَ السَرْحِ مَوْجُودٌ عَلَيَّ طَرِيقُ؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] هو مِن هَذا المَعْنى، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنّا نَمُرُّ في الغَزْوِ بِأمْوالِ أهْلِ الذِمَّةِ فَنَأْخُذُ مِنها الشاةَ والدَجاجَةَ ونَحْوَها قالَ: وتَقُولُونَ ماذا؟ قالَ نَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْنا بَأْسٌ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا كَما قالَ أهْلُ الكِتابِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] إنَّهم إذا أدَّوُا الجِزْيَةَ لَمْ تَحِلَّ لَكم أمْوالُهم إلّا بِطِيبِ أنْفُسِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥] ذَمٌّ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِأنَّهم يَكْذِبُونَ عَلى اللهِ تَعالى في غَيْرِ ما شَيْءٍ، وهم عُلَماءُ بِمَواضِعِ الصِدْقِ لَوْ قَصَدُوها، ومِن أخْطَرِ ذَلِكَ أمْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ. ورُوِيَ عَنِ السُدِّيِّ (p-٢٦٣)وابْنِ جُرَيْجٍ وغَيْرِهِما أنَّ طائِفَةً مِن أهْلِ الكِتابِ ادَّعَتْ أنَّ في التَوْراةِ إحْلالَ اللهِ لَهم أمْوالَ الأُمِّيِّينَ كَذِبًا مِنها وهي عالِمَةٌ بِكَذِبِها في ذَلِكَ، وقالا: والإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى ذَلِكَ الكَذِبِ المَخْصُوصِ في هَذا الفَصْلِ. ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى في صَدْرِ قَوْلِهِمْ: "لَيْسَ عَلَيْنا" بِقَوْلِهِ "بَلى" أيْ: عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ وحُجَّةٌ وتِباعَةٌ، ثُمَّ أخْبَرَ عَلى جِهَةِ الشَرْطِ أنَّ مَن أوفى بِالعَهْدِ واتَّقى عُقُوبَةَ اللهِ في نَقْضِهِ، فَإنَّهُ مَحْبُوبٌ عِنْدَ اللهِ. وتَقُولُ العَرَبُ: وفى بِالعَهْدِ، وأوفى بِهِ بِمَعْنىً، وأوفى هي لُغَةُ الحِجازِ، وفَسَّرَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ عَلى أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: "بِعَهْدِهِ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو عائِدٌ عَلى "مَن". والقَوْلانِ يَرْجِعانِ إلى مَعْنىً واحِدٍ، لِأنَّ أمْرَ اللهِ تَعالى بِالوَفاءِ مُقْتَرِنٌ بِعَهْدِ كُلِّ إنْسانٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "اتَّقى" في هَذِهِ الآيَةِ، مَعْناهُ: اتَّقى الشِرْكَ، ثُمَّ خَرَجَ جَوابُ الشَرْطِ عَلى تَعْمِيمِ المُتَّقِينَ تَشْرِيفًا لِلتَّقْوى وحَضًّا عَلَيْها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ﴾.....الآيَةُ، وعِيدٌ لِمَن فَعَلَ هَذِهِ الأفاعِيلَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهي آيَةٌ يَدْخُلُ فِيها الكُفْرُ فَما دُونَهُ مِن جَحْدِ الحُقُوقِ، وخَتْرِ المَواثِيقِ. وكُلُّ أحَدٍ يَأْخُذُ مِن وعِيدِ الآيَةِ عَلى قَدْرِ جَرِيمَتِهِ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ نُزُولِها، فَقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ، أبِي رافِعٍ وكِنانَةِ بْنِ أبِي الحَقِيقِ وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ، تَرَكُوا عَهْدَ اللهِ في التَوْراةِ لِلْمَكاسِبِ والرِياسَةِ الَّتِي كانُوا بِسَبِيلِها. ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ خُصُومَةِ الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ مَعَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ في أرْضٍ، فَوَجَبَتِ اليَمِينُ عَلى اليَهُودِيِّ فَقالَ الأشْعَثُ: إذَنْ يَحْلِفُ يا رَسُولَ اللهِ ويَذْهَبُ بِمالِي، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. ورُوِيَ أنَّ (p-٢٦٤)الأشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ اخْتَصَمَ في أرْضٍ مَعَ رَجُلٍ مِن قَرابَتِهِ فَوَجَبَتِ اليَمِينُ عَلى الأشْعَثِ، وكانَ في الحَقِيقَةِ مُبْطِلًا قَدْ غَصَبَ تِلْكَ الأرْضَ في جاهِلِيَّتِهِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَنَكَلَ الأشْعَثُ عَنِ اليَمِينِ، وتَحَرَّجَ وأعْطى الأرْضَ وزادَ مِن عِنْدِهِ أرْضًا أُخْرى. ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ خُصُومَةٍ لِغَيْرِ الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ. وقالَ الشَعْبِيُّ: نَزَلَتِ الآيَةُ في رَجُلٍ أقامَ سِلْعَةً في السُوقِ مِن أوَّلِ النَهارِ، فَلَمّا كانَ في آخِرِهِ جاءَهُ رَجُلٌ فَساوَمَهُ فَحَلَفَ حانِثًا: لَقَدْ مَنَعَها في أوَّلِ النَهارِ مِن كَذا وكَذا ولَوْلا المَساءُ ما باعَها، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: اليَمِينُ الفاجِرَةُ مِنَ الكَبائِرِ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كُنّا نَرى ونَحْنُ مَعَ نَبِيِّنا أنَّ مِنَ الذَنْبِ الَّذِي لا يُغْفَرُ يَمِينَ الصَبْرِ إذا فَجَرَ فِيها صاحِبُها، وقَدْ جَعَلَ اللهُ الأيْمانَ في هَذِهِ الألْفاظِ مُشْتَراةً، فَهي مَثْمُونَةٌ أيْضًا. والخَلاقُ: الحَظُّ والنَصِيبُ والقَدْرُ، وهو مُسْتَعْمَلٌ في المُسْتَحَبّاتِ. وقالَ الطَبَرِيُّ: "وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ" مَعْناهُ: بِما يَسُرُّهُمْ، وقالَ غَيْرُهُ: نَفى تَعالى أنْ يُكَلِّمَهم جُمْلَةً لِأنَّهُ يُكَلِّمُ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ: وهي عِبارَةٌ عَنِ الغَضَبِ؛ المَعْنى: لا يَحْفِلُ بِهِمْ ولا يَرْضى عنهم. "وَلا يُزَكِّيهِمْ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما: يُطَهِّرُهم مِنَ الذُنُوبِ وأدْرانِها، والآخَرُ: يُنَمِّي أعْمالَهُمْ، فَهي تَنْمِيَةٌ لَهُمْ، والوَجْهانِ مَنفِيّانِ عنهم في الآخِرَةِ، و"ألِيمٌ" فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٌ، فالمَعْنى، مُؤْلِمٌ.

آل عمران 3:78

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ ويَقُولُونَ هو مِنَ عِنْدِ اللهِ وما هو مِنَ عِنْدِ اللهِ ويَقُولُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللهُ﴾ الضَمِيرُ في "مِنهُمْ" عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ؛ والفَرِيقُ: الجَماعَةُ مِنَ الناسِ، هي مَأْخُوذَةٌ مِن فَرَقَ إذا فَصَلَ وأبانَ شَيْئًا عن شَيْءٍ. و"يَلْوُونَ" مَعْناهُ: يُحَرِّفُونَ ويَتَحَيَّلُونَ بِتَبْدِيلِ المَعانِي مِن جِهَةِ اشْتِباهِ الألْفاظِ واشْتِراكِها وتَشَعُّبِ التَأْوِيلاتِ فِيها، ومِثالُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ [النساء: ٤٦] ونَحْوُ ذَلِكَ، ولَيْسَ التَبْدِيلُ المَحْضُ بِلَيٍّ، (p-٢٦٥)وَحَقِيقَةُ اللَيِّ في الثِيابِ والحِبالِ ونَحْوِها: فَتْلُها وإراغَتُها، ومِنهُ لَيُّ العُنُقِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ ذَلِكَ في الحُجَجِ والخُصُوماتِ والمُجادَلاتِ تَشْبِيهًا بِتِلْكَ الإراغَةِ الَّتِي في الأجْرامِ، فَمِنهُ قَوْلُهُمْ: خَصْمٌ ألْوى، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ فَلَوْ كانَ في لَيْلى شَذىً مِن خُصُومَةٍ لَلَوَّيْتُ أعْناقَ الخُصُومِ المَلاوِيا وقالَ الآخَرُ: ؎ ألْفَيْتُنِي ألْوى بَعِيدَ المُسْتَمَرْ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَلْوُونَ" مُضارِعُ لَوى، عَلى وزْنِ فَعَلَ بِتَخْفِيفِ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ وشَيْبَةُ بْنُ نِصاحٍ: "يُلَوُّونَ" بِتَشْدِيدِ الواوِ وفَتْحِ اللامِ مِن لَوّى، عَلى وزْنِ فَعَّلَ بِتَشْدِيدِ العَيْنِ، وهو تَضْعِيفُ مُبالَغَةٍ لا تَضْعِيفَ تَعْدِيَةٍ. وقَرَأ حُمَيْدٌ: "يَلُونَ" بِضَمِّ اللامِ وسُكُونِ الواوِ، وهي في الأصْلِ: "يَلُوُنَ" مِثْلُ قِراءَةِ الجَماعَةِ، فَهُمِزَتِ الواوُ المَضْمُومَةُ لِأنَّها عُرْفُها في بَعْضِ اللُغاتِ، فَجاءَ-يَلْؤُونَ- فَنُقِلَتْ ضَمَّةُ الهَمْزَةِ إلى اللامِ فَجاءَ "يَلُونَ". والكِتابُ في هَذا المَوْضِعِ: التَوْراةُ، وضَمِيرُ الفاعِلِ في قَوْلِهِ: "لِتَحْسَبُوهُ" هو لِلْمُسْلِمِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿وَما هو مِن عِنْدِ اللهِ﴾ نَفْيُ أنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا كَما ادَّعَوْا، وهو مِن عِنْدِ اللهِ بِالخَلْقِ والِاخْتِراعِ والإيجادِ، ومِنهم بِالتَكَسُّبِ، ولَمْ تُعْنَ الآيَةُ إلّا لِمَعْنى التَنْزِيلِ فَبَطَلَ تَعَلُّقُ القَدَرِيَّةِ بِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿وَما هو مِن عِنْدِ اللهِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ مَعْناهُ: لِأحَدٍ مِنَ الناسِ. والبَشَرُ: اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ (p-٢٦٦)لِلْكَثِيرِ والواحِدِ، ولا مُفْرَدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وهَذا الكَلامُ لَفْظُهُ النَفْيُ التامُّ كَقَوْلِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما كانَ لِابْنِ أبِي قُحافَةَ أنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وإنَّما يُعْلَمُ مَبْلَغُها مِنَ النَفْيِ بِقَرِينَةِ الكَلامِ الَّذِي هي فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلا بِإذْنِ اللهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ [النمل: ٦٠] فَهَذا مُنْتَفٍ عَقْلًا، وأمّا آيَتُنا هَذِهِ فَإنَّ النَفْيَ عَلى الكَمالِ لِأنّا نَقْطَعُ أنَّ اللهَ تَعالى لا يُؤْتِي النُبُوَّةَ لِلْكَذَبَةِ والمُدَّعِينَ و:"الكِتابَ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، "والحُكْمَ" بِمَعْنى: الحِكْمَةِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "إنَّ مِنَ الشِعْرِ لَحُكْمًا"،» و"ثُمَّ" في قَوْلِهِ تَعالى: "ثُمَّ يَقُولَ" مُعْطِيَةٌ تَعْظِيمَ الذَنْبِ في القَوْلِ، بَعْدَ مُهْلَةٍ مِن هَذا الإنْعامِ. وقَوْلُهُ "عِبادًا" هو جَمْعُ عَبْدٍ، ومِن جُمُوعِهِ عَبِيدٌ وعِبِدّى قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هَذِهِ الجُمُوعُ بِمَعْنىً، وقالَ قَوْمٌ: العِبادُ لِلَّهِ، والعَبِيدُ والعِبِدّى لِلْبَشَرِ، وقالَ قَوْمٌ: العِبِدّى، إنَّما تُقالُ في العَبِيدِ بَنِي العَبِيدِ، وكَأنَّهُ بِناءُ مُبالَغَةٍ تَقْتَضِي الإغْراقَ في العُبُودِيَّةِ. والَّذِي اسْتَقْرَيْتُ في لَفْظَةِ العِبادِ: أنَّهُ جَمْعُ عَبْدٍ مَتى سِيقَتِ اللَفْظَةُ في مِضْمارِ التَرْفِيعِ والدَلالَةِ عَلى الطاعَةِ دُونَ أنْ يَقْتَرِنَ بِها مَعْنى التَحْقِيرِ وتَصْغِيرِ الشَأْنِ؛ وانْظُرْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واللهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ [آل عمران: ٣٠] "عِبادٌ مُكْرَمُونَ" ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللهِ﴾ [الزمر: ٥٣] وقَوْلَ عِيسى في مَعْنى الشَفاعَةِ والتَعْرِيضِ لِرَحْمَةِ اللهِ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] فَنَوَّهَ بِهِمْ. وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: إنَّ نَصارى الحِيرَةِ وهم عَرَبٌ لَمّا أطاعُوا كِسْرى ودَخَلُوا تَحْتَ أمْرِهِ سَمَّتْهُمُ العَرَبُ العِبادَ، فَلَمْ يُنْتَهَ بِهِمْ إلى اسْمِ العَبِيدِ. وقالَ قَوْمٌ: بَلْ هم قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ مِن قَبائِلَ شَتّى اجْتَمَعُوا وتَنَصَّرُوا وسَمُّوا أنْفُسَهُمُ العِبادَ، كَأنَّهُ انْتِسابٌ إلى عِبادَةِ اللهِ. وأمّا العَبِيدُ فَيُسْتَعْمَلُ في تَحْقِيرٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:.(p-٢٦٧) ؎ قُولا لِدُودانَ عَبِيدِ العَصا ∗∗∗ ∗∗∗ ما غَرَّكم بِالأسَدِ الباسِلِ ومِنهُ قَوْلُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ: "وَهَلْ أنْتُمْ إلّا عَبِيدٌ لِأبِي" ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] لِأنَّهُ مَكانُ تَشْفِيقٍ وإعْلامٍ بِقِلَّةِ انْتِصارِهِمْ ومَقْدِرَتِهِمْ، وأنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِظَلّامٍ لَهم مَعَ ذَلِكَ. ولَمّا كانَتْ لَفْظَةُ العِبادِ تَقْتَضِي الطاعَةَ لَمْ تَقَعْ هُنا، ولِذَلِكَ أُنِسَ بِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣]. فَهَذا النَوْعُ مِنَ النَظَرِ يُسْلَكُ بِهِ سُبُلُ العَجائِبِ في مَيْزِ فَصاحَةِ القُرْآنِ العَزِيزِ عَلى الطَرِيقَةِ العَرَبِيَّةِ السَلِيمَةِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللهِ﴾ اعْبُدُونِي واجْعَلُونِي إلَهًا. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ إلى مَن هي الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ فَقالَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ: الإشارَةُ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، والآيَةُ رادَّةٌ عَلى النَصارى الَّذِينَ قالُوا: عِيسى إلَهٌ، وادَّعَوْا أنَّ عِبادَتَهُ هي شِرْعَةٌ ومُسْتَنِدَةٌ إلى أوامِرِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والرَبِيعُ وابْنُ جُرَيْجٍ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: بَلِ الإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ. وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ: «أنَّ أبا رافِعٍ القُرَظِيَّ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ اجْتَمَعَتِ الأحْبارُ مِن يَهُودَ والوَفْدُ مِن نَصارى نَجْرانَ: يا مُحَمَّدُ إنَّما تُرِيدُ أنْ نَعْبُدَكَ ونَتَّخِذَكَ إلَهًا كَما عَبَدَتِ النَصارى عِيسى، فَقالَ الرَئِيسُ مِن نَصارى نَجْرانَ: أوَ ذَلِكَ تُرِيدُ يا مُحَمَّدُ وإلَيْهِ تَدْعُونا؟ فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "مَعاذَ اللهِ، ما بِذَلِكَ أُمِرْتُ، ولا إلَيْهِ دَعَوْتُ" فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أرادَتِ الأحْبارُ أنْ تُلْزِمَ هَذا القَوْلَ مُحَمَّدًا ﷺ، لَمّا تَلا عَلَيْهِمْ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١]، وإنَّما مَعْنى الآيَةِ: فاتَّبِعُونِي فِيما أدْعُوكم إلَيْهِ مِن طاعَةِ اللهِ، فَحَرَّفُوها بِتَأْوِيلِهِمْ، وهَذا مِن نَوْعِ لَيِّهِمُ الكِتابَ بِألْسِنَتِهِمْ. (p-٢٦٨)وَقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "ثُمَّ يَقُولَ" بِالنَصْبِ، ورَوى شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، ومَحْبُوبٌ عن أبِي عَمْرٍو: "ثُمَّ يَقُولُ" بِرَفْعِ اللامِ، وهَذا عَلى القَطْعِ وإضْمارِ مُبْتَدَأٍ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "عِبادًا لِيَ" بِتَحْرِيكِ الياءِ مَفْتُوحَةً.

آل عمران 3:79

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ ويَقُولُونَ هو مِنَ عِنْدِ اللهِ وما هو مِنَ عِنْدِ اللهِ ويَقُولُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللهُ﴾ الضَمِيرُ في "مِنهُمْ" عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ؛ والفَرِيقُ: الجَماعَةُ مِنَ الناسِ، هي مَأْخُوذَةٌ مِن فَرَقَ إذا فَصَلَ وأبانَ شَيْئًا عن شَيْءٍ. و"يَلْوُونَ" مَعْناهُ: يُحَرِّفُونَ ويَتَحَيَّلُونَ بِتَبْدِيلِ المَعانِي مِن جِهَةِ اشْتِباهِ الألْفاظِ واشْتِراكِها وتَشَعُّبِ التَأْوِيلاتِ فِيها، ومِثالُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ [النساء: ٤٦] ونَحْوُ ذَلِكَ، ولَيْسَ التَبْدِيلُ المَحْضُ بِلَيٍّ، (p-٢٦٥)وَحَقِيقَةُ اللَيِّ في الثِيابِ والحِبالِ ونَحْوِها: فَتْلُها وإراغَتُها، ومِنهُ لَيُّ العُنُقِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ ذَلِكَ في الحُجَجِ والخُصُوماتِ والمُجادَلاتِ تَشْبِيهًا بِتِلْكَ الإراغَةِ الَّتِي في الأجْرامِ، فَمِنهُ قَوْلُهُمْ: خَصْمٌ ألْوى، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ فَلَوْ كانَ في لَيْلى شَذىً مِن خُصُومَةٍ لَلَوَّيْتُ أعْناقَ الخُصُومِ المَلاوِيا وقالَ الآخَرُ: ؎ ألْفَيْتُنِي ألْوى بَعِيدَ المُسْتَمَرْ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَلْوُونَ" مُضارِعُ لَوى، عَلى وزْنِ فَعَلَ بِتَخْفِيفِ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ وشَيْبَةُ بْنُ نِصاحٍ: "يُلَوُّونَ" بِتَشْدِيدِ الواوِ وفَتْحِ اللامِ مِن لَوّى، عَلى وزْنِ فَعَّلَ بِتَشْدِيدِ العَيْنِ، وهو تَضْعِيفُ مُبالَغَةٍ لا تَضْعِيفَ تَعْدِيَةٍ. وقَرَأ حُمَيْدٌ: "يَلُونَ" بِضَمِّ اللامِ وسُكُونِ الواوِ، وهي في الأصْلِ: "يَلُوُنَ" مِثْلُ قِراءَةِ الجَماعَةِ، فَهُمِزَتِ الواوُ المَضْمُومَةُ لِأنَّها عُرْفُها في بَعْضِ اللُغاتِ، فَجاءَ-يَلْؤُونَ- فَنُقِلَتْ ضَمَّةُ الهَمْزَةِ إلى اللامِ فَجاءَ "يَلُونَ". والكِتابُ في هَذا المَوْضِعِ: التَوْراةُ، وضَمِيرُ الفاعِلِ في قَوْلِهِ: "لِتَحْسَبُوهُ" هو لِلْمُسْلِمِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿وَما هو مِن عِنْدِ اللهِ﴾ نَفْيُ أنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا كَما ادَّعَوْا، وهو مِن عِنْدِ اللهِ بِالخَلْقِ والِاخْتِراعِ والإيجادِ، ومِنهم بِالتَكَسُّبِ، ولَمْ تُعْنَ الآيَةُ إلّا لِمَعْنى التَنْزِيلِ فَبَطَلَ تَعَلُّقُ القَدَرِيَّةِ بِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿وَما هو مِن عِنْدِ اللهِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ مَعْناهُ: لِأحَدٍ مِنَ الناسِ. والبَشَرُ: اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ (p-٢٦٦)لِلْكَثِيرِ والواحِدِ، ولا مُفْرَدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وهَذا الكَلامُ لَفْظُهُ النَفْيُ التامُّ كَقَوْلِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما كانَ لِابْنِ أبِي قُحافَةَ أنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وإنَّما يُعْلَمُ مَبْلَغُها مِنَ النَفْيِ بِقَرِينَةِ الكَلامِ الَّذِي هي فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلا بِإذْنِ اللهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ [النمل: ٦٠] فَهَذا مُنْتَفٍ عَقْلًا، وأمّا آيَتُنا هَذِهِ فَإنَّ النَفْيَ عَلى الكَمالِ لِأنّا نَقْطَعُ أنَّ اللهَ تَعالى لا يُؤْتِي النُبُوَّةَ لِلْكَذَبَةِ والمُدَّعِينَ و:"الكِتابَ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، "والحُكْمَ" بِمَعْنى: الحِكْمَةِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "إنَّ مِنَ الشِعْرِ لَحُكْمًا"،» و"ثُمَّ" في قَوْلِهِ تَعالى: "ثُمَّ يَقُولَ" مُعْطِيَةٌ تَعْظِيمَ الذَنْبِ في القَوْلِ، بَعْدَ مُهْلَةٍ مِن هَذا الإنْعامِ. وقَوْلُهُ "عِبادًا" هو جَمْعُ عَبْدٍ، ومِن جُمُوعِهِ عَبِيدٌ وعِبِدّى قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هَذِهِ الجُمُوعُ بِمَعْنىً، وقالَ قَوْمٌ: العِبادُ لِلَّهِ، والعَبِيدُ والعِبِدّى لِلْبَشَرِ، وقالَ قَوْمٌ: العِبِدّى، إنَّما تُقالُ في العَبِيدِ بَنِي العَبِيدِ، وكَأنَّهُ بِناءُ مُبالَغَةٍ تَقْتَضِي الإغْراقَ في العُبُودِيَّةِ. والَّذِي اسْتَقْرَيْتُ في لَفْظَةِ العِبادِ: أنَّهُ جَمْعُ عَبْدٍ مَتى سِيقَتِ اللَفْظَةُ في مِضْمارِ التَرْفِيعِ والدَلالَةِ عَلى الطاعَةِ دُونَ أنْ يَقْتَرِنَ بِها مَعْنى التَحْقِيرِ وتَصْغِيرِ الشَأْنِ؛ وانْظُرْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واللهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ [آل عمران: ٣٠] "عِبادٌ مُكْرَمُونَ" ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللهِ﴾ [الزمر: ٥٣] وقَوْلَ عِيسى في مَعْنى الشَفاعَةِ والتَعْرِيضِ لِرَحْمَةِ اللهِ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] فَنَوَّهَ بِهِمْ. وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: إنَّ نَصارى الحِيرَةِ وهم عَرَبٌ لَمّا أطاعُوا كِسْرى ودَخَلُوا تَحْتَ أمْرِهِ سَمَّتْهُمُ العَرَبُ العِبادَ، فَلَمْ يُنْتَهَ بِهِمْ إلى اسْمِ العَبِيدِ. وقالَ قَوْمٌ: بَلْ هم قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ مِن قَبائِلَ شَتّى اجْتَمَعُوا وتَنَصَّرُوا وسَمُّوا أنْفُسَهُمُ العِبادَ، كَأنَّهُ انْتِسابٌ إلى عِبادَةِ اللهِ. وأمّا العَبِيدُ فَيُسْتَعْمَلُ في تَحْقِيرٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:.(p-٢٦٧) ؎ قُولا لِدُودانَ عَبِيدِ العَصا ∗∗∗ ∗∗∗ ما غَرَّكم بِالأسَدِ الباسِلِ ومِنهُ قَوْلُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ: "وَهَلْ أنْتُمْ إلّا عَبِيدٌ لِأبِي" ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] لِأنَّهُ مَكانُ تَشْفِيقٍ وإعْلامٍ بِقِلَّةِ انْتِصارِهِمْ ومَقْدِرَتِهِمْ، وأنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِظَلّامٍ لَهم مَعَ ذَلِكَ. ولَمّا كانَتْ لَفْظَةُ العِبادِ تَقْتَضِي الطاعَةَ لَمْ تَقَعْ هُنا، ولِذَلِكَ أُنِسَ بِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣]. فَهَذا النَوْعُ مِنَ النَظَرِ يُسْلَكُ بِهِ سُبُلُ العَجائِبِ في مَيْزِ فَصاحَةِ القُرْآنِ العَزِيزِ عَلى الطَرِيقَةِ العَرَبِيَّةِ السَلِيمَةِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللهِ﴾ اعْبُدُونِي واجْعَلُونِي إلَهًا. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ إلى مَن هي الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ فَقالَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ: الإشارَةُ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، والآيَةُ رادَّةٌ عَلى النَصارى الَّذِينَ قالُوا: عِيسى إلَهٌ، وادَّعَوْا أنَّ عِبادَتَهُ هي شِرْعَةٌ ومُسْتَنِدَةٌ إلى أوامِرِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والرَبِيعُ وابْنُ جُرَيْجٍ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: بَلِ الإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ. وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ: «أنَّ أبا رافِعٍ القُرَظِيَّ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ اجْتَمَعَتِ الأحْبارُ مِن يَهُودَ والوَفْدُ مِن نَصارى نَجْرانَ: يا مُحَمَّدُ إنَّما تُرِيدُ أنْ نَعْبُدَكَ ونَتَّخِذَكَ إلَهًا كَما عَبَدَتِ النَصارى عِيسى، فَقالَ الرَئِيسُ مِن نَصارى نَجْرانَ: أوَ ذَلِكَ تُرِيدُ يا مُحَمَّدُ وإلَيْهِ تَدْعُونا؟ فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "مَعاذَ اللهِ، ما بِذَلِكَ أُمِرْتُ، ولا إلَيْهِ دَعَوْتُ" فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أرادَتِ الأحْبارُ أنْ تُلْزِمَ هَذا القَوْلَ مُحَمَّدًا ﷺ، لَمّا تَلا عَلَيْهِمْ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١]، وإنَّما مَعْنى الآيَةِ: فاتَّبِعُونِي فِيما أدْعُوكم إلَيْهِ مِن طاعَةِ اللهِ، فَحَرَّفُوها بِتَأْوِيلِهِمْ، وهَذا مِن نَوْعِ لَيِّهِمُ الكِتابَ بِألْسِنَتِهِمْ. (p-٢٦٨)وَقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "ثُمَّ يَقُولَ" بِالنَصْبِ، ورَوى شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، ومَحْبُوبٌ عن أبِي عَمْرٍو: "ثُمَّ يَقُولُ" بِرَفْعِ اللامِ، وهَذا عَلى القَطْعِ وإضْمارِ مُبْتَدَأٍ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "عِبادًا لِيَ" بِتَحْرِيكِ الياءِ مَفْتُوحَةً.

آل عمران 3:80

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] ﴿وَلا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَبِيِّينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لَما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾. المَعْنى: ولَكِنْ يَقُولُ: "كُونُوا رَبّانِيِّينَ" وهو جَمْعُ رَبّانِيٍّ. واخْتَلَفَ النُحاةُ في هَذِهِ النِسْبَةِ، فَقالَ قَوْمٌ: هو مَنسُوبٌ إلى الرَبِّ مِن حَيْثُ هو عالِمُ عِلْمِهِ، العامِلُ بِطاعَتِهِ، المُعَلِّمُ لِلنّاسِ ما أمَرَ بِهِ؛ وزِيدَتِ الألِفُ والنُونُ مُبالَغَةً كَما قالُوا: لِحْيانِيٌّ وشَعْرانِيٌّ في النِسْبَةِ إلى اللِحْيَةِ والشَعْرِ. وقالَ قَوْمٌ: الرَبّانِيُّ مَنسُوبٌ إلى الرُبّانِ وهو مُعَلِّمُ الناسِ وعالِمُهُمُ السائِسُ لِأمْرِهِمْ، مَأْخُوذٌ مِن رَبَّ يَرُبُّ إذا أصْلَحَ ورَبّى، وزِيدَتْ فِيهِ هَذِهِ النُونُ كَما زِيدَتْ في غَضْبانَ وعَطْشانَ، ثُمَّ نُسِبَ إلَيْهِ رَبّانِيٌّ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في صِفَةِ مَن يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ لَهُ: رَبّانِيٌّ، فَقالَ أبُو رَزِينٍ (p-٢٦٩)الرَبّانِيُّ: الحَكِيمُ العالِمُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الرَبّانِيُّ: الفَقِيهُ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الرَبّانِيُّ: العالِمُ الحَلِيمُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الحَكِيمُ الفَقِيهُ، وقالَ الضَحّاكُ: هو الفَقِيهُ العالِمُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَبّانِيُّ: والِي الأمْرِ، يَرُبُّ الناسَ أيْ يُصْلِحُهُمْ، فالرَبّانِيُّونَ: الوُلاةُ والأحْبارُ والعُلَماءُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: الرَبّانِيُّ: فَوْقَ الحَبْرِ لِأنَّ الحَبْرَ هو العالِمُ، والرَبّانِيُّ هو الَّذِي جَمَعَ إلى العِلْمِ والفِقْهِ البَصَرَ بِالسِياسَةِ والتَدْبِيرَ والقِيامَ بِأُمُورِ الرَعِيَّةِ وما يُصْلِحُهم في دِينِهِمْ ودُنْياهُمْ، وفي البُخارِيِّ: الرَبّانِيُّ: الَّذِي يُرَبِّي الناسَ بِصِغارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبارِهِ. فَجُمْلَةُ ما يُقالُ في الرَبّانِيِّ إنَّهُ العالِمُ بِالرَبِّ والشَرْعِ، المُصِيبُ في التَقْدِيرِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ الَّتِي يُحاوِلُها في الناسِ. وقَوْلُهُ: "بِما كُنْتُمْ" مَعْناهُ: بِسَبَبِ كَوْنِكم عالِمِينَ دارِسِينَ، فَـ ما مَصْدَرِيَّةٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، لِأنَّ العائِدَ الَّذِي كانَ يَلْزَمُ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ أنْ يَتَضَمَّنَهُ "كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ"، ولا يَصِحُّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ لِأنَّ كانَ قَدِ اسْتَوْفَتْ خَبَرَها ظاهِرًا وهُوَ: "تُعَلِّمُونَ"، وكَذَلِكَ "تُعَلِّمُونَ" قَدِ اسْتَوْفى مَفْعُولَهُ وهو "الكِتابَ" ظاهِرًا، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، إذْ لا يُمْكِنُ عائِدٌ، و:"تُعَلِّمُونَ" بِمَعْنى تُعَرِّفُونَ، فَهي مُتَعَدِّيَةٌ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو: "تَعْلَمُونَ" بِسُكُونِ العَيْنِ، وتَخْفِيفِ اللامِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "تُعَلِّمُونَ" مُثْقَلًا، بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ اللامِ، وهَذا عَلى تَعْدِيَةِ الفِعْلِ بِالتَضْعِيفِ، والمَفْعُولُ الثانِي عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: تُعَلِّمُونَ الناسَ الكِتابَ. والقِراءَتانِ مُتَقارِبَتا المَعْنى، وقَدْ رَجَّحْتُ قِراءَةَ التَخْفِيفِ بِتَخْفِيفِهِمْ "تَدْرُسُونَ"، وبِأنَّ العِلْمَ هو العِلَّةُ الَّتِي تُوجِبُ لِلْمُوَفَّقِ مِنَ الناسِ أنْ يَكُونَ رَبّانِيًّا، ولَيْسَ التَعْلِيمُ شَرْطًا في ذَلِكَ، ورَجَّحْتُ الأُخْرى بِأنَّ التَعْلِيمَ يَتَضَمَّنُ العِلْمَ، والعِلْمَ لا يَتَضَمَّنُ التَعْلِيمَ، فَتَجِيءُ قِراءَةُ التَثْقِيلِ أبْلَغَ في المَدْحِ. ومِن حَيْثُ العالِمُ بِحالِ مَن يَعْلَمُ، فالتَعْلِيمُ كَأنَّهُ في ضِمْنِ العِلْمِ. وقِراءَةُ التَخْفِيفِ عِنْدِي أرْجَحُ. وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: "تَعَلَّمُونَ" بِفَتْحِ التاءِ والعَيْنِ وشَدِّ اللامِ المَفْتُوحَةِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَدْرُسُونَ" بِضَمِّ الراءِ، مِن دَرَسَ إذا أدْمَنَ قِراءَةَ الكِتابِ وكَرَّرَهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "تَدْرِسُونَ" بِكَسْرِ الراءِ، وهَذا عَلى أنَّهُ يُقالُ في مُضارِعِ دَرَسَ، يَدْرُسُ ويَدْرِسُ ورُوِيَ عن أبِي حَيْوَةَ، أنَّهُ قَرَأ: "تُدَرِّسُونَ"، بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الراءِ وشَدِّها، (p-٢٧٠)بِمَعْنى: تُدَرِّسُونَ غَيْرَكم. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ: "وَلا يَأْمُرُكُمْ" بِرَفْعِ الراءِ، وكانَ أبُو عَمْرٍو يَخْتَلِسُ حَرَكَةَ الراءِ تَخْفِيفًا، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: "وَلا يَأْمُرَكُمْ" نَصْبًا، ولا خِلافَ في الراءِ مِن قَوْلِهِ: "أيَأْمُرُكُمْ" إلّا اخْتِلاسُ أبِي عَمْرٍو، فَمَن رَفَعَ قَوْلَهُ: "لا يَأْمُرُكُمْ"، فَهو عَلى القَطْعِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: المَعْنى: ولا يَأْمُرُكُمُ اللهُ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ: المَعْنى: ولا يَأْمُرُكم هَذا البَشَرُ الَّذِي أُوتِيَ هَذِهِ النِعَمَ، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَنْ يَأْمُرَكُمْ"، فَهَذِهِ قِراءَةٌ تَدُلُّ عَلى القَطْعِ. وأمّا قِراءَةُ مَن نَصَبَ الراءَ فَهي عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "أنْ يُؤْتِيَهُ" والمَعْنى: ولا لَهُ أنْ يَأْمُرَكُمْ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: قَوْلُهُ "وَلا يَأْمُرَكُمْ" بِالنَصْبِ - مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "ثُمَّ يَقُولَ"؛ وهَذا خَطَأٌ لا يَلْتَئِمُ بِهِ المَعْنى، والأرْبابُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الآلِهَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ" تَقْرِيرٌ عَلى هَذا المَعْنى الظاهِرِ فَسادُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ﴾... الآيَةُ، المَعْنى: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أخْذُ هَذا المِيثاقِ حِينَ أخْرَجَ بَنِي آدَمَ مِن ظَهْرِ آدَمَ نَسَمًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الأخْذُ عَلى كُلِّ نَبِيٍّ في زَمَنِهِ ووَقْتِ بَعْثِهِ، ثُمَّ جَمَعَ اللَفْظَ في حِكايَةِ الحالِ في هَذِهِ الآيَةِ، والمَعْنى: أنَّ اللهَ تَعالى أخَذَ مِيثاقَ كُلِّ نَبِيٍّ بِأنَّهُ يَلْتَزِمُ هو ومَن آمَنَ بِهِ، الإيمانَ بِمَن أُوتِيَ بَعْدَهُ مِنَ الرُسُلِ الظاهِرَةِ بَراهِينُهُمْ، والنُصْرَةَ لَهُ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في العِبارَةِ عن مُقْتَضى ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ مُجاهِدٌ والرَبِيعُ: إنَّما أخَذَ مِيثاقَ أهْلِ الكِتابِ لا مِيثاقَ النَبِيِّينَ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ مَسْعُودٍ: "وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ" قالَ مُجاهِدٌ: هَكَذا هو القُرْآنُ، وإثْباتُ "النَبِيِّينَ" خَطَأٌ مِنَ الكُتّابِ. وهَذا لَفْظٌ مَرْدُودٌ بِإجْماعِ الصَحابَةِ عَلى مُصْحَفِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ، (p-٢٧١)فَهُوَ أخْذٌ لِمِيثاقِ الجَمِيعِ. وقالَ طاوُسُ: أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا - آدَمَ فَمَن بَعْدَهُ - إلّا أُخِذَ عَلَيْهِ العَهْدُ في مُحَمَّدٍ؛ لَئِنْ بُعِثَ وهو حَيٌّ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَيَنْصُرَنَّهُ، وأمَرَهُ بِأخْذِهِ عَلى قَوْمِهِ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، وقالَهُ السُدِّيُّ، ورُوِيَ عن طاوُسَ أنَّهُ قالَ: صَدْرُ الآيَةِ أخْذُ المِيثاقِ عَلى النَبِيِّينَ وقَوْلُهُ: "ثُمَّ جاءَكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِأهْلِ الكِتابِ بِأخْذِ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ - حَكاهُ الطَبَرِيُّ، وهو قَوْلٌ يُفْسِدُهُ إعْرابُ الآيَةِ. وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها تَرْجِعُ إلى ما قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ، لِأنَّ الأخْذَ عَلى الأنْبِياءِ أخْذٌ عَلى الأُمَمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وغَيْرُهُ سِوى السَبْعَةِ: "لِما" بِكَسْرِ اللامِ، وهي لامُ الجَرِّ، والتَقْدِيرُ: لِأجْلِ ما آتَيْناكُمْ، إذْ أنْتُمُ القادَةُ والرُؤُوسُ، ومَن كانَ بِهَذِهِ الحالِ فَهو الَّذِي يُؤْخَذُ مِيثاقُهُ. و"ما" في هَذِهِ القِراءَةِ بِمَعْنى الَّذِي المَوْصُولَةُ، والعائِدُ إلَيْها مِنَ الصِلَةِ تَقْدِيرُهُ: آتَيْناكُمُوهُ، و"مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ، وقَوْلُهُ: "ثُمَّ جاءَكُمْ"... الآيَةُ، جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الصِلَةِ، ولا بُدَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى المَوْصُولِ، فَتَقْدِيرُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: رَسُولٌ بِهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ، وحُذِفَ تَخْفِيفًا كَما حُذِفَ الَّذِي في الصِلَةِ بِعَيْنِها لِطُولِ الكَلامِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولا﴾ [الفرقان: ٤١] ؛ والحَذْفُ مِنَ الصِلاتِ كَثِيرٌ جَمِيلٌ، وأمّا أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ فَقالَ قَوْلُهُ تَعالى: "لِما مَعَكُمْ". هو العائِدُ عِنْدَهُ عَلى المَوْصُولِ، إذْ هو في المَعْنى بِمَنزِلَةِ الضَمِيرِ الَّذِي قَدَّرَ سِيبَوَيْهِ، وكَذَلِكَ قالَ الأخْفَشُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠] لِأنَّ المَعْنى: لا يَضِيعُ أجْرُهُمْ، إذِ المُحْسِنُونَ هم مَن يَتَّقِي ويَصْبِرُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ [الكهف: ٣٠] وكَذَلِكَ ما ضارَعَ هَذِهِ الآياتِ. وسِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ لا يَرى أنْ يَضَعَ المُظْهَرَ مَوْقِعَ المُضْمَرِ، كَما يَراهُ أبُو الحَسَنِ. واللامُ فِي: "لَتُؤْمِنُنَّ" هي اللامُ المُتَعَلِّقَةُ لِلْقَسَمِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ أخْذُ المِيثاقِ، وفَصَلَ بَيْنَ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، وذَلِكَ جائِزٌ. (p-٢٧٢)وَقَرَأ سائِرُ السَبْعَةِ: "لَما" بِفَتْحِ اللامِ، وذَلِكَ يَتَخَرَّجُ عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، واللامُ لامٌ بِالِابْتِداءِ، وهي مُتَلَقِّيَةٌ لِما أُجْرِيَ مَجْرى القَسَمِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ﴾ وخَبَرُ الِابْتِداءِ قَوْلُهُ: "لَتُؤْمِنُنَّ" و"لَتُؤْمِنُنَّ" مُتَعَلِّقٌ بِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: واللهِ لَتُؤْمِنُنَّ؛ هَكَذا قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وفِيهِ مِن جِهَةِ المَعْنى نَظَرٌ إذا تَأمَّلْتَ عَلى أيِّ شَيْءٍ وقَعَ التَحْلِيفُ، لَكِنَّهُ مُتَوَجِّهٌ بِأنَّ الحَلِفَ يَقَعُ مَرَّتَيْنِ تَأْكِيدًا، فَتَأمَّلْ. والعائِدُ الَّذِي في الصِلَةِ، والعائِدُ الَّذِي في الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ عَلى الصِلَةِ هُنا في هَذِهِ القِراءَةِ هُما عَلى حَدِّ ما ذَكَرْناهُما في قِراءَةِ حَمْزَةَ، أمّا أنَّ هَذا التَأْوِيلَ يَقْتَضِي عائِدًا مِنَ الخَبَرِ الَّذِي هو "لَتُؤْمِنُنَّ" فَهو قَوْلُهُ تَعالى: "بِهِ" فالهاءُ مِن "بِهِ" عائِدَةٌ عَلى "ما" ولا يَجُوزُ أنْ تَعُودَ عَلى "رَسُولٌ" فَيَبْقى المَوْصُولُ حِينَئِذٍ غَيْرَ عائِدٍ عَلَيْهِ مِن خَبَرِهِ ذِكْرٌ. والوَجْهُ الثانِي الَّذِي تَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ قِراءَةُ القُرّاءِ "لَما" بِفَتْحِ اللامِ، هو أنْ تَكُونَ "ما" لِلْجَزاءِ شَرْطًا، فَتَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها وهو مَجْزُومٌ، و"جاءَكُمْ" مَعْطُوفٌ في مَوْضِعِ جَزْمٍ، واللامُ الداخِلَةُ عَلى "ما" لَيْسَتِ المُتَلَقِّيَةَ لِلْقَسَمِ، ولَكِنَّها المُوَطِّئَةُ المُؤْذِنَةُ بِمَجِيءِ لامِ القَسَمِ، فَهي بِمَنزِلَةِ اللامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٦٠] لِأنَّها مُؤْذِنَةٌ بِمَجِيءِ المُتَلَقِّيَةِ لِلْقَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٠]، وكَذَلِكَ هَذِهِ مُؤْذِنَةٌ بِمَجِيءِ المُتَلَقِّيَةِ لِلْقَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾، وهَذِهِ اللامُ الداخِلَةُ عَلى "إنَّ" لا يَعْتَمِدُ القَسَمُ عَلَيْها، فَلِذَلِكَ جازَ حَذْفُها تارَةً وإثْباتُها تارَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣]. قالَ الزَجّاجُ: لِأنَّ قَوْلَكَ، واللهِ لَئِنْ جِئْتَنِي لَأُكْرِمَنَّكَ، إنَّما هو حَلِفٌ عَلى فِعْلِكَ، لا أنَّ الشَرْطَ مُعَلَّقٌ بِهِ، فَلِذَلِكَ دَخَلَتِ اللامُ عَلى الشَرْطِ، وما في هَذا الوَجْهِ مِن كَوْنِها جَزاءً لا تَحْتاجُ إلى عائِدٍ لِأنَّها مَفْعُولَةٌ والمَفْعُولُ لا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ عائِدٍ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ عائِدٌ عَلى "رَسُولٌ"، وكَذَلِكَ هو عَلى قِراءَةِ مَن كَسَرَ اللامَ، وأمّا الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَلَتَنْصُرُنَّهُ" فَلا يَحْتَمِلُ بِوَجْهٍ إلّا العَوْدَ عَلى "رَسُولٌ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ في الإغْفالِ: وجَزاءُ الشَرْطِ (p-٢٧٣)مَحْذُوفٌ بِدَلالَةِ قَوْلِهِ: "لَتُؤْمِنُنَّ" عَلَيْهِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: سَألْتُهُ -يَعْنِي الخَلِيلَ- عن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ﴾ فَقالَ: ما هُنا بِمَنزِلَةِ الَّذِي ودَخَلَتْها اللامُ كَما دَخَلَتْ عَلى "إنَّ" حِينَ قُلْتَ: لَئِنْ فَعَلْتَ لَأفْعَلَنَّ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ يُفَسِّرُ وجْهَ الجَزاءِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: أرادَ الخَلِيلُ بِقَوْلِهِ: هي بِمَنزِلَةِ الَّذِي، أنَّها اسْمٌ كَما أنَّ الَّذِي اسْمٌ، ولَمْ يُرِدْ أنَّها مَوْصُولَةٌ كالَّذِي، وإنَّما فَرَّ مِن أنْ تَكُونَ "ما" حَرْفًا كَما جاءَتْ حَرْفًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ كُلا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ [هود: ١١١] وفي قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا﴾ [الزخرف: ٣٥]. واللهُ المُسْتَعانُ. وحَكى المَهْدَوِيُّ ومَكِّيٌّ عن سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ: أنَّ خَبَرَ الِابْتِداءِ فِيمَن جَعَلَ ما ابْتِداءً عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ اللامَ هو في قَوْلِهِ: ﴿مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ﴾ ولا أعْرِفُ مِن أيْنَ حَكَياهُ، لِأنَّهُ مُفْسِدٌ لِمَعْنى الآيَةِ، لا يَلِيقُ بِسِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ؛ وإنَّما الخَبَرُ في قَوْلِهِ: "لَتُؤْمِنُنَّ" كَما قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ ومَن جَرى مَجْراهُ كالزَجّاجِ وغَيْرِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ: "لَمّا آتَيْناكُمْ" بِفَتْحِ اللامِ وشَدِّ المِيمِ، قالَ أبُو إسْحاقَ: أيْ لَمّا آتاكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ أخَذَ المِيثاقَ، وتَكُونُ اللامُ تَؤُولُ إلى الجَزاءِ، كَما تَقُولُ لَمّا جِئْتَنِي أكْرَمْتُكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَظْهَرُ أنَّ "لَمّا" هَذِهِ هي الظَرْفِيَّةُ، أيْ لَمّا كُنْتُمْ بِهَذِهِ الحالِ رُؤَساءَ الناسِ وأماثِلَهُمْ، أخَذَ عَلَيْكُمُ المِيثاقَ، إذْ عَلى القادَةِ يُؤْخَذُ، فَيَجِيءُ هَذا المَعْنى كالمَعْنى في قِراءَةِ حَمْزَةَ. وذَهَبَ ابْنُ جِنِّيٍّ في "لَمّا" في هَذِهِ الآيَةِ إلى أنَّ أصْلَها "لِمَن ما"، وزِيدَتْ "مِن" في الواجِبِ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، ثُمَّ أُدْغِمَتْ، كَما يَجِبُ في مِثْلِ هَذا، فَجاءَ "لَمِّما"، فَثَقُلَ اجْتِماعُ ثَلاثِ مِيماتٍ فَحُذِفَتِ المِيمُ الأُولى فَبَقِيَ "لَمّا". وتَتَفَسَّرُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى (p-٢٧٤)هَذا التَوْجِيهِ المُحَلِّقِ تَفَسُّرَ "لَما" بِفَتْحِ المِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَدْ تَقَدَّمَ. وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "آتَيْناكُمْ" بِالنُونِ، وقَرَأ الباقُونَ: "آتَيْتُكُمْ" بِالتاءِ، و"رَسُولٌ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "مُصَدِّقًا" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ.

آل عمران 3:81

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] ﴿وَلا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَبِيِّينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لَما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾. المَعْنى: ولَكِنْ يَقُولُ: "كُونُوا رَبّانِيِّينَ" وهو جَمْعُ رَبّانِيٍّ. واخْتَلَفَ النُحاةُ في هَذِهِ النِسْبَةِ، فَقالَ قَوْمٌ: هو مَنسُوبٌ إلى الرَبِّ مِن حَيْثُ هو عالِمُ عِلْمِهِ، العامِلُ بِطاعَتِهِ، المُعَلِّمُ لِلنّاسِ ما أمَرَ بِهِ؛ وزِيدَتِ الألِفُ والنُونُ مُبالَغَةً كَما قالُوا: لِحْيانِيٌّ وشَعْرانِيٌّ في النِسْبَةِ إلى اللِحْيَةِ والشَعْرِ. وقالَ قَوْمٌ: الرَبّانِيُّ مَنسُوبٌ إلى الرُبّانِ وهو مُعَلِّمُ الناسِ وعالِمُهُمُ السائِسُ لِأمْرِهِمْ، مَأْخُوذٌ مِن رَبَّ يَرُبُّ إذا أصْلَحَ ورَبّى، وزِيدَتْ فِيهِ هَذِهِ النُونُ كَما زِيدَتْ في غَضْبانَ وعَطْشانَ، ثُمَّ نُسِبَ إلَيْهِ رَبّانِيٌّ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في صِفَةِ مَن يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ لَهُ: رَبّانِيٌّ، فَقالَ أبُو رَزِينٍ (p-٢٦٩)الرَبّانِيُّ: الحَكِيمُ العالِمُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الرَبّانِيُّ: الفَقِيهُ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الرَبّانِيُّ: العالِمُ الحَلِيمُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الحَكِيمُ الفَقِيهُ، وقالَ الضَحّاكُ: هو الفَقِيهُ العالِمُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَبّانِيُّ: والِي الأمْرِ، يَرُبُّ الناسَ أيْ يُصْلِحُهُمْ، فالرَبّانِيُّونَ: الوُلاةُ والأحْبارُ والعُلَماءُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: الرَبّانِيُّ: فَوْقَ الحَبْرِ لِأنَّ الحَبْرَ هو العالِمُ، والرَبّانِيُّ هو الَّذِي جَمَعَ إلى العِلْمِ والفِقْهِ البَصَرَ بِالسِياسَةِ والتَدْبِيرَ والقِيامَ بِأُمُورِ الرَعِيَّةِ وما يُصْلِحُهم في دِينِهِمْ ودُنْياهُمْ، وفي البُخارِيِّ: الرَبّانِيُّ: الَّذِي يُرَبِّي الناسَ بِصِغارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبارِهِ. فَجُمْلَةُ ما يُقالُ في الرَبّانِيِّ إنَّهُ العالِمُ بِالرَبِّ والشَرْعِ، المُصِيبُ في التَقْدِيرِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ الَّتِي يُحاوِلُها في الناسِ. وقَوْلُهُ: "بِما كُنْتُمْ" مَعْناهُ: بِسَبَبِ كَوْنِكم عالِمِينَ دارِسِينَ، فَـ ما مَصْدَرِيَّةٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، لِأنَّ العائِدَ الَّذِي كانَ يَلْزَمُ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ أنْ يَتَضَمَّنَهُ "كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ"، ولا يَصِحُّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ لِأنَّ كانَ قَدِ اسْتَوْفَتْ خَبَرَها ظاهِرًا وهُوَ: "تُعَلِّمُونَ"، وكَذَلِكَ "تُعَلِّمُونَ" قَدِ اسْتَوْفى مَفْعُولَهُ وهو "الكِتابَ" ظاهِرًا، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، إذْ لا يُمْكِنُ عائِدٌ، و:"تُعَلِّمُونَ" بِمَعْنى تُعَرِّفُونَ، فَهي مُتَعَدِّيَةٌ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو: "تَعْلَمُونَ" بِسُكُونِ العَيْنِ، وتَخْفِيفِ اللامِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "تُعَلِّمُونَ" مُثْقَلًا، بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ اللامِ، وهَذا عَلى تَعْدِيَةِ الفِعْلِ بِالتَضْعِيفِ، والمَفْعُولُ الثانِي عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: تُعَلِّمُونَ الناسَ الكِتابَ. والقِراءَتانِ مُتَقارِبَتا المَعْنى، وقَدْ رَجَّحْتُ قِراءَةَ التَخْفِيفِ بِتَخْفِيفِهِمْ "تَدْرُسُونَ"، وبِأنَّ العِلْمَ هو العِلَّةُ الَّتِي تُوجِبُ لِلْمُوَفَّقِ مِنَ الناسِ أنْ يَكُونَ رَبّانِيًّا، ولَيْسَ التَعْلِيمُ شَرْطًا في ذَلِكَ، ورَجَّحْتُ الأُخْرى بِأنَّ التَعْلِيمَ يَتَضَمَّنُ العِلْمَ، والعِلْمَ لا يَتَضَمَّنُ التَعْلِيمَ، فَتَجِيءُ قِراءَةُ التَثْقِيلِ أبْلَغَ في المَدْحِ. ومِن حَيْثُ العالِمُ بِحالِ مَن يَعْلَمُ، فالتَعْلِيمُ كَأنَّهُ في ضِمْنِ العِلْمِ. وقِراءَةُ التَخْفِيفِ عِنْدِي أرْجَحُ. وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: "تَعَلَّمُونَ" بِفَتْحِ التاءِ والعَيْنِ وشَدِّ اللامِ المَفْتُوحَةِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَدْرُسُونَ" بِضَمِّ الراءِ، مِن دَرَسَ إذا أدْمَنَ قِراءَةَ الكِتابِ وكَرَّرَهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "تَدْرِسُونَ" بِكَسْرِ الراءِ، وهَذا عَلى أنَّهُ يُقالُ في مُضارِعِ دَرَسَ، يَدْرُسُ ويَدْرِسُ ورُوِيَ عن أبِي حَيْوَةَ، أنَّهُ قَرَأ: "تُدَرِّسُونَ"، بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الراءِ وشَدِّها، (p-٢٧٠)بِمَعْنى: تُدَرِّسُونَ غَيْرَكم. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ: "وَلا يَأْمُرُكُمْ" بِرَفْعِ الراءِ، وكانَ أبُو عَمْرٍو يَخْتَلِسُ حَرَكَةَ الراءِ تَخْفِيفًا، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: "وَلا يَأْمُرَكُمْ" نَصْبًا، ولا خِلافَ في الراءِ مِن قَوْلِهِ: "أيَأْمُرُكُمْ" إلّا اخْتِلاسُ أبِي عَمْرٍو، فَمَن رَفَعَ قَوْلَهُ: "لا يَأْمُرُكُمْ"، فَهو عَلى القَطْعِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: المَعْنى: ولا يَأْمُرُكُمُ اللهُ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ: المَعْنى: ولا يَأْمُرُكم هَذا البَشَرُ الَّذِي أُوتِيَ هَذِهِ النِعَمَ، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَنْ يَأْمُرَكُمْ"، فَهَذِهِ قِراءَةٌ تَدُلُّ عَلى القَطْعِ. وأمّا قِراءَةُ مَن نَصَبَ الراءَ فَهي عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "أنْ يُؤْتِيَهُ" والمَعْنى: ولا لَهُ أنْ يَأْمُرَكُمْ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: قَوْلُهُ "وَلا يَأْمُرَكُمْ" بِالنَصْبِ - مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "ثُمَّ يَقُولَ"؛ وهَذا خَطَأٌ لا يَلْتَئِمُ بِهِ المَعْنى، والأرْبابُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الآلِهَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ" تَقْرِيرٌ عَلى هَذا المَعْنى الظاهِرِ فَسادُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ﴾... الآيَةُ، المَعْنى: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أخْذُ هَذا المِيثاقِ حِينَ أخْرَجَ بَنِي آدَمَ مِن ظَهْرِ آدَمَ نَسَمًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الأخْذُ عَلى كُلِّ نَبِيٍّ في زَمَنِهِ ووَقْتِ بَعْثِهِ، ثُمَّ جَمَعَ اللَفْظَ في حِكايَةِ الحالِ في هَذِهِ الآيَةِ، والمَعْنى: أنَّ اللهَ تَعالى أخَذَ مِيثاقَ كُلِّ نَبِيٍّ بِأنَّهُ يَلْتَزِمُ هو ومَن آمَنَ بِهِ، الإيمانَ بِمَن أُوتِيَ بَعْدَهُ مِنَ الرُسُلِ الظاهِرَةِ بَراهِينُهُمْ، والنُصْرَةَ لَهُ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في العِبارَةِ عن مُقْتَضى ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ مُجاهِدٌ والرَبِيعُ: إنَّما أخَذَ مِيثاقَ أهْلِ الكِتابِ لا مِيثاقَ النَبِيِّينَ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ مَسْعُودٍ: "وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ" قالَ مُجاهِدٌ: هَكَذا هو القُرْآنُ، وإثْباتُ "النَبِيِّينَ" خَطَأٌ مِنَ الكُتّابِ. وهَذا لَفْظٌ مَرْدُودٌ بِإجْماعِ الصَحابَةِ عَلى مُصْحَفِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ، (p-٢٧١)فَهُوَ أخْذٌ لِمِيثاقِ الجَمِيعِ. وقالَ طاوُسُ: أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا - آدَمَ فَمَن بَعْدَهُ - إلّا أُخِذَ عَلَيْهِ العَهْدُ في مُحَمَّدٍ؛ لَئِنْ بُعِثَ وهو حَيٌّ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَيَنْصُرَنَّهُ، وأمَرَهُ بِأخْذِهِ عَلى قَوْمِهِ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، وقالَهُ السُدِّيُّ، ورُوِيَ عن طاوُسَ أنَّهُ قالَ: صَدْرُ الآيَةِ أخْذُ المِيثاقِ عَلى النَبِيِّينَ وقَوْلُهُ: "ثُمَّ جاءَكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِأهْلِ الكِتابِ بِأخْذِ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ - حَكاهُ الطَبَرِيُّ، وهو قَوْلٌ يُفْسِدُهُ إعْرابُ الآيَةِ. وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها تَرْجِعُ إلى ما قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ، لِأنَّ الأخْذَ عَلى الأنْبِياءِ أخْذٌ عَلى الأُمَمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وغَيْرُهُ سِوى السَبْعَةِ: "لِما" بِكَسْرِ اللامِ، وهي لامُ الجَرِّ، والتَقْدِيرُ: لِأجْلِ ما آتَيْناكُمْ، إذْ أنْتُمُ القادَةُ والرُؤُوسُ، ومَن كانَ بِهَذِهِ الحالِ فَهو الَّذِي يُؤْخَذُ مِيثاقُهُ. و"ما" في هَذِهِ القِراءَةِ بِمَعْنى الَّذِي المَوْصُولَةُ، والعائِدُ إلَيْها مِنَ الصِلَةِ تَقْدِيرُهُ: آتَيْناكُمُوهُ، و"مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ، وقَوْلُهُ: "ثُمَّ جاءَكُمْ"... الآيَةُ، جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الصِلَةِ، ولا بُدَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى المَوْصُولِ، فَتَقْدِيرُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: رَسُولٌ بِهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ، وحُذِفَ تَخْفِيفًا كَما حُذِفَ الَّذِي في الصِلَةِ بِعَيْنِها لِطُولِ الكَلامِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولا﴾ [الفرقان: ٤١] ؛ والحَذْفُ مِنَ الصِلاتِ كَثِيرٌ جَمِيلٌ، وأمّا أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ فَقالَ قَوْلُهُ تَعالى: "لِما مَعَكُمْ". هو العائِدُ عِنْدَهُ عَلى المَوْصُولِ، إذْ هو في المَعْنى بِمَنزِلَةِ الضَمِيرِ الَّذِي قَدَّرَ سِيبَوَيْهِ، وكَذَلِكَ قالَ الأخْفَشُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠] لِأنَّ المَعْنى: لا يَضِيعُ أجْرُهُمْ، إذِ المُحْسِنُونَ هم مَن يَتَّقِي ويَصْبِرُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ [الكهف: ٣٠] وكَذَلِكَ ما ضارَعَ هَذِهِ الآياتِ. وسِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ لا يَرى أنْ يَضَعَ المُظْهَرَ مَوْقِعَ المُضْمَرِ، كَما يَراهُ أبُو الحَسَنِ. واللامُ فِي: "لَتُؤْمِنُنَّ" هي اللامُ المُتَعَلِّقَةُ لِلْقَسَمِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ أخْذُ المِيثاقِ، وفَصَلَ بَيْنَ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، وذَلِكَ جائِزٌ. (p-٢٧٢)وَقَرَأ سائِرُ السَبْعَةِ: "لَما" بِفَتْحِ اللامِ، وذَلِكَ يَتَخَرَّجُ عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، واللامُ لامٌ بِالِابْتِداءِ، وهي مُتَلَقِّيَةٌ لِما أُجْرِيَ مَجْرى القَسَمِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ﴾ وخَبَرُ الِابْتِداءِ قَوْلُهُ: "لَتُؤْمِنُنَّ" و"لَتُؤْمِنُنَّ" مُتَعَلِّقٌ بِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: واللهِ لَتُؤْمِنُنَّ؛ هَكَذا قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وفِيهِ مِن جِهَةِ المَعْنى نَظَرٌ إذا تَأمَّلْتَ عَلى أيِّ شَيْءٍ وقَعَ التَحْلِيفُ، لَكِنَّهُ مُتَوَجِّهٌ بِأنَّ الحَلِفَ يَقَعُ مَرَّتَيْنِ تَأْكِيدًا، فَتَأمَّلْ. والعائِدُ الَّذِي في الصِلَةِ، والعائِدُ الَّذِي في الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ عَلى الصِلَةِ هُنا في هَذِهِ القِراءَةِ هُما عَلى حَدِّ ما ذَكَرْناهُما في قِراءَةِ حَمْزَةَ، أمّا أنَّ هَذا التَأْوِيلَ يَقْتَضِي عائِدًا مِنَ الخَبَرِ الَّذِي هو "لَتُؤْمِنُنَّ" فَهو قَوْلُهُ تَعالى: "بِهِ" فالهاءُ مِن "بِهِ" عائِدَةٌ عَلى "ما" ولا يَجُوزُ أنْ تَعُودَ عَلى "رَسُولٌ" فَيَبْقى المَوْصُولُ حِينَئِذٍ غَيْرَ عائِدٍ عَلَيْهِ مِن خَبَرِهِ ذِكْرٌ. والوَجْهُ الثانِي الَّذِي تَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ قِراءَةُ القُرّاءِ "لَما" بِفَتْحِ اللامِ، هو أنْ تَكُونَ "ما" لِلْجَزاءِ شَرْطًا، فَتَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها وهو مَجْزُومٌ، و"جاءَكُمْ" مَعْطُوفٌ في مَوْضِعِ جَزْمٍ، واللامُ الداخِلَةُ عَلى "ما" لَيْسَتِ المُتَلَقِّيَةَ لِلْقَسَمِ، ولَكِنَّها المُوَطِّئَةُ المُؤْذِنَةُ بِمَجِيءِ لامِ القَسَمِ، فَهي بِمَنزِلَةِ اللامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٦٠] لِأنَّها مُؤْذِنَةٌ بِمَجِيءِ المُتَلَقِّيَةِ لِلْقَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٠]، وكَذَلِكَ هَذِهِ مُؤْذِنَةٌ بِمَجِيءِ المُتَلَقِّيَةِ لِلْقَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾، وهَذِهِ اللامُ الداخِلَةُ عَلى "إنَّ" لا يَعْتَمِدُ القَسَمُ عَلَيْها، فَلِذَلِكَ جازَ حَذْفُها تارَةً وإثْباتُها تارَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣]. قالَ الزَجّاجُ: لِأنَّ قَوْلَكَ، واللهِ لَئِنْ جِئْتَنِي لَأُكْرِمَنَّكَ، إنَّما هو حَلِفٌ عَلى فِعْلِكَ، لا أنَّ الشَرْطَ مُعَلَّقٌ بِهِ، فَلِذَلِكَ دَخَلَتِ اللامُ عَلى الشَرْطِ، وما في هَذا الوَجْهِ مِن كَوْنِها جَزاءً لا تَحْتاجُ إلى عائِدٍ لِأنَّها مَفْعُولَةٌ والمَفْعُولُ لا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ عائِدٍ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ عائِدٌ عَلى "رَسُولٌ"، وكَذَلِكَ هو عَلى قِراءَةِ مَن كَسَرَ اللامَ، وأمّا الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَلَتَنْصُرُنَّهُ" فَلا يَحْتَمِلُ بِوَجْهٍ إلّا العَوْدَ عَلى "رَسُولٌ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ في الإغْفالِ: وجَزاءُ الشَرْطِ (p-٢٧٣)مَحْذُوفٌ بِدَلالَةِ قَوْلِهِ: "لَتُؤْمِنُنَّ" عَلَيْهِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: سَألْتُهُ -يَعْنِي الخَلِيلَ- عن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ﴾ فَقالَ: ما هُنا بِمَنزِلَةِ الَّذِي ودَخَلَتْها اللامُ كَما دَخَلَتْ عَلى "إنَّ" حِينَ قُلْتَ: لَئِنْ فَعَلْتَ لَأفْعَلَنَّ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ يُفَسِّرُ وجْهَ الجَزاءِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: أرادَ الخَلِيلُ بِقَوْلِهِ: هي بِمَنزِلَةِ الَّذِي، أنَّها اسْمٌ كَما أنَّ الَّذِي اسْمٌ، ولَمْ يُرِدْ أنَّها مَوْصُولَةٌ كالَّذِي، وإنَّما فَرَّ مِن أنْ تَكُونَ "ما" حَرْفًا كَما جاءَتْ حَرْفًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ كُلا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ [هود: ١١١] وفي قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا﴾ [الزخرف: ٣٥]. واللهُ المُسْتَعانُ. وحَكى المَهْدَوِيُّ ومَكِّيٌّ عن سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ: أنَّ خَبَرَ الِابْتِداءِ فِيمَن جَعَلَ ما ابْتِداءً عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ اللامَ هو في قَوْلِهِ: ﴿مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ﴾ ولا أعْرِفُ مِن أيْنَ حَكَياهُ، لِأنَّهُ مُفْسِدٌ لِمَعْنى الآيَةِ، لا يَلِيقُ بِسِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ؛ وإنَّما الخَبَرُ في قَوْلِهِ: "لَتُؤْمِنُنَّ" كَما قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ ومَن جَرى مَجْراهُ كالزَجّاجِ وغَيْرِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ: "لَمّا آتَيْناكُمْ" بِفَتْحِ اللامِ وشَدِّ المِيمِ، قالَ أبُو إسْحاقَ: أيْ لَمّا آتاكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ أخَذَ المِيثاقَ، وتَكُونُ اللامُ تَؤُولُ إلى الجَزاءِ، كَما تَقُولُ لَمّا جِئْتَنِي أكْرَمْتُكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَظْهَرُ أنَّ "لَمّا" هَذِهِ هي الظَرْفِيَّةُ، أيْ لَمّا كُنْتُمْ بِهَذِهِ الحالِ رُؤَساءَ الناسِ وأماثِلَهُمْ، أخَذَ عَلَيْكُمُ المِيثاقَ، إذْ عَلى القادَةِ يُؤْخَذُ، فَيَجِيءُ هَذا المَعْنى كالمَعْنى في قِراءَةِ حَمْزَةَ. وذَهَبَ ابْنُ جِنِّيٍّ في "لَمّا" في هَذِهِ الآيَةِ إلى أنَّ أصْلَها "لِمَن ما"، وزِيدَتْ "مِن" في الواجِبِ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، ثُمَّ أُدْغِمَتْ، كَما يَجِبُ في مِثْلِ هَذا، فَجاءَ "لَمِّما"، فَثَقُلَ اجْتِماعُ ثَلاثِ مِيماتٍ فَحُذِفَتِ المِيمُ الأُولى فَبَقِيَ "لَمّا". وتَتَفَسَّرُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى (p-٢٧٤)هَذا التَوْجِيهِ المُحَلِّقِ تَفَسُّرَ "لَما" بِفَتْحِ المِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَدْ تَقَدَّمَ. وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "آتَيْناكُمْ" بِالنُونِ، وقَرَأ الباقُونَ: "آتَيْتُكُمْ" بِالتاءِ، و"رَسُولٌ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "مُصَدِّقًا" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ.

آل عمران 3:82

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾. هَذِهِ الآيَةُ هي وصْفُ تَوْقِيفِ الأنْبِياءِ عَلى إقْرارِهِمْ بِهَذا المِيثاقِ والتِزامِهِمْ لَهُ وأخْذِ عَهْدِ اللهِ فِيهِ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَوْطِنَ القَسَمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهَذِهِ العِبارَةِ الجامِعَةِ وصْفُ ما فَعَلَ مَعَ كُلِّ نَبِيٍّ في زَمَنِهِ. "وَأخَذْتُمْ" في هَذِهِ الآيَةِ عِبارَةٌ عَمّا تَحَصَّلَ لَهم مِن إيتاءِ الكِتابِ والحِكْمَةِ، فَمِن حَيْثُ أُخِذَ عَلَيْهِمْ أخَذُوا هم أيْضًا؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: أخَذْتُمْ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: قَبِلْتُمْ، والإصْرُ: العَهْدُ، لا تَفْسِيرَ لَهُ في هَذا المَوْضِعِ إلّا لِذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فاشْهَدُوا" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: فاشْهَدُوا عَلى أُمَمِكُمُ المُؤْمِنِينَ بِكُمْ، وعَلى أنْفُسِكم بِالتِزامِ هَذا العَهْدِ، هَذا قَوْلُ الطَبَرِيِّ وجَماعَةٍ، والمَعْنى الثانِي: بَيِّنُوا الأمْرَ عِنْدَ أُمَمِكم واشْهَدُوا بِهِ، وشَهادَةُ اللهِ تَعالى عَلى هَذا التَأْوِيلِ وهي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿وَأنا مَعَكم مِنَ الشاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] هي إعْطاءُ المُعْجِزاتِ وإقْرارُ نُبُوءاتِهِمْ، هَذا قَوْلُ الزَجّاجِ وغَيْرِهِ، فَتَأمَّلِ. القَوْلُ الأوَّلُ هو إيداعُ الشَهادَةِ واسْتِحْفاظُها، والقَوْلُ الثانِي هو الأمْرُ بِأدائِها. وحَكَمَ اللهُ تَعالى بِالفِسْقِ عَلى مَن تَوَلّى مِنَ الأُمَمِ بَعْدَ هَذا المِيثاقِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بَعْدَ الشَهادَةِ عِنْدَ الأُمَمِ بِهَذا المِيثاقِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: "فاشْهَدُوا" أمْرٌ بِالأداءِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "يَبْغُونَ" بِالياءِ مَفْتُوحَةً، "وَتَرْجِعُونَ" بِالتاءِ مَضْمُومَةً، وقَرَأ عاصِمٌ "يَبْغُونَ" و"يَرْجِعُونَ" بِالياءِ مُعْجَمَةً مِن تَحْتٍ فِيهِما، وقَرَأ الباقُونَ بِالتاءِ فِيهِما. ووُجُوهُ هَذِهِ القِراءاتِ لا تَخْفى بِأدْنى تَأمُّلٍ. و"تَبْغُونَ" مَعْناهُ: تَطْلُبُونَ. و"أسْلَمَ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: اسْتَسْلَمَ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، و"مَن" في هَذِهِ الآيَةِ تَعُمُّ المَلائِكَةَ والثَقَلَيْنِ. (p-٢٧٥)واخْتَلَفُوا في مَعْنى قَوْلِهِ "طَوْعًا وكَرْهًا" - فَقالَ مُجاهِدٌ: هَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، فالمَعْنى أنَّ إقْرارَ كُلِّ كافِرٍ بِالصانِعِ هو إسْلامٌ كَرْهًا. فَهَذا عُمُومٌ في لَفْظِ الآيَةِ، لِأنَّهُ لا يَبْقى مَن لا يُسْلِمُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، و"أسْلَمَ" فِيهِ بِمَعْنى اسْتَسْلَمَ، وقالَ بِمِثْلِ هَذا القَوْلِ أبُو العالِيَةِ رَفِيعٌ، وعِبارَتُهُ رَحِمَهُ اللهُ: كُلُّ آدَمِيٍّ فَقَدْ أقَرَّ عَلى نَفْسِهِ بِأنَّ اللهَ حَيٌّ وأنا أعْبُدُهُ، فَمَن أشْرَكَ في عِبادَتِهِ فَهَذا الَّذِي أسْلَمَ كَرْهًا، ومَن أخْلَصَ فَهَذا الَّذِي أسْلَمَ طَوْعًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَلْ إسْلامُ الكارِهِ مِنهم كانَ حِينَ أخَذَ المِيثاقَ. ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الكَرْهُ في هَذِهِ الآيَةِ هو بِسُجُودِ ظِلِّ الكافِرِ، فَيَسْجُدُ المُؤْمِنُ طَوْعًا ويَسْجُدُ ظِلُّ الكافِرِ وهو كارِهٌ. وقالالشَعْبِيُّ: الآيَةُ عِبارَةٌ عَنِ اسْتِقادَةِ جَمِيعِ البَشَرِ لِلَّهِ وإذْعانِهِمْ لِقُدْرَتِهِ وإنْ نَسَبَ بَعْضُهُمُ الأُلُوهِيَّةَ إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ هو الَّذِي يَسْجُدُ كَرْهًا؛. وهَذا هو قَوْلُ مُجاهِدٍ وأبِي العالِيَةِ المُتَقَدِّمُ وإنِ اخْتَلَفَتِ العِباراتُ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ أسْلَمَ قَوْمٌ طَوْعًا، وأسْلَمَ قَوْمٌ خَوْفَ السَيْفِ. وقالَ مَطَرٌ الوَرّاقُ: أسْلَمَتِ المَلائِكَةُ طَوْعًا، وكَذَلِكَ الأنْصارُ وبَنُو سَلِيمٍ وعَبْدِ القَيْسِ، وأسْلَمَ سائِرُ الناسِ كَرْهًا حَذَرَ القِتالِ والسَيْفِ. وهَذا قَوْلٌ الإسْلامُ فِيهِ هو الَّذِي في ضِمْنِهِ الإيمانُ، والآيَةُ ظاهِرُها العُمُومُ ومَعْناها الخُصُوصُ، إذْ مِن أهْلِ الأرْضِ مَن لَمْ يُسْلِمْ طَوْعًا ولا كَرْهًا عَلى هَذا الحَدِّ. وقالَ قَتادَةُ: الإسْلامُ كَرْهًا هو إسْلامُ الكافِرِ عِنْدَ المَوْتِ والمُعايَنَةِ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ. ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنَّ كُلَّ كافِرٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وهَذا غَيْرُ مَوْجُودٍ إلّا في أفْرادٍ، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ يَفْهَمُ كُلُّ ناظِرٍ أنَّ هَذا القَسَمَ الَّذِي هو الكَرْهُ إنَّما هو في أهْلِ الأرْضِ خاصَّةً، والتَوْقِيفُ بِقَوْلِهِ "أفَغَيْرَ" إنَّما هو لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الأحْبارِ والكُفّارِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، "أُصْرِي" بِضَمِّ الألِفِ وهي لُغَةٌ.

آل عمران 3:83

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾. هَذِهِ الآيَةُ هي وصْفُ تَوْقِيفِ الأنْبِياءِ عَلى إقْرارِهِمْ بِهَذا المِيثاقِ والتِزامِهِمْ لَهُ وأخْذِ عَهْدِ اللهِ فِيهِ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَوْطِنَ القَسَمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهَذِهِ العِبارَةِ الجامِعَةِ وصْفُ ما فَعَلَ مَعَ كُلِّ نَبِيٍّ في زَمَنِهِ. "وَأخَذْتُمْ" في هَذِهِ الآيَةِ عِبارَةٌ عَمّا تَحَصَّلَ لَهم مِن إيتاءِ الكِتابِ والحِكْمَةِ، فَمِن حَيْثُ أُخِذَ عَلَيْهِمْ أخَذُوا هم أيْضًا؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: أخَذْتُمْ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: قَبِلْتُمْ، والإصْرُ: العَهْدُ، لا تَفْسِيرَ لَهُ في هَذا المَوْضِعِ إلّا لِذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فاشْهَدُوا" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: فاشْهَدُوا عَلى أُمَمِكُمُ المُؤْمِنِينَ بِكُمْ، وعَلى أنْفُسِكم بِالتِزامِ هَذا العَهْدِ، هَذا قَوْلُ الطَبَرِيِّ وجَماعَةٍ، والمَعْنى الثانِي: بَيِّنُوا الأمْرَ عِنْدَ أُمَمِكم واشْهَدُوا بِهِ، وشَهادَةُ اللهِ تَعالى عَلى هَذا التَأْوِيلِ وهي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿وَأنا مَعَكم مِنَ الشاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] هي إعْطاءُ المُعْجِزاتِ وإقْرارُ نُبُوءاتِهِمْ، هَذا قَوْلُ الزَجّاجِ وغَيْرِهِ، فَتَأمَّلِ. القَوْلُ الأوَّلُ هو إيداعُ الشَهادَةِ واسْتِحْفاظُها، والقَوْلُ الثانِي هو الأمْرُ بِأدائِها. وحَكَمَ اللهُ تَعالى بِالفِسْقِ عَلى مَن تَوَلّى مِنَ الأُمَمِ بَعْدَ هَذا المِيثاقِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بَعْدَ الشَهادَةِ عِنْدَ الأُمَمِ بِهَذا المِيثاقِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: "فاشْهَدُوا" أمْرٌ بِالأداءِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "يَبْغُونَ" بِالياءِ مَفْتُوحَةً، "وَتَرْجِعُونَ" بِالتاءِ مَضْمُومَةً، وقَرَأ عاصِمٌ "يَبْغُونَ" و"يَرْجِعُونَ" بِالياءِ مُعْجَمَةً مِن تَحْتٍ فِيهِما، وقَرَأ الباقُونَ بِالتاءِ فِيهِما. ووُجُوهُ هَذِهِ القِراءاتِ لا تَخْفى بِأدْنى تَأمُّلٍ. و"تَبْغُونَ" مَعْناهُ: تَطْلُبُونَ. و"أسْلَمَ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: اسْتَسْلَمَ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، و"مَن" في هَذِهِ الآيَةِ تَعُمُّ المَلائِكَةَ والثَقَلَيْنِ. (p-٢٧٥)واخْتَلَفُوا في مَعْنى قَوْلِهِ "طَوْعًا وكَرْهًا" - فَقالَ مُجاهِدٌ: هَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، فالمَعْنى أنَّ إقْرارَ كُلِّ كافِرٍ بِالصانِعِ هو إسْلامٌ كَرْهًا. فَهَذا عُمُومٌ في لَفْظِ الآيَةِ، لِأنَّهُ لا يَبْقى مَن لا يُسْلِمُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، و"أسْلَمَ" فِيهِ بِمَعْنى اسْتَسْلَمَ، وقالَ بِمِثْلِ هَذا القَوْلِ أبُو العالِيَةِ رَفِيعٌ، وعِبارَتُهُ رَحِمَهُ اللهُ: كُلُّ آدَمِيٍّ فَقَدْ أقَرَّ عَلى نَفْسِهِ بِأنَّ اللهَ حَيٌّ وأنا أعْبُدُهُ، فَمَن أشْرَكَ في عِبادَتِهِ فَهَذا الَّذِي أسْلَمَ كَرْهًا، ومَن أخْلَصَ فَهَذا الَّذِي أسْلَمَ طَوْعًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَلْ إسْلامُ الكارِهِ مِنهم كانَ حِينَ أخَذَ المِيثاقَ. ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الكَرْهُ في هَذِهِ الآيَةِ هو بِسُجُودِ ظِلِّ الكافِرِ، فَيَسْجُدُ المُؤْمِنُ طَوْعًا ويَسْجُدُ ظِلُّ الكافِرِ وهو كارِهٌ. وقالالشَعْبِيُّ: الآيَةُ عِبارَةٌ عَنِ اسْتِقادَةِ جَمِيعِ البَشَرِ لِلَّهِ وإذْعانِهِمْ لِقُدْرَتِهِ وإنْ نَسَبَ بَعْضُهُمُ الأُلُوهِيَّةَ إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ هو الَّذِي يَسْجُدُ كَرْهًا؛. وهَذا هو قَوْلُ مُجاهِدٍ وأبِي العالِيَةِ المُتَقَدِّمُ وإنِ اخْتَلَفَتِ العِباراتُ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ أسْلَمَ قَوْمٌ طَوْعًا، وأسْلَمَ قَوْمٌ خَوْفَ السَيْفِ. وقالَ مَطَرٌ الوَرّاقُ: أسْلَمَتِ المَلائِكَةُ طَوْعًا، وكَذَلِكَ الأنْصارُ وبَنُو سَلِيمٍ وعَبْدِ القَيْسِ، وأسْلَمَ سائِرُ الناسِ كَرْهًا حَذَرَ القِتالِ والسَيْفِ. وهَذا قَوْلٌ الإسْلامُ فِيهِ هو الَّذِي في ضِمْنِهِ الإيمانُ، والآيَةُ ظاهِرُها العُمُومُ ومَعْناها الخُصُوصُ، إذْ مِن أهْلِ الأرْضِ مَن لَمْ يُسْلِمْ طَوْعًا ولا كَرْهًا عَلى هَذا الحَدِّ. وقالَ قَتادَةُ: الإسْلامُ كَرْهًا هو إسْلامُ الكافِرِ عِنْدَ المَوْتِ والمُعايَنَةِ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ. ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنَّ كُلَّ كافِرٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وهَذا غَيْرُ مَوْجُودٍ إلّا في أفْرادٍ، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ يَفْهَمُ كُلُّ ناظِرٍ أنَّ هَذا القَسَمَ الَّذِي هو الكَرْهُ إنَّما هو في أهْلِ الأرْضِ خاصَّةً، والتَوْقِيفُ بِقَوْلِهِ "أفَغَيْرَ" إنَّما هو لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الأحْبارِ والكُفّارِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، "أُصْرِي" بِضَمِّ الألِفِ وهي لُغَةٌ.

آل عمران 3:84

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ آمَنّا بِاللهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ (p-٢٧٦)المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ أنْتَ وأُمَّتُكَ: آمَنّا بِاللهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا، وهو القُرْآنُ وأمْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ والإنْزالُ عَلى نَبِيِّ الأُمَّةِ إنْزالٌ عَلَيْها، وقَدَّمَ إسْماعِيلَ لِسِنِّهِ، وسائِرُ الآيَةِ بَيِّنٌ. ثُمَّ حَكَمَ تَعالى في قَوْلِهِ: "وَمَن يَبْتَغِ".... الآيَةِ، بِأنَّهُ لا يَقْبَلُ مِن آدَمِيٍّ دِينًا غَيْرَ دِينِ الإسْلامِ، وهو الَّذِي وافَقَ في مُعْتَقَداتِهِ دِينَ كُلِّ مَن سَمّى مِنَ الأنْبِياءِ، وهو الحَنِيفِيَّةُ السَمْحَةُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ أهْلُ المِلَلِ لِلنَّبِيِّ ﷺ: قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ ونَحْنُ المُسْلِمُونَ، فَقالَ اللهُ لَهُ: فَحُجَّهم يا مُحَمَّدُ وأنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلى الناسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] فَحَجَّ المُسْلِمُونَ وقَعَدَ الكُفّارُ. وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَصارى والصابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٦٢]، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] فَأنْزَلَ اللهُ بَعْدَها: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾... الآيَةَ. فَهَذِهِ إشارَةٌ إلى نَسْخٍ. وقَوْلُهُ: "فِي الآخِرَةِ" مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: خاسِرٌ في الآخِرَةِ، لِأنَّ الألِفَ واللامَ في الخاسِرِينَ في مَعْنى المَوْصُولِ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ قَوْلَهُ: "وَمَن يَبْتَغِ" الآيَةَ، نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، ولَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ.

آل عمران 3:85

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ آمَنّا بِاللهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ (p-٢٧٦)المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ أنْتَ وأُمَّتُكَ: آمَنّا بِاللهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا، وهو القُرْآنُ وأمْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ والإنْزالُ عَلى نَبِيِّ الأُمَّةِ إنْزالٌ عَلَيْها، وقَدَّمَ إسْماعِيلَ لِسِنِّهِ، وسائِرُ الآيَةِ بَيِّنٌ. ثُمَّ حَكَمَ تَعالى في قَوْلِهِ: "وَمَن يَبْتَغِ".... الآيَةِ، بِأنَّهُ لا يَقْبَلُ مِن آدَمِيٍّ دِينًا غَيْرَ دِينِ الإسْلامِ، وهو الَّذِي وافَقَ في مُعْتَقَداتِهِ دِينَ كُلِّ مَن سَمّى مِنَ الأنْبِياءِ، وهو الحَنِيفِيَّةُ السَمْحَةُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ أهْلُ المِلَلِ لِلنَّبِيِّ ﷺ: قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ ونَحْنُ المُسْلِمُونَ، فَقالَ اللهُ لَهُ: فَحُجَّهم يا مُحَمَّدُ وأنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلى الناسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] فَحَجَّ المُسْلِمُونَ وقَعَدَ الكُفّارُ. وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَصارى والصابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٦٢]، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] فَأنْزَلَ اللهُ بَعْدَها: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾... الآيَةَ. فَهَذِهِ إشارَةٌ إلى نَسْخٍ. وقَوْلُهُ: "فِي الآخِرَةِ" مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: خاسِرٌ في الآخِرَةِ، لِأنَّ الألِفَ واللامَ في الخاسِرِينَ في مَعْنى المَوْصُولِ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ قَوْلَهُ: "وَمَن يَبْتَغِ" الآيَةَ، نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، ولَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ.

آل عمران 3:86

قوله عزّ وجلّ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ والمَلائِكَةِ والناسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عنهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ﴾ نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ (p-٢٧٧)سُوَيْدٍ الأنْصارِيِّ،» كانَ مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ ولَحِقَ بِالشِرْكِ، ثُمَّ نَدِمَ فَأرْسَلَ إلى قَوْمِهِ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ؟ قالَ: فَنَزَلَتْ ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ﴾... الآياتُ، إلى قَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾، فَأرْسَلَ إلَيْهِ قَوْمُهُ فَأسْلَمَ. وقالَ مُجاهِدٌ: حَمَلَ الآياتِ إلَيْهِ رَجُلٌ مِن قَوْمِهِ فَقَرَأها عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ الحارِثُ: إنَّكَ واللهِ لَما عَلِمْتُ لَصَدُوقٌ، وإنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَأصْدَقُ مِنكَ، وإنَّ اللهَ لَأصْدَقُ الثَلاثَةِ قالَ فَرَجَعَ الحارِثُ فَأسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ. وقالَ السُدِّيُّ: نَسَخَ اللهُ تَعالى، بِقَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ﴾. وفي هَذِهِ العِبارَةِ تَجَوُّزٌ كَثِيرٌ، ولَيْسَ هَذا بِمَوْضِعِ نَسْخٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي عامِرٍ الراهِبِ والحارِثِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ الصامِتِ ووَحْوَحِ بْنِ الأسْلَتِ في اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا رَجَعُوا عَنِ الإسْلامِ ولَحِقُوا بِقُرَيْشٍ ثُمَّ كَتَبُوا إلى أهْلِيهِمْ: هَلْ لَنا مِن تَوْبَةٍ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَصارى، شَهِدُوا بِنَعْتِ الرَسُولِ ﷺ وآمَنُوا بِهِ، فَلَمّا جاءَ مِنَ العَرَبِ حَسَدُوهُ، وكَفَرُوا بِهِ ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ، وقالَ النَقّاشُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في طُعَيْمَةِ بْنِ أُبَيْرِقَ. وكُلُّ مَن ذُكِرَ فَألْفاظُ الآيَةِ تَعُمُّهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ﴾ سُؤالٌ عن حالٍ، لَكِنَّهُ سُؤالُ تَوْقِيفٍ عَلى جِهَةِ (p-٢٧٨)الِاسْتِبْعادِ لِلْأمْرِ، كَما قالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "كَيْفَ تُفْلِحُ أُمَّةٌ أدْمَتْ وجْهَ نَبِيِّها؟"» فالمَعْنى: أنَّهم لِشِدَّةِ هَذِهِ الجَرائِمِ يَبْعُدُ أنْ يَهْدِيَهُمُ اللهُ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَشَهِدُوا" عَطْفٌ عَلى "كَفَرُوا" بِحُكْمِ اللَفْظِ، والمَعْنى مَفْهُومٌ أنَّ الشَهادَةَ قَبْلَ الكُفْرِ، والواوُ لا تُرَتِّبُ. وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى قَوْلِهِ: "بَعْدَ إيمانِهِمْ" بَعْدَ أنْ آمَنُوا، فَقَوْلُهُ: "وَشَهِدُوا" عَطْفٌ عَلى هَذا التَقْدِيرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾ عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ فِيمَن حَتَمَ كُفْرَهُ ومُوافاتَهُ عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الإخْبارَ عن أنَّ الظالِمَ في ظُلْمِهِ لَيْسَ عَلى هُدىً مِنَ اللهِ، فَتَجِيءُ الآيَةُ عامَّةً تامَّةَ العُمُومِ. واللَعْنَةُ: الإبْعادُ وعَدَمُ الرَحْمَةِ والعَطْفِ، وذَلِكَ مَعَ قَرِينَةِ الكُفْرِ زَعِيمٌ بِتَخْلِيدِهِمْ في النارِ، ولَعْنَةُ المَلائِكَةِ: قَوْلٌ. "والناسِ": بَنُو آدَمَ، ويَظْهَرُ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في بَعْضِ تَعالِيقِهِ، أنَّ الجِنَّ يَدْخُلُونَ في لَفْظَةِ الناسِ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ: ؎ فَقُلْتُ إلى الطَعامِ فَقالَ مِنهم ∗∗∗ أُناسٌ نَحْسُدُ الإنْسَ الطَعاما قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ لَفْظَةَ "الناسِ" إذا جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما هي في كَلامِ العَرَبِ بَنُو آدَمَ لا غَيْرَ، فَإذا جاءَتْ مُقَيَّدَةً بِالجِنِّ، فَذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ، إذْ هي جَماعَةٌ كَجَماعَةٍ، وكَذَلِكَ: ﴿بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن: ٦] وكَذَلِكَ: ﴿نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن: ١]، ولَفْظَةُ النَفَرِ أقْرَبُ إلى الِاشْتِراكِ مِن رِجالٍ وناسٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الجِنَّةِ والناسِ﴾ [الناس: ٦] قاضٍ بِتَبايُنِ الصِنْفَيْنِ. (p-٢٧٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: "والناسِ أجْمَعِينَ" إمّا يَكُونُ لِمَعْنى الخُصُوصِ في المُؤْمِنِينَ سَمّاهُمُ الناسَ إذْ هُمُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وإمّا أنْ يُرِيدَ أنَّهم في الآخِرَةِ يَلْعَنُهُمُ المُؤْمِنُونَ ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَيَجِيءُ مِن هَذا في كُلِّ شَخْصٍ مِنهم أنْ لَعَنَهُ جَمِيعُ الناسِ، وإمّا أنْ يُرِيدَ أنَّ هَذِهِ اللَعْنَةَ تَقَعُ في الدُنْيا مِن جَمِيعِ الناسِ عَلى مَن هَذِهِ صِفَتُهُ. وكُلُّ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ -وَقَدْ أغْواهُ الشَيْطانُ- يَلْعَنُ صاحِبَ الصِفاتِ ولا يَشْعُرُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ مُتَّصِفٌ بِها، فَيَجِيءُ مِن هَذا أنَّهم يَلْعَنُهم جَمِيعُ الناسِ في الدُنْيا حَتّى أنَّهم لَيَلْعَنُونَ أنْفُسَهُمْ، لَكِنْ عَلى غَيْرِ تَعْيِينٍ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "خالِدِينَ فِيها" قالَ الطَبَرِيُّ: يَعُودُ عَلى عُقُوبَةِ اللهِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها مَعْنى اللَعْنَةِ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَعْنَةِ. وقَرائِنُ الآيَةِ تَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ اللَعْنَةَ مُخَلِّدَةٌ لَهم في جَهَنَّمَ، فالضَمِيرُ عائِدٌ عَلى النارِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، لِأنَّ المَعْنى يُفْهِمُها في هَذا المَوْضِعِ، كَما يُفْهِمُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] أنَّها الأرْضُ. وقَدْ قالَ بَعْضُ الخُراسانِيِّينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥]: إنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى النارِ. و"يُنْظَرُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ، بِمَعْنى يُؤَخَّرُونَ، ولا راحَةَ إلّا في التَخْفِيفِ أوِ التَأْخِيرِ فَهُما مُرْتَفِعانِ عنهُمْ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يُنْظَرُونَ" هُنا مِن نَظَرِ العَيْنِ إلّا عَلى تَوْجِيهٍ غَيْرِ فَصِيحٍ لا يَلِيقُ بِكِتابِ اللهِ تَعالى. وقوله عزّ وجلّ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ والتَوْبَةُ: الرُجُوعُ، والإصْلاحُ عامٌّ في القَوْلِ والعَمَلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وعْدٌ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والناسِ أجْمَعُونَ".

آل عمران 3:87

قوله عزّ وجلّ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ والمَلائِكَةِ والناسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عنهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ﴾ نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ (p-٢٧٧)سُوَيْدٍ الأنْصارِيِّ،» كانَ مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ ولَحِقَ بِالشِرْكِ، ثُمَّ نَدِمَ فَأرْسَلَ إلى قَوْمِهِ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ؟ قالَ: فَنَزَلَتْ ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ﴾... الآياتُ، إلى قَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾، فَأرْسَلَ إلَيْهِ قَوْمُهُ فَأسْلَمَ. وقالَ مُجاهِدٌ: حَمَلَ الآياتِ إلَيْهِ رَجُلٌ مِن قَوْمِهِ فَقَرَأها عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ الحارِثُ: إنَّكَ واللهِ لَما عَلِمْتُ لَصَدُوقٌ، وإنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَأصْدَقُ مِنكَ، وإنَّ اللهَ لَأصْدَقُ الثَلاثَةِ قالَ فَرَجَعَ الحارِثُ فَأسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ. وقالَ السُدِّيُّ: نَسَخَ اللهُ تَعالى، بِقَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ﴾. وفي هَذِهِ العِبارَةِ تَجَوُّزٌ كَثِيرٌ، ولَيْسَ هَذا بِمَوْضِعِ نَسْخٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي عامِرٍ الراهِبِ والحارِثِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ الصامِتِ ووَحْوَحِ بْنِ الأسْلَتِ في اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا رَجَعُوا عَنِ الإسْلامِ ولَحِقُوا بِقُرَيْشٍ ثُمَّ كَتَبُوا إلى أهْلِيهِمْ: هَلْ لَنا مِن تَوْبَةٍ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَصارى، شَهِدُوا بِنَعْتِ الرَسُولِ ﷺ وآمَنُوا بِهِ، فَلَمّا جاءَ مِنَ العَرَبِ حَسَدُوهُ، وكَفَرُوا بِهِ ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ، وقالَ النَقّاشُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في طُعَيْمَةِ بْنِ أُبَيْرِقَ. وكُلُّ مَن ذُكِرَ فَألْفاظُ الآيَةِ تَعُمُّهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ﴾ سُؤالٌ عن حالٍ، لَكِنَّهُ سُؤالُ تَوْقِيفٍ عَلى جِهَةِ (p-٢٧٨)الِاسْتِبْعادِ لِلْأمْرِ، كَما قالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "كَيْفَ تُفْلِحُ أُمَّةٌ أدْمَتْ وجْهَ نَبِيِّها؟"» فالمَعْنى: أنَّهم لِشِدَّةِ هَذِهِ الجَرائِمِ يَبْعُدُ أنْ يَهْدِيَهُمُ اللهُ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَشَهِدُوا" عَطْفٌ عَلى "كَفَرُوا" بِحُكْمِ اللَفْظِ، والمَعْنى مَفْهُومٌ أنَّ الشَهادَةَ قَبْلَ الكُفْرِ، والواوُ لا تُرَتِّبُ. وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى قَوْلِهِ: "بَعْدَ إيمانِهِمْ" بَعْدَ أنْ آمَنُوا، فَقَوْلُهُ: "وَشَهِدُوا" عَطْفٌ عَلى هَذا التَقْدِيرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾ عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ فِيمَن حَتَمَ كُفْرَهُ ومُوافاتَهُ عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الإخْبارَ عن أنَّ الظالِمَ في ظُلْمِهِ لَيْسَ عَلى هُدىً مِنَ اللهِ، فَتَجِيءُ الآيَةُ عامَّةً تامَّةَ العُمُومِ. واللَعْنَةُ: الإبْعادُ وعَدَمُ الرَحْمَةِ والعَطْفِ، وذَلِكَ مَعَ قَرِينَةِ الكُفْرِ زَعِيمٌ بِتَخْلِيدِهِمْ في النارِ، ولَعْنَةُ المَلائِكَةِ: قَوْلٌ. "والناسِ": بَنُو آدَمَ، ويَظْهَرُ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في بَعْضِ تَعالِيقِهِ، أنَّ الجِنَّ يَدْخُلُونَ في لَفْظَةِ الناسِ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ: ؎ فَقُلْتُ إلى الطَعامِ فَقالَ مِنهم ∗∗∗ أُناسٌ نَحْسُدُ الإنْسَ الطَعاما قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ لَفْظَةَ "الناسِ" إذا جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما هي في كَلامِ العَرَبِ بَنُو آدَمَ لا غَيْرَ، فَإذا جاءَتْ مُقَيَّدَةً بِالجِنِّ، فَذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ، إذْ هي جَماعَةٌ كَجَماعَةٍ، وكَذَلِكَ: ﴿بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن: ٦] وكَذَلِكَ: ﴿نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن: ١]، ولَفْظَةُ النَفَرِ أقْرَبُ إلى الِاشْتِراكِ مِن رِجالٍ وناسٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الجِنَّةِ والناسِ﴾ [الناس: ٦] قاضٍ بِتَبايُنِ الصِنْفَيْنِ. (p-٢٧٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: "والناسِ أجْمَعِينَ" إمّا يَكُونُ لِمَعْنى الخُصُوصِ في المُؤْمِنِينَ سَمّاهُمُ الناسَ إذْ هُمُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وإمّا أنْ يُرِيدَ أنَّهم في الآخِرَةِ يَلْعَنُهُمُ المُؤْمِنُونَ ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَيَجِيءُ مِن هَذا في كُلِّ شَخْصٍ مِنهم أنْ لَعَنَهُ جَمِيعُ الناسِ، وإمّا أنْ يُرِيدَ أنَّ هَذِهِ اللَعْنَةَ تَقَعُ في الدُنْيا مِن جَمِيعِ الناسِ عَلى مَن هَذِهِ صِفَتُهُ. وكُلُّ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ -وَقَدْ أغْواهُ الشَيْطانُ- يَلْعَنُ صاحِبَ الصِفاتِ ولا يَشْعُرُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ مُتَّصِفٌ بِها، فَيَجِيءُ مِن هَذا أنَّهم يَلْعَنُهم جَمِيعُ الناسِ في الدُنْيا حَتّى أنَّهم لَيَلْعَنُونَ أنْفُسَهُمْ، لَكِنْ عَلى غَيْرِ تَعْيِينٍ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "خالِدِينَ فِيها" قالَ الطَبَرِيُّ: يَعُودُ عَلى عُقُوبَةِ اللهِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها مَعْنى اللَعْنَةِ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَعْنَةِ. وقَرائِنُ الآيَةِ تَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ اللَعْنَةَ مُخَلِّدَةٌ لَهم في جَهَنَّمَ، فالضَمِيرُ عائِدٌ عَلى النارِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، لِأنَّ المَعْنى يُفْهِمُها في هَذا المَوْضِعِ، كَما يُفْهِمُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] أنَّها الأرْضُ. وقَدْ قالَ بَعْضُ الخُراسانِيِّينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥]: إنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى النارِ. و"يُنْظَرُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ، بِمَعْنى يُؤَخَّرُونَ، ولا راحَةَ إلّا في التَخْفِيفِ أوِ التَأْخِيرِ فَهُما مُرْتَفِعانِ عنهُمْ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يُنْظَرُونَ" هُنا مِن نَظَرِ العَيْنِ إلّا عَلى تَوْجِيهٍ غَيْرِ فَصِيحٍ لا يَلِيقُ بِكِتابِ اللهِ تَعالى. وقوله عزّ وجلّ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ والتَوْبَةُ: الرُجُوعُ، والإصْلاحُ عامٌّ في القَوْلِ والعَمَلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وعْدٌ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والناسِ أجْمَعُونَ".

آل عمران 3:88

قوله عزّ وجلّ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ والمَلائِكَةِ والناسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عنهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ﴾ نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ (p-٢٧٧)سُوَيْدٍ الأنْصارِيِّ،» كانَ مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ ولَحِقَ بِالشِرْكِ، ثُمَّ نَدِمَ فَأرْسَلَ إلى قَوْمِهِ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ؟ قالَ: فَنَزَلَتْ ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ﴾... الآياتُ، إلى قَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾، فَأرْسَلَ إلَيْهِ قَوْمُهُ فَأسْلَمَ. وقالَ مُجاهِدٌ: حَمَلَ الآياتِ إلَيْهِ رَجُلٌ مِن قَوْمِهِ فَقَرَأها عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ الحارِثُ: إنَّكَ واللهِ لَما عَلِمْتُ لَصَدُوقٌ، وإنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَأصْدَقُ مِنكَ، وإنَّ اللهَ لَأصْدَقُ الثَلاثَةِ قالَ فَرَجَعَ الحارِثُ فَأسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ. وقالَ السُدِّيُّ: نَسَخَ اللهُ تَعالى، بِقَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ﴾. وفي هَذِهِ العِبارَةِ تَجَوُّزٌ كَثِيرٌ، ولَيْسَ هَذا بِمَوْضِعِ نَسْخٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي عامِرٍ الراهِبِ والحارِثِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ الصامِتِ ووَحْوَحِ بْنِ الأسْلَتِ في اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا رَجَعُوا عَنِ الإسْلامِ ولَحِقُوا بِقُرَيْشٍ ثُمَّ كَتَبُوا إلى أهْلِيهِمْ: هَلْ لَنا مِن تَوْبَةٍ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَصارى، شَهِدُوا بِنَعْتِ الرَسُولِ ﷺ وآمَنُوا بِهِ، فَلَمّا جاءَ مِنَ العَرَبِ حَسَدُوهُ، وكَفَرُوا بِهِ ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ، وقالَ النَقّاشُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في طُعَيْمَةِ بْنِ أُبَيْرِقَ. وكُلُّ مَن ذُكِرَ فَألْفاظُ الآيَةِ تَعُمُّهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ﴾ سُؤالٌ عن حالٍ، لَكِنَّهُ سُؤالُ تَوْقِيفٍ عَلى جِهَةِ (p-٢٧٨)الِاسْتِبْعادِ لِلْأمْرِ، كَما قالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "كَيْفَ تُفْلِحُ أُمَّةٌ أدْمَتْ وجْهَ نَبِيِّها؟"» فالمَعْنى: أنَّهم لِشِدَّةِ هَذِهِ الجَرائِمِ يَبْعُدُ أنْ يَهْدِيَهُمُ اللهُ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَشَهِدُوا" عَطْفٌ عَلى "كَفَرُوا" بِحُكْمِ اللَفْظِ، والمَعْنى مَفْهُومٌ أنَّ الشَهادَةَ قَبْلَ الكُفْرِ، والواوُ لا تُرَتِّبُ. وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى قَوْلِهِ: "بَعْدَ إيمانِهِمْ" بَعْدَ أنْ آمَنُوا، فَقَوْلُهُ: "وَشَهِدُوا" عَطْفٌ عَلى هَذا التَقْدِيرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾ عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ فِيمَن حَتَمَ كُفْرَهُ ومُوافاتَهُ عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الإخْبارَ عن أنَّ الظالِمَ في ظُلْمِهِ لَيْسَ عَلى هُدىً مِنَ اللهِ، فَتَجِيءُ الآيَةُ عامَّةً تامَّةَ العُمُومِ. واللَعْنَةُ: الإبْعادُ وعَدَمُ الرَحْمَةِ والعَطْفِ، وذَلِكَ مَعَ قَرِينَةِ الكُفْرِ زَعِيمٌ بِتَخْلِيدِهِمْ في النارِ، ولَعْنَةُ المَلائِكَةِ: قَوْلٌ. "والناسِ": بَنُو آدَمَ، ويَظْهَرُ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في بَعْضِ تَعالِيقِهِ، أنَّ الجِنَّ يَدْخُلُونَ في لَفْظَةِ الناسِ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ: ؎ فَقُلْتُ إلى الطَعامِ فَقالَ مِنهم ∗∗∗ أُناسٌ نَحْسُدُ الإنْسَ الطَعاما قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ لَفْظَةَ "الناسِ" إذا جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما هي في كَلامِ العَرَبِ بَنُو آدَمَ لا غَيْرَ، فَإذا جاءَتْ مُقَيَّدَةً بِالجِنِّ، فَذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ، إذْ هي جَماعَةٌ كَجَماعَةٍ، وكَذَلِكَ: ﴿بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن: ٦] وكَذَلِكَ: ﴿نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن: ١]، ولَفْظَةُ النَفَرِ أقْرَبُ إلى الِاشْتِراكِ مِن رِجالٍ وناسٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الجِنَّةِ والناسِ﴾ [الناس: ٦] قاضٍ بِتَبايُنِ الصِنْفَيْنِ. (p-٢٧٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: "والناسِ أجْمَعِينَ" إمّا يَكُونُ لِمَعْنى الخُصُوصِ في المُؤْمِنِينَ سَمّاهُمُ الناسَ إذْ هُمُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وإمّا أنْ يُرِيدَ أنَّهم في الآخِرَةِ يَلْعَنُهُمُ المُؤْمِنُونَ ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَيَجِيءُ مِن هَذا في كُلِّ شَخْصٍ مِنهم أنْ لَعَنَهُ جَمِيعُ الناسِ، وإمّا أنْ يُرِيدَ أنَّ هَذِهِ اللَعْنَةَ تَقَعُ في الدُنْيا مِن جَمِيعِ الناسِ عَلى مَن هَذِهِ صِفَتُهُ. وكُلُّ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ -وَقَدْ أغْواهُ الشَيْطانُ- يَلْعَنُ صاحِبَ الصِفاتِ ولا يَشْعُرُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ مُتَّصِفٌ بِها، فَيَجِيءُ مِن هَذا أنَّهم يَلْعَنُهم جَمِيعُ الناسِ في الدُنْيا حَتّى أنَّهم لَيَلْعَنُونَ أنْفُسَهُمْ، لَكِنْ عَلى غَيْرِ تَعْيِينٍ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "خالِدِينَ فِيها" قالَ الطَبَرِيُّ: يَعُودُ عَلى عُقُوبَةِ اللهِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها مَعْنى اللَعْنَةِ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَعْنَةِ. وقَرائِنُ الآيَةِ تَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ اللَعْنَةَ مُخَلِّدَةٌ لَهم في جَهَنَّمَ، فالضَمِيرُ عائِدٌ عَلى النارِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، لِأنَّ المَعْنى يُفْهِمُها في هَذا المَوْضِعِ، كَما يُفْهِمُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] أنَّها الأرْضُ. وقَدْ قالَ بَعْضُ الخُراسانِيِّينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥]: إنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى النارِ. و"يُنْظَرُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ، بِمَعْنى يُؤَخَّرُونَ، ولا راحَةَ إلّا في التَخْفِيفِ أوِ التَأْخِيرِ فَهُما مُرْتَفِعانِ عنهُمْ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يُنْظَرُونَ" هُنا مِن نَظَرِ العَيْنِ إلّا عَلى تَوْجِيهٍ غَيْرِ فَصِيحٍ لا يَلِيقُ بِكِتابِ اللهِ تَعالى. وقوله عزّ وجلّ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ والتَوْبَةُ: الرُجُوعُ، والإصْلاحُ عامٌّ في القَوْلِ والعَمَلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وعْدٌ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والناسِ أجْمَعُونَ".

آل عمران 3:89

قوله عزّ وجلّ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ والمَلائِكَةِ والناسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عنهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ﴾ نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ (p-٢٧٧)سُوَيْدٍ الأنْصارِيِّ،» كانَ مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ ولَحِقَ بِالشِرْكِ، ثُمَّ نَدِمَ فَأرْسَلَ إلى قَوْمِهِ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ؟ قالَ: فَنَزَلَتْ ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ﴾... الآياتُ، إلى قَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾، فَأرْسَلَ إلَيْهِ قَوْمُهُ فَأسْلَمَ. وقالَ مُجاهِدٌ: حَمَلَ الآياتِ إلَيْهِ رَجُلٌ مِن قَوْمِهِ فَقَرَأها عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ الحارِثُ: إنَّكَ واللهِ لَما عَلِمْتُ لَصَدُوقٌ، وإنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَأصْدَقُ مِنكَ، وإنَّ اللهَ لَأصْدَقُ الثَلاثَةِ قالَ فَرَجَعَ الحارِثُ فَأسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ. وقالَ السُدِّيُّ: نَسَخَ اللهُ تَعالى، بِقَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ﴾. وفي هَذِهِ العِبارَةِ تَجَوُّزٌ كَثِيرٌ، ولَيْسَ هَذا بِمَوْضِعِ نَسْخٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي عامِرٍ الراهِبِ والحارِثِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ الصامِتِ ووَحْوَحِ بْنِ الأسْلَتِ في اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا رَجَعُوا عَنِ الإسْلامِ ولَحِقُوا بِقُرَيْشٍ ثُمَّ كَتَبُوا إلى أهْلِيهِمْ: هَلْ لَنا مِن تَوْبَةٍ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَصارى، شَهِدُوا بِنَعْتِ الرَسُولِ ﷺ وآمَنُوا بِهِ، فَلَمّا جاءَ مِنَ العَرَبِ حَسَدُوهُ، وكَفَرُوا بِهِ ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ، وقالَ النَقّاشُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في طُعَيْمَةِ بْنِ أُبَيْرِقَ. وكُلُّ مَن ذُكِرَ فَألْفاظُ الآيَةِ تَعُمُّهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ﴾ سُؤالٌ عن حالٍ، لَكِنَّهُ سُؤالُ تَوْقِيفٍ عَلى جِهَةِ (p-٢٧٨)الِاسْتِبْعادِ لِلْأمْرِ، كَما قالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "كَيْفَ تُفْلِحُ أُمَّةٌ أدْمَتْ وجْهَ نَبِيِّها؟"» فالمَعْنى: أنَّهم لِشِدَّةِ هَذِهِ الجَرائِمِ يَبْعُدُ أنْ يَهْدِيَهُمُ اللهُ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَشَهِدُوا" عَطْفٌ عَلى "كَفَرُوا" بِحُكْمِ اللَفْظِ، والمَعْنى مَفْهُومٌ أنَّ الشَهادَةَ قَبْلَ الكُفْرِ، والواوُ لا تُرَتِّبُ. وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى قَوْلِهِ: "بَعْدَ إيمانِهِمْ" بَعْدَ أنْ آمَنُوا، فَقَوْلُهُ: "وَشَهِدُوا" عَطْفٌ عَلى هَذا التَقْدِيرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾ عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ فِيمَن حَتَمَ كُفْرَهُ ومُوافاتَهُ عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الإخْبارَ عن أنَّ الظالِمَ في ظُلْمِهِ لَيْسَ عَلى هُدىً مِنَ اللهِ، فَتَجِيءُ الآيَةُ عامَّةً تامَّةَ العُمُومِ. واللَعْنَةُ: الإبْعادُ وعَدَمُ الرَحْمَةِ والعَطْفِ، وذَلِكَ مَعَ قَرِينَةِ الكُفْرِ زَعِيمٌ بِتَخْلِيدِهِمْ في النارِ، ولَعْنَةُ المَلائِكَةِ: قَوْلٌ. "والناسِ": بَنُو آدَمَ، ويَظْهَرُ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في بَعْضِ تَعالِيقِهِ، أنَّ الجِنَّ يَدْخُلُونَ في لَفْظَةِ الناسِ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ: ؎ فَقُلْتُ إلى الطَعامِ فَقالَ مِنهم ∗∗∗ أُناسٌ نَحْسُدُ الإنْسَ الطَعاما قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ لَفْظَةَ "الناسِ" إذا جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما هي في كَلامِ العَرَبِ بَنُو آدَمَ لا غَيْرَ، فَإذا جاءَتْ مُقَيَّدَةً بِالجِنِّ، فَذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ، إذْ هي جَماعَةٌ كَجَماعَةٍ، وكَذَلِكَ: ﴿بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن: ٦] وكَذَلِكَ: ﴿نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن: ١]، ولَفْظَةُ النَفَرِ أقْرَبُ إلى الِاشْتِراكِ مِن رِجالٍ وناسٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الجِنَّةِ والناسِ﴾ [الناس: ٦] قاضٍ بِتَبايُنِ الصِنْفَيْنِ. (p-٢٧٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: "والناسِ أجْمَعِينَ" إمّا يَكُونُ لِمَعْنى الخُصُوصِ في المُؤْمِنِينَ سَمّاهُمُ الناسَ إذْ هُمُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وإمّا أنْ يُرِيدَ أنَّهم في الآخِرَةِ يَلْعَنُهُمُ المُؤْمِنُونَ ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَيَجِيءُ مِن هَذا في كُلِّ شَخْصٍ مِنهم أنْ لَعَنَهُ جَمِيعُ الناسِ، وإمّا أنْ يُرِيدَ أنَّ هَذِهِ اللَعْنَةَ تَقَعُ في الدُنْيا مِن جَمِيعِ الناسِ عَلى مَن هَذِهِ صِفَتُهُ. وكُلُّ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ -وَقَدْ أغْواهُ الشَيْطانُ- يَلْعَنُ صاحِبَ الصِفاتِ ولا يَشْعُرُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ مُتَّصِفٌ بِها، فَيَجِيءُ مِن هَذا أنَّهم يَلْعَنُهم جَمِيعُ الناسِ في الدُنْيا حَتّى أنَّهم لَيَلْعَنُونَ أنْفُسَهُمْ، لَكِنْ عَلى غَيْرِ تَعْيِينٍ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "خالِدِينَ فِيها" قالَ الطَبَرِيُّ: يَعُودُ عَلى عُقُوبَةِ اللهِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها مَعْنى اللَعْنَةِ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَعْنَةِ. وقَرائِنُ الآيَةِ تَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ اللَعْنَةَ مُخَلِّدَةٌ لَهم في جَهَنَّمَ، فالضَمِيرُ عائِدٌ عَلى النارِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، لِأنَّ المَعْنى يُفْهِمُها في هَذا المَوْضِعِ، كَما يُفْهِمُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] أنَّها الأرْضُ. وقَدْ قالَ بَعْضُ الخُراسانِيِّينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥]: إنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى النارِ. و"يُنْظَرُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ، بِمَعْنى يُؤَخَّرُونَ، ولا راحَةَ إلّا في التَخْفِيفِ أوِ التَأْخِيرِ فَهُما مُرْتَفِعانِ عنهُمْ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يُنْظَرُونَ" هُنا مِن نَظَرِ العَيْنِ إلّا عَلى تَوْجِيهٍ غَيْرِ فَصِيحٍ لا يَلِيقُ بِكِتابِ اللهِ تَعالى. وقوله عزّ وجلّ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ والتَوْبَةُ: الرُجُوعُ، والإصْلاحُ عامٌّ في القَوْلِ والعَمَلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وعْدٌ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والناسِ أجْمَعُونَ".

آل عمران 3:90

(p-٢٨٠)قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضالُّونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في كَيْفَ يَتَرَتَّبُ كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، ثُمَّ زِيادَةُ كُفْرٍ، فَقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: الآيَةُ في اليَهُودِ، كَفَرُوا بِعِيسى بَعْدَ الإيمانِ بِمُوسى ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ ﷺ؛ وفي هَذا القَوْلِ اضْطِرابٌ، لِأنَّ الَّذِي كَفَرَ بِعِيسى بَعْدَ الإيمانِ بِمُوسى لَيْسَ بِالَّذِي كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فالآيَةُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ تَخْلِطُ الأسْلافَ بِالمُخاطَبِينَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ رَفِيعٌ: الآيَةُ في اليَهُودِ، كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِصِفاتِهِ وإقْرارِهِمْ أنَّها في التَوْراةِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِالذُنُوبِ الَّتِي أصابُوها في خِلافِ النَبِيِّ ﷺ، مِنَ الافْتِراءِ والبَهْتِ والسَعْيِ عَلى الإسْلامِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وعَلى هَذا التَرْتِيبِ يَدْخُلُ في الآيَةِ المُرْتَدُّونَ اللاحِقُونَ بِقُرَيْشٍ وغَيْرُهم. وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ أيْ تَمُّوا عَلى كُفْرِهِمْ وبَلَغُوا المَوْتَ بِهِ. فَيَدْخُلُ في هَذا القَوْلِ اليَهُودُ والمُرْتَدُّونَ. وقالَ السُدِّيُّ نَحْوَهُ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ تَوْبَةَ هَؤُلاءِ لَنْ تُقْبَلَ، وقَدْ قَرَّرَتِ الشَرِيعَةُ أنَّ تَوْبَةَ كُلِّ كافِرٍ تُقْبَلُ، سَواءٌ كَفَرَ بَعْدَ إيمانٍ وازْدادَ كُفْرًا، أو كانَ كافِرًا مِن أوَّلِ أمْرِهِ، فَلا بُدَّ في هَذِهِ الآيَةِ مِن تَخْصِيصٍ تُحْمَلُ عَلَيْهِ ويَصِحُّ بِهِ نَفْيُ قَبُولِ التَوْبَةِ، فَقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والسُدِّيُّ: نَفْيُ قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ مُخْتَصٌّ بِوَقْتِ الحَشْرَجَةِ والغَرْغَرَةِ والمُعايَنَةِ، فالمَعْنى لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم عِنْدَ المُعايَنَةِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: مَعْنى الآيَةِ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم مِن تِلْكَ الذُنُوبِ الَّتِي أصابُوها مَعَ إقامَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ في بَعْضِ الأحْيانِ: نَحْنُ نَتُوبُ مِن هَذِهِ الأفْعالِ وهم مُقِيمُونَ عَلى كُفْرِهِمْ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى، أنَّهُ لا يَقْبَلُ تِلْكَ التَوْبَةَ. وتَحْتَمِلُ الآيَةُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ مِنَ المُرْتَدِّينَ خَتَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، وجَعَلَ ذَلِكَ جَزاءً لِجَرِيمَتِهِمْ ونِكايَتِهِمْ في الدِينِ، وهُمُ الَّذِينَ أشارَ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا﴾ [آل عمران: ٨٦] فَأخْبَرَ عنهم أنَّهم لا تَكُونُ لَهم تَوْبَةٌ فَيُتَصَوَّرُ قَبُولُها، فَتَجِيءُ الآيَةُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِ الشاعِرِ:(p-٢٨١) ؎ عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ......................... أيْ: قَدْ جَعَلَهُمُ اللهُ مِن سَخَطِهِ في حَيِّزِ مَن لا تُقْبَلُ لَهُ تَوْبَةٌ إذْ لَيْسَتْ لَهُمْ، فَهم لا مَحالَةَ يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ. ولِذَلِكَ بَيَّنَ حُكْمَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ كُفّارًا بِعَقِبِ الآيَةِ، فَبانَتْ مَنزِلَةُ هَؤُلاءِ، فَكَأنَّهُ أخْبَرَ عن هَؤُلاءِ المُعَيَّنِينَ أنَّهم يَمُوتُونَ كُفّارًا، ثُمَّ أخْبَرَ الناسَ عن حُكْمِ مَن يَمُوتُ كافِرًا و"الضالُّونَ" المُخْطِئُونَ الطَرِيقَ القَوِيمَ في الأقْوالِ والأفْعالِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "لَنْ نَقْبَلَ" بِنُونِ العَظَمَةِ "تَوْبَتَهُمْ" بِنَصْبِ التاءِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾.... الآيَةُ، جَزْمٌ لِلْحُكْمِ عَلى كُلِّ مُوافٍ عَلى الكُفْرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "فَلَنْ نَقْبَلَ" بِنُونِ العَظَمَةِ "مَلْءَ الأرْضِ" بِالنَصْبِ، و"المِلْءُ" ما شُحِنَ بِهِ الوِعاءُ، فَهو بِكَسْرِ المِيمِ: الِاسْمُ، وبِفَتْحِها: المَصْدَرُ، تَقُولُ مَلَأْتُ الشَيْءَ أمْلَؤُهُ مَلْئًا والمِلْءُ: اسْمُ ما مَلَأْتَ بِهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ وأبُو السَمّالِ: "مِلُّ" دُونَ هَمْزَةٍ، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ؛ و"ذَهَبًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "ذَهَبًا لَوِ افْتَدى" بِهِ، دُونَ واوٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ: "وَلَوِ افْتَدى"؛ فَقالَ الطَبَرِيُّ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ في آخِرِ الكَلامِ دَلَّ عَلَيْهِ دُخُولُ الواوِ، كَما دَخَلَتْ في قَوْلِهِ: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] لِمَتْرُوكٍ مِنَ الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ أرَيْناهُ مَلَكُوتَ (p-٢٨٢)السَماواتِ والأرْضِ؛ وفي هَذا التَمْثِيلِ نَظَرٌ فَتَأمَّلْهُ. وقالَ الزَجّاجُ: المَعْنى: لَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ إنْفاقُهُ وتَقَرُّباتُهُ في الدُنْيا ولَوْ أنْفَقَ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أيْضًا في الآخِرَةِ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ، قالَ: فَأعْلَمَ اللهُ أنَّهُ لا يُثِيبُهم عَلى أعْمالِهِمْ مِنَ الخَيْرِ، ولا يَقْبَلُ مِنهُمُ الافْتِداءَ مِنَ العَذابِ؛ وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ. وقالَ قَوْمٌ: الواوُ زائِدَةٌ، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى نَفْيَ القَبُولِ جُمْلَةً عَلى كُلِّ الوُجُوهِ، ثُمَّ خَصَّ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ ألْيَقَها وأحْراها بِالقَبُولِ، كَما تَقُولُ: أنا لا أفْعَلُ لَكَ كَذا بِوَجْهٍ ولَوْ رَغِبْتَ إلَيَّ؛ وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ بَيِّنٌ.

