Lafzullah

Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — النساء 4:53 – النساء 4:125

المؤلف / المصدر: Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah

المحتويات
  1. النساء 4:53
  2. النساء 4:54
  3. النساء 4:55
  4. النساء 4:56
  5. النساء 4:57
  6. النساء 4:58
  7. النساء 4:59
  8. النساء 4:60
  9. النساء 4:61
  10. النساء 4:62
  11. النساء 4:63
  12. النساء 4:64
  13. النساء 4:65
  14. النساء 4:66
  15. النساء 4:67
  16. النساء 4:68
  17. النساء 4:69
  18. النساء 4:70
  19. النساء 4:71
  20. النساء 4:72
  21. النساء 4:73
  22. النساء 4:74
  23. النساء 4:75
  24. النساء 4:76
  25. النساء 4:77
  26. النساء 4:78
  27. النساء 4:79
  28. النساء 4:80
  29. النساء 4:81
  30. النساء 4:82
  31. النساء 4:83
  32. النساء 4:84
  33. النساء 4:85
  34. النساء 4:86
  35. النساء 4:87
  36. النساء 4:88
  37. النساء 4:89
  38. النساء 4:90
  39. النساء 4:91
  40. النساء 4:92
  41. النساء 4:93
  42. النساء 4:94
  43. النساء 4:95
  44. النساء 4:96
  45. النساء 4:97
  46. النساء 4:98
  47. النساء 4:99
  48. النساء 4:100
  49. النساء 4:101
  50. النساء 4:102
  51. النساء 4:103
  52. النساء 4:104
  53. النساء 4:105
  54. النساء 4:106
  55. النساء 4:107
  56. النساء 4:108
  57. النساء 4:109
  58. النساء 4:110
  59. النساء 4:111
  60. النساء 4:112
  61. النساء 4:113
  62. النساء 4:114
  63. النساء 4:115
  64. النساء 4:116
  65. النساء 4:117
  66. النساء 4:118
  67. النساء 4:119
  68. النساء 4:120
  69. النساء 4:121
  70. النساء 4:122
  71. النساء 4:123
  72. النساء 4:124
  73. النساء 4:125

النساء 4:53

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ الناسَ نَقِيرًا﴾ ﴿أمْ يَحْسُدُونَ الناسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عنهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ عُرْفُ "أمْ" أنْ تُعْطَفَ بَعْدَ اسْتِفْهامٍ مُتَقَدِّمٍ، كَقَوْلِكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو؟ فَإذا ورَدَتْ ولَمْ يَتَقَدَّمْها اسْتِفْهامٌ، فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها مُضَمَّنَةٌ مَعْنى الإضْرابِ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ والقَطْعِ عنهُ، وهي مُضَمَّنَةٌ -مَعَ ذَلِكَ- مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، فَهي بِمَعْنى "بَلْ" مَعَ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ؟، فالتَقْدِيرُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: إنَّها لَإبِلٌ بَلْ أهِيَ شاءٌ؟ وكَذَلِكَ هَذا المَوْضِعُ، تَقْدِيرُهُ: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ؟ وقَدْ حُكِيَ عن بَعْضِ النَحْوِيِّينَ، أنَّ "أمْ" يُسْتَفْهَمُ بِها ابْتِداءً دُونَ تَقَدُّمِ اسْتِفْهامٍ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ في المُشْكِلِ، وهَذا غَيْرُ مَشْهُورٍ لِلْعَرَبِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، ولَمْ يَذْكُرُوا الألِفَ اللازِمَةَ، فَأوجَبُوا -عَلى هَذا- حُصُولَ المِلْكِ لِلْمَذْكُورِينَ في الآيَةِ، والتَزَمُوا ذَلِكَ وفَسَّرُوا عَلَيْهِ، فالمَعْنى عِنْدَهُمْ: بَلْ هم مُلُوكٌ أهْلُ دُنْيا وعُتُوٍّ (p-٥٨٢)وَتَنَعُّمٍ، لا يَبْغُونَ غَيْرَهُ، فَهم بُخَلاءُ بِهِ، حَرِيصُونَ عَلى ألّا يَكُونَ ظُهُورٌ لِسِواهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى عَلى الأرْجَحِ -الَّذِي هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والحُذّاقِ- أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى الإنْكارِ، أيْ: ألَهم مُلْكٌ؟ فَإذًا لَوْ كانَ لَبَخِلُوا. قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَإذًا لا يُؤْتُوا" بِغَيْرِ نُونٍ عَلى إعْمالِ "إذًا"، والمُصْحَفُ عَلى إلْغائِها، والوَجْهانِ جائِزانِ، وإنْ كانَتْ صَدْرًا مِن أجْلِ دُخُولِ الفاءِ عَلَيْها. والنَقِيرُ: أعْرَفُ ما فِيهِ أنَّها النُكْتَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَواةِ مِنَ التَمْرَةِ، ومِن هُنالِكَ تَنْبُتُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي النُقْطَةُ الَّتِي في بَطْنِ النَواةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هو نَقْرُ الإنْسانِ بِأُصْبُعِهِ، وهَذا كُلُّهُ يَجْمَعُهُ أنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الغايَةِ في الحَقارَةِ والقِلَّةِ عَلى مَجازِ العَرَبِ واسْتِعارَتِها، و"فَإذًا" في هَذِهِ الآيَةِ مُلْغاةٌ لِدُخُولِ فاءِ العَطْفِ عَلَيْها، ويَجُوزُ إعْمالُها، والإلْغاءُ أفْصَحُ، وذَلِكَ أنَّها إذا تَقَدَّمَتْ أُعْمِلَتْ قَوْلًا واحِدًا، فَإذا دَخَلَ عَلَيْها وهي مُتَقَدِّمَةٌ فاءٌ أو واوٌ جازَ إعْمالُها والإلْغاءُ أفْصَحُ، وهي لُغَةُ القُرْآنِ، وتُكْتَبُ "إذًا" بِالنُونِ وبِالألِفِ، فالنُونُ هو الأصْلُ، كَعن ومِن، وجازَ كَتْبُها بِالألِفِ لِصِحَّةِ الوُقُوفِ عَلَيْها فَأشْبَهَتْ نُونَ التَنْوِينِ، ولا يَصِحُّ الوُقُوفُ عَلى "عن" و"مِن". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ الناسَ﴾ الآيَةُ، "أمْ" هَذِهِ عَلى بابِها، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الَّذِي في تَقْدِيرِنا: "بَلْ لَهُمْ" قَدْ تَقَدَّمَها. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُرادِ بِـ "الناسَ" في هَذا المَوْضِعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: هو النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، والفَضْلُ النُبُوَّةُ فَقَطْ، والمَعْنى: فَلِمَ يَخُصُّونَهُ بِالحَسَدِ ولا يَحْسُدُونَ آلَ إبْراهِيمَ في جَمِيعِ ما آتَيْناهم مِن هَذا وغَيْرِهِ مِنَ المُلْكِ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ أيْضًا: هو النَبِيُّ ﷺ، والفَضْلُ: ما أُبِيحَ لَهُ مِنَ النِساءِ فَقَطْ، وسَبَبُ الآيَةِ عِنْدَهم أنَّ اليَهُودَ قالَتْ لِكُفّارِ العَرَبِ: انْظُرُوا إلى هَذا الَّذِي يَقُولُ: إنَّهُ بُعِثَ بِالتَواضُعِ، وإنَّهُ لا يَمْلَأُ بَطْنَهُ طَعامًا، لَيْسَ هَمُّهُ إلّا في النِساءِ، ونَحْوَ هَذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، والمَعْنى: فَلِمَ يَخُصُّونَهُ بِالحَسَدِ ولا يَحْسُدُونَ آلَ إبْراهِيمَ؟ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ؟ يَعْنِي سُلَيْمانَ وداوُدَ عَلَيْهِما (p-٥٨٣)الصَلاةُ والسَلامُ، في أنَّهُما أُعْطِيا النُبُوَّةَ والكِتابَ، وأُعْطِيا -مَعَ ذَلِكَ- مُلْكًا عَظِيمًا، في أمْرِ النِساءِ، وهو ما رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِسُلَيْمانَ سَبْعُمِائَةِ امْرَأةٍ، وثَلاثُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، ولِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ، ونَحْوُ هَذا مِنَ الأخْبارِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ، فالمُلْكُ في هَذا القَوْلِ إباحَةُ النِساءِ كَأنَّهُ المَقْصُودُ أوَّلًا بِالذِكْرِ. وقالَ قَتادَةُ: الناسُ في هَذا المَوْضِعِ: العَرَبُ، حَسَدَتْها بَنُو إسْرائِيلَ في أنْ كانَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِنها، والفَضْلُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، فالمَعْنى: لِمَ يَحْسُدُونَ العَرَبَ عَلى هَذا النَبِيِّ ﷺ وقَدْ أُوتِيَ آلُ إبْراهِيمَ ﷺ -وَهم أسْلافُهُمْ- أنْبِياءً وكُتُبًا كالتَوْراةِ والزَبُورِ، وحِكْمَةً وهي الفَهْمُ في الدِينِ، وما يَكُونُ مِنَ الهُدى مِمّا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الكِتابُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَحْنُ الناسُ. يُرِيدُ قُرَيْشًا. "مُلْكًا عَظِيمًا" أيْ: سُلَيْمانَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُلْكُ العَظِيمُ في الآيَةِ هو النُبُوَّةُ، وقالَ هَمّامُ بْنُ الحارِثِ، وأبُو مَسْلَمَةَ: هو التَأْيِيدُ بِالمَلائِكَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأصْوَبُ أنَّهُ مُلْكُ سُلَيْمانَ، أو أمْرُ النِساءِ في التَأْوِيلِ المُتَقَدِّمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ﴾ الآيَةُ، اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في عَوْدِ الضَمِيرِ مِن "بِهِ"، فَقالَ الجُمْهُورُ: هو عائِدٌ عَلى القُرْآنِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ [النساء: ٤٧] فَأعْلَمَ اللهُ أنَّ مِنهم مَن آمَنَ كَما أمَرَ، فَلِذَلِكَ ارْتَفَعَ الوَعِيدُ بِالطَمْسِ ولَمْ يَقَعْ، وصَدَّ قَوْمٌ ثَبَتَ الوَعِيدُ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وحَكى مَكِّيٌّ في ذَلِكَ قِصَصًا لَيْسَتْ بِالثابِتَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى الفَضْلِ الَّذِي آتاهُ اللهُ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، أوِ العَرَبَ عَلى ما تَقَدَّمَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قَرَأتْ فِرْقَةٌ: "صُدَّ عنهُ" بِضَمِّ الصادِ، عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، و"سَعِيرًا" مَعْناهُ: احْتِراقًا وتَلَهُّبًا، والسَعِيرُ: شِدَّةُ تَوَقُّدِ النارِ، فَهَذا كِنايَةٌ عن شِدَّةِ العَذابِ والعُقُوبَةِ.

النساء 4:54

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ الناسَ نَقِيرًا﴾ ﴿أمْ يَحْسُدُونَ الناسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عنهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ عُرْفُ "أمْ" أنْ تُعْطَفَ بَعْدَ اسْتِفْهامٍ مُتَقَدِّمٍ، كَقَوْلِكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو؟ فَإذا ورَدَتْ ولَمْ يَتَقَدَّمْها اسْتِفْهامٌ، فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها مُضَمَّنَةٌ مَعْنى الإضْرابِ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ والقَطْعِ عنهُ، وهي مُضَمَّنَةٌ -مَعَ ذَلِكَ- مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، فَهي بِمَعْنى "بَلْ" مَعَ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ؟، فالتَقْدِيرُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: إنَّها لَإبِلٌ بَلْ أهِيَ شاءٌ؟ وكَذَلِكَ هَذا المَوْضِعُ، تَقْدِيرُهُ: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ؟ وقَدْ حُكِيَ عن بَعْضِ النَحْوِيِّينَ، أنَّ "أمْ" يُسْتَفْهَمُ بِها ابْتِداءً دُونَ تَقَدُّمِ اسْتِفْهامٍ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ في المُشْكِلِ، وهَذا غَيْرُ مَشْهُورٍ لِلْعَرَبِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، ولَمْ يَذْكُرُوا الألِفَ اللازِمَةَ، فَأوجَبُوا -عَلى هَذا- حُصُولَ المِلْكِ لِلْمَذْكُورِينَ في الآيَةِ، والتَزَمُوا ذَلِكَ وفَسَّرُوا عَلَيْهِ، فالمَعْنى عِنْدَهُمْ: بَلْ هم مُلُوكٌ أهْلُ دُنْيا وعُتُوٍّ (p-٥٨٢)وَتَنَعُّمٍ، لا يَبْغُونَ غَيْرَهُ، فَهم بُخَلاءُ بِهِ، حَرِيصُونَ عَلى ألّا يَكُونَ ظُهُورٌ لِسِواهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى عَلى الأرْجَحِ -الَّذِي هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والحُذّاقِ- أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى الإنْكارِ، أيْ: ألَهم مُلْكٌ؟ فَإذًا لَوْ كانَ لَبَخِلُوا. قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَإذًا لا يُؤْتُوا" بِغَيْرِ نُونٍ عَلى إعْمالِ "إذًا"، والمُصْحَفُ عَلى إلْغائِها، والوَجْهانِ جائِزانِ، وإنْ كانَتْ صَدْرًا مِن أجْلِ دُخُولِ الفاءِ عَلَيْها. والنَقِيرُ: أعْرَفُ ما فِيهِ أنَّها النُكْتَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَواةِ مِنَ التَمْرَةِ، ومِن هُنالِكَ تَنْبُتُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي النُقْطَةُ الَّتِي في بَطْنِ النَواةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هو نَقْرُ الإنْسانِ بِأُصْبُعِهِ، وهَذا كُلُّهُ يَجْمَعُهُ أنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الغايَةِ في الحَقارَةِ والقِلَّةِ عَلى مَجازِ العَرَبِ واسْتِعارَتِها، و"فَإذًا" في هَذِهِ الآيَةِ مُلْغاةٌ لِدُخُولِ فاءِ العَطْفِ عَلَيْها، ويَجُوزُ إعْمالُها، والإلْغاءُ أفْصَحُ، وذَلِكَ أنَّها إذا تَقَدَّمَتْ أُعْمِلَتْ قَوْلًا واحِدًا، فَإذا دَخَلَ عَلَيْها وهي مُتَقَدِّمَةٌ فاءٌ أو واوٌ جازَ إعْمالُها والإلْغاءُ أفْصَحُ، وهي لُغَةُ القُرْآنِ، وتُكْتَبُ "إذًا" بِالنُونِ وبِالألِفِ، فالنُونُ هو الأصْلُ، كَعن ومِن، وجازَ كَتْبُها بِالألِفِ لِصِحَّةِ الوُقُوفِ عَلَيْها فَأشْبَهَتْ نُونَ التَنْوِينِ، ولا يَصِحُّ الوُقُوفُ عَلى "عن" و"مِن". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ الناسَ﴾ الآيَةُ، "أمْ" هَذِهِ عَلى بابِها، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الَّذِي في تَقْدِيرِنا: "بَلْ لَهُمْ" قَدْ تَقَدَّمَها. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُرادِ بِـ "الناسَ" في هَذا المَوْضِعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: هو النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، والفَضْلُ النُبُوَّةُ فَقَطْ، والمَعْنى: فَلِمَ يَخُصُّونَهُ بِالحَسَدِ ولا يَحْسُدُونَ آلَ إبْراهِيمَ في جَمِيعِ ما آتَيْناهم مِن هَذا وغَيْرِهِ مِنَ المُلْكِ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ أيْضًا: هو النَبِيُّ ﷺ، والفَضْلُ: ما أُبِيحَ لَهُ مِنَ النِساءِ فَقَطْ، وسَبَبُ الآيَةِ عِنْدَهم أنَّ اليَهُودَ قالَتْ لِكُفّارِ العَرَبِ: انْظُرُوا إلى هَذا الَّذِي يَقُولُ: إنَّهُ بُعِثَ بِالتَواضُعِ، وإنَّهُ لا يَمْلَأُ بَطْنَهُ طَعامًا، لَيْسَ هَمُّهُ إلّا في النِساءِ، ونَحْوَ هَذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، والمَعْنى: فَلِمَ يَخُصُّونَهُ بِالحَسَدِ ولا يَحْسُدُونَ آلَ إبْراهِيمَ؟ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ؟ يَعْنِي سُلَيْمانَ وداوُدَ عَلَيْهِما (p-٥٨٣)الصَلاةُ والسَلامُ، في أنَّهُما أُعْطِيا النُبُوَّةَ والكِتابَ، وأُعْطِيا -مَعَ ذَلِكَ- مُلْكًا عَظِيمًا، في أمْرِ النِساءِ، وهو ما رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِسُلَيْمانَ سَبْعُمِائَةِ امْرَأةٍ، وثَلاثُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، ولِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ، ونَحْوُ هَذا مِنَ الأخْبارِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ، فالمُلْكُ في هَذا القَوْلِ إباحَةُ النِساءِ كَأنَّهُ المَقْصُودُ أوَّلًا بِالذِكْرِ. وقالَ قَتادَةُ: الناسُ في هَذا المَوْضِعِ: العَرَبُ، حَسَدَتْها بَنُو إسْرائِيلَ في أنْ كانَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِنها، والفَضْلُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، فالمَعْنى: لِمَ يَحْسُدُونَ العَرَبَ عَلى هَذا النَبِيِّ ﷺ وقَدْ أُوتِيَ آلُ إبْراهِيمَ ﷺ -وَهم أسْلافُهُمْ- أنْبِياءً وكُتُبًا كالتَوْراةِ والزَبُورِ، وحِكْمَةً وهي الفَهْمُ في الدِينِ، وما يَكُونُ مِنَ الهُدى مِمّا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الكِتابُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَحْنُ الناسُ. يُرِيدُ قُرَيْشًا. "مُلْكًا عَظِيمًا" أيْ: سُلَيْمانَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُلْكُ العَظِيمُ في الآيَةِ هو النُبُوَّةُ، وقالَ هَمّامُ بْنُ الحارِثِ، وأبُو مَسْلَمَةَ: هو التَأْيِيدُ بِالمَلائِكَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأصْوَبُ أنَّهُ مُلْكُ سُلَيْمانَ، أو أمْرُ النِساءِ في التَأْوِيلِ المُتَقَدِّمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ﴾ الآيَةُ، اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في عَوْدِ الضَمِيرِ مِن "بِهِ"، فَقالَ الجُمْهُورُ: هو عائِدٌ عَلى القُرْآنِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ [النساء: ٤٧] فَأعْلَمَ اللهُ أنَّ مِنهم مَن آمَنَ كَما أمَرَ، فَلِذَلِكَ ارْتَفَعَ الوَعِيدُ بِالطَمْسِ ولَمْ يَقَعْ، وصَدَّ قَوْمٌ ثَبَتَ الوَعِيدُ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وحَكى مَكِّيٌّ في ذَلِكَ قِصَصًا لَيْسَتْ بِالثابِتَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى الفَضْلِ الَّذِي آتاهُ اللهُ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، أوِ العَرَبَ عَلى ما تَقَدَّمَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قَرَأتْ فِرْقَةٌ: "صُدَّ عنهُ" بِضَمِّ الصادِ، عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، و"سَعِيرًا" مَعْناهُ: احْتِراقًا وتَلَهُّبًا، والسَعِيرُ: شِدَّةُ تَوَقُّدِ النارِ، فَهَذا كِنايَةٌ عن شِدَّةِ العَذابِ والعُقُوبَةِ.

النساء 4:55

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ الناسَ نَقِيرًا﴾ ﴿أمْ يَحْسُدُونَ الناسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عنهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ عُرْفُ "أمْ" أنْ تُعْطَفَ بَعْدَ اسْتِفْهامٍ مُتَقَدِّمٍ، كَقَوْلِكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو؟ فَإذا ورَدَتْ ولَمْ يَتَقَدَّمْها اسْتِفْهامٌ، فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها مُضَمَّنَةٌ مَعْنى الإضْرابِ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ والقَطْعِ عنهُ، وهي مُضَمَّنَةٌ -مَعَ ذَلِكَ- مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، فَهي بِمَعْنى "بَلْ" مَعَ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ؟، فالتَقْدِيرُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: إنَّها لَإبِلٌ بَلْ أهِيَ شاءٌ؟ وكَذَلِكَ هَذا المَوْضِعُ، تَقْدِيرُهُ: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ؟ وقَدْ حُكِيَ عن بَعْضِ النَحْوِيِّينَ، أنَّ "أمْ" يُسْتَفْهَمُ بِها ابْتِداءً دُونَ تَقَدُّمِ اسْتِفْهامٍ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ في المُشْكِلِ، وهَذا غَيْرُ مَشْهُورٍ لِلْعَرَبِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، ولَمْ يَذْكُرُوا الألِفَ اللازِمَةَ، فَأوجَبُوا -عَلى هَذا- حُصُولَ المِلْكِ لِلْمَذْكُورِينَ في الآيَةِ، والتَزَمُوا ذَلِكَ وفَسَّرُوا عَلَيْهِ، فالمَعْنى عِنْدَهُمْ: بَلْ هم مُلُوكٌ أهْلُ دُنْيا وعُتُوٍّ (p-٥٨٢)وَتَنَعُّمٍ، لا يَبْغُونَ غَيْرَهُ، فَهم بُخَلاءُ بِهِ، حَرِيصُونَ عَلى ألّا يَكُونَ ظُهُورٌ لِسِواهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى عَلى الأرْجَحِ -الَّذِي هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والحُذّاقِ- أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى الإنْكارِ، أيْ: ألَهم مُلْكٌ؟ فَإذًا لَوْ كانَ لَبَخِلُوا. قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَإذًا لا يُؤْتُوا" بِغَيْرِ نُونٍ عَلى إعْمالِ "إذًا"، والمُصْحَفُ عَلى إلْغائِها، والوَجْهانِ جائِزانِ، وإنْ كانَتْ صَدْرًا مِن أجْلِ دُخُولِ الفاءِ عَلَيْها. والنَقِيرُ: أعْرَفُ ما فِيهِ أنَّها النُكْتَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَواةِ مِنَ التَمْرَةِ، ومِن هُنالِكَ تَنْبُتُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي النُقْطَةُ الَّتِي في بَطْنِ النَواةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هو نَقْرُ الإنْسانِ بِأُصْبُعِهِ، وهَذا كُلُّهُ يَجْمَعُهُ أنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الغايَةِ في الحَقارَةِ والقِلَّةِ عَلى مَجازِ العَرَبِ واسْتِعارَتِها، و"فَإذًا" في هَذِهِ الآيَةِ مُلْغاةٌ لِدُخُولِ فاءِ العَطْفِ عَلَيْها، ويَجُوزُ إعْمالُها، والإلْغاءُ أفْصَحُ، وذَلِكَ أنَّها إذا تَقَدَّمَتْ أُعْمِلَتْ قَوْلًا واحِدًا، فَإذا دَخَلَ عَلَيْها وهي مُتَقَدِّمَةٌ فاءٌ أو واوٌ جازَ إعْمالُها والإلْغاءُ أفْصَحُ، وهي لُغَةُ القُرْآنِ، وتُكْتَبُ "إذًا" بِالنُونِ وبِالألِفِ، فالنُونُ هو الأصْلُ، كَعن ومِن، وجازَ كَتْبُها بِالألِفِ لِصِحَّةِ الوُقُوفِ عَلَيْها فَأشْبَهَتْ نُونَ التَنْوِينِ، ولا يَصِحُّ الوُقُوفُ عَلى "عن" و"مِن". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ الناسَ﴾ الآيَةُ، "أمْ" هَذِهِ عَلى بابِها، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الَّذِي في تَقْدِيرِنا: "بَلْ لَهُمْ" قَدْ تَقَدَّمَها. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُرادِ بِـ "الناسَ" في هَذا المَوْضِعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: هو النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، والفَضْلُ النُبُوَّةُ فَقَطْ، والمَعْنى: فَلِمَ يَخُصُّونَهُ بِالحَسَدِ ولا يَحْسُدُونَ آلَ إبْراهِيمَ في جَمِيعِ ما آتَيْناهم مِن هَذا وغَيْرِهِ مِنَ المُلْكِ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ أيْضًا: هو النَبِيُّ ﷺ، والفَضْلُ: ما أُبِيحَ لَهُ مِنَ النِساءِ فَقَطْ، وسَبَبُ الآيَةِ عِنْدَهم أنَّ اليَهُودَ قالَتْ لِكُفّارِ العَرَبِ: انْظُرُوا إلى هَذا الَّذِي يَقُولُ: إنَّهُ بُعِثَ بِالتَواضُعِ، وإنَّهُ لا يَمْلَأُ بَطْنَهُ طَعامًا، لَيْسَ هَمُّهُ إلّا في النِساءِ، ونَحْوَ هَذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، والمَعْنى: فَلِمَ يَخُصُّونَهُ بِالحَسَدِ ولا يَحْسُدُونَ آلَ إبْراهِيمَ؟ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ؟ يَعْنِي سُلَيْمانَ وداوُدَ عَلَيْهِما (p-٥٨٣)الصَلاةُ والسَلامُ، في أنَّهُما أُعْطِيا النُبُوَّةَ والكِتابَ، وأُعْطِيا -مَعَ ذَلِكَ- مُلْكًا عَظِيمًا، في أمْرِ النِساءِ، وهو ما رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِسُلَيْمانَ سَبْعُمِائَةِ امْرَأةٍ، وثَلاثُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، ولِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ، ونَحْوُ هَذا مِنَ الأخْبارِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ، فالمُلْكُ في هَذا القَوْلِ إباحَةُ النِساءِ كَأنَّهُ المَقْصُودُ أوَّلًا بِالذِكْرِ. وقالَ قَتادَةُ: الناسُ في هَذا المَوْضِعِ: العَرَبُ، حَسَدَتْها بَنُو إسْرائِيلَ في أنْ كانَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِنها، والفَضْلُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، فالمَعْنى: لِمَ يَحْسُدُونَ العَرَبَ عَلى هَذا النَبِيِّ ﷺ وقَدْ أُوتِيَ آلُ إبْراهِيمَ ﷺ -وَهم أسْلافُهُمْ- أنْبِياءً وكُتُبًا كالتَوْراةِ والزَبُورِ، وحِكْمَةً وهي الفَهْمُ في الدِينِ، وما يَكُونُ مِنَ الهُدى مِمّا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الكِتابُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَحْنُ الناسُ. يُرِيدُ قُرَيْشًا. "مُلْكًا عَظِيمًا" أيْ: سُلَيْمانَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُلْكُ العَظِيمُ في الآيَةِ هو النُبُوَّةُ، وقالَ هَمّامُ بْنُ الحارِثِ، وأبُو مَسْلَمَةَ: هو التَأْيِيدُ بِالمَلائِكَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأصْوَبُ أنَّهُ مُلْكُ سُلَيْمانَ، أو أمْرُ النِساءِ في التَأْوِيلِ المُتَقَدِّمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ﴾ الآيَةُ، اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في عَوْدِ الضَمِيرِ مِن "بِهِ"، فَقالَ الجُمْهُورُ: هو عائِدٌ عَلى القُرْآنِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ [النساء: ٤٧] فَأعْلَمَ اللهُ أنَّ مِنهم مَن آمَنَ كَما أمَرَ، فَلِذَلِكَ ارْتَفَعَ الوَعِيدُ بِالطَمْسِ ولَمْ يَقَعْ، وصَدَّ قَوْمٌ ثَبَتَ الوَعِيدُ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وحَكى مَكِّيٌّ في ذَلِكَ قِصَصًا لَيْسَتْ بِالثابِتَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى الفَضْلِ الَّذِي آتاهُ اللهُ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، أوِ العَرَبَ عَلى ما تَقَدَّمَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قَرَأتْ فِرْقَةٌ: "صُدَّ عنهُ" بِضَمِّ الصادِ، عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، و"سَعِيرًا" مَعْناهُ: احْتِراقًا وتَلَهُّبًا، والسَعِيرُ: شِدَّةُ تَوَقُّدِ النارِ، فَهَذا كِنايَةٌ عن شِدَّةِ العَذابِ والعُقُوبَةِ.

النساء 4:56

(p-٥٨٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ إنَّ اللهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ونُدْخِلُهم ظِلا ظَلِيلا﴾ تَقَدَّمَ في الآياتِ وصْفُ المَرَدَةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وذِكْرُ أفْعالِهِمْ وذُنُوبِهِمْ، ثُمَّ جاءَ بِالوَعِيدِ النَصُّ لَهم بِلَفْظٍ جَلِيٍّ عامٍّ لَهم ولِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ فَعَلَ فِعْلَهم مِنَ الكُفْرِ، والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ: "نُصْلِيهِمْ" بِضَمِّ النُونِ، مِن أصْلَيْتَ، ومَعْناهُ: قَرَّبْتَ مِنَ النارِ وألْقَيْتَ فِيها، وهو مَعْنى صَلَّيْتَ بِتَشْدِيدِ اللامِ وقَرَأ حُمَيْدٌ "نَصْلِيهِمْ" مِن صَلَيْتَ، ومَعْناهُ: صَلَّيْتَ، ومَعْناهُ: شَوَيْتَ، ومِنهُ الحَدِيثُ: " «أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشاةٍ مَصْلِيَّةٍ"» أىْ: مَشْوِيَّةٍ، وكَذا وقَعَ تَصْرِيفُ الفِعْلِ في العَيْنِ وغَيْرِهِ، وقَرَأ سَلامٌ، ويَعْقُوبُ: "نُصْلِيهُمْ" بِضَمِّ الهاءِ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى تَبْدِيلِ الجُلُودِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: تُبَدَّلُ عَلَيْهِمْ جُلُودٌ غَيْرُها، إذْ نُفُوسُهم هي المُعَذَّبَةُ، والجُلُودُ لا تَأْلَمُ في ذاتِها، فَإنَّها تُبَدَّلُ لِيَذُوقُوا تَجْدِيدَ العَذابِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَبْدِيلُ الجُلُودِ هو إعادَةُ ذَلِكَ الجِلْدِ بِعَيْنِهِ الَّذِي كانَ في الدُنْيا، تَأْكُلُهُ النارُ ويُعِيدُهُ اللهُ دَأبًا لِتَجَدُّدِ العَذابِ، وإنَّما سَمّاهُ تَبْدِيلًا، لِأنَّ أوصافَهُ تَتَغَيَّرُ ثُمَّ يُعادُ، كَما تَقُولُ: "بَدِّلْ مِن خاتَمِي هَذا خاتَمًا". وهي فِضَّتُهُ بِعَيْنِها، فالبَدَلُ إنَّما وقَعَ في تَغْيِيرِ الصِفاتِ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: كُلَّما احْتَرَقَتْ جُلُودُهم بُدِّلُوا جُلُودًا بَيْضاءَ كالقَراطِيسِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: تُبَدَّلُ عَلَيْهِمْ في اليَوْمِ سَبْعِينَ ألْفَ مَرَّةٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجُلُودُ في هَذا المَوْضِعِ سَرابِيلُ القَطْرانِ، سَمّاها جُلُودًا لِلُزُومِها (p-٥٨٥)فَصارَتْ كالجُلُودِ، وهي تُبَدَّلُ دَأبًا عافانا اللهُ مِن عَذابِهِ بِرَحْمَتِهِ، حَكاهُ الطَبَرِيُّ. وحَسُنَ الِاتِّصافُ بَعْدَ هَذِهِ المُقَدِّماتِ بِالعِزَّةِ والإحْكامِ، لِأنَّ اللهَ لا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ إلّا غَلَبَهُ اللهُ، ولا يَفْعَلُ شَيْئًا إلّا بِحِكْمَةٍ وإصابَةٍ، لا إلَهَ إلّا هو تَبارَكَ وتَعالى. ولَمّا ذَكَرَ اللهُ وعِيدَ الكُفّارِ عَقَّبَ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ عَلى الإيمانِ والأعْمالِ الصالِحَةِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "سَيُدْخِلُهُمْ" بِالياءِ، وكَذَلِكَ "يُدْخِلُهُمْ" بَعْدَ ذَلِكَ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى "مِن تَحْتِها" في [سُورَةِ البَقَرَةِ] و"مُطَهَّرَةٌ" مَعْناهُ: مِنَ الرِيَبِ والأقْذارِ الَّتِي هي مَعْهُوداتٌ في الدُنْيا، و"ظَلِيلًا" مَعْناهُ: عِنْدَ بَعْضِهِمْ: يَقِي الحَرَّ والبَرْدَ، ويَصِحُّ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ ظِلٌّ لا يَسْتَحِيلُ ولا يَنْتَقِلُ، كَما يَفْعَلُ ظِلُّ الدُنْيا، فَأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: "ظَلِيلًا" لِذَلِكَ، ويَصِحُّ أنْ يَصِفَهُ بِظَلِيلٍ لِامْتِدادِهِ، فَقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الراكِبُ الجَوادَ المُضَمَّرَ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ ما يَقْطَعُها".»

النساء 4:57

(p-٥٨٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ إنَّ اللهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ونُدْخِلُهم ظِلا ظَلِيلا﴾ تَقَدَّمَ في الآياتِ وصْفُ المَرَدَةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وذِكْرُ أفْعالِهِمْ وذُنُوبِهِمْ، ثُمَّ جاءَ بِالوَعِيدِ النَصُّ لَهم بِلَفْظٍ جَلِيٍّ عامٍّ لَهم ولِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ فَعَلَ فِعْلَهم مِنَ الكُفْرِ، والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ: "نُصْلِيهِمْ" بِضَمِّ النُونِ، مِن أصْلَيْتَ، ومَعْناهُ: قَرَّبْتَ مِنَ النارِ وألْقَيْتَ فِيها، وهو مَعْنى صَلَّيْتَ بِتَشْدِيدِ اللامِ وقَرَأ حُمَيْدٌ "نَصْلِيهِمْ" مِن صَلَيْتَ، ومَعْناهُ: صَلَّيْتَ، ومَعْناهُ: شَوَيْتَ، ومِنهُ الحَدِيثُ: " «أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشاةٍ مَصْلِيَّةٍ"» أىْ: مَشْوِيَّةٍ، وكَذا وقَعَ تَصْرِيفُ الفِعْلِ في العَيْنِ وغَيْرِهِ، وقَرَأ سَلامٌ، ويَعْقُوبُ: "نُصْلِيهُمْ" بِضَمِّ الهاءِ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى تَبْدِيلِ الجُلُودِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: تُبَدَّلُ عَلَيْهِمْ جُلُودٌ غَيْرُها، إذْ نُفُوسُهم هي المُعَذَّبَةُ، والجُلُودُ لا تَأْلَمُ في ذاتِها، فَإنَّها تُبَدَّلُ لِيَذُوقُوا تَجْدِيدَ العَذابِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَبْدِيلُ الجُلُودِ هو إعادَةُ ذَلِكَ الجِلْدِ بِعَيْنِهِ الَّذِي كانَ في الدُنْيا، تَأْكُلُهُ النارُ ويُعِيدُهُ اللهُ دَأبًا لِتَجَدُّدِ العَذابِ، وإنَّما سَمّاهُ تَبْدِيلًا، لِأنَّ أوصافَهُ تَتَغَيَّرُ ثُمَّ يُعادُ، كَما تَقُولُ: "بَدِّلْ مِن خاتَمِي هَذا خاتَمًا". وهي فِضَّتُهُ بِعَيْنِها، فالبَدَلُ إنَّما وقَعَ في تَغْيِيرِ الصِفاتِ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: كُلَّما احْتَرَقَتْ جُلُودُهم بُدِّلُوا جُلُودًا بَيْضاءَ كالقَراطِيسِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: تُبَدَّلُ عَلَيْهِمْ في اليَوْمِ سَبْعِينَ ألْفَ مَرَّةٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجُلُودُ في هَذا المَوْضِعِ سَرابِيلُ القَطْرانِ، سَمّاها جُلُودًا لِلُزُومِها (p-٥٨٥)فَصارَتْ كالجُلُودِ، وهي تُبَدَّلُ دَأبًا عافانا اللهُ مِن عَذابِهِ بِرَحْمَتِهِ، حَكاهُ الطَبَرِيُّ. وحَسُنَ الِاتِّصافُ بَعْدَ هَذِهِ المُقَدِّماتِ بِالعِزَّةِ والإحْكامِ، لِأنَّ اللهَ لا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ إلّا غَلَبَهُ اللهُ، ولا يَفْعَلُ شَيْئًا إلّا بِحِكْمَةٍ وإصابَةٍ، لا إلَهَ إلّا هو تَبارَكَ وتَعالى. ولَمّا ذَكَرَ اللهُ وعِيدَ الكُفّارِ عَقَّبَ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ عَلى الإيمانِ والأعْمالِ الصالِحَةِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "سَيُدْخِلُهُمْ" بِالياءِ، وكَذَلِكَ "يُدْخِلُهُمْ" بَعْدَ ذَلِكَ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى "مِن تَحْتِها" في [سُورَةِ البَقَرَةِ] و"مُطَهَّرَةٌ" مَعْناهُ: مِنَ الرِيَبِ والأقْذارِ الَّتِي هي مَعْهُوداتٌ في الدُنْيا، و"ظَلِيلًا" مَعْناهُ: عِنْدَ بَعْضِهِمْ: يَقِي الحَرَّ والبَرْدَ، ويَصِحُّ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ ظِلٌّ لا يَسْتَحِيلُ ولا يَنْتَقِلُ، كَما يَفْعَلُ ظِلُّ الدُنْيا، فَأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: "ظَلِيلًا" لِذَلِكَ، ويَصِحُّ أنْ يَصِفَهُ بِظَلِيلٍ لِامْتِدادِهِ، فَقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الراكِبُ الجَوادَ المُضَمَّرَ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ ما يَقْطَعُها".»

النساء 4:58

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ إنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ إنَّ اللهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكم فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهَ والرَسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبَ، وابْنُ زَيْدٍ، هَذا خِطابٌ لِوُلاةِ المُسْلِمِينَ خاصَّةً. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهُوَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأُمَرائِهِ، ثُمَّ يَتَناوَلُ مَن بَعْدَهم. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ (p-٥٨٦)وَغَيْرُهُ: ذَلِكَ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ خاصَّةً في أمْرِ مِفْتاحِ الكَعْبَةِ حِينَ أخَذَهُ مِن عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ العَبْدَرِيِّ، ومِنِ ابْنِ عَمِّهِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمانَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، فَطَلَبَهُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ لِتَنْضافَ لَهُ السِدانَةُ إلى السِقايَةِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ الكَعْبَةَ فَكَسَرَ ما كانَ فِيها مِنَ الأوثانِ، وأخْرَجَ مَقامَ إبْراهِيمَ، ونَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: وخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وهو يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ، وما كُنْتُ سَمِعْتُها قَبْلُ مِنهُ، فَدَعا عُثْمانَ وشَيْبَةَ فَقالَ لَهُما: « "خُذاها خالِدَةً تالِدَةً لا يَنْزِعُها مِنكم إلّا ظالِمٌ"،» وحَكى مَكِّيُّ أنَّ شَيْبَةَ أرادَ ألّا يَدْفَعَ المِفْتاحَ، ثُمَّ دَفَعَهُ وقالَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: خُذْهُ بِأمانَةِ اللهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واخْتَلَفَ الرُواةُ في بَعْضِ ألْفاظِ هَذا الخَبَرِ زِيادَةً ونُقْصانًا، إلّا أنَّهُ المَعْنى بِعَيْنِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الآيَةُ في الوُلاةِ بِأنْ يَعِظُوا النِساءَ في النُشُوزِ ونَحْوِهِ، ويَرُدُّوهُنَّ إلى الأزْواجِ، والأظْهَرُ في الآيَةِ أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الناسِ، ومَعَ أنَّ سَبَبَها ما ذَكَرْناهُ فَهي تَتَناوَلُ الوُلاةَ فِيما إلَيْهِمْ مِنَ الأماناتِ في قِسْمَةِ الأمْوالِ، ورَدِّ الظُلاماتِ وعَدْلِ الحُكُوماتِ وغَيْرِهِ، وتَتَناوَلُهم ومَن دُونَهم مِنَ الناسِ في حِفْظِ الوَدائِعِ والتَحَرُّزِ في الشَهاداتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، كالرَجُلِ يَحْكُمُ في نازِلَةٍ ما ونَحْوِهِ، والصَلاةُ والزَكاةُ والصِيامُ وسائِرُ العِباداتِ أماناتٌ لِلَّهِ تَعالى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يُرَخِّصِ اللهُ لِمُوسِرٍ ولا مُعْسِرٍ أنْ يُمْسِكَ الأمانَةَ. (p-٥٨٧)وَ"نِعِمّا" أصْلُهُ: نِعْمَ ما، سُكِّنَتِ الأُولى وأُدْغِمَتْ في الثانِيَةِ، وحُرِّكَتِ العَيْنُ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، وخُصَّتْ بِالكَسْرِ إتْباعًا لِلنُّونِ، و"ما" المُرْدَفَةُ عَلى "نِعْمَ" إنَّما هي مُهَيِّئَةٌ لِاتِّصالِ الفِعْلِ بِها، كَما هي في "رُبَّما" و"مِمّا" في قَوْلِهِ: « "وَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِمّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ"» وكَقَوْلِ الشاعِرِ: ؎ وإنّا لَمِمّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً عَلى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِسانَ مِنَ الفَمِ ونَحْوِهِ، وفي هَذا هي بِمَنزِلَةِ "رُبَّما"، وهي لَها مُخالِفَةٌ في المَعْنى، لِأنَّ "رُبَّما" مَعْناها التَقْلِيلُ، و"مِمّا" مَعْناها التَكْثِيرُ، ومَعَ أنَّ "ما" مُوَطِّئَةٌ فَهي بِمَعْنى "الَّذِي" وما وطَّأتْ إلّا وهي اسْمٌ، ولَكِنَّ القَصْدَ إنَّما هو لِما يَلِيها مِنَ المَعْنى الَّذِي في الفِعْلِ. وحَسُنَ الِاتِّصافُ بَعْدَ هَذِهِ المُقَدِّماتِ بِالسَمْعِ والبَصَرِ لِأنَّها في الشاهِدِ مُحَصِّلاتُ ما يَفْعَلُ المَأْمُورُ فِيما أُمِرَ بِهِ. وقوله عزّ وجلّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ﴾، لَمّا تَقَدَّمَ إلى الوُلاةِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، تَقَدَّمَ في هَذِهِ إلى الرَعِيَّةِ، فَأمَرَ بِطاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وهِيَ: امْتِثالُ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وطاعَةُ رَسُولِهِ، وطاعَةُ الأُمَراءِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ: أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ زَيْدٍ، وغَيْرِهِمْ، وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ: أُولُو الأمْرِ: أهْلُ القُرْآنِ والعِلْمِ، فالأمْرُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، إشارَةٌ إلى القُرْآنِ والشَرِيعَةِ، أيْ: أُولِي هَذا الأمْرِ وهَذا الشَأْنِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الإشارَةُ هُنا بِأُولِي الأمْرِ إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ خاصَّةً، وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّها إشارَةٌ إلى أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما خاصَّةً، وفي هَذا التَخْصِيصِ بُعْدٌ. وحَكى بَعْضُ مَن قالَ: "إنَّهُمُ الأُمَراءُ": أنَّها نَزَلَتْ في أُمَراءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وكانَ السَبَبُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً (p-٥٨٨)فِيها عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، وأمِيرُها خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَقَصَدُوا قَوْمًا مِنَ العَرَبِ، فَأتاهم نَذِيرٌ فَهَرَبُوا تَحْتَ اللَيْلِ، وجاءَ مِنهم رَجُلٌ إلى عَسْكَرِ خالِدٍ، فَدَخَلَ إلى عَمّارٍ فَقالَ: يا أبا اليَقْظانِ، إنَّ قَوْمِي قَدْ فَرُّوا، وإنِّي قَدْ أسْلَمْتُ، فَإنْ كانَ يَنْفَعُنِي إسْلامِي بَقِيتُ، وإلّا فَرَرْتُ، فَقالَ لَهُ عَمّارٌ: هو يَنْفَعُكَ فَأقِمْ، فَلَمّا أصْبَحُوا أغارَ خالِدٌ فَلَمْ يَجِدْ سِوى الرَجُلِ المَذْكُورِ، فَأخَذَهُ وأخَذَ مالَهُ، فَجاءَ عَمّارٌ فَقالَ: خَلِّ عَنِ الرَجُلِ فَإنَّهُ قَدْ أسْلَمَ، وإنَّهُ في أمانٍ مِنِّي، فَقالَ خالِدٌ: وأنْتَ تُجِيرُ؟ فاسْتَبّا وارْتَفَعا إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأجازَ أمانَ عَمّارٍ، ونَهاهُ أنْ يُجِيرَ الثانِيَةَ عَلى أمِيرٍ، واسْتَبّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالَ خالِدٌ: يا رَسُولَ اللهِ، أتَتْرُكُ هَذا العَبْدَ الأجْدَعَ يَسُبُّنِي؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "يا خالِدُ، لا تَسُبَّ عَمّارًا، فَإنَّهُ مَن سَبَّ عَمّارًا سَبَّهُ اللهُ، ومَن أبْغَضَ عَمّارًا أبْغَضَهُ اللهُ، ومَن لَعَنَ عَمّارًا لَعَنَهُ اللهُ"، فَغَضِبَ عَمّارٌ فَقامَ فَذَهَبَ، فَتَبِعَهُ خالِدٌ حَتّى اعْتَذَرَ إلَيْهِ، فَتَراضَيا، فَأنْزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ قَوْلَهُ: ﴿أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾»، وطاعَةُ الرَسُولِ هِيَ: اتِّباعُ سُنَّتِهِ، قالَهُ عَطاءٌ وغَيْرُهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ: وأطِيعُوا الرَسُولَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ وسُنَّتَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ. "فَإنْ تَنازَعْتُمْ"، المَعْنى: فَإنْ تَنازَعْتُمْ فِيما بَيْنَكُمْ، أو أنْتُمْ وأُمَراؤُكُمْ، ومَعْنى التَنازُعِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ يَنْتَزِعُ حُجَّةَ الآخَرِ ويُذْهِبُها. (p-٥٨٩)والرَدُّ إلى اللهِ: هو النَظَرُ في كِتابِهِ العَزِيزِ، والرَدُّ إلى الرَسُولِ: هو سُؤالُهُ في حَياتِهِ، والنَظَرُ في سُنَّتِهِ بَعْدَ وفاتِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والأعْمَشِ، وقَتادَةَ، والسُدِّيِّ، وهو الصَحِيحُ، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: قُولُوا: اللهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَهَذا هو الرَدُّ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ بَعْضُ وعِيدٍ، لِأنَّ فِيهِ جَزاءَ المُسِيءِ العاتِي، وخاطَبَهم بِـ ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ﴾ وهم قَدْ كانُوا آمَنُوا، عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، لِيَتَأكَّدَ الإلْزامُ. و"تَأْوِيلًا" مَعْناهُ: مَآلًا، عَلى قَوْلِ جَماعَةٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: أحْسَنُ جَزاءً. قالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى أحْسَنُ عاقِبَةً. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: إنَّ اللهَ ورَسُولَهُ أحْسَنُ نَظَرًا وتَأوُّلًا مِنكم إذا انْفَرَدْتُمْ بِتَأوُّلِكم.

النساء 4:59

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ إنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ إنَّ اللهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكم فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهَ والرَسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبَ، وابْنُ زَيْدٍ، هَذا خِطابٌ لِوُلاةِ المُسْلِمِينَ خاصَّةً. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهُوَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأُمَرائِهِ، ثُمَّ يَتَناوَلُ مَن بَعْدَهم. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ (p-٥٨٦)وَغَيْرُهُ: ذَلِكَ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ خاصَّةً في أمْرِ مِفْتاحِ الكَعْبَةِ حِينَ أخَذَهُ مِن عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ العَبْدَرِيِّ، ومِنِ ابْنِ عَمِّهِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمانَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، فَطَلَبَهُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ لِتَنْضافَ لَهُ السِدانَةُ إلى السِقايَةِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ الكَعْبَةَ فَكَسَرَ ما كانَ فِيها مِنَ الأوثانِ، وأخْرَجَ مَقامَ إبْراهِيمَ، ونَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: وخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وهو يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ، وما كُنْتُ سَمِعْتُها قَبْلُ مِنهُ، فَدَعا عُثْمانَ وشَيْبَةَ فَقالَ لَهُما: « "خُذاها خالِدَةً تالِدَةً لا يَنْزِعُها مِنكم إلّا ظالِمٌ"،» وحَكى مَكِّيُّ أنَّ شَيْبَةَ أرادَ ألّا يَدْفَعَ المِفْتاحَ، ثُمَّ دَفَعَهُ وقالَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: خُذْهُ بِأمانَةِ اللهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واخْتَلَفَ الرُواةُ في بَعْضِ ألْفاظِ هَذا الخَبَرِ زِيادَةً ونُقْصانًا، إلّا أنَّهُ المَعْنى بِعَيْنِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الآيَةُ في الوُلاةِ بِأنْ يَعِظُوا النِساءَ في النُشُوزِ ونَحْوِهِ، ويَرُدُّوهُنَّ إلى الأزْواجِ، والأظْهَرُ في الآيَةِ أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الناسِ، ومَعَ أنَّ سَبَبَها ما ذَكَرْناهُ فَهي تَتَناوَلُ الوُلاةَ فِيما إلَيْهِمْ مِنَ الأماناتِ في قِسْمَةِ الأمْوالِ، ورَدِّ الظُلاماتِ وعَدْلِ الحُكُوماتِ وغَيْرِهِ، وتَتَناوَلُهم ومَن دُونَهم مِنَ الناسِ في حِفْظِ الوَدائِعِ والتَحَرُّزِ في الشَهاداتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، كالرَجُلِ يَحْكُمُ في نازِلَةٍ ما ونَحْوِهِ، والصَلاةُ والزَكاةُ والصِيامُ وسائِرُ العِباداتِ أماناتٌ لِلَّهِ تَعالى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يُرَخِّصِ اللهُ لِمُوسِرٍ ولا مُعْسِرٍ أنْ يُمْسِكَ الأمانَةَ. (p-٥٨٧)وَ"نِعِمّا" أصْلُهُ: نِعْمَ ما، سُكِّنَتِ الأُولى وأُدْغِمَتْ في الثانِيَةِ، وحُرِّكَتِ العَيْنُ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، وخُصَّتْ بِالكَسْرِ إتْباعًا لِلنُّونِ، و"ما" المُرْدَفَةُ عَلى "نِعْمَ" إنَّما هي مُهَيِّئَةٌ لِاتِّصالِ الفِعْلِ بِها، كَما هي في "رُبَّما" و"مِمّا" في قَوْلِهِ: « "وَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِمّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ"» وكَقَوْلِ الشاعِرِ: ؎ وإنّا لَمِمّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً عَلى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِسانَ مِنَ الفَمِ ونَحْوِهِ، وفي هَذا هي بِمَنزِلَةِ "رُبَّما"، وهي لَها مُخالِفَةٌ في المَعْنى، لِأنَّ "رُبَّما" مَعْناها التَقْلِيلُ، و"مِمّا" مَعْناها التَكْثِيرُ، ومَعَ أنَّ "ما" مُوَطِّئَةٌ فَهي بِمَعْنى "الَّذِي" وما وطَّأتْ إلّا وهي اسْمٌ، ولَكِنَّ القَصْدَ إنَّما هو لِما يَلِيها مِنَ المَعْنى الَّذِي في الفِعْلِ. وحَسُنَ الِاتِّصافُ بَعْدَ هَذِهِ المُقَدِّماتِ بِالسَمْعِ والبَصَرِ لِأنَّها في الشاهِدِ مُحَصِّلاتُ ما يَفْعَلُ المَأْمُورُ فِيما أُمِرَ بِهِ. وقوله عزّ وجلّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ﴾، لَمّا تَقَدَّمَ إلى الوُلاةِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، تَقَدَّمَ في هَذِهِ إلى الرَعِيَّةِ، فَأمَرَ بِطاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وهِيَ: امْتِثالُ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وطاعَةُ رَسُولِهِ، وطاعَةُ الأُمَراءِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ: أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ زَيْدٍ، وغَيْرِهِمْ، وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ: أُولُو الأمْرِ: أهْلُ القُرْآنِ والعِلْمِ، فالأمْرُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، إشارَةٌ إلى القُرْآنِ والشَرِيعَةِ، أيْ: أُولِي هَذا الأمْرِ وهَذا الشَأْنِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الإشارَةُ هُنا بِأُولِي الأمْرِ إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ خاصَّةً، وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّها إشارَةٌ إلى أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما خاصَّةً، وفي هَذا التَخْصِيصِ بُعْدٌ. وحَكى بَعْضُ مَن قالَ: "إنَّهُمُ الأُمَراءُ": أنَّها نَزَلَتْ في أُمَراءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وكانَ السَبَبُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً (p-٥٨٨)فِيها عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، وأمِيرُها خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَقَصَدُوا قَوْمًا مِنَ العَرَبِ، فَأتاهم نَذِيرٌ فَهَرَبُوا تَحْتَ اللَيْلِ، وجاءَ مِنهم رَجُلٌ إلى عَسْكَرِ خالِدٍ، فَدَخَلَ إلى عَمّارٍ فَقالَ: يا أبا اليَقْظانِ، إنَّ قَوْمِي قَدْ فَرُّوا، وإنِّي قَدْ أسْلَمْتُ، فَإنْ كانَ يَنْفَعُنِي إسْلامِي بَقِيتُ، وإلّا فَرَرْتُ، فَقالَ لَهُ عَمّارٌ: هو يَنْفَعُكَ فَأقِمْ، فَلَمّا أصْبَحُوا أغارَ خالِدٌ فَلَمْ يَجِدْ سِوى الرَجُلِ المَذْكُورِ، فَأخَذَهُ وأخَذَ مالَهُ، فَجاءَ عَمّارٌ فَقالَ: خَلِّ عَنِ الرَجُلِ فَإنَّهُ قَدْ أسْلَمَ، وإنَّهُ في أمانٍ مِنِّي، فَقالَ خالِدٌ: وأنْتَ تُجِيرُ؟ فاسْتَبّا وارْتَفَعا إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأجازَ أمانَ عَمّارٍ، ونَهاهُ أنْ يُجِيرَ الثانِيَةَ عَلى أمِيرٍ، واسْتَبّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالَ خالِدٌ: يا رَسُولَ اللهِ، أتَتْرُكُ هَذا العَبْدَ الأجْدَعَ يَسُبُّنِي؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "يا خالِدُ، لا تَسُبَّ عَمّارًا، فَإنَّهُ مَن سَبَّ عَمّارًا سَبَّهُ اللهُ، ومَن أبْغَضَ عَمّارًا أبْغَضَهُ اللهُ، ومَن لَعَنَ عَمّارًا لَعَنَهُ اللهُ"، فَغَضِبَ عَمّارٌ فَقامَ فَذَهَبَ، فَتَبِعَهُ خالِدٌ حَتّى اعْتَذَرَ إلَيْهِ، فَتَراضَيا، فَأنْزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ قَوْلَهُ: ﴿أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾»، وطاعَةُ الرَسُولِ هِيَ: اتِّباعُ سُنَّتِهِ، قالَهُ عَطاءٌ وغَيْرُهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ: وأطِيعُوا الرَسُولَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ وسُنَّتَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ. "فَإنْ تَنازَعْتُمْ"، المَعْنى: فَإنْ تَنازَعْتُمْ فِيما بَيْنَكُمْ، أو أنْتُمْ وأُمَراؤُكُمْ، ومَعْنى التَنازُعِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ يَنْتَزِعُ حُجَّةَ الآخَرِ ويُذْهِبُها. (p-٥٨٩)والرَدُّ إلى اللهِ: هو النَظَرُ في كِتابِهِ العَزِيزِ، والرَدُّ إلى الرَسُولِ: هو سُؤالُهُ في حَياتِهِ، والنَظَرُ في سُنَّتِهِ بَعْدَ وفاتِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والأعْمَشِ، وقَتادَةَ، والسُدِّيِّ، وهو الصَحِيحُ، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: قُولُوا: اللهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَهَذا هو الرَدُّ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ بَعْضُ وعِيدٍ، لِأنَّ فِيهِ جَزاءَ المُسِيءِ العاتِي، وخاطَبَهم بِـ ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ﴾ وهم قَدْ كانُوا آمَنُوا، عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، لِيَتَأكَّدَ الإلْزامُ. و"تَأْوِيلًا" مَعْناهُ: مَآلًا، عَلى قَوْلِ جَماعَةٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: أحْسَنُ جَزاءً. قالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى أحْسَنُ عاقِبَةً. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: إنَّ اللهَ ورَسُولَهُ أحْسَنُ نَظَرًا وتَأوُّلًا مِنكم إذا انْفَرَدْتُمْ بِتَأوُّلِكم.

النساء 4:60

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالا بَعِيدًا﴾ ﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللهُ وإلى الرَسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عنكَ صُدُودًا﴾ تَقُولُ العَرَبُ: زَعَمَ فُلانٌ كَذا، في الأمْرِ الَّذِي يَضْعُفُ فِيهِ التَحْقِيقُ، وتَتَقَوّى فِيهِ شُبَهُ الإبْطالِ، فَغايَةُ دَرَجَةِ الزَعْمِ إذا قَوِيَ أنْ يَكُونَ مَظْنُونًا. يُقالُ: زَعْمٌ بِفَتْحِ الزايِ، وهو المَصْدَرُ، وزُعْمٌ بِضَمِّها، وهو الِاسْمُ، وكَذَلِكَ زَعْمُ المُنافِقِينَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ هو مِمّا (p-٥٩٠)قَوِيَتْ فِيهِ شُبْهَةُ الإبْطالِ لِسُوءِ أفْعالِهِمْ، حَتّى صَحَّحَها الخَبَرُ مِنَ اللهِ تَعالى عنهُمْ، ومِن هَذا قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَجُلِ زَعَمُوا"،» وقَدْ قالَ الأعْشى: ؎ ونُبِّئْتُ قَيْسًا ولَمْ أبْلُهُ كَما زَعَمُوا خَيْرَ أهْلِ اليَمَن فَقالَ المَمْدُوحُ: وما هو إلّا الزَعْمُ وحَرَمُهُ، وإذا قالَ سِيبَوَيْهِ: "زَعَمَ الخَلِيلُ" فَإنَّما يَسْتَعْمِلُها فِيما انْفَرَدَ الخَلِيلُ بِهِ، وكانَ أقْوى رُتَبِ "زَعَمَ" أنْ تَبْقى مَعَها عُهْدَةُ الخَبَرِ عَلى المُخْبِرِ. و"أنْ" مَعْمُولَةٌ لِـ "يَزْعُمُونَ". وقالَ عامِرٌ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في مُنافِقٍ اسْمُهُ بِشْرٌ، خاصَمَ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ، فَدَعاهُ اليَهُودِيُّ إلى المُسْلِمِينَ لِعِلْمِهِ أنَّهم لا يَرْتَشُونَ، وكانَ هو يَدْعُو اليَهُودِيَّ إلى اليَهُودِ لِعِلْمِهِ أنَّهم يَرْتَشُونَ، فاتَّفَقا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى أنْ أتَيا كاهِنًا كانَ بِالمَدِينَةِ فَرَضِياهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِما وفي صَنِيعِهِما. فالَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ هُمُ المُنافِقُونَ، والَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ هُمُ اليَهُودُ، وكُلٌّ قَدْ أُمِرَ في كِتابِهِ بِالكُفْرِ بِالطاغُوتِ، و"الطاغُوتِ" هُنا- الكاهِنُ المَذْكُورُ، فَهَذا تَأْنِيبٌ لِلصِّنْفَيْنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الطاغُوتُ هُنا هو كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وهو الَّذِي تَراضَيا بِهِ، فَعَلى هَذا إنَّما يُؤَنِّبُ صِنْفَ المُنافِقِينَ وحْدَهُ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ، وبِما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ بِزَعْمِهِمْ، لِأنَّ اليَهُودَ لَمْ يُؤْمَرُوا في شَرْعِهِمْ بِالكُفْرِ بِالأحْبارِ، وكَعْبٌ مِنهم. وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ كَعْبًا هَذا أصْلُهُ مِن طَيِّئٍ وتَهَوَّدَ. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في مُؤْمِنٍ ويَهُودِيٍّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ في يَهُودِيَّيْنِ. (p-٥٩١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانِ القَوْلانِ بَعِيدانِ مِنَ الاسْتِقامَةِ عَلى ألْفاظِ الآيَةِ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ مِن قُرَيْظَةَ والنَضِيرِ، وذَلِكَ أنَّهم تَفاخَرُوا بِسَبَبِ تَكافُؤِ دِمائِهِمْ، إذْ كانَتِ النَضِيرُ في الجاهِلِيَّةِ تَدِي مَن قَتَلَتْ، وتَسْتَقِيدُ إذا قَتَلَتْ قُرَيْظَةُ مِنهُمْ، فَأبَتْ قُرَيْظَةُ لَمّا جاءَ الإسْلامُ، وطَلَبُوا المُنافَرَةَ، فَدَعا المُؤْمِنُونَ مِنهم إلى النَبِيِّ ﷺ، ودَعا المُنافِقُونَ إلى أبِي بُرْدَةَ الكاهِنِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ. وحَكى الزَجّاجُ: أنَّ المُنافِقَ المُتَقَدِّمَ الذِكْرِ أو غَيْرَهُ اخْتَصَمَ عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ فَقَضى في أمْرِهِ، فَحُرِجَ وقالَ لِخَصْمِهِ: لا أرْضى بِحُكْمِهِ، فَذَهَبا إلى أبِي بَكْرٍ فَقَضى بَيْنَهُما، فَقالَ المُنافِقُ: لا أرْضى، فَذَهَبا إلى عُمَرَ فَوَصَفا لَهُ جَمِيعَ ما فَعَلا، فَقالَ لَهُما: اصْبِرا حَتّى أقْضِيَ حاجَةً في مَنزِلِي ثُمَّ أخْرُجَ فَأحْكُمَ بَيْنَكُما، فَدَخَلَ وأخَذَ سَيْفَهُ وخَرَجَ، فَضَرَبَ المُنافِقَ حَتّى بَرَدَ، وقالَ: هَذا حُكْمِي فِيمَن لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وقالَ الحَسَنُ: احْتَكَمَ المُنافِقُونَ بِالقِداحِ الَّتِي يُضْرَبُ بِها عِنْدَ الأوثانِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ. و"يُضِلَّهُمْ" مَعْناهُ: يُتْلِفُهُمْ، وجاءَ "ضَلالًا" عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ، تَقْدِيرُهُ: فَيَضِلُّونَ ضَلالًا، و"بَعِيدًا" عِبارَةٌ عن عِظَمِ الضَلالِ وتَمَكُّنِهِ حَتّى يَبْعُدَ الرُجُوعُ عنهُ والِاهْتِداءُ مَعَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَعالَوْا" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ الحَسَنُ فِيما رَوى عنهُ قَتادَةُ "تَعالُوا" بِضَمَّةٍ، وجْهُها أنَّ لامَ الفِعْلِ مِن "تَعالَيْتَ" حُذِفَتْ تَخْفِيفًا، وضُمَّتِ اللامُ الَّتِي هي عَيْنُ الفِعْلِ، وذَلِكَ لِوُقُوعِ واوِ الجَمْعِ بَعْدَها، كَقَوْلِكَ: تَقَدَّمُوا وتَأخَّرُوا، وهي لَفْظَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنَ العُلُوِّ، لَمّا اسْتُعْمِلَتْ في دُعاءِ الإنْسانِ وجَلْبِهِ وأشْخاصِهِ، سِيقَتْ مِنَ العُلُوِّ (p-٥٩٢)تَحْسِينًا لِلْأدَبِ، كَما تَقُولُ: ارْتَفِعْ إلى الحَقِّ، ونَحْوَهُ. و"رَأيْتَ" هي رُؤْيَةُ عَيْنٍ لِمَن صَدَّ مِنَ المُنافِقِينَ مُجاهَرَةً وتَصْرِيحًا، وهي رُؤْيَةُ قَلْبٍ لِمَن صَدَّ مِنهم مَكْرًا وتَخابُثًا ومُسارَقَةً حَتّى لا يُعْلَمَ ذَلِكَ مِنهُ إلّا بِالتَأْوِيلِ عَلَيْهِ والقَرائِنِ الصادِرَةِ عنهُ، فَإذا كانَتْ رُؤْيَةَ عَيْنٍ فَـ "يَصُدُّونَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وإذا كانَتْ رُؤْيَةَ قَلْبٍ فَـ "يَصُدُّونَ" نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ الثانِي. و"صُدُودًا" مَصْدَرٌ عِنْدَ بَعْضِ النُحاةِ مِن "صَدَّ"، ولَيْسَ عِنْدَ الخَلِيلِ بِمَصْدَرٍ مِنهُ، والمَصْدَرُ عِنْدَهُ: "صَدًّا"، وإنَّما ذَلِكَ لِأنَّ فَعُولًا إنَّما هو مَصْدَرٌ لِلْأفْعالِ غَيْرِ المُتَعَدِّيَةِ، كَجَلَسَ جُلُوسًا، وقَعَدَ قُعُودًا، و"صَدَّ" فِعْلٌ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ مَرَّةً كَما قالَ: ﴿فَصَدَّهم عَنِ السَبِيلِ﴾ [النمل: ٢٤]، ومَرَّةً بِحَرْفِ الجَرِّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَصُدُّونَ عنكَ صُدُودًا﴾ وغَيْرِهِ، فَمَصْدَرُهُ: "صَدَّ"، و"صُدُودًا" اسْمٌ.

النساء 4:61

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالا بَعِيدًا﴾ ﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللهُ وإلى الرَسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عنكَ صُدُودًا﴾ تَقُولُ العَرَبُ: زَعَمَ فُلانٌ كَذا، في الأمْرِ الَّذِي يَضْعُفُ فِيهِ التَحْقِيقُ، وتَتَقَوّى فِيهِ شُبَهُ الإبْطالِ، فَغايَةُ دَرَجَةِ الزَعْمِ إذا قَوِيَ أنْ يَكُونَ مَظْنُونًا. يُقالُ: زَعْمٌ بِفَتْحِ الزايِ، وهو المَصْدَرُ، وزُعْمٌ بِضَمِّها، وهو الِاسْمُ، وكَذَلِكَ زَعْمُ المُنافِقِينَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ هو مِمّا (p-٥٩٠)قَوِيَتْ فِيهِ شُبْهَةُ الإبْطالِ لِسُوءِ أفْعالِهِمْ، حَتّى صَحَّحَها الخَبَرُ مِنَ اللهِ تَعالى عنهُمْ، ومِن هَذا قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَجُلِ زَعَمُوا"،» وقَدْ قالَ الأعْشى: ؎ ونُبِّئْتُ قَيْسًا ولَمْ أبْلُهُ كَما زَعَمُوا خَيْرَ أهْلِ اليَمَن فَقالَ المَمْدُوحُ: وما هو إلّا الزَعْمُ وحَرَمُهُ، وإذا قالَ سِيبَوَيْهِ: "زَعَمَ الخَلِيلُ" فَإنَّما يَسْتَعْمِلُها فِيما انْفَرَدَ الخَلِيلُ بِهِ، وكانَ أقْوى رُتَبِ "زَعَمَ" أنْ تَبْقى مَعَها عُهْدَةُ الخَبَرِ عَلى المُخْبِرِ. و"أنْ" مَعْمُولَةٌ لِـ "يَزْعُمُونَ". وقالَ عامِرٌ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في مُنافِقٍ اسْمُهُ بِشْرٌ، خاصَمَ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ، فَدَعاهُ اليَهُودِيُّ إلى المُسْلِمِينَ لِعِلْمِهِ أنَّهم لا يَرْتَشُونَ، وكانَ هو يَدْعُو اليَهُودِيَّ إلى اليَهُودِ لِعِلْمِهِ أنَّهم يَرْتَشُونَ، فاتَّفَقا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى أنْ أتَيا كاهِنًا كانَ بِالمَدِينَةِ فَرَضِياهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِما وفي صَنِيعِهِما. فالَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ هُمُ المُنافِقُونَ، والَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ هُمُ اليَهُودُ، وكُلٌّ قَدْ أُمِرَ في كِتابِهِ بِالكُفْرِ بِالطاغُوتِ، و"الطاغُوتِ" هُنا- الكاهِنُ المَذْكُورُ، فَهَذا تَأْنِيبٌ لِلصِّنْفَيْنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الطاغُوتُ هُنا هو كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وهو الَّذِي تَراضَيا بِهِ، فَعَلى هَذا إنَّما يُؤَنِّبُ صِنْفَ المُنافِقِينَ وحْدَهُ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ، وبِما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ بِزَعْمِهِمْ، لِأنَّ اليَهُودَ لَمْ يُؤْمَرُوا في شَرْعِهِمْ بِالكُفْرِ بِالأحْبارِ، وكَعْبٌ مِنهم. وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ كَعْبًا هَذا أصْلُهُ مِن طَيِّئٍ وتَهَوَّدَ. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في مُؤْمِنٍ ويَهُودِيٍّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ في يَهُودِيَّيْنِ. (p-٥٩١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانِ القَوْلانِ بَعِيدانِ مِنَ الاسْتِقامَةِ عَلى ألْفاظِ الآيَةِ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ مِن قُرَيْظَةَ والنَضِيرِ، وذَلِكَ أنَّهم تَفاخَرُوا بِسَبَبِ تَكافُؤِ دِمائِهِمْ، إذْ كانَتِ النَضِيرُ في الجاهِلِيَّةِ تَدِي مَن قَتَلَتْ، وتَسْتَقِيدُ إذا قَتَلَتْ قُرَيْظَةُ مِنهُمْ، فَأبَتْ قُرَيْظَةُ لَمّا جاءَ الإسْلامُ، وطَلَبُوا المُنافَرَةَ، فَدَعا المُؤْمِنُونَ مِنهم إلى النَبِيِّ ﷺ، ودَعا المُنافِقُونَ إلى أبِي بُرْدَةَ الكاهِنِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ. وحَكى الزَجّاجُ: أنَّ المُنافِقَ المُتَقَدِّمَ الذِكْرِ أو غَيْرَهُ اخْتَصَمَ عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ فَقَضى في أمْرِهِ، فَحُرِجَ وقالَ لِخَصْمِهِ: لا أرْضى بِحُكْمِهِ، فَذَهَبا إلى أبِي بَكْرٍ فَقَضى بَيْنَهُما، فَقالَ المُنافِقُ: لا أرْضى، فَذَهَبا إلى عُمَرَ فَوَصَفا لَهُ جَمِيعَ ما فَعَلا، فَقالَ لَهُما: اصْبِرا حَتّى أقْضِيَ حاجَةً في مَنزِلِي ثُمَّ أخْرُجَ فَأحْكُمَ بَيْنَكُما، فَدَخَلَ وأخَذَ سَيْفَهُ وخَرَجَ، فَضَرَبَ المُنافِقَ حَتّى بَرَدَ، وقالَ: هَذا حُكْمِي فِيمَن لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وقالَ الحَسَنُ: احْتَكَمَ المُنافِقُونَ بِالقِداحِ الَّتِي يُضْرَبُ بِها عِنْدَ الأوثانِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ. و"يُضِلَّهُمْ" مَعْناهُ: يُتْلِفُهُمْ، وجاءَ "ضَلالًا" عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ، تَقْدِيرُهُ: فَيَضِلُّونَ ضَلالًا، و"بَعِيدًا" عِبارَةٌ عن عِظَمِ الضَلالِ وتَمَكُّنِهِ حَتّى يَبْعُدَ الرُجُوعُ عنهُ والِاهْتِداءُ مَعَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَعالَوْا" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ الحَسَنُ فِيما رَوى عنهُ قَتادَةُ "تَعالُوا" بِضَمَّةٍ، وجْهُها أنَّ لامَ الفِعْلِ مِن "تَعالَيْتَ" حُذِفَتْ تَخْفِيفًا، وضُمَّتِ اللامُ الَّتِي هي عَيْنُ الفِعْلِ، وذَلِكَ لِوُقُوعِ واوِ الجَمْعِ بَعْدَها، كَقَوْلِكَ: تَقَدَّمُوا وتَأخَّرُوا، وهي لَفْظَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنَ العُلُوِّ، لَمّا اسْتُعْمِلَتْ في دُعاءِ الإنْسانِ وجَلْبِهِ وأشْخاصِهِ، سِيقَتْ مِنَ العُلُوِّ (p-٥٩٢)تَحْسِينًا لِلْأدَبِ، كَما تَقُولُ: ارْتَفِعْ إلى الحَقِّ، ونَحْوَهُ. و"رَأيْتَ" هي رُؤْيَةُ عَيْنٍ لِمَن صَدَّ مِنَ المُنافِقِينَ مُجاهَرَةً وتَصْرِيحًا، وهي رُؤْيَةُ قَلْبٍ لِمَن صَدَّ مِنهم مَكْرًا وتَخابُثًا ومُسارَقَةً حَتّى لا يُعْلَمَ ذَلِكَ مِنهُ إلّا بِالتَأْوِيلِ عَلَيْهِ والقَرائِنِ الصادِرَةِ عنهُ، فَإذا كانَتْ رُؤْيَةَ عَيْنٍ فَـ "يَصُدُّونَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وإذا كانَتْ رُؤْيَةَ قَلْبٍ فَـ "يَصُدُّونَ" نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ الثانِي. و"صُدُودًا" مَصْدَرٌ عِنْدَ بَعْضِ النُحاةِ مِن "صَدَّ"، ولَيْسَ عِنْدَ الخَلِيلِ بِمَصْدَرٍ مِنهُ، والمَصْدَرُ عِنْدَهُ: "صَدًّا"، وإنَّما ذَلِكَ لِأنَّ فَعُولًا إنَّما هو مَصْدَرٌ لِلْأفْعالِ غَيْرِ المُتَعَدِّيَةِ، كَجَلَسَ جُلُوسًا، وقَعَدَ قُعُودًا، و"صَدَّ" فِعْلٌ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ مَرَّةً كَما قالَ: ﴿فَصَدَّهم عَنِ السَبِيلِ﴾ [النمل: ٢٤]، ومَرَّةً بِحَرْفِ الجَرِّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَصُدُّونَ عنكَ صُدُودًا﴾ وغَيْرِهِ، فَمَصْدَرُهُ: "صَدَّ"، و"صُدُودًا" اسْمٌ.

النساء 4:62

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إنْ أرَدْنا إلا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عنهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا﴾ ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللهِ ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللهِ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَسُولُ لَوَجَدُوا اللهِ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هي في المُنافِقِينَ الَّذِينَ احْتَكَمُوا حَسَبَ ما تَقَدَّمَ، فالمَعْنى: فَكَيْفَ بِهِمْ إذا عاقَبَهُمُ اللهُ بِهَذِهِ الذُنُوبِ بِنِقْمَةٍ مِنهُ؟ ثُمَّ حَلَفُوا إنْ أرَدْنا بِالِاحْتِكامِ إلى الطاغُوتِ إلّا تَوْفِيقَ الحُكْمِ وتَقْرِيبَهُ دُونَ مُرِّ الحُكْمِ وتَقَصِّي الحَقِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي في المُنافِقِينَ (p-٥٩٣)الَّذِينَ طَلَبُوا دَمَ الَّذِي قَتَلَهُ عُمَرُ، فالمَعْنى: فَكَيْفَ بِهِمْ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ في قَتْلِ قَرِيبِهِمْ ومِثْلِهِ مِن نِقَمِ اللهِ تَعالى؟ ثُمَّ إنَّهم حَلَفُوا ما أرادُوا بِطَلَبِ دَمِهِ إلّا إحْسانًا وحَقًّا، نَحا إلَيْهِ الزَجّاجُ. ومَوْضِعُ "كَيْفَ" نَصْبٌ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: فَكَيْفَ تَراهُمْ؟ ونَحْوُهُ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُها رَفْعًا، تَقْدِيرُهُ: فَكَيْفَ صَنِيعُهُمْ؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ تَكْذِيبُ المُنافِقِينَ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم وتَوَعُّدُهُمْ، أيْ: فَهو مُجازِيهِمْ بِما يَعْلَمُ. و"فَأعْرِضْ عنهُمْ" يَعْنِي عن مُعاقَبَتِهِمْ، وعن شَغْلِ البالِ بِهِمْ، وعن قَبُولِ أيْمانِهِمُ الكاذِبَةِ في قَوْلِهِ "يَحْلِفُونَ"، ولَيْسَ بِالإعْراضِ الَّذِي هو القَطِيعَةُ والهَجْرُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: "وَعِظْهُمْ" يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، و"وَعِظْهُمْ" مَعْناهُ بِالتَخْوِيفِ مِن عَذابِ اللهِ وغَيْرِهِ مِنَ المَواعِظِ. والقَوْلُ البَلِيغُ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: هو الزَجْرُ والرَدْعُ والكَفُّ بِالبَلاغَةِ مِنَ القَوْلِ. وقِيلَ: هو التَوَعُّدُ بِالقَتْلِ إنِ اسْتَدامُوا حالَةَ النِفاقِ، قالَهُ الحَسَنُ، وهَذا أبْلَغُ ما يَكُونُ في نُفُوسِهِمْ. والبَلاغَةُ: مَأْخُوذَةٌ مِن بُلُوغِ المُرادِ بِالقَوْلِ، وحُكِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّ قَوْلَهُ: "فِي أنْفُسِهِمْ" مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: "مُصِيبَةٌ" وهو مُؤَخَّرٌ بِمَعْنى التَقْدِيمِ، وهَذا ضَعِيفٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللهِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى جَلالَةِ الرُسُلِ، أيْ: فَأنْتَ يا مُحَمَّدُ مِنهُمْ، تَجِبُ طاعَتُكَ، وتَتَعَيَّنُ إجابَةُ الدَعْوَةِ إلَيْكَ. و"لِيُطاعَ" نُصِبَ بِلامِ "كَيْ"، و"بِإذْنِ اللهِ" مَعْناهُ: بِأمْرِ اللهِ، وحَسُنَتِ العِبارَةُ (p-٥٩٤)بِالإذْنِ، إذْ بِنَفْسِ الإرْسالِ تَجِبُ طاعَتُهُ وإنْ لَمْ يَنُصَّ أمْرٌ بِذَلِكَ. ويَصِحُّ تَعَلُّقُ الباءِ مِن قَوْلِهِ: "بِإذْنِ" بِـ "أرْسَلْنا"، والمَعْنى: وما أرْسَلْنا بِأمْرِ اللهِ، أيْ: بِشَرِيعَتِهِ وعِبادَتِهِ مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ، والأظْهَرُ تَعَلُّقُها بِـ "يُطاعَ"والمَعْنى: وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِأمْرِ اللهِ بِطاعَتِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى التَعْلِيقَيْنِ فالكَلامُ عامُّ اللَفْظِ خاصُّ المَعْنى، لِأنّا نَقْطَعُ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى قَدْ أرادَ مِن بَعْضِ خَلْقِهِ ألّا يُطِيعُوا، ولِذَلِكَ خَرَّجَتْ طائِفَةٌ مَعْنى الإذْنِ إلى العِلْمِ، وطائِفَةٌ خَرَّجَتْهُ إلى الإرْشادِ لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، وهَذا تَخْرِيجٌ حَسَنٌ، لِأنَّ اللهَ إذا عَلِمَ مِن أحَدٍ أنَّهُ يُؤْمِنُ، ووَفَّقَهُ لِذَلِكَ فَكَأنَّهُ أذِنَ لَهُ فِيهِ. وحَقِيقَةُ الإذْنِ: التَمْكِينُ مَعَ العِلْمِ بِقَدْرِ ما مَكَّنَ مِنهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: بِالمَعْصِيَةِ والنِفاقِ ونَقْصِها حَظَّها مِنَ الإيمانِ، و"فاسْتَغْفَرُوا اللهَ" مَعْناهُ: طَلَبُوا مَغْفِرَتَهُ، وتابُوا إلَيْهِ. و"تَوّابًا" مَعْناهُ: راجِعًا بِعِبادِهِ.

النساء 4:63

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إنْ أرَدْنا إلا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عنهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا﴾ ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللهِ ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللهِ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَسُولُ لَوَجَدُوا اللهِ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هي في المُنافِقِينَ الَّذِينَ احْتَكَمُوا حَسَبَ ما تَقَدَّمَ، فالمَعْنى: فَكَيْفَ بِهِمْ إذا عاقَبَهُمُ اللهُ بِهَذِهِ الذُنُوبِ بِنِقْمَةٍ مِنهُ؟ ثُمَّ حَلَفُوا إنْ أرَدْنا بِالِاحْتِكامِ إلى الطاغُوتِ إلّا تَوْفِيقَ الحُكْمِ وتَقْرِيبَهُ دُونَ مُرِّ الحُكْمِ وتَقَصِّي الحَقِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي في المُنافِقِينَ (p-٥٩٣)الَّذِينَ طَلَبُوا دَمَ الَّذِي قَتَلَهُ عُمَرُ، فالمَعْنى: فَكَيْفَ بِهِمْ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ في قَتْلِ قَرِيبِهِمْ ومِثْلِهِ مِن نِقَمِ اللهِ تَعالى؟ ثُمَّ إنَّهم حَلَفُوا ما أرادُوا بِطَلَبِ دَمِهِ إلّا إحْسانًا وحَقًّا، نَحا إلَيْهِ الزَجّاجُ. ومَوْضِعُ "كَيْفَ" نَصْبٌ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: فَكَيْفَ تَراهُمْ؟ ونَحْوُهُ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُها رَفْعًا، تَقْدِيرُهُ: فَكَيْفَ صَنِيعُهُمْ؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ تَكْذِيبُ المُنافِقِينَ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم وتَوَعُّدُهُمْ، أيْ: فَهو مُجازِيهِمْ بِما يَعْلَمُ. و"فَأعْرِضْ عنهُمْ" يَعْنِي عن مُعاقَبَتِهِمْ، وعن شَغْلِ البالِ بِهِمْ، وعن قَبُولِ أيْمانِهِمُ الكاذِبَةِ في قَوْلِهِ "يَحْلِفُونَ"، ولَيْسَ بِالإعْراضِ الَّذِي هو القَطِيعَةُ والهَجْرُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: "وَعِظْهُمْ" يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، و"وَعِظْهُمْ" مَعْناهُ بِالتَخْوِيفِ مِن عَذابِ اللهِ وغَيْرِهِ مِنَ المَواعِظِ. والقَوْلُ البَلِيغُ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: هو الزَجْرُ والرَدْعُ والكَفُّ بِالبَلاغَةِ مِنَ القَوْلِ. وقِيلَ: هو التَوَعُّدُ بِالقَتْلِ إنِ اسْتَدامُوا حالَةَ النِفاقِ، قالَهُ الحَسَنُ، وهَذا أبْلَغُ ما يَكُونُ في نُفُوسِهِمْ. والبَلاغَةُ: مَأْخُوذَةٌ مِن بُلُوغِ المُرادِ بِالقَوْلِ، وحُكِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّ قَوْلَهُ: "فِي أنْفُسِهِمْ" مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: "مُصِيبَةٌ" وهو مُؤَخَّرٌ بِمَعْنى التَقْدِيمِ، وهَذا ضَعِيفٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللهِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى جَلالَةِ الرُسُلِ، أيْ: فَأنْتَ يا مُحَمَّدُ مِنهُمْ، تَجِبُ طاعَتُكَ، وتَتَعَيَّنُ إجابَةُ الدَعْوَةِ إلَيْكَ. و"لِيُطاعَ" نُصِبَ بِلامِ "كَيْ"، و"بِإذْنِ اللهِ" مَعْناهُ: بِأمْرِ اللهِ، وحَسُنَتِ العِبارَةُ (p-٥٩٤)بِالإذْنِ، إذْ بِنَفْسِ الإرْسالِ تَجِبُ طاعَتُهُ وإنْ لَمْ يَنُصَّ أمْرٌ بِذَلِكَ. ويَصِحُّ تَعَلُّقُ الباءِ مِن قَوْلِهِ: "بِإذْنِ" بِـ "أرْسَلْنا"، والمَعْنى: وما أرْسَلْنا بِأمْرِ اللهِ، أيْ: بِشَرِيعَتِهِ وعِبادَتِهِ مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ، والأظْهَرُ تَعَلُّقُها بِـ "يُطاعَ"والمَعْنى: وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِأمْرِ اللهِ بِطاعَتِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى التَعْلِيقَيْنِ فالكَلامُ عامُّ اللَفْظِ خاصُّ المَعْنى، لِأنّا نَقْطَعُ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى قَدْ أرادَ مِن بَعْضِ خَلْقِهِ ألّا يُطِيعُوا، ولِذَلِكَ خَرَّجَتْ طائِفَةٌ مَعْنى الإذْنِ إلى العِلْمِ، وطائِفَةٌ خَرَّجَتْهُ إلى الإرْشادِ لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، وهَذا تَخْرِيجٌ حَسَنٌ، لِأنَّ اللهَ إذا عَلِمَ مِن أحَدٍ أنَّهُ يُؤْمِنُ، ووَفَّقَهُ لِذَلِكَ فَكَأنَّهُ أذِنَ لَهُ فِيهِ. وحَقِيقَةُ الإذْنِ: التَمْكِينُ مَعَ العِلْمِ بِقَدْرِ ما مَكَّنَ مِنهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: بِالمَعْصِيَةِ والنِفاقِ ونَقْصِها حَظَّها مِنَ الإيمانِ، و"فاسْتَغْفَرُوا اللهَ" مَعْناهُ: طَلَبُوا مَغْفِرَتَهُ، وتابُوا إلَيْهِ. و"تَوّابًا" مَعْناهُ: راجِعًا بِعِبادِهِ.

النساء 4:64

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إنْ أرَدْنا إلا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عنهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا﴾ ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللهِ ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللهِ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَسُولُ لَوَجَدُوا اللهِ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هي في المُنافِقِينَ الَّذِينَ احْتَكَمُوا حَسَبَ ما تَقَدَّمَ، فالمَعْنى: فَكَيْفَ بِهِمْ إذا عاقَبَهُمُ اللهُ بِهَذِهِ الذُنُوبِ بِنِقْمَةٍ مِنهُ؟ ثُمَّ حَلَفُوا إنْ أرَدْنا بِالِاحْتِكامِ إلى الطاغُوتِ إلّا تَوْفِيقَ الحُكْمِ وتَقْرِيبَهُ دُونَ مُرِّ الحُكْمِ وتَقَصِّي الحَقِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي في المُنافِقِينَ (p-٥٩٣)الَّذِينَ طَلَبُوا دَمَ الَّذِي قَتَلَهُ عُمَرُ، فالمَعْنى: فَكَيْفَ بِهِمْ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ في قَتْلِ قَرِيبِهِمْ ومِثْلِهِ مِن نِقَمِ اللهِ تَعالى؟ ثُمَّ إنَّهم حَلَفُوا ما أرادُوا بِطَلَبِ دَمِهِ إلّا إحْسانًا وحَقًّا، نَحا إلَيْهِ الزَجّاجُ. ومَوْضِعُ "كَيْفَ" نَصْبٌ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: فَكَيْفَ تَراهُمْ؟ ونَحْوُهُ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُها رَفْعًا، تَقْدِيرُهُ: فَكَيْفَ صَنِيعُهُمْ؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ تَكْذِيبُ المُنافِقِينَ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم وتَوَعُّدُهُمْ، أيْ: فَهو مُجازِيهِمْ بِما يَعْلَمُ. و"فَأعْرِضْ عنهُمْ" يَعْنِي عن مُعاقَبَتِهِمْ، وعن شَغْلِ البالِ بِهِمْ، وعن قَبُولِ أيْمانِهِمُ الكاذِبَةِ في قَوْلِهِ "يَحْلِفُونَ"، ولَيْسَ بِالإعْراضِ الَّذِي هو القَطِيعَةُ والهَجْرُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: "وَعِظْهُمْ" يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، و"وَعِظْهُمْ" مَعْناهُ بِالتَخْوِيفِ مِن عَذابِ اللهِ وغَيْرِهِ مِنَ المَواعِظِ. والقَوْلُ البَلِيغُ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: هو الزَجْرُ والرَدْعُ والكَفُّ بِالبَلاغَةِ مِنَ القَوْلِ. وقِيلَ: هو التَوَعُّدُ بِالقَتْلِ إنِ اسْتَدامُوا حالَةَ النِفاقِ، قالَهُ الحَسَنُ، وهَذا أبْلَغُ ما يَكُونُ في نُفُوسِهِمْ. والبَلاغَةُ: مَأْخُوذَةٌ مِن بُلُوغِ المُرادِ بِالقَوْلِ، وحُكِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّ قَوْلَهُ: "فِي أنْفُسِهِمْ" مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: "مُصِيبَةٌ" وهو مُؤَخَّرٌ بِمَعْنى التَقْدِيمِ، وهَذا ضَعِيفٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللهِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى جَلالَةِ الرُسُلِ، أيْ: فَأنْتَ يا مُحَمَّدُ مِنهُمْ، تَجِبُ طاعَتُكَ، وتَتَعَيَّنُ إجابَةُ الدَعْوَةِ إلَيْكَ. و"لِيُطاعَ" نُصِبَ بِلامِ "كَيْ"، و"بِإذْنِ اللهِ" مَعْناهُ: بِأمْرِ اللهِ، وحَسُنَتِ العِبارَةُ (p-٥٩٤)بِالإذْنِ، إذْ بِنَفْسِ الإرْسالِ تَجِبُ طاعَتُهُ وإنْ لَمْ يَنُصَّ أمْرٌ بِذَلِكَ. ويَصِحُّ تَعَلُّقُ الباءِ مِن قَوْلِهِ: "بِإذْنِ" بِـ "أرْسَلْنا"، والمَعْنى: وما أرْسَلْنا بِأمْرِ اللهِ، أيْ: بِشَرِيعَتِهِ وعِبادَتِهِ مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ، والأظْهَرُ تَعَلُّقُها بِـ "يُطاعَ"والمَعْنى: وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِأمْرِ اللهِ بِطاعَتِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى التَعْلِيقَيْنِ فالكَلامُ عامُّ اللَفْظِ خاصُّ المَعْنى، لِأنّا نَقْطَعُ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى قَدْ أرادَ مِن بَعْضِ خَلْقِهِ ألّا يُطِيعُوا، ولِذَلِكَ خَرَّجَتْ طائِفَةٌ مَعْنى الإذْنِ إلى العِلْمِ، وطائِفَةٌ خَرَّجَتْهُ إلى الإرْشادِ لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، وهَذا تَخْرِيجٌ حَسَنٌ، لِأنَّ اللهَ إذا عَلِمَ مِن أحَدٍ أنَّهُ يُؤْمِنُ، ووَفَّقَهُ لِذَلِكَ فَكَأنَّهُ أذِنَ لَهُ فِيهِ. وحَقِيقَةُ الإذْنِ: التَمْكِينُ مَعَ العِلْمِ بِقَدْرِ ما مَكَّنَ مِنهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: بِالمَعْصِيَةِ والنِفاقِ ونَقْصِها حَظَّها مِنَ الإيمانِ، و"فاسْتَغْفَرُوا اللهَ" مَعْناهُ: طَلَبُوا مَغْفِرَتَهُ، وتابُوا إلَيْهِ. و"تَوّابًا" مَعْناهُ: راجِعًا بِعِبادِهِ.

النساء 4:65

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ﴿وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنهم ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ﴿وَإذًا لآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَلَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: قَوْلُهُ: "فَلا" رَدٌّ عَلى ما تَقَدَّمَ، تَقْدِيرُهُ: فَلَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قَدَّمَ "لا" عَلى القَسَمِ اهْتِمامًا بِالنَفْيِ، وإظْهارًا لِقُوَّتِهِ، ثُمَّ كَرَّرَها بَعْدَهُ تَأْكِيدًا لِلتَّهَمُّمِ بِالنَفْيِ، وكانَ يَصِحُّ إسْقاطُ "لا" الثانِيَةِ، ويَبْقى أكْثَرُ الِاهْتِمامِ بِتَقْدِيمِ الأُولى، وكانَ يَصِحُّ إسْقاطُ الأُولى ويَبْقى مَعْنى النَفْيِ، ويَذْهَبُ مَعْنى الِاهْتِمامِ. (p-٥٩٥)"شَجَرَ" مَعْناهُ: اخْتَلَطَ والتَفَّ مِن أُمُورِهِمْ، وهو مِنَ الشَجَرِ، شَبِيهٌ بِالتِفافِ الأغْصانِ، وكَذَلِكَ الشَجِيرُ الَّذِي امْتَزَجَتْ مَوَدَّتُهُ بِمَوَدَّةِ صاحِبِهِ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "شَجْرَ" بِإسْكانِ الجِيمِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأظُنُّهُ فَرَّ مِن تَوالِي الحَرَكاتِ، ولَيْسَ بِالقَوِيِّ، لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ. و"يُحَكِّمُوكَ" نُصِبَ بِـ "حَتّى" لِأنَّها هاهُنا غايَةٌ مُجَرَّدَةٌ، و"يَجِدُوا" عُطِفَ عَلَيْهِ، والحَرَجُ: الضِيقُ والتَكَلُّفُ والمَشَقَّةُ. قالَ مُجاهِدٌ: حَرَجًا: شَكًّا وقَوْلُهُ: "تَسْلِيمًا" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ مُنْبِئٌ عَلى التَحْقِيقِ في التَسْلِيمِ، لِأنَّ العَرَبَ إنَّما تُرْدِفُ الفِعْلَ بِالمَصْدَرِ إذا أرادَتْ أنَّ الفِعْلَ وقَعَ حَقِيقَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وقَدْ تَجِيءُ بِهِ مُبالَغَةً وإنْ لَمْ يَقَعْ، ومِنهُ: ؎ ................. وعَجَّتْ عَجِيجًا مِن جُذامَ المَطارِفُ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّنْ أرادَ التَحاكُمَ إلى الطاغُوتِ، وفِيهِمْ نَزَلَتْ، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا، لِأنَّهُ أشْبَهُ بِنَسَقِ الآيَةِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: نَزَلَتْ في «رَجُلٍ خاصَمَ الزُبَيْرَ بْنَ العَوّامِ في السَقْيِ بِماءِ الحَرَّةِ، فَقالَ لَهُما رَسُولُ اللهِ ﷺ: "اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ"، فَغَضِبَ ذَلِكَ الرَجُلُ وقالَ: آنْ كانَ ابْنَ (p-٥٩٦)عَمَّتِكَ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، واسْتَوْعَبَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، فَقالَ: "احْبِسْ يا زُبَيْرُ الماءَ حَتّى يَبْلُغَ الجُدُرَ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.» واخْتَلَفَ أهْلُ هَذا القَوْلِ في الرَجُلِ، فَقالَ قَوْمٌ: هو رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ مِن أهْلِ بَدْرٍ، وقالَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ: هو حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَحِيحُ الَّذِي وقَعَ في البُخارِيِّ أنَّهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، وأنَّ الزُبَيْرَ قالَ: فَما أحْسَبُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ إلّا في ذَلِكَ، وقالَتْ طائِفَةٌ: لَمّا قَتَلَ عُمَرُ الرَجُلَ المُنافِقَ الَّذِي لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ النَبِيِّ ﷺ بَلَغَ ذَلِكَ النَبِيَّ وعَظُمَ عَلَيْهِ، وقالَ: "ما كُنْتُ أظُنُّ أنَّ عُمَرَ يَجْتَرِئُ عَلى قَتْلِ رَجُلٍ مُؤْمِنٍ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ نافِيَةً لِإيمانِ ذَلِكَ الرَجُلِ الرادِّ لِحُكْمِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، مُقِيمَةً عُذْرَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قَتْلِهِ. و"كَتَبْنا" مَعْناهُ: فَرَضْنا، و"اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ" مَعْناهُ: لِيَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في البَقَرَةِ، وضَمُّ النُونِ مِن "أنِ" وكَسْرُها جائِزٌ، وكَذَلِكَ الواوُ مِن "أوِ اخْرُجُوا"، وبِضَمِّها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ. وبِكَسْرِها قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ، وكَسَرَ أبُو عَمْرٍو النُونَ وضَمَّ الواوَ، و"قَلِيلٌ" رُفِعَ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ في "فَعَلُوهُ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ بِالنَصْبِ "إلّا قَلِيلًا"، وذَلِكَ جائِزٌ، أجْرى النَفْيَ مَجْرى الإيجابِ. وسَبَبُ الآيَةِ عَلى ما حُكِيَ أنَّ اليَهُودَ قالُوا، -لَمّا لَمْ يَرْضَ المُنافِقُ بِحُكْمِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- ما رَأيْنا أسْخَفَ مِن هَؤُلاءِ، يُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ ويَتَّبِعُونَهُ، ويَطَؤُونَ عَقِبَهُ، ثُمَّ لا يَرْضَوْنَ بِحُكْمِهِ، ونَحْنُ قَدْ أُمِرْنا بِقَتْلِ أنْفُسِنا فَفَعَلْنا، وبَلَغَ القَتْلُ فِينا (p-٥٩٧)سَبْعِينَ ألْفًا، فَقالَ ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ: لَوْ كُتِبَ ذَلِكَ عَلَيْنا لَفَعَلْناهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُعْلِمَةً حالَ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ، وأنَّهُ لَوْ كُتِبَ ذَلِكَ عَلى الأُمَّةِ لَمْ يَفْعَلُوهُ، وما كانَ يَفْعَلُهُ إلّا قَلِيلٌ مُؤْمِنُونَ مُحَقِّقُونَ، كَثابِتٍ وغَيْرِهِ، وكَذَلِكَ رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ، عَمّارٌ وابْنُ مَسْعُودٍ مِنَ القَلِيلِ"،» وشَرَكَهم في ضَمِيرِ "مِنهُمْ" لَمّا كانَ المُنافِقُونَ والمُؤْمِنُونَ مُشْتَرِكِينَ في دَعْوَةِ الإسْلامِ وظَواهِرِ الشَرِيعَةِ. وقالَ أبُو إسْحاقَ السُبَيْعِيُّ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ، قالَ رَجُلٌ: لَوْ أُمِرْنا لَفَعَلْنا، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عافانا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقالَ: "إنَّ مِن أُمَّتِي رِجالًا، الإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجِبالِ الرَواسِي".» وذَكَرَ مَكِّيٌّ أنَّ الرَجُلَ هو أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَكَرَ عن أبِي بَكْرٍ أنَّهُ قالَ: لَوْ كُتِبَ عَلَيْنا لَبَدَأْتُ بِنَفْسِي وبِأهْلِ بَيْتِي. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم فَعَلُوا﴾ أيْ: لَوْ أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ اتَّعَظُوا وأنابُوا لَكانَ خَيْرًا لَهم. "تَثْبِيتًا" مَعْناهُ: يَقِينًا وتَصْدِيقًا ونَحْوَ هَذا، أيْ: يُثَبِّتُهُمُ اللهُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما كانَ يَمُنُّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن تَفَضُّلِهِ بِالأجْرِ. ووَصْفُهُ إيّاهُ بِالعِظَمِ مُقْتَضٍ ما لا يُحَصِّلُهُ بَشَرٌ مِنَ النَعِيمِ المُقِيمِ. والصِراطُ المُسْتَقِيمُ: الإيمانُ المُؤَدِّي إلى الجَنَّةِ. وجاءَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الآيَةِ كَذا، ومَعْلُومٌ أنَّ الهِدايَةَ قَبْلَ إعْطاءِ الأجْرِ لِأنَّ المَقْصِدَ إنَّما هو تَعْدِيدُ ما كانَ اللهُ يُنْعِمُ بِهِ عَلَيْهِمْ دُونَ تَرْتِيبٍ، فالمَعْنى: ولَهَدَيْناهم قَبْلُ حَتّى يَكُونُوا مِمَّنْ يُؤْتى الأجْرَ.

النساء 4:66

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ﴿وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنهم ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ﴿وَإذًا لآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَلَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: قَوْلُهُ: "فَلا" رَدٌّ عَلى ما تَقَدَّمَ، تَقْدِيرُهُ: فَلَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قَدَّمَ "لا" عَلى القَسَمِ اهْتِمامًا بِالنَفْيِ، وإظْهارًا لِقُوَّتِهِ، ثُمَّ كَرَّرَها بَعْدَهُ تَأْكِيدًا لِلتَّهَمُّمِ بِالنَفْيِ، وكانَ يَصِحُّ إسْقاطُ "لا" الثانِيَةِ، ويَبْقى أكْثَرُ الِاهْتِمامِ بِتَقْدِيمِ الأُولى، وكانَ يَصِحُّ إسْقاطُ الأُولى ويَبْقى مَعْنى النَفْيِ، ويَذْهَبُ مَعْنى الِاهْتِمامِ. (p-٥٩٥)"شَجَرَ" مَعْناهُ: اخْتَلَطَ والتَفَّ مِن أُمُورِهِمْ، وهو مِنَ الشَجَرِ، شَبِيهٌ بِالتِفافِ الأغْصانِ، وكَذَلِكَ الشَجِيرُ الَّذِي امْتَزَجَتْ مَوَدَّتُهُ بِمَوَدَّةِ صاحِبِهِ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "شَجْرَ" بِإسْكانِ الجِيمِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأظُنُّهُ فَرَّ مِن تَوالِي الحَرَكاتِ، ولَيْسَ بِالقَوِيِّ، لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ. و"يُحَكِّمُوكَ" نُصِبَ بِـ "حَتّى" لِأنَّها هاهُنا غايَةٌ مُجَرَّدَةٌ، و"يَجِدُوا" عُطِفَ عَلَيْهِ، والحَرَجُ: الضِيقُ والتَكَلُّفُ والمَشَقَّةُ. قالَ مُجاهِدٌ: حَرَجًا: شَكًّا وقَوْلُهُ: "تَسْلِيمًا" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ مُنْبِئٌ عَلى التَحْقِيقِ في التَسْلِيمِ، لِأنَّ العَرَبَ إنَّما تُرْدِفُ الفِعْلَ بِالمَصْدَرِ إذا أرادَتْ أنَّ الفِعْلَ وقَعَ حَقِيقَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وقَدْ تَجِيءُ بِهِ مُبالَغَةً وإنْ لَمْ يَقَعْ، ومِنهُ: ؎ ................. وعَجَّتْ عَجِيجًا مِن جُذامَ المَطارِفُ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّنْ أرادَ التَحاكُمَ إلى الطاغُوتِ، وفِيهِمْ نَزَلَتْ، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا، لِأنَّهُ أشْبَهُ بِنَسَقِ الآيَةِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: نَزَلَتْ في «رَجُلٍ خاصَمَ الزُبَيْرَ بْنَ العَوّامِ في السَقْيِ بِماءِ الحَرَّةِ، فَقالَ لَهُما رَسُولُ اللهِ ﷺ: "اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ"، فَغَضِبَ ذَلِكَ الرَجُلُ وقالَ: آنْ كانَ ابْنَ (p-٥٩٦)عَمَّتِكَ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، واسْتَوْعَبَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، فَقالَ: "احْبِسْ يا زُبَيْرُ الماءَ حَتّى يَبْلُغَ الجُدُرَ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.» واخْتَلَفَ أهْلُ هَذا القَوْلِ في الرَجُلِ، فَقالَ قَوْمٌ: هو رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ مِن أهْلِ بَدْرٍ، وقالَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ: هو حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَحِيحُ الَّذِي وقَعَ في البُخارِيِّ أنَّهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، وأنَّ الزُبَيْرَ قالَ: فَما أحْسَبُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ إلّا في ذَلِكَ، وقالَتْ طائِفَةٌ: لَمّا قَتَلَ عُمَرُ الرَجُلَ المُنافِقَ الَّذِي لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ النَبِيِّ ﷺ بَلَغَ ذَلِكَ النَبِيَّ وعَظُمَ عَلَيْهِ، وقالَ: "ما كُنْتُ أظُنُّ أنَّ عُمَرَ يَجْتَرِئُ عَلى قَتْلِ رَجُلٍ مُؤْمِنٍ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ نافِيَةً لِإيمانِ ذَلِكَ الرَجُلِ الرادِّ لِحُكْمِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، مُقِيمَةً عُذْرَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قَتْلِهِ. و"كَتَبْنا" مَعْناهُ: فَرَضْنا، و"اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ" مَعْناهُ: لِيَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في البَقَرَةِ، وضَمُّ النُونِ مِن "أنِ" وكَسْرُها جائِزٌ، وكَذَلِكَ الواوُ مِن "أوِ اخْرُجُوا"، وبِضَمِّها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ. وبِكَسْرِها قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ، وكَسَرَ أبُو عَمْرٍو النُونَ وضَمَّ الواوَ، و"قَلِيلٌ" رُفِعَ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ في "فَعَلُوهُ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ بِالنَصْبِ "إلّا قَلِيلًا"، وذَلِكَ جائِزٌ، أجْرى النَفْيَ مَجْرى الإيجابِ. وسَبَبُ الآيَةِ عَلى ما حُكِيَ أنَّ اليَهُودَ قالُوا، -لَمّا لَمْ يَرْضَ المُنافِقُ بِحُكْمِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- ما رَأيْنا أسْخَفَ مِن هَؤُلاءِ، يُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ ويَتَّبِعُونَهُ، ويَطَؤُونَ عَقِبَهُ، ثُمَّ لا يَرْضَوْنَ بِحُكْمِهِ، ونَحْنُ قَدْ أُمِرْنا بِقَتْلِ أنْفُسِنا فَفَعَلْنا، وبَلَغَ القَتْلُ فِينا (p-٥٩٧)سَبْعِينَ ألْفًا، فَقالَ ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ: لَوْ كُتِبَ ذَلِكَ عَلَيْنا لَفَعَلْناهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُعْلِمَةً حالَ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ، وأنَّهُ لَوْ كُتِبَ ذَلِكَ عَلى الأُمَّةِ لَمْ يَفْعَلُوهُ، وما كانَ يَفْعَلُهُ إلّا قَلِيلٌ مُؤْمِنُونَ مُحَقِّقُونَ، كَثابِتٍ وغَيْرِهِ، وكَذَلِكَ رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ، عَمّارٌ وابْنُ مَسْعُودٍ مِنَ القَلِيلِ"،» وشَرَكَهم في ضَمِيرِ "مِنهُمْ" لَمّا كانَ المُنافِقُونَ والمُؤْمِنُونَ مُشْتَرِكِينَ في دَعْوَةِ الإسْلامِ وظَواهِرِ الشَرِيعَةِ. وقالَ أبُو إسْحاقَ السُبَيْعِيُّ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ، قالَ رَجُلٌ: لَوْ أُمِرْنا لَفَعَلْنا، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عافانا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقالَ: "إنَّ مِن أُمَّتِي رِجالًا، الإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجِبالِ الرَواسِي".» وذَكَرَ مَكِّيٌّ أنَّ الرَجُلَ هو أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَكَرَ عن أبِي بَكْرٍ أنَّهُ قالَ: لَوْ كُتِبَ عَلَيْنا لَبَدَأْتُ بِنَفْسِي وبِأهْلِ بَيْتِي. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم فَعَلُوا﴾ أيْ: لَوْ أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ اتَّعَظُوا وأنابُوا لَكانَ خَيْرًا لَهم. "تَثْبِيتًا" مَعْناهُ: يَقِينًا وتَصْدِيقًا ونَحْوَ هَذا، أيْ: يُثَبِّتُهُمُ اللهُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما كانَ يَمُنُّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن تَفَضُّلِهِ بِالأجْرِ. ووَصْفُهُ إيّاهُ بِالعِظَمِ مُقْتَضٍ ما لا يُحَصِّلُهُ بَشَرٌ مِنَ النَعِيمِ المُقِيمِ. والصِراطُ المُسْتَقِيمُ: الإيمانُ المُؤَدِّي إلى الجَنَّةِ. وجاءَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الآيَةِ كَذا، ومَعْلُومٌ أنَّ الهِدايَةَ قَبْلَ إعْطاءِ الأجْرِ لِأنَّ المَقْصِدَ إنَّما هو تَعْدِيدُ ما كانَ اللهُ يُنْعِمُ بِهِ عَلَيْهِمْ دُونَ تَرْتِيبٍ، فالمَعْنى: ولَهَدَيْناهم قَبْلُ حَتّى يَكُونُوا مِمَّنْ يُؤْتى الأجْرَ.

النساء 4:67

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ﴿وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنهم ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ﴿وَإذًا لآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَلَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: قَوْلُهُ: "فَلا" رَدٌّ عَلى ما تَقَدَّمَ، تَقْدِيرُهُ: فَلَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قَدَّمَ "لا" عَلى القَسَمِ اهْتِمامًا بِالنَفْيِ، وإظْهارًا لِقُوَّتِهِ، ثُمَّ كَرَّرَها بَعْدَهُ تَأْكِيدًا لِلتَّهَمُّمِ بِالنَفْيِ، وكانَ يَصِحُّ إسْقاطُ "لا" الثانِيَةِ، ويَبْقى أكْثَرُ الِاهْتِمامِ بِتَقْدِيمِ الأُولى، وكانَ يَصِحُّ إسْقاطُ الأُولى ويَبْقى مَعْنى النَفْيِ، ويَذْهَبُ مَعْنى الِاهْتِمامِ. (p-٥٩٥)"شَجَرَ" مَعْناهُ: اخْتَلَطَ والتَفَّ مِن أُمُورِهِمْ، وهو مِنَ الشَجَرِ، شَبِيهٌ بِالتِفافِ الأغْصانِ، وكَذَلِكَ الشَجِيرُ الَّذِي امْتَزَجَتْ مَوَدَّتُهُ بِمَوَدَّةِ صاحِبِهِ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "شَجْرَ" بِإسْكانِ الجِيمِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأظُنُّهُ فَرَّ مِن تَوالِي الحَرَكاتِ، ولَيْسَ بِالقَوِيِّ، لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ. و"يُحَكِّمُوكَ" نُصِبَ بِـ "حَتّى" لِأنَّها هاهُنا غايَةٌ مُجَرَّدَةٌ، و"يَجِدُوا" عُطِفَ عَلَيْهِ، والحَرَجُ: الضِيقُ والتَكَلُّفُ والمَشَقَّةُ. قالَ مُجاهِدٌ: حَرَجًا: شَكًّا وقَوْلُهُ: "تَسْلِيمًا" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ مُنْبِئٌ عَلى التَحْقِيقِ في التَسْلِيمِ، لِأنَّ العَرَبَ إنَّما تُرْدِفُ الفِعْلَ بِالمَصْدَرِ إذا أرادَتْ أنَّ الفِعْلَ وقَعَ حَقِيقَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وقَدْ تَجِيءُ بِهِ مُبالَغَةً وإنْ لَمْ يَقَعْ، ومِنهُ: ؎ ................. وعَجَّتْ عَجِيجًا مِن جُذامَ المَطارِفُ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّنْ أرادَ التَحاكُمَ إلى الطاغُوتِ، وفِيهِمْ نَزَلَتْ، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا، لِأنَّهُ أشْبَهُ بِنَسَقِ الآيَةِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: نَزَلَتْ في «رَجُلٍ خاصَمَ الزُبَيْرَ بْنَ العَوّامِ في السَقْيِ بِماءِ الحَرَّةِ، فَقالَ لَهُما رَسُولُ اللهِ ﷺ: "اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ"، فَغَضِبَ ذَلِكَ الرَجُلُ وقالَ: آنْ كانَ ابْنَ (p-٥٩٦)عَمَّتِكَ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، واسْتَوْعَبَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، فَقالَ: "احْبِسْ يا زُبَيْرُ الماءَ حَتّى يَبْلُغَ الجُدُرَ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.» واخْتَلَفَ أهْلُ هَذا القَوْلِ في الرَجُلِ، فَقالَ قَوْمٌ: هو رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ مِن أهْلِ بَدْرٍ، وقالَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ: هو حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَحِيحُ الَّذِي وقَعَ في البُخارِيِّ أنَّهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، وأنَّ الزُبَيْرَ قالَ: فَما أحْسَبُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ إلّا في ذَلِكَ، وقالَتْ طائِفَةٌ: لَمّا قَتَلَ عُمَرُ الرَجُلَ المُنافِقَ الَّذِي لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ النَبِيِّ ﷺ بَلَغَ ذَلِكَ النَبِيَّ وعَظُمَ عَلَيْهِ، وقالَ: "ما كُنْتُ أظُنُّ أنَّ عُمَرَ يَجْتَرِئُ عَلى قَتْلِ رَجُلٍ مُؤْمِنٍ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ نافِيَةً لِإيمانِ ذَلِكَ الرَجُلِ الرادِّ لِحُكْمِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، مُقِيمَةً عُذْرَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قَتْلِهِ. و"كَتَبْنا" مَعْناهُ: فَرَضْنا، و"اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ" مَعْناهُ: لِيَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في البَقَرَةِ، وضَمُّ النُونِ مِن "أنِ" وكَسْرُها جائِزٌ، وكَذَلِكَ الواوُ مِن "أوِ اخْرُجُوا"، وبِضَمِّها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ. وبِكَسْرِها قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ، وكَسَرَ أبُو عَمْرٍو النُونَ وضَمَّ الواوَ، و"قَلِيلٌ" رُفِعَ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ في "فَعَلُوهُ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ بِالنَصْبِ "إلّا قَلِيلًا"، وذَلِكَ جائِزٌ، أجْرى النَفْيَ مَجْرى الإيجابِ. وسَبَبُ الآيَةِ عَلى ما حُكِيَ أنَّ اليَهُودَ قالُوا، -لَمّا لَمْ يَرْضَ المُنافِقُ بِحُكْمِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- ما رَأيْنا أسْخَفَ مِن هَؤُلاءِ، يُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ ويَتَّبِعُونَهُ، ويَطَؤُونَ عَقِبَهُ، ثُمَّ لا يَرْضَوْنَ بِحُكْمِهِ، ونَحْنُ قَدْ أُمِرْنا بِقَتْلِ أنْفُسِنا فَفَعَلْنا، وبَلَغَ القَتْلُ فِينا (p-٥٩٧)سَبْعِينَ ألْفًا، فَقالَ ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ: لَوْ كُتِبَ ذَلِكَ عَلَيْنا لَفَعَلْناهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُعْلِمَةً حالَ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ، وأنَّهُ لَوْ كُتِبَ ذَلِكَ عَلى الأُمَّةِ لَمْ يَفْعَلُوهُ، وما كانَ يَفْعَلُهُ إلّا قَلِيلٌ مُؤْمِنُونَ مُحَقِّقُونَ، كَثابِتٍ وغَيْرِهِ، وكَذَلِكَ رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ، عَمّارٌ وابْنُ مَسْعُودٍ مِنَ القَلِيلِ"،» وشَرَكَهم في ضَمِيرِ "مِنهُمْ" لَمّا كانَ المُنافِقُونَ والمُؤْمِنُونَ مُشْتَرِكِينَ في دَعْوَةِ الإسْلامِ وظَواهِرِ الشَرِيعَةِ. وقالَ أبُو إسْحاقَ السُبَيْعِيُّ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ، قالَ رَجُلٌ: لَوْ أُمِرْنا لَفَعَلْنا، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عافانا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقالَ: "إنَّ مِن أُمَّتِي رِجالًا، الإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجِبالِ الرَواسِي".» وذَكَرَ مَكِّيٌّ أنَّ الرَجُلَ هو أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَكَرَ عن أبِي بَكْرٍ أنَّهُ قالَ: لَوْ كُتِبَ عَلَيْنا لَبَدَأْتُ بِنَفْسِي وبِأهْلِ بَيْتِي. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم فَعَلُوا﴾ أيْ: لَوْ أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ اتَّعَظُوا وأنابُوا لَكانَ خَيْرًا لَهم. "تَثْبِيتًا" مَعْناهُ: يَقِينًا وتَصْدِيقًا ونَحْوَ هَذا، أيْ: يُثَبِّتُهُمُ اللهُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما كانَ يَمُنُّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن تَفَضُّلِهِ بِالأجْرِ. ووَصْفُهُ إيّاهُ بِالعِظَمِ مُقْتَضٍ ما لا يُحَصِّلُهُ بَشَرٌ مِنَ النَعِيمِ المُقِيمِ. والصِراطُ المُسْتَقِيمُ: الإيمانُ المُؤَدِّي إلى الجَنَّةِ. وجاءَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الآيَةِ كَذا، ومَعْلُومٌ أنَّ الهِدايَةَ قَبْلَ إعْطاءِ الأجْرِ لِأنَّ المَقْصِدَ إنَّما هو تَعْدِيدُ ما كانَ اللهُ يُنْعِمُ بِهِ عَلَيْهِمْ دُونَ تَرْتِيبٍ، فالمَعْنى: ولَهَدَيْناهم قَبْلُ حَتّى يَكُونُوا مِمَّنْ يُؤْتى الأجْرَ.

النساء 4:68

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ﴿وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنهم ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ﴿وَإذًا لآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَلَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: قَوْلُهُ: "فَلا" رَدٌّ عَلى ما تَقَدَّمَ، تَقْدِيرُهُ: فَلَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قَدَّمَ "لا" عَلى القَسَمِ اهْتِمامًا بِالنَفْيِ، وإظْهارًا لِقُوَّتِهِ، ثُمَّ كَرَّرَها بَعْدَهُ تَأْكِيدًا لِلتَّهَمُّمِ بِالنَفْيِ، وكانَ يَصِحُّ إسْقاطُ "لا" الثانِيَةِ، ويَبْقى أكْثَرُ الِاهْتِمامِ بِتَقْدِيمِ الأُولى، وكانَ يَصِحُّ إسْقاطُ الأُولى ويَبْقى مَعْنى النَفْيِ، ويَذْهَبُ مَعْنى الِاهْتِمامِ. (p-٥٩٥)"شَجَرَ" مَعْناهُ: اخْتَلَطَ والتَفَّ مِن أُمُورِهِمْ، وهو مِنَ الشَجَرِ، شَبِيهٌ بِالتِفافِ الأغْصانِ، وكَذَلِكَ الشَجِيرُ الَّذِي امْتَزَجَتْ مَوَدَّتُهُ بِمَوَدَّةِ صاحِبِهِ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "شَجْرَ" بِإسْكانِ الجِيمِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأظُنُّهُ فَرَّ مِن تَوالِي الحَرَكاتِ، ولَيْسَ بِالقَوِيِّ، لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ. و"يُحَكِّمُوكَ" نُصِبَ بِـ "حَتّى" لِأنَّها هاهُنا غايَةٌ مُجَرَّدَةٌ، و"يَجِدُوا" عُطِفَ عَلَيْهِ، والحَرَجُ: الضِيقُ والتَكَلُّفُ والمَشَقَّةُ. قالَ مُجاهِدٌ: حَرَجًا: شَكًّا وقَوْلُهُ: "تَسْلِيمًا" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ مُنْبِئٌ عَلى التَحْقِيقِ في التَسْلِيمِ، لِأنَّ العَرَبَ إنَّما تُرْدِفُ الفِعْلَ بِالمَصْدَرِ إذا أرادَتْ أنَّ الفِعْلَ وقَعَ حَقِيقَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وقَدْ تَجِيءُ بِهِ مُبالَغَةً وإنْ لَمْ يَقَعْ، ومِنهُ: ؎ ................. وعَجَّتْ عَجِيجًا مِن جُذامَ المَطارِفُ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّنْ أرادَ التَحاكُمَ إلى الطاغُوتِ، وفِيهِمْ نَزَلَتْ، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا، لِأنَّهُ أشْبَهُ بِنَسَقِ الآيَةِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: نَزَلَتْ في «رَجُلٍ خاصَمَ الزُبَيْرَ بْنَ العَوّامِ في السَقْيِ بِماءِ الحَرَّةِ، فَقالَ لَهُما رَسُولُ اللهِ ﷺ: "اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ"، فَغَضِبَ ذَلِكَ الرَجُلُ وقالَ: آنْ كانَ ابْنَ (p-٥٩٦)عَمَّتِكَ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، واسْتَوْعَبَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، فَقالَ: "احْبِسْ يا زُبَيْرُ الماءَ حَتّى يَبْلُغَ الجُدُرَ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.» واخْتَلَفَ أهْلُ هَذا القَوْلِ في الرَجُلِ، فَقالَ قَوْمٌ: هو رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ مِن أهْلِ بَدْرٍ، وقالَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ: هو حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَحِيحُ الَّذِي وقَعَ في البُخارِيِّ أنَّهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، وأنَّ الزُبَيْرَ قالَ: فَما أحْسَبُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ إلّا في ذَلِكَ، وقالَتْ طائِفَةٌ: لَمّا قَتَلَ عُمَرُ الرَجُلَ المُنافِقَ الَّذِي لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ النَبِيِّ ﷺ بَلَغَ ذَلِكَ النَبِيَّ وعَظُمَ عَلَيْهِ، وقالَ: "ما كُنْتُ أظُنُّ أنَّ عُمَرَ يَجْتَرِئُ عَلى قَتْلِ رَجُلٍ مُؤْمِنٍ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ نافِيَةً لِإيمانِ ذَلِكَ الرَجُلِ الرادِّ لِحُكْمِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، مُقِيمَةً عُذْرَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قَتْلِهِ. و"كَتَبْنا" مَعْناهُ: فَرَضْنا، و"اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ" مَعْناهُ: لِيَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في البَقَرَةِ، وضَمُّ النُونِ مِن "أنِ" وكَسْرُها جائِزٌ، وكَذَلِكَ الواوُ مِن "أوِ اخْرُجُوا"، وبِضَمِّها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ. وبِكَسْرِها قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ، وكَسَرَ أبُو عَمْرٍو النُونَ وضَمَّ الواوَ، و"قَلِيلٌ" رُفِعَ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ في "فَعَلُوهُ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ بِالنَصْبِ "إلّا قَلِيلًا"، وذَلِكَ جائِزٌ، أجْرى النَفْيَ مَجْرى الإيجابِ. وسَبَبُ الآيَةِ عَلى ما حُكِيَ أنَّ اليَهُودَ قالُوا، -لَمّا لَمْ يَرْضَ المُنافِقُ بِحُكْمِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- ما رَأيْنا أسْخَفَ مِن هَؤُلاءِ، يُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ ويَتَّبِعُونَهُ، ويَطَؤُونَ عَقِبَهُ، ثُمَّ لا يَرْضَوْنَ بِحُكْمِهِ، ونَحْنُ قَدْ أُمِرْنا بِقَتْلِ أنْفُسِنا فَفَعَلْنا، وبَلَغَ القَتْلُ فِينا (p-٥٩٧)سَبْعِينَ ألْفًا، فَقالَ ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ: لَوْ كُتِبَ ذَلِكَ عَلَيْنا لَفَعَلْناهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُعْلِمَةً حالَ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ، وأنَّهُ لَوْ كُتِبَ ذَلِكَ عَلى الأُمَّةِ لَمْ يَفْعَلُوهُ، وما كانَ يَفْعَلُهُ إلّا قَلِيلٌ مُؤْمِنُونَ مُحَقِّقُونَ، كَثابِتٍ وغَيْرِهِ، وكَذَلِكَ رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ، عَمّارٌ وابْنُ مَسْعُودٍ مِنَ القَلِيلِ"،» وشَرَكَهم في ضَمِيرِ "مِنهُمْ" لَمّا كانَ المُنافِقُونَ والمُؤْمِنُونَ مُشْتَرِكِينَ في دَعْوَةِ الإسْلامِ وظَواهِرِ الشَرِيعَةِ. وقالَ أبُو إسْحاقَ السُبَيْعِيُّ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ، قالَ رَجُلٌ: لَوْ أُمِرْنا لَفَعَلْنا، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عافانا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقالَ: "إنَّ مِن أُمَّتِي رِجالًا، الإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجِبالِ الرَواسِي".» وذَكَرَ مَكِّيٌّ أنَّ الرَجُلَ هو أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَكَرَ عن أبِي بَكْرٍ أنَّهُ قالَ: لَوْ كُتِبَ عَلَيْنا لَبَدَأْتُ بِنَفْسِي وبِأهْلِ بَيْتِي. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم فَعَلُوا﴾ أيْ: لَوْ أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ اتَّعَظُوا وأنابُوا لَكانَ خَيْرًا لَهم. "تَثْبِيتًا" مَعْناهُ: يَقِينًا وتَصْدِيقًا ونَحْوَ هَذا، أيْ: يُثَبِّتُهُمُ اللهُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما كانَ يَمُنُّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن تَفَضُّلِهِ بِالأجْرِ. ووَصْفُهُ إيّاهُ بِالعِظَمِ مُقْتَضٍ ما لا يُحَصِّلُهُ بَشَرٌ مِنَ النَعِيمِ المُقِيمِ. والصِراطُ المُسْتَقِيمُ: الإيمانُ المُؤَدِّي إلى الجَنَّةِ. وجاءَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الآيَةِ كَذا، ومَعْلُومٌ أنَّ الهِدايَةَ قَبْلَ إعْطاءِ الأجْرِ لِأنَّ المَقْصِدَ إنَّما هو تَعْدِيدُ ما كانَ اللهُ يُنْعِمُ بِهِ عَلَيْهِمْ دُونَ تَرْتِيبٍ، فالمَعْنى: ولَهَدَيْناهم قَبْلُ حَتّى يَكُونُوا مِمَّنْ يُؤْتى الأجْرَ.

النساء 4:69

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ والرَسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللهَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَبِيِّينَ والصِدِّيقِينَ والشُهَداءِ والصالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللهِ وكَفى بِاللهِ عَلِيمًا﴾ لَمّا ذَكَرَ اللهُ الأمْرَ الَّذِي لَوْ فَعَلُوهُ لَأنْعَمَ عَلَيْهِمْ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَوابَ مَن يَفْعَلُهُ، وهَذِهِ الآيَةُ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اهْدِنا الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، (p-٥٩٨)وَقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ «لَمّا قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الأنْصارِيُّ الَّذِي أُرِيَ الأذانَ: يا رَسُولَ اللهِ، إذا مُتَّ ومُتْنا كُنْتَ في عِلِّيِّينَ فَلا نَراكَ ولا نَجْتَمِعُ بِكَ، وذَكَرَ حُزْنَهُ عَلى ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» وحَكى مَكِّيٌّ عن عَبْدِ اللهِ هَذا، أنَّهُ لَمّا ماتَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، قالَ: اللهُمَّ أعْمِنِي حَتّى لا أرى شَيْئًا بَعْدَهُ، فَعَمِيَ، وذَكَرَ أنَّ جَماعَةً مِنَ الأنْصارِ قالَتْ ذَلِكَ أو نَحْوَهُ، حَكاهُ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ، والسُدِّيِّ. ومَعْنى "أنَّهم مَعَهُمْ": أنَّهم في دارٍ واحِدَةٍ، ومُتَنَعَّمٍ واحِدٍ، وكُلُّ مَن فِيها قَدْ رُزِقَ الرِضا بِحالِهِ، وذَهَبَ عنهُ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ مَفْضُولٌ، وإنْ كُنّا نَحْنُ قَدْ عَلِمْنا مِنَ الشَرِيعَةِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ تَخْتَلِفُ مَراتِبُهم عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ، وعَلى قَدْرِ فَضْلِ اللهِ عَلى مَن شاءَ. والصِدِّيقُ: فِعِّيلٌ مِنَ الصِدْقِ، وقِيلَ: مِنَ الصَدَقَةِ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "الصِدِّيقُونَ المُصَدِّقُونَ"» والشُهَداءُ: المَقْتُولُونَ في سَبِيلِ اللهِ، هُمُ المَخْصُوصُونَ بِفَضْلِ المِيتَةِ، وهُمُ الَّذِينَ فَرَّقَ الشَرْعُ حُكْمَهم في تَرْكِ الغُسْلِ والصَلاةِ، لِأنَّهم أكْرَمُ مِن أنْ يُشْفَعَ لَهُمْ، وسُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّ اللهَ شَهِدَ لَهم بِالجَنَّةِ، وقِيلَ: لِأنَّهم شَهِدُوا لِلَّهِ بِالحَقِّ في مَوْتِهِمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِهِ، ولَكِنَّ لَفْظَ الشُهَداءِ في هَذِهِ الآيَةِ يَعُمُّ أنْواعَ الشُهَداءِ. (p-٥٩٩)وَ"رَفِيقًا" مُوَحَّدُ في مَعْنى الجَمْعِ، كَما قالَ: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلا﴾ [غافر: ٦٧]. ونَصْبُهُ عَلى التَمْيِيزِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ، والأوَّلُ أصْوَبُ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "وَحَسْنَ" بِسُكُونِ السِينِ، وذَلِكَ مِثْلُ: "شَجْرَ بَيْنَهُمْ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللهِ﴾ رَدٌّ عَلى تَقْدِيرِ مُعْتَرِضٍ يَقُولُ: وما الَّذِي يُوجِبُ اسْتِواءَ أهْلِ الطاعَةِ والنَبِيِّينَ في الآخِرَةِ والفَرْقُ بَيْنَهم في الدُنْيا بَيِّنٌ؟ فَذَكَرَ اللهُ أنَّ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ لا بِوُجُوبٍ عَلَيْهِ، والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى كَوْنِ المُطِيعِينَ مَعَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، وأيْضًا فَلا نُقَرِّرُ الِاسْتِواءَ، بَلْ هم مَعَهم في دارٍ والمَنازِلُ مُتَبايِنَةٌ. ثُمَّ قالَ: ﴿وَكَفى بِاللهِ عَلِيمًا﴾ وفِيها مَعْنى أنْ يَقُولَ: فَسَلِّمُوا فِعْلَ اللهِ وتَفَضُّلَهُ مِنَ الاعْتِراضِ عَلَيْهِ، واكْتَفُوا بِعِلْمِهِ في ذَلِكَ وغَيْرِهِ، ولِذَلِكَ أُدْخِلَتِ الباءُ عَلى اسْمِ اللهِ، لِتَدُلَّ عَلى الأمْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: "وَكَفى".

النساء 4:70

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ والرَسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللهَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَبِيِّينَ والصِدِّيقِينَ والشُهَداءِ والصالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللهِ وكَفى بِاللهِ عَلِيمًا﴾ لَمّا ذَكَرَ اللهُ الأمْرَ الَّذِي لَوْ فَعَلُوهُ لَأنْعَمَ عَلَيْهِمْ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَوابَ مَن يَفْعَلُهُ، وهَذِهِ الآيَةُ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اهْدِنا الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، (p-٥٩٨)وَقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ «لَمّا قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الأنْصارِيُّ الَّذِي أُرِيَ الأذانَ: يا رَسُولَ اللهِ، إذا مُتَّ ومُتْنا كُنْتَ في عِلِّيِّينَ فَلا نَراكَ ولا نَجْتَمِعُ بِكَ، وذَكَرَ حُزْنَهُ عَلى ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» وحَكى مَكِّيٌّ عن عَبْدِ اللهِ هَذا، أنَّهُ لَمّا ماتَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، قالَ: اللهُمَّ أعْمِنِي حَتّى لا أرى شَيْئًا بَعْدَهُ، فَعَمِيَ، وذَكَرَ أنَّ جَماعَةً مِنَ الأنْصارِ قالَتْ ذَلِكَ أو نَحْوَهُ، حَكاهُ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ، والسُدِّيِّ. ومَعْنى "أنَّهم مَعَهُمْ": أنَّهم في دارٍ واحِدَةٍ، ومُتَنَعَّمٍ واحِدٍ، وكُلُّ مَن فِيها قَدْ رُزِقَ الرِضا بِحالِهِ، وذَهَبَ عنهُ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ مَفْضُولٌ، وإنْ كُنّا نَحْنُ قَدْ عَلِمْنا مِنَ الشَرِيعَةِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ تَخْتَلِفُ مَراتِبُهم عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ، وعَلى قَدْرِ فَضْلِ اللهِ عَلى مَن شاءَ. والصِدِّيقُ: فِعِّيلٌ مِنَ الصِدْقِ، وقِيلَ: مِنَ الصَدَقَةِ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "الصِدِّيقُونَ المُصَدِّقُونَ"» والشُهَداءُ: المَقْتُولُونَ في سَبِيلِ اللهِ، هُمُ المَخْصُوصُونَ بِفَضْلِ المِيتَةِ، وهُمُ الَّذِينَ فَرَّقَ الشَرْعُ حُكْمَهم في تَرْكِ الغُسْلِ والصَلاةِ، لِأنَّهم أكْرَمُ مِن أنْ يُشْفَعَ لَهُمْ، وسُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّ اللهَ شَهِدَ لَهم بِالجَنَّةِ، وقِيلَ: لِأنَّهم شَهِدُوا لِلَّهِ بِالحَقِّ في مَوْتِهِمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِهِ، ولَكِنَّ لَفْظَ الشُهَداءِ في هَذِهِ الآيَةِ يَعُمُّ أنْواعَ الشُهَداءِ. (p-٥٩٩)وَ"رَفِيقًا" مُوَحَّدُ في مَعْنى الجَمْعِ، كَما قالَ: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلا﴾ [غافر: ٦٧]. ونَصْبُهُ عَلى التَمْيِيزِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ، والأوَّلُ أصْوَبُ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "وَحَسْنَ" بِسُكُونِ السِينِ، وذَلِكَ مِثْلُ: "شَجْرَ بَيْنَهُمْ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللهِ﴾ رَدٌّ عَلى تَقْدِيرِ مُعْتَرِضٍ يَقُولُ: وما الَّذِي يُوجِبُ اسْتِواءَ أهْلِ الطاعَةِ والنَبِيِّينَ في الآخِرَةِ والفَرْقُ بَيْنَهم في الدُنْيا بَيِّنٌ؟ فَذَكَرَ اللهُ أنَّ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ لا بِوُجُوبٍ عَلَيْهِ، والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى كَوْنِ المُطِيعِينَ مَعَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، وأيْضًا فَلا نُقَرِّرُ الِاسْتِواءَ، بَلْ هم مَعَهم في دارٍ والمَنازِلُ مُتَبايِنَةٌ. ثُمَّ قالَ: ﴿وَكَفى بِاللهِ عَلِيمًا﴾ وفِيها مَعْنى أنْ يَقُولَ: فَسَلِّمُوا فِعْلَ اللهِ وتَفَضُّلَهُ مِنَ الاعْتِراضِ عَلَيْهِ، واكْتَفُوا بِعِلْمِهِ في ذَلِكَ وغَيْرِهِ، ولِذَلِكَ أُدْخِلَتِ الباءُ عَلى اسْمِ اللهِ، لِتَدُلَّ عَلى الأمْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: "وَكَفى".

النساء 4:71

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ ﴿وَإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ ﴿وَلَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ هَذا خِطابٌ لِلْمُخْلِصِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وأمْرٌ لَهم بِجِهادِ الكُفّارِ، والخُرُوجِ في سَبِيلِ اللهِ، وحِمايَةِ الشَرْعِ. و"خُذُوا حِذْرَكُمْ" مَعْناهُ: احْزِمُوا واسْتَعِدُّوا بِأنْواعِ الِاسْتِعْدادِ، فَهُنا يَدْخُلُ أخْذُ السِلاحِ وغَيْرِهِ، و"انْفِرُوا" مَعْناهُ: اخْرُجُوا مُجِدِّينَ مُصَمِّمِينَ، يُقالُ: نَفَرَ الرَجُلُ يَنْفِرُ -بِكَسْرِ الفاءِ- نَفِيرًا، ونَفَرَتِ الدابَّةُ تَنْفُرُ -بِضَمِّ الفاءِ- نُفُورًا. و"ثُباتٍ" مَعْناهُ: جَماعاتٌ مُتَفَرِّقاتٌ، فَهي كِنايَةٌ عَنِ السَرايا. (p-٦٠٠)وَ"جَمِيعًا" مَعْناهُ: الجَيْشُ الكَثِيفُ مَعَ النَبِيِّ ﷺ، هَكَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. والثُبَةُ: حُكِيَ أنَّها فَوْقَ العَشْرَةِ مِنَ الرِجالِ، وزْنُها فُعَلَةٌ بِفَتْحِ العَيْنِ، أصْلُها: ثُبْوَةٌ، وقِيلَ: ثُبَيَةٌ، حُذِفَتْ لامُها بَعْدَ أنْ تَحَرَّكَتْ وانْقَلَبَتْ ألِفًا حَذْفًا غَيْرَ مَقِيسٍ، ولِذَلِكَ جُمِعَتْ: ثِبُونْ، بِالواوِ والنُونِ عِوَضًا عَنِ المَحْذُوفِ، وكُسِرَ أوَّلُها في الجَمْعِ دَلالَةً عَلى خُرُوجِها عن بابِها لِأنَّ بابَها أنْ تُجْمَعَ بِالتاءِ أبَدًا، فَيُقالَ: ثُباتٍ، وتُصَغَّرُ: ثُبَيَّةٌ، أصْلُها: ثُبَيْوَةٌ، وأمّا ثُبَةُ الحَوْضِ -وَهِيَ وسَطُهُ الَّذِي يَثُوبُ الماءُ إلَيْهِ- فالمَحْذُوفُ مِنها العَيْنُ، وأصْلُها: ثُوَبَةٌ وتَصْغِيرُها: ثُوَبْيَةٌ، وهي مِن ثابَ يَثُوبُ، وكَذَلِكَ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في بَيْتِ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎ فَلَمّا جَلاها بِالإيامِ تَحَيَّزَتْ ثُباتًا عَلَيْها ذُلُّها واكْتِئابُها إنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ لَيْسَ بِجَمْعٍ، سِيقَ عَلى الأصْلِ، لِأنَّ أصْلَ ثُبَةٍ: ثُبَوَةٌ، تَحَرَّكَتِ الواوُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فانْقَلَبَتْ ألِفًا، فَساقَها أبُو ذُؤَيْبٍ في هَذِهِ الحالِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ مِنكُمْ﴾ إنَّ إيجابٌ، والخِطابُ لِجَماعَةِ المُؤْمِنِينَ، والمُرادُ بِـ "مِن" المُنافِقُونَ، وعَبَّرَ عنهم بِـ "مِنكُمْ" إذْ هم في عِدادِ المُؤْمِنِينَ ومُنْتَحِلُونَ دَعْوَتَهُمْ، واللامُ الداخِلَةُ عَلى "مَن" لامُ التَأْكِيدِ دَخَلَتْ عَلى اسْمِ "إنَّ" لَمّا كانَ الخَبَرُ مُتَقَدِّمًا في المَجْرُورِ، وذَلِكَ مَهْيَعٌ في كَلامِهِمْ، كَقَوْلِكَ: "إنَّ في الدارِ لَزَيْدًا"، واللامُ الداخِلَةُ عَلى "لَيُبَطِّئَنَّ" لامُ قَسَمٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ، تَقْدِيرُهُ: "وَإنَّ مِنكم لَمَن واللهِ- لَيُبَطِّئَنَّ" وقِيلَ: هي لامُ تَأْكِيدٍ، ولَيُبَطِّئَنَّ مَعْناهُ: يُبَطِّئُ غَيْرَهُ، أيْ: يُثَبِّطُهُ ويَحْمِلُهُ عَلى التَخَلُّفِ عن مَغازِي رَسُولِ اللهِ ﷺ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "لَيُبْطِئَنَّ" بِالتَخْفِيفِ في الطاءِ. و"مُصِيبَةٌ" يَعْنِي مِن قَتْلٍ واسْتِشْهادٍ، وإنَّما هي مُصِيبَةٌ بِحَسَبِ اعْتِقادِ المُنافِقِينَ ونَظَرِهِمُ الفاسِدِ، أو عَلى أنَّ المَوْتَ كُلَّهُ مُصِيبَةٌ كَما شاءَ اللهُ تَعالى، وإنَّما الشَهادَةُ في (p-٦٠١)الحَقِيقَةِ نِعْمَةٌ لِحُسْنِ مَآلِها، و"شَهِيدًا" مَعْناهُ: مُشاهِدًا، فالمَعْنى: أنَّ المُنافِقَ يَسُرُّهُ غَيْبُهُ إذا كانَتْ شِدَّةٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَخَلُّفَهُ إنَّما هو فَزَعٌ مِنَ القِتالِ، ونُكُولٌ عَنِ الجِهادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللهِ﴾ الآيَةُ، المَعْنى: ولَئِنْ ظَفِرْتُمْ وغَنِمْتُمْ وكُلُّ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ، نَدِمَ المُنافِقُ أنْ لَمْ يَحْضُرْ ويُصِبِ الغَنِيمَةَ، وقالَ: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ مُتَمَنِّيًا شَيْئًا قَدْ كانَ عاهَدَ أنْ يَفْعَلَهُ ثُمَّ غَدَرَ في عَهْدِهِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ إنَّما يَتَمَنّى مِثْلَ هَذا إذا كانَ المانِعُ لَهُ مِنَ الحُضُورِ عُذْرًا واضِحًا، وأمْرًا لا قُدْرَةَ لَهُ مَعَهُ، فَهو يَتَأسَّفُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى فَواتِ الخَيْرِ، والمُنافِقُ يُعاطِي المُؤْمِنِينَ المَوَدَّةَ، ويُعاهِدُ عَلى التِزامِ كُلَفِ الإسْلامِ، ثُمَّ يَتَخَلَّفُ نِفاقًا وشَكًّا وكُفْرًا بِاللهِ ورَسُولِهِ، ثُمَّ يَتَمَنّى عِنْدَ ما يَكْشِفُ الغَيْبُ الظَفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ التِفاتَةً بَلِيغَةً، واعْتِراضًا بَيْنَ القائِلِ والمَقُولِ بِلَفْظٍ يُظْهِرُ زِيادَةً في قُبْحِ فِعْلِهِمْ. وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُما كانا يَتَأوَّلانِ قَوْلَ المُنافِقِ: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ عَلى مَعْنى الحَسَدِ مِنهُ لِلْمُؤْمِنِينَ في نَيْلِ رَغِيبَةٍ. وقَرَأ الحَسَنُ: "لَيَقُولُنَّ" بِضَمِّ اللامِ عَلى مَعْنى "مَن"، وضَمُّ اللامِ لِتَدُلَّ عَلى الواوِ المَحْذُوفَةِ. ويَدُلُّ مَجْمُوعُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ عَلى أنَّ خارِجَ المُنافِقِينَ فَإنَّما كانَ يَقْصِدُ الغَنِيمَةَ، ومُتَخَلِّفَهم إنَّما كانَ يَقْصِدُ الشَكَّ وتَرَبُّصَ الدَوائِرِ بِالمُؤْمِنِينَ. و"كَأنْ" مُضَمَّنَةٌ مَعْنى التَشْبِيهِ، ولَكِنَّها لَيْسَتْ كالثَقِيلَةِ في الحاجَةِ إلى الِاسْمِ والخَبَرِ، وإنَّما تَجِيءُ بَعْدَها الجُمَلُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "تَكُنْ" بِتاءٍ، وقَرَأ غَيْرُهُما: "يَكُنْ" بِياءٍ، وذَلِكَ حَسَنٌ لِلْفَصْلِ الواقِعِ بَيْنَ الفِعْلِ والفاعِلِ. (p-٦٠٢)وَقَوْلُهُ: "فَأفُوزَ" نُصِبَ بِالفاءِ في جَوابِ التَمَنِّي، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَزِيدٌ النَحْوِيُّ: "فَأفُوزُ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، التَقْدِيرُ: فَأنا أفُوزُ، قالَ رُوحٌ: لَمْ يَجْعَلْ لِلَيْتَ جَوابًا، وقالَ الزَجّاجُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ مُؤَخَّرٌ، وإنَّما مَوْضِعُهُ: ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ يُفْسِدُ فَصاحَةَ الكَلامِ..

النساء 4:72

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ ﴿وَإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ ﴿وَلَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ هَذا خِطابٌ لِلْمُخْلِصِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وأمْرٌ لَهم بِجِهادِ الكُفّارِ، والخُرُوجِ في سَبِيلِ اللهِ، وحِمايَةِ الشَرْعِ. و"خُذُوا حِذْرَكُمْ" مَعْناهُ: احْزِمُوا واسْتَعِدُّوا بِأنْواعِ الِاسْتِعْدادِ، فَهُنا يَدْخُلُ أخْذُ السِلاحِ وغَيْرِهِ، و"انْفِرُوا" مَعْناهُ: اخْرُجُوا مُجِدِّينَ مُصَمِّمِينَ، يُقالُ: نَفَرَ الرَجُلُ يَنْفِرُ -بِكَسْرِ الفاءِ- نَفِيرًا، ونَفَرَتِ الدابَّةُ تَنْفُرُ -بِضَمِّ الفاءِ- نُفُورًا. و"ثُباتٍ" مَعْناهُ: جَماعاتٌ مُتَفَرِّقاتٌ، فَهي كِنايَةٌ عَنِ السَرايا. (p-٦٠٠)وَ"جَمِيعًا" مَعْناهُ: الجَيْشُ الكَثِيفُ مَعَ النَبِيِّ ﷺ، هَكَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. والثُبَةُ: حُكِيَ أنَّها فَوْقَ العَشْرَةِ مِنَ الرِجالِ، وزْنُها فُعَلَةٌ بِفَتْحِ العَيْنِ، أصْلُها: ثُبْوَةٌ، وقِيلَ: ثُبَيَةٌ، حُذِفَتْ لامُها بَعْدَ أنْ تَحَرَّكَتْ وانْقَلَبَتْ ألِفًا حَذْفًا غَيْرَ مَقِيسٍ، ولِذَلِكَ جُمِعَتْ: ثِبُونْ، بِالواوِ والنُونِ عِوَضًا عَنِ المَحْذُوفِ، وكُسِرَ أوَّلُها في الجَمْعِ دَلالَةً عَلى خُرُوجِها عن بابِها لِأنَّ بابَها أنْ تُجْمَعَ بِالتاءِ أبَدًا، فَيُقالَ: ثُباتٍ، وتُصَغَّرُ: ثُبَيَّةٌ، أصْلُها: ثُبَيْوَةٌ، وأمّا ثُبَةُ الحَوْضِ -وَهِيَ وسَطُهُ الَّذِي يَثُوبُ الماءُ إلَيْهِ- فالمَحْذُوفُ مِنها العَيْنُ، وأصْلُها: ثُوَبَةٌ وتَصْغِيرُها: ثُوَبْيَةٌ، وهي مِن ثابَ يَثُوبُ، وكَذَلِكَ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في بَيْتِ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎ فَلَمّا جَلاها بِالإيامِ تَحَيَّزَتْ ثُباتًا عَلَيْها ذُلُّها واكْتِئابُها إنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ لَيْسَ بِجَمْعٍ، سِيقَ عَلى الأصْلِ، لِأنَّ أصْلَ ثُبَةٍ: ثُبَوَةٌ، تَحَرَّكَتِ الواوُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فانْقَلَبَتْ ألِفًا، فَساقَها أبُو ذُؤَيْبٍ في هَذِهِ الحالِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ مِنكُمْ﴾ إنَّ إيجابٌ، والخِطابُ لِجَماعَةِ المُؤْمِنِينَ، والمُرادُ بِـ "مِن" المُنافِقُونَ، وعَبَّرَ عنهم بِـ "مِنكُمْ" إذْ هم في عِدادِ المُؤْمِنِينَ ومُنْتَحِلُونَ دَعْوَتَهُمْ، واللامُ الداخِلَةُ عَلى "مَن" لامُ التَأْكِيدِ دَخَلَتْ عَلى اسْمِ "إنَّ" لَمّا كانَ الخَبَرُ مُتَقَدِّمًا في المَجْرُورِ، وذَلِكَ مَهْيَعٌ في كَلامِهِمْ، كَقَوْلِكَ: "إنَّ في الدارِ لَزَيْدًا"، واللامُ الداخِلَةُ عَلى "لَيُبَطِّئَنَّ" لامُ قَسَمٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ، تَقْدِيرُهُ: "وَإنَّ مِنكم لَمَن واللهِ- لَيُبَطِّئَنَّ" وقِيلَ: هي لامُ تَأْكِيدٍ، ولَيُبَطِّئَنَّ مَعْناهُ: يُبَطِّئُ غَيْرَهُ، أيْ: يُثَبِّطُهُ ويَحْمِلُهُ عَلى التَخَلُّفِ عن مَغازِي رَسُولِ اللهِ ﷺ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "لَيُبْطِئَنَّ" بِالتَخْفِيفِ في الطاءِ. و"مُصِيبَةٌ" يَعْنِي مِن قَتْلٍ واسْتِشْهادٍ، وإنَّما هي مُصِيبَةٌ بِحَسَبِ اعْتِقادِ المُنافِقِينَ ونَظَرِهِمُ الفاسِدِ، أو عَلى أنَّ المَوْتَ كُلَّهُ مُصِيبَةٌ كَما شاءَ اللهُ تَعالى، وإنَّما الشَهادَةُ في (p-٦٠١)الحَقِيقَةِ نِعْمَةٌ لِحُسْنِ مَآلِها، و"شَهِيدًا" مَعْناهُ: مُشاهِدًا، فالمَعْنى: أنَّ المُنافِقَ يَسُرُّهُ غَيْبُهُ إذا كانَتْ شِدَّةٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَخَلُّفَهُ إنَّما هو فَزَعٌ مِنَ القِتالِ، ونُكُولٌ عَنِ الجِهادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللهِ﴾ الآيَةُ، المَعْنى: ولَئِنْ ظَفِرْتُمْ وغَنِمْتُمْ وكُلُّ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ، نَدِمَ المُنافِقُ أنْ لَمْ يَحْضُرْ ويُصِبِ الغَنِيمَةَ، وقالَ: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ مُتَمَنِّيًا شَيْئًا قَدْ كانَ عاهَدَ أنْ يَفْعَلَهُ ثُمَّ غَدَرَ في عَهْدِهِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ إنَّما يَتَمَنّى مِثْلَ هَذا إذا كانَ المانِعُ لَهُ مِنَ الحُضُورِ عُذْرًا واضِحًا، وأمْرًا لا قُدْرَةَ لَهُ مَعَهُ، فَهو يَتَأسَّفُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى فَواتِ الخَيْرِ، والمُنافِقُ يُعاطِي المُؤْمِنِينَ المَوَدَّةَ، ويُعاهِدُ عَلى التِزامِ كُلَفِ الإسْلامِ، ثُمَّ يَتَخَلَّفُ نِفاقًا وشَكًّا وكُفْرًا بِاللهِ ورَسُولِهِ، ثُمَّ يَتَمَنّى عِنْدَ ما يَكْشِفُ الغَيْبُ الظَفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ التِفاتَةً بَلِيغَةً، واعْتِراضًا بَيْنَ القائِلِ والمَقُولِ بِلَفْظٍ يُظْهِرُ زِيادَةً في قُبْحِ فِعْلِهِمْ. وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُما كانا يَتَأوَّلانِ قَوْلَ المُنافِقِ: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ عَلى مَعْنى الحَسَدِ مِنهُ لِلْمُؤْمِنِينَ في نَيْلِ رَغِيبَةٍ. وقَرَأ الحَسَنُ: "لَيَقُولُنَّ" بِضَمِّ اللامِ عَلى مَعْنى "مَن"، وضَمُّ اللامِ لِتَدُلَّ عَلى الواوِ المَحْذُوفَةِ. ويَدُلُّ مَجْمُوعُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ عَلى أنَّ خارِجَ المُنافِقِينَ فَإنَّما كانَ يَقْصِدُ الغَنِيمَةَ، ومُتَخَلِّفَهم إنَّما كانَ يَقْصِدُ الشَكَّ وتَرَبُّصَ الدَوائِرِ بِالمُؤْمِنِينَ. و"كَأنْ" مُضَمَّنَةٌ مَعْنى التَشْبِيهِ، ولَكِنَّها لَيْسَتْ كالثَقِيلَةِ في الحاجَةِ إلى الِاسْمِ والخَبَرِ، وإنَّما تَجِيءُ بَعْدَها الجُمَلُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "تَكُنْ" بِتاءٍ، وقَرَأ غَيْرُهُما: "يَكُنْ" بِياءٍ، وذَلِكَ حَسَنٌ لِلْفَصْلِ الواقِعِ بَيْنَ الفِعْلِ والفاعِلِ. (p-٦٠٢)وَقَوْلُهُ: "فَأفُوزَ" نُصِبَ بِالفاءِ في جَوابِ التَمَنِّي، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَزِيدٌ النَحْوِيُّ: "فَأفُوزُ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، التَقْدِيرُ: فَأنا أفُوزُ، قالَ رُوحٌ: لَمْ يَجْعَلْ لِلَيْتَ جَوابًا، وقالَ الزَجّاجُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ مُؤَخَّرٌ، وإنَّما مَوْضِعُهُ: ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ يُفْسِدُ فَصاحَةَ الكَلامِ..

النساء 4:73

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ ﴿وَإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ ﴿وَلَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ هَذا خِطابٌ لِلْمُخْلِصِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وأمْرٌ لَهم بِجِهادِ الكُفّارِ، والخُرُوجِ في سَبِيلِ اللهِ، وحِمايَةِ الشَرْعِ. و"خُذُوا حِذْرَكُمْ" مَعْناهُ: احْزِمُوا واسْتَعِدُّوا بِأنْواعِ الِاسْتِعْدادِ، فَهُنا يَدْخُلُ أخْذُ السِلاحِ وغَيْرِهِ، و"انْفِرُوا" مَعْناهُ: اخْرُجُوا مُجِدِّينَ مُصَمِّمِينَ، يُقالُ: نَفَرَ الرَجُلُ يَنْفِرُ -بِكَسْرِ الفاءِ- نَفِيرًا، ونَفَرَتِ الدابَّةُ تَنْفُرُ -بِضَمِّ الفاءِ- نُفُورًا. و"ثُباتٍ" مَعْناهُ: جَماعاتٌ مُتَفَرِّقاتٌ، فَهي كِنايَةٌ عَنِ السَرايا. (p-٦٠٠)وَ"جَمِيعًا" مَعْناهُ: الجَيْشُ الكَثِيفُ مَعَ النَبِيِّ ﷺ، هَكَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. والثُبَةُ: حُكِيَ أنَّها فَوْقَ العَشْرَةِ مِنَ الرِجالِ، وزْنُها فُعَلَةٌ بِفَتْحِ العَيْنِ، أصْلُها: ثُبْوَةٌ، وقِيلَ: ثُبَيَةٌ، حُذِفَتْ لامُها بَعْدَ أنْ تَحَرَّكَتْ وانْقَلَبَتْ ألِفًا حَذْفًا غَيْرَ مَقِيسٍ، ولِذَلِكَ جُمِعَتْ: ثِبُونْ، بِالواوِ والنُونِ عِوَضًا عَنِ المَحْذُوفِ، وكُسِرَ أوَّلُها في الجَمْعِ دَلالَةً عَلى خُرُوجِها عن بابِها لِأنَّ بابَها أنْ تُجْمَعَ بِالتاءِ أبَدًا، فَيُقالَ: ثُباتٍ، وتُصَغَّرُ: ثُبَيَّةٌ، أصْلُها: ثُبَيْوَةٌ، وأمّا ثُبَةُ الحَوْضِ -وَهِيَ وسَطُهُ الَّذِي يَثُوبُ الماءُ إلَيْهِ- فالمَحْذُوفُ مِنها العَيْنُ، وأصْلُها: ثُوَبَةٌ وتَصْغِيرُها: ثُوَبْيَةٌ، وهي مِن ثابَ يَثُوبُ، وكَذَلِكَ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في بَيْتِ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎ فَلَمّا جَلاها بِالإيامِ تَحَيَّزَتْ ثُباتًا عَلَيْها ذُلُّها واكْتِئابُها إنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ لَيْسَ بِجَمْعٍ، سِيقَ عَلى الأصْلِ، لِأنَّ أصْلَ ثُبَةٍ: ثُبَوَةٌ، تَحَرَّكَتِ الواوُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فانْقَلَبَتْ ألِفًا، فَساقَها أبُو ذُؤَيْبٍ في هَذِهِ الحالِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ مِنكُمْ﴾ إنَّ إيجابٌ، والخِطابُ لِجَماعَةِ المُؤْمِنِينَ، والمُرادُ بِـ "مِن" المُنافِقُونَ، وعَبَّرَ عنهم بِـ "مِنكُمْ" إذْ هم في عِدادِ المُؤْمِنِينَ ومُنْتَحِلُونَ دَعْوَتَهُمْ، واللامُ الداخِلَةُ عَلى "مَن" لامُ التَأْكِيدِ دَخَلَتْ عَلى اسْمِ "إنَّ" لَمّا كانَ الخَبَرُ مُتَقَدِّمًا في المَجْرُورِ، وذَلِكَ مَهْيَعٌ في كَلامِهِمْ، كَقَوْلِكَ: "إنَّ في الدارِ لَزَيْدًا"، واللامُ الداخِلَةُ عَلى "لَيُبَطِّئَنَّ" لامُ قَسَمٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ، تَقْدِيرُهُ: "وَإنَّ مِنكم لَمَن واللهِ- لَيُبَطِّئَنَّ" وقِيلَ: هي لامُ تَأْكِيدٍ، ولَيُبَطِّئَنَّ مَعْناهُ: يُبَطِّئُ غَيْرَهُ، أيْ: يُثَبِّطُهُ ويَحْمِلُهُ عَلى التَخَلُّفِ عن مَغازِي رَسُولِ اللهِ ﷺ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "لَيُبْطِئَنَّ" بِالتَخْفِيفِ في الطاءِ. و"مُصِيبَةٌ" يَعْنِي مِن قَتْلٍ واسْتِشْهادٍ، وإنَّما هي مُصِيبَةٌ بِحَسَبِ اعْتِقادِ المُنافِقِينَ ونَظَرِهِمُ الفاسِدِ، أو عَلى أنَّ المَوْتَ كُلَّهُ مُصِيبَةٌ كَما شاءَ اللهُ تَعالى، وإنَّما الشَهادَةُ في (p-٦٠١)الحَقِيقَةِ نِعْمَةٌ لِحُسْنِ مَآلِها، و"شَهِيدًا" مَعْناهُ: مُشاهِدًا، فالمَعْنى: أنَّ المُنافِقَ يَسُرُّهُ غَيْبُهُ إذا كانَتْ شِدَّةٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَخَلُّفَهُ إنَّما هو فَزَعٌ مِنَ القِتالِ، ونُكُولٌ عَنِ الجِهادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللهِ﴾ الآيَةُ، المَعْنى: ولَئِنْ ظَفِرْتُمْ وغَنِمْتُمْ وكُلُّ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ، نَدِمَ المُنافِقُ أنْ لَمْ يَحْضُرْ ويُصِبِ الغَنِيمَةَ، وقالَ: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ مُتَمَنِّيًا شَيْئًا قَدْ كانَ عاهَدَ أنْ يَفْعَلَهُ ثُمَّ غَدَرَ في عَهْدِهِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ إنَّما يَتَمَنّى مِثْلَ هَذا إذا كانَ المانِعُ لَهُ مِنَ الحُضُورِ عُذْرًا واضِحًا، وأمْرًا لا قُدْرَةَ لَهُ مَعَهُ، فَهو يَتَأسَّفُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى فَواتِ الخَيْرِ، والمُنافِقُ يُعاطِي المُؤْمِنِينَ المَوَدَّةَ، ويُعاهِدُ عَلى التِزامِ كُلَفِ الإسْلامِ، ثُمَّ يَتَخَلَّفُ نِفاقًا وشَكًّا وكُفْرًا بِاللهِ ورَسُولِهِ، ثُمَّ يَتَمَنّى عِنْدَ ما يَكْشِفُ الغَيْبُ الظَفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ التِفاتَةً بَلِيغَةً، واعْتِراضًا بَيْنَ القائِلِ والمَقُولِ بِلَفْظٍ يُظْهِرُ زِيادَةً في قُبْحِ فِعْلِهِمْ. وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُما كانا يَتَأوَّلانِ قَوْلَ المُنافِقِ: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ عَلى مَعْنى الحَسَدِ مِنهُ لِلْمُؤْمِنِينَ في نَيْلِ رَغِيبَةٍ. وقَرَأ الحَسَنُ: "لَيَقُولُنَّ" بِضَمِّ اللامِ عَلى مَعْنى "مَن"، وضَمُّ اللامِ لِتَدُلَّ عَلى الواوِ المَحْذُوفَةِ. ويَدُلُّ مَجْمُوعُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ عَلى أنَّ خارِجَ المُنافِقِينَ فَإنَّما كانَ يَقْصِدُ الغَنِيمَةَ، ومُتَخَلِّفَهم إنَّما كانَ يَقْصِدُ الشَكَّ وتَرَبُّصَ الدَوائِرِ بِالمُؤْمِنِينَ. و"كَأنْ" مُضَمَّنَةٌ مَعْنى التَشْبِيهِ، ولَكِنَّها لَيْسَتْ كالثَقِيلَةِ في الحاجَةِ إلى الِاسْمِ والخَبَرِ، وإنَّما تَجِيءُ بَعْدَها الجُمَلُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "تَكُنْ" بِتاءٍ، وقَرَأ غَيْرُهُما: "يَكُنْ" بِياءٍ، وذَلِكَ حَسَنٌ لِلْفَصْلِ الواقِعِ بَيْنَ الفِعْلِ والفاعِلِ. (p-٦٠٢)وَقَوْلُهُ: "فَأفُوزَ" نُصِبَ بِالفاءِ في جَوابِ التَمَنِّي، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَزِيدٌ النَحْوِيُّ: "فَأفُوزُ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، التَقْدِيرُ: فَأنا أفُوزُ، قالَ رُوحٌ: لَمْ يَجْعَلْ لِلَيْتَ جَوابًا، وقالَ الزَجّاجُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ مُؤَخَّرٌ، وإنَّما مَوْضِعُهُ: ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ يُفْسِدُ فَصاحَةَ الكَلامِ..

النساء 4:74

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُنْيا بِالآخِرَةِ ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِجالِ والنِساءِ والوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِنَ هَذِهِ القَرْيَةِ الظالِمِ أهْلُها واجْعَلْ لَنا مِنَ لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَلْ لَنا مِنَ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ وصَفَهم بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللهِ. و"يَشْرُونَ" مَعْناهُ: يَبِيعُونَ في هَذا المَوْضِعِ، وإنْ جاءَ في مَواضِعَ: يَشْتَرُونَ، فالمَعْنى هاهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى: يَبِيعُونَ. ثُمَّ وصَفَ اللهُ ثَوابَ المُقاتِلِ في سَبِيلِ اللهِ، فَذَكَرَ غايَتَيْ حالَتَيْهِ، واكْتَفى بِالغايَتَيْنِ عَمّا بَيْنَهُما، وذَلِكَ أنَّ غايَةَ المَغْلُوبِ في القِتالِ أنْ يُقْتَلَ، وغايَةَ الَّذِي يَقْتُلُ ويَغْنَمُ أنْ يَتَّصِفَ بِأنَّهُ غالِبٌ عَلى الإطْلاقِ. والأجْرُ العَظِيمُ: الجَنَّةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "فَلْيُقاتِلْ" بِسُكُونِ لامِ الأمْرِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "فَلِيُقاتِلْ" بِكَسْرِها، وقَرَأ مُحارِبُ بْنُ دِثارٍ "فَيَقْتُلْ أو يَغْلِبْ" عَلى بِناءِ الفِعْلَيْنِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُؤْتِيهِ" بِالنُونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فَسَوْفَ يُؤْتِيهِ" بِالياءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَما لَكُمْ" اللامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما يَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَفْهَمِ عنهُ مِن مَعْنى الفِعْلِ، تَقْدِيرُهُ: وأيُّ شَيْءٍ مَوْجُودٍ أو كائِنٍ أو نَحْوِ ذَلِكَ لَكُمْ؟ و"لا تُقاتِلُونَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ تَقْدِيرُهُ: تارِكِينَ، أو مُضَيِّعِينَ. وقَوْلُهُ: "والمُسْتَضْعَفِينَ" عُطِفَ عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى، أيْ: وفي سَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ، وقِيلَ: عُطِفَ عَلى السَبِيلِ، أيْ: وفي (p-٦٠٣)المُسْتَضْعَفِينَ لِاسْتِنْقاذِهِمْ، ويَعْنِي بِالمُسْتَضْعَفِينَ مَن بِمَكَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَحْتَ إذْلالِ كَفَرَةِ قُرَيْشٍ وأذاهم لا يَسْتَطِيعُونَ خُرُوجًا، ولا يَطِيبُ لَهم -عَلى الأذى- إقامَةٌ، وفي هَؤُلاءِ «كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "اللهُمَّ أنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، وعَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، اللهُمَّ أنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ".» "والوِلْدانِ" بابُهُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ ولِيدٍ، وقَدْ يَكُونُ جَمْعَ ولَدٍ كَوَرَلٍ ووِرْلانٍ، فَهي عَلى الوَجْهَيْنِ عِبارَةٌ عَنِ الصِبْيانِ، والقَرْيَةُ هاهُنا- مَكَّةُ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والآيَةُ تَتَناوَلُ المُؤْمِنِينَ والأسْرى وحَواضِرَ الشِرْكِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ووَحَّدَ الظالِمَ لِأنَّهُ مَوْضِعُ اتِّخاذِ الفِعْلِ، ألا تَرى أنَّ الفِعْلَ إنَّما تَقْدِيرُهُ: الَّذِي ظَلَمَ أهْلَها، ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ حِيلَةٌ إلّا الدُعاءَ دَعَوْا في الِاسْتِنْقاذِ، وفِيما يُوالِيهِمْ مِن مَعُونَةِ اللهِ تَعالى، وما يَنْصُرُهم عَلى أُولَئِكَ الظَلَمَةِ مِن فَتْحِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

النساء 4:75

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُنْيا بِالآخِرَةِ ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِجالِ والنِساءِ والوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِنَ هَذِهِ القَرْيَةِ الظالِمِ أهْلُها واجْعَلْ لَنا مِنَ لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَلْ لَنا مِنَ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ وصَفَهم بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللهِ. و"يَشْرُونَ" مَعْناهُ: يَبِيعُونَ في هَذا المَوْضِعِ، وإنْ جاءَ في مَواضِعَ: يَشْتَرُونَ، فالمَعْنى هاهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى: يَبِيعُونَ. ثُمَّ وصَفَ اللهُ ثَوابَ المُقاتِلِ في سَبِيلِ اللهِ، فَذَكَرَ غايَتَيْ حالَتَيْهِ، واكْتَفى بِالغايَتَيْنِ عَمّا بَيْنَهُما، وذَلِكَ أنَّ غايَةَ المَغْلُوبِ في القِتالِ أنْ يُقْتَلَ، وغايَةَ الَّذِي يَقْتُلُ ويَغْنَمُ أنْ يَتَّصِفَ بِأنَّهُ غالِبٌ عَلى الإطْلاقِ. والأجْرُ العَظِيمُ: الجَنَّةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "فَلْيُقاتِلْ" بِسُكُونِ لامِ الأمْرِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "فَلِيُقاتِلْ" بِكَسْرِها، وقَرَأ مُحارِبُ بْنُ دِثارٍ "فَيَقْتُلْ أو يَغْلِبْ" عَلى بِناءِ الفِعْلَيْنِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُؤْتِيهِ" بِالنُونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فَسَوْفَ يُؤْتِيهِ" بِالياءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَما لَكُمْ" اللامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما يَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَفْهَمِ عنهُ مِن مَعْنى الفِعْلِ، تَقْدِيرُهُ: وأيُّ شَيْءٍ مَوْجُودٍ أو كائِنٍ أو نَحْوِ ذَلِكَ لَكُمْ؟ و"لا تُقاتِلُونَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ تَقْدِيرُهُ: تارِكِينَ، أو مُضَيِّعِينَ. وقَوْلُهُ: "والمُسْتَضْعَفِينَ" عُطِفَ عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى، أيْ: وفي سَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ، وقِيلَ: عُطِفَ عَلى السَبِيلِ، أيْ: وفي (p-٦٠٣)المُسْتَضْعَفِينَ لِاسْتِنْقاذِهِمْ، ويَعْنِي بِالمُسْتَضْعَفِينَ مَن بِمَكَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَحْتَ إذْلالِ كَفَرَةِ قُرَيْشٍ وأذاهم لا يَسْتَطِيعُونَ خُرُوجًا، ولا يَطِيبُ لَهم -عَلى الأذى- إقامَةٌ، وفي هَؤُلاءِ «كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "اللهُمَّ أنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، وعَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، اللهُمَّ أنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ".» "والوِلْدانِ" بابُهُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ ولِيدٍ، وقَدْ يَكُونُ جَمْعَ ولَدٍ كَوَرَلٍ ووِرْلانٍ، فَهي عَلى الوَجْهَيْنِ عِبارَةٌ عَنِ الصِبْيانِ، والقَرْيَةُ هاهُنا- مَكَّةُ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والآيَةُ تَتَناوَلُ المُؤْمِنِينَ والأسْرى وحَواضِرَ الشِرْكِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ووَحَّدَ الظالِمَ لِأنَّهُ مَوْضِعُ اتِّخاذِ الفِعْلِ، ألا تَرى أنَّ الفِعْلَ إنَّما تَقْدِيرُهُ: الَّذِي ظَلَمَ أهْلَها، ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ حِيلَةٌ إلّا الدُعاءَ دَعَوْا في الِاسْتِنْقاذِ، وفِيما يُوالِيهِمْ مِن مَعُونَةِ اللهِ تَعالى، وما يَنْصُرُهم عَلى أُولَئِكَ الظَلَمَةِ مِن فَتْحِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

النساء 4:76

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطاغُوتِ فَقاتِلُوا أولِياءَ الشَيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ الناسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أو أشَدَّ خَشْيَةً وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالُ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي تَقْوِيَةَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ وتَحْرِيضَهُمْ، و"الطاغُوتِ" كُلُّ ما عُبِدَ واتُّبِعَ مِن دُونِ اللهِ، وتَدُلُّ قَرِينَةُ ذِكْرِ الشَيْطانِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالطاغُوتِ هُنا الشَيْطانُ، وإعْلامُهُ تَعالى بِضَعْفِ كَيْدِ الشَيْطانِ تَقْوِيَةٌ لِقُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، وتَجْرِئَةٌ لَهم عَلى مُقارَعَةِ الكَيْدِ الضَعِيفِ فَإنَّ العَزْمَ والحَزْمَ الَّذِي يَكُونُ عَلى حَقائِقِ الإيمانِ يَكْسِرُهُ ويَهُدُّهُ، ودَخَلَتْ "كانَ" دالَّةً عَلى لُزُومِ الصِفَةِ. (p-٦٠٤)وَقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِيمَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: كانَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، والمِقْدادُ بْنُ عَمْرٍو الكِنْدِيُّ، وجَماعَةٌ سِواهم قَدْ أنِفُوا مِنَ الذُلِّ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، وسَألُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أنْ يُبِيحَ لَهم مُقاتَلَةَ المُشْرِكِينَ، فَأمَرَهُمُ اللهُ تَعالى بِكَفِّ الأيْدِي، وألّا يَفْعَلُوا، فَلَمّا كانَ بِالمَدِينَةِ وفُرِضَ القِتالُ، شَقَّ ذَلِكَ عَلى بَعْضِهِمْ، وصَعُبَ مَوْقِعُهُ، ولَحِقَهم ما يَلْحَقُ البَشَرَ مِنَ الخَوَرِ والكَعِّ عن مُقارَعَةِ العَدُوِّ فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ. وقالَ قَوْمٌ: كانَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ قَدِ اسْتَحْسَنُوا الدُخُولَ في دِينِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَلى فَرائِضِهِ الَّتِي كانَتْ قَبْلَ القِتالِ مِنَ الصَلاةِ والزَكاةِ ونَحْوِها، والمُوادَعَةِ وكَفِّ الأيْدِي، فَلَمّا نَزَلَ القِتالُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وجَزِعُوا لَهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: إنَّما الآيَةُ حِكايَةٌ عَنِ اليَهُودِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ مَعَ نَبِيِّهِمْ في وقْتِهِ، فَمَعْنى الحِكايَةِ عنهم تَقْبِيحُ فِعْلِهِمْ، ونَهْيُ المُؤْمِنِينَ عن فِعْلِ مِثْلِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِالآيَةِ المُنافِقُونَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ وأمْثالُهُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا قَدْ سَكَنُوا عَلى الكُرْهِ إلى فَرائِضِ الإسْلامِ مَعَ الدَعَةِ وعَدَمِ القِتالِ، فَلَمّا نَزَلَ القِتالُ شَقَّ عَلَيْهِمْ وصَعُبَ عَلَيْهِمْ صُعُوبَةً شَدِيدَةً، إذْ كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالثَوابِ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحَسِّنُ هَذا القَوْلَ أنَّ ذِكْرَ المُنافِقِينَ يَطَّرِدُ فِيما بَعْدَها مِنَ الآياتِ. ومَعْنى "كُفُّوا أيْدِيَكُمْ": أمْسِكُوا عَنِ القِتالِ. والفَرِيقُ: الطائِفَةُ مِنَ الناسِ، كَأنَّهُ فارَقَ غَيْرَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿يَخْشَوْنَ الناسَ كَخَشْيَةِ اللهِ﴾ يَعْنِي أنَّهم كانُوا يَخافُونَ اللهَ في جِهَةِ المَوْتِ، لِأنَّهم لا يَخْشَوْنَ المَوْتَ إلّا مِنهُ، فَلَمّا كَتَبَ عَلَيْهِمْ قِتالَ الناسِ رَأوا أنَّهم يَمُوتُونَ بِأيْدِيهِمْ، فَخَشَوْهم في جِهَةِ المَوْتِ كَما كانُوا يَخْشَوْنَ اللهَ. وقالَ الحَسَنُ: قَوْلُهُ: "كَخَشْيَةِ اللهِ" يَدُلُّ عَلى أنَّها في المُؤْمِنِينَ، وهي خَشْيَةُ خَوْفٍ لا خَشْيَةُ مَخافَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يَخْشَوْنَ الناسَ عَلى حَدِّ خَشْيَةِ المُؤْمِنِينَ اللهَ عَزَّ وجَلَّ. (p-٦٠٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَرْجِيحٌ لا قَطْعٌ. وقَوْلُهُ: ﴿أو أشَدَّ خَشْيَةً﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: "أو" بِمَعْنى الواوِ، وفِرْقَةٌ: هي بِمَعْنى بَلْ، وفِرْقَةٌ: هي لِلتَّخْيِيرِ، وفِرْقَةٌ: عَلى بابِها في الشَكِّ في حَقِّ المُخاطَبِ، وفِرْقَةٌ: هي عَلى جِهَةِ الإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ شَرَحْتُ هَذِهِ الأقْوالَ كُلَّها في [سُورَةِ البَقَرَةِ] في قَوْلِهِ: ﴿أو أشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، لِأنَّ المَوْضِعَيْنِ سَواءٌ. وقَوْلُهُمْ: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ﴾ ؟ رَدٌّ في صَدْرِ أوامِرِ اللهِ تَعالى، وقِلَّةُ اسْتِسْلامٍ، والأجَلُ القَرِيبُ يَعْنُونَ بِهِ مَوْتَهم عَلى فُرُشِهِمْ، هَكَذا قالَ المُفَسِّرُونَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَحْسُنُ إذا كانَتِ الآيَةُ في اليَهُودِ أوِ المُنافِقِينَ، وأمّا إذا كانَتْ في طائِفَةٍ مِنَ الصَحابَةِ فَإنَّما طَلَبُوا التَأخُّرَ إلى وقْتِ ظُهُورِ الإسْلامِ وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ.

النساء 4:77

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطاغُوتِ فَقاتِلُوا أولِياءَ الشَيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ الناسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أو أشَدَّ خَشْيَةً وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالُ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي تَقْوِيَةَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ وتَحْرِيضَهُمْ، و"الطاغُوتِ" كُلُّ ما عُبِدَ واتُّبِعَ مِن دُونِ اللهِ، وتَدُلُّ قَرِينَةُ ذِكْرِ الشَيْطانِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالطاغُوتِ هُنا الشَيْطانُ، وإعْلامُهُ تَعالى بِضَعْفِ كَيْدِ الشَيْطانِ تَقْوِيَةٌ لِقُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، وتَجْرِئَةٌ لَهم عَلى مُقارَعَةِ الكَيْدِ الضَعِيفِ فَإنَّ العَزْمَ والحَزْمَ الَّذِي يَكُونُ عَلى حَقائِقِ الإيمانِ يَكْسِرُهُ ويَهُدُّهُ، ودَخَلَتْ "كانَ" دالَّةً عَلى لُزُومِ الصِفَةِ. (p-٦٠٤)وَقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِيمَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: كانَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، والمِقْدادُ بْنُ عَمْرٍو الكِنْدِيُّ، وجَماعَةٌ سِواهم قَدْ أنِفُوا مِنَ الذُلِّ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، وسَألُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أنْ يُبِيحَ لَهم مُقاتَلَةَ المُشْرِكِينَ، فَأمَرَهُمُ اللهُ تَعالى بِكَفِّ الأيْدِي، وألّا يَفْعَلُوا، فَلَمّا كانَ بِالمَدِينَةِ وفُرِضَ القِتالُ، شَقَّ ذَلِكَ عَلى بَعْضِهِمْ، وصَعُبَ مَوْقِعُهُ، ولَحِقَهم ما يَلْحَقُ البَشَرَ مِنَ الخَوَرِ والكَعِّ عن مُقارَعَةِ العَدُوِّ فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ. وقالَ قَوْمٌ: كانَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ قَدِ اسْتَحْسَنُوا الدُخُولَ في دِينِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَلى فَرائِضِهِ الَّتِي كانَتْ قَبْلَ القِتالِ مِنَ الصَلاةِ والزَكاةِ ونَحْوِها، والمُوادَعَةِ وكَفِّ الأيْدِي، فَلَمّا نَزَلَ القِتالُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وجَزِعُوا لَهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: إنَّما الآيَةُ حِكايَةٌ عَنِ اليَهُودِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ مَعَ نَبِيِّهِمْ في وقْتِهِ، فَمَعْنى الحِكايَةِ عنهم تَقْبِيحُ فِعْلِهِمْ، ونَهْيُ المُؤْمِنِينَ عن فِعْلِ مِثْلِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِالآيَةِ المُنافِقُونَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ وأمْثالُهُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا قَدْ سَكَنُوا عَلى الكُرْهِ إلى فَرائِضِ الإسْلامِ مَعَ الدَعَةِ وعَدَمِ القِتالِ، فَلَمّا نَزَلَ القِتالُ شَقَّ عَلَيْهِمْ وصَعُبَ عَلَيْهِمْ صُعُوبَةً شَدِيدَةً، إذْ كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالثَوابِ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحَسِّنُ هَذا القَوْلَ أنَّ ذِكْرَ المُنافِقِينَ يَطَّرِدُ فِيما بَعْدَها مِنَ الآياتِ. ومَعْنى "كُفُّوا أيْدِيَكُمْ": أمْسِكُوا عَنِ القِتالِ. والفَرِيقُ: الطائِفَةُ مِنَ الناسِ، كَأنَّهُ فارَقَ غَيْرَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿يَخْشَوْنَ الناسَ كَخَشْيَةِ اللهِ﴾ يَعْنِي أنَّهم كانُوا يَخافُونَ اللهَ في جِهَةِ المَوْتِ، لِأنَّهم لا يَخْشَوْنَ المَوْتَ إلّا مِنهُ، فَلَمّا كَتَبَ عَلَيْهِمْ قِتالَ الناسِ رَأوا أنَّهم يَمُوتُونَ بِأيْدِيهِمْ، فَخَشَوْهم في جِهَةِ المَوْتِ كَما كانُوا يَخْشَوْنَ اللهَ. وقالَ الحَسَنُ: قَوْلُهُ: "كَخَشْيَةِ اللهِ" يَدُلُّ عَلى أنَّها في المُؤْمِنِينَ، وهي خَشْيَةُ خَوْفٍ لا خَشْيَةُ مَخافَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يَخْشَوْنَ الناسَ عَلى حَدِّ خَشْيَةِ المُؤْمِنِينَ اللهَ عَزَّ وجَلَّ. (p-٦٠٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَرْجِيحٌ لا قَطْعٌ. وقَوْلُهُ: ﴿أو أشَدَّ خَشْيَةً﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: "أو" بِمَعْنى الواوِ، وفِرْقَةٌ: هي بِمَعْنى بَلْ، وفِرْقَةٌ: هي لِلتَّخْيِيرِ، وفِرْقَةٌ: عَلى بابِها في الشَكِّ في حَقِّ المُخاطَبِ، وفِرْقَةٌ: هي عَلى جِهَةِ الإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ شَرَحْتُ هَذِهِ الأقْوالَ كُلَّها في [سُورَةِ البَقَرَةِ] في قَوْلِهِ: ﴿أو أشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، لِأنَّ المَوْضِعَيْنِ سَواءٌ. وقَوْلُهُمْ: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ﴾ ؟ رَدٌّ في صَدْرِ أوامِرِ اللهِ تَعالى، وقِلَّةُ اسْتِسْلامٍ، والأجَلُ القَرِيبُ يَعْنُونَ بِهِ مَوْتَهم عَلى فُرُشِهِمْ، هَكَذا قالَ المُفَسِّرُونَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَحْسُنُ إذا كانَتِ الآيَةُ في اليَهُودِ أوِ المُنافِقِينَ، وأمّا إذا كانَتْ في طائِفَةٍ مِنَ الصَحابَةِ فَإنَّما طَلَبُوا التَأخُّرَ إلى وقْتِ ظُهُورِ الإسْلامِ وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ.

النساء 4:78

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ [النساء: ٧٧] ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللهِ فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ: مَتاعُ الدُنْيا، أيِ الاسْتِمْتاعُ بِالحَياةِ فِيها الَّذِي حَرَصْتُمْ عَلَيْهِ وأشْفَقْتُمْ مِن فَقْدِهِ، قَلِيلٌ، لِأنَّهُ فانٍ زائِلٌ، والآخِرَةُ الَّتِي هي نَعِيمٌ مُؤَبَّدٌ خَيْرٌ لِمَن أطاعَ اللهَ واتَّقاهُ في الِامْتِثالِ لِأوامِرِهِ عَلى المَحابِّ والمَكارِهِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "تُظْلَمُونَ" بِالتاءِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُظْلَمُونَ" بِالياءِ عَلى تَرْكِ المُخاطَبَةِ وذِكْرِ الغائِبِ. (p-٦٠٦)والفَتِيلُ: الخَيْطُ في شِقِّ نَواةِ التَمْرَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ. و﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ﴾ جَزاءٌ وجَوابُهُ، وهَكَذا قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: "يُدْرِكُكُمُ" بِضَمِّ الكافَيْنِ ورَفْعِ الفِعْلِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ دُخُولِ الفاءِ كَأنَّهُ قالَ: فَيُدْرِكُكُمُ المَوْتُ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ. وهَذا إخْبارٌ مِنَ اللهِ يَتَضَمَّنُ تَحْقِيرَ الدُنْيا، وأنَّهُ لا مَنجى مِنَ الفَناءِ والتَنَقُّلِ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: "فِي بُرُوجٍ"، فالأكْثَرُ والأصَحُّ أنَّهُ أرادَ البُرُوجَ والحُصُونَ الَّتِي في الأرْضِ المَبْنِيَّةِ، لِأنَّها غايَةُ البَشَرِ في التَحَصُّنِ والمَنَعَةِ، فَمَثَّلَ اللهُ لَهم بِها، قالَ قَتادَةُ: المَعْنى: في قُصُورٍ مُحَصَّنَةٍ، وقالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، والجُمْهُورُ. وقالَ السُدِّيُّ: هي بُرُوجٌ في السَماءِ الدُنْيا مَبْنِيَّةٌ، وحَكى مَكِّيٌّ هَذا القَوْلَ عن مالِكٍ، وأنَّهُ قالَ: ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿والسَماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: ١]. وحَكى النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ مَعْناهُ: في قُصُورٍ مِن حَدِيدٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لا يُعْطِيهِ اللَفْظُ، وإنَّما البُرُوجُ في القُرْآنِ إذا ورَدَتْ مُقْتَرِنَةً بِذِكْرِ السَماءِ بُرُوجُ المَنازِلِ لِلْقَمَرِ وغَيْرِهِ، عَلى ما سَمَّتْها العَرَبُ وعَرَفَتْها. وبَرَجَ مَعْناهُ: ظَهَرَ، ومِنهُ البُرُوجُ، أيِ: المُطَوَّلَةُ الظاهِرَةُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ. و"مُشَيَّدَةٍ" قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ مَرْفُوعَةٌ مُطَوَّلَةٌ، لِأنَّ "شادَ الرَجُلُ البِناءَ" إذا صَنَعَهُ بِالشِيدِ، وهو الجِصُّ، و"أشادَ" و"شَيَّدَ" إذا رَفَعَهُ وعَلّاهُ، ومِنهُ "أشادَ الرَجُلُ ذِكْرَ الرَجُلِ" إذا رَفَعَهُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: "مُشَيَّدَةٍ" مَعْناهُ: مُحَسَّنَةٌ بِالشِيدِ، وذَلِكَ عِنْدَهم أنَّ "شادَ الرَجُلُ" مَعْناهُ: جَصَّصَ بِالشِيدِ، وشَيَّدَ مَعْناهُ: كَرَّرَ ذَلِكَ الفِعْلَ، فَهي لِلْمُبالَغَةِ، كَما تَقُولُ: "كَسَرْتُ العُودَ مَرَّةً"، و"كَسَّرْتُهُ في مَواضِعَ مِنهُ كَثِيرَةٍ مِرارًا"، و"خَرَقْتُ الثَوْبَ وخَرَّقْتُهُ" إذا كانَ الخَرْقُ مِنهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، فَعَلى هَذا يَصِحُّ أنْ تَقُولَ: "شادَ الرَجُلُ الجِدارَ مَرَّةً"، و"شَيَّدَ الرَجُلُ الجِدارَ" إذا أرَدْتَ المُبالَغَةَ، لِأنَّ (p-٦٠٧)التَشْيِيدَ مِنهُ وقَعَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ شادَهُ مَرْمَرًا وجَلَّلَهُ كَلْـ سًا فَلِلطَّيْرِ في ذُراهُ وُكُورُ والهاءُ والمِيمُ في قَوْلِهِ: "وَإنْ تُصِبْهُمْ" رَدٌّ عَلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ: "كُفُّوا أيْدِيَكُمْ"، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ لا تَلِيقُ بِهِمْ هَذِهِ المَقالَةُ، ولِأنَّ اليَهُودَ لَمْ يَكُونُوا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ تَحْتَ أمْرٍ، فَتُصِيبُهم بِسَبَبِهِ أسْواءٌ، ومَعْنى الآيَةِ: وإنْ تُصِبْ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ حَسَنَةٌ مِن هَزْمِ عَدُوٍّ، أو غَنِيمَةٍ أو غَيْرِ ذَلِكَ رَأوا أنَّ ذَلِكَ بِالِاتِّفاقِ مِن صُنْعِ اللهِ، لا أنَّهُ بِبَرَكَةِ اتِّباعِكَ والإيمانِ بِكَ، وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ، أيْ: هَزِيمَةٌ، أو شِدَّةُ جُوعٍ، وغَيْرُ ذَلِكَ، قالُوا: هَذِهِ بِسَبَبِكَ لِسُوءِ تَدْبِيرِكَ، كَذا قالَ ابْنُ زَيْدٍ، وقِيلَ: لِشُؤْمِكَ عَلَيْنا، قالَهُ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللهِ﴾ إعْلامٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّ الخَيْرَ والشَرَّ، والحَسَنَةَ والسَيِّئَةَ خَلْقٌ لَهُ ومِن عِنْدِهِ، لا رَبَّ غَيْرُهُ، ولا خالِقَ ولا مُخْتَرِعَ سِواهُ، فالمَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ مِن عِنْدِي، ولا مِن عِنْدِ غَيْرِي، بَلْ هو كُلُّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، قالَ قَتادَةُ: النِعَمُ والمَصائِبُ مِن عِنْدِ اللهِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: النَصْرُ والهَزِيمَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السَيِّئَةُ والحَسَنَةُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ شَيْءٌ واحِدٌ. ثُمَّ وبَّخَهم بِالِاسْتِفْهامِ عن عِلَّةِ جَهْلِهِمْ، وقِلَّةِ فَهْمِهِمْ وتَحْصِيلِهِمْ لِما يُخْبِرُونَ بِهِ مِنَ الحَقائِقِ، والفِقْهُ في اللُغَةِ: الفَهْمُ، وأوقَفَتْهُ الشَرِيعَةُ عَلى الفَهْمِ في الدِينِ وأُمُورِهِ، وغَلَبَ عَلَيْهِ بَعْدُ الِاسْتِعْمالُ في عِلْمِ المَسائِلِ الأحْكامِيَّةِ. والبَلاغَةُ في الِاسْتِفْهامِ عن قِلَّةِ (p-٦٠٨)فِقْهِهِمْ بَيِّنَةٌ، لِأنَّكَ إذا اسْتَفْهَمْتَ عن عِلَّةِ أمْرٍ ما فَقَدْ تَضَمَّنَ كَلامُكَ إيجابَ ذَلِكَ الأمْرِ تَضَمُّنًا لَطِيفًا بَلِيغًا. ووَقَفَ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ عَلى قَوْلِهِ: "فَما"، ووَقَفَ الباقُونَ عَلى اللامِ في قَوْلِهِ: "فَمالِ" اتِّباعًا لِلْخَطِّ، ومَنَعَهُ قَوْمٌ جُمْلَةً، لِأنَّهُ حَرْفُ جَرٍّ فَهي بَعْضُ المَجْرُورِ، وهَذا كُلُّهُ بِحَسَبِ ضَرُورَةٍ وانْقِطاعِ نَفَسٍ، وأمّا أنْ يَخْتارَ أحَدٌ الوَقْفَ فِيما ذَكَرْناهُ ابْتِداءً فَلا.

النساء 4:79

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِنَ نَفْسِكَ وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ ﴿مَن يُطِعِ الرَسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللهَ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ واللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأعْرِضْ عنهم وتَوَكَّلْ عَلى اللهِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" شَرْطِيَّةٌ، ودَخَلَتْ "مِن" بَعْدَها لِأنَّ الشَرْطَ لَيْسَ بِواجِبٍ فَأشْبَهَ النَفْيَ الَّذِي تَدْخُلُهُ "مِن". وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" و"مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ، لِأنَّ المُصِيبَ لِلْإنْسانِ أشْياءُ كَثِيرَةٌ، حَسَنَةٌ وسَيِّئَةٌ، ورَخاءٌ وشِدَّةٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ. وغَيْرُهُ داخِلٌ في المَعْنى، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمَرْءِ عَلى الجُمْلَةِ. ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والحَسَنِ، والرَبِيعِ، وابْنِ زَيْدٍ، وأبِي صالِحٍ، وغَيْرِهِمُ: القَطْعُ واسْتِئْنافُ الإخْبارِ مِنَ اللهِ تَعالى بِأنَّ الحَسَنَةَ مِنهُ وبِفَضْلِهِ، والسَيِّئَةَ مِنَ الإنْسانِ بِإذْنابِهِ، وهي مِنَ اللهِ بِالخَلْقِ والِاخْتِراعِ. وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَمِن نَفْسِكَ وأنا قَضَيْتُها عَلَيْكَ"، وقَرَأ بِها ابْنُ عَبّاسٍ، وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّها في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَأنا كَتَبْتُها"، ورُوِيَ أنَّ أُبَيًّا وابْنَ مَسْعُودٍ قَرَآ: "وَأنا قَدَّرْتُها عَلَيْكَ". ويُعَضِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أحادِيثُ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مَعْناها: أنَّ ما يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ مِن مَصائِبَ فَإنَّما هي عُقُوبَةُ ذُنُوبِهِ، ومِن ذَلِكَ « "أنَّ أبا بَكْرٍ الصِدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عنهُ (p-٦٠٩)لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] جَزِعَ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ألَسْتَ تَمْرَضُ؟ ألَسْتَ تَسْقَمُ؟ ألَسْتَ تَغْتَمُّ؟، وقالَ أيْضًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "ما يُصِيبُ الرَجُلَ خَدْشَةُ عُودٍ ولا عَثْرَةُ قَدَمٍ، ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللهُ عنهُ أكْثَرُ"». فَفي هَذا بَيانُ أنَّ تِلْكَ كُلَّها مُجازاةٌ عَلى ما يَقَعُ مِنَ الإنْسانِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْنى الآيَةِ كَمَعْنى الَّتِي قَبْلَها في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨] عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ "يَقُولُونَ". فَتَقْدِيرُهُ: "فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا، يَقُولُونَ: ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ"، ويَجِيءُ القَطْعُ عَلى هَذا القَوْلِ مِن قَوْلِهِ: "وَأرْسَلْناكَ". وقالَتْ طائِفَةٌ: بَلِ القَطْعُ في الآيَةِ مِن أوَّلِها، والآيَةُ مُضَمَّنَةٌ الإخْبارَ أنَّ الحَسَنَةَ مِنَ اللهِ وبِفَضْلِهِ، وتَقْدِيرُ ما بَعْدَهُ: وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ عَلى جِهَةِ الإنْكارِ والتَقْرِيرِ، فَعَلى هَذِهِ المَقالَةِ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ مَحْذُوفَةٌ مِنَ الكَلامِ، وحَكى هَذا القَوْلَ المَهْدَوِيُّ. و"رَسُولًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، وهي حالٌ تَتَضَمَّنُ مَعْنى التَأْكِيدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا﴾، ثُمَّ تَلاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ تَوَعُّدٌ لِلْكَفَرَةِ، وتَهْدِيدٌ تَقْتَضِيهِ قُوَّةُ الكَلامِ، لِأنَّ المَعْنى: شَهِيدًا عَلى مَن كَذَّبَهُ، والمَعْنى أنَّ الرَسُولَ إنَّما يَأْمُرُ ويَنْهى بَيانًا مِنَ اللهِ وتَبْلِيغًا، فَإنَّما هي أوامِرُ اللهِ ونَواهِيهِ. قالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "مَن أحَبَّنِي فَقَدْ أحَبَّ اللهَ" (p-٦١٠)فاعْتَرَضَتِ اليَهُودُ عَلَيْهِ في هَذِهِ المَقالَةِ، وقالُوا: هَذا مُحَمَّدٌ يَأْمُرُ بِعِبادَةِ اللهِ وحْدَهُ، وهو في هَذا القَوْلِ مُدَّعٍ لِلرُّبُوبِيَّةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» تَصْدِيقًا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وتَبْيِينًا لِصُورَةِ التَعَلُّقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ فَضْلِ اللهِ تَعالى. و"تَوَلّى" مَعْناهُ: أعْرَضَ، وأصْلُ تَوَلّى في المَعْنى أنْ يَتَعَدّى بِحَرْفٍ فَنَقُولَ: تَوَلّى فُلانٌ عَنِ الإيمانِ، وتَوَلّى إلى الإيمانِ، لِأنَّ اللَفْظَةَ تَتَضَمَّنُ إقْبالًا وإدْبارًا، لَكِنَّ الِاسْتِعْمالَ غَلَبَ عَلَيْها في كَلامِ العَرَبِ عَلى الإعْراضِ والإدْبارِ، حَتّى اسْتُغْنِيَ فِيها عن ذِكْرِ الحَرْفِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ. "حَفِيظًا" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أيْ: لِيَحْفَظَهم حَتّى لا يَقَعُوا في الكُفْرِ والمَعاصِي ونَحْوِهِ، أو: لِيَحْفَظَ مَساوِئَهم وذُنُوبَهم ويَحْسُبَها عَلَيْهِمْ. وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي الإعْراضَ عَمَّنْ تَوَلّى والتَرْكَ لَهُ، وهي قَبْلَ نُزُولِ القِتالِ، وإنَّما كانَتْ تَوْطِئَةً ورِفْقًا مِنَ اللهِ تَعالى حَتّى يَسْتَحْكِمَ أمْرُ الإسْلامِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ الآيَةُ، نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ بِاتِّفاقٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، المَعْنى: يَقُولُونَ لَكَ يا مُحَمَّدُ: أمْرُنا طاعَةٌ، فَإذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ اجْتَمَعُوا لَيْلًا وقالُوا غَيْرَ ما أظْهَرُوا لَكَ، و"بَيَّتَ" مَعْناهُ: فَعَلَ لَيْلًا، فَإمّا أُخِذَ مِن "باتَ"، وإمّا مِنَ "البَيْتِ" لِأنَّهُ مُلْتَزَمٌ بِاللَيْلِ، وفِيهِ الأسْرارُ الَّتِي يُخافُ شِياعُها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ أتَوْنِي فَلَمْ أرْضَ ما بَيَّتُوا وكانُوا أتَوْنِي بِأمْرٍ نُكُرْ ومِنهُ قَوْلُ النَمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: ؎ هَبَّتْ لِتَعْذِلَنِي بِلَيْلٍ اسْمَعِي سَفَهًا ∗∗∗ تُبَيِّتُكِ المَلامَةُ فاهْجَعِي (p-٦١١)المَعْنى: وتَقُولُ لِيَ: اسْمَعْ، وزِيدَتِ الياءُ إشْباعًا لِتَصْرِيعِ القافِيَةِ، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ ألا أيُّها اللَيْلُ الطَوِيلُ ألا انْجَلِي... ∗∗∗............................... وقَوْلِهِ: بِأمْثَلِ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "بَيَّتَ" بِتَحْرِيكِ التاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ بِإدْغامِها في الطاءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "بَيَّتَ مُبَيِّتٌ مِنهم يا مُحَمَّدُ". و"تَقُولُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: تَقُولُ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، ويُحْتَمَلُ، تَقُولُ هي لَكَ. و"يَكْتُبُ" مَعْناهُ عَلى وجْهَيْنِ: إمّا يَكْتُبُهُ عِنْدَهُ حَسَبَ كَتْبِ الحَفَظَةِ حَتّى يَقَعَ الجَزاءُ، وإمّا يَكْتُبُهُ في كِتابِهِ إلَيْكَ، أيْ: يُنْزِلُهُ في القُرْآنِ ويُعْلِمُ بِها، قالَ هَذا القَوْلَ الزَجّاجُ. والأمْرُ بِالإعْراضِ إنَّما هو عن مُعاقَبَتِهِمْ ومُجازاتِهِمْ، وأمّا اسْتِمْرارُ دَعْوَتِهِمْ وعِظَتِهِمْ فَلازِمٌ، قالَ الضَحّاكُ: مَعْنى "أعْرِضْ عنهُمْ" لا تُخْبِرْ بِأسْمائِهِمْ، وهَذا أيْضًا قَبْلَ نُزُولِ القِتالِ عَلى ما تَقَدَّمَ، ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى بِالتَوَكُّلِ عَلَيْهِ والتَمَسُّكِ بِعُرْوَتِهِ الوُثْقى ثِقَةً بِإنْجازِ وعْدِهِ في النَصْرِ، والوَكِيلُ: القائِمُ بِالأُمُورِ المُصْلِحُ لِما يُخافُ مِن فَسادِها، ولَيْسَ ما غَلَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِعْمالُ في "الوَكِيلِ" في عَصْرِنا بِأصْلٍ في كَلامِ العَرَبِ، وهي لَفْظَةٌ رَفِيعَةٌ وضَعَها الِاسْتِعْمالُ العامِّيُّ كالعَرِيفِ والنَقِيبِ وغَيْرِهِ.

النساء 4:80

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِنَ نَفْسِكَ وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ ﴿مَن يُطِعِ الرَسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللهَ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ واللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأعْرِضْ عنهم وتَوَكَّلْ عَلى اللهِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" شَرْطِيَّةٌ، ودَخَلَتْ "مِن" بَعْدَها لِأنَّ الشَرْطَ لَيْسَ بِواجِبٍ فَأشْبَهَ النَفْيَ الَّذِي تَدْخُلُهُ "مِن". وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" و"مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ، لِأنَّ المُصِيبَ لِلْإنْسانِ أشْياءُ كَثِيرَةٌ، حَسَنَةٌ وسَيِّئَةٌ، ورَخاءٌ وشِدَّةٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ. وغَيْرُهُ داخِلٌ في المَعْنى، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمَرْءِ عَلى الجُمْلَةِ. ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والحَسَنِ، والرَبِيعِ، وابْنِ زَيْدٍ، وأبِي صالِحٍ، وغَيْرِهِمُ: القَطْعُ واسْتِئْنافُ الإخْبارِ مِنَ اللهِ تَعالى بِأنَّ الحَسَنَةَ مِنهُ وبِفَضْلِهِ، والسَيِّئَةَ مِنَ الإنْسانِ بِإذْنابِهِ، وهي مِنَ اللهِ بِالخَلْقِ والِاخْتِراعِ. وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَمِن نَفْسِكَ وأنا قَضَيْتُها عَلَيْكَ"، وقَرَأ بِها ابْنُ عَبّاسٍ، وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّها في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَأنا كَتَبْتُها"، ورُوِيَ أنَّ أُبَيًّا وابْنَ مَسْعُودٍ قَرَآ: "وَأنا قَدَّرْتُها عَلَيْكَ". ويُعَضِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أحادِيثُ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مَعْناها: أنَّ ما يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ مِن مَصائِبَ فَإنَّما هي عُقُوبَةُ ذُنُوبِهِ، ومِن ذَلِكَ « "أنَّ أبا بَكْرٍ الصِدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عنهُ (p-٦٠٩)لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] جَزِعَ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ألَسْتَ تَمْرَضُ؟ ألَسْتَ تَسْقَمُ؟ ألَسْتَ تَغْتَمُّ؟، وقالَ أيْضًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "ما يُصِيبُ الرَجُلَ خَدْشَةُ عُودٍ ولا عَثْرَةُ قَدَمٍ، ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللهُ عنهُ أكْثَرُ"». فَفي هَذا بَيانُ أنَّ تِلْكَ كُلَّها مُجازاةٌ عَلى ما يَقَعُ مِنَ الإنْسانِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْنى الآيَةِ كَمَعْنى الَّتِي قَبْلَها في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨] عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ "يَقُولُونَ". فَتَقْدِيرُهُ: "فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا، يَقُولُونَ: ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ"، ويَجِيءُ القَطْعُ عَلى هَذا القَوْلِ مِن قَوْلِهِ: "وَأرْسَلْناكَ". وقالَتْ طائِفَةٌ: بَلِ القَطْعُ في الآيَةِ مِن أوَّلِها، والآيَةُ مُضَمَّنَةٌ الإخْبارَ أنَّ الحَسَنَةَ مِنَ اللهِ وبِفَضْلِهِ، وتَقْدِيرُ ما بَعْدَهُ: وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ عَلى جِهَةِ الإنْكارِ والتَقْرِيرِ، فَعَلى هَذِهِ المَقالَةِ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ مَحْذُوفَةٌ مِنَ الكَلامِ، وحَكى هَذا القَوْلَ المَهْدَوِيُّ. و"رَسُولًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، وهي حالٌ تَتَضَمَّنُ مَعْنى التَأْكِيدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا﴾، ثُمَّ تَلاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ تَوَعُّدٌ لِلْكَفَرَةِ، وتَهْدِيدٌ تَقْتَضِيهِ قُوَّةُ الكَلامِ، لِأنَّ المَعْنى: شَهِيدًا عَلى مَن كَذَّبَهُ، والمَعْنى أنَّ الرَسُولَ إنَّما يَأْمُرُ ويَنْهى بَيانًا مِنَ اللهِ وتَبْلِيغًا، فَإنَّما هي أوامِرُ اللهِ ونَواهِيهِ. قالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "مَن أحَبَّنِي فَقَدْ أحَبَّ اللهَ" (p-٦١٠)فاعْتَرَضَتِ اليَهُودُ عَلَيْهِ في هَذِهِ المَقالَةِ، وقالُوا: هَذا مُحَمَّدٌ يَأْمُرُ بِعِبادَةِ اللهِ وحْدَهُ، وهو في هَذا القَوْلِ مُدَّعٍ لِلرُّبُوبِيَّةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» تَصْدِيقًا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وتَبْيِينًا لِصُورَةِ التَعَلُّقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ فَضْلِ اللهِ تَعالى. و"تَوَلّى" مَعْناهُ: أعْرَضَ، وأصْلُ تَوَلّى في المَعْنى أنْ يَتَعَدّى بِحَرْفٍ فَنَقُولَ: تَوَلّى فُلانٌ عَنِ الإيمانِ، وتَوَلّى إلى الإيمانِ، لِأنَّ اللَفْظَةَ تَتَضَمَّنُ إقْبالًا وإدْبارًا، لَكِنَّ الِاسْتِعْمالَ غَلَبَ عَلَيْها في كَلامِ العَرَبِ عَلى الإعْراضِ والإدْبارِ، حَتّى اسْتُغْنِيَ فِيها عن ذِكْرِ الحَرْفِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ. "حَفِيظًا" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أيْ: لِيَحْفَظَهم حَتّى لا يَقَعُوا في الكُفْرِ والمَعاصِي ونَحْوِهِ، أو: لِيَحْفَظَ مَساوِئَهم وذُنُوبَهم ويَحْسُبَها عَلَيْهِمْ. وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي الإعْراضَ عَمَّنْ تَوَلّى والتَرْكَ لَهُ، وهي قَبْلَ نُزُولِ القِتالِ، وإنَّما كانَتْ تَوْطِئَةً ورِفْقًا مِنَ اللهِ تَعالى حَتّى يَسْتَحْكِمَ أمْرُ الإسْلامِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ الآيَةُ، نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ بِاتِّفاقٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، المَعْنى: يَقُولُونَ لَكَ يا مُحَمَّدُ: أمْرُنا طاعَةٌ، فَإذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ اجْتَمَعُوا لَيْلًا وقالُوا غَيْرَ ما أظْهَرُوا لَكَ، و"بَيَّتَ" مَعْناهُ: فَعَلَ لَيْلًا، فَإمّا أُخِذَ مِن "باتَ"، وإمّا مِنَ "البَيْتِ" لِأنَّهُ مُلْتَزَمٌ بِاللَيْلِ، وفِيهِ الأسْرارُ الَّتِي يُخافُ شِياعُها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ أتَوْنِي فَلَمْ أرْضَ ما بَيَّتُوا وكانُوا أتَوْنِي بِأمْرٍ نُكُرْ ومِنهُ قَوْلُ النَمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: ؎ هَبَّتْ لِتَعْذِلَنِي بِلَيْلٍ اسْمَعِي سَفَهًا ∗∗∗ تُبَيِّتُكِ المَلامَةُ فاهْجَعِي (p-٦١١)المَعْنى: وتَقُولُ لِيَ: اسْمَعْ، وزِيدَتِ الياءُ إشْباعًا لِتَصْرِيعِ القافِيَةِ، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ ألا أيُّها اللَيْلُ الطَوِيلُ ألا انْجَلِي... ∗∗∗............................... وقَوْلِهِ: بِأمْثَلِ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "بَيَّتَ" بِتَحْرِيكِ التاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ بِإدْغامِها في الطاءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "بَيَّتَ مُبَيِّتٌ مِنهم يا مُحَمَّدُ". و"تَقُولُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: تَقُولُ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، ويُحْتَمَلُ، تَقُولُ هي لَكَ. و"يَكْتُبُ" مَعْناهُ عَلى وجْهَيْنِ: إمّا يَكْتُبُهُ عِنْدَهُ حَسَبَ كَتْبِ الحَفَظَةِ حَتّى يَقَعَ الجَزاءُ، وإمّا يَكْتُبُهُ في كِتابِهِ إلَيْكَ، أيْ: يُنْزِلُهُ في القُرْآنِ ويُعْلِمُ بِها، قالَ هَذا القَوْلَ الزَجّاجُ. والأمْرُ بِالإعْراضِ إنَّما هو عن مُعاقَبَتِهِمْ ومُجازاتِهِمْ، وأمّا اسْتِمْرارُ دَعْوَتِهِمْ وعِظَتِهِمْ فَلازِمٌ، قالَ الضَحّاكُ: مَعْنى "أعْرِضْ عنهُمْ" لا تُخْبِرْ بِأسْمائِهِمْ، وهَذا أيْضًا قَبْلَ نُزُولِ القِتالِ عَلى ما تَقَدَّمَ، ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى بِالتَوَكُّلِ عَلَيْهِ والتَمَسُّكِ بِعُرْوَتِهِ الوُثْقى ثِقَةً بِإنْجازِ وعْدِهِ في النَصْرِ، والوَكِيلُ: القائِمُ بِالأُمُورِ المُصْلِحُ لِما يُخافُ مِن فَسادِها، ولَيْسَ ما غَلَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِعْمالُ في "الوَكِيلِ" في عَصْرِنا بِأصْلٍ في كَلامِ العَرَبِ، وهي لَفْظَةٌ رَفِيعَةٌ وضَعَها الِاسْتِعْمالُ العامِّيُّ كالعَرِيفِ والنَقِيبِ وغَيْرِهِ.

النساء 4:81

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِنَ نَفْسِكَ وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ ﴿مَن يُطِعِ الرَسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللهَ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ واللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأعْرِضْ عنهم وتَوَكَّلْ عَلى اللهِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" شَرْطِيَّةٌ، ودَخَلَتْ "مِن" بَعْدَها لِأنَّ الشَرْطَ لَيْسَ بِواجِبٍ فَأشْبَهَ النَفْيَ الَّذِي تَدْخُلُهُ "مِن". وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" و"مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ، لِأنَّ المُصِيبَ لِلْإنْسانِ أشْياءُ كَثِيرَةٌ، حَسَنَةٌ وسَيِّئَةٌ، ورَخاءٌ وشِدَّةٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ. وغَيْرُهُ داخِلٌ في المَعْنى، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمَرْءِ عَلى الجُمْلَةِ. ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والحَسَنِ، والرَبِيعِ، وابْنِ زَيْدٍ، وأبِي صالِحٍ، وغَيْرِهِمُ: القَطْعُ واسْتِئْنافُ الإخْبارِ مِنَ اللهِ تَعالى بِأنَّ الحَسَنَةَ مِنهُ وبِفَضْلِهِ، والسَيِّئَةَ مِنَ الإنْسانِ بِإذْنابِهِ، وهي مِنَ اللهِ بِالخَلْقِ والِاخْتِراعِ. وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَمِن نَفْسِكَ وأنا قَضَيْتُها عَلَيْكَ"، وقَرَأ بِها ابْنُ عَبّاسٍ، وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّها في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَأنا كَتَبْتُها"، ورُوِيَ أنَّ أُبَيًّا وابْنَ مَسْعُودٍ قَرَآ: "وَأنا قَدَّرْتُها عَلَيْكَ". ويُعَضِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أحادِيثُ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مَعْناها: أنَّ ما يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ مِن مَصائِبَ فَإنَّما هي عُقُوبَةُ ذُنُوبِهِ، ومِن ذَلِكَ « "أنَّ أبا بَكْرٍ الصِدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عنهُ (p-٦٠٩)لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] جَزِعَ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ألَسْتَ تَمْرَضُ؟ ألَسْتَ تَسْقَمُ؟ ألَسْتَ تَغْتَمُّ؟، وقالَ أيْضًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "ما يُصِيبُ الرَجُلَ خَدْشَةُ عُودٍ ولا عَثْرَةُ قَدَمٍ، ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللهُ عنهُ أكْثَرُ"». فَفي هَذا بَيانُ أنَّ تِلْكَ كُلَّها مُجازاةٌ عَلى ما يَقَعُ مِنَ الإنْسانِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْنى الآيَةِ كَمَعْنى الَّتِي قَبْلَها في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨] عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ "يَقُولُونَ". فَتَقْدِيرُهُ: "فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا، يَقُولُونَ: ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ"، ويَجِيءُ القَطْعُ عَلى هَذا القَوْلِ مِن قَوْلِهِ: "وَأرْسَلْناكَ". وقالَتْ طائِفَةٌ: بَلِ القَطْعُ في الآيَةِ مِن أوَّلِها، والآيَةُ مُضَمَّنَةٌ الإخْبارَ أنَّ الحَسَنَةَ مِنَ اللهِ وبِفَضْلِهِ، وتَقْدِيرُ ما بَعْدَهُ: وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ عَلى جِهَةِ الإنْكارِ والتَقْرِيرِ، فَعَلى هَذِهِ المَقالَةِ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ مَحْذُوفَةٌ مِنَ الكَلامِ، وحَكى هَذا القَوْلَ المَهْدَوِيُّ. و"رَسُولًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، وهي حالٌ تَتَضَمَّنُ مَعْنى التَأْكِيدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا﴾، ثُمَّ تَلاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ تَوَعُّدٌ لِلْكَفَرَةِ، وتَهْدِيدٌ تَقْتَضِيهِ قُوَّةُ الكَلامِ، لِأنَّ المَعْنى: شَهِيدًا عَلى مَن كَذَّبَهُ، والمَعْنى أنَّ الرَسُولَ إنَّما يَأْمُرُ ويَنْهى بَيانًا مِنَ اللهِ وتَبْلِيغًا، فَإنَّما هي أوامِرُ اللهِ ونَواهِيهِ. قالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "مَن أحَبَّنِي فَقَدْ أحَبَّ اللهَ" (p-٦١٠)فاعْتَرَضَتِ اليَهُودُ عَلَيْهِ في هَذِهِ المَقالَةِ، وقالُوا: هَذا مُحَمَّدٌ يَأْمُرُ بِعِبادَةِ اللهِ وحْدَهُ، وهو في هَذا القَوْلِ مُدَّعٍ لِلرُّبُوبِيَّةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» تَصْدِيقًا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وتَبْيِينًا لِصُورَةِ التَعَلُّقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ فَضْلِ اللهِ تَعالى. و"تَوَلّى" مَعْناهُ: أعْرَضَ، وأصْلُ تَوَلّى في المَعْنى أنْ يَتَعَدّى بِحَرْفٍ فَنَقُولَ: تَوَلّى فُلانٌ عَنِ الإيمانِ، وتَوَلّى إلى الإيمانِ، لِأنَّ اللَفْظَةَ تَتَضَمَّنُ إقْبالًا وإدْبارًا، لَكِنَّ الِاسْتِعْمالَ غَلَبَ عَلَيْها في كَلامِ العَرَبِ عَلى الإعْراضِ والإدْبارِ، حَتّى اسْتُغْنِيَ فِيها عن ذِكْرِ الحَرْفِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ. "حَفِيظًا" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أيْ: لِيَحْفَظَهم حَتّى لا يَقَعُوا في الكُفْرِ والمَعاصِي ونَحْوِهِ، أو: لِيَحْفَظَ مَساوِئَهم وذُنُوبَهم ويَحْسُبَها عَلَيْهِمْ. وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي الإعْراضَ عَمَّنْ تَوَلّى والتَرْكَ لَهُ، وهي قَبْلَ نُزُولِ القِتالِ، وإنَّما كانَتْ تَوْطِئَةً ورِفْقًا مِنَ اللهِ تَعالى حَتّى يَسْتَحْكِمَ أمْرُ الإسْلامِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ الآيَةُ، نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ بِاتِّفاقٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، المَعْنى: يَقُولُونَ لَكَ يا مُحَمَّدُ: أمْرُنا طاعَةٌ، فَإذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ اجْتَمَعُوا لَيْلًا وقالُوا غَيْرَ ما أظْهَرُوا لَكَ، و"بَيَّتَ" مَعْناهُ: فَعَلَ لَيْلًا، فَإمّا أُخِذَ مِن "باتَ"، وإمّا مِنَ "البَيْتِ" لِأنَّهُ مُلْتَزَمٌ بِاللَيْلِ، وفِيهِ الأسْرارُ الَّتِي يُخافُ شِياعُها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ أتَوْنِي فَلَمْ أرْضَ ما بَيَّتُوا وكانُوا أتَوْنِي بِأمْرٍ نُكُرْ ومِنهُ قَوْلُ النَمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: ؎ هَبَّتْ لِتَعْذِلَنِي بِلَيْلٍ اسْمَعِي سَفَهًا ∗∗∗ تُبَيِّتُكِ المَلامَةُ فاهْجَعِي (p-٦١١)المَعْنى: وتَقُولُ لِيَ: اسْمَعْ، وزِيدَتِ الياءُ إشْباعًا لِتَصْرِيعِ القافِيَةِ، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ ألا أيُّها اللَيْلُ الطَوِيلُ ألا انْجَلِي... ∗∗∗............................... وقَوْلِهِ: بِأمْثَلِ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "بَيَّتَ" بِتَحْرِيكِ التاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ بِإدْغامِها في الطاءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "بَيَّتَ مُبَيِّتٌ مِنهم يا مُحَمَّدُ". و"تَقُولُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: تَقُولُ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، ويُحْتَمَلُ، تَقُولُ هي لَكَ. و"يَكْتُبُ" مَعْناهُ عَلى وجْهَيْنِ: إمّا يَكْتُبُهُ عِنْدَهُ حَسَبَ كَتْبِ الحَفَظَةِ حَتّى يَقَعَ الجَزاءُ، وإمّا يَكْتُبُهُ في كِتابِهِ إلَيْكَ، أيْ: يُنْزِلُهُ في القُرْآنِ ويُعْلِمُ بِها، قالَ هَذا القَوْلَ الزَجّاجُ. والأمْرُ بِالإعْراضِ إنَّما هو عن مُعاقَبَتِهِمْ ومُجازاتِهِمْ، وأمّا اسْتِمْرارُ دَعْوَتِهِمْ وعِظَتِهِمْ فَلازِمٌ، قالَ الضَحّاكُ: مَعْنى "أعْرِضْ عنهُمْ" لا تُخْبِرْ بِأسْمائِهِمْ، وهَذا أيْضًا قَبْلَ نُزُولِ القِتالِ عَلى ما تَقَدَّمَ، ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى بِالتَوَكُّلِ عَلَيْهِ والتَمَسُّكِ بِعُرْوَتِهِ الوُثْقى ثِقَةً بِإنْجازِ وعْدِهِ في النَصْرِ، والوَكِيلُ: القائِمُ بِالأُمُورِ المُصْلِحُ لِما يُخافُ مِن فَسادِها، ولَيْسَ ما غَلَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِعْمالُ في "الوَكِيلِ" في عَصْرِنا بِأصْلٍ في كَلامِ العَرَبِ، وهي لَفْظَةٌ رَفِيعَةٌ وضَعَها الِاسْتِعْمالُ العامِّيُّ كالعَرِيفِ والنَقِيبِ وغَيْرِهِ.

النساء 4:82

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ﴿وَإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم ولَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَيْطانَ إلا قَلِيلا﴾ المَعْنى: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ، الطاعِنُونَ عَلَيْكَ، الرافِعُونَ بِغَيْرِ بُرْهانٍ في صَدْرِ نُبُوَّتِكَ، ألا يَرْجِعُونَ إلى النَصَفَةِ، ويَنْظُرُونَ مَوْضِعَ الحُجَّةِ، ويَتَدَبَّرُونَ كَلامَ اللهِ تَعالى فَتَظْهَرُ لَهم بَراهِينُهُ، وتَلُوحُ أدِلَّتُهُ؟ (p-٦١٢)والتَدَبُّرُ: النَظَرُ في أعْقابِ الأُمُورِ وتَأْوِيلاتِ الأشْياءِ، هَذا كُلُّهُ يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ وهَذا أمْرٌ بِالنَظَرِ والِاسْتِدْلالِ. ثُمَّ عَرَّفَ تَعالى بِمَواقِعِ الحُجَّةِ، أيْ: لَوْ كانَ مِن كَلامِ البَشَرِ لَدَخَلَهُ ما في كَلامِ البَشَرِ مِنَ القُصُورِ، وظَهَرَ فِيهِ التَناقُضُ والتَنافِي الَّذِي لا يُمْكِنُ جَمْعُهُ، إذْ ذَلِكَ مَوْجُودٌ في كَلامِ البَشَرِ، والقُرْآنُ مُنَزَّهٌ عنهُ، إذْ هو كَلامُ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَإنْ عَرَضَتْ لِأحَدٍ شُبْهَةٌ وظَنَّ اخْتِلافًا في شَيْءٍ مِن كِتابِ اللهِ، فالواجِبُ أنْ يَتَّهِمَ نَظَرَهُ، ويَسْألَ مَن هو أعْلَمُ مِنهُ. وذَهَبَ الزَجّاجُ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: لَوَجَدُوا فِيما نُخْبِرُكَ بِهِ مِمّا يُبَيِّتُونَ اخْتِلافًا، أيْ: فَإذْ تُخْبِرُهم بِهِ عَلى حَدِّ ما يَقَعُ فَذَلِكَ دَلِيلُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ غَيْبٌ مِنَ الغُيُوبِ، هَذا مَعْنى قَوْلِهِ، وقَدْ بَيَّنَهُ ابْنُ فُورَكٍ، والمَهْدَوِيُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ﴾ الآيَةُ، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الآيَةُ في المُنافِقِينَ حَسْبَما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِهِمْ، والآيَةُ نازِلَةٌ في سَرايا رَسُولِ اللهِ ﷺ وبُعُوثِهِ، والمَعْنى: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَشْرَئِبُّونَ إلى سَماعِ ما يَسُوءُ النَبِيَّ ﷺ في سَراياهُ، فَإذا طَرَأتْ لَهم شُبْهَةُ أمْنٍ لِلْمُسْلِمِينَ أو فُتِحَ عَلَيْهِمْ حَقَّرُوها وصَغَّرُوا شَأْنَها، وأذاعُوا بِذَلِكَ التَصْغِيرِ والتَحْقِيرِ، وإذا طَرَأتْ لَهم شُبْهَةُ خَوْفِ المُسْلِمِينَ أو مُصِيبَةٌ عَظَّمُوها، وأذاعُوا ذَلِكَ التَعْظِيمَ، و"أذاعُوا بِهِ" مَعْناهُ: أفْشَوْهُ، وهو فِعْلٌ يَتَعَدّى بِحَرْفِ جَرٍّ، وبِنَفْسِهِ أحْيانًا، تَقُولُ: أذَعْتُ كَذا، وأذَعْتُ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي الأسْوَدِ: ؎ أذاعُوا بِهِ في الناسِ حَتّى كَأنَّهُ بِعَلْياءَ نارٌ أُوقِدَتْ بِثُقُوبِ وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ نازِلَةٌ في المُنافِقِينَ، وفي مَن ضَعُفَ جَلَدُهُ عَنِ الإيمانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وقَلَّتْ تَجْرِبَتُهُ. (p-٦١٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في أمْرِ السَرايا فَإنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ أقْوالَ المُنافِقِينَ فَيَقُولُونَها مَعَ مَن قالَها، ويُذِيعُونَها مَعَ مَن أذاعَها، وهم غَيْرُ مُتَثَبِّتِينَ في صِحَّتِها، وهَذا هو الدالُّ عَلى قِلَّةِ تَجْرِبَتِهِمْ، وإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في سائِرِ الأُمُورِ الواقِعَةِ، كالَّذِي قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «إنَّهُ جاءَ وقَوْمٌ في المَسْجِدِ يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نِساءَهُ، قالَ: فَدَخَلْتُ عَلى عائِشَةَ، فَقُلْتُ: يا ابْنَةَ أبِي بَكْرٍ بَلَغَ مِن أمْرِكِ أنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللهِ ﷺ؟ فَقالَتْ: يا ابْنَ الخَطّابِ، عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ، قالَ: فَدَخَلْتُ عَلى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: يا حَفْصَةُ قَدْ عَلِمْتِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يُحِبُّكِ، ولَوْلا أنا لَطَلَّقَكِ، فَجَعَلَتْ تَبْكِي، قالَ: فَخَرَجْتُ حَتّى جِئْتُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ وهو في غُرْفَةٍ لَهُ، ورَباحٌ مَوْلاهُ جالِسٌ عَلى أُسْكُفَّةِ الغُرْفَةِ، فَقُلْتُ: يا رَباحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عَلى رَسُولِ اللهِ، فَنَظَرَ إلى الغُرْفَةِ، ثُمَّ نَظَرَ إلَيَّ وسَكَتَ، فَقُلْتُ: يا رَباحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عَلى رَسُولِ اللهِ، فَلَعَلَّهُ يَظُنُّ أنِّي جِئْتُ مِن أجْلِ حَفْصَةَ، واللهِ لَوْ أمَرَنِي أنْ أضْرِبَ عُنُقَها لَضَرَبْتُهُ، فَنَظَرَ ثُمَّ أشارَ إلَيَّ بِيَدِهِ أنِ ادْخُلْ، فَدَخَلْتُ وإذا رَسُولُ اللهِ ﷺ مُضْطَجِعٌ عَلى حَصِيرٍ، وقَدْ أثَّرَ في جَنْبِهِ، وإذا لَيْسَ في غُرْفَتِهِ. إلّا قَبْضَةٌ مِن شَعِيرٍ، وقَبْضَةٌ مِن قَرَظٍ، وإذا أفِيقانِ مُعَلَّقانِ، فَبَكَيْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ما يُبْكِيكَ يا ابْنَ الخَطّابِ؟ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، أنْتَ صَفْوَةُ اللهِ مِن خَلْقِهِ ورَسُولُهُ، ولَيْسَ لَكَ مِنَ الدُنْيا إلّا هَذا، وكِسْرى وقَيْصَرُ في الأشْجارِ والأنْهارِ، فَقالَ: ها هُنا أنْتَ يا عُمَرُ؟ أما تَرْضى أنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُنْيا ولَنا الآخِرَةُ؟ فَقُلْتُ: بَلى، ثُمَّ جَعَلْتُ أُحَدِّثُهُ حَتّى تَهَلَّلَ وابْتَسَمَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، إنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّكَ طَلَّقْتَ نِساءَكَ، فَقالَ: لا، فَقُلْتُ: أتَأْذَنُ لِي أنْ أُعَرِّفَ الناسَ؟ فَقالَ: افْعَلْ إنْ شِئْتَ. قالَ: فَقُمْتُ عَلى بابِ المَسْجِدِ فَقُلْتُ: ألا إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يُطَلِّقْ نِساءَهُ، (p-٦١٤)فَأنْزَلَ اللهُ في هَذِهِ القِصَّةِ ﴿وَإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾. الآيَةَ،» وأنا الَّذِي اسْتَنْبَطَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَسُولِ﴾ الآيَةُ. المَعْنى: لَوْ أمْسَكُوا عَنِ الخَوْضِ، واسْتَقْصَوُا الأُمُورَ مِن قِبَلِ الرَسُولِ، أو أُولِي الأمْرِ -وَهُمُ الأُمَراءُ- قالَهُ السُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وقِيلَ: أهْلُ العِلْمِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما، والمَعْنى يَقْتَضِيهِما مَعًا "لَعَلِمَهُ" طُلّابُهُ مِن أُولِي الأمْرِ، والبَحَثَةُ عنهُ وهم مُسْتَنْبِطُوهُ كَما يُسْتَنْبَطُ الماءُ وهُوَ: النَبَطُ، أيِ: الماءُ المُسْتَخْرَجُ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ قَرِيبٌ ثَراهُ ما يَنالُ عَدُوُّهُ ∗∗∗ لَهُ نَبَطًا آبى الهَوانَ قَطُوبُ وهَذا التَأْوِيلُ جارٍ مَعَ قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنا اسْتَنْبَطْتُهُ بِبَحْثِي وسُؤالِي. وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَعَلِمَهُ المَسْؤُولُونَ المُسْتَنْبِطُونَ فَأخْبَرُوا بِعِلْمِهِمْ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: " لَعَلْمَهُ" بِسُكُونِ اللامِ، وذَلِكَ مِثْلُ "شَجْرَ بَيْنَهُمْ"،والضَمِيرُ فِي: "رَدُّوهُ" عَلى الأمْرِ، وفِي: "مِنهُمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الرَسُولِ وأُولِي الأمْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الجَماعَةِ كُلِّها، أيْ: لَعَلِمَهُ البَحَثَةُ مِنَ الناسِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ الآيَةُ، هَذا الخِطابُ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ بِاتِّفاقٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، والمَعْنى: لَوْلا هِدايَةُ اللهِ وإرْشادُهُ لَكم بِالإيمانِ -وَذَلِكَ فَضْلٌ مِنهُ ورَحْمَةٌ- لَكُنْتُمْ عَلى كُفْرِكُمْ، وذَلِكَ اتِّباعُ الشَيْطانِ. وحَكى الزَجّاجُ: لَوْلا فَضْلُ اللهِ في هَذا القُرْآنِ ورِسالَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الِاسْتِثْناءِ بِقَوْلِهِ: "إلّا قَلِيلًا"، مِمَّ هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، (p-٦١٥)وابْنُ زَيْدٍ: ذَلِكَ مُسْتَثْنىً مِن قَوْلِهِ: "أذاعُوا بِهِ- إلّا قَلِيلًا"، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ قَتادَةُ: مُسْتَثْنىً مِن قَوْلِهِ: "يَسْتَنْبِطُونَهُ-إلّا قَلِيلًا"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ مُسْتَثْنىً مِن قَوْلِهِ: ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَيْطانَ إلا قَلِيلا﴾، عَلى سَرْدِ الكَلامِ دُونَ تَقْدِيرِ تَقْدِيمٍ، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ، فَقالَ الضَحّاكُ: إنَّ اللهَ هَدى الكُلَّ مِنهم لِلْإيمانِ، فَكانَ مِنهم مَن تَمَكَّنَ فِيهِ حَتّى لَمْ يَخْطُرْ لَهُ قَطُّ خاطِرُ شَكٍّ، ولا عَنَتْ لَهُ شُبْهَةُ ارْتِيابٍ، فَذَلِكَ هو القَلِيلُ، وسائِرُ مَن أسْلَمَ مِنَ العَرَبِ لَمْ يَخْلُ مِنَ الخَواطِرِ، فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ بِتَجْرِيدِ الهِدايَةِ لَهم لَضَلُّوا واتَّبَعُوا الشَيْطانَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا مَعْنى قَوْلِ الضَحّاكِ، ويَجِيءُ الفَضْلُ مُعَيَّنًا، أيْ: رِسالَةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ والقُرْآنُ، لِأنَّ الكُلَّ إنَّما هُدِيَ بِفَضْلِ اللهِ عَلى الإطْلاقِ، وقالَ قَوْمٌ: المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ "لاتَّبَعْتُمُ" جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: "إلّا قَلِيلًا" إشارَةٌ إلى مَن كانَ قَبْلَ الإسْلامِ غَيْرَ مُتَّبِعٍ لِلشَّيْطانِ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، كَوَرَقَةِ بْنِ نَوْفَلٍ، وزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وغَيْرِهِما. وقالَ قَوْمٌ: الِاسْتِثْناءُ إنَّما هو مِنَ الاتِّباعِ، أيْ: لاتَّبَعْتُمُ الشَيْطانَ كُلُّكم إلّا قَلِيلًا مِنَ الأُمُورِ كُنْتُمْ لا تَتَّبِعُونَهُ فِيها. وقالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ: "إلّا قَلِيلًا" عِبارَةٌ عَنِ العَدَمِ، يُرِيدُونَ: لاتَّبَعْتُمُ الشَيْطانَ كُلُّكُمْ، وهَذا الأخِيرُ قَوْلٌ قَلِقٌ، ولَيْسَ يُشْبِهُ ما حَكى سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: "أرْضٌ قَلَّما تُنْبِتُ كَذا" بِمَعْنى: لا تُنْبِتُهُ لِأنَّ اقْتِرانَ القِلَّةِ بِالِاسْتِثْناءِ يَقْتَضِي حُصُولَها، ولَكِنْ قَدْ ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ.

النساء 4:83

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ﴿وَإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم ولَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَيْطانَ إلا قَلِيلا﴾ المَعْنى: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ، الطاعِنُونَ عَلَيْكَ، الرافِعُونَ بِغَيْرِ بُرْهانٍ في صَدْرِ نُبُوَّتِكَ، ألا يَرْجِعُونَ إلى النَصَفَةِ، ويَنْظُرُونَ مَوْضِعَ الحُجَّةِ، ويَتَدَبَّرُونَ كَلامَ اللهِ تَعالى فَتَظْهَرُ لَهم بَراهِينُهُ، وتَلُوحُ أدِلَّتُهُ؟ (p-٦١٢)والتَدَبُّرُ: النَظَرُ في أعْقابِ الأُمُورِ وتَأْوِيلاتِ الأشْياءِ، هَذا كُلُّهُ يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ وهَذا أمْرٌ بِالنَظَرِ والِاسْتِدْلالِ. ثُمَّ عَرَّفَ تَعالى بِمَواقِعِ الحُجَّةِ، أيْ: لَوْ كانَ مِن كَلامِ البَشَرِ لَدَخَلَهُ ما في كَلامِ البَشَرِ مِنَ القُصُورِ، وظَهَرَ فِيهِ التَناقُضُ والتَنافِي الَّذِي لا يُمْكِنُ جَمْعُهُ، إذْ ذَلِكَ مَوْجُودٌ في كَلامِ البَشَرِ، والقُرْآنُ مُنَزَّهٌ عنهُ، إذْ هو كَلامُ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَإنْ عَرَضَتْ لِأحَدٍ شُبْهَةٌ وظَنَّ اخْتِلافًا في شَيْءٍ مِن كِتابِ اللهِ، فالواجِبُ أنْ يَتَّهِمَ نَظَرَهُ، ويَسْألَ مَن هو أعْلَمُ مِنهُ. وذَهَبَ الزَجّاجُ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: لَوَجَدُوا فِيما نُخْبِرُكَ بِهِ مِمّا يُبَيِّتُونَ اخْتِلافًا، أيْ: فَإذْ تُخْبِرُهم بِهِ عَلى حَدِّ ما يَقَعُ فَذَلِكَ دَلِيلُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ غَيْبٌ مِنَ الغُيُوبِ، هَذا مَعْنى قَوْلِهِ، وقَدْ بَيَّنَهُ ابْنُ فُورَكٍ، والمَهْدَوِيُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ﴾ الآيَةُ، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الآيَةُ في المُنافِقِينَ حَسْبَما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِهِمْ، والآيَةُ نازِلَةٌ في سَرايا رَسُولِ اللهِ ﷺ وبُعُوثِهِ، والمَعْنى: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَشْرَئِبُّونَ إلى سَماعِ ما يَسُوءُ النَبِيَّ ﷺ في سَراياهُ، فَإذا طَرَأتْ لَهم شُبْهَةُ أمْنٍ لِلْمُسْلِمِينَ أو فُتِحَ عَلَيْهِمْ حَقَّرُوها وصَغَّرُوا شَأْنَها، وأذاعُوا بِذَلِكَ التَصْغِيرِ والتَحْقِيرِ، وإذا طَرَأتْ لَهم شُبْهَةُ خَوْفِ المُسْلِمِينَ أو مُصِيبَةٌ عَظَّمُوها، وأذاعُوا ذَلِكَ التَعْظِيمَ، و"أذاعُوا بِهِ" مَعْناهُ: أفْشَوْهُ، وهو فِعْلٌ يَتَعَدّى بِحَرْفِ جَرٍّ، وبِنَفْسِهِ أحْيانًا، تَقُولُ: أذَعْتُ كَذا، وأذَعْتُ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي الأسْوَدِ: ؎ أذاعُوا بِهِ في الناسِ حَتّى كَأنَّهُ بِعَلْياءَ نارٌ أُوقِدَتْ بِثُقُوبِ وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ نازِلَةٌ في المُنافِقِينَ، وفي مَن ضَعُفَ جَلَدُهُ عَنِ الإيمانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وقَلَّتْ تَجْرِبَتُهُ. (p-٦١٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في أمْرِ السَرايا فَإنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ أقْوالَ المُنافِقِينَ فَيَقُولُونَها مَعَ مَن قالَها، ويُذِيعُونَها مَعَ مَن أذاعَها، وهم غَيْرُ مُتَثَبِّتِينَ في صِحَّتِها، وهَذا هو الدالُّ عَلى قِلَّةِ تَجْرِبَتِهِمْ، وإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في سائِرِ الأُمُورِ الواقِعَةِ، كالَّذِي قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «إنَّهُ جاءَ وقَوْمٌ في المَسْجِدِ يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نِساءَهُ، قالَ: فَدَخَلْتُ عَلى عائِشَةَ، فَقُلْتُ: يا ابْنَةَ أبِي بَكْرٍ بَلَغَ مِن أمْرِكِ أنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللهِ ﷺ؟ فَقالَتْ: يا ابْنَ الخَطّابِ، عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ، قالَ: فَدَخَلْتُ عَلى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: يا حَفْصَةُ قَدْ عَلِمْتِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يُحِبُّكِ، ولَوْلا أنا لَطَلَّقَكِ، فَجَعَلَتْ تَبْكِي، قالَ: فَخَرَجْتُ حَتّى جِئْتُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ وهو في غُرْفَةٍ لَهُ، ورَباحٌ مَوْلاهُ جالِسٌ عَلى أُسْكُفَّةِ الغُرْفَةِ، فَقُلْتُ: يا رَباحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عَلى رَسُولِ اللهِ، فَنَظَرَ إلى الغُرْفَةِ، ثُمَّ نَظَرَ إلَيَّ وسَكَتَ، فَقُلْتُ: يا رَباحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عَلى رَسُولِ اللهِ، فَلَعَلَّهُ يَظُنُّ أنِّي جِئْتُ مِن أجْلِ حَفْصَةَ، واللهِ لَوْ أمَرَنِي أنْ أضْرِبَ عُنُقَها لَضَرَبْتُهُ، فَنَظَرَ ثُمَّ أشارَ إلَيَّ بِيَدِهِ أنِ ادْخُلْ، فَدَخَلْتُ وإذا رَسُولُ اللهِ ﷺ مُضْطَجِعٌ عَلى حَصِيرٍ، وقَدْ أثَّرَ في جَنْبِهِ، وإذا لَيْسَ في غُرْفَتِهِ. إلّا قَبْضَةٌ مِن شَعِيرٍ، وقَبْضَةٌ مِن قَرَظٍ، وإذا أفِيقانِ مُعَلَّقانِ، فَبَكَيْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ما يُبْكِيكَ يا ابْنَ الخَطّابِ؟ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، أنْتَ صَفْوَةُ اللهِ مِن خَلْقِهِ ورَسُولُهُ، ولَيْسَ لَكَ مِنَ الدُنْيا إلّا هَذا، وكِسْرى وقَيْصَرُ في الأشْجارِ والأنْهارِ، فَقالَ: ها هُنا أنْتَ يا عُمَرُ؟ أما تَرْضى أنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُنْيا ولَنا الآخِرَةُ؟ فَقُلْتُ: بَلى، ثُمَّ جَعَلْتُ أُحَدِّثُهُ حَتّى تَهَلَّلَ وابْتَسَمَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، إنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّكَ طَلَّقْتَ نِساءَكَ، فَقالَ: لا، فَقُلْتُ: أتَأْذَنُ لِي أنْ أُعَرِّفَ الناسَ؟ فَقالَ: افْعَلْ إنْ شِئْتَ. قالَ: فَقُمْتُ عَلى بابِ المَسْجِدِ فَقُلْتُ: ألا إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يُطَلِّقْ نِساءَهُ، (p-٦١٤)فَأنْزَلَ اللهُ في هَذِهِ القِصَّةِ ﴿وَإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾. الآيَةَ،» وأنا الَّذِي اسْتَنْبَطَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَسُولِ﴾ الآيَةُ. المَعْنى: لَوْ أمْسَكُوا عَنِ الخَوْضِ، واسْتَقْصَوُا الأُمُورَ مِن قِبَلِ الرَسُولِ، أو أُولِي الأمْرِ -وَهُمُ الأُمَراءُ- قالَهُ السُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وقِيلَ: أهْلُ العِلْمِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما، والمَعْنى يَقْتَضِيهِما مَعًا "لَعَلِمَهُ" طُلّابُهُ مِن أُولِي الأمْرِ، والبَحَثَةُ عنهُ وهم مُسْتَنْبِطُوهُ كَما يُسْتَنْبَطُ الماءُ وهُوَ: النَبَطُ، أيِ: الماءُ المُسْتَخْرَجُ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ قَرِيبٌ ثَراهُ ما يَنالُ عَدُوُّهُ ∗∗∗ لَهُ نَبَطًا آبى الهَوانَ قَطُوبُ وهَذا التَأْوِيلُ جارٍ مَعَ قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنا اسْتَنْبَطْتُهُ بِبَحْثِي وسُؤالِي. وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَعَلِمَهُ المَسْؤُولُونَ المُسْتَنْبِطُونَ فَأخْبَرُوا بِعِلْمِهِمْ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: " لَعَلْمَهُ" بِسُكُونِ اللامِ، وذَلِكَ مِثْلُ "شَجْرَ بَيْنَهُمْ"،والضَمِيرُ فِي: "رَدُّوهُ" عَلى الأمْرِ، وفِي: "مِنهُمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الرَسُولِ وأُولِي الأمْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الجَماعَةِ كُلِّها، أيْ: لَعَلِمَهُ البَحَثَةُ مِنَ الناسِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ الآيَةُ، هَذا الخِطابُ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ بِاتِّفاقٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، والمَعْنى: لَوْلا هِدايَةُ اللهِ وإرْشادُهُ لَكم بِالإيمانِ -وَذَلِكَ فَضْلٌ مِنهُ ورَحْمَةٌ- لَكُنْتُمْ عَلى كُفْرِكُمْ، وذَلِكَ اتِّباعُ الشَيْطانِ. وحَكى الزَجّاجُ: لَوْلا فَضْلُ اللهِ في هَذا القُرْآنِ ورِسالَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الِاسْتِثْناءِ بِقَوْلِهِ: "إلّا قَلِيلًا"، مِمَّ هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، (p-٦١٥)وابْنُ زَيْدٍ: ذَلِكَ مُسْتَثْنىً مِن قَوْلِهِ: "أذاعُوا بِهِ- إلّا قَلِيلًا"، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ قَتادَةُ: مُسْتَثْنىً مِن قَوْلِهِ: "يَسْتَنْبِطُونَهُ-إلّا قَلِيلًا"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ مُسْتَثْنىً مِن قَوْلِهِ: ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَيْطانَ إلا قَلِيلا﴾، عَلى سَرْدِ الكَلامِ دُونَ تَقْدِيرِ تَقْدِيمٍ، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ، فَقالَ الضَحّاكُ: إنَّ اللهَ هَدى الكُلَّ مِنهم لِلْإيمانِ، فَكانَ مِنهم مَن تَمَكَّنَ فِيهِ حَتّى لَمْ يَخْطُرْ لَهُ قَطُّ خاطِرُ شَكٍّ، ولا عَنَتْ لَهُ شُبْهَةُ ارْتِيابٍ، فَذَلِكَ هو القَلِيلُ، وسائِرُ مَن أسْلَمَ مِنَ العَرَبِ لَمْ يَخْلُ مِنَ الخَواطِرِ، فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ بِتَجْرِيدِ الهِدايَةِ لَهم لَضَلُّوا واتَّبَعُوا الشَيْطانَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا مَعْنى قَوْلِ الضَحّاكِ، ويَجِيءُ الفَضْلُ مُعَيَّنًا، أيْ: رِسالَةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ والقُرْآنُ، لِأنَّ الكُلَّ إنَّما هُدِيَ بِفَضْلِ اللهِ عَلى الإطْلاقِ، وقالَ قَوْمٌ: المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ "لاتَّبَعْتُمُ" جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: "إلّا قَلِيلًا" إشارَةٌ إلى مَن كانَ قَبْلَ الإسْلامِ غَيْرَ مُتَّبِعٍ لِلشَّيْطانِ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، كَوَرَقَةِ بْنِ نَوْفَلٍ، وزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وغَيْرِهِما. وقالَ قَوْمٌ: الِاسْتِثْناءُ إنَّما هو مِنَ الاتِّباعِ، أيْ: لاتَّبَعْتُمُ الشَيْطانَ كُلُّكم إلّا قَلِيلًا مِنَ الأُمُورِ كُنْتُمْ لا تَتَّبِعُونَهُ فِيها. وقالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ: "إلّا قَلِيلًا" عِبارَةٌ عَنِ العَدَمِ، يُرِيدُونَ: لاتَّبَعْتُمُ الشَيْطانَ كُلُّكُمْ، وهَذا الأخِيرُ قَوْلٌ قَلِقٌ، ولَيْسَ يُشْبِهُ ما حَكى سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: "أرْضٌ قَلَّما تُنْبِتُ كَذا" بِمَعْنى: لا تُنْبِتُهُ لِأنَّ اقْتِرانَ القِلَّةِ بِالِاسْتِثْناءِ يَقْتَضِي حُصُولَها، ولَكِنْ قَدْ ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ.

النساء 4:84

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسى اللهِ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا واللهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلا﴾ ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها وكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ ﴿وَإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أو رُدُّوها إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ هَذا أمْرٌ في ظاهِرِ اللَفْظِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وحْدَهُ، لَكِنْ لَمْ نَجِدْ قَطُّ في خَبَرٍ أنَّ القِتالَ فُرِضَ عَلى النَبِيِّ ﷺ دُونَ الأُمَّةِ مُدَّةً ما، المَعْنى -واللهُ أعْلَمُ- أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في اللَفْظِ، وهو مِثالُ ما يُقالُ لِكُلِّ واحِدٍ في خاصَّةِ نَفْسِهِ، (p-٦١٦)أيْ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ وكُلُّ واحِدٍ مِن أُمَّتِكَ القَوْلُ لَهُ: ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾، ولِهَذا يَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَسْتَشْعِرَ أنْ يُجاهِدَ ولَوْ وحْدَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "واللهِ لَأُقاتِلَنَّهم حَتّى تَنْفَرِدَ سالِفَتِي"» وقَوْلُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقْتَ الرِدَّةِ: "وَلَوْ خالَفَتْنِي يَمِينِي لَجاهَدْتُها بِشِمالِي". وخَلَطَ قَوْمٌ في تَعَلُّقِ الفاءِ مِن قَوْلِهِ: "فَقاتِلْ" بِما فِيهِ بُعْدٌ، والوَجْهُ أنَّها عاطِفَةُ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ، وهي دالَّةٌ عَلى اطِّراحِ غَيْرِ ما أُمِرَ بِهِ، ثُمَّ خَصَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِالأمْرِ بِالتَحْرِيضِ، أيْ: حُثَّ المُؤْمِنِينَ عَلى القِيامِ بِالفَرْضِ الواجِبِ عَلَيْهِمْ. و"عَسى" إذا ورَدَتْ مِنَ اللهِ تَعالى، فَقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: إنَّها واجِبَةٌ، لِأنَّها مِنَ البَشَرِ مُتَوَقَّعَةٌ مَرْجُوَّةٌ، فَفَضْلُ اللهِ تَعالى يُوجِبُ وُجُوبَها، وفي هَذا وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِغَلَبَتِهِمْ لِلْكَفَرَةِ، ثُمَّ قَوّى -بَعْدَ ذَلِكَ- قُلُوبَهم بِأنْ عَرَّفَهم شِدَّةَ بَأْسِ اللهِ، وأنَّهُ أقْدَرُ عَلى الكَفَرَةِ، وأشَدُّ تَنْكِيلًا لَهُمُ، التَنْكِيلُ: الأخْذُ بِأنْواعِ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ عَلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً﴾ الآيَةُ. أصْلُ الشَفاعَةِ والشُفْعَةِ ونَحْوِها مِنَ: الشَفْعِ، وهو الزَوْجُ في العَدَدِ، لِأنَّ الشافِعَ ثانٍ لِوَتْرِ المُذْنِبِ والشَفِيعَ ثانٍ لِوَتْرِ المُشْتَرِي. واخْتَلَفَ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَأوِّلُونَ، فَقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: مَن يَشْفَعْ وتْرَ الإسْلامِ بِالمَعُونَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، أو مَن يَشْفَعْ وتْرَ الكُفْرِ بِالمَعُونَةِ عَلى الإسْلامِ. ودَلَّهُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ القِتالِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُمْ: هي في شَفاعاتِ الناسِ بَيْنَهم في حَوائِجِهِمْ، فَمَن يَشْفَعُ لِيَنْفَعَ فَلَهُ نَصِيبٌ، ومَن يَشْفَعُ لِيَضُرَّ فَلَهُ كِفْلٌ. وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: الشَفاعَةُ الحَسَنَةُ هي في البِرِّ والطاعَةِ، والسَيِّئَةُ هي في (p-٦١٧)المَعاصِي،. وهَذا كُلُّهُ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ. والكِفْلُ: النَصِيبُ، ويُسْتَعْمَلُ في النَصِيبِ مِنَ الخَيْرِ ومِنَ الشَرِّ، وفي كِتابِ اللهِ تَعالى: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]. و"مُقِيتًا" مَعْناهُ: قَدِيرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو الزُبَيْرُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: ؎ وذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَفْسَ عنهُ وكُنْتُ عَلى مَساءَتِهِ مُقِيتا أيْ: قَدِيرًا، وعَبَّرَ عنهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: بِحَفِيظٍ وشَهِيدٍ. وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ: بِأنَّهُ الواصِبُ القَيِّمُ بِالأُمُورِ، وهَذا كُلُّهُ يَتَقارَبُ، ومِنهُ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ « "كَفى بِالمَرْءِ إثْمًا أنْ يُضَيِّعَ مَن يُقِيتُ"،» عَلى مَن رَواها هَكَذا، أيْ: مَن هو تَحْتَ قُدْرَتِهِ وفي قَبْضَتِهِ مِن عِيالٍ وغَيْرِهِ، وذَهَبَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ إلى أنَّهُ الَّذِي يَقُوتُ كُلَّ حَيَوانٍ، وهَذا عَلى أنْ يُقالَ: أقاتَ بِمَعْنى قاتَ، وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "مَن يُقِيتُ" مِن أقاتَ، وقَدْ حَكى الكِسائِيُّ: أقاتَ يُقِيتُ، فَأمّا قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ لَيْتَ شِعْرِي وأشْعُرَنَّ إذا ∗∗∗ ما قَرَّبُوها مَطْوِيَّةً ودُعِيتُ ؎ ألِيَ الفَضْلُ أمْ عَلَيَّ إذا حُو ∗∗∗ سِبْتُ؟ إنِّي عَلى الحِسابِ مُقِيتُ فَقالَ فِيهِ الطَبَرِيُّ: إنَّهُ مِن غَيْرِ هَذا المَعْنى المُتَقَدِّمِ، وإنَّهُ بِمَعْنى: مَوْقُوفٌ. (p-٦١٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يُضْعِفُهُ أنْ يَكُونَ بِناءُ فاعِلٍ بِمَعْنى بِناءِ مَفْعُولٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَإذا حُيِّيتُمْ" الآيَةُ، التَحِيَّةُ وزْنُها تَفْعِلَةٌ مِن: حَيِيَ، وهَذا هو الأغْلَبُ مِن مَصْدَرِ فَعِلَ في المُعْتَلِّ، ورُوِيَ عن مالِكٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في تَشْمِيتِ العاطِسِ، وفِيهِ ضَعْفٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ عَلى ذَلِكَ دَلالَةٌ، أمّا أنَّ الرَدَّ عَلى المُشَمِّتِ فَمِمّا يَدْخُلُ بِالقِياسِ في مَعْنى رَدِّ التَحِيَّةِ وهَذا هو مَنحى مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ إنْ صَحَّ ذَلِكَ عنهُ، واللهُ أعْلَمُ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: التَحِيَّةُ أنْ يَقُولَ الرَجُلُ: سَلامٌ عَلَيْكَ، فَيَجِبُ عَلى الآخَرِ أنْ يَقُولَ: عَلَيْكَ السَلامُ ورَحْمَةُ اللهِ، فَإنْ قالَ البادِئُ: السَلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللهِ، قالَ الرادُّ: عَلَيْكَ السَلامُ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكاتُهُ، فَإنْ قالَ البادِئُ: السَلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكاتُهُ فَقَدِ انْتَهى، ولَمْ يَبْقَ لِلرّادِّ أنْ يُحَيِّيَ بِأحْسَنَ مِنها، فَهاهُنا يَقَعُ الرَدُّ المَذْكُورُ في الآيَةِ، فالمَعْنى عِنْدَ أهْلِ هَذِهِ القالَةِ: إذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ، فَإنْ نَقَصَ المُسَلِّمُ مِنَ النِهايَةِ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ، وإنِ انْتَهى فَرُدُّوا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما مَعْنى الآيَةِ تَخْيِيرُ الرادِّ، فَإذا قالَ البادِئُ: السَلامُ عَلَيْكَ، فَلِلرّادِّ أنْ يَقُولَ، وعَلَيْكَ السَلامُ، فَقَطْ، وهَذا هو الرَدُّ، ولَهُ أنْ يَقُولَ: وعَلَيْكَ السَلامُ ورَحْمَةُ اللهِ، وهَذا هو التَحِيَّةُ بِأحْسَنَ مِنها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِالآيَةِ: إذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَإنْ كانَتْ مِن مُؤْمِنٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها، وإنْ كانَتْ مِن كافِرٍ فَرُدُّوا عَلى ما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يُقالَ لَهُمْ: « "وَعَلَيْكُمْ".» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وغَيْرِهِما: انْتَهى السَلامُ إلى البَرَكَةِ، وجُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ عَلى ألّا يُبْدَأ أهْلُ الكِتابِ بِسَلامٍ، فَإنْ سَلَّمَ أحَدٌ ساهِيًا أو جاهِلًا فَيَنْبَغِي أنْ يَسْتَقِيلَهُ سَلامُهُ، وشَذَّ قَوْمٌ في إباحَةِ ابْتِدائِهِمْ، والأوَّلُ أصْوَبُ، لِأنَّ بِهِ يُتَصَوَّرُ إذْلالُهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ مَن سَلَّمَ عَلَيْكَ مِن خَلْقِ اللهِ فَرُدَّ عَلَيْهِ وإنْ كانَ مَجُوسِيًّا، وقالَ عَطاءٌ: الآيَةُ في المُؤْمِنِينَ خاصَّةً، ومَن سَلَّمَ مِن غَيْرِهِمْ قِيلَ لَهُ: (p-٦١٩)عَلَيْكَ، كَما في الحَدِيثِ. وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ الِابْتِداءَ بِالسَلامِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، ورَدَّهُ فَرِيضَةٌ، لِأنَّهُ حَقٌّ مِنَ الحُقُوقِ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وغَيْرُهُ. و"حَسِيبًا" مَعْناهُ: حَفِيظًا، وهو فَعِيلٌ مِنَ الحِسابِ، وحَسُنَتْ هاهُنا هَذِهِ الصِفَةُ إذْ مَعْنى الآيَةِ في أنْ يَزِيدَ الإنْسانُ أو يَنْقُصَ أو يُوَفِّيَ قَدْرَ ما يَجِيءُ بِهِ.

النساء 4:85

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسى اللهِ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا واللهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلا﴾ ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها وكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ ﴿وَإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أو رُدُّوها إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ هَذا أمْرٌ في ظاهِرِ اللَفْظِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وحْدَهُ، لَكِنْ لَمْ نَجِدْ قَطُّ في خَبَرٍ أنَّ القِتالَ فُرِضَ عَلى النَبِيِّ ﷺ دُونَ الأُمَّةِ مُدَّةً ما، المَعْنى -واللهُ أعْلَمُ- أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في اللَفْظِ، وهو مِثالُ ما يُقالُ لِكُلِّ واحِدٍ في خاصَّةِ نَفْسِهِ، (p-٦١٦)أيْ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ وكُلُّ واحِدٍ مِن أُمَّتِكَ القَوْلُ لَهُ: ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾، ولِهَذا يَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَسْتَشْعِرَ أنْ يُجاهِدَ ولَوْ وحْدَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "واللهِ لَأُقاتِلَنَّهم حَتّى تَنْفَرِدَ سالِفَتِي"» وقَوْلُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقْتَ الرِدَّةِ: "وَلَوْ خالَفَتْنِي يَمِينِي لَجاهَدْتُها بِشِمالِي". وخَلَطَ قَوْمٌ في تَعَلُّقِ الفاءِ مِن قَوْلِهِ: "فَقاتِلْ" بِما فِيهِ بُعْدٌ، والوَجْهُ أنَّها عاطِفَةُ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ، وهي دالَّةٌ عَلى اطِّراحِ غَيْرِ ما أُمِرَ بِهِ، ثُمَّ خَصَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِالأمْرِ بِالتَحْرِيضِ، أيْ: حُثَّ المُؤْمِنِينَ عَلى القِيامِ بِالفَرْضِ الواجِبِ عَلَيْهِمْ. و"عَسى" إذا ورَدَتْ مِنَ اللهِ تَعالى، فَقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: إنَّها واجِبَةٌ، لِأنَّها مِنَ البَشَرِ مُتَوَقَّعَةٌ مَرْجُوَّةٌ، فَفَضْلُ اللهِ تَعالى يُوجِبُ وُجُوبَها، وفي هَذا وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِغَلَبَتِهِمْ لِلْكَفَرَةِ، ثُمَّ قَوّى -بَعْدَ ذَلِكَ- قُلُوبَهم بِأنْ عَرَّفَهم شِدَّةَ بَأْسِ اللهِ، وأنَّهُ أقْدَرُ عَلى الكَفَرَةِ، وأشَدُّ تَنْكِيلًا لَهُمُ، التَنْكِيلُ: الأخْذُ بِأنْواعِ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ عَلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً﴾ الآيَةُ. أصْلُ الشَفاعَةِ والشُفْعَةِ ونَحْوِها مِنَ: الشَفْعِ، وهو الزَوْجُ في العَدَدِ، لِأنَّ الشافِعَ ثانٍ لِوَتْرِ المُذْنِبِ والشَفِيعَ ثانٍ لِوَتْرِ المُشْتَرِي. واخْتَلَفَ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَأوِّلُونَ، فَقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: مَن يَشْفَعْ وتْرَ الإسْلامِ بِالمَعُونَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، أو مَن يَشْفَعْ وتْرَ الكُفْرِ بِالمَعُونَةِ عَلى الإسْلامِ. ودَلَّهُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ القِتالِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُمْ: هي في شَفاعاتِ الناسِ بَيْنَهم في حَوائِجِهِمْ، فَمَن يَشْفَعُ لِيَنْفَعَ فَلَهُ نَصِيبٌ، ومَن يَشْفَعُ لِيَضُرَّ فَلَهُ كِفْلٌ. وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: الشَفاعَةُ الحَسَنَةُ هي في البِرِّ والطاعَةِ، والسَيِّئَةُ هي في (p-٦١٧)المَعاصِي،. وهَذا كُلُّهُ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ. والكِفْلُ: النَصِيبُ، ويُسْتَعْمَلُ في النَصِيبِ مِنَ الخَيْرِ ومِنَ الشَرِّ، وفي كِتابِ اللهِ تَعالى: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]. و"مُقِيتًا" مَعْناهُ: قَدِيرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو الزُبَيْرُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: ؎ وذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَفْسَ عنهُ وكُنْتُ عَلى مَساءَتِهِ مُقِيتا أيْ: قَدِيرًا، وعَبَّرَ عنهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: بِحَفِيظٍ وشَهِيدٍ. وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ: بِأنَّهُ الواصِبُ القَيِّمُ بِالأُمُورِ، وهَذا كُلُّهُ يَتَقارَبُ، ومِنهُ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ « "كَفى بِالمَرْءِ إثْمًا أنْ يُضَيِّعَ مَن يُقِيتُ"،» عَلى مَن رَواها هَكَذا، أيْ: مَن هو تَحْتَ قُدْرَتِهِ وفي قَبْضَتِهِ مِن عِيالٍ وغَيْرِهِ، وذَهَبَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ إلى أنَّهُ الَّذِي يَقُوتُ كُلَّ حَيَوانٍ، وهَذا عَلى أنْ يُقالَ: أقاتَ بِمَعْنى قاتَ، وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "مَن يُقِيتُ" مِن أقاتَ، وقَدْ حَكى الكِسائِيُّ: أقاتَ يُقِيتُ، فَأمّا قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ لَيْتَ شِعْرِي وأشْعُرَنَّ إذا ∗∗∗ ما قَرَّبُوها مَطْوِيَّةً ودُعِيتُ ؎ ألِيَ الفَضْلُ أمْ عَلَيَّ إذا حُو ∗∗∗ سِبْتُ؟ إنِّي عَلى الحِسابِ مُقِيتُ فَقالَ فِيهِ الطَبَرِيُّ: إنَّهُ مِن غَيْرِ هَذا المَعْنى المُتَقَدِّمِ، وإنَّهُ بِمَعْنى: مَوْقُوفٌ. (p-٦١٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يُضْعِفُهُ أنْ يَكُونَ بِناءُ فاعِلٍ بِمَعْنى بِناءِ مَفْعُولٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَإذا حُيِّيتُمْ" الآيَةُ، التَحِيَّةُ وزْنُها تَفْعِلَةٌ مِن: حَيِيَ، وهَذا هو الأغْلَبُ مِن مَصْدَرِ فَعِلَ في المُعْتَلِّ، ورُوِيَ عن مالِكٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في تَشْمِيتِ العاطِسِ، وفِيهِ ضَعْفٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ عَلى ذَلِكَ دَلالَةٌ، أمّا أنَّ الرَدَّ عَلى المُشَمِّتِ فَمِمّا يَدْخُلُ بِالقِياسِ في مَعْنى رَدِّ التَحِيَّةِ وهَذا هو مَنحى مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ إنْ صَحَّ ذَلِكَ عنهُ، واللهُ أعْلَمُ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: التَحِيَّةُ أنْ يَقُولَ الرَجُلُ: سَلامٌ عَلَيْكَ، فَيَجِبُ عَلى الآخَرِ أنْ يَقُولَ: عَلَيْكَ السَلامُ ورَحْمَةُ اللهِ، فَإنْ قالَ البادِئُ: السَلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللهِ، قالَ الرادُّ: عَلَيْكَ السَلامُ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكاتُهُ، فَإنْ قالَ البادِئُ: السَلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكاتُهُ فَقَدِ انْتَهى، ولَمْ يَبْقَ لِلرّادِّ أنْ يُحَيِّيَ بِأحْسَنَ مِنها، فَهاهُنا يَقَعُ الرَدُّ المَذْكُورُ في الآيَةِ، فالمَعْنى عِنْدَ أهْلِ هَذِهِ القالَةِ: إذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ، فَإنْ نَقَصَ المُسَلِّمُ مِنَ النِهايَةِ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ، وإنِ انْتَهى فَرُدُّوا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما مَعْنى الآيَةِ تَخْيِيرُ الرادِّ، فَإذا قالَ البادِئُ: السَلامُ عَلَيْكَ، فَلِلرّادِّ أنْ يَقُولَ، وعَلَيْكَ السَلامُ، فَقَطْ، وهَذا هو الرَدُّ، ولَهُ أنْ يَقُولَ: وعَلَيْكَ السَلامُ ورَحْمَةُ اللهِ، وهَذا هو التَحِيَّةُ بِأحْسَنَ مِنها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِالآيَةِ: إذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَإنْ كانَتْ مِن مُؤْمِنٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها، وإنْ كانَتْ مِن كافِرٍ فَرُدُّوا عَلى ما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يُقالَ لَهُمْ: « "وَعَلَيْكُمْ".» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وغَيْرِهِما: انْتَهى السَلامُ إلى البَرَكَةِ، وجُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ عَلى ألّا يُبْدَأ أهْلُ الكِتابِ بِسَلامٍ، فَإنْ سَلَّمَ أحَدٌ ساهِيًا أو جاهِلًا فَيَنْبَغِي أنْ يَسْتَقِيلَهُ سَلامُهُ، وشَذَّ قَوْمٌ في إباحَةِ ابْتِدائِهِمْ، والأوَّلُ أصْوَبُ، لِأنَّ بِهِ يُتَصَوَّرُ إذْلالُهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ مَن سَلَّمَ عَلَيْكَ مِن خَلْقِ اللهِ فَرُدَّ عَلَيْهِ وإنْ كانَ مَجُوسِيًّا، وقالَ عَطاءٌ: الآيَةُ في المُؤْمِنِينَ خاصَّةً، ومَن سَلَّمَ مِن غَيْرِهِمْ قِيلَ لَهُ: (p-٦١٩)عَلَيْكَ، كَما في الحَدِيثِ. وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ الِابْتِداءَ بِالسَلامِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، ورَدَّهُ فَرِيضَةٌ، لِأنَّهُ حَقٌّ مِنَ الحُقُوقِ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وغَيْرُهُ. و"حَسِيبًا" مَعْناهُ: حَفِيظًا، وهو فَعِيلٌ مِنَ الحِسابِ، وحَسُنَتْ هاهُنا هَذِهِ الصِفَةُ إذْ مَعْنى الآيَةِ في أنْ يَزِيدَ الإنْسانُ أو يَنْقُصَ أو يُوَفِّيَ قَدْرَ ما يَجِيءُ بِهِ.

النساء 4:86

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسى اللهِ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا واللهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلا﴾ ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها وكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ ﴿وَإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أو رُدُّوها إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ هَذا أمْرٌ في ظاهِرِ اللَفْظِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وحْدَهُ، لَكِنْ لَمْ نَجِدْ قَطُّ في خَبَرٍ أنَّ القِتالَ فُرِضَ عَلى النَبِيِّ ﷺ دُونَ الأُمَّةِ مُدَّةً ما، المَعْنى -واللهُ أعْلَمُ- أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في اللَفْظِ، وهو مِثالُ ما يُقالُ لِكُلِّ واحِدٍ في خاصَّةِ نَفْسِهِ، (p-٦١٦)أيْ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ وكُلُّ واحِدٍ مِن أُمَّتِكَ القَوْلُ لَهُ: ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾، ولِهَذا يَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَسْتَشْعِرَ أنْ يُجاهِدَ ولَوْ وحْدَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "واللهِ لَأُقاتِلَنَّهم حَتّى تَنْفَرِدَ سالِفَتِي"» وقَوْلُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقْتَ الرِدَّةِ: "وَلَوْ خالَفَتْنِي يَمِينِي لَجاهَدْتُها بِشِمالِي". وخَلَطَ قَوْمٌ في تَعَلُّقِ الفاءِ مِن قَوْلِهِ: "فَقاتِلْ" بِما فِيهِ بُعْدٌ، والوَجْهُ أنَّها عاطِفَةُ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ، وهي دالَّةٌ عَلى اطِّراحِ غَيْرِ ما أُمِرَ بِهِ، ثُمَّ خَصَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِالأمْرِ بِالتَحْرِيضِ، أيْ: حُثَّ المُؤْمِنِينَ عَلى القِيامِ بِالفَرْضِ الواجِبِ عَلَيْهِمْ. و"عَسى" إذا ورَدَتْ مِنَ اللهِ تَعالى، فَقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: إنَّها واجِبَةٌ، لِأنَّها مِنَ البَشَرِ مُتَوَقَّعَةٌ مَرْجُوَّةٌ، فَفَضْلُ اللهِ تَعالى يُوجِبُ وُجُوبَها، وفي هَذا وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِغَلَبَتِهِمْ لِلْكَفَرَةِ، ثُمَّ قَوّى -بَعْدَ ذَلِكَ- قُلُوبَهم بِأنْ عَرَّفَهم شِدَّةَ بَأْسِ اللهِ، وأنَّهُ أقْدَرُ عَلى الكَفَرَةِ، وأشَدُّ تَنْكِيلًا لَهُمُ، التَنْكِيلُ: الأخْذُ بِأنْواعِ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ عَلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً﴾ الآيَةُ. أصْلُ الشَفاعَةِ والشُفْعَةِ ونَحْوِها مِنَ: الشَفْعِ، وهو الزَوْجُ في العَدَدِ، لِأنَّ الشافِعَ ثانٍ لِوَتْرِ المُذْنِبِ والشَفِيعَ ثانٍ لِوَتْرِ المُشْتَرِي. واخْتَلَفَ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَأوِّلُونَ، فَقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: مَن يَشْفَعْ وتْرَ الإسْلامِ بِالمَعُونَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، أو مَن يَشْفَعْ وتْرَ الكُفْرِ بِالمَعُونَةِ عَلى الإسْلامِ. ودَلَّهُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ القِتالِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُمْ: هي في شَفاعاتِ الناسِ بَيْنَهم في حَوائِجِهِمْ، فَمَن يَشْفَعُ لِيَنْفَعَ فَلَهُ نَصِيبٌ، ومَن يَشْفَعُ لِيَضُرَّ فَلَهُ كِفْلٌ. وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: الشَفاعَةُ الحَسَنَةُ هي في البِرِّ والطاعَةِ، والسَيِّئَةُ هي في (p-٦١٧)المَعاصِي،. وهَذا كُلُّهُ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ. والكِفْلُ: النَصِيبُ، ويُسْتَعْمَلُ في النَصِيبِ مِنَ الخَيْرِ ومِنَ الشَرِّ، وفي كِتابِ اللهِ تَعالى: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]. و"مُقِيتًا" مَعْناهُ: قَدِيرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو الزُبَيْرُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: ؎ وذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَفْسَ عنهُ وكُنْتُ عَلى مَساءَتِهِ مُقِيتا أيْ: قَدِيرًا، وعَبَّرَ عنهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: بِحَفِيظٍ وشَهِيدٍ. وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ: بِأنَّهُ الواصِبُ القَيِّمُ بِالأُمُورِ، وهَذا كُلُّهُ يَتَقارَبُ، ومِنهُ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ « "كَفى بِالمَرْءِ إثْمًا أنْ يُضَيِّعَ مَن يُقِيتُ"،» عَلى مَن رَواها هَكَذا، أيْ: مَن هو تَحْتَ قُدْرَتِهِ وفي قَبْضَتِهِ مِن عِيالٍ وغَيْرِهِ، وذَهَبَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ إلى أنَّهُ الَّذِي يَقُوتُ كُلَّ حَيَوانٍ، وهَذا عَلى أنْ يُقالَ: أقاتَ بِمَعْنى قاتَ، وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "مَن يُقِيتُ" مِن أقاتَ، وقَدْ حَكى الكِسائِيُّ: أقاتَ يُقِيتُ، فَأمّا قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ لَيْتَ شِعْرِي وأشْعُرَنَّ إذا ∗∗∗ ما قَرَّبُوها مَطْوِيَّةً ودُعِيتُ ؎ ألِيَ الفَضْلُ أمْ عَلَيَّ إذا حُو ∗∗∗ سِبْتُ؟ إنِّي عَلى الحِسابِ مُقِيتُ فَقالَ فِيهِ الطَبَرِيُّ: إنَّهُ مِن غَيْرِ هَذا المَعْنى المُتَقَدِّمِ، وإنَّهُ بِمَعْنى: مَوْقُوفٌ. (p-٦١٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يُضْعِفُهُ أنْ يَكُونَ بِناءُ فاعِلٍ بِمَعْنى بِناءِ مَفْعُولٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَإذا حُيِّيتُمْ" الآيَةُ، التَحِيَّةُ وزْنُها تَفْعِلَةٌ مِن: حَيِيَ، وهَذا هو الأغْلَبُ مِن مَصْدَرِ فَعِلَ في المُعْتَلِّ، ورُوِيَ عن مالِكٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في تَشْمِيتِ العاطِسِ، وفِيهِ ضَعْفٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ عَلى ذَلِكَ دَلالَةٌ، أمّا أنَّ الرَدَّ عَلى المُشَمِّتِ فَمِمّا يَدْخُلُ بِالقِياسِ في مَعْنى رَدِّ التَحِيَّةِ وهَذا هو مَنحى مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ إنْ صَحَّ ذَلِكَ عنهُ، واللهُ أعْلَمُ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: التَحِيَّةُ أنْ يَقُولَ الرَجُلُ: سَلامٌ عَلَيْكَ، فَيَجِبُ عَلى الآخَرِ أنْ يَقُولَ: عَلَيْكَ السَلامُ ورَحْمَةُ اللهِ، فَإنْ قالَ البادِئُ: السَلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللهِ، قالَ الرادُّ: عَلَيْكَ السَلامُ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكاتُهُ، فَإنْ قالَ البادِئُ: السَلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكاتُهُ فَقَدِ انْتَهى، ولَمْ يَبْقَ لِلرّادِّ أنْ يُحَيِّيَ بِأحْسَنَ مِنها، فَهاهُنا يَقَعُ الرَدُّ المَذْكُورُ في الآيَةِ، فالمَعْنى عِنْدَ أهْلِ هَذِهِ القالَةِ: إذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ، فَإنْ نَقَصَ المُسَلِّمُ مِنَ النِهايَةِ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ، وإنِ انْتَهى فَرُدُّوا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما مَعْنى الآيَةِ تَخْيِيرُ الرادِّ، فَإذا قالَ البادِئُ: السَلامُ عَلَيْكَ، فَلِلرّادِّ أنْ يَقُولَ، وعَلَيْكَ السَلامُ، فَقَطْ، وهَذا هو الرَدُّ، ولَهُ أنْ يَقُولَ: وعَلَيْكَ السَلامُ ورَحْمَةُ اللهِ، وهَذا هو التَحِيَّةُ بِأحْسَنَ مِنها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِالآيَةِ: إذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَإنْ كانَتْ مِن مُؤْمِنٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها، وإنْ كانَتْ مِن كافِرٍ فَرُدُّوا عَلى ما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يُقالَ لَهُمْ: « "وَعَلَيْكُمْ".» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وغَيْرِهِما: انْتَهى السَلامُ إلى البَرَكَةِ، وجُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ عَلى ألّا يُبْدَأ أهْلُ الكِتابِ بِسَلامٍ، فَإنْ سَلَّمَ أحَدٌ ساهِيًا أو جاهِلًا فَيَنْبَغِي أنْ يَسْتَقِيلَهُ سَلامُهُ، وشَذَّ قَوْمٌ في إباحَةِ ابْتِدائِهِمْ، والأوَّلُ أصْوَبُ، لِأنَّ بِهِ يُتَصَوَّرُ إذْلالُهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ مَن سَلَّمَ عَلَيْكَ مِن خَلْقِ اللهِ فَرُدَّ عَلَيْهِ وإنْ كانَ مَجُوسِيًّا، وقالَ عَطاءٌ: الآيَةُ في المُؤْمِنِينَ خاصَّةً، ومَن سَلَّمَ مِن غَيْرِهِمْ قِيلَ لَهُ: (p-٦١٩)عَلَيْكَ، كَما في الحَدِيثِ. وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ الِابْتِداءَ بِالسَلامِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، ورَدَّهُ فَرِيضَةٌ، لِأنَّهُ حَقٌّ مِنَ الحُقُوقِ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وغَيْرُهُ. و"حَسِيبًا" مَعْناهُ: حَفِيظًا، وهو فَعِيلٌ مِنَ الحِسابِ، وحَسُنَتْ هاهُنا هَذِهِ الصِفَةُ إذْ مَعْنى الآيَةِ في أنْ يَزِيدَ الإنْسانُ أو يَنْقُصَ أو يُوَفِّيَ قَدْرَ ما يَجِيءُ بِهِ.

النساء 4:87

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللهُ حَدِيثًا﴾ ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ واللهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللهُ ومَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ لَمّا تَقَدَّمَ الإنْذارُ والتَحْذِيرُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦] تَلاهُ مُقَوِّيًا لَهُ الإعْلامُ بِصِفَةِ الرُبُوبِيَّةِ وحالِ الوَحْدانِيَّةِ، والإعْلامُ بِالحَشْرِ والبَعْثِ مِنَ القُبُورِ لِلثَّوابِ والعِقابِ، إعْلامًا بِقَسَمٍ، والمُقْسَمُ بِهِ تَقْدِيرُهُ: وهُوَ، أو: وحَقِّهِ، أو: وعَظَمَتِهِ "لَيَجْمَعَنَّكُمْ". والجَمْعُ هُنا: الحَشْرُ، فَلِذَلِكَ حَسُنَتْ بَعْدَهُ "إلى"، أيْ: إلَيْهِ السَوْقُ والحَشْرُ، و"القِيامَةِ" أصْلُها: القِيامُ، ولَمّا كانَ قِيامُ الحَشْرِ مِن أذَلِّ الحالِ وأضْعَفِها إلى أشَدِّ الأهْوالِ وأعْظَمِها لَحِقَتْهُ هاءُ المُبالَغَةِ. و"لا رَيْبَ فِيهِ" تَبْرِئَةٌ هي وما بَعْدَها بِمَثابَةِ الِابْتِداءِ تَطْلُبُ الخَبَرَ، ومَعْناهُ: لا رَيْبَ فِيهِ في نَفْسِهِ وحَقِيقَةِ أمْرِهِ، وإنِ ارْتابَ فِيهِ الكَفَرَةُ فَغَيْرُ ضائِرٍ. ﴿وَمَن أصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا﴾ ظاهِرُهُ الِاسْتِفْهامُ، ومَعْناهُ: تَقْرِيرُ الخَبَرِ، تَقْدِيرُهُ: لا أحَدَ أصْدَقُ مِنَ اللهِ تَعالى، لِأنَّ دُخُولَ الكَذِبِ في حَدِيثِ البَشَرِ إنَّما عِلَّتُهُ الخَوْفُ والرَجاءُ، أو سُوءُ السَجِيَّةِ، وهَذِهِ مَنفِيَّةٌ في حَقِّ اللهِ تَعالى وتَقَدَّسَتْ أسْماؤُهُ، والصِدْقُ في حَقِيقَتِهِ أنْ يَكُونَ ما يَجْرِي عَلى لِسانِ المُخْبِرِ مُوافِقًا لِما في قَلْبِهِ ولِلْأمْرِ المُخْبَرِ عنهُ في وُجُودِهِ، و"حَدِيثًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ﴾ الآيَةُ. الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهَذا ظاهِرُهُ (p-٦٢٠)اسْتِفْهامٌ، والمَقْصِدُ مِنهُ التَوْبِيخُ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِي: مَنِ المُرادُ بِالمُنافِقِينَ؟، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قَوْمٌ كانُوا بِمَكَّةَ فَكَتَبُوا إلى أصْحابِ النَبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ، أنَّهم قَدْ آمَنُوا وتَرَكُوا الهِجْرَةَ، وأقامُوا بَيْنَ أظْهُرِ الكُفّارِ، ثُمَّ سافَرَ قَوْمٌ مِنهم إلى الشامِ فَأعْطَتْهم قُرَيْشٌ بِضاعاتٍ، وقالُوا لَهُمْ: إنَّكم لا تَخافُونَ أصْحابَ مُحَمَّدٍ، لِأنَّكم تَخْدَعُونَهم بِإظْهارِ الإيمانِ لَهُمْ، فاتَّصَلَ خَبَرُهم بِالمَدِينَةِ، فاخْتَلَفَ المُؤْمِنُونَ فِيهِمْ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: نَخْرُجُ إلى أعْداءِ اللهِ المُنافِقِينَ، وقالَتْ طائِفَةٌ: بَلْ هم مُؤْمِنُونَ لا سَبِيلَ لَنا إلَيْهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَلْ نَزَلَتْ في قَوْمٍ جاؤُوا إلى المَدِينَةِ مِن مَكَّةَ، فَأظْهَرُوا الإسْلامَ، ثُمَّ قالُوا: لَنا بِضاعاتٌ بِمَكَّةَ فانْصَرَفُوا إلَيْها، وأبْطَنُوا الكُفْرَ، فاخْتَلَفَ فِيهِمْ أصْحابُ النَبِيِّ ﷺ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانِ القَوْلانِ يُعَضِّدُهُما ما في آخِرِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾ [النساء: ٨٩]. قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ رَجَعُوا عن رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، لِأنَّ أصْحابَ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ اخْتَلَفُوا فِيهِمْ. وقالَ السُدِّيُّ: بَلْ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مُنافِقِينَ كانُوا بِالمَدِينَةِ فَطَلَبُوا الخُرُوجَ عنها نِفاقًا وكُفْرًا، وقالُوا: إنّا اجْتَوَيْناها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّما نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا في حَدِيثِ الإفْكِ، لِأنَّ الصَحابَةَ اخْتَلَفُوا فِيهِمْ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الِاخْتِلافُ في هَذِهِ النازِلَةِ كانَ بَيْنَ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، وسَعْدِ بْنِ عُبادَةَ حَسْبَما وقَعَ في البُخارِيِّ، وكانَ لِكُلِّ واحِدٍ أتْباعٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى قَوْلِهِ، وكُلُّ مَن قالَ في هَذِهِ (p-٦٢١)الآيَةِ إنَّها فِيمَن كانَ بِالمَدِينَةِ يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "حَتّى يُهاجِرُوا" لَكِنَّهم يُخْرِجُونَ المُهاجَرَةَ إلى هَجْرِ ما نَهى اللهُ عنهُ، وتَرْكِ الخِلافِ والنِفاقِ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهى اللهُ عنهُ".» و"فِئَتَيْنِ" مَعْناهُ: فِرْقَتَيْنِ، ونَصْبُهُما عَلى الحالِ، كَما تَقُولُ: ما لَكَ قائِمًا، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: نَصْبُهُ بِما يَتَضَمَّنُهُ "فَما لَكُمْ" مِنَ الفِعْلِ، والتَقْدِيرُ: ما لَكم كُنْتُمْ فِئَتَيْنِ، أو صِرْتُمْ، وهَذا الفِعْلُ المُقَدَّرُ يَنْصِبُ عِنْدَهُمُ النَكِرَةَ والمَعْرِفَةَ، كَما تَقُولُ: مالِكٌ الشاتِمَ لِزَيْدٍ، وخَطَّأ هَذا القَوْلَ الزَجّاجُ، لِأنَّ المَعْرِفَةَ لا تَكُونُ حالًا. و"أرْكَسَهُمْ" مَعْناهُ: رَجَعَهم في كُفْرِهِمْ وضَلالِهِمْ، والرِكْسُ: الرَجِيعُ، ومِنهُ حَدِيثُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الِاسْتِنْجاءِ: « "فَأخَذَ الحَجَرَيْنِ، وألْقى الرَوْثَةَ وقالَ إنَّها رِكْسٌ"،» ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ: ؎ فَأُرْكِسُوا في حَمِيمِ النارِ إنَّهُمُ كانُوا عُصاةً وقالُوا الإفْكَ والزُورا وحَكى النَضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، والكِسائِيُّ: رَكَسَ وأرْكَسَ بِمَعْنىً واحِدٍ، أيْ: رَجَعَهُمْ، ومَن قالَ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: أهْلَكَهُمْ، أو أضَلَّهم فَإنَّما هي بِالمَعْنى، لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَتَضَمَّنُهُ رَدُّهم إلى الكُفْرِ. و"بِماكَسَبُوا" مَعْناهُ: بِما اجْتَرَحُوا مِنَ الكُفْرِ والنِفاقِ، أيْ إنَّ كُفْرَهم بِخَلْقٍ مِنَ اللهِ واخْتِراعٍ، وبِتَكَسُّبٍ مِنهُمْ، وقَوْلُهُ: "أتُرِيدُونَ" اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإبْعادُ واليَأْسُ مِمّا أرادُوهُ، والمَعْنى: أتُرِيدُونَ أيُّها المُؤْمِنُونَ القائِلُونَ بِأنَّ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ مُؤْمِنُونَ أنْ (p-٦٢٢)تَسِمُوا بِالهُدى مَن قَدْ يَسَّرَهُ اللهُ لِضَلالَةٍ وحَتَّمَها عَلَيْهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ "وَمَن يُضْلِلِ" فَلا سَبِيلَ إلى إصْلاحِهِ ولا إلى إرْشادِهِ.

النساء 4:88

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللهُ حَدِيثًا﴾ ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ واللهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللهُ ومَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ لَمّا تَقَدَّمَ الإنْذارُ والتَحْذِيرُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦] تَلاهُ مُقَوِّيًا لَهُ الإعْلامُ بِصِفَةِ الرُبُوبِيَّةِ وحالِ الوَحْدانِيَّةِ، والإعْلامُ بِالحَشْرِ والبَعْثِ مِنَ القُبُورِ لِلثَّوابِ والعِقابِ، إعْلامًا بِقَسَمٍ، والمُقْسَمُ بِهِ تَقْدِيرُهُ: وهُوَ، أو: وحَقِّهِ، أو: وعَظَمَتِهِ "لَيَجْمَعَنَّكُمْ". والجَمْعُ هُنا: الحَشْرُ، فَلِذَلِكَ حَسُنَتْ بَعْدَهُ "إلى"، أيْ: إلَيْهِ السَوْقُ والحَشْرُ، و"القِيامَةِ" أصْلُها: القِيامُ، ولَمّا كانَ قِيامُ الحَشْرِ مِن أذَلِّ الحالِ وأضْعَفِها إلى أشَدِّ الأهْوالِ وأعْظَمِها لَحِقَتْهُ هاءُ المُبالَغَةِ. و"لا رَيْبَ فِيهِ" تَبْرِئَةٌ هي وما بَعْدَها بِمَثابَةِ الِابْتِداءِ تَطْلُبُ الخَبَرَ، ومَعْناهُ: لا رَيْبَ فِيهِ في نَفْسِهِ وحَقِيقَةِ أمْرِهِ، وإنِ ارْتابَ فِيهِ الكَفَرَةُ فَغَيْرُ ضائِرٍ. ﴿وَمَن أصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا﴾ ظاهِرُهُ الِاسْتِفْهامُ، ومَعْناهُ: تَقْرِيرُ الخَبَرِ، تَقْدِيرُهُ: لا أحَدَ أصْدَقُ مِنَ اللهِ تَعالى، لِأنَّ دُخُولَ الكَذِبِ في حَدِيثِ البَشَرِ إنَّما عِلَّتُهُ الخَوْفُ والرَجاءُ، أو سُوءُ السَجِيَّةِ، وهَذِهِ مَنفِيَّةٌ في حَقِّ اللهِ تَعالى وتَقَدَّسَتْ أسْماؤُهُ، والصِدْقُ في حَقِيقَتِهِ أنْ يَكُونَ ما يَجْرِي عَلى لِسانِ المُخْبِرِ مُوافِقًا لِما في قَلْبِهِ ولِلْأمْرِ المُخْبَرِ عنهُ في وُجُودِهِ، و"حَدِيثًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ﴾ الآيَةُ. الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهَذا ظاهِرُهُ (p-٦٢٠)اسْتِفْهامٌ، والمَقْصِدُ مِنهُ التَوْبِيخُ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِي: مَنِ المُرادُ بِالمُنافِقِينَ؟، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قَوْمٌ كانُوا بِمَكَّةَ فَكَتَبُوا إلى أصْحابِ النَبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ، أنَّهم قَدْ آمَنُوا وتَرَكُوا الهِجْرَةَ، وأقامُوا بَيْنَ أظْهُرِ الكُفّارِ، ثُمَّ سافَرَ قَوْمٌ مِنهم إلى الشامِ فَأعْطَتْهم قُرَيْشٌ بِضاعاتٍ، وقالُوا لَهُمْ: إنَّكم لا تَخافُونَ أصْحابَ مُحَمَّدٍ، لِأنَّكم تَخْدَعُونَهم بِإظْهارِ الإيمانِ لَهُمْ، فاتَّصَلَ خَبَرُهم بِالمَدِينَةِ، فاخْتَلَفَ المُؤْمِنُونَ فِيهِمْ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: نَخْرُجُ إلى أعْداءِ اللهِ المُنافِقِينَ، وقالَتْ طائِفَةٌ: بَلْ هم مُؤْمِنُونَ لا سَبِيلَ لَنا إلَيْهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَلْ نَزَلَتْ في قَوْمٍ جاؤُوا إلى المَدِينَةِ مِن مَكَّةَ، فَأظْهَرُوا الإسْلامَ، ثُمَّ قالُوا: لَنا بِضاعاتٌ بِمَكَّةَ فانْصَرَفُوا إلَيْها، وأبْطَنُوا الكُفْرَ، فاخْتَلَفَ فِيهِمْ أصْحابُ النَبِيِّ ﷺ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانِ القَوْلانِ يُعَضِّدُهُما ما في آخِرِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾ [النساء: ٨٩]. قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ رَجَعُوا عن رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، لِأنَّ أصْحابَ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ اخْتَلَفُوا فِيهِمْ. وقالَ السُدِّيُّ: بَلْ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مُنافِقِينَ كانُوا بِالمَدِينَةِ فَطَلَبُوا الخُرُوجَ عنها نِفاقًا وكُفْرًا، وقالُوا: إنّا اجْتَوَيْناها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّما نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا في حَدِيثِ الإفْكِ، لِأنَّ الصَحابَةَ اخْتَلَفُوا فِيهِمْ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الِاخْتِلافُ في هَذِهِ النازِلَةِ كانَ بَيْنَ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، وسَعْدِ بْنِ عُبادَةَ حَسْبَما وقَعَ في البُخارِيِّ، وكانَ لِكُلِّ واحِدٍ أتْباعٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى قَوْلِهِ، وكُلُّ مَن قالَ في هَذِهِ (p-٦٢١)الآيَةِ إنَّها فِيمَن كانَ بِالمَدِينَةِ يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "حَتّى يُهاجِرُوا" لَكِنَّهم يُخْرِجُونَ المُهاجَرَةَ إلى هَجْرِ ما نَهى اللهُ عنهُ، وتَرْكِ الخِلافِ والنِفاقِ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهى اللهُ عنهُ".» و"فِئَتَيْنِ" مَعْناهُ: فِرْقَتَيْنِ، ونَصْبُهُما عَلى الحالِ، كَما تَقُولُ: ما لَكَ قائِمًا، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: نَصْبُهُ بِما يَتَضَمَّنُهُ "فَما لَكُمْ" مِنَ الفِعْلِ، والتَقْدِيرُ: ما لَكم كُنْتُمْ فِئَتَيْنِ، أو صِرْتُمْ، وهَذا الفِعْلُ المُقَدَّرُ يَنْصِبُ عِنْدَهُمُ النَكِرَةَ والمَعْرِفَةَ، كَما تَقُولُ: مالِكٌ الشاتِمَ لِزَيْدٍ، وخَطَّأ هَذا القَوْلَ الزَجّاجُ، لِأنَّ المَعْرِفَةَ لا تَكُونُ حالًا. و"أرْكَسَهُمْ" مَعْناهُ: رَجَعَهم في كُفْرِهِمْ وضَلالِهِمْ، والرِكْسُ: الرَجِيعُ، ومِنهُ حَدِيثُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الِاسْتِنْجاءِ: « "فَأخَذَ الحَجَرَيْنِ، وألْقى الرَوْثَةَ وقالَ إنَّها رِكْسٌ"،» ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ: ؎ فَأُرْكِسُوا في حَمِيمِ النارِ إنَّهُمُ كانُوا عُصاةً وقالُوا الإفْكَ والزُورا وحَكى النَضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، والكِسائِيُّ: رَكَسَ وأرْكَسَ بِمَعْنىً واحِدٍ، أيْ: رَجَعَهُمْ، ومَن قالَ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: أهْلَكَهُمْ، أو أضَلَّهم فَإنَّما هي بِالمَعْنى، لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَتَضَمَّنُهُ رَدُّهم إلى الكُفْرِ. و"بِماكَسَبُوا" مَعْناهُ: بِما اجْتَرَحُوا مِنَ الكُفْرِ والنِفاقِ، أيْ إنَّ كُفْرَهم بِخَلْقٍ مِنَ اللهِ واخْتِراعٍ، وبِتَكَسُّبٍ مِنهُمْ، وقَوْلُهُ: "أتُرِيدُونَ" اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإبْعادُ واليَأْسُ مِمّا أرادُوهُ، والمَعْنى: أتُرِيدُونَ أيُّها المُؤْمِنُونَ القائِلُونَ بِأنَّ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ مُؤْمِنُونَ أنْ (p-٦٢٢)تَسِمُوا بِالهُدى مَن قَدْ يَسَّرَهُ اللهُ لِضَلالَةٍ وحَتَّمَها عَلَيْهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ "وَمَن يُضْلِلِ" فَلا سَبِيلَ إلى إصْلاحِهِ ولا إلى إرْشادِهِ.

النساء 4:89

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أولِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللهِ فَإنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهم ولا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ الضَمِيرُ في "وَدُّوا" عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ، وهَذا كَشْفٌ مِنَ اللهِ لِخُبْثِ مُعْتَقَدِهِمْ، وتَحْذِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنهُمْ، والمَعْنى: تَمَنَّوْا كُفْرَكُمْ، وهي غايَةُ المَصائِبِ بِكُمْ، هَذا الوَدُّ مِنهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عن حَسَدٍ مِنهم لَهم عَلى ما يَرَوْنَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن ظُهُورٍ في الدُنْيا فَتَجْرِي الآيَةُ: مَعَ ودِّ كَثِيرٍ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، ويَحْتَمِلُ أمْرُ المُنافِقِينَ أنْ يَكُونَ أنَّهم رَأوُا المُؤْمِنِينَ عَلى غَيْرِ شَيْءٍ فَوَدُّوا رُجُوعَهم إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، والأوَّلُ أظْهَرُ. وقَوْلُهُ: "فَلا تَتَّخِذُوا" الآيَةُ، هَذا نَهْيٌ عن مُوالاتِهِمْ حَتّى يُهاجِرُوا، لِأنَّ الهِجْرَةَ في سَبِيلِ اللهِ تَتَضَمَّنُ الإيمانَ، و"فِي سَبِيلِ اللهِ" مَعْناهُ: في طَرِيقِ مَرْضاةِ اللهِ، لِأنَّ سُبُلَ اللهِ كَثِيرَةٌ، وهي طاعاتُهُ كُلُّها، المَعْنى: فَإنْ أعْرَضُوا عَنِ الهِجْرَةِ وتَوَلَّوْا عَنِ الإيمانِ فَخُذُوهُمْ، وهَذا أمْرٌ بِالحَمْلِ عَلَيْهِمْ، ومُجاهَرَتِهِمْ بِالقِتالِ.

النساء 4:90

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ أو جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم أنْ يُقاتِلُوكم أو يُقاتِلُوا قَوْمَهم ولَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم فَلَقاتَلُوكم فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَلَمَ فَما جَعَلَ اللهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾ كانَ هَذا الحُكْمُ في أوَّلِ الإسْلامِ قَبْلَ أنْ يَسْتَحْكِمَ أمْرُ الطاعَةِ مِنَ الناسِ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ هادَنَ مِنَ العَرَبِ قَبائِلَ، كَرَهْطِ هِلالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيِّ، وسُراقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، وخُزَيْمَةَ بْنِ عامِرِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ، فَقَضَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِأنَّهُ مَن وصَلَ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا عَهْدَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَبِيِّ ﷺ إلى هَؤُلاءِ أهْلِ العَهْدِ، فَدَخَلَ في عِدادِهِمْ وفَعَلَ مِنَ المُوادَعَةِ، فَلا سَبِيلَ عَلَيْهِ. قالَ عِكْرِمَةُ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: ثُمَّ لَمّا تَقَوّى الإسْلامُ وكَثُرَ ناصِرُوهُ نُسِخَتْ هَذِهِ والَّتِي بَعْدَها بِما في سُورَةِ [بَراءَةٍ]، (p-٦٢٣)وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وغَيْرُهُ: "يَصِلُونَ" -فِي هَذا المَوْضِعِ- مَعْناهُ: يَنْتَسِبُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ إذا اتَّصَلَتْ قالَتْ لِبَكْرِ بْنِ وائِلٍ وبَكْرٌ سَبَتْها والأُنُوفُ رَواغِمُ يُرِيدُ إذا انْتَسَبَتْ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا غَيْرُ صَحِيحٍ، قالَ الطَبَرِيُّ: قِتالُ رَسُولِ اللهِ ﷺ قُرَيْشًا وهم قَرابَةُ السابِقِينَ إلى الإسْلامِ يَقْضِي بِأنَّ قَرابَةَ مَن لَهُ مِيثاقٌ أجْدَرُ بِأنْ تُقاتَلَ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمْ يُقاتِلْ قُرَيْشًا إلّا بَعْدَ نَسْخِ هَذِهِ الآيَةِ، قِيلَ: التَوارِيخُ تَقْضِي بِخِلافِ ذَلِكَ، لِأنَّ الناسِخَ لِهَذِهِ الآيَةِ هي سُورَةُ [بَراءَةٍ]، ونَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وإسْلامِ جَمِيعِ قُرَيْشٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أو جاءُوكُمْ" عُطِفَ عَلى: "يَصِلُونَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾، والمَعْنى في العَطْفَيْنِ مُخْتَلِفٌ، وهَذا أيْضًا حُكْمٌ كانَ قَبْلَ أنْ يَسْتَحْكِمَ أمْرُ الإسْلامِ، فَكانَ المُشْرِكُ إذا اعْتَزَلَ القِتالَ، وجاءَ إلى دارِ الإسْلامِ مُسالِمًا كارِهًا لِقِتالِ قَوْمِهِ، مَعَ المُسْلِمِينَ، ولِقِتالِ المُسْلِمِينَ مَعَ قَوْمِهِ، لا سَبِيلَ عَلَيْهِ، وهَذِهِ نُسِخَتْ أيْضًا بِما في [بَراءَةٍ]. و"حَصِرَتْ": ضاقَتْ وحَرِجَتْ، ومِنهُ الحَصَرُ في القَوْلِ، وهُوَ: ضِيقُ الكَلامِ عَلى المُتَكَلِّمِ. (p-٦٢٤)وَقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: "حَصِرَةٌ"، كَذا قالَ الطَبَرِيُّ، وحَكى ذَلِكَ المَهْدَوِيُّ عن عاصِمٍ مِن رِوايَةِ حَفْصٍ، وحُكِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: "حَصِراتٌ"، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ سَقَطَ: "أو جاءُوكُمْ"، و"حَصِرَتْ" عِنْدَ جُمْهُورِ النَحْوِيِّينَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ: قَدْ حَصِرَتْ.. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَصْحَبُ الفِعْلَ الماضِيَ إذا كانَ في مَوْضِعِ الحالِ، والداعِي إلَيْهِ أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ تَقْدِيرِ الحالِ وبَيْنَ خَبَرٍ مُسْتَأْنِفٍ، كَقَوْلِكَ: "جاءَ زَيْدٌ رَكِبَ الفَرَسَ"، فَإنْ أرَدْتَ بِقَوْلِكَ: "رَكِبَ الفَرَسَ" خَبَرًا آخَرَ عن زَيْدٍ لَمْ تَحْتَجْ إلى تَقْدِيرِ "قَدْ"، وإنْ أرَدْتَ بِهِ الحالَ مِن زَيْدٍ قَدَّرْتَهُ بِـ "قَدْ"، قالَ الزَجّاجُ: "حَصِرَتْ": خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وقالَ المُبَرِّدُ: "حَصِرَتْ": دُعاءٌ عَلَيْهِمْ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: لا يَصِحُّ هُنا الدُعاءُ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي الدُعاءَ عَلَيْهِمْ بِألّا يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ، ذَلِكَ فاسِدٌ. قالَ المُؤَلِّفُ: وقَوْلُ المُبَرِّدِ يُخَرَّجُ عَلى أنَّ الدُعاءَ عَلَيْهِمْ بِألّا يُقاتِلُوا المُسْلِمِينَ تَعْجِيزٌ لَهُمْ، والدُعاءَ عَلَيْهِمْ بِألّا يُقاتِلُوا قَوْمَهم تَحْقِيرٌ لَهُمْ، أيْ: هم أقَلُّ وأحْقَرُ، ويُسْتَغْنى عنهُمْ، كَما تَقُولُ إذا أرَدْتَ هَذا المَعْنى: لا جَعَلَ اللهُ فُلانًا عَلَيَّ ولا مَعِيَ أيْضًا، بِمَعْنى: أسْتَغْنِي عنهُ وأسْتَقِلُّ دُونَهُ. واللامُ في قَوْلِهِ: "لَسَلَّطَهُمْ" جَوابُ "وَلَوْ"، وفي قَوْلِهِ: "فَلَقاتَلُوكُمْ" لامُ المُحاذاةِ والِازْدِواجِ، لِأنَّها بِمَثابَةِ الأُولى، لَوْ لَمْ تَكُنِ الأُولى كُنْتَ تَقُولُ: لَوْ شاءَ اللهُ لَقاتَلُوكُمْ، والمَعْنى تَقْرِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلى مِقْدارِ النِقْمَةِ وصَرْفِها، أيْ: لَوْ شاءَ اللهُ لَقَوّاهم وجَرَّأهم عَلَيْكُمْ، فَإذْ قَدْ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْكم بِالهُدْنَةِ فاقْبَلُوها وأطِيعُوا فِيها. وقَرَأتْ طائِفَةٌ "فَلَقَتَلُوكُمْ"، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والحَسَنُ: "فَلَقَتَّلُوكُمْ" بِتَشْدِيدِ التاءِ، والمَعْنى: "فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ" أيْ: هادَنُوكم وتارَكُوكم في القَتْلِ. و"السَلَمَ" هُنا: الصُلْحُ، قالَهُ الرَبِيعُ، ومِنهُ قَوْلُ الطِرِمّاحِ بْنِ حَكِيمٍ: (p-٦٢٥)وَذاكَ أنَّ تَمِيمًا غادَرَتْ سَلَمًا لِلْأسْدِ كُلَّ حَصانٍ رَعْثَةِ الكَبِدِ وقالَ الرَبِيعُ: السَلَمُ هاهُنا الصُلْحُ، وكَذا قَرَأتْهُ عامَّةُ القُرّاءِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ "السَلْمَ" بِسُكُونِ اللامِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "السِلْمَ" بِكَسْرِ السِينِ وسُكُونِ اللامِ، فَمَعْنى جُمْلَةِ هَذِهِ الآيَةِ: خُذُوا المُنافِقِينَ الكافِرِينَ واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ، إلّا مَن دَخَلَ مِنهم في عِدادِ مَن بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ والتَزَمَ مُهادَنَتَكُمْ، أو مَن جاءَكم وقَدْ كَرِهَ قِتالَكم وقِتالَ قَوْمِهِ، وهَذا بِفَضْلِ اللهِ عَلَيْكم ودِفاعِهِ عنكُمْ، لِأنَّهُ لَوْ شاءَ لَسَلَّطَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم بِهَذِهِ الصِفَةِ مِنَ المُتارَكَةِ عَلَيْكم فَلَقاتَلُوكُمْ، فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ، أيْ: إذا وقَعَ هَذا فَلَمْ يُقاتِلُوكم فَلا سَبِيلَ لَكم عَلَيْهِمْ، وهَذا والَّذِي في سُورَةِ [المُمْتَحِنَةِ] مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللهُ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]، مَنسُوخٌ بِما في سُورَةِ [بَراءَةٍ]، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُما.

النساء 4:91

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهم كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكم ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَلَمَ ويَكُفُّوا أيْدِيَهم فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأُولَئِكم جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ لَمّا وصَفَ اللهُ تَعالى فِيما تَقَدَّمَ صِفَةَ المُحِقِّينَ في المُتارَكَةِ، المُجِدِّينَ في إلْقاءِ السَلَمِ، نَبَّهَ عَلى طائِفَةٍ مُخادِعَةٍ مُبْطِلَةٍ مُبَطَّنَةٍ كانُوا يُرِيدُونَ الإقامَةَ في مَواضِعِهِمْ مَعَ أهْلِيهِمْ، يَقُولُونَ لَهُمْ: نَحْنُ مَعَكم وعَلى دِينِكُمْ، ويَقُولُونَ أيْضًا لِلْمُسْلِمِينَ إذا وفَدُوا وأُرْسِلُوا: نَحْنُ مَعَكم وعَلى دِينِكم خُبْثَةً مِنهم وخَدِيعَةً، قِيلَ: كانَتْ أسَدٌ وغَطَفانُ بِهَذِهِ الصِفَةِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيِّ، كانَ يَنْقُلُ بَيْنَ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ والكُفّارِ الأخْبارَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ يَجِيئُونَ مِن مَكَّةَ إلى النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ رِياءً، يُظْهِرُونَ الإسْلامَ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى قُرَيْشٍ فَيَكْفُرُونَ، فَفَضَحَ اللهُ تَعالى هَؤُلاءِ، وأعْلَمَ أنَّهم عَلى غَيْرِ صِفَةِ مَن تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ: "إلى الفِتْنَةِ" مَعْناهُ: إلى الِاخْتِبارِ، حُكِيَ أنَّهم كانُوا يَرْجِعُونَ إلى قَوْمِهِمْ فَيُقالُ لِأحَدِهِمْ: رَبِّيَ الخُنْفُساءُ، ورَبِّيَ العُودُ، ورَبِّيَ العَقْرَبُ، ونَحْوُهُ، فَيَقُولُها، (p-٦٢٦)وَمَعْنى "أُرْكِسُوا" رَجَعُوا رَجْعَ ضَلالَةٍ، أيْ: أُهْلِكُوا في الِاخْتِيارِ بِما واقَعُوهُ مِنَ الكُفْرِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، "رُكِسُوا" بِضَمِّ الراءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وحَكاهُ عنهُ أبُو الفَتْحِ بِشَدِّ الكافِ عَلى التَضْعِيفِ، والخِلافُ في "السَلَمَ" حَسْبَما تَقَدَّمَ. هَذِهِ الآيَةُ حَضٌّ عَلى قَتْلِ هَؤُلاءِ المُخادِعِينَ إذا لَمْ يَرْجِعُوا عن حالِهِمْ إلى حالِ الآخَرِينَ المُعْتَزِلِينَ المُلْقِينَ لِلسَّلَمِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الحَقِّ رَحِمَهُ اللهُ: وتَأمَّلْ فَصاحَةَ الكَلامِ في أنَّ سِياقَهُ في الصِيغَةِ المُتَقَدِّمَةِ قَبْلَ هَذِهِ سِياقُ إيجابِ الِاعْتِزالِ، وإيجابِ إلْقاءِ السَلَمِ، ونَفْيِ المُقاتَلَةِ إذْ كانُوا مُحِقِّينَ في ذَلِكَ مُعْتَقِدِينَ لَهُ، وسِياقَهُ في هَذِهِ الصِيغَةِ المُتَأخِّرَةِ سِياقُ نَفْيِ الِاعْتِزالِ، ونَفْيِ إلْقاءِ السَلَمِ إذْ كانُوا مُبْطِلِينَ فِيهِ مُخادِعِينَ، والحُكْمُ سَواءٌ عَلى السِياقَيْنِ، لِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا لَوْ لَمْ يَعْتَزِلُوا لَكانَ حُكْمُهم حُكْمَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ جُعِلَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ، وكَذَلِكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ السُلْطانُ إذْ لَمْ يَعْتَزِلُوا، لَوِ اعْتَزَلُوا لَكانَ حُكْمُهم حُكْمَ الَّذِينَ لا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّهم بِهَذِهِ العِبارَةِ تَحْتَ القَتْلِ إنْ لَمْ يَعْتَزِلُوا. و"ثَقِفْتُمُوهُمْ" مَأْخُوذٌ مِنَ الثِقافِ، أيْ: ظَفِرْتُمْ بِهِمْ مَغْلُوبِينَ مُتَمَكَّنًا مِنهُمْ، والسُلْطانُ: الحُجَّةُ. قالَ عِكْرِمَةُ: حَيْثُما وقَعَ السُلْطانُ في كِتابِ اللهِ تَعالى فَهو الحُجَّةُ.

النساء 4:92

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ إلا أنْ يَصَّدَّقُوا فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِن اللهِ وكانَ اللهِ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: وما كانَ في إذْنِ اللهِ، وفي أمْرِهِ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا بِوَجْهٍ، ثُمَّ اسْتَثْنى اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وهو الَّذِي تَكُونُ فِيهِ "إلّا" بِمَعْنى "لَكِنَّ"، والتَقْدِيرُ: لَكِنَّ الخَطَأ قَدْ يَقَعُ، وهَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ: ؎ أمْسى سُقامُ خَلاءً لا أنِيسَ بِهِ إلّا السِباعَ ومَرَّ الرِيحِ بِالغَرَفِ (p-٦٢٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: سُقامُ: اسْمُ وادٍ، والغَرَفُ شَجَرٌ يُدْبَغُ بِلُحائِهِ. وكَما قالَ جَرِيرٌ: ؎ مِنَ البِيضِ لَمْ تَظْعن بَعِيدًا ولَمْ تَطَأْ ∗∗∗ عَلى الأرْضِ إلّا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ وفِي هَذا الشاهِدِ نَظَرٌ. ويَتَّجِهُ في مَعْنى الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ تُقَدَّرَ "كانَ" بِمَعْنى: اسْتَقَرَّ ووُجِدَ، كَأنَّهُ قالَ: وما وُجِدَ ولا تَقَرَّرَ ولا ساغَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً، إذْ هو مَغْلُوبٌ فِيهِ أحْيانًا، فَيَجِيءُ الِاسْتِثْناءُ -عَلى هَذا- غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، وتَتَضَمَّنُ الآيَةُ -عَلى هَذا- إعْظامَ العَمْدِ وبَشاعَةَ شَأْنِهِ، كَما تَقُولُ: ما كانَ لَكَ يا فُلانُ أنْ تَتَكَلَّمَ بِهَذا إلّا ناسِيًا، إعْظامًا لِلْعَمْدِ والقَصْدِ مَعَ خَطَرِ الكَلامِ بِهِ البَتَّةَ. وقَرَأ الزُهْرِيُّ "خَطًا" مَقْصُورًا غَيْرَ مَهْمُوزٍ، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ مَهْمُوزًا مَمْدُودًا. وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ حِينَ قَتَلَ الحارِثَ بْنَ يَزِيدِ بْنِ نَبِيشَةَ، وذَلِكَ، أنَّهُ كانَ يُعَذِّبُهُ بِمَكَّةَ، ثُمَّ أسْلَمَ الحارِثُ وجاءَ مُهاجِرًا فَلَقِيَهُ عَيّاشٌ بِالحَرَّةِ، فَظَنَّهُ عَلى كُفْرِهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ جاءَ فَأخْبَرَ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ (p-٦٢٨)والسَلامُ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ونَزَلَتِ الآيَةُ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "قُمْ فَحَرِّرْ".» وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ قَتَلَهُ أبُو الدَرْداءِ، كانَ يَرْعى غَنَمًا وهو يَتَشَهَّدُ فَقَتَلَهُ وساقَ غَنَمَهُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ: ونَزَلَتِ الآيَةُ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي حُذَيْفَةَ اليَمانِيِّ حِينَ قُتِلَ خَطَأً يَوْمَ أُحُدٍ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، واللهُ أعْلَمُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا﴾ الآيَةُ. بَيَّنَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ حُكْمَ المُؤْمِنِ إذا قَتَلَ المُؤْمِنَ خَطَأً، وحَقِيقَةُ الخَطَإ ألّا يَقْصِدَهُ بِالقَتْلِ، ووُجُوهُ الخَطَإ كَثِيرَةٌ لا تُحْصى، يَرْبُطُها عَدَمُ القَصْدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والشَعْبِيُّ، والنَخْعِيُّ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُمُ: الرَقَبَةُ المُؤْمِنَةُ هي الكَبِيرَةُ الَّتِي قَدْ صَلَّتْ وعَلِقَتِ الإيمانَ، ولا يُجْزِئُ في ذَلِكَ الصَغِيرُ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: يُجْزِئُ كُلُّ مَن يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الإسْلامِ في الصَلاةِ عَلَيْهِ إنْ ماتَ ودَفْنِهِ، قالَ مالِكٌ: ومَن صَلّى وصامَ أحَبُّ إلَيَّ، وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ الناقِصَ النُقْصانَ الكَثِيرَ كَقَطْعِ اليَدَيْنِ، أوِ الرِجْلَيْنِ، أوِ الأعْمى لا يُجْزِئُ فِيما حَفِظْتُ، فَإنْ كانَ النُقْصانُ يَسِيرًا تَتَّفِقُ لَهُ مَعَهُ المَعِيشَةُ والتَحَرُّفُ كالعَرَجِ ونَحْوِهِ فَفِيهِ قَوْلانِ. و"مُسَلَّمَةٌ" مَعْناهُ: مُؤَدّاةٌ مَدْفُوعَةٌ، وهي عَلى العاقِلَةِ فِيما جازَ ثُلُثَ الدِيَةِ، و"إلّا أنْ يَصَّدَّقُوا" يُرِيدُ أولِياءَ القَتِيلِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "يَتَصَدَّقُوا"، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعَبْدُ الوارِثِ عن أبِي عَمْرٍو: "تَصَّدَّقُوا" بِالتاءِ عَلى (p-٦٢٩)المُخاطَبَةِ لِلْحاضِرِ، وقَرَأ نُبَيْحٌ العنزِيُّ "تَصَدَّقُوا" بِالتاءِ وتَخْفِيفِ الصادِ. والدِيَةُ: مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ عَلى أهْلِ الإبِلِ عِنْدَ قَوْمٍ، وعِنْدَ آخَرِينَ: عَلى الناسِ كُلِّهِمْ، إلّا ألّا يَجِدَ الإبِلَ أهْلُ الذَهَبِ والفِضَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَنْتَقِلُونَ إلى الذَهَبِ والفِضَّةِ، يُعْطُونَ مِنها قِيمَةَ الإبِلِ في وقْتِ النازِلَةِ بالِغَةً ما بَلَغَتْ، واخْتُلِفَ في المِائَةِ مِنَ الإبِلِ، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي مُرَبَّعَةٌ، ثَلاثُونَ حِقَّةً، وثَلاثُونَ جَذَعَةً، وعِشْرُونَ بِنْتَ مَخاضٍ، وعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ. وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مُخَمَّسَةٌ، عِشْرُونَ حِقَّةً، وعِشْرُونَ جَذَعَةً، وعِشْرُونَ بِنْتَ مَخاضٍ، وعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ ذَكَرًا. ولِبَعْضِ الفُقَهاءِ غَيْرُ هَذا التَرْتِيبِ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ "وَغَيْرُهُ" يَرى الدِيَةَ مِنَ البَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، ومِنَ الغَنَمِ ألْفَيْ شاةٍ، ومِنَ الحُلَلِ مِائَةَ حُلَّةٍ، ووَرَدَ بِذَلِكَ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ. والحُلَّةُ: ثَوْبانِ مِن نَوْعٍ واحِدٍ في كَلامِ العَرَبِ، وكانَتْ في ذَلِكَ الزَمَنِ صِفَةً تُقاوِمُ المِائَةَ مِنَ الإبِلِ فَمَضى القَوْلُ عَلى ذَلِكَ، وأمّا الذَهَبُ فَهي ألْفُ دِينارٍ، قَرَّرَهاعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومَشى الناسُ عَلَيْها، وأمّا الفِضَّةُ فَقَرَّرَها عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وبِهِ قالَ مالِكٌ، وجَماعَةٌ تَقُولُ: عَشْرَةُ آلافِ دِرْهَمٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ الآيَةُ، المَعْنى عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والسُدِّيِّ، وإبْراهِيمَ، وعِكْرِمَةَ، وغَيْرِهِمْ: فَإنْ كانَ هَذا المَقْتُولُ خَطَأً رَجُلًا مُؤْمِنًا قَدْ آمَنَ وبَقِيَ في قَوْمِهِ وهم كَفَرَةٌ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَلا دِيَةَ فِيهِ، وإنَّما كَفّارَتُهُ تَحْرِيرُ (p-٦٣٠)الرَقَبَةِ، والسَبَبُ عِنْدَهم في نُزُولِها أنَّ جُيُوشَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كانَتْ تَمُرُّ بِقَبائِلِ الكُفّارِ فَرُبَّما قُتِلَ مَن قَدْ آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ، أو مَن قَدْ هاجَرَ ثُمَّ رَجَعَ إلى قَوْمِهِ فَيُقْتَلُ في حَمَلاتِ الحَرْبِ عَلى أنَّهُ مِنَ الكُفّارِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، وتَسْقُطُ الدِيَةُ عِنْدَ قائِلِي هَذِهِ المَقالَةِ لِوَجْهَيْنِ: أوَّلُهُما أنَّ أولِياءَ القَتِيلِ كُفّارٌ فَلا يَصِحُّ أنْ تُدْفَعَ الدِيَةُ إلَيْهِمْ يَتَقَوَّوْنَ بِها، والآخَرُ أنَّ حُرْمَةَ هَذا الَّذِي آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ قَلِيلَةٌ، فَلا دِيَةَ فِيهِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ الوَجْهُ في سُقُوطِ الدِيَةِ أنَّ الأولِياءَ كُفّارٌ فَقَطْ، فَسَواءٌ كانَ القَتِيلُ خَطَأً بَيْنَ أظْهُرِ المُسْلِمِينَ أو بَيْنَ قَوْمِهِ لَمْ يُهاجِرْ، أو هاجَرَ ثُمَّ رَجَعَ إلى قَوْمِهِ، كَفّارَتُهُ التَحْرِيرُ، ولا دِيَةَ فِيهِ، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ دَفْعُها إلى الكُفّارِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقائِلُ المَقالَةِ الأُولى يَقُولُ: إنْ قُتِلَ المُؤْمِنُ في بَلَدِ المُسْلِمِينَ وقَوْمُهُ في حَرْبٍ فَفِيهِ الدِيَةُ لِبَيْتِ المالِ والكَفّارَةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ المَعْنى عِنْدَ الحَسَنِ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وإبْراهِيمَ، وغَيْرِهِمْ: وإنْ كانَ هَذا المَقْتُولُ خَطَأً مُؤْمِنًا مِن قَوْمٍ مُعاهِدِينَ لَكُمْ، فَعَهْدُهم يُوجِبُ أنَّهم أحَقُّ بِدِيَةِ صاحِبِهِمْ، فَكَفّارَتُهُ التَحْرِيرُ وأداءُ الدِيَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ -وَهُوَ مُؤْمِنٌ-" وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والشَعْبِيُّ، وإبْراهِيمُ أيْضًا: المَقْتُولُ مِن أهْلِ العَهْدِ خَطَأً لا يُبالى كانَ مُؤْمِنًا أو كافِرًا عَلى عَهْدِ قَوْمِهِ، فِيهِ الدِيَةُ كَدِيَةِ المُسْلِمِ، والتَحْرِيرُ. واخْتُلِفَ عَلى هَذا في دِيَةِ المُعاهِدِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وغَيْرُهُ: دِيَتُهُ كَدِيَةِ المُسْلِمِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما. وقالَ مالِكٌ وأصْحابُهُ: دِيَتُهُ عَلى نِصْفِ دِيَةِ المُسْلِمِ، وقالَ الشافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ: دِيَتُهُ عَلى ثُلُثِ دِيَةِ المُسْلِمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ الآيَةُ، يُرِيدُ عِنْدَ الجُمْهُورِ: فَمَن لَمْ يَجِدِ العِتْقَ، ولا اتَّسَعَ مالُهُ لَهُ فَيَجْزِيهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ في الأيّامِ لا يَتَخَلَّلُها فِطْرٌ، وقالَ مَكِّيٌّ (p-٦٣١)عَنِ الشَعْبِيِّ: صِيامُ الشَهْرَيْنِ يُجْزِئُ عَنِ الدِيَةِ والعِتْقِ لِمَن لَمْ يَجِدْهُما، وهَذا القَوْلُ وهْمٌ، لِأنَّ الدِيَةَ إنَّما هي عَلى العاقِلَةِ ولَيْسَتْ عَلى القاتِلِ، والطَبَرِيُّ حَكى القَوْلَ عن مَسْرُوقٍ. و"تَوْبَةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، ومَعْناهُ: رُجُوعًا بِكم إلى التَيْسِيرِ والتَسْهِيلِ.

النساء 4:93

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ المُتَعَمِّدُ في لُغَةِ العَرَبِ: القاصِدُ إلى الشَيْءِ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في صِفَةِ المُتَعَمِّدِ في القَتْلِ، فَقالَ عَطاءٌ وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، وغَيْرُهُما: هو مَن قَتَلَ بِحَدِيدَةٍ كالسَيْفِ أوِ الخِنْجَرِ وسِنانِ الرُمْحِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ المَشْحُوذِ المُعَدِّ لِلْقَطْعِ، أو بِما يَعْلَمُ أنَّ فِيهِ المَوْتَ مِن ثَقِيلِ الحِجارَةِ ونَحْوِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُتَعَمِّدُ: كُلُّ مَن قَتَلَ، بِحَدِيدَةٍ كانَ القَتْلُ أو بِحَجَرٍ أو بِعَصا أو بِغَيْرِ ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو الأصَحُّ. ورَأْيُ الشافِعِيِّ وغَيْرِهِ أنَّ القَتْلَ بِغَيْرِ الحَدِيدِ المَشْحُوذِ هو شِبْهُ العَمْدِ، ورَأوا فِيهِ تَغْلِيظَ الدِيَةِ، ومالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ لا يَرى شِبْهَ العَمْدِ، ولا يَقُولُ بِهِ في شَيْءٍ، وإنَّما القَتْلُ عِنْدَهُ ما ذَكَرَهُ اللهُ تَعالى عَمْدًا وخَطَأً لا غَيْرُ، والقَتْلُ بِالسُمِّ عِنْدَهُ عَمْدٌ وإنْ قالَ: ما أرَدْتُ إلّا سُكْرَهُ. وقَوْلُهُ: "فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ" تَقْدِيرُهُ عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ: فَجَزاؤُهُ إنْ جازاهُ بِذَلِكَ، أيْ: هو أهْلُ ذَلِكَ ومُسْتَحِقُّهُ لِعِظَمِ ذَنْبِهِ، ونَصَّ عَلى هَذا أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو صالِحٍ، وغَيْرُهُما، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ بِالمَشِيئَةِ في جَمِيعِ العُصاةِ، قاتِلٍ وغَيْرِهِ، وذَهَبَتِ المُعْتَزِلَةُ إلى عُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ، وأنَّها مُخَصَّصَةٌ بِعُمُومِها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وتَوَرَّكُوا في ذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ عن زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتِ الشَدِيدَةُ بَعْدَ الهَيِّنَةِ، يُرِيدُ نَزَلَتْ ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ بَعْدَ ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فَهم يَرَوْنَ أنَّ هَذا الوَعِيدَ نافِذٌ حَتْمًا عَلى كُلِّ قاتِلٍ يَقْتُلُ مُؤْمِنًا، ويَرَوْنَهُ عُمُومًا ماضِيًا لِوَجْهِهِ، مُخَصِّصًا لِلْعُمُومِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ (p-٦٣٢)لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] كَأنَّهُ قالَ: إلّا مَن قَتَلَ عَمْدًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأهْلُ الحَقِّ يَقُولُونَ لَهُمْ: هَذا العُمُومُ مُنْكَرٌ غَيْرُ ماضٍ لِوَجْهِهِ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما ما أنْتُمْ مَعَنا مُجْمِعُونَ عَلَيْهِ مِنَ الرَجُلِ الَّذِي يُشْهَدُ عَلَيْهِ، أو يُقِرُّ بِالقَتْلِ عَمْدًا ويَأْتِي السُلْطانُ أوِ الأولِياءُ فَيُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ، ويُقْتَلُ قَوَدًا، فَهَذا غَيْرُ مُتَّبَعٍ في الآخِرَةِ، والوَعِيدُ غَيْرُ نافِذٍ عَلَيْهِ إجْماعًا مُتَرَكِّبًا عَلى الحَدِيثِ الصَحِيحِ مِن طَرِيقِ عُبادَةَ بْنِ الصامِتِ: « "أنَّهُ مَن عُوقِبَ في الدُنْيا فَهو كَفّارَةٌ لَهُ".» وهَذا نَقْضٌ لِلْعُمُومِ، والجِهَةُ الأُخْرى أنَّ لَفْظَ هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ بِلَفْظِ عُمُومٍ، بَلْ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يَقَعُ كَثِيرًا لِلْخُصُوصِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ولَيْسَ حُكّامُ المُؤْمِنِينَ إذا حَكَمُوا بِغَيْرِ الحَقِّ في أمْرٍ بِكَفَرَةٍ بِوَجْهٍ، وكَقَوْلِ الشاعِرِ: ؎ ومَن لا يَذُدْ عن حَوْضِهِ بِسِلاحِهِ يُهَدَّمْ، ومَن لا يَظْلِمِ الناسَ يُظْلَمِ (p-٦٣٣)وَهَذا إنَّما مَعْناهُ الخُصُوصُ، لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَن لا يَظْلِمُ يُظْلَمُ، فَهَذِهِ جِهَةٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى أنَّ العُمُومَ غَيْرُ مُتَرَتِّبٍ، وما احْتَجُّوا بِهِ مِن قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ فَلَيْسَ كَما ذَكَرُوهُ، وإنَّما أرادَ زَيْدٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ [الفُرْقانِ]، ومُرادُهُ بِاللَيِّنَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلا بِالحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآيَةُ، وإنْ كانَ المَهْدَوِيُّ قَدْ حَكى عنهُ أنَّهُ قالَ: أُنْزِلَتِ الآيَةُ: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَإذا دَخَلَهُ التَخْصِيصُ فالوَجْهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ في الكافِرِ يَقْتُلُ المُؤْمِنَ، أمّا عَلى ما رُوِيَ«أنَّها نَزَلَتْ في شَأْنِ مِقْيَسِ بْنِ صُبابَةَ حِينَ قَتَلَ أخاهُ هِشامَ بْنَ صُبابَةَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ فَأخَذَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الدِيَةَ، ثُمَّ بَعَثَهُ مَعَ رَجُلٍ مِن فِهْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ في أمْرٍ ما، فَعَدا عَلَيْهِ مِقْيَسٌ فَقَتَلَهُ، ورَجَعَ إلى مَكَّةَ مُرْتَدًّا، وجَعَلَ يُنْشِدُ: ؎ قَتَلْتُ بِهِ فِهْرًا وحَمَّلْتُ عَقْلَهُ ∗∗∗ سَراةَ بَنِي النَجّارِ أرْبابَ فارِعِ ؎ حَلَلْتُ بِهِ وتْرِي وأدْرَكْتُ ثَوْرَتِي ∗∗∗ وكُنْتُ إلى الأوثانِ أوَّلَ راجِعِ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "لا أُؤَمِّنُهُ في حِلٍّ ولا في حَرَمٍ"، وأمَرَ بِقَتْلِهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وهو مُتَعَلِّقٌ بِالكَعْبَةِ،» وإمّا أنْ يَكُونَ عَلى ما حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: "مُتَعَمِّدًا" مَعْناهُ: مُسْتَحِلًّا لِقَتْلِهِ، فَهَذا يَؤُولُ أيْضًا إلى الكُفْرِ، وفي المُؤْمِنِ الَّذِي قَدْ سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ أنَّهُ يُعَذِّبُهُ بِمَعْصِيَتِهِ عَلى ما قَدَّمْنا مِن تَأْوِيلٍ، فَجَزاؤُهُ -إنْ جازاهُ،-وَيَكُونُ قَوْلُهُ: "خالِدًا" إذا كانَتْ في المُؤْمِنِ بِمَعْنى باقٍ مُدَّةً طَوِيلَةً عَلى نَحْوِ دُعائِهِمْ لِلْمُلُوكِ (p-٦٣٤)بِالتَخْلِيدِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا سُقُوطُ قَوْلِهِ: -أبَدًا- فَإنَّ التَأْبِيدَ لا يَقْتَرِنُ بِالخُلُودِ إلّا في ذِكْرِ الكُفّارِ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَبُولِ تَوْبَةِ القاتِلِ، فَجَماعَةٌ عَلى ألّا تُقْبَلَ تَوْبَتُهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عُمَرَ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ: "الشِرْكُ والقَتْلُ مُبْهَمانِ، مَن ماتَ عَلَيْهِما خُلِّدَ"، وكانَ يَقُولُ: "هَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ نَسَخَتِ الآيَةَ الَّتِي في الفُرْقانِ، إذِ الفُرْقانُ مَكِّيَّةٌ"، والجُمْهُورُ عَلى قَبُولِ تَوْبَتِهِ، ورُوِيَ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهم كانُوا يَقْصِدُونَ الإغْلاظَ والتَخْوِيفَ أحْيانًا، فَيُطْلِقُونَ: "لا تُقْبَلُ تَوْبَةُ القاتِلِ"، مِنهُمُ ابْنُ شِهابٍ، كانَ إذا سَألَهُ مَن يَفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ قَدْ قَتَلَ قالَ لَهُ: "تَوْبَتُكَ مَقْبُولَةٌ"، وإذا سَألَهُ مَن لَمْ يَفْعَلْ قالَ لَهُ: "لا تَوْبَةَ لِلْقاتِلِ"، ومِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَعَ عنهُ في تَفْسِيرِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ أنَّ رَجُلًا سَألَهُ: "ألِلْقاتِلِ تَوْبَةٌ"؟ فَقالَ لَهُ: "لا تَوْبَةَ لِلْقاتِلِ، وجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ"، فَلَمّا مَضى السائِلُ قالَ لَهُ أصْحابُهُ: "ما هَكَذا كُنّا نَعْرِفُكَ تَقُولُ إلّا أنَّ لِلْقاتِلِ التَوْبَةَ"، فَقالَ لَهُمْ: "إنِّي رَأيْتُهُ مُغْضَبًا، وأظُنُّهُ يُرِيدُ أنْ يَقْتُلَ"، فَقامُوا فَطَلَبُوهُ وسَألُوا عنهُ، فَإذا هو كَذَلِكَ، وذَكَرَ هِبَةُ اللهِ في كِتابِ "الناسِخُ والمَنسُوخُ" لَهُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقالَ: "هَذا إجْماعُ الناسِ إلّا ابْنَ عَبّاسٍ، وابْنَ عُمَرَ، فَإنَّهُما قالا: هي مُحْكَمَةٌ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِيما قالَهُ هِبَةُ اللهِ نَظَرٌ، لِأنَّهُ مَوْضِعُ عُمُومٍ وتَخْصِيصٍ، لا مَوْضِعُ نَسْخٍ، وإنَّما رَكَّبَ كَلامَهُ عَلى اخْتِلافِ الناسِ في قَبُولِ تَوْبَةِ القاتِلِ، واللهُ أعْلَمُ.

النساء 4:94

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُنْيا فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللهِ عَلَيْكم فَتَبَيَّنُوا إنَّ اللهِ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (p-٦٣٥)تَقُولُ العَرَبُ: "ضَرَبْتُ في الأرْضِ" إذا سِرْتَ لِتِجارَةٍ أو غَزْوٍ أو غَيْرِهِ مُقْتَرِنَةً بِـ "فِي"، وتَقُولُ: "ضَرَبْتُ الأرْضَ" دُونَ "فِي" إذا قَصَدْتَ قَضاءَ حاجَةِ الإنْسانِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لا يَخْرُجِ الرَجُلانِ يَضْرِبانِ الغائِطَ يَتَحَدَّثانِ كاشِفَيْنِ عن فَرْجَيْهِما فَإنَّ اللهَ يَمْقُتُ عَلى ذَلِكَ".» وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ سَرِيَّةً مِن سَرايا رَسُولِ اللهِ لَقِيَتْ رَجُلًا لَهُ جَمَلٌ ومَتِيعٌ، وقِيلَ: غَنِيمَةٌ، فَسَلَّمَ عَلى القَوْمِ وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ أحَدُهم فَقَتَلَهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللهِ ونَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِ.» واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَعْيِينِ القاتِلِ والمَقْتُولِ في هَذِهِ النازِلَةِ -فالَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُ- وهو في سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ، وفي مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ، وغَيْرِهِما: أنَّ القاتِلَ: مُحَلِّمُ بْنُ جَثّامَةَ، والمَقْتُولَ: عامِرُ بْنُ الأضْبَطِ. والحَدِيثُ بِكَمالِهِ في "المُصَنَّفِ" لِأبِي داوُدَ، وفي السِيَرِ، وفي الِاسْتِيعابِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: القاتِلُ: أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ، والمَقْتُولُ: مِرْداسُ بْنُ نَهْيِكٍ الغَطَفانِيُّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: القاتِلُ: أبُو (p-٦٣٦)قَتادَةَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: القاتِلُ: غالِبٌ اللَيْثِيُّ، والمَقْتُولُ مِرْداسٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: القاتِلُ هو أبُو الدَرْداءِ، ولا خِلافَ أنَّ الَّذِي لَفِظَتْهُ الأرْضُ حِينَ ماتَ هو مُحَلِّمُ بْنُ جَثّامَةَ. وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ "فَتَبَيَّنُوا" وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "فَتَثَبَّتُوا" بِالثاءِ مُثَلَّثَةً في المَوْضِعَيْنِ وفي [الحُجُراتِ]. وقالَ قَوْمٌ: "تَبَيَّنُوا" أبْلَغُ وأشَدُّ مِن "تَثَبَّتُوا"، لِأنَّ المُتَثَبِّتَ قَدْ لا يَتَبَيَّنُ، وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: هُما مُتَقارِبانِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَحِيحُ ما قالَ أبُو عُبَيْدٍ، لِأنَّ تَبَيُّنَ الرَجُلِ لا يَقْتَضِي أنَّ الشَيْءَ بانَ لَهُ، بَلْ يَقْتَضِي مُحاوَلَةَ اليَقِينِ، كَما أنَّ تَثَبَّتَ تَقْتَضِي مُحاوَلَةَ اليَقِينِ، فَهُما سَواءٌ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ في بَعْضِ طُرُقِهِ: "السَلَمَ" بِتَشْدِيدِ السِينِ وفَتْحِهِ وفَتْحِ اللامِ، ومَعْناهُ: الِاسْتِسْلامُ، أيْ: ألْقى بِيَدِهِ واسْتَسْلَمَ لَكُمْ، وأظْهَرَ دَعْوَتَكُمْ، وقَرَأ بَقِيَّةُ السَبْعَةِ: "السَلامَ"، يَقُولُ: سَلَّمَ ذَلِكَ المَقْتُولُ عَلى السَرِيَّةِ، لِأنَّ سَلامَهُ بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ مُؤْذِنٌ بِطاعَتِهِ وانْقِيادِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الِانْحِيازُ والتَرْكُ، قالَ الأخْفَشُ، يُقالُ: "فُلانٌ سَلامٌ" إذا كانَ لا يُخالِطُ أحَدًا، ورُوِيَ في بَعْضِ طُرُقِ عاصِمٍ: "السِلْمَ" بِكَسْرِ السِينِ وشَدِّهِ وسُكُونِ اللامِ، وهو الصُلْحُ، والمَعْنى المُرادُ بِهَذِهِ الثَلاثَةِ يَتَقارَبُ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "السَلْمَ" بِفَتْحِ السِينِ وسُكُونِ اللامِ. والعَرَضُ: هو المَتِيعُ والجَمَلُ، أوِ الغَنِيمَةُ الَّتِي كانَتْ لِلرَّجُلِ المَقْتُولِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، وأبُو حَمْزَةَ، واليَمانِيُّ: "لَسْتَ مُؤْمَنًا" بِفَتْحِ المِيمِ، أيْ: لَسْنا نُؤَمِّنُكَ في نَفْسِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ عِدَةٌ بِما يَأْتِي بِهِ اللهُ عَلى وجْهِهِ، ومِن حِلِّهِ دُونَ ارْتِكابِ مَحْظُورٍ، أيْ: فَلا تَتَهافَتُوا. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ﴾، فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَعْناهُ: كُنْتُمْ مُسْتَخْفِينَ مِن قَوْمِكم بِإسْلامِكُمْ، خائِفِينَ مِنهم عَلى أنْفُسِكُمْ، فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكم بِإعْزازِ دِينِكُمْ، وإظْهارِ شَرِيعَتِكم. فَهو الآنَ كَذَلِكَ، كُلُّ واحِدٍ مِنهم خائِفٌ مِن قَوْمِهِ، مُتَرَبِّصٌ أنْ يَصِلَ إلَيْكُمْ، فَلَمْ يَصْلُحْ إذا وصَلَ أنْ تَقْتُلُوهُ حَتّى تَتَبَيَّنُوا أمْرَهُ. وقالَ (p-٦٣٧)ابْنُ زَيْدٍ: كَذَلِكَ كُنْتُمْ كَفَرَةً، فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكم بِأنْ أسْلَمْتُمْ، فَلا تُنْكِرُوا أنْ يَكُونَ هو كافِرًا ثُمَّ يُسْلِمَ لِحِينِهِ حِينَ لَقِيَكُمْ، فَيَجِبُ أنْ يُتَثَبَّتَ في أمْرِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى إشارَةً بِـ "ذَلِكَ" إلى القَتْلِ قَبْلَ التَثَبُّتِ، أيْ: عَلى هَذِهِ الحالِ كُنْتُمْ في جاهِلِيَّتِكم لا تَتَثَبَّتُونَ، حَتّى جاءَ اللهُ بِالإسْلامِ، ومَنَّ عَلَيْكُمْ، ثُمَّ وكَّدَ تَبارَكَ وتَعالى الوَصِيَّةَ بِالتَبَيُّنِ، وأعْلَمَ أنَّهُ خَبِيرٌ بِما يَعْمَلُهُ العِبادُ، وذَلِكَ مِنهُ خَبَرٌ يَتَضَمَّنُ تَحْذِيرًا مِنهُ تَعالى، لِأنَّ المَعْنى إنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا، فاحْفَظُوا نُفُوسَكُمْ، وجَنِّبُوا الزَلَلَ المُوبِقَ بِكم.

النساء 4:95

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهِ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً وكُلا وعَدَ اللهِ الحُسْنى وفَضَّلَ اللهِ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فِي قَوْلِهِ: "لا يَسْتَوِي" إبْهامٌ عَلى السامِعِ هو أبْلَغُ مِن تَحْدِيدِ المَنزِلَةِ الَّتِي بَيْنَ المُجاهِدِ والقاعِدِ، فالمُتَأمِّلُ يَمْشِي مَعَ فِكْرَتِهِ، ولا يَزالُ يَتَخَيَّلُ الدَرَجاتِ بَيْنَهُما. و"القاعِدُونَ" عِبارَةٌ عَنِ المُتَخَلِّفِينَ، إذِ القُعُودُ هَيْئَةُ مَن لا يَتَحَرَّكُ إلى الأمْرِ المَقْعُودِ عنهُ في الأغْلَبِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: "غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ" بِرَفْعِ الراءِ مِن "غَيْرُ"، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ "غَيْرَ" بِالنَصْبِ، واخْتَلَفَ عن عاصِمٍ، فَرُوِيَ عنهُ الرَفْعُ والنَصْبُ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: "غَيْرِ" بِكَسْرِ الراءِ، فَمَن رَفَعَ جَعَلَ "غَيْرُ" صِفَةً لِلْقاعِدِينَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، كَما هي عِنْدَهُ صِفَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "غَيْرِ المَغْضُوبِ"﴾ [الفاتحة: ٧] بِجَرِّ "غَيْرِ" صِفَةٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎ وإذا جُوزِيتَ قَرْضًا فاجْزِهِ إنَّما يَجْزِي الفَتى غَيْرُ الجَمَلْ (p-٦٣٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَذا ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ، ويُرْوى: "لَيْسَ الجَمَلْ". ومَن قَرَأ بِنَصْبِ الراءِ جَعَلَهُ اسْتِثْناءً مِنَ "القاعِدِينَ"، قالَ أبُو الحَسَنِ: ويُقَوِّي ذَلِكَ أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَها عَلى طَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ والِاسْتِدْراكِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ يَتَحَصَّلُ الِاسْتِدْراكُ بِتَخْصِيصِ القاعِدِينَ بِالصِفَةِ، قالَ الزَجّاجُ: يَجُوزُ أيْضًا في قِراءَةِ الرَفْعِ أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِثْناءِ، كَأنَّهُ قالَ: لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ والمُجاهِدُونَ إلّا أُولُو الضَرَرِ فَإنَّهم يُساوُونَ المُجاهِدِينَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَرْدُودٌ، لِأنَّ أُولِي الضَرَرِ لا يُساوُونَ المُجاهِدِينَ، وغايَتُهم أنْ خَرَجُوا مِنَ التَوْبِيخِ والمَذَمَّةِ الَّتِي لَزِمَتِ القاعِدِينَ مِن غَيْرِ عُذْرٍ، قالَ: ويَجُوزُ في قِراءَةِ نَصْبِ الراءِ أنْ يَكُونَ عَلى الحالِ، وأمّا كَسْرُ الراءِ فَعَلى الصِفَةِ مِنَ "المُؤْمِنِينَ". ورُوِيَ مِن غَيْرِ طَرِيقٍ «أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ والمُجاهِدُونَ﴾، فَجاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ حِينَ سَمِعَها فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ هَلْ مِن رُخْصَةٍ فَإنِّي ضَرِيرُ البَصَرِ؟ فَنَزَلَتْ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ﴾، قالَ الفِلَّقانُ بْنُ عاصِمٍ: كُنّا قُعُودًا عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ، وكانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ دامَ بَصَرُهُ مَفْتُوحَةً عَيْناهُ، وفَرَغَ سَمْعُهُ وبَصَرُهُ لِما يَأْتِيهِ مِنَ اللهِ، وكُنّا نَعْرِفُ ذَلِكَ في وجْهِهِ، فَلَمّا فَرَغَ قالَ لِلْكاتِبِ: اكْتُبْ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ والمُجاهِدُونَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، قالَ: فَقامَ الأعْمى فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، ما ذَنْبُنا؟ قالَ: فَأنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ، فَقُلْنا لِلْأعْمى: إنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، قالَ: فَخافَ أنْ يَنْزِلَ فِيهِ شَيْءٌ فَبَقِيَ قائِمًا مَكانَهُ يَقُولُ: "أتُوبُ إلى رَسُولِ اللهِ" حَتّى فَرَغَ رَسُولُ اللهِ، فَقالَ لِلْكاتِبِ: اكْتُبْ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ﴾ ؛» وأُولُو الضَرَرِ هم أهْلُ الأعْذارِ إذْ قَدْ أضَرَّتْ بِهِمْ حَتّى مَنَعَتْهُمُ الجِهادَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ هي الغايَةُ في كَمالِ الجِهادِ، ولَمّا كانَ أهْلُ (p-٦٣٩)الدِيوانِ مُتَمَلِّكِينَ بِذَلِكَ العَطاءِ، يَصْرِفُونَ في الشَدائِدِ، وتَرُوعُهُمُ البُعُوثُ والأوامِرُ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هم أعْظَمُ أجْرًا مِنَ المُتَطَوِّعِ، لِسُكُونِ جَأْشِهِ، ونِعْمَةِ بالِهِ في الصَوائِفِ الكِبارِ ونَحْوِها. واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ المُظْهِرَةِ لِفَضْلِ المالِ مَن قالَ: إنَّ الغِنى أفْضَلُ مِنَ الفَقْرِ، وإنَّ مُتَعَلِّقَهُ بِها لَبَيِّنٌ. وفَسَّرَ الناسُ الآيَةَ عَلى أنَّ تَكْمِلَةَ التَفْضِيلِ فِيها بِالدَرَجَةِ، ثُمَّ بِالدَرَجاتِ إنَّما هو مُبالَغَةٌ وتَأْكِيدٌ وبَيانٌ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الفَضْلُ بِدَرَجَةٍ هو عَلى القاعِدِينَ مِن أهْلِ العُذْرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّهم مَعَ المُؤْمِنِينَ بِنِيّاتِهِمْ، كَما قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في غَزْوَةِ تَبُوكٍ: « "إنَّ بِالمَدِينَةِ رِجالًا ما قَطَعْنا وادِيًا ولا سَلَكْنا جَبَلًا ولا طَرِيقًا إلّا وهم مَعَنا، حَبَسَهُمُ العُذْرُ"،» قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ:. والتَفْضِيلُ بِالأجْرِ العَظِيمِ والدَرَجاتِ هو عَلى القاعِدِينَ مِن غَيْرِ أهْلِ العُذْرِ. و"الحُسْنى": الجَنَّةُ: وهي الَّتِي وُعِدَها المُؤْمِنُونَ، وكَذَلِكَ قالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ. وقالَ ابْنُ مُحَيْرِيزٍ: الدَرَجاتُ هي دَرَجاتٌ في الجَنَّةِ، ما بَيْنَ الدَرَجَتَيْنِ حُضْرُ الفَرَسِ الجَوادِ المُضَمَّرِ سَبْعِينَ سَنَةً، وقالَ بِهَذا القَوْلِ الطَبَرِيُّ ورَجَّحَهُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الدَرَجاتُ في الآيَةِ هي السَبْعُ المَذْكُوراتُ في سُورَةِ [بَراءَةٍ]، فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] الآياتُ، فَذَكَرَ فِيها المَوْطِئَ الغائِظَ لِلْكُفّارِ، والنَيْلَ مِنَ العَدُوِّ، والنَفَقَةَ الصَغِيرَةَ والكَبِيرَةَ، وقَطْعَ الأودِيَةِ والمَسافاتِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ودَرَجاتُ الجِهادِ لَوْ حُصِرَتْ أكْثَرُ مِن هَذِهِ، لَكِنْ يَجْمَعُها بَذْلُ النَفْسِ والمالِ، (p-٦٤٠)والِاعْتِمالُ بِالبَدَنِ والمالِ في أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هي العُلْيا، ولا شَكَّ أنَّ بِحَسَبِ مَراتِبِ الأعْمالِ ودَرَجاتِها تَكُونُ مَراتِبُ الجَنَّةِ ودَرَجاتُها، فالأقْوالُ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ، وباقِي الآيَةِ وعْدٌ كَرِيمٌ وتَأْنِيسٌ. ونَصْبُ "دَرَجاتٍ" إمّا عَلى البَدَلِ مِنَ الأجْرِ، وإمّا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ عَلى أنْ تَكُونَ تَأْكِيدًا لِلْأجْرِ، كَما تَقُولُ: "لَكَ عَلَيَّ ألْفُ دِرْهَمٍ عُرْفًا"، كَأنَّكَ قُلْتَ: أعْرِفُها عُرْفًا.

النساء 4:96

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهِ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً وكُلا وعَدَ اللهِ الحُسْنى وفَضَّلَ اللهِ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فِي قَوْلِهِ: "لا يَسْتَوِي" إبْهامٌ عَلى السامِعِ هو أبْلَغُ مِن تَحْدِيدِ المَنزِلَةِ الَّتِي بَيْنَ المُجاهِدِ والقاعِدِ، فالمُتَأمِّلُ يَمْشِي مَعَ فِكْرَتِهِ، ولا يَزالُ يَتَخَيَّلُ الدَرَجاتِ بَيْنَهُما. و"القاعِدُونَ" عِبارَةٌ عَنِ المُتَخَلِّفِينَ، إذِ القُعُودُ هَيْئَةُ مَن لا يَتَحَرَّكُ إلى الأمْرِ المَقْعُودِ عنهُ في الأغْلَبِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: "غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ" بِرَفْعِ الراءِ مِن "غَيْرُ"، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ "غَيْرَ" بِالنَصْبِ، واخْتَلَفَ عن عاصِمٍ، فَرُوِيَ عنهُ الرَفْعُ والنَصْبُ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: "غَيْرِ" بِكَسْرِ الراءِ، فَمَن رَفَعَ جَعَلَ "غَيْرُ" صِفَةً لِلْقاعِدِينَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، كَما هي عِنْدَهُ صِفَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "غَيْرِ المَغْضُوبِ"﴾ [الفاتحة: ٧] بِجَرِّ "غَيْرِ" صِفَةٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎ وإذا جُوزِيتَ قَرْضًا فاجْزِهِ إنَّما يَجْزِي الفَتى غَيْرُ الجَمَلْ (p-٦٣٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَذا ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ، ويُرْوى: "لَيْسَ الجَمَلْ". ومَن قَرَأ بِنَصْبِ الراءِ جَعَلَهُ اسْتِثْناءً مِنَ "القاعِدِينَ"، قالَ أبُو الحَسَنِ: ويُقَوِّي ذَلِكَ أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَها عَلى طَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ والِاسْتِدْراكِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ يَتَحَصَّلُ الِاسْتِدْراكُ بِتَخْصِيصِ القاعِدِينَ بِالصِفَةِ، قالَ الزَجّاجُ: يَجُوزُ أيْضًا في قِراءَةِ الرَفْعِ أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِثْناءِ، كَأنَّهُ قالَ: لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ والمُجاهِدُونَ إلّا أُولُو الضَرَرِ فَإنَّهم يُساوُونَ المُجاهِدِينَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَرْدُودٌ، لِأنَّ أُولِي الضَرَرِ لا يُساوُونَ المُجاهِدِينَ، وغايَتُهم أنْ خَرَجُوا مِنَ التَوْبِيخِ والمَذَمَّةِ الَّتِي لَزِمَتِ القاعِدِينَ مِن غَيْرِ عُذْرٍ، قالَ: ويَجُوزُ في قِراءَةِ نَصْبِ الراءِ أنْ يَكُونَ عَلى الحالِ، وأمّا كَسْرُ الراءِ فَعَلى الصِفَةِ مِنَ "المُؤْمِنِينَ". ورُوِيَ مِن غَيْرِ طَرِيقٍ «أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ والمُجاهِدُونَ﴾، فَجاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ حِينَ سَمِعَها فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ هَلْ مِن رُخْصَةٍ فَإنِّي ضَرِيرُ البَصَرِ؟ فَنَزَلَتْ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ﴾، قالَ الفِلَّقانُ بْنُ عاصِمٍ: كُنّا قُعُودًا عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ، وكانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ دامَ بَصَرُهُ مَفْتُوحَةً عَيْناهُ، وفَرَغَ سَمْعُهُ وبَصَرُهُ لِما يَأْتِيهِ مِنَ اللهِ، وكُنّا نَعْرِفُ ذَلِكَ في وجْهِهِ، فَلَمّا فَرَغَ قالَ لِلْكاتِبِ: اكْتُبْ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ والمُجاهِدُونَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، قالَ: فَقامَ الأعْمى فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، ما ذَنْبُنا؟ قالَ: فَأنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ، فَقُلْنا لِلْأعْمى: إنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، قالَ: فَخافَ أنْ يَنْزِلَ فِيهِ شَيْءٌ فَبَقِيَ قائِمًا مَكانَهُ يَقُولُ: "أتُوبُ إلى رَسُولِ اللهِ" حَتّى فَرَغَ رَسُولُ اللهِ، فَقالَ لِلْكاتِبِ: اكْتُبْ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ﴾ ؛» وأُولُو الضَرَرِ هم أهْلُ الأعْذارِ إذْ قَدْ أضَرَّتْ بِهِمْ حَتّى مَنَعَتْهُمُ الجِهادَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ هي الغايَةُ في كَمالِ الجِهادِ، ولَمّا كانَ أهْلُ (p-٦٣٩)الدِيوانِ مُتَمَلِّكِينَ بِذَلِكَ العَطاءِ، يَصْرِفُونَ في الشَدائِدِ، وتَرُوعُهُمُ البُعُوثُ والأوامِرُ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هم أعْظَمُ أجْرًا مِنَ المُتَطَوِّعِ، لِسُكُونِ جَأْشِهِ، ونِعْمَةِ بالِهِ في الصَوائِفِ الكِبارِ ونَحْوِها. واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ المُظْهِرَةِ لِفَضْلِ المالِ مَن قالَ: إنَّ الغِنى أفْضَلُ مِنَ الفَقْرِ، وإنَّ مُتَعَلِّقَهُ بِها لَبَيِّنٌ. وفَسَّرَ الناسُ الآيَةَ عَلى أنَّ تَكْمِلَةَ التَفْضِيلِ فِيها بِالدَرَجَةِ، ثُمَّ بِالدَرَجاتِ إنَّما هو مُبالَغَةٌ وتَأْكِيدٌ وبَيانٌ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الفَضْلُ بِدَرَجَةٍ هو عَلى القاعِدِينَ مِن أهْلِ العُذْرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّهم مَعَ المُؤْمِنِينَ بِنِيّاتِهِمْ، كَما قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في غَزْوَةِ تَبُوكٍ: « "إنَّ بِالمَدِينَةِ رِجالًا ما قَطَعْنا وادِيًا ولا سَلَكْنا جَبَلًا ولا طَرِيقًا إلّا وهم مَعَنا، حَبَسَهُمُ العُذْرُ"،» قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ:. والتَفْضِيلُ بِالأجْرِ العَظِيمِ والدَرَجاتِ هو عَلى القاعِدِينَ مِن غَيْرِ أهْلِ العُذْرِ. و"الحُسْنى": الجَنَّةُ: وهي الَّتِي وُعِدَها المُؤْمِنُونَ، وكَذَلِكَ قالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ. وقالَ ابْنُ مُحَيْرِيزٍ: الدَرَجاتُ هي دَرَجاتٌ في الجَنَّةِ، ما بَيْنَ الدَرَجَتَيْنِ حُضْرُ الفَرَسِ الجَوادِ المُضَمَّرِ سَبْعِينَ سَنَةً، وقالَ بِهَذا القَوْلِ الطَبَرِيُّ ورَجَّحَهُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الدَرَجاتُ في الآيَةِ هي السَبْعُ المَذْكُوراتُ في سُورَةِ [بَراءَةٍ]، فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] الآياتُ، فَذَكَرَ فِيها المَوْطِئَ الغائِظَ لِلْكُفّارِ، والنَيْلَ مِنَ العَدُوِّ، والنَفَقَةَ الصَغِيرَةَ والكَبِيرَةَ، وقَطْعَ الأودِيَةِ والمَسافاتِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ودَرَجاتُ الجِهادِ لَوْ حُصِرَتْ أكْثَرُ مِن هَذِهِ، لَكِنْ يَجْمَعُها بَذْلُ النَفْسِ والمالِ، (p-٦٤٠)والِاعْتِمالُ بِالبَدَنِ والمالِ في أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هي العُلْيا، ولا شَكَّ أنَّ بِحَسَبِ مَراتِبِ الأعْمالِ ودَرَجاتِها تَكُونُ مَراتِبُ الجَنَّةِ ودَرَجاتُها، فالأقْوالُ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ، وباقِي الآيَةِ وعْدٌ كَرِيمٌ وتَأْنِيسٌ. ونَصْبُ "دَرَجاتٍ" إمّا عَلى البَدَلِ مِنَ الأجْرِ، وإمّا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ عَلى أنْ تَكُونَ تَأْكِيدًا لِلْأجْرِ، كَما تَقُولُ: "لَكَ عَلَيَّ ألْفُ دِرْهَمٍ عُرْفًا"، كَأنَّكَ قُلْتَ: أعْرِفُها عُرْفًا.

النساء 4:97

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِجالِ والنِساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللهُ أنْ يَعْفُوَ عنهم وكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ ﴿وَمَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللهِ وكانَ اللهِ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ: "مَصِيرًا" جَماعَةٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ، كانُوا قَدْ أسْلَمُوا، وأظْهَرُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ الإيمانَ بِهِ، فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أقامُوا مَعَ قَوْمِهِمْ، وفُتِنَ مِنهم جَماعَةٌ فافْتَتَنُوا، فَلَمّا كانَ أمْرُ بَدْرٍ خَرَجَ مِنهم قَوْمٌ مَعَ الكُفّارِ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ قَدْ أسْلَمُوا، وكانُوا يَسْتَخْفُونَ بِإسْلامِهِمْ، فَأخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُصِيبَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: كانَ أصْحابُنا هَؤُلاءِ مُسْلِمِينَ وأُكْرِهُوا فاسْتَغْفَرُوا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ الآيَةُ، قالَ: فَكُتِبَ إلى مَن بَقِيَ بِمَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ ألّا عُذْرَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ الفِتْنَةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ الأُخْرى: ﴿وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإذا أُوذِيَ في اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ الناسِ كَعَذابِ اللهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] الآيَةُ، فَكَتَبَ إلَيْهِمُ المُسْلِمُونَ بِذَلِكَ، فَخَرَجُوا ويَئِسُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ، ثُمَّ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]، فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ أنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى (p-٦٤١)نَجا مَن نَجا وقُتِلَ مَن قُتِلَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في خَمْسَةٍ قُتِلُوا بِبَدْرٍ، وهُمْ: قَيْسُ بْنُ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ، وقَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبُو العاصِي بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ. قالَ النَقّاشُ: في أُناسٍ سِواهم أسْلَمُوا ثُمَّ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ، فَلَمّا رَأوا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ قالُوا: غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكانَ العَبّاسُ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَ الكُفّارِ لَكِنَّهُ نَجا وأُسِرَ، وكانَ مِنَ المُطْعِمِينَ في نَفِيرِ بَدْرٍ، قالَ السُدِّيُّ: «لَمّا أُسِرَ العَبّاسُ، وعَقِيلٌ، ونُفَيْلٌ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْعَبّاسِ: "افْدِ نَفْسَكَ وابْنَ أخِيكَ"، فَقالَ لَهُ العَبّاسُ: يا رَسُولَ اللهِ، ألَمْ نُصَلِّ قِبْلَتَكَ ونَشْهَدْ شَهادَتَكَ؟ قالَ "يا عَبّاسُ، إنَّكم خاصَمْتُمْ فَخُصِمْتُمْ، ثُمَّ تَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾،» قالَ السُدِّيُّ: فَيَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كانَ مَن أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ فَهو كافِرٌ حَتّى يُهاجِرَ، إلّا مَن لا يَسْتَطِيعُ حِيلَةً ولا يَهْتَدِي سَبِيلًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا الَّذِي قالَهُ السُدِّيُّ نَظَرٌ، والَّذِي يَجْرِي مَعَ الأُصُولِ أنَّ مَن ماتَ مِن أُولَئِكَ بَعْدَ أنْ قَبِلَ الفِتْنَةَ وارْتَدَّ فَهو كافِرٌ، ومَأْواهُ جَهَنَّمُ عَلى جِهَةِ الخُلُودِ، وهَذا هو ظاهِرُ أمْرِ تِلْكَ الجَماعَةِ، وإنْ فَرَضْنا فِيهِمْ مَن ماتَ مُؤْمِنًا وأُكْرِهَ عَلى الخُرُوجِ، أو ماتَ بِمَكَّةَ فَإنَّما هو عاصٍ في تَرْكِ الهِجْرَةِ، مَأْواهُ جَهَنَّمُ عَلى جِهَةِ العِصْيانِ دُونَ خُلُودٍ، لَكِنْ لَمّا لَمْ يَتَعَيَّنْ أحَدٌ أنَّهُ ماتَ عَلى الإيمانِ لَمْ يَسُغْ ذِكْرُهم في الصَحابَةِ، ولَمْ يُعْتَدَّ بِما كانَ عُرِفَ مِنهم قَبْلُ، ولا حُجَّةَ لِلْمُعْتَزِلَةِ في شَيْءٍ مِن أمْرِ هَؤُلاءِ عَلى تَكْفِيرِهِمْ بِالمَعاصِي، وأمّا العَبّاسُ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ رَحِمَهُ اللهُ أنَّهُ أسْلَمَ قَبْلَ بَدْرٍ، ولِذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في يَوْمِ بَدْرٍ: « "مَن لَقِيَ العَبّاسَ فَلا يَقْتُلْهُ فَإنَّما أُخْرِجَ كُرْهًا".» (p-٦٤٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذُكِرَ أنَّهُ إنَّما أسْلَمَ مَأْسُورًا حِينَ ذَكَرَ لَهُ النَبِيُّ ﷺ أمْرَ المالِ الَّذِي تَرَكَ عِنْدَ أُمِّ الفَضْلِ، وذُكِرَ أنَّهُ أسْلَمَ في عامِ خَيْبَرَ، وكانَ يَكْتُبُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِأخْبارِ المُشْرِكِينَ، وكانَ يُحِبُّ أنْ يُهاجِرَ، «فَكَتَبَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ "أنِ امْكُثْ بِمَكَّةَ فَمُقامُكَ بِها أنْفَعُ لَنا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَكِنْ عامَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أُسِرَ عَلى ظاهِرِ أمْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "تَوَفّاهُمُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا لَمْ يَسْتَنِدْ بِعَلامَةِ تَأْنِيثٍ، إذْ تَأْنِيثُ لَفْظِ المَلائِكَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا مُسْتَقْبَلًا عَلى مَعْنى: تَتَوَفّاهُمْ، فَحُذِفَتْ إحْدى التاءَيْنِ، ويَكُونَ في العِبارَةِ إشارَةٌ إلى ما يَأْتِي مِن هَذا المَعْنى في المُسْتَقْبَلِ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ، وقَرَأ إبْراهِيمُ: "تُوَفّاهُمْ" بِضَمِّ التاءِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: كَأنَّهم يُدْفَعُونَ إلى المَلائِكَةِ ويُحْتَسَبُونَ عَلَيْهِمْ، و"تَوَفّاهُمْ" بِفَتْحِ التاءِ مَعْناهُ: تَقْبِضُ أرْواحَهُمْ، وحَكى ابْنُ فُورَكٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المَعْنى: تَحْشُرُهم إلى النارِ. و"ظالِمِي أنْفُسِهِمْ" نُصِبَ عَلى الحالِ، أيْ: ظالِمِيها بِتَرْكِ الهِجْرَةِ، قالَ الزَجّاجُ: حُذِفَتِ النُونُ مِن "ظالِمِينَ" تَخْفِيفًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "بالِغَ الكَعْبَةِ"،﴾ [المائدة: ٩٥] وقَوْلُ المَلائِكَةِ "فِيمَ كُنْتُمْ" تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ، وقَوْلُ هَؤُلاءِ: "كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ" اعْتِذارٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، إذْ كانُوا يَسْتَطِيعُونَ الحِيَلَ ويَهْتَدُونَ السَبِيلَ، ثُمَّ وقَفَتْهُمُ المَلائِكَةُ عَلى ذَنْبِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً﴾، والأرْضُ في قَوْلِ هَؤُلاءِ: هي أرْضُ مَكَّةَ خاصَّةً، وأرْضُ اللهِ: هي الأرْضُ بِالإطْلاقِ، والمُرادُ: "فَتُهاجِرُوا فِيها إلى مَوْضِعِ الأمْنِ"؟ وهَذِهِ المَقالَةُ إنَّما هي بَعْدَ تَوَفِّي المَلائِكَةِ لِأرْواحِ هَؤُلاءِ، وهي دالَّةٌ عَلى أنَّهم ماتُوا مُسْلِمِينَ، وإلّا فَلَوْ ماتُوا كافِرِينَ لَمْ يُقَلْ لَهم شَيْءٌ مِن هَذا، وإنَّما أُضْرِبَ عن ذِكْرِهِمْ في الصَحابَةِ لِشِدَّةِ ما واقَعُوهُ، ولِعَدَمِ تَعَيُّنِ أحَدٍ مِنهم بِالإيمانِ، ولِاحْتِمالِ (p-٦٤٣)رِدَّتِهِ. وتَوَعَّدَهُمُ اللهُ تَعالى بِأنَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهم مَن كانَ اسْتِضْعافُهُ عَلى حَقِيقَةٍ: مِن زَمَنَةِ الرِجالِ وضَعَفَةِ النِساءِ والوِلْدانِ، كَعَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ هِشامٍ وغَيْرِهِما، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، هي مِنَ النِساءِ، وأنا مِنَ الوِلْدانِ"، والحِيلَةُ: لَفْظٌ عامٌّ لِأسْبابِ أنْواعِ التَخَلُّصِ والسَبِيلُ: سَبِيلُ المَدِينَةِ فِيما ذَكَرَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ، وغَيْرُهُما، والصَوابُ أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ السُبُلِ. ثُمَّ رَجّى اللهُ تَعالى هَؤُلاءِ بِالعَفْوِ عنهم و"عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ، كَما أنَّها دالَّةٌ عَلى ثِقَلِ الأمْرِ المَعْفُوِّ عنهُ. قالَ الحَسَنُ: "عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ، قالَ غَيْرُهُ: هي بِمَنزِلَةِ الوَعْدِ، إذْ لَيْسَ يُخْبِرُ بِـ "عَسى" عن شَكٍّ ولا تَوَقُّعٍ، وهَذا يَرْجِعُ إلى الوُجُوبِ، قالَ آخَرُونَ: هو عَلى مُعْتَقَدِ البَشَرِ، أيْ: ظَنُّكم بِمَن هَذِهِ حالُهُ تَرَجِّي عَفْوِ اللهِ تَعالى عنهُ. والمُراغَمُ: المُتَحَوَّلُ والمَذْهَبُ، كَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، والرَبِيعُ، وغَيْرُهُمْ، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ الجَعْدِيِّ: ؎ كَطَوْدٍ يُلاذُ بِأرْكانِهِ عَزِيزِ المُراغَمِ والمَذْهَبِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎ إلى بَلَدٍ غَيْرِ دانِي المَحَلِّ ∗∗∗ بَعِيدِ المُراغَمِ والمُضْطَرَبْ وقالَ مُجاهِدٌ: المُراغَمُ: المُتَزَحْزَحُ عَمّا يُكْرَهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُراغَمُ: المُهاجَرُ، وقالَ السُدِّيُّ: المُراغَمُ: المُبْتَغِي المَعِيشَةَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، فَأمّا الخاصُّ بِاللَفْظَةِ فَإنَّ المُراغَمَ: مَوْضِعُ بِالمُراغَمَةِ، (p-٦٤٤)وَهُوَ أنْ يُرْغِمَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُتَنازِعَيْنِ أنْفَ صاحِبِهِ بِأنْ يَغْلِبَهُ عَلى مُرادِهِ، فَكُفّارُ قُرَيْشٍ أرْغَمُوا أُنُوفَ المَحْبُوسِينَ بِمَكَّةَ، فَلَوْ هاجَرَ مِنهم مُهاجِرٌ في أرْضِ اللهِ لَأرْغَمَ أُنُوفَ قُرَيْشٍ بِحُصُولِهِ في مَنَعَةٍ مِنهُمْ، فَتِلْكَ المَنَعَةُ هي مَوْضِعُ المُراغَمَةِ، وكَذَلِكَ الطَوْدُ الَّذِي ذَكَرَهُ النابِغَةُ، مَن صَعِدَ فِيهِ أمامَ طالِبٍ لَهُ وتَوَقَّلَ فَقَدْ أرْغَمَ أنْفَ ذَلِكَ الطالِبِ، وقَرَأ نُبَيْحٌ والجَرّاحُ، والحَسَنُ بْنُ عِمْرانَ: "مَرْغَمًا" بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الراءِ دُونَ ألِفٍ. قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا إنَّما هو عَلى حَذْفِ الزَوائِدِ مِن "راغَمَ"، والجَماعَةُ عَلى "مُراغَمٍ". وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُمُ: السَعَةُ هُنا: هي السَعَةُ في الرِزْقِ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى سَعَةٌ مِنَ الضَلالَةِ إلى الهُدى، ومِنَ العَيْلَةِ إلى الغِنى. وقالَ مالِكٌ: السَعَةُ سَعَةُ البِلادِ. قالَ القاضِي رَحِمَهُ اللهُ: والمُشْبِهُ لِفَصاحَةِ العَرَبِ أنْ يُرِيدَ سَعَةَ الأرْضِ، وكَثْرَةَ المَعاقِلِ، وبِذَلِكَ تَكُونُ السَعَةُ في الرِزْقِ، واتِّساعُ الصَدْرِ لِهُمُومِهِ وفِكْرِهِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الفَرَحِ، ونَحْوُ هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:. ؎ لَكانَ لِي مُضْطَرَبٌ واسِعٌ ∗∗∗ في الأرْضِ ذاتِ الطُولِ والعَرْضِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ وكُنْتُ إذا خَلِيلٌ رامَ قَطْعِي ∗∗∗ وجَدْتُ ورايَ مُنْفَسَحًا عَرِيضا وهَذا المَعْنى ظاهِرٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً﴾، وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الآيَةُ تُعْطِي أنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ مِنَ البِلادِ الَّتِي تُغَيَّرُ فِيها السُنَنُ، ويُعْمَلُ فِيها بِغَيْرِ الحَقِّ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ﴾ الآيَةُ، حُكْمٌ باقٍ في الجِهادِ والمَشْيِ إلى الصَلاةِ والحَجِّ ونَحْوِهِ، أما إنَّهُ لا يُقالُ: إنَّ بِنَفْسِ خُرُوجِهِ ونِيَّتِهِ حَصَلَ في مَرْتَبَةِ الَّذِي قَضى (p-٦٤٥)ذَلِكَ الفَرْضَ أوِ العِبادَةَ في الجُمْلَةِ، ولَكِنْ يُقالُ: وقَعَ لَهُ بِذَلِكَ أجْرٌ عَظِيمٌ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ رَجُلٍ مِن كِنانَةَ، وقِيلَ: مِن خُزاعَةَ مِن بَنِي لَيْثٍ، وقِيلَ: في جُنْدَعٍ لَمّا سَمِعَ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ قالَ: إنِّي لَذُو مالٍ وعَبِيدٍ -وَكانَ مَرِيضًا- فَقالَ: أخْرِجُونِي إلى المَدِينَةِ، فَأُخْرِجَ في سَرِيرٍ فَأدْرَكَهُ المَوْتُ بِالتَنْعِيمِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ، واخْتُلِفَ في اسْمِهِ، فَحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ العِيصِ، أوِ العِيصُ بْنُ ضَمْرَةَ بْنِ زِنْباعٍ، وحُكِيَ عَنِ السُدِّيِّ أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ، وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّهُ جُنْدُبُ بْنُ ضَمْرَةَ الجُنْدَعِيُّ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أيْضًا أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ بَغِيضٍ الَّذِي مِن بَنِي لَيْثٍ، وحَكى أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ العِيصِ، وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ نُعَيْمٍ، وقِيلَ: ضَمْرَةُ بْنُ خُزاعَةَ. وقَرَأتِ الجَماعَةُ "ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ" بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى "يَخْرُجْ"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ فِيما ذَكَرَهُ أبُو عَمْرٍو "يُدْرِكُهُ" بِرَفْعِ الكافِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا رَفْعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ثُمَّ هو يُدْرِكُهُ المَوْتُ، فَعَطَفَ الجُمْلَةَ مِنَ المُبْتَدَإ والخَبَرِ عَلى الفِعْلِ المَجْزُومِ بِفاعِلِهِ، فَهُما إذَنْ جُمْلَةٌ، فَكَأنَّهُ عَطَفَ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وعَلى هَذا حَمَلَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ قَوْلَ الأعْشى: ؎ إنْ تَرْكَبُوا فَرُكُوبُ الخَيْلِ عادَتُنا ∗∗∗ أو تَنْزِلُونَ فَإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ المُرادُ: وأنْتُمْ تَنْزِلُونَ. وعَلَيْهِ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ يَأْتِينِي بَقِيَّتُكم ∗∗∗ فَما عَلَيَّ بِذَنْبٍ عِنْدَكم فَوْتُ المَعْنى: ثُمَّ أنْتُمْ تَأْتِينِي، وهَذا أوجَهُ مِن أنْ يَحْمِلَهُ عَلى قَوْلِ الآخَرِ:(p-٦٤٦) ؎ ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي... ∗∗∗........................ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ، ونُبَيْحٌ، والجَرّاحُ: "ثُمَّ يُدْرِكَهُ" بِنَصْبِ الكافِ وذَلِكَ عَلى إضْمارِ "أنْ" كَقَوْلِ الأعْشى: ؎ لَنا هَضْبَةٌ لا يَنْزِلُ الذُلُّ وسْطَها ∗∗∗ ويَأْوِي إلَيْها المُسْتَجِيرُ فَيُعْصَما أرادَ: فَأنْ يُعْصَمَ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذا لَيْسَ بِالسَهْلِ، وإنَّما بابُهُ الشِعْرُ لا القُرْآنُ، وأنْشَدَ ابْنُ زَيْدٍ: ؎ سَأتْرُكُ مَنزِلِي لِبَنِي تَمِيمٍ ∗∗∗ وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا والآيَةُ أقْوى مِن هَذا لِتَقَدُّمِ الشَرْطِ قَبْلَ المَعْطُوفِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِن هَذِهِ الآيَةِ رَأى بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ مَن ماتَ مِنَ المُسْلِمِينَ وقَدْ خَرَجَ غازِيًا فَلَهُ سَهْمُهُ مِنَ الغَنِيمَةِ، قاسُوا ذَلِكَ عَلى الأجْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الهِجْرَةِ فِيما سَلَفَ، و"وَقَعَ" عِبارَةٌ عَنِ الثُبُوتِ وقُوَّةِ اللُزُومِ، وكَذَلِكَ هي "وَجَبَ"، لِأنَّ الوُقُوعَ والوُجُوبَ نُزُولٌ في الأجْرامِ بِقُوَّةٍ، فَشُبِّهَ لازِمُ المَعانِي بِذَلِكَ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ..

النساء 4:98

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِجالِ والنِساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللهُ أنْ يَعْفُوَ عنهم وكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ ﴿وَمَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللهِ وكانَ اللهِ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ: "مَصِيرًا" جَماعَةٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ، كانُوا قَدْ أسْلَمُوا، وأظْهَرُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ الإيمانَ بِهِ، فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أقامُوا مَعَ قَوْمِهِمْ، وفُتِنَ مِنهم جَماعَةٌ فافْتَتَنُوا، فَلَمّا كانَ أمْرُ بَدْرٍ خَرَجَ مِنهم قَوْمٌ مَعَ الكُفّارِ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ قَدْ أسْلَمُوا، وكانُوا يَسْتَخْفُونَ بِإسْلامِهِمْ، فَأخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُصِيبَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: كانَ أصْحابُنا هَؤُلاءِ مُسْلِمِينَ وأُكْرِهُوا فاسْتَغْفَرُوا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ الآيَةُ، قالَ: فَكُتِبَ إلى مَن بَقِيَ بِمَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ ألّا عُذْرَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ الفِتْنَةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ الأُخْرى: ﴿وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإذا أُوذِيَ في اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ الناسِ كَعَذابِ اللهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] الآيَةُ، فَكَتَبَ إلَيْهِمُ المُسْلِمُونَ بِذَلِكَ، فَخَرَجُوا ويَئِسُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ، ثُمَّ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]، فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ أنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى (p-٦٤١)نَجا مَن نَجا وقُتِلَ مَن قُتِلَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في خَمْسَةٍ قُتِلُوا بِبَدْرٍ، وهُمْ: قَيْسُ بْنُ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ، وقَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبُو العاصِي بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ. قالَ النَقّاشُ: في أُناسٍ سِواهم أسْلَمُوا ثُمَّ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ، فَلَمّا رَأوا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ قالُوا: غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكانَ العَبّاسُ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَ الكُفّارِ لَكِنَّهُ نَجا وأُسِرَ، وكانَ مِنَ المُطْعِمِينَ في نَفِيرِ بَدْرٍ، قالَ السُدِّيُّ: «لَمّا أُسِرَ العَبّاسُ، وعَقِيلٌ، ونُفَيْلٌ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْعَبّاسِ: "افْدِ نَفْسَكَ وابْنَ أخِيكَ"، فَقالَ لَهُ العَبّاسُ: يا رَسُولَ اللهِ، ألَمْ نُصَلِّ قِبْلَتَكَ ونَشْهَدْ شَهادَتَكَ؟ قالَ "يا عَبّاسُ، إنَّكم خاصَمْتُمْ فَخُصِمْتُمْ، ثُمَّ تَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾،» قالَ السُدِّيُّ: فَيَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كانَ مَن أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ فَهو كافِرٌ حَتّى يُهاجِرَ، إلّا مَن لا يَسْتَطِيعُ حِيلَةً ولا يَهْتَدِي سَبِيلًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا الَّذِي قالَهُ السُدِّيُّ نَظَرٌ، والَّذِي يَجْرِي مَعَ الأُصُولِ أنَّ مَن ماتَ مِن أُولَئِكَ بَعْدَ أنْ قَبِلَ الفِتْنَةَ وارْتَدَّ فَهو كافِرٌ، ومَأْواهُ جَهَنَّمُ عَلى جِهَةِ الخُلُودِ، وهَذا هو ظاهِرُ أمْرِ تِلْكَ الجَماعَةِ، وإنْ فَرَضْنا فِيهِمْ مَن ماتَ مُؤْمِنًا وأُكْرِهَ عَلى الخُرُوجِ، أو ماتَ بِمَكَّةَ فَإنَّما هو عاصٍ في تَرْكِ الهِجْرَةِ، مَأْواهُ جَهَنَّمُ عَلى جِهَةِ العِصْيانِ دُونَ خُلُودٍ، لَكِنْ لَمّا لَمْ يَتَعَيَّنْ أحَدٌ أنَّهُ ماتَ عَلى الإيمانِ لَمْ يَسُغْ ذِكْرُهم في الصَحابَةِ، ولَمْ يُعْتَدَّ بِما كانَ عُرِفَ مِنهم قَبْلُ، ولا حُجَّةَ لِلْمُعْتَزِلَةِ في شَيْءٍ مِن أمْرِ هَؤُلاءِ عَلى تَكْفِيرِهِمْ بِالمَعاصِي، وأمّا العَبّاسُ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ رَحِمَهُ اللهُ أنَّهُ أسْلَمَ قَبْلَ بَدْرٍ، ولِذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في يَوْمِ بَدْرٍ: « "مَن لَقِيَ العَبّاسَ فَلا يَقْتُلْهُ فَإنَّما أُخْرِجَ كُرْهًا".» (p-٦٤٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذُكِرَ أنَّهُ إنَّما أسْلَمَ مَأْسُورًا حِينَ ذَكَرَ لَهُ النَبِيُّ ﷺ أمْرَ المالِ الَّذِي تَرَكَ عِنْدَ أُمِّ الفَضْلِ، وذُكِرَ أنَّهُ أسْلَمَ في عامِ خَيْبَرَ، وكانَ يَكْتُبُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِأخْبارِ المُشْرِكِينَ، وكانَ يُحِبُّ أنْ يُهاجِرَ، «فَكَتَبَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ "أنِ امْكُثْ بِمَكَّةَ فَمُقامُكَ بِها أنْفَعُ لَنا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَكِنْ عامَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أُسِرَ عَلى ظاهِرِ أمْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "تَوَفّاهُمُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا لَمْ يَسْتَنِدْ بِعَلامَةِ تَأْنِيثٍ، إذْ تَأْنِيثُ لَفْظِ المَلائِكَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا مُسْتَقْبَلًا عَلى مَعْنى: تَتَوَفّاهُمْ، فَحُذِفَتْ إحْدى التاءَيْنِ، ويَكُونَ في العِبارَةِ إشارَةٌ إلى ما يَأْتِي مِن هَذا المَعْنى في المُسْتَقْبَلِ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ، وقَرَأ إبْراهِيمُ: "تُوَفّاهُمْ" بِضَمِّ التاءِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: كَأنَّهم يُدْفَعُونَ إلى المَلائِكَةِ ويُحْتَسَبُونَ عَلَيْهِمْ، و"تَوَفّاهُمْ" بِفَتْحِ التاءِ مَعْناهُ: تَقْبِضُ أرْواحَهُمْ، وحَكى ابْنُ فُورَكٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المَعْنى: تَحْشُرُهم إلى النارِ. و"ظالِمِي أنْفُسِهِمْ" نُصِبَ عَلى الحالِ، أيْ: ظالِمِيها بِتَرْكِ الهِجْرَةِ، قالَ الزَجّاجُ: حُذِفَتِ النُونُ مِن "ظالِمِينَ" تَخْفِيفًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "بالِغَ الكَعْبَةِ"،﴾ [المائدة: ٩٥] وقَوْلُ المَلائِكَةِ "فِيمَ كُنْتُمْ" تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ، وقَوْلُ هَؤُلاءِ: "كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ" اعْتِذارٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، إذْ كانُوا يَسْتَطِيعُونَ الحِيَلَ ويَهْتَدُونَ السَبِيلَ، ثُمَّ وقَفَتْهُمُ المَلائِكَةُ عَلى ذَنْبِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً﴾، والأرْضُ في قَوْلِ هَؤُلاءِ: هي أرْضُ مَكَّةَ خاصَّةً، وأرْضُ اللهِ: هي الأرْضُ بِالإطْلاقِ، والمُرادُ: "فَتُهاجِرُوا فِيها إلى مَوْضِعِ الأمْنِ"؟ وهَذِهِ المَقالَةُ إنَّما هي بَعْدَ تَوَفِّي المَلائِكَةِ لِأرْواحِ هَؤُلاءِ، وهي دالَّةٌ عَلى أنَّهم ماتُوا مُسْلِمِينَ، وإلّا فَلَوْ ماتُوا كافِرِينَ لَمْ يُقَلْ لَهم شَيْءٌ مِن هَذا، وإنَّما أُضْرِبَ عن ذِكْرِهِمْ في الصَحابَةِ لِشِدَّةِ ما واقَعُوهُ، ولِعَدَمِ تَعَيُّنِ أحَدٍ مِنهم بِالإيمانِ، ولِاحْتِمالِ (p-٦٤٣)رِدَّتِهِ. وتَوَعَّدَهُمُ اللهُ تَعالى بِأنَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهم مَن كانَ اسْتِضْعافُهُ عَلى حَقِيقَةٍ: مِن زَمَنَةِ الرِجالِ وضَعَفَةِ النِساءِ والوِلْدانِ، كَعَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ هِشامٍ وغَيْرِهِما، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، هي مِنَ النِساءِ، وأنا مِنَ الوِلْدانِ"، والحِيلَةُ: لَفْظٌ عامٌّ لِأسْبابِ أنْواعِ التَخَلُّصِ والسَبِيلُ: سَبِيلُ المَدِينَةِ فِيما ذَكَرَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ، وغَيْرُهُما، والصَوابُ أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ السُبُلِ. ثُمَّ رَجّى اللهُ تَعالى هَؤُلاءِ بِالعَفْوِ عنهم و"عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ، كَما أنَّها دالَّةٌ عَلى ثِقَلِ الأمْرِ المَعْفُوِّ عنهُ. قالَ الحَسَنُ: "عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ، قالَ غَيْرُهُ: هي بِمَنزِلَةِ الوَعْدِ، إذْ لَيْسَ يُخْبِرُ بِـ "عَسى" عن شَكٍّ ولا تَوَقُّعٍ، وهَذا يَرْجِعُ إلى الوُجُوبِ، قالَ آخَرُونَ: هو عَلى مُعْتَقَدِ البَشَرِ، أيْ: ظَنُّكم بِمَن هَذِهِ حالُهُ تَرَجِّي عَفْوِ اللهِ تَعالى عنهُ. والمُراغَمُ: المُتَحَوَّلُ والمَذْهَبُ، كَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، والرَبِيعُ، وغَيْرُهُمْ، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ الجَعْدِيِّ: ؎ كَطَوْدٍ يُلاذُ بِأرْكانِهِ عَزِيزِ المُراغَمِ والمَذْهَبِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎ إلى بَلَدٍ غَيْرِ دانِي المَحَلِّ ∗∗∗ بَعِيدِ المُراغَمِ والمُضْطَرَبْ وقالَ مُجاهِدٌ: المُراغَمُ: المُتَزَحْزَحُ عَمّا يُكْرَهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُراغَمُ: المُهاجَرُ، وقالَ السُدِّيُّ: المُراغَمُ: المُبْتَغِي المَعِيشَةَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، فَأمّا الخاصُّ بِاللَفْظَةِ فَإنَّ المُراغَمَ: مَوْضِعُ بِالمُراغَمَةِ، (p-٦٤٤)وَهُوَ أنْ يُرْغِمَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُتَنازِعَيْنِ أنْفَ صاحِبِهِ بِأنْ يَغْلِبَهُ عَلى مُرادِهِ، فَكُفّارُ قُرَيْشٍ أرْغَمُوا أُنُوفَ المَحْبُوسِينَ بِمَكَّةَ، فَلَوْ هاجَرَ مِنهم مُهاجِرٌ في أرْضِ اللهِ لَأرْغَمَ أُنُوفَ قُرَيْشٍ بِحُصُولِهِ في مَنَعَةٍ مِنهُمْ، فَتِلْكَ المَنَعَةُ هي مَوْضِعُ المُراغَمَةِ، وكَذَلِكَ الطَوْدُ الَّذِي ذَكَرَهُ النابِغَةُ، مَن صَعِدَ فِيهِ أمامَ طالِبٍ لَهُ وتَوَقَّلَ فَقَدْ أرْغَمَ أنْفَ ذَلِكَ الطالِبِ، وقَرَأ نُبَيْحٌ والجَرّاحُ، والحَسَنُ بْنُ عِمْرانَ: "مَرْغَمًا" بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الراءِ دُونَ ألِفٍ. قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا إنَّما هو عَلى حَذْفِ الزَوائِدِ مِن "راغَمَ"، والجَماعَةُ عَلى "مُراغَمٍ". وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُمُ: السَعَةُ هُنا: هي السَعَةُ في الرِزْقِ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى سَعَةٌ مِنَ الضَلالَةِ إلى الهُدى، ومِنَ العَيْلَةِ إلى الغِنى. وقالَ مالِكٌ: السَعَةُ سَعَةُ البِلادِ. قالَ القاضِي رَحِمَهُ اللهُ: والمُشْبِهُ لِفَصاحَةِ العَرَبِ أنْ يُرِيدَ سَعَةَ الأرْضِ، وكَثْرَةَ المَعاقِلِ، وبِذَلِكَ تَكُونُ السَعَةُ في الرِزْقِ، واتِّساعُ الصَدْرِ لِهُمُومِهِ وفِكْرِهِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الفَرَحِ، ونَحْوُ هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:. ؎ لَكانَ لِي مُضْطَرَبٌ واسِعٌ ∗∗∗ في الأرْضِ ذاتِ الطُولِ والعَرْضِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ وكُنْتُ إذا خَلِيلٌ رامَ قَطْعِي ∗∗∗ وجَدْتُ ورايَ مُنْفَسَحًا عَرِيضا وهَذا المَعْنى ظاهِرٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً﴾، وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الآيَةُ تُعْطِي أنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ مِنَ البِلادِ الَّتِي تُغَيَّرُ فِيها السُنَنُ، ويُعْمَلُ فِيها بِغَيْرِ الحَقِّ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ﴾ الآيَةُ، حُكْمٌ باقٍ في الجِهادِ والمَشْيِ إلى الصَلاةِ والحَجِّ ونَحْوِهِ، أما إنَّهُ لا يُقالُ: إنَّ بِنَفْسِ خُرُوجِهِ ونِيَّتِهِ حَصَلَ في مَرْتَبَةِ الَّذِي قَضى (p-٦٤٥)ذَلِكَ الفَرْضَ أوِ العِبادَةَ في الجُمْلَةِ، ولَكِنْ يُقالُ: وقَعَ لَهُ بِذَلِكَ أجْرٌ عَظِيمٌ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ رَجُلٍ مِن كِنانَةَ، وقِيلَ: مِن خُزاعَةَ مِن بَنِي لَيْثٍ، وقِيلَ: في جُنْدَعٍ لَمّا سَمِعَ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ قالَ: إنِّي لَذُو مالٍ وعَبِيدٍ -وَكانَ مَرِيضًا- فَقالَ: أخْرِجُونِي إلى المَدِينَةِ، فَأُخْرِجَ في سَرِيرٍ فَأدْرَكَهُ المَوْتُ بِالتَنْعِيمِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ، واخْتُلِفَ في اسْمِهِ، فَحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ العِيصِ، أوِ العِيصُ بْنُ ضَمْرَةَ بْنِ زِنْباعٍ، وحُكِيَ عَنِ السُدِّيِّ أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ، وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّهُ جُنْدُبُ بْنُ ضَمْرَةَ الجُنْدَعِيُّ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أيْضًا أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ بَغِيضٍ الَّذِي مِن بَنِي لَيْثٍ، وحَكى أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ العِيصِ، وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ نُعَيْمٍ، وقِيلَ: ضَمْرَةُ بْنُ خُزاعَةَ. وقَرَأتِ الجَماعَةُ "ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ" بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى "يَخْرُجْ"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ فِيما ذَكَرَهُ أبُو عَمْرٍو "يُدْرِكُهُ" بِرَفْعِ الكافِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا رَفْعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ثُمَّ هو يُدْرِكُهُ المَوْتُ، فَعَطَفَ الجُمْلَةَ مِنَ المُبْتَدَإ والخَبَرِ عَلى الفِعْلِ المَجْزُومِ بِفاعِلِهِ، فَهُما إذَنْ جُمْلَةٌ، فَكَأنَّهُ عَطَفَ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وعَلى هَذا حَمَلَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ قَوْلَ الأعْشى: ؎ إنْ تَرْكَبُوا فَرُكُوبُ الخَيْلِ عادَتُنا ∗∗∗ أو تَنْزِلُونَ فَإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ المُرادُ: وأنْتُمْ تَنْزِلُونَ. وعَلَيْهِ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ يَأْتِينِي بَقِيَّتُكم ∗∗∗ فَما عَلَيَّ بِذَنْبٍ عِنْدَكم فَوْتُ المَعْنى: ثُمَّ أنْتُمْ تَأْتِينِي، وهَذا أوجَهُ مِن أنْ يَحْمِلَهُ عَلى قَوْلِ الآخَرِ:(p-٦٤٦) ؎ ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي... ∗∗∗........................ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ، ونُبَيْحٌ، والجَرّاحُ: "ثُمَّ يُدْرِكَهُ" بِنَصْبِ الكافِ وذَلِكَ عَلى إضْمارِ "أنْ" كَقَوْلِ الأعْشى: ؎ لَنا هَضْبَةٌ لا يَنْزِلُ الذُلُّ وسْطَها ∗∗∗ ويَأْوِي إلَيْها المُسْتَجِيرُ فَيُعْصَما أرادَ: فَأنْ يُعْصَمَ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذا لَيْسَ بِالسَهْلِ، وإنَّما بابُهُ الشِعْرُ لا القُرْآنُ، وأنْشَدَ ابْنُ زَيْدٍ: ؎ سَأتْرُكُ مَنزِلِي لِبَنِي تَمِيمٍ ∗∗∗ وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا والآيَةُ أقْوى مِن هَذا لِتَقَدُّمِ الشَرْطِ قَبْلَ المَعْطُوفِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِن هَذِهِ الآيَةِ رَأى بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ مَن ماتَ مِنَ المُسْلِمِينَ وقَدْ خَرَجَ غازِيًا فَلَهُ سَهْمُهُ مِنَ الغَنِيمَةِ، قاسُوا ذَلِكَ عَلى الأجْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الهِجْرَةِ فِيما سَلَفَ، و"وَقَعَ" عِبارَةٌ عَنِ الثُبُوتِ وقُوَّةِ اللُزُومِ، وكَذَلِكَ هي "وَجَبَ"، لِأنَّ الوُقُوعَ والوُجُوبَ نُزُولٌ في الأجْرامِ بِقُوَّةٍ، فَشُبِّهَ لازِمُ المَعانِي بِذَلِكَ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ..

النساء 4:99

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِجالِ والنِساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللهُ أنْ يَعْفُوَ عنهم وكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ ﴿وَمَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللهِ وكانَ اللهِ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ: "مَصِيرًا" جَماعَةٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ، كانُوا قَدْ أسْلَمُوا، وأظْهَرُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ الإيمانَ بِهِ، فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أقامُوا مَعَ قَوْمِهِمْ، وفُتِنَ مِنهم جَماعَةٌ فافْتَتَنُوا، فَلَمّا كانَ أمْرُ بَدْرٍ خَرَجَ مِنهم قَوْمٌ مَعَ الكُفّارِ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ قَدْ أسْلَمُوا، وكانُوا يَسْتَخْفُونَ بِإسْلامِهِمْ، فَأخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُصِيبَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: كانَ أصْحابُنا هَؤُلاءِ مُسْلِمِينَ وأُكْرِهُوا فاسْتَغْفَرُوا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ الآيَةُ، قالَ: فَكُتِبَ إلى مَن بَقِيَ بِمَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ ألّا عُذْرَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ الفِتْنَةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ الأُخْرى: ﴿وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإذا أُوذِيَ في اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ الناسِ كَعَذابِ اللهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] الآيَةُ، فَكَتَبَ إلَيْهِمُ المُسْلِمُونَ بِذَلِكَ، فَخَرَجُوا ويَئِسُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ، ثُمَّ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]، فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ أنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى (p-٦٤١)نَجا مَن نَجا وقُتِلَ مَن قُتِلَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في خَمْسَةٍ قُتِلُوا بِبَدْرٍ، وهُمْ: قَيْسُ بْنُ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ، وقَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبُو العاصِي بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ. قالَ النَقّاشُ: في أُناسٍ سِواهم أسْلَمُوا ثُمَّ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ، فَلَمّا رَأوا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ قالُوا: غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكانَ العَبّاسُ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَ الكُفّارِ لَكِنَّهُ نَجا وأُسِرَ، وكانَ مِنَ المُطْعِمِينَ في نَفِيرِ بَدْرٍ، قالَ السُدِّيُّ: «لَمّا أُسِرَ العَبّاسُ، وعَقِيلٌ، ونُفَيْلٌ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْعَبّاسِ: "افْدِ نَفْسَكَ وابْنَ أخِيكَ"، فَقالَ لَهُ العَبّاسُ: يا رَسُولَ اللهِ، ألَمْ نُصَلِّ قِبْلَتَكَ ونَشْهَدْ شَهادَتَكَ؟ قالَ "يا عَبّاسُ، إنَّكم خاصَمْتُمْ فَخُصِمْتُمْ، ثُمَّ تَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾،» قالَ السُدِّيُّ: فَيَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كانَ مَن أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ فَهو كافِرٌ حَتّى يُهاجِرَ، إلّا مَن لا يَسْتَطِيعُ حِيلَةً ولا يَهْتَدِي سَبِيلًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا الَّذِي قالَهُ السُدِّيُّ نَظَرٌ، والَّذِي يَجْرِي مَعَ الأُصُولِ أنَّ مَن ماتَ مِن أُولَئِكَ بَعْدَ أنْ قَبِلَ الفِتْنَةَ وارْتَدَّ فَهو كافِرٌ، ومَأْواهُ جَهَنَّمُ عَلى جِهَةِ الخُلُودِ، وهَذا هو ظاهِرُ أمْرِ تِلْكَ الجَماعَةِ، وإنْ فَرَضْنا فِيهِمْ مَن ماتَ مُؤْمِنًا وأُكْرِهَ عَلى الخُرُوجِ، أو ماتَ بِمَكَّةَ فَإنَّما هو عاصٍ في تَرْكِ الهِجْرَةِ، مَأْواهُ جَهَنَّمُ عَلى جِهَةِ العِصْيانِ دُونَ خُلُودٍ، لَكِنْ لَمّا لَمْ يَتَعَيَّنْ أحَدٌ أنَّهُ ماتَ عَلى الإيمانِ لَمْ يَسُغْ ذِكْرُهم في الصَحابَةِ، ولَمْ يُعْتَدَّ بِما كانَ عُرِفَ مِنهم قَبْلُ، ولا حُجَّةَ لِلْمُعْتَزِلَةِ في شَيْءٍ مِن أمْرِ هَؤُلاءِ عَلى تَكْفِيرِهِمْ بِالمَعاصِي، وأمّا العَبّاسُ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ رَحِمَهُ اللهُ أنَّهُ أسْلَمَ قَبْلَ بَدْرٍ، ولِذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في يَوْمِ بَدْرٍ: « "مَن لَقِيَ العَبّاسَ فَلا يَقْتُلْهُ فَإنَّما أُخْرِجَ كُرْهًا".» (p-٦٤٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذُكِرَ أنَّهُ إنَّما أسْلَمَ مَأْسُورًا حِينَ ذَكَرَ لَهُ النَبِيُّ ﷺ أمْرَ المالِ الَّذِي تَرَكَ عِنْدَ أُمِّ الفَضْلِ، وذُكِرَ أنَّهُ أسْلَمَ في عامِ خَيْبَرَ، وكانَ يَكْتُبُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِأخْبارِ المُشْرِكِينَ، وكانَ يُحِبُّ أنْ يُهاجِرَ، «فَكَتَبَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ "أنِ امْكُثْ بِمَكَّةَ فَمُقامُكَ بِها أنْفَعُ لَنا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَكِنْ عامَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أُسِرَ عَلى ظاهِرِ أمْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "تَوَفّاهُمُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا لَمْ يَسْتَنِدْ بِعَلامَةِ تَأْنِيثٍ، إذْ تَأْنِيثُ لَفْظِ المَلائِكَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا مُسْتَقْبَلًا عَلى مَعْنى: تَتَوَفّاهُمْ، فَحُذِفَتْ إحْدى التاءَيْنِ، ويَكُونَ في العِبارَةِ إشارَةٌ إلى ما يَأْتِي مِن هَذا المَعْنى في المُسْتَقْبَلِ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ، وقَرَأ إبْراهِيمُ: "تُوَفّاهُمْ" بِضَمِّ التاءِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: كَأنَّهم يُدْفَعُونَ إلى المَلائِكَةِ ويُحْتَسَبُونَ عَلَيْهِمْ، و"تَوَفّاهُمْ" بِفَتْحِ التاءِ مَعْناهُ: تَقْبِضُ أرْواحَهُمْ، وحَكى ابْنُ فُورَكٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المَعْنى: تَحْشُرُهم إلى النارِ. و"ظالِمِي أنْفُسِهِمْ" نُصِبَ عَلى الحالِ، أيْ: ظالِمِيها بِتَرْكِ الهِجْرَةِ، قالَ الزَجّاجُ: حُذِفَتِ النُونُ مِن "ظالِمِينَ" تَخْفِيفًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "بالِغَ الكَعْبَةِ"،﴾ [المائدة: ٩٥] وقَوْلُ المَلائِكَةِ "فِيمَ كُنْتُمْ" تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ، وقَوْلُ هَؤُلاءِ: "كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ" اعْتِذارٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، إذْ كانُوا يَسْتَطِيعُونَ الحِيَلَ ويَهْتَدُونَ السَبِيلَ، ثُمَّ وقَفَتْهُمُ المَلائِكَةُ عَلى ذَنْبِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً﴾، والأرْضُ في قَوْلِ هَؤُلاءِ: هي أرْضُ مَكَّةَ خاصَّةً، وأرْضُ اللهِ: هي الأرْضُ بِالإطْلاقِ، والمُرادُ: "فَتُهاجِرُوا فِيها إلى مَوْضِعِ الأمْنِ"؟ وهَذِهِ المَقالَةُ إنَّما هي بَعْدَ تَوَفِّي المَلائِكَةِ لِأرْواحِ هَؤُلاءِ، وهي دالَّةٌ عَلى أنَّهم ماتُوا مُسْلِمِينَ، وإلّا فَلَوْ ماتُوا كافِرِينَ لَمْ يُقَلْ لَهم شَيْءٌ مِن هَذا، وإنَّما أُضْرِبَ عن ذِكْرِهِمْ في الصَحابَةِ لِشِدَّةِ ما واقَعُوهُ، ولِعَدَمِ تَعَيُّنِ أحَدٍ مِنهم بِالإيمانِ، ولِاحْتِمالِ (p-٦٤٣)رِدَّتِهِ. وتَوَعَّدَهُمُ اللهُ تَعالى بِأنَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهم مَن كانَ اسْتِضْعافُهُ عَلى حَقِيقَةٍ: مِن زَمَنَةِ الرِجالِ وضَعَفَةِ النِساءِ والوِلْدانِ، كَعَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ هِشامٍ وغَيْرِهِما، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، هي مِنَ النِساءِ، وأنا مِنَ الوِلْدانِ"، والحِيلَةُ: لَفْظٌ عامٌّ لِأسْبابِ أنْواعِ التَخَلُّصِ والسَبِيلُ: سَبِيلُ المَدِينَةِ فِيما ذَكَرَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ، وغَيْرُهُما، والصَوابُ أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ السُبُلِ. ثُمَّ رَجّى اللهُ تَعالى هَؤُلاءِ بِالعَفْوِ عنهم و"عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ، كَما أنَّها دالَّةٌ عَلى ثِقَلِ الأمْرِ المَعْفُوِّ عنهُ. قالَ الحَسَنُ: "عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ، قالَ غَيْرُهُ: هي بِمَنزِلَةِ الوَعْدِ، إذْ لَيْسَ يُخْبِرُ بِـ "عَسى" عن شَكٍّ ولا تَوَقُّعٍ، وهَذا يَرْجِعُ إلى الوُجُوبِ، قالَ آخَرُونَ: هو عَلى مُعْتَقَدِ البَشَرِ، أيْ: ظَنُّكم بِمَن هَذِهِ حالُهُ تَرَجِّي عَفْوِ اللهِ تَعالى عنهُ. والمُراغَمُ: المُتَحَوَّلُ والمَذْهَبُ، كَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، والرَبِيعُ، وغَيْرُهُمْ، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ الجَعْدِيِّ: ؎ كَطَوْدٍ يُلاذُ بِأرْكانِهِ عَزِيزِ المُراغَمِ والمَذْهَبِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎ إلى بَلَدٍ غَيْرِ دانِي المَحَلِّ ∗∗∗ بَعِيدِ المُراغَمِ والمُضْطَرَبْ وقالَ مُجاهِدٌ: المُراغَمُ: المُتَزَحْزَحُ عَمّا يُكْرَهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُراغَمُ: المُهاجَرُ، وقالَ السُدِّيُّ: المُراغَمُ: المُبْتَغِي المَعِيشَةَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، فَأمّا الخاصُّ بِاللَفْظَةِ فَإنَّ المُراغَمَ: مَوْضِعُ بِالمُراغَمَةِ، (p-٦٤٤)وَهُوَ أنْ يُرْغِمَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُتَنازِعَيْنِ أنْفَ صاحِبِهِ بِأنْ يَغْلِبَهُ عَلى مُرادِهِ، فَكُفّارُ قُرَيْشٍ أرْغَمُوا أُنُوفَ المَحْبُوسِينَ بِمَكَّةَ، فَلَوْ هاجَرَ مِنهم مُهاجِرٌ في أرْضِ اللهِ لَأرْغَمَ أُنُوفَ قُرَيْشٍ بِحُصُولِهِ في مَنَعَةٍ مِنهُمْ، فَتِلْكَ المَنَعَةُ هي مَوْضِعُ المُراغَمَةِ، وكَذَلِكَ الطَوْدُ الَّذِي ذَكَرَهُ النابِغَةُ، مَن صَعِدَ فِيهِ أمامَ طالِبٍ لَهُ وتَوَقَّلَ فَقَدْ أرْغَمَ أنْفَ ذَلِكَ الطالِبِ، وقَرَأ نُبَيْحٌ والجَرّاحُ، والحَسَنُ بْنُ عِمْرانَ: "مَرْغَمًا" بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الراءِ دُونَ ألِفٍ. قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا إنَّما هو عَلى حَذْفِ الزَوائِدِ مِن "راغَمَ"، والجَماعَةُ عَلى "مُراغَمٍ". وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُمُ: السَعَةُ هُنا: هي السَعَةُ في الرِزْقِ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى سَعَةٌ مِنَ الضَلالَةِ إلى الهُدى، ومِنَ العَيْلَةِ إلى الغِنى. وقالَ مالِكٌ: السَعَةُ سَعَةُ البِلادِ. قالَ القاضِي رَحِمَهُ اللهُ: والمُشْبِهُ لِفَصاحَةِ العَرَبِ أنْ يُرِيدَ سَعَةَ الأرْضِ، وكَثْرَةَ المَعاقِلِ، وبِذَلِكَ تَكُونُ السَعَةُ في الرِزْقِ، واتِّساعُ الصَدْرِ لِهُمُومِهِ وفِكْرِهِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الفَرَحِ، ونَحْوُ هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:. ؎ لَكانَ لِي مُضْطَرَبٌ واسِعٌ ∗∗∗ في الأرْضِ ذاتِ الطُولِ والعَرْضِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ وكُنْتُ إذا خَلِيلٌ رامَ قَطْعِي ∗∗∗ وجَدْتُ ورايَ مُنْفَسَحًا عَرِيضا وهَذا المَعْنى ظاهِرٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً﴾، وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الآيَةُ تُعْطِي أنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ مِنَ البِلادِ الَّتِي تُغَيَّرُ فِيها السُنَنُ، ويُعْمَلُ فِيها بِغَيْرِ الحَقِّ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ﴾ الآيَةُ، حُكْمٌ باقٍ في الجِهادِ والمَشْيِ إلى الصَلاةِ والحَجِّ ونَحْوِهِ، أما إنَّهُ لا يُقالُ: إنَّ بِنَفْسِ خُرُوجِهِ ونِيَّتِهِ حَصَلَ في مَرْتَبَةِ الَّذِي قَضى (p-٦٤٥)ذَلِكَ الفَرْضَ أوِ العِبادَةَ في الجُمْلَةِ، ولَكِنْ يُقالُ: وقَعَ لَهُ بِذَلِكَ أجْرٌ عَظِيمٌ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ رَجُلٍ مِن كِنانَةَ، وقِيلَ: مِن خُزاعَةَ مِن بَنِي لَيْثٍ، وقِيلَ: في جُنْدَعٍ لَمّا سَمِعَ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ قالَ: إنِّي لَذُو مالٍ وعَبِيدٍ -وَكانَ مَرِيضًا- فَقالَ: أخْرِجُونِي إلى المَدِينَةِ، فَأُخْرِجَ في سَرِيرٍ فَأدْرَكَهُ المَوْتُ بِالتَنْعِيمِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ، واخْتُلِفَ في اسْمِهِ، فَحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ العِيصِ، أوِ العِيصُ بْنُ ضَمْرَةَ بْنِ زِنْباعٍ، وحُكِيَ عَنِ السُدِّيِّ أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ، وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّهُ جُنْدُبُ بْنُ ضَمْرَةَ الجُنْدَعِيُّ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أيْضًا أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ بَغِيضٍ الَّذِي مِن بَنِي لَيْثٍ، وحَكى أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ العِيصِ، وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ نُعَيْمٍ، وقِيلَ: ضَمْرَةُ بْنُ خُزاعَةَ. وقَرَأتِ الجَماعَةُ "ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ" بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى "يَخْرُجْ"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ فِيما ذَكَرَهُ أبُو عَمْرٍو "يُدْرِكُهُ" بِرَفْعِ الكافِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا رَفْعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ثُمَّ هو يُدْرِكُهُ المَوْتُ، فَعَطَفَ الجُمْلَةَ مِنَ المُبْتَدَإ والخَبَرِ عَلى الفِعْلِ المَجْزُومِ بِفاعِلِهِ، فَهُما إذَنْ جُمْلَةٌ، فَكَأنَّهُ عَطَفَ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وعَلى هَذا حَمَلَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ قَوْلَ الأعْشى: ؎ إنْ تَرْكَبُوا فَرُكُوبُ الخَيْلِ عادَتُنا ∗∗∗ أو تَنْزِلُونَ فَإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ المُرادُ: وأنْتُمْ تَنْزِلُونَ. وعَلَيْهِ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ يَأْتِينِي بَقِيَّتُكم ∗∗∗ فَما عَلَيَّ بِذَنْبٍ عِنْدَكم فَوْتُ المَعْنى: ثُمَّ أنْتُمْ تَأْتِينِي، وهَذا أوجَهُ مِن أنْ يَحْمِلَهُ عَلى قَوْلِ الآخَرِ:(p-٦٤٦) ؎ ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي... ∗∗∗........................ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ، ونُبَيْحٌ، والجَرّاحُ: "ثُمَّ يُدْرِكَهُ" بِنَصْبِ الكافِ وذَلِكَ عَلى إضْمارِ "أنْ" كَقَوْلِ الأعْشى: ؎ لَنا هَضْبَةٌ لا يَنْزِلُ الذُلُّ وسْطَها ∗∗∗ ويَأْوِي إلَيْها المُسْتَجِيرُ فَيُعْصَما أرادَ: فَأنْ يُعْصَمَ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذا لَيْسَ بِالسَهْلِ، وإنَّما بابُهُ الشِعْرُ لا القُرْآنُ، وأنْشَدَ ابْنُ زَيْدٍ: ؎ سَأتْرُكُ مَنزِلِي لِبَنِي تَمِيمٍ ∗∗∗ وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا والآيَةُ أقْوى مِن هَذا لِتَقَدُّمِ الشَرْطِ قَبْلَ المَعْطُوفِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِن هَذِهِ الآيَةِ رَأى بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ مَن ماتَ مِنَ المُسْلِمِينَ وقَدْ خَرَجَ غازِيًا فَلَهُ سَهْمُهُ مِنَ الغَنِيمَةِ، قاسُوا ذَلِكَ عَلى الأجْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الهِجْرَةِ فِيما سَلَفَ، و"وَقَعَ" عِبارَةٌ عَنِ الثُبُوتِ وقُوَّةِ اللُزُومِ، وكَذَلِكَ هي "وَجَبَ"، لِأنَّ الوُقُوعَ والوُجُوبَ نُزُولٌ في الأجْرامِ بِقُوَّةٍ، فَشُبِّهَ لازِمُ المَعانِي بِذَلِكَ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ..

النساء 4:100

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِجالِ والنِساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللهُ أنْ يَعْفُوَ عنهم وكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ ﴿وَمَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللهِ وكانَ اللهِ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ: "مَصِيرًا" جَماعَةٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ، كانُوا قَدْ أسْلَمُوا، وأظْهَرُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ الإيمانَ بِهِ، فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أقامُوا مَعَ قَوْمِهِمْ، وفُتِنَ مِنهم جَماعَةٌ فافْتَتَنُوا، فَلَمّا كانَ أمْرُ بَدْرٍ خَرَجَ مِنهم قَوْمٌ مَعَ الكُفّارِ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ قَدْ أسْلَمُوا، وكانُوا يَسْتَخْفُونَ بِإسْلامِهِمْ، فَأخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُصِيبَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: كانَ أصْحابُنا هَؤُلاءِ مُسْلِمِينَ وأُكْرِهُوا فاسْتَغْفَرُوا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ الآيَةُ، قالَ: فَكُتِبَ إلى مَن بَقِيَ بِمَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ ألّا عُذْرَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ الفِتْنَةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ الأُخْرى: ﴿وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإذا أُوذِيَ في اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ الناسِ كَعَذابِ اللهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] الآيَةُ، فَكَتَبَ إلَيْهِمُ المُسْلِمُونَ بِذَلِكَ، فَخَرَجُوا ويَئِسُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ، ثُمَّ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]، فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ أنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى (p-٦٤١)نَجا مَن نَجا وقُتِلَ مَن قُتِلَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في خَمْسَةٍ قُتِلُوا بِبَدْرٍ، وهُمْ: قَيْسُ بْنُ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ، وقَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبُو العاصِي بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ. قالَ النَقّاشُ: في أُناسٍ سِواهم أسْلَمُوا ثُمَّ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ، فَلَمّا رَأوا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ قالُوا: غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكانَ العَبّاسُ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَ الكُفّارِ لَكِنَّهُ نَجا وأُسِرَ، وكانَ مِنَ المُطْعِمِينَ في نَفِيرِ بَدْرٍ، قالَ السُدِّيُّ: «لَمّا أُسِرَ العَبّاسُ، وعَقِيلٌ، ونُفَيْلٌ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْعَبّاسِ: "افْدِ نَفْسَكَ وابْنَ أخِيكَ"، فَقالَ لَهُ العَبّاسُ: يا رَسُولَ اللهِ، ألَمْ نُصَلِّ قِبْلَتَكَ ونَشْهَدْ شَهادَتَكَ؟ قالَ "يا عَبّاسُ، إنَّكم خاصَمْتُمْ فَخُصِمْتُمْ، ثُمَّ تَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾،» قالَ السُدِّيُّ: فَيَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كانَ مَن أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ فَهو كافِرٌ حَتّى يُهاجِرَ، إلّا مَن لا يَسْتَطِيعُ حِيلَةً ولا يَهْتَدِي سَبِيلًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا الَّذِي قالَهُ السُدِّيُّ نَظَرٌ، والَّذِي يَجْرِي مَعَ الأُصُولِ أنَّ مَن ماتَ مِن أُولَئِكَ بَعْدَ أنْ قَبِلَ الفِتْنَةَ وارْتَدَّ فَهو كافِرٌ، ومَأْواهُ جَهَنَّمُ عَلى جِهَةِ الخُلُودِ، وهَذا هو ظاهِرُ أمْرِ تِلْكَ الجَماعَةِ، وإنْ فَرَضْنا فِيهِمْ مَن ماتَ مُؤْمِنًا وأُكْرِهَ عَلى الخُرُوجِ، أو ماتَ بِمَكَّةَ فَإنَّما هو عاصٍ في تَرْكِ الهِجْرَةِ، مَأْواهُ جَهَنَّمُ عَلى جِهَةِ العِصْيانِ دُونَ خُلُودٍ، لَكِنْ لَمّا لَمْ يَتَعَيَّنْ أحَدٌ أنَّهُ ماتَ عَلى الإيمانِ لَمْ يَسُغْ ذِكْرُهم في الصَحابَةِ، ولَمْ يُعْتَدَّ بِما كانَ عُرِفَ مِنهم قَبْلُ، ولا حُجَّةَ لِلْمُعْتَزِلَةِ في شَيْءٍ مِن أمْرِ هَؤُلاءِ عَلى تَكْفِيرِهِمْ بِالمَعاصِي، وأمّا العَبّاسُ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ رَحِمَهُ اللهُ أنَّهُ أسْلَمَ قَبْلَ بَدْرٍ، ولِذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في يَوْمِ بَدْرٍ: « "مَن لَقِيَ العَبّاسَ فَلا يَقْتُلْهُ فَإنَّما أُخْرِجَ كُرْهًا".» (p-٦٤٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذُكِرَ أنَّهُ إنَّما أسْلَمَ مَأْسُورًا حِينَ ذَكَرَ لَهُ النَبِيُّ ﷺ أمْرَ المالِ الَّذِي تَرَكَ عِنْدَ أُمِّ الفَضْلِ، وذُكِرَ أنَّهُ أسْلَمَ في عامِ خَيْبَرَ، وكانَ يَكْتُبُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِأخْبارِ المُشْرِكِينَ، وكانَ يُحِبُّ أنْ يُهاجِرَ، «فَكَتَبَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ "أنِ امْكُثْ بِمَكَّةَ فَمُقامُكَ بِها أنْفَعُ لَنا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَكِنْ عامَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أُسِرَ عَلى ظاهِرِ أمْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "تَوَفّاهُمُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا لَمْ يَسْتَنِدْ بِعَلامَةِ تَأْنِيثٍ، إذْ تَأْنِيثُ لَفْظِ المَلائِكَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا مُسْتَقْبَلًا عَلى مَعْنى: تَتَوَفّاهُمْ، فَحُذِفَتْ إحْدى التاءَيْنِ، ويَكُونَ في العِبارَةِ إشارَةٌ إلى ما يَأْتِي مِن هَذا المَعْنى في المُسْتَقْبَلِ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ، وقَرَأ إبْراهِيمُ: "تُوَفّاهُمْ" بِضَمِّ التاءِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: كَأنَّهم يُدْفَعُونَ إلى المَلائِكَةِ ويُحْتَسَبُونَ عَلَيْهِمْ، و"تَوَفّاهُمْ" بِفَتْحِ التاءِ مَعْناهُ: تَقْبِضُ أرْواحَهُمْ، وحَكى ابْنُ فُورَكٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المَعْنى: تَحْشُرُهم إلى النارِ. و"ظالِمِي أنْفُسِهِمْ" نُصِبَ عَلى الحالِ، أيْ: ظالِمِيها بِتَرْكِ الهِجْرَةِ، قالَ الزَجّاجُ: حُذِفَتِ النُونُ مِن "ظالِمِينَ" تَخْفِيفًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "بالِغَ الكَعْبَةِ"،﴾ [المائدة: ٩٥] وقَوْلُ المَلائِكَةِ "فِيمَ كُنْتُمْ" تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ، وقَوْلُ هَؤُلاءِ: "كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ" اعْتِذارٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، إذْ كانُوا يَسْتَطِيعُونَ الحِيَلَ ويَهْتَدُونَ السَبِيلَ، ثُمَّ وقَفَتْهُمُ المَلائِكَةُ عَلى ذَنْبِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً﴾، والأرْضُ في قَوْلِ هَؤُلاءِ: هي أرْضُ مَكَّةَ خاصَّةً، وأرْضُ اللهِ: هي الأرْضُ بِالإطْلاقِ، والمُرادُ: "فَتُهاجِرُوا فِيها إلى مَوْضِعِ الأمْنِ"؟ وهَذِهِ المَقالَةُ إنَّما هي بَعْدَ تَوَفِّي المَلائِكَةِ لِأرْواحِ هَؤُلاءِ، وهي دالَّةٌ عَلى أنَّهم ماتُوا مُسْلِمِينَ، وإلّا فَلَوْ ماتُوا كافِرِينَ لَمْ يُقَلْ لَهم شَيْءٌ مِن هَذا، وإنَّما أُضْرِبَ عن ذِكْرِهِمْ في الصَحابَةِ لِشِدَّةِ ما واقَعُوهُ، ولِعَدَمِ تَعَيُّنِ أحَدٍ مِنهم بِالإيمانِ، ولِاحْتِمالِ (p-٦٤٣)رِدَّتِهِ. وتَوَعَّدَهُمُ اللهُ تَعالى بِأنَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهم مَن كانَ اسْتِضْعافُهُ عَلى حَقِيقَةٍ: مِن زَمَنَةِ الرِجالِ وضَعَفَةِ النِساءِ والوِلْدانِ، كَعَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ هِشامٍ وغَيْرِهِما، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، هي مِنَ النِساءِ، وأنا مِنَ الوِلْدانِ"، والحِيلَةُ: لَفْظٌ عامٌّ لِأسْبابِ أنْواعِ التَخَلُّصِ والسَبِيلُ: سَبِيلُ المَدِينَةِ فِيما ذَكَرَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ، وغَيْرُهُما، والصَوابُ أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ السُبُلِ. ثُمَّ رَجّى اللهُ تَعالى هَؤُلاءِ بِالعَفْوِ عنهم و"عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ، كَما أنَّها دالَّةٌ عَلى ثِقَلِ الأمْرِ المَعْفُوِّ عنهُ. قالَ الحَسَنُ: "عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ، قالَ غَيْرُهُ: هي بِمَنزِلَةِ الوَعْدِ، إذْ لَيْسَ يُخْبِرُ بِـ "عَسى" عن شَكٍّ ولا تَوَقُّعٍ، وهَذا يَرْجِعُ إلى الوُجُوبِ، قالَ آخَرُونَ: هو عَلى مُعْتَقَدِ البَشَرِ، أيْ: ظَنُّكم بِمَن هَذِهِ حالُهُ تَرَجِّي عَفْوِ اللهِ تَعالى عنهُ. والمُراغَمُ: المُتَحَوَّلُ والمَذْهَبُ، كَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، والرَبِيعُ، وغَيْرُهُمْ، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ الجَعْدِيِّ: ؎ كَطَوْدٍ يُلاذُ بِأرْكانِهِ عَزِيزِ المُراغَمِ والمَذْهَبِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎ إلى بَلَدٍ غَيْرِ دانِي المَحَلِّ ∗∗∗ بَعِيدِ المُراغَمِ والمُضْطَرَبْ وقالَ مُجاهِدٌ: المُراغَمُ: المُتَزَحْزَحُ عَمّا يُكْرَهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُراغَمُ: المُهاجَرُ، وقالَ السُدِّيُّ: المُراغَمُ: المُبْتَغِي المَعِيشَةَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، فَأمّا الخاصُّ بِاللَفْظَةِ فَإنَّ المُراغَمَ: مَوْضِعُ بِالمُراغَمَةِ، (p-٦٤٤)وَهُوَ أنْ يُرْغِمَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُتَنازِعَيْنِ أنْفَ صاحِبِهِ بِأنْ يَغْلِبَهُ عَلى مُرادِهِ، فَكُفّارُ قُرَيْشٍ أرْغَمُوا أُنُوفَ المَحْبُوسِينَ بِمَكَّةَ، فَلَوْ هاجَرَ مِنهم مُهاجِرٌ في أرْضِ اللهِ لَأرْغَمَ أُنُوفَ قُرَيْشٍ بِحُصُولِهِ في مَنَعَةٍ مِنهُمْ، فَتِلْكَ المَنَعَةُ هي مَوْضِعُ المُراغَمَةِ، وكَذَلِكَ الطَوْدُ الَّذِي ذَكَرَهُ النابِغَةُ، مَن صَعِدَ فِيهِ أمامَ طالِبٍ لَهُ وتَوَقَّلَ فَقَدْ أرْغَمَ أنْفَ ذَلِكَ الطالِبِ، وقَرَأ نُبَيْحٌ والجَرّاحُ، والحَسَنُ بْنُ عِمْرانَ: "مَرْغَمًا" بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الراءِ دُونَ ألِفٍ. قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا إنَّما هو عَلى حَذْفِ الزَوائِدِ مِن "راغَمَ"، والجَماعَةُ عَلى "مُراغَمٍ". وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُمُ: السَعَةُ هُنا: هي السَعَةُ في الرِزْقِ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى سَعَةٌ مِنَ الضَلالَةِ إلى الهُدى، ومِنَ العَيْلَةِ إلى الغِنى. وقالَ مالِكٌ: السَعَةُ سَعَةُ البِلادِ. قالَ القاضِي رَحِمَهُ اللهُ: والمُشْبِهُ لِفَصاحَةِ العَرَبِ أنْ يُرِيدَ سَعَةَ الأرْضِ، وكَثْرَةَ المَعاقِلِ، وبِذَلِكَ تَكُونُ السَعَةُ في الرِزْقِ، واتِّساعُ الصَدْرِ لِهُمُومِهِ وفِكْرِهِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الفَرَحِ، ونَحْوُ هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:. ؎ لَكانَ لِي مُضْطَرَبٌ واسِعٌ ∗∗∗ في الأرْضِ ذاتِ الطُولِ والعَرْضِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ وكُنْتُ إذا خَلِيلٌ رامَ قَطْعِي ∗∗∗ وجَدْتُ ورايَ مُنْفَسَحًا عَرِيضا وهَذا المَعْنى ظاهِرٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً﴾، وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الآيَةُ تُعْطِي أنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ مِنَ البِلادِ الَّتِي تُغَيَّرُ فِيها السُنَنُ، ويُعْمَلُ فِيها بِغَيْرِ الحَقِّ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ﴾ الآيَةُ، حُكْمٌ باقٍ في الجِهادِ والمَشْيِ إلى الصَلاةِ والحَجِّ ونَحْوِهِ، أما إنَّهُ لا يُقالُ: إنَّ بِنَفْسِ خُرُوجِهِ ونِيَّتِهِ حَصَلَ في مَرْتَبَةِ الَّذِي قَضى (p-٦٤٥)ذَلِكَ الفَرْضَ أوِ العِبادَةَ في الجُمْلَةِ، ولَكِنْ يُقالُ: وقَعَ لَهُ بِذَلِكَ أجْرٌ عَظِيمٌ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ رَجُلٍ مِن كِنانَةَ، وقِيلَ: مِن خُزاعَةَ مِن بَنِي لَيْثٍ، وقِيلَ: في جُنْدَعٍ لَمّا سَمِعَ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ قالَ: إنِّي لَذُو مالٍ وعَبِيدٍ -وَكانَ مَرِيضًا- فَقالَ: أخْرِجُونِي إلى المَدِينَةِ، فَأُخْرِجَ في سَرِيرٍ فَأدْرَكَهُ المَوْتُ بِالتَنْعِيمِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ، واخْتُلِفَ في اسْمِهِ، فَحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ العِيصِ، أوِ العِيصُ بْنُ ضَمْرَةَ بْنِ زِنْباعٍ، وحُكِيَ عَنِ السُدِّيِّ أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ، وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّهُ جُنْدُبُ بْنُ ضَمْرَةَ الجُنْدَعِيُّ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أيْضًا أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ بَغِيضٍ الَّذِي مِن بَنِي لَيْثٍ، وحَكى أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ العِيصِ، وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ نُعَيْمٍ، وقِيلَ: ضَمْرَةُ بْنُ خُزاعَةَ. وقَرَأتِ الجَماعَةُ "ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ" بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى "يَخْرُجْ"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ فِيما ذَكَرَهُ أبُو عَمْرٍو "يُدْرِكُهُ" بِرَفْعِ الكافِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا رَفْعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ثُمَّ هو يُدْرِكُهُ المَوْتُ، فَعَطَفَ الجُمْلَةَ مِنَ المُبْتَدَإ والخَبَرِ عَلى الفِعْلِ المَجْزُومِ بِفاعِلِهِ، فَهُما إذَنْ جُمْلَةٌ، فَكَأنَّهُ عَطَفَ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وعَلى هَذا حَمَلَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ قَوْلَ الأعْشى: ؎ إنْ تَرْكَبُوا فَرُكُوبُ الخَيْلِ عادَتُنا ∗∗∗ أو تَنْزِلُونَ فَإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ المُرادُ: وأنْتُمْ تَنْزِلُونَ. وعَلَيْهِ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ يَأْتِينِي بَقِيَّتُكم ∗∗∗ فَما عَلَيَّ بِذَنْبٍ عِنْدَكم فَوْتُ المَعْنى: ثُمَّ أنْتُمْ تَأْتِينِي، وهَذا أوجَهُ مِن أنْ يَحْمِلَهُ عَلى قَوْلِ الآخَرِ:(p-٦٤٦) ؎ ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي... ∗∗∗........................ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ، ونُبَيْحٌ، والجَرّاحُ: "ثُمَّ يُدْرِكَهُ" بِنَصْبِ الكافِ وذَلِكَ عَلى إضْمارِ "أنْ" كَقَوْلِ الأعْشى: ؎ لَنا هَضْبَةٌ لا يَنْزِلُ الذُلُّ وسْطَها ∗∗∗ ويَأْوِي إلَيْها المُسْتَجِيرُ فَيُعْصَما أرادَ: فَأنْ يُعْصَمَ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذا لَيْسَ بِالسَهْلِ، وإنَّما بابُهُ الشِعْرُ لا القُرْآنُ، وأنْشَدَ ابْنُ زَيْدٍ: ؎ سَأتْرُكُ مَنزِلِي لِبَنِي تَمِيمٍ ∗∗∗ وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا والآيَةُ أقْوى مِن هَذا لِتَقَدُّمِ الشَرْطِ قَبْلَ المَعْطُوفِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِن هَذِهِ الآيَةِ رَأى بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ مَن ماتَ مِنَ المُسْلِمِينَ وقَدْ خَرَجَ غازِيًا فَلَهُ سَهْمُهُ مِنَ الغَنِيمَةِ، قاسُوا ذَلِكَ عَلى الأجْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الهِجْرَةِ فِيما سَلَفَ، و"وَقَعَ" عِبارَةٌ عَنِ الثُبُوتِ وقُوَّةِ اللُزُومِ، وكَذَلِكَ هي "وَجَبَ"، لِأنَّ الوُقُوعَ والوُجُوبَ نُزُولٌ في الأجْرامِ بِقُوَّةٍ، فَشُبِّهَ لازِمُ المَعانِي بِذَلِكَ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ..

النساء 4:101

(p-٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَلاةِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ الكافِرِينَ كانُوا لَكم عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ﴿وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ﴾ ﴿ "ضَرَبْتُمْ"؛﴾ مَعْناهُ: سافَرْتُمْ؛ فَأهْلُ الظاهِرِ يَرَوْنَ القَصْرَ في كُلِّ سَفَرٍ يَخْرُجُ عَنِ الحاضِرَةِ؛ وهي مِن حَيْثُ تُؤْتى الجُمُعَةُ؛ وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حَدِّ المَسافَةِ الَّتِي تُقْصَرُ فِيها الصَلاةُ؛ فَقالَ مالِكٌ ؛ والشافِعِيُّ ؛ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ؛ وابْنُ راهَوَيْهِ: "تُقْصَرُ الصَلاةُ في أرْبَعَةِ بُرُدٍ؛ وذَلِكَ ثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ مِيلًا"؛ وحُجَّتُهم أحادِيثُ رُوِيَتْ في ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ وقالَ الحَسَنُ؛ والزُهْرِيُّ: "تُقْصَرُ الصَلاةُ في مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ"؛ ولَمْ يَذْكُرا أمْيالًا؛ ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عن مالِكٍ ؛ ورُوِيَ عنهُ أيْضًا: "تُقْصَرُ الصَلاةُ في يَوْمٍ ولَيْلَةٍ"؛ وهَذِهِ الأقْوال الثَلاثَةُ تَتَقارَبُ في المَعْنى؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ وابْنِ عُمَرَ أنَّ الصَلاةَ تُقْصَرُ في مَسِيرَةِ اليَوْمِ التامِّ؛ وقَصَرَ ابْنُ عُمَرَ في ثَلاثِينَ مِيلًا؛ وعن مالِكٍ ؛ في "اَلْعُتْبِيَّةُ"؛ فِيمَن خَرَجَ إلى ضَيْعَتِهِ عَلى مَسِيرَةِ خَمْسَةٍ وأرْبَعِينَ مِيلًا؛ قالَ: "يَقْصُرُ"؛ وعَنِ ابْنِ القاسِمِ ؛ في "اَلْعُتْبِيَّةُ": "إنْ قَصَرَ في سِتَّةٍ وثَلاثِينَ فَلا إعادَةَ عَلَيْهِ"؛ وقالَ يَحْيى بْنُ عُمَرَ: "يُعِيدُ أبَدًا"؛ وقالَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: "فِي الوَقْتِ"؛ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ وسُفْيانُ ؛ والثَوْرِيُّ ؛ وأبُو حَنِيفَةَ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: "مَن سافَرَ مَسِيرَةَ ثَلاثٍ قَصَرَ"؛ قالَ أبُو حَنِيفَةَ: "ثَلاثَةِ أيّامٍ ولَيالِيها؛ سَيْرَ الإبِلِ؛ ومَشْيَ الأقْدامِ"؛ ورُوِيَ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قَصَرَ في خَمْسَةَ عَشَرَ مِيلًا؛ قالَ الأوزاعِيُّ: "عامَّةُ العُلَماءِ في القَصْرِ في مَسِيرَةِ اليَوْمِ التامِّ؛ وبِهِ نَأْخُذُ". واخْتَلَفَ الناسُ في نَوْعِ السَفَرِ الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَلاةُ؛ فَأجْمَعُ الناسَ عَلى الجِهادِ؛ والحَجِّ؛ والعُمْرَةِ؛ وما ضارَعَها مِن صِلَةِ الرَحِمِ؛ وإحْياءِ نَفْسٍ؛ واخْتَلَفَ الناسُ فِيما سِوى ذَلِكَ؛ فالجُمْهُورُ عَلى جَوازِ القَصْرِ في السَفَرِ المُباحِ؛ كالتِجارَةِ؛ ونَحْوِها؛ ورُوِيَ (p-٦)عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: "لا تُقْصَرُ الصَلاةُ إلّا في حَجٍّ؛ أو جِهادٍ"؛ وقالَ عَطاءٌ: "لا تُقْصَرُ الصَلاةُ إلّا في سَفَرِ طاعَةٍ؛ وسَبِيلٍ مِن سُبُلِ الخَيْرِ"؛ وقَدْ رُوِيَ عن عَطاءٍ أنَّها تُقْصَرُ في كُلِّ المُباحِ؛ والجُمْهُورُ مِنَ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ لا قَصْرَ في سَفَرِ المَعْصِيَةِ؛ كالباغِي؛ وقاطِعِ الطَرِيقِ؛ وما في مَعْناهُما؛ ورُوِيَ عَنِ الأوزاعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ إباحَةُ القَصْرِ في جَمِيعِ ذَلِكَ؛ وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ المُسافِرَ لا يَقْصُرُ حَتّى يَخْرُجَ مِن بُيُوتِ القَرْيَةِ؛ وحِينَئِذٍ هو ضارِبٌ في الأرْضِ؛ وهو قَوْلُ مالِكٍ في "اَلْمُدَوَّنَةُ"؛ وابْنِ حَبِيبٍ وجَماعَةِ المَذْهَبِ؛ قالَ ابْنُ القاسِمِ في "اَلْمُدَوَّنَةُ": "وَلَمْ يَحُدَّ لَنا مالِكٌ في القُرْبِ حَدًّا"؛ ورُوِيَ عن مالِكٍ: "إذا كانَتْ قَرْيَةٌ يَجْمَعُ أهْلُها فَلا يَقْصُرْ حَتّى يُجاوِزَها بِثَلاثَةِ أمْيالٍ؛ وإلى ذَلِكَ في الرُجُوعِ؛ وإنْ كانَتْ لا يَجْمَعُ أهْلُها قَصَرَ إذا جاوَزَ بَساتِينَها؛ ورُوِيَ عَنِ الحارِثِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ أنَّهُ أرادَ سَفَرًا؛ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ في مَنزِلِهِ؛ وفِيهِمُ الأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ ؛ وغَيْرُ واحِدٍ مِن أصْحابِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وبِهِ قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ ؛ وسُلَيْمانُ بْنُ مُوسى؛ ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: "لا يَقْصُرُ المُسافِرُ يَوْمَهُ الأوَّلَ حَتّى اللَيْلِ"؛ وهو شاذٌّ؛ وقَدْ ثَبَتَ «أنَّ النَبِيَّ - ﷺ - صَلّى الظَهْرَ بِالمَدِينَةِ أرْبَعًا؛ والعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ؛ ولَيْسَ بَيْنَهُما ثُلُثَ يَوْمٍ.» ويَظْهَرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا﴾ ؛ أنَّ القَصْرَ مُباحٌ؛ أو مُخَيَّرٌ فِيهِ؛ وقَدْ رَوى ابْنُ وهْبٍ عن مالِكٍ أنَّ المُسافِرَ مُخَيَّرٌ؛ وقالَهُ الأبْهَرِيُّ؛ وعَلَيْهِ حُذّاقُ المَذْهَبِ؛ وقالَ مالِكٌ في "اَلْمَبْسُوطُ": "اَلْقَصْرُ سُنَّةٌ"؛ وهَذا هو جُمْهُورُ المَذْهَبِ؛ وعَلَيْهِ جَوابُ "اَلْمُدَوَّنَةُ" بِالإعادَةِ في الوَقْتِ لِمَن أتَمَّ في سَفَرِهِ؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونَ؛ وإسْماعِيلُ القاضِي: "اَلْقَصْرُ فَرَضٌ"؛ وبِهِ قالَ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ ؛ ورُوِيَ نَحْوُهُ عن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: "مَن صَلّى في السَفَرِ أرْبَعًا؛ فَهو كَمَن صَلّى في الحَضَرِ رَكْعَتَيْنِ"؛ وحَكى ابْنُ المُنْذِرِ «عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ: "صَلاةُ السَفَرِ رَكْعَتانِ؛ تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ؛ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى"؛» ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها -: « "فُرِضَتِ الصَلاةُ رَكْعَتَيْنِ في الحَضَرِ والسَفَرِ؛ فَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَفَرِ؛ وزِيدَ في صَلاةِ الحَضَرِ".» (p-٧)واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقْصُرُوا﴾ ؛ فَذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّهُ القَصْرُ إلى اثْنَتَيْنِ مِن أرْبَعٍ؛ رُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ: «سَألَ قَوْمٌ مِنَ التُجّارِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -؛ فَقالُوا: إنّا نَضْرِبُ في الأرْضِ؛ فَكَيْفَ نُصَلِّي؟ فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَلاةِ﴾ ؛ ثُمَّ انْقَطَعَ الكَلامُ؛ فَلَمّا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَوْلٍ غَزا النَبِيُّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ فَصَلّى الظُهْرَ؛ فَقالَ المُشْرِكُونَ: لَقَدْ أمْكَنَكم مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ مِن ظُهُورِهِمْ؛ فَهَلّا شَدَدْتُمْ عَلَيْهِمْ؟ فَقالَ قائِلٌ مِنهُمْ: إنْ لَهم أُخْرى في أثَرِها؛ فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى بَيْنَ الصَلاتَيْنِ: ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ؛ إلى آخِرِ صَلاةِ الخَوْفِ.» وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في سَرْدِ هَذِهِ المَقالَةِ حَدِيثَ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ قالَ: «قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: إنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنْ خِفْتُمْ﴾ ؛ وقَدْ أمِنَ الناسُ؛ فَقالَ: "عَجِبْتُ مِمّا عَجِبْتَ مِنهُ؛ فَسَألْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عن ذَلِكَ؛ فَقالَ: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِها عَلَيْكُمْ؛ فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ"؛» قالَ الطَبَرِيُّ: وهَذا كُلُّهُ قَوْلٌ حَسَنٌ؛ إلّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَإذا كُنْتَ﴾ ؛ تُؤْذِنُ بِانْقِطاعِ ما بَعْدَها مِمّا قَبْلَها؛ فَلَيْسَ يَتَرَتَّبُ مِن لَفْظِ الآيَةِ إلّا أنَّ القَصْرَ مَشْرُوطٌ بِالخَوْفِ؛ وفي قِراءَةِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَلاةِ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا"؛ بِسُقُوطِ "إنْ خِفْتُمْ"؛ وثَبَتَتْ في مُصْحَفِ عُثْمانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وذَهَبَتْ جَماعَةٌ أُخْرى إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما هي مُبِيحَةٌ القَصْرَ في السَفَرِ لِلْخائِفِ مِنَ العَدُوِّ؛ فَمَن كانَ آمِنًا فَلا قَصْرَ لَهُ؛ ورُوِيَ عن عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها - أنَّها كانَتْ تَقُولُ في السَفَرِ: "أتِمُّوا صَلاتَكُمْ"؛ فَقالُوا: إنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كانَ يَقْصُرُ؛ فَقالَتْ: "إنَّهُ كانَ في حَرْبٍ؛ وكانَ يَخافُ؛ وهَلْ أنْتُمْ تَخافُونَ؟"؛ وقالَ عَطاءٌ: "كانَ يُتِمُّ الصَلاةَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -؛ وسَعْدُ بْنُ أبِي وقاصٍّ ؛ وأتَمَّ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ ؛ ولَكِنْ عَلَّلَ ذَلِكَ بِعِلَلٍ غَيْرِ هَذِهِ؛ وكَذَلِكَ عَلَّلَ إتْمامَ عائِشَةَ أيْضًا بِغَيْرِ هَذا". (p-٨)وَقالَ آخَرُونَ: "اَلْقَصْرُ المُباحُ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هو قَصْرُ الرَكْعَتَيْنِ إلى رَكْعَةٍ؛ والرَكْعَتانِ في السَفَرِ إنَّما هي تَمامٌ؛ وقَصْرُها أنْ تَصِيرَ رَكْعَةً؛ قالَ السُدِّيُّ: "إذا صَلَّيْتَ في السَفَرِ رَكْعَتَيْنِ فَهو تَمامٌ؛ والقَصْرُ لا يَحِلُّ إلّا أنْ يَخافَ؛ فَهَذِهِ الآيَةُ مُبِيحَةٌ أنْ تُصَلِّيَ كُلُّ طائِفَةٍ رَكْعَةً لا تَزِيدُ عَلَيْها شَيْئًا؛ ويَكُونَ لِلْإمامِ رَكْعَتانِ"؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّهُ قالَ: "رَكْعَتانِ في السَفَرِ تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ؛ إنَّما القَصْرُ في صَلاةِ المَخافَةِ؛ يُصَلِّي الإمامُ بِطائِفَةٍ رَكْعَةً؛ ثُمَّ يَجِيءُ هَؤُلاءِ إلى مَكانِ هَؤُلاءِ؛ وهَؤُلاءِ إلى مَكانِ هَؤُلاءِ؛ فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً؛ فَتَكُونُ لِلْإمامِ رَكْعَتانِ؛ ولَهم رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ"؛ وقالَ نَحْوَ هَذا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ؛ وكَعْبٌ مِن أصْحابِ النَبِيِّ - ﷺ -؛ وفَعَلَهُ حُذَيْفَةُ بِطَبَرِسْتانَ؛ وقَدْ سَألَهُ الأمِيرُ سَعِيدُ بْنُ العاصِي ذَلِكَ؛ ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - «أنَّ النَبِيَّ - ﷺ - صَلّى كَذَلِكَ في غَزْوَةِ ذِي قُرَدٍ رَكْعَةً بِكُلِّ طائِفَةٍ؛ ولَمْ يَقْضُوا؛» وقالَ مُجاهِدٌ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: "فَرَضَ اللهُ الصَلاةَ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم في الحَضَرِ أرْبَعًا؛ وفي السَفَرِ رَكْعَتَيْنِ؛ وفي الخَوْفِ رَكْعَةً"؛» ورَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: «أنَّ النَبِيَّ - ﷺ - صَلّى كَذَلِكَ بِأصْحابِهِ يَوْمَ حارَبَ خَصَفَةَ؛ وبَنِي ثَعْلَبَةَ؛» ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ «أنَّ النَبِيَّ - ﷺ - صَلّى كَذَلِكَ بَيْنَ ضَجْنانَ وعُسْفانَ.» وقالَ آخَرُونَ: هَذِهِ الآيَةُ مُبِيحَةٌ القَصْرَ مِن حُدُودِ الصَلاةِ وهَيْئَتِها عِنْدَ المُسايَفَةِ؛ واشْتِعال الحَرْبِ؛ فَأُبِيحَ لِمَن هَذِهِ حالُهُ أنْ يُصَلِّيَ إيماءً بِرَأْسِهِ؛ ويُصَلِّيَ رَكْعَةً واحِدَةً حَيْثُ تَوَجَّهَ؛ إلى تَكْبِيرَتَيْنِ؛ إلى تَكْبِيرَةٍ؛ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أقْوالِ العُلَماءِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أو رُكْبانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] ؛ ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ؛ وقالَ: إنَّهُ (p-٩)يُعادِلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَلاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] ؛ أيْ: بِحُدُودِها؛ وهَيْئَتِها الكامِلَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَقْصُرُوا"؛ بِفَتْحِ التاءِ؛ وضَمِّ الصادِ؛ ورَوى الضَبِّيُّ عن أصْحابِهِ: "تَقْصِرُوا"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ وكَسْرِ الصادِ؛ وسُكُونِ القافِ؛ وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "تُقَصِّرُوا"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ وفَتْحِ القافِ؛ وكَسْرِ الصادِ وشَدِّها. و"يَفْتِنَكُمُ"؛ مَعْناهُ: "يَمْتَحِنَكم بِالحَمْلِ عَلَيْكُمْ؛ وإشْغالِ نُفُوسِكم في صَلاتِكُمْ"؛ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ صاحِبِ الحائِطِ: "لَقَدْ أصابَتْنِي في مالِي هَذا فِتْنَةٌ"؛ وأصْلُ الفِتْنَةِ الِاخْتِبارُ بِالشَدائِدِ؛ وإلى هَذا المَعْنى تَرْجِعُ كَيْفَ تَصَرَّفَتْ. و"عَدُوٌّ": وصْفٌ يَجْرِي عَلى الواحِدِ؛ والجَماعَةِ؛ و"مُبِينٌ": "مُفْعِلٌ"؛ مِن "أبانَ"؛ اَلْمَعْنى: "قَدْ جَلِحُوا في عَداوَتِكُمْ؛ ورامُوكم كُلَّ مَرامٍ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: اَلْآيَةُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وهو يَتَناوَلُ الأُمَراءَ بَعْدَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ وقالَ أبُو يُوسُفَ؛ وإسْماعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ: "اَلْآيَةُ خُصُوصٌ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -؛ لِأنَّ الصَلاةَ بِإمامَةِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - لا عِوَضَ مِنها؛ وغَيْرَهُ مِنَ الأُمَراءِ مِنهُ العِوَضُ؛ فَيُصَلِّي الناسُ بِإمامَيْنِ؛ طائِفَةً بَعْدَ طائِفَةٍ؛ ولا يُحْتاجُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَكَذَلِكَ جُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ صَلاةَ الخَوْفِ تُصَلّى في الحَضَرِ؛ إذا نَزَلَ الخَوْفُ"؛ وقالَ قَوْمٌ: "لا صَلاةُ خَوْفٍ في حَضَرٍ"؛ وقالَهُ في المَذْهَبِ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ الماجِشُونِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: ﴿فَأقَمْتَ لَهُمُ﴾ ؛ مَعْناهُ: "حُدُودَها وهَيْئَتَها؛ ولَمْ تَقْصُرْ؛ عَلى ما أُبِيحَ قَبْلُ في حالِ المُسايَفَةِ". وقَوْلُهُ ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ ؛ أمْرٌ بِالِانْقِسامِ؛ أيْ: "وَسائِرُهم وِجاهَ العَدُوِّ؛ حَذَرًا؛ وتَوَقُّعَ حَمْلَتِهِ. (p-١٠)وَأعْظَمُ الرِواياتِ والأحادِيثِ أنَّ صَلاةَ الخَوْفِ إنَّما نَزَلَتِ الرُخْصَةُ فِيها في غَزْوَةِ ذاتِ الرِقاعِ؛ وهي غَزْوَةُ مُحارِبٍ وخَصَفَةَ؛ وفي بَعْضِ الرِواياتِ أنَّها نَزَلَتْ في ناحِيَةِ عُسْفانَ وضَجْنانَ؛ والعَدُوُّ خَيْلُ قُرَيْشٍ؛ عَلَيْها خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ ؛ واخْتُلِفَ: مَنِ المَأْمُورِ بِأخْذِ الأسْلِحَةِ هُنا؟ فَقِيلَ: "اَلطّائِفَةُ المُصَلِّيَةُ"؛ وقِيلَ: "بَلِ الحارِسَةُ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَفْظُ الآيَةِ يَتَناوَلُ الكُلَّ؛ ولَكِنَّ سِلاحَ المُصَلِّينَ ما خَفَّ؛ واخْتَلَفَتِ الآثارُ في هَيْئَةِ صَلاةِ النَبِيِّ - ﷺ - بِأصْحابِهِ صَلاةَ الخَوْفِ؛ وبِحَسَبِ ذَلِكَ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ؛ فَرَوى يَزِيدُ بْنُ رُومانَ؛ عن صالِحِ بْنِ خَوّاتٍ؛ «عن سَهْلِ بْنِ أبِي حَثْمَةَ أنَّهُ صَلّى مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - صَلاةَ الخَوْفِ يَوْمَ "ذاتِ الرِقاعِ"؛ فَصَفَّتْ طائِفَةٌ مَعَهُ؛ وطائِفَةٌ وِجاهَ العَدُوِّ؛ فَصَلّى بِالَّذِينِ مَعَهُ رَكْعَةً؛ ثُمَّ ثَبَتَ قائِمًا؛ وأتَمُّوا؛ ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجاهَ العَدُوِّ؛ وجاءَتِ الطائِفَةُ الأُخْرى فَصَلّى بِهِمُ الرَكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِن صَلاتِهِ؛ ثُمَّ ثَبَتَ جالِسًا؛ وأتَمُّوا لِأنْفُسِهِمْ؛ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ؛» ورَوى القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عن صالِحِ بْنِ خَوّاتٍ؛ عن سَهْلٍ هَذا الحَدِيثَ بِعَيْنِهِ؛ إلّا أنَّهُ رَوى «أنَّ النَبِيَّ - ﷺ - حِينَ صَلّى بِالطائِفَةِ الأخِيرَةِ رَكْعَةً سَلَّمَ؛ ثُمَّ قَضَتْ هي بَعْدَ سَلامِهِ؛» وبِهَذا الحَدِيثِ أخَذَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - في صَلاةِ الخَوْفِ؛ كانَ أوَّلًا يَمِيلُ إلى رِوايَةِ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ؛ ثُمَّ رَجَعَ إلى رِوايَةِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي بَكْرٍ. ورَوى مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَيّاشٍ الزُرَّقِيِّ؛ واسْمُهُ زَيْدُ بْنُ الصامِتِ -عَلى خِلافٍ فِيهِ - «أنَّ النَبِيَّ - ﷺ - صَلّى صَلاةَ الخَوْفِ بِعُسْفانَ؛ والعَدُوُّ في قِبْلَتِهِ؛ قالَ: فَصَلّى بِنا (p-١١)النَبِيُّ - ﷺ - الظُهْرَ؛ فَقالَ المُشْرِكُونَ: لَقَدْ كانُوا عَلى حالٍ لَوْ أصَبْنا غِرَّتَهُمْ؛ فَقالُوا: تَأْتِي الآنَ عَلَيْهِمْ صَلاةٌ هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن أبْنائِهِمْ؛ وأنْفُسِهِمْ؛ قالَ: فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بَيْنَ الظُهْرِ والعَصْرِ بِهَذِهِ الآياتِ؛ وأخْبَرَهُ خَبَرَهُمْ؛ ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَصَفَّ العَسْكَرَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ؛ ثُمَّ كَبَّرَ فَكَبَّرُوا جَمِيعًا؛ ثُمَّ رَكَعَ؛ فَرَكَعْنا جَمِيعًا؛ ثُمَّ رَفَعَ فَرَفَعْنا جَمِيعًا؛ ثُمَّ سَجَدَ النَبِيُّ - ﷺ - بِالصَفِّ الَّذِي يَلِيهِ؛ والآخَرُونَ قِيامٌ يَحْرُسُونَهُمْ؛ فَلَمّا سَجَدُوا وقامُوا سَجَدَ الآخَرُونَ في مَكانِهِمْ؛ ثُمَّ تَقَدَّمُوا إلى مَصافِّ المُتَقَدِّمِينَ؛ وتَأخَّرَ المُتَقَدِّمُونَ إلى مَصافِّ المُتَأخِّرِينَ؛ ثُمَّ رَكَعَ؛ فَرَكَعُوا جَمِيعًا؛ ثُمَّ رَفَعَ فَرَفَعُوا جَمِيعًا؛ ثُمَّ سَجَدَ النَبِيُّ - ﷺ -؛ فَسَجَدَ الصَفُّ الَّذِي يَلِيهِ؛ فَلَمّا رَفَعَ سَجَدَ الآخَرُونَ؛ ثُمَّ سَلَّمَ فَسَلَّمُوا جَمِيعًا؛ ثُمَّ انْصَرَفُوا؛» قالَ عَبْدُ الرَزّاقِ بْنُ هَمّامٍ في مُصَنَّفِهِ؛ ورَوى الثَوْرِيُّ عن هِشامٍ مِثْلَ هَذا؛ إلّا أنَّهُ قالَ: يَنْكِصُ الصَفُّ المُتَقَدِّمُ القَهْقَرى حِينَ يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهم مِنَ السُجُودِ؛ ويَتَقَدَّمُ الآخَرُونَ فَيَسْجُدُونَ في مَصافِّ الأوَّلِينَ؛ قالَ عَبْدُ الرَزّاقِ ؛ عن مَعْمَرٍ ؛ عن خَلّادِ بْنِ عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ عن مُجاهِدٍ قالَ: «لَمْ يُصَلِّ النَبِيُّ - ﷺ - صَلاةَ الخَوْفِ إلّا مَرَّتَيْنِ؛ مَرَّةً بِذاتِ الرِقاعِ مِن أرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ؛ ومَرَّةً بِعُسْفانَ؛ والمُشْرِكُونَ بِضَجْنانَ؛ بَيْنَهم وبَيْنَ القِبْلَةِ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وظاهِرُ اخْتِلافِ الرِواياتِ عَنِ النَبِيِّ - ﷺ - يَقْتَضِي «أنَّهُ صَلّى صَلاةَ الخَوْفِ في غَيْرِ هَذَيْنِ المَوْطِنَيْنِ؛» وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ في غَزْوَةِ ذِي قُرُدٍ صَلاةَ خَوْفٍ. ورَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ «أنَّ النَبِيَّ - ﷺ - صَلّى بِإحْدى الطائِفَتَيْنِ رَكْعَةً؛ والطائِفَةُ الأُخْرى مُواجِهَةٌ العَدُوَّ؛ ثُمَّ انْصَرَفُوا وقامُوا في مَقامِ أصْحابِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلى العَدُوِّ. (p-١٢)وَجاءَ أُولَئِكَ فَصَلّى بِهِمُ النَبِيُّ - ﷺ - رَكْعَةً؛ ثُمَّ سَلَّمَ؛ ثُمَّ قَضى هَؤُلاءِ رَكْعَةً؛ وهَؤُلاءِ رَكْعَةً؛ في حِينٍ واحِدٍ؛ وبِهَذِهِ الصِفَةِ في صَلاةِ الخَوْفِ أخَذَ أشْهَبُ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ ومَشى عَلى الأصْلِ في ألّا يَقْضِيَ أحَدٌ قَبْلَ زَوالِ حُكْمِ الإمامِ؛ فَكَذَلِكَ لا يَبْنِي؛» ذَكَرَ هَذا عن أشْهَبَ جَماعَةٌ؛ مِنهُمُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ؛ وابْنُ يُونُسَ؛ وغَيْرُهُما؛ وحَكى اللَخْمِيُّ عنهُ أنَّ مَذْهَبَهُ أنْ يُصَلِّيَ الإمامُ بِطائِفَةٍ رَكْعَةً؛ ثُمَّ يَنْصَرِفُوا تِجاهَ العَدُوِّ؛ وتَأْتِيَ الأُخْرى؛ فَيُصَلِّيَ بِهِمْ رَكْعَةً؛ ثُمَّ يُسَلِّمَ؛ وتَقُومَ الَّتِي مَعَهُ تَقْضِيَ؛ فَإذا فَرَغُوا مِنهُ صارُوا تِجاهَ العَدُوِّ؛ وقَضَتِ الأُخْرى؛ وهَذِهِ سُنَّةٌ رُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ ورَجَّحَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ القَوْلَ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ ورُوِيَ أنَّ سَهْلَ بْنَ أبِي حَثْمَةَ قَدْ رُوِيَ عنهُ مِثْلُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ سَواءً؛ ورَوى حُذَيْفَةُ ؛ حِينَ حَكى صَلاةَ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - في الخَوْفِ؛ «أنَّهُ صَلّى بِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَةً؛ ولَمْ يَقْضِ أحَدٌ مِنَ الطائِفَتَيْنِ شَيْئًا زائِدًا عَلى رَكْعَةٍ؛» وذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ؛ وغَيْرُهُ؛ عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أنَّ النَبِيَّ - ﷺ - صَلّى بِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ؛ فَكانَتْ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ- بِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ؛ فَكانَتْ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - أرْبَعٌ؛ ولِكُلِّ رَجُلٍ رَكْعَتانِ؛» وبِهَذِهِ كانَ يُفْتِي الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وهو قَوْلٌ يُجِيزُهُ كُلُّ مَن أجازَ اخْتِلافَ نِيَّةِ الإمامِ والمَأْمُومِ في الصَلاةِ. وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ: إذا كانَتْ صَلاةُ المَغْرِبِ افْتَتَحَ الإمامُ الصَلاةَ ومَعَهُ طائِفَةٌ؛ وطائِفَةٌ بِإزاءِ العَدُوِّ؛ فَيُصَلِّي بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَتَيْنِ؛ ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى إزاءِ العَدُوِّ؛ وتَأْتِي الأُخْرى فَيَدْخُلُونَ مَعَ الإمامِ؛ فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً؛ ثُمَّ يُسَلِّمُ وحْدَهُ؛ ثُمَّ يَقُومُونَ إلى إزاءِ العَدُوِّ؛ وتَأْتِي الطائِفَةُ الَّتِي صَلَّتْ مَعَ الإمامِ رَكْعَتَيْنِ إلى مَقامِهِمُ الأوَّلِ في الصَلاةِ؛ فَيَقْضُونَ رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ وِحْدانًا؛ ويُسَلِّمُونَ؛ ثُمَّ يَجِيئُونَ إلى إزاءِ العَدُوِّ؛ وتَنْصَرِفُ الطائِفَةُ الأُخْرى إلى مَقامِ الصَلاةِ؛ فَيَقْضُونَ رَكْعَتَيْنِ بِقِراءَةٍ وِحْدانًا؛ ويُسَلِّمُونَ؛ وكَمُلَتْ صَلاتُهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَهَذا طَرْدُ قَوْلِ أصْحابِ الرَأْيِ في سائِرِ الصَلَواتِ". «وَسَألَ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ أبا هُرَيْرَةَ: "هَلْ صَلَّيْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - صَلاةَ الخَوْفِ؟ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ؛ قالَ مَرْوانُ: مَتى؟ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: عامَ غَزْوَةِ نَجْدٍ؛ قامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إلى صَلاةِ العَصْرِ؛ فَقامَتْ مَعَهُ طائِفَةٌ؛ وطائِفَةٌ أُخْرى مُقابِلَ العَدُوِّ (p-١٣)وَظُهُورُهم إلى القِبْلَةِ؛ فَكَبَّرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؛ وكَبَّرُوا جَمِيعًا؛ الَّذِينَ مَعَهُ والَّذِينَ بِإزاءِ العَدُوِّ؛ ثُمَّ رَكَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؛ ورَكَعَ مَعَهُ الَّذِينَ مَعَهُ؛ وسَجَدُوا كَذَلِكَ؛ ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَصارَتِ الطائِفَةُ الَّتِي كانَتْ مَعَهُ إلى إزاءِ العَدُوِّ؛ وأقْبَلَتِ الطائِفَةُ الَّتِي كانَتْ بِإزاءِ العَدُوِّ فَرَكَعُوا وسَجَدُوا؛ ورَسُولُ اللهِ - ﷺ - قائِمٌ كَما هُوَ؛ ثُمَّ قامُوا؛ فَرَكَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَكْعَةً أُخْرى؛ ورَكَعُوا مَعَهُ؛ وسَجَدَ؛ فَسَجَدُوا مَعَهُ؛ ثُمَّ أقْبَلَتِ الطائِفَةُ الَّتِي كانَتْ بِإزاءِ العَدُوِّ فَرَكَعُوا وسَجَدُوا؛ ورَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قاعِدٌ؛ ثُمَّ كانَ السَلامُ؛ فَسَلَّمَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وسَلَّمُوا جَمِيعًا.» وأسْنَدَ أبُو داوُدَ في مُصَنَّفِهِ عن عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها - صِفَةً في صَلاةِ النَبِيِّ - ﷺ - صَلاةَ الخَوْفِ؛ تَقْرُبُ مِمّا رُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ ؛ وتُخالِفُها في أشْياءَ؛ إلّا أنَّها صِفَةٌ في ألْفاظِها تَداعٍ؛ وتَناقُضٌ؛ فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْتُها. ومَجْمُوعُ ما ذَكَرْنا في صَلاةِ الخَوْفِ؛ مِن لَدُنْ قَوْلِ أبِي يُوسُفَ؛ وابْنِ عُلَيَّةَ؛ أحَدَ عَشَرَ قَوْلًا مَعَ صَلاةِ الخَوْفِ؛ لِكَوْنِها خاصَّةً لِلنَّبِيِّ - ﷺ -؛ وعَشْرُ صِفاتٍ؛ عَلى القَوْلِ الشَهِيرِ بِأنَّها باقِيَةٌ لِلْأُمَراءِ. ** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكم ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهم ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عن أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكم فَيَمِيلُونَ عَلَيْكم مَيْلَةً واحِدَةً ولا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ أو كُنْتُمْ مَرْضى أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتِكم وخُذُوا حِذْرَكم إنْ اللهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾. اَلضَّمِيرُ فِي: ﴿ "سَجَدُوا"؛﴾ لِلطّائِفَةِ المُصَلِّيَةِ؛ والمَعْنى: "فَإذا سَجَدُوا مَعَكَ الرَكْعَةَ الأُولى فَلْيَنْصَرِفُوا"؛ هَذا عَلى بَعْضِ الهَيْئاتِ المَرْوِيَّةِ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "فَإذا سَجَدُوا رَكْعَةَ القَضاءِ"؛ وهَذا عَلى هَيْئَةِ سَهْلِ بْنِ أبِي حَثْمَةَ؛ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ "فَلْيَكُونُوا"؛﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلَّذِينِ سَجَدُوا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلطّائِفَةِ القائِمَةِ أوَّلًا بِإزاءِ العَدُوِّ؛ ويَجِيءُ الكَلامُ وُصاةً في حالِ الحَذِرِ والحَرْبِ. وقَرَأ الحَسَنُ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "فَلِتَقُمْ"؛ بِكَسْرِ اللامِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ "وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ"؛ بِالتاءِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَلْيَأْتِ"؛ بِالياءِ. (p-١٤)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ إخْبارٌ عن مُعْتَقَدِ القَوْمِ؛ وتَحْذِيرٌ مِنَ الغَفْلَةِ؛ لِئَلّا يَنالُ العَدُوُّ أمَلَهُ. و"أسْلِحَةٌ": جَمْعُ "سِلاحٌ"؛ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَيْلَةً واحِدَةً﴾ ؛ بِناءُ مُبالَغَةٍ؛ أيْ: "مُسْتَأْصِلَةً؛ لا يُحْتاجُ مَعَها إلى ثانِيَةٍ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَرْخِيصٌ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "نَزَلَتْ بِسَبَبِ عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ؛ كانَ مَرِيضًا؛ فَوَضَعَ سِلاحَهُ؛ فَعَنَّفَهُ بَعْضُ الناسِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "كَأنَّهم تَلَقَّوُا الأمْرَ بِأخْذِ السِلاحِ عَلى الوُجُوبِ؛ فَرَخَّصَ اللهُ تَعالى في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ؛ ويَنْقاسُ عَلَيْهِما كُلُّ عُذْرٍ يَحْدُثُ في ذَلِكَ الوَقْتِ". ثُمَّ قَوّى اللهُ نُفُوسَ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾.

النساء 4:102

(p-٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَلاةِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ الكافِرِينَ كانُوا لَكم عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ﴿وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ﴾ ﴿ "ضَرَبْتُمْ"؛﴾ مَعْناهُ: سافَرْتُمْ؛ فَأهْلُ الظاهِرِ يَرَوْنَ القَصْرَ في كُلِّ سَفَرٍ يَخْرُجُ عَنِ الحاضِرَةِ؛ وهي مِن حَيْثُ تُؤْتى الجُمُعَةُ؛ وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حَدِّ المَسافَةِ الَّتِي تُقْصَرُ فِيها الصَلاةُ؛ فَقالَ مالِكٌ ؛ والشافِعِيُّ ؛ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ؛ وابْنُ راهَوَيْهِ: "تُقْصَرُ الصَلاةُ في أرْبَعَةِ بُرُدٍ؛ وذَلِكَ ثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ مِيلًا"؛ وحُجَّتُهم أحادِيثُ رُوِيَتْ في ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ وقالَ الحَسَنُ؛ والزُهْرِيُّ: "تُقْصَرُ الصَلاةُ في مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ"؛ ولَمْ يَذْكُرا أمْيالًا؛ ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عن مالِكٍ ؛ ورُوِيَ عنهُ أيْضًا: "تُقْصَرُ الصَلاةُ في يَوْمٍ ولَيْلَةٍ"؛ وهَذِهِ الأقْوال الثَلاثَةُ تَتَقارَبُ في المَعْنى؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ وابْنِ عُمَرَ أنَّ الصَلاةَ تُقْصَرُ في مَسِيرَةِ اليَوْمِ التامِّ؛ وقَصَرَ ابْنُ عُمَرَ في ثَلاثِينَ مِيلًا؛ وعن مالِكٍ ؛ في "اَلْعُتْبِيَّةُ"؛ فِيمَن خَرَجَ إلى ضَيْعَتِهِ عَلى مَسِيرَةِ خَمْسَةٍ وأرْبَعِينَ مِيلًا؛ قالَ: "يَقْصُرُ"؛ وعَنِ ابْنِ القاسِمِ ؛ في "اَلْعُتْبِيَّةُ": "إنْ قَصَرَ في سِتَّةٍ وثَلاثِينَ فَلا إعادَةَ عَلَيْهِ"؛ وقالَ يَحْيى بْنُ عُمَرَ: "يُعِيدُ أبَدًا"؛ وقالَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: "فِي الوَقْتِ"؛ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ وسُفْيانُ ؛ والثَوْرِيُّ ؛ وأبُو حَنِيفَةَ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: "مَن سافَرَ مَسِيرَةَ ثَلاثٍ قَصَرَ"؛ قالَ أبُو حَنِيفَةَ: "ثَلاثَةِ أيّامٍ ولَيالِيها؛ سَيْرَ الإبِلِ؛ ومَشْيَ الأقْدامِ"؛ ورُوِيَ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قَصَرَ في خَمْسَةَ عَشَرَ مِيلًا؛ قالَ الأوزاعِيُّ: "عامَّةُ العُلَماءِ في القَصْرِ في مَسِيرَةِ اليَوْمِ التامِّ؛ وبِهِ نَأْخُذُ". واخْتَلَفَ الناسُ في نَوْعِ السَفَرِ الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَلاةُ؛ فَأجْمَعُ الناسَ عَلى الجِهادِ؛ والحَجِّ؛ والعُمْرَةِ؛ وما ضارَعَها مِن صِلَةِ الرَحِمِ؛ وإحْياءِ نَفْسٍ؛ واخْتَلَفَ الناسُ فِيما سِوى ذَلِكَ؛ فالجُمْهُورُ عَلى جَوازِ القَصْرِ في السَفَرِ المُباحِ؛ كالتِجارَةِ؛ ونَحْوِها؛ ورُوِيَ (p-٦)عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: "لا تُقْصَرُ الصَلاةُ إلّا في حَجٍّ؛ أو جِهادٍ"؛ وقالَ عَطاءٌ: "لا تُقْصَرُ الصَلاةُ إلّا في سَفَرِ طاعَةٍ؛ وسَبِيلٍ مِن سُبُلِ الخَيْرِ"؛ وقَدْ رُوِيَ عن عَطاءٍ أنَّها تُقْصَرُ في كُلِّ المُباحِ؛ والجُمْهُورُ مِنَ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ لا قَصْرَ في سَفَرِ المَعْصِيَةِ؛ كالباغِي؛ وقاطِعِ الطَرِيقِ؛ وما في مَعْناهُما؛ ورُوِيَ عَنِ الأوزاعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ إباحَةُ القَصْرِ في جَمِيعِ ذَلِكَ؛ وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ المُسافِرَ لا يَقْصُرُ حَتّى يَخْرُجَ مِن بُيُوتِ القَرْيَةِ؛ وحِينَئِذٍ هو ضارِبٌ في الأرْضِ؛ وهو قَوْلُ مالِكٍ في "اَلْمُدَوَّنَةُ"؛ وابْنِ حَبِيبٍ وجَماعَةِ المَذْهَبِ؛ قالَ ابْنُ القاسِمِ في "اَلْمُدَوَّنَةُ": "وَلَمْ يَحُدَّ لَنا مالِكٌ في القُرْبِ حَدًّا"؛ ورُوِيَ عن مالِكٍ: "إذا كانَتْ قَرْيَةٌ يَجْمَعُ أهْلُها فَلا يَقْصُرْ حَتّى يُجاوِزَها بِثَلاثَةِ أمْيالٍ؛ وإلى ذَلِكَ في الرُجُوعِ؛ وإنْ كانَتْ لا يَجْمَعُ أهْلُها قَصَرَ إذا جاوَزَ بَساتِينَها؛ ورُوِيَ عَنِ الحارِثِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ أنَّهُ أرادَ سَفَرًا؛ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ في مَنزِلِهِ؛ وفِيهِمُ الأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ ؛ وغَيْرُ واحِدٍ مِن أصْحابِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وبِهِ قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ ؛ وسُلَيْمانُ بْنُ مُوسى؛ ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: "لا يَقْصُرُ المُسافِرُ يَوْمَهُ الأوَّلَ حَتّى اللَيْلِ"؛ وهو شاذٌّ؛ وقَدْ ثَبَتَ «أنَّ النَبِيَّ - ﷺ - صَلّى الظَهْرَ بِالمَدِينَةِ أرْبَعًا؛ والعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ؛ ولَيْسَ بَيْنَهُما ثُلُثَ يَوْمٍ.» ويَظْهَرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا﴾ ؛ أنَّ القَصْرَ مُباحٌ؛ أو مُخَيَّرٌ فِيهِ؛ وقَدْ رَوى ابْنُ وهْبٍ عن مالِكٍ أنَّ المُسافِرَ مُخَيَّرٌ؛ وقالَهُ الأبْهَرِيُّ؛ وعَلَيْهِ حُذّاقُ المَذْهَبِ؛ وقالَ مالِكٌ في "اَلْمَبْسُوطُ": "اَلْقَصْرُ سُنَّةٌ"؛ وهَذا هو جُمْهُورُ المَذْهَبِ؛ وعَلَيْهِ جَوابُ "اَلْمُدَوَّنَةُ" بِالإعادَةِ في الوَقْتِ لِمَن أتَمَّ في سَفَرِهِ؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونَ؛ وإسْماعِيلُ القاضِي: "اَلْقَصْرُ فَرَضٌ"؛ وبِهِ قالَ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ ؛ ورُوِيَ نَحْوُهُ عن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: "مَن صَلّى في السَفَرِ أرْبَعًا؛ فَهو كَمَن صَلّى في الحَضَرِ رَكْعَتَيْنِ"؛ وحَكى ابْنُ المُنْذِرِ «عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ: "صَلاةُ السَفَرِ رَكْعَتانِ؛ تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ؛ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى"؛» ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها -: « "فُرِضَتِ الصَلاةُ رَكْعَتَيْنِ في الحَضَرِ والسَفَرِ؛ فَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَفَرِ؛ وزِيدَ في صَلاةِ الحَضَرِ".» (p-٧)واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقْصُرُوا﴾ ؛ فَذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّهُ القَصْرُ إلى اثْنَتَيْنِ مِن أرْبَعٍ؛ رُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ: «سَألَ قَوْمٌ مِنَ التُجّارِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -؛ فَقالُوا: إنّا نَضْرِبُ في الأرْضِ؛ فَكَيْفَ نُصَلِّي؟ فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَلاةِ﴾ ؛ ثُمَّ انْقَطَعَ الكَلامُ؛ فَلَمّا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَوْلٍ غَزا النَبِيُّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ فَصَلّى الظُهْرَ؛ فَقالَ المُشْرِكُونَ: لَقَدْ أمْكَنَكم مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ مِن ظُهُورِهِمْ؛ فَهَلّا شَدَدْتُمْ عَلَيْهِمْ؟ فَقالَ قائِلٌ مِنهُمْ: إنْ لَهم أُخْرى في أثَرِها؛ فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى بَيْنَ الصَلاتَيْنِ: ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ؛ إلى آخِرِ صَلاةِ الخَوْفِ.» وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في سَرْدِ هَذِهِ المَقالَةِ حَدِيثَ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ قالَ: «قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: إنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنْ خِفْتُمْ﴾ ؛ وقَدْ أمِنَ الناسُ؛ فَقالَ: "عَجِبْتُ مِمّا عَجِبْتَ مِنهُ؛ فَسَألْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عن ذَلِكَ؛ فَقالَ: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِها عَلَيْكُمْ؛ فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ"؛» قالَ الطَبَرِيُّ: وهَذا كُلُّهُ قَوْلٌ حَسَنٌ؛ إلّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَإذا كُنْتَ﴾ ؛ تُؤْذِنُ بِانْقِطاعِ ما بَعْدَها مِمّا قَبْلَها؛ فَلَيْسَ يَتَرَتَّبُ مِن لَفْظِ الآيَةِ إلّا أنَّ القَصْرَ مَشْرُوطٌ بِالخَوْفِ؛ وفي قِراءَةِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَلاةِ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا"؛ بِسُقُوطِ "إنْ خِفْتُمْ"؛ وثَبَتَتْ في مُصْحَفِ عُثْمانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وذَهَبَتْ جَماعَةٌ أُخْرى إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما هي مُبِيحَةٌ القَصْرَ في السَفَرِ لِلْخائِفِ مِنَ العَدُوِّ؛ فَمَن كانَ آمِنًا فَلا قَصْرَ لَهُ؛ ورُوِيَ عن عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها - أنَّها كانَتْ تَقُولُ في السَفَرِ: "أتِمُّوا صَلاتَكُمْ"؛ فَقالُوا: إنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كانَ يَقْصُرُ؛ فَقالَتْ: "إنَّهُ كانَ في حَرْبٍ؛ وكانَ يَخافُ؛ وهَلْ أنْتُمْ تَخافُونَ؟"؛ وقالَ عَطاءٌ: "كانَ يُتِمُّ الصَلاةَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -؛ وسَعْدُ بْنُ أبِي وقاصٍّ ؛ وأتَمَّ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ ؛ ولَكِنْ عَلَّلَ ذَلِكَ بِعِلَلٍ غَيْرِ هَذِهِ؛ وكَذَلِكَ عَلَّلَ إتْمامَ عائِشَةَ أيْضًا بِغَيْرِ هَذا". (p-٨)وَقالَ آخَرُونَ: "اَلْقَصْرُ المُباحُ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هو قَصْرُ الرَكْعَتَيْنِ إلى رَكْعَةٍ؛ والرَكْعَتانِ في السَفَرِ إنَّما هي تَمامٌ؛ وقَصْرُها أنْ تَصِيرَ رَكْعَةً؛ قالَ السُدِّيُّ: "إذا صَلَّيْتَ في السَفَرِ رَكْعَتَيْنِ فَهو تَمامٌ؛ والقَصْرُ لا يَحِلُّ إلّا أنْ يَخافَ؛ فَهَذِهِ الآيَةُ مُبِيحَةٌ أنْ تُصَلِّيَ كُلُّ طائِفَةٍ رَكْعَةً لا تَزِيدُ عَلَيْها شَيْئًا؛ ويَكُونَ لِلْإمامِ رَكْعَتانِ"؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّهُ قالَ: "رَكْعَتانِ في السَفَرِ تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ؛ إنَّما القَصْرُ في صَلاةِ المَخافَةِ؛ يُصَلِّي الإمامُ بِطائِفَةٍ رَكْعَةً؛ ثُمَّ يَجِيءُ هَؤُلاءِ إلى مَكانِ هَؤُلاءِ؛ وهَؤُلاءِ إلى مَكانِ هَؤُلاءِ؛ فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً؛ فَتَكُونُ لِلْإمامِ رَكْعَتانِ؛ ولَهم رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ"؛ وقالَ نَحْوَ هَذا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ؛ وكَعْبٌ مِن أصْحابِ النَبِيِّ - ﷺ -؛ وفَعَلَهُ حُذَيْفَةُ بِطَبَرِسْتانَ؛ وقَدْ سَألَهُ الأمِيرُ سَعِيدُ بْنُ العاصِي ذَلِكَ؛ ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - «أنَّ النَبِيَّ - ﷺ - صَلّى كَذَلِكَ في غَزْوَةِ ذِي قُرَدٍ رَكْعَةً بِكُلِّ طائِفَةٍ؛ ولَمْ يَقْضُوا؛» وقالَ مُجاهِدٌ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: "فَرَضَ اللهُ الصَلاةَ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم في الحَضَرِ أرْبَعًا؛ وفي السَفَرِ رَكْعَتَيْنِ؛ وفي الخَوْفِ رَكْعَةً"؛» ورَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: «أنَّ النَبِيَّ - ﷺ - صَلّى كَذَلِكَ بِأصْحابِهِ يَوْمَ حارَبَ خَصَفَةَ؛ وبَنِي ثَعْلَبَةَ؛» ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ «أنَّ النَبِيَّ - ﷺ - صَلّى كَذَلِكَ بَيْنَ ضَجْنانَ وعُسْفانَ.» وقالَ آخَرُونَ: هَذِهِ الآيَةُ مُبِيحَةٌ القَصْرَ مِن حُدُودِ الصَلاةِ وهَيْئَتِها عِنْدَ المُسايَفَةِ؛ واشْتِعال الحَرْبِ؛ فَأُبِيحَ لِمَن هَذِهِ حالُهُ أنْ يُصَلِّيَ إيماءً بِرَأْسِهِ؛ ويُصَلِّيَ رَكْعَةً واحِدَةً حَيْثُ تَوَجَّهَ؛ إلى تَكْبِيرَتَيْنِ؛ إلى تَكْبِيرَةٍ؛ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أقْوالِ العُلَماءِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أو رُكْبانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] ؛ ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ؛ وقالَ: إنَّهُ (p-٩)يُعادِلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَلاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] ؛ أيْ: بِحُدُودِها؛ وهَيْئَتِها الكامِلَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَقْصُرُوا"؛ بِفَتْحِ التاءِ؛ وضَمِّ الصادِ؛ ورَوى الضَبِّيُّ عن أصْحابِهِ: "تَقْصِرُوا"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ وكَسْرِ الصادِ؛ وسُكُونِ القافِ؛ وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "تُقَصِّرُوا"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ وفَتْحِ القافِ؛ وكَسْرِ الصادِ وشَدِّها. و"يَفْتِنَكُمُ"؛ مَعْناهُ: "يَمْتَحِنَكم بِالحَمْلِ عَلَيْكُمْ؛ وإشْغالِ نُفُوسِكم في صَلاتِكُمْ"؛ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ صاحِبِ الحائِطِ: "لَقَدْ أصابَتْنِي في مالِي هَذا فِتْنَةٌ"؛ وأصْلُ الفِتْنَةِ الِاخْتِبارُ بِالشَدائِدِ؛ وإلى هَذا المَعْنى تَرْجِعُ كَيْفَ تَصَرَّفَتْ. و"عَدُوٌّ": وصْفٌ يَجْرِي عَلى الواحِدِ؛ والجَماعَةِ؛ و"مُبِينٌ": "مُفْعِلٌ"؛ مِن "أبانَ"؛ اَلْمَعْنى: "قَدْ جَلِحُوا في عَداوَتِكُمْ؛ ورامُوكم كُلَّ مَرامٍ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: اَلْآيَةُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وهو يَتَناوَلُ الأُمَراءَ بَعْدَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ وقالَ أبُو يُوسُفَ؛ وإسْماعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ: "اَلْآيَةُ خُصُوصٌ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -؛ لِأنَّ الصَلاةَ بِإمامَةِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - لا عِوَضَ مِنها؛ وغَيْرَهُ مِنَ الأُمَراءِ مِنهُ العِوَضُ؛ فَيُصَلِّي الناسُ بِإمامَيْنِ؛ طائِفَةً بَعْدَ طائِفَةٍ؛ ولا يُحْتاجُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَكَذَلِكَ جُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ صَلاةَ الخَوْفِ تُصَلّى في الحَضَرِ؛ إذا نَزَلَ الخَوْفُ"؛ وقالَ قَوْمٌ: "لا صَلاةُ خَوْفٍ في حَضَرٍ"؛ وقالَهُ في المَذْهَبِ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ الماجِشُونِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: ﴿فَأقَمْتَ لَهُمُ﴾ ؛ مَعْناهُ: "حُدُودَها وهَيْئَتَها؛ ولَمْ تَقْصُرْ؛ عَلى ما أُبِيحَ قَبْلُ في حالِ المُسايَفَةِ". وقَوْلُهُ ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ ؛ أمْرٌ بِالِانْقِسامِ؛ أيْ: "وَسائِرُهم وِجاهَ العَدُوِّ؛ حَذَرًا؛ وتَوَقُّعَ حَمْلَتِهِ. (p-١٠)وَأعْظَمُ الرِواياتِ والأحادِيثِ أنَّ صَلاةَ الخَوْفِ إنَّما نَزَلَتِ الرُخْصَةُ فِيها في غَزْوَةِ ذاتِ الرِقاعِ؛ وهي غَزْوَةُ مُحارِبٍ وخَصَفَةَ؛ وفي بَعْضِ الرِواياتِ أنَّها نَزَلَتْ في ناحِيَةِ عُسْفانَ وضَجْنانَ؛ والعَدُوُّ خَيْلُ قُرَيْشٍ؛ عَلَيْها خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ ؛ واخْتُلِفَ: مَنِ المَأْمُورِ بِأخْذِ الأسْلِحَةِ هُنا؟ فَقِيلَ: "اَلطّائِفَةُ المُصَلِّيَةُ"؛ وقِيلَ: "بَلِ الحارِسَةُ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَفْظُ الآيَةِ يَتَناوَلُ الكُلَّ؛ ولَكِنَّ سِلاحَ المُصَلِّينَ ما خَفَّ؛ واخْتَلَفَتِ الآثارُ في هَيْئَةِ صَلاةِ النَبِيِّ - ﷺ - بِأصْحابِهِ صَلاةَ الخَوْفِ؛ وبِحَسَبِ ذَلِكَ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ؛ فَرَوى يَزِيدُ بْنُ رُومانَ؛ عن صالِحِ بْنِ خَوّاتٍ؛ «عن سَهْلِ بْنِ أبِي حَثْمَةَ أنَّهُ صَلّى مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - صَلاةَ الخَوْفِ يَوْمَ "ذاتِ الرِقاعِ"؛ فَصَفَّتْ طائِفَةٌ مَعَهُ؛ وطائِفَةٌ وِجاهَ العَدُوِّ؛ فَصَلّى بِالَّذِينِ مَعَهُ رَكْعَةً؛ ثُمَّ ثَبَتَ قائِمًا؛ وأتَمُّوا؛ ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجاهَ العَدُوِّ؛ وجاءَتِ الطائِفَةُ الأُخْرى فَصَلّى بِهِمُ الرَكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِن صَلاتِهِ؛ ثُمَّ ثَبَتَ جالِسًا؛ وأتَمُّوا لِأنْفُسِهِمْ؛ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ؛» ورَوى القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عن صالِحِ بْنِ خَوّاتٍ؛ عن سَهْلٍ هَذا الحَدِيثَ بِعَيْنِهِ؛ إلّا أنَّهُ رَوى «أنَّ النَبِيَّ - ﷺ - حِينَ صَلّى بِالطائِفَةِ الأخِيرَةِ رَكْعَةً سَلَّمَ؛ ثُمَّ قَضَتْ هي بَعْدَ سَلامِهِ؛» وبِهَذا الحَدِيثِ أخَذَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - في صَلاةِ الخَوْفِ؛ كانَ أوَّلًا يَمِيلُ إلى رِوايَةِ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ؛ ثُمَّ رَجَعَ إلى رِوايَةِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي بَكْرٍ. ورَوى مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَيّاشٍ الزُرَّقِيِّ؛ واسْمُهُ زَيْدُ بْنُ الصامِتِ -عَلى خِلافٍ فِيهِ - «أنَّ النَبِيَّ - ﷺ - صَلّى صَلاةَ الخَوْفِ بِعُسْفانَ؛ والعَدُوُّ في قِبْلَتِهِ؛ قالَ: فَصَلّى بِنا (p-١١)النَبِيُّ - ﷺ - الظُهْرَ؛ فَقالَ المُشْرِكُونَ: لَقَدْ كانُوا عَلى حالٍ لَوْ أصَبْنا غِرَّتَهُمْ؛ فَقالُوا: تَأْتِي الآنَ عَلَيْهِمْ صَلاةٌ هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن أبْنائِهِمْ؛ وأنْفُسِهِمْ؛ قالَ: فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بَيْنَ الظُهْرِ والعَصْرِ بِهَذِهِ الآياتِ؛ وأخْبَرَهُ خَبَرَهُمْ؛ ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَصَفَّ العَسْكَرَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ؛ ثُمَّ كَبَّرَ فَكَبَّرُوا جَمِيعًا؛ ثُمَّ رَكَعَ؛ فَرَكَعْنا جَمِيعًا؛ ثُمَّ رَفَعَ فَرَفَعْنا جَمِيعًا؛ ثُمَّ سَجَدَ النَبِيُّ - ﷺ - بِالصَفِّ الَّذِي يَلِيهِ؛ والآخَرُونَ قِيامٌ يَحْرُسُونَهُمْ؛ فَلَمّا سَجَدُوا وقامُوا سَجَدَ الآخَرُونَ في مَكانِهِمْ؛ ثُمَّ تَقَدَّمُوا إلى مَصافِّ المُتَقَدِّمِينَ؛ وتَأخَّرَ المُتَقَدِّمُونَ إلى مَصافِّ المُتَأخِّرِينَ؛ ثُمَّ رَكَعَ؛ فَرَكَعُوا جَمِيعًا؛ ثُمَّ رَفَعَ فَرَفَعُوا جَمِيعًا؛ ثُمَّ سَجَدَ النَبِيُّ - ﷺ -؛ فَسَجَدَ الصَفُّ الَّذِي يَلِيهِ؛ فَلَمّا رَفَعَ سَجَدَ الآخَرُونَ؛ ثُمَّ سَلَّمَ فَسَلَّمُوا جَمِيعًا؛ ثُمَّ انْصَرَفُوا؛» قالَ عَبْدُ الرَزّاقِ بْنُ هَمّامٍ في مُصَنَّفِهِ؛ ورَوى الثَوْرِيُّ عن هِشامٍ مِثْلَ هَذا؛ إلّا أنَّهُ قالَ: يَنْكِصُ الصَفُّ المُتَقَدِّمُ القَهْقَرى حِينَ يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهم مِنَ السُجُودِ؛ ويَتَقَدَّمُ الآخَرُونَ فَيَسْجُدُونَ في مَصافِّ الأوَّلِينَ؛ قالَ عَبْدُ الرَزّاقِ ؛ عن مَعْمَرٍ ؛ عن خَلّادِ بْنِ عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ عن مُجاهِدٍ قالَ: «لَمْ يُصَلِّ النَبِيُّ - ﷺ - صَلاةَ الخَوْفِ إلّا مَرَّتَيْنِ؛ مَرَّةً بِذاتِ الرِقاعِ مِن أرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ؛ ومَرَّةً بِعُسْفانَ؛ والمُشْرِكُونَ بِضَجْنانَ؛ بَيْنَهم وبَيْنَ القِبْلَةِ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وظاهِرُ اخْتِلافِ الرِواياتِ عَنِ النَبِيِّ - ﷺ - يَقْتَضِي «أنَّهُ صَلّى صَلاةَ الخَوْفِ في غَيْرِ هَذَيْنِ المَوْطِنَيْنِ؛» وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ في غَزْوَةِ ذِي قُرُدٍ صَلاةَ خَوْفٍ. ورَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ «أنَّ النَبِيَّ - ﷺ - صَلّى بِإحْدى الطائِفَتَيْنِ رَكْعَةً؛ والطائِفَةُ الأُخْرى مُواجِهَةٌ العَدُوَّ؛ ثُمَّ انْصَرَفُوا وقامُوا في مَقامِ أصْحابِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلى العَدُوِّ. (p-١٢)وَجاءَ أُولَئِكَ فَصَلّى بِهِمُ النَبِيُّ - ﷺ - رَكْعَةً؛ ثُمَّ سَلَّمَ؛ ثُمَّ قَضى هَؤُلاءِ رَكْعَةً؛ وهَؤُلاءِ رَكْعَةً؛ في حِينٍ واحِدٍ؛ وبِهَذِهِ الصِفَةِ في صَلاةِ الخَوْفِ أخَذَ أشْهَبُ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ ومَشى عَلى الأصْلِ في ألّا يَقْضِيَ أحَدٌ قَبْلَ زَوالِ حُكْمِ الإمامِ؛ فَكَذَلِكَ لا يَبْنِي؛» ذَكَرَ هَذا عن أشْهَبَ جَماعَةٌ؛ مِنهُمُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ؛ وابْنُ يُونُسَ؛ وغَيْرُهُما؛ وحَكى اللَخْمِيُّ عنهُ أنَّ مَذْهَبَهُ أنْ يُصَلِّيَ الإمامُ بِطائِفَةٍ رَكْعَةً؛ ثُمَّ يَنْصَرِفُوا تِجاهَ العَدُوِّ؛ وتَأْتِيَ الأُخْرى؛ فَيُصَلِّيَ بِهِمْ رَكْعَةً؛ ثُمَّ يُسَلِّمَ؛ وتَقُومَ الَّتِي مَعَهُ تَقْضِيَ؛ فَإذا فَرَغُوا مِنهُ صارُوا تِجاهَ العَدُوِّ؛ وقَضَتِ الأُخْرى؛ وهَذِهِ سُنَّةٌ رُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ ورَجَّحَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ القَوْلَ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ ورُوِيَ أنَّ سَهْلَ بْنَ أبِي حَثْمَةَ قَدْ رُوِيَ عنهُ مِثْلُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ سَواءً؛ ورَوى حُذَيْفَةُ ؛ حِينَ حَكى صَلاةَ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - في الخَوْفِ؛ «أنَّهُ صَلّى بِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَةً؛ ولَمْ يَقْضِ أحَدٌ مِنَ الطائِفَتَيْنِ شَيْئًا زائِدًا عَلى رَكْعَةٍ؛» وذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ؛ وغَيْرُهُ؛ عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أنَّ النَبِيَّ - ﷺ - صَلّى بِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ؛ فَكانَتْ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ- بِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ؛ فَكانَتْ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - أرْبَعٌ؛ ولِكُلِّ رَجُلٍ رَكْعَتانِ؛» وبِهَذِهِ كانَ يُفْتِي الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وهو قَوْلٌ يُجِيزُهُ كُلُّ مَن أجازَ اخْتِلافَ نِيَّةِ الإمامِ والمَأْمُومِ في الصَلاةِ. وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ: إذا كانَتْ صَلاةُ المَغْرِبِ افْتَتَحَ الإمامُ الصَلاةَ ومَعَهُ طائِفَةٌ؛ وطائِفَةٌ بِإزاءِ العَدُوِّ؛ فَيُصَلِّي بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَتَيْنِ؛ ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى إزاءِ العَدُوِّ؛ وتَأْتِي الأُخْرى فَيَدْخُلُونَ مَعَ الإمامِ؛ فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً؛ ثُمَّ يُسَلِّمُ وحْدَهُ؛ ثُمَّ يَقُومُونَ إلى إزاءِ العَدُوِّ؛ وتَأْتِي الطائِفَةُ الَّتِي صَلَّتْ مَعَ الإمامِ رَكْعَتَيْنِ إلى مَقامِهِمُ الأوَّلِ في الصَلاةِ؛ فَيَقْضُونَ رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ وِحْدانًا؛ ويُسَلِّمُونَ؛ ثُمَّ يَجِيئُونَ إلى إزاءِ العَدُوِّ؛ وتَنْصَرِفُ الطائِفَةُ الأُخْرى إلى مَقامِ الصَلاةِ؛ فَيَقْضُونَ رَكْعَتَيْنِ بِقِراءَةٍ وِحْدانًا؛ ويُسَلِّمُونَ؛ وكَمُلَتْ صَلاتُهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَهَذا طَرْدُ قَوْلِ أصْحابِ الرَأْيِ في سائِرِ الصَلَواتِ". «وَسَألَ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ أبا هُرَيْرَةَ: "هَلْ صَلَّيْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - صَلاةَ الخَوْفِ؟ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ؛ قالَ مَرْوانُ: مَتى؟ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: عامَ غَزْوَةِ نَجْدٍ؛ قامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إلى صَلاةِ العَصْرِ؛ فَقامَتْ مَعَهُ طائِفَةٌ؛ وطائِفَةٌ أُخْرى مُقابِلَ العَدُوِّ (p-١٣)وَظُهُورُهم إلى القِبْلَةِ؛ فَكَبَّرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؛ وكَبَّرُوا جَمِيعًا؛ الَّذِينَ مَعَهُ والَّذِينَ بِإزاءِ العَدُوِّ؛ ثُمَّ رَكَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؛ ورَكَعَ مَعَهُ الَّذِينَ مَعَهُ؛ وسَجَدُوا كَذَلِكَ؛ ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَصارَتِ الطائِفَةُ الَّتِي كانَتْ مَعَهُ إلى إزاءِ العَدُوِّ؛ وأقْبَلَتِ الطائِفَةُ الَّتِي كانَتْ بِإزاءِ العَدُوِّ فَرَكَعُوا وسَجَدُوا؛ ورَسُولُ اللهِ - ﷺ - قائِمٌ كَما هُوَ؛ ثُمَّ قامُوا؛ فَرَكَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَكْعَةً أُخْرى؛ ورَكَعُوا مَعَهُ؛ وسَجَدَ؛ فَسَجَدُوا مَعَهُ؛ ثُمَّ أقْبَلَتِ الطائِفَةُ الَّتِي كانَتْ بِإزاءِ العَدُوِّ فَرَكَعُوا وسَجَدُوا؛ ورَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قاعِدٌ؛ ثُمَّ كانَ السَلامُ؛ فَسَلَّمَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وسَلَّمُوا جَمِيعًا.» وأسْنَدَ أبُو داوُدَ في مُصَنَّفِهِ عن عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها - صِفَةً في صَلاةِ النَبِيِّ - ﷺ - صَلاةَ الخَوْفِ؛ تَقْرُبُ مِمّا رُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ ؛ وتُخالِفُها في أشْياءَ؛ إلّا أنَّها صِفَةٌ في ألْفاظِها تَداعٍ؛ وتَناقُضٌ؛ فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْتُها. ومَجْمُوعُ ما ذَكَرْنا في صَلاةِ الخَوْفِ؛ مِن لَدُنْ قَوْلِ أبِي يُوسُفَ؛ وابْنِ عُلَيَّةَ؛ أحَدَ عَشَرَ قَوْلًا مَعَ صَلاةِ الخَوْفِ؛ لِكَوْنِها خاصَّةً لِلنَّبِيِّ - ﷺ -؛ وعَشْرُ صِفاتٍ؛ عَلى القَوْلِ الشَهِيرِ بِأنَّها باقِيَةٌ لِلْأُمَراءِ. ** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكم ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهم ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عن أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكم فَيَمِيلُونَ عَلَيْكم مَيْلَةً واحِدَةً ولا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ أو كُنْتُمْ مَرْضى أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتِكم وخُذُوا حِذْرَكم إنْ اللهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾. اَلضَّمِيرُ فِي: ﴿ "سَجَدُوا"؛﴾ لِلطّائِفَةِ المُصَلِّيَةِ؛ والمَعْنى: "فَإذا سَجَدُوا مَعَكَ الرَكْعَةَ الأُولى فَلْيَنْصَرِفُوا"؛ هَذا عَلى بَعْضِ الهَيْئاتِ المَرْوِيَّةِ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "فَإذا سَجَدُوا رَكْعَةَ القَضاءِ"؛ وهَذا عَلى هَيْئَةِ سَهْلِ بْنِ أبِي حَثْمَةَ؛ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ "فَلْيَكُونُوا"؛﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلَّذِينِ سَجَدُوا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلطّائِفَةِ القائِمَةِ أوَّلًا بِإزاءِ العَدُوِّ؛ ويَجِيءُ الكَلامُ وُصاةً في حالِ الحَذِرِ والحَرْبِ. وقَرَأ الحَسَنُ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "فَلِتَقُمْ"؛ بِكَسْرِ اللامِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ "وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ"؛ بِالتاءِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَلْيَأْتِ"؛ بِالياءِ. (p-١٤)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ إخْبارٌ عن مُعْتَقَدِ القَوْمِ؛ وتَحْذِيرٌ مِنَ الغَفْلَةِ؛ لِئَلّا يَنالُ العَدُوُّ أمَلَهُ. و"أسْلِحَةٌ": جَمْعُ "سِلاحٌ"؛ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَيْلَةً واحِدَةً﴾ ؛ بِناءُ مُبالَغَةٍ؛ أيْ: "مُسْتَأْصِلَةً؛ لا يُحْتاجُ مَعَها إلى ثانِيَةٍ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَرْخِيصٌ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "نَزَلَتْ بِسَبَبِ عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ؛ كانَ مَرِيضًا؛ فَوَضَعَ سِلاحَهُ؛ فَعَنَّفَهُ بَعْضُ الناسِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "كَأنَّهم تَلَقَّوُا الأمْرَ بِأخْذِ السِلاحِ عَلى الوُجُوبِ؛ فَرَخَّصَ اللهُ تَعالى في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ؛ ويَنْقاسُ عَلَيْهِما كُلُّ عُذْرٍ يَحْدُثُ في ذَلِكَ الوَقْتِ". ثُمَّ قَوّى اللهُ نُفُوسَ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾.

النساء 4:103

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَلاةَ فاذْكُرُوا اللهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكم فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَلاةَ إنَّ الصَلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ ﴿وَلا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ وكانَ اللهِ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّ هَذا الذِكْرَ المَأْمُورَ بِهِ إنَّما هو إثْرَ صَلاةِ الخَوْفِ؛ عَلى حَدِّ ما أُمِرُوا عِنْدَ قَضاءِ المَناسِكِ بِذِكْرِ اللهِ ؛ فَهو ذِكْرٌ بِاللِسانِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ ﴿ "قَضَيْتُمُ"؛﴾ بِمَعْنى: فَعَلْتُمْ؛ أيْ: إذا تَلَبَّسْتُمْ بِالصَلاةِ فَلْتَكُنْ عَلى هَذِهِ الهَيْئاتِ؛ بِحَسَبِ الضَرُوراتِ؛ المَرَضِ؛ وغَيْرِهِ؛ وبِحَسَبِ هَذِهِ الآيَةِ رَتَّبَ ابْنُ المَوّازِ صَلاةَ المَرِيضِ؛ فَقالَ: "يُصَلِّي قاعِدًا؛ فَإنْ لَمْ يُطِقْ فَعَلى جَنْبِهِ الأيْمَنِ؛ فَإنْ لَمْ يُطِقْ فَعَلى الأيْسَرِ؛ فَإنْ لَمْ يُطِقْ فَعَلى الظَهْرِ"؛ ومَذْهَبُ مالِكٍ في "اَلْمُدَوَّنَةُ" اَلتَّخْيِيرُ؛ لِأنَّهُ قالَ: فَعَلى جَنْبِهِ؛ أو عَلى ظَهْرِهِ؛ وحَكى ابْنُ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ القاسِمِ أنَّهُ قالَ: "يَبْتَدِئُ بِالظَهْرِ؛ ثُمَّ بِالجَنْبِ"؛ قالَ ابْنُ حَبِيبٍ: "وَهُوَ وهْمٌ"؛ قالَ اللَخْمِيُّ: "وَلَيْسَ بِوَهْمٍ؛ بَلْ هو أحْكَمُ في اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ"؛ وقالَ سَحْنُونُ: "يُصَلِّي عَلى جَنْبِهِ الأيْمَنِ؛ كَما يُجْعَلُ في قَبْرِهِ؛ فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ فَعَلى ظَهْرِهِ". (p-١٥)وَ"اَلطُّمَأْنِينَةُ" في الآيَةِ: "سُكُونُ النَفْسِ مِنَ الخَوْفِ؛ وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: اَلْمَعْنى: "فَإذا رَجَعْتُمْ مِن سَفَرِكم إلى الحَضَرِ فَأقِيمُوها تامَّةً؛ أرْبَعًا". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ ؛ مَعْناهُ: "مُنَجَّمًا في أوقاتٍ؛ هَذا ظاهِرُ اللَفْظِ"؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى: "فَرْضًا مَفْرُوضًا؛ فَهُما لَفْظانِ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ كُرِّرَ مُبالَغَةً". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ﴾ ؛ يُبَيِّنُ أنَّ القَضاءَ المُشارَ إلَيْهِ قَبْلُ إنَّما هو قَضاءُ صَلاةِ الخَوْفِ؛ و﴿ "تَهِنُوا"﴾ مَعْناهُ: تَلِينُوا، وتَضْعُفُوا. "حَبْلٌ واهِنٌ": أيْ: ضَعِيفٌ؛ ومِنهُ: ﴿ "وَهَنَ العَظْمُ"؛﴾ [مريم: ٤] و﴿ "ابْتِغاءِ القَوْمِ":﴾ طَلَبِهِمْ. وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ الأعْرَجُ: "أنْ تَكُونُوا"؛ بِفَتْحِ الألِفِ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ ومَنصُورُ بْنُ المُعْتَمِرِ: "تِئْلَمُونَ"؛ في الثَلاثَةِ؛ وهي لُغَةٌ؛ وهَذا تَشْجِيعٌ لِنُفُوسِ المُؤْمِنِينَ؛ وتَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكَفَرَةِ؛ ومِن نَحْوِ هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ اَلْقَوْمُ أمْثالُكم لَهم شَعْرٌ ∗∗∗ في الرَأْسِ لا يُنْشَرُونَ إنْ قُتِلُوا ثُمَّ تَأكَّدَ التَشْجِيعُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ ؛ وهَذا بُرْهانٌ بَيِّنٌ؛ يَنْبَغِي بِحَسَبِهِ أنْ تَقْوى نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ؛ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

النساء 4:104

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَلاةَ فاذْكُرُوا اللهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكم فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَلاةَ إنَّ الصَلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ ﴿وَلا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ وكانَ اللهِ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّ هَذا الذِكْرَ المَأْمُورَ بِهِ إنَّما هو إثْرَ صَلاةِ الخَوْفِ؛ عَلى حَدِّ ما أُمِرُوا عِنْدَ قَضاءِ المَناسِكِ بِذِكْرِ اللهِ ؛ فَهو ذِكْرٌ بِاللِسانِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ ﴿ "قَضَيْتُمُ"؛﴾ بِمَعْنى: فَعَلْتُمْ؛ أيْ: إذا تَلَبَّسْتُمْ بِالصَلاةِ فَلْتَكُنْ عَلى هَذِهِ الهَيْئاتِ؛ بِحَسَبِ الضَرُوراتِ؛ المَرَضِ؛ وغَيْرِهِ؛ وبِحَسَبِ هَذِهِ الآيَةِ رَتَّبَ ابْنُ المَوّازِ صَلاةَ المَرِيضِ؛ فَقالَ: "يُصَلِّي قاعِدًا؛ فَإنْ لَمْ يُطِقْ فَعَلى جَنْبِهِ الأيْمَنِ؛ فَإنْ لَمْ يُطِقْ فَعَلى الأيْسَرِ؛ فَإنْ لَمْ يُطِقْ فَعَلى الظَهْرِ"؛ ومَذْهَبُ مالِكٍ في "اَلْمُدَوَّنَةُ" اَلتَّخْيِيرُ؛ لِأنَّهُ قالَ: فَعَلى جَنْبِهِ؛ أو عَلى ظَهْرِهِ؛ وحَكى ابْنُ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ القاسِمِ أنَّهُ قالَ: "يَبْتَدِئُ بِالظَهْرِ؛ ثُمَّ بِالجَنْبِ"؛ قالَ ابْنُ حَبِيبٍ: "وَهُوَ وهْمٌ"؛ قالَ اللَخْمِيُّ: "وَلَيْسَ بِوَهْمٍ؛ بَلْ هو أحْكَمُ في اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ"؛ وقالَ سَحْنُونُ: "يُصَلِّي عَلى جَنْبِهِ الأيْمَنِ؛ كَما يُجْعَلُ في قَبْرِهِ؛ فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ فَعَلى ظَهْرِهِ". (p-١٥)وَ"اَلطُّمَأْنِينَةُ" في الآيَةِ: "سُكُونُ النَفْسِ مِنَ الخَوْفِ؛ وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: اَلْمَعْنى: "فَإذا رَجَعْتُمْ مِن سَفَرِكم إلى الحَضَرِ فَأقِيمُوها تامَّةً؛ أرْبَعًا". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ ؛ مَعْناهُ: "مُنَجَّمًا في أوقاتٍ؛ هَذا ظاهِرُ اللَفْظِ"؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى: "فَرْضًا مَفْرُوضًا؛ فَهُما لَفْظانِ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ كُرِّرَ مُبالَغَةً". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ﴾ ؛ يُبَيِّنُ أنَّ القَضاءَ المُشارَ إلَيْهِ قَبْلُ إنَّما هو قَضاءُ صَلاةِ الخَوْفِ؛ و﴿ "تَهِنُوا"﴾ مَعْناهُ: تَلِينُوا، وتَضْعُفُوا. "حَبْلٌ واهِنٌ": أيْ: ضَعِيفٌ؛ ومِنهُ: ﴿ "وَهَنَ العَظْمُ"؛﴾ [مريم: ٤] و﴿ "ابْتِغاءِ القَوْمِ":﴾ طَلَبِهِمْ. وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ الأعْرَجُ: "أنْ تَكُونُوا"؛ بِفَتْحِ الألِفِ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ ومَنصُورُ بْنُ المُعْتَمِرِ: "تِئْلَمُونَ"؛ في الثَلاثَةِ؛ وهي لُغَةٌ؛ وهَذا تَشْجِيعٌ لِنُفُوسِ المُؤْمِنِينَ؛ وتَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكَفَرَةِ؛ ومِن نَحْوِ هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ اَلْقَوْمُ أمْثالُكم لَهم شَعْرٌ ∗∗∗ في الرَأْسِ لا يُنْشَرُونَ إنْ قُتِلُوا ثُمَّ تَأكَّدَ التَشْجِيعُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ ؛ وهَذا بُرْهانٌ بَيِّنٌ؛ يَنْبَغِي بِحَسَبِهِ أنْ تَقْوى نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ؛ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

النساء 4:105

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناسِ بِما أراكَ اللهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ ﴿واسْتَغْفِرِ اللهَ إنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ فِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْرِيفٌ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -؛ وتَفْوِيضٌ إلَيْهِ؛ وتَقْوِيمٌ أيْضًا عَلى الجادَّةِ في الحُكْمِ؛ وتَأْنِيبٌ ما عَلى قَبُولِ ما رُفِعَ إلَيْهِ في أمْرِ بَنِي أُبَيْرِقٍ بِسُرْعَةٍ. (p-١٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما أراكَ اللهُ﴾ ؛ مَعْناهُ: عَلى قَوانِينِ الشَرْعِ؛ إمّا بِوَحْيٍ ونَصٍّ؛ أو بِنَظَرٍ جارٍ عَلى سَنَنِ الوَحْيِ؛ وقَدْ تَضَمَّنَ اللهُ تَعالى لِأنْبِيائِهِ العِصْمَةَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ ﴿واسْتَغْفِرِ اللهَ إنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ؛ سَبَبُها بِاتِّفاقٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ أمْرُ بَنِي أُبَيْرِقٍ؛ وكانُوا إخْوَةً: بِشْرٌ، وبَشِيرٌ، ومُبَشِّرٌ، وكانَ بَشِيرٌ رَجُلًا مُنافِقًا؛ يَهْجُو أصْحابَ النَبِيِّ - ﷺ -؛ ويَنْحِلُ الشِعْرَ غَيْرَهُ؛ فَكانَ المُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: "واللهِ ما هو إلّا شِعْرُ الخَبِيثِ"؛ فَقالَ شِعْرًا يَتَنَصَّلُ فِيهِ؛ فَمِنهُ قَوْلُهُ: ؎ أفَكُلَّما قالَ الرِجالُ قَصِيدَةً ∗∗∗ نُحِلَتْ وقالُوا ابْنُ الأُبَيْرِقِ قالَها؟ «قالَ قَتادَةُ بْنُ النُعْمانِ: "وَكانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أهْلَ فاقَةٍ؛ فابْتاعَ عَمِّي رَفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِن دَوْمَكِ الشامِ؛ فَجَعَلَهُ في مَشْرُبَةٍ لَهُ، وفي المَشْرُبَةِ دِرْعانِ لَهُ وسَيْفانِ، فَعُدِيَ عَلى المَشْرُبَةِ مِنَ اللَيْلِ، فَنُقِبَتْ وأُخِذَ الطَعامُ والسِلاحُ، فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رَفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي؛ تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ؛ فَنُقِبَتْ مَشْرُبَتُنا؛ وذُهِبَ بِطَعامِنا وسِلاحِنا؛ فَقالَ: فَتَحَسَّسْنا في الدارِ وسَألْنا، فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا في هَذِهِ اللَيْلَةِ، ولا نَراهُ إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكُمْ؛ قالَ: وقَدْ كانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا - ونَحْنُ نَسْألُ -: واللهِ ما نَرى صاحِبَكم إلّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ - رَجُلٌ مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ - فَسَمِعَ ذَلِكَ لَبِيدٌ ؛ فاخْتَرَطَ سَيْفَهُ؛ ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ فَقالَ: واللهِ لَيُخالِطَنَّكم هَذا السَيْفُ؛ أو لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَرِقَةَ؛ قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَجُلُ؛ فَواللهِ ما أنْتَ بِصاحِبِنا؛ فَسَألْنا في الدارِ حَتّى لَمْ نَشُكُّ أنَّهم أصْحابُها؛ فَقالَ لِي عَمِّي: يا ابْنَ أخِي؛ لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَأخْبَرْتَهُ بِهَذِهِ القِصَّةِ؛ فَأتَيْتُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - فَقَصَصْتُها عَلَيْهِ؛ فَقالَ: "أنْظُرُ في ذَلِكَ"؛ فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهُمْ؛ يُقالُ لَهُ "أسِيرُ بْنُ عُرْوَةَ "؛ فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ؛ واجْتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الدارِ؛ فَأتَوْا (p-١٧)رَسُولَ اللهِ - ﷺ -؛ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ؛ إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُعْمانِ وعَمَّهُ عَمَدا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا؛ أهْلِ إسْلامٍ وصَلاحٍ؛ يَرْمُونَهم بِالسَرِقَةِ عن غَيْرِ بَيِّنَةٍ؛ قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَكَلَّمْتُهُ؛ قالَ: "عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ؛ فَرَمَيْتَهم بِالسَرِقَةِ عن غَيْرِ بَيِّنَةٍ"؛ قالَ: فَرَجَعْتُ وقَدْ ودِدْتُ أنْ أخْرُجَ عن بَعْضِ مالِي؛ ولَمْ أُكَلِّمْهُ؛ فَأتَيْتُ عَمِّي؛ فَقالَ: ما صَنَعْتَ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؛ فَقالَ: اَللَّهُ المُسْتَعانُ؛ فَلَمْ نَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ ؛ اَلْآياتِ؛» فالخائِنُونَ بَنُو أُبَيْرِقٍ؛ والبَرِيءُ المَرْمِيُّ لَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ؛ والطائِفَةُ الَّتِي هَمَّتْ أسِيرٌ وأصْحابُهُ. وقالَ قَتادَةُ ؛ وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: "هَذِهِ القِصَّةُ؛ ونَحْوُها؛ إنَّما كانَ صاحِبُها طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ، ويُقالُ فِيهِ "طُعَيْمَةُ"، وقالَ السُدِّيُّ: "اَلْقِصَّةُ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ ولَكِنْ بِأنِ اسْتَوْدَعَهُ يَهُودِيٌّ دِرْعًا؛ فَجَحَدَهُ إيّاها؛ وخانَهُ فِيها؛ وطَرَحَها في دارِ أبِي مُلَيْلٍ الأنْصارِيِّ؛ وأرادَ أنْ يَرْمِيَهُ بِسَرِقَتِها لَمّا افْتُضِحَ؛ وأبُو مُلَيْلٍ هو البَرِيءُ المُشارُ إلَيْهِ"؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: "سَرَقَ طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ دِرْعًا مِن مَشْرُبَةٍ؛ ورَمى بِسَرِقَتِها رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُ " زَيْدُ بْنُ السَمِينِ ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَجُمْلَةُ هَذا يَسْتَدِيرُ عَلى «أنَّ قَوْمَ طُعْمَةَ أتَوُا النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وكَلَّمُوهُ في أنْ يَذُبَّ عن طُعْمَةَ؛ ويَرْفَعَ الدَعْوى عنهُ؛ ودَفَعُوا هم عنهُ؛ ومِنهم مَن يَعْلَمُ أنَّهُ سَرَقَ؛ فَكانَتْ هَذِهِ مَعْصِيَةً مِن مُؤْمِنِيهِمْ؛ وخُلُقٌ مَقْصُودٌ مِن مُنافِقِيهِمْ؛ فَعَصَمَ اللهُ رَسُولَهُ مِن ذَلِكَ؛ ونَبَّهَ عَلى مَقالِهِ لِقَتادَةَ بْنِ النُعْمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾». (p-١٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَطُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ صَرَّحَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالِارْتِدادِ؛ وهَرَبَ إلى مَكَّةَ؛ ونَزَلَ عَلى سُلافَةَ؛ فَرَماها حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ بِشِعْرٍ؛ فَأخَذَتْ رَحْلَ طُعْمَةَ؛ ورَمَتْ بِهِ في الأبْطُحِ؛ وقالَتْ: اُخْرُجْ عَنّا؛ أهْدَيْتَ إلَيَّ شِعْرَ حَسّانَ ؛ فَرُوِيَ: أنَّهُ نَزَلَ عَلى الحَجّاجِ بْنِ عِلاطٍ؛ وسَرَقَهُ؛ فَطَرَدَهُ؛ ورُوِيَ أنَّهُ نَقَبَ حائِطَ بَيْتٍ لِيَسْرِقَهُ؛ فانْهَدَمَ الحائِطُ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ؛ ورُوِيَ أنَّهُ اتَّبَعَ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ؛ فَسَرَقَهُمْ؛ فَقَتَلُوهُ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرِ اللهَ﴾ ؛ ذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى: اِسْتَغْفِرِ اللهَ مِن ذَنْبِكَ في خِصامِكَ لِلْخائِنِينَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَهَذا لَيْسَ بِذَنْبٍ؛ لِأنَّ النَبِيَّ - ﷺ - إنَّما دافَعَ عَنِ الظاهِرِ؛ وهو يَعْتَقِدُ بَراءَتَهُمْ؛ والمَعْنى: اِسْتَغْفِرْ لِلْمُذْنِبِينَ مِن أُمَّتِكَ؛ والمُتَخاصِمِينَ في الباطِلِ؛ لا أنْ تَكُونَ ذا جِدالٍ عنهُمْ؛ فَهَذا حَدُّكَ؛ ومَحَلُّكَ مِنَ الناسِ؛ أنْ تَسْمَعَ مِنَ المُتَداعِيَيْنِ؛ وتَقْضِيَ بِنَحْوِ ما تَسْمَعُ؛ وتَسْتَغْفِرَ لِلْمُذْنِبِ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ ؛ لَفْظٌ عامٌّ يَنْدَرِجُ طَيَّهُ أصْحابُ النازِلَةِ؛ ويَتَقَرَّرُ بِهِ تَوْبِيخُهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ ؛ رِفْقٌ؛ وإبْقاءٌ؛ فَإنَّ الخَوّانَ هو الَّذِي تَتَكَرَّرُ مِنهُ الخِيانَةُ؛ والأثِيمُ هو الَّذِي يَقْصِدُها؛ فَيَخْرُجُ مِن هَذا التَشْدِيدِ الساقِطُ مَرَّةً واحِدَةً؛ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يَجِيءُ مِنَ الخِيانَةِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ؛ أو عَلى غَفْلَةٍ؛ واخْتِيانُ الأنْفُسِ هو بِما يَعُودُ عَلَيْها مِنَ الإثْمِ والعُقُوبَةِ في الدُنْيا والآخِرَةِ.

النساء 4:106

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناسِ بِما أراكَ اللهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ ﴿واسْتَغْفِرِ اللهَ إنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ فِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْرِيفٌ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -؛ وتَفْوِيضٌ إلَيْهِ؛ وتَقْوِيمٌ أيْضًا عَلى الجادَّةِ في الحُكْمِ؛ وتَأْنِيبٌ ما عَلى قَبُولِ ما رُفِعَ إلَيْهِ في أمْرِ بَنِي أُبَيْرِقٍ بِسُرْعَةٍ. (p-١٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما أراكَ اللهُ﴾ ؛ مَعْناهُ: عَلى قَوانِينِ الشَرْعِ؛ إمّا بِوَحْيٍ ونَصٍّ؛ أو بِنَظَرٍ جارٍ عَلى سَنَنِ الوَحْيِ؛ وقَدْ تَضَمَّنَ اللهُ تَعالى لِأنْبِيائِهِ العِصْمَةَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ ﴿واسْتَغْفِرِ اللهَ إنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ؛ سَبَبُها بِاتِّفاقٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ أمْرُ بَنِي أُبَيْرِقٍ؛ وكانُوا إخْوَةً: بِشْرٌ، وبَشِيرٌ، ومُبَشِّرٌ، وكانَ بَشِيرٌ رَجُلًا مُنافِقًا؛ يَهْجُو أصْحابَ النَبِيِّ - ﷺ -؛ ويَنْحِلُ الشِعْرَ غَيْرَهُ؛ فَكانَ المُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: "واللهِ ما هو إلّا شِعْرُ الخَبِيثِ"؛ فَقالَ شِعْرًا يَتَنَصَّلُ فِيهِ؛ فَمِنهُ قَوْلُهُ: ؎ أفَكُلَّما قالَ الرِجالُ قَصِيدَةً ∗∗∗ نُحِلَتْ وقالُوا ابْنُ الأُبَيْرِقِ قالَها؟ «قالَ قَتادَةُ بْنُ النُعْمانِ: "وَكانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أهْلَ فاقَةٍ؛ فابْتاعَ عَمِّي رَفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِن دَوْمَكِ الشامِ؛ فَجَعَلَهُ في مَشْرُبَةٍ لَهُ، وفي المَشْرُبَةِ دِرْعانِ لَهُ وسَيْفانِ، فَعُدِيَ عَلى المَشْرُبَةِ مِنَ اللَيْلِ، فَنُقِبَتْ وأُخِذَ الطَعامُ والسِلاحُ، فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رَفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي؛ تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ؛ فَنُقِبَتْ مَشْرُبَتُنا؛ وذُهِبَ بِطَعامِنا وسِلاحِنا؛ فَقالَ: فَتَحَسَّسْنا في الدارِ وسَألْنا، فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا في هَذِهِ اللَيْلَةِ، ولا نَراهُ إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكُمْ؛ قالَ: وقَدْ كانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا - ونَحْنُ نَسْألُ -: واللهِ ما نَرى صاحِبَكم إلّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ - رَجُلٌ مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ - فَسَمِعَ ذَلِكَ لَبِيدٌ ؛ فاخْتَرَطَ سَيْفَهُ؛ ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ فَقالَ: واللهِ لَيُخالِطَنَّكم هَذا السَيْفُ؛ أو لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَرِقَةَ؛ قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَجُلُ؛ فَواللهِ ما أنْتَ بِصاحِبِنا؛ فَسَألْنا في الدارِ حَتّى لَمْ نَشُكُّ أنَّهم أصْحابُها؛ فَقالَ لِي عَمِّي: يا ابْنَ أخِي؛ لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَأخْبَرْتَهُ بِهَذِهِ القِصَّةِ؛ فَأتَيْتُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - فَقَصَصْتُها عَلَيْهِ؛ فَقالَ: "أنْظُرُ في ذَلِكَ"؛ فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهُمْ؛ يُقالُ لَهُ "أسِيرُ بْنُ عُرْوَةَ "؛ فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ؛ واجْتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الدارِ؛ فَأتَوْا (p-١٧)رَسُولَ اللهِ - ﷺ -؛ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ؛ إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُعْمانِ وعَمَّهُ عَمَدا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا؛ أهْلِ إسْلامٍ وصَلاحٍ؛ يَرْمُونَهم بِالسَرِقَةِ عن غَيْرِ بَيِّنَةٍ؛ قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَكَلَّمْتُهُ؛ قالَ: "عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ؛ فَرَمَيْتَهم بِالسَرِقَةِ عن غَيْرِ بَيِّنَةٍ"؛ قالَ: فَرَجَعْتُ وقَدْ ودِدْتُ أنْ أخْرُجَ عن بَعْضِ مالِي؛ ولَمْ أُكَلِّمْهُ؛ فَأتَيْتُ عَمِّي؛ فَقالَ: ما صَنَعْتَ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؛ فَقالَ: اَللَّهُ المُسْتَعانُ؛ فَلَمْ نَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ ؛ اَلْآياتِ؛» فالخائِنُونَ بَنُو أُبَيْرِقٍ؛ والبَرِيءُ المَرْمِيُّ لَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ؛ والطائِفَةُ الَّتِي هَمَّتْ أسِيرٌ وأصْحابُهُ. وقالَ قَتادَةُ ؛ وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: "هَذِهِ القِصَّةُ؛ ونَحْوُها؛ إنَّما كانَ صاحِبُها طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ، ويُقالُ فِيهِ "طُعَيْمَةُ"، وقالَ السُدِّيُّ: "اَلْقِصَّةُ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ ولَكِنْ بِأنِ اسْتَوْدَعَهُ يَهُودِيٌّ دِرْعًا؛ فَجَحَدَهُ إيّاها؛ وخانَهُ فِيها؛ وطَرَحَها في دارِ أبِي مُلَيْلٍ الأنْصارِيِّ؛ وأرادَ أنْ يَرْمِيَهُ بِسَرِقَتِها لَمّا افْتُضِحَ؛ وأبُو مُلَيْلٍ هو البَرِيءُ المُشارُ إلَيْهِ"؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: "سَرَقَ طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ دِرْعًا مِن مَشْرُبَةٍ؛ ورَمى بِسَرِقَتِها رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُ " زَيْدُ بْنُ السَمِينِ ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَجُمْلَةُ هَذا يَسْتَدِيرُ عَلى «أنَّ قَوْمَ طُعْمَةَ أتَوُا النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وكَلَّمُوهُ في أنْ يَذُبَّ عن طُعْمَةَ؛ ويَرْفَعَ الدَعْوى عنهُ؛ ودَفَعُوا هم عنهُ؛ ومِنهم مَن يَعْلَمُ أنَّهُ سَرَقَ؛ فَكانَتْ هَذِهِ مَعْصِيَةً مِن مُؤْمِنِيهِمْ؛ وخُلُقٌ مَقْصُودٌ مِن مُنافِقِيهِمْ؛ فَعَصَمَ اللهُ رَسُولَهُ مِن ذَلِكَ؛ ونَبَّهَ عَلى مَقالِهِ لِقَتادَةَ بْنِ النُعْمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾». (p-١٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَطُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ صَرَّحَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالِارْتِدادِ؛ وهَرَبَ إلى مَكَّةَ؛ ونَزَلَ عَلى سُلافَةَ؛ فَرَماها حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ بِشِعْرٍ؛ فَأخَذَتْ رَحْلَ طُعْمَةَ؛ ورَمَتْ بِهِ في الأبْطُحِ؛ وقالَتْ: اُخْرُجْ عَنّا؛ أهْدَيْتَ إلَيَّ شِعْرَ حَسّانَ ؛ فَرُوِيَ: أنَّهُ نَزَلَ عَلى الحَجّاجِ بْنِ عِلاطٍ؛ وسَرَقَهُ؛ فَطَرَدَهُ؛ ورُوِيَ أنَّهُ نَقَبَ حائِطَ بَيْتٍ لِيَسْرِقَهُ؛ فانْهَدَمَ الحائِطُ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ؛ ورُوِيَ أنَّهُ اتَّبَعَ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ؛ فَسَرَقَهُمْ؛ فَقَتَلُوهُ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرِ اللهَ﴾ ؛ ذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى: اِسْتَغْفِرِ اللهَ مِن ذَنْبِكَ في خِصامِكَ لِلْخائِنِينَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَهَذا لَيْسَ بِذَنْبٍ؛ لِأنَّ النَبِيَّ - ﷺ - إنَّما دافَعَ عَنِ الظاهِرِ؛ وهو يَعْتَقِدُ بَراءَتَهُمْ؛ والمَعْنى: اِسْتَغْفِرْ لِلْمُذْنِبِينَ مِن أُمَّتِكَ؛ والمُتَخاصِمِينَ في الباطِلِ؛ لا أنْ تَكُونَ ذا جِدالٍ عنهُمْ؛ فَهَذا حَدُّكَ؛ ومَحَلُّكَ مِنَ الناسِ؛ أنْ تَسْمَعَ مِنَ المُتَداعِيَيْنِ؛ وتَقْضِيَ بِنَحْوِ ما تَسْمَعُ؛ وتَسْتَغْفِرَ لِلْمُذْنِبِ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ ؛ لَفْظٌ عامٌّ يَنْدَرِجُ طَيَّهُ أصْحابُ النازِلَةِ؛ ويَتَقَرَّرُ بِهِ تَوْبِيخُهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ ؛ رِفْقٌ؛ وإبْقاءٌ؛ فَإنَّ الخَوّانَ هو الَّذِي تَتَكَرَّرُ مِنهُ الخِيانَةُ؛ والأثِيمُ هو الَّذِي يَقْصِدُها؛ فَيَخْرُجُ مِن هَذا التَشْدِيدِ الساقِطُ مَرَّةً واحِدَةً؛ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يَجِيءُ مِنَ الخِيانَةِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ؛ أو عَلى غَفْلَةٍ؛ واخْتِيانُ الأنْفُسِ هو بِما يَعُودُ عَلَيْها مِنَ الإثْمِ والعُقُوبَةِ في الدُنْيا والآخِرَةِ.

النساء 4:107

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناسِ بِما أراكَ اللهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ ﴿واسْتَغْفِرِ اللهَ إنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ فِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْرِيفٌ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -؛ وتَفْوِيضٌ إلَيْهِ؛ وتَقْوِيمٌ أيْضًا عَلى الجادَّةِ في الحُكْمِ؛ وتَأْنِيبٌ ما عَلى قَبُولِ ما رُفِعَ إلَيْهِ في أمْرِ بَنِي أُبَيْرِقٍ بِسُرْعَةٍ. (p-١٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما أراكَ اللهُ﴾ ؛ مَعْناهُ: عَلى قَوانِينِ الشَرْعِ؛ إمّا بِوَحْيٍ ونَصٍّ؛ أو بِنَظَرٍ جارٍ عَلى سَنَنِ الوَحْيِ؛ وقَدْ تَضَمَّنَ اللهُ تَعالى لِأنْبِيائِهِ العِصْمَةَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ ﴿واسْتَغْفِرِ اللهَ إنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ؛ سَبَبُها بِاتِّفاقٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ أمْرُ بَنِي أُبَيْرِقٍ؛ وكانُوا إخْوَةً: بِشْرٌ، وبَشِيرٌ، ومُبَشِّرٌ، وكانَ بَشِيرٌ رَجُلًا مُنافِقًا؛ يَهْجُو أصْحابَ النَبِيِّ - ﷺ -؛ ويَنْحِلُ الشِعْرَ غَيْرَهُ؛ فَكانَ المُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: "واللهِ ما هو إلّا شِعْرُ الخَبِيثِ"؛ فَقالَ شِعْرًا يَتَنَصَّلُ فِيهِ؛ فَمِنهُ قَوْلُهُ: ؎ أفَكُلَّما قالَ الرِجالُ قَصِيدَةً ∗∗∗ نُحِلَتْ وقالُوا ابْنُ الأُبَيْرِقِ قالَها؟ «قالَ قَتادَةُ بْنُ النُعْمانِ: "وَكانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أهْلَ فاقَةٍ؛ فابْتاعَ عَمِّي رَفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِن دَوْمَكِ الشامِ؛ فَجَعَلَهُ في مَشْرُبَةٍ لَهُ، وفي المَشْرُبَةِ دِرْعانِ لَهُ وسَيْفانِ، فَعُدِيَ عَلى المَشْرُبَةِ مِنَ اللَيْلِ، فَنُقِبَتْ وأُخِذَ الطَعامُ والسِلاحُ، فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رَفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي؛ تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ؛ فَنُقِبَتْ مَشْرُبَتُنا؛ وذُهِبَ بِطَعامِنا وسِلاحِنا؛ فَقالَ: فَتَحَسَّسْنا في الدارِ وسَألْنا، فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا في هَذِهِ اللَيْلَةِ، ولا نَراهُ إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكُمْ؛ قالَ: وقَدْ كانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا - ونَحْنُ نَسْألُ -: واللهِ ما نَرى صاحِبَكم إلّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ - رَجُلٌ مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ - فَسَمِعَ ذَلِكَ لَبِيدٌ ؛ فاخْتَرَطَ سَيْفَهُ؛ ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ فَقالَ: واللهِ لَيُخالِطَنَّكم هَذا السَيْفُ؛ أو لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَرِقَةَ؛ قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَجُلُ؛ فَواللهِ ما أنْتَ بِصاحِبِنا؛ فَسَألْنا في الدارِ حَتّى لَمْ نَشُكُّ أنَّهم أصْحابُها؛ فَقالَ لِي عَمِّي: يا ابْنَ أخِي؛ لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَأخْبَرْتَهُ بِهَذِهِ القِصَّةِ؛ فَأتَيْتُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - فَقَصَصْتُها عَلَيْهِ؛ فَقالَ: "أنْظُرُ في ذَلِكَ"؛ فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهُمْ؛ يُقالُ لَهُ "أسِيرُ بْنُ عُرْوَةَ "؛ فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ؛ واجْتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الدارِ؛ فَأتَوْا (p-١٧)رَسُولَ اللهِ - ﷺ -؛ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ؛ إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُعْمانِ وعَمَّهُ عَمَدا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا؛ أهْلِ إسْلامٍ وصَلاحٍ؛ يَرْمُونَهم بِالسَرِقَةِ عن غَيْرِ بَيِّنَةٍ؛ قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَكَلَّمْتُهُ؛ قالَ: "عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ؛ فَرَمَيْتَهم بِالسَرِقَةِ عن غَيْرِ بَيِّنَةٍ"؛ قالَ: فَرَجَعْتُ وقَدْ ودِدْتُ أنْ أخْرُجَ عن بَعْضِ مالِي؛ ولَمْ أُكَلِّمْهُ؛ فَأتَيْتُ عَمِّي؛ فَقالَ: ما صَنَعْتَ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؛ فَقالَ: اَللَّهُ المُسْتَعانُ؛ فَلَمْ نَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ ؛ اَلْآياتِ؛» فالخائِنُونَ بَنُو أُبَيْرِقٍ؛ والبَرِيءُ المَرْمِيُّ لَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ؛ والطائِفَةُ الَّتِي هَمَّتْ أسِيرٌ وأصْحابُهُ. وقالَ قَتادَةُ ؛ وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: "هَذِهِ القِصَّةُ؛ ونَحْوُها؛ إنَّما كانَ صاحِبُها طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ، ويُقالُ فِيهِ "طُعَيْمَةُ"، وقالَ السُدِّيُّ: "اَلْقِصَّةُ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ ولَكِنْ بِأنِ اسْتَوْدَعَهُ يَهُودِيٌّ دِرْعًا؛ فَجَحَدَهُ إيّاها؛ وخانَهُ فِيها؛ وطَرَحَها في دارِ أبِي مُلَيْلٍ الأنْصارِيِّ؛ وأرادَ أنْ يَرْمِيَهُ بِسَرِقَتِها لَمّا افْتُضِحَ؛ وأبُو مُلَيْلٍ هو البَرِيءُ المُشارُ إلَيْهِ"؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: "سَرَقَ طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ دِرْعًا مِن مَشْرُبَةٍ؛ ورَمى بِسَرِقَتِها رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُ " زَيْدُ بْنُ السَمِينِ ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَجُمْلَةُ هَذا يَسْتَدِيرُ عَلى «أنَّ قَوْمَ طُعْمَةَ أتَوُا النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وكَلَّمُوهُ في أنْ يَذُبَّ عن طُعْمَةَ؛ ويَرْفَعَ الدَعْوى عنهُ؛ ودَفَعُوا هم عنهُ؛ ومِنهم مَن يَعْلَمُ أنَّهُ سَرَقَ؛ فَكانَتْ هَذِهِ مَعْصِيَةً مِن مُؤْمِنِيهِمْ؛ وخُلُقٌ مَقْصُودٌ مِن مُنافِقِيهِمْ؛ فَعَصَمَ اللهُ رَسُولَهُ مِن ذَلِكَ؛ ونَبَّهَ عَلى مَقالِهِ لِقَتادَةَ بْنِ النُعْمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾». (p-١٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَطُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ صَرَّحَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالِارْتِدادِ؛ وهَرَبَ إلى مَكَّةَ؛ ونَزَلَ عَلى سُلافَةَ؛ فَرَماها حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ بِشِعْرٍ؛ فَأخَذَتْ رَحْلَ طُعْمَةَ؛ ورَمَتْ بِهِ في الأبْطُحِ؛ وقالَتْ: اُخْرُجْ عَنّا؛ أهْدَيْتَ إلَيَّ شِعْرَ حَسّانَ ؛ فَرُوِيَ: أنَّهُ نَزَلَ عَلى الحَجّاجِ بْنِ عِلاطٍ؛ وسَرَقَهُ؛ فَطَرَدَهُ؛ ورُوِيَ أنَّهُ نَقَبَ حائِطَ بَيْتٍ لِيَسْرِقَهُ؛ فانْهَدَمَ الحائِطُ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ؛ ورُوِيَ أنَّهُ اتَّبَعَ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ؛ فَسَرَقَهُمْ؛ فَقَتَلُوهُ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرِ اللهَ﴾ ؛ ذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى: اِسْتَغْفِرِ اللهَ مِن ذَنْبِكَ في خِصامِكَ لِلْخائِنِينَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَهَذا لَيْسَ بِذَنْبٍ؛ لِأنَّ النَبِيَّ - ﷺ - إنَّما دافَعَ عَنِ الظاهِرِ؛ وهو يَعْتَقِدُ بَراءَتَهُمْ؛ والمَعْنى: اِسْتَغْفِرْ لِلْمُذْنِبِينَ مِن أُمَّتِكَ؛ والمُتَخاصِمِينَ في الباطِلِ؛ لا أنْ تَكُونَ ذا جِدالٍ عنهُمْ؛ فَهَذا حَدُّكَ؛ ومَحَلُّكَ مِنَ الناسِ؛ أنْ تَسْمَعَ مِنَ المُتَداعِيَيْنِ؛ وتَقْضِيَ بِنَحْوِ ما تَسْمَعُ؛ وتَسْتَغْفِرَ لِلْمُذْنِبِ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ ؛ لَفْظٌ عامٌّ يَنْدَرِجُ طَيَّهُ أصْحابُ النازِلَةِ؛ ويَتَقَرَّرُ بِهِ تَوْبِيخُهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ ؛ رِفْقٌ؛ وإبْقاءٌ؛ فَإنَّ الخَوّانَ هو الَّذِي تَتَكَرَّرُ مِنهُ الخِيانَةُ؛ والأثِيمُ هو الَّذِي يَقْصِدُها؛ فَيَخْرُجُ مِن هَذا التَشْدِيدِ الساقِطُ مَرَّةً واحِدَةً؛ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يَجِيءُ مِنَ الخِيانَةِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ؛ أو عَلى غَفْلَةٍ؛ واخْتِيانُ الأنْفُسِ هو بِما يَعُودُ عَلَيْها مِنَ الإثْمِ والعُقُوبَةِ في الدُنْيا والآخِرَةِ.

النساء 4:108

(p-١٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ الناسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وهو مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ وكانَ اللهِ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عنهم في الحَياةِ الدُنْيا فَمَن يُجادِلُ اللهَ عنهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أو يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ اَلضَّمِيرُ في ﴿ "يَسْتَخْفُونَ"﴾ لِلصِّنْفِ المُرْتَكِبِ لِلْمَعاصِي مُسْتَتِرِينَ بِذَلِكَ عَنِ الناسِ؛ مُباهِتِينَ لَهُمْ؛ وانْدَرَجَ في طَيِّ هَذا العُمُومِ؛ ودَخَلَ تَحْتَ هَذِهِ الأنْحاءِ؛ أهْلُ الخِيانَةِ في النازِلَةِ المَذْكُورَةِ؛ وأهْلُ التَعَصُّبِ لَهُمْ؛ والتَدْبِيرِ في خَدْعِ النَبِيِّ - ﷺ -؛ والتَلْبِيسِ عَلَيْهِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِأهْلِ هَذِهِ النازِلَةِ؛ ويَدْخُلُ في مَعْنى هَذا التَوْبِيخِ كُلُّ مَن فَعَلَ نَحْوَ فِعْلِهِمْ. ومَعْنى ﴿ "وَهُوَ مَعَهُمْ":﴾ بِالإحاطَةِ؛ والعِلْمِ؛ والقُدْرَةِ؛ "وَيُبَيِّتُونَ": يُدَبِّرُونَ لَيْلًا؛ اِنْطَلَقَتِ العِبارَةُ عَلى كُلِّ اسْتِسْرارٍ بِهَذا؛ إذِ اللَيْلُ مَظِنَّةُ الِاسْتِتارِ والِاخْتِفاءِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: "وَزَعَمَ بَعْضُ الطائِيِّينَ أنَّ التَبْيِيتَ في لُغَتِهِمُ التَبْدِيلُ؛ وأنْشَدَ لِلْأسْوَدِ بْنِ عامِرِ بْنِ حُوَيْنٍ الطائِيِّ: ؎ وبَيَّتَّ قَوْلِيَ عِنْدَ المَلِيـ ∗∗∗ كِ قاتَلَكَ اللهُ عَبْدًا كَنُودا وقالَ أبُو زَيْدٍ: ﴿ "يُبَيِّتُونَ"؛﴾ مَعْناهُ: يُؤَلِّفُونَ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن "اَلْبَيْتُ"؛ أيْ: يَسْتَسِرُّونَ في تَدْبِيرِهِمْ بِالجُدْرانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ ؛ قَدْ تَقَدَّمَتْ وُجُوهُ القِراءاتِ فِيهِ في سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ "؛ والخِطابُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يَتَعَصَّبُونَ لِأهْلِ الرَيْبِ والمَعاصِي؛ ويَنْدَرِجُ طَيَّ هَذا العُمُومِ أهْلُ النازِلَةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِأهْلِ التَعَصُّبِ في هَذِهِ النازِلَةِ؛ وهو الأظْهَرُ عِنْدِي؛ بِحُكْمِ التَأْكِيدِ بِـ ﴿ "هَؤُلاءِ"؛﴾ وهي إشارَةٌ إلى حاضِرِينَ - وقَدْ تَقَدَّمَ إعْرابُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ ". والمُجادَلَةُ: اَلْمُدافَعَةُ بِالقَوْلِ؛ وهي مِن فَتْلِ الكَلامِ ولَيِّهِ؛ إذِ الجَدَلُ: اَلْفَتْلُ. (p-٢٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يُجادِلُ اللهَ عنهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ؛ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ أيْ: إنَّ اللهَ يَعْلَمُ حَقِيقَةَ الأمْرِ؛ فَلا يُمْكِنُ أنْ يُلْبَسَ عَلَيْهِ بِجِدالٍ؛ ولا بِغَيْرِهِ؛ كَما فَعَلْتُمْ بِالنَبِيِّ - ﷺ -؛ إذْ هو بَشَرٌ يَقْضِي عَلى نَحْوِ ما يَسْمَعُ. ولَمّا تَمَكَّنَ هَذا الوَعِيدُ؛ وقَضَتِ العُقُولُ بِألّا مُجادِلَ لِلَّهِ؛ ولا وكِيلَ يَقُومُ بِأُمُورِ العُصاةِ عِنْدَهُ - عَقَّبَ ذَلِكَ هَذا الرَجاءَ العَظِيمَ؛ والمَهْلَ المُنْفَسِحَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قَوْلُهُ: ﴿أو يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ ؛ مَنحًى مِن عَمَلِ السُوءِ؛ وهُما بِمَعْنى واحِدٍ؛ تَكَرَّرَ بِاخْتِلافِ لَفْظٍ مُبالَغَةً؛ واسْتِغْفارُ اللهِ تَعالى ؛ مَعَ التَحْقِيقِ في ذَلِكَ تَوْبَةٌ. وقَوْلُهُ: ﴿يَجِدِ اللهَ﴾ ؛ اِسْتِعارَةٌ؛ لَمّا كانَتِ الرَحْمَةُ والغُفْرانُ مُعَدَّةً لِلْمُسْتَغْفِرِينَ التائِبِينَ؛ كانُوا كالواجِدِينَ لِمَطْلُوبٍ؛ وكَأنَّ التَوْبَةَ وُرُودٌ عَلى رَحْمَةِ اللهِ؛ وقُرْبٌ مِنَ اللهِ؛ وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَوْمًا في مَجْلِسِهِ: "كانَ بَنُو إسْرائِيلَ إذا أصابَ أحَدُهم ذَنْبًا أصْبَحَ وقَدْ كُتِبَتْ كَفّارَةُ ذَلِكَ الذَنْبِ عَلى بابِهِ؛ وإذا أصابَ البَوْلُ شَيْئًا مِن ثِيابِهِ قَرَضَهُ بِالمِقْراضِ؛ فَقالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: لَقَدْ آتى اللهُ بَنِي إسْرائِيلَ خَيْرًا؛ فَقالَ عَبْدُ اللهِ: ما آتاكُمُ اللهُ خَيْرٌ مِمّا آتاهُمْ؛ جَعَلَ لَكُمُ الماءَ طَهُورًا؛ وقالَ ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أو يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ"؛ وهَذِهِ آيَةُ وعْدٍ بِشَرْطِ المَشِيئَةِ؛ عَلى ما تَقْتَضِيهِ عَقِيدَةُ أهْلِ السُنَّةِ؛ وفَضْلُ اللهِ مَرْجُوٌّ؛ وهو المُسْتَعانُ.

النساء 4:109

(p-١٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ الناسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وهو مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ وكانَ اللهِ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عنهم في الحَياةِ الدُنْيا فَمَن يُجادِلُ اللهَ عنهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أو يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ اَلضَّمِيرُ في ﴿ "يَسْتَخْفُونَ"﴾ لِلصِّنْفِ المُرْتَكِبِ لِلْمَعاصِي مُسْتَتِرِينَ بِذَلِكَ عَنِ الناسِ؛ مُباهِتِينَ لَهُمْ؛ وانْدَرَجَ في طَيِّ هَذا العُمُومِ؛ ودَخَلَ تَحْتَ هَذِهِ الأنْحاءِ؛ أهْلُ الخِيانَةِ في النازِلَةِ المَذْكُورَةِ؛ وأهْلُ التَعَصُّبِ لَهُمْ؛ والتَدْبِيرِ في خَدْعِ النَبِيِّ - ﷺ -؛ والتَلْبِيسِ عَلَيْهِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِأهْلِ هَذِهِ النازِلَةِ؛ ويَدْخُلُ في مَعْنى هَذا التَوْبِيخِ كُلُّ مَن فَعَلَ نَحْوَ فِعْلِهِمْ. ومَعْنى ﴿ "وَهُوَ مَعَهُمْ":﴾ بِالإحاطَةِ؛ والعِلْمِ؛ والقُدْرَةِ؛ "وَيُبَيِّتُونَ": يُدَبِّرُونَ لَيْلًا؛ اِنْطَلَقَتِ العِبارَةُ عَلى كُلِّ اسْتِسْرارٍ بِهَذا؛ إذِ اللَيْلُ مَظِنَّةُ الِاسْتِتارِ والِاخْتِفاءِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: "وَزَعَمَ بَعْضُ الطائِيِّينَ أنَّ التَبْيِيتَ في لُغَتِهِمُ التَبْدِيلُ؛ وأنْشَدَ لِلْأسْوَدِ بْنِ عامِرِ بْنِ حُوَيْنٍ الطائِيِّ: ؎ وبَيَّتَّ قَوْلِيَ عِنْدَ المَلِيـ ∗∗∗ كِ قاتَلَكَ اللهُ عَبْدًا كَنُودا وقالَ أبُو زَيْدٍ: ﴿ "يُبَيِّتُونَ"؛﴾ مَعْناهُ: يُؤَلِّفُونَ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن "اَلْبَيْتُ"؛ أيْ: يَسْتَسِرُّونَ في تَدْبِيرِهِمْ بِالجُدْرانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ ؛ قَدْ تَقَدَّمَتْ وُجُوهُ القِراءاتِ فِيهِ في سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ "؛ والخِطابُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يَتَعَصَّبُونَ لِأهْلِ الرَيْبِ والمَعاصِي؛ ويَنْدَرِجُ طَيَّ هَذا العُمُومِ أهْلُ النازِلَةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِأهْلِ التَعَصُّبِ في هَذِهِ النازِلَةِ؛ وهو الأظْهَرُ عِنْدِي؛ بِحُكْمِ التَأْكِيدِ بِـ ﴿ "هَؤُلاءِ"؛﴾ وهي إشارَةٌ إلى حاضِرِينَ - وقَدْ تَقَدَّمَ إعْرابُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ ". والمُجادَلَةُ: اَلْمُدافَعَةُ بِالقَوْلِ؛ وهي مِن فَتْلِ الكَلامِ ولَيِّهِ؛ إذِ الجَدَلُ: اَلْفَتْلُ. (p-٢٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يُجادِلُ اللهَ عنهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ؛ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ أيْ: إنَّ اللهَ يَعْلَمُ حَقِيقَةَ الأمْرِ؛ فَلا يُمْكِنُ أنْ يُلْبَسَ عَلَيْهِ بِجِدالٍ؛ ولا بِغَيْرِهِ؛ كَما فَعَلْتُمْ بِالنَبِيِّ - ﷺ -؛ إذْ هو بَشَرٌ يَقْضِي عَلى نَحْوِ ما يَسْمَعُ. ولَمّا تَمَكَّنَ هَذا الوَعِيدُ؛ وقَضَتِ العُقُولُ بِألّا مُجادِلَ لِلَّهِ؛ ولا وكِيلَ يَقُومُ بِأُمُورِ العُصاةِ عِنْدَهُ - عَقَّبَ ذَلِكَ هَذا الرَجاءَ العَظِيمَ؛ والمَهْلَ المُنْفَسِحَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قَوْلُهُ: ﴿أو يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ ؛ مَنحًى مِن عَمَلِ السُوءِ؛ وهُما بِمَعْنى واحِدٍ؛ تَكَرَّرَ بِاخْتِلافِ لَفْظٍ مُبالَغَةً؛ واسْتِغْفارُ اللهِ تَعالى ؛ مَعَ التَحْقِيقِ في ذَلِكَ تَوْبَةٌ. وقَوْلُهُ: ﴿يَجِدِ اللهَ﴾ ؛ اِسْتِعارَةٌ؛ لَمّا كانَتِ الرَحْمَةُ والغُفْرانُ مُعَدَّةً لِلْمُسْتَغْفِرِينَ التائِبِينَ؛ كانُوا كالواجِدِينَ لِمَطْلُوبٍ؛ وكَأنَّ التَوْبَةَ وُرُودٌ عَلى رَحْمَةِ اللهِ؛ وقُرْبٌ مِنَ اللهِ؛ وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَوْمًا في مَجْلِسِهِ: "كانَ بَنُو إسْرائِيلَ إذا أصابَ أحَدُهم ذَنْبًا أصْبَحَ وقَدْ كُتِبَتْ كَفّارَةُ ذَلِكَ الذَنْبِ عَلى بابِهِ؛ وإذا أصابَ البَوْلُ شَيْئًا مِن ثِيابِهِ قَرَضَهُ بِالمِقْراضِ؛ فَقالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: لَقَدْ آتى اللهُ بَنِي إسْرائِيلَ خَيْرًا؛ فَقالَ عَبْدُ اللهِ: ما آتاكُمُ اللهُ خَيْرٌ مِمّا آتاهُمْ؛ جَعَلَ لَكُمُ الماءَ طَهُورًا؛ وقالَ ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أو يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ"؛ وهَذِهِ آيَةُ وعْدٍ بِشَرْطِ المَشِيئَةِ؛ عَلى ما تَقْتَضِيهِ عَقِيدَةُ أهْلِ السُنَّةِ؛ وفَضْلُ اللهِ مَرْجُوٌّ؛ وهو المُسْتَعانُ.

النساء 4:110

(p-١٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ الناسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وهو مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ وكانَ اللهِ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عنهم في الحَياةِ الدُنْيا فَمَن يُجادِلُ اللهَ عنهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أو يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ اَلضَّمِيرُ في ﴿ "يَسْتَخْفُونَ"﴾ لِلصِّنْفِ المُرْتَكِبِ لِلْمَعاصِي مُسْتَتِرِينَ بِذَلِكَ عَنِ الناسِ؛ مُباهِتِينَ لَهُمْ؛ وانْدَرَجَ في طَيِّ هَذا العُمُومِ؛ ودَخَلَ تَحْتَ هَذِهِ الأنْحاءِ؛ أهْلُ الخِيانَةِ في النازِلَةِ المَذْكُورَةِ؛ وأهْلُ التَعَصُّبِ لَهُمْ؛ والتَدْبِيرِ في خَدْعِ النَبِيِّ - ﷺ -؛ والتَلْبِيسِ عَلَيْهِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِأهْلِ هَذِهِ النازِلَةِ؛ ويَدْخُلُ في مَعْنى هَذا التَوْبِيخِ كُلُّ مَن فَعَلَ نَحْوَ فِعْلِهِمْ. ومَعْنى ﴿ "وَهُوَ مَعَهُمْ":﴾ بِالإحاطَةِ؛ والعِلْمِ؛ والقُدْرَةِ؛ "وَيُبَيِّتُونَ": يُدَبِّرُونَ لَيْلًا؛ اِنْطَلَقَتِ العِبارَةُ عَلى كُلِّ اسْتِسْرارٍ بِهَذا؛ إذِ اللَيْلُ مَظِنَّةُ الِاسْتِتارِ والِاخْتِفاءِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: "وَزَعَمَ بَعْضُ الطائِيِّينَ أنَّ التَبْيِيتَ في لُغَتِهِمُ التَبْدِيلُ؛ وأنْشَدَ لِلْأسْوَدِ بْنِ عامِرِ بْنِ حُوَيْنٍ الطائِيِّ: ؎ وبَيَّتَّ قَوْلِيَ عِنْدَ المَلِيـ ∗∗∗ كِ قاتَلَكَ اللهُ عَبْدًا كَنُودا وقالَ أبُو زَيْدٍ: ﴿ "يُبَيِّتُونَ"؛﴾ مَعْناهُ: يُؤَلِّفُونَ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن "اَلْبَيْتُ"؛ أيْ: يَسْتَسِرُّونَ في تَدْبِيرِهِمْ بِالجُدْرانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ ؛ قَدْ تَقَدَّمَتْ وُجُوهُ القِراءاتِ فِيهِ في سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ "؛ والخِطابُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يَتَعَصَّبُونَ لِأهْلِ الرَيْبِ والمَعاصِي؛ ويَنْدَرِجُ طَيَّ هَذا العُمُومِ أهْلُ النازِلَةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِأهْلِ التَعَصُّبِ في هَذِهِ النازِلَةِ؛ وهو الأظْهَرُ عِنْدِي؛ بِحُكْمِ التَأْكِيدِ بِـ ﴿ "هَؤُلاءِ"؛﴾ وهي إشارَةٌ إلى حاضِرِينَ - وقَدْ تَقَدَّمَ إعْرابُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ ". والمُجادَلَةُ: اَلْمُدافَعَةُ بِالقَوْلِ؛ وهي مِن فَتْلِ الكَلامِ ولَيِّهِ؛ إذِ الجَدَلُ: اَلْفَتْلُ. (p-٢٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يُجادِلُ اللهَ عنهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ؛ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ أيْ: إنَّ اللهَ يَعْلَمُ حَقِيقَةَ الأمْرِ؛ فَلا يُمْكِنُ أنْ يُلْبَسَ عَلَيْهِ بِجِدالٍ؛ ولا بِغَيْرِهِ؛ كَما فَعَلْتُمْ بِالنَبِيِّ - ﷺ -؛ إذْ هو بَشَرٌ يَقْضِي عَلى نَحْوِ ما يَسْمَعُ. ولَمّا تَمَكَّنَ هَذا الوَعِيدُ؛ وقَضَتِ العُقُولُ بِألّا مُجادِلَ لِلَّهِ؛ ولا وكِيلَ يَقُومُ بِأُمُورِ العُصاةِ عِنْدَهُ - عَقَّبَ ذَلِكَ هَذا الرَجاءَ العَظِيمَ؛ والمَهْلَ المُنْفَسِحَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قَوْلُهُ: ﴿أو يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ ؛ مَنحًى مِن عَمَلِ السُوءِ؛ وهُما بِمَعْنى واحِدٍ؛ تَكَرَّرَ بِاخْتِلافِ لَفْظٍ مُبالَغَةً؛ واسْتِغْفارُ اللهِ تَعالى ؛ مَعَ التَحْقِيقِ في ذَلِكَ تَوْبَةٌ. وقَوْلُهُ: ﴿يَجِدِ اللهَ﴾ ؛ اِسْتِعارَةٌ؛ لَمّا كانَتِ الرَحْمَةُ والغُفْرانُ مُعَدَّةً لِلْمُسْتَغْفِرِينَ التائِبِينَ؛ كانُوا كالواجِدِينَ لِمَطْلُوبٍ؛ وكَأنَّ التَوْبَةَ وُرُودٌ عَلى رَحْمَةِ اللهِ؛ وقُرْبٌ مِنَ اللهِ؛ وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَوْمًا في مَجْلِسِهِ: "كانَ بَنُو إسْرائِيلَ إذا أصابَ أحَدُهم ذَنْبًا أصْبَحَ وقَدْ كُتِبَتْ كَفّارَةُ ذَلِكَ الذَنْبِ عَلى بابِهِ؛ وإذا أصابَ البَوْلُ شَيْئًا مِن ثِيابِهِ قَرَضَهُ بِالمِقْراضِ؛ فَقالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: لَقَدْ آتى اللهُ بَنِي إسْرائِيلَ خَيْرًا؛ فَقالَ عَبْدُ اللهِ: ما آتاكُمُ اللهُ خَيْرٌ مِمّا آتاهُمْ؛ جَعَلَ لَكُمُ الماءَ طَهُورًا؛ وقالَ ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أو يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ"؛ وهَذِهِ آيَةُ وعْدٍ بِشَرْطِ المَشِيئَةِ؛ عَلى ما تَقْتَضِيهِ عَقِيدَةُ أهْلِ السُنَّةِ؛ وفَضْلُ اللهِ مَرْجُوٌّ؛ وهو المُسْتَعانُ.

النساء 4:111

(p-٢١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أو إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهم وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وأنْزَلَ اللهِ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى الكَسْبِ؛ والإثْمُ: اَلْحُكْمُ اللاحِقُ عَنِ المَعْصِيَةِ؛ ونِسْبَةُ المَرْءِ إلى العُقُوبَةِ فِيها؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ ؛ أيْ: إيّاها يُرْدِي؛ وبِها يُحِلُّ المَكْرُوهَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَطِيئَةً أو إثْمًا﴾ ؛ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّهُما لَفْظانِ بِمَعْنًى؛ كُرِّرَ لِاخْتِلافِ اللَفْظِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: "إنَّما فَرَّقَ بَيْنَ الخَطِيئَةِ والإثْمِ؛ لِأنَّ الخَطِيئَةَ تَكُونُ عن عَمْدٍ؛ وعن غَيْرِ عَمْدٍ؛ والإثْمَ لا يَكُونُ إلّا عن عَمْدٍ". وهَذِهِ الآيَةُ لَفْظُها عامٌّ؛ ويَنْدَرِجُ تَحْتَ ذَلِكَ العُمُومِ؛ وتَوْبِيخِهِ؛ أهْلُ النازِلَةِ المَذْكُورَةِ؛ وبَرِيءُ النازِلَةِ قِيلَ: هُوَلَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ؛ وقِيلَ: هو زَيْدُ بْنُ السَمِينِ اليَهُودِيُّ؛ وقِيلَ: أبُو مُلَيْلٍ الأنْصارِيُّ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ﴾ ؛ تَشْبِيهٌ؛ إذِ الذُنُوبُ ثِقْلٌ ووِزْرٌ؛ فَهي كالمَحْمُولاتِ؛ و﴿ "بُهْتانًا"؛﴾ مَعْناهُ: كَذِبًا عَلى البَرِيءِ؛ ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ - ﷺ -: « "إذا قُلْتَ في أخِيكَ ما فِيهِ مِمّا يَكْرَهُ سَماعَهُ؛ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ؛ فَإنْ قُلْتَ ما لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ"؛» فَرَمْيُ البَرِيءِ بُهْتٌ لَهُ؛ ونَفْسُ الخَطِيئَةِ والإثْمِ إثْمٌ مُبِينٌ؛ ومَعْصِيَةُ هَذا الرامِي مَعْصِيَتانِ. ثُمَّ وقَفَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلى هَذا؛ وعِصْمَتِهُ لَهُ؛ وأنَّها بِفَضْلٍ مِنَ اللهِ ورَحْمَتِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَهَمَّتْ﴾ ؛ مَعْناهُ: لَجَعَلَتْهُ هَمَّها وشُغْلَها؛ حَتّى تُنَفِّذَهُ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الألْفاظَ عامَّةٌ في غَيْرِ أهْلِ النازِلَةِ؛ وإلّا فَأهْلُ التَعَصُّبِ لِبَنِي أُبَيْرِقٍ قَدْ وقَعَ هَمُّهم وثَبَتَ؛ وإنَّما المَعْنى: "وَلَوْلا عِصْمَةُ اللهِ لَكَ لَكانَ في الناسِ مَن يَشْتَغِلُ بِإضْلالِكَ؛ ويَجْعَلُهُ هَمَّ نَفْسِهِ"؛ أيْ: كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ؛ لَكِنَّ العِصْمَةَ تُبْطِلُ كَيْدَ الجَمِيعِ؛ فَيَبْقى الضَلالُ في حَيِّزِهِمْ. (p-٢٢)ثُمَّ ضُمِّنَ وعْدُ اللهِ لَهُ أنَّهم لا يَضُرُّونَهُ شَيْئًا؛ وقَرَّرَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ؛ مِن إنْزالِ الكِتابِ المَتْلُوِّ؛ والحِكْمَةِ الَّتِي بَعْضُها خُوطِبَ بِهِ؛ وبَعْضُها جُعِلَتْ لَهُ سَجِيَّةً مَلَكَها؛ وقَرِيحَةً يَعْمَلُ عنها؛ ويَنْظُرُ بَيْنَ الناسِ بِها؛ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى؛ وبِهَذَيْنِ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ؛ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

النساء 4:112

(p-٢١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أو إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهم وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وأنْزَلَ اللهِ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى الكَسْبِ؛ والإثْمُ: اَلْحُكْمُ اللاحِقُ عَنِ المَعْصِيَةِ؛ ونِسْبَةُ المَرْءِ إلى العُقُوبَةِ فِيها؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ ؛ أيْ: إيّاها يُرْدِي؛ وبِها يُحِلُّ المَكْرُوهَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَطِيئَةً أو إثْمًا﴾ ؛ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّهُما لَفْظانِ بِمَعْنًى؛ كُرِّرَ لِاخْتِلافِ اللَفْظِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: "إنَّما فَرَّقَ بَيْنَ الخَطِيئَةِ والإثْمِ؛ لِأنَّ الخَطِيئَةَ تَكُونُ عن عَمْدٍ؛ وعن غَيْرِ عَمْدٍ؛ والإثْمَ لا يَكُونُ إلّا عن عَمْدٍ". وهَذِهِ الآيَةُ لَفْظُها عامٌّ؛ ويَنْدَرِجُ تَحْتَ ذَلِكَ العُمُومِ؛ وتَوْبِيخِهِ؛ أهْلُ النازِلَةِ المَذْكُورَةِ؛ وبَرِيءُ النازِلَةِ قِيلَ: هُوَلَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ؛ وقِيلَ: هو زَيْدُ بْنُ السَمِينِ اليَهُودِيُّ؛ وقِيلَ: أبُو مُلَيْلٍ الأنْصارِيُّ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ﴾ ؛ تَشْبِيهٌ؛ إذِ الذُنُوبُ ثِقْلٌ ووِزْرٌ؛ فَهي كالمَحْمُولاتِ؛ و﴿ "بُهْتانًا"؛﴾ مَعْناهُ: كَذِبًا عَلى البَرِيءِ؛ ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ - ﷺ -: « "إذا قُلْتَ في أخِيكَ ما فِيهِ مِمّا يَكْرَهُ سَماعَهُ؛ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ؛ فَإنْ قُلْتَ ما لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ"؛» فَرَمْيُ البَرِيءِ بُهْتٌ لَهُ؛ ونَفْسُ الخَطِيئَةِ والإثْمِ إثْمٌ مُبِينٌ؛ ومَعْصِيَةُ هَذا الرامِي مَعْصِيَتانِ. ثُمَّ وقَفَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلى هَذا؛ وعِصْمَتِهُ لَهُ؛ وأنَّها بِفَضْلٍ مِنَ اللهِ ورَحْمَتِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَهَمَّتْ﴾ ؛ مَعْناهُ: لَجَعَلَتْهُ هَمَّها وشُغْلَها؛ حَتّى تُنَفِّذَهُ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الألْفاظَ عامَّةٌ في غَيْرِ أهْلِ النازِلَةِ؛ وإلّا فَأهْلُ التَعَصُّبِ لِبَنِي أُبَيْرِقٍ قَدْ وقَعَ هَمُّهم وثَبَتَ؛ وإنَّما المَعْنى: "وَلَوْلا عِصْمَةُ اللهِ لَكَ لَكانَ في الناسِ مَن يَشْتَغِلُ بِإضْلالِكَ؛ ويَجْعَلُهُ هَمَّ نَفْسِهِ"؛ أيْ: كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ؛ لَكِنَّ العِصْمَةَ تُبْطِلُ كَيْدَ الجَمِيعِ؛ فَيَبْقى الضَلالُ في حَيِّزِهِمْ. (p-٢٢)ثُمَّ ضُمِّنَ وعْدُ اللهِ لَهُ أنَّهم لا يَضُرُّونَهُ شَيْئًا؛ وقَرَّرَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ؛ مِن إنْزالِ الكِتابِ المَتْلُوِّ؛ والحِكْمَةِ الَّتِي بَعْضُها خُوطِبَ بِهِ؛ وبَعْضُها جُعِلَتْ لَهُ سَجِيَّةً مَلَكَها؛ وقَرِيحَةً يَعْمَلُ عنها؛ ويَنْظُرُ بَيْنَ الناسِ بِها؛ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى؛ وبِهَذَيْنِ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ؛ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

النساء 4:113

(p-٢١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أو إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهم وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وأنْزَلَ اللهِ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى الكَسْبِ؛ والإثْمُ: اَلْحُكْمُ اللاحِقُ عَنِ المَعْصِيَةِ؛ ونِسْبَةُ المَرْءِ إلى العُقُوبَةِ فِيها؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ ؛ أيْ: إيّاها يُرْدِي؛ وبِها يُحِلُّ المَكْرُوهَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَطِيئَةً أو إثْمًا﴾ ؛ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّهُما لَفْظانِ بِمَعْنًى؛ كُرِّرَ لِاخْتِلافِ اللَفْظِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: "إنَّما فَرَّقَ بَيْنَ الخَطِيئَةِ والإثْمِ؛ لِأنَّ الخَطِيئَةَ تَكُونُ عن عَمْدٍ؛ وعن غَيْرِ عَمْدٍ؛ والإثْمَ لا يَكُونُ إلّا عن عَمْدٍ". وهَذِهِ الآيَةُ لَفْظُها عامٌّ؛ ويَنْدَرِجُ تَحْتَ ذَلِكَ العُمُومِ؛ وتَوْبِيخِهِ؛ أهْلُ النازِلَةِ المَذْكُورَةِ؛ وبَرِيءُ النازِلَةِ قِيلَ: هُوَلَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ؛ وقِيلَ: هو زَيْدُ بْنُ السَمِينِ اليَهُودِيُّ؛ وقِيلَ: أبُو مُلَيْلٍ الأنْصارِيُّ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ﴾ ؛ تَشْبِيهٌ؛ إذِ الذُنُوبُ ثِقْلٌ ووِزْرٌ؛ فَهي كالمَحْمُولاتِ؛ و﴿ "بُهْتانًا"؛﴾ مَعْناهُ: كَذِبًا عَلى البَرِيءِ؛ ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ - ﷺ -: « "إذا قُلْتَ في أخِيكَ ما فِيهِ مِمّا يَكْرَهُ سَماعَهُ؛ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ؛ فَإنْ قُلْتَ ما لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ"؛» فَرَمْيُ البَرِيءِ بُهْتٌ لَهُ؛ ونَفْسُ الخَطِيئَةِ والإثْمِ إثْمٌ مُبِينٌ؛ ومَعْصِيَةُ هَذا الرامِي مَعْصِيَتانِ. ثُمَّ وقَفَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلى هَذا؛ وعِصْمَتِهُ لَهُ؛ وأنَّها بِفَضْلٍ مِنَ اللهِ ورَحْمَتِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَهَمَّتْ﴾ ؛ مَعْناهُ: لَجَعَلَتْهُ هَمَّها وشُغْلَها؛ حَتّى تُنَفِّذَهُ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الألْفاظَ عامَّةٌ في غَيْرِ أهْلِ النازِلَةِ؛ وإلّا فَأهْلُ التَعَصُّبِ لِبَنِي أُبَيْرِقٍ قَدْ وقَعَ هَمُّهم وثَبَتَ؛ وإنَّما المَعْنى: "وَلَوْلا عِصْمَةُ اللهِ لَكَ لَكانَ في الناسِ مَن يَشْتَغِلُ بِإضْلالِكَ؛ ويَجْعَلُهُ هَمَّ نَفْسِهِ"؛ أيْ: كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ؛ لَكِنَّ العِصْمَةَ تُبْطِلُ كَيْدَ الجَمِيعِ؛ فَيَبْقى الضَلالُ في حَيِّزِهِمْ. (p-٢٢)ثُمَّ ضُمِّنَ وعْدُ اللهِ لَهُ أنَّهم لا يَضُرُّونَهُ شَيْئًا؛ وقَرَّرَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ؛ مِن إنْزالِ الكِتابِ المَتْلُوِّ؛ والحِكْمَةِ الَّتِي بَعْضُها خُوطِبَ بِهِ؛ وبَعْضُها جُعِلَتْ لَهُ سَجِيَّةً مَلَكَها؛ وقَرِيحَةً يَعْمَلُ عنها؛ ويَنْظُرُ بَيْنَ الناسِ بِها؛ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى؛ وبِهَذَيْنِ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ؛ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

النساء 4:114

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلا مِن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أو مَعْرُوفٍ أو إصْلاحٍ بَيْنَ الناسِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرَكَ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ اَلضَّمِيرُ في ﴿ "نَجْواهُمْ"؛﴾ عائِدٌ عَلى الناسِ أجْمَعَ؛ وجاءَتْ هَذِهِ الآياتُ عامَّةَ التَناوُلِ؛ وفي عُمُومِها يَنْدَرِجُ أصْحابُ النازِلَةِ؛ وهَذا عَنِ الفَصاحَةِ والإيجازِ المُضَمَّنِ الماضِيَ والغابِرَ في عِبارَةٍ واحِدَةٍ. والنَجْوى: اَلْمُسارَّةُ؛ مَصْدَرٌ؛ وقَدْ تُسَمّى بِهِ الجَماعَةُ؛ كَما يُقالُ: "قَوْمٌ عَدْلٌ؛ ورِضًا"؛ وتَحْتَمِلُ اللَفْظَةُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ تَكُونَ الجَماعَةَ؛ وأنْ تَكُونَ المَصْدَرَ نَفْسَهُ؛ فَإنْ قَدَّرْناها الجَماعَةَ فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ؛ كَأنَّهُ قالَ: "لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن جَماعاتِهِمُ؛ المُنْفَرِدَةِ؛ المُتَسارَّةِ؛ إلّا مَن..."؛ وإنْ قَدَّرْنا اللَفْظَةَ المَصْدَرَ نَفْسَهُ فَكَأنَّهُ قالَ: "لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن تَناجِيهِمْ"؛ فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ بِحُكْمِ اللَفْظِ؛ ويُقَدَّرُ اتِّصالُهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ كَأنَّهُ قالَ: "إلّا نَجْوى مَن..."؛ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "اَلنَّجْوى كَلامُ الجَماعَةِ المُنْفَرِدَةِ؛ كانَ ذَلِكَ سِرًّا أو جَهْرًا". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "اِنْفِرادُ الجَماعَةِ مِنَ الاسْتِسْرارِ؛ والغَرَضُ المَقْصُودُ أنَّ النَجْوى لَيْسَتْ بِمَقْصُورَةٍ عَلى الهَمْسِ في الأُذُنِ؛ ونَحْوِهِ". (p-٢٣)وَ"اَلْمَعْرُوفُ": لَفْظٌ يَعُمُّ الصَدَقَةَ؛ والإصْلاحَ؛ ولَكِنْ خُصّا بِالذِكْرِ اهْتِمامًا بِهِما؛ إذْ هُما عَظِيما الغَناءِ في مَصالِحِ العِبادِ؛ ثُمَّ وعَدَ تَعالى بِالأجْرِ العَظِيمِ عَلى فِعْلِ هَذِهِ الخَيْراتِ بِنِيَّةٍ وقَصْدٍ لِرِضا اللهِ تَعالى. و"اِبْتِغاءَ"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ والكِسائِيُّ: "فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ"؛ بِالنُونِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ: "يُؤْتِيهِ"؛ بِالياءِ؛ والقِراءَتانِ حَسَنَتانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَسُولَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ لَفْظٌ عامٌّ؛ نَزَلَ بِسَبَبِ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ لِأنَّهُ ارْتَدَّ؛ وسارَ إلى مَكَّةَ؛ فانْدَرَجَ الإنْحاءُ عَلَيْهِ في طَيِّ هَذا العُمُومِ المُتَناوِلِ لِمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِفاتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "ما تَوَلّى"؛﴾ وعِيدٌ بِأنْ يُتْرَكَ مَعَ فاسِدِ اخْتِيارِهِ في تَوَلِّي الطاغُوتِ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يُوَلِّهِ"؛ و"يُصْلِهِ"؛ بِالياءِ فِيهِما. ثُمَّ أوجَبَ تَعالى أنَّهُ لا يَغْفِرُ أنَّ يُشْرَكَ بِهِ؛ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ وما يَتَّصِلُ بِها مِنَ المُعْتَقَدِ؛ والبُعْدُ في صِفَةِ الضَلالِ مُقْتَضٍ بُعْدَ الرُجُوعِ إلى المَحَجَّةِ البَيْضاءِ؛ وتَعَذُّرَهُ؛ وإنْ بَقِيَ غَيْرَ مُسْتَحِيلٍ.

النساء 4:115

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلا مِن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أو مَعْرُوفٍ أو إصْلاحٍ بَيْنَ الناسِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرَكَ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ اَلضَّمِيرُ في ﴿ "نَجْواهُمْ"؛﴾ عائِدٌ عَلى الناسِ أجْمَعَ؛ وجاءَتْ هَذِهِ الآياتُ عامَّةَ التَناوُلِ؛ وفي عُمُومِها يَنْدَرِجُ أصْحابُ النازِلَةِ؛ وهَذا عَنِ الفَصاحَةِ والإيجازِ المُضَمَّنِ الماضِيَ والغابِرَ في عِبارَةٍ واحِدَةٍ. والنَجْوى: اَلْمُسارَّةُ؛ مَصْدَرٌ؛ وقَدْ تُسَمّى بِهِ الجَماعَةُ؛ كَما يُقالُ: "قَوْمٌ عَدْلٌ؛ ورِضًا"؛ وتَحْتَمِلُ اللَفْظَةُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ تَكُونَ الجَماعَةَ؛ وأنْ تَكُونَ المَصْدَرَ نَفْسَهُ؛ فَإنْ قَدَّرْناها الجَماعَةَ فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ؛ كَأنَّهُ قالَ: "لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن جَماعاتِهِمُ؛ المُنْفَرِدَةِ؛ المُتَسارَّةِ؛ إلّا مَن..."؛ وإنْ قَدَّرْنا اللَفْظَةَ المَصْدَرَ نَفْسَهُ فَكَأنَّهُ قالَ: "لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن تَناجِيهِمْ"؛ فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ بِحُكْمِ اللَفْظِ؛ ويُقَدَّرُ اتِّصالُهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ كَأنَّهُ قالَ: "إلّا نَجْوى مَن..."؛ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "اَلنَّجْوى كَلامُ الجَماعَةِ المُنْفَرِدَةِ؛ كانَ ذَلِكَ سِرًّا أو جَهْرًا". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "اِنْفِرادُ الجَماعَةِ مِنَ الاسْتِسْرارِ؛ والغَرَضُ المَقْصُودُ أنَّ النَجْوى لَيْسَتْ بِمَقْصُورَةٍ عَلى الهَمْسِ في الأُذُنِ؛ ونَحْوِهِ". (p-٢٣)وَ"اَلْمَعْرُوفُ": لَفْظٌ يَعُمُّ الصَدَقَةَ؛ والإصْلاحَ؛ ولَكِنْ خُصّا بِالذِكْرِ اهْتِمامًا بِهِما؛ إذْ هُما عَظِيما الغَناءِ في مَصالِحِ العِبادِ؛ ثُمَّ وعَدَ تَعالى بِالأجْرِ العَظِيمِ عَلى فِعْلِ هَذِهِ الخَيْراتِ بِنِيَّةٍ وقَصْدٍ لِرِضا اللهِ تَعالى. و"اِبْتِغاءَ"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ والكِسائِيُّ: "فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ"؛ بِالنُونِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ: "يُؤْتِيهِ"؛ بِالياءِ؛ والقِراءَتانِ حَسَنَتانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَسُولَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ لَفْظٌ عامٌّ؛ نَزَلَ بِسَبَبِ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ لِأنَّهُ ارْتَدَّ؛ وسارَ إلى مَكَّةَ؛ فانْدَرَجَ الإنْحاءُ عَلَيْهِ في طَيِّ هَذا العُمُومِ المُتَناوِلِ لِمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِفاتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "ما تَوَلّى"؛﴾ وعِيدٌ بِأنْ يُتْرَكَ مَعَ فاسِدِ اخْتِيارِهِ في تَوَلِّي الطاغُوتِ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يُوَلِّهِ"؛ و"يُصْلِهِ"؛ بِالياءِ فِيهِما. ثُمَّ أوجَبَ تَعالى أنَّهُ لا يَغْفِرُ أنَّ يُشْرَكَ بِهِ؛ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ وما يَتَّصِلُ بِها مِنَ المُعْتَقَدِ؛ والبُعْدُ في صِفَةِ الضَلالِ مُقْتَضٍ بُعْدَ الرُجُوعِ إلى المَحَجَّةِ البَيْضاءِ؛ وتَعَذُّرَهُ؛ وإنْ بَقِيَ غَيْرَ مُسْتَحِيلٍ.

النساء 4:116

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلا مِن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أو مَعْرُوفٍ أو إصْلاحٍ بَيْنَ الناسِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرَكَ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ اَلضَّمِيرُ في ﴿ "نَجْواهُمْ"؛﴾ عائِدٌ عَلى الناسِ أجْمَعَ؛ وجاءَتْ هَذِهِ الآياتُ عامَّةَ التَناوُلِ؛ وفي عُمُومِها يَنْدَرِجُ أصْحابُ النازِلَةِ؛ وهَذا عَنِ الفَصاحَةِ والإيجازِ المُضَمَّنِ الماضِيَ والغابِرَ في عِبارَةٍ واحِدَةٍ. والنَجْوى: اَلْمُسارَّةُ؛ مَصْدَرٌ؛ وقَدْ تُسَمّى بِهِ الجَماعَةُ؛ كَما يُقالُ: "قَوْمٌ عَدْلٌ؛ ورِضًا"؛ وتَحْتَمِلُ اللَفْظَةُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ تَكُونَ الجَماعَةَ؛ وأنْ تَكُونَ المَصْدَرَ نَفْسَهُ؛ فَإنْ قَدَّرْناها الجَماعَةَ فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ؛ كَأنَّهُ قالَ: "لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن جَماعاتِهِمُ؛ المُنْفَرِدَةِ؛ المُتَسارَّةِ؛ إلّا مَن..."؛ وإنْ قَدَّرْنا اللَفْظَةَ المَصْدَرَ نَفْسَهُ فَكَأنَّهُ قالَ: "لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن تَناجِيهِمْ"؛ فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ بِحُكْمِ اللَفْظِ؛ ويُقَدَّرُ اتِّصالُهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ كَأنَّهُ قالَ: "إلّا نَجْوى مَن..."؛ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "اَلنَّجْوى كَلامُ الجَماعَةِ المُنْفَرِدَةِ؛ كانَ ذَلِكَ سِرًّا أو جَهْرًا". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "اِنْفِرادُ الجَماعَةِ مِنَ الاسْتِسْرارِ؛ والغَرَضُ المَقْصُودُ أنَّ النَجْوى لَيْسَتْ بِمَقْصُورَةٍ عَلى الهَمْسِ في الأُذُنِ؛ ونَحْوِهِ". (p-٢٣)وَ"اَلْمَعْرُوفُ": لَفْظٌ يَعُمُّ الصَدَقَةَ؛ والإصْلاحَ؛ ولَكِنْ خُصّا بِالذِكْرِ اهْتِمامًا بِهِما؛ إذْ هُما عَظِيما الغَناءِ في مَصالِحِ العِبادِ؛ ثُمَّ وعَدَ تَعالى بِالأجْرِ العَظِيمِ عَلى فِعْلِ هَذِهِ الخَيْراتِ بِنِيَّةٍ وقَصْدٍ لِرِضا اللهِ تَعالى. و"اِبْتِغاءَ"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ والكِسائِيُّ: "فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ"؛ بِالنُونِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ: "يُؤْتِيهِ"؛ بِالياءِ؛ والقِراءَتانِ حَسَنَتانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَسُولَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ لَفْظٌ عامٌّ؛ نَزَلَ بِسَبَبِ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ لِأنَّهُ ارْتَدَّ؛ وسارَ إلى مَكَّةَ؛ فانْدَرَجَ الإنْحاءُ عَلَيْهِ في طَيِّ هَذا العُمُومِ المُتَناوِلِ لِمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِفاتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "ما تَوَلّى"؛﴾ وعِيدٌ بِأنْ يُتْرَكَ مَعَ فاسِدِ اخْتِيارِهِ في تَوَلِّي الطاغُوتِ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يُوَلِّهِ"؛ و"يُصْلِهِ"؛ بِالياءِ فِيهِما. ثُمَّ أوجَبَ تَعالى أنَّهُ لا يَغْفِرُ أنَّ يُشْرَكَ بِهِ؛ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ وما يَتَّصِلُ بِها مِنَ المُعْتَقَدِ؛ والبُعْدُ في صِفَةِ الضَلالِ مُقْتَضٍ بُعْدَ الرُجُوعِ إلى المَحَجَّةِ البَيْضاءِ؛ وتَعَذُّرَهُ؛ وإنْ بَقِيَ غَيْرَ مُسْتَحِيلٍ.

النساء 4:117

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ ﴿لَعَنَهُ اللهُ وقالَ لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ اَلضَّمِيرُ في ﴿ "يَدْعُونَ"﴾ عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الكَفَرَةِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَسُولَ﴾ [النساء: ١١٥] ؛ و﴿ "إنْ"﴾ نافِيَةٌ بِمَعْنى (ما)؛ و﴿ "يَدْعُونَ"؛﴾ عِبارَةٌ مُغْنِيَةٌ مُوجَزَةٌ في مَعْنى "يَعْبُدُونَ"؛ و"يَتَّخِذُونَ آلِهَةً"؛ وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: "إنْ تَدْعُونَ"؛ بِالتاءِ؛ فَقالَ أبُو مالِكٍ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُما: "ذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تُسَمِّي أصْنامَها بِأسْماءٍ مُؤَنَّثَةٍ؛ كاللاتِ؛ والعُزّى؛ ومَناةَ؛ ونائِلَةَ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ -: "وَيَرُدُّ عَلى هَذا أنَّها كانَتْ تُسَمّى بِأسْماءٍ مُذَكَّرَةٍ كَثِيرَةٍ"؛ وقالَ الضَحّاكُ وغَيْرُهُ: "اَلْمُرادُ ما كانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُهُ مِن تَأْنِيثِ المَلائِكَةِ؛ وعِبادَتِهِمْ إيّاها؛ فَقِيلَ لَهم هَذا عَلى (p-٢٤)جِهَةِ إقامَةِ الحُجَّةِ مِن فاسِدِ قَوْلِهِمْ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والحَسَنُ ؛ وقَتادَةُ: "اَلْمُرادُ الخَشَبُ والحِجارَةُ؛ وهي مُؤَنَّثاتٌ لا تَعْقِلُ؛ فَيُخْبِرُ عنها كَما يُخْبِرُ عَنِ المُؤَنَّثِ مِنَ الأشْياءِ؛ فَيَجِيءُ قَوْلُهُ: "إلّا إناثًا"؛ عِبارَةً عَنِ الجَماداتِ"؛ وقِيلَ: "إنَّما هَذا لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تُسَمِّي الصَنَمَ أُنْثى؛ فَتَقُولُ: أُنْثى بَنِي فُلانٍ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَهَذا عَلى اخْتِلافِهِ يَقْضِي بِتَعْيِيرِهِمْ بِالتَأْنِيثِ؛ وأنَّ التَأْنِيثَ نَقْصٌ؛ وخَساسَةٌ؛ بِالإضافَةِ إلى التَذْكِيرِ"؛ وقِيلَ: "مَعْنى "إناثًا": أوثانًا"؛ وفي مُصْحَفِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها -: "إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا أوثانًا"؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى عنهُ أبُو صالِحٍ: "إلّا أنَثًا"؛ يُرِيدُ: "وَثَنًا"؛ فَأبْدَلَ الهَمْزَةَ واوًا؛ وهو جَمْعُ جَمْعٍ؛ عَلى ما حَكى بَعْضُ الناسِ؛ كَأنَّهُ جَمَعَ "وَثَنًا" عَلى "وِثانٌ"؛ كَـ "جَمَلٌ"؛ و"جِمالٌ"؛ ثُمَّ جَمَعَ "وِثانًا" عَلى "وُثُنٌ"؛ كَـ "رِهانٌ"؛ و"رُهُنٌ"؛ وكَـ "مِثالٌ"؛ و"مُثُلٌ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ "فِعالًا" في جَمْعِ "فَعَلٌ" إنَّما هو لِلتَّكْثِيرِ؛ والجَمْعُ الَّذِي هو لِلتَّكْثِيرِ لا يُجْمَعُ؛ وإنَّما تُجْمَعُ جُمُوعُ التَقْلِيلِ؛ والصَوابُ أنْ تَقُولَ: "وُثُنٌ" جَمْعُ "وَثَنٌ"؛ دُونَ واسِطَةٍ؛ كَـ "أُسُدٌ"؛ و"أسَدٌ"؛ قالَ أبُو عَمْرٍو: "وَبِهَذا قَرَأ ابْنُ عُمَرَ ؛ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ؛ ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ ؛ وعَطاءٌ "؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "إلّا وثَنًا"؛ بِفَتْحِ الواوِ والثاءِ؛ عَلى إفْرادِ اسْمِ الجِنْسِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "وُثُنًا"؛ بِضَمِّ الواوِ والثاءِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إلّا وثْنًا"؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إلّا أثْنًا"؛ بِسُكُونِ الثاءِ؛ «وَقَرَأ النَبِيُّ - ﷺ -: "إلّا أُنُثًا"؛ بِتَقْدِيمِ النُونِ؛» وهو جَمْعُ "أنِيثٌ"؛ كَـ "غَدِيرٌ"؛ و"غُدُرٌ"؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ جَمْعُ "إناثٌ"؛ كَـ "ثِمارٌ"؛ و"ثُمُرٌ"؛ وحَكى هَذِهِ القِراءَةَ عَنِ النَبِيِّ - ﷺ - أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ ؛ قالَ: "وَقَرَأ بِها ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأبُو حَيْوَةَ؛ والحَسَنُ ". واخْتُلِفَ في المَعْنِيِّ بِالشَيْطانِ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "هُوَ الشَيْطانُ المُقْتَرِنُ بِكُلِّ صَنَمٍ؛ فَكَأنَّهُ مُوَحَّدٌ بِاللَفْظِ؛ جَمْعٌ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ الواحِدَ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ"؛ وقالَ الجُمْهُورُ: "اَلْمُرادُ: إبْلِيسُ"؛ وهَذا هو الصَوابُ؛ لِأنَّ سائِرَ المَقالَةِ بِهِ تَلِيقُ؛ و"مَرِيدًا"؛ مَعْناهُ: عاتِيًا؛ صَلِيبًا في غَوايَتِهِ؛ وهو "فَعِيلٌ"؛ مِن "مَرَدَ"؛ إذا عَتا؛ وغَلا في انْحِرافِهِ؛ وتَجَرَّدَ لِلشَّرِّ؛ والغَوايَةِ. (p-٢٥)وَأصْلُ اللَعْنِ: اَلْإبْعادُ؛ وهو في العُرْفِ: إبْعادٌ مُقْتَرِنٌ بِسُخْطٍ؛ وغَضَبٍ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "لَعَنَهُ"؛ صِفَةَ الشَيْطانِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عنهُ؛ والمَعْنى يَتَقارَبُ عَلى الوَجْهَيْنِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ لأتَّخِذَنَّ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ اَلتَّقْدِيرُ: "وَقالَ الشَيْطانُ"؛ والمَعْنى: "لَأسْتَخْلِصَنَّهم لِغَوايَتِي؛ ولَأخُصَّنَّهم بِإضْلالِي"؛ وهُمُ الكَفَرَةُ؛ والعُصاةُ. و"اَلْمَفْرُوضُ" مَعْناهُ في هَذا المَوْضِعِ: اَلْمُنْحازُ؛ وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الفَرْضِ؛ وهو الحَزُّ في العُودِ؛ وغَيْرِهِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "واجِبًا أنْ أتَّخِذَهُ"؛ وبَعْثُ النارِ هو نَصِيبُ إبْلِيسَ.

النساء 4:118

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ ﴿لَعَنَهُ اللهُ وقالَ لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ اَلضَّمِيرُ في ﴿ "يَدْعُونَ"﴾ عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الكَفَرَةِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَسُولَ﴾ [النساء: ١١٥] ؛ و﴿ "إنْ"﴾ نافِيَةٌ بِمَعْنى (ما)؛ و﴿ "يَدْعُونَ"؛﴾ عِبارَةٌ مُغْنِيَةٌ مُوجَزَةٌ في مَعْنى "يَعْبُدُونَ"؛ و"يَتَّخِذُونَ آلِهَةً"؛ وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: "إنْ تَدْعُونَ"؛ بِالتاءِ؛ فَقالَ أبُو مالِكٍ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُما: "ذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تُسَمِّي أصْنامَها بِأسْماءٍ مُؤَنَّثَةٍ؛ كاللاتِ؛ والعُزّى؛ ومَناةَ؛ ونائِلَةَ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ -: "وَيَرُدُّ عَلى هَذا أنَّها كانَتْ تُسَمّى بِأسْماءٍ مُذَكَّرَةٍ كَثِيرَةٍ"؛ وقالَ الضَحّاكُ وغَيْرُهُ: "اَلْمُرادُ ما كانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُهُ مِن تَأْنِيثِ المَلائِكَةِ؛ وعِبادَتِهِمْ إيّاها؛ فَقِيلَ لَهم هَذا عَلى (p-٢٤)جِهَةِ إقامَةِ الحُجَّةِ مِن فاسِدِ قَوْلِهِمْ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والحَسَنُ ؛ وقَتادَةُ: "اَلْمُرادُ الخَشَبُ والحِجارَةُ؛ وهي مُؤَنَّثاتٌ لا تَعْقِلُ؛ فَيُخْبِرُ عنها كَما يُخْبِرُ عَنِ المُؤَنَّثِ مِنَ الأشْياءِ؛ فَيَجِيءُ قَوْلُهُ: "إلّا إناثًا"؛ عِبارَةً عَنِ الجَماداتِ"؛ وقِيلَ: "إنَّما هَذا لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تُسَمِّي الصَنَمَ أُنْثى؛ فَتَقُولُ: أُنْثى بَنِي فُلانٍ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَهَذا عَلى اخْتِلافِهِ يَقْضِي بِتَعْيِيرِهِمْ بِالتَأْنِيثِ؛ وأنَّ التَأْنِيثَ نَقْصٌ؛ وخَساسَةٌ؛ بِالإضافَةِ إلى التَذْكِيرِ"؛ وقِيلَ: "مَعْنى "إناثًا": أوثانًا"؛ وفي مُصْحَفِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها -: "إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا أوثانًا"؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى عنهُ أبُو صالِحٍ: "إلّا أنَثًا"؛ يُرِيدُ: "وَثَنًا"؛ فَأبْدَلَ الهَمْزَةَ واوًا؛ وهو جَمْعُ جَمْعٍ؛ عَلى ما حَكى بَعْضُ الناسِ؛ كَأنَّهُ جَمَعَ "وَثَنًا" عَلى "وِثانٌ"؛ كَـ "جَمَلٌ"؛ و"جِمالٌ"؛ ثُمَّ جَمَعَ "وِثانًا" عَلى "وُثُنٌ"؛ كَـ "رِهانٌ"؛ و"رُهُنٌ"؛ وكَـ "مِثالٌ"؛ و"مُثُلٌ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ "فِعالًا" في جَمْعِ "فَعَلٌ" إنَّما هو لِلتَّكْثِيرِ؛ والجَمْعُ الَّذِي هو لِلتَّكْثِيرِ لا يُجْمَعُ؛ وإنَّما تُجْمَعُ جُمُوعُ التَقْلِيلِ؛ والصَوابُ أنْ تَقُولَ: "وُثُنٌ" جَمْعُ "وَثَنٌ"؛ دُونَ واسِطَةٍ؛ كَـ "أُسُدٌ"؛ و"أسَدٌ"؛ قالَ أبُو عَمْرٍو: "وَبِهَذا قَرَأ ابْنُ عُمَرَ ؛ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ؛ ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ ؛ وعَطاءٌ "؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "إلّا وثَنًا"؛ بِفَتْحِ الواوِ والثاءِ؛ عَلى إفْرادِ اسْمِ الجِنْسِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "وُثُنًا"؛ بِضَمِّ الواوِ والثاءِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إلّا وثْنًا"؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إلّا أثْنًا"؛ بِسُكُونِ الثاءِ؛ «وَقَرَأ النَبِيُّ - ﷺ -: "إلّا أُنُثًا"؛ بِتَقْدِيمِ النُونِ؛» وهو جَمْعُ "أنِيثٌ"؛ كَـ "غَدِيرٌ"؛ و"غُدُرٌ"؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ جَمْعُ "إناثٌ"؛ كَـ "ثِمارٌ"؛ و"ثُمُرٌ"؛ وحَكى هَذِهِ القِراءَةَ عَنِ النَبِيِّ - ﷺ - أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ ؛ قالَ: "وَقَرَأ بِها ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأبُو حَيْوَةَ؛ والحَسَنُ ". واخْتُلِفَ في المَعْنِيِّ بِالشَيْطانِ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "هُوَ الشَيْطانُ المُقْتَرِنُ بِكُلِّ صَنَمٍ؛ فَكَأنَّهُ مُوَحَّدٌ بِاللَفْظِ؛ جَمْعٌ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ الواحِدَ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ"؛ وقالَ الجُمْهُورُ: "اَلْمُرادُ: إبْلِيسُ"؛ وهَذا هو الصَوابُ؛ لِأنَّ سائِرَ المَقالَةِ بِهِ تَلِيقُ؛ و"مَرِيدًا"؛ مَعْناهُ: عاتِيًا؛ صَلِيبًا في غَوايَتِهِ؛ وهو "فَعِيلٌ"؛ مِن "مَرَدَ"؛ إذا عَتا؛ وغَلا في انْحِرافِهِ؛ وتَجَرَّدَ لِلشَّرِّ؛ والغَوايَةِ. (p-٢٥)وَأصْلُ اللَعْنِ: اَلْإبْعادُ؛ وهو في العُرْفِ: إبْعادٌ مُقْتَرِنٌ بِسُخْطٍ؛ وغَضَبٍ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "لَعَنَهُ"؛ صِفَةَ الشَيْطانِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عنهُ؛ والمَعْنى يَتَقارَبُ عَلى الوَجْهَيْنِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ لأتَّخِذَنَّ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ اَلتَّقْدِيرُ: "وَقالَ الشَيْطانُ"؛ والمَعْنى: "لَأسْتَخْلِصَنَّهم لِغَوايَتِي؛ ولَأخُصَّنَّهم بِإضْلالِي"؛ وهُمُ الكَفَرَةُ؛ والعُصاةُ. و"اَلْمَفْرُوضُ" مَعْناهُ في هَذا المَوْضِعِ: اَلْمُنْحازُ؛ وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الفَرْضِ؛ وهو الحَزُّ في العُودِ؛ وغَيْرِهِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "واجِبًا أنْ أتَّخِذَهُ"؛ وبَعْثُ النارِ هو نَصِيبُ إبْلِيسَ.

النساء 4:119

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلأُضِلَّنَّهم ولأُمَنِّيَنَّهم ولآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ ومَن يَتَّخِذِ الشَيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهم الشَيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عنها مَحِيصًا﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وعْدَ اللهِ حَقًّا ومَن أصْدَقُ مِن اللهِ قِيلا﴾ قَوْلُهُ: ﴿ "وَلأُضِلَّنَّهُمْ"؛﴾ مَعْناهُ: أصْرِفُهم عن طَرِيقِ الهُدى؛ و"لَأُمَنِّيَنَّهُمْ"؛ لَأُسَوِّلَنَّ لَهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا لا يَنْحَصِرُ إلى نَوْعٍ واحِدٍ مِنَ الأُمْنِيَّةِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ في نَفْسِهِ إنَّما تَمَنِّيهِ بِقَدْرِ نِسْبَتِهِ؛ وقَرائِنِ حالِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "إنَّ الشَيْطانَ يَقُولُ لِمَن يَرْكَبُ ولا يَذْكُرُ اللهَ: تَغَنَّ؛ فَإنْ لَمْ يُحْسِنْ قالَ لَهُ: تَمَنَّ"؛» واللاماتُ كُلُّها لِلْقَسَمِ. (p-٢٦)والبَتْكُ: اَلْقَطْعُ؛ وكَثَّرَ الفِعْلَ إذِ القَطْعُ كَثِيرٌ؛ عَلى أنْحاءَ مُخْتَلِفَةٍ؛ وإنَّما كَنّى - عَزَّ وجَلَّ - عَنِ البَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ ونَحْوِهِ؛ مِمّا كانُوا يُثْبِتُونَ فِيهِ حُكْمًا بِسَبَبِ آلِهَتِهِمْ؛ وبِغَيْرِ ذَلِكَ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: "وَلامُرَنَّهُمْ"؛ بِغَيْرِ ألِفٍ؛ وقَرَأ أُبَيٌّ: "وَأُضِلُّهم وأُمَنِّيهِمْ وآمُرُهُمْ". واخْتُلِفَ في مَعْنى تَغْيِيرِ خَلْقِ اللهِ ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وإبْراهِيمُ؛ ومُجاهِدٌ ؛ والحَسَنُ ؛ وقَتادَةُ ؛ وغَيْرُهُمْ: "أرادَ: يُغَيِّرُونَ دِينَ اللهِ"؛ وذَهَبُوا في ذَلِكَ إلى الِاحْتِجاجِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ [الروم: ٣٠] ؛ أيْ: لِدِينِ اللهِ؛ والتَبْدِيلُ يَقَعُ مَوْضِعَهُ التَغْيِيرُ؛ وإنْ كانَ التَغْيِيرُ أعَمَّ مِنهُ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "تَغْيِيرُ خَلْقِ اللهِ هو أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ الشَمْسَ؛ والنَهارَ؛ والحِجارَةَ؛ وغَيْرَها مِنَ المَخْلُوقاتِ؛ لِيُعْتَبَرَ بِها؛ ويُنْتَفَعَ بِها؛ فَغَيَّرَها الكُفّارُ بِأنْ جَعَلُوها آلِهَةً مَعْبُودَةً"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ وأنَسٌ ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ وأبُو صالِحٍ: "مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللهِ الإخْصاءُ؛ والآيَةُ إشارَةٌ إلى إخْصاءِ البَهائِمِ؛ وما شاكَلَهُ؛ فَهي عِنْدَهم أشْياءُ مَمْنُوعَةٌ"؛ ورَخَّصَ في إخْصاءِ البَهائِمِ جَماعَةٌ؛ إذا قُصِدَتْ بِهِ المَنفَعَةُ؛ إمّا السِمَنُ؛ أو غَيْرُهُ؛ وخَصَّها عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ في الخَيْلِ؛ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والحَسَنُ: هي إشارَةٌ إلى الوَشْمِ؛ وما جَرى مُجْراهُ مِنَ التَصَنُّعِ لِلْحُسْنِ؛ فَمِن ذَلِكَ الحَدِيثُ: « "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الواشِماتِ والمَوْشُوماتِ؛ والمُتَنَمِّصاتِ؛ والمُتَفَلِّجاتِ؛ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللهِ"؛» ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "لَعَنَ اللهُ الواصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ".» ومِلاكُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ (p-٢٧)أنَّ كُلَّ تَغْيِيرٍ ضارٍّ فَهو في الآيَةِ؛ وكُلَّ تَغْيِيرٍ نافِعٍ فَهو مُباحٌ. ولَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى عُتُوَّ الشَيْطانِ؛ وما تَوَعَّدَ بِهِ مِن بَثِّ مَكْرِهِ؛ حَذَّرَهُ - تَبارَكَ وتَعالى - عِبادَهُ؛ بِأنْ شَرَطَ لِمَن يَتَّخِذُهُ ولِيًّا جَزاءَ الخُسْرانِ؛ وتَصَوُّرُ الخُسْرانِ إنَّما هو بِأنْ أخَذَ هَذا المُتَّخِذُ حَظَّ الشَيْطانِ؛ فَكَأنَّهُ أُعْطِيَ حَظَّ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى - فِيهِ؛ وتَرَكَهُ مِن أجْلِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ﴾ ؛ يَعِدُهم بِأباطِيلِهِ؛ مِنَ المالِ؛ والجاهِ؛ وأنْ لا بَعْثَ؛ ولا عِقابَ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ لِكُلِّ أحَدٍ ما يَلِيقُ بِحالِهِ؛ ويُمَنِّيهِمْ كَذَلِكَ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ تَعالى الخَبَرَ عن حَقِيقَةِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَيْطانُ إلا غُرُورًا﴾. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِمَصِيرِ المُتَّخِذِينَ الشَيْطانَ ولِيًّا؛ وتَوَعَّدَهم بِأنَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ؛ ولا يُدافِعُونَها بِحِيلَةٍ؛ ولا يَعْدِلُونَ عنها؛ ولا يَنْحَرِفُونَ؛ ولا يَتَرَوَّغُونَ؛ و"اَلْمَحِيصُ": "مَفْعُولٌ" مِن "حاصَ"؛ إذا راغَ؛ ونَفَرَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ولَمْ أدْرِ إنْ حِصْنا مِنَ المَوْتِ حَيْصَةً ∗∗∗ كَمِ العُمْرُ باقٍ والمَدى مُتَطاوِلُ ومِنهُ الحَدِيثُ: « "فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إلى الأبْوابِ"؛» و"جاضَ" (بِالجِيمِ والضادِ المَنقُوطَةِ)؛ إذا راغَ بِنُفُورٍ؛ ولُغَةُ القُرْآنِ الحاءُ والصادُ؛ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ. ولَمّا أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الشَيْطانَ ولِيًّا؛ وأعْلَمَ بِغُرُورِ وعْدِ الشَيْطانِ لَهُمْ؛ وأعْلَمَ بِصُيُورِ أمْرِهِمْ؛ وأنَّهُ إلى جَهَنَّمَ؛ فاقْتَضى ذَلِكَ كُلُّهُ التَحْذِيرَ؛ أعْقَبَ ذَلِكَ - عَزَّ وجَلَّ - بِالتَرْغِيبِ في ذِكْرِهِ حالَةَ المُؤْمِنِينَ؛ وأعْلَمَ بِصُيُورِ أمْرِهِمْ؛ (p-٢٨)وَأنَّهُ إلى النَعِيمِ المُقِيمِ؛ وأعْلَمُ بِصِحَّةِ وعْدِهِ تَعالى لَهُمْ؛ ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بِالتَوْقِيفِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَمَن أصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلا﴾ ؛ و"اَلْقِيلُ"؛ و"اَلْقَوْلُ"؛ واحِدٌ؛ ونَصْبُهُ عَلى التَمْيِيزِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَنُدْخِلُهُمْ"؛ بِالنُونِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَيُدْخِلُهُمْ"؛ بِالياءِ؛ و"وَعْدَ اللهِ"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ و"حَقًّا" مَصْدَرٌ أيْضًا؛ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ.

النساء 4:120

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلأُضِلَّنَّهم ولأُمَنِّيَنَّهم ولآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ ومَن يَتَّخِذِ الشَيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهم الشَيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عنها مَحِيصًا﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وعْدَ اللهِ حَقًّا ومَن أصْدَقُ مِن اللهِ قِيلا﴾ قَوْلُهُ: ﴿ "وَلأُضِلَّنَّهُمْ"؛﴾ مَعْناهُ: أصْرِفُهم عن طَرِيقِ الهُدى؛ و"لَأُمَنِّيَنَّهُمْ"؛ لَأُسَوِّلَنَّ لَهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا لا يَنْحَصِرُ إلى نَوْعٍ واحِدٍ مِنَ الأُمْنِيَّةِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ في نَفْسِهِ إنَّما تَمَنِّيهِ بِقَدْرِ نِسْبَتِهِ؛ وقَرائِنِ حالِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "إنَّ الشَيْطانَ يَقُولُ لِمَن يَرْكَبُ ولا يَذْكُرُ اللهَ: تَغَنَّ؛ فَإنْ لَمْ يُحْسِنْ قالَ لَهُ: تَمَنَّ"؛» واللاماتُ كُلُّها لِلْقَسَمِ. (p-٢٦)والبَتْكُ: اَلْقَطْعُ؛ وكَثَّرَ الفِعْلَ إذِ القَطْعُ كَثِيرٌ؛ عَلى أنْحاءَ مُخْتَلِفَةٍ؛ وإنَّما كَنّى - عَزَّ وجَلَّ - عَنِ البَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ ونَحْوِهِ؛ مِمّا كانُوا يُثْبِتُونَ فِيهِ حُكْمًا بِسَبَبِ آلِهَتِهِمْ؛ وبِغَيْرِ ذَلِكَ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: "وَلامُرَنَّهُمْ"؛ بِغَيْرِ ألِفٍ؛ وقَرَأ أُبَيٌّ: "وَأُضِلُّهم وأُمَنِّيهِمْ وآمُرُهُمْ". واخْتُلِفَ في مَعْنى تَغْيِيرِ خَلْقِ اللهِ ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وإبْراهِيمُ؛ ومُجاهِدٌ ؛ والحَسَنُ ؛ وقَتادَةُ ؛ وغَيْرُهُمْ: "أرادَ: يُغَيِّرُونَ دِينَ اللهِ"؛ وذَهَبُوا في ذَلِكَ إلى الِاحْتِجاجِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ [الروم: ٣٠] ؛ أيْ: لِدِينِ اللهِ؛ والتَبْدِيلُ يَقَعُ مَوْضِعَهُ التَغْيِيرُ؛ وإنْ كانَ التَغْيِيرُ أعَمَّ مِنهُ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "تَغْيِيرُ خَلْقِ اللهِ هو أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ الشَمْسَ؛ والنَهارَ؛ والحِجارَةَ؛ وغَيْرَها مِنَ المَخْلُوقاتِ؛ لِيُعْتَبَرَ بِها؛ ويُنْتَفَعَ بِها؛ فَغَيَّرَها الكُفّارُ بِأنْ جَعَلُوها آلِهَةً مَعْبُودَةً"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ وأنَسٌ ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ وأبُو صالِحٍ: "مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللهِ الإخْصاءُ؛ والآيَةُ إشارَةٌ إلى إخْصاءِ البَهائِمِ؛ وما شاكَلَهُ؛ فَهي عِنْدَهم أشْياءُ مَمْنُوعَةٌ"؛ ورَخَّصَ في إخْصاءِ البَهائِمِ جَماعَةٌ؛ إذا قُصِدَتْ بِهِ المَنفَعَةُ؛ إمّا السِمَنُ؛ أو غَيْرُهُ؛ وخَصَّها عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ في الخَيْلِ؛ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والحَسَنُ: هي إشارَةٌ إلى الوَشْمِ؛ وما جَرى مُجْراهُ مِنَ التَصَنُّعِ لِلْحُسْنِ؛ فَمِن ذَلِكَ الحَدِيثُ: « "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الواشِماتِ والمَوْشُوماتِ؛ والمُتَنَمِّصاتِ؛ والمُتَفَلِّجاتِ؛ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللهِ"؛» ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "لَعَنَ اللهُ الواصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ".» ومِلاكُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ (p-٢٧)أنَّ كُلَّ تَغْيِيرٍ ضارٍّ فَهو في الآيَةِ؛ وكُلَّ تَغْيِيرٍ نافِعٍ فَهو مُباحٌ. ولَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى عُتُوَّ الشَيْطانِ؛ وما تَوَعَّدَ بِهِ مِن بَثِّ مَكْرِهِ؛ حَذَّرَهُ - تَبارَكَ وتَعالى - عِبادَهُ؛ بِأنْ شَرَطَ لِمَن يَتَّخِذُهُ ولِيًّا جَزاءَ الخُسْرانِ؛ وتَصَوُّرُ الخُسْرانِ إنَّما هو بِأنْ أخَذَ هَذا المُتَّخِذُ حَظَّ الشَيْطانِ؛ فَكَأنَّهُ أُعْطِيَ حَظَّ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى - فِيهِ؛ وتَرَكَهُ مِن أجْلِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ﴾ ؛ يَعِدُهم بِأباطِيلِهِ؛ مِنَ المالِ؛ والجاهِ؛ وأنْ لا بَعْثَ؛ ولا عِقابَ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ لِكُلِّ أحَدٍ ما يَلِيقُ بِحالِهِ؛ ويُمَنِّيهِمْ كَذَلِكَ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ تَعالى الخَبَرَ عن حَقِيقَةِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَيْطانُ إلا غُرُورًا﴾. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِمَصِيرِ المُتَّخِذِينَ الشَيْطانَ ولِيًّا؛ وتَوَعَّدَهم بِأنَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ؛ ولا يُدافِعُونَها بِحِيلَةٍ؛ ولا يَعْدِلُونَ عنها؛ ولا يَنْحَرِفُونَ؛ ولا يَتَرَوَّغُونَ؛ و"اَلْمَحِيصُ": "مَفْعُولٌ" مِن "حاصَ"؛ إذا راغَ؛ ونَفَرَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ولَمْ أدْرِ إنْ حِصْنا مِنَ المَوْتِ حَيْصَةً ∗∗∗ كَمِ العُمْرُ باقٍ والمَدى مُتَطاوِلُ ومِنهُ الحَدِيثُ: « "فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إلى الأبْوابِ"؛» و"جاضَ" (بِالجِيمِ والضادِ المَنقُوطَةِ)؛ إذا راغَ بِنُفُورٍ؛ ولُغَةُ القُرْآنِ الحاءُ والصادُ؛ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ. ولَمّا أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الشَيْطانَ ولِيًّا؛ وأعْلَمَ بِغُرُورِ وعْدِ الشَيْطانِ لَهُمْ؛ وأعْلَمَ بِصُيُورِ أمْرِهِمْ؛ وأنَّهُ إلى جَهَنَّمَ؛ فاقْتَضى ذَلِكَ كُلُّهُ التَحْذِيرَ؛ أعْقَبَ ذَلِكَ - عَزَّ وجَلَّ - بِالتَرْغِيبِ في ذِكْرِهِ حالَةَ المُؤْمِنِينَ؛ وأعْلَمَ بِصُيُورِ أمْرِهِمْ؛ (p-٢٨)وَأنَّهُ إلى النَعِيمِ المُقِيمِ؛ وأعْلَمُ بِصِحَّةِ وعْدِهِ تَعالى لَهُمْ؛ ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بِالتَوْقِيفِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَمَن أصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلا﴾ ؛ و"اَلْقِيلُ"؛ و"اَلْقَوْلُ"؛ واحِدٌ؛ ونَصْبُهُ عَلى التَمْيِيزِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَنُدْخِلُهُمْ"؛ بِالنُونِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَيُدْخِلُهُمْ"؛ بِالياءِ؛ و"وَعْدَ اللهِ"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ و"حَقًّا" مَصْدَرٌ أيْضًا؛ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ.

النساء 4:121

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلأُضِلَّنَّهم ولأُمَنِّيَنَّهم ولآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ ومَن يَتَّخِذِ الشَيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهم الشَيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عنها مَحِيصًا﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وعْدَ اللهِ حَقًّا ومَن أصْدَقُ مِن اللهِ قِيلا﴾ قَوْلُهُ: ﴿ "وَلأُضِلَّنَّهُمْ"؛﴾ مَعْناهُ: أصْرِفُهم عن طَرِيقِ الهُدى؛ و"لَأُمَنِّيَنَّهُمْ"؛ لَأُسَوِّلَنَّ لَهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا لا يَنْحَصِرُ إلى نَوْعٍ واحِدٍ مِنَ الأُمْنِيَّةِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ في نَفْسِهِ إنَّما تَمَنِّيهِ بِقَدْرِ نِسْبَتِهِ؛ وقَرائِنِ حالِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "إنَّ الشَيْطانَ يَقُولُ لِمَن يَرْكَبُ ولا يَذْكُرُ اللهَ: تَغَنَّ؛ فَإنْ لَمْ يُحْسِنْ قالَ لَهُ: تَمَنَّ"؛» واللاماتُ كُلُّها لِلْقَسَمِ. (p-٢٦)والبَتْكُ: اَلْقَطْعُ؛ وكَثَّرَ الفِعْلَ إذِ القَطْعُ كَثِيرٌ؛ عَلى أنْحاءَ مُخْتَلِفَةٍ؛ وإنَّما كَنّى - عَزَّ وجَلَّ - عَنِ البَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ ونَحْوِهِ؛ مِمّا كانُوا يُثْبِتُونَ فِيهِ حُكْمًا بِسَبَبِ آلِهَتِهِمْ؛ وبِغَيْرِ ذَلِكَ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: "وَلامُرَنَّهُمْ"؛ بِغَيْرِ ألِفٍ؛ وقَرَأ أُبَيٌّ: "وَأُضِلُّهم وأُمَنِّيهِمْ وآمُرُهُمْ". واخْتُلِفَ في مَعْنى تَغْيِيرِ خَلْقِ اللهِ ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وإبْراهِيمُ؛ ومُجاهِدٌ ؛ والحَسَنُ ؛ وقَتادَةُ ؛ وغَيْرُهُمْ: "أرادَ: يُغَيِّرُونَ دِينَ اللهِ"؛ وذَهَبُوا في ذَلِكَ إلى الِاحْتِجاجِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ [الروم: ٣٠] ؛ أيْ: لِدِينِ اللهِ؛ والتَبْدِيلُ يَقَعُ مَوْضِعَهُ التَغْيِيرُ؛ وإنْ كانَ التَغْيِيرُ أعَمَّ مِنهُ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "تَغْيِيرُ خَلْقِ اللهِ هو أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ الشَمْسَ؛ والنَهارَ؛ والحِجارَةَ؛ وغَيْرَها مِنَ المَخْلُوقاتِ؛ لِيُعْتَبَرَ بِها؛ ويُنْتَفَعَ بِها؛ فَغَيَّرَها الكُفّارُ بِأنْ جَعَلُوها آلِهَةً مَعْبُودَةً"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ وأنَسٌ ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ وأبُو صالِحٍ: "مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللهِ الإخْصاءُ؛ والآيَةُ إشارَةٌ إلى إخْصاءِ البَهائِمِ؛ وما شاكَلَهُ؛ فَهي عِنْدَهم أشْياءُ مَمْنُوعَةٌ"؛ ورَخَّصَ في إخْصاءِ البَهائِمِ جَماعَةٌ؛ إذا قُصِدَتْ بِهِ المَنفَعَةُ؛ إمّا السِمَنُ؛ أو غَيْرُهُ؛ وخَصَّها عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ في الخَيْلِ؛ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والحَسَنُ: هي إشارَةٌ إلى الوَشْمِ؛ وما جَرى مُجْراهُ مِنَ التَصَنُّعِ لِلْحُسْنِ؛ فَمِن ذَلِكَ الحَدِيثُ: « "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الواشِماتِ والمَوْشُوماتِ؛ والمُتَنَمِّصاتِ؛ والمُتَفَلِّجاتِ؛ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللهِ"؛» ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "لَعَنَ اللهُ الواصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ".» ومِلاكُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ (p-٢٧)أنَّ كُلَّ تَغْيِيرٍ ضارٍّ فَهو في الآيَةِ؛ وكُلَّ تَغْيِيرٍ نافِعٍ فَهو مُباحٌ. ولَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى عُتُوَّ الشَيْطانِ؛ وما تَوَعَّدَ بِهِ مِن بَثِّ مَكْرِهِ؛ حَذَّرَهُ - تَبارَكَ وتَعالى - عِبادَهُ؛ بِأنْ شَرَطَ لِمَن يَتَّخِذُهُ ولِيًّا جَزاءَ الخُسْرانِ؛ وتَصَوُّرُ الخُسْرانِ إنَّما هو بِأنْ أخَذَ هَذا المُتَّخِذُ حَظَّ الشَيْطانِ؛ فَكَأنَّهُ أُعْطِيَ حَظَّ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى - فِيهِ؛ وتَرَكَهُ مِن أجْلِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ﴾ ؛ يَعِدُهم بِأباطِيلِهِ؛ مِنَ المالِ؛ والجاهِ؛ وأنْ لا بَعْثَ؛ ولا عِقابَ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ لِكُلِّ أحَدٍ ما يَلِيقُ بِحالِهِ؛ ويُمَنِّيهِمْ كَذَلِكَ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ تَعالى الخَبَرَ عن حَقِيقَةِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَيْطانُ إلا غُرُورًا﴾. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِمَصِيرِ المُتَّخِذِينَ الشَيْطانَ ولِيًّا؛ وتَوَعَّدَهم بِأنَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ؛ ولا يُدافِعُونَها بِحِيلَةٍ؛ ولا يَعْدِلُونَ عنها؛ ولا يَنْحَرِفُونَ؛ ولا يَتَرَوَّغُونَ؛ و"اَلْمَحِيصُ": "مَفْعُولٌ" مِن "حاصَ"؛ إذا راغَ؛ ونَفَرَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ولَمْ أدْرِ إنْ حِصْنا مِنَ المَوْتِ حَيْصَةً ∗∗∗ كَمِ العُمْرُ باقٍ والمَدى مُتَطاوِلُ ومِنهُ الحَدِيثُ: « "فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إلى الأبْوابِ"؛» و"جاضَ" (بِالجِيمِ والضادِ المَنقُوطَةِ)؛ إذا راغَ بِنُفُورٍ؛ ولُغَةُ القُرْآنِ الحاءُ والصادُ؛ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ. ولَمّا أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الشَيْطانَ ولِيًّا؛ وأعْلَمَ بِغُرُورِ وعْدِ الشَيْطانِ لَهُمْ؛ وأعْلَمَ بِصُيُورِ أمْرِهِمْ؛ وأنَّهُ إلى جَهَنَّمَ؛ فاقْتَضى ذَلِكَ كُلُّهُ التَحْذِيرَ؛ أعْقَبَ ذَلِكَ - عَزَّ وجَلَّ - بِالتَرْغِيبِ في ذِكْرِهِ حالَةَ المُؤْمِنِينَ؛ وأعْلَمَ بِصُيُورِ أمْرِهِمْ؛ (p-٢٨)وَأنَّهُ إلى النَعِيمِ المُقِيمِ؛ وأعْلَمُ بِصِحَّةِ وعْدِهِ تَعالى لَهُمْ؛ ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بِالتَوْقِيفِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَمَن أصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلا﴾ ؛ و"اَلْقِيلُ"؛ و"اَلْقَوْلُ"؛ واحِدٌ؛ ونَصْبُهُ عَلى التَمْيِيزِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَنُدْخِلُهُمْ"؛ بِالنُونِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَيُدْخِلُهُمْ"؛ بِالياءِ؛ و"وَعْدَ اللهِ"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ و"حَقًّا" مَصْدَرٌ أيْضًا؛ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ.

النساء 4:122

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلأُضِلَّنَّهم ولأُمَنِّيَنَّهم ولآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ ومَن يَتَّخِذِ الشَيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهم الشَيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عنها مَحِيصًا﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وعْدَ اللهِ حَقًّا ومَن أصْدَقُ مِن اللهِ قِيلا﴾ قَوْلُهُ: ﴿ "وَلأُضِلَّنَّهُمْ"؛﴾ مَعْناهُ: أصْرِفُهم عن طَرِيقِ الهُدى؛ و"لَأُمَنِّيَنَّهُمْ"؛ لَأُسَوِّلَنَّ لَهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا لا يَنْحَصِرُ إلى نَوْعٍ واحِدٍ مِنَ الأُمْنِيَّةِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ في نَفْسِهِ إنَّما تَمَنِّيهِ بِقَدْرِ نِسْبَتِهِ؛ وقَرائِنِ حالِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "إنَّ الشَيْطانَ يَقُولُ لِمَن يَرْكَبُ ولا يَذْكُرُ اللهَ: تَغَنَّ؛ فَإنْ لَمْ يُحْسِنْ قالَ لَهُ: تَمَنَّ"؛» واللاماتُ كُلُّها لِلْقَسَمِ. (p-٢٦)والبَتْكُ: اَلْقَطْعُ؛ وكَثَّرَ الفِعْلَ إذِ القَطْعُ كَثِيرٌ؛ عَلى أنْحاءَ مُخْتَلِفَةٍ؛ وإنَّما كَنّى - عَزَّ وجَلَّ - عَنِ البَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ ونَحْوِهِ؛ مِمّا كانُوا يُثْبِتُونَ فِيهِ حُكْمًا بِسَبَبِ آلِهَتِهِمْ؛ وبِغَيْرِ ذَلِكَ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: "وَلامُرَنَّهُمْ"؛ بِغَيْرِ ألِفٍ؛ وقَرَأ أُبَيٌّ: "وَأُضِلُّهم وأُمَنِّيهِمْ وآمُرُهُمْ". واخْتُلِفَ في مَعْنى تَغْيِيرِ خَلْقِ اللهِ ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وإبْراهِيمُ؛ ومُجاهِدٌ ؛ والحَسَنُ ؛ وقَتادَةُ ؛ وغَيْرُهُمْ: "أرادَ: يُغَيِّرُونَ دِينَ اللهِ"؛ وذَهَبُوا في ذَلِكَ إلى الِاحْتِجاجِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ [الروم: ٣٠] ؛ أيْ: لِدِينِ اللهِ؛ والتَبْدِيلُ يَقَعُ مَوْضِعَهُ التَغْيِيرُ؛ وإنْ كانَ التَغْيِيرُ أعَمَّ مِنهُ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "تَغْيِيرُ خَلْقِ اللهِ هو أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ الشَمْسَ؛ والنَهارَ؛ والحِجارَةَ؛ وغَيْرَها مِنَ المَخْلُوقاتِ؛ لِيُعْتَبَرَ بِها؛ ويُنْتَفَعَ بِها؛ فَغَيَّرَها الكُفّارُ بِأنْ جَعَلُوها آلِهَةً مَعْبُودَةً"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ وأنَسٌ ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ وأبُو صالِحٍ: "مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللهِ الإخْصاءُ؛ والآيَةُ إشارَةٌ إلى إخْصاءِ البَهائِمِ؛ وما شاكَلَهُ؛ فَهي عِنْدَهم أشْياءُ مَمْنُوعَةٌ"؛ ورَخَّصَ في إخْصاءِ البَهائِمِ جَماعَةٌ؛ إذا قُصِدَتْ بِهِ المَنفَعَةُ؛ إمّا السِمَنُ؛ أو غَيْرُهُ؛ وخَصَّها عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ في الخَيْلِ؛ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والحَسَنُ: هي إشارَةٌ إلى الوَشْمِ؛ وما جَرى مُجْراهُ مِنَ التَصَنُّعِ لِلْحُسْنِ؛ فَمِن ذَلِكَ الحَدِيثُ: « "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الواشِماتِ والمَوْشُوماتِ؛ والمُتَنَمِّصاتِ؛ والمُتَفَلِّجاتِ؛ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللهِ"؛» ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "لَعَنَ اللهُ الواصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ".» ومِلاكُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ (p-٢٧)أنَّ كُلَّ تَغْيِيرٍ ضارٍّ فَهو في الآيَةِ؛ وكُلَّ تَغْيِيرٍ نافِعٍ فَهو مُباحٌ. ولَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى عُتُوَّ الشَيْطانِ؛ وما تَوَعَّدَ بِهِ مِن بَثِّ مَكْرِهِ؛ حَذَّرَهُ - تَبارَكَ وتَعالى - عِبادَهُ؛ بِأنْ شَرَطَ لِمَن يَتَّخِذُهُ ولِيًّا جَزاءَ الخُسْرانِ؛ وتَصَوُّرُ الخُسْرانِ إنَّما هو بِأنْ أخَذَ هَذا المُتَّخِذُ حَظَّ الشَيْطانِ؛ فَكَأنَّهُ أُعْطِيَ حَظَّ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى - فِيهِ؛ وتَرَكَهُ مِن أجْلِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ﴾ ؛ يَعِدُهم بِأباطِيلِهِ؛ مِنَ المالِ؛ والجاهِ؛ وأنْ لا بَعْثَ؛ ولا عِقابَ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ لِكُلِّ أحَدٍ ما يَلِيقُ بِحالِهِ؛ ويُمَنِّيهِمْ كَذَلِكَ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ تَعالى الخَبَرَ عن حَقِيقَةِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَيْطانُ إلا غُرُورًا﴾. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِمَصِيرِ المُتَّخِذِينَ الشَيْطانَ ولِيًّا؛ وتَوَعَّدَهم بِأنَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ؛ ولا يُدافِعُونَها بِحِيلَةٍ؛ ولا يَعْدِلُونَ عنها؛ ولا يَنْحَرِفُونَ؛ ولا يَتَرَوَّغُونَ؛ و"اَلْمَحِيصُ": "مَفْعُولٌ" مِن "حاصَ"؛ إذا راغَ؛ ونَفَرَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ولَمْ أدْرِ إنْ حِصْنا مِنَ المَوْتِ حَيْصَةً ∗∗∗ كَمِ العُمْرُ باقٍ والمَدى مُتَطاوِلُ ومِنهُ الحَدِيثُ: « "فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إلى الأبْوابِ"؛» و"جاضَ" (بِالجِيمِ والضادِ المَنقُوطَةِ)؛ إذا راغَ بِنُفُورٍ؛ ولُغَةُ القُرْآنِ الحاءُ والصادُ؛ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ. ولَمّا أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الشَيْطانَ ولِيًّا؛ وأعْلَمَ بِغُرُورِ وعْدِ الشَيْطانِ لَهُمْ؛ وأعْلَمَ بِصُيُورِ أمْرِهِمْ؛ وأنَّهُ إلى جَهَنَّمَ؛ فاقْتَضى ذَلِكَ كُلُّهُ التَحْذِيرَ؛ أعْقَبَ ذَلِكَ - عَزَّ وجَلَّ - بِالتَرْغِيبِ في ذِكْرِهِ حالَةَ المُؤْمِنِينَ؛ وأعْلَمَ بِصُيُورِ أمْرِهِمْ؛ (p-٢٨)وَأنَّهُ إلى النَعِيمِ المُقِيمِ؛ وأعْلَمُ بِصِحَّةِ وعْدِهِ تَعالى لَهُمْ؛ ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بِالتَوْقِيفِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَمَن أصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلا﴾ ؛ و"اَلْقِيلُ"؛ و"اَلْقَوْلُ"؛ واحِدٌ؛ ونَصْبُهُ عَلى التَمْيِيزِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَنُدْخِلُهُمْ"؛ بِالنُونِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَيُدْخِلُهُمْ"؛ بِالياءِ؛ و"وَعْدَ اللهِ"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ و"حَقًّا" مَصْدَرٌ أيْضًا؛ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ.

النساء 4:123

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ولا يَجِدْ لَهُ مَن دُونِ اللهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالِحاتِ مِنَ ذَكَرٍ أو أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ ﴿وَمَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا واتَّخَذَ اللهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا﴾ اِسْمُ ﴿ "لَيْسَ"﴾ مُضْمَرٌ؛ و"اَلْأمانِيُّ": جَمْعُ "أُمْنِوْيَةٌ"؛ وزْنُها "أُفْعِوْلَةٌ"؛ وهِيَ: ما يَتَشَهّاهُ المَرْءُ ويُطْمِعُ نَفْسَهُ فِيهِ؛ وتُجْمَعُ عَلى "فَعالِيلُ"؛ فَتَجْتَمِعُ ياءانِ؛ فَلِذَلِكَ تُدْغَمُ إحْداهُما في الأُخْرى؛ فَتَجِيءُ مُشَدَّدَةً؛ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وأبُو جَعْفَرَ بْنُ القَعْقاعِ؛ وشَيْبَةُ بْنُ نَصّاحٍ؛ والحَكَمُ؛ والأعْرَجُ: "لَيْسَ بِأمانِيكُمْ"؛ ساكِنَةَ الياءِ؛ وكَذَلِكَ في الثانِيَةِ؛ قالَ الفَرّاءُ: "هَذا جَمْعٌ عَلى "فَعالِيلُ"؛ كَما يُقالُ: "قَراقِيرُ"؛ و"قَراقِرُ"؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ". واخْتَلَفَ الناسُ فِي: مَنِ المُخاطَبُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والضَحّاكُ ؛ وأبُو صالِحٍ ؛ ومَسْرُوقٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ: "اَلْخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ"؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: "وَسَبَبُ الآيَةِ أنَّ المُؤْمِنِينَ اخْتَلَفُوا مَعَ قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَقالَ أهْلُ الكِتابِ: دِينُنا أقْدَمُ مِن دِينِكم وأفْضَلُ؛ ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ؛ فَنَحْنُ أفْضَلُ مِنكُمْ؛ وقالَ المُؤْمِنُونَ: كِتابُنا يَقْضِي عَلى الكُتُبِ؛ ونَبِيُّنا خاتَمُ النَبِيِّينَ؛ أو نَحْوَ هَذا مِنَ المُحاوَرَةِ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ". وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: "بَلِ الخِطابُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ؛ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: لَنْ نُبْعَثَ؛ ولا نُعَذَّبُ؛ وإنَّما هي حَياتُنا الدُنْيا؛ لَنا فِيها النَعِيمُ؛ ثُمَّ (p-٢٩)لا عَذابَ؛ وقالَتِ اليَهُودُ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] ؛ إلى نَحْوِ هَذا مِنَ الأقْوالِ؛ كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أو نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] ؛ وغَيْرِهِ؛ فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلى الفَرِيقَيْنِ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ الخَبَرَ الصادِقَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ؛ وجاءَ هَذا اللَفْظُ عامًّا في كُلِّ سُوءٍ؛ فانْدَرَجَ تَحْتَ عُمُومِهِ الفَرِيقانِ المَذْكُورانِ". واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في تَعْمِيمِ لَفْظِ هَذا الخَبَرِ؛ فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "هَذِهِ الآيَةُ في الكافِرِ"؛ وقَرَأ ﴿وَهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ﴾ [سبإ: ١٧] ؛ قالَ: "والآيَةُ يَعْنِي بِها الكُفّارَ؛ ولا يَعْنِي بِها أهْلَ الصَلاةِ"؛ وقالَ: "واللهِ ما جازى اللهُ أحَدًا بِالخَيْرِ والشَرِّ إلّا عَذَّبَهُ؛ ولَكِنَّهُ يَغْفِرُ ذُنُوبَ المُؤْمِنِينَ"؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ؛ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾: "وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يُكَفِّرَ عنهم سَيِّئاتِهِمْ؛ ولَمْ يَعِدْ أُولَئِكَ - يَعْنِي المُشْرِكِينَ"؛ وقالَ الضَحّاكُ: " ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ؛ يَعْنِي بِذَلِكَ اليَهُودَ؛ والنَصارى؛ والمَجُوسَ؛ وكُفّارَ العَرَبِ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "فَهَذا تَخْصِيصٌ لِلَفْظِ الآيَةِ؛ ورَأى هَؤُلاءِ أنَّ الكافِرَ يُجْزى عَلى كُلِّ سُوءٍ يَعْمَلُهُ؛ وأنَّ المُؤْمِنَ قَدْ وعَدَهُ اللهُ تَكْفِيرَ سَيِّئاتِهِ". وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ ؛ مَعْناهُ: مَن يَكُ مُشْرِكًا"؛ والسُوءُ هُنا: اَلشِّرْكُ؛ فَهو تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ اللَفْظِ مِن جِهَةٍ أُخْرى؛ لِأنَّ أُولَئِكَ خَصَّصُوا لَفْظَ "مَن"؛ وهَذانِ خَصَّصا لَفْظَ "اَلسُّوءُ". وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: لَفْظُ الآيَةِ عامٌّ؛ والكافِرُ والمُؤْمِنُ مُجازًى بِالسُوءِ يَعْمَلُهُ؛ فَأمّا مُجازاةُ الكافِرِ فالنارُ؛ لِأنَّ كُفْرَهُ أوبَقَهُ؛ وأمّا المُؤْمِنُ فَبِنَكَباتِ الدُنْيا؛ «قالَ أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ؛ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ؛ ما أشَدَّ هَذِهِ الآيَةَ! فَقالَ: "يا أبا بَكْرٍ ؛ أما تَحْزَنُ؟ أما تَمْرَضُ؟ أما تُصِيبُكَ الأدْواءُ؟ فَهَذا بِذَلِكَ"؛» وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ قالَ (p-٣٠)أبُو بَكْرٍ: جاءَتْ قاصِمَةُ الظَهْرِ؛ فَقالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "إنَّما هي المُصِيباتُ في الدُنْيا"؛» وقالَتْ بِمِثْلِ هَذا التَأْوِيلِ عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -؛ وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ - وسَألَهُ الرَبِيعُ بْنُ زِيادٍ عن مَعْنى الآيَةِ؛ وكَأنَّهُ خافَها - فَقالَ لَهُ أُبَيٌّ: ما كُنْتُ أظُنُّكَ إلّا أفْقَهَ مِمّا أرى؛ ما يُصِيبُ الرَجُلَ خَدْشٌ ولا غَيْرُهُ إلّا بِذَنْبٍ؛ وما يَعْفُو اللهُ عنهُ أكْثَرُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالعَقِيدَةُ في هَذا أنَّ الكافِرَ مُجازًى؛ والمُؤْمِنَ يُجازى في الدُنْيا غالِبًا؛ فَمَن بَقِيَ لَهُ سُوءٌ إلى الآخِرَةِ فَهو في المَشِيئَةِ؛ يَغْفِرُ اللهُ لِمَن يَشاءُ؛ ويُجازِي مَن يَشاءُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلا يَجِدْ" بِالجَزْمِ؛ عَطْفًا عَلى: "يُجْزَ"؛ ورَوى ابْنُ بَكّارٍ؛ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: "وَلا يَجِدُ"؛ بِالرَفْعِ؛ عَلى القَطْعِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللهِ﴾ ؛ لَفْظَةٌ تَقْتَضِي عَدَمَ المَذْكُورِ بَعْدَها مِنَ النازِلَةِ؛ ويُفَسِّرُها بَعْضُ المُفَسِّرِينَ بِـ "غَيْرِ"؛ وهو تَفْسِيرٌ لا يَطَّرِدُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالِحاتِ﴾ ؛ دَخَلَتْ ﴿ "مَن"﴾ لِلتَّبْعِيضِ؛ إذِ الصالِحاتُ عَلى الكَمالِ مِمّا لا يُطِيقُهُ البَشَرُ؛ فَفي هَذا رِفْقٌ بِالعِبادِ؛ لَكِنَّ في هَذا البَعْضِ الفَرائِضَ؛ وما أمْكَنَ مِنَ المَندُوبِ إلَيْهِ؛ ثُمَّ قَيَّدَ الأمْرَ بِالإيمانِ؛ إذْ لا يَنْفَعُ عَمَلٌ دُونَهُ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَوْمٍ أنَّ "مِن" زائِدَةٌ؛ وضَعَّفَهُ كَما هو ضَعِيفٌ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الخاءِ؛ وكَذَلِكَ حَيْثُ جاءَ مِنَ القُرْآنِ؛ ورُوِيَ مِثْلُ هَذا عن عاصِمٍ ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في هَذِهِ الآيَةِ؛ وفي [مَرْيَمَ]؛ و[اَلْمَلائِكَةِ]؛ وفي [اَلْمُؤْمِنِ]: "يُدْخَلُونَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وفَتْحِ الخاءِ؛ وقَرَأ (p-٣١)بِفَتْحِ الياءِ مِن: "سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ"؛ والنَقِيرُ: اَلنُّكْتَةُ الَّتِي في ظَهْرِ نَواةِ التَمْرَةِ؛ ومِنهُ تَنْبُتُ؛ ورُوِيَ عن عاصِمٍ: اَلنَّقِيرُ ما تَنْقُرُهُ بِأُصْبُعِكَ؛ وهَذا كُلُّهُ مِثالٌ لِلْحَقِيرِ اليَسِيرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَهُنا كَمُلَ الرَدُّ عَلى أهْلِ الأمانِيِّ؛ والإخْبارُ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى إخْبارًا مُوافِقًا عَلى أنَّهُ لا أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ؛ أيْ: أخْلَصُ مَقْصِدَهُ وتَوَجُّهَهُ؛ وأحْسَنُ في أعْمالِهِ؛ واتَّبَعَ الحَنِيفِيَّةَ الَّتِي هي مِلَّةُ إبْراهِيمَ؛ إمامِ العالَمِ؛ وقُدْوَةِ أهْلِ الأدْيانِ؛ ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى إبْراهِيمَ بِأنَّهُ الَّذِي يَجِبُ اتِّباعُهُ؛ شَرَّفَهُ بِذِكْرِ الخُلَّةِ؛ وإبْراهِيمُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سَمّاهُ اللهُ خَلِيلًا؛ إذْ كانَ خُلُوصُهُ وعِبادَتُهُ واجْتِهادُهُ عَلى الغايَةِ الَّتِي يَجْرِي إلَيْها المُحِبُّ المُبالِغُ؛ وكانَ لُطْفُ اللهِ بِهِ؛ ورَحْمَتُهُ ونُصْرَتُهُ لَهُ؛ بِحَسَبِ ذَلِكَ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ إبْراهِيمَ سُمِّيَ خَلِيلًا مِن "اَلْخَلَّةُ"؛ بِفَتْحِ الخاءِ؛ أيْ: لِأنَّهُ أنْزَلَ خَلَّتَهُ وفاقَتَهُ بِاللهِ تَعالى ؛ وقالَ قَوْمٌ: سُمِّيَ خَلِيلًا لِأنَّهُ - فِيما رُوِيَ في الحَدِيثِ - جاءَ مِن عِنْدِ خَلِيلٍ كانَ لَهُ بِمِصْرَ؛ وقَدْ حَرَمَهُ المِيرَةَ الَّتِي قَصَدَ لَها؛ فَلَمّا قَرُبَ مِن مَنزِلِهِ مَلَأ غِرارَتَيْهِ رَمْلًا لِيَتَأنَّسَ بِذَلِكَ صِبْيَتُهُ؛ فَلَمّا دَخَلَ مَنزِلَهُ نامَ كَلالًا وهَمًّا؛ فَقامَتِ امْرَأتُهُ؛ وفَتَحَتِ الغِرارَةَ؛ فَوَجَدَتْ أحْسَنَ ما يَكُونُ مِنَ الحُوّارى؛ فَعَجَنَتْ مِنهُ؛ فَلَمّا انْتَبَهَ قالَ: "ما هَذا؟"؛ قالَتْ: مِنَ الدَقِيقِ الَّذِي سُقْتَ مِن عِنْدِ خَلِيلِكَ المِصْرِيِّ؛ فَقالَ: "بَلْ هو مِن عِنْدِ خَلِيلِيَ اللهِ تَعالى "؛ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ خَلِيلًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا ضَعْفٌ؛ ولا تَقْتَضِي هَذِهِ القِصَّةُ أنْ يُسَمّى بِذَلِكَ اسْمًا غالِبًا؛ وإنَّما هو شَيْءٌ شَرَّفَهُ اللهُ بِهِ؛ كَما شَرَّفَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقَدْ صَحَّ في كِتابِ مُسْلِمٍ ؛ وغَيْرِهِ؛ أنَّ اللهَ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا.

النساء 4:124

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ولا يَجِدْ لَهُ مَن دُونِ اللهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالِحاتِ مِنَ ذَكَرٍ أو أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ ﴿وَمَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا واتَّخَذَ اللهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا﴾ اِسْمُ ﴿ "لَيْسَ"﴾ مُضْمَرٌ؛ و"اَلْأمانِيُّ": جَمْعُ "أُمْنِوْيَةٌ"؛ وزْنُها "أُفْعِوْلَةٌ"؛ وهِيَ: ما يَتَشَهّاهُ المَرْءُ ويُطْمِعُ نَفْسَهُ فِيهِ؛ وتُجْمَعُ عَلى "فَعالِيلُ"؛ فَتَجْتَمِعُ ياءانِ؛ فَلِذَلِكَ تُدْغَمُ إحْداهُما في الأُخْرى؛ فَتَجِيءُ مُشَدَّدَةً؛ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وأبُو جَعْفَرَ بْنُ القَعْقاعِ؛ وشَيْبَةُ بْنُ نَصّاحٍ؛ والحَكَمُ؛ والأعْرَجُ: "لَيْسَ بِأمانِيكُمْ"؛ ساكِنَةَ الياءِ؛ وكَذَلِكَ في الثانِيَةِ؛ قالَ الفَرّاءُ: "هَذا جَمْعٌ عَلى "فَعالِيلُ"؛ كَما يُقالُ: "قَراقِيرُ"؛ و"قَراقِرُ"؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ". واخْتَلَفَ الناسُ فِي: مَنِ المُخاطَبُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والضَحّاكُ ؛ وأبُو صالِحٍ ؛ ومَسْرُوقٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ: "اَلْخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ"؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: "وَسَبَبُ الآيَةِ أنَّ المُؤْمِنِينَ اخْتَلَفُوا مَعَ قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَقالَ أهْلُ الكِتابِ: دِينُنا أقْدَمُ مِن دِينِكم وأفْضَلُ؛ ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ؛ فَنَحْنُ أفْضَلُ مِنكُمْ؛ وقالَ المُؤْمِنُونَ: كِتابُنا يَقْضِي عَلى الكُتُبِ؛ ونَبِيُّنا خاتَمُ النَبِيِّينَ؛ أو نَحْوَ هَذا مِنَ المُحاوَرَةِ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ". وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: "بَلِ الخِطابُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ؛ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: لَنْ نُبْعَثَ؛ ولا نُعَذَّبُ؛ وإنَّما هي حَياتُنا الدُنْيا؛ لَنا فِيها النَعِيمُ؛ ثُمَّ (p-٢٩)لا عَذابَ؛ وقالَتِ اليَهُودُ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] ؛ إلى نَحْوِ هَذا مِنَ الأقْوالِ؛ كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أو نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] ؛ وغَيْرِهِ؛ فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلى الفَرِيقَيْنِ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ الخَبَرَ الصادِقَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ؛ وجاءَ هَذا اللَفْظُ عامًّا في كُلِّ سُوءٍ؛ فانْدَرَجَ تَحْتَ عُمُومِهِ الفَرِيقانِ المَذْكُورانِ". واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في تَعْمِيمِ لَفْظِ هَذا الخَبَرِ؛ فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "هَذِهِ الآيَةُ في الكافِرِ"؛ وقَرَأ ﴿وَهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ﴾ [سبإ: ١٧] ؛ قالَ: "والآيَةُ يَعْنِي بِها الكُفّارَ؛ ولا يَعْنِي بِها أهْلَ الصَلاةِ"؛ وقالَ: "واللهِ ما جازى اللهُ أحَدًا بِالخَيْرِ والشَرِّ إلّا عَذَّبَهُ؛ ولَكِنَّهُ يَغْفِرُ ذُنُوبَ المُؤْمِنِينَ"؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ؛ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾: "وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يُكَفِّرَ عنهم سَيِّئاتِهِمْ؛ ولَمْ يَعِدْ أُولَئِكَ - يَعْنِي المُشْرِكِينَ"؛ وقالَ الضَحّاكُ: " ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ؛ يَعْنِي بِذَلِكَ اليَهُودَ؛ والنَصارى؛ والمَجُوسَ؛ وكُفّارَ العَرَبِ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "فَهَذا تَخْصِيصٌ لِلَفْظِ الآيَةِ؛ ورَأى هَؤُلاءِ أنَّ الكافِرَ يُجْزى عَلى كُلِّ سُوءٍ يَعْمَلُهُ؛ وأنَّ المُؤْمِنَ قَدْ وعَدَهُ اللهُ تَكْفِيرَ سَيِّئاتِهِ". وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ ؛ مَعْناهُ: مَن يَكُ مُشْرِكًا"؛ والسُوءُ هُنا: اَلشِّرْكُ؛ فَهو تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ اللَفْظِ مِن جِهَةٍ أُخْرى؛ لِأنَّ أُولَئِكَ خَصَّصُوا لَفْظَ "مَن"؛ وهَذانِ خَصَّصا لَفْظَ "اَلسُّوءُ". وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: لَفْظُ الآيَةِ عامٌّ؛ والكافِرُ والمُؤْمِنُ مُجازًى بِالسُوءِ يَعْمَلُهُ؛ فَأمّا مُجازاةُ الكافِرِ فالنارُ؛ لِأنَّ كُفْرَهُ أوبَقَهُ؛ وأمّا المُؤْمِنُ فَبِنَكَباتِ الدُنْيا؛ «قالَ أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ؛ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ؛ ما أشَدَّ هَذِهِ الآيَةَ! فَقالَ: "يا أبا بَكْرٍ ؛ أما تَحْزَنُ؟ أما تَمْرَضُ؟ أما تُصِيبُكَ الأدْواءُ؟ فَهَذا بِذَلِكَ"؛» وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ قالَ (p-٣٠)أبُو بَكْرٍ: جاءَتْ قاصِمَةُ الظَهْرِ؛ فَقالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "إنَّما هي المُصِيباتُ في الدُنْيا"؛» وقالَتْ بِمِثْلِ هَذا التَأْوِيلِ عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -؛ وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ - وسَألَهُ الرَبِيعُ بْنُ زِيادٍ عن مَعْنى الآيَةِ؛ وكَأنَّهُ خافَها - فَقالَ لَهُ أُبَيٌّ: ما كُنْتُ أظُنُّكَ إلّا أفْقَهَ مِمّا أرى؛ ما يُصِيبُ الرَجُلَ خَدْشٌ ولا غَيْرُهُ إلّا بِذَنْبٍ؛ وما يَعْفُو اللهُ عنهُ أكْثَرُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالعَقِيدَةُ في هَذا أنَّ الكافِرَ مُجازًى؛ والمُؤْمِنَ يُجازى في الدُنْيا غالِبًا؛ فَمَن بَقِيَ لَهُ سُوءٌ إلى الآخِرَةِ فَهو في المَشِيئَةِ؛ يَغْفِرُ اللهُ لِمَن يَشاءُ؛ ويُجازِي مَن يَشاءُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلا يَجِدْ" بِالجَزْمِ؛ عَطْفًا عَلى: "يُجْزَ"؛ ورَوى ابْنُ بَكّارٍ؛ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: "وَلا يَجِدُ"؛ بِالرَفْعِ؛ عَلى القَطْعِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللهِ﴾ ؛ لَفْظَةٌ تَقْتَضِي عَدَمَ المَذْكُورِ بَعْدَها مِنَ النازِلَةِ؛ ويُفَسِّرُها بَعْضُ المُفَسِّرِينَ بِـ "غَيْرِ"؛ وهو تَفْسِيرٌ لا يَطَّرِدُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالِحاتِ﴾ ؛ دَخَلَتْ ﴿ "مَن"﴾ لِلتَّبْعِيضِ؛ إذِ الصالِحاتُ عَلى الكَمالِ مِمّا لا يُطِيقُهُ البَشَرُ؛ فَفي هَذا رِفْقٌ بِالعِبادِ؛ لَكِنَّ في هَذا البَعْضِ الفَرائِضَ؛ وما أمْكَنَ مِنَ المَندُوبِ إلَيْهِ؛ ثُمَّ قَيَّدَ الأمْرَ بِالإيمانِ؛ إذْ لا يَنْفَعُ عَمَلٌ دُونَهُ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَوْمٍ أنَّ "مِن" زائِدَةٌ؛ وضَعَّفَهُ كَما هو ضَعِيفٌ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الخاءِ؛ وكَذَلِكَ حَيْثُ جاءَ مِنَ القُرْآنِ؛ ورُوِيَ مِثْلُ هَذا عن عاصِمٍ ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في هَذِهِ الآيَةِ؛ وفي [مَرْيَمَ]؛ و[اَلْمَلائِكَةِ]؛ وفي [اَلْمُؤْمِنِ]: "يُدْخَلُونَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وفَتْحِ الخاءِ؛ وقَرَأ (p-٣١)بِفَتْحِ الياءِ مِن: "سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ"؛ والنَقِيرُ: اَلنُّكْتَةُ الَّتِي في ظَهْرِ نَواةِ التَمْرَةِ؛ ومِنهُ تَنْبُتُ؛ ورُوِيَ عن عاصِمٍ: اَلنَّقِيرُ ما تَنْقُرُهُ بِأُصْبُعِكَ؛ وهَذا كُلُّهُ مِثالٌ لِلْحَقِيرِ اليَسِيرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَهُنا كَمُلَ الرَدُّ عَلى أهْلِ الأمانِيِّ؛ والإخْبارُ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى إخْبارًا مُوافِقًا عَلى أنَّهُ لا أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ؛ أيْ: أخْلَصُ مَقْصِدَهُ وتَوَجُّهَهُ؛ وأحْسَنُ في أعْمالِهِ؛ واتَّبَعَ الحَنِيفِيَّةَ الَّتِي هي مِلَّةُ إبْراهِيمَ؛ إمامِ العالَمِ؛ وقُدْوَةِ أهْلِ الأدْيانِ؛ ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى إبْراهِيمَ بِأنَّهُ الَّذِي يَجِبُ اتِّباعُهُ؛ شَرَّفَهُ بِذِكْرِ الخُلَّةِ؛ وإبْراهِيمُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سَمّاهُ اللهُ خَلِيلًا؛ إذْ كانَ خُلُوصُهُ وعِبادَتُهُ واجْتِهادُهُ عَلى الغايَةِ الَّتِي يَجْرِي إلَيْها المُحِبُّ المُبالِغُ؛ وكانَ لُطْفُ اللهِ بِهِ؛ ورَحْمَتُهُ ونُصْرَتُهُ لَهُ؛ بِحَسَبِ ذَلِكَ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ إبْراهِيمَ سُمِّيَ خَلِيلًا مِن "اَلْخَلَّةُ"؛ بِفَتْحِ الخاءِ؛ أيْ: لِأنَّهُ أنْزَلَ خَلَّتَهُ وفاقَتَهُ بِاللهِ تَعالى ؛ وقالَ قَوْمٌ: سُمِّيَ خَلِيلًا لِأنَّهُ - فِيما رُوِيَ في الحَدِيثِ - جاءَ مِن عِنْدِ خَلِيلٍ كانَ لَهُ بِمِصْرَ؛ وقَدْ حَرَمَهُ المِيرَةَ الَّتِي قَصَدَ لَها؛ فَلَمّا قَرُبَ مِن مَنزِلِهِ مَلَأ غِرارَتَيْهِ رَمْلًا لِيَتَأنَّسَ بِذَلِكَ صِبْيَتُهُ؛ فَلَمّا دَخَلَ مَنزِلَهُ نامَ كَلالًا وهَمًّا؛ فَقامَتِ امْرَأتُهُ؛ وفَتَحَتِ الغِرارَةَ؛ فَوَجَدَتْ أحْسَنَ ما يَكُونُ مِنَ الحُوّارى؛ فَعَجَنَتْ مِنهُ؛ فَلَمّا انْتَبَهَ قالَ: "ما هَذا؟"؛ قالَتْ: مِنَ الدَقِيقِ الَّذِي سُقْتَ مِن عِنْدِ خَلِيلِكَ المِصْرِيِّ؛ فَقالَ: "بَلْ هو مِن عِنْدِ خَلِيلِيَ اللهِ تَعالى "؛ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ خَلِيلًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا ضَعْفٌ؛ ولا تَقْتَضِي هَذِهِ القِصَّةُ أنْ يُسَمّى بِذَلِكَ اسْمًا غالِبًا؛ وإنَّما هو شَيْءٌ شَرَّفَهُ اللهُ بِهِ؛ كَما شَرَّفَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقَدْ صَحَّ في كِتابِ مُسْلِمٍ ؛ وغَيْرِهِ؛ أنَّ اللهَ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا.

النساء 4:125

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ولا يَجِدْ لَهُ مَن دُونِ اللهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالِحاتِ مِنَ ذَكَرٍ أو أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ ﴿وَمَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا واتَّخَذَ اللهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا﴾ اِسْمُ ﴿ "لَيْسَ"﴾ مُضْمَرٌ؛ و"اَلْأمانِيُّ": جَمْعُ "أُمْنِوْيَةٌ"؛ وزْنُها "أُفْعِوْلَةٌ"؛ وهِيَ: ما يَتَشَهّاهُ المَرْءُ ويُطْمِعُ نَفْسَهُ فِيهِ؛ وتُجْمَعُ عَلى "فَعالِيلُ"؛ فَتَجْتَمِعُ ياءانِ؛ فَلِذَلِكَ تُدْغَمُ إحْداهُما في الأُخْرى؛ فَتَجِيءُ مُشَدَّدَةً؛ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وأبُو جَعْفَرَ بْنُ القَعْقاعِ؛ وشَيْبَةُ بْنُ نَصّاحٍ؛ والحَكَمُ؛ والأعْرَجُ: "لَيْسَ بِأمانِيكُمْ"؛ ساكِنَةَ الياءِ؛ وكَذَلِكَ في الثانِيَةِ؛ قالَ الفَرّاءُ: "هَذا جَمْعٌ عَلى "فَعالِيلُ"؛ كَما يُقالُ: "قَراقِيرُ"؛ و"قَراقِرُ"؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ". واخْتَلَفَ الناسُ فِي: مَنِ المُخاطَبُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والضَحّاكُ ؛ وأبُو صالِحٍ ؛ ومَسْرُوقٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ: "اَلْخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ"؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: "وَسَبَبُ الآيَةِ أنَّ المُؤْمِنِينَ اخْتَلَفُوا مَعَ قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَقالَ أهْلُ الكِتابِ: دِينُنا أقْدَمُ مِن دِينِكم وأفْضَلُ؛ ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ؛ فَنَحْنُ أفْضَلُ مِنكُمْ؛ وقالَ المُؤْمِنُونَ: كِتابُنا يَقْضِي عَلى الكُتُبِ؛ ونَبِيُّنا خاتَمُ النَبِيِّينَ؛ أو نَحْوَ هَذا مِنَ المُحاوَرَةِ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ". وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: "بَلِ الخِطابُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ؛ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: لَنْ نُبْعَثَ؛ ولا نُعَذَّبُ؛ وإنَّما هي حَياتُنا الدُنْيا؛ لَنا فِيها النَعِيمُ؛ ثُمَّ (p-٢٩)لا عَذابَ؛ وقالَتِ اليَهُودُ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] ؛ إلى نَحْوِ هَذا مِنَ الأقْوالِ؛ كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أو نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] ؛ وغَيْرِهِ؛ فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلى الفَرِيقَيْنِ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ الخَبَرَ الصادِقَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ؛ وجاءَ هَذا اللَفْظُ عامًّا في كُلِّ سُوءٍ؛ فانْدَرَجَ تَحْتَ عُمُومِهِ الفَرِيقانِ المَذْكُورانِ". واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في تَعْمِيمِ لَفْظِ هَذا الخَبَرِ؛ فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "هَذِهِ الآيَةُ في الكافِرِ"؛ وقَرَأ ﴿وَهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ﴾ [سبإ: ١٧] ؛ قالَ: "والآيَةُ يَعْنِي بِها الكُفّارَ؛ ولا يَعْنِي بِها أهْلَ الصَلاةِ"؛ وقالَ: "واللهِ ما جازى اللهُ أحَدًا بِالخَيْرِ والشَرِّ إلّا عَذَّبَهُ؛ ولَكِنَّهُ يَغْفِرُ ذُنُوبَ المُؤْمِنِينَ"؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ؛ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾: "وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يُكَفِّرَ عنهم سَيِّئاتِهِمْ؛ ولَمْ يَعِدْ أُولَئِكَ - يَعْنِي المُشْرِكِينَ"؛ وقالَ الضَحّاكُ: " ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ؛ يَعْنِي بِذَلِكَ اليَهُودَ؛ والنَصارى؛ والمَجُوسَ؛ وكُفّارَ العَرَبِ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "فَهَذا تَخْصِيصٌ لِلَفْظِ الآيَةِ؛ ورَأى هَؤُلاءِ أنَّ الكافِرَ يُجْزى عَلى كُلِّ سُوءٍ يَعْمَلُهُ؛ وأنَّ المُؤْمِنَ قَدْ وعَدَهُ اللهُ تَكْفِيرَ سَيِّئاتِهِ". وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ ؛ مَعْناهُ: مَن يَكُ مُشْرِكًا"؛ والسُوءُ هُنا: اَلشِّرْكُ؛ فَهو تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ اللَفْظِ مِن جِهَةٍ أُخْرى؛ لِأنَّ أُولَئِكَ خَصَّصُوا لَفْظَ "مَن"؛ وهَذانِ خَصَّصا لَفْظَ "اَلسُّوءُ". وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: لَفْظُ الآيَةِ عامٌّ؛ والكافِرُ والمُؤْمِنُ مُجازًى بِالسُوءِ يَعْمَلُهُ؛ فَأمّا مُجازاةُ الكافِرِ فالنارُ؛ لِأنَّ كُفْرَهُ أوبَقَهُ؛ وأمّا المُؤْمِنُ فَبِنَكَباتِ الدُنْيا؛ «قالَ أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ؛ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ؛ ما أشَدَّ هَذِهِ الآيَةَ! فَقالَ: "يا أبا بَكْرٍ ؛ أما تَحْزَنُ؟ أما تَمْرَضُ؟ أما تُصِيبُكَ الأدْواءُ؟ فَهَذا بِذَلِكَ"؛» وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ قالَ (p-٣٠)أبُو بَكْرٍ: جاءَتْ قاصِمَةُ الظَهْرِ؛ فَقالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "إنَّما هي المُصِيباتُ في الدُنْيا"؛» وقالَتْ بِمِثْلِ هَذا التَأْوِيلِ عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -؛ وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ - وسَألَهُ الرَبِيعُ بْنُ زِيادٍ عن مَعْنى الآيَةِ؛ وكَأنَّهُ خافَها - فَقالَ لَهُ أُبَيٌّ: ما كُنْتُ أظُنُّكَ إلّا أفْقَهَ مِمّا أرى؛ ما يُصِيبُ الرَجُلَ خَدْشٌ ولا غَيْرُهُ إلّا بِذَنْبٍ؛ وما يَعْفُو اللهُ عنهُ أكْثَرُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالعَقِيدَةُ في هَذا أنَّ الكافِرَ مُجازًى؛ والمُؤْمِنَ يُجازى في الدُنْيا غالِبًا؛ فَمَن بَقِيَ لَهُ سُوءٌ إلى الآخِرَةِ فَهو في المَشِيئَةِ؛ يَغْفِرُ اللهُ لِمَن يَشاءُ؛ ويُجازِي مَن يَشاءُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلا يَجِدْ" بِالجَزْمِ؛ عَطْفًا عَلى: "يُجْزَ"؛ ورَوى ابْنُ بَكّارٍ؛ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: "وَلا يَجِدُ"؛ بِالرَفْعِ؛ عَلى القَطْعِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللهِ﴾ ؛ لَفْظَةٌ تَقْتَضِي عَدَمَ المَذْكُورِ بَعْدَها مِنَ النازِلَةِ؛ ويُفَسِّرُها بَعْضُ المُفَسِّرِينَ بِـ "غَيْرِ"؛ وهو تَفْسِيرٌ لا يَطَّرِدُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالِحاتِ﴾ ؛ دَخَلَتْ ﴿ "مَن"﴾ لِلتَّبْعِيضِ؛ إذِ الصالِحاتُ عَلى الكَمالِ مِمّا لا يُطِيقُهُ البَشَرُ؛ فَفي هَذا رِفْقٌ بِالعِبادِ؛ لَكِنَّ في هَذا البَعْضِ الفَرائِضَ؛ وما أمْكَنَ مِنَ المَندُوبِ إلَيْهِ؛ ثُمَّ قَيَّدَ الأمْرَ بِالإيمانِ؛ إذْ لا يَنْفَعُ عَمَلٌ دُونَهُ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَوْمٍ أنَّ "مِن" زائِدَةٌ؛ وضَعَّفَهُ كَما هو ضَعِيفٌ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الخاءِ؛ وكَذَلِكَ حَيْثُ جاءَ مِنَ القُرْآنِ؛ ورُوِيَ مِثْلُ هَذا عن عاصِمٍ ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في هَذِهِ الآيَةِ؛ وفي [مَرْيَمَ]؛ و[اَلْمَلائِكَةِ]؛ وفي [اَلْمُؤْمِنِ]: "يُدْخَلُونَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وفَتْحِ الخاءِ؛ وقَرَأ (p-٣١)بِفَتْحِ الياءِ مِن: "سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ"؛ والنَقِيرُ: اَلنُّكْتَةُ الَّتِي في ظَهْرِ نَواةِ التَمْرَةِ؛ ومِنهُ تَنْبُتُ؛ ورُوِيَ عن عاصِمٍ: اَلنَّقِيرُ ما تَنْقُرُهُ بِأُصْبُعِكَ؛ وهَذا كُلُّهُ مِثالٌ لِلْحَقِيرِ اليَسِيرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَهُنا كَمُلَ الرَدُّ عَلى أهْلِ الأمانِيِّ؛ والإخْبارُ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى إخْبارًا مُوافِقًا عَلى أنَّهُ لا أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ؛ أيْ: أخْلَصُ مَقْصِدَهُ وتَوَجُّهَهُ؛ وأحْسَنُ في أعْمالِهِ؛ واتَّبَعَ الحَنِيفِيَّةَ الَّتِي هي مِلَّةُ إبْراهِيمَ؛ إمامِ العالَمِ؛ وقُدْوَةِ أهْلِ الأدْيانِ؛ ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى إبْراهِيمَ بِأنَّهُ الَّذِي يَجِبُ اتِّباعُهُ؛ شَرَّفَهُ بِذِكْرِ الخُلَّةِ؛ وإبْراهِيمُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سَمّاهُ اللهُ خَلِيلًا؛ إذْ كانَ خُلُوصُهُ وعِبادَتُهُ واجْتِهادُهُ عَلى الغايَةِ الَّتِي يَجْرِي إلَيْها المُحِبُّ المُبالِغُ؛ وكانَ لُطْفُ اللهِ بِهِ؛ ورَحْمَتُهُ ونُصْرَتُهُ لَهُ؛ بِحَسَبِ ذَلِكَ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ إبْراهِيمَ سُمِّيَ خَلِيلًا مِن "اَلْخَلَّةُ"؛ بِفَتْحِ الخاءِ؛ أيْ: لِأنَّهُ أنْزَلَ خَلَّتَهُ وفاقَتَهُ بِاللهِ تَعالى ؛ وقالَ قَوْمٌ: سُمِّيَ خَلِيلًا لِأنَّهُ - فِيما رُوِيَ في الحَدِيثِ - جاءَ مِن عِنْدِ خَلِيلٍ كانَ لَهُ بِمِصْرَ؛ وقَدْ حَرَمَهُ المِيرَةَ الَّتِي قَصَدَ لَها؛ فَلَمّا قَرُبَ مِن مَنزِلِهِ مَلَأ غِرارَتَيْهِ رَمْلًا لِيَتَأنَّسَ بِذَلِكَ صِبْيَتُهُ؛ فَلَمّا دَخَلَ مَنزِلَهُ نامَ كَلالًا وهَمًّا؛ فَقامَتِ امْرَأتُهُ؛ وفَتَحَتِ الغِرارَةَ؛ فَوَجَدَتْ أحْسَنَ ما يَكُونُ مِنَ الحُوّارى؛ فَعَجَنَتْ مِنهُ؛ فَلَمّا انْتَبَهَ قالَ: "ما هَذا؟"؛ قالَتْ: مِنَ الدَقِيقِ الَّذِي سُقْتَ مِن عِنْدِ خَلِيلِكَ المِصْرِيِّ؛ فَقالَ: "بَلْ هو مِن عِنْدِ خَلِيلِيَ اللهِ تَعالى "؛ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ خَلِيلًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا ضَعْفٌ؛ ولا تَقْتَضِي هَذِهِ القِصَّةُ أنْ يُسَمّى بِذَلِكَ اسْمًا غالِبًا؛ وإنَّما هو شَيْءٌ شَرَّفَهُ اللهُ بِهِ؛ كَما شَرَّفَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقَدْ صَحَّ في كِتابِ مُسْلِمٍ ؛ وغَيْرِهِ؛ أنَّ اللهَ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا.