Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — المائدة 5:1 – المائدة 5:50
المحتويات
- المائدة 5:1
- المائدة 5:2
- المائدة 5:3
- المائدة 5:4
- المائدة 5:5
- المائدة 5:6
- المائدة 5:7
- المائدة 5:8
- المائدة 5:9
- المائدة 5:10
- المائدة 5:11
- المائدة 5:12
- المائدة 5:13
- المائدة 5:14
- المائدة 5:15
- المائدة 5:16
- المائدة 5:17
- المائدة 5:18
- المائدة 5:19
- المائدة 5:20
- المائدة 5:21
- المائدة 5:22
- المائدة 5:23
- المائدة 5:24
- المائدة 5:25
- المائدة 5:26
- المائدة 5:27
- المائدة 5:28
- المائدة 5:29
- المائدة 5:30
- المائدة 5:31
- المائدة 5:32
- المائدة 5:33
- المائدة 5:34
- المائدة 5:35
- المائدة 5:36
- المائدة 5:37
- المائدة 5:38
- المائدة 5:39
- المائدة 5:40
- المائدة 5:41
- المائدة 5:42
- المائدة 5:43
- المائدة 5:44
- المائدة 5:45
- المائدة 5:46
- المائدة 5:47
- المائدة 5:48
- المائدة 5:49
- المائدة 5:50
المائدة 5:1
(p-٨٠)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ المائِدَةِ
هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ؛ ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ عِنْدَ مُنْصَرَفِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ الحُدَيْبِيَةِ؛ وذَكَرَ النَقّاشُ عن أبِي سَلَمَةَ أنَّهُ قالَ: «لَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ الحُدَيْبِيَةِ قالَ: "يا عَلِيُّ؛ أُشْعِرْتُ أنَّهُ نَزَلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ المائِدَةِ؛ ونِعْمَتِ الفائِدَةُ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عِنْدِي لا يُشْبِهُ كَلامَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
ومِن هَذِهِ السُورَةِ ما نَزَلَ في حَجَّةِ الوَداعِ؛ ومِنها ما نَزَلَ عامَ الفَتْحِ؛ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وكُلُّ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ بَعْدَ هِجْرَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَهو مَدَنِيٌّ؛ سَواءٌ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ؛ أو في سَفَرٍ مِنَ الأسْفارِ؛ أو بِمَكَّةَ؛ وإنَّما يُوسَمُ بِالمَكِّيِّ ما نَزَلَ قَبْلَ الهِجْرَةِ؛ ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "سُورَةُ المائِدَةِ تُدْعى في مَلَكُوتِ اللهِ المُنْقِذَةَ؛ تُنْقِذُ صاحِبَها مِن أيْدِي مَلائِكَةِ العَذابِ".»
(p-٨١)قَوْلُهُ تَعالى:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوفُوا بِالعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلا ما يُتْلى عَلَيْكم غَيْرَ مُحِلِّي الصَيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ إنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ ولا الشَهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا﴾
قالَ عَلْقَمَةُ: كُلُّ ما في القُرْآنِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ؛ فَهو مَدَنِيٌّ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذا؛ ويُقالُ: "وَفى"؛ و"أوفى"؛ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ وأمَرَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عامَّةً بِالوَفاءِ بِالعُقُودِ؛ وهِيَ: اَلرُّبُوطُ في القَوْلِ؛ كانَ ذَلِكَ في تَعاهُدٍ عَلى بِرٍّ؛ أو في عُقْدَةِ نِكاحٍ؛ أو بَيْعٍ؛ أو غَيْرِهِ؛ ولَفْظُ "اَلْمُؤْمِنِينَ"؛ يَعُمُّ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ؛ إذْ بَيْنَهم وبَيْنَ اللهِ عَقْدٌ في أداءِ الأمانَةِ فِيما في كِتابِهِمْ مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ولَفْظُ "اَلْعُقُودِ"؛ يَعُمُّ عُقُودَ الجاهِلِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلى بِرٍّ؛ مِثْلَ دَفْعِ الظُلْمِ؛ ونَحْوَهُ؛ وأمّا في سائِرِ تَعاقُدِهِمْ عَلى الظُلْمِ؛ والغاراتِ؛ فَقَدْ هَدَمَهُ الإسْلامُ؛ فَإنَّما مَعْنى الآيَةِ أمْرُ جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ بِالوَفاءِ عَلى عَقْدٍ جارٍ عَلى رَسْمِ الشَرِيعَةِ؛ وفَسَّرَ الناسُ لَفْظَ "اَلْعُقُودِ"؛ بِـ "اَلْعُهُودِ"؛ وذَكَرَ بَعْضُهم مِنَ العُقُودِ أشْياءَ عَلى جِهَةِ المِثالِ؛ فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ قَتادَةَ: ﴿ "أوفُوا بِالعُقُودِ"؛﴾ مَعْناهُ: بِعَهْدِ الجاهِلِيَّةِ؛ رُوِيَ لَنا عن رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "أوفُوا بِعَقْدِ الجاهِلِيَّةِ؛ ولا تُحْدِثُوا عَقْدًا في الإسْلامِ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفِقْهُ هَذا الحَدِيثِ أنَّ عَقْدَ الجاهِلِيَّةِ كانَ يَخُصُّ المُتَعاقِدَيْنِ؛ إذْ كانَ الجُمْهُورُ عَلى ظُلْمٍ وضَلالٍ؛ والإسْلامِ قَدْ رَبَطَ الجَمِيعَ؛ وجَعَلَ المُؤْمِنِينَ إخْوَةً؛ فالَّذِي يُرِيدُ أنْ يَخْتَصَّ بِهِ المُتَعاقِدانِ قَدْ رَبَطَهُما إلَيْهِ الشَرْعُ مَعَ غَيْرِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ التَعاهُدُ عَلى دَفْعِ نازِلَةٍ مِن نَوازِلِ الظُلاماتِ؛ فَيَلْزَمُ في الإسْلامِ التَعاهُدُ عَلى دَفْعِ ذَلِكَ؛ والوَفاءِ بِذَلِكَ العَهْدِ؛ وإمّا عَهْدٌ خاصٌّ لِما عَسى أنْ يَقَعَ؛ يَخْتَصُّ المُتَعاهِدُونَ بِالنَظَرِ فِيهِ؛ والمَنفَعَةِ؛ كَما كانَ في الجاهِلِيَّةِ؛ فَلا يَكُونُ ذَلِكَ في الإسْلامِ.
(p-٨٢)قالَ الطَبَرِيُّ: وذُكِرَ «أنَّ فُراتَ بْنَ حَيّانَ العِجْلِيَّ سَألَ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عن حِلْفِ الجاهِلِيَّةِ؛ فَقالَ: "لَعَلَّكَ تَسْألُ عن حِلْفِ لَخْمٍ وتَيْمِ اللهِ"؛ قالَ: نَعَمْ يا نَبِيَّ اللهِ؛ قالَ: "لا يَزِيدُهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً"؛» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: ﴿أوفُوا بِالعُقُودِ﴾ ؛ مَعْناهُ: "بِما أحَلَّ اللهُ؛ وبِما حَرَّمَ؛ وبِما فَرَضَ؛ وبِما حَدَّ في جَمِيعِ الأشْياءِ"؛ قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ؛ وابْنُ زَيْدٍ ؛ وغَيْرُهُما: اَلْعُقُودُ في الآيَةِ هي كُلُّ ما رَبَطَهُ المَرْءُ عَلى نَفْسِهِ مِن بَيْعٍ؛ أو نِكاحٍ؛ أو غَيْرِهِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدَةَ: اَلْعُقُودُ خَمْسٌ: عُقْدَةُ الإيمانِ؛ وعُقْدَةُ النِكاحِ؛ وعُقْدَةُ العَهْدِ؛ وعُقْدَةُ البَيْعِ؛ وعُقْدَةُ الحِلْفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَقَدْ تَنْحَصِرُ إلى أقَلَّ مِن خَمْسٍ"؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أوفُوا بِالعُقُودِ"؛﴾ قالَ: هي العُقُودُ الَّتِي أخَذَها اللهُ عَلى أهْلِ الكِتابِ أنْ يَعْمَلُوا بِما جاءَهُمْ؛ وقالَ ابْنُ شِهابٍ: «قَرَأْتُ كِتابَ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الَّذِي كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ؛ حِينَ بَعَثَهُ إلى نَجْرانَ؛ وفي صَدْرِهِ: "هَذا بَيانٌ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوفُوا بِالعُقُودِ﴾ "؛ فَكَتَبَ الآياتِ مِنها إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [المائدة: ٤]».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَأصْوَبُ ما يُقالُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ تُعَمَّمَ ألْفاظُها بِغايَةِ ما تَتَناوَلُ؛ فَيُعَمَّمَ لَفْظُ المُؤْمِنِينَ جُمْلَةً في مُظْهِرِ الإيمانِ - إنْ لَمْ يُبْطِنْهُ -؛ وفي المُؤْمِنِينَ حَقِيقَةً؛ ويُعَمَّمَ لَفْظُ "اَلْعُقُودِ"؛ في كُلِّ رَبْطٍ بِقَوْلٍ مُوافِقٍ لِلْحَقِّ؛ والشَرْعِ".
ومِن لَفْظِ العَقْدِ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ:
؎ قَوْمٌ إذا عَقَدُوا عَقْدًا لِجارِهِمُ ∗∗∗ شَدُّوا العِناجَ وشَدُّوا فَوْقَهُ الكَرَبا
(p-٨٣)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ ؛ خِطابٌ لِكُلِّ مَنِ التَزَمَ الإيمانَ عَلى وجْهِهِ وكَمالِهِ؛ وكانَتْ لِلْعَرَبِ سُنَنٌ في الأنْعامِ؛ مِنَ السائِبَةِ؛ والبَحِيرَةِ؛ والحامِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ رافِعَةً لِجَمِيعِ ذَلِكَ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى "بَهِيمَةُ الأنْعامِ"؛ فَقالَ السُدِّيُّ ؛ والرَبِيعُ ؛ وقَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ: هي الأنْعامُ كُلُّها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهُ قالَ: "أُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ"؛ فَأضافَ الجِنْسَ إلى أخَصَّ مِنهُ. وقالَ الحَسَنُ: "بَهِيمَةُ الأنْعامِ": اَلْإبِلُ؛ والبَقَرُ؛ والغَنَمُ. ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: "بَهِيمَةُ الأنْعامِ": اَلْأجِنَّةُ الَّتِي تَخْرُجُ عِنْدَ الذَبْحِ لِلْأُمَّهاتِ؛ فَهي تُؤْكَلُ دُونَ ذَكاةٍ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: هَذِهِ الأجِنَّةُ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: وقالَ قَوْمٌ: ﴿بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾: وحْشُها؛ كالظِباءِ؛ وبَقَرِ الوَحْشِ؛ والحُمُرِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وذَكَرَهُ غَيْرُ الطَبَرِيِّ عَنِ الضَحّاكِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ؛ وذَلِكَ أنَّ الأنْعامَ هي الثَمانِيَةُ الأزْواجُ؛ وما انْضافَ إلَيْها مِن سائِرِ الحَيَوانِ يُقالُ لَهُ "أنْعامٌ"؛ بِمَجْمُوعِهِ مَعَها؛ وكانَ المُفْتَرِسُ مِنَ الحَيَوانِ - كالأسَدِ؛ وكُلِّ ذِي نابٍ - قَدْ خَرَجَ عن حَدِّ الأنْعامِ؛ فَصارَ لَهُ نَظَرٌ ما؛ فَبَهِيمَةُ الأنْعامِ هي الراعِي مِن ذَواتِ الأرْبَعِ؛ وهَذِهِ - عَلى ما قِيلَ - إضافَةُ الشَيْءِ إلى نَفْسِهِ؛ كَـ "دارُ الآخِرَةِ"؛ و"مَسْجِدُ الجامِعِ"؛ وما هي عِنْدِي إلّا إضافَةُ الشَيْءِ إلى جِنْسِهِ؛ وصَرَّحَ القُرْآنُ بِتَحْلِيلِها؛ واتَّفَقَتِ الآيَةُ وقَوْلَ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "كُلُّ ذِي نابٍ مِنَ السِباعِ (p-٨٤)حَرامٌ"؛» ويُؤَيِّدُ هَذا المَنزَعَ الِاسْتِثْناءانِ بَعْدُ؛ إذْ أحَدُهُما اسْتُثْنِيَ فِيهِ أشْخاصٌ نالَتْها صِفاتٌ ما؛ وتِلْكَ الصِفاتُ واقِعاتٌ كَثِيرًا في الراعِي مِنَ الحَيَوانِ؛ والثانِي اسْتُثْنِيَ فِيهِ حالٌ لِلْمُخاطَبِينَ؛ وهي الإحْرامُ؛ والحُرُمُ؛ والصَيْدُ لا يَكُونُ إلّا مِن غَيْرِ الثَمانِيَةِ الأزْواجِ؛ فَتَرَتَّبَ الِاسْتِثْناءانِ في الراعِي مِن ذَواتِ الأرْبَعِ.
والبَهِيمَةُ - في كَلامِ العَرَبِ -: ما أبْهَمَ؛ مِن جِهَةِ نَقْصِ النُطْقِ والفَهْمِ؛ ومِنهُ: "بابٌ مُبْهَمٌ"؛ و"حائِطٌ مُبْهَمٌ"؛ و"لَيْلٌ بَهِيمٌ"؛ و"بُهْمَةٌ"؛ لِلشُّجاعِ الَّذِي لا يُدْرى مِن أيْنَ يُؤْتى لَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ ؛ اِسْتِثْناءٌ مِمّا تُلِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] ؛ اَلْآيَةَ؛ و"ما"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ؛ وأجازَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ عَلى البَدَلِ؛ وعَلى أنْ تَكُونَ "إلّا" عاطِفَةً؛ وذَلِكَ لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا مِن نَكِرَةٍ؛ أو ما قارَبَها مِن أسْماءِ الأجْناسِ؛ نَحْوَ قَوْلِكَ: "جاءَ الرِجالُ إلّا زَيْدٌ"؛ كَأنَّكَ قُلْتَ: "غَيْرُ زَيْدٍ"؛ بِالرَفْعِ.
﴿ "غَيْرَ مُحِلِّي الصَيْدِ"؛﴾ نُصِبَ "غَيْرَ"؛ عَلى الحالِ مِنَ الكافِ والمِيمِ في قَوْلِهِ: "أُحِلَّتْ لَكُمْ"؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ "غَيْرُ"؛ بِالرَفْعِ؛ ووَجْهُها الصِفَةُ لِلضَّمِيرِ فِي: "يُتْلى"؛ لِأنَّ "غَيْرُ مُحِلِّي الصَيْدِ"؛ هو في المَعْنى بِمَنزِلَةِ: "غَيْرُ مُسْتَحِلٍّ إذا كانَ صَيْدًا"؛ أو يَتَخَرَّجُ عَلى الصِفَةِ لِـ "بَهِيمَةُ"؛ عَلى مُراعاةِ مَعْنى الكَلامِ؛ كَما ذَكَرْتُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ خَلَطَ الناسُ في هَذا المَوْضِعِ في نَصْبِ "غَيْرَ"؛ وقَدَّرُوا فِيها تَقْدِيماتٍ؛ وتَأْخِيراتٍ؛ وذَلِكَ كُلُّهُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ؛ لِأنَّ الكَلامَ عَلى اطِّرادِهِ مُتَمَكِّنٌ اسْتِثْناءٍ بَعْدَ اسْتِثْناءٍ.
و"حُرُمٌ" جَمْعُ "حَرامٌ"؛ وهو المُحْرِمُ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَقُلْتُ لَها فِيئِي إلَيْكِ فَإنَّنِي ∗∗∗ ∗∗∗ حَرامٌ وإنِّي بَعْدَ ذاكَ لَبِيبُ
(p-٨٥)أيْ: "مُلَبٍّ"؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وإبْراهِيمُ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "حُرْمٌ"؛ بِسُكُونِ الراءِ؛ قالَ أبُو الحَسَنِ: هَذِهِ لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ؛ يَقُولُونَ في "رُسُلٌ": "رُسْلٌ"؛ وفي "كُتُبٌ": "كُتْبٌ"؛ ونَحْوَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ ؛ تَقْوِيَةٌ لِهَذِهِ الأحْكامِ الشَرْعِيَّةِ المُخالِفَةِ لِمَعْهُودِ أحْكامِ العَرَبِ؛ أيْ: فَأنْتَ أيُّها السامِعُ لِنَسْخِ تِلْكَ العُهُودِ الَّتِي عُهِدَتْ تَنَبَّهْ؛ فَإنَّ اللهَ الَّذِي هو مالِكُ الكُلِّ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ؛ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ.
وهَذِهِ الآيَةُ مِمّا تَلُوحُ فَصاحَتُها وكَثْرَةُ مَعانِيها؛ عَلى قِلَّةِ ألْفاظِها؛ لِكُلِّ ذِي بَصَرٍ بِالكَلامِ؛ ولِمَن عِنْدَهُ أدْنى إبْصارٍ؛ فَإنَّها تَضَمَّنَتْ خَمْسَةَ أحْكامٍ: اَلْأمْرَ بِالوَفاءِ بِالعُقُودِ؛ وتَحْلِيلَ بَهِيمَةِ الأنْعامِ؛ واسْتِثْناءَ ما تُلِيَ بَعْدُ؛ واسْتِثْناءَ حالِ الإحْرامِ فِيما يُصادُ؛ وما يَقْتَضِيهِ مَعْنى الآيَةِ مِن إباحَةِ الصَيْدِ لِمَن لَيْسَ بِمُحْرِمٍ.
وحَكى النَقّاشُ أنَّ أصْحابَ الكِنْدِيِّ قالُوا لِلْكِنْدِيِّ: أيُّها الحَكِيمُ؛ اعْمَلْ لَنا مِثْلَ هَذا القُرْآنِ؛ فَقالَ: نَعَمْ.. أعْمَلُ مِثْلَ بَعْضِهِ؛ فاحْتَجَبَ أيّامًا كَثِيرَةً؛ ثُمَّ خَرَجَ فَقالَ: واللهِ ما أقْدِرُ عَلَيْهِ؛ ولا يُطِيقُ هَذا أحَدٌ؛ إنِّي فَتَحْتُ المُصْحَفَ؛ فَخَرَجَتْ سُورَةُ "اَلْمائِدَةِ"؛ فَنَظَرْتُ فَإذا هو قَدْ أمَرَ بِالوَفاءِ؛ ونَهى عَنِ النَكْثِ؛ وحَلَّلَ تَحْلِيلًا عامًّا؛ ثُمَّ اسْتَثْنى اسْتِثْناءً بَعْدَ اسْتِثْناءٍ؛ ثُمَّ أخْبَرَ عن قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ؛ في سَطْرَيْنِ؛ ولا يَسْتَطِيعُ أنْ يَأْتِيَ أحَدٌ بِهَذا إلّا في أجْلادٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ﴾ ؛ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ حَقًّا ألّا يَتَعَدَّوْا حُدُودَ اللهِ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ.
و"اَلشَّعائِرُ": جَمْعُ "شَعِيرَةٌ"؛ أيْ: "قَدْ أشْعَرَ اللهُ أنَّها حَدُّهُ؛ وطاعَتُهُ"؛ فَهي بِمَعْنى "مَعالِمُ اللهِ"؛ واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في المَقْصُودِ مِنَ الشَعائِرِ؛ الَّذِي بِسَبَبِهِ نَزَلَ هَذا العُمُومُ في الشَعائِرِ؛ فَقالَ السُدِّيُّ: "شَعائِرَ اللهِ": "حُرَمَ اللهِ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "شَعائِرَ اللهِ": "مَناسِكَ الحَجِّ"؛ وكانَ المُشْرِكُونَ يَحُجُّونَ؛ ويَعْتَمِرُونَ؛ ويُهْدُونَ؛ ويَنْحَرُونَ؛ ويُعَظِّمُونَ مَشاعِرَ الحَجِّ؛ فَأرادَ المُسْلِمُونَ أنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ اللهُ تَعالى: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ﴾ ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "شَعائِرَ اللهِ": ما حَدَّ تَحْرِيمَهُ في الإحْرامِ؛ وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: (p-٨٦)"شَعائِرَ اللهِ": "جَمِيعَ ما أمَرَ بِهِ؛ أو نَهى عنهُ"؛ وهَذا هو القَوْلُ الراجِحُ الَّذِي تَقَدَّمَ؛ وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: كانَ عامَّةُ العَرَبِ لا يَعُدُّونَ الصَفا والمَرْوَةَ مِنَ الشَعائِرِ؛ وكانَتْ قُرَيْشٌ لا تَقِفُ بِعَرَفاتٍ؛ فَنُهُوا بِهَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا الشَهْرَ الحَرامَ﴾ ؛ اِسْمٌ مُفْرَدٌ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ في جَمِيعِ الأشْهُرِ الحُرُمِ؛ وهي كَما قالَ النَبِيُّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "ذُو القِعْدَةِ؛ وذُو الحِجَّةِ؛ والمُحَرَّمُ؛ ورَجَبُ مُضَرَ؛ الَّذِي بَيْنَ جُمادى؛ وشَعْبانَ"؛» وإنَّما أُضِيفَ إلى مُضَرَ لِأنَّها كانَتْ تَخْتَصُّ بِتَحْرِيمِهِ؛ وتُزِيلُ فِيهِ السِلاحَ؛ وتَنْزِعُ الأسِنَّةَ مِنَ الرِماحِ؛ وتُسَمِّيهِ "مُنْصِلَ الأسِنَّةِ"؛ وتُسَمِّيهِ " اَلْأصَمَّ "؛ مِن حَيْثُ كانَ لا يُسْمَعُ فِيهِ صَوْتُ سِلاحٍ؛ وكانَتِ العَرَبُ مُجْمِعَةً عَلى "ذِي القِعْدَةِ؛ وذِي الحِجَّةِ؛ والمُحَرَّمِ"؛ وكانَتْ تَطُولُ عَلَيْها الحُرْمَةُ؛ وتَمْتَنِعُ مِنَ الغاراتِ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ؛ فَلِذَلِكَ اتَّخَذَتِ النَسِيءَ؛ وهو أنْ يُحِلَّ لَها ذَلِكَ المُتَكَلِّمُ "نُعَيْمُ بْنُ ثَعْلَبَةَ"؛ وغَيْرُهُ المُحَرَّمَ؛ ويُحَرِّمَ بَدَلُهُ صَفَرًا؛ فَنَهى اللهُ عن ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ وبِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما النَسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] ؛ وجُعِلَ المُحَرَّمُ أوَّلَ شُهُورِ السَنَةِ؛ مِن حَيْثُ كانَ الحَجُّ والمَوْسِمُ غايَةَ العامِ؛ وثَمَرَتَهُ؛ فَبِذَلِكَ يَكْمُلُ؛ ثُمَّ يُسْتَأْنَفُ عامٌ آخَرُ؛ ولِذَلِكَ - واللهُ أعْلَمُ - دَوَّنَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ الدَواوِينَ؛ فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا الشَهْرَ الحَرامَ﴾ ؛ أيْ: لا تُحِلُّوهُ بِقِتالٍ؛ ولا غارَةٍ؛ ولا تَبْدِيلٍ؛ فَإنَّ تَبْدِيلَهُ اسْتِحْلالٌ لِحُرْمَتِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ الشَهْرَ الحَرامَ أُرِيدَ بِهِ رَجَبٌ؛ لِيَشْتَدَّ أمْرُهُ؛ لِأنَّهُ إنَّما كانَ مُخْتَصًّا بِقُرَيْشٍ؛ ثُمَّ فَشا في مُضَرَ؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُ عَوْفِ بْنِ الأحْوَصِ:
؎ وشَهْرِ بَنِي أُمَيَّةَ والهَدايا ∗∗∗ ∗∗∗ إذا حَبَسَتْ مُضَرِّجَها الدِماءُ
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أرادَ رَجَبًا؛ لِأنَّهُ شَهْرٌ كانَتْ مَشايِخُ قُرَيْشٍ تُعَظِّمُهُ؛ فَنَسَبَهُ إلى بَنِي (p-٨٧)أُمَيَّةَ؛ ذَكَرَ هَذا الأخْفَشُ في "المُفَضَّلِيّاتِ"؛ وقَدْ قالَ الطَبَرِيُّ: اَلْمُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ رَجَبُ مُضَرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "فَوَجْهُ هَذا التَخْصِيصِ هو - كَما قَدْ ذَكَرْتُ - أنَّ اللهَ تَعالى شَدَّدَ أمْرَ هَذا الشَهْرِ؛ إذْ كانَتِ العَرَبُ غَيْرَ مُجْمِعَةٍ عَلَيْهِ"؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: اَلْمُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ ذُو القِعْدَةِ؛ مِن حَيْثُ كانَ أوَّلَها؛ وقَوْلُنا فِيها: "أوَّلُ": تَقْرِيبٌ وتَجَوُّزٌ؛ إنَّ الشُهُورَ دائِرَةٌ؛ فالأوَّلُ إنَّما يَتَرَتَّبُ بِحَسَبِ نازِلَةٍ؛ أو قَرِينَةٍ ما؛ مُخْتَصَّةٍ بِقَوْمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ﴾ ؛ أمّا الهَدْيُ فَلا خِلافَ أنَّهُ ما أُهْدِيَ مِنَ النَعَمِ إلى بَيْتِ اللهِ؛ وقُصِدَتْ بِهِ القُرْبَةُ؛ فَأمَرَ اللهُ ألّا يُسْتَحَلَّ؛ ويُغارَ عَلَيْهِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في القَلائِدِ؛ فَحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ القَلائِدَ هي الهَدْيُ المُقَلَّدُ؛ وأنَّ الهَدْيَ إنَّما يُسَمّى هَدْيًا ما لَمْ يُقَلَّدْ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "وَلا الهَدْيَ الَّذِي لَمْ يُقَلَّدْ؛ والمُقَلَّدَ مِنهُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا الَّذِي قالَ الطَبَرِيُّ تَحامُلٌ عَلى ألْفاظِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ ولَيْسَ يَلْزَمُ مِن كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّ الهَدْيَ إنَّما يُقالُ لِما لَمْ يُقَلَّدْ؛ وإنَّما يَقْتَضِي أنَّ اللهَ نَهى عَنِ اسْتِحْلالِ الهَدْيِ جُمْلَةً؛ ثُمَّ ذَكَرَ المُقَلَّدَ مِنهُ تَأْكِيدًا؛ ومُبالَغَةً في التَنْبِيهِ عَلى الحُرْمَةِ في التَقْلِيدِ؛ وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: اَلْهَدْيُ عامٌّ في أنْواعِ ما أُهْدِيَ قُرْبَةً؛ والقَلائِدُ ما كانَ الناسُ يَتَقَلَّدُونَهُ أمَنَةً لَهُمْ؛ قالَ قَتادَةُ: كانَ الرَجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا خَرَجَ يُرِيدُ الحَجَّ تَقَلَّدَ مِنَ السَمُرِ قِلادَةً؛ فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ أحَدٌ بِسُوءٍ؛ إذْ كانَتْ تِلْكَ عَلامَةَ إحْرامِهِ؛ وحَجِّهِ؛ وقالَ عَطاءٌ ؛ وغَيْرُهُ: بَلْ كانَ الناسُ إذا خَرَجُوا مِنَ الحَرَمِ في حَوائِجَ لَهم تَقَلَّدُوا مِن شَجَرِ الحَرَمِ؛ ومِن لِحائِهِ؛ فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم مِن أهْلِ الحَرَمِ؛ أو مِن حُجّاجِهِ؛ فَيَأْمَنُونَ بِذَلِكَ؛ فَنَهى اللهُ تَعالى عَنِ اسْتِحْلالِ مَن تَحَرَّمَ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ المَعانِي؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وعَطاءٌ: بَلِ الآيَةُ نَهْيٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عن أنْ يَسْتَحِلُّوا أخْذَ القَلائِدِ مِن شَجَرِ الحَرَمِ؛ كَما (p-٨٨)كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَفْعَلُونَ؛ وقالَهُ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ ؛ عن مُطَرِّفِ بْنِ الشِخِّيرِ؛ وغَيْرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ ؛ مَعْناهُ: "وَلا تُحِلُّوهُمْ؛ فَتُغِيرُوا عَلَيْهِمْ"؛ ونَهى اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عن أنْ يَعْمَدُوا لِلْكُفّارِ القاصِدِينَ البَيْتَ الحَرامَ عَلى جِهَةِ التَعَبُّدِ؛ والقُرْبَةِ.
وكُلُّ ما في هَذِهِ الآيَةِ؛ مِن نَهْيٍ عن مُشْرِكٍ؛ أو مُراعاةِ حُرْمَةٍ لَهُ بِقِلادَةٍ؛ أو أمِّ البَيْتِ؛ ونَحْوِهِ؛ فَهو كُلُّهُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ؛ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
ورُوِيَ «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ الحُطَمِ بْنِ هِنْدٍ البَكْرِيِّ؛ أخِي بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ؛ وذَلِكَ أنَّهُ قالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَوْمًا لِأصْحابِهِ: "يَدْخُلُ اليَوْمَ عَلَيْكم رَجُلٌ مِن رَبِيعَةَ يَتَكَلَّمُ بِلِسانِ شَيْطانٍ"؛ فَجاءَ الحُطَمُ؛ فَخَلَّفَ خَيْلَهُ خارِجَةً مِنَ المَدِينَةِ؛ ودَخَلَ عَلى رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَلَمّا عَرَضَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلَيْهِ الإسْلامَ؛ ودَعاهُ إلى اللهِ قالَ: أنْظُرُ؛ ولَعَلِّي أُسْلِمُ؛ وأرى في أمْرِكَ غِلْظَةً؛ ولِي مَن أُشاوِرُهُ؛ فَخَرَجَ؛ فَقالَ النَبِيُّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: "لَقَدْ دَخَلَ بِوَجْهٍ كافِرٍ؛ وخَرَجَ بِعَقِبٍ غادِرٍ"؛ فَمَرَّ بِسَرْحٍ مِن سُرُحِ المَدِينَةِ؛ فَساقَهُ وانْطَلَقَ بِهِ وهو يَقُولُ:
؎ قَدْ لَفَّها اللَيْلُ بِسَوّاقٍ حُطَمْ ∗∗∗ ∗∗∗ لَيْسَ بِراعِي إبِلٍ ولا غَنَمْ
؎ ولا بِجَزّارٍ عَلى ظَهْرِ وضَمْ ∗∗∗ ∗∗∗ باتُوا نِيامًا وابْنُ هِنْدٍ لَمْ يَنَمْ
؎ باتَ يُقاسِيها غُلامٌ كالزُلَمْ ∗∗∗ ∗∗∗ خَدَلَّجُ الساقَيْنِ خَفّاقُ القَدَمْ
(p-٨٩)ثُمَّ أقْبَلَ الحُطَمُ مِن عامٍ قابِلٍ حاجًّا؛ وساقَ هَدْيًا؛ فَأرادَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِ؛ وخَفَّ إلَيْهِ ناسٌ مِن أصْحابِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.»
قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هَذِهِ الآيَةُ نَهْيٌ عَنِ الحُجّاجِ أنْ تُقْطَعَ سُبُلُهُمْ؛ ونَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ الحُطَمِ؛ فَذَكَرَ نَحْوَهُ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتِ الآيَةُ عامَ الفَتْحِ؛ ورَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِمَكَّةَ؛ «جاءَ أُناسٌ مِنَ المُشْرِكِينَ يَحُجُّونَ؛ ويَعْتَمِرُونَ؛ فَقالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ إنَّما هَؤُلاءِ مُشْرِكُونَ؛ فَلَنْ نَدَعَهم إلّا أنْ نُغِيرَ عَلَيْهِمْ؛ فَنَزَلَ القُرْآنُ: ﴿وَلا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَكُلُّ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِمّا يُتَصَوَّرُ في مُسْلِمٍ حاجٍّ؛ فَهو مُحْكَمٌ؛ وكُلُّ ما كانَ مِنها في الكُفّارِ فَهو مَنسُوخٌ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ وأصْحابُهُ: "وَلا آمِّي البَيْتَ"؛ بِالإضافَةِ إلى البَيْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا﴾ ؛ قالَ فِيهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: "يَبْتَغُونَ الفَضْلَ في الأرْباحِ في التِجارَةِ؛ ويَبْتَغُونَ - مَعَ ذَلِكَ - رِضْوانَهُ في ظَنِّهِمْ؛ وطَمَعِهِمْ"؛ وقالَ قَوْمٌ: إنَّما الفَضْلُ والرِضْوانُ في الآيَةِ في مَعْنًى واحِدٍ؛ وهو رِضا اللهِ وفَضْلُهُ؛ بِالرَحْمَةِ والجَزاءِ؛ فَمِنَ العَرَبِ مَن كانَ يَعْتَقِدُ جَزاءً بَعْدَ المَوْتِ؛ وأكْثَرُهم إنَّما كانُوا يَرْجُونَ الجَزاءَ والرِضْوانَ في الدُنْيا؛ والكَسْبَ وكَثْرَةَ الأولادِ؛ ويَتَقَرَّبُونَ رَجاءَ الزِيادَةِ في هَذِهِ المَعانِي؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَرُضْوانًا"؛ بِضَمِّ الراءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ الآيَةُ اسْتِئْلافٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِلْعَرَبِ؛ ولُطْفٌ بِهِمْ؛ لِتَنْبَسِطَ النُفُوسُ؛ ويَتَداخَلَ الناسُ؛ ويَرِدُوا المَوْسِمَ؛ فَيَسْمَعُوا القُرْآنَ؛ ويَدْخُلَ الإيمانُ في قُلُوبِهِمْ؛ وتَقُومَ عِنْدَهُمُ الحُجَّةُ كالَّذِي كانَ؛ وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ عامَ الفَتْحِ؛ ونَسَخَ اللهُ تَعالى ذَلِكَ كُلَّهُ بَعْدَ عامٍ؛ سَنَةَ تِسْعٍ؛ إذْ حَجَّ أبُو بَكْرٍ ؛ ونُودِيَ الناسُ بِسُورَةِ "بَراءَةٌ".
المائدة 5:2
(p-٨٠)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ المائِدَةِ
هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ؛ ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ عِنْدَ مُنْصَرَفِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ الحُدَيْبِيَةِ؛ وذَكَرَ النَقّاشُ عن أبِي سَلَمَةَ أنَّهُ قالَ: «لَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ الحُدَيْبِيَةِ قالَ: "يا عَلِيُّ؛ أُشْعِرْتُ أنَّهُ نَزَلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ المائِدَةِ؛ ونِعْمَتِ الفائِدَةُ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عِنْدِي لا يُشْبِهُ كَلامَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
ومِن هَذِهِ السُورَةِ ما نَزَلَ في حَجَّةِ الوَداعِ؛ ومِنها ما نَزَلَ عامَ الفَتْحِ؛ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وكُلُّ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ بَعْدَ هِجْرَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَهو مَدَنِيٌّ؛ سَواءٌ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ؛ أو في سَفَرٍ مِنَ الأسْفارِ؛ أو بِمَكَّةَ؛ وإنَّما يُوسَمُ بِالمَكِّيِّ ما نَزَلَ قَبْلَ الهِجْرَةِ؛ ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "سُورَةُ المائِدَةِ تُدْعى في مَلَكُوتِ اللهِ المُنْقِذَةَ؛ تُنْقِذُ صاحِبَها مِن أيْدِي مَلائِكَةِ العَذابِ".»
(p-٨١)قَوْلُهُ تَعالى:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوفُوا بِالعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلا ما يُتْلى عَلَيْكم غَيْرَ مُحِلِّي الصَيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ إنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ ولا الشَهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا﴾
قالَ عَلْقَمَةُ: كُلُّ ما في القُرْآنِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ؛ فَهو مَدَنِيٌّ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذا؛ ويُقالُ: "وَفى"؛ و"أوفى"؛ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ وأمَرَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عامَّةً بِالوَفاءِ بِالعُقُودِ؛ وهِيَ: اَلرُّبُوطُ في القَوْلِ؛ كانَ ذَلِكَ في تَعاهُدٍ عَلى بِرٍّ؛ أو في عُقْدَةِ نِكاحٍ؛ أو بَيْعٍ؛ أو غَيْرِهِ؛ ولَفْظُ "اَلْمُؤْمِنِينَ"؛ يَعُمُّ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ؛ إذْ بَيْنَهم وبَيْنَ اللهِ عَقْدٌ في أداءِ الأمانَةِ فِيما في كِتابِهِمْ مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ولَفْظُ "اَلْعُقُودِ"؛ يَعُمُّ عُقُودَ الجاهِلِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلى بِرٍّ؛ مِثْلَ دَفْعِ الظُلْمِ؛ ونَحْوَهُ؛ وأمّا في سائِرِ تَعاقُدِهِمْ عَلى الظُلْمِ؛ والغاراتِ؛ فَقَدْ هَدَمَهُ الإسْلامُ؛ فَإنَّما مَعْنى الآيَةِ أمْرُ جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ بِالوَفاءِ عَلى عَقْدٍ جارٍ عَلى رَسْمِ الشَرِيعَةِ؛ وفَسَّرَ الناسُ لَفْظَ "اَلْعُقُودِ"؛ بِـ "اَلْعُهُودِ"؛ وذَكَرَ بَعْضُهم مِنَ العُقُودِ أشْياءَ عَلى جِهَةِ المِثالِ؛ فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ قَتادَةَ: ﴿ "أوفُوا بِالعُقُودِ"؛﴾ مَعْناهُ: بِعَهْدِ الجاهِلِيَّةِ؛ رُوِيَ لَنا عن رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "أوفُوا بِعَقْدِ الجاهِلِيَّةِ؛ ولا تُحْدِثُوا عَقْدًا في الإسْلامِ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفِقْهُ هَذا الحَدِيثِ أنَّ عَقْدَ الجاهِلِيَّةِ كانَ يَخُصُّ المُتَعاقِدَيْنِ؛ إذْ كانَ الجُمْهُورُ عَلى ظُلْمٍ وضَلالٍ؛ والإسْلامِ قَدْ رَبَطَ الجَمِيعَ؛ وجَعَلَ المُؤْمِنِينَ إخْوَةً؛ فالَّذِي يُرِيدُ أنْ يَخْتَصَّ بِهِ المُتَعاقِدانِ قَدْ رَبَطَهُما إلَيْهِ الشَرْعُ مَعَ غَيْرِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ التَعاهُدُ عَلى دَفْعِ نازِلَةٍ مِن نَوازِلِ الظُلاماتِ؛ فَيَلْزَمُ في الإسْلامِ التَعاهُدُ عَلى دَفْعِ ذَلِكَ؛ والوَفاءِ بِذَلِكَ العَهْدِ؛ وإمّا عَهْدٌ خاصٌّ لِما عَسى أنْ يَقَعَ؛ يَخْتَصُّ المُتَعاهِدُونَ بِالنَظَرِ فِيهِ؛ والمَنفَعَةِ؛ كَما كانَ في الجاهِلِيَّةِ؛ فَلا يَكُونُ ذَلِكَ في الإسْلامِ.
(p-٨٢)قالَ الطَبَرِيُّ: وذُكِرَ «أنَّ فُراتَ بْنَ حَيّانَ العِجْلِيَّ سَألَ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عن حِلْفِ الجاهِلِيَّةِ؛ فَقالَ: "لَعَلَّكَ تَسْألُ عن حِلْفِ لَخْمٍ وتَيْمِ اللهِ"؛ قالَ: نَعَمْ يا نَبِيَّ اللهِ؛ قالَ: "لا يَزِيدُهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً"؛» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: ﴿أوفُوا بِالعُقُودِ﴾ ؛ مَعْناهُ: "بِما أحَلَّ اللهُ؛ وبِما حَرَّمَ؛ وبِما فَرَضَ؛ وبِما حَدَّ في جَمِيعِ الأشْياءِ"؛ قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ؛ وابْنُ زَيْدٍ ؛ وغَيْرُهُما: اَلْعُقُودُ في الآيَةِ هي كُلُّ ما رَبَطَهُ المَرْءُ عَلى نَفْسِهِ مِن بَيْعٍ؛ أو نِكاحٍ؛ أو غَيْرِهِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدَةَ: اَلْعُقُودُ خَمْسٌ: عُقْدَةُ الإيمانِ؛ وعُقْدَةُ النِكاحِ؛ وعُقْدَةُ العَهْدِ؛ وعُقْدَةُ البَيْعِ؛ وعُقْدَةُ الحِلْفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَقَدْ تَنْحَصِرُ إلى أقَلَّ مِن خَمْسٍ"؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أوفُوا بِالعُقُودِ"؛﴾ قالَ: هي العُقُودُ الَّتِي أخَذَها اللهُ عَلى أهْلِ الكِتابِ أنْ يَعْمَلُوا بِما جاءَهُمْ؛ وقالَ ابْنُ شِهابٍ: «قَرَأْتُ كِتابَ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الَّذِي كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ؛ حِينَ بَعَثَهُ إلى نَجْرانَ؛ وفي صَدْرِهِ: "هَذا بَيانٌ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوفُوا بِالعُقُودِ﴾ "؛ فَكَتَبَ الآياتِ مِنها إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [المائدة: ٤]».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَأصْوَبُ ما يُقالُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ تُعَمَّمَ ألْفاظُها بِغايَةِ ما تَتَناوَلُ؛ فَيُعَمَّمَ لَفْظُ المُؤْمِنِينَ جُمْلَةً في مُظْهِرِ الإيمانِ - إنْ لَمْ يُبْطِنْهُ -؛ وفي المُؤْمِنِينَ حَقِيقَةً؛ ويُعَمَّمَ لَفْظُ "اَلْعُقُودِ"؛ في كُلِّ رَبْطٍ بِقَوْلٍ مُوافِقٍ لِلْحَقِّ؛ والشَرْعِ".
ومِن لَفْظِ العَقْدِ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ:
؎ قَوْمٌ إذا عَقَدُوا عَقْدًا لِجارِهِمُ ∗∗∗ شَدُّوا العِناجَ وشَدُّوا فَوْقَهُ الكَرَبا
(p-٨٣)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ ؛ خِطابٌ لِكُلِّ مَنِ التَزَمَ الإيمانَ عَلى وجْهِهِ وكَمالِهِ؛ وكانَتْ لِلْعَرَبِ سُنَنٌ في الأنْعامِ؛ مِنَ السائِبَةِ؛ والبَحِيرَةِ؛ والحامِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ رافِعَةً لِجَمِيعِ ذَلِكَ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى "بَهِيمَةُ الأنْعامِ"؛ فَقالَ السُدِّيُّ ؛ والرَبِيعُ ؛ وقَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ: هي الأنْعامُ كُلُّها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهُ قالَ: "أُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ"؛ فَأضافَ الجِنْسَ إلى أخَصَّ مِنهُ. وقالَ الحَسَنُ: "بَهِيمَةُ الأنْعامِ": اَلْإبِلُ؛ والبَقَرُ؛ والغَنَمُ. ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: "بَهِيمَةُ الأنْعامِ": اَلْأجِنَّةُ الَّتِي تَخْرُجُ عِنْدَ الذَبْحِ لِلْأُمَّهاتِ؛ فَهي تُؤْكَلُ دُونَ ذَكاةٍ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: هَذِهِ الأجِنَّةُ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: وقالَ قَوْمٌ: ﴿بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾: وحْشُها؛ كالظِباءِ؛ وبَقَرِ الوَحْشِ؛ والحُمُرِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وذَكَرَهُ غَيْرُ الطَبَرِيِّ عَنِ الضَحّاكِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ؛ وذَلِكَ أنَّ الأنْعامَ هي الثَمانِيَةُ الأزْواجُ؛ وما انْضافَ إلَيْها مِن سائِرِ الحَيَوانِ يُقالُ لَهُ "أنْعامٌ"؛ بِمَجْمُوعِهِ مَعَها؛ وكانَ المُفْتَرِسُ مِنَ الحَيَوانِ - كالأسَدِ؛ وكُلِّ ذِي نابٍ - قَدْ خَرَجَ عن حَدِّ الأنْعامِ؛ فَصارَ لَهُ نَظَرٌ ما؛ فَبَهِيمَةُ الأنْعامِ هي الراعِي مِن ذَواتِ الأرْبَعِ؛ وهَذِهِ - عَلى ما قِيلَ - إضافَةُ الشَيْءِ إلى نَفْسِهِ؛ كَـ "دارُ الآخِرَةِ"؛ و"مَسْجِدُ الجامِعِ"؛ وما هي عِنْدِي إلّا إضافَةُ الشَيْءِ إلى جِنْسِهِ؛ وصَرَّحَ القُرْآنُ بِتَحْلِيلِها؛ واتَّفَقَتِ الآيَةُ وقَوْلَ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "كُلُّ ذِي نابٍ مِنَ السِباعِ (p-٨٤)حَرامٌ"؛» ويُؤَيِّدُ هَذا المَنزَعَ الِاسْتِثْناءانِ بَعْدُ؛ إذْ أحَدُهُما اسْتُثْنِيَ فِيهِ أشْخاصٌ نالَتْها صِفاتٌ ما؛ وتِلْكَ الصِفاتُ واقِعاتٌ كَثِيرًا في الراعِي مِنَ الحَيَوانِ؛ والثانِي اسْتُثْنِيَ فِيهِ حالٌ لِلْمُخاطَبِينَ؛ وهي الإحْرامُ؛ والحُرُمُ؛ والصَيْدُ لا يَكُونُ إلّا مِن غَيْرِ الثَمانِيَةِ الأزْواجِ؛ فَتَرَتَّبَ الِاسْتِثْناءانِ في الراعِي مِن ذَواتِ الأرْبَعِ.
والبَهِيمَةُ - في كَلامِ العَرَبِ -: ما أبْهَمَ؛ مِن جِهَةِ نَقْصِ النُطْقِ والفَهْمِ؛ ومِنهُ: "بابٌ مُبْهَمٌ"؛ و"حائِطٌ مُبْهَمٌ"؛ و"لَيْلٌ بَهِيمٌ"؛ و"بُهْمَةٌ"؛ لِلشُّجاعِ الَّذِي لا يُدْرى مِن أيْنَ يُؤْتى لَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ ؛ اِسْتِثْناءٌ مِمّا تُلِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] ؛ اَلْآيَةَ؛ و"ما"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ؛ وأجازَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ عَلى البَدَلِ؛ وعَلى أنْ تَكُونَ "إلّا" عاطِفَةً؛ وذَلِكَ لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا مِن نَكِرَةٍ؛ أو ما قارَبَها مِن أسْماءِ الأجْناسِ؛ نَحْوَ قَوْلِكَ: "جاءَ الرِجالُ إلّا زَيْدٌ"؛ كَأنَّكَ قُلْتَ: "غَيْرُ زَيْدٍ"؛ بِالرَفْعِ.
﴿ "غَيْرَ مُحِلِّي الصَيْدِ"؛﴾ نُصِبَ "غَيْرَ"؛ عَلى الحالِ مِنَ الكافِ والمِيمِ في قَوْلِهِ: "أُحِلَّتْ لَكُمْ"؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ "غَيْرُ"؛ بِالرَفْعِ؛ ووَجْهُها الصِفَةُ لِلضَّمِيرِ فِي: "يُتْلى"؛ لِأنَّ "غَيْرُ مُحِلِّي الصَيْدِ"؛ هو في المَعْنى بِمَنزِلَةِ: "غَيْرُ مُسْتَحِلٍّ إذا كانَ صَيْدًا"؛ أو يَتَخَرَّجُ عَلى الصِفَةِ لِـ "بَهِيمَةُ"؛ عَلى مُراعاةِ مَعْنى الكَلامِ؛ كَما ذَكَرْتُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ خَلَطَ الناسُ في هَذا المَوْضِعِ في نَصْبِ "غَيْرَ"؛ وقَدَّرُوا فِيها تَقْدِيماتٍ؛ وتَأْخِيراتٍ؛ وذَلِكَ كُلُّهُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ؛ لِأنَّ الكَلامَ عَلى اطِّرادِهِ مُتَمَكِّنٌ اسْتِثْناءٍ بَعْدَ اسْتِثْناءٍ.
و"حُرُمٌ" جَمْعُ "حَرامٌ"؛ وهو المُحْرِمُ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَقُلْتُ لَها فِيئِي إلَيْكِ فَإنَّنِي ∗∗∗ ∗∗∗ حَرامٌ وإنِّي بَعْدَ ذاكَ لَبِيبُ
(p-٨٥)أيْ: "مُلَبٍّ"؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وإبْراهِيمُ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "حُرْمٌ"؛ بِسُكُونِ الراءِ؛ قالَ أبُو الحَسَنِ: هَذِهِ لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ؛ يَقُولُونَ في "رُسُلٌ": "رُسْلٌ"؛ وفي "كُتُبٌ": "كُتْبٌ"؛ ونَحْوَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ ؛ تَقْوِيَةٌ لِهَذِهِ الأحْكامِ الشَرْعِيَّةِ المُخالِفَةِ لِمَعْهُودِ أحْكامِ العَرَبِ؛ أيْ: فَأنْتَ أيُّها السامِعُ لِنَسْخِ تِلْكَ العُهُودِ الَّتِي عُهِدَتْ تَنَبَّهْ؛ فَإنَّ اللهَ الَّذِي هو مالِكُ الكُلِّ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ؛ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ.
وهَذِهِ الآيَةُ مِمّا تَلُوحُ فَصاحَتُها وكَثْرَةُ مَعانِيها؛ عَلى قِلَّةِ ألْفاظِها؛ لِكُلِّ ذِي بَصَرٍ بِالكَلامِ؛ ولِمَن عِنْدَهُ أدْنى إبْصارٍ؛ فَإنَّها تَضَمَّنَتْ خَمْسَةَ أحْكامٍ: اَلْأمْرَ بِالوَفاءِ بِالعُقُودِ؛ وتَحْلِيلَ بَهِيمَةِ الأنْعامِ؛ واسْتِثْناءَ ما تُلِيَ بَعْدُ؛ واسْتِثْناءَ حالِ الإحْرامِ فِيما يُصادُ؛ وما يَقْتَضِيهِ مَعْنى الآيَةِ مِن إباحَةِ الصَيْدِ لِمَن لَيْسَ بِمُحْرِمٍ.
وحَكى النَقّاشُ أنَّ أصْحابَ الكِنْدِيِّ قالُوا لِلْكِنْدِيِّ: أيُّها الحَكِيمُ؛ اعْمَلْ لَنا مِثْلَ هَذا القُرْآنِ؛ فَقالَ: نَعَمْ.. أعْمَلُ مِثْلَ بَعْضِهِ؛ فاحْتَجَبَ أيّامًا كَثِيرَةً؛ ثُمَّ خَرَجَ فَقالَ: واللهِ ما أقْدِرُ عَلَيْهِ؛ ولا يُطِيقُ هَذا أحَدٌ؛ إنِّي فَتَحْتُ المُصْحَفَ؛ فَخَرَجَتْ سُورَةُ "اَلْمائِدَةِ"؛ فَنَظَرْتُ فَإذا هو قَدْ أمَرَ بِالوَفاءِ؛ ونَهى عَنِ النَكْثِ؛ وحَلَّلَ تَحْلِيلًا عامًّا؛ ثُمَّ اسْتَثْنى اسْتِثْناءً بَعْدَ اسْتِثْناءٍ؛ ثُمَّ أخْبَرَ عن قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ؛ في سَطْرَيْنِ؛ ولا يَسْتَطِيعُ أنْ يَأْتِيَ أحَدٌ بِهَذا إلّا في أجْلادٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ﴾ ؛ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ حَقًّا ألّا يَتَعَدَّوْا حُدُودَ اللهِ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ.
و"اَلشَّعائِرُ": جَمْعُ "شَعِيرَةٌ"؛ أيْ: "قَدْ أشْعَرَ اللهُ أنَّها حَدُّهُ؛ وطاعَتُهُ"؛ فَهي بِمَعْنى "مَعالِمُ اللهِ"؛ واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في المَقْصُودِ مِنَ الشَعائِرِ؛ الَّذِي بِسَبَبِهِ نَزَلَ هَذا العُمُومُ في الشَعائِرِ؛ فَقالَ السُدِّيُّ: "شَعائِرَ اللهِ": "حُرَمَ اللهِ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "شَعائِرَ اللهِ": "مَناسِكَ الحَجِّ"؛ وكانَ المُشْرِكُونَ يَحُجُّونَ؛ ويَعْتَمِرُونَ؛ ويُهْدُونَ؛ ويَنْحَرُونَ؛ ويُعَظِّمُونَ مَشاعِرَ الحَجِّ؛ فَأرادَ المُسْلِمُونَ أنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ اللهُ تَعالى: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ﴾ ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "شَعائِرَ اللهِ": ما حَدَّ تَحْرِيمَهُ في الإحْرامِ؛ وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: (p-٨٦)"شَعائِرَ اللهِ": "جَمِيعَ ما أمَرَ بِهِ؛ أو نَهى عنهُ"؛ وهَذا هو القَوْلُ الراجِحُ الَّذِي تَقَدَّمَ؛ وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: كانَ عامَّةُ العَرَبِ لا يَعُدُّونَ الصَفا والمَرْوَةَ مِنَ الشَعائِرِ؛ وكانَتْ قُرَيْشٌ لا تَقِفُ بِعَرَفاتٍ؛ فَنُهُوا بِهَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا الشَهْرَ الحَرامَ﴾ ؛ اِسْمٌ مُفْرَدٌ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ في جَمِيعِ الأشْهُرِ الحُرُمِ؛ وهي كَما قالَ النَبِيُّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "ذُو القِعْدَةِ؛ وذُو الحِجَّةِ؛ والمُحَرَّمُ؛ ورَجَبُ مُضَرَ؛ الَّذِي بَيْنَ جُمادى؛ وشَعْبانَ"؛» وإنَّما أُضِيفَ إلى مُضَرَ لِأنَّها كانَتْ تَخْتَصُّ بِتَحْرِيمِهِ؛ وتُزِيلُ فِيهِ السِلاحَ؛ وتَنْزِعُ الأسِنَّةَ مِنَ الرِماحِ؛ وتُسَمِّيهِ "مُنْصِلَ الأسِنَّةِ"؛ وتُسَمِّيهِ " اَلْأصَمَّ "؛ مِن حَيْثُ كانَ لا يُسْمَعُ فِيهِ صَوْتُ سِلاحٍ؛ وكانَتِ العَرَبُ مُجْمِعَةً عَلى "ذِي القِعْدَةِ؛ وذِي الحِجَّةِ؛ والمُحَرَّمِ"؛ وكانَتْ تَطُولُ عَلَيْها الحُرْمَةُ؛ وتَمْتَنِعُ مِنَ الغاراتِ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ؛ فَلِذَلِكَ اتَّخَذَتِ النَسِيءَ؛ وهو أنْ يُحِلَّ لَها ذَلِكَ المُتَكَلِّمُ "نُعَيْمُ بْنُ ثَعْلَبَةَ"؛ وغَيْرُهُ المُحَرَّمَ؛ ويُحَرِّمَ بَدَلُهُ صَفَرًا؛ فَنَهى اللهُ عن ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ وبِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما النَسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] ؛ وجُعِلَ المُحَرَّمُ أوَّلَ شُهُورِ السَنَةِ؛ مِن حَيْثُ كانَ الحَجُّ والمَوْسِمُ غايَةَ العامِ؛ وثَمَرَتَهُ؛ فَبِذَلِكَ يَكْمُلُ؛ ثُمَّ يُسْتَأْنَفُ عامٌ آخَرُ؛ ولِذَلِكَ - واللهُ أعْلَمُ - دَوَّنَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ الدَواوِينَ؛ فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا الشَهْرَ الحَرامَ﴾ ؛ أيْ: لا تُحِلُّوهُ بِقِتالٍ؛ ولا غارَةٍ؛ ولا تَبْدِيلٍ؛ فَإنَّ تَبْدِيلَهُ اسْتِحْلالٌ لِحُرْمَتِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ الشَهْرَ الحَرامَ أُرِيدَ بِهِ رَجَبٌ؛ لِيَشْتَدَّ أمْرُهُ؛ لِأنَّهُ إنَّما كانَ مُخْتَصًّا بِقُرَيْشٍ؛ ثُمَّ فَشا في مُضَرَ؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُ عَوْفِ بْنِ الأحْوَصِ:
؎ وشَهْرِ بَنِي أُمَيَّةَ والهَدايا ∗∗∗ ∗∗∗ إذا حَبَسَتْ مُضَرِّجَها الدِماءُ
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أرادَ رَجَبًا؛ لِأنَّهُ شَهْرٌ كانَتْ مَشايِخُ قُرَيْشٍ تُعَظِّمُهُ؛ فَنَسَبَهُ إلى بَنِي (p-٨٧)أُمَيَّةَ؛ ذَكَرَ هَذا الأخْفَشُ في "المُفَضَّلِيّاتِ"؛ وقَدْ قالَ الطَبَرِيُّ: اَلْمُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ رَجَبُ مُضَرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "فَوَجْهُ هَذا التَخْصِيصِ هو - كَما قَدْ ذَكَرْتُ - أنَّ اللهَ تَعالى شَدَّدَ أمْرَ هَذا الشَهْرِ؛ إذْ كانَتِ العَرَبُ غَيْرَ مُجْمِعَةٍ عَلَيْهِ"؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: اَلْمُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ ذُو القِعْدَةِ؛ مِن حَيْثُ كانَ أوَّلَها؛ وقَوْلُنا فِيها: "أوَّلُ": تَقْرِيبٌ وتَجَوُّزٌ؛ إنَّ الشُهُورَ دائِرَةٌ؛ فالأوَّلُ إنَّما يَتَرَتَّبُ بِحَسَبِ نازِلَةٍ؛ أو قَرِينَةٍ ما؛ مُخْتَصَّةٍ بِقَوْمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ﴾ ؛ أمّا الهَدْيُ فَلا خِلافَ أنَّهُ ما أُهْدِيَ مِنَ النَعَمِ إلى بَيْتِ اللهِ؛ وقُصِدَتْ بِهِ القُرْبَةُ؛ فَأمَرَ اللهُ ألّا يُسْتَحَلَّ؛ ويُغارَ عَلَيْهِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في القَلائِدِ؛ فَحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ القَلائِدَ هي الهَدْيُ المُقَلَّدُ؛ وأنَّ الهَدْيَ إنَّما يُسَمّى هَدْيًا ما لَمْ يُقَلَّدْ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "وَلا الهَدْيَ الَّذِي لَمْ يُقَلَّدْ؛ والمُقَلَّدَ مِنهُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا الَّذِي قالَ الطَبَرِيُّ تَحامُلٌ عَلى ألْفاظِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ ولَيْسَ يَلْزَمُ مِن كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّ الهَدْيَ إنَّما يُقالُ لِما لَمْ يُقَلَّدْ؛ وإنَّما يَقْتَضِي أنَّ اللهَ نَهى عَنِ اسْتِحْلالِ الهَدْيِ جُمْلَةً؛ ثُمَّ ذَكَرَ المُقَلَّدَ مِنهُ تَأْكِيدًا؛ ومُبالَغَةً في التَنْبِيهِ عَلى الحُرْمَةِ في التَقْلِيدِ؛ وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: اَلْهَدْيُ عامٌّ في أنْواعِ ما أُهْدِيَ قُرْبَةً؛ والقَلائِدُ ما كانَ الناسُ يَتَقَلَّدُونَهُ أمَنَةً لَهُمْ؛ قالَ قَتادَةُ: كانَ الرَجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا خَرَجَ يُرِيدُ الحَجَّ تَقَلَّدَ مِنَ السَمُرِ قِلادَةً؛ فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ أحَدٌ بِسُوءٍ؛ إذْ كانَتْ تِلْكَ عَلامَةَ إحْرامِهِ؛ وحَجِّهِ؛ وقالَ عَطاءٌ ؛ وغَيْرُهُ: بَلْ كانَ الناسُ إذا خَرَجُوا مِنَ الحَرَمِ في حَوائِجَ لَهم تَقَلَّدُوا مِن شَجَرِ الحَرَمِ؛ ومِن لِحائِهِ؛ فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم مِن أهْلِ الحَرَمِ؛ أو مِن حُجّاجِهِ؛ فَيَأْمَنُونَ بِذَلِكَ؛ فَنَهى اللهُ تَعالى عَنِ اسْتِحْلالِ مَن تَحَرَّمَ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ المَعانِي؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وعَطاءٌ: بَلِ الآيَةُ نَهْيٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عن أنْ يَسْتَحِلُّوا أخْذَ القَلائِدِ مِن شَجَرِ الحَرَمِ؛ كَما (p-٨٨)كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَفْعَلُونَ؛ وقالَهُ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ ؛ عن مُطَرِّفِ بْنِ الشِخِّيرِ؛ وغَيْرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ ؛ مَعْناهُ: "وَلا تُحِلُّوهُمْ؛ فَتُغِيرُوا عَلَيْهِمْ"؛ ونَهى اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عن أنْ يَعْمَدُوا لِلْكُفّارِ القاصِدِينَ البَيْتَ الحَرامَ عَلى جِهَةِ التَعَبُّدِ؛ والقُرْبَةِ.
وكُلُّ ما في هَذِهِ الآيَةِ؛ مِن نَهْيٍ عن مُشْرِكٍ؛ أو مُراعاةِ حُرْمَةٍ لَهُ بِقِلادَةٍ؛ أو أمِّ البَيْتِ؛ ونَحْوِهِ؛ فَهو كُلُّهُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ؛ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
ورُوِيَ «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ الحُطَمِ بْنِ هِنْدٍ البَكْرِيِّ؛ أخِي بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ؛ وذَلِكَ أنَّهُ قالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَوْمًا لِأصْحابِهِ: "يَدْخُلُ اليَوْمَ عَلَيْكم رَجُلٌ مِن رَبِيعَةَ يَتَكَلَّمُ بِلِسانِ شَيْطانٍ"؛ فَجاءَ الحُطَمُ؛ فَخَلَّفَ خَيْلَهُ خارِجَةً مِنَ المَدِينَةِ؛ ودَخَلَ عَلى رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَلَمّا عَرَضَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلَيْهِ الإسْلامَ؛ ودَعاهُ إلى اللهِ قالَ: أنْظُرُ؛ ولَعَلِّي أُسْلِمُ؛ وأرى في أمْرِكَ غِلْظَةً؛ ولِي مَن أُشاوِرُهُ؛ فَخَرَجَ؛ فَقالَ النَبِيُّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: "لَقَدْ دَخَلَ بِوَجْهٍ كافِرٍ؛ وخَرَجَ بِعَقِبٍ غادِرٍ"؛ فَمَرَّ بِسَرْحٍ مِن سُرُحِ المَدِينَةِ؛ فَساقَهُ وانْطَلَقَ بِهِ وهو يَقُولُ:
؎ قَدْ لَفَّها اللَيْلُ بِسَوّاقٍ حُطَمْ ∗∗∗ ∗∗∗ لَيْسَ بِراعِي إبِلٍ ولا غَنَمْ
؎ ولا بِجَزّارٍ عَلى ظَهْرِ وضَمْ ∗∗∗ ∗∗∗ باتُوا نِيامًا وابْنُ هِنْدٍ لَمْ يَنَمْ
؎ باتَ يُقاسِيها غُلامٌ كالزُلَمْ ∗∗∗ ∗∗∗ خَدَلَّجُ الساقَيْنِ خَفّاقُ القَدَمْ
(p-٨٩)ثُمَّ أقْبَلَ الحُطَمُ مِن عامٍ قابِلٍ حاجًّا؛ وساقَ هَدْيًا؛ فَأرادَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِ؛ وخَفَّ إلَيْهِ ناسٌ مِن أصْحابِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.»
قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هَذِهِ الآيَةُ نَهْيٌ عَنِ الحُجّاجِ أنْ تُقْطَعَ سُبُلُهُمْ؛ ونَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ الحُطَمِ؛ فَذَكَرَ نَحْوَهُ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتِ الآيَةُ عامَ الفَتْحِ؛ ورَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِمَكَّةَ؛ «جاءَ أُناسٌ مِنَ المُشْرِكِينَ يَحُجُّونَ؛ ويَعْتَمِرُونَ؛ فَقالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ إنَّما هَؤُلاءِ مُشْرِكُونَ؛ فَلَنْ نَدَعَهم إلّا أنْ نُغِيرَ عَلَيْهِمْ؛ فَنَزَلَ القُرْآنُ: ﴿وَلا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَكُلُّ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِمّا يُتَصَوَّرُ في مُسْلِمٍ حاجٍّ؛ فَهو مُحْكَمٌ؛ وكُلُّ ما كانَ مِنها في الكُفّارِ فَهو مَنسُوخٌ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ وأصْحابُهُ: "وَلا آمِّي البَيْتَ"؛ بِالإضافَةِ إلى البَيْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا﴾ ؛ قالَ فِيهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: "يَبْتَغُونَ الفَضْلَ في الأرْباحِ في التِجارَةِ؛ ويَبْتَغُونَ - مَعَ ذَلِكَ - رِضْوانَهُ في ظَنِّهِمْ؛ وطَمَعِهِمْ"؛ وقالَ قَوْمٌ: إنَّما الفَضْلُ والرِضْوانُ في الآيَةِ في مَعْنًى واحِدٍ؛ وهو رِضا اللهِ وفَضْلُهُ؛ بِالرَحْمَةِ والجَزاءِ؛ فَمِنَ العَرَبِ مَن كانَ يَعْتَقِدُ جَزاءً بَعْدَ المَوْتِ؛ وأكْثَرُهم إنَّما كانُوا يَرْجُونَ الجَزاءَ والرِضْوانَ في الدُنْيا؛ والكَسْبَ وكَثْرَةَ الأولادِ؛ ويَتَقَرَّبُونَ رَجاءَ الزِيادَةِ في هَذِهِ المَعانِي؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَرُضْوانًا"؛ بِضَمِّ الراءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ الآيَةُ اسْتِئْلافٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِلْعَرَبِ؛ ولُطْفٌ بِهِمْ؛ لِتَنْبَسِطَ النُفُوسُ؛ ويَتَداخَلَ الناسُ؛ ويَرِدُوا المَوْسِمَ؛ فَيَسْمَعُوا القُرْآنَ؛ ويَدْخُلَ الإيمانُ في قُلُوبِهِمْ؛ وتَقُومَ عِنْدَهُمُ الحُجَّةُ كالَّذِي كانَ؛ وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ عامَ الفَتْحِ؛ ونَسَخَ اللهُ تَعالى ذَلِكَ كُلَّهُ بَعْدَ عامٍ؛ سَنَةَ تِسْعٍ؛ إذْ حَجَّ أبُو بَكْرٍ ؛ ونُودِيَ الناسُ بِسُورَةِ "بَراءَةٌ".
المائدة 5:3
(p-٩٠)قَوْلُهُ تَعالى:
﴿وَإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أنْ تَعْتَدُوا وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَقْوى ولا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [المائدة: ٢] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ والمُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَطِيحَةُ وما أكَلَ السَبُعُ إلا ما ذَكَّيْتُمْ﴾
جاءَتْ إباحَةُ الصَيْدِ عَقِبَ التَشَدُّدِ في حَرَمِ البَشَرِ حَسَنَةً في فَصاحَةِ القَوْلِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: "فاصْطادُوا"؛ صِيغَةُ أمْرٍ؛ ومَعْناهُ الإباحَةُ؛ بِإجْماعٍ مِنَ الناسِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في صِيغَةِ "اِفْعَلْ"؛ إذا ورَدَتْ ولَمْ يَقْتَرِنْ بِها بَيانٌ واضِحٌ في أحَدِ المُحْتَمَلاتِ؛ فَقالَ الفُقَهاءُ: هي عَلى الوُجُوبِ؛ حَتّى يَدُلَّ الدَلِيلُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ وقالَ المُتَكَلِّمُونَ: هي عَلى الوَقْفِ حَتّى تُطْلَقَ القَرِينَةُ؛ ولَنْ يُعَرّى أمْرٌ مِن قَرِينَةٍ؛ وقالَ قَوْمٌ: هي عَلى الإباحَةِ؛ حَتّى يَدُلَّ الدَلِيلُ؛ وقالَ قَوْمٌ: هي عَلى النَدْبِ؛ حَتّى يَدُلَّ الدَلِيلُ؛ وقَوْلُ الفُقَهاءِ أحْوَطُها؛ وقَوْلُ المُتَكَلِّمِينَ أقْيَسُها؛ وغَيْرُ ذَلِكَ ضَعِيفٌ.
ولَفْظَةُ "اِفْعَلْ"؛ قَدْ تَجِيءُ لِلْوُجُوبِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿أقِيمُوا الصَلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] ؛ وقَدْ تَجِيءُ لِلنَّدْبِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] ؛ وقَدْ تَجِيءُ لِلْإباحَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢] ؛ و﴿وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ﴾ [الجمعة: ١٠] و﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] ؛ ويَحْتَمِلُ الِابْتِغاءُ مِن فَضْلِ اللهِ أنْ يَكُونَ نَدْبًا؛ وقَدْ تَجِيءُ لِلْوَعِيدِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] ؛ وقَدْ تَجِيءُ لِلتَّعْجِيزِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿كُونُوا حِجارَةً﴾ [الإسراء: ٥٠].
(p-٩١)وَقَرَأ أبُو واقِدٍ؛ والجَرّاحُ؛ ونُبَيْحٌ؛ والحَسَنُ بْنُ عِمْرانَ: "فِاصْطادُوا"؛ بِكَسْرِ الفاءِ؛ وهي قِراءَةٌ مُشْكِلَةٌ؛ ومِن تَوْجِيهِها أنْ يَكُونَ راعى كَسْرَ ألِفِ الوَصْلِ إذا بَدَأْتَ؛ فَقُلْتَ: "اِصْطادُوا"؛ فَكَسَرَ الفاءَ مُراعاةً؛ وتَذَكُّرًا لِكَسْرِ ألِفِ الوَصْلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ"؛﴾ [المائدة: ٢] مَعْناهُ: "وَلا يُكْسِبَنَّكُمْ"؛ و"جَرَمَ الرَجُلُ"؛ مَعْناهُ: "كَسَبَ"؛ ويَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ؛ كَما يَتَعَدّى "كَسَبَ"؛ وفي الحَدِيثِ: "وَتُكْسِبُ المَعْدُومَ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: و"أجْرَمَ"؛ بِالألِفِ؛ عَرَّفَهُ: اَلْكَسْبُ في الخَطايا والذُنُوبِ؛ وقالَ الكِسائِيُّ: "جَرَمَ"؛ و"أجْرَمَ"؛ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ أيْ: "كَسَبَ"؛ وقالَ قَوْمٌ: "يَجْرِمَنَّكُمْ"؛ مَعْناهُ: يَحِقُّ لَكُمْ؛ كَما أنَّ ﴿ "لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النارَ"؛﴾ [النحل: ٦٢] مَعْناهُ: "حُقَّ لَهم أنَّ لَهُمُ النارَ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "يَجْرِمَنَّكُمْ"؛ مَعْناهُ: "يَحْمِلَنَّكُمْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ كُلُّها أقْوالٌ تَتَقارَبُ بِالمَعْنى؛ فالتَفْسِيرُ الَّذِي يَخُصُّ اللَفْظَةَ هو مَعْنى الكَسْبِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ جَرِيمَةُ ناهِضٍ في رَأْسِ نِيقٍ ∗∗∗ تَرى لِعِظامِ ما جَمَعَتْ صَلِيبا
مَعْناهُ: "كاسِبُ قُوتٍ ناهِضٍ"؛ ويُقالُ: "فُلانٌ جَرِيمَةُ قَوْمِهِ"؛ إذا كانَ الكاسِبَ لَهُمْ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ وغَيْرُهُ: "يُجْرِمَنَّكُمْ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ والمَعْنى أيْضًا: "لا يُكْسِبَنَّكُمْ"؛ وأمّا قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ولَقَدْ طَعنتُ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ∗∗∗ ∗∗∗ جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا
(p-٩٢)فَمَعْناهُ: "كَسَبَتْ فَزارَةُ بَعْدَها الغَضَبَ"؛ وقَدْ فُسِّرَ بِغَيْرِ هَذا؛ مِمّا هو قَرِيبٌ مِنهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "شَنَآنُ قَوْمٍ"؛﴾ [المائدة: ٢] قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "شَنَآنُ"؛ مُتَحَرِّكَةَ النُونِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "شَنْآنُ" ساكِنَةَ النُونِ؛ واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ ونافِعٍ ؛ يُقالُ: "شَنَأْتُ الرَجُلَ شَنْئًا"؛ بِفَتْحِ الشِينِ؛ و"شَنَآنًا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ و"شَنْآنًا"؛ بِسُكُونِ النُونِ؛ والفَتْحُ أكْثَرُ؛ كُلُّ ذَلِكَ إذا أبْغَضْتَهُ؛ قالَ سِيبَوَيْهِ: كُلُّ ما كانَ مِنَ المَصادِرِ عَلى "فَعَلانٌ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ لَمْ يَتَعَدَّ فِعْلُهُ إلّا أنْ يَشِذَّ شَيْءٌ كالشَنَآنِ؛ وإنَّما عُدِّيَ "شَنَأْتُ"؛ مِن حَيْثُ كانَ بِمَعْنى "أبْغَضْتُ"؛ كَما عُدِّيَ "اَلرَّفَثُ"؛ بِـ "إلى"؛ مِن حَيْثُ كانَ بِمَعْنى "اَلْإفْضاءُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَأمّا مَن قَرَأ: "شَنَآنُ"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ فالأظْهَرُ فِيهِ أنَّهُ مَصْدَرٌ؛ كَأنَّهُ قالَ: "لا يُكْسِبَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ - مِن أجْلِ أنْ صَدُّوكم - عُدْوانًا عَلَيْهِمْ؛ وظُلْمًا لَهُمْ"؛ والمَصادِرُ عَلى هَذا الوَزْنِ كَثِيرَةٌ: كَـ "اَلنَّزَوانُ"؛ و"اَلْغَلَيانُ"؛ و"اَلطَّوَفانُ"؛ و"اَلْجَرَيانُ"؛ وغَيْرِهِ؛ ويَحْتَمِلُ "اَلشَّنَآنُ"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ أنْ يَكُونَ وصْفًا؛ فَيَجِيءَ المَعْنى: "وَلا يُكْسِبَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ؛ أو بَغْضاءُ قَوْمٍ؛ عُدْوانًا".
ومِمّا جاءَ عَلى هَذا الوَزْنِ صِفَةً قَوْلُهُمْ: "حِمارٌ قَطَوانُ"؛ إذا لَمْ يَكُنْ سَهْلَ السَيْرِ؛ وقَوْلُهُمْ: "عَدْوٌ وصَمانُ"؛ أيْ: ثَقِيلٌ؛ كَعَدْوِ الشَيْخِ؛ ونَحْوِهِ؛ إلى غَيْرِ هَذا؛ مِمّا لَيْسَ في الكَثْرَةِ كالمَصادِرِ؛ ومِنهُ ما أنْشَدَهُ أبُو زَيْدٍ:
؎ وقَبْلَكَ ما هابَ الرِجالُ ظُلامَتِي ∗∗∗ ∗∗∗ وفَقَّأْتُ عَيْنَ الأشْوَسِ الأبَيانِ
بِفَتْحِ الباءِ؛ وأمّا مَن قَرَأ: "شَنْآنُ"؛ بِسُكُونِ النُونِ؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا؛ وقَدْ جاءَ المَصْدَرُ عَلى هَذا الوَزْنِ في قَوْلِهِمْ: "لَوَيْتُهُ دَيْنَهُ لَوْيانًا"؛ وقَوْلِ الأحْوَصِ:(p-٩٣)
؎ .................. ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ لامَ فِيهِ ذُو الشَنانِ وفَنَّدا
إنَّما هو تَخْفِيفٌ مِن "شَنْآنٌ"؛ اَلَّذِي هو مَصْدَرٌ بِسُكُونِ النُونِ؛ لِأنَّهُ حَذَفَ الهَمْزَةَ؛ وألْقى حَرَكَتَها عَلى الساكِنِ؛ هَذا هو التَخْفِيفُ القِياسِيُّ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن زَعَمَ أنَّ "فَعَلانٌ"؛ إذا أُسْكِنَتْ عَيْنُهُ لَمْ يَكُنْ مَصْدَرًا؛ فَقَدْ أخْطَأ؛ وتَحْتَمِلُ القِراءَةُ بِسُكُونِ النُونِ أنْ يَكُونَ وصْفًا؛ فَقَدْ حُكِيَ: "رَجُلٌ شَنْآنُ؛ وامْرَأةٌ شَنْآنَةٌ"؛ وقِياسُ هَذا أنَّهُ مِن فِعْلٍ غَيْرِ مُتَعَدٍّ؛ وقَدْ يُشْتَقُّ مِن لَفْظٍ واحِدٍ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ؛ وفِعْلٌ واقِفٌ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: "وَلا يُكْسِبَنَّكم بَغِيضُ قَوْمٍ؛ أو بَغْضاءُ قَوْمٍ؛ عُدْوانًا"؛ وإذا قُدِّرَتِ اللَفْظَةُ مَصْدَرًا فَهو مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ؛ ومِمّا جاءَ وصْفًا عَلى "فَعْلانُ"؛ ما حَكاهُ سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: "خَمْصانُ"؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: "نَدْمانُ"؛ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومِنهُ "رَحْمانُ".
وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ عامَ الفَتْحِ؛ حِينَ أرادَ المُؤْمِنُونَ أنْ يَسْتَطِيلُوا عَلى قُرَيْشٍ؛ وألْفافِها مِنَ القَبائِلِ؛ المُتَظاهِرِينَ عَلى صَدِّ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وأصْحابِهِ؛ عامَ الحُدَيْبِيَةِ؛ وذَلِكَ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ؛ فَحَصَلَتْ بِذَلِكَ بِغْضَةٌ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ؛ وحَسِيكَةٌ لِلْكُفّارِ؛ فَقِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ - عامَ الفَتْحِ؛ وهو سَنَةَ ثَمانٍ -: "لا يَحْمِلَنَّكم ذَلِكَ البُغْضُ؛ أو أُولَئِكَ البُغَضاءُ؛ مِن أجْلِ أنْ صَدُّوكُمْ؛ عَلى أنْ تَعْتَدُوا عَلَيْهِمْ؛ إذْ لِلَّهِ فِيهِمْ إرادَةُ خَيْرٍ؛ وفي عِلْمِهِ أنَّ مِنهم مَن يُؤْمِنُ"؛ كالَّذِي كانَ.
وحَكى المَهْدَوِيُّ عن قَوْمٍ أنَّها نَزَلَتْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ؛ لِأنَّهُ لَمّا صُدَّ المُسْلِمُونَ عَنِ البَيْتِ مَرَّ بِهِمْ قَوْمٌ مِن أهْلِ نَجْدٍ يُرِيدُونَ البَيْتَ؛ فَقالُوا: نَصُدُّ هَؤُلاءِ كَما صُدِدْنا؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: "إنْ صَدُّوكُمْ"؛ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "أنْ صَدُّوكُمْ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ إشارَةً إلى الصَدِّ الَّذِي وقَعَ؛ وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ؛ وهي (p-٩٤)أمْكَنَ في المَعْنى؛ وكَسْرُ الهَمْزَةِ مَعْناهُ: "إنْ وقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ".
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إنْ يَصُدُّوكُمْ"؛ وهَذِهِ تُؤَيِّدُ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو ؛ وابْنِ كَثِيرٍ.
ثُمَّ أمَرَ اللهِ تَعالى الجَمِيعَ بِالتَعاوُنِ عَلى البِرِّ والتَقْوى؛ قالَ قَوْمٌ: هُما لَفْظانِ بِمَعْنًى؛ وكَرَّرَ بِاخْتِلافِ اللَفْظِ تَأْكِيدًا؛ ومُبالَغَةً؛ إذْ كُلُّ بِرٍّ تَقْوًى؛ وكُلُّ تَقْوًى بِرٌّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا تَسامُحٌ ما؛ والعُرْفُ في دَلالَةِ هَذَيْنِ اللَفْظَيْنِ أنَّ البِرَّ يَتَناوَلُ الواجِبَ؛ والمَندُوبَ إلَيْهِ؛ والتَقْوى رِعايَةُ الواجِبِ؛ فَإنْ جُعِلَ أحَدُهُما بَدَلَ الآخَرِ فَبِتَجَوُّزٍ؛ ثُمَّ نَهى تَعالى عَنِ التَعاوُنِ عَلى الإثْمِ؛ وهو الحُكْمُ اللاحِقُ عَنِ الجَرائِمِ؛ وعَنِ العُدْوانِ؛ وهو ظُلْمُ الناسِ؛ ثُمَّ أمَرَ بِالتَقْوى؛ وتَوَعَّدَ تَوَعُّدًا مُجْمَلًا بِشِدَّةِ العِقابِ؛ ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ نَهْيًا عَنِ الطَلَبِ بِذُحُولِ الجاهِلِيَّةِ؛ إذْ أرادَ قَوْمٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ ذَلِكَ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وقَدْ قُتِلَ بِذَلِكَ حَلِيفٌ لِأبِي سُفْيانَ مِن هُذَيْلٍ.
**
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَعْدِيدٌ لِما يُتْلى عَلى الأُمَّةِ مِمّا اسْتُثْنِيَ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ؛ والمَيْتَةُ: كُلُّ حَيَوانٍ لَهُ نَفْسٌ سائِلَةٌ؛ خَرَجَتْ نَفْسُهُ مِن جَسَدِهِ عَلى غَيْرِ طَرِيقِ الذَكاةِ المَشْرُوعِ؛ سِوى الحُوتِ؛ والجَرادِ؛ عَلى أنَّ الجَرادَ قَدْ رَأى كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن فِعْلٍ فِيها يَجْرِي مُجْرى الذَكاةِ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "اَلْمَيْتَةُ بِسُكُونِ الياءِ؛ وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "اَلْمَيِّتَةُ"؛ بِالتَشْدِيدِ في الياءِ؛ قالَ الزَجّاجُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ؛ وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ اللِسانِ: "اَلْمَيْتُ"؛ بِسُكُونِ الياءِ: ما قَدْ ماتَ؛ و"اَلْمَيِّتُ"؛ يُقالُ لِما قَدْ ماتَ؛ ولِما لَمْ يَمُتْ وهو حَيٌّ بَعْدُ؛ ولا يُقالُ لَهُ: "مَيْتٌ"؛ بِالتَخْفِيفِ؛ ورَدَّ الزَجّاجُ هَذا القَوْلَ؛ واسْتَشْهَدَ عَلى رَدِّهِ بِقَوْلِ الشاعِرِ:
؎ لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتَراحَ بِمَيْتٍ ∗∗∗ إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحْياءِ
(p-٩٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والبَيْتُ يُحْتَمَلُ أنْ يُتَأوَّلَ شاهِدًا عَلَيْهِ؛ لا لَهُ؛ وقَدْ تَأوَّلَ قَوْمٌ "اِسْتَراحَ"؛ في هَذا البَيْتِ بِمَعْنى "اِكْتَسَبَ رائِحَةً"؛ إذْ قائِلُهُ جاهِلِيٌّ؛ لا يَرى في المَوْتِ راحَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "والدَمُ"؛﴾ مَعْناهُ: "اَلْمَسْفُوحُ"؛ لِأنَّهُ بِهَذا تُقُيِّدَ الدَمُ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَيُرَدُّ المُطْلَقُ إلى المُقَيَّدِ؛ وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى تَحْلِيلِ الدَمِ المُخالِطِ لِلَحْمٍ؛ وعَلى تَحْلِيلِ الطِحالِ؛ ونَحْوِهِ؛ وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَسْتَبِيحُ الدَمَ؛ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "لَمْ يُحْرَمْ مَن فُصِدَ لَهُ"؛ و"اَلْعِلْهِزُ": دَمٌ؛ ووَبَرٌ يَأْكُلُونَهُ في الأزَماتِ.
و﴿ "وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ"؛﴾ مُقْتَضٍ لِشَحْمِهِ؛ بِإجْماعٍ؛ واخْتُلِفَ في اسْتِعْمالِ شَعْرِهِ؛ وجِلْدِهِ بَعْدَ الدِباغِ؛ فَأُجِيزَ؛ ومُنِعَ؛ وكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الخِنْزِيرِ حَرامٌ بِإجْماعٍ؛ جِلْدًا كانَ أو عَظْمًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ ؛ يَعْنِي ما ذُبِحَ لِغَيْرِ اللهِ تَعالى؛ وقُصِدَ بِهِ صَنَمٌ؛ أو بَشَرٌ مِنَ الناسِ؛ كَما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ؛ وكَذَلِكَ النَصارى؛ وعادَةُ الذابِحِ أنْ يُسَمِّيَ مَقْصُودَهُ ويَصِيحَ بِهِ؛ فَذَلِكَ إهْلالُهُ؛ ومِنهُ اسْتِهْلالُ المَوْلُودِ إذا صاحَ عِنْدَ الوِلادَةِ؛ ومِنهُ إهْلالُ الهِلالِ؛ أيْ: اَلصِّياحُ بِأمْرِهِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ؛ ومِنَ الإهْلالِ قَوْلُ ابْنِ أحْمَرَ:
؎ يُهِلُّ بِالفَرْقَدِ رُكْبانُها ∗∗∗ ∗∗∗ كَما يُهِلُّ الراكِبُ المُعْتَمِرْ
(p-٩٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "والمُنْخَنِقَةُ"؛﴾ مَعْناهُ: اَلَّتِي تَمُوتُ خَنْقًا؛ وهو حَبْسُ النَفَسِ؛ سَواءٌ فَعَلَ بِها ذَلِكَ آدَمِيٌّ؛ أوِ اتَّفَقَ لَها ذَلِكَ في حَجَرٍ؛ أو شَجَرَةٍ؛ أو بِحَبَلٍ؛ أو نَحْوِهِ؛ وهَذا بِإجْماعٍ؛ وقَدْ ذَكَرَ قَتادَةُ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَخْنُقُونَ الشاةَ وغَيْرَها؛ فَإذا ماتَتْ أكَلُوها؛ وذَكَرَ نَحْوَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما.
و﴿ "والمَوْقُوذَةُ":﴾ اَلَّتِي تُرْمى أو تُضْرَبُ بِعَصًا؛ أو بِحَجَرٍ؛ أو نَحْوِهِ؛ وكَأنَّها الَّتِي تُحْذَفُ بِهِ؛ وقالَ الفَرَزْدَقُ:
؎ شَغّارَةٌ تَقِذُ الفَصِيلَ بِرِجْلِها ∗∗∗ ∗∗∗ فَطّارَةٌ لِقَوادِمِ الأبْكارِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "اَلْمَوْقُوذَةُ": اَلَّتِي تُضْرَبُ بِالخَشَبِ حَتّى يُوقِذَها فَتَمُوتَ؛ وقالَ قَتادَةُ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ويَأْكُلُونَها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ مُعاوِيَةَ: "وَأمّا ابْنُ عُمَرَ فَرَجُلٌ قَدْ وقَذَهُ الوَرَعُ؛ وكَفى أمْرَهُ ونَزْوَتَهُ"؛ وقالَ الضَحّاكُ: "كانُوا يَضْرِبُونَ الأنْعامَ بِالخَشَبِ لِآلِهَتِهِمْ - حَتّى يَقْتُلُوها - فَيَأْكُلُونَها"؛ وقالَ أبُو عَبْدِ اللهِ الصُنابِحِيُّ: "لَيْسَ المَوْقُوذَةُ إلّا في مالِكَ ؛ ولَيْسَ في الصَيْدِ وقِيذٌ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعِنْدَ مالِكٍ وغَيْرِهِ مِنَ الفُقَهاءِ في الصَيْدِ ما حُكْمُهُ حُكْمُ الوَقِيذِ؛ وهو نَصٌّ في قَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في المِعْراضِ: « "وَإذا أصابَ بِعَرْضِهِ فَلا تَأْكُلْ فَإنَّهُ وقِيذٌ".» (p-٩٧)وَ ﴿ "والمُتَرَدِّيَةُ":﴾ هي الَّتِي تَتَرَدّى مِنَ العُلُوِّ؛ إلى السُفْلِ؛ فَتَمُوتُ؛ كانَ ذَلِكَ مِن جَبَلٍ؛ أو في بِئْرٍ؛ ونَحْوِهِما؛ هي "مُتَفَعِّلَةٌ"؛ مِن "اَلرَّدى"؛ وهو الهَلاكُ؛ وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَأْكُلُ المُتَرَدِّيَ؛ ولَمْ تَكُنِ العَرَبُ تَعْتَقِدُ مِيتَةَ إلّا ما ماتَ بِالوَجَعِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ دُونَ سَبَبٍ يُعْرَفُ؛ فَأمّا هَذِهِ الأسْبابُ فَكانَتْ عِنْدَها كالذَكاةِ؛ فَحَصَرَ الشَرْعُ الذَكاةَ في صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ؛ وبَقِيَتْ هَذِهِ كُلُّها مَيْتَةً.
و﴿ "والنَطِيحَةُ":﴾ "فَعِيلَةٌ"؛ بِمَعْنى "مُفْعُولَةٌ"؛ وهي الشاةُ تَنْطَحُها أُخْرى؛ أو غَيْرُ ذَلِكَ؛ فَتَمُوتُ؛ وتَأوَّلَ قَوْمٌ "اَلنَّطِيحَةُ"؛ بِمَعْنى "اَلنّاطِحَةُ"؛ لِأنَّ الشاتَيْنِ قَدْ تَتَناطَحانِ فَتَمُوتانِ؛ وقالَ قَوْمٌ: لَوْ ذَكَرَ الشاةَ لَقِيلَ: "والشاةُ النَطِيحُ"؛ كَما يُقالُ: "كَفٌّ خَضِيبٌ"؛ و"لِحْيَةٌ دَهِينٌ"؛ فَلَمّا لَمْ تُذْكَرْ أُلْحِقَتِ الهاءُ لِئَلّا يُشَكَلَ الأمْرُ: أمُذَكَّرًا يُرِيدُ أمْ مُؤَنَّثًا؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وقَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ: اَلنَّطِيحَةُ: اَلشّاةُ تُناطِحُ الشاةَ؛ فَتَمُوتانِ؛ أوِ الشاةُ تَنْطَحُها البَقَرُ والغَنَمُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكُلُّ ما ماتَ ضَغْطًا فَهو نَطِيحٌ؛ وقَرَأ أبُو مَيْسَرَةَ: "والمَنطُوحَةُ".
وقَوْلُهُ: ﴿وَما أكَلَ السَبُعُ﴾ ؛ يُرِيدُ كُلَّ ما افْتَرَسَهُ ذُو نابٍ؛ وأظْفارٍ مِنَ الحَيَوانِ؛ كالأسَدِ؛ والنَمِرِ؛ والثَعْلَبِ؛ والذِئْبِ؛ والضَبْعِ؛ ونَحْوِهِ؛ هَذِهِ كُلُّها سِباعٌ؛ ومِنَ العَرَبِ مَن يُوقِفُ اسْمَ السَبُعِ عَلى الأسَدِ؛ وكانَ العَرَبُ إذا أخَذَ السَبُعُ شاةً فَقَتَلَها؛ ثُمَّ خَلَصَتْ مِنهُ أكَلُوها؛ وكَذَلِكَ إنْ أكَلَ بَعْضَها؛ قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ والفَيّاضُ؛ وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ؛ وأبُو حَيْوَةَ: "وَما أكَلَ السَبْعُ"؛ بِسُكُونِ الباءِ؛ وهي لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ؛ وقَرَأ بِذَلِكَ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عنهُ؛ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "وَأكِيلَةُ السَبُعِ"؛ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ: "وَأكِيلُ السَبُعِ".
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ وطاوُسٌ ؛ (p-٩٨)وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ؛ والضَحّاكُ ؛ وابْنُ زَيْدٍ ؛ وجُمْهُورُ العُلَماءِ: اَلِاسْتِثْناءُ هو مِن هَذِهِ المَذْكُوراتِ؛ فَما أُدْرِكَ مِنها يَطْرِفُ بِعَيْنٍ؛ أو يَمْصَعُ بِرِجْلٍ؛ أو يُحَرِّكُ ذَنَبًا؛ وبِالجُمْلَةِ ما يَتَحَقَّقُ أنَّهُ لَمْ تَفِضْ نَفْسُهُ؛ بَلْ لَهُ حَياةٌ؛ فَإنَّهُ يُذَكّى عَلى سُنَّةِ الذَكاةِ؛ ويُؤْكَلُ؛ وما فاضَتْ نَفْسُهُ فَهو في حُكْمِ المَيْتَةِ بِالوَجَعِ؛ ونَحْوِهِ؛ عَلى ما كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَعْتَقِدُهُ؛ وقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - مَرَّةً بِهَذا القَوْلِ؛ وقالَ أيْضًا - وهو المَشْهُورُ عنهُ؛ وعن أصْحابِهِ مِن أهْلِ المَدِينَةِ -: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ "إلا ما ذَكَّيْتُمْ"؛﴾ مَعْناهُ: مِن هَذِهِ المَذْكُوراتِ؛ في وقْتٍ تَصِحُّ فِيهِ ذَكاتُها؛ وهو ما لَمْ تَنْفُذْ مُقاتِلُها؛ ويَتَحَقَّقْ أنَّها لا تَعِيشُ؛ ومَتى صارَتْ في هَذا الحَدِّ فَهي في حُكْمِ المَيْتَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ في قَوْلِ الجُمْهُورِ مُتَّصِلٌ؛ وفي قَوْلِ مالِكٍ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ المَعْنى عِنْدَهُ: "لَكِنْ ما ذَكَّيْتُمْ مِمّا تَجُوزُ تَذْكِيَتُهُ فَكُلُوهُ"؛ حَتّى قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المَعْنى: "إلّا ما ذَكَّيْتُمْ مِن غَيْرِ هَذِهِ فَكُلُوهُ"؛ وفي هَذا عِنْدِي نَظَرٌ؛ بَلْ الِاسْتِثْناءُ عَلى قَوْلِ مالِكٍ مُتَّصِلٌ؛ لَكِنَّهُ يُخالِفُ في الحالِ الَّتِي تَصِحُّ فِيها ذَكاةُ هَذِهِ المَذْكُوراتِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ عِنْدَ مالِكٍ مِنَ التَحْرِيمِ؛ لا مِنَ المُحَرَّماتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذِهِ العِبارَةِ تَجَوُّزٌ كَثِيرٌ؛ وحِينَئِذٍ يَلْتَئِمُ المَعْنى.
والذَكاةُ في كَلامِ العَرَبِ: اَلذَّبْحُ؛ قالَهُ ثَعْلَبٌ؛ قالَ ابْنُ سِيدَةَ: والعَرَبُ تَقُولُ: « "ذَكاةُ الجَنِينِ ذَكاةُ أُمِّهِ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا إنَّما هو حَدِيثُ.
و"ذَكّى الحَيَوانَ": ذَبَحَهُ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ يُذَكِّيها الأسَلْ
(p-٩٩)وَمِمّا احْتَجَّ بِهِ المالِكِيُّونَ لِقَوْلِ مالِكٍ: "إنَّ ما تُيُقِّنَ أنَّهُ يَمُوتُ مِن هَذِهِ الحَوادِثِ فَهو في حُكْمِ المَيْتَةِ"؛ أنَّهُ لَوْ لَمْ تُحَرَّمْ هَذِهِ الَّتِي قَدْ تُيُقِّنَ مَوْتُها إلّا بِأنْ تَمُوتَ؛ لَكانَ ذِكْرُ المَيْتَةِ أوَّلًا يُغْنِي عنها؛ فَمِن حُجَّةِ المُخالِفِ أنْ قالَ: إنَّما ذُكِرَتْ بِسَبَبِ أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَعْتَقِدُ أنَّ هَذِهِ الحَوادِثَ كالذَكاةِ؛ فَلَوْ لَمْ يُذْكُرْ لَها غَيْرُ المَيْتَةِ لَظَنَّتْ أنَّها مِيتَةُ الوَجَعِ؛ حَسْبَما كانَتْ هي عَلَيْهِ.
المائدة 5:4
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿وَما ذُبِحَ عَلى النُصُبِ وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ ذَلِكم فِسْقٌ اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكم الإسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثْمٍ فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَيِّباتُ وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللهُ﴾
قَوْلُهُ: ﴿ "وَما ذُبِحَ"؛﴾ [المائدة: ٣] عُطِفَ عَلى المُحَرَّماتِ المَذْكُوراتِ؛ و"اَلنُّصُبُ": جَمْعٌ؛ واحِدُهُ "نِصابٌ"؛ وقِيلَ هو اسْمٌ مُفْرَدٌ؛ وجَمْعُهُ "أنْصابٌ"؛ وهي حِجارَةٌ تُنْصَبُ؛ كانَ مِنها حَوْلَ الكَعْبَةِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ؛ وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُعَظِّمُونَها؛ ويَذْبَحُونَ عَلَيْها لِآلِهَتِهِمْ؛ ولَها أيْضًا؛ وتُلَطَّخُ بِالدِماءِ؛ وتُوضَعُ عَلَيْها اللُحُومُ قِطَعًا قِطَعًا؛ لِيَأْكُلَ الناسُ؛ قالَ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ وغَيْرُهُما: اَلنُّصُبُ حِجارَةٌ؛ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَذْبَحُونَ عَلَيْها؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: ويُهِلُّونَ عَلَيْها؛ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: اَلنُّصُبُ لَيْسَتْ بِأصْنامٍ؛ الصَنَمُ يُصَوَّرُ؛ ويُنْقَشُ؛ وهَذِهِ حِجارَةٌ تُنْصَبُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ كانَتْ لِلْعَرَبِ في بِلادِها أنْصابٌ حِجارَةٌ يَعْبُدُونَها؛ ويَحْكُونَ فِيها أنْصابَ مَكَّةَ؛ ومِنها الحَجَرُ المُسَمّى بِـ " سَعْدٌ "؛ وغَيْرُهُ؛ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتِ العَرَبُ تَذْبَحُ بِمَكَّةَ؛ ويَنْضَحُونَ بِالدَمِ ما أقْبَلَ مِنَ البَيْتِ؛ ويَشْرَحُونَ اللَحْمَ؛ ويَضَعُونَهُ عَلى الحِجارَةِ؛ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ قالَ المُسْلِمُونَ لِرَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: نَحْنُ أحَقُّ أنْ نُعَظِّمَ هَذا البَيْتَ بِهَذِهِ (p-١٠٠)الأفْعالِ؛ فَكَأنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَكْرَهْ ذَلِكَ؛ فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها﴾ [الحج: ٣٧] ؛ ونَزَلَتْ: ﴿وَما ذُبِحَ عَلى النُصُبِ﴾ [المائدة: ٣].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: اَلْمَعْنى والنِيَّةُ فِيها تَعْظِيمُ النُصُبِ؛ قالَ مُجاهِدٌ: وكانَ أهْلُ مَكَّةَ يُبَدِّلُونَ ما شاؤُوا مِن تِلْكَ الحِجارَةِ إذا وجَدُوا أعْجَبَ إلَيْهِمْ مِنها؛ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ما ذُبِحَ عَلى النُصُبِ؛ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ؛ شَيْءٌ واحِدٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ما ذُبِحَ عَلى النُصُبِ جُزْءٌ مِمّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ؛ لَكِنْ خُصَّ بِالذِكْرِ بَعْدَ جِنْسِهِ؛ لِشُهْرَةِ الأمْرِ؛ وشَرَفِ المَوْضِعِ؛ وتَعْظِيمِ النُفُوسِ لَهُ؛ وقَدْ يُقالُ لِلصَّنَمِ أيْضًا "نُصُبٌ"؛ لِأنَّهُ يُنْصَبُ؛ ورُوِيَ أنَّ الحَسَنَ بْنَ أبِي الحَسَنِ قَرَأ: "وَما ذُبِحَ عَلى النَصْبِ"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ وسُكُونِ الصادِ؛ وقالَ: عَلى الصَنَمِ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "عَلى النُصْبِ"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ وسُكُونِ الصادِ؛ وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "عَلى النَصَبِ"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ والصادِ؛ ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ بِضَمِّ النُونِ؛ والصادِ؛ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ [المائدة: ٣] ؛ حَرَّمَ بِهِ تَعالى طَلَبَ القِسْمِ؛ وهو النَصِيبُ؛ أوِ القَسْمُ؛ بِفَتْحِ القافِ؛ وهو المَصْدَرُ؛ بِالأزْلامِ؛ وهي سِهامٌ؛ واحِدُها: "زَلَمٌ"؛ بِضَمِّ الزايِ؛ وبِفَتْحِها؛ وأزْلامُ العَرَبِ ثَلاثَةُ أنْواعٍ؛ مِنها الثَلاثَةُ الَّتِي كانَ يَتَّخِذُها كُلُّ إنْسانٍ لِنَفْسِهِ؛ عَلى أحَدِها: "اِفْعَلْ"؛ والآخَرِ: "لا تَفْعَلْ"؛ والثالِثُ مُهْمَلٌ لا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ فَيَجْعَلُها في خَرِيطَةٍ مَعَهُ؛ فَإذا أرادَ فِعْلَ شَيْءٍ أدْخَلَ يَدَهُ - وهي مُتَشابِهَةٌ - فَأخْرَجَ أحَدَها؛ وائْتَمَرَ وانْتَهى بِحَسَبِ ما يَخْرُجُ لَهُ؛ وإنْ خَرَجَ القِدْحُ الَّذِي لا شَيْءَ فِيهِ أعادَ الضَرْبَ؛ وهَذِهِ هي الَّتِي ضَرَبَ بِها سُراقَةُ بْنُ مالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ؛ حِينَ اتَّبَعَ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وأبا بَكْرٍ ؛ وقْتَ الهِجْرَةِ.
والنَوْعُ الثانِي سَبْعَةُ قِداحٍ؛ كانَتْ عِنْدَ هُبَلَ؛ في جَوْفِ الكَعْبَةِ؛ فِيها أحْكامُ العَرَبِ؛ وما يَدُورُ بَيْنَ الناسِ مِنَ النَوازِلِ؛ في أحَدِها العَقْلُ في أُمُورِ الدِياتِ؛ وفي آخَرَ: (p-١٠١)"مِنكُمْ"؛ وفي آخَرَ: "مِن غَيْرِكُمْ"؛ وفي آخَرَ: "مُلْصَقٌ"؛ وفي سائِرِها: أحْكامُ المِياهِ؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ وهي الَّتِي ضُرِبَ بِها عَلى بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ؛ إذْ كانَ نَذَرَ هو نَحْرُ أحَدِهِمْ إذا أكْمَلُوا عَشْرَةً؛ وهو الحَدِيثُ الطَوِيلُ الَّذِي في سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ ؛ وهَذِهِ السَبْعَةُ أيْضًا مُتَّخَذَةٌ عِنْدَ كُلِّ كاهِنٍ مِن كُهّانِ العَرَبِ؛ وحُكّامِهِمْ؛ عَلى نَحْوِ ما كانَتْ في الكَعْبَةِ عِنْدَ هُبَلَ.
والنَوْعُ الثالِثُ هو قِداحُ المَيْسِرِ؛ وهي عَشْرَةٌ؛ سَبْعَةٌ مِنها فِيها خُطُوطٌ؛ لَها بِعَدَدِها حُظُوظٌ؛ وثَلاثَةٌ أغْفالٌ؛ وكانُوا يَضْرِبُونَ بِها مُقامَرَةً؛ فَفِيها لَهْوٌ لِلطّالِبِينَ؛ ولَعِبٌ؛ وكانَ عُقَلاؤُهم يَقْصِدُونَ بِها إطْعامَ المَساكِينِ؛ والمُعْدَمِ؛ في زَمَنِ الشِتاءِ؛ وكَلَبَ البَرْدُ؛ وتَعَذَّرَ التَحَرُّفُ؛ وكانَ مِنَ العَرَبِ مَن يَسْتَقْسِمُ بِها لِنَفْسِهِ طَلَبَ الكَسْبِ؛ والمُغامَرَةِ؛ وقَدْ شَرَحْتُ أمْرَها بِأوعَبَ مِن هَذا في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ"؛ في تَفْسِيرِ المَيْسِرِ؛ فالِاسْتِقْسامُ بِهَذا كُلِّهِ هو طَلَبُ القِسْمِ؛ والنَصِيبِ؛ وهو مِن أكْلِ المالِ بِالباطِلِ؛ وهو حَرامٌ؛ وكُلُّ مُقامَرَةٍ بِحَمامٍ؛ أو بِنَرْدٍ؛ أو بِشِطْرَنْجٍ؛ أو بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن هَذِهِ الألْعابِ - فَهو اسْتِقْسامٌ بِما هو في مَعْنى الأزْلامِ - حَرامٌ كُلُّهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "ذَلِكم فِسْقٌ"؛﴾ [المائدة: ٣] إشارَةٌ إلى الِاسْتِقْسامِ بِالأزْلامِ؛ والفِسْقُ: اَلْخُرُوجُ مِن مَكانٍ مُحْتَوٍ؛ جامِعٍ؛ يُقالُ: "فَسَقَتِ الرُطَبَةُ": خَرَجَتْ مِن قِشْرِها؛ و"اَلْفَأْرَةُ مِن جُحْرِها"؛ واسْتُعْمِلَتِ اللَفْظَةُ في الشَرْعِ فِيمَن يَخْرُجُ مِنَ احْتِواءِ الأمْرِ الشَرْعِيِّ؛ وإحاطَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ؛ مَعْناهُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: مِن أنْ تَرْجِعُوا إلى دِينِهِمْ؛ وقالَهُ السُدِّيُّ ؛ وعَطاءٌ ؛ وظاهِرُ أمْرِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وأصْحابِهِ؛ وظُهُورُ دِينِهِ؛ يَقْتَضِي أنَّ يَأْسَ الكُفّارِ عَنِ الرُجُوعِ إلى دِينِهِمْ قَدْ كانَ وقَعَ مُنْذُ زَمانٍ؛ وإنَّما هَذا اليَأْسُ عِنْدِي مِنَ اضْمِحْلالِ أمْرِ الإسْلامِ؛ وفَسادِ جَمْعِهِ؛ لِأنَّ هَذا أمْرٌ كانَ يَتَرَجّاهُ مَن بَقِيَ مِنَ الكُفّارِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِ أخِي صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ في يَوْمِ هَوازِنَ؛ حِينَ انْكَشَفَ المُسْلِمُونَ؛ وظَنَّها هَزِيمَةً: "ألا بَطَلَ السِحْرُ اليَوْمَ"؟ إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في إثْرِ حِجَّةِ الوَداعِ؛ وقِيلَ: في يَوْمِ عَرَفَةَ؛ ولَمْ يَكُنِ (p-١٠٢)المُشْرِكُونَ حِينَئِذٍ إلّا في حَيِّزِ القِلَّةِ؛ ولَمْ يَحْضُرْ مِنهُمُ المَوْسِمَ بَشَرٌ؛ وفي ذَلِكَ اليَوْمِ انْمَحى أمْرُ الشِرْكِ مِن مَشاعِرِ الحَجِّ؛ ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى: "اَلْيَوْمَ"؛ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى اليَوْمِ بِعَيْنِهِ؛ لا سِيَّما في قَوْلِ الجُمْهُورِ - عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وغَيْرِهِ -: إنَّها نَزَلَتْ في عَشِيَّةِ عَرَفَةَ؛ يَوْمَ الجُمُعَةِ؛ ورَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في المَوْقِفِ؛ عَلى ناقَتِهِ؛ ولَيْسَ في المَوْسِمِ مُشْرِكٌ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الزَمَنِ والوَقْتِ؛ أيْ: في هَذا الأوانِ يَئِسَ الكُفّارُ مِن دِينِكم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٣] ؛ يَعُمُّ مُشْرِكِي العَرَبِ؛ وغَيْرَهم مِنَ الرُومِ؛ والفُرْسِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وهَذا يُقَوِّي أنَّ اليَأْسَ مِنَ انْحِلالِ أمْرِ الإسْلامِ؛ وذَهابِ شَوْكَتِهِ؛ ويُقَوِّي أنَّ الإشارَةَ بِاليَوْمِ إنَّما هي إلى الأوانِ الَّذِي فاتِحَتُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ؛ ولا مُشْرِكَ بِالمَوْسِمِ؛ ويُعَضِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٣] ؛ فَإنَّما نَهى المُؤْمِنِينَ عن خَشْيَةِ جَمِيعِ أنْواعِ الكُفّارِ؛ وأمَرَ بِخَشْيَتِهِ تَعالى الَّتِي هي رَأْسُ كُلِّ عِبادَةٍ - كَما قالَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ومِفْتاحُ كُلِّ خَيْرٍ؛ ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ "يَيِسَ" بِغَيْرِ هَمْزَةٍ؛ وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ؛ تَحْتَمِلُ الإشارَةُ بِاليَوْمِ ما قَدْ ذَكَرْناهُ؛ وهَذا الإكْمالُ عِنْدَ الجُمْهُورِ هو الإظْهارُ؛ واسْتِيعابُ عُظْمِ الفَرائِضِ؛ والتَحْلِيلِ والتَحْرِيمِ؛ قالُوا: وقَدْ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ قُرْآنٌ كَثِيرٌ؛ ونَزَلَتْ آيَةُ الرِبا؛ ونَزَلَتْ آيَةُ الكَلالَةِ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ وإنَّما كَمُلَ عُظْمُ الدِينِ؛ وأمْرُ الحَجِّ أنْ حَجُّوا ولَيْسَ مَعَهم مُشْرِكٌ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيُّ: هو إكْمالٌ تامٌّ؛ ولَمْ يَنْزِلْ عَلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ ذَلِكَ اليَوْمِ تَحْلِيلٌ ولا تَحْرِيمٌ؛ ولا فَرْضٌ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ مَن قالَ هَذا القَوْلَ أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَعِشْ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ إلّا إحْدى وثَمانِينَ لَيْلَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والظاهِرُ أنَّهُ عاشَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أكْثَرَ بِأيّامٍ يَسِيرَةٍ؛ ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ «لَمّا نَزَلَتْ في يَوْمِ الحَجِّ الأكْبَرِ؛ وقَرَأها رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَكى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "ما يُبْكِيكَ؟"؛ فَقالَ: أبْكانِي أنّا كُنّا في زِيادَةٍ مِن دِينِنا؛ فَأما إذْ كَمُلَ فَإنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ شَيْءٌ إلّا نَقُصَ؛ فَقالَ لَهُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "صَدَقْتَ".»
(p-١٠٣)وَرُوِيَ «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -قالَ لَهُ يَهُودِيٌّ: آيَةٌ في كِتابِكم تَقْرَؤُونَها؛ لَوْ عَلَيْنا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ لاتَّخَذْنا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا؛ فَقالَ لَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "أيَّةُ آيَةٍ هِيَ؟"؛ فَقالَ لَهُ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ؛ فَقالَ لَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "قَدْ عَلِمْنا ذَلِكَ اليَوْمَ؛ نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وهو واقِفٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَفي ذَلِكَ اليَوْمِ عِيدانِ لِأهْلِ الإسْلامِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وقالَ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ لِلشَّعْبِيِّ: إنَّ اليَهُودَ تَقُولُ: كَيْفَ لَمْ تَحْفَظِ العَرَبُ هَذا اليَوْمَ الَّذِي كَمَّلَ اللهُ لَها دِينَها فِيهِ؟ فَقالَ الشَعْبِيُّ: أوَما حَفِظْتَهُ؟ قالَ داوُدُ: فَقُلْتُ: أيُّ يَوْمٍ هُوَ؟ قالَ: يَوْمُ عَرَفَةَ.
«وَقالَ عِيسى بْنُ جارِيَةَ الأنْصارِيُّ: كُنّا جُلُوسًا في الدِيوانِ؛ فَقالَ لَنا نَصْرانِيٌّ مِثْلَ ما قالَ اليَهُودِيُّ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ فَما أجابَهُ مِنّا أحَدٌ؛ فَلَقِيتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ القُرَظِيَّ فَأخْبَرْتُهُ؛ فَقالَ: هَلّا أجَبْتُمُوهُ؟ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: "أُنْزِلَتْ عَلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وهو واقِفٌ عَلى الجَبَلِ يَوْمَ عَرَفَةَ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَكَرَ عِكْرِمَةُ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّهُ قالَ: "نَزَلَتْ سُورَةُ "اَلْمائِدَةِ" بِالمَدِينَةِ؛ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ"؛ وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: نَزَلَتْ سُورَةُ المائِدَةِ في مَسِيرِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى حِجَّةِ الوَداعِ؛ وهَذا كُلُّهُ يَقْتَضِي أنَّ السُورَةَ مَدَنِيَّةٌ بَعْدَ الهِجْرَةِ؛ وإتْمامُ النِعْمَةِ هو في ظُهُورِ الإسْلامِ؛ ونُورِ العَقائِدِ؛ وإكْمالِ الدِينِ؛ وسَعَةِ الأحْوالِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا (p-١٠٤)انْتَظَمَتْهُ هَذِهِ المِلَّةُ الحَنِيفِيَّةُ؛ إلى دُخُولِ الجَنَّةِ؛ والخُلُودِ في رَحْمَةِ اللهِ؛ هَذِهِ كُلُّها نِعَمُ اللهِ المُتَمَّمَةُ قِبَلَنا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] ؛ يَحْتَمِلُ الرِضا في هَذا المَوْضِعِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الإرادَةِ؛ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ فِعْلٍ؛ عِبارَةً عن إظْهارِ اللهِ إيّاهُ؛ لِأنَّ الرِضا مِنَ الصِفاتِ المُتَرَدِّدَةِ بَيْنَ صِفاتِ الذاتِ؛ وصِفاتِ الأفْعالِ؛ واللهُ تَعالى قَدْ أرادَ لَنا الإسْلامَ؛ ورَضِيَهُ لَنا؛ وثَمَّ أشْياءُ يُرِيدُ اللهُ تَعالى وُقُوعَها؛ ولا يَرْضاها؛ والإسْلامُ في هَذِهِ الآيَةِ هو الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] ؛ وهو الَّذِي تَفَسَّرَ في سُؤالِ جِبْرِيلَ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهو الإيمانُ؛ والأعْمالُ؛ والشُعَبُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: ٣] ؛ يَعْنِي: "مَن دَعَتْهُ ضَرُورَةٌ إلى أكْلِ المَيْتَةِ؛ وسائِرِ تِلْكَ المُحَرَّماتِ"؛ «وَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: مَتى تَحِلُّ المَيْتَةُ؟ فَقالَ: "إذا لَمْ تَصْطَبِحُوا؛ ولَمْ تَغْتَبِقُوا؛ ولَمْ تَحْتَفِئُوا بِها بَقْلًا".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "فَهَذا مِثالٌ في حالِ عَدَمِ المَأْكُولِ؛ حَتّى يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلى ذَهابِ القُوَّةِ؛ والحَياةِ".
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "فَمَنِ اطُّرَّ"؛ بِإدْغامِ الضادِ في الطاءِ؛ ولَيْسَ بِالقِياسِ؛ ولَكِنَّ العَرَبَ اسْتَعْمَلَتْهُ في ألْفاظٍ قَلِيلَةٍ اسْتِعْمالًا كَثِيرًا؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في أحْكامِ الِاضْطِرارِ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ"؛ و"اَلْمَخْمَصَةُ": اَلْمَجاعَةُ الَّتِي تَخْمُصُ فِيها البُطُونُ؛ أيْ: تَضْمُرُ؛ و"اَلْخَمْصُ": ضُمُورُ البَطْنِ؛ فالخِلْقَةُ مِنهُ حَسَنَةٌ في النِساءِ؛ ومِنهُ يُقالُ: "خُمْصانَةٌ"؛ و"بَطْنٌ خَمِيصٌ"؛ ومِنهُ "أخْمَصُ القَدَمِ"؛ ويُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا في الجُوعِ؛ والغَرَثِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ تَبِيتُونَ في المَشْتى مِلاءً بُطُونُكم ∗∗∗ وجاراتُكم غَرْثى يَبِتْنَ خَمائِصا
(p-١٠٥)أيْ: مُنْطَوِياتٍ عَلى الجُوعِ؛ قَدْ أضْمَرَ بُطُونَهُنَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثْمٍ﴾ [المائدة: ٣] ؛ هو بِمَعْنى: ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ؛ وفِقْهُهُ؛ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ"؛ و"اَلْجَنَفُ": اَلْمَيْلُ؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "غَيْرَ مُتَجَنِّفٍ"؛ دُونَ ألِفٍ؛ وهي أبْلَغُ في المَعْنى مِن "مُتَجانِفٍ"؛ لِأنَّ شَدَّ العَيْنِ يَقْتَضِي مُبالَغَةً وتَوَغُّلًا في المَعْنى؛ وثُبُوتًا لِحُكْمِهِ؛ و"تَفاعَلَ"؛ إنَّما هي مُحاكاةُ الشَيْءِ والتَقَرُّبُ مِنهُ؛ ألا تَرى إذا قُلْتَ: "تَمايَلَ الغُصْنُ"؛ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَأوُّدًا؛ ومُقارَبَةَ مَيْلٍ؛ وإذا قُلْتَ: "تَمَيَّلَ"؛ فَقَدْ ثَبَّتَّ حُكْمَ المَيْلِ؟ وكَذَلِكَ: "تَصاوَنَ"؛ و"تَصَوَّنَ"؛ و"تَغافَلَ"؛ و"تَغَفَّلَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] ؛ نائِبٌ مَنابَ "فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ"؛ إلى ما يَتَضَمَّنُ مِن زِيادَةِ الوَعْدِ؛ وتَرْجِيَةِ النُفُوسِ؛ وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ؛ تَقْدِيرُهُ: "فَأكَلَ مِن تِلْكَ المُحَرَّماتِ المَذْكُوراتِ".
وسَبَبُ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ ؛ «أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - جاءَ إلى رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَوَجَدَ في البَيْتِ كَلْبًا؛ فَلَمْ يَدْخُلْ؛ فَقالَ لَهُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "اُدْخُلْ"؛ فَقالَ: "أنا لا أدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ"؛ فَأمَرَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: بِقَتْلِ الكِلابِ؛ فَقُتِلَتْ حَتّى بَلَغَتِ العَوالِيَ؛ فَجاءَ عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ ؛ وسَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ ؛ وعُوَيْمِرُ بْنُ ساعِدَةَ؛ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ: ماذا يَحِلُّ لَنا مِن هَذِهِ الكِلابِ؟»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ورَوى هَذا السَبَبَ أبُو رافِعٍ ؛ مَوْلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهو كانَ المُتَوَلِّي لِقَتْلِ الكِلابِ؛ وحَكاهُ أيْضًا عِكْرِمَةُ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ؛ مَوْقُوفًا عَلَيْهِما؛ وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ سائِلًا سَألَ عَمّا أُحِلَّ لِلنّاسِ مِنَ المَطاعِمِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَيِّباتُ﴾ ؛ لَيْسَ (p-١٠٦)الجَوابَ عَلى: "ما يَحِلُّ لَنا مِنَ اتِّخاذِ الكِلابِ؟"؛ اَللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ هَذا مِن إجابَةِ السائِلِ بِأكْثَرَ مِمّا سَألَ عنهُ؛ وهَذا مَوْجُودٌ كَثِيرًا مِنَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ كَجَوابِهِ في لِباسِ المُحْرِمِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وهو - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُبَيِّنُ الشَرْعِ؛ فَإنَّما يُجاوِبُ مادًّا إطْنابَ التَعْلِيمِ لِأُمَّتِهِ.
و"اَلطَّيِّباتُ": اَلْحَلالُ؛ هَذا هو المَعْنى عِنْدَ مالِكٍ وغَيْرِهِ؛ ولا يُراعى مُسْتَلَذًّا كانَ أمْ لا؛ وقالَ الشافِعِيُّ: اَلطَّيِّباتُ: اَلْحَلالُ المُسْتَلَذُّ؛ وكُلُّ مُسْتَقْذَرٍ - كالوَزَغِ؛ والخَنافِسِ؛ وغَيْرِها - فَهي مِنَ الخَبائِثِ؛ حَرامٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَصَيْدُ ما عَلَّمْتُمْ"؛ أو: "فاتِّخاذُ ما عَلَّمْتُمْ"؛ وأعْلى مَراتِبِ التَعْلِيمِ أنْ يُشْلى الحَيَوانُ فَيَنْشَلِيَ؛ ويُدْعى فَيُجِيبَ؛ ويُزْجَرَ بَعْدَ ظَفَرِهِ بِالصَيْدِ فَيَنْزَجِرَ؛ وأنْ يَكُونَ لا يَأْكُلُ مِن صَيْدِهِ؛ فَإذا كانَ كَلْبٌ بِهَذِهِ الصِفاتِ؛ ولَمْ يَكُنْ أسْوَدَ بَهِيمًا؛ فَأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى صِحَّةِ الصَيْدِ بِهِ؛ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ تَعْلِيمَ مُسْلِمٍ ؛ ويَصِيدَ بِهِ مُسْلِمٌ ؛ هُنا انْعَقَدَ الإجْماعُ؛ فَإذا انْخَرَمَ شَيْءٌ مِمّا ذَكَرْنا دَخَلَ الخِلافُ؛ فَإنْ كانَ الَّذِي يُصادُ بِهِ غَيْرَ كَلْبٍ - كالفَهْدِ؛ وما أشْبَهَهُ؛ وكالبازِي؛ والصَقْرِ؛ ونَحْوِهِما مِنَ الطَيْرِ؛ فَجُمْهُورُ الأُمَّةِ عَلى أنَّ كُلَّ ما صادَ بَعْدَ تَعْلِيمٍ فَهو جارِحٌ؛ أيْ: كاسِبٌ؛ يُقالُ: "جَرَحَ فُلانٌ"؛ و"اِجْتَرَحَ"؛ إذا كَسَبَ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَهارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أيْ: "كَسَبْتُمْ مِن حَسَنَةٍ؛ وسَيِّئَةٍ"؛ وكانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إنَّما يُصادُ بِالكِلابِ؛ فَأمّا ما صِيدَ بِهِ مِنَ البُزاةِ؛ وغَيْرِها مِنَ الطَيْرِ؛ فَما أدْرَكْتَ ذَكاتَهُ فَذَكِّهِ؛ فَهو حَلالٌ لَكَ؛ وإلّا فَلا تَطْعَمْهُ؛ هَكَذا حَكى ابْنُ المُنْذِرِ ؛ قالَ: وسُئِلَ أبُو جَعْفَرٍ عَنِ البازِي؛ والصَقْرِ: أيَحِلُّ صَيْدُهُ؟ قالَ: "لا؛ إلّا أنْ تُدْرِكَ ذَكاتَهُ"؛ قالَ: "واسْتَثْنى قَوْمٌ البُزاةَ؛ فَجَوَّزُوا صَيْدَها؛ لِحَدِيثِ «عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ ؛ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: عن صَيْدِ البازِي؛ فَقالَ: "إذا أمْسَكَ عَلَيْكَ فَكُلْ".»
وقالَ الضَحّاكُ ؛ والسُدِّيُّ: ﴿وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ ؛ هي الكِلابُ خاصَّةً؛ فَإنْ كانَ الكَلْبُ أسْوَدَ بَهِيمًا؛ فَكَرِهَ صَيْدَهُ الحَسَنُ بْنُ (p-١٠٧)أبِي الحَسَنِ؛ وقَتادَةُ ؛ وإبْراهِيمَ النَخَعِيُّ ؛ وقالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: "ما أعْرِفُ أحَدًا يُرَخِّصُ فِيهِ إذا كانَ بَهِيمًا"؛ وبِهِ قالَ ابْنُ راهَوَيْهِ ؛ فَأمّا عَوامُّ أهْلِ العِلْمِ بِالمَدِينَةِ؛ والكُوفَةِ؛ فَيَرَوْنَ جَوازَ صَيْدِ كُلِّ كَلْبٍ مُعَلَّمٍ.
وأمّا أكْلُ الكَلْبِ مِنَ الصَيْدِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأبُو هُرَيْرَةَ ؛ والشَعْبِيُّ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ والشافِعِيُّ ؛ وأحْمَدُ ؛ وإسْحاقُ؛ وأبُو ثَوْرِ ؛ والنُعْمانُ؛ وأصْحابُهُ: "لا يُؤْكَلُ ما بَقِيَ؛ لِأنَّهُ إنَّما أمْسَكَ عَلى نَفْسِهِ؛ ولَمْ يُمْسِكْ عَلى رَبِّهِ"؛ ويُعَضِّدُ هَذا القَوْلَ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ - في الكَلْبِ المُعَلَّمِ -: « "وَإذا أكَلَ فَلا تَأْكُلْ؛ فَإنَّما أمْسَكَ عَلى نَفْسِهِ"؛» وتَأوَّلَ هَؤُلاءِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ؛ أيْ: اَلْإمْساكَ التامَّ؛ ومَتى أكَلَ فَلَمْ يُمْسِكْ عَلى الصائِدِ؛ وقالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ؛ وأبُو هُرَيْرَةَ أيْضًا؛ وسَلْمانُ الفارِسِيُّ ؛ - رَضِيَ اللهُ عنهم -: "إذا أكَلَ الجارِحُ؛ أُكِلَ ما بَقِيَ؛ وإنْ لَمْ تَبْقَ إلّا بِضْعَةٌ"؛ وهَذا قَوْلُ مالِكٍ ؛ وجَمِيعِ أصْحابِهِ؛ فِيما عَلِمْتُ؛ وتَأوَّلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ؛ عَلى عُمُومِ الإمْساكِ؛ فَمَتى حَصَلَ إمْساكٌ؛ ولَوْ في بِضْعَةٍ؛ حَلَّ أكْلُها؛ ورُوِيَ عَنِ النَخَعِيِّ ؛ وأصْحابِ الرَأْيِ؛ والثَوْرِيِّ ؛ وحَمّادِ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ: أنَّهم رَخَّصُوا فِيما أكَلَ البازِي مِنهُ؛ خاصَّةً في البازِي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهُ لا يُمْكِنُ فِيهِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ حَدَّ تَعْلِيمِهِ أنْ يُدْعى فَيُجِيبَ؛ وأنْ يُشْلى فَيَنْشَلِيَ؛ وإذا كانَ الجارِحُ يَشْرَبُ مِن دَمِ الصَيْدِ فَجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّ ذَلِكَ الصَيْدَ يُؤْكَلُ؛ وقالَ عَطاءٌ: لَيْسَ شُرْبُ الدَمِ بِأكْلِ؛ وكَرِهَ أكْلَ ذَلِكَ الصَيْدِ الشَعْبِيُّ ؛ وسُفْيانُ الثَوْرِيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَلَيْسَ في الحَيَوانِ شَيْءٌ يَقْبَلُ التَعْلِيمَ التامَّ إلّا الكَلْبُ شاذًّا"؛ وأكْثَرُها يَأْكُلُ مِنَ الصَيْدِ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يَرَ مالِكٌ ذَلِكَ مِن شُرُوطِ التَعْلِيمِ؛ وأمّا الطَيْرُ فَقالَ رَبِيعَةُ: ما أجابَ مِنها إذا دُعِيَ فَهو المُعَلَّمُ الضارِي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: لِأنَّ أكْثَرَ الحَيَوانِ بِطَبْعِهِ يَنْشَلِي؛ وقالَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ: إذا صادَ الكَلْبُ (p-١٠٨)وَأمْسَكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ ولاءً؛ فَقَدْ حَصَلَ مِنهُ التَعْلِيمُ؛ قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وكانَ النُعْمانُ لا يَحُدُّ في ذَلِكَ عَدَدًا؛ وقالَ غَيْرُهُمْ: إذا فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً واحِدَةً فَقَدْ حَصَلَ مُعَلَّمًا؛ وإذا كانَ الكَلْبُ تَعْلِيمَ يَهُودِيٍّ؛ أو نَصْرانِيٍّ؛ فَكَرِهَ الصَيْدَ بِهِ الحَسَنُ البَصْرِيُّ ؛ فَأمّا كَلْبُ المَجُوسِيِّ؛ وبازُهُ؛ وصَقْرُهُ فَكَرِهَ الصَيْدَ بِها جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ؛ والحَسَنُ ؛ وعَطاءٌ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ والثَوْرِيُّ ؛ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ ؛ ومالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ والشافِعِيُّ ؛ وأبُو حَنِيفَةَ ؛ وأصْحابُهم عَلى إباحَةِ الصَيْدِ بِكِلابِهِمْ؛ إذا كانَ الصائِدُ مُسْلِمًا؛ قالُوا: وذَلِكَ مِثْلُ شَفْرَتِهِ؛ وأمّا إنْ كانَ الصائِدُ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَجُمْهُورُ الأُمَّةِ عَلى جَوازِ صَيْدِهِ؛ غَيْرَ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ فَإنَّهُ لَمْ يُجَوِّزْ صَيْدَ اليَهُودِيِّ والنَصْرانِيِّ؛ وفَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ؛ وبَيْنَ ذَبِيحَتِهِ؛ وتَلا قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] ؛ قالَ: فَلَمْ يَذْكُرِ اللهُ بِهَذا اليَهُودَ؛ ولا النَصارى؛ وقالَ ابْنُ وهْبٍ ؛ وأشْهَبُ: صَيْدُ اليَهُودِيِّ والنَصْرانِيِّ حَلالٌ كَذَبِيحَتِهِ؛ وفي كِتابِ مُحَمَّدٍ: لا يَجُوزُ صَيْدُ الصابِئِ؛ ولا ذَبِيحَتُهُ؛ وهم قَوْمٌ بَيْنَ اليَهُودِ والنَصارى؛ لا دِينَ لَهُمْ؛ وأمّا إنْ كانَ الصائِدُ مَجُوسِيًّا فَمَنَعَ مِن أكْلِ صَيْدِهِ مالِكٌ ؛ والشافِعِيُّ ؛ وأبُو حَنِيفَةَ ؛ وأصْحابُهُمْ؛ وعَطاءٌ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ والنَخَعِيُّ ؛ واللَيْثُ بْنُ سَعْدٍ ؛ وجُمْهُورُ الناسِ؛ وقالَ أبُو ثَوْرٍ فِيها قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما كَقَوْلِ هَؤُلاءِ؛ والآخَرُ أنَّ المَجُوسَ أهْلُ كِتابٍ؛ وأنَّ صَيْدَهم جائِزٌ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَما عَلَّمْتُمْ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ واللامِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ: "عُلِّمْتُمْ"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ وكَسْرِ اللامِ؛ أيْ: أمْرَ الجَوارِحِ؛ والصَيْدَ بِها.
و"اَلْجَوارِحُ": اَلْكَواسِبُ؛ عَلى ما تَقَدَّمَ؛ وحَكى ابْنُ المُنْذِرِ عن قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: "اَلْجَوارِحُ"؛ مَأْخُوذٌ مِن "اَلْجَرّاحُ"؛ أيْ: "اَلْحَيَوانُ الَّذِي لَهُ نابٌ؛ وظُفْرٌ؛ أو مِخْلَبٌ يَجْرَحُ بِهِ صَيْدَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ أهْلُ اللُغَةِ عَلى خِلافِهِ"؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُكَلِّبِينَ"؛ بِفَتْحِ الكافِ؛ وشَدِّ اللامِ؛ والمُكَلِّبُ: مُعَلِّمُ الكِلابِ؛ ومُضْرِيها؛ ويُقالُ لِمَن يُعَلِّمُ غَيْرَ كَلْبٍ: "مُكَلِّبٌ"؛ لِأنَّهُ يَرُدُّ ذَلِكَ الحَيَوانَ كالكَلْبِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وأبُو زَيْدٍ: "مُكْلِبِينَ"؛ بِسُكُونِ الكافِ؛ وتَخْفِيفِ اللامِ؛ ومَعْناهُ: أصْحابُ كِلابٍ؛ يُقالُ: "أمْشى الرَجُلُ": كَثُرَتْ ماشِيَتُهُ؛ و"أكْلَبَ": كَثُرَتْ كِلابُهُ؛ وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: اَلْمُكَلِّبُ بِفَتْحِ الكافِ؛ وشَدِّ اللامِ: صاحِبُ الكِلابِ.
(p-١٠٩)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَيْسَ هَذا بِمُحَرِّرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللهُ﴾ ؛ أيْ: "تُعَلِّمُونَهُنَّ مِنَ الحِيلَةِ في الِاصْطِيادِ؛ والتَأنِّي لِتَحْصِيلِ الحَيَوانِ"؛ وهَذا جُزْءٌ مِمّا عَلَّمَهُ اللهُ الإنْسانَ؛ فَـ "مِن"؛ لِلتَّبْعِيضِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ وأنَّثَ الضَمِيرَ في "تُعَلِّمُونَهُنَّ"؛ مُراعاةً لِلَفْظِ الجَوارِحِ؛ إذْ هو جَمْعُ "جارِحَةٌ".
المائدة 5:5
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكم واذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ واتَّقُوا اللهِ إنَّ اللهِ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [المائدة: ٤] ﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَيِّباتُ وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمُ وطَعامُكم حِلٌّ لَهم والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكم إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ولا مُتَّخِذِي أخْدانٍ ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "مِمّا أمْسَكْنَ فَلَمْ يَأْكُلْنَ مِنهُ شَيْئًا"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "مِمّا أمْسَكْنَ وإنْ أكَلْنَ بَعْضَ الصَيْدِ"؛ وبِحَسَبِ هَذا الِاحْتِمالِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في جَوازِ أكْلِ الصَيْدِ إذا أكَلَ مِنهُ الجارِحُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] ؛ أمْرٌ بِالتَسْمِيَةِ عِنْدَ الإرْسالِ عَلى الصَيْدِ؛ وفِقْهُ الصَيْدِ والذَبْحِ؛ في مَعْنى التَسْمِيَةِ؛ واحِدٌ؛ فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذا الأمْرُ عَلى الوُجُوبِ؛ ومَتى تَرَكَ المُرْسِلُ أوِ الذابِحُ التَسْمِيَةَ عَمْدًا؛ أو نِسْيانًا؛ لَمْ تُؤْكَلْ؛ ومِمَّنْ رُوِيَتْ عنهُ كَراهِيَةُ ما لَمْ يُسَمَّ عَلَيْهِ اللهُ نِسْيانًا؛ الشَعْبِيُّ ؛ وابْنُ سِيرِينَ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو ثَوْرٍ ؛ ورَأى بَعْضُ العُلَماءِ هَذا الأمْرَ بِالتَسْمِيَةِ عَلى النَدْبِ؛ وإلى ذَلِكَ يَنْحُو أشْهَبُ في قَوْلِهِ: "إنْ تَرَكَ التَسْمِيَةَ مُسْتَخِفًّا لَمْ تُؤْكَلْ؛ وإنْ تَرَكَها عامِدًا لا يَدْرِي قَدْرَ ذَلِكَ؛ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُتَهاوِنٍ بِأمْرِ الشَرِيعَةِ؛ فَإنَّها تُؤْكَلُ"؛ ومَذْهَبُ مالِكٍ ؛ وجُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ التَسْمِيَةَ واجِبَةٌ مَعَ الذِكْرِ؛ ساقِطَةٌ مَعَ النِسْيانِ؛ فَمَن تَرَكَها عامِدًا فَقَدْ أفْسَدَ الذَبِيحَةَ والصَيْدَ؛ ومَن تَرَكَها ناسِيًا سَمّى عِنْدَ الأكْلِ؛ وكانَتِ الذَبِيحَةُ جائِزَةً. واسْتَحَبَّ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ ألّا يَذْكُرَ في التَسْمِيَةِ غَيْرَ اللهِ تَعالى؛ وأنَّ لَفْظَها: "بِسْمِ اللهِ؛ واللهُ أكْبَرُ"؛ وقالَ قَوْمٌ: إنْ صَلّى مَعَ ذَلِكَ عَلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَجائِزٌ.
(p-١١٠)ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالتَقْوى عَلى الجُمْلَةِ؛ والإشارَةُ القَرِيبَةُ هي إلى ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآياتُ مِنَ الأوامِرِ؛ وسُرْعَةُ الحِسابِ هي مِن أنَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى- قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا؛ فَلا يَحْتاجُ إلى مُحاوَلَةِ عَدٍّ؛ ويُحاسِبُ جَمِيعَ الخَلائِقِ دَفْعَةً واحِدَةً؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ تَكُونَ وعِيدًا بِيَوْمِ القِيامَةِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "إنَّ حِسابَ اللهِ لَكم سَرِيعٌ إتْيانُهُ؛ إذْ يَوْمُ القِيامَةِ قَرِيبٌ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "اَلْحِسابِ"؛ اَلْمُجازاةَ؛ فَكَأنَّهُ تَوَعَّدَ في الدُنْيا بِمُجازاةٍ سَرِيعَةٍ؛ قَرِيبَةٍ؛ إنْ لَمْ يَتَّقُوا اللهَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَيِّباتُ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى الزَمَنِ؛ والأوانِ؛ والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وتَقَدَّمَ القَوْلُ في "اَلطَّيِّباتُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ ؛ اِبْتِداءٌ؛ وخَبَرٌ؛ و"حِلٌّ"؛ مَعْناهُ: حَلالٌ؛ والطَعامُ في هَذِهِ الآيَةِ: اَلذَّبائِحُ؛ كَذا قالَ أهْلُ التَفْسِيرِ؛ وذَلِكَ أنَّ الطَعامَ الَّذِي لا مُحاوَلَةَ فِيهِ - كالبُرِّ؛ والفاكِهَةِ - ونَحْوَهُ؛ لا يَضُرُّ فِيهِ؛ ويُحَرِّمُ عَيْنَهُ تَمَلُّكُ أحَدٍ.
والطَعامُ الَّذِي تَقَعُ فِيهِ مُحاوَلَةٌ عَلى ضَرْبَيْنِ؛ فَمِنهُ ما مُحاوَلَتُهُ صَنْعَةٌ لا تَعَلُّقَ لِلدِّينِ بِها؛ كَخَبْزِ الدَقِيقِ؛ وتَعْصِيرِ الزَيْتِ؛ ونَحْوِهِ؛ فَهَذا إنْ تُجُنِّبَ مِنَ الذِمِّيِّ فَعَلى جِهَةِ التَقَزُّزِ؛ والضَرْبُ الثانِي: اَلَّتِي هي مُحْتاجَةٌ إلى الدِينِ؛ والنِيَّةِ؛ فَإذا كانَ القِياسُ ألّا تَجُوزَ ذَبائِحُهم - كَما تَقُولُ: إنَّهم لا صَلاةَ لَهُمْ؛ ولا صَوْمَ؛ ولا عِبادَةَ مَقْبُولَةً - رَخَّصَ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى- في ذَبائِحِهِمْ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ؛ وأخْرَجَها بِالنَصِّ عَنِ القِياسِ.
ثُمَّ إنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في لَفْظِ "وَطَعامُ"؛ فَقالَ الجُمْهُورُ: وهي الذَبِيحَةُ كُلُّها؛ وتَذْكِيَةُ الذِمِّيِّ عامِلَةٌ لَنا في كُلِّ الذَبِيحَةِ ما حَلَّ لَهُ مِنها؛ وما حَرُمَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مُذَكٍّ.
وقالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّما أُحِلَّ لَنا طَعامُهم مِنَ الذَبِيحَةِ - أيِ الحَلالِ لَهم -؛ لِأنَّ ما لا يَحِلُّ لَهم لا تَعْمَلُ فِيهِ تَذْكِيَتُهُمْ؛ فَمَنَعَتْ هَذِهِ الطائِفَةُ الطَرِيفَ؛ والشُحُومَ المَحْضَةَ مِن ذَبائِحِ أهْلِ الكِتابِ؛ وهَذا الخِلافُ مَوْجُودٌ في مَذْهَبِ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللهُ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في لَفْظَةِ "أُوتُوا"؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما أُحِلَّتْ لَنا ذَبائِحُ بَنِي إسْرائِيلَ؛ (p-١١١)والنَصارى الصُرَحاءِ؛ الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمُ التَوْراةُ والإنْجِيلُ؛ فَمَنَعَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ ذَبائِحَ نَصارى بَنِي تَغْلِبَ مِنَ العَرَبِ؛ وذَبائِحَ كُلِّ دَخِيلٍ في هَذَيْنِ الدِينَيْنِ؛ وكانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - يَنْهى عن ذَبائِحِ نَصارى بَنِي تَغْلِبَ؛ ويَقُولُ: لِأنَّهم لَمْ يَتَمَسَّكُوا بِشَيْءٍ مِنَ النَصْرانِيَّةِ؛ إلّا بِشُرْبِ الخَمْرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "فَهَذا لَيْسَ بِنَهْيٍ عن ذَبائِحِ النَصارى المُحَقَّقِينَ مِنهُمْ"؛ وقالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ - ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والحَسَنُ ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ وابْنُ المُسَيِّبِ ؛ والشَعْبِيُّ ؛ وعَطاءٌ ؛ وابْنُ شِهابٍ ؛ والحَكَمُ؛ وحَمّادٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ ومالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ وغَيْرُهم -: "إنَّ ذَبِيحَةَ كُلِّ نَصْرانِيٍّ حَلالٌ؛ سَواءٌ كانَ مِن بَنِي تَغْلِبَ؛ أو غَيْرِهِمْ؛ وكَذَلِكَ اليَهُودُ"؛ وتَأوَّلُوا قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ [المائدة: ٥١].
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَطَعامُكم حِلٌّ لَهُمْ﴾ ؛ أيْ: ذَبائِحُكُمْ؛ فَهَذِهِ رُخْصَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لا لِأهْلِ الكِتابِ؛ لَمّا كانَ الأمْرُ يَقْتَضِي أنَّ شَيْئًا قَدْ تَشَرَّعْنا فِيهِ بِالتَذْكِيَةِ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَحْمِيَهُ مِنهُمْ؛ ورَخَّصَ اللهُ تَعالى في ذَلِكَ رَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ بِحَسَبِ التَجاوُزِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "والمُحْصَناتُ"؛﴾ عُطِفَ عَلى الطَعامِ المُحَلَّلِ؛ والإحْصانُ - في كَلامِ العَرَبِ؛ وفي تَصْرِيفِ الشَرْعِ - مَأْخُوذٌ مِنَ المَنعَةِ؛ ومِنهُ "اَلْحِصْنُ"؛ وهو مُتَرَتِّبٌ بِأرْبَعَةِ أشْياءَ: اَلْإسْلامِ؛ والعِفَّةِ؛ والنِكاحِ؛ والحُرِّيَّةِ؛ فَيَمْتَنِعُ في هَذا المَوْضِعِ أنْ يَكُونَ الإسْلامَ؛ لِأنَّهُ قَدْ نَصَّ أنَّهُنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ ويَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ النِكاحَ؛ لِأنَّ ذاتَ الزَوْجِ لا تَحِلُّ؛ ولَمْ يَبْقَ إلّا الحُرِّيَّةُ؛ والعِفَّةُ؛ فاللَفْظَةُ تَحْتَمِلُهُما؛ واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ بِحَسَبِ هَذا الِاحْتِمالِ؛ فَقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ ومُجاهِدٌ ؛ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ ؛ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: "اَلْمُحْصَناتُ - في هَذِهِ الآيَةِ -: اَلْحَرائِرُ"؛ فَمَنَعُوا نِكاحَ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ؛ وقالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: "اَلْمُحْصَناتُ - في هَذِهِ الآيَةِ -: اَلْعَفائِفُ"؛ مِنهم مُجاهِدٌ أيْضًا؛ والشَعْبِيُّ ؛ وغَيْرُهُما؛ فَجَوَّزُوا نِكاحَ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ؛ وبِهِ قالَ سُفْيانُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وقالَ الشَعْبِيُّ: "إحْصانُ الذِمِّيَّةِ ألّا تَزْنِيَ؛ وأنْ تَغْتَسِلَ مِنَ الجَنابَةِ"؛ وقالَ أبُو مَيْسَرَةَ: "مَمْلُوكاتُ أهْلِ الكِتابِ بِمَنزِلَةِ حَرائِرِهِنَّ العَفائِفِ مِنهُنَّ؛ حَلالٌ نِكاحُهُنَّ".
(p-١١٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَنَعَ بَعْضُ العُلَماءِ زَواجَ غَيْرِ العَفِيفَةِ؛ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إذا اطَّلَعَ الرَجُلُ مِنَ امْرَأتِهِ عَلى فاحِشَةٍ فَلْيُفارِقْها؛ وفَرَّقَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - بَيْنَ نِساءِ أهْلِ الحَرْبِ؛ ونِساءِ أهْلِ الذِمَّةِ؛ فَقالَ: "مِن أهْلِ الكِتابِ مَن يَحِلُّ لَنا؛ وهم كُلُّ مَن أعْطى الجِزْيَةَ؛ ومِنهم مَن لا يَحِلُّ لَنا؛ وهم أهْلُ الحَرْبِ"؛ وكَرِهَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - نِكاحَ نِساءِ أهْلِ الحَرْبِ؛ مَخافَةَ ضَياعِ الوَلَدِ؛ أو تَغَيُّرِ دِينِهِ.
والأُجُورُ - في هَذِهِ الآيَةِ -: اَلْمُهُورُ؛ وانْتَزَعَ أهْلُ العِلْمِ مِن لَفْظَةِ ﴿ "إذا آتَيْتُمُوهُنَّ"؛﴾ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَدْخُلَ زَوْجٌ بِزَوْجَتِهِ إلّا بَعْدَ أنْ يَبْذُلَ مِنَ المَهْرِ ما يَسْتَحِلُّها بِهِ؛ ومَن جَوَّزَ أنْ يَدْخُلَ؛ دُونَ أنْ يَبْذُلَ ذَلِكَ؛ فَرَأى أنَّهُ بِحُكْمِ الِارْتِباطِ؛ والِالتِزامِ؛ في حُكْمِ المُؤْتى.
و"مُحْصِنِينَ"؛ مَعْناهُ: مُتَزَوِّجِينَ عَلى السُنَّةِ؛ والإحْصانُ - في هَذا المَوْضِعِ - هو بِالنِكاحِ؛ والمُسافِحُ: اَلْمُزانِي؛ والسِفاحُ: اَلزِّنا؛ والمُسافِحَةُ هي المَرْأةُ الَّتِي لا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ؛ وتَزْنِي مَعَ كُلِّ أحَدٍ؛ وهُنَّ أصْحابُ الراياتِ في الجاهِلِيَّةِ؛ والمُخادَنَةُ: أنْ يَكُونَ الزانِيانِ قَدْ وقَفَ كُلُّ واحِدٍ نَفْسَهُ عَلى صاحِبِهِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ؛ وفُسِّرَ بِأوعَبَ مِن هَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى أنَّ الكُفْرَ هو بِنَفْسِ الإيمانِ؛ وفي هَذا مَجازٌ؛ واسْتِعارَةٌ؛ لِأنَّ الإيمانَ لا يُتَصَوَّرُ كُفْرٌ بِهِ؛ إنَّما الكُفْرُ بِالأُمُورِ الَّتِي حَقُّها أنْ يَقَعَ الإيمانُ بِها؛ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
المائدة 5:6
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أو عَلى سَفَرٍ أو جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أو لامَسْتُمُ النِساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيَكم مِنهُ ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِنَ حَرَجٍ ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكم ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾
لا يُخْتَلَفُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي الَّتِي قالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها - فِيها نَزَلَتْ آيَةُ التَيَمُّمِ؛ وهي آيَةُ الوُضُوءِ؛ لَكِنْ مِن حَيْثُ كانَ الوُضُوءُ مُتَقَرَّرًا عِنْدَهُمْ؛ مُسْتَعْمَلًا؛ فَكَأنَّ (p-١١٣)الآيَةَ لَمْ تَزِدْهم فِيهِ إلّا تِلاوَتَهُ؛ وإنَّما أعْطَتْهُمُ الفائِدَةَ؛ والرُخْصَةَ في التَيَمُّمِ؛ واسْتُدِلَّ عَلى حُصُولِ الوُضُوءِ بِقَوْلِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها -: « "فَأقامَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِالناسِ؛ ولَيْسُوا عَلى ماءٍ؛ ولَيْسَ مَعَهم ماءٌ"؛» وآيَةُ النِساءِ إمّا نَزَلَتْ مَعَها؛ أو بَعْدَها بِيَسِيرٍ؛ وكانَتْ قِصَّةُ التَيَمُّمِ في سَفَرِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ؛ وهي غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ؛ وفِيها كانَ هُبُوبُ الرِيحِ؛ فِيما رُوِيَ؛ وفِيها كانَ قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ: "لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ"؛ اَلْقِصَّةُ بِطُولِها؛ وفِيها وقَعَ حَدِيثُ الإفْكِ.
ولَمّا كانَتْ مُحاوَلَةُ الصَلاةِ في الأغْلَبِ إنَّما هي بِقِيامٍ؛ جاءَتِ العِبارَةُ: "إذا قُمْتُمْ".
واخْتَلَفَ الناسُ في القَرِينَةِ الَّتِي أُرِيدَتْ مَعَ قَوْلِهِ: "إذا قُمْتُمْ"؛ فَقالَتْ طائِفَةٌ: "هَذا لَفْظٌ عامٌّ في كُلِّ قِيامٍ؛ سَواءٌ كانَ المَرْءُ عَلى طُهُورٍ؛ أو مُحْدِثًا؛ فَإنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ إذا قامَ إلى الصَلاةِ أنْ يَتَوَضَّأ"؛ ورُوِيَ أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ؛ ويَقْرَأُ الآيَةَ؛ ورُوِيَ نَحْوُهُ عن عِكْرِمَةَ ؛ وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: "كانَ الخُلَفاءُ يَتَوَضَّؤُونَ لِكُلِّ صَلاةٍ؛ ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - تَوَضَّأ وُضُوءًا فِيهِ تَجَوُّزٌ؛ ثُمَّ قالَ: "هَذا وُضُوءُ مَن لَمْ يُحْدِثْ"؛ وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حَنْظَلَةَ بْنِ أبِي عامِرٍ الغَسِيلُ: «إنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أُمِرَ بِالوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ؛ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ فَأُمِرَ بِالسِواكِ؛ ورُفِعَ عنهُ الوُضُوءُ؛ إلّا مِن حَدَثٍ.»
(p-١١٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكانَ كَثِيرٌ مِنَ الصَحابَةِ - مِنهُمُ ابْنُ عُمَرَ ؛ وغَيْرُهُ؛ يَتَوَضَّؤُونَ لِكُلِّ صَلاةٍ انْتِدابًا إلى فَضِيلَةٍ؛ وكَذَلِكَ كانَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَفْعَلُ؛ ثُمَّجَمَعَ بَيْنَ صَلاتَيْنِ بِوُضُوءٍ واحِدٍ؛ في حَدِيثِ سُوَيْدِ بْنِ النُعْمانِ؛ وفي غَيْرِ مَوْطِنٍ؛ إلى أنْ «جَمَعَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ الفَتْحِ بَيْنَ الصَلَواتِ الخَمْسِ بِوُضُوءٍ واحِدٍ؛» إرادَةَ البَيانِ لِأُمَّتِهِ؛ ورَوى ابْنُ عُمَرَ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "مَن تَوَضَّأ عَلى طُهْرٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ"؛ وقالَ: "إنَّما رَغِبْتُ في هَذا".»
وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ رُخْصَةً لِرَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ لِأنَّهُ كانَ لا يَعْمَلُ عَمَلًا إلّا وهو عَلى وُضُوءٍ؛ ولا يُكَلِّمُ أحَدًا؛ ولا يَرُدُّ سَلامًا؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَأعْلَمَهُ اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ الوُضُوءَ إنَّما هو عِنْدَ القِيامِ إلى الصَلاةِ فَقَطْ؛ دُونَ سائِرِ الأعْمالِ؛ قالَ ذَلِكَ عَلْقَمَةُ بْنُ الفَغْواءِ؛ وهو مِنَ الصَحابَةِ؛ وكانَ دَلِيلَ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى "تَبُوكَ"؛ وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ ؛ والسُدِّيُّ: مَعْنى الآيَةِ: "إذا قُمْتُمْ إلى الصَلاةِ مِنَ المَضاجِعِ"؛ يَعْنِي النَوْمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والقَصْدُ بِهَذا التَأْوِيلِ أنْ يَعُمَّ الأحْداثَ بِالذِكْرِ؛ ولا سِيَّما النَوْمُ؛ الَّذِي هو مُخْتَلَفٌ فِيهِ: هَلْ هو في نَفْسِهِ حَدَثٌ؟ وفي الآيَةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ تَقْدِيمٌ؛ وتَأْخِيرٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَلاةِ مِنَ النَوْمِ؛ أو جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ؛ أو لامَسْتُمُ النِساءَ - يَعْنِي المُلامَسَةَ الصُغْرى - فاغْسِلُوا"؛ فَتَمَّتْ أحْكامُ المُحْدِثِ حَدَثًا (p-١١٥)أصْغَرَ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ ؛ فَهَذا حُكْمُ نَوْعٍ آخَرَ؛ ثُمَّ قالَ لِلنَّوْعَيْنِ جَمِيعًا: ( وإن كُنتُم مَّرْضى أو عَلى سَفَرٍ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ) ؛ وقالَ بِهَذا التَأْوِيلِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ؛ مِن أصْحابِ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ وغَيْرُهُ.
وقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: مَعْنى الآيَةِ: "إذا قُمْتُمْ إلى الصَلاةِ مُحْدِثِينَ"؛ ولَيْسَ في الآيَةِ - عَلى هَذا - تَقْدِيمٌ؛ ولا تَأْخِيرٌ؛ بَلْ يَتَرَتَّبُ في الآيَةِ حُكْمُ واجِدِ الماءِ؛ إلى قَوْلِهِ: "فاطَّهَّرُوا"؛ ودَخَلَتِ المُلامَسَةُ الصُغْرى في قَوْلِهِ: "مُحْدِثِينَ"؛ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ - بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ ؛ إلى آخِرِ الآيَةِ - حُكْمَ عادِمِ الماءِ مِنَ النَوْعَيْنِ جَمِيعًا؛ وكانَتِ المُلامَسَةُ هي الجِماعُ ولا بُدَّ؛ لِيَذْكُرَ الجُنُبَ العادِمَ لِلْماءِ؛ كَما ذَكَرَ الواجِدَ؛ وهَذا هو تَأْوِيلُ الشافِعِيِّ ؛ وغَيْرِهِ؛ وعَلَيْهِ تَجِيءُ أقْوالُ الصَحابَةِ؛ كَسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ وأبِي مُوسى ؛ وغَيْرِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾: اَلْغَسْلُ في اللُغَةِ: إيجادُ الماءِ في المَغْسُولِ؛ مَعَ إمْرارِ شَيْءٍ عَلَيْهِ؛ كاليَدِ؛ أو ما قامَ مَقامَها؛ وهو يَتَفاضَلُ بِحَسَبِ الِانْغِمارِ في الماءِ؛ أوِ التَقْلِيلِ مِنهُ؛ وغَسْلُ الوَجْهِ في الوُضُوءِ هو بِنَقْلِ الماءِ إلَيْهِ؛ وإمْرارِ اليَدِ عَلَيْهِ؛ والوَجْهُ: ما واجَهَ الناظِرَ وقابَلَهُ؛ وحَدُّهُ في الطُولِ مَنابِتُ الشَعْرِ فَوْقَ الجَبْهَةِ؛ إلى آخِرِ الذَقَنِ؛ وعَبَّرَ بَعْضُ الناسِ: "إلى ما قَبْلَ الذَقَنِ"؛ وقِيلَ: بَلْ حَدُّهُ فِيها آخِرُ الشَعْرِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَخْلِيلِ اللِحْيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: رُوِيَ تَخْلِيلُها عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن حَدِيثِ أنَسٍ ؛ ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ ؛ واخْتَلَفَ في حَدِّهِ عَرْضًا؛ فَهو في المَرْأةِ؛ والأمْرَدِ؛ مِنَ الأُذُنِ (p-١١٦)إلى الأُذُنِ؛ وفي ذِي اللِحْيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ؛ فَقِيلَ: "مِنَ الشَعْرِ إلى الشَعْرِ"؛ يَعْنِي شَعْرَ العارِضَيْنِ؛ وقِيلَ: "مِنَ الأُذُنِ إلى الأُذُنِ"؛ ويَدْخُلُ البَياضُ الَّذِي بَيْنَ العارِضِ والأُذُنِ في الوَجْهِ؛ وقِيلَ: "يَغْسِلُ ذَلِكَ البَياضَ اسْتِحْبابًا"؛ واخْتُلِفَ في الأُذُنَيْنِ؛ فَقِيلَ: "هُما مِنَ الرَأْسِ"؛ وقالَ الزُهْرِيُّ: "مِنَ الوَجْهِ"؛ وقِيلَ: "هُما عُضْوٌ قائِمٌ بِنَفْسِهِ؛ لَيْسا مِنَ الوَجْهِ؛ ولا مِنَ الرَأْسِ"؛ وقِيلَ: "ما أقْبَلُ مِنهُما مِنَ الوَجْهِ؛ وما أدْبَرَ فَهو مِنَ الرَأْسِ"؛ واخْتُلِفَ في المَضْمَضَةِ؛ والِاسْتِنْشاقِ؛ فَجُمْهُورُ الأُمَّةِ يَرَوْنَها سُنَّةً؛ ولا يَدْخُلُ هَذانَ الباطِنانِ عِنْدَهم في الوَجْهِ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "اَلِاسْتِنْشاقُ شَطْرُ الوُضُوءِ"؛ وقالَ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ ؛ وقَتادَةُ ؛ وعَطاءٌ ؛ والزُهْرِيُّ ؛ وابْنُ أبِي لَيْلى ؛ وابْنُ راهَوَيْهِ: "مَن تَرَكَ المَضْمَضَةَ؛ والِاسْتِنْشاقَ في الوُضُوءِ أعادَ الصَلاةَ"؛ وقالَ أحْمَدُ: "يُعِيدُ مَن تَرَكَ الِاسْتِنْشاقَ ولا يُعِيدُ مَن تَرَكَ المَضْمَضَةَ"؛ والناسُ كُلُّهم عَلى أنَّ داخِلَ العَيْنَيْنِ لا يَلْزَمُ غَسْلُهُ؛ إلّا ما رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَنْضَحُ الماءَ في عَيْنَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾: اَلْيَدُ في اللُغَةِ تَقَعُ عَلى العُضْوِ الَّذِي هو مِنَ المَنكِبِ إلى أطْرافِ الأصابِعِ؛ ولِذَلِكَ كانَ أبُو هُرَيْرَةَ يَغْسِلُ جَمِيعَهُ في الوُضُوءِ أحْيانًا لِيُطِيلَ الغُرَّةَ؛ وحَدَّ اللهُ مَوْضِعَ الغَسْلِ مِنهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ "إلى المَرافِقِ"؛﴾ يُقالُ في واحِدِها: "مِرْفَقٌ"؛ و"مَرْفِقٌ"؛ وكَسْرُ المِيمِ وفَتْحُ الفاءِ أشْهَرُ؛ واخْتَلَفَ العُلَماءُ: هَلْ تَدْخُلُ المَرافِقُ في الغَسْلِ؛ أمْ لا؟ فَقالَتْ طائِفَةٌ: "لا تَدْخُلُ؛ لِأنَّ "إلى" غايَةٌ تَحُولُ بَيْنَ ما قَبْلَها؛ وما بَعْدَها"؛ وقالَتْ طائِفَةٌ: "تَدْخُلُ المَرافِقُ في الغَسْلِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ "إلى"؛ إذا كانَ مِن نَوْعِ ما قَبْلَها فَهو داخِلٌ"؛ ومَثَّلَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ في ذَلِكَ بِأنْ تَقُولَ: "اِشْتَرَيْتُ الفَدّانَ إلى حاشِيَتِهِ"؛ أو بِأنْ تَقُولَ: "اِشْتَرَيْتُ الفَدّانَ إلى الدارِ"؛ وبِقَوْلِهِ: ﴿أتِمُّوا الصِيامَ إلى اللَيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَحْرِيرُ العِبارَةِ في هَذا المَعْنى؛ أنْ يُقالَ: "إذا كانَ ما بَعْدَ "إلى" لَيْسَ مِمّا قَبْلَها؛ فالحَدُّ أوَّلُ المَذْكُورِ بَعْدَها؛ وإذا كانَ ما بَعْدَها مِن جُمْلَةِ ما قَبْلَها؛ فالِاحْتِياطُ يُعْطِي أنَّ الحَدَّ آخِرُ المَذْكُورِ بَعْدَها"؛ ولِذَلِكَ يُتَرَجَّحُ دُخُولُ المِرْفَقَيْنِ في الغَسْلِ؛ والرِوايَتانِ مَحْفُوظَتانِ عن مالِكِ بْنِ أنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ رَوى عنهُ أشْهَبُ أنَّ المِرْفَقَيْنِ غَيْرُ داخِلَيْنِ في الحَدِّ؛ ورُوِيَ عنهُ أنَّهُما داخِلانِ.
(p-١١٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ ؛ اَلْمَسْحُ أنْ يُمِرَّ عَلى الشَيْءِ بِشَيْءٍ مَبْلُولٍ بِالماءِ؛ وسُنَّةُ مَسْحِ الرَأْسِ أنْ يُؤْخَذَ ماءٌ بِاليَدَيْنِ؛ ثُمَّ يُرْسَلَ؛ ثُمَّ يُمْسَحَ الرَأْسُ بِما تَعَلَّقَ بِاليَدَيْنِ.
واخْتُلِفَ في مَسْحِ الرَأْسِ في مَواضِعَ؛ مِنها هَيْئَةُ المَسْحِ؛ فَقالَتْ طائِفَةٌ - مِنها مالِكٌ ؛ والشافِعِيُّ ؛ وجَماعَةٌ مِنَ الصَحابَةِ؛ والتابِعِينَ -: "يَبْدَأُ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ؛ ثُمَّ يَذْهَبُ بِهِما إلى قَفاهُ؛ ثُمَّ يَرُدُّهُما إلى مُقَدَّمِهِ"؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "يَبْدَأُ مِن مُؤَخَّرِ الرَأْسِ؛ حَتّى يَجِيءَ إلى المُقَدَّمِ؛ ثُمَّ يَرُدُّ إلى المُؤَخَّرِ"؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "يَبْدَأُ مِن وسَطِ الرَأْسِ؛ فَيَجِيءُ بِيَدَيْهِ نَحْوَ الوَجْهِ؛ ثُمَّ يَرُدُّ؛ فَيُصِيبُ باطِنَ الشَعْرِ؛ فَإذا انْتَهى إلى وسَطِ الرَأْسِ؛ أمَرَّ يَدَيْهِ كَذَلِكَ عَلى ظاهِرِ شَعْرِ مُؤَخَّرِ الرَأْسِ؛ ثُمَّ يَرُدُّ؛ فَيُصِيبُ باطِنَهُ؛ ويَقِفُ عِنْدَ وسَطِ الرَأْسِ"؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "يَمْسَحُ رَأْسَهُ مِن هُنا وهُنا؛ عَلى غَيْرِ نِظامٍ؛ ولا مَبْدَإٍ مَحْدُودٍ؛ حَتّى يَعُمَّهُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَهَذا كُلُّهُ قَوْلٌ بِالعُمُومِ"؛ واخْتُلِفَ في رَدِّ اليَدَيْنِ عَلى شَعْرِ الرَأْسِ؛ هَلْ هو فَرْضٌ؛ أمْ سُنَّةٌ؛ بَعْدَ الإجْماعِ عَلى أنَّ المَسْحَةَ الأُولى فَرْضٌ بِالقُرْآنِ؛ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ سُنَّةٌ؛ وقِيلَ: "هُوَ فَرْضٌ".
ومِن مَواضِعِ الخِلافِ في مَسْحِ الرَأْسِ قَدْرُ ما يُمْسَحُ؛ فَقالَتْ جَماعَةٌ: "اَلْواجِبُ مِن مَسْحِ الرَأْسِ عُمُومُهُ"؛ ثُمَّ اخْتَلَفُوا في الهَيْئاتِ عَلى ما ذَكَرْناهُ؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: "إنْ مَسَحَ ثُلُثَيِ الرَأْسِ؛ وتَرَكَ الثُلُثَ؛ أجْزَأ؛ لِأنَّهُ كَثِيرٌ في أُمُورٍ مِنَ الشَرْعِ"؛ وقالَ أشْهَبُ: "إنْ مَسَحَ الناصِيَةَ أجْزَأ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكُلُّ مَن أحْفَظُ عنهُ إجْزاءَ بَعْضِ الرَأْسِ فَإنَّهُ يَرى ذَلِكَ البَعْضَ مِن مُقَدَّمِ الرَأْسِ؛ وذَلِكَ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ في ذَلِكَ أحادِيثُ؛ في بَعْضِها ذِكْرُ الناصِيَةِ؛ وفي بَعْضِها ذِكْرُ مُقَدَّمِ الرَأْسِ؛ إلّا ما رُوِيَ عن إبْراهِيمَ؛ والشَعْبِيِّ ؛ قالا: أيَّ نَواحِي رَأْسِكَ مَسَحْتَ أجْزَأكَ؛ وكانَ سَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ يَمْسَحُ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ مَسَحَ اليافُوخَ فَقَطْ؛ وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ: إنْ مَسَحَ بِثَلاثِ أصابِعَ أجْزَأهُ؛ وإنْ كانَ المَمْسُوحُ أقَلَّ مِمّا يَمُرُّ عَلَيْهِ ثَلاثُ أصابِعَ لَمْ يُجْزِئْ؛ وقالَ قَوْمٌ: يُجْزِئُ مَن مَسَحَ الرَأْسَ أنْ يَمْسَحَ مَسْحَةً بِأُصْبُعٍ واحِدَةٍ؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إنْ لَمْ تُصِبِ المَرْأةُ إلّا شَعْرَةً واحِدَةً أجْزَأها؛ وحَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ عن سُفْيانَ الثَوْرِيِّ أنَّ الرَجُلَ إذا مَسَحَ شَعْرَةً واحِدَةً أجْزَأهُ.
(p-١١٨)وَمِن مَواضِعِ الخِلافِ في مَسْحِ الرَأْسِ: ما العُضْوُ الَّذِي يُمْسَحُ بِهِ؟ فالإجْماعُ عَلى اسْتِحْسانِ المَسْحِ بِاليَدَيْنِ جَمِيعًا؛ وعَلى الإجْزاءِ إنْ مَسَحَ بِواحِدَةٍ؛ واخْتُلِفَ فِيمَن مَسَحَ بِأُصْبُعِ واحِدَةٍ حَتّى عَمَّ ما يَرى أنَّهُ يُجْزِئُهُ مِنَ الرَأْسِ؛ فالمَشْهُورُ أنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ؛ وقِيلَ: لا يُجْزِئُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُتَرَجَّحُ أنَّهُ لا يُجْزِئُ؛ لِأنَّهُ خُرُوجٌ عن سُنَّةِ المَسْحِ؛ وكَأنَّهُ لَعِبٌ؛ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عن ضَرُورَةِ مَرَضٍ؛ فَيَنْبَغِي ألّا يُخْتَلَفَ في الإجْزاءِ.
ومِن مَواضِعِ الخِلافِ عَدَدُ المَسَحاتِ؛ فالجُمْهُورُ عَلى مَرَّةٍ واحِدَةٍ؛ ويُجْزِئُ ذَلِكَ عِنْدَ الشافِعِيِّ ؛ وثَلاثٌ أحَبُّ إلَيْهِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّتَيْنِ؛ ورُوِيَ عن أنَسٍ أنَّهُ قالَ: يُمْسَحُ الرَأْسُ ثَلاثًا؛ وقالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وعَطاءٌ ؛ ومَيْسَرَةُ.
والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿ "بِرُءُوسِكُمْ"؛﴾ مُؤَكِّدَةٌ زائِدَةٌ عِنْدَ مَن يَرى عُمُومَ الرَأْسِ؛ والمَعْنى عِنْدَهُ: "وامْسَحُوا رُؤُوسَكُمْ"؛ وهي لِلْإلْزاقِ المَحْضِ عِنْدَ مَن يَرى إجْزاءَ بَعْضِ الرَأْسِ؛ كَأنَّ المَعْنى: "أوجِدُوا مَسْحًا بِرُؤُوسِكُمْ"؛ فَمَن مَسَحَ شَعْرَةً فَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ؛ ثُمَّ اتَّبَعُوا في المَقادِيرِ الَّتِي حَدُّوها آثارًا؛ وأقْيِسَةً؛ بِحَسَبِ اجْتِهادِ العُلَماءِ - رَحِمَهُمُ اللهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ: "وَأرْجُلِكُمْ"؛ خَفْضًا؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ والكِسائِيُّ: "وَأرْجُلَكُمْ"؛ نَصْبًا؛ ورَوى أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ الخَفْضَ؛ ورَوى عنهُ حَفْصٌ النَصْبَ؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ والأعْمَشُ: "وَأرْجُلُكُمْ"؛ بِالرَفْعِ؛ المَعْنى: "فاغْسِلُوها"؛ ورُوِيَتْ عن نافِعٍ ؛ وبِحَسَبِ هَذا اخْتِلافُ الصَحابَةِ؛ والتابِعِينَ؛ فَكُلُّ مَن قَرَأ بِالنَصْبِ جَعَلَ العامِلَ "اِغْسِلُوا"؛ وبَنى عَلى أنَّ الفَرْضَ في الرِجْلَيْنِ الغَسْلُ بِالماءِ؛ دُونَ المَسْحِ؛ وهَذا هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ؛ وعَلَيْهِ فِعْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهو اللازِمُ مِن قَوْلِهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقَدْ رَأى قَوْمًا يَتَوَضَّؤُونَ وأعْقابُهم تَلُوحُ؛ فَنادى بِأعْلى صَوْتِهِ: « "وَيْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النارِ".»
(p-١١٩)وَمَن قَرَأ بِالخَفْضِ جَعَلَ العامِلَ أقْرَبَ العامِلَيْنِ؛ واخْتَلَفُوا؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمْ: اَلْفَرْضُ في الرِجْلَيْنِ المَسْحُ؛ لا الغَسْلُ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: "اَلْوُضُوءُ غَسْلَتانِ؛ ومَسْحَتانِ"؛ ورُوِيَ أنَّ الحَجّاجَ خَطَبَ بِالأهْوازِ؛ فَذَكَرَ الوُضُوءَ؛ فَقالَ: "اِغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكُمْ؛ وامْسَحُوا بِرُؤُوسِكم وأرْجُلِكُمْ؛ وإنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ ابْنِ آدَمَ أقْرَبَ مِن خُبْثِهِ مِن قَدَمَيْهِ؛ فاغْسِلُوا بُطُونَهُما؛ وظُهُورَهُما؛ وعَراقِيبَهُما"؛ فَسَمِعَ ذَلِكَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ ؛ فَقالَ: "صَدَقَ اللهُ وكَذَبَ الحَجّاجُ "؛ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكُمْ﴾ ؛ قالَ: وكانَ أنَسٌ إذا مَسَحَ رِجْلَيْهِ بَلَّهُما؛ ورُوِيَ أيْضًا «عن أنَسٍ أنَّهُ قالَ: "نَزَلَ القُرْآنُ بِالمَسْحِ؛ والسُنَّةُ بِالغَسْلِ"؛» وكانَ عِكْرِمَةُ يَمْسَحُ عَلى رِجْلَيْهِ؛ ولَيْسَ في الرِجْلَيْنِ غَسْلٌ؛ إنَّما نَزَلَ فِيهِما المَسْحُ. وقالَ الشَعْبِيُّ: "نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالمَسْحِ"؛ ثُمَّ قالَ: "ألّا تَرى أنَّ التَيَمُّمَ يُمْسَحُ فِيهِ ما كانَ غَسْلًا؛ ويُلْغى ما كانَ مَسْحًا؟"؛ ورُوِيَ عن أبِي جَعْفَرٍ أنَّهُ قالَ: "اِمْسَحْ عَلى رَأْسِكَ وقَدَمَيْكَ"؛ وقالَ قَتادَةُ: "اِفْتَرَضَ اللهُ غَسْلَتَيْنِ؛ ومَسْحَتَيْنِ".
وكُلٌّ مَن ذَكَرْنا فَقِراءَتُهُ: "وَأرْجُلِكُمْ"؛ بِكَسْرِ اللامِ؛ وبِذَلِكَ قَرَأ عَلْقَمَةُ ؛ والأعْمَشُ ؛ والضَحّاكُ ؛ وغَيْرُهُمْ؛ وذَكَرَهُمُ الطَبَرِيُّ تَحْتَ تَرْجَمَةِ القَوْلِ بِالمَسْحِ؛ وذَهَبَ قَوْمٌ مِمَّنْ يُقِرُّ بِكَسْرِ اللامِ إلى أنَّ المَسْحَ في الرِجْلَيْنِ هو الغَسْلُ؛ ورُوِيَ عن أبِي زَيْدٍ أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الغَسْلَ الخَفِيفَ مَسْحًا؛ ويَقُولُونَ: "تَمَسَّحْتُ لِلصَّلاةِ"؛ بِمَعْنى: "غَسَلْتُ أعْضائِي"؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ؛ وغَيْرُهُ؛ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾ [ص: ٣٣] ؛ إنَّهُ الضَرْبُ؛ ويُقالُ: "مَسَحَ عِلاوَتَهُ"؛ إذا ضَرَبَهُ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: "فَهَذا يُقَوِّي أنَّ المُرادَ بِمَسْحِ الرِجْلَيْنِ الغَسْلُ؛ ومِنَ الدَلِيلِ عَلى أنَّ مَسْحَ الرِجْلَيْنِ يُرادُ بِهِ الغَسْلُ أنَّ الحَدَّ قَدْ وقَعَ فِيهِما بِـ "إلى"؛ كَما وقَعَ في الأيْدِي؛ وهي مَغْسُولَةٌ؛ ولَمْ يَقَعْ في المَمْسُوحِ حَدٌّ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُعْتَرَضُ هَذا التَأْوِيلُ بِتَرْكِ الحَدِّ في الوَجْهِ؛ فَكانَ الوُضُوءُ مَغْسُولَيْنِ؛ حُدَّ أحَدُهُما؛ ومَمْسُوحَيْنِ؛ حُدَّ أحَدُهُما؛ وقالَ الطَبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ -: "إنَّ مَسْحَ الرِجْلَيْنِ هو بِإيصالِ الماءِ (p-١٢٠)إلَيْهِما؛ ثُمَّ يَمْسَحُ بِيَدَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَكُونُ المَرْءُ غاسِلًا؛ ماسِحًا"؛ قالَ: "وَلِذَلِكَ كَرِهَ أكْثَرُ العُلَماءِ لِلْمُتَوَضِّئِ أنْ يُدْخِلَ رِجْلَيْهِ في الماءِ؛ دُونَ أنْ يُمِرَّ يَدَيْهِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ جَوَّزَ ذَلِكَ قَوْمٌ؛ مِنهُمُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ وبَعْضُ فُقَهاءِ الأمْصارِ؛ وجُمْهُورُ الأُمَّةِ مِنَ الصَحابَةِ؛ والتابِعِينَ؛ عَلى أنَّ الفَرْضَ في الرِجْلَيْنِ الغَسْلُ؛ وأنَّ المَسْحَ لا يُجْزِئُ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَحّاكِ ؛ وهو يَقْرَأُ بِكَسْرِ اللامِ.
والكَلامُ في قَوْلِهِ: "إلى الكَعْبَيْنِ"؛ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: "إلى المَرافِقِ"؛ واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ في "الكَعْبَيْنِ"؛ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُما العَظْمانِ الناتِئانِ في جَنْبَيِ الرِجْلِ؛ وهَذانِ هُما حَدُّ الوُضُوءِ؛ بِإجْماعٍ؛ فِيما عَلِمْتُ؛ واخْتُلِفَ: هَلْ يَدْخُلانِ في الغَسْلِ؛ أمْ لا؟ كَما تَقَدَّمَ في المِرْفَقِ؛ وقالَ قَوْمٌ: اَلْكَعْبُ هو العَظْمُ الناتِئُ في وجْهِ القَدَمِ؛ حَيْثُ يَجْتَمِعُ شِراكُ النَعْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَلا أعْلَمُ أحَدًا جَعَلَ حَدَّ الوُضُوءِ إلى هَذا؛ ولَكِنَّ عَبْدَ الوَهّابِ؛ في التَلْقِينِ؛ جاءَ في ذَلِكَ بِلَفْظٍ فِيهِ تَخْلِيطٌ وإبْهامٌ"؛ قالَ الشافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ -: لَمْ أعْلَمْ مُخالِفًا في أنَّ الكَعْبَيْنِ هُما العَظْمانِ في مَجْمَعِ مَفْصِلِ الساقِ؛ ورَوى الطَبَرِيُّ عن يُونُسَ؛ عن أشْهَبَ؛ عن مالِكٍ قالَ: اَلْكَعْبانِ اللَذانِ يَجِبُ الوُضُوءُ إلَيْهِما هُما العَظْمانِ المُلْتَصِقانِ بِالساقِ؛ المُحاذِيانِ لِلْعَقِبِ؛ ولَيْسَ الكَعْبُ بِالظاهِرِ في وجْهِ القَدَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَظْهَرُ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ؛ مِن قَوْلِهِ - في الأيْدِي -: "إلى المَرافِقِ"؛ أيْ: في كُلِّ يَدٍ مِرْفَقٌ؛ ولَوْ كانَ كَذَلِكَ في الأرْجُلِ لَقِيلَ: "إلى الكُعُوبِ"؛ فَلَمّا كانَ في كُلِّ رِجْلٍ كَعْبانِ؛ خُصّا بِالذِكْرِ.
وألْفاظُ الآيَةِ تَقْتَضِي المُوالاةَ بَيْنَ الأعْضاءِ؛ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ؛ فَقالَ ابْنُ (p-١٢١)أبِي سَلَمَةَ ؛ وابْنُ وهْبٍ: ذَلِكَ مِن فُرُوضِ الوُضُوءِ؛ في الذِكْرِ؛ والنِسْيانِ؛ وقالَ ابْنُ عَبْدِ الحَكِيمِ: لَيْسَ بِفَرْضٍ مَعَ الذِكْرِ؛ وقالَ مالِكٌ: هو فَرْضٌ مَعَ الذِكْرِ؛ ساقِطٌ مَعَ النِسْيانِ.
وكَذَلِكَ تَتَضَمَّنُ ألْفاظُ الآيَةِ التَرْتِيبَ؛ واخْتُلِفَ فِيهِ؛ فَقالَ الأبْهَرِيُّ: اَلتَّرْتِيبُ سُنَّةٌ؛ وظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ التَنْكِيسَ لِلنّاسِي مُجْزِئٌ؛ واخْتُلِفَ في العامِدِ؛ فَقِيلَ: يُجْزِئُ؛ ويُرَتِّبُ في المُسْتَقْبَلِ؛ وقالَ أبُو بَكْرٍ القاضِي؛ وغَيْرُهُ: لا يُجْزِئُ؛ لِأنَّهُ عابِثٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾: "اَلْجُنُبُ"؛ مَأْخُوذٌ مِن "اَلْجَنْبُ"؛ لِأنَّهُ يَمَسُّ جَنْبُهُ جَنْبَ امْرَأةٍ في الأغْلَبِ؛ ومِنَ المُجاوَرَةِ والقُرْبِ؛ قِيلَ: ﴿والجارِ الجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] ؛ ويَحْتَمِلُ "اَلْجُنُبُ"؛ أنْ يَكُونَ مِنَ البُعْدِ؛ إذِ البُعْدُ جَنابَةٌ؛ ومِنهُ "تَجَنَّبْتُ الشَيْءَ"؛ إذا بَعُدْتُ عنهُ؛ فَكَأنَّهُ جانَبَ الطَهارَةَ؛ وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الجارُ الجُنُبُ هو البَعِيدُ الجِوارِ؛ ويَكُونَ مُقابِلًا لِلصّاحِبِ بِالجَنْبِ.
و﴿ "فاطَّهَّرُوا"؛﴾ أمْرٌ بِالِاغْتِسالِ بِالماءِ؛ ولِذَلِكَ رَأى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وابْنُ مَسْعُودٍ ؛ وغَيْرُهُما؛ أنَّ الجُنُبَ لا يَتَيَمَّمُ البَتَّةَ؛ بَلْ يَدَعُ الصَلاةَ حَتّى يَجِدَ الماءَ؛ وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: بَلْ هَذِهِ العِبارَةُ هي لِواجِدِ الماءِ؛ وقَدْ ذُكِرَ الجُنُبُ أيْضًا بَعْدُ في أحْكامِ عادِمِ الماءِ؛ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أو لامَسْتُمُ النِساءَ﴾ ؛ إذِ المُلامَسَةُ هُنا الجِماعُ؛ والطُهُورُ بِالماءِ صِفَتُهُ أنْ يُعَمَّ الجَسَدُ بِالماءِ؛ وتُمَرَّ اليَدُ مَعَ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ هَذا هو مَشْهُورُ المَذْهَبِ؛ ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوانَ الظاهِرِيِّ؛ وغَيْرُهُ؛ عن مالِكٍ أنَّهُ يُجْزِئُ في غُسْلِ الجَنابَةِ أنْ يَنْغَمِسَ الرَجُلُ في الماءِ؛ دُونَ تَدَلُّكٍ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ "اَلنِّساءِ" تَفْسِيرُ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ ؛ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾ ؛ وقِراءَةِ مَن قَرَأ: "مِنَ الغَيْطِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ ؛ "اَلْإرادَةُ": صِفَةُ ذاتٍ؛ وجاءَ الفِعْلُ مُسْتَقْبَلًا؛ مُراعاةً لِلْحَوادِثِ الَّتِي تَظْهَرُ عَنِ الإرادَةِ؛ فَإنَّها تَجِيءُ مُؤْتَنَفَةً؛ مِن تَطْهِيرِ المُؤْمِنِينَ؛ وإتْمامِ النِعَمِ عَلَيْهِمْ.
وتَعْدِيَةُ "أرادَ"؛ وما تَصَرَّفَ مِنهُ بِهَذِهِ اللامِ؛ عُرِفَ في كَلامِ العَرَبِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-١٢٢)
؎ أُرِيدُ لِأنْسى ذِكْرَها فَكَأنَّما ∗∗∗ تَمَثَّلُ لِي لَيْلى بِكُلِّ سَبِيلِ
قالَ سِيبَوَيْهِ: وسَألْتُهُ - رَحِمَهُ اللهُ - عن هَذا؛ فَقالَ: اَلْمَعْنى: إرادَتِي لِأنْسى؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ:
؎ أرَدْتُ لِكَيْما يَعْلَمَ الناسُ أنَّها ∗∗∗ ∗∗∗ سَراوِيلُ قَيْسٍ والوُفُودُ شُهُودُ
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ مَفْعُولٌ مَحْذُوفٌ تَتَعَلَّقُ بِهِ اللامُ؛ وما قالَ الخَلِيلُ لِسِيبَوَيْهِ أخْصَرُ؛ وأحْسَنُ؛ ويُعْتَرَضُ هَذا الِاحْتِمالُ في المَفْعُولِ المَحْذُوفِ بِأنَّ "مِن" تَصِيرُ زائِدَةً في الواجِبِ؛ ويَنْفَصِلُ بِأنَّ قُوَّةَ النَفْيِ الَّذِي في صَدْرِ الكَلامِ يَشْفَعُ لِزِيادَةِ "مِن"؛ وإنْ لَمْ يَكُنِ النَفْيُ واقِعًا عَلى الفِعْلِ الواقِعِ عَلى الحَرَجِ؛ ولِهَذا نَظائِرُ.
و"اَلْحَرَجُ": اَلضَّيِّقُ؛ والحَرَجَةُ: اَلشَّجَرُ المُلْتَفُّ المُتَضايِقُ؛ ومِنهُ قِيلَ يَوْمَ بَدْرٍ في أبِي جَهْلٍ: "إنَّهُ كانَ في مِثْلِ الحَرَجِ مِنَ الرِماحِ"؛ ويَجْرِي مَعَ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "دِينُ اللهِ يُسْرٌ"؛» وقَوْلُهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَمْحَةِ"؛» وجاءَ لَفْظُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ؛ والشَيْءُ المَذْكُورُ بِقُرْبٍ هو أمْرُ التَيَمُّمِ؛ والرُخْصَةِ فِيهِ؛ وزَوالِ الحَرَجِ في تَحَمُّلِ الماءِ أبَدًا؛ ولِذَلِكَ «قالَ أُسَيْدٌ: "ما هي بِأوَّلِ بَرَكَتِكم يا آلَ أبِي بَكْرٍ ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ إعْلامٌ بِما لا يُوازى بِشُكْرٍ مِن عَظِيمِ تَفَضُّلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى.
"وَلَعَلَّكُمْ" تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ؛ وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: "يُطْهِرَكُمْ"؛ بِسُكُونِ الطاءِ؛ وتَخْفِيفِ الهاءِ.
المائدة 5:7
(p-١٢٣)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا واتَّقُوا اللهِ إنَّ اللهِ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالقِسْطِ ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾
الخِطابُ بِقَوْلِهِ: "واذْكُرُوا"؛ إلى آخِرِ الآيَةِ هو لِلْمُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ و"نِعْمَةَ اللهِ"؛ اِسْمُ جِنْسٍ يَجْمَعُ الإسْلامَ؛ وجَمْعَ الكَلِمَةِ؛ وعِزَّةَ الحَياةِ؛ وغِنى المالِ؛ وحُسْنَ المَآلِ؛ هَذِهِ كُلُّها نِعَمُ هَذِهِ المِلَّةِ؛ والمِيثاقُ المَذْكُورُ هو ما وقَعَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في بَيْعَةِ العَقَبَةِ؛ وبَيْعَةِ الرِضْوانِ؛ وكُلِّ مَوْطِنٍ قالَ الناسُ فِيهِ: "سَمِعْنا؛ وأطَعْنا"؛ هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيِّ ؛ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمِيثاقُ المَذْكُورُ هو المَأْخُوذُ عَلى النَسَمِ حِينَ اسْتُخْرِجُوا مِن ظَهْرِ آدَمَ؛ والقَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ وألْيَقُ بِنَمَطِ الكَلامِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِالقِيامِ دَأْبًا مُتَكَرِّرًا بِالقِسْطِ؛ وهو العَدْلُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ النِساءِ؛ وتَقَدَّمَ في صَدْرِ هَذِهِ السُورَةِ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ ؛ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ مُتَكَرِّرٌ؛ واللهُ المُعِينُ.
المائدة 5:8
(p-١٢٣)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا واتَّقُوا اللهِ إنَّ اللهِ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالقِسْطِ ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾
الخِطابُ بِقَوْلِهِ: "واذْكُرُوا"؛ إلى آخِرِ الآيَةِ هو لِلْمُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ و"نِعْمَةَ اللهِ"؛ اِسْمُ جِنْسٍ يَجْمَعُ الإسْلامَ؛ وجَمْعَ الكَلِمَةِ؛ وعِزَّةَ الحَياةِ؛ وغِنى المالِ؛ وحُسْنَ المَآلِ؛ هَذِهِ كُلُّها نِعَمُ هَذِهِ المِلَّةِ؛ والمِيثاقُ المَذْكُورُ هو ما وقَعَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في بَيْعَةِ العَقَبَةِ؛ وبَيْعَةِ الرِضْوانِ؛ وكُلِّ مَوْطِنٍ قالَ الناسُ فِيهِ: "سَمِعْنا؛ وأطَعْنا"؛ هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيِّ ؛ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمِيثاقُ المَذْكُورُ هو المَأْخُوذُ عَلى النَسَمِ حِينَ اسْتُخْرِجُوا مِن ظَهْرِ آدَمَ؛ والقَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ وألْيَقُ بِنَمَطِ الكَلامِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِالقِيامِ دَأْبًا مُتَكَرِّرًا بِالقِسْطِ؛ وهو العَدْلُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ النِساءِ؛ وتَقَدَّمَ في صَدْرِ هَذِهِ السُورَةِ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ ؛ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ مُتَكَرِّرٌ؛ واللهُ المُعِينُ.
المائدة 5:9
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم فَكَفَّ أيْدِيَهم عنكم واتَّقُوا اللهِ وعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾
هَذِهِ آيَةُ وعْدٍ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَتْرِ الذُنُوبِ عَلَيْهِمْ؛ وبِالجَنَّةِ؛ فَهي الأجْرُ العَظِيمُ؛ و"وَعَدَ"؛ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ؛ ويَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما؛ وكَذَلِكَ هو في هَذِهِ الآيَةِ؛ فالمَفْعُولُ الثانِي مُقَدَّرٌ؛ يُفَسِّرُهُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "لَهم مَغْفِرَةٌ"؛ ثُمَّ عَقَّبَ تَعالى بِذِكْرِ حالِ الكُفّارِ؛ لِيُبَيِّنَ الفارِقَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٨] خِطابٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأُمَّتِهِ؛ والنِعْمَةُ هي (p-١٢٤)العامِلَةُ في "إذْ"؛ وهي نِعْمَةٌ مَخْصُوصَةٌ؛ و"هَمَّ الرَجُلُ بِالشَيْءِ"؛ إذا أرادَ فِعْلَهُ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ هَلْ يَنْفَعنكَ اليَوْمَ إنْ هَمَّتْ بِهَمْ ∗∗∗ كَثْرَةُ ما تُوصِي وتَعْقادُ الرَتَمْ؟
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ هَمَمْتُ ولَمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيْتَنِي ∗∗∗ ∗∗∗ تَرَكْتُ عَلى عُثْمانَ تَبْكِي حَلائِلُهْ
واخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ؛ وما النازِلَةُ الَّتِي وقَعَ فِيها الهَمُّ بِبَسْطِ اليَدِ؛ والكَفِّ مِنَ اللهِ تَعالى ؟؛ فَقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ «لَمّا قُتِلَ أهْلُ بِئْرِ مَعُونَةَ نَجا مِنَ القَوْمِ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَمْرِيُّ ؛ ورَجُلٌ آخَرَ مَعَهُ؛ فَلَقِيا بِقُرْبِ المَدِينَةِ رَجُلَيْنِ مِن سُلَيْمٍ؛ قَدْ كانا أخَذا عَهْدًا مِنَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وانْصَرَفا؛ فَسَألَهُما عَمْرٌو: مِمَّنْ أنْتُما؟ فانْتَسَبا إلى بَنِي عامِرِ بْنِ الطُفَيْلِ ؛ وهو كانَ الجانِي عَلى المُسْلِمِينَ في بِئْرِ مَعُونَةَ؛ فَقَتَلَهُما عَمْرٌو وصاحِبُهُ؛ وأتَيا بِسَلْبِهِما النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقالَ: "لَقَدْ قَتَلْتُما قَتِيلَيْنِ؛ لَأدِيَّنَّهُما"؛ ثُمَّ شَرَعَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في جَمْعِ الدِيَةِ؛ فَذَهَبَ يَوْمًا إلى بَنِي النَضِيرِ يَسْتَعِينُهم في الدِيَةِ؛ ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ ؛ وعُمَرُ ؛ وعَلِيٌّ - رَضِيَ اللهُ عنهم -؛ فَكَلَّمَهُمْ؛ فَقالُوا: نَعَمْ يا أبا القاسِمِ ؛ انْزِلْ حَتّى نَصْنَعَ لَكَ طَعامًا؛ ونَنْظُرَ في مَعُونَتِكَ؛ فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في ظِلِّ جِدارٍ؛ فَتَآمَرُوا بَيْنَهم في قَتْلِهِ؛ وقالُوا: ما ظَفِرْتُمْ بِمُحَمَّدٍ قَطُّ أقْرَبَ مَرامًا مِنهُ (p-١٢٥)اليَوْمَ؛ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: مَن رَجُلٌ يَظْهَرُ عَلى الحائِطِ فَيَصُبَّ عَلَيْهِ حَجَرًا يَشْدَخُهُ؟ فانْتُدِبَ لِذَلِكَ عَمْرُو بْنُ جَحّاشٍ؛ فِيما رُوِيَ؛ وجاءَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقامَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ المَكانِ؛ وتَوَجَّهَ إلى المَدِينَةِ؛ ونَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ؛» وفي الخَبَرِ زَوائِدُ لا تَخُصُّ الآيَةَ؛ وقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ؛ وهَذا القَوْلُ يَتَرَجَّحُ بِما يَأْتِي بَعْدُ مِنَ الآياتِ في وصْفِ غَدْرِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ ونَقْضِهِمُ المَواثِيقَ.
وقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: سَبَبُ الآيَةِ فِعْلُ الأعْرابِيِّ في غَزْوَةِ "ذاتِ الرِقاعِ"؛ وهي «غَزْوَةُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَنِي مُحارِبِ بْنِ خَصْفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلانَ؛ وذَلِكَ أنَّهُ نَزَلَ بِوادٍ كَثِيرِ العِضاهِ؛ فَتَفَرَّقَ الناسُ في الظِلالِ؛ وتُرِكَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - شَجَرَةٌ ظَلِيلَةٌ؛ فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِها؛ ونامَ؛ فَجاءَ رَجُلٌ مِن مُحارِبٍ؛ فاخْتَرَطَ السَيْفَ؛ فانْتَبَهَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والسَيْفُ صُلِتَ في يَدِهِ؛ فَقالَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: أتَخافُنِي؟ فَقالَ: "لا"؛ فَقالَ لَهُ: ومَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقالَ: "اَللَّهُ"؛ فَشامَ السَيْفَ في غِمْدِهِ؛ وجَلَسَ؛» وفي البُخارِيِّ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - دَعا الناسَ فاجْتَمَعُوا وهو جالِسٌ عِنْدَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يُعاقِبْهُ؛ وذَكَرَ الواقِدِيُّ ؛ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عن أبِيهِ أنَّهُ أسْلَمَ؛ وذَكَرَ قَوْمٌ أنَّهُ ضَرَبَ بِرَأْسِهِ في ساقِ الشَجَرَةِ حَتّى ماتَ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ وفي البُخارِيِّ ؛ في غَزْوَةِ "ذاتِ الرِقاعِ"؛ أنَّ اسْمَ الرَجُلِ غَوْرَثُ بْنُ الحارِثِ - بِالغَيْنِ مَنقُوطَةً -؛ وحَكى بَعْضُ الناسِ أنَّ اسْمَهُ دَعْثُورُ بْنُ الحارِثِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ أرادُوا قَتْلَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في طَعامٍ؛ فَأشْعَرَهُ اللهُ بِذَلِكَ؛ ثُمَّ أدْخَلَ الطَبَرِيُّ تَحْتَ هَذِهِ التَرْجَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ خِلافَ ما تُرْجِمَ بِهِ؛ مِن أنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ صَنَعُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأصْحابِهِ طَعامًا لِيَقْتُلُوهُ إذا أتى الطَعامَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَيُشْبِهُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ إنَّما وصَفَ قِصَّةَ بَنِي النَضِيرِ المُتَقَدِّمَةِ.
(p-١٢٦)وَقالَ قَتادَةُ: سَبَبُ الآيَةِ ما هَمَّتْ بِهِ مُحارِبٌ وبَنُو ثَعْلَبَةَ يَوْمَ ذاتِ الرِقاعِ مِنَ الحَمْلِ عَلى المُسْلِمِينَ في صَلاةِ العَصْرِ؛ فَأشْعَرَهُ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى- بِذَلِكَ؛ ونَزَلَتْ صَلاةُ الخَوْفِ؛ فَذَلِكَ كَفُّ أيْدِيهِمْ عَنِ المُسْلِمِينَ.
وحَكى ابْنُ فُورَكٍ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ قُرَيْشًا بَعَثَتْ إلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا لِيَغْتالَهُ؛ ويَقْتُلَهُ؛ فَأطْلَعَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلى ذَلِكَ؛ وكَفاهُ شَرَّهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والمَحْفُوظُ في هَذا هو نُهُوضُ عُمَيْرِ بْنِ وهْبٍ لِهَذا المَعْنى؛ بَعْدَ اتِّفاقِهِ عَلى ذَلِكَ مَعَ صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ ؛ والحَدِيثُ بِكَمالِهِ في سِيَرِ ابْنِ هِشامٍ.
وذَكَرَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ - وأشارَ إلَيْهِ الزَجّاجُ - أنَّ الآيَةَ: نَزَلَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ؛ فَكَأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى عَدَّدَ عَلى المُؤْمِنِينَ نِعَمَهُ في أنْ أظْهَرَهُمْ؛ وكَفَّ بِذَلِكَ أيْدِيَ الكُفّارِ عنهُمُ الَّتِي كانُوا هَمُّوا بِبَسْطِها إلى المُؤْمِنِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَحْسُنُ - عَلى هَذا القَوْلِ - أنْ تَكُونَ الآيَةُ نَزَلَتْ عَقِبَ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ؛ وحِينَ هَزَمَ اللهُ الأحْزابَ؛ وكَفى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ؛ وباقِي الآيَةِ أمْرٌ بِالتَقْوى والتَوَكُّلِ.
المائدة 5:10
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم فَكَفَّ أيْدِيَهم عنكم واتَّقُوا اللهِ وعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾
هَذِهِ آيَةُ وعْدٍ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَتْرِ الذُنُوبِ عَلَيْهِمْ؛ وبِالجَنَّةِ؛ فَهي الأجْرُ العَظِيمُ؛ و"وَعَدَ"؛ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ؛ ويَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما؛ وكَذَلِكَ هو في هَذِهِ الآيَةِ؛ فالمَفْعُولُ الثانِي مُقَدَّرٌ؛ يُفَسِّرُهُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "لَهم مَغْفِرَةٌ"؛ ثُمَّ عَقَّبَ تَعالى بِذِكْرِ حالِ الكُفّارِ؛ لِيُبَيِّنَ الفارِقَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٨] خِطابٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأُمَّتِهِ؛ والنِعْمَةُ هي (p-١٢٤)العامِلَةُ في "إذْ"؛ وهي نِعْمَةٌ مَخْصُوصَةٌ؛ و"هَمَّ الرَجُلُ بِالشَيْءِ"؛ إذا أرادَ فِعْلَهُ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ هَلْ يَنْفَعنكَ اليَوْمَ إنْ هَمَّتْ بِهَمْ ∗∗∗ كَثْرَةُ ما تُوصِي وتَعْقادُ الرَتَمْ؟
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ هَمَمْتُ ولَمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيْتَنِي ∗∗∗ ∗∗∗ تَرَكْتُ عَلى عُثْمانَ تَبْكِي حَلائِلُهْ
واخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ؛ وما النازِلَةُ الَّتِي وقَعَ فِيها الهَمُّ بِبَسْطِ اليَدِ؛ والكَفِّ مِنَ اللهِ تَعالى ؟؛ فَقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ «لَمّا قُتِلَ أهْلُ بِئْرِ مَعُونَةَ نَجا مِنَ القَوْمِ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَمْرِيُّ ؛ ورَجُلٌ آخَرَ مَعَهُ؛ فَلَقِيا بِقُرْبِ المَدِينَةِ رَجُلَيْنِ مِن سُلَيْمٍ؛ قَدْ كانا أخَذا عَهْدًا مِنَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وانْصَرَفا؛ فَسَألَهُما عَمْرٌو: مِمَّنْ أنْتُما؟ فانْتَسَبا إلى بَنِي عامِرِ بْنِ الطُفَيْلِ ؛ وهو كانَ الجانِي عَلى المُسْلِمِينَ في بِئْرِ مَعُونَةَ؛ فَقَتَلَهُما عَمْرٌو وصاحِبُهُ؛ وأتَيا بِسَلْبِهِما النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقالَ: "لَقَدْ قَتَلْتُما قَتِيلَيْنِ؛ لَأدِيَّنَّهُما"؛ ثُمَّ شَرَعَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في جَمْعِ الدِيَةِ؛ فَذَهَبَ يَوْمًا إلى بَنِي النَضِيرِ يَسْتَعِينُهم في الدِيَةِ؛ ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ ؛ وعُمَرُ ؛ وعَلِيٌّ - رَضِيَ اللهُ عنهم -؛ فَكَلَّمَهُمْ؛ فَقالُوا: نَعَمْ يا أبا القاسِمِ ؛ انْزِلْ حَتّى نَصْنَعَ لَكَ طَعامًا؛ ونَنْظُرَ في مَعُونَتِكَ؛ فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في ظِلِّ جِدارٍ؛ فَتَآمَرُوا بَيْنَهم في قَتْلِهِ؛ وقالُوا: ما ظَفِرْتُمْ بِمُحَمَّدٍ قَطُّ أقْرَبَ مَرامًا مِنهُ (p-١٢٥)اليَوْمَ؛ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: مَن رَجُلٌ يَظْهَرُ عَلى الحائِطِ فَيَصُبَّ عَلَيْهِ حَجَرًا يَشْدَخُهُ؟ فانْتُدِبَ لِذَلِكَ عَمْرُو بْنُ جَحّاشٍ؛ فِيما رُوِيَ؛ وجاءَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقامَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ المَكانِ؛ وتَوَجَّهَ إلى المَدِينَةِ؛ ونَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ؛» وفي الخَبَرِ زَوائِدُ لا تَخُصُّ الآيَةَ؛ وقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ؛ وهَذا القَوْلُ يَتَرَجَّحُ بِما يَأْتِي بَعْدُ مِنَ الآياتِ في وصْفِ غَدْرِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ ونَقْضِهِمُ المَواثِيقَ.
وقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: سَبَبُ الآيَةِ فِعْلُ الأعْرابِيِّ في غَزْوَةِ "ذاتِ الرِقاعِ"؛ وهي «غَزْوَةُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَنِي مُحارِبِ بْنِ خَصْفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلانَ؛ وذَلِكَ أنَّهُ نَزَلَ بِوادٍ كَثِيرِ العِضاهِ؛ فَتَفَرَّقَ الناسُ في الظِلالِ؛ وتُرِكَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - شَجَرَةٌ ظَلِيلَةٌ؛ فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِها؛ ونامَ؛ فَجاءَ رَجُلٌ مِن مُحارِبٍ؛ فاخْتَرَطَ السَيْفَ؛ فانْتَبَهَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والسَيْفُ صُلِتَ في يَدِهِ؛ فَقالَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: أتَخافُنِي؟ فَقالَ: "لا"؛ فَقالَ لَهُ: ومَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقالَ: "اَللَّهُ"؛ فَشامَ السَيْفَ في غِمْدِهِ؛ وجَلَسَ؛» وفي البُخارِيِّ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - دَعا الناسَ فاجْتَمَعُوا وهو جالِسٌ عِنْدَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يُعاقِبْهُ؛ وذَكَرَ الواقِدِيُّ ؛ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عن أبِيهِ أنَّهُ أسْلَمَ؛ وذَكَرَ قَوْمٌ أنَّهُ ضَرَبَ بِرَأْسِهِ في ساقِ الشَجَرَةِ حَتّى ماتَ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ وفي البُخارِيِّ ؛ في غَزْوَةِ "ذاتِ الرِقاعِ"؛ أنَّ اسْمَ الرَجُلِ غَوْرَثُ بْنُ الحارِثِ - بِالغَيْنِ مَنقُوطَةً -؛ وحَكى بَعْضُ الناسِ أنَّ اسْمَهُ دَعْثُورُ بْنُ الحارِثِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ أرادُوا قَتْلَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في طَعامٍ؛ فَأشْعَرَهُ اللهُ بِذَلِكَ؛ ثُمَّ أدْخَلَ الطَبَرِيُّ تَحْتَ هَذِهِ التَرْجَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ خِلافَ ما تُرْجِمَ بِهِ؛ مِن أنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ صَنَعُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأصْحابِهِ طَعامًا لِيَقْتُلُوهُ إذا أتى الطَعامَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَيُشْبِهُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ إنَّما وصَفَ قِصَّةَ بَنِي النَضِيرِ المُتَقَدِّمَةِ.
(p-١٢٦)وَقالَ قَتادَةُ: سَبَبُ الآيَةِ ما هَمَّتْ بِهِ مُحارِبٌ وبَنُو ثَعْلَبَةَ يَوْمَ ذاتِ الرِقاعِ مِنَ الحَمْلِ عَلى المُسْلِمِينَ في صَلاةِ العَصْرِ؛ فَأشْعَرَهُ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى- بِذَلِكَ؛ ونَزَلَتْ صَلاةُ الخَوْفِ؛ فَذَلِكَ كَفُّ أيْدِيهِمْ عَنِ المُسْلِمِينَ.
وحَكى ابْنُ فُورَكٍ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ قُرَيْشًا بَعَثَتْ إلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا لِيَغْتالَهُ؛ ويَقْتُلَهُ؛ فَأطْلَعَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلى ذَلِكَ؛ وكَفاهُ شَرَّهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والمَحْفُوظُ في هَذا هو نُهُوضُ عُمَيْرِ بْنِ وهْبٍ لِهَذا المَعْنى؛ بَعْدَ اتِّفاقِهِ عَلى ذَلِكَ مَعَ صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ ؛ والحَدِيثُ بِكَمالِهِ في سِيَرِ ابْنِ هِشامٍ.
وذَكَرَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ - وأشارَ إلَيْهِ الزَجّاجُ - أنَّ الآيَةَ: نَزَلَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ؛ فَكَأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى عَدَّدَ عَلى المُؤْمِنِينَ نِعَمَهُ في أنْ أظْهَرَهُمْ؛ وكَفَّ بِذَلِكَ أيْدِيَ الكُفّارِ عنهُمُ الَّتِي كانُوا هَمُّوا بِبَسْطِها إلى المُؤْمِنِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَحْسُنُ - عَلى هَذا القَوْلِ - أنْ تَكُونَ الآيَةُ نَزَلَتْ عَقِبَ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ؛ وحِينَ هَزَمَ اللهُ الأحْزابَ؛ وكَفى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ؛ وباقِي الآيَةِ أمْرٌ بِالتَقْوى والتَوَكُّلِ.
المائدة 5:11
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم فَكَفَّ أيْدِيَهم عنكم واتَّقُوا اللهِ وعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾
هَذِهِ آيَةُ وعْدٍ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَتْرِ الذُنُوبِ عَلَيْهِمْ؛ وبِالجَنَّةِ؛ فَهي الأجْرُ العَظِيمُ؛ و"وَعَدَ"؛ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ؛ ويَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما؛ وكَذَلِكَ هو في هَذِهِ الآيَةِ؛ فالمَفْعُولُ الثانِي مُقَدَّرٌ؛ يُفَسِّرُهُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "لَهم مَغْفِرَةٌ"؛ ثُمَّ عَقَّبَ تَعالى بِذِكْرِ حالِ الكُفّارِ؛ لِيُبَيِّنَ الفارِقَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٨] خِطابٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأُمَّتِهِ؛ والنِعْمَةُ هي (p-١٢٤)العامِلَةُ في "إذْ"؛ وهي نِعْمَةٌ مَخْصُوصَةٌ؛ و"هَمَّ الرَجُلُ بِالشَيْءِ"؛ إذا أرادَ فِعْلَهُ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ هَلْ يَنْفَعنكَ اليَوْمَ إنْ هَمَّتْ بِهَمْ ∗∗∗ كَثْرَةُ ما تُوصِي وتَعْقادُ الرَتَمْ؟
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ هَمَمْتُ ولَمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيْتَنِي ∗∗∗ ∗∗∗ تَرَكْتُ عَلى عُثْمانَ تَبْكِي حَلائِلُهْ
واخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ؛ وما النازِلَةُ الَّتِي وقَعَ فِيها الهَمُّ بِبَسْطِ اليَدِ؛ والكَفِّ مِنَ اللهِ تَعالى ؟؛ فَقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ «لَمّا قُتِلَ أهْلُ بِئْرِ مَعُونَةَ نَجا مِنَ القَوْمِ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَمْرِيُّ ؛ ورَجُلٌ آخَرَ مَعَهُ؛ فَلَقِيا بِقُرْبِ المَدِينَةِ رَجُلَيْنِ مِن سُلَيْمٍ؛ قَدْ كانا أخَذا عَهْدًا مِنَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وانْصَرَفا؛ فَسَألَهُما عَمْرٌو: مِمَّنْ أنْتُما؟ فانْتَسَبا إلى بَنِي عامِرِ بْنِ الطُفَيْلِ ؛ وهو كانَ الجانِي عَلى المُسْلِمِينَ في بِئْرِ مَعُونَةَ؛ فَقَتَلَهُما عَمْرٌو وصاحِبُهُ؛ وأتَيا بِسَلْبِهِما النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقالَ: "لَقَدْ قَتَلْتُما قَتِيلَيْنِ؛ لَأدِيَّنَّهُما"؛ ثُمَّ شَرَعَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في جَمْعِ الدِيَةِ؛ فَذَهَبَ يَوْمًا إلى بَنِي النَضِيرِ يَسْتَعِينُهم في الدِيَةِ؛ ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ ؛ وعُمَرُ ؛ وعَلِيٌّ - رَضِيَ اللهُ عنهم -؛ فَكَلَّمَهُمْ؛ فَقالُوا: نَعَمْ يا أبا القاسِمِ ؛ انْزِلْ حَتّى نَصْنَعَ لَكَ طَعامًا؛ ونَنْظُرَ في مَعُونَتِكَ؛ فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في ظِلِّ جِدارٍ؛ فَتَآمَرُوا بَيْنَهم في قَتْلِهِ؛ وقالُوا: ما ظَفِرْتُمْ بِمُحَمَّدٍ قَطُّ أقْرَبَ مَرامًا مِنهُ (p-١٢٥)اليَوْمَ؛ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: مَن رَجُلٌ يَظْهَرُ عَلى الحائِطِ فَيَصُبَّ عَلَيْهِ حَجَرًا يَشْدَخُهُ؟ فانْتُدِبَ لِذَلِكَ عَمْرُو بْنُ جَحّاشٍ؛ فِيما رُوِيَ؛ وجاءَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقامَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ المَكانِ؛ وتَوَجَّهَ إلى المَدِينَةِ؛ ونَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ؛» وفي الخَبَرِ زَوائِدُ لا تَخُصُّ الآيَةَ؛ وقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ؛ وهَذا القَوْلُ يَتَرَجَّحُ بِما يَأْتِي بَعْدُ مِنَ الآياتِ في وصْفِ غَدْرِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ ونَقْضِهِمُ المَواثِيقَ.
وقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: سَبَبُ الآيَةِ فِعْلُ الأعْرابِيِّ في غَزْوَةِ "ذاتِ الرِقاعِ"؛ وهي «غَزْوَةُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَنِي مُحارِبِ بْنِ خَصْفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلانَ؛ وذَلِكَ أنَّهُ نَزَلَ بِوادٍ كَثِيرِ العِضاهِ؛ فَتَفَرَّقَ الناسُ في الظِلالِ؛ وتُرِكَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - شَجَرَةٌ ظَلِيلَةٌ؛ فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِها؛ ونامَ؛ فَجاءَ رَجُلٌ مِن مُحارِبٍ؛ فاخْتَرَطَ السَيْفَ؛ فانْتَبَهَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والسَيْفُ صُلِتَ في يَدِهِ؛ فَقالَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: أتَخافُنِي؟ فَقالَ: "لا"؛ فَقالَ لَهُ: ومَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقالَ: "اَللَّهُ"؛ فَشامَ السَيْفَ في غِمْدِهِ؛ وجَلَسَ؛» وفي البُخارِيِّ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - دَعا الناسَ فاجْتَمَعُوا وهو جالِسٌ عِنْدَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يُعاقِبْهُ؛ وذَكَرَ الواقِدِيُّ ؛ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عن أبِيهِ أنَّهُ أسْلَمَ؛ وذَكَرَ قَوْمٌ أنَّهُ ضَرَبَ بِرَأْسِهِ في ساقِ الشَجَرَةِ حَتّى ماتَ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ وفي البُخارِيِّ ؛ في غَزْوَةِ "ذاتِ الرِقاعِ"؛ أنَّ اسْمَ الرَجُلِ غَوْرَثُ بْنُ الحارِثِ - بِالغَيْنِ مَنقُوطَةً -؛ وحَكى بَعْضُ الناسِ أنَّ اسْمَهُ دَعْثُورُ بْنُ الحارِثِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ أرادُوا قَتْلَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في طَعامٍ؛ فَأشْعَرَهُ اللهُ بِذَلِكَ؛ ثُمَّ أدْخَلَ الطَبَرِيُّ تَحْتَ هَذِهِ التَرْجَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ خِلافَ ما تُرْجِمَ بِهِ؛ مِن أنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ صَنَعُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأصْحابِهِ طَعامًا لِيَقْتُلُوهُ إذا أتى الطَعامَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَيُشْبِهُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ إنَّما وصَفَ قِصَّةَ بَنِي النَضِيرِ المُتَقَدِّمَةِ.
(p-١٢٦)وَقالَ قَتادَةُ: سَبَبُ الآيَةِ ما هَمَّتْ بِهِ مُحارِبٌ وبَنُو ثَعْلَبَةَ يَوْمَ ذاتِ الرِقاعِ مِنَ الحَمْلِ عَلى المُسْلِمِينَ في صَلاةِ العَصْرِ؛ فَأشْعَرَهُ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى- بِذَلِكَ؛ ونَزَلَتْ صَلاةُ الخَوْفِ؛ فَذَلِكَ كَفُّ أيْدِيهِمْ عَنِ المُسْلِمِينَ.
وحَكى ابْنُ فُورَكٍ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ قُرَيْشًا بَعَثَتْ إلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا لِيَغْتالَهُ؛ ويَقْتُلَهُ؛ فَأطْلَعَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلى ذَلِكَ؛ وكَفاهُ شَرَّهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والمَحْفُوظُ في هَذا هو نُهُوضُ عُمَيْرِ بْنِ وهْبٍ لِهَذا المَعْنى؛ بَعْدَ اتِّفاقِهِ عَلى ذَلِكَ مَعَ صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ ؛ والحَدِيثُ بِكَمالِهِ في سِيَرِ ابْنِ هِشامٍ.
وذَكَرَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ - وأشارَ إلَيْهِ الزَجّاجُ - أنَّ الآيَةَ: نَزَلَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ؛ فَكَأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى عَدَّدَ عَلى المُؤْمِنِينَ نِعَمَهُ في أنْ أظْهَرَهُمْ؛ وكَفَّ بِذَلِكَ أيْدِيَ الكُفّارِ عنهُمُ الَّتِي كانُوا هَمُّوا بِبَسْطِها إلى المُؤْمِنِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَحْسُنُ - عَلى هَذا القَوْلِ - أنْ تَكُونَ الآيَةُ نَزَلَتْ عَقِبَ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ؛ وحِينَ هَزَمَ اللهُ الأحْزابَ؛ وكَفى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ؛ وباقِي الآيَةِ أمْرٌ بِالتَقْوى والتَوَكُّلِ.
المائدة 5:12
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَلَقَدْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وقالَ اللهُ إنِّي مَعَكم لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَلاةَ وآتَيْتُمُ الزَكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي وعَزَّرْتُمُوهم وأقْرَضْتُمُ اللهُ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عنكم سَيِّئاتِكم ولأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَبِيلِ﴾
هَذِهِ الآياتُ المُتَضَمِّنَةُ الخَبَرَ عن نَقْضِهِمْ مَواثِيقَ اللهِ تَعالى تُقَوِّي أنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ في كَفِّ الأيْدِي إنَّما كانَتْ في أمْرِ بَنِي النَضِيرِ؛ واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في كَيْفِيَّةِ بِعْثَةِ هَؤُلاءِ النُقَباءِ؛ بَعْدَ الإجْماعِ عَلى أنَّ النَقِيبَ كَبِيرُ القَوْمِ؛ القائِمُ بِأُمُورِهِمْ؛ الَّذِي يُنَقِّبُ عنها؛ وعن مَصالِحِهِمْ فِيها؛ و"اَلنَّقّابُ": الرَجُلُ العَظِيمُ الَّذِي هو في الناسِ كُلِّهِمْ عَلى هَذِهِ الطَرِيقَةِ؛ (p-١٢٧)وَمِنهُ قِيلَ في عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: إنَّهُ كانَ لَنَقّابًا؛ فالنُقَباءُ: اَلضُّمّانُ؛ واحِدُهُمْ: نَقِيبٌ؛ وهو شاهِدُ القَوْمِ وضَمِينُهُمْ؛ وقالَ قَوْمٌ: اَلنُّقَباءُ: اَلْأُمَناءُ عَلى قَوْمِهِمْ؛ وهَذا كُلُّهُ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ؛ والنَقِيبُ أكْبَرُ مَكانًا مِنَ العَرِّيفِ؛ قالَ قَتادَةُ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ وغَيْرُهُ: هَؤُلاءِ النُقَباءُ قَوْمٌ كِبارٌ مِن كُلِّ سِبْطٍ؛ تَكَفَّلَ كُلُّ واحِدٍ بِسِبْطِهِ بِأنْ يُؤْمِنُوا ويَتَّقُوا اللهَ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ونَحْوَ هَذا كانَ النُقَباءُ لَيْلَةَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ مَعَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهي العَقَبَةُ الثالِثَةُ؛ بايَعَ فِيها سَبْعُونَ رَجُلًا وامْرَأتانِ؛ فاخْتارَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ السَبْعِينَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا؛ وسَمّاهُمُ النُقَباءَ؛ وقالَ الرَبِيعُ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُما: إنَّما بُعِثَ النُقَباءُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أُمَناءَ عَلى الِاطِّلاعِ عَلى الجَبّارِينَ؛ والسَبْرِ لِقُوَّتِهِمْ؛ ومَنعَتِهِمْ؛ فَسارُوا حَتّى لَقِيَهم رَجُلٌ مِنَ الجَبّارِينَ؛ فَأخَذَهم جَمِيعًا فَجَعَلَهم في حُجُزَتِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: في قَصَصٍ طَوِيلٍ ضَعِيفٍ؛ مُقْتَضاهُ أنَّهُمُ اطَّلَعُوا مِنَ الجَبّارِينَ عَلى قُوَّةٍ عَظِيمَةٍ؛ وظَنُّوا أنَّهم لا قِبَلَ لَهم بِهِمْ؛ فَتَعاقَدُوا بَيْنَهم عَلى أنْ يُخْفُوا ذَلِكَ عن بَنِي إسْرائِيلَ؛ وأنْ يُعْلِمُوا بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لِيَرى فِيهِ أمْرَ رَبِّهِ؛ فَلَمّا انْصَرَفُوا إلى بَنِي إسْرائِيلَ خانَ مِنهم عَشَرَةٌ؛ فَعَرَّفُوا قَراباتِهِمْ؛ ومَن وثَّقُوهُ عَلى سِرِّهِمْ؛ فَفَشا الخَبَرُ حَتّى اعْوَجَّ أمْرُ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وقالُوا: اذْهَبْ أنتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هَهُنا قاعِدُونَ.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - قالَ: اَلنُّقَباءُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ بَعَثَهم مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لِيَنْظُرُوا إلى مَدِينَةِ الجَبّارِينَ؛ فَذَهَبُوا؛ ونَظَرُوا؛ فَجاؤُوا بِحَبَّةٍ مِن فاكِهَتِهِمْ وِقْرَ رَجُلٍ؛ فَقالُوا: اُقْدُرُوا قَدْرَ قُوَّةِ قَوْمٍ هَذِهِ فاكِهَتُهُمْ؛ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبَ فِتْنَةِ بَنِي إسْرائِيلَ ونُكُولِهِمْ.
وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ ؛ أيْ مَلِكًا؛ وأنَّ الآيَةَ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْهِمْ في أنْ بَعَثَ لِإصْلاحِهِمْ هَذا العَدَدَ مِنَ المُلُوكِ؛ قالَ: (p-١٢٨)فَما وفى مِنهم إلّا خَمْسَةٌ: داوُدُ - عَلَيْهِ السَلامُ - وابْنُهُ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وطالُوتُ؛ وحِزْقِيا؛ وابْنُهُ؛ وكَفَرَ السَبْعَةُ؛ وبَدَّلُوا؛ وقَتَلُوا الأنْبِياءَ؛ وخَرَجَ خِلالَ الِاثْنَيْ عَشَرَ اثْنانِ وثَلاثُونَ جَبّارًا؛ كُلُّهم يَأْخُذُ المُلْكَ بِالسَيْفِ؛ ويَعِيثُ فِيهِمْ؛ والضَمِيرُ فِي: "مَعَكُمْ"؛ لِبَنِي إسْرائِيلَ جَمِيعًا؛ ولَهم كانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ؛ وقالَ الرَبِيعُ: بَلِ الضَمِيرُ لِلِاثْنَيْ عَشَرَ؛ ولَهم كانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والقَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ؛ و"مَعَكُمْ"؛ مَعْناهُ: بِنَصْرِي وحِياطَتِي؛ وتَأْيِيدِي؛ واللامُ في قَوْلِهِ: "لَئِنْ"؛ هي المُؤْذِنَةُ بِمَجِيءِ لامِ القَسَمِ؛ ولامُ القَسَمِ هي قَوْلُهُ: "لَأُكَفِّرَنَّ"؛ والدَلِيلُ عَلى أنَّ هَذِهِ اللامَ إنَّما هي مُؤْذِنَةٌ أنَّها قَدْ يُسْتَغْنى عنها أحْيانًا؛ ويَتِمُّ الكَلامُ دُونَها؛ ولَوْ كانَتْ لامَ القَسَمِ فَلَنْ يَتَرَتَّبَ ذَلِكَ.
وإقامَةُ الصَلاةِ: تَوْفِيَةُ شُرُوطِها؛ والزَكاةَ هُنا: شَيْءٌ مِنَ المالِ كانَ مَفْرُوضًا فِيما قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "وَأعْطَيْتُمْ مِن أنْفُسِكم كُلَّ ما فِيهِ زَكاةٌ لَكُمْ؛ حَسْبَما نُدِبْتُمْ إلَيْهِ"؛ وقَدَّمَ هَذِهِ عَلى الإيمانِ تَشْرِيفًا لِلصَّلاةِ؛ والزَكاةِ؛ وإذْ قَدْ عُلِمَ وتَقَرَّرَ أنَّهُ لا يَنْفَعُ عَمَلٌ إلّا بِإيمانٍ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بِرُسْلِي"؛ ساكِنَةَ السِينِ؛ في كُلِّ القُرْآنِ.
"وَعَزَّرْتُمُوهُمْ"؛ مَعْناهُ: وقَّرْتُمُوهُمْ؛ وعَظَّمْتُمُوهُمْ؛ ونَصَرْتُمُوهُمْ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وكَمْ مِن ماجِدٍ لَهُمُ كَرِيمٌ ∗∗∗ ومِن لَيْثٍ يُعَزَّرُ في النَدِيِّ
وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "وَعَزَرْتُمُوهُمْ"؛ خَفِيفَةَ الزايِ حَيْثُ وقَعَ؛ وقَرَأ في سُورَةِ "اَلْفَتْحِ": "وَتَعْزُرُوهُ"؛ بِفَتْحِ التاءِ؛ وسُكُونِ العَيْنِ؛ وضَمِّ الزايِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ" تَفْسِيرُ الإقْراضِ.
وتَكْفِيرُ السَيِّئاتِ: تَغْطِيَتُها بِالمَحْوِ والإذْهابِ؛ فَهي اسْتِعارَةٌ؛ و"سَواءَ السَبِيلِ": وسَطُهُ؛ ومِنهُ: "سَواءُ الجَحِيمِ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "قَدِ (p-١٢٩)انْقَطَعَ سِوائِي"؛ وأوساطُ الطُرُقِ هي المُعَظَّمُ اللاحِبُ مِنها؛ وسائِرُ ما في الآيَةِ بَيِّنٌ؛ واللهُ المُسْتَعانُ.
المائدة 5:13
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عن مَواضِعِهِ ونَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهم إلا قَلِيلا مِنهم فاعْفُ عنهم واصْفَحْ إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾
يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" زائِدَةً؛ والتَقْدِيرُ: "فَبِنَقْضِهِمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْمًا نَكِرَةً أُبْدِلَ مِنهُ النَقْضَ؛ عَلى بَدَلِ المَعْرِفَةِ مِنَ النَكِرَةِ؛ التَقْدِيرُ: "فَبِفِعْلٍ هو نَقْضُهم لِلْمِيثاقِ؛ وهَذا هو المَعْنى في هَذا التَأْوِيلِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في "اَلنِّساءِ"؛ نَظِيرُ هَذا؛ و"لَعَنّاهُمْ"؛ مَعْناهُ: أبْعَدْناهم مِنَ الخَيْرِ أجْمَعِهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "قاسِيَةً"؛ بِالألِفِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "قَسِيَّةً"؛ دُونَ ألِفٍ؛ وزْنُها "فَعِيلَةً"؛ فَحُجَّةُ الأُولى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الزمر: ٢٢] ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٧٤] ؛ والقَسْوَةُ: غِلَظُ القَلْبِ؛ ونَبْوُهُ عَنِ الرِقَّةِ والمَوْعِظَةِ؛ وصَلابَتُهُ؛ حَتّى لا يَنْفَعِلَ لِخَيْرٍ.
ومَن قَرَأ "قَسِيَّةً"؛ فَهو مِن هَذا المَعْنى: "فَعِيلَةً"؛ بِمَعْنى "فاعِلَةً"؛ كَـ "شاهِدٌ"؛ و"شَهِيدٌ"؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ؛ وحَكىالطَبَرِيُّ عن قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: "قَسِيَّةً"؛ لَيْسَتْ مِن مَعْنى القَسْوَةِ؛ وإنَّما هي كالقَسِيِّ مِنَ الدَراهِمِ؛ وهي الَّتِي خالَطَها غِشٌّ وتَدْلِيسٌ؛ فَكَذا القُلُوبُ؛ لَمْ تَصْفُ لِلْإيمانِ؛ بَلْ خالَطَها الكُفْرُ؛ والفَسادُ؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي زُبَيْدٍ:
؎ لَها صَواهِلُ في صُمِّ السَلامِ كَما ∗∗∗ صاحَ القَسِيّاتُ في أيْدِي الصَيارِيفِ
(p-١٣٠)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ فَما زَوَّدانِي غَيْرَ سَحْقِ عِمامَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وخَمْسِمِئٍ مِنها قَسِيٌّ وزائِفُ
قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذِهِ اللَفْظَةُ مُعَرَّبَةٌ؛ ولَيْسَتْ بِأصْلٍ في كَلامِ العَرَبِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾ ؛ فَقالَ قَوْمٌ - مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ -: تَحْرِيفُهم هو بِالتَأْوِيلِ؛ ولا قُدْرَةَ لَهم عَلى تَبْدِيلِ الألْفاظِ في التَوْراةِ؛ ولا يُتَمَكَّنُّ لَهم ذَلِكَ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ بَقاءُ آيَةِ الرَجْمِ؛ واحْتِياجُهم إلى أنْ يَضَعَ القارِئُ يَدَهُ عَلَيْها. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ حَرَّفُوا الكَلامَ وبَدَّلُوهُ أيْضًا؛ وفَعَلُوا الأمْرَيْنِ جَمِيعًا بِحَسَبِ ما أمْكَنَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وألْفاظُ القُرْآنِ تَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] ؛ يَقْتَضِي التَبْدِيلَ؛ ولا شَكَّ أنَّهم فَعَلُوا الأمْرَيْنِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "اَلْكَلِمَ"؛ بِفَتْحِ الكافِ؛ وكَسْرِ اللامِ؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "اَلْكَلامَ"؛ بِالألِفِ؛ وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "اَلْكِلْمَ"؛ بِكَسْرِ الكافِ؛ وسُكُونِ اللامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ ؛ نَصٌّ عَلى سُوءِ فِعْلِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ؛ أيْ: قَدْ كانَ لَهم حَظٌّ عَظِيمٌ فِيما ذُكِّرُوا بِهِ؛ فَنَسُوهُ؛ وتَرَكُوهُ؛ ثُمَّ أخْبَرَ - تَبارَكَ وتَعالى- نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنَّهُ لا يَزالُ في مُؤْتَنَفِ الزَمانِ يَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ؛ وغائِلَةٍ؛ وأُمُورٍ فاسِدَةٍ؛ واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى: "خائِنَةٍ"؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "خائِنَةٍ": مَصْدَرٌ؛ كَـ "اَلْعاقِبَةُ"؛ وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] ؛ فالمَعْنى: عَلى خِيانَةٍ. وقالَ (p-١٣١)آخَرُونَ: مَعْناهُ: عَلى فِرْقَةٍ خائِنَةٍ؛ فَهي اسْمُ فاعِلٍ؛ صِفَةُ المُؤَنَّثِ؛ وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى: "عَلى خائِنٍ"؛ فَزِيدَتِ الهاءُ لِلْمُبالَغَةِ؛ كَـ "عَلّامَةٌ"؛ و"نَسّابَةٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ حَدَّثْتَ نَفْسَكَ بِالوَفاءِ ولَمْ تَكُنْ ∗∗∗ ∗∗∗ لِلْغَدْرِ خائِنَةً مُغِلَّ الإصْبَعِ
وقَرَأ الأعْمَشُ: "عَلى خِيانَةٍ مِنهُمْ"؛ ثُمَّ اسْتَثْنى - تَبارَكَ وتَعالى- مِنهُمُ القَلِيلَ؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ في الأشْخاصِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في الأفْعالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْفُ عنهم واصْفَحْ﴾ ؛ مَنسُوخٌ بِما في "بَراءَةٌ"؛ مِنَ الأمْرِ بِقِتالِهِمْ حَتّى يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ؛ وباقِي الآيَةِ وعْدٌ عَلى الإحْسانِ.
المائدة 5:14
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهم فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ويَعْفُو عن كَثِيرٍ﴾
"وَمِن": مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أخَذْنا"؛ اَلتَّقْدِيرُ: "وَأخَذْنا مِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى مِيثاقَهُمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "وَمِنَ"؛ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ "خائِنَةٍ مِنهُمْ"؛﴾ [المائدة: ١٣] ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ "أخَذْنا مِيثاقَهُمْ"؛﴾ اِبْتِداءَ خَبَرٍ عنهُمْ؛ والأوَّلُ أرْجَحُ؛ وعُلِّقَ كَوْنُهم نَصارى بِقَوْلِهِمْ ودَعْواهُمْ؛ مِن حَيْثُ هو اسْمٌ شَرْعِيٌّ يَقْتَضِي نَصْرَ دِينِ اللهِ؛ وسَمَّوْا بِهِ أنْفُسَهم دُونَ اسْتِحْقاقٍ؛ ولا مُشابَهَةٍ بَيْنَ فِعْلِهِمْ؛ وقَوْلِهِمْ؛ فَجاءَتْ هَذِهِ العِبارَةُ مُوَبِّخَةً لَهُمْ؛ مُزَحْزِحَةً عن طَرِيقِ نَصْرِ دِينِ اللهِ ؛ وأنْبِيائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ﴾ ؛ مَعْناهُ: أثْبَتْناها بَيْنَهُمْ؛ وألْصَقْناها؛ والإغْراءُ مَأْخُوذٌ (p-١٣٢)مِنَ الغِراءِ الَّذِي يُلْصَقُ بِهِ؛ والضَمِيرِ في "بَيْنَهُمُ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اليَهُودِ؛ والنَصارى؛ لِأنَّ العَداوَةَ بَيْنَهم مَوْجُودَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَصارى فَقَطْ؛ لِأنَّها أُمَّةٌ مُتَقاتِلَةٌ؛ بَيْنَها الفِتَنُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ ثُمَّ تَوَعَّدَهُمُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِعِقابِ الآخِرَةِ؛ إذْ إنْباؤُهم بِصُنْعِهِمْ إنَّما هو تَقْرِيرٌ؛ وتَوْبِيخٌ لِلْعَذابِ؛ إذْ صُنْعُهم كُفْرٌ يُوجِبُ الخُلُودُ في النارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ ؛ لَفْظٌ يَعُمُّ اليَهُودَ والنَصارى؛ ولَكِنَّ نَوازِلَ الإخْفاءِ - كالرَجْمِ؛ وغَيْرِهِ - إنَّما حُفِظَتْ لِلْيَهُودِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُجاوِرِي رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في مَهاجِرِهِ؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِن هَذِهِ السُورَةِ هاتانِ الآيَتانِ في شَأْنِ اليَهُودِ والنَصارى؛ ثُمَّ نَزَلَ سائِرُ السُورَةِ بِعَرَفَةَ؛ في حِجَّةِ الوَداعِ.
وقَوْلُهُ: "رَسُولُنا"؛ يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وفي الآيَةِ الدَلالَةُ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ؛ لِأنَّ إعْلامَهُ بِخَفِيِّ ما في كُتُبِهِمْ؛ وهو أُمِّيٌّ لا يَقْرَأُ؛ ولا يَصْحَبُ القَرَأةَ؛ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَأْتِيهِ مِن عِنْدِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى.
وأشْهَرُ النَوازِلِ الَّتِي أخْفَوْها فَأظْهَرَها اللهُ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ؛ أمْرُ الرَجْمِ؛ وحَدِيثُهُ مَشْهُورٌ؛ ومِن ذَلِكَ صِفاتُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ و"مِنَ الكِتابِ"؛ يَعْنِي: مِنَ التَوْراةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَيَعْفُو عن كَثِيرٍ﴾ ؛ مَعْناهُ: ويَتْرُكُ كَثِيرًا لا يَفْضَحُكم فِيهِ؛ إبْقاءً عَلَيْكُمْ؛ وهَذا المَتْرُوكُ هو في مَعْنى افْتِخارِهِمْ؛ ووَصْفِهِمْ أيّامَ اللهِ قِبَلَهُمْ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا يَتَعَيَّنُ في مِلَّةِ الإسْلامِ فَضْحُهم فِيهِ؛ وتَكْذِيبُهُمْ؛ والفاعِلُ في "وَيَعْفُو"؛ هو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُسْتَنَدَ الفِعْلُ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى؛ وإذا كانَ العَفْوُ مِنَ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - فَبِأمْرِ رَبِّهِ؛ وإنْ كانَ مِنَ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى-؛ فَعَلى لِسانِ نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والِاحْتِمالانِ قَرِيبٌ بَعْضُهُما مِن بَعْضٍ.
المائدة 5:15
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهم فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ويَعْفُو عن كَثِيرٍ﴾
"وَمِن": مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أخَذْنا"؛ اَلتَّقْدِيرُ: "وَأخَذْنا مِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى مِيثاقَهُمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "وَمِنَ"؛ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ "خائِنَةٍ مِنهُمْ"؛﴾ [المائدة: ١٣] ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ "أخَذْنا مِيثاقَهُمْ"؛﴾ اِبْتِداءَ خَبَرٍ عنهُمْ؛ والأوَّلُ أرْجَحُ؛ وعُلِّقَ كَوْنُهم نَصارى بِقَوْلِهِمْ ودَعْواهُمْ؛ مِن حَيْثُ هو اسْمٌ شَرْعِيٌّ يَقْتَضِي نَصْرَ دِينِ اللهِ؛ وسَمَّوْا بِهِ أنْفُسَهم دُونَ اسْتِحْقاقٍ؛ ولا مُشابَهَةٍ بَيْنَ فِعْلِهِمْ؛ وقَوْلِهِمْ؛ فَجاءَتْ هَذِهِ العِبارَةُ مُوَبِّخَةً لَهُمْ؛ مُزَحْزِحَةً عن طَرِيقِ نَصْرِ دِينِ اللهِ ؛ وأنْبِيائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ﴾ ؛ مَعْناهُ: أثْبَتْناها بَيْنَهُمْ؛ وألْصَقْناها؛ والإغْراءُ مَأْخُوذٌ (p-١٣٢)مِنَ الغِراءِ الَّذِي يُلْصَقُ بِهِ؛ والضَمِيرِ في "بَيْنَهُمُ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اليَهُودِ؛ والنَصارى؛ لِأنَّ العَداوَةَ بَيْنَهم مَوْجُودَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَصارى فَقَطْ؛ لِأنَّها أُمَّةٌ مُتَقاتِلَةٌ؛ بَيْنَها الفِتَنُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ ثُمَّ تَوَعَّدَهُمُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِعِقابِ الآخِرَةِ؛ إذْ إنْباؤُهم بِصُنْعِهِمْ إنَّما هو تَقْرِيرٌ؛ وتَوْبِيخٌ لِلْعَذابِ؛ إذْ صُنْعُهم كُفْرٌ يُوجِبُ الخُلُودُ في النارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ ؛ لَفْظٌ يَعُمُّ اليَهُودَ والنَصارى؛ ولَكِنَّ نَوازِلَ الإخْفاءِ - كالرَجْمِ؛ وغَيْرِهِ - إنَّما حُفِظَتْ لِلْيَهُودِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُجاوِرِي رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في مَهاجِرِهِ؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِن هَذِهِ السُورَةِ هاتانِ الآيَتانِ في شَأْنِ اليَهُودِ والنَصارى؛ ثُمَّ نَزَلَ سائِرُ السُورَةِ بِعَرَفَةَ؛ في حِجَّةِ الوَداعِ.
وقَوْلُهُ: "رَسُولُنا"؛ يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وفي الآيَةِ الدَلالَةُ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ؛ لِأنَّ إعْلامَهُ بِخَفِيِّ ما في كُتُبِهِمْ؛ وهو أُمِّيٌّ لا يَقْرَأُ؛ ولا يَصْحَبُ القَرَأةَ؛ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَأْتِيهِ مِن عِنْدِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى.
وأشْهَرُ النَوازِلِ الَّتِي أخْفَوْها فَأظْهَرَها اللهُ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ؛ أمْرُ الرَجْمِ؛ وحَدِيثُهُ مَشْهُورٌ؛ ومِن ذَلِكَ صِفاتُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ و"مِنَ الكِتابِ"؛ يَعْنِي: مِنَ التَوْراةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَيَعْفُو عن كَثِيرٍ﴾ ؛ مَعْناهُ: ويَتْرُكُ كَثِيرًا لا يَفْضَحُكم فِيهِ؛ إبْقاءً عَلَيْكُمْ؛ وهَذا المَتْرُوكُ هو في مَعْنى افْتِخارِهِمْ؛ ووَصْفِهِمْ أيّامَ اللهِ قِبَلَهُمْ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا يَتَعَيَّنُ في مِلَّةِ الإسْلامِ فَضْحُهم فِيهِ؛ وتَكْذِيبُهُمْ؛ والفاعِلُ في "وَيَعْفُو"؛ هو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُسْتَنَدَ الفِعْلُ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى؛ وإذا كانَ العَفْوُ مِنَ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - فَبِأمْرِ رَبِّهِ؛ وإنْ كانَ مِنَ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى-؛ فَعَلى لِسانِ نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والِاحْتِمالانِ قَرِيبٌ بَعْضُهُما مِن بَعْضٍ.
المائدة 5:16
(p-١٣٣)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَلامِ ويُخْرِجُهم مَنِ الظُلُماتِ إلى النُورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهَ شَيْئًا إنَّ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا ولِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والقُرْآنَ؛ وهَذا هو ظاهِرُ الألْفاظِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - والتَوْراةَ؛ أيْ: "وَلَوِ اتَّبَعْتُمُوها حَقَّ الِاتِّباعِ لَآمَنتُمْ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ إذْ هي آمِرَةٌ بِذَلِكَ؛ مُبَشِّرَةٌ بِهِ؛ وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ؛ والزُهْرِيُّ ؛ وسَلّامٌ؛ وحُمَيْدٌ؛ ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ: "بِهُ اللهُ"؛ بِضَمِّ الهاءِ؛ حَيْثُ وقَعَ مِثْلُهُ.
و"اِتَّبَعَ رِضْوانَهُ"؛ مَعْناهُ: بِالتَكَسُّبِ؛ والنِيَّةِ؛ والإقْبالِ عَلَيْهِ؛ والسُبُلُ: اَلطُّرُقُ؛ والقِراءَةُ في "رِضْوانَهُ"؛ بِضَمِّ الراءِ؛ وبِكَسْرِها؛ وهُما لُغَتانِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ؛ وقَرَأ ابْنُ شِهابٍ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "سُبْلَ"؛ ساكِنَةَ الباءِ؛ و"اَلسَّلامُ" في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمًا مِن أسْماءِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى-؛ فالمَعْنى: "طُرُقَ اللهِ تَعالى الَّتِي أمَرَ بِها عِبادَهُ؛ وشَرَعَها لَهُمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا؛ كَـ "اَلسَّلامَةُ"؛ فالمَعْنى: "طُرُقَ النَجاةِ والسَلامَةِ مِنَ النارِ".
وقَوْلُهُ: "وَيُخْرِجُهُمْ"؛ يَعْنِي المُتَّبَعِينَ الرِضْوانَ؛ فالضَمِيرُ عَلى مَعْنى "مَن"؛ لا عَلى لَفْظِها؛ والظُلُماتُ: اَلْكُفْرُ؛ والنُورُ: اَلْإيمانُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِإذْنِهِ"؛ أيْ: "يُمَكِّنُهم مِن أقْوالِ الإيمانِ؛ وأفْعالِهِ؛ ويَعْلَمُ فِعْلَهم لِذَلِكَ؛ والتِزامَهم إيّاهُ؛ فَهَذا هو حَدُّ الإذْنِ: اَلْعِلْمُ بِالشَيْءِ؛ والتَمْكِينُ مِنهُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ"؛ والصِراطُ المُسْتَقِيمُ: هو دِينُ اللهِ ؛ وتَوْحِيدُهُ؛ وما تَرَكَّبَ عَلَيْهِ مِن شَرْعِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِكُفْرِ النَصارى القائِلِينَ بِأنَّ اللهَ هو المَسِيحُ؛ وهَذِهِ فِرْقَةٌ مِنَ النَصارى؛ وكُلُّ فِرَقِهِمْ - عَلى اخْتِلافِ أقْوالِهِمْ - يَجْعَلُ لِلْمَسِيحِ - عَلَيْهِ السَلامُ - حَظًّا مِنَ الأُلُوهِيَّةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في لَفْظِ "اَلْمَسِيحُ"؛ في سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ ".
ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ تَعالى بِقَوْلِهِ لِنَبِيِّهِ: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ ؛ أيْ: (p-١٣٤)وَلا رادَّ لِإرادَةِ اللهِ تَعالى في المَسِيحِ؛ ولا في غَيْرِهِ؛ فَهَذا مِمّا تَقْضِي العُقُولُ مَعَهُ أنَّ مَن تَنْفُذُ الإرادَةُ فِيهِ لَيْسَ بِإلَهٍ؛ ثُمَّ قَرَّرَ - تَبارَكَ وتَعالى- مُلْكَهُ في السَماواتِ والأرْضِ؛ وما بَيْنَهُما؛ فَحَصَلَ المَسِيحُ - عَلَيْهِ السَلامُ - أقَلَّ أجْزاءِ مُلْكِ اللهِ تَعالى؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى خَلْقِهِ المَسِيحَ في رَحِمِ مَرْيَمَ مِن غَيْرِ والِدٍ؛ بَلِ اخْتِراعًا؛ كَآدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ الفارِقُ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ زَكَرِيّا: ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠] ؛ وفي قِصَّةِ مَرْيَمَ: ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ؛ فِيما عَدا الذاتَ؛ والصِفاتِ؛ والمُحالاتِ؛ والشَيْءُ في اللُغَةِ هو المَوْجُودُ.
المائدة 5:17
(p-١٣٣)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَلامِ ويُخْرِجُهم مَنِ الظُلُماتِ إلى النُورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهَ شَيْئًا إنَّ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا ولِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والقُرْآنَ؛ وهَذا هو ظاهِرُ الألْفاظِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - والتَوْراةَ؛ أيْ: "وَلَوِ اتَّبَعْتُمُوها حَقَّ الِاتِّباعِ لَآمَنتُمْ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ إذْ هي آمِرَةٌ بِذَلِكَ؛ مُبَشِّرَةٌ بِهِ؛ وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ؛ والزُهْرِيُّ ؛ وسَلّامٌ؛ وحُمَيْدٌ؛ ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ: "بِهُ اللهُ"؛ بِضَمِّ الهاءِ؛ حَيْثُ وقَعَ مِثْلُهُ.
و"اِتَّبَعَ رِضْوانَهُ"؛ مَعْناهُ: بِالتَكَسُّبِ؛ والنِيَّةِ؛ والإقْبالِ عَلَيْهِ؛ والسُبُلُ: اَلطُّرُقُ؛ والقِراءَةُ في "رِضْوانَهُ"؛ بِضَمِّ الراءِ؛ وبِكَسْرِها؛ وهُما لُغَتانِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ؛ وقَرَأ ابْنُ شِهابٍ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "سُبْلَ"؛ ساكِنَةَ الباءِ؛ و"اَلسَّلامُ" في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمًا مِن أسْماءِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى-؛ فالمَعْنى: "طُرُقَ اللهِ تَعالى الَّتِي أمَرَ بِها عِبادَهُ؛ وشَرَعَها لَهُمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا؛ كَـ "اَلسَّلامَةُ"؛ فالمَعْنى: "طُرُقَ النَجاةِ والسَلامَةِ مِنَ النارِ".
وقَوْلُهُ: "وَيُخْرِجُهُمْ"؛ يَعْنِي المُتَّبَعِينَ الرِضْوانَ؛ فالضَمِيرُ عَلى مَعْنى "مَن"؛ لا عَلى لَفْظِها؛ والظُلُماتُ: اَلْكُفْرُ؛ والنُورُ: اَلْإيمانُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِإذْنِهِ"؛ أيْ: "يُمَكِّنُهم مِن أقْوالِ الإيمانِ؛ وأفْعالِهِ؛ ويَعْلَمُ فِعْلَهم لِذَلِكَ؛ والتِزامَهم إيّاهُ؛ فَهَذا هو حَدُّ الإذْنِ: اَلْعِلْمُ بِالشَيْءِ؛ والتَمْكِينُ مِنهُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ"؛ والصِراطُ المُسْتَقِيمُ: هو دِينُ اللهِ ؛ وتَوْحِيدُهُ؛ وما تَرَكَّبَ عَلَيْهِ مِن شَرْعِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِكُفْرِ النَصارى القائِلِينَ بِأنَّ اللهَ هو المَسِيحُ؛ وهَذِهِ فِرْقَةٌ مِنَ النَصارى؛ وكُلُّ فِرَقِهِمْ - عَلى اخْتِلافِ أقْوالِهِمْ - يَجْعَلُ لِلْمَسِيحِ - عَلَيْهِ السَلامُ - حَظًّا مِنَ الأُلُوهِيَّةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في لَفْظِ "اَلْمَسِيحُ"؛ في سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ ".
ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ تَعالى بِقَوْلِهِ لِنَبِيِّهِ: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ ؛ أيْ: (p-١٣٤)وَلا رادَّ لِإرادَةِ اللهِ تَعالى في المَسِيحِ؛ ولا في غَيْرِهِ؛ فَهَذا مِمّا تَقْضِي العُقُولُ مَعَهُ أنَّ مَن تَنْفُذُ الإرادَةُ فِيهِ لَيْسَ بِإلَهٍ؛ ثُمَّ قَرَّرَ - تَبارَكَ وتَعالى- مُلْكَهُ في السَماواتِ والأرْضِ؛ وما بَيْنَهُما؛ فَحَصَلَ المَسِيحُ - عَلَيْهِ السَلامُ - أقَلَّ أجْزاءِ مُلْكِ اللهِ تَعالى؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى خَلْقِهِ المَسِيحَ في رَحِمِ مَرْيَمَ مِن غَيْرِ والِدٍ؛ بَلِ اخْتِراعًا؛ كَآدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ الفارِقُ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ زَكَرِيّا: ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠] ؛ وفي قِصَّةِ مَرْيَمَ: ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ؛ فِيما عَدا الذاتَ؛ والصِفاتِ؛ والمُحالاتِ؛ والشَيْءُ في اللُغَةِ هو المَوْجُودُ.
المائدة 5:18
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَقالَتِ اليَهُودُ والنَصارى نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكم بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ولِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُسُلِ أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنَ بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٍ ونَذِيرٌ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
فِي الكَلامِ لَفٌّ وإيجازٌ يُحالُ المُسْتَمِعُ عَلى تَفْرِيقِهِ بِذِهْنِهِ؛ وذَلِكَ أنَّ ظاهِرَ اللَفْظِ يَقْتَضِي أنَّ جَمِيعَ اليَهُودِ والنَصارى يَقُولُونَ عن جَمِيعِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ ؛ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ كُلُّ فِرْقَةٍ تَقُولُ خاصَّةً: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ ؛ والبُنُوَّةُ في قَوْلِهِمْ هَذا بُنُوَّةُ الحَنانِ؛ والرَأْفَةِ؛ وذَكَرُوا أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ أوَّلَ أولادِي بِكْرِيٌّ؛ فَضَّلُوا بِذَلِكَ؛ وقالُوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ ؛ ولَوْ صَحَّ ما رَوَوْا لَكانَ مَعْناهُ بِكْرًا في التَشْرِيفِ؛ أوِ النُبُوَّةِ ونَحْوِهِ؛ و"أحِبّاءُ": جَمْعُ "حَبِيبٌ"؛ وكانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ مِنهم عِنْدَما دَعاهُمُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى الإيمانِ بِهِ؛ وخَوَّفَهُمُ العَذابَ؛ فَقالُوا: "نَحْنُ لا نَخافُ ما تَقُولُ؛ لِأنَّنا أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ" وذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وقَدْ كانُوا قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في غَيْرِ ما مَوْطِنٍ: "نَحْنُ نَدْخُلُ النارَ فَنُقِيمُ بِها أرْبَعِينَ يَوْمًا؛ ثُمَّ تَخْلُفُونَنا فِيها"؛ فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ؛ فَقالَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: لَوْ كانَتْ مَنزِلَتُكم فَوْقَ مَنازِلِ البَشَرِ لَما عَذَّبَكُمْ؛ وأنْتُمْ قَدْ أقْرَرْتُمْ أنَّهُ يُعَذِّبُكم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عَلى أنَّ التَعْذِيبَ هو بِنارِ الآخِرَةِ؛ وقَدْ تَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما كانَ اللهُ (p-١٣٥)تَعالى يُعَذِّبُهم بِهِ في الدُنْيا؛ وذَلِكَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا إذا أصابَ الرَجُلُ مِنهم خَطِيئَةً أصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلى بابِهِ ذِكْرُ ذَنْبِهِ؛ وذِكْرُ عُقُوبَتِهِ؛ فَيَنْفُذُ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ فَهَذا تَعْذِيبٌ في الدُنْيا عَلى الذُنُوبِ؛ يُنافِي أنَّهم أبْناءُ؛ وأحِبّاءُ.
ثُمَّ تَرَكَ الكَلامَ الأوَّلَ؛ وأضْرَبَ عنهُ غَيْرَ مُفْسِدٍ لَهُ؛ ودَخَلَ في غَيْرِهِ مِن تَقْرِيرِ كَوْنِهِمْ بَشَرًا كَسائِرِ الناسِ والخَلْقِ؛ أكْرَمُهم أتْقاهُمْ؛ يَهْدِي مَن يَشاءُ لِلْإيمانِ؛ فَيَغْفِرُ لَهُ؛ ويُوَرِّطُ مَن يَشاءُ في الكُفْرِ؛ فَيُعَذِّبُهُ؛ ولَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما؛ فَلَهُ بِحَقِّ المُلْكِ أنْ يَفْعَلَ ما شاءَ؛ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ؛ وإلَيْهِ مَصِيرُ العالَمِ بِالحَشْرِ والمَعادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ ؛ خِطابٌ لِلْيَهُودِ والنَصارى؛ والرَسُولُ في قَوْلِهِ: "رَسُولُنا": مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقَوْلُهُ: ﴿عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُسُلِ﴾ ؛ أيْ: عَلى انْقِطاعٍ مِن مَجِيئِهِمْ مُدَّةً ما؛ والفَتْرَةُ: سُكُونٌ بَعْدَ حَرَكَةٍ في جِرْمٍ؛ ويُسْتَعارُ ذَلِكَ في المَعانِي؛ وقَدْ قالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ؛ ولِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ"؛» وقالَ الشاعِرُ:
؎ وإنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْراكَ فَتْرَةٌ ∗∗∗.................
مَعْناهُ سُكُونٌ بَعْدَ اضْطِرابٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَدْرِ الفَتْرَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ومُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقالَ قَتادَةُ: خَمْسُمِائَةِ عامٍ وسِتُّونَ عامًا؛ وقالَ الضَحّاكُ: أرْبَعُمِائَةِ سَنَةٍ وبِضْعٌ وثَلاثُونَ سَنَةً؛ وفي الصَحِيحِ أنَّ الفَتْرَةَ بَيْنَهُما سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ؛ وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ اليَهُودِ: ما أنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ بَعْدَ مُوسى مِن شَيْءٍ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وقَوْلُهُ (p-١٣٦)تَعالى: ﴿ "أنْ تَقُولُوا"؛﴾ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ؛ اَلْمَعْنى: حَذارَ أنْ تَقُولُوا مُحْتَجِّينَ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ﴾ ؛ وقامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْكُمْ؛ ﴿واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ فَهو الهادِي؛ والمُضِلُّ؛ والمُنَعِّمُ؛ والمُعَذِّبُ؛ لا رَبَّ غَيْرُهُ.
المائدة 5:19
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَقالَتِ اليَهُودُ والنَصارى نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكم بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ولِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُسُلِ أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنَ بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٍ ونَذِيرٌ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
فِي الكَلامِ لَفٌّ وإيجازٌ يُحالُ المُسْتَمِعُ عَلى تَفْرِيقِهِ بِذِهْنِهِ؛ وذَلِكَ أنَّ ظاهِرَ اللَفْظِ يَقْتَضِي أنَّ جَمِيعَ اليَهُودِ والنَصارى يَقُولُونَ عن جَمِيعِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ ؛ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ كُلُّ فِرْقَةٍ تَقُولُ خاصَّةً: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ ؛ والبُنُوَّةُ في قَوْلِهِمْ هَذا بُنُوَّةُ الحَنانِ؛ والرَأْفَةِ؛ وذَكَرُوا أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ أوَّلَ أولادِي بِكْرِيٌّ؛ فَضَّلُوا بِذَلِكَ؛ وقالُوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ ؛ ولَوْ صَحَّ ما رَوَوْا لَكانَ مَعْناهُ بِكْرًا في التَشْرِيفِ؛ أوِ النُبُوَّةِ ونَحْوِهِ؛ و"أحِبّاءُ": جَمْعُ "حَبِيبٌ"؛ وكانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ مِنهم عِنْدَما دَعاهُمُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى الإيمانِ بِهِ؛ وخَوَّفَهُمُ العَذابَ؛ فَقالُوا: "نَحْنُ لا نَخافُ ما تَقُولُ؛ لِأنَّنا أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ" وذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وقَدْ كانُوا قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في غَيْرِ ما مَوْطِنٍ: "نَحْنُ نَدْخُلُ النارَ فَنُقِيمُ بِها أرْبَعِينَ يَوْمًا؛ ثُمَّ تَخْلُفُونَنا فِيها"؛ فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ؛ فَقالَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: لَوْ كانَتْ مَنزِلَتُكم فَوْقَ مَنازِلِ البَشَرِ لَما عَذَّبَكُمْ؛ وأنْتُمْ قَدْ أقْرَرْتُمْ أنَّهُ يُعَذِّبُكم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عَلى أنَّ التَعْذِيبَ هو بِنارِ الآخِرَةِ؛ وقَدْ تَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما كانَ اللهُ (p-١٣٥)تَعالى يُعَذِّبُهم بِهِ في الدُنْيا؛ وذَلِكَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا إذا أصابَ الرَجُلُ مِنهم خَطِيئَةً أصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلى بابِهِ ذِكْرُ ذَنْبِهِ؛ وذِكْرُ عُقُوبَتِهِ؛ فَيَنْفُذُ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ فَهَذا تَعْذِيبٌ في الدُنْيا عَلى الذُنُوبِ؛ يُنافِي أنَّهم أبْناءُ؛ وأحِبّاءُ.
ثُمَّ تَرَكَ الكَلامَ الأوَّلَ؛ وأضْرَبَ عنهُ غَيْرَ مُفْسِدٍ لَهُ؛ ودَخَلَ في غَيْرِهِ مِن تَقْرِيرِ كَوْنِهِمْ بَشَرًا كَسائِرِ الناسِ والخَلْقِ؛ أكْرَمُهم أتْقاهُمْ؛ يَهْدِي مَن يَشاءُ لِلْإيمانِ؛ فَيَغْفِرُ لَهُ؛ ويُوَرِّطُ مَن يَشاءُ في الكُفْرِ؛ فَيُعَذِّبُهُ؛ ولَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما؛ فَلَهُ بِحَقِّ المُلْكِ أنْ يَفْعَلَ ما شاءَ؛ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ؛ وإلَيْهِ مَصِيرُ العالَمِ بِالحَشْرِ والمَعادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ ؛ خِطابٌ لِلْيَهُودِ والنَصارى؛ والرَسُولُ في قَوْلِهِ: "رَسُولُنا": مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقَوْلُهُ: ﴿عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُسُلِ﴾ ؛ أيْ: عَلى انْقِطاعٍ مِن مَجِيئِهِمْ مُدَّةً ما؛ والفَتْرَةُ: سُكُونٌ بَعْدَ حَرَكَةٍ في جِرْمٍ؛ ويُسْتَعارُ ذَلِكَ في المَعانِي؛ وقَدْ قالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ؛ ولِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ"؛» وقالَ الشاعِرُ:
؎ وإنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْراكَ فَتْرَةٌ ∗∗∗.................
مَعْناهُ سُكُونٌ بَعْدَ اضْطِرابٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَدْرِ الفَتْرَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ومُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقالَ قَتادَةُ: خَمْسُمِائَةِ عامٍ وسِتُّونَ عامًا؛ وقالَ الضَحّاكُ: أرْبَعُمِائَةِ سَنَةٍ وبِضْعٌ وثَلاثُونَ سَنَةً؛ وفي الصَحِيحِ أنَّ الفَتْرَةَ بَيْنَهُما سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ؛ وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ اليَهُودِ: ما أنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ بَعْدَ مُوسى مِن شَيْءٍ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وقَوْلُهُ (p-١٣٦)تَعالى: ﴿ "أنْ تَقُولُوا"؛﴾ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ؛ اَلْمَعْنى: حَذارَ أنْ تَقُولُوا مُحْتَجِّينَ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ﴾ ؛ وقامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْكُمْ؛ ﴿واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ فَهو الهادِي؛ والمُضِلُّ؛ والمُنَعِّمُ؛ والمُعَذِّبُ؛ لا رَبَّ غَيْرُهُ.
المائدة 5:20
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾
اَلْمَعْنى: "واذْكُرْ لَهم يا مُحَمَّدُ عَلى جِهَةِ إعْلامِهِمْ؛ بِغَيْرِ كُتُبِهِمْ؛ لِيَتَحَقَّقُوا نُبُوَّتَكَ؛ ويَنْتَظِمَ في ذَلِكَ نِعَمُ اللهِ عَلَيْهِمْ؛ وتَلَقِّيهِمْ تِلْكَ النِعَمِ بِالكُفْرِ وقِلَّةِ الطاعَةِ والإنابَةِ".
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يا قَوْمُ"؛ بِالرَفْعِ؛ وكَذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ مِنَ القُرْآنِ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ؛ و"نِعْمَةَ اللهِ"؛ هُنا اسْمُ الجِنْسِ؛ ثُمَّ عَدَّدَ عُيُونَ تِلْكَ النِعَمِ؛ والأنْبِياءُ الَّذِينَ جَعَلَ فِيهِمْ؛ أمْرُهم مَشْهُورٌ مِن لَدُنْ إسْرائِيلَ إلى زَمانِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ والأنْبِياءُ حاطَةٌ؛ ومُنْقِذُونَ مِنَ النارِ؛ وشَرَفٌ في الدُنْيا والآخِرَةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ ؛ يَحْتَمِلُ مَعانِيَ؛ أحَدُها أنْ يُعَدِّدَ عَلَيْهِمْ مُلْكَ مَن مَلَكَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ المُلُوكَ شَرَفٌ في الدُنْيا؛ وحاطَةٌ مِن نَوائِبِها؛ والمَعْنى الآخَرُ أنْ يُرِيدَ: "اِسْتَنْقَذَكم مِنَ القِبْطِ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَخْدِمُونَكُمْ؛ فَصِرْتُمْ أحْرارًا تَمْلِكُونَ؛ ولا تُمْلَكُونَ"؛ فَهم مُلُوكٌ بِهَذا الوَجْهِ؛ وبِنَحْوِ هَذا فَسَّرَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ؛ وقالَ قَتادَةُ: إنَّما قالَ: ﴿وَجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ ؛ لِأنّا كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّهم أوَّلُ مَن خَدَمَهُ أحَدٌ مِن بَنِي آدَمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ القِبْطَ كانُوا يَسْتَخْدِمُونَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وظاهِرُ أمْرِ بَنِي آدَمَ أنَّ بَعْضَهم كانَ يُسَخِّرُ بَعْضًا مُذْ تَناسَلُوا وكَثُرُوا؛ وإنَّما اخْتَلَفَتِ الأُمَمُ في مَعْنى التَمَلُّكِ فَقَطْ؛ وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ (p-١٣٧)العِلْمِ: مَن كانَ لَهُ مَسْكَنٌ؛ وامْرَأةٌ؛ وخادِمٌ؛ فَهو مَلِكٌ؛ وقِيلَ: مَن لَهُ مَسْكُنٌ لا يُدْخَلُ عَلَيْهِ فِيهِ إلّا بِإذْنٍ فَهو مَلِكٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ ؛ قالَ فِيهِ أبُو مالِكٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اَلْخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهَذا ضَعِيفٌ؛ وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: اَلْخِطابُ هو مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ: ما الَّذِي أُوتُوا ولَمْ يُؤْتَ أحَدٌ مِثْلَهُ؟ فَقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمَنُّ والسَلْوى؛ والحَجَرُ؛ والغَمامُ؛ وقالَ غَيْرُهُ: كَثْرَةُ الأنْبِياءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا في كَثْرَةِ الأنْبِياءِ؛ فالعالَمُونَ عَلى العُمُومِ؛ والإطْلاقِ؛ وعَلى القَوْلِ بِأنَّ المُؤْتى هو آياتُ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فالعالِمُونَ مُقَيَّدُونَ بِالزَمانِ الَّذِي كانُوا فِيهِ؛ لِأنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ قَدْ أُوتِيَتْ مِن آياتِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أكْثَرَ مِن ذَلِكَ؛ قَدْ ظُلِّلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِغَمامَةٍ قَبْلَ مَبْعَثِهِ؛ وكَلَّمَتْهُ الحِجارَةُ والبَهائِمُ؛ وأقْبَلَتْ إلَيْهِ الشَجَرَةُ؛ وحَنَّ الجِذْعُ؛ ونَبَعَ الماءُ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ؛ وشَبِعَ كَثِيرٌ مِنَ الناسِ مِن قَلِيلِ الطَعامِ بِبَرَكَتِهِ؛ وانْشَقَّ لَهُ القَمَرُ؛ وعادَ العُودُ سَيْفًا؛ ورَجَعَ الحَجَرُ المُعْتَرِضُ في الخَنْدَقِ رَمْلًا مَهِيلًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ المَقالَةُ مِن مُوسى تَوْطِئَةٌ لِنُفُوسِهِمْ؛ حَتّى يَتَعَزَّزَ؛ ويَأْخُذَ الأمْرُ بِدُخُولِ أرْضِ الجَبّارِينَ بِقُوَّةٍ؛ ويَنْفُذَ في ذَلِكَ نُفُوذُ مَن أعَزَّهُ اللهُ ورَفَعَ شَأْنَهُ؛ و"اَلْمُقَدَّسَةَ"؛ مَعْناهُ: اَلْمُطَهَّرَةَ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمُبارَكَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والبَرَكَةُ تَطْهِيرٌ مِنَ القُحُوطِ؛ والجُوعِ ونَحْوِهِ؛ واخْتَلَفَ الناسُ في تَعْيِينِها؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: هي الطُورُ؛ وما حَوْلَهُ؛ وقالَ قَتادَةُ: هي الشامُ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي أرِيحاءُ؛ وقالَهُ السُدِّيُّ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ وقالَ قَوْمٌ: هي الغُوطَةُ؛ وفِلَسْطِينُ؛ وبَعْضُ الأُرْدُنِّ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: ولا يُخْتَلَفُ أنَّها بَيْنَ الفُراتِ وعَرِيشِ مِصْرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ أنَّ دِمَشْقَ هي قاعِدَةُ الجَبّارِينَ.
(p-١٣٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ ؛ مَعْناهُ: اَلَّتِي كَتَبَ اللهُ في قَضائِهِ؛ وقَدَرِهِ أنَّها لَكم تَرِثُونَها؛ وتَسْكُنُونَها؛ مالِكِينَ لَها؛ ولَكِنَّ فِتْنَتَكم في دُخُولِها بِفَرْضِ قِتالِ مَن فِيها عَلَيْكُمْ؛ تَمْحِيصًا وتَجْرِبَةً؛ ثُمَّ حَذَّرَهم مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - الِارْتِدادَ عَلى الأدْبارِ؛ وذَلِكَ الرُجُوعُ القَهْقَرى؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَوْلِيَةَ الدُبُرِ؛ والرُجُوعَ في الطَرِيقِ الَّذِي جِيءَ مِنهُ؛ والخاسِرُ: اَلَّذِي قَدْ نَقَصَ حَظُّهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - عَزَّ وجَلَّ - عن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم تَعَنَّتُوا ونَكَصُوا؛ فَقالُوا: ﴿إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ ؛ والجَبّارُ: "فَعّالٌ"؛ مِن "اَلْجَبْرُ"؛ كَأنَّهُ لِقُوَّتِهِ وغَشْمِهِ وبَطْشِهِ يَجْبُرُ الناسَ عَلى إرادَتِهِ؛ والنَخْلَةُ الجَبّارَةُ: اَلْعالِيَةُ الَّتِي لا تُنالُ بِيَدٍ؛ وكانَ مِن خَبَرِ الجَبّارِينَ أنَّهم كانُوا أهْلَ قُوَّةٍ؛ فَلَمّا بَعَثَ مُوسى الِاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مُطَّلِعِينَ عَلى أمْرِ الجَبّارِينَ وأحْوالِهِمْ؛ رَأوا لَهم قُوَّةً وبَطْشًا؛ وتَخَيَّلُوا أنْ لا طاقَةَ لَهم بِهِمْ؛ فَجاؤُوا بَنِي إسْرائِيلَ؛ ونَقَضُوا العَهْدَ في أنْ أخْبَرُوهم بِحالِ الجَبّارِينَ؛ حَسْبَما قَدَّمْناهُ في ذِكْرِ بَعْثِ النُقَباءِ؛ ولَمْ يَفِ مِنهم إلّا يُوشَعُ بْنُ نُونٍ؛ وكالِبُ بْنُ يُوقَنا؛ ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كَعُّوا؛ وجَبُنُوا؛ وقالُوا: كَوْنُنا عَبِيدًا لِلْقِبْطِ أسْهَلُ مِن قِتالِ هَؤُلاءِ؛ وهَمَّ كَثِيرٌ مِنهم أنْ يُقَدِّمُوا رَجُلًا عَلى أنْفُسِهِمْ؛ ويَصِيرَ بِهِمْ إلى أرْضِ مِصْرَ؛ مُرْتَدِّينَ عَلى الأعْقابِ؛ ونَسُوا أنَّ اللهَ تَعالى إذا أيَّدَ الضَعِيفَ غَلَبَ القَوِيَّ؛ وأخْبَرُوا مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - أنَّهم لَنْ يَدْخُلُوا الأرْضَ ما دامَ الجَبّارُونَ فِيها؛ وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يُخْرِجَ اللهُ الجَبّارِينَ بِجُنْدٍ مِن عِنْدِهِ؛ وحِينَئِذٍ يَدْخُلُ بَنُو إسْرائِيلَ.
المائدة 5:21
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾
اَلْمَعْنى: "واذْكُرْ لَهم يا مُحَمَّدُ عَلى جِهَةِ إعْلامِهِمْ؛ بِغَيْرِ كُتُبِهِمْ؛ لِيَتَحَقَّقُوا نُبُوَّتَكَ؛ ويَنْتَظِمَ في ذَلِكَ نِعَمُ اللهِ عَلَيْهِمْ؛ وتَلَقِّيهِمْ تِلْكَ النِعَمِ بِالكُفْرِ وقِلَّةِ الطاعَةِ والإنابَةِ".
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يا قَوْمُ"؛ بِالرَفْعِ؛ وكَذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ مِنَ القُرْآنِ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ؛ و"نِعْمَةَ اللهِ"؛ هُنا اسْمُ الجِنْسِ؛ ثُمَّ عَدَّدَ عُيُونَ تِلْكَ النِعَمِ؛ والأنْبِياءُ الَّذِينَ جَعَلَ فِيهِمْ؛ أمْرُهم مَشْهُورٌ مِن لَدُنْ إسْرائِيلَ إلى زَمانِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ والأنْبِياءُ حاطَةٌ؛ ومُنْقِذُونَ مِنَ النارِ؛ وشَرَفٌ في الدُنْيا والآخِرَةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ ؛ يَحْتَمِلُ مَعانِيَ؛ أحَدُها أنْ يُعَدِّدَ عَلَيْهِمْ مُلْكَ مَن مَلَكَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ المُلُوكَ شَرَفٌ في الدُنْيا؛ وحاطَةٌ مِن نَوائِبِها؛ والمَعْنى الآخَرُ أنْ يُرِيدَ: "اِسْتَنْقَذَكم مِنَ القِبْطِ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَخْدِمُونَكُمْ؛ فَصِرْتُمْ أحْرارًا تَمْلِكُونَ؛ ولا تُمْلَكُونَ"؛ فَهم مُلُوكٌ بِهَذا الوَجْهِ؛ وبِنَحْوِ هَذا فَسَّرَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ؛ وقالَ قَتادَةُ: إنَّما قالَ: ﴿وَجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ ؛ لِأنّا كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّهم أوَّلُ مَن خَدَمَهُ أحَدٌ مِن بَنِي آدَمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ القِبْطَ كانُوا يَسْتَخْدِمُونَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وظاهِرُ أمْرِ بَنِي آدَمَ أنَّ بَعْضَهم كانَ يُسَخِّرُ بَعْضًا مُذْ تَناسَلُوا وكَثُرُوا؛ وإنَّما اخْتَلَفَتِ الأُمَمُ في مَعْنى التَمَلُّكِ فَقَطْ؛ وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ (p-١٣٧)العِلْمِ: مَن كانَ لَهُ مَسْكَنٌ؛ وامْرَأةٌ؛ وخادِمٌ؛ فَهو مَلِكٌ؛ وقِيلَ: مَن لَهُ مَسْكُنٌ لا يُدْخَلُ عَلَيْهِ فِيهِ إلّا بِإذْنٍ فَهو مَلِكٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ ؛ قالَ فِيهِ أبُو مالِكٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اَلْخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهَذا ضَعِيفٌ؛ وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: اَلْخِطابُ هو مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ: ما الَّذِي أُوتُوا ولَمْ يُؤْتَ أحَدٌ مِثْلَهُ؟ فَقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمَنُّ والسَلْوى؛ والحَجَرُ؛ والغَمامُ؛ وقالَ غَيْرُهُ: كَثْرَةُ الأنْبِياءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا في كَثْرَةِ الأنْبِياءِ؛ فالعالَمُونَ عَلى العُمُومِ؛ والإطْلاقِ؛ وعَلى القَوْلِ بِأنَّ المُؤْتى هو آياتُ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فالعالِمُونَ مُقَيَّدُونَ بِالزَمانِ الَّذِي كانُوا فِيهِ؛ لِأنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ قَدْ أُوتِيَتْ مِن آياتِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أكْثَرَ مِن ذَلِكَ؛ قَدْ ظُلِّلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِغَمامَةٍ قَبْلَ مَبْعَثِهِ؛ وكَلَّمَتْهُ الحِجارَةُ والبَهائِمُ؛ وأقْبَلَتْ إلَيْهِ الشَجَرَةُ؛ وحَنَّ الجِذْعُ؛ ونَبَعَ الماءُ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ؛ وشَبِعَ كَثِيرٌ مِنَ الناسِ مِن قَلِيلِ الطَعامِ بِبَرَكَتِهِ؛ وانْشَقَّ لَهُ القَمَرُ؛ وعادَ العُودُ سَيْفًا؛ ورَجَعَ الحَجَرُ المُعْتَرِضُ في الخَنْدَقِ رَمْلًا مَهِيلًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ المَقالَةُ مِن مُوسى تَوْطِئَةٌ لِنُفُوسِهِمْ؛ حَتّى يَتَعَزَّزَ؛ ويَأْخُذَ الأمْرُ بِدُخُولِ أرْضِ الجَبّارِينَ بِقُوَّةٍ؛ ويَنْفُذَ في ذَلِكَ نُفُوذُ مَن أعَزَّهُ اللهُ ورَفَعَ شَأْنَهُ؛ و"اَلْمُقَدَّسَةَ"؛ مَعْناهُ: اَلْمُطَهَّرَةَ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمُبارَكَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والبَرَكَةُ تَطْهِيرٌ مِنَ القُحُوطِ؛ والجُوعِ ونَحْوِهِ؛ واخْتَلَفَ الناسُ في تَعْيِينِها؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: هي الطُورُ؛ وما حَوْلَهُ؛ وقالَ قَتادَةُ: هي الشامُ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي أرِيحاءُ؛ وقالَهُ السُدِّيُّ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ وقالَ قَوْمٌ: هي الغُوطَةُ؛ وفِلَسْطِينُ؛ وبَعْضُ الأُرْدُنِّ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: ولا يُخْتَلَفُ أنَّها بَيْنَ الفُراتِ وعَرِيشِ مِصْرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ أنَّ دِمَشْقَ هي قاعِدَةُ الجَبّارِينَ.
(p-١٣٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ ؛ مَعْناهُ: اَلَّتِي كَتَبَ اللهُ في قَضائِهِ؛ وقَدَرِهِ أنَّها لَكم تَرِثُونَها؛ وتَسْكُنُونَها؛ مالِكِينَ لَها؛ ولَكِنَّ فِتْنَتَكم في دُخُولِها بِفَرْضِ قِتالِ مَن فِيها عَلَيْكُمْ؛ تَمْحِيصًا وتَجْرِبَةً؛ ثُمَّ حَذَّرَهم مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - الِارْتِدادَ عَلى الأدْبارِ؛ وذَلِكَ الرُجُوعُ القَهْقَرى؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَوْلِيَةَ الدُبُرِ؛ والرُجُوعَ في الطَرِيقِ الَّذِي جِيءَ مِنهُ؛ والخاسِرُ: اَلَّذِي قَدْ نَقَصَ حَظُّهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - عَزَّ وجَلَّ - عن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم تَعَنَّتُوا ونَكَصُوا؛ فَقالُوا: ﴿إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ ؛ والجَبّارُ: "فَعّالٌ"؛ مِن "اَلْجَبْرُ"؛ كَأنَّهُ لِقُوَّتِهِ وغَشْمِهِ وبَطْشِهِ يَجْبُرُ الناسَ عَلى إرادَتِهِ؛ والنَخْلَةُ الجَبّارَةُ: اَلْعالِيَةُ الَّتِي لا تُنالُ بِيَدٍ؛ وكانَ مِن خَبَرِ الجَبّارِينَ أنَّهم كانُوا أهْلَ قُوَّةٍ؛ فَلَمّا بَعَثَ مُوسى الِاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مُطَّلِعِينَ عَلى أمْرِ الجَبّارِينَ وأحْوالِهِمْ؛ رَأوا لَهم قُوَّةً وبَطْشًا؛ وتَخَيَّلُوا أنْ لا طاقَةَ لَهم بِهِمْ؛ فَجاؤُوا بَنِي إسْرائِيلَ؛ ونَقَضُوا العَهْدَ في أنْ أخْبَرُوهم بِحالِ الجَبّارِينَ؛ حَسْبَما قَدَّمْناهُ في ذِكْرِ بَعْثِ النُقَباءِ؛ ولَمْ يَفِ مِنهم إلّا يُوشَعُ بْنُ نُونٍ؛ وكالِبُ بْنُ يُوقَنا؛ ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كَعُّوا؛ وجَبُنُوا؛ وقالُوا: كَوْنُنا عَبِيدًا لِلْقِبْطِ أسْهَلُ مِن قِتالِ هَؤُلاءِ؛ وهَمَّ كَثِيرٌ مِنهم أنْ يُقَدِّمُوا رَجُلًا عَلى أنْفُسِهِمْ؛ ويَصِيرَ بِهِمْ إلى أرْضِ مِصْرَ؛ مُرْتَدِّينَ عَلى الأعْقابِ؛ ونَسُوا أنَّ اللهَ تَعالى إذا أيَّدَ الضَعِيفَ غَلَبَ القَوِيَّ؛ وأخْبَرُوا مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - أنَّهم لَنْ يَدْخُلُوا الأرْضَ ما دامَ الجَبّارُونَ فِيها؛ وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يُخْرِجَ اللهُ الجَبّارِينَ بِجُنْدٍ مِن عِنْدِهِ؛ وحِينَئِذٍ يَدْخُلُ بَنُو إسْرائِيلَ.
المائدة 5:22
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾
اَلْمَعْنى: "واذْكُرْ لَهم يا مُحَمَّدُ عَلى جِهَةِ إعْلامِهِمْ؛ بِغَيْرِ كُتُبِهِمْ؛ لِيَتَحَقَّقُوا نُبُوَّتَكَ؛ ويَنْتَظِمَ في ذَلِكَ نِعَمُ اللهِ عَلَيْهِمْ؛ وتَلَقِّيهِمْ تِلْكَ النِعَمِ بِالكُفْرِ وقِلَّةِ الطاعَةِ والإنابَةِ".
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يا قَوْمُ"؛ بِالرَفْعِ؛ وكَذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ مِنَ القُرْآنِ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ؛ و"نِعْمَةَ اللهِ"؛ هُنا اسْمُ الجِنْسِ؛ ثُمَّ عَدَّدَ عُيُونَ تِلْكَ النِعَمِ؛ والأنْبِياءُ الَّذِينَ جَعَلَ فِيهِمْ؛ أمْرُهم مَشْهُورٌ مِن لَدُنْ إسْرائِيلَ إلى زَمانِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ والأنْبِياءُ حاطَةٌ؛ ومُنْقِذُونَ مِنَ النارِ؛ وشَرَفٌ في الدُنْيا والآخِرَةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ ؛ يَحْتَمِلُ مَعانِيَ؛ أحَدُها أنْ يُعَدِّدَ عَلَيْهِمْ مُلْكَ مَن مَلَكَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ المُلُوكَ شَرَفٌ في الدُنْيا؛ وحاطَةٌ مِن نَوائِبِها؛ والمَعْنى الآخَرُ أنْ يُرِيدَ: "اِسْتَنْقَذَكم مِنَ القِبْطِ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَخْدِمُونَكُمْ؛ فَصِرْتُمْ أحْرارًا تَمْلِكُونَ؛ ولا تُمْلَكُونَ"؛ فَهم مُلُوكٌ بِهَذا الوَجْهِ؛ وبِنَحْوِ هَذا فَسَّرَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ؛ وقالَ قَتادَةُ: إنَّما قالَ: ﴿وَجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ ؛ لِأنّا كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّهم أوَّلُ مَن خَدَمَهُ أحَدٌ مِن بَنِي آدَمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ القِبْطَ كانُوا يَسْتَخْدِمُونَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وظاهِرُ أمْرِ بَنِي آدَمَ أنَّ بَعْضَهم كانَ يُسَخِّرُ بَعْضًا مُذْ تَناسَلُوا وكَثُرُوا؛ وإنَّما اخْتَلَفَتِ الأُمَمُ في مَعْنى التَمَلُّكِ فَقَطْ؛ وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ (p-١٣٧)العِلْمِ: مَن كانَ لَهُ مَسْكَنٌ؛ وامْرَأةٌ؛ وخادِمٌ؛ فَهو مَلِكٌ؛ وقِيلَ: مَن لَهُ مَسْكُنٌ لا يُدْخَلُ عَلَيْهِ فِيهِ إلّا بِإذْنٍ فَهو مَلِكٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ ؛ قالَ فِيهِ أبُو مالِكٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اَلْخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهَذا ضَعِيفٌ؛ وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: اَلْخِطابُ هو مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ: ما الَّذِي أُوتُوا ولَمْ يُؤْتَ أحَدٌ مِثْلَهُ؟ فَقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمَنُّ والسَلْوى؛ والحَجَرُ؛ والغَمامُ؛ وقالَ غَيْرُهُ: كَثْرَةُ الأنْبِياءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا في كَثْرَةِ الأنْبِياءِ؛ فالعالَمُونَ عَلى العُمُومِ؛ والإطْلاقِ؛ وعَلى القَوْلِ بِأنَّ المُؤْتى هو آياتُ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فالعالِمُونَ مُقَيَّدُونَ بِالزَمانِ الَّذِي كانُوا فِيهِ؛ لِأنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ قَدْ أُوتِيَتْ مِن آياتِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أكْثَرَ مِن ذَلِكَ؛ قَدْ ظُلِّلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِغَمامَةٍ قَبْلَ مَبْعَثِهِ؛ وكَلَّمَتْهُ الحِجارَةُ والبَهائِمُ؛ وأقْبَلَتْ إلَيْهِ الشَجَرَةُ؛ وحَنَّ الجِذْعُ؛ ونَبَعَ الماءُ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ؛ وشَبِعَ كَثِيرٌ مِنَ الناسِ مِن قَلِيلِ الطَعامِ بِبَرَكَتِهِ؛ وانْشَقَّ لَهُ القَمَرُ؛ وعادَ العُودُ سَيْفًا؛ ورَجَعَ الحَجَرُ المُعْتَرِضُ في الخَنْدَقِ رَمْلًا مَهِيلًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ المَقالَةُ مِن مُوسى تَوْطِئَةٌ لِنُفُوسِهِمْ؛ حَتّى يَتَعَزَّزَ؛ ويَأْخُذَ الأمْرُ بِدُخُولِ أرْضِ الجَبّارِينَ بِقُوَّةٍ؛ ويَنْفُذَ في ذَلِكَ نُفُوذُ مَن أعَزَّهُ اللهُ ورَفَعَ شَأْنَهُ؛ و"اَلْمُقَدَّسَةَ"؛ مَعْناهُ: اَلْمُطَهَّرَةَ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمُبارَكَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والبَرَكَةُ تَطْهِيرٌ مِنَ القُحُوطِ؛ والجُوعِ ونَحْوِهِ؛ واخْتَلَفَ الناسُ في تَعْيِينِها؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: هي الطُورُ؛ وما حَوْلَهُ؛ وقالَ قَتادَةُ: هي الشامُ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي أرِيحاءُ؛ وقالَهُ السُدِّيُّ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ وقالَ قَوْمٌ: هي الغُوطَةُ؛ وفِلَسْطِينُ؛ وبَعْضُ الأُرْدُنِّ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: ولا يُخْتَلَفُ أنَّها بَيْنَ الفُراتِ وعَرِيشِ مِصْرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ أنَّ دِمَشْقَ هي قاعِدَةُ الجَبّارِينَ.
(p-١٣٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ ؛ مَعْناهُ: اَلَّتِي كَتَبَ اللهُ في قَضائِهِ؛ وقَدَرِهِ أنَّها لَكم تَرِثُونَها؛ وتَسْكُنُونَها؛ مالِكِينَ لَها؛ ولَكِنَّ فِتْنَتَكم في دُخُولِها بِفَرْضِ قِتالِ مَن فِيها عَلَيْكُمْ؛ تَمْحِيصًا وتَجْرِبَةً؛ ثُمَّ حَذَّرَهم مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - الِارْتِدادَ عَلى الأدْبارِ؛ وذَلِكَ الرُجُوعُ القَهْقَرى؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَوْلِيَةَ الدُبُرِ؛ والرُجُوعَ في الطَرِيقِ الَّذِي جِيءَ مِنهُ؛ والخاسِرُ: اَلَّذِي قَدْ نَقَصَ حَظُّهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - عَزَّ وجَلَّ - عن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم تَعَنَّتُوا ونَكَصُوا؛ فَقالُوا: ﴿إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ ؛ والجَبّارُ: "فَعّالٌ"؛ مِن "اَلْجَبْرُ"؛ كَأنَّهُ لِقُوَّتِهِ وغَشْمِهِ وبَطْشِهِ يَجْبُرُ الناسَ عَلى إرادَتِهِ؛ والنَخْلَةُ الجَبّارَةُ: اَلْعالِيَةُ الَّتِي لا تُنالُ بِيَدٍ؛ وكانَ مِن خَبَرِ الجَبّارِينَ أنَّهم كانُوا أهْلَ قُوَّةٍ؛ فَلَمّا بَعَثَ مُوسى الِاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مُطَّلِعِينَ عَلى أمْرِ الجَبّارِينَ وأحْوالِهِمْ؛ رَأوا لَهم قُوَّةً وبَطْشًا؛ وتَخَيَّلُوا أنْ لا طاقَةَ لَهم بِهِمْ؛ فَجاؤُوا بَنِي إسْرائِيلَ؛ ونَقَضُوا العَهْدَ في أنْ أخْبَرُوهم بِحالِ الجَبّارِينَ؛ حَسْبَما قَدَّمْناهُ في ذِكْرِ بَعْثِ النُقَباءِ؛ ولَمْ يَفِ مِنهم إلّا يُوشَعُ بْنُ نُونٍ؛ وكالِبُ بْنُ يُوقَنا؛ ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كَعُّوا؛ وجَبُنُوا؛ وقالُوا: كَوْنُنا عَبِيدًا لِلْقِبْطِ أسْهَلُ مِن قِتالِ هَؤُلاءِ؛ وهَمَّ كَثِيرٌ مِنهم أنْ يُقَدِّمُوا رَجُلًا عَلى أنْفُسِهِمْ؛ ويَصِيرَ بِهِمْ إلى أرْضِ مِصْرَ؛ مُرْتَدِّينَ عَلى الأعْقابِ؛ ونَسُوا أنَّ اللهَ تَعالى إذا أيَّدَ الضَعِيفَ غَلَبَ القَوِيَّ؛ وأخْبَرُوا مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - أنَّهم لَنْ يَدْخُلُوا الأرْضَ ما دامَ الجَبّارُونَ فِيها؛ وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يُخْرِجَ اللهُ الجَبّارِينَ بِجُنْدٍ مِن عِنْدِهِ؛ وحِينَئِذٍ يَدْخُلُ بَنُو إسْرائِيلَ.
المائدة 5:23
قالَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ وعَلى اللهُ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾
قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ ومُجاهِدٌ: "يُخافُونَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَخافُونَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: اَلرَّجُلانِ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ؛ وهو ابْنُ أُخْتِ مُوسى ؛ وكالِبُ بْنُ يُوقَنا؛ ويُقالُ فِيهِ: "كِلابٌ"؛ ويُقالُ: "كالُوثُ" بِثاءٍ (p-١٣٩)مُثَلَّثَةٍ؛ ويُقالُ في اسْمِ أبِيهِ: "قافِيا"؛ وهو صِهْرُ مُوسى عَلى أُخْتِهِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: اِسْمُ زَوْجَتِهِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ ؛ ومَعْنى "يَخافُونَ"؛ أيْ: اَللَّهَ؛ وأنْعَمَ عَلَيْهِما بِالإيمانِ الصَحِيحِ؛ ورَبْطِ الجَأْشِ؛ والثُبُوتِ في الحَقِّ؛ وقالَ قَوْمٌ: اَلْمَعْنى: يَخافُونَ العَدُوَّ؛ لَكِنْ أنْعَمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِما بِالإيمانِ؛ والثُبُوتِ؛ مَعَ خَوْفِهِما؛ ويُقَوِّي التَأْوِيلَ الأوَّلَ أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ اللهَ أنْعَمَ عَلَيْهِما"؛ وأمّا مَن قَرَأ بِضَمِّ الياءِ فَلِقِراءَتِهِ ثَلاثَةُ مَعانٍ؛ أحَدُها: ما رُوِيَ مِن أنَّ الرَجُلَيْنِ كانا مِنَ الجَبّارِينَ؛ آمَنا بِمُوسى واتَّبَعاهُ؛ فَكانا مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ يُخافُونَ؛ لَكِنْ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما بِالإيمانِ بِمُوسى؛ فَقالا: نَحْنُ أعْلَمُ بِقَوْمِنا؛ والمَعْنى الثانِي أنَّهُما يُوشَعُ؛ وكالُوثُ؛ لَكِنَّهُما مِنَ الَّذِينَ يُوَقَّرُونَ ويُسْمَعُ كَلامُهُمْ؛ ويُهابُونَ لِتَقْواهُمْ؛ وفَضْلِهِمْ؛ فَهم يُخافُونَ بِهَذا الوَجْهِ؛ والمَعْنى الثالِثُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مِن "أخافَ"؛ والمَعْنى: مِنَ الَّذِينَ يُخافُونَ بِأوامِرِ اللهِ ونَواهِيهِ؛ ووَعِيدِهِ؛ وزَجْرِهِ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ مَدْحًا لَهم عَلى نَحْوِ المَدْحِ في قَوْلِهِ تَعالى:﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ [الحجرات: ٣] ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما﴾ صِفَةٌ لِلرَّجُلَيْنِ.
والبابُ: هو بابُ مَدِينَةِ الجَبّارِينَ؛ فِيما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ؛ والمَعْنى: "اِجْتَهِدُوا؛ وكافِحُوا؛ حَتّى تَدْخُلُوا البابَ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ ؛ ظَنٌّ مِنهُما؛ ورَجاءٌ وقِياسٌ؛ أيْ: إنَّكم بِذَلِكَ تَفُتُّونَ في أعَضادِهِمْ؛ ويَقَعُ الرُعْبُ في قُلُوبِهِمْ؛ فَتَغْلِبُونَهُمْ؛ وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "عَلَيْهِما ويْلَكُمُ ادْخُلُوا"؛ وقَوْلُهُما: ﴿وَعَلى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ؛ يَقْتَضِي أنَّهُما اسْتَرابا بِإيمانِهِمْ حِينَ رَأياهم يَعْصُونَ الرَسُولَ؛ ويَجْبُنُونَ؛ مَعَ وعْدِ اللهِ تَعالى لَهم بِالنَصْرِ.
ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَجُّوا في عِصْيانِهِمْ؛ وسَمِعُوا مِنَ العَشَرَةِ النُقَباءِ الجَواسِيسِ الَّذِينَ خَوَّفُوهم أمْرَ الجَبّارِينَ؛ ووَصَفُوا لَهم قُوَّةَ الجَبّارِينَ؛ وعِظَمَ خَلْقِهِمْ؛ فَصَمَّمُوا عَلى خِلافِ أمْرِ اللهِ تَعالى: ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ ؛ وهَذِهِ عِبارَةٌ تَقْتَضِي كُفْرًا؛ وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ المَعْنى: "اِذْهَبْ أنْتَ؛ ورَبُّكَ يُعِينُكَ"؛ وأنَّ الكَلامَ مَعْصِيَةٌ؛ لا كُفْرٌ.
(p-١٤٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُهُمْ: "فَقاتِلا"؛ يَقْطَعُ بِهَذا التَأْوِيلِ؛ وذَكَرَ النَقّاشُ عن بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ بِالرَبِّ - هُنا - هارُونُ؛ لِأنَّهُ كانَ أسَنَّ مِن مُوسى؛ وكانَ مُعَظَّمًا في بَنِي إسْرائِيلَ؛ مُحَبَّبًا لِسَعَةِ خُلُقِهِ؛ ورَحْبِ صَدْرِهِ؛ فَكَأنَّهم قالُوا: "اِذْهَبْ أنْتَ وكَبِيرُكَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ؛ وهارُونُ إنَّما كانَ وزِيرًا لِمُوسى؛ وتابِعًا لَهُ في مَعْنى الرِسالَةِ؛ ولَكِنَّهُ تَأْوِيلٌ يُخَلِّصُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الكُفْرِ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: «بَلَغَنا أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمّا عَزَمَ عَلى قِتالِ قُرَيْشٍ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ جَمَعَ العَسْكَرَ؛ وكَلَّمَ الناسَ في ذَلِكَ؛ فَقالَ لَهُ المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ: لَسْنا نَقُولُ لَكَ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ ؛ لَكِنّا نَقُولُ: "اِذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا؛ إنّا مَعَكُما مُقاتِلُونَ"؛» وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ الأنْصارَ قالَتْ هَذِهِ المَقالَةَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجَمِيعُ هَذا وهْمٌ؛ غَلِطَ قَتادَةُ - رَحِمَهُ اللهُ - في وقْتِ النازِلَةِ؛ وغَلِطَ النَقّاشُ في قائِلِ المَقالَةِ؛ والكَلامُ إنَّما وقَعَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ؛ حِينَ نَزَلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ذَفِرانَ؛ فَكَلَّمَ الناسَ وقالَ لَهُمْ: أشِيرُوا عَلَيَّ أيُّها الناسُ؛ فَقالَ لَهُ المِقْدادُ هَذِهِ المَقالَةَ في كَلامٍ طَوِيلٍ؛ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ؛ ثُمَّ تَكَلَّمَ مِنَ الأنْصارِ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ بِنَحْوِ هَذا المَعْنى؛ ولَكِنْ سَبْقَهُ المِقْدادُ إلى التَمْثِيلِ بِالآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَمَثُّلُ المِقْدادِ بِها؛ وتَقْرِيرُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِذَلِكَ؛ يَقْتَضِي أنَّ الرَبَّ إنَّما أُرِيدَ بِهِ اللهُ تَعالى؛ ويُؤْنِسُ أيْضًا في إيمانِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ المِقْدادَ قَدْ قالَ: اِذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا؛ ولَيْسَ لِكَلامِهِ مَعْنًى إلّا أنَّ اللهَ تَعالى يُعِينُكَ؛ ويُقاتِلُ مَعَكَ مَلائِكَتُهُ ونَصْرُهُ؛ فَعَسى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أرادَتْ ذَلِكَ؛ أيْ: "اِذْهَبْ أنْتَ؛ ويُخْرِجُهُمُ اللهُ بِنَصْرِهِ وقُدْرَتِهِ مِنَ المَدِينَةِ؛ وحِينَئِذٍ نَدْخُلُها"؛ لَكِنْ قَبُحَتْ عِبارَتُهم لِاقْتِرانِ النُكُولِ بِها؛ وحَسُنَتْ عِبارَةُ المِقْدادِ لِاقْتِرانِ الطاعَةِ والإقْدامِ بِها.
ولَمّا سَمِعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - قَوْلَهُمْ؛ ورَأى عِصْيانَهُمْ؛ تَبَرَّأ إلى اللهِ تَعالى (p-١٤١)مِنهُمْ؛ وقالَ داعِيًا عَلَيْهِمْ: ﴿رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي﴾ ؛ يَعْنِي هارُونَ؛ وقَوْلُهُ: "وَأخِي"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إعْرابُهُ رَفْعًا؛ إمّا عَلى الِابْتِداءِ؛ والتَقْدِيرُ: وأخِي لا يَمْلِكُ إلّا نَفْسَهُ؛ وإمّا عَلى العَطْفِ عَلى الضَمِيرِ الَّذِي في "أمْلِكُ"؛ تَقْدِيرُهُ: "لا أمْلِكُ أنا"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إعْرابُهُ نَصْبًا؛ عَلى العَطْفِ عَلى "نَفْسِي"؛ وذَلِكَ لِأنَّ هارُونَ كانَ يُطِيعُ مُوسى؛ فَلِذَلِكَ أخْبَرَ أنَّهُ يَمْلِكُهُ؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "إلّا نَفْسِيَ وأخِيَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ فِيهِما؛ وقَوْلُهُ: "فافْرُقْ بَيْنَنا"؛ دُعاءُ حَرَجٍ؛ قالَ السُدِّيُّ: هي عَجَلَةٌ عَجِلَها مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والضَحّاكُ ؛ وغَيْرُهُما: اَلْمَعْنى: "اِفْصِلْ بَيْنَنا وبَيْنَهم بِحُكْمٍ؛ وافْتَحْ"؛ فالمَعْنى: "اُحْكم بِحُكْمٍ يُفَرِّقُ هَذا الِاخْتِلافَ؛ ويَلُمُّ الشَعَثَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَلَيْسَ في الدُعاءِ عَجَلَةٌ؛ وقالَ قَوْمٌ: اَلْمَعْنى: "فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَهم في الآخِرَةِ؛ حَتّى تَكُونَ مَنزِلَةُ المُطِيعِ مُفارِقَةً لِمَنزِلَةِ العاصِي الفاسِقِ"؛ ويَحْتَمِلُ الدُعاءُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: "فُرِّقَ بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ"؛ بِمَعْنى أنْ يَقُولَ: "فَقَدْنا وُجُوهَهُمْ؛ وفُرِّقَ بَيْنَنا وبَيْنَهم حَتّى لا نَشْقى بِفِسْقِهِمْ"؛ وبِهَذا الوَجْهِ تَجِيءُ العَجَلَةُ في الدُعاءِ؛ وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: "فافْرِقْ" بِكَسْرِ الراءِ.
﴿قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ﴾ ؛ اَلْمَعْنى: "قالَ اللهُ "؛ وأُضْمِرَ الفاعِلُ في هَذِهِ الأفْعالِ كُلِّها إيجازًا؛ لِدَلالَةِ مَعْنى الكَلامِ عَلى المُرادِ؛ وحَرَّمَ اللهُ تَعالى عَلى جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ دُخُولَ تِلْكَ المَدِينَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ وتَرَكَهم خِلالَها يَتِيهُونَ في الأرْضِ؛ أيْ: في أرْضِ تِلْكَ النازِلَةِ؛ وهو فَحْصُ التِيهِ؛ وهو - عَلى ما يُحْكى - طُولَ ثَمانِينَ مِيلًا؛ في عَرْضِ سِتَّةِ فَراسِخَ؛ وهو ما بَيْنَ مِصْرَ والشامِ؛ ويُرْوى أنَّهُ اتَّفَقَ أنَّهُ ماتَ كُلُّ مَن كانَ قالَ: ﴿إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا﴾ ؛ ولَمْ يَدْخُلِ المَدِينَةَ أحَدٌ مِن ذَلِكَ الجِيلِ إلّا يُوشَعُ؛ وكالُوثُ؛ ويُرْوى أنَّ هارُونَ - عَلَيْهِ السَلامُ - ماتَ في فَحْصِ التِيهِ؛ في خِلالِ هَذِهِ المُدَّةِ؛ ولَمْ يُخْتَلَفْ في هَذا؛ ورُوِيَ أنَّ (p-١٤٢)مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - ماتَ فِيهِ بَعْدَ هارُونَ بِثَمانِيَةِ أعْوامٍ؛ وقِيلَ: بِسِتَّةِ أشْهُرٍ ونَصْفٍ؛ وأنَّ يُوشَعَ نُبِّئَ بَعْدَ كَمالِ الأرْبَعِينَ سَنَةً؛ وخَرَجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ؛ وقاتَلَ الجَبّارِينَ؛ وفَتَحَ المَدِينَةَ؛ وفي تِلْكَ الحَرْبِ وقَفَتْ لَهُ الشَمْسُ ساعَةً حَتّى اسْتَمَرَّ هَزْمُ الجَبّارِينَ؛ ورُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - عاشَ حَتّى كَمُلَتِ الأرْبَعُونَ؛ وخَرَجَ بِالناسِ؛ وحارَبَ الجَبّارِينَ؛ ويُوشَعُ وكالَبُ عَلى مُقَدِّمَتِهِ؛ وأنَّهُ فَتَحَ المَدِينَةَ؛ وقَتَلَ بِيَدِهِ عُوجَ بْنَ عِناقٍ؛ يُقالُ: كانَ في طُولِ مُوسى عَشَرَةَ أذْرُعٍ؛ وفي طُولِ عَصاهُ عَشَرَةَ أذْرُعٍ؛ وتَرامى مِنَ الأرْضِ في السَماءِ عَشَرَةَ أذْرُعٍ؛ وحِينَئِذٍ لَحِقَ كَعْبَ عُوجٍ فَضَرَبَهُ بِعَصاهُ في كَعْبِهِ فَخَرَّ صَرِيعًا؛ ويُرْوى أنَّ عُوجًا اقْتَلَعَ صَخْرَةً لِيَطْرَحَها عَلى عَسْكَرِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَبَعَثَ اللهُ هُدْهُدًا بِحَجَرِ الماسِ؛ فَأدارَهُ عَلى الصَخْرَةِ فَتَقَوَّرَتْ؛ ودَخَلَتْ في عُنُقِ عُوجٍ؛ وضَرَبَهُ مُوسى؛ فَماتَ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ طُولَ عُوجٍ ثَمانِمِائَةِ ذِراعٍ؛ وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: لَمّا خَرَّ كانَ جِسْرًا عَلى النِيلِ سَنَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والنِيلُ لَيْسَ في تِلْكَ الأقْطارِ؛ وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ؛ واللهُ أعْلَمُ؛ وحَكى الزَجّاجُ عن قَوْمٍ أنَّ مُوسى وهارُونَ لَمْ يَكُونا في التِيهِ؛ والعامِلُ في "أرْبَعِينَ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "مُحَرَّمَةٌ"؛ أيْ: "حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ ويَتِيهُونَ في الأرْضِ هَذِهِ المُدَّةَ ثُمَّ تُفْتَحُ عَلَيْهِمْ؛ أدْرَكَ ذَلِكَ مَن أدْرَكَهُ؛ وماتَ قَبْلَهُ مَن ماتَ"؛ وخَطَّأ أبُو إسْحاقَ أنْ يَكُونَ العامِلُ "مُحَرَّمَةٌ"؛ وذَلِكَ مِنهُ تَحامُلٌ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ "يَتِيهُونَ"؛ مُضْمَرًا؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ "يَتِيهُونَ"؛ اَلْمُتَأخِّرُ؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ﴾ ؛ إخْبارٌ مُسْتَمِرٌّ؛ تَلَقَّوْا مِنهُ أنَّ المُخاطَبِينَ لا يَدْخُلُونَها أبَدًا؛ وأنَّهم - مَعَ ذَلِكَ - يَتِيهُونَ في الأرْضِ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ يَمُوتُ فِيها مَن ماتَ.
(p-١٤٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والخِطابُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ أصْعَبُ مَوْقِفًا؛ وأحْضَرُ يَأْسًا؛ ورُوِيَ أنَّ مَن كانَ قَدْ جاوَزَ عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يَعِشْ إلى الخُرُوجِ مِنَ التِيهِ؛ وأنَّ مَن كانَ دُونَ العِشْرِينَ عاشُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهُ لَمْ يَعِشِ المُكَلَّفُونَ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ الزَجّاجُ.
والتِيهُ: اَلذَّهابُ في الأرْضِ إلى غَيْرِ مَقْصِدٍ مَعْلُومٍ؛ ويُرْوى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا يَرْحَلُونَ بِاللَيْلِ ويَسِيرُونَ لَيْلَهم أجْمَعَ في تَحْلِيقٍ؛ ونَحْوِهِ؛ مِنَ التَرَدُّدِ؛ وقِلَّةِ اسْتِقامَةِ السَيْرِ؛ حَتّى إذا أصْبَحُوا وجَدُوا جُمْلَتَهم في المَوْضِعِ الَّذِي كانُوا فِيهِ أوَّلَ اللَيْلِ؛ قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: كانُوا يَسِيرُونَ النَهارَ أحْيانًا؛ واللَيْلَ أحْيانًا؛ فَيُمْسُونَ حَيْثُ أصْبَحُوا؛ ويُصْبِحُونَ حَيْثُ أمْسَوْا؛ وذَلِكَ في مِقْدارِ سِتَّةِ فَراسِخَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تِيهُهم بِافْتِراقِ الكَلِمَةِ؛ وقِلَّةِ اجْتِماعِ الرَأْيِ؛ وأنَّ اللهَ تَعالى رَماهم بِالِاخْتِلافِ؛ وعَلِمُوا أنَّها قَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ فَتَفَرَّقَتْ مَنازِلُهم في ذَلِكَ الفَحْصِ؛ وأقامُوا يَنْتَقِلُونَ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ؛ عَلى غَيْرِ نِظامٍ واجْتِماعٍ؛ حَتّى كَمُلَتْ هَذِهِ المُدَّةُ؛ وأذِنَ اللهُ بِخُرُوجِهِمْ؛ وهَذا تِيهٌ مُمْكِنٌ؛ مُحْتَمَلٌ؛ عَلى عُرْفِ البَشَرِ؛ والآخَرُ الَّذِي ذَكَرَ مُجاهِدٌ إنَّما هو خَرْقُ عادَةٍ؛ وعَجَبٌ مِن قُدْرَةِ اللهِ تَعالى.
وفِي ذَلِكَ التِيهِ ظُلِّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامُ؛ ورُزِقُوا المَنَّ والسَلْوى؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا رُوِيَ مِن مَلابِسِهِمْ؛ وقَدْ مَضى ذَلِكَ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ ؛ مَعْناهُ: فَلا تَحْزَنْ؛ يُقالُ: "أسِيَ الرَجُلُ؛ يَأْسى؛ أسًى"؛ إذا حَزِنَ؛ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيِّهِمْ ∗∗∗ يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَمَّلِ
(p-١٤٤)وَمِنهُ قَوْلُ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ:
؎ فَقُلْتُ لَهم إنَّ الأسى يَبْعَثُ الأسى ∗∗∗ ∗∗∗ دَعُونِي فَهَذا كُلُّهُ قَبْرُ مالِكِ
والخِطابُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - نَدِمَ مُوسى عَلى دُعائِهِ عَلى قَوْمِهِ؛ وحَزِنَ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ لَهُ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى-: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ ؛ وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: اَلْخِطابُ بِهَذِهِ الألْفاظِ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ويُرادُ بِالفاسِقِينَ مُعاصِرُوهُ؛ أيْ: هَذِهِ أفْعالُ أسْلافِهِمْ؛ فَلا تَحْزَنْ أنْتَ بِسَبَبِ أفْعالِهِمُ الخَبِيثَةِ مَعَكَ؛ ورَدِّهِمْ عَلَيْكَ؛ فَإنَّها سَجِيَّةٌ خَبِيثَةٌ مَوْرُوثَةٌ عِنْدَهم.
المائدة 5:24
قالَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ وعَلى اللهُ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾
قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ ومُجاهِدٌ: "يُخافُونَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَخافُونَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: اَلرَّجُلانِ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ؛ وهو ابْنُ أُخْتِ مُوسى ؛ وكالِبُ بْنُ يُوقَنا؛ ويُقالُ فِيهِ: "كِلابٌ"؛ ويُقالُ: "كالُوثُ" بِثاءٍ (p-١٣٩)مُثَلَّثَةٍ؛ ويُقالُ في اسْمِ أبِيهِ: "قافِيا"؛ وهو صِهْرُ مُوسى عَلى أُخْتِهِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: اِسْمُ زَوْجَتِهِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ ؛ ومَعْنى "يَخافُونَ"؛ أيْ: اَللَّهَ؛ وأنْعَمَ عَلَيْهِما بِالإيمانِ الصَحِيحِ؛ ورَبْطِ الجَأْشِ؛ والثُبُوتِ في الحَقِّ؛ وقالَ قَوْمٌ: اَلْمَعْنى: يَخافُونَ العَدُوَّ؛ لَكِنْ أنْعَمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِما بِالإيمانِ؛ والثُبُوتِ؛ مَعَ خَوْفِهِما؛ ويُقَوِّي التَأْوِيلَ الأوَّلَ أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ اللهَ أنْعَمَ عَلَيْهِما"؛ وأمّا مَن قَرَأ بِضَمِّ الياءِ فَلِقِراءَتِهِ ثَلاثَةُ مَعانٍ؛ أحَدُها: ما رُوِيَ مِن أنَّ الرَجُلَيْنِ كانا مِنَ الجَبّارِينَ؛ آمَنا بِمُوسى واتَّبَعاهُ؛ فَكانا مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ يُخافُونَ؛ لَكِنْ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما بِالإيمانِ بِمُوسى؛ فَقالا: نَحْنُ أعْلَمُ بِقَوْمِنا؛ والمَعْنى الثانِي أنَّهُما يُوشَعُ؛ وكالُوثُ؛ لَكِنَّهُما مِنَ الَّذِينَ يُوَقَّرُونَ ويُسْمَعُ كَلامُهُمْ؛ ويُهابُونَ لِتَقْواهُمْ؛ وفَضْلِهِمْ؛ فَهم يُخافُونَ بِهَذا الوَجْهِ؛ والمَعْنى الثالِثُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مِن "أخافَ"؛ والمَعْنى: مِنَ الَّذِينَ يُخافُونَ بِأوامِرِ اللهِ ونَواهِيهِ؛ ووَعِيدِهِ؛ وزَجْرِهِ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ مَدْحًا لَهم عَلى نَحْوِ المَدْحِ في قَوْلِهِ تَعالى:﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ [الحجرات: ٣] ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما﴾ صِفَةٌ لِلرَّجُلَيْنِ.
والبابُ: هو بابُ مَدِينَةِ الجَبّارِينَ؛ فِيما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ؛ والمَعْنى: "اِجْتَهِدُوا؛ وكافِحُوا؛ حَتّى تَدْخُلُوا البابَ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ ؛ ظَنٌّ مِنهُما؛ ورَجاءٌ وقِياسٌ؛ أيْ: إنَّكم بِذَلِكَ تَفُتُّونَ في أعَضادِهِمْ؛ ويَقَعُ الرُعْبُ في قُلُوبِهِمْ؛ فَتَغْلِبُونَهُمْ؛ وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "عَلَيْهِما ويْلَكُمُ ادْخُلُوا"؛ وقَوْلُهُما: ﴿وَعَلى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ؛ يَقْتَضِي أنَّهُما اسْتَرابا بِإيمانِهِمْ حِينَ رَأياهم يَعْصُونَ الرَسُولَ؛ ويَجْبُنُونَ؛ مَعَ وعْدِ اللهِ تَعالى لَهم بِالنَصْرِ.
ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَجُّوا في عِصْيانِهِمْ؛ وسَمِعُوا مِنَ العَشَرَةِ النُقَباءِ الجَواسِيسِ الَّذِينَ خَوَّفُوهم أمْرَ الجَبّارِينَ؛ ووَصَفُوا لَهم قُوَّةَ الجَبّارِينَ؛ وعِظَمَ خَلْقِهِمْ؛ فَصَمَّمُوا عَلى خِلافِ أمْرِ اللهِ تَعالى: ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ ؛ وهَذِهِ عِبارَةٌ تَقْتَضِي كُفْرًا؛ وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ المَعْنى: "اِذْهَبْ أنْتَ؛ ورَبُّكَ يُعِينُكَ"؛ وأنَّ الكَلامَ مَعْصِيَةٌ؛ لا كُفْرٌ.
(p-١٤٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُهُمْ: "فَقاتِلا"؛ يَقْطَعُ بِهَذا التَأْوِيلِ؛ وذَكَرَ النَقّاشُ عن بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ بِالرَبِّ - هُنا - هارُونُ؛ لِأنَّهُ كانَ أسَنَّ مِن مُوسى؛ وكانَ مُعَظَّمًا في بَنِي إسْرائِيلَ؛ مُحَبَّبًا لِسَعَةِ خُلُقِهِ؛ ورَحْبِ صَدْرِهِ؛ فَكَأنَّهم قالُوا: "اِذْهَبْ أنْتَ وكَبِيرُكَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ؛ وهارُونُ إنَّما كانَ وزِيرًا لِمُوسى؛ وتابِعًا لَهُ في مَعْنى الرِسالَةِ؛ ولَكِنَّهُ تَأْوِيلٌ يُخَلِّصُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الكُفْرِ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: «بَلَغَنا أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمّا عَزَمَ عَلى قِتالِ قُرَيْشٍ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ جَمَعَ العَسْكَرَ؛ وكَلَّمَ الناسَ في ذَلِكَ؛ فَقالَ لَهُ المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ: لَسْنا نَقُولُ لَكَ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ ؛ لَكِنّا نَقُولُ: "اِذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا؛ إنّا مَعَكُما مُقاتِلُونَ"؛» وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ الأنْصارَ قالَتْ هَذِهِ المَقالَةَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجَمِيعُ هَذا وهْمٌ؛ غَلِطَ قَتادَةُ - رَحِمَهُ اللهُ - في وقْتِ النازِلَةِ؛ وغَلِطَ النَقّاشُ في قائِلِ المَقالَةِ؛ والكَلامُ إنَّما وقَعَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ؛ حِينَ نَزَلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ذَفِرانَ؛ فَكَلَّمَ الناسَ وقالَ لَهُمْ: أشِيرُوا عَلَيَّ أيُّها الناسُ؛ فَقالَ لَهُ المِقْدادُ هَذِهِ المَقالَةَ في كَلامٍ طَوِيلٍ؛ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ؛ ثُمَّ تَكَلَّمَ مِنَ الأنْصارِ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ بِنَحْوِ هَذا المَعْنى؛ ولَكِنْ سَبْقَهُ المِقْدادُ إلى التَمْثِيلِ بِالآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَمَثُّلُ المِقْدادِ بِها؛ وتَقْرِيرُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِذَلِكَ؛ يَقْتَضِي أنَّ الرَبَّ إنَّما أُرِيدَ بِهِ اللهُ تَعالى؛ ويُؤْنِسُ أيْضًا في إيمانِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ المِقْدادَ قَدْ قالَ: اِذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا؛ ولَيْسَ لِكَلامِهِ مَعْنًى إلّا أنَّ اللهَ تَعالى يُعِينُكَ؛ ويُقاتِلُ مَعَكَ مَلائِكَتُهُ ونَصْرُهُ؛ فَعَسى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أرادَتْ ذَلِكَ؛ أيْ: "اِذْهَبْ أنْتَ؛ ويُخْرِجُهُمُ اللهُ بِنَصْرِهِ وقُدْرَتِهِ مِنَ المَدِينَةِ؛ وحِينَئِذٍ نَدْخُلُها"؛ لَكِنْ قَبُحَتْ عِبارَتُهم لِاقْتِرانِ النُكُولِ بِها؛ وحَسُنَتْ عِبارَةُ المِقْدادِ لِاقْتِرانِ الطاعَةِ والإقْدامِ بِها.
ولَمّا سَمِعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - قَوْلَهُمْ؛ ورَأى عِصْيانَهُمْ؛ تَبَرَّأ إلى اللهِ تَعالى (p-١٤١)مِنهُمْ؛ وقالَ داعِيًا عَلَيْهِمْ: ﴿رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي﴾ ؛ يَعْنِي هارُونَ؛ وقَوْلُهُ: "وَأخِي"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إعْرابُهُ رَفْعًا؛ إمّا عَلى الِابْتِداءِ؛ والتَقْدِيرُ: وأخِي لا يَمْلِكُ إلّا نَفْسَهُ؛ وإمّا عَلى العَطْفِ عَلى الضَمِيرِ الَّذِي في "أمْلِكُ"؛ تَقْدِيرُهُ: "لا أمْلِكُ أنا"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إعْرابُهُ نَصْبًا؛ عَلى العَطْفِ عَلى "نَفْسِي"؛ وذَلِكَ لِأنَّ هارُونَ كانَ يُطِيعُ مُوسى؛ فَلِذَلِكَ أخْبَرَ أنَّهُ يَمْلِكُهُ؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "إلّا نَفْسِيَ وأخِيَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ فِيهِما؛ وقَوْلُهُ: "فافْرُقْ بَيْنَنا"؛ دُعاءُ حَرَجٍ؛ قالَ السُدِّيُّ: هي عَجَلَةٌ عَجِلَها مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والضَحّاكُ ؛ وغَيْرُهُما: اَلْمَعْنى: "اِفْصِلْ بَيْنَنا وبَيْنَهم بِحُكْمٍ؛ وافْتَحْ"؛ فالمَعْنى: "اُحْكم بِحُكْمٍ يُفَرِّقُ هَذا الِاخْتِلافَ؛ ويَلُمُّ الشَعَثَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَلَيْسَ في الدُعاءِ عَجَلَةٌ؛ وقالَ قَوْمٌ: اَلْمَعْنى: "فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَهم في الآخِرَةِ؛ حَتّى تَكُونَ مَنزِلَةُ المُطِيعِ مُفارِقَةً لِمَنزِلَةِ العاصِي الفاسِقِ"؛ ويَحْتَمِلُ الدُعاءُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: "فُرِّقَ بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ"؛ بِمَعْنى أنْ يَقُولَ: "فَقَدْنا وُجُوهَهُمْ؛ وفُرِّقَ بَيْنَنا وبَيْنَهم حَتّى لا نَشْقى بِفِسْقِهِمْ"؛ وبِهَذا الوَجْهِ تَجِيءُ العَجَلَةُ في الدُعاءِ؛ وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: "فافْرِقْ" بِكَسْرِ الراءِ.
﴿قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ﴾ ؛ اَلْمَعْنى: "قالَ اللهُ "؛ وأُضْمِرَ الفاعِلُ في هَذِهِ الأفْعالِ كُلِّها إيجازًا؛ لِدَلالَةِ مَعْنى الكَلامِ عَلى المُرادِ؛ وحَرَّمَ اللهُ تَعالى عَلى جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ دُخُولَ تِلْكَ المَدِينَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ وتَرَكَهم خِلالَها يَتِيهُونَ في الأرْضِ؛ أيْ: في أرْضِ تِلْكَ النازِلَةِ؛ وهو فَحْصُ التِيهِ؛ وهو - عَلى ما يُحْكى - طُولَ ثَمانِينَ مِيلًا؛ في عَرْضِ سِتَّةِ فَراسِخَ؛ وهو ما بَيْنَ مِصْرَ والشامِ؛ ويُرْوى أنَّهُ اتَّفَقَ أنَّهُ ماتَ كُلُّ مَن كانَ قالَ: ﴿إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا﴾ ؛ ولَمْ يَدْخُلِ المَدِينَةَ أحَدٌ مِن ذَلِكَ الجِيلِ إلّا يُوشَعُ؛ وكالُوثُ؛ ويُرْوى أنَّ هارُونَ - عَلَيْهِ السَلامُ - ماتَ في فَحْصِ التِيهِ؛ في خِلالِ هَذِهِ المُدَّةِ؛ ولَمْ يُخْتَلَفْ في هَذا؛ ورُوِيَ أنَّ (p-١٤٢)مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - ماتَ فِيهِ بَعْدَ هارُونَ بِثَمانِيَةِ أعْوامٍ؛ وقِيلَ: بِسِتَّةِ أشْهُرٍ ونَصْفٍ؛ وأنَّ يُوشَعَ نُبِّئَ بَعْدَ كَمالِ الأرْبَعِينَ سَنَةً؛ وخَرَجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ؛ وقاتَلَ الجَبّارِينَ؛ وفَتَحَ المَدِينَةَ؛ وفي تِلْكَ الحَرْبِ وقَفَتْ لَهُ الشَمْسُ ساعَةً حَتّى اسْتَمَرَّ هَزْمُ الجَبّارِينَ؛ ورُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - عاشَ حَتّى كَمُلَتِ الأرْبَعُونَ؛ وخَرَجَ بِالناسِ؛ وحارَبَ الجَبّارِينَ؛ ويُوشَعُ وكالَبُ عَلى مُقَدِّمَتِهِ؛ وأنَّهُ فَتَحَ المَدِينَةَ؛ وقَتَلَ بِيَدِهِ عُوجَ بْنَ عِناقٍ؛ يُقالُ: كانَ في طُولِ مُوسى عَشَرَةَ أذْرُعٍ؛ وفي طُولِ عَصاهُ عَشَرَةَ أذْرُعٍ؛ وتَرامى مِنَ الأرْضِ في السَماءِ عَشَرَةَ أذْرُعٍ؛ وحِينَئِذٍ لَحِقَ كَعْبَ عُوجٍ فَضَرَبَهُ بِعَصاهُ في كَعْبِهِ فَخَرَّ صَرِيعًا؛ ويُرْوى أنَّ عُوجًا اقْتَلَعَ صَخْرَةً لِيَطْرَحَها عَلى عَسْكَرِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَبَعَثَ اللهُ هُدْهُدًا بِحَجَرِ الماسِ؛ فَأدارَهُ عَلى الصَخْرَةِ فَتَقَوَّرَتْ؛ ودَخَلَتْ في عُنُقِ عُوجٍ؛ وضَرَبَهُ مُوسى؛ فَماتَ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ طُولَ عُوجٍ ثَمانِمِائَةِ ذِراعٍ؛ وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: لَمّا خَرَّ كانَ جِسْرًا عَلى النِيلِ سَنَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والنِيلُ لَيْسَ في تِلْكَ الأقْطارِ؛ وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ؛ واللهُ أعْلَمُ؛ وحَكى الزَجّاجُ عن قَوْمٍ أنَّ مُوسى وهارُونَ لَمْ يَكُونا في التِيهِ؛ والعامِلُ في "أرْبَعِينَ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "مُحَرَّمَةٌ"؛ أيْ: "حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ ويَتِيهُونَ في الأرْضِ هَذِهِ المُدَّةَ ثُمَّ تُفْتَحُ عَلَيْهِمْ؛ أدْرَكَ ذَلِكَ مَن أدْرَكَهُ؛ وماتَ قَبْلَهُ مَن ماتَ"؛ وخَطَّأ أبُو إسْحاقَ أنْ يَكُونَ العامِلُ "مُحَرَّمَةٌ"؛ وذَلِكَ مِنهُ تَحامُلٌ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ "يَتِيهُونَ"؛ مُضْمَرًا؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ "يَتِيهُونَ"؛ اَلْمُتَأخِّرُ؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ﴾ ؛ إخْبارٌ مُسْتَمِرٌّ؛ تَلَقَّوْا مِنهُ أنَّ المُخاطَبِينَ لا يَدْخُلُونَها أبَدًا؛ وأنَّهم - مَعَ ذَلِكَ - يَتِيهُونَ في الأرْضِ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ يَمُوتُ فِيها مَن ماتَ.
(p-١٤٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والخِطابُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ أصْعَبُ مَوْقِفًا؛ وأحْضَرُ يَأْسًا؛ ورُوِيَ أنَّ مَن كانَ قَدْ جاوَزَ عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يَعِشْ إلى الخُرُوجِ مِنَ التِيهِ؛ وأنَّ مَن كانَ دُونَ العِشْرِينَ عاشُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهُ لَمْ يَعِشِ المُكَلَّفُونَ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ الزَجّاجُ.
والتِيهُ: اَلذَّهابُ في الأرْضِ إلى غَيْرِ مَقْصِدٍ مَعْلُومٍ؛ ويُرْوى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا يَرْحَلُونَ بِاللَيْلِ ويَسِيرُونَ لَيْلَهم أجْمَعَ في تَحْلِيقٍ؛ ونَحْوِهِ؛ مِنَ التَرَدُّدِ؛ وقِلَّةِ اسْتِقامَةِ السَيْرِ؛ حَتّى إذا أصْبَحُوا وجَدُوا جُمْلَتَهم في المَوْضِعِ الَّذِي كانُوا فِيهِ أوَّلَ اللَيْلِ؛ قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: كانُوا يَسِيرُونَ النَهارَ أحْيانًا؛ واللَيْلَ أحْيانًا؛ فَيُمْسُونَ حَيْثُ أصْبَحُوا؛ ويُصْبِحُونَ حَيْثُ أمْسَوْا؛ وذَلِكَ في مِقْدارِ سِتَّةِ فَراسِخَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تِيهُهم بِافْتِراقِ الكَلِمَةِ؛ وقِلَّةِ اجْتِماعِ الرَأْيِ؛ وأنَّ اللهَ تَعالى رَماهم بِالِاخْتِلافِ؛ وعَلِمُوا أنَّها قَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ فَتَفَرَّقَتْ مَنازِلُهم في ذَلِكَ الفَحْصِ؛ وأقامُوا يَنْتَقِلُونَ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ؛ عَلى غَيْرِ نِظامٍ واجْتِماعٍ؛ حَتّى كَمُلَتْ هَذِهِ المُدَّةُ؛ وأذِنَ اللهُ بِخُرُوجِهِمْ؛ وهَذا تِيهٌ مُمْكِنٌ؛ مُحْتَمَلٌ؛ عَلى عُرْفِ البَشَرِ؛ والآخَرُ الَّذِي ذَكَرَ مُجاهِدٌ إنَّما هو خَرْقُ عادَةٍ؛ وعَجَبٌ مِن قُدْرَةِ اللهِ تَعالى.
وفِي ذَلِكَ التِيهِ ظُلِّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامُ؛ ورُزِقُوا المَنَّ والسَلْوى؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا رُوِيَ مِن مَلابِسِهِمْ؛ وقَدْ مَضى ذَلِكَ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ ؛ مَعْناهُ: فَلا تَحْزَنْ؛ يُقالُ: "أسِيَ الرَجُلُ؛ يَأْسى؛ أسًى"؛ إذا حَزِنَ؛ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيِّهِمْ ∗∗∗ يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَمَّلِ
(p-١٤٤)وَمِنهُ قَوْلُ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ:
؎ فَقُلْتُ لَهم إنَّ الأسى يَبْعَثُ الأسى ∗∗∗ ∗∗∗ دَعُونِي فَهَذا كُلُّهُ قَبْرُ مالِكِ
والخِطابُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - نَدِمَ مُوسى عَلى دُعائِهِ عَلى قَوْمِهِ؛ وحَزِنَ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ لَهُ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى-: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ ؛ وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: اَلْخِطابُ بِهَذِهِ الألْفاظِ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ويُرادُ بِالفاسِقِينَ مُعاصِرُوهُ؛ أيْ: هَذِهِ أفْعالُ أسْلافِهِمْ؛ فَلا تَحْزَنْ أنْتَ بِسَبَبِ أفْعالِهِمُ الخَبِيثَةِ مَعَكَ؛ ورَدِّهِمْ عَلَيْكَ؛ فَإنَّها سَجِيَّةٌ خَبِيثَةٌ مَوْرُوثَةٌ عِنْدَهم.
المائدة 5:25
قالَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ وعَلى اللهُ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾
قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ ومُجاهِدٌ: "يُخافُونَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَخافُونَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: اَلرَّجُلانِ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ؛ وهو ابْنُ أُخْتِ مُوسى ؛ وكالِبُ بْنُ يُوقَنا؛ ويُقالُ فِيهِ: "كِلابٌ"؛ ويُقالُ: "كالُوثُ" بِثاءٍ (p-١٣٩)مُثَلَّثَةٍ؛ ويُقالُ في اسْمِ أبِيهِ: "قافِيا"؛ وهو صِهْرُ مُوسى عَلى أُخْتِهِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: اِسْمُ زَوْجَتِهِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ ؛ ومَعْنى "يَخافُونَ"؛ أيْ: اَللَّهَ؛ وأنْعَمَ عَلَيْهِما بِالإيمانِ الصَحِيحِ؛ ورَبْطِ الجَأْشِ؛ والثُبُوتِ في الحَقِّ؛ وقالَ قَوْمٌ: اَلْمَعْنى: يَخافُونَ العَدُوَّ؛ لَكِنْ أنْعَمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِما بِالإيمانِ؛ والثُبُوتِ؛ مَعَ خَوْفِهِما؛ ويُقَوِّي التَأْوِيلَ الأوَّلَ أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ اللهَ أنْعَمَ عَلَيْهِما"؛ وأمّا مَن قَرَأ بِضَمِّ الياءِ فَلِقِراءَتِهِ ثَلاثَةُ مَعانٍ؛ أحَدُها: ما رُوِيَ مِن أنَّ الرَجُلَيْنِ كانا مِنَ الجَبّارِينَ؛ آمَنا بِمُوسى واتَّبَعاهُ؛ فَكانا مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ يُخافُونَ؛ لَكِنْ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما بِالإيمانِ بِمُوسى؛ فَقالا: نَحْنُ أعْلَمُ بِقَوْمِنا؛ والمَعْنى الثانِي أنَّهُما يُوشَعُ؛ وكالُوثُ؛ لَكِنَّهُما مِنَ الَّذِينَ يُوَقَّرُونَ ويُسْمَعُ كَلامُهُمْ؛ ويُهابُونَ لِتَقْواهُمْ؛ وفَضْلِهِمْ؛ فَهم يُخافُونَ بِهَذا الوَجْهِ؛ والمَعْنى الثالِثُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مِن "أخافَ"؛ والمَعْنى: مِنَ الَّذِينَ يُخافُونَ بِأوامِرِ اللهِ ونَواهِيهِ؛ ووَعِيدِهِ؛ وزَجْرِهِ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ مَدْحًا لَهم عَلى نَحْوِ المَدْحِ في قَوْلِهِ تَعالى:﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ [الحجرات: ٣] ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما﴾ صِفَةٌ لِلرَّجُلَيْنِ.
والبابُ: هو بابُ مَدِينَةِ الجَبّارِينَ؛ فِيما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ؛ والمَعْنى: "اِجْتَهِدُوا؛ وكافِحُوا؛ حَتّى تَدْخُلُوا البابَ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ ؛ ظَنٌّ مِنهُما؛ ورَجاءٌ وقِياسٌ؛ أيْ: إنَّكم بِذَلِكَ تَفُتُّونَ في أعَضادِهِمْ؛ ويَقَعُ الرُعْبُ في قُلُوبِهِمْ؛ فَتَغْلِبُونَهُمْ؛ وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "عَلَيْهِما ويْلَكُمُ ادْخُلُوا"؛ وقَوْلُهُما: ﴿وَعَلى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ؛ يَقْتَضِي أنَّهُما اسْتَرابا بِإيمانِهِمْ حِينَ رَأياهم يَعْصُونَ الرَسُولَ؛ ويَجْبُنُونَ؛ مَعَ وعْدِ اللهِ تَعالى لَهم بِالنَصْرِ.
ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَجُّوا في عِصْيانِهِمْ؛ وسَمِعُوا مِنَ العَشَرَةِ النُقَباءِ الجَواسِيسِ الَّذِينَ خَوَّفُوهم أمْرَ الجَبّارِينَ؛ ووَصَفُوا لَهم قُوَّةَ الجَبّارِينَ؛ وعِظَمَ خَلْقِهِمْ؛ فَصَمَّمُوا عَلى خِلافِ أمْرِ اللهِ تَعالى: ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ ؛ وهَذِهِ عِبارَةٌ تَقْتَضِي كُفْرًا؛ وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ المَعْنى: "اِذْهَبْ أنْتَ؛ ورَبُّكَ يُعِينُكَ"؛ وأنَّ الكَلامَ مَعْصِيَةٌ؛ لا كُفْرٌ.
(p-١٤٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُهُمْ: "فَقاتِلا"؛ يَقْطَعُ بِهَذا التَأْوِيلِ؛ وذَكَرَ النَقّاشُ عن بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ بِالرَبِّ - هُنا - هارُونُ؛ لِأنَّهُ كانَ أسَنَّ مِن مُوسى؛ وكانَ مُعَظَّمًا في بَنِي إسْرائِيلَ؛ مُحَبَّبًا لِسَعَةِ خُلُقِهِ؛ ورَحْبِ صَدْرِهِ؛ فَكَأنَّهم قالُوا: "اِذْهَبْ أنْتَ وكَبِيرُكَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ؛ وهارُونُ إنَّما كانَ وزِيرًا لِمُوسى؛ وتابِعًا لَهُ في مَعْنى الرِسالَةِ؛ ولَكِنَّهُ تَأْوِيلٌ يُخَلِّصُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الكُفْرِ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: «بَلَغَنا أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمّا عَزَمَ عَلى قِتالِ قُرَيْشٍ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ جَمَعَ العَسْكَرَ؛ وكَلَّمَ الناسَ في ذَلِكَ؛ فَقالَ لَهُ المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ: لَسْنا نَقُولُ لَكَ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ ؛ لَكِنّا نَقُولُ: "اِذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا؛ إنّا مَعَكُما مُقاتِلُونَ"؛» وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ الأنْصارَ قالَتْ هَذِهِ المَقالَةَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجَمِيعُ هَذا وهْمٌ؛ غَلِطَ قَتادَةُ - رَحِمَهُ اللهُ - في وقْتِ النازِلَةِ؛ وغَلِطَ النَقّاشُ في قائِلِ المَقالَةِ؛ والكَلامُ إنَّما وقَعَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ؛ حِينَ نَزَلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ذَفِرانَ؛ فَكَلَّمَ الناسَ وقالَ لَهُمْ: أشِيرُوا عَلَيَّ أيُّها الناسُ؛ فَقالَ لَهُ المِقْدادُ هَذِهِ المَقالَةَ في كَلامٍ طَوِيلٍ؛ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ؛ ثُمَّ تَكَلَّمَ مِنَ الأنْصارِ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ بِنَحْوِ هَذا المَعْنى؛ ولَكِنْ سَبْقَهُ المِقْدادُ إلى التَمْثِيلِ بِالآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَمَثُّلُ المِقْدادِ بِها؛ وتَقْرِيرُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِذَلِكَ؛ يَقْتَضِي أنَّ الرَبَّ إنَّما أُرِيدَ بِهِ اللهُ تَعالى؛ ويُؤْنِسُ أيْضًا في إيمانِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ المِقْدادَ قَدْ قالَ: اِذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا؛ ولَيْسَ لِكَلامِهِ مَعْنًى إلّا أنَّ اللهَ تَعالى يُعِينُكَ؛ ويُقاتِلُ مَعَكَ مَلائِكَتُهُ ونَصْرُهُ؛ فَعَسى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أرادَتْ ذَلِكَ؛ أيْ: "اِذْهَبْ أنْتَ؛ ويُخْرِجُهُمُ اللهُ بِنَصْرِهِ وقُدْرَتِهِ مِنَ المَدِينَةِ؛ وحِينَئِذٍ نَدْخُلُها"؛ لَكِنْ قَبُحَتْ عِبارَتُهم لِاقْتِرانِ النُكُولِ بِها؛ وحَسُنَتْ عِبارَةُ المِقْدادِ لِاقْتِرانِ الطاعَةِ والإقْدامِ بِها.
ولَمّا سَمِعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - قَوْلَهُمْ؛ ورَأى عِصْيانَهُمْ؛ تَبَرَّأ إلى اللهِ تَعالى (p-١٤١)مِنهُمْ؛ وقالَ داعِيًا عَلَيْهِمْ: ﴿رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي﴾ ؛ يَعْنِي هارُونَ؛ وقَوْلُهُ: "وَأخِي"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إعْرابُهُ رَفْعًا؛ إمّا عَلى الِابْتِداءِ؛ والتَقْدِيرُ: وأخِي لا يَمْلِكُ إلّا نَفْسَهُ؛ وإمّا عَلى العَطْفِ عَلى الضَمِيرِ الَّذِي في "أمْلِكُ"؛ تَقْدِيرُهُ: "لا أمْلِكُ أنا"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إعْرابُهُ نَصْبًا؛ عَلى العَطْفِ عَلى "نَفْسِي"؛ وذَلِكَ لِأنَّ هارُونَ كانَ يُطِيعُ مُوسى؛ فَلِذَلِكَ أخْبَرَ أنَّهُ يَمْلِكُهُ؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "إلّا نَفْسِيَ وأخِيَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ فِيهِما؛ وقَوْلُهُ: "فافْرُقْ بَيْنَنا"؛ دُعاءُ حَرَجٍ؛ قالَ السُدِّيُّ: هي عَجَلَةٌ عَجِلَها مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والضَحّاكُ ؛ وغَيْرُهُما: اَلْمَعْنى: "اِفْصِلْ بَيْنَنا وبَيْنَهم بِحُكْمٍ؛ وافْتَحْ"؛ فالمَعْنى: "اُحْكم بِحُكْمٍ يُفَرِّقُ هَذا الِاخْتِلافَ؛ ويَلُمُّ الشَعَثَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَلَيْسَ في الدُعاءِ عَجَلَةٌ؛ وقالَ قَوْمٌ: اَلْمَعْنى: "فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَهم في الآخِرَةِ؛ حَتّى تَكُونَ مَنزِلَةُ المُطِيعِ مُفارِقَةً لِمَنزِلَةِ العاصِي الفاسِقِ"؛ ويَحْتَمِلُ الدُعاءُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: "فُرِّقَ بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ"؛ بِمَعْنى أنْ يَقُولَ: "فَقَدْنا وُجُوهَهُمْ؛ وفُرِّقَ بَيْنَنا وبَيْنَهم حَتّى لا نَشْقى بِفِسْقِهِمْ"؛ وبِهَذا الوَجْهِ تَجِيءُ العَجَلَةُ في الدُعاءِ؛ وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: "فافْرِقْ" بِكَسْرِ الراءِ.