آل عمران 3:91

(p-٢٨٠)قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضالُّونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في كَيْفَ يَتَرَتَّبُ كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، ثُمَّ زِيادَةُ كُفْرٍ، فَقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: الآيَةُ في اليَهُودِ، كَفَرُوا بِعِيسى بَعْدَ الإيمانِ بِمُوسى ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ ﷺ؛ وفي هَذا القَوْلِ اضْطِرابٌ، لِأنَّ الَّذِي كَفَرَ بِعِيسى بَعْدَ الإيمانِ بِمُوسى لَيْسَ بِالَّذِي كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فالآيَةُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ تَخْلِطُ الأسْلافَ بِالمُخاطَبِينَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ رَفِيعٌ: الآيَةُ في اليَهُودِ، كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِصِفاتِهِ وإقْرارِهِمْ أنَّها في التَوْراةِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِالذُنُوبِ الَّتِي أصابُوها في خِلافِ النَبِيِّ ﷺ، مِنَ الافْتِراءِ والبَهْتِ والسَعْيِ عَلى الإسْلامِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وعَلى هَذا التَرْتِيبِ يَدْخُلُ في الآيَةِ المُرْتَدُّونَ اللاحِقُونَ بِقُرَيْشٍ وغَيْرُهم. وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ أيْ تَمُّوا عَلى كُفْرِهِمْ وبَلَغُوا المَوْتَ بِهِ. فَيَدْخُلُ في هَذا القَوْلِ اليَهُودُ والمُرْتَدُّونَ. وقالَ السُدِّيُّ نَحْوَهُ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ تَوْبَةَ هَؤُلاءِ لَنْ تُقْبَلَ، وقَدْ قَرَّرَتِ الشَرِيعَةُ أنَّ تَوْبَةَ كُلِّ كافِرٍ تُقْبَلُ، سَواءٌ كَفَرَ بَعْدَ إيمانٍ وازْدادَ كُفْرًا، أو كانَ كافِرًا مِن أوَّلِ أمْرِهِ، فَلا بُدَّ في هَذِهِ الآيَةِ مِن تَخْصِيصٍ تُحْمَلُ عَلَيْهِ ويَصِحُّ بِهِ نَفْيُ قَبُولِ التَوْبَةِ، فَقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والسُدِّيُّ: نَفْيُ قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ مُخْتَصٌّ بِوَقْتِ الحَشْرَجَةِ والغَرْغَرَةِ والمُعايَنَةِ، فالمَعْنى لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم عِنْدَ المُعايَنَةِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: مَعْنى الآيَةِ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم مِن تِلْكَ الذُنُوبِ الَّتِي أصابُوها مَعَ إقامَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ في بَعْضِ الأحْيانِ: نَحْنُ نَتُوبُ مِن هَذِهِ الأفْعالِ وهم مُقِيمُونَ عَلى كُفْرِهِمْ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى، أنَّهُ لا يَقْبَلُ تِلْكَ التَوْبَةَ. وتَحْتَمِلُ الآيَةُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ مِنَ المُرْتَدِّينَ خَتَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، وجَعَلَ ذَلِكَ جَزاءً لِجَرِيمَتِهِمْ ونِكايَتِهِمْ في الدِينِ، وهُمُ الَّذِينَ أشارَ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا﴾ [آل عمران: ٨٦] فَأخْبَرَ عنهم أنَّهم لا تَكُونُ لَهم تَوْبَةٌ فَيُتَصَوَّرُ قَبُولُها، فَتَجِيءُ الآيَةُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِ الشاعِرِ:(p-٢٨١) ؎ عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ......................... أيْ: قَدْ جَعَلَهُمُ اللهُ مِن سَخَطِهِ في حَيِّزِ مَن لا تُقْبَلُ لَهُ تَوْبَةٌ إذْ لَيْسَتْ لَهُمْ، فَهم لا مَحالَةَ يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ. ولِذَلِكَ بَيَّنَ حُكْمَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ كُفّارًا بِعَقِبِ الآيَةِ، فَبانَتْ مَنزِلَةُ هَؤُلاءِ، فَكَأنَّهُ أخْبَرَ عن هَؤُلاءِ المُعَيَّنِينَ أنَّهم يَمُوتُونَ كُفّارًا، ثُمَّ أخْبَرَ الناسَ عن حُكْمِ مَن يَمُوتُ كافِرًا و"الضالُّونَ" المُخْطِئُونَ الطَرِيقَ القَوِيمَ في الأقْوالِ والأفْعالِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "لَنْ نَقْبَلَ" بِنُونِ العَظَمَةِ "تَوْبَتَهُمْ" بِنَصْبِ التاءِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾.... الآيَةُ، جَزْمٌ لِلْحُكْمِ عَلى كُلِّ مُوافٍ عَلى الكُفْرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "فَلَنْ نَقْبَلَ" بِنُونِ العَظَمَةِ "مَلْءَ الأرْضِ" بِالنَصْبِ، و"المِلْءُ" ما شُحِنَ بِهِ الوِعاءُ، فَهو بِكَسْرِ المِيمِ: الِاسْمُ، وبِفَتْحِها: المَصْدَرُ، تَقُولُ مَلَأْتُ الشَيْءَ أمْلَؤُهُ مَلْئًا والمِلْءُ: اسْمُ ما مَلَأْتَ بِهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ وأبُو السَمّالِ: "مِلُّ" دُونَ هَمْزَةٍ، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ؛ و"ذَهَبًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "ذَهَبًا لَوِ افْتَدى" بِهِ، دُونَ واوٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ: "وَلَوِ افْتَدى"؛ فَقالَ الطَبَرِيُّ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ في آخِرِ الكَلامِ دَلَّ عَلَيْهِ دُخُولُ الواوِ، كَما دَخَلَتْ في قَوْلِهِ: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] لِمَتْرُوكٍ مِنَ الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ أرَيْناهُ مَلَكُوتَ (p-٢٨٢)السَماواتِ والأرْضِ؛ وفي هَذا التَمْثِيلِ نَظَرٌ فَتَأمَّلْهُ. وقالَ الزَجّاجُ: المَعْنى: لَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ إنْفاقُهُ وتَقَرُّباتُهُ في الدُنْيا ولَوْ أنْفَقَ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أيْضًا في الآخِرَةِ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ، قالَ: فَأعْلَمَ اللهُ أنَّهُ لا يُثِيبُهم عَلى أعْمالِهِمْ مِنَ الخَيْرِ، ولا يَقْبَلُ مِنهُمُ الافْتِداءَ مِنَ العَذابِ؛ وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ. وقالَ قَوْمٌ: الواوُ زائِدَةٌ، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى نَفْيَ القَبُولِ جُمْلَةً عَلى كُلِّ الوُجُوهِ، ثُمَّ خَصَّ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ ألْيَقَها وأحْراها بِالقَبُولِ، كَما تَقُولُ: أنا لا أفْعَلُ لَكَ كَذا بِوَجْهٍ ولَوْ رَغِبْتَ إلَيَّ؛ وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ بَيِّنٌ.

آل عمران 3:92

قوله عزّ وجلّ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ ﴿كُلُّ الطَعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلَ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنْ يَصِلَ مَعانِيَ هَذِهِ الآياتِ بَعْضَها بِبَعْضٍ، مِن حَيْثُ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يَقْبَلُ مِنَ المُوافِي عَلى الكُفْرِ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا، وقَدْ بانَ أنَّهُ يَقْبَلُ مِنَ المُؤْمِنِ القَلِيلَ والكَثِيرَ، فَحَضَّ عَلى الإنْفاقِ مِنَ المَحْبُوبِ المَرْغُوبِ فِيهِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَقَرُّبَ إسْرائِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ بِتَحْرِيمِ ما كانَ يُحِبُّ عَلى نَفْسِهِ، لِيَدُلَّ تَعالى عَلى أنَّ جَمِيعَ التَقَرُّباتِ تَدْخُلُ بِالمَعْنى في جُمْلَةِ الإنْفاقِ مِنَ المَحْبُوبِ. وفَسَّرَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ هَذِهِ الآياتِ عَلى أنَّها مَعانٍ مُنْحازَةٌ، نَظَمَتْها الفَصاحَةُ المُعْجِزَةُ أجْمَلَ نَظْمٍ. وقَوْلُهُ تَعالى "لَنْ تَنالُوا"..... الآيَةُ، خِطابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ؛ وقالَ السُدِّيُّ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونَ: البِرُّ الجَنَّةُ. وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، وإنَّما الخاصُّ بِاللَفْظَةِ أنَّهُ ما يَفْعَلُهُ البَرُّ مِن أفاعِيلِ الخَيْرِ، فَتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يُرِيدَ: لَنْ تَنالُوا بِرَّ اللهِ تَعالى بِكُمْ، أيْ رَحْمَتَهُ ولُطْفَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لَنْ تَنالُوا دَرَجَةَ الكَمالِ مِن فِعْلِ البِرِّ حَتّى تَكُونُوا أبْرارًا، إلّا بِالإنْفاقِ المُنْضافِ إلى سائِرِ أعْمالِكم. (p-٢٨٣)وَبِسَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «تَصَدَّقَ أبُو طَلْحَةَ بِحائِطِهِ، المُسَمّى بَيْرَحا، وتَصَدَّقَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بِفَرَسٍ كانَ يُحِبُّها، فَأعْطاها رَسُولُ اللهِ ﷺ أُسامَةَ ابْنَهُ، فَكَأنَّ زَيْدًا شَقَّ عَلَيْهِ فَقالَ لَهُ النَبِيُّ: "أما إنَّ اللهَ قَدْ قَبِلَ صَدَقَتَكَ".» وكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنْ يَشْتَرِيَ لَهُ جارِيَةً مِن سَبْيِ جَلُولاءَ وقْتَ فَتْحِ مَدائِنِ كِسْرى عَلى يَدَيْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، فَسِيقَتْ إلَيْهِ وأحَبَّها فَدَعا بِها يَوْمًا وقالَ: إنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ فَأعْتَقَها. فَهَذا كُلُّهُ حَمْلٌ لِلْآيَةِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "مِمّا تُحِبُّونَ" أيْ: مِن رَغائِبِ الأمْوالِ الَّتِي يُضَنُّ بِها، ويَتَفَسَّرُ بِقَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "خَيْرُ الصَدَقَةِ أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشى الفَقْرَ وتَأْمُلُ الغِنى"...» الحَدِيثُ وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ ما يُحَبُّ مِنَ المَطْعُوماتِ عَلى قَدْرِ الِاشْتِهاءِ يَدْخُلُ في الآيَةِ، فَكانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَشْتَهِي أكْلَ السُكَّرِ بِاللَوْزِ فَكانَ يَشْتَرِي ذَلِكَ ويَتَصَدَّقُ بِهِ ويَتْلُو الآيَةَ. وإذا تَأمَّلْتَ جَمِيعَ الطاعاتِ وجَدْتَها إنْفاقًا مِمّا يُحِبُّ الإنْسانُ، إمّا مِن مالِهِ، وإمّا مِن صِحَّتِهِ، وإمّا مِن دَعَتِهِ وتَرَفُّهِهِ، وهَذِهِ كُلُّها مَحْبُوباتٌ. وسَألَ رَجُلٌ أبا ذَرٍّ الغِفارِيَّ (p-٢٨٤)رَضِيَ اللهُ عنهُ، أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟ فَقالَ: الصَلاةُ عِمادُ الإسْلامِ، والجِهادُ سَنامُ العَمَلِ، والصَدَقَةُ شَيْءٌ عَجِيبٌ، فَقالَ لَهُ الرَجُلُ: أراكَ تَرَكْتَ شَيْئًا وهو أوثَقُها في نَفْسِي: الصِيامَ، فَقالَ أبُو ذَرٍّ: قُرْبَةٌ ولَيْسَ هُناكَ، ثُمَّ تَلا: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ﴾... الآيَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ شَرْطٌ وجَوابٌ فِيهِ وعْدٌ، أيْ: عَلِيمٌ مُجازٍ بِهِ وإنْ قَلَّ. قَوْلُهُ تَعالى: "كُلُ الطَعامِ"... الآيَةُ، إخْبارٌ بِمُغَيَّبٍ عن مُحَمَّدٍ ﷺ وجَمِيعِ الأُمِّيِّينَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللهُ وعُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ. وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: الرَدُّ عَلى اليَهُودِ في قَوْلِهِمْ في كُلِّ ما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الأشْياءِ: إنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ بِأمْرِ اللهِ في التَوْراةِ، فَأكْذَبَهُمُ اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأخْبَرَ أنَّ جَمِيعَ الطَعامِ كانَ حِلًّا لَهُمْ، إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ خاصَّةً ولَمْ يُرِدْ بِهِ ولَدَهُ، فَلَمّا اسْتَنُّوا هم بِهِ جاءَتِ التَوْراةُ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَ مِنَ التَوْراةِ شَيْءٌ مِنَ الزَوائِدِ الَّتِي يَدَّعُونَ أنَّ اللهَ حَرَّمَها، وإلى هَذا تَنْحُو ألْفاظُ السُدِّيِّ، قالَ: إنَّ اللهَ تَعالى: حَرَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ في التَوْراةِ عُقُوبَةً لِاسْتِنانِهِمْ في تَحْرِيمِ شَيْءٍ إنَّما فَعَلَهُ يَعْقُوبُ خاصَّةً لِنَفْسِهِ، قالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]. قالَ أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ في لَفْظَةِ "ظُلْمٍ" أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِتَحْرِيمٍ ونَحْوِهِ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ العُقُوبَةَ وقَعَتْ بِذَلِكَ النَوْعِ. وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: الرَدُّ عَلى قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ قالُوا: إنَّ ما نُحَرِّمُهُ الآنَ عَلى أنْفُسِنا مِنَ الأشْياءِ الَّتِي لَمْ تُذْكَرْ في التَوْراةِ كانَ عَلَيْنا حَرامًا في مِلَّةِ أبِينا إبْراهِيمَ، فَأكْذَبَهُمُ اللهُ وأخْبَرَ أنَّ الطَعامَ كُلَّهُ كانَ حَلالًا لَهم قَبْلَ التَوْراةِ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ في خاصَّتِهِ، ثُمَّ جاءَتِ التَوْراةُ بِتَحْرِيمِ ما نَصَّتْ عَلَيْهِ، وبَقِيَتْ هَذِهِ الزَوائِدُ في حَيِّزِ افْتِرائِهِمْ وكَذِبِهِمْ؛ وإلى هَذا تَنْحُو ألْفاظُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وتَرْجَمَ الطَبَرِيُّ (p-٢٨٥)فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِتَراجِمَ، وأدْخَلَ تَحْتَها أقْوالًا تُوافِقُ تَراجِمَهُ، وحَمَّلَ ألْفاظَ الضَحّاكِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ وكَأنَّ المَعْنى: كُلُّ الطَعامِ كانَ حِلًّا لَهم قَبْلَ نُزُولِ التَوْراةِ وبَعْدَ نُزُولِها، وهَذا شَيْءٌ لَمْ يَقُلْهُ الضَحّاكُ ولا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ، لَكِنَّهُ في نَفْسِهِ كَلامٌ مُتَخَرِّجٌ عَلى أنْ يَجْعَلَ "كانَ" لا تَخُصُّ الماضِيَ مِنَ الزَمانِ، بَلْ تَكُونُ بِمَنزِلَةِ الَّتِي في قَوْلِكَ: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] ؛ فَيَرْجِعُ المَعْنى إلى القَوْلِ الأوَّلِ الَّذِي حَكَيْناهُ. وحَمَّلَ الطَبَرِيُّ قَوْلَ الضَحّاكِ أنَّ مَعْناهُ: لَكِنَّ إسْرائِيلَ حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ خاصَّةً ولَمْ يُحَرِّمِ اللهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في تَوْراةٍ ولا غَيْرِها. وهَذا تَحْمِيلٌ يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ( حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ ) وقَوْلُهُ ﷺ: « "حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُحُومُ"» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَواهِدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "حِلًّا" مَعْناهُ: حَلالًا، و"إسْرائِيلُ" هو يَعْقُوبُ. وانْتُزِعَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ لِلْأنْبِياءِ أنْ يُحَرِّمُوا بِاجْتِهادِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ ما اقْتَضاهُ النَظَرُ لِمَصْلَحَةٍ أو قُرْبَةٍ أو زُهْدٍ، ومِن هَذا عَلى جِهَةِ المَصْلَحَةِ تَحْرِيمُ النَبِيِّ ﷺ جارِيَتَهُ عَلى نَفْسِهِ، فَعاتَبَهُ اللهُ تَعالى في ذَلِكَ ولَمْ يُعاتِبْ يَعْقُوبَ، فَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِحَقِّ آدَمِيٍّ تَرَتَّبَ في نازِلَةِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ وقِيلَ: إنَّ هَذا تَحْرِيمُ تَقَرُّبٍ وزُهْدٍ، وتَحْرِيمُ الجارِيَةِ تَحْرِيمُ غَضَبٍ ومَصْلَحَةُ نُفُوسٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في الشَيْءِ الَّذِي حَرَّمَهُ يَعْقُوبُ عَلى نَفْسِهِ -فَقالَ يُوسُفُ بْنُ ماهَكَ: جاءَ أعْرابِيٌّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ لَهُ: إنَّهُ جَعَلَ امْرَأتَهُ عَلَيْهِ حَرامًا، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّها لَيْسَتْ عَلَيْكَ بِحَرامٍ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: ولِمَ واللهُ تَعالى يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿إلا (p-٢٨٦)ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾ ؟ فَضَحِكَ ابْنُ عَبّاسٍ وقالَ: وما يُدْرِيكَ ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ؟ ثُمَّ أقْبَلَ عَلى القَوْمِ يُحَدِّثُهم فَقالَ: إنَّ إسْرائِيلَ عَرَضَتْ لَهُ الأنْساءُ فَأضْنَتْهُ فَجَعَلَ لِلَّهِ إنْ شَفاهُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَطْعَمَ عِرْقًا، قالَ: فَلِذَلِكَ اليَهُودُ تَنْزِعُ العُرُوقَ مِنَ اللَحْمِ، وقالَ بِمِثْلِ هَذا القَوْلِ قَتادَةُ وأبُو مِجْلَزٍ وغَيْرُهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ ومُجاهِدٌ أيْضًا: إنَّ الَّذِي حَرَّمَ إسْرائِيلُ هو لُحُومُ الإبِلِ وألْبانُها، ولَمْ يُخْتَلَفْ فِيما عَلِمْتُ أنَّ سَبَبَ التَحْرِيمِ هو مِن مَرَضٍ أصابَهُ، فَجَعَلَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى إنْ شُفِيَ. وقِيلَ: هو وجَعُ عِرْقِ النَسا. وفي حَدِيثٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّ عِصابَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ ما الَّذِي حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ؟ فَقالَ لَهُمْ: "أنْشُدُكم بِاللهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا فَطالَ سَقَمُهُ مِنهُ فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْرًا إنْ عافاهُ اللهُ مِن سَقَمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ أحَبَّ الطَعامِ والشَرابِ إلَيْهِ، وكانَ أحَبُّ الطَعامِ إلَيْهِ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها؟ قالُوا: اللهُمَّ نَعَمْ".» وظاهِرُ الأحادِيثِ والتَفاسِيرِ في هَذا الأمْرِ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ حَرَّمَ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها -وَهُوَ يُحِبُّها- تَقَرُّبًا إلى اللهِ بِذَلِكَ، إذْ تَرْكُ التَرَفُّهِ والتَنَعُّمِ مِنَ القُرَبِ، وهَذا هو الزُهْدُ في الدُنْيا، وإلَيْهِ نَحا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِقَوْلِهِ: "إيّاكم وهَذِهِ المَجازِرُ فَإنَّ لَها ضَراوَةً كَضَراوَةِ الخَمْرِ" ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي حازِمٍ الزاهِدِ، وقَدْ مَرَّ بِسُوقِ الفاكِهَةِ فَرَأى مَحاسِنَها فَقالَ: مَوْعِدُكِ الجَنَّةُ إنْ شاءَ اللهُ، وحَرَّمَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَلامُ أيْضًا العُرُوقَ، لَكِنْ بِغْضَةً لَها لَمّا كانَ امْتُحِنَ بِها، وهَذا شَيْءٌ يَعْتَرِي نُفُوسَ البَشَرِ في غَيْرِ ما شَيْءٍ، ولَيْسَ في تَحْرِيمِ العُرُوقِ قُرْبَةٌ فِيما يَظْهَرُ، واللهُ أعْلَمُ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ يَعْقُوبَ حَرَّمَ العُرُوقَ ولُحُومَ الإبِلِ. (p-٢٨٧)وَأمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَأْمُرَهم بِالإتْيانِ بِالتَوْراةِ، حَتّى يَبِينَ مِنها كَيْفَ الأمْرُ، المَعْنى: فَإنَّهُ أيُّها اليَهُودُ، كَما أنْزَلَ اللهُ عَلَيَّ لا كَما تَدَّعُونَ أنْتُمْ؛ قالَ الزَجّاجُ: وفي هَذا تَعْجِيزٌ لَهم وإقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وهي كَقِصَّةِ المُباهَلَةِ مَعَ نَصارى نَجْرانَ.

آل عمران 3:93

قوله عزّ وجلّ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ ﴿كُلُّ الطَعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلَ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنْ يَصِلَ مَعانِيَ هَذِهِ الآياتِ بَعْضَها بِبَعْضٍ، مِن حَيْثُ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يَقْبَلُ مِنَ المُوافِي عَلى الكُفْرِ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا، وقَدْ بانَ أنَّهُ يَقْبَلُ مِنَ المُؤْمِنِ القَلِيلَ والكَثِيرَ، فَحَضَّ عَلى الإنْفاقِ مِنَ المَحْبُوبِ المَرْغُوبِ فِيهِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَقَرُّبَ إسْرائِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ بِتَحْرِيمِ ما كانَ يُحِبُّ عَلى نَفْسِهِ، لِيَدُلَّ تَعالى عَلى أنَّ جَمِيعَ التَقَرُّباتِ تَدْخُلُ بِالمَعْنى في جُمْلَةِ الإنْفاقِ مِنَ المَحْبُوبِ. وفَسَّرَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ هَذِهِ الآياتِ عَلى أنَّها مَعانٍ مُنْحازَةٌ، نَظَمَتْها الفَصاحَةُ المُعْجِزَةُ أجْمَلَ نَظْمٍ. وقَوْلُهُ تَعالى "لَنْ تَنالُوا"..... الآيَةُ، خِطابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ؛ وقالَ السُدِّيُّ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونَ: البِرُّ الجَنَّةُ. وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، وإنَّما الخاصُّ بِاللَفْظَةِ أنَّهُ ما يَفْعَلُهُ البَرُّ مِن أفاعِيلِ الخَيْرِ، فَتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يُرِيدَ: لَنْ تَنالُوا بِرَّ اللهِ تَعالى بِكُمْ، أيْ رَحْمَتَهُ ولُطْفَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لَنْ تَنالُوا دَرَجَةَ الكَمالِ مِن فِعْلِ البِرِّ حَتّى تَكُونُوا أبْرارًا، إلّا بِالإنْفاقِ المُنْضافِ إلى سائِرِ أعْمالِكم. (p-٢٨٣)وَبِسَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «تَصَدَّقَ أبُو طَلْحَةَ بِحائِطِهِ، المُسَمّى بَيْرَحا، وتَصَدَّقَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بِفَرَسٍ كانَ يُحِبُّها، فَأعْطاها رَسُولُ اللهِ ﷺ أُسامَةَ ابْنَهُ، فَكَأنَّ زَيْدًا شَقَّ عَلَيْهِ فَقالَ لَهُ النَبِيُّ: "أما إنَّ اللهَ قَدْ قَبِلَ صَدَقَتَكَ".» وكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنْ يَشْتَرِيَ لَهُ جارِيَةً مِن سَبْيِ جَلُولاءَ وقْتَ فَتْحِ مَدائِنِ كِسْرى عَلى يَدَيْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، فَسِيقَتْ إلَيْهِ وأحَبَّها فَدَعا بِها يَوْمًا وقالَ: إنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ فَأعْتَقَها. فَهَذا كُلُّهُ حَمْلٌ لِلْآيَةِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "مِمّا تُحِبُّونَ" أيْ: مِن رَغائِبِ الأمْوالِ الَّتِي يُضَنُّ بِها، ويَتَفَسَّرُ بِقَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "خَيْرُ الصَدَقَةِ أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشى الفَقْرَ وتَأْمُلُ الغِنى"...» الحَدِيثُ وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ ما يُحَبُّ مِنَ المَطْعُوماتِ عَلى قَدْرِ الِاشْتِهاءِ يَدْخُلُ في الآيَةِ، فَكانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَشْتَهِي أكْلَ السُكَّرِ بِاللَوْزِ فَكانَ يَشْتَرِي ذَلِكَ ويَتَصَدَّقُ بِهِ ويَتْلُو الآيَةَ. وإذا تَأمَّلْتَ جَمِيعَ الطاعاتِ وجَدْتَها إنْفاقًا مِمّا يُحِبُّ الإنْسانُ، إمّا مِن مالِهِ، وإمّا مِن صِحَّتِهِ، وإمّا مِن دَعَتِهِ وتَرَفُّهِهِ، وهَذِهِ كُلُّها مَحْبُوباتٌ. وسَألَ رَجُلٌ أبا ذَرٍّ الغِفارِيَّ (p-٢٨٤)رَضِيَ اللهُ عنهُ، أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟ فَقالَ: الصَلاةُ عِمادُ الإسْلامِ، والجِهادُ سَنامُ العَمَلِ، والصَدَقَةُ شَيْءٌ عَجِيبٌ، فَقالَ لَهُ الرَجُلُ: أراكَ تَرَكْتَ شَيْئًا وهو أوثَقُها في نَفْسِي: الصِيامَ، فَقالَ أبُو ذَرٍّ: قُرْبَةٌ ولَيْسَ هُناكَ، ثُمَّ تَلا: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ﴾... الآيَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ شَرْطٌ وجَوابٌ فِيهِ وعْدٌ، أيْ: عَلِيمٌ مُجازٍ بِهِ وإنْ قَلَّ. قَوْلُهُ تَعالى: "كُلُ الطَعامِ"... الآيَةُ، إخْبارٌ بِمُغَيَّبٍ عن مُحَمَّدٍ ﷺ وجَمِيعِ الأُمِّيِّينَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللهُ وعُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ. وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: الرَدُّ عَلى اليَهُودِ في قَوْلِهِمْ في كُلِّ ما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الأشْياءِ: إنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ بِأمْرِ اللهِ في التَوْراةِ، فَأكْذَبَهُمُ اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأخْبَرَ أنَّ جَمِيعَ الطَعامِ كانَ حِلًّا لَهُمْ، إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ خاصَّةً ولَمْ يُرِدْ بِهِ ولَدَهُ، فَلَمّا اسْتَنُّوا هم بِهِ جاءَتِ التَوْراةُ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَ مِنَ التَوْراةِ شَيْءٌ مِنَ الزَوائِدِ الَّتِي يَدَّعُونَ أنَّ اللهَ حَرَّمَها، وإلى هَذا تَنْحُو ألْفاظُ السُدِّيِّ، قالَ: إنَّ اللهَ تَعالى: حَرَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ في التَوْراةِ عُقُوبَةً لِاسْتِنانِهِمْ في تَحْرِيمِ شَيْءٍ إنَّما فَعَلَهُ يَعْقُوبُ خاصَّةً لِنَفْسِهِ، قالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]. قالَ أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ في لَفْظَةِ "ظُلْمٍ" أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِتَحْرِيمٍ ونَحْوِهِ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ العُقُوبَةَ وقَعَتْ بِذَلِكَ النَوْعِ. وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: الرَدُّ عَلى قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ قالُوا: إنَّ ما نُحَرِّمُهُ الآنَ عَلى أنْفُسِنا مِنَ الأشْياءِ الَّتِي لَمْ تُذْكَرْ في التَوْراةِ كانَ عَلَيْنا حَرامًا في مِلَّةِ أبِينا إبْراهِيمَ، فَأكْذَبَهُمُ اللهُ وأخْبَرَ أنَّ الطَعامَ كُلَّهُ كانَ حَلالًا لَهم قَبْلَ التَوْراةِ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ في خاصَّتِهِ، ثُمَّ جاءَتِ التَوْراةُ بِتَحْرِيمِ ما نَصَّتْ عَلَيْهِ، وبَقِيَتْ هَذِهِ الزَوائِدُ في حَيِّزِ افْتِرائِهِمْ وكَذِبِهِمْ؛ وإلى هَذا تَنْحُو ألْفاظُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وتَرْجَمَ الطَبَرِيُّ (p-٢٨٥)فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِتَراجِمَ، وأدْخَلَ تَحْتَها أقْوالًا تُوافِقُ تَراجِمَهُ، وحَمَّلَ ألْفاظَ الضَحّاكِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ وكَأنَّ المَعْنى: كُلُّ الطَعامِ كانَ حِلًّا لَهم قَبْلَ نُزُولِ التَوْراةِ وبَعْدَ نُزُولِها، وهَذا شَيْءٌ لَمْ يَقُلْهُ الضَحّاكُ ولا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ، لَكِنَّهُ في نَفْسِهِ كَلامٌ مُتَخَرِّجٌ عَلى أنْ يَجْعَلَ "كانَ" لا تَخُصُّ الماضِيَ مِنَ الزَمانِ، بَلْ تَكُونُ بِمَنزِلَةِ الَّتِي في قَوْلِكَ: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] ؛ فَيَرْجِعُ المَعْنى إلى القَوْلِ الأوَّلِ الَّذِي حَكَيْناهُ. وحَمَّلَ الطَبَرِيُّ قَوْلَ الضَحّاكِ أنَّ مَعْناهُ: لَكِنَّ إسْرائِيلَ حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ خاصَّةً ولَمْ يُحَرِّمِ اللهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في تَوْراةٍ ولا غَيْرِها. وهَذا تَحْمِيلٌ يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ( حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ ) وقَوْلُهُ ﷺ: « "حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُحُومُ"» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَواهِدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "حِلًّا" مَعْناهُ: حَلالًا، و"إسْرائِيلُ" هو يَعْقُوبُ. وانْتُزِعَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ لِلْأنْبِياءِ أنْ يُحَرِّمُوا بِاجْتِهادِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ ما اقْتَضاهُ النَظَرُ لِمَصْلَحَةٍ أو قُرْبَةٍ أو زُهْدٍ، ومِن هَذا عَلى جِهَةِ المَصْلَحَةِ تَحْرِيمُ النَبِيِّ ﷺ جارِيَتَهُ عَلى نَفْسِهِ، فَعاتَبَهُ اللهُ تَعالى في ذَلِكَ ولَمْ يُعاتِبْ يَعْقُوبَ، فَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِحَقِّ آدَمِيٍّ تَرَتَّبَ في نازِلَةِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ وقِيلَ: إنَّ هَذا تَحْرِيمُ تَقَرُّبٍ وزُهْدٍ، وتَحْرِيمُ الجارِيَةِ تَحْرِيمُ غَضَبٍ ومَصْلَحَةُ نُفُوسٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في الشَيْءِ الَّذِي حَرَّمَهُ يَعْقُوبُ عَلى نَفْسِهِ -فَقالَ يُوسُفُ بْنُ ماهَكَ: جاءَ أعْرابِيٌّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ لَهُ: إنَّهُ جَعَلَ امْرَأتَهُ عَلَيْهِ حَرامًا، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّها لَيْسَتْ عَلَيْكَ بِحَرامٍ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: ولِمَ واللهُ تَعالى يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿إلا (p-٢٨٦)ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾ ؟ فَضَحِكَ ابْنُ عَبّاسٍ وقالَ: وما يُدْرِيكَ ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ؟ ثُمَّ أقْبَلَ عَلى القَوْمِ يُحَدِّثُهم فَقالَ: إنَّ إسْرائِيلَ عَرَضَتْ لَهُ الأنْساءُ فَأضْنَتْهُ فَجَعَلَ لِلَّهِ إنْ شَفاهُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَطْعَمَ عِرْقًا، قالَ: فَلِذَلِكَ اليَهُودُ تَنْزِعُ العُرُوقَ مِنَ اللَحْمِ، وقالَ بِمِثْلِ هَذا القَوْلِ قَتادَةُ وأبُو مِجْلَزٍ وغَيْرُهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ ومُجاهِدٌ أيْضًا: إنَّ الَّذِي حَرَّمَ إسْرائِيلُ هو لُحُومُ الإبِلِ وألْبانُها، ولَمْ يُخْتَلَفْ فِيما عَلِمْتُ أنَّ سَبَبَ التَحْرِيمِ هو مِن مَرَضٍ أصابَهُ، فَجَعَلَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى إنْ شُفِيَ. وقِيلَ: هو وجَعُ عِرْقِ النَسا. وفي حَدِيثٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّ عِصابَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ ما الَّذِي حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ؟ فَقالَ لَهُمْ: "أنْشُدُكم بِاللهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا فَطالَ سَقَمُهُ مِنهُ فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْرًا إنْ عافاهُ اللهُ مِن سَقَمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ أحَبَّ الطَعامِ والشَرابِ إلَيْهِ، وكانَ أحَبُّ الطَعامِ إلَيْهِ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها؟ قالُوا: اللهُمَّ نَعَمْ".» وظاهِرُ الأحادِيثِ والتَفاسِيرِ في هَذا الأمْرِ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ حَرَّمَ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها -وَهُوَ يُحِبُّها- تَقَرُّبًا إلى اللهِ بِذَلِكَ، إذْ تَرْكُ التَرَفُّهِ والتَنَعُّمِ مِنَ القُرَبِ، وهَذا هو الزُهْدُ في الدُنْيا، وإلَيْهِ نَحا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِقَوْلِهِ: "إيّاكم وهَذِهِ المَجازِرُ فَإنَّ لَها ضَراوَةً كَضَراوَةِ الخَمْرِ" ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي حازِمٍ الزاهِدِ، وقَدْ مَرَّ بِسُوقِ الفاكِهَةِ فَرَأى مَحاسِنَها فَقالَ: مَوْعِدُكِ الجَنَّةُ إنْ شاءَ اللهُ، وحَرَّمَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَلامُ أيْضًا العُرُوقَ، لَكِنْ بِغْضَةً لَها لَمّا كانَ امْتُحِنَ بِها، وهَذا شَيْءٌ يَعْتَرِي نُفُوسَ البَشَرِ في غَيْرِ ما شَيْءٍ، ولَيْسَ في تَحْرِيمِ العُرُوقِ قُرْبَةٌ فِيما يَظْهَرُ، واللهُ أعْلَمُ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ يَعْقُوبَ حَرَّمَ العُرُوقَ ولُحُومَ الإبِلِ. (p-٢٨٧)وَأمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَأْمُرَهم بِالإتْيانِ بِالتَوْراةِ، حَتّى يَبِينَ مِنها كَيْفَ الأمْرُ، المَعْنى: فَإنَّهُ أيُّها اليَهُودُ، كَما أنْزَلَ اللهُ عَلَيَّ لا كَما تَدَّعُونَ أنْتُمْ؛ قالَ الزَجّاجُ: وفي هَذا تَعْجِيزٌ لَهم وإقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وهي كَقِصَّةِ المُباهَلَةِ مَعَ نَصارى نَجْرانَ.

آل عمران 3:94

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾ ﴿قُلْ صَدَقَ اللهُ فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ تَحْتَمِلُ الإشارَةُ بِـ ذَلِكَ أنْ تَكُونَ إلى ثَلاثَةِ أشْياءٍ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ إلى التِلاوَةِ إذْ مُضَمَّنُها بَيانُ المَذْهَبِ وقِيامُ الحُجَّةِ، أيْ: فَمَن كَذَبَ مِنّا عَلى اللهِ تَعالى أو نَسَبَ إلى كُتُبِ اللهِ ما لَيْسَ فِيها فَهو ظالِمٌ، واضِعٌ الشَيْءَ غَيْرَ مَوْضِعِهِ؛ والآخَرُ: أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى اسْتِقْرارِ التَحْرِيمِ في التَوْراةِ، لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ: كُلُّ الطَعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، ثُمَّ حَرَّمَتْهُ التَوْراةُ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً لَهُمْ، فَمَنِ افْتَرى عَلى اللهِ الكَذِبَ وزادَ في المُحَرَّماتِ فَهو الظالِمُ؛ والثالِثُ: أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الحالِ بَعْدَ تَحْرِيمِ إسْرائِيلَ عَلى نَفْسِهِ وقَبْلَ نُزُولِ التَوْراةِ، أيْ مَن تَسَنَّنَ بِيَعْقُوبَ وشَرَعَ ذَلِكَ دُونَ إذْنٍ مِنَ اللهِ، ومَن حَرَّمَ شَيْئًا ونَسَبَهُ إلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ فَهو الظالِمُ. ويُؤَيِّدُ هَذا الِاحْتِمالَ الأخِيرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] فَنَصَّ عَلى أنَّهُ كانَ لَهم ظُلْمٌ في مَعْنى التَحْلِيلِ والتَحْرِيمِ، وكانُوا يُشَدِّدُونَ فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ، كَما فَعَلُوا في أمْرِ البَقَرَةِ. وبِخِلافِ هَذِهِ السِيرَةِ جاءَ الإسْلامُ في قَوْلِهِ ﷺ: « "يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا"،» وقَوْلِهِ: « "دِينُ اللهِ يُسْرٌ"» وقَوْلِهِ: « "بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَمْحَةِ.» ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَصْدَعَ بِالخِلافِ والجِدالِ مَعَ الأحْبارِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ (p-٢٨٨)صَدَقَ اللهُ﴾ أيِ: الأمْرُ كَما وصَفَ لا كَما تَكْذِبُونَ أنْتُمْ، فَإنْ كُنْتُمْ تَعْتَزُّونَ بِإبْراهِيمَ فاتَّبِعُوا مِلَّتَهُ عَلى ما ذَكَرَ اللهُ. وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ: "قُل صَّدَقَ" بِإدْغامِ اللامِ في الصادِ، وكَذَلِكَ: "قُل سِّيرُوا" قَرَأها بِإدْغامِ اللامِ في السِينِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: عِلَّةُ جَوازِ ذَلِكَ فُشُوُّ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ في الفَمِ وانْتِشارُ الصَدى المُنْبَثِّ عنهُما، فَقارَبَتا بِذَلِكَ مَخْرَجَ اللامِ، فَجازَ إدْغامُهُما فِيهِما. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وُضِعَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ عَلى مَعْنى: وضَعَهُ اللهُ فالآيَةُ عَلى هَذا ابْتِداءُ مَعْنىً مُنْقَطِعٍ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "وَضَعَ" بِفَتْحِ الواوِ والضادِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وضَعَ اللهُ، فَيَكُونَ المَعْنى مُنْقَطِعًا كَما هو في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وضَعَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ، فَيَكُونَ المَعْنى مُتَّصِلًا بِالَّذِي قَبْلَهُ، وتَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ اسْتِدْعاءً لَهم إلى مِلَّتِهِ، في الحَجِّ وغَيْرِهِ عَلى ما رَوى عِكْرِمَةُ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥].... الآيَةُ، قالَ اليَهُودُ: نَحْنُ عَلى الإسْلامِ، فَقُرِئَتْ: ﴿وَلِلَّهِ عَلى الناسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] قِيلَ لَهُ: أحِجَّهم يا مُحَمَّدُ إنْ كانُوا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ الَّتِي هي الإسْلامُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ ما قالَ أبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، أيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أوَّلَ؟ قالَ: المَسْجِدُ الحَرامُ، قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: المَسْجِدُ الأقْصى، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُما؟ قالَ أرْبَعُونَ سَنَةً".» فَيَظْهَرُ مِن هَذا أنَّهُما مِن وضْعِ إبْراهِيمَ جَمِيعًا، ويُضْعِفُ ما قالَ الزَجّاجُ مِن أنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ مِن بِناءِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ، اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ جَدَّدَهُ، وأيْنَ مُدَّةُ سُلَيْمانَ مِن مُدَّةِ إبْراهِيمَ؟ ولا مِرْيَةَ في أنَّ إبْراهِيمَ وضَعَ بَيْتَ مَكَّةَ، وإنَّما الخِلافُ هَلْ وضْعُ بَدْأةٍ أو وضْعُ تَجْدِيدٍ؟ واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى هَذِهِ "الأوَّلِيَّةِ" الَّتِي في قَوْلِهِ: "إنَّ أوَّلَ"، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَعْنى قَوْلِهِ: إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ مُبارَكًا وهُدىً هَذا البَيْتُ الَّذِي بِمَكَّةَ، وقَدْ كانَتْ قَبْلَهُ بُيُوتٌ لَمْ تُوضَعْ وضْعَهُ مِنَ البَرَكَةِ والهُدى. وقالَ قَوْمٌ: بَلْ هو أوَّلُ بَيْتٍ خَلَقَ اللهُ تَعالى ومِن تَحْتِهِ دُحِيَتِ الأرْضُ. (p-٢٨٩)وَرُوِيَتْ في هَذا أقاصِيصُ مِن نُزُولِ آدَمَ بِهِ مِنَ الجَنَّةِ ومِن تَحْدِيدٍ حَدَّدَ ما بَيْنَ خَلْقِهِ ودَحْوِ الأرْضِ، ونَحْوُ ما قالَ الزَجّاجُ مِن أنَّهُ البَيْتُ المَعْمُورُ، أسانِيدُها ضِعافٌ فَلِذَلِكَ تَرَكْتُها. وعَلى هَذا القَوْلِ يَجِيءُ رَفْعُ إبْراهِيمَ القَواعِدَ تَجْدِيدًا؛ قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ البَيْتَ أُهْبِطَ مَعَ آدَمَ ورُفِعَ وقْتَ الطُوفانِ. واخْتَلَفَ الناسُ في "بَكَّةَ" - فَقالَ الضَحّاكُ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: بَكَّةُ هي مَكَّةُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّ هَذا مِن إبْدالِ الباءِ بِالمِيمِ، عَلى لُغَةِ مازِنَ وغَيْرِهِمْ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ شِهابٍ وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ العُلَماءِ: مَكَّةُ: الحَرَمُ كُلُّهُ، وبَكَّةُ: مُزْدَحَمُ الناسِ حَيْثُ يَتَباكَوْنَ، وهو المَسْجِدُ وما حَوْلَ البَيْتِ. وقالَ مالِكٌ في سَماعِ ابْنِ القاسِمِ مِنَ العُتْبِيَّةِ: بَكَّةُ: مَوْضِعُ البَيْتِ، ومَكَّةُ: غَيْرُهُ مِنَ المَواضِعِ؛ قالَ ابْنُ القاسِمِ: يُرِيدُ القَرْيَةَ. قالَ الطَبَرِيُّ: ما خَرَجَ عن مَوْضِعِ الطَوافِ فَهو مَكَّةُ لا بَكَّةَ. وقالَ قَوْمٌ: بَكَّةُ: ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، ومَكَّةُ: الحَرَمُ كُلُّهُ. و"مُبارَكًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ عَلى قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ إنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ بِهَذِهِ الحالِ قَوْلُهُ: "وُضِعَ" والعامِلُ فِيهِ عَلى القَوْلِ الآخَرِ، الفِعْلُ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ باءُ الجَرِّ في قَوْلِهِ: "بِبَكَّةَ" تَقْدِيرُهُ: اسْتَقَرَّ بِبَكَّةَ مُبارَكًا. وفي وصْفِ البَيْتِ بِهُدىً مَجازِيَّةٌ بَلِيغَةٌ، لِأنَّهُ مُقَوِّمٌ مُصْلِحٌ، فَهو مُرْشِدٌ، وفِيهِ إرْشادٌ، فَجاءَ قَوْلُهُ: "وَهُدىً" بِمَعْنى: وذا هُدىً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُدىً في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الدُعاءِ، أيْ مِن حَيْثُ دُعِيَ العالَمُونَ إلَيْهِ.

آل عمران 3:95

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾ ﴿قُلْ صَدَقَ اللهُ فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ تَحْتَمِلُ الإشارَةُ بِـ ذَلِكَ أنْ تَكُونَ إلى ثَلاثَةِ أشْياءٍ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ إلى التِلاوَةِ إذْ مُضَمَّنُها بَيانُ المَذْهَبِ وقِيامُ الحُجَّةِ، أيْ: فَمَن كَذَبَ مِنّا عَلى اللهِ تَعالى أو نَسَبَ إلى كُتُبِ اللهِ ما لَيْسَ فِيها فَهو ظالِمٌ، واضِعٌ الشَيْءَ غَيْرَ مَوْضِعِهِ؛ والآخَرُ: أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى اسْتِقْرارِ التَحْرِيمِ في التَوْراةِ، لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ: كُلُّ الطَعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، ثُمَّ حَرَّمَتْهُ التَوْراةُ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً لَهُمْ، فَمَنِ افْتَرى عَلى اللهِ الكَذِبَ وزادَ في المُحَرَّماتِ فَهو الظالِمُ؛ والثالِثُ: أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الحالِ بَعْدَ تَحْرِيمِ إسْرائِيلَ عَلى نَفْسِهِ وقَبْلَ نُزُولِ التَوْراةِ، أيْ مَن تَسَنَّنَ بِيَعْقُوبَ وشَرَعَ ذَلِكَ دُونَ إذْنٍ مِنَ اللهِ، ومَن حَرَّمَ شَيْئًا ونَسَبَهُ إلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ فَهو الظالِمُ. ويُؤَيِّدُ هَذا الِاحْتِمالَ الأخِيرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] فَنَصَّ عَلى أنَّهُ كانَ لَهم ظُلْمٌ في مَعْنى التَحْلِيلِ والتَحْرِيمِ، وكانُوا يُشَدِّدُونَ فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ، كَما فَعَلُوا في أمْرِ البَقَرَةِ. وبِخِلافِ هَذِهِ السِيرَةِ جاءَ الإسْلامُ في قَوْلِهِ ﷺ: « "يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا"،» وقَوْلِهِ: « "دِينُ اللهِ يُسْرٌ"» وقَوْلِهِ: « "بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَمْحَةِ.» ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَصْدَعَ بِالخِلافِ والجِدالِ مَعَ الأحْبارِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ (p-٢٨٨)صَدَقَ اللهُ﴾ أيِ: الأمْرُ كَما وصَفَ لا كَما تَكْذِبُونَ أنْتُمْ، فَإنْ كُنْتُمْ تَعْتَزُّونَ بِإبْراهِيمَ فاتَّبِعُوا مِلَّتَهُ عَلى ما ذَكَرَ اللهُ. وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ: "قُل صَّدَقَ" بِإدْغامِ اللامِ في الصادِ، وكَذَلِكَ: "قُل سِّيرُوا" قَرَأها بِإدْغامِ اللامِ في السِينِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: عِلَّةُ جَوازِ ذَلِكَ فُشُوُّ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ في الفَمِ وانْتِشارُ الصَدى المُنْبَثِّ عنهُما، فَقارَبَتا بِذَلِكَ مَخْرَجَ اللامِ، فَجازَ إدْغامُهُما فِيهِما. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وُضِعَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ عَلى مَعْنى: وضَعَهُ اللهُ فالآيَةُ عَلى هَذا ابْتِداءُ مَعْنىً مُنْقَطِعٍ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "وَضَعَ" بِفَتْحِ الواوِ والضادِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وضَعَ اللهُ، فَيَكُونَ المَعْنى مُنْقَطِعًا كَما هو في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وضَعَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ، فَيَكُونَ المَعْنى مُتَّصِلًا بِالَّذِي قَبْلَهُ، وتَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ اسْتِدْعاءً لَهم إلى مِلَّتِهِ، في الحَجِّ وغَيْرِهِ عَلى ما رَوى عِكْرِمَةُ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥].... الآيَةُ، قالَ اليَهُودُ: نَحْنُ عَلى الإسْلامِ، فَقُرِئَتْ: ﴿وَلِلَّهِ عَلى الناسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] قِيلَ لَهُ: أحِجَّهم يا مُحَمَّدُ إنْ كانُوا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ الَّتِي هي الإسْلامُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ ما قالَ أبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، أيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أوَّلَ؟ قالَ: المَسْجِدُ الحَرامُ، قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: المَسْجِدُ الأقْصى، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُما؟ قالَ أرْبَعُونَ سَنَةً".» فَيَظْهَرُ مِن هَذا أنَّهُما مِن وضْعِ إبْراهِيمَ جَمِيعًا، ويُضْعِفُ ما قالَ الزَجّاجُ مِن أنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ مِن بِناءِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ، اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ جَدَّدَهُ، وأيْنَ مُدَّةُ سُلَيْمانَ مِن مُدَّةِ إبْراهِيمَ؟ ولا مِرْيَةَ في أنَّ إبْراهِيمَ وضَعَ بَيْتَ مَكَّةَ، وإنَّما الخِلافُ هَلْ وضْعُ بَدْأةٍ أو وضْعُ تَجْدِيدٍ؟ واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى هَذِهِ "الأوَّلِيَّةِ" الَّتِي في قَوْلِهِ: "إنَّ أوَّلَ"، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَعْنى قَوْلِهِ: إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ مُبارَكًا وهُدىً هَذا البَيْتُ الَّذِي بِمَكَّةَ، وقَدْ كانَتْ قَبْلَهُ بُيُوتٌ لَمْ تُوضَعْ وضْعَهُ مِنَ البَرَكَةِ والهُدى. وقالَ قَوْمٌ: بَلْ هو أوَّلُ بَيْتٍ خَلَقَ اللهُ تَعالى ومِن تَحْتِهِ دُحِيَتِ الأرْضُ. (p-٢٨٩)وَرُوِيَتْ في هَذا أقاصِيصُ مِن نُزُولِ آدَمَ بِهِ مِنَ الجَنَّةِ ومِن تَحْدِيدٍ حَدَّدَ ما بَيْنَ خَلْقِهِ ودَحْوِ الأرْضِ، ونَحْوُ ما قالَ الزَجّاجُ مِن أنَّهُ البَيْتُ المَعْمُورُ، أسانِيدُها ضِعافٌ فَلِذَلِكَ تَرَكْتُها. وعَلى هَذا القَوْلِ يَجِيءُ رَفْعُ إبْراهِيمَ القَواعِدَ تَجْدِيدًا؛ قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ البَيْتَ أُهْبِطَ مَعَ آدَمَ ورُفِعَ وقْتَ الطُوفانِ. واخْتَلَفَ الناسُ في "بَكَّةَ" - فَقالَ الضَحّاكُ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: بَكَّةُ هي مَكَّةُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّ هَذا مِن إبْدالِ الباءِ بِالمِيمِ، عَلى لُغَةِ مازِنَ وغَيْرِهِمْ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ شِهابٍ وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ العُلَماءِ: مَكَّةُ: الحَرَمُ كُلُّهُ، وبَكَّةُ: مُزْدَحَمُ الناسِ حَيْثُ يَتَباكَوْنَ، وهو المَسْجِدُ وما حَوْلَ البَيْتِ. وقالَ مالِكٌ في سَماعِ ابْنِ القاسِمِ مِنَ العُتْبِيَّةِ: بَكَّةُ: مَوْضِعُ البَيْتِ، ومَكَّةُ: غَيْرُهُ مِنَ المَواضِعِ؛ قالَ ابْنُ القاسِمِ: يُرِيدُ القَرْيَةَ. قالَ الطَبَرِيُّ: ما خَرَجَ عن مَوْضِعِ الطَوافِ فَهو مَكَّةُ لا بَكَّةَ. وقالَ قَوْمٌ: بَكَّةُ: ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، ومَكَّةُ: الحَرَمُ كُلُّهُ. و"مُبارَكًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ عَلى قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ إنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ بِهَذِهِ الحالِ قَوْلُهُ: "وُضِعَ" والعامِلُ فِيهِ عَلى القَوْلِ الآخَرِ، الفِعْلُ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ باءُ الجَرِّ في قَوْلِهِ: "بِبَكَّةَ" تَقْدِيرُهُ: اسْتَقَرَّ بِبَكَّةَ مُبارَكًا. وفي وصْفِ البَيْتِ بِهُدىً مَجازِيَّةٌ بَلِيغَةٌ، لِأنَّهُ مُقَوِّمٌ مُصْلِحٌ، فَهو مُرْشِدٌ، وفِيهِ إرْشادٌ، فَجاءَ قَوْلُهُ: "وَهُدىً" بِمَعْنى: وذا هُدىً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُدىً في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الدُعاءِ، أيْ مِن حَيْثُ دُعِيَ العالَمُونَ إلَيْهِ.

آل عمران 3:96

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾ ﴿قُلْ صَدَقَ اللهُ فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ تَحْتَمِلُ الإشارَةُ بِـ ذَلِكَ أنْ تَكُونَ إلى ثَلاثَةِ أشْياءٍ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ إلى التِلاوَةِ إذْ مُضَمَّنُها بَيانُ المَذْهَبِ وقِيامُ الحُجَّةِ، أيْ: فَمَن كَذَبَ مِنّا عَلى اللهِ تَعالى أو نَسَبَ إلى كُتُبِ اللهِ ما لَيْسَ فِيها فَهو ظالِمٌ، واضِعٌ الشَيْءَ غَيْرَ مَوْضِعِهِ؛ والآخَرُ: أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى اسْتِقْرارِ التَحْرِيمِ في التَوْراةِ، لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ: كُلُّ الطَعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، ثُمَّ حَرَّمَتْهُ التَوْراةُ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً لَهُمْ، فَمَنِ افْتَرى عَلى اللهِ الكَذِبَ وزادَ في المُحَرَّماتِ فَهو الظالِمُ؛ والثالِثُ: أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الحالِ بَعْدَ تَحْرِيمِ إسْرائِيلَ عَلى نَفْسِهِ وقَبْلَ نُزُولِ التَوْراةِ، أيْ مَن تَسَنَّنَ بِيَعْقُوبَ وشَرَعَ ذَلِكَ دُونَ إذْنٍ مِنَ اللهِ، ومَن حَرَّمَ شَيْئًا ونَسَبَهُ إلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ فَهو الظالِمُ. ويُؤَيِّدُ هَذا الِاحْتِمالَ الأخِيرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] فَنَصَّ عَلى أنَّهُ كانَ لَهم ظُلْمٌ في مَعْنى التَحْلِيلِ والتَحْرِيمِ، وكانُوا يُشَدِّدُونَ فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ، كَما فَعَلُوا في أمْرِ البَقَرَةِ. وبِخِلافِ هَذِهِ السِيرَةِ جاءَ الإسْلامُ في قَوْلِهِ ﷺ: « "يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا"،» وقَوْلِهِ: « "دِينُ اللهِ يُسْرٌ"» وقَوْلِهِ: « "بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَمْحَةِ.» ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَصْدَعَ بِالخِلافِ والجِدالِ مَعَ الأحْبارِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ (p-٢٨٨)صَدَقَ اللهُ﴾ أيِ: الأمْرُ كَما وصَفَ لا كَما تَكْذِبُونَ أنْتُمْ، فَإنْ كُنْتُمْ تَعْتَزُّونَ بِإبْراهِيمَ فاتَّبِعُوا مِلَّتَهُ عَلى ما ذَكَرَ اللهُ. وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ: "قُل صَّدَقَ" بِإدْغامِ اللامِ في الصادِ، وكَذَلِكَ: "قُل سِّيرُوا" قَرَأها بِإدْغامِ اللامِ في السِينِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: عِلَّةُ جَوازِ ذَلِكَ فُشُوُّ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ في الفَمِ وانْتِشارُ الصَدى المُنْبَثِّ عنهُما، فَقارَبَتا بِذَلِكَ مَخْرَجَ اللامِ، فَجازَ إدْغامُهُما فِيهِما. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وُضِعَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ عَلى مَعْنى: وضَعَهُ اللهُ فالآيَةُ عَلى هَذا ابْتِداءُ مَعْنىً مُنْقَطِعٍ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "وَضَعَ" بِفَتْحِ الواوِ والضادِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وضَعَ اللهُ، فَيَكُونَ المَعْنى مُنْقَطِعًا كَما هو في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وضَعَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ، فَيَكُونَ المَعْنى مُتَّصِلًا بِالَّذِي قَبْلَهُ، وتَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ اسْتِدْعاءً لَهم إلى مِلَّتِهِ، في الحَجِّ وغَيْرِهِ عَلى ما رَوى عِكْرِمَةُ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥].... الآيَةُ، قالَ اليَهُودُ: نَحْنُ عَلى الإسْلامِ، فَقُرِئَتْ: ﴿وَلِلَّهِ عَلى الناسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] قِيلَ لَهُ: أحِجَّهم يا مُحَمَّدُ إنْ كانُوا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ الَّتِي هي الإسْلامُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ ما قالَ أبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، أيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أوَّلَ؟ قالَ: المَسْجِدُ الحَرامُ، قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: المَسْجِدُ الأقْصى، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُما؟ قالَ أرْبَعُونَ سَنَةً".» فَيَظْهَرُ مِن هَذا أنَّهُما مِن وضْعِ إبْراهِيمَ جَمِيعًا، ويُضْعِفُ ما قالَ الزَجّاجُ مِن أنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ مِن بِناءِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ، اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ جَدَّدَهُ، وأيْنَ مُدَّةُ سُلَيْمانَ مِن مُدَّةِ إبْراهِيمَ؟ ولا مِرْيَةَ في أنَّ إبْراهِيمَ وضَعَ بَيْتَ مَكَّةَ، وإنَّما الخِلافُ هَلْ وضْعُ بَدْأةٍ أو وضْعُ تَجْدِيدٍ؟ واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى هَذِهِ "الأوَّلِيَّةِ" الَّتِي في قَوْلِهِ: "إنَّ أوَّلَ"، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَعْنى قَوْلِهِ: إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ مُبارَكًا وهُدىً هَذا البَيْتُ الَّذِي بِمَكَّةَ، وقَدْ كانَتْ قَبْلَهُ بُيُوتٌ لَمْ تُوضَعْ وضْعَهُ مِنَ البَرَكَةِ والهُدى. وقالَ قَوْمٌ: بَلْ هو أوَّلُ بَيْتٍ خَلَقَ اللهُ تَعالى ومِن تَحْتِهِ دُحِيَتِ الأرْضُ. (p-٢٨٩)وَرُوِيَتْ في هَذا أقاصِيصُ مِن نُزُولِ آدَمَ بِهِ مِنَ الجَنَّةِ ومِن تَحْدِيدٍ حَدَّدَ ما بَيْنَ خَلْقِهِ ودَحْوِ الأرْضِ، ونَحْوُ ما قالَ الزَجّاجُ مِن أنَّهُ البَيْتُ المَعْمُورُ، أسانِيدُها ضِعافٌ فَلِذَلِكَ تَرَكْتُها. وعَلى هَذا القَوْلِ يَجِيءُ رَفْعُ إبْراهِيمَ القَواعِدَ تَجْدِيدًا؛ قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ البَيْتَ أُهْبِطَ مَعَ آدَمَ ورُفِعَ وقْتَ الطُوفانِ. واخْتَلَفَ الناسُ في "بَكَّةَ" - فَقالَ الضَحّاكُ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: بَكَّةُ هي مَكَّةُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّ هَذا مِن إبْدالِ الباءِ بِالمِيمِ، عَلى لُغَةِ مازِنَ وغَيْرِهِمْ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ شِهابٍ وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ العُلَماءِ: مَكَّةُ: الحَرَمُ كُلُّهُ، وبَكَّةُ: مُزْدَحَمُ الناسِ حَيْثُ يَتَباكَوْنَ، وهو المَسْجِدُ وما حَوْلَ البَيْتِ. وقالَ مالِكٌ في سَماعِ ابْنِ القاسِمِ مِنَ العُتْبِيَّةِ: بَكَّةُ: مَوْضِعُ البَيْتِ، ومَكَّةُ: غَيْرُهُ مِنَ المَواضِعِ؛ قالَ ابْنُ القاسِمِ: يُرِيدُ القَرْيَةَ. قالَ الطَبَرِيُّ: ما خَرَجَ عن مَوْضِعِ الطَوافِ فَهو مَكَّةُ لا بَكَّةَ. وقالَ قَوْمٌ: بَكَّةُ: ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، ومَكَّةُ: الحَرَمُ كُلُّهُ. و"مُبارَكًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ عَلى قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ إنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ بِهَذِهِ الحالِ قَوْلُهُ: "وُضِعَ" والعامِلُ فِيهِ عَلى القَوْلِ الآخَرِ، الفِعْلُ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ باءُ الجَرِّ في قَوْلِهِ: "بِبَكَّةَ" تَقْدِيرُهُ: اسْتَقَرَّ بِبَكَّةَ مُبارَكًا. وفي وصْفِ البَيْتِ بِهُدىً مَجازِيَّةٌ بَلِيغَةٌ، لِأنَّهُ مُقَوِّمٌ مُصْلِحٌ، فَهو مُرْشِدٌ، وفِيهِ إرْشادٌ، فَجاءَ قَوْلُهُ: "وَهُدىً" بِمَعْنى: وذا هُدىً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُدىً في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الدُعاءِ، أيْ مِن حَيْثُ دُعِيَ العالَمُونَ إلَيْهِ.

آل عمران 3:97

قوله عزّ وجلّ: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا ولِلَّهِ عَلى الناسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فِيهِ" عائِدٌ عَلى البَيْتِ، وساغَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِ الآياتِ خارِجَةً (p-٢٩٠)عنهُ، لِأنَّ البَيْتَ إنَّما وُضِعَ بِحَرَمِهِ، وجَمِيعِ فَضائِلِهِ فَهي فِيهِ وإنْ لَمْ تَكُنْ داخِلَ جُدْرانِهِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "آياتٌ بَيِّناتٌ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وعُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ: "آيَةٌ بَيِّنَةٌ" عَلى الإفْرادِ قالَ الطَبَرِيُّ: يُرِيدُ عَلامَةً واحِدَةً؛ المَقامَ وحْدَهُ، وحُكِيَ ذَلِكَ عن مُجاهِدٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالآيَةِ اسْمُ الجِنْسِ، فَيَقْرُبُ مِن مَعْنى القِراءَةِ الأُولى. واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ عَنِ الآياتِ البَيِّناتِ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنَ الآياتِ المَقامُ، يُرِيدُ الحَجَرَ المَعْرُوفَ والمَشْعَرُ وغَيْرُ ذَلِكَ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قِراءَتَهُ "آيَةٌ" بِالإفْرادِ إنَّما يُرادُ بِها اسْمُ الجِنْسِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الآياتُ البَيِّناتُ مَقامُ إبْراهِيمَ، وأنَّ مَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا، وقالَ مُجاهِدٌ: المَقامُ الآيَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ كَلامٌ آخَرُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَرَفْعُ "مَقامُ" عَلى قَوْلِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ - عَلى البَدَلِ مِن "آياتٌ"، أو عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: هُنَّ مَقامُ إبْراهِيمَ، وعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ومَن نَحا نَحْوَهُ- هو مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ مُقَدَّمٌ تَقْدِيرُهُ: مِنهُنَّ مَقامُ إبْراهِيمَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمُتَرَجِّحُ عِنْدِي أنَّ المَقامَ وأمْنَ الداخِلِ جُعِلا مِثالًا مِمّا في حَرَمِ اللهِ مِنَ الآياتِ وخُصّا بِالذِكْرِ لِعِظَمِهِما، وأنَّهُما تَقُومُ بِهِما الحُجَّةُ عَلى الكُفّارِ، إذْ هُمُ المُدْرِكُونَ لِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِحَواسِّهِمْ. ومِن آياتِ الحَرَمِ والبَيْتِ الَّتِي تَقُومُ بِها الحُجَّةُ عَلى الكُفّارِ أمْرُ الفِيلِ، ورَمْيُ طَيْرِ اللهِ عنهُ بِحِجارَةِ السِجِّيلِ، وذَلِكَ أمْرٌ لَمْ تَخْتَلِفْ كافَّةُ العَرَبِ في نَقْلِهِ وصِحَّتِهِ إلى أنْ أنْزَلَهُ اللهُ في كِتابِهِ. ومِن آياتِهِ كَفُّ الجَبابِرَةِ عنهُ عَلى وجْهِ الدَهْرِ. ومِن آياتِهِ الحَجَرُ الأسْوَدُ وما رُوِيَ فِيهِ أنَّهُ مِنَ الجَنَّةِ، وما أُشْرِبَتْ قُلُوبُ العالَمِ مِن تَعْظِيمِهِ قَبْلَ الإسْلامِ. ومِن آياتِهِ حَجَرُ المَقامِ، وذَلِكَ أنَّهُ قامَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ وقْتَ رَفْعِهِ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ لَمّا طالَ البِناءُ، فَكُلَّما عَلا الجِدارُ ارْتَفَعَ الحَجَرُ بِهِ في الهَواءِ، (p-٢٩١)فَما زالَ يَبْنِي وهو قائِمٌ عَلَيْهِ وإسْماعِيلُ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ والطِينَ حَتّى أكْمَلَ الجِدارَ، ثُمَّ إنَّ اللهَ تَعالى لَمّا أرادَ إبْقاءَ ذَلِكَ آيَةً لِلْعالَمِينَ لَيَّنَ الحَجَرَ، فَغَرِقَتْ فِيهِ قَدَما إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ كَأنَّها في طِينٍ، فَذَلِكَ الأثَرُ العَظِيمُ باقٍ في الحَجَرِ إلى اليَوْمِ. وقَدْ نَقَلَتْ كافَّةُ العَرَبِ ذَلِكَ في الجاهِلِيَّةِ عَلى مُرُورِ الأعْصارِ، وقالَ أبُو طالِبٍ: ومَوْطِئُ إبْراهِيمَ في الصَخْرِ رَطْبَةٌ عَلى قَدَمىَّ حافِيًا غَيْرَ ناعِلِ فَما حُفِظَ أنَّ أحَدًا مِنَ الناسِ نازَعَ في هَذا القَوْلِ. ومِن آياتِهِ البَيِّناتِ زَمْزَمُ في نَبْعِها لِهاجَرَ بِهَمْزِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ الأرْضَ بِعَقِبِهِ، وفي حَفْرِ عَبْدِ المُطَّلِبِ لَها آخَرًا بَعْدَ دُثُورِها بِتِلْكَ الرُؤْيا المَشْهُورَةِ، وبِما نَبَعَ مِنَ الماءِ تَحْتَ خُفِّ ناقَتِهِ في سَفَرِهِ، إلى مُنافَرَةِ قُرَيْشٍ ومُخاصَمَتِها في أمْرِ زَمْزَمَ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إسْحاقَ مُسْتَوْعِبًا، ومِن آياتِ البَيْتِ نَفْعُ ماءِ زَمْزَمَ لِما شُرِبَ لَهُ، وأنَّهُ يَعْظُمُ ماؤُها في المَوْسِمِ ويَكْثُرُ كَثْرَةً خارِقَةً لِلْعادَةِ في الآبارِ. ومِن آياتِهِ: الأمَنَةُ الثابِتَةُ فِيهِ عَلى قَدِيمِ الدَهْرِ، وأنَّ العَرَبَ كانَتْ يُغِيرُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ ويُتَخَطَّفُ الناسُ بِالقَتْلِ وأخْذِ الأمْوالِ وأنْواعِ الظُلْمِ إلّا في الحَرَمِ؛ وتَرَكَّبَ عَلى هَذا أمْنُ الحَيَوانِ فِيهِ وسَلامَةُ الشَجَرِ، وذَلِكَ كُلُّهُ لِلْبَرَكَةِ الَّتِي خَصَّهُ اللهُ بِها، والدَعْوَةِ مِنَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَلامُ في قَوْلِهِ، ﴿اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦]،. وإذْعانُ نُفُوسِ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ قاطِبَةً لِتَوْقِيرِ هَذِهِ البُقْعَةِ دُونَ ناهٍ ولا زاجِرٍ، آيَةٌ عُظْمى تَقُومُ بِها الحُجَّةُ، وهي الَّتِي فُسِّرَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾. ومِن آياتِهِ كَوْنُهُ بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، والأرْزاقُ مِن كُلِّ قُطْرٍ تَجِيءُ إلَيْهِ عن قُرْبٍ وعن بُعْدٍ. ومِن آياتِهِ، ما ذَكَرَ ابْنُ القاسِمِ العَتَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، قالَ في النَوادِرِ وغَيْرِها: سَمِعْتُ أنَّ الحَرَمَ يُعْرَفُ بِأنْ لا يَجِيءَ سَيْلٌ مِنَ الحِلِّ فَيَدْخُلُ الحَرَمَ. (p-٢٩٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: -هَذا واللهُ أعْلَمُ- لِأنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَهُ رَبْوَةً أو في حُكْمِها لِيَكُونَ أصْوَنَ لَهُ، والحَرَمُ، فِيما حَكى ابْنُ أبِي زَيْدٍ في الحَجِّ الثانِي مِنَ النَوادِرِ -. مِمّا يَلِي المَدِينَةَ نَحْوًا مِن أرْبَعَةِ أمْيالٍ إلى مُنْتَهى التَنْعِيمِ، ومِمّا يَلِي العِراقَ نَحْوُ ثَمانِيَةِ أمْيالٍ إلى مَكانٍ يُقالُ لَهُ المَقْطَعُ، ومِمّا يَلِي عَرَفَةَ تِسْعَةُ أمْيالٍ، ومِمّا يَلِي طَرِيقَ اليَمَنِ سَبْعَةُ أمْيالٍ إلى مَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ أضاةُ، ومِمّا يَلِي جَدَّةَ عَشْرَةُ أمْيالٍ إلى مُنْتَهى الحُدَيْبِيَةِ. قالَ مالِكٌ في العُتْبِيَّةِ: والحُدَيْبِيَةُ في الحَرَمِ. ومِن آياتِهِ فِيما ذَكَرَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ أنَّ الطَيْرَ لا تَعْلُوهُ، وإنْ عَلاهُ طائِرٌ فَإنَّما ذَلِكَ لِمَرَضٍ بِهِ، فَهو يَسْتَشْفِي بِالبَيْتِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ: وهَذا كُلُّهُ عِنْدِي ضَعِيفٌ، والطَيْرُ تُعايَنُ تَعْلُوهُ، وقَدْ عَلَتْهُ العُقابُ الَّتِي أخَذَتِ الحَيَّةَ المُشْرِفَةَ عَلى جِدارِهِ، وتِلْكَ كانَتْ مِن آياتِهِ. ومِن آياتِهِ فِيما ذَكَرَ الناسُ قَدِيمًا وحَدِيثًا، أنَّهُ إذا عَمَّهُ المَطَرُ مِن جَوانِبِهِ الأرْبَعَةِ في العامِ الواحِدِ، أخْصَبَتْ آفاقُ الأرْضِ، وإنْ لَمْ يُصِبْ جانِبًا مِنهُ لَمْ يَخْصَبْ ذَلِكَ الأُفُقُ الَّذِي يَلِيهِ ذَلِكَ العامُ. واخْتَلَفَ الناسُ في مَقامِ إبْراهِيمَ، فَقالَ الجُمْهُورُ: هو الحَجَرُ المَعْرُوفُ، وقالَ قَوْمٌ: البَيْتُ كُلُّهُ مَقامُ إبْراهِيمَ لِأنَّهُ بَناهُ وقامَ في جَمِيعِ أقْطارِهِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ: مَكَّةُ كُلُّها مَقامُ إبْراهِيمَ، وقالَ قَوْمٌ: الحَرَمُ كُلُّهُ مَقامُ إبْراهِيمَ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وَمَن دَخَلَهُ﴾ عائِدٌ عَلى الحَرَمِ في قَوْلِ مَن قالَ: مَقامُ إبْراهِيمَ هو الحَرَمُ، وعائِدٌ عَلى البَيْتِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِغَيْرِهِ، إلّا أنَّ المَعْنى يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ مَن دَخَلَ الحَرَمَ فَهو في الأمْنِ، إذِ الحَرَمُ جُزْءٌ مِنَ البَيْتِ، إذْ هو بِسَبَبِهِ وبِحُرْمَتِهِ. واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "كانَ آمِنًا"؛ فَقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُمْ: هَذِهِ وصْفُ حالٍ كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ أنَّ الَّذِي يَجُرُّ جَرِيرَةً ثُمَّ يَدْخُلُ الحَرَمَ فَإنَّهُ كانَ لا يُتَناوَلُ ولا يُطْلَبُ، فَأمّا في الإسْلامِ وأمْنِ جَمِيعِ الأقْطارِ فَإنَّ الحَرَمَ لا يَمْنَعُ مِن حَدٍّ مِن حُدُودِ اللهِ: مَن سَرَقَ فِيهِ قُطِعَ، ومَن زَنى رُجِمَ، ومَن قَتَلَ قُتِلَ. واسْتَحْسَنَ كَثِيرٌ (p-٢٩٣)مِمَّنْ قالَ هَذا القَوْلَ أنْ يَخْرُجَ مَن وجَبَ عَلَيْهِ القَتْلُ إلى الحِلِّ فَيُقْتَلَ هُنالِكَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَن أحْدَثَ حَدَثًا ثُمَّ اسْتَجارَ بِالبَيْتِ فَهو آمِنٌ، وإنَّ الأمْرَ في الإسْلامِ عَلى ما كانَ في الجاهِلِيَّةِ، والإسْلامُ زادَ البَيْتَ شَرَفًا وتَوْقِيرًا، فَلا يَعْرِضُ أحَدٌ بِمَكَّةَ لِقاتِلِ ولِيِّهِ، إلّا أنَّهُ يَجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ ألّا يُبايِعُوا ذَلِكَ الجانِيَ ولا يُكَلِّمُوهُ ولا يُؤْوُوهُ حَتّى يَتَبَرَّمَ فَيَخْرُجَ مِنَ الحَرَمِ فَيُقامَ عَلَيْهِ الحَدُّ. وقالَ بِمِثْلِ هَذا عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ والشَعْبِيُّ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُمْ؛ إلّا أنَّ أكْثَرَهم قالُوا هَذا فِيمَن يَقْتُلُ خارِجَ الحَرَمِ ثُمَّ يَعُوذُ بِالحَرَمِ، فَأمّا مَن يَقْتُلُ في الحَرَمِ فَإنَّهُ يُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ في الحَرَمِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ: وإذا تُؤُمِّلَ أمْرُ هَذا الَّذِي لا يُكَلَّمُ ولا يُبايَعُ، فَلَيْسَ بِآمِنٍ. وقالَ يَحْيى بْنُ جَعْدَةَ: مَعْنى الآيَةِ: ومَن دَخَلَ البَيْتَ كانَ آمِنًا مِنَ النارِ. وحَكى النَقّاشُ عن بَعْضِ العِبادِ قالَ: كُنْتُ أطُوفُ حَوْلَ الكَعْبَةِ لَيْلًا فَقُلْتُ: يا رَبُّ إنَّكَ قُلْتَ: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ فَمِن ماذا هو آمِنٌ يا رَبُّ؟ فَسَمِعْتُ مُكَلِّمًا يُكَلِّمُنِي وهو يَقُولُ: مِنَ النارِ، فَنَظَرْتُ وتَأمَّلْتُ فَما كانَ في المَكانِ أحَدٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلى الناسِ حِجُّ البَيْتِ﴾.... الآيَةُ، هو فَرْضُ الحَجِّ في كِتابِ اللهِ بِإجْماعٍ. وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: الحَجُّ كُلُّهُ في كِتابِ اللهِ، فَأمّا الصَلاةُ والزَكاةُ فَهي مِن مُجْمَلِهِ الَّذِي فَسَّرَهُ النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ، والحَجُّ مِن دَعائِمِ الإسْلامِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْها حَسَبَ الحَدِيثِ، وشُرُوطُ وُجُوبِهِ خَمْسَةٌ: البُلُوغُ، والعَقْلُ، والحُرِّيَّةُ، والإسْلامُ، واسْتِطاعَةُ السَبِيلِ. والحَجُّ في اللُغَةِ: القَصْدُ، لَكِنَّهُ في بَيْتِ اللهِ مُخَصَّصٌ بِأعْمالٍ وأقْوالٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "حِجُّ البَيْتِ" بِكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "حَجُّ البَيْتِ" بِفَتْحِها. قالَ سِيبَوَيْهِ: حَجَّ حِجًّا مِثْلُ ذَكَرَ ذِكْرًا، قالَ أبُو عَلِيٍّ: (p-٢٩٤)فَحِجُّ عَلى هَذا مَصْدَرٌ، وقالَ سِيبَوَيْهِ أيْضًا: قالُوا غَزاةً فَأرادُوا عَمَلَ وجْهٍ واحِدٍ كَما قِيلَ حِجَّةٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قَوْلُهُ حِجُّ بِكَسْرِ الحاءِ، يُرِيدُونَ عَمَلَ سَنَةٍ واحِدَةٍ، ولَمْ يَجِيئُوا بِهِ عَلى الأصْلِ لَكِنَّهُ اسْمٌ لَهُ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَوْلُهُ: "لَمْ يَجِيئُوا بِهِ عَلى الأصْلِ" يُرِيدُ عَلى الفَتْحِ الَّذِي هو الدُفْعَةُ مِنَ الفِعْلِ، ولَكِنْ كَسَرُوهُ فَجَعَلُوهُ اسْمًا لِهَذا المَعْنى، كَما أنَّ غَزاةً كَذَلِكَ، ولَمْ تَجِئْ فِيهِ الغَزْوَةُ وكانَ القِياسَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأكْثَرُ ما التُزِمَ كَسْرُ الحاءِ في قَوْلِهِمْ ذُو الحِجَّةِ، وأمّا قَوْلُهُمْ: حِجَّةُ الوَداعِ ونَحْوُهُ فَإنَّها عَلى الأصْلِ. وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: الحَجُّ بِفَتْحِ الحاءِ- المَصْدَرُ، وبِكَسْرِها اسْمُ العَمَلِ. وقالَ الطَبَرِيُّ: هُما لُغَتانِ: الكَسْرُ لُغَةُ نَجْدٍ، والفَتْحُ لُغَةُ أهْلِ العالِيَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا﴾: "مَن" في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلٌ مِنَ "الناسِ" وهو بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ. وقالَ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ: هي شَرْطٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ. والجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَعَلَيْهِ الحَجُّ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ عَطْفُ الشَرْطِ الآخَرِ بَعْدَهُ في قَوْلِهِ: "وَمَن كَفَرَ" وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: "مَن" رُفِعَ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِالمَصْدَرِ الَّذِي هو "حِجُّ البَيْتِ" ويَكُونُ المَصْدَرُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ. واخْتَلَفَ الناسُ في حالِ مُسْتَطِيعِ السَبِيلِ كَيْفَ هِيَ؟ فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي حالُ الَّذِي يَجِدُ زادًا وراحِلَةً. ورَوى الطَبَرِيُّ عَنِ الحَسَنِ مِن طَرِيقِ إبْراهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الخُوزِيِّ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ ما السَبِيلُ؟ قالَ: "الزادُ والراحِلَةُ".» وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى عَلِيِّ بْنِ (p-٢٩٥)أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "مَن مَلَكَ زادًا وراحِلَةً فَلَمْ يَحُجَّ فَلا عَلَيْهِ أنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أو نَصْرانِيًّا".» ورَوى عَبْدُ الرَزّاقِ وسُفْيانُ عن إبْراهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الخُوزِيِّ عن مُحَمَّدِ بْنِ عَبّادِ بْنِ جَعْفَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قامَ رَجُلٌ إلى النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، فَقالَ: ما السَبِيلُ؟ قالَ: "الزادُ والراحِلَةُ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وضَعَّفَ قَوْمٌ هَذا الحَدِيثَ لِأنَّ إبْراهِيمَ بْنَ يَزِيدَ الخُوزِيَّ تَكَلَّمَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ وغَيْرُهُ، والحَدِيثُ مُسْتَغْنٍ عن طَرِيقِ إبْراهِيمَ، وقالَ بَعْضُ البَغْدادِيِّينَ: هَذا الحَدِيثُ مُشِيرٌ إلى أنَّ الحَجَّ لا يَجِبُ مَشْيًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي أقُولُ: إنَّ هَذا الحَدِيثَ إنَّما خَرَجَ عَلى الغالِبِ مِن أحْوالِ الناسِ وهو البُعْدُ عن مَكَّةَ واسْتِصْعابُ المَشْيِ عَلى القَدَمِ كَثِيرًا، فَأمّا القَرِيبُ الدارِ فَلا يَدْخُلُ في الحَدِيثِ، لِأنَّ القُرْبَ أغْناهُ عن زادٍ وراحِلَةٍ. وأمّا الَّذِي يَسْتَطِيعُ المَشْيَ مِنَ الأقْطارِ البَعِيدَةِ، فالراحِلَةُ عِنْدَهُ بِالمَعْنى والقُوَّةِ الَّتِي وُهِبَ. وقَدْ ذَكَرَهُ اللهُ تَعالى في قَوْلِهِ "يَأْتُوكَ رِجالًا" وكَذَلِكَ أيْضًا مَعْنى الحَدِيثِ: الزادُ والراحِلَةُ لِمَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ في بَدَنِهِ، مِن مَرَضٍ أو خَوْفٍ عَلى أقْسامِهِ أوِ اسْتِحْقاقٍ بِأُجْرَةٍ أو دَيْنٍ وهو يُحاوِلُ الأداءَ، ويَطْمَعُ فِيهِ بِتَصَرُّفِهِ في مالٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، وأمّا العَدِيمُ فَلَهُ أنْ يَحُجَّ إذا تَكَلَّفَ واسْتَطاعَ، فَمَقْصِدُ الحَدِيثِ أنْ يَتَحَدَّدَ مَوْضِعُ الوُجُوبِ عَلى البَعِيدِ الدارِ، وأمّا المُشاةُ وأصْحابُ الأعْذارِ فَكَثِيرٌ مِنهم مَن يَتَكَلَّفُ السَفَرَ وإنْ كانَ الحَجُّ غَيْرَ واجِبٍ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُؤَدِّيهِ ذَلِكَ (p-٢٩٦)التَكَلُّفُ إلى مَوْضِعٍ يَجِبُ فِيهِ الحَجُّ عَلَيْهِ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في طَلَبِ الأجْرِ ونَيْلِهِ، إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا﴾ كَلامٌ عامٌّ لا يَتَفَسَّرُ بِزادٍ وراحِلَةٍ ولا غَيْرِ ذَلِكَ، بَلْ إذا كانَ مُسْتَطِيعًا غَيْرَ شاقٍّ عَلى نَفْسِهِ فَقَدْ وجَبَ عَلَيْهِ الحَجُّ، قالَ ذَلِكَ ابْنُ الزُبَيْرِ والضَحّاكُ. وقالَ الحَسَنُ: مَن وجَدَ شَيْئًا يُبَلِّغُهُ فَقَدِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا. وقالَ عِكْرِمَةُ: اسْتِطاعَةُ السَبِيلِ: الصِحَّةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن مَلَكَ ثَلاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ فَهو السَبِيلُ إلَيْهِ. وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، في سَماعِ أشْهَبَ مِنَ العُتْبِيَّةِ، وفي كِتابِ مُحَمَّدٍ، وقَدْ قِيلَ لَهُ: أتَقُولُ إنَّ السَبِيلَ الزادُ والراحِلَةُ؟ فَقالَ: لا واللهِ، قَدْ يَجِدُ زادًا وراحِلَةً ولا يَقْدِرُ عَلى مَسِيرٍ، وآخَرُ يَقْدِرُ أنْ يَمْشِيَ راجِلًا، ورُبَّ صَغِيرٍ أجْلَدُ مِن كَبِيرٍ، فَلا صِفَةَ في هَذا أبْيَنُ مِمّا قالَ اللهُ تَعالى. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أنْبَلُ كَلامٍ؛ وجَمِيعُ ما حُكِيَ عَنِ العُلَماءِ لا يُخالِفُ بَعْضُهُ بَعْضًا، الزادُ والراحِلَةُ عَلى الأغْلَبِ مِن أمْرِ الناسِ في البُعْدِ، وأنَّهم أصِحّاءُ غَيْرُ مُسْتَطِيعِينَ لِلْمَشْيِ عَلى الأقْدامِ، والِاسْتِطاعَةُ- مَتى تَحَصَّلَتْ- عامَّةٌ في ذَلِكَ وغَيْرِهِ، فَإذا فَرَضْنا رَجُلًا مُسْتَطِيعًا لِلسَّفَرِ ماشِيًا مُعْتادًا لِذَلِكَ، وهو مِمَّنْ يَسْألُ الناسَ في إقامَتِهِ ويَعِيشُ مِن خِدْمَتِهِمْ وسُؤالِهِمْ، ووَجَدَ صَحابَةً، فالحَجُّ عَلَيْهِ واجِبٌ دُونَ زادٍ ولا راحِلَةٍ. وهَذِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَتَصَرَّفُ فِيها فِقْهُ الحالِ. وكانَ الشافِعِيُّ يَقُولُ: الِاسْتِطاعَةُ عَلى وجْهَيْنِ؛ بِنَفْسِهِ أوَّلًا، فَمَن مَنَعَهُ مَرَضٌ أو عُذْرٌ ولَهُ مالٌ فَعَلَيْهِ أنْ يَجْعَلَ مَن يَحُجُّ عنهُ وهو مُسْتَطِيعٌ لِذَلِكَ. واخْتَلَفَ الناسُ، هَلْ وُجُوبُ الحَجِّ عَلى الفَوْرِ أو عَلى التَراخِي؟ عَلى قَوْلَيْنِ، ولِمالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ مَسائِلُ تَقْتَضِي القَوْلَيْنِ، قالَ في "المَجْمُوعَةِ" فِيمَن أرادَ الحَجَّ ومَنَعَهُ أبَواهُ: لا يَعْجَلُ عَلَيْهِما في حِجَّةِ الفَرِيضَةِ ولْيَسْتَأْذِنْهُما العامَ والعامَيْنِ، فَهَذا عَلى التَراخِي. وقالَ في كِتابِ ابْنِ المَوّازِ: لا يَحُجُّ أحَدٌ إلّا بِإذْنِ أبَوَيْهِ إلّا الفَرِيضَةَ، فَلْيَخْرُجْ ولْيَدَعْهُما، فَهَذا عَلى الفَوْرِ. وقالَ مالِكٌ في المَرْأةِ يَمُوتُ عنها زَوْجُها فَتُرِيدُ الخُرُوجَ إلى الحَجِّ: لا تَخْرُجُ في أيّامِ عِدَّتِها، قالَ الشَيْخُ أبُو الحَسَنِ اللَخْمِيُّ: فَجَعَلَهُ عَلى التَراخِي. (p-٢٩٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا اسْتِقْراءٌ فِيهِ نَظَرٌ. واخْتَلَفَ قَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ فِيمَن يَخْرُجُ إلى الحَجِّ عَلى أنْ يَسْألَ الناسَ جائِيًا وذاهِبًا، مِمَّنْ لَيْسَتْ تِلْكَ عادَتَهُ في إقامَتِهِ، فَرَوى عنهُ ابْنُ وهْبٍ أنَّهُ قالَ: لا بَأْسَ بِذَلِكَ، قِيلَ لَهُ فَإنْ ماتَ في الطَرِيقِ؟ قالَ: حِسابُهُ عَلى اللهِ. ورَوى عنهُ ابْنُ القاسِمِ أنَّهُ قالَ: لا أرى لِلَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ أنْ يَخْرُجُوا إلى الحَجِّ والغَزْوِ ويَسْألُوا وإنِّي لَأكْرَهُ ذَلِكَ، لِقَوْلِ اللهِ سُبْحانَهُ ﴿وَلا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: ٩١]. قالَ ابْنُ القاسِمِ: وكَرِهَ مالِكٌ أنْ يَحُجَّ النِساءُ في البَحْرِ لِأنَّها كَشْفَةٌ، وكَرِهَ أنْ يَحُجَّ أحَدٌ في البَحْرِ إلّا مِثْلَ أهْلِ الأنْدَلُسِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مِنهُ بُدًّا، وقالَ في كِتابِ مُحَمَّدٍ وغَيْرِهِ: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَأذِّنْ في الناسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧] وما أسْمَعُ لِلْبَحْرِ ذِكْرًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَأْنِيسٌ مِن مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ لِسُقُوطِ لَفْظَةِ البَحْرِ، ولَيْسَ تَقْتَضِي الآيَةُ سُقُوطَ البَحْرِ، وسَيَأْتِي تَفْسِيرُ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللهُ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "ناسٌ مِن أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ مُلُوكًا عَلى الأسِرَّةِ أو مِثْلَ المُلُوكِ عَلى الأسِرَّةِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذا البَحْرِ الأخْضَرِ غُزاةً في سَبِيلِ اللهِ.".» ولا فَرْقَ بَيْنَ الغَزْوِ والحَجِّ. واخْتُلِفَ في حَجِّ النِساءِ ماشِياتٍ مَعَ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ في "المُدَوَّنَةِ" في المَرْأةِ تَنْذِرُ مَشْيًا فَتَمْشِي وتَعْجِزُ في بَعْضِ الطَرِيقِ: إنَّها تَعُودُ ثانِيَةً؛ قالَ: والرِجالُ (p-٢٩٨)والنِساءُ في ذَلِكَ سَواءٌ، فَعَلى هَذا يَجِبُ الحَجُّ إذا كانَتْ قادِرَةً عَلى المَشْيِ، لِأنَّ حِجَّةَ الفَرِيضَةِ آكَدُ مِنَ النَذْرِ. وقالَ في كِتابِ مُحَمَّدٍ: لا أرى عَلى المَرْأةِ الحَجَّ ماشِيَةً وإنْ قَوِيَتْ عَلَيْهِ، لِأنَّ مَشْيَهُنَّ عَوْرَةٌ، إلّا أنْ يَكُونَ المَكانَ القَرِيبَ مِن مَكَّةَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَنْظُرُ بِفِقْهِ الحالِ إلى رائِعَةٍ أو مُتَجالَّةٍ. ولا حَجَّ عَلى المَرْأةِ إلّا إذا كانَ مَعَها ذُو مَحْرَمٍ، واخْتُلِفَ إذا عَدِمَتْهُ هَلْ يَجِبُ الحَجُّ بِما هو في مَعْناهُ مِن نِساءٍ ثِقاتٍ يُصْطَحَبْنَ في القافِلَةِ، أو رِجالٍ ثِقاتٍ؟ فَقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ وابْنُ حَنْبَلَ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: المَحْرَمُ مِنَ السَبِيلِ، ولا حَجَّ عَلَيْها إلّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وُقُوفٌ مَعَ لَفْظِ الحَدِيثِ. وقالَ مالِكٌ: تَخْرُجُ مَعَ جَماعَةِ نِساءٍ، وقالَ الشافِعِيُّ: تَخْرُجُ مَعَ حُرَّةٍ ثِقَةٍ مُسْلِمَةٍ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: تَخْرُجُ مَعَ رَجُلٍ ثِقَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، وقالَ الأوزاعِيُّ: تَخْرُجُ مَعَ قَوْمٍ عُدُولٍ، وتَتَّخِذُ سُلَّمًا تَصْعَدُ عَلَيْهِ وتَنْزِلُ، ولا يَقْرَبُها رَجُلٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الأقْوالُ راعَتْ مَعْنى الحَدِيثِ. وجُمْهُورُ الأُمَّةِ عَلى أنَّ لِلْمَرْأةِ أنْ تَحُجَّ الفَرِيضَةَ وإنْ كَرِهَ زَوْجُها، ولَيْسَ لَهُ مَنعُها. واضْطَرَبَ قَوْلُ الشافِعِيِّ في ذَلِكَ. واخْتَلَفَ الناسُ في وُجُوبِ الحَجِّ مَعَ وُجُودِ المُكُوسِ والغَرامَةِ؛ فَقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: إذا كانَ المَكْسُ ولَوْ دِرْهَمًا سَقَطَ الفَرْضُ، فَظاهِرُ هَذا أنَّها إذا كانَتْ كَثِيرَةً غَيْرَ مُجْحِفَةٍ لِسَعَةِ الحالِ فَإنَّ الفَرْضَ لا يَسْقُطُ، وعَلى هَذا المَنزَعِ جَماعَةُ أهْلِ العِلْمِ وعَلَيْهِ مَضَتِ الأعْصارُ. (p-٢٩٩)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ نُبْذَةٌ مِن فِقْهِ الِاسْتِطاعَةِ، ولَيْسَ هَذا الجَمْعُ بِمَوْضِعٍ لِتَقَصِّي ذَلِكَ، واللهُ المُسْتَعانُ. والسَبِيلُ: تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، والأغْلَبُ والأفْصَحُ التَأْنِيثُ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿تَبْغُونَها عِوَجًا﴾ [آل عمران: ٩٩] وقالَ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللهِ﴾ [يوسف: ١٠٨] ؛ ومِنَ التَذْكِيرِ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ: قَضى يَوْمَ بَدْرٍ أنْ تُلاقِيَ مَعْشَرًا بَغَوْا، وسَبِيلُ البَغْيِ بِالناسِ جائِزُ والضَمِيرُ فِي: "إلَيْهِ" عائِدٌ عَلى البَيْتِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى الحَجِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: مَن زَعَمَ أنَّ الحَجَّ لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَيْهِ، وقالَ مِثْلَهُ الضَحّاكُ وعَطاءٌ وعِمْرانُ القَطّانُ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ. ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: «أنَّهُ قَرَأ الآيَةَ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ مِن هُذَيْلٍ: يا رَسُولَ اللهِ مَن تَرَكَهُ كَفَرَ، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ ﷺ "مَن تَرَكَهُ لا يَخافُ عُقُوبَتَهُ، ومَن حَجَّهُ لا يَرْجُو ثَوابَهُ فَهو ذَلِكَ".» وقالَ بِمَعْنى هَذا الحَدِيثِ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ أيْضًا. وهَذا والَّذِي قَبْلَهُ يَرْجِعُ إلى كُفْرِ الجَحْدِ والخُرُوجِ عَنِ المِلَّةِ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: مَعْنى الآيَةِ: مَن كَفَرَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ: مَن كَفَرَ بِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي في البَيْتِ، وقالَ السُدِّيُّ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: مَعْنى الآيَةِ: ومَن كَفَرَ بِأنْ وجَدَ ما يَحُجُّ بِهِ ثُمَّ لَمْ يَحُجَّ، قالَ السُدِّيُّ: مَن كانَ بِهَذِهِ الحالِ فَهو كافِرٌ. (p-٣٠٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا كُفْرُ مَعْصِيَةٍ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَلامُ: « "مَن تَرَكَ الصَلاةَ فَقَدْ كَفَرَ"» وقَوْلِهِ: « "لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكم رِقابَ بَعْضٍ"» عَلى أظْهَرِ مُحْتَمَلاتِ هَذا الحَدِيثِ. وبَيِّنٌ أنَّ مَن أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ بِمالٍ وصِحَّةٍ ولَمْ يَحُجَّ فَقَدْ كَفَرَ النِعْمَةَ. ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ الوَعِيدُ لِمَن كَفَرَ. والقَصْدُ بِالكَلامِ: فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عنهُمْ، ولَكِنْ عَمَّمَ اللَفْظَ لِيَبْرَعَ المَعْنى، ويُنَبِّهَ الفِكْرَ عَلى قُدْرَةِ اللهِ وسُلْطانِهِ واسْتِغْنائِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ حَتّى لَيْسَ بِهِ افْتِقارٌ إلى شَيْءٍ، لا رَبَّ سِواهُ.

آل عمران 3:98

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ واللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وأنْتُمْ شُهَداءُ وما اللهِ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ هَذِهِ الآياتُ تَوْبِيخٌ لِلْيَهُودِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ و"الكِتابِ": التَوْراةُ، وجَعَلَهم أهْلَهُ بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ ونَسَبِهِمْ، وإلّا فَأهْلُهُ عَلى الحَقِيقَةِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، و"آياتِ اللهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِها القُرْآنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالآياتِ العَلاماتُ الظاهِرَةُ عَلى يَدَيْمُحَمَّدٍ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ: أيْ يُجازِيكم بِهِ ويُعاقِبُكم. قالَ الطَبَرِيُّ: هاتانِ الآيَتانِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ وما بَعْدَهُما، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، نَزَلَتْ بِسَبَبِ رَجُلٍ مِن يَهُودَ حاوَلَ الإغْواءَ بَيْنَ الأوسِ والخَزْرَجِ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: حَدَّثَنِي الثِقَةُ عن زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، قالَ: «مَرَّ شاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ - وكانَ شَيْخًا قَدْ عَسا في الجاهِلِيَّةِ، عَظِيمَ الكُفْرِ شَدِيدَ الضَغَنِ عَلى المُسْلِمِينَ والحَسَدِ لَهُمْ، عَلى نَفَرٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الأوسِ والخَزْرَجِ، وهم في مَجْلِسٍ يَتَحَدَّثُونَ، فَغاظَهُ ما رَأى مِن جَماعَتِهِمْ، وصَلاحِ ذاتِ (p-٣٠١)بَيْنِهِمْ، بَعْدَ ما كانَ بَيْنَهم مِنَ العَداوَةِ فَقالَ: قَدِ اجْتَمَعَ مَلَأُ بَنِي قَيْلَةَ بِهَذِهِ البِلادِ، واللهِ ما لَنا مَعَهم إذا اجْتَمَعَ مَلَؤُهم بِها مِن قَرارٍ، فَأمَرَ فَتىً شابًّا مِن يَهُودَ، فَقالَ: اعْمَدْ إلَيْهِمْ واجْلِسْ مَعَهم وذَكِّرْهم يَوْمَ بُعاثٍ، وما كانَ قَبْلَهُ مِن أيّامِ حَرْبِهِمْ، وأنْشِدْهم ما قالُوهُ مِنَ الشِعْرِ في ذَلِكَ، فَفَعَلَ الفَتى، فَتَكَلَّمَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ فَتَفاخَرُوا وتَنازَعُوا، حَتّى تَواثَبَ رَجُلانِ مِنَ الحَيَّيْنِ عَلى الرُكَبِ: أوسُ بْنُ قَيْظِي، أحَدُ بَنِي حارِثَةَ بْنِ الحارِثِ مِنَ الأوسِ، وجَبّارُ بْنُ صَخْرٍ مِنَ الخَزْرَجِ، فَتَقاوَلا، ثُمَّ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: إنْ شِئْتُمْ واللهِ رَدَدْناها جَذَعَةً، فَغَضِبَ الفَرِيقانِ، وقالُوا: قَدْ فَعَلْنا، السِلاحَ السِلاحَ، مَوْعِدُكُمُ الظاهِرَةُ، يُرِيدُونَ الحَرَّةَ، فَخَرَجُوا إلَيْها، وتَحاوَرَ الناسُ عَلى دَعْواهُمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الجاهِلِيَّةِ، وبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِيمَن مَعَهُ مِنَ المُهاجِرِينَ، فَقالَ: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، اللهَ اللهَ، أبِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ ووَعَظَهم فَعَرَفَ القَوْمُ أنَّها نَزْغَةٌ مِنَ الشَيْطانِ، فَألْقَوُا السِلاحَ وبَكَوْا وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًا مِنَ الأوسِ والخَزْرَجِ، وانْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سامِعِينَ مُطِيعِينَ، فَأنْزَلَ اللهُ في شاسِ بْنِ قَيْسٍ وما صَنَعَ هَذِهِ الآياتِ.» وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والسُدِّيُّ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا يَصُدُّونَ المُسْلِمِينَ عَنِ الإسْلامِ، بِأنْ يَقُولُوا لَهم: إنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ بِالمَوْصُوفِ في كِتابِنا.قالَ (p-٣٠٢)القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا شَكَّ في وُقُوعِ هَذَيْنَ السَبَبَيْنِ وما شاكَلَهُما مِن أفْعالِ اليَهُودِ وأقْوالِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآياتُ في جَمِيعِ ذَلِكَ. وصَدَّ مَعْناهُ: أعْرَضَ عَنِ الشَيْءِ وانْصَرَفَ عنهُ، وهو فِعْلٌ، يَقِفُ ويَتَعَدّى بِلَفْظٍ واحِدٍ، تَقُولُ: صَدَدْتُ عن كَذا، وصَدَدْتُ غَيْرِي عنهُ، فالَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ هو الفِعْلُ المُتَعَدِّي، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تُصِدُّونَ"، بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الصادِ، وهَذا هو الفِعْلُ الواقِفُ، نُقِلَ بِالهَمْزَةِ فَعُدِّيَ. و"سَبِيلِ اللهِ" في هَذِهِ الآيَةِ، هو الإسْلامُ الَّذِي هو طَرِيقٌ إلى رِضى اللهِ وجَنَّتِهِ، و"مَن" مَفْعُولَةٌ بِـ "تَصُدُّونَ"، والضَمِيرُ في "تَبْغُونَها" عائِدٌ عَلى السَبِيلِ، ومَعْنى "تَبْغُونَ" عَلى ما فَسَّرَ الزَجّاجُ والطَبَرِيُّ وغَيْرُهُما: تَطْلُبُونَ، فالمَعْنى: تَطْلُبُونَ لَها العِوَجَ، أيِ الاعْوِجاجَ والِانْفِسادَ، تَقُولُ العَرَبُ: ابْغِنِي كَذا "بِألِفٍ مَوْصُولَةٍ"، بِمَعْنى اطْلُبْهُ لِي، فَإذا أرادُوا أعِنِّي عَلى طَلَبِهِ واطْلُبْهُ مَعِي، قَطَعُوا الألِفَ مَفْتُوحَةً. وقِيلَ: إنَّ "تَبْغُونَ" هُنا، مِنَ البَغْيِ الَّذِي هو التَعَدِّي، أيْ: تَبْغُونَ عَلَيْها، ويَكُونُ، "عِوَجًا" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- نَصْبُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "تَبْغُونَ" أيْ: عِوَجًا مِنكم وعَدَمَ اسْتِقامَةٍ. والعِوَجُ بِكَسْرِ العَيْنِ: ما كانَ في الأُمُورِ والحُجَجِ غَيْرِ الأجْرامِ، والعَوَجُ بِفَتْحِ العَيْنِ ما كانَ في الأجْرامِ كالجِدارِ والعَصا ونَحْوِ ذَلِكَ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأرْضُ خاصَّةً مِنَ الأجْرامِ يُقالُ فِيها: عِوَجٌ بِكَسْرِ العَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧]. قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنىً واحِدٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَأنْتُمْ شُهَداءُ"﴾ يُرِيدُ جَمْعَ شاهِدٍ، عَلى ما في التَوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ وصِدْقِهِ، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ.

آل عمران 3:99

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ واللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وأنْتُمْ شُهَداءُ وما اللهِ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ هَذِهِ الآياتُ تَوْبِيخٌ لِلْيَهُودِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ و"الكِتابِ": التَوْراةُ، وجَعَلَهم أهْلَهُ بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ ونَسَبِهِمْ، وإلّا فَأهْلُهُ عَلى الحَقِيقَةِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، و"آياتِ اللهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِها القُرْآنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالآياتِ العَلاماتُ الظاهِرَةُ عَلى يَدَيْمُحَمَّدٍ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ: أيْ يُجازِيكم بِهِ ويُعاقِبُكم. قالَ الطَبَرِيُّ: هاتانِ الآيَتانِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ وما بَعْدَهُما، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، نَزَلَتْ بِسَبَبِ رَجُلٍ مِن يَهُودَ حاوَلَ الإغْواءَ بَيْنَ الأوسِ والخَزْرَجِ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: حَدَّثَنِي الثِقَةُ عن زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، قالَ: «مَرَّ شاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ - وكانَ شَيْخًا قَدْ عَسا في الجاهِلِيَّةِ، عَظِيمَ الكُفْرِ شَدِيدَ الضَغَنِ عَلى المُسْلِمِينَ والحَسَدِ لَهُمْ، عَلى نَفَرٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الأوسِ والخَزْرَجِ، وهم في مَجْلِسٍ يَتَحَدَّثُونَ، فَغاظَهُ ما رَأى مِن جَماعَتِهِمْ، وصَلاحِ ذاتِ (p-٣٠١)بَيْنِهِمْ، بَعْدَ ما كانَ بَيْنَهم مِنَ العَداوَةِ فَقالَ: قَدِ اجْتَمَعَ مَلَأُ بَنِي قَيْلَةَ بِهَذِهِ البِلادِ، واللهِ ما لَنا مَعَهم إذا اجْتَمَعَ مَلَؤُهم بِها مِن قَرارٍ، فَأمَرَ فَتىً شابًّا مِن يَهُودَ، فَقالَ: اعْمَدْ إلَيْهِمْ واجْلِسْ مَعَهم وذَكِّرْهم يَوْمَ بُعاثٍ، وما كانَ قَبْلَهُ مِن أيّامِ حَرْبِهِمْ، وأنْشِدْهم ما قالُوهُ مِنَ الشِعْرِ في ذَلِكَ، فَفَعَلَ الفَتى، فَتَكَلَّمَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ فَتَفاخَرُوا وتَنازَعُوا، حَتّى تَواثَبَ رَجُلانِ مِنَ الحَيَّيْنِ عَلى الرُكَبِ: أوسُ بْنُ قَيْظِي، أحَدُ بَنِي حارِثَةَ بْنِ الحارِثِ مِنَ الأوسِ، وجَبّارُ بْنُ صَخْرٍ مِنَ الخَزْرَجِ، فَتَقاوَلا، ثُمَّ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: إنْ شِئْتُمْ واللهِ رَدَدْناها جَذَعَةً، فَغَضِبَ الفَرِيقانِ، وقالُوا: قَدْ فَعَلْنا، السِلاحَ السِلاحَ، مَوْعِدُكُمُ الظاهِرَةُ، يُرِيدُونَ الحَرَّةَ، فَخَرَجُوا إلَيْها، وتَحاوَرَ الناسُ عَلى دَعْواهُمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الجاهِلِيَّةِ، وبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِيمَن مَعَهُ مِنَ المُهاجِرِينَ، فَقالَ: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، اللهَ اللهَ، أبِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ ووَعَظَهم فَعَرَفَ القَوْمُ أنَّها نَزْغَةٌ مِنَ الشَيْطانِ، فَألْقَوُا السِلاحَ وبَكَوْا وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًا مِنَ الأوسِ والخَزْرَجِ، وانْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سامِعِينَ مُطِيعِينَ، فَأنْزَلَ اللهُ في شاسِ بْنِ قَيْسٍ وما صَنَعَ هَذِهِ الآياتِ.» وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والسُدِّيُّ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا يَصُدُّونَ المُسْلِمِينَ عَنِ الإسْلامِ، بِأنْ يَقُولُوا لَهم: إنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ بِالمَوْصُوفِ في كِتابِنا.قالَ (p-٣٠٢)القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا شَكَّ في وُقُوعِ هَذَيْنَ السَبَبَيْنِ وما شاكَلَهُما مِن أفْعالِ اليَهُودِ وأقْوالِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآياتُ في جَمِيعِ ذَلِكَ. وصَدَّ مَعْناهُ: أعْرَضَ عَنِ الشَيْءِ وانْصَرَفَ عنهُ، وهو فِعْلٌ، يَقِفُ ويَتَعَدّى بِلَفْظٍ واحِدٍ، تَقُولُ: صَدَدْتُ عن كَذا، وصَدَدْتُ غَيْرِي عنهُ، فالَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ هو الفِعْلُ المُتَعَدِّي، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تُصِدُّونَ"، بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الصادِ، وهَذا هو الفِعْلُ الواقِفُ، نُقِلَ بِالهَمْزَةِ فَعُدِّيَ. و"سَبِيلِ اللهِ" في هَذِهِ الآيَةِ، هو الإسْلامُ الَّذِي هو طَرِيقٌ إلى رِضى اللهِ وجَنَّتِهِ، و"مَن" مَفْعُولَةٌ بِـ "تَصُدُّونَ"، والضَمِيرُ في "تَبْغُونَها" عائِدٌ عَلى السَبِيلِ، ومَعْنى "تَبْغُونَ" عَلى ما فَسَّرَ الزَجّاجُ والطَبَرِيُّ وغَيْرُهُما: تَطْلُبُونَ، فالمَعْنى: تَطْلُبُونَ لَها العِوَجَ، أيِ الاعْوِجاجَ والِانْفِسادَ، تَقُولُ العَرَبُ: ابْغِنِي كَذا "بِألِفٍ مَوْصُولَةٍ"، بِمَعْنى اطْلُبْهُ لِي، فَإذا أرادُوا أعِنِّي عَلى طَلَبِهِ واطْلُبْهُ مَعِي، قَطَعُوا الألِفَ مَفْتُوحَةً. وقِيلَ: إنَّ "تَبْغُونَ" هُنا، مِنَ البَغْيِ الَّذِي هو التَعَدِّي، أيْ: تَبْغُونَ عَلَيْها، ويَكُونُ، "عِوَجًا" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- نَصْبُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "تَبْغُونَ" أيْ: عِوَجًا مِنكم وعَدَمَ اسْتِقامَةٍ. والعِوَجُ بِكَسْرِ العَيْنِ: ما كانَ في الأُمُورِ والحُجَجِ غَيْرِ الأجْرامِ، والعَوَجُ بِفَتْحِ العَيْنِ ما كانَ في الأجْرامِ كالجِدارِ والعَصا ونَحْوِ ذَلِكَ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأرْضُ خاصَّةً مِنَ الأجْرامِ يُقالُ فِيها: عِوَجٌ بِكَسْرِ العَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧]. قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنىً واحِدٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَأنْتُمْ شُهَداءُ"﴾ يُرِيدُ جَمْعَ شاهِدٍ، عَلى ما في التَوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ وصِدْقِهِ، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ.

آل عمران 3:100

قوله عزّ وجلّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللهِ وفِيكم رَسُولُهُ ومَن يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ الخِطابُ في قَوْلِهِ: "يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا" عامٌّ في المُؤْمِنِينَ، والإشارَةُ في ذَلِكَ وقْتَ نُزُولِهِ (p-٣٠٣)إلى الأوسِ والخَزْرَجِ بِسَبَبِ نائِرَةِ شاسِ بْنِ قَيْسٍ. والفَرِيقُ: الجَماعَةُ مِنَ الناسِ، والمُرادُ بِها هُنا الأحْبارُ والرُؤُوسُ، و"يَرُدُّوكُمْ" مَعْناهُ: بِالإضْلالِ والتَشْكِيكِ والمُخادَعَةِ وإظْهارِ الغِشِّ في مَعْرِضِ النُصْحِ. ثُمَّ وقَفَ المُؤْمِنِينَ عَلى هَذا الأمْرِ المُسْتَبْعَدِ المُسْتَشْنَعِ الَّذِي يُرِيدُهُ بِهِمُ اليَهُودُ، فَقالَ: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ﴾ بِهَذِهِ الأحْوالِ المَوْصُوفَةِ؟ و"كَيْفَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، كَما هي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] والمَعْنى أجاحِدِينَ تَكْفُرُونَ؟ أجاهِلِينَ أمُسْتَخِفِّينَ أمُرْتَدِّينَ؟ ونَحْوُ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ. والواوُ في قَوْلِهِ: "وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ" عاطِفَةُ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةِ كَلامٍ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "كَيْفَ" في هَذِهِ الآيَةِ كَما هي في قَوْلِكَ: "كَيْفَ تَفْعَلُ كَذا"؟ وأنْتَ تَسْألُ عن شَيْءٍ ثابِتِ الوُقُوعِ مُتَحَصِّلِهِ، لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُفْرُ المُؤْمِنِينَ مُقَرَّرًا مُثْبَتَ الوُقُوعِ. وتَأمَّلْ مَعْنى "كَيْفَ" إذا ولِيَها فِعْلٌ، ومَعْناها إذا ولِيَها اسْمٌ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تُتْلى" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يُتْلى" بِالياءِ إذِ الآياتُ هي القُرْآنُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَفِيكُمْ" هي ظَرْفِيَّةُ الحُضُورِ والمُشاهَدَةِ لِشَخْصِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، وهو في أُمَّتِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِأقْوالِهِ وآثارِهِ، و"يَعْتَصِمْ" مَعْناهُ: يَتَمَسَّكُ ويَسْتَذْرِي، وعُصِمَ الشَيْءُ إذا مُنِعَ وحُمِيَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ [هود: ٤٣] والعُصُمُ: الأسْبابُ الَّتِي يُمَتُّ بِها، ويُعْتَصَمُ مِنَ الخَيْبَةِ في الغَرَضِ المَطْلُوبِ، وقالَ الأعْشى: ؎ إلى المَرْءِ قَيْسٍ أُطِيلُ السُرى وآخُذُ مِن كُلِّ حَيٍّ عُصُمْ (p-٣٠٤)وَتَصَرُّفُ اللَفْظَةِ كَثِيرٌ جِدًّا، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ، واللهُ المُسْتَعانُ.

آل عمران 3:101

قوله عزّ وجلّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللهِ وفِيكم رَسُولُهُ ومَن يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ الخِطابُ في قَوْلِهِ: "يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا" عامٌّ في المُؤْمِنِينَ، والإشارَةُ في ذَلِكَ وقْتَ نُزُولِهِ (p-٣٠٣)إلى الأوسِ والخَزْرَجِ بِسَبَبِ نائِرَةِ شاسِ بْنِ قَيْسٍ. والفَرِيقُ: الجَماعَةُ مِنَ الناسِ، والمُرادُ بِها هُنا الأحْبارُ والرُؤُوسُ، و"يَرُدُّوكُمْ" مَعْناهُ: بِالإضْلالِ والتَشْكِيكِ والمُخادَعَةِ وإظْهارِ الغِشِّ في مَعْرِضِ النُصْحِ. ثُمَّ وقَفَ المُؤْمِنِينَ عَلى هَذا الأمْرِ المُسْتَبْعَدِ المُسْتَشْنَعِ الَّذِي يُرِيدُهُ بِهِمُ اليَهُودُ، فَقالَ: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ﴾ بِهَذِهِ الأحْوالِ المَوْصُوفَةِ؟ و"كَيْفَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، كَما هي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] والمَعْنى أجاحِدِينَ تَكْفُرُونَ؟ أجاهِلِينَ أمُسْتَخِفِّينَ أمُرْتَدِّينَ؟ ونَحْوُ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ. والواوُ في قَوْلِهِ: "وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ" عاطِفَةُ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةِ كَلامٍ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "كَيْفَ" في هَذِهِ الآيَةِ كَما هي في قَوْلِكَ: "كَيْفَ تَفْعَلُ كَذا"؟ وأنْتَ تَسْألُ عن شَيْءٍ ثابِتِ الوُقُوعِ مُتَحَصِّلِهِ، لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُفْرُ المُؤْمِنِينَ مُقَرَّرًا مُثْبَتَ الوُقُوعِ. وتَأمَّلْ مَعْنى "كَيْفَ" إذا ولِيَها فِعْلٌ، ومَعْناها إذا ولِيَها اسْمٌ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تُتْلى" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يُتْلى" بِالياءِ إذِ الآياتُ هي القُرْآنُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَفِيكُمْ" هي ظَرْفِيَّةُ الحُضُورِ والمُشاهَدَةِ لِشَخْصِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، وهو في أُمَّتِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِأقْوالِهِ وآثارِهِ، و"يَعْتَصِمْ" مَعْناهُ: يَتَمَسَّكُ ويَسْتَذْرِي، وعُصِمَ الشَيْءُ إذا مُنِعَ وحُمِيَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ [هود: ٤٣] والعُصُمُ: الأسْبابُ الَّتِي يُمَتُّ بِها، ويُعْتَصَمُ مِنَ الخَيْبَةِ في الغَرَضِ المَطْلُوبِ، وقالَ الأعْشى: ؎ إلى المَرْءِ قَيْسٍ أُطِيلُ السُرى وآخُذُ مِن كُلِّ حَيٍّ عُصُمْ (p-٣٠٤)وَتَصَرُّفُ اللَفْظَةِ كَثِيرٌ جِدًّا، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ، واللهُ المُسْتَعانُ.

آل عمران 3:102

قوله عزّ وجلّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾. الخِطابُ بِهَذِهِ الآيَةِ يَعُمُّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ، والمَقْصُودُ بِهِ وقْتَ نُزُولِها الأوسُ والخَزْرَجُ الَّذِينَ شَجَرَ بَيْنَهم بِسِعايَةِ شاسِ بْنِ قَيْسٍ ما شَجَرَ. وتُقاةٌ: مَصْدَرٌ وزْنُهُ فُعْلَةٌ، أصْلُهُ تُقْيَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ التُقاةُ في هَذِهِ الآيَةِ جَمْعَ فاعِلٍ وإنْ كانَ لَمْ يَتَصَرَّفْ مِنهُ فَيَكُونَ كَرُماةٍ ورامٍ، أو يَكُونَ جَمْعَ تَقِيٍّ إذْ فَعِيلٌ وفاعِلٌ بِمَنزِلَةٍ، والمَعْنى عَلى هَذا: اتَّقُوا اللهَ كَما يَحِقُّ أنْ يَكُونَ مُتَّقُوهُ المُخْتَصُّونَ بِهِ، ولِذَلِكَ أُضِيفُوا إلى ضَمِيرِ اللهِ تَعالى. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَوْلِهِ: "حَقَّ تُقاتِهِ"؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ عَلى عُمُومِ لَفْظِها، وألْزَمَتِ الأُمَّةَ أنْ تَتَّقِيَ اللهَ غايَةَ التَقْوى حَتّى لا يَقَعَ إخْلالٌ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ثُمَّ إنَّ اللهَ نَسَخَ ذَلِكَ عَنِ الأُمَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وبِقَوْلِهِ ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] قالَ ذَلِكَ قَتادَةُ والسُدِّيُّ والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم. وقالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: لا نَسْخَ في شَيْءٍ مِن هَذا، وهَذِهِ الآياتِ مُتَّفِقاتٌ، فَمَعْنى هَذِهِ: اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ فِيما اسْتَطَعْتُمْ، وذَلِكَ أنَّ "حَقَّ تُقاتِهِ" هو بِحَسَبِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وقَدْ جَعَلَ تَعالى الدِينَ يُسْرًا، وهَذا هو القَوْلُ الصَحِيحُ، وألّا يَعْصِيَ ابْنُ آدَمَ جُمْلَةً لا في صَغِيرَةٍ ولا في كَبِيرَةٍ وألّا يَفْتُرَ في العِبادَةِ، أمْرٌ مُتَعَذِّرٌ في جِبِلَّةِ البَشَرِ، ولَوْ كَلَّفَ اللهُ هَذا لَكانَ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ، ولَمْ يَلْتَزِمْ ذَلِكَ أحَدٌ في تَأْوِيلِ هَذِهِ (p-٣٠٥)الآيَةِ، وإنَّما عَبَّرُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِأنْ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "حَقَّ تُقاتِهِ": هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ويُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ، ويُذْكَرَ فَلا يُنْسى، وكَذَلِكَ عَبَّرَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ وقَتادَةُ والحَسَنُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾: جاهِدُوا في اللهِ حَقَّ جِهادِهِ، ولا نَسْخَ في الآيَةِ. وقالَ طاوُوسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾: يَقُولُ تَعالى: إنْ لَمْ تَتَّقُوهُ ولَمْ تَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مَعْناهُ: دُومُوا عَلى الإسْلامِ حَتّى يُوافِيَكُمُ المَوْتُ وأنْتُمْ عَلَيْهِ. هَكَذا هو وجْهُ الأمْرِ في المَعْنى، وجاءَتِ العِبارَةُ عَلى هَذا النَظْمِ الرائِقِ الوَجِيزِ، ونَظِيرُهُ ما حَكى سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا، وإنَّما المُرادُ: لا تَكُنْ هُنا فَتَكُونُ رُؤْيَتِي لَكَ. و"مُسْلِمُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ: هو المَعْنى الجامِعُ في التَصْدِيقِ والأعْمالِ، وهو الدِينُ عِنْدَ اللهِ وهو الَّذِي بُنِيَ عَلى خَمْسٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا﴾ مَعْناهُ تَمَنَّعُوا وتَحَصَّنُوا بِهِ، فَقَدْ يَكُونُ الِاعْتِصامُ بِالتَمَسُّكِ بِاليَدِ، وبِارْتِقاءِ القُنَنِ، وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مَنَعَةٌ، ومِنهُ الأعْصَمُ في الجَبَلِ، ومِنهُ عِصْمَةُ النِكاحِ، والحَبْلُ في هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَعارٌ، لَمّا كانَ السَبَبُ الَّذِي يُعْتَصَمُ بِهِ وصْلَةً مُمْتَدَّةً بَيْنَ العاصِمِ والمَعْصُومِ ونِسْبَةً بَيْنَهُما شَبَّهَ ذَلِكَ بِالحَبْلِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَصِلَ شَيْئًا بِشَيْءٍ، وتُسَمّى العُهُودُ والمَواثِيقُ حِبالًا، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ وإذا تُجَوِّزُها حِبالُ قَبِيلَةٍ أخَذَتْ مِنَ الأدْنى إلَيْكَ حِبالَها ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ إنِّي بِحَبْلِكِ واصِلٌ حَبْلِي... ∗∗∗..................... (p-٣٠٦)وَمِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وحَبْلٍ مِنَ الناسِ﴾ [آل عمران: ١١٢]. واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في المُرادِ في هَذِهِ الآيَةِ بِحَبْلِ اللهِ؛ فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَبْلُ اللهِ: الجَماعَةُ. ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ افْتَرَقُوا عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وإنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النارِ إلّا واحِدَةً قالَ: فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، وما هَذِهِ الواحِدَةُ؟ قالَ: فَقَبَضَ يَدَهُ وقالَ: الجَماعَةُ، وقَرَأ: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا﴾.» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ في خُطْبَةٍ: عَلَيْكم جَمِيعًا بِالطاعَةِ والجَماعَةِ فَإنَّها حَبْلُ اللهِ الَّذِي أمَرَ بِهِ. وقالَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: حَبْلُ اللهِ الَّذِي أمَرَ بِالِاعْتِصامِ بِهِ: هو القُرْآنُ. وقالَ السُدِّيُّ: حَبْلُ اللهِ: كِتابُ اللهِ، وقالَهُ أيْضًا ابْنُ مَسْعُودٍ والضَحّاكُ. ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ: قالَ: « "كِتابُ اللهِ هو حَبْلُ اللهِ المَمْدُودُ مِنَ السَماءِ إلى الأرْضِ".» وقالَ أبُو العالِيَةِ: حَبْلُ اللهِ في هَذِهِ الآيَةِ: هو الإخْلاصُ في التَوْحِيدِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: حَبْلُ اللهِ: هو الإسْلامُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو كُلُّهُ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "جَمِيعًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: "اعْتَصِمُوا"، فالمَعْنى: كُونُوا في اعْتِصامِكم مُجْتَمِعِينَ،."وَلا تَفَرَّقُوا" يُرِيدُ التَفَرُّقَ الَّذِي لا يَتَأتّى مَعَهُ الِائْتِلافُ عَلى الجِهادِ وحِمايَةُ الدِينِ وكَلِمَةِ اللهِ تَعالى. وهَذا هو الِافْتِراقُ بِالفِتَنِ والِافْتِراقُ في العَقائِدِ، وأمّا الِافْتِراقُ في مَسائِلِ الفُرُوعِ والفِقْهِ فَلَيْسَ يَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ. بَلْ ذَلِكَ، هو الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "خِلافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ"» وقَدِ اخْتَلَفَ الصَحابَةُ في الفُرُوعِ (p-٣٠٧)أشَدَّ اخْتِلافٍ، وهم يَدٌ واحِدَةٌ عَلى كُلِّ كافِرٍ. وأمّا الفِتْنَةُ عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَمِنَ التَفَرُّقِ المَنهِيِّ عنهُ، أما إنَّ التَأْوِيلَ هو الَّذِي أدْخَلَ في ذَلِكَ أكْثَرَ مَن دَخَلَهُ مِنَ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عن جَمِيعِهِمْ. ** قوله عزّ وجلّ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النارِ فَأنْقَذَكم مِنها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهِ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾. هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الخِطابَ بِهَذِهِ الآيَةِ إنَّما هو لِلْأوسِ والخَزْرَجِ، وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ وإنْ كانَ هَذا اللَفْظُ يَصْلُحُ في جَمِيعِها، فَإنَّها لَمْ تَكُنْ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ اجْتَمَعَتْ عَلى الإسْلامِ ولا تَألَّفَتْ قُلُوبُها، وإنَّما كانَتْ في قِصَّةِ شاسِ بْنِ قَيْسٍ في صَدْرِ الهِجْرَةِ، وحِينَئِذٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَهي في الأوسِ والخَزْرَجِ، كانَتْ بَيْنَهم عَداوَةٌ وحُرُوبٌ، مِنها يَوْمُ بُعاثٍ وغَيْرُهُ، وكانَتْ تِلْكَ الحُرُوبُ والعَداوَةُ قَدْ دامَتْ بَيْنَ الحَيَّيْنِ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً، حَتّى رَفَعَها اللهُ بِالإسْلامِ، فَجاءَ النَفَرُ السِتَّةُ مِنَ الأنْصارِ إلى مَكَّةَ حُجّاجًا، فَعَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ، وتَلا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ كَما كانَ يَصْنَعُ مَعَ قَبائِلِ العَرَبِ، فَآمَنُوا بِهِ، وأرادَ الخُرُوجَ مَعَهم فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، إنْ قَدِمْتَ بِلادُنا عَلى ما بَيْنَنا مِنَ العَداوَةِ والحَرْبِ؛ خِفْنا أنْ لا يَتِمَّ ما نُرِيدُهُ مِنكَ، ولَكِنْ نَمْضِي نَحْنُ ونُشِيعُ أمْرَكَ ونُداخِلُ الناسَ، ومَوْعِدُنا وإيّاكَ العامُ المُقْبِلُ، فَمَضَوْا وفَعَلُوا. وجاءَتِ الأنْصارُ في العامِ التالِي، فَكانَتِ العَقَبَةُ الثانِيَةُ وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فِيهِمْ خَمْسَةٌ مِنَ السِتَّةِ الأوَّلِينَ، ثُمَّ جاؤُوا مِنَ العامِ الثالِثِ فَكانَتْ بَيْعَةُ العَقَبَةِ الكُبْرى، حَضَرَها سَبْعُونَ وفِيهِمُ اثْنا عَشَرَ نَقِيبًا؛ ووَصْفُ هَذِهِ القِصَّةِ مُسْتَوْعَبٌ في سِيرَةِ ابْنِ هِشامٍ. ويَسَّرَ اللهُ تَعالى الأنْصارَ لِلْإسْلامِ بِوَجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا مُجاوِرِينَ لَهم وكانُوا يَقُولُونَ لِمَن يَتَوَعَّدُونَهُ مِنَ العَرَبِ: يُبْعَثُ لَنا نَبِيٌّ الآنَ نَقْتُلُكم مَعَهُ قَتْلَ عادٍ وإرَمَ، فَلَمّا رَأى النَفَرُ مِنَ الأنْصارِ مُحَمَّدًا ﷺ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: هَذا واللهِ النَبِيُّ الَّذِي تَذْكُرُهُ بَنُو إسْرائِيلَ فَلا تُسْبَقُنَّ إلَيْهِ. والوَجْهُ الآخَرُ: الحَرْبُ الَّتِي كانَتْ ضَرَّسَتْهم (p-٣٠٨)وَأفْنَتْ سَراتَهُمْ، فَرَجَوْا أنْ يَجْمَعَ اللهُ بِهِ كَلِمَتَهم كالَّذِي كانَ، فَعَدَّدَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ نِعْمَتَهُ في تَأْلِيفِهِمْ بَعْدَ العَداوَةِ، وذَكَّرَهم بِها. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأصْبَحْتُمْ" عِبارَةٌ عَنِ الاسْتِمْرارِ، وإنْ كانَتِ اللَفْظَةُ مَخْصُوصَةً بِوَقْتٍ ما. وإنَّما خُصَّتْ هَذِهِ اللَفْظَةُ بِهَذا المَعْنى مِن حَيْثُ هي مَبْدَأُ النَهارِ، وفِيها مَبْدَأُ الأعْمالِ، فالحالُ الَّتِي يُحِسُّها المَرْءُ مِن نَفْسِهِ فِيها هي حالُهُ الَّتِي يَسْتَمِرُّ عَلَيْها يَوْمَهُ في الأغْلَبِ، ومِنهُ قَوْلُ الرَبِيعِ بْنِ ضَبْعٍ: أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِلاحَ ولا أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا والإخْوانُ: جَمْعُ أخٍ، ويُجْمَعُ إخْوَةً، وهَذانِ أشْهَرُ الجَمْعِ فِيهِ، عَلى أنَّ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ يَرى أنَّ إخْوَةً اسْمُ جَمْعٍ، ولَيْسَ بِبِناءِ جَمْعٍ لِأنَّ فَعَلًا لا يُجْمَعُ عَلى فِعْلَةٍ، قالَ بَعْضُ الناسِ الأخُ في الدِينِ يُجْمَعُ إخْوانًا، والأخُ في النَسَبِ يُجْمَعُ إخْوَةً: هَكَذا كَثُرَ اسْتِعْمالُهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي كِتابِ اللهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وفِيهِ: ﴿أو بَنِي إخْوانِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] فالصَحِيحُ أنَّهُما يُقالانِ في النَسَبِ، ويُقالانِ في الدِينِ. والشَفا: حَرْفُ كُلِّ جِرْمٍ لَهُ مَهْوىً، كالحُفْرَةِ والبِئْرِ والجُرُفِ والسَقْفِ والجِدارِ ونَحْوِهِ، ويُضافُ في الِاسْتِعْمالِ إلى الأعْلى، كَقَوْلِهِ: "شَفا جُرُفٍ" وإلى الأسْفَلِ كَقَوْلِهِ: "شَفا حُفْرَةٍ"، ويُثَنّى شَفَوانِ. فَشَبَّهَ تَعالى كُفْرَهُمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ وحَرْبَهُمُ المُدْنِيَةَ مِنَ المَوْتِ بِالشَفا، لِأنَّهم كانُوا يَسْقُطُونَ في جَهَنَّمَ دَأْبًا فَأنْقَذَهُمُ اللهُ بِالإسْلامِ، والضَمِيرُ في "مِنها" عائِدٌ عَلى النارِ أو عَلى الحُفْرَةِ، والعَوْدُ عَلى الأقْرَبِ أحْسَنُ، وقالَ بَعْضُ (p-٣٠٩)الناسِ، حَكاهُ الطَبَرِيُّ: إنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى الشَفا، وأنَّثَ الضَمِيرَ مِن حَيْثُ كانَ الشَفا مُضافًا إلى مُؤَنَّثٍ، فالآيَةُ كَقَوْلِ جَرِيرٍ: ؎ رَأتْ مَرَّ السِنِينَ أخَذْنَ مِنِّي كَما أخَذَ السِرارُ مِنَ الهِلالِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ الأمْرُ كَما ذَكَرَ، والآيَةُ لا يُحْتاجُ فِيها إلى هَذِهِ الصِناعَةِ، إلّا لَوْ لَمْ تَجِدْ مَعادًا لِلضَّمِيرِ إلّا الشَفا، وأمّا ومَعَنا لَفْظٌ مُؤَنَّثٌ يَعُودُ الضَمِيرُ عَلَيْهِ، يُعَضِّدُهُ المَعْنى المُتَكَلَّمُ فِيهِ، فَلا يُحْتاجُ إلى تِلْكَ الصِناعَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكم آياتِهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما بَيَّنَ في هَذِهِ الآياتِ، أيْ: فَكَذَلِكَ يُبَيِّنُ لَكم غَيْرَها. وقَوْلُهُ: "لَعَلَّكُمْ" تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ، أيْ: مَن تَأمَّلَ مِنكُمُ الحالَ رَجا الِاهْتِداءَ.

آل عمران 3:103

قوله عزّ وجلّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾. الخِطابُ بِهَذِهِ الآيَةِ يَعُمُّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ، والمَقْصُودُ بِهِ وقْتَ نُزُولِها الأوسُ والخَزْرَجُ الَّذِينَ شَجَرَ بَيْنَهم بِسِعايَةِ شاسِ بْنِ قَيْسٍ ما شَجَرَ. وتُقاةٌ: مَصْدَرٌ وزْنُهُ فُعْلَةٌ، أصْلُهُ تُقْيَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ التُقاةُ في هَذِهِ الآيَةِ جَمْعَ فاعِلٍ وإنْ كانَ لَمْ يَتَصَرَّفْ مِنهُ فَيَكُونَ كَرُماةٍ ورامٍ، أو يَكُونَ جَمْعَ تَقِيٍّ إذْ فَعِيلٌ وفاعِلٌ بِمَنزِلَةٍ، والمَعْنى عَلى هَذا: اتَّقُوا اللهَ كَما يَحِقُّ أنْ يَكُونَ مُتَّقُوهُ المُخْتَصُّونَ بِهِ، ولِذَلِكَ أُضِيفُوا إلى ضَمِيرِ اللهِ تَعالى. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَوْلِهِ: "حَقَّ تُقاتِهِ"؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ عَلى عُمُومِ لَفْظِها، وألْزَمَتِ الأُمَّةَ أنْ تَتَّقِيَ اللهَ غايَةَ التَقْوى حَتّى لا يَقَعَ إخْلالٌ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ثُمَّ إنَّ اللهَ نَسَخَ ذَلِكَ عَنِ الأُمَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وبِقَوْلِهِ ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] قالَ ذَلِكَ قَتادَةُ والسُدِّيُّ والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم. وقالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: لا نَسْخَ في شَيْءٍ مِن هَذا، وهَذِهِ الآياتِ مُتَّفِقاتٌ، فَمَعْنى هَذِهِ: اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ فِيما اسْتَطَعْتُمْ، وذَلِكَ أنَّ "حَقَّ تُقاتِهِ" هو بِحَسَبِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وقَدْ جَعَلَ تَعالى الدِينَ يُسْرًا، وهَذا هو القَوْلُ الصَحِيحُ، وألّا يَعْصِيَ ابْنُ آدَمَ جُمْلَةً لا في صَغِيرَةٍ ولا في كَبِيرَةٍ وألّا يَفْتُرَ في العِبادَةِ، أمْرٌ مُتَعَذِّرٌ في جِبِلَّةِ البَشَرِ، ولَوْ كَلَّفَ اللهُ هَذا لَكانَ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ، ولَمْ يَلْتَزِمْ ذَلِكَ أحَدٌ في تَأْوِيلِ هَذِهِ (p-٣٠٥)الآيَةِ، وإنَّما عَبَّرُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِأنْ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "حَقَّ تُقاتِهِ": هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ويُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ، ويُذْكَرَ فَلا يُنْسى، وكَذَلِكَ عَبَّرَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ وقَتادَةُ والحَسَنُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾: جاهِدُوا في اللهِ حَقَّ جِهادِهِ، ولا نَسْخَ في الآيَةِ. وقالَ طاوُوسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾: يَقُولُ تَعالى: إنْ لَمْ تَتَّقُوهُ ولَمْ تَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مَعْناهُ: دُومُوا عَلى الإسْلامِ حَتّى يُوافِيَكُمُ المَوْتُ وأنْتُمْ عَلَيْهِ. هَكَذا هو وجْهُ الأمْرِ في المَعْنى، وجاءَتِ العِبارَةُ عَلى هَذا النَظْمِ الرائِقِ الوَجِيزِ، ونَظِيرُهُ ما حَكى سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا، وإنَّما المُرادُ: لا تَكُنْ هُنا فَتَكُونُ رُؤْيَتِي لَكَ. و"مُسْلِمُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ: هو المَعْنى الجامِعُ في التَصْدِيقِ والأعْمالِ، وهو الدِينُ عِنْدَ اللهِ وهو الَّذِي بُنِيَ عَلى خَمْسٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا﴾ مَعْناهُ تَمَنَّعُوا وتَحَصَّنُوا بِهِ، فَقَدْ يَكُونُ الِاعْتِصامُ بِالتَمَسُّكِ بِاليَدِ، وبِارْتِقاءِ القُنَنِ، وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مَنَعَةٌ، ومِنهُ الأعْصَمُ في الجَبَلِ، ومِنهُ عِصْمَةُ النِكاحِ، والحَبْلُ في هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَعارٌ، لَمّا كانَ السَبَبُ الَّذِي يُعْتَصَمُ بِهِ وصْلَةً مُمْتَدَّةً بَيْنَ العاصِمِ والمَعْصُومِ ونِسْبَةً بَيْنَهُما شَبَّهَ ذَلِكَ بِالحَبْلِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَصِلَ شَيْئًا بِشَيْءٍ، وتُسَمّى العُهُودُ والمَواثِيقُ حِبالًا، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ وإذا تُجَوِّزُها حِبالُ قَبِيلَةٍ أخَذَتْ مِنَ الأدْنى إلَيْكَ حِبالَها ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ إنِّي بِحَبْلِكِ واصِلٌ حَبْلِي... ∗∗∗..................... (p-٣٠٦)وَمِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وحَبْلٍ مِنَ الناسِ﴾ [آل عمران: ١١٢]. واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في المُرادِ في هَذِهِ الآيَةِ بِحَبْلِ اللهِ؛ فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَبْلُ اللهِ: الجَماعَةُ. ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ افْتَرَقُوا عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وإنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النارِ إلّا واحِدَةً قالَ: فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، وما هَذِهِ الواحِدَةُ؟ قالَ: فَقَبَضَ يَدَهُ وقالَ: الجَماعَةُ، وقَرَأ: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا﴾.» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ في خُطْبَةٍ: عَلَيْكم جَمِيعًا بِالطاعَةِ والجَماعَةِ فَإنَّها حَبْلُ اللهِ الَّذِي أمَرَ بِهِ. وقالَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: حَبْلُ اللهِ الَّذِي أمَرَ بِالِاعْتِصامِ بِهِ: هو القُرْآنُ. وقالَ السُدِّيُّ: حَبْلُ اللهِ: كِتابُ اللهِ، وقالَهُ أيْضًا ابْنُ مَسْعُودٍ والضَحّاكُ. ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ: قالَ: « "كِتابُ اللهِ هو حَبْلُ اللهِ المَمْدُودُ مِنَ السَماءِ إلى الأرْضِ".» وقالَ أبُو العالِيَةِ: حَبْلُ اللهِ في هَذِهِ الآيَةِ: هو الإخْلاصُ في التَوْحِيدِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: حَبْلُ اللهِ: هو الإسْلامُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو كُلُّهُ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "جَمِيعًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: "اعْتَصِمُوا"، فالمَعْنى: كُونُوا في اعْتِصامِكم مُجْتَمِعِينَ،."وَلا تَفَرَّقُوا" يُرِيدُ التَفَرُّقَ الَّذِي لا يَتَأتّى مَعَهُ الِائْتِلافُ عَلى الجِهادِ وحِمايَةُ الدِينِ وكَلِمَةِ اللهِ تَعالى. وهَذا هو الِافْتِراقُ بِالفِتَنِ والِافْتِراقُ في العَقائِدِ، وأمّا الِافْتِراقُ في مَسائِلِ الفُرُوعِ والفِقْهِ فَلَيْسَ يَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ. بَلْ ذَلِكَ، هو الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "خِلافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ"» وقَدِ اخْتَلَفَ الصَحابَةُ في الفُرُوعِ (p-٣٠٧)أشَدَّ اخْتِلافٍ، وهم يَدٌ واحِدَةٌ عَلى كُلِّ كافِرٍ. وأمّا الفِتْنَةُ عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَمِنَ التَفَرُّقِ المَنهِيِّ عنهُ، أما إنَّ التَأْوِيلَ هو الَّذِي أدْخَلَ في ذَلِكَ أكْثَرَ مَن دَخَلَهُ مِنَ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عن جَمِيعِهِمْ. ** قوله عزّ وجلّ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النارِ فَأنْقَذَكم مِنها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهِ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾. هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الخِطابَ بِهَذِهِ الآيَةِ إنَّما هو لِلْأوسِ والخَزْرَجِ، وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ وإنْ كانَ هَذا اللَفْظُ يَصْلُحُ في جَمِيعِها، فَإنَّها لَمْ تَكُنْ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ اجْتَمَعَتْ عَلى الإسْلامِ ولا تَألَّفَتْ قُلُوبُها، وإنَّما كانَتْ في قِصَّةِ شاسِ بْنِ قَيْسٍ في صَدْرِ الهِجْرَةِ، وحِينَئِذٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَهي في الأوسِ والخَزْرَجِ، كانَتْ بَيْنَهم عَداوَةٌ وحُرُوبٌ، مِنها يَوْمُ بُعاثٍ وغَيْرُهُ، وكانَتْ تِلْكَ الحُرُوبُ والعَداوَةُ قَدْ دامَتْ بَيْنَ الحَيَّيْنِ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً، حَتّى رَفَعَها اللهُ بِالإسْلامِ، فَجاءَ النَفَرُ السِتَّةُ مِنَ الأنْصارِ إلى مَكَّةَ حُجّاجًا، فَعَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ، وتَلا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ كَما كانَ يَصْنَعُ مَعَ قَبائِلِ العَرَبِ، فَآمَنُوا بِهِ، وأرادَ الخُرُوجَ مَعَهم فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، إنْ قَدِمْتَ بِلادُنا عَلى ما بَيْنَنا مِنَ العَداوَةِ والحَرْبِ؛ خِفْنا أنْ لا يَتِمَّ ما نُرِيدُهُ مِنكَ، ولَكِنْ نَمْضِي نَحْنُ ونُشِيعُ أمْرَكَ ونُداخِلُ الناسَ، ومَوْعِدُنا وإيّاكَ العامُ المُقْبِلُ، فَمَضَوْا وفَعَلُوا. وجاءَتِ الأنْصارُ في العامِ التالِي، فَكانَتِ العَقَبَةُ الثانِيَةُ وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فِيهِمْ خَمْسَةٌ مِنَ السِتَّةِ الأوَّلِينَ، ثُمَّ جاؤُوا مِنَ العامِ الثالِثِ فَكانَتْ بَيْعَةُ العَقَبَةِ الكُبْرى، حَضَرَها سَبْعُونَ وفِيهِمُ اثْنا عَشَرَ نَقِيبًا؛ ووَصْفُ هَذِهِ القِصَّةِ مُسْتَوْعَبٌ في سِيرَةِ ابْنِ هِشامٍ. ويَسَّرَ اللهُ تَعالى الأنْصارَ لِلْإسْلامِ بِوَجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا مُجاوِرِينَ لَهم وكانُوا يَقُولُونَ لِمَن يَتَوَعَّدُونَهُ مِنَ العَرَبِ: يُبْعَثُ لَنا نَبِيٌّ الآنَ نَقْتُلُكم مَعَهُ قَتْلَ عادٍ وإرَمَ، فَلَمّا رَأى النَفَرُ مِنَ الأنْصارِ مُحَمَّدًا ﷺ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: هَذا واللهِ النَبِيُّ الَّذِي تَذْكُرُهُ بَنُو إسْرائِيلَ فَلا تُسْبَقُنَّ إلَيْهِ. والوَجْهُ الآخَرُ: الحَرْبُ الَّتِي كانَتْ ضَرَّسَتْهم (p-٣٠٨)وَأفْنَتْ سَراتَهُمْ، فَرَجَوْا أنْ يَجْمَعَ اللهُ بِهِ كَلِمَتَهم كالَّذِي كانَ، فَعَدَّدَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ نِعْمَتَهُ في تَأْلِيفِهِمْ بَعْدَ العَداوَةِ، وذَكَّرَهم بِها. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأصْبَحْتُمْ" عِبارَةٌ عَنِ الاسْتِمْرارِ، وإنْ كانَتِ اللَفْظَةُ مَخْصُوصَةً بِوَقْتٍ ما. وإنَّما خُصَّتْ هَذِهِ اللَفْظَةُ بِهَذا المَعْنى مِن حَيْثُ هي مَبْدَأُ النَهارِ، وفِيها مَبْدَأُ الأعْمالِ، فالحالُ الَّتِي يُحِسُّها المَرْءُ مِن نَفْسِهِ فِيها هي حالُهُ الَّتِي يَسْتَمِرُّ عَلَيْها يَوْمَهُ في الأغْلَبِ، ومِنهُ قَوْلُ الرَبِيعِ بْنِ ضَبْعٍ: أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِلاحَ ولا أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا والإخْوانُ: جَمْعُ أخٍ، ويُجْمَعُ إخْوَةً، وهَذانِ أشْهَرُ الجَمْعِ فِيهِ، عَلى أنَّ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ يَرى أنَّ إخْوَةً اسْمُ جَمْعٍ، ولَيْسَ بِبِناءِ جَمْعٍ لِأنَّ فَعَلًا لا يُجْمَعُ عَلى فِعْلَةٍ، قالَ بَعْضُ الناسِ الأخُ في الدِينِ يُجْمَعُ إخْوانًا، والأخُ في النَسَبِ يُجْمَعُ إخْوَةً: هَكَذا كَثُرَ اسْتِعْمالُهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي كِتابِ اللهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وفِيهِ: ﴿أو بَنِي إخْوانِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] فالصَحِيحُ أنَّهُما يُقالانِ في النَسَبِ، ويُقالانِ في الدِينِ. والشَفا: حَرْفُ كُلِّ جِرْمٍ لَهُ مَهْوىً، كالحُفْرَةِ والبِئْرِ والجُرُفِ والسَقْفِ والجِدارِ ونَحْوِهِ، ويُضافُ في الِاسْتِعْمالِ إلى الأعْلى، كَقَوْلِهِ: "شَفا جُرُفٍ" وإلى الأسْفَلِ كَقَوْلِهِ: "شَفا حُفْرَةٍ"، ويُثَنّى شَفَوانِ. فَشَبَّهَ تَعالى كُفْرَهُمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ وحَرْبَهُمُ المُدْنِيَةَ مِنَ المَوْتِ بِالشَفا، لِأنَّهم كانُوا يَسْقُطُونَ في جَهَنَّمَ دَأْبًا فَأنْقَذَهُمُ اللهُ بِالإسْلامِ، والضَمِيرُ في "مِنها" عائِدٌ عَلى النارِ أو عَلى الحُفْرَةِ، والعَوْدُ عَلى الأقْرَبِ أحْسَنُ، وقالَ بَعْضُ (p-٣٠٩)الناسِ، حَكاهُ الطَبَرِيُّ: إنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى الشَفا، وأنَّثَ الضَمِيرَ مِن حَيْثُ كانَ الشَفا مُضافًا إلى مُؤَنَّثٍ، فالآيَةُ كَقَوْلِ جَرِيرٍ: ؎ رَأتْ مَرَّ السِنِينَ أخَذْنَ مِنِّي كَما أخَذَ السِرارُ مِنَ الهِلالِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ الأمْرُ كَما ذَكَرَ، والآيَةُ لا يُحْتاجُ فِيها إلى هَذِهِ الصِناعَةِ، إلّا لَوْ لَمْ تَجِدْ مَعادًا لِلضَّمِيرِ إلّا الشَفا، وأمّا ومَعَنا لَفْظٌ مُؤَنَّثٌ يَعُودُ الضَمِيرُ عَلَيْهِ، يُعَضِّدُهُ المَعْنى المُتَكَلَّمُ فِيهِ، فَلا يُحْتاجُ إلى تِلْكَ الصِناعَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكم آياتِهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما بَيَّنَ في هَذِهِ الآياتِ، أيْ: فَكَذَلِكَ يُبَيِّنُ لَكم غَيْرَها. وقَوْلُهُ: "لَعَلَّكُمْ" تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ، أيْ: مَن تَأمَّلَ مِنكُمُ الحالَ رَجا الِاهْتِداءَ.

آل عمران 3:104

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ قَرَأ الحَسَنُ والزُهْرِيُّ وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ وعِيسى بْنُ عُمَرَ وأبُو حَيْوَةَ: "وَلِتَكُنْ" بِكَسْرِ اللامِ عَلى الأصْلِ، إذْ أصْلُها الكَسْرُ، وكَذَلِكَ قَرَؤُوا لامَ الأمْرِ في جَمِيعِ القُرْآنِ. (p-٣١٠)قالَ الضَحّاكُ والطَبَرِيُّ وغَيْرُهُما: أُمِرَ المُؤْمِنُونَ أنْ تَكُونَ مِنهم جَماعَةٌ بِهَذِهِ الصِفَةِ، فَهم خاصَّةً أصْحابُ الرَسُولِ، وهم خاصَّةً الرُواةُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذا القَوْلِ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ. وأمَرَ اللهُ الأُمَّةَ بِأنْ يَكُونَ مِنها عُلَماءُ يَفْعَلُونَ هَذِهِ الأفاعِيلَ عَلى وُجُوهِها، ويَحْفَظُونَ قَوانِينَها عَلى الكَمالِ، ويَكُونُ سائِرُ الأُمَّةِ مُتَّبِعِينَ لِأُولَئِكَ، إذْ هَذِهِ الأفْعالُ لا تَكُونُ إلّا بِعِلْمٍ واسِعٍ، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّ الكُلَّ لا يَكُونُ عالِمًا، وذَهَبَ الزَجّاجُ وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: ولْتَكُونُوا كُلَّكم أُمَّةً يَدْعُونَ، "وَمِن" لِبَيانِ الجِنْسِ قالَ: ومِثْلُهُ مِن كِتابِ اللهِ ﴿فاجْتَنِبُوا الرِجْسَ مِنَ الأوثانِ﴾ [الحج: ٣٠] ومِثْلُهُ مِنَ الشِعْرِ قَوْلُ القائِلِ: ؎ أخُو رَغائِبَ يُعْطِيها ويُسْألُها يَأْبى الظُلامَةَ مِنهُ النَوْفَلُ الزُفَرُ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ إنَّما هي عِنْدِي بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: لِيَكُنْ مِنكَ رَجُلٌ صالِحٌ، فَفِيها المَعْنى الَّذِي يُسَمِّيهِ النَحْوِيُّونَ "التَجْرِيدَ". وانْظُرْ أنَّ المَعْنى الَّذِي هو ابْتِداءُ الغايَةِ يَدْخُلُها، وكَذَلِكَ يَدْخُلُ قَوْلَهُ تَعالى: "مِنَ الأوثانِ" ولا تَجِدُهُ يَدْخُلُ قَوْلَ الشاعِرِ: "مِنهُ النَوْفَلُ الزُفَرُ"، ولا تَجِدُهُ يَدْخُلُ في "مِن" الَّتِي هي صَرِيحُ بَيانِ الجِنْسِ، كَقَوْلِكَ: ثَوْبٌ مِن خَزٍّ، وخاتَمٌ مِن فِضَّةٍ، بَلْ هَذِهِ يُعارِضُها مَعْنى التَبْعِيضِ. ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ: أمْرُ الأُمَّةِ بِأنْ يَكُونُوا يَدْعُونَ جَمِيعَ العالَمِ إلى الخَيْرِ، الكُفّارَ إلى الإسْلامِ، والعُصاةَ إلى الطاعَةِ، ويَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ عَلى مَنزِلَتِهِ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ. قالَ أهْلُ العِلْمِ: وفَرَضَ اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيَ عَنِ المُنْكَرِ، وهو مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ إذا قامَ بِهِ قائِمٌ سَقَطَ عَنِ الغَيْرِ، ولِلُزُومِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ شُرُوطٌ، مِنها أنْ يَكُونَ بِمَعْرُوفٍ لا بِتَخَرُّقٍ، فَقَدْ قالَ ﷺ: « "مَن كانَ آمِرًا بِمَعْرُوفٍ، فَلْيَكُنْ أمْرُهُ ذَلِكَ بِمَعْرُوفٍ"» ومِنها أنْ لا يَخافَ الآمِرُ أذىً يُصِيبُهُ، فَإنْ فَعَلَ مَعَ ذَلِكَ فَهو أعْظَمُ (p-٣١١)لِأجْرِهِ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذَلِكَ أضْعَفُ الإيمانِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والناسُ في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ عَلى مَراتِبَ، فَفَرْضُ العُلَماءِ فِيهِ تَنْبِيهُ الحُكّامِ والوُلاةِ، وحَمْلُهم عَلى جادَّةِ العِلْمِ، وفَرْضُ الوُلاةِ تَغْيِيرُهُ بِقُوَّتِهِمْ وسُلْطانِهِمْ، ولَهُمْ: هي اليَدُ، وفَرْضُ سائِرِ الناسِ رَفْعُهُ إلى الحُكّامِ والوُلاةِ بَعْدَ النَهْيِ عنهُ قَوْلًا، وهَذا في المُنْكَرِ الَّذِي لَهُ دَوامٌ، وأمّا إنْ رَأى أحَدٌ نازِلَةً بَدِيهَةً مِنَ المُنْكَرِ كالسَلْبِ والزِنى ونَحْوِهِ فَيُغَيِّرُها بِنَفْسِهِ بِحَسَبِ الحالِ والقُدْرَةِ، ويَحْسُنُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَحْتَمِلَ في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ وإنْ نالَهُ بَعْضُ الأذى. ويُؤَيِّدُ هَذا المَنزَعَ أنَّ في قِراءَةِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ الزُبَيْرِ: "يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، ويَسْتَعِينُونَ بِاللهِ عَلى ما أصابَهُمْ" فَهَذا وإنْ كانَ لَمْ يُثْبَتْ في المُصْحَفِ، فَفِيهِ إشارَةٌ إلى التَعَرُّضِ لِما يُصِيبُ عَقِيبَ الأمْرِ والنَهْيِ، كَما هي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ﴾ [لقمان: ١٧]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] مَعْناهُ: إذا لَمْ يُقْبَلْ مِنكم ولَمْ تَقْدِرُوا عَلى تَغْيِيرِ مُنْكَرٍ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المَعْرُوفُ التَوْحِيدُ، والمُنْكَرُ: الكُفْرُ، والآيَةُ نَزَلَتْ في الجِهادِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا مَحالَةَ أنَّ التَوْحِيدَ والكُفْرَ هُما رَأْسُ الأمْرَيْنِ، ولَكِنْ ما نَزَلَ عن قَدْرِ التَوْحِيدِ والكُفْرِ، يَدْخُلُ في الآيَةِ ولابُدَّ. و"المُفْلِحُونَ" الظافِرُونَ بِبُغْيَتِهِمْ، وهَذا وعْدٌ كَرِيمٌ. (p-٣١٢)ثُمَّ نَهى اللهُ تَعالى هَذِهِ الأُمَّةَ عن أنْ يَكُونُوا كالمُتَفَرِّقِينَ مِنَ الأُمَمِ. واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في المُشارِ إلَيْهِمْ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي إشارَةٌ إلى كُلِّ مَنِ افْتَرَقَ في الأُمَمِ في الدِينِ فَأهْلَكَهُمُ الافْتِراقُ، وقالَ الحَسَنُ: هي إشارَةٌ إلى اليَهُودِ والنَصارى، وقالَ الزَجّاجُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ أيْضًا إلى فِرَقِ اليَهُودِ وفِرَقِ النَصارى، ومَجِيءُ البَيِّناتِ هو بِبَعْثِ الرُسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، وأسْنَدَ الفِعْلَ دُونَ عَلامَةٍ إلى البَيِّناتِ مِن حَيْثُ نَزَلَتْ مَنزِلَةَ البَيانِ، ومِن حَيْثُ لا حَقِيقَةَ لِتَأْنِيثِها. وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ أعْظَمُ مِن سِواهُ، ويَتَفاضَلُ هَذانِ العَرْضانِ بِأنَّ أحَدَهُما يَتَخَلَّلُهُ فُتُورٌ، وأمّا الجُزْءُ الفَرْدُ مِن هَذا وذَلِكَ فَسَواءٌ، هَذا تَحْرِيرُ مَذْهَبِ أصْحابِنا الأُصُولِيِّينَ رَحِمَهُمُ اللهُ.

آل عمران 3:105

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ قَرَأ الحَسَنُ والزُهْرِيُّ وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ وعِيسى بْنُ عُمَرَ وأبُو حَيْوَةَ: "وَلِتَكُنْ" بِكَسْرِ اللامِ عَلى الأصْلِ، إذْ أصْلُها الكَسْرُ، وكَذَلِكَ قَرَؤُوا لامَ الأمْرِ في جَمِيعِ القُرْآنِ. (p-٣١٠)قالَ الضَحّاكُ والطَبَرِيُّ وغَيْرُهُما: أُمِرَ المُؤْمِنُونَ أنْ تَكُونَ مِنهم جَماعَةٌ بِهَذِهِ الصِفَةِ، فَهم خاصَّةً أصْحابُ الرَسُولِ، وهم خاصَّةً الرُواةُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذا القَوْلِ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ. وأمَرَ اللهُ الأُمَّةَ بِأنْ يَكُونَ مِنها عُلَماءُ يَفْعَلُونَ هَذِهِ الأفاعِيلَ عَلى وُجُوهِها، ويَحْفَظُونَ قَوانِينَها عَلى الكَمالِ، ويَكُونُ سائِرُ الأُمَّةِ مُتَّبِعِينَ لِأُولَئِكَ، إذْ هَذِهِ الأفْعالُ لا تَكُونُ إلّا بِعِلْمٍ واسِعٍ، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّ الكُلَّ لا يَكُونُ عالِمًا، وذَهَبَ الزَجّاجُ وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: ولْتَكُونُوا كُلَّكم أُمَّةً يَدْعُونَ، "وَمِن" لِبَيانِ الجِنْسِ قالَ: ومِثْلُهُ مِن كِتابِ اللهِ ﴿فاجْتَنِبُوا الرِجْسَ مِنَ الأوثانِ﴾ [الحج: ٣٠] ومِثْلُهُ مِنَ الشِعْرِ قَوْلُ القائِلِ: ؎ أخُو رَغائِبَ يُعْطِيها ويُسْألُها يَأْبى الظُلامَةَ مِنهُ النَوْفَلُ الزُفَرُ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ إنَّما هي عِنْدِي بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: لِيَكُنْ مِنكَ رَجُلٌ صالِحٌ، فَفِيها المَعْنى الَّذِي يُسَمِّيهِ النَحْوِيُّونَ "التَجْرِيدَ". وانْظُرْ أنَّ المَعْنى الَّذِي هو ابْتِداءُ الغايَةِ يَدْخُلُها، وكَذَلِكَ يَدْخُلُ قَوْلَهُ تَعالى: "مِنَ الأوثانِ" ولا تَجِدُهُ يَدْخُلُ قَوْلَ الشاعِرِ: "مِنهُ النَوْفَلُ الزُفَرُ"، ولا تَجِدُهُ يَدْخُلُ في "مِن" الَّتِي هي صَرِيحُ بَيانِ الجِنْسِ، كَقَوْلِكَ: ثَوْبٌ مِن خَزٍّ، وخاتَمٌ مِن فِضَّةٍ، بَلْ هَذِهِ يُعارِضُها مَعْنى التَبْعِيضِ. ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ: أمْرُ الأُمَّةِ بِأنْ يَكُونُوا يَدْعُونَ جَمِيعَ العالَمِ إلى الخَيْرِ، الكُفّارَ إلى الإسْلامِ، والعُصاةَ إلى الطاعَةِ، ويَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ عَلى مَنزِلَتِهِ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ. قالَ أهْلُ العِلْمِ: وفَرَضَ اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيَ عَنِ المُنْكَرِ، وهو مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ إذا قامَ بِهِ قائِمٌ سَقَطَ عَنِ الغَيْرِ، ولِلُزُومِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ شُرُوطٌ، مِنها أنْ يَكُونَ بِمَعْرُوفٍ لا بِتَخَرُّقٍ، فَقَدْ قالَ ﷺ: « "مَن كانَ آمِرًا بِمَعْرُوفٍ، فَلْيَكُنْ أمْرُهُ ذَلِكَ بِمَعْرُوفٍ"» ومِنها أنْ لا يَخافَ الآمِرُ أذىً يُصِيبُهُ، فَإنْ فَعَلَ مَعَ ذَلِكَ فَهو أعْظَمُ (p-٣١١)لِأجْرِهِ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذَلِكَ أضْعَفُ الإيمانِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والناسُ في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ عَلى مَراتِبَ، فَفَرْضُ العُلَماءِ فِيهِ تَنْبِيهُ الحُكّامِ والوُلاةِ، وحَمْلُهم عَلى جادَّةِ العِلْمِ، وفَرْضُ الوُلاةِ تَغْيِيرُهُ بِقُوَّتِهِمْ وسُلْطانِهِمْ، ولَهُمْ: هي اليَدُ، وفَرْضُ سائِرِ الناسِ رَفْعُهُ إلى الحُكّامِ والوُلاةِ بَعْدَ النَهْيِ عنهُ قَوْلًا، وهَذا في المُنْكَرِ الَّذِي لَهُ دَوامٌ، وأمّا إنْ رَأى أحَدٌ نازِلَةً بَدِيهَةً مِنَ المُنْكَرِ كالسَلْبِ والزِنى ونَحْوِهِ فَيُغَيِّرُها بِنَفْسِهِ بِحَسَبِ الحالِ والقُدْرَةِ، ويَحْسُنُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَحْتَمِلَ في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ وإنْ نالَهُ بَعْضُ الأذى. ويُؤَيِّدُ هَذا المَنزَعَ أنَّ في قِراءَةِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ الزُبَيْرِ: "يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، ويَسْتَعِينُونَ بِاللهِ عَلى ما أصابَهُمْ" فَهَذا وإنْ كانَ لَمْ يُثْبَتْ في المُصْحَفِ، فَفِيهِ إشارَةٌ إلى التَعَرُّضِ لِما يُصِيبُ عَقِيبَ الأمْرِ والنَهْيِ، كَما هي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ﴾ [لقمان: ١٧]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] مَعْناهُ: إذا لَمْ يُقْبَلْ مِنكم ولَمْ تَقْدِرُوا عَلى تَغْيِيرِ مُنْكَرٍ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المَعْرُوفُ التَوْحِيدُ، والمُنْكَرُ: الكُفْرُ، والآيَةُ نَزَلَتْ في الجِهادِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا مَحالَةَ أنَّ التَوْحِيدَ والكُفْرَ هُما رَأْسُ الأمْرَيْنِ، ولَكِنْ ما نَزَلَ عن قَدْرِ التَوْحِيدِ والكُفْرِ، يَدْخُلُ في الآيَةِ ولابُدَّ. و"المُفْلِحُونَ" الظافِرُونَ بِبُغْيَتِهِمْ، وهَذا وعْدٌ كَرِيمٌ. (p-٣١٢)ثُمَّ نَهى اللهُ تَعالى هَذِهِ الأُمَّةَ عن أنْ يَكُونُوا كالمُتَفَرِّقِينَ مِنَ الأُمَمِ. واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في المُشارِ إلَيْهِمْ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي إشارَةٌ إلى كُلِّ مَنِ افْتَرَقَ في الأُمَمِ في الدِينِ فَأهْلَكَهُمُ الافْتِراقُ، وقالَ الحَسَنُ: هي إشارَةٌ إلى اليَهُودِ والنَصارى، وقالَ الزَجّاجُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ أيْضًا إلى فِرَقِ اليَهُودِ وفِرَقِ النَصارى، ومَجِيءُ البَيِّناتِ هو بِبَعْثِ الرُسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، وأسْنَدَ الفِعْلَ دُونَ عَلامَةٍ إلى البَيِّناتِ مِن حَيْثُ نَزَلَتْ مَنزِلَةَ البَيانِ، ومِن حَيْثُ لا حَقِيقَةَ لِتَأْنِيثِها. وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ أعْظَمُ مِن سِواهُ، ويَتَفاضَلُ هَذانِ العَرْضانِ بِأنَّ أحَدَهُما يَتَخَلَّلُهُ فُتُورٌ، وأمّا الجُزْءُ الفَرْدُ مِن هَذا وذَلِكَ فَسَواءٌ، هَذا تَحْرِيرُ مَذْهَبِ أصْحابِنا الأُصُولِيِّينَ رَحِمَهُمُ اللهُ.

آل عمران 3:106

قوله عزّ وجلّ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللهِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ والعامِلُ في قَوْلِهِ: "يَوْمَ" الفِعْلُ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ اللامُ في قَوْلِهِ: ( ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ )، قالَ الزَجّاجُ: تَقْدِيرُهُ: ويَثْبُتُ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ،. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ ضَعِيفٌ مِن جِهَةِ المَعْنى، لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ عَظَّمَ العَذابَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ قَوْلَهُ: "عَذابٌ" لِأنَّهُ مَصْدَرٌ قَدْ وُصِفَ. وبَياضُ الوُجُوهِ: عِبارَةٌ عن إشْراقِها واسْتِنارَتِها وبِشْرِها بِرَحْمَةِ اللهِ، قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ. ويَحْتَمِلُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن آثارِ الوُضُوءِ كَما قالَ النَبِيُّ ﷺ: « "أنْتُمُ الغُرُّ المُحَجَّلُونَ مِن آثارِ الوُضُوءِ".» وأمّا سَوادُ الوُجُوهِ: فَقالَ المُفَسِّرُونَ: هو عِبارَةٌ عَنِ ارْبِدادِها وإظْلامِها بِغَمِّ العَذابِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَسْوِيدًا يُنْزِلُهُ اللهُ بِهِمْ عَلى جِهَةِ (p-٣١٣)التَشْوِيهِ والتَمْثِيلِ بِهِمْ، عَلى نَحْوِ حَشْرِهِمْ زُرْقًا وهَذِهِ أقْبَحُ طَلْعَةٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ بَشّارٍ: ؎ ولِلْبَخِيلِ عَلى أمْوالِهِ عِلَلٌ زُرْقُ العُيُونِ عَلَيْها أوجُهٌ سُودُ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "تِبْيَضُّ وتِسْوَدُّ" بِكَسْرِ التاءِ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ، "تَبْياضُّ وُجُوهٌ، وتَسْوادُّ وُجُوهٌ" بِألِفٍ، وهي لُغَةٌ. ولَمّا كانَ صَدْرُ هَذِهِ الآيَةِ إخْبارًا عن حالٍ لا تَخُصُّ أحَدًا مُعَيَّنًا بُدِئَ بِذِكْرِ البَياضِ لِشَرَفِهِ، وأنَّهُ الحالَةُ المُثْلى، فَلَمّا فُهِمَ المَعْنى وتَعَيَّنَ لَهُ الكُفّارُ والمُؤْمِنُونَ، بُدِئَ بِذِكْرِ الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم لِلِاهْتِمامِ بِالتَحْذِيرِ مِن حالِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أكَفَرْتُمْ" تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَيُقالُ لَهُمْ: أكَفَرْتُمْ؟ وفي هَذا المَحْذُوفِ هو جَوابُ "أمّا"، وهَذا هو فَحْوى الخِطابِ، وهو أنْ يَكُونَ في الكَلامِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ لا يَسْتَغْنِي المَعْنى عنهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أو عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] المَعْنى: فَأفْطَرَ فَعِدَّةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّ لِهَؤُلاءِ المُوقَفِينَ إيمانًا مُتَقَدِّمًا، فاخْتَلَفَ أهْلُ التَأْوِيلِ في تَعْيِينِهِمْ، فَقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: المُوقَفِينَ جَمِيعُ الكُفّارِ، والإيمانُ الَّذِي قِيلَ لَهم بِسَبَبِهِ: "بَعْدَ إيمانِكُمْ" هو الإيمانُ الَّذِي أقَرُّوا بِهِ يَوْمَ قِيلَ لَهُمْ: "ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى" وقالَ أكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ: إنَّما عَنى بِالتَوْقِيفِ في هَذِهِ الآيَةِ أهْلَ القِبْلَةِ مِن هَذِهِ (p-٣١٤)الأُمَّةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقالَ الحَسَنُ: الآيَةُ في المُنافِقِينَ، يُؤْمِنُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ويَكْفُرُونَ بِقُلُوبِهِمْ، فَيُقالُ لَهُمْ: أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ؟ أيْ ذَلِكَ الإيمانُ بِألْسِنَتِهِمْ. وقالَ السُدِّيُّ: هي فِيمَن كَفَرَ مِن أهْلِ القِبْلَةِ حِينَ اقْتَتَلُوا، وقالَ أبُو أُمامَةَ: الآيَةُ في الخَوارِجِ، وقالَ قَتادَةُ: الآيَةُ في أهْلِ الرِدَّةِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « "لَيَرِدَنَّ عَلى الحَوْضِ رِجالٌ مِن أصْحابِي حَتّى إذا رُفِعُوا إلَيَّ اخْتَلَجُوا فَأقُولُ: أُصَيْحابِي أُصَيْحابِي، فَيُقالُ: إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأقُولُ: فَسُحْقًا فَسُحْقًا، وفي بَعْضِ طُرُقِهِ: "فَأُنادِيهِمْ: ألا هَلُمَّ، ألا هَلُمَّ".» وذَكَرَ النَحّاسُ قَوْلًا: إنَّ الآيَةَ في اليَهُودِ، وذَلِكَ أنَّهم آمَنُوا بِصِفَةِ مُحَمَّدٍ واسْتَفْتَحُوا بِهِ، فَلَمّا جاءَهم مِن غَيْرِهِمْ كَفَرُوا، فَهَذا كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، ورُوِيَ عن مالِكٍ أنَّهُ قالَ: الآيَةُ في أهْلِ الأهْواءِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إنْ كانَ هَذا فَفي المُخْتَلِجِينَ مِنهُمُ القائِلِينَ ما هو كُفْرٌ، ورُوِيَ حَدِيثٌ أنَّ الآيَةَ في القَدَرِيَّةِ وقالَ أبُو أُمامَةَ: سَمِعْنا مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ: أنَّها في الحَرُورِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عنهُ أنَّها في الخَوارِجِ وهو قَوْلٌ واحِدٌ، و"ما" في قَوْلِهِ "بِما كُنْتُمْ" مَصْدَرِيَّةٌ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللهِ﴾ أيْ في النَعِيمِ الَّذِي هو مُوجَبُ رَحْمَةِ اللهِ، وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: "هم فِيها" تَأْكِيدٌ بِجُمْلَتَيْنِ، إذْ كانَ الكَلامُ يَقُومُ دُونَها.

آل عمران 3:107

قوله عزّ وجلّ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللهِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ والعامِلُ في قَوْلِهِ: "يَوْمَ" الفِعْلُ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ اللامُ في قَوْلِهِ: ( ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ )، قالَ الزَجّاجُ: تَقْدِيرُهُ: ويَثْبُتُ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ،. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ ضَعِيفٌ مِن جِهَةِ المَعْنى، لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ عَظَّمَ العَذابَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ قَوْلَهُ: "عَذابٌ" لِأنَّهُ مَصْدَرٌ قَدْ وُصِفَ. وبَياضُ الوُجُوهِ: عِبارَةٌ عن إشْراقِها واسْتِنارَتِها وبِشْرِها بِرَحْمَةِ اللهِ، قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ. ويَحْتَمِلُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن آثارِ الوُضُوءِ كَما قالَ النَبِيُّ ﷺ: « "أنْتُمُ الغُرُّ المُحَجَّلُونَ مِن آثارِ الوُضُوءِ".» وأمّا سَوادُ الوُجُوهِ: فَقالَ المُفَسِّرُونَ: هو عِبارَةٌ عَنِ ارْبِدادِها وإظْلامِها بِغَمِّ العَذابِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَسْوِيدًا يُنْزِلُهُ اللهُ بِهِمْ عَلى جِهَةِ (p-٣١٣)التَشْوِيهِ والتَمْثِيلِ بِهِمْ، عَلى نَحْوِ حَشْرِهِمْ زُرْقًا وهَذِهِ أقْبَحُ طَلْعَةٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ بَشّارٍ: ؎ ولِلْبَخِيلِ عَلى أمْوالِهِ عِلَلٌ زُرْقُ العُيُونِ عَلَيْها أوجُهٌ سُودُ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "تِبْيَضُّ وتِسْوَدُّ" بِكَسْرِ التاءِ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ، "تَبْياضُّ وُجُوهٌ، وتَسْوادُّ وُجُوهٌ" بِألِفٍ، وهي لُغَةٌ. ولَمّا كانَ صَدْرُ هَذِهِ الآيَةِ إخْبارًا عن حالٍ لا تَخُصُّ أحَدًا مُعَيَّنًا بُدِئَ بِذِكْرِ البَياضِ لِشَرَفِهِ، وأنَّهُ الحالَةُ المُثْلى، فَلَمّا فُهِمَ المَعْنى وتَعَيَّنَ لَهُ الكُفّارُ والمُؤْمِنُونَ، بُدِئَ بِذِكْرِ الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم لِلِاهْتِمامِ بِالتَحْذِيرِ مِن حالِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أكَفَرْتُمْ" تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَيُقالُ لَهُمْ: أكَفَرْتُمْ؟ وفي هَذا المَحْذُوفِ هو جَوابُ "أمّا"، وهَذا هو فَحْوى الخِطابِ، وهو أنْ يَكُونَ في الكَلامِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ لا يَسْتَغْنِي المَعْنى عنهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أو عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] المَعْنى: فَأفْطَرَ فَعِدَّةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّ لِهَؤُلاءِ المُوقَفِينَ إيمانًا مُتَقَدِّمًا، فاخْتَلَفَ أهْلُ التَأْوِيلِ في تَعْيِينِهِمْ، فَقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: المُوقَفِينَ جَمِيعُ الكُفّارِ، والإيمانُ الَّذِي قِيلَ لَهم بِسَبَبِهِ: "بَعْدَ إيمانِكُمْ" هو الإيمانُ الَّذِي أقَرُّوا بِهِ يَوْمَ قِيلَ لَهُمْ: "ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى" وقالَ أكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ: إنَّما عَنى بِالتَوْقِيفِ في هَذِهِ الآيَةِ أهْلَ القِبْلَةِ مِن هَذِهِ (p-٣١٤)الأُمَّةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقالَ الحَسَنُ: الآيَةُ في المُنافِقِينَ، يُؤْمِنُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ويَكْفُرُونَ بِقُلُوبِهِمْ، فَيُقالُ لَهُمْ: أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ؟ أيْ ذَلِكَ الإيمانُ بِألْسِنَتِهِمْ. وقالَ السُدِّيُّ: هي فِيمَن كَفَرَ مِن أهْلِ القِبْلَةِ حِينَ اقْتَتَلُوا، وقالَ أبُو أُمامَةَ: الآيَةُ في الخَوارِجِ، وقالَ قَتادَةُ: الآيَةُ في أهْلِ الرِدَّةِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « "لَيَرِدَنَّ عَلى الحَوْضِ رِجالٌ مِن أصْحابِي حَتّى إذا رُفِعُوا إلَيَّ اخْتَلَجُوا فَأقُولُ: أُصَيْحابِي أُصَيْحابِي، فَيُقالُ: إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأقُولُ: فَسُحْقًا فَسُحْقًا، وفي بَعْضِ طُرُقِهِ: "فَأُنادِيهِمْ: ألا هَلُمَّ، ألا هَلُمَّ".» وذَكَرَ النَحّاسُ قَوْلًا: إنَّ الآيَةَ في اليَهُودِ، وذَلِكَ أنَّهم آمَنُوا بِصِفَةِ مُحَمَّدٍ واسْتَفْتَحُوا بِهِ، فَلَمّا جاءَهم مِن غَيْرِهِمْ كَفَرُوا، فَهَذا كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، ورُوِيَ عن مالِكٍ أنَّهُ قالَ: الآيَةُ في أهْلِ الأهْواءِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إنْ كانَ هَذا فَفي المُخْتَلِجِينَ مِنهُمُ القائِلِينَ ما هو كُفْرٌ، ورُوِيَ حَدِيثٌ أنَّ الآيَةَ في القَدَرِيَّةِ وقالَ أبُو أُمامَةَ: سَمِعْنا مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ: أنَّها في الحَرُورِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عنهُ أنَّها في الخَوارِجِ وهو قَوْلٌ واحِدٌ، و"ما" في قَوْلِهِ "بِما كُنْتُمْ" مَصْدَرِيَّةٌ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللهِ﴾ أيْ في النَعِيمِ الَّذِي هو مُوجَبُ رَحْمَةِ اللهِ، وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: "هم فِيها" تَأْكِيدٌ بِجُمْلَتَيْنِ، إذْ كانَ الكَلامُ يَقُومُ دُونَها.

آل عمران 3:108

(p-٣١٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وما اللهِ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللهِ ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ الإشارَةُ بِـ "تِلْكَ" إلى هَذِهِ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ المُتَضَمِّنَةِ تَعْذِيبَ الكُفّارِ وتَنْعِيمَ المُؤْمِنِينَ، ولَمّا كانَ فِيها ذِكْرُ التَعْذِيبِ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يُرِيدُ أنْ يَقَعَ مِنهُ ظُلْمٌ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ، وإذا لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ فَلا يُوجَدُ البَتَّةَ، لِأنَّهُ لا يَقَعُ مِن شَيْءٍ إلّا ما يُرِيدُ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِالحَقِّ" مَعْناهُ: بِالإخْبارِ الحَقِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: نَتْلُوها عَلَيْكَ مُضَمَّنَةً الأفاعِيلَ الَّتِي هي حَقٌّ في أنْفُسِها، مِن كَرامَةِ قَوْمٍ، وتَعْذِيبِ آخَرِينَ. وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ: "يَتْلُوها" بِالياءِ، وجاءَ الإعْلامُ بِأنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ ظُلْمًا في حُكْمِهِ، فَإذًا لا يُوجَدُ. ولَمّا كانَ لِلذِّهْنِ أنْ يَقِفَ هُنا في الوَجْهِ الَّذِي بِهِ خَصَّ اللهُ قَوْمًا بِعَمَلٍ يَرْحَمُهم مِن أجْلِهِ، وآخَرِينَ بِعَمَلٍ يُعَذِّبُهم عَلَيْهِ، ذَكَرَ تَعالى الحُجَّةَ القاطِعَةَ في مِلْكِهِ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ، وأنَّ الحَقَّ لا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ الآيَةِ، وقالَ: "ما" ولَمْ يَقُلْ: "مَن" مِن حَيْثُ هي جُمَلٌ وأجْناسٌ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ: أنَّ بَعْضَ البَصْرِيِّينَ نَظَرَ قَوْلَهُ تَعالى: "وَإلى اللهِ" فَأظْهَرَ الِاسْمَ، ولَمْ يَقُلْ إلَيْهِ بِقَوْلِ الشاعِرِ: ؎ لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ نَغَّصَ المَوْتُ ذا الغِنى والفَقِيرا (p-٣١٦)وَما جَرى مَجْراهُ، وقالَهُ الزَجّاجُ، وحُكِيَ أنَّ العَرَبَ تَفْعَلُ ذَلِكَ إرادَةَ تَفْخِيمِ الكَلامِ والتَنْبِيهِ عَلى عِظَمِ المَعْنى. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والآيَةُ تُشْبِهُ البَيْتَ في قَصْدِ فَخامَةِ النَظْمِ، وتُفارِقُهُ مِن حَيْثُ الآيَةُ جُمْلَتانِ مُفْتَرِقَتانِ في المَعْنى، فَلَوْ تَكَرَّرَتْ جُمَلٌ كَثِيرَةٌ عَلى هَذا الحَدِّ لَحَسُنَ فِيها كُلِّها إظْهارُ الِاسْمِ، ولَيْسَ التَعَرُّضُ بِالضَمِيرِ في ذَلِكَ بِعُرْفٍ، وأمّا البَيْتُ وما أشْبَهَهُ فالضَمِيرُ فِيهِ هو العُرْفُ، إذِ الكَلامُ في مَعْنىً واحِدٍ، ولا يَجُوزُ إظْهارُ الِاسْمِ إلّا في المَعانِي الفَخْمَةِ في النُفُوسِ مِنَ الَّتِي يُؤْمَنُ فِيها اللَبْسُ عَلى السامِعِ. وقَرَأ بَعْضُ السَبْعَةِ: "تَرْجِعُ الأُمُورُ" بِفَتْحِ التاءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ ؛ فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: هَذِهِ لِأوَّلِنا، ولا تَكُونُ لِآخِرِنا، وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في ابْنِ مَسْعُودٍ وسالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ ومَن شاكَلَهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ في الَّذِينَ هاجَرُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا كُلُّهُ قَوْلٌ واحِدٌ، مُقْتَضاهُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الصَحابَةِ، قِيلَ لَهُمْ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ، فالإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "أُمَّةٍ" إلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ مُعَيَّنَةً، فَإنَّ هَؤُلاءِ هم خَيْرُها. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: مَعْنى الآيَةِ: خِطابُ الأُمَّةِ بِأنَّهم خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ، فَلَفْظُ أُمَّةٍ، عَلى هَذا التَأْوِيلِ اسْمُ جِنْسٍ، كَأنَّهُ (p-٣١٧)قِيلَ لَهُمْ: كُنْتُمْ خَيْرَ الأُمَمِ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ كَوْنُهم شُهَداءَ عَلى الناسِ، وقَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "نَحْنُ الآخِرُونَ السابِقُونَ"...» الحَدِيثُ. ورَوى بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عن أبِيهِ عن جَدِّهِ: «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ يَوْمًا وهو مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إلى الكَعْبَةِ: "نَحْنُ نُكْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ سَبْعِينَ أُمَّةً نَحْنُ آخِرُها وخَيْرُها"» قالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى الآيَةِ: كُنْتُمْ خَيْرَ الناسِ، وقالَ الحَسَنُ: نَحْنُ آخِرُها وأكْرَمُها عَلى اللهِ تَعالى، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَعْنى الآيَةِ كُنْتُمْ لِلنّاسِ خَيْرَ الناسِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَـ "أُمَّةٍ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ: اسْمُ جِنْسٍ، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: يَجِيئُونَ بِالكُفّارِ في السَلاسِلِ فَيُدْخِلُونَهم في الإسْلامِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلى الأُمَّةِ كافَّةً إلّا مُحَمَّدٌ ﷺ، فَهو وأُمَّتُهُ يَدْعُونَ إلى الإيمانِ ويُقاتِلُونَ العالَمَ عَلَيْهِ، فَهم خَيْرُ الناسِ لِلنّاسِ، ولَيْسَ يَلْزَمُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ أنَّهم أفْضَلُ الأُمَمِ مِن نَفْسِ لَفْظِ الآيَةِ، لَكِنْ يُعْلَمُ هَذا مِن لَفْظٍ آخَرَ، وهي كَقَوْلِهِ ﷺ: « "أرْأفُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أبُو بَكْرٍ"» فَلَيْسَ يَقْتَضِي هَذا اللَفْظُ أنَّ أبا بَكْرٍ أرْأفُ الناسِ عَلى الإطْلاقِ في مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. (p-٣١٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والرَأْفَةُ عَلى الإطْلاقِ لَيْسَتْ بِجارِيَةٍ مَعَ الشَرْعِ كَما يَجِبُ. وأمّا قَوْلُهُ: "كُنْتُمْ" عَلى صِيغَةِ الماضِي، فَإنَّها الَّتِي بِمَعْنى الدَوامِ، كَما قالَ ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى كُنْتُمْ في عِلْمِ اللهِ، وقِيلَ: في اللَوْحِ المَحْفُوظِ، وقِيلَ: فِيما أخْبَرَ بِهِ الأُمَمَ قَدِيمًا عنكم. و"خَيْرَ" عَلى هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها خَبَرُ كانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "كانَ" التامَّةَ، ويَكُونَ "خَيْرَ أُمَّةٍ" نَصْبًا عَلى الحالِ، وهَذا يَتَّجِهُ عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ الَّتِي ذَكَرْناها دُونَ بَعْضٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الخَيْرِيَّةُ الَّتِي فَرَضَها اللهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ إنَّما يَأْخُذُ بِحَظِّهِ مِنها مَن عَمِلَ هَذِهِ الشُرُوطَ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ والإيمانِ بِاللهِ. وقَوْلُهُ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ وما بَعْدَهُ أحْوالٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن أهْلِ الكِتابِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ المَقْرُونِ بِالنُصْحِ أنَّهم لَوْ آمَنُوا لَنَجَّوْا أنْفُسَهم مِن عَذابِ اللهِ. وجاءَتْ لَفْظَةُ "خَيْرَ" في هَذِهِ الآيَةِ وهي صِيغَةُ تَفْضِيلٍ، ولا مُشارَكَةَ بَيْنَ كُفْرِهِمْ وإيمانِهِمْ في الخَيْرِ، وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِما في لَفْظَةِ "خَيْرَ" مِنَ الشِياعِ وتَشَعُّبِ الوُجُوهِ، وكَذَلِكَ هي لَفْظَةُ أفْضَلَ وأحَبَّ وما جَرى مَجْراهُما. وقَدْ بُيِّنَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ بِأوعَبَ مِن هَذا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى حالِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ وأخِيهِ وثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ آمَنَ. ثُمَّ حَكَمَ اللهُ عَلى أكْثَرِهِمْ بِالفِسْقِ في كُفْرِهِ لِأنَّهم (p-٣١٩)حَرَّفُوا وبَدَّلُوا وعانَدُوا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ بِحَقِيقَةِ أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَهم كُفّارٌ فَسَقَةٌ في الكُفْرِ قَدْ جَمَعُوا المَذَمَّتَيْنِ.

آل عمران 3:109

(p-٣١٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وما اللهِ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللهِ ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ الإشارَةُ بِـ "تِلْكَ" إلى هَذِهِ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ المُتَضَمِّنَةِ تَعْذِيبَ الكُفّارِ وتَنْعِيمَ المُؤْمِنِينَ، ولَمّا كانَ فِيها ذِكْرُ التَعْذِيبِ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يُرِيدُ أنْ يَقَعَ مِنهُ ظُلْمٌ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ، وإذا لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ فَلا يُوجَدُ البَتَّةَ، لِأنَّهُ لا يَقَعُ مِن شَيْءٍ إلّا ما يُرِيدُ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِالحَقِّ" مَعْناهُ: بِالإخْبارِ الحَقِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: نَتْلُوها عَلَيْكَ مُضَمَّنَةً الأفاعِيلَ الَّتِي هي حَقٌّ في أنْفُسِها، مِن كَرامَةِ قَوْمٍ، وتَعْذِيبِ آخَرِينَ. وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ: "يَتْلُوها" بِالياءِ، وجاءَ الإعْلامُ بِأنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ ظُلْمًا في حُكْمِهِ، فَإذًا لا يُوجَدُ. ولَمّا كانَ لِلذِّهْنِ أنْ يَقِفَ هُنا في الوَجْهِ الَّذِي بِهِ خَصَّ اللهُ قَوْمًا بِعَمَلٍ يَرْحَمُهم مِن أجْلِهِ، وآخَرِينَ بِعَمَلٍ يُعَذِّبُهم عَلَيْهِ، ذَكَرَ تَعالى الحُجَّةَ القاطِعَةَ في مِلْكِهِ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ، وأنَّ الحَقَّ لا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ الآيَةِ، وقالَ: "ما" ولَمْ يَقُلْ: "مَن" مِن حَيْثُ هي جُمَلٌ وأجْناسٌ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ: أنَّ بَعْضَ البَصْرِيِّينَ نَظَرَ قَوْلَهُ تَعالى: "وَإلى اللهِ" فَأظْهَرَ الِاسْمَ، ولَمْ يَقُلْ إلَيْهِ بِقَوْلِ الشاعِرِ: ؎ لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ نَغَّصَ المَوْتُ ذا الغِنى والفَقِيرا (p-٣١٦)وَما جَرى مَجْراهُ، وقالَهُ الزَجّاجُ، وحُكِيَ أنَّ العَرَبَ تَفْعَلُ ذَلِكَ إرادَةَ تَفْخِيمِ الكَلامِ والتَنْبِيهِ عَلى عِظَمِ المَعْنى. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والآيَةُ تُشْبِهُ البَيْتَ في قَصْدِ فَخامَةِ النَظْمِ، وتُفارِقُهُ مِن حَيْثُ الآيَةُ جُمْلَتانِ مُفْتَرِقَتانِ في المَعْنى، فَلَوْ تَكَرَّرَتْ جُمَلٌ كَثِيرَةٌ عَلى هَذا الحَدِّ لَحَسُنَ فِيها كُلِّها إظْهارُ الِاسْمِ، ولَيْسَ التَعَرُّضُ بِالضَمِيرِ في ذَلِكَ بِعُرْفٍ، وأمّا البَيْتُ وما أشْبَهَهُ فالضَمِيرُ فِيهِ هو العُرْفُ، إذِ الكَلامُ في مَعْنىً واحِدٍ، ولا يَجُوزُ إظْهارُ الِاسْمِ إلّا في المَعانِي الفَخْمَةِ في النُفُوسِ مِنَ الَّتِي يُؤْمَنُ فِيها اللَبْسُ عَلى السامِعِ. وقَرَأ بَعْضُ السَبْعَةِ: "تَرْجِعُ الأُمُورُ" بِفَتْحِ التاءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ ؛ فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: هَذِهِ لِأوَّلِنا، ولا تَكُونُ لِآخِرِنا، وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في ابْنِ مَسْعُودٍ وسالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ ومَن شاكَلَهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ في الَّذِينَ هاجَرُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا كُلُّهُ قَوْلٌ واحِدٌ، مُقْتَضاهُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الصَحابَةِ، قِيلَ لَهُمْ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ، فالإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "أُمَّةٍ" إلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ مُعَيَّنَةً، فَإنَّ هَؤُلاءِ هم خَيْرُها. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: مَعْنى الآيَةِ: خِطابُ الأُمَّةِ بِأنَّهم خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ، فَلَفْظُ أُمَّةٍ، عَلى هَذا التَأْوِيلِ اسْمُ جِنْسٍ، كَأنَّهُ (p-٣١٧)قِيلَ لَهُمْ: كُنْتُمْ خَيْرَ الأُمَمِ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ كَوْنُهم شُهَداءَ عَلى الناسِ، وقَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "نَحْنُ الآخِرُونَ السابِقُونَ"...» الحَدِيثُ. ورَوى بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عن أبِيهِ عن جَدِّهِ: «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ يَوْمًا وهو مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إلى الكَعْبَةِ: "نَحْنُ نُكْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ سَبْعِينَ أُمَّةً نَحْنُ آخِرُها وخَيْرُها"» قالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى الآيَةِ: كُنْتُمْ خَيْرَ الناسِ، وقالَ الحَسَنُ: نَحْنُ آخِرُها وأكْرَمُها عَلى اللهِ تَعالى، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَعْنى الآيَةِ كُنْتُمْ لِلنّاسِ خَيْرَ الناسِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَـ "أُمَّةٍ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ: اسْمُ جِنْسٍ، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: يَجِيئُونَ بِالكُفّارِ في السَلاسِلِ فَيُدْخِلُونَهم في الإسْلامِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلى الأُمَّةِ كافَّةً إلّا مُحَمَّدٌ ﷺ، فَهو وأُمَّتُهُ يَدْعُونَ إلى الإيمانِ ويُقاتِلُونَ العالَمَ عَلَيْهِ، فَهم خَيْرُ الناسِ لِلنّاسِ، ولَيْسَ يَلْزَمُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ أنَّهم أفْضَلُ الأُمَمِ مِن نَفْسِ لَفْظِ الآيَةِ، لَكِنْ يُعْلَمُ هَذا مِن لَفْظٍ آخَرَ، وهي كَقَوْلِهِ ﷺ: « "أرْأفُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أبُو بَكْرٍ"» فَلَيْسَ يَقْتَضِي هَذا اللَفْظُ أنَّ أبا بَكْرٍ أرْأفُ الناسِ عَلى الإطْلاقِ في مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. (p-٣١٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والرَأْفَةُ عَلى الإطْلاقِ لَيْسَتْ بِجارِيَةٍ مَعَ الشَرْعِ كَما يَجِبُ. وأمّا قَوْلُهُ: "كُنْتُمْ" عَلى صِيغَةِ الماضِي، فَإنَّها الَّتِي بِمَعْنى الدَوامِ، كَما قالَ ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى كُنْتُمْ في عِلْمِ اللهِ، وقِيلَ: في اللَوْحِ المَحْفُوظِ، وقِيلَ: فِيما أخْبَرَ بِهِ الأُمَمَ قَدِيمًا عنكم. و"خَيْرَ" عَلى هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها خَبَرُ كانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "كانَ" التامَّةَ، ويَكُونَ "خَيْرَ أُمَّةٍ" نَصْبًا عَلى الحالِ، وهَذا يَتَّجِهُ عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ الَّتِي ذَكَرْناها دُونَ بَعْضٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الخَيْرِيَّةُ الَّتِي فَرَضَها اللهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ إنَّما يَأْخُذُ بِحَظِّهِ مِنها مَن عَمِلَ هَذِهِ الشُرُوطَ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ والإيمانِ بِاللهِ. وقَوْلُهُ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ وما بَعْدَهُ أحْوالٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن أهْلِ الكِتابِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ المَقْرُونِ بِالنُصْحِ أنَّهم لَوْ آمَنُوا لَنَجَّوْا أنْفُسَهم مِن عَذابِ اللهِ. وجاءَتْ لَفْظَةُ "خَيْرَ" في هَذِهِ الآيَةِ وهي صِيغَةُ تَفْضِيلٍ، ولا مُشارَكَةَ بَيْنَ كُفْرِهِمْ وإيمانِهِمْ في الخَيْرِ، وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِما في لَفْظَةِ "خَيْرَ" مِنَ الشِياعِ وتَشَعُّبِ الوُجُوهِ، وكَذَلِكَ هي لَفْظَةُ أفْضَلَ وأحَبَّ وما جَرى مَجْراهُما. وقَدْ بُيِّنَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ بِأوعَبَ مِن هَذا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى حالِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ وأخِيهِ وثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ آمَنَ. ثُمَّ حَكَمَ اللهُ عَلى أكْثَرِهِمْ بِالفِسْقِ في كُفْرِهِ لِأنَّهم (p-٣١٩)حَرَّفُوا وبَدَّلُوا وعانَدُوا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ بِحَقِيقَةِ أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَهم كُفّارٌ فَسَقَةٌ في الكُفْرِ قَدْ جَمَعُوا المَذَمَّتَيْنِ.

آل عمران 3:110

(p-٣١٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وما اللهِ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللهِ ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ الإشارَةُ بِـ "تِلْكَ" إلى هَذِهِ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ المُتَضَمِّنَةِ تَعْذِيبَ الكُفّارِ وتَنْعِيمَ المُؤْمِنِينَ، ولَمّا كانَ فِيها ذِكْرُ التَعْذِيبِ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يُرِيدُ أنْ يَقَعَ مِنهُ ظُلْمٌ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ، وإذا لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ فَلا يُوجَدُ البَتَّةَ، لِأنَّهُ لا يَقَعُ مِن شَيْءٍ إلّا ما يُرِيدُ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِالحَقِّ" مَعْناهُ: بِالإخْبارِ الحَقِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: نَتْلُوها عَلَيْكَ مُضَمَّنَةً الأفاعِيلَ الَّتِي هي حَقٌّ في أنْفُسِها، مِن كَرامَةِ قَوْمٍ، وتَعْذِيبِ آخَرِينَ. وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ: "يَتْلُوها" بِالياءِ، وجاءَ الإعْلامُ بِأنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ ظُلْمًا في حُكْمِهِ، فَإذًا لا يُوجَدُ. ولَمّا كانَ لِلذِّهْنِ أنْ يَقِفَ هُنا في الوَجْهِ الَّذِي بِهِ خَصَّ اللهُ قَوْمًا بِعَمَلٍ يَرْحَمُهم مِن أجْلِهِ، وآخَرِينَ بِعَمَلٍ يُعَذِّبُهم عَلَيْهِ، ذَكَرَ تَعالى الحُجَّةَ القاطِعَةَ في مِلْكِهِ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ، وأنَّ الحَقَّ لا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ الآيَةِ، وقالَ: "ما" ولَمْ يَقُلْ: "مَن" مِن حَيْثُ هي جُمَلٌ وأجْناسٌ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ: أنَّ بَعْضَ البَصْرِيِّينَ نَظَرَ قَوْلَهُ تَعالى: "وَإلى اللهِ" فَأظْهَرَ الِاسْمَ، ولَمْ يَقُلْ إلَيْهِ بِقَوْلِ الشاعِرِ: ؎ لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ نَغَّصَ المَوْتُ ذا الغِنى والفَقِيرا (p-٣١٦)وَما جَرى مَجْراهُ، وقالَهُ الزَجّاجُ، وحُكِيَ أنَّ العَرَبَ تَفْعَلُ ذَلِكَ إرادَةَ تَفْخِيمِ الكَلامِ والتَنْبِيهِ عَلى عِظَمِ المَعْنى. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والآيَةُ تُشْبِهُ البَيْتَ في قَصْدِ فَخامَةِ النَظْمِ، وتُفارِقُهُ مِن حَيْثُ الآيَةُ جُمْلَتانِ مُفْتَرِقَتانِ في المَعْنى، فَلَوْ تَكَرَّرَتْ جُمَلٌ كَثِيرَةٌ عَلى هَذا الحَدِّ لَحَسُنَ فِيها كُلِّها إظْهارُ الِاسْمِ، ولَيْسَ التَعَرُّضُ بِالضَمِيرِ في ذَلِكَ بِعُرْفٍ، وأمّا البَيْتُ وما أشْبَهَهُ فالضَمِيرُ فِيهِ هو العُرْفُ، إذِ الكَلامُ في مَعْنىً واحِدٍ، ولا يَجُوزُ إظْهارُ الِاسْمِ إلّا في المَعانِي الفَخْمَةِ في النُفُوسِ مِنَ الَّتِي يُؤْمَنُ فِيها اللَبْسُ عَلى السامِعِ. وقَرَأ بَعْضُ السَبْعَةِ: "تَرْجِعُ الأُمُورُ" بِفَتْحِ التاءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ ؛ فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: هَذِهِ لِأوَّلِنا، ولا تَكُونُ لِآخِرِنا، وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في ابْنِ مَسْعُودٍ وسالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ ومَن شاكَلَهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ في الَّذِينَ هاجَرُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا كُلُّهُ قَوْلٌ واحِدٌ، مُقْتَضاهُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الصَحابَةِ، قِيلَ لَهُمْ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ، فالإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "أُمَّةٍ" إلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ مُعَيَّنَةً، فَإنَّ هَؤُلاءِ هم خَيْرُها. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: مَعْنى الآيَةِ: خِطابُ الأُمَّةِ بِأنَّهم خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ، فَلَفْظُ أُمَّةٍ، عَلى هَذا التَأْوِيلِ اسْمُ جِنْسٍ، كَأنَّهُ (p-٣١٧)قِيلَ لَهُمْ: كُنْتُمْ خَيْرَ الأُمَمِ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ كَوْنُهم شُهَداءَ عَلى الناسِ، وقَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "نَحْنُ الآخِرُونَ السابِقُونَ"...» الحَدِيثُ. ورَوى بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عن أبِيهِ عن جَدِّهِ: «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ يَوْمًا وهو مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إلى الكَعْبَةِ: "نَحْنُ نُكْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ سَبْعِينَ أُمَّةً نَحْنُ آخِرُها وخَيْرُها"» قالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى الآيَةِ: كُنْتُمْ خَيْرَ الناسِ، وقالَ الحَسَنُ: نَحْنُ آخِرُها وأكْرَمُها عَلى اللهِ تَعالى، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَعْنى الآيَةِ كُنْتُمْ لِلنّاسِ خَيْرَ الناسِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَـ "أُمَّةٍ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ: اسْمُ جِنْسٍ، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: يَجِيئُونَ بِالكُفّارِ في السَلاسِلِ فَيُدْخِلُونَهم في الإسْلامِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلى الأُمَّةِ كافَّةً إلّا مُحَمَّدٌ ﷺ، فَهو وأُمَّتُهُ يَدْعُونَ إلى الإيمانِ ويُقاتِلُونَ العالَمَ عَلَيْهِ، فَهم خَيْرُ الناسِ لِلنّاسِ، ولَيْسَ يَلْزَمُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ أنَّهم أفْضَلُ الأُمَمِ مِن نَفْسِ لَفْظِ الآيَةِ، لَكِنْ يُعْلَمُ هَذا مِن لَفْظٍ آخَرَ، وهي كَقَوْلِهِ ﷺ: « "أرْأفُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أبُو بَكْرٍ"» فَلَيْسَ يَقْتَضِي هَذا اللَفْظُ أنَّ أبا بَكْرٍ أرْأفُ الناسِ عَلى الإطْلاقِ في مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. (p-٣١٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والرَأْفَةُ عَلى الإطْلاقِ لَيْسَتْ بِجارِيَةٍ مَعَ الشَرْعِ كَما يَجِبُ. وأمّا قَوْلُهُ: "كُنْتُمْ" عَلى صِيغَةِ الماضِي، فَإنَّها الَّتِي بِمَعْنى الدَوامِ، كَما قالَ ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى كُنْتُمْ في عِلْمِ اللهِ، وقِيلَ: في اللَوْحِ المَحْفُوظِ، وقِيلَ: فِيما أخْبَرَ بِهِ الأُمَمَ قَدِيمًا عنكم. و"خَيْرَ" عَلى هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها خَبَرُ كانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "كانَ" التامَّةَ، ويَكُونَ "خَيْرَ أُمَّةٍ" نَصْبًا عَلى الحالِ، وهَذا يَتَّجِهُ عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ الَّتِي ذَكَرْناها دُونَ بَعْضٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الخَيْرِيَّةُ الَّتِي فَرَضَها اللهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ إنَّما يَأْخُذُ بِحَظِّهِ مِنها مَن عَمِلَ هَذِهِ الشُرُوطَ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ والإيمانِ بِاللهِ. وقَوْلُهُ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ وما بَعْدَهُ أحْوالٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن أهْلِ الكِتابِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ المَقْرُونِ بِالنُصْحِ أنَّهم لَوْ آمَنُوا لَنَجَّوْا أنْفُسَهم مِن عَذابِ اللهِ. وجاءَتْ لَفْظَةُ "خَيْرَ" في هَذِهِ الآيَةِ وهي صِيغَةُ تَفْضِيلٍ، ولا مُشارَكَةَ بَيْنَ كُفْرِهِمْ وإيمانِهِمْ في الخَيْرِ، وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِما في لَفْظَةِ "خَيْرَ" مِنَ الشِياعِ وتَشَعُّبِ الوُجُوهِ، وكَذَلِكَ هي لَفْظَةُ أفْضَلَ وأحَبَّ وما جَرى مَجْراهُما. وقَدْ بُيِّنَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ بِأوعَبَ مِن هَذا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى حالِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ وأخِيهِ وثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ آمَنَ. ثُمَّ حَكَمَ اللهُ عَلى أكْثَرِهِمْ بِالفِسْقِ في كُفْرِهِ لِأنَّهم (p-٣١٩)حَرَّفُوا وبَدَّلُوا وعانَدُوا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ بِحَقِيقَةِ أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَهم كُفّارٌ فَسَقَةٌ في الكُفْرِ قَدْ جَمَعُوا المَذَمَّتَيْنِ.

آل عمران 3:111

قوله عزّ وجلّ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وحَبْلٍ مِنَ الناسِ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى﴾ مَعْناهُ: لَنْ يُصِيبَكم مِنهم ضَرَرٌ في الأبْدانِ ولا في الأمْوالِ، وإنَّما هو أذىً بِالألْسِنَةِ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: "الأذى" هو تَحْرِيفُهم أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ وتَكْذِيبُهم إيّاهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَنَقُّصُهُمُ المُؤْمِنِينَ وطَعْنُهم عَلَيْهِمْ جُمْلَةً وأفْرادًا، وهَذا كُلُّهُ عَظِيمٌ مُقْلِقٌ، وبِسَبَبِهِ اسْتَحَقُّوا القَتْلَ والإجْلاءَ، وضَرْبَ الجِزْيَةِ. لَكِنْ أرادَ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ يَلْحَظَهُمُ المُؤْمِنُونَ بِعَيْنِ الِاحْتِقارِ حَتّى لا يَصُدُّوا أحَدًا عن دِينِهِ ولا يَشْغَلُوهُ عن عِبادَةِ رَبِّهِ، وهَكَذا هي فَصاحَةُ العَرَبِ، ومِن هَذا المَعْنى في التَحْقِيرِ؛ قَوْلُ ثُمامَةَ بْنِ أُثالٍ: يا مُحَمَّدُ إنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذا دَمٍ، وإنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلى شاكِرٍ، وإنْ شِئْتَ المالَ فَسَلْ مِنهُ ما شِئْتَ" فَقَوْلُهُ: "ذا دَمٍ" رُوِيَ بِالذالِ مَنقُوطَةً، وبِالدالِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، فَـ "ذَمٍّ" بِفَتْحِ الذالِ وبِكَسْرِها أرادَ بِها الذِمامَ، وأمّا الدالُ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ التَعْظِيمَ لِأمْرِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ بِأحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يُرِيدَ الوَعِيدَ، أيْ تَقْتُلْ ذا دَمٍ مَطْلُوبٍ بِثَأْرِهِ لَهُ حُماةٌ فاحْذَرْ عاقِبَةَ ذَلِكَ، وإمّا أنْ يُرِيدَ تَقْتُلْ مَلِكًا يُسْتَشْفى بِدَمِهِ، كَما كانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُ في (p-٣٢٠)دِماءِ المُلُوكِ، فَهَذا اسْتِعْطافٌ لا وعِيدٌ، أيْ لا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تُفْسِدَ مِثْلِي، وهَذا كَما اسْتَعْطَفَ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِهَذا المَعْنى، ويَحْتَمِلُ كَلامُ ثُمامَةَ، أنَّهُ أرادَ تَحْقِيرَ أمْرِ نَفْسِهِ ولِيُذْهِبَ عن نَفْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ المَسَرَّةَ بِنَيْلِ مِثْلِ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ، ويَجْرِي ذَلِكَ مَجْرى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: وهَلْ أعْمَدُ مِن رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ؟ ومِثْلُهُ قَوْلُ الأسِيرِ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، حِينَ قالَ لَهُ: لَأقْتُلَنَّكَ، قالَ: إنَّ ذَلِكَ لا يَنْقُصُ مِن عَدَدِ الخَزَرِ شَيْئًا فَكَأنَّ ثُمامَةَ أرادَ: إنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ حَيَوانًا حَقِيرًا شَأْنُهُ، كَما يُقْتَلُ كُلُّ ذِي دَمٍ فَما بالُكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ وتَدَعُ الإنْعامَ عَلَيَّ؟ فالآيَةُ تَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى مِن جِهَةِ أنَّهُ حَقَّرَ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ ما هو عَظِيمٌ في نَفْسِهِ تَنْبِيهًا لَهم. وأخْبَرَ اللهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يُقاتِلُوكُمْ﴾.... الآيَةِ، بِخَبَرِ غَيْبٍ صَحَّحَهُ الوُجُودُ، فَهي مِن آياتِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وفائِدَةُ الخَبَرِ هي في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾، أيْ: لا تَكُونُ حَرْبُهم مَعَكم سِجالًا وخَصَّ الأدْبارَ بِالذِكْرِ دُونَ الظَهْرِ تَخْسِيسًا لِلْفارِّ، وهَكَذا هو حَيْثُ تَصَرَّفَ. وقَوْلُهُ: "ضُرِبَتْ" مَعْناهُ: أُثْبِتَتْ بِشِدَّةٍ والتِزامٍ مُؤَكَّدٍ، وهَذا وصْفُ حالٍ تَقَرَّرَتْ عَلى اليَهُودِ في أقْطارِ الأرْضِ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ، قالَ الحَسَنُ: جاءَ الإسْلامُ وإنَّ المَجُوسَ لَتَجْبِيهِمُ الجِزْيَةَ، وما كانَتْ لَهم عِزَّةٌ ومَنَعَةٌ إلّا بِيَثْرِبَ وخَيْبَرَ وتِلْكَ الأرْضِ (p-٣٢١)فَأزالَها اللهُ بِالإسْلامِ، ولَمْ تَبْقَ لَهم رايَةٌ أصْلًا في الأرْضِ. و"الذِلَّةُ"، فِعْلَةٌ مِنَ الذُلِّ، و"ثُقِفُوا" مَعْناهُ: أُخِذُوا وهم بِحالِ المُذْنِبِ المُسْتَحِقِّ الإهْلاكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ﴾ [الأنفال: ٥٧]. ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] واللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الثِقافِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ نَدْعُو ثَقِيفًا وقَدْ عَضَّ الحَدِيدُ بِها عَضَّ الثِقافِ عَلى صُمِّ الأنابِيبِ وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا بِحَبْلٍ" اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] لِأنَّ بادِيَ الرَأْيِ يُعْطِي أنَّ لَهُ أنْ يَقْتُلَ خَطَأً، وأنَّ الحَبْلَ مِنَ اللهِ ومِنَ الناسِ يُزِيلُ ضَرْبَ الذِلَّةِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وإنَّما الكَلامُ مَحْذُوفٌ يُدْرِكُهُ فَهْمُ السامِعِ الناظِرِ في الأمْرِ، وتَقْدِيرُهُ في آياتِنا: فَلا نَجاةَ مِنَ المَوْتِ إلّا بِحَبْلٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا﴾ كَأنَّهُ بِالمَعْنى: هَلَكُوا واسْتُؤْصِلُوا، فَلِذَلِكَ حَسُنَ أنْ يَجِيءَ بَعْدَها: "إلّا بِحَبْلٍ". وقَرُبَ فَهْمُ ذَلِكَ لِلسّامِعِ. قالَ الزَجّاجُ: المَعْنى ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ إلّا أنَّهم يَعْتَصِمُونَ بِالعَهْدِ إذا أُعْطَوْهُ، والحَبْلُ: العَهْدُ، شُبِّهَ بِهِ لِأنَّهُ يَصِلُ قَوْمًا بِقَوْمٍ كَما يَفْعَلُ الحَبْلُ في الأجْرامِ. و"باءُوا" مَعْناهُ: مَضَوْا مُتَحَمِّلِينَ لِهَذا الحُكْمِ، وغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الأُمُورُ الَّتِي أوقَعَ بِهِمْ. وأفْعالُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى وجْهِ الدَهْرِ مِنَ التَعَنُّتِ والعِصْيانِ تُوجِبُ الغَضَبَ، فَلِذَلِكَ خُصُّوا بِهِ، والنَصارى إنَّما ضَلُّوا فَقَطْ. و"المَسْكَنَةُ": التَذَلُّلُ والضَعَةُ، وهي حالَةُ الطَوافِ المُلْتَمِسِ لِلُّقْمَةِ واللُقْمَتَيْنِ المُضارِعِ المُفارِقِ لِحالَةِ التَعَفُّفِ والتَعَزُّزِ بِهِ، فَلَيْسَ أحَدٌ مِنَ اليَهُودِ وإنْ كانَ غَنِيًّا إلّا وهو بِهَذِهِ الحالِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الغَضَبِ وضَرْبِ الذِلَّةِ والمَسْكَنَةِ، فَعاقَبَهُمُ اللهُ عَلى كُفْرِهِمْ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِذَلِكَ. و"آياتِ اللهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها المَتْلُوَّةُ، ويُحْتَمَلُ (p-٣٢٢)أنْ يُرِيدَ العِبَرَ الَّتِي عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ: "بِغَيْرِ حَقٍّ" تَأْكِيدٌ ومُبالَغَةٌ وقَطْعٌ لِما عَسى أنْ يَكُونَ في وهْمِ إنْسانٍ مُمْكِنًا بِوَجْهٍ ما. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا﴾ حَمَلَهُ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الإشارَةَ بِـ "ذَلِكَ" إلى الشَيْءِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِـ "ذَلِكَ" الأوَّلِ، قالَهُ الطَبَرِيُّ والزَجّاجُ وغَيْرُهُما. والَّذِي أقُولُ: إنَّ الإشارَةَ بِـ "ذَلِكَ" الأخِيرِ إنَّما هي إلى كُفْرِهِمْ وقَتْلِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى اسْتَدْرَجَهم فَعاقَبَهم عَلى العِصْيانِ والِاعْتِداءِ بِالمَصِيرِ إلى الكُفْرِ وقَتْلِ الأنْبِياءِ، وهو الَّذِي يَقُولُ أهْلُ العِلْمِ: إنّاللهَ تَعالى يُعاقِبُ عَلى المَعْصِيَةِ بِالإيقاعِ في مَعْصِيَةٍ، ويُجازِي عَلى الطاعَةِ بِالتَوْفِيقِ إلى طاعَةٍ، وذَلِكَ مَوْجُودٌ في الناسِ إذا تَأمَّلَ. وعِصْيانُ بَنِي إسْرائِيلَ واعْتِداؤُهم في السَبْتِ وغَيْرِهِ مُتَقَرِّرٌ في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ مِن كِتابِ اللهِ. وقالَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ عِنْدَما فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ: "اجْتَنِبُوا المَعْصِيَةَ والعُدْوانَ، فَإنَّ بِها أُهْلِكَ مَن كانَ قَبْلَكم مِنَ الناسِ".

آل عمران 3:112

قوله عزّ وجلّ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وحَبْلٍ مِنَ الناسِ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى﴾ مَعْناهُ: لَنْ يُصِيبَكم مِنهم ضَرَرٌ في الأبْدانِ ولا في الأمْوالِ، وإنَّما هو أذىً بِالألْسِنَةِ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: "الأذى" هو تَحْرِيفُهم أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ وتَكْذِيبُهم إيّاهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَنَقُّصُهُمُ المُؤْمِنِينَ وطَعْنُهم عَلَيْهِمْ جُمْلَةً وأفْرادًا، وهَذا كُلُّهُ عَظِيمٌ مُقْلِقٌ، وبِسَبَبِهِ اسْتَحَقُّوا القَتْلَ والإجْلاءَ، وضَرْبَ الجِزْيَةِ. لَكِنْ أرادَ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ يَلْحَظَهُمُ المُؤْمِنُونَ بِعَيْنِ الِاحْتِقارِ حَتّى لا يَصُدُّوا أحَدًا عن دِينِهِ ولا يَشْغَلُوهُ عن عِبادَةِ رَبِّهِ، وهَكَذا هي فَصاحَةُ العَرَبِ، ومِن هَذا المَعْنى في التَحْقِيرِ؛ قَوْلُ ثُمامَةَ بْنِ أُثالٍ: يا مُحَمَّدُ إنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذا دَمٍ، وإنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلى شاكِرٍ، وإنْ شِئْتَ المالَ فَسَلْ مِنهُ ما شِئْتَ" فَقَوْلُهُ: "ذا دَمٍ" رُوِيَ بِالذالِ مَنقُوطَةً، وبِالدالِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، فَـ "ذَمٍّ" بِفَتْحِ الذالِ وبِكَسْرِها أرادَ بِها الذِمامَ، وأمّا الدالُ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ التَعْظِيمَ لِأمْرِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ بِأحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يُرِيدَ الوَعِيدَ، أيْ تَقْتُلْ ذا دَمٍ مَطْلُوبٍ بِثَأْرِهِ لَهُ حُماةٌ فاحْذَرْ عاقِبَةَ ذَلِكَ، وإمّا أنْ يُرِيدَ تَقْتُلْ مَلِكًا يُسْتَشْفى بِدَمِهِ، كَما كانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُ في (p-٣٢٠)دِماءِ المُلُوكِ، فَهَذا اسْتِعْطافٌ لا وعِيدٌ، أيْ لا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تُفْسِدَ مِثْلِي، وهَذا كَما اسْتَعْطَفَ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِهَذا المَعْنى، ويَحْتَمِلُ كَلامُ ثُمامَةَ، أنَّهُ أرادَ تَحْقِيرَ أمْرِ نَفْسِهِ ولِيُذْهِبَ عن نَفْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ المَسَرَّةَ بِنَيْلِ مِثْلِ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ، ويَجْرِي ذَلِكَ مَجْرى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: وهَلْ أعْمَدُ مِن رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ؟ ومِثْلُهُ قَوْلُ الأسِيرِ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، حِينَ قالَ لَهُ: لَأقْتُلَنَّكَ، قالَ: إنَّ ذَلِكَ لا يَنْقُصُ مِن عَدَدِ الخَزَرِ شَيْئًا فَكَأنَّ ثُمامَةَ أرادَ: إنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ حَيَوانًا حَقِيرًا شَأْنُهُ، كَما يُقْتَلُ كُلُّ ذِي دَمٍ فَما بالُكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ وتَدَعُ الإنْعامَ عَلَيَّ؟ فالآيَةُ تَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى مِن جِهَةِ أنَّهُ حَقَّرَ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ ما هو عَظِيمٌ في نَفْسِهِ تَنْبِيهًا لَهم. وأخْبَرَ اللهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يُقاتِلُوكُمْ﴾.... الآيَةِ، بِخَبَرِ غَيْبٍ صَحَّحَهُ الوُجُودُ، فَهي مِن آياتِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وفائِدَةُ الخَبَرِ هي في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾، أيْ: لا تَكُونُ حَرْبُهم مَعَكم سِجالًا وخَصَّ الأدْبارَ بِالذِكْرِ دُونَ الظَهْرِ تَخْسِيسًا لِلْفارِّ، وهَكَذا هو حَيْثُ تَصَرَّفَ. وقَوْلُهُ: "ضُرِبَتْ" مَعْناهُ: أُثْبِتَتْ بِشِدَّةٍ والتِزامٍ مُؤَكَّدٍ، وهَذا وصْفُ حالٍ تَقَرَّرَتْ عَلى اليَهُودِ في أقْطارِ الأرْضِ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ، قالَ الحَسَنُ: جاءَ الإسْلامُ وإنَّ المَجُوسَ لَتَجْبِيهِمُ الجِزْيَةَ، وما كانَتْ لَهم عِزَّةٌ ومَنَعَةٌ إلّا بِيَثْرِبَ وخَيْبَرَ وتِلْكَ الأرْضِ (p-٣٢١)فَأزالَها اللهُ بِالإسْلامِ، ولَمْ تَبْقَ لَهم رايَةٌ أصْلًا في الأرْضِ. و"الذِلَّةُ"، فِعْلَةٌ مِنَ الذُلِّ، و"ثُقِفُوا" مَعْناهُ: أُخِذُوا وهم بِحالِ المُذْنِبِ المُسْتَحِقِّ الإهْلاكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ﴾ [الأنفال: ٥٧]. ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] واللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الثِقافِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ نَدْعُو ثَقِيفًا وقَدْ عَضَّ الحَدِيدُ بِها عَضَّ الثِقافِ عَلى صُمِّ الأنابِيبِ وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا بِحَبْلٍ" اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] لِأنَّ بادِيَ الرَأْيِ يُعْطِي أنَّ لَهُ أنْ يَقْتُلَ خَطَأً، وأنَّ الحَبْلَ مِنَ اللهِ ومِنَ الناسِ يُزِيلُ ضَرْبَ الذِلَّةِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وإنَّما الكَلامُ مَحْذُوفٌ يُدْرِكُهُ فَهْمُ السامِعِ الناظِرِ في الأمْرِ، وتَقْدِيرُهُ في آياتِنا: فَلا نَجاةَ مِنَ المَوْتِ إلّا بِحَبْلٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا﴾ كَأنَّهُ بِالمَعْنى: هَلَكُوا واسْتُؤْصِلُوا، فَلِذَلِكَ حَسُنَ أنْ يَجِيءَ بَعْدَها: "إلّا بِحَبْلٍ". وقَرُبَ فَهْمُ ذَلِكَ لِلسّامِعِ. قالَ الزَجّاجُ: المَعْنى ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ إلّا أنَّهم يَعْتَصِمُونَ بِالعَهْدِ إذا أُعْطَوْهُ، والحَبْلُ: العَهْدُ، شُبِّهَ بِهِ لِأنَّهُ يَصِلُ قَوْمًا بِقَوْمٍ كَما يَفْعَلُ الحَبْلُ في الأجْرامِ. و"باءُوا" مَعْناهُ: مَضَوْا مُتَحَمِّلِينَ لِهَذا الحُكْمِ، وغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الأُمُورُ الَّتِي أوقَعَ بِهِمْ. وأفْعالُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى وجْهِ الدَهْرِ مِنَ التَعَنُّتِ والعِصْيانِ تُوجِبُ الغَضَبَ، فَلِذَلِكَ خُصُّوا بِهِ، والنَصارى إنَّما ضَلُّوا فَقَطْ. و"المَسْكَنَةُ": التَذَلُّلُ والضَعَةُ، وهي حالَةُ الطَوافِ المُلْتَمِسِ لِلُّقْمَةِ واللُقْمَتَيْنِ المُضارِعِ المُفارِقِ لِحالَةِ التَعَفُّفِ والتَعَزُّزِ بِهِ، فَلَيْسَ أحَدٌ مِنَ اليَهُودِ وإنْ كانَ غَنِيًّا إلّا وهو بِهَذِهِ الحالِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الغَضَبِ وضَرْبِ الذِلَّةِ والمَسْكَنَةِ، فَعاقَبَهُمُ اللهُ عَلى كُفْرِهِمْ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِذَلِكَ. و"آياتِ اللهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها المَتْلُوَّةُ، ويُحْتَمَلُ (p-٣٢٢)أنْ يُرِيدَ العِبَرَ الَّتِي عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ: "بِغَيْرِ حَقٍّ" تَأْكِيدٌ ومُبالَغَةٌ وقَطْعٌ لِما عَسى أنْ يَكُونَ في وهْمِ إنْسانٍ مُمْكِنًا بِوَجْهٍ ما. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا﴾ حَمَلَهُ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الإشارَةَ بِـ "ذَلِكَ" إلى الشَيْءِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِـ "ذَلِكَ" الأوَّلِ، قالَهُ الطَبَرِيُّ والزَجّاجُ وغَيْرُهُما. والَّذِي أقُولُ: إنَّ الإشارَةَ بِـ "ذَلِكَ" الأخِيرِ إنَّما هي إلى كُفْرِهِمْ وقَتْلِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى اسْتَدْرَجَهم فَعاقَبَهم عَلى العِصْيانِ والِاعْتِداءِ بِالمَصِيرِ إلى الكُفْرِ وقَتْلِ الأنْبِياءِ، وهو الَّذِي يَقُولُ أهْلُ العِلْمِ: إنّاللهَ تَعالى يُعاقِبُ عَلى المَعْصِيَةِ بِالإيقاعِ في مَعْصِيَةٍ، ويُجازِي عَلى الطاعَةِ بِالتَوْفِيقِ إلى طاعَةٍ، وذَلِكَ مَوْجُودٌ في الناسِ إذا تَأمَّلَ. وعِصْيانُ بَنِي إسْرائِيلَ واعْتِداؤُهم في السَبْتِ وغَيْرِهِ مُتَقَرِّرٌ في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ مِن كِتابِ اللهِ. وقالَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ عِنْدَما فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ: "اجْتَنِبُوا المَعْصِيَةَ والعُدْوانَ، فَإنَّ بِها أُهْلِكَ مَن كانَ قَبْلَكم مِنَ الناسِ".

آل عمران 3:113

قوله عزّ وجلّ: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وأُولَئِكَ مِنَ الصالِحِينَ﴾ لَمّا مَضَتِ الضَمائِرُ في الكُفْرِ والقَتْلِ والعِصْيانِ والِاعْتِداءِ عامَّةً في جَمِيعِ أهْلِ الكِتابِ، عَقَّبَ تَعالى ذَلِكَ بِتَخْصِيصِ الَّذِينَ هم عَلى خَيْرٍ وإيمانٍ، وذَلِكَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَمْ يَزَلْ فِيهِمْ مَن هو عَلى اسْتِقامَةٍ، فَمِنهم مَن ماتَ قَبْلَ أنْ يُدْرِكَ الشَرائِعَ فَذَلِكَ مِنَ الصالِحِينَ، ومِنهم مَن أدْرَكَ الإسْلامَ فَدَخَلَ فِيهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَعْتَرِضُ هَذا النَظَرَ أنَّ جَمِيعَ اليَهُودِ عَلى عِوَجٍ مِن وقْتِ عِيسى، وتَجِيءُ الآيَةُ إشارَةً إلى مَن أسْلَمَ فَقَطْ، أو يَكُونُ اليَهُودُ في مَعْنى الأُمَّةِ القائِمَةِ إلى وقْتِ عِيسى، ثُمَّ يَنْتَقِلُ الحُكْمُ في النَصارى، ولَفْظُ "أهْلِ الكِتابِ" يَعُمُّ الجَمِيعَ، والضَمِيرُ في "لَيْسُوا" لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ مِن (p-٣٢٣)أنَّ الآيَةَ نَظِيرَةُ قَوْلِ العَرَبِ: "أكَلُونِي البَراغِيثُ" خَطَأٌ مَرْدُودٌ، وكَذَلِكَ أيْضًا ما حُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ "أُمَّةٌ" مُرْتَفِعَةٌ بِـ "سَواءً" عَلى أنَّها فاعِلَةٌ كَأنَّهُ قالَ: لا تَسْتَوِي أُمَّةُ كَذا، وأنَّ في آخِرِ الكَلامِ مَحْذُوفًا مُعادِلًا تَقْدِيرُهُ: وأُمَّةٌ كافِرَةٌ، فَأغْنى القِسْمُ الأوَّلُ عن ذِكْرِها ودَلَّ عَلَيْهِ، كَما قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: ؎ عَصَيْتُ إلَيْها القَلْبَ إنِّي لِأمْرِها سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها؟ المَعْنى: أمْ غَيٌّ، فاقْتَصَرَ لِدَلالَةِ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما الوَجْهُ أنَّ الضَمِيرَ في "لَيْسُوا" يُرادُ بِهِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، و"سَواءً" خَبَرُ لَيْسَ، و﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ مَجْرُورٌ فِيهِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و"أُمَّةٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَمّا أسْلَمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ، وأُسَيْدُ بْنُ (p-٣٢٤)سَعْيَةَ، وأسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ومَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ، مَعَهُمْ: قالَ الكُفّارُ مِن أحْبارِ اليَهُودِ: ما آمَنَ بِمُحَمَّدٍ إلّا شِرارُنا، ولَوْ كانُوا خِيارًا ما تَرَكُوا دِينَ آبائِهِمْ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى في ذَلِكَ: "لَيْسُوا سَواءً".... الآيَةَ، وقالَ مِثْلَهُ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ أصَحُّ التَأْوِيلاتِ. وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَعْنى الآيَةِ: لَيْسَ اليَهُودُ وأُمَّةُ مُحَمَّدٍ سَواءً، وقالَهُ السُدِّيُّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَمِن حَيْثُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] وذِكْرُ أيْضًا اليَهُودِ قالَ اللهُ لِنَبِيِّهِ: "لَيْسُوا سَواءً"، والكِتابُ عَلى هَذا جِنْسُ كُتُبِ اللهِ، ولَيْسَ بِالمَعْهُودِ مِنَ التَوْراةِ والإنْجِيلِ فَقَطْ. والمَعْنى: مِن أهْلِ الكِتابِ وهم أهْلُ القُرْآنِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ. واخْتَلَفَ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ "قائِمَةٌ" فَقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: عادِلَةٌ، وقالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ وابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: قائِمَةٌ عَلى كِتابِ اللهِ وحُدُودِهِ مُهْتَدِيَةٌ، وقالَ السُدِّيُّ: القانِتَةُ المُطِيعَةُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ يَرْجِعُ إلى مَعْنىً واحِدٍ مِنَ الاعْتِدالِ عَلى أمْرِ اللهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلدَّنانِيرِ أوِ الدَراهِمِ الوازِنَةِ قائِمَةٌ، وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذا المَعْنى وأنْ لا تُنْظَرَ اللَفْظَةُ إلى هَيْئَةِ الأشْخاصِ وقْتَ تِلاوَةِ آياتِ اللهِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ "قائِمَةٌ" وصْفُ حالِ التالِينَ في آناءِ اللَيْلِ، ومَن كانَتْ هَذِهِ حالَهُ فَلا مَحالَةَ أنَّهُ مُعْتَدِلٌ عَلى أمْرِ اللهِ. وهَذِهِ الآيَةُ في هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ مِثْلُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]. و"يَتْلُونَ" مَعْناهُ: يَسْرُدُونَ، و"آياتِ اللهِ" في هَذِهِ الآيَةِ هِيَ: كُتُبُهُ، والآناءُ: الساعاتُ، واحِدُها إنْيٌ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ النُونِ. ويُقالُ فِيهِ أنْيٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، (p-٣٢٥)وَيُقالُ إنى بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ النُونِ والقَصْرِ، ويُقالُ فِيهِ: أنى بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ويُقالُ: إنْوُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ النُونِ وبِواوٍ مَضْمُومَةٍ. ومِنهُ قَوْلُ الهُذَيْلِيِّ: ؎ حُلْوٌ ومُرٌّ كَعَطْفِ القِدْحِ مِرَّتُهُ ∗∗∗ في كُلِّ إنْيٍ قَضاهُ اللَيْلُ يَنْتَعِلُ وحُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ لا يَتَّفِقُ في شَخْصٍ بِأنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ يُصَلِّي جَمِيعَ ساعاتِ اللَيْلِ، وإنَّما يَقُومُ هَذا الحُكْمُ مِن جَماعَةِ الأُمَّةِ، إذْ بَعْضُ الناسِ يَقُومُ أوَّلَ اللَيْلِ، وبَعْضُهم آخِرَهُ، وبَعْضُهم بَعْدَ هَجْعَةٍ ثُمَّ يَعُودُ إلى نَوْمِهِ، فَيَأْتِي مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ في المُدُنِ والجَماعاتِ عِبارَةُ آناءَ اللَيْلِ بِالقِيامِ، وهَكَذا كانَ صَدْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ، وعَرَفَ الناسُ القِيامَ في أوَّلِ الثُلُثِ الآخِرِ مِنَ اللَيْلِ أو قَبْلَهُ بِشَيْءٍ، وحِينَئِذٍ كانَ يَقُومُ الأكْثَرُ، والقِيامُ طُولَ اللَيْلِ قَلِيلٌ، وقَدْ كانَ في الصالِحِينَ مَن يَلْتَزِمُهُ، وقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعالى القَصْدَ مِن ذَلِكَ في سُورَةِ المُزَّمِّلِ، وقِيامُ اللَيْلِ لِقِراءَةِ العِلْمِ المُبْتَغى بِهِ وجْهُ اللهِ داخِلٌ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو أفْضَلُ مِنَ التَنَفُّلِ لِمَن يُرْجى انْتِفاعُ المُسْلِمِينَ بِعِلْمِهِ. وأمّا عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في "آناءَ اللَيْلِ"، فَقالَ الرَبِيعُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: آناءَ اللَيْلِ: ساعاتُ اللَيْلِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ: سَمِعْنا العَرَبَ تَقُولُ: آناءَ اللَيْلِ: ساعاتُ اللَيْلِ، وقالَ السُدِّيُّ: آناءَ اللَيْلِ: جَوْفُ اللَيْلِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَلِقٌ. أما إنَّ جَوْفَ اللَيْلِ جُزْءٌ مِنَ الآناءِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ احْتَبَسَ عَنّا لَيْلَةً عن صَلاةِ العَتَمَةِ وكانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، فَلَمْ يَأْتِ حَتّى مَضى لَيْلٌ، فَجاءَ ومِنّا المُصَلِّي ومِنّا المُضْطَجِعُ، فَقالَ: "أبْشِرُوا فَإنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ يُصَلِّي هَذِهِ الصَلاةَ" (p-٣٢٦)، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾.... الآيَةَ،» فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَيْلِ﴾ صَلاةُ العِشاءِ. ورَوى سُفْيانُ الثَوْرِيُّ عن مَنصُورٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُصَلِّينَ بَيْنَ العِشاءَيْنِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم يَسْجُدُونَ﴾ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ السُجُودَ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَلاةِ، سَمّاها بِجُزْءٍ شَرِيفٍ مِنها كَما تُسَمّى في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ رُكُوعًا، فَهي عَلى هَذا جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، كَأنَّهُ قالَ: يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَيْلِ مُصَلِّينَ. وذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّها جُمْلَةٌ مَقْطُوعَةٌ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ، أخْبَرَ عنهم أنَّهم أيْضًا أهْلُ سُجُودٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَحْسُنُ هَذا مِن جِهَةِ أنَّ التِلاوَةَ آناءَ اللَيْلِ قَدْ يَعْتَقِدُ السامِعُ أنَّ ذَلِكَ في غَيْرِ الصَلاةِ، وأيْضًا فالقِيامُ في قِراءَةِ العِلْمِ يَخْرُجُ مِنَ الآيَةِ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ، ويَثْبُتُ فِيها عَلى هَذا الثانِي، فَـ "هم يَسْجُدُونَ" عَلى هَذا نَعْتُ عَدَدٍ بِواوِ العَطْفِ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ الكَرِيمُ والعاقِلُ. و"يُؤْمِنُونَ" مَعْناهُ: يُصَدِّقُونَ، وفي الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ إيمانٌ بِالأنْبِياءِ. لِأنَّهُ مِن جائِزاتِ العَقْلِ الَّتِي أثْبَتَها السَمْعُ مِنَ الأنْبِياءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ وصْفٌ بِأنَّهم مَتى دُعُوا إلى خَيْرٍ مِن نَصْرِ مَظْلُومٍ وإغاثَةِ مَكْرُوبٍ وجَبْرِ مَهِيضٍ وعِبادَةِ اللهِ أجابُوا، ومِنهُ فِعْلُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في رَكْعَتَيِ المَسْجِدِ، وقالَ: دَعَوْتَنِي إلى خَيْرٍ فَأجَبْتُ إلَيْهِ. ومِمّا يَدْخُلُ في ضِمْنِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ أنْ يَكُونَ المَرْءُ مُغْتَنِمًا لِلْخَمْسِ قَبْلَ الخَمْسِ كَما قالَ النَبِيُّ ﷺ: « "اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وفَراغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وحَياتَكَ قَبْلَ مَماتِكَ، وغِناكَ قَبْلَ فَقْرِكَ"،» فَيَكُونُ مَتى أرادَ (p-٣٢٧)أنْ يَصْنَعَ خَيْرًا بادَرَ إلَيْهِ ولَمْ يُسَوِّفْ نَفْسَهُ بِالأمَلِ، فَهَذِهِ أيْضًا مُسارَعَةٌ في الخَيْراتِ. وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ قالَ: دَخَلْتُ مَعَ بَعْضِ الصالِحِينَ في مَرْكَبٍ فَقُلْتُ لَهُ: ما تَقُولُ أصْلَحَكَ اللهُ في الصَوْمِ في السَفَرِ؟ فَقالَ لِي: إنَّها المُبادَرَةُ يا ابْنَ أخِي، قالَ المُحَدِّثُ: فَجاءَنِي واللهِ بِجَوابٍ لَيْسَ مِن أجْوِبَةِ الفُقَهاءِ. ثُمَّ وصَفَ اللهُ تَعالى مَن تَحَصَّلَتْ لَهُ هَذِهِ الصِفاتُ بِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ الصالِحِينَ، و"مِنَ" يَحْسُنُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويَحْسُنُ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ.

آل عمران 3:114

قوله عزّ وجلّ: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وأُولَئِكَ مِنَ الصالِحِينَ﴾ لَمّا مَضَتِ الضَمائِرُ في الكُفْرِ والقَتْلِ والعِصْيانِ والِاعْتِداءِ عامَّةً في جَمِيعِ أهْلِ الكِتابِ، عَقَّبَ تَعالى ذَلِكَ بِتَخْصِيصِ الَّذِينَ هم عَلى خَيْرٍ وإيمانٍ، وذَلِكَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَمْ يَزَلْ فِيهِمْ مَن هو عَلى اسْتِقامَةٍ، فَمِنهم مَن ماتَ قَبْلَ أنْ يُدْرِكَ الشَرائِعَ فَذَلِكَ مِنَ الصالِحِينَ، ومِنهم مَن أدْرَكَ الإسْلامَ فَدَخَلَ فِيهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَعْتَرِضُ هَذا النَظَرَ أنَّ جَمِيعَ اليَهُودِ عَلى عِوَجٍ مِن وقْتِ عِيسى، وتَجِيءُ الآيَةُ إشارَةً إلى مَن أسْلَمَ فَقَطْ، أو يَكُونُ اليَهُودُ في مَعْنى الأُمَّةِ القائِمَةِ إلى وقْتِ عِيسى، ثُمَّ يَنْتَقِلُ الحُكْمُ في النَصارى، ولَفْظُ "أهْلِ الكِتابِ" يَعُمُّ الجَمِيعَ، والضَمِيرُ في "لَيْسُوا" لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ مِن (p-٣٢٣)أنَّ الآيَةَ نَظِيرَةُ قَوْلِ العَرَبِ: "أكَلُونِي البَراغِيثُ" خَطَأٌ مَرْدُودٌ، وكَذَلِكَ أيْضًا ما حُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ "أُمَّةٌ" مُرْتَفِعَةٌ بِـ "سَواءً" عَلى أنَّها فاعِلَةٌ كَأنَّهُ قالَ: لا تَسْتَوِي أُمَّةُ كَذا، وأنَّ في آخِرِ الكَلامِ مَحْذُوفًا مُعادِلًا تَقْدِيرُهُ: وأُمَّةٌ كافِرَةٌ، فَأغْنى القِسْمُ الأوَّلُ عن ذِكْرِها ودَلَّ عَلَيْهِ، كَما قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: ؎ عَصَيْتُ إلَيْها القَلْبَ إنِّي لِأمْرِها سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها؟ المَعْنى: أمْ غَيٌّ، فاقْتَصَرَ لِدَلالَةِ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما الوَجْهُ أنَّ الضَمِيرَ في "لَيْسُوا" يُرادُ بِهِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، و"سَواءً" خَبَرُ لَيْسَ، و﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ مَجْرُورٌ فِيهِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و"أُمَّةٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَمّا أسْلَمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ، وأُسَيْدُ بْنُ (p-٣٢٤)سَعْيَةَ، وأسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ومَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ، مَعَهُمْ: قالَ الكُفّارُ مِن أحْبارِ اليَهُودِ: ما آمَنَ بِمُحَمَّدٍ إلّا شِرارُنا، ولَوْ كانُوا خِيارًا ما تَرَكُوا دِينَ آبائِهِمْ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى في ذَلِكَ: "لَيْسُوا سَواءً".... الآيَةَ، وقالَ مِثْلَهُ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ أصَحُّ التَأْوِيلاتِ. وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَعْنى الآيَةِ: لَيْسَ اليَهُودُ وأُمَّةُ مُحَمَّدٍ سَواءً، وقالَهُ السُدِّيُّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَمِن حَيْثُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] وذِكْرُ أيْضًا اليَهُودِ قالَ اللهُ لِنَبِيِّهِ: "لَيْسُوا سَواءً"، والكِتابُ عَلى هَذا جِنْسُ كُتُبِ اللهِ، ولَيْسَ بِالمَعْهُودِ مِنَ التَوْراةِ والإنْجِيلِ فَقَطْ. والمَعْنى: مِن أهْلِ الكِتابِ وهم أهْلُ القُرْآنِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ. واخْتَلَفَ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ "قائِمَةٌ" فَقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: عادِلَةٌ، وقالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ وابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: قائِمَةٌ عَلى كِتابِ اللهِ وحُدُودِهِ مُهْتَدِيَةٌ، وقالَ السُدِّيُّ: القانِتَةُ المُطِيعَةُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ يَرْجِعُ إلى مَعْنىً واحِدٍ مِنَ الاعْتِدالِ عَلى أمْرِ اللهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلدَّنانِيرِ أوِ الدَراهِمِ الوازِنَةِ قائِمَةٌ، وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذا المَعْنى وأنْ لا تُنْظَرَ اللَفْظَةُ إلى هَيْئَةِ الأشْخاصِ وقْتَ تِلاوَةِ آياتِ اللهِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ "قائِمَةٌ" وصْفُ حالِ التالِينَ في آناءِ اللَيْلِ، ومَن كانَتْ هَذِهِ حالَهُ فَلا مَحالَةَ أنَّهُ مُعْتَدِلٌ عَلى أمْرِ اللهِ. وهَذِهِ الآيَةُ في هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ مِثْلُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]. و"يَتْلُونَ" مَعْناهُ: يَسْرُدُونَ، و"آياتِ اللهِ" في هَذِهِ الآيَةِ هِيَ: كُتُبُهُ، والآناءُ: الساعاتُ، واحِدُها إنْيٌ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ النُونِ. ويُقالُ فِيهِ أنْيٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، (p-٣٢٥)وَيُقالُ إنى بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ النُونِ والقَصْرِ، ويُقالُ فِيهِ: أنى بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ويُقالُ: إنْوُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ النُونِ وبِواوٍ مَضْمُومَةٍ. ومِنهُ قَوْلُ الهُذَيْلِيِّ: ؎ حُلْوٌ ومُرٌّ كَعَطْفِ القِدْحِ مِرَّتُهُ ∗∗∗ في كُلِّ إنْيٍ قَضاهُ اللَيْلُ يَنْتَعِلُ وحُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ لا يَتَّفِقُ في شَخْصٍ بِأنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ يُصَلِّي جَمِيعَ ساعاتِ اللَيْلِ، وإنَّما يَقُومُ هَذا الحُكْمُ مِن جَماعَةِ الأُمَّةِ، إذْ بَعْضُ الناسِ يَقُومُ أوَّلَ اللَيْلِ، وبَعْضُهم آخِرَهُ، وبَعْضُهم بَعْدَ هَجْعَةٍ ثُمَّ يَعُودُ إلى نَوْمِهِ، فَيَأْتِي مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ في المُدُنِ والجَماعاتِ عِبارَةُ آناءَ اللَيْلِ بِالقِيامِ، وهَكَذا كانَ صَدْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ، وعَرَفَ الناسُ القِيامَ في أوَّلِ الثُلُثِ الآخِرِ مِنَ اللَيْلِ أو قَبْلَهُ بِشَيْءٍ، وحِينَئِذٍ كانَ يَقُومُ الأكْثَرُ، والقِيامُ طُولَ اللَيْلِ قَلِيلٌ، وقَدْ كانَ في الصالِحِينَ مَن يَلْتَزِمُهُ، وقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعالى القَصْدَ مِن ذَلِكَ في سُورَةِ المُزَّمِّلِ، وقِيامُ اللَيْلِ لِقِراءَةِ العِلْمِ المُبْتَغى بِهِ وجْهُ اللهِ داخِلٌ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو أفْضَلُ مِنَ التَنَفُّلِ لِمَن يُرْجى انْتِفاعُ المُسْلِمِينَ بِعِلْمِهِ. وأمّا عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في "آناءَ اللَيْلِ"، فَقالَ الرَبِيعُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: آناءَ اللَيْلِ: ساعاتُ اللَيْلِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ: سَمِعْنا العَرَبَ تَقُولُ: آناءَ اللَيْلِ: ساعاتُ اللَيْلِ، وقالَ السُدِّيُّ: آناءَ اللَيْلِ: جَوْفُ اللَيْلِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَلِقٌ. أما إنَّ جَوْفَ اللَيْلِ جُزْءٌ مِنَ الآناءِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ احْتَبَسَ عَنّا لَيْلَةً عن صَلاةِ العَتَمَةِ وكانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، فَلَمْ يَأْتِ حَتّى مَضى لَيْلٌ، فَجاءَ ومِنّا المُصَلِّي ومِنّا المُضْطَجِعُ، فَقالَ: "أبْشِرُوا فَإنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ يُصَلِّي هَذِهِ الصَلاةَ" (p-٣٢٦)، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾.... الآيَةَ،» فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَيْلِ﴾ صَلاةُ العِشاءِ. ورَوى سُفْيانُ الثَوْرِيُّ عن مَنصُورٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُصَلِّينَ بَيْنَ العِشاءَيْنِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم يَسْجُدُونَ﴾ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ السُجُودَ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَلاةِ، سَمّاها بِجُزْءٍ شَرِيفٍ مِنها كَما تُسَمّى في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ رُكُوعًا، فَهي عَلى هَذا جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، كَأنَّهُ قالَ: يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَيْلِ مُصَلِّينَ. وذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّها جُمْلَةٌ مَقْطُوعَةٌ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ، أخْبَرَ عنهم أنَّهم أيْضًا أهْلُ سُجُودٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَحْسُنُ هَذا مِن جِهَةِ أنَّ التِلاوَةَ آناءَ اللَيْلِ قَدْ يَعْتَقِدُ السامِعُ أنَّ ذَلِكَ في غَيْرِ الصَلاةِ، وأيْضًا فالقِيامُ في قِراءَةِ العِلْمِ يَخْرُجُ مِنَ الآيَةِ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ، ويَثْبُتُ فِيها عَلى هَذا الثانِي، فَـ "هم يَسْجُدُونَ" عَلى هَذا نَعْتُ عَدَدٍ بِواوِ العَطْفِ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ الكَرِيمُ والعاقِلُ. و"يُؤْمِنُونَ" مَعْناهُ: يُصَدِّقُونَ، وفي الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ إيمانٌ بِالأنْبِياءِ. لِأنَّهُ مِن جائِزاتِ العَقْلِ الَّتِي أثْبَتَها السَمْعُ مِنَ الأنْبِياءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ وصْفٌ بِأنَّهم مَتى دُعُوا إلى خَيْرٍ مِن نَصْرِ مَظْلُومٍ وإغاثَةِ مَكْرُوبٍ وجَبْرِ مَهِيضٍ وعِبادَةِ اللهِ أجابُوا، ومِنهُ فِعْلُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في رَكْعَتَيِ المَسْجِدِ، وقالَ: دَعَوْتَنِي إلى خَيْرٍ فَأجَبْتُ إلَيْهِ. ومِمّا يَدْخُلُ في ضِمْنِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ أنْ يَكُونَ المَرْءُ مُغْتَنِمًا لِلْخَمْسِ قَبْلَ الخَمْسِ كَما قالَ النَبِيُّ ﷺ: « "اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وفَراغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وحَياتَكَ قَبْلَ مَماتِكَ، وغِناكَ قَبْلَ فَقْرِكَ"،» فَيَكُونُ مَتى أرادَ (p-٣٢٧)أنْ يَصْنَعَ خَيْرًا بادَرَ إلَيْهِ ولَمْ يُسَوِّفْ نَفْسَهُ بِالأمَلِ، فَهَذِهِ أيْضًا مُسارَعَةٌ في الخَيْراتِ. وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ قالَ: دَخَلْتُ مَعَ بَعْضِ الصالِحِينَ في مَرْكَبٍ فَقُلْتُ لَهُ: ما تَقُولُ أصْلَحَكَ اللهُ في الصَوْمِ في السَفَرِ؟ فَقالَ لِي: إنَّها المُبادَرَةُ يا ابْنَ أخِي، قالَ المُحَدِّثُ: فَجاءَنِي واللهِ بِجَوابٍ لَيْسَ مِن أجْوِبَةِ الفُقَهاءِ. ثُمَّ وصَفَ اللهُ تَعالى مَن تَحَصَّلَتْ لَهُ هَذِهِ الصِفاتُ بِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ الصالِحِينَ، و"مِنَ" يَحْسُنُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويَحْسُنُ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ.

آل عمران 3:115

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ واللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عنهم أمْوالُهم ولا أولادُهم مِنَ اللهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ وما ظَلَمَهُمُ اللهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وابْنِ عامِرٍ: "تَفْعَلُوا" و"تُكْفَرُوهُ" بِالتاءِ، عَلى مُخاطَبَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ بِالياءِ فِيهِما عَلى مُشابَهَةِ ما تَقَدَّمَ مِن: "يَتْلُونَ" و"يُؤْمِنُونَ"، وما بَعْدَهُما، وكانَ أبُو عَمْرٍو يَقْرَأُ بِالوَجْهَيْنِ. و"تُكْفَرُوهُ" مَعْناهُ: يُغَطّى دُونَكم فَلا تُثابُونَ عَلَيْهِ، ومِن هَذا قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "وَمَن أزَلْتُ إلَيْهِ نِعْمَةً فَلْيَذْكُرْها فَإنْ ذَكَرَها فَقَدْ شَكَرَها، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ كَفَرَها"،» ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٣٢٨) ؎ ........................ والكُفْرُ مَخْبَثَةٌ لِنَفْسِ المُنْعِمِ وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ. ثُمَّ عَقَّبَ تَعالى ذِكْرَ هَذا الصِنْفِ الصالِحِ بِذِكْرِ حالِ الكُفّارِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، وخَصَّ اللهُ تَعالى الأمْوالَ والأولادَ بِالذِكْرِ لِوُجُوهٍ:. مِنها أنَّها زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا وعُظْمُ ما تَجْرِي إلَيْهِ الآمالُ، ومِنها أنَّها ألْصَقُ النُصْرَةِ بِالإنْسانِ وأيْسَرُها، ومِنها أنَّ الكُفّارَ المُكَذِّبِينَ بِالآخِرَةِ لا هِمَّةَ لَهم إلّا فِيها وهي عِنْدَهم غايَةُ المَرْءِ وبِها كانُوا يَفْخَرُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ، فَذَكَرَ اللهُ أنَّ هَذَيْنِ اللَذَيْنِ هُما بِهَذِهِ الأوصافِ؛ لا غَناءَ فِيهِما مِن عِقابِ اللهِ في الآخِرَةِ، فَإذا لَمْ تُغْنِ هَذِهِ فَغَيْرُها مِنَ الأُمُورِ البَعِيدَةِ أحْرى ألّا يُغْنِيَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أصْحابُ النارِ﴾ إضافَةُ تَخْصِيصٍ ما تَقْتَضِي ثُبُوتَ ذَلِكَ لَهم ودَوامَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُنْيا﴾.... الآيَةُ، مَعْناهُ: المِثالُ القائِمُ في النُفُوسِ مِن إنْفاقِهِمُ الَّذِي يَعُدُّونَهُ قُرْبَةً وحِسْبَةً وتَحَنُّثًا، ومِن حَبْطِهِ يَوْمَ القِيامَةِ وكَوْنِهِ هَباءً مَنثُورًا، وذَهابِهِ كالمِثالِ القائِمِ في النُفُوسِ مِن زَرْعِ قَوْمٍ نَبَتَ واخْضَرَّ وقَوِيَ الأمَلُ فِيهِ فَهَبَّتْ عَلَيْهِ رِيحٌ فِيها صِرٌّ مُحْرِقٌ فَأهْلَكَتْهُ، فَوَقَعَ التَشْبِيهُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وشَيْئَيْنِ، ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أحَدَ الشَيْئَيْنِ المُشَبَّهَيْنِ وتَرَكَ الآخَرَ، ثُمَّ ذَكَرَ أحَدَ الشَيْئَيْنِ المُشَبَّهِ بِهِما، ولَيْسَ الَّذِي يُوازِي المَذْكُورَ الأوَّلَ، وتَرَكَ ذِكْرَ الآخَرِ، ودَلَّ المَذْكُورانِ عَلى المَتْرُوكَيْنِ، وهَذِهِ غايَةُ البَلاغَةِ والإيجازِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً﴾ [البقرة: ١٧١]. وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الأعْرَجُ "تُنْفِقُونَ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، و"مَثَلُ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في مَحْذُوفٍ بِهِ تَتَعَلَّقُ الكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَمَثَلِ"، و"ما"، بِمَعْنى الَّذِي، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ "يُنْفِقُونَ" يُرادُ بِهِ (p-٣٢٩)الأمْوالُ الَّتِي كانُوا يُنْفِقُونَها في التَحَنُّثِ وفي عَداوَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَهم قُرْبَةً، وقالَ السُدِّيُّ: "يُنْفِقُونَ" مَعْناهُ: مِن أقْوالِهِمُ الَّتِي يُبْطِنُونَ ضِدَّها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ في المُنافِقِينَ، والآيَةُ إنَّما هي في كُفّارٍ يُعْلِنُونَ مِثْلَ ما يُبْطِنُونَ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ "يُنْفِقُونَ" يُرادُ بِهِ أعْمالُهم مِنَ الكُفْرِ ونَحْوِهِ، أيْ هي كالرِيحِ الَّتِي فِيها صِرٌّ، فَتُبْطِلُ كُلَّ ما لَهم مِن صِلَةِ رَحِمٍ وتَحَنُّثٍ بِعِتْقٍ ونَحْوِهِ، كَما تُبْطِلُ الرِيحُ الزَرْعَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ لَوْلا بُعْدُ الِاسْتِعارَةِ في الإنْفاقِ. والصِرُّ: البَرْدُ الشَدِيدُ المُحْرِقُ لِكُلِّ ما يَهُبُّ عَلَيْهِ، وهو مَعْرُوفٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الصِرُّ البَرْدُ، وتُسَمِّيهِ العَرَبُ: الضَرِيبَ، وذَهَبَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ إلى أنَّ اللَفْظَةَ مِنَ التَصْوِيتِ، مِن قَوْلِهِمْ: صَرَّ الشَيْءُ، ومِنهُ الرِيحُ الصَرْصَرُ، قالَ الزَجّاجُ: فالصِرُّ صَوْتُ النارِ الَّتِي في الرِيحِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الصِرُّ: هو نَفَسُ جَهَنَّمَ الَّذِي في الزَمْهَرِيرِ يُحْرِقُ نَحْوًا مِمّا تُحْرِقُ النارُ. والحَرْثُ: شامِلٌ لِلزَّرْعِ والثِمارِ، لِأنَّ الجَمِيعَ مِمّا يَصْدُرُ عن إثارَةِ الأرْضِ وهي حَقِيقَةُ الحَرْثِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « "لا زَكاةَ إلّا في عَيْنٍ أو حَرْثٍ أو ماشِيَةٍ".» وقالَ عَزَّ وجَلَّ: "ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ" فَما بالُ هَذا التَخْصِيصِ والمَثَلُ صَحِيحٌ، وإنْ كانَ الحَرْثُ لِمَن لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فالجَوابُ أنَّ ظُلْمَ النَفْسِ في هَذِهِ الآيَةِ تَأوَّلَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ بِأنَّهُ ظُلْمٌ بِمَعاصِي اللهِ، فَعَلى هَذا وقَعَ التَشْبِيهُ بِحَرْثِ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ، إذْ عُقُوبَتُهُ أرْجى، وأخْذَةُ اللهِ لَهُ أشَدُّ، والنِقْمَةُ إلَيْهِ أسْرَعُ وفِيهِ أقْوى، كَما رُوِيَ: "فِي جَوْفِ العِيرِ" وغَيْرُهُ. وأيْضًا فَمِن أهْلِ العِلْمِ مَن يَرى أنَّ كُلَّ مَصائِبِ الدُنْيا فَإنَّما هي (p-٣٣٠)بِمَعاصِي العَبِيدِ، ويَنْتَزِعُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ ما آيَةٍ في القُرْآنِ، فَيَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِهِ: إنَّ كُلَّ حَرْثٍ تُحْرِقُهُ رِيحٌ فَإنَّما هو لِمَن قَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ. وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ ونَحا إلَيْهِ المَهْدَوِيُّ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ مَعْناهُ: زَرَعُوا في غَيْرِ أوانِ الزِراعَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَنْبَغِي أنْ يُقالَ في هَذا: ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ وضَعُوا أفْعالَ الفِلاحَةِ غَيْرَ مَوْضِعِها مِن وقْتٍ أو هَيْئَةِ عَمَلٍ، ويَخُصُّ هَؤُلاءِ بِالذِكْرِ لِأنَّ الحَرْقَ فِيما جَرى هَذا المَجْرى أوعَبُ وأشَدُّ تَمَكُّنًا، وهَذا المَنزَعُ يُشْبِهُهُ مِن جِهَةٍ ما قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ وسالِفَةٍ كَسَحُوقِ اللِيا ∗∗∗ نِ أضْرَمَ فِيها الغَوِيُّ السَعَرْ فَخَصَّصَ الغَوِيَّ لِأنَّهُ يُلْقِي النارَ في النَخْلَةِ الخَضْراءِ الحَسَنَةِ الَّتِي لا يَنْبَغِي أنْ تُحْرَقَ، فَتُطْفِئُ النارُ عن نَفْسِها رُطُوبَتَها بَعْدَ أنْ تَتَشَذَّبَ وتَسْوَدَّ، فَيَجِيءُ الشَبَهُ حَسَنًا. والرَشِيدُ لا يُضْرِمُ النارَ إلّا فِيما يَبِسَ واسْتَحَقَّ فَهو يَذْهَبُ ولا يَبْقى مِنهُ ما يُشَبَّهُ بِهِ. والضَمِيرُ في "ظَلَمَهُمُ" لِلْكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ضَمِيرُهم فِي: "يُنْفِقُونَ"، ولَيْسَ هو لِلْقَوْمِ ذَوِي الحَرْثِ لِأنَّهم لَمْ يُذْكَرُوا لِيَرُدَّ عَلَيْهِمْ ولا لِيُبَيِّنَ ظُلْمَهُمْ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى فِعْلِ الحالِ في حاضِرِينَ.

آل عمران 3:116

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ واللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عنهم أمْوالُهم ولا أولادُهم مِنَ اللهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ وما ظَلَمَهُمُ اللهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وابْنِ عامِرٍ: "تَفْعَلُوا" و"تُكْفَرُوهُ" بِالتاءِ، عَلى مُخاطَبَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ بِالياءِ فِيهِما عَلى مُشابَهَةِ ما تَقَدَّمَ مِن: "يَتْلُونَ" و"يُؤْمِنُونَ"، وما بَعْدَهُما، وكانَ أبُو عَمْرٍو يَقْرَأُ بِالوَجْهَيْنِ. و"تُكْفَرُوهُ" مَعْناهُ: يُغَطّى دُونَكم فَلا تُثابُونَ عَلَيْهِ، ومِن هَذا قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "وَمَن أزَلْتُ إلَيْهِ نِعْمَةً فَلْيَذْكُرْها فَإنْ ذَكَرَها فَقَدْ شَكَرَها، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ كَفَرَها"،» ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٣٢٨) ؎ ........................ والكُفْرُ مَخْبَثَةٌ لِنَفْسِ المُنْعِمِ وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ. ثُمَّ عَقَّبَ تَعالى ذِكْرَ هَذا الصِنْفِ الصالِحِ بِذِكْرِ حالِ الكُفّارِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، وخَصَّ اللهُ تَعالى الأمْوالَ والأولادَ بِالذِكْرِ لِوُجُوهٍ:. مِنها أنَّها زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا وعُظْمُ ما تَجْرِي إلَيْهِ الآمالُ، ومِنها أنَّها ألْصَقُ النُصْرَةِ بِالإنْسانِ وأيْسَرُها، ومِنها أنَّ الكُفّارَ المُكَذِّبِينَ بِالآخِرَةِ لا هِمَّةَ لَهم إلّا فِيها وهي عِنْدَهم غايَةُ المَرْءِ وبِها كانُوا يَفْخَرُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ، فَذَكَرَ اللهُ أنَّ هَذَيْنِ اللَذَيْنِ هُما بِهَذِهِ الأوصافِ؛ لا غَناءَ فِيهِما مِن عِقابِ اللهِ في الآخِرَةِ، فَإذا لَمْ تُغْنِ هَذِهِ فَغَيْرُها مِنَ الأُمُورِ البَعِيدَةِ أحْرى ألّا يُغْنِيَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أصْحابُ النارِ﴾ إضافَةُ تَخْصِيصٍ ما تَقْتَضِي ثُبُوتَ ذَلِكَ لَهم ودَوامَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُنْيا﴾.... الآيَةُ، مَعْناهُ: المِثالُ القائِمُ في النُفُوسِ مِن إنْفاقِهِمُ الَّذِي يَعُدُّونَهُ قُرْبَةً وحِسْبَةً وتَحَنُّثًا، ومِن حَبْطِهِ يَوْمَ القِيامَةِ وكَوْنِهِ هَباءً مَنثُورًا، وذَهابِهِ كالمِثالِ القائِمِ في النُفُوسِ مِن زَرْعِ قَوْمٍ نَبَتَ واخْضَرَّ وقَوِيَ الأمَلُ فِيهِ فَهَبَّتْ عَلَيْهِ رِيحٌ فِيها صِرٌّ مُحْرِقٌ فَأهْلَكَتْهُ، فَوَقَعَ التَشْبِيهُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وشَيْئَيْنِ، ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أحَدَ الشَيْئَيْنِ المُشَبَّهَيْنِ وتَرَكَ الآخَرَ، ثُمَّ ذَكَرَ أحَدَ الشَيْئَيْنِ المُشَبَّهِ بِهِما، ولَيْسَ الَّذِي يُوازِي المَذْكُورَ الأوَّلَ، وتَرَكَ ذِكْرَ الآخَرِ، ودَلَّ المَذْكُورانِ عَلى المَتْرُوكَيْنِ، وهَذِهِ غايَةُ البَلاغَةِ والإيجازِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً﴾ [البقرة: ١٧١]. وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الأعْرَجُ "تُنْفِقُونَ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، و"مَثَلُ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في مَحْذُوفٍ بِهِ تَتَعَلَّقُ الكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَمَثَلِ"، و"ما"، بِمَعْنى الَّذِي، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ "يُنْفِقُونَ" يُرادُ بِهِ (p-٣٢٩)الأمْوالُ الَّتِي كانُوا يُنْفِقُونَها في التَحَنُّثِ وفي عَداوَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَهم قُرْبَةً، وقالَ السُدِّيُّ: "يُنْفِقُونَ" مَعْناهُ: مِن أقْوالِهِمُ الَّتِي يُبْطِنُونَ ضِدَّها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ في المُنافِقِينَ، والآيَةُ إنَّما هي في كُفّارٍ يُعْلِنُونَ مِثْلَ ما يُبْطِنُونَ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ "يُنْفِقُونَ" يُرادُ بِهِ أعْمالُهم مِنَ الكُفْرِ ونَحْوِهِ، أيْ هي كالرِيحِ الَّتِي فِيها صِرٌّ، فَتُبْطِلُ كُلَّ ما لَهم مِن صِلَةِ رَحِمٍ وتَحَنُّثٍ بِعِتْقٍ ونَحْوِهِ، كَما تُبْطِلُ الرِيحُ الزَرْعَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ لَوْلا بُعْدُ الِاسْتِعارَةِ في الإنْفاقِ. والصِرُّ: البَرْدُ الشَدِيدُ المُحْرِقُ لِكُلِّ ما يَهُبُّ عَلَيْهِ، وهو مَعْرُوفٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الصِرُّ البَرْدُ، وتُسَمِّيهِ العَرَبُ: الضَرِيبَ، وذَهَبَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ إلى أنَّ اللَفْظَةَ مِنَ التَصْوِيتِ، مِن قَوْلِهِمْ: صَرَّ الشَيْءُ، ومِنهُ الرِيحُ الصَرْصَرُ، قالَ الزَجّاجُ: فالصِرُّ صَوْتُ النارِ الَّتِي في الرِيحِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الصِرُّ: هو نَفَسُ جَهَنَّمَ الَّذِي في الزَمْهَرِيرِ يُحْرِقُ نَحْوًا مِمّا تُحْرِقُ النارُ. والحَرْثُ: شامِلٌ لِلزَّرْعِ والثِمارِ، لِأنَّ الجَمِيعَ مِمّا يَصْدُرُ عن إثارَةِ الأرْضِ وهي حَقِيقَةُ الحَرْثِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « "لا زَكاةَ إلّا في عَيْنٍ أو حَرْثٍ أو ماشِيَةٍ".» وقالَ عَزَّ وجَلَّ: "ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ" فَما بالُ هَذا التَخْصِيصِ والمَثَلُ صَحِيحٌ، وإنْ كانَ الحَرْثُ لِمَن لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فالجَوابُ أنَّ ظُلْمَ النَفْسِ في هَذِهِ الآيَةِ تَأوَّلَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ بِأنَّهُ ظُلْمٌ بِمَعاصِي اللهِ، فَعَلى هَذا وقَعَ التَشْبِيهُ بِحَرْثِ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ، إذْ عُقُوبَتُهُ أرْجى، وأخْذَةُ اللهِ لَهُ أشَدُّ، والنِقْمَةُ إلَيْهِ أسْرَعُ وفِيهِ أقْوى، كَما رُوِيَ: "فِي جَوْفِ العِيرِ" وغَيْرُهُ. وأيْضًا فَمِن أهْلِ العِلْمِ مَن يَرى أنَّ كُلَّ مَصائِبِ الدُنْيا فَإنَّما هي (p-٣٣٠)بِمَعاصِي العَبِيدِ، ويَنْتَزِعُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ ما آيَةٍ في القُرْآنِ، فَيَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِهِ: إنَّ كُلَّ حَرْثٍ تُحْرِقُهُ رِيحٌ فَإنَّما هو لِمَن قَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ. وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ ونَحا إلَيْهِ المَهْدَوِيُّ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ مَعْناهُ: زَرَعُوا في غَيْرِ أوانِ الزِراعَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَنْبَغِي أنْ يُقالَ في هَذا: ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ وضَعُوا أفْعالَ الفِلاحَةِ غَيْرَ مَوْضِعِها مِن وقْتٍ أو هَيْئَةِ عَمَلٍ، ويَخُصُّ هَؤُلاءِ بِالذِكْرِ لِأنَّ الحَرْقَ فِيما جَرى هَذا المَجْرى أوعَبُ وأشَدُّ تَمَكُّنًا، وهَذا المَنزَعُ يُشْبِهُهُ مِن جِهَةٍ ما قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ وسالِفَةٍ كَسَحُوقِ اللِيا ∗∗∗ نِ أضْرَمَ فِيها الغَوِيُّ السَعَرْ فَخَصَّصَ الغَوِيَّ لِأنَّهُ يُلْقِي النارَ في النَخْلَةِ الخَضْراءِ الحَسَنَةِ الَّتِي لا يَنْبَغِي أنْ تُحْرَقَ، فَتُطْفِئُ النارُ عن نَفْسِها رُطُوبَتَها بَعْدَ أنْ تَتَشَذَّبَ وتَسْوَدَّ، فَيَجِيءُ الشَبَهُ حَسَنًا. والرَشِيدُ لا يُضْرِمُ النارَ إلّا فِيما يَبِسَ واسْتَحَقَّ فَهو يَذْهَبُ ولا يَبْقى مِنهُ ما يُشَبَّهُ بِهِ. والضَمِيرُ في "ظَلَمَهُمُ" لِلْكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ضَمِيرُهم فِي: "يُنْفِقُونَ"، ولَيْسَ هو لِلْقَوْمِ ذَوِي الحَرْثِ لِأنَّهم لَمْ يُذْكَرُوا لِيَرُدَّ عَلَيْهِمْ ولا لِيُبَيِّنَ ظُلْمَهُمْ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى فِعْلِ الحالِ في حاضِرِينَ.

آل عمران 3:117

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ واللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عنهم أمْوالُهم ولا أولادُهم مِنَ اللهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ وما ظَلَمَهُمُ اللهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وابْنِ عامِرٍ: "تَفْعَلُوا" و"تُكْفَرُوهُ" بِالتاءِ، عَلى مُخاطَبَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ بِالياءِ فِيهِما عَلى مُشابَهَةِ ما تَقَدَّمَ مِن: "يَتْلُونَ" و"يُؤْمِنُونَ"، وما بَعْدَهُما، وكانَ أبُو عَمْرٍو يَقْرَأُ بِالوَجْهَيْنِ. و"تُكْفَرُوهُ" مَعْناهُ: يُغَطّى دُونَكم فَلا تُثابُونَ عَلَيْهِ، ومِن هَذا قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "وَمَن أزَلْتُ إلَيْهِ نِعْمَةً فَلْيَذْكُرْها فَإنْ ذَكَرَها فَقَدْ شَكَرَها، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ كَفَرَها"،» ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٣٢٨) ؎ ........................ والكُفْرُ مَخْبَثَةٌ لِنَفْسِ المُنْعِمِ وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ. ثُمَّ عَقَّبَ تَعالى ذِكْرَ هَذا الصِنْفِ الصالِحِ بِذِكْرِ حالِ الكُفّارِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، وخَصَّ اللهُ تَعالى الأمْوالَ والأولادَ بِالذِكْرِ لِوُجُوهٍ:. مِنها أنَّها زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا وعُظْمُ ما تَجْرِي إلَيْهِ الآمالُ، ومِنها أنَّها ألْصَقُ النُصْرَةِ بِالإنْسانِ وأيْسَرُها، ومِنها أنَّ الكُفّارَ المُكَذِّبِينَ بِالآخِرَةِ لا هِمَّةَ لَهم إلّا فِيها وهي عِنْدَهم غايَةُ المَرْءِ وبِها كانُوا يَفْخَرُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ، فَذَكَرَ اللهُ أنَّ هَذَيْنِ اللَذَيْنِ هُما بِهَذِهِ الأوصافِ؛ لا غَناءَ فِيهِما مِن عِقابِ اللهِ في الآخِرَةِ، فَإذا لَمْ تُغْنِ هَذِهِ فَغَيْرُها مِنَ الأُمُورِ البَعِيدَةِ أحْرى ألّا يُغْنِيَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أصْحابُ النارِ﴾ إضافَةُ تَخْصِيصٍ ما تَقْتَضِي ثُبُوتَ ذَلِكَ لَهم ودَوامَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُنْيا﴾.... الآيَةُ، مَعْناهُ: المِثالُ القائِمُ في النُفُوسِ مِن إنْفاقِهِمُ الَّذِي يَعُدُّونَهُ قُرْبَةً وحِسْبَةً وتَحَنُّثًا، ومِن حَبْطِهِ يَوْمَ القِيامَةِ وكَوْنِهِ هَباءً مَنثُورًا، وذَهابِهِ كالمِثالِ القائِمِ في النُفُوسِ مِن زَرْعِ قَوْمٍ نَبَتَ واخْضَرَّ وقَوِيَ الأمَلُ فِيهِ فَهَبَّتْ عَلَيْهِ رِيحٌ فِيها صِرٌّ مُحْرِقٌ فَأهْلَكَتْهُ، فَوَقَعَ التَشْبِيهُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وشَيْئَيْنِ، ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أحَدَ الشَيْئَيْنِ المُشَبَّهَيْنِ وتَرَكَ الآخَرَ، ثُمَّ ذَكَرَ أحَدَ الشَيْئَيْنِ المُشَبَّهِ بِهِما، ولَيْسَ الَّذِي يُوازِي المَذْكُورَ الأوَّلَ، وتَرَكَ ذِكْرَ الآخَرِ، ودَلَّ المَذْكُورانِ عَلى المَتْرُوكَيْنِ، وهَذِهِ غايَةُ البَلاغَةِ والإيجازِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً﴾ [البقرة: ١٧١]. وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الأعْرَجُ "تُنْفِقُونَ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، و"مَثَلُ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في مَحْذُوفٍ بِهِ تَتَعَلَّقُ الكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَمَثَلِ"، و"ما"، بِمَعْنى الَّذِي، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ "يُنْفِقُونَ" يُرادُ بِهِ (p-٣٢٩)الأمْوالُ الَّتِي كانُوا يُنْفِقُونَها في التَحَنُّثِ وفي عَداوَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَهم قُرْبَةً، وقالَ السُدِّيُّ: "يُنْفِقُونَ" مَعْناهُ: مِن أقْوالِهِمُ الَّتِي يُبْطِنُونَ ضِدَّها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ في المُنافِقِينَ، والآيَةُ إنَّما هي في كُفّارٍ يُعْلِنُونَ مِثْلَ ما يُبْطِنُونَ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ "يُنْفِقُونَ" يُرادُ بِهِ أعْمالُهم مِنَ الكُفْرِ ونَحْوِهِ، أيْ هي كالرِيحِ الَّتِي فِيها صِرٌّ، فَتُبْطِلُ كُلَّ ما لَهم مِن صِلَةِ رَحِمٍ وتَحَنُّثٍ بِعِتْقٍ ونَحْوِهِ، كَما تُبْطِلُ الرِيحُ الزَرْعَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ لَوْلا بُعْدُ الِاسْتِعارَةِ في الإنْفاقِ. والصِرُّ: البَرْدُ الشَدِيدُ المُحْرِقُ لِكُلِّ ما يَهُبُّ عَلَيْهِ، وهو مَعْرُوفٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الصِرُّ البَرْدُ، وتُسَمِّيهِ العَرَبُ: الضَرِيبَ، وذَهَبَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ إلى أنَّ اللَفْظَةَ مِنَ التَصْوِيتِ، مِن قَوْلِهِمْ: صَرَّ الشَيْءُ، ومِنهُ الرِيحُ الصَرْصَرُ، قالَ الزَجّاجُ: فالصِرُّ صَوْتُ النارِ الَّتِي في الرِيحِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الصِرُّ: هو نَفَسُ جَهَنَّمَ الَّذِي في الزَمْهَرِيرِ يُحْرِقُ نَحْوًا مِمّا تُحْرِقُ النارُ. والحَرْثُ: شامِلٌ لِلزَّرْعِ والثِمارِ، لِأنَّ الجَمِيعَ مِمّا يَصْدُرُ عن إثارَةِ الأرْضِ وهي حَقِيقَةُ الحَرْثِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « "لا زَكاةَ إلّا في عَيْنٍ أو حَرْثٍ أو ماشِيَةٍ".» وقالَ عَزَّ وجَلَّ: "ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ" فَما بالُ هَذا التَخْصِيصِ والمَثَلُ صَحِيحٌ، وإنْ كانَ الحَرْثُ لِمَن لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فالجَوابُ أنَّ ظُلْمَ النَفْسِ في هَذِهِ الآيَةِ تَأوَّلَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ بِأنَّهُ ظُلْمٌ بِمَعاصِي اللهِ، فَعَلى هَذا وقَعَ التَشْبِيهُ بِحَرْثِ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ، إذْ عُقُوبَتُهُ أرْجى، وأخْذَةُ اللهِ لَهُ أشَدُّ، والنِقْمَةُ إلَيْهِ أسْرَعُ وفِيهِ أقْوى، كَما رُوِيَ: "فِي جَوْفِ العِيرِ" وغَيْرُهُ. وأيْضًا فَمِن أهْلِ العِلْمِ مَن يَرى أنَّ كُلَّ مَصائِبِ الدُنْيا فَإنَّما هي (p-٣٣٠)بِمَعاصِي العَبِيدِ، ويَنْتَزِعُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ ما آيَةٍ في القُرْآنِ، فَيَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِهِ: إنَّ كُلَّ حَرْثٍ تُحْرِقُهُ رِيحٌ فَإنَّما هو لِمَن قَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ. وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ ونَحا إلَيْهِ المَهْدَوِيُّ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ مَعْناهُ: زَرَعُوا في غَيْرِ أوانِ الزِراعَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَنْبَغِي أنْ يُقالَ في هَذا: ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ وضَعُوا أفْعالَ الفِلاحَةِ غَيْرَ مَوْضِعِها مِن وقْتٍ أو هَيْئَةِ عَمَلٍ، ويَخُصُّ هَؤُلاءِ بِالذِكْرِ لِأنَّ الحَرْقَ فِيما جَرى هَذا المَجْرى أوعَبُ وأشَدُّ تَمَكُّنًا، وهَذا المَنزَعُ يُشْبِهُهُ مِن جِهَةٍ ما قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ وسالِفَةٍ كَسَحُوقِ اللِيا ∗∗∗ نِ أضْرَمَ فِيها الغَوِيُّ السَعَرْ فَخَصَّصَ الغَوِيَّ لِأنَّهُ يُلْقِي النارَ في النَخْلَةِ الخَضْراءِ الحَسَنَةِ الَّتِي لا يَنْبَغِي أنْ تُحْرَقَ، فَتُطْفِئُ النارُ عن نَفْسِها رُطُوبَتَها بَعْدَ أنْ تَتَشَذَّبَ وتَسْوَدَّ، فَيَجِيءُ الشَبَهُ حَسَنًا. والرَشِيدُ لا يُضْرِمُ النارَ إلّا فِيما يَبِسَ واسْتَحَقَّ فَهو يَذْهَبُ ولا يَبْقى مِنهُ ما يُشَبَّهُ بِهِ. والضَمِيرُ في "ظَلَمَهُمُ" لِلْكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ضَمِيرُهم فِي: "يُنْفِقُونَ"، ولَيْسَ هو لِلْقَوْمِ ذَوِي الحَرْثِ لِأنَّهم لَمْ يُذْكَرُوا لِيَرُدَّ عَلَيْهِمْ ولا لِيُبَيِّنَ ظُلْمَهُمْ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى فِعْلِ الحالِ في حاضِرِينَ.

آل عمران 3:118

قوله عزّ وجلّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالا ودُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (p-٣٣١)نَهى اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عن أنْ يَتَّخِذُوا مِنَ الكُفّارِ واليَهُودِ أخِلّاءً يَأْنَسُونَ بِهِمْ في الباطِنِ مِن أُمُورِهِمْ، ويُفاوِضُونَهم في الآراءِ، ويَسْتَنِيمُونَ إلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ: "مِن دُونِكُمْ" يَعْنِي: مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، ولَفْظَةُ "دُونَ" تَقْتَضِي فِيما أُضِيفُ إلَيْهِ أنَّهُ مَعْدُومٌ مِنَ القِصَّةِ الَّتِي فِيها الكَلامُ، فَشَبَّهَ الأخِلّاءَ بِما يَلِي بَطْنَ الإنْسانِ مِن ثَوْبِهِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "ما مِن خَلِيفَةٍ ولا ذِي إمْرَةٍ إلّا ولَهُ بِطانَتانِ، بِطانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالخَيْرِ وتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وبِطانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَرِّ وتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، والمَعْصُومُ مَن عَصَمَ اللهُ".» وقَوْلُهُ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالا﴾ مَعْناهُ: لا يُقَصِّرُونَ لَكم فِيما فِيهِ الفَسادُ عَلَيْكُمْ، تَقُولُ: ما ألَوْتُ في كَذا، أيْ: ما قَصَّرْتُ، بَلِ اجْتَهَدْتُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ جَرى بَعْدَهم قَوْمٌ لِكَيْ يَلْحَقُوهُمُ فَلَمْ يَلْحَقُوا ولَمْ يُلِيمُوا ولَمْ يَأْلُوا أيْ لَمْ يُقَصِّرُوا. والخَبَلُ والخَبالُ: الفَسادُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ رِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُواصِلُونَ رِجالًا مِنَ اليَهُودِ، لِلْجِوارِ والحِلْفِ الَّذِي كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. وقالَ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والرَبِيعُ والسُدِّيُّ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، نَهى اللهُ المُؤْمِنِينَ عنهم. ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لا تَسْتَضِيئُوا بِنارِ المُشْرِكِينَ، ولا تَنْقُشُوا في خَواتِيمِكم عَرَبِيًّا"» فَسَّرَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ فَقالَ: أرادَ عَلَيْهِ السَلامُ: لا تَسْتَشِيرُوا المُشْرِكِينَ في شَيْءٍ مِن أُمُورِكُمْ، ولا تَنْقُشُوا في خَواتِيمِكم "مُحَمَّدًا". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ اسْتِكْتابُ أهْلِ الذِمَّةِ وتَصْرِيفُهم في البَيْعِ والشِراءِ والِاسْتِنامَةُ (p-٣٣٢)إلَيْهِمْ. ورُوِيَ أنَّ أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ اسْتَكْتَبَ ذِمِّيًّا فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ يُعَنِّفُهُ، وتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ. وقِيلَ لِعُمَرَ: إنَّ هاهُنا رَجُلًا مِن نَصارى الحِيرَةِ لا أحَدَ أكْتَبُ مِنهُ ولا أخَطُّ بِقَلَمٍ، أفَلا يَكْتُبُ عنكَ؟ فَقالَ: إذًا أتَّخِذُ بِطانَةً مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ. و"ما" في قَوْلِهِ: "ما عَنِتُّمْ" مَصْدَرِيَّةٌ. فالمَعْنى: ودُّوا عَنَتَكُمْ، والعَنَتُ: المَشَقَّةُ والمَكْرُوهُ يَلْقاهُ المَرْءُ، وعَقَبَةٌ عَنُوتٌ: أيْ شاقَّةٌ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ﴾ [النساء: ٢٥] مَعْناهُ: المَشَقَّةُ إمّا في الزِنى، وإمّا في مِلْكِ الإرْبِ. قالَ السُدِّيُّ: مَعْناهُ: ودُّوا ما ضَلَلْتُمْ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَعْنى: ودُّوا أنْ تَعْنَتُوا في دِينِكُمْ، ويُقالُ: عَنِتَ الرَجُلُ يَعْنَتُ بِكَسْرِ النُونِ في الماضِي. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ يَعْنِي بِالأقْوالِ، فَهم فَوْقَ المُتَسَتِّرِ الَّذِي تَبْدُو البَغْضاءُ في عَيْنَيْهِ. وخَصَّ تَعالى الأفْواهَ بِالذِكْرِ دُونَ الألْسِنَةِ إشارَةً إلى تَشَدُّقِهِمْ وثَرْثَرَتِهِمْ في أقْوالِهِمْ هَذِهِ، ويُشْبِهُ هَذا الَّذِي قُلْناهُ ما في الحَدِيثِ: «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهى أنْ يَتَشَحّى الرَجُلُ في عِرْضِ أخِيهِ،» مَعْناهُ: أنْ يَفْتَحَ فاهُ بِهِ، يُقالُ: شَحا الحِمارُ فاهُ بِالنَهِيقِ، وشَحا اللِجامُ في الفَرَسِ، والنَهْيُ في أنْ يَأْخُذَ أحَدٌ عِرْضَ أخِيهِ هَمْسًا راتِبٌ، فَذِكْرُ التَشَحِّي إنَّما هو إشارَةٌ إلى التَشَدُّقِ والِانْبِساطِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾ إعْلامٌ بِأنَّهم يُبْطِنُونَ مِنَ البَغْضاءِ أكْثَرَ مِمّا يُظْهِرُونَ بِأفْواهِهِمْ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "قَدْ بَدا البَغْضاءُ" بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ، لِما كانَتِ البَغْضاءُ بِمَعْنى البُغْضِ. ثُمَّ قالَ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ تَحْذِيرًا وتَنْبِيهًا، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّهم عُقَلاءُ ولَكِنَّ هَذا هَزٌّ لِلنُّفُوسِ كَما تَقُولُ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا وكَذا.

آل عمران 3:119

(p-٣٣٣)قوله عزّ وجلّ: ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكم إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾ تَقَدَّمَ إعْرابُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وقِراءَتُها في قَوْلِهِ تَعالى آنِفًا: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦] والضَمِيرُ فِي: "تُحِبُّونَهُمْ" لِمُنافِقِي اليَهُودِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في قَوْلِهِ: ﴿بِطانَةً مِن دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]، والضَمِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ اسْمٌ لِلْجِنْسِ، أيْ: تُؤْمِنُونَ بِجَمِيعِ الكُتُبِ وهم لا يُؤْمِنُونَ بِقِراءَتِكم. وإنَّما وقَفَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ الأحْوالِ المُوجِبَةِ لِبُغْضِ المُؤْمِنِينَ لِمُنافِقِي اليَهُودِ واطِّراحِهِمْ إيّاهُمْ، فَمِن تِلْكَ الأحْوالِ أنَّهم لا يُحِبُّونَ المُؤْمِنِينَ، وأنَّهم يَكْفُرُونَ بِكِتابِهِمْ، وأنَّهم يُنافِقُونَ عَلَيْهِمْ ويَسْتَخِفُّونَ بِهِمْ ويَغْتاظُونَ ويَتَرَبَّصُونَ الدَوائِرَ عَلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ﴾ عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الغَيْظِ مَعَ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلى إنْفاذِهِ ومِنهُ قَوْلُ أبِي طالِبٍ: ؎ ...................... ∗∗∗..... يَعَضُّونَ غَيْظًا خَلْفَنا بِالأنامِلِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ وقَدْ شَهِدَتْ قَيْسٌ فَما كانَ نَصْرُها ∗∗∗ قُتَيْبَةَ إلّا عَضُّها بِالأباهِمِ وهَذا العَضُّ هو بِالأسْنانِ، وهي هَيْئَةٌ في بَدَنِ الإنْسانِ تَتْبَعُ هَيْئَةَ النَفْسِ الغائِظَةِ، كَما أنَّ عَضَّ اليَدِ عَلى اليَدِ يَتْبَعُ هَيْئَةَ النَفْسِ النادِمَةِ المُتَلَهِّفَةِ عَلى فائِتٍ قَرِيبِ الفَوْتِ، وكَما أنَّ قَرْعَ السِنِّ هَيْئَةُ النَفْسِ النادِمَةِ فَقَطْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن عَدِّ الحَصى والخَطِّ في (p-٣٣٤)الأرْضِ لِلْمَهْمُومِ ونَحْوِهِ، ويُكْتَبُ هَذا العَضُّ بِالضادِ، ويُكْتَبُ عَظُّ الزَمانِ بِالظاءِ المُشالَةِ، وواحِدُ الأنامِلِ أُنْمُلَةٌ بِضَمِّ المِيمِ، ويُقالُ بِفَتْحِها، والضَمُّ أشْهَرُ، ولا نَظِيرَ لِهَذا الِاسْمِ في بِنائِهِ إلّا أشُدَّ، ولَهُ نَظائِرُ في الجُمُوعِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ في مُنافِقِي اليَهُودِ لا في مُنافِقِي العَرَبِ، ويَعْتَرِضُها أنَّ مُنافِقِي اليَهُودِ لَمْ يُحْفَظْ عنهم أنَّهم كانُوا يُؤْمِنُونَ في الظاهِرِ إيمانًا مُطْلَقًا ويَكْفُرُونَ في الباطِنِ كَما كانَ المُنافِقُونَ مِنَ العَرَبِ يَفْعَلُونَ، إلّا ما رُوِيَ مِن أمْرِ زَيْدِ بْنِ الصِيتِ القَيْنُقاعِيِّ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّ قَوْلَهُمْ: "آمَنّا" مَعْناهُ: صَدَّقْنا أنَّهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ إلَيْكُمْ، أيْ: فَكُونُوا عَلى دِينِكم ونَحْنُ أولِياؤُكم وإخْوانُكم ولا نُضْمِرُ لَكم إلّا المَوَدَّةَ، ولِهَذا كانَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ يَتَّخِذُهم بِطانَةً، وهَذا مَنزَعٌ قَدْ حُفِظَ أنَّ كَثِيرًا مِنَ اليَهُودِ كانَ يُذْهَبُ إلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا التَأْوِيلِ أنَّ المُعادِلَ لِقَوْلِهِمْ: "آمَنّا" عَضُّ الأنامِلِ مِنَ الغَيْظِ، ولَيْسَ هو ما يَقْتَضِي الِارْتِدادَ كَما هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤]، بَلْ هو ما يَقْتَضِي البُغْضَ وعَدَمَ المَوَدَّةِ. وكانَ أبُو الجَوْزاءِ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ قالَ: هُمُ الإباضِيَّةُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الصِفَةُ قَدْ تَتَرَتَّبُ في أهْلِ البِدَعِ مِنَ الناسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾، قالَ فِيهِ الطَبَرِيُّ وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذا يَتَّجِهُ أنْ يُدْعى عَلَيْهِمْ بِهَذا مُواجَهَةً وغَيْرَ مُواجَهَةٍ وقالَ قَوْمٌ: بَلْ أُمِرَ النَبِيُّ ﷺ وأُمَّتُهُ أنْ يُواجِهُوهم بِهَذا. فَعَلى هَذا زالَ مَعْنى الدُعاءِ وبَقِيَ مَعْنى التَقْرِيعِ والإغاظَةِ، ويَجْرِي المَعْنى مَعَ قَوْلِ مُسافِرِ بْنِ أبِي عَمْرٍو:(p-٣٣٥) ؎ ونُنْمِي في أرُومَتِنا ∗∗∗ ونَفْقَأُ عَيْنَ مَن حَسَدا ويَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: "مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَماءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ [الحج: ١٥]. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾ وعِيدٌ يُواجَهُونَ بِهِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ الأخِيرِ فِي: "مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ"، وهو إخْبارٌ مُجَرَّدٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ في تَأْوِيلِ الدُعاءِ فِي: ﴿مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ و"ذاتِ الصُدُورِ": ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ، والإشارَةُ هُنا إلى المُعْتَقَداتِ، ومِن هَذا قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنَّما هو ذُو بَطْنِ بِنْتِ خارِجَةَ"، ومِنهُ قَوْلُهُمُ: "الذِيبُ مَغْبُوطٌ بِذِي بَطْنِهِ"، والذاتُ لَفْظٌ مُشْتَرِكٌ في مَعانٍ لا يَدْخُلُ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ إلّا ما ذَكَرْناهُ.

آل عمران 3:120

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا إنْ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ الحَسَنَةُ والسَيِّئَةُ في هَذِهِ الآيَةِ لَفْظٌ عامٌّ في كُلِّ ما يَحْسُنُ ويَسُوءُ، وما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ مِنَ الخِصْبِ والجَدْبِ واجْتِماعِ المُؤْمِنِينَ ودُخُولِ الفُرْقَةِ بَيْنَهم وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ فَإنَّما هي أمْثِلَةٌ ولَيْسَ ذَلِكَ بِاخْتِلافٍ، وذَكَرَ تَعالى المَسَّ في الحَسَنَةِ لِيُبَيِّنَ أنَّ بِأدْنى طُرُوءِ الحَسَنَةِ تَقَعُ المَساءَةُ بِنُفُوسِ هَؤُلاءِ المُبْغِضِينَ، ثُمَّ عادَلَ ذَلِكَ بِالسَيِّئَةِ بِلَفْظِ (p-٣٣٦)الإصابَةِ وهي عِبارَةٌ عَنِ التَمَكُّنِ، لِأنَّ الشَيْءَ المُصِيبَ لِشَيْءٍ فَهو مُتَمَكِّنٌ مِنهُ أو فِيهِ، فَدَلَّ هَذا المَنزَعُ البَلِيغُ عَلى شِدَّةِ العَداوَةِ، إذْ هو حِقْدٌ لا يَذْهَبُ عِنْدَ الشَدائِدِ، بَلْ يَفْرَحُونَ بِنُزُولِ الشَدائِدِ بِالمُؤْمِنِينَ، وهَكَذا هي عَداوَةُ الحَسَدِ في الأغْلَبِ، ولا سِيَّما في مِثْلِ هَذا الأمْرِ الجَسِيمِ الَّذِي هو مِلاكُ الدُنْيا والآخِرَةِ، وقَدْ قالَ الشاعِرُ: ؎ كُلُّ العَداوَةِ قَدْ تُرْجى إزالَتُها إلّا عَداوَةَ مَن عاداكَ مِن حَسَدِ ولَمّا قَرَّرَ تَعالى هَذا الحالَ لِهَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ، وأوجَبَتِ الآيَةُ أنْ يَعْتَقِدَهُمُ المُؤْمِنُونَ بِهَذِهِ الصِفَةِ، جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ تَسْلِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وتَقْوِيَةً لِنُفُوسِهِمْ، وشَرَطَ ذَلِكَ بِالصَبْرِ والتَقْوى. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ونافِعٌ: "لا يَضِرْكُمْ" بِكَسْرِ الضادِ وجَزْمِ الراءِ، وهو مِن ضارَ يَضِيرُ بِمَعْنى: ضَرَّ يَضُرُّ وهي لُغَةٌ فَصِيحَةٌ، وحَكى الكِسائِيُّ: ضارَ يَضُورُ، ولَمْ يَقْرَأْ عَلى هَذِهِ اللُغَةِ. ومِن ضارَ يَضِيرُ في كِتابِ اللهِ "لا ضَيْرَ"، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ: فَقِيلَ: ؎ تَحَمَّلْ فَوْقَ طَوْقِكَ إنَّها ∗∗∗ ∗∗∗ مُطَبَّعَةٌ مَن يَأْتِها لا يَضِيرُها يَصِفُ مَدِينَةً، والمَعْنى: فَلَيْسَ يَضِيرُها، وفي هَذا النَفْيِ المُقَدَّرِ بِالفاءِ هو جَوابُ الشَرْطِ. ومِنَ اللَفْظِ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَيِّرِ: ؎ وقالَ أُناسٌ لا يَضِيرُكَ نَأْيُها ∗∗∗ بَلى كُلُّ ما شَفَّ النُفُوسَ يَضِيرُها (p-٣٣٧)وَقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "لا يَضُرُّكُمْ" بِضَمِّ الضادِ والراءِ والتَشْدِيدِ في الراءِ، وهَذا مِن ضَرَّ يَضُرُّ، ورُوِيَ عن حَمْزَةَ مِثْلُ قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو. وأمّا إعْرابُ هَذِهِ القِراءَةِ فَجَزْمٌ، وضُمَّتِ الراءُ لِلِالتِقاءِ، وهو اخْتِيارُ سِيبَوَيْهِ في مِثْلِ هَذا إتْباعًا لِضَمَّةِ الضادِ، ويَجُوزُ فَتْحُ الراءِ وكَسْرُها مَعَ إرادَةِ الجَزْمِ، فَأمّا الكَسْرُ فَلا أعْرِفُها قِراءَةً، وعِبارَةُ الزَجّاجِ في هَذا مُتَجَوِّزٌ فِيها، إذْ يَظْهَرُ مِن دَرْجِ كَلامِهِ أنَّها قِراءَةٌ، وأمّا فَتْحُ الراءِ مِن قَوْلِهِ "لا يَضُرَّكُمْ" فَقَرَأ بِهِ عاصِمٌ فِيما رَواهُ أبُو زَيْدٍ عَنِ المُفَضَّلِ عنهُ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ إعْرابُ قَوْلِهِ، "لا يَضُرُّكُمْ"، رَفْعًا إمّا عَلى تَقْدِيرِ: فَلَيْسَ يَضُرُّكُمْ، عَلى نَحْوٍ تَقَدَّمَ في بَيْتِ أبِي ذُؤَيْبٍ، وإمّا عَلى نِيَّةِ التَقَدُّمِ عَلى: "وَإنْ تَصْبِرُوا" كَما قالَ: ؎ يا أقْرَعُ بْنُ حابِسٍ يا أقْرَعُ ∗∗∗ إنَّكَ إنْ يُصْرَعْ أخُوكَ تُصْرَعُ المُرادُ أنَّكَ تُصْرَعُ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "لا يَضْرُرْكُمْ" بِراءَيْنِ، وذَلِكَ عَلى فَكِّ الإدْغامِ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وعَلَيْها قَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ: "إنْ تَمْسَسْكُمْ" ولُغَةُ سائِرِ العَرَبِ الإدْغامُ في مِثْلِ هَذا كُلِّهِ. والكَيْدُ: الِاحْتِيالُ بِالأباطِيلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأكِيدُ كَيْدًا" إنَّما هي تَسْمِيَةُ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ وعِيدٌ، والمَعْنى: مُحِيطٌ جَزاؤُهُ وعِقابُهُ وبِالقُدْرَةِ والسُلْطانِ. وقَرَأ الحَسَنُ: "بِما تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ، وهَذا إمّا عَلى تَوَعُّدِ المُؤْمِنِينَ في اتِّخاذِ هَؤُلاءِ بِطانَةً، وإمّا عَلى تَوَعُّدِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ بِتَقْدِيرِ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ.

آل عمران 3:121

(p-٣٣٨)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللهُ ولِيُّهُما وعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ذَهَبَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِمَعْنى ما تَقَدَّمَها مِنَ الآياتِ، والظاهِرُ أنَّها اسْتِقْبالُ أمْرٍ آخَرَ. لِأنَّ تِلْكَ مُقاوَمَةٌ في شَأْنِ مُنافِقِي اليَهُودِ، وهَذا ابْتِداءُ عَتْبِ المُؤْمِنِينَ في أمْرِ أُحُدٍ، فالعامِلُ في "إذْ" فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ. وقالَ الحَسَنُ: هَذا الغُدُوُّ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ لِتَبَوُّئِ المُؤْمِنِينَ الَّذِي كانَ في غَزْوَةِ الأحْزابِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وخالَفَهُ الناسُ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ، وفِيها نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ كُلُّها. وكانَ مِن أمْرِ غَزْوَةِ أُحُدٍ أنَّ المُشْرِكِينَ اجْتَمَعُوا في ثَلاثَةِ آلافِ رَجُلٍ، وقَصَدُوا المَدِينَةَ لِيَأْخُذُوا بِثَأْرِهِمْ في يَوْمِ بَدْرٍ، فَنَزَلُوا عِنْدَ أُحُدٍ يَوْمَ الأرْبِعاءِ الثانِي عَشَرَ مِن شَوّالٍ سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ، عَلى رَأْسِ أحَدٍ وثَلاثِينَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ، وأقامُوا هُنالِكَ يَوْمَ الخَمِيسِ، ورَسُولُ اللهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ يُدَبِّرُ ويَنْتَظِرُ أمْرَ اللهِ تَعالى، فَلَمّا كانَ في صَبِيحَةِ يَوْمِ الجُمُعَةِ جَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الناسَ واسْتَشارَهُمْ، وأخْبَرَهم أنَّهُ كانَ رَأى في مَنامِهِ بَقَرَةً تُذْبَحُ وثَلْمًا في ذُبابِ سَيْفِهِ، وأنَّهُ يُدْخِلُ يَدَهُ في دِرْعٍ حَصِينَةٍ، وأنَّهُ تَأوَّلَها المَدِينَةَ، وقالَ لَهُمْ، أرى ألّا نَخْرُجَ إلى هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ: أقِمْ يا رَسُولَ اللهِ ولا تَخْرُجْ إلَيْهِمْ بِالناسِ، فَإنْ هم أقامُوا أقامُوا بِشَرِّ مَحْبِسٍ، وإنِ انْصَرَفُوا مَضَوْا خائِبِينَ، وإنْ جاؤُونا إلى المَدِينَةِ قاتَلْناهم في الأفْنِيَةِ، ورَماهُمُ النِساءُ والصِبْيانُ بِالحِجارَةِ مِنَ الآطامِ، فَواللهِ ما حارَبْنا قَطُّ عَدُوًّا في هَذِهِ المَدِينَةِ إلّا غَلَبْناهُ، ولا خَرَجْنا مِنها إلى عَدُوٍّ إلّا غَلَبَنا، فَوافَقَ هَذا الرَأْيُ رَأْيَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ورَأْيَ جَماعَةٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. وقالَ قَوْمٌ مِن صُلَحاءِ المُؤْمِنِينَ مِمَّنْ كانَ فاتَتْهُ بَدْرٌ: يا رَسُولَ اللهِ، اخْرُجْ بِنا إلى عَدُوِّنا، وشَجَّعُوا الناسَ ودَعَوْا إلى الحَرْبِ، فَقامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلّى بِالناسِ صَلاةَ الجُمُعَةِ وقَدْ جَشَّمَهُ هَؤُلاءِ الداعُونَ إلى الحَرْبِ، فَدَخَلَ إثْرَ صَلاتِهِ بَيْتَهُ ولَبِسَ سِلاحَهُ، فَنَدِمَ أُولَئِكَ القَوْمُ وقالُوا: أكْرَهْنا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَلَمّا خَرَجَ عَلَيْهِمُ (p-٣٣٩)النَبِيُّ ﷺ في سِلاحِهِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ أقِمْ إنْ شِئْتَ، فَإنّا لا نُرِيدُ أنْ نُكْرِهَكَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ما يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إذا لَبِسَ سِلاحَهُ أنْ يَضَعَها حَتّى يُقاتِلَ. ثُمَّ خَرَجَ بِالناسِ، وسارَ حَتّى قَرُبَ مِن عَسْكَرِ المُشْرِكِينَ هُناكَ، وباتَ تِلْكَ اللَيْلَةَ، وقَدْ غَضِبَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وقالَ: أطاعَهم وعَصانِي. فَلَمّا كانَ في صَبِيحَةِ يَوْمِ السَبْتِ اعْتَزَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى السَيْرِ إلى مُناجَزَةِ المُشْرِكِينَ، فَنَهَضَ وهو في ألْفِ رَجُلٍ، فانْخَزَلَ عنهُ عِنْدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ بِثَلاثِمِائَةٍ مِنَ الناسِ، مِن مُنافِقٍ ومُتَّبِعٍ، وقالُوا: نَظُنُّ أنَّكم لا تَلْقَوْنَ قِتالًا، ومَضى رَسُولُ اللهِ ﷺ، في سَبْعِمِائَةٍ، فَهَمَّتْ عِنْدَ ذَلِكَ بَنُو حارِثَةَ مِنَ الأوسِ وبَنُو سَلَمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ بِالِانْصِرافِ، ورَأوا كَثافَةَ المُشْرِكِينَ وقِلَّةَ المُسْلِمِينَ، وكادُوا أنْ يَجْبُنُوا ويَفْشَلُوا فَعَصَمَهُمُ اللهُ تَعالى، وذَمَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، ونَهَضُوا مَعَ النَبِيِّ ﷺ، فَمَضى رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى أطَلَّ عَلى المُشْرِكِينَ، فَتَصافَّ الناسُ. وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ أمَّرَ عَلى الرُماةِ عَبْدَ اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ وكانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا، وجَعَلَهم يَحْمُونَ الجَبَلَ وراءَ المُسْلِمِينَ، وأسْنَدَ هو إلى الجَبَلِ، فَلَمّا اضْطَرَمَتِ الحَرْبُ انْكَشَفَ المُشْرِكُونَ وانْهَزَمُوا، وجَعَلَ نِساءُ المُشْرِكِينَ تَبْدُو خَلاخِلُهُنَّ وهُنَّ يُسْنِدْنَ في صَفْحِ جَبَلٍ، فَلَمّا رَأى الرُماةُ ذَلِكَ قالُوا: الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ أيُّها المُسْلِمُونَ. وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ قالَ لَهُمْ: لا تَبْرَحُوا مِن هُنا ولَوْ رَأيْتُمُونا تَتَخَطَّفُنا الطَيْرُ، فَقالَ لَهم عَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرٍ وقَوْمٌ مِنهُمُ: اتَّقُوا اللهَ واثْبُتُوا كَما أمَرَكم نَبِيُّكُمْ، فَعَصَوْا وخالَفُوا وزالُوا مُتْبِعِينَ، وكانَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ قَدْ تَجَرَّدَ في جَرِيدَةِ خَيْلٍ وجاءَ مِن خَلْفِ المُسْلِمِينَ حَيْثُ كانَ الرُماةُ، فَحَمَلَ عَلى الناسِ، ووَقَعَ التَخاذُلُ وصِيحَ في المُسْلِمِينَ مِن مُقَدِّمَتِهِمْ ومِن ساقَتِهِمْ، وصَرَخَ صارِخٌ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ، فَتَخاذَلَ الناسُ واسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ نَيِّفٌ عَلى سَبْعِينَ. قالَ مَكِّيٌّ: قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: قُتِلَ مِنَ المُهاجِرِينَ يَوْمَ أُحُدٍ أرْبَعَةٌ، ومِنَ الأنْصارِ سَبْعُونَ، وتَحَيَّزَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في أعْلى الجَبَلِ وتَجاوَزَ الناسَ. (p-٣٤٠)هَذا مُخْتَصَرٌ مِنَ القِصَّةِ يَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ الآيَةِ، وأمْرُ "أُحُدٍ" بِطُولِهِ وما تَخَلَّلَهُ مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ مُسْتَوْعَبٌ في كُتُبِ السِيَرِ، ولَيْسَ هَذا التَعْلِيقُ مِمّا يَقْتَضِي ذِكْرَهُ. وحَكى مَكِّيٌّ عَنِ السُدِّيِّ ما يَظْهَرُ مِنهُ أنَّ القِتالَ كانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وحَكى عنهُ الطَبَرِيُّ، أنَّ نُزُولَ أبِي سُفْيانَ بِأُحُدٍ كانَ فِي الثالِثِ مِن شَوّالٍ، وذَلِكَ كُلُّهُ ضَعِيفٌ، وقالَ النَقّاشُ: وقْعَةُ أُحُدٍ في الحادِي عَشَرَ مِن شَوّالٍ، وذَلِكَ خَطَأٌ. قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: فَغُدُوُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ إلى التَدْبِيرِ مَعَ الناسِ واسْتِشارَتِهِمْ هو الَّذِي عُبِّرَ عنهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا سِيَّما أنَّ غُدُوَّ النَبِيِّ ﷺ إنَّما كانَ ورَأْيُهُ أنْ لا يَخْرُجَ الناسُ، فَكانَ لا يَشُكُّ في نَفْسِهِ أنْ يُقَسِّمَ أقْطارَ المَدِينَةِ عَلى قَبائِلِ الأنْصارِ. وقالَ غَيْرُ الطَبَرِيِّ: بَلْ نُهُوضُ النَبِيِّ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ بَعْدَ الصَلاةِ هو غُدُوُّهُ، وبَوَّأ المُؤْمِنِينَ في وقْتِ حُضُورِ القِتالِ، وقِيلَ ذَلِكَ في لَيْلَتِهِ، وسَمّاهُ غُدُوًّا إذْ كانَ قَدِ اعْتَزَمَ التَدْبِيرَ، والشُرُوعَ في الأمْرِ مِن وقْتِ الغُدُوِّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا سِيَّما أنَّ صَلاةَ الجُمُعَةِ رُبَّما كانَتْ قَبْلَ الزَوالِ، حَسْبَما ورَدَتْ بِذَلِكَ أحادِيثُ، فَيَجِيءُ لَفْظُ الغُدُوِّ مُتَمَكِّنًا، وقِيلَ: إنَّ الغُدُوَّ المَذْكُورَ هو غُدْوَةُ يَوْمِ السَبْتِ إلى القِتالِ، ومِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ في تِلْكَ اللَيْلَةِ مُوافِقًا لِلْغُدُوِّ فَهو كَأنَّهُ كانَ في أهْلِهِ، وبَوَّأ المُسْلِمِينَ بِأمْرِهِ الرُماةَ وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِن تَدْبِيرِهِ مَصافَّ الناسِ، و"تُبَوِّئُ" مَعْناهُ: تُعَيِّنُ لَهم مَقاعِدَ يَتَمَكَّنُونَ فِيها ويَثْبُتُونَ تَقُولُ: تَبَوَّأْتُ مَكانَ كَذا، إذا حَلَلْتَهُ حُلُولًا مُتَمَكِّنًا ثَبَتَّ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: ( «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النارِ» ) ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٣٤١) ؎ كَمْ صاحِبٍ لِي صالِحٍ ∗∗∗ بَوَّأْتُهُ بِيَدَيَّ لَحْدا ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ وما بَوَّأ الرَحْمَنُ بَيْتَكَ مَنزِلًا ∗∗∗ بِشَرْقِيِّ أجْيادِ الصَفا والمُحَرَّمِ وقَوْلُهُ تَعالى: "مَقاعِدَ" جَمْعُ مَقْعَدٍ، وهو مَكانُ القُعُودِ، وهَذا بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: مَواقِفُ، ولَكِنَّ لَفْظَةَ القُعُودِ أدَلُّ عَلى الثُبُوتِ، ولا سِيَّما أنَّ الرُماةَ إنَّما كانُوا قُعُودًا، وكَذَلِكَ كانَتْ صُفُوفُ المُسْلِمِينَ أوَّلًا، والمُبارِزَةُ والسَرْعانُ يَجُولُونَ. وقَوْلُهُ: "واللهُ سَمِيعٌ" أيْ: ما تَقُولُ ويُقالُ لَكَ وقْتَ المُشاوَرَةِ وغَيْرَهُ؛.وَ"إذْ" الثانِيَةُ بَدَلٌ مِنَ الأُولى، و"هَمَّتْ" مَعْناهُ: أرادَتْ ولَمْ تَفْعَلْ، والفَشَلُ في هَذا المَوْضِعِ: هو الجُبْنُ الَّذِي كادَ يَلْحَقُ بَنِي سَلَمَةَ وبَنِي حارِثَةَ، والفَشَلُ في البَدَنِ: هو الإعْياءُ والتَبْلِيحُ، والفَشَلُ في الرَأْيِ: هو العَجْزُ والحَيْرَةُ وفَسادُ العَزْمِ، وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: ما ودِدْنا أنَّها لَمْ تَنْزِلْ، لِقَوْلِهِ تَعالى: "واللهُ ولِيُّهُما". وقَوْلُهُ: ﴿وَعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أمْرٌ في ضِمْنِهِ التَغْبِيطُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمِثْلِ ما فَعَلَهُ بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلَمَةَ مِنَ المَسِيرِ مَعَ النَبِيِّ ﷺ. وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "تُبَوِّئُ لِلْمُؤْمِنِينَ" بِلامِ الجَرِّ، وقَرَأ-: "واللهُ ولِيُّهُمْ" عَلى مَعْنى الطائِفَتَيْنِ لا عَلى اللَفْظِ.

آل عمران 3:122

(p-٣٣٨)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللهُ ولِيُّهُما وعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ذَهَبَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِمَعْنى ما تَقَدَّمَها مِنَ الآياتِ، والظاهِرُ أنَّها اسْتِقْبالُ أمْرٍ آخَرَ. لِأنَّ تِلْكَ مُقاوَمَةٌ في شَأْنِ مُنافِقِي اليَهُودِ، وهَذا ابْتِداءُ عَتْبِ المُؤْمِنِينَ في أمْرِ أُحُدٍ، فالعامِلُ في "إذْ" فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ. وقالَ الحَسَنُ: هَذا الغُدُوُّ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ لِتَبَوُّئِ المُؤْمِنِينَ الَّذِي كانَ في غَزْوَةِ الأحْزابِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وخالَفَهُ الناسُ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ، وفِيها نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ كُلُّها. وكانَ مِن أمْرِ غَزْوَةِ أُحُدٍ أنَّ المُشْرِكِينَ اجْتَمَعُوا في ثَلاثَةِ آلافِ رَجُلٍ، وقَصَدُوا المَدِينَةَ لِيَأْخُذُوا بِثَأْرِهِمْ في يَوْمِ بَدْرٍ، فَنَزَلُوا عِنْدَ أُحُدٍ يَوْمَ الأرْبِعاءِ الثانِي عَشَرَ مِن شَوّالٍ سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ، عَلى رَأْسِ أحَدٍ وثَلاثِينَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ، وأقامُوا هُنالِكَ يَوْمَ الخَمِيسِ، ورَسُولُ اللهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ يُدَبِّرُ ويَنْتَظِرُ أمْرَ اللهِ تَعالى، فَلَمّا كانَ في صَبِيحَةِ يَوْمِ الجُمُعَةِ جَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الناسَ واسْتَشارَهُمْ، وأخْبَرَهم أنَّهُ كانَ رَأى في مَنامِهِ بَقَرَةً تُذْبَحُ وثَلْمًا في ذُبابِ سَيْفِهِ، وأنَّهُ يُدْخِلُ يَدَهُ في دِرْعٍ حَصِينَةٍ، وأنَّهُ تَأوَّلَها المَدِينَةَ، وقالَ لَهُمْ، أرى ألّا نَخْرُجَ إلى هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ: أقِمْ يا رَسُولَ اللهِ ولا تَخْرُجْ إلَيْهِمْ بِالناسِ، فَإنْ هم أقامُوا أقامُوا بِشَرِّ مَحْبِسٍ، وإنِ انْصَرَفُوا مَضَوْا خائِبِينَ، وإنْ جاؤُونا إلى المَدِينَةِ قاتَلْناهم في الأفْنِيَةِ، ورَماهُمُ النِساءُ والصِبْيانُ بِالحِجارَةِ مِنَ الآطامِ، فَواللهِ ما حارَبْنا قَطُّ عَدُوًّا في هَذِهِ المَدِينَةِ إلّا غَلَبْناهُ، ولا خَرَجْنا مِنها إلى عَدُوٍّ إلّا غَلَبَنا، فَوافَقَ هَذا الرَأْيُ رَأْيَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ورَأْيَ جَماعَةٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. وقالَ قَوْمٌ مِن صُلَحاءِ المُؤْمِنِينَ مِمَّنْ كانَ فاتَتْهُ بَدْرٌ: يا رَسُولَ اللهِ، اخْرُجْ بِنا إلى عَدُوِّنا، وشَجَّعُوا الناسَ ودَعَوْا إلى الحَرْبِ، فَقامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلّى بِالناسِ صَلاةَ الجُمُعَةِ وقَدْ جَشَّمَهُ هَؤُلاءِ الداعُونَ إلى الحَرْبِ، فَدَخَلَ إثْرَ صَلاتِهِ بَيْتَهُ ولَبِسَ سِلاحَهُ، فَنَدِمَ أُولَئِكَ القَوْمُ وقالُوا: أكْرَهْنا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَلَمّا خَرَجَ عَلَيْهِمُ (p-٣٣٩)النَبِيُّ ﷺ في سِلاحِهِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ أقِمْ إنْ شِئْتَ، فَإنّا لا نُرِيدُ أنْ نُكْرِهَكَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ما يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إذا لَبِسَ سِلاحَهُ أنْ يَضَعَها حَتّى يُقاتِلَ. ثُمَّ خَرَجَ بِالناسِ، وسارَ حَتّى قَرُبَ مِن عَسْكَرِ المُشْرِكِينَ هُناكَ، وباتَ تِلْكَ اللَيْلَةَ، وقَدْ غَضِبَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وقالَ: أطاعَهم وعَصانِي. فَلَمّا كانَ في صَبِيحَةِ يَوْمِ السَبْتِ اعْتَزَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى السَيْرِ إلى مُناجَزَةِ المُشْرِكِينَ، فَنَهَضَ وهو في ألْفِ رَجُلٍ، فانْخَزَلَ عنهُ عِنْدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ بِثَلاثِمِائَةٍ مِنَ الناسِ، مِن مُنافِقٍ ومُتَّبِعٍ، وقالُوا: نَظُنُّ أنَّكم لا تَلْقَوْنَ قِتالًا، ومَضى رَسُولُ اللهِ ﷺ، في سَبْعِمِائَةٍ، فَهَمَّتْ عِنْدَ ذَلِكَ بَنُو حارِثَةَ مِنَ الأوسِ وبَنُو سَلَمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ بِالِانْصِرافِ، ورَأوا كَثافَةَ المُشْرِكِينَ وقِلَّةَ المُسْلِمِينَ، وكادُوا أنْ يَجْبُنُوا ويَفْشَلُوا فَعَصَمَهُمُ اللهُ تَعالى، وذَمَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، ونَهَضُوا مَعَ النَبِيِّ ﷺ، فَمَضى رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى أطَلَّ عَلى المُشْرِكِينَ، فَتَصافَّ الناسُ. وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ أمَّرَ عَلى الرُماةِ عَبْدَ اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ وكانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا، وجَعَلَهم يَحْمُونَ الجَبَلَ وراءَ المُسْلِمِينَ، وأسْنَدَ هو إلى الجَبَلِ، فَلَمّا اضْطَرَمَتِ الحَرْبُ انْكَشَفَ المُشْرِكُونَ وانْهَزَمُوا، وجَعَلَ نِساءُ المُشْرِكِينَ تَبْدُو خَلاخِلُهُنَّ وهُنَّ يُسْنِدْنَ في صَفْحِ جَبَلٍ، فَلَمّا رَأى الرُماةُ ذَلِكَ قالُوا: الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ أيُّها المُسْلِمُونَ. وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ قالَ لَهُمْ: لا تَبْرَحُوا مِن هُنا ولَوْ رَأيْتُمُونا تَتَخَطَّفُنا الطَيْرُ، فَقالَ لَهم عَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرٍ وقَوْمٌ مِنهُمُ: اتَّقُوا اللهَ واثْبُتُوا كَما أمَرَكم نَبِيُّكُمْ، فَعَصَوْا وخالَفُوا وزالُوا مُتْبِعِينَ، وكانَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ قَدْ تَجَرَّدَ في جَرِيدَةِ خَيْلٍ وجاءَ مِن خَلْفِ المُسْلِمِينَ حَيْثُ كانَ الرُماةُ، فَحَمَلَ عَلى الناسِ، ووَقَعَ التَخاذُلُ وصِيحَ في المُسْلِمِينَ مِن مُقَدِّمَتِهِمْ ومِن ساقَتِهِمْ، وصَرَخَ صارِخٌ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ، فَتَخاذَلَ الناسُ واسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ نَيِّفٌ عَلى سَبْعِينَ. قالَ مَكِّيٌّ: قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: قُتِلَ مِنَ المُهاجِرِينَ يَوْمَ أُحُدٍ أرْبَعَةٌ، ومِنَ الأنْصارِ سَبْعُونَ، وتَحَيَّزَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في أعْلى الجَبَلِ وتَجاوَزَ الناسَ. (p-٣٤٠)هَذا مُخْتَصَرٌ مِنَ القِصَّةِ يَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ الآيَةِ، وأمْرُ "أُحُدٍ" بِطُولِهِ وما تَخَلَّلَهُ مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ مُسْتَوْعَبٌ في كُتُبِ السِيَرِ، ولَيْسَ هَذا التَعْلِيقُ مِمّا يَقْتَضِي ذِكْرَهُ. وحَكى مَكِّيٌّ عَنِ السُدِّيِّ ما يَظْهَرُ مِنهُ أنَّ القِتالَ كانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وحَكى عنهُ الطَبَرِيُّ، أنَّ نُزُولَ أبِي سُفْيانَ بِأُحُدٍ كانَ فِي الثالِثِ مِن شَوّالٍ، وذَلِكَ كُلُّهُ ضَعِيفٌ، وقالَ النَقّاشُ: وقْعَةُ أُحُدٍ في الحادِي عَشَرَ مِن شَوّالٍ، وذَلِكَ خَطَأٌ. قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: فَغُدُوُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ إلى التَدْبِيرِ مَعَ الناسِ واسْتِشارَتِهِمْ هو الَّذِي عُبِّرَ عنهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا سِيَّما أنَّ غُدُوَّ النَبِيِّ ﷺ إنَّما كانَ ورَأْيُهُ أنْ لا يَخْرُجَ الناسُ، فَكانَ لا يَشُكُّ في نَفْسِهِ أنْ يُقَسِّمَ أقْطارَ المَدِينَةِ عَلى قَبائِلِ الأنْصارِ. وقالَ غَيْرُ الطَبَرِيِّ: بَلْ نُهُوضُ النَبِيِّ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ بَعْدَ الصَلاةِ هو غُدُوُّهُ، وبَوَّأ المُؤْمِنِينَ في وقْتِ حُضُورِ القِتالِ، وقِيلَ ذَلِكَ في لَيْلَتِهِ، وسَمّاهُ غُدُوًّا إذْ كانَ قَدِ اعْتَزَمَ التَدْبِيرَ، والشُرُوعَ في الأمْرِ مِن وقْتِ الغُدُوِّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا سِيَّما أنَّ صَلاةَ الجُمُعَةِ رُبَّما كانَتْ قَبْلَ الزَوالِ، حَسْبَما ورَدَتْ بِذَلِكَ أحادِيثُ، فَيَجِيءُ لَفْظُ الغُدُوِّ مُتَمَكِّنًا، وقِيلَ: إنَّ الغُدُوَّ المَذْكُورَ هو غُدْوَةُ يَوْمِ السَبْتِ إلى القِتالِ، ومِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ في تِلْكَ اللَيْلَةِ مُوافِقًا لِلْغُدُوِّ فَهو كَأنَّهُ كانَ في أهْلِهِ، وبَوَّأ المُسْلِمِينَ بِأمْرِهِ الرُماةَ وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِن تَدْبِيرِهِ مَصافَّ الناسِ، و"تُبَوِّئُ" مَعْناهُ: تُعَيِّنُ لَهم مَقاعِدَ يَتَمَكَّنُونَ فِيها ويَثْبُتُونَ تَقُولُ: تَبَوَّأْتُ مَكانَ كَذا، إذا حَلَلْتَهُ حُلُولًا مُتَمَكِّنًا ثَبَتَّ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: ( «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النارِ» ) ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٣٤١) ؎ كَمْ صاحِبٍ لِي صالِحٍ ∗∗∗ بَوَّأْتُهُ بِيَدَيَّ لَحْدا ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ وما بَوَّأ الرَحْمَنُ بَيْتَكَ مَنزِلًا ∗∗∗ بِشَرْقِيِّ أجْيادِ الصَفا والمُحَرَّمِ وقَوْلُهُ تَعالى: "مَقاعِدَ" جَمْعُ مَقْعَدٍ، وهو مَكانُ القُعُودِ، وهَذا بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: مَواقِفُ، ولَكِنَّ لَفْظَةَ القُعُودِ أدَلُّ عَلى الثُبُوتِ، ولا سِيَّما أنَّ الرُماةَ إنَّما كانُوا قُعُودًا، وكَذَلِكَ كانَتْ صُفُوفُ المُسْلِمِينَ أوَّلًا، والمُبارِزَةُ والسَرْعانُ يَجُولُونَ. وقَوْلُهُ: "واللهُ سَمِيعٌ" أيْ: ما تَقُولُ ويُقالُ لَكَ وقْتَ المُشاوَرَةِ وغَيْرَهُ؛.وَ"إذْ" الثانِيَةُ بَدَلٌ مِنَ الأُولى، و"هَمَّتْ" مَعْناهُ: أرادَتْ ولَمْ تَفْعَلْ، والفَشَلُ في هَذا المَوْضِعِ: هو الجُبْنُ الَّذِي كادَ يَلْحَقُ بَنِي سَلَمَةَ وبَنِي حارِثَةَ، والفَشَلُ في البَدَنِ: هو الإعْياءُ والتَبْلِيحُ، والفَشَلُ في الرَأْيِ: هو العَجْزُ والحَيْرَةُ وفَسادُ العَزْمِ، وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: ما ودِدْنا أنَّها لَمْ تَنْزِلْ، لِقَوْلِهِ تَعالى: "واللهُ ولِيُّهُما". وقَوْلُهُ: ﴿وَعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أمْرٌ في ضِمْنِهِ التَغْبِيطُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمِثْلِ ما فَعَلَهُ بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلَمَةَ مِنَ المَسِيرِ مَعَ النَبِيِّ ﷺ. وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "تُبَوِّئُ لِلْمُؤْمِنِينَ" بِلامِ الجَرِّ، وقَرَأ-: "واللهُ ولِيُّهُمْ" عَلى مَعْنى الطائِفَتَيْنِ لا عَلى اللَفْظِ.

آل عمران 3:123

(p-٣٤٢)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا اللهُ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِن المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ لَمّا أمَرَ اللهُ تَعالى بِالتَوَكُّلِ عَلَيْهِ، ذَكَّرَ بِأمْرِ بَدْرٍ الَّذِي كانَ ثَمَرَةَ التَوَكُّلِ عَلى اللهِ والثِقَةِ بِهِ، فَمَن قالَ مِنَ المُفَسِّرِينَ إنَّ قَوْلَ النَبِيِّ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ: "ألَنْ يَكْفِيَكُمْ". كانَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَيَجِيءُ التَذْكِيرُ بِأمْرِ بَدْرٍ وبِأمْرِ المَلائِكَةِ وقِتالِهِمْ فِيهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، مُحَرِّضًا عَلى الجِدِّ والتَوَكُّلِ عَلى اللهِ، ومَن قالَ: إنَّ قَوْلَ النَبِيِّ ﷺ: "ألَنْ يَكْفِيَكُمْ"... الآيَةَ إنَّما كانَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ، كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ﴾ إلى "تَشْكُرُونَ" اعْتِراضًا بَيْنَ الكَلامِ جَمِيلًا، والنَصْرُ بِبَدْرٍ هو المَشْهُورُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ صَنادِيدُ قُرَيْشٍ، وعَلى ذَلِكَ اليَوْمِ انْبَنى الإسْلامُ، وكانَتْ بَدْرٌ يَوْمَ سَبْعَةَ عَشَرَ مِن رَمَضانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ لِثَمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ. وبَدْرٌ: ماءٌ هُنالِكَ سُمِّيَ بِهِ المَوْضِعُ. وقالَ الشَعْبِيُّ: كانَ ذَلِكَ الماءُ لِرَجُلٍ مِن جُهَيْنَةَ يُسَمّى بَدْرًا فَبِهِ سُمِّيَ. قالَ الواقِدِيُّ: فَذَكَرْتُ هَذا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ ومُحَمَّدِ بْنِ صالِحٍ فَأنْكَراهُ وقالا: بِأيِّ شَيْءٍ سُمِّيَتِ الصَفْراءُ والجارُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ؟ قالَ: وذَكَرْتُ ذَلِكَ لِيَحْيى بْنِ النُعْمانِ الغِفارِيِّ فَقالَ: سَمِعْتُ شُيُوخًا مِن بَنِي غِفارٍ يَقُولُونَ: هو ماؤُنا ومَنزِلُنا وما مَلَكَهُ أحَدٌ قَطُّ يُقالُ لَهُ بَدْرٌ، وما هو مِن بِلادِ جُهَيْنَةَ إنَّما هي بِلادُ غِفارٍ، قالَ الواقِدِيُّ: فَهَذا المَعْرُوفُ عِنْدَنا. (p-٣٤٣)وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَأنْتُمْ أذِلَّةٌ" مَعْناهُ: قَلِيلُونَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ أو أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وكانَ عَدُوُّهم ما بَيْنَ التِسْعِمِائَةِ إلى الألْفِ، وأذِلَّةٌ: جَمْعُ ذَلِيلٍ، واسْمُ الذُلِّ في هَذا المَوْضِعِ مُسْتَعارٌ، ولَمْ يَكُونُوا في أنْفُسِهِمْ إلّا أعِزَّةً، ولَكِنَّ نِسْبَتَهم إلى عَدُوِّهِمْ وإلى جَمِيعِ الكُفّارِ في أقْطارِ الأرْضِ يَقْتَضِي عِنْدَ التَأمُّلِ ذِلَّتَهُمْ، وأنَّهم مَغْلُوبُونَ، وقَدْ قالَ النَبِيُّ ﷺ في ذَلِكَ اليَوْمِ: « "اللهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ لَمْ تُعْبَدْ"،» وهَذِهِ الِاسْتِعارَةُ كاسْتِعارَةِ الكَذِبِ في قَوْلِهِ في المُوَطَّإ: كَذَبَ كَعْبٌ، وكَقَوْلِهِ: كَذَبَ أبُو مُحَمَّدٍ، وكاسْتِعارَةِ المَسْكَنَةِ لِأصْحابِ السَفِينَةِ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ، إذْ كانَتْ مَسْكَنَتُهم بِالنِسْبَةِ إلى المَلِكِ القادِرِ الغاصِبِ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِالتَقْوى، ورَجّاهم في الإنْعامِ الَّذِي يُوجِبُ الشُكْرَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اتَّقُوا اللهَ عَسى أنْ تَكُونَ تَقْواكم شُكْرًا عَلى النِعْمَةِ في نَصْرِهِ بِبَدْرٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "إذْ تَقُولُ"، العامِلُ في "إذْ" فِعْلٌ مُضْمَرٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ: "نَصَرَكُمُ" وهَذا عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ: إنَّ هَذا القَوْلَ مِنَ النَبِيِّ ﷺ كانَ بِبَدْرٍ، قالَ الشَعْبِيُّ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وغَيْرُهُما: إنَّ هَذا كانَ بِبَدْرٍ، قالَ الشَعْبِيُّ: بَلَغَ المُؤْمِنِينَ أنَّ كُرْزَ بْنَ جابِرِ بْنِ حِسْلٍ المُحارِبِيَّ مُحارِبَ فِهْرٍ قَدْ جاءَ في مَدَدٍ لِلْمُشْرِكِينَ، فَغَمَّ ذَلِكَ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ عن أمْرِ اللهِ تَعالى هَذِهِ المَقالَةَ، فَصَبَرَ المُؤْمِنُونَ واتَّقَوْا، وهُزِمَ المُشْرِكُونَ، وبَلَغَتِ الهَزِيمَةُ كُرْزًا ومَن مَعَهُ فانْصَرَفُوا ولَمْ يَأْتُوا مِن فَوْرِهِمْ، ولَمْ يُمَدَّ المُؤْمِنُونَ بِالمَلائِكَةِ، وكانَتِ المَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ تَحْضُرُ حُرُوبَ النَبِيِّ ﷺ مَدَدًا، وهي تَحْضُرُ حُرُوبَ المُسْلِمِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وخالَفَ الناسُ الشَعْبِيَّ في هَذِهِ المَقالَةِ، وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ بِأنَّ المَلائِكَةَ حَضَرَتْ بَدْرًا وقاتَلَتْ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي أُسَيْدٍ مالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ: لَوْ كُنْتُ مَعَكُمُ الآنَ بِبَدْرٍ (p-٣٤٤)وَمَعِي بَصَرِي لَأرَيْتُكُمُ الشِعْبَ الَّذِي خَرَجَتْ مِنهُ المَلائِكَةُ، لا أشُكُّ ولا أتَمارى. ومِنهُ حَدِيثُ الغِفارِيِّ وابْنِ عَمِّهِ اللَذَيْنِ سَمِعا مِنَ الصَحابَةِ: أقْدِمْ حَيْزُومُ فانْكَشَفَ قِناعُ قَلْبِ أحَدِهِما، فَماتَ مَكانَهُ، وتَماسَكَ الآخَرُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ تُقاتِلِ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ إلّا يَوْمَ بَدْرٍ، وكانُوا يَكُونُونَ في سائِرِ الأيّامِ عَدَدًا ومَدَدًا لا يَضْرِبُونَ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ لِأبِي لَهَبٍ: ما هو إلّا أنْ لَقِينا القَوْمَ فَمَنَحْناهم أكْتافَنا يَقْتُلُونَ ويَأْسِرُونَ، وعَلى ذَلِكَ فَواللهِ ما لُمْتُ الناسَ، لَقِينا رِجالًا بِيضًا عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ ما تُلِيقُ شَيْئًا ولا يَقُومُ لَها شَيْءٌ، ومِن ذَلِكَ «أنَّ أبا اليُسْرِ كَعْبَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصارِيَّ أحَدَ بَنِي سَلَمَةَ أسَرَ يَوْمَ بَدْرٍ العَبّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وكانَ أبُو اليُسْرِ رَجُلًا مَجْمُوعًا وكانَ العَبّاسُ رَجُلًا طَوِيلًا جَسِيمًا، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "لَقَدْ أعانَكَ عَلَيْهِ مَلَكٌ كَرِيمٌ"...» الحَدِيثُ بِجُمْلَتِهِ. وقَدْ قالَ بَعْضُ الصَحابَةِ: كُنْتُ يَوْمَ بَدْرٍ أتْبَعُ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ لِأضْرِبَهُ بِسَيْفِي فَلَمّا دَنَوْتُ مِنهُ وقَعَ رَأْسُهُ قَبْلَ أنْ يَصِلَ سَيْفِي إلَيْهِ، فَعَلِمْتُ أنَّ مَلَكًا قَتَلَهُ. (p-٣٤٥)وَقالَ قَتادَةُ بْنُ دِعامَةَ: أمَدَّ اللهُ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وقالَ آخَرُونَ: إنَّ اللهَ وعَدَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أنْ يُمِدَّهم في حُرُوبِهِمْ كُلِّها إنْ صَبَرُوا واتَّقَوْا، فَلَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ إلّا في يَوْمِ الأحْزابِ، فَأمَدَّهم حِينَ حاصَرُوا قُرَيْظَةَ، ثُمَّ أدْخَلَ تَحْتَ هَذِهِ التَرْجَمَةِ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي أوفى أنَّهُ قالَ: «حاصَرْنا قُرَيْظَةَ مُدَّةً فَلَمْ يُفْتَحْ عَلَيْنا فَرَجَعْنا، فَبَيْنا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ دَعا بِغُسْلٍ يُرِيدُ أنْ يَغْسِلَ رَأْسَهُ، إذْ جاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ فَقالَ: وضَعْتُمْ أسْلِحَتَكم ولَمْ تَضَعِ المَلائِكَةُ أوزارَها، فَلَفَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَأسَهُ بِخِرْقَةٍ ولَمْ يَغْسِلْهُ، ونادى فِينا فَقُمْنا كالِّينَ مُتْعَبِينَ، حَتّى أتَيْنا قُرَيْظَةَ والنَضِيرَ، فَيَوْمَئِذٍ أمَدَّنا اللهُ بِالمَلائِكَةِ بِثَلاثَةِ آلافٍ، وفَتَحَ لَنا فَتْحًا يَسِيرًا، فانْقَلَبْنا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وفَضْلٍ.» وقالَ عِكْرِمَةُ: كانَ الوَعْدُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَمْ يَصْبِرُوا يَوْمَ أُحُدٍ ولا اتَّقَوْا، فَلَمْ يُمَدُّوا ولَوْ مُدُّوا لَمْ يُهْزَمُوا. وقالَ الضَحّاكُ: كانَ هَذا الوَعْدُ والمَقالَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَفَرَّ الناسُ ووَلَّوْا مُدْبِرِينَ فَلَمْ يُمِدَّهُمُ اللهُ، وإنَّما مُدُّوا يَوْمَ بَدْرٍ بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: «قالَ المُسْلِمُونَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وهم يَنْتَظِرُونَ المُشْرِكِينَ: يا رَسُولَ اللهِ، ألَيْسَ يُمِدُّنا اللهُ كَما أمَدَّنا يَوْمَ بَدْرٍ؟ فَقالَ لَهُمُ النَبِيُّ ﷺ: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾.... الآيَةَ،» وإنَّما أمَدَّهم يَوْمَ بَدْرٍ بِألْفٍ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَلَمْ يَصْبِرُوا. وقَوْلُهُ تَعالى: "ألَنْ يَكْفِيَكُمْ" تَقْرِيرٌ عَلى اعْتِقادِهِمُ الكِفايَةَ في هَذا العَدَدِ مِنَ المَلائِكَةِ، ومِن حَيْثُ كانَ الأمْرُ بَيِّنًا في نَفْسِهِ أنَّ المَلائِكَةَ كافِيَةٌ، بادَرَ المُتَكَلِّمُ إلى الجَوابِ لِيَبْنِيَ ما يَسْتَأْنِفُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ فَقالَ: بَلى وهي جَوابُ المُقَرِّرِينَ. وهَذا يَحْسُنُ في الأُمُورِ البَيِّنَةِ الَّتِي لا مَحِيدَ في جَوابِها، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ (p-٣٤٦)شَهادَةً قُلْ اللهُ﴾ [الأنعام: ١٩] وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، "ألا يَكْفِيكُمْ"، وقَدْ مَضى القَوْلُ في الإمْدادِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَيَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بِثَلاثَهْ آلافٍ" يَقِفُ عَلى الهاءِ، وكَذَلِكَ: "بِخَمْسَهْ آلافٍ"، ووَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ ضَعِيفٌ، لِأنَّ المُضافَ والمُضافَ إلَيْهِ يَقْتَضِيانِ الِاتِّصالَ، إذْ هُما كالِاسْمِ الواحِدِ، وإنَّما الثانِي كَمالٌ لِلْأوَّلِ، والهاءُ إنَّما هي أمارَةُ وقْفٍ، فَيُقْلِقُ الوَقْفُ في مَوْضِعٍ إنَّما هو لِلِاتِّصالِ، لَكِنْ قَدْ جاءَ نَحْوُ هَذا لِلْعَرَبِ في مَواضِعَ، فَمِن ذَلِكَ ما حَكاهُ الفَرّاءُ أنَّهم يَقُولُونَ: أكَلْتُ لَحْمًا شاهْ، يُرِيدُونَ لَحْمَ شاةٍ فَمَطَلُوا الفَتْحَةَ حَتّى نَشَأتْ عنها ألِفٌ، كَما قالُوا في الوَقْفِ: قالا، يُرِيدُونَ: قالَ، ثُمَّ مَطَلُوا الفَتْحَةَ في القَوافِي ونَحْوِها مِن مَواضِعِ الرَوِيَّةِ والتَثَبُّتِ، ومِن ذَلِكَ في الشِعْرِ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ يَنْباعُ مِن ذِفَرِي غَضُوبٍ جَسْرَةٍ......................... يُرِيدُ: يَنْبُعُ فَمُطِلَ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ أقُولُ إذْ خَرَّتْ عَلى الكَلْكالِ ∗∗∗ يا ناقَتا ما جُلْتِ مِن مَجالِ يُرِيدُ: عَلى الكَلْكَلِ فَمُطِلَ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ فَأنْتَ مِنَ الغَوائِلِ حِينَ تُرْمى ∗∗∗ ومِن ذَمِّ الرِجالِ بِمُنْتَزاحِ (p-٣٤٧)يُرِيدُ بِمُنْتَزِحٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: فَإذا جازَ أنْ يَعْتَرِضَ هَذا التَمادِي بَيْنَ أثْناءِ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ، جازَ التَمادِي والتَأنِّي بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ إذْ هُما في الحَقِيقَةِ اثْنانِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "مُنَزَّلِينَ" بِفَتْحِ النُونِ والزايِ مُشَدَّدَةً، وقَرَأ الباقُونَ: "مُنْزَلِينَ" بِسُكُونِ النُونِ وفَتْحِ الزايِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "مُنَزِّلِينَ" بِفَتْحِ النُونِ وكَسْرِ الزايِ مُشَدَّدَةً مَعْناها: يُنْزِلُونَ النَصْرَ، وحَكى النَحّاسُ قِراءَةً ولَمْ يَنْسِبْها: "مُنْزِلِينَ" بِسُكُونِ النُونِ وكَسْرِ الزايِ خَفِيفَةً، وفَسَّرَها بِأنَّهم يُنْزِلُونَ النَصْرَ. و"بَلى" جَوابٌ لِلنَّفْيِ الَّذِي في "ألَنْ" وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناهُ: ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الشَرْطَ الَّذِي مَعَهُ يَقَعُ الإمْدادُ وهو الصَبْرُ، والتُقى. والفَوْرُ: النُهُوضُ المُسْرِعُ إلى الشَيْءِ مَأْخُوذٌ مِن فَوْرِ القِدْرِ والماءِ ونَحْوِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "وَفارَ التَنُّورُ" فالمَعْنى: ويَأْتُوكم في نَهْضَتِكم هَذِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "مِن فَوْرِهِمْ هَذا" مَعْناهُ: مِن سَفَرِهِمْ هَذا، قالَ الحَسَنُ والسُدِّيُّ: مَعْناهُ: مِن وجْهِهِمْ هَذا، وقالَهُ قَتادَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وأبُو صالِحٍ مَوْلى أُمِّ هانِئٍ: مِن غَضَبِهِمْ هَذا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفْسِيرٌ لا يَخُصُّ اللَفْظَةَ، قَدْ يَكُونُ "الفَوْرُ" لِغَضَبٍ ولِطَمَعٍ ولِرَغْبَةٍ في أجْرٍ، ومِنهُ الفَوْرُ في الحَجِّ والوُضُوءِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ: "مُسَوِّمِينَ"، بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ: (p-٣٤٨)"مُسَوَّمِينَ"، بِفَتْحِ الواوِ، فَأمّا مَن قَرَأ بِفَتْحِ الواوِ فَمَعْناهُ: مُعَلَّمِينَ بِعَلاماتٍ، قالَ أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ: السُومَةُ: العَلامَةُ تَكُونُ عَلى الشاةِ وغَيْرِها يُجْعَلُ عَلَيْها لَوْنٌ يُخالِفُ لَوْنَها لِتُعْرَفَ، ورُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ أعْلَمَتْ يَوْمَئِذٍ بِعَمائِمَ بِيضٍ، حَكاهُ المَهْدَوِيُّ عَنِ الزَجّاجِ، إلّا جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ فَإنَّهُ كانَ بِعِمامَةٍ صَفْراءَ عَلى مِثالِ عِمامَةِ الزُبَيْرِ بْنِ العَوّامِ، وقالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ خَيْلُهم مَجْزُوزَةَ الأذْنابِ والأعْرافِ، مُعَلَّمَةَ النَواصِي والأذْنابِ بِالصُوفِ والعِهْنِ. وقالَ الرَبِيعُ: كانَتْ سِيماهم أنَّهم كانُوا عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ، وقالَ عَبّادُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُبَيْرِ: نَزَلَتِ المَلائِكَةُ في سِيما الزُبَيْرِ، عَلَيْهِمْ عَمائِمُ صُفْرٌ، وقالَ ذَلِكَ عُرْوَةُ وعَبْدُ اللهِ ابْنا الزُبَيْرِ. وقالَ عَبْدُ اللهِ: كانَتْ مِلاءَةً صَفْراءَ فاعْتَمَّ الزُبَيْرُ بِها، ومَن قَرَأ: "مُسَوِّمِينَ" بِكَسْرِ الواوِ، فَيُحْتَمَلُ مِنَ المَعْنى مِثْلُ ما تَقَدَّمَ، أيْ: هم قَدْ أعْلَمُوا أنْفُسَهم بِعَلامَةٍ وأعْلَمُوا خَيْلَهُمْ، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ هَذِهِ القِراءَةَ بِأنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ: « "سَوِّمُوا فَإنَّ المَلائِكَةَ قَدْ سَوَّمَتْ"» فَهم عَلى هَذا مُسَوِّمُونَ، وقالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ التَفْسِيرِ: إنَّ مَعْنى "مُسَوِّمِينَ" بِكَسْرِ الواوِ أيْ هم قَدْ سَوَّمُوا خَيْلَهُمْ: أيْ: أعْطَوْها سَوْمَها مِنَ الجَرْيِ والقِتالِ والإحْضارِ فَهي سائِمَةٌ، ومِنهُ سائِمَةُ الماشِيَةِ، لِأنَّها تُرِكَتْ وسَوْمَها مِنَ الرَعْيِ، وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ هَذا المَعْنى في "مُسَوَّمِينَ" بِفَتْحِ الواوِ أيْ أرْسَلُوا وُسُومَهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ قَلِقٌ، وقَدْ قالَهُ ابْنُ فُورَكٍ أيْضًا.

آل عمران 3:124

(p-٣٤٢)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا اللهُ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِن المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ لَمّا أمَرَ اللهُ تَعالى بِالتَوَكُّلِ عَلَيْهِ، ذَكَّرَ بِأمْرِ بَدْرٍ الَّذِي كانَ ثَمَرَةَ التَوَكُّلِ عَلى اللهِ والثِقَةِ بِهِ، فَمَن قالَ مِنَ المُفَسِّرِينَ إنَّ قَوْلَ النَبِيِّ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ: "ألَنْ يَكْفِيَكُمْ". كانَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَيَجِيءُ التَذْكِيرُ بِأمْرِ بَدْرٍ وبِأمْرِ المَلائِكَةِ وقِتالِهِمْ فِيهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، مُحَرِّضًا عَلى الجِدِّ والتَوَكُّلِ عَلى اللهِ، ومَن قالَ: إنَّ قَوْلَ النَبِيِّ ﷺ: "ألَنْ يَكْفِيَكُمْ"... الآيَةَ إنَّما كانَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ، كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ﴾ إلى "تَشْكُرُونَ" اعْتِراضًا بَيْنَ الكَلامِ جَمِيلًا، والنَصْرُ بِبَدْرٍ هو المَشْهُورُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ صَنادِيدُ قُرَيْشٍ، وعَلى ذَلِكَ اليَوْمِ انْبَنى الإسْلامُ، وكانَتْ بَدْرٌ يَوْمَ سَبْعَةَ عَشَرَ مِن رَمَضانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ لِثَمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ. وبَدْرٌ: ماءٌ هُنالِكَ سُمِّيَ بِهِ المَوْضِعُ. وقالَ الشَعْبِيُّ: كانَ ذَلِكَ الماءُ لِرَجُلٍ مِن جُهَيْنَةَ يُسَمّى بَدْرًا فَبِهِ سُمِّيَ. قالَ الواقِدِيُّ: فَذَكَرْتُ هَذا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ ومُحَمَّدِ بْنِ صالِحٍ فَأنْكَراهُ وقالا: بِأيِّ شَيْءٍ سُمِّيَتِ الصَفْراءُ والجارُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ؟ قالَ: وذَكَرْتُ ذَلِكَ لِيَحْيى بْنِ النُعْمانِ الغِفارِيِّ فَقالَ: سَمِعْتُ شُيُوخًا مِن بَنِي غِفارٍ يَقُولُونَ: هو ماؤُنا ومَنزِلُنا وما مَلَكَهُ أحَدٌ قَطُّ يُقالُ لَهُ بَدْرٌ، وما هو مِن بِلادِ جُهَيْنَةَ إنَّما هي بِلادُ غِفارٍ، قالَ الواقِدِيُّ: فَهَذا المَعْرُوفُ عِنْدَنا. (p-٣٤٣)وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَأنْتُمْ أذِلَّةٌ" مَعْناهُ: قَلِيلُونَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ أو أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وكانَ عَدُوُّهم ما بَيْنَ التِسْعِمِائَةِ إلى الألْفِ، وأذِلَّةٌ: جَمْعُ ذَلِيلٍ، واسْمُ الذُلِّ في هَذا المَوْضِعِ مُسْتَعارٌ، ولَمْ يَكُونُوا في أنْفُسِهِمْ إلّا أعِزَّةً، ولَكِنَّ نِسْبَتَهم إلى عَدُوِّهِمْ وإلى جَمِيعِ الكُفّارِ في أقْطارِ الأرْضِ يَقْتَضِي عِنْدَ التَأمُّلِ ذِلَّتَهُمْ، وأنَّهم مَغْلُوبُونَ، وقَدْ قالَ النَبِيُّ ﷺ في ذَلِكَ اليَوْمِ: « "اللهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ لَمْ تُعْبَدْ"،» وهَذِهِ الِاسْتِعارَةُ كاسْتِعارَةِ الكَذِبِ في قَوْلِهِ في المُوَطَّإ: كَذَبَ كَعْبٌ، وكَقَوْلِهِ: كَذَبَ أبُو مُحَمَّدٍ، وكاسْتِعارَةِ المَسْكَنَةِ لِأصْحابِ السَفِينَةِ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ، إذْ كانَتْ مَسْكَنَتُهم بِالنِسْبَةِ إلى المَلِكِ القادِرِ الغاصِبِ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِالتَقْوى، ورَجّاهم في الإنْعامِ الَّذِي يُوجِبُ الشُكْرَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اتَّقُوا اللهَ عَسى أنْ تَكُونَ تَقْواكم شُكْرًا عَلى النِعْمَةِ في نَصْرِهِ بِبَدْرٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "إذْ تَقُولُ"، العامِلُ في "إذْ" فِعْلٌ مُضْمَرٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ: "نَصَرَكُمُ" وهَذا عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ: إنَّ هَذا القَوْلَ مِنَ النَبِيِّ ﷺ كانَ بِبَدْرٍ، قالَ الشَعْبِيُّ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وغَيْرُهُما: إنَّ هَذا كانَ بِبَدْرٍ، قالَ الشَعْبِيُّ: بَلَغَ المُؤْمِنِينَ أنَّ كُرْزَ بْنَ جابِرِ بْنِ حِسْلٍ المُحارِبِيَّ مُحارِبَ فِهْرٍ قَدْ جاءَ في مَدَدٍ لِلْمُشْرِكِينَ، فَغَمَّ ذَلِكَ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ عن أمْرِ اللهِ تَعالى هَذِهِ المَقالَةَ، فَصَبَرَ المُؤْمِنُونَ واتَّقَوْا، وهُزِمَ المُشْرِكُونَ، وبَلَغَتِ الهَزِيمَةُ كُرْزًا ومَن مَعَهُ فانْصَرَفُوا ولَمْ يَأْتُوا مِن فَوْرِهِمْ، ولَمْ يُمَدَّ المُؤْمِنُونَ بِالمَلائِكَةِ، وكانَتِ المَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ تَحْضُرُ حُرُوبَ النَبِيِّ ﷺ مَدَدًا، وهي تَحْضُرُ حُرُوبَ المُسْلِمِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وخالَفَ الناسُ الشَعْبِيَّ في هَذِهِ المَقالَةِ، وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ بِأنَّ المَلائِكَةَ حَضَرَتْ بَدْرًا وقاتَلَتْ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي أُسَيْدٍ مالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ: لَوْ كُنْتُ مَعَكُمُ الآنَ بِبَدْرٍ (p-٣٤٤)وَمَعِي بَصَرِي لَأرَيْتُكُمُ الشِعْبَ الَّذِي خَرَجَتْ مِنهُ المَلائِكَةُ، لا أشُكُّ ولا أتَمارى. ومِنهُ حَدِيثُ الغِفارِيِّ وابْنِ عَمِّهِ اللَذَيْنِ سَمِعا مِنَ الصَحابَةِ: أقْدِمْ حَيْزُومُ فانْكَشَفَ قِناعُ قَلْبِ أحَدِهِما، فَماتَ مَكانَهُ، وتَماسَكَ الآخَرُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ تُقاتِلِ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ إلّا يَوْمَ بَدْرٍ، وكانُوا يَكُونُونَ في سائِرِ الأيّامِ عَدَدًا ومَدَدًا لا يَضْرِبُونَ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ لِأبِي لَهَبٍ: ما هو إلّا أنْ لَقِينا القَوْمَ فَمَنَحْناهم أكْتافَنا يَقْتُلُونَ ويَأْسِرُونَ، وعَلى ذَلِكَ فَواللهِ ما لُمْتُ الناسَ، لَقِينا رِجالًا بِيضًا عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ ما تُلِيقُ شَيْئًا ولا يَقُومُ لَها شَيْءٌ، ومِن ذَلِكَ «أنَّ أبا اليُسْرِ كَعْبَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصارِيَّ أحَدَ بَنِي سَلَمَةَ أسَرَ يَوْمَ بَدْرٍ العَبّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وكانَ أبُو اليُسْرِ رَجُلًا مَجْمُوعًا وكانَ العَبّاسُ رَجُلًا طَوِيلًا جَسِيمًا، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "لَقَدْ أعانَكَ عَلَيْهِ مَلَكٌ كَرِيمٌ"...» الحَدِيثُ بِجُمْلَتِهِ. وقَدْ قالَ بَعْضُ الصَحابَةِ: كُنْتُ يَوْمَ بَدْرٍ أتْبَعُ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ لِأضْرِبَهُ بِسَيْفِي فَلَمّا دَنَوْتُ مِنهُ وقَعَ رَأْسُهُ قَبْلَ أنْ يَصِلَ سَيْفِي إلَيْهِ، فَعَلِمْتُ أنَّ مَلَكًا قَتَلَهُ. (p-٣٤٥)وَقالَ قَتادَةُ بْنُ دِعامَةَ: أمَدَّ اللهُ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وقالَ آخَرُونَ: إنَّ اللهَ وعَدَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أنْ يُمِدَّهم في حُرُوبِهِمْ كُلِّها إنْ صَبَرُوا واتَّقَوْا، فَلَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ إلّا في يَوْمِ الأحْزابِ، فَأمَدَّهم حِينَ حاصَرُوا قُرَيْظَةَ، ثُمَّ أدْخَلَ تَحْتَ هَذِهِ التَرْجَمَةِ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي أوفى أنَّهُ قالَ: «حاصَرْنا قُرَيْظَةَ مُدَّةً فَلَمْ يُفْتَحْ عَلَيْنا فَرَجَعْنا، فَبَيْنا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ دَعا بِغُسْلٍ يُرِيدُ أنْ يَغْسِلَ رَأْسَهُ، إذْ جاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ فَقالَ: وضَعْتُمْ أسْلِحَتَكم ولَمْ تَضَعِ المَلائِكَةُ أوزارَها، فَلَفَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَأسَهُ بِخِرْقَةٍ ولَمْ يَغْسِلْهُ، ونادى فِينا فَقُمْنا كالِّينَ مُتْعَبِينَ، حَتّى أتَيْنا قُرَيْظَةَ والنَضِيرَ، فَيَوْمَئِذٍ أمَدَّنا اللهُ بِالمَلائِكَةِ بِثَلاثَةِ آلافٍ، وفَتَحَ لَنا فَتْحًا يَسِيرًا، فانْقَلَبْنا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وفَضْلٍ.» وقالَ عِكْرِمَةُ: كانَ الوَعْدُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَمْ يَصْبِرُوا يَوْمَ أُحُدٍ ولا اتَّقَوْا، فَلَمْ يُمَدُّوا ولَوْ مُدُّوا لَمْ يُهْزَمُوا. وقالَ الضَحّاكُ: كانَ هَذا الوَعْدُ والمَقالَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَفَرَّ الناسُ ووَلَّوْا مُدْبِرِينَ فَلَمْ يُمِدَّهُمُ اللهُ، وإنَّما مُدُّوا يَوْمَ بَدْرٍ بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: «قالَ المُسْلِمُونَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وهم يَنْتَظِرُونَ المُشْرِكِينَ: يا رَسُولَ اللهِ، ألَيْسَ يُمِدُّنا اللهُ كَما أمَدَّنا يَوْمَ بَدْرٍ؟ فَقالَ لَهُمُ النَبِيُّ ﷺ: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾.... الآيَةَ،» وإنَّما أمَدَّهم يَوْمَ بَدْرٍ بِألْفٍ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَلَمْ يَصْبِرُوا. وقَوْلُهُ تَعالى: "ألَنْ يَكْفِيَكُمْ" تَقْرِيرٌ عَلى اعْتِقادِهِمُ الكِفايَةَ في هَذا العَدَدِ مِنَ المَلائِكَةِ، ومِن حَيْثُ كانَ الأمْرُ بَيِّنًا في نَفْسِهِ أنَّ المَلائِكَةَ كافِيَةٌ، بادَرَ المُتَكَلِّمُ إلى الجَوابِ لِيَبْنِيَ ما يَسْتَأْنِفُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ فَقالَ: بَلى وهي جَوابُ المُقَرِّرِينَ. وهَذا يَحْسُنُ في الأُمُورِ البَيِّنَةِ الَّتِي لا مَحِيدَ في جَوابِها، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ (p-٣٤٦)شَهادَةً قُلْ اللهُ﴾ [الأنعام: ١٩] وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، "ألا يَكْفِيكُمْ"، وقَدْ مَضى القَوْلُ في الإمْدادِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَيَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بِثَلاثَهْ آلافٍ" يَقِفُ عَلى الهاءِ، وكَذَلِكَ: "بِخَمْسَهْ آلافٍ"، ووَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ ضَعِيفٌ، لِأنَّ المُضافَ والمُضافَ إلَيْهِ يَقْتَضِيانِ الِاتِّصالَ، إذْ هُما كالِاسْمِ الواحِدِ، وإنَّما الثانِي كَمالٌ لِلْأوَّلِ، والهاءُ إنَّما هي أمارَةُ وقْفٍ، فَيُقْلِقُ الوَقْفُ في مَوْضِعٍ إنَّما هو لِلِاتِّصالِ، لَكِنْ قَدْ جاءَ نَحْوُ هَذا لِلْعَرَبِ في مَواضِعَ، فَمِن ذَلِكَ ما حَكاهُ الفَرّاءُ أنَّهم يَقُولُونَ: أكَلْتُ لَحْمًا شاهْ، يُرِيدُونَ لَحْمَ شاةٍ فَمَطَلُوا الفَتْحَةَ حَتّى نَشَأتْ عنها ألِفٌ، كَما قالُوا في الوَقْفِ: قالا، يُرِيدُونَ: قالَ، ثُمَّ مَطَلُوا الفَتْحَةَ في القَوافِي ونَحْوِها مِن مَواضِعِ الرَوِيَّةِ والتَثَبُّتِ، ومِن ذَلِكَ في الشِعْرِ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ يَنْباعُ مِن ذِفَرِي غَضُوبٍ جَسْرَةٍ......................... يُرِيدُ: يَنْبُعُ فَمُطِلَ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ أقُولُ إذْ خَرَّتْ عَلى الكَلْكالِ ∗∗∗ يا ناقَتا ما جُلْتِ مِن مَجالِ يُرِيدُ: عَلى الكَلْكَلِ فَمُطِلَ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ فَأنْتَ مِنَ الغَوائِلِ حِينَ تُرْمى ∗∗∗ ومِن ذَمِّ الرِجالِ بِمُنْتَزاحِ (p-٣٤٧)يُرِيدُ بِمُنْتَزِحٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: فَإذا جازَ أنْ يَعْتَرِضَ هَذا التَمادِي بَيْنَ أثْناءِ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ، جازَ التَمادِي والتَأنِّي بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ إذْ هُما في الحَقِيقَةِ اثْنانِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "مُنَزَّلِينَ" بِفَتْحِ النُونِ والزايِ مُشَدَّدَةً، وقَرَأ الباقُونَ: "مُنْزَلِينَ" بِسُكُونِ النُونِ وفَتْحِ الزايِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "مُنَزِّلِينَ" بِفَتْحِ النُونِ وكَسْرِ الزايِ مُشَدَّدَةً مَعْناها: يُنْزِلُونَ النَصْرَ، وحَكى النَحّاسُ قِراءَةً ولَمْ يَنْسِبْها: "مُنْزِلِينَ" بِسُكُونِ النُونِ وكَسْرِ الزايِ خَفِيفَةً، وفَسَّرَها بِأنَّهم يُنْزِلُونَ النَصْرَ. و"بَلى" جَوابٌ لِلنَّفْيِ الَّذِي في "ألَنْ" وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناهُ: ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الشَرْطَ الَّذِي مَعَهُ يَقَعُ الإمْدادُ وهو الصَبْرُ، والتُقى. والفَوْرُ: النُهُوضُ المُسْرِعُ إلى الشَيْءِ مَأْخُوذٌ مِن فَوْرِ القِدْرِ والماءِ ونَحْوِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "وَفارَ التَنُّورُ" فالمَعْنى: ويَأْتُوكم في نَهْضَتِكم هَذِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "مِن فَوْرِهِمْ هَذا" مَعْناهُ: مِن سَفَرِهِمْ هَذا، قالَ الحَسَنُ والسُدِّيُّ: مَعْناهُ: مِن وجْهِهِمْ هَذا، وقالَهُ قَتادَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وأبُو صالِحٍ مَوْلى أُمِّ هانِئٍ: مِن غَضَبِهِمْ هَذا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفْسِيرٌ لا يَخُصُّ اللَفْظَةَ، قَدْ يَكُونُ "الفَوْرُ" لِغَضَبٍ ولِطَمَعٍ ولِرَغْبَةٍ في أجْرٍ، ومِنهُ الفَوْرُ في الحَجِّ والوُضُوءِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ: "مُسَوِّمِينَ"، بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ: (p-٣٤٨)"مُسَوَّمِينَ"، بِفَتْحِ الواوِ، فَأمّا مَن قَرَأ بِفَتْحِ الواوِ فَمَعْناهُ: مُعَلَّمِينَ بِعَلاماتٍ، قالَ أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ: السُومَةُ: العَلامَةُ تَكُونُ عَلى الشاةِ وغَيْرِها يُجْعَلُ عَلَيْها لَوْنٌ يُخالِفُ لَوْنَها لِتُعْرَفَ، ورُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ أعْلَمَتْ يَوْمَئِذٍ بِعَمائِمَ بِيضٍ، حَكاهُ المَهْدَوِيُّ عَنِ الزَجّاجِ، إلّا جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ فَإنَّهُ كانَ بِعِمامَةٍ صَفْراءَ عَلى مِثالِ عِمامَةِ الزُبَيْرِ بْنِ العَوّامِ، وقالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ خَيْلُهم مَجْزُوزَةَ الأذْنابِ والأعْرافِ، مُعَلَّمَةَ النَواصِي والأذْنابِ بِالصُوفِ والعِهْنِ. وقالَ الرَبِيعُ: كانَتْ سِيماهم أنَّهم كانُوا عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ، وقالَ عَبّادُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُبَيْرِ: نَزَلَتِ المَلائِكَةُ في سِيما الزُبَيْرِ، عَلَيْهِمْ عَمائِمُ صُفْرٌ، وقالَ ذَلِكَ عُرْوَةُ وعَبْدُ اللهِ ابْنا الزُبَيْرِ. وقالَ عَبْدُ اللهِ: كانَتْ مِلاءَةً صَفْراءَ فاعْتَمَّ الزُبَيْرُ بِها، ومَن قَرَأ: "مُسَوِّمِينَ" بِكَسْرِ الواوِ، فَيُحْتَمَلُ مِنَ المَعْنى مِثْلُ ما تَقَدَّمَ، أيْ: هم قَدْ أعْلَمُوا أنْفُسَهم بِعَلامَةٍ وأعْلَمُوا خَيْلَهُمْ، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ هَذِهِ القِراءَةَ بِأنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ: « "سَوِّمُوا فَإنَّ المَلائِكَةَ قَدْ سَوَّمَتْ"» فَهم عَلى هَذا مُسَوِّمُونَ، وقالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ التَفْسِيرِ: إنَّ مَعْنى "مُسَوِّمِينَ" بِكَسْرِ الواوِ أيْ هم قَدْ سَوَّمُوا خَيْلَهُمْ: أيْ: أعْطَوْها سَوْمَها مِنَ الجَرْيِ والقِتالِ والإحْضارِ فَهي سائِمَةٌ، ومِنهُ سائِمَةُ الماشِيَةِ، لِأنَّها تُرِكَتْ وسَوْمَها مِنَ الرَعْيِ، وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ هَذا المَعْنى في "مُسَوَّمِينَ" بِفَتْحِ الواوِ أيْ أرْسَلُوا وُسُومَهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ قَلِقٌ، وقَدْ قالَهُ ابْنُ فُورَكٍ أيْضًا.