Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — النساء 4:126 – النساء 4:176
المحتويات
- النساء 4:126
- النساء 4:127
- النساء 4:128
- النساء 4:129
- النساء 4:130
- النساء 4:131
- النساء 4:132
- النساء 4:133
- النساء 4:134
- النساء 4:135
- النساء 4:136
- النساء 4:137
- النساء 4:138
- النساء 4:139
- النساء 4:140
- النساء 4:141
- النساء 4:142
- النساء 4:143
- النساء 4:144
- النساء 4:145
- النساء 4:146
- النساء 4:147
- النساء 4:148
- النساء 4:149
- النساء 4:150
- النساء 4:151
- النساء 4:152
- النساء 4:153
- النساء 4:154
- النساء 4:155
- النساء 4:156
- النساء 4:157
- النساء 4:158
- النساء 4:159
- النساء 4:160
- النساء 4:161
- النساء 4:162
- النساء 4:163
- النساء 4:164
- النساء 4:165
- النساء 4:166
- النساء 4:167
- النساء 4:168
- النساء 4:169
- النساء 4:170
- النساء 4:171
- النساء 4:172
- النساء 4:173
- النساء 4:174
- النساء 4:175
- النساء 4:176
النساء 4:126
(p-٣٢)قَوْلُهُ تَعالى:
﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ في النِساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِساءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ وما تَفْعَلُوا مِنَ خَيْرٍ فَإنَّ اللهُ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾
ذَكَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - سِعَةَ مُلْكِهِ؛ وإحاطَتَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ عَقِبَ ذِكْرِ الدِينِ؛ وتَبْيِينِ الجادَّةِ مِنهُ؛ تَرْغِيبًا في طاعَةِ اللهِ ؛ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَيَسْتَفْتُونَكَ"؛﴾ نَزَلَتْ بِسَبَبِ سُؤالِ قَوْمٍ مِنَ الصَحابَةِ عن أمْرِ النِساءِ؛ وأحْكامِهِنَّ في المَوارِيثِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَأمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿اللهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ﴾ ؛ أيْ: يُبَيِّنُ لَكم حُكْمَ ما سَألْتُمْ عنهُ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ و"ما" أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ؛ عَطْفًا عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ "فِيهِنَّ"؛﴾ أيْ: ويُفْتِيكم فِيما يُتْلى عَلَيْكُمْ؛ قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي مُوسى ؛ وقالَ: أفْتاهُمُ اللهُ فِيما سَألُوا عنهُ؛ وفِيما لَمْ يَسْألُوا عنهُ؛ ويُضْعِفُ هَذا التَأْوِيلَ ما فِيهِ مِنَ العَطْفِ عَلى الضَمِيرِ المَخْفُوضِ بِغَيْرِ إعادَةِ حَرْفِ الخَفْضِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ و﴿ "ما"﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ أيْ: ويُفْتِيكم ما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ؛ يَعْنِي القُرْآنَ؛ والإشارَةُ بِهَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ في أمْرِ النِساءِ؛ وهو قَوْلُهُ تَعالى - في صَدْرِ السُورَةِ -: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِساءِ﴾ [النساء: ٣] ؛ اَلْآيَةَ؛ «قالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أوَّلًا؛ ثُمَّ سَألَ ناسٌ بَعْدَها رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عن أمْرِ النِساءِ؛ فَنَزَلَتْ: (p-٣٣)﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ في النِساءِ؛ قُلِ اللهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾»؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَتامى النِساءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ ؛ مَعْناهُ النَهْيُ عَمّا كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ مِن ضَمِّ اليَتِيمَةِ الجَمِيلَةِ الغَنِيَّةِ بِدُونِ ما تَسْتَحِقُّهُ مِنَ المَهْرِ؛ ومِن عَضْلِ الدَمِيمَةِ الفَقِيرَةِ أبَدًا؛ والدَمِيمَةِ الغَنِيَّةِ؛ حَتّى تَمُوتَ؛ فَيَرِثَها العاضِلُ؛ ونَحْوَ هَذا مِمّا يَقْصِدُ بِهِ الوَلِيُّ مَنفَعَةَ نَفْسِهِ؛ لا نَفْعَ اليَتِيمَةِ؛ والَّذِي كَتَبَ اللهُ لَهُنَّ: هو تَوْفِيَةُ ما تَسْتَحِقُّهُ مِن مَهْرٍ؛ وإلْحاقُها بِأقْرانِها.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ اللهِ المَدَنِيُّ: "فِي يَيامى النِساءِ"؛ بِياءَيْنِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: والقَوْلُ في هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ أرادَ "أيامى"؛ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ ياءً؛ كَما قُلِبَتْ في قَوْلِهِمْ: "باهِلَةُ بْنُ يَعْصُرَ"؛ وإنَّما هو "ابْنُ أعْصُرَ"؛ لِأنَّهُ إنَّما يُسَمّى بِقَوْلِهِ:
؎ أبُنَيَّ إنَّ أباكَ غَيَّرَ لَوْنَهُ ∗∗∗ كَرُّ اللَيالِي واخْتِلافُ الأعْصُرِ
وكَما قُلِبَتِ الياءُ هَمْزَةً في قَوْلِهِمْ: "قَطَعَ اللهُ أدَهُ"؛ يُرِيدُونَ: "يَدَهُ"؛ و"أيامى": جَمْعُ "أيِّمٌ"؛ أصْلُهُ: "أيايِمُ"؛ قُلِبَتِ اللامُ مَوْضِعَ العَيْنِ؛ فَجاءَ: "أيامى"؛ ثُمَّ أُبْدِلَتْ مِنَ الكَسْرَةِ فَتْحَةٌ؛ ومِنَ الياءِ ألِفٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -:
"يُشْبِهُ أنَّ الداعِيَ إلى هَذا اسْتِثْقالُ الضَمَّةِ عَلى الياءِ"؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: ولَوْ قالَ قائِلٌ: كُسِّرَ "أيِّمٌ" عَلى "أيْمى"؛ عَلى وزْنِ "سَكْرى"؛ و"قَتْلى"؛ مِن حَيْثُ الأُيُومَةُ بَلِيَّةٌ تَدْخُلُ كُرْهًا؛ ثُمَّ كُسِّرَ "أيْمى" عَلى "أيامى"؛ لَكانَ وجْهًا حَسَنًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ ؛ إنْ كانَتِ الجارِيَةُ غَنِيَّةً جَمِيلَةً فالرَغْبَةُ في نِكاحِها؛ وإنْ كانَتْ بِالعَكْسِ فالرَغْبَةُ عن نِكاحِها؛ وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ (p-٣٤)عنهُ - يَأْخُذُ الناسُ بِالدَرَجَةِ الفُضْلى في هَذا المَعْنى؛ فَكانَ إذا سَألَ الوَلِيَّ عن ولِيَّتِهِ فَقِيلَ: هي غَنِيَّةٌ جَمِيلَةٌ؛ قالَ لَهُ: "اُطْلُبْ لَها مَن هو خَيْرٌ مِنكَ وأعْوَدُ عَلَيْها بِالنَفْعِ"؛ وإذا قِيلَ لَهُ: هي دَمِيمَةٌ فَقِيرَةٌ؛ قالَ لَهُ: "أنْتَ أولى بِها؛ وبِالسَتْرِ عَلَيْها؛ مِن غَيْرِكَ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ﴾ ؛ عَطْفٌ عَلى: ﴿يَتامى النِساءِ﴾ ؛ والَّذِي تُلِيَ في المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ في أولادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] ؛ وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ كانَتْ لا تُورِّثُ الصَبِيَّةَ؛ ولا الصَبِيَّ الصَغِيرَ؛ وكانَ الكَبِيرُ يَنْفَرِدُ بِالمالِ؛ وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّما يَرِثُ المالَ مَن يَحْمِي الحَوْزَةَ؛ ويَرُدُّ الغَنِيمَةَ؛ ويُقاتِلُ عَنِ الحَرِيمِ؛ فَفَرَضَ اللهُ لِكُلِّ واحِدٍ حَقَّهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ﴾ ؛ عَطْفٌ أيْضًا عَلى ما تَقَدَّمَ؛ والَّذِي تُلِيَ في هَذا المَعْنى هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذُكِرَ في مالِ اليَتِيمِ؛ و"اَلْقِسْطُ": اَلْعَدْلُ؛ وباقِي الآيَةِ وعْدٌ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ بِالجَزاءِ الجَمِيلِ؛ بَيِّنٌ.
النساء 4:127
(p-٣٢)قَوْلُهُ تَعالى:
﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ في النِساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِساءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ وما تَفْعَلُوا مِنَ خَيْرٍ فَإنَّ اللهُ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾
ذَكَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - سِعَةَ مُلْكِهِ؛ وإحاطَتَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ عَقِبَ ذِكْرِ الدِينِ؛ وتَبْيِينِ الجادَّةِ مِنهُ؛ تَرْغِيبًا في طاعَةِ اللهِ ؛ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَيَسْتَفْتُونَكَ"؛﴾ نَزَلَتْ بِسَبَبِ سُؤالِ قَوْمٍ مِنَ الصَحابَةِ عن أمْرِ النِساءِ؛ وأحْكامِهِنَّ في المَوارِيثِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَأمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿اللهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ﴾ ؛ أيْ: يُبَيِّنُ لَكم حُكْمَ ما سَألْتُمْ عنهُ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ و"ما" أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ؛ عَطْفًا عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ "فِيهِنَّ"؛﴾ أيْ: ويُفْتِيكم فِيما يُتْلى عَلَيْكُمْ؛ قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي مُوسى ؛ وقالَ: أفْتاهُمُ اللهُ فِيما سَألُوا عنهُ؛ وفِيما لَمْ يَسْألُوا عنهُ؛ ويُضْعِفُ هَذا التَأْوِيلَ ما فِيهِ مِنَ العَطْفِ عَلى الضَمِيرِ المَخْفُوضِ بِغَيْرِ إعادَةِ حَرْفِ الخَفْضِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ و﴿ "ما"﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ أيْ: ويُفْتِيكم ما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ؛ يَعْنِي القُرْآنَ؛ والإشارَةُ بِهَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ في أمْرِ النِساءِ؛ وهو قَوْلُهُ تَعالى - في صَدْرِ السُورَةِ -: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِساءِ﴾ [النساء: ٣] ؛ اَلْآيَةَ؛ «قالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أوَّلًا؛ ثُمَّ سَألَ ناسٌ بَعْدَها رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عن أمْرِ النِساءِ؛ فَنَزَلَتْ: (p-٣٣)﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ في النِساءِ؛ قُلِ اللهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾»؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَتامى النِساءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ ؛ مَعْناهُ النَهْيُ عَمّا كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ مِن ضَمِّ اليَتِيمَةِ الجَمِيلَةِ الغَنِيَّةِ بِدُونِ ما تَسْتَحِقُّهُ مِنَ المَهْرِ؛ ومِن عَضْلِ الدَمِيمَةِ الفَقِيرَةِ أبَدًا؛ والدَمِيمَةِ الغَنِيَّةِ؛ حَتّى تَمُوتَ؛ فَيَرِثَها العاضِلُ؛ ونَحْوَ هَذا مِمّا يَقْصِدُ بِهِ الوَلِيُّ مَنفَعَةَ نَفْسِهِ؛ لا نَفْعَ اليَتِيمَةِ؛ والَّذِي كَتَبَ اللهُ لَهُنَّ: هو تَوْفِيَةُ ما تَسْتَحِقُّهُ مِن مَهْرٍ؛ وإلْحاقُها بِأقْرانِها.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ اللهِ المَدَنِيُّ: "فِي يَيامى النِساءِ"؛ بِياءَيْنِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: والقَوْلُ في هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ أرادَ "أيامى"؛ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ ياءً؛ كَما قُلِبَتْ في قَوْلِهِمْ: "باهِلَةُ بْنُ يَعْصُرَ"؛ وإنَّما هو "ابْنُ أعْصُرَ"؛ لِأنَّهُ إنَّما يُسَمّى بِقَوْلِهِ:
؎ أبُنَيَّ إنَّ أباكَ غَيَّرَ لَوْنَهُ ∗∗∗ كَرُّ اللَيالِي واخْتِلافُ الأعْصُرِ
وكَما قُلِبَتِ الياءُ هَمْزَةً في قَوْلِهِمْ: "قَطَعَ اللهُ أدَهُ"؛ يُرِيدُونَ: "يَدَهُ"؛ و"أيامى": جَمْعُ "أيِّمٌ"؛ أصْلُهُ: "أيايِمُ"؛ قُلِبَتِ اللامُ مَوْضِعَ العَيْنِ؛ فَجاءَ: "أيامى"؛ ثُمَّ أُبْدِلَتْ مِنَ الكَسْرَةِ فَتْحَةٌ؛ ومِنَ الياءِ ألِفٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -:
"يُشْبِهُ أنَّ الداعِيَ إلى هَذا اسْتِثْقالُ الضَمَّةِ عَلى الياءِ"؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: ولَوْ قالَ قائِلٌ: كُسِّرَ "أيِّمٌ" عَلى "أيْمى"؛ عَلى وزْنِ "سَكْرى"؛ و"قَتْلى"؛ مِن حَيْثُ الأُيُومَةُ بَلِيَّةٌ تَدْخُلُ كُرْهًا؛ ثُمَّ كُسِّرَ "أيْمى" عَلى "أيامى"؛ لَكانَ وجْهًا حَسَنًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ ؛ إنْ كانَتِ الجارِيَةُ غَنِيَّةً جَمِيلَةً فالرَغْبَةُ في نِكاحِها؛ وإنْ كانَتْ بِالعَكْسِ فالرَغْبَةُ عن نِكاحِها؛ وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ (p-٣٤)عنهُ - يَأْخُذُ الناسُ بِالدَرَجَةِ الفُضْلى في هَذا المَعْنى؛ فَكانَ إذا سَألَ الوَلِيَّ عن ولِيَّتِهِ فَقِيلَ: هي غَنِيَّةٌ جَمِيلَةٌ؛ قالَ لَهُ: "اُطْلُبْ لَها مَن هو خَيْرٌ مِنكَ وأعْوَدُ عَلَيْها بِالنَفْعِ"؛ وإذا قِيلَ لَهُ: هي دَمِيمَةٌ فَقِيرَةٌ؛ قالَ لَهُ: "أنْتَ أولى بِها؛ وبِالسَتْرِ عَلَيْها؛ مِن غَيْرِكَ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ﴾ ؛ عَطْفٌ عَلى: ﴿يَتامى النِساءِ﴾ ؛ والَّذِي تُلِيَ في المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ في أولادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] ؛ وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ كانَتْ لا تُورِّثُ الصَبِيَّةَ؛ ولا الصَبِيَّ الصَغِيرَ؛ وكانَ الكَبِيرُ يَنْفَرِدُ بِالمالِ؛ وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّما يَرِثُ المالَ مَن يَحْمِي الحَوْزَةَ؛ ويَرُدُّ الغَنِيمَةَ؛ ويُقاتِلُ عَنِ الحَرِيمِ؛ فَفَرَضَ اللهُ لِكُلِّ واحِدٍ حَقَّهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ﴾ ؛ عَطْفٌ أيْضًا عَلى ما تَقَدَّمَ؛ والَّذِي تُلِيَ في هَذا المَعْنى هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذُكِرَ في مالِ اليَتِيمِ؛ و"اَلْقِسْطُ": اَلْعَدْلُ؛ وباقِي الآيَةِ وعْدٌ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ بِالجَزاءِ الجَمِيلِ؛ بَيِّنٌ.
النساء 4:128
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿وَإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أو إعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُلْحُ خَيْرٌ وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُحَّ وإنِ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
هَذِهِ الآيَةُ حُكْمٌ مِنَ اللهِ تَعالى في أمْرِ المَرْأةِ الَّتِي تَكُونُ ذاتَ سِنٍّ ودَمامَةٍ؛ أو نَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يُرَغِّبُ زَوْجَها عنها؛ فَيَذْهَبُ الزَوْجُ إلى طَلاقِها؛ أو إلى إيثارِ شابَّةٍ عَلَيْها؛ ونَحْوِ هَذا مِمّا يَقْصِدُ بِهِ صَلاحَ نَفْسِهِ؛ ولا يَضُرُّها هي ضَرَرًا يُلْزِمُهُ إيّاها؛ بَلْ يَعْرِضُ (p-٣٥)عَلَيْها الفُرْقَةَ؛ أوِ الصَبْرَ عَلى الأثَرَةِ؛ فَتُرِيدُ هي بَقاءَ العِصْمَةِ؛ فَهَذِهِ الَّتِي أباحَ اللهُ تَعالى بَيْنَهُما الصُلْحَ؛ ورَفَعَ الجُناحَ فِيهِ؛ إذِ الجُناحُ في كُلِّ صُلْحٍ يَكُونُ عن ضَرَرٍ مِنَ الزَوْجِ يَفْعَلُهُ حَتّى تُعالِجَهُ؛ وأباحَ اللهُ تَعالى الصُلْحَ مَعَ الخَوْفِ؛ وظُهُورِ عَلاماتِ النُشُوزِ؛ أوِ الإعْراضِ؛ وهو - مَعَ وُقُوعِها - مُباحٌ أيْضًا؛ و"اَلنُّشُوزُ": اَلِارْتِفاعُ بِالنَفْسِ عن رُتْبَةِ حُسْنِ العِشْرَةِ؛ و"اَلْإعْراضُ" أخَفُّ مِنَ النُشُوزِ.
وأنْواعُ الصُلْحِ كُلُّها مُباحَةٌ في هَذِهِ النازِلَةِ: أنْ يُعْطِيَ الزَوْجُ عَلى أنْ تَصْبِرَ هِيَ؛ أو تُعْطِيَ هي عَلى ألّا يُؤْثِرَ الزَوْجُ؛ أو عَلى أنْ يُؤْثِرَ ويَتَمَسَّكَ بِالعِصْمَةِ؛ أو يَقَعَ الصُلْحُ عَلى الصَبْرِ عَلى الأثَرَةِ؛ فَهَذا كُلُّهُ مُباحٌ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ الآيَةِ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وجَماعَةٌ مَعَهُ: نَزَلَتْ في النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ ؛ حَدَّثَ الطَبَرِيُّ بِسَنَدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَشِيَتْ سَوْدَةُ أنْ يُطَلِّقَها رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَتْ: لا تُطَلِّقْنِي؛ واحْبِسْنِي مَعَ نِسائِكَ؛ ولا تَقْسِمْ لِي؛ فَفَعَلَ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿وَإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أو إعْراضًا﴾ ؛ اَلْآيَةُ؛» وفي المُصَنَّفاتِ «أنَّ سَوْدَةَ لَمّا كَبِرَتْ وهَبَتْ يَوْمَها لِعائِشَةَ»؛ وهَذا نَحْوُ الأوَّلِ؛ وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ؛ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ ؛ وعُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ: نَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ؛ وخَوْلَةَ بِنْتِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ؛ وذَلِكَ أنَّهُ خَلا مِن سِنِّها؛ فَتَزَوَّجَ عَلَيْها شابَّةً؛ فَآثَرَ الشابَّةَ؛ فَلَمْ تَصْبِرْ هِيَ؛ فَطَلَّقَها طَلْقَةً؛ ثُمَّ تَراجَعا؛ فَعادَ فَآثَرَ الشابَّةَ؛ فَلَمْ تَصْبِرْ هِيَ؛ فَطَلَّقَها أُخْرى؛ فَلَمّا بَقِيَ مِنَ العِدَّةِ يَسِيرٌ قالَ لَها: إنْ شِئْتِ راجَعْتُكِ وصَبَرْتِ عَلى الأثَرَةِ؛ وإنْ شِئْتِ تَرَكْتُكِ حَتّى يَخْلُوَ أجَلُكِ؛ قالَتْ: بَلْ راجِعْنِي وأصْبِرُ؛ فَراجَعَها؛ فَآثَرَ الشابَّةَ؛ فَلَمْ تَصْبِرْ؛ فَقالَ: إنَّما هي واحِدَةٌ؛ فَإمّا أنْ تُقِرِّي عَلى ما تَرَيْنَ مِنَ الأثَرَةِ؛ (p-٣٦)وَإلّا طَلَّقْتُكِ؛ فَقَرَّتْ؛ فَهَذا هو الصُلْحُ الَّذِي أنْزَلَ اللهُ فِيهِ: "وَإنِ امْرَأةٌ خافَتْ".
وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ الآيَةُ بِسَبَبِ أبِي السَنابِلِ بْنِ بَعْكَكٍ؛ وامْرَأتِهِ.
وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "يَصّالَحا"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وشَدِّ الصادِ؛ وألِفٍ بَعْدَها؛ وأصْلُها: "يَتَصالَحا"؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ: "يُصْلِحا"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وسُكُونِ الصادِ؛ دُونَ ألِفٍ؛ وقَرَأ عُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ: "يُصالِحا"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ مِنَ المُفاعَلَةِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ؛ وعُثْمانُ البَتِّيُّ: "يَصَّلِحا"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وشَدِّ الصادِ؛ أصْلُها: "يَصْطَلِحا"؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: أبْدَلَ الطاءَ صادًا؛ ثُمَّ أدْغَمَ فِيها الصادَ الَّتِي هي فاءٌ؛ فَصارَتْ: "يَصَّلِحا" ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنِ اصّالَحا"؛ وكَذَلِكَ هي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "صُلْحًا"؛﴾ لَيْسَ الصُلْحُ مَصْدَرًا عَلى واحِدٍ مِن هَذِهِ الأفْعالِ الَّتِي قُرِئَ بِها؛ فالَّذِي يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمًا؛ كَـ "اَلْعَطاءُ"؛ مَعَ "أعْطَيْتُ"؛ و"اَلْكَرامَةُ"؛ مَعَ "أكْرَمْتُ"؛ فَمَن قَرَأ "يُصْلِحا"؛ كانَ تَعَدِّيهِ إلى الصُلْحِ كَتَعَدِّيهِ إلى الأسْماءِ؛ كَما تَقُولُ: "أصْلَحْتُ ثَوْبًا"؛ ومَن قَرَأ: "يَصّالَحا"؛ مِن "تَفاعَلَ"؛ وعُرِفَ "تَفاعَلَ" أنَّهُ لا يَتَعَدّى؛ فَوَجْهُهُ أنَّ "تَفاعَلَ" قَدْ جاءَ مُتَعَدِّيًا في نَحْوِ قَوْلِ ذِي الرُمَّةِ:
؎ ومِن جَرْدَةٍ غُفْلٍ بَساطٍ تَحاسَنَتْ ∗∗∗ بِها الوَشْيَ قَرّاتُ الرِياحِ وخُورُها
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الصُلْحُ مَصْدَرًا حُذِفَتْ زَوائِدُهُ؛ كَما قالَ:
؎ .............. ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ تَهْلِكْ فَذَلِكَ كانَ قَدْرِي
(p-٣٧)أيْ: تَقْدِيرِي
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: هَذا كَلامُ أبِي عَلِيٍّ ؛ عَلى أنَّ "اَلْقَدْرُ" مَصْدَرٌ جارٍ عَلى أنَّ "قَدَرْتُ الأمْرَ"؛ بِمَعْنى: "قَدَّرْتُ"؛ بِالتَشْدِيدِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصُلْحُ خَيْرٌ﴾ ؛ لَفْظٌ عامٌّ؛ مُطْلَقٌ؛ يَقْتَضِي أنَّ الصُلْحَ الحَقِيقِيَّ الَّذِي تَسْكُنُ إلَيْهِ النُفُوسُ؛ ويَزُولُ بِهِ الخِلافُ؛ خَيْرٌ عَلى الإطْلاقِ؛ ويَنْدَرِجُ تَحْتَ هَذا العُمُومِ أنَّ صُلْحَ الزَوْجَيْنِ - عَلى ما ذَكَرْنا - خَيْرٌ مِنَ الفُرْقَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُحَّ﴾ ؛ مَعْذِرَةٌ عن عَبِيدِهِ تَعالى ؛ أيْ: لا بُدَّ لِلْإنْسانِ بِحُكْمِ خِلْقَتِهِ وجِبِلَّتِهِ مِن أنْ يَشِحَّ عَلى إرادَتِهِ؛ حَتّى يَحْمِلَ صاحِبَهُ عَلى بَعْضِ ما يَكْرَهُ؛ وخَصَّصَ المُفَسِّرُونَ هَذِهِ اللَفْظَةَ هُنا؛ فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو شُحُّ المَرْأةِ بِالنَفَقَةِ مِن زَوْجِها وبِقَسْمِهِ لَها أيّامَها؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: اَلشُّحُّ هُنا مِنهُ؛ ومِنها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا أحْسَنُ؛ فَإنَّ الغالِبَ عَلى المَرْأةِ الشُحُّ بِنَصِيبِها مِن زَوْجِها؛ والغالِبَ عَلى الزَوْجِ الشُحُّ بِنَصِيبِهِ مِنَ الشابَّةِ".
و"اَلشُّحُّ": اَلضَّبْطُ عَلى المُعْتَقَداتِ؛ والإراداتِ؛ والهِمَمِ؛ والأمْوالِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فَما أفْرَطَ مِنها فَفِيهِ بَعْضُ المَذَمَّةِ؛ وهو الَّذِي قالَ تَعالى فِيهِ: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ [التغابن: ١٦] ؛ وما صارَ إلى حَيِّزِ مَنعِ الحُقُوقِ الشَرْعِيَّةِ؛ أوِ الَّتِي تَقْتَضِيها المُرُوءَةُ؛ فَهو البُخْلُ؛ وهي رَذِيلَةٌ؛ لَكِنَّها قَدْ تَكُونُ في المُؤْمِنِ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللهِ؛ أيَكُونُ المُؤْمِنُ بَخِيلًا؟ قالَ: "نَعَمْ"؛» وأمّا الشُحُّ فَفي كُلِّ أحَدٍ؛ لَكِنْ لا يُفْرِطُ؛ إلّا عَلى (p-٣٨)الدِينِ؛ ويَدُلُّكَ عَلى أنَّ الشُحَّ في كُلِّ أحَدٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُحَّ﴾ ؛ وقَوْلُهُ: ﴿شُحَّ نَفْسِهِ﴾ [الحشر: ٩] ؛ فَقَدْ أثْبَتَ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ شُحًّا؛ وقَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ؛ شَحِيحٌ"؛» وهَذا لَمْ يُرِدْ بِهِ واحِدًا بِعَيْنِهِ؛ ولَيْسَ يَجْمُلُ أنْ يُقالَ هُنا: "أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ؛ بَخِيلٌ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تُحْسِنُوا﴾ ؛ نَدْبٌ إلى الإحْسانِ في تَحْسِينِ العِشْرَةِ؛ وحَمْلِ أخْلاقِ الزَوْجَةِ؛ والصَبْرِ عَلى ما يُكْرَهُ مِن حالِها؛ وتَمَكَّنَ النَدْبُ إلى الإحْسانِ؛ مِن حَيْثُ لِلزَّوْجِ أنْ يَشِحَّ فَلا يُحْسِنُ.
﴿ "وَتَتَّقُوا"؛﴾ مَعْناهُ: تَتَّقُوا اللهَ في وصِيَّتِهِ بِالنِساءِ؛ إذْ هُنَّ عَوانٍ عِنْدَ الأزْواجِ؛ حَسْبَما فَسَّرَهُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: « "اِسْتَوْصُوا بِالنِساءِ خَيْرًا فَإنَّهُنَّ عَوانٍ عِنْدَكُمْ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِساءِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ مَعْناهُ: اَلْعَدْلُ التامُّ؛ عَلى الإطْلاقِ؛ المُسْتَوِي في الأفْعالِ؛ والأقْوالِ؛ والمَحَبَّةِ؛ والجِماعِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ «وَكانَ (p-٣٩)رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ؛ ثُمَّ يَقُولُ: "اَللَّهُمَّ هَذا فِعْلِي فِيما أمْلِكُ؛ فَلا تُؤاخِذْنِي فِيما تَمْلِكُ ولا أمْلِكُ"؛» يَعْنِي مَيْلَهُ بِقَلْبِهِ؛ وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَقُولُ: "اَللَّهُمَّ قَلْبِي فَلا أمْلِكُهُ؛ وأمّا ما سِوى ذَلِكَ فَأرْجُو أنْ أعْدِلَ"؛ ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ومَيْلِهِ بِقَلْبِهِ إلى عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها -؛ فَوَصَفَ اللهُ تَعالى حالَةَ البَشَرِ؛ وأنَّهم بِحُكْمِ الخِلْقَةِ لا يَمْلِكُونَ مَيْلَ قُلُوبِهِمْ إلى بَعْضِ الأزْواجِ؛ دُونَ بَعْضٍ؛ ونَشاطِهِمْ إلَيْهِنَّ وبِشْرِهِمْ مَعَهُنَّ؛ ثُمَّ نَهى عَنِ المَيْلِ كُلَّ المَيْلِ؛ وهو أنْ يَفْعَلَ فِعْلًا يَقْصِدُهُ مِنَ التَفْضِيلِ؛ وهو يَقْدِرُ ألّا يَفْعَلُهُ؛ فَهَذا هو كُلُّ المَيْلِ؛ وإنْ كانَ في أمْرٍ حَقِيرٍ؛ فَكَأنَّ الكَلامَ: "وَلا تَمِيلُوا النَوْعَ الَّذِي هو كُلُّ المَيْلِ؛ وهو المَقْصُودُ مِن قَوْلٍ؛ أو فِعْلٍ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ ؛ أيْ: لا هي أيِّمٌ؛ ولا ذاتُ زَوْجٍ؛ وهَذا تَشْبِيهٌ بِالشَيْءِ المُعَلَّقِ مِن شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ لا عَلى الأرْضِ اسْتَقَرَّ؛ ولا عَلى ما عُلِّقَ مِنهُ انْحَمَلَ؛ وهَذا مُطَّرِدٌ في قَوْلِهِمْ في المَثَلِ: "اِرْضَ مِنَ المَرْكَبِ بِالتَعْلِيقِ"؛ وفي عُرْفِ النَحْوِيِّينَ في تَعْلِيقِ الفِعْلِ؛ ومِنهُ في حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ: قَوْلُ المَرْأةِ: « "زَوْجِي العَشَنَّقُ؛ إنْ أنْطِقْ أُطَلَّقْ؛ وإنْ أسْكُتْ أُعَلَّقْ".»
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "فَتَذَرُوها كالمَسْجُونَةِ"؛ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "فَتَذَرُوها كَأنَّها مُعَلَّقَةٌ".
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا﴾ ؛ أيْ: وإنْ تَلْتَزِمُوا ما يُلْزِمُكم مِنَ العَدْلِ فِيما تَمْلِكُونَ؛ ﴿فَإنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ؛ لِما لا تَمْلِكُونَهُ؛ مُتَجاوِزًا عنهُ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: غَفُورًا لِما سَلَفَ مِنكم مِنَ المَيْلِ كُلَّ المَيْلِ؛ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ.
(p-٤٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -:
فَعَلى هَذا فَهي مَغْفِرَةٌ مُخَصَّصَةٌ لِقَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ؛ واقَعُوا المَحْظُورَ في مُدَّةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -.
وجاءَ في الَّتِي قَبْلُ: ﴿ "وَإنْ تُحْسِنُوا"؛﴾ وفي هَذِهِ: ﴿ "وَإنْ تُصْلِحُوا"؛﴾ لِأنَّ الأوَّلَ في مَندُوبٍ إلَيْهِ؛ وهَذِهِ في لازِمٍ؛ لِأنَّ الرَجُلَ لَهُ هُنالِكَ ألّا يُحْسِنَ؛ وأنْ يَشِحَّ ويُصالِحَ بِما يُرْضِيهِ؛ وفي هَذِهِ لَيْسَ لَهُ أنْ يُصْلِحَ؛ بَلْ يَلْزَمُهُ العَدْلُ فِيما يَمْلِكُ.
النساء 4:129
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿وَإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أو إعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُلْحُ خَيْرٌ وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُحَّ وإنِ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
هَذِهِ الآيَةُ حُكْمٌ مِنَ اللهِ تَعالى في أمْرِ المَرْأةِ الَّتِي تَكُونُ ذاتَ سِنٍّ ودَمامَةٍ؛ أو نَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يُرَغِّبُ زَوْجَها عنها؛ فَيَذْهَبُ الزَوْجُ إلى طَلاقِها؛ أو إلى إيثارِ شابَّةٍ عَلَيْها؛ ونَحْوِ هَذا مِمّا يَقْصِدُ بِهِ صَلاحَ نَفْسِهِ؛ ولا يَضُرُّها هي ضَرَرًا يُلْزِمُهُ إيّاها؛ بَلْ يَعْرِضُ (p-٣٥)عَلَيْها الفُرْقَةَ؛ أوِ الصَبْرَ عَلى الأثَرَةِ؛ فَتُرِيدُ هي بَقاءَ العِصْمَةِ؛ فَهَذِهِ الَّتِي أباحَ اللهُ تَعالى بَيْنَهُما الصُلْحَ؛ ورَفَعَ الجُناحَ فِيهِ؛ إذِ الجُناحُ في كُلِّ صُلْحٍ يَكُونُ عن ضَرَرٍ مِنَ الزَوْجِ يَفْعَلُهُ حَتّى تُعالِجَهُ؛ وأباحَ اللهُ تَعالى الصُلْحَ مَعَ الخَوْفِ؛ وظُهُورِ عَلاماتِ النُشُوزِ؛ أوِ الإعْراضِ؛ وهو - مَعَ وُقُوعِها - مُباحٌ أيْضًا؛ و"اَلنُّشُوزُ": اَلِارْتِفاعُ بِالنَفْسِ عن رُتْبَةِ حُسْنِ العِشْرَةِ؛ و"اَلْإعْراضُ" أخَفُّ مِنَ النُشُوزِ.
وأنْواعُ الصُلْحِ كُلُّها مُباحَةٌ في هَذِهِ النازِلَةِ: أنْ يُعْطِيَ الزَوْجُ عَلى أنْ تَصْبِرَ هِيَ؛ أو تُعْطِيَ هي عَلى ألّا يُؤْثِرَ الزَوْجُ؛ أو عَلى أنْ يُؤْثِرَ ويَتَمَسَّكَ بِالعِصْمَةِ؛ أو يَقَعَ الصُلْحُ عَلى الصَبْرِ عَلى الأثَرَةِ؛ فَهَذا كُلُّهُ مُباحٌ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ الآيَةِ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وجَماعَةٌ مَعَهُ: نَزَلَتْ في النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ ؛ حَدَّثَ الطَبَرِيُّ بِسَنَدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَشِيَتْ سَوْدَةُ أنْ يُطَلِّقَها رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَتْ: لا تُطَلِّقْنِي؛ واحْبِسْنِي مَعَ نِسائِكَ؛ ولا تَقْسِمْ لِي؛ فَفَعَلَ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿وَإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أو إعْراضًا﴾ ؛ اَلْآيَةُ؛» وفي المُصَنَّفاتِ «أنَّ سَوْدَةَ لَمّا كَبِرَتْ وهَبَتْ يَوْمَها لِعائِشَةَ»؛ وهَذا نَحْوُ الأوَّلِ؛ وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ؛ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ ؛ وعُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ: نَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ؛ وخَوْلَةَ بِنْتِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ؛ وذَلِكَ أنَّهُ خَلا مِن سِنِّها؛ فَتَزَوَّجَ عَلَيْها شابَّةً؛ فَآثَرَ الشابَّةَ؛ فَلَمْ تَصْبِرْ هِيَ؛ فَطَلَّقَها طَلْقَةً؛ ثُمَّ تَراجَعا؛ فَعادَ فَآثَرَ الشابَّةَ؛ فَلَمْ تَصْبِرْ هِيَ؛ فَطَلَّقَها أُخْرى؛ فَلَمّا بَقِيَ مِنَ العِدَّةِ يَسِيرٌ قالَ لَها: إنْ شِئْتِ راجَعْتُكِ وصَبَرْتِ عَلى الأثَرَةِ؛ وإنْ شِئْتِ تَرَكْتُكِ حَتّى يَخْلُوَ أجَلُكِ؛ قالَتْ: بَلْ راجِعْنِي وأصْبِرُ؛ فَراجَعَها؛ فَآثَرَ الشابَّةَ؛ فَلَمْ تَصْبِرْ؛ فَقالَ: إنَّما هي واحِدَةٌ؛ فَإمّا أنْ تُقِرِّي عَلى ما تَرَيْنَ مِنَ الأثَرَةِ؛ (p-٣٦)وَإلّا طَلَّقْتُكِ؛ فَقَرَّتْ؛ فَهَذا هو الصُلْحُ الَّذِي أنْزَلَ اللهُ فِيهِ: "وَإنِ امْرَأةٌ خافَتْ".
وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ الآيَةُ بِسَبَبِ أبِي السَنابِلِ بْنِ بَعْكَكٍ؛ وامْرَأتِهِ.
وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "يَصّالَحا"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وشَدِّ الصادِ؛ وألِفٍ بَعْدَها؛ وأصْلُها: "يَتَصالَحا"؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ: "يُصْلِحا"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وسُكُونِ الصادِ؛ دُونَ ألِفٍ؛ وقَرَأ عُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ: "يُصالِحا"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ مِنَ المُفاعَلَةِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ؛ وعُثْمانُ البَتِّيُّ: "يَصَّلِحا"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وشَدِّ الصادِ؛ أصْلُها: "يَصْطَلِحا"؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: أبْدَلَ الطاءَ صادًا؛ ثُمَّ أدْغَمَ فِيها الصادَ الَّتِي هي فاءٌ؛ فَصارَتْ: "يَصَّلِحا" ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنِ اصّالَحا"؛ وكَذَلِكَ هي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "صُلْحًا"؛﴾ لَيْسَ الصُلْحُ مَصْدَرًا عَلى واحِدٍ مِن هَذِهِ الأفْعالِ الَّتِي قُرِئَ بِها؛ فالَّذِي يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمًا؛ كَـ "اَلْعَطاءُ"؛ مَعَ "أعْطَيْتُ"؛ و"اَلْكَرامَةُ"؛ مَعَ "أكْرَمْتُ"؛ فَمَن قَرَأ "يُصْلِحا"؛ كانَ تَعَدِّيهِ إلى الصُلْحِ كَتَعَدِّيهِ إلى الأسْماءِ؛ كَما تَقُولُ: "أصْلَحْتُ ثَوْبًا"؛ ومَن قَرَأ: "يَصّالَحا"؛ مِن "تَفاعَلَ"؛ وعُرِفَ "تَفاعَلَ" أنَّهُ لا يَتَعَدّى؛ فَوَجْهُهُ أنَّ "تَفاعَلَ" قَدْ جاءَ مُتَعَدِّيًا في نَحْوِ قَوْلِ ذِي الرُمَّةِ:
؎ ومِن جَرْدَةٍ غُفْلٍ بَساطٍ تَحاسَنَتْ ∗∗∗ بِها الوَشْيَ قَرّاتُ الرِياحِ وخُورُها
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الصُلْحُ مَصْدَرًا حُذِفَتْ زَوائِدُهُ؛ كَما قالَ:
؎ .............. ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ تَهْلِكْ فَذَلِكَ كانَ قَدْرِي
(p-٣٧)أيْ: تَقْدِيرِي
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: هَذا كَلامُ أبِي عَلِيٍّ ؛ عَلى أنَّ "اَلْقَدْرُ" مَصْدَرٌ جارٍ عَلى أنَّ "قَدَرْتُ الأمْرَ"؛ بِمَعْنى: "قَدَّرْتُ"؛ بِالتَشْدِيدِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصُلْحُ خَيْرٌ﴾ ؛ لَفْظٌ عامٌّ؛ مُطْلَقٌ؛ يَقْتَضِي أنَّ الصُلْحَ الحَقِيقِيَّ الَّذِي تَسْكُنُ إلَيْهِ النُفُوسُ؛ ويَزُولُ بِهِ الخِلافُ؛ خَيْرٌ عَلى الإطْلاقِ؛ ويَنْدَرِجُ تَحْتَ هَذا العُمُومِ أنَّ صُلْحَ الزَوْجَيْنِ - عَلى ما ذَكَرْنا - خَيْرٌ مِنَ الفُرْقَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُحَّ﴾ ؛ مَعْذِرَةٌ عن عَبِيدِهِ تَعالى ؛ أيْ: لا بُدَّ لِلْإنْسانِ بِحُكْمِ خِلْقَتِهِ وجِبِلَّتِهِ مِن أنْ يَشِحَّ عَلى إرادَتِهِ؛ حَتّى يَحْمِلَ صاحِبَهُ عَلى بَعْضِ ما يَكْرَهُ؛ وخَصَّصَ المُفَسِّرُونَ هَذِهِ اللَفْظَةَ هُنا؛ فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو شُحُّ المَرْأةِ بِالنَفَقَةِ مِن زَوْجِها وبِقَسْمِهِ لَها أيّامَها؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: اَلشُّحُّ هُنا مِنهُ؛ ومِنها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا أحْسَنُ؛ فَإنَّ الغالِبَ عَلى المَرْأةِ الشُحُّ بِنَصِيبِها مِن زَوْجِها؛ والغالِبَ عَلى الزَوْجِ الشُحُّ بِنَصِيبِهِ مِنَ الشابَّةِ".
و"اَلشُّحُّ": اَلضَّبْطُ عَلى المُعْتَقَداتِ؛ والإراداتِ؛ والهِمَمِ؛ والأمْوالِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فَما أفْرَطَ مِنها فَفِيهِ بَعْضُ المَذَمَّةِ؛ وهو الَّذِي قالَ تَعالى فِيهِ: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ [التغابن: ١٦] ؛ وما صارَ إلى حَيِّزِ مَنعِ الحُقُوقِ الشَرْعِيَّةِ؛ أوِ الَّتِي تَقْتَضِيها المُرُوءَةُ؛ فَهو البُخْلُ؛ وهي رَذِيلَةٌ؛ لَكِنَّها قَدْ تَكُونُ في المُؤْمِنِ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللهِ؛ أيَكُونُ المُؤْمِنُ بَخِيلًا؟ قالَ: "نَعَمْ"؛» وأمّا الشُحُّ فَفي كُلِّ أحَدٍ؛ لَكِنْ لا يُفْرِطُ؛ إلّا عَلى (p-٣٨)الدِينِ؛ ويَدُلُّكَ عَلى أنَّ الشُحَّ في كُلِّ أحَدٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُحَّ﴾ ؛ وقَوْلُهُ: ﴿شُحَّ نَفْسِهِ﴾ [الحشر: ٩] ؛ فَقَدْ أثْبَتَ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ شُحًّا؛ وقَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ؛ شَحِيحٌ"؛» وهَذا لَمْ يُرِدْ بِهِ واحِدًا بِعَيْنِهِ؛ ولَيْسَ يَجْمُلُ أنْ يُقالَ هُنا: "أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ؛ بَخِيلٌ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تُحْسِنُوا﴾ ؛ نَدْبٌ إلى الإحْسانِ في تَحْسِينِ العِشْرَةِ؛ وحَمْلِ أخْلاقِ الزَوْجَةِ؛ والصَبْرِ عَلى ما يُكْرَهُ مِن حالِها؛ وتَمَكَّنَ النَدْبُ إلى الإحْسانِ؛ مِن حَيْثُ لِلزَّوْجِ أنْ يَشِحَّ فَلا يُحْسِنُ.
﴿ "وَتَتَّقُوا"؛﴾ مَعْناهُ: تَتَّقُوا اللهَ في وصِيَّتِهِ بِالنِساءِ؛ إذْ هُنَّ عَوانٍ عِنْدَ الأزْواجِ؛ حَسْبَما فَسَّرَهُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: « "اِسْتَوْصُوا بِالنِساءِ خَيْرًا فَإنَّهُنَّ عَوانٍ عِنْدَكُمْ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِساءِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ مَعْناهُ: اَلْعَدْلُ التامُّ؛ عَلى الإطْلاقِ؛ المُسْتَوِي في الأفْعالِ؛ والأقْوالِ؛ والمَحَبَّةِ؛ والجِماعِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ «وَكانَ (p-٣٩)رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ؛ ثُمَّ يَقُولُ: "اَللَّهُمَّ هَذا فِعْلِي فِيما أمْلِكُ؛ فَلا تُؤاخِذْنِي فِيما تَمْلِكُ ولا أمْلِكُ"؛» يَعْنِي مَيْلَهُ بِقَلْبِهِ؛ وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَقُولُ: "اَللَّهُمَّ قَلْبِي فَلا أمْلِكُهُ؛ وأمّا ما سِوى ذَلِكَ فَأرْجُو أنْ أعْدِلَ"؛ ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ومَيْلِهِ بِقَلْبِهِ إلى عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها -؛ فَوَصَفَ اللهُ تَعالى حالَةَ البَشَرِ؛ وأنَّهم بِحُكْمِ الخِلْقَةِ لا يَمْلِكُونَ مَيْلَ قُلُوبِهِمْ إلى بَعْضِ الأزْواجِ؛ دُونَ بَعْضٍ؛ ونَشاطِهِمْ إلَيْهِنَّ وبِشْرِهِمْ مَعَهُنَّ؛ ثُمَّ نَهى عَنِ المَيْلِ كُلَّ المَيْلِ؛ وهو أنْ يَفْعَلَ فِعْلًا يَقْصِدُهُ مِنَ التَفْضِيلِ؛ وهو يَقْدِرُ ألّا يَفْعَلُهُ؛ فَهَذا هو كُلُّ المَيْلِ؛ وإنْ كانَ في أمْرٍ حَقِيرٍ؛ فَكَأنَّ الكَلامَ: "وَلا تَمِيلُوا النَوْعَ الَّذِي هو كُلُّ المَيْلِ؛ وهو المَقْصُودُ مِن قَوْلٍ؛ أو فِعْلٍ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ ؛ أيْ: لا هي أيِّمٌ؛ ولا ذاتُ زَوْجٍ؛ وهَذا تَشْبِيهٌ بِالشَيْءِ المُعَلَّقِ مِن شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ لا عَلى الأرْضِ اسْتَقَرَّ؛ ولا عَلى ما عُلِّقَ مِنهُ انْحَمَلَ؛ وهَذا مُطَّرِدٌ في قَوْلِهِمْ في المَثَلِ: "اِرْضَ مِنَ المَرْكَبِ بِالتَعْلِيقِ"؛ وفي عُرْفِ النَحْوِيِّينَ في تَعْلِيقِ الفِعْلِ؛ ومِنهُ في حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ: قَوْلُ المَرْأةِ: « "زَوْجِي العَشَنَّقُ؛ إنْ أنْطِقْ أُطَلَّقْ؛ وإنْ أسْكُتْ أُعَلَّقْ".»
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "فَتَذَرُوها كالمَسْجُونَةِ"؛ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "فَتَذَرُوها كَأنَّها مُعَلَّقَةٌ".
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا﴾ ؛ أيْ: وإنْ تَلْتَزِمُوا ما يُلْزِمُكم مِنَ العَدْلِ فِيما تَمْلِكُونَ؛ ﴿فَإنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ؛ لِما لا تَمْلِكُونَهُ؛ مُتَجاوِزًا عنهُ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: غَفُورًا لِما سَلَفَ مِنكم مِنَ المَيْلِ كُلَّ المَيْلِ؛ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ.
(p-٤٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -:
فَعَلى هَذا فَهي مَغْفِرَةٌ مُخَصَّصَةٌ لِقَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ؛ واقَعُوا المَحْظُورَ في مُدَّةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -.
وجاءَ في الَّتِي قَبْلُ: ﴿ "وَإنْ تُحْسِنُوا"؛﴾ وفي هَذِهِ: ﴿ "وَإنْ تُصْلِحُوا"؛﴾ لِأنَّ الأوَّلَ في مَندُوبٍ إلَيْهِ؛ وهَذِهِ في لازِمٍ؛ لِأنَّ الرَجُلَ لَهُ هُنالِكَ ألّا يُحْسِنَ؛ وأنْ يَشِحَّ ويُصالِحَ بِما يُرْضِيهِ؛ وفي هَذِهِ لَيْسَ لَهُ أنْ يُصْلِحَ؛ بَلْ يَلْزَمُهُ العَدْلُ فِيما يَمْلِكُ.
النساء 4:130
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿وَإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلا مِن سَعَتِهِ وكانَ اللهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ ﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم وإيّاكم أنِ اتَّقُوا اللهَ وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللهَ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ ﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها الناسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾
اَلضَّمِيرُ في قَوْلِهِ "يَتَفَرَّقا"؛ لِلزَّوْجَيْنِ اللَذَيْنِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما؛ أيْ: "إنْ شَحَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما؛ فَلَمْ يَتَصالَحا؛ لَكِنَّهُما تَفَرَّقا بِطَلاقٍ؛ فَإنَّ اللهَ تَعالى يُغْنِي كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عن صاحِبِهِ بِفَضْلِهِ؛ ولَطائِفِ صُنْعِهِ؛ في المالِ؛ والعِشْرَةِ؛ والسَعَةِ؛ وجُودِ المُراداتِ؛ والتَمَكُّنِ مِنها؛ وذَهَبَ بَعْضُ الفُقَهاءِ المالِكِيِّينَ إلى أنَّ التَفَرُّقَ في هَذِهِ الآيَةِ هو بِالقَوْلِ؛ إذِ الطَلاقُ قَوْلٌ؛ واحْتَجَّ بِهَذِهِ عَلى قَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "اَلْبَيِّعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا"؛» إذْ مَذْهَبُ مالِكٍ في الحَدِيثِ أنَّهُ التَفَرُّقُ بِالقَوْلِ؛ لا بِالبَدَنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا حُجَّةَ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ إخْبارَها إنَّما هو عَنِ افْتِراقِهِما بِالأبْدانِ؛ وتَراخِي المُدَّةِ بِزَوالِ العِصْمَةِ؛ والإغْناءُ إنَّما يَقَعُ في ثانِي حالٍ؛ ولَوْ كانَتِ الفُرْقَةُ في الآيَةِ الطَلاقَ لَما كانَ لِلْمَرْأةِ فِيها نَصِيبٌ يُوجِبُ ظُهُورَ ضَمِيرِها في الفِعْلِ؛ وهَذِهِ نُبْذَةٌ مِنَ المُعارَضَةِ في المَسْألَةِ؛ و"اَلْواسِعُ"؛ مَعْناهُ: اَلَّذِي عِنْدَهُ خَزائِنُ كُلِّ شَيْءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ؛ تَنْبِيهٌ عَلى مَوْضِعِ الرَجاءِ لِهَذَيْنِ المُفْتَرِقَيْنِ؛ ثُمَّ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ؛ (p-٤١)تَنْبِيهًا عَلى اسْتِغْنائِهِ عَنِ العِبادِ؛ ومُقَدِّمَةٌ لِلْخَبَرِ بِكَوْنِهِ "غَنِيًّا حَمِيدًا"؛ ثُمَّ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ؛ وكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾ ؛ مُقَدِّمَةٌ لِلْوَعِيدِ؛ فَهَذِهِ وُجُوهُ تَكْرارِ هَذا الخَبَرِ الواحِدِ ثَلاثَ مَرّاتٍ مُتَقارِبَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ؛ لَفْظٌ عامٌّ لِكُلِّ مَن أُوتِيَ كِتابًا؛ فَإنَّ وصِيَّةَ اللهِ عِبادَهُ بِالتَقْوى لَمْ تَزَلْ مُنْذُ أوَجَدَهُمْ؛ و"اَلْوَكِيلُ": اَلْقائِمُ بِالأُمُورِ؛ المُنْفِذُ فِيها ما رَآهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُّها الناسُ﴾ ؛ مُخاطَبَةٌ لِلْحاضِرِينَ مِنَ العَرَبِ؛ وتَوْقِيفٌ لِلسّامِعِينَ؛ لِتَحَضُّرِ أذْهانِهِمْ؛ وقَوْلُهُ: "بِآخَرِينَ"؛ يُرِيدُ: مِن نَوْعِكُمْ؛ ورُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِيَدِهِ عَلى كَتِفِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ ؛ وقالَ: "هم قَوْمُ هَذا"؛» وتَحْتَمِلُ ألْفاظُ الآيَةِ أنْ تَكُونَ وعِيدًا لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ؛ ويَكُونَ الآخَرُونَ مِن غَيْرِ نَوْعِهِمْ؛ كَما قَدْ رُوِيَ: أنَّهُ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَعْبُدُونَ اللهَ قَبْلَ بَنِي آدَمَ؛ وقُدْرَةُ اللهِ تَعالى عَلى ما ذُكِرَ تَقْضِي بِها العُقُولُ بِبَداهَتِها؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: هَذا الوَعِيدُ والتَوْبِيخُ هو لِلْقَوْمِ الَّذِينَ شَفَّعُوا في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ وخاصَمُوا عنهُ في أمْرِ خِيانَتِهِ في الدِرْعِ؛ والدَقِيقِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ؛ واللَفْظُ إنَّما يَظْهَرُ حُسْنُ رَصْفِهِ بِعُمُومِهِ؛ وانْسِحابِهِ عَلى العالَمِ جُمْلَةً؛ أوِ العالَمِ الحاضِرِ.
النساء 4:131
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿وَإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلا مِن سَعَتِهِ وكانَ اللهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ ﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم وإيّاكم أنِ اتَّقُوا اللهَ وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللهَ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ ﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها الناسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾
اَلضَّمِيرُ في قَوْلِهِ "يَتَفَرَّقا"؛ لِلزَّوْجَيْنِ اللَذَيْنِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما؛ أيْ: "إنْ شَحَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما؛ فَلَمْ يَتَصالَحا؛ لَكِنَّهُما تَفَرَّقا بِطَلاقٍ؛ فَإنَّ اللهَ تَعالى يُغْنِي كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عن صاحِبِهِ بِفَضْلِهِ؛ ولَطائِفِ صُنْعِهِ؛ في المالِ؛ والعِشْرَةِ؛ والسَعَةِ؛ وجُودِ المُراداتِ؛ والتَمَكُّنِ مِنها؛ وذَهَبَ بَعْضُ الفُقَهاءِ المالِكِيِّينَ إلى أنَّ التَفَرُّقَ في هَذِهِ الآيَةِ هو بِالقَوْلِ؛ إذِ الطَلاقُ قَوْلٌ؛ واحْتَجَّ بِهَذِهِ عَلى قَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "اَلْبَيِّعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا"؛» إذْ مَذْهَبُ مالِكٍ في الحَدِيثِ أنَّهُ التَفَرُّقُ بِالقَوْلِ؛ لا بِالبَدَنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا حُجَّةَ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ إخْبارَها إنَّما هو عَنِ افْتِراقِهِما بِالأبْدانِ؛ وتَراخِي المُدَّةِ بِزَوالِ العِصْمَةِ؛ والإغْناءُ إنَّما يَقَعُ في ثانِي حالٍ؛ ولَوْ كانَتِ الفُرْقَةُ في الآيَةِ الطَلاقَ لَما كانَ لِلْمَرْأةِ فِيها نَصِيبٌ يُوجِبُ ظُهُورَ ضَمِيرِها في الفِعْلِ؛ وهَذِهِ نُبْذَةٌ مِنَ المُعارَضَةِ في المَسْألَةِ؛ و"اَلْواسِعُ"؛ مَعْناهُ: اَلَّذِي عِنْدَهُ خَزائِنُ كُلِّ شَيْءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ؛ تَنْبِيهٌ عَلى مَوْضِعِ الرَجاءِ لِهَذَيْنِ المُفْتَرِقَيْنِ؛ ثُمَّ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ؛ (p-٤١)تَنْبِيهًا عَلى اسْتِغْنائِهِ عَنِ العِبادِ؛ ومُقَدِّمَةٌ لِلْخَبَرِ بِكَوْنِهِ "غَنِيًّا حَمِيدًا"؛ ثُمَّ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ؛ وكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾ ؛ مُقَدِّمَةٌ لِلْوَعِيدِ؛ فَهَذِهِ وُجُوهُ تَكْرارِ هَذا الخَبَرِ الواحِدِ ثَلاثَ مَرّاتٍ مُتَقارِبَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ؛ لَفْظٌ عامٌّ لِكُلِّ مَن أُوتِيَ كِتابًا؛ فَإنَّ وصِيَّةَ اللهِ عِبادَهُ بِالتَقْوى لَمْ تَزَلْ مُنْذُ أوَجَدَهُمْ؛ و"اَلْوَكِيلُ": اَلْقائِمُ بِالأُمُورِ؛ المُنْفِذُ فِيها ما رَآهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُّها الناسُ﴾ ؛ مُخاطَبَةٌ لِلْحاضِرِينَ مِنَ العَرَبِ؛ وتَوْقِيفٌ لِلسّامِعِينَ؛ لِتَحَضُّرِ أذْهانِهِمْ؛ وقَوْلُهُ: "بِآخَرِينَ"؛ يُرِيدُ: مِن نَوْعِكُمْ؛ ورُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِيَدِهِ عَلى كَتِفِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ ؛ وقالَ: "هم قَوْمُ هَذا"؛» وتَحْتَمِلُ ألْفاظُ الآيَةِ أنْ تَكُونَ وعِيدًا لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ؛ ويَكُونَ الآخَرُونَ مِن غَيْرِ نَوْعِهِمْ؛ كَما قَدْ رُوِيَ: أنَّهُ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَعْبُدُونَ اللهَ قَبْلَ بَنِي آدَمَ؛ وقُدْرَةُ اللهِ تَعالى عَلى ما ذُكِرَ تَقْضِي بِها العُقُولُ بِبَداهَتِها؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: هَذا الوَعِيدُ والتَوْبِيخُ هو لِلْقَوْمِ الَّذِينَ شَفَّعُوا في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ وخاصَمُوا عنهُ في أمْرِ خِيانَتِهِ في الدِرْعِ؛ والدَقِيقِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ؛ واللَفْظُ إنَّما يَظْهَرُ حُسْنُ رَصْفِهِ بِعُمُومِهِ؛ وانْسِحابِهِ عَلى العالَمِ جُمْلَةً؛ أوِ العالَمِ الحاضِرِ.
النساء 4:132
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿وَإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلا مِن سَعَتِهِ وكانَ اللهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ ﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم وإيّاكم أنِ اتَّقُوا اللهَ وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللهَ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ ﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها الناسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾
اَلضَّمِيرُ في قَوْلِهِ "يَتَفَرَّقا"؛ لِلزَّوْجَيْنِ اللَذَيْنِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما؛ أيْ: "إنْ شَحَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما؛ فَلَمْ يَتَصالَحا؛ لَكِنَّهُما تَفَرَّقا بِطَلاقٍ؛ فَإنَّ اللهَ تَعالى يُغْنِي كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عن صاحِبِهِ بِفَضْلِهِ؛ ولَطائِفِ صُنْعِهِ؛ في المالِ؛ والعِشْرَةِ؛ والسَعَةِ؛ وجُودِ المُراداتِ؛ والتَمَكُّنِ مِنها؛ وذَهَبَ بَعْضُ الفُقَهاءِ المالِكِيِّينَ إلى أنَّ التَفَرُّقَ في هَذِهِ الآيَةِ هو بِالقَوْلِ؛ إذِ الطَلاقُ قَوْلٌ؛ واحْتَجَّ بِهَذِهِ عَلى قَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "اَلْبَيِّعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا"؛» إذْ مَذْهَبُ مالِكٍ في الحَدِيثِ أنَّهُ التَفَرُّقُ بِالقَوْلِ؛ لا بِالبَدَنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا حُجَّةَ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ إخْبارَها إنَّما هو عَنِ افْتِراقِهِما بِالأبْدانِ؛ وتَراخِي المُدَّةِ بِزَوالِ العِصْمَةِ؛ والإغْناءُ إنَّما يَقَعُ في ثانِي حالٍ؛ ولَوْ كانَتِ الفُرْقَةُ في الآيَةِ الطَلاقَ لَما كانَ لِلْمَرْأةِ فِيها نَصِيبٌ يُوجِبُ ظُهُورَ ضَمِيرِها في الفِعْلِ؛ وهَذِهِ نُبْذَةٌ مِنَ المُعارَضَةِ في المَسْألَةِ؛ و"اَلْواسِعُ"؛ مَعْناهُ: اَلَّذِي عِنْدَهُ خَزائِنُ كُلِّ شَيْءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ؛ تَنْبِيهٌ عَلى مَوْضِعِ الرَجاءِ لِهَذَيْنِ المُفْتَرِقَيْنِ؛ ثُمَّ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ؛ (p-٤١)تَنْبِيهًا عَلى اسْتِغْنائِهِ عَنِ العِبادِ؛ ومُقَدِّمَةٌ لِلْخَبَرِ بِكَوْنِهِ "غَنِيًّا حَمِيدًا"؛ ثُمَّ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ؛ وكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾ ؛ مُقَدِّمَةٌ لِلْوَعِيدِ؛ فَهَذِهِ وُجُوهُ تَكْرارِ هَذا الخَبَرِ الواحِدِ ثَلاثَ مَرّاتٍ مُتَقارِبَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ؛ لَفْظٌ عامٌّ لِكُلِّ مَن أُوتِيَ كِتابًا؛ فَإنَّ وصِيَّةَ اللهِ عِبادَهُ بِالتَقْوى لَمْ تَزَلْ مُنْذُ أوَجَدَهُمْ؛ و"اَلْوَكِيلُ": اَلْقائِمُ بِالأُمُورِ؛ المُنْفِذُ فِيها ما رَآهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُّها الناسُ﴾ ؛ مُخاطَبَةٌ لِلْحاضِرِينَ مِنَ العَرَبِ؛ وتَوْقِيفٌ لِلسّامِعِينَ؛ لِتَحَضُّرِ أذْهانِهِمْ؛ وقَوْلُهُ: "بِآخَرِينَ"؛ يُرِيدُ: مِن نَوْعِكُمْ؛ ورُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِيَدِهِ عَلى كَتِفِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ ؛ وقالَ: "هم قَوْمُ هَذا"؛» وتَحْتَمِلُ ألْفاظُ الآيَةِ أنْ تَكُونَ وعِيدًا لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ؛ ويَكُونَ الآخَرُونَ مِن غَيْرِ نَوْعِهِمْ؛ كَما قَدْ رُوِيَ: أنَّهُ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَعْبُدُونَ اللهَ قَبْلَ بَنِي آدَمَ؛ وقُدْرَةُ اللهِ تَعالى عَلى ما ذُكِرَ تَقْضِي بِها العُقُولُ بِبَداهَتِها؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: هَذا الوَعِيدُ والتَوْبِيخُ هو لِلْقَوْمِ الَّذِينَ شَفَّعُوا في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ وخاصَمُوا عنهُ في أمْرِ خِيانَتِهِ في الدِرْعِ؛ والدَقِيقِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ؛ واللَفْظُ إنَّما يَظْهَرُ حُسْنُ رَصْفِهِ بِعُمُومِهِ؛ وانْسِحابِهِ عَلى العالَمِ جُمْلَةً؛ أوِ العالَمِ الحاضِرِ.
النساء 4:133
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿وَإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلا مِن سَعَتِهِ وكانَ اللهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ ﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم وإيّاكم أنِ اتَّقُوا اللهَ وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللهَ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ ﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها الناسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾
اَلضَّمِيرُ في قَوْلِهِ "يَتَفَرَّقا"؛ لِلزَّوْجَيْنِ اللَذَيْنِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما؛ أيْ: "إنْ شَحَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما؛ فَلَمْ يَتَصالَحا؛ لَكِنَّهُما تَفَرَّقا بِطَلاقٍ؛ فَإنَّ اللهَ تَعالى يُغْنِي كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عن صاحِبِهِ بِفَضْلِهِ؛ ولَطائِفِ صُنْعِهِ؛ في المالِ؛ والعِشْرَةِ؛ والسَعَةِ؛ وجُودِ المُراداتِ؛ والتَمَكُّنِ مِنها؛ وذَهَبَ بَعْضُ الفُقَهاءِ المالِكِيِّينَ إلى أنَّ التَفَرُّقَ في هَذِهِ الآيَةِ هو بِالقَوْلِ؛ إذِ الطَلاقُ قَوْلٌ؛ واحْتَجَّ بِهَذِهِ عَلى قَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "اَلْبَيِّعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا"؛» إذْ مَذْهَبُ مالِكٍ في الحَدِيثِ أنَّهُ التَفَرُّقُ بِالقَوْلِ؛ لا بِالبَدَنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا حُجَّةَ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ إخْبارَها إنَّما هو عَنِ افْتِراقِهِما بِالأبْدانِ؛ وتَراخِي المُدَّةِ بِزَوالِ العِصْمَةِ؛ والإغْناءُ إنَّما يَقَعُ في ثانِي حالٍ؛ ولَوْ كانَتِ الفُرْقَةُ في الآيَةِ الطَلاقَ لَما كانَ لِلْمَرْأةِ فِيها نَصِيبٌ يُوجِبُ ظُهُورَ ضَمِيرِها في الفِعْلِ؛ وهَذِهِ نُبْذَةٌ مِنَ المُعارَضَةِ في المَسْألَةِ؛ و"اَلْواسِعُ"؛ مَعْناهُ: اَلَّذِي عِنْدَهُ خَزائِنُ كُلِّ شَيْءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ؛ تَنْبِيهٌ عَلى مَوْضِعِ الرَجاءِ لِهَذَيْنِ المُفْتَرِقَيْنِ؛ ثُمَّ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ؛ (p-٤١)تَنْبِيهًا عَلى اسْتِغْنائِهِ عَنِ العِبادِ؛ ومُقَدِّمَةٌ لِلْخَبَرِ بِكَوْنِهِ "غَنِيًّا حَمِيدًا"؛ ثُمَّ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ؛ وكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾ ؛ مُقَدِّمَةٌ لِلْوَعِيدِ؛ فَهَذِهِ وُجُوهُ تَكْرارِ هَذا الخَبَرِ الواحِدِ ثَلاثَ مَرّاتٍ مُتَقارِبَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ؛ لَفْظٌ عامٌّ لِكُلِّ مَن أُوتِيَ كِتابًا؛ فَإنَّ وصِيَّةَ اللهِ عِبادَهُ بِالتَقْوى لَمْ تَزَلْ مُنْذُ أوَجَدَهُمْ؛ و"اَلْوَكِيلُ": اَلْقائِمُ بِالأُمُورِ؛ المُنْفِذُ فِيها ما رَآهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُّها الناسُ﴾ ؛ مُخاطَبَةٌ لِلْحاضِرِينَ مِنَ العَرَبِ؛ وتَوْقِيفٌ لِلسّامِعِينَ؛ لِتَحَضُّرِ أذْهانِهِمْ؛ وقَوْلُهُ: "بِآخَرِينَ"؛ يُرِيدُ: مِن نَوْعِكُمْ؛ ورُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِيَدِهِ عَلى كَتِفِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ ؛ وقالَ: "هم قَوْمُ هَذا"؛» وتَحْتَمِلُ ألْفاظُ الآيَةِ أنْ تَكُونَ وعِيدًا لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ؛ ويَكُونَ الآخَرُونَ مِن غَيْرِ نَوْعِهِمْ؛ كَما قَدْ رُوِيَ: أنَّهُ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَعْبُدُونَ اللهَ قَبْلَ بَنِي آدَمَ؛ وقُدْرَةُ اللهِ تَعالى عَلى ما ذُكِرَ تَقْضِي بِها العُقُولُ بِبَداهَتِها؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: هَذا الوَعِيدُ والتَوْبِيخُ هو لِلْقَوْمِ الَّذِينَ شَفَّعُوا في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ وخاصَمُوا عنهُ في أمْرِ خِيانَتِهِ في الدِرْعِ؛ والدَقِيقِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ؛ واللَفْظُ إنَّما يَظْهَرُ حُسْنُ رَصْفِهِ بِعُمُومِهِ؛ وانْسِحابِهِ عَلى العالَمِ جُمْلَةً؛ أوِ العالَمِ الحاضِرِ.
النساء 4:134
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُنْيا فَعِنْدَ اللهِ ثَوابَ الدُنْيا والآخِرَةِ وكانَ اللهِ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوِ فَقِيرًا فاللهُ أولى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا وإنْ تَلْوُوا أوِ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾
أيْ: مَن كانَ لا مُرادَ لَهُ إلّا في ثَوابِ الدُنْيا؛ ولا يَعْتَقِدُ أنَّ ثَمَّ سِواهُ؛ فَلَيْسَ هو كَما ظَنَّ؛ بَلْ عِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدارَيْنِ؛ فَمَن قَصَدَ الآخِرَةَ أعْطاهُ اللهُ مِن ثَوابِ الدُنْيا؛ وأعْطاهُ قَصْدَهُ؛ ومَن قَصَدَ الدُنْيا فَقَطْ؛ أعْطاهُ مِنَ الدُنْيا ما قُدِّرَ لَهُ؛ وكانَ لَهُ في الآخِرَةِ العَذابُ؛ (p-٤٢)واللهُ تَعالى سَمِيعٌ لِلْأقْوالِ؛ بَصِيرٌ بِالأعْمالِ والنِيّاتِ.
ثُمَّ خاطَبَ تَعالى المُؤْمِنِينَ: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وهَذا بِناءُ مُبالَغَةٍ؛ أيْ: لِيَتَكَرَّرْ مِنكُمُ القِيامُ "بِالقِسْطِ"؛ وهو العَدْلُ؛ وقَوْلُهُ "شُهَداءَ"؛ نُصِبَ عَلى خَبَرٍ بَعْدَ خَبَرٍ؛ والحالُ فِيهِ ضَعِيفَةٌ في المَعْنى؛ لِأنَّها تَخْصِيصُ القِيامِ بِالقِسْطِ إلى مَعْنى الشَهادَةِ فَقَطْ؛ وقَوْلُهُ: "لِلَّهِ"؛ اَلْمَعْنى: لِذاتِ اللهِ؛ ولِوَجْهِهِ؛ ولِمَرْضاتِهِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ ؛ مُتَعَلِّقٌ بِـ "شُهَداءَ"؛ هَذا هو الظاهِرُ الَّذِي فَسَّرَ عَلَيْهِ الناسُ؛ وأنَّ هَذِهِ الشَهادَةَ المَذْكُورَةَ هي في الحُقُوقِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "شُهَداءَ لِلَّهِ"؛ مَعْناهُ: بِالوَحْدانِيَّةِ؛ ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ بِـ ﴿قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ ؛ والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أبْيَنُ.
وشَهادَةُ المَرْءِ عَلى نَفْسِهِ: إقْرارُهُ بِالحَقائِقِ؛ وقَوْلُهُ الحَقَّ في كُلِّ أمْرٍ؛ وقِيامُهُ بِالقِسْطِ عَلَيْها كَذَلِكَ؛ ثُمَّ ذَكَرَ الوالِدَيْنِ؛ لِوُجُوبِ بِرِّهِما؛ وعِظَمِ قَدْرِهِما؛ ثُمَّ ثَنّى بِالأقْرَبِينَ؛ إذْ هم مَظِنَّةُ المَوَدَّةِ والتَعَصُّبِ؛ فَجاءَ الأجْنَبِيُّ مِنَ الناسِ أحْرى أنْ يُقامَ عَلَيْهِ بِالقِسْطِ؛ ويُشْهَدَ عَلَيْهِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ إنَّما تَضَمَّنَتِ الشَهادَةَ عَلى القَرابَةِ؛ فَلا مَعْنى لِلتَّفَقُّهِ مِنها في الشَهادَةِ لَهُمْ؛ كَما فَعَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ؛ ولا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ العِلْمِ في صِحَّةِ أحْكامِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أو فَقِيرًا فاللهُ أولى بِهِما﴾ ؛ مَعْناهُ: إنْ يَكُنِ المَشْهُودُ عَلَيْهِ غَنِيًّا؛ فَلا يُراعى لِغِناهُ؛ ولا يُخافُ مِنهُ؛ وإنْ يَكُنْ فَقِيرًا؛ فَلا يُراعى إشْفاقًا عَلَيْهِ؛ فَإنَّ اللهَ تَعالى أولى بِالنَوْعَيْنِ؛ وأهْلِ الحالَيْنِ؛ و"اَلْغَنِيُّ"؛ و"اَلْفَقِيرُ"؛ اسْما جِنْسٍ؛ فَلِذَلِكَ ثُنِّيَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "بِهِما"؛ وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فاللهُ أولى بِهِمْ"؛ عَلى الجَمْعِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: ثُنِّيَ الضَمِيرُ لِأنَّ المَعْنى: فاللهُ أولى بِهَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ؛ غِنى الغَنِيِّ؛ وفَقْرِ الفَقِيرِ؛ أيْ: وهو أنْظَرُ فِيهِما؛ وقَدْ حَدَّ حُدُودًا؛ وجَعَلَ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ وقالَ قَوْمٌ: "أو" بِمَعْنى الواوِ؛ وفي هَذا ضَعْفٌ.
(p-٤٣)وَذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ اخْتَصَمَ إلَيْهِ غَنِيٌّ وفَقِيرٌ؛ فَكانَ في ضَلْعِ الفَقِيرِ؛ عِلْمًا مِنهُ أنَّ الغَنِيَّ أحْرى أنْ يَظْلِمَ الفَقِيرَ؛ فَأبى اللهُ إلّا أنْ يَقُومَ بِالقِسْطِ بَيْنَ الغَنِيِّ والفَقِيرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وارْتَبَطَ هَذا الأمْرُ عَلى ما قالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "فَأقْضِيَ لَهُ عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ"؛» أما إنَّهُ قَدْ أُبِيحَ لِلْحاكِمِ أنْ يَكُونَ في ضَلْعِ الضَعِيفِ؛ بِأنْ يَعْتَدَّ لَهُ المَقالاتِ؛ ويَشُدَّ عَلى عَضُدِهِ؛ ويَقُولَ لَهُ: قُلْ حُجَّتَكَ؛ مُدِلًّا؛ ويُنَبِّهَهُ تَنْبِيهًا لا يَفُتُّ في عَضُدِ الآخَرِ؛ ولا يَكُونُ تَعْلِيمَ خِصامٍ؛ هَكَذا هي الرِوايَةُ عن أشْهَبَ؛ وغَيْرِهِ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي بِسَبَبِ نازِلَةِ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ وقِيامِ مَن قامَ في أمْرِهِ بِغَيْرِ القِسْطِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى﴾ ؛ نَهْيٌ بَيِّنٌ؛ واتِّباعُ الهَوى مُرْدٍ؛ مُهْلِكٌ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَعْدِلُوا﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: "مَخافَةَ أنْ تَعْدِلُوا"؛ ويَكُونَ العَدْلُ هُنا بِمَعْنى العُدُولِ عَنِ الحَقِّ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: "مَحَبَّةَ أنْ تَعْدِلُوا"؛ ويَكُونَ العَدْلُ بِمَعْنى القِسْطِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "اِنْتَهُوا خَوْفَ أنْ تَجُورُوا"؛ أو "مَحَبَّةَ أنْ تُقْسِطُوا"؛ فَإنْ (p-٤٤)جَعَلْتَ العامِلَ "تَتَّبِعُوا"؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "مَحَبَّةَ أنْ تَجُورُوا".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَلْوُوا أو تُعْرِضُوا﴾ ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو في الخَصْمَيْنِ؛ يَجْلِسانِ بَيْنَ يَدَيِ القاضِي؛ فَيَكُونُ لَيُّ القاضِي؛ وإعْراضُهُ؛ لِأحَدِهِما عَلى الآخَرِ؛ فاللَيُّ - عَلى هَذا - مَطْلُ الكَلامِ وجَرُّهُ حَتّى يَفُوتَ فَصْلُ القَضاءِ وإنْفاذُهُ لِلَّذِي يَمِيلُ القاضِي عَلَيْهِ؛ وقَدْ شاهَدْتُ بَعْضَ القُضاةِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؛ واللهُ حَسِيبُ الكُلِّ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ ومُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وابْنُ زَيْدٍ ؛ وغَيْرُهُمْ: هي في الشاهِدِ؛ يَلْوِي الشَهادَةَ بِلِسانِهِ؛ ويُحَرِّفُها؛ فَلا يَقُولُ الحَقَّ فِيها؛ أو يُعْرِضُ عن أداءِ الحَقِّ فِيها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَفْظُ الآيَةِ يَعُمُّ القَضاءَ والشَهادَةَ؛ والتَوَسُّطَ بَيْنَ الناسِ؛ وكُلُّ إنْسانٍ مَأْخُوذٌ بِأنْ يَعْدِلَ؛ والخُصُومُ مَطْلُوبُونَ بِعَدْلِ ما في القَضاءِ؛ فَتَأمَّلْهُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَلْوُوا" بِواوَيْنِ؛ مِن: "لَوى؛ يَلْوِي"؛ عَلى حَسَبِ ما فَسَّرْناهُ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وجَماعَةٌ في الشاذِّ: "وَإنْ تَلُوا"؛ بِضَمِّ اللامِ؛ وواوٍ واحِدَةٍ؛ وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ: "تَلْئُوا"؛ عَلى القِراءَةِ الأُولى؛ هُمِزَتِ الواوُ المَضْمُومَةُ؛ كَما هُمِزَتْ في "أدْؤُرٌ"؛ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى اللامِ الَّتِي هي فاءُ "لَوى"؛ ثُمَّ حُذِفَتْ لِاجْتِماعِ ساكِنَيْنِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "تَلُوا"؛ مِن قَوْلِكَ: "وَلِيَ الرَجُلُ الأمْرَ"؛ فَيَكُونَ في الطَرَفِ الآخَرِ مِن "تُعْرِضُوا"؛ كَأنَّهُ قالَ تَعالى لِلشُّهُودِ وغَيْرِهِمْ: "وَإنْ وُلِّيتُمُ الأمْرَ؛ أو أعْرَضْتُمْ عنهُ"؛ فاللهُ خَبِيرٌ بِفِعْلِكُمْ؛ ومَقْصِدِكم فِيهِ؛ فالوِلايَةُ والإعْراضُ طَرَفانِ؛ واللَيُّ والإعْراضُ في طَرِيقٍ واحِدٍ؛ وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ.
النساء 4:135
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُنْيا فَعِنْدَ اللهِ ثَوابَ الدُنْيا والآخِرَةِ وكانَ اللهِ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوِ فَقِيرًا فاللهُ أولى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا وإنْ تَلْوُوا أوِ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾
أيْ: مَن كانَ لا مُرادَ لَهُ إلّا في ثَوابِ الدُنْيا؛ ولا يَعْتَقِدُ أنَّ ثَمَّ سِواهُ؛ فَلَيْسَ هو كَما ظَنَّ؛ بَلْ عِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدارَيْنِ؛ فَمَن قَصَدَ الآخِرَةَ أعْطاهُ اللهُ مِن ثَوابِ الدُنْيا؛ وأعْطاهُ قَصْدَهُ؛ ومَن قَصَدَ الدُنْيا فَقَطْ؛ أعْطاهُ مِنَ الدُنْيا ما قُدِّرَ لَهُ؛ وكانَ لَهُ في الآخِرَةِ العَذابُ؛ (p-٤٢)واللهُ تَعالى سَمِيعٌ لِلْأقْوالِ؛ بَصِيرٌ بِالأعْمالِ والنِيّاتِ.
ثُمَّ خاطَبَ تَعالى المُؤْمِنِينَ: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وهَذا بِناءُ مُبالَغَةٍ؛ أيْ: لِيَتَكَرَّرْ مِنكُمُ القِيامُ "بِالقِسْطِ"؛ وهو العَدْلُ؛ وقَوْلُهُ "شُهَداءَ"؛ نُصِبَ عَلى خَبَرٍ بَعْدَ خَبَرٍ؛ والحالُ فِيهِ ضَعِيفَةٌ في المَعْنى؛ لِأنَّها تَخْصِيصُ القِيامِ بِالقِسْطِ إلى مَعْنى الشَهادَةِ فَقَطْ؛ وقَوْلُهُ: "لِلَّهِ"؛ اَلْمَعْنى: لِذاتِ اللهِ؛ ولِوَجْهِهِ؛ ولِمَرْضاتِهِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ ؛ مُتَعَلِّقٌ بِـ "شُهَداءَ"؛ هَذا هو الظاهِرُ الَّذِي فَسَّرَ عَلَيْهِ الناسُ؛ وأنَّ هَذِهِ الشَهادَةَ المَذْكُورَةَ هي في الحُقُوقِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "شُهَداءَ لِلَّهِ"؛ مَعْناهُ: بِالوَحْدانِيَّةِ؛ ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ بِـ ﴿قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ ؛ والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أبْيَنُ.
وشَهادَةُ المَرْءِ عَلى نَفْسِهِ: إقْرارُهُ بِالحَقائِقِ؛ وقَوْلُهُ الحَقَّ في كُلِّ أمْرٍ؛ وقِيامُهُ بِالقِسْطِ عَلَيْها كَذَلِكَ؛ ثُمَّ ذَكَرَ الوالِدَيْنِ؛ لِوُجُوبِ بِرِّهِما؛ وعِظَمِ قَدْرِهِما؛ ثُمَّ ثَنّى بِالأقْرَبِينَ؛ إذْ هم مَظِنَّةُ المَوَدَّةِ والتَعَصُّبِ؛ فَجاءَ الأجْنَبِيُّ مِنَ الناسِ أحْرى أنْ يُقامَ عَلَيْهِ بِالقِسْطِ؛ ويُشْهَدَ عَلَيْهِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ إنَّما تَضَمَّنَتِ الشَهادَةَ عَلى القَرابَةِ؛ فَلا مَعْنى لِلتَّفَقُّهِ مِنها في الشَهادَةِ لَهُمْ؛ كَما فَعَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ؛ ولا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ العِلْمِ في صِحَّةِ أحْكامِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أو فَقِيرًا فاللهُ أولى بِهِما﴾ ؛ مَعْناهُ: إنْ يَكُنِ المَشْهُودُ عَلَيْهِ غَنِيًّا؛ فَلا يُراعى لِغِناهُ؛ ولا يُخافُ مِنهُ؛ وإنْ يَكُنْ فَقِيرًا؛ فَلا يُراعى إشْفاقًا عَلَيْهِ؛ فَإنَّ اللهَ تَعالى أولى بِالنَوْعَيْنِ؛ وأهْلِ الحالَيْنِ؛ و"اَلْغَنِيُّ"؛ و"اَلْفَقِيرُ"؛ اسْما جِنْسٍ؛ فَلِذَلِكَ ثُنِّيَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "بِهِما"؛ وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فاللهُ أولى بِهِمْ"؛ عَلى الجَمْعِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: ثُنِّيَ الضَمِيرُ لِأنَّ المَعْنى: فاللهُ أولى بِهَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ؛ غِنى الغَنِيِّ؛ وفَقْرِ الفَقِيرِ؛ أيْ: وهو أنْظَرُ فِيهِما؛ وقَدْ حَدَّ حُدُودًا؛ وجَعَلَ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ وقالَ قَوْمٌ: "أو" بِمَعْنى الواوِ؛ وفي هَذا ضَعْفٌ.
(p-٤٣)وَذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ اخْتَصَمَ إلَيْهِ غَنِيٌّ وفَقِيرٌ؛ فَكانَ في ضَلْعِ الفَقِيرِ؛ عِلْمًا مِنهُ أنَّ الغَنِيَّ أحْرى أنْ يَظْلِمَ الفَقِيرَ؛ فَأبى اللهُ إلّا أنْ يَقُومَ بِالقِسْطِ بَيْنَ الغَنِيِّ والفَقِيرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وارْتَبَطَ هَذا الأمْرُ عَلى ما قالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "فَأقْضِيَ لَهُ عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ"؛» أما إنَّهُ قَدْ أُبِيحَ لِلْحاكِمِ أنْ يَكُونَ في ضَلْعِ الضَعِيفِ؛ بِأنْ يَعْتَدَّ لَهُ المَقالاتِ؛ ويَشُدَّ عَلى عَضُدِهِ؛ ويَقُولَ لَهُ: قُلْ حُجَّتَكَ؛ مُدِلًّا؛ ويُنَبِّهَهُ تَنْبِيهًا لا يَفُتُّ في عَضُدِ الآخَرِ؛ ولا يَكُونُ تَعْلِيمَ خِصامٍ؛ هَكَذا هي الرِوايَةُ عن أشْهَبَ؛ وغَيْرِهِ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي بِسَبَبِ نازِلَةِ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ وقِيامِ مَن قامَ في أمْرِهِ بِغَيْرِ القِسْطِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى﴾ ؛ نَهْيٌ بَيِّنٌ؛ واتِّباعُ الهَوى مُرْدٍ؛ مُهْلِكٌ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَعْدِلُوا﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: "مَخافَةَ أنْ تَعْدِلُوا"؛ ويَكُونَ العَدْلُ هُنا بِمَعْنى العُدُولِ عَنِ الحَقِّ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: "مَحَبَّةَ أنْ تَعْدِلُوا"؛ ويَكُونَ العَدْلُ بِمَعْنى القِسْطِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "اِنْتَهُوا خَوْفَ أنْ تَجُورُوا"؛ أو "مَحَبَّةَ أنْ تُقْسِطُوا"؛ فَإنْ (p-٤٤)جَعَلْتَ العامِلَ "تَتَّبِعُوا"؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "مَحَبَّةَ أنْ تَجُورُوا".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَلْوُوا أو تُعْرِضُوا﴾ ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو في الخَصْمَيْنِ؛ يَجْلِسانِ بَيْنَ يَدَيِ القاضِي؛ فَيَكُونُ لَيُّ القاضِي؛ وإعْراضُهُ؛ لِأحَدِهِما عَلى الآخَرِ؛ فاللَيُّ - عَلى هَذا - مَطْلُ الكَلامِ وجَرُّهُ حَتّى يَفُوتَ فَصْلُ القَضاءِ وإنْفاذُهُ لِلَّذِي يَمِيلُ القاضِي عَلَيْهِ؛ وقَدْ شاهَدْتُ بَعْضَ القُضاةِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؛ واللهُ حَسِيبُ الكُلِّ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ ومُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وابْنُ زَيْدٍ ؛ وغَيْرُهُمْ: هي في الشاهِدِ؛ يَلْوِي الشَهادَةَ بِلِسانِهِ؛ ويُحَرِّفُها؛ فَلا يَقُولُ الحَقَّ فِيها؛ أو يُعْرِضُ عن أداءِ الحَقِّ فِيها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَفْظُ الآيَةِ يَعُمُّ القَضاءَ والشَهادَةَ؛ والتَوَسُّطَ بَيْنَ الناسِ؛ وكُلُّ إنْسانٍ مَأْخُوذٌ بِأنْ يَعْدِلَ؛ والخُصُومُ مَطْلُوبُونَ بِعَدْلِ ما في القَضاءِ؛ فَتَأمَّلْهُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَلْوُوا" بِواوَيْنِ؛ مِن: "لَوى؛ يَلْوِي"؛ عَلى حَسَبِ ما فَسَّرْناهُ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وجَماعَةٌ في الشاذِّ: "وَإنْ تَلُوا"؛ بِضَمِّ اللامِ؛ وواوٍ واحِدَةٍ؛ وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ: "تَلْئُوا"؛ عَلى القِراءَةِ الأُولى؛ هُمِزَتِ الواوُ المَضْمُومَةُ؛ كَما هُمِزَتْ في "أدْؤُرٌ"؛ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى اللامِ الَّتِي هي فاءُ "لَوى"؛ ثُمَّ حُذِفَتْ لِاجْتِماعِ ساكِنَيْنِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "تَلُوا"؛ مِن قَوْلِكَ: "وَلِيَ الرَجُلُ الأمْرَ"؛ فَيَكُونَ في الطَرَفِ الآخَرِ مِن "تُعْرِضُوا"؛ كَأنَّهُ قالَ تَعالى لِلشُّهُودِ وغَيْرِهِمْ: "وَإنْ وُلِّيتُمُ الأمْرَ؛ أو أعْرَضْتُمْ عنهُ"؛ فاللهُ خَبِيرٌ بِفِعْلِكُمْ؛ ومَقْصِدِكم فِيهِ؛ فالوِلايَةُ والإعْراضُ طَرَفانِ؛ واللَيُّ والإعْراضُ في طَرِيقٍ واحِدٍ؛ وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ.
النساء 4:136
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمَنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ ومَن يَكْفُرْ بِاللهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا﴾
اِخْتَلَفَ الناسُ فِيمَن خُوطِبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمَنُوا بِاللهِ﴾ ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْخِطابُ لِمَن آمَنَ بِمُوسى وعِيسى مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ؛ أيْ: "يا مَن قَدْ آمَنَ بِنَبِيٍّ مِنَ (p-٤٥)الأنْبِياءِ؛ آمِن بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ"؛ ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ؛ وقِيلَ: اَلْخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ عَلى مَعْنى: "لِيَكُنْ إيمانُكم هَكَذا؛ عَلى الكَمالِ؛ والتَوْفِيَةِ بِاللهِ تَعالى ؛ وبِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وبِالقُرْآنِ وسائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ"؛ ومُضَمَّنٌ هَذا الأمْرُ الثُبُوتَ والدَوامَ؛ وقِيلَ: اَلْخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ؛ أيْ: "يا أيُّها الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ بِألْسِنَتِهِمْ؛ لِيَكُنْ إيمانُكم حَقِيقَةً عَلى هَذِهِ الصُورَةِ".
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ كَثِيرٍ ؛ وابْنُ عامِرٍ: "نُزِّلَ"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ وكَسْرِ الزايِ المُشَدَّدَةِ؛ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ وكَذَلِكَ قَرَؤُوا: "والكِتابِ الَّذِي أُنْزِلَ مِن قَبْلُ"؛ بِضَمِّ الهَمْزَةِ؛ وكَسْرِ الزايِ؛ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "نَزَّلَ؛ وأنْزَلَ"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ والزايِ؛ وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ في "أنْزَلَ"؛ عَلى إسْنادِ الفِعْلَيْنِ إلى اللهِ تَعالى ؛ ورُوِيَ عن عاصِمٍ مِثْلُ قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو ؛ والكِتابُ المَذْكُورُ أوَّلًا هو القُرْآنُ؛ والمَذْكُورُ ثانِيًا هو اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ ما نَزَلَ مِنَ الكِتابِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ﴾ ؛ إلى آخَرِ الآيَةِ؛ وعِيدٌ وخَبَرٌ؛ مُضَمَّنَةٌ تَحْذِيرَ المُؤْمِنِينَ مِن حالَةِ الكُفْرِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُرادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ ؛ فَقالَتْ طائِفَةٌ؛ مِنهم قَتادَةُ ؛ وأبُو العالِيَةِ: اَلْآيَةُ في اليَهُودِ والنَصارى؛ آمَنَتِ اليَهُودُ بِمُوسى؛ والتَوْراةِ؛ ثُمَّ كَفَرُوا؛ وآمَنَتِ النَصارى بِعِيسى؛ والإنْجِيلِ؛ ثُمَّ كَفَرُوا؛ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: اَلْآيَةُ في الطائِفَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ الَّتِي قالَتْ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا وجْهَ النَهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] ؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وابْنُ زَيْدٍ: اَلْآيَةُ في المُنافِقِينَ؛ فَإنَّ مِنهم مَن كانَ يُؤْمِنُ؛ ثُمَّ يَكْفُرُ؛ ثُمَّ يُؤْمِنُ؛ ثُمَّ يَكْفُرُ؛ يَتَرَدَّدُ في ذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَنِ ازْدادَ كُفْرًا؛ بِأنْ تَمَّ عَلى نِفاقِهِ حَتّى ماتَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو القَوْلُ المُتَرَجَّحُ؛ وقَوْلُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ جَيِّدٌ مُحْتَمَلٌ؛ وقَوْلُ قَتادَةَ ؛ (p-٤٦)وَأبِي العالِيَةِ ؛ وهو الَّذِي رَجَّحَ الطَبَرِيُّ ؛ قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ تَدْفَعُهُ ألْفاظُ الآيَةِ؛ وذَلِكَ أنَّ الآيَةَ إنَّما هي في طائِفَةٍ يَتَّصِفُ كُلُّ واحِدٍ مِنها بِهَذِهِ الصِفَةِ مِنَ التَرَدُّدِ بَيْنَ الكُفْرِ؛ والإيمانِ؛ ثُمَّ يَزْدادُ كُفْرًا بِالمُوافاةِ؛ واليَهُودُ والنَصارى لَمْ يَتَرَتَّبْ في واحِدٍ مِنهم إلّا إيمانٌ واحِدٌ وكُفْرٌ واحِدٌ؛ وإنَّما يُتَخَيَّلُ فِيهِمُ الإيمانُ؛ والكُفْرُ؛ مَعَ تَلْفِيقِ الطَوائِفِ الَّتِي لَمْ تَتَلاحَقْ في زَمانٍ واحِدٍ؛ ولَيْسَ هَذا مَقْصِدَ الآيَةِ؛ وإنَّما تُوجَدُ هَذِهِ الصِفَةُ في شَخْصٍ في المُنافِقِينَ؛ لِأنَّ الرَجُلَ الواحِدَ مِنهم يُؤْمِنُ؛ ثُمَّ يَكْفُرُ؛ ثُمَّ يُوافِي عَلى الكُفْرِ؛ وتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ ؛ فَإنَّها عِبارَةٌ تَقْتَضِي أنَّ هَؤُلاءِ مَحْتُومٌ عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ أمْرِهِمْ؛ ولِذَلِكَ تَرَدَّدُوا؛ ولَيْسَتْ هَذِهِ العِبارَةُ مِثْلَ أنْ يَقُولَ: "لا يَغْفِرُ اللهُ لَهُمْ"؛ بَلْ هي أشَدُّ؛ وهي مُشِيرَةٌ إلى اسْتِدْراجِ مَن هَذِهِ حالُهُ؛ وإهْلاكِهِ؛ وهي عِبارَةٌ تَقْتَضِي لِسامِعِها أنْ يَنْتَبِهَ؛ ويُراجِعَ؛ قَبْلَ نُفُوذِ الحَتْمِ عَلَيْهِ؛ وأنْ يَكُونَ مِن هَؤُلاءِ؛ وكُلُّ مَن كَفَرَ كُفْرًا واحِدًا؛ ووافى عَلَيْهِ؛ فَقَدْ قالَ اللهُ تَعالى إنَّهُ لا يَغْفِرُ لَهُ؛ ولَمْ يَقُلْ: "لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُ"؛ فَتَأمَّلِ الفارِقَ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ؛ فَإنَّهُ مِن دَقِيقِ غَرائِبِ الفَصاحَةِ الَّتِي في كِتابِ اللهِ؛ كَأنَّ قَوْلَهُ: "لَمْ يَكُنِ اللهُ"؛ حُكْمٌ قَدْ تَقَرَّرَ عَلَيْهِمْ في الدُنْيا وهم أحْياءٌ.
النساء 4:137
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمَنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ ومَن يَكْفُرْ بِاللهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا﴾
اِخْتَلَفَ الناسُ فِيمَن خُوطِبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمَنُوا بِاللهِ﴾ ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْخِطابُ لِمَن آمَنَ بِمُوسى وعِيسى مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ؛ أيْ: "يا مَن قَدْ آمَنَ بِنَبِيٍّ مِنَ (p-٤٥)الأنْبِياءِ؛ آمِن بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ"؛ ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ؛ وقِيلَ: اَلْخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ عَلى مَعْنى: "لِيَكُنْ إيمانُكم هَكَذا؛ عَلى الكَمالِ؛ والتَوْفِيَةِ بِاللهِ تَعالى ؛ وبِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وبِالقُرْآنِ وسائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ"؛ ومُضَمَّنٌ هَذا الأمْرُ الثُبُوتَ والدَوامَ؛ وقِيلَ: اَلْخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ؛ أيْ: "يا أيُّها الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ بِألْسِنَتِهِمْ؛ لِيَكُنْ إيمانُكم حَقِيقَةً عَلى هَذِهِ الصُورَةِ".
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ كَثِيرٍ ؛ وابْنُ عامِرٍ: "نُزِّلَ"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ وكَسْرِ الزايِ المُشَدَّدَةِ؛ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ وكَذَلِكَ قَرَؤُوا: "والكِتابِ الَّذِي أُنْزِلَ مِن قَبْلُ"؛ بِضَمِّ الهَمْزَةِ؛ وكَسْرِ الزايِ؛ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "نَزَّلَ؛ وأنْزَلَ"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ والزايِ؛ وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ في "أنْزَلَ"؛ عَلى إسْنادِ الفِعْلَيْنِ إلى اللهِ تَعالى ؛ ورُوِيَ عن عاصِمٍ مِثْلُ قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو ؛ والكِتابُ المَذْكُورُ أوَّلًا هو القُرْآنُ؛ والمَذْكُورُ ثانِيًا هو اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ ما نَزَلَ مِنَ الكِتابِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ﴾ ؛ إلى آخَرِ الآيَةِ؛ وعِيدٌ وخَبَرٌ؛ مُضَمَّنَةٌ تَحْذِيرَ المُؤْمِنِينَ مِن حالَةِ الكُفْرِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُرادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ ؛ فَقالَتْ طائِفَةٌ؛ مِنهم قَتادَةُ ؛ وأبُو العالِيَةِ: اَلْآيَةُ في اليَهُودِ والنَصارى؛ آمَنَتِ اليَهُودُ بِمُوسى؛ والتَوْراةِ؛ ثُمَّ كَفَرُوا؛ وآمَنَتِ النَصارى بِعِيسى؛ والإنْجِيلِ؛ ثُمَّ كَفَرُوا؛ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: اَلْآيَةُ في الطائِفَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ الَّتِي قالَتْ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا وجْهَ النَهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] ؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وابْنُ زَيْدٍ: اَلْآيَةُ في المُنافِقِينَ؛ فَإنَّ مِنهم مَن كانَ يُؤْمِنُ؛ ثُمَّ يَكْفُرُ؛ ثُمَّ يُؤْمِنُ؛ ثُمَّ يَكْفُرُ؛ يَتَرَدَّدُ في ذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَنِ ازْدادَ كُفْرًا؛ بِأنْ تَمَّ عَلى نِفاقِهِ حَتّى ماتَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو القَوْلُ المُتَرَجَّحُ؛ وقَوْلُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ جَيِّدٌ مُحْتَمَلٌ؛ وقَوْلُ قَتادَةَ ؛ (p-٤٦)وَأبِي العالِيَةِ ؛ وهو الَّذِي رَجَّحَ الطَبَرِيُّ ؛ قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ تَدْفَعُهُ ألْفاظُ الآيَةِ؛ وذَلِكَ أنَّ الآيَةَ إنَّما هي في طائِفَةٍ يَتَّصِفُ كُلُّ واحِدٍ مِنها بِهَذِهِ الصِفَةِ مِنَ التَرَدُّدِ بَيْنَ الكُفْرِ؛ والإيمانِ؛ ثُمَّ يَزْدادُ كُفْرًا بِالمُوافاةِ؛ واليَهُودُ والنَصارى لَمْ يَتَرَتَّبْ في واحِدٍ مِنهم إلّا إيمانٌ واحِدٌ وكُفْرٌ واحِدٌ؛ وإنَّما يُتَخَيَّلُ فِيهِمُ الإيمانُ؛ والكُفْرُ؛ مَعَ تَلْفِيقِ الطَوائِفِ الَّتِي لَمْ تَتَلاحَقْ في زَمانٍ واحِدٍ؛ ولَيْسَ هَذا مَقْصِدَ الآيَةِ؛ وإنَّما تُوجَدُ هَذِهِ الصِفَةُ في شَخْصٍ في المُنافِقِينَ؛ لِأنَّ الرَجُلَ الواحِدَ مِنهم يُؤْمِنُ؛ ثُمَّ يَكْفُرُ؛ ثُمَّ يُوافِي عَلى الكُفْرِ؛ وتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ ؛ فَإنَّها عِبارَةٌ تَقْتَضِي أنَّ هَؤُلاءِ مَحْتُومٌ عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ أمْرِهِمْ؛ ولِذَلِكَ تَرَدَّدُوا؛ ولَيْسَتْ هَذِهِ العِبارَةُ مِثْلَ أنْ يَقُولَ: "لا يَغْفِرُ اللهُ لَهُمْ"؛ بَلْ هي أشَدُّ؛ وهي مُشِيرَةٌ إلى اسْتِدْراجِ مَن هَذِهِ حالُهُ؛ وإهْلاكِهِ؛ وهي عِبارَةٌ تَقْتَضِي لِسامِعِها أنْ يَنْتَبِهَ؛ ويُراجِعَ؛ قَبْلَ نُفُوذِ الحَتْمِ عَلَيْهِ؛ وأنْ يَكُونَ مِن هَؤُلاءِ؛ وكُلُّ مَن كَفَرَ كُفْرًا واحِدًا؛ ووافى عَلَيْهِ؛ فَقَدْ قالَ اللهُ تَعالى إنَّهُ لا يَغْفِرُ لَهُ؛ ولَمْ يَقُلْ: "لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُ"؛ فَتَأمَّلِ الفارِقَ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ؛ فَإنَّهُ مِن دَقِيقِ غَرائِبِ الفَصاحَةِ الَّتِي في كِتابِ اللهِ؛ كَأنَّ قَوْلَهُ: "لَمْ يَكُنِ اللهُ"؛ حُكْمٌ قَدْ تَقَرَّرَ عَلَيْهِمْ في الدُنْيا وهم أحْياءٌ.
النساء 4:138
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أولِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكم إذا مِثْلُهم إنَّ اللهِ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾
فِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ ما عَلى أنَّ الَّتِي قَبْلَها إنَّما هي في المُنافِقِينَ؛ كَما تَرَجَّحَ آنِفًا؛ وجاءَتِ البِشارَةُ هُنا مُصَرَّحًا بِقَيْدِها؛ فَلِذَلِكَ حَسُنَ اسْتِعْمالُها في المَكْرُوهِ؛ ومَتى جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما عُرْفُها في المَحْبُوبِ.
(p-٤٧)ثُمَّ نَصَّ تَعالى مِن صِفَةِ المُنافِقِينَ عَلى أشَدِّها ضَرَرًا عَلى المُؤْمِنِينَ؛ وهي مُوالاتُهُمُ الكُفّارَ واطِّراحُهُمُ المُؤْمِنِينَ؛ ونَبَّهَ عَلى فَسادِ ذَلِكَ؛ لِيَدَعَهُ مَن عَسى أنْ يَقَعَ في نَوْعٍ مِنهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَفْلَةً؛ أو جَهالَةً؛ أو مُسامَحَةً.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ عَلى مَقْصِدِهِمْ في ذَلِكَ؛ أهُوَ طَلَبُ العِزَّةِ والِاسْتِكْثارِ بِهِمْ؟ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ بَلِ العِزَّةُ كُلُّها لِلَّهِ؛ يُؤْتِيها مَن يَشاءُ؛ وقَدْ وعَدَ بِها المُؤْمِنِينَ؛ وجَعَلَ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ؛ و"اَلْعِزَّةُ": أصْلُها الشِدَّةُ؛ والقُوَّةُ؛ ومِنهُ: "اَلْأرْضُ العِزازُ"؛ أيْ: اَلصُّلْبَةُ؛ ومِنهُ: "عَزَّنِي"؛ أيْ: غَلَبَنِي بِشِدَّتِهِ؛ و"اِسْتَعَزَّ المَرَضُ"؛ إذا قَوِيَ؛ إلى غَيْرِ هَذا مِن تَصارِيفِ اللَفْظَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ ؛ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ مَن أظْهَرَ الإيمانَ مِن مُحَقِّقٍ؛ ومُنافِقٍ؛ لِأنَّهُ إذا أظْهَرَ الإيمانَ فَقَدْ لَزِمَهُ أنْ يَمْتَثِلَ أوامِرَ كِتابِ اللهِ تَعالى ؛ والإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عنهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] ؛ إلى نَحْوِ هَذا مِنَ الآياتِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نُزِّلَ عَلَيْكُمْ"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ وكَسْرِ الزايِ المُشَدَّدَةِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: وقَرَأ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: "نَزَّلَ"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ والزايِ المُشَدَّدَةِ؛ عَلى مَعْنى: "نَزَّلَ اللهُ"؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ؛ وحُمَيْدٌ: "نَزَلَ"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ والزايِ خَفِيفَةً؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "أُنْزِلَ"؛ بِألْفٍ؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ؛ والكِتابُ - في هَذا المَوْضِعِ - القُرْآنُ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلى وُجُوبِ تَجَنُّبِ أهْلِ البِدَعِ؛ وأهْلِ المَعاصِي؛ وألّا يُجالَسُوا؛ وقَدْ رُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ أخَذَ قَوْمًا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ؛ فَقِيلَ لَهُ عن أحَدِ الحاضِرِينَ: إنَّهُ صائِمٌ؛ فَحَمَلَ عَلَيْهِ الأدَبَ؛ وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ ؛ (p-٤٨)وَهَذِهِ المُماثَلَةُ لَيْسَتْ في جَمِيعِ الصِفاتِ؛ ولَكِنَّهُ إلْزامٌ شُبِّهَ بِحُكْمِ الظاهِرِ مِنَ المُقارَنَةِ؛ وهَذا المَعْنى كَقَوْلِ الشاعِرِ:
؎ عَنِ المَرْءِ لا تَسْألْ وسَلْ عن قَرِينِهِ ∗∗∗ فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقارَنِ يَقْتَدِي
ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى المُنافِقِينَ والكافِرِينَ بِجَمْعِهِمْ في جَهَنَّمَ؛ فَتَأكَّدَ بِذَلِكَ النَهْيِ؛ والحَذَرُ مِن مُجالَسَتِهِمْ؛ وخِلْطَتِهِمْ.
النساء 4:139
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أولِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكم إذا مِثْلُهم إنَّ اللهِ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾
فِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ ما عَلى أنَّ الَّتِي قَبْلَها إنَّما هي في المُنافِقِينَ؛ كَما تَرَجَّحَ آنِفًا؛ وجاءَتِ البِشارَةُ هُنا مُصَرَّحًا بِقَيْدِها؛ فَلِذَلِكَ حَسُنَ اسْتِعْمالُها في المَكْرُوهِ؛ ومَتى جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما عُرْفُها في المَحْبُوبِ.
(p-٤٧)ثُمَّ نَصَّ تَعالى مِن صِفَةِ المُنافِقِينَ عَلى أشَدِّها ضَرَرًا عَلى المُؤْمِنِينَ؛ وهي مُوالاتُهُمُ الكُفّارَ واطِّراحُهُمُ المُؤْمِنِينَ؛ ونَبَّهَ عَلى فَسادِ ذَلِكَ؛ لِيَدَعَهُ مَن عَسى أنْ يَقَعَ في نَوْعٍ مِنهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَفْلَةً؛ أو جَهالَةً؛ أو مُسامَحَةً.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ عَلى مَقْصِدِهِمْ في ذَلِكَ؛ أهُوَ طَلَبُ العِزَّةِ والِاسْتِكْثارِ بِهِمْ؟ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ بَلِ العِزَّةُ كُلُّها لِلَّهِ؛ يُؤْتِيها مَن يَشاءُ؛ وقَدْ وعَدَ بِها المُؤْمِنِينَ؛ وجَعَلَ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ؛ و"اَلْعِزَّةُ": أصْلُها الشِدَّةُ؛ والقُوَّةُ؛ ومِنهُ: "اَلْأرْضُ العِزازُ"؛ أيْ: اَلصُّلْبَةُ؛ ومِنهُ: "عَزَّنِي"؛ أيْ: غَلَبَنِي بِشِدَّتِهِ؛ و"اِسْتَعَزَّ المَرَضُ"؛ إذا قَوِيَ؛ إلى غَيْرِ هَذا مِن تَصارِيفِ اللَفْظَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ ؛ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ مَن أظْهَرَ الإيمانَ مِن مُحَقِّقٍ؛ ومُنافِقٍ؛ لِأنَّهُ إذا أظْهَرَ الإيمانَ فَقَدْ لَزِمَهُ أنْ يَمْتَثِلَ أوامِرَ كِتابِ اللهِ تَعالى ؛ والإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عنهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] ؛ إلى نَحْوِ هَذا مِنَ الآياتِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نُزِّلَ عَلَيْكُمْ"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ وكَسْرِ الزايِ المُشَدَّدَةِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: وقَرَأ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: "نَزَّلَ"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ والزايِ المُشَدَّدَةِ؛ عَلى مَعْنى: "نَزَّلَ اللهُ"؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ؛ وحُمَيْدٌ: "نَزَلَ"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ والزايِ خَفِيفَةً؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "أُنْزِلَ"؛ بِألْفٍ؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ؛ والكِتابُ - في هَذا المَوْضِعِ - القُرْآنُ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلى وُجُوبِ تَجَنُّبِ أهْلِ البِدَعِ؛ وأهْلِ المَعاصِي؛ وألّا يُجالَسُوا؛ وقَدْ رُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ أخَذَ قَوْمًا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ؛ فَقِيلَ لَهُ عن أحَدِ الحاضِرِينَ: إنَّهُ صائِمٌ؛ فَحَمَلَ عَلَيْهِ الأدَبَ؛ وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ ؛ (p-٤٨)وَهَذِهِ المُماثَلَةُ لَيْسَتْ في جَمِيعِ الصِفاتِ؛ ولَكِنَّهُ إلْزامٌ شُبِّهَ بِحُكْمِ الظاهِرِ مِنَ المُقارَنَةِ؛ وهَذا المَعْنى كَقَوْلِ الشاعِرِ:
؎ عَنِ المَرْءِ لا تَسْألْ وسَلْ عن قَرِينِهِ ∗∗∗ فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقارَنِ يَقْتَدِي
ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى المُنافِقِينَ والكافِرِينَ بِجَمْعِهِمْ في جَهَنَّمَ؛ فَتَأكَّدَ بِذَلِكَ النَهْيِ؛ والحَذَرُ مِن مُجالَسَتِهِمْ؛ وخِلْطَتِهِمْ.
النساء 4:140
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أولِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكم إذا مِثْلُهم إنَّ اللهِ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾
فِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ ما عَلى أنَّ الَّتِي قَبْلَها إنَّما هي في المُنافِقِينَ؛ كَما تَرَجَّحَ آنِفًا؛ وجاءَتِ البِشارَةُ هُنا مُصَرَّحًا بِقَيْدِها؛ فَلِذَلِكَ حَسُنَ اسْتِعْمالُها في المَكْرُوهِ؛ ومَتى جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما عُرْفُها في المَحْبُوبِ.
(p-٤٧)ثُمَّ نَصَّ تَعالى مِن صِفَةِ المُنافِقِينَ عَلى أشَدِّها ضَرَرًا عَلى المُؤْمِنِينَ؛ وهي مُوالاتُهُمُ الكُفّارَ واطِّراحُهُمُ المُؤْمِنِينَ؛ ونَبَّهَ عَلى فَسادِ ذَلِكَ؛ لِيَدَعَهُ مَن عَسى أنْ يَقَعَ في نَوْعٍ مِنهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَفْلَةً؛ أو جَهالَةً؛ أو مُسامَحَةً.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ عَلى مَقْصِدِهِمْ في ذَلِكَ؛ أهُوَ طَلَبُ العِزَّةِ والِاسْتِكْثارِ بِهِمْ؟ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ بَلِ العِزَّةُ كُلُّها لِلَّهِ؛ يُؤْتِيها مَن يَشاءُ؛ وقَدْ وعَدَ بِها المُؤْمِنِينَ؛ وجَعَلَ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ؛ و"اَلْعِزَّةُ": أصْلُها الشِدَّةُ؛ والقُوَّةُ؛ ومِنهُ: "اَلْأرْضُ العِزازُ"؛ أيْ: اَلصُّلْبَةُ؛ ومِنهُ: "عَزَّنِي"؛ أيْ: غَلَبَنِي بِشِدَّتِهِ؛ و"اِسْتَعَزَّ المَرَضُ"؛ إذا قَوِيَ؛ إلى غَيْرِ هَذا مِن تَصارِيفِ اللَفْظَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ ؛ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ مَن أظْهَرَ الإيمانَ مِن مُحَقِّقٍ؛ ومُنافِقٍ؛ لِأنَّهُ إذا أظْهَرَ الإيمانَ فَقَدْ لَزِمَهُ أنْ يَمْتَثِلَ أوامِرَ كِتابِ اللهِ تَعالى ؛ والإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عنهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] ؛ إلى نَحْوِ هَذا مِنَ الآياتِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نُزِّلَ عَلَيْكُمْ"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ وكَسْرِ الزايِ المُشَدَّدَةِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: وقَرَأ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: "نَزَّلَ"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ والزايِ المُشَدَّدَةِ؛ عَلى مَعْنى: "نَزَّلَ اللهُ"؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ؛ وحُمَيْدٌ: "نَزَلَ"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ والزايِ خَفِيفَةً؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "أُنْزِلَ"؛ بِألْفٍ؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ؛ والكِتابُ - في هَذا المَوْضِعِ - القُرْآنُ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلى وُجُوبِ تَجَنُّبِ أهْلِ البِدَعِ؛ وأهْلِ المَعاصِي؛ وألّا يُجالَسُوا؛ وقَدْ رُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ أخَذَ قَوْمًا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ؛ فَقِيلَ لَهُ عن أحَدِ الحاضِرِينَ: إنَّهُ صائِمٌ؛ فَحَمَلَ عَلَيْهِ الأدَبَ؛ وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ ؛ (p-٤٨)وَهَذِهِ المُماثَلَةُ لَيْسَتْ في جَمِيعِ الصِفاتِ؛ ولَكِنَّهُ إلْزامٌ شُبِّهَ بِحُكْمِ الظاهِرِ مِنَ المُقارَنَةِ؛ وهَذا المَعْنى كَقَوْلِ الشاعِرِ:
؎ عَنِ المَرْءِ لا تَسْألْ وسَلْ عن قَرِينِهِ ∗∗∗ فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقارَنِ يَقْتَدِي
ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى المُنافِقِينَ والكافِرِينَ بِجَمْعِهِمْ في جَهَنَّمَ؛ فَتَأكَّدَ بِذَلِكَ النَهْيِ؛ والحَذَرُ مِن مُجالَسَتِهِمْ؛ وخِلْطَتِهِمْ.
النساء 4:141
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ فاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ولَنْ يَجْعَلَ اللهِ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ ﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وهو خادِعُهم وإذا قامُوا إلى الصَلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ الناسَ ولا يَذْكُرُونَ اللهَ إلا قَلِيلا﴾ ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ ومَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾
"اَلَّذِينَ"؛ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ؛ و"يَتَرَبَّصُونَ"؛ مَعْناهُ: "يَنْتَظِرُونَ دَوْرَ الدَوائِرِ عَلَيْكُمْ؛ فَإنْ كانَ فَتْحٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ادَّعَوْا فِيهِ النَصِيبَ بِحُكْمِ ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ الإيمانِ؛ وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَيْلٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ ادَّعَوْا فِيهِ النَصِيبَ بِحُكْمِ ما يُبْطِنُونَهُ مِن مُوالاةِ الكُفّارِ؛ وهَذا حالُ المُنافِقِينَ".
و"نَسْتَحْوِذْ"؛ مَعْناهُ: (نَغْلِبُ عَلى أمْرِكُمْ؛ ونَحُوطُكُمْ؛ ونَحْمِي أمْرَكُمْ)؛ ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ في صِفَةِ ثَوْرٍ وبَقَرٍ:
؎ يَحُوذُهُنَّ ولَهُ حُوذِيُّ
(p-٤٩)أيْ: يَغْلِبُهُنَّ عَلى أمْرِهِنَّ؛ ويُغْلِبُ الثِيرانَ عَلَيْهِنَّ؛ ويُرْوى: "يَحُوزُهُنَّ" بِالزايِ؛ ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ لَبِيدٍ في صِفَةِ عِيرٍ وأُتُنٍ:
؎ إذا اجْتَمَعَتْ وأحْوَذَ جانِبَيْها ∗∗∗ ∗∗∗ وأورَدَها عَلى عُوجٍ طِوالِ
أحْوَذَ جانِبَيْها: قَهَرَها؛ وغَلَبَ عَلَيْها؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَيْطانُ﴾ [المجادلة: ١٩] ؛ مَعْناهُ: غَلَبَ عَلَيْهِمْ؛ وشَذَّ هَذا الفِعْلُ في أنْ لَمْ تُعَلَّ واوُهُ؛ بَلِ اسْتُعْمِلَتْ عَلى الأصْلِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "وَمَنَعْناكم مِنَ المُؤْمِنِينَ"؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَنَمْنَعَكُمْ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ عَلى الصَرْفِ.
ثُمَّ سَلّى وآنَسَ المُؤْمِنِينَ بِما وعَدَهم بِهِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿فاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ؛ أيْ: وبَيْنَهُمْ؛ ويُنْصِفُكم مِن جَمِيعِهِمْ؛ وبِقَوْلِهِ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ ؛ وقالَ يُسَيْعٌ الحَضْرَمِيُّ: كُنْتُ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ؛ أرَأيْتَ قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ ؛ كَيْفَ ذَلِكَ؛ وهم يُقاتِلُونَنا ويَظْهَرُونَ عَلَيْنا أحْيانًا؟ فَقالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: مَعْنى ذَلِكَ: يَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ الحُكْمُ؛ وبِهَذا قالَ جَمِيعُ أهْلِ التَأْوِيلِ.
و"اَلسَّبِيلُ": اَلْحُجَّةُ؛ والغَلَبَةُ.
ومُخادَعَةُ المُنافِقِينَ هي لِأولِياءِ اللهِ تَعالى ؛ إذْ يَظُنُّونَهم غَيْرَ أولِياءَ؛ فَفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ؛ وإلْزامُ ذَنْبٍ اقْتَضَتْهُ أفْعالُهُمْ؛ وإنْ كانَتْ نِيّاتُهم لَمْ تَقْتَضِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْصِدُ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ مُخادَعَةَ اللهِ تَعالى.
(p-٥٠)وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ ؛ أيْ: مُنْزِلُ الخِداعِ بِهِمْ؛ وهَذِهِ عِبارَةٌ عن عُقُوبَةٍ سَمّاها بِاسْمِ الذَنْبِ؛ فَعُقُوبَتُهم في الدُنْيا ذُلُّهُمْ؛ وخَوْفُهُمْ؛ وغَمُّ قُلُوبِهِمْ؛ وفي الآخِرَةِ عَذابُ جَهَنَّمَ؛ وقالَ السُدِّيُّ ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ ؛ والحَسَنُ ؛ وغَيْرُهم مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذا الخَدْعَ هو أنَّ اللهَ تَعالى يُعْطِي لِهَذِهِ الأُمَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ نُورًا لِكُلِّ إنْسانٍ مُؤْمِنٍ؛ أو مُنافِقٍ؛ فَيَفْرَحُ المُنافِقُونَ؛ ويَظُنُّونَ أنَّهم قَدْ نَجَوْا؛ فَإذا جاؤُوا إلى الصِراطِ طُفِئَ نُورُ كُلِّ مُنافِقٍ؛ ونَهَضَ المُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ؛ فَذَلِكَ قَوْلُ المُنافِقِينَ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] ؛ وذَلِكَ هو الخَدْعُ الَّذِي يَجْرِي عَلى المُنافِقِينَ؛ وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ النَحْوِيُّ: "وَهُوَ خادِعْهُمْ"؛ بِإسْكانِ العَيْنِ؛ وذَلِكَ عَلى التَخْفِيفِ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى كَسَلَهم في القِيامِ إلى الصَلاةِ؛ وتِلْكَ حالُ كُلِّ مَن يَعْمَلُ العَمَلَ كارِهًا؛ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ فِيهِ الصَوابَ؛ تُقْيَةً؛ أو مُصانَعَةً؛ وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ الأعْرَجُ: "كَسالى"؛ بِفَتْحِ الكافِ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُرَؤُّونَ"؛ بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ مُشَدَّدَةٍ بَيْنَ الراءِ والواوِ؛ دُونَ ألِفٍ؛ وهي تَعْدِيَةُ "رَأى"؛ بِالتَضْعِيفِ؛ وهي أقْوى في المَعْنى مِن "يُراؤُونَ"؛ لِأنَّ مَعْناها: "يَحْمِلُونَ الناسَ عَلى أنْ يَرَوْهُمْ؛ ويَتَظاهَرُونَ لَهم بِالصَلاةِ؛ وهم يُبْطِنُونَ النِفاقَ"؛ وتَقْلِيلُهُ ذِكْرَهم يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ؛ قالَ الحَسَنُ: قَلَّ لِأنَّهُ كانَ لِغَيْرِ اللهِ"؛ فَهَذا وجْهٌ؛ والثانِي أنَّهُ قَلِيلٌ بِالنِسْبَةِ إلى خَوْضِهِمْ في الباطِلِ؛ وقَوْلِهِمُ الزُورَ والكُفْرَ.
"مُذَبْذَبِينَ"؛ مَعْناهُ: مُضْطَرِبِينَ؛ لا يَثْبُتُونَ عَلى حالٍ؛ و"اَلتَّذَبْذُبُ": اَلِاضْطِرابُ بِخَجَلٍ؛ أو خَوْفٍ؛ أو إسْراعٍ في مَشْيٍ؛ ونَحْوِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:
...
؎ تَرى كُلَّ مَلْكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ خَيالٌ لِأُمِّ السَلْسَبِيلِ ودُونَها ∗∗∗ ∗∗∗ مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْبَرِيدِ المُذَبْذِبِ
(p-٥١)بِكَسْرِ الذالِ الثانِيَةِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: أيِ: "اَلْمُهْتَزِّ؛ القَلِقِ؛ الَّذِي لا يَثْبُتُ؛ ولا يَتَمَهَّلُ"؛ فَهَؤُلاءِ المُنافِقُونَ مُتَرَدِّدُونَ بَيْنَ الكُفّارِ؛ والمُؤْمِنِينَ ﴿لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ ؛ كَما قالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "مَثَلُ المُنافِقِ مَثَلُ الشاةِ العائِرَةِ بَيْنَ الغَنَمَيْنِ"؛» فالإشارَةُ بِذَلِكَ إلى حالَيِ الكُفْرِ؛ والإيمانِ؛ وأشارَ إلَيْهِ؛ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ؛ لِظُهُورِ تَضَمُّنِ الكَلامِ لَهُ؛ كَما جاءَ: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] ؛ و﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦].
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُذَبْذَبِينَ"؛ بِفَتْحِ الذالِ الأُولى؛ والثانِيَةِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "مُذَبْذِبِينَ"؛ بِكَسْرِ الذالِ الثانِيَةِ؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "مُتَذَبْذِبِينَ"؛ بِالتاءِ؛ وكَسْرِ الذالِ الثانِيَةِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "مَذَبْذَبِينَ"؛ بِفَتْحِ المِيمِ؛ والذالَّيْنِ؛ وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ ؛ مَعْناهُ: سَبِيلَ هُدًى وإرْشادٍ.
النساء 4:142
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ فاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ولَنْ يَجْعَلَ اللهِ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ ﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وهو خادِعُهم وإذا قامُوا إلى الصَلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ الناسَ ولا يَذْكُرُونَ اللهَ إلا قَلِيلا﴾ ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ ومَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾
"اَلَّذِينَ"؛ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ؛ و"يَتَرَبَّصُونَ"؛ مَعْناهُ: "يَنْتَظِرُونَ دَوْرَ الدَوائِرِ عَلَيْكُمْ؛ فَإنْ كانَ فَتْحٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ادَّعَوْا فِيهِ النَصِيبَ بِحُكْمِ ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ الإيمانِ؛ وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَيْلٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ ادَّعَوْا فِيهِ النَصِيبَ بِحُكْمِ ما يُبْطِنُونَهُ مِن مُوالاةِ الكُفّارِ؛ وهَذا حالُ المُنافِقِينَ".
و"نَسْتَحْوِذْ"؛ مَعْناهُ: (نَغْلِبُ عَلى أمْرِكُمْ؛ ونَحُوطُكُمْ؛ ونَحْمِي أمْرَكُمْ)؛ ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ في صِفَةِ ثَوْرٍ وبَقَرٍ:
؎ يَحُوذُهُنَّ ولَهُ حُوذِيُّ
(p-٤٩)أيْ: يَغْلِبُهُنَّ عَلى أمْرِهِنَّ؛ ويُغْلِبُ الثِيرانَ عَلَيْهِنَّ؛ ويُرْوى: "يَحُوزُهُنَّ" بِالزايِ؛ ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ لَبِيدٍ في صِفَةِ عِيرٍ وأُتُنٍ:
؎ إذا اجْتَمَعَتْ وأحْوَذَ جانِبَيْها ∗∗∗ ∗∗∗ وأورَدَها عَلى عُوجٍ طِوالِ
أحْوَذَ جانِبَيْها: قَهَرَها؛ وغَلَبَ عَلَيْها؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَيْطانُ﴾ [المجادلة: ١٩] ؛ مَعْناهُ: غَلَبَ عَلَيْهِمْ؛ وشَذَّ هَذا الفِعْلُ في أنْ لَمْ تُعَلَّ واوُهُ؛ بَلِ اسْتُعْمِلَتْ عَلى الأصْلِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "وَمَنَعْناكم مِنَ المُؤْمِنِينَ"؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَنَمْنَعَكُمْ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ عَلى الصَرْفِ.
ثُمَّ سَلّى وآنَسَ المُؤْمِنِينَ بِما وعَدَهم بِهِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿فاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ؛ أيْ: وبَيْنَهُمْ؛ ويُنْصِفُكم مِن جَمِيعِهِمْ؛ وبِقَوْلِهِ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ ؛ وقالَ يُسَيْعٌ الحَضْرَمِيُّ: كُنْتُ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ؛ أرَأيْتَ قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ ؛ كَيْفَ ذَلِكَ؛ وهم يُقاتِلُونَنا ويَظْهَرُونَ عَلَيْنا أحْيانًا؟ فَقالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: مَعْنى ذَلِكَ: يَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ الحُكْمُ؛ وبِهَذا قالَ جَمِيعُ أهْلِ التَأْوِيلِ.
و"اَلسَّبِيلُ": اَلْحُجَّةُ؛ والغَلَبَةُ.
ومُخادَعَةُ المُنافِقِينَ هي لِأولِياءِ اللهِ تَعالى ؛ إذْ يَظُنُّونَهم غَيْرَ أولِياءَ؛ فَفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ؛ وإلْزامُ ذَنْبٍ اقْتَضَتْهُ أفْعالُهُمْ؛ وإنْ كانَتْ نِيّاتُهم لَمْ تَقْتَضِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْصِدُ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ مُخادَعَةَ اللهِ تَعالى.
(p-٥٠)وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ ؛ أيْ: مُنْزِلُ الخِداعِ بِهِمْ؛ وهَذِهِ عِبارَةٌ عن عُقُوبَةٍ سَمّاها بِاسْمِ الذَنْبِ؛ فَعُقُوبَتُهم في الدُنْيا ذُلُّهُمْ؛ وخَوْفُهُمْ؛ وغَمُّ قُلُوبِهِمْ؛ وفي الآخِرَةِ عَذابُ جَهَنَّمَ؛ وقالَ السُدِّيُّ ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ ؛ والحَسَنُ ؛ وغَيْرُهم مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذا الخَدْعَ هو أنَّ اللهَ تَعالى يُعْطِي لِهَذِهِ الأُمَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ نُورًا لِكُلِّ إنْسانٍ مُؤْمِنٍ؛ أو مُنافِقٍ؛ فَيَفْرَحُ المُنافِقُونَ؛ ويَظُنُّونَ أنَّهم قَدْ نَجَوْا؛ فَإذا جاؤُوا إلى الصِراطِ طُفِئَ نُورُ كُلِّ مُنافِقٍ؛ ونَهَضَ المُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ؛ فَذَلِكَ قَوْلُ المُنافِقِينَ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] ؛ وذَلِكَ هو الخَدْعُ الَّذِي يَجْرِي عَلى المُنافِقِينَ؛ وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ النَحْوِيُّ: "وَهُوَ خادِعْهُمْ"؛ بِإسْكانِ العَيْنِ؛ وذَلِكَ عَلى التَخْفِيفِ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى كَسَلَهم في القِيامِ إلى الصَلاةِ؛ وتِلْكَ حالُ كُلِّ مَن يَعْمَلُ العَمَلَ كارِهًا؛ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ فِيهِ الصَوابَ؛ تُقْيَةً؛ أو مُصانَعَةً؛ وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ الأعْرَجُ: "كَسالى"؛ بِفَتْحِ الكافِ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُرَؤُّونَ"؛ بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ مُشَدَّدَةٍ بَيْنَ الراءِ والواوِ؛ دُونَ ألِفٍ؛ وهي تَعْدِيَةُ "رَأى"؛ بِالتَضْعِيفِ؛ وهي أقْوى في المَعْنى مِن "يُراؤُونَ"؛ لِأنَّ مَعْناها: "يَحْمِلُونَ الناسَ عَلى أنْ يَرَوْهُمْ؛ ويَتَظاهَرُونَ لَهم بِالصَلاةِ؛ وهم يُبْطِنُونَ النِفاقَ"؛ وتَقْلِيلُهُ ذِكْرَهم يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ؛ قالَ الحَسَنُ: قَلَّ لِأنَّهُ كانَ لِغَيْرِ اللهِ"؛ فَهَذا وجْهٌ؛ والثانِي أنَّهُ قَلِيلٌ بِالنِسْبَةِ إلى خَوْضِهِمْ في الباطِلِ؛ وقَوْلِهِمُ الزُورَ والكُفْرَ.
"مُذَبْذَبِينَ"؛ مَعْناهُ: مُضْطَرِبِينَ؛ لا يَثْبُتُونَ عَلى حالٍ؛ و"اَلتَّذَبْذُبُ": اَلِاضْطِرابُ بِخَجَلٍ؛ أو خَوْفٍ؛ أو إسْراعٍ في مَشْيٍ؛ ونَحْوِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:
...
؎ تَرى كُلَّ مَلْكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ خَيالٌ لِأُمِّ السَلْسَبِيلِ ودُونَها ∗∗∗ ∗∗∗ مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْبَرِيدِ المُذَبْذِبِ
(p-٥١)بِكَسْرِ الذالِ الثانِيَةِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: أيِ: "اَلْمُهْتَزِّ؛ القَلِقِ؛ الَّذِي لا يَثْبُتُ؛ ولا يَتَمَهَّلُ"؛ فَهَؤُلاءِ المُنافِقُونَ مُتَرَدِّدُونَ بَيْنَ الكُفّارِ؛ والمُؤْمِنِينَ ﴿لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ ؛ كَما قالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "مَثَلُ المُنافِقِ مَثَلُ الشاةِ العائِرَةِ بَيْنَ الغَنَمَيْنِ"؛» فالإشارَةُ بِذَلِكَ إلى حالَيِ الكُفْرِ؛ والإيمانِ؛ وأشارَ إلَيْهِ؛ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ؛ لِظُهُورِ تَضَمُّنِ الكَلامِ لَهُ؛ كَما جاءَ: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] ؛ و﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦].
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُذَبْذَبِينَ"؛ بِفَتْحِ الذالِ الأُولى؛ والثانِيَةِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "مُذَبْذِبِينَ"؛ بِكَسْرِ الذالِ الثانِيَةِ؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "مُتَذَبْذِبِينَ"؛ بِالتاءِ؛ وكَسْرِ الذالِ الثانِيَةِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "مَذَبْذَبِينَ"؛ بِفَتْحِ المِيمِ؛ والذالَّيْنِ؛ وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ ؛ مَعْناهُ: سَبِيلَ هُدًى وإرْشادٍ.
النساء 4:143
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ فاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ولَنْ يَجْعَلَ اللهِ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ ﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وهو خادِعُهم وإذا قامُوا إلى الصَلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ الناسَ ولا يَذْكُرُونَ اللهَ إلا قَلِيلا﴾ ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ ومَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾
"اَلَّذِينَ"؛ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ؛ و"يَتَرَبَّصُونَ"؛ مَعْناهُ: "يَنْتَظِرُونَ دَوْرَ الدَوائِرِ عَلَيْكُمْ؛ فَإنْ كانَ فَتْحٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ادَّعَوْا فِيهِ النَصِيبَ بِحُكْمِ ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ الإيمانِ؛ وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَيْلٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ ادَّعَوْا فِيهِ النَصِيبَ بِحُكْمِ ما يُبْطِنُونَهُ مِن مُوالاةِ الكُفّارِ؛ وهَذا حالُ المُنافِقِينَ".
و"نَسْتَحْوِذْ"؛ مَعْناهُ: (نَغْلِبُ عَلى أمْرِكُمْ؛ ونَحُوطُكُمْ؛ ونَحْمِي أمْرَكُمْ)؛ ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ في صِفَةِ ثَوْرٍ وبَقَرٍ:
؎ يَحُوذُهُنَّ ولَهُ حُوذِيُّ
(p-٤٩)أيْ: يَغْلِبُهُنَّ عَلى أمْرِهِنَّ؛ ويُغْلِبُ الثِيرانَ عَلَيْهِنَّ؛ ويُرْوى: "يَحُوزُهُنَّ" بِالزايِ؛ ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ لَبِيدٍ في صِفَةِ عِيرٍ وأُتُنٍ:
؎ إذا اجْتَمَعَتْ وأحْوَذَ جانِبَيْها ∗∗∗ ∗∗∗ وأورَدَها عَلى عُوجٍ طِوالِ
أحْوَذَ جانِبَيْها: قَهَرَها؛ وغَلَبَ عَلَيْها؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَيْطانُ﴾ [المجادلة: ١٩] ؛ مَعْناهُ: غَلَبَ عَلَيْهِمْ؛ وشَذَّ هَذا الفِعْلُ في أنْ لَمْ تُعَلَّ واوُهُ؛ بَلِ اسْتُعْمِلَتْ عَلى الأصْلِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "وَمَنَعْناكم مِنَ المُؤْمِنِينَ"؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَنَمْنَعَكُمْ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ عَلى الصَرْفِ.
ثُمَّ سَلّى وآنَسَ المُؤْمِنِينَ بِما وعَدَهم بِهِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿فاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ؛ أيْ: وبَيْنَهُمْ؛ ويُنْصِفُكم مِن جَمِيعِهِمْ؛ وبِقَوْلِهِ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ ؛ وقالَ يُسَيْعٌ الحَضْرَمِيُّ: كُنْتُ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ؛ أرَأيْتَ قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ ؛ كَيْفَ ذَلِكَ؛ وهم يُقاتِلُونَنا ويَظْهَرُونَ عَلَيْنا أحْيانًا؟ فَقالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: مَعْنى ذَلِكَ: يَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ الحُكْمُ؛ وبِهَذا قالَ جَمِيعُ أهْلِ التَأْوِيلِ.
و"اَلسَّبِيلُ": اَلْحُجَّةُ؛ والغَلَبَةُ.
ومُخادَعَةُ المُنافِقِينَ هي لِأولِياءِ اللهِ تَعالى ؛ إذْ يَظُنُّونَهم غَيْرَ أولِياءَ؛ فَفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ؛ وإلْزامُ ذَنْبٍ اقْتَضَتْهُ أفْعالُهُمْ؛ وإنْ كانَتْ نِيّاتُهم لَمْ تَقْتَضِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْصِدُ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ مُخادَعَةَ اللهِ تَعالى.
(p-٥٠)وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ ؛ أيْ: مُنْزِلُ الخِداعِ بِهِمْ؛ وهَذِهِ عِبارَةٌ عن عُقُوبَةٍ سَمّاها بِاسْمِ الذَنْبِ؛ فَعُقُوبَتُهم في الدُنْيا ذُلُّهُمْ؛ وخَوْفُهُمْ؛ وغَمُّ قُلُوبِهِمْ؛ وفي الآخِرَةِ عَذابُ جَهَنَّمَ؛ وقالَ السُدِّيُّ ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ ؛ والحَسَنُ ؛ وغَيْرُهم مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذا الخَدْعَ هو أنَّ اللهَ تَعالى يُعْطِي لِهَذِهِ الأُمَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ نُورًا لِكُلِّ إنْسانٍ مُؤْمِنٍ؛ أو مُنافِقٍ؛ فَيَفْرَحُ المُنافِقُونَ؛ ويَظُنُّونَ أنَّهم قَدْ نَجَوْا؛ فَإذا جاؤُوا إلى الصِراطِ طُفِئَ نُورُ كُلِّ مُنافِقٍ؛ ونَهَضَ المُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ؛ فَذَلِكَ قَوْلُ المُنافِقِينَ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] ؛ وذَلِكَ هو الخَدْعُ الَّذِي يَجْرِي عَلى المُنافِقِينَ؛ وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ النَحْوِيُّ: "وَهُوَ خادِعْهُمْ"؛ بِإسْكانِ العَيْنِ؛ وذَلِكَ عَلى التَخْفِيفِ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى كَسَلَهم في القِيامِ إلى الصَلاةِ؛ وتِلْكَ حالُ كُلِّ مَن يَعْمَلُ العَمَلَ كارِهًا؛ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ فِيهِ الصَوابَ؛ تُقْيَةً؛ أو مُصانَعَةً؛ وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ الأعْرَجُ: "كَسالى"؛ بِفَتْحِ الكافِ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُرَؤُّونَ"؛ بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ مُشَدَّدَةٍ بَيْنَ الراءِ والواوِ؛ دُونَ ألِفٍ؛ وهي تَعْدِيَةُ "رَأى"؛ بِالتَضْعِيفِ؛ وهي أقْوى في المَعْنى مِن "يُراؤُونَ"؛ لِأنَّ مَعْناها: "يَحْمِلُونَ الناسَ عَلى أنْ يَرَوْهُمْ؛ ويَتَظاهَرُونَ لَهم بِالصَلاةِ؛ وهم يُبْطِنُونَ النِفاقَ"؛ وتَقْلِيلُهُ ذِكْرَهم يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ؛ قالَ الحَسَنُ: قَلَّ لِأنَّهُ كانَ لِغَيْرِ اللهِ"؛ فَهَذا وجْهٌ؛ والثانِي أنَّهُ قَلِيلٌ بِالنِسْبَةِ إلى خَوْضِهِمْ في الباطِلِ؛ وقَوْلِهِمُ الزُورَ والكُفْرَ.
"مُذَبْذَبِينَ"؛ مَعْناهُ: مُضْطَرِبِينَ؛ لا يَثْبُتُونَ عَلى حالٍ؛ و"اَلتَّذَبْذُبُ": اَلِاضْطِرابُ بِخَجَلٍ؛ أو خَوْفٍ؛ أو إسْراعٍ في مَشْيٍ؛ ونَحْوِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:
...
؎ تَرى كُلَّ مَلْكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ خَيالٌ لِأُمِّ السَلْسَبِيلِ ودُونَها ∗∗∗ ∗∗∗ مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْبَرِيدِ المُذَبْذِبِ
(p-٥١)بِكَسْرِ الذالِ الثانِيَةِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: أيِ: "اَلْمُهْتَزِّ؛ القَلِقِ؛ الَّذِي لا يَثْبُتُ؛ ولا يَتَمَهَّلُ"؛ فَهَؤُلاءِ المُنافِقُونَ مُتَرَدِّدُونَ بَيْنَ الكُفّارِ؛ والمُؤْمِنِينَ ﴿لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ ؛ كَما قالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "مَثَلُ المُنافِقِ مَثَلُ الشاةِ العائِرَةِ بَيْنَ الغَنَمَيْنِ"؛» فالإشارَةُ بِذَلِكَ إلى حالَيِ الكُفْرِ؛ والإيمانِ؛ وأشارَ إلَيْهِ؛ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ؛ لِظُهُورِ تَضَمُّنِ الكَلامِ لَهُ؛ كَما جاءَ: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] ؛ و﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦].
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُذَبْذَبِينَ"؛ بِفَتْحِ الذالِ الأُولى؛ والثانِيَةِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "مُذَبْذِبِينَ"؛ بِكَسْرِ الذالِ الثانِيَةِ؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "مُتَذَبْذِبِينَ"؛ بِالتاءِ؛ وكَسْرِ الذالِ الثانِيَةِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "مَذَبْذَبِينَ"؛ بِفَتْحِ المِيمِ؛ والذالَّيْنِ؛ وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ ؛ مَعْناهُ: سَبِيلَ هُدًى وإرْشادٍ.
النساء 4:144
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أولِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النارِ ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ وكانَ اللهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾
خِطابُهُ تَعالى يَدْخُلُ فِيهِ - بِحُكْمِ الظاهِرِ - المُنافِقُونَ المُظْهِرُونَ لِلْإيمانِ؛ فَفي اللَفْظِ رِفْقٌ بِهِمْ؛ وهُمُ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ ؛ لِأنَّ (p-٥٢)التَوْقِيفَ إنَّما هو لِمَن ألَمَّ بِشَيْءٍ مِنَ الفِعْلِ المُؤَدِّي إلى هَذِهِ الحالِ؛ والمُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ ما ألَمُّوا قَطُّ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ ويُقَوِّي هَذا المَنزَعَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أيْ: والمُؤْمِنُونَ العارِفُونَ المُخْلِصُونَ غُيَّبٌ عن هَذِهِ المُوالاةِ؛ وهَذا لا يُقالُ لِلْمُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ؛ بَلِ المَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ؛ والتَزَمُوا لَوازِمَهُ.
و"اَلسُّلْطانُ": اَلْحُجَّةُ؛ وهي لَفْظَةٌ تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ؛ والتَذْكِيرُ أشْهَرُ؛ وهي لُغَةُ القُرْآنِ؛ حَيْثُ وقَعَ؛ والسُلْطانُ إذا سُمِّيَ بِهِ صاحِبُ الأمْرِ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ والتَقْدِيرُ: ذُو السُلْطانِ؛ أيْ: ذُو الحُجَّةِ عَلى الناسِ؛ إذْ هو مُدَبِّرُهُمْ؛ والناظِرُ في مَنافِعِهِمْ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِن نارِ جَهَنَّمَ؛ وهي أدْراكٌ؛ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ؛ سَبْعَةٌ؛ طَبَقَةٌ عَلى طَبَقَةٍ؛ أعْلاها هي جَهَنَّمُ؛ وقَدْ يُسَمّى جَمِيعُها بِاسْمِ الطَبَقَةِ العُلْيا؛ فالمُنافِقُونَ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُبْطِنُونَ الكُفْرَ هم في أسْفَلِ طَبَقَةٍ مِنَ النارِ؛ لِأنَّهم أسْوَأُ غَوائِلَ مِنَ الكُفّارِ؛ وأشَدُّ تَمَكُّنًا مِن أذى المُسْلِمِينَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "فِي الدَرَكِ"؛ مَفْتُوحَةَ الراءِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ والأعْمَشُ ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "فِي الدَرْكِ"؛ بِسُكُونِ الراءِ؛ واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ ؛ فَرُوِيَ عنهُ الفَتْحُ والسُكُونُ؛ وهُما لُغَتانِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: كَـ "اَلشَّمْعُ"؛ و"اَلشَّمَعُ"؛ ونَحْوِهِ.
(p-٥٣)وَرُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ ؛ وعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ؛ وغَيْرِهِما؛ أنَّهم قالُوا: "اَلْمُنافِقُونَ في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النارِ؛ في تَوابِيتَ مِنَ النارِ؛ تُقْفَلُ عَلَيْهِمْ"؛ و"اَلنَّصِيرُ": بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن "اَلنَّصْرُ".
ثُمَّ اسْتَثْنى - عَزَّ وجَلَّ - التائِبِينَ مِنَ المُنافِقِينَ؛ ومِن شُرُوطِ التائِبِ أنْ يُصْلِحَ في قَوْلِهِ؛ وفِعْلِهِ؛ ويَعْتَصِمَ بِاللهِ؛ أيْ: يَجْعَلُهُ مَنعَتَهُ؛ ومَلْجَأهُ؛ ويُخْلِصَ دِينَهُ لِلَّهِ تَعالى ؛ وإلّا فَلَيْسَ بِتائِبٍ؛ وقالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ - بِحَضْرَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -: واللهِ لَيَدْخُلَنَّ الجَنَّةَ قَوْمٌ كانُوا مُنافِقِينَ؛ فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "وَما عِلْمُكَ بِذَلِكَ؟"؛ فَغَضِبَ حُذَيْفَةُ ؛ وتَنَحّى؛ فَلَمّا تَفَرَّقُوا مَرَّ بِهِ عَلْقَمَةُ ؛ فَدَعاهُ وقالَ: أما إنَّ صاحِبَكم يَعْلَمُ الَّذِي قُلْتَ؛ ثُمَّ تَلا ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وأخْبَرَ تَعالى أنَّهم مَعَ المُؤْمِنِينَ في رَحْمَةِ اللهِ؛ وفي مَنازِلِ الجَنَّةِ؛ ثُمَّ وعَدَ المُؤْمِنِينَ الأجْرَ العَظِيمَ.
وحُذِفَتِ الياءُ مِن "يُؤْتِ"؛ في المُصْحَفِ تَخْفِيفًا؛ قالَ الزَجّاجُ: لِسُكُونِها وسُكُونِ اللامِ في "اللهُ"؛ كَما حُذِفَتْ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُنادِ المُنادِ﴾ [ق: ٤١] ؛ وكَذَلِكَ: ﴿سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] ؛ وأمْثالَ هَذا كَثِيرٌ؛ والأجْرُ العَظِيمُ: اَلتَّخْلِيدُ في الجَنَّةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى لِلْمُنافِقِينَ: ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أيْ: أيُّ مَنفَعَةٍ لَهُ في ذَلِكَ؛ أو حاجَةٍ؟ والشُكْرُ عَلى الحَقِيقَةِ لا يَكُونُ إلّا مُقْتَرِنًا بِالإيمانِ؛ لَكِنَّهُ ذَكَرَ الإيمانَ تَأْكِيدًا؛ وتَنْبِيهًا عَلى جَلالَةِ مَوْقِعِهِ؛ ثُمَّ وعَدَ اللهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَكانَ اللهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ ؛ أيْ: يَتَقَبَّلُ أقَلَّ شَيْءٍ مِنَ العَمَلِ؛ ويُنَمِّيهِ؛ فَذَلِكَ شُكْرٌ مِنهُ لِعِبادِهِ.
والشَكُورُ مِنَ البَهائِمِ الَّذِي يَأْكُلُ قَلِيلًا؛ ويَظْهَرُ بِهِ بَدَنُهُ؛ والعَرَبُ تَقُولُ في مِثْلِ: "أشْكَرُ مِن بَرْوَقَةَ"؛ (p-٥٤)لِأنَّها - يُقالُ - تَخْضَرُّ؛ وتُنْضُرُ بِطَلِّ السَحابِ؛ دُونَ مَطَرٍ؛ وفي قَوْلِهِ: "عَلِيمًا"؛ تَحْذِيرٌ؛ ونَدْبٌ؛ إلى الإخْلاصِ.
النساء 4:145
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أولِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النارِ ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ وكانَ اللهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾
خِطابُهُ تَعالى يَدْخُلُ فِيهِ - بِحُكْمِ الظاهِرِ - المُنافِقُونَ المُظْهِرُونَ لِلْإيمانِ؛ فَفي اللَفْظِ رِفْقٌ بِهِمْ؛ وهُمُ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ ؛ لِأنَّ (p-٥٢)التَوْقِيفَ إنَّما هو لِمَن ألَمَّ بِشَيْءٍ مِنَ الفِعْلِ المُؤَدِّي إلى هَذِهِ الحالِ؛ والمُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ ما ألَمُّوا قَطُّ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ ويُقَوِّي هَذا المَنزَعَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أيْ: والمُؤْمِنُونَ العارِفُونَ المُخْلِصُونَ غُيَّبٌ عن هَذِهِ المُوالاةِ؛ وهَذا لا يُقالُ لِلْمُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ؛ بَلِ المَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ؛ والتَزَمُوا لَوازِمَهُ.
و"اَلسُّلْطانُ": اَلْحُجَّةُ؛ وهي لَفْظَةٌ تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ؛ والتَذْكِيرُ أشْهَرُ؛ وهي لُغَةُ القُرْآنِ؛ حَيْثُ وقَعَ؛ والسُلْطانُ إذا سُمِّيَ بِهِ صاحِبُ الأمْرِ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ والتَقْدِيرُ: ذُو السُلْطانِ؛ أيْ: ذُو الحُجَّةِ عَلى الناسِ؛ إذْ هو مُدَبِّرُهُمْ؛ والناظِرُ في مَنافِعِهِمْ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِن نارِ جَهَنَّمَ؛ وهي أدْراكٌ؛ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ؛ سَبْعَةٌ؛ طَبَقَةٌ عَلى طَبَقَةٍ؛ أعْلاها هي جَهَنَّمُ؛ وقَدْ يُسَمّى جَمِيعُها بِاسْمِ الطَبَقَةِ العُلْيا؛ فالمُنافِقُونَ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُبْطِنُونَ الكُفْرَ هم في أسْفَلِ طَبَقَةٍ مِنَ النارِ؛ لِأنَّهم أسْوَأُ غَوائِلَ مِنَ الكُفّارِ؛ وأشَدُّ تَمَكُّنًا مِن أذى المُسْلِمِينَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "فِي الدَرَكِ"؛ مَفْتُوحَةَ الراءِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ والأعْمَشُ ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "فِي الدَرْكِ"؛ بِسُكُونِ الراءِ؛ واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ ؛ فَرُوِيَ عنهُ الفَتْحُ والسُكُونُ؛ وهُما لُغَتانِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: كَـ "اَلشَّمْعُ"؛ و"اَلشَّمَعُ"؛ ونَحْوِهِ.
(p-٥٣)وَرُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ ؛ وعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ؛ وغَيْرِهِما؛ أنَّهم قالُوا: "اَلْمُنافِقُونَ في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النارِ؛ في تَوابِيتَ مِنَ النارِ؛ تُقْفَلُ عَلَيْهِمْ"؛ و"اَلنَّصِيرُ": بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن "اَلنَّصْرُ".
ثُمَّ اسْتَثْنى - عَزَّ وجَلَّ - التائِبِينَ مِنَ المُنافِقِينَ؛ ومِن شُرُوطِ التائِبِ أنْ يُصْلِحَ في قَوْلِهِ؛ وفِعْلِهِ؛ ويَعْتَصِمَ بِاللهِ؛ أيْ: يَجْعَلُهُ مَنعَتَهُ؛ ومَلْجَأهُ؛ ويُخْلِصَ دِينَهُ لِلَّهِ تَعالى ؛ وإلّا فَلَيْسَ بِتائِبٍ؛ وقالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ - بِحَضْرَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -: واللهِ لَيَدْخُلَنَّ الجَنَّةَ قَوْمٌ كانُوا مُنافِقِينَ؛ فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "وَما عِلْمُكَ بِذَلِكَ؟"؛ فَغَضِبَ حُذَيْفَةُ ؛ وتَنَحّى؛ فَلَمّا تَفَرَّقُوا مَرَّ بِهِ عَلْقَمَةُ ؛ فَدَعاهُ وقالَ: أما إنَّ صاحِبَكم يَعْلَمُ الَّذِي قُلْتَ؛ ثُمَّ تَلا ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وأخْبَرَ تَعالى أنَّهم مَعَ المُؤْمِنِينَ في رَحْمَةِ اللهِ؛ وفي مَنازِلِ الجَنَّةِ؛ ثُمَّ وعَدَ المُؤْمِنِينَ الأجْرَ العَظِيمَ.
وحُذِفَتِ الياءُ مِن "يُؤْتِ"؛ في المُصْحَفِ تَخْفِيفًا؛ قالَ الزَجّاجُ: لِسُكُونِها وسُكُونِ اللامِ في "اللهُ"؛ كَما حُذِفَتْ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُنادِ المُنادِ﴾ [ق: ٤١] ؛ وكَذَلِكَ: ﴿سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] ؛ وأمْثالَ هَذا كَثِيرٌ؛ والأجْرُ العَظِيمُ: اَلتَّخْلِيدُ في الجَنَّةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى لِلْمُنافِقِينَ: ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أيْ: أيُّ مَنفَعَةٍ لَهُ في ذَلِكَ؛ أو حاجَةٍ؟ والشُكْرُ عَلى الحَقِيقَةِ لا يَكُونُ إلّا مُقْتَرِنًا بِالإيمانِ؛ لَكِنَّهُ ذَكَرَ الإيمانَ تَأْكِيدًا؛ وتَنْبِيهًا عَلى جَلالَةِ مَوْقِعِهِ؛ ثُمَّ وعَدَ اللهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَكانَ اللهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ ؛ أيْ: يَتَقَبَّلُ أقَلَّ شَيْءٍ مِنَ العَمَلِ؛ ويُنَمِّيهِ؛ فَذَلِكَ شُكْرٌ مِنهُ لِعِبادِهِ.
والشَكُورُ مِنَ البَهائِمِ الَّذِي يَأْكُلُ قَلِيلًا؛ ويَظْهَرُ بِهِ بَدَنُهُ؛ والعَرَبُ تَقُولُ في مِثْلِ: "أشْكَرُ مِن بَرْوَقَةَ"؛ (p-٥٤)لِأنَّها - يُقالُ - تَخْضَرُّ؛ وتُنْضُرُ بِطَلِّ السَحابِ؛ دُونَ مَطَرٍ؛ وفي قَوْلِهِ: "عَلِيمًا"؛ تَحْذِيرٌ؛ ونَدْبٌ؛ إلى الإخْلاصِ.
النساء 4:146
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أولِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النارِ ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ وكانَ اللهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾
خِطابُهُ تَعالى يَدْخُلُ فِيهِ - بِحُكْمِ الظاهِرِ - المُنافِقُونَ المُظْهِرُونَ لِلْإيمانِ؛ فَفي اللَفْظِ رِفْقٌ بِهِمْ؛ وهُمُ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ ؛ لِأنَّ (p-٥٢)التَوْقِيفَ إنَّما هو لِمَن ألَمَّ بِشَيْءٍ مِنَ الفِعْلِ المُؤَدِّي إلى هَذِهِ الحالِ؛ والمُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ ما ألَمُّوا قَطُّ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ ويُقَوِّي هَذا المَنزَعَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أيْ: والمُؤْمِنُونَ العارِفُونَ المُخْلِصُونَ غُيَّبٌ عن هَذِهِ المُوالاةِ؛ وهَذا لا يُقالُ لِلْمُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ؛ بَلِ المَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ؛ والتَزَمُوا لَوازِمَهُ.
و"اَلسُّلْطانُ": اَلْحُجَّةُ؛ وهي لَفْظَةٌ تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ؛ والتَذْكِيرُ أشْهَرُ؛ وهي لُغَةُ القُرْآنِ؛ حَيْثُ وقَعَ؛ والسُلْطانُ إذا سُمِّيَ بِهِ صاحِبُ الأمْرِ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ والتَقْدِيرُ: ذُو السُلْطانِ؛ أيْ: ذُو الحُجَّةِ عَلى الناسِ؛ إذْ هو مُدَبِّرُهُمْ؛ والناظِرُ في مَنافِعِهِمْ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِن نارِ جَهَنَّمَ؛ وهي أدْراكٌ؛ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ؛ سَبْعَةٌ؛ طَبَقَةٌ عَلى طَبَقَةٍ؛ أعْلاها هي جَهَنَّمُ؛ وقَدْ يُسَمّى جَمِيعُها بِاسْمِ الطَبَقَةِ العُلْيا؛ فالمُنافِقُونَ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُبْطِنُونَ الكُفْرَ هم في أسْفَلِ طَبَقَةٍ مِنَ النارِ؛ لِأنَّهم أسْوَأُ غَوائِلَ مِنَ الكُفّارِ؛ وأشَدُّ تَمَكُّنًا مِن أذى المُسْلِمِينَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "فِي الدَرَكِ"؛ مَفْتُوحَةَ الراءِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ والأعْمَشُ ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "فِي الدَرْكِ"؛ بِسُكُونِ الراءِ؛ واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ ؛ فَرُوِيَ عنهُ الفَتْحُ والسُكُونُ؛ وهُما لُغَتانِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: كَـ "اَلشَّمْعُ"؛ و"اَلشَّمَعُ"؛ ونَحْوِهِ.
(p-٥٣)وَرُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ ؛ وعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ؛ وغَيْرِهِما؛ أنَّهم قالُوا: "اَلْمُنافِقُونَ في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النارِ؛ في تَوابِيتَ مِنَ النارِ؛ تُقْفَلُ عَلَيْهِمْ"؛ و"اَلنَّصِيرُ": بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن "اَلنَّصْرُ".
ثُمَّ اسْتَثْنى - عَزَّ وجَلَّ - التائِبِينَ مِنَ المُنافِقِينَ؛ ومِن شُرُوطِ التائِبِ أنْ يُصْلِحَ في قَوْلِهِ؛ وفِعْلِهِ؛ ويَعْتَصِمَ بِاللهِ؛ أيْ: يَجْعَلُهُ مَنعَتَهُ؛ ومَلْجَأهُ؛ ويُخْلِصَ دِينَهُ لِلَّهِ تَعالى ؛ وإلّا فَلَيْسَ بِتائِبٍ؛ وقالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ - بِحَضْرَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -: واللهِ لَيَدْخُلَنَّ الجَنَّةَ قَوْمٌ كانُوا مُنافِقِينَ؛ فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "وَما عِلْمُكَ بِذَلِكَ؟"؛ فَغَضِبَ حُذَيْفَةُ ؛ وتَنَحّى؛ فَلَمّا تَفَرَّقُوا مَرَّ بِهِ عَلْقَمَةُ ؛ فَدَعاهُ وقالَ: أما إنَّ صاحِبَكم يَعْلَمُ الَّذِي قُلْتَ؛ ثُمَّ تَلا ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وأخْبَرَ تَعالى أنَّهم مَعَ المُؤْمِنِينَ في رَحْمَةِ اللهِ؛ وفي مَنازِلِ الجَنَّةِ؛ ثُمَّ وعَدَ المُؤْمِنِينَ الأجْرَ العَظِيمَ.
وحُذِفَتِ الياءُ مِن "يُؤْتِ"؛ في المُصْحَفِ تَخْفِيفًا؛ قالَ الزَجّاجُ: لِسُكُونِها وسُكُونِ اللامِ في "اللهُ"؛ كَما حُذِفَتْ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُنادِ المُنادِ﴾ [ق: ٤١] ؛ وكَذَلِكَ: ﴿سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] ؛ وأمْثالَ هَذا كَثِيرٌ؛ والأجْرُ العَظِيمُ: اَلتَّخْلِيدُ في الجَنَّةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى لِلْمُنافِقِينَ: ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أيْ: أيُّ مَنفَعَةٍ لَهُ في ذَلِكَ؛ أو حاجَةٍ؟ والشُكْرُ عَلى الحَقِيقَةِ لا يَكُونُ إلّا مُقْتَرِنًا بِالإيمانِ؛ لَكِنَّهُ ذَكَرَ الإيمانَ تَأْكِيدًا؛ وتَنْبِيهًا عَلى جَلالَةِ مَوْقِعِهِ؛ ثُمَّ وعَدَ اللهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَكانَ اللهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ ؛ أيْ: يَتَقَبَّلُ أقَلَّ شَيْءٍ مِنَ العَمَلِ؛ ويُنَمِّيهِ؛ فَذَلِكَ شُكْرٌ مِنهُ لِعِبادِهِ.
والشَكُورُ مِنَ البَهائِمِ الَّذِي يَأْكُلُ قَلِيلًا؛ ويَظْهَرُ بِهِ بَدَنُهُ؛ والعَرَبُ تَقُولُ في مِثْلِ: "أشْكَرُ مِن بَرْوَقَةَ"؛ (p-٥٤)لِأنَّها - يُقالُ - تَخْضَرُّ؛ وتُنْضُرُ بِطَلِّ السَحابِ؛ دُونَ مَطَرٍ؛ وفي قَوْلِهِ: "عَلِيمًا"؛ تَحْذِيرٌ؛ ونَدْبٌ؛ إلى الإخْلاصِ.
النساء 4:147
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أولِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النارِ ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ وكانَ اللهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾
خِطابُهُ تَعالى يَدْخُلُ فِيهِ - بِحُكْمِ الظاهِرِ - المُنافِقُونَ المُظْهِرُونَ لِلْإيمانِ؛ فَفي اللَفْظِ رِفْقٌ بِهِمْ؛ وهُمُ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ ؛ لِأنَّ (p-٥٢)التَوْقِيفَ إنَّما هو لِمَن ألَمَّ بِشَيْءٍ مِنَ الفِعْلِ المُؤَدِّي إلى هَذِهِ الحالِ؛ والمُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ ما ألَمُّوا قَطُّ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ ويُقَوِّي هَذا المَنزَعَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أيْ: والمُؤْمِنُونَ العارِفُونَ المُخْلِصُونَ غُيَّبٌ عن هَذِهِ المُوالاةِ؛ وهَذا لا يُقالُ لِلْمُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ؛ بَلِ المَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ؛ والتَزَمُوا لَوازِمَهُ.
و"اَلسُّلْطانُ": اَلْحُجَّةُ؛ وهي لَفْظَةٌ تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ؛ والتَذْكِيرُ أشْهَرُ؛ وهي لُغَةُ القُرْآنِ؛ حَيْثُ وقَعَ؛ والسُلْطانُ إذا سُمِّيَ بِهِ صاحِبُ الأمْرِ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ والتَقْدِيرُ: ذُو السُلْطانِ؛ أيْ: ذُو الحُجَّةِ عَلى الناسِ؛ إذْ هو مُدَبِّرُهُمْ؛ والناظِرُ في مَنافِعِهِمْ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِن نارِ جَهَنَّمَ؛ وهي أدْراكٌ؛ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ؛ سَبْعَةٌ؛ طَبَقَةٌ عَلى طَبَقَةٍ؛ أعْلاها هي جَهَنَّمُ؛ وقَدْ يُسَمّى جَمِيعُها بِاسْمِ الطَبَقَةِ العُلْيا؛ فالمُنافِقُونَ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُبْطِنُونَ الكُفْرَ هم في أسْفَلِ طَبَقَةٍ مِنَ النارِ؛ لِأنَّهم أسْوَأُ غَوائِلَ مِنَ الكُفّارِ؛ وأشَدُّ تَمَكُّنًا مِن أذى المُسْلِمِينَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "فِي الدَرَكِ"؛ مَفْتُوحَةَ الراءِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ والأعْمَشُ ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "فِي الدَرْكِ"؛ بِسُكُونِ الراءِ؛ واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ ؛ فَرُوِيَ عنهُ الفَتْحُ والسُكُونُ؛ وهُما لُغَتانِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: كَـ "اَلشَّمْعُ"؛ و"اَلشَّمَعُ"؛ ونَحْوِهِ.
(p-٥٣)وَرُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ ؛ وعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ؛ وغَيْرِهِما؛ أنَّهم قالُوا: "اَلْمُنافِقُونَ في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النارِ؛ في تَوابِيتَ مِنَ النارِ؛ تُقْفَلُ عَلَيْهِمْ"؛ و"اَلنَّصِيرُ": بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن "اَلنَّصْرُ".
ثُمَّ اسْتَثْنى - عَزَّ وجَلَّ - التائِبِينَ مِنَ المُنافِقِينَ؛ ومِن شُرُوطِ التائِبِ أنْ يُصْلِحَ في قَوْلِهِ؛ وفِعْلِهِ؛ ويَعْتَصِمَ بِاللهِ؛ أيْ: يَجْعَلُهُ مَنعَتَهُ؛ ومَلْجَأهُ؛ ويُخْلِصَ دِينَهُ لِلَّهِ تَعالى ؛ وإلّا فَلَيْسَ بِتائِبٍ؛ وقالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ - بِحَضْرَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -: واللهِ لَيَدْخُلَنَّ الجَنَّةَ قَوْمٌ كانُوا مُنافِقِينَ؛ فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "وَما عِلْمُكَ بِذَلِكَ؟"؛ فَغَضِبَ حُذَيْفَةُ ؛ وتَنَحّى؛ فَلَمّا تَفَرَّقُوا مَرَّ بِهِ عَلْقَمَةُ ؛ فَدَعاهُ وقالَ: أما إنَّ صاحِبَكم يَعْلَمُ الَّذِي قُلْتَ؛ ثُمَّ تَلا ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وأخْبَرَ تَعالى أنَّهم مَعَ المُؤْمِنِينَ في رَحْمَةِ اللهِ؛ وفي مَنازِلِ الجَنَّةِ؛ ثُمَّ وعَدَ المُؤْمِنِينَ الأجْرَ العَظِيمَ.
وحُذِفَتِ الياءُ مِن "يُؤْتِ"؛ في المُصْحَفِ تَخْفِيفًا؛ قالَ الزَجّاجُ: لِسُكُونِها وسُكُونِ اللامِ في "اللهُ"؛ كَما حُذِفَتْ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُنادِ المُنادِ﴾ [ق: ٤١] ؛ وكَذَلِكَ: ﴿سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] ؛ وأمْثالَ هَذا كَثِيرٌ؛ والأجْرُ العَظِيمُ: اَلتَّخْلِيدُ في الجَنَّةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى لِلْمُنافِقِينَ: ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أيْ: أيُّ مَنفَعَةٍ لَهُ في ذَلِكَ؛ أو حاجَةٍ؟ والشُكْرُ عَلى الحَقِيقَةِ لا يَكُونُ إلّا مُقْتَرِنًا بِالإيمانِ؛ لَكِنَّهُ ذَكَرَ الإيمانَ تَأْكِيدًا؛ وتَنْبِيهًا عَلى جَلالَةِ مَوْقِعِهِ؛ ثُمَّ وعَدَ اللهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَكانَ اللهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ ؛ أيْ: يَتَقَبَّلُ أقَلَّ شَيْءٍ مِنَ العَمَلِ؛ ويُنَمِّيهِ؛ فَذَلِكَ شُكْرٌ مِنهُ لِعِبادِهِ.
والشَكُورُ مِنَ البَهائِمِ الَّذِي يَأْكُلُ قَلِيلًا؛ ويَظْهَرُ بِهِ بَدَنُهُ؛ والعَرَبُ تَقُولُ في مِثْلِ: "أشْكَرُ مِن بَرْوَقَةَ"؛ (p-٥٤)لِأنَّها - يُقالُ - تَخْضَرُّ؛ وتُنْضُرُ بِطَلِّ السَحابِ؛ دُونَ مَطَرٍ؛ وفي قَوْلِهِ: "عَلِيمًا"؛ تَحْذِيرٌ؛ ونَدْبٌ؛ إلى الإخْلاصِ.
النساء 4:148
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿لا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مِنَ ظُلِمَ وكانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أو تُخْفُوهُ أو تَعْفُوا عن سُوءٍ فَإنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾
اَلْمَحَبَّةُ في الشاهِدِ إرادَةٌ يَقْتَرِنُ بِها اسْتِحْسانٌ ومَيْلُ اعْتِقادٍ؛ فَتَكُونُ الأفْعالُ الظاهِرَةُ مِنَ المُحِبِّ بِحَسَبِ ذَلِكَ؛ والجَهْرُ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ لا يَكُونُ مِنَ اللهِ تَعالى فِيهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ أما إنَّهُ يُرِيدُ وُقُوعَ الواقِعِ مِنهُ؛ ولا يُحِبُّهُ هو في نَفْسِهِ.
والجَهْرَ: كَشْفُ الشَيْءِ؛ ومِنهُ الجَهْرَةُ في قَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿أرِنا اللهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] ؛ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "جَهَرَتِ البِئْرُ"؛ إذا حُفِرَتْ حَتّى أخْرَجَتْ ماءَها.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ ؛ وقِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ بِضَمِّ الظاءِ؛ وكَسْرِ اللامِ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ؛ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ ؛ والضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ وعَطاءُ بْنُ السائِبِ؛ وعَبْدُ الأعْلى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ ؛ ومُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ؛ وغَيْرُهُمْ: "إلّا مَن ظَلَمَ"؛ بِفَتْحِ الظاءِ؛ واللامِ؛ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ عَلى القِراءَةِ بِضَمِّ الظاءِ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمَعْنى: لا يُحِبُّ اللهُ أنْ يَجْهَرَ أحَدٌ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ إلّا مَن ظُلِمَ؛ فَلا يُكَرَهُ لَهُ الجَهْرُ بِهِ؛ ثُمَّ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في كَيْفِيَّةِ الجَهْرِ بِالسُوءِ؛ وما هو المُباحُ مِن ذَلِكَ؛ فَقالَ الحَسَنُ: هو الرَجُلُ يَظْلِمُ الرَجُلَ؛ فَلا يَدْعُ عَلَيْهِ؛ ولَكِنْ لِيَقُلْ: "اَللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِ؛ اللهُمَّ اسْتَخْرِجْ لِي حَقِّي؛ اللهُمَّ حُلْ بَيْنِي وبَيْنَ ما يُرِيدُ مِن ظُلْمِي"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وغَيْرُهُ: اَلْمُباحُ لِمَن ظُلِمَ أنْ يَدْعُوَ عَلى مَن ظَلَمَهُ؛ وإنْ صَبَرَ فَهو أحْسَنُ لَهُ؛ (p-٥٥)وَقالَ مُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُ: هو في الضَيْفِ المُحَوِّلِ رَحْلَهُ؛ فَإنَّهُ يَجْهَرُ لِلَّذِي لَمْ يُكْرِمْهُ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ فَقَدْ رَخَّصَ لَهُ أنْ يَقُولَ فِيهِ؛ وفي هَذا نَزَلَتِ الآيَةُ؛ ومُقْتَضاها ذِكْرُ الظُلْمِ؛ وتَبْيِينُ الظُلامَةِ في ضِيافَةٍ وغَيْرِها؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيُّ: لا بَأْسَ لِمَن ظُلِمَ أنْ يَنْتَصِرَ مِمَّنْ ظَلَمَهُ بِمِثْلِ ظُلْمِهِ؛ ويَجْهَرَ لَهُ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -:
فَهَذِهِ الأقْوالُ عَلى أرْبَعِ مَراتِبَ: قَوْلِ الحَسَنِ؛ دُعاءٍ في المُدافَعَةِ؛ وتِلْكَ أقَلُّ مَنازِلِ السُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ وقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ الدُعاءِ عَلى الظالِمِ بِإطْلاقٍ في نَوْعِ الدُعاءِ؛ وقَوْلِ مُجاهِدٍ ؛ ذِكْرِ الظُلامَةِ والظُلْمِ؛ وقَوْلِ السُدِّيِّ ؛ الِانْتِصارِ بِما يُوازِي الظُلامَةَ.
وقالَ ابْنُ المُسْتَنِيرِ: "إلّا مَن ظُلِمَ"؛ مَعْناهُ: إلّا مَن أُكْرِهَ عَلى أنْ يَجْهَرَ بِسُوءٍ مِنَ القَوْلِ؛ كُفْرًا أو نَحْوَهُ؛ فَذَلِكَ مُباحٌ؛ والآيَةُ في الإكْراهِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ عَلى القِراءَةِ بِفَتْحِ الظاءِ واللامِ؛ فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: اَلْمَعْنى: إلّا مَن ظَلَمَ في قَوْلٍ؛ أو في فِعْلٍ؛ فاجْهَرُوا لَهُ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ في مَعْنى النَهْيِ عن فِعْلِهِ؛ والتَوْبِيخِ؛ والرَدِّ عَلَيْهِ؛ قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أخْبَرَ اللهُ تَعالى عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النارِ؛ كانَ ذَلِكَ جَهْرًا بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ ثُمَّ قالَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ﴾ [النساء: ١٤٧] ؛ اَلْآيَةَ؛ عَلى مَعْنى التَأْنِيسِ؛ والِاسْتِدْعاءِ إلى الشُكْرِ؛ والإيمانِ؛ ثُمَّ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ولا يُحِبُّ اللهُ أنْ يُجْهَرَ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا لِمَن ظَلَمَ في إقامَتِهِ عَلى النِفاقِ؛ فَإنَّهُ يُقالُ لَهُ: ألَسْتَ المُنافِقَ الكافِرَ الَّذِي لَكَ في الآخِرَةِ الدَرْكُ الأسْفَلُ؟ ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ؛ وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى الكَلامِ: ولا يُحِبُّ اللهُ أنْ يَجْهَرَ أحَدٌ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ ثُمَّ اسْتَثْنى اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا؛ تَقْدِيرُهُ: لَكِنَّ مَن ظَلَمَ فَهو يَجْهَرُ بِالسُوءِ؛ وهو ظالِمٌ في ذَلِكَ. وإعْرابُ "مَن" يَحْتَمِلُ في بَعْضِ هَذِهِ التَأْوِيلاتِ النَصْبَ؛ ويَحْتَمِلُ الرَفْعَ؛ عَلى البَدَلِ مِن "أحَدٌ" اَلْمُقَدَّرُ؛ و"سَمِيعٌ"؛ "عَلِيمٌ": صِفَتانِ لائِقَتانِ بِالجَهْرِ بِالسُوءِ؛ وبِالظُلْمِ أيْضًا؛ فَإنَّهُ يَعْلَمُهُ ويُجازِي عَلَيْهِ.
(p-٥٦)وَلَمّا ذَكَرَ تَعالى عُذْرَ المَظْلُومِ في أنْ يَجْهَرَ بِالسُوءِ لِظالِمِهِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ عَرْضَ إبْداءِ الخَيْرِ وإخْفائِهِ؛ والعَفْوُ عَنِ السُوءِ وعَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ ؛ وعْدَ إخْفاءٍ؛ تَقْتَضِيهِ البَلاغَةُ؛ ورَغَّبَ في العَفْوِ؛ إذْ ذَكَرَ أنَّها صِفَتُهُ؛ مَعَ القُدْرَةِ عَلى الِانْتِقامِ؛ فَفي هَذِهِ الألْفاظِ اليَسِيرَةِ مَعانٍ كَثِيرَةٌ لِمَن تَأمَّلَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ ورُسُلِهِ﴾ ؛ إلى آخِرِ الآيَةِ؛ نَزَلَ في اليَهُودِ؛ والنَصارى؛ لِأنَّهم في كُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - كَأنَّهم قَدْ كَفَرُوا بِجَمِيعِ الرُسُلِ؛ وكُفْرُهم بِالرُسُلِ كُفْرٌ بِاللهِ؛ وفَرَّقُوا بَيْنَ اللهِ ورُسُلِهِ؛ في أنَّهم قالُوا: نَحْنُ نُؤْمِنُ بِاللهِ؛ ولا نُؤْمِنُ بِفُلانٍ؛ وفُلانٍ؛ مِنَ الأنْبِياءِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ ؛ قِيلَ: مَعْناهُ: مِنَ الأنْبِياءِ؛ وقِيلَ: هو تَصْدِيقُ بَعْضِهِمْ لِمُحَمَّدٍ في أنَّهُ نَبِيٌّ؛ لَكِنْ لَيْسَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ ونَحْوِ هَذا مِن تَفْرِيقاتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تَعَنُّتًا ورَوَغانًا.
وقَوْلُهُ: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٤٣] ؛ أيْ: بَيْنَ الإيمانِ؛ والإسْلامِ؛ والكُفْرِ الصَرِيحِ المُجَلَّحِ؛ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهُمُ الكافِرُونَ حَقًّا؛ لِئَلّا يَظُنَّ أحَدٌ أنَّ ذَلِكَ القَدْرَ الَّذِي عِنْدَهم مِنَ الإيمانِ يَنْفَعُهُمْ؛ وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ.
النساء 4:149
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿لا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مِنَ ظُلِمَ وكانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أو تُخْفُوهُ أو تَعْفُوا عن سُوءٍ فَإنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾
اَلْمَحَبَّةُ في الشاهِدِ إرادَةٌ يَقْتَرِنُ بِها اسْتِحْسانٌ ومَيْلُ اعْتِقادٍ؛ فَتَكُونُ الأفْعالُ الظاهِرَةُ مِنَ المُحِبِّ بِحَسَبِ ذَلِكَ؛ والجَهْرُ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ لا يَكُونُ مِنَ اللهِ تَعالى فِيهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ أما إنَّهُ يُرِيدُ وُقُوعَ الواقِعِ مِنهُ؛ ولا يُحِبُّهُ هو في نَفْسِهِ.
والجَهْرَ: كَشْفُ الشَيْءِ؛ ومِنهُ الجَهْرَةُ في قَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿أرِنا اللهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] ؛ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "جَهَرَتِ البِئْرُ"؛ إذا حُفِرَتْ حَتّى أخْرَجَتْ ماءَها.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ ؛ وقِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ بِضَمِّ الظاءِ؛ وكَسْرِ اللامِ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ؛ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ ؛ والضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ وعَطاءُ بْنُ السائِبِ؛ وعَبْدُ الأعْلى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ ؛ ومُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ؛ وغَيْرُهُمْ: "إلّا مَن ظَلَمَ"؛ بِفَتْحِ الظاءِ؛ واللامِ؛ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ عَلى القِراءَةِ بِضَمِّ الظاءِ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمَعْنى: لا يُحِبُّ اللهُ أنْ يَجْهَرَ أحَدٌ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ إلّا مَن ظُلِمَ؛ فَلا يُكَرَهُ لَهُ الجَهْرُ بِهِ؛ ثُمَّ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في كَيْفِيَّةِ الجَهْرِ بِالسُوءِ؛ وما هو المُباحُ مِن ذَلِكَ؛ فَقالَ الحَسَنُ: هو الرَجُلُ يَظْلِمُ الرَجُلَ؛ فَلا يَدْعُ عَلَيْهِ؛ ولَكِنْ لِيَقُلْ: "اَللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِ؛ اللهُمَّ اسْتَخْرِجْ لِي حَقِّي؛ اللهُمَّ حُلْ بَيْنِي وبَيْنَ ما يُرِيدُ مِن ظُلْمِي"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وغَيْرُهُ: اَلْمُباحُ لِمَن ظُلِمَ أنْ يَدْعُوَ عَلى مَن ظَلَمَهُ؛ وإنْ صَبَرَ فَهو أحْسَنُ لَهُ؛ (p-٥٥)وَقالَ مُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُ: هو في الضَيْفِ المُحَوِّلِ رَحْلَهُ؛ فَإنَّهُ يَجْهَرُ لِلَّذِي لَمْ يُكْرِمْهُ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ فَقَدْ رَخَّصَ لَهُ أنْ يَقُولَ فِيهِ؛ وفي هَذا نَزَلَتِ الآيَةُ؛ ومُقْتَضاها ذِكْرُ الظُلْمِ؛ وتَبْيِينُ الظُلامَةِ في ضِيافَةٍ وغَيْرِها؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيُّ: لا بَأْسَ لِمَن ظُلِمَ أنْ يَنْتَصِرَ مِمَّنْ ظَلَمَهُ بِمِثْلِ ظُلْمِهِ؛ ويَجْهَرَ لَهُ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -:
فَهَذِهِ الأقْوالُ عَلى أرْبَعِ مَراتِبَ: قَوْلِ الحَسَنِ؛ دُعاءٍ في المُدافَعَةِ؛ وتِلْكَ أقَلُّ مَنازِلِ السُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ وقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ الدُعاءِ عَلى الظالِمِ بِإطْلاقٍ في نَوْعِ الدُعاءِ؛ وقَوْلِ مُجاهِدٍ ؛ ذِكْرِ الظُلامَةِ والظُلْمِ؛ وقَوْلِ السُدِّيِّ ؛ الِانْتِصارِ بِما يُوازِي الظُلامَةَ.
وقالَ ابْنُ المُسْتَنِيرِ: "إلّا مَن ظُلِمَ"؛ مَعْناهُ: إلّا مَن أُكْرِهَ عَلى أنْ يَجْهَرَ بِسُوءٍ مِنَ القَوْلِ؛ كُفْرًا أو نَحْوَهُ؛ فَذَلِكَ مُباحٌ؛ والآيَةُ في الإكْراهِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ عَلى القِراءَةِ بِفَتْحِ الظاءِ واللامِ؛ فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: اَلْمَعْنى: إلّا مَن ظَلَمَ في قَوْلٍ؛ أو في فِعْلٍ؛ فاجْهَرُوا لَهُ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ في مَعْنى النَهْيِ عن فِعْلِهِ؛ والتَوْبِيخِ؛ والرَدِّ عَلَيْهِ؛ قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أخْبَرَ اللهُ تَعالى عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النارِ؛ كانَ ذَلِكَ جَهْرًا بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ ثُمَّ قالَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ﴾ [النساء: ١٤٧] ؛ اَلْآيَةَ؛ عَلى مَعْنى التَأْنِيسِ؛ والِاسْتِدْعاءِ إلى الشُكْرِ؛ والإيمانِ؛ ثُمَّ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ولا يُحِبُّ اللهُ أنْ يُجْهَرَ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا لِمَن ظَلَمَ في إقامَتِهِ عَلى النِفاقِ؛ فَإنَّهُ يُقالُ لَهُ: ألَسْتَ المُنافِقَ الكافِرَ الَّذِي لَكَ في الآخِرَةِ الدَرْكُ الأسْفَلُ؟ ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ؛ وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى الكَلامِ: ولا يُحِبُّ اللهُ أنْ يَجْهَرَ أحَدٌ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ ثُمَّ اسْتَثْنى اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا؛ تَقْدِيرُهُ: لَكِنَّ مَن ظَلَمَ فَهو يَجْهَرُ بِالسُوءِ؛ وهو ظالِمٌ في ذَلِكَ. وإعْرابُ "مَن" يَحْتَمِلُ في بَعْضِ هَذِهِ التَأْوِيلاتِ النَصْبَ؛ ويَحْتَمِلُ الرَفْعَ؛ عَلى البَدَلِ مِن "أحَدٌ" اَلْمُقَدَّرُ؛ و"سَمِيعٌ"؛ "عَلِيمٌ": صِفَتانِ لائِقَتانِ بِالجَهْرِ بِالسُوءِ؛ وبِالظُلْمِ أيْضًا؛ فَإنَّهُ يَعْلَمُهُ ويُجازِي عَلَيْهِ.
(p-٥٦)وَلَمّا ذَكَرَ تَعالى عُذْرَ المَظْلُومِ في أنْ يَجْهَرَ بِالسُوءِ لِظالِمِهِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ عَرْضَ إبْداءِ الخَيْرِ وإخْفائِهِ؛ والعَفْوُ عَنِ السُوءِ وعَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ ؛ وعْدَ إخْفاءٍ؛ تَقْتَضِيهِ البَلاغَةُ؛ ورَغَّبَ في العَفْوِ؛ إذْ ذَكَرَ أنَّها صِفَتُهُ؛ مَعَ القُدْرَةِ عَلى الِانْتِقامِ؛ فَفي هَذِهِ الألْفاظِ اليَسِيرَةِ مَعانٍ كَثِيرَةٌ لِمَن تَأمَّلَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ ورُسُلِهِ﴾ ؛ إلى آخِرِ الآيَةِ؛ نَزَلَ في اليَهُودِ؛ والنَصارى؛ لِأنَّهم في كُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - كَأنَّهم قَدْ كَفَرُوا بِجَمِيعِ الرُسُلِ؛ وكُفْرُهم بِالرُسُلِ كُفْرٌ بِاللهِ؛ وفَرَّقُوا بَيْنَ اللهِ ورُسُلِهِ؛ في أنَّهم قالُوا: نَحْنُ نُؤْمِنُ بِاللهِ؛ ولا نُؤْمِنُ بِفُلانٍ؛ وفُلانٍ؛ مِنَ الأنْبِياءِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ ؛ قِيلَ: مَعْناهُ: مِنَ الأنْبِياءِ؛ وقِيلَ: هو تَصْدِيقُ بَعْضِهِمْ لِمُحَمَّدٍ في أنَّهُ نَبِيٌّ؛ لَكِنْ لَيْسَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ ونَحْوِ هَذا مِن تَفْرِيقاتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تَعَنُّتًا ورَوَغانًا.
وقَوْلُهُ: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٤٣] ؛ أيْ: بَيْنَ الإيمانِ؛ والإسْلامِ؛ والكُفْرِ الصَرِيحِ المُجَلَّحِ؛ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهُمُ الكافِرُونَ حَقًّا؛ لِئَلّا يَظُنَّ أحَدٌ أنَّ ذَلِكَ القَدْرَ الَّذِي عِنْدَهم مِنَ الإيمانِ يَنْفَعُهُمْ؛ وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ.
النساء 4:150
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿لا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مِنَ ظُلِمَ وكانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أو تُخْفُوهُ أو تَعْفُوا عن سُوءٍ فَإنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾
اَلْمَحَبَّةُ في الشاهِدِ إرادَةٌ يَقْتَرِنُ بِها اسْتِحْسانٌ ومَيْلُ اعْتِقادٍ؛ فَتَكُونُ الأفْعالُ الظاهِرَةُ مِنَ المُحِبِّ بِحَسَبِ ذَلِكَ؛ والجَهْرُ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ لا يَكُونُ مِنَ اللهِ تَعالى فِيهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ أما إنَّهُ يُرِيدُ وُقُوعَ الواقِعِ مِنهُ؛ ولا يُحِبُّهُ هو في نَفْسِهِ.
والجَهْرَ: كَشْفُ الشَيْءِ؛ ومِنهُ الجَهْرَةُ في قَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿أرِنا اللهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] ؛ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "جَهَرَتِ البِئْرُ"؛ إذا حُفِرَتْ حَتّى أخْرَجَتْ ماءَها.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ ؛ وقِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ بِضَمِّ الظاءِ؛ وكَسْرِ اللامِ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ؛ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ ؛ والضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ وعَطاءُ بْنُ السائِبِ؛ وعَبْدُ الأعْلى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ ؛ ومُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ؛ وغَيْرُهُمْ: "إلّا مَن ظَلَمَ"؛ بِفَتْحِ الظاءِ؛ واللامِ؛ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ عَلى القِراءَةِ بِضَمِّ الظاءِ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمَعْنى: لا يُحِبُّ اللهُ أنْ يَجْهَرَ أحَدٌ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ إلّا مَن ظُلِمَ؛ فَلا يُكَرَهُ لَهُ الجَهْرُ بِهِ؛ ثُمَّ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في كَيْفِيَّةِ الجَهْرِ بِالسُوءِ؛ وما هو المُباحُ مِن ذَلِكَ؛ فَقالَ الحَسَنُ: هو الرَجُلُ يَظْلِمُ الرَجُلَ؛ فَلا يَدْعُ عَلَيْهِ؛ ولَكِنْ لِيَقُلْ: "اَللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِ؛ اللهُمَّ اسْتَخْرِجْ لِي حَقِّي؛ اللهُمَّ حُلْ بَيْنِي وبَيْنَ ما يُرِيدُ مِن ظُلْمِي"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وغَيْرُهُ: اَلْمُباحُ لِمَن ظُلِمَ أنْ يَدْعُوَ عَلى مَن ظَلَمَهُ؛ وإنْ صَبَرَ فَهو أحْسَنُ لَهُ؛ (p-٥٥)وَقالَ مُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُ: هو في الضَيْفِ المُحَوِّلِ رَحْلَهُ؛ فَإنَّهُ يَجْهَرُ لِلَّذِي لَمْ يُكْرِمْهُ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ فَقَدْ رَخَّصَ لَهُ أنْ يَقُولَ فِيهِ؛ وفي هَذا نَزَلَتِ الآيَةُ؛ ومُقْتَضاها ذِكْرُ الظُلْمِ؛ وتَبْيِينُ الظُلامَةِ في ضِيافَةٍ وغَيْرِها؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيُّ: لا بَأْسَ لِمَن ظُلِمَ أنْ يَنْتَصِرَ مِمَّنْ ظَلَمَهُ بِمِثْلِ ظُلْمِهِ؛ ويَجْهَرَ لَهُ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -:
فَهَذِهِ الأقْوالُ عَلى أرْبَعِ مَراتِبَ: قَوْلِ الحَسَنِ؛ دُعاءٍ في المُدافَعَةِ؛ وتِلْكَ أقَلُّ مَنازِلِ السُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ وقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ الدُعاءِ عَلى الظالِمِ بِإطْلاقٍ في نَوْعِ الدُعاءِ؛ وقَوْلِ مُجاهِدٍ ؛ ذِكْرِ الظُلامَةِ والظُلْمِ؛ وقَوْلِ السُدِّيِّ ؛ الِانْتِصارِ بِما يُوازِي الظُلامَةَ.
وقالَ ابْنُ المُسْتَنِيرِ: "إلّا مَن ظُلِمَ"؛ مَعْناهُ: إلّا مَن أُكْرِهَ عَلى أنْ يَجْهَرَ بِسُوءٍ مِنَ القَوْلِ؛ كُفْرًا أو نَحْوَهُ؛ فَذَلِكَ مُباحٌ؛ والآيَةُ في الإكْراهِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ عَلى القِراءَةِ بِفَتْحِ الظاءِ واللامِ؛ فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: اَلْمَعْنى: إلّا مَن ظَلَمَ في قَوْلٍ؛ أو في فِعْلٍ؛ فاجْهَرُوا لَهُ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ في مَعْنى النَهْيِ عن فِعْلِهِ؛ والتَوْبِيخِ؛ والرَدِّ عَلَيْهِ؛ قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أخْبَرَ اللهُ تَعالى عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النارِ؛ كانَ ذَلِكَ جَهْرًا بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ ثُمَّ قالَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ﴾ [النساء: ١٤٧] ؛ اَلْآيَةَ؛ عَلى مَعْنى التَأْنِيسِ؛ والِاسْتِدْعاءِ إلى الشُكْرِ؛ والإيمانِ؛ ثُمَّ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ولا يُحِبُّ اللهُ أنْ يُجْهَرَ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا لِمَن ظَلَمَ في إقامَتِهِ عَلى النِفاقِ؛ فَإنَّهُ يُقالُ لَهُ: ألَسْتَ المُنافِقَ الكافِرَ الَّذِي لَكَ في الآخِرَةِ الدَرْكُ الأسْفَلُ؟ ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ؛ وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى الكَلامِ: ولا يُحِبُّ اللهُ أنْ يَجْهَرَ أحَدٌ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ ثُمَّ اسْتَثْنى اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا؛ تَقْدِيرُهُ: لَكِنَّ مَن ظَلَمَ فَهو يَجْهَرُ بِالسُوءِ؛ وهو ظالِمٌ في ذَلِكَ. وإعْرابُ "مَن" يَحْتَمِلُ في بَعْضِ هَذِهِ التَأْوِيلاتِ النَصْبَ؛ ويَحْتَمِلُ الرَفْعَ؛ عَلى البَدَلِ مِن "أحَدٌ" اَلْمُقَدَّرُ؛ و"سَمِيعٌ"؛ "عَلِيمٌ": صِفَتانِ لائِقَتانِ بِالجَهْرِ بِالسُوءِ؛ وبِالظُلْمِ أيْضًا؛ فَإنَّهُ يَعْلَمُهُ ويُجازِي عَلَيْهِ.
(p-٥٦)وَلَمّا ذَكَرَ تَعالى عُذْرَ المَظْلُومِ في أنْ يَجْهَرَ بِالسُوءِ لِظالِمِهِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ عَرْضَ إبْداءِ الخَيْرِ وإخْفائِهِ؛ والعَفْوُ عَنِ السُوءِ وعَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ ؛ وعْدَ إخْفاءٍ؛ تَقْتَضِيهِ البَلاغَةُ؛ ورَغَّبَ في العَفْوِ؛ إذْ ذَكَرَ أنَّها صِفَتُهُ؛ مَعَ القُدْرَةِ عَلى الِانْتِقامِ؛ فَفي هَذِهِ الألْفاظِ اليَسِيرَةِ مَعانٍ كَثِيرَةٌ لِمَن تَأمَّلَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ ورُسُلِهِ﴾ ؛ إلى آخِرِ الآيَةِ؛ نَزَلَ في اليَهُودِ؛ والنَصارى؛ لِأنَّهم في كُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - كَأنَّهم قَدْ كَفَرُوا بِجَمِيعِ الرُسُلِ؛ وكُفْرُهم بِالرُسُلِ كُفْرٌ بِاللهِ؛ وفَرَّقُوا بَيْنَ اللهِ ورُسُلِهِ؛ في أنَّهم قالُوا: نَحْنُ نُؤْمِنُ بِاللهِ؛ ولا نُؤْمِنُ بِفُلانٍ؛ وفُلانٍ؛ مِنَ الأنْبِياءِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ ؛ قِيلَ: مَعْناهُ: مِنَ الأنْبِياءِ؛ وقِيلَ: هو تَصْدِيقُ بَعْضِهِمْ لِمُحَمَّدٍ في أنَّهُ نَبِيٌّ؛ لَكِنْ لَيْسَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ ونَحْوِ هَذا مِن تَفْرِيقاتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تَعَنُّتًا ورَوَغانًا.
وقَوْلُهُ: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٤٣] ؛ أيْ: بَيْنَ الإيمانِ؛ والإسْلامِ؛ والكُفْرِ الصَرِيحِ المُجَلَّحِ؛ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهُمُ الكافِرُونَ حَقًّا؛ لِئَلّا يَظُنَّ أحَدٌ أنَّ ذَلِكَ القَدْرَ الَّذِي عِنْدَهم مِنَ الإيمانِ يَنْفَعُهُمْ؛ وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ.
النساء 4:151
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿لا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مِنَ ظُلِمَ وكانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أو تُخْفُوهُ أو تَعْفُوا عن سُوءٍ فَإنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾
اَلْمَحَبَّةُ في الشاهِدِ إرادَةٌ يَقْتَرِنُ بِها اسْتِحْسانٌ ومَيْلُ اعْتِقادٍ؛ فَتَكُونُ الأفْعالُ الظاهِرَةُ مِنَ المُحِبِّ بِحَسَبِ ذَلِكَ؛ والجَهْرُ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ لا يَكُونُ مِنَ اللهِ تَعالى فِيهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ أما إنَّهُ يُرِيدُ وُقُوعَ الواقِعِ مِنهُ؛ ولا يُحِبُّهُ هو في نَفْسِهِ.
والجَهْرَ: كَشْفُ الشَيْءِ؛ ومِنهُ الجَهْرَةُ في قَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿أرِنا اللهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] ؛ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "جَهَرَتِ البِئْرُ"؛ إذا حُفِرَتْ حَتّى أخْرَجَتْ ماءَها.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ ؛ وقِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ بِضَمِّ الظاءِ؛ وكَسْرِ اللامِ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ؛ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ ؛ والضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ وعَطاءُ بْنُ السائِبِ؛ وعَبْدُ الأعْلى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ ؛ ومُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ؛ وغَيْرُهُمْ: "إلّا مَن ظَلَمَ"؛ بِفَتْحِ الظاءِ؛ واللامِ؛ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ عَلى القِراءَةِ بِضَمِّ الظاءِ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمَعْنى: لا يُحِبُّ اللهُ أنْ يَجْهَرَ أحَدٌ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ إلّا مَن ظُلِمَ؛ فَلا يُكَرَهُ لَهُ الجَهْرُ بِهِ؛ ثُمَّ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في كَيْفِيَّةِ الجَهْرِ بِالسُوءِ؛ وما هو المُباحُ مِن ذَلِكَ؛ فَقالَ الحَسَنُ: هو الرَجُلُ يَظْلِمُ الرَجُلَ؛ فَلا يَدْعُ عَلَيْهِ؛ ولَكِنْ لِيَقُلْ: "اَللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِ؛ اللهُمَّ اسْتَخْرِجْ لِي حَقِّي؛ اللهُمَّ حُلْ بَيْنِي وبَيْنَ ما يُرِيدُ مِن ظُلْمِي"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وغَيْرُهُ: اَلْمُباحُ لِمَن ظُلِمَ أنْ يَدْعُوَ عَلى مَن ظَلَمَهُ؛ وإنْ صَبَرَ فَهو أحْسَنُ لَهُ؛ (p-٥٥)وَقالَ مُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُ: هو في الضَيْفِ المُحَوِّلِ رَحْلَهُ؛ فَإنَّهُ يَجْهَرُ لِلَّذِي لَمْ يُكْرِمْهُ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ فَقَدْ رَخَّصَ لَهُ أنْ يَقُولَ فِيهِ؛ وفي هَذا نَزَلَتِ الآيَةُ؛ ومُقْتَضاها ذِكْرُ الظُلْمِ؛ وتَبْيِينُ الظُلامَةِ في ضِيافَةٍ وغَيْرِها؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيُّ: لا بَأْسَ لِمَن ظُلِمَ أنْ يَنْتَصِرَ مِمَّنْ ظَلَمَهُ بِمِثْلِ ظُلْمِهِ؛ ويَجْهَرَ لَهُ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -:
فَهَذِهِ الأقْوالُ عَلى أرْبَعِ مَراتِبَ: قَوْلِ الحَسَنِ؛ دُعاءٍ في المُدافَعَةِ؛ وتِلْكَ أقَلُّ مَنازِلِ السُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ وقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ الدُعاءِ عَلى الظالِمِ بِإطْلاقٍ في نَوْعِ الدُعاءِ؛ وقَوْلِ مُجاهِدٍ ؛ ذِكْرِ الظُلامَةِ والظُلْمِ؛ وقَوْلِ السُدِّيِّ ؛ الِانْتِصارِ بِما يُوازِي الظُلامَةَ.
وقالَ ابْنُ المُسْتَنِيرِ: "إلّا مَن ظُلِمَ"؛ مَعْناهُ: إلّا مَن أُكْرِهَ عَلى أنْ يَجْهَرَ بِسُوءٍ مِنَ القَوْلِ؛ كُفْرًا أو نَحْوَهُ؛ فَذَلِكَ مُباحٌ؛ والآيَةُ في الإكْراهِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ عَلى القِراءَةِ بِفَتْحِ الظاءِ واللامِ؛ فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: اَلْمَعْنى: إلّا مَن ظَلَمَ في قَوْلٍ؛ أو في فِعْلٍ؛ فاجْهَرُوا لَهُ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ في مَعْنى النَهْيِ عن فِعْلِهِ؛ والتَوْبِيخِ؛ والرَدِّ عَلَيْهِ؛ قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أخْبَرَ اللهُ تَعالى عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النارِ؛ كانَ ذَلِكَ جَهْرًا بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ ثُمَّ قالَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ﴾ [النساء: ١٤٧] ؛ اَلْآيَةَ؛ عَلى مَعْنى التَأْنِيسِ؛ والِاسْتِدْعاءِ إلى الشُكْرِ؛ والإيمانِ؛ ثُمَّ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ولا يُحِبُّ اللهُ أنْ يُجْهَرَ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا لِمَن ظَلَمَ في إقامَتِهِ عَلى النِفاقِ؛ فَإنَّهُ يُقالُ لَهُ: ألَسْتَ المُنافِقَ الكافِرَ الَّذِي لَكَ في الآخِرَةِ الدَرْكُ الأسْفَلُ؟ ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ؛ وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى الكَلامِ: ولا يُحِبُّ اللهُ أنْ يَجْهَرَ أحَدٌ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ ثُمَّ اسْتَثْنى اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا؛ تَقْدِيرُهُ: لَكِنَّ مَن ظَلَمَ فَهو يَجْهَرُ بِالسُوءِ؛ وهو ظالِمٌ في ذَلِكَ. وإعْرابُ "مَن" يَحْتَمِلُ في بَعْضِ هَذِهِ التَأْوِيلاتِ النَصْبَ؛ ويَحْتَمِلُ الرَفْعَ؛ عَلى البَدَلِ مِن "أحَدٌ" اَلْمُقَدَّرُ؛ و"سَمِيعٌ"؛ "عَلِيمٌ": صِفَتانِ لائِقَتانِ بِالجَهْرِ بِالسُوءِ؛ وبِالظُلْمِ أيْضًا؛ فَإنَّهُ يَعْلَمُهُ ويُجازِي عَلَيْهِ.
(p-٥٦)وَلَمّا ذَكَرَ تَعالى عُذْرَ المَظْلُومِ في أنْ يَجْهَرَ بِالسُوءِ لِظالِمِهِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ عَرْضَ إبْداءِ الخَيْرِ وإخْفائِهِ؛ والعَفْوُ عَنِ السُوءِ وعَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ ؛ وعْدَ إخْفاءٍ؛ تَقْتَضِيهِ البَلاغَةُ؛ ورَغَّبَ في العَفْوِ؛ إذْ ذَكَرَ أنَّها صِفَتُهُ؛ مَعَ القُدْرَةِ عَلى الِانْتِقامِ؛ فَفي هَذِهِ الألْفاظِ اليَسِيرَةِ مَعانٍ كَثِيرَةٌ لِمَن تَأمَّلَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ ورُسُلِهِ﴾ ؛ إلى آخِرِ الآيَةِ؛ نَزَلَ في اليَهُودِ؛ والنَصارى؛ لِأنَّهم في كُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - كَأنَّهم قَدْ كَفَرُوا بِجَمِيعِ الرُسُلِ؛ وكُفْرُهم بِالرُسُلِ كُفْرٌ بِاللهِ؛ وفَرَّقُوا بَيْنَ اللهِ ورُسُلِهِ؛ في أنَّهم قالُوا: نَحْنُ نُؤْمِنُ بِاللهِ؛ ولا نُؤْمِنُ بِفُلانٍ؛ وفُلانٍ؛ مِنَ الأنْبِياءِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ ؛ قِيلَ: مَعْناهُ: مِنَ الأنْبِياءِ؛ وقِيلَ: هو تَصْدِيقُ بَعْضِهِمْ لِمُحَمَّدٍ في أنَّهُ نَبِيٌّ؛ لَكِنْ لَيْسَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ ونَحْوِ هَذا مِن تَفْرِيقاتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تَعَنُّتًا ورَوَغانًا.
وقَوْلُهُ: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٤٣] ؛ أيْ: بَيْنَ الإيمانِ؛ والإسْلامِ؛ والكُفْرِ الصَرِيحِ المُجَلَّحِ؛ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهُمُ الكافِرُونَ حَقًّا؛ لِئَلّا يَظُنَّ أحَدٌ أنَّ ذَلِكَ القَدْرَ الَّذِي عِنْدَهم مِنَ الإيمانِ يَنْفَعُهُمْ؛ وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ.
النساء 4:152
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهم وكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَماءِ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِنَ ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْهُمُ الصاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِنَ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ فَعَفَوْنا عن ذَلِكَ وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾
لَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى أنَّ المُفَرِّقِينَ بَيْنَ الرُسُلِ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا؛ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ بِاللهِ ورُسُلِهِ جَمِيعًا؛ وهُمُ المُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ لِيُصَرِّحَ بِوَعْدِ هَؤُلاءِ؛ كَما صَرَّحَ بِوَعِيدِ أُولَئِكَ؛ فَبَيَّنَ الفارِقَ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ؛ وقَرَأ بَعْضُ السَبْعَةِ: "سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ"؛ بِالياءِ؛ أيْ: يُؤْتِيهِمُ اللهُ؛ وقَرَأ الأكْثَرُ: "سَوْفَ نُؤْتِيهِمْ"؛ بِالنُونِ؛ مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في كَيْفِيَّةِ سُؤالِ أهْلِ الكِتابِ لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنْ (p-٥٧)يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَماءِ؛ فَقالَ السُدِّيُّ: قالَتِ اليَهُودُ: يا مُحَمَّدُ؛ إنْ كُنْتَ صادِقًا فَجِئْ بِكِتابٍ مِنَ السَماءِ؛ كَما جاءَ مُوسى بِكِتابٍ؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: قَدْ جاءَ مُوسى بِألْواحٍ فِيها التَوْراةُ؛ فَجِئْ أنْتَ بِألْواحٍ فِيها كِتابُكَ؛ وقالَ قَتادَةُ: بَلْ سَألُوهُ أنْ يَأْتِيَ بِكِتابٍ خاصٍّ لِلْيَهُودِ؛ يَأْمُرُهم فِيهِ بِالإيمانِ بِمُحَمَّدٍ؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالَتِ اليَهُودُ: يا مُحَمَّدُ؛ لَنْ نُتابِعَكَ عَلى ما تَدْعُونا إلَيْهِ حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللهِ إلى فُلانٍ؛ وإلى فُلانٍ؛ أنَّكَ رَسُولُ اللهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -:
فَقَوْلُ ابْنُ جُرَيْجٍ يَقْتَضِي أنَّ سُؤالَهم كانَ عَلى نَحْوِ سُؤالِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومِيِّ القُرَشِيِّ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾ ؛ عَلى جِهَةِ التَسْلِيَةِ لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وعَرْضِ الأُسْوَةِ؛ وفي الكَلامِ مَتْرُوكٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ؛ تَقْدِيرُهُ: فَلا تُبالِ يا مُحَمَّدُ عن سُؤالِهِمْ؛ وتَشَطُّطِهِمْ؛ فَإنَّها عادَتُهُمْ؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أكْبَرَ"؛ بِالباءِ المَنقُوطَةِ بِواحِدَةٍ؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "أكْثَرَ"؛ بِالثاءِ المُثَلَّثَةِ؛ وجُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ عَلى أنَّ "جَهْرَةً"؛ مَعْمُولٌ لِـ "أرِنا"؛ أيْ: حَتّى نَراهُ جِهارًا؛ أيْ: عِيانًا؛ رُؤْيَةً مُنْكَشِفَةً بَيِّنَةً؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَرى أنَّ "جَهْرَةً"؛ مَعْمُولٌ لِـ "قالُوا"؛ أيْ: قالُوا جَهْرَةً مِنهُمْ؛ وتَصْرِيحًا: "أرِنا اللهَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -:
وأهْلُ السُنَّةِ مُعْتَقِدُونَ أنَّ هَؤُلاءِ لَمْ يَسْألُوا مُحالًا عَقْلًا؛ لَكِنَّهُ مُحالٌ مِن جِهَةِ الشَرْعِ؛ إذْ قَدْ أخْبَرَ تَعالى عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ أنَّهُ لا يُرى في هَذِهِ الحَياةِ الدُنْيا؛ والرُؤْيَةُ في الآخِرَةِ ثابِتَةٌ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ؛ وهي (p-٥٨)جائِزَةٌ عَقْلًا؛ دُونَ تَحْدِيدٍ؛ ولا تَكْيِيفٍ؛ ولا تَحَيُّزٍ؛ كَما هو (تَعالى) مَعْلُومٌ لا كالمَعْلُوماتِ؛ كَذَلِكَ هو مَرْئِيٌّ لا كالمَرْئِيّاتِ؛ هَذِهِ حُجَّةُ أهْلِ السُنَّةِ وقَوْلُهُمْ؛ ولَقَدْ حَدَّثَنِي أبِي - رَحِمَهُ اللهُ - عن أبِي عَبْدِ اللهِ النَحْوِيِّ؛ أنَّهُ كانَ يَقُولُ - عِنْدَ تَدْرِيسِ هَذِهِ المَسْألَةِ -: "مِثالُ العِلْمِ بِاللهِ حَلَقَ لِحى المُعْتَزِلَةِ؛ في إنْكارِهِمُ الرُؤْيَةَ"؛ والجُمْلَةِ الَّتِي قالَتْ: "أرِنا اللهَ جَهْرَةً"؛ هي الَّتِي مَضَتْ مَعَ مُوسى لِحُضُورِ المُناجاةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُها في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ".
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَأخَذَتْهُمُ الصاعِقَةُ"؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "اَلصَّعْقَةُ"؛ والمَعْنى يَتَقارَبُ؛ إذْ ذَلِكَ كُلُّهُ عِبارَةٌ عَنِ الوَقْعِ الشَدِيدِ مِنَ الصَوْتِ؛ يُصِيبُ الإنْسانَ بِشِدَّتِهِ؛ وهو لَهُ خُمُودٌ؛ ورُكُودُ حَواسَّ؛ وظُلْمُهم هو تَعَنُّتُهُمْ؛ وسُؤالُهم ما لَيْسَ لَهم أنْ يَسْألُوهُ.
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ ؛ تَرْتِيبٌ في الإخْبارِ؛ لا في نَفْسِ الأمْرِ؛ التَقْدِيرُ: "ثُمَّ قَدْ كانَ مِن أمْرِهِمْ أنِ اتَّخَذُوا العِجْلَ؛ وذَلِكَ أنَّ اتِّخاذَ العِجْلَ كانَ عِنْدَ أمْرِ المُضِيِّ لِلْمُناجاةِ؛ فَلَمْ يَكُنِ الَّذِينَ صُعِقُوا مِمَّنِ اتَّخَذُوا العِجْلَ؛ لَكِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُ كانُوا قَدْ جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ في أمْرِ إجازَةِ البَحْرِ؛ وأمْرِ العَصا؛ وغَرَقِ فِرْعَوْنَ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَعَفَوْنا عن ذَلِكَ﴾ ؛ يَعْنِي بِما امْتَحَنَهم بِهِ مِنَ القَتْلِ لِأنْفُسِهِمْ؛ ثُمَّ وقَعَ العَفْوُ عَنِ الباقِينَ مِنهُمْ؛ و"اَلسُّلْطانُ": اَلْحُجَّةُ.
النساء 4:153
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهم وكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَماءِ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِنَ ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْهُمُ الصاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِنَ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ فَعَفَوْنا عن ذَلِكَ وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾
لَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى أنَّ المُفَرِّقِينَ بَيْنَ الرُسُلِ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا؛ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ بِاللهِ ورُسُلِهِ جَمِيعًا؛ وهُمُ المُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ لِيُصَرِّحَ بِوَعْدِ هَؤُلاءِ؛ كَما صَرَّحَ بِوَعِيدِ أُولَئِكَ؛ فَبَيَّنَ الفارِقَ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ؛ وقَرَأ بَعْضُ السَبْعَةِ: "سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ"؛ بِالياءِ؛ أيْ: يُؤْتِيهِمُ اللهُ؛ وقَرَأ الأكْثَرُ: "سَوْفَ نُؤْتِيهِمْ"؛ بِالنُونِ؛ مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في كَيْفِيَّةِ سُؤالِ أهْلِ الكِتابِ لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنْ (p-٥٧)يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَماءِ؛ فَقالَ السُدِّيُّ: قالَتِ اليَهُودُ: يا مُحَمَّدُ؛ إنْ كُنْتَ صادِقًا فَجِئْ بِكِتابٍ مِنَ السَماءِ؛ كَما جاءَ مُوسى بِكِتابٍ؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: قَدْ جاءَ مُوسى بِألْواحٍ فِيها التَوْراةُ؛ فَجِئْ أنْتَ بِألْواحٍ فِيها كِتابُكَ؛ وقالَ قَتادَةُ: بَلْ سَألُوهُ أنْ يَأْتِيَ بِكِتابٍ خاصٍّ لِلْيَهُودِ؛ يَأْمُرُهم فِيهِ بِالإيمانِ بِمُحَمَّدٍ؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالَتِ اليَهُودُ: يا مُحَمَّدُ؛ لَنْ نُتابِعَكَ عَلى ما تَدْعُونا إلَيْهِ حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللهِ إلى فُلانٍ؛ وإلى فُلانٍ؛ أنَّكَ رَسُولُ اللهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -:
فَقَوْلُ ابْنُ جُرَيْجٍ يَقْتَضِي أنَّ سُؤالَهم كانَ عَلى نَحْوِ سُؤالِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومِيِّ القُرَشِيِّ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾ ؛ عَلى جِهَةِ التَسْلِيَةِ لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وعَرْضِ الأُسْوَةِ؛ وفي الكَلامِ مَتْرُوكٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ؛ تَقْدِيرُهُ: فَلا تُبالِ يا مُحَمَّدُ عن سُؤالِهِمْ؛ وتَشَطُّطِهِمْ؛ فَإنَّها عادَتُهُمْ؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أكْبَرَ"؛ بِالباءِ المَنقُوطَةِ بِواحِدَةٍ؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "أكْثَرَ"؛ بِالثاءِ المُثَلَّثَةِ؛ وجُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ عَلى أنَّ "جَهْرَةً"؛ مَعْمُولٌ لِـ "أرِنا"؛ أيْ: حَتّى نَراهُ جِهارًا؛ أيْ: عِيانًا؛ رُؤْيَةً مُنْكَشِفَةً بَيِّنَةً؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَرى أنَّ "جَهْرَةً"؛ مَعْمُولٌ لِـ "قالُوا"؛ أيْ: قالُوا جَهْرَةً مِنهُمْ؛ وتَصْرِيحًا: "أرِنا اللهَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -:
وأهْلُ السُنَّةِ مُعْتَقِدُونَ أنَّ هَؤُلاءِ لَمْ يَسْألُوا مُحالًا عَقْلًا؛ لَكِنَّهُ مُحالٌ مِن جِهَةِ الشَرْعِ؛ إذْ قَدْ أخْبَرَ تَعالى عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ أنَّهُ لا يُرى في هَذِهِ الحَياةِ الدُنْيا؛ والرُؤْيَةُ في الآخِرَةِ ثابِتَةٌ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ؛ وهي (p-٥٨)جائِزَةٌ عَقْلًا؛ دُونَ تَحْدِيدٍ؛ ولا تَكْيِيفٍ؛ ولا تَحَيُّزٍ؛ كَما هو (تَعالى) مَعْلُومٌ لا كالمَعْلُوماتِ؛ كَذَلِكَ هو مَرْئِيٌّ لا كالمَرْئِيّاتِ؛ هَذِهِ حُجَّةُ أهْلِ السُنَّةِ وقَوْلُهُمْ؛ ولَقَدْ حَدَّثَنِي أبِي - رَحِمَهُ اللهُ - عن أبِي عَبْدِ اللهِ النَحْوِيِّ؛ أنَّهُ كانَ يَقُولُ - عِنْدَ تَدْرِيسِ هَذِهِ المَسْألَةِ -: "مِثالُ العِلْمِ بِاللهِ حَلَقَ لِحى المُعْتَزِلَةِ؛ في إنْكارِهِمُ الرُؤْيَةَ"؛ والجُمْلَةِ الَّتِي قالَتْ: "أرِنا اللهَ جَهْرَةً"؛ هي الَّتِي مَضَتْ مَعَ مُوسى لِحُضُورِ المُناجاةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُها في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ".
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَأخَذَتْهُمُ الصاعِقَةُ"؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "اَلصَّعْقَةُ"؛ والمَعْنى يَتَقارَبُ؛ إذْ ذَلِكَ كُلُّهُ عِبارَةٌ عَنِ الوَقْعِ الشَدِيدِ مِنَ الصَوْتِ؛ يُصِيبُ الإنْسانَ بِشِدَّتِهِ؛ وهو لَهُ خُمُودٌ؛ ورُكُودُ حَواسَّ؛ وظُلْمُهم هو تَعَنُّتُهُمْ؛ وسُؤالُهم ما لَيْسَ لَهم أنْ يَسْألُوهُ.
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ ؛ تَرْتِيبٌ في الإخْبارِ؛ لا في نَفْسِ الأمْرِ؛ التَقْدِيرُ: "ثُمَّ قَدْ كانَ مِن أمْرِهِمْ أنِ اتَّخَذُوا العِجْلَ؛ وذَلِكَ أنَّ اتِّخاذَ العِجْلَ كانَ عِنْدَ أمْرِ المُضِيِّ لِلْمُناجاةِ؛ فَلَمْ يَكُنِ الَّذِينَ صُعِقُوا مِمَّنِ اتَّخَذُوا العِجْلَ؛ لَكِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُ كانُوا قَدْ جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ في أمْرِ إجازَةِ البَحْرِ؛ وأمْرِ العَصا؛ وغَرَقِ فِرْعَوْنَ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَعَفَوْنا عن ذَلِكَ﴾ ؛ يَعْنِي بِما امْتَحَنَهم بِهِ مِنَ القَتْلِ لِأنْفُسِهِمْ؛ ثُمَّ وقَعَ العَفْوُ عَنِ الباقِينَ مِنهُمْ؛ و"اَلسُّلْطانُ": اَلْحُجَّةُ.
النساء 4:154
قَوْلُهُ (تَعالى):
﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُورَ بِمِيثاقِهِمْ وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُلْنا لَهُمُ لا تَعْدُوا في السَبْتِ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهِ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾
"اَلطُّورُ": اَلْجَبَلُ؛ اسْمُ جِنْسٍ؛ وهَذا قَوْلٌ؛ وقِيلَ: اَلطُّورُ: كُلُّ جَبَلٍ غَيْرِ مُنْبِتٍ، (p-٥٩)وَبِالشامِ جَبَلٌ قَدْ عُرِفَ بِـ "اَلطُّورُ"؛ ولَزِمَهُ الِاسْمُ؛ وهو طُورُ سَيْناءَ؛ ولَيْسَ بِالمَرْفُوعِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ رَفْعَ الجَبَلِ كانَ فِيما يَلِي فَحْصَ التِيهِ مِن جِهَةِ دِيارِ مِصْرَ؛ وهم ناهِضُونَ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ قَصَصُ رَفْعِ الطُورِ؛ وقَوْلُهُ: "بِمِيثاقِهِمْ"؛ أيْ: بِسَبَبِ مِيثاقِهِمْ أنْ يُعْطُوهُ في أخْذِ الكِتابِ بِقُوَّةٍ؛ والعَمَلِ بِما فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ ؛ هو بابُ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ المَعْرُوفُ بِـ "بابِ حِطَّةٍ"؛ أمَرُوا أنْ يَتَواضَعُوا شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى الفَتْحِ الَّذِي مَنَحَهم في تِلْكَ البِلادِ؛ وأنْ يَدْخُلُوا بابَ المَدِينَةِ سُجَّدًا؛ وهَذا نَوْعٌ مِن سَجْدَةِ الشُكْرِ الَّتِي قَدْ فَعَلَها كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ؛ ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وإنْ كانَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ - رَحِمَهُ اللهُ - لا يَراها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَبْتِ﴾ ؛ أيْ: عَلى الحِيتانِ؛ وفي سائِرِ الأعْمالِ؛ وهَؤُلاءِ كانُوا بِأيْلَةَ؛ مِن ساحِلِ البَحْرِ؛ فَأُمِرُوا بِالسُكُونِ عن كُلِّ شُغْلٍ في يَوْمِ السَبْتِ؛ فَلَمْ يَفْعَلُوا؛ بَلِ اصْطادُوا وتَصَرَّفُوا؛ وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ ذَلِكَ؛ وأخَذَ اللهُ تَعالى مِنهُمُ المِيثاقَ الغَلِيظَ؛ هو عَلى لِسانِ مُوسى وهارُونَ وغَيْرِهِما مِنَ الأنْبِياءِ؛ أيْ: بِأنَّهم يَأْخُذُونَ التَوْراةَ بِقُوَّةٍ؛ ويَعْمَلُونَ بِجَمِيعِ ما فِيها؛ ويُوصِلُونَهُ إلى أبْنائِهِمْ؛ ويُؤَدُّونَ الأمانَةَ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ إخْبارٌ عن أشْياءَ واقَعُوها؛ هي في الضِدِّ مِمّا أُمِرُوا بِهِ؛ وذَلِكَ أنَّ المِيثاقَ الَّذِي رُفِعَ الطُورُ مِن أجْلِهِ نَقَضُوهُ؛ والإيمانَ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ﴿ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ ؛ إذْ ذَلِكَ التَواضُعُ إنَّما هو ثَمَرَةُ الإيمانِ؛ والإخْباتِ؛ جَعَلُوا بَدَلَهُ كُفْرَهم بِآياتِ اللهِ؛ وقَوْلَهُمْ: "حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ؛ وحِنْطَةٌ في شُعَيْرَةٍ"؛ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا هو اسْتِخْفافٌ بِأمْرِ اللهِ؛ وكُفْرٌ بِهِ؛ وكَذَلِكَ أُمِرُوا ألّا يَعْتَدُوا في السَبْتِ؛ وفي ضِمْنِ ذَلِكَ الطاعَةُ؛ وسَماعُ الأمْرِ؛ فَجَعَلُوا بَدَلَ ذَلِكَ الِانْتِهاءَ إلى انْتِهاكِ أعْظَمِ حُرْمَةٍ؛ وهي قَتْلُ الأنْبِياءِ؛ وكَذَلِكَ أخْذُ المِيثاقِ الغَلِيظِ مِنهم تَضَمَّنَ فَهْمَهم بِقَدْرِ ما التَزَمُوهُ؛ فَجَعَلُوا بَدَلَ ذَلِكَ تَجاهُلَهم.
وقَوْلُهُمْ: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ ؛ أيْ: هي في حُجُبٍ؛ وغُلْفٌ؛ فَهي لا تَفْهَمُ؛ وأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ عن طَبْعٍ مِنهُ عَلى قُلُوبِهِمْ؛ وأنَّهم كَذَبَةٌ فِيما يَدَّعُونَهُ مِن قِلَّةِ الفَهْمِ.
(p-٦٠)وَقَرَأ نافِعٌ: "تَعْدُّوا"؛ بِسُكُونِ العَيْنِ؛ وشَدِّ الدالِ المَضْمُومَةِ؛ ورَوى عنهُ ورْشٌ: "تَعَدُّوا"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وشَدِّ الدالِ المَضْمُومَةِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "لا تَعْدُوا"؛ ساكِنَةَ العَيْنِ؛ خَفِيفَةَ الدالِ؛ مَضْمُومَةً؛ وقَرَأ الأعْمَشُ ؛ والحَسَنُ: "لا تَعْتَدُوا".
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَبِما": "ما"؛ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ التَقْدِيرُ: "فَبِنَقْضِهِمْ"؛ وحَذْفُ جَوابِ هَذا الكَلامِ بَلِيغٌ؛ مَتْرُوكٌ مَعَ ذِهْنِ السامِعِ؛ تَقْدِيرُهُ: "لَعَنّاهم وأذْلَلْناهُمْ؛ وحَتَّمْنا عَلى المُوافِينَ مِنهُمُ الخُلُودَ في جَهَنَّمَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ ؛ أيْ: في أمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ ؛ يَعْنِي رَمْيَهم إيّاها بِالزِنا؛ مَعَ رُؤْيَتِهِمُ الآيَةَ في كَلامِ عِيسى في المَهْدِ؛ وإلّا فَلَوْلا الآيَةُ لَكانُوا في قَوْلِهِمْ جارِينَ عَلى حُكْمِ البَشَرِ في إنْكارِ حَمْلٍ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ؛ و"اَلْبُهْتانُ": مَصْدَرٌ؛ مِن قَوْلِكَ: "بَهَتَهُ"؛ إذا قابَلَهُ بِأمْرٍ مُبْهِتٍ؛ يَحارُ مَعَهُ الذِهْنُ؛ وهو رَمْيٌ بِباطِلٍ.
النساء 4:155
قَوْلُهُ (تَعالى):
﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُورَ بِمِيثاقِهِمْ وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُلْنا لَهُمُ لا تَعْدُوا في السَبْتِ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهِ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾
"اَلطُّورُ": اَلْجَبَلُ؛ اسْمُ جِنْسٍ؛ وهَذا قَوْلٌ؛ وقِيلَ: اَلطُّورُ: كُلُّ جَبَلٍ غَيْرِ مُنْبِتٍ، (p-٥٩)وَبِالشامِ جَبَلٌ قَدْ عُرِفَ بِـ "اَلطُّورُ"؛ ولَزِمَهُ الِاسْمُ؛ وهو طُورُ سَيْناءَ؛ ولَيْسَ بِالمَرْفُوعِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ رَفْعَ الجَبَلِ كانَ فِيما يَلِي فَحْصَ التِيهِ مِن جِهَةِ دِيارِ مِصْرَ؛ وهم ناهِضُونَ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ قَصَصُ رَفْعِ الطُورِ؛ وقَوْلُهُ: "بِمِيثاقِهِمْ"؛ أيْ: بِسَبَبِ مِيثاقِهِمْ أنْ يُعْطُوهُ في أخْذِ الكِتابِ بِقُوَّةٍ؛ والعَمَلِ بِما فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ ؛ هو بابُ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ المَعْرُوفُ بِـ "بابِ حِطَّةٍ"؛ أمَرُوا أنْ يَتَواضَعُوا شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى الفَتْحِ الَّذِي مَنَحَهم في تِلْكَ البِلادِ؛ وأنْ يَدْخُلُوا بابَ المَدِينَةِ سُجَّدًا؛ وهَذا نَوْعٌ مِن سَجْدَةِ الشُكْرِ الَّتِي قَدْ فَعَلَها كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ؛ ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وإنْ كانَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ - رَحِمَهُ اللهُ - لا يَراها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَبْتِ﴾ ؛ أيْ: عَلى الحِيتانِ؛ وفي سائِرِ الأعْمالِ؛ وهَؤُلاءِ كانُوا بِأيْلَةَ؛ مِن ساحِلِ البَحْرِ؛ فَأُمِرُوا بِالسُكُونِ عن كُلِّ شُغْلٍ في يَوْمِ السَبْتِ؛ فَلَمْ يَفْعَلُوا؛ بَلِ اصْطادُوا وتَصَرَّفُوا؛ وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ ذَلِكَ؛ وأخَذَ اللهُ تَعالى مِنهُمُ المِيثاقَ الغَلِيظَ؛ هو عَلى لِسانِ مُوسى وهارُونَ وغَيْرِهِما مِنَ الأنْبِياءِ؛ أيْ: بِأنَّهم يَأْخُذُونَ التَوْراةَ بِقُوَّةٍ؛ ويَعْمَلُونَ بِجَمِيعِ ما فِيها؛ ويُوصِلُونَهُ إلى أبْنائِهِمْ؛ ويُؤَدُّونَ الأمانَةَ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ إخْبارٌ عن أشْياءَ واقَعُوها؛ هي في الضِدِّ مِمّا أُمِرُوا بِهِ؛ وذَلِكَ أنَّ المِيثاقَ الَّذِي رُفِعَ الطُورُ مِن أجْلِهِ نَقَضُوهُ؛ والإيمانَ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ﴿ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ ؛ إذْ ذَلِكَ التَواضُعُ إنَّما هو ثَمَرَةُ الإيمانِ؛ والإخْباتِ؛ جَعَلُوا بَدَلَهُ كُفْرَهم بِآياتِ اللهِ؛ وقَوْلَهُمْ: "حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ؛ وحِنْطَةٌ في شُعَيْرَةٍ"؛ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا هو اسْتِخْفافٌ بِأمْرِ اللهِ؛ وكُفْرٌ بِهِ؛ وكَذَلِكَ أُمِرُوا ألّا يَعْتَدُوا في السَبْتِ؛ وفي ضِمْنِ ذَلِكَ الطاعَةُ؛ وسَماعُ الأمْرِ؛ فَجَعَلُوا بَدَلَ ذَلِكَ الِانْتِهاءَ إلى انْتِهاكِ أعْظَمِ حُرْمَةٍ؛ وهي قَتْلُ الأنْبِياءِ؛ وكَذَلِكَ أخْذُ المِيثاقِ الغَلِيظِ مِنهم تَضَمَّنَ فَهْمَهم بِقَدْرِ ما التَزَمُوهُ؛ فَجَعَلُوا بَدَلَ ذَلِكَ تَجاهُلَهم.
وقَوْلُهُمْ: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ ؛ أيْ: هي في حُجُبٍ؛ وغُلْفٌ؛ فَهي لا تَفْهَمُ؛ وأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ عن طَبْعٍ مِنهُ عَلى قُلُوبِهِمْ؛ وأنَّهم كَذَبَةٌ فِيما يَدَّعُونَهُ مِن قِلَّةِ الفَهْمِ.
(p-٦٠)وَقَرَأ نافِعٌ: "تَعْدُّوا"؛ بِسُكُونِ العَيْنِ؛ وشَدِّ الدالِ المَضْمُومَةِ؛ ورَوى عنهُ ورْشٌ: "تَعَدُّوا"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وشَدِّ الدالِ المَضْمُومَةِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "لا تَعْدُوا"؛ ساكِنَةَ العَيْنِ؛ خَفِيفَةَ الدالِ؛ مَضْمُومَةً؛ وقَرَأ الأعْمَشُ ؛ والحَسَنُ: "لا تَعْتَدُوا".
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَبِما": "ما"؛ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ التَقْدِيرُ: "فَبِنَقْضِهِمْ"؛ وحَذْفُ جَوابِ هَذا الكَلامِ بَلِيغٌ؛ مَتْرُوكٌ مَعَ ذِهْنِ السامِعِ؛ تَقْدِيرُهُ: "لَعَنّاهم وأذْلَلْناهُمْ؛ وحَتَّمْنا عَلى المُوافِينَ مِنهُمُ الخُلُودَ في جَهَنَّمَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ ؛ أيْ: في أمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ ؛ يَعْنِي رَمْيَهم إيّاها بِالزِنا؛ مَعَ رُؤْيَتِهِمُ الآيَةَ في كَلامِ عِيسى في المَهْدِ؛ وإلّا فَلَوْلا الآيَةُ لَكانُوا في قَوْلِهِمْ جارِينَ عَلى حُكْمِ البَشَرِ في إنْكارِ حَمْلٍ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ؛ و"اَلْبُهْتانُ": مَصْدَرٌ؛ مِن قَوْلِكَ: "بَهَتَهُ"؛ إذا قابَلَهُ بِأمْرٍ مُبْهِتٍ؛ يَحارُ مَعَهُ الذِهْنُ؛ وهو رَمْيٌ بِباطِلٍ.
النساء 4:156
قَوْلُهُ (تَعالى):
﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُورَ بِمِيثاقِهِمْ وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُلْنا لَهُمُ لا تَعْدُوا في السَبْتِ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهِ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾
"اَلطُّورُ": اَلْجَبَلُ؛ اسْمُ جِنْسٍ؛ وهَذا قَوْلٌ؛ وقِيلَ: اَلطُّورُ: كُلُّ جَبَلٍ غَيْرِ مُنْبِتٍ، (p-٥٩)وَبِالشامِ جَبَلٌ قَدْ عُرِفَ بِـ "اَلطُّورُ"؛ ولَزِمَهُ الِاسْمُ؛ وهو طُورُ سَيْناءَ؛ ولَيْسَ بِالمَرْفُوعِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ رَفْعَ الجَبَلِ كانَ فِيما يَلِي فَحْصَ التِيهِ مِن جِهَةِ دِيارِ مِصْرَ؛ وهم ناهِضُونَ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ قَصَصُ رَفْعِ الطُورِ؛ وقَوْلُهُ: "بِمِيثاقِهِمْ"؛ أيْ: بِسَبَبِ مِيثاقِهِمْ أنْ يُعْطُوهُ في أخْذِ الكِتابِ بِقُوَّةٍ؛ والعَمَلِ بِما فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ ؛ هو بابُ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ المَعْرُوفُ بِـ "بابِ حِطَّةٍ"؛ أمَرُوا أنْ يَتَواضَعُوا شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى الفَتْحِ الَّذِي مَنَحَهم في تِلْكَ البِلادِ؛ وأنْ يَدْخُلُوا بابَ المَدِينَةِ سُجَّدًا؛ وهَذا نَوْعٌ مِن سَجْدَةِ الشُكْرِ الَّتِي قَدْ فَعَلَها كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ؛ ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وإنْ كانَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ - رَحِمَهُ اللهُ - لا يَراها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَبْتِ﴾ ؛ أيْ: عَلى الحِيتانِ؛ وفي سائِرِ الأعْمالِ؛ وهَؤُلاءِ كانُوا بِأيْلَةَ؛ مِن ساحِلِ البَحْرِ؛ فَأُمِرُوا بِالسُكُونِ عن كُلِّ شُغْلٍ في يَوْمِ السَبْتِ؛ فَلَمْ يَفْعَلُوا؛ بَلِ اصْطادُوا وتَصَرَّفُوا؛ وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ ذَلِكَ؛ وأخَذَ اللهُ تَعالى مِنهُمُ المِيثاقَ الغَلِيظَ؛ هو عَلى لِسانِ مُوسى وهارُونَ وغَيْرِهِما مِنَ الأنْبِياءِ؛ أيْ: بِأنَّهم يَأْخُذُونَ التَوْراةَ بِقُوَّةٍ؛ ويَعْمَلُونَ بِجَمِيعِ ما فِيها؛ ويُوصِلُونَهُ إلى أبْنائِهِمْ؛ ويُؤَدُّونَ الأمانَةَ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ إخْبارٌ عن أشْياءَ واقَعُوها؛ هي في الضِدِّ مِمّا أُمِرُوا بِهِ؛ وذَلِكَ أنَّ المِيثاقَ الَّذِي رُفِعَ الطُورُ مِن أجْلِهِ نَقَضُوهُ؛ والإيمانَ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ﴿ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ ؛ إذْ ذَلِكَ التَواضُعُ إنَّما هو ثَمَرَةُ الإيمانِ؛ والإخْباتِ؛ جَعَلُوا بَدَلَهُ كُفْرَهم بِآياتِ اللهِ؛ وقَوْلَهُمْ: "حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ؛ وحِنْطَةٌ في شُعَيْرَةٍ"؛ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا هو اسْتِخْفافٌ بِأمْرِ اللهِ؛ وكُفْرٌ بِهِ؛ وكَذَلِكَ أُمِرُوا ألّا يَعْتَدُوا في السَبْتِ؛ وفي ضِمْنِ ذَلِكَ الطاعَةُ؛ وسَماعُ الأمْرِ؛ فَجَعَلُوا بَدَلَ ذَلِكَ الِانْتِهاءَ إلى انْتِهاكِ أعْظَمِ حُرْمَةٍ؛ وهي قَتْلُ الأنْبِياءِ؛ وكَذَلِكَ أخْذُ المِيثاقِ الغَلِيظِ مِنهم تَضَمَّنَ فَهْمَهم بِقَدْرِ ما التَزَمُوهُ؛ فَجَعَلُوا بَدَلَ ذَلِكَ تَجاهُلَهم.
وقَوْلُهُمْ: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ ؛ أيْ: هي في حُجُبٍ؛ وغُلْفٌ؛ فَهي لا تَفْهَمُ؛ وأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ عن طَبْعٍ مِنهُ عَلى قُلُوبِهِمْ؛ وأنَّهم كَذَبَةٌ فِيما يَدَّعُونَهُ مِن قِلَّةِ الفَهْمِ.
(p-٦٠)وَقَرَأ نافِعٌ: "تَعْدُّوا"؛ بِسُكُونِ العَيْنِ؛ وشَدِّ الدالِ المَضْمُومَةِ؛ ورَوى عنهُ ورْشٌ: "تَعَدُّوا"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وشَدِّ الدالِ المَضْمُومَةِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "لا تَعْدُوا"؛ ساكِنَةَ العَيْنِ؛ خَفِيفَةَ الدالِ؛ مَضْمُومَةً؛ وقَرَأ الأعْمَشُ ؛ والحَسَنُ: "لا تَعْتَدُوا".
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَبِما": "ما"؛ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ التَقْدِيرُ: "فَبِنَقْضِهِمْ"؛ وحَذْفُ جَوابِ هَذا الكَلامِ بَلِيغٌ؛ مَتْرُوكٌ مَعَ ذِهْنِ السامِعِ؛ تَقْدِيرُهُ: "لَعَنّاهم وأذْلَلْناهُمْ؛ وحَتَّمْنا عَلى المُوافِينَ مِنهُمُ الخُلُودَ في جَهَنَّمَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ ؛ أيْ: في أمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ ؛ يَعْنِي رَمْيَهم إيّاها بِالزِنا؛ مَعَ رُؤْيَتِهِمُ الآيَةَ في كَلامِ عِيسى في المَهْدِ؛ وإلّا فَلَوْلا الآيَةُ لَكانُوا في قَوْلِهِمْ جارِينَ عَلى حُكْمِ البَشَرِ في إنْكارِ حَمْلٍ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ؛ و"اَلْبُهْتانُ": مَصْدَرٌ؛ مِن قَوْلِكَ: "بَهَتَهُ"؛ إذا قابَلَهُ بِأمْرٍ مُبْهِتٍ؛ يَحارُ مَعَهُ الذِهْنُ؛ وهو رَمْيٌ بِباطِلٍ.
النساء 4:157
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿وَقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهم وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَنِّ وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إلَيْهِ وكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾
هَذِهِ الآيَةُ؛ والَّتِي قَبْلَها؛ عَدَّدَ اللهُ تَعالى فِيها أقْوالَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وأفْعالَهُمْ؛ عَلى اخْتِلافِ الأزْمانِ؛ وتَعاقُبِ القُرُونِ؛ فاجْتَمَعَ مِن ذَلِكَ تَوْبِيخُ خَلَفِهِمُ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وبَيانُ الحُجَّةِ في أنْ وجَبَتْ لَهُمُ اللَعْنَةُ؛ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ والمَسْكَنَةُ؛ فَهَذِهِ الطائِفَةُ الَّتِي قالَتْ: ﴿إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾ ؛ غَيْرُ الَّذِينَ نَقَضُوا المِيثاقَ في الطُورِ؛ وغَيْرُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ؛ وقَوْلُ بَنِي إسْرائِيلَ إنَّما هو إلى قَوْلِهِ: ﴿عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (p-٦١)﴿رَسُولَ اللهِ﴾ ؛ إنَّما هو إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى بِصِفَةٍ لِعِيسى؛ وهي الرِسالَةُ؛ عَلى جِهَةِ إظْهارِ ذَنْبِ هَؤُلاءِ المُقِرِّينَ بِالقَتْلِ؛ ولَزِمَهُمُ الذَنْبُ؛ وهم لَمْ يَقْتُلُوا عِيسى؛ لِأنَّهم صَلَبُوا ذَلِكَ الشَخْصَ عَلى أنَّهُ عِيسى؛ وعَلى أنَّ عِيسى كَذّابٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ؛ ولَكِنْ لَزِمَهُمُ الذَنْبُ مِن حَيْثُ اعْتَقَدُوا أنَّ قَتْلَهم وقَعَ في عِيسى؛ فَكَأنَّهم قَتَلُوهُ؛ وإذا كانُوا قَتَلُوهُ فَلَيْسَ يَرْفَعُ الذَنْبَ عنهُمُ اعْتِقادُهم أنَّهُ غَيْرُ رَسُولٍ؛ كَما أنَّ قُرَيْشًا في تَكْذِيبِها رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لا يَنْفَعُهم فِيهِ اعْتِقادُهم أنَّهُ كَذّابٌ؛ بَلْ جازاهُمُ اللهُ عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ في نَفْسِهِ؛ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ ما قَتَلُوا عِيسى؛ ولا صَلَبُوهُ؛ "وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ"؛ واخْتَلَفَتِ الرُواةُ في هَذِهِ القِصَّةِ وكَيْفِيَّتِها اخْتِلافًا شَدِيدًا؛ أنا أخْتَصِرُ عُيُونَهُ؛ إذْ لَيْسَ في جَمِيعِهِ شَيْءٌ يَقْطَعُ بِصِحَّتِهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيهِ شَيْءٌ؛ ولَيْسَ لَنا مُتَعَلَّقٌ في تَرْجِيحِ شَيْءٍ مِنهُ؛ إلّا ألْفاظُ كِتابِ اللهِ؛ فالَّذِي لا نَشُكُّ فِيهِ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - كانَ يَسِيحُ في الأرْضِ؛ ويَدْعُو إلى اللهِ؛ وكانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ تَطْلُبُهُ؛ ومَلِكُهم في ذَلِكَ الزَمانِ يَجْعَلُ عَلَيْهِ الجَعائِلَ؛ وكانَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - قَدِ انْضَوى إلَيْهِ الحَوارِيُّونَ يَسِيرُونَ مَعَهُ حَيْثُ سارَ؛ فَلَمّا كانَ في بَعْضِ الأوقاتِ شُعِرَ بِأمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فَرُوِيَ أنَّ أحَدَ الحَوارِيِّينَ أُرْشِيَ عَلَيْهِ فَقَبِلَ الرِشْوَةَ؛ ودَلَّ عَلى مَكانِهِ؛ فَأُحِيطَ بِهِ؛ ثُمَّ نَدِمَ ذَلِكَ الحَوارِيُّ وخَنَقَ نَفْسَهُ؛ ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ جُعِلَ لَهُ جُعْلٌ؛ فَما زالَ يَنْقُرُ عَلَيْهِ حَتّى دَلَّ عَلى مَكانِهِ؛ فَلَمّا أحَسَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ؛ وأصْحابُهُ؛ بِتَلاحُقِ الطالِبِينَ بِهِمْ دَخَلُوا بَيْتًا بِمَرْأًى مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَرُوِيَ أنَّهم عَدُّوهم ثَلاثَةَ عَشَرَ؛ ورُوِيَ ثَمانِيَةَ عَشَرَ؛ وحُصِرُوا لَيْلًا؛ فَرُوِيَ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - فَرَّقَ الحَوارِيِّينَ عن نَفْسِهِ تِلْكَ اللَيْلَةَ؛ ووَجَّهَهم إلى الآفاقِ؛ وبَقِيَ هو ورَجُلٌ مَعَهُ؛ فَرُفِعَ عِيسى؛ وأُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى الرَجُلِ؛ فَصُلِبَ ذَلِكَ الرَجُلُ؛ ورُوِيَ أنَّ الشَبَهَ أُلْقِيَ عَلى اليَهُودِيِّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ؛ فَصُلِبَ؛ ورُوِيَ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لَمّا أُحِيطَ بِهِمْ قالَ لِأصْحابِهِ: "أيُّكم يُلْقى شَبَهِي عَلَيْهِ فَيُقْتَلُ ويُخَلِّصُ هَؤُلاءِ؛ وهو رَفِيقِي في الجَنَّةِ؟"؛ فَقالَ سَرْجِسُ: أنا؛ وأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسى؛ ويُرْوى أنَّ شَبَهَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - أُلْقِيَ عَلى الجَماعَةِ كُلِّها؛ فَلَمّا أخْرَجَهم بَنُو إسْرائِيلَ نَقُصَ واحِدٌ مِنَ العِدَّةِ؛ فَأخَذُوا واحِدًا مِمَّنْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ الشَبَهُ؛ حَسَبَ هَذِهِ الرِواياتِ الَّتِي ذَكَرْتُها؛ فَصُلِبَ ذَلِكَ الشَخْصُ؛ ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ والمُتَناوِلِينَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ أمْرُ رَفْعِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لَمّا (p-٦٢)رَأوا أمْرَ نُقْصانِ العَدَدِ؛ واخْتِلاطِ الأمْرِ؛ فَصُلِبَ ذَلِكَ الشَخْصُ؛ وأُبْعِدَ الناسُ عن خَشَبَتِهِ أيّامًا؛ حَتّى تَغَيَّرَ؛ ولَمْ تَثْبُتْ لَهُ صِفَةٌ؛ وحِينَئِذٍ دَنا الناسُ مِنهُ؛ ومَضى الحَوارِيُّونَ يُحَدِّثُونَ بِالآفاقِ أنَّ عِيسى صُلِبَ؛ فَهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ فَرَّقَهم وهو في البَيْتِ؛ أو عَلى أنَّ الشَبَهَ أُلْقِيَ عَلى الكُلِّ؛ ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ كُلَّها لَمْ يَكُنْ فِيها إلْقاءُ شَبَهِ شَخْصِ عِيسى عَلى أحَدٍ؛ وإنَّما المَعْنى: ﴿ "وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ"؛﴾ أيْ: شَبَّهَ عَلَيْهِمُ المَلِكُ "اَلْمُمَخْرِقُ"؛ لِيَسْتَدِيمَ مُلْكُهُ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا نَقَصَ واحِدٌ مِنَ الجَماعَةِ؛ وفَقَدَ عِيسى؛ عَمَدَ إلى أحَدِهِمْ؛ وبَطَشَ بِصَلْبِهِ؛ وفَرَّقَ الناسَ عنهُ؛ وقالَ: هَذا عِيسى قَدْ صُلِبَ؛ وانْحَلَّ أمْرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ ؛ يَعْنِي اخْتِلافَ المُحاوِلِينَ لِأخْذِهِ؛ لِأنَّهم حِينَ فَقَدُوا واحِدًا مِنَ العَدَدِ؛ وتُحُدِّثَ بِرَفْعِ عِيسى اضْطَرَبُوا؛ واخْتَلَفُوا؛ وعَلى رِوايَةِ مَن رَوى أنَّهُ أُلْقِيَ شَبَهٌ؛ يُوشِكُ أنَّهُ بَقِيَ في ذَلِكَ الشَبَهِ مَواضِعُ لِلِاخْتِلافِ؛ لَكِنْ أجْمَعُوا عَلى صَلْبِ واحِدٍ عَلى غَيْرِ ثِقَةٍ؛ ولا يَقِينٍ أيُّهم هو.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فاليَقِينُ الَّذِي صَحَّ فِيهِ نَقْلُ الكافَّةِ عن حَواسِّها هو أنَّ شَخْصًا صُلِبَ؛ وأمّا هَلْ هو عِيسى أمْ لا؛ فَلَيْسَ هو مِن عِلْمِ الحَواسِّ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَنْفَعْ في ذَلِكَ نَقْلُ كافَّةِ اليَهُودِ والنَصارى؛ ونَفى اللهُ عنهم أنْ يَكُونَ لَهم في أمْرِهِ عِلْمٌ عَلى ما هو بِهِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى اتِّباعَ الظَنِّ؛ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ؛ إذِ الظَنُّ والعِلْمُ يَضُمُّهُما جِنْسٌ واحِدٌ: أنَّهُما مِن مُعْتَقَداتٍ النَفْسِ؛ وقَدْ يَقُولُ الظانُّ - عَلى طَرِيقِ التَجَوُّزِ -: "عِلْمِي في هَذا الأمْرِ أنَّهُ كَذا"؛ وهو يَعْنِي ظَنَّهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ ؛ اِخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في عَوْدِ الضَمِيرِ مِن "قَتَلُوهُ"؛ (p-٦٣)فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى الظَنِّ؛ كَما تَقُولُ: "قَتَلْتُ هَذا الأمْرَ عِلْمًا"؛ فالمَعْنى: وما صَحَّ ظَنُّهم عِنْدَهُمْ؛ ولا تَحَقَّقُوهُ يَقِينًا؛ هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيِّ ؛ وجَماعَةٍ؛ وقالَ قَوْمٌ: اَلضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ أخْبَرَ أنَّهم لَمْ يَقْتُلُوهُ يَقِينًا؛ فَيَصِحُّ لَهُمُ الإصْفاقُ؛ ويُثْبِتُ نَقْلُ كافَّتِهِمْ؛ ومُضَمَّنُ الكَلامِ أنَّهم ما قَتَلُوهُ في الحَقِيقَةِ جُمْلَةً واحِدَةً؛ لا يَقِينًا؛ ولا شَكًّا؛ لَكِنْ لَمّا حَصَلَتْ في ذَلِكَ الدَعْوى صارَ قَتْلُهُ عِنْدَهم مَشْكُوكًا فِيهِ؛ وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ اللِسانِ: اَلْكَلامُ تامٌّ في قَوْلِهِ: "وَما قَتَلُوهُ"؛ و"يَقِينًا": مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلنَّفْيِ في قَوْلِهِ: "وَما قَتَلُوهُ"؛ اَلْمَعْنى: يُخْبِرُكم يَقِينًا؛ أو يَقُصُّ عَلَيْكم يَقِينًا؛ أو أيْقِنُوا بِذَلِكَ يَقِينًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إلَيْهِ﴾ ؛ يَعْنِي إلى سَمائِهِ؛ وكَرامَتِهِ؛ وعِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - حَيٌّ في السَماءِ الثانِيَةِ؛ عَلى ما تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ الإسْراءِ في ذِكْرِ ابْنَيِ الخالَةِ: عِيسى ويَحْيى ؛ ذَكَرَهُ البُخارِيُّ في حَدِيثِ المِعْراجِ؛ وذَكَرَهُ غَيْرُهُ؛ وهو هُناكَ مُقِيمٌ حَتّى يُنْزِلَهُ اللهُ لِقَتْلِ الدَجّالِ؛ ولِيَمْلَأ الأرْضَ عَدْلًا؛ ويَحْيا فِيها أرْبَعِينَ سَنَةً؛ ثُمَّ يَمُوتُ كَما يَمُوتُ البَشَرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ؛ اِخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى الآيَةِ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأبُو مالِكٍ ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وغَيْرُهُمْ: اَلضَّمِيرُ في "مَوْتِهِ"؛ راجِعٌ إلى عِيسى؛ والمَعْنى: إنَّهُ لا يَبْقى مِن أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ إذا نَزَلَ عِيسى إلى الأرْضِ إلّا يُؤْمِنُ بِعِيسى؛ كَما يُؤْمِنُ سائِرُ البَشَرِ؛ وتَرْجِعُ الأدْيانُ كُلُّها واحِدًا؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ وغَيْرُهُما: اَلضَّمِيرُ في "بِهِ"؛ لِعِيسى؛ وفي "مَوْتِهِ"؛ لِلْكِتابِيِّ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ ؛ اَلتَّقْدِيرُ: "وَإنْ مِن (p-٦٤)أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ"؛ قالُوا: ولَيْسَ يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتّى يُؤْمِنَ بِعِيسى؛ رُوحِ اللهِ؛ ويَعْلَمَ أنَّهُ نَبِيٌّ؛ ولَكِنْ عِنْدَ المُعايَنَةِ لِلْمَوْتِ؛ فَهو إيمانٌ لا يَنْفَعُهُ؛ كَما لَمْ يَنْفَعْ فِرْعَوْنَ إيمانُهُ عِنْدَ المُعايَنَةِ؛ وقالَ هَذا القَوْلَ عِكْرِمَةُ ؛ والضَحّاكُ ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ أيْضًا؛ وقالَ عِكْرِمَةُ أيْضًا: اَلضَّمِيرُ في "بِهِ"؛ لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وفي "قَبْلَ مَوْتِهِ"؛ لِلْكِتابِيِّ؛ قالَ: ولَيْسَ يَخْرُجُ يَهُودِيٌّ؛ ولا نَصْرانِيٌّ مِنَ الدُنْيا حَتّى يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ؛ ولَوْ غَرِقَ؛ أو سَقَطَ عَلَيْهِ جِدارٌ؛ فَإنَّهُ يُؤْمِنُ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "قَبْلَ مَوْتِهِمْ"؛ فَفي هَذِهِ القِراءَةِ تَقْوِيَةٌ لِعَوْدِ الضَمِيرِ عَلى الكِتابِيِّ؛ وقَرَأ الفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ: "وَإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ"؛ بِتَشْدِيدِ "إنْ"؛ والضَمِيرُ المُسْتَتِرُ في "يَكُونُ"؛ هو لِعِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ في جُلِّ الأقْوالِ؛ ولِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - في قَوْلِ عِكْرِمَةَ.
النساء 4:158
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿وَقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهم وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَنِّ وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إلَيْهِ وكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾
هَذِهِ الآيَةُ؛ والَّتِي قَبْلَها؛ عَدَّدَ اللهُ تَعالى فِيها أقْوالَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وأفْعالَهُمْ؛ عَلى اخْتِلافِ الأزْمانِ؛ وتَعاقُبِ القُرُونِ؛ فاجْتَمَعَ مِن ذَلِكَ تَوْبِيخُ خَلَفِهِمُ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وبَيانُ الحُجَّةِ في أنْ وجَبَتْ لَهُمُ اللَعْنَةُ؛ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ والمَسْكَنَةُ؛ فَهَذِهِ الطائِفَةُ الَّتِي قالَتْ: ﴿إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾ ؛ غَيْرُ الَّذِينَ نَقَضُوا المِيثاقَ في الطُورِ؛ وغَيْرُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ؛ وقَوْلُ بَنِي إسْرائِيلَ إنَّما هو إلى قَوْلِهِ: ﴿عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (p-٦١)﴿رَسُولَ اللهِ﴾ ؛ إنَّما هو إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى بِصِفَةٍ لِعِيسى؛ وهي الرِسالَةُ؛ عَلى جِهَةِ إظْهارِ ذَنْبِ هَؤُلاءِ المُقِرِّينَ بِالقَتْلِ؛ ولَزِمَهُمُ الذَنْبُ؛ وهم لَمْ يَقْتُلُوا عِيسى؛ لِأنَّهم صَلَبُوا ذَلِكَ الشَخْصَ عَلى أنَّهُ عِيسى؛ وعَلى أنَّ عِيسى كَذّابٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ؛ ولَكِنْ لَزِمَهُمُ الذَنْبُ مِن حَيْثُ اعْتَقَدُوا أنَّ قَتْلَهم وقَعَ في عِيسى؛ فَكَأنَّهم قَتَلُوهُ؛ وإذا كانُوا قَتَلُوهُ فَلَيْسَ يَرْفَعُ الذَنْبَ عنهُمُ اعْتِقادُهم أنَّهُ غَيْرُ رَسُولٍ؛ كَما أنَّ قُرَيْشًا في تَكْذِيبِها رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لا يَنْفَعُهم فِيهِ اعْتِقادُهم أنَّهُ كَذّابٌ؛ بَلْ جازاهُمُ اللهُ عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ في نَفْسِهِ؛ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ ما قَتَلُوا عِيسى؛ ولا صَلَبُوهُ؛ "وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ"؛ واخْتَلَفَتِ الرُواةُ في هَذِهِ القِصَّةِ وكَيْفِيَّتِها اخْتِلافًا شَدِيدًا؛ أنا أخْتَصِرُ عُيُونَهُ؛ إذْ لَيْسَ في جَمِيعِهِ شَيْءٌ يَقْطَعُ بِصِحَّتِهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيهِ شَيْءٌ؛ ولَيْسَ لَنا مُتَعَلَّقٌ في تَرْجِيحِ شَيْءٍ مِنهُ؛ إلّا ألْفاظُ كِتابِ اللهِ؛ فالَّذِي لا نَشُكُّ فِيهِ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - كانَ يَسِيحُ في الأرْضِ؛ ويَدْعُو إلى اللهِ؛ وكانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ تَطْلُبُهُ؛ ومَلِكُهم في ذَلِكَ الزَمانِ يَجْعَلُ عَلَيْهِ الجَعائِلَ؛ وكانَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - قَدِ انْضَوى إلَيْهِ الحَوارِيُّونَ يَسِيرُونَ مَعَهُ حَيْثُ سارَ؛ فَلَمّا كانَ في بَعْضِ الأوقاتِ شُعِرَ بِأمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فَرُوِيَ أنَّ أحَدَ الحَوارِيِّينَ أُرْشِيَ عَلَيْهِ فَقَبِلَ الرِشْوَةَ؛ ودَلَّ عَلى مَكانِهِ؛ فَأُحِيطَ بِهِ؛ ثُمَّ نَدِمَ ذَلِكَ الحَوارِيُّ وخَنَقَ نَفْسَهُ؛ ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ جُعِلَ لَهُ جُعْلٌ؛ فَما زالَ يَنْقُرُ عَلَيْهِ حَتّى دَلَّ عَلى مَكانِهِ؛ فَلَمّا أحَسَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ؛ وأصْحابُهُ؛ بِتَلاحُقِ الطالِبِينَ بِهِمْ دَخَلُوا بَيْتًا بِمَرْأًى مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَرُوِيَ أنَّهم عَدُّوهم ثَلاثَةَ عَشَرَ؛ ورُوِيَ ثَمانِيَةَ عَشَرَ؛ وحُصِرُوا لَيْلًا؛ فَرُوِيَ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - فَرَّقَ الحَوارِيِّينَ عن نَفْسِهِ تِلْكَ اللَيْلَةَ؛ ووَجَّهَهم إلى الآفاقِ؛ وبَقِيَ هو ورَجُلٌ مَعَهُ؛ فَرُفِعَ عِيسى؛ وأُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى الرَجُلِ؛ فَصُلِبَ ذَلِكَ الرَجُلُ؛ ورُوِيَ أنَّ الشَبَهَ أُلْقِيَ عَلى اليَهُودِيِّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ؛ فَصُلِبَ؛ ورُوِيَ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لَمّا أُحِيطَ بِهِمْ قالَ لِأصْحابِهِ: "أيُّكم يُلْقى شَبَهِي عَلَيْهِ فَيُقْتَلُ ويُخَلِّصُ هَؤُلاءِ؛ وهو رَفِيقِي في الجَنَّةِ؟"؛ فَقالَ سَرْجِسُ: أنا؛ وأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسى؛ ويُرْوى أنَّ شَبَهَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - أُلْقِيَ عَلى الجَماعَةِ كُلِّها؛ فَلَمّا أخْرَجَهم بَنُو إسْرائِيلَ نَقُصَ واحِدٌ مِنَ العِدَّةِ؛ فَأخَذُوا واحِدًا مِمَّنْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ الشَبَهُ؛ حَسَبَ هَذِهِ الرِواياتِ الَّتِي ذَكَرْتُها؛ فَصُلِبَ ذَلِكَ الشَخْصُ؛ ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ والمُتَناوِلِينَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ أمْرُ رَفْعِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لَمّا (p-٦٢)رَأوا أمْرَ نُقْصانِ العَدَدِ؛ واخْتِلاطِ الأمْرِ؛ فَصُلِبَ ذَلِكَ الشَخْصُ؛ وأُبْعِدَ الناسُ عن خَشَبَتِهِ أيّامًا؛ حَتّى تَغَيَّرَ؛ ولَمْ تَثْبُتْ لَهُ صِفَةٌ؛ وحِينَئِذٍ دَنا الناسُ مِنهُ؛ ومَضى الحَوارِيُّونَ يُحَدِّثُونَ بِالآفاقِ أنَّ عِيسى صُلِبَ؛ فَهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ فَرَّقَهم وهو في البَيْتِ؛ أو عَلى أنَّ الشَبَهَ أُلْقِيَ عَلى الكُلِّ؛ ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ كُلَّها لَمْ يَكُنْ فِيها إلْقاءُ شَبَهِ شَخْصِ عِيسى عَلى أحَدٍ؛ وإنَّما المَعْنى: ﴿ "وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ"؛﴾ أيْ: شَبَّهَ عَلَيْهِمُ المَلِكُ "اَلْمُمَخْرِقُ"؛ لِيَسْتَدِيمَ مُلْكُهُ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا نَقَصَ واحِدٌ مِنَ الجَماعَةِ؛ وفَقَدَ عِيسى؛ عَمَدَ إلى أحَدِهِمْ؛ وبَطَشَ بِصَلْبِهِ؛ وفَرَّقَ الناسَ عنهُ؛ وقالَ: هَذا عِيسى قَدْ صُلِبَ؛ وانْحَلَّ أمْرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ ؛ يَعْنِي اخْتِلافَ المُحاوِلِينَ لِأخْذِهِ؛ لِأنَّهم حِينَ فَقَدُوا واحِدًا مِنَ العَدَدِ؛ وتُحُدِّثَ بِرَفْعِ عِيسى اضْطَرَبُوا؛ واخْتَلَفُوا؛ وعَلى رِوايَةِ مَن رَوى أنَّهُ أُلْقِيَ شَبَهٌ؛ يُوشِكُ أنَّهُ بَقِيَ في ذَلِكَ الشَبَهِ مَواضِعُ لِلِاخْتِلافِ؛ لَكِنْ أجْمَعُوا عَلى صَلْبِ واحِدٍ عَلى غَيْرِ ثِقَةٍ؛ ولا يَقِينٍ أيُّهم هو.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فاليَقِينُ الَّذِي صَحَّ فِيهِ نَقْلُ الكافَّةِ عن حَواسِّها هو أنَّ شَخْصًا صُلِبَ؛ وأمّا هَلْ هو عِيسى أمْ لا؛ فَلَيْسَ هو مِن عِلْمِ الحَواسِّ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَنْفَعْ في ذَلِكَ نَقْلُ كافَّةِ اليَهُودِ والنَصارى؛ ونَفى اللهُ عنهم أنْ يَكُونَ لَهم في أمْرِهِ عِلْمٌ عَلى ما هو بِهِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى اتِّباعَ الظَنِّ؛ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ؛ إذِ الظَنُّ والعِلْمُ يَضُمُّهُما جِنْسٌ واحِدٌ: أنَّهُما مِن مُعْتَقَداتٍ النَفْسِ؛ وقَدْ يَقُولُ الظانُّ - عَلى طَرِيقِ التَجَوُّزِ -: "عِلْمِي في هَذا الأمْرِ أنَّهُ كَذا"؛ وهو يَعْنِي ظَنَّهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ ؛ اِخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في عَوْدِ الضَمِيرِ مِن "قَتَلُوهُ"؛ (p-٦٣)فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى الظَنِّ؛ كَما تَقُولُ: "قَتَلْتُ هَذا الأمْرَ عِلْمًا"؛ فالمَعْنى: وما صَحَّ ظَنُّهم عِنْدَهُمْ؛ ولا تَحَقَّقُوهُ يَقِينًا؛ هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيِّ ؛ وجَماعَةٍ؛ وقالَ قَوْمٌ: اَلضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ أخْبَرَ أنَّهم لَمْ يَقْتُلُوهُ يَقِينًا؛ فَيَصِحُّ لَهُمُ الإصْفاقُ؛ ويُثْبِتُ نَقْلُ كافَّتِهِمْ؛ ومُضَمَّنُ الكَلامِ أنَّهم ما قَتَلُوهُ في الحَقِيقَةِ جُمْلَةً واحِدَةً؛ لا يَقِينًا؛ ولا شَكًّا؛ لَكِنْ لَمّا حَصَلَتْ في ذَلِكَ الدَعْوى صارَ قَتْلُهُ عِنْدَهم مَشْكُوكًا فِيهِ؛ وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ اللِسانِ: اَلْكَلامُ تامٌّ في قَوْلِهِ: "وَما قَتَلُوهُ"؛ و"يَقِينًا": مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلنَّفْيِ في قَوْلِهِ: "وَما قَتَلُوهُ"؛ اَلْمَعْنى: يُخْبِرُكم يَقِينًا؛ أو يَقُصُّ عَلَيْكم يَقِينًا؛ أو أيْقِنُوا بِذَلِكَ يَقِينًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إلَيْهِ﴾ ؛ يَعْنِي إلى سَمائِهِ؛ وكَرامَتِهِ؛ وعِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - حَيٌّ في السَماءِ الثانِيَةِ؛ عَلى ما تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ الإسْراءِ في ذِكْرِ ابْنَيِ الخالَةِ: عِيسى ويَحْيى ؛ ذَكَرَهُ البُخارِيُّ في حَدِيثِ المِعْراجِ؛ وذَكَرَهُ غَيْرُهُ؛ وهو هُناكَ مُقِيمٌ حَتّى يُنْزِلَهُ اللهُ لِقَتْلِ الدَجّالِ؛ ولِيَمْلَأ الأرْضَ عَدْلًا؛ ويَحْيا فِيها أرْبَعِينَ سَنَةً؛ ثُمَّ يَمُوتُ كَما يَمُوتُ البَشَرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ؛ اِخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى الآيَةِ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأبُو مالِكٍ ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وغَيْرُهُمْ: اَلضَّمِيرُ في "مَوْتِهِ"؛ راجِعٌ إلى عِيسى؛ والمَعْنى: إنَّهُ لا يَبْقى مِن أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ إذا نَزَلَ عِيسى إلى الأرْضِ إلّا يُؤْمِنُ بِعِيسى؛ كَما يُؤْمِنُ سائِرُ البَشَرِ؛ وتَرْجِعُ الأدْيانُ كُلُّها واحِدًا؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ وغَيْرُهُما: اَلضَّمِيرُ في "بِهِ"؛ لِعِيسى؛ وفي "مَوْتِهِ"؛ لِلْكِتابِيِّ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ ؛ اَلتَّقْدِيرُ: "وَإنْ مِن (p-٦٤)أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ"؛ قالُوا: ولَيْسَ يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتّى يُؤْمِنَ بِعِيسى؛ رُوحِ اللهِ؛ ويَعْلَمَ أنَّهُ نَبِيٌّ؛ ولَكِنْ عِنْدَ المُعايَنَةِ لِلْمَوْتِ؛ فَهو إيمانٌ لا يَنْفَعُهُ؛ كَما لَمْ يَنْفَعْ فِرْعَوْنَ إيمانُهُ عِنْدَ المُعايَنَةِ؛ وقالَ هَذا القَوْلَ عِكْرِمَةُ ؛ والضَحّاكُ ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ أيْضًا؛ وقالَ عِكْرِمَةُ أيْضًا: اَلضَّمِيرُ في "بِهِ"؛ لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وفي "قَبْلَ مَوْتِهِ"؛ لِلْكِتابِيِّ؛ قالَ: ولَيْسَ يَخْرُجُ يَهُودِيٌّ؛ ولا نَصْرانِيٌّ مِنَ الدُنْيا حَتّى يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ؛ ولَوْ غَرِقَ؛ أو سَقَطَ عَلَيْهِ جِدارٌ؛ فَإنَّهُ يُؤْمِنُ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "قَبْلَ مَوْتِهِمْ"؛ فَفي هَذِهِ القِراءَةِ تَقْوِيَةٌ لِعَوْدِ الضَمِيرِ عَلى الكِتابِيِّ؛ وقَرَأ الفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ: "وَإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ"؛ بِتَشْدِيدِ "إنْ"؛ والضَمِيرُ المُسْتَتِرُ في "يَكُونُ"؛ هو لِعِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ في جُلِّ الأقْوالِ؛ ولِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - في قَوْلِ عِكْرِمَةَ.
النساء 4:159
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿وَقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهم وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَنِّ وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إلَيْهِ وكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾
هَذِهِ الآيَةُ؛ والَّتِي قَبْلَها؛ عَدَّدَ اللهُ تَعالى فِيها أقْوالَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وأفْعالَهُمْ؛ عَلى اخْتِلافِ الأزْمانِ؛ وتَعاقُبِ القُرُونِ؛ فاجْتَمَعَ مِن ذَلِكَ تَوْبِيخُ خَلَفِهِمُ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وبَيانُ الحُجَّةِ في أنْ وجَبَتْ لَهُمُ اللَعْنَةُ؛ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ والمَسْكَنَةُ؛ فَهَذِهِ الطائِفَةُ الَّتِي قالَتْ: ﴿إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾ ؛ غَيْرُ الَّذِينَ نَقَضُوا المِيثاقَ في الطُورِ؛ وغَيْرُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ؛ وقَوْلُ بَنِي إسْرائِيلَ إنَّما هو إلى قَوْلِهِ: ﴿عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (p-٦١)﴿رَسُولَ اللهِ﴾ ؛ إنَّما هو إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى بِصِفَةٍ لِعِيسى؛ وهي الرِسالَةُ؛ عَلى جِهَةِ إظْهارِ ذَنْبِ هَؤُلاءِ المُقِرِّينَ بِالقَتْلِ؛ ولَزِمَهُمُ الذَنْبُ؛ وهم لَمْ يَقْتُلُوا عِيسى؛ لِأنَّهم صَلَبُوا ذَلِكَ الشَخْصَ عَلى أنَّهُ عِيسى؛ وعَلى أنَّ عِيسى كَذّابٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ؛ ولَكِنْ لَزِمَهُمُ الذَنْبُ مِن حَيْثُ اعْتَقَدُوا أنَّ قَتْلَهم وقَعَ في عِيسى؛ فَكَأنَّهم قَتَلُوهُ؛ وإذا كانُوا قَتَلُوهُ فَلَيْسَ يَرْفَعُ الذَنْبَ عنهُمُ اعْتِقادُهم أنَّهُ غَيْرُ رَسُولٍ؛ كَما أنَّ قُرَيْشًا في تَكْذِيبِها رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لا يَنْفَعُهم فِيهِ اعْتِقادُهم أنَّهُ كَذّابٌ؛ بَلْ جازاهُمُ اللهُ عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ في نَفْسِهِ؛ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ ما قَتَلُوا عِيسى؛ ولا صَلَبُوهُ؛ "وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ"؛ واخْتَلَفَتِ الرُواةُ في هَذِهِ القِصَّةِ وكَيْفِيَّتِها اخْتِلافًا شَدِيدًا؛ أنا أخْتَصِرُ عُيُونَهُ؛ إذْ لَيْسَ في جَمِيعِهِ شَيْءٌ يَقْطَعُ بِصِحَّتِهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيهِ شَيْءٌ؛ ولَيْسَ لَنا مُتَعَلَّقٌ في تَرْجِيحِ شَيْءٍ مِنهُ؛ إلّا ألْفاظُ كِتابِ اللهِ؛ فالَّذِي لا نَشُكُّ فِيهِ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - كانَ يَسِيحُ في الأرْضِ؛ ويَدْعُو إلى اللهِ؛ وكانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ تَطْلُبُهُ؛ ومَلِكُهم في ذَلِكَ الزَمانِ يَجْعَلُ عَلَيْهِ الجَعائِلَ؛ وكانَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - قَدِ انْضَوى إلَيْهِ الحَوارِيُّونَ يَسِيرُونَ مَعَهُ حَيْثُ سارَ؛ فَلَمّا كانَ في بَعْضِ الأوقاتِ شُعِرَ بِأمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فَرُوِيَ أنَّ أحَدَ الحَوارِيِّينَ أُرْشِيَ عَلَيْهِ فَقَبِلَ الرِشْوَةَ؛ ودَلَّ عَلى مَكانِهِ؛ فَأُحِيطَ بِهِ؛ ثُمَّ نَدِمَ ذَلِكَ الحَوارِيُّ وخَنَقَ نَفْسَهُ؛ ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ جُعِلَ لَهُ جُعْلٌ؛ فَما زالَ يَنْقُرُ عَلَيْهِ حَتّى دَلَّ عَلى مَكانِهِ؛ فَلَمّا أحَسَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ؛ وأصْحابُهُ؛ بِتَلاحُقِ الطالِبِينَ بِهِمْ دَخَلُوا بَيْتًا بِمَرْأًى مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَرُوِيَ أنَّهم عَدُّوهم ثَلاثَةَ عَشَرَ؛ ورُوِيَ ثَمانِيَةَ عَشَرَ؛ وحُصِرُوا لَيْلًا؛ فَرُوِيَ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - فَرَّقَ الحَوارِيِّينَ عن نَفْسِهِ تِلْكَ اللَيْلَةَ؛ ووَجَّهَهم إلى الآفاقِ؛ وبَقِيَ هو ورَجُلٌ مَعَهُ؛ فَرُفِعَ عِيسى؛ وأُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى الرَجُلِ؛ فَصُلِبَ ذَلِكَ الرَجُلُ؛ ورُوِيَ أنَّ الشَبَهَ أُلْقِيَ عَلى اليَهُودِيِّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ؛ فَصُلِبَ؛ ورُوِيَ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لَمّا أُحِيطَ بِهِمْ قالَ لِأصْحابِهِ: "أيُّكم يُلْقى شَبَهِي عَلَيْهِ فَيُقْتَلُ ويُخَلِّصُ هَؤُلاءِ؛ وهو رَفِيقِي في الجَنَّةِ؟"؛ فَقالَ سَرْجِسُ: أنا؛ وأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسى؛ ويُرْوى أنَّ شَبَهَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - أُلْقِيَ عَلى الجَماعَةِ كُلِّها؛ فَلَمّا أخْرَجَهم بَنُو إسْرائِيلَ نَقُصَ واحِدٌ مِنَ العِدَّةِ؛ فَأخَذُوا واحِدًا مِمَّنْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ الشَبَهُ؛ حَسَبَ هَذِهِ الرِواياتِ الَّتِي ذَكَرْتُها؛ فَصُلِبَ ذَلِكَ الشَخْصُ؛ ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ والمُتَناوِلِينَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ أمْرُ رَفْعِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لَمّا (p-٦٢)رَأوا أمْرَ نُقْصانِ العَدَدِ؛ واخْتِلاطِ الأمْرِ؛ فَصُلِبَ ذَلِكَ الشَخْصُ؛ وأُبْعِدَ الناسُ عن خَشَبَتِهِ أيّامًا؛ حَتّى تَغَيَّرَ؛ ولَمْ تَثْبُتْ لَهُ صِفَةٌ؛ وحِينَئِذٍ دَنا الناسُ مِنهُ؛ ومَضى الحَوارِيُّونَ يُحَدِّثُونَ بِالآفاقِ أنَّ عِيسى صُلِبَ؛ فَهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ فَرَّقَهم وهو في البَيْتِ؛ أو عَلى أنَّ الشَبَهَ أُلْقِيَ عَلى الكُلِّ؛ ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ كُلَّها لَمْ يَكُنْ فِيها إلْقاءُ شَبَهِ شَخْصِ عِيسى عَلى أحَدٍ؛ وإنَّما المَعْنى: ﴿ "وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ"؛﴾ أيْ: شَبَّهَ عَلَيْهِمُ المَلِكُ "اَلْمُمَخْرِقُ"؛ لِيَسْتَدِيمَ مُلْكُهُ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا نَقَصَ واحِدٌ مِنَ الجَماعَةِ؛ وفَقَدَ عِيسى؛ عَمَدَ إلى أحَدِهِمْ؛ وبَطَشَ بِصَلْبِهِ؛ وفَرَّقَ الناسَ عنهُ؛ وقالَ: هَذا عِيسى قَدْ صُلِبَ؛ وانْحَلَّ أمْرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ ؛ يَعْنِي اخْتِلافَ المُحاوِلِينَ لِأخْذِهِ؛ لِأنَّهم حِينَ فَقَدُوا واحِدًا مِنَ العَدَدِ؛ وتُحُدِّثَ بِرَفْعِ عِيسى اضْطَرَبُوا؛ واخْتَلَفُوا؛ وعَلى رِوايَةِ مَن رَوى أنَّهُ أُلْقِيَ شَبَهٌ؛ يُوشِكُ أنَّهُ بَقِيَ في ذَلِكَ الشَبَهِ مَواضِعُ لِلِاخْتِلافِ؛ لَكِنْ أجْمَعُوا عَلى صَلْبِ واحِدٍ عَلى غَيْرِ ثِقَةٍ؛ ولا يَقِينٍ أيُّهم هو.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فاليَقِينُ الَّذِي صَحَّ فِيهِ نَقْلُ الكافَّةِ عن حَواسِّها هو أنَّ شَخْصًا صُلِبَ؛ وأمّا هَلْ هو عِيسى أمْ لا؛ فَلَيْسَ هو مِن عِلْمِ الحَواسِّ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَنْفَعْ في ذَلِكَ نَقْلُ كافَّةِ اليَهُودِ والنَصارى؛ ونَفى اللهُ عنهم أنْ يَكُونَ لَهم في أمْرِهِ عِلْمٌ عَلى ما هو بِهِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى اتِّباعَ الظَنِّ؛ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ؛ إذِ الظَنُّ والعِلْمُ يَضُمُّهُما جِنْسٌ واحِدٌ: أنَّهُما مِن مُعْتَقَداتٍ النَفْسِ؛ وقَدْ يَقُولُ الظانُّ - عَلى طَرِيقِ التَجَوُّزِ -: "عِلْمِي في هَذا الأمْرِ أنَّهُ كَذا"؛ وهو يَعْنِي ظَنَّهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ ؛ اِخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في عَوْدِ الضَمِيرِ مِن "قَتَلُوهُ"؛ (p-٦٣)فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى الظَنِّ؛ كَما تَقُولُ: "قَتَلْتُ هَذا الأمْرَ عِلْمًا"؛ فالمَعْنى: وما صَحَّ ظَنُّهم عِنْدَهُمْ؛ ولا تَحَقَّقُوهُ يَقِينًا؛ هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيِّ ؛ وجَماعَةٍ؛ وقالَ قَوْمٌ: اَلضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ أخْبَرَ أنَّهم لَمْ يَقْتُلُوهُ يَقِينًا؛ فَيَصِحُّ لَهُمُ الإصْفاقُ؛ ويُثْبِتُ نَقْلُ كافَّتِهِمْ؛ ومُضَمَّنُ الكَلامِ أنَّهم ما قَتَلُوهُ في الحَقِيقَةِ جُمْلَةً واحِدَةً؛ لا يَقِينًا؛ ولا شَكًّا؛ لَكِنْ لَمّا حَصَلَتْ في ذَلِكَ الدَعْوى صارَ قَتْلُهُ عِنْدَهم مَشْكُوكًا فِيهِ؛ وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ اللِسانِ: اَلْكَلامُ تامٌّ في قَوْلِهِ: "وَما قَتَلُوهُ"؛ و"يَقِينًا": مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلنَّفْيِ في قَوْلِهِ: "وَما قَتَلُوهُ"؛ اَلْمَعْنى: يُخْبِرُكم يَقِينًا؛ أو يَقُصُّ عَلَيْكم يَقِينًا؛ أو أيْقِنُوا بِذَلِكَ يَقِينًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إلَيْهِ﴾ ؛ يَعْنِي إلى سَمائِهِ؛ وكَرامَتِهِ؛ وعِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - حَيٌّ في السَماءِ الثانِيَةِ؛ عَلى ما تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ الإسْراءِ في ذِكْرِ ابْنَيِ الخالَةِ: عِيسى ويَحْيى ؛ ذَكَرَهُ البُخارِيُّ في حَدِيثِ المِعْراجِ؛ وذَكَرَهُ غَيْرُهُ؛ وهو هُناكَ مُقِيمٌ حَتّى يُنْزِلَهُ اللهُ لِقَتْلِ الدَجّالِ؛ ولِيَمْلَأ الأرْضَ عَدْلًا؛ ويَحْيا فِيها أرْبَعِينَ سَنَةً؛ ثُمَّ يَمُوتُ كَما يَمُوتُ البَشَرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ؛ اِخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى الآيَةِ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأبُو مالِكٍ ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وغَيْرُهُمْ: اَلضَّمِيرُ في "مَوْتِهِ"؛ راجِعٌ إلى عِيسى؛ والمَعْنى: إنَّهُ لا يَبْقى مِن أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ إذا نَزَلَ عِيسى إلى الأرْضِ إلّا يُؤْمِنُ بِعِيسى؛ كَما يُؤْمِنُ سائِرُ البَشَرِ؛ وتَرْجِعُ الأدْيانُ كُلُّها واحِدًا؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ وغَيْرُهُما: اَلضَّمِيرُ في "بِهِ"؛ لِعِيسى؛ وفي "مَوْتِهِ"؛ لِلْكِتابِيِّ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ ؛ اَلتَّقْدِيرُ: "وَإنْ مِن (p-٦٤)أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ"؛ قالُوا: ولَيْسَ يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتّى يُؤْمِنَ بِعِيسى؛ رُوحِ اللهِ؛ ويَعْلَمَ أنَّهُ نَبِيٌّ؛ ولَكِنْ عِنْدَ المُعايَنَةِ لِلْمَوْتِ؛ فَهو إيمانٌ لا يَنْفَعُهُ؛ كَما لَمْ يَنْفَعْ فِرْعَوْنَ إيمانُهُ عِنْدَ المُعايَنَةِ؛ وقالَ هَذا القَوْلَ عِكْرِمَةُ ؛ والضَحّاكُ ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ أيْضًا؛ وقالَ عِكْرِمَةُ أيْضًا: اَلضَّمِيرُ في "بِهِ"؛ لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وفي "قَبْلَ مَوْتِهِ"؛ لِلْكِتابِيِّ؛ قالَ: ولَيْسَ يَخْرُجُ يَهُودِيٌّ؛ ولا نَصْرانِيٌّ مِنَ الدُنْيا حَتّى يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ؛ ولَوْ غَرِقَ؛ أو سَقَطَ عَلَيْهِ جِدارٌ؛ فَإنَّهُ يُؤْمِنُ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "قَبْلَ مَوْتِهِمْ"؛ فَفي هَذِهِ القِراءَةِ تَقْوِيَةٌ لِعَوْدِ الضَمِيرِ عَلى الكِتابِيِّ؛ وقَرَأ الفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ: "وَإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ"؛ بِتَشْدِيدِ "إنْ"؛ والضَمِيرُ المُسْتَتِرُ في "يَكُونُ"؛ هو لِعِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ في جُلِّ الأقْوالِ؛ ولِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - في قَوْلِ عِكْرِمَةَ.
النساء 4:160
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عن سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا﴾ ﴿وَأخْذِهِمُ الرِبا وقَدْ نُهُوا عنهُ وأكْلِهِمْ أمْوالَ الناسِ بِالباطِلِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ الراسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَلاةَ والمُؤْتُونَ الزَكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "فَبِظُلْمٍ"؛ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: "فَبِما نَقْضِهِمْ"؛ كَأنَّهُ قالَ: "فَبِنَقْضِهِمْ لَعَنّاهم وأوجَبْنا عَذابَهُمْ؛ فَبِظُلْمٍ مِنهم حَرَّمْنا عَلَيْهِمُ المَطاعِمَ"؛ وجَعَلَ اللهُ هَذِهِ العُقُوبَةَ الدُنْيَوِيَّةَ إزاءَ ظُلْمِ بَنِي إسْرائِيلَ في تَعَنُّتِهِمْ؛ وسائِرِ أخْلاقِهِمُ الدَمِيمَةِ؛ والطَيِّباتُ هُنا هي الشُحُومُ؛ وبَعْضُ الذَبائِحِ؛ والطَيْرُ؛ والحُوتُ؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "طَيِّباتٍ (كانَتْ) أُحِلَّتْ لَهُمْ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَبِصَدِّهِمْ عن سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا"؛﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "صَدِّهِمْ في ذاتِهِمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "صَدِّهِمْ غَيْرَهُمْ"؛ وإلى هَذا ذَهَبَ الطَبَرِيُّ ؛ وقالَ: هو جَحْدُهم أمْرُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَإنَّهم صَدُّوا بِذَلِكَ جَمْعًا عَظِيمًا مِنَ الناسِ عن سَبِيلِ اللهِ؛ و"وَأخْذِهِمُ (p-٦٥)الرِبا"؛ هُوَ: اَلدِّرْهَمُ بِالدِرْهَمَيْنِ إلى أجَلٍ؛ ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا هو مَفْسَدَةٌ؛ وقَدْ نُهُوا عنهُ؛ فَشَرَعُوهُ لِأنْفُسِهِمْ؛ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ؛ مِن ذَلِكَ؛ ومِن كِراءِ العَيْنِ؛ ونَحْوِهِ.
وأكْلُ أمْوالِ الناسِ بِالباطِلِ هو الرِشا؛ ثُمَّ اسْتَثْنى اللهُ تَعالى مِن بَنِي إسْرائِيلَ الراسِخِينَ في عِلْمِ التَوْراةِ؛ الَّذِينَ قَدْ تَحَقَّقُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - وعَلاماتِهِ؛ وهُمْ: عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ ؛ ومُخَيْرِيقٌ؛ ومَن جَرى مُجْراهُما.
و"اَلْمُؤْمِنُونَ"؛ عُطِفَ عَلى "اَلرّاسِخُونَ"؛ وما أُنْزِلَ إلى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - هو القُرْآنُ؛ والَّذِي أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ هو التَوْراةُ؛ والإنْجِيلُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "والمُقِيمِينَ"؛ وكَيْفَ خالَفَ إعْرابُها إعْرابَ ما تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ؛ فَقالَ أبانُ بْنُ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ ؛ وعائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -: "ذَلِكَ مِن خَطَإ كاتِبِ المُصْحَفِ"؛ ورُوِيَ أنَّها في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "والمُقِيمُونَ"؛ وقَدْ رُوِيَ أنَّها فِيهِ: "والمُقِيمِينَ"؛ كَما هي في مُصْحَفِ عُثْمانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ.
قالَ الفَرّاءُ: وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "والمُقِيمُونَ"؛ وكَذَلِكَ رَوى عِصْمَةُ عَنِ الأعْمَشِ ؛ وكَذَلِكَ قَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وكَذا قَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ؛ والجَحْدَرِيُّ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ ؛ وكَذَلِكَ رَوى يُونُسُ؛ وهارُونُ؛ عن أبِي عَمْرٍو ؛ وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَ ذَلِكَ مِن خَطَإ الكاتِبِ؛ ولا خَطَأً في المُصْحَفِ؛ وإنَّما هَذا مِن قَطْعِ النُعُوتِ؛ إذا كَثُرَتْ؛ عَلى النَصْبِ بِـ "أعْنِي"؛ والرَفْعِ بَعْدَ ذَلِكَ بِـ "هُمْ"؛ وذَهَبَ إلى هَذا المَعْنى بَعْضُ نَحْوِيِّي الكُوفَةِ؛ والبَصْرَةِ؛ وحُكِيَ عن سِيبَوَيْهِ أنَّهُ قَطْعٌ عَلى المَدْحِ؛ وخَبَرُ "لَكِنِ": "يُؤْمِنُونَ"؛ لِأنَّ المَدْحَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ تَمامِ الجُمْلَةِ الأُولى؛ وهَذا كَقَوْلِ خِرْنِقَ بِنْتِ هَفّانَ:
؎ لا يَبْعُدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ ∗∗∗ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ
(p-٦٦)؎ اَلنّازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ ∗∗∗ ∗∗∗ والطَيِّبُونَ مَعاقِدَ الأُزْرِ
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ فُرِّقَ بَيْنَ الآيَةِ والبَيْتِ بِحَرْفِ العَطْفِ الَّذِي في الآيَةِ؛ فَإنَّهُ يُمْنَعُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ تَقْدِيرُ الفِعْلِ؛ وفي هَذا نَظَرٌ.
وقالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ تَعالى: "والمُقِيمِينَ"؛ لَيْسَ بِعَطْفٍ عَلى قَوْلِهِ: "والمُؤْمِنُونَ"؛ ولَكِنْ عَلى "ما"؛ في قَوْلِهِ: ﴿وَما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ ؛ والمَعْنى: ويُؤْمِنُونَ بِالمُقِيمِينَ الصَلاةِ؛ وهُمُ المَلائِكَةُ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ؛ قالُوا: ثُمَّ رَجَعَ بِقَوْلِهِ: "والمُؤْتُونَ"؛ فَعُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: "والمُؤْمِنُونَ"؛ وقالَ قَوْمٌ: "والمُقِيمِينَ"؛ عُطِفَ عَلى "وَما أُنْزِلَ"؛ والمُرادُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ؛ أيْ: يُؤْمِنُ الراسِخُونَ بِهِمْ؛ وبِما هم عَلَيْهِ؛ ويَكُونُ قَوْلُهُ: "والمُؤْتُونَ"؛ أيْ: وهُمُ المُؤْتُونَ؛ وقالَ قَوْمٌ: "والمُقِيمِينَ"؛ عُطِفَ عَلى الضَمِيرِ في "مِنهُمْ"؛ وقالَ آخَرُونَ: بَلْ عَلى الكافِ في قَوْلِهِ: "مِن قَبْلِكَ"؛ ويَعْنِي الأنْبِياءَ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَنُؤْتِيهِمْ"؛ بِالنُونِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "سَيُؤْتِيهِمْ"؛ بِالياءِ.
النساء 4:161
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عن سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا﴾ ﴿وَأخْذِهِمُ الرِبا وقَدْ نُهُوا عنهُ وأكْلِهِمْ أمْوالَ الناسِ بِالباطِلِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ الراسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَلاةَ والمُؤْتُونَ الزَكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "فَبِظُلْمٍ"؛ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: "فَبِما نَقْضِهِمْ"؛ كَأنَّهُ قالَ: "فَبِنَقْضِهِمْ لَعَنّاهم وأوجَبْنا عَذابَهُمْ؛ فَبِظُلْمٍ مِنهم حَرَّمْنا عَلَيْهِمُ المَطاعِمَ"؛ وجَعَلَ اللهُ هَذِهِ العُقُوبَةَ الدُنْيَوِيَّةَ إزاءَ ظُلْمِ بَنِي إسْرائِيلَ في تَعَنُّتِهِمْ؛ وسائِرِ أخْلاقِهِمُ الدَمِيمَةِ؛ والطَيِّباتُ هُنا هي الشُحُومُ؛ وبَعْضُ الذَبائِحِ؛ والطَيْرُ؛ والحُوتُ؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "طَيِّباتٍ (كانَتْ) أُحِلَّتْ لَهُمْ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَبِصَدِّهِمْ عن سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا"؛﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "صَدِّهِمْ في ذاتِهِمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "صَدِّهِمْ غَيْرَهُمْ"؛ وإلى هَذا ذَهَبَ الطَبَرِيُّ ؛ وقالَ: هو جَحْدُهم أمْرُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَإنَّهم صَدُّوا بِذَلِكَ جَمْعًا عَظِيمًا مِنَ الناسِ عن سَبِيلِ اللهِ؛ و"وَأخْذِهِمُ (p-٦٥)الرِبا"؛ هُوَ: اَلدِّرْهَمُ بِالدِرْهَمَيْنِ إلى أجَلٍ؛ ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا هو مَفْسَدَةٌ؛ وقَدْ نُهُوا عنهُ؛ فَشَرَعُوهُ لِأنْفُسِهِمْ؛ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ؛ مِن ذَلِكَ؛ ومِن كِراءِ العَيْنِ؛ ونَحْوِهِ.
وأكْلُ أمْوالِ الناسِ بِالباطِلِ هو الرِشا؛ ثُمَّ اسْتَثْنى اللهُ تَعالى مِن بَنِي إسْرائِيلَ الراسِخِينَ في عِلْمِ التَوْراةِ؛ الَّذِينَ قَدْ تَحَقَّقُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - وعَلاماتِهِ؛ وهُمْ: عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ ؛ ومُخَيْرِيقٌ؛ ومَن جَرى مُجْراهُما.
و"اَلْمُؤْمِنُونَ"؛ عُطِفَ عَلى "اَلرّاسِخُونَ"؛ وما أُنْزِلَ إلى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - هو القُرْآنُ؛ والَّذِي أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ هو التَوْراةُ؛ والإنْجِيلُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "والمُقِيمِينَ"؛ وكَيْفَ خالَفَ إعْرابُها إعْرابَ ما تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ؛ فَقالَ أبانُ بْنُ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ ؛ وعائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -: "ذَلِكَ مِن خَطَإ كاتِبِ المُصْحَفِ"؛ ورُوِيَ أنَّها في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "والمُقِيمُونَ"؛ وقَدْ رُوِيَ أنَّها فِيهِ: "والمُقِيمِينَ"؛ كَما هي في مُصْحَفِ عُثْمانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ.
قالَ الفَرّاءُ: وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "والمُقِيمُونَ"؛ وكَذَلِكَ رَوى عِصْمَةُ عَنِ الأعْمَشِ ؛ وكَذَلِكَ قَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وكَذا قَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ؛ والجَحْدَرِيُّ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ ؛ وكَذَلِكَ رَوى يُونُسُ؛ وهارُونُ؛ عن أبِي عَمْرٍو ؛ وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَ ذَلِكَ مِن خَطَإ الكاتِبِ؛ ولا خَطَأً في المُصْحَفِ؛ وإنَّما هَذا مِن قَطْعِ النُعُوتِ؛ إذا كَثُرَتْ؛ عَلى النَصْبِ بِـ "أعْنِي"؛ والرَفْعِ بَعْدَ ذَلِكَ بِـ "هُمْ"؛ وذَهَبَ إلى هَذا المَعْنى بَعْضُ نَحْوِيِّي الكُوفَةِ؛ والبَصْرَةِ؛ وحُكِيَ عن سِيبَوَيْهِ أنَّهُ قَطْعٌ عَلى المَدْحِ؛ وخَبَرُ "لَكِنِ": "يُؤْمِنُونَ"؛ لِأنَّ المَدْحَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ تَمامِ الجُمْلَةِ الأُولى؛ وهَذا كَقَوْلِ خِرْنِقَ بِنْتِ هَفّانَ:
؎ لا يَبْعُدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ ∗∗∗ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ
(p-٦٦)؎ اَلنّازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ ∗∗∗ ∗∗∗ والطَيِّبُونَ مَعاقِدَ الأُزْرِ
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ فُرِّقَ بَيْنَ الآيَةِ والبَيْتِ بِحَرْفِ العَطْفِ الَّذِي في الآيَةِ؛ فَإنَّهُ يُمْنَعُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ تَقْدِيرُ الفِعْلِ؛ وفي هَذا نَظَرٌ.
وقالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ تَعالى: "والمُقِيمِينَ"؛ لَيْسَ بِعَطْفٍ عَلى قَوْلِهِ: "والمُؤْمِنُونَ"؛ ولَكِنْ عَلى "ما"؛ في قَوْلِهِ: ﴿وَما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ ؛ والمَعْنى: ويُؤْمِنُونَ بِالمُقِيمِينَ الصَلاةِ؛ وهُمُ المَلائِكَةُ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ؛ قالُوا: ثُمَّ رَجَعَ بِقَوْلِهِ: "والمُؤْتُونَ"؛ فَعُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: "والمُؤْمِنُونَ"؛ وقالَ قَوْمٌ: "والمُقِيمِينَ"؛ عُطِفَ عَلى "وَما أُنْزِلَ"؛ والمُرادُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ؛ أيْ: يُؤْمِنُ الراسِخُونَ بِهِمْ؛ وبِما هم عَلَيْهِ؛ ويَكُونُ قَوْلُهُ: "والمُؤْتُونَ"؛ أيْ: وهُمُ المُؤْتُونَ؛ وقالَ قَوْمٌ: "والمُقِيمِينَ"؛ عُطِفَ عَلى الضَمِيرِ في "مِنهُمْ"؛ وقالَ آخَرُونَ: بَلْ عَلى الكافِ في قَوْلِهِ: "مِن قَبْلِكَ"؛ ويَعْنِي الأنْبِياءَ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَنُؤْتِيهِمْ"؛ بِالنُونِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "سَيُؤْتِيهِمْ"؛ بِالياءِ.
النساء 4:162
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عن سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا﴾ ﴿وَأخْذِهِمُ الرِبا وقَدْ نُهُوا عنهُ وأكْلِهِمْ أمْوالَ الناسِ بِالباطِلِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ الراسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَلاةَ والمُؤْتُونَ الزَكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "فَبِظُلْمٍ"؛ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: "فَبِما نَقْضِهِمْ"؛ كَأنَّهُ قالَ: "فَبِنَقْضِهِمْ لَعَنّاهم وأوجَبْنا عَذابَهُمْ؛ فَبِظُلْمٍ مِنهم حَرَّمْنا عَلَيْهِمُ المَطاعِمَ"؛ وجَعَلَ اللهُ هَذِهِ العُقُوبَةَ الدُنْيَوِيَّةَ إزاءَ ظُلْمِ بَنِي إسْرائِيلَ في تَعَنُّتِهِمْ؛ وسائِرِ أخْلاقِهِمُ الدَمِيمَةِ؛ والطَيِّباتُ هُنا هي الشُحُومُ؛ وبَعْضُ الذَبائِحِ؛ والطَيْرُ؛ والحُوتُ؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "طَيِّباتٍ (كانَتْ) أُحِلَّتْ لَهُمْ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَبِصَدِّهِمْ عن سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا"؛﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "صَدِّهِمْ في ذاتِهِمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "صَدِّهِمْ غَيْرَهُمْ"؛ وإلى هَذا ذَهَبَ الطَبَرِيُّ ؛ وقالَ: هو جَحْدُهم أمْرُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَإنَّهم صَدُّوا بِذَلِكَ جَمْعًا عَظِيمًا مِنَ الناسِ عن سَبِيلِ اللهِ؛ و"وَأخْذِهِمُ (p-٦٥)الرِبا"؛ هُوَ: اَلدِّرْهَمُ بِالدِرْهَمَيْنِ إلى أجَلٍ؛ ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا هو مَفْسَدَةٌ؛ وقَدْ نُهُوا عنهُ؛ فَشَرَعُوهُ لِأنْفُسِهِمْ؛ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ؛ مِن ذَلِكَ؛ ومِن كِراءِ العَيْنِ؛ ونَحْوِهِ.
وأكْلُ أمْوالِ الناسِ بِالباطِلِ هو الرِشا؛ ثُمَّ اسْتَثْنى اللهُ تَعالى مِن بَنِي إسْرائِيلَ الراسِخِينَ في عِلْمِ التَوْراةِ؛ الَّذِينَ قَدْ تَحَقَّقُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - وعَلاماتِهِ؛ وهُمْ: عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ ؛ ومُخَيْرِيقٌ؛ ومَن جَرى مُجْراهُما.
و"اَلْمُؤْمِنُونَ"؛ عُطِفَ عَلى "اَلرّاسِخُونَ"؛ وما أُنْزِلَ إلى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - هو القُرْآنُ؛ والَّذِي أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ هو التَوْراةُ؛ والإنْجِيلُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "والمُقِيمِينَ"؛ وكَيْفَ خالَفَ إعْرابُها إعْرابَ ما تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ؛ فَقالَ أبانُ بْنُ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ ؛ وعائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -: "ذَلِكَ مِن خَطَإ كاتِبِ المُصْحَفِ"؛ ورُوِيَ أنَّها في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "والمُقِيمُونَ"؛ وقَدْ رُوِيَ أنَّها فِيهِ: "والمُقِيمِينَ"؛ كَما هي في مُصْحَفِ عُثْمانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ.
قالَ الفَرّاءُ: وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "والمُقِيمُونَ"؛ وكَذَلِكَ رَوى عِصْمَةُ عَنِ الأعْمَشِ ؛ وكَذَلِكَ قَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وكَذا قَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ؛ والجَحْدَرِيُّ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ ؛ وكَذَلِكَ رَوى يُونُسُ؛ وهارُونُ؛ عن أبِي عَمْرٍو ؛ وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَ ذَلِكَ مِن خَطَإ الكاتِبِ؛ ولا خَطَأً في المُصْحَفِ؛ وإنَّما هَذا مِن قَطْعِ النُعُوتِ؛ إذا كَثُرَتْ؛ عَلى النَصْبِ بِـ "أعْنِي"؛ والرَفْعِ بَعْدَ ذَلِكَ بِـ "هُمْ"؛ وذَهَبَ إلى هَذا المَعْنى بَعْضُ نَحْوِيِّي الكُوفَةِ؛ والبَصْرَةِ؛ وحُكِيَ عن سِيبَوَيْهِ أنَّهُ قَطْعٌ عَلى المَدْحِ؛ وخَبَرُ "لَكِنِ": "يُؤْمِنُونَ"؛ لِأنَّ المَدْحَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ تَمامِ الجُمْلَةِ الأُولى؛ وهَذا كَقَوْلِ خِرْنِقَ بِنْتِ هَفّانَ:
؎ لا يَبْعُدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ ∗∗∗ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ
(p-٦٦)؎ اَلنّازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ ∗∗∗ ∗∗∗ والطَيِّبُونَ مَعاقِدَ الأُزْرِ
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ فُرِّقَ بَيْنَ الآيَةِ والبَيْتِ بِحَرْفِ العَطْفِ الَّذِي في الآيَةِ؛ فَإنَّهُ يُمْنَعُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ تَقْدِيرُ الفِعْلِ؛ وفي هَذا نَظَرٌ.
وقالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ تَعالى: "والمُقِيمِينَ"؛ لَيْسَ بِعَطْفٍ عَلى قَوْلِهِ: "والمُؤْمِنُونَ"؛ ولَكِنْ عَلى "ما"؛ في قَوْلِهِ: ﴿وَما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ ؛ والمَعْنى: ويُؤْمِنُونَ بِالمُقِيمِينَ الصَلاةِ؛ وهُمُ المَلائِكَةُ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ؛ قالُوا: ثُمَّ رَجَعَ بِقَوْلِهِ: "والمُؤْتُونَ"؛ فَعُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: "والمُؤْمِنُونَ"؛ وقالَ قَوْمٌ: "والمُقِيمِينَ"؛ عُطِفَ عَلى "وَما أُنْزِلَ"؛ والمُرادُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ؛ أيْ: يُؤْمِنُ الراسِخُونَ بِهِمْ؛ وبِما هم عَلَيْهِ؛ ويَكُونُ قَوْلُهُ: "والمُؤْتُونَ"؛ أيْ: وهُمُ المُؤْتُونَ؛ وقالَ قَوْمٌ: "والمُقِيمِينَ"؛ عُطِفَ عَلى الضَمِيرِ في "مِنهُمْ"؛ وقالَ آخَرُونَ: بَلْ عَلى الكافِ في قَوْلِهِ: "مِن قَبْلِكَ"؛ ويَعْنِي الأنْبِياءَ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَنُؤْتِيهِمْ"؛ بِالنُونِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "سَيُؤْتِيهِمْ"؛ بِالياءِ.
النساء 4:163
(p-٦٧)قَوْلُهُ تَعالى:
﴿إنّا أوحَيْنا إلَيْكَ كَما أوحَيْنا إلى نُوحٍ والنَبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وأوحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ ﴿وَرُسُلا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾
رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ سُكَيْنًا الحَبْرَ؛ وعَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ قالا: يا مُحَمَّدُ؛ ما نَعْلَمُ أنَّ اللهَ أنْزَلَ عَلى بَشَرٍ شَيْئًا بَعْدَ مُوسى؛ ولا أوحى إلَيْهِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَكْذِيبًا لِقَوْلِهِما.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيٌّ: لَمّا أنْزَلَ اللهُ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَماءِ﴾ [النساء: ١٥٣] ؛ إلى آخِرِ الآياتِ؛ فَتُلِيَتْ عَلَيْهِمْ؛ وسَمِعُوا الخَبَرَ بِأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ؛ قالُوا: ما أنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ؛ ولا عَلى مُوسى؛ ولا عَلى عِيسى؛ وجَحَدُوا جَمِيعَ ذَلِكَ؛ فَأنْزَلَ اللهُ: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللهَ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١].
والوَحْيُ: إلْقاءُ المَعْنى في خَفاءٍ؛ وعَرَّفَهُ في الأنْبِياءِ بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: "كَما أوحَيْنا"؛ أيْ: بِمَلَكٍ يَنْزِلُ مِن عِنْدِ اللهِ؛ ونُوحٌ أوَّلُ الرُسُلِ في الأرْضِ إلى أُمَّةٍ كافِرَةٍ؛ وصُرِفَ "نُوحٌ"؛ مَعَ العُجْمَةِ والتَعْرِيفِ؛ لِخِفَّتِهِ؛ وإبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - هو الخَلِيلُ؛ وإسْماعِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ - ابْنُهُ الأكْبَرُ؛ وهو الذَبِيحُ؛ في قَوْلِ المُحَقِّقِينَ؛ وهو أبُو العَرَبِ؛ وإسْحاقَ ابْنُهُ الأصْغَرُ؛ ويَعْقُوبَ هو ولَدُ إسْحاقَ؛ وهو إسْرائِيلُ؛ والأسْباطُ بَنُو يَعْقُوبَ؛ يُوسُفُ وإخْوَتُهُ؛ وعِيسى هو المَسِيحُ؛ وأيُّوبُ هو المُبْتَلى الصابِرُ؛ ويُونُسُ هو ابْنُ مَتّى؛ ورَوى ابْنُ جَمّازٍ عن نافِعٍ: "يُونِسُ"؛ بِكَسْرِ النُونِ؛ وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ ؛ والنَخَعِيُّ بِفَتْحِها؛ وهي كُلُّها لُغاتٌ؛ وهارُونُ هو ابْنُ عِمْرانَ ؛ وسُلَيْمانُ هو النَبِيُّ المَلِكُ؛ وداوُدُ أبُوهُ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "زَبُورًا"؛ بِفَتْحِ الزايِ؛ وهو اسْمُ كِتابِ داوُدَ؛ تَخْصِيصًا؛ وكُلُّ كِتابٍ في اللُغَةِ فَهو "زَبُورٌ"؛ مِن حَيْثُ تَقُولُ: "زَبَرْتُ الكِتابَ"؛ إذا كَتَبْتَهُ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ - وحْدَهُ -: "زُبُورًا"؛ بِضَمِّ الزايِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ "زَبْرٌ"؛ أُوقِعَ عَلى المَزْبُورِ اسْمُ الزَبْرِ؛ (p-٦٨)كَما قالُوا: "ضَرْبُ الأمِيرِ"؛ و"نَسْجُ اليَمَنِ"؛ وكَما سُمِّيَ المَكْتُوبَ "كِتابًا"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ "زَبُورٌ"؛ عَلى حَذْفِ الزِيادَةِ؛ كَما قالُوا: "ظَرِيفٌ"؛ و"ظُرُوفٌ"؛ و"كَرَوانٌ"؛ و"كِرْوانٌ"؛ و"وَرَشانٌ"؛ و"وِرْشانٌ"؛ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا جُمِعَ بِحَذْفِ الزِيادَةِ؛ ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ أنَّ التَكْسِيرَ مِثْلُ التَصْغِيرِ؛ وقَدِ اطَّرَدَ هَذا المَعْنى في تَصْغِيرِ التَرْخِيمِ؛ نَحْوَ: "أزْهَرُ"؛ و" زُهَيْرٌ "؛ و"حارِثٌ" و"حُرَيْثٌ"؛ و"ثابِتٌ"؛ و"ثُبَيْتٌ"؛ فالجَمْعُ مِثْلُهُ في القِياسِ؛ إنْ كانَ أقَلَّ مِنهُ في الِاسْتِعْمالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرُسُلا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ نُصِبَ "رُسُلًا"؛ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ المَعْنى: "إنّا أرْسَلْناكَ كَما أرْسَلْنا نُوحًا"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُنْصَبَ "رُسُلًا"؛ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: أرْسَلْنا رُسُلًا؛ لِأنَّ الرَدَّ عَلى اليَهُودِ إنَّما هو في إنْكارِهِمْ إرْسالَ الرُسُلِ؛ واطِّرادِ الوَحْيِ؛ وفي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَرُسُلٌ"؛ في المَوْضِعَيْنِ بِالرَفْعِ؛ عَلى تَقْدِيرِ: "هم رُسُلٌ"؛ و"قَصَصْناهُمْ"؛ مَعْناهُ: ذَكَرْنا أسْماءَهُمْ؛ وأخْبارَهُمْ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ ؛ يَقْتَضِي كَثْرَةَ الأنْبِياءِ؛ دُونَ تَحْدِيدٍ بِعَدَدٍ؛ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] ؛ وقالَ تَعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨] ؛ وما يُذْكَرُ مِن عَدَدِ الأنْبِياءِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ اللهُ أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ - صَلّى اللهُ عَلَيْهِمْ.
(p-٦٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا"؛﴾ إخْبارٌ بِخاصَّةِ مُوسى؛ وأنَّ اللهَ تَعالى شَرَّفَهُ بِكَلامِهِ؛ ثُمَّ أكَّدَ تَعالى الفِعْلَ بِالمَصْدَرِ؛ وذَلِكَ مُنْبِئٌ في الأغْلَبِ عن تَحْقِيقِ الفِعْلِ؛ ووُقُوعِهِ؛ وأنَّهُ خارِجٌ عن وُجُوهِ المَجازِ؛ والِاسْتِعارَةِ؛ لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ العَرَبُ: "اِمْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي قَوْلًا"؛ فَإنَّما تُؤَكَّدُ بِالمَصادِرِ الحَقائِقُ؛ ومِمّا شَذَّ قَوْلُ هِنْدَ بِنْتِ النُعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ:
؎ ............... ∗∗∗ وعَجَّتْ عَجِيجًا مِن جُذامَ المَطارِفُ
وكَلامُ اللهِ لِلنَّبِيِّ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - دُونَ تَكْيِيفٍ؛ ولا تَحْدِيدٍ؛ ولا تَجْوِيزِ حُدُوثٍ؛ ولا حُرُوفٍ؛ ولا أصْواتٍ؛ والَّذِي عَلَيْهِ الراسِخُونَ في العِلْمِ أنَّ الكَلامَ هو المَعْنى القائِمُ في النَفْسِ؛ ويَخْلُقُ اللهُ لِمُوسى أو جِبْرِيلَ إدْراكًا مِن جِهَةِ السَمْعِ؛ يُتَحَصَّلُ بِهِ الكَلامُ؛ (p-٧٠)وَكَما أنَّ اللهَ تَعالى مَوْجُودٌ لا كالمَوْجُوداتِ؛ مَعْلُومٌ لا كالمَعْلُوماتِ؛ فَكَذَلِكَ كَلامُهُ لا كالكَلامِ؛ وما رُوِيَ عن كَعْبِ الأحْبارِ ؛ وعن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ ؛ ونَحْوِهِما؛ مِن أنَّ الَّذِي سَمِعَ مُوسى كانَ كَأشَدِّ ما يُسْمَعُ مِنَ الصَواعِقِ؛ وفي رِوايَةٍ أُخْرى: كالرَعْدِ الساكِنِ؛ فَذَلِكَ كُلُّهُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: ﴿ "وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا"؛﴾ بِالرَفْعِ في اسْمِ اللهِ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "وَكَلَّمَ اللهَ"؛ بِالنَصْبِ؛ عَلى أنَّ مُوسى هو المُكَلِّمُ؛ وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ مِن جِهَةِ الِاشْتِهارِ؛ لَكِنَّها مُخْرِجَةٌ مِن عِدَّةِ تَأْوِيلاتٍ.
النساء 4:164
(p-٦٧)قَوْلُهُ تَعالى:
﴿إنّا أوحَيْنا إلَيْكَ كَما أوحَيْنا إلى نُوحٍ والنَبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وأوحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ ﴿وَرُسُلا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾
رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ سُكَيْنًا الحَبْرَ؛ وعَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ قالا: يا مُحَمَّدُ؛ ما نَعْلَمُ أنَّ اللهَ أنْزَلَ عَلى بَشَرٍ شَيْئًا بَعْدَ مُوسى؛ ولا أوحى إلَيْهِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَكْذِيبًا لِقَوْلِهِما.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيٌّ: لَمّا أنْزَلَ اللهُ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَماءِ﴾ [النساء: ١٥٣] ؛ إلى آخِرِ الآياتِ؛ فَتُلِيَتْ عَلَيْهِمْ؛ وسَمِعُوا الخَبَرَ بِأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ؛ قالُوا: ما أنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ؛ ولا عَلى مُوسى؛ ولا عَلى عِيسى؛ وجَحَدُوا جَمِيعَ ذَلِكَ؛ فَأنْزَلَ اللهُ: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللهَ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١].
والوَحْيُ: إلْقاءُ المَعْنى في خَفاءٍ؛ وعَرَّفَهُ في الأنْبِياءِ بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: "كَما أوحَيْنا"؛ أيْ: بِمَلَكٍ يَنْزِلُ مِن عِنْدِ اللهِ؛ ونُوحٌ أوَّلُ الرُسُلِ في الأرْضِ إلى أُمَّةٍ كافِرَةٍ؛ وصُرِفَ "نُوحٌ"؛ مَعَ العُجْمَةِ والتَعْرِيفِ؛ لِخِفَّتِهِ؛ وإبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - هو الخَلِيلُ؛ وإسْماعِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ - ابْنُهُ الأكْبَرُ؛ وهو الذَبِيحُ؛ في قَوْلِ المُحَقِّقِينَ؛ وهو أبُو العَرَبِ؛ وإسْحاقَ ابْنُهُ الأصْغَرُ؛ ويَعْقُوبَ هو ولَدُ إسْحاقَ؛ وهو إسْرائِيلُ؛ والأسْباطُ بَنُو يَعْقُوبَ؛ يُوسُفُ وإخْوَتُهُ؛ وعِيسى هو المَسِيحُ؛ وأيُّوبُ هو المُبْتَلى الصابِرُ؛ ويُونُسُ هو ابْنُ مَتّى؛ ورَوى ابْنُ جَمّازٍ عن نافِعٍ: "يُونِسُ"؛ بِكَسْرِ النُونِ؛ وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ ؛ والنَخَعِيُّ بِفَتْحِها؛ وهي كُلُّها لُغاتٌ؛ وهارُونُ هو ابْنُ عِمْرانَ ؛ وسُلَيْمانُ هو النَبِيُّ المَلِكُ؛ وداوُدُ أبُوهُ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "زَبُورًا"؛ بِفَتْحِ الزايِ؛ وهو اسْمُ كِتابِ داوُدَ؛ تَخْصِيصًا؛ وكُلُّ كِتابٍ في اللُغَةِ فَهو "زَبُورٌ"؛ مِن حَيْثُ تَقُولُ: "زَبَرْتُ الكِتابَ"؛ إذا كَتَبْتَهُ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ - وحْدَهُ -: "زُبُورًا"؛ بِضَمِّ الزايِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ "زَبْرٌ"؛ أُوقِعَ عَلى المَزْبُورِ اسْمُ الزَبْرِ؛ (p-٦٨)كَما قالُوا: "ضَرْبُ الأمِيرِ"؛ و"نَسْجُ اليَمَنِ"؛ وكَما سُمِّيَ المَكْتُوبَ "كِتابًا"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ "زَبُورٌ"؛ عَلى حَذْفِ الزِيادَةِ؛ كَما قالُوا: "ظَرِيفٌ"؛ و"ظُرُوفٌ"؛ و"كَرَوانٌ"؛ و"كِرْوانٌ"؛ و"وَرَشانٌ"؛ و"وِرْشانٌ"؛ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا جُمِعَ بِحَذْفِ الزِيادَةِ؛ ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ أنَّ التَكْسِيرَ مِثْلُ التَصْغِيرِ؛ وقَدِ اطَّرَدَ هَذا المَعْنى في تَصْغِيرِ التَرْخِيمِ؛ نَحْوَ: "أزْهَرُ"؛ و" زُهَيْرٌ "؛ و"حارِثٌ" و"حُرَيْثٌ"؛ و"ثابِتٌ"؛ و"ثُبَيْتٌ"؛ فالجَمْعُ مِثْلُهُ في القِياسِ؛ إنْ كانَ أقَلَّ مِنهُ في الِاسْتِعْمالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرُسُلا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ نُصِبَ "رُسُلًا"؛ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ المَعْنى: "إنّا أرْسَلْناكَ كَما أرْسَلْنا نُوحًا"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُنْصَبَ "رُسُلًا"؛ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: أرْسَلْنا رُسُلًا؛ لِأنَّ الرَدَّ عَلى اليَهُودِ إنَّما هو في إنْكارِهِمْ إرْسالَ الرُسُلِ؛ واطِّرادِ الوَحْيِ؛ وفي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَرُسُلٌ"؛ في المَوْضِعَيْنِ بِالرَفْعِ؛ عَلى تَقْدِيرِ: "هم رُسُلٌ"؛ و"قَصَصْناهُمْ"؛ مَعْناهُ: ذَكَرْنا أسْماءَهُمْ؛ وأخْبارَهُمْ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ ؛ يَقْتَضِي كَثْرَةَ الأنْبِياءِ؛ دُونَ تَحْدِيدٍ بِعَدَدٍ؛ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] ؛ وقالَ تَعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨] ؛ وما يُذْكَرُ مِن عَدَدِ الأنْبِياءِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ اللهُ أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ - صَلّى اللهُ عَلَيْهِمْ.
(p-٦٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا"؛﴾ إخْبارٌ بِخاصَّةِ مُوسى؛ وأنَّ اللهَ تَعالى شَرَّفَهُ بِكَلامِهِ؛ ثُمَّ أكَّدَ تَعالى الفِعْلَ بِالمَصْدَرِ؛ وذَلِكَ مُنْبِئٌ في الأغْلَبِ عن تَحْقِيقِ الفِعْلِ؛ ووُقُوعِهِ؛ وأنَّهُ خارِجٌ عن وُجُوهِ المَجازِ؛ والِاسْتِعارَةِ؛ لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ العَرَبُ: "اِمْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي قَوْلًا"؛ فَإنَّما تُؤَكَّدُ بِالمَصادِرِ الحَقائِقُ؛ ومِمّا شَذَّ قَوْلُ هِنْدَ بِنْتِ النُعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ:
؎ ............... ∗∗∗ وعَجَّتْ عَجِيجًا مِن جُذامَ المَطارِفُ
وكَلامُ اللهِ لِلنَّبِيِّ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - دُونَ تَكْيِيفٍ؛ ولا تَحْدِيدٍ؛ ولا تَجْوِيزِ حُدُوثٍ؛ ولا حُرُوفٍ؛ ولا أصْواتٍ؛ والَّذِي عَلَيْهِ الراسِخُونَ في العِلْمِ أنَّ الكَلامَ هو المَعْنى القائِمُ في النَفْسِ؛ ويَخْلُقُ اللهُ لِمُوسى أو جِبْرِيلَ إدْراكًا مِن جِهَةِ السَمْعِ؛ يُتَحَصَّلُ بِهِ الكَلامُ؛ (p-٧٠)وَكَما أنَّ اللهَ تَعالى مَوْجُودٌ لا كالمَوْجُوداتِ؛ مَعْلُومٌ لا كالمَعْلُوماتِ؛ فَكَذَلِكَ كَلامُهُ لا كالكَلامِ؛ وما رُوِيَ عن كَعْبِ الأحْبارِ ؛ وعن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ ؛ ونَحْوِهِما؛ مِن أنَّ الَّذِي سَمِعَ مُوسى كانَ كَأشَدِّ ما يُسْمَعُ مِنَ الصَواعِقِ؛ وفي رِوايَةٍ أُخْرى: كالرَعْدِ الساكِنِ؛ فَذَلِكَ كُلُّهُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: ﴿ "وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا"؛﴾ بِالرَفْعِ في اسْمِ اللهِ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "وَكَلَّمَ اللهَ"؛ بِالنَصْبِ؛ عَلى أنَّ مُوسى هو المُكَلِّمُ؛ وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ مِن جِهَةِ الِاشْتِهارِ؛ لَكِنَّها مُخْرِجَةٌ مِن عِدَّةِ تَأْوِيلاتٍ.
النساء 4:165
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿رُسُلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُسُلِ وكانَ اللهِ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرًا﴾
"رُسُلًا"؛ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ قَبْلُ؛ و"مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ"؛ حالانِ؛ أيْ: يُبَشِّرُونَ بِالجَنَّةِ مَن آمَنَ؛ وأطاعَ؛ ويُنْذِرُونَ بِالنارِ مَن كَفَرَ؛ وعَصى؛ وأرادَ اللهُ تَعالى أنْ يَقْطَعَ بِالرُسُلِ احْتِجاجَ مَن يَقُولُ: لَوْ بُعِثَ إلَيَّ لَآمَنتُ؛ واللهُ تَعالى عَزِيزٌ؛ لا يُغالِبُهُ شَيْءٌ؛ ولا حُجَّةَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ؛ وهو - مَعَ ذَلِكَ - حَكِيمٌ؛ تَصْدُرُ أفْعالُهُ عن حِكْمَةٍ؛ فَكَذَلِكَ قَطَعَ الحُجَّةَ بِالرُسُلِ حِكْمَةً مِنهُ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: سَبَبُها قَوْلُ اليَهُودِ: ﴿ما أنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] ؛ وقالَ بَعْضُهم لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: ما نَعْلَمُ يا مُحَمَّدُ أنَّ اللهَ أرْسَلَ إلَيْكَ؛ ولا أنْزَلَ عَلَيْكَ شَيْئًا؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ ؛ والجَرّاحُ الحَكَمِيُّ: "لَكِنَّ اللهَ يَشْهَدُ"؛ بِشَدِّ النُونِ؛ ونَصْبِ المَكْتُوبَةِ عَلى اسْمِ "لَكِنَّ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ؛ هَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى مُتَعَلِّقاتِ أهْلِ السُنَّةِ في (p-٧١)إثْباتِ عِلْمِ اللهِ تَعالى ؛ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ في أنَّهم يَقُولُونَ: عالِمٌ بِلا عِلْمٍ؛ والمَعْنى - عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ -: أنْزَلَهُ وهو يَعْلَمُ إنْزالَهُ ونُزُولَهُ؛ ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أنْزَلَهُ مُقْتَرِنًا بِعِلْمِهِ؛ أيْ: فِيهِ عِلْمُهُ مِن غُيُوبٍ؛ وأوامِرَ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فالعِلْمُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْلُوماتِ الَّتِي في القُرْآنِ؛ كَما هو في قَوْلِ الخَضِرِ: "ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللهِ إلّا ما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ مِن هَذا البَحْرِ"؛ مَعْناهُ: مِن عِلْمِ اللهِ الَّذِي بَثَّ في عِبادِهِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْزَلَ"؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "أُنْزِلَ"؛ بِضَمِّ الهَمْزَةِ؛ عَلى بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ ؛ تَقْوِيَةٌ لِأمْرِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ ورَدٌّ عَلى اليَهُودِ؛ قالَ قَتادَةُ: "شُهُودٌ واللهِ غَيْرُ مُتَّهَمَةٌ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ ؛ تَقْدِيرُهُ: وكَفى اللهُ شَهِيدًا؛ لَكِنْ دَخَلَتِ الباءُ لِتَدُلَّ عَلى أنَّ المُرادَ: اِكْتَفُوا بِاللهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكافِرِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ الناسَ عن سَبِيلِ اللهِ تَعالى أنَّهم قَدْ بَعُدُوا عَنِ الحَقِّ؛ وضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا؛ لا يَقْرُبُ رُجُوعُهم عنهُ؛ ولا تَخَلُّصُهم مِنهُ؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ ؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: "وَصُدُّوا"؛ بِضَمِّ الصادِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكافِرِينَ الظالِمِينَ في أنْ وضَعُوا الشَيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ وهو الكُفْرُ بِاللهِ؛ واللهُ تَعالى يَسْتَوْجِبُ مِنهم غَيْرَ ذَلِكَ؛ لِنِعَمِهِ الظاهِرَةِ؛ والباطِنَةِ؛ إنَّهم بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِيَغْفِرَ لَهُمْ؛ وهَذِهِ العِبارَةُ أقْوى مِنَ الإخْبارِ المُجَرَّدِ أنَّهُ لا يَغْفِرُ؛ ومِثالُ ذَلِكَ أنَّكَ إذا قُلْتَ: "أنا لا أبِيعُ هَذا الشَيْءَ"؛ فُهِمَ مِنكَ الِاغْتِباطُ بِهِ؛ فَإذا قُلْتَ: "أنا ما كُنْتُ لِأبِيعَ هَذا الشَيْءَ"؛ فالِاغْتِباطُ مِنكَ أكْثَرُ؛ هَذا هو المَفْهُومُ مِن هَذِهِ العِبارَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ ؛ هَذِهِ هِدايَةُ الطُرُقِ؛ ولَيْسَتْ بِالإرْشادِ عَلى الإطْلاقِ؛ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ؛ يَتَضَمَّنُ تَحْقِيرَ أمْرِ الكُفّارِ؛ وأنَّهم لا يُبالِيهِمُ اللهُ بالَةً؛ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: "يَذْهَبُ الصالِحُونَ؛ الأوَّلُ فالأوَّلُ حَتّى تَبْقى حُثالَةٌ كَحُثالَةِ التَمْرِ؛ لا يُبالِيهِمُ اللهُ بالَةً"؛ اَلْمَعْنى: إذْ هم كُفّارٌ في آخِرِ الزَمانِ؛ وعَلَيْهِمْ تَقُومُ الساعَةُ.
النساء 4:166
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿رُسُلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُسُلِ وكانَ اللهِ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرًا﴾
"رُسُلًا"؛ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ قَبْلُ؛ و"مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ"؛ حالانِ؛ أيْ: يُبَشِّرُونَ بِالجَنَّةِ مَن آمَنَ؛ وأطاعَ؛ ويُنْذِرُونَ بِالنارِ مَن كَفَرَ؛ وعَصى؛ وأرادَ اللهُ تَعالى أنْ يَقْطَعَ بِالرُسُلِ احْتِجاجَ مَن يَقُولُ: لَوْ بُعِثَ إلَيَّ لَآمَنتُ؛ واللهُ تَعالى عَزِيزٌ؛ لا يُغالِبُهُ شَيْءٌ؛ ولا حُجَّةَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ؛ وهو - مَعَ ذَلِكَ - حَكِيمٌ؛ تَصْدُرُ أفْعالُهُ عن حِكْمَةٍ؛ فَكَذَلِكَ قَطَعَ الحُجَّةَ بِالرُسُلِ حِكْمَةً مِنهُ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: سَبَبُها قَوْلُ اليَهُودِ: ﴿ما أنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] ؛ وقالَ بَعْضُهم لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: ما نَعْلَمُ يا مُحَمَّدُ أنَّ اللهَ أرْسَلَ إلَيْكَ؛ ولا أنْزَلَ عَلَيْكَ شَيْئًا؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ ؛ والجَرّاحُ الحَكَمِيُّ: "لَكِنَّ اللهَ يَشْهَدُ"؛ بِشَدِّ النُونِ؛ ونَصْبِ المَكْتُوبَةِ عَلى اسْمِ "لَكِنَّ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ؛ هَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى مُتَعَلِّقاتِ أهْلِ السُنَّةِ في (p-٧١)إثْباتِ عِلْمِ اللهِ تَعالى ؛ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ في أنَّهم يَقُولُونَ: عالِمٌ بِلا عِلْمٍ؛ والمَعْنى - عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ -: أنْزَلَهُ وهو يَعْلَمُ إنْزالَهُ ونُزُولَهُ؛ ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أنْزَلَهُ مُقْتَرِنًا بِعِلْمِهِ؛ أيْ: فِيهِ عِلْمُهُ مِن غُيُوبٍ؛ وأوامِرَ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فالعِلْمُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْلُوماتِ الَّتِي في القُرْآنِ؛ كَما هو في قَوْلِ الخَضِرِ: "ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللهِ إلّا ما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ مِن هَذا البَحْرِ"؛ مَعْناهُ: مِن عِلْمِ اللهِ الَّذِي بَثَّ في عِبادِهِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْزَلَ"؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "أُنْزِلَ"؛ بِضَمِّ الهَمْزَةِ؛ عَلى بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ ؛ تَقْوِيَةٌ لِأمْرِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ ورَدٌّ عَلى اليَهُودِ؛ قالَ قَتادَةُ: "شُهُودٌ واللهِ غَيْرُ مُتَّهَمَةٌ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ ؛ تَقْدِيرُهُ: وكَفى اللهُ شَهِيدًا؛ لَكِنْ دَخَلَتِ الباءُ لِتَدُلَّ عَلى أنَّ المُرادَ: اِكْتَفُوا بِاللهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكافِرِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ الناسَ عن سَبِيلِ اللهِ تَعالى أنَّهم قَدْ بَعُدُوا عَنِ الحَقِّ؛ وضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا؛ لا يَقْرُبُ رُجُوعُهم عنهُ؛ ولا تَخَلُّصُهم مِنهُ؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ ؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: "وَصُدُّوا"؛ بِضَمِّ الصادِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكافِرِينَ الظالِمِينَ في أنْ وضَعُوا الشَيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ وهو الكُفْرُ بِاللهِ؛ واللهُ تَعالى يَسْتَوْجِبُ مِنهم غَيْرَ ذَلِكَ؛ لِنِعَمِهِ الظاهِرَةِ؛ والباطِنَةِ؛ إنَّهم بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِيَغْفِرَ لَهُمْ؛ وهَذِهِ العِبارَةُ أقْوى مِنَ الإخْبارِ المُجَرَّدِ أنَّهُ لا يَغْفِرُ؛ ومِثالُ ذَلِكَ أنَّكَ إذا قُلْتَ: "أنا لا أبِيعُ هَذا الشَيْءَ"؛ فُهِمَ مِنكَ الِاغْتِباطُ بِهِ؛ فَإذا قُلْتَ: "أنا ما كُنْتُ لِأبِيعَ هَذا الشَيْءَ"؛ فالِاغْتِباطُ مِنكَ أكْثَرُ؛ هَذا هو المَفْهُومُ مِن هَذِهِ العِبارَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ ؛ هَذِهِ هِدايَةُ الطُرُقِ؛ ولَيْسَتْ بِالإرْشادِ عَلى الإطْلاقِ؛ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ؛ يَتَضَمَّنُ تَحْقِيرَ أمْرِ الكُفّارِ؛ وأنَّهم لا يُبالِيهِمُ اللهُ بالَةً؛ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: "يَذْهَبُ الصالِحُونَ؛ الأوَّلُ فالأوَّلُ حَتّى تَبْقى حُثالَةٌ كَحُثالَةِ التَمْرِ؛ لا يُبالِيهِمُ اللهُ بالَةً"؛ اَلْمَعْنى: إذْ هم كُفّارٌ في آخِرِ الزَمانِ؛ وعَلَيْهِمْ تَقُومُ الساعَةُ.
النساء 4:167
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿رُسُلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُسُلِ وكانَ اللهِ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرًا﴾
"رُسُلًا"؛ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ قَبْلُ؛ و"مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ"؛ حالانِ؛ أيْ: يُبَشِّرُونَ بِالجَنَّةِ مَن آمَنَ؛ وأطاعَ؛ ويُنْذِرُونَ بِالنارِ مَن كَفَرَ؛ وعَصى؛ وأرادَ اللهُ تَعالى أنْ يَقْطَعَ بِالرُسُلِ احْتِجاجَ مَن يَقُولُ: لَوْ بُعِثَ إلَيَّ لَآمَنتُ؛ واللهُ تَعالى عَزِيزٌ؛ لا يُغالِبُهُ شَيْءٌ؛ ولا حُجَّةَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ؛ وهو - مَعَ ذَلِكَ - حَكِيمٌ؛ تَصْدُرُ أفْعالُهُ عن حِكْمَةٍ؛ فَكَذَلِكَ قَطَعَ الحُجَّةَ بِالرُسُلِ حِكْمَةً مِنهُ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: سَبَبُها قَوْلُ اليَهُودِ: ﴿ما أنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] ؛ وقالَ بَعْضُهم لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: ما نَعْلَمُ يا مُحَمَّدُ أنَّ اللهَ أرْسَلَ إلَيْكَ؛ ولا أنْزَلَ عَلَيْكَ شَيْئًا؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ ؛ والجَرّاحُ الحَكَمِيُّ: "لَكِنَّ اللهَ يَشْهَدُ"؛ بِشَدِّ النُونِ؛ ونَصْبِ المَكْتُوبَةِ عَلى اسْمِ "لَكِنَّ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ؛ هَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى مُتَعَلِّقاتِ أهْلِ السُنَّةِ في (p-٧١)إثْباتِ عِلْمِ اللهِ تَعالى ؛ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ في أنَّهم يَقُولُونَ: عالِمٌ بِلا عِلْمٍ؛ والمَعْنى - عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ -: أنْزَلَهُ وهو يَعْلَمُ إنْزالَهُ ونُزُولَهُ؛ ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أنْزَلَهُ مُقْتَرِنًا بِعِلْمِهِ؛ أيْ: فِيهِ عِلْمُهُ مِن غُيُوبٍ؛ وأوامِرَ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فالعِلْمُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْلُوماتِ الَّتِي في القُرْآنِ؛ كَما هو في قَوْلِ الخَضِرِ: "ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللهِ إلّا ما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ مِن هَذا البَحْرِ"؛ مَعْناهُ: مِن عِلْمِ اللهِ الَّذِي بَثَّ في عِبادِهِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْزَلَ"؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "أُنْزِلَ"؛ بِضَمِّ الهَمْزَةِ؛ عَلى بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ ؛ تَقْوِيَةٌ لِأمْرِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ ورَدٌّ عَلى اليَهُودِ؛ قالَ قَتادَةُ: "شُهُودٌ واللهِ غَيْرُ مُتَّهَمَةٌ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ ؛ تَقْدِيرُهُ: وكَفى اللهُ شَهِيدًا؛ لَكِنْ دَخَلَتِ الباءُ لِتَدُلَّ عَلى أنَّ المُرادَ: اِكْتَفُوا بِاللهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكافِرِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ الناسَ عن سَبِيلِ اللهِ تَعالى أنَّهم قَدْ بَعُدُوا عَنِ الحَقِّ؛ وضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا؛ لا يَقْرُبُ رُجُوعُهم عنهُ؛ ولا تَخَلُّصُهم مِنهُ؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ ؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: "وَصُدُّوا"؛ بِضَمِّ الصادِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكافِرِينَ الظالِمِينَ في أنْ وضَعُوا الشَيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ وهو الكُفْرُ بِاللهِ؛ واللهُ تَعالى يَسْتَوْجِبُ مِنهم غَيْرَ ذَلِكَ؛ لِنِعَمِهِ الظاهِرَةِ؛ والباطِنَةِ؛ إنَّهم بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِيَغْفِرَ لَهُمْ؛ وهَذِهِ العِبارَةُ أقْوى مِنَ الإخْبارِ المُجَرَّدِ أنَّهُ لا يَغْفِرُ؛ ومِثالُ ذَلِكَ أنَّكَ إذا قُلْتَ: "أنا لا أبِيعُ هَذا الشَيْءَ"؛ فُهِمَ مِنكَ الِاغْتِباطُ بِهِ؛ فَإذا قُلْتَ: "أنا ما كُنْتُ لِأبِيعَ هَذا الشَيْءَ"؛ فالِاغْتِباطُ مِنكَ أكْثَرُ؛ هَذا هو المَفْهُومُ مِن هَذِهِ العِبارَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ ؛ هَذِهِ هِدايَةُ الطُرُقِ؛ ولَيْسَتْ بِالإرْشادِ عَلى الإطْلاقِ؛ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ؛ يَتَضَمَّنُ تَحْقِيرَ أمْرِ الكُفّارِ؛ وأنَّهم لا يُبالِيهِمُ اللهُ بالَةً؛ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: "يَذْهَبُ الصالِحُونَ؛ الأوَّلُ فالأوَّلُ حَتّى تَبْقى حُثالَةٌ كَحُثالَةِ التَمْرِ؛ لا يُبالِيهِمُ اللهُ بالَةً"؛ اَلْمَعْنى: إذْ هم كُفّارٌ في آخِرِ الزَمانِ؛ وعَلَيْهِمْ تَقُومُ الساعَةُ.
النساء 4:168
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿رُسُلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُسُلِ وكانَ اللهِ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرًا﴾
"رُسُلًا"؛ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ قَبْلُ؛ و"مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ"؛ حالانِ؛ أيْ: يُبَشِّرُونَ بِالجَنَّةِ مَن آمَنَ؛ وأطاعَ؛ ويُنْذِرُونَ بِالنارِ مَن كَفَرَ؛ وعَصى؛ وأرادَ اللهُ تَعالى أنْ يَقْطَعَ بِالرُسُلِ احْتِجاجَ مَن يَقُولُ: لَوْ بُعِثَ إلَيَّ لَآمَنتُ؛ واللهُ تَعالى عَزِيزٌ؛ لا يُغالِبُهُ شَيْءٌ؛ ولا حُجَّةَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ؛ وهو - مَعَ ذَلِكَ - حَكِيمٌ؛ تَصْدُرُ أفْعالُهُ عن حِكْمَةٍ؛ فَكَذَلِكَ قَطَعَ الحُجَّةَ بِالرُسُلِ حِكْمَةً مِنهُ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: سَبَبُها قَوْلُ اليَهُودِ: ﴿ما أنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] ؛ وقالَ بَعْضُهم لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: ما نَعْلَمُ يا مُحَمَّدُ أنَّ اللهَ أرْسَلَ إلَيْكَ؛ ولا أنْزَلَ عَلَيْكَ شَيْئًا؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ ؛ والجَرّاحُ الحَكَمِيُّ: "لَكِنَّ اللهَ يَشْهَدُ"؛ بِشَدِّ النُونِ؛ ونَصْبِ المَكْتُوبَةِ عَلى اسْمِ "لَكِنَّ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ؛ هَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى مُتَعَلِّقاتِ أهْلِ السُنَّةِ في (p-٧١)إثْباتِ عِلْمِ اللهِ تَعالى ؛ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ في أنَّهم يَقُولُونَ: عالِمٌ بِلا عِلْمٍ؛ والمَعْنى - عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ -: أنْزَلَهُ وهو يَعْلَمُ إنْزالَهُ ونُزُولَهُ؛ ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أنْزَلَهُ مُقْتَرِنًا بِعِلْمِهِ؛ أيْ: فِيهِ عِلْمُهُ مِن غُيُوبٍ؛ وأوامِرَ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فالعِلْمُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْلُوماتِ الَّتِي في القُرْآنِ؛ كَما هو في قَوْلِ الخَضِرِ: "ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللهِ إلّا ما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ مِن هَذا البَحْرِ"؛ مَعْناهُ: مِن عِلْمِ اللهِ الَّذِي بَثَّ في عِبادِهِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْزَلَ"؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "أُنْزِلَ"؛ بِضَمِّ الهَمْزَةِ؛ عَلى بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ ؛ تَقْوِيَةٌ لِأمْرِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ ورَدٌّ عَلى اليَهُودِ؛ قالَ قَتادَةُ: "شُهُودٌ واللهِ غَيْرُ مُتَّهَمَةٌ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ ؛ تَقْدِيرُهُ: وكَفى اللهُ شَهِيدًا؛ لَكِنْ دَخَلَتِ الباءُ لِتَدُلَّ عَلى أنَّ المُرادَ: اِكْتَفُوا بِاللهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكافِرِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ الناسَ عن سَبِيلِ اللهِ تَعالى أنَّهم قَدْ بَعُدُوا عَنِ الحَقِّ؛ وضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا؛ لا يَقْرُبُ رُجُوعُهم عنهُ؛ ولا تَخَلُّصُهم مِنهُ؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ ؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: "وَصُدُّوا"؛ بِضَمِّ الصادِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكافِرِينَ الظالِمِينَ في أنْ وضَعُوا الشَيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ وهو الكُفْرُ بِاللهِ؛ واللهُ تَعالى يَسْتَوْجِبُ مِنهم غَيْرَ ذَلِكَ؛ لِنِعَمِهِ الظاهِرَةِ؛ والباطِنَةِ؛ إنَّهم بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِيَغْفِرَ لَهُمْ؛ وهَذِهِ العِبارَةُ أقْوى مِنَ الإخْبارِ المُجَرَّدِ أنَّهُ لا يَغْفِرُ؛ ومِثالُ ذَلِكَ أنَّكَ إذا قُلْتَ: "أنا لا أبِيعُ هَذا الشَيْءَ"؛ فُهِمَ مِنكَ الِاغْتِباطُ بِهِ؛ فَإذا قُلْتَ: "أنا ما كُنْتُ لِأبِيعَ هَذا الشَيْءَ"؛ فالِاغْتِباطُ مِنكَ أكْثَرُ؛ هَذا هو المَفْهُومُ مِن هَذِهِ العِبارَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ ؛ هَذِهِ هِدايَةُ الطُرُقِ؛ ولَيْسَتْ بِالإرْشادِ عَلى الإطْلاقِ؛ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ؛ يَتَضَمَّنُ تَحْقِيرَ أمْرِ الكُفّارِ؛ وأنَّهم لا يُبالِيهِمُ اللهُ بالَةً؛ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: "يَذْهَبُ الصالِحُونَ؛ الأوَّلُ فالأوَّلُ حَتّى تَبْقى حُثالَةٌ كَحُثالَةِ التَمْرِ؛ لا يُبالِيهِمُ اللهُ بالَةً"؛ اَلْمَعْنى: إذْ هم كُفّارٌ في آخِرِ الزَمانِ؛ وعَلَيْهِمْ تَقُومُ الساعَةُ.
النساء 4:169
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿رُسُلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُسُلِ وكانَ اللهِ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرًا﴾
"رُسُلًا"؛ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ قَبْلُ؛ و"مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ"؛ حالانِ؛ أيْ: يُبَشِّرُونَ بِالجَنَّةِ مَن آمَنَ؛ وأطاعَ؛ ويُنْذِرُونَ بِالنارِ مَن كَفَرَ؛ وعَصى؛ وأرادَ اللهُ تَعالى أنْ يَقْطَعَ بِالرُسُلِ احْتِجاجَ مَن يَقُولُ: لَوْ بُعِثَ إلَيَّ لَآمَنتُ؛ واللهُ تَعالى عَزِيزٌ؛ لا يُغالِبُهُ شَيْءٌ؛ ولا حُجَّةَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ؛ وهو - مَعَ ذَلِكَ - حَكِيمٌ؛ تَصْدُرُ أفْعالُهُ عن حِكْمَةٍ؛ فَكَذَلِكَ قَطَعَ الحُجَّةَ بِالرُسُلِ حِكْمَةً مِنهُ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: سَبَبُها قَوْلُ اليَهُودِ: ﴿ما أنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] ؛ وقالَ بَعْضُهم لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: ما نَعْلَمُ يا مُحَمَّدُ أنَّ اللهَ أرْسَلَ إلَيْكَ؛ ولا أنْزَلَ عَلَيْكَ شَيْئًا؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ ؛ والجَرّاحُ الحَكَمِيُّ: "لَكِنَّ اللهَ يَشْهَدُ"؛ بِشَدِّ النُونِ؛ ونَصْبِ المَكْتُوبَةِ عَلى اسْمِ "لَكِنَّ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ؛ هَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى مُتَعَلِّقاتِ أهْلِ السُنَّةِ في (p-٧١)إثْباتِ عِلْمِ اللهِ تَعالى ؛ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ في أنَّهم يَقُولُونَ: عالِمٌ بِلا عِلْمٍ؛ والمَعْنى - عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ -: أنْزَلَهُ وهو يَعْلَمُ إنْزالَهُ ونُزُولَهُ؛ ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أنْزَلَهُ مُقْتَرِنًا بِعِلْمِهِ؛ أيْ: فِيهِ عِلْمُهُ مِن غُيُوبٍ؛ وأوامِرَ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فالعِلْمُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْلُوماتِ الَّتِي في القُرْآنِ؛ كَما هو في قَوْلِ الخَضِرِ: "ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللهِ إلّا ما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ مِن هَذا البَحْرِ"؛ مَعْناهُ: مِن عِلْمِ اللهِ الَّذِي بَثَّ في عِبادِهِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْزَلَ"؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "أُنْزِلَ"؛ بِضَمِّ الهَمْزَةِ؛ عَلى بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ ؛ تَقْوِيَةٌ لِأمْرِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ ورَدٌّ عَلى اليَهُودِ؛ قالَ قَتادَةُ: "شُهُودٌ واللهِ غَيْرُ مُتَّهَمَةٌ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ ؛ تَقْدِيرُهُ: وكَفى اللهُ شَهِيدًا؛ لَكِنْ دَخَلَتِ الباءُ لِتَدُلَّ عَلى أنَّ المُرادَ: اِكْتَفُوا بِاللهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكافِرِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ الناسَ عن سَبِيلِ اللهِ تَعالى أنَّهم قَدْ بَعُدُوا عَنِ الحَقِّ؛ وضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا؛ لا يَقْرُبُ رُجُوعُهم عنهُ؛ ولا تَخَلُّصُهم مِنهُ؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ ؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: "وَصُدُّوا"؛ بِضَمِّ الصادِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكافِرِينَ الظالِمِينَ في أنْ وضَعُوا الشَيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ وهو الكُفْرُ بِاللهِ؛ واللهُ تَعالى يَسْتَوْجِبُ مِنهم غَيْرَ ذَلِكَ؛ لِنِعَمِهِ الظاهِرَةِ؛ والباطِنَةِ؛ إنَّهم بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِيَغْفِرَ لَهُمْ؛ وهَذِهِ العِبارَةُ أقْوى مِنَ الإخْبارِ المُجَرَّدِ أنَّهُ لا يَغْفِرُ؛ ومِثالُ ذَلِكَ أنَّكَ إذا قُلْتَ: "أنا لا أبِيعُ هَذا الشَيْءَ"؛ فُهِمَ مِنكَ الِاغْتِباطُ بِهِ؛ فَإذا قُلْتَ: "أنا ما كُنْتُ لِأبِيعَ هَذا الشَيْءَ"؛ فالِاغْتِباطُ مِنكَ أكْثَرُ؛ هَذا هو المَفْهُومُ مِن هَذِهِ العِبارَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ ؛ هَذِهِ هِدايَةُ الطُرُقِ؛ ولَيْسَتْ بِالإرْشادِ عَلى الإطْلاقِ؛ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ؛ يَتَضَمَّنُ تَحْقِيرَ أمْرِ الكُفّارِ؛ وأنَّهم لا يُبالِيهِمُ اللهُ بالَةً؛ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: "يَذْهَبُ الصالِحُونَ؛ الأوَّلُ فالأوَّلُ حَتّى تَبْقى حُثالَةٌ كَحُثالَةِ التَمْرِ؛ لا يُبالِيهِمُ اللهُ بالَةً"؛ اَلْمَعْنى: إذْ هم كُفّارٌ في آخِرِ الزَمانِ؛ وعَلَيْهِمْ تَقُومُ الساعَةُ.
النساء 4:170
(p-٧٢)قَوْلُهُ تَعالى:
﴿يا أيُّها الناسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكم فَآمِنُوا خَيْرًا لَكم وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ والأرْضِ وكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم ولا تَقُولُوا عَلى اللهِ إلا الحَقَّ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ فَآمِنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكم إنَّما اللهِ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾
اَلْمُخاطَبَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الناسُ﴾ ؛ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ الناسِ؛ والسُورَةُ مَدَنِيَّةٌ؛ فَهَذا مِمّا خُوطِبَ بِهِ جَمِيعُ الناسِ بَعْدَ الهِجْرَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ دُعاءٌ إلى الشَرْعِ؛ ولَوْ كانَتْ في أمْرٍ مِن أوامِرِ الأحْكامِ ونَحْوِها لَكانَتْ: "يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا"؛ والرَسُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والحَقُّ هو شَرْعُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾ ؛ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "اِئْتُوا خَيْرًا لَكُمْ"؛ أو "حُوزُوا خَيْرًا لَكُمْ"؛ وقَوْلُهُ: "فَآمِنُوا"؛ وقَوْلُهُ: "اِنْتَهُوا" - بَعْدَ ذَلِكَ - أمْرٌ بِتَرْكِ الشَيْءِ؛ والدُخُولِ في غَيْرِهِ؛ فَلِذَلِكَ حَسُنَتْ صِفَةُ التَفْضِيلِ الَّتِي هي "خَيْرًا"؛ هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ في نَصْبِ "خَيْرًا"؛ ونَظِيرُهُ مِنَ الشِعْرِ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ:
؎ فَواعِدِيهِ سَرْحَتَيْ مالِكٍ ∗∗∗ أوِ الرُبى بَيْنَهُما أسْهَلا
أيْ: يَأْتِ أسْهَلَ؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اَلتَّقْدِيرُ: يَكُنِ الإيمانُ خَيْرًا؛ والِانْتِهاءُ خَيْرًا؛ فَنَصْبُهُ عَلى خَبَرٍ "كانَ"؛ وقالَ الفَرّاءُ: اَلتَّقْدِيرُ: فَآمِنُوا إيمانًا خَيْرًا لَكُمْ؛ فَنَصْبُهُ عَلى النَعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ والأرْضِ﴾ ؛ وهَذا خَبَرٌ بِالِاسْتِغْناءِ؛ وأنَّ ضَرَرَ الكُفْرِ إنَّما هو نازِلٌ بِهِمْ؛ ولِلَّهِ تَعالى العِلْمُ والحِكْمَةُ.
ثُمَّ خاطَبَ تَعالى أهْلَ الكِتابِ مِنَ النَصارى بِأنْ يَدَعُوا الغُلُوَّ؛ وهو تَجاوُزُ الحَدِّ؛ (p-٧٣)وَمِنهُ غَلاءُ السِعْرِ؛ ومِنهُ غَلْوَةُ السَهْمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي دِينِكُمْ"؛ إنَّما مَعْناهُ: في الدِينِ الَّذِي أنْتُمْ مَطْلُوبُونَ بِهِ؛ فَكَأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ؛ وأضافَهُ إلَيْهِمْ؛ بَيانًا أنَّهم مَأْخُوذُونَ بِهِ؛ ولَيْسَتِ الإشارَةُ إلى دِينِهِمُ المُضَلِّلِ؛ ولا أُمِرُوا بِالثُبُوتِ عَلَيْهِ دُونَ غُلُوٍّ؛ وإنَّما أُمِرُوا بِتَرْكِ الغُلُوِّ في دِينِ اللهِ عَلى الإطْلاقِ؛ وأنْ يُوَحِّدُوا؛ ولا يَقُولُوا عَلى اللهِ إلّا الحَقَّ؛ وإذا سَلَكُوا ما أُمِرُوا بِهِ فَذَلِكَ سائِقُهم إلى الإسْلامِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أمْرَ المَسِيحِ؛ وأنَّهُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وكَلِمَتُهُ؛ أيْ: مُكَوَّنٌ عن كَلِمَتِهِ الَّتِي هِيَ: "كُنْ"؛ وقَوْلُهُ: "ألْقاها"؛ عِبارَةٌ عن إيجادِ هَذا الحادِثِ في مَرْيَمَ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: "وَكَلِمَتُهُ ألْقاها"؛ يُرِيدُ البِشارَةَ الَّتِي بَعَثَ المَلَكَ بِها إلَيْها؛ وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرُوحٌ مِنهُ"؛ أيْ: مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتِهِ؛ فَـ "مِن"؛ لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ إذا حُقِّقَ النَظَرُ فِيها؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: "وَرُوحٌ مِنهُ"؛ أيْ: نَفْخَةُ مِنهُ؛ إذْ هي مِن جِبْرِيلَ بِأمْرِهِ؛ وأنْشَدَ قَوْلَ ذِي الرُمَّةِ:
؎ فَقُلْتُ لَهُ اضْمُمْها إلَيْكَ وأحْيِها ∗∗∗ ∗∗∗ بِرُوحِكَ واقْتَتْهُ لَها قِيتَةً قَدْرا
يَصِفُ سَقَطَ النارِ؛ وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: رُوحُ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - مِن أرْواحِ اللهِ الَّتِي خَلَقَها واسْتَنْطَقَها بِقَوْلِهِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ؛ فَبَعَثَهُ اللهُ إلى مَرْيَمَ؛ فَدَخَلَ فِيها؛ ثُمَّ أمَرَهم بِالإيمانِ بِاللهِ؛ ورُسُلِهِ؛ أيْ: اَلَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ عِيسى؛ ومُحَمَّدٌ - عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ ؛ اَلْمَعْنى: "اَللَّهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ"؛ فَحُذِفَ الِابْتِداءُ والمُضافُ؛ كَذا قَدَّرَ أبُو عَلِيٍّ ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُقَدَّرُ: "اَلْمَعْبُودُ ثَلاثَةٌ"؛ أو: "اَلْإلَهُ ثَلاثَةٌ"؛ أو: "اَلْآلِهَةُ ثَلاثَةٌ"؛ أو: "اَلْأقانِيمُ ثَلاثَةٌ"؛ وكَيْفَما تَشَعَّبَ اخْتِلافُ عِباراتِ النَصارى فَإنَّهُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ ذَلِكَ التَقْدِيرُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾.
النساء 4:171
(p-٧٢)قَوْلُهُ تَعالى:
﴿يا أيُّها الناسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكم فَآمِنُوا خَيْرًا لَكم وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ والأرْضِ وكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم ولا تَقُولُوا عَلى اللهِ إلا الحَقَّ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ فَآمِنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكم إنَّما اللهِ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾
اَلْمُخاطَبَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الناسُ﴾ ؛ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ الناسِ؛ والسُورَةُ مَدَنِيَّةٌ؛ فَهَذا مِمّا خُوطِبَ بِهِ جَمِيعُ الناسِ بَعْدَ الهِجْرَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ دُعاءٌ إلى الشَرْعِ؛ ولَوْ كانَتْ في أمْرٍ مِن أوامِرِ الأحْكامِ ونَحْوِها لَكانَتْ: "يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا"؛ والرَسُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والحَقُّ هو شَرْعُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾ ؛ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "اِئْتُوا خَيْرًا لَكُمْ"؛ أو "حُوزُوا خَيْرًا لَكُمْ"؛ وقَوْلُهُ: "فَآمِنُوا"؛ وقَوْلُهُ: "اِنْتَهُوا" - بَعْدَ ذَلِكَ - أمْرٌ بِتَرْكِ الشَيْءِ؛ والدُخُولِ في غَيْرِهِ؛ فَلِذَلِكَ حَسُنَتْ صِفَةُ التَفْضِيلِ الَّتِي هي "خَيْرًا"؛ هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ في نَصْبِ "خَيْرًا"؛ ونَظِيرُهُ مِنَ الشِعْرِ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ:
؎ فَواعِدِيهِ سَرْحَتَيْ مالِكٍ ∗∗∗ أوِ الرُبى بَيْنَهُما أسْهَلا
أيْ: يَأْتِ أسْهَلَ؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اَلتَّقْدِيرُ: يَكُنِ الإيمانُ خَيْرًا؛ والِانْتِهاءُ خَيْرًا؛ فَنَصْبُهُ عَلى خَبَرٍ "كانَ"؛ وقالَ الفَرّاءُ: اَلتَّقْدِيرُ: فَآمِنُوا إيمانًا خَيْرًا لَكُمْ؛ فَنَصْبُهُ عَلى النَعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ والأرْضِ﴾ ؛ وهَذا خَبَرٌ بِالِاسْتِغْناءِ؛ وأنَّ ضَرَرَ الكُفْرِ إنَّما هو نازِلٌ بِهِمْ؛ ولِلَّهِ تَعالى العِلْمُ والحِكْمَةُ.
ثُمَّ خاطَبَ تَعالى أهْلَ الكِتابِ مِنَ النَصارى بِأنْ يَدَعُوا الغُلُوَّ؛ وهو تَجاوُزُ الحَدِّ؛ (p-٧٣)وَمِنهُ غَلاءُ السِعْرِ؛ ومِنهُ غَلْوَةُ السَهْمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي دِينِكُمْ"؛ إنَّما مَعْناهُ: في الدِينِ الَّذِي أنْتُمْ مَطْلُوبُونَ بِهِ؛ فَكَأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ؛ وأضافَهُ إلَيْهِمْ؛ بَيانًا أنَّهم مَأْخُوذُونَ بِهِ؛ ولَيْسَتِ الإشارَةُ إلى دِينِهِمُ المُضَلِّلِ؛ ولا أُمِرُوا بِالثُبُوتِ عَلَيْهِ دُونَ غُلُوٍّ؛ وإنَّما أُمِرُوا بِتَرْكِ الغُلُوِّ في دِينِ اللهِ عَلى الإطْلاقِ؛ وأنْ يُوَحِّدُوا؛ ولا يَقُولُوا عَلى اللهِ إلّا الحَقَّ؛ وإذا سَلَكُوا ما أُمِرُوا بِهِ فَذَلِكَ سائِقُهم إلى الإسْلامِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أمْرَ المَسِيحِ؛ وأنَّهُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وكَلِمَتُهُ؛ أيْ: مُكَوَّنٌ عن كَلِمَتِهِ الَّتِي هِيَ: "كُنْ"؛ وقَوْلُهُ: "ألْقاها"؛ عِبارَةٌ عن إيجادِ هَذا الحادِثِ في مَرْيَمَ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: "وَكَلِمَتُهُ ألْقاها"؛ يُرِيدُ البِشارَةَ الَّتِي بَعَثَ المَلَكَ بِها إلَيْها؛ وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرُوحٌ مِنهُ"؛ أيْ: مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتِهِ؛ فَـ "مِن"؛ لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ إذا حُقِّقَ النَظَرُ فِيها؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: "وَرُوحٌ مِنهُ"؛ أيْ: نَفْخَةُ مِنهُ؛ إذْ هي مِن جِبْرِيلَ بِأمْرِهِ؛ وأنْشَدَ قَوْلَ ذِي الرُمَّةِ:
؎ فَقُلْتُ لَهُ اضْمُمْها إلَيْكَ وأحْيِها ∗∗∗ ∗∗∗ بِرُوحِكَ واقْتَتْهُ لَها قِيتَةً قَدْرا
يَصِفُ سَقَطَ النارِ؛ وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: رُوحُ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - مِن أرْواحِ اللهِ الَّتِي خَلَقَها واسْتَنْطَقَها بِقَوْلِهِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ؛ فَبَعَثَهُ اللهُ إلى مَرْيَمَ؛ فَدَخَلَ فِيها؛ ثُمَّ أمَرَهم بِالإيمانِ بِاللهِ؛ ورُسُلِهِ؛ أيْ: اَلَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ عِيسى؛ ومُحَمَّدٌ - عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ ؛ اَلْمَعْنى: "اَللَّهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ"؛ فَحُذِفَ الِابْتِداءُ والمُضافُ؛ كَذا قَدَّرَ أبُو عَلِيٍّ ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُقَدَّرُ: "اَلْمَعْبُودُ ثَلاثَةٌ"؛ أو: "اَلْإلَهُ ثَلاثَةٌ"؛ أو: "اَلْآلِهَةُ ثَلاثَةٌ"؛ أو: "اَلْأقانِيمُ ثَلاثَةٌ"؛ وكَيْفَما تَشَعَّبَ اخْتِلافُ عِباراتِ النَصارى فَإنَّهُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ ذَلِكَ التَقْدِيرُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾.
النساء 4:172
(p-٧٤)قَوْلُهُ تَعالى:
﴿إنَّما اللهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾ [النساء: ١٧١] ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ومَن يَسْتَنْكِفَ عن عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾
"إنَّما"؛ في هَذِهِ الآيَةِ حاصِرَةٌ؛ اقْتَضى ذَلِكَ العَقْلُ في المَعْنى المُتَكَلَّمِ فِيهِ؛ ولَيْسَتْ صِيغَةُ "إنَّما" تَقْتَضِي الحَصْرَ؛ ولَكِنَّها تَصْلُحُ لِلْحَصْرِ؛ ولِلْمُبالَغَةِ في الصِفَةِ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ حَصْرٌ؛ نَحْوَ: "إنَّما الشُجاعُ عنتَرَةُ"؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ و"سُبْحانَهُ"؛ مَعْناهُ: تَنْزِيهًا لَهُ وتَعْظِيمًا عن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ كَما تَزْعُمُونَ أنْتُمْ أيُّها النَصارى؛ في أمْرِ عِيسى؛ إذْ نَقَلْتُمْ أُبُوَّةَ الحَنانِ والرَأْفَةِ إلى أُبُوَّةِ النَسْلِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "إنْ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ"؛ بِكَسْرِ الألِفِ مِن "أنْ"؛ وهي نافِيَةٌ؛ بِمَعْنى: "ما يَكُونُ لَهُ ولَدٌ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [النساء: ١٧١] ؛ اَلْآيَةَ: إخْبارٌ يَسْتَغْرِقُ عُبُودِيَّةَ عِيسى؛ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ.
ثُمَّ بَرَّأ تَعالى جِهَةَ المَسِيحِ مِن أقْوالِهِمْ؛ وخَلَصَهُ لِلَّذِي يَلِيقُ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ والِاسْتِنْكافُ إبايَةٌ بِأنَفَةٍ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ ؛ زِيادَةٌ في الحُجَّةِ؛ وتَقْرِيبٌ مِنَ الأذْهانِ؛ أيْ: ولا هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم في أعْلى دَرَجاتِ المَخْلُوقِينَ؛ لا يَسْتَنْكِفُونَ عن ذَلِكَ؛ فَكَيْفَ سِواهُمْ؟ وفي هَذِهِ الآيَةِ الدَلِيلُ الواضِحُ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ.
(p-٧٥)ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَمَّنْ يَسْتَنْكِفُ؛ أيْ: يَأْنَفُ عن عِبادَةِ اللهِ؛ ويَسْتَكْبِرُ؛ بِأنَّهُ سَيَنالُهُ الحَشْرُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ والرَدُّ إلى اللهِ؛ وقَوْلُهُ: "فَسَيَحْشُرُهُمْ"؛ عِبارَةُ وعِيدٍ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَسَيَحْشُرُهُمْ"؛ بِالياءِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "فَسَنَحْشُرُهُمْ"؛ بِنُونِ الجَماعَةِ؛ "فَنُوَفِّيهِمْ"؛ "وَنَزِيدُهُمْ"؛ "فَنُعَذِّبُهُمْ"؛ كُلَّها بِالنُونِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: وقَرَأ مَسْلَمَةُ: "فَسَيَحْشُرْهُمْ"؛ "فَيُعَذِّبْهُمْ"؛ بِسُكُونِ الراءِ؛ والباءِ؛ عَلى التَخْفِيفِ؛
وبَيَّنَ اللهُ تَعالى أمْرَ المَحْشُورِينَ؛ فَأخْبَرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ العامِلِينَ بِالصالِحاتِ؛ أنَّهُ يُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم حَتّى لا يَبْخَسُ أحَدًا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا؛ وأنَّهُ يَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ؛ وتَحْتَمِلُ هَذِهِ الزِيادَةُ أنْ تَكُونَ المُخْبَرَ عنها في أنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرٍ؛ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَضْعِيفَ الَّذِي هو غَيْرُ مُصَرَّدٍ مَحْسُوبٍ؛ وهو المُشارُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١].
النساء 4:173
(p-٧٤)قَوْلُهُ تَعالى:
﴿إنَّما اللهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾ [النساء: ١٧١] ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ومَن يَسْتَنْكِفَ عن عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾
"إنَّما"؛ في هَذِهِ الآيَةِ حاصِرَةٌ؛ اقْتَضى ذَلِكَ العَقْلُ في المَعْنى المُتَكَلَّمِ فِيهِ؛ ولَيْسَتْ صِيغَةُ "إنَّما" تَقْتَضِي الحَصْرَ؛ ولَكِنَّها تَصْلُحُ لِلْحَصْرِ؛ ولِلْمُبالَغَةِ في الصِفَةِ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ حَصْرٌ؛ نَحْوَ: "إنَّما الشُجاعُ عنتَرَةُ"؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ و"سُبْحانَهُ"؛ مَعْناهُ: تَنْزِيهًا لَهُ وتَعْظِيمًا عن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ كَما تَزْعُمُونَ أنْتُمْ أيُّها النَصارى؛ في أمْرِ عِيسى؛ إذْ نَقَلْتُمْ أُبُوَّةَ الحَنانِ والرَأْفَةِ إلى أُبُوَّةِ النَسْلِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "إنْ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ"؛ بِكَسْرِ الألِفِ مِن "أنْ"؛ وهي نافِيَةٌ؛ بِمَعْنى: "ما يَكُونُ لَهُ ولَدٌ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [النساء: ١٧١] ؛ اَلْآيَةَ: إخْبارٌ يَسْتَغْرِقُ عُبُودِيَّةَ عِيسى؛ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ.
ثُمَّ بَرَّأ تَعالى جِهَةَ المَسِيحِ مِن أقْوالِهِمْ؛ وخَلَصَهُ لِلَّذِي يَلِيقُ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ والِاسْتِنْكافُ إبايَةٌ بِأنَفَةٍ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ ؛ زِيادَةٌ في الحُجَّةِ؛ وتَقْرِيبٌ مِنَ الأذْهانِ؛ أيْ: ولا هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم في أعْلى دَرَجاتِ المَخْلُوقِينَ؛ لا يَسْتَنْكِفُونَ عن ذَلِكَ؛ فَكَيْفَ سِواهُمْ؟ وفي هَذِهِ الآيَةِ الدَلِيلُ الواضِحُ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ.
(p-٧٥)ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَمَّنْ يَسْتَنْكِفُ؛ أيْ: يَأْنَفُ عن عِبادَةِ اللهِ؛ ويَسْتَكْبِرُ؛ بِأنَّهُ سَيَنالُهُ الحَشْرُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ والرَدُّ إلى اللهِ؛ وقَوْلُهُ: "فَسَيَحْشُرُهُمْ"؛ عِبارَةُ وعِيدٍ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَسَيَحْشُرُهُمْ"؛ بِالياءِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "فَسَنَحْشُرُهُمْ"؛ بِنُونِ الجَماعَةِ؛ "فَنُوَفِّيهِمْ"؛ "وَنَزِيدُهُمْ"؛ "فَنُعَذِّبُهُمْ"؛ كُلَّها بِالنُونِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: وقَرَأ مَسْلَمَةُ: "فَسَيَحْشُرْهُمْ"؛ "فَيُعَذِّبْهُمْ"؛ بِسُكُونِ الراءِ؛ والباءِ؛ عَلى التَخْفِيفِ؛
وبَيَّنَ اللهُ تَعالى أمْرَ المَحْشُورِينَ؛ فَأخْبَرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ العامِلِينَ بِالصالِحاتِ؛ أنَّهُ يُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم حَتّى لا يَبْخَسُ أحَدًا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا؛ وأنَّهُ يَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ؛ وتَحْتَمِلُ هَذِهِ الزِيادَةُ أنْ تَكُونَ المُخْبَرَ عنها في أنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرٍ؛ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَضْعِيفَ الَّذِي هو غَيْرُ مُصَرَّدٍ مَحْسُوبٍ؛ وهو المُشارُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١].
النساء 4:174
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿وَأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٣] ﴿يا أيُّها الناسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ واعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾.
هَذا وعِيدٌ لِلْمُسْتَنْكِفِينَ؛ الَّذِينَ يَدَعُونَ عِبادَةَ اللهِ أنَفَةً؛ وتَكَبُّرًا؛ وهَذا الِاسْتِنْكافُ إنَّما يَكُونُ مِنَ الكُفّارِ عَنِ اتِّباعِ الأنْبِياءِ؛ وما جَرى مُجْراهُ؛ كَفِعْلِ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ؛ وأخِيهِ أبِي ياسِرٍ؛ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وكَفِعْلِ أبِي جَهْلٍ؛ وغَيْرِهِ؛ وإلّا فَإذا فَرَضْتَ أحَدًا مِنَ البَشَرِ عَرَفَ اللهَ تَعالى ؛ فَمُحالٌ أنْ تَجِدَهُ يَكْفُرُ بِهِ تَكَبُّرًا عَلَيْهِ؛ والعِنادُ المُجَوَّزُ إنَّما يَسُوقُ إلَيْهِ الِاسْتِكْبارُ عَنِ البَشَرِ؛ ومَعَ تَقارُبِ المَنازِلِ في ظَنِّ المُتَكَبِّرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الناسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ اَلْآيَةَ؛ إشارَةٌ إلى مُحَمَّدٍ (p-٧٦)رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والبُرْهانُ: اَلْحُجَّةُ النَيِّرَةُ؛ الواضِحَةُ؛ الَّتِي تُعْطِي اليَقِينَ التامَّ؛ والمَعْنى: قَدْ جاءَكم مُقْتَرِنًا بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بُرْهانٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى صِحَّةٍ ما يَدْعُوكم إلَيْهِ؛ وفَسادِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ النِحَلِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ ؛ يَعْنِي القُرْآنَ؛ فِيهِ بَيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ؛ وهو الواعِظُ الزاجِرُ؛ الناهِي الآمِرُ.
ثُمَّ وعَدَ - تَبارَكَ وتَعالى - المُؤْمِنِينَ بِاللهِ؛ المُعْتَصِمِينَ بِهِ؛ والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ؛ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "نُورًا مُبِينًا"؛﴾ والِاعْتِصامُ بِهِ: اَلتَّمَسُّكُ بِسَبَبِهِ؛ وطَلَبُ النَجاةِ والمَنَعَةِ بِهِ؛ فَهو يَعْصِمُ كَما تَعْصِمُ المَعاقِلُ؛ وهَذا قَدْ فَسَّرَهُ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "اَلْقُرْآنُ حَبْلُ اللهِ المَتِينُ؛ مَن تَمَسَّكَ بِهِ عُصِمَ".» والفَضْلُ: اَلْجَنَّةُ؛ ونَعِيمُها؛ و"يَهْدِيهِمْ"؛ مَعْناهُ: إلى الفَضْلِ؛ وهَذِهِ هِدايَةُ طَرِيقِ الجِنانِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ [محمد: ٥] ؛ لِأنَّ هِدايَةَ الإرْشادِ قَدْ تَقَدَّمَتْ؛ وتَحَصَّلَتْ حِينَ آمَنُوا بِاللهِ تَعالى ؛ واعْتَصَمُوا بِكِتابِهِ.
و"صِراطًا"؛ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "يَهْدِيهِمْ"؛ تَقْدِيرُهُ: فَيُعَرِّفُهُمْ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ كالمَفْعُولِ الثانِي؛ إذْ "وَيَهْدِيهِمْ"؛ في مَعْنى: "يُعَرِّفُهُمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى ظَرْفِيَّةٍ ما؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "إلَيْهِ"؛ وقِيلَ: مِن "وَفَضْلٍ"؛ والصِراطُ: اَلطَّرِيقُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
النساء 4:175
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿وَأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٣] ﴿يا أيُّها الناسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ واعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾.
هَذا وعِيدٌ لِلْمُسْتَنْكِفِينَ؛ الَّذِينَ يَدَعُونَ عِبادَةَ اللهِ أنَفَةً؛ وتَكَبُّرًا؛ وهَذا الِاسْتِنْكافُ إنَّما يَكُونُ مِنَ الكُفّارِ عَنِ اتِّباعِ الأنْبِياءِ؛ وما جَرى مُجْراهُ؛ كَفِعْلِ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ؛ وأخِيهِ أبِي ياسِرٍ؛ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وكَفِعْلِ أبِي جَهْلٍ؛ وغَيْرِهِ؛ وإلّا فَإذا فَرَضْتَ أحَدًا مِنَ البَشَرِ عَرَفَ اللهَ تَعالى ؛ فَمُحالٌ أنْ تَجِدَهُ يَكْفُرُ بِهِ تَكَبُّرًا عَلَيْهِ؛ والعِنادُ المُجَوَّزُ إنَّما يَسُوقُ إلَيْهِ الِاسْتِكْبارُ عَنِ البَشَرِ؛ ومَعَ تَقارُبِ المَنازِلِ في ظَنِّ المُتَكَبِّرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الناسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ اَلْآيَةَ؛ إشارَةٌ إلى مُحَمَّدٍ (p-٧٦)رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والبُرْهانُ: اَلْحُجَّةُ النَيِّرَةُ؛ الواضِحَةُ؛ الَّتِي تُعْطِي اليَقِينَ التامَّ؛ والمَعْنى: قَدْ جاءَكم مُقْتَرِنًا بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بُرْهانٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى صِحَّةٍ ما يَدْعُوكم إلَيْهِ؛ وفَسادِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ النِحَلِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ ؛ يَعْنِي القُرْآنَ؛ فِيهِ بَيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ؛ وهو الواعِظُ الزاجِرُ؛ الناهِي الآمِرُ.
ثُمَّ وعَدَ - تَبارَكَ وتَعالى - المُؤْمِنِينَ بِاللهِ؛ المُعْتَصِمِينَ بِهِ؛ والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ؛ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "نُورًا مُبِينًا"؛﴾ والِاعْتِصامُ بِهِ: اَلتَّمَسُّكُ بِسَبَبِهِ؛ وطَلَبُ النَجاةِ والمَنَعَةِ بِهِ؛ فَهو يَعْصِمُ كَما تَعْصِمُ المَعاقِلُ؛ وهَذا قَدْ فَسَّرَهُ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "اَلْقُرْآنُ حَبْلُ اللهِ المَتِينُ؛ مَن تَمَسَّكَ بِهِ عُصِمَ".» والفَضْلُ: اَلْجَنَّةُ؛ ونَعِيمُها؛ و"يَهْدِيهِمْ"؛ مَعْناهُ: إلى الفَضْلِ؛ وهَذِهِ هِدايَةُ طَرِيقِ الجِنانِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ [محمد: ٥] ؛ لِأنَّ هِدايَةَ الإرْشادِ قَدْ تَقَدَّمَتْ؛ وتَحَصَّلَتْ حِينَ آمَنُوا بِاللهِ تَعالى ؛ واعْتَصَمُوا بِكِتابِهِ.
و"صِراطًا"؛ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "يَهْدِيهِمْ"؛ تَقْدِيرُهُ: فَيُعَرِّفُهُمْ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ كالمَفْعُولِ الثانِي؛ إذْ "وَيَهْدِيهِمْ"؛ في مَعْنى: "يُعَرِّفُهُمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى ظَرْفِيَّةٍ ما؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "إلَيْهِ"؛ وقِيلَ: مِن "وَفَضْلٍ"؛ والصِراطُ: اَلطَّرِيقُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
النساء 4:176
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وهو يَرِثُها إنِ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ فَلَهُما الثُلُثانِ مِمّا تَرَكَ وإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَفْسِيرِ "الكَلالَةِ"؛ في صَدْرِ السُورَةِ؛ وأنَّ المُتَرَجَّحُ أنَّها الوِراثَةُ الَّتِي خَلَتْ مِن أبٍ وابْنٍ وابْنَةٍ؛ ولَمْ يَكُنْ فِيها عَمُودُ نَسَبٍ؛ لا عالٍ؛ ولا سافِلٍ؛ وبَقِيَ فِيها مَن يَتَكَلَّلُ؛ أيْ: يُحِيطُ مِنَ الجَوانِبِ؛ كَما يُحِيطُ الإكْلِيلُ.
وكانَ أمْرُ الكَلالَةِ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ مُشْكِلًا؛ فَقالَ: « "ما راجَعْتُ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في شَيْءٍ مُراجَعَتِي إيّاهُ في الكَلالَةِ؛ ولَوَدِدْتُ أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَمُتْ حَتّى يُبَيِّنَها"؛» وقالَ - عَلى المِنبَرِ -: (p-٧٧)« "ثَلاثٌ لَوْ بَيَّنَها رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَكانَ أحَبَّ إلَيَّ مِنَ الدُنْيا: اَلْجِدُّ والكَلالَةُ؛ والخِلافَةُ؛ وأبْوابٌ مِنَ الرِبا"؛» ورُوِيَ عنهُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّهُ كَتَبَ فِيها كِتابًا؛ فَمَكَثَ يَسْتَخِيرُ اللهَ فِيهِ؛ ويَقُولُ: "اَللَّهُمَّ إنْ عَلِمْتَ فِيهِ خَيْرًا فَأمْضِهِ"؛ فَلَمّا طُعِنَ دَعا بِالكِتابِ؛ فَمُحِيَ؛ فَلَمْ يَدْرِ أحَدٌ ما كانَ فِيهِ"؛ ورَوى الأعْمَشُ عن إبْراهِيمَ؛ وسائِرِ شُيُوخِهِ؛ قالَ: ذَكَرُوا أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - قالَ: "لَأنْ أكُونَ أعْلَمُ الكَلالَةَ أحَبُّ إلَيَّ مِن جِزْيَةِ قُصُورِ الشامِ"؛ وقالَ طارِقُ بْنُ شِهابٍ: أخَذَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ كَتِفًا؛ وجَمَعَ أصْحابَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ثُمَّ قالَ: "لَأقْضِيَنَّ في الكَلالَةِ قَضاءً تُحَدِّثُ بِهِ النِساءُ في خُدُورِها"؛ فَخَرَجَتْ عَلَيْهِمْ حَيَّةٌ مِنَ البَيْتِ فَتَفَرَّقُوا؛ فَقالَ عُمَرُ: "لَوْ أرادَ اللهُ أنْ يُتِمَّ هَذا الأمْرَ لَأتَمَّهُ"؛ وقالَ مَعْدانُ بْنُ أبِي طَلْحَةَ: «خَطَبَ عُمَرُ بِالناسِ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَقالَ: "إنِّي واللهِ ما أدَعُ بَعْدِي شَيْئًا هو أهَمُّ إلَيَّ مِن أمْرِ الكَلالَةِ؛ وقَدْ سَألْتُ عنها رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَما أغْلَظَ لِي في شَيْءٍ ما أغْلَظَ لِي فِيها؛ حَتّى طَعَنَ في نَحْرِي وقالَ: (تَكْفِيكَ آيَةُ الصَيْفِ؛ الَّتِي أُنْزِلَتْ في آخِرِ سُورَةِ النِساءِ؛ فَإنْ أعِشْ فَسَأقْضِي فِيها بِقَضِيَّةٍ لا يَخْتَلِفُ مَعَها اثْنانِ مِمَّنْ يَقْرَأُ القُرْآنَ)"؛» وسُئِلَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ عَنِ الكَلالَةِ فَقالَ: ألا تَعْجَبُونَ لِهَذا؟ يَسْألُنِي عَنِ الكَلالَةِ؛ وما أعْضَلَ بِأصْحابِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - شَيْءٌ ما أعْضَلَتْ بِهِمُ الكَلالَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَظاهِرُ كَلامِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّ آيَةَ الصَيْفِ هي هَذِهِ؛ ورَوى أبُو سَلَمَةَ «عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الكَلالَةِ؛ فَقالَ: "ألَمْ تَسْمَعِ الآيَةَ الَّتِي أُنْزِلَتْ في الصَيْفِ: ﴿وَإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ [النساء: ١٢]» ".
(p-٧٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: هَذا هو الظاهِرُ؛ لِأنَّ البَراءَ بْنَ عازِبٍ قالَ: آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ ؛ وقالَ كَثِيرٌ مِنَ الصَحابَةِ: هي مِن آخِرِ ما نَزَلَ؛ «وَقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: نَزَلَتْ بِسَبَبِي؛ عادَنِي رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأنا مَرِيضٌ؛ فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ: كَيْفَ أقْضِي في مالِي؟ وكانَ لِي تِسْعُ أخَواتٍ؛ ولَمْ يَكُنْ لِي والِدٌ ولا ولَدٌ: فَنَزَلَتِ الآيَةُ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "تَكْفِيكَ مِنها آيَةُ الصَيْفِ"؛» بَيانٌ فِيهِ كِفايَةٌ وجَلاءٌ؛ ولا أدْرِي ما الَّذِي أشْكَلَ مِنها عَلى الفارُوقِ - رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِ -؛ إلّا أنْ تَكُونَ دَلالَةُ اللَفْظِ لَمْ تَطَّرِدْ لَهُ؛ أنْ كانَ اسْتِعْمالُ قُرَيْشٍ لَها قَلِيلًا؛ ولا مَحالَةَ أنَّ دَلالَةَ اللَفْظِ اضْطَرَبَتْ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الناسِ؛ ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُهُمْ: اَلْكَلالَةُ: اَلْمَيِّتُ نَفْسُهُ؛ وقالَ آخَرُونَ: اَلْكَلالَةُ: اَلْمالُ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الخِلافِ؛ وإذا لَمْ يَكُنْ في الفَرِيضَةِ والِدٌ؛ ولا ولَدٌ؛ وتَرَكَ المَيِّتُ أُخْتًا؛ فَلَها النِصْفُ؛ فَرْضًا مُسَمًّى بِهَذِهِ الآيَةِ؛ فَإنْ تَرَكَ المَيِّتُ بِنْتًا؛ وأُخْتًا؛ فَلِلْبِنْتِ النِصْفُ؛ ولِلْأُخْتِ النِصْفُ؛ بِالتَعْصِيبِ؛ لا بِالفَرْضِ المُسَمّى؛ ولِعَبْدِ اللهِ بْنِ الزُبَيْرِ ؛ وعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ ؛ في هَذِهِ المَسْألَةِ خِلافٌ لِلنّاسِ؛ وذُكِرَ عن أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -أنَّهُ قالَ (p-٧٩)- في خُطْبَتِهِ -: "ألا إنَّ آيَةَ أوَّلِ سُورَةِ النِساءِ أنْزَلَها اللهُ في الوَلَدِ والوالِدِ؛ والآيَةَ الثانِيَةَ أنْزَلَها اللهُ في الزَوْجِ؛ والزَوْجَةِ؛ والإخْوَةِ مِنَ الأُمِّ؛ والآيَةَ الَّتِي خَتَمَ بِها سُورَةَ النِساءِ أنْزَلَها في الإخْوَةِ؛ والأخَواتِ مِنَ الأبِ؛ والأُمِّ؛ والآيَةَ الَّتِي خَتَمَ بِها سُورَةَ الأنْفالِ أنْزَلَها اللهُ في أُولِي الأرْحامِ".
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَإنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أنْ تَضِلُّوا"﴾ ؛ مَعْناهُ: "كَراهِيَةَ أنْ تَضِلُّوا؛ وحَذَرَ أنْ تَضِلُّوا"؛ فالتَقْدِيرُ: "لِئَلّا تَضِلُّوا"؛ ومِنهُ قَوْلُ القُطامِيِّ - في صِفَةِ ناقَةٍ:
؎ رَأيْنا ما يَرى البُصَراءُ مِنها ∗∗∗ فَآلَيْنا عَلَيْها أنْ تُباعا
وكانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - إذا قَرَأ: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ ؛ قالَ: اَللَّهُمَّ مَن بَيَّنْتَ لَهُ الكَلالَةَ فَلَمْ تَتَبَيَّنْ لِي.