﴿قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ﴾ ؛ اَلْمَعْنى: "قالَ اللهُ "؛ وأُضْمِرَ الفاعِلُ في هَذِهِ الأفْعالِ كُلِّها إيجازًا؛ لِدَلالَةِ مَعْنى الكَلامِ عَلى المُرادِ؛ وحَرَّمَ اللهُ تَعالى عَلى جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ دُخُولَ تِلْكَ المَدِينَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ وتَرَكَهم خِلالَها يَتِيهُونَ في الأرْضِ؛ أيْ: في أرْضِ تِلْكَ النازِلَةِ؛ وهو فَحْصُ التِيهِ؛ وهو - عَلى ما يُحْكى - طُولَ ثَمانِينَ مِيلًا؛ في عَرْضِ سِتَّةِ فَراسِخَ؛ وهو ما بَيْنَ مِصْرَ والشامِ؛ ويُرْوى أنَّهُ اتَّفَقَ أنَّهُ ماتَ كُلُّ مَن كانَ قالَ: ﴿إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا﴾ ؛ ولَمْ يَدْخُلِ المَدِينَةَ أحَدٌ مِن ذَلِكَ الجِيلِ إلّا يُوشَعُ؛ وكالُوثُ؛ ويُرْوى أنَّ هارُونَ - عَلَيْهِ السَلامُ - ماتَ في فَحْصِ التِيهِ؛ في خِلالِ هَذِهِ المُدَّةِ؛ ولَمْ يُخْتَلَفْ في هَذا؛ ورُوِيَ أنَّ (p-١٤٢)مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - ماتَ فِيهِ بَعْدَ هارُونَ بِثَمانِيَةِ أعْوامٍ؛ وقِيلَ: بِسِتَّةِ أشْهُرٍ ونَصْفٍ؛ وأنَّ يُوشَعَ نُبِّئَ بَعْدَ كَمالِ الأرْبَعِينَ سَنَةً؛ وخَرَجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ؛ وقاتَلَ الجَبّارِينَ؛ وفَتَحَ المَدِينَةَ؛ وفي تِلْكَ الحَرْبِ وقَفَتْ لَهُ الشَمْسُ ساعَةً حَتّى اسْتَمَرَّ هَزْمُ الجَبّارِينَ؛ ورُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - عاشَ حَتّى كَمُلَتِ الأرْبَعُونَ؛ وخَرَجَ بِالناسِ؛ وحارَبَ الجَبّارِينَ؛ ويُوشَعُ وكالَبُ عَلى مُقَدِّمَتِهِ؛ وأنَّهُ فَتَحَ المَدِينَةَ؛ وقَتَلَ بِيَدِهِ عُوجَ بْنَ عِناقٍ؛ يُقالُ: كانَ في طُولِ مُوسى عَشَرَةَ أذْرُعٍ؛ وفي طُولِ عَصاهُ عَشَرَةَ أذْرُعٍ؛ وتَرامى مِنَ الأرْضِ في السَماءِ عَشَرَةَ أذْرُعٍ؛ وحِينَئِذٍ لَحِقَ كَعْبَ عُوجٍ فَضَرَبَهُ بِعَصاهُ في كَعْبِهِ فَخَرَّ صَرِيعًا؛ ويُرْوى أنَّ عُوجًا اقْتَلَعَ صَخْرَةً لِيَطْرَحَها عَلى عَسْكَرِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَبَعَثَ اللهُ هُدْهُدًا بِحَجَرِ الماسِ؛ فَأدارَهُ عَلى الصَخْرَةِ فَتَقَوَّرَتْ؛ ودَخَلَتْ في عُنُقِ عُوجٍ؛ وضَرَبَهُ مُوسى؛ فَماتَ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ طُولَ عُوجٍ ثَمانِمِائَةِ ذِراعٍ؛ وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: لَمّا خَرَّ كانَ جِسْرًا عَلى النِيلِ سَنَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والنِيلُ لَيْسَ في تِلْكَ الأقْطارِ؛ وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ؛ واللهُ أعْلَمُ؛ وحَكى الزَجّاجُ عن قَوْمٍ أنَّ مُوسى وهارُونَ لَمْ يَكُونا في التِيهِ؛ والعامِلُ في "أرْبَعِينَ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "مُحَرَّمَةٌ"؛ أيْ: "حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ ويَتِيهُونَ في الأرْضِ هَذِهِ المُدَّةَ ثُمَّ تُفْتَحُ عَلَيْهِمْ؛ أدْرَكَ ذَلِكَ مَن أدْرَكَهُ؛ وماتَ قَبْلَهُ مَن ماتَ"؛ وخَطَّأ أبُو إسْحاقَ أنْ يَكُونَ العامِلُ "مُحَرَّمَةٌ"؛ وذَلِكَ مِنهُ تَحامُلٌ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ "يَتِيهُونَ"؛ مُضْمَرًا؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ "يَتِيهُونَ"؛ اَلْمُتَأخِّرُ؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ﴾ ؛ إخْبارٌ مُسْتَمِرٌّ؛ تَلَقَّوْا مِنهُ أنَّ المُخاطَبِينَ لا يَدْخُلُونَها أبَدًا؛ وأنَّهم - مَعَ ذَلِكَ - يَتِيهُونَ في الأرْضِ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ يَمُوتُ فِيها مَن ماتَ.
(p-١٤٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والخِطابُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ أصْعَبُ مَوْقِفًا؛ وأحْضَرُ يَأْسًا؛ ورُوِيَ أنَّ مَن كانَ قَدْ جاوَزَ عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يَعِشْ إلى الخُرُوجِ مِنَ التِيهِ؛ وأنَّ مَن كانَ دُونَ العِشْرِينَ عاشُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهُ لَمْ يَعِشِ المُكَلَّفُونَ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ الزَجّاجُ.
والتِيهُ: اَلذَّهابُ في الأرْضِ إلى غَيْرِ مَقْصِدٍ مَعْلُومٍ؛ ويُرْوى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا يَرْحَلُونَ بِاللَيْلِ ويَسِيرُونَ لَيْلَهم أجْمَعَ في تَحْلِيقٍ؛ ونَحْوِهِ؛ مِنَ التَرَدُّدِ؛ وقِلَّةِ اسْتِقامَةِ السَيْرِ؛ حَتّى إذا أصْبَحُوا وجَدُوا جُمْلَتَهم في المَوْضِعِ الَّذِي كانُوا فِيهِ أوَّلَ اللَيْلِ؛ قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: كانُوا يَسِيرُونَ النَهارَ أحْيانًا؛ واللَيْلَ أحْيانًا؛ فَيُمْسُونَ حَيْثُ أصْبَحُوا؛ ويُصْبِحُونَ حَيْثُ أمْسَوْا؛ وذَلِكَ في مِقْدارِ سِتَّةِ فَراسِخَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تِيهُهم بِافْتِراقِ الكَلِمَةِ؛ وقِلَّةِ اجْتِماعِ الرَأْيِ؛ وأنَّ اللهَ تَعالى رَماهم بِالِاخْتِلافِ؛ وعَلِمُوا أنَّها قَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ فَتَفَرَّقَتْ مَنازِلُهم في ذَلِكَ الفَحْصِ؛ وأقامُوا يَنْتَقِلُونَ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ؛ عَلى غَيْرِ نِظامٍ واجْتِماعٍ؛ حَتّى كَمُلَتْ هَذِهِ المُدَّةُ؛ وأذِنَ اللهُ بِخُرُوجِهِمْ؛ وهَذا تِيهٌ مُمْكِنٌ؛ مُحْتَمَلٌ؛ عَلى عُرْفِ البَشَرِ؛ والآخَرُ الَّذِي ذَكَرَ مُجاهِدٌ إنَّما هو خَرْقُ عادَةٍ؛ وعَجَبٌ مِن قُدْرَةِ اللهِ تَعالى.
وفِي ذَلِكَ التِيهِ ظُلِّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامُ؛ ورُزِقُوا المَنَّ والسَلْوى؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا رُوِيَ مِن مَلابِسِهِمْ؛ وقَدْ مَضى ذَلِكَ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ ؛ مَعْناهُ: فَلا تَحْزَنْ؛ يُقالُ: "أسِيَ الرَجُلُ؛ يَأْسى؛ أسًى"؛ إذا حَزِنَ؛ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيِّهِمْ ∗∗∗ يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَمَّلِ
(p-١٤٤)وَمِنهُ قَوْلُ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ:
؎ فَقُلْتُ لَهم إنَّ الأسى يَبْعَثُ الأسى ∗∗∗ ∗∗∗ دَعُونِي فَهَذا كُلُّهُ قَبْرُ مالِكِ
والخِطابُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - نَدِمَ مُوسى عَلى دُعائِهِ عَلى قَوْمِهِ؛ وحَزِنَ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ لَهُ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى-: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ ؛ وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: اَلْخِطابُ بِهَذِهِ الألْفاظِ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ويُرادُ بِالفاسِقِينَ مُعاصِرُوهُ؛ أيْ: هَذِهِ أفْعالُ أسْلافِهِمْ؛ فَلا تَحْزَنْ أنْتَ بِسَبَبِ أفْعالِهِمُ الخَبِيثَةِ مَعَكَ؛ ورَدِّهِمْ عَلَيْكَ؛ فَإنَّها سَجِيَّةٌ خَبِيثَةٌ مَوْرُوثَةٌ عِنْدَهم.
المائدة 5:26
قالَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ وعَلى اللهُ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾
قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ ومُجاهِدٌ: "يُخافُونَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَخافُونَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: اَلرَّجُلانِ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ؛ وهو ابْنُ أُخْتِ مُوسى ؛ وكالِبُ بْنُ يُوقَنا؛ ويُقالُ فِيهِ: "كِلابٌ"؛ ويُقالُ: "كالُوثُ" بِثاءٍ (p-١٣٩)مُثَلَّثَةٍ؛ ويُقالُ في اسْمِ أبِيهِ: "قافِيا"؛ وهو صِهْرُ مُوسى عَلى أُخْتِهِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: اِسْمُ زَوْجَتِهِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ ؛ ومَعْنى "يَخافُونَ"؛ أيْ: اَللَّهَ؛ وأنْعَمَ عَلَيْهِما بِالإيمانِ الصَحِيحِ؛ ورَبْطِ الجَأْشِ؛ والثُبُوتِ في الحَقِّ؛ وقالَ قَوْمٌ: اَلْمَعْنى: يَخافُونَ العَدُوَّ؛ لَكِنْ أنْعَمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِما بِالإيمانِ؛ والثُبُوتِ؛ مَعَ خَوْفِهِما؛ ويُقَوِّي التَأْوِيلَ الأوَّلَ أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ اللهَ أنْعَمَ عَلَيْهِما"؛ وأمّا مَن قَرَأ بِضَمِّ الياءِ فَلِقِراءَتِهِ ثَلاثَةُ مَعانٍ؛ أحَدُها: ما رُوِيَ مِن أنَّ الرَجُلَيْنِ كانا مِنَ الجَبّارِينَ؛ آمَنا بِمُوسى واتَّبَعاهُ؛ فَكانا مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ يُخافُونَ؛ لَكِنْ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما بِالإيمانِ بِمُوسى؛ فَقالا: نَحْنُ أعْلَمُ بِقَوْمِنا؛ والمَعْنى الثانِي أنَّهُما يُوشَعُ؛ وكالُوثُ؛ لَكِنَّهُما مِنَ الَّذِينَ يُوَقَّرُونَ ويُسْمَعُ كَلامُهُمْ؛ ويُهابُونَ لِتَقْواهُمْ؛ وفَضْلِهِمْ؛ فَهم يُخافُونَ بِهَذا الوَجْهِ؛ والمَعْنى الثالِثُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مِن "أخافَ"؛ والمَعْنى: مِنَ الَّذِينَ يُخافُونَ بِأوامِرِ اللهِ ونَواهِيهِ؛ ووَعِيدِهِ؛ وزَجْرِهِ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ مَدْحًا لَهم عَلى نَحْوِ المَدْحِ في قَوْلِهِ تَعالى:﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ [الحجرات: ٣] ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما﴾ صِفَةٌ لِلرَّجُلَيْنِ.
والبابُ: هو بابُ مَدِينَةِ الجَبّارِينَ؛ فِيما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ؛ والمَعْنى: "اِجْتَهِدُوا؛ وكافِحُوا؛ حَتّى تَدْخُلُوا البابَ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ ؛ ظَنٌّ مِنهُما؛ ورَجاءٌ وقِياسٌ؛ أيْ: إنَّكم بِذَلِكَ تَفُتُّونَ في أعَضادِهِمْ؛ ويَقَعُ الرُعْبُ في قُلُوبِهِمْ؛ فَتَغْلِبُونَهُمْ؛ وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "عَلَيْهِما ويْلَكُمُ ادْخُلُوا"؛ وقَوْلُهُما: ﴿وَعَلى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ؛ يَقْتَضِي أنَّهُما اسْتَرابا بِإيمانِهِمْ حِينَ رَأياهم يَعْصُونَ الرَسُولَ؛ ويَجْبُنُونَ؛ مَعَ وعْدِ اللهِ تَعالى لَهم بِالنَصْرِ.
ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَجُّوا في عِصْيانِهِمْ؛ وسَمِعُوا مِنَ العَشَرَةِ النُقَباءِ الجَواسِيسِ الَّذِينَ خَوَّفُوهم أمْرَ الجَبّارِينَ؛ ووَصَفُوا لَهم قُوَّةَ الجَبّارِينَ؛ وعِظَمَ خَلْقِهِمْ؛ فَصَمَّمُوا عَلى خِلافِ أمْرِ اللهِ تَعالى: ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ ؛ وهَذِهِ عِبارَةٌ تَقْتَضِي كُفْرًا؛ وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ المَعْنى: "اِذْهَبْ أنْتَ؛ ورَبُّكَ يُعِينُكَ"؛ وأنَّ الكَلامَ مَعْصِيَةٌ؛ لا كُفْرٌ.
(p-١٤٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُهُمْ: "فَقاتِلا"؛ يَقْطَعُ بِهَذا التَأْوِيلِ؛ وذَكَرَ النَقّاشُ عن بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ بِالرَبِّ - هُنا - هارُونُ؛ لِأنَّهُ كانَ أسَنَّ مِن مُوسى؛ وكانَ مُعَظَّمًا في بَنِي إسْرائِيلَ؛ مُحَبَّبًا لِسَعَةِ خُلُقِهِ؛ ورَحْبِ صَدْرِهِ؛ فَكَأنَّهم قالُوا: "اِذْهَبْ أنْتَ وكَبِيرُكَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ؛ وهارُونُ إنَّما كانَ وزِيرًا لِمُوسى؛ وتابِعًا لَهُ في مَعْنى الرِسالَةِ؛ ولَكِنَّهُ تَأْوِيلٌ يُخَلِّصُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الكُفْرِ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: «بَلَغَنا أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمّا عَزَمَ عَلى قِتالِ قُرَيْشٍ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ جَمَعَ العَسْكَرَ؛ وكَلَّمَ الناسَ في ذَلِكَ؛ فَقالَ لَهُ المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ: لَسْنا نَقُولُ لَكَ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ ؛ لَكِنّا نَقُولُ: "اِذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا؛ إنّا مَعَكُما مُقاتِلُونَ"؛» وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ الأنْصارَ قالَتْ هَذِهِ المَقالَةَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجَمِيعُ هَذا وهْمٌ؛ غَلِطَ قَتادَةُ - رَحِمَهُ اللهُ - في وقْتِ النازِلَةِ؛ وغَلِطَ النَقّاشُ في قائِلِ المَقالَةِ؛ والكَلامُ إنَّما وقَعَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ؛ حِينَ نَزَلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ذَفِرانَ؛ فَكَلَّمَ الناسَ وقالَ لَهُمْ: أشِيرُوا عَلَيَّ أيُّها الناسُ؛ فَقالَ لَهُ المِقْدادُ هَذِهِ المَقالَةَ في كَلامٍ طَوِيلٍ؛ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ؛ ثُمَّ تَكَلَّمَ مِنَ الأنْصارِ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ بِنَحْوِ هَذا المَعْنى؛ ولَكِنْ سَبْقَهُ المِقْدادُ إلى التَمْثِيلِ بِالآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَمَثُّلُ المِقْدادِ بِها؛ وتَقْرِيرُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِذَلِكَ؛ يَقْتَضِي أنَّ الرَبَّ إنَّما أُرِيدَ بِهِ اللهُ تَعالى؛ ويُؤْنِسُ أيْضًا في إيمانِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ المِقْدادَ قَدْ قالَ: اِذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا؛ ولَيْسَ لِكَلامِهِ مَعْنًى إلّا أنَّ اللهَ تَعالى يُعِينُكَ؛ ويُقاتِلُ مَعَكَ مَلائِكَتُهُ ونَصْرُهُ؛ فَعَسى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أرادَتْ ذَلِكَ؛ أيْ: "اِذْهَبْ أنْتَ؛ ويُخْرِجُهُمُ اللهُ بِنَصْرِهِ وقُدْرَتِهِ مِنَ المَدِينَةِ؛ وحِينَئِذٍ نَدْخُلُها"؛ لَكِنْ قَبُحَتْ عِبارَتُهم لِاقْتِرانِ النُكُولِ بِها؛ وحَسُنَتْ عِبارَةُ المِقْدادِ لِاقْتِرانِ الطاعَةِ والإقْدامِ بِها.
ولَمّا سَمِعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - قَوْلَهُمْ؛ ورَأى عِصْيانَهُمْ؛ تَبَرَّأ إلى اللهِ تَعالى (p-١٤١)مِنهُمْ؛ وقالَ داعِيًا عَلَيْهِمْ: ﴿رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي﴾ ؛ يَعْنِي هارُونَ؛ وقَوْلُهُ: "وَأخِي"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إعْرابُهُ رَفْعًا؛ إمّا عَلى الِابْتِداءِ؛ والتَقْدِيرُ: وأخِي لا يَمْلِكُ إلّا نَفْسَهُ؛ وإمّا عَلى العَطْفِ عَلى الضَمِيرِ الَّذِي في "أمْلِكُ"؛ تَقْدِيرُهُ: "لا أمْلِكُ أنا"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إعْرابُهُ نَصْبًا؛ عَلى العَطْفِ عَلى "نَفْسِي"؛ وذَلِكَ لِأنَّ هارُونَ كانَ يُطِيعُ مُوسى؛ فَلِذَلِكَ أخْبَرَ أنَّهُ يَمْلِكُهُ؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "إلّا نَفْسِيَ وأخِيَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ فِيهِما؛ وقَوْلُهُ: "فافْرُقْ بَيْنَنا"؛ دُعاءُ حَرَجٍ؛ قالَ السُدِّيُّ: هي عَجَلَةٌ عَجِلَها مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والضَحّاكُ ؛ وغَيْرُهُما: اَلْمَعْنى: "اِفْصِلْ بَيْنَنا وبَيْنَهم بِحُكْمٍ؛ وافْتَحْ"؛ فالمَعْنى: "اُحْكم بِحُكْمٍ يُفَرِّقُ هَذا الِاخْتِلافَ؛ ويَلُمُّ الشَعَثَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَلَيْسَ في الدُعاءِ عَجَلَةٌ؛ وقالَ قَوْمٌ: اَلْمَعْنى: "فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَهم في الآخِرَةِ؛ حَتّى تَكُونَ مَنزِلَةُ المُطِيعِ مُفارِقَةً لِمَنزِلَةِ العاصِي الفاسِقِ"؛ ويَحْتَمِلُ الدُعاءُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: "فُرِّقَ بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ"؛ بِمَعْنى أنْ يَقُولَ: "فَقَدْنا وُجُوهَهُمْ؛ وفُرِّقَ بَيْنَنا وبَيْنَهم حَتّى لا نَشْقى بِفِسْقِهِمْ"؛ وبِهَذا الوَجْهِ تَجِيءُ العَجَلَةُ في الدُعاءِ؛ وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: "فافْرِقْ" بِكَسْرِ الراءِ.
﴿قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ﴾ ؛ اَلْمَعْنى: "قالَ اللهُ "؛ وأُضْمِرَ الفاعِلُ في هَذِهِ الأفْعالِ كُلِّها إيجازًا؛ لِدَلالَةِ مَعْنى الكَلامِ عَلى المُرادِ؛ وحَرَّمَ اللهُ تَعالى عَلى جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ دُخُولَ تِلْكَ المَدِينَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ وتَرَكَهم خِلالَها يَتِيهُونَ في الأرْضِ؛ أيْ: في أرْضِ تِلْكَ النازِلَةِ؛ وهو فَحْصُ التِيهِ؛ وهو - عَلى ما يُحْكى - طُولَ ثَمانِينَ مِيلًا؛ في عَرْضِ سِتَّةِ فَراسِخَ؛ وهو ما بَيْنَ مِصْرَ والشامِ؛ ويُرْوى أنَّهُ اتَّفَقَ أنَّهُ ماتَ كُلُّ مَن كانَ قالَ: ﴿إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا﴾ ؛ ولَمْ يَدْخُلِ المَدِينَةَ أحَدٌ مِن ذَلِكَ الجِيلِ إلّا يُوشَعُ؛ وكالُوثُ؛ ويُرْوى أنَّ هارُونَ - عَلَيْهِ السَلامُ - ماتَ في فَحْصِ التِيهِ؛ في خِلالِ هَذِهِ المُدَّةِ؛ ولَمْ يُخْتَلَفْ في هَذا؛ ورُوِيَ أنَّ (p-١٤٢)مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - ماتَ فِيهِ بَعْدَ هارُونَ بِثَمانِيَةِ أعْوامٍ؛ وقِيلَ: بِسِتَّةِ أشْهُرٍ ونَصْفٍ؛ وأنَّ يُوشَعَ نُبِّئَ بَعْدَ كَمالِ الأرْبَعِينَ سَنَةً؛ وخَرَجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ؛ وقاتَلَ الجَبّارِينَ؛ وفَتَحَ المَدِينَةَ؛ وفي تِلْكَ الحَرْبِ وقَفَتْ لَهُ الشَمْسُ ساعَةً حَتّى اسْتَمَرَّ هَزْمُ الجَبّارِينَ؛ ورُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - عاشَ حَتّى كَمُلَتِ الأرْبَعُونَ؛ وخَرَجَ بِالناسِ؛ وحارَبَ الجَبّارِينَ؛ ويُوشَعُ وكالَبُ عَلى مُقَدِّمَتِهِ؛ وأنَّهُ فَتَحَ المَدِينَةَ؛ وقَتَلَ بِيَدِهِ عُوجَ بْنَ عِناقٍ؛ يُقالُ: كانَ في طُولِ مُوسى عَشَرَةَ أذْرُعٍ؛ وفي طُولِ عَصاهُ عَشَرَةَ أذْرُعٍ؛ وتَرامى مِنَ الأرْضِ في السَماءِ عَشَرَةَ أذْرُعٍ؛ وحِينَئِذٍ لَحِقَ كَعْبَ عُوجٍ فَضَرَبَهُ بِعَصاهُ في كَعْبِهِ فَخَرَّ صَرِيعًا؛ ويُرْوى أنَّ عُوجًا اقْتَلَعَ صَخْرَةً لِيَطْرَحَها عَلى عَسْكَرِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَبَعَثَ اللهُ هُدْهُدًا بِحَجَرِ الماسِ؛ فَأدارَهُ عَلى الصَخْرَةِ فَتَقَوَّرَتْ؛ ودَخَلَتْ في عُنُقِ عُوجٍ؛ وضَرَبَهُ مُوسى؛ فَماتَ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ طُولَ عُوجٍ ثَمانِمِائَةِ ذِراعٍ؛ وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: لَمّا خَرَّ كانَ جِسْرًا عَلى النِيلِ سَنَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والنِيلُ لَيْسَ في تِلْكَ الأقْطارِ؛ وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ؛ واللهُ أعْلَمُ؛ وحَكى الزَجّاجُ عن قَوْمٍ أنَّ مُوسى وهارُونَ لَمْ يَكُونا في التِيهِ؛ والعامِلُ في "أرْبَعِينَ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "مُحَرَّمَةٌ"؛ أيْ: "حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ ويَتِيهُونَ في الأرْضِ هَذِهِ المُدَّةَ ثُمَّ تُفْتَحُ عَلَيْهِمْ؛ أدْرَكَ ذَلِكَ مَن أدْرَكَهُ؛ وماتَ قَبْلَهُ مَن ماتَ"؛ وخَطَّأ أبُو إسْحاقَ أنْ يَكُونَ العامِلُ "مُحَرَّمَةٌ"؛ وذَلِكَ مِنهُ تَحامُلٌ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ "يَتِيهُونَ"؛ مُضْمَرًا؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ "يَتِيهُونَ"؛ اَلْمُتَأخِّرُ؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ﴾ ؛ إخْبارٌ مُسْتَمِرٌّ؛ تَلَقَّوْا مِنهُ أنَّ المُخاطَبِينَ لا يَدْخُلُونَها أبَدًا؛ وأنَّهم - مَعَ ذَلِكَ - يَتِيهُونَ في الأرْضِ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ يَمُوتُ فِيها مَن ماتَ.
(p-١٤٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والخِطابُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ أصْعَبُ مَوْقِفًا؛ وأحْضَرُ يَأْسًا؛ ورُوِيَ أنَّ مَن كانَ قَدْ جاوَزَ عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يَعِشْ إلى الخُرُوجِ مِنَ التِيهِ؛ وأنَّ مَن كانَ دُونَ العِشْرِينَ عاشُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهُ لَمْ يَعِشِ المُكَلَّفُونَ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ الزَجّاجُ.
والتِيهُ: اَلذَّهابُ في الأرْضِ إلى غَيْرِ مَقْصِدٍ مَعْلُومٍ؛ ويُرْوى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا يَرْحَلُونَ بِاللَيْلِ ويَسِيرُونَ لَيْلَهم أجْمَعَ في تَحْلِيقٍ؛ ونَحْوِهِ؛ مِنَ التَرَدُّدِ؛ وقِلَّةِ اسْتِقامَةِ السَيْرِ؛ حَتّى إذا أصْبَحُوا وجَدُوا جُمْلَتَهم في المَوْضِعِ الَّذِي كانُوا فِيهِ أوَّلَ اللَيْلِ؛ قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: كانُوا يَسِيرُونَ النَهارَ أحْيانًا؛ واللَيْلَ أحْيانًا؛ فَيُمْسُونَ حَيْثُ أصْبَحُوا؛ ويُصْبِحُونَ حَيْثُ أمْسَوْا؛ وذَلِكَ في مِقْدارِ سِتَّةِ فَراسِخَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تِيهُهم بِافْتِراقِ الكَلِمَةِ؛ وقِلَّةِ اجْتِماعِ الرَأْيِ؛ وأنَّ اللهَ تَعالى رَماهم بِالِاخْتِلافِ؛ وعَلِمُوا أنَّها قَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ فَتَفَرَّقَتْ مَنازِلُهم في ذَلِكَ الفَحْصِ؛ وأقامُوا يَنْتَقِلُونَ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ؛ عَلى غَيْرِ نِظامٍ واجْتِماعٍ؛ حَتّى كَمُلَتْ هَذِهِ المُدَّةُ؛ وأذِنَ اللهُ بِخُرُوجِهِمْ؛ وهَذا تِيهٌ مُمْكِنٌ؛ مُحْتَمَلٌ؛ عَلى عُرْفِ البَشَرِ؛ والآخَرُ الَّذِي ذَكَرَ مُجاهِدٌ إنَّما هو خَرْقُ عادَةٍ؛ وعَجَبٌ مِن قُدْرَةِ اللهِ تَعالى.
وفِي ذَلِكَ التِيهِ ظُلِّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامُ؛ ورُزِقُوا المَنَّ والسَلْوى؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا رُوِيَ مِن مَلابِسِهِمْ؛ وقَدْ مَضى ذَلِكَ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ ؛ مَعْناهُ: فَلا تَحْزَنْ؛ يُقالُ: "أسِيَ الرَجُلُ؛ يَأْسى؛ أسًى"؛ إذا حَزِنَ؛ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيِّهِمْ ∗∗∗ يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَمَّلِ
(p-١٤٤)وَمِنهُ قَوْلُ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ:
؎ فَقُلْتُ لَهم إنَّ الأسى يَبْعَثُ الأسى ∗∗∗ ∗∗∗ دَعُونِي فَهَذا كُلُّهُ قَبْرُ مالِكِ
والخِطابُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - نَدِمَ مُوسى عَلى دُعائِهِ عَلى قَوْمِهِ؛ وحَزِنَ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ لَهُ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى-: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ ؛ وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: اَلْخِطابُ بِهَذِهِ الألْفاظِ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ويُرادُ بِالفاسِقِينَ مُعاصِرُوهُ؛ أيْ: هَذِهِ أفْعالُ أسْلافِهِمْ؛ فَلا تَحْزَنْ أنْتَ بِسَبَبِ أفْعالِهِمُ الخَبِيثَةِ مَعَكَ؛ ورَدِّهِمْ عَلَيْكَ؛ فَإنَّها سَجِيَّةٌ خَبِيثَةٌ مَوْرُوثَةٌ عِنْدَهم.
المائدة 5:27
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ إذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِن الآخَرِ قالَ لأقْتُلَنَّكَ قالَ إنَّما يُتَقَبَّلْ اللهُ مِن المُتَّقِينَ﴾ ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ اللهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظالِمِينَ﴾
"واتْلُ"؛ مَعْناهُ: اُسْرُدْ؛ وأسْمِعْهم إيّاهُ؛ وهَذِهِ مِن عُلُومِ الكُتُبِ الأُوَلِ الَّتِي لا تَعَلُّقَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِها؛ إلّا مِن طَرِيقِ الوَحْيِ؛ فَهو مِن دَلائِلِ نُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ"؛ ظاهِرُ أمْرِهِ أنَّهُ يُرادُ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ؛ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المُحاوَرَةَ فِيما تَقَدَّمَ إنَّما هي في شَأْنِهِمْ؛ وإقامَةِ الحُجَجِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ هَمِّهِمْ بِبَسْطِ اليَدِ إلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والثانِي أنَّ عِلْمَ نَبَإ ابْنَيْ آدَمَ إنَّما هو عِنْدَهُمْ؛ وفي غامِضِ كُتُبِهِمْ؛ وعَلَيْهِمْ تَقُومُ الحُجَّةُ في إيرادِهِ؛ والنَبَأُ: اَلْخَبَرُ؛ وابْنا آدَمَ هُما - في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ - لِصُلْبِهِ؛ وهُما "قابِيلُ" و"هابِيلُ"؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ البَصْرِيُّ: اِبْنا آدَمَ لَيْسا لِصُلْبِهِ؛ ولَمْ تَكُنِ القَرابِينُ إلّا في بَنِي إسْرائِيلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا وهْمٌ؛ وكَيْفَ يَجْهَلُ صُورَةَ الدَفْنِ أحَدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ حَتّى يَقْتَدِيَ بِالغُرابِ؟ والصَحِيحُ قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ ورُوِيَ أنَّ تَقْرِيبَهُما لِلْقُرْبانِ إنَّما كانَ تَحَنُّثًا وتَطَوُّعًا؛ وكانَ قابِيلُ صاحِبَ زَرْعٍ؛ فَعَمَدَ إلى أرْذَلِ ما عِنْدَهُ وأدْناهُ؛ فَقَرَّبَهُ؛ وكانَ هابِيلُ صاحِبَ غَنَمٍ؛ فَعَمَدَ إلى أفْضَلِ كِباشِهِ فَقَرَّبَهُ؛ وكانَتِ العادَةُ حِينَئِذٍ أنْ يُقَرِّبَ المُقَرِّبُ قُرْبانَهُ ويَقُومَ (p-١٤٥)وَيُصَلِّيَ؛ ويَسْجُدَ؛ فَإنْ نَزَلَتْ نارٌ وأكَلَتِ القُرْبانَ فَذَلِكَ دَلِيلٌ لِلْقَبُولِ؛ وإلّا كانَ تَرْكُهُ دَلِيلَ عَدَمِ القَبُولِ؛ فَلَمّا قَرَّبَ هَذانِ كَما ذَكَرْتُ؛ فَنَزَلَتِ النارُ فَأخَذَتْ كَبْشَ هابِيلَ؛ فَرَفَعَتْهُ؛ وسَتَرَتْهُ عَنِ العُيُونِ؛ وتَرَكَتْ زَرْعَ قابِيلَ؛ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فَكانَ ذَلِكَ الكَبْشُ يَرْتَعُ في الجَنَّةِ؛ حَتّى أهْبِطَ إلى إبْراهِيمَ في فِداءِ ابْنِهِ؛ قالَ [سائِقُو] هَذا القَصَصِ: فَحَسَدَ قابِيلُ هابِيلَ؛ وقالَ لَهُ: أتَمْشِي عَلى الأرْضِ يَراكَ الناسُ أفْضَلَ مِنِّي؟ وكانَ قابِيلُ أسَنَّ ولَدِ آدَمَ؛ ورُوِيَ أنَّ آدَمَ سافَرَ إلى مَكَّةَ لِيَرى الكَعْبَةَ؛ وتَرَكَ قابِيلَ وصِيًّا عَلى بَنِيهِ؛ فَجَرَتْ هَذِهِ القِصَّةُ في غَيْبَتِهِ؛ ورَوَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ - مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ - أنَّ سَبَبَ هَذا التَقْرِيبِ أنَّ حَوّاءَ كانَتْ تَلِدُ في كُلِّ بَطْنٍ ذَكَرًا وأُنْثى؛ فَكانَ الذَكَرُ يُزَوَّجُ أُنْثى البَطْنِ الآخَرِ؛ ولا تَحِلُّ لَهُ أُخْتُهُ تَوْأمَتُهُ؛ فَوُلِدَتْ مَعَ قابِيلَ أُخْتٌ جَمِيلَةٌ؛ ومَعَ هابِيلَ أُخْتٌ لَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ فَلَمّا أرادَ آدَمُ تَزْوِيجَهُما قالَ قابِيلُ: أنا أحَقُّ بِأُخْتِي؛ فَأمَرَهُ آدَمُ؛ فَلَمْ يَأْتَمِرْ؛ فاتَّفَقُوا عَلى التَقْرِيبِ؛ ورُوِيَ أنَّ آدَمَ حَضَرَ ذَلِكَ؛ فَتُقُبِّلَ قُرْبانُ هابِيلَ؛ ووَجَبَ أنْ يَأْخُذَ أُخْتَ قابِيلَ؛ فَحِينَئِذٍ قالَ لَهُ: "لَأقْتُلَنَّكَ"؛ وقَوْلُ هابِيلَ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ ؛ كَلامٌ قَبْلَهُ مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلِمَ تَقْتُلُنِي وأنا لَمْ أجْنِ شَيْئًا؛ ولا ذَنْبَ لِي في قَبُولِ اللهِ قُرْبانِي؟ أما إنِّي أتَّقِيهِ؛ وكُنْتَ عَلَيَّ لَأحَبَّ الخَلْقِ؛ وإنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وإجْماعُ أهْلِ السُنَّةِ في مَعْنى هَذِهِ الألْفاظِ أنَّها اتِّقاءُ الشِرْكِ؛ فَمَنِ اتَّقاهُ وهو مُوَحِّدٌ فَأعْمالُهُ الَّتِي تَصْدُقُ فِيها نِيَّتُهُ مَقْبُولَةٌ؛ وأمّا المُتَّقِي لِلشِّرْكِ والمَعاصِي فَلَهُ الدَرَجَةُ العُلْيا مِنَ القَبُولِ؛ والحَتْمِ بِالرَحْمَةِ؛ عُلِمَ ذَلِكَ بِإخْبارِ اللهِ تَعالى؛ لا أنْ ذَلِكَ يَجِبُ عَلى اللهِ تَعالى عَقْلًا؛ وقالَ عَدِيُّ بْنُ ثابِتٍ ؛ وغَيْرُهُ: قُرْبانُ مُتَّقِي هَذِهِ الأُمَّةِ الصَلاةُ.
واخْتَلَفَ الناسُ: لِمَ قالَ هابِيلُ: ﴿ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ﴾ ؟ فَقالَ مُجاهِدٌ: كانَ الفَرْضُ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ ألّا يَسُلَّ أحَدٌ سَيْفًا؛ وألّا يَمْتَنِعَ مَن أُرِيدَ قَتْلُهُ؛ وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو ؛ وجُمْهُورُ الناسِ: كانَ هابِيلُ أشَدَّ قُوَّةً مِن قابِيلَ؛ ولَكِنَّهُ تَحَرَّجَ.
(p-١٤٦)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو الأظْهَرُ؛ ومِن هُنا يَقْوى أنَّ قابِيلَ إنَّما هو عاصٍ لا كافِرٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كافِرًا لَمْ يَكُنْ لِلتَّحَرُّجِ وجْهٌ؛ وإنَّما وجْهُ التَحَرُّجِ في هَذا أنَّ المُتَحَرِّجَ يَأْبى أنْ يُقاتِلَ مُوَحِّدًا؛ ويَرْضى بِأنْ يُظْلَمَ لِيُجازى في الآخِرَةِ؛ ونَحْوَ هَذا فَعَلَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ لَيْسَتْ هَذِهِ بِإرادَةِ مَحَبَّةٍ وشَهْوَةٍ؛ وإنَّما هو تَخَيُّرٌ في شَرَّيْنِ؛ كَما تَقُولُ العَرَبُ: "فِي الشَرِّ خِيارٌ"؛ فالمَعْنى: "إنْ قَتَلْتَنِي؛ وسَبَقَ بِذَلِكَ قَدَرٌ؛ فاخْتِيارِي أنْ أكُونَ مَظْلُومًا سَيَسْتَنْصِرُ اللهُ لِي في الآخِرَةِ"؛ و"تَبُوءَ"؛ مَعْناهُ: "تَمْضِيَ مُتَحَمِّلًا"؛ وقَوْلُهُ: ﴿بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ ؛ قِيلَ: مَعْناهُ: بِإثْمِ قَتْلِي؛ وسائِرِ آثامِكَ الَّتِي أوجَبَتْ ألّا يُتَقَبَّلَ مِنكَ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: بِإثْمِ قَتْلِي؛ وإثْمِكَ في العَداءِ عَلَيَّ؛ إذْ هو في العَداءِ وإرادَةِ القَتْلِ آثِمٌ؛ ولَوْ لَمْ يُنَفِّذِ القَتْلَ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "بِإثْمِي إنْ لَوْ قاتَلْتُكَ وقَتَلْتُكَ؛ وإثْمِ نَفْسِكَ في قِتالِي؛ وقَتْلِي".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو الإثْمُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "إذا التَقى المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما؛ فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النارِ"؛ قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ هَذا القاتِلُ؛ فَما بالُ المَقْتُولِ؟ قالَ: "إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ"؛» فَكَأنَّ هابِيلَ أرادَ: "إنِّي لَسْتُ بِحَرِيصٍ عَلى قَتْلِكَ؛ فالإثْمُ الَّذِي كانَ يَلْحَقُنِي لَوْ كُنْتُ حَرِيصًا عَلى قَتْلِكَ أُرِيدُ أنْ تَحْمِلَهُ أنْتَ؛ مَعَ إثْمِكَ في قَتْلِي".
وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "بِإثْمِي الَّذِي يَخْتَصُّ لِي فِيما فَرَطَ لِي"؛ أيْ: "يُؤْخَذُ مِن سَيِّئاتِي فَيُطْرَحُ عَلَيْكَ بِسَبَبِ ظُلْمِكَ لِي؛ فَتَبُوءَ بِإثْمِكَ في قَتْلِي"؛ وهَذا تَأْوِيلٌ يُعَضِّدُهُ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "يُؤْتى بِالظالِمِ والمَظْلُومِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ فَيُؤْخَذُ مِن حَسَناتِ الظالِمِ فَيُزادُ في حَسَناتِ المَظْلُومِ؛ حَتّى يَنْتَصِفَ؛ فَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ المَظْلُومِ فَتُطْرَحُ عَلَيْهِ".»
(p-١٤٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزاءُ الظالِمِينَ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ هابِيلَ لِأخِيهِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
المائدة 5:28
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ إذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِن الآخَرِ قالَ لأقْتُلَنَّكَ قالَ إنَّما يُتَقَبَّلْ اللهُ مِن المُتَّقِينَ﴾ ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ اللهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظالِمِينَ﴾
"واتْلُ"؛ مَعْناهُ: اُسْرُدْ؛ وأسْمِعْهم إيّاهُ؛ وهَذِهِ مِن عُلُومِ الكُتُبِ الأُوَلِ الَّتِي لا تَعَلُّقَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِها؛ إلّا مِن طَرِيقِ الوَحْيِ؛ فَهو مِن دَلائِلِ نُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ"؛ ظاهِرُ أمْرِهِ أنَّهُ يُرادُ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ؛ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المُحاوَرَةَ فِيما تَقَدَّمَ إنَّما هي في شَأْنِهِمْ؛ وإقامَةِ الحُجَجِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ هَمِّهِمْ بِبَسْطِ اليَدِ إلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والثانِي أنَّ عِلْمَ نَبَإ ابْنَيْ آدَمَ إنَّما هو عِنْدَهُمْ؛ وفي غامِضِ كُتُبِهِمْ؛ وعَلَيْهِمْ تَقُومُ الحُجَّةُ في إيرادِهِ؛ والنَبَأُ: اَلْخَبَرُ؛ وابْنا آدَمَ هُما - في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ - لِصُلْبِهِ؛ وهُما "قابِيلُ" و"هابِيلُ"؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ البَصْرِيُّ: اِبْنا آدَمَ لَيْسا لِصُلْبِهِ؛ ولَمْ تَكُنِ القَرابِينُ إلّا في بَنِي إسْرائِيلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا وهْمٌ؛ وكَيْفَ يَجْهَلُ صُورَةَ الدَفْنِ أحَدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ حَتّى يَقْتَدِيَ بِالغُرابِ؟ والصَحِيحُ قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ ورُوِيَ أنَّ تَقْرِيبَهُما لِلْقُرْبانِ إنَّما كانَ تَحَنُّثًا وتَطَوُّعًا؛ وكانَ قابِيلُ صاحِبَ زَرْعٍ؛ فَعَمَدَ إلى أرْذَلِ ما عِنْدَهُ وأدْناهُ؛ فَقَرَّبَهُ؛ وكانَ هابِيلُ صاحِبَ غَنَمٍ؛ فَعَمَدَ إلى أفْضَلِ كِباشِهِ فَقَرَّبَهُ؛ وكانَتِ العادَةُ حِينَئِذٍ أنْ يُقَرِّبَ المُقَرِّبُ قُرْبانَهُ ويَقُومَ (p-١٤٥)وَيُصَلِّيَ؛ ويَسْجُدَ؛ فَإنْ نَزَلَتْ نارٌ وأكَلَتِ القُرْبانَ فَذَلِكَ دَلِيلٌ لِلْقَبُولِ؛ وإلّا كانَ تَرْكُهُ دَلِيلَ عَدَمِ القَبُولِ؛ فَلَمّا قَرَّبَ هَذانِ كَما ذَكَرْتُ؛ فَنَزَلَتِ النارُ فَأخَذَتْ كَبْشَ هابِيلَ؛ فَرَفَعَتْهُ؛ وسَتَرَتْهُ عَنِ العُيُونِ؛ وتَرَكَتْ زَرْعَ قابِيلَ؛ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فَكانَ ذَلِكَ الكَبْشُ يَرْتَعُ في الجَنَّةِ؛ حَتّى أهْبِطَ إلى إبْراهِيمَ في فِداءِ ابْنِهِ؛ قالَ [سائِقُو] هَذا القَصَصِ: فَحَسَدَ قابِيلُ هابِيلَ؛ وقالَ لَهُ: أتَمْشِي عَلى الأرْضِ يَراكَ الناسُ أفْضَلَ مِنِّي؟ وكانَ قابِيلُ أسَنَّ ولَدِ آدَمَ؛ ورُوِيَ أنَّ آدَمَ سافَرَ إلى مَكَّةَ لِيَرى الكَعْبَةَ؛ وتَرَكَ قابِيلَ وصِيًّا عَلى بَنِيهِ؛ فَجَرَتْ هَذِهِ القِصَّةُ في غَيْبَتِهِ؛ ورَوَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ - مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ - أنَّ سَبَبَ هَذا التَقْرِيبِ أنَّ حَوّاءَ كانَتْ تَلِدُ في كُلِّ بَطْنٍ ذَكَرًا وأُنْثى؛ فَكانَ الذَكَرُ يُزَوَّجُ أُنْثى البَطْنِ الآخَرِ؛ ولا تَحِلُّ لَهُ أُخْتُهُ تَوْأمَتُهُ؛ فَوُلِدَتْ مَعَ قابِيلَ أُخْتٌ جَمِيلَةٌ؛ ومَعَ هابِيلَ أُخْتٌ لَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ فَلَمّا أرادَ آدَمُ تَزْوِيجَهُما قالَ قابِيلُ: أنا أحَقُّ بِأُخْتِي؛ فَأمَرَهُ آدَمُ؛ فَلَمْ يَأْتَمِرْ؛ فاتَّفَقُوا عَلى التَقْرِيبِ؛ ورُوِيَ أنَّ آدَمَ حَضَرَ ذَلِكَ؛ فَتُقُبِّلَ قُرْبانُ هابِيلَ؛ ووَجَبَ أنْ يَأْخُذَ أُخْتَ قابِيلَ؛ فَحِينَئِذٍ قالَ لَهُ: "لَأقْتُلَنَّكَ"؛ وقَوْلُ هابِيلَ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ ؛ كَلامٌ قَبْلَهُ مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلِمَ تَقْتُلُنِي وأنا لَمْ أجْنِ شَيْئًا؛ ولا ذَنْبَ لِي في قَبُولِ اللهِ قُرْبانِي؟ أما إنِّي أتَّقِيهِ؛ وكُنْتَ عَلَيَّ لَأحَبَّ الخَلْقِ؛ وإنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وإجْماعُ أهْلِ السُنَّةِ في مَعْنى هَذِهِ الألْفاظِ أنَّها اتِّقاءُ الشِرْكِ؛ فَمَنِ اتَّقاهُ وهو مُوَحِّدٌ فَأعْمالُهُ الَّتِي تَصْدُقُ فِيها نِيَّتُهُ مَقْبُولَةٌ؛ وأمّا المُتَّقِي لِلشِّرْكِ والمَعاصِي فَلَهُ الدَرَجَةُ العُلْيا مِنَ القَبُولِ؛ والحَتْمِ بِالرَحْمَةِ؛ عُلِمَ ذَلِكَ بِإخْبارِ اللهِ تَعالى؛ لا أنْ ذَلِكَ يَجِبُ عَلى اللهِ تَعالى عَقْلًا؛ وقالَ عَدِيُّ بْنُ ثابِتٍ ؛ وغَيْرُهُ: قُرْبانُ مُتَّقِي هَذِهِ الأُمَّةِ الصَلاةُ.
واخْتَلَفَ الناسُ: لِمَ قالَ هابِيلُ: ﴿ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ﴾ ؟ فَقالَ مُجاهِدٌ: كانَ الفَرْضُ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ ألّا يَسُلَّ أحَدٌ سَيْفًا؛ وألّا يَمْتَنِعَ مَن أُرِيدَ قَتْلُهُ؛ وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو ؛ وجُمْهُورُ الناسِ: كانَ هابِيلُ أشَدَّ قُوَّةً مِن قابِيلَ؛ ولَكِنَّهُ تَحَرَّجَ.
(p-١٤٦)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو الأظْهَرُ؛ ومِن هُنا يَقْوى أنَّ قابِيلَ إنَّما هو عاصٍ لا كافِرٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كافِرًا لَمْ يَكُنْ لِلتَّحَرُّجِ وجْهٌ؛ وإنَّما وجْهُ التَحَرُّجِ في هَذا أنَّ المُتَحَرِّجَ يَأْبى أنْ يُقاتِلَ مُوَحِّدًا؛ ويَرْضى بِأنْ يُظْلَمَ لِيُجازى في الآخِرَةِ؛ ونَحْوَ هَذا فَعَلَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ لَيْسَتْ هَذِهِ بِإرادَةِ مَحَبَّةٍ وشَهْوَةٍ؛ وإنَّما هو تَخَيُّرٌ في شَرَّيْنِ؛ كَما تَقُولُ العَرَبُ: "فِي الشَرِّ خِيارٌ"؛ فالمَعْنى: "إنْ قَتَلْتَنِي؛ وسَبَقَ بِذَلِكَ قَدَرٌ؛ فاخْتِيارِي أنْ أكُونَ مَظْلُومًا سَيَسْتَنْصِرُ اللهُ لِي في الآخِرَةِ"؛ و"تَبُوءَ"؛ مَعْناهُ: "تَمْضِيَ مُتَحَمِّلًا"؛ وقَوْلُهُ: ﴿بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ ؛ قِيلَ: مَعْناهُ: بِإثْمِ قَتْلِي؛ وسائِرِ آثامِكَ الَّتِي أوجَبَتْ ألّا يُتَقَبَّلَ مِنكَ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: بِإثْمِ قَتْلِي؛ وإثْمِكَ في العَداءِ عَلَيَّ؛ إذْ هو في العَداءِ وإرادَةِ القَتْلِ آثِمٌ؛ ولَوْ لَمْ يُنَفِّذِ القَتْلَ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "بِإثْمِي إنْ لَوْ قاتَلْتُكَ وقَتَلْتُكَ؛ وإثْمِ نَفْسِكَ في قِتالِي؛ وقَتْلِي".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو الإثْمُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "إذا التَقى المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما؛ فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النارِ"؛ قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ هَذا القاتِلُ؛ فَما بالُ المَقْتُولِ؟ قالَ: "إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ"؛» فَكَأنَّ هابِيلَ أرادَ: "إنِّي لَسْتُ بِحَرِيصٍ عَلى قَتْلِكَ؛ فالإثْمُ الَّذِي كانَ يَلْحَقُنِي لَوْ كُنْتُ حَرِيصًا عَلى قَتْلِكَ أُرِيدُ أنْ تَحْمِلَهُ أنْتَ؛ مَعَ إثْمِكَ في قَتْلِي".
وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "بِإثْمِي الَّذِي يَخْتَصُّ لِي فِيما فَرَطَ لِي"؛ أيْ: "يُؤْخَذُ مِن سَيِّئاتِي فَيُطْرَحُ عَلَيْكَ بِسَبَبِ ظُلْمِكَ لِي؛ فَتَبُوءَ بِإثْمِكَ في قَتْلِي"؛ وهَذا تَأْوِيلٌ يُعَضِّدُهُ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "يُؤْتى بِالظالِمِ والمَظْلُومِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ فَيُؤْخَذُ مِن حَسَناتِ الظالِمِ فَيُزادُ في حَسَناتِ المَظْلُومِ؛ حَتّى يَنْتَصِفَ؛ فَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ المَظْلُومِ فَتُطْرَحُ عَلَيْهِ".»
(p-١٤٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزاءُ الظالِمِينَ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ هابِيلَ لِأخِيهِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
المائدة 5:29
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ إذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِن الآخَرِ قالَ لأقْتُلَنَّكَ قالَ إنَّما يُتَقَبَّلْ اللهُ مِن المُتَّقِينَ﴾ ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ اللهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظالِمِينَ﴾
"واتْلُ"؛ مَعْناهُ: اُسْرُدْ؛ وأسْمِعْهم إيّاهُ؛ وهَذِهِ مِن عُلُومِ الكُتُبِ الأُوَلِ الَّتِي لا تَعَلُّقَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِها؛ إلّا مِن طَرِيقِ الوَحْيِ؛ فَهو مِن دَلائِلِ نُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ"؛ ظاهِرُ أمْرِهِ أنَّهُ يُرادُ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ؛ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المُحاوَرَةَ فِيما تَقَدَّمَ إنَّما هي في شَأْنِهِمْ؛ وإقامَةِ الحُجَجِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ هَمِّهِمْ بِبَسْطِ اليَدِ إلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والثانِي أنَّ عِلْمَ نَبَإ ابْنَيْ آدَمَ إنَّما هو عِنْدَهُمْ؛ وفي غامِضِ كُتُبِهِمْ؛ وعَلَيْهِمْ تَقُومُ الحُجَّةُ في إيرادِهِ؛ والنَبَأُ: اَلْخَبَرُ؛ وابْنا آدَمَ هُما - في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ - لِصُلْبِهِ؛ وهُما "قابِيلُ" و"هابِيلُ"؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ البَصْرِيُّ: اِبْنا آدَمَ لَيْسا لِصُلْبِهِ؛ ولَمْ تَكُنِ القَرابِينُ إلّا في بَنِي إسْرائِيلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا وهْمٌ؛ وكَيْفَ يَجْهَلُ صُورَةَ الدَفْنِ أحَدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ حَتّى يَقْتَدِيَ بِالغُرابِ؟ والصَحِيحُ قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ ورُوِيَ أنَّ تَقْرِيبَهُما لِلْقُرْبانِ إنَّما كانَ تَحَنُّثًا وتَطَوُّعًا؛ وكانَ قابِيلُ صاحِبَ زَرْعٍ؛ فَعَمَدَ إلى أرْذَلِ ما عِنْدَهُ وأدْناهُ؛ فَقَرَّبَهُ؛ وكانَ هابِيلُ صاحِبَ غَنَمٍ؛ فَعَمَدَ إلى أفْضَلِ كِباشِهِ فَقَرَّبَهُ؛ وكانَتِ العادَةُ حِينَئِذٍ أنْ يُقَرِّبَ المُقَرِّبُ قُرْبانَهُ ويَقُومَ (p-١٤٥)وَيُصَلِّيَ؛ ويَسْجُدَ؛ فَإنْ نَزَلَتْ نارٌ وأكَلَتِ القُرْبانَ فَذَلِكَ دَلِيلٌ لِلْقَبُولِ؛ وإلّا كانَ تَرْكُهُ دَلِيلَ عَدَمِ القَبُولِ؛ فَلَمّا قَرَّبَ هَذانِ كَما ذَكَرْتُ؛ فَنَزَلَتِ النارُ فَأخَذَتْ كَبْشَ هابِيلَ؛ فَرَفَعَتْهُ؛ وسَتَرَتْهُ عَنِ العُيُونِ؛ وتَرَكَتْ زَرْعَ قابِيلَ؛ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فَكانَ ذَلِكَ الكَبْشُ يَرْتَعُ في الجَنَّةِ؛ حَتّى أهْبِطَ إلى إبْراهِيمَ في فِداءِ ابْنِهِ؛ قالَ [سائِقُو] هَذا القَصَصِ: فَحَسَدَ قابِيلُ هابِيلَ؛ وقالَ لَهُ: أتَمْشِي عَلى الأرْضِ يَراكَ الناسُ أفْضَلَ مِنِّي؟ وكانَ قابِيلُ أسَنَّ ولَدِ آدَمَ؛ ورُوِيَ أنَّ آدَمَ سافَرَ إلى مَكَّةَ لِيَرى الكَعْبَةَ؛ وتَرَكَ قابِيلَ وصِيًّا عَلى بَنِيهِ؛ فَجَرَتْ هَذِهِ القِصَّةُ في غَيْبَتِهِ؛ ورَوَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ - مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ - أنَّ سَبَبَ هَذا التَقْرِيبِ أنَّ حَوّاءَ كانَتْ تَلِدُ في كُلِّ بَطْنٍ ذَكَرًا وأُنْثى؛ فَكانَ الذَكَرُ يُزَوَّجُ أُنْثى البَطْنِ الآخَرِ؛ ولا تَحِلُّ لَهُ أُخْتُهُ تَوْأمَتُهُ؛ فَوُلِدَتْ مَعَ قابِيلَ أُخْتٌ جَمِيلَةٌ؛ ومَعَ هابِيلَ أُخْتٌ لَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ فَلَمّا أرادَ آدَمُ تَزْوِيجَهُما قالَ قابِيلُ: أنا أحَقُّ بِأُخْتِي؛ فَأمَرَهُ آدَمُ؛ فَلَمْ يَأْتَمِرْ؛ فاتَّفَقُوا عَلى التَقْرِيبِ؛ ورُوِيَ أنَّ آدَمَ حَضَرَ ذَلِكَ؛ فَتُقُبِّلَ قُرْبانُ هابِيلَ؛ ووَجَبَ أنْ يَأْخُذَ أُخْتَ قابِيلَ؛ فَحِينَئِذٍ قالَ لَهُ: "لَأقْتُلَنَّكَ"؛ وقَوْلُ هابِيلَ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ ؛ كَلامٌ قَبْلَهُ مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلِمَ تَقْتُلُنِي وأنا لَمْ أجْنِ شَيْئًا؛ ولا ذَنْبَ لِي في قَبُولِ اللهِ قُرْبانِي؟ أما إنِّي أتَّقِيهِ؛ وكُنْتَ عَلَيَّ لَأحَبَّ الخَلْقِ؛ وإنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وإجْماعُ أهْلِ السُنَّةِ في مَعْنى هَذِهِ الألْفاظِ أنَّها اتِّقاءُ الشِرْكِ؛ فَمَنِ اتَّقاهُ وهو مُوَحِّدٌ فَأعْمالُهُ الَّتِي تَصْدُقُ فِيها نِيَّتُهُ مَقْبُولَةٌ؛ وأمّا المُتَّقِي لِلشِّرْكِ والمَعاصِي فَلَهُ الدَرَجَةُ العُلْيا مِنَ القَبُولِ؛ والحَتْمِ بِالرَحْمَةِ؛ عُلِمَ ذَلِكَ بِإخْبارِ اللهِ تَعالى؛ لا أنْ ذَلِكَ يَجِبُ عَلى اللهِ تَعالى عَقْلًا؛ وقالَ عَدِيُّ بْنُ ثابِتٍ ؛ وغَيْرُهُ: قُرْبانُ مُتَّقِي هَذِهِ الأُمَّةِ الصَلاةُ.
واخْتَلَفَ الناسُ: لِمَ قالَ هابِيلُ: ﴿ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ﴾ ؟ فَقالَ مُجاهِدٌ: كانَ الفَرْضُ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ ألّا يَسُلَّ أحَدٌ سَيْفًا؛ وألّا يَمْتَنِعَ مَن أُرِيدَ قَتْلُهُ؛ وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو ؛ وجُمْهُورُ الناسِ: كانَ هابِيلُ أشَدَّ قُوَّةً مِن قابِيلَ؛ ولَكِنَّهُ تَحَرَّجَ.
(p-١٤٦)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو الأظْهَرُ؛ ومِن هُنا يَقْوى أنَّ قابِيلَ إنَّما هو عاصٍ لا كافِرٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كافِرًا لَمْ يَكُنْ لِلتَّحَرُّجِ وجْهٌ؛ وإنَّما وجْهُ التَحَرُّجِ في هَذا أنَّ المُتَحَرِّجَ يَأْبى أنْ يُقاتِلَ مُوَحِّدًا؛ ويَرْضى بِأنْ يُظْلَمَ لِيُجازى في الآخِرَةِ؛ ونَحْوَ هَذا فَعَلَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ لَيْسَتْ هَذِهِ بِإرادَةِ مَحَبَّةٍ وشَهْوَةٍ؛ وإنَّما هو تَخَيُّرٌ في شَرَّيْنِ؛ كَما تَقُولُ العَرَبُ: "فِي الشَرِّ خِيارٌ"؛ فالمَعْنى: "إنْ قَتَلْتَنِي؛ وسَبَقَ بِذَلِكَ قَدَرٌ؛ فاخْتِيارِي أنْ أكُونَ مَظْلُومًا سَيَسْتَنْصِرُ اللهُ لِي في الآخِرَةِ"؛ و"تَبُوءَ"؛ مَعْناهُ: "تَمْضِيَ مُتَحَمِّلًا"؛ وقَوْلُهُ: ﴿بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ ؛ قِيلَ: مَعْناهُ: بِإثْمِ قَتْلِي؛ وسائِرِ آثامِكَ الَّتِي أوجَبَتْ ألّا يُتَقَبَّلَ مِنكَ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: بِإثْمِ قَتْلِي؛ وإثْمِكَ في العَداءِ عَلَيَّ؛ إذْ هو في العَداءِ وإرادَةِ القَتْلِ آثِمٌ؛ ولَوْ لَمْ يُنَفِّذِ القَتْلَ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "بِإثْمِي إنْ لَوْ قاتَلْتُكَ وقَتَلْتُكَ؛ وإثْمِ نَفْسِكَ في قِتالِي؛ وقَتْلِي".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو الإثْمُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "إذا التَقى المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما؛ فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النارِ"؛ قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ هَذا القاتِلُ؛ فَما بالُ المَقْتُولِ؟ قالَ: "إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ"؛» فَكَأنَّ هابِيلَ أرادَ: "إنِّي لَسْتُ بِحَرِيصٍ عَلى قَتْلِكَ؛ فالإثْمُ الَّذِي كانَ يَلْحَقُنِي لَوْ كُنْتُ حَرِيصًا عَلى قَتْلِكَ أُرِيدُ أنْ تَحْمِلَهُ أنْتَ؛ مَعَ إثْمِكَ في قَتْلِي".
وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "بِإثْمِي الَّذِي يَخْتَصُّ لِي فِيما فَرَطَ لِي"؛ أيْ: "يُؤْخَذُ مِن سَيِّئاتِي فَيُطْرَحُ عَلَيْكَ بِسَبَبِ ظُلْمِكَ لِي؛ فَتَبُوءَ بِإثْمِكَ في قَتْلِي"؛ وهَذا تَأْوِيلٌ يُعَضِّدُهُ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "يُؤْتى بِالظالِمِ والمَظْلُومِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ فَيُؤْخَذُ مِن حَسَناتِ الظالِمِ فَيُزادُ في حَسَناتِ المَظْلُومِ؛ حَتّى يَنْتَصِفَ؛ فَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ المَظْلُومِ فَتُطْرَحُ عَلَيْهِ".»
(p-١٤٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزاءُ الظالِمِينَ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ هابِيلَ لِأخِيهِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
المائدة 5:30
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿فَبَعَثَ اللهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ قالَ يا ويْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي فَأصْبَحَ مِنَ النادِمِينَ﴾
قِراءَةُ الجُمْهُورِ: "فَطَوَّعَتْ"؛ والمَعْنى أنَّ القَتْلَ في ذاتِهِ مُسْتَصْعَبٌ عَظِيمٌ عَلى النُفُوسِ؛ فَرَدَّتْهُ هَذِهِ النَفْسُ اللَجُوجَةُ الأمّارَةُ بِالسُوءِ طائِعًا؛ مُنْقادًا؛ حَتّى واقَعَهُ صاحِبُ هَذِهِ النَفْسِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ والجَرّاحُ؛ والحَسَنُ بْنُ عِمْرانَ ؛ وأبُو واقِدٍ: "فَطاوَعَتْ"؛ والمَعْنى: كَأنَّ القَتْلَ يَدْعُو إلى نَفْسِهِ؛ بِسَبَبِ الحِقْدِ؛ والحَسَدِ الَّذِي أصابَ قابِيلَ؛ وكَأنَّ النَفْسَ تَأْبى لِذَلِكَ؛ ويَصْعُبُ عَلَيْها؛ وكُلُّ جِهَةٍ تُرِيدُ أنْ تُطِيعَها الأُخْرى؛ إلى أنْ تَفاقَمَ الأمْرُ؛ وطاوَعَتِ النَفْسُ القَتْلَ فَواقَعَتْهُ؛ ورُوِيَ أنَّهُ التَمَسَ الغِرَّةَ في قَتْلِهِ؛ حَتّى وجَدَهُ نائِمًا في غَنَمِهِ؛ فَشَدَخَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ؛ ورُوِيَ أنَّهُ جَهِلَ كَيْفَ يَقْتُلُهُ؛ فَجاءَ إبْلِيسُ بِطائِرٍ؛ أو حَيَوانٍ غَيْرِهِ فَجَعَلَ يَشْدَخُ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ؛ لِيَقْتَدِيَ بِهِ قابِيلُ؛ فَفَعَلَ؛ ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا انْصَرَفَ قابِيلُ إلى آدَمَ قالَ لَهُ: "أيْنَ هابِيلُ؟"؛ قالَ: لا أدْرِي؛ كَأنَّكَ وكَّلْتَنِي بِحِفْظِهِ؛ فَقالَ لَهُ آدَمُ: "أفَعَلْتَها؟ واللهِ إنَّ دَمَهُ لِيُنادِينِي مِنَ الأرْضِ؛ اللهُمَّ العن أرْضًا شَرِبَتْ دَمَ هابِيلَ"؛ فَرُوِيَ أنَّهُ مِن حِينِئِذٍ ما شَرِبَتْ أرْضٌ دَمًا؛ ثُمَّ إنَّ آدَمَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَقِيَ مِائَةَ عامٍ لَمْ يَتَبَسَّمْ حَتّى جاءَ مَلَكٌ فَقالَ لَهُ: حَيّاكَ اللهُ يا آدَمُ وبَيّاكَ؛ فَقالَ آدَمُ: "ما بَيّاكَ؟"؛ قالَ: أضْحَكَكَ؛ فَرُوِيَ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - قالَ حِينَئِذٍ:
؎ تَغَيَّرَتِ البِلادُ ومَن عَلَيْها ∗∗∗ فَوَجْهُ الأرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيحُ
؎ تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي طَعْمٍ ولَوْنٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وقَلَّ بَشاشَةَ الوَجْهُ المَلِيحُ
وكَذا هو الشِعْرُ؛ بِنَصْبِ "بَشاشَةَ" وكَفِّ التَنْوِينِ.
ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: عَلَقَتْ إحْدى رِجْلَيِ القاتِلِ بِساقِها إلى فَخِذِها مِن يَوْمِئِذٍ (p-١٤٨)إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ ووَجْهُهُ إلى الشَمْسِ حَيْثُما دارَتْ؛ عَلَيْهِ في الصَيْفِ حَظِيرَةٌ مِن نارٍ؛ وعَلَيْهِ في الشِتاءِ حَظِيرَةٌ مِن ثَلْجٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَإنْ صَحَّ هَذا فَهو مِن خُسْرانِهِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ؛ ومِن خُسْرانِهِ ما رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أنَّهُ قالَ: "إنّا لَنَجِدُ ابْنَ آدَمَ القاتِلَ يُقاسِمُ أهْلَ النارِ قِسْمَةً صَحِيحَةً العَذابَ؛ عَلَيْهِ شَطْرُ عَذابِهِمْ"؛ ومِن خُسْرانِهِ ما ثَبَتَ وصَحَّ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "ما قُتِلَتْ نَفْسٌ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنها"؛» وذَلِكَ أنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ.
وقَوْلُهُ: "فَأصْبَحَ"؛ عِبارَةٌ عن جَمِيعِ أوقاتِهِ؛ أُقِيمَ بَعْضُ الزَمَنِ مَقامَ كُلِّهِ؛ وخُصَّ الصَباحُ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ بَدْءُ النَهارِ؛ والِانْبِعاثُ إلى الأُمُورِ؛ ومَطِيَّةُ النَشاطِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الرَبِيعِ بْنِ ضَبْعٍ:
؎ أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِلاحَ ∗∗∗ ∗∗∗.................
ومِنهُ قَوْلُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ: "ثُمَّ أصْبَحَتْ بَنُو أسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلى الإسْلامِ"؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اسْتِعْمالِ العَرَبِ؛ كَما ذَكَرْناهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَعَثَ اللهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ﴾ ؛ رُوِيَ في مَعْناهُ أنَّ قابِيلَ جَعَلَ أخاهُ في جِرابٍ؛ ومَشى بِهِ يَحْمِلُهُ في عُنُقِهِ مِائَةَ عامٍ؛ وقِيلَ: سَنَةً واحِدَةً؛ وقِيلَ: بَلْ أصْبَحَ في ثانِي يَوْمٍ قَتْلَهُ يَطْلُبُ إخْفاءَ أمْرِ أخِيهِ؛ فَلَمْ يَدْرِ ما يَصْنَعُ بِهِ؛ فَبَعَثَ اللهُ غُرابًا حَيًّا إلى غُرابٍ مَيِّتٍ؛ فَجَعَلَ يَبْحَثُ في الأرْضِ؛ ويُلْقِي التُرابَ عَلى الغُرابِ المَيِّتِ؛ ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى بَعَثَ غُرابَيْنِ فاقْتَتَلا؛ حَتّى قَتَلَ أحَدُهُما الآخَرَ؛ ثُمَّ جَعَلَ القاتِلُ يَبْحَثُ ويُوارِي المَيِّتَ؛ ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى إنَّما بَعَثَ غُرابًا واحِدًا؛ فَجَعَلَ يَبْحَثُ ويُلْقِي التُرابَ عَلى هابِيلَ.
وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هابِيلَ هو أوَّلُ مَيْتٍ مِن بَنِي آدَمَ؛ ولِذَلِكَ جُهِلَتْ سُنَّةُ المُواراةِ؛ وكَذَلِكَ حَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ ؛ عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ؛ بِما في الكُتُبِ الأُوَلِ.
(p-١٤٩)وَ"يَبْحَثُ"؛ مَعْناهُ: يُفَتِّشُ التُرابَ بِمِنقارِهِ؛ ويُثِيرُهُ؛ ومِن هَذا سُمِّيَتْ سُورَةُ [بَراءَةٌ] "اَلْبُحُوثَ"؛ لِأنَّها فَتَشَتْ عَنِ المُنافِقِينَ؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إنِ الناسُ غَطَّوْنِي تَغَطَّيْتُ عنهُمُ ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ بَحَثُونِي كانَ فِيهِمْ مَباحِثُ
وفِي مِثْلِ: "لا تَكُنْ كالباحِثِ عَنِ الشَفْرَةِ".
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: سَوْأةَ أخِيهِ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى قابِيلَ؛ ويُرادَ بِالأخِ هابِيلُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الغُرابِ الباحِثِ؛ ويُرادَ بِالأخِ الغُرابُ المَيِّتُ؛ والأوَّلُ أشْهَرُ في التَأْوِيلِ؛ والسَوْأةُ: اَلْعَوْرَةُ؛ وخُصَّتْ بِالذِكْرِ - مَعَ أنَّ المُرادَ مُواراةُ جَمِيعِ الجَسَدِ - لِلِاهْتِمامِ بِها؛ ولِأنَّ سَتْرَها أوكَدُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالسَوْأةِ هَذِهِ الحالَةُ الَّتِي تَسُوءُ الناظِرَ بِمَجْمُوعِها؛ وأُضِيفَتْ إلى المَقْتُولِ مِن حَيْثُ نَزَلَتْ بِهِ النازِلَةُ؛ لا عَلى جِهَةِ الغَضِّ مِنهُ؛ بَلِ الغَضُّ لاحِقٌ لِلْقاتِلِ؛ وهو الَّذِي أتى بِالسَوْأةِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَأُوارِيَ"؛ بِنَصْبِ الياءِ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ: "فَأُوارِي"؛ بِسُكُونِ الياءِ؛ وهي لُغَةٌ لِتَوالِي الحَرَكاتِ.
ولَمّا رَأى قابِيلُ فِعْلَ الغُرابِ تَنَبَّهَ عَلى ما يَجِبُ أنْ يَصْنَعَ بِأخِيهِ؛ ورَأى قُصُورَ نَفْسِهِ؛ وجَهْلَ البَشَرِ بِالأُمُورِ؛ فَقالَ: ﴿يا ويْلَتا أعَجَزْتُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ واحْتَقَرَ نَفْسَهُ؛ ولِذَلِكَ نَدِمَ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يا ويْلَتى"؛ والأصْلُ: "يا ويْلَتِي"؛ لَكِنْ مِنَ العَرَبِ مَن يُبْدِلُ مِنَ الياءِ ألِفًا؛ ويَفْتَحُ الياءَ لِذَلِكَ فَيَقُولُونَ: "يا ويْلَتى"؛ و"يا غُلاما"؛ ويَقِفُ بَعْضُهم عَلى هاءِ السَكْتِ؛ (p-١٥٠)فَيَقُولُ: "يا ويْلَتاهْ"؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "يا ويْلَتِي".
ونِداءُ الوَيْلَةِ هو عَلى مَعْنى: "اُحْضُرِي؛ فَهَذا أوانُكِ"؛ وهَذا هو البابُ في قَوْلِهِ: "يا حَسْرَةً"؛ وفي قَوْلِهِمْ: "يا عَجَبًا"؛ وما جَرى مُجْراهُ مِن نِداءِ هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي لا تَعْقِلُ؛ وهي مَعانٍ: وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أعْجَزْتُ"؛ بِفَتْحِ الجِيمِ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والحَسَنُ ؛ والفَيّاضُ؛ وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: "أعَجِزْتُ"؛ بِكَسْرِ الجِيمِ؛ وهي لُغَةٌ.
ثُمَّ إنَّ قابِيلَ وارى أخاهُ؛ ونَدِمَ عَلى ما كانَ مِنهُ مِن مَعْصِيَةِ اللهِ في قَتْلِهِ؛ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ النَدَمُ؛ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قابِيلَ؛ هَلْ هو مِنَ الكُفّارِ؛ أو مِنَ العُصاةِ؟ والظاهِرُ أنَّهُ مِنَ العُصاةِ؛ ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "إنَّ اللهَ ضَرَبَ لَكُمُ ابْنَيْ آدَمَ مَثَلًا؛ فَخُذُوا مِن خَيْرِهِما؛ ودَعُوا الشَرَّ".»
المائدة 5:31
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿فَبَعَثَ اللهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ قالَ يا ويْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي فَأصْبَحَ مِنَ النادِمِينَ﴾
قِراءَةُ الجُمْهُورِ: "فَطَوَّعَتْ"؛ والمَعْنى أنَّ القَتْلَ في ذاتِهِ مُسْتَصْعَبٌ عَظِيمٌ عَلى النُفُوسِ؛ فَرَدَّتْهُ هَذِهِ النَفْسُ اللَجُوجَةُ الأمّارَةُ بِالسُوءِ طائِعًا؛ مُنْقادًا؛ حَتّى واقَعَهُ صاحِبُ هَذِهِ النَفْسِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ والجَرّاحُ؛ والحَسَنُ بْنُ عِمْرانَ ؛ وأبُو واقِدٍ: "فَطاوَعَتْ"؛ والمَعْنى: كَأنَّ القَتْلَ يَدْعُو إلى نَفْسِهِ؛ بِسَبَبِ الحِقْدِ؛ والحَسَدِ الَّذِي أصابَ قابِيلَ؛ وكَأنَّ النَفْسَ تَأْبى لِذَلِكَ؛ ويَصْعُبُ عَلَيْها؛ وكُلُّ جِهَةٍ تُرِيدُ أنْ تُطِيعَها الأُخْرى؛ إلى أنْ تَفاقَمَ الأمْرُ؛ وطاوَعَتِ النَفْسُ القَتْلَ فَواقَعَتْهُ؛ ورُوِيَ أنَّهُ التَمَسَ الغِرَّةَ في قَتْلِهِ؛ حَتّى وجَدَهُ نائِمًا في غَنَمِهِ؛ فَشَدَخَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ؛ ورُوِيَ أنَّهُ جَهِلَ كَيْفَ يَقْتُلُهُ؛ فَجاءَ إبْلِيسُ بِطائِرٍ؛ أو حَيَوانٍ غَيْرِهِ فَجَعَلَ يَشْدَخُ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ؛ لِيَقْتَدِيَ بِهِ قابِيلُ؛ فَفَعَلَ؛ ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا انْصَرَفَ قابِيلُ إلى آدَمَ قالَ لَهُ: "أيْنَ هابِيلُ؟"؛ قالَ: لا أدْرِي؛ كَأنَّكَ وكَّلْتَنِي بِحِفْظِهِ؛ فَقالَ لَهُ آدَمُ: "أفَعَلْتَها؟ واللهِ إنَّ دَمَهُ لِيُنادِينِي مِنَ الأرْضِ؛ اللهُمَّ العن أرْضًا شَرِبَتْ دَمَ هابِيلَ"؛ فَرُوِيَ أنَّهُ مِن حِينِئِذٍ ما شَرِبَتْ أرْضٌ دَمًا؛ ثُمَّ إنَّ آدَمَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَقِيَ مِائَةَ عامٍ لَمْ يَتَبَسَّمْ حَتّى جاءَ مَلَكٌ فَقالَ لَهُ: حَيّاكَ اللهُ يا آدَمُ وبَيّاكَ؛ فَقالَ آدَمُ: "ما بَيّاكَ؟"؛ قالَ: أضْحَكَكَ؛ فَرُوِيَ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - قالَ حِينَئِذٍ:
؎ تَغَيَّرَتِ البِلادُ ومَن عَلَيْها ∗∗∗ فَوَجْهُ الأرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيحُ
؎ تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي طَعْمٍ ولَوْنٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وقَلَّ بَشاشَةَ الوَجْهُ المَلِيحُ
وكَذا هو الشِعْرُ؛ بِنَصْبِ "بَشاشَةَ" وكَفِّ التَنْوِينِ.
ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: عَلَقَتْ إحْدى رِجْلَيِ القاتِلِ بِساقِها إلى فَخِذِها مِن يَوْمِئِذٍ (p-١٤٨)إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ ووَجْهُهُ إلى الشَمْسِ حَيْثُما دارَتْ؛ عَلَيْهِ في الصَيْفِ حَظِيرَةٌ مِن نارٍ؛ وعَلَيْهِ في الشِتاءِ حَظِيرَةٌ مِن ثَلْجٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَإنْ صَحَّ هَذا فَهو مِن خُسْرانِهِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ؛ ومِن خُسْرانِهِ ما رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أنَّهُ قالَ: "إنّا لَنَجِدُ ابْنَ آدَمَ القاتِلَ يُقاسِمُ أهْلَ النارِ قِسْمَةً صَحِيحَةً العَذابَ؛ عَلَيْهِ شَطْرُ عَذابِهِمْ"؛ ومِن خُسْرانِهِ ما ثَبَتَ وصَحَّ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "ما قُتِلَتْ نَفْسٌ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنها"؛» وذَلِكَ أنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ.
وقَوْلُهُ: "فَأصْبَحَ"؛ عِبارَةٌ عن جَمِيعِ أوقاتِهِ؛ أُقِيمَ بَعْضُ الزَمَنِ مَقامَ كُلِّهِ؛ وخُصَّ الصَباحُ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ بَدْءُ النَهارِ؛ والِانْبِعاثُ إلى الأُمُورِ؛ ومَطِيَّةُ النَشاطِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الرَبِيعِ بْنِ ضَبْعٍ:
؎ أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِلاحَ ∗∗∗ ∗∗∗.................
ومِنهُ قَوْلُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ: "ثُمَّ أصْبَحَتْ بَنُو أسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلى الإسْلامِ"؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اسْتِعْمالِ العَرَبِ؛ كَما ذَكَرْناهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَعَثَ اللهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ﴾ ؛ رُوِيَ في مَعْناهُ أنَّ قابِيلَ جَعَلَ أخاهُ في جِرابٍ؛ ومَشى بِهِ يَحْمِلُهُ في عُنُقِهِ مِائَةَ عامٍ؛ وقِيلَ: سَنَةً واحِدَةً؛ وقِيلَ: بَلْ أصْبَحَ في ثانِي يَوْمٍ قَتْلَهُ يَطْلُبُ إخْفاءَ أمْرِ أخِيهِ؛ فَلَمْ يَدْرِ ما يَصْنَعُ بِهِ؛ فَبَعَثَ اللهُ غُرابًا حَيًّا إلى غُرابٍ مَيِّتٍ؛ فَجَعَلَ يَبْحَثُ في الأرْضِ؛ ويُلْقِي التُرابَ عَلى الغُرابِ المَيِّتِ؛ ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى بَعَثَ غُرابَيْنِ فاقْتَتَلا؛ حَتّى قَتَلَ أحَدُهُما الآخَرَ؛ ثُمَّ جَعَلَ القاتِلُ يَبْحَثُ ويُوارِي المَيِّتَ؛ ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى إنَّما بَعَثَ غُرابًا واحِدًا؛ فَجَعَلَ يَبْحَثُ ويُلْقِي التُرابَ عَلى هابِيلَ.
وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هابِيلَ هو أوَّلُ مَيْتٍ مِن بَنِي آدَمَ؛ ولِذَلِكَ جُهِلَتْ سُنَّةُ المُواراةِ؛ وكَذَلِكَ حَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ ؛ عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ؛ بِما في الكُتُبِ الأُوَلِ.
(p-١٤٩)وَ"يَبْحَثُ"؛ مَعْناهُ: يُفَتِّشُ التُرابَ بِمِنقارِهِ؛ ويُثِيرُهُ؛ ومِن هَذا سُمِّيَتْ سُورَةُ [بَراءَةٌ] "اَلْبُحُوثَ"؛ لِأنَّها فَتَشَتْ عَنِ المُنافِقِينَ؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إنِ الناسُ غَطَّوْنِي تَغَطَّيْتُ عنهُمُ ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ بَحَثُونِي كانَ فِيهِمْ مَباحِثُ
وفِي مِثْلِ: "لا تَكُنْ كالباحِثِ عَنِ الشَفْرَةِ".
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: سَوْأةَ أخِيهِ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى قابِيلَ؛ ويُرادَ بِالأخِ هابِيلُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الغُرابِ الباحِثِ؛ ويُرادَ بِالأخِ الغُرابُ المَيِّتُ؛ والأوَّلُ أشْهَرُ في التَأْوِيلِ؛ والسَوْأةُ: اَلْعَوْرَةُ؛ وخُصَّتْ بِالذِكْرِ - مَعَ أنَّ المُرادَ مُواراةُ جَمِيعِ الجَسَدِ - لِلِاهْتِمامِ بِها؛ ولِأنَّ سَتْرَها أوكَدُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالسَوْأةِ هَذِهِ الحالَةُ الَّتِي تَسُوءُ الناظِرَ بِمَجْمُوعِها؛ وأُضِيفَتْ إلى المَقْتُولِ مِن حَيْثُ نَزَلَتْ بِهِ النازِلَةُ؛ لا عَلى جِهَةِ الغَضِّ مِنهُ؛ بَلِ الغَضُّ لاحِقٌ لِلْقاتِلِ؛ وهو الَّذِي أتى بِالسَوْأةِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَأُوارِيَ"؛ بِنَصْبِ الياءِ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ: "فَأُوارِي"؛ بِسُكُونِ الياءِ؛ وهي لُغَةٌ لِتَوالِي الحَرَكاتِ.
ولَمّا رَأى قابِيلُ فِعْلَ الغُرابِ تَنَبَّهَ عَلى ما يَجِبُ أنْ يَصْنَعَ بِأخِيهِ؛ ورَأى قُصُورَ نَفْسِهِ؛ وجَهْلَ البَشَرِ بِالأُمُورِ؛ فَقالَ: ﴿يا ويْلَتا أعَجَزْتُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ واحْتَقَرَ نَفْسَهُ؛ ولِذَلِكَ نَدِمَ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يا ويْلَتى"؛ والأصْلُ: "يا ويْلَتِي"؛ لَكِنْ مِنَ العَرَبِ مَن يُبْدِلُ مِنَ الياءِ ألِفًا؛ ويَفْتَحُ الياءَ لِذَلِكَ فَيَقُولُونَ: "يا ويْلَتى"؛ و"يا غُلاما"؛ ويَقِفُ بَعْضُهم عَلى هاءِ السَكْتِ؛ (p-١٥٠)فَيَقُولُ: "يا ويْلَتاهْ"؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "يا ويْلَتِي".
ونِداءُ الوَيْلَةِ هو عَلى مَعْنى: "اُحْضُرِي؛ فَهَذا أوانُكِ"؛ وهَذا هو البابُ في قَوْلِهِ: "يا حَسْرَةً"؛ وفي قَوْلِهِمْ: "يا عَجَبًا"؛ وما جَرى مُجْراهُ مِن نِداءِ هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي لا تَعْقِلُ؛ وهي مَعانٍ: وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أعْجَزْتُ"؛ بِفَتْحِ الجِيمِ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والحَسَنُ ؛ والفَيّاضُ؛ وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: "أعَجِزْتُ"؛ بِكَسْرِ الجِيمِ؛ وهي لُغَةٌ.
ثُمَّ إنَّ قابِيلَ وارى أخاهُ؛ ونَدِمَ عَلى ما كانَ مِنهُ مِن مَعْصِيَةِ اللهِ في قَتْلِهِ؛ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ النَدَمُ؛ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قابِيلَ؛ هَلْ هو مِنَ الكُفّارِ؛ أو مِنَ العُصاةِ؟ والظاهِرُ أنَّهُ مِنَ العُصاةِ؛ ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "إنَّ اللهَ ضَرَبَ لَكُمُ ابْنَيْ آدَمَ مَثَلًا؛ فَخُذُوا مِن خَيْرِهِما؛ ودَعُوا الشَرَّ".»
المائدة 5:32
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مِن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أو فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ الناسَ جَمِيعًا ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا الناسَ جَمِيعًا ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُنا بِالبَيِّناتِ ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ في الأرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾
جُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ﴾ ؛ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: "كَتَبْنا"؛ أيْ: "بِسَبَبِ هَذِهِ النازِلَةِ؛ ومِن جَرّاها كَتَبْنا"؛ وقالَ قَوْمٌ: بَلْ هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ النادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١] ؛ أيْ: نَدِمَ مِن أجْلِ ما وقَعَ؛ والوَقْفُ - عَلى هَذا - عَلى "ذَلِكَ"؛ والناسُ عَلى أنَّ الوَقْفَ: "مِنَ النادِمِينَ"؛ يُقالُ: "أجَلَ الأمْرَ؛ أجَلًا؛ وأجْلًا"؛ إذا جَناهُ؛ وجَرَّهُ؛ ومِنهُ قَوْلُ خَوّاتٍ:(p-١٥١)
؎ وأهْلِ خِباءٍ صالِحٍ ذاتُ بَيْنِهِمْ ∗∗∗ قَدِ احْتَرَبُوا في عاجِلٍ أنا آجِلُهْ
ويُقالُ: "فَعَلْتُ ذَلِكَ مِن أجْلِكَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ و"مِن إجْلِكَ"؛ بِكَسْرِها؛ وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "مِنِ اجْلِ ذَلِكَ"؛ بِوَصْلِ الألِفِ؛ وكَسْرِ النُونِ قَبْلَها؛ وهَذا عَلى أنْ ألْقى حَرَكَةَ الهَمْزَةِ عَلى النُونِ؛ كَما قالُوا: "كَمِ ابِلُكَ؟"؛ بِكَسْرِ المِيمِ؛ ووَصْلِ الألِفِ؛ و"مِنِ ابْراهِيمَ"؛ بِكَسْرِ النُونِ.
و"كَتَبْنا"؛ مَعْناهُ: كُتِبَ بِأمْرِنا في كُتُبٍ مُنَزَّلَةٍ عَلَيْهِمْ؛ تَضَمَّنَتْ فَرْضَ ذَلِكَ؛ وخَصَّ اللهُ تَعالى بَنِي إسْرائِيلَ بِالذِكْرِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَتْهم أُمَمٌ كانَ قَتْلُ النَفْسِ فِيهِمْ مَحْظُورًا؛ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما فِيما رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أوَّلُ أُمَّةٍ نَزَلَ الوَعِيدُ عَلَيْهِمْ في قَتْلِ النَفْسِ في كِتابٍ؛ وغُلِّظَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ طُغْيانِهِمْ؛ وسَفْكِهِمُ الدِماءَ؛ والآخَرُ لِتَلُوحَ مَذَمَّتُهم في أنْ كُتِبَ عَلَيْهِمْ هَذا؛ وهم مَعَ ذَلِكَ لا يَرْعَوُوُنَ؛ ولا يَنْتَهُونَ؛ بَلْ هَمُّوا بِقَتْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ظُلْمًا؛ فَخُصُّوا بِالذِكْرِ لِحُضُورِهِمْ مُخالِفِينَ لِما كُتِبَ عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "بِغَيْرِ نَفْسٍ"؛﴾ مَعْناهُ: بِغَيْرِ أنْ تَقْتُلَ نَفْسًا فَتَسْتَحِقَّ القَتْلَ؛ وقَدْ حَرَّمَ اللهُ تَعالى نَفْسَ المُؤْمِنِ؛ إلّا بِإحْدى ثَلاثِ خِصالٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إيمانٍ؛ أو زِنًا بَعْدَ إحْصانٍ؛ أو قَتْلِ نَفْسٍ ظُلْمًا؛ وتَعَدِّيًا؛ وهُنا يَنْدَرِجُ المُحارِبُ.
والفَسادُ في الأرْضِ يَجْمَعُ الزِنا؛ والِارْتِدادَ؛ والحِرابَةَ؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "أو فَسادًا في الأرْضِ"؛ بِنَصْبِ الفَسادِ؛ عَلى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ وتَقْدِيرُهُ: "أو أتى فَسادًا"؛ أو "أحْدَثَ فَسادًا"؛ وحُذِفَ الفِعْلُ الناصِبُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَأنَّما قَتَلَ الناسَ جَمِيعًا﴾ ؛ اِضْطَرَبَ لَفْظُ المُفَسِّرِينَ في تَرْتِيبِ هَذا التَشْبِيهِ؛ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: اَلْمَعْنى: مَن قَتَلَ نَبِيًّا؛ أو إمامَ عَدْلٍ؛ فَكَأنَّما قَتَلَ الناسَ جَمِيعًا؛ ومَن أحْياهُ بِأنْ شَدَّ عَضُدَهُ ونَصَرَهُ؛ فَكَأنَّما أحْيا الناسَ جَمِيعًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ لا تُعْطِيهِ الألْفاظُ.
(p-١٥٢)وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ قالَ: اَلْمَعْنى: مَن قَتَلَ نَفْسًا واحِدَةً؛ وانْتَهَكَ حُرْمَتَها؛ فَهو مِثْلُ مَن قَتَلَ الناسَ جَمِيعًا؛ ومَن تَرَكَ قَتْلَ نَفْسٍ واحِدَةٍ؛ وصانَ حُرْمَتَها؛ واسْتَحْيا مِن أنْ يَقْتُلَها؛ فَهو كَمَن أحْيا الناسُ جَمِيعًا.
وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: اَلْمَعْنى: فَكَأنَّما قَتَلَ الناسَ جَمِيعًا عِنْدَ المَقْتُولِ؛ ومَن أحْياها واسْتَنْقَذَها مِن هَلَكَةٍ؛ فَكَأنَّما أحْيا الناسَ جَمِيعًا عِنْدَ المُسْتَنْقَذِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ وغَيْرُهُ: اَلْمَعْنى: مَن قَتَلَ نَفْسًا فَأوبَقَ نَفْسَهُ فَكَأنَّهُ قَتَلَ الناسَ جَمِيعًا؛ إذْ يَصْلى النارَ بِذَلِكَ؛ ومَن سَلِمَ مِن قَتْلِها فَكَأنَّهُ سَلِمَ مِن قَتْلِ الناسِ جَمِيعًا.
وقالَ مُجاهِدٌ: اَلَّذِي يَقْتُلُ النَفْسَ المُؤْمِنَةَ مُتَعَمِّدًا جَعَلَ اللهُ جَزاءَهُ جَهَنَّمَ؛ وغَضِبَ عَلَيْهِ؛ ولَعَنَهُ؛ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا؛ يَقُولُ: لَوْ قَتَلَ الناسَ جَمِيعًا لَمْ يَزِدْ عَلى ذَلِكَ؛ ومَن لَمْ يَقْتُلْ أحَدًا فَقَدْ حَيِيَ الناسُ مِنهُ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: اَلْمَعْنى أنَّ مَن قَتَلَ نَفْسًا فَيَلْزَمُهُ مِنَ القَوَدِ والقِصاصِ ما يَلْزَمُ مَن قَتَلَ الناسَ جَمِيعًا؛ قالَ: ومَن أحْياها؛ أيْ: مَن عَفا عَمَّنْ وجَبَ لَهُ قَتْلُهُ؛ وقالَهُ الحَسَنُ أيْضًا؛ أيْ: هو العَفْوُ بَعْدَ القُدْرَةِ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: ومَن أحْياها: أنْقَذَها مِن حَرْقٍ أو غَرَقٍ.
وقالَ قَوْمٌ: لَمّا كانَ المُؤْمِنُونَ كُلُّهم يَطْلُبُونَ القاتِلَ؛ كانَ كَمَن قَتَلَ الناسَ جَمِيعًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ مُتَداعٍ؛ ولَمْ يَتَخَلَّصِ التَشْبِيهُ إلى طَرَفٍ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأقْوالِ؛ والَّذِي أقُولُ: إنَّ الشَبَهَ بَيْنَ قاتِلِ النَفْسِ؛ وقاتِلِ الكُلِّ لا يَطَّرِدُ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ؛ لَكِنَّ الشَبَهَ قَدْ تَحَصَّلَ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ: إحْداها: اَلْقَوَدُ؛ فَإنَّهُ واحِدٌ؛ والثانِيَةُ: اَلْوَعِيدُ؛ فَقَدْ تَوَعَّدَ اللهُ قاتِلَ النَفْسِ بِالخُلُودِ في النارِ؛ وتِلْكَ غايَةُ العَذابِ؛ فَإنْ فَرَضْناهُ يَخْرُجُ مِنَ النارِ بَعْدُ بِسَبَبِ التَوْحِيدِ فَكَذَلِكَ قاتِلُ الجَمِيعِ إنْ لَوِ اتَّفَقَ ذَلِكَ؛ والثالِثَةُ انْتِهاكُ الحُرْمَةِ؛ فَإنَّ نَفْسًا واحِدَةً في ذَلِكَ؛ وجَمِيعَ الأنْفُسِ سَواءٌ؛ والمُنْتَهِكُ في واحِدَةٍ مَلْحُوظٌ بِعَيْنِ مُنْتَهِكِ الجَمِيعِ؛ ومِثالُ ذَلِكَ: رَجُلانِ حَلَفا عَلى شَجَرَتَيْنِ ألّا يَطْعَما مِن ثَمَرِهِما شَيْئًا؛ فَطَعِمَ أحَدُهُما واحِدَةً مِن ثَمَرِ شَجَرَتِهِ؛ وطَعِمَ الآخَرُ ثَمَرَ شَجَرَتِهِ كُلَّهُ؛ فَقَدِ اسْتَوَيا في الحِنْثِ. (p-١٥٣)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَمَن أحْياها"؛﴾ فِيهِ تَجَوُّزٌ؛ لِأنَّها عِبارَةٌ عَنِ التَرْكِ والإنْقاذِ؛ وإلّا فالإحْياءُ حَقِيقَةً؛ الَّذِي هو الِاخْتِراعُ؛ إنَّما هو لِلَّهِ تَعالى؛ وإنَّما هَذا الإحْياءُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِ نَمْرُودَ: ﴿ "أنا أُحْيِي"؛﴾ [البقرة: ٢٥٨] سَمّى التَرْكَ إحْياءً؛ ومُحْيِي نَفْسٍ كَمُحْيِي الجَمِيعِ في حِفْظِ الحُرْمَةِ؛ واسْتِحْقاقِ الحَمْدِ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم جاءَتْهُمُ الرُسُلُ مِنَ اللهِ بِالبَيِّناتِ في هَذا؛ وفي سِواهُ؛ ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الكَثِيرُ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ في كُلِّ عَصْرٍ يُسْرِفُونَ؛ ويَتَجاوَزُونَ الحُدُودَ؛ وفي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى فِعْلِ اليَهُودِ في هَمِّهِمْ بِقَتْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وغَيْرِهِ؛ إلى سائِرِ ذَلِكَ مِن أعْمالِهِمْ.
المائدة 5:33
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ أو يُنْفَوْا مِن الأرْضِ ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فاعْلَمُوا أنْ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
اِقْتَضى المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ كَوْنَ "إنَّما" حاصِرَةً الحَصْرَ التامَّ؛ واخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ والضَحّاكِ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَهْدٌ؛ فَنَقَضُوا العَهْدَ؛ وقَطَعُوا السَبِيلَ؛ وأفْسَدُوا في الأرْضِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ نازِلَةَ بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقالَ عِكْرِمَةُ ؛ والحَسَنُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في المُشْرِكِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا ضَعْفٌ؛ لِأنَّ تَوْبَةَ المُشْرِكِ نافِعَةٌ بَعْدَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ وعَلى كُلِّ حالٍ؛ وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ ؛ وجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ؛ وغَيْرُهُمْ: إنَّ الآيَةَ «نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن عُكْلٍ وعُرَيْنَةَ؛ قَدِمُوا عَلى (p-١٥٤)النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَأسْلَمُوا؛ ثُمَّ إنَّهم مَرِضُوا؛ واسْتَوْخَمُوا المَدِينَةَ؛ فَأمَرَهُمُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَكُونُوا في لِقاحِ الصَدَقَةِ؛ وقالَ: "اِشْرَبُوا مِن ألْبانِها؛ وأبْوالِها"؛ فَخَرَجُوا فِيها؛ فَلَمّا صَحَوْا قَتَلُوا الرِعاءَ؛ واسْتاقُوا الإبِلَ؛ فَجاءَ الصَرِيخُ فَأخْبَرَ بِذَلِكَ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -. فَأمَرَ فَنُودِيَ في الناسِ: يا خَيْلَ اللهِ ارْكَبِي؛ فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى أثَرِهِمْ؛ فَأُخِذُوا؛ وقالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: فَبَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ حَتّى إذا أدْرَكْناهُمْ؛ وقَدْ أشْرَفُوا عَلى دِيارِهِمْ؛ فَجِئْنا بِهِمُ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ قالَ جَمِيعُ الرُواةِ: فَقَطَعَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أيْدِيَهُمْ؛ وأرْجُلَهم مِن خِلافٍ؛ وسَمَّرَ أعْيُنَهم - ويُرْوى: وسَمَلَ -؛ وتَرَكَهم في جانِبِ الحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ؛ فَلا يُسْقَوْنَ؛ وفي حَدِيثِ جَرِيرٍ: فَكانُوا يَقُولُونَ: اَلْماءَ؛ ويَقُولُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "اَلنّارَ".»
وفِي بَعْضِ الرِواياتِ عن أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أحْرَقَهم بِالنارِ بَعْدَما قَتَلَهُمْ؛ قالَ أبُو قُلابَةَ: هَؤُلاءِ كَفَرُوا؛ وقَتَلُوا؛ وأخَذُوا الأمْوالَ؛ وحارَبُوا اللهَ ورَسُولَهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَتْ فِعْلَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِالعُرَنِيِّينَ؛ ووَقَفَتِ الأمْرَ عَلى هَذِهِ الحُدُودِ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: وجَعَلَها اللهُ عِتابًا لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى سَمْلِ الأعْيُنِ؛ وحُكِيَ عن جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ بِناسِخَةٍ لِذَلِكَ الفِعْلِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ وقَعَ في المُرْتَدِّينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: لا سِيَّما وفي بَعْضِ الطُرُقِ أنَّهم سَمَلُوا أعْيُنَ الرُعاةِ؛ قالُوا: وهَذِهِ الآيَةُ هي في المُحارِبِ المُؤْمِنِ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ السُدِّيِّ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَسْمِلْ أعْيُنَ العُرَنِيِّينَ؛ وإنَّما أرادَ ذَلِكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ ناهِيَةً عن ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ تُخالِفُهُ الرِواياتُ المُتَظاهِرَةُ.
(p-١٥٥)وَلا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ مُتَرَتِّبٌ في المُحارِبِينَ مِن أهْلِ الإسْلامِ؛ واخْتَلَفُوا فِيمَن هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ اسْمَ الحِرابَةِ؛ فَقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: اَلْمُحارِبُ عِنْدَنا مَن حَمَلَ عَلى الناسِ السِلاحَ في مِصْرٍ؛ أو بَرِّيَّةٍ؛ فَكابَرَهم عن أنْفُسِهِمْ؛ وأمْوالِهِمْ؛ دُونَ نائِرَةٍ ولا دَخْلٍ ولا عَداوَةٍ؛ وقالَ هَذا القَوْلَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ؛ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: لا يَكُونُ المُحارِبُ إلّا القاطِعَ عَلى الناسِ في خارِجِ الأمْصارِ؛ فَأمّا في المِصْرِ فَلا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يُرِيدُونَ أنَّ القاطِعَ في المِصْرِ يَلْزَمُهُ حَدُّ ما اجْتَرَحَ مِن قَتْلٍ؛ أو سَرِقَةٍ؛ أو غَصْبٍ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ والحِرابَةُ رُتَبٌ؛ أدْناها إخافَةُ الطَرِيقِ فَقَطْ؛ لَكِنَّها تُوجِبُ صِفَةَ الحِرابَةِ؛ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَأْخُذَ المالَ مَعَ الإخافَةِ؛ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَقْتُلَ مَعَ الإخافَةِ؛ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَجْمَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ؛ فَقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: في أيِّ رُتْبَةٍ كانَ المُحارِبُ مِن هَذِهِ الرُتَبِ فالإمامُ مُخَيَّرٌ فِيهِ؛ في أنْ يُعاقِبَهُ بِما رَأى مِن هَذِهِ العُقُوباتِ؛ واسْتُحْسِنَ أنْ يَأْخُذَ في الَّذِي لَمْ يَقْتُلْ بِأيْسَرِ العُقُوباتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: لا سِيَّما إنْ كانَتْ زَلَّةً؛ ولَمْ يَكُنْ صاحِبَ شُرُورٍ مَعْرُوفَةٍ؛ وأمّا إنْ قَتَلَ فَلا بُدَّ مِن قَتْلِهِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ والحَسَنُ ؛ وأبُو مِجْلَزٍ؛ وقَتادَةُ ؛ وغَيْرُهم مِنَ العُلَماءِ: بَلْ لِكُلِّ رُتْبَةٍ مِنَ الحِرابَةِ رُتْبَةٌ مِنَ العِقابِ؛ فَمَن أخافَ الطُرُقَ فَقَطْ؛ فَعُقُوبَتُهُ النَفْيُ؛ ومَن أخَذَ المالَ ولَمْ يَقْتُلْ؛ فَعُقُوبَتُهُ القَطْعُ مِن خِلافٍ؛ ومَن قَتَلَ دُونَ أخْذٍ مالٍ؛ فَعُقُوبَتُهُ القَتْلُ؛ ومَن جَمَعَ الكُلَّ قُتِلَ؛ وصُلِبَ؛ وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّ الحِرابَةَ لا تَخْرُجُ عَنِ الإيمانِ؛ ودَمُ المُؤْمِنِ حَرامٌ؛ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: اِرْتِدادٍ؛ أو زِنًا بَعْدَ إحْصانٍ؛ أو قَتْلِ نَفْسٍ؛ فالمُحارِبُ إذا لَمْ يَقْتُلْ فَلا سَبِيلَ إلى قَتْلِهِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ والحَسَنِ أيْضًا؛ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ ؛ وغَيْرِهِمْ مِثْلَ قَوْلِ مالِكٍ: إنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ؛ ومِن حُجَّةِ هَذا القَوْلِ أنَّ ما كانَ في القُرْآنِ "أو.. أو"؛ فَإنَّهُ لِلتَّخْيِيرِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ (p-١٥٦)أو صَدَقَةٍ أو نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] ؛ وكَآيَةِ كَفّارَةِ اليَمِينِ؛ وآيَةِ جَزاءِ الصَيْدِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ القَوْلَ الآخَرَ؛ وهو أحْوَطُ لِلْمُفْتِي؛ ولِدَمِ المُحارِبِ؛ وقَوْلُ مالِكٍ أسَدُّ لِلذَّرِيعَةِ؛ وأحْفَظُ لِلنّاسِ والطُرُقِ؛ والمُخِيفُ في حُكْمِ القاتِلِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَمالِكٌ يَرى فِيهِ الأخْذَ بِأيْسَرِ العُقُوباتِ اسْتِحْسانًا؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: «سَألَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - عَنِ الحُكْمِ في المُحارِبِ؛ فَقالَ: "مَن أخافَ السَبِيلَ؛ وأخَذَ المالَ؛ فاقْطَعْ يَدَهُ لِلْأخْذِ؛ ورِجْلَهُ لِلْإخافَةِ؛ ومَن قَتَلَ فاقْتُلْهُ؛ ومَن جَمَعَ ذَلِكَ فاصْلُبْهُ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وبَقِيَ النَفْيُ لِلْمُخِيفِ فَقَطْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحارِبُونَ اللهَ﴾ ؛ تَغْلِيظٌ؛ جَعَلَ ارْتِكابَ نَهْيِهِ مُحارَبَةً؛ وقِيلَ: اَلتَّقْدِيرُ: يُحارِبُونَ عِبادَ اللهِ؛ فَفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ ؛ تَبْيِينٌ لِلْحِرابَةِ؛ أيْ: "وَيَسْعَوْنَ بِحِرابَتِهِمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "وَيَسْعَوْنَ فَسادًا مُنْضافًا إلى الحِرابَةِ"؛ والرابِطُ إلى هَذِهِ الحُدُودِ إنَّما هو الحِرابَةُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّعَ﴾ ؛ بِالتَثْقِيلِ في هَذِهِ الأفْعالِ؛ لِلْمُبالَغَةِ والتَكْثِيرِ؛ والتَكْثِيرُ هُنا إنَّما هو مِن جِهَةِ عَدَدِ الَّذِينَ يُوقَعُ بِهِمْ؛ كالتَذْبِيحِ في بَنِي إسْرائِيلَ؛ في قِراءَةِ مَن ثَقَّلَ: "يُذَبِّحُونَ"؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يُقْتَلُوا"؛ و"يُصْلَبُوا"؛ و"تُقْطَعَ"؛ بِالتَخْفِيفِ في الأفْعالِ الثَلاثَةِ.
وأمّا قَتْلُ المُحارِبِ فَبِالسَيْفِ؛ ضَرْبَةَ العُنُقِ؛ وأمّا صَلْبُهُ فَجُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ يَصْلَبُ حَيًّا؛ ويُقْتَلُ بِالطَعْنِ عَلى الخَشَبَةِ؛ ورُوِيَ هَذا عن مالِكٍ ؛ وهو الأظْهَرُ مِنَ الآيَةِ؛ وهو الأنْكى في النَكالِ؛ وأمّا القَطْعُ فاليَدُ اليُمْنى مِنَ الرُسْغِ؛ والرِجْلُ الشِمالُ (p-١٥٧)مِنَ المَفْصِلِ.
ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّهُ كانَ يَقْطَعُ اليَدَ مِنَ الأصابِعِ؛ ويُبْقِي الكَفَّ؛ والرِجْلَ مِن نِصْفِ القَدَمِ؛ ويُبْقِي العَقِبَ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في النَفْيِ؛ فَقالَ السُدِّيُّ: هو أنْ يُطْلَبَ أبَدًا بِالخَيْلِ والرَجِلِ حَتّى يُؤْخَذَ؛ فَيُقامَ عَلَيْهِ حَدُّ اللهِ ؛ ويُخْرَجَ مِن دارِ الإسْلامِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: نَفْيُهُ أنْ يُطْلَبَ؛ وقالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اللَيْثِ ؛ ومالِكِ بْنِ أنَسٍ ؛ غَيْرَ أنَّ مالِكًا قالَ: لا يَضْطَرُّ مُسْلِمٌ إلى دُخُولِ دارِ الشِرْكِ؛ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اَلنَّفْيُ مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الشِرْكِ؛ وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ - مِنهم عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ -: اَلنَّفْيُ في المُحارِبِينَ أنْ يُنْفَوْا مِن بَلَدٍ إلى غَيْرِهِ؛ مِمّا هو قاصٍ بَعِيدٌ؛ وقالَ الشافِعِيُّ: يَنْفِيهِ مِن عَمَلِهِ؛ وقالَ أبُو الزِنادِ: كانَ النَفْيُ قَدِيمًا إلى دَهْلَكَ؛ وباضِعَ؛ وهُما مِن أقْصى اليَمَنِ؛ وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ؛ وأصْحابُهُ؛ وجَماعَةٌ: اَلنَّفْيُ في المُحارِبِينَ السِجْنُ؛ فَذَلِكَ إخْراجُهم مِنَ الأرْضِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والظاهِرُ أنَّ الأرْضِ في هَذِهِ الآيَةِ هي أرْضُ النازِلَةِ؛ وقَدْ جُنِّبَ الناسُ قَدِيمًا الأرْضَ الَّتِي أصابُوا فِيها الذُنُوبَ؛ ومِنهُ حَدِيثُ الَّذِي ناءَ بِصَدْرِهِ نَحْوَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ؛ ويَنْبَغِي لِلْإمامِ إنْ كانَ هَذا المُحارِبُ المَنفِيُّ مَخُوفَ الجانِبِ يُظَنُّ أنَّهُ يَعُودُ إلى حَرافَةٍ وإفْسادٍ أنْ يَسْجِنَهُ في البَلَدِ الَّذِي يُغَرَّبُ إلَيْهِ؛ وإنْ كانَ غَيْرَ مَخُوفِ الجانِبِ؛ تُرِكَ مُسْرَحًا؛ وهَذا هو صَرِيحُ مَذْهَبِ مالِكٍ: أنْ يُغَرَّبَ ويُسْجَنَ حَيْثُ يُغَرَّبُ؛ وهَذا هو الأغْلَبُ في أنَّهُ مَخُوفٌ؛ ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ ؛ وهو الراجِحُ لِأنَّ نَفْيَهُ مِن أرْضِ النازِلَةِ أوِ الإسْلامِ هو نَصُّ الآيَةِ؛ وسَجْنُهُ بَعْدُ بِحَسَبِ الخَوْفِ مِنهُ؛ فَإذا تابَ وفَهِمَ حالَهُ سُرِّحَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى هَذِهِ الحُدُودِ الَّتِي تُوقِعُ بِهِمْ؛ وغَلَّظَ اللهُ الوَعِيدَ في ذَنْبِ الحِرابَةِ بِأنْ أخْبَرَ أنَّ لَهم في الآخِرَةِ عَذابًا عَظِيمًا؛ مَعَ العُقُوبَةِ في الدُنْيا؛ وهَذا خارِجٌ عَنِ المَعاصِي الَّتِي في حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصامِتِ ؛ في قَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "فَمَن أصابَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فَهو لَهُ كَفّارَةٌ".»
(p-١٥٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِزْيُ لِمَن عُوقِبَ؛ وعَذابُ الآخِرَةِ لِمَن سَلِمَ في الدُنْيا؛ ويُجْرى هَذا الذَنْبُ مُجْرى غَيْرِهِ؛ وهَذا الوَعِيدُ مَشْرُوطُ الإنْفاذِ بِالمَشِيئَةِ؛ أما إنَّ الخَوْفَ يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ الوَعِيدِ؛ وعِظَمِ الذَنْبِ؛ والخِزْيُ في هَذِهِ الآيَةِ: اَلْفَضِيحَةُ؛ والذُلُّ؛ والمَقْتُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ ؛ اِسْتَثْنى - عَزَّ وجَلَّ - التائِبَ قَبْلَ أنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ؛ وأخْبَرَ بِسُقُوطِ حُقُوقِ اللهِ عنهُ؛ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ؛ واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى الآيَةِ؛ فَقالَ قَتادَةُ ؛ والزُهْرِيُّ في كِتابِ "اَلْأشْرافُ": ذَلِكَ لِأهْلِ الشِرْكِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: مِن حَيْثُ رَأيا الوَعِيدَ بَعْدَ العِقابِ؛ وهَذا ضَعِيفٌ؛ والعُلَماءُ عَلى أنَّ الآيَةَ في المُؤْمِنِينَ؛ وأنَّ المُحارِبَ إذا تابَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ سَقَطَ عنهُ حُكْمُ الحِرابَةِ؛ ولا نَظَرَ لِلْإمامِ فِيهِ؛ إلّا كَما يَنْظُرُ في سائِرِ المُسْلِمِينَ؛ فَإنْ طَلَبَهُ أحَدٌ بِدَمٍ نَظَرَ فِيهِ؛ وأقادَ مِنهُ؛ إذا كانَ الطالِبُ ولِيًّا؛ وكَذَلِكَ يُتْبَعُ بِما وُجِدَ عِنْدَهُ مِن مالِ الغَيْرِ؛ وبِقِيمَةِ ما اسْتَهْلَكَ مِنَ الأمْوالِ؛ هَذا قَوْلُ مالِكٍ ؛ والشافِعِيِّ ؛ وأصْحابِ الرَأْيِ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ المُنْذِرِ ؛ وقالَ قَوْمٌ مِنَ الصَحابَةِ؛ والتابِعِينَ: إنَّهُ لا يُطْلَبُ مِنَ المالِ إلّا بِما وُجِدَ عِنْدَهُ بِعَيْنِهِ؛ وأمّا ما اسْتَهْلَكَ فَلا يُطْلَبُ بِهِ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ ذَلِكَ عن مالِكٍ ؛ مِن رِوايَةِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عنهُ؛ وهو الظاهِرُ مِن فِعْلِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - بِحارِثَةَ بْنِ بَدْرٍ الغُدّانِيِّ؛ فَإنَّهُ كانَ مُحارِبًا؛ ثُمَّ تابَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ فَكَتَبَ لَهُ بِسُقُوطِ الأمْوالِ؛ والدَمِ؛ كِتابًا مَنشُورًا؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن عُرْوَةَ بْنِ الزُبَيْرِ أنَّهُ قالَ: لا تُقْبَلُ تَوْبَةُ المُحارِبِ؛ ولَوْ قُبِلَتْ لاجْتَرَؤُوا؛ وكانَ فَسادٌ كَثِيرٌ؛ ولَكِنْ لَوْ فَرَّ إلى العَدُوِّ؛ ثُمَّ جاءَ تائِبًا لَمْ أرَ عَلَيْهِ عُقُوبَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: لا أدْرِي؛ هَلْ أرادَ ارْتَدَّ أمْ لا؛ وقالَ الأوزاعِيُّ نَحْوَهُ؛ إلّا أنَّهُ قالَ: إذا لَحِقَ بِدارِ الحَرْبِ؛ فارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ؛ أو بَقِيَ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ جاءَ تائِبًا مِن قَبْلِ أنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ؛ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ.
(p-١٥٩)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والصَحِيحُ مِن هَذا كُلِّهِ مَذْهَبُ الفُقَهاءِ الَّذِي قَرَّرْتُهُ آنِفًا؛ أنَّ حُكْمَ الحِرابَةِ يَسْقُطُ؛ ويَبْقى كَسائِرِ المُسْلِمِينَ؛ واخْتُلِفَ إذا كانَ المالُ أقَلَّ مِمّا يُقْطَعُ فِيهِ السارِقُ؛ فَقالَ مالِكٌ: ذَلِكَ كالكَثِيرِ؛ وقالَ الشافِعِيُّ وأصْحابُ الرَأْيِ: لا يُقْطَعُ مِنَ المُحارِبِينَ إلّا مَن أخَذَ ما يُقْطَعُ فِيهِ السارِقُ.
المائدة 5:34
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ أو يُنْفَوْا مِن الأرْضِ ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فاعْلَمُوا أنْ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
اِقْتَضى المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ كَوْنَ "إنَّما" حاصِرَةً الحَصْرَ التامَّ؛ واخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ والضَحّاكِ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَهْدٌ؛ فَنَقَضُوا العَهْدَ؛ وقَطَعُوا السَبِيلَ؛ وأفْسَدُوا في الأرْضِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ نازِلَةَ بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقالَ عِكْرِمَةُ ؛ والحَسَنُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في المُشْرِكِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا ضَعْفٌ؛ لِأنَّ تَوْبَةَ المُشْرِكِ نافِعَةٌ بَعْدَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ وعَلى كُلِّ حالٍ؛ وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ ؛ وجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ؛ وغَيْرُهُمْ: إنَّ الآيَةَ «نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن عُكْلٍ وعُرَيْنَةَ؛ قَدِمُوا عَلى (p-١٥٤)النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَأسْلَمُوا؛ ثُمَّ إنَّهم مَرِضُوا؛ واسْتَوْخَمُوا المَدِينَةَ؛ فَأمَرَهُمُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَكُونُوا في لِقاحِ الصَدَقَةِ؛ وقالَ: "اِشْرَبُوا مِن ألْبانِها؛ وأبْوالِها"؛ فَخَرَجُوا فِيها؛ فَلَمّا صَحَوْا قَتَلُوا الرِعاءَ؛ واسْتاقُوا الإبِلَ؛ فَجاءَ الصَرِيخُ فَأخْبَرَ بِذَلِكَ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -. فَأمَرَ فَنُودِيَ في الناسِ: يا خَيْلَ اللهِ ارْكَبِي؛ فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى أثَرِهِمْ؛ فَأُخِذُوا؛ وقالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: فَبَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ حَتّى إذا أدْرَكْناهُمْ؛ وقَدْ أشْرَفُوا عَلى دِيارِهِمْ؛ فَجِئْنا بِهِمُ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ قالَ جَمِيعُ الرُواةِ: فَقَطَعَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أيْدِيَهُمْ؛ وأرْجُلَهم مِن خِلافٍ؛ وسَمَّرَ أعْيُنَهم - ويُرْوى: وسَمَلَ -؛ وتَرَكَهم في جانِبِ الحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ؛ فَلا يُسْقَوْنَ؛ وفي حَدِيثِ جَرِيرٍ: فَكانُوا يَقُولُونَ: اَلْماءَ؛ ويَقُولُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "اَلنّارَ".»
وفِي بَعْضِ الرِواياتِ عن أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أحْرَقَهم بِالنارِ بَعْدَما قَتَلَهُمْ؛ قالَ أبُو قُلابَةَ: هَؤُلاءِ كَفَرُوا؛ وقَتَلُوا؛ وأخَذُوا الأمْوالَ؛ وحارَبُوا اللهَ ورَسُولَهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَتْ فِعْلَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِالعُرَنِيِّينَ؛ ووَقَفَتِ الأمْرَ عَلى هَذِهِ الحُدُودِ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: وجَعَلَها اللهُ عِتابًا لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى سَمْلِ الأعْيُنِ؛ وحُكِيَ عن جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ بِناسِخَةٍ لِذَلِكَ الفِعْلِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ وقَعَ في المُرْتَدِّينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: لا سِيَّما وفي بَعْضِ الطُرُقِ أنَّهم سَمَلُوا أعْيُنَ الرُعاةِ؛ قالُوا: وهَذِهِ الآيَةُ هي في المُحارِبِ المُؤْمِنِ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ السُدِّيِّ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَسْمِلْ أعْيُنَ العُرَنِيِّينَ؛ وإنَّما أرادَ ذَلِكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ ناهِيَةً عن ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ تُخالِفُهُ الرِواياتُ المُتَظاهِرَةُ.
(p-١٥٥)وَلا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ مُتَرَتِّبٌ في المُحارِبِينَ مِن أهْلِ الإسْلامِ؛ واخْتَلَفُوا فِيمَن هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ اسْمَ الحِرابَةِ؛ فَقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: اَلْمُحارِبُ عِنْدَنا مَن حَمَلَ عَلى الناسِ السِلاحَ في مِصْرٍ؛ أو بَرِّيَّةٍ؛ فَكابَرَهم عن أنْفُسِهِمْ؛ وأمْوالِهِمْ؛ دُونَ نائِرَةٍ ولا دَخْلٍ ولا عَداوَةٍ؛ وقالَ هَذا القَوْلَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ؛ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: لا يَكُونُ المُحارِبُ إلّا القاطِعَ عَلى الناسِ في خارِجِ الأمْصارِ؛ فَأمّا في المِصْرِ فَلا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يُرِيدُونَ أنَّ القاطِعَ في المِصْرِ يَلْزَمُهُ حَدُّ ما اجْتَرَحَ مِن قَتْلٍ؛ أو سَرِقَةٍ؛ أو غَصْبٍ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ والحِرابَةُ رُتَبٌ؛ أدْناها إخافَةُ الطَرِيقِ فَقَطْ؛ لَكِنَّها تُوجِبُ صِفَةَ الحِرابَةِ؛ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَأْخُذَ المالَ مَعَ الإخافَةِ؛ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَقْتُلَ مَعَ الإخافَةِ؛ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَجْمَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ؛ فَقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: في أيِّ رُتْبَةٍ كانَ المُحارِبُ مِن هَذِهِ الرُتَبِ فالإمامُ مُخَيَّرٌ فِيهِ؛ في أنْ يُعاقِبَهُ بِما رَأى مِن هَذِهِ العُقُوباتِ؛ واسْتُحْسِنَ أنْ يَأْخُذَ في الَّذِي لَمْ يَقْتُلْ بِأيْسَرِ العُقُوباتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: لا سِيَّما إنْ كانَتْ زَلَّةً؛ ولَمْ يَكُنْ صاحِبَ شُرُورٍ مَعْرُوفَةٍ؛ وأمّا إنْ قَتَلَ فَلا بُدَّ مِن قَتْلِهِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ والحَسَنُ ؛ وأبُو مِجْلَزٍ؛ وقَتادَةُ ؛ وغَيْرُهم مِنَ العُلَماءِ: بَلْ لِكُلِّ رُتْبَةٍ مِنَ الحِرابَةِ رُتْبَةٌ مِنَ العِقابِ؛ فَمَن أخافَ الطُرُقَ فَقَطْ؛ فَعُقُوبَتُهُ النَفْيُ؛ ومَن أخَذَ المالَ ولَمْ يَقْتُلْ؛ فَعُقُوبَتُهُ القَطْعُ مِن خِلافٍ؛ ومَن قَتَلَ دُونَ أخْذٍ مالٍ؛ فَعُقُوبَتُهُ القَتْلُ؛ ومَن جَمَعَ الكُلَّ قُتِلَ؛ وصُلِبَ؛ وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّ الحِرابَةَ لا تَخْرُجُ عَنِ الإيمانِ؛ ودَمُ المُؤْمِنِ حَرامٌ؛ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: اِرْتِدادٍ؛ أو زِنًا بَعْدَ إحْصانٍ؛ أو قَتْلِ نَفْسٍ؛ فالمُحارِبُ إذا لَمْ يَقْتُلْ فَلا سَبِيلَ إلى قَتْلِهِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ والحَسَنِ أيْضًا؛ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ ؛ وغَيْرِهِمْ مِثْلَ قَوْلِ مالِكٍ: إنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ؛ ومِن حُجَّةِ هَذا القَوْلِ أنَّ ما كانَ في القُرْآنِ "أو.. أو"؛ فَإنَّهُ لِلتَّخْيِيرِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ (p-١٥٦)أو صَدَقَةٍ أو نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] ؛ وكَآيَةِ كَفّارَةِ اليَمِينِ؛ وآيَةِ جَزاءِ الصَيْدِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ القَوْلَ الآخَرَ؛ وهو أحْوَطُ لِلْمُفْتِي؛ ولِدَمِ المُحارِبِ؛ وقَوْلُ مالِكٍ أسَدُّ لِلذَّرِيعَةِ؛ وأحْفَظُ لِلنّاسِ والطُرُقِ؛ والمُخِيفُ في حُكْمِ القاتِلِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَمالِكٌ يَرى فِيهِ الأخْذَ بِأيْسَرِ العُقُوباتِ اسْتِحْسانًا؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: «سَألَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - عَنِ الحُكْمِ في المُحارِبِ؛ فَقالَ: "مَن أخافَ السَبِيلَ؛ وأخَذَ المالَ؛ فاقْطَعْ يَدَهُ لِلْأخْذِ؛ ورِجْلَهُ لِلْإخافَةِ؛ ومَن قَتَلَ فاقْتُلْهُ؛ ومَن جَمَعَ ذَلِكَ فاصْلُبْهُ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وبَقِيَ النَفْيُ لِلْمُخِيفِ فَقَطْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحارِبُونَ اللهَ﴾ ؛ تَغْلِيظٌ؛ جَعَلَ ارْتِكابَ نَهْيِهِ مُحارَبَةً؛ وقِيلَ: اَلتَّقْدِيرُ: يُحارِبُونَ عِبادَ اللهِ؛ فَفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ ؛ تَبْيِينٌ لِلْحِرابَةِ؛ أيْ: "وَيَسْعَوْنَ بِحِرابَتِهِمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "وَيَسْعَوْنَ فَسادًا مُنْضافًا إلى الحِرابَةِ"؛ والرابِطُ إلى هَذِهِ الحُدُودِ إنَّما هو الحِرابَةُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّعَ﴾ ؛ بِالتَثْقِيلِ في هَذِهِ الأفْعالِ؛ لِلْمُبالَغَةِ والتَكْثِيرِ؛ والتَكْثِيرُ هُنا إنَّما هو مِن جِهَةِ عَدَدِ الَّذِينَ يُوقَعُ بِهِمْ؛ كالتَذْبِيحِ في بَنِي إسْرائِيلَ؛ في قِراءَةِ مَن ثَقَّلَ: "يُذَبِّحُونَ"؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يُقْتَلُوا"؛ و"يُصْلَبُوا"؛ و"تُقْطَعَ"؛ بِالتَخْفِيفِ في الأفْعالِ الثَلاثَةِ.
وأمّا قَتْلُ المُحارِبِ فَبِالسَيْفِ؛ ضَرْبَةَ العُنُقِ؛ وأمّا صَلْبُهُ فَجُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ يَصْلَبُ حَيًّا؛ ويُقْتَلُ بِالطَعْنِ عَلى الخَشَبَةِ؛ ورُوِيَ هَذا عن مالِكٍ ؛ وهو الأظْهَرُ مِنَ الآيَةِ؛ وهو الأنْكى في النَكالِ؛ وأمّا القَطْعُ فاليَدُ اليُمْنى مِنَ الرُسْغِ؛ والرِجْلُ الشِمالُ (p-١٥٧)مِنَ المَفْصِلِ.
ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّهُ كانَ يَقْطَعُ اليَدَ مِنَ الأصابِعِ؛ ويُبْقِي الكَفَّ؛ والرِجْلَ مِن نِصْفِ القَدَمِ؛ ويُبْقِي العَقِبَ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في النَفْيِ؛ فَقالَ السُدِّيُّ: هو أنْ يُطْلَبَ أبَدًا بِالخَيْلِ والرَجِلِ حَتّى يُؤْخَذَ؛ فَيُقامَ عَلَيْهِ حَدُّ اللهِ ؛ ويُخْرَجَ مِن دارِ الإسْلامِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: نَفْيُهُ أنْ يُطْلَبَ؛ وقالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اللَيْثِ ؛ ومالِكِ بْنِ أنَسٍ ؛ غَيْرَ أنَّ مالِكًا قالَ: لا يَضْطَرُّ مُسْلِمٌ إلى دُخُولِ دارِ الشِرْكِ؛ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اَلنَّفْيُ مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الشِرْكِ؛ وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ - مِنهم عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ -: اَلنَّفْيُ في المُحارِبِينَ أنْ يُنْفَوْا مِن بَلَدٍ إلى غَيْرِهِ؛ مِمّا هو قاصٍ بَعِيدٌ؛ وقالَ الشافِعِيُّ: يَنْفِيهِ مِن عَمَلِهِ؛ وقالَ أبُو الزِنادِ: كانَ النَفْيُ قَدِيمًا إلى دَهْلَكَ؛ وباضِعَ؛ وهُما مِن أقْصى اليَمَنِ؛ وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ؛ وأصْحابُهُ؛ وجَماعَةٌ: اَلنَّفْيُ في المُحارِبِينَ السِجْنُ؛ فَذَلِكَ إخْراجُهم مِنَ الأرْضِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والظاهِرُ أنَّ الأرْضِ في هَذِهِ الآيَةِ هي أرْضُ النازِلَةِ؛ وقَدْ جُنِّبَ الناسُ قَدِيمًا الأرْضَ الَّتِي أصابُوا فِيها الذُنُوبَ؛ ومِنهُ حَدِيثُ الَّذِي ناءَ بِصَدْرِهِ نَحْوَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ؛ ويَنْبَغِي لِلْإمامِ إنْ كانَ هَذا المُحارِبُ المَنفِيُّ مَخُوفَ الجانِبِ يُظَنُّ أنَّهُ يَعُودُ إلى حَرافَةٍ وإفْسادٍ أنْ يَسْجِنَهُ في البَلَدِ الَّذِي يُغَرَّبُ إلَيْهِ؛ وإنْ كانَ غَيْرَ مَخُوفِ الجانِبِ؛ تُرِكَ مُسْرَحًا؛ وهَذا هو صَرِيحُ مَذْهَبِ مالِكٍ: أنْ يُغَرَّبَ ويُسْجَنَ حَيْثُ يُغَرَّبُ؛ وهَذا هو الأغْلَبُ في أنَّهُ مَخُوفٌ؛ ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ ؛ وهو الراجِحُ لِأنَّ نَفْيَهُ مِن أرْضِ النازِلَةِ أوِ الإسْلامِ هو نَصُّ الآيَةِ؛ وسَجْنُهُ بَعْدُ بِحَسَبِ الخَوْفِ مِنهُ؛ فَإذا تابَ وفَهِمَ حالَهُ سُرِّحَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى هَذِهِ الحُدُودِ الَّتِي تُوقِعُ بِهِمْ؛ وغَلَّظَ اللهُ الوَعِيدَ في ذَنْبِ الحِرابَةِ بِأنْ أخْبَرَ أنَّ لَهم في الآخِرَةِ عَذابًا عَظِيمًا؛ مَعَ العُقُوبَةِ في الدُنْيا؛ وهَذا خارِجٌ عَنِ المَعاصِي الَّتِي في حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصامِتِ ؛ في قَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "فَمَن أصابَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فَهو لَهُ كَفّارَةٌ".»
(p-١٥٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِزْيُ لِمَن عُوقِبَ؛ وعَذابُ الآخِرَةِ لِمَن سَلِمَ في الدُنْيا؛ ويُجْرى هَذا الذَنْبُ مُجْرى غَيْرِهِ؛ وهَذا الوَعِيدُ مَشْرُوطُ الإنْفاذِ بِالمَشِيئَةِ؛ أما إنَّ الخَوْفَ يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ الوَعِيدِ؛ وعِظَمِ الذَنْبِ؛ والخِزْيُ في هَذِهِ الآيَةِ: اَلْفَضِيحَةُ؛ والذُلُّ؛ والمَقْتُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ ؛ اِسْتَثْنى - عَزَّ وجَلَّ - التائِبَ قَبْلَ أنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ؛ وأخْبَرَ بِسُقُوطِ حُقُوقِ اللهِ عنهُ؛ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ؛ واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى الآيَةِ؛ فَقالَ قَتادَةُ ؛ والزُهْرِيُّ في كِتابِ "اَلْأشْرافُ": ذَلِكَ لِأهْلِ الشِرْكِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: مِن حَيْثُ رَأيا الوَعِيدَ بَعْدَ العِقابِ؛ وهَذا ضَعِيفٌ؛ والعُلَماءُ عَلى أنَّ الآيَةَ في المُؤْمِنِينَ؛ وأنَّ المُحارِبَ إذا تابَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ سَقَطَ عنهُ حُكْمُ الحِرابَةِ؛ ولا نَظَرَ لِلْإمامِ فِيهِ؛ إلّا كَما يَنْظُرُ في سائِرِ المُسْلِمِينَ؛ فَإنْ طَلَبَهُ أحَدٌ بِدَمٍ نَظَرَ فِيهِ؛ وأقادَ مِنهُ؛ إذا كانَ الطالِبُ ولِيًّا؛ وكَذَلِكَ يُتْبَعُ بِما وُجِدَ عِنْدَهُ مِن مالِ الغَيْرِ؛ وبِقِيمَةِ ما اسْتَهْلَكَ مِنَ الأمْوالِ؛ هَذا قَوْلُ مالِكٍ ؛ والشافِعِيِّ ؛ وأصْحابِ الرَأْيِ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ المُنْذِرِ ؛ وقالَ قَوْمٌ مِنَ الصَحابَةِ؛ والتابِعِينَ: إنَّهُ لا يُطْلَبُ مِنَ المالِ إلّا بِما وُجِدَ عِنْدَهُ بِعَيْنِهِ؛ وأمّا ما اسْتَهْلَكَ فَلا يُطْلَبُ بِهِ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ ذَلِكَ عن مالِكٍ ؛ مِن رِوايَةِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عنهُ؛ وهو الظاهِرُ مِن فِعْلِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - بِحارِثَةَ بْنِ بَدْرٍ الغُدّانِيِّ؛ فَإنَّهُ كانَ مُحارِبًا؛ ثُمَّ تابَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ فَكَتَبَ لَهُ بِسُقُوطِ الأمْوالِ؛ والدَمِ؛ كِتابًا مَنشُورًا؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن عُرْوَةَ بْنِ الزُبَيْرِ أنَّهُ قالَ: لا تُقْبَلُ تَوْبَةُ المُحارِبِ؛ ولَوْ قُبِلَتْ لاجْتَرَؤُوا؛ وكانَ فَسادٌ كَثِيرٌ؛ ولَكِنْ لَوْ فَرَّ إلى العَدُوِّ؛ ثُمَّ جاءَ تائِبًا لَمْ أرَ عَلَيْهِ عُقُوبَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: لا أدْرِي؛ هَلْ أرادَ ارْتَدَّ أمْ لا؛ وقالَ الأوزاعِيُّ نَحْوَهُ؛ إلّا أنَّهُ قالَ: إذا لَحِقَ بِدارِ الحَرْبِ؛ فارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ؛ أو بَقِيَ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ جاءَ تائِبًا مِن قَبْلِ أنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ؛ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ.
(p-١٥٩)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والصَحِيحُ مِن هَذا كُلِّهِ مَذْهَبُ الفُقَهاءِ الَّذِي قَرَّرْتُهُ آنِفًا؛ أنَّ حُكْمَ الحِرابَةِ يَسْقُطُ؛ ويَبْقى كَسائِرِ المُسْلِمِينَ؛ واخْتُلِفَ إذا كانَ المالُ أقَلَّ مِمّا يُقْطَعُ فِيهِ السارِقُ؛ فَقالَ مالِكٌ: ذَلِكَ كالكَثِيرِ؛ وقالَ الشافِعِيُّ وأصْحابُ الرَأْيِ: لا يُقْطَعُ مِنَ المُحارِبِينَ إلّا مَن أخَذَ ما يُقْطَعُ فِيهِ السارِقُ.
المائدة 5:35
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ وجاهِدُوا في سَبِيلِهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهم ولَهم عَذابِ ألِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾
هَذِهِ الآيَةُ وعْظٌ مِنَ اللهِ تَعالى بِعَقِبِ ذِكْرِ العُقُوباتِ النازِلَةِ بِالمُحارِبِينَ؛ وهَذا مِن أبْلَغِ الوَعْظِ؛ لِأنَّهُ يَرِدُ عَلى النُفُوسِ وهي خائِفَةٌ وجِلَةٌ؛ وعادَةُ البَشَرِ إذا رَأى وسَمِعَ أمْرَ مُمْتَحِنٍ بِبَشِيعِ المَكارِهِ؛ أنْ يَرِقَّ ويَخْشَعَ؛ فَجاءَ الوَعْظُ في هَذِهِ الحالِ.
"وابْتَغُوا"؛ مَعْناهُ: اُطْلُبُوا؛ و"اَلْوَسِيلَةَ": اَلْقُرْبَةَ؛ وسَبَبَ النَجاحِ في المُرادِ؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ عنتَرَةَ لِامْرَأتِهِ:
؎ إنَّ الرِجالَ لَهم إلَيْكِ وسِيلَةٌ ∗∗∗ أنْ يَأْخُذُوكِ تَكَحَّلِي وتَخَضَّبِي
وأمّا الوَسِيلَةُ المَطْلُوبَةُ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَهي أيْضًا مِن هَذا؛ لِأنَّ الدُعاءَ لَهُ بِالوَسِيلَةِ والفَضِيلَةِ؛ إنَّما هو أنْ يُؤْتاهُما في الدُنْيا؛ ويُتَّصَفَ بِهِما؛ ويَكُونَ ثَمَرَةُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ التَشْفِيعَ في المَقامِ المَحْمُودِ؛ ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إذا غَفَلَ الواشُونَ عُدْنا لِوَصْلِنا ∗∗∗ ∗∗∗ وعادَ التَصافِي بَيْنَنا والوَسائِلُ
أنْشَدَهُ الطَبَرِيُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاهِدُوا في سَبِيلِهِ﴾ خُصَّ الجِهادُ بِالذِكْرِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما نَباهَتُهُ في أعْمالِ البِرِّ؛ وأنَّهُ قاعِدَةُ الإسْلامِ؛ وقَدْ دَخَلَ بِالمَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ ؛ ولَكِنْ خَصَّهُ تَشْرِيفًا؛ والوَجْهُ الآخَرُ أنَّها العِبادَةُ الَّتِي تَصْلُحُ لِكُلِّ مَنهِيٍّ عَنِ (p-١٦٠)المُحارَبَةِ؛ وهو مُعَدٌّ لَها مِن حالِهِ؛ وسِنِّهِ؛ وقُوَّتِهِ؛ وشَرَهِ نَفْسِهِ؛ فَلَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْ يَنْقَلِبَ إلى الجِهادِ إلّا تَوْفِيقُ اللهِ تَعالى.
واللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَفْتَدُوا" لامَ "كَيْ"؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تُقُبِّلَ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ والقافِ؛ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ: "تَقَبَّلَ"؛ بِفَتْحِها؛ عَلى مَعْنى: "ما تَقَبَّلَ اللهُ تَعالى".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يُرِيدُونَ"؛﴾ إخْبارٌ عن أنَّهم يَتَمَنَّوْنَ هَذا في قُلُوبِهِمْ؛ وفي غَيْرِ ما آيَةٍ أنَّهم يَنْطِقُونَ عن هَذِهِ الإرادَةِ؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إذا فارَقَتْ بِهِمُ النارُ قَرُبُوا مِن حاشِيَتِها؛ فَحِينَئِذٍ يُرِيدُونَ الخُرُوجَ؛ ويَطْمَعُونَ بِهِ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النارِ﴾.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -:
وقَدْ تَأوَّلَ قَوْمٌ هَذِهِ الإرادَةَ أنَّها بِمَعْنى "يَكادُونَ"؛ عَلى هَذا القَصَصِ الَّذِي حَكى الحَسَنُ؛ وهَذا لا يَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ إلّا فِيما لا تَتَأتّى مِنهُ الإرادَةُ الحَقِيقِيَّةُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] ؛ وأمّا في إرادَةِ بَنِي آدَمَ فَلا؛ إلّا عَلى تَجَوُّزٍ كَثِيرٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "يَخْرُجُوا"؛﴾ [المائدة: ٢٢] بِفَتْحِ الياءِ؛ وضَمِّ الراءِ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "يُخْرَجُوا"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وفَتْحِ الراءِ.
وأخْبَرَ تَعالى عن هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنَّهم لَيْسُوا بِخارِجِينَ مِنَ النارِ؛ بَلْ عَذابُهم فِيها مُقِيمٌ مُتَأبِّدٌ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن نافِعِ بْنِ الأزْرَقِ الخارِجِيِّ أنَّهُ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: يا أعْمى البَصَرِ؛ أعْمى القَلْبِ؛ تَزْعُمُ أنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النارِ؛ وقَدْ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ ؟ فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: ويْحَكَ؛ اقْرَأْ ما فَوْقَها؛ هَذِهِ الآيَةُ في الكُفّارِ.
المائدة 5:36
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ وجاهِدُوا في سَبِيلِهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهم ولَهم عَذابِ ألِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾
هَذِهِ الآيَةُ وعْظٌ مِنَ اللهِ تَعالى بِعَقِبِ ذِكْرِ العُقُوباتِ النازِلَةِ بِالمُحارِبِينَ؛ وهَذا مِن أبْلَغِ الوَعْظِ؛ لِأنَّهُ يَرِدُ عَلى النُفُوسِ وهي خائِفَةٌ وجِلَةٌ؛ وعادَةُ البَشَرِ إذا رَأى وسَمِعَ أمْرَ مُمْتَحِنٍ بِبَشِيعِ المَكارِهِ؛ أنْ يَرِقَّ ويَخْشَعَ؛ فَجاءَ الوَعْظُ في هَذِهِ الحالِ.
"وابْتَغُوا"؛ مَعْناهُ: اُطْلُبُوا؛ و"اَلْوَسِيلَةَ": اَلْقُرْبَةَ؛ وسَبَبَ النَجاحِ في المُرادِ؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ عنتَرَةَ لِامْرَأتِهِ:
؎ إنَّ الرِجالَ لَهم إلَيْكِ وسِيلَةٌ ∗∗∗ أنْ يَأْخُذُوكِ تَكَحَّلِي وتَخَضَّبِي
وأمّا الوَسِيلَةُ المَطْلُوبَةُ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَهي أيْضًا مِن هَذا؛ لِأنَّ الدُعاءَ لَهُ بِالوَسِيلَةِ والفَضِيلَةِ؛ إنَّما هو أنْ يُؤْتاهُما في الدُنْيا؛ ويُتَّصَفَ بِهِما؛ ويَكُونَ ثَمَرَةُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ التَشْفِيعَ في المَقامِ المَحْمُودِ؛ ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إذا غَفَلَ الواشُونَ عُدْنا لِوَصْلِنا ∗∗∗ ∗∗∗ وعادَ التَصافِي بَيْنَنا والوَسائِلُ
أنْشَدَهُ الطَبَرِيُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاهِدُوا في سَبِيلِهِ﴾ خُصَّ الجِهادُ بِالذِكْرِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما نَباهَتُهُ في أعْمالِ البِرِّ؛ وأنَّهُ قاعِدَةُ الإسْلامِ؛ وقَدْ دَخَلَ بِالمَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ ؛ ولَكِنْ خَصَّهُ تَشْرِيفًا؛ والوَجْهُ الآخَرُ أنَّها العِبادَةُ الَّتِي تَصْلُحُ لِكُلِّ مَنهِيٍّ عَنِ (p-١٦٠)المُحارَبَةِ؛ وهو مُعَدٌّ لَها مِن حالِهِ؛ وسِنِّهِ؛ وقُوَّتِهِ؛ وشَرَهِ نَفْسِهِ؛ فَلَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْ يَنْقَلِبَ إلى الجِهادِ إلّا تَوْفِيقُ اللهِ تَعالى.
واللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَفْتَدُوا" لامَ "كَيْ"؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تُقُبِّلَ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ والقافِ؛ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ: "تَقَبَّلَ"؛ بِفَتْحِها؛ عَلى مَعْنى: "ما تَقَبَّلَ اللهُ تَعالى".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يُرِيدُونَ"؛﴾ إخْبارٌ عن أنَّهم يَتَمَنَّوْنَ هَذا في قُلُوبِهِمْ؛ وفي غَيْرِ ما آيَةٍ أنَّهم يَنْطِقُونَ عن هَذِهِ الإرادَةِ؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إذا فارَقَتْ بِهِمُ النارُ قَرُبُوا مِن حاشِيَتِها؛ فَحِينَئِذٍ يُرِيدُونَ الخُرُوجَ؛ ويَطْمَعُونَ بِهِ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النارِ﴾.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -:
وقَدْ تَأوَّلَ قَوْمٌ هَذِهِ الإرادَةَ أنَّها بِمَعْنى "يَكادُونَ"؛ عَلى هَذا القَصَصِ الَّذِي حَكى الحَسَنُ؛ وهَذا لا يَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ إلّا فِيما لا تَتَأتّى مِنهُ الإرادَةُ الحَقِيقِيَّةُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] ؛ وأمّا في إرادَةِ بَنِي آدَمَ فَلا؛ إلّا عَلى تَجَوُّزٍ كَثِيرٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "يَخْرُجُوا"؛﴾ [المائدة: ٢٢] بِفَتْحِ الياءِ؛ وضَمِّ الراءِ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "يُخْرَجُوا"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وفَتْحِ الراءِ.
وأخْبَرَ تَعالى عن هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنَّهم لَيْسُوا بِخارِجِينَ مِنَ النارِ؛ بَلْ عَذابُهم فِيها مُقِيمٌ مُتَأبِّدٌ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن نافِعِ بْنِ الأزْرَقِ الخارِجِيِّ أنَّهُ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: يا أعْمى البَصَرِ؛ أعْمى القَلْبِ؛ تَزْعُمُ أنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النارِ؛ وقَدْ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ ؟ فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: ويْحَكَ؛ اقْرَأْ ما فَوْقَها؛ هَذِهِ الآيَةُ في الكُفّارِ.
المائدة 5:37
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ وجاهِدُوا في سَبِيلِهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهم ولَهم عَذابِ ألِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾
هَذِهِ الآيَةُ وعْظٌ مِنَ اللهِ تَعالى بِعَقِبِ ذِكْرِ العُقُوباتِ النازِلَةِ بِالمُحارِبِينَ؛ وهَذا مِن أبْلَغِ الوَعْظِ؛ لِأنَّهُ يَرِدُ عَلى النُفُوسِ وهي خائِفَةٌ وجِلَةٌ؛ وعادَةُ البَشَرِ إذا رَأى وسَمِعَ أمْرَ مُمْتَحِنٍ بِبَشِيعِ المَكارِهِ؛ أنْ يَرِقَّ ويَخْشَعَ؛ فَجاءَ الوَعْظُ في هَذِهِ الحالِ.
"وابْتَغُوا"؛ مَعْناهُ: اُطْلُبُوا؛ و"اَلْوَسِيلَةَ": اَلْقُرْبَةَ؛ وسَبَبَ النَجاحِ في المُرادِ؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ عنتَرَةَ لِامْرَأتِهِ:
؎ إنَّ الرِجالَ لَهم إلَيْكِ وسِيلَةٌ ∗∗∗ أنْ يَأْخُذُوكِ تَكَحَّلِي وتَخَضَّبِي
وأمّا الوَسِيلَةُ المَطْلُوبَةُ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَهي أيْضًا مِن هَذا؛ لِأنَّ الدُعاءَ لَهُ بِالوَسِيلَةِ والفَضِيلَةِ؛ إنَّما هو أنْ يُؤْتاهُما في الدُنْيا؛ ويُتَّصَفَ بِهِما؛ ويَكُونَ ثَمَرَةُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ التَشْفِيعَ في المَقامِ المَحْمُودِ؛ ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إذا غَفَلَ الواشُونَ عُدْنا لِوَصْلِنا ∗∗∗ ∗∗∗ وعادَ التَصافِي بَيْنَنا والوَسائِلُ
أنْشَدَهُ الطَبَرِيُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاهِدُوا في سَبِيلِهِ﴾ خُصَّ الجِهادُ بِالذِكْرِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما نَباهَتُهُ في أعْمالِ البِرِّ؛ وأنَّهُ قاعِدَةُ الإسْلامِ؛ وقَدْ دَخَلَ بِالمَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ ؛ ولَكِنْ خَصَّهُ تَشْرِيفًا؛ والوَجْهُ الآخَرُ أنَّها العِبادَةُ الَّتِي تَصْلُحُ لِكُلِّ مَنهِيٍّ عَنِ (p-١٦٠)المُحارَبَةِ؛ وهو مُعَدٌّ لَها مِن حالِهِ؛ وسِنِّهِ؛ وقُوَّتِهِ؛ وشَرَهِ نَفْسِهِ؛ فَلَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْ يَنْقَلِبَ إلى الجِهادِ إلّا تَوْفِيقُ اللهِ تَعالى.
واللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَفْتَدُوا" لامَ "كَيْ"؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تُقُبِّلَ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ والقافِ؛ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ: "تَقَبَّلَ"؛ بِفَتْحِها؛ عَلى مَعْنى: "ما تَقَبَّلَ اللهُ تَعالى".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يُرِيدُونَ"؛﴾ إخْبارٌ عن أنَّهم يَتَمَنَّوْنَ هَذا في قُلُوبِهِمْ؛ وفي غَيْرِ ما آيَةٍ أنَّهم يَنْطِقُونَ عن هَذِهِ الإرادَةِ؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إذا فارَقَتْ بِهِمُ النارُ قَرُبُوا مِن حاشِيَتِها؛ فَحِينَئِذٍ يُرِيدُونَ الخُرُوجَ؛ ويَطْمَعُونَ بِهِ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النارِ﴾.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -:
وقَدْ تَأوَّلَ قَوْمٌ هَذِهِ الإرادَةَ أنَّها بِمَعْنى "يَكادُونَ"؛ عَلى هَذا القَصَصِ الَّذِي حَكى الحَسَنُ؛ وهَذا لا يَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ إلّا فِيما لا تَتَأتّى مِنهُ الإرادَةُ الحَقِيقِيَّةُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] ؛ وأمّا في إرادَةِ بَنِي آدَمَ فَلا؛ إلّا عَلى تَجَوُّزٍ كَثِيرٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "يَخْرُجُوا"؛﴾ [المائدة: ٢٢] بِفَتْحِ الياءِ؛ وضَمِّ الراءِ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "يُخْرَجُوا"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وفَتْحِ الراءِ.
وأخْبَرَ تَعالى عن هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنَّهم لَيْسُوا بِخارِجِينَ مِنَ النارِ؛ بَلْ عَذابُهم فِيها مُقِيمٌ مُتَأبِّدٌ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن نافِعِ بْنِ الأزْرَقِ الخارِجِيِّ أنَّهُ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: يا أعْمى البَصَرِ؛ أعْمى القَلْبِ؛ تَزْعُمُ أنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النارِ؛ وقَدْ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ ؟ فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: ويْحَكَ؛ اقْرَأْ ما فَوْقَها؛ هَذِهِ الآيَةُ في الكُفّارِ.
المائدة 5:38
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿والسارِقُ والسارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالا مِنَ اللهِ واللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
قَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿والسارِقُ والسارِقَةُ﴾ ؛ بِالرَفْعِ؛ وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والسارِقَ والسارِقَةَ"؛ بِالنَصْبِ؛ قالَ سِيبَوَيْهِ - رَحِمَهُ اللهُ -: اَلْوَجْهُ في (p-١٦١)كَلامِ العَرَبِ النَصْبُ؛ كَما تَقُولُ: زَيْدًا اضْرِبْهُ؛ ولَكِنْ أبَتِ العامَّةُ إلّا الرَفْعَ - يَعْنِي عامَّةَ القُرّاءِ وجُلَّهم - قالَ سِيبَوَيْهِ: اَلرَّفْعُ في هَذا؛ وفي قَوْلِهِ: ﴿الزانِيَةُ والزانِي﴾ [النور: ٢] ؛ وفي قَوْلِ اللهِ: ﴿واللَذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٦] ؛ هو عَلى مَعْنى: "فِيما فَرَضَ عَلَيْكُمْ".
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "فاقْطَعُوا"؛﴾ رَدَّتِ المُسْتَقِلَّ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: "فِيما فَرَضَ عَلَيْكُمُ السارِقُ"؛ جُمْلَةٌ حَقُّها وظاهِرُها الِاسْتِقْلالُ؛ لَكِنَّ المَعْنى المَقْصُودَ لَيْسَ إلّا في قَوْلِهِ: "فاقْطَعُوا"؛ فَهَذِهِ الفاءُ هي الَّتِي رَبَطَتِ الكَلامَ الثانِيَ بِالأوَّلِ؛ وأظْهَرَتِ الأوَّلَ هُنا غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ؛ وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ - وهو قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ البَصْرِيِّينَ -: أخْتارُ أنْ يَكُونَ "والسارِقُ والسارِقَةُ"؛ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ؛ لِأنَّ القَصْدَ لَيْسَ إلى واحِدٍ بِعَيْنِهِ؛ فَلَيْسَ هو مِثْلَ قَوْلِكَ: "زَيْدًا فاضْرِبْهُ"؛ إنَّما هو كَقَوْلِكَ: "مَن سَرَقَ فاقْطَعْ يَدَهُ"؛ قالَ الزَجّاجُ: هو المُخْتارُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: أنْزَلَ سِيبَوَيْهِ النَوْعَ السارِقَ مَنزِلَةَ الشَخْصِ المُعَيَّنِ؛ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "والسارِقُونَ والسارِقاتُ فاقْطَعُوا أيْمانَهُمْ"؛ وقالَ الخَفّافُ: وُجِدَتْ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "والسُرَّقُ والسُرَّقَةُ"؛ هَكَذا ضُبِطا بِضَمِّ السِينِ المُشَدَّدَةِ؛ وفَتْحِ الراءِ المُشَدَّدَةِ فِيهِما؛ هَكَذا ضَبَطَهُما أبُو عَمْرٍو.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُشْبِهُ أنَّ يَكُونَ هَذا تَصْحِيفًا مِنَ الضابِطِ؛ لِأنَّ قِراءَةَ الجَماعَةِ إذا كُتِبَ "اَلسّارِقُ"؛ بِغَيْرِ ألِفٍ وافَقَتْ في الخَطِّ هَذِهِ.
وأخْذُ مِلْكِ الغَيْرِ يَتَنَوَّعُ بِحَسَبِ قَرائِنِهِ؛ فَمِنهُ الغَصْبُ؛ وقَرِينَتُهُ عِلْمُ المَغْصُوبِ مِنهُ وقْتَ الغَصْبِ؛ أو عِلْمُ مُشاهِدٍ غَيْرِهِ؛ ومِنهُ الخِيانَةُ؛ وقَرِينَتُها أنَّ الخائِنَ قَدْ طَرَقَ إلى المالِ بِتَصَرُّفٍ ما؛ ومِنهُ السَرِقَةُ؛ وقَرائِنُها أنْ يُؤْخَذَ مالٌ لَمْ يُطْرَقْ إلَيْهِ عَلى غَيْرِ عِلْمٍ مِنَ المَسْرُوقِ مالُهُ؛ وفي خَفاءٍ مِن جَمِيعِ الناسِ؛ فِيما يَرى السارِقُ؛ وهَذا هو الَّذِي (p-١٦٢)يَجِبُ عَلَيْهِ القَطْعُ؛ وحْدَهُ؛ مِن بَيْنِ أخَذَةِ الأمْوالِ؛ لِخُبْثِ هَذا المَنزَعِ؛ وقِلَّةِ العُذْرِ فِيهِ؛ وحاطَ اللهُ تَعالى البَشَرَ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ بِأنَّ القَطْعَ لا يَكُونُ إلّا بِقَرائِنَ: مِنها الإخْراجُ مِن حِرْزٍ؛ ومِنها القَدْرُ المَسْرُوقُ؛ عَلى اخْتِلافِ أهْلِ العِلْمِ فِيهِ؛ ومِنها أنْ يَعْلَمَ السارِقُ بِتَحْرِيمِ السَرِقَةِ؛ وأنْ تَكُونَ السَرِقَةُ فِيما يَحِلُّ مِلْكُهُ؛ فَلَفْظُ "والسارِقُ"؛ في الآيَةِ عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ.
فَأمّا القَدْرُ المَسْرُوقُ فَقالَتْ طائِفَةٌ: لا قَطْعَ إلّا في رُبْعِ دِينارٍ فَصاعِدًا؛ قالَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ ؛ وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ ؛ وعَلِيٌّ؛ وعائِشَةُ ؛ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ ؛ والأوزاعِيُّ ؛ واللَيْثُ ؛ والشافِعِيُّ ؛ وأبُو ثَوْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهم - وفِيهِ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "اَلْقَطْعُ في رُبْعِ دِينارٍ فَصاعِدًا"؛» وقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ -: تُقْطَعُ اليَدُ في رُبْعِ دِينارٍ؛ أو في ثَلاثَةِ دَراهِمَ؛ فَإنْ سَرَقَ دِرْهَمَيْنِ - وهي رُبْعُ دِينارٍ - لِانْحِطاطِ الصَرْفِ؛ لَمْ يُقْطَعْ؛ وكَذَلِكَ العُرُوضُ لا يُقْطَعُ فِيها؛ إلّا أنْ تَبْلُغَ ثَلاثَةَ دَراهِمَ؛ قَلَّ الصَرْفُ أو كَثُرَ؛ وقالَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ ؛ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إنْ كانَتْ قِيمَةُ السِلْعَةِ رُبْعَ دِينارٍ؛ أو ثَلاثَةَ دَراهِمَ قُطِعَ فِيهِما؛ قَلَّ الصَرْفُ أو كَثُرَ؛ وفي القَطْعِ قَوْلٌ رابِعٌ؛ وهو أنْ لا قَطْعَ إلّا في خَمْسَةِ دَراهِمَ؛ أو قِيمَتِها؛ رُوِيَ هَذا عن عُمَرَ ؛ وبِهِ قالَ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ ؛ وابْنُ أبِي لَيْلى ؛ وابْنُ شُبْرُمَةَ ؛ ومِنهُ قَوْلُ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: "قَطَعَ أبُو بَكْرٍ في مِجَنٍّ قِيمَتُهُ خَمْسَةُ دَراهِمَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا حُجَّةَ في هَذا عَلى أنَّ الخَمْسَةَ حَدٌّ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ؛ وعَطاءٌ: لا قَطْعَ في أقَلَّ مِن عَشَرَةِ دَراهِمَ؛ وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ ؛ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: لا تُقْطَعُ اليَدُ في أقَلَّ مِن أرْبَعَةِ دَراهِمَ؛ وقالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ: تُقْطَعُ اليَدُ في دِرْهَمٍ فَما فَوْقَهُ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُبَيْرِ قَطَعَ في دِرْهَمٍ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: تُقْطَعُ اليَدُ في كُلِّ ما لَهُ قِيمَةٌ قَلَّ أو (p-١٦٣)كَثُرَ؛ عَلى ظاهِرِ الآيَةِ؛ وقَدْ حَكى الطَبَرِيُّ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وهو قَوْلُ أهْلِ الظاهِرِ؛ وقَوْلُ الخَوارِجِ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا أنَّهُ قالَ: تَذاكَرْنا القَطْعَ في كَمْ يَكُونُ؛ عَلى عَهْدِ زِيادٍ ؛ فاتَّفَقَ رَأْيُنا عَلى دِرْهَمَيْنِ؛ وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ التَوْبَةَ لا تُسْقِطُ عَنِ السارِقِ القَطْعَ؛ ورُوِيَ عَنِ الشافِعِيِّ أنَّهُ إذا تابَ قَبْلَ أنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ؛ وتَمْتَدَّ إلَيْهِ يَدُ الأحْكامِ؛ فَإنَّ القَطْعَ يَسْقُطُ عنهُ قِياسًا عَلى المُحارِبِ؛ وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّ القَطْعَ لا يَكُونُ إلّا عَلى مَن أخْرَجَ مِن حِرْزٍ؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إذا جَمَعَ الثِيابَ في البَيْتِ قُطِعَ؛ وإنْ لَمْ يُخْرِجْها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ ؛ جَمَعَ الأيْدِيَ مِن حَيْثُ كانَ لِكُلِّ سارِقٍ يَمِينٌ واحِدَةٌ؛ وهي المُعَرَّضَةُ لِلْقَطْعِ في السَرِقَةِ أوَّلًا؛ فَجاءَتْ لِلسُّرّاقِ أيْدٍ؛ ولِلسّارِقاتِ أيْدٍ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "اِقْطَعُوا أيْمانَ النَوْعَيْنِ"؛ فالتَثْنِيَةُ في الضَمِيرِ إنَّما هي لِلنَّوْعَيْنِ؛ قالَ الزَجّاجُ عن بَعْضِ النَحْوِيِّينَ: إنَّما جُعِلَتْ تَثْنِيَةُ ما في الإنْسانِ مِنهُ واحِدٌ جَمْعًا؛ كَقَوْلِهِ: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤] ؛ لِأنَّ أكْثَرَ أعْضائِهِ فِيهِ مِنهُ اثْنانِ؛ فَحُمِلَ ما كانَ فِيهِ الواحِدُ عَلى مِثالِ ذَلِكَ؛ قالَ أبُو إسْحاقَ: وحَقِيقَةُ هَذا البابِ أنَّ ما كانَ في الشَيْءِ مِنهُ واحِدٌ لَمْ يُثَنَّ؛ ولُفِظَ بِهِ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ؛ لِأنَّ الإضافَةَ تُبَيِّنُهُ؛ فَإذا قُلْتَ: "أشْبَعْتُ بُطُونَهُما؛ عُلِمَ أنَّ لِلِاثْنَيْنِ بَطْنَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهم كَرِهُوا اجْتِماعَ تَثْنِيَتَيْنِ في كَلِمَةٍ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَرْتِيبِ القَطْعِ؛ فَمَذْهَبُ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ وجُمْهُورِ الناسِ أنْ تُقْطَعَ اليُمْنى مِن يَدِ السارِقِ؛ ثُمَّ - إنْ عادَ - قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُسْرى؛ ثُمَّ - إنْ عادَ - قُطِعَتْ يَدُهُ اليُسْرى؛ ثُمَّ - إنْ عادَ - قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُمْنى؛ ثُمَّ إنْ سَرَقَ عُزِّرَ؛ وحُبِسَ؛ وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ والزُهْرِيُّ ؛ وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ ؛ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: تُقْطَعُ يَدُهُ اليُمْنى؛ ثُمَّ - إنْ سَرَقَ - قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُسْرى؛ ثُمَّ - إنْ سَرَقَ - عُزِّرَ وحُبِسَ؛ ورُوِيَ عن عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: لا تُقْطَعُ في السَرِقَةِ إلّا اليَدُ اليُمْنى فَقَطْ؛ ثُمَّ - إنْ سَرَقَ - عُزِّرَ وحُبِسَ.
(p-١٦٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَمَسُّكٌ بِظاهِرِ الآيَةِ؛ والقَوْلٌ شاذٌّ؛ فَيَلْزَمُ - عَلى ظاهِرِ الآيَةِ - أنْ تُقْطَعَ اليَدُ ثُمَّ اليَدُ؛ ومَذْهَبُ جُمْهُورِ الفُقَهاءِ أنَّ القَطْعَ في اليَدِ مِنَ الرُسْغِ؛ وفي الرِجْلِ مِنَ المَفْصِلِ؛ ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّ القَطْعَ في اليَدِ مِنَ الأصابِعِ؛ وفي الرِجْلِ مِن نِصْفِ القَدَمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾ ؛ نَصَبَهُ عَلى المَصْدَرِ؛ وقالَ الزَجّاجُ: مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ؛ وكَذَلِكَ: ﴿نَكالا مِنَ اللهِ﴾ ؛ والنَكالُ: اَلْعَذابُ؛ والنَكْلُ: اَلْقَيْدُ؛ وسائِرُ مَعْنى الآيَةِ بَيِّنٌ؛ وفِيهِ بَعْضُ الإعْرابِ حِكايَةً.
المائدة 5:39
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وأصْلَحَ فَإنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿يا أيُّها الرَسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم ومِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾
اَلْمَعْنى عِنْدَ جُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ مَن تابَ مِنَ السَرِقَةِ فَنَدِمَ عَلى ما مَضى؛ وأقْلَعَ في المُسْتَأْنَفِ؛ وأصْلَحَ - بِرَدِّ الظُلامَةِ إنْ أمْكَنَهُ ذَلِكَ؛ وإلّا فَبِإنْفاقِها في سَبِيلِ اللهِ - وأصْلَحَ أيْضًا في سائِرِ أعْمالِهِ؛ وارْتَفَعَ إلى فَوْقَ؛ فَإنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ؛ ويُذْهِبُ عنهُ حُكْمَ السَرِقَةِ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ تَعالى؛ وهو في المَشِيئَةِ مَرْجُوٌّ لَهُ الوَعْدُ؛ ولَيْسَ تُسْقِطُ عنهُ التَوْبَةُ حُكْمَ الدُنْيا مِنَ القَطْعِ؛ إنِ اعْتَرَفَ؛ أو شُهِدَ عَلَيْهِ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلتَّوْبَةُ والإصْلاحُ هي أنْ يُقامَ عَلَيْهِ الحَدُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَشْدِيدٌ؛ وقَدْ جَعَلَ اللهُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الذُنُوبِ بابَيْنِ؛ أحَدُهُما الحَدُّ؛ والآخَرُ التَوْبَةُ؛ وقالَ الشافِعِيُّ: إذا تابَ السارِقُ؛ وقَبْلَ أنْ يَتَلَبَّسَ الحاكِمُ بِأخْذِهِ؛ فَتَوْبَتُهُ تَرْفَعُ عنهُ حُكْمَ القَطْعِ قِياسًا عَلى تَوْبَةِ المُحارِبِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَوْقِيفٌ وتَنْبِيهٌ عَلى العِلَّةِ المُوجِبَةِ لِإنْفاذٍ هَذِهِ الأوامِرِ في (p-١٦٥)المُحارِبِينَ؛ والسَرِقَةِ؛ والإخْبارِ بِهَذا التَعْذِيبِ لِقَوْمٍ والتَوْبَةِ عَلى آخَرِينَ؛ وهي مِلْكُهُ تَعالى لِجَمِيعِ الأشْياءِ؛ فَهو بِحَقِّ المِلْكِ؛ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ؛ ولا مُعْتَرِضَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرَسُولُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وتَقْوِيَةٌ لِنَفْسِهِ بِسَبَبِ ما كانَ يَلْقى مِن طَوائِفِ المُنافِقِينَ؛ وبَنِي إسْرائِيلَ؛ والمَعْنى: قَدْ وعَدْناكَ النَصْرَ والظُهُورَ عَلَيْهِمْ؛ فَلا يَحْزُنْكَ ما يَقَعُ مِنهم خِلالَ بَقائِهِمْ.
وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "يَحْزُنْكَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وضَمِّ الزايِ؛ تَقُولُ العَرَبُ: "حَزِنَ الرَجُلُ"؛ بِكَسْرِ الزايِ؛ و"حَزَنْتُهُ"؛ بِفَتْحِها؛ وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "يُحْزِنْكَ"؛ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ؛ لِأنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: "أحْزَنْتُ الرَجُلَ"؛ بِمَعْنى: "حَزَنْتُهُ"؛ وجَعَلْتُهُ ذا حُزْنٍ؛ وقَرَأ الناسُ: "يُسارِعُونَ"؛ وقَرَأ الحُرُّ النَحْوِيُّ: "يُسْرِعُونَ"؛ دُونَ ألِفٍ؛ ومَعْنى المُسارَعَةِ في الكُفْرِ: اَلْبِدارُ إلى نَصْرِهِ؛ وإقامَةِ حُجَجِهِ؛ والسَعْيِ في إطْفاءِ الإسْلامِ بِهِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَرْتِيبِ مَعْنى الآيَةِ؛ وفِيمَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: "بِأفْواهِهِمْ"؛ وفي سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ؛ فَأمّا سَبَبُها فَرُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وجَماعَةٍ أنَّهم قالُوا: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ الرَجْمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَلِكَ أنَّ يَهُودِيًّا زَنى بِيَهُودِيَّةٍ؛ وكانَ في التَوْراةِ رَجْمُ الزُناةِ؛ وكانَ بَنُو إسْرائِيلَ قَدْ غَيَّرُوا ذَلِكَ؛ ورَدُّوهُ جَلْدًا؛ وتَحْمِيمَ وُجُوهٍ؛ لِأنَّهم لَمْ يُقِيمُوا الرَجْمَ عَلى أشْرافِهِمْ؛ وأقامُوهُ عَلى صِغارِهِمْ في القَدْرِ؛ فاسْتَقْبَحُوا ذَلِكَ؛ وأحْدَثُوا حُكْمًا سَوَّوْا فِيهِ بَيْنَ الشَرِيفِ والمَشْرُوفِ؛ فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلىالمَدِينَةِ زَنى رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ بِامْرَأةٍ؛ فَرُوِيَ «أنَّ ذَلِكَ كانَ بِالمَدِينَةِ؛ ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في غَيْرِ المَدِينَةِ في يَهُودِ الحِجازِ؛ وبَعَثُوا إلى يَهُودِ المَدِينَةِ؛ وإلى حُلَفائِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: عَنِ النازِلَةِ؛ وطَمِعُوا بِذَلِكَ أنْ يُوافِقَهم عَلى الجَلْدِ والتَحْمِيمِ؛ فَيَشْتَدَّ أمْرُهم بِذَلِكَ؛ فَلَمّا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: عن ذَلِكَ نَهَضَ في جُمْلَةٍ مِن أصْحابِهِ إلى بَيْتِ (p-١٦٦)المِدْراسِ؛ فَجَمَعَ الأحْبارَ هُنالِكَ؛ وسَألَهم عَمّا في التَوْراةِ؛ فَقالُوا: إنّا لا نُجِدُّ فِيها الرَجْمَ؛ فَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "إنَّ فِيها الرَجْمَ؛ فانْشُرُوها"؛ فَنُشِرَتْ؛ ووَضَعَ أحَدُهم يَدَهُ عَلى آيَةِ الرَجْمِ؛ فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ: اِرْفَعْ يَدَكَ؛ فَرَفَعَ يَدَهُ فَإذا آيَةُ الرَجْمِ؛ فَحَكَمَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيها بِالرَجْمِ؛ وأنْفَذَهُ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا الحَدِيثِ اخْتِلافُ ألْفاظٍ؛ ورِواياتٍ كَثِيرَةٍ؛ مِنها أنَّهُ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَرَّ عَلَيْهِ يَهُودِيٌّ ويَهُودِيَّةٌ زَنَيا؛ وقَدْ جُلِدا وحُمِّما؛ فَقالَ: "هَكَذا شَرْعُكم يا مَعْشَرَ يَهُودٍ؟"؛ فَقالُوا: نَعَمْ؛ فَقالَ: "لا"؛ ثُمَّ مَشى إلى بَيْتِ المِدْراسِ؛ وفَضَحَهُمْ؛ وحَكَمَ في ذَيْنِكَ بِالرَجْمِ؛ وقالَ: "لَأكُونَنَّ أوَّلَ مَن أحْيا حُكْمَ التَوْراةِ حِينَ أماتُوهُ".»
ورُوِيَ أنَّ الزانِيَيْنِ لَمْ يَكُونا بِالمَدِينَةِ؛ وأنَّ يَهُودَ فَدَكَ هُمُ الَّذِينَ قالُوا لِيَهُودِ المَدِينَةِ: اِسْتَفْتُوا مُحَمَّدًا؛ فَإنْ أفْتاكم بِما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الجَلْدِ والتَجْبِيَةِ؛ فَخُذُوهُ؛ وإنْ أفْتاكم بِالرَجْمِ فاحْذَرُوا الرَجْمَ؛ قالَهُ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ؛ وقالَ قَتادَةُ بْنُ دِعامَةَ؛ وغَيْرُهُ: سَبَبُ الآيَةِ: ذَكَرَ اليَهُودُ أنَّ بَنِي النَضِيرِ كانُوا قَدْ غَزَوْا بَنِي قُرَيْظَةَ؛ فَكانَ النَضْرِيُّ إذا قَتَلَهُ قُرَظِيٌّ قُتِلَ بِهِ؛ وإذا قَتَلَ نَضْرِيٌّ قُرَظِيًّا أُعْطِيَ الدِيَةَ.
وقِيلَ: كانَتْ دِيَةُ القُرَظِيِّ عَلى نِصْفِ دِيَةِ النَضْرِيِّ؛ فَلَمّا جاءَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ طَلَبَتْ قُرَيْظَةُ الِاسْتِواءَ؛ إذْ هم أبْناءُ عَمٍّ؛ يَرْجِعانِ إلى جَدٍّ؛ وطَلَبَتِ الحُكُومَةَ إلى رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقالَتِ النَضِيرُ بَعْضُها لِبَعْضٍ: إنْ حَكَمَ بِما كُنّا عَلَيْهِ فَخُذُوهُ؛ وإلّا فاحْذَرُوا.
(p-١٦٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ النَوازِلُ كُلُّها وقَعَتْ؛ ووَقَعَ غَيْرُها؛ مِمّا يُضارِعُها؛ ويَحْسُنُ أنْ يَكُونَ سَبَبُها لِفَضِيحَةِ اليَهُودِ في تَحْرِيفِهِمُ الكَلِمَ؛ وتَحَرُّشِهِمْ بِالدِينِ؛ والرِواياتُ في هَذا كَثِيرَةٌ ومُخْتَلِفَةٌ.
وقَدْ وقَعَ في بَعْضِ الطُرُقِ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ - في قِصَّةِ الرَجْمِ -: فَقامَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى بَيْتِ مِدْراسِهِمْ؛ وقُمْنا مَعَهُ"؛ وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الأمْرَ كانَ في آخِرِ مُدَّةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ لِأنَّ أبا هُرَيْرَةَ أسْلَمَ عامَ خَيْبَرَ؛ في آخِرِ سَنَةِ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ؛ وقَدْ كانَتِ النَضِيرُ أُجْلِيَتْ؛ وقُرَيْظَةُ وقُرَيْشٌ قُتِلَتْ؛ واليَهُودُ بِالمَدِينَةِ لا شَيْءَ؛ فَكَيْفَ كانَ لَهم بَيْتُ مِدْراسٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ؟ أو إنْ كانَ لَهم بَيْتٌ عَلى حالِ ذِلَّةٍ؛ فَهَلْ كانَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَحْتاجُ - مَعَ ظُهُورِ دِينِهِ - إلى مُحاجَّتِهِمْ تِلْكَ المُحاجَّةَ؟ وظاهِرُ حَدِيثِ بَيْتِ المِدْراسِ أنَّهُ كانَ في صَدْرِ الهِجْرَةِ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَعَ عِزَّةِ كَلِمَتِهِ؛ مِن حَيْثُ أرادَ أنْ يُخْرِجَ حُكْمَهم مِن أيْدِي أحْبارِهِمْ بِالحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مِن كِتابِهِمْ؛ فَلِذَلِكَ مَشى إلى بَيْتِ مِدْراسِهِمْ؛ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ؛ وهَذا عِنْدِي يَبْعُدُ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا ذَلِكَ الوَقْتَ يُحْزِنُونَهُ؛ ولا كانَ لَهم حالٌ يُسَلّى عنها - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وأمّا اخْتِلافُ الناسِ فِيمَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ ؛ فَقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ؛ زَعَمُوا أنَّهُ أبُو لُبابَةَ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ؛ أشارَتْ إلَيْهِ قُرَيْظَةُ يَوْمَ حَصْرِهِمْ: ما الأمْرُ؟ وعَلامَ نَنْزِلُ مِنَ الحُكْمِ؟ فَأشارَ إلى حَلْقِهِ أنَّهُ بِمَعْنى الذَبْحِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ وأبُو لُبابَةَ مِن فُضَلاءِ الصَحابَةِ؛ وهو وإنْ كانَ أشارَ بِتِلْكَ الإشارَةِ فَإنَّهُ قالَ: "فَواللهِ ما زالَتْ قَدَمايَ حَتّى عَلِمْتُ أنِّي خُنْتُ اللهَ ورَسُولَهُ"؛ ثُمَّ جاءَ إلى مَسْجِدِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَرَبَطَ نَفْسَهُ بِسارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ؛ وأقْسَمَ ألّا يَبْرَحَ كَذَلِكَ حَتّى يَتُوبَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ؛ ويَرْضى رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عنهُ؛ فَإنَّما كانَتْ تِلْكَ الإشارَةُ مِنهُ زَلَّةً؛ حَمَلَهُ (p-١٦٨)عَلَيْها إشْفاقٌ ما عَلى قَوْمٍ كانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَهم مَوَدَّةٌ ومُشارَكَةٌ قَدِيمَةٌ؛ - رَضِيَ اللهُ عنهُ؛ وعن جَمِيعِ الصَحابَةِ.
وقالَ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ؛ أرادُوا سُؤالَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في أمْرِ رَجُلٍ مِنهم قَتَلَ آخَرَ؛ فَكَلَّفُوا السُؤالَ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ؛ وقالُوا: إنْ أفْتى بِالدِيَةِ قَبِلْنا قَوْلَهُ؛ وإنْ أفْتى بِالقَتْلِ لَمْ نَقْبَلْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا نَحْوُ ما تَقَدَّمَ عن قَتادَةَ في أمْرِ قَتْلِ النَضِيرِ؛ وقُرَيْظَةَ.
وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ ؛ يُرادُ بِهِ المُنافِقُونَ؛ وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ ؛ يُرادُ بِهِ اليَهُودُ.
وأمّا تَرْتِيبُ مَعْنى الآيَةِ بِحَسَبِ هَذِهِ الأقْوالِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "يا أيُّها الرَسُولُ لا يَحْزُنْكَ المُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ المُنافِقِينَ؛ ومِنَ اليَهُودِ"؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ: "سَمّاعُونَ"؛ خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "لا يَحْزُنْكَ المُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ اليَهُودِ"؛ ووَصَفَهم بِأنَّهم قالُوا: آمَنّا بِأفْواهِهِمْ؛ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ؛ إلْزامًا مِنهُ لَهُمْ؛ مِن حَيْثُ حَرَّفُوا تَوْراتَهُمْ؛ وبَدَّلُوا أحْكامَها؛ فَهم يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ: نَحْنُ مُؤْمِنُونَ بِالتَوْراةِ؛ وبِمُوسى؛ وقُلُوبُهم غَيْرُ مُؤْمِنَةٍ؛ مِن حَيْثُ بَدَّلُوها؛ وجَحَدُوا ما فِيها مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ مِمّا هو كُفْرٌ مِنهُمْ؛ ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذا: ﴿وَما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣] ؛ ويَجِيءُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَمِنهُمْ"؛ لَكِنْ صَرَّحَ بِذِكْرِ اليَهُودِ؛ مِن حَيْثُ الطائِفَةُ السَمّاعَةُ غَيْرُ الطائِفَةِ الَّتِي تُبَدِّلُ التَوْراةَ عَلى عِلْمٍ مِنها.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سَمّاعُونَ"؛ وقَرَأ النَحّاسُ: "سَمّاعِينَ"؛ ووَجْهُها عِنْدِي: نُصِبَ عَلى الذَمِّ؛ عَلى تَرْتِيبِ مَن يَقُولُ: "لا يَحْزُنْكَ المُسارِعُونَ مِن هَؤُلاءِ؛ سَمّاعِينَ"؛ وأمّا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمُنافِقِينَ؛ ولِبَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ جَمِيعَهم يَسْمَعُ الكَذِبَ؛ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ؛ ويَقْبَلُونَهُ؛ (p-١٦٩)وَلِذَلِكَ جاءَتْ عِبارَةُ سَماعِهِمْ في صِيغَةِ المُبالَغَةِ؛ إذِ المُرادُ أنَّهم يَقْبَلُونَ ويَسْتَزِيدُونَ مِن ذَلِكَ المَسْمُوعِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: "لِلْكَذِبِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "سَمّاعُونَ مِنكَ أقْوالَكَ مِن أجْلِ أنْ يَكُونُوا عَلَيْكَ؛ ويَنْقُلُوا حَدِيثَكَ؛ ويَزِيدُوا مَعَ الكَلِمَةِ أضْعافَها كَذِبًا"؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "لِلْكِذْبِ"؛ بِكَسْرِ الكافِ؛ وسُكُونِ الذالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: يَسْمَعُونَ مِنهُمْ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن جابِرٍ أنَّ المُرادَ بِالقَوْمِ الآخَرِينَ يَهُودُ فَدَكَ؛ وقِيلَ: يَهُودُ خَيْبَرَ؛ وقِيلَ: أهْلُ الزانِيَيْنِ؛ وقِيلَ: أهْلُ الخِصامِ في القَتْلِ؛ والدِيَةِ؛ وهَؤُلاءِ القَوْمُ الآخَرُونَ هُمُ المَوْصُوفُونَ بِأنَّهم لَمْ يَأْتُوا النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: "سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ"؛ بِمَعْنى: جَواسِيسَ مُسْتَرِقِينَ لِلْكَلامِ؛ لِيَنْقُلُوهُ لِقَوْمٍ آخَرِينَ؛ وهَذا مِمّا يُمْكِنُ أنْ يَتَّصِفَ بِهِ المُنافِقُونَ ويَهُودُ المَدِينَةِ. وقِيلَ لِسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: هَلْ جَرى لِلْجاسُوسِ ذِكْرٌ في كِتابِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؟ فَقالَ: نَعَمْ؛ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾.
المائدة 5:40
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وأصْلَحَ فَإنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿يا أيُّها الرَسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم ومِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾
اَلْمَعْنى عِنْدَ جُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ مَن تابَ مِنَ السَرِقَةِ فَنَدِمَ عَلى ما مَضى؛ وأقْلَعَ في المُسْتَأْنَفِ؛ وأصْلَحَ - بِرَدِّ الظُلامَةِ إنْ أمْكَنَهُ ذَلِكَ؛ وإلّا فَبِإنْفاقِها في سَبِيلِ اللهِ - وأصْلَحَ أيْضًا في سائِرِ أعْمالِهِ؛ وارْتَفَعَ إلى فَوْقَ؛ فَإنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ؛ ويُذْهِبُ عنهُ حُكْمَ السَرِقَةِ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ تَعالى؛ وهو في المَشِيئَةِ مَرْجُوٌّ لَهُ الوَعْدُ؛ ولَيْسَ تُسْقِطُ عنهُ التَوْبَةُ حُكْمَ الدُنْيا مِنَ القَطْعِ؛ إنِ اعْتَرَفَ؛ أو شُهِدَ عَلَيْهِ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلتَّوْبَةُ والإصْلاحُ هي أنْ يُقامَ عَلَيْهِ الحَدُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَشْدِيدٌ؛ وقَدْ جَعَلَ اللهُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الذُنُوبِ بابَيْنِ؛ أحَدُهُما الحَدُّ؛ والآخَرُ التَوْبَةُ؛ وقالَ الشافِعِيُّ: إذا تابَ السارِقُ؛ وقَبْلَ أنْ يَتَلَبَّسَ الحاكِمُ بِأخْذِهِ؛ فَتَوْبَتُهُ تَرْفَعُ عنهُ حُكْمَ القَطْعِ قِياسًا عَلى تَوْبَةِ المُحارِبِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَوْقِيفٌ وتَنْبِيهٌ عَلى العِلَّةِ المُوجِبَةِ لِإنْفاذٍ هَذِهِ الأوامِرِ في (p-١٦٥)المُحارِبِينَ؛ والسَرِقَةِ؛ والإخْبارِ بِهَذا التَعْذِيبِ لِقَوْمٍ والتَوْبَةِ عَلى آخَرِينَ؛ وهي مِلْكُهُ تَعالى لِجَمِيعِ الأشْياءِ؛ فَهو بِحَقِّ المِلْكِ؛ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ؛ ولا مُعْتَرِضَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرَسُولُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وتَقْوِيَةٌ لِنَفْسِهِ بِسَبَبِ ما كانَ يَلْقى مِن طَوائِفِ المُنافِقِينَ؛ وبَنِي إسْرائِيلَ؛ والمَعْنى: قَدْ وعَدْناكَ النَصْرَ والظُهُورَ عَلَيْهِمْ؛ فَلا يَحْزُنْكَ ما يَقَعُ مِنهم خِلالَ بَقائِهِمْ.
وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "يَحْزُنْكَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وضَمِّ الزايِ؛ تَقُولُ العَرَبُ: "حَزِنَ الرَجُلُ"؛ بِكَسْرِ الزايِ؛ و"حَزَنْتُهُ"؛ بِفَتْحِها؛ وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "يُحْزِنْكَ"؛ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ؛ لِأنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: "أحْزَنْتُ الرَجُلَ"؛ بِمَعْنى: "حَزَنْتُهُ"؛ وجَعَلْتُهُ ذا حُزْنٍ؛ وقَرَأ الناسُ: "يُسارِعُونَ"؛ وقَرَأ الحُرُّ النَحْوِيُّ: "يُسْرِعُونَ"؛ دُونَ ألِفٍ؛ ومَعْنى المُسارَعَةِ في الكُفْرِ: اَلْبِدارُ إلى نَصْرِهِ؛ وإقامَةِ حُجَجِهِ؛ والسَعْيِ في إطْفاءِ الإسْلامِ بِهِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَرْتِيبِ مَعْنى الآيَةِ؛ وفِيمَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: "بِأفْواهِهِمْ"؛ وفي سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ؛ فَأمّا سَبَبُها فَرُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وجَماعَةٍ أنَّهم قالُوا: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ الرَجْمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَلِكَ أنَّ يَهُودِيًّا زَنى بِيَهُودِيَّةٍ؛ وكانَ في التَوْراةِ رَجْمُ الزُناةِ؛ وكانَ بَنُو إسْرائِيلَ قَدْ غَيَّرُوا ذَلِكَ؛ ورَدُّوهُ جَلْدًا؛ وتَحْمِيمَ وُجُوهٍ؛ لِأنَّهم لَمْ يُقِيمُوا الرَجْمَ عَلى أشْرافِهِمْ؛ وأقامُوهُ عَلى صِغارِهِمْ في القَدْرِ؛ فاسْتَقْبَحُوا ذَلِكَ؛ وأحْدَثُوا حُكْمًا سَوَّوْا فِيهِ بَيْنَ الشَرِيفِ والمَشْرُوفِ؛ فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلىالمَدِينَةِ زَنى رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ بِامْرَأةٍ؛ فَرُوِيَ «أنَّ ذَلِكَ كانَ بِالمَدِينَةِ؛ ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في غَيْرِ المَدِينَةِ في يَهُودِ الحِجازِ؛ وبَعَثُوا إلى يَهُودِ المَدِينَةِ؛ وإلى حُلَفائِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: عَنِ النازِلَةِ؛ وطَمِعُوا بِذَلِكَ أنْ يُوافِقَهم عَلى الجَلْدِ والتَحْمِيمِ؛ فَيَشْتَدَّ أمْرُهم بِذَلِكَ؛ فَلَمّا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: عن ذَلِكَ نَهَضَ في جُمْلَةٍ مِن أصْحابِهِ إلى بَيْتِ (p-١٦٦)المِدْراسِ؛ فَجَمَعَ الأحْبارَ هُنالِكَ؛ وسَألَهم عَمّا في التَوْراةِ؛ فَقالُوا: إنّا لا نُجِدُّ فِيها الرَجْمَ؛ فَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "إنَّ فِيها الرَجْمَ؛ فانْشُرُوها"؛ فَنُشِرَتْ؛ ووَضَعَ أحَدُهم يَدَهُ عَلى آيَةِ الرَجْمِ؛ فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ: اِرْفَعْ يَدَكَ؛ فَرَفَعَ يَدَهُ فَإذا آيَةُ الرَجْمِ؛ فَحَكَمَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيها بِالرَجْمِ؛ وأنْفَذَهُ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا الحَدِيثِ اخْتِلافُ ألْفاظٍ؛ ورِواياتٍ كَثِيرَةٍ؛ مِنها أنَّهُ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَرَّ عَلَيْهِ يَهُودِيٌّ ويَهُودِيَّةٌ زَنَيا؛ وقَدْ جُلِدا وحُمِّما؛ فَقالَ: "هَكَذا شَرْعُكم يا مَعْشَرَ يَهُودٍ؟"؛ فَقالُوا: نَعَمْ؛ فَقالَ: "لا"؛ ثُمَّ مَشى إلى بَيْتِ المِدْراسِ؛ وفَضَحَهُمْ؛ وحَكَمَ في ذَيْنِكَ بِالرَجْمِ؛ وقالَ: "لَأكُونَنَّ أوَّلَ مَن أحْيا حُكْمَ التَوْراةِ حِينَ أماتُوهُ".»
ورُوِيَ أنَّ الزانِيَيْنِ لَمْ يَكُونا بِالمَدِينَةِ؛ وأنَّ يَهُودَ فَدَكَ هُمُ الَّذِينَ قالُوا لِيَهُودِ المَدِينَةِ: اِسْتَفْتُوا مُحَمَّدًا؛ فَإنْ أفْتاكم بِما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الجَلْدِ والتَجْبِيَةِ؛ فَخُذُوهُ؛ وإنْ أفْتاكم بِالرَجْمِ فاحْذَرُوا الرَجْمَ؛ قالَهُ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ؛ وقالَ قَتادَةُ بْنُ دِعامَةَ؛ وغَيْرُهُ: سَبَبُ الآيَةِ: ذَكَرَ اليَهُودُ أنَّ بَنِي النَضِيرِ كانُوا قَدْ غَزَوْا بَنِي قُرَيْظَةَ؛ فَكانَ النَضْرِيُّ إذا قَتَلَهُ قُرَظِيٌّ قُتِلَ بِهِ؛ وإذا قَتَلَ نَضْرِيٌّ قُرَظِيًّا أُعْطِيَ الدِيَةَ.
وقِيلَ: كانَتْ دِيَةُ القُرَظِيِّ عَلى نِصْفِ دِيَةِ النَضْرِيِّ؛ فَلَمّا جاءَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ طَلَبَتْ قُرَيْظَةُ الِاسْتِواءَ؛ إذْ هم أبْناءُ عَمٍّ؛ يَرْجِعانِ إلى جَدٍّ؛ وطَلَبَتِ الحُكُومَةَ إلى رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقالَتِ النَضِيرُ بَعْضُها لِبَعْضٍ: إنْ حَكَمَ بِما كُنّا عَلَيْهِ فَخُذُوهُ؛ وإلّا فاحْذَرُوا.
(p-١٦٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ النَوازِلُ كُلُّها وقَعَتْ؛ ووَقَعَ غَيْرُها؛ مِمّا يُضارِعُها؛ ويَحْسُنُ أنْ يَكُونَ سَبَبُها لِفَضِيحَةِ اليَهُودِ في تَحْرِيفِهِمُ الكَلِمَ؛ وتَحَرُّشِهِمْ بِالدِينِ؛ والرِواياتُ في هَذا كَثِيرَةٌ ومُخْتَلِفَةٌ.
وقَدْ وقَعَ في بَعْضِ الطُرُقِ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ - في قِصَّةِ الرَجْمِ -: فَقامَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى بَيْتِ مِدْراسِهِمْ؛ وقُمْنا مَعَهُ"؛ وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الأمْرَ كانَ في آخِرِ مُدَّةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ لِأنَّ أبا هُرَيْرَةَ أسْلَمَ عامَ خَيْبَرَ؛ في آخِرِ سَنَةِ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ؛ وقَدْ كانَتِ النَضِيرُ أُجْلِيَتْ؛ وقُرَيْظَةُ وقُرَيْشٌ قُتِلَتْ؛ واليَهُودُ بِالمَدِينَةِ لا شَيْءَ؛ فَكَيْفَ كانَ لَهم بَيْتُ مِدْراسٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ؟ أو إنْ كانَ لَهم بَيْتٌ عَلى حالِ ذِلَّةٍ؛ فَهَلْ كانَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَحْتاجُ - مَعَ ظُهُورِ دِينِهِ - إلى مُحاجَّتِهِمْ تِلْكَ المُحاجَّةَ؟ وظاهِرُ حَدِيثِ بَيْتِ المِدْراسِ أنَّهُ كانَ في صَدْرِ الهِجْرَةِ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَعَ عِزَّةِ كَلِمَتِهِ؛ مِن حَيْثُ أرادَ أنْ يُخْرِجَ حُكْمَهم مِن أيْدِي أحْبارِهِمْ بِالحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مِن كِتابِهِمْ؛ فَلِذَلِكَ مَشى إلى بَيْتِ مِدْراسِهِمْ؛ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ؛ وهَذا عِنْدِي يَبْعُدُ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا ذَلِكَ الوَقْتَ يُحْزِنُونَهُ؛ ولا كانَ لَهم حالٌ يُسَلّى عنها - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وأمّا اخْتِلافُ الناسِ فِيمَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ ؛ فَقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ؛ زَعَمُوا أنَّهُ أبُو لُبابَةَ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ؛ أشارَتْ إلَيْهِ قُرَيْظَةُ يَوْمَ حَصْرِهِمْ: ما الأمْرُ؟ وعَلامَ نَنْزِلُ مِنَ الحُكْمِ؟ فَأشارَ إلى حَلْقِهِ أنَّهُ بِمَعْنى الذَبْحِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ وأبُو لُبابَةَ مِن فُضَلاءِ الصَحابَةِ؛ وهو وإنْ كانَ أشارَ بِتِلْكَ الإشارَةِ فَإنَّهُ قالَ: "فَواللهِ ما زالَتْ قَدَمايَ حَتّى عَلِمْتُ أنِّي خُنْتُ اللهَ ورَسُولَهُ"؛ ثُمَّ جاءَ إلى مَسْجِدِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَرَبَطَ نَفْسَهُ بِسارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ؛ وأقْسَمَ ألّا يَبْرَحَ كَذَلِكَ حَتّى يَتُوبَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ؛ ويَرْضى رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عنهُ؛ فَإنَّما كانَتْ تِلْكَ الإشارَةُ مِنهُ زَلَّةً؛ حَمَلَهُ (p-١٦٨)عَلَيْها إشْفاقٌ ما عَلى قَوْمٍ كانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَهم مَوَدَّةٌ ومُشارَكَةٌ قَدِيمَةٌ؛ - رَضِيَ اللهُ عنهُ؛ وعن جَمِيعِ الصَحابَةِ.
وقالَ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ؛ أرادُوا سُؤالَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في أمْرِ رَجُلٍ مِنهم قَتَلَ آخَرَ؛ فَكَلَّفُوا السُؤالَ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ؛ وقالُوا: إنْ أفْتى بِالدِيَةِ قَبِلْنا قَوْلَهُ؛ وإنْ أفْتى بِالقَتْلِ لَمْ نَقْبَلْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا نَحْوُ ما تَقَدَّمَ عن قَتادَةَ في أمْرِ قَتْلِ النَضِيرِ؛ وقُرَيْظَةَ.
وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ ؛ يُرادُ بِهِ المُنافِقُونَ؛ وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ ؛ يُرادُ بِهِ اليَهُودُ.
وأمّا تَرْتِيبُ مَعْنى الآيَةِ بِحَسَبِ هَذِهِ الأقْوالِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "يا أيُّها الرَسُولُ لا يَحْزُنْكَ المُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ المُنافِقِينَ؛ ومِنَ اليَهُودِ"؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ: "سَمّاعُونَ"؛ خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "لا يَحْزُنْكَ المُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ اليَهُودِ"؛ ووَصَفَهم بِأنَّهم قالُوا: آمَنّا بِأفْواهِهِمْ؛ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ؛ إلْزامًا مِنهُ لَهُمْ؛ مِن حَيْثُ حَرَّفُوا تَوْراتَهُمْ؛ وبَدَّلُوا أحْكامَها؛ فَهم يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ: نَحْنُ مُؤْمِنُونَ بِالتَوْراةِ؛ وبِمُوسى؛ وقُلُوبُهم غَيْرُ مُؤْمِنَةٍ؛ مِن حَيْثُ بَدَّلُوها؛ وجَحَدُوا ما فِيها مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ مِمّا هو كُفْرٌ مِنهُمْ؛ ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذا: ﴿وَما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣] ؛ ويَجِيءُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَمِنهُمْ"؛ لَكِنْ صَرَّحَ بِذِكْرِ اليَهُودِ؛ مِن حَيْثُ الطائِفَةُ السَمّاعَةُ غَيْرُ الطائِفَةِ الَّتِي تُبَدِّلُ التَوْراةَ عَلى عِلْمٍ مِنها.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سَمّاعُونَ"؛ وقَرَأ النَحّاسُ: "سَمّاعِينَ"؛ ووَجْهُها عِنْدِي: نُصِبَ عَلى الذَمِّ؛ عَلى تَرْتِيبِ مَن يَقُولُ: "لا يَحْزُنْكَ المُسارِعُونَ مِن هَؤُلاءِ؛ سَمّاعِينَ"؛ وأمّا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمُنافِقِينَ؛ ولِبَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ جَمِيعَهم يَسْمَعُ الكَذِبَ؛ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ؛ ويَقْبَلُونَهُ؛ (p-١٦٩)وَلِذَلِكَ جاءَتْ عِبارَةُ سَماعِهِمْ في صِيغَةِ المُبالَغَةِ؛ إذِ المُرادُ أنَّهم يَقْبَلُونَ ويَسْتَزِيدُونَ مِن ذَلِكَ المَسْمُوعِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: "لِلْكَذِبِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "سَمّاعُونَ مِنكَ أقْوالَكَ مِن أجْلِ أنْ يَكُونُوا عَلَيْكَ؛ ويَنْقُلُوا حَدِيثَكَ؛ ويَزِيدُوا مَعَ الكَلِمَةِ أضْعافَها كَذِبًا"؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "لِلْكِذْبِ"؛ بِكَسْرِ الكافِ؛ وسُكُونِ الذالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: يَسْمَعُونَ مِنهُمْ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن جابِرٍ أنَّ المُرادَ بِالقَوْمِ الآخَرِينَ يَهُودُ فَدَكَ؛ وقِيلَ: يَهُودُ خَيْبَرَ؛ وقِيلَ: أهْلُ الزانِيَيْنِ؛ وقِيلَ: أهْلُ الخِصامِ في القَتْلِ؛ والدِيَةِ؛ وهَؤُلاءِ القَوْمُ الآخَرُونَ هُمُ المَوْصُوفُونَ بِأنَّهم لَمْ يَأْتُوا النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: "سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ"؛ بِمَعْنى: جَواسِيسَ مُسْتَرِقِينَ لِلْكَلامِ؛ لِيَنْقُلُوهُ لِقَوْمٍ آخَرِينَ؛ وهَذا مِمّا يُمْكِنُ أنْ يَتَّصِفَ بِهِ المُنافِقُونَ ويَهُودُ المَدِينَةِ. وقِيلَ لِسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: هَلْ جَرى لِلْجاسُوسِ ذِكْرٌ في كِتابِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؟ فَقالَ: نَعَمْ؛ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾.
المائدة 5:41
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وأصْلَحَ فَإنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿يا أيُّها الرَسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم ومِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾
اَلْمَعْنى عِنْدَ جُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ مَن تابَ مِنَ السَرِقَةِ فَنَدِمَ عَلى ما مَضى؛ وأقْلَعَ في المُسْتَأْنَفِ؛ وأصْلَحَ - بِرَدِّ الظُلامَةِ إنْ أمْكَنَهُ ذَلِكَ؛ وإلّا فَبِإنْفاقِها في سَبِيلِ اللهِ - وأصْلَحَ أيْضًا في سائِرِ أعْمالِهِ؛ وارْتَفَعَ إلى فَوْقَ؛ فَإنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ؛ ويُذْهِبُ عنهُ حُكْمَ السَرِقَةِ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ تَعالى؛ وهو في المَشِيئَةِ مَرْجُوٌّ لَهُ الوَعْدُ؛ ولَيْسَ تُسْقِطُ عنهُ التَوْبَةُ حُكْمَ الدُنْيا مِنَ القَطْعِ؛ إنِ اعْتَرَفَ؛ أو شُهِدَ عَلَيْهِ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلتَّوْبَةُ والإصْلاحُ هي أنْ يُقامَ عَلَيْهِ الحَدُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَشْدِيدٌ؛ وقَدْ جَعَلَ اللهُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الذُنُوبِ بابَيْنِ؛ أحَدُهُما الحَدُّ؛ والآخَرُ التَوْبَةُ؛ وقالَ الشافِعِيُّ: إذا تابَ السارِقُ؛ وقَبْلَ أنْ يَتَلَبَّسَ الحاكِمُ بِأخْذِهِ؛ فَتَوْبَتُهُ تَرْفَعُ عنهُ حُكْمَ القَطْعِ قِياسًا عَلى تَوْبَةِ المُحارِبِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَوْقِيفٌ وتَنْبِيهٌ عَلى العِلَّةِ المُوجِبَةِ لِإنْفاذٍ هَذِهِ الأوامِرِ في (p-١٦٥)المُحارِبِينَ؛ والسَرِقَةِ؛ والإخْبارِ بِهَذا التَعْذِيبِ لِقَوْمٍ والتَوْبَةِ عَلى آخَرِينَ؛ وهي مِلْكُهُ تَعالى لِجَمِيعِ الأشْياءِ؛ فَهو بِحَقِّ المِلْكِ؛ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ؛ ولا مُعْتَرِضَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرَسُولُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وتَقْوِيَةٌ لِنَفْسِهِ بِسَبَبِ ما كانَ يَلْقى مِن طَوائِفِ المُنافِقِينَ؛ وبَنِي إسْرائِيلَ؛ والمَعْنى: قَدْ وعَدْناكَ النَصْرَ والظُهُورَ عَلَيْهِمْ؛ فَلا يَحْزُنْكَ ما يَقَعُ مِنهم خِلالَ بَقائِهِمْ.
وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "يَحْزُنْكَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وضَمِّ الزايِ؛ تَقُولُ العَرَبُ: "حَزِنَ الرَجُلُ"؛ بِكَسْرِ الزايِ؛ و"حَزَنْتُهُ"؛ بِفَتْحِها؛ وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "يُحْزِنْكَ"؛ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ؛ لِأنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: "أحْزَنْتُ الرَجُلَ"؛ بِمَعْنى: "حَزَنْتُهُ"؛ وجَعَلْتُهُ ذا حُزْنٍ؛ وقَرَأ الناسُ: "يُسارِعُونَ"؛ وقَرَأ الحُرُّ النَحْوِيُّ: "يُسْرِعُونَ"؛ دُونَ ألِفٍ؛ ومَعْنى المُسارَعَةِ في الكُفْرِ: اَلْبِدارُ إلى نَصْرِهِ؛ وإقامَةِ حُجَجِهِ؛ والسَعْيِ في إطْفاءِ الإسْلامِ بِهِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَرْتِيبِ مَعْنى الآيَةِ؛ وفِيمَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: "بِأفْواهِهِمْ"؛ وفي سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ؛ فَأمّا سَبَبُها فَرُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وجَماعَةٍ أنَّهم قالُوا: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ الرَجْمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَلِكَ أنَّ يَهُودِيًّا زَنى بِيَهُودِيَّةٍ؛ وكانَ في التَوْراةِ رَجْمُ الزُناةِ؛ وكانَ بَنُو إسْرائِيلَ قَدْ غَيَّرُوا ذَلِكَ؛ ورَدُّوهُ جَلْدًا؛ وتَحْمِيمَ وُجُوهٍ؛ لِأنَّهم لَمْ يُقِيمُوا الرَجْمَ عَلى أشْرافِهِمْ؛ وأقامُوهُ عَلى صِغارِهِمْ في القَدْرِ؛ فاسْتَقْبَحُوا ذَلِكَ؛ وأحْدَثُوا حُكْمًا سَوَّوْا فِيهِ بَيْنَ الشَرِيفِ والمَشْرُوفِ؛ فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلىالمَدِينَةِ زَنى رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ بِامْرَأةٍ؛ فَرُوِيَ «أنَّ ذَلِكَ كانَ بِالمَدِينَةِ؛ ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في غَيْرِ المَدِينَةِ في يَهُودِ الحِجازِ؛ وبَعَثُوا إلى يَهُودِ المَدِينَةِ؛ وإلى حُلَفائِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: عَنِ النازِلَةِ؛ وطَمِعُوا بِذَلِكَ أنْ يُوافِقَهم عَلى الجَلْدِ والتَحْمِيمِ؛ فَيَشْتَدَّ أمْرُهم بِذَلِكَ؛ فَلَمّا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: عن ذَلِكَ نَهَضَ في جُمْلَةٍ مِن أصْحابِهِ إلى بَيْتِ (p-١٦٦)المِدْراسِ؛ فَجَمَعَ الأحْبارَ هُنالِكَ؛ وسَألَهم عَمّا في التَوْراةِ؛ فَقالُوا: إنّا لا نُجِدُّ فِيها الرَجْمَ؛ فَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "إنَّ فِيها الرَجْمَ؛ فانْشُرُوها"؛ فَنُشِرَتْ؛ ووَضَعَ أحَدُهم يَدَهُ عَلى آيَةِ الرَجْمِ؛ فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ: اِرْفَعْ يَدَكَ؛ فَرَفَعَ يَدَهُ فَإذا آيَةُ الرَجْمِ؛ فَحَكَمَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيها بِالرَجْمِ؛ وأنْفَذَهُ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا الحَدِيثِ اخْتِلافُ ألْفاظٍ؛ ورِواياتٍ كَثِيرَةٍ؛ مِنها أنَّهُ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَرَّ عَلَيْهِ يَهُودِيٌّ ويَهُودِيَّةٌ زَنَيا؛ وقَدْ جُلِدا وحُمِّما؛ فَقالَ: "هَكَذا شَرْعُكم يا مَعْشَرَ يَهُودٍ؟"؛ فَقالُوا: نَعَمْ؛ فَقالَ: "لا"؛ ثُمَّ مَشى إلى بَيْتِ المِدْراسِ؛ وفَضَحَهُمْ؛ وحَكَمَ في ذَيْنِكَ بِالرَجْمِ؛ وقالَ: "لَأكُونَنَّ أوَّلَ مَن أحْيا حُكْمَ التَوْراةِ حِينَ أماتُوهُ".»
ورُوِيَ أنَّ الزانِيَيْنِ لَمْ يَكُونا بِالمَدِينَةِ؛ وأنَّ يَهُودَ فَدَكَ هُمُ الَّذِينَ قالُوا لِيَهُودِ المَدِينَةِ: اِسْتَفْتُوا مُحَمَّدًا؛ فَإنْ أفْتاكم بِما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الجَلْدِ والتَجْبِيَةِ؛ فَخُذُوهُ؛ وإنْ أفْتاكم بِالرَجْمِ فاحْذَرُوا الرَجْمَ؛ قالَهُ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ؛ وقالَ قَتادَةُ بْنُ دِعامَةَ؛ وغَيْرُهُ: سَبَبُ الآيَةِ: ذَكَرَ اليَهُودُ أنَّ بَنِي النَضِيرِ كانُوا قَدْ غَزَوْا بَنِي قُرَيْظَةَ؛ فَكانَ النَضْرِيُّ إذا قَتَلَهُ قُرَظِيٌّ قُتِلَ بِهِ؛ وإذا قَتَلَ نَضْرِيٌّ قُرَظِيًّا أُعْطِيَ الدِيَةَ.
وقِيلَ: كانَتْ دِيَةُ القُرَظِيِّ عَلى نِصْفِ دِيَةِ النَضْرِيِّ؛ فَلَمّا جاءَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ طَلَبَتْ قُرَيْظَةُ الِاسْتِواءَ؛ إذْ هم أبْناءُ عَمٍّ؛ يَرْجِعانِ إلى جَدٍّ؛ وطَلَبَتِ الحُكُومَةَ إلى رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقالَتِ النَضِيرُ بَعْضُها لِبَعْضٍ: إنْ حَكَمَ بِما كُنّا عَلَيْهِ فَخُذُوهُ؛ وإلّا فاحْذَرُوا.
(p-١٦٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ النَوازِلُ كُلُّها وقَعَتْ؛ ووَقَعَ غَيْرُها؛ مِمّا يُضارِعُها؛ ويَحْسُنُ أنْ يَكُونَ سَبَبُها لِفَضِيحَةِ اليَهُودِ في تَحْرِيفِهِمُ الكَلِمَ؛ وتَحَرُّشِهِمْ بِالدِينِ؛ والرِواياتُ في هَذا كَثِيرَةٌ ومُخْتَلِفَةٌ.
وقَدْ وقَعَ في بَعْضِ الطُرُقِ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ - في قِصَّةِ الرَجْمِ -: فَقامَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى بَيْتِ مِدْراسِهِمْ؛ وقُمْنا مَعَهُ"؛ وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الأمْرَ كانَ في آخِرِ مُدَّةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ لِأنَّ أبا هُرَيْرَةَ أسْلَمَ عامَ خَيْبَرَ؛ في آخِرِ سَنَةِ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ؛ وقَدْ كانَتِ النَضِيرُ أُجْلِيَتْ؛ وقُرَيْظَةُ وقُرَيْشٌ قُتِلَتْ؛ واليَهُودُ بِالمَدِينَةِ لا شَيْءَ؛ فَكَيْفَ كانَ لَهم بَيْتُ مِدْراسٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ؟ أو إنْ كانَ لَهم بَيْتٌ عَلى حالِ ذِلَّةٍ؛ فَهَلْ كانَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَحْتاجُ - مَعَ ظُهُورِ دِينِهِ - إلى مُحاجَّتِهِمْ تِلْكَ المُحاجَّةَ؟ وظاهِرُ حَدِيثِ بَيْتِ المِدْراسِ أنَّهُ كانَ في صَدْرِ الهِجْرَةِ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَعَ عِزَّةِ كَلِمَتِهِ؛ مِن حَيْثُ أرادَ أنْ يُخْرِجَ حُكْمَهم مِن أيْدِي أحْبارِهِمْ بِالحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مِن كِتابِهِمْ؛ فَلِذَلِكَ مَشى إلى بَيْتِ مِدْراسِهِمْ؛ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ؛ وهَذا عِنْدِي يَبْعُدُ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا ذَلِكَ الوَقْتَ يُحْزِنُونَهُ؛ ولا كانَ لَهم حالٌ يُسَلّى عنها - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وأمّا اخْتِلافُ الناسِ فِيمَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ ؛ فَقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ؛ زَعَمُوا أنَّهُ أبُو لُبابَةَ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ؛ أشارَتْ إلَيْهِ قُرَيْظَةُ يَوْمَ حَصْرِهِمْ: ما الأمْرُ؟ وعَلامَ نَنْزِلُ مِنَ الحُكْمِ؟ فَأشارَ إلى حَلْقِهِ أنَّهُ بِمَعْنى الذَبْحِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ وأبُو لُبابَةَ مِن فُضَلاءِ الصَحابَةِ؛ وهو وإنْ كانَ أشارَ بِتِلْكَ الإشارَةِ فَإنَّهُ قالَ: "فَواللهِ ما زالَتْ قَدَمايَ حَتّى عَلِمْتُ أنِّي خُنْتُ اللهَ ورَسُولَهُ"؛ ثُمَّ جاءَ إلى مَسْجِدِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَرَبَطَ نَفْسَهُ بِسارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ؛ وأقْسَمَ ألّا يَبْرَحَ كَذَلِكَ حَتّى يَتُوبَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ؛ ويَرْضى رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عنهُ؛ فَإنَّما كانَتْ تِلْكَ الإشارَةُ مِنهُ زَلَّةً؛ حَمَلَهُ (p-١٦٨)عَلَيْها إشْفاقٌ ما عَلى قَوْمٍ كانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَهم مَوَدَّةٌ ومُشارَكَةٌ قَدِيمَةٌ؛ - رَضِيَ اللهُ عنهُ؛ وعن جَمِيعِ الصَحابَةِ.
وقالَ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ؛ أرادُوا سُؤالَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في أمْرِ رَجُلٍ مِنهم قَتَلَ آخَرَ؛ فَكَلَّفُوا السُؤالَ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ؛ وقالُوا: إنْ أفْتى بِالدِيَةِ قَبِلْنا قَوْلَهُ؛ وإنْ أفْتى بِالقَتْلِ لَمْ نَقْبَلْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا نَحْوُ ما تَقَدَّمَ عن قَتادَةَ في أمْرِ قَتْلِ النَضِيرِ؛ وقُرَيْظَةَ.
وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ ؛ يُرادُ بِهِ المُنافِقُونَ؛ وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ ؛ يُرادُ بِهِ اليَهُودُ.
وأمّا تَرْتِيبُ مَعْنى الآيَةِ بِحَسَبِ هَذِهِ الأقْوالِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "يا أيُّها الرَسُولُ لا يَحْزُنْكَ المُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ المُنافِقِينَ؛ ومِنَ اليَهُودِ"؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ: "سَمّاعُونَ"؛ خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "لا يَحْزُنْكَ المُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ اليَهُودِ"؛ ووَصَفَهم بِأنَّهم قالُوا: آمَنّا بِأفْواهِهِمْ؛ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ؛ إلْزامًا مِنهُ لَهُمْ؛ مِن حَيْثُ حَرَّفُوا تَوْراتَهُمْ؛ وبَدَّلُوا أحْكامَها؛ فَهم يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ: نَحْنُ مُؤْمِنُونَ بِالتَوْراةِ؛ وبِمُوسى؛ وقُلُوبُهم غَيْرُ مُؤْمِنَةٍ؛ مِن حَيْثُ بَدَّلُوها؛ وجَحَدُوا ما فِيها مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ مِمّا هو كُفْرٌ مِنهُمْ؛ ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذا: ﴿وَما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣] ؛ ويَجِيءُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَمِنهُمْ"؛ لَكِنْ صَرَّحَ بِذِكْرِ اليَهُودِ؛ مِن حَيْثُ الطائِفَةُ السَمّاعَةُ غَيْرُ الطائِفَةِ الَّتِي تُبَدِّلُ التَوْراةَ عَلى عِلْمٍ مِنها.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سَمّاعُونَ"؛ وقَرَأ النَحّاسُ: "سَمّاعِينَ"؛ ووَجْهُها عِنْدِي: نُصِبَ عَلى الذَمِّ؛ عَلى تَرْتِيبِ مَن يَقُولُ: "لا يَحْزُنْكَ المُسارِعُونَ مِن هَؤُلاءِ؛ سَمّاعِينَ"؛ وأمّا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمُنافِقِينَ؛ ولِبَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ جَمِيعَهم يَسْمَعُ الكَذِبَ؛ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ؛ ويَقْبَلُونَهُ؛ (p-١٦٩)وَلِذَلِكَ جاءَتْ عِبارَةُ سَماعِهِمْ في صِيغَةِ المُبالَغَةِ؛ إذِ المُرادُ أنَّهم يَقْبَلُونَ ويَسْتَزِيدُونَ مِن ذَلِكَ المَسْمُوعِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: "لِلْكَذِبِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "سَمّاعُونَ مِنكَ أقْوالَكَ مِن أجْلِ أنْ يَكُونُوا عَلَيْكَ؛ ويَنْقُلُوا حَدِيثَكَ؛ ويَزِيدُوا مَعَ الكَلِمَةِ أضْعافَها كَذِبًا"؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "لِلْكِذْبِ"؛ بِكَسْرِ الكافِ؛ وسُكُونِ الذالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: يَسْمَعُونَ مِنهُمْ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن جابِرٍ أنَّ المُرادَ بِالقَوْمِ الآخَرِينَ يَهُودُ فَدَكَ؛ وقِيلَ: يَهُودُ خَيْبَرَ؛ وقِيلَ: أهْلُ الزانِيَيْنِ؛ وقِيلَ: أهْلُ الخِصامِ في القَتْلِ؛ والدِيَةِ؛ وهَؤُلاءِ القَوْمُ الآخَرُونَ هُمُ المَوْصُوفُونَ بِأنَّهم لَمْ يَأْتُوا النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: "سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ"؛ بِمَعْنى: جَواسِيسَ مُسْتَرِقِينَ لِلْكَلامِ؛ لِيَنْقُلُوهُ لِقَوْمٍ آخَرِينَ؛ وهَذا مِمّا يُمْكِنُ أنْ يَتَّصِفَ بِهِ المُنافِقُونَ ويَهُودُ المَدِينَةِ. وقِيلَ لِسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: هَلْ جَرى لِلْجاسُوسِ ذِكْرٌ في كِتابِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؟ فَقالَ: نَعَمْ؛ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾.
المائدة 5:42
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا ومَن يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِن اللهُ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم لَهم في الدُنْيا خِزْيٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١] ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أو أعْرِضْ عنهُمْ﴾
قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "اَلْكَلِمِ"؛ بِفَتْحِ الكافِ؛ وكَسْرِ اللامِ؛ وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "اَلْكِلْمِ"؛ بِكَسْرِ الكافِ؛ وسُكُونِ اللامِ؛ وهي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ في "كَلِمَةٌ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾ [المائدة: ٤١] ؛ صِفَةٌ لِلْيَهُودِ فِيما حَرَّفُوا مِنَ التَوْراةِ؛ إذْ ذاكَ أخْطَرُ أمْرٍ حَرَّفُوا فِيهِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لَهم ولِلْمُنافِقِينَ فِيما يُحَرِّفُونَ مِنَ الأقْوالِ عِنْدَ كَذِبِهِمْ؛ لِأنَّ مَبادِئَ كَذِبِهِمْ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ مِن أشْياءَ قِيلَتْ؛ أو فُعِلَتْ؛ وهَذا هو الكَذِبُ المُزَيَّنُ الَّذِي يَقْرُبُ قَبُولُهُ؛ وأمّا الكَذِبُ الَّذِي لا يُرْفَدُ بِمَبْدَإٍ فَقَلِيلُ الأثَرِ في النُفُوسِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] أيْ: "مِن بَعْدِ أنْ وُضِعَ مَواضِعَهُ؛ وقُصِدَتْ بِهِ وُجُوهُهُ (p-١٧٠)القَوِيمَةُ؛ والإشارَةَ بِهَذا؛ قِيلَ: هي إلى التَحْمِيمِ والجَلْدِ في الزِنا؛ وقِيلَ: هي إلى قَبُولِ الدِيَةِ في أمْرِ القَتْلِ؛ وقِيلَ: إلى إبْقاءِ عِزَّةِ النَضِيرِ عَلى قُرَيْظَةَ؛ وهَذا بِحَسَبِ الخِلافِ المُتَقَدِّمِ في الآيَةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ - عَلى جِهَةِ قَطْعِ الرَجاءِ فِيهِمْ -: ﴿وَمَن يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهُ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] ؛ أيْ: لا تُتْبِعْ نَفْسَكَ أمْرَهُمْ؛ والفِتْنَةَ هُنا: اَلْمِحْنَةُ بِالكُفْرِ؛ والتَعْذِيبِ في الآخِرَةِ؛ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهُمُ الَّذِينَ سَبَقَ لَهم في عِلْمِ اللهِ ألّا يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ؛ وأنْ يَكُونُوا مُدَنَّسِينَ بِالكُفْرِ؛ ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى لَهُمُ الخِزْيَ في الدُنْيا؛ والمَعْنى: بِالذِلَّةِ؛ والمَسْكَنَةِ الَّتِي انْضَرَبَتْ عَلَيْهِمْ في أقْطارِ الأرْضِ؛ وفي كُلِّ أُمَّةٍ؛ وقَرَّرَ لَهُمُ العَذابَ في الآخِرَةِ بِكُفْرِهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤١] ؛ إنْ كانَ الأوَّلُ في بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَهَذا تَكْرارُ تَأْكِيدٍ ومُبالَغَةٍ؛ وإنْ كانَ الأوَّلُ في المُنافِقِينَ؛ فَهَذا خَبَرٌ أيْضًا عن بَنِي إسْرائِيلَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ ؛ "فَعّالُونَ"؛ بِناءُ مُبالَغَةٍ؛ أيْ: يَتَكَرَّرُ أكْلُهم لَهُ؛ ويَكْثُرُ؛ والسُحْتُ: كُلُّ ما لا يَحِلُّ كَسْبُهُ مِنَ المالِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ: "اَلسُّحْتِ"؛ ساكِنَةَ الحاءِ؛ خَفِيفَةً؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ والكِسائِيُّ: "اَلسُّحُّتِ"؛ مَضْمُومَةَ الحاءِ؛ مُثَقَّلَةً؛ ورُوِيَ عن خارِجَةَ بْنِ مُصْعَبٍ ؛ عن نافِعٍ: "اَلسِّحْتِ"؛ بِكَسْرِ السِينِ؛ وسُكُونِ الحاءِ؛ واللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: "سَحَتَ"؛ و"أسْحَتَ": إذا اسْتَأْصَلَ؛ وأذْهَبَ؛ فَمِنَ الثُلاثِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ [طه: ٦١] ؛ ومِنَ الرُباعِيِّ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎ ................. ∗∗∗ إلّا مُسْحَتًا أو مُجَلَّفُ
والسُحْتُ؛ والسُحُّتُ - بِضَمِّ السِينِ وتَخْفِيفِ الحاءِ؛ وتَثْقِيلِها - لُغَتانِ في اسْمِ الشَيْءِ (p-١٧١)المَسْحُوتِ؛ والسَحْتُ - بِفَتْحِ السِينِ؛ وسُكُونِ الحاءِ - اَلْمَصْدَرُ؛ سُمِّيَ بِهِ المَسْحُوتُ؛ كَما سُمِّيَ المَصِيدُ "صَيْدًا"؛ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] ؛ وكَما سُمِّيَ المَرْهُونُ "رَهْنًا"؛ وهَذا كَثِيرٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَسُمِّيَ المالُ الحَرامُ سُحْتًا لِأنَّهُ يَذْهَبُ؛ وتَسْتَأْصِلُهُ النُوَبُ؛ كَما قالَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "مَن أصابَ مالًا مِن مَهاوِشَ أذْهَبَهُ اللهُ في نَهابِرَ"؛» وقالَ مَكِّيٌّ: سُمِّيَ المالُ الحَرامُ "سُحْتًا"؛ لِأنَّهُ يَذْهَبُ مِن حَيْثُ يُسْحِتُ الطاعاتِ؛ أيْ: يَذْهَبُ بِها قَلِيلًا قَلِيلًا؛ وقالَ المَهْدَوِيُّ: مِن حَيْثُ يُسْحِتُ أدْيانَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مَرْدُودٌ؛ لِأنَّ السَيِّئاتِ لا تُحْبِطُ الحَسَناتِ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ يُقَدَّرَ أنَّهُ يَشْغَلُ عَنِ الطاعاتِ؛ فَهو سُحْتُها مِن حَيْثُ لا تَعْمَلُ؛ وأمّا طاعَةٌ حاصِلَةٌ فَلا يُقالُ هَذا فِيها؛ وقالَ المَهْدَوِيُّ: سُمِّيَ أجْرُ الحَجّامِ "سُحْتًا"؛ لِأنَّهُ يُسْحِتُ مُرُوءَةَ آخِذِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا أشْبَهُ.
قالَ الطَبَرِيُّ: أصْلُ السُحْتِ: كَلَبُ الجُوعِ؛ يُقالُ: "فُلانٌ مَسْحُوتُ المَعِدَةِ"؛ إذا كانَ لا يُلْفى أبَدًا إلّا جائِعًا؛ يَذْهَبُ ما في مَعِدَتِهِ؛ فَكانَ الَّذِي يَرْتَشِي بِهِ مِنَ الشَرَهِ ما بِالجائِعِ أبَدًا؛ لا يَشْبَعُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَلِكَ بِأنَّ الرِشْوَةَ تَنْسَحِتُ؛ فالمَعْنى هو كَما قَدَّمْناهُ؛ وفي عِبارَةِ الطَبَرِيِّ بَعْضُ اضْطِرابٍ؛ لِأنَّ مَسْحُوتَ المَعِدَةِ هو مَأْخُوذٌ مِنَ الِاسْتِئْصالِ والذَهابِ؛ ولَيْسَ كَلَبُ (p-١٧٢)الغَرَثِ أصْلًا لِلسُّحْتِ؛ والسُحْتُ الَّذِي عُنِيَ أنَّ اليَهُودَ يَأْكُلُونَهُ هو الرِشا في الأحْكامِ؛ والأوقافُ الَّتِي تُؤْكَلُ؛ ويُرْفَدُ أكْلُها بِقَوْلِ الأباطِيلِ؛ وخَدْعِ العامَّةِ؛ ونَحْوِ هَذا.
وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ ؛ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "مَهْرُ البَغِيِّ سُحْتٌ؛ وعُسْبُ الفَحْلِ سُحْتٌ؛ وكَسْبُ الحَجّامِ سُحْتٌ؛ وثَمَنُ الكَلْبِ والخَمْرِ سُحْتٌ"؛ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "اَلسُّحْتُ أنْ يُهْدِيَ لَكَ مَن قَدْ أعنتَهُ في حاجَتِهِ؛ أو حَقِّهِ؛ فَتَقْبَلَ"؛ قِيلَ لِعَبْدِ اللهِ: ما كُنّا نَعُدُّ السُحْتَ إلّا الرِشْوَةَ في الحُكْمِ؛ قالَ: "ذَلِكَ الكُفْرُ"؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وجَماعَةٍ كَثِيرَةٍ أنَّ السُحْتَ هو الرِشْوَةُ في الحُكْمِ؛ ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِن سُحْتٍ فالنارُ أولى بِهِ"؛ قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ وما السُحْتُ؟ قالَ: "اَلرِّشْوَةُ في الحُكْمِ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -:
وكُلُّ ما ذُكِرَ في مَعْنى السُحْتِ فَهو أمْثِلَةٌ؛ ومِن أعْظَمِها الرِشْوَةُ في الحُكْمِ؛ والأُجْرَةُ عَلى قَتْلِ النَفْسِ؛ وهو لَفْظٌ يَعُمُّ كُلَّ كَسْبٍ لا يَحِلُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أو أعْرِضْ عنهُمْ﴾ ؛ تَخْيِيرٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ولِحُكّامِ أُمَّتِهِ بَعْدَهُ في أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم إذا تَراضَوْا في نَوازِلِهِمْ؛ وقالَ عِكْرِمَةُ ؛ والحَسَنُ: هَذا التَخْيِيرُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٌ: نُسِخَ مِن [اَلْمائِدَةِ] آيَتانِ؛ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والقَلائِدَ﴾ [المائدة: ٩٧] ؛ نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿أو أعْرِضْ عنهُمْ﴾ ؛ نَسَخَتْها: ﴿وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللهُ﴾ [المائدة: ٤٩].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: هي مُحْكَمَةٌ؛ وتَخْيِيرُ الحُكّامِ باقٍ؛ وهَذا هو الأظْهَرُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
وفِقْهُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الأُمَّةَ فِيما عَلِمَتْ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ حاكِمَ المُسْلِمِينَ يَحْكُمُ بَيْنَ أهْلِ (p-١٧٣)الذِمَّةِ في التَظالُمِ؛ ويَتَسَلَّطُ عَلَيْهِمْ في تَغْيِيرِهِ؛ ويَنْفِرُ عن صُورَتِهِ كَيْفَ وقَعَ؛ فَيُغَيِّرُ ذَلِكَ؛ ومِنَ التَظالُمِ حَبْسُ السِلَعِ المَبِيعَةِ؛ وغَصْبُ المالِ؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ فَأمّا نَوازِلُ الأحْكامِ الَّتِي لا ظُلْمَ فِيها مِن أحَدِهِمْ لِلْآخَرِ؛ وإنَّما هي دَعاوى مُحْتَمَلَةٌ؛ وطَلَبُ ما يَحِلُّ؛ وما لا يَحِلُّ؛ وطَلَبُ المَخْرَجِ مِنَ الإثْمِ في الآخِرَةِ؛ فَهَذِهِ هي الَّتِي الحاكِمُ فِيها مُخَيَّرٌ؛ وإذا رَضِيَ بِهِ الخَصْمانِ فَلا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِن رِضا الأساقِفَةِ؛ أوِ الأحْبارِ؛ قالَهُ ابْنُ القاسِمِ في "اَلْعُتْبِيَّةُ"؛ قالَ: وأمّا إنْ رَضِيَ الأساقِفَةُ دُونَ الخَصْمَيْنِ؛ أوِ الخَصْمانِ دُونَ الأساقِفَةِ؛ فَلَيْسَ لَهُ أنْ يَحْكُمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وانْظُرْ إنْ رَضِيَ الأساقِفَةُ لِأشْكالِ النَوازِلِ عِنْدَهم دُونَ أنْ يَرْضى الخَصْمانِ؛ فَإنَّها تَحْتَمِلُ الخِلافَ؛ وانْظُرْ إذا رَضِيَ الخَصْمانِ؛ ولَمْ يَقَعْ مِنَ الأحْبارِ نَكِيرٌ فَحَكَمَ الحاكِمُ ؛ ثُمَّ أرادَ الأحْبارُ رَدَّ ذَلِكَ الحُكْمَ؛ وهَلْ تَسْتَوِي النَوازِلُ في هَذا؛ كالرَجْمِ في زانِيَيْنِ؛ والقَضاءِ في مالٍ يَصِيرُ مِن أحَدِهِما إلى الآخَرِ؟ وانْظُرْ إذا رَضِيَ الخَصْمانِ: هَلْ عَلى الحاكِمِ أنْ يَسْتَعْلِمَ ما عِنْدَ الأحْبارِ؛ أو يَقْنَعَ بِأنْ لَمْ تَقَعْ مِنهم مُعارَضَةٌ؟ ومالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - يَسْتَحِبُّ لِحاكِمِ المُسْلِمِينَ الإعْراضَ عنهم وتَرْكَهم إلى دِينِهِمْ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ جاءُوكَ﴾ ؛ يَعْنِي أهْلَ نازِلَةِ الزانِيَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ثُمَّ الآيَةُ بَعْدُ تَتَناوَلُ سائِرَ النَوازِلِ.
المائدة 5:43
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَإنْ تُعْرِضْ عنهم فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْنا التَوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِها النَبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا والرَبّانِيُّونَ والأحْبارُ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللهِ وكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا الناسَ واخْشَوْنِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا ومَن لَمْ يَحْكُمُ بِما أنْزَلَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾
أمَّنَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن ضَرَرِهِمْ إذا أعْرَضَ عنهُمْ؛ وحَقَّرَ في ذَلِكَ شَأْنَهُمْ؛ (p-١٧٤)والمَعْنى: إنَّكَ مَنصُورٌ ؛ ظاهِرُ الأمْرِ عَلى كُلِّ حالٍ؛ وهَذا نَحْوٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾ [آل عمران: ١١١] ؛ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ حَكَمْتَ﴾ [المائدة: ٤٢] ؛ أيْ: اِخْتَرْتَ أنْ تَحْكُمَ بَيْنَهم في نازِلَةٍ ما؛ ﴿فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢] ؛ أيْ: بِالعَدْلِ؛ يُقالُ: أقَسَطَ الرَجُلُ: إذا عَدَلَ وحَكَمَ بِالحَقِّ؛ وقَسَطَ: إذا جارَ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وَأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] ؛ ومَحَبَّةُ اللهِ لِلْمُقْسِطِينَ ما يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِن نِعَمِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى بُعْدَ تَحْكِيمِهِمْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِالإخْلاصِ مِنهُمْ؛ ويُبَيِّنُ بِالقِياسِ الصَحِيحِ أنَّهم لا يُحَكِّمُونَهُ إلّا رَغْبَةً في مَيْلِهِ في هَواهُمْ؛ وانْحِطاطِهِ في شَهَواتِهِمْ؛ وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ ؛ بِنِيَّةٍ صادِقَةٍ وهم قَدْ خالَفُوا حُكْمَ الكِتابِ الَّذِي يُصَدِّقُونَ بِهِ؛ وبِنُبُوَّةِ الآتِي بِهِ؛ وتَوَلَّوْا عن حُكْمِ اللهِ فِيهِما؟ فَأنْتَ الَّذِي لا يُؤْمِنُونَ بِكَ؛ ولا يُصَدِّقُونَكَ؛ أحْرى بِأنْ يُخالِفُوا حُكْمَكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ ؛ أيْ: مِن بَعْدِ حُكْمِ اللهِ في التَوْراةِ في الرَجْمِ؛ وما أشْبَهَهُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي خالَفُوا فِيها أمْرَ اللهِ تَعالى؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ يَعْنِي بِالتَوْراةِ وبِمُوسى؛ وهَذا إلْزامٌ لَهُمْ؛ لِأنَّ مَن خالَفَ حُكْمَ كِتابِ اللهِ فَدَعْواهُ الإيمانَ بِهِ قَلِقَةٌ.
وهَذِهِ الآيَةُ تُقَوِّي أنَّ قَوْلَهُ في صَدْرِ الآيَةِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١] ؛ أنَّهُ يُرادُ بِهِ اليَهُودُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَوْراةَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقُولُ - لَمّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ -: "نَحْنُ اليَوْمَ نَحْكُمُ عَلى اليَهُودِ؛ وعَلى مَن سِواهم مِن أهْلِ الأدْيانِ"؛ والهُدى: اَلْإرْشادُ في المُعْتَقَدِ؛ والشَرائِعِ؛ والنُورُ: ما يُسْتَضاءُ بِهِ مِن أوامِرِها ونَواهِيها؛ والنَبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا هم مَن بُعِثَ مِن لَدُنْ مُوسى بْنِ عِمْرانَ إلى مُدَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ هَذانَ طَرَفا هَذِهِ الجَماعَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ و"أسْلَمُوا"؛ مَعْناهُ: أخْلَصُوا وُجُوهَهم ومَقاصِدَهم لِلَّهِ تَعالى؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ هادُوا﴾ ؛ مُتَعَلِّقٌ (p-١٧٥)بِـ "يَحْكُمُ"؛ أيْ: "يَحْكُمُونَ بِمُقْتَضى التَوْراةِ لِبَنِي إسْرائِيلَ؛ وعَلَيْهِمْ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى: "اَلرَّبّانِيُّونَ"؛ عُطِفَ عَلى "اَلنَّبِيُّونَ"؛ أيْ: ويَحْكُمُ بِها الرَبّانِيُّونَ؛ وهُمُ العُلَماءُ؛ وفي البُخارِيِّ قالَ: اَلرَّبّانِيُّ: اَلَّذِي يُرَبِّي الناسَ بِصِغارِ العِلْمِ؛ قَبْلَ كِبارِهِ؛ وقِيلَ: اَلرَّبّانِيُّ: مَنسُوبٌ إلى "اَلرَّبُّ"؛ أيْ: عِنْدَهُ العِلْمُ بِهِ وبِدِينِهِ؛ وزِيدَتِ النُونُ في "رَبّانِيٌّ"؛ مُبالَغَةً؛ كَما قالُوا: "مَنظَرانِيٌّ"؛ و"مَخْبَرانِيٌّ"؛ وفي عَظِيمِ الرَقَبَةِ: "رَقَبانِيٌّ"؛ والأحْبارُ أيْضًا: اَلْعُلَماءُ؛ واحِدُهم "حِبْرٌ"؛ بِكَسْرِ الحاءِ؛ ويُقالُ بِفَتْحِها؛ وكَثُرَ اسْتِعْمالُ الفَتْحِ فِيهِ؛ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحِبْرِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ؛ وقالَ السُدِّيُّ: اَلْمُرادُ - هُنا - بِالرَبّانِيِّينَ والأحْبارِ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ بِالتَوْراةِ: اِبْنا صُورِيّا؛ كانَ أحَدُهُما رَبّانِيًّا؛ والآخَرُ حَبْرًا؛ وكانُوا قَدْ أعْطَيا النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَهْدًا ألّا يَسْألَهُما عن شَيْءٍ مِن أمْرِ التَوْراةِ إلّا أخْبَراهُ بِهِ؛ فَسَألَهُما عن آيَةِ الرَجْمِ فَأخْبَراهُ بِهِ عَلى وجْهِهِ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُشِيرَةً إلَيْهِما.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا نَظَرٌ؛ والرِوايَةُ الصَحِيحَةُ أنَّ ابْنَيْ صُورِيّا وغَيْرَهُما جَحَدُوا أمْرَ الرَجْمِ؛ وفَضَحَهم فِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ ؛ وإنَّما اللَفْظُ عامٌّ في كُلِّ حَبْرٍ مُسْتَقِيمٍ فِيما مَضى مِنَ الزَمانِ؛ وأمّا في مُدَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَلَوْ وُجِدَ لَأسْلَمَ؛ فَلَمْ يُسَمَّ "حَبْرًا"؛ ولا "رَبّانِيًّا".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا﴾ ؛ أيْ: بِسَبَبِ اسْتِحْفاظِ اللهِ تَعالى إيّاهم أمْرَ التَوْراةِ؛ وأخْذِهِ العَهْدَ عَلَيْهِمْ في العَمَلِ؛ والقَوْلِ بِها؛ وعَرَّفَهم ما فِيها؛ فَصارُوا شُهَداءَ عَلَيْهِ؛ وهَؤُلاءِ ضَيَّعُوا لِما اسْتُحْفِظُوا حَتّى تَبَدَّلَتِ التَوْراةُ؛ والقُرْآنُ بِخِلافِ هَذا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ؛ والحَمْدُ لِلَّهِ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا الناسَ واخْشَوْنِ﴾ ؛ حِكايَةُ ما قِيلَ لِعُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا﴾ ؛ نَهْيٌ عن جَمِيعِ المَكاسِبِ الخَبِيثَةِ بِالعِلْمِ؛ والتَحَيُّلِ لِلدُّنْيا بِالدِينِ؛ وهَذا المَعْنى بِعَيْنِهِ يَتَناوَلُ عُلَماءُ هَذِهِ الأُمَّةِ؛ وحُكّامَها؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا الناسَ﴾ ؛ إلى آخِرِ الآيَةِ خِطابًا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾.
(p-١٧٦)فَقالَتْ جَماعَةٌ: اَلْمُرادُ اليَهُودُ بِـ "اَلْكافِرِينَ"؛ و"اَلظّالِمِينَ"؛ و"اَلْفاسِقِينَ"؛ ورُوِيَ في هَذا حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن طَرِيقِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ.
وقالَتْ جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: اَلْآيَةُ مُتَناوِلَةٌ كُلَّ مَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللهُ ؛ ولَكِنَّهُ في أُمَراءِ هَذِهِ الأُمَّةِ كُفْرُ مَعْصِيَةٍ؛ لا يُخْرِجُهم عَنِ الإيمانِ.
وقِيلَ لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ: أنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في بَنِي إسْرائِيلَ؟ فَقالَ: "نِعْمَ الإخْوَةُ لَكم بَنُو إسْرائِيلَ؛ إنْ كانَ لَكم كُلُّ حُلْوَةٍ؛ ولَهم كُلُّ مُرَّةٍ؛ لَتَسْلُكُنَّ طَرِيقَهم قَدْرَ الشِراكِ".
وقالَ الشَعْبِيُّ: نَزَلَتْ "اَلْكافِرُونَ"؛ في المُسْلِمِينَ؛ و"اَلظّالِمُونَ"؛ في اليَهُودِ؛ و"اَلْفاسِقُونَ"؛ في النَصارى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا أعْلَمُ بِهَذا التَخْصِيصِ وجْهًا؛ إلّا إنْ صَحَّ فِيهِ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ إلّا أنَّهُ راعى مَن ذُكِرَ مَعَ كُلِّ خَبَرٍ مِن هَذِهِ الثَلاثَةِ؛ فَلا يَتَرَتَّبُ لَهُ ما ذُكِرَ في المُسْلِمِينَ إلّا عَلى أنَّهم خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿ "فَلا تَخْشَوُا الناسَ"؛﴾ وقالَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ (p-١٧٧)الآياتُ في بَنِي إسْرائِيلَ؛ ثُمَّ رُضِيَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِها.
المائدة 5:44
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَإنْ تُعْرِضْ عنهم فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْنا التَوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِها النَبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا والرَبّانِيُّونَ والأحْبارُ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللهِ وكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا الناسَ واخْشَوْنِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا ومَن لَمْ يَحْكُمُ بِما أنْزَلَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾
أمَّنَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن ضَرَرِهِمْ إذا أعْرَضَ عنهُمْ؛ وحَقَّرَ في ذَلِكَ شَأْنَهُمْ؛ (p-١٧٤)والمَعْنى: إنَّكَ مَنصُورٌ ؛ ظاهِرُ الأمْرِ عَلى كُلِّ حالٍ؛ وهَذا نَحْوٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾ [آل عمران: ١١١] ؛ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ حَكَمْتَ﴾ [المائدة: ٤٢] ؛ أيْ: اِخْتَرْتَ أنْ تَحْكُمَ بَيْنَهم في نازِلَةٍ ما؛ ﴿فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢] ؛ أيْ: بِالعَدْلِ؛ يُقالُ: أقَسَطَ الرَجُلُ: إذا عَدَلَ وحَكَمَ بِالحَقِّ؛ وقَسَطَ: إذا جارَ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وَأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] ؛ ومَحَبَّةُ اللهِ لِلْمُقْسِطِينَ ما يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِن نِعَمِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى بُعْدَ تَحْكِيمِهِمْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِالإخْلاصِ مِنهُمْ؛ ويُبَيِّنُ بِالقِياسِ الصَحِيحِ أنَّهم لا يُحَكِّمُونَهُ إلّا رَغْبَةً في مَيْلِهِ في هَواهُمْ؛ وانْحِطاطِهِ في شَهَواتِهِمْ؛ وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ ؛ بِنِيَّةٍ صادِقَةٍ وهم قَدْ خالَفُوا حُكْمَ الكِتابِ الَّذِي يُصَدِّقُونَ بِهِ؛ وبِنُبُوَّةِ الآتِي بِهِ؛ وتَوَلَّوْا عن حُكْمِ اللهِ فِيهِما؟ فَأنْتَ الَّذِي لا يُؤْمِنُونَ بِكَ؛ ولا يُصَدِّقُونَكَ؛ أحْرى بِأنْ يُخالِفُوا حُكْمَكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ ؛ أيْ: مِن بَعْدِ حُكْمِ اللهِ في التَوْراةِ في الرَجْمِ؛ وما أشْبَهَهُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي خالَفُوا فِيها أمْرَ اللهِ تَعالى؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ يَعْنِي بِالتَوْراةِ وبِمُوسى؛ وهَذا إلْزامٌ لَهُمْ؛ لِأنَّ مَن خالَفَ حُكْمَ كِتابِ اللهِ فَدَعْواهُ الإيمانَ بِهِ قَلِقَةٌ.
وهَذِهِ الآيَةُ تُقَوِّي أنَّ قَوْلَهُ في صَدْرِ الآيَةِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١] ؛ أنَّهُ يُرادُ بِهِ اليَهُودُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَوْراةَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقُولُ - لَمّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ -: "نَحْنُ اليَوْمَ نَحْكُمُ عَلى اليَهُودِ؛ وعَلى مَن سِواهم مِن أهْلِ الأدْيانِ"؛ والهُدى: اَلْإرْشادُ في المُعْتَقَدِ؛ والشَرائِعِ؛ والنُورُ: ما يُسْتَضاءُ بِهِ مِن أوامِرِها ونَواهِيها؛ والنَبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا هم مَن بُعِثَ مِن لَدُنْ مُوسى بْنِ عِمْرانَ إلى مُدَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ هَذانَ طَرَفا هَذِهِ الجَماعَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ و"أسْلَمُوا"؛ مَعْناهُ: أخْلَصُوا وُجُوهَهم ومَقاصِدَهم لِلَّهِ تَعالى؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ هادُوا﴾ ؛ مُتَعَلِّقٌ (p-١٧٥)بِـ "يَحْكُمُ"؛ أيْ: "يَحْكُمُونَ بِمُقْتَضى التَوْراةِ لِبَنِي إسْرائِيلَ؛ وعَلَيْهِمْ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى: "اَلرَّبّانِيُّونَ"؛ عُطِفَ عَلى "اَلنَّبِيُّونَ"؛ أيْ: ويَحْكُمُ بِها الرَبّانِيُّونَ؛ وهُمُ العُلَماءُ؛ وفي البُخارِيِّ قالَ: اَلرَّبّانِيُّ: اَلَّذِي يُرَبِّي الناسَ بِصِغارِ العِلْمِ؛ قَبْلَ كِبارِهِ؛ وقِيلَ: اَلرَّبّانِيُّ: مَنسُوبٌ إلى "اَلرَّبُّ"؛ أيْ: عِنْدَهُ العِلْمُ بِهِ وبِدِينِهِ؛ وزِيدَتِ النُونُ في "رَبّانِيٌّ"؛ مُبالَغَةً؛ كَما قالُوا: "مَنظَرانِيٌّ"؛ و"مَخْبَرانِيٌّ"؛ وفي عَظِيمِ الرَقَبَةِ: "رَقَبانِيٌّ"؛ والأحْبارُ أيْضًا: اَلْعُلَماءُ؛ واحِدُهم "حِبْرٌ"؛ بِكَسْرِ الحاءِ؛ ويُقالُ بِفَتْحِها؛ وكَثُرَ اسْتِعْمالُ الفَتْحِ فِيهِ؛ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحِبْرِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ؛ وقالَ السُدِّيُّ: اَلْمُرادُ - هُنا - بِالرَبّانِيِّينَ والأحْبارِ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ بِالتَوْراةِ: اِبْنا صُورِيّا؛ كانَ أحَدُهُما رَبّانِيًّا؛ والآخَرُ حَبْرًا؛ وكانُوا قَدْ أعْطَيا النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَهْدًا ألّا يَسْألَهُما عن شَيْءٍ مِن أمْرِ التَوْراةِ إلّا أخْبَراهُ بِهِ؛ فَسَألَهُما عن آيَةِ الرَجْمِ فَأخْبَراهُ بِهِ عَلى وجْهِهِ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُشِيرَةً إلَيْهِما.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا نَظَرٌ؛ والرِوايَةُ الصَحِيحَةُ أنَّ ابْنَيْ صُورِيّا وغَيْرَهُما جَحَدُوا أمْرَ الرَجْمِ؛ وفَضَحَهم فِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ ؛ وإنَّما اللَفْظُ عامٌّ في كُلِّ حَبْرٍ مُسْتَقِيمٍ فِيما مَضى مِنَ الزَمانِ؛ وأمّا في مُدَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَلَوْ وُجِدَ لَأسْلَمَ؛ فَلَمْ يُسَمَّ "حَبْرًا"؛ ولا "رَبّانِيًّا".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا﴾ ؛ أيْ: بِسَبَبِ اسْتِحْفاظِ اللهِ تَعالى إيّاهم أمْرَ التَوْراةِ؛ وأخْذِهِ العَهْدَ عَلَيْهِمْ في العَمَلِ؛ والقَوْلِ بِها؛ وعَرَّفَهم ما فِيها؛ فَصارُوا شُهَداءَ عَلَيْهِ؛ وهَؤُلاءِ ضَيَّعُوا لِما اسْتُحْفِظُوا حَتّى تَبَدَّلَتِ التَوْراةُ؛ والقُرْآنُ بِخِلافِ هَذا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ؛ والحَمْدُ لِلَّهِ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا الناسَ واخْشَوْنِ﴾ ؛ حِكايَةُ ما قِيلَ لِعُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا﴾ ؛ نَهْيٌ عن جَمِيعِ المَكاسِبِ الخَبِيثَةِ بِالعِلْمِ؛ والتَحَيُّلِ لِلدُّنْيا بِالدِينِ؛ وهَذا المَعْنى بِعَيْنِهِ يَتَناوَلُ عُلَماءُ هَذِهِ الأُمَّةِ؛ وحُكّامَها؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا الناسَ﴾ ؛ إلى آخِرِ الآيَةِ خِطابًا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾.
(p-١٧٦)فَقالَتْ جَماعَةٌ: اَلْمُرادُ اليَهُودُ بِـ "اَلْكافِرِينَ"؛ و"اَلظّالِمِينَ"؛ و"اَلْفاسِقِينَ"؛ ورُوِيَ في هَذا حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن طَرِيقِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ.
وقالَتْ جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: اَلْآيَةُ مُتَناوِلَةٌ كُلَّ مَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللهُ ؛ ولَكِنَّهُ في أُمَراءِ هَذِهِ الأُمَّةِ كُفْرُ مَعْصِيَةٍ؛ لا يُخْرِجُهم عَنِ الإيمانِ.
وقِيلَ لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ: أنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في بَنِي إسْرائِيلَ؟ فَقالَ: "نِعْمَ الإخْوَةُ لَكم بَنُو إسْرائِيلَ؛ إنْ كانَ لَكم كُلُّ حُلْوَةٍ؛ ولَهم كُلُّ مُرَّةٍ؛ لَتَسْلُكُنَّ طَرِيقَهم قَدْرَ الشِراكِ".
وقالَ الشَعْبِيُّ: نَزَلَتْ "اَلْكافِرُونَ"؛ في المُسْلِمِينَ؛ و"اَلظّالِمُونَ"؛ في اليَهُودِ؛ و"اَلْفاسِقُونَ"؛ في النَصارى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا أعْلَمُ بِهَذا التَخْصِيصِ وجْهًا؛ إلّا إنْ صَحَّ فِيهِ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ إلّا أنَّهُ راعى مَن ذُكِرَ مَعَ كُلِّ خَبَرٍ مِن هَذِهِ الثَلاثَةِ؛ فَلا يَتَرَتَّبُ لَهُ ما ذُكِرَ في المُسْلِمِينَ إلّا عَلى أنَّهم خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿ "فَلا تَخْشَوُا الناسَ"؛﴾ وقالَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ (p-١٧٧)الآياتُ في بَنِي إسْرائِيلَ؛ ثُمَّ رُضِيَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِها.
المائدة 5:45
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَفْسَ بِالنَفْسِ والعَيْنَ بِالعَيْنِ والأنْفَ بِالأنْفِ والأُذُنَ بِالأُذُنِ والسِنَّ بِالسِنِّ والجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾
اَلْكَتْبُ في هَذِهِ الآيَةِ هو حَقِيقَةٌ؛ كُتِبَ في الألْواحِ؛ وهو بِالمَعْنى كَتْبُ فَرْضٍ وإلْزامٍ؛ والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ"؛ لِبَنِي إسْرائِيلَ؛ وفي "فِيها"؛ لِلتَّوْراةِ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "أنَّ النَفْسَ بِالنَفْسِ"؛ بِنَصْبِ "اَلنَّفْسَ"؛ عَلى اسْمِ "أنَّ"؛ وعُطِفَ ما بَعْدَ ذَلِكَ مَنصُوبًا عَلى "اَلنَّفْسَ"؛ ويَرْفَعُونَ "والجُرُوحُ قِصاصٌ"؛ عَلى أنَّها جُمْلَةٌ مَقْطُوعَةٌ؛ وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ ؛ وعاصِمٌ ؛ بِنَصْبِ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ و"قِصاصٌ"؛ خَبَرُ "أنَّ"؛ ورَوى الواقِدِيُّ عن نافِعٍ أنَّهُ رَفَعَ "والجُرُوحُ"؛ وقَرَأ الكِسائِيُّ: "أنَّ النَفْسَ بِالنَفْسِ"؛ نَصْبًا؛ ورَفَعَ ما بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَمَن نَصَبَ "والعَيْنَ"؛ جَعَلَ عَطْفَ الواوِ مُشْرِكًا في عَمَلِ "أنَّ"؛ ولَمْ يَقْطَعِ الكَلامَ مِمّا قَبْلَهُ؛ ومَن رَفَعَ "والعَيْنُ"؛ فَيَتَمَثَّلُ ذَلِكَ مِنَ الإعْرابِ أنْ يَكُونَ قُطِعَ مِمّا قَبْلُ؛ وصارَ عَطْفُ الواوِ عَطْفَ جُمْلَةِ كَلامٍ؛ لا عَطْفَ تَشْرِيكٍ في عامِلٍ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَفْسَ بِالنَفْسِ﴾ ؛ قُلْنا لَهُمْ: اَلنَّفْسُ بِالنَفْسِ؛ ومِثْلُهُ: لَمّا كانَ المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] ؛ يُمْنَحُونَ كَأْسًا مِن مَعِينٍ؛ عُطِفَ "وَحُورًا عِينًا"؛ عَلى ذَلِكَ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُعْطَفَ قَوْلُهُ: "والعَيْنَ"؛ عَلى الذِكْرِ المُسْتَتِرِ في (p-١٧٨)الطَرْقِ؛ الَّذِي هو الخَبَرُ؛ وإنْ لَمْ يُؤَكَّدِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ بِالضَمِيرِ المُنْفَصِلِ؛ كَما أُكِّدَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] ؛ وقَدْ جاءَ مِثْلُهُ غَيْرَ مُؤَكَّدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولِسِيبَوَيْهِ - رَحِمَهُ اللهُ - في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ العَطْفَ ساغَ دُونَ تَوْكِيدٍ بِضَمِيرٍ مُنْفَصِلٍ؛ لِأنَّ الكَلامَ طالَ بِـ "وَلا" في قَوْلِهِ: ولا آباؤُنَ ؛ فَكانَتْ "وَلا" عِوَضًا مِنَ التَوْكِيدِ؛ كَما طالَ الكَلامُ في قَوْلِهِمْ: "حَضَرَ القاضِي اليَوْمَ امْرَأةٌ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا إنَّما يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ عِوَضًا إذا وقَعَ قَبْلَ حَرْفِ العَطْفِ؛ فَهُناكَ يَكُونُ عِوَضًا مِنَ الضَمِيرِ الواقِعِ قَبْلَ حَرْفِ العَطْفِ؛ فَأمّا إذا وقَعَ بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ فَلا يَسُدُّ مَسَدَّ الضَمِيرِ؛ ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: "حَضَرَ امْرَأةٌ القاضِي اليَوْمَ"؛ لَمْ يُغْنِ طُولُ الكَلامِ في غَيْرِ المَوْضِعِ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ فِيهِ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكَلامُ سِيبَوَيْهِ مُتَّجِهٌ عَلى النَظَرِ النَحْوِيِّ؛ وإنْ كانَ الطُولُ قَبْلَ حَرْفِ العَطْفِ أتَمَّ؛ فَإنَّهُ بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ مُؤَثِّرٌ؛ لا سِيَّما في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ "وَلا"؛ رَبَطَتِ المَعْنى؛ إذْ قَدْ تَقَدَّمَها نَفْيٌ؛ ونَفَتْ هي أيْضًا عَنِ الآباءِ؛ فَتَمَكَّنَ العَطْفُ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ومَن رَفَعَ "والجُرُوحُ قِصاصٌ"؛ فَقَطَعَهُ مِمّا قَبْلَهُ؛ فَإنَّ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ هَذِهِ الوُجُوهَ الثَلاثَةَ الَّتِي احْتَمَلَها رَفْعُ "والعَيْنُ"؛ ويَجُوزُ أنْ يُسْتَأْنَفَ "والجُرُوحُ"؛ لَيْسَ عَلى أنَّهُ مِمّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ في التَوْراةِ؛ ولَكِنْ عَلى اسْتِئْنافِ إيجابٍ وابْتِداءِ شَرِيعَةٍ؛ ويُقَوِّي أنَّهُ مِنَ المَكْتُوبِ عَلَيْهِمْ نَصْبُ مَن نَصَبَهُ.
ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ «عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قَرَأ: "أنِ النَفْسُ بِالنَفْسِ"؛ بِتَخْفِيفِ "أنْ"؛ ورَفْعِ "اَلنَّفْسُ"؛» ثُمَّ رَفْعِ ما بَعْدَها إلى آخِرِ الآيَةِ؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ (p-١٧٩)بِنَصْبِ "اَلنَّفْسَ"؛ وما بَعْدَها؛ ثُمَّ قَرَأ: "وَأنِ الجُرُوحُ قِصاصٌ"؛ بِزِيادَةِ "أنْ"؛ اَلْخَفِيفَةِ؛ ورَفْعِ "اَلْجُرُوحُ".
ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الخَبَرُ بِأنَّ اللهَ تَعالى كَتَبَ فَرْضًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا فَيَجِبُ في ذَلِكَ أخْذُ نَفْسِهِ؛ ثُمَّ هَذِهِ الأعْضاءُ المَذْكُورَةُ كَذَلِكَ؛ ثُمَّ اسْتَمَرَّ هَذا الحُكْمُ في هَذِهِ الأُمَّةِ بِما عُلِمَ مِن شَرْعِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأحْكامِهِ؛ ومَضى عَلَيْهِ إجْماعُ الناسِ.
وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ إلى تَعْمِيمِ قَوْلِهِ: ﴿النَفْسَ بِالنَفْسِ﴾ ؛ فَقَتَلُوا الحُرَّ بِالعَبْدِ؛ والمُسْلِمَ بِالذِمِّيِّ؛ والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ عُمُومٌ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ في المُتَماثِلَيْنِ؛ وهَذا مَذْهَبُ مالِكٍ ؛ وفِيهِ الحَدِيثُ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ"؛» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: رَخَّصَ اللهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ ووَسَّعَ عَلَيْها بِالدِيَةِ؛ ولَمْ يَجْعَلْ لِبَنِي إسْرائِيلَ دِيَةً فِيما نَزَلَ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - وكُتِبَ عَلَيْهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذِهِ الآيَةِ بَيانٌ لِفَسادِ فِعْلِ بَنِي إسْرائِيلَ في تَعَزُّزِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ؛ وكَوْنِ بَنِي النَضِيرِ عَلى الضِعْفِ في الدِيَةِ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ؛ أو عَلى ألّا يُقادَ بَيْنَهُمْ؛ بَلْ يُقْنَعَ بِالدِيَةِ؛ فَفَضَحَهُمُ اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ وأعْلَمَ أنَّهم خالَفُوا كِتابَهُمْ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِنَ الأنْصارِ قِتالٌ؛ فَصارَتْ بَيْنَهم قَتْلى؛ وكانَ لِأحَدِهِما طَوْلٌ عَلى الآخَرِ؛ فَجاءَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَجَعَلَ الحُرَّ بِالحُرِّ؛ والعَبْدَ بِالعَبْدِ؛ قالَ الثَوْرِيُّ: وبَلَغَنِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ثُمَّ نَسَخَتْها: ﴿ "النَفْسَ بِالنَفْسِ".﴾
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ ؛ هو عُمُومٌ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ في جِراحِ (p-١٨٠)القَوَدِ؛ وهي الَّتِي لا يُخافُ مِنها عَلى النَفْسِ؛ فَأمّا ما خِيفَ مِنهُ كالمَأْمُومَةِ؛ وكَسْرِ الفَخِذِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فَلا قِصاصَ فِيها؛ و"اَلْقِصاصُ": مَأْخُوذٌ مِن قَصِّ الأثَرِ؛ وهو اتِّباعُهُ؛ فَكَأنَّ الجانِيَ يُقْتَصُّ أثَرُهُ؛ ويُتَّبَعُ فِيما سَنَّهُ؛ فَيُقْتَلُ كَما قَتَلَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ ؛ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ مَعانٍ؛ أحَدُها: أنْ تَكُونَ "مَن"؛ لِلْمَجْرُوحِ؛ أو ولِيِّ القَتِيلِ؛ ويَعُودَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "لَهُ"؛ عَلَيْهِ أيْضًا؛ ويَكُونَ المَعْنى: إنَّ مَن تَصَدَّقَ بِجُرْحِهِ؛ أو دَمِ ولِيِّهِ؛ فَعَفا عن حَقِّهِ في ذَلِكَ؛ فَإنَّ ذَلِكَ العَفْوَ كَفّارَةٌ لَهُ عن ذُنُوبِهِ؛ ويُعْظِمُ اللهُ أجْرَهُ بِذَلِكَ؛ ويُكَفِّرُ عنهُ؛ وقالَ بِهَذا التَأْوِيلِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ؛ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ ؛ وأبُو الدَرْداءِ ؛ وذَكَرَ أنَّهُ سَمِعَ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: « "ما مِن مُسْلِمٍ يُصابُ بِشَيْءٍ مِن جَسَدِهِ فَيَهَبُهُ؛ إلّا رَفَعَهُ اللهُ بِذَلِكَ دَرَجَةً؛ وحَطَّ عنهُ خَطِيئَةً"؛» وذَكَرَ مَكِّيٌّ حَدِيثًا مِن طَرِيقِ الشَعْبِيِّ أنَّهُ يُحَطُّ مِن ذُنُوبِهِ بِقَدْرِ ما عَفا مِنَ الدِيَةِ؛ واللهُ أعْلَمُ؛ وقالَ بِهِ أيْضًا قَتادَةُ ؛ والحَسَنُ.
والمَعْنى الثانِي أنْ تَكُونَ "مَن"؛ لِلْمَجْرُوحِ أو ولِيِّ القَتِيلِ؛ والضَمِيرُ في "لَهُ"؛ يَعُودُ عَلى الجارِحِ؛ أوِ القاتِلِ؛ إذا تَصَدَّقَ المَجْرُوحُ عَلى الجارِحِ بِجُرْحِهِ؛ وصَفَحَ عنهُ؛ فَذَلِكَ العَفْوُ كَفّارَةٌ لِلْجارِحِ عن ذَلِكَ الذَنْبِ؛ فَكَما أنَّ القِصاصَ كَفّارَةٌ؛ فَكَذَلِكَ العَفْوُ كَفّارَةٌ؛ وأمّا أجْرُ العافِي فَعَلى اللهِ تَعالى؛ وعادَ الضَمِيرُ عَلى مَن لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ؛ لِأنَّ المَعْنى يَقْتَضِيهِ؛ قالَ بِهَذا التَأْوِيلِ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأبُو إسْحاقَ السَبِيعِيُّ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وإبْراهِيمُ؛ وعامِرٌ الشَعْبِيُّ ؛ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والمَعْنى الثالِثُ أنْ تَكُونَ "مَن"؛ لِلْجارِحِ؛ أوِ القاتِلِ؛ والضَمِيرُ في "لَهُ"؛ يَعُودُ عَلَيْهِ أيْضًا؛ والمَعْنى: "إذا جَنى جانٍ فَجُهِلَ؛ وخَفِيَ أمْرُهُ؛ فَتَصَدَّقَ هو بِأنْ عَرَّفَ بِذَلِكَ؛ ومَكَّنَ الحَقَّ مِن نَفْسِهِ؛ فَذَلِكَ الفِعْلُ كَفّارَةٌ لِذَنْبِهِ؛ وذَهَبَ القائِلُونَ بِهَذا التَأْوِيلِ إلى الِاحْتِجاجِ بِأنَّ مُجاهِدًا قالَ: إذا أصابَ رَجُلٌ رَجُلًا؛ ولَمْ يَعْلَمِ المُصابُ مَن أصابَهُ؛ فاعْتَرَفَ لَهُ (p-١٨١)المُصِيبُ فَهو كَفّارَةٌ لِلْمُصِيبِ؛ ورُوِيَ أنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُبَيْرِ أصابَ عَيْنَ إنْسانٍ عِنْدَ الرُكْنِ؛ وهم يَسْتَلِمُونَ؛ فَلَمْ يَدْرِ المُصابُ مَن أصابَهُ؛ فَقالَ لَهُ عُرْوَةُ: أنا أصَبْتُكَ؛ وأنا عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ ؛ فَإنْ كانَ بِعَيْنِكَ بَأْسٌ فَأنا بِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وانْظُرْ أنَّ "تَصَدَّقَ"؛ عَلى هَذا التَأْوِيلِ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن "اَلصَّدَقَةُ"؛ ومِن "اَلصِّدْقُ".
وذَكَرَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وغَيْرُهُ أنَّ قَوْمًا تَأوَّلُوا الآيَةَ أنَّ المَعْنى: "والجُرُوحَ قِصاصٌ؛ فَمَن أعْطى دِيَةَ الجُرْحِ؛ وتَصَدَّقَ بِذَلِكَ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ؛ إذا رُضِيَتْ مِنهُ وقُبِلَتْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَأْوِيلٌ قَلِقٌ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللهُ﴾ ؛ وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَمَن يَتَصَدَّقْ بِهِ فَإنَّهُ كَفّارَةٌ لَهُ".
المائدة 5:46
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَوْراةِ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى ونُورٌ ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَوْراةِ وهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وَلْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللهُ فِيهِ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابَ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾
"وَقَفَّيْنا"؛ تَشْبِيهٌ؛ كَأنَّ مَجِيءَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - كانَ في قَفاءِ مَجِيءِ النَبِيِّينَ؛ وذَهابِهِمْ؛ والضَمِيرُ في "آثارِهِمْ"؛ لِلنَّبِيِّينَ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْكُمُ بِها النَبِيُّونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ؛ و"مُصَدِّقًا"؛ حالٌ مُؤْكِّدَهٌ؛ و"اَلتَّوْراةِ"؛ بَيْنَ يَدَيْ عِيسى؛ لِأنَّها جاءَتْ قَبْلَهُ؛ كَما أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَيْنَ يَدَيِ الساعَةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا المَعْنى في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
و"اَلْإنْجِيلَ"؛ اِسْمٌ أعْجَمِيٌّ ذُهِبَ بِهِ مَذْهَبَ الِاشْتِقاقِ؛ مِن "نَجَلَ"؛ إذا اسْتَخْرَجَ؛ وأظْهَرَ؛ والناسُ عَلى قِراءَتِهِ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ إلّا الحَسَنَ بْنَ أبِي الحَسَنِ؛ فَإنَّهُ قَرَأ "اَلْأنْجِيلَ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى ذَلِكَ في أوَّلِ سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ ".
(p-١٨٢)والهُدى: اَلْإرْشادُ؛ والدُعاءُ إلى تَوْحِيدِ اللهِ وإحْياءِ أحْكامِهِ؛ والنُورُ: ما فِيهِ مِمّا يُسْتَضاءُ بِهِ؛ و"مُصَدِّقًا"؛ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَوْضِعِ الجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ: "فِيهِ هُدًى"؛ فَإنَّها جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ؛ وقالَ مَكِّيٌّ ؛ وغَيْرُهُ: "مُصَدِّقًا"؛ مَعْطُوفٌ عَلى الأوَّلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا قَلَقٌ مِن جِهَةِ اتِّساقِ المَعانِي؛ وقَرَأ الناسُ: "وَهُدًى ومَوْعِظَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ وذَلِكَ عَطْفٌ عَلى "مُصَدِّقٌ"؛ وقَرَأ الضَحّاكُ: "وَهُدًى ومَوْعِظَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ وذَلِكَ مُتَّجَهٌ؛ وخُصَّ المُتَّقُونَ بِالذِكْرِ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ بِهِ في عِلْمِ اللهِ ؛ وإنْ كانَ الجَمِيعُ يُدْعى؛ ويُوعَظُ؛ ولَكِنَّ ذَلِكَ عَلى غَيْرِ المُتَّقِينَ عَمًى وحَيْرَةٌ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَأنْ لِيَحْكُمَ"؛ بِزِيادَةِ "أنْ"؛ وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "وَلِيَحْكُمَ"؛ بِكَسْرِ اللامِ؛ وفَتْحِ المِيمِ؛ عَلى لامِ "كَيْ"؛ ونُصِبَ الفِعْلُ بِها؛ والمَعْنى: "وَآتَيْناهُ الإنْجِيلَ لِيَتَضَمَّنَ الهُدى والنُورَ والتَصْدِيقَ؛ لِيَحْكُمَ أهْلُهُ بِما أنْزَلَ اللهُ فِيهِ"؛ وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ: "وَلْيَحْكُمْ"؛ بِسُكُونِ اللامِ الَّتِي هي لامُ الأمْرِ؛ وجُزِمَ الفِعْلُ؛ ومَعْنى أمْرِهِ لَهم بِالحُكْمِ أيْ: "هَكَذا يَجِبُ عَلَيْهِمْ"؛ وحَسُنَ عَقِبَ ذَلِكَ التَوْقِيفُ عَلى وعِيدِ مَن خالَفَ ما أنْزَلَ اللهُ ؛ ومِنَ القُرّاءِ مَن يَكْسِرُ لامَ الأمْرِ؛ ويَجْزِمُ الفِعْلَ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ؛ وتَقْرِيرُهُ هَذِهِ الصِفاتِ لِمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللهُ هو عَلى جِهَةِ التَأْكِيدِ؛ وأصْوَبُ ما يُقالُ فِيها أنَّها تَعُمُّ كُلَّ مُؤْمِنٍ وكُلَّ كافِرٍ؛ فَيَجِيءُ كُلُّ ذَلِكَ في الكافِرِ عَلى أتَمِّ وُجُوهِهِ؛ وفي المُؤْمِنِ عَلى مَعْنى كُفْرِ المَعْصِيَةِ؛ وظُلْمِها؛ وفِسْقِها.
وأخْبَرَ تَعالى بَعْدُ بِنُزُولِ هَذا القُرْآنِ؛ وقَوْلُهُ: "بِالحَقِّ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مُضَمَّنًا الحَقائِقَ مِنَ الأُمُورِ؛ فَكَأنَّهُ نَزَلَ بِها؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ أنْزَلَهُ بِأنْ حُقَّ ذَلِكَ؛ لا أنَّهُ وجَبَ عَلى اللهِ ؛ ولَكِنْ حُقَّ في نَفْسِهِ؛ وأنْزَلَهُ تَعالى صَلاحًا لِعِبادِهِ؛ وقَوْلُهُ: "مِنَ الكِتابِ"؛ يُرِيدُ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ فَهو اسْمُ جِنْسٍ؛ واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في مَعْنى "مُهَيْمِنًا"؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَمُهَيْمِنًا": شاهِدًا؛ وقالَ أيْضًا: مُؤْتَمَنًا؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: مُصَدِّقًا؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: أمِينًا؛ وحَكى الزَجّاجُ: قَرِيبًا؛ ولَفْظَةُ المُهَيْمِنِ أخَصُّ مِن هَذِهِ الألْفاظِ؛ لِأنَّ المُهَيْمِنَ عَلى الشَيْءِ هو المَعْنِيُّ بِأمْرِهِ؛ (p-١٨٣)الشاهِدُ عَلى حَقائِقِهِ؛ الحافِظُ لِحاصِلِهِ؛ فَلا يُدْخِلُ فِيهِ ما لَيْسَ مِنهُ؛ واللهُ - تَبارَكَ وتَعالى- هو المُهَيْمِنُ عَلى مَخْلُوقاتِهِ؛ وعِبادِهِ؛ والوَصِيُّ مُهَيْمِنٌ عَلى مَحْجُورِيهِ؛ وأمْوالِهِمْ؛ والرَئِيسُ مُهَيْمِنٌ عَلى رَعِيَّتِهِ؛ وأحْوالِهِمْ؛ والقُرْآنِ جَعَلَهُ مُهَيْمِنًا عَلى الكُتُبِ؛ يَشْهَدُ بِما فِيها مِنَ الحَقائِقِ؛ وعَلى ما نَسَبَهُ المُحَرِّفُونَ إلَيْها؛ فَيُصَحِّحُ الحَقائِقَ؛ ويُبْطِلُ التَحْرِيفَ؛ وهَذا هو شاهِدٌ ومُصَدِّقٌ ومُؤْتَمَنٌ وأمِينٌ؛ ومُهَيْمِنٌ؛ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ولَمْ يَجِئْ في كَلامِ العَرَبِ عَلى هَذا البِناءِ إلّا أرْبَعَةُ أحْرُفٍ؛ وهِيَ: "مُسَيْطِرٌ"؛ و"مُبَيْطِرٌ"؛ و"مُهَيْمِنٌ"؛ و"مُجَيْمِرٌ"؛ وذَكَرَ أبُو القاسِمِ الزَجّاجُ - في شَرْحِهِ لِصَدْرِ "أدَبُ الكِتابِ" - و"مُبَيْقِرٌ"؛ يُقالُ: "بَيْقَرَ الرَجُلُ"؛ إذا سارَ مِنَ الحِجازِ إلى الشامِ؛ ومِن أُفُقٍ إلى أُفُقٍ؛ و"بَيْقَرَ"؛ أيْضًا: لَعِبَ البَيْقَرى؛ وهي لُعْبَةٌ يَلْعَبُ بِها الصِبْيانُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ"؛﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ هو مُؤْتَمَنٌ عَلى القُرْآنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وغَلِطَ الطَبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - في هَذِهِ اللَفْظَةِ عَلى مُجاهِدٍ ؛ فَإنَّهُ فَسَّرَ تَأْوِيلَهُ عَلى قِراءَةِ الناسِ: "وَمُهَيْمِنًا"؛ بِكَسْرِ المِيمِ الثانِيَةِ؛ فَبَعُدَ التَأْوِيلُ؛ ومُجاهِدٌ - رَحِمَهُ اللهُ - إنَّما يَقْرَأُ هو وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "مُهَيْمَنًا عَلَيْهِ"؛ بِفَتْحِ المِيمِ الثانِيَةِ؛ فَهو بِناءُ اسْمِ المَفْعُولِ؛ وهو حالٌ مِنَ الكِتابِ؛ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: "مُصَدِّقًا"؛ وعَلى هَذا يُتَّجَهُ أنَّ المُؤْتَمَنَ عَلَيْهِ هو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ و"عَلَيْهِ"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ عَلى تَقْدِيرِ أنَّها مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ هَذا عَلى قِراءَةِ مُجاهِدٍ ؛ وكَذَلِكَ مَشى مَكِّيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - وتَوَغَّلَ في طَرِيقِ الطَبَرِيِّ في هَذا المَوْضِعِ؛ قالَ أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ - رَحِمَهُ اللهُ -: "مُهَيْمِنٌ" أصْلُهُ: "مُؤَيْمِنٌ" - مِن بَنِي أمِينٍ -؛ أُبْدِلَتْ هَمْزَتُهُ هاءً؛ كَما قالُوا: "أرَقْتُ الماءَ"؛ و"هَرَقْتُهُ"؛ قالَ الزَجّاجُ: وهَذا حَسَنٌ عَلى طَرِيقِ العَرَبِيَّةِ؛ وهو مُوافِقٌ لِما جاءَ في التَفْسِيرِ؛ مِن أنَّ مَعْنى "مُهَيْمِنٌ": "مُؤْتَمَنٌ"؛ وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ هَذا الَّذِي قالَ المُبَرِّدُ في بَعْضِ كُتُبِهِ؛ فَحَكى النَقّاشُ أنَّ ذَلِكَ بَلَغَ ثَعْلَبًا؛ فَقالَ: "إنَّ ما قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ رَدِيءٌ"؛ وقالَ: "هَذا باطِلٌ؛ والوُثُوبُ عَلى القُرْآنِ شَدِيدٌ؛ وهو ما سَمِعَ الحَدِيثَ مِن قَوِيٍّ؛ ولا ضَعِيفٍ؛ وإنَّما جَمَعَ الكُتُبَ"؛ اِنْتَهى كَلامُ ثَعْلَبٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُقالُ مِن "مُهَيْمِنٌ": "هَيْمَنَ الرَجُلُ عَلى الشَيْءِ"؛ إذا حَفِظَهُ؛ وحاطَهُ؛ وصارَ قائِمًا عَلَيْهِ (p-١٨٤)أمِينًا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "مُصَدِّقًا"؛ و"وَمُهَيْمِنًا"؛ حالَيْنِ مِنَ الكافِ في "إلَيْكَ"؛ ولا يَخُصُّ ذَلِكَ قِراءَةَ مُجاهِدٍ وحْدَهُ؛ كَما زَعَمَ مَكِّيٌّ.
**
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ولَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكم فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ إلى اللهُ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذِهِ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أو أعْرِضْ عنهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ.
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ؛ وإنَّ المَعْنى: "فَإنِ اخْتَرْتَ أنْ تَحْكُمَ فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللهُ ".
ثُمَّ حَذَّرَ تَعالى نَبِيَّهُ مِنَ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ؛ أيْ: شَهَواتِهِمْ؛ وإرادَتِهِمُ الَّتِي هي هَوًى ورَسُولٌ لِلنَّفْسِ؛ والنَفْسُ أمّارَةٌ بِالسُوءِ؛ فَهَواها مُرْدٍ لا مَحالَةَ؛ وحَسُنَ هُنا دُخُولُ "عن"؛ في قَوْلِهِ: ﴿عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ﴾ ؛ لَمّا كانَ الكَلامُ بِمَعْنى: "لا تَنْصَرِفْ؛ أو لا تُزَحْزَحْ بِحَسَبِ أهْوائِهِمْ عَمّا جاءَكَ".
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وقَتادَةُ ؛ وجُمْهُورُ المُتَكَلِّمِينَ: اَلْمَعْنى: لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنكم جَعَلْنا شِرْعَةً ومِنهاجًا؛ أيْ: لِلْيَهُودِ شِرْعَةٌ ومِنهاجٌ؛ ولِلنَّصارى كَذَلِكَ؛ ولِلْمُسْلِمِينَ كَذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عِنْدَهم في الأحْكامِ؛ وأمّا في المُعْتَقَدِ فالدِينُ واحِدٌ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ تَوْحِيدٌ وإيمانٌ بِالبَعْثِ؛ وتَصْدِيقٌ لِلرُّسُلِ؛ وقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعالى في كِتابِهِ عَدَدًا مِنَ الأنْبِياءِ؛ شَرائِعُهم مُخْتَلِفَةٌ؛ ثُمَّ قالَ لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] ؛ فَهَذا عِنْدَ العُلَماءِ في المُعْتَقَداتِ فَقَطْ؛ وأمّا في الشَرائِعِ فَهَذِهِ الآيَةُ هي القاضِيَةُ فِيها: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾.
(p-١٨٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والتَأْوِيلُ الأوَّلُ عَلَيْهِ الناسُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ ؛ اَلْأُمَمَ؛ كَما قَدَّمْنا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الأنْبِياءَ؛ لا سِيَّما وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرَهم وذِكْرُ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ؛ وتَجِيءُ الآيَةُ مَعَ هَذا الِاحْتِمالِ في الأنْبِياءِ تَنْبِيهًا لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ أيْ: فاحْفَظْ شِرْعَتَكَ ومِنهاجَكَ لِئَلّا يَسْتَزِلَّكَ اليَهُودُ؛ وغَيْرُهم في شَيْءٍ مِنهُ.
والمُتَأوِّلُونَ عَلى أنَّ الشِرْعَةَ والمِنهاجَ في هَذِهِ الآيَةِ لَفْظانِ؛ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ وذَلِكَ أنَّ الشِرْعَةَ والشَرِيعَةَ هِيَ: اَلطَّرِيقُ إلى الماءِ؛ وغَيْرِهِ مِمّا يُورَدُ كَثِيرًا؛ فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وفي الشَرائِعِ مِن جَلّانَ مُقْتَنِصٌ ∗∗∗ بالِي الثِيابِ خَفِيُّ الصَوْتِ مَندُوبُ
أرادَ: في الطُرُقِ إلى الماءِ؛ ومِنهُ: اَلشّارِعُ؛ وهي سِكَكُ المُدُنِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الناسِ: "وَفِيها يُشْرَعُ البابُ"؛ والمِنهاجُ أيْضًا: اَلطَّرِيقُ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ مَن يَكُ في شَكٍّ فَهَذا نَهْجُ ∗∗∗ ∗∗∗ ماءٌ رَواءٌ وطَرِيقٌ نَهْجُ
أرادَ: واضِحًا؛ والمِنهاجُ بِناءُ مُبالَغَةٍ في ذَلِكَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وغَيْرُهُ: ﴿شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ ؛ مَعْناهُ: سَبِيلًا؛ وسُنَّةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَحْتَمِلُ لَفْظُ الآيَةِ أنْ يُرِيدَ بِالشِرْعَةِ: الأحْكامَ؛ وبِالمِنهاجِ: المُعْتَقَدَ؛ أيْ: وهو واحِدٌ في جَمِيعِكُمْ؛ وفي هَذا الِاحْتِمالِ بُعْدٌ.
والقُرّاءُ عَلى "شِرْعَةً"؛ بِكَسْرِ الشِينِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "شَرْعَةً"؛ بِفَتْحِ الشِينِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهُ لَوْ شاءَ لَجَعَلَ العالَمَ أُمَّةً واحِدَةً؛ ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ؛ لِأنَّهُ أرادَ اخْتِبارَهم وابْتِلاءَهم فِيما آتاهم مِنَ الكُتُبِ؛ والشَرائِعِ؛ كَذا قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ؛ وغَيْرُهُ؛ فَلَيْسَ (p-١٨٦)لَهم إلّا أنْ يَجِدُّوا في امْتِثالِ الأوامِرِ؛ وهو اسْتِباقُ الخَيْراتِ؛ فَلِذَلِكَ أمَرَهم بِأحْسَنِ الأشْياءِ عاقِبَةً لَهُمْ؛ ثُمَّ حَثَّهم تَعالى بِالمَوْعِظَةِ والتَذْكِيرِ بِالمَعادِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿إلى اللهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ ؛ والمَعْنى: "فالبَدارَ البَدارَ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ؛ مَعْناهُ: "يَظْهَرُ الثَوابُ والعِقابُ؛ فَتُخْبَرُونَ بِهِ إخْبارَ إيقاعٍ"؛ وإلّا فَقَدْ نَبَّأ اللهُ في الدُنْيا بِالحَقِّ فِيما اخْتَلَفَتِ الأُمَمُ فِيهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ الآيَةُ بارِعَةُ الفَصاحَةِ؛ جَمَعَتِ المَعانِيَ الكَثِيرَةَ في الألْفاظِ اليَسِيرَةِ؛ وكُلُّ كِتابِ اللهِ تَعالى كَذَلِكَ؛ إلّا أنّا بِقُصُورِ أفْهامِنا يَبِينُ في بَعْضٍ لَنا أكْثَرُ مِمّا يَبِينُ في بَعْضٍ.
المائدة 5:47
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَوْراةِ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى ونُورٌ ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَوْراةِ وهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وَلْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللهُ فِيهِ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابَ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾
"وَقَفَّيْنا"؛ تَشْبِيهٌ؛ كَأنَّ مَجِيءَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - كانَ في قَفاءِ مَجِيءِ النَبِيِّينَ؛ وذَهابِهِمْ؛ والضَمِيرُ في "آثارِهِمْ"؛ لِلنَّبِيِّينَ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْكُمُ بِها النَبِيُّونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ؛ و"مُصَدِّقًا"؛ حالٌ مُؤْكِّدَهٌ؛ و"اَلتَّوْراةِ"؛ بَيْنَ يَدَيْ عِيسى؛ لِأنَّها جاءَتْ قَبْلَهُ؛ كَما أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَيْنَ يَدَيِ الساعَةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا المَعْنى في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
و"اَلْإنْجِيلَ"؛ اِسْمٌ أعْجَمِيٌّ ذُهِبَ بِهِ مَذْهَبَ الِاشْتِقاقِ؛ مِن "نَجَلَ"؛ إذا اسْتَخْرَجَ؛ وأظْهَرَ؛ والناسُ عَلى قِراءَتِهِ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ إلّا الحَسَنَ بْنَ أبِي الحَسَنِ؛ فَإنَّهُ قَرَأ "اَلْأنْجِيلَ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى ذَلِكَ في أوَّلِ سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ ".
(p-١٨٢)والهُدى: اَلْإرْشادُ؛ والدُعاءُ إلى تَوْحِيدِ اللهِ وإحْياءِ أحْكامِهِ؛ والنُورُ: ما فِيهِ مِمّا يُسْتَضاءُ بِهِ؛ و"مُصَدِّقًا"؛ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَوْضِعِ الجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ: "فِيهِ هُدًى"؛ فَإنَّها جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ؛ وقالَ مَكِّيٌّ ؛ وغَيْرُهُ: "مُصَدِّقًا"؛ مَعْطُوفٌ عَلى الأوَّلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا قَلَقٌ مِن جِهَةِ اتِّساقِ المَعانِي؛ وقَرَأ الناسُ: "وَهُدًى ومَوْعِظَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ وذَلِكَ عَطْفٌ عَلى "مُصَدِّقٌ"؛ وقَرَأ الضَحّاكُ: "وَهُدًى ومَوْعِظَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ وذَلِكَ مُتَّجَهٌ؛ وخُصَّ المُتَّقُونَ بِالذِكْرِ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ بِهِ في عِلْمِ اللهِ ؛ وإنْ كانَ الجَمِيعُ يُدْعى؛ ويُوعَظُ؛ ولَكِنَّ ذَلِكَ عَلى غَيْرِ المُتَّقِينَ عَمًى وحَيْرَةٌ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَأنْ لِيَحْكُمَ"؛ بِزِيادَةِ "أنْ"؛ وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "وَلِيَحْكُمَ"؛ بِكَسْرِ اللامِ؛ وفَتْحِ المِيمِ؛ عَلى لامِ "كَيْ"؛ ونُصِبَ الفِعْلُ بِها؛ والمَعْنى: "وَآتَيْناهُ الإنْجِيلَ لِيَتَضَمَّنَ الهُدى والنُورَ والتَصْدِيقَ؛ لِيَحْكُمَ أهْلُهُ بِما أنْزَلَ اللهُ فِيهِ"؛ وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ: "وَلْيَحْكُمْ"؛ بِسُكُونِ اللامِ الَّتِي هي لامُ الأمْرِ؛ وجُزِمَ الفِعْلُ؛ ومَعْنى أمْرِهِ لَهم بِالحُكْمِ أيْ: "هَكَذا يَجِبُ عَلَيْهِمْ"؛ وحَسُنَ عَقِبَ ذَلِكَ التَوْقِيفُ عَلى وعِيدِ مَن خالَفَ ما أنْزَلَ اللهُ ؛ ومِنَ القُرّاءِ مَن يَكْسِرُ لامَ الأمْرِ؛ ويَجْزِمُ الفِعْلَ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ؛ وتَقْرِيرُهُ هَذِهِ الصِفاتِ لِمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللهُ هو عَلى جِهَةِ التَأْكِيدِ؛ وأصْوَبُ ما يُقالُ فِيها أنَّها تَعُمُّ كُلَّ مُؤْمِنٍ وكُلَّ كافِرٍ؛ فَيَجِيءُ كُلُّ ذَلِكَ في الكافِرِ عَلى أتَمِّ وُجُوهِهِ؛ وفي المُؤْمِنِ عَلى مَعْنى كُفْرِ المَعْصِيَةِ؛ وظُلْمِها؛ وفِسْقِها.
وأخْبَرَ تَعالى بَعْدُ بِنُزُولِ هَذا القُرْآنِ؛ وقَوْلُهُ: "بِالحَقِّ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مُضَمَّنًا الحَقائِقَ مِنَ الأُمُورِ؛ فَكَأنَّهُ نَزَلَ بِها؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ أنْزَلَهُ بِأنْ حُقَّ ذَلِكَ؛ لا أنَّهُ وجَبَ عَلى اللهِ ؛ ولَكِنْ حُقَّ في نَفْسِهِ؛ وأنْزَلَهُ تَعالى صَلاحًا لِعِبادِهِ؛ وقَوْلُهُ: "مِنَ الكِتابِ"؛ يُرِيدُ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ فَهو اسْمُ جِنْسٍ؛ واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في مَعْنى "مُهَيْمِنًا"؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَمُهَيْمِنًا": شاهِدًا؛ وقالَ أيْضًا: مُؤْتَمَنًا؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: مُصَدِّقًا؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: أمِينًا؛ وحَكى الزَجّاجُ: قَرِيبًا؛ ولَفْظَةُ المُهَيْمِنِ أخَصُّ مِن هَذِهِ الألْفاظِ؛ لِأنَّ المُهَيْمِنَ عَلى الشَيْءِ هو المَعْنِيُّ بِأمْرِهِ؛ (p-١٨٣)الشاهِدُ عَلى حَقائِقِهِ؛ الحافِظُ لِحاصِلِهِ؛ فَلا يُدْخِلُ فِيهِ ما لَيْسَ مِنهُ؛ واللهُ - تَبارَكَ وتَعالى- هو المُهَيْمِنُ عَلى مَخْلُوقاتِهِ؛ وعِبادِهِ؛ والوَصِيُّ مُهَيْمِنٌ عَلى مَحْجُورِيهِ؛ وأمْوالِهِمْ؛ والرَئِيسُ مُهَيْمِنٌ عَلى رَعِيَّتِهِ؛ وأحْوالِهِمْ؛ والقُرْآنِ جَعَلَهُ مُهَيْمِنًا عَلى الكُتُبِ؛ يَشْهَدُ بِما فِيها مِنَ الحَقائِقِ؛ وعَلى ما نَسَبَهُ المُحَرِّفُونَ إلَيْها؛ فَيُصَحِّحُ الحَقائِقَ؛ ويُبْطِلُ التَحْرِيفَ؛ وهَذا هو شاهِدٌ ومُصَدِّقٌ ومُؤْتَمَنٌ وأمِينٌ؛ ومُهَيْمِنٌ؛ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ولَمْ يَجِئْ في كَلامِ العَرَبِ عَلى هَذا البِناءِ إلّا أرْبَعَةُ أحْرُفٍ؛ وهِيَ: "مُسَيْطِرٌ"؛ و"مُبَيْطِرٌ"؛ و"مُهَيْمِنٌ"؛ و"مُجَيْمِرٌ"؛ وذَكَرَ أبُو القاسِمِ الزَجّاجُ - في شَرْحِهِ لِصَدْرِ "أدَبُ الكِتابِ" - و"مُبَيْقِرٌ"؛ يُقالُ: "بَيْقَرَ الرَجُلُ"؛ إذا سارَ مِنَ الحِجازِ إلى الشامِ؛ ومِن أُفُقٍ إلى أُفُقٍ؛ و"بَيْقَرَ"؛ أيْضًا: لَعِبَ البَيْقَرى؛ وهي لُعْبَةٌ يَلْعَبُ بِها الصِبْيانُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ"؛﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ هو مُؤْتَمَنٌ عَلى القُرْآنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وغَلِطَ الطَبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - في هَذِهِ اللَفْظَةِ عَلى مُجاهِدٍ ؛ فَإنَّهُ فَسَّرَ تَأْوِيلَهُ عَلى قِراءَةِ الناسِ: "وَمُهَيْمِنًا"؛ بِكَسْرِ المِيمِ الثانِيَةِ؛ فَبَعُدَ التَأْوِيلُ؛ ومُجاهِدٌ - رَحِمَهُ اللهُ - إنَّما يَقْرَأُ هو وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "مُهَيْمَنًا عَلَيْهِ"؛ بِفَتْحِ المِيمِ الثانِيَةِ؛ فَهو بِناءُ اسْمِ المَفْعُولِ؛ وهو حالٌ مِنَ الكِتابِ؛ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: "مُصَدِّقًا"؛ وعَلى هَذا يُتَّجَهُ أنَّ المُؤْتَمَنَ عَلَيْهِ هو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ و"عَلَيْهِ"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ عَلى تَقْدِيرِ أنَّها مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ هَذا عَلى قِراءَةِ مُجاهِدٍ ؛ وكَذَلِكَ مَشى مَكِّيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - وتَوَغَّلَ في طَرِيقِ الطَبَرِيِّ في هَذا المَوْضِعِ؛ قالَ أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ - رَحِمَهُ اللهُ -: "مُهَيْمِنٌ" أصْلُهُ: "مُؤَيْمِنٌ" - مِن بَنِي أمِينٍ -؛ أُبْدِلَتْ هَمْزَتُهُ هاءً؛ كَما قالُوا: "أرَقْتُ الماءَ"؛ و"هَرَقْتُهُ"؛ قالَ الزَجّاجُ: وهَذا حَسَنٌ عَلى طَرِيقِ العَرَبِيَّةِ؛ وهو مُوافِقٌ لِما جاءَ في التَفْسِيرِ؛ مِن أنَّ مَعْنى "مُهَيْمِنٌ": "مُؤْتَمَنٌ"؛ وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ هَذا الَّذِي قالَ المُبَرِّدُ في بَعْضِ كُتُبِهِ؛ فَحَكى النَقّاشُ أنَّ ذَلِكَ بَلَغَ ثَعْلَبًا؛ فَقالَ: "إنَّ ما قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ رَدِيءٌ"؛ وقالَ: "هَذا باطِلٌ؛ والوُثُوبُ عَلى القُرْآنِ شَدِيدٌ؛ وهو ما سَمِعَ الحَدِيثَ مِن قَوِيٍّ؛ ولا ضَعِيفٍ؛ وإنَّما جَمَعَ الكُتُبَ"؛ اِنْتَهى كَلامُ ثَعْلَبٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُقالُ مِن "مُهَيْمِنٌ": "هَيْمَنَ الرَجُلُ عَلى الشَيْءِ"؛ إذا حَفِظَهُ؛ وحاطَهُ؛ وصارَ قائِمًا عَلَيْهِ (p-١٨٤)أمِينًا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "مُصَدِّقًا"؛ و"وَمُهَيْمِنًا"؛ حالَيْنِ مِنَ الكافِ في "إلَيْكَ"؛ ولا يَخُصُّ ذَلِكَ قِراءَةَ مُجاهِدٍ وحْدَهُ؛ كَما زَعَمَ مَكِّيٌّ.
**
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ولَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكم فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ إلى اللهُ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذِهِ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أو أعْرِضْ عنهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ.
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ؛ وإنَّ المَعْنى: "فَإنِ اخْتَرْتَ أنْ تَحْكُمَ فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللهُ ".
ثُمَّ حَذَّرَ تَعالى نَبِيَّهُ مِنَ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ؛ أيْ: شَهَواتِهِمْ؛ وإرادَتِهِمُ الَّتِي هي هَوًى ورَسُولٌ لِلنَّفْسِ؛ والنَفْسُ أمّارَةٌ بِالسُوءِ؛ فَهَواها مُرْدٍ لا مَحالَةَ؛ وحَسُنَ هُنا دُخُولُ "عن"؛ في قَوْلِهِ: ﴿عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ﴾ ؛ لَمّا كانَ الكَلامُ بِمَعْنى: "لا تَنْصَرِفْ؛ أو لا تُزَحْزَحْ بِحَسَبِ أهْوائِهِمْ عَمّا جاءَكَ".
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وقَتادَةُ ؛ وجُمْهُورُ المُتَكَلِّمِينَ: اَلْمَعْنى: لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنكم جَعَلْنا شِرْعَةً ومِنهاجًا؛ أيْ: لِلْيَهُودِ شِرْعَةٌ ومِنهاجٌ؛ ولِلنَّصارى كَذَلِكَ؛ ولِلْمُسْلِمِينَ كَذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عِنْدَهم في الأحْكامِ؛ وأمّا في المُعْتَقَدِ فالدِينُ واحِدٌ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ تَوْحِيدٌ وإيمانٌ بِالبَعْثِ؛ وتَصْدِيقٌ لِلرُّسُلِ؛ وقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعالى في كِتابِهِ عَدَدًا مِنَ الأنْبِياءِ؛ شَرائِعُهم مُخْتَلِفَةٌ؛ ثُمَّ قالَ لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] ؛ فَهَذا عِنْدَ العُلَماءِ في المُعْتَقَداتِ فَقَطْ؛ وأمّا في الشَرائِعِ فَهَذِهِ الآيَةُ هي القاضِيَةُ فِيها: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾.
(p-١٨٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والتَأْوِيلُ الأوَّلُ عَلَيْهِ الناسُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ ؛ اَلْأُمَمَ؛ كَما قَدَّمْنا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الأنْبِياءَ؛ لا سِيَّما وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرَهم وذِكْرُ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ؛ وتَجِيءُ الآيَةُ مَعَ هَذا الِاحْتِمالِ في الأنْبِياءِ تَنْبِيهًا لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ أيْ: فاحْفَظْ شِرْعَتَكَ ومِنهاجَكَ لِئَلّا يَسْتَزِلَّكَ اليَهُودُ؛ وغَيْرُهم في شَيْءٍ مِنهُ.
والمُتَأوِّلُونَ عَلى أنَّ الشِرْعَةَ والمِنهاجَ في هَذِهِ الآيَةِ لَفْظانِ؛ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ وذَلِكَ أنَّ الشِرْعَةَ والشَرِيعَةَ هِيَ: اَلطَّرِيقُ إلى الماءِ؛ وغَيْرِهِ مِمّا يُورَدُ كَثِيرًا؛ فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وفي الشَرائِعِ مِن جَلّانَ مُقْتَنِصٌ ∗∗∗ بالِي الثِيابِ خَفِيُّ الصَوْتِ مَندُوبُ
أرادَ: في الطُرُقِ إلى الماءِ؛ ومِنهُ: اَلشّارِعُ؛ وهي سِكَكُ المُدُنِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الناسِ: "وَفِيها يُشْرَعُ البابُ"؛ والمِنهاجُ أيْضًا: اَلطَّرِيقُ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ مَن يَكُ في شَكٍّ فَهَذا نَهْجُ ∗∗∗ ∗∗∗ ماءٌ رَواءٌ وطَرِيقٌ نَهْجُ
أرادَ: واضِحًا؛ والمِنهاجُ بِناءُ مُبالَغَةٍ في ذَلِكَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وغَيْرُهُ: ﴿شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ ؛ مَعْناهُ: سَبِيلًا؛ وسُنَّةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَحْتَمِلُ لَفْظُ الآيَةِ أنْ يُرِيدَ بِالشِرْعَةِ: الأحْكامَ؛ وبِالمِنهاجِ: المُعْتَقَدَ؛ أيْ: وهو واحِدٌ في جَمِيعِكُمْ؛ وفي هَذا الِاحْتِمالِ بُعْدٌ.
والقُرّاءُ عَلى "شِرْعَةً"؛ بِكَسْرِ الشِينِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "شَرْعَةً"؛ بِفَتْحِ الشِينِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهُ لَوْ شاءَ لَجَعَلَ العالَمَ أُمَّةً واحِدَةً؛ ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ؛ لِأنَّهُ أرادَ اخْتِبارَهم وابْتِلاءَهم فِيما آتاهم مِنَ الكُتُبِ؛ والشَرائِعِ؛ كَذا قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ؛ وغَيْرُهُ؛ فَلَيْسَ (p-١٨٦)لَهم إلّا أنْ يَجِدُّوا في امْتِثالِ الأوامِرِ؛ وهو اسْتِباقُ الخَيْراتِ؛ فَلِذَلِكَ أمَرَهم بِأحْسَنِ الأشْياءِ عاقِبَةً لَهُمْ؛ ثُمَّ حَثَّهم تَعالى بِالمَوْعِظَةِ والتَذْكِيرِ بِالمَعادِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿إلى اللهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ ؛ والمَعْنى: "فالبَدارَ البَدارَ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ؛ مَعْناهُ: "يَظْهَرُ الثَوابُ والعِقابُ؛ فَتُخْبَرُونَ بِهِ إخْبارَ إيقاعٍ"؛ وإلّا فَقَدْ نَبَّأ اللهُ في الدُنْيا بِالحَقِّ فِيما اخْتَلَفَتِ الأُمَمُ فِيهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ الآيَةُ بارِعَةُ الفَصاحَةِ؛ جَمَعَتِ المَعانِيَ الكَثِيرَةَ في الألْفاظِ اليَسِيرَةِ؛ وكُلُّ كِتابِ اللهِ تَعالى كَذَلِكَ؛ إلّا أنّا بِقُصُورِ أفْهامِنا يَبِينُ في بَعْضٍ لَنا أكْثَرُ مِمّا يَبِينُ في بَعْضٍ.
المائدة 5:48
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَوْراةِ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى ونُورٌ ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَوْراةِ وهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وَلْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللهُ فِيهِ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابَ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾
"وَقَفَّيْنا"؛ تَشْبِيهٌ؛ كَأنَّ مَجِيءَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - كانَ في قَفاءِ مَجِيءِ النَبِيِّينَ؛ وذَهابِهِمْ؛ والضَمِيرُ في "آثارِهِمْ"؛ لِلنَّبِيِّينَ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْكُمُ بِها النَبِيُّونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ؛ و"مُصَدِّقًا"؛ حالٌ مُؤْكِّدَهٌ؛ و"اَلتَّوْراةِ"؛ بَيْنَ يَدَيْ عِيسى؛ لِأنَّها جاءَتْ قَبْلَهُ؛ كَما أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَيْنَ يَدَيِ الساعَةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا المَعْنى في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
و"اَلْإنْجِيلَ"؛ اِسْمٌ أعْجَمِيٌّ ذُهِبَ بِهِ مَذْهَبَ الِاشْتِقاقِ؛ مِن "نَجَلَ"؛ إذا اسْتَخْرَجَ؛ وأظْهَرَ؛ والناسُ عَلى قِراءَتِهِ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ إلّا الحَسَنَ بْنَ أبِي الحَسَنِ؛ فَإنَّهُ قَرَأ "اَلْأنْجِيلَ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى ذَلِكَ في أوَّلِ سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ ".
(p-١٨٢)والهُدى: اَلْإرْشادُ؛ والدُعاءُ إلى تَوْحِيدِ اللهِ وإحْياءِ أحْكامِهِ؛ والنُورُ: ما فِيهِ مِمّا يُسْتَضاءُ بِهِ؛ و"مُصَدِّقًا"؛ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَوْضِعِ الجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ: "فِيهِ هُدًى"؛ فَإنَّها جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ؛ وقالَ مَكِّيٌّ ؛ وغَيْرُهُ: "مُصَدِّقًا"؛ مَعْطُوفٌ عَلى الأوَّلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا قَلَقٌ مِن جِهَةِ اتِّساقِ المَعانِي؛ وقَرَأ الناسُ: "وَهُدًى ومَوْعِظَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ وذَلِكَ عَطْفٌ عَلى "مُصَدِّقٌ"؛ وقَرَأ الضَحّاكُ: "وَهُدًى ومَوْعِظَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ وذَلِكَ مُتَّجَهٌ؛ وخُصَّ المُتَّقُونَ بِالذِكْرِ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ بِهِ في عِلْمِ اللهِ ؛ وإنْ كانَ الجَمِيعُ يُدْعى؛ ويُوعَظُ؛ ولَكِنَّ ذَلِكَ عَلى غَيْرِ المُتَّقِينَ عَمًى وحَيْرَةٌ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَأنْ لِيَحْكُمَ"؛ بِزِيادَةِ "أنْ"؛ وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "وَلِيَحْكُمَ"؛ بِكَسْرِ اللامِ؛ وفَتْحِ المِيمِ؛ عَلى لامِ "كَيْ"؛ ونُصِبَ الفِعْلُ بِها؛ والمَعْنى: "وَآتَيْناهُ الإنْجِيلَ لِيَتَضَمَّنَ الهُدى والنُورَ والتَصْدِيقَ؛ لِيَحْكُمَ أهْلُهُ بِما أنْزَلَ اللهُ فِيهِ"؛ وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ: "وَلْيَحْكُمْ"؛ بِسُكُونِ اللامِ الَّتِي هي لامُ الأمْرِ؛ وجُزِمَ الفِعْلُ؛ ومَعْنى أمْرِهِ لَهم بِالحُكْمِ أيْ: "هَكَذا يَجِبُ عَلَيْهِمْ"؛ وحَسُنَ عَقِبَ ذَلِكَ التَوْقِيفُ عَلى وعِيدِ مَن خالَفَ ما أنْزَلَ اللهُ ؛ ومِنَ القُرّاءِ مَن يَكْسِرُ لامَ الأمْرِ؛ ويَجْزِمُ الفِعْلَ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ؛ وتَقْرِيرُهُ هَذِهِ الصِفاتِ لِمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللهُ هو عَلى جِهَةِ التَأْكِيدِ؛ وأصْوَبُ ما يُقالُ فِيها أنَّها تَعُمُّ كُلَّ مُؤْمِنٍ وكُلَّ كافِرٍ؛ فَيَجِيءُ كُلُّ ذَلِكَ في الكافِرِ عَلى أتَمِّ وُجُوهِهِ؛ وفي المُؤْمِنِ عَلى مَعْنى كُفْرِ المَعْصِيَةِ؛ وظُلْمِها؛ وفِسْقِها.
وأخْبَرَ تَعالى بَعْدُ بِنُزُولِ هَذا القُرْآنِ؛ وقَوْلُهُ: "بِالحَقِّ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مُضَمَّنًا الحَقائِقَ مِنَ الأُمُورِ؛ فَكَأنَّهُ نَزَلَ بِها؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ أنْزَلَهُ بِأنْ حُقَّ ذَلِكَ؛ لا أنَّهُ وجَبَ عَلى اللهِ ؛ ولَكِنْ حُقَّ في نَفْسِهِ؛ وأنْزَلَهُ تَعالى صَلاحًا لِعِبادِهِ؛ وقَوْلُهُ: "مِنَ الكِتابِ"؛ يُرِيدُ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ فَهو اسْمُ جِنْسٍ؛ واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في مَعْنى "مُهَيْمِنًا"؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَمُهَيْمِنًا": شاهِدًا؛ وقالَ أيْضًا: مُؤْتَمَنًا؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: مُصَدِّقًا؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: أمِينًا؛ وحَكى الزَجّاجُ: قَرِيبًا؛ ولَفْظَةُ المُهَيْمِنِ أخَصُّ مِن هَذِهِ الألْفاظِ؛ لِأنَّ المُهَيْمِنَ عَلى الشَيْءِ هو المَعْنِيُّ بِأمْرِهِ؛ (p-١٨٣)الشاهِدُ عَلى حَقائِقِهِ؛ الحافِظُ لِحاصِلِهِ؛ فَلا يُدْخِلُ فِيهِ ما لَيْسَ مِنهُ؛ واللهُ - تَبارَكَ وتَعالى- هو المُهَيْمِنُ عَلى مَخْلُوقاتِهِ؛ وعِبادِهِ؛ والوَصِيُّ مُهَيْمِنٌ عَلى مَحْجُورِيهِ؛ وأمْوالِهِمْ؛ والرَئِيسُ مُهَيْمِنٌ عَلى رَعِيَّتِهِ؛ وأحْوالِهِمْ؛ والقُرْآنِ جَعَلَهُ مُهَيْمِنًا عَلى الكُتُبِ؛ يَشْهَدُ بِما فِيها مِنَ الحَقائِقِ؛ وعَلى ما نَسَبَهُ المُحَرِّفُونَ إلَيْها؛ فَيُصَحِّحُ الحَقائِقَ؛ ويُبْطِلُ التَحْرِيفَ؛ وهَذا هو شاهِدٌ ومُصَدِّقٌ ومُؤْتَمَنٌ وأمِينٌ؛ ومُهَيْمِنٌ؛ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ولَمْ يَجِئْ في كَلامِ العَرَبِ عَلى هَذا البِناءِ إلّا أرْبَعَةُ أحْرُفٍ؛ وهِيَ: "مُسَيْطِرٌ"؛ و"مُبَيْطِرٌ"؛ و"مُهَيْمِنٌ"؛ و"مُجَيْمِرٌ"؛ وذَكَرَ أبُو القاسِمِ الزَجّاجُ - في شَرْحِهِ لِصَدْرِ "أدَبُ الكِتابِ" - و"مُبَيْقِرٌ"؛ يُقالُ: "بَيْقَرَ الرَجُلُ"؛ إذا سارَ مِنَ الحِجازِ إلى الشامِ؛ ومِن أُفُقٍ إلى أُفُقٍ؛ و"بَيْقَرَ"؛ أيْضًا: لَعِبَ البَيْقَرى؛ وهي لُعْبَةٌ يَلْعَبُ بِها الصِبْيانُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ"؛﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ هو مُؤْتَمَنٌ عَلى القُرْآنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وغَلِطَ الطَبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - في هَذِهِ اللَفْظَةِ عَلى مُجاهِدٍ ؛ فَإنَّهُ فَسَّرَ تَأْوِيلَهُ عَلى قِراءَةِ الناسِ: "وَمُهَيْمِنًا"؛ بِكَسْرِ المِيمِ الثانِيَةِ؛ فَبَعُدَ التَأْوِيلُ؛ ومُجاهِدٌ - رَحِمَهُ اللهُ - إنَّما يَقْرَأُ هو وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "مُهَيْمَنًا عَلَيْهِ"؛ بِفَتْحِ المِيمِ الثانِيَةِ؛ فَهو بِناءُ اسْمِ المَفْعُولِ؛ وهو حالٌ مِنَ الكِتابِ؛ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: "مُصَدِّقًا"؛ وعَلى هَذا يُتَّجَهُ أنَّ المُؤْتَمَنَ عَلَيْهِ هو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ و"عَلَيْهِ"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ عَلى تَقْدِيرِ أنَّها مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ هَذا عَلى قِراءَةِ مُجاهِدٍ ؛ وكَذَلِكَ مَشى مَكِّيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - وتَوَغَّلَ في طَرِيقِ الطَبَرِيِّ في هَذا المَوْضِعِ؛ قالَ أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ - رَحِمَهُ اللهُ -: "مُهَيْمِنٌ" أصْلُهُ: "مُؤَيْمِنٌ" - مِن بَنِي أمِينٍ -؛ أُبْدِلَتْ هَمْزَتُهُ هاءً؛ كَما قالُوا: "أرَقْتُ الماءَ"؛ و"هَرَقْتُهُ"؛ قالَ الزَجّاجُ: وهَذا حَسَنٌ عَلى طَرِيقِ العَرَبِيَّةِ؛ وهو مُوافِقٌ لِما جاءَ في التَفْسِيرِ؛ مِن أنَّ مَعْنى "مُهَيْمِنٌ": "مُؤْتَمَنٌ"؛ وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ هَذا الَّذِي قالَ المُبَرِّدُ في بَعْضِ كُتُبِهِ؛ فَحَكى النَقّاشُ أنَّ ذَلِكَ بَلَغَ ثَعْلَبًا؛ فَقالَ: "إنَّ ما قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ رَدِيءٌ"؛ وقالَ: "هَذا باطِلٌ؛ والوُثُوبُ عَلى القُرْآنِ شَدِيدٌ؛ وهو ما سَمِعَ الحَدِيثَ مِن قَوِيٍّ؛ ولا ضَعِيفٍ؛ وإنَّما جَمَعَ الكُتُبَ"؛ اِنْتَهى كَلامُ ثَعْلَبٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُقالُ مِن "مُهَيْمِنٌ": "هَيْمَنَ الرَجُلُ عَلى الشَيْءِ"؛ إذا حَفِظَهُ؛ وحاطَهُ؛ وصارَ قائِمًا عَلَيْهِ (p-١٨٤)أمِينًا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "مُصَدِّقًا"؛ و"وَمُهَيْمِنًا"؛ حالَيْنِ مِنَ الكافِ في "إلَيْكَ"؛ ولا يَخُصُّ ذَلِكَ قِراءَةَ مُجاهِدٍ وحْدَهُ؛ كَما زَعَمَ مَكِّيٌّ.
**
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ولَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكم فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ إلى اللهُ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذِهِ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أو أعْرِضْ عنهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ.
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ؛ وإنَّ المَعْنى: "فَإنِ اخْتَرْتَ أنْ تَحْكُمَ فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللهُ ".
ثُمَّ حَذَّرَ تَعالى نَبِيَّهُ مِنَ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ؛ أيْ: شَهَواتِهِمْ؛ وإرادَتِهِمُ الَّتِي هي هَوًى ورَسُولٌ لِلنَّفْسِ؛ والنَفْسُ أمّارَةٌ بِالسُوءِ؛ فَهَواها مُرْدٍ لا مَحالَةَ؛ وحَسُنَ هُنا دُخُولُ "عن"؛ في قَوْلِهِ: ﴿عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ﴾ ؛ لَمّا كانَ الكَلامُ بِمَعْنى: "لا تَنْصَرِفْ؛ أو لا تُزَحْزَحْ بِحَسَبِ أهْوائِهِمْ عَمّا جاءَكَ".
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وقَتادَةُ ؛ وجُمْهُورُ المُتَكَلِّمِينَ: اَلْمَعْنى: لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنكم جَعَلْنا شِرْعَةً ومِنهاجًا؛ أيْ: لِلْيَهُودِ شِرْعَةٌ ومِنهاجٌ؛ ولِلنَّصارى كَذَلِكَ؛ ولِلْمُسْلِمِينَ كَذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عِنْدَهم في الأحْكامِ؛ وأمّا في المُعْتَقَدِ فالدِينُ واحِدٌ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ تَوْحِيدٌ وإيمانٌ بِالبَعْثِ؛ وتَصْدِيقٌ لِلرُّسُلِ؛ وقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعالى في كِتابِهِ عَدَدًا مِنَ الأنْبِياءِ؛ شَرائِعُهم مُخْتَلِفَةٌ؛ ثُمَّ قالَ لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] ؛ فَهَذا عِنْدَ العُلَماءِ في المُعْتَقَداتِ فَقَطْ؛ وأمّا في الشَرائِعِ فَهَذِهِ الآيَةُ هي القاضِيَةُ فِيها: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾.
(p-١٨٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والتَأْوِيلُ الأوَّلُ عَلَيْهِ الناسُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ ؛ اَلْأُمَمَ؛ كَما قَدَّمْنا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الأنْبِياءَ؛ لا سِيَّما وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرَهم وذِكْرُ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ؛ وتَجِيءُ الآيَةُ مَعَ هَذا الِاحْتِمالِ في الأنْبِياءِ تَنْبِيهًا لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ أيْ: فاحْفَظْ شِرْعَتَكَ ومِنهاجَكَ لِئَلّا يَسْتَزِلَّكَ اليَهُودُ؛ وغَيْرُهم في شَيْءٍ مِنهُ.
والمُتَأوِّلُونَ عَلى أنَّ الشِرْعَةَ والمِنهاجَ في هَذِهِ الآيَةِ لَفْظانِ؛ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ وذَلِكَ أنَّ الشِرْعَةَ والشَرِيعَةَ هِيَ: اَلطَّرِيقُ إلى الماءِ؛ وغَيْرِهِ مِمّا يُورَدُ كَثِيرًا؛ فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وفي الشَرائِعِ مِن جَلّانَ مُقْتَنِصٌ ∗∗∗ بالِي الثِيابِ خَفِيُّ الصَوْتِ مَندُوبُ
أرادَ: في الطُرُقِ إلى الماءِ؛ ومِنهُ: اَلشّارِعُ؛ وهي سِكَكُ المُدُنِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الناسِ: "وَفِيها يُشْرَعُ البابُ"؛ والمِنهاجُ أيْضًا: اَلطَّرِيقُ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ مَن يَكُ في شَكٍّ فَهَذا نَهْجُ ∗∗∗ ∗∗∗ ماءٌ رَواءٌ وطَرِيقٌ نَهْجُ
أرادَ: واضِحًا؛ والمِنهاجُ بِناءُ مُبالَغَةٍ في ذَلِكَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وغَيْرُهُ: ﴿شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ ؛ مَعْناهُ: سَبِيلًا؛ وسُنَّةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَحْتَمِلُ لَفْظُ الآيَةِ أنْ يُرِيدَ بِالشِرْعَةِ: الأحْكامَ؛ وبِالمِنهاجِ: المُعْتَقَدَ؛ أيْ: وهو واحِدٌ في جَمِيعِكُمْ؛ وفي هَذا الِاحْتِمالِ بُعْدٌ.
والقُرّاءُ عَلى "شِرْعَةً"؛ بِكَسْرِ الشِينِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "شَرْعَةً"؛ بِفَتْحِ الشِينِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهُ لَوْ شاءَ لَجَعَلَ العالَمَ أُمَّةً واحِدَةً؛ ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ؛ لِأنَّهُ أرادَ اخْتِبارَهم وابْتِلاءَهم فِيما آتاهم مِنَ الكُتُبِ؛ والشَرائِعِ؛ كَذا قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ؛ وغَيْرُهُ؛ فَلَيْسَ (p-١٨٦)لَهم إلّا أنْ يَجِدُّوا في امْتِثالِ الأوامِرِ؛ وهو اسْتِباقُ الخَيْراتِ؛ فَلِذَلِكَ أمَرَهم بِأحْسَنِ الأشْياءِ عاقِبَةً لَهُمْ؛ ثُمَّ حَثَّهم تَعالى بِالمَوْعِظَةِ والتَذْكِيرِ بِالمَعادِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿إلى اللهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ ؛ والمَعْنى: "فالبَدارَ البَدارَ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ؛ مَعْناهُ: "يَظْهَرُ الثَوابُ والعِقابُ؛ فَتُخْبَرُونَ بِهِ إخْبارَ إيقاعٍ"؛ وإلّا فَقَدْ نَبَّأ اللهُ في الدُنْيا بِالحَقِّ فِيما اخْتَلَفَتِ الأُمَمُ فِيهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ الآيَةُ بارِعَةُ الفَصاحَةِ؛ جَمَعَتِ المَعانِيَ الكَثِيرَةَ في الألْفاظِ اليَسِيرَةِ؛ وكُلُّ كِتابِ اللهِ تَعالى كَذَلِكَ؛ إلّا أنّا بِقُصُورِ أفْهامِنا يَبِينُ في بَعْضٍ لَنا أكْثَرُ مِمّا يَبِينُ في بَعْضٍ.
المائدة 5:49
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عن بَعْضِ ما أنْزَلَ اللهُ إلَيْكَ فَإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الناسِ لَفاسِقُونَ﴾ ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾
"وَأنِ احْكُمْ"؛ مَعْطُوفٌ عَلى "اَلْكِتابَ"؛ في قَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ [المائدة: ٤٨] ؛ وقالَ مَكِّيٌّ: هو مَعْطُوفٌ عَلى "بِالحَقِّ"؛ في قَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨] ؛ والوَجْهانِ حَسَنانِ؛ ويُقْرَأُ بِضَمِّ النُونِ مِن "أنُ احْكُمْ"؛ مُراعاةً لِلضَّمَّةِ في عَيْنِ الفِعْلِ المُضارِعِ؛ ويُقْرَأُ بِكَسْرِها عَلى القانُونِ في التِقاءِ الساكِنَيْنِ.
وهَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ لِلتَّخْيِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أو أعْرِضْ عنهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ؛ ثُمَّ نَهاهُ تَعالى عَنِ اتِّباعِ أهْواءِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ إذْ هي مُضِلَّةٌ؛ والهَوى في الأغْلَبِ إنَّما يَجِيءُ عِبارَةً عَمًّا لا خَيْرَ فِيهِ؛ وقَدْ يَجِيءُ أحْيانًا مُقَيَّدًا بِما فِيهِ خَيْرٌ؛ مِن ذَلِكَ «قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قِصَّةِ رَأْيِهِ ورَأْيِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - في أسْرى بَدْرٍ: "فَهَوى رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رَأْيَ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ"؛» ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ - وقَدْ قِيلَ لَهُ: ما ألَذُّ الأشْياءِ عِنْدَكَ؟ - قالَ: "حَقٌّ وافَقَ هَوًى"؛ و"اَلْهَوى"؛ مَقْصُورٌ؛ ووَزْنُهُ "فَعَلٌ"؛ ويُجْمَعُ عَلى "أهْواءَ"؛ و"اَلْهَواءُ"؛ مَمْدُودٌ؛ ويُجْمَعُ عَلى "أهْوِيَةٌ".
ثُمَّ حَذَّرَ - تَبارَكَ وتَعالى- مِن جِهَتِهِمْ أنْ يَفْتِنُوهُ؛ أيْ: يَصْرِفُوهُ بِامْتِحانِهِمْ؛ وابْتِلائِهِمْ؛ عن (p-١٨٧)شَيْءٍ مِمّا أنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ الأحْكامِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُرِيدُونَ أنْ يَخْدَعُوا النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقالُوا لَهُ مِرارًا: اُحْكم لَنا في نازِلَةِ كَذا بِكَذا؛ نَتَّبِعْكَ عَلى دِينِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ ؛ قَبْلَهُ مَحْذُوفٌ مِنَ الكَلامِ؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ؛ تَقْدِيرُهُ: "لا تَتَّبِعْ؛ واحْذَرْ؛ فَإنْ حَكَّمُوكَ مَعَ ذَلِكَ واسْتَقامُوا فَنِعِمّا ذَلِكَ؛ وإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمْ..."؛ ويَحْسُنُ أنْ يُقَدَّرَ هَذا المَحْذُوفُ المُعادِلُ بَعْدَ قَوْلِهِ: "لَفاسِقُونَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "فاعْلَمْ"؛ اَلْآيَةَ؛ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيهِمْ؛ وقَدْ أنْجَزَهُ بِقِصَّةِ بَنِي قَيْنُقاعَ؛ وقِصَّةِ قُرَيْظَةَ؛ والنَضِيرِ؛ وإجْلاءِ عُمَرَ أهْلَ خَيْبَرَ؛ وفَدَكَ؛ وغَيْرَهُمْ؛ وخَصَّصَ تَعالى إصابَتَهم بِبَعْضِ الذُنُوبِ؛ دُونَ كُلِّها؛ لِأنَّ هَذا الوَعِيدَ إنَّما هو في الدُنْيا؛ وذُنُوبُهم فِيها نَوْعانِ: نَوْعٌ يَخُصُّهُمْ؛ كَشُرْبِ الخَمْرِ؛ ورِباهُمْ؛ ورِشاهُمْ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ ونَوْعٌ يَتَعَدّى إلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمُؤْمِنِينَ؛ كَمُعامَلاتِهِمْ لِلْكُفّارِ؛ وأقْوالِهِمْ في الدِينِ؛ فَهَذا النَوْعُ هو الَّذِي يُوجِدُ إلَيْهِمُ السَبِيلَ؛ وبِهِ هَلَكُوا؛ وبِهِ تَوَعَّدَهُمُ اللهُ في الدُنْيا؛ فَلِذَلِكَ خَصَّصَ البَعْضَ؛ دُونَ الكُلِّ؛ وإنَّما يُعَذِّبُونَ بِالكُلِّ في الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الناسِ لَفاسِقُونَ﴾ ؛ إشارَةٌ إلَيْهِمْ؛ لَكِنْ جاءَتِ العِبارَةُ تَعُمُّهُمْ؛ وغَيْرَهُمْ؛ لِيَتَنَبَّهَ سِواهم مِمَّنْ كانَ عَلى فِسْقٍ؛ ونِفاقٍ؛ وتَوَلٍّ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَيَرى أنَّهُ تَحْتَ الوَعِيدِ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ؛ فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ المِيمِ؛ عَلى إعْمالِ فِعْلٍ ما؛ يَلِي ألِفَ الِاسْتِفْهامِ؛ بَيَّنَهُ هَذا الظاهِرُ بَعْدُ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ والسُلَمِيُّ ؛ وأبُو رَجاءٍ ؛ والأعْرَجُ: "أفَحُكْمُ"؛ بِرَفْعِ المِيمِ؛ قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: وهي خَطَأٌ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ ولَكِنَّهُ وجْهٌ غَيْرُهُ أقْوى مِنهُ؛ وقَدْ جاءَ في الشِعْرِ؛ قالَ أبُو النَجْمِ:
؎ قَدْ أصْبَحَتْ أُمُّ الخِيارِ تَدَّعِي ∗∗∗ عَلَيَّ ذَنْبًا كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ
بِرَفْعِ "كُلُّ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَكَذا الرِوايَةُ؛ وبِها يَتِمُّ المَعْنى الصَحِيحُ؛ لِأنَّهُ أرادَ التَبَرُّؤَ مِن جَمِيعِ الذَنْبِ؛ ولَوْ نَصَبَ "كُلَّ"؛ لَكانَ ظاهِرُ قَوْلِهِ أنَّهُ صَنَعَ بَعْضَهُ؛ وهَذا هو حَذْفُ الضَمِيرِ مِنَ الخَبَرِ؛ (p-١٨٨)وَهُوَ قَبِيحٌ؛ اَلتَّقْدِيرُ: "يَبْغُونَهُ"؛ و"لَمْ أصْنَعْهُ"؛ وإنَّما يُحْذَفُ الضَمِيرُ كَثِيرًا مِنَ الصِلَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولا﴾ [الفرقان: ٤١] ؛ وكَما تَقُولُ: "مَرَرْتُ بِالَّذِي أكْرَمْتَ"؛ ويُحْذَفُ أقَلَّ مِن ذَلِكَ مِنَ الصِفَةِ؛ وحَذْفُهُ مِنَ الخَبَرِ قَبِيحٌ؛ كَما جاءَ في بَيْتِ أبِي النَجْمِ ؛ ويُتَّجَهُ بَيْتُهُ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ لَيْسَ في صَدْرِ قَوْلِهِ ألِفُ اسْتِفْهامٍ يَطْلُبُ الفِعْلَ؛ كَما هي في قَوْلِهِ تَعالى: "أفَحُكْمَ"؛ والثانِي أنَّ في البَيْتِ عِوَضًا مِنَ الهاءِ المَحْذُوفَةِ؛ وذَلِكَ حَرْفُ الإطْلاقِ؛ أعْنِي الياءَ في "أصْنَعِي"؛ فَتَضْعُفُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "أفَحُكْمُ"؛ بِالرَفْعِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ بَعْدَهُ لا ضَمِيرَ فِيهِ؛ ولا عِوَضَ مِنَ الضَمِيرِ؛ وألِفُ الِاسْتِفْهامِ - الَّتِي تَطْلُبُ الفِعْلَ؛ ويُخْتارُ مَعَها النَصْبَ؛ وإنْ لُفِظَ بِالضَمِيرِ - حاضِرَةٌ؛ وإنَّما تُتَّجَهُ القِراءَةُ عَلى أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: "أفَحُكْمُ الجاهِلِيَّةِ حُكْمٌ يَبْغُونَ؟"؛ فَلا تَجْعَلَ "يَبْغُونَ"؛ خَبَرًا؛ بَلْ تَجْعَلَهُ صِفَةَ خَبَرٍ مَحْذُوفٍ؛ ومَوْصُوفٍ؛ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾ [النساء: ٤٦] ؛ تَقْدِيرُهُ: قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ؛ فَحَذَفَ المَوْصُوفَ؛ وأقامَ الصِفَةَ مَقامَهُ؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وما الدَهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما ∗∗∗ ∗∗∗ أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ
وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ مَهْرانَ: "أفَحَكَمَ"؛ بِفَتْحِ الحاءِ؛ والكافِ؛ والمِيمِ؛ وهو اسْمُ جِنْسٍ؛ وجازَ إضافَةُ اسْمِ الجِنْسِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: "مُنِعْتُ العِراقَ قَفِيزَها ودِرْهَمَها؛ ومِصْرَ أرْدَبَّها"؛ ولَهُ نَظائِرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَكَأنَّهُ قالَ: "أفَحُكّامَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ؟"؛ إشارَةً إلى الكُهّانِ الَّذِينَ كانُوا يَأْخُذُونَ الحُلْوانَ؛ ويَحْكُمُونَ بِحَسَبِهِ؛ وبِحَسَبِ الشَهَواتِ؛ ثُمَّ تَرْجِعُ هَذِهِ القِراءَةُ بِالمَعْنى إلى الأُولى؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: "أفَحُكْمَ حُكّامِ الجاهِلِيَّةِ؟"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "تَبْغُونَ"؛ بِالتاءِ؛ عَلى (p-١٨٩)الخِطابِ لَهُمْ؛ أيْ؛ "قُلْ لَهُمْ"؛ وباقِي السَبْعَةِ: "يَبْغُونَ"؛ بِالياءِ مِن تَحْتُ؛ ويَبْغُونَ مَعْناهُ: يَطْلُبُونَ؛ ويُرِيدُونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا﴾ ؛ تَقْرِيرٌ: أيْ: لا أحَدَ أحْسَنُ مِنهُ حُكْمًا - تَبارَكَ وتَعالى-؛ وحَسُنَ دُخُولُ اللامِ في قَوْلِهِ: "لِقَوْمٍ"؛ مِن حَيْثُ المَعْنى: "يَبِينُ ذَلِكَ ويَظْهَرُ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ".
المائدة 5:50
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عن بَعْضِ ما أنْزَلَ اللهُ إلَيْكَ فَإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الناسِ لَفاسِقُونَ﴾ ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾
"وَأنِ احْكُمْ"؛ مَعْطُوفٌ عَلى "اَلْكِتابَ"؛ في قَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ [المائدة: ٤٨] ؛ وقالَ مَكِّيٌّ: هو مَعْطُوفٌ عَلى "بِالحَقِّ"؛ في قَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨] ؛ والوَجْهانِ حَسَنانِ؛ ويُقْرَأُ بِضَمِّ النُونِ مِن "أنُ احْكُمْ"؛ مُراعاةً لِلضَّمَّةِ في عَيْنِ الفِعْلِ المُضارِعِ؛ ويُقْرَأُ بِكَسْرِها عَلى القانُونِ في التِقاءِ الساكِنَيْنِ.
وهَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ لِلتَّخْيِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أو أعْرِضْ عنهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ؛ ثُمَّ نَهاهُ تَعالى عَنِ اتِّباعِ أهْواءِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ إذْ هي مُضِلَّةٌ؛ والهَوى في الأغْلَبِ إنَّما يَجِيءُ عِبارَةً عَمًّا لا خَيْرَ فِيهِ؛ وقَدْ يَجِيءُ أحْيانًا مُقَيَّدًا بِما فِيهِ خَيْرٌ؛ مِن ذَلِكَ «قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قِصَّةِ رَأْيِهِ ورَأْيِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - في أسْرى بَدْرٍ: "فَهَوى رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رَأْيَ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ"؛» ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ - وقَدْ قِيلَ لَهُ: ما ألَذُّ الأشْياءِ عِنْدَكَ؟ - قالَ: "حَقٌّ وافَقَ هَوًى"؛ و"اَلْهَوى"؛ مَقْصُورٌ؛ ووَزْنُهُ "فَعَلٌ"؛ ويُجْمَعُ عَلى "أهْواءَ"؛ و"اَلْهَواءُ"؛ مَمْدُودٌ؛ ويُجْمَعُ عَلى "أهْوِيَةٌ".
ثُمَّ حَذَّرَ - تَبارَكَ وتَعالى- مِن جِهَتِهِمْ أنْ يَفْتِنُوهُ؛ أيْ: يَصْرِفُوهُ بِامْتِحانِهِمْ؛ وابْتِلائِهِمْ؛ عن (p-١٨٧)شَيْءٍ مِمّا أنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ الأحْكامِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُرِيدُونَ أنْ يَخْدَعُوا النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقالُوا لَهُ مِرارًا: اُحْكم لَنا في نازِلَةِ كَذا بِكَذا؛ نَتَّبِعْكَ عَلى دِينِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ ؛ قَبْلَهُ مَحْذُوفٌ مِنَ الكَلامِ؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ؛ تَقْدِيرُهُ: "لا تَتَّبِعْ؛ واحْذَرْ؛ فَإنْ حَكَّمُوكَ مَعَ ذَلِكَ واسْتَقامُوا فَنِعِمّا ذَلِكَ؛ وإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمْ..."؛ ويَحْسُنُ أنْ يُقَدَّرَ هَذا المَحْذُوفُ المُعادِلُ بَعْدَ قَوْلِهِ: "لَفاسِقُونَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "فاعْلَمْ"؛ اَلْآيَةَ؛ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيهِمْ؛ وقَدْ أنْجَزَهُ بِقِصَّةِ بَنِي قَيْنُقاعَ؛ وقِصَّةِ قُرَيْظَةَ؛ والنَضِيرِ؛ وإجْلاءِ عُمَرَ أهْلَ خَيْبَرَ؛ وفَدَكَ؛ وغَيْرَهُمْ؛ وخَصَّصَ تَعالى إصابَتَهم بِبَعْضِ الذُنُوبِ؛ دُونَ كُلِّها؛ لِأنَّ هَذا الوَعِيدَ إنَّما هو في الدُنْيا؛ وذُنُوبُهم فِيها نَوْعانِ: نَوْعٌ يَخُصُّهُمْ؛ كَشُرْبِ الخَمْرِ؛ ورِباهُمْ؛ ورِشاهُمْ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ ونَوْعٌ يَتَعَدّى إلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمُؤْمِنِينَ؛ كَمُعامَلاتِهِمْ لِلْكُفّارِ؛ وأقْوالِهِمْ في الدِينِ؛ فَهَذا النَوْعُ هو الَّذِي يُوجِدُ إلَيْهِمُ السَبِيلَ؛ وبِهِ هَلَكُوا؛ وبِهِ تَوَعَّدَهُمُ اللهُ في الدُنْيا؛ فَلِذَلِكَ خَصَّصَ البَعْضَ؛ دُونَ الكُلِّ؛ وإنَّما يُعَذِّبُونَ بِالكُلِّ في الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الناسِ لَفاسِقُونَ﴾ ؛ إشارَةٌ إلَيْهِمْ؛ لَكِنْ جاءَتِ العِبارَةُ تَعُمُّهُمْ؛ وغَيْرَهُمْ؛ لِيَتَنَبَّهَ سِواهم مِمَّنْ كانَ عَلى فِسْقٍ؛ ونِفاقٍ؛ وتَوَلٍّ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَيَرى أنَّهُ تَحْتَ الوَعِيدِ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ؛ فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ المِيمِ؛ عَلى إعْمالِ فِعْلٍ ما؛ يَلِي ألِفَ الِاسْتِفْهامِ؛ بَيَّنَهُ هَذا الظاهِرُ بَعْدُ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ والسُلَمِيُّ ؛ وأبُو رَجاءٍ ؛ والأعْرَجُ: "أفَحُكْمُ"؛ بِرَفْعِ المِيمِ؛ قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: وهي خَطَأٌ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ ولَكِنَّهُ وجْهٌ غَيْرُهُ أقْوى مِنهُ؛ وقَدْ جاءَ في الشِعْرِ؛ قالَ أبُو النَجْمِ:
؎ قَدْ أصْبَحَتْ أُمُّ الخِيارِ تَدَّعِي ∗∗∗ عَلَيَّ ذَنْبًا كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ
بِرَفْعِ "كُلُّ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَكَذا الرِوايَةُ؛ وبِها يَتِمُّ المَعْنى الصَحِيحُ؛ لِأنَّهُ أرادَ التَبَرُّؤَ مِن جَمِيعِ الذَنْبِ؛ ولَوْ نَصَبَ "كُلَّ"؛ لَكانَ ظاهِرُ قَوْلِهِ أنَّهُ صَنَعَ بَعْضَهُ؛ وهَذا هو حَذْفُ الضَمِيرِ مِنَ الخَبَرِ؛ (p-١٨٨)وَهُوَ قَبِيحٌ؛ اَلتَّقْدِيرُ: "يَبْغُونَهُ"؛ و"لَمْ أصْنَعْهُ"؛ وإنَّما يُحْذَفُ الضَمِيرُ كَثِيرًا مِنَ الصِلَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولا﴾ [الفرقان: ٤١] ؛ وكَما تَقُولُ: "مَرَرْتُ بِالَّذِي أكْرَمْتَ"؛ ويُحْذَفُ أقَلَّ مِن ذَلِكَ مِنَ الصِفَةِ؛ وحَذْفُهُ مِنَ الخَبَرِ قَبِيحٌ؛ كَما جاءَ في بَيْتِ أبِي النَجْمِ ؛ ويُتَّجَهُ بَيْتُهُ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ لَيْسَ في صَدْرِ قَوْلِهِ ألِفُ اسْتِفْهامٍ يَطْلُبُ الفِعْلَ؛ كَما هي في قَوْلِهِ تَعالى: "أفَحُكْمَ"؛ والثانِي أنَّ في البَيْتِ عِوَضًا مِنَ الهاءِ المَحْذُوفَةِ؛ وذَلِكَ حَرْفُ الإطْلاقِ؛ أعْنِي الياءَ في "أصْنَعِي"؛ فَتَضْعُفُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "أفَحُكْمُ"؛ بِالرَفْعِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ بَعْدَهُ لا ضَمِيرَ فِيهِ؛ ولا عِوَضَ مِنَ الضَمِيرِ؛ وألِفُ الِاسْتِفْهامِ - الَّتِي تَطْلُبُ الفِعْلَ؛ ويُخْتارُ مَعَها النَصْبَ؛ وإنْ لُفِظَ بِالضَمِيرِ - حاضِرَةٌ؛ وإنَّما تُتَّجَهُ القِراءَةُ عَلى أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: "أفَحُكْمُ الجاهِلِيَّةِ حُكْمٌ يَبْغُونَ؟"؛ فَلا تَجْعَلَ "يَبْغُونَ"؛ خَبَرًا؛ بَلْ تَجْعَلَهُ صِفَةَ خَبَرٍ مَحْذُوفٍ؛ ومَوْصُوفٍ؛ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾ [النساء: ٤٦] ؛ تَقْدِيرُهُ: قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ؛ فَحَذَفَ المَوْصُوفَ؛ وأقامَ الصِفَةَ مَقامَهُ؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وما الدَهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما ∗∗∗ ∗∗∗ أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ
وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ مَهْرانَ: "أفَحَكَمَ"؛ بِفَتْحِ الحاءِ؛ والكافِ؛ والمِيمِ؛ وهو اسْمُ جِنْسٍ؛ وجازَ إضافَةُ اسْمِ الجِنْسِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: "مُنِعْتُ العِراقَ قَفِيزَها ودِرْهَمَها؛ ومِصْرَ أرْدَبَّها"؛ ولَهُ نَظائِرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَكَأنَّهُ قالَ: "أفَحُكّامَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ؟"؛ إشارَةً إلى الكُهّانِ الَّذِينَ كانُوا يَأْخُذُونَ الحُلْوانَ؛ ويَحْكُمُونَ بِحَسَبِهِ؛ وبِحَسَبِ الشَهَواتِ؛ ثُمَّ تَرْجِعُ هَذِهِ القِراءَةُ بِالمَعْنى إلى الأُولى؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: "أفَحُكْمَ حُكّامِ الجاهِلِيَّةِ؟"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "تَبْغُونَ"؛ بِالتاءِ؛ عَلى (p-١٨٩)الخِطابِ لَهُمْ؛ أيْ؛ "قُلْ لَهُمْ"؛ وباقِي السَبْعَةِ: "يَبْغُونَ"؛ بِالياءِ مِن تَحْتُ؛ ويَبْغُونَ مَعْناهُ: يَطْلُبُونَ؛ ويُرِيدُونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا﴾ ؛ تَقْرِيرٌ: أيْ: لا أحَدَ أحْسَنُ مِنهُ حُكْمًا - تَبارَكَ وتَعالى-؛ وحَسُنَ دُخُولُ اللامِ في قَوْلِهِ: "لِقَوْمٍ"؛ مِن حَيْثُ المَعْنى: "يَبِينُ ذَلِكَ ويَظْهَرُ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ".