Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — الأعراف 7:40 – الأعراف 7:114
المحتويات
- الأعراف 7:40
- الأعراف 7:41
- الأعراف 7:42
- الأعراف 7:43
- الأعراف 7:44
- الأعراف 7:45
- الأعراف 7:46
- الأعراف 7:47
- الأعراف 7:48
- الأعراف 7:49
- الأعراف 7:50
- الأعراف 7:51
- الأعراف 7:52
- الأعراف 7:53
- الأعراف 7:54
- الأعراف 7:55
- الأعراف 7:56
- الأعراف 7:57
- الأعراف 7:58
- الأعراف 7:59
- الأعراف 7:60
- الأعراف 7:61
- الأعراف 7:62
- الأعراف 7:63
- الأعراف 7:64
- الأعراف 7:65
- الأعراف 7:66
- الأعراف 7:67
- الأعراف 7:68
- الأعراف 7:69
- الأعراف 7:70
- الأعراف 7:71
- الأعراف 7:72
- الأعراف 7:73
- الأعراف 7:74
- الأعراف 7:75
- الأعراف 7:76
- الأعراف 7:77
- الأعراف 7:78
- الأعراف 7:79
- الأعراف 7:80
- الأعراف 7:81
- الأعراف 7:82
- الأعراف 7:83
- الأعراف 7:84
- الأعراف 7:85
- الأعراف 7:86
- الأعراف 7:87
- الأعراف 7:88
- الأعراف 7:89
- الأعراف 7:90
- الأعراف 7:91
- الأعراف 7:92
- الأعراف 7:93
- الأعراف 7:94
- الأعراف 7:95
- الأعراف 7:96
- الأعراف 7:97
- الأعراف 7:98
- الأعراف 7:99
- الأعراف 7:100
- الأعراف 7:101
- الأعراف 7:102
- الأعراف 7:103
- الأعراف 7:104
- الأعراف 7:105
- الأعراف 7:106
- الأعراف 7:107
- الأعراف 7:108
- الأعراف 7:109
- الأعراف 7:110
- الأعراف 7:111
- الأعراف 7:112
- الأعراف 7:113
- الأعراف 7:114
الأعراف 7:40
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عنها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَماءِ ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ وكَذَلِكَ نَجْزِي الظالِمِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
هَذِهِ الآيَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ الكَفَرَةِ؛ قَدِيمِهِمْ وحَدِيثِهِمْ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ: ﴿ "لا تُفَتَّحُ"؛﴾ بِضَمِّ التاءِ الأُولى؛ وتَشْدِيدِ الثانِيَةِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "تُفْتَحُ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ وسُكُونِ الفاءِ؛ وتَخْفِيفِ الثانِيَةِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يُفْتَحُ"؛ بِالياءِ مِن أسْفَلُ؛ وتَخْفِيفِ التاءِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ؛ وأبُو إبْراهِيمَ "يُفَتَّحُ"؛ بِالياءِ؛ وفَتْحِ الفاءِ؛ وشَدِّ التاءِ؛ ومَعْنى الآيَةِ: "لا يَرْتَفِعُ لَهم عَمَلٌ؛ ولا رُوحٌ؛ ولا دُعاءٌ"؛ فَهي عامَّةٌ في نَفْيِ ما يُوجَبُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِاللهِ تَعالى ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرُهُ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في كَيْفِيَّةِ قَبْضِ رُوحِ المُؤْمِنِ؛ والكافِرِ آثارًا؛ اخْتَصَرْتُها؛ إذْ لَيْسَتْ بِلازِمَةٍ في الآيَةِ؛ ولِلِينِ أسانِيدِها أيْضًا.
(p-٥٦٣)ثُمَّ نَفى اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - عنهم دُخُولَ الجَنَّةِ؛ وعَلَّقَ كَوْنَهُ بِكَوْنٍ مُحالٍ؛ لا يَكُونُ؛ وهو أنْ يَدْخُلَ الجَمَلُ في ثُقْبِ الإبْرَةِ؛ حَيْثُ يَدْخُلُ الخَيْطُ؛ والجَمَلُ كَما عُهِدَ؛ والسَمُّ كَما عُهِدَ.
وقَرَأ جُمْهُورُ المُسْلِمِينَ: "اَلْجَمَلُ"؛ واحِدُ الجِمالِ؛ وقالَ الحَسَنُ: هو الجَمَلُ الَّذِي يَقُومُ بِالمِرْبَدِ؛ ومَرَّةً لَمّا أكْثَرُوا عَلَيْهِ قالَ: هو الأشْتَرُ ؛ وهو "اَلْجَمَلُ"؛ بِالفارِسِيَّةِ؛ ومَرَّةً قالَ: هو الجَمَلُ ولَدُ الناقَةِ؛ وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ عِبارَةٌ تَدُلُّ عَلى حَرَجِ السائِلِ؛ لِارْتِيابِ السائِلِينَ لا شَكَّ بِاللَفْظَةِ؛ مِن أجْلِ القِراءاتِ المُخْتَلِفَةِ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ ؛ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: "حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ الأصْفَرُ"؛ وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "اَلْجَمْلُ"؛ بِسُكُونِ المِيمِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ والشَعْبِيُّ ؛ ومالِكُ بْنُ الشِخِّيرِ؛ وأبُو رَجاءٍ: "اَلْجُمَّلُ"؛ بِضَمِّ الجِيمِ؛ وتَشْدِيدِ المِيمِ؛ وهو حَبْلُ السَفِينَةِ؛ وقَرَأ سالِمٌ الأفْطَسُ؛ وابْنُ خَيْرٍ؛ وابْنُ عامِرٍ أيْضًا: "اَلْجُمَلُ"؛ بِتَخْفِيفِ المِيمِ؛ مِن "اَلْجُمَّلُ"؛ وقالُوا: هو حَبْلُ السُفُنِ؛ ورَوى الكِسائِيُّ أنَّ الَّذِي رَوى تَثْقِيلَ المِيمِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - كانَ أعْجَمِيًّا؛ فَشَدَّدَ المِيمَ؛ لِعُجْمَتِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِكَثْرَةِ أصْحابِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - عَلى القِراءَةِ المَذْكُورَةِ؛ وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ فِيما رُوِيَ عنهُ: "اَلْجُمْلُ"؛ بِضَمِّ الجِيمِ؛ وسُكُونِ المِيمِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "اَلْجُمُلُ"؛ بِضَمِّ الجِيمِ؛ والمِيمِ.
و"اَلسَّمُّ": اَلثُّقْبُ مِنَ الإبْرَةِ وغَيْرِها؛ يُقالُ "سَمٌّ"؛ و"سُمٌّ"؛ بِفَتْحِ السِينِ؛ وكَسْرِها؛ وضَمِّها؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ السِينِ؛ وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ بِضَمِّها؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِضَمِّها وبِكَسْرِها؛ ورُوِيَ عنهُ الوَجْهانِ؛ و"اَلْخِياطُ"؛ و"اَلْمِخْيَطُ": اَلْإبْرَةُ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (p-٥٦٤)"فِي سَمِّ المِخْيَطِ"؛ بِكَسْرِ المِيمِ؛ وسُكُونِ الخاءِ؛ وفَتْحِ الياءِ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ: "فِي سَمِّ المَخْيَطِ"؛ بِفَتْحِ المِيمِ؛ وكَذَلِكَ أُبَيٌّ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ؛ وبِمِثْلِ هَذا الحَتْمِ وغَيْرِهِ يُجْزى الكَفَرَةُ؛ وأهْلُ الجَرائِمِ عَلى اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾ ؛ اَلْمَعْنى أنَّ جَهَنَّمَ فِراشٌ لَهُمْ؛ ومَسْكَنٌ؛ ومَضْجَعٌ يَتَمَهَّدُونَهُ؛ وهي لَهم غَواشٍ؛ جَمْعُ "غاشِيَةٌ"؛ وهي ما يُغْشِي الإنْسانَ؛ أيْ يُغَطِّيهِ ويَسْتُرُهُ مِن جِهَةِ فَوْقَ؛ قالَ الضَحّاكُ: "اَلْمِهادُ": اَلْفِراشُ؛ و"اَلْغَواشِي": اَللُّحُفُ؛ ودَخَلَ التَنْوِينُ في "غَواشٍ"؛ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لِنُقْصانِهِ عن بِناءِ "مَفاعِلُ"؛ فَلَمّا زالَ البِناءُ المانِعُ مِنَ الصَرْفِ بِأنْ حُذِفَتِ الياءُ حَذْفًا؛ لا لِلِالتِقاءِ؛ بَلْ كَما حُذِفَتْ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَيْلِ إذا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] ؛ و﴿ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤] ؛ ومِن قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ .................................. ثُمَّ لا يَفْرِ
زالَ الِامْتِناعُ؛ وهَذا كَقَوْلِهِمْ: "ذُلْذُلٌ"؛ بِالتَنْوِينِ؛ وهم يُرِيدُونَ "اَلذَّلاذِلُ"؛ لَمّا زالَ البِناءُ؛ قالَ الزَجّاجُ: والتَنْوِينُ في "غَواشٍ"؛ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ عِوَضٌ مِنَ الياءِ المَنقُوصَةِ؛ ورَدَّ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ هَذا هو مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ ؛ ويَجُوزُ الوُقُوفُ بِياءٍ؛ وبِغَيْرِ ياءٍ؛ والِاخْتِيارُ بِغَيْرِ ياءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذِهِ آيَةُ وعْدٍ مُخْبِرَةٌ أنَّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ هم أصْحابُ الجَنَّةِ؛ ولَهُمُ الخُلْدُ فِيها؛ ثُمَّ اعْتَرَضَ أثْناءَ القَوْلِ بِعَقِبِ الصِفَةِ؛ الَّتِي شَرَطَها في المُؤْمِنِينَ بِاعْتِراضٍ يُخَفِّفُ الشَرْطَ ويُرَجِّي في رَحْمَةِ اللهِ تَعالى ؛ ويُعْلِمُ أنَّ دِينَهُ يُسْرٌ.
وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في أنَّ الشَرِيعَةَ لا يَتَقَرَّرُ مِن تَكالِيفِها شَيْءٌ لا يُطاقُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ (p-٥٦٥)فِي جَوازِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ؛ وفي وُقُوعِهِ؛ بِمُغْنٍ عَنِ الإعادَةِ.
و"اَلْوُسْعُ"؛ مَعْناهُ: اَلطّاقَةُ؛ وهو القَدْرُ الَّذِي يَتَّسِعُ لَهُ قَدْرُ البَشَرِ.
الأعراف 7:41
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عنها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَماءِ ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ وكَذَلِكَ نَجْزِي الظالِمِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
هَذِهِ الآيَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ الكَفَرَةِ؛ قَدِيمِهِمْ وحَدِيثِهِمْ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ: ﴿ "لا تُفَتَّحُ"؛﴾ بِضَمِّ التاءِ الأُولى؛ وتَشْدِيدِ الثانِيَةِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "تُفْتَحُ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ وسُكُونِ الفاءِ؛ وتَخْفِيفِ الثانِيَةِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يُفْتَحُ"؛ بِالياءِ مِن أسْفَلُ؛ وتَخْفِيفِ التاءِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ؛ وأبُو إبْراهِيمَ "يُفَتَّحُ"؛ بِالياءِ؛ وفَتْحِ الفاءِ؛ وشَدِّ التاءِ؛ ومَعْنى الآيَةِ: "لا يَرْتَفِعُ لَهم عَمَلٌ؛ ولا رُوحٌ؛ ولا دُعاءٌ"؛ فَهي عامَّةٌ في نَفْيِ ما يُوجَبُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِاللهِ تَعالى ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرُهُ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في كَيْفِيَّةِ قَبْضِ رُوحِ المُؤْمِنِ؛ والكافِرِ آثارًا؛ اخْتَصَرْتُها؛ إذْ لَيْسَتْ بِلازِمَةٍ في الآيَةِ؛ ولِلِينِ أسانِيدِها أيْضًا.
(p-٥٦٣)ثُمَّ نَفى اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - عنهم دُخُولَ الجَنَّةِ؛ وعَلَّقَ كَوْنَهُ بِكَوْنٍ مُحالٍ؛ لا يَكُونُ؛ وهو أنْ يَدْخُلَ الجَمَلُ في ثُقْبِ الإبْرَةِ؛ حَيْثُ يَدْخُلُ الخَيْطُ؛ والجَمَلُ كَما عُهِدَ؛ والسَمُّ كَما عُهِدَ.
وقَرَأ جُمْهُورُ المُسْلِمِينَ: "اَلْجَمَلُ"؛ واحِدُ الجِمالِ؛ وقالَ الحَسَنُ: هو الجَمَلُ الَّذِي يَقُومُ بِالمِرْبَدِ؛ ومَرَّةً لَمّا أكْثَرُوا عَلَيْهِ قالَ: هو الأشْتَرُ ؛ وهو "اَلْجَمَلُ"؛ بِالفارِسِيَّةِ؛ ومَرَّةً قالَ: هو الجَمَلُ ولَدُ الناقَةِ؛ وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ عِبارَةٌ تَدُلُّ عَلى حَرَجِ السائِلِ؛ لِارْتِيابِ السائِلِينَ لا شَكَّ بِاللَفْظَةِ؛ مِن أجْلِ القِراءاتِ المُخْتَلِفَةِ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ ؛ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: "حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ الأصْفَرُ"؛ وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "اَلْجَمْلُ"؛ بِسُكُونِ المِيمِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ والشَعْبِيُّ ؛ ومالِكُ بْنُ الشِخِّيرِ؛ وأبُو رَجاءٍ: "اَلْجُمَّلُ"؛ بِضَمِّ الجِيمِ؛ وتَشْدِيدِ المِيمِ؛ وهو حَبْلُ السَفِينَةِ؛ وقَرَأ سالِمٌ الأفْطَسُ؛ وابْنُ خَيْرٍ؛ وابْنُ عامِرٍ أيْضًا: "اَلْجُمَلُ"؛ بِتَخْفِيفِ المِيمِ؛ مِن "اَلْجُمَّلُ"؛ وقالُوا: هو حَبْلُ السُفُنِ؛ ورَوى الكِسائِيُّ أنَّ الَّذِي رَوى تَثْقِيلَ المِيمِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - كانَ أعْجَمِيًّا؛ فَشَدَّدَ المِيمَ؛ لِعُجْمَتِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِكَثْرَةِ أصْحابِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - عَلى القِراءَةِ المَذْكُورَةِ؛ وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ فِيما رُوِيَ عنهُ: "اَلْجُمْلُ"؛ بِضَمِّ الجِيمِ؛ وسُكُونِ المِيمِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "اَلْجُمُلُ"؛ بِضَمِّ الجِيمِ؛ والمِيمِ.
و"اَلسَّمُّ": اَلثُّقْبُ مِنَ الإبْرَةِ وغَيْرِها؛ يُقالُ "سَمٌّ"؛ و"سُمٌّ"؛ بِفَتْحِ السِينِ؛ وكَسْرِها؛ وضَمِّها؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ السِينِ؛ وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ بِضَمِّها؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِضَمِّها وبِكَسْرِها؛ ورُوِيَ عنهُ الوَجْهانِ؛ و"اَلْخِياطُ"؛ و"اَلْمِخْيَطُ": اَلْإبْرَةُ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (p-٥٦٤)"فِي سَمِّ المِخْيَطِ"؛ بِكَسْرِ المِيمِ؛ وسُكُونِ الخاءِ؛ وفَتْحِ الياءِ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ: "فِي سَمِّ المَخْيَطِ"؛ بِفَتْحِ المِيمِ؛ وكَذَلِكَ أُبَيٌّ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ؛ وبِمِثْلِ هَذا الحَتْمِ وغَيْرِهِ يُجْزى الكَفَرَةُ؛ وأهْلُ الجَرائِمِ عَلى اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾ ؛ اَلْمَعْنى أنَّ جَهَنَّمَ فِراشٌ لَهُمْ؛ ومَسْكَنٌ؛ ومَضْجَعٌ يَتَمَهَّدُونَهُ؛ وهي لَهم غَواشٍ؛ جَمْعُ "غاشِيَةٌ"؛ وهي ما يُغْشِي الإنْسانَ؛ أيْ يُغَطِّيهِ ويَسْتُرُهُ مِن جِهَةِ فَوْقَ؛ قالَ الضَحّاكُ: "اَلْمِهادُ": اَلْفِراشُ؛ و"اَلْغَواشِي": اَللُّحُفُ؛ ودَخَلَ التَنْوِينُ في "غَواشٍ"؛ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لِنُقْصانِهِ عن بِناءِ "مَفاعِلُ"؛ فَلَمّا زالَ البِناءُ المانِعُ مِنَ الصَرْفِ بِأنْ حُذِفَتِ الياءُ حَذْفًا؛ لا لِلِالتِقاءِ؛ بَلْ كَما حُذِفَتْ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَيْلِ إذا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] ؛ و﴿ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤] ؛ ومِن قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ .................................. ثُمَّ لا يَفْرِ
زالَ الِامْتِناعُ؛ وهَذا كَقَوْلِهِمْ: "ذُلْذُلٌ"؛ بِالتَنْوِينِ؛ وهم يُرِيدُونَ "اَلذَّلاذِلُ"؛ لَمّا زالَ البِناءُ؛ قالَ الزَجّاجُ: والتَنْوِينُ في "غَواشٍ"؛ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ عِوَضٌ مِنَ الياءِ المَنقُوصَةِ؛ ورَدَّ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ هَذا هو مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ ؛ ويَجُوزُ الوُقُوفُ بِياءٍ؛ وبِغَيْرِ ياءٍ؛ والِاخْتِيارُ بِغَيْرِ ياءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذِهِ آيَةُ وعْدٍ مُخْبِرَةٌ أنَّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ هم أصْحابُ الجَنَّةِ؛ ولَهُمُ الخُلْدُ فِيها؛ ثُمَّ اعْتَرَضَ أثْناءَ القَوْلِ بِعَقِبِ الصِفَةِ؛ الَّتِي شَرَطَها في المُؤْمِنِينَ بِاعْتِراضٍ يُخَفِّفُ الشَرْطَ ويُرَجِّي في رَحْمَةِ اللهِ تَعالى ؛ ويُعْلِمُ أنَّ دِينَهُ يُسْرٌ.
وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في أنَّ الشَرِيعَةَ لا يَتَقَرَّرُ مِن تَكالِيفِها شَيْءٌ لا يُطاقُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ (p-٥٦٥)فِي جَوازِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ؛ وفي وُقُوعِهِ؛ بِمُغْنٍ عَنِ الإعادَةِ.
و"اَلْوُسْعُ"؛ مَعْناهُ: اَلطّاقَةُ؛ وهو القَدْرُ الَّذِي يَتَّسِعُ لَهُ قَدْرُ البَشَرِ.
الأعراف 7:42
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عنها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَماءِ ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ وكَذَلِكَ نَجْزِي الظالِمِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
هَذِهِ الآيَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ الكَفَرَةِ؛ قَدِيمِهِمْ وحَدِيثِهِمْ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ: ﴿ "لا تُفَتَّحُ"؛﴾ بِضَمِّ التاءِ الأُولى؛ وتَشْدِيدِ الثانِيَةِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "تُفْتَحُ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ وسُكُونِ الفاءِ؛ وتَخْفِيفِ الثانِيَةِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يُفْتَحُ"؛ بِالياءِ مِن أسْفَلُ؛ وتَخْفِيفِ التاءِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ؛ وأبُو إبْراهِيمَ "يُفَتَّحُ"؛ بِالياءِ؛ وفَتْحِ الفاءِ؛ وشَدِّ التاءِ؛ ومَعْنى الآيَةِ: "لا يَرْتَفِعُ لَهم عَمَلٌ؛ ولا رُوحٌ؛ ولا دُعاءٌ"؛ فَهي عامَّةٌ في نَفْيِ ما يُوجَبُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِاللهِ تَعالى ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرُهُ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في كَيْفِيَّةِ قَبْضِ رُوحِ المُؤْمِنِ؛ والكافِرِ آثارًا؛ اخْتَصَرْتُها؛ إذْ لَيْسَتْ بِلازِمَةٍ في الآيَةِ؛ ولِلِينِ أسانِيدِها أيْضًا.
(p-٥٦٣)ثُمَّ نَفى اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - عنهم دُخُولَ الجَنَّةِ؛ وعَلَّقَ كَوْنَهُ بِكَوْنٍ مُحالٍ؛ لا يَكُونُ؛ وهو أنْ يَدْخُلَ الجَمَلُ في ثُقْبِ الإبْرَةِ؛ حَيْثُ يَدْخُلُ الخَيْطُ؛ والجَمَلُ كَما عُهِدَ؛ والسَمُّ كَما عُهِدَ.
وقَرَأ جُمْهُورُ المُسْلِمِينَ: "اَلْجَمَلُ"؛ واحِدُ الجِمالِ؛ وقالَ الحَسَنُ: هو الجَمَلُ الَّذِي يَقُومُ بِالمِرْبَدِ؛ ومَرَّةً لَمّا أكْثَرُوا عَلَيْهِ قالَ: هو الأشْتَرُ ؛ وهو "اَلْجَمَلُ"؛ بِالفارِسِيَّةِ؛ ومَرَّةً قالَ: هو الجَمَلُ ولَدُ الناقَةِ؛ وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ عِبارَةٌ تَدُلُّ عَلى حَرَجِ السائِلِ؛ لِارْتِيابِ السائِلِينَ لا شَكَّ بِاللَفْظَةِ؛ مِن أجْلِ القِراءاتِ المُخْتَلِفَةِ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ ؛ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: "حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ الأصْفَرُ"؛ وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "اَلْجَمْلُ"؛ بِسُكُونِ المِيمِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ والشَعْبِيُّ ؛ ومالِكُ بْنُ الشِخِّيرِ؛ وأبُو رَجاءٍ: "اَلْجُمَّلُ"؛ بِضَمِّ الجِيمِ؛ وتَشْدِيدِ المِيمِ؛ وهو حَبْلُ السَفِينَةِ؛ وقَرَأ سالِمٌ الأفْطَسُ؛ وابْنُ خَيْرٍ؛ وابْنُ عامِرٍ أيْضًا: "اَلْجُمَلُ"؛ بِتَخْفِيفِ المِيمِ؛ مِن "اَلْجُمَّلُ"؛ وقالُوا: هو حَبْلُ السُفُنِ؛ ورَوى الكِسائِيُّ أنَّ الَّذِي رَوى تَثْقِيلَ المِيمِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - كانَ أعْجَمِيًّا؛ فَشَدَّدَ المِيمَ؛ لِعُجْمَتِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِكَثْرَةِ أصْحابِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - عَلى القِراءَةِ المَذْكُورَةِ؛ وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ فِيما رُوِيَ عنهُ: "اَلْجُمْلُ"؛ بِضَمِّ الجِيمِ؛ وسُكُونِ المِيمِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "اَلْجُمُلُ"؛ بِضَمِّ الجِيمِ؛ والمِيمِ.
و"اَلسَّمُّ": اَلثُّقْبُ مِنَ الإبْرَةِ وغَيْرِها؛ يُقالُ "سَمٌّ"؛ و"سُمٌّ"؛ بِفَتْحِ السِينِ؛ وكَسْرِها؛ وضَمِّها؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ السِينِ؛ وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ بِضَمِّها؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِضَمِّها وبِكَسْرِها؛ ورُوِيَ عنهُ الوَجْهانِ؛ و"اَلْخِياطُ"؛ و"اَلْمِخْيَطُ": اَلْإبْرَةُ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (p-٥٦٤)"فِي سَمِّ المِخْيَطِ"؛ بِكَسْرِ المِيمِ؛ وسُكُونِ الخاءِ؛ وفَتْحِ الياءِ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ: "فِي سَمِّ المَخْيَطِ"؛ بِفَتْحِ المِيمِ؛ وكَذَلِكَ أُبَيٌّ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ؛ وبِمِثْلِ هَذا الحَتْمِ وغَيْرِهِ يُجْزى الكَفَرَةُ؛ وأهْلُ الجَرائِمِ عَلى اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾ ؛ اَلْمَعْنى أنَّ جَهَنَّمَ فِراشٌ لَهُمْ؛ ومَسْكَنٌ؛ ومَضْجَعٌ يَتَمَهَّدُونَهُ؛ وهي لَهم غَواشٍ؛ جَمْعُ "غاشِيَةٌ"؛ وهي ما يُغْشِي الإنْسانَ؛ أيْ يُغَطِّيهِ ويَسْتُرُهُ مِن جِهَةِ فَوْقَ؛ قالَ الضَحّاكُ: "اَلْمِهادُ": اَلْفِراشُ؛ و"اَلْغَواشِي": اَللُّحُفُ؛ ودَخَلَ التَنْوِينُ في "غَواشٍ"؛ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لِنُقْصانِهِ عن بِناءِ "مَفاعِلُ"؛ فَلَمّا زالَ البِناءُ المانِعُ مِنَ الصَرْفِ بِأنْ حُذِفَتِ الياءُ حَذْفًا؛ لا لِلِالتِقاءِ؛ بَلْ كَما حُذِفَتْ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَيْلِ إذا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] ؛ و﴿ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤] ؛ ومِن قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ .................................. ثُمَّ لا يَفْرِ
زالَ الِامْتِناعُ؛ وهَذا كَقَوْلِهِمْ: "ذُلْذُلٌ"؛ بِالتَنْوِينِ؛ وهم يُرِيدُونَ "اَلذَّلاذِلُ"؛ لَمّا زالَ البِناءُ؛ قالَ الزَجّاجُ: والتَنْوِينُ في "غَواشٍ"؛ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ عِوَضٌ مِنَ الياءِ المَنقُوصَةِ؛ ورَدَّ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ هَذا هو مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ ؛ ويَجُوزُ الوُقُوفُ بِياءٍ؛ وبِغَيْرِ ياءٍ؛ والِاخْتِيارُ بِغَيْرِ ياءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذِهِ آيَةُ وعْدٍ مُخْبِرَةٌ أنَّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ هم أصْحابُ الجَنَّةِ؛ ولَهُمُ الخُلْدُ فِيها؛ ثُمَّ اعْتَرَضَ أثْناءَ القَوْلِ بِعَقِبِ الصِفَةِ؛ الَّتِي شَرَطَها في المُؤْمِنِينَ بِاعْتِراضٍ يُخَفِّفُ الشَرْطَ ويُرَجِّي في رَحْمَةِ اللهِ تَعالى ؛ ويُعْلِمُ أنَّ دِينَهُ يُسْرٌ.
وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في أنَّ الشَرِيعَةَ لا يَتَقَرَّرُ مِن تَكالِيفِها شَيْءٌ لا يُطاقُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ (p-٥٦٥)فِي جَوازِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ؛ وفي وُقُوعِهِ؛ بِمُغْنٍ عَنِ الإعادَةِ.
و"اَلْوُسْعُ"؛ مَعْناهُ: اَلطّاقَةُ؛ وهو القَدْرُ الَّذِي يَتَّسِعُ لَهُ قَدْرُ البَشَرِ.
الأعراف 7:43
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
هَذا إخْبارٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ يُنَقِّي قُلُوبَ ساكِنِي الجَنَّةِ مِنَ الغِلِّ والحِقْدِ؛ وذَلِكَ أنَّ صاحِبَ الغِلِّ مُتَعَذِّبٌ بِهِ؛ ولا عَذابَ في الجَنَّةِ؛ ووَرَدَ في الحَدِيثِ: « "اَلْغِلُّ عَلى بابِ الجَنَّةِ كَمَبارِكِ الإبِلِ؛ قَدْ نَزَعَهُ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى - مِن قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَعْنى هَذا الحَدِيثِ - إذا حُمِلَ عَلى حَقِيقَتِهِ - أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - يَخْلُقُ جَوْهَرًا؛ يَجْعَلُهُ حَيْثُ يُرى كَمَبارِكِ الإبِلِ؛ لِأنَّ الغِلَّ عَرَضٌ لا يَقُومُ بِنَفْسِهِ؛ وإنْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ اسْتِعارَةٌ؛ وعُبِّرَ [بِها] عن سُقُوطِهِ عن نُفُوسِهِمْ؛ فَهَذِهِ الألْفاظُ عَلى جِهَةِ التَمْثِيلِ؛ كَما تَقُولُ: "فُلانٌ إذا دَخَلَ عَلى الأمِيرِ تَرَكَ نَخْوَتَهُ بِالبابِ مُلْقاةً"؛ فَلَهُ وجْهٌ؛ والأوَّلُ أصْوَبَ؛ وأجْرى مَعَ الشَرْعِ في أشْياءَ كَثِيرَةٍ؛ مِثْلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "يُؤْتى بِالمَوْتِ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُ كَبْشٌ؛ فَيُذْبَحُ"؛» وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ورَوى الحَسَنُ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - قالَ: "فِينا واللهِ أهْلَ بَدْرٍ نَزَلَتْ: ﴿وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] " ؛ ورُوِيَ عنهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: "فِينا واللهِ نَزَلَتْ: ﴿وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ "؛ وذَكَرَ قَتادَةُ أنَّ عَلِيًّا قالَ: (p-٥٦٦)"إنِّي لَأرْجُو أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ ؛ وطَلْحَةُ ؛ والزُبَيْرُ - رَضِيَ اللهُ عنهم - مِنَ الَّذِينَ قالَ اللهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو المَعْنى الصَحِيحُ؛ فَإنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في أهْلِ الجَنَّةِ؛ و"اَلْغِلُّ": اَلْحِقْدُ؛ والإحْنَةُ الخَفِيَّةُ في النَفْسِ؛ وجَمْعُهُ: "غِلالٌ"؛ ومِنهُ: "اَلْغُلُولُ"؛ أخْذٌ في خَفاءٍ؛ ومِنهُ: "اَلِانْغِلالُ في الشَيْءِ"؛ ومِنهُ: "اَلْمُغِلُّ بِالأمانَةِ"؛ ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ:
؎ سُلّاءَةً كَعَصا النَهْدِيِّ غُلَّ لَها ∗∗∗ ذُو فَيْئَةٍ مِن نَوى قُرّانَ مَعْجُومُ
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ ؛ بَيِّنٌ؛ لِأنَّ ما كانَ لاطِئًا بِالأرْضِ فَهو تَحْتَ ما كانَ مُنْتَصِبًا آخِذًا في سَماءٍ؛ و"هَدانا"؛ بِمَعْنى: أرْشَدَنا؛ والإشارَةُ بِـ "هَذا"؛ تُتَّجَهُ أنْ تَكُونَ إلى الإيمانِ والأعْمالِ الصالِحَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى دُخُولِ الجَنَّةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى الجَنَّةِ نَفْسِها؛ أيْ: أرْشَدَنا إلى طُرُقِها؛ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الوَجْهَيْنِ أمْثِلَةٌ في القُرْآنِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "ما كُنّا لِنَهْتَدِيَ"؛ بِسُقُوطِ الواوِ مِن قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ "وَما كُنّا"؛﴾ وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشامِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وجْهُ سُقُوطِ الواوِ أنَّ الكَلامَ مُتَّصِلٌ مُرْتَبِطٌ بِما قَبْلَهُ.
ولَمّا رَأوا تَصْدِيقَ ما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ عَنِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: وعايَنُوا إنْجازَ المَواعِيدِ؛ قالُوا: ﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ ؛ فَقَضَوْا بِأنَّ ذَلِكَ حَقٌّ قَضاهُ مَن يُحِسُّ؛ وكانُوا في الدُنْيا يَقْضُونَ بِأنَّ ذَلِكَ حَقٌّ قَضاهُ مَن يَسْتَدِلُّ؛ و﴿ "وَنُودُوا"؛﴾ أيْ: "قِيلَ لَهم بِصِياحٍ"؛ وهَذا النِداءُ مِن قِبَلِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ و"أنْ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِمَعْنى النِداءِ؛ بِمَعْنى "أيْ"؛ (p-٥٦٧)وَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَقِيلَةِ؛ وفِيها ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "أنَّهُ تِلْكُمُ الجَنَّةُ"؛ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الأعْشى:
؎ في فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ∗∗∗ ∗∗∗ أنْ هالِكٌ كُلُّ مَن يَحْفى ويَنْتَعِلُ
تَقْدِيرُهُ: "أنَّهُ هالِكٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ أُكاشِرُهُ وأعْلَمُ أنْ كِلانا ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى ما ساءَ صاحِبَهُ حَرِيصُ
و﴿تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ ؛ اِبْتِداءٌ؛ وصِفَةٌ؛ و"أُورِثْتُمُوها"؛ اَلْخَبَرُ؛ و"تِلْكُمُ"؛ إشارَةٌ فِيها غَيْبَةٌ؛ فَإمّا لِأنَّهم كانُوا وُعِدُوا بِها في الدُنْيا؛ فالإشارَةُ إلى تِلْكَ؛ أيْ: "تِلْكم هَذِهِ الجَنَّةُ"؛ وحُذِفَتْ "هَذِهِ"؛ وإمّا قَبْلَ الدُخُولِ؛ وإمّا بَعْدَ الدُخُولِ؛ وهم مُجْتَمِعُونَ في مَوْضِعٍ مِنها؛ فَكُلٌّ غائِبٌ عن مَنزِلِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ؛ لا عَلى طَرِيقِ وُجُوبِ ذَلِكَ عَلى اللهِ تَعالى ؛ لَكِنْ بِقَرِينَةِ رَحْمَتِهِ تَعالى ؛ وتَغَمُّدِهِ؛ والأعْمالُ أمارَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى ؛ وطَرِيقٌ إلى قُوَّةِ الرَجاءِ؛ ودُخُولُ الجَنَّةِ إنَّما هو بِمُجَرَّدِ رَحْمَةِ اللهِ تَعالى ؛ والقَسْمُ فِيها عَلى قَدْرِ العَمَلِ؛ و"أُورِثْتُمْ"؛ مُشِيرَةٌ إلى الأقْسامِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ: ﴿ "أُورِثْتُمُوها"؛﴾ وكَذَلِكَ في "اَلزُّخْرُفِ"؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ والكِسائِيُّ وحَمْزَةُ: "أُورِتَّمُوها"؛ بِإدْغامِ الثاءِ في التاءِ؛ وكَذَلِكَ في "اَلزُّخْرُفِ".
الأعراف 7:44
(p-٥٦٨)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ النارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلى الظالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾
هَذا إخْبارٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَمّا يَكُونُ مِنهُمْ؛ وعَبَّرَ عن مَعانٍ مُسْتَقْبَلَةٍ بِصِيغَةٍ ماضِيَةٍ؛ وهَذا حَسَنٌ فِيما تَحَقَّقَ وُقُوعُهُ؛ وهَذا النِداءُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ لِأهْلِ النارِ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ وزِيادَةٌ في الكَرْبِ؛ وهو بِأنْ يُشْرِفُوا عَلَيْهِمْ؛ ويُخْلَقُ الإدْراكَ في الأسْماعِ؛ والأبْصارِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَعَمْ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وقَرَأ الكِسائِيُّ: "نَعِمْ"؛ بِكَسْرِ العَيْنِ؛ ورُوِيَتْ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - وعَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقَرَأها ابْنُ وثّابٍ ؛ والأعْمَشُ ؛ قالَ الأخْفَشُ: هُما لُغَتانِ؛ ولَمْ يَحْكِ سِيبَوَيْهِ الكَسْرَ؛ وقالَ: "نَعَمْ": عِدَةٌ؛ وتَصْدِيقٌ؛ أيْ: مَرَّةً هَذا؛ ومَرَّةً هَذا؛ وفي كِتابِ أبِي حاتِمٍ عَنِ الكِسائِيِّ ؛ عن شَيْخٍ مِن ولَدِ الزُبَيْرِ قالَ: ما كُنْتُ أسْمَعُ أشْياخَ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ إلّا "نَعِمْ"؛ بِكَسْرِ العَيْنِ؛ ثُمَّ فَقَدْتُها بَعْدَهُ؛ وفِيهِ عن قَتادَةَ ؛ «عن رَجُلٍ مِن خَثْعَمٍ قالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: أنْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ نَبِيٌّ؟ قالَ: "نَعِمْ"؛» بِكَسْرِ العَيْنِ؛ وفِيهِ عن أبِي عُثْمانَ النَهْدِيِّ قالَ: سَألَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عن شَيْءٍ فَقالُوا: "نَعَمْ"؛ فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "اَلنَّعَمُ: اَلْإبِلُ؛ والشاءُ؛ قُولُوا: نَعِمْ"؛ بِكَسْرِ العَيْنِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: وهَذِهِ اللُغَةُ لا تُعْرَفُ اليَوْمَ بِالحَرَمَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ ؛ والطَبَرِيُّ ؛ وغَيْرُهُما: ﴿ "أذَّنَ مُؤَذِّنٌ"؛﴾ [يوسف: ٧٠] بِمَعْنى: "أعْلَمُ مُعْلِمٌ"؛ قالَ سِيبَوَيْهِ: "أذَّنْتُ": إعْلامٌ بِتَصْوِيتٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ قُنْبُلٍ ؛ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ ﴿ "أنْ لَعْنَةُ اللهِ"؛﴾ بِتَخْفِيفِ "أنْ"؛ مِنَ الثَقِيلَةِ؛ ورَفْعِ "لَعْنَةُ"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وابْنُ كَثِيرٍ ؛ في رِوايَةِ البِزِّيِّ ؛ وشِبْلٍ: "أنَّ لَعْنَةَ"؛ بِتَثْقِيلِ "أنَّ"؛ ونَصْبِ "لَعْنَةَ"؛ وكُلُّهم قَرَأ الَّتِي في النُورِ: (p-٥٦٩)"أنَّ لَعْنَةَ اللهِ"؛ و"أنَّ غَضَبَ اللهِ"؛ بِتَشْدِيدِ النُونِ؛ غَيْرَ نافِعٍ ؛ فَإنَّهُ قَرَأهُما: "أنْ لَعْنَةُ"؛ و"أنْ غَضَبُ"؛ مُخَفَّفَتَيْنِ؛ ورَوى عِصْمَةُ عَنِ الأعْمَشِ: "مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم إنَّ"؛ بِكَسْرِ الألِفِ؛ عَلى إضْمارِ قالَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: لِما كانَ الأذانُ قَوْلًا؛ والظالِمُونَ في هَذِهِ الآيَةِ: اَلْكافِرُونَ.
ثُمَّ ابْتَدَأ صِفَتَهم بِأفْعالِهِمْ في الدُنْيا لِيَكُونَ عَلامَةً أنَّ أهْلِ هَذِهِ الصِفَةِ هُمُ المُرادُ يَوْمَ القِيامَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلى الظالِمِينَ﴾ ؛ و﴿ "يَصُدُّونَ"؛﴾ مَعْناهُ: يُعْرِضُونَ؛ و"اَلسَّبِيلُ": اَلطَّرِيقُ؛ والمَنهَجُ؛ ويُذَكَّرُ؛ ويُؤَنَّثُ؛ وتَأْنِيثُها أكْثَرُ؛ و﴿ "وَيَبْغُونَها"؛﴾ مَعْناهُ: يَطْلُبُونَها؛ أو يَطْلُبُونَ لَها؛ فَإنْ قَدَّرْتَ يَطْلُبُونَها؛ فَـ ﴿ "عِوَجًا"؛﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنَ الضَمِيرِ العائِدِ عَلى "اَلسَّبِيلِ"؛ أيْ: "مُعْوَجَّةً"؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن ضَمِيرِ الجَماعَةِ في ﴿ "وَيَبْغُونَها"؛﴾ أيْ: مُعْوَجِّينَ؛ وإنْ قُدِّرَتْ "يَبْغُونَها": يَطْلُبُونَ لَها؛ وهو ظاهِرُ تَأْوِيلِ الطَبَرِيِّ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ فَـ "عِوَجًا"؛ مَفْعُولُ "يَبْغُونَ"؛ و"اَلْعِوَجُ"؛ بِكَسْرِ العَيْنِ؛ في الأُمُورِ والمَعانِي؛ و"اَلْعَوَجُ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ في الأجْرامِ؛ والمُتَنَصِّباتِ.
الأعراف 7:45
(p-٥٦٨)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ النارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلى الظالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾
هَذا إخْبارٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَمّا يَكُونُ مِنهُمْ؛ وعَبَّرَ عن مَعانٍ مُسْتَقْبَلَةٍ بِصِيغَةٍ ماضِيَةٍ؛ وهَذا حَسَنٌ فِيما تَحَقَّقَ وُقُوعُهُ؛ وهَذا النِداءُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ لِأهْلِ النارِ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ وزِيادَةٌ في الكَرْبِ؛ وهو بِأنْ يُشْرِفُوا عَلَيْهِمْ؛ ويُخْلَقُ الإدْراكَ في الأسْماعِ؛ والأبْصارِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَعَمْ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وقَرَأ الكِسائِيُّ: "نَعِمْ"؛ بِكَسْرِ العَيْنِ؛ ورُوِيَتْ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - وعَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقَرَأها ابْنُ وثّابٍ ؛ والأعْمَشُ ؛ قالَ الأخْفَشُ: هُما لُغَتانِ؛ ولَمْ يَحْكِ سِيبَوَيْهِ الكَسْرَ؛ وقالَ: "نَعَمْ": عِدَةٌ؛ وتَصْدِيقٌ؛ أيْ: مَرَّةً هَذا؛ ومَرَّةً هَذا؛ وفي كِتابِ أبِي حاتِمٍ عَنِ الكِسائِيِّ ؛ عن شَيْخٍ مِن ولَدِ الزُبَيْرِ قالَ: ما كُنْتُ أسْمَعُ أشْياخَ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ إلّا "نَعِمْ"؛ بِكَسْرِ العَيْنِ؛ ثُمَّ فَقَدْتُها بَعْدَهُ؛ وفِيهِ عن قَتادَةَ ؛ «عن رَجُلٍ مِن خَثْعَمٍ قالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: أنْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ نَبِيٌّ؟ قالَ: "نَعِمْ"؛» بِكَسْرِ العَيْنِ؛ وفِيهِ عن أبِي عُثْمانَ النَهْدِيِّ قالَ: سَألَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عن شَيْءٍ فَقالُوا: "نَعَمْ"؛ فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "اَلنَّعَمُ: اَلْإبِلُ؛ والشاءُ؛ قُولُوا: نَعِمْ"؛ بِكَسْرِ العَيْنِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: وهَذِهِ اللُغَةُ لا تُعْرَفُ اليَوْمَ بِالحَرَمَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ ؛ والطَبَرِيُّ ؛ وغَيْرُهُما: ﴿ "أذَّنَ مُؤَذِّنٌ"؛﴾ [يوسف: ٧٠] بِمَعْنى: "أعْلَمُ مُعْلِمٌ"؛ قالَ سِيبَوَيْهِ: "أذَّنْتُ": إعْلامٌ بِتَصْوِيتٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ قُنْبُلٍ ؛ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ ﴿ "أنْ لَعْنَةُ اللهِ"؛﴾ بِتَخْفِيفِ "أنْ"؛ مِنَ الثَقِيلَةِ؛ ورَفْعِ "لَعْنَةُ"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وابْنُ كَثِيرٍ ؛ في رِوايَةِ البِزِّيِّ ؛ وشِبْلٍ: "أنَّ لَعْنَةَ"؛ بِتَثْقِيلِ "أنَّ"؛ ونَصْبِ "لَعْنَةَ"؛ وكُلُّهم قَرَأ الَّتِي في النُورِ: (p-٥٦٩)"أنَّ لَعْنَةَ اللهِ"؛ و"أنَّ غَضَبَ اللهِ"؛ بِتَشْدِيدِ النُونِ؛ غَيْرَ نافِعٍ ؛ فَإنَّهُ قَرَأهُما: "أنْ لَعْنَةُ"؛ و"أنْ غَضَبُ"؛ مُخَفَّفَتَيْنِ؛ ورَوى عِصْمَةُ عَنِ الأعْمَشِ: "مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم إنَّ"؛ بِكَسْرِ الألِفِ؛ عَلى إضْمارِ قالَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: لِما كانَ الأذانُ قَوْلًا؛ والظالِمُونَ في هَذِهِ الآيَةِ: اَلْكافِرُونَ.
ثُمَّ ابْتَدَأ صِفَتَهم بِأفْعالِهِمْ في الدُنْيا لِيَكُونَ عَلامَةً أنَّ أهْلِ هَذِهِ الصِفَةِ هُمُ المُرادُ يَوْمَ القِيامَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلى الظالِمِينَ﴾ ؛ و﴿ "يَصُدُّونَ"؛﴾ مَعْناهُ: يُعْرِضُونَ؛ و"اَلسَّبِيلُ": اَلطَّرِيقُ؛ والمَنهَجُ؛ ويُذَكَّرُ؛ ويُؤَنَّثُ؛ وتَأْنِيثُها أكْثَرُ؛ و﴿ "وَيَبْغُونَها"؛﴾ مَعْناهُ: يَطْلُبُونَها؛ أو يَطْلُبُونَ لَها؛ فَإنْ قَدَّرْتَ يَطْلُبُونَها؛ فَـ ﴿ "عِوَجًا"؛﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنَ الضَمِيرِ العائِدِ عَلى "اَلسَّبِيلِ"؛ أيْ: "مُعْوَجَّةً"؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن ضَمِيرِ الجَماعَةِ في ﴿ "وَيَبْغُونَها"؛﴾ أيْ: مُعْوَجِّينَ؛ وإنْ قُدِّرَتْ "يَبْغُونَها": يَطْلُبُونَ لَها؛ وهو ظاهِرُ تَأْوِيلِ الطَبَرِيِّ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ فَـ "عِوَجًا"؛ مَفْعُولُ "يَبْغُونَ"؛ و"اَلْعِوَجُ"؛ بِكَسْرِ العَيْنِ؛ في الأُمُورِ والمَعانِي؛ و"اَلْعَوَجُ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ في الأجْرامِ؛ والمُتَنَصِّباتِ.
الأعراف 7:46
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهم ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ ﴿وَإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظالِمِينَ﴾ ﴿وَنادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عنكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾
اَلضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "وَبَيْنَهُما"؛﴾ عائِدٌ عَلى الجَنَّةِ؛ والنارِ؛ ويُحْتَمَلُ عَلى الجَمْعَيْنِ؛ إذْ يَتَضَمَّنُهُما قَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ النارِ﴾ [الأعراف: ٤٤] ؛ و"اَلْحِجابُ": هو السُورُ الَّذِي ذَكَرَهُ - عَزَّ وجَلَّ - في قَوْلِهِ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ﴾ [الحديد: ١٣] ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "اَلْأعْرافُ": حِجابٌ بَيْنَ الجَنَّةِ؛ والنارِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا: هو تَلٌّ بَيْنَ الجَنَّةِ؛ والنارِ؛ وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ حَدِيثًا أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "إنَّ أُحُدًا جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّهُ؛ وإنَّهُ يَقُومُ يَوْمَ القِيامَةِ يَمْثُلُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنارِ؛ يُحْتَبَسُ عَلَيْهِ أقْوامٌ (p-٥٧٠)يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ؛ هم إنْ شاءَ اللهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ"؛» وذَكَرَ حَدِيثًا آخَرَ عن صَفْوانَ بْنِ سُلَيْمٍ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "إنَّ أُحُدًا عَلى رُكْنٍ مِن أرْكانِ الجَنَّةِ"؛» و"اَلْأعْرافُ": جَمْعُ "عُرْفٌ"؛ وهو المُرْتَفَعُ مِنَ الأرْضِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كُلُّ كِنازٍ لَحْمُهُ نِيافِ ∗∗∗ كالجَبَلِ المُوفِي عَلى الأعْرافِ
ومِنهُ قَوْلُ الشَمّاخِ:
؎ وظَلَّتْ بِأعْرافٍ تَعالى كَأنَّها ∗∗∗ ∗∗∗ رِماحٌ نَحاها وِجْهَةَ الرِيحِ راكِزُ
ومِنهُ عُرْفُ الفَرَسِ؛ وعُرْفُ الدِيكِ؛ لِعُلُوِّهِما؛ وقالَ السُدِّيُّ: سُمِّيَ "اَلْأعْرافُ"؛ "أعْرافًا"؛ لِأنَّ أصْحابَهُ يَعْرِفُونَ الناسَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ عُجْمَةٌ؛ وإنَّما المُرادُ بِأعْرافِ ذَلِكَ الحِجابِ أعالِيهِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "رِجالٌ"؛ قالَ أبُو مِجْلَزٍ؛ لاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ: هُمُ المَلائِكَةُ؛ ولَفْظَةُ "رِجالٌ"؛ مُسْتَعارَةٌ لَهُمْ؛ لَمّا كانُوا في تَماثِيلِ رِجالٍ؛ قالَ: وهم ذُكُورٌ؛ لَيْسُوا بِإناثٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ سَمّى اللهَ تَعالى رِجالًا في الجِنِّ.
(p-٥٧١)وَقالَ الجُمْهُورُ: هم رِجالٌ مِنَ البَشَرِ؛ ثُمَّ اخْتَلَفُوا؛ فَقالَ مُجاهِدٌ: هم قَوْمٌ صالِحُونَ فُقَهاءُ عُلَماءُ؛ وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّهم عُدُولُ القِيامَةِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلى الناسِ بِأعْمالِهِمْ؛ وهم في كُلِّ أُمَّةٍ؛ وقالَهُ الزَجّاجُ ؛ وقالَ قَوْمٌ: هم أنْبِياءُ؛ وقالَ المَهْدَوِيُّ: هُمُ الشُهَداءُ؛ وقالَ شُرَحْبِيلُ بْنُ سَعْدٍ: هُمُ المُسْتَشْهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ تَعالى الَّذِينَ خَرَجُوا عُصاةً لِآبائِهِمْ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأنَّهُ تَعادَلَ عُقُوقُهم واسْتِشْهادُهُمْ؛ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والشَعْبِيُّ ؛ وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ والضَحّاكُ: هم قَوْمٌ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُمْ؛ وسَيِّئاتُهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَعَ في مُسْنَدِ خَيْثَمَةَ بْنِ سُلَيْمانَ في آخِرِ الجُزْءِ الخامِسَ عَشَرَ حَدِيثٌ عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "تُوضَعُ المَوازِينُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ فَتُوزَنُ الحَسَناتُ؛ والسَيِّئاتُ؛ فَمَن رَجَحَتْ حَسَناتُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ مِثْقالَ صُؤابَةٍ دَخَلَ الجَنَّةَ؛ ومَن رَجَحَتْ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ مِثْقالَ صُؤابَةٍ دَخَلَ النارَ"؛ قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ فَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ؟ قالَ: "أُولَئِكَ أصْحابُ الأعْرافِ؛ لَمْ يَدْخُلُوها؛ وهم يَطْمَعُونَ"؛» وقالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ: هم قَوْمٌ أبْطَأتْ بِهِمْ صِغارُهم إلى آخِرِ الناسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: واللازِمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ عَلى أعْرافِ ذَلِكَ السُورِ - أو عَلى مَواضِعَ مُرْتَفِعَةٍ عَنِ الفَرِيقَيْنِ حَيْثُ شاءَ اللهُ تَعالى - رِجالًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ؛ يَتَأخَّرُ دُخُولُهُمْ؛ ويَقَعُ لَهم ما وُصِفَ مِنَ الِاعْتِبارِ في الفَرِيقَيْنِ.
و﴿يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهُمْ﴾ ؛ أيْ بِعَلامَتِهِمْ؛ وهي بَياضُ الوُجُوهِ؛ وحُسْنُها في أهْلِ الجَنَّةِ؛ وسَوادُها وقُبْحُها في أهْلِ النارِ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ في حَيِّزِ هَؤُلاءِ؛ وحَيِّزِ هَؤُلاءِ؛ و"اَلسِّيما": (p-٥٧٢)اَلْعَلامَةُ؛ وهو مِن "وَسَمَ"؛ وفِيهِ قَلْبٌ؛ يُقالُ: "سِيما"؛ مَقْصُورًا؛ و"سِيماءُ"؛ مَمْدُودًا؛ و"سِيمِياءُ"؛ بِكَسْرِ المِيمِ؛ وزِيادَةِ ياءٍ؛ فَوَزْنُها "عِفْلا"؛ مَعَ كَوْنِها مِن "وَسَمَ"؛ وقِيلَ: هي مِن "سَوَمَ"؛ إذا عَلِمَ؛ فَوَزْنُها - عَلى هَذا - "فِعْلا". ونِداؤُهم أصْحابَ الجَنَّةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وأصْحابُ الجَنَّةِ لَمْ يَدْخُلُوها بَعْدُ؛ فَيَكُونَ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ ؛ مُحْتَمِلًا أنْ يُعْنى بِهِ أهْلُ الجَنَّةِ؛ وهو تَأْوِيلُ أبِي مِجْلَزٍ؛ إذْ جَعَلَ أصْحابَ الأعْرافِ مَلائِكَةً؛ ومُحْتَمِلًا أنْ يُعْنى بِهِ أهْلُ الأعْرافِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِداؤُهم أهْلَ الجَنَّةِ بِالسَلامِ وهم قَدْ دَخَلُوها؛ فَلا يَحْتَمِلُ حِينَئِذٍ قَوْلَهُ تَعالى ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ ؛ إلّا أهْلَ الأعْرافِ فَقَطْ؛ وهو تَأْوِيلُ السُدِّيِّ ؛ وقَتادَةَ ؛ وابْنِ مَسْعُودٍ ؛ والحَسَنِ ؛ وقالَ: واللهِ ما جَعَلَ اللهُ ذَلِكَ الطَمَعَ في قُلُوبِهِمْ إلّا لِخَيْرٍ أرادَهُ بِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو الأظْهَرُ الألْيَقُ؛ ولا نَظَرَ لِأحَدٍ مَعَ قَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَهم يَطْمَعُونَ﴾ ؛ هي جُمْلَةٌ مَقْطُوعَةٌ؛ أخْبَرَ أنَّهم لَمْ يَدْخُلُوها؛ وهم طامِعُونَ بِدُخُولِها؛ فَكَأنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "نادَوْا".
وقَرَأ أبُو رُقَيْشٍ النَحْوِيُّ: "لَمْ يَدْخُلُوها وهم طامِعُونَ"؛ وقَرَأ إيادُ بْنُ لَقِيطٍ: "وَهم ساخِطُونَ"؛ وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ قَوْلًا؛ وهو أنْ يُقَدَّرَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَهم يَطْمَعُونَ"؛﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الجَماعَةِ في "يَدْخُلُوها"؛ ويَكُونَ المَعْنى: "لَمْ يَدْخُلُوها في حالِ طَمَعٍ بِها؛ بَلْ كانُوا في حالِ يَأْسٍ وخَوْفٍ؛ لَكِنَّهم عَمَّهم عَفْوُ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّما طَمِعَ أصْحابُ الأعْرافِ لِأنَّ النُورَ الَّذِي كانَ في أيْدِيهِمْ لَمْ يُطْفَأْ حِينَ يُطْفَأُ كُلُّ ما بِأيْدِي المُنافِقِينَ.
والضَمِيرُ في "أبْصارُهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى أصْحابِ الأعْرافِ؛ فَهم يُسَلِّمُونَ عَلى أصْحابِ الجَنَّةِ؛ وإذا نَظَرُوا إلى النارِ وأهْلِها دَعَوُا اللهَ تَعالى في التَخْلِيصِ مِنها؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ؛ وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: اَلضَّمِيرُ لِأهْلِ الجَنَّةِ؛ وهم لَمْ يَدْخُلُوها بَعْدُ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "صُرِفَتْ"؛ مُعْطِيَةٌ ما هُنالِكَ مِن هَوْلِ المَطْلَعِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "رِجالًا"؛ يُرِيدُ مِن أهْلِ النارِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا النِداءُ وأهْلُ النارِ في (p-٥٧٣)النارِ؛ فَتَكُونَ مَعْرِفَتُهم بِعَلاماتٍ مُعَرِّفَةٍ بِأنَّهم أُولَئِكَ الَّذِينَ عُرِفُوا في الدُنْيا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا النِداءُ وهم يُحْمَلُونَ إلى النارِ؛ فَتَكُونَ السِيما الَّتِي عُرِفُوا بِها أنَّهم أهْلُ النارِ؛ تَسْوِيدَ الوُجُوهِ وتَشْوِيهَ الخِلَقِ؛ وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: اَلْمَلائِكَةُ تُنادِي رِجالًا في النارِ؛ وقالَ غَيْرُهُ: بَلِ الآدَمِيُّونَ يُنادُونَ أهْلَ النارِ؛ وقِيلَ: إنَّ "ما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "ما أغْنى"؛﴾ اِسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ؛ والتَوْبِيخِ؛ وقِيلَ: "وَما"؛ نافِيَةٌ؛ والأوَّلُ أصْوَبُ؛ و"جَمْعُكُمْ"؛ لَفْظٌ يَعُمُّ جُمُوعَ الأجْنادِ؛ والخَوَلِ؛ وجَمْعَ المالِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالرِجالِ أنَّهم جَبّارُونَ مُلُوكٌ يُقَرَّرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى مَعْنى الإهانَةِ؛ والخِزْيِ؛ و"ما"؛ اَلثّانِيَةُ مَصْدَرِيَّةٌ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَسْتَكْثِرُونَ"؛ بِالثاءِ مُثَلَّثَةً؛ مِن "اَلْكَثْرَةُ".
الأعراف 7:47
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهم ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ ﴿وَإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظالِمِينَ﴾ ﴿وَنادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عنكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾
اَلضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "وَبَيْنَهُما"؛﴾ عائِدٌ عَلى الجَنَّةِ؛ والنارِ؛ ويُحْتَمَلُ عَلى الجَمْعَيْنِ؛ إذْ يَتَضَمَّنُهُما قَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ النارِ﴾ [الأعراف: ٤٤] ؛ و"اَلْحِجابُ": هو السُورُ الَّذِي ذَكَرَهُ - عَزَّ وجَلَّ - في قَوْلِهِ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ﴾ [الحديد: ١٣] ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "اَلْأعْرافُ": حِجابٌ بَيْنَ الجَنَّةِ؛ والنارِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا: هو تَلٌّ بَيْنَ الجَنَّةِ؛ والنارِ؛ وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ حَدِيثًا أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "إنَّ أُحُدًا جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّهُ؛ وإنَّهُ يَقُومُ يَوْمَ القِيامَةِ يَمْثُلُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنارِ؛ يُحْتَبَسُ عَلَيْهِ أقْوامٌ (p-٥٧٠)يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ؛ هم إنْ شاءَ اللهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ"؛» وذَكَرَ حَدِيثًا آخَرَ عن صَفْوانَ بْنِ سُلَيْمٍ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "إنَّ أُحُدًا عَلى رُكْنٍ مِن أرْكانِ الجَنَّةِ"؛» و"اَلْأعْرافُ": جَمْعُ "عُرْفٌ"؛ وهو المُرْتَفَعُ مِنَ الأرْضِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كُلُّ كِنازٍ لَحْمُهُ نِيافِ ∗∗∗ كالجَبَلِ المُوفِي عَلى الأعْرافِ
ومِنهُ قَوْلُ الشَمّاخِ:
؎ وظَلَّتْ بِأعْرافٍ تَعالى كَأنَّها ∗∗∗ ∗∗∗ رِماحٌ نَحاها وِجْهَةَ الرِيحِ راكِزُ
ومِنهُ عُرْفُ الفَرَسِ؛ وعُرْفُ الدِيكِ؛ لِعُلُوِّهِما؛ وقالَ السُدِّيُّ: سُمِّيَ "اَلْأعْرافُ"؛ "أعْرافًا"؛ لِأنَّ أصْحابَهُ يَعْرِفُونَ الناسَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ عُجْمَةٌ؛ وإنَّما المُرادُ بِأعْرافِ ذَلِكَ الحِجابِ أعالِيهِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "رِجالٌ"؛ قالَ أبُو مِجْلَزٍ؛ لاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ: هُمُ المَلائِكَةُ؛ ولَفْظَةُ "رِجالٌ"؛ مُسْتَعارَةٌ لَهُمْ؛ لَمّا كانُوا في تَماثِيلِ رِجالٍ؛ قالَ: وهم ذُكُورٌ؛ لَيْسُوا بِإناثٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ سَمّى اللهَ تَعالى رِجالًا في الجِنِّ.
(p-٥٧١)وَقالَ الجُمْهُورُ: هم رِجالٌ مِنَ البَشَرِ؛ ثُمَّ اخْتَلَفُوا؛ فَقالَ مُجاهِدٌ: هم قَوْمٌ صالِحُونَ فُقَهاءُ عُلَماءُ؛ وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّهم عُدُولُ القِيامَةِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلى الناسِ بِأعْمالِهِمْ؛ وهم في كُلِّ أُمَّةٍ؛ وقالَهُ الزَجّاجُ ؛ وقالَ قَوْمٌ: هم أنْبِياءُ؛ وقالَ المَهْدَوِيُّ: هُمُ الشُهَداءُ؛ وقالَ شُرَحْبِيلُ بْنُ سَعْدٍ: هُمُ المُسْتَشْهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ تَعالى الَّذِينَ خَرَجُوا عُصاةً لِآبائِهِمْ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأنَّهُ تَعادَلَ عُقُوقُهم واسْتِشْهادُهُمْ؛ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والشَعْبِيُّ ؛ وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ والضَحّاكُ: هم قَوْمٌ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُمْ؛ وسَيِّئاتُهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَعَ في مُسْنَدِ خَيْثَمَةَ بْنِ سُلَيْمانَ في آخِرِ الجُزْءِ الخامِسَ عَشَرَ حَدِيثٌ عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "تُوضَعُ المَوازِينُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ فَتُوزَنُ الحَسَناتُ؛ والسَيِّئاتُ؛ فَمَن رَجَحَتْ حَسَناتُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ مِثْقالَ صُؤابَةٍ دَخَلَ الجَنَّةَ؛ ومَن رَجَحَتْ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ مِثْقالَ صُؤابَةٍ دَخَلَ النارَ"؛ قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ فَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ؟ قالَ: "أُولَئِكَ أصْحابُ الأعْرافِ؛ لَمْ يَدْخُلُوها؛ وهم يَطْمَعُونَ"؛» وقالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ: هم قَوْمٌ أبْطَأتْ بِهِمْ صِغارُهم إلى آخِرِ الناسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: واللازِمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ عَلى أعْرافِ ذَلِكَ السُورِ - أو عَلى مَواضِعَ مُرْتَفِعَةٍ عَنِ الفَرِيقَيْنِ حَيْثُ شاءَ اللهُ تَعالى - رِجالًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ؛ يَتَأخَّرُ دُخُولُهُمْ؛ ويَقَعُ لَهم ما وُصِفَ مِنَ الِاعْتِبارِ في الفَرِيقَيْنِ.
و﴿يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهُمْ﴾ ؛ أيْ بِعَلامَتِهِمْ؛ وهي بَياضُ الوُجُوهِ؛ وحُسْنُها في أهْلِ الجَنَّةِ؛ وسَوادُها وقُبْحُها في أهْلِ النارِ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ في حَيِّزِ هَؤُلاءِ؛ وحَيِّزِ هَؤُلاءِ؛ و"اَلسِّيما": (p-٥٧٢)اَلْعَلامَةُ؛ وهو مِن "وَسَمَ"؛ وفِيهِ قَلْبٌ؛ يُقالُ: "سِيما"؛ مَقْصُورًا؛ و"سِيماءُ"؛ مَمْدُودًا؛ و"سِيمِياءُ"؛ بِكَسْرِ المِيمِ؛ وزِيادَةِ ياءٍ؛ فَوَزْنُها "عِفْلا"؛ مَعَ كَوْنِها مِن "وَسَمَ"؛ وقِيلَ: هي مِن "سَوَمَ"؛ إذا عَلِمَ؛ فَوَزْنُها - عَلى هَذا - "فِعْلا". ونِداؤُهم أصْحابَ الجَنَّةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وأصْحابُ الجَنَّةِ لَمْ يَدْخُلُوها بَعْدُ؛ فَيَكُونَ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ ؛ مُحْتَمِلًا أنْ يُعْنى بِهِ أهْلُ الجَنَّةِ؛ وهو تَأْوِيلُ أبِي مِجْلَزٍ؛ إذْ جَعَلَ أصْحابَ الأعْرافِ مَلائِكَةً؛ ومُحْتَمِلًا أنْ يُعْنى بِهِ أهْلُ الأعْرافِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِداؤُهم أهْلَ الجَنَّةِ بِالسَلامِ وهم قَدْ دَخَلُوها؛ فَلا يَحْتَمِلُ حِينَئِذٍ قَوْلَهُ تَعالى ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ ؛ إلّا أهْلَ الأعْرافِ فَقَطْ؛ وهو تَأْوِيلُ السُدِّيِّ ؛ وقَتادَةَ ؛ وابْنِ مَسْعُودٍ ؛ والحَسَنِ ؛ وقالَ: واللهِ ما جَعَلَ اللهُ ذَلِكَ الطَمَعَ في قُلُوبِهِمْ إلّا لِخَيْرٍ أرادَهُ بِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو الأظْهَرُ الألْيَقُ؛ ولا نَظَرَ لِأحَدٍ مَعَ قَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَهم يَطْمَعُونَ﴾ ؛ هي جُمْلَةٌ مَقْطُوعَةٌ؛ أخْبَرَ أنَّهم لَمْ يَدْخُلُوها؛ وهم طامِعُونَ بِدُخُولِها؛ فَكَأنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "نادَوْا".
وقَرَأ أبُو رُقَيْشٍ النَحْوِيُّ: "لَمْ يَدْخُلُوها وهم طامِعُونَ"؛ وقَرَأ إيادُ بْنُ لَقِيطٍ: "وَهم ساخِطُونَ"؛ وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ قَوْلًا؛ وهو أنْ يُقَدَّرَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَهم يَطْمَعُونَ"؛﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الجَماعَةِ في "يَدْخُلُوها"؛ ويَكُونَ المَعْنى: "لَمْ يَدْخُلُوها في حالِ طَمَعٍ بِها؛ بَلْ كانُوا في حالِ يَأْسٍ وخَوْفٍ؛ لَكِنَّهم عَمَّهم عَفْوُ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّما طَمِعَ أصْحابُ الأعْرافِ لِأنَّ النُورَ الَّذِي كانَ في أيْدِيهِمْ لَمْ يُطْفَأْ حِينَ يُطْفَأُ كُلُّ ما بِأيْدِي المُنافِقِينَ.
والضَمِيرُ في "أبْصارُهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى أصْحابِ الأعْرافِ؛ فَهم يُسَلِّمُونَ عَلى أصْحابِ الجَنَّةِ؛ وإذا نَظَرُوا إلى النارِ وأهْلِها دَعَوُا اللهَ تَعالى في التَخْلِيصِ مِنها؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ؛ وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: اَلضَّمِيرُ لِأهْلِ الجَنَّةِ؛ وهم لَمْ يَدْخُلُوها بَعْدُ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "صُرِفَتْ"؛ مُعْطِيَةٌ ما هُنالِكَ مِن هَوْلِ المَطْلَعِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "رِجالًا"؛ يُرِيدُ مِن أهْلِ النارِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا النِداءُ وأهْلُ النارِ في (p-٥٧٣)النارِ؛ فَتَكُونَ مَعْرِفَتُهم بِعَلاماتٍ مُعَرِّفَةٍ بِأنَّهم أُولَئِكَ الَّذِينَ عُرِفُوا في الدُنْيا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا النِداءُ وهم يُحْمَلُونَ إلى النارِ؛ فَتَكُونَ السِيما الَّتِي عُرِفُوا بِها أنَّهم أهْلُ النارِ؛ تَسْوِيدَ الوُجُوهِ وتَشْوِيهَ الخِلَقِ؛ وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: اَلْمَلائِكَةُ تُنادِي رِجالًا في النارِ؛ وقالَ غَيْرُهُ: بَلِ الآدَمِيُّونَ يُنادُونَ أهْلَ النارِ؛ وقِيلَ: إنَّ "ما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "ما أغْنى"؛﴾ اِسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ؛ والتَوْبِيخِ؛ وقِيلَ: "وَما"؛ نافِيَةٌ؛ والأوَّلُ أصْوَبُ؛ و"جَمْعُكُمْ"؛ لَفْظٌ يَعُمُّ جُمُوعَ الأجْنادِ؛ والخَوَلِ؛ وجَمْعَ المالِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالرِجالِ أنَّهم جَبّارُونَ مُلُوكٌ يُقَرَّرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى مَعْنى الإهانَةِ؛ والخِزْيِ؛ و"ما"؛ اَلثّانِيَةُ مَصْدَرِيَّةٌ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَسْتَكْثِرُونَ"؛ بِالثاءِ مُثَلَّثَةً؛ مِن "اَلْكَثْرَةُ".
الأعراف 7:48
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهم ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ ﴿وَإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظالِمِينَ﴾ ﴿وَنادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عنكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾
اَلضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "وَبَيْنَهُما"؛﴾ عائِدٌ عَلى الجَنَّةِ؛ والنارِ؛ ويُحْتَمَلُ عَلى الجَمْعَيْنِ؛ إذْ يَتَضَمَّنُهُما قَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ النارِ﴾ [الأعراف: ٤٤] ؛ و"اَلْحِجابُ": هو السُورُ الَّذِي ذَكَرَهُ - عَزَّ وجَلَّ - في قَوْلِهِ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ﴾ [الحديد: ١٣] ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "اَلْأعْرافُ": حِجابٌ بَيْنَ الجَنَّةِ؛ والنارِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا: هو تَلٌّ بَيْنَ الجَنَّةِ؛ والنارِ؛ وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ حَدِيثًا أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "إنَّ أُحُدًا جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّهُ؛ وإنَّهُ يَقُومُ يَوْمَ القِيامَةِ يَمْثُلُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنارِ؛ يُحْتَبَسُ عَلَيْهِ أقْوامٌ (p-٥٧٠)يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ؛ هم إنْ شاءَ اللهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ"؛» وذَكَرَ حَدِيثًا آخَرَ عن صَفْوانَ بْنِ سُلَيْمٍ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "إنَّ أُحُدًا عَلى رُكْنٍ مِن أرْكانِ الجَنَّةِ"؛» و"اَلْأعْرافُ": جَمْعُ "عُرْفٌ"؛ وهو المُرْتَفَعُ مِنَ الأرْضِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كُلُّ كِنازٍ لَحْمُهُ نِيافِ ∗∗∗ كالجَبَلِ المُوفِي عَلى الأعْرافِ
ومِنهُ قَوْلُ الشَمّاخِ:
؎ وظَلَّتْ بِأعْرافٍ تَعالى كَأنَّها ∗∗∗ ∗∗∗ رِماحٌ نَحاها وِجْهَةَ الرِيحِ راكِزُ
ومِنهُ عُرْفُ الفَرَسِ؛ وعُرْفُ الدِيكِ؛ لِعُلُوِّهِما؛ وقالَ السُدِّيُّ: سُمِّيَ "اَلْأعْرافُ"؛ "أعْرافًا"؛ لِأنَّ أصْحابَهُ يَعْرِفُونَ الناسَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ عُجْمَةٌ؛ وإنَّما المُرادُ بِأعْرافِ ذَلِكَ الحِجابِ أعالِيهِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "رِجالٌ"؛ قالَ أبُو مِجْلَزٍ؛ لاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ: هُمُ المَلائِكَةُ؛ ولَفْظَةُ "رِجالٌ"؛ مُسْتَعارَةٌ لَهُمْ؛ لَمّا كانُوا في تَماثِيلِ رِجالٍ؛ قالَ: وهم ذُكُورٌ؛ لَيْسُوا بِإناثٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ سَمّى اللهَ تَعالى رِجالًا في الجِنِّ.
(p-٥٧١)وَقالَ الجُمْهُورُ: هم رِجالٌ مِنَ البَشَرِ؛ ثُمَّ اخْتَلَفُوا؛ فَقالَ مُجاهِدٌ: هم قَوْمٌ صالِحُونَ فُقَهاءُ عُلَماءُ؛ وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّهم عُدُولُ القِيامَةِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلى الناسِ بِأعْمالِهِمْ؛ وهم في كُلِّ أُمَّةٍ؛ وقالَهُ الزَجّاجُ ؛ وقالَ قَوْمٌ: هم أنْبِياءُ؛ وقالَ المَهْدَوِيُّ: هُمُ الشُهَداءُ؛ وقالَ شُرَحْبِيلُ بْنُ سَعْدٍ: هُمُ المُسْتَشْهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ تَعالى الَّذِينَ خَرَجُوا عُصاةً لِآبائِهِمْ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأنَّهُ تَعادَلَ عُقُوقُهم واسْتِشْهادُهُمْ؛ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والشَعْبِيُّ ؛ وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ والضَحّاكُ: هم قَوْمٌ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُمْ؛ وسَيِّئاتُهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَعَ في مُسْنَدِ خَيْثَمَةَ بْنِ سُلَيْمانَ في آخِرِ الجُزْءِ الخامِسَ عَشَرَ حَدِيثٌ عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "تُوضَعُ المَوازِينُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ فَتُوزَنُ الحَسَناتُ؛ والسَيِّئاتُ؛ فَمَن رَجَحَتْ حَسَناتُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ مِثْقالَ صُؤابَةٍ دَخَلَ الجَنَّةَ؛ ومَن رَجَحَتْ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ مِثْقالَ صُؤابَةٍ دَخَلَ النارَ"؛ قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ فَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ؟ قالَ: "أُولَئِكَ أصْحابُ الأعْرافِ؛ لَمْ يَدْخُلُوها؛ وهم يَطْمَعُونَ"؛» وقالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ: هم قَوْمٌ أبْطَأتْ بِهِمْ صِغارُهم إلى آخِرِ الناسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: واللازِمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ عَلى أعْرافِ ذَلِكَ السُورِ - أو عَلى مَواضِعَ مُرْتَفِعَةٍ عَنِ الفَرِيقَيْنِ حَيْثُ شاءَ اللهُ تَعالى - رِجالًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ؛ يَتَأخَّرُ دُخُولُهُمْ؛ ويَقَعُ لَهم ما وُصِفَ مِنَ الِاعْتِبارِ في الفَرِيقَيْنِ.
و﴿يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهُمْ﴾ ؛ أيْ بِعَلامَتِهِمْ؛ وهي بَياضُ الوُجُوهِ؛ وحُسْنُها في أهْلِ الجَنَّةِ؛ وسَوادُها وقُبْحُها في أهْلِ النارِ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ في حَيِّزِ هَؤُلاءِ؛ وحَيِّزِ هَؤُلاءِ؛ و"اَلسِّيما": (p-٥٧٢)اَلْعَلامَةُ؛ وهو مِن "وَسَمَ"؛ وفِيهِ قَلْبٌ؛ يُقالُ: "سِيما"؛ مَقْصُورًا؛ و"سِيماءُ"؛ مَمْدُودًا؛ و"سِيمِياءُ"؛ بِكَسْرِ المِيمِ؛ وزِيادَةِ ياءٍ؛ فَوَزْنُها "عِفْلا"؛ مَعَ كَوْنِها مِن "وَسَمَ"؛ وقِيلَ: هي مِن "سَوَمَ"؛ إذا عَلِمَ؛ فَوَزْنُها - عَلى هَذا - "فِعْلا". ونِداؤُهم أصْحابَ الجَنَّةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وأصْحابُ الجَنَّةِ لَمْ يَدْخُلُوها بَعْدُ؛ فَيَكُونَ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ ؛ مُحْتَمِلًا أنْ يُعْنى بِهِ أهْلُ الجَنَّةِ؛ وهو تَأْوِيلُ أبِي مِجْلَزٍ؛ إذْ جَعَلَ أصْحابَ الأعْرافِ مَلائِكَةً؛ ومُحْتَمِلًا أنْ يُعْنى بِهِ أهْلُ الأعْرافِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِداؤُهم أهْلَ الجَنَّةِ بِالسَلامِ وهم قَدْ دَخَلُوها؛ فَلا يَحْتَمِلُ حِينَئِذٍ قَوْلَهُ تَعالى ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ ؛ إلّا أهْلَ الأعْرافِ فَقَطْ؛ وهو تَأْوِيلُ السُدِّيِّ ؛ وقَتادَةَ ؛ وابْنِ مَسْعُودٍ ؛ والحَسَنِ ؛ وقالَ: واللهِ ما جَعَلَ اللهُ ذَلِكَ الطَمَعَ في قُلُوبِهِمْ إلّا لِخَيْرٍ أرادَهُ بِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو الأظْهَرُ الألْيَقُ؛ ولا نَظَرَ لِأحَدٍ مَعَ قَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَهم يَطْمَعُونَ﴾ ؛ هي جُمْلَةٌ مَقْطُوعَةٌ؛ أخْبَرَ أنَّهم لَمْ يَدْخُلُوها؛ وهم طامِعُونَ بِدُخُولِها؛ فَكَأنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "نادَوْا".
وقَرَأ أبُو رُقَيْشٍ النَحْوِيُّ: "لَمْ يَدْخُلُوها وهم طامِعُونَ"؛ وقَرَأ إيادُ بْنُ لَقِيطٍ: "وَهم ساخِطُونَ"؛ وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ قَوْلًا؛ وهو أنْ يُقَدَّرَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَهم يَطْمَعُونَ"؛﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الجَماعَةِ في "يَدْخُلُوها"؛ ويَكُونَ المَعْنى: "لَمْ يَدْخُلُوها في حالِ طَمَعٍ بِها؛ بَلْ كانُوا في حالِ يَأْسٍ وخَوْفٍ؛ لَكِنَّهم عَمَّهم عَفْوُ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّما طَمِعَ أصْحابُ الأعْرافِ لِأنَّ النُورَ الَّذِي كانَ في أيْدِيهِمْ لَمْ يُطْفَأْ حِينَ يُطْفَأُ كُلُّ ما بِأيْدِي المُنافِقِينَ.
والضَمِيرُ في "أبْصارُهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى أصْحابِ الأعْرافِ؛ فَهم يُسَلِّمُونَ عَلى أصْحابِ الجَنَّةِ؛ وإذا نَظَرُوا إلى النارِ وأهْلِها دَعَوُا اللهَ تَعالى في التَخْلِيصِ مِنها؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ؛ وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: اَلضَّمِيرُ لِأهْلِ الجَنَّةِ؛ وهم لَمْ يَدْخُلُوها بَعْدُ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "صُرِفَتْ"؛ مُعْطِيَةٌ ما هُنالِكَ مِن هَوْلِ المَطْلَعِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "رِجالًا"؛ يُرِيدُ مِن أهْلِ النارِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا النِداءُ وأهْلُ النارِ في (p-٥٧٣)النارِ؛ فَتَكُونَ مَعْرِفَتُهم بِعَلاماتٍ مُعَرِّفَةٍ بِأنَّهم أُولَئِكَ الَّذِينَ عُرِفُوا في الدُنْيا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا النِداءُ وهم يُحْمَلُونَ إلى النارِ؛ فَتَكُونَ السِيما الَّتِي عُرِفُوا بِها أنَّهم أهْلُ النارِ؛ تَسْوِيدَ الوُجُوهِ وتَشْوِيهَ الخِلَقِ؛ وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: اَلْمَلائِكَةُ تُنادِي رِجالًا في النارِ؛ وقالَ غَيْرُهُ: بَلِ الآدَمِيُّونَ يُنادُونَ أهْلَ النارِ؛ وقِيلَ: إنَّ "ما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "ما أغْنى"؛﴾ اِسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ؛ والتَوْبِيخِ؛ وقِيلَ: "وَما"؛ نافِيَةٌ؛ والأوَّلُ أصْوَبُ؛ و"جَمْعُكُمْ"؛ لَفْظٌ يَعُمُّ جُمُوعَ الأجْنادِ؛ والخَوَلِ؛ وجَمْعَ المالِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالرِجالِ أنَّهم جَبّارُونَ مُلُوكٌ يُقَرَّرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى مَعْنى الإهانَةِ؛ والخِزْيِ؛ و"ما"؛ اَلثّانِيَةُ مَصْدَرِيَّةٌ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَسْتَكْثِرُونَ"؛ بِالثاءِ مُثَلَّثَةً؛ مِن "اَلْكَثْرَةُ".
الأعراف 7:49
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿وَنادى أصْحابُ النارِ أصْحابُ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أو مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إنَّ اللهُ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
قالَ أبُو مِجْلَزٍ: أهْلُ الأعْرافِ هُمُ المَلائِكَةُ؛ وهُمُ القائِلُونَ: "أهَؤُلاءِ"؛ إشارَةً إلى أهْلِ الجَنَّةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكَذَلِكَ يَجِيءُ قَوْلُ مَن قالَ: أهْلُ الأعْرافِ أنْبِياءُ وشُهَداءُ.
وقالَ غَيْرُهُ: أهْلُ الأعْرافِ بَشَرٌ مُذْنِبُونَ؛ وقَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ "أهَؤُلاءِ"؛﴾ مِن كَلامِ مَلَكٍ بِأمْرِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ إشارَةً إلى أهْلِ الأعْرافِ؛ ومُخاطَبَةً لِأهْلِ النارِ؛ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وقالَ النَقّاشُ: لَمّا وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ما أغْنى عنكم جَمْعُكُمْ﴾ [الأعراف: ٤٨] ؛ أقْسَمَ أهْلُ النارِ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ داخِلُونَ النارَ مَعَهُمْ؛ فَنادَتْهُمُ المَلائِكَةُ: "أهَؤُلاءِ...؟"؛ ثُمَّ نادَتْ أصْحابَ الأعْرافِ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ ؛ وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: اَلْإشارَةُ بِـ "هَؤُلاءِ"؛ إلى أهْلِ الجَنَّةِ؛ والمُخاطَبُونَ هم أهْلُ الأعْرافِ؛ والَّذِينَ خُوطِبُوا هم أهْلُ النارِ؛ والمَعْنى: "أهَؤُلاءِ الضُعَفاءُ في الدُنْيا الَّذِينَ حَلَفْتُمْ أنَّ اللهَ تَعالى لا يَعْبَأُ بِهِمْ؟ قِيلَ لَهُمْ: اُدْخُلُوا (p-٥٧٤)الجَنَّةَ"؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ما قالَ النَقّاشُ مِن أنَّ القَسَمَ هو في الآخِرَةِ عَلى أهْلِ الأعْرافِ.
وقَرَأ الحَسَنُ؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: "أدْخِلُوا الجَنَّةَ"؛ بِفَتْحِ الألِفِ؛ وكَسْرِ الخاءِ؛ بِمَعْنى: "أدْخِلُوا أنْفُسَكُمْ"؛ أو عَلى أنْ تَكُونَ مُخاطَبَةً لِلْمَلائِكَةِ؛ ثُمَّ تَرْجِعُ المُخاطَبَةُ بَعْدُ إلى البَشَرِ في "عَلَيْكُمْ"؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ؛ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ: "دَخَلُوا الجَنَّةَ"؛ عَلى الإخْبارِ بِفِعْلٍ ماضٍ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ وابْنُ وثّابٍ ؛ والنَخَعِيُّ: "أُدْخِلُوا الجَنَّةَ"؛ خَبَرٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَرْتِيبُ كُلِّ قِراءَةٍ مِن هَذِهِ عَلى الأقْوالِ في المُخاطِبِ؛ والمُخاطَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى "أهَؤُلاءِ"؛ مُمْكِنٌ بِأيْسَرِ تَناوُلٍ؛ فاخْتَصَرْتُهُ إيجازًا؛ وكَذَلِكَ ما في الآيَةِ مِنَ الرُجُوعِ مِن مُخاطَبَةِ فَرِيقٍ إلى مُخاطَبَةِ غَيْرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ؛ مَعْناهُ: "لا تَخافُونَ ما يَأْتِي؛ ولا تَحْزَنُونَ عَلى ما فاتَ"؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ ؛ مِن طَرِيقِ حُذَيْفَةَ ؛ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ يَرْغَبُونَ في الشَفاعَةِ؛ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَدْفَعُهم إلى نُوحٍ؛ ثُمَّ يَتَدافَعُهُمُ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَلامُ - حَتّى يَأْتُوا مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِيَشْفَعَ لَهُمْ؛ فَيَشْفَعُ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَيُلْقَوْنَ في نَهْرِ الحَياةِ؛ فَيُبَيَّضُونَ؛ ويُسَمَّوْنَ "مَساكِينَ الجَنَّةِ"؛ قالَ سالِمٌ؛ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ: لَيْتَ أنِّي مِن أهْلِ الأعْرافِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَنادى أصْحابُ النارِ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ لَفْظَةُ النِداءِ تَتَضَمَّنُ أنَّ أهْلَ النارِ وقَعَ لَهم عِلْمٌ بِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَسْمَعُونَ نِداءَهُمْ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وهم يَرَوْنَهم بِإدْراكٍ يَجْعَلُهُ اللهُ تَعالى لَهم عَلى بُعْدِ السُفْلِ مِنَ العُلُوِّ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وبَيْنَهُمُ السُورُ والحِجابُ المُتَقَدِّمُ الذِكْرِ؛ ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ النِداءَ هو عِنْدَ اطِّلاعِ أهْلِ الجَنَّةِ عَلَيْهِمْ؛ و"أنْ"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "أنْ أفِيضُوا"؛﴾ مُفَسِّرَةٌ؛ بِمَعْنى "أيْ".
و"فاضَ الماءُ"؛ إذا سالَ؛ وانْماعَ؛ وأفاضَهُ غَيْرُهُ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أو مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى الطَعامِ؛ قالَهُ السُدِّيُّ ؛ فَيَقُولُ لَهم أهْلُ الجَنَّةِ: "إنَّ اللهَ تَعالى حَرَّمَ طَعامَ الجَنَّةِ وشَرابَها عَلى الكافِرِينَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والأشْنَعُ عَلى الكافِرِينَ في هَذِهِ المَقالَةِ أنْ يَكُونَ بَعْضُهم يَرى بَعْضًا؛ فَإنَّهُ أخْزى (p-٥٧٥)وَأنْكى لِلنَّفْسِ؛ وإجابَةُ أهْلِ الجَنَّةِ بِهَذا الحُكْمِ هو عن أمْرِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "أفْضَلُ الصَدَقَةِ بِالماءِ"؛» يَعْنِي: عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ؛ إذْ هو ألَذُّ مَشْرُوبٍ وأنْعَشُها لِلنَّفْسِ؛ واسْتَسْقى الشَعْبِيُّ عِنْدَ مُصْعَبٍ؛ فَقالَ لَهُ: أيَّ الأشْرِبَةِ تُحِبُّ؟ فَقالَ: أهْوَنَها مَوْجُودًا؛ وأعَزَّها مَفْقُودًا؛ فَقالَ لَهُ مُصْعَبٌ: يا غُلامُ؛ هاتِ الماءَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أُضِيفُ الدِينَ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ قَبُولُهم أنْ يَلْتَزِمُوهُ؛ إذْ هو دِينُ اللهِ تَعالى مِن حَيْثُ أمَرَ بِهِ؛ ودِينُ جَمِيعِ الناسِ مِن حَيْثُ أمَرُوا بِهِ. ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ؛ ويَكُونَ ابْتِداءَ كَلامِ اللهِ تَعالى مِن قَوْلِهِ: "فاليَوْمَ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن أوَّلِهِ مِن كَلامِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا﴾ ؛ أيْ: بِالإعْراضِ والِاسْتِهْزاءِ لِمَن يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ؛ ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا﴾ ؛ أيْ: خَدَعَتْهم بِزُخْرُفِها؛ واعْتِقادِهِمْ أنَّها الغايَةُ القُصْوى؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَفْظُ مِن "اَلْغَرُّ"؛ وهو مَلْءُ الفَمِ؛ أيْ: أشْبَعَتْهم وأبْطَرَتْهم.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهُمْ﴾ ؛ فَهو مِن إخْبارِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَمّا يُفْعَلُ بِهِمْ؛ والنِسْيانُ في هَذِهِ الآيَةِ هو بِمَعْنى التَرْكِ؛ أيْ نَتْرُكُهم في العَذابِ؛ كَما تَرَكُوا النَظَرَ لِلِقاءِ هَذا اليَوْمِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ؛ قالَ قَتادَةُ: نُسُوا مِنَ الخَيْرِ؛ ولَمْ يُنْسَوْا مِنَ الشَرِّ؛ وإنْ قُدِّرَ النِسْيانُ بِمَعْنى الذُهُولِ مِنَ الكَفَرَةِ؛ فَهو في جِهَةِ ذِكْرِ اللهِ تَعالى تَسْمِيَةُ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَما كانُوا"؛﴾ عُطِفَ عَلى "ما"؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿ "كَما نَسُوا"؛﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ تُقَدَّرَ "ما"؛ اَلثّانِيَةُ زائِدَةً؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى "كانُوا"؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: "نَسُوا".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ ذَكَرَ الأعْذارَ إلَيْهِمْ؛ إثْرَ ذِكْرِ ما يُفْعَلُ بِهِمْ؛ واللامُ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "لَقَدْ"؛ لامُ قَسَمٍ؛ والضَمِيرُ في "جِئْناهُمْ"؛ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: تَمَّ الكَلامُ في "يَجْحَدُونَ"؛ وهَذا الضَمِيرُ لِمُكَذِّبِي (p-٥٧٦)مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ابْتِداءُ كَلامٍ آخَرَ؛ والمُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ العَزِيزُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ في جَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ عَلى تَأْوِيلِ مَن يَرى الضَمِيرَ في "جِئْناهُمْ"؛ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "فَصَّلْناهُ"؛﴾ مِن تَفْصِيلِ الآياتِ؛ وتَبْيِينِها؛ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "فَضَّلْناهُ"؛ بِضادٍ مَنقُوطَةٍ؛ و"عَلى عِلْمٍ"؛ مَعْناهُ: عن بَصِيرَةٍ واسْتِحْقاقٍ لِذَلِكَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ.
الأعراف 7:50
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿وَنادى أصْحابُ النارِ أصْحابُ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أو مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إنَّ اللهُ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
قالَ أبُو مِجْلَزٍ: أهْلُ الأعْرافِ هُمُ المَلائِكَةُ؛ وهُمُ القائِلُونَ: "أهَؤُلاءِ"؛ إشارَةً إلى أهْلِ الجَنَّةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكَذَلِكَ يَجِيءُ قَوْلُ مَن قالَ: أهْلُ الأعْرافِ أنْبِياءُ وشُهَداءُ.
وقالَ غَيْرُهُ: أهْلُ الأعْرافِ بَشَرٌ مُذْنِبُونَ؛ وقَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ "أهَؤُلاءِ"؛﴾ مِن كَلامِ مَلَكٍ بِأمْرِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ إشارَةً إلى أهْلِ الأعْرافِ؛ ومُخاطَبَةً لِأهْلِ النارِ؛ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وقالَ النَقّاشُ: لَمّا وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ما أغْنى عنكم جَمْعُكُمْ﴾ [الأعراف: ٤٨] ؛ أقْسَمَ أهْلُ النارِ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ داخِلُونَ النارَ مَعَهُمْ؛ فَنادَتْهُمُ المَلائِكَةُ: "أهَؤُلاءِ...؟"؛ ثُمَّ نادَتْ أصْحابَ الأعْرافِ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ ؛ وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: اَلْإشارَةُ بِـ "هَؤُلاءِ"؛ إلى أهْلِ الجَنَّةِ؛ والمُخاطَبُونَ هم أهْلُ الأعْرافِ؛ والَّذِينَ خُوطِبُوا هم أهْلُ النارِ؛ والمَعْنى: "أهَؤُلاءِ الضُعَفاءُ في الدُنْيا الَّذِينَ حَلَفْتُمْ أنَّ اللهَ تَعالى لا يَعْبَأُ بِهِمْ؟ قِيلَ لَهُمْ: اُدْخُلُوا (p-٥٧٤)الجَنَّةَ"؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ما قالَ النَقّاشُ مِن أنَّ القَسَمَ هو في الآخِرَةِ عَلى أهْلِ الأعْرافِ.
وقَرَأ الحَسَنُ؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: "أدْخِلُوا الجَنَّةَ"؛ بِفَتْحِ الألِفِ؛ وكَسْرِ الخاءِ؛ بِمَعْنى: "أدْخِلُوا أنْفُسَكُمْ"؛ أو عَلى أنْ تَكُونَ مُخاطَبَةً لِلْمَلائِكَةِ؛ ثُمَّ تَرْجِعُ المُخاطَبَةُ بَعْدُ إلى البَشَرِ في "عَلَيْكُمْ"؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ؛ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ: "دَخَلُوا الجَنَّةَ"؛ عَلى الإخْبارِ بِفِعْلٍ ماضٍ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ وابْنُ وثّابٍ ؛ والنَخَعِيُّ: "أُدْخِلُوا الجَنَّةَ"؛ خَبَرٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَرْتِيبُ كُلِّ قِراءَةٍ مِن هَذِهِ عَلى الأقْوالِ في المُخاطِبِ؛ والمُخاطَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى "أهَؤُلاءِ"؛ مُمْكِنٌ بِأيْسَرِ تَناوُلٍ؛ فاخْتَصَرْتُهُ إيجازًا؛ وكَذَلِكَ ما في الآيَةِ مِنَ الرُجُوعِ مِن مُخاطَبَةِ فَرِيقٍ إلى مُخاطَبَةِ غَيْرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ؛ مَعْناهُ: "لا تَخافُونَ ما يَأْتِي؛ ولا تَحْزَنُونَ عَلى ما فاتَ"؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ ؛ مِن طَرِيقِ حُذَيْفَةَ ؛ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ يَرْغَبُونَ في الشَفاعَةِ؛ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَدْفَعُهم إلى نُوحٍ؛ ثُمَّ يَتَدافَعُهُمُ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَلامُ - حَتّى يَأْتُوا مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِيَشْفَعَ لَهُمْ؛ فَيَشْفَعُ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَيُلْقَوْنَ في نَهْرِ الحَياةِ؛ فَيُبَيَّضُونَ؛ ويُسَمَّوْنَ "مَساكِينَ الجَنَّةِ"؛ قالَ سالِمٌ؛ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ: لَيْتَ أنِّي مِن أهْلِ الأعْرافِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَنادى أصْحابُ النارِ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ لَفْظَةُ النِداءِ تَتَضَمَّنُ أنَّ أهْلَ النارِ وقَعَ لَهم عِلْمٌ بِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَسْمَعُونَ نِداءَهُمْ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وهم يَرَوْنَهم بِإدْراكٍ يَجْعَلُهُ اللهُ تَعالى لَهم عَلى بُعْدِ السُفْلِ مِنَ العُلُوِّ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وبَيْنَهُمُ السُورُ والحِجابُ المُتَقَدِّمُ الذِكْرِ؛ ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ النِداءَ هو عِنْدَ اطِّلاعِ أهْلِ الجَنَّةِ عَلَيْهِمْ؛ و"أنْ"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "أنْ أفِيضُوا"؛﴾ مُفَسِّرَةٌ؛ بِمَعْنى "أيْ".
و"فاضَ الماءُ"؛ إذا سالَ؛ وانْماعَ؛ وأفاضَهُ غَيْرُهُ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أو مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى الطَعامِ؛ قالَهُ السُدِّيُّ ؛ فَيَقُولُ لَهم أهْلُ الجَنَّةِ: "إنَّ اللهَ تَعالى حَرَّمَ طَعامَ الجَنَّةِ وشَرابَها عَلى الكافِرِينَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والأشْنَعُ عَلى الكافِرِينَ في هَذِهِ المَقالَةِ أنْ يَكُونَ بَعْضُهم يَرى بَعْضًا؛ فَإنَّهُ أخْزى (p-٥٧٥)وَأنْكى لِلنَّفْسِ؛ وإجابَةُ أهْلِ الجَنَّةِ بِهَذا الحُكْمِ هو عن أمْرِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "أفْضَلُ الصَدَقَةِ بِالماءِ"؛» يَعْنِي: عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ؛ إذْ هو ألَذُّ مَشْرُوبٍ وأنْعَشُها لِلنَّفْسِ؛ واسْتَسْقى الشَعْبِيُّ عِنْدَ مُصْعَبٍ؛ فَقالَ لَهُ: أيَّ الأشْرِبَةِ تُحِبُّ؟ فَقالَ: أهْوَنَها مَوْجُودًا؛ وأعَزَّها مَفْقُودًا؛ فَقالَ لَهُ مُصْعَبٌ: يا غُلامُ؛ هاتِ الماءَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أُضِيفُ الدِينَ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ قَبُولُهم أنْ يَلْتَزِمُوهُ؛ إذْ هو دِينُ اللهِ تَعالى مِن حَيْثُ أمَرَ بِهِ؛ ودِينُ جَمِيعِ الناسِ مِن حَيْثُ أمَرُوا بِهِ. ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ؛ ويَكُونَ ابْتِداءَ كَلامِ اللهِ تَعالى مِن قَوْلِهِ: "فاليَوْمَ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن أوَّلِهِ مِن كَلامِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا﴾ ؛ أيْ: بِالإعْراضِ والِاسْتِهْزاءِ لِمَن يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ؛ ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا﴾ ؛ أيْ: خَدَعَتْهم بِزُخْرُفِها؛ واعْتِقادِهِمْ أنَّها الغايَةُ القُصْوى؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَفْظُ مِن "اَلْغَرُّ"؛ وهو مَلْءُ الفَمِ؛ أيْ: أشْبَعَتْهم وأبْطَرَتْهم.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهُمْ﴾ ؛ فَهو مِن إخْبارِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَمّا يُفْعَلُ بِهِمْ؛ والنِسْيانُ في هَذِهِ الآيَةِ هو بِمَعْنى التَرْكِ؛ أيْ نَتْرُكُهم في العَذابِ؛ كَما تَرَكُوا النَظَرَ لِلِقاءِ هَذا اليَوْمِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ؛ قالَ قَتادَةُ: نُسُوا مِنَ الخَيْرِ؛ ولَمْ يُنْسَوْا مِنَ الشَرِّ؛ وإنْ قُدِّرَ النِسْيانُ بِمَعْنى الذُهُولِ مِنَ الكَفَرَةِ؛ فَهو في جِهَةِ ذِكْرِ اللهِ تَعالى تَسْمِيَةُ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَما كانُوا"؛﴾ عُطِفَ عَلى "ما"؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿ "كَما نَسُوا"؛﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ تُقَدَّرَ "ما"؛ اَلثّانِيَةُ زائِدَةً؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى "كانُوا"؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: "نَسُوا".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ ذَكَرَ الأعْذارَ إلَيْهِمْ؛ إثْرَ ذِكْرِ ما يُفْعَلُ بِهِمْ؛ واللامُ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "لَقَدْ"؛ لامُ قَسَمٍ؛ والضَمِيرُ في "جِئْناهُمْ"؛ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: تَمَّ الكَلامُ في "يَجْحَدُونَ"؛ وهَذا الضَمِيرُ لِمُكَذِّبِي (p-٥٧٦)مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ابْتِداءُ كَلامٍ آخَرَ؛ والمُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ العَزِيزُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ في جَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ عَلى تَأْوِيلِ مَن يَرى الضَمِيرَ في "جِئْناهُمْ"؛ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "فَصَّلْناهُ"؛﴾ مِن تَفْصِيلِ الآياتِ؛ وتَبْيِينِها؛ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "فَضَّلْناهُ"؛ بِضادٍ مَنقُوطَةٍ؛ و"عَلى عِلْمٍ"؛ مَعْناهُ: عن بَصِيرَةٍ واسْتِحْقاقٍ لِذَلِكَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ.
الأعراف 7:51
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿وَنادى أصْحابُ النارِ أصْحابُ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أو مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إنَّ اللهُ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
قالَ أبُو مِجْلَزٍ: أهْلُ الأعْرافِ هُمُ المَلائِكَةُ؛ وهُمُ القائِلُونَ: "أهَؤُلاءِ"؛ إشارَةً إلى أهْلِ الجَنَّةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكَذَلِكَ يَجِيءُ قَوْلُ مَن قالَ: أهْلُ الأعْرافِ أنْبِياءُ وشُهَداءُ.
وقالَ غَيْرُهُ: أهْلُ الأعْرافِ بَشَرٌ مُذْنِبُونَ؛ وقَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ "أهَؤُلاءِ"؛﴾ مِن كَلامِ مَلَكٍ بِأمْرِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ إشارَةً إلى أهْلِ الأعْرافِ؛ ومُخاطَبَةً لِأهْلِ النارِ؛ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وقالَ النَقّاشُ: لَمّا وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ما أغْنى عنكم جَمْعُكُمْ﴾ [الأعراف: ٤٨] ؛ أقْسَمَ أهْلُ النارِ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ داخِلُونَ النارَ مَعَهُمْ؛ فَنادَتْهُمُ المَلائِكَةُ: "أهَؤُلاءِ...؟"؛ ثُمَّ نادَتْ أصْحابَ الأعْرافِ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ ؛ وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: اَلْإشارَةُ بِـ "هَؤُلاءِ"؛ إلى أهْلِ الجَنَّةِ؛ والمُخاطَبُونَ هم أهْلُ الأعْرافِ؛ والَّذِينَ خُوطِبُوا هم أهْلُ النارِ؛ والمَعْنى: "أهَؤُلاءِ الضُعَفاءُ في الدُنْيا الَّذِينَ حَلَفْتُمْ أنَّ اللهَ تَعالى لا يَعْبَأُ بِهِمْ؟ قِيلَ لَهُمْ: اُدْخُلُوا (p-٥٧٤)الجَنَّةَ"؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ما قالَ النَقّاشُ مِن أنَّ القَسَمَ هو في الآخِرَةِ عَلى أهْلِ الأعْرافِ.
وقَرَأ الحَسَنُ؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: "أدْخِلُوا الجَنَّةَ"؛ بِفَتْحِ الألِفِ؛ وكَسْرِ الخاءِ؛ بِمَعْنى: "أدْخِلُوا أنْفُسَكُمْ"؛ أو عَلى أنْ تَكُونَ مُخاطَبَةً لِلْمَلائِكَةِ؛ ثُمَّ تَرْجِعُ المُخاطَبَةُ بَعْدُ إلى البَشَرِ في "عَلَيْكُمْ"؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ؛ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ: "دَخَلُوا الجَنَّةَ"؛ عَلى الإخْبارِ بِفِعْلٍ ماضٍ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ وابْنُ وثّابٍ ؛ والنَخَعِيُّ: "أُدْخِلُوا الجَنَّةَ"؛ خَبَرٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَرْتِيبُ كُلِّ قِراءَةٍ مِن هَذِهِ عَلى الأقْوالِ في المُخاطِبِ؛ والمُخاطَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى "أهَؤُلاءِ"؛ مُمْكِنٌ بِأيْسَرِ تَناوُلٍ؛ فاخْتَصَرْتُهُ إيجازًا؛ وكَذَلِكَ ما في الآيَةِ مِنَ الرُجُوعِ مِن مُخاطَبَةِ فَرِيقٍ إلى مُخاطَبَةِ غَيْرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ؛ مَعْناهُ: "لا تَخافُونَ ما يَأْتِي؛ ولا تَحْزَنُونَ عَلى ما فاتَ"؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ ؛ مِن طَرِيقِ حُذَيْفَةَ ؛ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ يَرْغَبُونَ في الشَفاعَةِ؛ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَدْفَعُهم إلى نُوحٍ؛ ثُمَّ يَتَدافَعُهُمُ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَلامُ - حَتّى يَأْتُوا مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِيَشْفَعَ لَهُمْ؛ فَيَشْفَعُ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَيُلْقَوْنَ في نَهْرِ الحَياةِ؛ فَيُبَيَّضُونَ؛ ويُسَمَّوْنَ "مَساكِينَ الجَنَّةِ"؛ قالَ سالِمٌ؛ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ: لَيْتَ أنِّي مِن أهْلِ الأعْرافِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَنادى أصْحابُ النارِ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ لَفْظَةُ النِداءِ تَتَضَمَّنُ أنَّ أهْلَ النارِ وقَعَ لَهم عِلْمٌ بِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَسْمَعُونَ نِداءَهُمْ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وهم يَرَوْنَهم بِإدْراكٍ يَجْعَلُهُ اللهُ تَعالى لَهم عَلى بُعْدِ السُفْلِ مِنَ العُلُوِّ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وبَيْنَهُمُ السُورُ والحِجابُ المُتَقَدِّمُ الذِكْرِ؛ ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ النِداءَ هو عِنْدَ اطِّلاعِ أهْلِ الجَنَّةِ عَلَيْهِمْ؛ و"أنْ"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "أنْ أفِيضُوا"؛﴾ مُفَسِّرَةٌ؛ بِمَعْنى "أيْ".
و"فاضَ الماءُ"؛ إذا سالَ؛ وانْماعَ؛ وأفاضَهُ غَيْرُهُ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أو مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى الطَعامِ؛ قالَهُ السُدِّيُّ ؛ فَيَقُولُ لَهم أهْلُ الجَنَّةِ: "إنَّ اللهَ تَعالى حَرَّمَ طَعامَ الجَنَّةِ وشَرابَها عَلى الكافِرِينَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والأشْنَعُ عَلى الكافِرِينَ في هَذِهِ المَقالَةِ أنْ يَكُونَ بَعْضُهم يَرى بَعْضًا؛ فَإنَّهُ أخْزى (p-٥٧٥)وَأنْكى لِلنَّفْسِ؛ وإجابَةُ أهْلِ الجَنَّةِ بِهَذا الحُكْمِ هو عن أمْرِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "أفْضَلُ الصَدَقَةِ بِالماءِ"؛» يَعْنِي: عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ؛ إذْ هو ألَذُّ مَشْرُوبٍ وأنْعَشُها لِلنَّفْسِ؛ واسْتَسْقى الشَعْبِيُّ عِنْدَ مُصْعَبٍ؛ فَقالَ لَهُ: أيَّ الأشْرِبَةِ تُحِبُّ؟ فَقالَ: أهْوَنَها مَوْجُودًا؛ وأعَزَّها مَفْقُودًا؛ فَقالَ لَهُ مُصْعَبٌ: يا غُلامُ؛ هاتِ الماءَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أُضِيفُ الدِينَ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ قَبُولُهم أنْ يَلْتَزِمُوهُ؛ إذْ هو دِينُ اللهِ تَعالى مِن حَيْثُ أمَرَ بِهِ؛ ودِينُ جَمِيعِ الناسِ مِن حَيْثُ أمَرُوا بِهِ. ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ؛ ويَكُونَ ابْتِداءَ كَلامِ اللهِ تَعالى مِن قَوْلِهِ: "فاليَوْمَ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن أوَّلِهِ مِن كَلامِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا﴾ ؛ أيْ: بِالإعْراضِ والِاسْتِهْزاءِ لِمَن يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ؛ ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا﴾ ؛ أيْ: خَدَعَتْهم بِزُخْرُفِها؛ واعْتِقادِهِمْ أنَّها الغايَةُ القُصْوى؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَفْظُ مِن "اَلْغَرُّ"؛ وهو مَلْءُ الفَمِ؛ أيْ: أشْبَعَتْهم وأبْطَرَتْهم.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهُمْ﴾ ؛ فَهو مِن إخْبارِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَمّا يُفْعَلُ بِهِمْ؛ والنِسْيانُ في هَذِهِ الآيَةِ هو بِمَعْنى التَرْكِ؛ أيْ نَتْرُكُهم في العَذابِ؛ كَما تَرَكُوا النَظَرَ لِلِقاءِ هَذا اليَوْمِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ؛ قالَ قَتادَةُ: نُسُوا مِنَ الخَيْرِ؛ ولَمْ يُنْسَوْا مِنَ الشَرِّ؛ وإنْ قُدِّرَ النِسْيانُ بِمَعْنى الذُهُولِ مِنَ الكَفَرَةِ؛ فَهو في جِهَةِ ذِكْرِ اللهِ تَعالى تَسْمِيَةُ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَما كانُوا"؛﴾ عُطِفَ عَلى "ما"؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿ "كَما نَسُوا"؛﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ تُقَدَّرَ "ما"؛ اَلثّانِيَةُ زائِدَةً؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى "كانُوا"؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: "نَسُوا".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ ذَكَرَ الأعْذارَ إلَيْهِمْ؛ إثْرَ ذِكْرِ ما يُفْعَلُ بِهِمْ؛ واللامُ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "لَقَدْ"؛ لامُ قَسَمٍ؛ والضَمِيرُ في "جِئْناهُمْ"؛ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: تَمَّ الكَلامُ في "يَجْحَدُونَ"؛ وهَذا الضَمِيرُ لِمُكَذِّبِي (p-٥٧٦)مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ابْتِداءُ كَلامٍ آخَرَ؛ والمُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ العَزِيزُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ في جَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ عَلى تَأْوِيلِ مَن يَرى الضَمِيرَ في "جِئْناهُمْ"؛ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "فَصَّلْناهُ"؛﴾ مِن تَفْصِيلِ الآياتِ؛ وتَبْيِينِها؛ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "فَضَّلْناهُ"؛ بِضادٍ مَنقُوطَةٍ؛ و"عَلى عِلْمٍ"؛ مَعْناهُ: عن بَصِيرَةٍ واسْتِحْقاقٍ لِذَلِكَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ.
الأعراف 7:52
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿وَنادى أصْحابُ النارِ أصْحابُ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أو مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إنَّ اللهُ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
قالَ أبُو مِجْلَزٍ: أهْلُ الأعْرافِ هُمُ المَلائِكَةُ؛ وهُمُ القائِلُونَ: "أهَؤُلاءِ"؛ إشارَةً إلى أهْلِ الجَنَّةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكَذَلِكَ يَجِيءُ قَوْلُ مَن قالَ: أهْلُ الأعْرافِ أنْبِياءُ وشُهَداءُ.
وقالَ غَيْرُهُ: أهْلُ الأعْرافِ بَشَرٌ مُذْنِبُونَ؛ وقَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ "أهَؤُلاءِ"؛﴾ مِن كَلامِ مَلَكٍ بِأمْرِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ إشارَةً إلى أهْلِ الأعْرافِ؛ ومُخاطَبَةً لِأهْلِ النارِ؛ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وقالَ النَقّاشُ: لَمّا وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ما أغْنى عنكم جَمْعُكُمْ﴾ [الأعراف: ٤٨] ؛ أقْسَمَ أهْلُ النارِ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ داخِلُونَ النارَ مَعَهُمْ؛ فَنادَتْهُمُ المَلائِكَةُ: "أهَؤُلاءِ...؟"؛ ثُمَّ نادَتْ أصْحابَ الأعْرافِ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ ؛ وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: اَلْإشارَةُ بِـ "هَؤُلاءِ"؛ إلى أهْلِ الجَنَّةِ؛ والمُخاطَبُونَ هم أهْلُ الأعْرافِ؛ والَّذِينَ خُوطِبُوا هم أهْلُ النارِ؛ والمَعْنى: "أهَؤُلاءِ الضُعَفاءُ في الدُنْيا الَّذِينَ حَلَفْتُمْ أنَّ اللهَ تَعالى لا يَعْبَأُ بِهِمْ؟ قِيلَ لَهُمْ: اُدْخُلُوا (p-٥٧٤)الجَنَّةَ"؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ما قالَ النَقّاشُ مِن أنَّ القَسَمَ هو في الآخِرَةِ عَلى أهْلِ الأعْرافِ.
وقَرَأ الحَسَنُ؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: "أدْخِلُوا الجَنَّةَ"؛ بِفَتْحِ الألِفِ؛ وكَسْرِ الخاءِ؛ بِمَعْنى: "أدْخِلُوا أنْفُسَكُمْ"؛ أو عَلى أنْ تَكُونَ مُخاطَبَةً لِلْمَلائِكَةِ؛ ثُمَّ تَرْجِعُ المُخاطَبَةُ بَعْدُ إلى البَشَرِ في "عَلَيْكُمْ"؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ؛ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ: "دَخَلُوا الجَنَّةَ"؛ عَلى الإخْبارِ بِفِعْلٍ ماضٍ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ وابْنُ وثّابٍ ؛ والنَخَعِيُّ: "أُدْخِلُوا الجَنَّةَ"؛ خَبَرٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَرْتِيبُ كُلِّ قِراءَةٍ مِن هَذِهِ عَلى الأقْوالِ في المُخاطِبِ؛ والمُخاطَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى "أهَؤُلاءِ"؛ مُمْكِنٌ بِأيْسَرِ تَناوُلٍ؛ فاخْتَصَرْتُهُ إيجازًا؛ وكَذَلِكَ ما في الآيَةِ مِنَ الرُجُوعِ مِن مُخاطَبَةِ فَرِيقٍ إلى مُخاطَبَةِ غَيْرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ؛ مَعْناهُ: "لا تَخافُونَ ما يَأْتِي؛ ولا تَحْزَنُونَ عَلى ما فاتَ"؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ ؛ مِن طَرِيقِ حُذَيْفَةَ ؛ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ يَرْغَبُونَ في الشَفاعَةِ؛ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَدْفَعُهم إلى نُوحٍ؛ ثُمَّ يَتَدافَعُهُمُ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَلامُ - حَتّى يَأْتُوا مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِيَشْفَعَ لَهُمْ؛ فَيَشْفَعُ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَيُلْقَوْنَ في نَهْرِ الحَياةِ؛ فَيُبَيَّضُونَ؛ ويُسَمَّوْنَ "مَساكِينَ الجَنَّةِ"؛ قالَ سالِمٌ؛ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ: لَيْتَ أنِّي مِن أهْلِ الأعْرافِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَنادى أصْحابُ النارِ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ لَفْظَةُ النِداءِ تَتَضَمَّنُ أنَّ أهْلَ النارِ وقَعَ لَهم عِلْمٌ بِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَسْمَعُونَ نِداءَهُمْ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وهم يَرَوْنَهم بِإدْراكٍ يَجْعَلُهُ اللهُ تَعالى لَهم عَلى بُعْدِ السُفْلِ مِنَ العُلُوِّ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وبَيْنَهُمُ السُورُ والحِجابُ المُتَقَدِّمُ الذِكْرِ؛ ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ النِداءَ هو عِنْدَ اطِّلاعِ أهْلِ الجَنَّةِ عَلَيْهِمْ؛ و"أنْ"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "أنْ أفِيضُوا"؛﴾ مُفَسِّرَةٌ؛ بِمَعْنى "أيْ".
و"فاضَ الماءُ"؛ إذا سالَ؛ وانْماعَ؛ وأفاضَهُ غَيْرُهُ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أو مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى الطَعامِ؛ قالَهُ السُدِّيُّ ؛ فَيَقُولُ لَهم أهْلُ الجَنَّةِ: "إنَّ اللهَ تَعالى حَرَّمَ طَعامَ الجَنَّةِ وشَرابَها عَلى الكافِرِينَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والأشْنَعُ عَلى الكافِرِينَ في هَذِهِ المَقالَةِ أنْ يَكُونَ بَعْضُهم يَرى بَعْضًا؛ فَإنَّهُ أخْزى (p-٥٧٥)وَأنْكى لِلنَّفْسِ؛ وإجابَةُ أهْلِ الجَنَّةِ بِهَذا الحُكْمِ هو عن أمْرِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "أفْضَلُ الصَدَقَةِ بِالماءِ"؛» يَعْنِي: عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ؛ إذْ هو ألَذُّ مَشْرُوبٍ وأنْعَشُها لِلنَّفْسِ؛ واسْتَسْقى الشَعْبِيُّ عِنْدَ مُصْعَبٍ؛ فَقالَ لَهُ: أيَّ الأشْرِبَةِ تُحِبُّ؟ فَقالَ: أهْوَنَها مَوْجُودًا؛ وأعَزَّها مَفْقُودًا؛ فَقالَ لَهُ مُصْعَبٌ: يا غُلامُ؛ هاتِ الماءَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أُضِيفُ الدِينَ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ قَبُولُهم أنْ يَلْتَزِمُوهُ؛ إذْ هو دِينُ اللهِ تَعالى مِن حَيْثُ أمَرَ بِهِ؛ ودِينُ جَمِيعِ الناسِ مِن حَيْثُ أمَرُوا بِهِ. ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ؛ ويَكُونَ ابْتِداءَ كَلامِ اللهِ تَعالى مِن قَوْلِهِ: "فاليَوْمَ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن أوَّلِهِ مِن كَلامِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا﴾ ؛ أيْ: بِالإعْراضِ والِاسْتِهْزاءِ لِمَن يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ؛ ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا﴾ ؛ أيْ: خَدَعَتْهم بِزُخْرُفِها؛ واعْتِقادِهِمْ أنَّها الغايَةُ القُصْوى؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَفْظُ مِن "اَلْغَرُّ"؛ وهو مَلْءُ الفَمِ؛ أيْ: أشْبَعَتْهم وأبْطَرَتْهم.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهُمْ﴾ ؛ فَهو مِن إخْبارِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَمّا يُفْعَلُ بِهِمْ؛ والنِسْيانُ في هَذِهِ الآيَةِ هو بِمَعْنى التَرْكِ؛ أيْ نَتْرُكُهم في العَذابِ؛ كَما تَرَكُوا النَظَرَ لِلِقاءِ هَذا اليَوْمِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ؛ قالَ قَتادَةُ: نُسُوا مِنَ الخَيْرِ؛ ولَمْ يُنْسَوْا مِنَ الشَرِّ؛ وإنْ قُدِّرَ النِسْيانُ بِمَعْنى الذُهُولِ مِنَ الكَفَرَةِ؛ فَهو في جِهَةِ ذِكْرِ اللهِ تَعالى تَسْمِيَةُ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَما كانُوا"؛﴾ عُطِفَ عَلى "ما"؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿ "كَما نَسُوا"؛﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ تُقَدَّرَ "ما"؛ اَلثّانِيَةُ زائِدَةً؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى "كانُوا"؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: "نَسُوا".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ ذَكَرَ الأعْذارَ إلَيْهِمْ؛ إثْرَ ذِكْرِ ما يُفْعَلُ بِهِمْ؛ واللامُ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "لَقَدْ"؛ لامُ قَسَمٍ؛ والضَمِيرُ في "جِئْناهُمْ"؛ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: تَمَّ الكَلامُ في "يَجْحَدُونَ"؛ وهَذا الضَمِيرُ لِمُكَذِّبِي (p-٥٧٦)مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ابْتِداءُ كَلامٍ آخَرَ؛ والمُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ العَزِيزُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ في جَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ عَلى تَأْوِيلِ مَن يَرى الضَمِيرَ في "جِئْناهُمْ"؛ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "فَصَّلْناهُ"؛﴾ مِن تَفْصِيلِ الآياتِ؛ وتَبْيِينِها؛ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "فَضَّلْناهُ"؛ بِضادٍ مَنقُوطَةٍ؛ و"عَلى عِلْمٍ"؛ مَعْناهُ: عن بَصِيرَةٍ واسْتِحْقاقٍ لِذَلِكَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ.
الأعراف 7:53
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلَهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أو نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَيْلَ النَهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشَمْسَ والقَمَرَ والنُجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾
"يَنْظُرُونَ"؛ مَعْناهُ: يَنْتَظِرُونَ؛ و"اَلتَّأْوِيلُ" - في هَذا المَوْضِعِ - بِمَعْنى: "اَلْمَآلُ"؛ و"اَلْعاقِبَةُ"؛ قالَهُ قَتادَةُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُما؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "تَأْوِيلَهُ": مَآلَهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ وقالَ السُدِّيُّ: ذَلِكَ في الدُنْيا؛ وقْعَةُ بَدْرٍ وغَيْرُها؛ ويَوْمَ القِيامَةِ أيْضًا؛ والمُرادُ: "هَلْ يَنْتَظِرُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ إلّا مَآلَ الحالِ في هَذا الدِينِ؛ وما دُعُوا إلَيْهِ؛ وما صَدُّوهم عنهُ؛ وهم يَعْتَقِدُونَ مَآلَهُ جَمِيلًا لَهُمْ"؛ فَأخْبَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ مَآلَهُ يَوْمَ يَأْتِي يَقَعُ مَعَهُ نَدَمُهُمْ؛ ويَقُولُونَ تَأسُّفًا عَلى ما فاتَهم مِنَ الإيمانِ: لَقَدْ صَدَقَتِ الرُسُلُ وجاؤُوا بِالحَقِّ؛ فالتَأْوِيلُ - عَلى هَذا - مَأْخُوذٌ مِن: "آلَ؛ يَؤُولُ"؛ وقالَ الخَطابِيُّ: "أوَّلْتُ الشَيْءَ": رَدَدْتُهُ إلى أوَّلِهِ؛ فاللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن "اَلْأوَّلُ"؛ حَكاهُ النَقّاشُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ قِيلَ: "أوَّلْتُ"؛ مَعْناهُ: طَلَبْتُ أوَّلَ الوُجُوهِ؛ والمَعانِي.
و"نَسُوهُ"؛ في الآيَةِ؛ يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ النِسْيانُ مِن أوَّلِ الآيَةِ بِمَعْنى التَرْكِ.
ويُقِرُّونَ بِالحَقِّ ويَسْتَفْهِمُونَ عن وُجُوهِ الخَلاصِ في وقْتٍ لا مُسْتَعْتَبَ لَهم فِيهِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أو نُرَدُّ"؛ بِرَفْعِ الفِعْلِ؛ عَلى تَقْدِيرِ: "أو هَلْ نُرَدُّ؟"؛ وبِنَصْبِ "فَنَعْمَلَ"؛ في جَوابِ هَذا (p-٥٧٧)الِاسْتِفْهامِ الأخِيرِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "أو نُرَدُّ فَنَعْمَلُ"؛ بِالرَفْعِ فِيهِما؛ عَلى عَطْفِ "نَعْمَلُ"؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ؛ وأبُو حَيْوَةَ: "أو نُرَدَّ فَنَعْمَلُ"؛ ونَصْبُ "نُرَدَّ"؛ في هَذِهِ القِراءَةِ إمّا عَلى العَطْفِ عَلى قَوْلِهِ: "فَيَشْفَعُوا"؛ وإمّا بِما حَكاهُ الفَرّاءُ مِن أنَّ "أو"؛ تَكُونُ بِمَعْنى "حَتّى"؛ كَنَحْوِ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ ................. ∗∗∗..........أو نَمُوتَ فَنُعْذَرا
ويَجِيءُ المَعْنى أنَّ الشَفاعَةَ تَكُونُ في أنْ يُرَدُّوا؛ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن خَسارَتِهِمْ أنْفُسَهُمْ؛ واضْمِحْلالِ افْتِرائِهِمْ عَلى اللهِ تَعالى وكَذِبِهِمْ في جَعْلِ الأصْنامِ آلِهَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ خِطابٌ عامَّ يَقْتَضِي التَوْحِيدَ والحُجَّةَ عَلَيْهِ بِدَلائِلِهِ؛ و"اَلرَّبُّ"؛ أصْلُهُ في اللُغَةِ: اَلْمُصْلِحُ؛ مِن "رَبَّ؛ يُرَبُّ"؛ وهو يَجْمَعُ في جِهَةِ ذِكْرِ اللهِ تَعالى "اَلْمالِكُ"؛ و"اَلسَّيِّدُ"؛ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ اسْتِعْمالاتِ العَرَبِ؛ ولا يُقالُ: "اَلرَّبُّ"؛ مُعَرَّفًا؛ إلّا لِلَّهِ تَعالى ؛ وإنَّما يُقالُ في البَشَرِ بِإضافَةٍ؛ ورَوى بَكّارُ بْنُ الشُقَيْرِ: "إنَّ رَبَّكُمُ اللهَ"؛ بِنَصْبِ الهاءِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ ؛ حَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّ اليَوْمَ كَألْفِ سَنَةٍ؛ وهَذا كُلُّهُ والساعَةُ اليَسِيرَةُ سَواءٌ في قُدْرَةِ اللهِ تَعالى ؛ وأمّا وجْهُ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ فَمِمّا انْفَرَدَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِعِلْمِهِ؛ كَسائِرِ أحْوالِ الشَرائِعِ؛ وما ذَهَبَ إلَيْهِ مَن أرادَ أنْ يُوَجِّهَ هَذا - كالمَهْدَوِيِّ وغَيْرِهِ - تَخَرُّصٌ؛ وجاءَ في التَفْسِيرِ؛ وفي الأحادِيثِ؛ أنَّ اللهَ تَعالى ابْتَدَأ الخَلْقَ يَوْمَ الأحَدِ؛ وكَمُلَتِ المَخْلُوقاتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ؛ ثُمَّ بَقِيَ دُونَ خَلْقٍ يَوْمَ السَبْتِ؛ ومِن ذَلِكَ اخْتارَتْهُ اليَهُودُ لِراحَتِها؛ وعَلى هَذا تَوالَتْ تَفاسِيرُ الطَبَرِيِّ وغَيْرِهِ؛ ولِلْيَهُودِ - لَعَنَهُمُ اللهُ تَعالى - في هَذا كَلامُ سُوءٍ - تَعالى اللهُ عَمّا يَصِفُونَ.
(p-٥٧٨)وَوَقَعَ حَدِيثٌ في كِتابِ مُسْلِمِ بْنِ الحَجّاجِ ؛ في كِتابِ "اَلدَّلائِلُ"؛ لِثابِتٍ السَرَقُسْطِيِّ أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ التُرْبَةَ يَوْمَ السَبْتِ؛ وذَكَرَهُ مَكِّيٌّ في "اَلْهِدايَةُ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ ؛ مَعْناهُ عِنْدَ أبِي المَعالِي؛ وغَيْرِهِ مِن حُذّاقِ المُتَكَلِّمِينَ: "بِالمُلْكِ والسُلْطانِ"؛ وخُصَّ العَرْشُ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ؛ إذْ هو أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ؛ وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: فَعَلَ فِعْلًا في العَرْشِ سَمّاهُ "اِسْتِواءً".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والعَرْشُ مَخْلُوقٌ مُعَيَّنٌ؛ جِسْمٌ ما؛ هَذا الَّذِي قَرَّرَتْهُ الشَرِيعَةُ؛ وبَلَغَنِي عن أبِي الفُضَيْلِ بْنِ النَحْوِيِّ أنَّهُ قالَ: اَلْعَرْشُ: مَصْدَرُ "عَرَشَ؛ يَعْرِشُ؛ عَرْشًا"؛ والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ هَذا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا خُرُوجٌ كَثِيرٌ عن ما فُهِمَ مِنَ العَرْشِ في غَيْرِ ما حَدِيثٍ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "يُغْشِي"؛ مِن "أغْشى"؛ وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يُغَشِّي"؛ بِالتَشْدِيدِ؛ مِن "غَشّى"؛ وهُما طَرِيقانِ في تَعْدِيَةِ "غَشى"؛ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ؛ وقَرَأ حُمَيْدٌ: "يَغْشى"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ والشِينِ؛ ونَصْبِ "اَللَّيْلَ"؛ ورَفْعِ "اَلنَّهارُ"؛ كَذا قالَ أبُو الفَتْحِ؛ وقالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ بِرَفْعِ "اَللَّيْلُ"؛ ونَصْبِ "اَلنَّهارَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وأبُو الفَتْحِ أثْبَتُ.
(p-٥٧٩)وَ"حَثِيثًا"؛ مَعْناهُ: سَرِيعًا؛ و﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ ؛ حالٌ مِن "اَللَّيْلَ"؛ بِحَسَبِ اللَفْظِ؛ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ ومِن "اَلنَّهارَ"؛ بِحَسَبِ المَعْنى؛ وأمّا عَلى قِراءَةِ حُمَيْدٍ؛ فَمِن "اَلنَّهارَ"؛ في الوَجْهَيْنِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنهُما؛ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: ٢٧] ؛ فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ "تَحْمِلُهُ"؛ حالًا مِنها؛ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنهُ؛ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنهُما؛ و"مُسَخَّراتٍ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ: "والشَمْسُ والقَمَرُ والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ"؛ بِالرَفْعِ في جَمِيعِها؛ ونَصَبَ الباقُونَ هَذِهِ الحُرُوفَ كُلَّها؛ وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ: "والشَمْسَ والقَمَرَ"؛ بِالنَصْبِ؛ "والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ"؛ بِالرَفْعِ.
و"ألا"؛ اِسْتِفْتاحُ كَلامٍ؛ فاسْتَفْتَحَ بِها؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ هَذا الخَبَرَ الصادِقَ المُرْشِدَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وأخَذَ المُفَسِّرُونَ "اَلْخَلْقُ"؛ بِمَعْنى: اَلْمَخْلُوقاتُ؛ أيْ: "هِيَ لَهُ كُلُّها؛ ومِلْكُهُ واخْتِراعُهُ"؛ وأخَذُوا "اَلْأمْرُ"؛ مَصْدَرًا مِن "أمَرَ؛ يَأْمُرُ"؛ وعَلى هَذا قالَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ: إنَّ الآيَةَ تَرُدُّ عَلى القائِلِينَ بِخَلْقِ القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ فَرَّقَ فِيها بَيْنَ المَخْلُوقاتِ؛ وبَيْنَ الأمْرِ؛ إذْ "والأمْرُ"؛ كَلامُهُ - عَزَّ وجَلَّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنْ تُؤْخَذَ لَفْظَةُ "اَلْخَلْقُ"؛ عَلى المَصْدَرِ مِن "خَلَقَ؛ يَخْلُقُ؛ خَلْقًا"؛ أيْ: "لَهُ هَذِهِ الصِفَةُ؛ إذْ هو المُوجِدُ لِلْأشْياءِ بَعْدَ العَدَمِ"؛ ويُؤْخَذَ "والأمْرُ" عَلى أنَّهُ واحِدُ "اَلْأُمُورُ"؛ إلّا أنَّهُ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ؛ فَيَكُونَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣] ؛ وبِمَنزِلَةِ (p-٥٨٠)قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البقرة: ٢١٠] ؛ فَإذا أُخِذَتِ اللَفْظَتانِ هَكَذا؛ خَرَجَتا عن مَسْألَةِ الكَلامِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَمّا تَقَدَّمَ في الآيَةِ "خَلَقَ"؛ و"بِأمْرِهِ"؛ تَأكَّدَ في آخِرِهِ أنَّ لَهُ الخَلْقَ والأمْرَ المُصَدَّرَيْنِ حَسَبَ تَقَدُّمِهِما؛ وكَيْفَما تَأوَّلْتَ الآيَةَ فالجَمِيعُ لِلَّهِ تَعالى ؛ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "مَن زَعَمَ أنَّ اللهَ - تَبارَكَ وتَعالى - جَعَلَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ شَيْئًا مِنَ الأمْرِ فَقَدْ كَفَرَ بِما أنْزَلَ اللهُ تَعالى لِقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ ".» قالَ النَقّاشُ: ذَكَرَ اللهُ تَعالى الإنْسانَ في القُرْآنِ في ثَمانِيَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا؛ في جَمِيعِها أنَّهُ مَخْلُوقٌ؛ وذَكَرَ القُرْآنَ في أرْبَعَةٍ وخَمْسِينَ مَوْضِعًا؛ لَيْسَ في واحِدٍ مِنها إشارَةٌ إلى أنَّهُ مَخْلُوقٌ؛ وقالَ الشَعْبِيُّ: "اَلْخَلْقُ"؛ عِبارَةٌ عَنِ الدُنْيا؛ و"اَلْأمْرُ"؛ عِبارَةٌ عَنِ الآخِرَةِ؛ و"تَبارَكَ"؛ لا يُتَصَرَّفُ في كَلامِ العَرَبِ؛ لا يُقالُ مِنهُ "يَتَبارَكُ"؛ وهَذا مَنصُوصٌ عَلَيْهِ لِأهْلِ اللِسانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعِلَّةُ ذَلِكَ أنَّ "تَبارَكَ"؛ لَمّا لَمْ يُوصَفْ بِها غَيْرُ اللهِ تَعالى ؛ لَمْ تَقْتَضِ مُسْتَقْبَلًا؛ إذِ اللهُ تَعالى قَدْ تَبارَكَ في الأزَلِ؛ وقَدْ غَلِطَ بِها أبُو عَلِيٍّ القالِي؛ فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ المُسْتَقْبَلُ مِن "تَبارَكَ"؟ فَقالَ: "يَتَبارَكُ"؛ فَوَقَفَ عَلى أنَّ العَرَبَ لَمْ تَقُلْهُ؛ و"اَلرَّبُّ": اَلسَّيِّدُ المُصْلِحُ؛ و"اَلْعالَمِينَ"؛ جَمْعُ "عالَمٌ".
الأعراف 7:54
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلَهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أو نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَيْلَ النَهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشَمْسَ والقَمَرَ والنُجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾
"يَنْظُرُونَ"؛ مَعْناهُ: يَنْتَظِرُونَ؛ و"اَلتَّأْوِيلُ" - في هَذا المَوْضِعِ - بِمَعْنى: "اَلْمَآلُ"؛ و"اَلْعاقِبَةُ"؛ قالَهُ قَتادَةُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُما؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "تَأْوِيلَهُ": مَآلَهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ وقالَ السُدِّيُّ: ذَلِكَ في الدُنْيا؛ وقْعَةُ بَدْرٍ وغَيْرُها؛ ويَوْمَ القِيامَةِ أيْضًا؛ والمُرادُ: "هَلْ يَنْتَظِرُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ إلّا مَآلَ الحالِ في هَذا الدِينِ؛ وما دُعُوا إلَيْهِ؛ وما صَدُّوهم عنهُ؛ وهم يَعْتَقِدُونَ مَآلَهُ جَمِيلًا لَهُمْ"؛ فَأخْبَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ مَآلَهُ يَوْمَ يَأْتِي يَقَعُ مَعَهُ نَدَمُهُمْ؛ ويَقُولُونَ تَأسُّفًا عَلى ما فاتَهم مِنَ الإيمانِ: لَقَدْ صَدَقَتِ الرُسُلُ وجاؤُوا بِالحَقِّ؛ فالتَأْوِيلُ - عَلى هَذا - مَأْخُوذٌ مِن: "آلَ؛ يَؤُولُ"؛ وقالَ الخَطابِيُّ: "أوَّلْتُ الشَيْءَ": رَدَدْتُهُ إلى أوَّلِهِ؛ فاللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن "اَلْأوَّلُ"؛ حَكاهُ النَقّاشُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ قِيلَ: "أوَّلْتُ"؛ مَعْناهُ: طَلَبْتُ أوَّلَ الوُجُوهِ؛ والمَعانِي.
و"نَسُوهُ"؛ في الآيَةِ؛ يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ النِسْيانُ مِن أوَّلِ الآيَةِ بِمَعْنى التَرْكِ.
ويُقِرُّونَ بِالحَقِّ ويَسْتَفْهِمُونَ عن وُجُوهِ الخَلاصِ في وقْتٍ لا مُسْتَعْتَبَ لَهم فِيهِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أو نُرَدُّ"؛ بِرَفْعِ الفِعْلِ؛ عَلى تَقْدِيرِ: "أو هَلْ نُرَدُّ؟"؛ وبِنَصْبِ "فَنَعْمَلَ"؛ في جَوابِ هَذا (p-٥٧٧)الِاسْتِفْهامِ الأخِيرِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "أو نُرَدُّ فَنَعْمَلُ"؛ بِالرَفْعِ فِيهِما؛ عَلى عَطْفِ "نَعْمَلُ"؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ؛ وأبُو حَيْوَةَ: "أو نُرَدَّ فَنَعْمَلُ"؛ ونَصْبُ "نُرَدَّ"؛ في هَذِهِ القِراءَةِ إمّا عَلى العَطْفِ عَلى قَوْلِهِ: "فَيَشْفَعُوا"؛ وإمّا بِما حَكاهُ الفَرّاءُ مِن أنَّ "أو"؛ تَكُونُ بِمَعْنى "حَتّى"؛ كَنَحْوِ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ ................. ∗∗∗..........أو نَمُوتَ فَنُعْذَرا
ويَجِيءُ المَعْنى أنَّ الشَفاعَةَ تَكُونُ في أنْ يُرَدُّوا؛ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن خَسارَتِهِمْ أنْفُسَهُمْ؛ واضْمِحْلالِ افْتِرائِهِمْ عَلى اللهِ تَعالى وكَذِبِهِمْ في جَعْلِ الأصْنامِ آلِهَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ خِطابٌ عامَّ يَقْتَضِي التَوْحِيدَ والحُجَّةَ عَلَيْهِ بِدَلائِلِهِ؛ و"اَلرَّبُّ"؛ أصْلُهُ في اللُغَةِ: اَلْمُصْلِحُ؛ مِن "رَبَّ؛ يُرَبُّ"؛ وهو يَجْمَعُ في جِهَةِ ذِكْرِ اللهِ تَعالى "اَلْمالِكُ"؛ و"اَلسَّيِّدُ"؛ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ اسْتِعْمالاتِ العَرَبِ؛ ولا يُقالُ: "اَلرَّبُّ"؛ مُعَرَّفًا؛ إلّا لِلَّهِ تَعالى ؛ وإنَّما يُقالُ في البَشَرِ بِإضافَةٍ؛ ورَوى بَكّارُ بْنُ الشُقَيْرِ: "إنَّ رَبَّكُمُ اللهَ"؛ بِنَصْبِ الهاءِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ ؛ حَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّ اليَوْمَ كَألْفِ سَنَةٍ؛ وهَذا كُلُّهُ والساعَةُ اليَسِيرَةُ سَواءٌ في قُدْرَةِ اللهِ تَعالى ؛ وأمّا وجْهُ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ فَمِمّا انْفَرَدَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِعِلْمِهِ؛ كَسائِرِ أحْوالِ الشَرائِعِ؛ وما ذَهَبَ إلَيْهِ مَن أرادَ أنْ يُوَجِّهَ هَذا - كالمَهْدَوِيِّ وغَيْرِهِ - تَخَرُّصٌ؛ وجاءَ في التَفْسِيرِ؛ وفي الأحادِيثِ؛ أنَّ اللهَ تَعالى ابْتَدَأ الخَلْقَ يَوْمَ الأحَدِ؛ وكَمُلَتِ المَخْلُوقاتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ؛ ثُمَّ بَقِيَ دُونَ خَلْقٍ يَوْمَ السَبْتِ؛ ومِن ذَلِكَ اخْتارَتْهُ اليَهُودُ لِراحَتِها؛ وعَلى هَذا تَوالَتْ تَفاسِيرُ الطَبَرِيِّ وغَيْرِهِ؛ ولِلْيَهُودِ - لَعَنَهُمُ اللهُ تَعالى - في هَذا كَلامُ سُوءٍ - تَعالى اللهُ عَمّا يَصِفُونَ.
(p-٥٧٨)وَوَقَعَ حَدِيثٌ في كِتابِ مُسْلِمِ بْنِ الحَجّاجِ ؛ في كِتابِ "اَلدَّلائِلُ"؛ لِثابِتٍ السَرَقُسْطِيِّ أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ التُرْبَةَ يَوْمَ السَبْتِ؛ وذَكَرَهُ مَكِّيٌّ في "اَلْهِدايَةُ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ ؛ مَعْناهُ عِنْدَ أبِي المَعالِي؛ وغَيْرِهِ مِن حُذّاقِ المُتَكَلِّمِينَ: "بِالمُلْكِ والسُلْطانِ"؛ وخُصَّ العَرْشُ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ؛ إذْ هو أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ؛ وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: فَعَلَ فِعْلًا في العَرْشِ سَمّاهُ "اِسْتِواءً".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والعَرْشُ مَخْلُوقٌ مُعَيَّنٌ؛ جِسْمٌ ما؛ هَذا الَّذِي قَرَّرَتْهُ الشَرِيعَةُ؛ وبَلَغَنِي عن أبِي الفُضَيْلِ بْنِ النَحْوِيِّ أنَّهُ قالَ: اَلْعَرْشُ: مَصْدَرُ "عَرَشَ؛ يَعْرِشُ؛ عَرْشًا"؛ والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ هَذا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا خُرُوجٌ كَثِيرٌ عن ما فُهِمَ مِنَ العَرْشِ في غَيْرِ ما حَدِيثٍ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "يُغْشِي"؛ مِن "أغْشى"؛ وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يُغَشِّي"؛ بِالتَشْدِيدِ؛ مِن "غَشّى"؛ وهُما طَرِيقانِ في تَعْدِيَةِ "غَشى"؛ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ؛ وقَرَأ حُمَيْدٌ: "يَغْشى"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ والشِينِ؛ ونَصْبِ "اَللَّيْلَ"؛ ورَفْعِ "اَلنَّهارُ"؛ كَذا قالَ أبُو الفَتْحِ؛ وقالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ بِرَفْعِ "اَللَّيْلُ"؛ ونَصْبِ "اَلنَّهارَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وأبُو الفَتْحِ أثْبَتُ.
(p-٥٧٩)وَ"حَثِيثًا"؛ مَعْناهُ: سَرِيعًا؛ و﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ ؛ حالٌ مِن "اَللَّيْلَ"؛ بِحَسَبِ اللَفْظِ؛ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ ومِن "اَلنَّهارَ"؛ بِحَسَبِ المَعْنى؛ وأمّا عَلى قِراءَةِ حُمَيْدٍ؛ فَمِن "اَلنَّهارَ"؛ في الوَجْهَيْنِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنهُما؛ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: ٢٧] ؛ فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ "تَحْمِلُهُ"؛ حالًا مِنها؛ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنهُ؛ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنهُما؛ و"مُسَخَّراتٍ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ: "والشَمْسُ والقَمَرُ والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ"؛ بِالرَفْعِ في جَمِيعِها؛ ونَصَبَ الباقُونَ هَذِهِ الحُرُوفَ كُلَّها؛ وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ: "والشَمْسَ والقَمَرَ"؛ بِالنَصْبِ؛ "والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ"؛ بِالرَفْعِ.
و"ألا"؛ اِسْتِفْتاحُ كَلامٍ؛ فاسْتَفْتَحَ بِها؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ هَذا الخَبَرَ الصادِقَ المُرْشِدَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وأخَذَ المُفَسِّرُونَ "اَلْخَلْقُ"؛ بِمَعْنى: اَلْمَخْلُوقاتُ؛ أيْ: "هِيَ لَهُ كُلُّها؛ ومِلْكُهُ واخْتِراعُهُ"؛ وأخَذُوا "اَلْأمْرُ"؛ مَصْدَرًا مِن "أمَرَ؛ يَأْمُرُ"؛ وعَلى هَذا قالَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ: إنَّ الآيَةَ تَرُدُّ عَلى القائِلِينَ بِخَلْقِ القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ فَرَّقَ فِيها بَيْنَ المَخْلُوقاتِ؛ وبَيْنَ الأمْرِ؛ إذْ "والأمْرُ"؛ كَلامُهُ - عَزَّ وجَلَّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنْ تُؤْخَذَ لَفْظَةُ "اَلْخَلْقُ"؛ عَلى المَصْدَرِ مِن "خَلَقَ؛ يَخْلُقُ؛ خَلْقًا"؛ أيْ: "لَهُ هَذِهِ الصِفَةُ؛ إذْ هو المُوجِدُ لِلْأشْياءِ بَعْدَ العَدَمِ"؛ ويُؤْخَذَ "والأمْرُ" عَلى أنَّهُ واحِدُ "اَلْأُمُورُ"؛ إلّا أنَّهُ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ؛ فَيَكُونَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣] ؛ وبِمَنزِلَةِ (p-٥٨٠)قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البقرة: ٢١٠] ؛ فَإذا أُخِذَتِ اللَفْظَتانِ هَكَذا؛ خَرَجَتا عن مَسْألَةِ الكَلامِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَمّا تَقَدَّمَ في الآيَةِ "خَلَقَ"؛ و"بِأمْرِهِ"؛ تَأكَّدَ في آخِرِهِ أنَّ لَهُ الخَلْقَ والأمْرَ المُصَدَّرَيْنِ حَسَبَ تَقَدُّمِهِما؛ وكَيْفَما تَأوَّلْتَ الآيَةَ فالجَمِيعُ لِلَّهِ تَعالى ؛ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "مَن زَعَمَ أنَّ اللهَ - تَبارَكَ وتَعالى - جَعَلَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ شَيْئًا مِنَ الأمْرِ فَقَدْ كَفَرَ بِما أنْزَلَ اللهُ تَعالى لِقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ ".» قالَ النَقّاشُ: ذَكَرَ اللهُ تَعالى الإنْسانَ في القُرْآنِ في ثَمانِيَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا؛ في جَمِيعِها أنَّهُ مَخْلُوقٌ؛ وذَكَرَ القُرْآنَ في أرْبَعَةٍ وخَمْسِينَ مَوْضِعًا؛ لَيْسَ في واحِدٍ مِنها إشارَةٌ إلى أنَّهُ مَخْلُوقٌ؛ وقالَ الشَعْبِيُّ: "اَلْخَلْقُ"؛ عِبارَةٌ عَنِ الدُنْيا؛ و"اَلْأمْرُ"؛ عِبارَةٌ عَنِ الآخِرَةِ؛ و"تَبارَكَ"؛ لا يُتَصَرَّفُ في كَلامِ العَرَبِ؛ لا يُقالُ مِنهُ "يَتَبارَكُ"؛ وهَذا مَنصُوصٌ عَلَيْهِ لِأهْلِ اللِسانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعِلَّةُ ذَلِكَ أنَّ "تَبارَكَ"؛ لَمّا لَمْ يُوصَفْ بِها غَيْرُ اللهِ تَعالى ؛ لَمْ تَقْتَضِ مُسْتَقْبَلًا؛ إذِ اللهُ تَعالى قَدْ تَبارَكَ في الأزَلِ؛ وقَدْ غَلِطَ بِها أبُو عَلِيٍّ القالِي؛ فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ المُسْتَقْبَلُ مِن "تَبارَكَ"؟ فَقالَ: "يَتَبارَكُ"؛ فَوَقَفَ عَلى أنَّ العَرَبَ لَمْ تَقُلْهُ؛ و"اَلرَّبُّ": اَلسَّيِّدُ المُصْلِحُ؛ و"اَلْعالَمِينَ"؛ جَمْعُ "عالَمٌ".
الأعراف 7:55
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ﴿وَلا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا إنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾
هَذا أمْرٌ بِالدُعاءِ؛ وتَعَبُّدٌ بِهِ؛ ثُمَّ قَرَنَ - عَزَّ وجَلَّ - بِالأمْرِ بِهِ صِفاتٍ تَحْسُنُ مَعَهُ.
(p-٥٨١)وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "تَضَرُّعًا"؛﴾ مَعْناهُ: بِخُشُوعٍ واسْتِكانَةٍ؛ و"اَلتَّضَرُّعُ": لَفْظَةٌ تَقْتَضِي الجَهْرَ؛ لِأنَّ التَضَرُّعَ إنَّما يَكُونُ بِإشاراتِ جَوارِحَ وهَيْئاتِ أعْضاءٍ تَقْتَرِنُ بِالطَلَبِ؛ و"وَخُفْيَةً"؛ يُرِيدُ: في النَفْسِ خاصَّةً؛ وقَدْ أثْنى اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] ؛ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "خَيْرُ الذِكْرِ الخَفِيُّ"؛» والشَرِيعَةُ مُقَرِّرَةٌ أنَّ السِرَّ فِيما لَمْ يُعْتَرَضْ مِن أعْمالِ البِرِّ أعْظَمُ أجْرًا مِنَ الجَهْرِ؛ وتَأوَّلَ بَعْضُ العُلَماءِ التَضَرُّعَ والخُفْيَةَ في مَعْنى السِرِّ جَمِيعًا؛ فَكَأنَّ التَضَرُّعَ فِعْلٌ لِلْقَلْبِ؛ ذَكَرَ هَذا المَعْنى الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وقالَ: "لَقَدْ أدْرَكْنا أقْوامًا ما كانَ عَلى الأرْضِ عَمَلٌ يَقْدِرُونَ أنْ يَكُونَ سِرًّا فَيَكُونَ جَهْرًا أبَدًا؛ ولَقَدْ كانَ المُسْلِمُونَ يَجْتَهِدُونَ في الدُعاءِ؛ فَلا يُسْمَعُ لَهم صَوْتٌ؛ إنْ هو إلّا الهَمْسُ بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ؛ وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ:﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ ؛ وذَكَرَ عَبْدًا صالِحًا رَضِيَ فِعْلَهُ فَقالَ: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] "؛ وقالَ الزَجّاجُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ مَعْناهُ: اُعْبُدُوا رَبَّكُمْ؛ ﴿تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ ؛ أيْ بِاسْتِكانَةٍ؛ واعْتِقادِ ذَلِكَ في القُلُوبِ.
وقَرَأ جَمِيعُ السَبْعَةِ: "وَخُفْيَةً"؛ بِضَمِّ الخاءِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - هُنا؛ وفي "اَلْأنْعامِ" -: "وَخِفْيَةً"؛ بِكَسْرِها؛ وهُما لُغَتانِ؛ وقَدْ قِيلَ: إنَّ "خِفْيَةً"؛ بِكَسْرِ الخاءِ؛ بِمَعْنى: "اَلْخَوْفُ"؛ و"اَلرَّهْبَةُ"؛ ويَظْهَرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَخِيفَةً"؛ مِن "اَلْخَوْفُ"؛ أيْ: "اُدْعُوهُ بِاسْتِكانَةٍ وخَوْفٍ"؛ ذَكَرَها ابْنُ سِيدَةَ في المُحْكَمِ؛ ولَمْ يَنْسُبْها؛ وقالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأها الأعْمَشُ فِيما زَعَمُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ؛ يُرِيدُ: "فِي الدُعاءِ"؛ وإنْ كانَ اللَفْظُ عامًّا؛ فَإلى هَذا هي الإشارَةُ؛ والِاعْتِداءُ في الدُعاءِ عَلى وُجُوهٍ؛ مِنها الجَهْرُ الكَثِيرُ؛ والصِياحُ؛ كَما «قالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِقَوْمٍ - وقَدْ رَفَعُوا أصْواتَهم بِالتَكْبِيرِ -: "أيُّها الناسُ؛ اِرْبَعُوا عَلى أنْفُسِكُمْ؛ إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا"؛» ومِنها أنْ يَدْعُوَ الإنْسانُ في أنْ تَكُونَ لَهُ (p-٥٨٢)مَنزِلَةُ نَبِيٍّ؛ أو يَدْعُوَ في مُحالٍ؛ ونَحْوِ هَذا مِنَ التَشَطُّطِ؛ ومِنها أنْ يَدْعُوَ طالِبًا مَعْصِيَةً؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ وفي هَذِهِ الأسْئِلَةِ كِفايَةٌ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ"؛ و"اَلْمُعْتَدِي"؛ هو مُجاوِزُ الحَدِّ؛ ومُرْتَكِبُ الحَظْرِ؛ وقَدْ يُتَفاضَلُ بِحَسَبِ ما اعْتُدِيَ فِيهِ؛ ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "سَيَكُونُ أقْوامٌ يَعْتَدُونَ في الدُعاءِ؛ وحَسْبُ المَرْءِ أنْ يَقُولَ: اَللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الجَنَّةَ وما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ؛ وأعُوذُ بِكَ مِنَ النارِ وما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ".»
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ ألْفاظٌ عامَّةٌ؛ تَتَضَمَّنُ كُلَّ إفْسادٍ؛ قَلَّ أو كَثُرَ؛ بَعْدَ إصْلاحٍ؛ قَلَّ أو كَثُرَ؛ والقَصْدُ بِالنَهْيِ هو عَلى العُمُومِ؛ وتَخْصِيصُ شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ في هَذا تَحَكُّمٌ؛ إلّا أنْ يُقالَ عَلى وِجْهَةِ المِثالِ؛ قالَ الضَحّاكُ: مَعْناهُ: لا تُعَوِّرُوا الماءَ المَعِينَ؛ ولا تَقْطَعُوا الشَجَرَ المُثْمِرَ ضِرارًا؛ وقَدْ ورَدَ: "قَطْعُ الدِينارِ والدِرْهَمِ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ"؛ وقَدْ قِيلَ: "تِجارَةُ الحُكّامِ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ"؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: اَلْمُرادُ: "وَلا تُشْرِكُوا في الأرْضِ بَعْدَ أنْ أصْلَحَها اللهُ تَعالى بِبِعْثَةِ الرُسُلِ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -؛ وتَقْرِيرِ الشَرائِعِ؛ ووُضُوحِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ"؛ وقائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ قَصَدَ إلى أكْبَرِ فَسادٍ بَعْدَ أعْظَمِ صَلاحٍ؛ فَخَصَّهُ بِالذِكْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ ؛ أمْرٌ بِأنْ يَكُونَ الإنْسانُ في حالَةِ تَرَقُّبٍ؛ وتَحَزُّنٍ؛ وتَأْمِيلٍ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ حَتّى يَكُونَ الرَجاءُ والخَوْفُ كالجَناحَيْنِ لِلطّائِرِ؛ يَحْمِلانِهِ في طَرِيقِ اسْتِقامَةٍ؛ وإنِ انْفَرَدَ أحَدُهُما هَلَكَ الإنْسانُ؛ وقَدْ قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: يَنْبَغِي أنْ يَغْلِبَ الخَوْفُ الرَجاءَ؛ طُولَ الحَياةِ؛ فَإذا جاءَ المَوْتُ غَلَبَ الرَجاءُ؛ وقَدْ رَأى كَثِيرٌ مِنَ (p-٥٨٣)العُلَماءِ أنْ يَكُونَ الخَوْفُ أغْلَبَ عَلى المَرْءِ بِكَثِيرٍ؛ وهَذا كُلُّهُ احْتِياطٌ؛ ومِنهُ تَمَنِّي الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنْ يَكُونَ الرَجُلَ الَّذِي هو آخِرُ مَن يُدْخَلُ الجَنَّةَ؛ وتَمَنِّي سالِمٍ؛ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ ؛ أنْ يَكُونَ مِن أصْحابِ الأعْرافِ؛ لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّهم مُذْنِبُونَ.
ثُمَّ آنَسَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ ؛ فَإنَّها آيَةُ وعْدٍ؛ فِيها تَقْيِيدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ ؛ واخْتَلَفَ الناسُ في وجْهِ حَذْفِ التاءِ مِن "قَرِيبٌ"؛ في صِفَةِ الرَحْمَةِ؛ عَلى أقْوالٍ؛ مِنها أنَّهُ عَلى جِهَةِ النَسَبِ؛ أيْ: "ذاتُ قُرْبٍ"؛ ومِنها أنَّهُ لَمّا كانَ تَأْنِيثُها غَيْرَ حَقِيقِيٍّ؛ جَرَتْ مُجْرى "كَفٌّ خَضِيبٌ"؛ و"لِحْيَةٌ دَهِينٌ"؛ ومِنها أنَّها بِمَعْنًى مُذَكَّرٍ؛ فَذُكِرَ الوَصْفَ لِذَلِكَ؛ واخْتَلَفَ أهْلُ هَذا القَوْلِ في تَقْدِيرِ المُذَكَّرِ الَّذِي هي بَدَلٌ مِنهُ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْغُفْرانُ والعَفْوُ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمَطَرُ؛ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ؛ وقالَ الفَرّاءُ: "لَفْظَةُ "اَلْقُرْبُ"؛ إذا اسْتُعْمِلَتْ في النَسَبِ؛ والقَرابَةِ؛ فَهي مَعَ المُؤَنَّثِ بِتاءٍ؛ ولا بُدَّ؛ وإذا اسْتُعْمِلَتْ في قُرْبِ المَسافَةِ؛ [تُذَكَّرُ؛ وتُؤَنَّثُ]".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: أو "اَلزَّمَنُ"؛ فَقَدْ تَجِيءُ مَعَ المُؤَنَّثِ بِتاءٍ؛ وقَدْ تَجِيءُ بِغَيْرِ تاءٍ؛ وهَذا مِنهُ؛ ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ عَشِيَّةَ لا عَفْراءَ مِنكَ قَرِيبَةٌ ∗∗∗ فَتَدْنُو ولا عَفْراءَ مِنكَ بَعِيدُ
فَجَمَعَ في هَذا البَيْتِ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ في كِتابِهِ؛ وقَدْ مَرَّ في بَعْضِ كُتُبِ المُفَسِّرِينَ مُقَيَّدًا؛ ورَدَّ الزَجّاجُ (p-٥٨٤)عَلى هَذا القَوْلِ؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "قَرِيبٌ"؛ في الآيَةِ؛ لَيْسَ بِصِفَةٍ لِلرَّحْمَةِ؛ وإنَّما هي ظَرْفٌ لَها؛ ومَوْضِعٌ؛ فَيَجِيءُ هَكَذا في المُؤَنَّثِ؛ والِاثْنَيْنِ؛ والجَمْعِ؛ وكَذَلِكَ "بَعِيدٌ"؛ فَإذا جَعَلُوها صِفَةً بِمَعْنى "مُقَرَّبَةٌ"؛ قالُوا: "قَرِيبَةٌ"؛ و"قَرِيبَتانِ"؛ و"قَرِيباتٌ"؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى "قَرِيبٌ"؛ إنَّما يُرادُ بِهِ مُقارَبَةُ الأرْواحِ لِلْأجْسادِ؛ أيْ: عِنْدَ ذَلِكَ تَنالُهُمُ الرَحْمَةُ.
الأعراف 7:56
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ﴿وَلا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا إنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾
هَذا أمْرٌ بِالدُعاءِ؛ وتَعَبُّدٌ بِهِ؛ ثُمَّ قَرَنَ - عَزَّ وجَلَّ - بِالأمْرِ بِهِ صِفاتٍ تَحْسُنُ مَعَهُ.
(p-٥٨١)وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "تَضَرُّعًا"؛﴾ مَعْناهُ: بِخُشُوعٍ واسْتِكانَةٍ؛ و"اَلتَّضَرُّعُ": لَفْظَةٌ تَقْتَضِي الجَهْرَ؛ لِأنَّ التَضَرُّعَ إنَّما يَكُونُ بِإشاراتِ جَوارِحَ وهَيْئاتِ أعْضاءٍ تَقْتَرِنُ بِالطَلَبِ؛ و"وَخُفْيَةً"؛ يُرِيدُ: في النَفْسِ خاصَّةً؛ وقَدْ أثْنى اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] ؛ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "خَيْرُ الذِكْرِ الخَفِيُّ"؛» والشَرِيعَةُ مُقَرِّرَةٌ أنَّ السِرَّ فِيما لَمْ يُعْتَرَضْ مِن أعْمالِ البِرِّ أعْظَمُ أجْرًا مِنَ الجَهْرِ؛ وتَأوَّلَ بَعْضُ العُلَماءِ التَضَرُّعَ والخُفْيَةَ في مَعْنى السِرِّ جَمِيعًا؛ فَكَأنَّ التَضَرُّعَ فِعْلٌ لِلْقَلْبِ؛ ذَكَرَ هَذا المَعْنى الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وقالَ: "لَقَدْ أدْرَكْنا أقْوامًا ما كانَ عَلى الأرْضِ عَمَلٌ يَقْدِرُونَ أنْ يَكُونَ سِرًّا فَيَكُونَ جَهْرًا أبَدًا؛ ولَقَدْ كانَ المُسْلِمُونَ يَجْتَهِدُونَ في الدُعاءِ؛ فَلا يُسْمَعُ لَهم صَوْتٌ؛ إنْ هو إلّا الهَمْسُ بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ؛ وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ:﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ ؛ وذَكَرَ عَبْدًا صالِحًا رَضِيَ فِعْلَهُ فَقالَ: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] "؛ وقالَ الزَجّاجُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ مَعْناهُ: اُعْبُدُوا رَبَّكُمْ؛ ﴿تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ ؛ أيْ بِاسْتِكانَةٍ؛ واعْتِقادِ ذَلِكَ في القُلُوبِ.
وقَرَأ جَمِيعُ السَبْعَةِ: "وَخُفْيَةً"؛ بِضَمِّ الخاءِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - هُنا؛ وفي "اَلْأنْعامِ" -: "وَخِفْيَةً"؛ بِكَسْرِها؛ وهُما لُغَتانِ؛ وقَدْ قِيلَ: إنَّ "خِفْيَةً"؛ بِكَسْرِ الخاءِ؛ بِمَعْنى: "اَلْخَوْفُ"؛ و"اَلرَّهْبَةُ"؛ ويَظْهَرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَخِيفَةً"؛ مِن "اَلْخَوْفُ"؛ أيْ: "اُدْعُوهُ بِاسْتِكانَةٍ وخَوْفٍ"؛ ذَكَرَها ابْنُ سِيدَةَ في المُحْكَمِ؛ ولَمْ يَنْسُبْها؛ وقالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأها الأعْمَشُ فِيما زَعَمُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ؛ يُرِيدُ: "فِي الدُعاءِ"؛ وإنْ كانَ اللَفْظُ عامًّا؛ فَإلى هَذا هي الإشارَةُ؛ والِاعْتِداءُ في الدُعاءِ عَلى وُجُوهٍ؛ مِنها الجَهْرُ الكَثِيرُ؛ والصِياحُ؛ كَما «قالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِقَوْمٍ - وقَدْ رَفَعُوا أصْواتَهم بِالتَكْبِيرِ -: "أيُّها الناسُ؛ اِرْبَعُوا عَلى أنْفُسِكُمْ؛ إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا"؛» ومِنها أنْ يَدْعُوَ الإنْسانُ في أنْ تَكُونَ لَهُ (p-٥٨٢)مَنزِلَةُ نَبِيٍّ؛ أو يَدْعُوَ في مُحالٍ؛ ونَحْوِ هَذا مِنَ التَشَطُّطِ؛ ومِنها أنْ يَدْعُوَ طالِبًا مَعْصِيَةً؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ وفي هَذِهِ الأسْئِلَةِ كِفايَةٌ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ"؛ و"اَلْمُعْتَدِي"؛ هو مُجاوِزُ الحَدِّ؛ ومُرْتَكِبُ الحَظْرِ؛ وقَدْ يُتَفاضَلُ بِحَسَبِ ما اعْتُدِيَ فِيهِ؛ ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "سَيَكُونُ أقْوامٌ يَعْتَدُونَ في الدُعاءِ؛ وحَسْبُ المَرْءِ أنْ يَقُولَ: اَللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الجَنَّةَ وما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ؛ وأعُوذُ بِكَ مِنَ النارِ وما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ".»
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ ألْفاظٌ عامَّةٌ؛ تَتَضَمَّنُ كُلَّ إفْسادٍ؛ قَلَّ أو كَثُرَ؛ بَعْدَ إصْلاحٍ؛ قَلَّ أو كَثُرَ؛ والقَصْدُ بِالنَهْيِ هو عَلى العُمُومِ؛ وتَخْصِيصُ شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ في هَذا تَحَكُّمٌ؛ إلّا أنْ يُقالَ عَلى وِجْهَةِ المِثالِ؛ قالَ الضَحّاكُ: مَعْناهُ: لا تُعَوِّرُوا الماءَ المَعِينَ؛ ولا تَقْطَعُوا الشَجَرَ المُثْمِرَ ضِرارًا؛ وقَدْ ورَدَ: "قَطْعُ الدِينارِ والدِرْهَمِ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ"؛ وقَدْ قِيلَ: "تِجارَةُ الحُكّامِ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ"؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: اَلْمُرادُ: "وَلا تُشْرِكُوا في الأرْضِ بَعْدَ أنْ أصْلَحَها اللهُ تَعالى بِبِعْثَةِ الرُسُلِ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -؛ وتَقْرِيرِ الشَرائِعِ؛ ووُضُوحِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ"؛ وقائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ قَصَدَ إلى أكْبَرِ فَسادٍ بَعْدَ أعْظَمِ صَلاحٍ؛ فَخَصَّهُ بِالذِكْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ ؛ أمْرٌ بِأنْ يَكُونَ الإنْسانُ في حالَةِ تَرَقُّبٍ؛ وتَحَزُّنٍ؛ وتَأْمِيلٍ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ حَتّى يَكُونَ الرَجاءُ والخَوْفُ كالجَناحَيْنِ لِلطّائِرِ؛ يَحْمِلانِهِ في طَرِيقِ اسْتِقامَةٍ؛ وإنِ انْفَرَدَ أحَدُهُما هَلَكَ الإنْسانُ؛ وقَدْ قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: يَنْبَغِي أنْ يَغْلِبَ الخَوْفُ الرَجاءَ؛ طُولَ الحَياةِ؛ فَإذا جاءَ المَوْتُ غَلَبَ الرَجاءُ؛ وقَدْ رَأى كَثِيرٌ مِنَ (p-٥٨٣)العُلَماءِ أنْ يَكُونَ الخَوْفُ أغْلَبَ عَلى المَرْءِ بِكَثِيرٍ؛ وهَذا كُلُّهُ احْتِياطٌ؛ ومِنهُ تَمَنِّي الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنْ يَكُونَ الرَجُلَ الَّذِي هو آخِرُ مَن يُدْخَلُ الجَنَّةَ؛ وتَمَنِّي سالِمٍ؛ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ ؛ أنْ يَكُونَ مِن أصْحابِ الأعْرافِ؛ لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّهم مُذْنِبُونَ.
ثُمَّ آنَسَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ ؛ فَإنَّها آيَةُ وعْدٍ؛ فِيها تَقْيِيدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ ؛ واخْتَلَفَ الناسُ في وجْهِ حَذْفِ التاءِ مِن "قَرِيبٌ"؛ في صِفَةِ الرَحْمَةِ؛ عَلى أقْوالٍ؛ مِنها أنَّهُ عَلى جِهَةِ النَسَبِ؛ أيْ: "ذاتُ قُرْبٍ"؛ ومِنها أنَّهُ لَمّا كانَ تَأْنِيثُها غَيْرَ حَقِيقِيٍّ؛ جَرَتْ مُجْرى "كَفٌّ خَضِيبٌ"؛ و"لِحْيَةٌ دَهِينٌ"؛ ومِنها أنَّها بِمَعْنًى مُذَكَّرٍ؛ فَذُكِرَ الوَصْفَ لِذَلِكَ؛ واخْتَلَفَ أهْلُ هَذا القَوْلِ في تَقْدِيرِ المُذَكَّرِ الَّذِي هي بَدَلٌ مِنهُ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْغُفْرانُ والعَفْوُ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمَطَرُ؛ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ؛ وقالَ الفَرّاءُ: "لَفْظَةُ "اَلْقُرْبُ"؛ إذا اسْتُعْمِلَتْ في النَسَبِ؛ والقَرابَةِ؛ فَهي مَعَ المُؤَنَّثِ بِتاءٍ؛ ولا بُدَّ؛ وإذا اسْتُعْمِلَتْ في قُرْبِ المَسافَةِ؛ [تُذَكَّرُ؛ وتُؤَنَّثُ]".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: أو "اَلزَّمَنُ"؛ فَقَدْ تَجِيءُ مَعَ المُؤَنَّثِ بِتاءٍ؛ وقَدْ تَجِيءُ بِغَيْرِ تاءٍ؛ وهَذا مِنهُ؛ ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ عَشِيَّةَ لا عَفْراءَ مِنكَ قَرِيبَةٌ ∗∗∗ فَتَدْنُو ولا عَفْراءَ مِنكَ بَعِيدُ
فَجَمَعَ في هَذا البَيْتِ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ في كِتابِهِ؛ وقَدْ مَرَّ في بَعْضِ كُتُبِ المُفَسِّرِينَ مُقَيَّدًا؛ ورَدَّ الزَجّاجُ (p-٥٨٤)عَلى هَذا القَوْلِ؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "قَرِيبٌ"؛ في الآيَةِ؛ لَيْسَ بِصِفَةٍ لِلرَّحْمَةِ؛ وإنَّما هي ظَرْفٌ لَها؛ ومَوْضِعٌ؛ فَيَجِيءُ هَكَذا في المُؤَنَّثِ؛ والِاثْنَيْنِ؛ والجَمْعِ؛ وكَذَلِكَ "بَعِيدٌ"؛ فَإذا جَعَلُوها صِفَةً بِمَعْنى "مُقَرَّبَةٌ"؛ قالُوا: "قَرِيبَةٌ"؛ و"قَرِيبَتانِ"؛ و"قَرِيباتٌ"؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى "قَرِيبٌ"؛ إنَّما يُرادُ بِهِ مُقارَبَةُ الأرْواحِ لِلْأجْسادِ؛ أيْ: عِنْدَ ذَلِكَ تَنالُهُمُ الرَحْمَةُ.
الأعراف 7:57
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَمَراتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿والبَلَدُ الطَيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾
هَذِهِ آيَةُ اعْتِبارٍ واسْتِدْلالٍ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "اَلرِّياحَ"؛ بِالجَمْعِ؛ "نُشُرًا"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ والشِينِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: وهي قِراءَةُ الحَسَنِ؛ وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ وأبِي رَجاءٍ ؛ واخْتَلَفَ عنهُمُ الأعْرَجُ ؛ وأبُو جَعْفَرٍ ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ وأبُو يَحْيى ؛ وأبُو نَوْفَلٍ الأعْرابِيَّيْنِ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "اَلرِّيحَ"؛ واحِدَةً؛ "نُشُرًا"؛ بِضَمِّها أيْضًا؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "اَلرِّياحَ"؛ جَمْعًا؛ "نُشْرًا"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ؛ وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ وأبِي رَجاءٍ ؛ وقَتادَةَ ؛ وأبِي عَمْرٍو ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "اَلرِّيحَ"؛ واحِدَةً؛ "نَشْرًا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ وزِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ؛ وابْنِ وثّابٍ ؛ وإبْراهِيمَ؛ وطَلْحَةَ ؛ والأعْمَشِ ؛ ومَسْرُوقِ بْنِ الأجْدَعِ ؛ وقَرَأ ابْنُ جِنِّي قِراءَةَ مَسْرُوقٍ: "نَشَرًا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ والشِينِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ: "اَلرِّياحَ"؛ جَماعَةً؛ "بُشْرًا"؛ بِالباءِ المَضْمُومَةِ؛ والشِينِ الساكِنَةِ؛ ورُوِيَ عنهُ: "بُشُرًا"؛ بِضَمِّ الباءِ؛ والشِينِ؛ وقَرَأ بِهاابْنُ عَبّاسٍ ؛ والسُلَمِيُّ ؛ وابْنُ أبِي (p-٥٨٥)عَبْلَةَ؛ وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ؛ وأبُو قُطَيْبٍ: "بُشْرى"؛ عَلى وزْنِ "فُعْلى"؛ بِضَمِّ الباءِ؛ ورُوِيَتْ عن أبِي يَحْيى؛ وأبِي نَوْفَلٍ؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "بَشْرًا"؛ بِفَتْحِ الباءِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ قالَ الزَهْراوِيُّ: ورُوِيَتْ هَذِهِ عن عاصِمٍ.
ومَن جَمَعَ "اَلرِّيحَ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَهو أسْعَدُ؛ وذَلِكَ أنَّ "اَلرِّياحَ"؛ حَيْثُ وقَعَتْ في القُرْآنِ؛ فَهي مُقْتَرِنَةٌ بِالرَحْمَةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ [الروم: ٤٦] ؛ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَأرْسَلْنا الرِياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] ؛ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [الروم: ٤٨] ؛ وأكْثَرُ ذِكْرِ "اَلرِّيحَ"؛ مُفْرَدَةً إنَّما هو بِقَرِينَةِ عَذابٍ؛ كَقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِيحَ العَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١] ؛ وقَوْلِهِ: ﴿وَأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] ؛ وقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها﴾ [الأحقاف: ٢٥] ؛ نَحا هَذا المَنحى يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ ؛ وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ ؛ وعاصِمٌ ؛ وفي الحَدِيثِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا هَبَّتِ الرِيحُ يَقُولُ: "اَللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا؛ ولا تَجْعَلْها رِيحًا".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والمَعْنى في هَذا كُلِّهِ بَيِّنٌ؛ وذَلِكَ أنَّ رِيحَ السُقْيا والمَطَرِ إنَّما هي مُنْتَشِرَةٌ؛ لَيِّنَةٌ؛ تَجِيءُ مِن هَهُنا ومِن هَهُنا؛ وتَتَفَرَّقُ؛ فَيَحْسُنُ مِن حَيْثُ هي مُنْفَصِلَةُ الأجْزاءِ مُتَغايِرَةُ المَهَبِّ يَسِيرًا أنْ يُقالَ لَها: "رِياحٌ"؛ وتُوصَفَ بِالكَثْرَةِ؛ وأمّا "رِيحُ الصِرِّ والعَذابِ"؛ فَهي عاصِفَةٌ صَرْصَرٌ؛ جَسَدٌ واحِدٌ؛ شَدِيدَةُ المَرِّ؛ مُهْلِكَةٌ بِقُوَّتِها؛ وبِما تَحْمِلُهُ أحْيانًا مِنَ الصِرِّ المُحْرِقِ؛ فَيَحْسُنُ مِن حَيْثُ هي شَدِيدَةُ الِاتِّصالِ أنْ تُسَمّى "رِيحًا"؛ مُفْرَدَةً؛ وكَذَلِكَ (p-٥٨٦)أُفْرِدَتِ الرِيحُ في قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] ؛ مِن حَيْثُ جَرْيُ السُفُنِ؛ إنَّما تَجْرِي بِرِيحٍ مُتَّصِلَةٍ؛ كَأنَّها شَيْءٌ واحِدٌ؛ فَأُفْرِدَتْ لِذَلِكَ؛ ووُصِفَتْ بِالطِيبِ؛ لِإزالَةِ الِاشْتِراكِ بَيْنَها وبَيْنَ الرِيحِ المَكْرُوهَةِ؛ وكَذَلِكَ رِيحُ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ إنَّما كانَتْ تَجْرِي بِأمْرِهِ؛ أو تَعْصِفُ في حُقُولِهِ؛ وهي مُتَّصِلَةٌ؛ وبَعْدُ.. فَمَن قَرَأ في هَذِهِ الآيَةِ: "اَلرِّيحَ"؛ بِالإفْرادِ؛ فَإنَّما يُرِيدُ بِهِ اسْمَ الجِنْسِ؛ وأيْضًا فَتَقْيِيدُها بِـ "بُشْرًا"؛ يُزِيلُ الِاشْتِراكَ.
والإرْسالُ في الرِيحِ هو بِمَعْنى الإجْراءِ؛ والإطْلاقِ؛ والإسالَةِ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ: « "فَلَرَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِيحِ المُرْسَلَةِ"؛» والرِيحُ تُجْمَعُ - في القَلِيلِ -: "أرْواحٌ"؛ وفي الكَثِيرِ: "رِياحٌ"؛ لِأنَّ العَيْنَ مِن "اَلرِّيحُ"؛ واوٌ انْقَلَبَتْ في الواحِدِ ياءً لِلْكَسْرِ الَّذِي قَبْلَها؛ وكَذَلِكَ في الجَمْعِ الكَثِيرِ؛ وصَحَّتْ في القَلِيلِ لِأنَّهُ لا شَيْءَ فِيهِ يُوجِبُ الإعْلالَ.
وأمّا "نُشُرًا"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ والشِينِ؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ "ناشِرٌ"؛ عَلى النَسَبِ؛ أيْ "ذاتَ نَشْرٍ"؛ مِن "اَلطَّيُّ"؛ أو "نُشُورٌ"؛ مِن "اَلْحَياةُ"؛ ويَحْتَمِلُ "نُشُرًا"؛ أنْ يَكُونَ جَمْعَ "نَشُورٌ"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ وضَمِّ الشِينِ؛ كَـ "رَسُولٌ"؛ و"رُسُلٌ"؛ و"صَبُورٌ"؛ و"صُبُرٌ"؛ و"شَكُورٌ" و"شُكُرٌ"؛ ويَحْتَمِلُ "نُشُرًا"؛ أنْ يَكُونَ كالمَفْعُولِ بِمَعْنى "مَنشُورٌ"؛ كَـ "رَكُوبٌ"؛ بِمَعْنى "مَرْكُوبٌ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أبْنِيَةِ اسْمِ الفاعِلِ؛ لِأنَّها تَنْشُرُ السَحابَ؛ وأمّا مِثالُ الأوَّلِ في قَوْلِنا: "ناشِرٌ"؛ و"نُشُرٌ"؛ فَـ "شاهِدٌ"؛ و"شُهُدٌ"؛ و"نازِلٌ"؛ و"نُزُلٌ"؛ كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ ................... ∗∗∗ أو تَنْزِلُونَ فَإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ
(p-٥٨٧)وَ"قاتِلٌ"؛ و"قُتُلٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ .................. ∗∗∗ ∗∗∗ إنّا لِأمْثالِكم يا قَوْمَنا قُتُلُ
وأمّا مَن قَرَأ: "نُشْرًا"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ فَإنَّما خَفَّفَ الشِينَ مِن قَوْلِهِ: "نُشُرًا"؛ وأمّا مَن قَرَأ: "نَشْرًا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ فَهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الرِيحِ؛ ويُحْتَمَلُ في المَعْنى أنْ يُرادَ بِهِ "اَلنَّشْرُ"؛ اَلَّذِي هو خِلافُ الطَيِّ؛ وكُلُّ بَقاءِ الرِيحِ دُونَ هُبُوبٍ طَيٌّ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن "اَلنَّشْرُ"؛ اَلَّذِي هو الإحْياءُ؛ كَما قالَ الأعْشى:
؎ .................... ∗∗∗ ∗∗∗ يا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ الناشِرِ
وأمّا مَن قَرَأ: "نَشَرًا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ والشِينِ - وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ -؛ فَهو اسْمٌ؛ وهو عَلى النَسَبِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: أيْ "ذَواتَ نَشَرٍ"؛ و"اَلنَّشَرُ": أنْ تَنْتَشِرَ الغَنَمُ بِاللَيْلِ فَتَرْعى؛ فَشَبَّهَ السَحابَ؛ في انْتِشارِهِ وعُمُومِهِ؛ بِذَلِكَ.
وأمّا: "بُشُرًا"؛ بِضَمِّ الباءِ؛ والشِينِ؛ فَجَمْعُ "بَشِيرٌ"؛ كَـ "نَذِيرٌ"؛ و"نُذُرٌ"؛ و"بُشْرًا"؛ بِسُكُونِ الشِينِ؛ مُخَفَّفٌ مِنهُ؛ و"بَشْرًا"؛ بِفَتْحِ الباءِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ مَصْدَرٌ؛ و"بُشْرى"؛ مَصْدَرٌ أيْضًا؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ والرَحْمَةُ في هَذِهِ الآيَةِ: اَلْمَطَرُ؛ و"بَيْنَ يَدَيْ"؛ أيْ: أمامَ رَحْمَتِهِ؛ وقُدّامَها؛ وهي هُنا اسْتِعارَةٌ؛ وهي حَقِيقَةٌ فِيما بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ مِنَ الأجْرامِ.
و"أقَلَّتْ"؛ مَعْناهُ: رَفَعَتْ مِنَ الأرْضِ؛ واسْتَقَلَّتْ بِها؛ ومِنهُ "اَلْقِلَّةُ"؛ وكَأنَّ المُقِلَّ يَرى ما يَرْفَعُ قَلِيلًا؛ إذا قَدَرَ عَلَيْهِ؛ و"ثِقالًا"؛ مَعْناهُ: مِنَ الماءِ؛ والعَرَبُ تَصِفُ السَحابَ بِالثِقْلِ والدَلْحِ؛ ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎ بِأحْسَنَ مِنها ولا مُزْنَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ دَلُوحٌ تَكَشَّفُ أدْجانُها
(p-٥٨٨)والرِيحُ تَسُوقُ السُحُبَ مِن ورائِها؛ فَهو سَوْقُ حَقِيقَةٍ؛ والضَمِيرُ في "سُقْناهُ"؛ عائِدٌ عَلى السَحابِ؛ واسْتَنَدَ الفِعْلُ إلى ضَمِيرِ اسْمِ اللهِ تَعالى ؛ مِن حَيْثُ هو إنْعامٌ؛ وصِفَةُ البَلَدِ بِالمَوْتِ اسْتِعارَةٌ بِسَبَبِ شَعَثِهِ؛ وجُدُوبَتِهِ؛ وتَصْوِيحِ نَباتِهِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ والأعْمَشُ: "لِبَلَدٍ مَيْتٍ"؛ بِسُكُونِ الياءِ؛ وشَدَّها الباقُونَ؛ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "فَأنْزَلْنا بِهِ"؛﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى السَحابِ؛ أيْ: مِنهُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى البَلَدِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الماءِ؛ وهو أظْهَرُها.
وقالَ السُدِّيُّ: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ اللهَ تَعالى يُرْسِلُ الرِياحَ فَتَأْتِي بِالسَحابِ مِن بَيْنِ الخافِقَيْنِ؛ طَرَفَ السَماءِ والأرْضِ؛ حَيْثُ يَلْتَقِيانِ؛ فَتُخْرِجُهُ مِن ثَمَّ؛ ثُمَّ تَنْشُرُهُ؛ فَتَبْسُطُهُ في السَماءِ؛ ثُمَّ تَفْتَحُ أبْوابَ السَماءِ؛ فَيَسِيلُ الماءُ عَلى السَحابِ؛ ثُمَّ تُمْطِرُ السَحابُ بَعْدَ ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَفْصِيلُ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وقَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى﴾ ؛ يَحْتَمِلُ مَقْصِدَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُرادَ: كَهَذِهِ القُدْرَةِ العَظِيمَةِ في إنْزالِ الماءِ؛ وإخْراجِ الثَمَراتِ بِهِ مِنَ الأرْضِ المُجْدِبَةِ؛ هي القُدْرَةُ عَلى إحْياءِ المَوْتى مِنَ الأجْداثِ؛ وهَذا مِثالٌ لَها؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ أنَّ هَكَذا يُصْنَعُ بِالأمْواتِ؛ مِن نُزُولِ المَطَرِ عَلَيْهِمْ؛ حَتّى يَحْيَوْا بِهِ؛ فَيَكُونَ الكَلامُ خَبَرًا؛ لا مَثَلًا؛ وهَذا التَأْوِيلُ إنَّما يَسْتَنِدُ إلى الحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عن أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - « "أنَّ الناسَ إذا ماتُوا في النَفْخَةِ الأُولى مُطِرَ عَلَيْهِمْ مَطَرٌ مِن ماءٍ تَحْتَ العَرْشِ؛ يُقالُ لَهُ: "ماءُ الحَيَوانِ"؛ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ فَيَنْبُتُونَ كَما يَنْبُتُ الزَرْعُ؛ فَإذا كَمُلَتْ أجْسادُهم نُفِخَ فِيهِمُ الرُوحُ؛ ثُمَّ تُلْقى عَلَيْهِمْ نَوْمَةٌ فَيَنامُونَ؛ فَإذا نُفِخَ في الصُورِ الثانِيَةَ قامُوا وهم يَجِدُونَ طَعْمَ النَوْمِ؛ فَيَقُولُونَ: يا ويْلَنا؛ مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا؟ فَيُنادِيهِمُ المُنادِي: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢].»
(p-٥٨٩)وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿والبَلَدُ الطَيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ﴾ ؛ آيَةٌ مُتَمِّمَةٌ لِلْمَعْنى الأوَّلِ في الآيَةِ قَبْلَها؛ مُعَرِّفَةٌ بِعادَةِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى - في إنْباتِ الأرْضِينَ؛ فَمَن أرادَ أنْ يَجْعَلَها مِثالًا لَقَلْبِ المُؤْمِنِ؛ وقَلْبِ الكافِرِ؛ فَذَلِكَ كُلُّهُ مُرَتَّبٌ؛ لَكِنَّ ألْفاظَ الآيَةِ لا تَقْتَضِي أنَّ المِثالَ قُصِدَ بِهِ ذَلِكَ؛ والتَمْثِيلُ بِذَلِكَ حَكاهُ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُدِّيِّ ؛ وقالَ النُحّاسُ: هو مِثالٌ لِلْفَهِيمِ؛ ولِلْبَلِيدِ؛ و"اَلطَّيِّبُ"؛ هو الجَيِّدُ التُرابِ؛ الكَرِيمُ الأرْضِ؛ وخُصَّ بِإذْنِ رَبِّهِ مَدْحًا؛ وتَشْرِيفًا؛ وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن تَغُضُّ عنهُ: "أنْتَ كَما شاءَ اللهُ"؛ فَهي عِبارَةٌ تُعْطِي مُبالَغَةً في مَدْحٍ؛ أو ذَمٍّ؛ ومِن هَذا قَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ وأمْرُهُ إلى اللهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ؛ عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ؛ و"اَلْخَبِيثُ"؛ هو السِباخُ؛ ونَحْوُها مِن رَدِيءِ الأرْضِ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ؛ وأبُو حَيْوَةَ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "يُخْرِجُ نَباتَهُ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وكَسْرِ الراءِ؛ ونَصْبِ التاءِ؛ و"اَلنَّكِدُ": اَلْعَسِيرُ القَلِيلُ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ لا تُنْجِزُ الوَعْدَ إنْ وعَدْتَ وإنْ ∗∗∗ ∗∗∗ أعْطَيْتَ أعْطَيْتَ تافِهًا نَكِدًا
و"نَكِدَ الرَجُلُ"؛ إذا سَألَ إلْحافًا وأُخْجِلَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وأعْطِ ما أعْطَيْتَهُ طَيِّبًا ∗∗∗ ∗∗∗ لا خَيْرَ في المَنكُودِ والناكِدِ
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ؛ وجَمِيعُ السَبْعَةِ: "نَكِدًا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ وكَسْرِ الكافِ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "نَكْدًا"؛ بِتَخْفِيفِ الكافِ؛ وفَتْحِ النُونِ؛ وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: (p-٥٩٠)"نَكَدا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ والكافِ؛ وقالَ الزَجّاجُ: وهي قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ.
﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ ؛ أيْ: هَكَذا نُبَيِّنُ الأُمُورَ؛ و"يَشْكُرُونَ"؛ مَعْناهُ: يُؤْمِنُونَ بِآلاءِ اللهِ تَعالى ؛ ويُثْنُونَ.
الأعراف 7:58
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَمَراتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿والبَلَدُ الطَيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾
هَذِهِ آيَةُ اعْتِبارٍ واسْتِدْلالٍ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "اَلرِّياحَ"؛ بِالجَمْعِ؛ "نُشُرًا"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ والشِينِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: وهي قِراءَةُ الحَسَنِ؛ وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ وأبِي رَجاءٍ ؛ واخْتَلَفَ عنهُمُ الأعْرَجُ ؛ وأبُو جَعْفَرٍ ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ وأبُو يَحْيى ؛ وأبُو نَوْفَلٍ الأعْرابِيَّيْنِ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "اَلرِّيحَ"؛ واحِدَةً؛ "نُشُرًا"؛ بِضَمِّها أيْضًا؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "اَلرِّياحَ"؛ جَمْعًا؛ "نُشْرًا"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ؛ وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ وأبِي رَجاءٍ ؛ وقَتادَةَ ؛ وأبِي عَمْرٍو ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "اَلرِّيحَ"؛ واحِدَةً؛ "نَشْرًا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ وزِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ؛ وابْنِ وثّابٍ ؛ وإبْراهِيمَ؛ وطَلْحَةَ ؛ والأعْمَشِ ؛ ومَسْرُوقِ بْنِ الأجْدَعِ ؛ وقَرَأ ابْنُ جِنِّي قِراءَةَ مَسْرُوقٍ: "نَشَرًا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ والشِينِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ: "اَلرِّياحَ"؛ جَماعَةً؛ "بُشْرًا"؛ بِالباءِ المَضْمُومَةِ؛ والشِينِ الساكِنَةِ؛ ورُوِيَ عنهُ: "بُشُرًا"؛ بِضَمِّ الباءِ؛ والشِينِ؛ وقَرَأ بِهاابْنُ عَبّاسٍ ؛ والسُلَمِيُّ ؛ وابْنُ أبِي (p-٥٨٥)عَبْلَةَ؛ وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ؛ وأبُو قُطَيْبٍ: "بُشْرى"؛ عَلى وزْنِ "فُعْلى"؛ بِضَمِّ الباءِ؛ ورُوِيَتْ عن أبِي يَحْيى؛ وأبِي نَوْفَلٍ؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "بَشْرًا"؛ بِفَتْحِ الباءِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ قالَ الزَهْراوِيُّ: ورُوِيَتْ هَذِهِ عن عاصِمٍ.
ومَن جَمَعَ "اَلرِّيحَ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَهو أسْعَدُ؛ وذَلِكَ أنَّ "اَلرِّياحَ"؛ حَيْثُ وقَعَتْ في القُرْآنِ؛ فَهي مُقْتَرِنَةٌ بِالرَحْمَةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ [الروم: ٤٦] ؛ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَأرْسَلْنا الرِياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] ؛ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [الروم: ٤٨] ؛ وأكْثَرُ ذِكْرِ "اَلرِّيحَ"؛ مُفْرَدَةً إنَّما هو بِقَرِينَةِ عَذابٍ؛ كَقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِيحَ العَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١] ؛ وقَوْلِهِ: ﴿وَأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] ؛ وقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها﴾ [الأحقاف: ٢٥] ؛ نَحا هَذا المَنحى يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ ؛ وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ ؛ وعاصِمٌ ؛ وفي الحَدِيثِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا هَبَّتِ الرِيحُ يَقُولُ: "اَللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا؛ ولا تَجْعَلْها رِيحًا".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والمَعْنى في هَذا كُلِّهِ بَيِّنٌ؛ وذَلِكَ أنَّ رِيحَ السُقْيا والمَطَرِ إنَّما هي مُنْتَشِرَةٌ؛ لَيِّنَةٌ؛ تَجِيءُ مِن هَهُنا ومِن هَهُنا؛ وتَتَفَرَّقُ؛ فَيَحْسُنُ مِن حَيْثُ هي مُنْفَصِلَةُ الأجْزاءِ مُتَغايِرَةُ المَهَبِّ يَسِيرًا أنْ يُقالَ لَها: "رِياحٌ"؛ وتُوصَفَ بِالكَثْرَةِ؛ وأمّا "رِيحُ الصِرِّ والعَذابِ"؛ فَهي عاصِفَةٌ صَرْصَرٌ؛ جَسَدٌ واحِدٌ؛ شَدِيدَةُ المَرِّ؛ مُهْلِكَةٌ بِقُوَّتِها؛ وبِما تَحْمِلُهُ أحْيانًا مِنَ الصِرِّ المُحْرِقِ؛ فَيَحْسُنُ مِن حَيْثُ هي شَدِيدَةُ الِاتِّصالِ أنْ تُسَمّى "رِيحًا"؛ مُفْرَدَةً؛ وكَذَلِكَ (p-٥٨٦)أُفْرِدَتِ الرِيحُ في قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] ؛ مِن حَيْثُ جَرْيُ السُفُنِ؛ إنَّما تَجْرِي بِرِيحٍ مُتَّصِلَةٍ؛ كَأنَّها شَيْءٌ واحِدٌ؛ فَأُفْرِدَتْ لِذَلِكَ؛ ووُصِفَتْ بِالطِيبِ؛ لِإزالَةِ الِاشْتِراكِ بَيْنَها وبَيْنَ الرِيحِ المَكْرُوهَةِ؛ وكَذَلِكَ رِيحُ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ إنَّما كانَتْ تَجْرِي بِأمْرِهِ؛ أو تَعْصِفُ في حُقُولِهِ؛ وهي مُتَّصِلَةٌ؛ وبَعْدُ.. فَمَن قَرَأ في هَذِهِ الآيَةِ: "اَلرِّيحَ"؛ بِالإفْرادِ؛ فَإنَّما يُرِيدُ بِهِ اسْمَ الجِنْسِ؛ وأيْضًا فَتَقْيِيدُها بِـ "بُشْرًا"؛ يُزِيلُ الِاشْتِراكَ.
والإرْسالُ في الرِيحِ هو بِمَعْنى الإجْراءِ؛ والإطْلاقِ؛ والإسالَةِ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ: « "فَلَرَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِيحِ المُرْسَلَةِ"؛» والرِيحُ تُجْمَعُ - في القَلِيلِ -: "أرْواحٌ"؛ وفي الكَثِيرِ: "رِياحٌ"؛ لِأنَّ العَيْنَ مِن "اَلرِّيحُ"؛ واوٌ انْقَلَبَتْ في الواحِدِ ياءً لِلْكَسْرِ الَّذِي قَبْلَها؛ وكَذَلِكَ في الجَمْعِ الكَثِيرِ؛ وصَحَّتْ في القَلِيلِ لِأنَّهُ لا شَيْءَ فِيهِ يُوجِبُ الإعْلالَ.
وأمّا "نُشُرًا"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ والشِينِ؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ "ناشِرٌ"؛ عَلى النَسَبِ؛ أيْ "ذاتَ نَشْرٍ"؛ مِن "اَلطَّيُّ"؛ أو "نُشُورٌ"؛ مِن "اَلْحَياةُ"؛ ويَحْتَمِلُ "نُشُرًا"؛ أنْ يَكُونَ جَمْعَ "نَشُورٌ"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ وضَمِّ الشِينِ؛ كَـ "رَسُولٌ"؛ و"رُسُلٌ"؛ و"صَبُورٌ"؛ و"صُبُرٌ"؛ و"شَكُورٌ" و"شُكُرٌ"؛ ويَحْتَمِلُ "نُشُرًا"؛ أنْ يَكُونَ كالمَفْعُولِ بِمَعْنى "مَنشُورٌ"؛ كَـ "رَكُوبٌ"؛ بِمَعْنى "مَرْكُوبٌ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أبْنِيَةِ اسْمِ الفاعِلِ؛ لِأنَّها تَنْشُرُ السَحابَ؛ وأمّا مِثالُ الأوَّلِ في قَوْلِنا: "ناشِرٌ"؛ و"نُشُرٌ"؛ فَـ "شاهِدٌ"؛ و"شُهُدٌ"؛ و"نازِلٌ"؛ و"نُزُلٌ"؛ كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ ................... ∗∗∗ أو تَنْزِلُونَ فَإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ
(p-٥٨٧)وَ"قاتِلٌ"؛ و"قُتُلٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ .................. ∗∗∗ ∗∗∗ إنّا لِأمْثالِكم يا قَوْمَنا قُتُلُ
وأمّا مَن قَرَأ: "نُشْرًا"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ فَإنَّما خَفَّفَ الشِينَ مِن قَوْلِهِ: "نُشُرًا"؛ وأمّا مَن قَرَأ: "نَشْرًا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ فَهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الرِيحِ؛ ويُحْتَمَلُ في المَعْنى أنْ يُرادَ بِهِ "اَلنَّشْرُ"؛ اَلَّذِي هو خِلافُ الطَيِّ؛ وكُلُّ بَقاءِ الرِيحِ دُونَ هُبُوبٍ طَيٌّ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن "اَلنَّشْرُ"؛ اَلَّذِي هو الإحْياءُ؛ كَما قالَ الأعْشى:
؎ .................... ∗∗∗ ∗∗∗ يا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ الناشِرِ
وأمّا مَن قَرَأ: "نَشَرًا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ والشِينِ - وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ -؛ فَهو اسْمٌ؛ وهو عَلى النَسَبِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: أيْ "ذَواتَ نَشَرٍ"؛ و"اَلنَّشَرُ": أنْ تَنْتَشِرَ الغَنَمُ بِاللَيْلِ فَتَرْعى؛ فَشَبَّهَ السَحابَ؛ في انْتِشارِهِ وعُمُومِهِ؛ بِذَلِكَ.
وأمّا: "بُشُرًا"؛ بِضَمِّ الباءِ؛ والشِينِ؛ فَجَمْعُ "بَشِيرٌ"؛ كَـ "نَذِيرٌ"؛ و"نُذُرٌ"؛ و"بُشْرًا"؛ بِسُكُونِ الشِينِ؛ مُخَفَّفٌ مِنهُ؛ و"بَشْرًا"؛ بِفَتْحِ الباءِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ مَصْدَرٌ؛ و"بُشْرى"؛ مَصْدَرٌ أيْضًا؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ والرَحْمَةُ في هَذِهِ الآيَةِ: اَلْمَطَرُ؛ و"بَيْنَ يَدَيْ"؛ أيْ: أمامَ رَحْمَتِهِ؛ وقُدّامَها؛ وهي هُنا اسْتِعارَةٌ؛ وهي حَقِيقَةٌ فِيما بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ مِنَ الأجْرامِ.
و"أقَلَّتْ"؛ مَعْناهُ: رَفَعَتْ مِنَ الأرْضِ؛ واسْتَقَلَّتْ بِها؛ ومِنهُ "اَلْقِلَّةُ"؛ وكَأنَّ المُقِلَّ يَرى ما يَرْفَعُ قَلِيلًا؛ إذا قَدَرَ عَلَيْهِ؛ و"ثِقالًا"؛ مَعْناهُ: مِنَ الماءِ؛ والعَرَبُ تَصِفُ السَحابَ بِالثِقْلِ والدَلْحِ؛ ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎ بِأحْسَنَ مِنها ولا مُزْنَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ دَلُوحٌ تَكَشَّفُ أدْجانُها
(p-٥٨٨)والرِيحُ تَسُوقُ السُحُبَ مِن ورائِها؛ فَهو سَوْقُ حَقِيقَةٍ؛ والضَمِيرُ في "سُقْناهُ"؛ عائِدٌ عَلى السَحابِ؛ واسْتَنَدَ الفِعْلُ إلى ضَمِيرِ اسْمِ اللهِ تَعالى ؛ مِن حَيْثُ هو إنْعامٌ؛ وصِفَةُ البَلَدِ بِالمَوْتِ اسْتِعارَةٌ بِسَبَبِ شَعَثِهِ؛ وجُدُوبَتِهِ؛ وتَصْوِيحِ نَباتِهِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ والأعْمَشُ: "لِبَلَدٍ مَيْتٍ"؛ بِسُكُونِ الياءِ؛ وشَدَّها الباقُونَ؛ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "فَأنْزَلْنا بِهِ"؛﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى السَحابِ؛ أيْ: مِنهُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى البَلَدِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الماءِ؛ وهو أظْهَرُها.
وقالَ السُدِّيُّ: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ اللهَ تَعالى يُرْسِلُ الرِياحَ فَتَأْتِي بِالسَحابِ مِن بَيْنِ الخافِقَيْنِ؛ طَرَفَ السَماءِ والأرْضِ؛ حَيْثُ يَلْتَقِيانِ؛ فَتُخْرِجُهُ مِن ثَمَّ؛ ثُمَّ تَنْشُرُهُ؛ فَتَبْسُطُهُ في السَماءِ؛ ثُمَّ تَفْتَحُ أبْوابَ السَماءِ؛ فَيَسِيلُ الماءُ عَلى السَحابِ؛ ثُمَّ تُمْطِرُ السَحابُ بَعْدَ ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَفْصِيلُ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وقَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى﴾ ؛ يَحْتَمِلُ مَقْصِدَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُرادَ: كَهَذِهِ القُدْرَةِ العَظِيمَةِ في إنْزالِ الماءِ؛ وإخْراجِ الثَمَراتِ بِهِ مِنَ الأرْضِ المُجْدِبَةِ؛ هي القُدْرَةُ عَلى إحْياءِ المَوْتى مِنَ الأجْداثِ؛ وهَذا مِثالٌ لَها؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ أنَّ هَكَذا يُصْنَعُ بِالأمْواتِ؛ مِن نُزُولِ المَطَرِ عَلَيْهِمْ؛ حَتّى يَحْيَوْا بِهِ؛ فَيَكُونَ الكَلامُ خَبَرًا؛ لا مَثَلًا؛ وهَذا التَأْوِيلُ إنَّما يَسْتَنِدُ إلى الحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عن أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - « "أنَّ الناسَ إذا ماتُوا في النَفْخَةِ الأُولى مُطِرَ عَلَيْهِمْ مَطَرٌ مِن ماءٍ تَحْتَ العَرْشِ؛ يُقالُ لَهُ: "ماءُ الحَيَوانِ"؛ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ فَيَنْبُتُونَ كَما يَنْبُتُ الزَرْعُ؛ فَإذا كَمُلَتْ أجْسادُهم نُفِخَ فِيهِمُ الرُوحُ؛ ثُمَّ تُلْقى عَلَيْهِمْ نَوْمَةٌ فَيَنامُونَ؛ فَإذا نُفِخَ في الصُورِ الثانِيَةَ قامُوا وهم يَجِدُونَ طَعْمَ النَوْمِ؛ فَيَقُولُونَ: يا ويْلَنا؛ مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا؟ فَيُنادِيهِمُ المُنادِي: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢].»
(p-٥٨٩)وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿والبَلَدُ الطَيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ﴾ ؛ آيَةٌ مُتَمِّمَةٌ لِلْمَعْنى الأوَّلِ في الآيَةِ قَبْلَها؛ مُعَرِّفَةٌ بِعادَةِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى - في إنْباتِ الأرْضِينَ؛ فَمَن أرادَ أنْ يَجْعَلَها مِثالًا لَقَلْبِ المُؤْمِنِ؛ وقَلْبِ الكافِرِ؛ فَذَلِكَ كُلُّهُ مُرَتَّبٌ؛ لَكِنَّ ألْفاظَ الآيَةِ لا تَقْتَضِي أنَّ المِثالَ قُصِدَ بِهِ ذَلِكَ؛ والتَمْثِيلُ بِذَلِكَ حَكاهُ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُدِّيِّ ؛ وقالَ النُحّاسُ: هو مِثالٌ لِلْفَهِيمِ؛ ولِلْبَلِيدِ؛ و"اَلطَّيِّبُ"؛ هو الجَيِّدُ التُرابِ؛ الكَرِيمُ الأرْضِ؛ وخُصَّ بِإذْنِ رَبِّهِ مَدْحًا؛ وتَشْرِيفًا؛ وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن تَغُضُّ عنهُ: "أنْتَ كَما شاءَ اللهُ"؛ فَهي عِبارَةٌ تُعْطِي مُبالَغَةً في مَدْحٍ؛ أو ذَمٍّ؛ ومِن هَذا قَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ وأمْرُهُ إلى اللهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ؛ عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ؛ و"اَلْخَبِيثُ"؛ هو السِباخُ؛ ونَحْوُها مِن رَدِيءِ الأرْضِ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ؛ وأبُو حَيْوَةَ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "يُخْرِجُ نَباتَهُ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وكَسْرِ الراءِ؛ ونَصْبِ التاءِ؛ و"اَلنَّكِدُ": اَلْعَسِيرُ القَلِيلُ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ لا تُنْجِزُ الوَعْدَ إنْ وعَدْتَ وإنْ ∗∗∗ ∗∗∗ أعْطَيْتَ أعْطَيْتَ تافِهًا نَكِدًا
و"نَكِدَ الرَجُلُ"؛ إذا سَألَ إلْحافًا وأُخْجِلَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وأعْطِ ما أعْطَيْتَهُ طَيِّبًا ∗∗∗ ∗∗∗ لا خَيْرَ في المَنكُودِ والناكِدِ
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ؛ وجَمِيعُ السَبْعَةِ: "نَكِدًا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ وكَسْرِ الكافِ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "نَكْدًا"؛ بِتَخْفِيفِ الكافِ؛ وفَتْحِ النُونِ؛ وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: (p-٥٩٠)"نَكَدا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ والكافِ؛ وقالَ الزَجّاجُ: وهي قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ.
﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ ؛ أيْ: هَكَذا نُبَيِّنُ الأُمُورَ؛ و"يَشْكُرُونَ"؛ مَعْناهُ: يُؤْمِنُونَ بِآلاءِ اللهِ تَعالى ؛ ويُثْنُونَ.
الأعراف 7:59
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
اَللّامُ لامُ القَسَمِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: سُمِّيَ "نُوحًا"؛ لِأنَّهُ كانَ يَنُوحُ عَلى نَفْسِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: "نُوحٌ"؛ و"لُوطٌ"؛ و"هُودٌ"؛ أسْماءٌ أعْجَمِيَّةٌ؛ إلّا أنَّها حَقِيقَةٌ؛ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ؛ وهَذِهِ نِذارَةٌ مِن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ دَعاهم إلى عِبادَةِ اللهِ تَعالى وحْدَهُ؛ ورَفْضِ آلِهَتِهِمُ المُسَمّاةِ: "وَدًّا"؛ و"سُواعًا"؛ و"يَغُوثَ"؛ و"يَعُوقَ"؛ وغَيْرَها مِمّا لَمْ يُشْتَهَرْ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "غَيْرِهِ"؛ بِالكَسْرِ مِنَ الراءِ؛ عَلى النَعْتِ لِـ "إلَهٍ"؛ وهي قِراءَةُ يَحْيى بْنِ وثّابٍ ؛ والأعْمَشِ ؛ وأبِي جَعْفَرٍ ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "غَيْرُهُ"؛ بِالرَفْعِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرِ اللهِ"؛ خَفْضًا؛ وقَرَأ الباقُونَ: "غَيْرُ اللهِ"؛ رَفْعًا؛ والرَفْعُ في قِراءَةِ الجَماعَةِ هُنا عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "مِن إلَهٍ"؛ لِأنَّ مَوْضِعَ قَوْلِهِ: "مِن إلَهٍ"؛ رَفْعٌ؛ وهو الَّذِي رَجَّحَ الفارِسِيُّ ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّ التَقْرِيرَ: "ما لَكم إلَهٌ غَيْرُهُ"؛ أو يُقَدَّرَ "غَيْرُ"؛ بِـ "إلّا"؛ فَيُعْرَبَ بِإعْرابِ ما يَقَعُ بَعْدَ "إلّا"؛ وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "غَيْرَهُ"؛ بِنَصْبِ الراءِ؛ عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ ضَعِيفٌ؛ مِن أجْلِ النَفْيِ المُتَقَدِّمِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "عَذابَ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابَ الدُنْيا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابَ الآخِرَةِ.
(p-٥٩١)وَ"اَلْمَلَأُ": اَلْجَماعَةُ الشَرِيفَةُ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: لا امْرَأةَ فِيهِمْ؛ وحَكاهُ النَقّاشُ عن ثَعْلَبٍ فِي: "اَلْمَلَأُ"؛ و"اَلرَّهْطُ"؛ و"اَلنَّفَرُ"؛ و"اَلْقَوْمُ"؛ وقِيلَ: هم مَأْخُوذُونَ مِن أنَّهم يَمْلَؤُونَ النَفْسَ والعَيْنَ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أنَّهم إذا تَمالَؤُوا عَلى أمْرٍ تَمَّ؛ «وَقالَ سَلَمَةُ بْنُ سَلامَةَ بْنِ وقْشٍ الأنْصارِيُّ عِنْدَ قُفُولِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن غَزْوَةِ بَدْرٍ: "إنَّما قَتَلْنا عَجائِزَ صُلْعًا"؛ فَقالَ لَهُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "أُولَئِكَ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ؛ لَوْ حَضَرْتَ أفْعالَهم لاحْتَقَرْتَ فِعْلَكَ"؛» و"اَلْمَلَأُ"؛ صِفَةٌ غالِبَةٌ؛ وجَمْعُهُ "أمْلاءٌ"؛ ولَيْسَ مِن بابِ "رَهْطٌ"؛ وإنْ كانا اسْمَيْنِ لِلْجَمْعِ؛ لِأنَّ "رَهْطٌ"؛ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ؛ و"مَلَأٌ"؛ يُوجَدُ مِن لَفْظِهِ "مالِئٌ"؛ قالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: "اَلْمالِئُ": اَلرَّجُلُ الجَلِيلُ؛ الَّذِي يَمْلَأُ العَيْنَ بِجَهْرَتِهِ؛ فَيَجِيءُ كَـ "عازِبٌ" و"خادِمٌ"؛ ورائِحٌ"؛ فَإنَّ أسْماءَ جُمُوعِها: "عَزَبٌ"؛ و"خَدَمٌ"؛ و"رَوَحٌ"؛ وإنْ كانَتِ اللَفْظَةُ مِن "تَمالَأ القَوْمُ عَلى كَذا"؛ فَهي مُفارِقَةٌ بابَ "رَهْطٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "ما قَتَلْتُ عُثْمانَ ؛ ولا مالَأتُ في دَمِهِ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "المَلَؤُ"؛ بِواوٍ؛ وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ الشامِ؛ وقَوْلُهُمْ: ﴿ "لَنَراكَ"؛﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ؛ ويُحْتَمَلُ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ؛ وهو الأظْهَرُ؛ و"فِي ضَلالٍ"؛ أيْ: في إتْلافٍ؛ وجَهالَةٍ بِما تَسْلُكُ.
وقَوْلُهُ لَهم - جَوابًا عن هَذا -: ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ ؛ مُبالَغَةٌ في حُسْنِ الأدَبِ؛ والإعْراضِ عَنِ الجَفاءِ مِنهُمْ؛ وتَناوُلٌ رَفِيقٌ؛ وسَعَةُ صَدْرٍ؛ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ خُلُقُ النُبُوَّةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ﴾ ؛ تَعَرُّضٌ لِمَن يُرِيدُ النَظَرَ؛ والبَحْثَ؛ والتَأمُّلَ في المُعْجِزَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ونُقَدِّرُ - ولا بُدَّ - أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ - وكُلَّ نَبِيٍّ مَبْعُوثٍ إلى الخَلْقِ كانَتْ لَهُ مُعْجِزَةٌ تَخْرِقُ العادَةَ؛ فَمِنهم مَن عَرَفْنا بِمُعْجِزَتِهِ؛ ومِنهم مَن لَمْ نَعْرِفْ.
وقَرَأ السَبْعَةُ - سِوى أبِي عَمْرٍو -: ﴿ "أُبَلِّغُكُمْ"؛﴾ بِشَدِّ اللامِ؛ وفَتْحِ الباءِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِسُكُونِ الباءِ؛ وتَخْفِيفِ اللامِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿وَأعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ؛ وإنْ كانَ لَفْظًا عامًّا في كُلِّ ما عَلِمَهُ؛ فالمَقْصُودُ مِنهُ هُنا: اَلْمَعْلُوماتُ المَخُوفاتُ عَلَيْهِمْ؛ لا سِيَّما وهم لَمْ يَسْمَعُوا قَطُّ بِأُمَّةٍ عُذِّبَتْ؛ فاللَفْظُ مُضَمَّنٌ الوَعِيدَ.
الأعراف 7:60
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
اَللّامُ لامُ القَسَمِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: سُمِّيَ "نُوحًا"؛ لِأنَّهُ كانَ يَنُوحُ عَلى نَفْسِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: "نُوحٌ"؛ و"لُوطٌ"؛ و"هُودٌ"؛ أسْماءٌ أعْجَمِيَّةٌ؛ إلّا أنَّها حَقِيقَةٌ؛ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ؛ وهَذِهِ نِذارَةٌ مِن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ دَعاهم إلى عِبادَةِ اللهِ تَعالى وحْدَهُ؛ ورَفْضِ آلِهَتِهِمُ المُسَمّاةِ: "وَدًّا"؛ و"سُواعًا"؛ و"يَغُوثَ"؛ و"يَعُوقَ"؛ وغَيْرَها مِمّا لَمْ يُشْتَهَرْ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "غَيْرِهِ"؛ بِالكَسْرِ مِنَ الراءِ؛ عَلى النَعْتِ لِـ "إلَهٍ"؛ وهي قِراءَةُ يَحْيى بْنِ وثّابٍ ؛ والأعْمَشِ ؛ وأبِي جَعْفَرٍ ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "غَيْرُهُ"؛ بِالرَفْعِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرِ اللهِ"؛ خَفْضًا؛ وقَرَأ الباقُونَ: "غَيْرُ اللهِ"؛ رَفْعًا؛ والرَفْعُ في قِراءَةِ الجَماعَةِ هُنا عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "مِن إلَهٍ"؛ لِأنَّ مَوْضِعَ قَوْلِهِ: "مِن إلَهٍ"؛ رَفْعٌ؛ وهو الَّذِي رَجَّحَ الفارِسِيُّ ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّ التَقْرِيرَ: "ما لَكم إلَهٌ غَيْرُهُ"؛ أو يُقَدَّرَ "غَيْرُ"؛ بِـ "إلّا"؛ فَيُعْرَبَ بِإعْرابِ ما يَقَعُ بَعْدَ "إلّا"؛ وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "غَيْرَهُ"؛ بِنَصْبِ الراءِ؛ عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ ضَعِيفٌ؛ مِن أجْلِ النَفْيِ المُتَقَدِّمِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "عَذابَ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابَ الدُنْيا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابَ الآخِرَةِ.
(p-٥٩١)وَ"اَلْمَلَأُ": اَلْجَماعَةُ الشَرِيفَةُ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: لا امْرَأةَ فِيهِمْ؛ وحَكاهُ النَقّاشُ عن ثَعْلَبٍ فِي: "اَلْمَلَأُ"؛ و"اَلرَّهْطُ"؛ و"اَلنَّفَرُ"؛ و"اَلْقَوْمُ"؛ وقِيلَ: هم مَأْخُوذُونَ مِن أنَّهم يَمْلَؤُونَ النَفْسَ والعَيْنَ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أنَّهم إذا تَمالَؤُوا عَلى أمْرٍ تَمَّ؛ «وَقالَ سَلَمَةُ بْنُ سَلامَةَ بْنِ وقْشٍ الأنْصارِيُّ عِنْدَ قُفُولِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن غَزْوَةِ بَدْرٍ: "إنَّما قَتَلْنا عَجائِزَ صُلْعًا"؛ فَقالَ لَهُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "أُولَئِكَ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ؛ لَوْ حَضَرْتَ أفْعالَهم لاحْتَقَرْتَ فِعْلَكَ"؛» و"اَلْمَلَأُ"؛ صِفَةٌ غالِبَةٌ؛ وجَمْعُهُ "أمْلاءٌ"؛ ولَيْسَ مِن بابِ "رَهْطٌ"؛ وإنْ كانا اسْمَيْنِ لِلْجَمْعِ؛ لِأنَّ "رَهْطٌ"؛ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ؛ و"مَلَأٌ"؛ يُوجَدُ مِن لَفْظِهِ "مالِئٌ"؛ قالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: "اَلْمالِئُ": اَلرَّجُلُ الجَلِيلُ؛ الَّذِي يَمْلَأُ العَيْنَ بِجَهْرَتِهِ؛ فَيَجِيءُ كَـ "عازِبٌ" و"خادِمٌ"؛ ورائِحٌ"؛ فَإنَّ أسْماءَ جُمُوعِها: "عَزَبٌ"؛ و"خَدَمٌ"؛ و"رَوَحٌ"؛ وإنْ كانَتِ اللَفْظَةُ مِن "تَمالَأ القَوْمُ عَلى كَذا"؛ فَهي مُفارِقَةٌ بابَ "رَهْطٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "ما قَتَلْتُ عُثْمانَ ؛ ولا مالَأتُ في دَمِهِ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "المَلَؤُ"؛ بِواوٍ؛ وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ الشامِ؛ وقَوْلُهُمْ: ﴿ "لَنَراكَ"؛﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ؛ ويُحْتَمَلُ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ؛ وهو الأظْهَرُ؛ و"فِي ضَلالٍ"؛ أيْ: في إتْلافٍ؛ وجَهالَةٍ بِما تَسْلُكُ.
وقَوْلُهُ لَهم - جَوابًا عن هَذا -: ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ ؛ مُبالَغَةٌ في حُسْنِ الأدَبِ؛ والإعْراضِ عَنِ الجَفاءِ مِنهُمْ؛ وتَناوُلٌ رَفِيقٌ؛ وسَعَةُ صَدْرٍ؛ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ خُلُقُ النُبُوَّةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ﴾ ؛ تَعَرُّضٌ لِمَن يُرِيدُ النَظَرَ؛ والبَحْثَ؛ والتَأمُّلَ في المُعْجِزَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ونُقَدِّرُ - ولا بُدَّ - أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ - وكُلَّ نَبِيٍّ مَبْعُوثٍ إلى الخَلْقِ كانَتْ لَهُ مُعْجِزَةٌ تَخْرِقُ العادَةَ؛ فَمِنهم مَن عَرَفْنا بِمُعْجِزَتِهِ؛ ومِنهم مَن لَمْ نَعْرِفْ.
وقَرَأ السَبْعَةُ - سِوى أبِي عَمْرٍو -: ﴿ "أُبَلِّغُكُمْ"؛﴾ بِشَدِّ اللامِ؛ وفَتْحِ الباءِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِسُكُونِ الباءِ؛ وتَخْفِيفِ اللامِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿وَأعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ؛ وإنْ كانَ لَفْظًا عامًّا في كُلِّ ما عَلِمَهُ؛ فالمَقْصُودُ مِنهُ هُنا: اَلْمَعْلُوماتُ المَخُوفاتُ عَلَيْهِمْ؛ لا سِيَّما وهم لَمْ يَسْمَعُوا قَطُّ بِأُمَّةٍ عُذِّبَتْ؛ فاللَفْظُ مُضَمَّنٌ الوَعِيدَ.
الأعراف 7:61
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
اَللّامُ لامُ القَسَمِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: سُمِّيَ "نُوحًا"؛ لِأنَّهُ كانَ يَنُوحُ عَلى نَفْسِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: "نُوحٌ"؛ و"لُوطٌ"؛ و"هُودٌ"؛ أسْماءٌ أعْجَمِيَّةٌ؛ إلّا أنَّها حَقِيقَةٌ؛ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ؛ وهَذِهِ نِذارَةٌ مِن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ دَعاهم إلى عِبادَةِ اللهِ تَعالى وحْدَهُ؛ ورَفْضِ آلِهَتِهِمُ المُسَمّاةِ: "وَدًّا"؛ و"سُواعًا"؛ و"يَغُوثَ"؛ و"يَعُوقَ"؛ وغَيْرَها مِمّا لَمْ يُشْتَهَرْ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "غَيْرِهِ"؛ بِالكَسْرِ مِنَ الراءِ؛ عَلى النَعْتِ لِـ "إلَهٍ"؛ وهي قِراءَةُ يَحْيى بْنِ وثّابٍ ؛ والأعْمَشِ ؛ وأبِي جَعْفَرٍ ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "غَيْرُهُ"؛ بِالرَفْعِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرِ اللهِ"؛ خَفْضًا؛ وقَرَأ الباقُونَ: "غَيْرُ اللهِ"؛ رَفْعًا؛ والرَفْعُ في قِراءَةِ الجَماعَةِ هُنا عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "مِن إلَهٍ"؛ لِأنَّ مَوْضِعَ قَوْلِهِ: "مِن إلَهٍ"؛ رَفْعٌ؛ وهو الَّذِي رَجَّحَ الفارِسِيُّ ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّ التَقْرِيرَ: "ما لَكم إلَهٌ غَيْرُهُ"؛ أو يُقَدَّرَ "غَيْرُ"؛ بِـ "إلّا"؛ فَيُعْرَبَ بِإعْرابِ ما يَقَعُ بَعْدَ "إلّا"؛ وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "غَيْرَهُ"؛ بِنَصْبِ الراءِ؛ عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ ضَعِيفٌ؛ مِن أجْلِ النَفْيِ المُتَقَدِّمِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "عَذابَ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابَ الدُنْيا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابَ الآخِرَةِ.
(p-٥٩١)وَ"اَلْمَلَأُ": اَلْجَماعَةُ الشَرِيفَةُ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: لا امْرَأةَ فِيهِمْ؛ وحَكاهُ النَقّاشُ عن ثَعْلَبٍ فِي: "اَلْمَلَأُ"؛ و"اَلرَّهْطُ"؛ و"اَلنَّفَرُ"؛ و"اَلْقَوْمُ"؛ وقِيلَ: هم مَأْخُوذُونَ مِن أنَّهم يَمْلَؤُونَ النَفْسَ والعَيْنَ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أنَّهم إذا تَمالَؤُوا عَلى أمْرٍ تَمَّ؛ «وَقالَ سَلَمَةُ بْنُ سَلامَةَ بْنِ وقْشٍ الأنْصارِيُّ عِنْدَ قُفُولِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن غَزْوَةِ بَدْرٍ: "إنَّما قَتَلْنا عَجائِزَ صُلْعًا"؛ فَقالَ لَهُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "أُولَئِكَ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ؛ لَوْ حَضَرْتَ أفْعالَهم لاحْتَقَرْتَ فِعْلَكَ"؛» و"اَلْمَلَأُ"؛ صِفَةٌ غالِبَةٌ؛ وجَمْعُهُ "أمْلاءٌ"؛ ولَيْسَ مِن بابِ "رَهْطٌ"؛ وإنْ كانا اسْمَيْنِ لِلْجَمْعِ؛ لِأنَّ "رَهْطٌ"؛ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ؛ و"مَلَأٌ"؛ يُوجَدُ مِن لَفْظِهِ "مالِئٌ"؛ قالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: "اَلْمالِئُ": اَلرَّجُلُ الجَلِيلُ؛ الَّذِي يَمْلَأُ العَيْنَ بِجَهْرَتِهِ؛ فَيَجِيءُ كَـ "عازِبٌ" و"خادِمٌ"؛ ورائِحٌ"؛ فَإنَّ أسْماءَ جُمُوعِها: "عَزَبٌ"؛ و"خَدَمٌ"؛ و"رَوَحٌ"؛ وإنْ كانَتِ اللَفْظَةُ مِن "تَمالَأ القَوْمُ عَلى كَذا"؛ فَهي مُفارِقَةٌ بابَ "رَهْطٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "ما قَتَلْتُ عُثْمانَ ؛ ولا مالَأتُ في دَمِهِ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "المَلَؤُ"؛ بِواوٍ؛ وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ الشامِ؛ وقَوْلُهُمْ: ﴿ "لَنَراكَ"؛﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ؛ ويُحْتَمَلُ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ؛ وهو الأظْهَرُ؛ و"فِي ضَلالٍ"؛ أيْ: في إتْلافٍ؛ وجَهالَةٍ بِما تَسْلُكُ.
وقَوْلُهُ لَهم - جَوابًا عن هَذا -: ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ ؛ مُبالَغَةٌ في حُسْنِ الأدَبِ؛ والإعْراضِ عَنِ الجَفاءِ مِنهُمْ؛ وتَناوُلٌ رَفِيقٌ؛ وسَعَةُ صَدْرٍ؛ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ خُلُقُ النُبُوَّةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ﴾ ؛ تَعَرُّضٌ لِمَن يُرِيدُ النَظَرَ؛ والبَحْثَ؛ والتَأمُّلَ في المُعْجِزَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ونُقَدِّرُ - ولا بُدَّ - أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ - وكُلَّ نَبِيٍّ مَبْعُوثٍ إلى الخَلْقِ كانَتْ لَهُ مُعْجِزَةٌ تَخْرِقُ العادَةَ؛ فَمِنهم مَن عَرَفْنا بِمُعْجِزَتِهِ؛ ومِنهم مَن لَمْ نَعْرِفْ.
وقَرَأ السَبْعَةُ - سِوى أبِي عَمْرٍو -: ﴿ "أُبَلِّغُكُمْ"؛﴾ بِشَدِّ اللامِ؛ وفَتْحِ الباءِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِسُكُونِ الباءِ؛ وتَخْفِيفِ اللامِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿وَأعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ؛ وإنْ كانَ لَفْظًا عامًّا في كُلِّ ما عَلِمَهُ؛ فالمَقْصُودُ مِنهُ هُنا: اَلْمَعْلُوماتُ المَخُوفاتُ عَلَيْهِمْ؛ لا سِيَّما وهم لَمْ يَسْمَعُوا قَطُّ بِأُمَّةٍ عُذِّبَتْ؛ فاللَفْظُ مُضَمَّنٌ الوَعِيدَ.
الأعراف 7:62
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
اَللّامُ لامُ القَسَمِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: سُمِّيَ "نُوحًا"؛ لِأنَّهُ كانَ يَنُوحُ عَلى نَفْسِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: "نُوحٌ"؛ و"لُوطٌ"؛ و"هُودٌ"؛ أسْماءٌ أعْجَمِيَّةٌ؛ إلّا أنَّها حَقِيقَةٌ؛ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ؛ وهَذِهِ نِذارَةٌ مِن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ دَعاهم إلى عِبادَةِ اللهِ تَعالى وحْدَهُ؛ ورَفْضِ آلِهَتِهِمُ المُسَمّاةِ: "وَدًّا"؛ و"سُواعًا"؛ و"يَغُوثَ"؛ و"يَعُوقَ"؛ وغَيْرَها مِمّا لَمْ يُشْتَهَرْ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "غَيْرِهِ"؛ بِالكَسْرِ مِنَ الراءِ؛ عَلى النَعْتِ لِـ "إلَهٍ"؛ وهي قِراءَةُ يَحْيى بْنِ وثّابٍ ؛ والأعْمَشِ ؛ وأبِي جَعْفَرٍ ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "غَيْرُهُ"؛ بِالرَفْعِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرِ اللهِ"؛ خَفْضًا؛ وقَرَأ الباقُونَ: "غَيْرُ اللهِ"؛ رَفْعًا؛ والرَفْعُ في قِراءَةِ الجَماعَةِ هُنا عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "مِن إلَهٍ"؛ لِأنَّ مَوْضِعَ قَوْلِهِ: "مِن إلَهٍ"؛ رَفْعٌ؛ وهو الَّذِي رَجَّحَ الفارِسِيُّ ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّ التَقْرِيرَ: "ما لَكم إلَهٌ غَيْرُهُ"؛ أو يُقَدَّرَ "غَيْرُ"؛ بِـ "إلّا"؛ فَيُعْرَبَ بِإعْرابِ ما يَقَعُ بَعْدَ "إلّا"؛ وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "غَيْرَهُ"؛ بِنَصْبِ الراءِ؛ عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ ضَعِيفٌ؛ مِن أجْلِ النَفْيِ المُتَقَدِّمِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "عَذابَ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابَ الدُنْيا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابَ الآخِرَةِ.
(p-٥٩١)وَ"اَلْمَلَأُ": اَلْجَماعَةُ الشَرِيفَةُ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: لا امْرَأةَ فِيهِمْ؛ وحَكاهُ النَقّاشُ عن ثَعْلَبٍ فِي: "اَلْمَلَأُ"؛ و"اَلرَّهْطُ"؛ و"اَلنَّفَرُ"؛ و"اَلْقَوْمُ"؛ وقِيلَ: هم مَأْخُوذُونَ مِن أنَّهم يَمْلَؤُونَ النَفْسَ والعَيْنَ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أنَّهم إذا تَمالَؤُوا عَلى أمْرٍ تَمَّ؛ «وَقالَ سَلَمَةُ بْنُ سَلامَةَ بْنِ وقْشٍ الأنْصارِيُّ عِنْدَ قُفُولِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن غَزْوَةِ بَدْرٍ: "إنَّما قَتَلْنا عَجائِزَ صُلْعًا"؛ فَقالَ لَهُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "أُولَئِكَ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ؛ لَوْ حَضَرْتَ أفْعالَهم لاحْتَقَرْتَ فِعْلَكَ"؛» و"اَلْمَلَأُ"؛ صِفَةٌ غالِبَةٌ؛ وجَمْعُهُ "أمْلاءٌ"؛ ولَيْسَ مِن بابِ "رَهْطٌ"؛ وإنْ كانا اسْمَيْنِ لِلْجَمْعِ؛ لِأنَّ "رَهْطٌ"؛ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ؛ و"مَلَأٌ"؛ يُوجَدُ مِن لَفْظِهِ "مالِئٌ"؛ قالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: "اَلْمالِئُ": اَلرَّجُلُ الجَلِيلُ؛ الَّذِي يَمْلَأُ العَيْنَ بِجَهْرَتِهِ؛ فَيَجِيءُ كَـ "عازِبٌ" و"خادِمٌ"؛ ورائِحٌ"؛ فَإنَّ أسْماءَ جُمُوعِها: "عَزَبٌ"؛ و"خَدَمٌ"؛ و"رَوَحٌ"؛ وإنْ كانَتِ اللَفْظَةُ مِن "تَمالَأ القَوْمُ عَلى كَذا"؛ فَهي مُفارِقَةٌ بابَ "رَهْطٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "ما قَتَلْتُ عُثْمانَ ؛ ولا مالَأتُ في دَمِهِ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "المَلَؤُ"؛ بِواوٍ؛ وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ الشامِ؛ وقَوْلُهُمْ: ﴿ "لَنَراكَ"؛﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ؛ ويُحْتَمَلُ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ؛ وهو الأظْهَرُ؛ و"فِي ضَلالٍ"؛ أيْ: في إتْلافٍ؛ وجَهالَةٍ بِما تَسْلُكُ.
وقَوْلُهُ لَهم - جَوابًا عن هَذا -: ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ ؛ مُبالَغَةٌ في حُسْنِ الأدَبِ؛ والإعْراضِ عَنِ الجَفاءِ مِنهُمْ؛ وتَناوُلٌ رَفِيقٌ؛ وسَعَةُ صَدْرٍ؛ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ خُلُقُ النُبُوَّةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ﴾ ؛ تَعَرُّضٌ لِمَن يُرِيدُ النَظَرَ؛ والبَحْثَ؛ والتَأمُّلَ في المُعْجِزَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ونُقَدِّرُ - ولا بُدَّ - أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ - وكُلَّ نَبِيٍّ مَبْعُوثٍ إلى الخَلْقِ كانَتْ لَهُ مُعْجِزَةٌ تَخْرِقُ العادَةَ؛ فَمِنهم مَن عَرَفْنا بِمُعْجِزَتِهِ؛ ومِنهم مَن لَمْ نَعْرِفْ.
وقَرَأ السَبْعَةُ - سِوى أبِي عَمْرٍو -: ﴿ "أُبَلِّغُكُمْ"؛﴾ بِشَدِّ اللامِ؛ وفَتْحِ الباءِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِسُكُونِ الباءِ؛ وتَخْفِيفِ اللامِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿وَأعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ؛ وإنْ كانَ لَفْظًا عامًّا في كُلِّ ما عَلِمَهُ؛ فالمَقْصُودُ مِنهُ هُنا: اَلْمَعْلُوماتُ المَخُوفاتُ عَلَيْهِمْ؛ لا سِيَّما وهم لَمْ يَسْمَعُوا قَطُّ بِأُمَّةٍ عُذِّبَتْ؛ فاللَفْظُ مُضَمَّنٌ الوَعِيدَ.
الأعراف 7:63
(p-٥٩٢)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم ولِتَتَّقُوا ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾
هَذِهِ ألِفُ اسْتِفْهامٍ دَخَلَتْ عَلى الواوِ العاطِفَةِ؛ والِاسْتِفْهامُ هُنا بِمَعْنى التَقْرِيرِ؛ والتَوْبِيخِ؛ وعَجَبُهُمُ الَّذِي وقَعَ إنَّما كانَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِبْعادِ والِاسْتِمْحالِ؛ هَذا هو الظاهِرُ مِن قِصَّتِهِمْ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "عَلى"؛ قِيلَ: هي بِمَعْنى "مَعَ"؛ وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "عَلى لِسانِ رَجُلٍ مِنكُمْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَجِيءُ بِنَفْسِهِ في هَذا المَوْضِعِ يَصِلُ بِـ "عَلى"؛ إذْ كُلُّ ما يَأْتِي مِنَ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى - فَلَهُ حُكْمُ النُزُولِ؛ فَكَأنَّ "جاءَكُمْ"؛ مَعْناهُ: "نَزَلَ"؛ فَحَسُنَ مَعَهُ أنْ يُقالَ: "عَلى رَجُلٍ"؛ واللامُ في "لِيُنْذِرَكُمْ"؛ لامُ "كَيْ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى "وَلَعَلَّكُمْ"؛ تَرَجٍّ؛ بِحَسَبِ حالِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ومُعْتَقَدِهِ؛ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ إنَّما هو مِن تِلْقاءِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم بَعْدَ تَلَطُّفِهِ بِهِمْ كَذَّبُوهُ؛ فَأنْجاهُ اللهُ تَعالى ؛ والمُؤْمِنِينَ بِهِ؛ في السَفِينَةِ؛ وهي الفُلْكُ؛ و"اَلْفُلْكُ"؛ لِلْجَمْعِ؛ والمُفْرَدِ؛ ولَيْسَ عَلى حَدِّ "جُنُبٌ"؛ ونَحْوِهِ؛ لَكِنَّ "فُلْكٌ"؛ لِلْواحِدِ؛ كُسِّرَ عَلى "فُلْكٌ"؛ لِلْجَمِيعِ؛ فَضَمَّةُ الفاءِ في الواحِدِ لَيْسَتْ هي في الجَمْعِ؛ و"فُعْلٌ"؛ بِناءُ تَكْسِيرٍ؛ مِثْلُ: "أسَدٌ"؛ و"أُسْدٌ"؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهم في التَثْنِيَةِ: "فُلْكانِ"؛
وفِي التَفْسِيرِ: إنَّ الَّذِينَ كانُوا مَعَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - في السَفِينَةِ أرْبَعُونَ رَجُلًا - وقِيلَ: ثَمانُونَ؛ وقِيلَ: عَشْرَةٌ - فَهم أولادُهُ: "يافِثُ"؛ و"سامُ"؛ و"حامُ"؛ وفي كَثِيرٍ مِن كُتُبِ الحَدِيثِ؛ لِلتِّرْمِذِيِّ (p-٥٩٣)وَغَيْرِهِ: « "إنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ الآنَ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ"؛» وقالَ الزُهْرِيُّ في كِتابِ النَقّاشِ: وفي القُرْآنِ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سائِرُ العَشْرَةِ؛ أوِ الأرْبَعِينَ - حَسَبَ الخِلافِ - حَفَدَةً لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ومِن ذُرِّيَّتِهِ؛ فَتَجْتَمِعَ الآيَةُ؛ والحَدِيثُ؛ ويُحْتَمَلُ أنَّ مَن كانَ في السَفِينَةِ - غَيْرُ بَنِيهِ - لَمْ يَنْسِلْ -؛ وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ - وإلّا لَكانَ بَيْنَ الحَدِيثِ والآيَةِ تَعارُضٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ ؛ يَقْتَضِي أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ - كانَتْ لَهُ آياتٌ ومُعْجِزاتٌ.
وقَوْلُهُ: "عَمِينَ"؛ وزْنُهُ "فَعِينَ"؛ وهو جَمْعُ "عَمٍ"؛ وزْنُهُ "فَعٍ"؛ ويُرِيدُ: عَمى البَصائِرِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ - بُعِثَ ابْنَ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ قالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: بَعْدَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - بِثَمانِمِائَةِ سَنَةٍ؛ وجاءَ بِتَحْرِيمِ البَناتِ؛ والأخَواتِ؛ والأُمَّهاتِ؛ والخالاتِ؛ والعَمّاتِ؛ وقالَ وهْبُ بْنُ مُنْبِهٍ: بُعِثَ نُوحٌ وهو ابْنُ أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ؛ وقِيلَ: بُعِثَ ابْنَ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ؛ وقِيلَ: ابْنَ خَمْسِينَ سَنَةً؛ ورُوِيَ أنَّهُ عُمِّرَ بَعْدَ الغَرَقِ سِتِّينَ سَنَةً؛ ورُوِيَ أنَّ الطُوفانَ كانَ سَنَةَ ألْفٍ وسِتِّمِائَةٍ مِن عُمْرِهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وأتى في حَدِيثِ الشَفاعَةِ؛ وغَيْرِهِ؛ أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ - أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ إلى الناسِ؛ وأتى أيْضًا أنَّ إدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَلامُ - قَبْلَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ومِن آبائِهِ؛ وذَلِكَ يَجْتَمِعُ بِأنْ تَكُونَ بِعْثَةُ نُوحٍ مُشْتَهِرَةً لِإصْلاحِ الناسِ؛ وحَمْلِهِمْ بِالعَذابِ؛ والإهْلاكِ؛ عَلى الإيمانِ؛ فالمُرادُ أنَّهُ أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ.
الأعراف 7:64
(p-٥٩٢)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم ولِتَتَّقُوا ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾
هَذِهِ ألِفُ اسْتِفْهامٍ دَخَلَتْ عَلى الواوِ العاطِفَةِ؛ والِاسْتِفْهامُ هُنا بِمَعْنى التَقْرِيرِ؛ والتَوْبِيخِ؛ وعَجَبُهُمُ الَّذِي وقَعَ إنَّما كانَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِبْعادِ والِاسْتِمْحالِ؛ هَذا هو الظاهِرُ مِن قِصَّتِهِمْ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "عَلى"؛ قِيلَ: هي بِمَعْنى "مَعَ"؛ وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "عَلى لِسانِ رَجُلٍ مِنكُمْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَجِيءُ بِنَفْسِهِ في هَذا المَوْضِعِ يَصِلُ بِـ "عَلى"؛ إذْ كُلُّ ما يَأْتِي مِنَ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى - فَلَهُ حُكْمُ النُزُولِ؛ فَكَأنَّ "جاءَكُمْ"؛ مَعْناهُ: "نَزَلَ"؛ فَحَسُنَ مَعَهُ أنْ يُقالَ: "عَلى رَجُلٍ"؛ واللامُ في "لِيُنْذِرَكُمْ"؛ لامُ "كَيْ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى "وَلَعَلَّكُمْ"؛ تَرَجٍّ؛ بِحَسَبِ حالِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ومُعْتَقَدِهِ؛ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ إنَّما هو مِن تِلْقاءِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم بَعْدَ تَلَطُّفِهِ بِهِمْ كَذَّبُوهُ؛ فَأنْجاهُ اللهُ تَعالى ؛ والمُؤْمِنِينَ بِهِ؛ في السَفِينَةِ؛ وهي الفُلْكُ؛ و"اَلْفُلْكُ"؛ لِلْجَمْعِ؛ والمُفْرَدِ؛ ولَيْسَ عَلى حَدِّ "جُنُبٌ"؛ ونَحْوِهِ؛ لَكِنَّ "فُلْكٌ"؛ لِلْواحِدِ؛ كُسِّرَ عَلى "فُلْكٌ"؛ لِلْجَمِيعِ؛ فَضَمَّةُ الفاءِ في الواحِدِ لَيْسَتْ هي في الجَمْعِ؛ و"فُعْلٌ"؛ بِناءُ تَكْسِيرٍ؛ مِثْلُ: "أسَدٌ"؛ و"أُسْدٌ"؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهم في التَثْنِيَةِ: "فُلْكانِ"؛
وفِي التَفْسِيرِ: إنَّ الَّذِينَ كانُوا مَعَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - في السَفِينَةِ أرْبَعُونَ رَجُلًا - وقِيلَ: ثَمانُونَ؛ وقِيلَ: عَشْرَةٌ - فَهم أولادُهُ: "يافِثُ"؛ و"سامُ"؛ و"حامُ"؛ وفي كَثِيرٍ مِن كُتُبِ الحَدِيثِ؛ لِلتِّرْمِذِيِّ (p-٥٩٣)وَغَيْرِهِ: « "إنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ الآنَ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ"؛» وقالَ الزُهْرِيُّ في كِتابِ النَقّاشِ: وفي القُرْآنِ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سائِرُ العَشْرَةِ؛ أوِ الأرْبَعِينَ - حَسَبَ الخِلافِ - حَفَدَةً لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ومِن ذُرِّيَّتِهِ؛ فَتَجْتَمِعَ الآيَةُ؛ والحَدِيثُ؛ ويُحْتَمَلُ أنَّ مَن كانَ في السَفِينَةِ - غَيْرُ بَنِيهِ - لَمْ يَنْسِلْ -؛ وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ - وإلّا لَكانَ بَيْنَ الحَدِيثِ والآيَةِ تَعارُضٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ ؛ يَقْتَضِي أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ - كانَتْ لَهُ آياتٌ ومُعْجِزاتٌ.
وقَوْلُهُ: "عَمِينَ"؛ وزْنُهُ "فَعِينَ"؛ وهو جَمْعُ "عَمٍ"؛ وزْنُهُ "فَعٍ"؛ ويُرِيدُ: عَمى البَصائِرِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ - بُعِثَ ابْنَ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ قالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: بَعْدَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - بِثَمانِمِائَةِ سَنَةٍ؛ وجاءَ بِتَحْرِيمِ البَناتِ؛ والأخَواتِ؛ والأُمَّهاتِ؛ والخالاتِ؛ والعَمّاتِ؛ وقالَ وهْبُ بْنُ مُنْبِهٍ: بُعِثَ نُوحٌ وهو ابْنُ أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ؛ وقِيلَ: بُعِثَ ابْنَ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ؛ وقِيلَ: ابْنَ خَمْسِينَ سَنَةً؛ ورُوِيَ أنَّهُ عُمِّرَ بَعْدَ الغَرَقِ سِتِّينَ سَنَةً؛ ورُوِيَ أنَّ الطُوفانَ كانَ سَنَةَ ألْفٍ وسِتِّمِائَةٍ مِن عُمْرِهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وأتى في حَدِيثِ الشَفاعَةِ؛ وغَيْرِهِ؛ أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ - أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ إلى الناسِ؛ وأتى أيْضًا أنَّ إدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَلامُ - قَبْلَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ومِن آبائِهِ؛ وذَلِكَ يَجْتَمِعُ بِأنْ تَكُونَ بِعْثَةُ نُوحٍ مُشْتَهِرَةً لِإصْلاحِ الناسِ؛ وحَمْلِهِمْ بِالعَذابِ؛ والإهْلاكِ؛ عَلى الإيمانِ؛ فالمُرادُ أنَّهُ أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ.
الأعراف 7:65
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِن الكاذِبِينَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾
"عادٍ"؛ اِسْمُ الحَيِّ؛ و"أخاهُمْ"؛ نُصِبَ بِـ "أرْسَلْنا"؛ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى "نُوحًا"؛ وهَذِهِ أيْضًا نِذارَةٌ مِن هُودٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ "غَيْرُهُ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "أفَلا تَتَّقُونَ"؛﴾ اِسْتِعْطافٌ إلى التُقى والإيمانِ.
(p-٥٩٤)وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ المَلأُ﴾ [الأعراف: ٦٠] ؛ اَلْآيَةَ؛ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذِهِ المَقالَةِ آنِفًا؛ و"اَلسَّفاهَةُ": مَصْدَرٌ؛ عُبِّرَ بِهِ عَنِ الحالِ المُهَلْهَلَةِ الرَقِيقَةِ الَّتِي لا ثَباتَ لَها؛ ولا جَوْدَةَ؛ والسَفَهُ في الثَوْبِ: خِفَّةُ نَسْجِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ مَشَيْنَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ ∗∗∗ أعالِيَها مَرُّ الرِياحِ النَواسِمِ
وقَوْلُهُمْ: "لَنَظُنُّكَ"؛ هو ظَنٌّ عَلى بابِهِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم إلّا ظُنُونٌ؛ وتَخَرُّصٌ؛ وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ: "أُبَلِّغُكُمْ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى "أمِينٌ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: عَلى الوَحْيِ والذِكْرِ النازِلِ مِن قِبَلِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ أمِينٌ عَلَيْهِمْ؛ وعَلى غَيْبِهِمْ؛ وعَلى إرادَةِ الخَيْرِ بِهِمْ؛ والعَرَبُ تَقُولُ: "فُلانٌ لِفُلانٍ ناصِحُ الجَيْبِ؛ أمِينُ الغَيْبِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: "أمِينٌ"؛ مِن "اَلْأمْنُ"؛ أيْ: جِهَتِي ذاتُ أمْنٍ مِنَ الكَذِبِ والغِشِّ.
الأعراف 7:66
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِن الكاذِبِينَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾
"عادٍ"؛ اِسْمُ الحَيِّ؛ و"أخاهُمْ"؛ نُصِبَ بِـ "أرْسَلْنا"؛ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى "نُوحًا"؛ وهَذِهِ أيْضًا نِذارَةٌ مِن هُودٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ "غَيْرُهُ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "أفَلا تَتَّقُونَ"؛﴾ اِسْتِعْطافٌ إلى التُقى والإيمانِ.
(p-٥٩٤)وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ المَلأُ﴾ [الأعراف: ٦٠] ؛ اَلْآيَةَ؛ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذِهِ المَقالَةِ آنِفًا؛ و"اَلسَّفاهَةُ": مَصْدَرٌ؛ عُبِّرَ بِهِ عَنِ الحالِ المُهَلْهَلَةِ الرَقِيقَةِ الَّتِي لا ثَباتَ لَها؛ ولا جَوْدَةَ؛ والسَفَهُ في الثَوْبِ: خِفَّةُ نَسْجِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ مَشَيْنَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ ∗∗∗ أعالِيَها مَرُّ الرِياحِ النَواسِمِ
وقَوْلُهُمْ: "لَنَظُنُّكَ"؛ هو ظَنٌّ عَلى بابِهِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم إلّا ظُنُونٌ؛ وتَخَرُّصٌ؛ وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ: "أُبَلِّغُكُمْ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى "أمِينٌ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: عَلى الوَحْيِ والذِكْرِ النازِلِ مِن قِبَلِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ أمِينٌ عَلَيْهِمْ؛ وعَلى غَيْبِهِمْ؛ وعَلى إرادَةِ الخَيْرِ بِهِمْ؛ والعَرَبُ تَقُولُ: "فُلانٌ لِفُلانٍ ناصِحُ الجَيْبِ؛ أمِينُ الغَيْبِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: "أمِينٌ"؛ مِن "اَلْأمْنُ"؛ أيْ: جِهَتِي ذاتُ أمْنٍ مِنَ الكَذِبِ والغِشِّ.
الأعراف 7:67
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِن الكاذِبِينَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾
"عادٍ"؛ اِسْمُ الحَيِّ؛ و"أخاهُمْ"؛ نُصِبَ بِـ "أرْسَلْنا"؛ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى "نُوحًا"؛ وهَذِهِ أيْضًا نِذارَةٌ مِن هُودٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ "غَيْرُهُ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "أفَلا تَتَّقُونَ"؛﴾ اِسْتِعْطافٌ إلى التُقى والإيمانِ.
(p-٥٩٤)وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ المَلأُ﴾ [الأعراف: ٦٠] ؛ اَلْآيَةَ؛ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذِهِ المَقالَةِ آنِفًا؛ و"اَلسَّفاهَةُ": مَصْدَرٌ؛ عُبِّرَ بِهِ عَنِ الحالِ المُهَلْهَلَةِ الرَقِيقَةِ الَّتِي لا ثَباتَ لَها؛ ولا جَوْدَةَ؛ والسَفَهُ في الثَوْبِ: خِفَّةُ نَسْجِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ مَشَيْنَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ ∗∗∗ أعالِيَها مَرُّ الرِياحِ النَواسِمِ
وقَوْلُهُمْ: "لَنَظُنُّكَ"؛ هو ظَنٌّ عَلى بابِهِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم إلّا ظُنُونٌ؛ وتَخَرُّصٌ؛ وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ: "أُبَلِّغُكُمْ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى "أمِينٌ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: عَلى الوَحْيِ والذِكْرِ النازِلِ مِن قِبَلِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ أمِينٌ عَلَيْهِمْ؛ وعَلى غَيْبِهِمْ؛ وعَلى إرادَةِ الخَيْرِ بِهِمْ؛ والعَرَبُ تَقُولُ: "فُلانٌ لِفُلانٍ ناصِحُ الجَيْبِ؛ أمِينُ الغَيْبِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: "أمِينٌ"؛ مِن "اَلْأمْنُ"؛ أيْ: جِهَتِي ذاتُ أمْنٍ مِنَ الكَذِبِ والغِشِّ.
الأعراف 7:68
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِن الكاذِبِينَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾
"عادٍ"؛ اِسْمُ الحَيِّ؛ و"أخاهُمْ"؛ نُصِبَ بِـ "أرْسَلْنا"؛ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى "نُوحًا"؛ وهَذِهِ أيْضًا نِذارَةٌ مِن هُودٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ "غَيْرُهُ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "أفَلا تَتَّقُونَ"؛﴾ اِسْتِعْطافٌ إلى التُقى والإيمانِ.
(p-٥٩٤)وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ المَلأُ﴾ [الأعراف: ٦٠] ؛ اَلْآيَةَ؛ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذِهِ المَقالَةِ آنِفًا؛ و"اَلسَّفاهَةُ": مَصْدَرٌ؛ عُبِّرَ بِهِ عَنِ الحالِ المُهَلْهَلَةِ الرَقِيقَةِ الَّتِي لا ثَباتَ لَها؛ ولا جَوْدَةَ؛ والسَفَهُ في الثَوْبِ: خِفَّةُ نَسْجِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ مَشَيْنَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ ∗∗∗ أعالِيَها مَرُّ الرِياحِ النَواسِمِ
وقَوْلُهُمْ: "لَنَظُنُّكَ"؛ هو ظَنٌّ عَلى بابِهِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم إلّا ظُنُونٌ؛ وتَخَرُّصٌ؛ وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ: "أُبَلِّغُكُمْ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى "أمِينٌ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: عَلى الوَحْيِ والذِكْرِ النازِلِ مِن قِبَلِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ أمِينٌ عَلَيْهِمْ؛ وعَلى غَيْبِهِمْ؛ وعَلى إرادَةِ الخَيْرِ بِهِمْ؛ والعَرَبُ تَقُولُ: "فُلانٌ لِفُلانٍ ناصِحُ الجَيْبِ؛ أمِينُ الغَيْبِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: "أمِينٌ"؛ مِن "اَلْأمْنُ"؛ أيْ: جِهَتِي ذاتُ أمْنٍ مِنَ الكَذِبِ والغِشِّ.
الأعراف 7:69
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً فاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ﴾
قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ "أوَعَجِبْتُمْ"؛ و"اَلذِّكْرُ": لَفْظٌ عامٌّ لِلْمَواعِظِ؛ والأوامِرِ؛ والنَواهِي؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿واذْكُرُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَعْدِيدٌ لِلنِّعَمِ عَلَيْهِمْ؛ و"خُلَفاءَ"؛ جَمْعُ "خَلِيفٌ"؛ كَـ "ظَرِيفٌ"؛ و"ظُرَفاءُ"؛ و"خَلِيفَةٌ"؛ جَمْعُهُ "خَلائِفُ"؛ والعَرَبُ تَقُولُ: "خَلِيفَةٌ"؛ و"خَلِيفٌ"؛ وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ:
؎ فَإنْ يَزُلْ زائِلٌ يُوجَدْ خَلِيفَتُهُ ∗∗∗ وما خَلِيفُ أبِي وهْبٍ بِمَوْجُودِ
(p-٥٩٥)قالَ السُدِّيُّ وابْنُ إسْحاقَ: والمَعْنى: "جَعَلَكم سُكّانَ الأرْضِ بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾ ؛ أيْ في الخِلْقَةِ؛ و"اَلْبَسْطَةُ": اَلْكَمالُ في الطُولِ؛ والعَرْضِ؛ وقِيلَ: "زادَكم عَلى أهْلِ عَصْرِكُمْ"؛ قالَ الطَبَرِيُّ: اَلْمَعْنى: "زادَكم عَلى قَوْمِ نُوحٍ"؛ وقالَهُ قَتادَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: واللَفْظُ يَقْتَضِي أنَّ الزِيادَةَ هي عَلى جَمِيعِ العالَمِ؛ وهو الَّذِي يَقْتَضِي ما يُذْكَرُ عنهُمْ؛ ورُوِيَ أنَّ طُولَ الرَجُلِ مِنهم كانَ مِائَةَ ذِراعٍ؛ وطُولُ أقْصَرِهِمْ سِتِّينَ؛ ونَحْوَ هَذا.
و"اَلْآلاءُ": جَمْعُ "إلًى"؛ عَلى مِثالِ "مِعًى"؛ وأنْشَدَ الزَجّاجُ:
؎ أبْيَضُ لا يَرْهَبُ الهُزالَ ولا ∗∗∗ ∗∗∗ يَقْطَعُ رَحْمًا ولا يَخُونُ إلى
وقِيلَ: واحِدُ الآلاءِ "ألِيٌّ"؛ عَلى مِثالِ: "قَفِيٌّ"؛ وقِيلَ: واحِدُها: "ألى"؛ عَلى مِثالِ: "حَسا"؛ وهي النِعْمَةُ؛ والمِنَّةُ؛ و"تُفْلِحُونَ"؛ مَعْناهُ: تُدْرِكُونَ البُغْيَةَ؛ والآمالَ.
قالَ الطَبَرِيُّ: وعادٌ هَؤُلاءِ - فِيما حَدَّثَ ابْنُ إسْحاقَ - مِن ولَدِ عادِ بْنِ إرَمَ بْنِ عَوْصِ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ؛ وكانَتْ مَساكِنُهُمُ الشِحْرَ مِن أرْضِ اليَمَنِ؛ وما والى حَضْرَمَوْتَ إلى عُمانَ؛ وقالَ السُدِّيُّ: وكانُوا بِالأحْقافِ؛ وهي الرِمالُ؛ وكانَتْ بِلادُهم أخْصَبَ بِلادٍ؛ فَرَدَّها اللهُ تَعالى صَحارى؛ وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: إنَّ قَبْرَ هُودٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - هُنالِكَ في كَثِيبٍ أحْمَرَ يُخالِطُهُ مَدَرَةٌ ذاتُ أراكٍ وسِدْرٍ؛ وكانُوا قَدْ فَشَوْا في جَمِيعِ الأرْضِ؛ ومَلَكُوا كَثِيرًا بِقُوَّتِهِمْ؛ وعَدَدِهِمْ؛ وظَلَمُوا الناسَ؛ وكانُوا ثَلاثَ عَشْرَةَ قَبِيلَةً؛ وكانُوا أصْحابَ أوثانٍ؛ مِنها ما يُسَمّى صِداءُ؛ ومِنها صُمُودا؛ ومِنها الهَياءُ؛ فَبَعَثَ اللهُ تَعالى إلَيْهِمْ هُودًا - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ مِن (p-٥٩٦)أفْضَلِهِمْ؛ وأوسَطِهِمْ نَسَبًا؛ فَدَعاهم إلى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى ؛ وإلى تَرْكِ الظُلْمِ؛ قالَ ابْنُ إسْحاقَ: لَمْ يَأْمُرْهم فِيما يُذْكَرُ بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَكَذَّبُوهُ وعَتَوْا؛ واسْتَمَرَّ ذَلِكَ مِنهم إلى أنْ أرادَ اللهُ تَعالى إنْفاذَ أمْرِهِ؛ فَأمْسَكَ عنهُمُ المَطَرَ ثَلاثَ سِنِينَ؛ فَشَقُوا بِذَلِكَ؛ وكانَ الناسُ في ذَلِكَ الزَمانِ إذا هَمَّهم أمْرٌ فَزِعُوا إلى المَسْجِدِ الحَرامِ بِمَكَّةَ؛ فَدَعَوُا اللهَ تَعالى فِيهِ؛ تَعْظِيمًا لَهُ؛ مُؤْمِنُهم وكافِرُهُمْ؛ وأهْلُ مَكَّةَ يَوْمَئِذٍ العَمالِيقُ؛ وسَيِّدُهم رَجُلٌ يُسَمّى مُعاوِيَةَ بْنَ بَكْرٍ؛ فاجْتَمَعَتْ عادٌ عَلى أنْ تُجَهِّزَ مِنهم وفْدًا إلى مَكَّةَ؛ يَسْتَسْقُونَ اللهَ تَعالى لَهُمْ؛ فَبَعَثُوا قَيْلَ بْنَ عِيرٍ؛ ولَقِيمَ بْنَ هَزّالٍ؛ وعُقَيْلَ بْنَ أُدِّ بْنِ عادٍ الأكْبَرِ؛ ومَرْثَدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عَفَيْرٍ؛ وكانَ هَذا مُؤْمِنًا يَكْتُمُ إيمانَهُ؛ وجَلْهَمَةَ بْنَ الخَيْبَرِيِّ؛ في سَبْعِينَ رَجُلًا مِن قَوْمِهِمْ؛ فَلَمّا قَدِمُوا مَكَّةَ نَزَلُوا عَلى مُعاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ وهو بِظاهِرِ مَكَّةَ خارِجًا مِنَ الحَرَمِ؛ فَأنْزَلَهُمْ؛ وأقامُوا عِنْدَهُ شَهْرًا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ؛ وتُغْنِيهِمُ الجَرادَتانِ - قَيْنَتانِ لِمُعاوِيَةَ - فَلَمّا رَأى مُعاوِيَةُ طُولَ إقامَتِهُمْ؛ وقَدْ بَعَثَتْهم عادٌ لِلْغَوْثِ؛ أشْفَقَ عَلى عادٍ؛ وكانَ ابْنُ أُخْتِهِمْ كَلْهَدَةَ بِنْتِ الخَيْبَرِيِّ جَلْهَمَةَ؛ وقالَ: هَلَكَ أخْوالِي؛ وشَقَّ عَلَيْهِ أنْ يَأْمُرَ أضْيافَهُ بِالِانْصِرافِ عنهُ؛ فَشَكا ذَلِكَ إلى القَيْنَتَيْنِ؛ فَقالَتا لَهُ: اِصْنَعْ شِعْرًا نُغَنِّي بِهِ؛ عَسى أنْ نُنَبِّهَهُمْ؛ فَقالَ:
؎ ألا يا قَيْلُ ويْحَكَ قُمْ فَهَيْنِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ لَعَلَّ اللهَ يَسْقِينا غَماما
؎ فَيَسْقِي أرْضَ عادٍ إنَّ عادًا ∗∗∗ ∗∗∗ قَدَ امْسَوْا لا يُبِينُونَ الكَلاما
؎ مِنَ العَطَشِ الشَدِيدِ فَلَيْسَ نَرْجُو ∗∗∗ ∗∗∗ بِهِ الشَيْخَ الكَبِيرَ ولا الغُلاما
؎ وقَدْ كانَتْ نِساؤُهُمُ بِخَيْرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ فَقَدْ أمْسَتْ نِساؤُهُمُ عَيامى
؎ وإنَّ الوَحْشَ يَأْتِيهِمْ جِهارًا ∗∗∗ ∗∗∗ ولا يَخْشى لِعادِيٍّ سِهاما
؎ وأنْتُمْ هَهُنا فِيما اشْتَهَيْتُمْ ∗∗∗ ∗∗∗ نَهارُكُمُ ولَيْلُكُمُ التِماما
؎ فَقُبِّحَ وفْدُكم مِن وفْدِ قَوْمٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا لُقُّوا التَحِيَّةَ والسِلاما
فَغَنَّتْ بِهِ الجَرادَتانِ؛ فَلَمّا سَمِعَهُ القَوْمُ قالَ بَعْضُهُمْ: يا قَوْمِ؛ إنَّما بَعَثَكم قَوْمُكم لِما حَلَّ بِهِمْ؛ فادْخُلُوا هَذا الحَرَمَ وادْعُوا؛ لَعَلَّ اللهَ تَعالى يُغِيثُهُمْ؛ فَخَرَجُوا لِذَلِكَ؛ فَقالَ لَهم (p-٥٩٧)مَرْثَدُ بْنُ سَعْدٍ: إنَّكم واللهِ ما تُسْقَوْنَ بِدُعائِكُمْ؛ ولَكِنَّكم إنْ أطَعْتُمْ نَبِيَّكُمْ؛ وآمَنتُمْ بِهِ؛ سُقِيتُمْ؛ وأظْهَرَ إيمانَهُ يَوْمَئِذٍ؛ فَخالَفَهُ الوَفْدُ؛ وقالُوا لِمُعاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ وأبِيهِ بَكْرٍ: اِحْبِسا عَنّا مَرْثَدًا؛ ولا يَدْخُلْ مَعَنا الحَرَمَ؛ فَإنَّهُ قَدِ اتَّبَعَ هُودًا؛ ومَضَوْا إلى مَكَّةَ فاسْتَسْقى قَيْلُ بْنُ عِيرٍ؛ وقالَ: يا إلَهَنا إنْ كانَ هُودٌ صالِحًا؛ فاسْقِنا؛ فَإنّا قَدْ هَلَكْنا؛ فَأنْشَأ اللهُ تَعالى سَحائِبَ ثَلاثًا؛ بَيْضاءَ؛ وحَمْراءَ؛ وسَوْداءَ؛ ثُمَّ ناداهُ مُنادٍ مِنَ السَحابِ: "يا قَيْلُ؛ اخْتَرْ لِنَفْسِكَ ولِقَوْمِكَ مِن هَذا السَحابِ"؛ فَقالَ قَيْلُ: قَدِ اخْتَرْتُ السَوْداءَ؛ فَإنَّها أكْثَرُها ماءً؛ فَنُودِيَ: "اِخْتَرْتَ رَمادًا رَمْدَدًا؛ لا تُبْقِي مِن عادٍ أحَدًا؛ لا والِدًا ولا ولَدًا؛ إلّا جَعَلَتْهم هَمَدًا"؛ وساقَ اللهُ تَعالى السَحابَةَ السَوْداءَ الَّتِي اخْتارَها قَيْلُ إلى عادٍ؛ حَتّى خَرَجَتْ عَلَيْهِمْ مِن وادٍ لَهم يُقالُ لَهُ: "اَلْمُغِيثُ"؛ فَلَمّا رَأوها قالُوا: هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا؛ حَتّى عَرَفَتْ أنَّها رِيحٌ امْرَأةٌ مِن عادٍ يُقالُ لَها: "مَهْدَدُ"؛ فَصاحَتْ؛ وصُعِقَتْ؛ فَلَمّا أفاقَتْ قِيلَ لَها: ما رَأيْتِ؟ قالَتْ: رَأيْتُ رِيحًا كَشُهُبِ النارِ؛ أمامَها رِجالٌ يَقُودُونَها؛ فَسَخَّرَها اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا؛ وسَبْعَ لَيالٍ؛ و"اَلْحُسُومُ": اَلدّائِمَةُ؛ فَلَمْ تَدَعْ مِن عادٍ أحَدًا إلّا هَلَكَ؛ فاعْتَزَلَ هُودٌ ومَن مَعَهُ في حَظِيرَةٍ؛ ما يُصِيبُهُ مِنَ الرِيحِ إلّا ما يُلْتَذُّ بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَصَصٌ وقَعَ في تَفْسِيرِ الطَبَرِيِّ مُطَوَّلًا؛ وفِيهِ اخْتِلافٌ؛ فاقْتَضَبْتُ عُيُونَ ذَلِكَ؛ بِحَسَبِ الإيجازِ؛ وفي خَبَرِهِمْ أنَّ الرِيحَ كانَتْ تَدْمَغُهم بِالحِجارَةِ؛ وتَرْفَعُ الظَعِينَةَ؛ عَلَيْها المَرْأةُ حَتّى تُلْقِيَها في البَحْرِ؛ وفي خَبَرِهِمْ أنَّ أقْوِياءَهم كانَ أحَدُهم يَسُدُّ بِنَفْسِهِ مَهَبَّ الرِيحِ حَتّى تَغْلِبَهُ؛ فَتُلْقِيَهُ في البَحْرِ؛ فَيَقُومَ آخَرُ مَكانَهُ؛ حَتّى هَلَكَ الجَمِيعُ؛ وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بَلَغَنِي أنَّ ضَبُعًا رَبَّتْ أولادَها في حِجاجِ عَيْنِ رَجُلٍ مِنهُمْ؛ وفي خَبَرِهِمْ أنَّ اللهَ تَعالى بَعَثَ - لَمّا هَلَكَتْ عادٌ - طَيْرًا؛ وقِيلَ: أُسْدًا؛ فَنَقَلَتْ جِيَفَهم حَتّى طَرَحَتْها في البَحْرِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلا مَساكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ؛ وفي بَعْضِ ما رُوِيَ مِن شَأْنِهِمْ أنَّ الرِيحَ لَمْ تُبْعَثْ قَطُّ إلّا بِمِكْيالٍ؛ إلّا يَوْمَئِذٍ؛ فَإنَّها تَمَّتْ عَلى الخَزَنَةِ فَغَلَبَتْهُمْ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ (p-٥٩٨)- تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] ؛ ورُوِيَ أنَّ هُودًا - لَمّا هَلَكَتْ عادٌ - نَزَلَ بِمَن آمَنَ مَعَهُ إلى مَكَّةَ؛ فَكانُوا بِها حَتّى ماتُوا؛ فاللهُ تَعالى أعْلَمُ أيَّ ذَلِكَ كانَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا أجِئْتَنا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ ظاهِرُ قَوْلِهِمْ وحْدَهُ أنَّهم أنْكَرُوا أنْ يَتْرُكُوا أصْنامَهُمْ؛ ويُفْرِدُوا العِبادَةَ لِلَّهِ تَعالى ؛ مَعَ إقْرارِهِمْ بِالإلَهِ الخالِقِ المُبْدِعِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا مُنْكِرِينَ لِلَّهِ تَعالى ويَكُونَ قَوْلُهُمْ: ﴿لِنَعْبُدَ اللهَ وحْدَهُ﴾ ؛ أيْ عَلى قَوْلِكَ يا هُودُ؛ والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أظْهَرُ فِيهِمْ؛ وفي عُبّادِ الأوثانِ كُلِّهِمْ؛ ولا يَجْحَدُ رُبُوبِيَّةَ اللهِ تَعالى مِنَ الكَفَرَةِ إلّا مَن أفْرَطَتْ غَباوَتُهُ كَأرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ؛ وإلّا مَنِ ادَّعاها لِنَفْسِهِ؛ كَفِرْعَوْنَ؛ ونَمْرُودَ؛ وقَوْلُهُمْ: ﴿ "فَأْتِنا"؛﴾ تَصْمِيمٌ عَلى التَكْذِيبِ؛ واحْتِقارٌ لِأمْرِ النُبُوَّةِ؛ واسْتِعْجالٌ لِلْعُقُوبَةِ؛ وتَمَكَّنَ قَوْلُهُمْ: "تَعِدُنا"؛ لَمّا كانَ هَذا الوَعْدُ مُصَرَّحًا بِهِ في الشَرِّ؛ ولَوْ كانَ ذِكْرُ الوَعْدِ مُطْلَقًا لَمْ يَجِئْ إلّا في خَيْرٍ.
الأعراف 7:70
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً فاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ﴾
قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ "أوَعَجِبْتُمْ"؛ و"اَلذِّكْرُ": لَفْظٌ عامٌّ لِلْمَواعِظِ؛ والأوامِرِ؛ والنَواهِي؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿واذْكُرُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَعْدِيدٌ لِلنِّعَمِ عَلَيْهِمْ؛ و"خُلَفاءَ"؛ جَمْعُ "خَلِيفٌ"؛ كَـ "ظَرِيفٌ"؛ و"ظُرَفاءُ"؛ و"خَلِيفَةٌ"؛ جَمْعُهُ "خَلائِفُ"؛ والعَرَبُ تَقُولُ: "خَلِيفَةٌ"؛ و"خَلِيفٌ"؛ وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ:
؎ فَإنْ يَزُلْ زائِلٌ يُوجَدْ خَلِيفَتُهُ ∗∗∗ وما خَلِيفُ أبِي وهْبٍ بِمَوْجُودِ
(p-٥٩٥)قالَ السُدِّيُّ وابْنُ إسْحاقَ: والمَعْنى: "جَعَلَكم سُكّانَ الأرْضِ بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾ ؛ أيْ في الخِلْقَةِ؛ و"اَلْبَسْطَةُ": اَلْكَمالُ في الطُولِ؛ والعَرْضِ؛ وقِيلَ: "زادَكم عَلى أهْلِ عَصْرِكُمْ"؛ قالَ الطَبَرِيُّ: اَلْمَعْنى: "زادَكم عَلى قَوْمِ نُوحٍ"؛ وقالَهُ قَتادَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: واللَفْظُ يَقْتَضِي أنَّ الزِيادَةَ هي عَلى جَمِيعِ العالَمِ؛ وهو الَّذِي يَقْتَضِي ما يُذْكَرُ عنهُمْ؛ ورُوِيَ أنَّ طُولَ الرَجُلِ مِنهم كانَ مِائَةَ ذِراعٍ؛ وطُولُ أقْصَرِهِمْ سِتِّينَ؛ ونَحْوَ هَذا.
و"اَلْآلاءُ": جَمْعُ "إلًى"؛ عَلى مِثالِ "مِعًى"؛ وأنْشَدَ الزَجّاجُ:
؎ أبْيَضُ لا يَرْهَبُ الهُزالَ ولا ∗∗∗ ∗∗∗ يَقْطَعُ رَحْمًا ولا يَخُونُ إلى
وقِيلَ: واحِدُ الآلاءِ "ألِيٌّ"؛ عَلى مِثالِ: "قَفِيٌّ"؛ وقِيلَ: واحِدُها: "ألى"؛ عَلى مِثالِ: "حَسا"؛ وهي النِعْمَةُ؛ والمِنَّةُ؛ و"تُفْلِحُونَ"؛ مَعْناهُ: تُدْرِكُونَ البُغْيَةَ؛ والآمالَ.
قالَ الطَبَرِيُّ: وعادٌ هَؤُلاءِ - فِيما حَدَّثَ ابْنُ إسْحاقَ - مِن ولَدِ عادِ بْنِ إرَمَ بْنِ عَوْصِ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ؛ وكانَتْ مَساكِنُهُمُ الشِحْرَ مِن أرْضِ اليَمَنِ؛ وما والى حَضْرَمَوْتَ إلى عُمانَ؛ وقالَ السُدِّيُّ: وكانُوا بِالأحْقافِ؛ وهي الرِمالُ؛ وكانَتْ بِلادُهم أخْصَبَ بِلادٍ؛ فَرَدَّها اللهُ تَعالى صَحارى؛ وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: إنَّ قَبْرَ هُودٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - هُنالِكَ في كَثِيبٍ أحْمَرَ يُخالِطُهُ مَدَرَةٌ ذاتُ أراكٍ وسِدْرٍ؛ وكانُوا قَدْ فَشَوْا في جَمِيعِ الأرْضِ؛ ومَلَكُوا كَثِيرًا بِقُوَّتِهِمْ؛ وعَدَدِهِمْ؛ وظَلَمُوا الناسَ؛ وكانُوا ثَلاثَ عَشْرَةَ قَبِيلَةً؛ وكانُوا أصْحابَ أوثانٍ؛ مِنها ما يُسَمّى صِداءُ؛ ومِنها صُمُودا؛ ومِنها الهَياءُ؛ فَبَعَثَ اللهُ تَعالى إلَيْهِمْ هُودًا - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ مِن (p-٥٩٦)أفْضَلِهِمْ؛ وأوسَطِهِمْ نَسَبًا؛ فَدَعاهم إلى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى ؛ وإلى تَرْكِ الظُلْمِ؛ قالَ ابْنُ إسْحاقَ: لَمْ يَأْمُرْهم فِيما يُذْكَرُ بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَكَذَّبُوهُ وعَتَوْا؛ واسْتَمَرَّ ذَلِكَ مِنهم إلى أنْ أرادَ اللهُ تَعالى إنْفاذَ أمْرِهِ؛ فَأمْسَكَ عنهُمُ المَطَرَ ثَلاثَ سِنِينَ؛ فَشَقُوا بِذَلِكَ؛ وكانَ الناسُ في ذَلِكَ الزَمانِ إذا هَمَّهم أمْرٌ فَزِعُوا إلى المَسْجِدِ الحَرامِ بِمَكَّةَ؛ فَدَعَوُا اللهَ تَعالى فِيهِ؛ تَعْظِيمًا لَهُ؛ مُؤْمِنُهم وكافِرُهُمْ؛ وأهْلُ مَكَّةَ يَوْمَئِذٍ العَمالِيقُ؛ وسَيِّدُهم رَجُلٌ يُسَمّى مُعاوِيَةَ بْنَ بَكْرٍ؛ فاجْتَمَعَتْ عادٌ عَلى أنْ تُجَهِّزَ مِنهم وفْدًا إلى مَكَّةَ؛ يَسْتَسْقُونَ اللهَ تَعالى لَهُمْ؛ فَبَعَثُوا قَيْلَ بْنَ عِيرٍ؛ ولَقِيمَ بْنَ هَزّالٍ؛ وعُقَيْلَ بْنَ أُدِّ بْنِ عادٍ الأكْبَرِ؛ ومَرْثَدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عَفَيْرٍ؛ وكانَ هَذا مُؤْمِنًا يَكْتُمُ إيمانَهُ؛ وجَلْهَمَةَ بْنَ الخَيْبَرِيِّ؛ في سَبْعِينَ رَجُلًا مِن قَوْمِهِمْ؛ فَلَمّا قَدِمُوا مَكَّةَ نَزَلُوا عَلى مُعاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ وهو بِظاهِرِ مَكَّةَ خارِجًا مِنَ الحَرَمِ؛ فَأنْزَلَهُمْ؛ وأقامُوا عِنْدَهُ شَهْرًا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ؛ وتُغْنِيهِمُ الجَرادَتانِ - قَيْنَتانِ لِمُعاوِيَةَ - فَلَمّا رَأى مُعاوِيَةُ طُولَ إقامَتِهُمْ؛ وقَدْ بَعَثَتْهم عادٌ لِلْغَوْثِ؛ أشْفَقَ عَلى عادٍ؛ وكانَ ابْنُ أُخْتِهِمْ كَلْهَدَةَ بِنْتِ الخَيْبَرِيِّ جَلْهَمَةَ؛ وقالَ: هَلَكَ أخْوالِي؛ وشَقَّ عَلَيْهِ أنْ يَأْمُرَ أضْيافَهُ بِالِانْصِرافِ عنهُ؛ فَشَكا ذَلِكَ إلى القَيْنَتَيْنِ؛ فَقالَتا لَهُ: اِصْنَعْ شِعْرًا نُغَنِّي بِهِ؛ عَسى أنْ نُنَبِّهَهُمْ؛ فَقالَ:
؎ ألا يا قَيْلُ ويْحَكَ قُمْ فَهَيْنِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ لَعَلَّ اللهَ يَسْقِينا غَماما
؎ فَيَسْقِي أرْضَ عادٍ إنَّ عادًا ∗∗∗ ∗∗∗ قَدَ امْسَوْا لا يُبِينُونَ الكَلاما
؎ مِنَ العَطَشِ الشَدِيدِ فَلَيْسَ نَرْجُو ∗∗∗ ∗∗∗ بِهِ الشَيْخَ الكَبِيرَ ولا الغُلاما
؎ وقَدْ كانَتْ نِساؤُهُمُ بِخَيْرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ فَقَدْ أمْسَتْ نِساؤُهُمُ عَيامى
؎ وإنَّ الوَحْشَ يَأْتِيهِمْ جِهارًا ∗∗∗ ∗∗∗ ولا يَخْشى لِعادِيٍّ سِهاما
؎ وأنْتُمْ هَهُنا فِيما اشْتَهَيْتُمْ ∗∗∗ ∗∗∗ نَهارُكُمُ ولَيْلُكُمُ التِماما
؎ فَقُبِّحَ وفْدُكم مِن وفْدِ قَوْمٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا لُقُّوا التَحِيَّةَ والسِلاما
فَغَنَّتْ بِهِ الجَرادَتانِ؛ فَلَمّا سَمِعَهُ القَوْمُ قالَ بَعْضُهُمْ: يا قَوْمِ؛ إنَّما بَعَثَكم قَوْمُكم لِما حَلَّ بِهِمْ؛ فادْخُلُوا هَذا الحَرَمَ وادْعُوا؛ لَعَلَّ اللهَ تَعالى يُغِيثُهُمْ؛ فَخَرَجُوا لِذَلِكَ؛ فَقالَ لَهم (p-٥٩٧)مَرْثَدُ بْنُ سَعْدٍ: إنَّكم واللهِ ما تُسْقَوْنَ بِدُعائِكُمْ؛ ولَكِنَّكم إنْ أطَعْتُمْ نَبِيَّكُمْ؛ وآمَنتُمْ بِهِ؛ سُقِيتُمْ؛ وأظْهَرَ إيمانَهُ يَوْمَئِذٍ؛ فَخالَفَهُ الوَفْدُ؛ وقالُوا لِمُعاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ وأبِيهِ بَكْرٍ: اِحْبِسا عَنّا مَرْثَدًا؛ ولا يَدْخُلْ مَعَنا الحَرَمَ؛ فَإنَّهُ قَدِ اتَّبَعَ هُودًا؛ ومَضَوْا إلى مَكَّةَ فاسْتَسْقى قَيْلُ بْنُ عِيرٍ؛ وقالَ: يا إلَهَنا إنْ كانَ هُودٌ صالِحًا؛ فاسْقِنا؛ فَإنّا قَدْ هَلَكْنا؛ فَأنْشَأ اللهُ تَعالى سَحائِبَ ثَلاثًا؛ بَيْضاءَ؛ وحَمْراءَ؛ وسَوْداءَ؛ ثُمَّ ناداهُ مُنادٍ مِنَ السَحابِ: "يا قَيْلُ؛ اخْتَرْ لِنَفْسِكَ ولِقَوْمِكَ مِن هَذا السَحابِ"؛ فَقالَ قَيْلُ: قَدِ اخْتَرْتُ السَوْداءَ؛ فَإنَّها أكْثَرُها ماءً؛ فَنُودِيَ: "اِخْتَرْتَ رَمادًا رَمْدَدًا؛ لا تُبْقِي مِن عادٍ أحَدًا؛ لا والِدًا ولا ولَدًا؛ إلّا جَعَلَتْهم هَمَدًا"؛ وساقَ اللهُ تَعالى السَحابَةَ السَوْداءَ الَّتِي اخْتارَها قَيْلُ إلى عادٍ؛ حَتّى خَرَجَتْ عَلَيْهِمْ مِن وادٍ لَهم يُقالُ لَهُ: "اَلْمُغِيثُ"؛ فَلَمّا رَأوها قالُوا: هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا؛ حَتّى عَرَفَتْ أنَّها رِيحٌ امْرَأةٌ مِن عادٍ يُقالُ لَها: "مَهْدَدُ"؛ فَصاحَتْ؛ وصُعِقَتْ؛ فَلَمّا أفاقَتْ قِيلَ لَها: ما رَأيْتِ؟ قالَتْ: رَأيْتُ رِيحًا كَشُهُبِ النارِ؛ أمامَها رِجالٌ يَقُودُونَها؛ فَسَخَّرَها اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا؛ وسَبْعَ لَيالٍ؛ و"اَلْحُسُومُ": اَلدّائِمَةُ؛ فَلَمْ تَدَعْ مِن عادٍ أحَدًا إلّا هَلَكَ؛ فاعْتَزَلَ هُودٌ ومَن مَعَهُ في حَظِيرَةٍ؛ ما يُصِيبُهُ مِنَ الرِيحِ إلّا ما يُلْتَذُّ بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَصَصٌ وقَعَ في تَفْسِيرِ الطَبَرِيِّ مُطَوَّلًا؛ وفِيهِ اخْتِلافٌ؛ فاقْتَضَبْتُ عُيُونَ ذَلِكَ؛ بِحَسَبِ الإيجازِ؛ وفي خَبَرِهِمْ أنَّ الرِيحَ كانَتْ تَدْمَغُهم بِالحِجارَةِ؛ وتَرْفَعُ الظَعِينَةَ؛ عَلَيْها المَرْأةُ حَتّى تُلْقِيَها في البَحْرِ؛ وفي خَبَرِهِمْ أنَّ أقْوِياءَهم كانَ أحَدُهم يَسُدُّ بِنَفْسِهِ مَهَبَّ الرِيحِ حَتّى تَغْلِبَهُ؛ فَتُلْقِيَهُ في البَحْرِ؛ فَيَقُومَ آخَرُ مَكانَهُ؛ حَتّى هَلَكَ الجَمِيعُ؛ وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بَلَغَنِي أنَّ ضَبُعًا رَبَّتْ أولادَها في حِجاجِ عَيْنِ رَجُلٍ مِنهُمْ؛ وفي خَبَرِهِمْ أنَّ اللهَ تَعالى بَعَثَ - لَمّا هَلَكَتْ عادٌ - طَيْرًا؛ وقِيلَ: أُسْدًا؛ فَنَقَلَتْ جِيَفَهم حَتّى طَرَحَتْها في البَحْرِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلا مَساكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ؛ وفي بَعْضِ ما رُوِيَ مِن شَأْنِهِمْ أنَّ الرِيحَ لَمْ تُبْعَثْ قَطُّ إلّا بِمِكْيالٍ؛ إلّا يَوْمَئِذٍ؛ فَإنَّها تَمَّتْ عَلى الخَزَنَةِ فَغَلَبَتْهُمْ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ (p-٥٩٨)- تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] ؛ ورُوِيَ أنَّ هُودًا - لَمّا هَلَكَتْ عادٌ - نَزَلَ بِمَن آمَنَ مَعَهُ إلى مَكَّةَ؛ فَكانُوا بِها حَتّى ماتُوا؛ فاللهُ تَعالى أعْلَمُ أيَّ ذَلِكَ كانَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا أجِئْتَنا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ ظاهِرُ قَوْلِهِمْ وحْدَهُ أنَّهم أنْكَرُوا أنْ يَتْرُكُوا أصْنامَهُمْ؛ ويُفْرِدُوا العِبادَةَ لِلَّهِ تَعالى ؛ مَعَ إقْرارِهِمْ بِالإلَهِ الخالِقِ المُبْدِعِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا مُنْكِرِينَ لِلَّهِ تَعالى ويَكُونَ قَوْلُهُمْ: ﴿لِنَعْبُدَ اللهَ وحْدَهُ﴾ ؛ أيْ عَلى قَوْلِكَ يا هُودُ؛ والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أظْهَرُ فِيهِمْ؛ وفي عُبّادِ الأوثانِ كُلِّهِمْ؛ ولا يَجْحَدُ رُبُوبِيَّةَ اللهِ تَعالى مِنَ الكَفَرَةِ إلّا مَن أفْرَطَتْ غَباوَتُهُ كَأرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ؛ وإلّا مَنِ ادَّعاها لِنَفْسِهِ؛ كَفِرْعَوْنَ؛ ونَمْرُودَ؛ وقَوْلُهُمْ: ﴿ "فَأْتِنا"؛﴾ تَصْمِيمٌ عَلى التَكْذِيبِ؛ واحْتِقارٌ لِأمْرِ النُبُوَّةِ؛ واسْتِعْجالٌ لِلْعُقُوبَةِ؛ وتَمَكَّنَ قَوْلُهُمْ: "تَعِدُنا"؛ لَمّا كانَ هَذا الوَعْدُ مُصَرَّحًا بِهِ في الشَرِّ؛ ولَوْ كانَ ذِكْرُ الوَعْدِ مُطْلَقًا لَمْ يَجِئْ إلّا في خَيْرٍ.
الأعراف 7:71
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِن سُلْطانٍ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِن المُنْتَظِرِينَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم هَذِهِ ناقَةُ اللهَ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللهَ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾
أعْلَمَهم بِأنَّ القَضاءَ قَدْ نَفَذَ؛ وحَلَّ عَلَيْهِمُ الرِجْزُ؛ وهو السُخْطُ؛ والعَذابُ؛ يُقالُ: "رِجْسٌ"؛ و"رِجْزٌ"؛ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ ؛ وقالَ الشاعِرُ:
؎ إذا سَنَةٌ كانَتْ بِنَجْدٍ مُحِيطَةً ∗∗∗ فَكانَ عَلَيْهِمْ رِجْسُها وعَذابُها
وقَدْ يَأْتِي الرِجْسَ أيْضًا بِمَعْنى "اَلنَّتَنُ"؛ و"اَلْقَذَرُ"؛ ويُقالُ في "اَلرَّجِيعُ": "رِجْسٌ"؛ و"رِكْزٌ"؛ وهَذا الرِجْسُ هو المُسْتَعارُ لِلْمُحَرَّماتِ؛ أيْ يَنْبَغِي أنْ يُجْتَنَبَ كَما يُجْتَنَبُ النَتَنُ؛ (p-٥٩٩)وَنَحْوَهُ في المَعْنى «قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في خَبَرِ جَهْجاهٍ الغِفارِيِّ؛ وسِنانِ بْنِ وبْرَةَ الأنْصارِيِّ حِينَ دَعَوا بِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ: "دَعُوها فَإنَّها مُنْتِنَةٌ".»
وقَوْلُهُ: ﴿أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ ؛ إنَّما يُرِيدُ أنَّهم يُخاصِمُونَهُ في أنْ تُسَمّى آلِهَةً؛ فالجَدَلُ إنَّما وقَعَ في التَسْمِياتِ؛ لا في المُسَمَّياتِ؛ لَكِنَّهُ ورَدَ في القُرْآنِ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ﴾ [يوسف: ٤٠] ؛ فَهُنا لا يُرِيدُ إلّا ذَواتَ الأصْنامِ؛ فالِاسْمُ إنَّما يُرادُ بِهِ المُسَمّى نَفْسُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَن رَأى أنَّ الجَدَلَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما وقَعَ في أنْفُسِ الأصْنامِ وعِبادَتِها تَأوَّلَ هَذا التَأْوِيلَ؛ والِاسْمُ يَرِدُ في كَلامِ العَرَبِ بِمَعْنى التَسْمِيَةِ؛ وهَذا بابُهُ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ بِهِ النَحْوِيُّونَ؛ وقَدْ يُرادُ بِهِ المُسَمّى؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما قارَبَهُ مِنَ القَوْلِ؛ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] ؛ عَلى أنَّ هَذا يُتَأوَّلُ؛ ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎ إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَلامِ عَلَيْكُما ∗∗∗ ∗∗∗...................
عَلى تَأْوِيلاتٍ في البَيْتِ؛ وقَدْ مَضَتِ المَسْألَةُ في صَدْرِ الكِتابِ؛ و"اَلسُّلْطانُ": (p-٦٠٠)اَلْبُرْهانُ؛ وقَوْلُهُ: ﴿فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وعِيدٌ؛ وتَهْدِيدٌ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "فَأنْجَيْناهُ"؛﴾ [الأعراف: ٨٣] عائِدٌ عَلى هُودٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ أيْ: أخْرَجَهُ اللهُ تَعالى سالِمًا ؛ ناجِيًا؛ مَعَ مَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى وفَضْلِهِ؛ وخَرَجَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - ومَن آمَنَ مَعَهُ؛ حَتّى نَزَلُوا مَكَّةَ فَأقامُوا بِها حَتّى ماتُوا. ﴿وَقَطَعْنا دابِرَ﴾ ؛ اِسْتِعارَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِيمَن يُسْتَأْصَلُ بِالهَلاكِ؛ و"اَلدّابِرُ": اَلَّذِي يَدْبُرُ القَوْمُ؛ ويَأْتِي خَلْفَهُمْ؛ فَإذا انْتَهى القَطْعُ والِاسْتِئْصالُ إلى ذَلِكَ؛ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ؛ وقَوْلُهُ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأعراف: ٦٤] ؛ دالٌّ عَلى المُعْجِزَةِ؛ وإنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ لَها.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَإلى ثَمُودَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هو ثَمُودُ بْنُ غائِنِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ؛ أخُو جُدَيْسِ بْنِ غائِنٍ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "وَإلى ثَمُودٍ"؛ بِكَسْرِ الدالِ؛ وتَنْوِينِهِ في جَمِيعِ القُرْآنِ؛ وصَرْفُهُ عَلى اسْمِ الحَيِّ؛ وتَرْكُ صَرْفِهِ عَلى اسْمِ القَبِيلَةِ؛ قالَهُالزَجّاجُ ؛ وقالَ اللهُ تَعالى ﴿ألا إنَّ ثَمُودا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ [هود: ٦٨] ؛ فالمَعْنى: "وَأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهُمْ"؛ فَهو عُطِفَ عَلى نُوحٍ؛ والأُخُوَّةُ هُنا أُخُوَّةُ القَرابَةِ؛ وقالَ الزَجّاجُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أُخُوَّةَ الآدَمِيَّةِ؛ وسُمِّيَ أخاهم لَمّا بُعِثَ إلَيْهِمْ؛ وهم قَوْمٌ عَرَبٌ؛ وهُودٌ وصالِحٌ - عَلَيْهِما السَلامُ - عَرَبِيّانِ؛ وكَذَلِكَ إسْماعِيلُ وشُعَيْبٌ - عَلَيْهِما السَلامُ -؛ كَذا قالَ النَقّاشُ ؛ وفي أمْرِ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - نَظَرٌ؛ وصالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - هو صالِحُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عارِمَ بْنِ إرَمَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ؛ كَذا ذَكَرَ مَكِّيٌّ ؛ وقالَ وهْبٌ: بَعَثَهُ اللهُ تَعالى حِينَ راهَقَ الحُلُمَ؛ ولَمّا هَلَكَ قَوْمُهُ ارْتَحَلَ بِمَن مَعَهُ إلى مَكَّةَ؛ فَأقامُوا بِها حَتّى ماتُوا؛ فَقُبُورُهم بَيْنَ دارِ النَدْوَةِ؛ والحِجْرِ.
وقَوْلُهُ: "بَيِّنَةٌ"؛ صِفَةٌ؛ حُذِفَ المَوْصُوفُ؛ وأُقِيمَتْ مَقامَهُ؛ قالَ سِيبَوَيْهِ: وذَلِكَ قَبِيحٌ في النَكِرَةِ؛ أنْ تُحْذَفَ وتُقامَ صِفَتُها مَقامَها؛ لَكِنْ إذا كانَتِ الصِفَةُ كَثِيرَةَ الِاسْتِعْمالِ مُشْتَهِرَةً؛ وهي المَقْصُودُ في الأخْبارِ؛ والأُمَمِ؛ زالَ القُبْحُ؛ كَما تَقُولُ: "جاءَنِي عَبْدٌ لِبَنِي فُلانٍ"؛ وأنْتَ تُرِيدُ: "جاءَنِي رَجُلٌ عَبْدٌ"؛ لِأنَّ "عَبْدٌ"؛ صِفَةٌ؛ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ هُنا "بَيِّنَةٌ"؛ اَلْمَعْنى: آيَةٌ؛ أو حُجَّةٌ؛ أو مَوْعِظَةٌ بَيِّنَةٌ؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ صالِحًا - عَلَيْهِ السَلامُ - جاءَ بِالناقَةِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ؛ وهي الجُمْهُورُ: بَلْ كانَتْ مُقْتَرَحَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ألْيَقُ بِما ورَدَ في الآثارِ مِن أمْرِهِمْ؛ ورُوِيَ أنَّ بَعْضَهم قالَ: يا صالِحُ إنْ كُنْتَ (p-٦٠١)صادِقًا فادْعُ رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِن هَذِهِ الهَضْبَةِ - وفي بَعْضِ الرِواياتِ: مِن هَذِهِ الصَخْرَةِ؛ لِصَخْرَةٍ بِالحِجْرِ؛ يُقالُ لَها الكاثِبَةُ - ناقَةً عُشَراءَ؛ قالَ: فَدَعا اللهَ تَعالى فَتَمَخَّضَتْ تِلْكَ الهَضْبَةُ؛ وتَنَفَّضَتْ؛ وانْشَقَّتْ عن ناقَةٍ عَظِيمَةٍ؛ ورُوِيَ أنَّها كانَتْ حامِلًا؛ فَوَلَدَتْ سَقْبَها المَشْهُورَ؛ ورُوِيَ أنَّهُ خَرَجَ مَعَها فَصِيلُها مِنَ الصَخْرَةِ؛ ورُوِيَ أنَّ جَمَلًا مِن جِمالِ ثَمُودَ ضَرَبَها فَوَلَدَتْ فَصِيلَها المَشْهُورَ؛ وقِيلَ ﴿ "ناقَةُ اللهِ"؛﴾ تَشْرِيفًا لَها؛ وتَخْصِيصًا؛ وهي إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ؛ وقالَ الزَجّاجُ: وقِيلَ: إنَّها ناقَةٌ مِن سائِرِ النُوقِ؛ وجَعَلَ اللهُ تَعالى لَها شِرْبًا يَوْمًا؛ ولَهم شِرْبُ يَوْمٍ؛ وكانَتِ الآيَةُ في شِرْبِها وحَلْبِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وحَكى النَقّاشُ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: "هِيَ ناقَةٌ اعْتَرَضَها مِن إبِلِهِمْ؛ ولَمْ تَكُنْ تَحْلِبُ"؛ والَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أقْوى؛ وأصَحُّ مِن هَذا؛ قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَتْ حِلْفًا عَظِيمًا؛ تَأْتِي إلى الماءِ بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَيَزْحَمانِها مِنَ العِظَمِ؛ وقاسَمَتْ ثَمُودَ في الماءِ؛ يَوْمًا بِيَوْمٍ؛ فَكانَتْ تَرِدُ يَوْمَها فَتَسْتَوْفِي ماءَ بِئْرِ هَمْشَرِيّا؛ ويَحْلِبُونَها ما شاؤُوا مِن لَبَنٍ؛ ثُمَّ تَمْكُثُ يَوْمًا؛ وتَرِدُ بَعْدَ ذَلِكَ غَبًّا؛ فاسْتَمَرَّ ذَلِكَ ما شاءَ اللهُ تَعالى حَتّى أماتَها ثَمُودُ؛ وقالُوا: ما نَصْنَعُ بِاللَبَنِ؟ اَلْماءُ أحَبُّ إلَيْنا مِنهُ؛ وكانَ سَبَبُ المَلَلِ - فِيما رُوِيَ - أنَّها كانَتْ تُصَيِّفُ في بَطْنِ الوادِي؛ وادِي الحِجْرِ؛ وتَشْتُو في ظاهِرِهِ؛ فَكانَتْ مَواشِيهِمْ تَفِرُّ مِنها؛ فَتُصَيِّفُ في ظَهْرِ الوادِي لِلْقَيْظِ؛ وتَشْتُو في باطِنِهِ لِلزَّمْهَرِيرِ؛ وفَسَدَتْ لِذَلِكَ؛ فَتَمالَؤُوا عَلى قَتْلِ الناقَةِ؛ فَقالَ لَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - مَرَّةً: "إنَّ هَذا الشَهْرَ يُولَدُ فِيهِ مَوْلُودٌ يَكُونُ هَلاكُكم عَلى يَدَيْهِ"؛ فَوُلِدَ لِعَشَرَةِ نَفَرٍ أولادٌ فَذَبَحَ التِسْعَةُ أولادَهُمْ؛ وبَقِيَ العاشِرُ؛ وهو سالِفٌ؛ أبُو قِدارٍ؛ فَنَشَأ قِدارٌ أحْمَرَ أزْرَقَ؛ فَكانَ التِسْعَةُ إذا رَأوهُ قالُوا: لَوْ عاشَ بَنُونا كانُوا مِثْلَ هَذا؛ فَأحْفَظَهم أنْ قَتَلُوا أولادَهم بِكَلامِ صالِحٍ؛ فَأجْمَعُوا عَلى قَتْلِهِ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فَخَرَجُوا وكَمَنُوا في غارٍ لِيُبَيِّتُوهُ - عَلَيْهِ السَلامُ -مِنهُ؛ وتَقاسَمُوا ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ [النمل: ٤٩] ؛ فَسَقَطَ الغارُ عَلَيْهِمْ؛ فَماتُوا؛ فَهُمُ الرَهْطُ التِسْعَةُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللهُ تَعالى في كِتابِهِ.
وهَمَّ قِدارُ بْنُ سالِفٍ؛ ومِصْدَعُ بْنُ مِهْرَجٍ؛ وضَمّا إلى (p-٦٠٢)نَفْسَيْهِما سَبْعَةَ نَفَرٍ؛ وعَزَمُوا عَلى عَقْرِ الناقَةِ؛ ورُوِيَ أنَّ السَبَبَ في ذَلِكَ أنَّ امْرَأتَيْنِ مِن ثَمُودَ؛ مِن أعْداءِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - جَعَلَتا لِقِدارٍ ومِصْدَعٍ أنْفُسَهُما؛ وأمْوالَهُما؛ عَلى أنْ يَعْقِرا الناقَةَ؛ وكانَتا مِن أهْلِ الجَمالِ؛ وقِيلَ: إنَّ قِدارًا شَرِبَ الخَمْرَ مَعَ قَوْمٍ؛ فَطَلَبُوا ماءً يَمْزُجُونَ بِهِ الخَمْرَ؛ فَلَمْ يَجِدُوهُ؛ لِشُرْبِ الناقَةِ؛ فَعَزَمُوا عَلى عَقْرِها حِينَئِذٍ؛ فَخَرَجُوا؛ وجَلَسُوا عَلى طَرِيقِها؛ وكَمَنَ لَها قِدارٌ خَلْفَ صَخْرَةٍ؛ فَلَمّا دَنَتْ مِنهُ رَماها بِالحَرْبَةِ؛ ثُمَّ سَقَطَتْ فَنَحَرَها؛ ثُمَّ اتَّبَعُوا الفَصِيلَ؛ فَهَرَبَ مِنهُمْ؛ حَتّى عَلا رَبْوَةً؛ ورَغا ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ واسْتَغاثَ؛ فَلَحِقُوهُ؛ وعَقَرُوهُ؛ وفي بَعْضِ الرِواياتِ أنَّهم وجَدُوا الفَصِيلَ عَلى رابِيَةٍ مِنَ الأرْضِ؛ فَأرادُوهُ فارْتَفَعَتْ بِهِ؛ حَتّى لَحِقَتْ بِهِ في السَماءِ؛ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ؛ فَرَغا الفَصِيلُ مُسْتَغِيثًا بِاللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ فَأوحى اللهُ تَعالى إلى صالِحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - أنْ (مُرْهم فَلْيَتَمَتَّعُوا في دارِهِمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ)؛ وحَكى النَقّاشُ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللهَ تَعالى أنْطَقَ الفَصِيلَ؛ فَنادى: أيْنَ أُمِّي؟ فَقالَ لَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ -: "إنَّ العَذابَ واقِعٌ بِكم في الرابِعِ مِن عَقْرِ الناقَةِ"؛ ورُوِيَ أنَّها عُقِرَتْ يَوْمَ الأرْبِعاءِ؛ وقالَ لَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ -: "تَحْمَرُّ وُجُوهُكم غَدًا؛ وتَصْفَرُّ في الثانِي؛ وتَسْوَدُّ في الثالِثِ؛ ويَنْزِلُ العَذابُ في الرابِعِ؛ يَوْمَ الأحَدِ"؛ فَلَمّا ظَهَرَتِ العَلامَةُ الَّتِي قالَ لَهُمْ؛ أيْقَنُوا؛ واسْتَعَدُّوا؛ ولَطَّخُوا أبْدانَهم بِالمَنِّ؛ وحَفَرُوا القُبُورَ؛ وتَحَنَّطُوا؛ فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ؛ وخَرَجَ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - ومَن مَعَهُ حَتّى نَزَلَ رَمَلَةَ فِلَسْطِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا القَصَصُ اقْتَضَبْتُهُ مِن كَثِيرٍ أورَدَهُ الطَبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - رَغْبَةَ الإيجازِ.
وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: أتَيْتُ بِلادَ ثَمُودَ فَذَرَعْتُ صَدْرَ الناقَةِ فَوَجَدْتُهُ سِتِّينَ ذِراعًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وبِلادُ ثَمُودَ هي بَيْنَ الشامِ والمَدِينَةِ؛ وهي الَّتِي مَرَّ بِها رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَعَ المُسْلِمِينَ في غَزْوَةِ "تَبُوكَ"؛ فَقالَ: « "لا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ؛ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ؛ أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَهُمْ"؛» ثُمَّ اعْتَجَرَ بِعِمامَتِهِ؛ وأسْرَعَ السَيْرَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
ورُوِيَ أنَّ المَسافَةَ (p-٦٠٣)الَّتِي أهْلَكَتِ الصَيْحَةُ أهْلَها هي ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا؛ وهِيَ: بِلادُ الحِجْرِ؛ ومَراتِعُها الجَنابُ؛ وحَسْمِي إلى وادِي القُرى؛ وما حَوْلَهُ؛ وقِيلَ في قِدارٍ: إنَّهُ ولَدُ زِنًا؛ مِن رَجُلٍ يُقالُ لَهُ: "ظَبْيانُ"؛ ووُلِدَ عَلى فِراشِ سالِفٍ؛ فَنُسِبَ إلَيْهِ؛ ذَكَرَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَرَّ بِقَبْرٍ؛ فَقالَ: "أتَعْرِفُونَ ما هَذا؟"؛ قالُوا: لا؛ قالَ: "هَذا قَبْرُ أبِي رُغالٍ الَّذِي هو أبُو ثَقِيفٍ؛ كانَ مِن ثَمُودَ؛ فَأصابَ قَوْمَهُ البَلاءُ وهو بِالحَرَمِ؛ فَسَلِمَ؛ فَلَمّا خَرَجَ مِنَ الحَرَمِ أصابَهُ ما أصابَهُمْ؛ فَدُفِنَ هُنا؛ وجُعِلَ مَعَهُ غُصْنٌ مِن ذَهَبٍ"؛ قالَ: فابْتَدَرَ القَوْمُ بِأسْيافِهِمْ؛ فَحَفَرُوا حَتّى أخْرَجُوا الغُصْنَ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا الخَبَرُ يُؤَيِّدُ ما في السِيَرِ مِن أنَّ أبا رُغالٍ هو دَلِيلُ الفِيلِ؛ وحَبِيسُهُ إلى مَكَّةَ؛ واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
الأعراف 7:72
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِن سُلْطانٍ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِن المُنْتَظِرِينَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم هَذِهِ ناقَةُ اللهَ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللهَ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾
أعْلَمَهم بِأنَّ القَضاءَ قَدْ نَفَذَ؛ وحَلَّ عَلَيْهِمُ الرِجْزُ؛ وهو السُخْطُ؛ والعَذابُ؛ يُقالُ: "رِجْسٌ"؛ و"رِجْزٌ"؛ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ ؛ وقالَ الشاعِرُ:
؎ إذا سَنَةٌ كانَتْ بِنَجْدٍ مُحِيطَةً ∗∗∗ فَكانَ عَلَيْهِمْ رِجْسُها وعَذابُها
وقَدْ يَأْتِي الرِجْسَ أيْضًا بِمَعْنى "اَلنَّتَنُ"؛ و"اَلْقَذَرُ"؛ ويُقالُ في "اَلرَّجِيعُ": "رِجْسٌ"؛ و"رِكْزٌ"؛ وهَذا الرِجْسُ هو المُسْتَعارُ لِلْمُحَرَّماتِ؛ أيْ يَنْبَغِي أنْ يُجْتَنَبَ كَما يُجْتَنَبُ النَتَنُ؛ (p-٥٩٩)وَنَحْوَهُ في المَعْنى «قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في خَبَرِ جَهْجاهٍ الغِفارِيِّ؛ وسِنانِ بْنِ وبْرَةَ الأنْصارِيِّ حِينَ دَعَوا بِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ: "دَعُوها فَإنَّها مُنْتِنَةٌ".»
وقَوْلُهُ: ﴿أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ ؛ إنَّما يُرِيدُ أنَّهم يُخاصِمُونَهُ في أنْ تُسَمّى آلِهَةً؛ فالجَدَلُ إنَّما وقَعَ في التَسْمِياتِ؛ لا في المُسَمَّياتِ؛ لَكِنَّهُ ورَدَ في القُرْآنِ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ﴾ [يوسف: ٤٠] ؛ فَهُنا لا يُرِيدُ إلّا ذَواتَ الأصْنامِ؛ فالِاسْمُ إنَّما يُرادُ بِهِ المُسَمّى نَفْسُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَن رَأى أنَّ الجَدَلَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما وقَعَ في أنْفُسِ الأصْنامِ وعِبادَتِها تَأوَّلَ هَذا التَأْوِيلَ؛ والِاسْمُ يَرِدُ في كَلامِ العَرَبِ بِمَعْنى التَسْمِيَةِ؛ وهَذا بابُهُ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ بِهِ النَحْوِيُّونَ؛ وقَدْ يُرادُ بِهِ المُسَمّى؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما قارَبَهُ مِنَ القَوْلِ؛ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] ؛ عَلى أنَّ هَذا يُتَأوَّلُ؛ ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎ إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَلامِ عَلَيْكُما ∗∗∗ ∗∗∗...................
عَلى تَأْوِيلاتٍ في البَيْتِ؛ وقَدْ مَضَتِ المَسْألَةُ في صَدْرِ الكِتابِ؛ و"اَلسُّلْطانُ": (p-٦٠٠)اَلْبُرْهانُ؛ وقَوْلُهُ: ﴿فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وعِيدٌ؛ وتَهْدِيدٌ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "فَأنْجَيْناهُ"؛﴾ [الأعراف: ٨٣] عائِدٌ عَلى هُودٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ أيْ: أخْرَجَهُ اللهُ تَعالى سالِمًا ؛ ناجِيًا؛ مَعَ مَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى وفَضْلِهِ؛ وخَرَجَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - ومَن آمَنَ مَعَهُ؛ حَتّى نَزَلُوا مَكَّةَ فَأقامُوا بِها حَتّى ماتُوا. ﴿وَقَطَعْنا دابِرَ﴾ ؛ اِسْتِعارَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِيمَن يُسْتَأْصَلُ بِالهَلاكِ؛ و"اَلدّابِرُ": اَلَّذِي يَدْبُرُ القَوْمُ؛ ويَأْتِي خَلْفَهُمْ؛ فَإذا انْتَهى القَطْعُ والِاسْتِئْصالُ إلى ذَلِكَ؛ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ؛ وقَوْلُهُ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأعراف: ٦٤] ؛ دالٌّ عَلى المُعْجِزَةِ؛ وإنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ لَها.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَإلى ثَمُودَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هو ثَمُودُ بْنُ غائِنِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ؛ أخُو جُدَيْسِ بْنِ غائِنٍ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "وَإلى ثَمُودٍ"؛ بِكَسْرِ الدالِ؛ وتَنْوِينِهِ في جَمِيعِ القُرْآنِ؛ وصَرْفُهُ عَلى اسْمِ الحَيِّ؛ وتَرْكُ صَرْفِهِ عَلى اسْمِ القَبِيلَةِ؛ قالَهُالزَجّاجُ ؛ وقالَ اللهُ تَعالى ﴿ألا إنَّ ثَمُودا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ [هود: ٦٨] ؛ فالمَعْنى: "وَأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهُمْ"؛ فَهو عُطِفَ عَلى نُوحٍ؛ والأُخُوَّةُ هُنا أُخُوَّةُ القَرابَةِ؛ وقالَ الزَجّاجُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أُخُوَّةَ الآدَمِيَّةِ؛ وسُمِّيَ أخاهم لَمّا بُعِثَ إلَيْهِمْ؛ وهم قَوْمٌ عَرَبٌ؛ وهُودٌ وصالِحٌ - عَلَيْهِما السَلامُ - عَرَبِيّانِ؛ وكَذَلِكَ إسْماعِيلُ وشُعَيْبٌ - عَلَيْهِما السَلامُ -؛ كَذا قالَ النَقّاشُ ؛ وفي أمْرِ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - نَظَرٌ؛ وصالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - هو صالِحُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عارِمَ بْنِ إرَمَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ؛ كَذا ذَكَرَ مَكِّيٌّ ؛ وقالَ وهْبٌ: بَعَثَهُ اللهُ تَعالى حِينَ راهَقَ الحُلُمَ؛ ولَمّا هَلَكَ قَوْمُهُ ارْتَحَلَ بِمَن مَعَهُ إلى مَكَّةَ؛ فَأقامُوا بِها حَتّى ماتُوا؛ فَقُبُورُهم بَيْنَ دارِ النَدْوَةِ؛ والحِجْرِ.
وقَوْلُهُ: "بَيِّنَةٌ"؛ صِفَةٌ؛ حُذِفَ المَوْصُوفُ؛ وأُقِيمَتْ مَقامَهُ؛ قالَ سِيبَوَيْهِ: وذَلِكَ قَبِيحٌ في النَكِرَةِ؛ أنْ تُحْذَفَ وتُقامَ صِفَتُها مَقامَها؛ لَكِنْ إذا كانَتِ الصِفَةُ كَثِيرَةَ الِاسْتِعْمالِ مُشْتَهِرَةً؛ وهي المَقْصُودُ في الأخْبارِ؛ والأُمَمِ؛ زالَ القُبْحُ؛ كَما تَقُولُ: "جاءَنِي عَبْدٌ لِبَنِي فُلانٍ"؛ وأنْتَ تُرِيدُ: "جاءَنِي رَجُلٌ عَبْدٌ"؛ لِأنَّ "عَبْدٌ"؛ صِفَةٌ؛ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ هُنا "بَيِّنَةٌ"؛ اَلْمَعْنى: آيَةٌ؛ أو حُجَّةٌ؛ أو مَوْعِظَةٌ بَيِّنَةٌ؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ صالِحًا - عَلَيْهِ السَلامُ - جاءَ بِالناقَةِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ؛ وهي الجُمْهُورُ: بَلْ كانَتْ مُقْتَرَحَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ألْيَقُ بِما ورَدَ في الآثارِ مِن أمْرِهِمْ؛ ورُوِيَ أنَّ بَعْضَهم قالَ: يا صالِحُ إنْ كُنْتَ (p-٦٠١)صادِقًا فادْعُ رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِن هَذِهِ الهَضْبَةِ - وفي بَعْضِ الرِواياتِ: مِن هَذِهِ الصَخْرَةِ؛ لِصَخْرَةٍ بِالحِجْرِ؛ يُقالُ لَها الكاثِبَةُ - ناقَةً عُشَراءَ؛ قالَ: فَدَعا اللهَ تَعالى فَتَمَخَّضَتْ تِلْكَ الهَضْبَةُ؛ وتَنَفَّضَتْ؛ وانْشَقَّتْ عن ناقَةٍ عَظِيمَةٍ؛ ورُوِيَ أنَّها كانَتْ حامِلًا؛ فَوَلَدَتْ سَقْبَها المَشْهُورَ؛ ورُوِيَ أنَّهُ خَرَجَ مَعَها فَصِيلُها مِنَ الصَخْرَةِ؛ ورُوِيَ أنَّ جَمَلًا مِن جِمالِ ثَمُودَ ضَرَبَها فَوَلَدَتْ فَصِيلَها المَشْهُورَ؛ وقِيلَ ﴿ "ناقَةُ اللهِ"؛﴾ تَشْرِيفًا لَها؛ وتَخْصِيصًا؛ وهي إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ؛ وقالَ الزَجّاجُ: وقِيلَ: إنَّها ناقَةٌ مِن سائِرِ النُوقِ؛ وجَعَلَ اللهُ تَعالى لَها شِرْبًا يَوْمًا؛ ولَهم شِرْبُ يَوْمٍ؛ وكانَتِ الآيَةُ في شِرْبِها وحَلْبِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وحَكى النَقّاشُ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: "هِيَ ناقَةٌ اعْتَرَضَها مِن إبِلِهِمْ؛ ولَمْ تَكُنْ تَحْلِبُ"؛ والَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أقْوى؛ وأصَحُّ مِن هَذا؛ قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَتْ حِلْفًا عَظِيمًا؛ تَأْتِي إلى الماءِ بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَيَزْحَمانِها مِنَ العِظَمِ؛ وقاسَمَتْ ثَمُودَ في الماءِ؛ يَوْمًا بِيَوْمٍ؛ فَكانَتْ تَرِدُ يَوْمَها فَتَسْتَوْفِي ماءَ بِئْرِ هَمْشَرِيّا؛ ويَحْلِبُونَها ما شاؤُوا مِن لَبَنٍ؛ ثُمَّ تَمْكُثُ يَوْمًا؛ وتَرِدُ بَعْدَ ذَلِكَ غَبًّا؛ فاسْتَمَرَّ ذَلِكَ ما شاءَ اللهُ تَعالى حَتّى أماتَها ثَمُودُ؛ وقالُوا: ما نَصْنَعُ بِاللَبَنِ؟ اَلْماءُ أحَبُّ إلَيْنا مِنهُ؛ وكانَ سَبَبُ المَلَلِ - فِيما رُوِيَ - أنَّها كانَتْ تُصَيِّفُ في بَطْنِ الوادِي؛ وادِي الحِجْرِ؛ وتَشْتُو في ظاهِرِهِ؛ فَكانَتْ مَواشِيهِمْ تَفِرُّ مِنها؛ فَتُصَيِّفُ في ظَهْرِ الوادِي لِلْقَيْظِ؛ وتَشْتُو في باطِنِهِ لِلزَّمْهَرِيرِ؛ وفَسَدَتْ لِذَلِكَ؛ فَتَمالَؤُوا عَلى قَتْلِ الناقَةِ؛ فَقالَ لَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - مَرَّةً: "إنَّ هَذا الشَهْرَ يُولَدُ فِيهِ مَوْلُودٌ يَكُونُ هَلاكُكم عَلى يَدَيْهِ"؛ فَوُلِدَ لِعَشَرَةِ نَفَرٍ أولادٌ فَذَبَحَ التِسْعَةُ أولادَهُمْ؛ وبَقِيَ العاشِرُ؛ وهو سالِفٌ؛ أبُو قِدارٍ؛ فَنَشَأ قِدارٌ أحْمَرَ أزْرَقَ؛ فَكانَ التِسْعَةُ إذا رَأوهُ قالُوا: لَوْ عاشَ بَنُونا كانُوا مِثْلَ هَذا؛ فَأحْفَظَهم أنْ قَتَلُوا أولادَهم بِكَلامِ صالِحٍ؛ فَأجْمَعُوا عَلى قَتْلِهِ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فَخَرَجُوا وكَمَنُوا في غارٍ لِيُبَيِّتُوهُ - عَلَيْهِ السَلامُ -مِنهُ؛ وتَقاسَمُوا ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ [النمل: ٤٩] ؛ فَسَقَطَ الغارُ عَلَيْهِمْ؛ فَماتُوا؛ فَهُمُ الرَهْطُ التِسْعَةُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللهُ تَعالى في كِتابِهِ.
وهَمَّ قِدارُ بْنُ سالِفٍ؛ ومِصْدَعُ بْنُ مِهْرَجٍ؛ وضَمّا إلى (p-٦٠٢)نَفْسَيْهِما سَبْعَةَ نَفَرٍ؛ وعَزَمُوا عَلى عَقْرِ الناقَةِ؛ ورُوِيَ أنَّ السَبَبَ في ذَلِكَ أنَّ امْرَأتَيْنِ مِن ثَمُودَ؛ مِن أعْداءِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - جَعَلَتا لِقِدارٍ ومِصْدَعٍ أنْفُسَهُما؛ وأمْوالَهُما؛ عَلى أنْ يَعْقِرا الناقَةَ؛ وكانَتا مِن أهْلِ الجَمالِ؛ وقِيلَ: إنَّ قِدارًا شَرِبَ الخَمْرَ مَعَ قَوْمٍ؛ فَطَلَبُوا ماءً يَمْزُجُونَ بِهِ الخَمْرَ؛ فَلَمْ يَجِدُوهُ؛ لِشُرْبِ الناقَةِ؛ فَعَزَمُوا عَلى عَقْرِها حِينَئِذٍ؛ فَخَرَجُوا؛ وجَلَسُوا عَلى طَرِيقِها؛ وكَمَنَ لَها قِدارٌ خَلْفَ صَخْرَةٍ؛ فَلَمّا دَنَتْ مِنهُ رَماها بِالحَرْبَةِ؛ ثُمَّ سَقَطَتْ فَنَحَرَها؛ ثُمَّ اتَّبَعُوا الفَصِيلَ؛ فَهَرَبَ مِنهُمْ؛ حَتّى عَلا رَبْوَةً؛ ورَغا ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ واسْتَغاثَ؛ فَلَحِقُوهُ؛ وعَقَرُوهُ؛ وفي بَعْضِ الرِواياتِ أنَّهم وجَدُوا الفَصِيلَ عَلى رابِيَةٍ مِنَ الأرْضِ؛ فَأرادُوهُ فارْتَفَعَتْ بِهِ؛ حَتّى لَحِقَتْ بِهِ في السَماءِ؛ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ؛ فَرَغا الفَصِيلُ مُسْتَغِيثًا بِاللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ فَأوحى اللهُ تَعالى إلى صالِحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - أنْ (مُرْهم فَلْيَتَمَتَّعُوا في دارِهِمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ)؛ وحَكى النَقّاشُ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللهَ تَعالى أنْطَقَ الفَصِيلَ؛ فَنادى: أيْنَ أُمِّي؟ فَقالَ لَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ -: "إنَّ العَذابَ واقِعٌ بِكم في الرابِعِ مِن عَقْرِ الناقَةِ"؛ ورُوِيَ أنَّها عُقِرَتْ يَوْمَ الأرْبِعاءِ؛ وقالَ لَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ -: "تَحْمَرُّ وُجُوهُكم غَدًا؛ وتَصْفَرُّ في الثانِي؛ وتَسْوَدُّ في الثالِثِ؛ ويَنْزِلُ العَذابُ في الرابِعِ؛ يَوْمَ الأحَدِ"؛ فَلَمّا ظَهَرَتِ العَلامَةُ الَّتِي قالَ لَهُمْ؛ أيْقَنُوا؛ واسْتَعَدُّوا؛ ولَطَّخُوا أبْدانَهم بِالمَنِّ؛ وحَفَرُوا القُبُورَ؛ وتَحَنَّطُوا؛ فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ؛ وخَرَجَ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - ومَن مَعَهُ حَتّى نَزَلَ رَمَلَةَ فِلَسْطِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا القَصَصُ اقْتَضَبْتُهُ مِن كَثِيرٍ أورَدَهُ الطَبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - رَغْبَةَ الإيجازِ.
وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: أتَيْتُ بِلادَ ثَمُودَ فَذَرَعْتُ صَدْرَ الناقَةِ فَوَجَدْتُهُ سِتِّينَ ذِراعًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وبِلادُ ثَمُودَ هي بَيْنَ الشامِ والمَدِينَةِ؛ وهي الَّتِي مَرَّ بِها رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَعَ المُسْلِمِينَ في غَزْوَةِ "تَبُوكَ"؛ فَقالَ: « "لا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ؛ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ؛ أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَهُمْ"؛» ثُمَّ اعْتَجَرَ بِعِمامَتِهِ؛ وأسْرَعَ السَيْرَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
ورُوِيَ أنَّ المَسافَةَ (p-٦٠٣)الَّتِي أهْلَكَتِ الصَيْحَةُ أهْلَها هي ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا؛ وهِيَ: بِلادُ الحِجْرِ؛ ومَراتِعُها الجَنابُ؛ وحَسْمِي إلى وادِي القُرى؛ وما حَوْلَهُ؛ وقِيلَ في قِدارٍ: إنَّهُ ولَدُ زِنًا؛ مِن رَجُلٍ يُقالُ لَهُ: "ظَبْيانُ"؛ ووُلِدَ عَلى فِراشِ سالِفٍ؛ فَنُسِبَ إلَيْهِ؛ ذَكَرَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَرَّ بِقَبْرٍ؛ فَقالَ: "أتَعْرِفُونَ ما هَذا؟"؛ قالُوا: لا؛ قالَ: "هَذا قَبْرُ أبِي رُغالٍ الَّذِي هو أبُو ثَقِيفٍ؛ كانَ مِن ثَمُودَ؛ فَأصابَ قَوْمَهُ البَلاءُ وهو بِالحَرَمِ؛ فَسَلِمَ؛ فَلَمّا خَرَجَ مِنَ الحَرَمِ أصابَهُ ما أصابَهُمْ؛ فَدُفِنَ هُنا؛ وجُعِلَ مَعَهُ غُصْنٌ مِن ذَهَبٍ"؛ قالَ: فابْتَدَرَ القَوْمُ بِأسْيافِهِمْ؛ فَحَفَرُوا حَتّى أخْرَجُوا الغُصْنَ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا الخَبَرُ يُؤَيِّدُ ما في السِيَرِ مِن أنَّ أبا رُغالٍ هو دَلِيلُ الفِيلِ؛ وحَبِيسُهُ إلى مَكَّةَ؛ واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
الأعراف 7:73
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِن سُلْطانٍ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِن المُنْتَظِرِينَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم هَذِهِ ناقَةُ اللهَ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللهَ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾
أعْلَمَهم بِأنَّ القَضاءَ قَدْ نَفَذَ؛ وحَلَّ عَلَيْهِمُ الرِجْزُ؛ وهو السُخْطُ؛ والعَذابُ؛ يُقالُ: "رِجْسٌ"؛ و"رِجْزٌ"؛ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ ؛ وقالَ الشاعِرُ:
؎ إذا سَنَةٌ كانَتْ بِنَجْدٍ مُحِيطَةً ∗∗∗ فَكانَ عَلَيْهِمْ رِجْسُها وعَذابُها
وقَدْ يَأْتِي الرِجْسَ أيْضًا بِمَعْنى "اَلنَّتَنُ"؛ و"اَلْقَذَرُ"؛ ويُقالُ في "اَلرَّجِيعُ": "رِجْسٌ"؛ و"رِكْزٌ"؛ وهَذا الرِجْسُ هو المُسْتَعارُ لِلْمُحَرَّماتِ؛ أيْ يَنْبَغِي أنْ يُجْتَنَبَ كَما يُجْتَنَبُ النَتَنُ؛ (p-٥٩٩)وَنَحْوَهُ في المَعْنى «قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في خَبَرِ جَهْجاهٍ الغِفارِيِّ؛ وسِنانِ بْنِ وبْرَةَ الأنْصارِيِّ حِينَ دَعَوا بِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ: "دَعُوها فَإنَّها مُنْتِنَةٌ".»
وقَوْلُهُ: ﴿أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ ؛ إنَّما يُرِيدُ أنَّهم يُخاصِمُونَهُ في أنْ تُسَمّى آلِهَةً؛ فالجَدَلُ إنَّما وقَعَ في التَسْمِياتِ؛ لا في المُسَمَّياتِ؛ لَكِنَّهُ ورَدَ في القُرْآنِ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ﴾ [يوسف: ٤٠] ؛ فَهُنا لا يُرِيدُ إلّا ذَواتَ الأصْنامِ؛ فالِاسْمُ إنَّما يُرادُ بِهِ المُسَمّى نَفْسُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَن رَأى أنَّ الجَدَلَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما وقَعَ في أنْفُسِ الأصْنامِ وعِبادَتِها تَأوَّلَ هَذا التَأْوِيلَ؛ والِاسْمُ يَرِدُ في كَلامِ العَرَبِ بِمَعْنى التَسْمِيَةِ؛ وهَذا بابُهُ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ بِهِ النَحْوِيُّونَ؛ وقَدْ يُرادُ بِهِ المُسَمّى؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما قارَبَهُ مِنَ القَوْلِ؛ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] ؛ عَلى أنَّ هَذا يُتَأوَّلُ؛ ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎ إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَلامِ عَلَيْكُما ∗∗∗ ∗∗∗...................
عَلى تَأْوِيلاتٍ في البَيْتِ؛ وقَدْ مَضَتِ المَسْألَةُ في صَدْرِ الكِتابِ؛ و"اَلسُّلْطانُ": (p-٦٠٠)اَلْبُرْهانُ؛ وقَوْلُهُ: ﴿فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وعِيدٌ؛ وتَهْدِيدٌ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "فَأنْجَيْناهُ"؛﴾ [الأعراف: ٨٣] عائِدٌ عَلى هُودٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ أيْ: أخْرَجَهُ اللهُ تَعالى سالِمًا ؛ ناجِيًا؛ مَعَ مَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى وفَضْلِهِ؛ وخَرَجَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - ومَن آمَنَ مَعَهُ؛ حَتّى نَزَلُوا مَكَّةَ فَأقامُوا بِها حَتّى ماتُوا. ﴿وَقَطَعْنا دابِرَ﴾ ؛ اِسْتِعارَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِيمَن يُسْتَأْصَلُ بِالهَلاكِ؛ و"اَلدّابِرُ": اَلَّذِي يَدْبُرُ القَوْمُ؛ ويَأْتِي خَلْفَهُمْ؛ فَإذا انْتَهى القَطْعُ والِاسْتِئْصالُ إلى ذَلِكَ؛ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ؛ وقَوْلُهُ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأعراف: ٦٤] ؛ دالٌّ عَلى المُعْجِزَةِ؛ وإنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ لَها.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَإلى ثَمُودَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هو ثَمُودُ بْنُ غائِنِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ؛ أخُو جُدَيْسِ بْنِ غائِنٍ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "وَإلى ثَمُودٍ"؛ بِكَسْرِ الدالِ؛ وتَنْوِينِهِ في جَمِيعِ القُرْآنِ؛ وصَرْفُهُ عَلى اسْمِ الحَيِّ؛ وتَرْكُ صَرْفِهِ عَلى اسْمِ القَبِيلَةِ؛ قالَهُالزَجّاجُ ؛ وقالَ اللهُ تَعالى ﴿ألا إنَّ ثَمُودا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ [هود: ٦٨] ؛ فالمَعْنى: "وَأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهُمْ"؛ فَهو عُطِفَ عَلى نُوحٍ؛ والأُخُوَّةُ هُنا أُخُوَّةُ القَرابَةِ؛ وقالَ الزَجّاجُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أُخُوَّةَ الآدَمِيَّةِ؛ وسُمِّيَ أخاهم لَمّا بُعِثَ إلَيْهِمْ؛ وهم قَوْمٌ عَرَبٌ؛ وهُودٌ وصالِحٌ - عَلَيْهِما السَلامُ - عَرَبِيّانِ؛ وكَذَلِكَ إسْماعِيلُ وشُعَيْبٌ - عَلَيْهِما السَلامُ -؛ كَذا قالَ النَقّاشُ ؛ وفي أمْرِ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - نَظَرٌ؛ وصالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - هو صالِحُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عارِمَ بْنِ إرَمَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ؛ كَذا ذَكَرَ مَكِّيٌّ ؛ وقالَ وهْبٌ: بَعَثَهُ اللهُ تَعالى حِينَ راهَقَ الحُلُمَ؛ ولَمّا هَلَكَ قَوْمُهُ ارْتَحَلَ بِمَن مَعَهُ إلى مَكَّةَ؛ فَأقامُوا بِها حَتّى ماتُوا؛ فَقُبُورُهم بَيْنَ دارِ النَدْوَةِ؛ والحِجْرِ.
وقَوْلُهُ: "بَيِّنَةٌ"؛ صِفَةٌ؛ حُذِفَ المَوْصُوفُ؛ وأُقِيمَتْ مَقامَهُ؛ قالَ سِيبَوَيْهِ: وذَلِكَ قَبِيحٌ في النَكِرَةِ؛ أنْ تُحْذَفَ وتُقامَ صِفَتُها مَقامَها؛ لَكِنْ إذا كانَتِ الصِفَةُ كَثِيرَةَ الِاسْتِعْمالِ مُشْتَهِرَةً؛ وهي المَقْصُودُ في الأخْبارِ؛ والأُمَمِ؛ زالَ القُبْحُ؛ كَما تَقُولُ: "جاءَنِي عَبْدٌ لِبَنِي فُلانٍ"؛ وأنْتَ تُرِيدُ: "جاءَنِي رَجُلٌ عَبْدٌ"؛ لِأنَّ "عَبْدٌ"؛ صِفَةٌ؛ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ هُنا "بَيِّنَةٌ"؛ اَلْمَعْنى: آيَةٌ؛ أو حُجَّةٌ؛ أو مَوْعِظَةٌ بَيِّنَةٌ؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ صالِحًا - عَلَيْهِ السَلامُ - جاءَ بِالناقَةِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ؛ وهي الجُمْهُورُ: بَلْ كانَتْ مُقْتَرَحَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ألْيَقُ بِما ورَدَ في الآثارِ مِن أمْرِهِمْ؛ ورُوِيَ أنَّ بَعْضَهم قالَ: يا صالِحُ إنْ كُنْتَ (p-٦٠١)صادِقًا فادْعُ رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِن هَذِهِ الهَضْبَةِ - وفي بَعْضِ الرِواياتِ: مِن هَذِهِ الصَخْرَةِ؛ لِصَخْرَةٍ بِالحِجْرِ؛ يُقالُ لَها الكاثِبَةُ - ناقَةً عُشَراءَ؛ قالَ: فَدَعا اللهَ تَعالى فَتَمَخَّضَتْ تِلْكَ الهَضْبَةُ؛ وتَنَفَّضَتْ؛ وانْشَقَّتْ عن ناقَةٍ عَظِيمَةٍ؛ ورُوِيَ أنَّها كانَتْ حامِلًا؛ فَوَلَدَتْ سَقْبَها المَشْهُورَ؛ ورُوِيَ أنَّهُ خَرَجَ مَعَها فَصِيلُها مِنَ الصَخْرَةِ؛ ورُوِيَ أنَّ جَمَلًا مِن جِمالِ ثَمُودَ ضَرَبَها فَوَلَدَتْ فَصِيلَها المَشْهُورَ؛ وقِيلَ ﴿ "ناقَةُ اللهِ"؛﴾ تَشْرِيفًا لَها؛ وتَخْصِيصًا؛ وهي إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ؛ وقالَ الزَجّاجُ: وقِيلَ: إنَّها ناقَةٌ مِن سائِرِ النُوقِ؛ وجَعَلَ اللهُ تَعالى لَها شِرْبًا يَوْمًا؛ ولَهم شِرْبُ يَوْمٍ؛ وكانَتِ الآيَةُ في شِرْبِها وحَلْبِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وحَكى النَقّاشُ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: "هِيَ ناقَةٌ اعْتَرَضَها مِن إبِلِهِمْ؛ ولَمْ تَكُنْ تَحْلِبُ"؛ والَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أقْوى؛ وأصَحُّ مِن هَذا؛ قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَتْ حِلْفًا عَظِيمًا؛ تَأْتِي إلى الماءِ بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَيَزْحَمانِها مِنَ العِظَمِ؛ وقاسَمَتْ ثَمُودَ في الماءِ؛ يَوْمًا بِيَوْمٍ؛ فَكانَتْ تَرِدُ يَوْمَها فَتَسْتَوْفِي ماءَ بِئْرِ هَمْشَرِيّا؛ ويَحْلِبُونَها ما شاؤُوا مِن لَبَنٍ؛ ثُمَّ تَمْكُثُ يَوْمًا؛ وتَرِدُ بَعْدَ ذَلِكَ غَبًّا؛ فاسْتَمَرَّ ذَلِكَ ما شاءَ اللهُ تَعالى حَتّى أماتَها ثَمُودُ؛ وقالُوا: ما نَصْنَعُ بِاللَبَنِ؟ اَلْماءُ أحَبُّ إلَيْنا مِنهُ؛ وكانَ سَبَبُ المَلَلِ - فِيما رُوِيَ - أنَّها كانَتْ تُصَيِّفُ في بَطْنِ الوادِي؛ وادِي الحِجْرِ؛ وتَشْتُو في ظاهِرِهِ؛ فَكانَتْ مَواشِيهِمْ تَفِرُّ مِنها؛ فَتُصَيِّفُ في ظَهْرِ الوادِي لِلْقَيْظِ؛ وتَشْتُو في باطِنِهِ لِلزَّمْهَرِيرِ؛ وفَسَدَتْ لِذَلِكَ؛ فَتَمالَؤُوا عَلى قَتْلِ الناقَةِ؛ فَقالَ لَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - مَرَّةً: "إنَّ هَذا الشَهْرَ يُولَدُ فِيهِ مَوْلُودٌ يَكُونُ هَلاكُكم عَلى يَدَيْهِ"؛ فَوُلِدَ لِعَشَرَةِ نَفَرٍ أولادٌ فَذَبَحَ التِسْعَةُ أولادَهُمْ؛ وبَقِيَ العاشِرُ؛ وهو سالِفٌ؛ أبُو قِدارٍ؛ فَنَشَأ قِدارٌ أحْمَرَ أزْرَقَ؛ فَكانَ التِسْعَةُ إذا رَأوهُ قالُوا: لَوْ عاشَ بَنُونا كانُوا مِثْلَ هَذا؛ فَأحْفَظَهم أنْ قَتَلُوا أولادَهم بِكَلامِ صالِحٍ؛ فَأجْمَعُوا عَلى قَتْلِهِ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فَخَرَجُوا وكَمَنُوا في غارٍ لِيُبَيِّتُوهُ - عَلَيْهِ السَلامُ -مِنهُ؛ وتَقاسَمُوا ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ [النمل: ٤٩] ؛ فَسَقَطَ الغارُ عَلَيْهِمْ؛ فَماتُوا؛ فَهُمُ الرَهْطُ التِسْعَةُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللهُ تَعالى في كِتابِهِ.
وهَمَّ قِدارُ بْنُ سالِفٍ؛ ومِصْدَعُ بْنُ مِهْرَجٍ؛ وضَمّا إلى (p-٦٠٢)نَفْسَيْهِما سَبْعَةَ نَفَرٍ؛ وعَزَمُوا عَلى عَقْرِ الناقَةِ؛ ورُوِيَ أنَّ السَبَبَ في ذَلِكَ أنَّ امْرَأتَيْنِ مِن ثَمُودَ؛ مِن أعْداءِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - جَعَلَتا لِقِدارٍ ومِصْدَعٍ أنْفُسَهُما؛ وأمْوالَهُما؛ عَلى أنْ يَعْقِرا الناقَةَ؛ وكانَتا مِن أهْلِ الجَمالِ؛ وقِيلَ: إنَّ قِدارًا شَرِبَ الخَمْرَ مَعَ قَوْمٍ؛ فَطَلَبُوا ماءً يَمْزُجُونَ بِهِ الخَمْرَ؛ فَلَمْ يَجِدُوهُ؛ لِشُرْبِ الناقَةِ؛ فَعَزَمُوا عَلى عَقْرِها حِينَئِذٍ؛ فَخَرَجُوا؛ وجَلَسُوا عَلى طَرِيقِها؛ وكَمَنَ لَها قِدارٌ خَلْفَ صَخْرَةٍ؛ فَلَمّا دَنَتْ مِنهُ رَماها بِالحَرْبَةِ؛ ثُمَّ سَقَطَتْ فَنَحَرَها؛ ثُمَّ اتَّبَعُوا الفَصِيلَ؛ فَهَرَبَ مِنهُمْ؛ حَتّى عَلا رَبْوَةً؛ ورَغا ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ واسْتَغاثَ؛ فَلَحِقُوهُ؛ وعَقَرُوهُ؛ وفي بَعْضِ الرِواياتِ أنَّهم وجَدُوا الفَصِيلَ عَلى رابِيَةٍ مِنَ الأرْضِ؛ فَأرادُوهُ فارْتَفَعَتْ بِهِ؛ حَتّى لَحِقَتْ بِهِ في السَماءِ؛ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ؛ فَرَغا الفَصِيلُ مُسْتَغِيثًا بِاللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ فَأوحى اللهُ تَعالى إلى صالِحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - أنْ (مُرْهم فَلْيَتَمَتَّعُوا في دارِهِمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ)؛ وحَكى النَقّاشُ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللهَ تَعالى أنْطَقَ الفَصِيلَ؛ فَنادى: أيْنَ أُمِّي؟ فَقالَ لَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ -: "إنَّ العَذابَ واقِعٌ بِكم في الرابِعِ مِن عَقْرِ الناقَةِ"؛ ورُوِيَ أنَّها عُقِرَتْ يَوْمَ الأرْبِعاءِ؛ وقالَ لَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ -: "تَحْمَرُّ وُجُوهُكم غَدًا؛ وتَصْفَرُّ في الثانِي؛ وتَسْوَدُّ في الثالِثِ؛ ويَنْزِلُ العَذابُ في الرابِعِ؛ يَوْمَ الأحَدِ"؛ فَلَمّا ظَهَرَتِ العَلامَةُ الَّتِي قالَ لَهُمْ؛ أيْقَنُوا؛ واسْتَعَدُّوا؛ ولَطَّخُوا أبْدانَهم بِالمَنِّ؛ وحَفَرُوا القُبُورَ؛ وتَحَنَّطُوا؛ فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ؛ وخَرَجَ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - ومَن مَعَهُ حَتّى نَزَلَ رَمَلَةَ فِلَسْطِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا القَصَصُ اقْتَضَبْتُهُ مِن كَثِيرٍ أورَدَهُ الطَبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - رَغْبَةَ الإيجازِ.
وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: أتَيْتُ بِلادَ ثَمُودَ فَذَرَعْتُ صَدْرَ الناقَةِ فَوَجَدْتُهُ سِتِّينَ ذِراعًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وبِلادُ ثَمُودَ هي بَيْنَ الشامِ والمَدِينَةِ؛ وهي الَّتِي مَرَّ بِها رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَعَ المُسْلِمِينَ في غَزْوَةِ "تَبُوكَ"؛ فَقالَ: « "لا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ؛ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ؛ أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَهُمْ"؛» ثُمَّ اعْتَجَرَ بِعِمامَتِهِ؛ وأسْرَعَ السَيْرَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
ورُوِيَ أنَّ المَسافَةَ (p-٦٠٣)الَّتِي أهْلَكَتِ الصَيْحَةُ أهْلَها هي ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا؛ وهِيَ: بِلادُ الحِجْرِ؛ ومَراتِعُها الجَنابُ؛ وحَسْمِي إلى وادِي القُرى؛ وما حَوْلَهُ؛ وقِيلَ في قِدارٍ: إنَّهُ ولَدُ زِنًا؛ مِن رَجُلٍ يُقالُ لَهُ: "ظَبْيانُ"؛ ووُلِدَ عَلى فِراشِ سالِفٍ؛ فَنُسِبَ إلَيْهِ؛ ذَكَرَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَرَّ بِقَبْرٍ؛ فَقالَ: "أتَعْرِفُونَ ما هَذا؟"؛ قالُوا: لا؛ قالَ: "هَذا قَبْرُ أبِي رُغالٍ الَّذِي هو أبُو ثَقِيفٍ؛ كانَ مِن ثَمُودَ؛ فَأصابَ قَوْمَهُ البَلاءُ وهو بِالحَرَمِ؛ فَسَلِمَ؛ فَلَمّا خَرَجَ مِنَ الحَرَمِ أصابَهُ ما أصابَهُمْ؛ فَدُفِنَ هُنا؛ وجُعِلَ مَعَهُ غُصْنٌ مِن ذَهَبٍ"؛ قالَ: فابْتَدَرَ القَوْمُ بِأسْيافِهِمْ؛ فَحَفَرُوا حَتّى أخْرَجُوا الغُصْنَ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا الخَبَرُ يُؤَيِّدُ ما في السِيَرِ مِن أنَّ أبا رُغالٍ هو دَلِيلُ الفِيلِ؛ وحَبِيسُهُ إلى مَكَّةَ؛ واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
الأعراف 7:74
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ وبَوَّأكم في الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا وتَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا فاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهم أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾
"وَبَوَّأكُمْ"؛ مَعْناهُ: مَكَّنَكُمْ؛ وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في المَكانِ؛ وظُرُوفِهِ؛ تَقُولُ: "تَبَوَّأ فُلانٌ مَنزِلًا حَسَنًا"؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] ؛ وقالَ الأعْشى:
؎ فَما بَوَّأ الرَحْمَنُ بَيْتَكَ مَنزِلًا ∗∗∗ بِشَرْقِيِّ أجْيادِ الصَفا والمُحَرَّمِ
(p-٦٠٤)وَ"اَلْقُصُورُ": جَمْعُ "قَصْرٌ"؛ وهي الدُورُ الَّتِي قُصِرَتْ عَلى بِقاعٍ مِنَ الأرْضِ مَخْصُوصَةٍ؛ بِخِلافِ بُيُوتِ العَمُودِ؛ وقُصِرَتْ عَنِ الناسِ قَصْرًا تامًّا.
و"اَلنَّحْتُ": اَلنَّجْرُ؛ والقَشْرُ في الشَيْءِ الصُلْبِ؛ كالحَجَرِ؛ والعُودِ؛ ونَحْوِهِما.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "وَتَنْحَتُونَ"؛ بِفَتْحِ الحاءِ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِكَسْرِها؛ وبِالتاءِ مِن فَوْقُ؛ وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ بِالياءِ مِن أسْفَلُ؛ وكَسْرِ الحاءِ؛ وقَرَأ أبُو مالِكٍ بِالياءِ مِن أسْفَلُ؛ وفَتْحِ الحاءِ؛ وكانُوا يَنْحِتُونَ الجِبالَ لِطُولِ أعْمارِهِمْ.
و"تَعْثَوْا"؛ مَعْناهُ: تُفْسِدُوا؛ يُقالُ: "عَثا؛ يَعْثِي"؛ و"عَثا؛ يَعْثُو"؛ وعَثِيَ؛ يَعْثى"؛ كَـ "نَسِيَ؛ يَنْسى"؛ وعَلَيْها لَفْظُ الآيَةِ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "تِعْثَوْا"؛ بِكَسْرِ التاءِ؛ و"مُفْسِدِينَ"؛ حالٌ.
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في "اَلْمَلَأُ"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ؛ في هَذا المَوْضِعِ: "وَقالَ المَلَأُ"؛ بِواوِ عَطْفٍ؛ وهي مَحْذُوفَةٌ عِنْدَ الجَمِيعِ.
والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ؛ هُمُ الأشْرافُ والعُظَماءُ الكَفَرَةُ؛ و"اِسْتَكْبَرُوا"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: طَلَبُوا هَيْئَةً لِنُفُوسِهِمْ مِنَ الكِبَرِ؛ أو يَكُونَ بِمَعْنى "كَبِرُوا"؛ كَبَّرَهُمُ المالُ والجاهُ وأعْظَمَهُمْ؛ فَيَكُونَ - عَلى هَذا - "كَبِرَ"؛ و"اِسْتَكْبَرَ"؛ بِمَعْنًى؛ كَـ "عَجِبَ"؛ و"اِسْتَعْجَبَ"؛ والأوَّلُ هو بابُ "اِسْتَفْعَلَ"؛ كَـ "اِسْتَوْقَدَ"؛ و"اِسْتَرْفَدَ"؛ والَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا هُمُ العامَّةُ والأغْفالُ في الدُنْيا؛ وهم أتْباعُ الرُسُلِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ "أتَعْلَمُونَ"؛﴾ اِسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى الِاسْتِهْزاءِ؛ والِاسْتِخْفافِ؛ فَأجابَ المُؤْمِنُونَ بِالتَصْدِيقِ؛ والصَرامَةِ في دِينِ اللهِ تَعالى ؛ فَحَمَلَتِ الأنَفَةُ الأشْرافَ عَلى مُناقَضَةِ المُؤْمِنِينَ في مَقالَتِهِمْ؛ واسْتَمَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ.
الأعراف 7:75
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ وبَوَّأكم في الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا وتَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا فاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهم أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾
"وَبَوَّأكُمْ"؛ مَعْناهُ: مَكَّنَكُمْ؛ وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في المَكانِ؛ وظُرُوفِهِ؛ تَقُولُ: "تَبَوَّأ فُلانٌ مَنزِلًا حَسَنًا"؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] ؛ وقالَ الأعْشى:
؎ فَما بَوَّأ الرَحْمَنُ بَيْتَكَ مَنزِلًا ∗∗∗ بِشَرْقِيِّ أجْيادِ الصَفا والمُحَرَّمِ
(p-٦٠٤)وَ"اَلْقُصُورُ": جَمْعُ "قَصْرٌ"؛ وهي الدُورُ الَّتِي قُصِرَتْ عَلى بِقاعٍ مِنَ الأرْضِ مَخْصُوصَةٍ؛ بِخِلافِ بُيُوتِ العَمُودِ؛ وقُصِرَتْ عَنِ الناسِ قَصْرًا تامًّا.
و"اَلنَّحْتُ": اَلنَّجْرُ؛ والقَشْرُ في الشَيْءِ الصُلْبِ؛ كالحَجَرِ؛ والعُودِ؛ ونَحْوِهِما.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "وَتَنْحَتُونَ"؛ بِفَتْحِ الحاءِ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِكَسْرِها؛ وبِالتاءِ مِن فَوْقُ؛ وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ بِالياءِ مِن أسْفَلُ؛ وكَسْرِ الحاءِ؛ وقَرَأ أبُو مالِكٍ بِالياءِ مِن أسْفَلُ؛ وفَتْحِ الحاءِ؛ وكانُوا يَنْحِتُونَ الجِبالَ لِطُولِ أعْمارِهِمْ.
و"تَعْثَوْا"؛ مَعْناهُ: تُفْسِدُوا؛ يُقالُ: "عَثا؛ يَعْثِي"؛ و"عَثا؛ يَعْثُو"؛ وعَثِيَ؛ يَعْثى"؛ كَـ "نَسِيَ؛ يَنْسى"؛ وعَلَيْها لَفْظُ الآيَةِ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "تِعْثَوْا"؛ بِكَسْرِ التاءِ؛ و"مُفْسِدِينَ"؛ حالٌ.
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في "اَلْمَلَأُ"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ؛ في هَذا المَوْضِعِ: "وَقالَ المَلَأُ"؛ بِواوِ عَطْفٍ؛ وهي مَحْذُوفَةٌ عِنْدَ الجَمِيعِ.
والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ؛ هُمُ الأشْرافُ والعُظَماءُ الكَفَرَةُ؛ و"اِسْتَكْبَرُوا"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: طَلَبُوا هَيْئَةً لِنُفُوسِهِمْ مِنَ الكِبَرِ؛ أو يَكُونَ بِمَعْنى "كَبِرُوا"؛ كَبَّرَهُمُ المالُ والجاهُ وأعْظَمَهُمْ؛ فَيَكُونَ - عَلى هَذا - "كَبِرَ"؛ و"اِسْتَكْبَرَ"؛ بِمَعْنًى؛ كَـ "عَجِبَ"؛ و"اِسْتَعْجَبَ"؛ والأوَّلُ هو بابُ "اِسْتَفْعَلَ"؛ كَـ "اِسْتَوْقَدَ"؛ و"اِسْتَرْفَدَ"؛ والَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا هُمُ العامَّةُ والأغْفالُ في الدُنْيا؛ وهم أتْباعُ الرُسُلِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ "أتَعْلَمُونَ"؛﴾ اِسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى الِاسْتِهْزاءِ؛ والِاسْتِخْفافِ؛ فَأجابَ المُؤْمِنُونَ بِالتَصْدِيقِ؛ والصَرامَةِ في دِينِ اللهِ تَعالى ؛ فَحَمَلَتِ الأنَفَةُ الأشْرافَ عَلى مُناقَضَةِ المُؤْمِنِينَ في مَقالَتِهِمْ؛ واسْتَمَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ.
الأعراف 7:76
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ وبَوَّأكم في الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا وتَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا فاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهم أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾
"وَبَوَّأكُمْ"؛ مَعْناهُ: مَكَّنَكُمْ؛ وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في المَكانِ؛ وظُرُوفِهِ؛ تَقُولُ: "تَبَوَّأ فُلانٌ مَنزِلًا حَسَنًا"؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] ؛ وقالَ الأعْشى:
؎ فَما بَوَّأ الرَحْمَنُ بَيْتَكَ مَنزِلًا ∗∗∗ بِشَرْقِيِّ أجْيادِ الصَفا والمُحَرَّمِ
(p-٦٠٤)وَ"اَلْقُصُورُ": جَمْعُ "قَصْرٌ"؛ وهي الدُورُ الَّتِي قُصِرَتْ عَلى بِقاعٍ مِنَ الأرْضِ مَخْصُوصَةٍ؛ بِخِلافِ بُيُوتِ العَمُودِ؛ وقُصِرَتْ عَنِ الناسِ قَصْرًا تامًّا.
و"اَلنَّحْتُ": اَلنَّجْرُ؛ والقَشْرُ في الشَيْءِ الصُلْبِ؛ كالحَجَرِ؛ والعُودِ؛ ونَحْوِهِما.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "وَتَنْحَتُونَ"؛ بِفَتْحِ الحاءِ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِكَسْرِها؛ وبِالتاءِ مِن فَوْقُ؛ وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ بِالياءِ مِن أسْفَلُ؛ وكَسْرِ الحاءِ؛ وقَرَأ أبُو مالِكٍ بِالياءِ مِن أسْفَلُ؛ وفَتْحِ الحاءِ؛ وكانُوا يَنْحِتُونَ الجِبالَ لِطُولِ أعْمارِهِمْ.
و"تَعْثَوْا"؛ مَعْناهُ: تُفْسِدُوا؛ يُقالُ: "عَثا؛ يَعْثِي"؛ و"عَثا؛ يَعْثُو"؛ وعَثِيَ؛ يَعْثى"؛ كَـ "نَسِيَ؛ يَنْسى"؛ وعَلَيْها لَفْظُ الآيَةِ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "تِعْثَوْا"؛ بِكَسْرِ التاءِ؛ و"مُفْسِدِينَ"؛ حالٌ.
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في "اَلْمَلَأُ"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ؛ في هَذا المَوْضِعِ: "وَقالَ المَلَأُ"؛ بِواوِ عَطْفٍ؛ وهي مَحْذُوفَةٌ عِنْدَ الجَمِيعِ.
والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ؛ هُمُ الأشْرافُ والعُظَماءُ الكَفَرَةُ؛ و"اِسْتَكْبَرُوا"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: طَلَبُوا هَيْئَةً لِنُفُوسِهِمْ مِنَ الكِبَرِ؛ أو يَكُونَ بِمَعْنى "كَبِرُوا"؛ كَبَّرَهُمُ المالُ والجاهُ وأعْظَمَهُمْ؛ فَيَكُونَ - عَلى هَذا - "كَبِرَ"؛ و"اِسْتَكْبَرَ"؛ بِمَعْنًى؛ كَـ "عَجِبَ"؛ و"اِسْتَعْجَبَ"؛ والأوَّلُ هو بابُ "اِسْتَفْعَلَ"؛ كَـ "اِسْتَوْقَدَ"؛ و"اِسْتَرْفَدَ"؛ والَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا هُمُ العامَّةُ والأغْفالُ في الدُنْيا؛ وهم أتْباعُ الرُسُلِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ "أتَعْلَمُونَ"؛﴾ اِسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى الِاسْتِهْزاءِ؛ والِاسْتِخْفافِ؛ فَأجابَ المُؤْمِنُونَ بِالتَصْدِيقِ؛ والصَرامَةِ في دِينِ اللهِ تَعالى ؛ فَحَمَلَتِ الأنَفَةُ الأشْرافَ عَلى مُناقَضَةِ المُؤْمِنِينَ في مَقالَتِهِمْ؛ واسْتَمَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ.
الأعراف 7:77
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿فَعَقَرُوا الناقَةَ وعَتَوْا عن أمْرِ رَبِّهِمْ وقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿فَتَوَلّى عنهم وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ الناصِحِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ "فَعَقَرُوا"؛﴾ يَقْتَضِي - بِتَشْرِيكِهِمْ جَمِيعًا في الضَمِيرِ - أنَّ عَقْرَ الناقَةِ كانَ (p-٦٠٥)عَلى تَمالُؤٍ مِنهُمْ؛ وإصْفاقٍ؛ وكَذَلِكَ رُوِيَ أنَّ قِدارًا لَمْ يَعْقِرْها حَتّى كانَ يَسْتَشِيرُ الرِجالَ؛ والنِساءَ؛ والصِبْيانَ؛ فَلَمّا أجْمَعُوا تَعاطى فَعَقَرَ.
و"وَعَتَوْا"؛ مَعْناهُ: خَشُوا؛ وصَلُبُوا؛ ولَمْ يُذْعِنُوا لِلْأمْرِ والشَرْعِ؛ وصَمَّمُوا عَلى تَكْذِيبِهِ؛ واسْتَعْجَلُوا النِقْمَةَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ ؛ وحَسُنَ الوَعْدُ في هَذا المَوْضِعِ لَمّا تَقَيَّدَ بِأنَّهُ عَذابٌ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ عِيسى وعاصِمٌ: "إيتِنا"؛ بِهَمْزٍ؛ وإشْباعِ ضَمٍّ؛ وقَرَأ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ كَأنَّها ياءٌ في اللَفْظِ أبُو عَمْرٍو والأعْمَشُ.
و"اَلرَّجْفَةُ"؛ ما تُؤَثِّرُهُ الصَيْحَةُ أوِ الطامَّةُ الَّتِي يَرْجُفُ بِها الإنْسانُ؛ وهو أنْ يَتَزَعْزَعَ؛ ويَتَحَرَّكَ؛ ويَضْطَرِبَ؛ ويَرْتَعِدَ؛ ومِنهُ «قَوْلُ خَدِيجَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها -: "فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَرْجُفُ فُؤادُهُ"؛» ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ إمّا تَرَيْنِي حَنانِي الشَيْبُ مِن كِبَرٍ ∗∗∗ كالنَسْرِ أرْجُفُ والإنْسانُ مَمْدُودُ
ومِنهُ "إرْجافُ النُفُوسِ"؛ لِكَرِيهِ الأخْبارِ؛ أيْ تَحْرِيكُها؛ ورُوِيَ أنَّ صَيْحَةَ ثَمُودِ كانَ فِيها مِن صَوْتِ كُلِّ شَيْءٍ هائِلِ الصَوْتِ؛ وكانَتْ مُفْرِطَةً؛ شَقَّتْ قُلُوبَهُمْ؛ فَجَثَوْا عَلى صُدُورِهِمْ؛ و"اَلْجاثِمُ": اَللّاطِئُ بِالأرْضِ عَلى صَدْرِهِ؛ مَعَ قَبْضِ ساقَيْهِ؛ كَما يَرْقُدُ الأرْنَبُ والطَيْرُ؛ فَإنَّ جُثُومَها عَلى وجْهِها؛ ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎ عَرَفْتُ المُنْتَأى وعَرَفْتُ مِنها ∗∗∗ ∗∗∗ مَطايا القِدْرِ كالحِدَإ الجُثُومِ
(p-٦٠٦)وَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: حَمَمًا مُحْتَرِقِينَ كالرَمادِ الجاثِمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وحَيْثُ وُجِدَ الرَمادُ الجاثِمُ في شِعْرٍ؛ فَإنَّما هو مُسْتَعارٌ لِهَيْئَةِ الرَمادِ قَبْلَ هُمُودِهِ؛ وتَفَرُّقِهِ؛ وذَهَبَ صاحِبُ هَذا القَوْلِ إلى أنَّ الصَيْحَةَ اقْتَرَنَ بِها صَواعِقُ مُحْرِقَةٌ.
وأخْبَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِفِعْلِ صالِحٍ في تَوَلِّيهِ عنهم وقْتَ عَقْرِهِمُ الناقَةَ؛ وقَوْلِهِمْ: ﴿ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ ؛ وذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ؛ وكَذَلِكَ رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ؛ وهو الَّذِي تَقْتَضِيهِ مُخاطَبَتُهُ لَهُمْ؛ وأمّا لَفْظُ الآيَةِ؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ خاطَبَهم وهم مَوْتى؛ عَلى جِهَةِ التَفَجُّعِ عَلَيْهِمْ؛ وذِكْرِ حالِهِمْ؛ أو غَيْرِ ذَلِكَ؛ كَما خاطَبَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: وقِيلَ: لَمْ تَهْلِكْ أُمَّةٌ ونَبِيُّها مَعَها؛ ورُوِيَ أنَّهُ ارْتَحَلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - بِمَن مَعَهُ؛ حَتّى جاءَ مَكَّةَ؛ فَأقامَ بِها حَتّى ماتَ؛ ولَفْظَةُ التَوَلِّي تَقْتَضِي اليَأْسَ مِن خَيْرِهِمْ؛ واليَقِينَ في إهْلاكِهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿لا تُحِبُّونَ الناصِحِينَ﴾ ؛ عِبارَةٌ عن تَغْلِيبِهِمُ الشَهَواتِ عَلى الرَأْيِ؛ إذْ كَلامُ الناصِحِ صَعْبٌ؛ مُضادٌّ لِشَهْوَةِ نَفْسِ الَّذِي يُنْصَحُ؛ ولِذَلِكَ تَقُولُ العَرَبُ: "أمْرَ مُبْكِياتِكَ؛ لا أمْرَ مُضْحِكاتِكَ".
الأعراف 7:78
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿فَعَقَرُوا الناقَةَ وعَتَوْا عن أمْرِ رَبِّهِمْ وقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿فَتَوَلّى عنهم وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ الناصِحِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ "فَعَقَرُوا"؛﴾ يَقْتَضِي - بِتَشْرِيكِهِمْ جَمِيعًا في الضَمِيرِ - أنَّ عَقْرَ الناقَةِ كانَ (p-٦٠٥)عَلى تَمالُؤٍ مِنهُمْ؛ وإصْفاقٍ؛ وكَذَلِكَ رُوِيَ أنَّ قِدارًا لَمْ يَعْقِرْها حَتّى كانَ يَسْتَشِيرُ الرِجالَ؛ والنِساءَ؛ والصِبْيانَ؛ فَلَمّا أجْمَعُوا تَعاطى فَعَقَرَ.
و"وَعَتَوْا"؛ مَعْناهُ: خَشُوا؛ وصَلُبُوا؛ ولَمْ يُذْعِنُوا لِلْأمْرِ والشَرْعِ؛ وصَمَّمُوا عَلى تَكْذِيبِهِ؛ واسْتَعْجَلُوا النِقْمَةَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ ؛ وحَسُنَ الوَعْدُ في هَذا المَوْضِعِ لَمّا تَقَيَّدَ بِأنَّهُ عَذابٌ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ عِيسى وعاصِمٌ: "إيتِنا"؛ بِهَمْزٍ؛ وإشْباعِ ضَمٍّ؛ وقَرَأ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ كَأنَّها ياءٌ في اللَفْظِ أبُو عَمْرٍو والأعْمَشُ.
و"اَلرَّجْفَةُ"؛ ما تُؤَثِّرُهُ الصَيْحَةُ أوِ الطامَّةُ الَّتِي يَرْجُفُ بِها الإنْسانُ؛ وهو أنْ يَتَزَعْزَعَ؛ ويَتَحَرَّكَ؛ ويَضْطَرِبَ؛ ويَرْتَعِدَ؛ ومِنهُ «قَوْلُ خَدِيجَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها -: "فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَرْجُفُ فُؤادُهُ"؛» ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ إمّا تَرَيْنِي حَنانِي الشَيْبُ مِن كِبَرٍ ∗∗∗ كالنَسْرِ أرْجُفُ والإنْسانُ مَمْدُودُ
ومِنهُ "إرْجافُ النُفُوسِ"؛ لِكَرِيهِ الأخْبارِ؛ أيْ تَحْرِيكُها؛ ورُوِيَ أنَّ صَيْحَةَ ثَمُودِ كانَ فِيها مِن صَوْتِ كُلِّ شَيْءٍ هائِلِ الصَوْتِ؛ وكانَتْ مُفْرِطَةً؛ شَقَّتْ قُلُوبَهُمْ؛ فَجَثَوْا عَلى صُدُورِهِمْ؛ و"اَلْجاثِمُ": اَللّاطِئُ بِالأرْضِ عَلى صَدْرِهِ؛ مَعَ قَبْضِ ساقَيْهِ؛ كَما يَرْقُدُ الأرْنَبُ والطَيْرُ؛ فَإنَّ جُثُومَها عَلى وجْهِها؛ ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎ عَرَفْتُ المُنْتَأى وعَرَفْتُ مِنها ∗∗∗ ∗∗∗ مَطايا القِدْرِ كالحِدَإ الجُثُومِ
(p-٦٠٦)وَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: حَمَمًا مُحْتَرِقِينَ كالرَمادِ الجاثِمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وحَيْثُ وُجِدَ الرَمادُ الجاثِمُ في شِعْرٍ؛ فَإنَّما هو مُسْتَعارٌ لِهَيْئَةِ الرَمادِ قَبْلَ هُمُودِهِ؛ وتَفَرُّقِهِ؛ وذَهَبَ صاحِبُ هَذا القَوْلِ إلى أنَّ الصَيْحَةَ اقْتَرَنَ بِها صَواعِقُ مُحْرِقَةٌ.
وأخْبَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِفِعْلِ صالِحٍ في تَوَلِّيهِ عنهم وقْتَ عَقْرِهِمُ الناقَةَ؛ وقَوْلِهِمْ: ﴿ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ ؛ وذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ؛ وكَذَلِكَ رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ؛ وهو الَّذِي تَقْتَضِيهِ مُخاطَبَتُهُ لَهُمْ؛ وأمّا لَفْظُ الآيَةِ؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ خاطَبَهم وهم مَوْتى؛ عَلى جِهَةِ التَفَجُّعِ عَلَيْهِمْ؛ وذِكْرِ حالِهِمْ؛ أو غَيْرِ ذَلِكَ؛ كَما خاطَبَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: وقِيلَ: لَمْ تَهْلِكْ أُمَّةٌ ونَبِيُّها مَعَها؛ ورُوِيَ أنَّهُ ارْتَحَلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - بِمَن مَعَهُ؛ حَتّى جاءَ مَكَّةَ؛ فَأقامَ بِها حَتّى ماتَ؛ ولَفْظَةُ التَوَلِّي تَقْتَضِي اليَأْسَ مِن خَيْرِهِمْ؛ واليَقِينَ في إهْلاكِهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿لا تُحِبُّونَ الناصِحِينَ﴾ ؛ عِبارَةٌ عن تَغْلِيبِهِمُ الشَهَواتِ عَلى الرَأْيِ؛ إذْ كَلامُ الناصِحِ صَعْبٌ؛ مُضادٌّ لِشَهْوَةِ نَفْسِ الَّذِي يُنْصَحُ؛ ولِذَلِكَ تَقُولُ العَرَبُ: "أمْرَ مُبْكِياتِكَ؛ لا أمْرَ مُضْحِكاتِكَ".
الأعراف 7:79
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿فَعَقَرُوا الناقَةَ وعَتَوْا عن أمْرِ رَبِّهِمْ وقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿فَتَوَلّى عنهم وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ الناصِحِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ "فَعَقَرُوا"؛﴾ يَقْتَضِي - بِتَشْرِيكِهِمْ جَمِيعًا في الضَمِيرِ - أنَّ عَقْرَ الناقَةِ كانَ (p-٦٠٥)عَلى تَمالُؤٍ مِنهُمْ؛ وإصْفاقٍ؛ وكَذَلِكَ رُوِيَ أنَّ قِدارًا لَمْ يَعْقِرْها حَتّى كانَ يَسْتَشِيرُ الرِجالَ؛ والنِساءَ؛ والصِبْيانَ؛ فَلَمّا أجْمَعُوا تَعاطى فَعَقَرَ.
و"وَعَتَوْا"؛ مَعْناهُ: خَشُوا؛ وصَلُبُوا؛ ولَمْ يُذْعِنُوا لِلْأمْرِ والشَرْعِ؛ وصَمَّمُوا عَلى تَكْذِيبِهِ؛ واسْتَعْجَلُوا النِقْمَةَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ ؛ وحَسُنَ الوَعْدُ في هَذا المَوْضِعِ لَمّا تَقَيَّدَ بِأنَّهُ عَذابٌ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ عِيسى وعاصِمٌ: "إيتِنا"؛ بِهَمْزٍ؛ وإشْباعِ ضَمٍّ؛ وقَرَأ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ كَأنَّها ياءٌ في اللَفْظِ أبُو عَمْرٍو والأعْمَشُ.
و"اَلرَّجْفَةُ"؛ ما تُؤَثِّرُهُ الصَيْحَةُ أوِ الطامَّةُ الَّتِي يَرْجُفُ بِها الإنْسانُ؛ وهو أنْ يَتَزَعْزَعَ؛ ويَتَحَرَّكَ؛ ويَضْطَرِبَ؛ ويَرْتَعِدَ؛ ومِنهُ «قَوْلُ خَدِيجَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها -: "فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَرْجُفُ فُؤادُهُ"؛» ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ إمّا تَرَيْنِي حَنانِي الشَيْبُ مِن كِبَرٍ ∗∗∗ كالنَسْرِ أرْجُفُ والإنْسانُ مَمْدُودُ
ومِنهُ "إرْجافُ النُفُوسِ"؛ لِكَرِيهِ الأخْبارِ؛ أيْ تَحْرِيكُها؛ ورُوِيَ أنَّ صَيْحَةَ ثَمُودِ كانَ فِيها مِن صَوْتِ كُلِّ شَيْءٍ هائِلِ الصَوْتِ؛ وكانَتْ مُفْرِطَةً؛ شَقَّتْ قُلُوبَهُمْ؛ فَجَثَوْا عَلى صُدُورِهِمْ؛ و"اَلْجاثِمُ": اَللّاطِئُ بِالأرْضِ عَلى صَدْرِهِ؛ مَعَ قَبْضِ ساقَيْهِ؛ كَما يَرْقُدُ الأرْنَبُ والطَيْرُ؛ فَإنَّ جُثُومَها عَلى وجْهِها؛ ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎ عَرَفْتُ المُنْتَأى وعَرَفْتُ مِنها ∗∗∗ ∗∗∗ مَطايا القِدْرِ كالحِدَإ الجُثُومِ
(p-٦٠٦)وَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: حَمَمًا مُحْتَرِقِينَ كالرَمادِ الجاثِمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وحَيْثُ وُجِدَ الرَمادُ الجاثِمُ في شِعْرٍ؛ فَإنَّما هو مُسْتَعارٌ لِهَيْئَةِ الرَمادِ قَبْلَ هُمُودِهِ؛ وتَفَرُّقِهِ؛ وذَهَبَ صاحِبُ هَذا القَوْلِ إلى أنَّ الصَيْحَةَ اقْتَرَنَ بِها صَواعِقُ مُحْرِقَةٌ.
وأخْبَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِفِعْلِ صالِحٍ في تَوَلِّيهِ عنهم وقْتَ عَقْرِهِمُ الناقَةَ؛ وقَوْلِهِمْ: ﴿ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ ؛ وذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ؛ وكَذَلِكَ رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ؛ وهو الَّذِي تَقْتَضِيهِ مُخاطَبَتُهُ لَهُمْ؛ وأمّا لَفْظُ الآيَةِ؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ خاطَبَهم وهم مَوْتى؛ عَلى جِهَةِ التَفَجُّعِ عَلَيْهِمْ؛ وذِكْرِ حالِهِمْ؛ أو غَيْرِ ذَلِكَ؛ كَما خاطَبَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: وقِيلَ: لَمْ تَهْلِكْ أُمَّةٌ ونَبِيُّها مَعَها؛ ورُوِيَ أنَّهُ ارْتَحَلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - بِمَن مَعَهُ؛ حَتّى جاءَ مَكَّةَ؛ فَأقامَ بِها حَتّى ماتَ؛ ولَفْظَةُ التَوَلِّي تَقْتَضِي اليَأْسَ مِن خَيْرِهِمْ؛ واليَقِينَ في إهْلاكِهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿لا تُحِبُّونَ الناصِحِينَ﴾ ؛ عِبارَةٌ عن تَغْلِيبِهِمُ الشَهَواتِ عَلى الرَأْيِ؛ إذْ كَلامُ الناصِحِ صَعْبٌ؛ مُضادٌّ لِشَهْوَةِ نَفْسِ الَّذِي يُنْصَحُ؛ ولِذَلِكَ تَقُولُ العَرَبُ: "أمْرَ مُبْكِياتِكَ؛ لا أمْرَ مُضْحِكاتِكَ".
الأعراف 7:80
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَلُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِن العالَمِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ ﴿وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾
(p-٦٠٧)"لُوطٌ" - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ بَعَثَهُ اللهُ تَعالى إلى أُمَّةٍ تُسَمّى "سَدُومَ"؛ ورُوِيَ أنَّهُ ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ونَصْبُهُ إمّا بِـ "أرْسَلْنا"؛ اَلْمُتَقَدِّمِ في الأنْبِياءِ؛ وإمّا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرْ لُوطًا"؛ واسْتِفْهامُهُ لَهم هو عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ؛ والتَوْبِيخِ والتَشْنِيعِ.
و"اَلْفاحِشَةَ"؛ هُنا: إتْيانُ الرِجالِ في الأدْبارِ؛ ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ المَعْصِيَةُ في أُمَمٍ قَبْلَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وإنْ كانَ لَفْظُ الآيَةِ يَقْتَضِي هَذا؛ فَقَدَ كانَتِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِها: "ما سَبَقَكم أحَدٌ إلى لُزُومِها؛ وتَشْهِيرِها؛ ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يَأْتِي بَعْضُهم بَعْضًا؛ ورُوِيَ أنَّهم إنَّما كانُوا يَأْتُونَ الغُرَباءَ؛ قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ ؛ قالَ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: ما نَزا ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ قَبْلَ قَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وحَكى النَقّاشُ: أنَّ إبْلِيسَ كانَ أصْلَ عَمَلِهِمْ؛ إذْ دَعاهم إلى نَفْسِهِ؛ وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: عامِلُ اللِواطِ كالزانِي؛ وقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - وغَيْرُهُ: يُرْجَمُ؛ أُحْصِنَ أو لَمْ يُحْصَنْ؛ وحَرَقَ أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - رَجُلًا يُسَمّى "اَلْفَجْأةُ"؛ حِينَ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ.
وقَرَأ نافِعٌ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "إنَّكُمْ"؛ عَلى الخَبَرِ؛ كَأنَّهُ فَسَّرَ الفاحِشَةَ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وحَمْزَةُ: "أئِنَّكُمْ"؛ بِاسْتِفْهامٍ آخَرَ؛ وهَذا لِأنَّ الأوَّلَ اسْتِفْهامٌ عن أمْرٍ مُجْمَلٍ؛ والثانِي عن مُفَسَّرٍ؛ إلّا أنَّ حَمْزَةَ ؛ وعاصِمًا؛ قَرَآ بِهَمْزَتَيْنِ؛ ولَمْ يَهْمِزْ أبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ كَثِيرٍ إلّا واحِدَةً.
و"شَهْوَةً": نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ مِن قَوْلِكَ: "شَهِيتُ الشَيْءَ؛ شَهاةً"؛ والمَعْنى: تَدَعُونَ (p-٦٠٨)الغَرَضَ المَقْصُودَ بِالوَطْءِ؛ وهو ابْتِغاءُ ما كَتَبَ اللهُ تَعالى مِنَ الوَلَدِ؛ وتَنْفَرِدُونَ بِالشَهْوَةِ فَقَطْ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "بَلْ أنْتُمْ"؛﴾ إضْرابٌ عَنِ الإخْبارِ عنهُمْ؛ أو تَقْرِيرِهِمْ عَلى المَعْصِيَةِ؛ وتَرْكٌ لِذَلِكَ؛ إلى الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم قَوْمٌ قَدْ تَجاوَزُوا الحَدَّ وارْتَكَبُوا الحَظْرَ؛ و"اَلْإسْرافُ": اَلزِّيادَةُ المُفْسِدَةُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ "جَوابَ"؛ بِالنَصْبِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "جَوابُ"؛ بِالرَفْعِ؛ ولَمْ تَكُنْ مُراجَعَةُ قَوْمِهِ بِاحْتِجاجٍ مِنهُمْ؛ ولا بِمُدافَعَةٍ عَقْلِيَّةٍ؛ وإنَّما كانَتْ بِكُفْرٍ؛ وصَرامَةٍ؛ وخِذْلانٍ بَحْتٍ؛ في قَوْلِهِمْ: ﴿ "أخْرِجُوهُمْ"؛﴾ وتَعْلِيلُهُمُ الإخْراجَ بِتَطْهِيرِ المُخْرِجِينَ؛ والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وأهْلِهِ؛ وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ؛ فَإنَّ المَعْنى يَقْتَضِيهِمْ؛ ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُ ابْنَتَيْهِ؛ وعَلى هَذا عُنِيَ في الضَمِيرِ هو وابْنَتاهُ؛ و﴿ "يَتَطَهَّرُونَ"؛﴾ مَعْناهُ: يَتَنَزَّهُونَ عن حالِنا؛ وعادَتِنا؛ قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُونَ عن أدْبارِ الرِجالِ؛ والنِساءِ؛ قالَ قَتادَةُ: عابُوهم بِغَيْرِ عَيْبٍ؛ وذَمُّوهم بِغَيْرِ ذَمٍّ؛ والخِلافُ في أهْلِهِ حَسْبَما تَقَدَّمَ.
واسْتَثْنى اللهُ تَعالى امْرَأةَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - مِنَ الناجِينَ؛ وأخْبَرَ أنَّها هَلَكَتْ؛ و"اَلْغابِرُ": اَلْباقِي؛ هَذا المَشْهُورُ في اللُغَةِ؛ ومِنهُ غُبَّرُ الحَيْضِ؛ كَما قالَ أبُو كَبِيرٍ الهُذَلِيُّ:
؎ ومُبَرَّإٍ مِن كُلِّ غُبَّرِ حَيْضَةٍ ∗∗∗ وفَسادِ مُرْضِعَةٍ وداءٍ مُغْيِلِ
و"غُبَّرُ اللَبَنِ في الضَرْعِ": بَقِيَّتُهُ؛ فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ في العَذابِ؛ والعِقابِ؛ أيْ: "مَعَ الباقِينَ؛ مِمَّنْ لَمْ يَنْجُ"؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ؛ مُعَمَّرٌ: ذَكَرَها اللهُ تَعالى بِأنَّها كانَتْ مِمَّنْ أسَنَّ؛ وبَقِيَ مِن عَصْرِهِ إلى عَصْرِ غَيْرِهِ؛ فَكانَتْ غابِرَةً إلى أنْ هَلَكَتْ مَعَ قَوْمِها.
(p-٦٠٩)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَكَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ "إلا امْرَأتَهُ"؛﴾ اِكْتَفى تَعالى بِهِ في أنَّها لَمْ تَنْجُ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ وصْفَها بَعْدَ ذَلِكَ بِصِفَةٍ لا تَتَعَلَّقُ بِها النَجاةُ؛ ولا الهَلَكَةُ؛ والأوَّلُ أظْهَرُ؛ وقَدْ يَجِيءُ "اَلْغابِرُ"؛ بِمَعْنى الماضِي؛ وكَذَلِكَ حَكى أهْلُ اللُغَةِ: "غَبَرَ"؛ بِمَعْنى: "بَقِيَ"؛ وبِمَعْنى: "مَضى"؛ وأمّا قَوْلُ الأعْشى:
؎ عَضَّ بِما أبْقى المَواسِي لَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ مِن أُمِّهِ في الزَمَنِ الغابِرِ
فالظاهِرُ أنَّهُ أرادَ الماضِي؛ وذَلِكَ بِالنِسْبَةِ إلى وقْتِ الهِجاءِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "فِي الزَمَنِ الباقِي"؛ وذَلِكَ بِالنِسْبَةِ إلى الحِينِ هو غابِرٌ بَعْدَ الإبْقاءِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُعَلَّقَ "فِي الزَمَنِ"؛ بِـ "عَضَّ"؛ فَيَكُونَ "اَلْغابِرُ": اَلْباقِي؛ عَلى الإطْلاقِ؛ والأوَّلُ أظْهَرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ نَصٌّ عَلى إمْطارٍ؛ وتَظاهَرَتِ الآياتُ في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ أنَّهُ بِحِجارَةٍ؛ ورُوِيَ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - بَعَثَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - فاقْتَلَعَها بِجَناحِهِ؛ وهي سِتُّ مُدُنٍ؛ - وقِيلَ: خَمْسٌ؛ وقِيلَ: أرْبَعٌ - فَرَفَعَها حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَماءِ نُهاقَ الحَمِيرِ؛ وصُراخَ الدِيَكَةِ؛ ثُمَّ عَكَسَها ورَدَّ أعْلاها أسْفَلَها؛ وأرْسَلَها إلى الأرْضِ؛ وتَبِعَتْهُمُ الحِجارَةُ مَعَ هَذا؛ فَأهْلَكَتْ مَن كانَ مِنهم في سَفَرٍ؛ أو خارِجًا عَنِ البُقَعِ المَرْفُوعَةِ؛ وقالَتِ امْرَأةُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - حِينَ سَمِعَتِ الرَجَّةَ: واقَوْماهُ؛ والتَفَتَتْ؛ فَأصابَتْها صَخْرَةٌ؛ فَقَتَلَتْها.
الأعراف 7:81
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَلُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِن العالَمِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ ﴿وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾
(p-٦٠٧)"لُوطٌ" - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ بَعَثَهُ اللهُ تَعالى إلى أُمَّةٍ تُسَمّى "سَدُومَ"؛ ورُوِيَ أنَّهُ ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ونَصْبُهُ إمّا بِـ "أرْسَلْنا"؛ اَلْمُتَقَدِّمِ في الأنْبِياءِ؛ وإمّا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرْ لُوطًا"؛ واسْتِفْهامُهُ لَهم هو عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ؛ والتَوْبِيخِ والتَشْنِيعِ.
و"اَلْفاحِشَةَ"؛ هُنا: إتْيانُ الرِجالِ في الأدْبارِ؛ ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ المَعْصِيَةُ في أُمَمٍ قَبْلَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وإنْ كانَ لَفْظُ الآيَةِ يَقْتَضِي هَذا؛ فَقَدَ كانَتِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِها: "ما سَبَقَكم أحَدٌ إلى لُزُومِها؛ وتَشْهِيرِها؛ ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يَأْتِي بَعْضُهم بَعْضًا؛ ورُوِيَ أنَّهم إنَّما كانُوا يَأْتُونَ الغُرَباءَ؛ قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ ؛ قالَ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: ما نَزا ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ قَبْلَ قَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وحَكى النَقّاشُ: أنَّ إبْلِيسَ كانَ أصْلَ عَمَلِهِمْ؛ إذْ دَعاهم إلى نَفْسِهِ؛ وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: عامِلُ اللِواطِ كالزانِي؛ وقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - وغَيْرُهُ: يُرْجَمُ؛ أُحْصِنَ أو لَمْ يُحْصَنْ؛ وحَرَقَ أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - رَجُلًا يُسَمّى "اَلْفَجْأةُ"؛ حِينَ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ.
وقَرَأ نافِعٌ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "إنَّكُمْ"؛ عَلى الخَبَرِ؛ كَأنَّهُ فَسَّرَ الفاحِشَةَ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وحَمْزَةُ: "أئِنَّكُمْ"؛ بِاسْتِفْهامٍ آخَرَ؛ وهَذا لِأنَّ الأوَّلَ اسْتِفْهامٌ عن أمْرٍ مُجْمَلٍ؛ والثانِي عن مُفَسَّرٍ؛ إلّا أنَّ حَمْزَةَ ؛ وعاصِمًا؛ قَرَآ بِهَمْزَتَيْنِ؛ ولَمْ يَهْمِزْ أبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ كَثِيرٍ إلّا واحِدَةً.
و"شَهْوَةً": نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ مِن قَوْلِكَ: "شَهِيتُ الشَيْءَ؛ شَهاةً"؛ والمَعْنى: تَدَعُونَ (p-٦٠٨)الغَرَضَ المَقْصُودَ بِالوَطْءِ؛ وهو ابْتِغاءُ ما كَتَبَ اللهُ تَعالى مِنَ الوَلَدِ؛ وتَنْفَرِدُونَ بِالشَهْوَةِ فَقَطْ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "بَلْ أنْتُمْ"؛﴾ إضْرابٌ عَنِ الإخْبارِ عنهُمْ؛ أو تَقْرِيرِهِمْ عَلى المَعْصِيَةِ؛ وتَرْكٌ لِذَلِكَ؛ إلى الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم قَوْمٌ قَدْ تَجاوَزُوا الحَدَّ وارْتَكَبُوا الحَظْرَ؛ و"اَلْإسْرافُ": اَلزِّيادَةُ المُفْسِدَةُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ "جَوابَ"؛ بِالنَصْبِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "جَوابُ"؛ بِالرَفْعِ؛ ولَمْ تَكُنْ مُراجَعَةُ قَوْمِهِ بِاحْتِجاجٍ مِنهُمْ؛ ولا بِمُدافَعَةٍ عَقْلِيَّةٍ؛ وإنَّما كانَتْ بِكُفْرٍ؛ وصَرامَةٍ؛ وخِذْلانٍ بَحْتٍ؛ في قَوْلِهِمْ: ﴿ "أخْرِجُوهُمْ"؛﴾ وتَعْلِيلُهُمُ الإخْراجَ بِتَطْهِيرِ المُخْرِجِينَ؛ والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وأهْلِهِ؛ وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ؛ فَإنَّ المَعْنى يَقْتَضِيهِمْ؛ ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُ ابْنَتَيْهِ؛ وعَلى هَذا عُنِيَ في الضَمِيرِ هو وابْنَتاهُ؛ و﴿ "يَتَطَهَّرُونَ"؛﴾ مَعْناهُ: يَتَنَزَّهُونَ عن حالِنا؛ وعادَتِنا؛ قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُونَ عن أدْبارِ الرِجالِ؛ والنِساءِ؛ قالَ قَتادَةُ: عابُوهم بِغَيْرِ عَيْبٍ؛ وذَمُّوهم بِغَيْرِ ذَمٍّ؛ والخِلافُ في أهْلِهِ حَسْبَما تَقَدَّمَ.
واسْتَثْنى اللهُ تَعالى امْرَأةَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - مِنَ الناجِينَ؛ وأخْبَرَ أنَّها هَلَكَتْ؛ و"اَلْغابِرُ": اَلْباقِي؛ هَذا المَشْهُورُ في اللُغَةِ؛ ومِنهُ غُبَّرُ الحَيْضِ؛ كَما قالَ أبُو كَبِيرٍ الهُذَلِيُّ:
؎ ومُبَرَّإٍ مِن كُلِّ غُبَّرِ حَيْضَةٍ ∗∗∗ وفَسادِ مُرْضِعَةٍ وداءٍ مُغْيِلِ
و"غُبَّرُ اللَبَنِ في الضَرْعِ": بَقِيَّتُهُ؛ فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ في العَذابِ؛ والعِقابِ؛ أيْ: "مَعَ الباقِينَ؛ مِمَّنْ لَمْ يَنْجُ"؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ؛ مُعَمَّرٌ: ذَكَرَها اللهُ تَعالى بِأنَّها كانَتْ مِمَّنْ أسَنَّ؛ وبَقِيَ مِن عَصْرِهِ إلى عَصْرِ غَيْرِهِ؛ فَكانَتْ غابِرَةً إلى أنْ هَلَكَتْ مَعَ قَوْمِها.
(p-٦٠٩)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَكَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ "إلا امْرَأتَهُ"؛﴾ اِكْتَفى تَعالى بِهِ في أنَّها لَمْ تَنْجُ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ وصْفَها بَعْدَ ذَلِكَ بِصِفَةٍ لا تَتَعَلَّقُ بِها النَجاةُ؛ ولا الهَلَكَةُ؛ والأوَّلُ أظْهَرُ؛ وقَدْ يَجِيءُ "اَلْغابِرُ"؛ بِمَعْنى الماضِي؛ وكَذَلِكَ حَكى أهْلُ اللُغَةِ: "غَبَرَ"؛ بِمَعْنى: "بَقِيَ"؛ وبِمَعْنى: "مَضى"؛ وأمّا قَوْلُ الأعْشى:
؎ عَضَّ بِما أبْقى المَواسِي لَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ مِن أُمِّهِ في الزَمَنِ الغابِرِ
فالظاهِرُ أنَّهُ أرادَ الماضِي؛ وذَلِكَ بِالنِسْبَةِ إلى وقْتِ الهِجاءِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "فِي الزَمَنِ الباقِي"؛ وذَلِكَ بِالنِسْبَةِ إلى الحِينِ هو غابِرٌ بَعْدَ الإبْقاءِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُعَلَّقَ "فِي الزَمَنِ"؛ بِـ "عَضَّ"؛ فَيَكُونَ "اَلْغابِرُ": اَلْباقِي؛ عَلى الإطْلاقِ؛ والأوَّلُ أظْهَرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ نَصٌّ عَلى إمْطارٍ؛ وتَظاهَرَتِ الآياتُ في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ أنَّهُ بِحِجارَةٍ؛ ورُوِيَ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - بَعَثَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - فاقْتَلَعَها بِجَناحِهِ؛ وهي سِتُّ مُدُنٍ؛ - وقِيلَ: خَمْسٌ؛ وقِيلَ: أرْبَعٌ - فَرَفَعَها حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَماءِ نُهاقَ الحَمِيرِ؛ وصُراخَ الدِيَكَةِ؛ ثُمَّ عَكَسَها ورَدَّ أعْلاها أسْفَلَها؛ وأرْسَلَها إلى الأرْضِ؛ وتَبِعَتْهُمُ الحِجارَةُ مَعَ هَذا؛ فَأهْلَكَتْ مَن كانَ مِنهم في سَفَرٍ؛ أو خارِجًا عَنِ البُقَعِ المَرْفُوعَةِ؛ وقالَتِ امْرَأةُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - حِينَ سَمِعَتِ الرَجَّةَ: واقَوْماهُ؛ والتَفَتَتْ؛ فَأصابَتْها صَخْرَةٌ؛ فَقَتَلَتْها.
الأعراف 7:82
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَلُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِن العالَمِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ ﴿وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾
(p-٦٠٧)"لُوطٌ" - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ بَعَثَهُ اللهُ تَعالى إلى أُمَّةٍ تُسَمّى "سَدُومَ"؛ ورُوِيَ أنَّهُ ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ونَصْبُهُ إمّا بِـ "أرْسَلْنا"؛ اَلْمُتَقَدِّمِ في الأنْبِياءِ؛ وإمّا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرْ لُوطًا"؛ واسْتِفْهامُهُ لَهم هو عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ؛ والتَوْبِيخِ والتَشْنِيعِ.
و"اَلْفاحِشَةَ"؛ هُنا: إتْيانُ الرِجالِ في الأدْبارِ؛ ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ المَعْصِيَةُ في أُمَمٍ قَبْلَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وإنْ كانَ لَفْظُ الآيَةِ يَقْتَضِي هَذا؛ فَقَدَ كانَتِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِها: "ما سَبَقَكم أحَدٌ إلى لُزُومِها؛ وتَشْهِيرِها؛ ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يَأْتِي بَعْضُهم بَعْضًا؛ ورُوِيَ أنَّهم إنَّما كانُوا يَأْتُونَ الغُرَباءَ؛ قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ ؛ قالَ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: ما نَزا ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ قَبْلَ قَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وحَكى النَقّاشُ: أنَّ إبْلِيسَ كانَ أصْلَ عَمَلِهِمْ؛ إذْ دَعاهم إلى نَفْسِهِ؛ وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: عامِلُ اللِواطِ كالزانِي؛ وقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - وغَيْرُهُ: يُرْجَمُ؛ أُحْصِنَ أو لَمْ يُحْصَنْ؛ وحَرَقَ أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - رَجُلًا يُسَمّى "اَلْفَجْأةُ"؛ حِينَ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ.
وقَرَأ نافِعٌ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "إنَّكُمْ"؛ عَلى الخَبَرِ؛ كَأنَّهُ فَسَّرَ الفاحِشَةَ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وحَمْزَةُ: "أئِنَّكُمْ"؛ بِاسْتِفْهامٍ آخَرَ؛ وهَذا لِأنَّ الأوَّلَ اسْتِفْهامٌ عن أمْرٍ مُجْمَلٍ؛ والثانِي عن مُفَسَّرٍ؛ إلّا أنَّ حَمْزَةَ ؛ وعاصِمًا؛ قَرَآ بِهَمْزَتَيْنِ؛ ولَمْ يَهْمِزْ أبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ كَثِيرٍ إلّا واحِدَةً.
و"شَهْوَةً": نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ مِن قَوْلِكَ: "شَهِيتُ الشَيْءَ؛ شَهاةً"؛ والمَعْنى: تَدَعُونَ (p-٦٠٨)الغَرَضَ المَقْصُودَ بِالوَطْءِ؛ وهو ابْتِغاءُ ما كَتَبَ اللهُ تَعالى مِنَ الوَلَدِ؛ وتَنْفَرِدُونَ بِالشَهْوَةِ فَقَطْ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "بَلْ أنْتُمْ"؛﴾ إضْرابٌ عَنِ الإخْبارِ عنهُمْ؛ أو تَقْرِيرِهِمْ عَلى المَعْصِيَةِ؛ وتَرْكٌ لِذَلِكَ؛ إلى الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم قَوْمٌ قَدْ تَجاوَزُوا الحَدَّ وارْتَكَبُوا الحَظْرَ؛ و"اَلْإسْرافُ": اَلزِّيادَةُ المُفْسِدَةُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ "جَوابَ"؛ بِالنَصْبِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "جَوابُ"؛ بِالرَفْعِ؛ ولَمْ تَكُنْ مُراجَعَةُ قَوْمِهِ بِاحْتِجاجٍ مِنهُمْ؛ ولا بِمُدافَعَةٍ عَقْلِيَّةٍ؛ وإنَّما كانَتْ بِكُفْرٍ؛ وصَرامَةٍ؛ وخِذْلانٍ بَحْتٍ؛ في قَوْلِهِمْ: ﴿ "أخْرِجُوهُمْ"؛﴾ وتَعْلِيلُهُمُ الإخْراجَ بِتَطْهِيرِ المُخْرِجِينَ؛ والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وأهْلِهِ؛ وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ؛ فَإنَّ المَعْنى يَقْتَضِيهِمْ؛ ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُ ابْنَتَيْهِ؛ وعَلى هَذا عُنِيَ في الضَمِيرِ هو وابْنَتاهُ؛ و﴿ "يَتَطَهَّرُونَ"؛﴾ مَعْناهُ: يَتَنَزَّهُونَ عن حالِنا؛ وعادَتِنا؛ قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُونَ عن أدْبارِ الرِجالِ؛ والنِساءِ؛ قالَ قَتادَةُ: عابُوهم بِغَيْرِ عَيْبٍ؛ وذَمُّوهم بِغَيْرِ ذَمٍّ؛ والخِلافُ في أهْلِهِ حَسْبَما تَقَدَّمَ.
واسْتَثْنى اللهُ تَعالى امْرَأةَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - مِنَ الناجِينَ؛ وأخْبَرَ أنَّها هَلَكَتْ؛ و"اَلْغابِرُ": اَلْباقِي؛ هَذا المَشْهُورُ في اللُغَةِ؛ ومِنهُ غُبَّرُ الحَيْضِ؛ كَما قالَ أبُو كَبِيرٍ الهُذَلِيُّ:
؎ ومُبَرَّإٍ مِن كُلِّ غُبَّرِ حَيْضَةٍ ∗∗∗ وفَسادِ مُرْضِعَةٍ وداءٍ مُغْيِلِ
و"غُبَّرُ اللَبَنِ في الضَرْعِ": بَقِيَّتُهُ؛ فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ في العَذابِ؛ والعِقابِ؛ أيْ: "مَعَ الباقِينَ؛ مِمَّنْ لَمْ يَنْجُ"؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ؛ مُعَمَّرٌ: ذَكَرَها اللهُ تَعالى بِأنَّها كانَتْ مِمَّنْ أسَنَّ؛ وبَقِيَ مِن عَصْرِهِ إلى عَصْرِ غَيْرِهِ؛ فَكانَتْ غابِرَةً إلى أنْ هَلَكَتْ مَعَ قَوْمِها.
(p-٦٠٩)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَكَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ "إلا امْرَأتَهُ"؛﴾ اِكْتَفى تَعالى بِهِ في أنَّها لَمْ تَنْجُ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ وصْفَها بَعْدَ ذَلِكَ بِصِفَةٍ لا تَتَعَلَّقُ بِها النَجاةُ؛ ولا الهَلَكَةُ؛ والأوَّلُ أظْهَرُ؛ وقَدْ يَجِيءُ "اَلْغابِرُ"؛ بِمَعْنى الماضِي؛ وكَذَلِكَ حَكى أهْلُ اللُغَةِ: "غَبَرَ"؛ بِمَعْنى: "بَقِيَ"؛ وبِمَعْنى: "مَضى"؛ وأمّا قَوْلُ الأعْشى:
؎ عَضَّ بِما أبْقى المَواسِي لَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ مِن أُمِّهِ في الزَمَنِ الغابِرِ
فالظاهِرُ أنَّهُ أرادَ الماضِي؛ وذَلِكَ بِالنِسْبَةِ إلى وقْتِ الهِجاءِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "فِي الزَمَنِ الباقِي"؛ وذَلِكَ بِالنِسْبَةِ إلى الحِينِ هو غابِرٌ بَعْدَ الإبْقاءِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُعَلَّقَ "فِي الزَمَنِ"؛ بِـ "عَضَّ"؛ فَيَكُونَ "اَلْغابِرُ": اَلْباقِي؛ عَلى الإطْلاقِ؛ والأوَّلُ أظْهَرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ نَصٌّ عَلى إمْطارٍ؛ وتَظاهَرَتِ الآياتُ في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ أنَّهُ بِحِجارَةٍ؛ ورُوِيَ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - بَعَثَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - فاقْتَلَعَها بِجَناحِهِ؛ وهي سِتُّ مُدُنٍ؛ - وقِيلَ: خَمْسٌ؛ وقِيلَ: أرْبَعٌ - فَرَفَعَها حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَماءِ نُهاقَ الحَمِيرِ؛ وصُراخَ الدِيَكَةِ؛ ثُمَّ عَكَسَها ورَدَّ أعْلاها أسْفَلَها؛ وأرْسَلَها إلى الأرْضِ؛ وتَبِعَتْهُمُ الحِجارَةُ مَعَ هَذا؛ فَأهْلَكَتْ مَن كانَ مِنهم في سَفَرٍ؛ أو خارِجًا عَنِ البُقَعِ المَرْفُوعَةِ؛ وقالَتِ امْرَأةُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - حِينَ سَمِعَتِ الرَجَّةَ: واقَوْماهُ؛ والتَفَتَتْ؛ فَأصابَتْها صَخْرَةٌ؛ فَقَتَلَتْها.
الأعراف 7:83
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَلُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِن العالَمِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ ﴿وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾
(p-٦٠٧)"لُوطٌ" - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ بَعَثَهُ اللهُ تَعالى إلى أُمَّةٍ تُسَمّى "سَدُومَ"؛ ورُوِيَ أنَّهُ ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ونَصْبُهُ إمّا بِـ "أرْسَلْنا"؛ اَلْمُتَقَدِّمِ في الأنْبِياءِ؛ وإمّا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرْ لُوطًا"؛ واسْتِفْهامُهُ لَهم هو عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ؛ والتَوْبِيخِ والتَشْنِيعِ.
و"اَلْفاحِشَةَ"؛ هُنا: إتْيانُ الرِجالِ في الأدْبارِ؛ ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ المَعْصِيَةُ في أُمَمٍ قَبْلَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وإنْ كانَ لَفْظُ الآيَةِ يَقْتَضِي هَذا؛ فَقَدَ كانَتِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِها: "ما سَبَقَكم أحَدٌ إلى لُزُومِها؛ وتَشْهِيرِها؛ ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يَأْتِي بَعْضُهم بَعْضًا؛ ورُوِيَ أنَّهم إنَّما كانُوا يَأْتُونَ الغُرَباءَ؛ قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ ؛ قالَ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: ما نَزا ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ قَبْلَ قَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وحَكى النَقّاشُ: أنَّ إبْلِيسَ كانَ أصْلَ عَمَلِهِمْ؛ إذْ دَعاهم إلى نَفْسِهِ؛ وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: عامِلُ اللِواطِ كالزانِي؛ وقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - وغَيْرُهُ: يُرْجَمُ؛ أُحْصِنَ أو لَمْ يُحْصَنْ؛ وحَرَقَ أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - رَجُلًا يُسَمّى "اَلْفَجْأةُ"؛ حِينَ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ.
وقَرَأ نافِعٌ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "إنَّكُمْ"؛ عَلى الخَبَرِ؛ كَأنَّهُ فَسَّرَ الفاحِشَةَ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وحَمْزَةُ: "أئِنَّكُمْ"؛ بِاسْتِفْهامٍ آخَرَ؛ وهَذا لِأنَّ الأوَّلَ اسْتِفْهامٌ عن أمْرٍ مُجْمَلٍ؛ والثانِي عن مُفَسَّرٍ؛ إلّا أنَّ حَمْزَةَ ؛ وعاصِمًا؛ قَرَآ بِهَمْزَتَيْنِ؛ ولَمْ يَهْمِزْ أبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ كَثِيرٍ إلّا واحِدَةً.
و"شَهْوَةً": نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ مِن قَوْلِكَ: "شَهِيتُ الشَيْءَ؛ شَهاةً"؛ والمَعْنى: تَدَعُونَ (p-٦٠٨)الغَرَضَ المَقْصُودَ بِالوَطْءِ؛ وهو ابْتِغاءُ ما كَتَبَ اللهُ تَعالى مِنَ الوَلَدِ؛ وتَنْفَرِدُونَ بِالشَهْوَةِ فَقَطْ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "بَلْ أنْتُمْ"؛﴾ إضْرابٌ عَنِ الإخْبارِ عنهُمْ؛ أو تَقْرِيرِهِمْ عَلى المَعْصِيَةِ؛ وتَرْكٌ لِذَلِكَ؛ إلى الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم قَوْمٌ قَدْ تَجاوَزُوا الحَدَّ وارْتَكَبُوا الحَظْرَ؛ و"اَلْإسْرافُ": اَلزِّيادَةُ المُفْسِدَةُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ "جَوابَ"؛ بِالنَصْبِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "جَوابُ"؛ بِالرَفْعِ؛ ولَمْ تَكُنْ مُراجَعَةُ قَوْمِهِ بِاحْتِجاجٍ مِنهُمْ؛ ولا بِمُدافَعَةٍ عَقْلِيَّةٍ؛ وإنَّما كانَتْ بِكُفْرٍ؛ وصَرامَةٍ؛ وخِذْلانٍ بَحْتٍ؛ في قَوْلِهِمْ: ﴿ "أخْرِجُوهُمْ"؛﴾ وتَعْلِيلُهُمُ الإخْراجَ بِتَطْهِيرِ المُخْرِجِينَ؛ والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وأهْلِهِ؛ وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ؛ فَإنَّ المَعْنى يَقْتَضِيهِمْ؛ ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُ ابْنَتَيْهِ؛ وعَلى هَذا عُنِيَ في الضَمِيرِ هو وابْنَتاهُ؛ و﴿ "يَتَطَهَّرُونَ"؛﴾ مَعْناهُ: يَتَنَزَّهُونَ عن حالِنا؛ وعادَتِنا؛ قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُونَ عن أدْبارِ الرِجالِ؛ والنِساءِ؛ قالَ قَتادَةُ: عابُوهم بِغَيْرِ عَيْبٍ؛ وذَمُّوهم بِغَيْرِ ذَمٍّ؛ والخِلافُ في أهْلِهِ حَسْبَما تَقَدَّمَ.
واسْتَثْنى اللهُ تَعالى امْرَأةَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - مِنَ الناجِينَ؛ وأخْبَرَ أنَّها هَلَكَتْ؛ و"اَلْغابِرُ": اَلْباقِي؛ هَذا المَشْهُورُ في اللُغَةِ؛ ومِنهُ غُبَّرُ الحَيْضِ؛ كَما قالَ أبُو كَبِيرٍ الهُذَلِيُّ:
؎ ومُبَرَّإٍ مِن كُلِّ غُبَّرِ حَيْضَةٍ ∗∗∗ وفَسادِ مُرْضِعَةٍ وداءٍ مُغْيِلِ
و"غُبَّرُ اللَبَنِ في الضَرْعِ": بَقِيَّتُهُ؛ فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ في العَذابِ؛ والعِقابِ؛ أيْ: "مَعَ الباقِينَ؛ مِمَّنْ لَمْ يَنْجُ"؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ؛ مُعَمَّرٌ: ذَكَرَها اللهُ تَعالى بِأنَّها كانَتْ مِمَّنْ أسَنَّ؛ وبَقِيَ مِن عَصْرِهِ إلى عَصْرِ غَيْرِهِ؛ فَكانَتْ غابِرَةً إلى أنْ هَلَكَتْ مَعَ قَوْمِها.
(p-٦٠٩)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَكَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ "إلا امْرَأتَهُ"؛﴾ اِكْتَفى تَعالى بِهِ في أنَّها لَمْ تَنْجُ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ وصْفَها بَعْدَ ذَلِكَ بِصِفَةٍ لا تَتَعَلَّقُ بِها النَجاةُ؛ ولا الهَلَكَةُ؛ والأوَّلُ أظْهَرُ؛ وقَدْ يَجِيءُ "اَلْغابِرُ"؛ بِمَعْنى الماضِي؛ وكَذَلِكَ حَكى أهْلُ اللُغَةِ: "غَبَرَ"؛ بِمَعْنى: "بَقِيَ"؛ وبِمَعْنى: "مَضى"؛ وأمّا قَوْلُ الأعْشى:
؎ عَضَّ بِما أبْقى المَواسِي لَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ مِن أُمِّهِ في الزَمَنِ الغابِرِ
فالظاهِرُ أنَّهُ أرادَ الماضِي؛ وذَلِكَ بِالنِسْبَةِ إلى وقْتِ الهِجاءِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "فِي الزَمَنِ الباقِي"؛ وذَلِكَ بِالنِسْبَةِ إلى الحِينِ هو غابِرٌ بَعْدَ الإبْقاءِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُعَلَّقَ "فِي الزَمَنِ"؛ بِـ "عَضَّ"؛ فَيَكُونَ "اَلْغابِرُ": اَلْباقِي؛ عَلى الإطْلاقِ؛ والأوَّلُ أظْهَرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ نَصٌّ عَلى إمْطارٍ؛ وتَظاهَرَتِ الآياتُ في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ أنَّهُ بِحِجارَةٍ؛ ورُوِيَ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - بَعَثَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - فاقْتَلَعَها بِجَناحِهِ؛ وهي سِتُّ مُدُنٍ؛ - وقِيلَ: خَمْسٌ؛ وقِيلَ: أرْبَعٌ - فَرَفَعَها حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَماءِ نُهاقَ الحَمِيرِ؛ وصُراخَ الدِيَكَةِ؛ ثُمَّ عَكَسَها ورَدَّ أعْلاها أسْفَلَها؛ وأرْسَلَها إلى الأرْضِ؛ وتَبِعَتْهُمُ الحِجارَةُ مَعَ هَذا؛ فَأهْلَكَتْ مَن كانَ مِنهم في سَفَرٍ؛ أو خارِجًا عَنِ البُقَعِ المَرْفُوعَةِ؛ وقالَتِ امْرَأةُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - حِينَ سَمِعَتِ الرَجَّةَ: واقَوْماهُ؛ والتَفَتَتْ؛ فَأصابَتْها صَخْرَةٌ؛ فَقَتَلَتْها.
الأعراف 7:84
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَلُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِن العالَمِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ ﴿وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾
(p-٦٠٧)"لُوطٌ" - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ بَعَثَهُ اللهُ تَعالى إلى أُمَّةٍ تُسَمّى "سَدُومَ"؛ ورُوِيَ أنَّهُ ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ونَصْبُهُ إمّا بِـ "أرْسَلْنا"؛ اَلْمُتَقَدِّمِ في الأنْبِياءِ؛ وإمّا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرْ لُوطًا"؛ واسْتِفْهامُهُ لَهم هو عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ؛ والتَوْبِيخِ والتَشْنِيعِ.
و"اَلْفاحِشَةَ"؛ هُنا: إتْيانُ الرِجالِ في الأدْبارِ؛ ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ المَعْصِيَةُ في أُمَمٍ قَبْلَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وإنْ كانَ لَفْظُ الآيَةِ يَقْتَضِي هَذا؛ فَقَدَ كانَتِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِها: "ما سَبَقَكم أحَدٌ إلى لُزُومِها؛ وتَشْهِيرِها؛ ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يَأْتِي بَعْضُهم بَعْضًا؛ ورُوِيَ أنَّهم إنَّما كانُوا يَأْتُونَ الغُرَباءَ؛ قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ ؛ قالَ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: ما نَزا ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ قَبْلَ قَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وحَكى النَقّاشُ: أنَّ إبْلِيسَ كانَ أصْلَ عَمَلِهِمْ؛ إذْ دَعاهم إلى نَفْسِهِ؛ وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: عامِلُ اللِواطِ كالزانِي؛ وقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - وغَيْرُهُ: يُرْجَمُ؛ أُحْصِنَ أو لَمْ يُحْصَنْ؛ وحَرَقَ أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - رَجُلًا يُسَمّى "اَلْفَجْأةُ"؛ حِينَ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ.
وقَرَأ نافِعٌ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "إنَّكُمْ"؛ عَلى الخَبَرِ؛ كَأنَّهُ فَسَّرَ الفاحِشَةَ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وحَمْزَةُ: "أئِنَّكُمْ"؛ بِاسْتِفْهامٍ آخَرَ؛ وهَذا لِأنَّ الأوَّلَ اسْتِفْهامٌ عن أمْرٍ مُجْمَلٍ؛ والثانِي عن مُفَسَّرٍ؛ إلّا أنَّ حَمْزَةَ ؛ وعاصِمًا؛ قَرَآ بِهَمْزَتَيْنِ؛ ولَمْ يَهْمِزْ أبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ كَثِيرٍ إلّا واحِدَةً.
و"شَهْوَةً": نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ مِن قَوْلِكَ: "شَهِيتُ الشَيْءَ؛ شَهاةً"؛ والمَعْنى: تَدَعُونَ (p-٦٠٨)الغَرَضَ المَقْصُودَ بِالوَطْءِ؛ وهو ابْتِغاءُ ما كَتَبَ اللهُ تَعالى مِنَ الوَلَدِ؛ وتَنْفَرِدُونَ بِالشَهْوَةِ فَقَطْ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "بَلْ أنْتُمْ"؛﴾ إضْرابٌ عَنِ الإخْبارِ عنهُمْ؛ أو تَقْرِيرِهِمْ عَلى المَعْصِيَةِ؛ وتَرْكٌ لِذَلِكَ؛ إلى الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم قَوْمٌ قَدْ تَجاوَزُوا الحَدَّ وارْتَكَبُوا الحَظْرَ؛ و"اَلْإسْرافُ": اَلزِّيادَةُ المُفْسِدَةُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ "جَوابَ"؛ بِالنَصْبِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "جَوابُ"؛ بِالرَفْعِ؛ ولَمْ تَكُنْ مُراجَعَةُ قَوْمِهِ بِاحْتِجاجٍ مِنهُمْ؛ ولا بِمُدافَعَةٍ عَقْلِيَّةٍ؛ وإنَّما كانَتْ بِكُفْرٍ؛ وصَرامَةٍ؛ وخِذْلانٍ بَحْتٍ؛ في قَوْلِهِمْ: ﴿ "أخْرِجُوهُمْ"؛﴾ وتَعْلِيلُهُمُ الإخْراجَ بِتَطْهِيرِ المُخْرِجِينَ؛ والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وأهْلِهِ؛ وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ؛ فَإنَّ المَعْنى يَقْتَضِيهِمْ؛ ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُ ابْنَتَيْهِ؛ وعَلى هَذا عُنِيَ في الضَمِيرِ هو وابْنَتاهُ؛ و﴿ "يَتَطَهَّرُونَ"؛﴾ مَعْناهُ: يَتَنَزَّهُونَ عن حالِنا؛ وعادَتِنا؛ قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُونَ عن أدْبارِ الرِجالِ؛ والنِساءِ؛ قالَ قَتادَةُ: عابُوهم بِغَيْرِ عَيْبٍ؛ وذَمُّوهم بِغَيْرِ ذَمٍّ؛ والخِلافُ في أهْلِهِ حَسْبَما تَقَدَّمَ.
واسْتَثْنى اللهُ تَعالى امْرَأةَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - مِنَ الناجِينَ؛ وأخْبَرَ أنَّها هَلَكَتْ؛ و"اَلْغابِرُ": اَلْباقِي؛ هَذا المَشْهُورُ في اللُغَةِ؛ ومِنهُ غُبَّرُ الحَيْضِ؛ كَما قالَ أبُو كَبِيرٍ الهُذَلِيُّ:
؎ ومُبَرَّإٍ مِن كُلِّ غُبَّرِ حَيْضَةٍ ∗∗∗ وفَسادِ مُرْضِعَةٍ وداءٍ مُغْيِلِ
و"غُبَّرُ اللَبَنِ في الضَرْعِ": بَقِيَّتُهُ؛ فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ في العَذابِ؛ والعِقابِ؛ أيْ: "مَعَ الباقِينَ؛ مِمَّنْ لَمْ يَنْجُ"؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ؛ مُعَمَّرٌ: ذَكَرَها اللهُ تَعالى بِأنَّها كانَتْ مِمَّنْ أسَنَّ؛ وبَقِيَ مِن عَصْرِهِ إلى عَصْرِ غَيْرِهِ؛ فَكانَتْ غابِرَةً إلى أنْ هَلَكَتْ مَعَ قَوْمِها.
(p-٦٠٩)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَكَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ "إلا امْرَأتَهُ"؛﴾ اِكْتَفى تَعالى بِهِ في أنَّها لَمْ تَنْجُ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ وصْفَها بَعْدَ ذَلِكَ بِصِفَةٍ لا تَتَعَلَّقُ بِها النَجاةُ؛ ولا الهَلَكَةُ؛ والأوَّلُ أظْهَرُ؛ وقَدْ يَجِيءُ "اَلْغابِرُ"؛ بِمَعْنى الماضِي؛ وكَذَلِكَ حَكى أهْلُ اللُغَةِ: "غَبَرَ"؛ بِمَعْنى: "بَقِيَ"؛ وبِمَعْنى: "مَضى"؛ وأمّا قَوْلُ الأعْشى:
؎ عَضَّ بِما أبْقى المَواسِي لَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ مِن أُمِّهِ في الزَمَنِ الغابِرِ
فالظاهِرُ أنَّهُ أرادَ الماضِي؛ وذَلِكَ بِالنِسْبَةِ إلى وقْتِ الهِجاءِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "فِي الزَمَنِ الباقِي"؛ وذَلِكَ بِالنِسْبَةِ إلى الحِينِ هو غابِرٌ بَعْدَ الإبْقاءِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُعَلَّقَ "فِي الزَمَنِ"؛ بِـ "عَضَّ"؛ فَيَكُونَ "اَلْغابِرُ": اَلْباقِي؛ عَلى الإطْلاقِ؛ والأوَّلُ أظْهَرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ نَصٌّ عَلى إمْطارٍ؛ وتَظاهَرَتِ الآياتُ في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ أنَّهُ بِحِجارَةٍ؛ ورُوِيَ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - بَعَثَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - فاقْتَلَعَها بِجَناحِهِ؛ وهي سِتُّ مُدُنٍ؛ - وقِيلَ: خَمْسٌ؛ وقِيلَ: أرْبَعٌ - فَرَفَعَها حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَماءِ نُهاقَ الحَمِيرِ؛ وصُراخَ الدِيَكَةِ؛ ثُمَّ عَكَسَها ورَدَّ أعْلاها أسْفَلَها؛ وأرْسَلَها إلى الأرْضِ؛ وتَبِعَتْهُمُ الحِجارَةُ مَعَ هَذا؛ فَأهْلَكَتْ مَن كانَ مِنهم في سَفَرٍ؛ أو خارِجًا عَنِ البُقَعِ المَرْفُوعَةِ؛ وقالَتِ امْرَأةُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - حِينَ سَمِعَتِ الرَجَّةَ: واقَوْماهُ؛ والتَفَتَتْ؛ فَأصابَتْها صَخْرَةٌ؛ فَقَتَلَتْها.
الأعراف 7:85
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم فَأوفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ ولا تَبْخَسُوا الناسَ أشْياءَهم ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وتَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ مَن آمَنَ بِهِ وتَبْغُونَها عِوَجًا واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكم وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾
قِيلَ في "مَدْيَنَ"؛ إنَّهُ اسْمُ بَلَدٍ؛ وقُطْرٍ؛ وقِيلَ: اسْمُ قَبِيلَةٍ؛ وقِيلَ: هم مِن ولَدِ (p-٦١٠)مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ورُوِيَ أنَّ لُوطًا - عَلَيْهِ السَلامُ - هو جَدُّ شُعَيْبٍ لِأُمِّهِ؛ وقالَ مَكِّيٌّ: كانَ زَوْجَ بِنْتِ لُوطٍ؛ ومَن رَأى "مَدْيَنَ"؛ اِسْمَ رَجُلٍ؛ لَمْ يَصْرِفْهُ؛ لِأنَّهُ مَعْرِفَةُ أعْجَمِيٌّ؛ ومَن رَآهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ؛ أوِ الأرْضِ؛ فَهو أحْرى ألّا يُصْرَفَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "أخاهُمْ"؛﴾ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ "أرْسَلْنا"؛﴾ [الأعراف: ٩٤] في أوَّلِ القَصَصِ؛ وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ "لُوطًا"؛ بِهِ انْتَصَبَ؛ وأنَّ اللَفْظَ مُسْتَمِرٌّ؛ وهَذِهِ الأُخُوَّةُ في القَرابَةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في "غَيْرُهُ"؛ و"غَيْرَهُ"؛ والبَيِّنَةُ إشارَةٌ إلى مُعْجِزَتِهِ؛ وإنْ كُنّا نَحْنُ لَمْ يُنَصَّ لَنا عَلَيْها.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "قَدْ جاءَتْكم آيَةٌ مِن رَبِّكُمْ"؛ مَكانَ "بَيِّنَةٌ".
وقَوْلُهُ: ﴿فَأوفُوا الكَيْلَ﴾ ؛ أمْرٌ لَهم بِالِاسْتِقامَةِ في الإعْطاءِ؛ وهو - بِالمَعْنى - في الأخْذِ والإعْطاءِ؛ وكانَتْ هَذِهِ المَعْصِيَةُ قَدْ فَشَتْ فِيهِمْ في ذَلِكَ الزَمَنِ؛ وفَحُشَتْ مَعَ كُفْرِهِمُ الَّذِي نالَتْهُمُ الرَجْفَةُ بِسَبَبِهِ؛ و﴿ "تَبْخَسُوا"؛﴾ مَعْناهُ: تَظْلِمُوا؛ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "تَحْسَبُها حَمْقاءَ وهي باخِسٌ"؛ أيْ: ظالِمَةٌ خادِعَةٌ؛ و"أشْياءَهُمْ"؛ يُرِيدُ أمْوالَهُمْ؛ وأمْتِعَتَهُمْ؛ مِمّا يُكالُ؛ أو يُوزَنُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَلا تُفْسِدُوا"؛﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِدَقِيقِ الفَسادِ وجَلِيلِهِ؛ وكَذَلِكَ الإصْلاحُ عامٌّ؛ والمُفَسِّرُونَ نَصُّوا عَلى أنَّ الإشارَةَ إلى الكُفْرِ بِالفَسادِ؛ وإلى النُبُوّاتِ والشَرائِعِ بِالإصْلاحِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ؛ أيْ: نافِعٌ عِنْدَ اللهِ تَعالى ؛ مُكْسِبٌ فَوْزَهُ ورِضْوانَهُ تَعالى ؛ بِشَرْطِ الإيمانِ والتَوْحِيدِ؛ وإلّا فَلا يَنْفَعُ عَمَلٌ دُونَ إيمانٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ السُدِّيُّ: هَذا نَهْيٌ عَنِ العَشّارِينَ؛ والمُتَقَبِّلِينَ؛ ونَحْوِهِ؛ مِن أخْذِ أمْوالِ الناسِ بِالباطِلِ؛ و"اَلصِّراطُ": اَلطَّرِيقُ؛ (p-٦١١)وَذَلِكَ أنَّهم كانُوا يُكْثِرُونَ مِن هَذا؛ لِأنَّهُ مِن قَبِيلِ: بَخْسِهِمْ؛ ونَقْصِهِمُ الكَيْلَ والوَزْنَ؛ وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: هو نَهْيٌ عَنِ السَلْبِ؛ وقَطْعِ الطَرِيقِ؛ وكانَ ذَلِكَ مِن فِعْلِهِمْ؛ ورَوى في ذَلِكَ حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وما تَقَدَّمَ قَبْلُ مِنَ النَهْيِ في شَأْنِ المالِ في المَوازِينِ؛ والأكْيالِ؛ والبَخْسُ يُؤَيِّدُ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ؛ ويُشْبِهُهُما؛ وفي هَذا كُلِّهِ تَوَعُّدٌ لِلنّاسِ إنْ لَمْ يَتْرُكُوا أمْوالَهم.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ والسُدِّيُّ أيْضًا: قَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَلا تَقْعُدُوا"؛﴾ نَهْيٌ لَهم عَمّا كانُوا يَفْعَلُونَهُ مِن رَدِّ الناسِ عن شُعَيْبٍ؛ فَيَتَوَعَّدُونَ مَن أرادَ المَجِيءَ إلَيْهِ؛ ويَصُدُّونَهُ؛ ويَقُولُونَ: إنَّهُ كَذّابٌ؛ فَلا تَذْهَبْ إلَيْهِ؛ عَلى نَحْوِ ما كانَتْ قُرَيْشٌ تَفْعَلُهُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وما بَعْدَ هَذا مِن ألْفاظِ الآيَةِ يُشْبِهُ هَذا القَوْلَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَتَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ مَن آمَنَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المَعْنى: وتَفْتِنُونَ مَن آمَنَ؛ وتَصُدُّونَهُ عن طَرِيقِ الهُدى؛ وسَبِيلِ اللهِ تَعالى المُفْضِيَةِ إلى رَحْمَتِهِ؛ والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ وأنْ يَعُودَ عَلى شُعَيْبٍ؛ في قَوْلِ مَن رَأى القُعُودَ عَلى الطُرُقِ؛ لِلرَّدِّ عن شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وأنْ يَعُودَ عَلى السَبِيلِ في لُغَةِ مَن يُذَكِّرُ "اَلسَّبِيلُ".
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ ؛ في صَدْرِ السُورَةِ؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ؛ والزَجّاجُ: كَسْرُ العَيْنِ في المَعانِي؛ وفَتْحُها في الأجْرامِ.
ثُمَّ عَدَّدَ عَلَيْهِمْ نِعَمَ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ وأنَّهُ كَثَّرَهم بَعْدَ قِلَّةِ عَدَدٍ؛ وقِيلَ: أغْناهم بَعْدَ فَقْرٍ؛ فالمَعْنى - عَلى هَذا -: "إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا قَدْرُكُمْ"؛ ثُمَّ حَذَّرَهم ومَثَّلَ لَهم بِمَنِ امْتُحِنَ مِنَ الأُمَمِ السابِقَةِ.
الأعراف 7:86
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم فَأوفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ ولا تَبْخَسُوا الناسَ أشْياءَهم ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وتَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ مَن آمَنَ بِهِ وتَبْغُونَها عِوَجًا واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكم وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾
قِيلَ في "مَدْيَنَ"؛ إنَّهُ اسْمُ بَلَدٍ؛ وقُطْرٍ؛ وقِيلَ: اسْمُ قَبِيلَةٍ؛ وقِيلَ: هم مِن ولَدِ (p-٦١٠)مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ورُوِيَ أنَّ لُوطًا - عَلَيْهِ السَلامُ - هو جَدُّ شُعَيْبٍ لِأُمِّهِ؛ وقالَ مَكِّيٌّ: كانَ زَوْجَ بِنْتِ لُوطٍ؛ ومَن رَأى "مَدْيَنَ"؛ اِسْمَ رَجُلٍ؛ لَمْ يَصْرِفْهُ؛ لِأنَّهُ مَعْرِفَةُ أعْجَمِيٌّ؛ ومَن رَآهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ؛ أوِ الأرْضِ؛ فَهو أحْرى ألّا يُصْرَفَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "أخاهُمْ"؛﴾ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ "أرْسَلْنا"؛﴾ [الأعراف: ٩٤] في أوَّلِ القَصَصِ؛ وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ "لُوطًا"؛ بِهِ انْتَصَبَ؛ وأنَّ اللَفْظَ مُسْتَمِرٌّ؛ وهَذِهِ الأُخُوَّةُ في القَرابَةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في "غَيْرُهُ"؛ و"غَيْرَهُ"؛ والبَيِّنَةُ إشارَةٌ إلى مُعْجِزَتِهِ؛ وإنْ كُنّا نَحْنُ لَمْ يُنَصَّ لَنا عَلَيْها.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "قَدْ جاءَتْكم آيَةٌ مِن رَبِّكُمْ"؛ مَكانَ "بَيِّنَةٌ".
وقَوْلُهُ: ﴿فَأوفُوا الكَيْلَ﴾ ؛ أمْرٌ لَهم بِالِاسْتِقامَةِ في الإعْطاءِ؛ وهو - بِالمَعْنى - في الأخْذِ والإعْطاءِ؛ وكانَتْ هَذِهِ المَعْصِيَةُ قَدْ فَشَتْ فِيهِمْ في ذَلِكَ الزَمَنِ؛ وفَحُشَتْ مَعَ كُفْرِهِمُ الَّذِي نالَتْهُمُ الرَجْفَةُ بِسَبَبِهِ؛ و﴿ "تَبْخَسُوا"؛﴾ مَعْناهُ: تَظْلِمُوا؛ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "تَحْسَبُها حَمْقاءَ وهي باخِسٌ"؛ أيْ: ظالِمَةٌ خادِعَةٌ؛ و"أشْياءَهُمْ"؛ يُرِيدُ أمْوالَهُمْ؛ وأمْتِعَتَهُمْ؛ مِمّا يُكالُ؛ أو يُوزَنُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَلا تُفْسِدُوا"؛﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِدَقِيقِ الفَسادِ وجَلِيلِهِ؛ وكَذَلِكَ الإصْلاحُ عامٌّ؛ والمُفَسِّرُونَ نَصُّوا عَلى أنَّ الإشارَةَ إلى الكُفْرِ بِالفَسادِ؛ وإلى النُبُوّاتِ والشَرائِعِ بِالإصْلاحِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ؛ أيْ: نافِعٌ عِنْدَ اللهِ تَعالى ؛ مُكْسِبٌ فَوْزَهُ ورِضْوانَهُ تَعالى ؛ بِشَرْطِ الإيمانِ والتَوْحِيدِ؛ وإلّا فَلا يَنْفَعُ عَمَلٌ دُونَ إيمانٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ السُدِّيُّ: هَذا نَهْيٌ عَنِ العَشّارِينَ؛ والمُتَقَبِّلِينَ؛ ونَحْوِهِ؛ مِن أخْذِ أمْوالِ الناسِ بِالباطِلِ؛ و"اَلصِّراطُ": اَلطَّرِيقُ؛ (p-٦١١)وَذَلِكَ أنَّهم كانُوا يُكْثِرُونَ مِن هَذا؛ لِأنَّهُ مِن قَبِيلِ: بَخْسِهِمْ؛ ونَقْصِهِمُ الكَيْلَ والوَزْنَ؛ وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: هو نَهْيٌ عَنِ السَلْبِ؛ وقَطْعِ الطَرِيقِ؛ وكانَ ذَلِكَ مِن فِعْلِهِمْ؛ ورَوى في ذَلِكَ حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وما تَقَدَّمَ قَبْلُ مِنَ النَهْيِ في شَأْنِ المالِ في المَوازِينِ؛ والأكْيالِ؛ والبَخْسُ يُؤَيِّدُ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ؛ ويُشْبِهُهُما؛ وفي هَذا كُلِّهِ تَوَعُّدٌ لِلنّاسِ إنْ لَمْ يَتْرُكُوا أمْوالَهم.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ والسُدِّيُّ أيْضًا: قَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَلا تَقْعُدُوا"؛﴾ نَهْيٌ لَهم عَمّا كانُوا يَفْعَلُونَهُ مِن رَدِّ الناسِ عن شُعَيْبٍ؛ فَيَتَوَعَّدُونَ مَن أرادَ المَجِيءَ إلَيْهِ؛ ويَصُدُّونَهُ؛ ويَقُولُونَ: إنَّهُ كَذّابٌ؛ فَلا تَذْهَبْ إلَيْهِ؛ عَلى نَحْوِ ما كانَتْ قُرَيْشٌ تَفْعَلُهُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وما بَعْدَ هَذا مِن ألْفاظِ الآيَةِ يُشْبِهُ هَذا القَوْلَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَتَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ مَن آمَنَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المَعْنى: وتَفْتِنُونَ مَن آمَنَ؛ وتَصُدُّونَهُ عن طَرِيقِ الهُدى؛ وسَبِيلِ اللهِ تَعالى المُفْضِيَةِ إلى رَحْمَتِهِ؛ والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ وأنْ يَعُودَ عَلى شُعَيْبٍ؛ في قَوْلِ مَن رَأى القُعُودَ عَلى الطُرُقِ؛ لِلرَّدِّ عن شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وأنْ يَعُودَ عَلى السَبِيلِ في لُغَةِ مَن يُذَكِّرُ "اَلسَّبِيلُ".
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ ؛ في صَدْرِ السُورَةِ؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ؛ والزَجّاجُ: كَسْرُ العَيْنِ في المَعانِي؛ وفَتْحُها في الأجْرامِ.
ثُمَّ عَدَّدَ عَلَيْهِمْ نِعَمَ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ وأنَّهُ كَثَّرَهم بَعْدَ قِلَّةِ عَدَدٍ؛ وقِيلَ: أغْناهم بَعْدَ فَقْرٍ؛ فالمَعْنى - عَلى هَذا -: "إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا قَدْرُكُمْ"؛ ثُمَّ حَذَّرَهم ومَثَّلَ لَهم بِمَنِ امْتُحِنَ مِنَ الأُمَمِ السابِقَةِ.
الأعراف 7:87
(p-٦١٢)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾
اَلْمَعْنى: "وَإنْ كُنْتُمْ يا قَوْمِ قَدِ اخْتَلَفْتُمْ عَلَيَّ؛ وشَعَّبْتُمْ بِكُفْرِكم أمْرِي؛ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ؛ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ؛ فاصْبِرُوا أيُّها الكَفَرَةُ حَتّى يَأْتِيَ حُكْمُ اللهِ تَعالى بَيْنِي وبَيْنَكُمْ".
وفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "فاصْبِرُوا"؛﴾ قُوَّةُ التَهْدِيدِ والوَعِيدِ؛ هَذا ظاهِرُ الكَلامِ؛ وأنَّ المُخاطَبَةَ بِجَمِيعِ الآيَةِ لِلْكُفّارِ.
وحَكى مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّ الخِطابَ بِقَوْلِهِ: "فاصْبِرُوا"؛ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ عَلى مَعْنى الوَعْدِ لَهُمْ؛ وقالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ ؛ قالَ النَقّاشُ: وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: اَلْمَعْنى: "فاصْبِرُوا يا مَعْشَرَ الكُفّارِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلُ الجَماعَةِ.
الأعراف 7:88
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أو لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللهِ مِنها وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلا أنْ يَشاءَ اللهِ رَبُّنا وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبُّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى "اَلْمَلَأُ"؛ ومَعْنى الِاسْتِكْبارِ؛ وقَوْلُهُمْ: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ (p-٦١٣)يا شُعَيْبُ﴾ ؛ تَهْدِيدٌ بِالنَفْيِ؛ و"اَلْقَرْيَةُ": اَلْمَدِينَةُ الجامِعَةُ لِلنّاسِ؛ لِأنَّها "تَقَرَّتْ"؛ أيْ اجْتَمَعَتْ؛ وقَوْلُهُمْ: ﴿أو لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ ؛ مَعْناهُ: أو لَتَصِيرُنَ؛ و"عادَ"؛ تَجِيءُ في كَلامِ العَرَبِ عَلى وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: عادَ الشَيْءُ إلى حالٍ قَدْ كانَ فِيها قَبْلَ ذَلِكَ؛ وهي - عَلى هَذِهِ الجِهَةِ - لا تَتَعَدّى؛ فَإنْ عُدِّيَتْ فَبِحَرْفٍ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إنْ عادَتِ العَقْرَبُ عُدْنا لَها ∗∗∗ وكانَتِ النَعْلُ لَها حاضِرَةْ
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ ألا لَيْتَ أيّامَ الشَبابِ جَدِيدُ ∗∗∗ ∗∗∗ وعَصْرًا تَوَلّى يا بُثَيْنَ يَعُودُ
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عنهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَإنْ تَكُنِ الأيّامُ أحْسَنَّ مَرَّةً ∗∗∗ ∗∗∗ إلَيَّ فَقَدْ عادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ
والوَجْهُ الثانِي: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "صارَ"؛ وعامِلَةً عَمَلَها؛ ولا تَتَضَمَّنُ أنَّ الحالَ قَدْ كانَتْ مُتَقَدِّمَةً؛ ومِن هَذِهِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تِلْكَ المَكارِمُ لا قَعْبانِ مِن لَبَنٍ ∗∗∗ ∗∗∗ شِيبا بِماءٍ فَعادا بَعْدُ أبْوالا
(p-٦١٤)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ وعادَ رَأْسِي كالثَغامَةْ
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] ؛ عَلى أنَّ هَذِهِ مُحْتَمَلَةٌ؛ فَقَوْلُهُ في الآيَةِ: ﴿ "أو لَتَعُودُنَّ"﴾ - وشُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - لَمْ يَكُنْ قَطُّ كافِرًا - يَقْتَضِي أنَّها بِمَعْنى صارَ؛ وأمّا في جِهَةِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ كُفْرِهِمْ؛ فَيَتَرَتَّبُ المَعْنى الآخَرُ ويُخْرَجُ عنهُ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - إلّا أنْ يُرِيدُوا عَوْدَتَهُ إلى حالِ سُكُوتِهِ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ ؛ تَوْقِيفٌ مِنهُ لَهم عَلى شُنْعَةٍ المَعْصِيَةِ؛ وطَلَبٌ أنْ يُقِرُّوا بِألْسِنَتِهِمْ بِإكْراهِ المُؤْمِنِينَ بِاللهِ تَعالى عَلى الإخْراجِ ظُلْمًا وغَشْمًا.
والظاهِرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكُمْ﴾ أنَّهُ خَبَرٌ مِنهُ؛ أيْ: لَقَدْ كُنّا نُواقِعُ عَظِيمًا ونَفْتَرِي عَلى اللهِ تَعالى الكَذِبَ في الرُجُوعِ إلى الكُفْرِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ القَسَمِ الَّذِي هو في صِيغَةِ الدُعاءِ؛ مِثْلَ قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ بَقِيتُ وفْرِي.......... ∗∗∗ ∗∗∗..................
(p-٦١٥)وَكَما تَقُولُ: "اِفْتَرَيْتُ عَلى اللهِ تَعالى إنْ كَلَّمْتُ فُلانًا"؛ و"اِفْتَرَيْنا"؛ مَعْناهُ: شَقَقْنا بِالقَوْلِ؛ واخْتَلَفْنا؛ ومِنهُ قَوْلُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها -: « "مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رَأى رَبَّهُ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللهِ الفِرْيَةَ".»
ونَجاةُ شُعَيْبٍ مِن مِلَّتِهِمْ كانَتْ مُنْذُ أوَّلِ أمْرِهِ؛ ونَجاةُ مَن آمَنَ مَعَهُ كانَتْ بَعْدَ مُواقَعَةِ الكُفْرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "إلّا أنْ يَسْبِقَ عَلَيْنا مِنَ اللهِ تَعالى في ذَلِكَ سابِقُ سُوءٍ؛ ويَنْفُذُ مِنهُ تَعالى قَضاءٌ لا يُرَدُّ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والمُؤْمِنُونَ هُمُ المُجَوَّزُونَ لِذَلِكَ؛ وشُعَيْبٌ قَدْ عَصَمَتْهُ النُبُوَّةُ؛ وهَذا أظْهَرُ ما يَحْتَمِلُ القَوْلُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ اسْتِثْناءَ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَعَبَّدَ اللهَ تَعالى بِهِ المُؤْمِنُونَ؛ مِمّا تَفْعَلُهُ الكُفّارُ مِنَ القُرُباتِ؛ فَلَمّا قالَ لَهُمْ: "إنّا لا نَعُودُ في مِلَّتِكُمْ"؛ ثُمَّ خَشِيَ أنْ يُتَعَبَّدَ اللهُ بِشَيْءٍ مِن أفْعالِ الكَفَرَةِ؛ فَيُعارِضَ مُلْحِدٌ بِذَلِكَ؛ ويَقُولَ: هَذِهِ عَوْدَةٌ إلى مِلَّتِنا؛ اسْتَثْنى مَشِيئَةَ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى - فِيما يُمْكِنُ أنْ يُتَعَبَّدَ بِهِ تَعالى ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ مَعْنى الِاسْتِبْعادِ؛ كَما تَقُولُ: "لا أفْعَلُ كَذا حَتّى يَشِيبَ الغُرابُ؛ وحَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ"؛ وقَدْ عُلِمَ امْتِناعُ ذَلِكَ؛ فَهو إحالَةٌ عَلى مُسْتَحِيلٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَأْوِيلٌ إنَّما هو لِلْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ مِن مَذْهَبِهِمْ أنَّ الكُفْرَ والإيمانَ لَيْسا بِمَشِيئَةٍ مِنَ اللهِ تَعالى ؛ فَلا يَتَرَتَّبُ هَذا التَأْوِيلُ إلّا عِنْدَهُمْ؛ وهَذا تَأْوِيلٌ حَكاهُ المُفَسِّرُونَ؛ ولَمْ يَشْعُرُوا بِما فِيهِ؛ وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ إنَّما هو تَسَتُّرٌ وتَأدُّبٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: (p-٦١٦)وَيُقْلَقُ هَذا التَأْوِيلُ مِن جِهَةِ اسْتِقْبالِ الِاسْتِثْناءِ؛ ولَوْ كانَ في الكَلامِ "إنْ شاءَ اللهُ"؛ قَوِيَ هَذا التَأْوِيلُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ؛ مَعْناهُ: "وَسِعَ عِلْمُ رَبِّنا تَعالى كُلَّ شَيْءٍ"؛ كَما تَقُولُ: "تَصَبَّبَ زَيْدٌ عَرَقًا"؛ أيْ: تَصَبَّبَ عَرَقُ زَيْدٍ؛ و"وَسِعَ"؛ بِمَعْنى أحاطَ.
وقَوْلُهُ: "اِفْتَحْ"؛ مَعْناهُ: اُحْكُمْ؛ و"اَلْفاتِحُ"؛ و"اَلْفَتّاحُ": اَلْقاضِي؛ بِلُغَةِ حِمْيَرٍ؛ وقِيلَ: بِلُغَةِ مُرادٍ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ:
؎ ألا أبْلِغْ بَنِي عُصْمٍ رَسُولًا ∗∗∗ ∗∗∗ فَإنِّي عن فُتاحَتِكم غَنِيُّ
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أرادَ اللهَ تَعالى هَلاكَ قَوْمِهِ؛ أمَرَهُ بِالدُعاءِ عَلَيْهِمْ؛ ثُمَّ اسْتَجابَ تَعالى لَهُ؛ فَأهْلَكَهُمْ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: ما كُنْتُ أعْرِفُ مَعْنى هَذِهِ اللَفْظَةِ حَتّى سَمِعْتُ بِنْتَ ذِي يَزَنٍ تَقُولُ لِزَوْجِها: "تَعالَ أُفاتِحْكَ"؛ أيْ: "أُحاكِمْكَ".
وقَوْلُهُ: ﴿عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا﴾ اِسْتِسْلامٌ لِلَّهِ تَعالى وتَمَسُّكٌ بِلُطْفِهِ؛ وذَلِكَ يُؤَيِّدُ التَأْوِيلَ الأوَّلَ في قَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾.
الأعراف 7:89
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أو لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللهِ مِنها وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلا أنْ يَشاءَ اللهِ رَبُّنا وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبُّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى "اَلْمَلَأُ"؛ ومَعْنى الِاسْتِكْبارِ؛ وقَوْلُهُمْ: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ (p-٦١٣)يا شُعَيْبُ﴾ ؛ تَهْدِيدٌ بِالنَفْيِ؛ و"اَلْقَرْيَةُ": اَلْمَدِينَةُ الجامِعَةُ لِلنّاسِ؛ لِأنَّها "تَقَرَّتْ"؛ أيْ اجْتَمَعَتْ؛ وقَوْلُهُمْ: ﴿أو لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ ؛ مَعْناهُ: أو لَتَصِيرُنَ؛ و"عادَ"؛ تَجِيءُ في كَلامِ العَرَبِ عَلى وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: عادَ الشَيْءُ إلى حالٍ قَدْ كانَ فِيها قَبْلَ ذَلِكَ؛ وهي - عَلى هَذِهِ الجِهَةِ - لا تَتَعَدّى؛ فَإنْ عُدِّيَتْ فَبِحَرْفٍ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إنْ عادَتِ العَقْرَبُ عُدْنا لَها ∗∗∗ وكانَتِ النَعْلُ لَها حاضِرَةْ
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ ألا لَيْتَ أيّامَ الشَبابِ جَدِيدُ ∗∗∗ ∗∗∗ وعَصْرًا تَوَلّى يا بُثَيْنَ يَعُودُ
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عنهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَإنْ تَكُنِ الأيّامُ أحْسَنَّ مَرَّةً ∗∗∗ ∗∗∗ إلَيَّ فَقَدْ عادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ
والوَجْهُ الثانِي: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "صارَ"؛ وعامِلَةً عَمَلَها؛ ولا تَتَضَمَّنُ أنَّ الحالَ قَدْ كانَتْ مُتَقَدِّمَةً؛ ومِن هَذِهِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تِلْكَ المَكارِمُ لا قَعْبانِ مِن لَبَنٍ ∗∗∗ ∗∗∗ شِيبا بِماءٍ فَعادا بَعْدُ أبْوالا
(p-٦١٤)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ وعادَ رَأْسِي كالثَغامَةْ
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] ؛ عَلى أنَّ هَذِهِ مُحْتَمَلَةٌ؛ فَقَوْلُهُ في الآيَةِ: ﴿ "أو لَتَعُودُنَّ"﴾ - وشُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - لَمْ يَكُنْ قَطُّ كافِرًا - يَقْتَضِي أنَّها بِمَعْنى صارَ؛ وأمّا في جِهَةِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ كُفْرِهِمْ؛ فَيَتَرَتَّبُ المَعْنى الآخَرُ ويُخْرَجُ عنهُ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - إلّا أنْ يُرِيدُوا عَوْدَتَهُ إلى حالِ سُكُوتِهِ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ ؛ تَوْقِيفٌ مِنهُ لَهم عَلى شُنْعَةٍ المَعْصِيَةِ؛ وطَلَبٌ أنْ يُقِرُّوا بِألْسِنَتِهِمْ بِإكْراهِ المُؤْمِنِينَ بِاللهِ تَعالى عَلى الإخْراجِ ظُلْمًا وغَشْمًا.
والظاهِرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكُمْ﴾ أنَّهُ خَبَرٌ مِنهُ؛ أيْ: لَقَدْ كُنّا نُواقِعُ عَظِيمًا ونَفْتَرِي عَلى اللهِ تَعالى الكَذِبَ في الرُجُوعِ إلى الكُفْرِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ القَسَمِ الَّذِي هو في صِيغَةِ الدُعاءِ؛ مِثْلَ قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ بَقِيتُ وفْرِي.......... ∗∗∗ ∗∗∗..................
(p-٦١٥)وَكَما تَقُولُ: "اِفْتَرَيْتُ عَلى اللهِ تَعالى إنْ كَلَّمْتُ فُلانًا"؛ و"اِفْتَرَيْنا"؛ مَعْناهُ: شَقَقْنا بِالقَوْلِ؛ واخْتَلَفْنا؛ ومِنهُ قَوْلُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها -: « "مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رَأى رَبَّهُ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللهِ الفِرْيَةَ".»
ونَجاةُ شُعَيْبٍ مِن مِلَّتِهِمْ كانَتْ مُنْذُ أوَّلِ أمْرِهِ؛ ونَجاةُ مَن آمَنَ مَعَهُ كانَتْ بَعْدَ مُواقَعَةِ الكُفْرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "إلّا أنْ يَسْبِقَ عَلَيْنا مِنَ اللهِ تَعالى في ذَلِكَ سابِقُ سُوءٍ؛ ويَنْفُذُ مِنهُ تَعالى قَضاءٌ لا يُرَدُّ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والمُؤْمِنُونَ هُمُ المُجَوَّزُونَ لِذَلِكَ؛ وشُعَيْبٌ قَدْ عَصَمَتْهُ النُبُوَّةُ؛ وهَذا أظْهَرُ ما يَحْتَمِلُ القَوْلُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ اسْتِثْناءَ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَعَبَّدَ اللهَ تَعالى بِهِ المُؤْمِنُونَ؛ مِمّا تَفْعَلُهُ الكُفّارُ مِنَ القُرُباتِ؛ فَلَمّا قالَ لَهُمْ: "إنّا لا نَعُودُ في مِلَّتِكُمْ"؛ ثُمَّ خَشِيَ أنْ يُتَعَبَّدَ اللهُ بِشَيْءٍ مِن أفْعالِ الكَفَرَةِ؛ فَيُعارِضَ مُلْحِدٌ بِذَلِكَ؛ ويَقُولَ: هَذِهِ عَوْدَةٌ إلى مِلَّتِنا؛ اسْتَثْنى مَشِيئَةَ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى - فِيما يُمْكِنُ أنْ يُتَعَبَّدَ بِهِ تَعالى ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ مَعْنى الِاسْتِبْعادِ؛ كَما تَقُولُ: "لا أفْعَلُ كَذا حَتّى يَشِيبَ الغُرابُ؛ وحَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ"؛ وقَدْ عُلِمَ امْتِناعُ ذَلِكَ؛ فَهو إحالَةٌ عَلى مُسْتَحِيلٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَأْوِيلٌ إنَّما هو لِلْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ مِن مَذْهَبِهِمْ أنَّ الكُفْرَ والإيمانَ لَيْسا بِمَشِيئَةٍ مِنَ اللهِ تَعالى ؛ فَلا يَتَرَتَّبُ هَذا التَأْوِيلُ إلّا عِنْدَهُمْ؛ وهَذا تَأْوِيلٌ حَكاهُ المُفَسِّرُونَ؛ ولَمْ يَشْعُرُوا بِما فِيهِ؛ وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ إنَّما هو تَسَتُّرٌ وتَأدُّبٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: (p-٦١٦)وَيُقْلَقُ هَذا التَأْوِيلُ مِن جِهَةِ اسْتِقْبالِ الِاسْتِثْناءِ؛ ولَوْ كانَ في الكَلامِ "إنْ شاءَ اللهُ"؛ قَوِيَ هَذا التَأْوِيلُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ؛ مَعْناهُ: "وَسِعَ عِلْمُ رَبِّنا تَعالى كُلَّ شَيْءٍ"؛ كَما تَقُولُ: "تَصَبَّبَ زَيْدٌ عَرَقًا"؛ أيْ: تَصَبَّبَ عَرَقُ زَيْدٍ؛ و"وَسِعَ"؛ بِمَعْنى أحاطَ.
وقَوْلُهُ: "اِفْتَحْ"؛ مَعْناهُ: اُحْكُمْ؛ و"اَلْفاتِحُ"؛ و"اَلْفَتّاحُ": اَلْقاضِي؛ بِلُغَةِ حِمْيَرٍ؛ وقِيلَ: بِلُغَةِ مُرادٍ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ:
؎ ألا أبْلِغْ بَنِي عُصْمٍ رَسُولًا ∗∗∗ ∗∗∗ فَإنِّي عن فُتاحَتِكم غَنِيُّ
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أرادَ اللهَ تَعالى هَلاكَ قَوْمِهِ؛ أمَرَهُ بِالدُعاءِ عَلَيْهِمْ؛ ثُمَّ اسْتَجابَ تَعالى لَهُ؛ فَأهْلَكَهُمْ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: ما كُنْتُ أعْرِفُ مَعْنى هَذِهِ اللَفْظَةِ حَتّى سَمِعْتُ بِنْتَ ذِي يَزَنٍ تَقُولُ لِزَوْجِها: "تَعالَ أُفاتِحْكَ"؛ أيْ: "أُحاكِمْكَ".
وقَوْلُهُ: ﴿عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا﴾ اِسْتِسْلامٌ لِلَّهِ تَعالى وتَمَسُّكٌ بِلُطْفِهِ؛ وذَلِكَ يُؤَيِّدُ التَأْوِيلَ الأوَّلَ في قَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾.
الأعراف 7:90
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ ﴿فَتَوَلّى عنهم وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمِ كافِرِينَ﴾
هَذِهِ المَقالَةُ قالَها المَلَأُ لِتُبّاعِهِمْ؛ وسائِرِ الناسِ الَّذِينَ يُقَلِّدُونَهم.
و"اَلرَّجْفَةُ": اَلزَّلْزَلَةُ الشَدِيدَةُ الَّتِي يَنالُ مَعَها الإنْسانَ اهْتِزازٌ وارْتِعادٌ واضْطِرابٌ.
(p-٦١٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنَّ فِرْقَةً مِن قَوْمِ شُعَيْبٍ أُهْلِكَتْ بِالرَجْفَةِ؛ وفِرْقَةً بِالظُلَّةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنَّ الظُلَّةَ والرَجْفَةَ كانَتا في حِينٍ واحِدٍ؛ ورُوِيَ أنَّ اللهَ - تَبارَكَ وتَعالى - بَعَثَ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَلامُ - إلى أهْلِ مَدْيَنَ؛ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ؛ وقِيلَ: هُما طائِفَتانِ؛ وقِيلَ: واحِدَةٌ؛ وكانُوا - مَعَ كُفْرِهِمْ - يَبْخَسُونَ الكَيْلَ والوَزْنَ؛ فَدَعاهم فَكَذَّبُوهُ؛ فَجَرَتْ بَيْنَهم هَذِهِ المُقاوَلَةُ المُتَقَدِّمَةُ؛ فَلَمّا عَتَوْا؛ وطالَتْ بِهِمُ المُدَّةُ فَتَحَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بابًا مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ فَأهْلَكَهُمُ الحَرُّ مِنهُ؛ فَلَمْ يَنْفَعْهم ظِلٌّ ولا ماءٌ؛ ثُمَّ إنَّهُ بَعَثَ سَحابَةً فِيها رِيحٌ طَيِّبَةٌ فَوَجَدُوا بَرْدَ الرِيحِ وطِيبَها؛ فَتَنادَوْا: عَلَيْكُمُ الظُلَّةَ؛ فَلَمّا اجْتَمَعُوا تَحْتَ الظُلَّةِ؛ وهي تِلْكَ السَحابَةُ انْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ فَأهْلَكَتْهم.
قالَ الطَبَرِيُّ: فَبَلَغَنِي أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ مَدْيَنَ؛ يُقالُ لَهُ عَمْرُو بْنُ جَلْهاءَ؛ قالَ لَمّا رَآها:
؎ يا قَوْمِ إنَّ شُعَيْبًا مُرْسَلٌ فَذَرُوا ∗∗∗ عنكم سَمِيرًا وعِمْرانَ بْنَ شَدّادِ
؎ إنِّي أرى غَيْمَةً يا قَوْمِ قَدْ طَلَعَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ تَدْعُو بِصَوْتٍ عَلى صَمّانَةِ الوادِي
؎ وإنَّكم إنْ تَرَوْا فِيها ضُحاةَ غَدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا الرَقِيمَ يُمَشِّي بَيْنَ أنْجادِ
وسَمِيرٌ؛ وعِمْرانُ: كاهِناهُمْ؛ والرَقِيمُ: كَلْبُهُمْ؛ ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا ذَكَرَ شُعَيْبًا قالَ: "ذَلِكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ"؛» لِقَوْلِهِ لِقَوْمِهِ: ﴿وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عنهُ إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يُرِيدُ: لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ؛ وجَمِيلِ تَلَطُّفِهِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي عَبْدِ اللهِ البَجَلِيِّ أنَّهُ قالَ: أبُو جادٍ؛ وهَوَّزُ؛ وحُطِّي؛ (p-٦١٨)وَكَلَمُنْ؛ وسَعْفَصُ؛ وقَرْشَتُ: أسْماءُ مُلُوكِ مَدْيَنَ؛ وكانَ المَلِكُ يَوْمَ الظُلَّةِ "كَلَمُنْ"؛ فَقالَتْ أُخْتُهُ تَرْثِيهِ:
؎ كَلَمُنْ قَدْ هُدَّ رُكْنِي ∗∗∗ ∗∗∗ هُلْكُهُ وسْطَ المَحِلَّةْ
؎ سَيِّدُ القَوْمِ أتاهُ الـ... ∗∗∗ ـحَتْفُ نارٌ وسْطَ ظُلَّةْ
؎ جُعِلَتْ نارًا عَلَيْهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ دارُهم كالمُضْمَحِلَّةْ
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ حِكايَةٌ مَظْنُونٌ بِها؛ واللهُ تَعالى أعْلَمُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى "جاثِمِينَ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ ؛ لَفْظٌ فِيهِ الإخْبارُ عن قُوَّةِ هَلاكِهِمْ؛ ونُزُولِ النِقْمَةِ بِهِمْ؛ والتَنْبِيهُ عَلى العِبْرَةِ بِهِمْ؛ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلى الصَفا ∗∗∗ ∗∗∗...................
و"يَغْنَوْا"؛ مَعْناهُ: يُقِيمُوا؛ ويَسْكُنُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: و"غَنَيْتُ في المَكانِ"؛ إنَّما يُقالُ في الإقامَةِ الَّتِي هي مُقْتَرِنَةٌ بِتَنَعُّمٍ؛ وعَيْشٍ رَخِيٍّ؛ هَذا الَّذِي اسْتَقْرَيْتُ مِنَ الأشْعارِ الَّتِي ذَكَرَتِ العَرَبُ فِيها هَذِهِ اللَفْظَةَ؛ فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وقَدْ نَغْنى بِها ونَرى عُصُورًا ∗∗∗ ∗∗∗ بِها يَقْتَدْنَنا الخُرُدَ الخِذالا
(p-٦١٩)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ ولَقَدْ يَغْنى بِها جِيرانُكِ الـ ∗∗∗ ∗∗∗ مُمْسِكُو مِنكِ بِعَهْدٍ ووِصالِ
أنْشَدَهُ الطَبَرِيُّ ؛ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ ألا حَيِّ مِن أجْلِ الحَبِيبِ المَغانِيا ∗∗∗ ∗∗∗...................
ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ:
؎ غَنِيَتْ دارُنا تِهامَةَ في الدَهْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـرِ وفِيها بَنُو مَعَدٍّ حُلُولا
ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ اللَفْظَةُ مِن "اَلِاسْتِغْناءُ"؛ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ [يونس: ٢٤] ؛ فَفِيهِ هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ المُرادَ: "كَأنْ لَمْ تَكُنْ ناعِمَةً نَضِرَةً مُسْتَقَلَّةً"؛ ولا تُوجَدُ - فِيما عَلِمْتُ - إلّا مُقْتَرِنَةً بِهَذا المَعْنى؛ وأمّا قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ غَنِينا زَمانًا بِالتَصَعْلُكِ والغِنى ∗∗∗ ∗∗∗ وكُلًّا سَقاناهُ بِكَأْسِهِما الدَهْرُ
(p-٦٢٠)فَمَعْناهُ: اِسْتَغْنَيْنا بِذَلِكَ؛ ورَضِيناهُ؛ مَعَ أنَّ هَذِهِ اللَفْظَةَ لَيْسَتْ مُقْتَرِنَةً بِمَكانٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ ؛ إلى آخِرِ الآيَةِ كَلامٌ يَقْتَضِي أنَّ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَلامُ - وجَدَ في نَفْسِهِ لَمّا رَأى هَلاكَ قَوْمِهِ؛ حُزْنًا؛ وإشْفاقًا؛ إذْ كانَ أمَلُهُ فِيهِمْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ فَلَمّا وجَدَ ذَلِكَ طَلَبَ أنْ يُثِيرَ في نَفْسِهِ سَبَبَ التَسَلِّي عنهُمْ؛ والقَسْوَةِ عَلَيْهِمْ؛ فَجَعَلَ يُعَدِّدُ مَعاصِيَهُمْ؛ وإعْراضَهُمُ الَّذِي اسْتَوْجَبُوا بِهِ ألّا يَتَأسَّفَ عَلَيْهِمْ؛ فَذَكَرَ أنَّهُ بَلَّغَ الرِسالَةَ؛ ونَصَحَ؛ والمَعْنى: "فَأعْرَضُوا؛ وكَذَّبُوا؛ ثُمَّ قالَ لِنَفْسِهِ لَمّا نَظَرَتْ في هَذا؛ وفَكَّرَتْ فِيهِ: فَكَيْفَ آسى عَلى هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ؟"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَقُولَ هَذِهِ المَقالَةَ عَلى نَحْوِ قَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِأهْلِ قَلِيبِ بَدْرٍ؛ وقالَ مَكِّيٌّ: وسارَ شُعَيْبٌ بِمَن مَعَهُ حَتّى سَكَنَ مَكَّةَ؛ إلى أنْ ماتُوا بِها.
و"آسى": أحْزَنُ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ ؛ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ والأعْمَشُ: "إيسى"؛ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ وهي لُغَةٌ؛ كَما يُقالُ: "إخالُ"؛ و"إيمَنُ"؛ قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "لا أخالُهُ"؛ وقالَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ؛ في كِتابِ "اَلْحَجُّ": "لا إيمَنُ"؛ وجَمِيعُ ذَلِكَ في البُخارِيِّ ؛ وهَذِهِ اللُغَةُ تَطَّرِدُ في العَلاماتِ الثَلاثِ؛ هَمْزَةِ التَكَلُّمِ؛ ونُونِ الجَماعَةِ؛ وتاءِ المُخاطَبَةِ؛ ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في ياءِ الغائِبِ؛ كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ ؛ وأمّا قَوْلُهم مِن "وَجِلَ": "يِيْجَلُ"؛ فَلَعَلَّهُ مِن غَيْرِ هَذا البابِ.
الأعراف 7:91
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ ﴿فَتَوَلّى عنهم وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمِ كافِرِينَ﴾
هَذِهِ المَقالَةُ قالَها المَلَأُ لِتُبّاعِهِمْ؛ وسائِرِ الناسِ الَّذِينَ يُقَلِّدُونَهم.
و"اَلرَّجْفَةُ": اَلزَّلْزَلَةُ الشَدِيدَةُ الَّتِي يَنالُ مَعَها الإنْسانَ اهْتِزازٌ وارْتِعادٌ واضْطِرابٌ.
(p-٦١٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنَّ فِرْقَةً مِن قَوْمِ شُعَيْبٍ أُهْلِكَتْ بِالرَجْفَةِ؛ وفِرْقَةً بِالظُلَّةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنَّ الظُلَّةَ والرَجْفَةَ كانَتا في حِينٍ واحِدٍ؛ ورُوِيَ أنَّ اللهَ - تَبارَكَ وتَعالى - بَعَثَ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَلامُ - إلى أهْلِ مَدْيَنَ؛ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ؛ وقِيلَ: هُما طائِفَتانِ؛ وقِيلَ: واحِدَةٌ؛ وكانُوا - مَعَ كُفْرِهِمْ - يَبْخَسُونَ الكَيْلَ والوَزْنَ؛ فَدَعاهم فَكَذَّبُوهُ؛ فَجَرَتْ بَيْنَهم هَذِهِ المُقاوَلَةُ المُتَقَدِّمَةُ؛ فَلَمّا عَتَوْا؛ وطالَتْ بِهِمُ المُدَّةُ فَتَحَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بابًا مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ فَأهْلَكَهُمُ الحَرُّ مِنهُ؛ فَلَمْ يَنْفَعْهم ظِلٌّ ولا ماءٌ؛ ثُمَّ إنَّهُ بَعَثَ سَحابَةً فِيها رِيحٌ طَيِّبَةٌ فَوَجَدُوا بَرْدَ الرِيحِ وطِيبَها؛ فَتَنادَوْا: عَلَيْكُمُ الظُلَّةَ؛ فَلَمّا اجْتَمَعُوا تَحْتَ الظُلَّةِ؛ وهي تِلْكَ السَحابَةُ انْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ فَأهْلَكَتْهم.
قالَ الطَبَرِيُّ: فَبَلَغَنِي أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ مَدْيَنَ؛ يُقالُ لَهُ عَمْرُو بْنُ جَلْهاءَ؛ قالَ لَمّا رَآها:
؎ يا قَوْمِ إنَّ شُعَيْبًا مُرْسَلٌ فَذَرُوا ∗∗∗ عنكم سَمِيرًا وعِمْرانَ بْنَ شَدّادِ
؎ إنِّي أرى غَيْمَةً يا قَوْمِ قَدْ طَلَعَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ تَدْعُو بِصَوْتٍ عَلى صَمّانَةِ الوادِي
؎ وإنَّكم إنْ تَرَوْا فِيها ضُحاةَ غَدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا الرَقِيمَ يُمَشِّي بَيْنَ أنْجادِ
وسَمِيرٌ؛ وعِمْرانُ: كاهِناهُمْ؛ والرَقِيمُ: كَلْبُهُمْ؛ ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا ذَكَرَ شُعَيْبًا قالَ: "ذَلِكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ"؛» لِقَوْلِهِ لِقَوْمِهِ: ﴿وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عنهُ إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يُرِيدُ: لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ؛ وجَمِيلِ تَلَطُّفِهِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي عَبْدِ اللهِ البَجَلِيِّ أنَّهُ قالَ: أبُو جادٍ؛ وهَوَّزُ؛ وحُطِّي؛ (p-٦١٨)وَكَلَمُنْ؛ وسَعْفَصُ؛ وقَرْشَتُ: أسْماءُ مُلُوكِ مَدْيَنَ؛ وكانَ المَلِكُ يَوْمَ الظُلَّةِ "كَلَمُنْ"؛ فَقالَتْ أُخْتُهُ تَرْثِيهِ:
؎ كَلَمُنْ قَدْ هُدَّ رُكْنِي ∗∗∗ ∗∗∗ هُلْكُهُ وسْطَ المَحِلَّةْ
؎ سَيِّدُ القَوْمِ أتاهُ الـ... ∗∗∗ ـحَتْفُ نارٌ وسْطَ ظُلَّةْ
؎ جُعِلَتْ نارًا عَلَيْهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ دارُهم كالمُضْمَحِلَّةْ
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ حِكايَةٌ مَظْنُونٌ بِها؛ واللهُ تَعالى أعْلَمُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى "جاثِمِينَ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ ؛ لَفْظٌ فِيهِ الإخْبارُ عن قُوَّةِ هَلاكِهِمْ؛ ونُزُولِ النِقْمَةِ بِهِمْ؛ والتَنْبِيهُ عَلى العِبْرَةِ بِهِمْ؛ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلى الصَفا ∗∗∗ ∗∗∗...................
و"يَغْنَوْا"؛ مَعْناهُ: يُقِيمُوا؛ ويَسْكُنُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: و"غَنَيْتُ في المَكانِ"؛ إنَّما يُقالُ في الإقامَةِ الَّتِي هي مُقْتَرِنَةٌ بِتَنَعُّمٍ؛ وعَيْشٍ رَخِيٍّ؛ هَذا الَّذِي اسْتَقْرَيْتُ مِنَ الأشْعارِ الَّتِي ذَكَرَتِ العَرَبُ فِيها هَذِهِ اللَفْظَةَ؛ فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وقَدْ نَغْنى بِها ونَرى عُصُورًا ∗∗∗ ∗∗∗ بِها يَقْتَدْنَنا الخُرُدَ الخِذالا
(p-٦١٩)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ ولَقَدْ يَغْنى بِها جِيرانُكِ الـ ∗∗∗ ∗∗∗ مُمْسِكُو مِنكِ بِعَهْدٍ ووِصالِ
أنْشَدَهُ الطَبَرِيُّ ؛ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ ألا حَيِّ مِن أجْلِ الحَبِيبِ المَغانِيا ∗∗∗ ∗∗∗...................
ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ:
؎ غَنِيَتْ دارُنا تِهامَةَ في الدَهْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـرِ وفِيها بَنُو مَعَدٍّ حُلُولا
ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ اللَفْظَةُ مِن "اَلِاسْتِغْناءُ"؛ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ [يونس: ٢٤] ؛ فَفِيهِ هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ المُرادَ: "كَأنْ لَمْ تَكُنْ ناعِمَةً نَضِرَةً مُسْتَقَلَّةً"؛ ولا تُوجَدُ - فِيما عَلِمْتُ - إلّا مُقْتَرِنَةً بِهَذا المَعْنى؛ وأمّا قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ غَنِينا زَمانًا بِالتَصَعْلُكِ والغِنى ∗∗∗ ∗∗∗ وكُلًّا سَقاناهُ بِكَأْسِهِما الدَهْرُ
(p-٦٢٠)فَمَعْناهُ: اِسْتَغْنَيْنا بِذَلِكَ؛ ورَضِيناهُ؛ مَعَ أنَّ هَذِهِ اللَفْظَةَ لَيْسَتْ مُقْتَرِنَةً بِمَكانٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ ؛ إلى آخِرِ الآيَةِ كَلامٌ يَقْتَضِي أنَّ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَلامُ - وجَدَ في نَفْسِهِ لَمّا رَأى هَلاكَ قَوْمِهِ؛ حُزْنًا؛ وإشْفاقًا؛ إذْ كانَ أمَلُهُ فِيهِمْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ فَلَمّا وجَدَ ذَلِكَ طَلَبَ أنْ يُثِيرَ في نَفْسِهِ سَبَبَ التَسَلِّي عنهُمْ؛ والقَسْوَةِ عَلَيْهِمْ؛ فَجَعَلَ يُعَدِّدُ مَعاصِيَهُمْ؛ وإعْراضَهُمُ الَّذِي اسْتَوْجَبُوا بِهِ ألّا يَتَأسَّفَ عَلَيْهِمْ؛ فَذَكَرَ أنَّهُ بَلَّغَ الرِسالَةَ؛ ونَصَحَ؛ والمَعْنى: "فَأعْرَضُوا؛ وكَذَّبُوا؛ ثُمَّ قالَ لِنَفْسِهِ لَمّا نَظَرَتْ في هَذا؛ وفَكَّرَتْ فِيهِ: فَكَيْفَ آسى عَلى هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ؟"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَقُولَ هَذِهِ المَقالَةَ عَلى نَحْوِ قَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِأهْلِ قَلِيبِ بَدْرٍ؛ وقالَ مَكِّيٌّ: وسارَ شُعَيْبٌ بِمَن مَعَهُ حَتّى سَكَنَ مَكَّةَ؛ إلى أنْ ماتُوا بِها.
و"آسى": أحْزَنُ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ ؛ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ والأعْمَشُ: "إيسى"؛ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ وهي لُغَةٌ؛ كَما يُقالُ: "إخالُ"؛ و"إيمَنُ"؛ قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "لا أخالُهُ"؛ وقالَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ؛ في كِتابِ "اَلْحَجُّ": "لا إيمَنُ"؛ وجَمِيعُ ذَلِكَ في البُخارِيِّ ؛ وهَذِهِ اللُغَةُ تَطَّرِدُ في العَلاماتِ الثَلاثِ؛ هَمْزَةِ التَكَلُّمِ؛ ونُونِ الجَماعَةِ؛ وتاءِ المُخاطَبَةِ؛ ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في ياءِ الغائِبِ؛ كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ ؛ وأمّا قَوْلُهم مِن "وَجِلَ": "يِيْجَلُ"؛ فَلَعَلَّهُ مِن غَيْرِ هَذا البابِ.
الأعراف 7:92
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ ﴿فَتَوَلّى عنهم وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمِ كافِرِينَ﴾
هَذِهِ المَقالَةُ قالَها المَلَأُ لِتُبّاعِهِمْ؛ وسائِرِ الناسِ الَّذِينَ يُقَلِّدُونَهم.
و"اَلرَّجْفَةُ": اَلزَّلْزَلَةُ الشَدِيدَةُ الَّتِي يَنالُ مَعَها الإنْسانَ اهْتِزازٌ وارْتِعادٌ واضْطِرابٌ.
(p-٦١٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنَّ فِرْقَةً مِن قَوْمِ شُعَيْبٍ أُهْلِكَتْ بِالرَجْفَةِ؛ وفِرْقَةً بِالظُلَّةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنَّ الظُلَّةَ والرَجْفَةَ كانَتا في حِينٍ واحِدٍ؛ ورُوِيَ أنَّ اللهَ - تَبارَكَ وتَعالى - بَعَثَ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَلامُ - إلى أهْلِ مَدْيَنَ؛ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ؛ وقِيلَ: هُما طائِفَتانِ؛ وقِيلَ: واحِدَةٌ؛ وكانُوا - مَعَ كُفْرِهِمْ - يَبْخَسُونَ الكَيْلَ والوَزْنَ؛ فَدَعاهم فَكَذَّبُوهُ؛ فَجَرَتْ بَيْنَهم هَذِهِ المُقاوَلَةُ المُتَقَدِّمَةُ؛ فَلَمّا عَتَوْا؛ وطالَتْ بِهِمُ المُدَّةُ فَتَحَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بابًا مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ فَأهْلَكَهُمُ الحَرُّ مِنهُ؛ فَلَمْ يَنْفَعْهم ظِلٌّ ولا ماءٌ؛ ثُمَّ إنَّهُ بَعَثَ سَحابَةً فِيها رِيحٌ طَيِّبَةٌ فَوَجَدُوا بَرْدَ الرِيحِ وطِيبَها؛ فَتَنادَوْا: عَلَيْكُمُ الظُلَّةَ؛ فَلَمّا اجْتَمَعُوا تَحْتَ الظُلَّةِ؛ وهي تِلْكَ السَحابَةُ انْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ فَأهْلَكَتْهم.
قالَ الطَبَرِيُّ: فَبَلَغَنِي أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ مَدْيَنَ؛ يُقالُ لَهُ عَمْرُو بْنُ جَلْهاءَ؛ قالَ لَمّا رَآها:
؎ يا قَوْمِ إنَّ شُعَيْبًا مُرْسَلٌ فَذَرُوا ∗∗∗ عنكم سَمِيرًا وعِمْرانَ بْنَ شَدّادِ
؎ إنِّي أرى غَيْمَةً يا قَوْمِ قَدْ طَلَعَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ تَدْعُو بِصَوْتٍ عَلى صَمّانَةِ الوادِي
؎ وإنَّكم إنْ تَرَوْا فِيها ضُحاةَ غَدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا الرَقِيمَ يُمَشِّي بَيْنَ أنْجادِ
وسَمِيرٌ؛ وعِمْرانُ: كاهِناهُمْ؛ والرَقِيمُ: كَلْبُهُمْ؛ ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا ذَكَرَ شُعَيْبًا قالَ: "ذَلِكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ"؛» لِقَوْلِهِ لِقَوْمِهِ: ﴿وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عنهُ إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يُرِيدُ: لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ؛ وجَمِيلِ تَلَطُّفِهِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي عَبْدِ اللهِ البَجَلِيِّ أنَّهُ قالَ: أبُو جادٍ؛ وهَوَّزُ؛ وحُطِّي؛ (p-٦١٨)وَكَلَمُنْ؛ وسَعْفَصُ؛ وقَرْشَتُ: أسْماءُ مُلُوكِ مَدْيَنَ؛ وكانَ المَلِكُ يَوْمَ الظُلَّةِ "كَلَمُنْ"؛ فَقالَتْ أُخْتُهُ تَرْثِيهِ:
؎ كَلَمُنْ قَدْ هُدَّ رُكْنِي ∗∗∗ ∗∗∗ هُلْكُهُ وسْطَ المَحِلَّةْ
؎ سَيِّدُ القَوْمِ أتاهُ الـ... ∗∗∗ ـحَتْفُ نارٌ وسْطَ ظُلَّةْ
؎ جُعِلَتْ نارًا عَلَيْهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ دارُهم كالمُضْمَحِلَّةْ
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ حِكايَةٌ مَظْنُونٌ بِها؛ واللهُ تَعالى أعْلَمُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى "جاثِمِينَ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ ؛ لَفْظٌ فِيهِ الإخْبارُ عن قُوَّةِ هَلاكِهِمْ؛ ونُزُولِ النِقْمَةِ بِهِمْ؛ والتَنْبِيهُ عَلى العِبْرَةِ بِهِمْ؛ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلى الصَفا ∗∗∗ ∗∗∗...................
و"يَغْنَوْا"؛ مَعْناهُ: يُقِيمُوا؛ ويَسْكُنُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: و"غَنَيْتُ في المَكانِ"؛ إنَّما يُقالُ في الإقامَةِ الَّتِي هي مُقْتَرِنَةٌ بِتَنَعُّمٍ؛ وعَيْشٍ رَخِيٍّ؛ هَذا الَّذِي اسْتَقْرَيْتُ مِنَ الأشْعارِ الَّتِي ذَكَرَتِ العَرَبُ فِيها هَذِهِ اللَفْظَةَ؛ فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وقَدْ نَغْنى بِها ونَرى عُصُورًا ∗∗∗ ∗∗∗ بِها يَقْتَدْنَنا الخُرُدَ الخِذالا
(p-٦١٩)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ ولَقَدْ يَغْنى بِها جِيرانُكِ الـ ∗∗∗ ∗∗∗ مُمْسِكُو مِنكِ بِعَهْدٍ ووِصالِ
أنْشَدَهُ الطَبَرِيُّ ؛ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ ألا حَيِّ مِن أجْلِ الحَبِيبِ المَغانِيا ∗∗∗ ∗∗∗...................
ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ:
؎ غَنِيَتْ دارُنا تِهامَةَ في الدَهْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـرِ وفِيها بَنُو مَعَدٍّ حُلُولا
ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ اللَفْظَةُ مِن "اَلِاسْتِغْناءُ"؛ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ [يونس: ٢٤] ؛ فَفِيهِ هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ المُرادَ: "كَأنْ لَمْ تَكُنْ ناعِمَةً نَضِرَةً مُسْتَقَلَّةً"؛ ولا تُوجَدُ - فِيما عَلِمْتُ - إلّا مُقْتَرِنَةً بِهَذا المَعْنى؛ وأمّا قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ غَنِينا زَمانًا بِالتَصَعْلُكِ والغِنى ∗∗∗ ∗∗∗ وكُلًّا سَقاناهُ بِكَأْسِهِما الدَهْرُ
(p-٦٢٠)فَمَعْناهُ: اِسْتَغْنَيْنا بِذَلِكَ؛ ورَضِيناهُ؛ مَعَ أنَّ هَذِهِ اللَفْظَةَ لَيْسَتْ مُقْتَرِنَةً بِمَكانٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ ؛ إلى آخِرِ الآيَةِ كَلامٌ يَقْتَضِي أنَّ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَلامُ - وجَدَ في نَفْسِهِ لَمّا رَأى هَلاكَ قَوْمِهِ؛ حُزْنًا؛ وإشْفاقًا؛ إذْ كانَ أمَلُهُ فِيهِمْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ فَلَمّا وجَدَ ذَلِكَ طَلَبَ أنْ يُثِيرَ في نَفْسِهِ سَبَبَ التَسَلِّي عنهُمْ؛ والقَسْوَةِ عَلَيْهِمْ؛ فَجَعَلَ يُعَدِّدُ مَعاصِيَهُمْ؛ وإعْراضَهُمُ الَّذِي اسْتَوْجَبُوا بِهِ ألّا يَتَأسَّفَ عَلَيْهِمْ؛ فَذَكَرَ أنَّهُ بَلَّغَ الرِسالَةَ؛ ونَصَحَ؛ والمَعْنى: "فَأعْرَضُوا؛ وكَذَّبُوا؛ ثُمَّ قالَ لِنَفْسِهِ لَمّا نَظَرَتْ في هَذا؛ وفَكَّرَتْ فِيهِ: فَكَيْفَ آسى عَلى هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ؟"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَقُولَ هَذِهِ المَقالَةَ عَلى نَحْوِ قَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِأهْلِ قَلِيبِ بَدْرٍ؛ وقالَ مَكِّيٌّ: وسارَ شُعَيْبٌ بِمَن مَعَهُ حَتّى سَكَنَ مَكَّةَ؛ إلى أنْ ماتُوا بِها.
و"آسى": أحْزَنُ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ ؛ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ والأعْمَشُ: "إيسى"؛ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ وهي لُغَةٌ؛ كَما يُقالُ: "إخالُ"؛ و"إيمَنُ"؛ قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "لا أخالُهُ"؛ وقالَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ؛ في كِتابِ "اَلْحَجُّ": "لا إيمَنُ"؛ وجَمِيعُ ذَلِكَ في البُخارِيِّ ؛ وهَذِهِ اللُغَةُ تَطَّرِدُ في العَلاماتِ الثَلاثِ؛ هَمْزَةِ التَكَلُّمِ؛ ونُونِ الجَماعَةِ؛ وتاءِ المُخاطَبَةِ؛ ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في ياءِ الغائِبِ؛ كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ ؛ وأمّا قَوْلُهم مِن "وَجِلَ": "يِيْجَلُ"؛ فَلَعَلَّهُ مِن غَيْرِ هَذا البابِ.
الأعراف 7:93
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ ﴿فَتَوَلّى عنهم وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمِ كافِرِينَ﴾
هَذِهِ المَقالَةُ قالَها المَلَأُ لِتُبّاعِهِمْ؛ وسائِرِ الناسِ الَّذِينَ يُقَلِّدُونَهم.
و"اَلرَّجْفَةُ": اَلزَّلْزَلَةُ الشَدِيدَةُ الَّتِي يَنالُ مَعَها الإنْسانَ اهْتِزازٌ وارْتِعادٌ واضْطِرابٌ.
(p-٦١٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنَّ فِرْقَةً مِن قَوْمِ شُعَيْبٍ أُهْلِكَتْ بِالرَجْفَةِ؛ وفِرْقَةً بِالظُلَّةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنَّ الظُلَّةَ والرَجْفَةَ كانَتا في حِينٍ واحِدٍ؛ ورُوِيَ أنَّ اللهَ - تَبارَكَ وتَعالى - بَعَثَ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَلامُ - إلى أهْلِ مَدْيَنَ؛ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ؛ وقِيلَ: هُما طائِفَتانِ؛ وقِيلَ: واحِدَةٌ؛ وكانُوا - مَعَ كُفْرِهِمْ - يَبْخَسُونَ الكَيْلَ والوَزْنَ؛ فَدَعاهم فَكَذَّبُوهُ؛ فَجَرَتْ بَيْنَهم هَذِهِ المُقاوَلَةُ المُتَقَدِّمَةُ؛ فَلَمّا عَتَوْا؛ وطالَتْ بِهِمُ المُدَّةُ فَتَحَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بابًا مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ فَأهْلَكَهُمُ الحَرُّ مِنهُ؛ فَلَمْ يَنْفَعْهم ظِلٌّ ولا ماءٌ؛ ثُمَّ إنَّهُ بَعَثَ سَحابَةً فِيها رِيحٌ طَيِّبَةٌ فَوَجَدُوا بَرْدَ الرِيحِ وطِيبَها؛ فَتَنادَوْا: عَلَيْكُمُ الظُلَّةَ؛ فَلَمّا اجْتَمَعُوا تَحْتَ الظُلَّةِ؛ وهي تِلْكَ السَحابَةُ انْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ فَأهْلَكَتْهم.
قالَ الطَبَرِيُّ: فَبَلَغَنِي أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ مَدْيَنَ؛ يُقالُ لَهُ عَمْرُو بْنُ جَلْهاءَ؛ قالَ لَمّا رَآها:
؎ يا قَوْمِ إنَّ شُعَيْبًا مُرْسَلٌ فَذَرُوا ∗∗∗ عنكم سَمِيرًا وعِمْرانَ بْنَ شَدّادِ
؎ إنِّي أرى غَيْمَةً يا قَوْمِ قَدْ طَلَعَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ تَدْعُو بِصَوْتٍ عَلى صَمّانَةِ الوادِي
؎ وإنَّكم إنْ تَرَوْا فِيها ضُحاةَ غَدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا الرَقِيمَ يُمَشِّي بَيْنَ أنْجادِ
وسَمِيرٌ؛ وعِمْرانُ: كاهِناهُمْ؛ والرَقِيمُ: كَلْبُهُمْ؛ ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا ذَكَرَ شُعَيْبًا قالَ: "ذَلِكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ"؛» لِقَوْلِهِ لِقَوْمِهِ: ﴿وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عنهُ إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يُرِيدُ: لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ؛ وجَمِيلِ تَلَطُّفِهِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي عَبْدِ اللهِ البَجَلِيِّ أنَّهُ قالَ: أبُو جادٍ؛ وهَوَّزُ؛ وحُطِّي؛ (p-٦١٨)وَكَلَمُنْ؛ وسَعْفَصُ؛ وقَرْشَتُ: أسْماءُ مُلُوكِ مَدْيَنَ؛ وكانَ المَلِكُ يَوْمَ الظُلَّةِ "كَلَمُنْ"؛ فَقالَتْ أُخْتُهُ تَرْثِيهِ:
؎ كَلَمُنْ قَدْ هُدَّ رُكْنِي ∗∗∗ ∗∗∗ هُلْكُهُ وسْطَ المَحِلَّةْ
؎ سَيِّدُ القَوْمِ أتاهُ الـ... ∗∗∗ ـحَتْفُ نارٌ وسْطَ ظُلَّةْ
؎ جُعِلَتْ نارًا عَلَيْهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ دارُهم كالمُضْمَحِلَّةْ
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ حِكايَةٌ مَظْنُونٌ بِها؛ واللهُ تَعالى أعْلَمُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى "جاثِمِينَ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ ؛ لَفْظٌ فِيهِ الإخْبارُ عن قُوَّةِ هَلاكِهِمْ؛ ونُزُولِ النِقْمَةِ بِهِمْ؛ والتَنْبِيهُ عَلى العِبْرَةِ بِهِمْ؛ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلى الصَفا ∗∗∗ ∗∗∗...................
و"يَغْنَوْا"؛ مَعْناهُ: يُقِيمُوا؛ ويَسْكُنُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: و"غَنَيْتُ في المَكانِ"؛ إنَّما يُقالُ في الإقامَةِ الَّتِي هي مُقْتَرِنَةٌ بِتَنَعُّمٍ؛ وعَيْشٍ رَخِيٍّ؛ هَذا الَّذِي اسْتَقْرَيْتُ مِنَ الأشْعارِ الَّتِي ذَكَرَتِ العَرَبُ فِيها هَذِهِ اللَفْظَةَ؛ فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وقَدْ نَغْنى بِها ونَرى عُصُورًا ∗∗∗ ∗∗∗ بِها يَقْتَدْنَنا الخُرُدَ الخِذالا
(p-٦١٩)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ ولَقَدْ يَغْنى بِها جِيرانُكِ الـ ∗∗∗ ∗∗∗ مُمْسِكُو مِنكِ بِعَهْدٍ ووِصالِ
أنْشَدَهُ الطَبَرِيُّ ؛ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ ألا حَيِّ مِن أجْلِ الحَبِيبِ المَغانِيا ∗∗∗ ∗∗∗...................
ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ:
؎ غَنِيَتْ دارُنا تِهامَةَ في الدَهْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـرِ وفِيها بَنُو مَعَدٍّ حُلُولا
ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ اللَفْظَةُ مِن "اَلِاسْتِغْناءُ"؛ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ [يونس: ٢٤] ؛ فَفِيهِ هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ المُرادَ: "كَأنْ لَمْ تَكُنْ ناعِمَةً نَضِرَةً مُسْتَقَلَّةً"؛ ولا تُوجَدُ - فِيما عَلِمْتُ - إلّا مُقْتَرِنَةً بِهَذا المَعْنى؛ وأمّا قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ غَنِينا زَمانًا بِالتَصَعْلُكِ والغِنى ∗∗∗ ∗∗∗ وكُلًّا سَقاناهُ بِكَأْسِهِما الدَهْرُ
(p-٦٢٠)فَمَعْناهُ: اِسْتَغْنَيْنا بِذَلِكَ؛ ورَضِيناهُ؛ مَعَ أنَّ هَذِهِ اللَفْظَةَ لَيْسَتْ مُقْتَرِنَةً بِمَكانٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ ؛ إلى آخِرِ الآيَةِ كَلامٌ يَقْتَضِي أنَّ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَلامُ - وجَدَ في نَفْسِهِ لَمّا رَأى هَلاكَ قَوْمِهِ؛ حُزْنًا؛ وإشْفاقًا؛ إذْ كانَ أمَلُهُ فِيهِمْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ فَلَمّا وجَدَ ذَلِكَ طَلَبَ أنْ يُثِيرَ في نَفْسِهِ سَبَبَ التَسَلِّي عنهُمْ؛ والقَسْوَةِ عَلَيْهِمْ؛ فَجَعَلَ يُعَدِّدُ مَعاصِيَهُمْ؛ وإعْراضَهُمُ الَّذِي اسْتَوْجَبُوا بِهِ ألّا يَتَأسَّفَ عَلَيْهِمْ؛ فَذَكَرَ أنَّهُ بَلَّغَ الرِسالَةَ؛ ونَصَحَ؛ والمَعْنى: "فَأعْرَضُوا؛ وكَذَّبُوا؛ ثُمَّ قالَ لِنَفْسِهِ لَمّا نَظَرَتْ في هَذا؛ وفَكَّرَتْ فِيهِ: فَكَيْفَ آسى عَلى هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ؟"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَقُولَ هَذِهِ المَقالَةَ عَلى نَحْوِ قَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِأهْلِ قَلِيبِ بَدْرٍ؛ وقالَ مَكِّيٌّ: وسارَ شُعَيْبٌ بِمَن مَعَهُ حَتّى سَكَنَ مَكَّةَ؛ إلى أنْ ماتُوا بِها.
و"آسى": أحْزَنُ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ ؛ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ والأعْمَشُ: "إيسى"؛ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ وهي لُغَةٌ؛ كَما يُقالُ: "إخالُ"؛ و"إيمَنُ"؛ قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "لا أخالُهُ"؛ وقالَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ؛ في كِتابِ "اَلْحَجُّ": "لا إيمَنُ"؛ وجَمِيعُ ذَلِكَ في البُخارِيِّ ؛ وهَذِهِ اللُغَةُ تَطَّرِدُ في العَلاماتِ الثَلاثِ؛ هَمْزَةِ التَكَلُّمِ؛ ونُونِ الجَماعَةِ؛ وتاءِ المُخاطَبَةِ؛ ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في ياءِ الغائِبِ؛ كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ ؛ وأمّا قَوْلُهم مِن "وَجِلَ": "يِيْجَلُ"؛ فَلَعَلَّهُ مِن غَيْرِ هَذا البابِ.
الأعراف 7:94
(p-٥)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَرّاءُ والسَرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾
هَذِهِ الآيَةُ خَبَرُ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ ما بَعَثَ نَبِيًّا في مَدِينَةٍ -وَهِيَ القَرْيَةُ- إلّا أخَذَ أهْلَها المُكَذِّبِينَ لَهُ بِالبَأْساءِ وهي المَصائِبُ في الأمْوالِ والهُمُومِ وعَوارِضِ الزَمَنِ، والضَرّاءِ وهي المَصائِبُ في البَدَنِ كالأمْراضِ ونَحْوِها، هَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وكَثِيرٍ مِن أهْلِ اللُغَةِ، وحَكى عَنِ السُدِّيِّ ما يَقْتَضِي أنَّ اللَفْظَتَيْنِ تَتَداخَلانِ فَتُقالُ كُلُّ واحِدَةٍ عَلى المَعْنَيَيْنِ، و"لَعَلَّهُمْ" تَرَجٍّ بِحَسَبِ اعْتِقادِ البَشَرِ وظُنُونِهِمْ، و"يَضَّرَّعُونَ" أيْ يَنْقادُونَ إلى الإيمانِ. وهَكَذا قَوْلُهُمُ: "الحُمّى أضْرَعَتْنِي لَكَ".
ثُمَّ قالَ تَعالى أنَّهُ بَعْدَ إنْفاذِ الحُكْمِ في الأوَّلِينَ بَدَّلَ لِلْخَلْقِ مَكانَ السَيِّئَةِ -وَهِيَ البَأْساءُ والضَرّاءُ- الحَسَنَةَ -وَهِيَ السَرّاءُ والنِعْمَةُ- وهَذا بِحَسَبِ ما عِنْدَ الناسِ، وإلّا فَقَدَ يَجِيءُ الأمْرُ كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ قَدْ يُنْعِمُ اللهُ بِالبَلْوى وإنْ عَظُمَتْ ∗∗∗ ويَبْتَلِي اللهُ بَعْضَ القَوْمِ بِالنِعَمِ
(p-٦)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا إنَّما يَصِحُّ مَعَ النَظَرِ إلى الدارِ الآخِرَةِ والجَزاءِ فِيها، والنِعْمَةُ المُطْلَقَةُ هي الَّتِي لا عُقُوبَةَ فِيها، والبَلْوى المُطْلَقَةُ هي الَّتِي لا ثَوابَ عَلَيْها.
و﴿حَتّى عَفَوْا﴾ مَعْناهُ: حَتّى كَثُرُوا، يُقالُ: عَفا النَباتُ والرِيشُ، يَعْفُو إذا كَثُرَ نَباتُهُ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ولَكِنَّها نُعَضُّ السَيْفَ مِنها ∗∗∗ ∗∗∗ بِأسْوُقِ عافِياتِ الشَحْمِ كَوْمِ
وعَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: « "أحَفُوا الشَوارِبَ وأعْفُوا اللِحى"،» وعَفا أيْضًا في اللُغَةِ بِمَعْنى دَرَسَ وبَلى، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: هي مِنَ الألْفاظِ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ لِلضِّدَّيْنِ، وأمّا قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ ................................ ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى آثارِ مَن ذَهَبَ العَفاءُ
فَيُحْتَمَلُ ثَلاثَةُ مَعانٍ؛ الدُعاءُ بِالدَرْسِ، والإخْبارُ بِهِ، والدُعاءُ بِالنُمُوِّ والنَباتِ، كَما يُقالُ: جادَتْهُ الدِيَمُ وسَقَتْهُ العِهادُ، ولِما بَدَّلَ اللهُ حالَهم بِالخَيْرِ لُطْفًا بِهِمْ فَنَمَوْا رَأى الخَلْقَ بَعْدَ ذَلِكَ -لِلْكُفْرِ الَّذِي هم فِيهِ- أنَّ إصابَةَ الضَرّاءِ والسَرّاءِ إنَّما هي بِالِاتِّفاقِ، ولَيْسَتْ بِقَصْدٍ كَما يُخْبِرُ النَبِيُّ، واعْتَقَدُوا أنَّ ما أصابَهم مِن ذَلِكَ إنَّما هو كالِاتِّفاقِ الَّذِي كانَ لِآبائِهِمْ فَجَعَلُوهُ مِثالًا، أيْ: قَدْ أصابَ هَذا آباءَنا فَلا يَنْبَغِي لَنا أنْ نُنْكِرَهُ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أخَذَ هَذِهِ الطَوائِفَ الَّتِي هَذا مُعْتَقَدُها.
(p-٧)وَقَوْلُهُ: ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً وأخْذَةَ أسَفٍ وبَطْشًا لِلشَّقاءِ السابِقِ لَهم في قَدِيمِ عِلْمِهِ. والسَرّاءُ: السُرُورُ والحَبْرَةُ، ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ مَعْناهُ: وهم مُكَذِّبُونَ لا يَتَحَسَّسُونَ لِشَيْءٍ مِنهُ ولا يَسْتَشْعِرُونَهُ بِاسْتِدْلالٍ وغَيْرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ الآيَةُ. المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَوْ كانُوا مِمَّنْ سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ أنْ يَكْتَسِبُوا الإيمانَ والطاعاتِ ويَتَّصِفُوا بِالتُقى لَتَبِعَ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ ورَحْمَتِهِ وإنْعامِهِ ما ذُكِرَ مِن بَرَكاتِ المَطَرِ والنَباتِ، ولَكِنَّهم لَمّا كانُوا مِمَّنْ سَبَقَ كُفْرُهم وتَكْذِيبُهم تَبِعَ ذَلِكَ أخْذُ اللهِ لَهم بِسُوءِ ما اجْتَرَمُوهُ، وكُلٌّ مَقْدُورٌ، والثَوابُ والعِقابُ مُتَعَلِّقٌ بِكَسْبِ البَشَرِ، وبِسَبَبِهِ اسْتَنَدَتِ الأفْعالُ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ( آمَنُوا واتَّقَوْا ) وفي ( كَذَّبُوا ). وقَرَأ السِتَّةُ مِنَ القُرّاءِ السَبْعَةِ: "لَفَتَحْنا" بِخَفِيفِ التاءِ، وهي قِراءَةُ الناسِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "لَفَتَّحْنا" بِتَشْدِيدِ التاءِ، وفَتْحُ البَرَكاتِ: إنْزالُها عَلى الناسِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢]، ومِنهُ قالَتِ الصُوفِيَّةُ: الفُتُوحُ والبَرَكاتُ: النُمُوُّ والزِياداتُ، و"مِنَ السَماءِ" لِجِهَةِ المَطَرِ والرِيحِ والشَمْسِ، "والأرْضِ" لِجِهَةِ الإنْباتِ والحِفْظِ لِما يَنْبُتُ، هَذا هو الَّذِي يُدْرِكُهُ نَظَرُ البَشَرِ، ولِلَّهِ خُدّامٌ غَيْرُ ذَلِكَ لا يُحْصى عَدَدُهُمْ، وما في عِلْمِ اللهِ أكْثَرُ.
الأعراف 7:95
(p-٥)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَرّاءُ والسَرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾
هَذِهِ الآيَةُ خَبَرُ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ ما بَعَثَ نَبِيًّا في مَدِينَةٍ -وَهِيَ القَرْيَةُ- إلّا أخَذَ أهْلَها المُكَذِّبِينَ لَهُ بِالبَأْساءِ وهي المَصائِبُ في الأمْوالِ والهُمُومِ وعَوارِضِ الزَمَنِ، والضَرّاءِ وهي المَصائِبُ في البَدَنِ كالأمْراضِ ونَحْوِها، هَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وكَثِيرٍ مِن أهْلِ اللُغَةِ، وحَكى عَنِ السُدِّيِّ ما يَقْتَضِي أنَّ اللَفْظَتَيْنِ تَتَداخَلانِ فَتُقالُ كُلُّ واحِدَةٍ عَلى المَعْنَيَيْنِ، و"لَعَلَّهُمْ" تَرَجٍّ بِحَسَبِ اعْتِقادِ البَشَرِ وظُنُونِهِمْ، و"يَضَّرَّعُونَ" أيْ يَنْقادُونَ إلى الإيمانِ. وهَكَذا قَوْلُهُمُ: "الحُمّى أضْرَعَتْنِي لَكَ".
ثُمَّ قالَ تَعالى أنَّهُ بَعْدَ إنْفاذِ الحُكْمِ في الأوَّلِينَ بَدَّلَ لِلْخَلْقِ مَكانَ السَيِّئَةِ -وَهِيَ البَأْساءُ والضَرّاءُ- الحَسَنَةَ -وَهِيَ السَرّاءُ والنِعْمَةُ- وهَذا بِحَسَبِ ما عِنْدَ الناسِ، وإلّا فَقَدَ يَجِيءُ الأمْرُ كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ قَدْ يُنْعِمُ اللهُ بِالبَلْوى وإنْ عَظُمَتْ ∗∗∗ ويَبْتَلِي اللهُ بَعْضَ القَوْمِ بِالنِعَمِ
(p-٦)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا إنَّما يَصِحُّ مَعَ النَظَرِ إلى الدارِ الآخِرَةِ والجَزاءِ فِيها، والنِعْمَةُ المُطْلَقَةُ هي الَّتِي لا عُقُوبَةَ فِيها، والبَلْوى المُطْلَقَةُ هي الَّتِي لا ثَوابَ عَلَيْها.
و﴿حَتّى عَفَوْا﴾ مَعْناهُ: حَتّى كَثُرُوا، يُقالُ: عَفا النَباتُ والرِيشُ، يَعْفُو إذا كَثُرَ نَباتُهُ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ولَكِنَّها نُعَضُّ السَيْفَ مِنها ∗∗∗ ∗∗∗ بِأسْوُقِ عافِياتِ الشَحْمِ كَوْمِ
وعَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: « "أحَفُوا الشَوارِبَ وأعْفُوا اللِحى"،» وعَفا أيْضًا في اللُغَةِ بِمَعْنى دَرَسَ وبَلى، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: هي مِنَ الألْفاظِ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ لِلضِّدَّيْنِ، وأمّا قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ ................................ ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى آثارِ مَن ذَهَبَ العَفاءُ
فَيُحْتَمَلُ ثَلاثَةُ مَعانٍ؛ الدُعاءُ بِالدَرْسِ، والإخْبارُ بِهِ، والدُعاءُ بِالنُمُوِّ والنَباتِ، كَما يُقالُ: جادَتْهُ الدِيَمُ وسَقَتْهُ العِهادُ، ولِما بَدَّلَ اللهُ حالَهم بِالخَيْرِ لُطْفًا بِهِمْ فَنَمَوْا رَأى الخَلْقَ بَعْدَ ذَلِكَ -لِلْكُفْرِ الَّذِي هم فِيهِ- أنَّ إصابَةَ الضَرّاءِ والسَرّاءِ إنَّما هي بِالِاتِّفاقِ، ولَيْسَتْ بِقَصْدٍ كَما يُخْبِرُ النَبِيُّ، واعْتَقَدُوا أنَّ ما أصابَهم مِن ذَلِكَ إنَّما هو كالِاتِّفاقِ الَّذِي كانَ لِآبائِهِمْ فَجَعَلُوهُ مِثالًا، أيْ: قَدْ أصابَ هَذا آباءَنا فَلا يَنْبَغِي لَنا أنْ نُنْكِرَهُ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أخَذَ هَذِهِ الطَوائِفَ الَّتِي هَذا مُعْتَقَدُها.
(p-٧)وَقَوْلُهُ: ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً وأخْذَةَ أسَفٍ وبَطْشًا لِلشَّقاءِ السابِقِ لَهم في قَدِيمِ عِلْمِهِ. والسَرّاءُ: السُرُورُ والحَبْرَةُ، ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ مَعْناهُ: وهم مُكَذِّبُونَ لا يَتَحَسَّسُونَ لِشَيْءٍ مِنهُ ولا يَسْتَشْعِرُونَهُ بِاسْتِدْلالٍ وغَيْرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ الآيَةُ. المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَوْ كانُوا مِمَّنْ سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ أنْ يَكْتَسِبُوا الإيمانَ والطاعاتِ ويَتَّصِفُوا بِالتُقى لَتَبِعَ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ ورَحْمَتِهِ وإنْعامِهِ ما ذُكِرَ مِن بَرَكاتِ المَطَرِ والنَباتِ، ولَكِنَّهم لَمّا كانُوا مِمَّنْ سَبَقَ كُفْرُهم وتَكْذِيبُهم تَبِعَ ذَلِكَ أخْذُ اللهِ لَهم بِسُوءِ ما اجْتَرَمُوهُ، وكُلٌّ مَقْدُورٌ، والثَوابُ والعِقابُ مُتَعَلِّقٌ بِكَسْبِ البَشَرِ، وبِسَبَبِهِ اسْتَنَدَتِ الأفْعالُ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ( آمَنُوا واتَّقَوْا ) وفي ( كَذَّبُوا ). وقَرَأ السِتَّةُ مِنَ القُرّاءِ السَبْعَةِ: "لَفَتَحْنا" بِخَفِيفِ التاءِ، وهي قِراءَةُ الناسِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "لَفَتَّحْنا" بِتَشْدِيدِ التاءِ، وفَتْحُ البَرَكاتِ: إنْزالُها عَلى الناسِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢]، ومِنهُ قالَتِ الصُوفِيَّةُ: الفُتُوحُ والبَرَكاتُ: النُمُوُّ والزِياداتُ، و"مِنَ السَماءِ" لِجِهَةِ المَطَرِ والرِيحِ والشَمْسِ، "والأرْضِ" لِجِهَةِ الإنْباتِ والحِفْظِ لِما يَنْبُتُ، هَذا هو الَّذِي يُدْرِكُهُ نَظَرُ البَشَرِ، ولِلَّهِ خُدّامٌ غَيْرُ ذَلِكَ لا يُحْصى عَدَدُهُمْ، وما في عِلْمِ اللهِ أكْثَرُ.
الأعراف 7:96
(p-٥)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَرّاءُ والسَرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾
هَذِهِ الآيَةُ خَبَرُ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ ما بَعَثَ نَبِيًّا في مَدِينَةٍ -وَهِيَ القَرْيَةُ- إلّا أخَذَ أهْلَها المُكَذِّبِينَ لَهُ بِالبَأْساءِ وهي المَصائِبُ في الأمْوالِ والهُمُومِ وعَوارِضِ الزَمَنِ، والضَرّاءِ وهي المَصائِبُ في البَدَنِ كالأمْراضِ ونَحْوِها، هَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وكَثِيرٍ مِن أهْلِ اللُغَةِ، وحَكى عَنِ السُدِّيِّ ما يَقْتَضِي أنَّ اللَفْظَتَيْنِ تَتَداخَلانِ فَتُقالُ كُلُّ واحِدَةٍ عَلى المَعْنَيَيْنِ، و"لَعَلَّهُمْ" تَرَجٍّ بِحَسَبِ اعْتِقادِ البَشَرِ وظُنُونِهِمْ، و"يَضَّرَّعُونَ" أيْ يَنْقادُونَ إلى الإيمانِ. وهَكَذا قَوْلُهُمُ: "الحُمّى أضْرَعَتْنِي لَكَ".
ثُمَّ قالَ تَعالى أنَّهُ بَعْدَ إنْفاذِ الحُكْمِ في الأوَّلِينَ بَدَّلَ لِلْخَلْقِ مَكانَ السَيِّئَةِ -وَهِيَ البَأْساءُ والضَرّاءُ- الحَسَنَةَ -وَهِيَ السَرّاءُ والنِعْمَةُ- وهَذا بِحَسَبِ ما عِنْدَ الناسِ، وإلّا فَقَدَ يَجِيءُ الأمْرُ كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ قَدْ يُنْعِمُ اللهُ بِالبَلْوى وإنْ عَظُمَتْ ∗∗∗ ويَبْتَلِي اللهُ بَعْضَ القَوْمِ بِالنِعَمِ
(p-٦)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا إنَّما يَصِحُّ مَعَ النَظَرِ إلى الدارِ الآخِرَةِ والجَزاءِ فِيها، والنِعْمَةُ المُطْلَقَةُ هي الَّتِي لا عُقُوبَةَ فِيها، والبَلْوى المُطْلَقَةُ هي الَّتِي لا ثَوابَ عَلَيْها.
و﴿حَتّى عَفَوْا﴾ مَعْناهُ: حَتّى كَثُرُوا، يُقالُ: عَفا النَباتُ والرِيشُ، يَعْفُو إذا كَثُرَ نَباتُهُ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ولَكِنَّها نُعَضُّ السَيْفَ مِنها ∗∗∗ ∗∗∗ بِأسْوُقِ عافِياتِ الشَحْمِ كَوْمِ
وعَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: « "أحَفُوا الشَوارِبَ وأعْفُوا اللِحى"،» وعَفا أيْضًا في اللُغَةِ بِمَعْنى دَرَسَ وبَلى، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: هي مِنَ الألْفاظِ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ لِلضِّدَّيْنِ، وأمّا قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ ................................ ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى آثارِ مَن ذَهَبَ العَفاءُ
فَيُحْتَمَلُ ثَلاثَةُ مَعانٍ؛ الدُعاءُ بِالدَرْسِ، والإخْبارُ بِهِ، والدُعاءُ بِالنُمُوِّ والنَباتِ، كَما يُقالُ: جادَتْهُ الدِيَمُ وسَقَتْهُ العِهادُ، ولِما بَدَّلَ اللهُ حالَهم بِالخَيْرِ لُطْفًا بِهِمْ فَنَمَوْا رَأى الخَلْقَ بَعْدَ ذَلِكَ -لِلْكُفْرِ الَّذِي هم فِيهِ- أنَّ إصابَةَ الضَرّاءِ والسَرّاءِ إنَّما هي بِالِاتِّفاقِ، ولَيْسَتْ بِقَصْدٍ كَما يُخْبِرُ النَبِيُّ، واعْتَقَدُوا أنَّ ما أصابَهم مِن ذَلِكَ إنَّما هو كالِاتِّفاقِ الَّذِي كانَ لِآبائِهِمْ فَجَعَلُوهُ مِثالًا، أيْ: قَدْ أصابَ هَذا آباءَنا فَلا يَنْبَغِي لَنا أنْ نُنْكِرَهُ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أخَذَ هَذِهِ الطَوائِفَ الَّتِي هَذا مُعْتَقَدُها.
(p-٧)وَقَوْلُهُ: ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً وأخْذَةَ أسَفٍ وبَطْشًا لِلشَّقاءِ السابِقِ لَهم في قَدِيمِ عِلْمِهِ. والسَرّاءُ: السُرُورُ والحَبْرَةُ، ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ مَعْناهُ: وهم مُكَذِّبُونَ لا يَتَحَسَّسُونَ لِشَيْءٍ مِنهُ ولا يَسْتَشْعِرُونَهُ بِاسْتِدْلالٍ وغَيْرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ الآيَةُ. المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَوْ كانُوا مِمَّنْ سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ أنْ يَكْتَسِبُوا الإيمانَ والطاعاتِ ويَتَّصِفُوا بِالتُقى لَتَبِعَ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ ورَحْمَتِهِ وإنْعامِهِ ما ذُكِرَ مِن بَرَكاتِ المَطَرِ والنَباتِ، ولَكِنَّهم لَمّا كانُوا مِمَّنْ سَبَقَ كُفْرُهم وتَكْذِيبُهم تَبِعَ ذَلِكَ أخْذُ اللهِ لَهم بِسُوءِ ما اجْتَرَمُوهُ، وكُلٌّ مَقْدُورٌ، والثَوابُ والعِقابُ مُتَعَلِّقٌ بِكَسْبِ البَشَرِ، وبِسَبَبِهِ اسْتَنَدَتِ الأفْعالُ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ( آمَنُوا واتَّقَوْا ) وفي ( كَذَّبُوا ). وقَرَأ السِتَّةُ مِنَ القُرّاءِ السَبْعَةِ: "لَفَتَحْنا" بِخَفِيفِ التاءِ، وهي قِراءَةُ الناسِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "لَفَتَّحْنا" بِتَشْدِيدِ التاءِ، وفَتْحُ البَرَكاتِ: إنْزالُها عَلى الناسِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢]، ومِنهُ قالَتِ الصُوفِيَّةُ: الفُتُوحُ والبَرَكاتُ: النُمُوُّ والزِياداتُ، و"مِنَ السَماءِ" لِجِهَةِ المَطَرِ والرِيحِ والشَمْسِ، "والأرْضِ" لِجِهَةِ الإنْباتِ والحِفْظِ لِما يَنْبُتُ، هَذا هو الَّذِي يُدْرِكُهُ نَظَرُ البَشَرِ، ولِلَّهِ خُدّامٌ غَيْرُ ذَلِكَ لا يُحْصى عَدَدُهُمْ، وما في عِلْمِ اللهِ أكْثَرُ.
الأعراف 7:97
قوله عزّ وجلّ:
﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إلا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾
هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ وعِيدًا لِلْكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، لِأنَّهُ لَمّا أخْبَرَ عَمّا فَعَلَ في الأُمَمِ الخالِيَةِ قالَ: ومَن يُؤَمِّنُ هَؤُلاءِ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِثْلُ ما نَزَلْ بِأُولَئِكَ؟ وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ.
(p-٨)والبَأْسُ: العَذابُ، و"بَياتًا" نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، أيْ وقْتَ مَبِيتِهِمْ بِاللَيْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا في مَوْضِعِ الحالِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "أوأمِنَ" بِسُكُونِ الواوِ وإظْهارِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ ورْشٌ عن نافِعٍ: "أوامِنَ" بِفَتْحِ الواوِ وإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ الثانِيَةِ عَلَيْها، وهَذِهِ القِراءَةُ في مَعْنى الأُولى ولَكِنَّها سُهِّلَتْ. وقَرَأ عاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أوَ أمِنَ" بِفَتْحِ الواوِ وإظْهارِ الهَمْزَتَيْنِ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: أنَّهُ دَخَلَ ألْفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، ومَعْنى القِراءَةِ الأُولى: أنَّهُ عَطَفَ بِـ"أو" والَّتِي هي لِأحَدِ الشَيْئَيْنِ، والمَعْنى: أفَأمِنُوا هَذا أو هَذا؟ كَما تَقُولُ: "أجاءَ زَيْدٌ أو عَمْرٌو "؟ ولَيْسَتْ هَذِهِ "أوِ" الَّتِي هي لِلْإضْرابِ عَنِ الأوَّلِ، كَما تَقُولُ: "أنا أقْوَمُ أو أجْلِسُ" وأنْتَ تَقْصِدُ الإضْرابَ عَنِ القِيامِ والإثْباتَ لِلْجُلُوسِ وتَقْرِيرَهُ، وقَوْلُنا: الَّتِي هي لِأحَدِ الشَيْئَيْنِ يَعُمُّ الإباحَةَ والتَخْيِيرَ، كَقَوْلِكَ: جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ، أو قَوْلُكَ: جالِسِ الحَسَنَ أو جالِسِ ابْنَ سِيرِينَ، وقَوْلُهُ ﴿يَلْعَبُونَ﴾ يُرِيدُ: في غايَةِ الغَفْلَةِ والإعْراضِ.
و﴿مَكْرَ اللهِ﴾ هي إضافَةُ مَخْلُوقٍ إلى خالِقٍ، كَما تَقُولُ: ناقَةُ اللهِ، وبَيْتُ اللهِ، والمُرادُ فِعْلٌ يُعاقَبُ بِهِ مَرَدَةُ الكُفّارِ، وأُضِيفَ إلى اللهِ لَمّا كانَ عُقُوبَةَ الذَنْبِ، فَإنَّ العَرَبَ تُسَمِّي العُقُوبَةَ -عَلى أيِّ وجْهٍ كانَتْ- بِاسْمِ الذَنْبِ الَّذِي وقَعَتْ عَلَيْهِ العُقُوبَةُ، وهَذا نَصٌّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وهَذا المَوْضِعُ أيْضًا، كَأنَّ كُفْرَهم بَعْدَ الرِسالَةِ وظُهُورَ دَعْوَةِ اللهِ مَكْرٌ وخَدِيعَةٌ واسْتِخْفافٌ. وقِيلَ: عُومِلَ -فِي مِثْلِ هَذا وغَيْرِهِ- اللَفْظُ دُونَ المَعْنى في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] و"إنَّ اللهَ لا يَمَلُّ حَتّى تَمَلُّوا" وغَيْرِ ذَلِكَ.
(p-٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ﴾ الآيَةُ. هَذِهِ ألِفُ تَقْرِيرٍ دَخَلَتْ عَلى واوِ العَطْفِ، و"يَهْدِي" مَعْناهُ: يُبَيِّنُ ويُوَضِّحُ، والهُدى: الصَباحُ، وأنْشَدُوا عَلى ذَلِكَ:
حَتّى اسْتَبَنْتُ الهُدى والبِيدُ هاجِمَةٌ... يَسْبَحْنَ في الآلِ غُلْفًا أو يُصَلِّينا
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُبَيِّنُ اللهَ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُبَيِّنُ قَوْلَهُ: ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ﴾ أيِ عِلْمُهم بِذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: و"يَهْدِي" مَعْناهُ: يَتَبَيَّنُ، وهَذِهِ أيْضًا آيَةُ وعِيدٍ، أيْ: ألَمْ يَظْهَرْ لِوارِثِي الأرْضِ بَعْدَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم وما حَلَّ بِهِمْ أنّا نَقْدِرُ لَوْ شِئْنا أنْ نُصِيبَهم إصابَةَ إهْلاكٍ بِسَبَبِ مَعاصِيهِمْ كَما فُعِلَ بِمَن تَقَدَّمَ، وكُنّا نَطْبَعُ: أيْ نَخْتِمُ عَلَيْها بِالشَقاوَةِ، وفي هَذِهِ العِبارَةِ ذِكْرُ القَوْمِ الَّذِينَ قَصَدَ ذِكْرَهُمْ، وتَعْدِيدُ النِعْمَةِ عَلَيْهِمْ فِيما ورِثُوا، والوَعْظُ بِحالِ مَن سَلَفَ مِنَ المُهْلَكِينَ. ﴿وَنَطْبَعُ﴾ عَطْفٌ عَلى ( أصَبْنَهم ) إذِ المُرادُ بِهِ الِاسْتِقْبالُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ و"نَطْبَعُ" مُنْقَطِعًا إخْبارًا عن وُقُوعِ الطَبْعِ لا أنَّهُ مُتَوَعِّدٌ بِهِ، ويَبْقى التَوَعُّدُ بِالإهْلالِ الَّذِي هو بِعَذابٍ كالصَيْحَةِ والغَرَقِ ونَحْوِهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: و"نَطْبَعْ عَّلى" بِإدْغامِ العَيْنِ في العَيْنِ وإشْمامِ الضَمِّ، ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ.
الأعراف 7:98
قوله عزّ وجلّ:
﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إلا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾
هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ وعِيدًا لِلْكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، لِأنَّهُ لَمّا أخْبَرَ عَمّا فَعَلَ في الأُمَمِ الخالِيَةِ قالَ: ومَن يُؤَمِّنُ هَؤُلاءِ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِثْلُ ما نَزَلْ بِأُولَئِكَ؟ وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ.
(p-٨)والبَأْسُ: العَذابُ، و"بَياتًا" نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، أيْ وقْتَ مَبِيتِهِمْ بِاللَيْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا في مَوْضِعِ الحالِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "أوأمِنَ" بِسُكُونِ الواوِ وإظْهارِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ ورْشٌ عن نافِعٍ: "أوامِنَ" بِفَتْحِ الواوِ وإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ الثانِيَةِ عَلَيْها، وهَذِهِ القِراءَةُ في مَعْنى الأُولى ولَكِنَّها سُهِّلَتْ. وقَرَأ عاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أوَ أمِنَ" بِفَتْحِ الواوِ وإظْهارِ الهَمْزَتَيْنِ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: أنَّهُ دَخَلَ ألْفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، ومَعْنى القِراءَةِ الأُولى: أنَّهُ عَطَفَ بِـ"أو" والَّتِي هي لِأحَدِ الشَيْئَيْنِ، والمَعْنى: أفَأمِنُوا هَذا أو هَذا؟ كَما تَقُولُ: "أجاءَ زَيْدٌ أو عَمْرٌو "؟ ولَيْسَتْ هَذِهِ "أوِ" الَّتِي هي لِلْإضْرابِ عَنِ الأوَّلِ، كَما تَقُولُ: "أنا أقْوَمُ أو أجْلِسُ" وأنْتَ تَقْصِدُ الإضْرابَ عَنِ القِيامِ والإثْباتَ لِلْجُلُوسِ وتَقْرِيرَهُ، وقَوْلُنا: الَّتِي هي لِأحَدِ الشَيْئَيْنِ يَعُمُّ الإباحَةَ والتَخْيِيرَ، كَقَوْلِكَ: جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ، أو قَوْلُكَ: جالِسِ الحَسَنَ أو جالِسِ ابْنَ سِيرِينَ، وقَوْلُهُ ﴿يَلْعَبُونَ﴾ يُرِيدُ: في غايَةِ الغَفْلَةِ والإعْراضِ.
و﴿مَكْرَ اللهِ﴾ هي إضافَةُ مَخْلُوقٍ إلى خالِقٍ، كَما تَقُولُ: ناقَةُ اللهِ، وبَيْتُ اللهِ، والمُرادُ فِعْلٌ يُعاقَبُ بِهِ مَرَدَةُ الكُفّارِ، وأُضِيفَ إلى اللهِ لَمّا كانَ عُقُوبَةَ الذَنْبِ، فَإنَّ العَرَبَ تُسَمِّي العُقُوبَةَ -عَلى أيِّ وجْهٍ كانَتْ- بِاسْمِ الذَنْبِ الَّذِي وقَعَتْ عَلَيْهِ العُقُوبَةُ، وهَذا نَصٌّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وهَذا المَوْضِعُ أيْضًا، كَأنَّ كُفْرَهم بَعْدَ الرِسالَةِ وظُهُورَ دَعْوَةِ اللهِ مَكْرٌ وخَدِيعَةٌ واسْتِخْفافٌ. وقِيلَ: عُومِلَ -فِي مِثْلِ هَذا وغَيْرِهِ- اللَفْظُ دُونَ المَعْنى في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] و"إنَّ اللهَ لا يَمَلُّ حَتّى تَمَلُّوا" وغَيْرِ ذَلِكَ.
(p-٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ﴾ الآيَةُ. هَذِهِ ألِفُ تَقْرِيرٍ دَخَلَتْ عَلى واوِ العَطْفِ، و"يَهْدِي" مَعْناهُ: يُبَيِّنُ ويُوَضِّحُ، والهُدى: الصَباحُ، وأنْشَدُوا عَلى ذَلِكَ:
حَتّى اسْتَبَنْتُ الهُدى والبِيدُ هاجِمَةٌ... يَسْبَحْنَ في الآلِ غُلْفًا أو يُصَلِّينا
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُبَيِّنُ اللهَ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُبَيِّنُ قَوْلَهُ: ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ﴾ أيِ عِلْمُهم بِذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: و"يَهْدِي" مَعْناهُ: يَتَبَيَّنُ، وهَذِهِ أيْضًا آيَةُ وعِيدٍ، أيْ: ألَمْ يَظْهَرْ لِوارِثِي الأرْضِ بَعْدَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم وما حَلَّ بِهِمْ أنّا نَقْدِرُ لَوْ شِئْنا أنْ نُصِيبَهم إصابَةَ إهْلاكٍ بِسَبَبِ مَعاصِيهِمْ كَما فُعِلَ بِمَن تَقَدَّمَ، وكُنّا نَطْبَعُ: أيْ نَخْتِمُ عَلَيْها بِالشَقاوَةِ، وفي هَذِهِ العِبارَةِ ذِكْرُ القَوْمِ الَّذِينَ قَصَدَ ذِكْرَهُمْ، وتَعْدِيدُ النِعْمَةِ عَلَيْهِمْ فِيما ورِثُوا، والوَعْظُ بِحالِ مَن سَلَفَ مِنَ المُهْلَكِينَ. ﴿وَنَطْبَعُ﴾ عَطْفٌ عَلى ( أصَبْنَهم ) إذِ المُرادُ بِهِ الِاسْتِقْبالُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ و"نَطْبَعُ" مُنْقَطِعًا إخْبارًا عن وُقُوعِ الطَبْعِ لا أنَّهُ مُتَوَعِّدٌ بِهِ، ويَبْقى التَوَعُّدُ بِالإهْلالِ الَّذِي هو بِعَذابٍ كالصَيْحَةِ والغَرَقِ ونَحْوِهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: و"نَطْبَعْ عَّلى" بِإدْغامِ العَيْنِ في العَيْنِ وإشْمامِ الضَمِّ، ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ.
الأعراف 7:99
قوله عزّ وجلّ:
﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إلا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾
هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ وعِيدًا لِلْكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، لِأنَّهُ لَمّا أخْبَرَ عَمّا فَعَلَ في الأُمَمِ الخالِيَةِ قالَ: ومَن يُؤَمِّنُ هَؤُلاءِ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِثْلُ ما نَزَلْ بِأُولَئِكَ؟ وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ.
(p-٨)والبَأْسُ: العَذابُ، و"بَياتًا" نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، أيْ وقْتَ مَبِيتِهِمْ بِاللَيْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا في مَوْضِعِ الحالِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "أوأمِنَ" بِسُكُونِ الواوِ وإظْهارِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ ورْشٌ عن نافِعٍ: "أوامِنَ" بِفَتْحِ الواوِ وإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ الثانِيَةِ عَلَيْها، وهَذِهِ القِراءَةُ في مَعْنى الأُولى ولَكِنَّها سُهِّلَتْ. وقَرَأ عاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أوَ أمِنَ" بِفَتْحِ الواوِ وإظْهارِ الهَمْزَتَيْنِ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: أنَّهُ دَخَلَ ألْفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، ومَعْنى القِراءَةِ الأُولى: أنَّهُ عَطَفَ بِـ"أو" والَّتِي هي لِأحَدِ الشَيْئَيْنِ، والمَعْنى: أفَأمِنُوا هَذا أو هَذا؟ كَما تَقُولُ: "أجاءَ زَيْدٌ أو عَمْرٌو "؟ ولَيْسَتْ هَذِهِ "أوِ" الَّتِي هي لِلْإضْرابِ عَنِ الأوَّلِ، كَما تَقُولُ: "أنا أقْوَمُ أو أجْلِسُ" وأنْتَ تَقْصِدُ الإضْرابَ عَنِ القِيامِ والإثْباتَ لِلْجُلُوسِ وتَقْرِيرَهُ، وقَوْلُنا: الَّتِي هي لِأحَدِ الشَيْئَيْنِ يَعُمُّ الإباحَةَ والتَخْيِيرَ، كَقَوْلِكَ: جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ، أو قَوْلُكَ: جالِسِ الحَسَنَ أو جالِسِ ابْنَ سِيرِينَ، وقَوْلُهُ ﴿يَلْعَبُونَ﴾ يُرِيدُ: في غايَةِ الغَفْلَةِ والإعْراضِ.
و﴿مَكْرَ اللهِ﴾ هي إضافَةُ مَخْلُوقٍ إلى خالِقٍ، كَما تَقُولُ: ناقَةُ اللهِ، وبَيْتُ اللهِ، والمُرادُ فِعْلٌ يُعاقَبُ بِهِ مَرَدَةُ الكُفّارِ، وأُضِيفَ إلى اللهِ لَمّا كانَ عُقُوبَةَ الذَنْبِ، فَإنَّ العَرَبَ تُسَمِّي العُقُوبَةَ -عَلى أيِّ وجْهٍ كانَتْ- بِاسْمِ الذَنْبِ الَّذِي وقَعَتْ عَلَيْهِ العُقُوبَةُ، وهَذا نَصٌّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وهَذا المَوْضِعُ أيْضًا، كَأنَّ كُفْرَهم بَعْدَ الرِسالَةِ وظُهُورَ دَعْوَةِ اللهِ مَكْرٌ وخَدِيعَةٌ واسْتِخْفافٌ. وقِيلَ: عُومِلَ -فِي مِثْلِ هَذا وغَيْرِهِ- اللَفْظُ دُونَ المَعْنى في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] و"إنَّ اللهَ لا يَمَلُّ حَتّى تَمَلُّوا" وغَيْرِ ذَلِكَ.
(p-٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ﴾ الآيَةُ. هَذِهِ ألِفُ تَقْرِيرٍ دَخَلَتْ عَلى واوِ العَطْفِ، و"يَهْدِي" مَعْناهُ: يُبَيِّنُ ويُوَضِّحُ، والهُدى: الصَباحُ، وأنْشَدُوا عَلى ذَلِكَ:
حَتّى اسْتَبَنْتُ الهُدى والبِيدُ هاجِمَةٌ... يَسْبَحْنَ في الآلِ غُلْفًا أو يُصَلِّينا
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُبَيِّنُ اللهَ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُبَيِّنُ قَوْلَهُ: ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ﴾ أيِ عِلْمُهم بِذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: و"يَهْدِي" مَعْناهُ: يَتَبَيَّنُ، وهَذِهِ أيْضًا آيَةُ وعِيدٍ، أيْ: ألَمْ يَظْهَرْ لِوارِثِي الأرْضِ بَعْدَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم وما حَلَّ بِهِمْ أنّا نَقْدِرُ لَوْ شِئْنا أنْ نُصِيبَهم إصابَةَ إهْلاكٍ بِسَبَبِ مَعاصِيهِمْ كَما فُعِلَ بِمَن تَقَدَّمَ، وكُنّا نَطْبَعُ: أيْ نَخْتِمُ عَلَيْها بِالشَقاوَةِ، وفي هَذِهِ العِبارَةِ ذِكْرُ القَوْمِ الَّذِينَ قَصَدَ ذِكْرَهُمْ، وتَعْدِيدُ النِعْمَةِ عَلَيْهِمْ فِيما ورِثُوا، والوَعْظُ بِحالِ مَن سَلَفَ مِنَ المُهْلَكِينَ. ﴿وَنَطْبَعُ﴾ عَطْفٌ عَلى ( أصَبْنَهم ) إذِ المُرادُ بِهِ الِاسْتِقْبالُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ و"نَطْبَعُ" مُنْقَطِعًا إخْبارًا عن وُقُوعِ الطَبْعِ لا أنَّهُ مُتَوَعِّدٌ بِهِ، ويَبْقى التَوَعُّدُ بِالإهْلالِ الَّذِي هو بِعَذابٍ كالصَيْحَةِ والغَرَقِ ونَحْوِهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: و"نَطْبَعْ عَّلى" بِإدْغامِ العَيْنِ في العَيْنِ وإشْمامِ الضَمِّ، ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ.
الأعراف 7:100
قوله عزّ وجلّ:
﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إلا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾
هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ وعِيدًا لِلْكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، لِأنَّهُ لَمّا أخْبَرَ عَمّا فَعَلَ في الأُمَمِ الخالِيَةِ قالَ: ومَن يُؤَمِّنُ هَؤُلاءِ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِثْلُ ما نَزَلْ بِأُولَئِكَ؟ وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ.
(p-٨)والبَأْسُ: العَذابُ، و"بَياتًا" نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، أيْ وقْتَ مَبِيتِهِمْ بِاللَيْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا في مَوْضِعِ الحالِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "أوأمِنَ" بِسُكُونِ الواوِ وإظْهارِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ ورْشٌ عن نافِعٍ: "أوامِنَ" بِفَتْحِ الواوِ وإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ الثانِيَةِ عَلَيْها، وهَذِهِ القِراءَةُ في مَعْنى الأُولى ولَكِنَّها سُهِّلَتْ. وقَرَأ عاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أوَ أمِنَ" بِفَتْحِ الواوِ وإظْهارِ الهَمْزَتَيْنِ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: أنَّهُ دَخَلَ ألْفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، ومَعْنى القِراءَةِ الأُولى: أنَّهُ عَطَفَ بِـ"أو" والَّتِي هي لِأحَدِ الشَيْئَيْنِ، والمَعْنى: أفَأمِنُوا هَذا أو هَذا؟ كَما تَقُولُ: "أجاءَ زَيْدٌ أو عَمْرٌو "؟ ولَيْسَتْ هَذِهِ "أوِ" الَّتِي هي لِلْإضْرابِ عَنِ الأوَّلِ، كَما تَقُولُ: "أنا أقْوَمُ أو أجْلِسُ" وأنْتَ تَقْصِدُ الإضْرابَ عَنِ القِيامِ والإثْباتَ لِلْجُلُوسِ وتَقْرِيرَهُ، وقَوْلُنا: الَّتِي هي لِأحَدِ الشَيْئَيْنِ يَعُمُّ الإباحَةَ والتَخْيِيرَ، كَقَوْلِكَ: جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ، أو قَوْلُكَ: جالِسِ الحَسَنَ أو جالِسِ ابْنَ سِيرِينَ، وقَوْلُهُ ﴿يَلْعَبُونَ﴾ يُرِيدُ: في غايَةِ الغَفْلَةِ والإعْراضِ.
و﴿مَكْرَ اللهِ﴾ هي إضافَةُ مَخْلُوقٍ إلى خالِقٍ، كَما تَقُولُ: ناقَةُ اللهِ، وبَيْتُ اللهِ، والمُرادُ فِعْلٌ يُعاقَبُ بِهِ مَرَدَةُ الكُفّارِ، وأُضِيفَ إلى اللهِ لَمّا كانَ عُقُوبَةَ الذَنْبِ، فَإنَّ العَرَبَ تُسَمِّي العُقُوبَةَ -عَلى أيِّ وجْهٍ كانَتْ- بِاسْمِ الذَنْبِ الَّذِي وقَعَتْ عَلَيْهِ العُقُوبَةُ، وهَذا نَصٌّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وهَذا المَوْضِعُ أيْضًا، كَأنَّ كُفْرَهم بَعْدَ الرِسالَةِ وظُهُورَ دَعْوَةِ اللهِ مَكْرٌ وخَدِيعَةٌ واسْتِخْفافٌ. وقِيلَ: عُومِلَ -فِي مِثْلِ هَذا وغَيْرِهِ- اللَفْظُ دُونَ المَعْنى في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] و"إنَّ اللهَ لا يَمَلُّ حَتّى تَمَلُّوا" وغَيْرِ ذَلِكَ.
(p-٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ﴾ الآيَةُ. هَذِهِ ألِفُ تَقْرِيرٍ دَخَلَتْ عَلى واوِ العَطْفِ، و"يَهْدِي" مَعْناهُ: يُبَيِّنُ ويُوَضِّحُ، والهُدى: الصَباحُ، وأنْشَدُوا عَلى ذَلِكَ:
حَتّى اسْتَبَنْتُ الهُدى والبِيدُ هاجِمَةٌ... يَسْبَحْنَ في الآلِ غُلْفًا أو يُصَلِّينا
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُبَيِّنُ اللهَ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُبَيِّنُ قَوْلَهُ: ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ﴾ أيِ عِلْمُهم بِذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: و"يَهْدِي" مَعْناهُ: يَتَبَيَّنُ، وهَذِهِ أيْضًا آيَةُ وعِيدٍ، أيْ: ألَمْ يَظْهَرْ لِوارِثِي الأرْضِ بَعْدَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم وما حَلَّ بِهِمْ أنّا نَقْدِرُ لَوْ شِئْنا أنْ نُصِيبَهم إصابَةَ إهْلاكٍ بِسَبَبِ مَعاصِيهِمْ كَما فُعِلَ بِمَن تَقَدَّمَ، وكُنّا نَطْبَعُ: أيْ نَخْتِمُ عَلَيْها بِالشَقاوَةِ، وفي هَذِهِ العِبارَةِ ذِكْرُ القَوْمِ الَّذِينَ قَصَدَ ذِكْرَهُمْ، وتَعْدِيدُ النِعْمَةِ عَلَيْهِمْ فِيما ورِثُوا، والوَعْظُ بِحالِ مَن سَلَفَ مِنَ المُهْلَكِينَ. ﴿وَنَطْبَعُ﴾ عَطْفٌ عَلى ( أصَبْنَهم ) إذِ المُرادُ بِهِ الِاسْتِقْبالُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ و"نَطْبَعُ" مُنْقَطِعًا إخْبارًا عن وُقُوعِ الطَبْعِ لا أنَّهُ مُتَوَعِّدٌ بِهِ، ويَبْقى التَوَعُّدُ بِالإهْلالِ الَّذِي هو بِعَذابٍ كالصَيْحَةِ والغَرَقِ ونَحْوِهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: و"نَطْبَعْ عَّلى" بِإدْغامِ العَيْنِ في العَيْنِ وإشْمامِ الضَمِّ، ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ.
الأعراف 7:101
وَقوله عزّ وجلّ:
﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾ ﴿وَما وجَدْنا لأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾
"تِلْكَ" ابْتِداءٌ، و"القُرى" قالَ قَوْمٌ: هو نَعْتٌ والخَبَرُ "نَقُصُّ" ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ القَصْدَ إنَّما الإخْبارُ بِالقَصَصِ.
(p-١٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والظاهِرُ عِنْدِي أنَّ "القُرى" هي خَبَرُ الِابْتِداءِ، وفي ذَلِكَ مَعْنى التَعْظِيمِ لَها ولِمَهْلِكِها، وهَذا كَما قِيلَ في ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢]: أنَّهُ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وكَما قالَ ﷺ: « "أُولَئِكَ المَلَأُ"»، وكَقَوْلِ أُمَيَّةَ بْنَ أبِي الصَلْتِ:
؎ تِلْكَ المَكارِمُ............ ∗∗∗.......................
وهَذا كَثِيرٌ، وكَأنَّ في اللَفْظِ مَعْنى التَحَسُّرِ عَلى القُرى المَذْكُورَةِ، والمَعْنى: نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الماضِينَ لِتَتَبَيَّنَ العِبَرَ وتَعْلَمَ المَثُلاتِ الَّتِي أوقَعَها اللهُ بِالماضِينَ.
ثُمَّ ابْتَدَأ الخَبَرَ عن جَمِيعِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ﴾.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ أرْبَعَةَ وُجُوهٍ مِنَ التَأْوِيلِ؛ أحَدُها: أنْ يُرِيدَ أنَّ الرَسُولَ جاءَ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنهم فَكَذَّبُوهُ لِأوَّلِ أمْرِهِ، ثُمَّ اسْتَبانَتْ حُجَّتُهُ وظَهَرَتِ الآياتُ الدالَّةُ عَلى صِدْقِهِ مَعَ اسْتِمْرارِ دَعَوْتِهِ، فَلَجُّوا هم في كُفْرِهِمْ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِما تَبَيَّنَ بِهِ تَكْذِيبُهم مِن قَبْلُ. وكَأنَّهُ وصَفَهم -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِاللَجاجِ في الكُفْرِ والصَرامَةِ عَلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾ ويَحْتَمِلُ -فِي هَذا الوَجْهِ- أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أيْ: ما كانُوا لِيُوَفِّقَهُمُ اللهُ إلى الإيمانِ بِسَبَبِ أنَّهم كَذَّبُوا قَبْلُ فَكانَ تَكْذِيبُهم سَبَبًا لِأنْ يُمْنَعُوا الإيمانَ بَعْدُ.
والثانِي مِنَ الوُجُوهِ؛ أنْ يُرِيدَ: فَما كانَ آخِرُهم في الزَمَنِ والعَصْرِ لِيَهْتَدِيَ ويُؤْمِنَ بِما كَذَّبَ بِهِ أوَّلُهم في الزَمَنِ والعَصْرِ، بَلْ كَفَرَ كُلُّهُمْ، ومَشى بَعْضُهم عن سُنَنِ بَعْضٍ في الكُفْرِ.
(p-١١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
أشارَ إلى هَذا القَوْلِ النَقّاشُ، فَكَأنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: "كانُوا" يَخْتَصُّ بِالآخَرِينَ، والضَمِيرَ في قَوْلِهِ: "كَذَّبُوا" يَخْتَصُّ بِالقُدَماءِ مِنهُمْ،
والثالِثُ مِنَ الوُجُوهِ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَما كانَ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ بِأجْمَعِهِمْ -لَوْ رُدُّوا إلى الدُنْيا ومُكِّنُوا مِنَ العَوْدَةِ- لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا في حالِ حَياتِهِمْ ودُعاءِ الرَسُولِ لَهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَرَنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عنهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]،وَهَذِهِ أيْضًا صِفَةٌ بَلِيغَةٌ في اللَجاجِ والثُبُوتِ عَلى الكُفْرِ، بَلْ هي غايَةٌ في ذَلِكَ.
والرابِعُ مِنَ الوُجُوهِ؛ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وصْفَهم بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا بِما قَدْ سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى أنَّهم مُكَذِّبُونَ بِهِ، فَجَعَلَ سابِقَ القَدَرِ عَلَيْهِمْ بِمَثابَةِ تَكْذِيبِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ لا سِيَّما وقَدْ خَرَجَ تَكْذِيبُهم إلى الوُجُودِ في وقْتِ مَجِيءِ الرُسُلِ، وذَكَرَ هَذا التَأْوِيلَ المُفَسِّرُونَ وقَرَنُوهُ بِأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ حَتَمَ عَلَيْهِمُ التَكْذِيبَ وقْتَ أخْذِ المِيثاقَ، وهو قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رِضى اللهِ عنهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما وجَدْنا لأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ﴾ الآيَةُ. أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لَمْ يَجِدْ لِأكْثَرِهِمْ ثُبُوتًا عَلى العَهْدِ الَّذِي أخَذَهُ عَلى ذُرِّيَّةِ آدَمَ وقْتَ اسْتِخْراجِهِمْ مِن ظَهْرِهِ. قالَهُ أبُو العالِيَةِ عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عِبارَةً عن أنَّهم لَمْ يَصْرِفُوا عُقُولَهم في الآياتِ المَنصُوبَةِ، ولا شَكَرُوا نِعَمَ اللهِ، ولا قادَتْهم مُعْجِزاتُ الأنْبِياءِ، لِأنَّ هَذِهِ الأُمُورَ عَهْدٌ في رِقابِ العُقَلاءِ كالعُهُودِ يَنْبَغِي أنْ يُوَفّى بِها، وأيْضًا فَمِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ تَقَرَّرَ العَهْدُ الَّذِي هو بِمَعْنى الوَصِيَّةِ، وبِهِ فَسَّرَ الحَسَنُ هَذِهِ الآيَةَ، فَيَجِيءُ المَعْنى: وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمُ التِزامَ عَهْدٍ وقَبُولَ وصاةٍ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ. و"مِن" في هَذِهِ الآيَةِ زائِدَةٌ، إلّا أنَّها تُعْطِي اسْتِغْراقَ جِنْسِ العَهْدِ، ولا تَجِيءُ هَذِهِ إلّا بَعْدَ النَفْيِ، و"إنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ مِن عِنْدِ سِيبَوَيْهِ، واللامُ في قَوْلِهِ: "لَفاسِقِينَ" لِلْفَرْقِ بَيْنَ "إنْ" المُخَفَّفَةِ وغَيْرِها، و"إنْ" عِنْدَ الفَرّاءِ هي بِمَعْنى "ما"، واللامُ بِمَعْنى "إلّا"، والتَقْدِيرُ عِنْدَهُ: وما وجَدْنا أكْثَرَهم إلّا فاسِقِينَ.
الأعراف 7:102
وَقوله عزّ وجلّ:
﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾ ﴿وَما وجَدْنا لأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾
"تِلْكَ" ابْتِداءٌ، و"القُرى" قالَ قَوْمٌ: هو نَعْتٌ والخَبَرُ "نَقُصُّ" ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ القَصْدَ إنَّما الإخْبارُ بِالقَصَصِ.
(p-١٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والظاهِرُ عِنْدِي أنَّ "القُرى" هي خَبَرُ الِابْتِداءِ، وفي ذَلِكَ مَعْنى التَعْظِيمِ لَها ولِمَهْلِكِها، وهَذا كَما قِيلَ في ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢]: أنَّهُ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وكَما قالَ ﷺ: « "أُولَئِكَ المَلَأُ"»، وكَقَوْلِ أُمَيَّةَ بْنَ أبِي الصَلْتِ:
؎ تِلْكَ المَكارِمُ............ ∗∗∗.......................
وهَذا كَثِيرٌ، وكَأنَّ في اللَفْظِ مَعْنى التَحَسُّرِ عَلى القُرى المَذْكُورَةِ، والمَعْنى: نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الماضِينَ لِتَتَبَيَّنَ العِبَرَ وتَعْلَمَ المَثُلاتِ الَّتِي أوقَعَها اللهُ بِالماضِينَ.
ثُمَّ ابْتَدَأ الخَبَرَ عن جَمِيعِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ﴾.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ أرْبَعَةَ وُجُوهٍ مِنَ التَأْوِيلِ؛ أحَدُها: أنْ يُرِيدَ أنَّ الرَسُولَ جاءَ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنهم فَكَذَّبُوهُ لِأوَّلِ أمْرِهِ، ثُمَّ اسْتَبانَتْ حُجَّتُهُ وظَهَرَتِ الآياتُ الدالَّةُ عَلى صِدْقِهِ مَعَ اسْتِمْرارِ دَعَوْتِهِ، فَلَجُّوا هم في كُفْرِهِمْ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِما تَبَيَّنَ بِهِ تَكْذِيبُهم مِن قَبْلُ. وكَأنَّهُ وصَفَهم -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِاللَجاجِ في الكُفْرِ والصَرامَةِ عَلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾ ويَحْتَمِلُ -فِي هَذا الوَجْهِ- أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أيْ: ما كانُوا لِيُوَفِّقَهُمُ اللهُ إلى الإيمانِ بِسَبَبِ أنَّهم كَذَّبُوا قَبْلُ فَكانَ تَكْذِيبُهم سَبَبًا لِأنْ يُمْنَعُوا الإيمانَ بَعْدُ.
والثانِي مِنَ الوُجُوهِ؛ أنْ يُرِيدَ: فَما كانَ آخِرُهم في الزَمَنِ والعَصْرِ لِيَهْتَدِيَ ويُؤْمِنَ بِما كَذَّبَ بِهِ أوَّلُهم في الزَمَنِ والعَصْرِ، بَلْ كَفَرَ كُلُّهُمْ، ومَشى بَعْضُهم عن سُنَنِ بَعْضٍ في الكُفْرِ.
(p-١١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
أشارَ إلى هَذا القَوْلِ النَقّاشُ، فَكَأنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: "كانُوا" يَخْتَصُّ بِالآخَرِينَ، والضَمِيرَ في قَوْلِهِ: "كَذَّبُوا" يَخْتَصُّ بِالقُدَماءِ مِنهُمْ،
والثالِثُ مِنَ الوُجُوهِ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَما كانَ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ بِأجْمَعِهِمْ -لَوْ رُدُّوا إلى الدُنْيا ومُكِّنُوا مِنَ العَوْدَةِ- لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا في حالِ حَياتِهِمْ ودُعاءِ الرَسُولِ لَهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَرَنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عنهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]،وَهَذِهِ أيْضًا صِفَةٌ بَلِيغَةٌ في اللَجاجِ والثُبُوتِ عَلى الكُفْرِ، بَلْ هي غايَةٌ في ذَلِكَ.
والرابِعُ مِنَ الوُجُوهِ؛ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وصْفَهم بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا بِما قَدْ سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى أنَّهم مُكَذِّبُونَ بِهِ، فَجَعَلَ سابِقَ القَدَرِ عَلَيْهِمْ بِمَثابَةِ تَكْذِيبِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ لا سِيَّما وقَدْ خَرَجَ تَكْذِيبُهم إلى الوُجُودِ في وقْتِ مَجِيءِ الرُسُلِ، وذَكَرَ هَذا التَأْوِيلَ المُفَسِّرُونَ وقَرَنُوهُ بِأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ حَتَمَ عَلَيْهِمُ التَكْذِيبَ وقْتَ أخْذِ المِيثاقَ، وهو قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رِضى اللهِ عنهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما وجَدْنا لأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ﴾ الآيَةُ. أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لَمْ يَجِدْ لِأكْثَرِهِمْ ثُبُوتًا عَلى العَهْدِ الَّذِي أخَذَهُ عَلى ذُرِّيَّةِ آدَمَ وقْتَ اسْتِخْراجِهِمْ مِن ظَهْرِهِ. قالَهُ أبُو العالِيَةِ عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عِبارَةً عن أنَّهم لَمْ يَصْرِفُوا عُقُولَهم في الآياتِ المَنصُوبَةِ، ولا شَكَرُوا نِعَمَ اللهِ، ولا قادَتْهم مُعْجِزاتُ الأنْبِياءِ، لِأنَّ هَذِهِ الأُمُورَ عَهْدٌ في رِقابِ العُقَلاءِ كالعُهُودِ يَنْبَغِي أنْ يُوَفّى بِها، وأيْضًا فَمِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ تَقَرَّرَ العَهْدُ الَّذِي هو بِمَعْنى الوَصِيَّةِ، وبِهِ فَسَّرَ الحَسَنُ هَذِهِ الآيَةَ، فَيَجِيءُ المَعْنى: وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمُ التِزامَ عَهْدٍ وقَبُولَ وصاةٍ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ. و"مِن" في هَذِهِ الآيَةِ زائِدَةٌ، إلّا أنَّها تُعْطِي اسْتِغْراقَ جِنْسِ العَهْدِ، ولا تَجِيءُ هَذِهِ إلّا بَعْدَ النَفْيِ، و"إنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ مِن عِنْدِ سِيبَوَيْهِ، واللامُ في قَوْلِهِ: "لَفاسِقِينَ" لِلْفَرْقِ بَيْنَ "إنْ" المُخَفَّفَةِ وغَيْرِها، و"إنْ" عِنْدَ الفَرّاءِ هي بِمَعْنى "ما"، واللامُ بِمَعْنى "إلّا"، والتَقْدِيرُ عِنْدَهُ: وما وجَدْنا أكْثَرَهم إلّا فاسِقِينَ.
الأعراف 7:103
(p-١٢)قوله عزّ وجلّ:
﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِها فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللهِ إلا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ﴾ ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( مِن بَعْدِهِمْ ) عائِدٌ عَلى الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم وعَلى أُمَمِهِمْ، والآياتُ في هَذِهِ الآيَةِ عامٌّ في التِسْعِ وغَيْرِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ المَعْنى: فَظَلَمُوا أنْفُسَهم فِيها وبِسَبَبِها وظَلَمُوا أيْضًا مَظْهَرَها ومُتَّبِعِي مَظْهَرِها. وقِيلَ: لَمّا نُزِّلَتْ "ظَلَمُوا" مَنزِلَةَ "كَفَرُوا" و"جَحَدُوا" عُدِّيَتْ بِالباءِ، كَما قالَ:
قَدْ قَتَلَ اللهُ زِيادًا عَنِّي
فَأُنْزِلَ "قَتْلَ" مَنزِلَةَ "صَرَفَ"، ثُمَّ حَذَّرَ اللهُ مِن عاقِبَةِ المُفْسِدِينَ الظالِمِينَ، وجَعَلَهم مِثالًا يَتَوَعَّدُ بِهِ كَفَرَةَ عَصْرِ النَبِيِّ ﷺ.
وفِرْعَوْنُ: اسْمُ كُلِّ مَلِكٍ لِمِصْرَ في ذَلِكَ الزَمانِ، فَخاطَبَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأعْظَمِ أسْمائِهِ وأحَبِّها إلَيْهِ إذْ كانَ مِنَ الفَراعِنَةِ كالنَمارِذَةِ في اليُونانِ وقَيْصَرَ في الرُومِ وكِسْرى في فارِسَ والنَجاشِيِّ في الحَبَشَةِ. ورُوِيَ أنَّهُ مُوسى بْنُ عُمْرانَ بْنِ فاهَتَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرَحْمَنِ، ورُوِيَ أنَّ اسْمَ فِرْعَوْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ، وقِيلَ: هو فِرْعَوْنُ يُوسُفَ، وأنَّهُ عَمَّرَ نَيِّفًا وأرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومَن قالَ إنَّ يُوسُفَ المَبْعُوثَ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ مُوسى في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ﴾ [غافر: ٣٤] هو غَيْرُ يُوسُفَ الصِدِّيقِ فَلَيْسَ يَحْتاجُ إلى نَظَرٍ، ومَن قالَ إنَّهُ (p-١٣)يُوسُفُ الصِدِّيقُ فَيُعارِضُهُ ما يَظْهَرُ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ، وذَلِكَ أنَّهُ مَلَكَ مِصْرَ بَعْدَ عَزِيزِها، فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ أنْ يَعِيشَ عَزِيزُها إلى مُدَّةِ مُوسى؟ فَيَنْفَصِلُ أنَّ العَزِيزَ لَيْسَ بِفِرْعَوْنَ المَلِكِ، إنَّما كانَ حاجِبًا لَهُ.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ "عَلَيَّ" بِإضافَةِ "عَلى" إلَيْهِ، وقَرَأ الباقُونَ "عَلى" بِسُكُونِ الياءِ، قالَ الفارِسِيُّ: مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ "عَلى" وضَعَتْ مَوْضِعَ "الباءِ"، كَأنَّهُ قالَ: "حَقِيقٌ بِألّا أقُولَ عَلى اللهِ إلّا الحَقَّ" كَما وضُعِتِ "الباءُ" مَوْضِعَ "عَلى" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ [الأعراف: ٨٦] فَيَتُوَصَّلُ إلى المَعْنى بِهَذِهِ وبِهَذِهِ، وكَما تَجِيءُ "عَلى" أيْضًا بِمَعْنى "عن"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ في صِفَةِ قَوْسِهِ:
؎ أرْمِي عَلَيْها وهي فَرْعٌ أجْمَعُ ∗∗∗ وهي ثَلاثُ أذْرُعٍ وإصْبَعُ
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
و"حَقِيقٌ" -عَلى هَذا- مَعْناهُ: جَدِيرٌ وخَلِيقٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: قالَ قَوْمٌ: "حَقِيقٌ" مَعْناهُ: حَرِيصٌ فَلِذَلِكَ وُصِلَتْ بِـ"عَلى"، وفي هَذا القَوْلِ بُعْدٌ، وقالَ قَوْمٌ: "حَقِيقٌ" صِفَةٌ لِـ"رَسُولٌ"، تَمَّ عِنْدَها الكَلامُ، و"عَلَيَّ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و"أنْ لا أقُولَ" ابْتِداءٌ تَقَدَّمَ خَبَرُهُ، وإعْرابُ "أنْ" عَلى قِراءَةِ مَن سَكَّنَ الياءَ خَفْضٌ، وعَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَها مُشَدَّدَةً رَفْعٌ، وقالَ الكِسائِيُّ: في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "حَقِيقٌ بِألّا أقُولَ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو: في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "حَقِيقٌ أنْ أقُولَ" وبِهِ قَرَأ الأعْمَشُ. وهَذِهِ المُخاطَبَةُ -إذا تَأمَّلْتَ- غايَةٌ في التَلَطُّفِ في القَوْلِ اللَيِّنِ الَّذِي أُمِرَ عَلَيْهِ السَلامُ بِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ الآيَةُ. البَيِّنَةُ هُنا إشارَةُ إلى جَمِيعِ آياتِهِ، وهي عَلى المُعْجِزَةِ هُنا أدَلُّ، وهَذا مِن مُوسى عَرْضُ نُبُوَّتِهِ، ومِن فِرْعَوْنَ اسْتِدْعاءُ خَرْقِ العادَةِ الدالِ عَلى الصِدْقِ.
(p-١٤)وَظاهِرُ الآيَةِ وغَيْرِها أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ تَنْبَنِ شَرِيعَتُهُ إلّا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَقَطْ، ولَمْ يَدْعُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ إلّا إلى إرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَكَرَهُ لَعَلَّهُ يَخْشى أو يَزَّكّى ويُوَحِّدُ كَما يُذَكِّرُ كُلَّ كافِرٍ، إذْ كَلُّ نَبِيٍّ داعٍ إلى التَوْحِيدِ وإنْ لَمْ يَكُنْ آخِذًا بِهِ ومُقاتِلًا عَلَيْهِ، وأمّا أنَّهُ دَعاهُ إلى أنْ يُؤْمِنَ ويَلْتَزِمَ جَمِيعَ الشَرْعِ فَلَمْ يُرِدْ هَذا نَصًّا، والأمْرُ مُحْتَمَلٍ، وبِالجُمْلَةِ فَيَظْهَرُ فَرْقُ ما بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَيْنَ فِرْعَوْنَ والقِبْطِ، ألا تَرى أنَّ بَقِيَّةَ القِبْطِ وهُمُ الأكْثَرُ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أبَدًا ولا عارَضَهُمْ، وكانَ القِبْطُ مَثَلًا عَبَدَةَ البَقَرِ وغَيْرَهُمْ؟ وإنَّما احْتاجَ إلى مُحاوَرَةِ فِرْعَوْنَ لِتَمَلُّكِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَلِقَ بِهِ وبِمُحاوَرَتِهِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ لِأعْوانِهِ: خُذُوهُ، فَألْقى مُوسى العَصا فَصارَتْ ثُعْبانًا وهَمَّتْ بِفِرْعَوْنَ فَهَرَبَ مِنها، وقالَ السُدِّيُّ: إنَّهُ أحْدَثَ وقالَ: يا مُوسى كُفَّهُ عَنِّي فَكَفَّهُ، وقالَ نَحْوَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
و"إذا" ظَرْفُ مَكانٍ في هَذا المَوْضِعِ عِنْدَ المُبَرِّدِ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عن جُثَّةٍ، والصَحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أنَّها ظَرْفُ زَمانٍ في كُلِّ مَوْضِعٍ، ويُقالُ: إنَّ الثُعْبانَ وضَعَ أسْفَلَ لِحْيَيْهِ في الأرْضِ وأعْلاهُما في شُرُفاتِ القَصْرِ. والثُعْبانُ: الحَيَّةُ الذَكَرُ، وهو أهْوَلُ وأجْرَأُ، قالَهُ الضَحّاكُ. وقالَ قَتادَةُ: صارَتْ حَيَّةً شَعْراءَ ذَكَرًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: غَرَزَتْ ذَنَبَها في الأرْضِ ورَفَعَتْ صَدْرَها إلى فِرْعَوْنَ. وقَوْلُهُ: ﴿مُبِينٌ﴾ مَعْناهُ: لا تَخْيِيلَ فِيهِ، بَلْ هو بَيَّنَ أنَّهُ حَقِيقَةٌ، وهو مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ، أو مَن بانَ بِمَعْنى سَلَبَ عن أجْزائِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ مَعْناهُ: مِن جَيْبِهِ أو كُمِّهِ حَسَبَ الخِلافِ في ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: كاللَبَنِ أو أشَدَّ بَياضًا، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ تَظْهَرُ مُنِيرَةً شَفّافَةً كالشَمْسِ تَتَألَّقُ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ذا دَمٍ أحْمَرَ إلى السَوادِ، ثُمَّ كانَ يَرُدُّ يَدَهُ فَتَرْجِعُ إلى لَوْنِ بَدَنِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهاتانِ الآيَتانِ عَرَضَهُما مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِلْمُعارَضَةِ، ودَعا إلى اللهِ بِهِما، (p-١٥)وَخَرَقَ العادَةَ بِهِما، وتَحَدّى الناسَ إلى الدِينِ بِهِما، فَإذا جَعَلْنا التَحَدِّيَ الدُعاءَ إلى الدِينِ مُطْلَقًا فَبِهِما تَحَدّى، وإذا جَعَلْنا التَحَدِّيَ الدُعاءَ بَعْدَ العَجْزِ عن مُعارَضَةِ المُعْجِزَةِ وظُهُورِ ذَلِكَ فَتَنْفَرِدُ حِينَئِذٍ العَصا بِذَلِكَ، لِأنَّ المُعارَضَةَ والعَجْزَ فِيها وقَعا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُقالُ: التَحَدِّي هو الدُعاءُ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِ المُعْجِزَةِ، فَهَذا نَحْوٌ ثالِثٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ تَحَدّى مُوسى بِالآيَتَيْنِ جَمِيعًا، لِأنَّ الظاهِرَ مِن أمْرِهِ أنَّهُ عَرَضَهُما لِلنَّظَرِ مَعًا وإنْ كانَ لَمْ يَنُصَّ عَلى الدُعاءِ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِما، ورُوِيَ عن فَرَقَدٍ السَبَخِيِّ أنَّ فَمَ الحَيَّةِ كانَ يَنْفَتِحُ أرْبَعِينَ ذِراعًا.
الأعراف 7:104
(p-١٢)قوله عزّ وجلّ:
﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِها فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللهِ إلا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ﴾ ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( مِن بَعْدِهِمْ ) عائِدٌ عَلى الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم وعَلى أُمَمِهِمْ، والآياتُ في هَذِهِ الآيَةِ عامٌّ في التِسْعِ وغَيْرِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ المَعْنى: فَظَلَمُوا أنْفُسَهم فِيها وبِسَبَبِها وظَلَمُوا أيْضًا مَظْهَرَها ومُتَّبِعِي مَظْهَرِها. وقِيلَ: لَمّا نُزِّلَتْ "ظَلَمُوا" مَنزِلَةَ "كَفَرُوا" و"جَحَدُوا" عُدِّيَتْ بِالباءِ، كَما قالَ:
قَدْ قَتَلَ اللهُ زِيادًا عَنِّي
فَأُنْزِلَ "قَتْلَ" مَنزِلَةَ "صَرَفَ"، ثُمَّ حَذَّرَ اللهُ مِن عاقِبَةِ المُفْسِدِينَ الظالِمِينَ، وجَعَلَهم مِثالًا يَتَوَعَّدُ بِهِ كَفَرَةَ عَصْرِ النَبِيِّ ﷺ.
وفِرْعَوْنُ: اسْمُ كُلِّ مَلِكٍ لِمِصْرَ في ذَلِكَ الزَمانِ، فَخاطَبَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأعْظَمِ أسْمائِهِ وأحَبِّها إلَيْهِ إذْ كانَ مِنَ الفَراعِنَةِ كالنَمارِذَةِ في اليُونانِ وقَيْصَرَ في الرُومِ وكِسْرى في فارِسَ والنَجاشِيِّ في الحَبَشَةِ. ورُوِيَ أنَّهُ مُوسى بْنُ عُمْرانَ بْنِ فاهَتَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرَحْمَنِ، ورُوِيَ أنَّ اسْمَ فِرْعَوْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ، وقِيلَ: هو فِرْعَوْنُ يُوسُفَ، وأنَّهُ عَمَّرَ نَيِّفًا وأرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومَن قالَ إنَّ يُوسُفَ المَبْعُوثَ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ مُوسى في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ﴾ [غافر: ٣٤] هو غَيْرُ يُوسُفَ الصِدِّيقِ فَلَيْسَ يَحْتاجُ إلى نَظَرٍ، ومَن قالَ إنَّهُ (p-١٣)يُوسُفُ الصِدِّيقُ فَيُعارِضُهُ ما يَظْهَرُ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ، وذَلِكَ أنَّهُ مَلَكَ مِصْرَ بَعْدَ عَزِيزِها، فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ أنْ يَعِيشَ عَزِيزُها إلى مُدَّةِ مُوسى؟ فَيَنْفَصِلُ أنَّ العَزِيزَ لَيْسَ بِفِرْعَوْنَ المَلِكِ، إنَّما كانَ حاجِبًا لَهُ.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ "عَلَيَّ" بِإضافَةِ "عَلى" إلَيْهِ، وقَرَأ الباقُونَ "عَلى" بِسُكُونِ الياءِ، قالَ الفارِسِيُّ: مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ "عَلى" وضَعَتْ مَوْضِعَ "الباءِ"، كَأنَّهُ قالَ: "حَقِيقٌ بِألّا أقُولَ عَلى اللهِ إلّا الحَقَّ" كَما وضُعِتِ "الباءُ" مَوْضِعَ "عَلى" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ [الأعراف: ٨٦] فَيَتُوَصَّلُ إلى المَعْنى بِهَذِهِ وبِهَذِهِ، وكَما تَجِيءُ "عَلى" أيْضًا بِمَعْنى "عن"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ في صِفَةِ قَوْسِهِ:
؎ أرْمِي عَلَيْها وهي فَرْعٌ أجْمَعُ ∗∗∗ وهي ثَلاثُ أذْرُعٍ وإصْبَعُ
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
و"حَقِيقٌ" -عَلى هَذا- مَعْناهُ: جَدِيرٌ وخَلِيقٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: قالَ قَوْمٌ: "حَقِيقٌ" مَعْناهُ: حَرِيصٌ فَلِذَلِكَ وُصِلَتْ بِـ"عَلى"، وفي هَذا القَوْلِ بُعْدٌ، وقالَ قَوْمٌ: "حَقِيقٌ" صِفَةٌ لِـ"رَسُولٌ"، تَمَّ عِنْدَها الكَلامُ، و"عَلَيَّ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و"أنْ لا أقُولَ" ابْتِداءٌ تَقَدَّمَ خَبَرُهُ، وإعْرابُ "أنْ" عَلى قِراءَةِ مَن سَكَّنَ الياءَ خَفْضٌ، وعَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَها مُشَدَّدَةً رَفْعٌ، وقالَ الكِسائِيُّ: في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "حَقِيقٌ بِألّا أقُولَ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو: في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "حَقِيقٌ أنْ أقُولَ" وبِهِ قَرَأ الأعْمَشُ. وهَذِهِ المُخاطَبَةُ -إذا تَأمَّلْتَ- غايَةٌ في التَلَطُّفِ في القَوْلِ اللَيِّنِ الَّذِي أُمِرَ عَلَيْهِ السَلامُ بِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ الآيَةُ. البَيِّنَةُ هُنا إشارَةُ إلى جَمِيعِ آياتِهِ، وهي عَلى المُعْجِزَةِ هُنا أدَلُّ، وهَذا مِن مُوسى عَرْضُ نُبُوَّتِهِ، ومِن فِرْعَوْنَ اسْتِدْعاءُ خَرْقِ العادَةِ الدالِ عَلى الصِدْقِ.
(p-١٤)وَظاهِرُ الآيَةِ وغَيْرِها أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ تَنْبَنِ شَرِيعَتُهُ إلّا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَقَطْ، ولَمْ يَدْعُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ إلّا إلى إرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَكَرَهُ لَعَلَّهُ يَخْشى أو يَزَّكّى ويُوَحِّدُ كَما يُذَكِّرُ كُلَّ كافِرٍ، إذْ كَلُّ نَبِيٍّ داعٍ إلى التَوْحِيدِ وإنْ لَمْ يَكُنْ آخِذًا بِهِ ومُقاتِلًا عَلَيْهِ، وأمّا أنَّهُ دَعاهُ إلى أنْ يُؤْمِنَ ويَلْتَزِمَ جَمِيعَ الشَرْعِ فَلَمْ يُرِدْ هَذا نَصًّا، والأمْرُ مُحْتَمَلٍ، وبِالجُمْلَةِ فَيَظْهَرُ فَرْقُ ما بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَيْنَ فِرْعَوْنَ والقِبْطِ، ألا تَرى أنَّ بَقِيَّةَ القِبْطِ وهُمُ الأكْثَرُ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أبَدًا ولا عارَضَهُمْ، وكانَ القِبْطُ مَثَلًا عَبَدَةَ البَقَرِ وغَيْرَهُمْ؟ وإنَّما احْتاجَ إلى مُحاوَرَةِ فِرْعَوْنَ لِتَمَلُّكِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَلِقَ بِهِ وبِمُحاوَرَتِهِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ لِأعْوانِهِ: خُذُوهُ، فَألْقى مُوسى العَصا فَصارَتْ ثُعْبانًا وهَمَّتْ بِفِرْعَوْنَ فَهَرَبَ مِنها، وقالَ السُدِّيُّ: إنَّهُ أحْدَثَ وقالَ: يا مُوسى كُفَّهُ عَنِّي فَكَفَّهُ، وقالَ نَحْوَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
و"إذا" ظَرْفُ مَكانٍ في هَذا المَوْضِعِ عِنْدَ المُبَرِّدِ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عن جُثَّةٍ، والصَحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أنَّها ظَرْفُ زَمانٍ في كُلِّ مَوْضِعٍ، ويُقالُ: إنَّ الثُعْبانَ وضَعَ أسْفَلَ لِحْيَيْهِ في الأرْضِ وأعْلاهُما في شُرُفاتِ القَصْرِ. والثُعْبانُ: الحَيَّةُ الذَكَرُ، وهو أهْوَلُ وأجْرَأُ، قالَهُ الضَحّاكُ. وقالَ قَتادَةُ: صارَتْ حَيَّةً شَعْراءَ ذَكَرًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: غَرَزَتْ ذَنَبَها في الأرْضِ ورَفَعَتْ صَدْرَها إلى فِرْعَوْنَ. وقَوْلُهُ: ﴿مُبِينٌ﴾ مَعْناهُ: لا تَخْيِيلَ فِيهِ، بَلْ هو بَيَّنَ أنَّهُ حَقِيقَةٌ، وهو مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ، أو مَن بانَ بِمَعْنى سَلَبَ عن أجْزائِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ مَعْناهُ: مِن جَيْبِهِ أو كُمِّهِ حَسَبَ الخِلافِ في ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: كاللَبَنِ أو أشَدَّ بَياضًا، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ تَظْهَرُ مُنِيرَةً شَفّافَةً كالشَمْسِ تَتَألَّقُ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ذا دَمٍ أحْمَرَ إلى السَوادِ، ثُمَّ كانَ يَرُدُّ يَدَهُ فَتَرْجِعُ إلى لَوْنِ بَدَنِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهاتانِ الآيَتانِ عَرَضَهُما مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِلْمُعارَضَةِ، ودَعا إلى اللهِ بِهِما، (p-١٥)وَخَرَقَ العادَةَ بِهِما، وتَحَدّى الناسَ إلى الدِينِ بِهِما، فَإذا جَعَلْنا التَحَدِّيَ الدُعاءَ إلى الدِينِ مُطْلَقًا فَبِهِما تَحَدّى، وإذا جَعَلْنا التَحَدِّيَ الدُعاءَ بَعْدَ العَجْزِ عن مُعارَضَةِ المُعْجِزَةِ وظُهُورِ ذَلِكَ فَتَنْفَرِدُ حِينَئِذٍ العَصا بِذَلِكَ، لِأنَّ المُعارَضَةَ والعَجْزَ فِيها وقَعا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُقالُ: التَحَدِّي هو الدُعاءُ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِ المُعْجِزَةِ، فَهَذا نَحْوٌ ثالِثٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ تَحَدّى مُوسى بِالآيَتَيْنِ جَمِيعًا، لِأنَّ الظاهِرَ مِن أمْرِهِ أنَّهُ عَرَضَهُما لِلنَّظَرِ مَعًا وإنْ كانَ لَمْ يَنُصَّ عَلى الدُعاءِ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِما، ورُوِيَ عن فَرَقَدٍ السَبَخِيِّ أنَّ فَمَ الحَيَّةِ كانَ يَنْفَتِحُ أرْبَعِينَ ذِراعًا.
الأعراف 7:105
(p-١٢)قوله عزّ وجلّ:
﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِها فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللهِ إلا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ﴾ ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( مِن بَعْدِهِمْ ) عائِدٌ عَلى الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم وعَلى أُمَمِهِمْ، والآياتُ في هَذِهِ الآيَةِ عامٌّ في التِسْعِ وغَيْرِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ المَعْنى: فَظَلَمُوا أنْفُسَهم فِيها وبِسَبَبِها وظَلَمُوا أيْضًا مَظْهَرَها ومُتَّبِعِي مَظْهَرِها. وقِيلَ: لَمّا نُزِّلَتْ "ظَلَمُوا" مَنزِلَةَ "كَفَرُوا" و"جَحَدُوا" عُدِّيَتْ بِالباءِ، كَما قالَ:
قَدْ قَتَلَ اللهُ زِيادًا عَنِّي
فَأُنْزِلَ "قَتْلَ" مَنزِلَةَ "صَرَفَ"، ثُمَّ حَذَّرَ اللهُ مِن عاقِبَةِ المُفْسِدِينَ الظالِمِينَ، وجَعَلَهم مِثالًا يَتَوَعَّدُ بِهِ كَفَرَةَ عَصْرِ النَبِيِّ ﷺ.
وفِرْعَوْنُ: اسْمُ كُلِّ مَلِكٍ لِمِصْرَ في ذَلِكَ الزَمانِ، فَخاطَبَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأعْظَمِ أسْمائِهِ وأحَبِّها إلَيْهِ إذْ كانَ مِنَ الفَراعِنَةِ كالنَمارِذَةِ في اليُونانِ وقَيْصَرَ في الرُومِ وكِسْرى في فارِسَ والنَجاشِيِّ في الحَبَشَةِ. ورُوِيَ أنَّهُ مُوسى بْنُ عُمْرانَ بْنِ فاهَتَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرَحْمَنِ، ورُوِيَ أنَّ اسْمَ فِرْعَوْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ، وقِيلَ: هو فِرْعَوْنُ يُوسُفَ، وأنَّهُ عَمَّرَ نَيِّفًا وأرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومَن قالَ إنَّ يُوسُفَ المَبْعُوثَ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ مُوسى في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ﴾ [غافر: ٣٤] هو غَيْرُ يُوسُفَ الصِدِّيقِ فَلَيْسَ يَحْتاجُ إلى نَظَرٍ، ومَن قالَ إنَّهُ (p-١٣)يُوسُفُ الصِدِّيقُ فَيُعارِضُهُ ما يَظْهَرُ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ، وذَلِكَ أنَّهُ مَلَكَ مِصْرَ بَعْدَ عَزِيزِها، فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ أنْ يَعِيشَ عَزِيزُها إلى مُدَّةِ مُوسى؟ فَيَنْفَصِلُ أنَّ العَزِيزَ لَيْسَ بِفِرْعَوْنَ المَلِكِ، إنَّما كانَ حاجِبًا لَهُ.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ "عَلَيَّ" بِإضافَةِ "عَلى" إلَيْهِ، وقَرَأ الباقُونَ "عَلى" بِسُكُونِ الياءِ، قالَ الفارِسِيُّ: مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ "عَلى" وضَعَتْ مَوْضِعَ "الباءِ"، كَأنَّهُ قالَ: "حَقِيقٌ بِألّا أقُولَ عَلى اللهِ إلّا الحَقَّ" كَما وضُعِتِ "الباءُ" مَوْضِعَ "عَلى" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ [الأعراف: ٨٦] فَيَتُوَصَّلُ إلى المَعْنى بِهَذِهِ وبِهَذِهِ، وكَما تَجِيءُ "عَلى" أيْضًا بِمَعْنى "عن"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ في صِفَةِ قَوْسِهِ:
؎ أرْمِي عَلَيْها وهي فَرْعٌ أجْمَعُ ∗∗∗ وهي ثَلاثُ أذْرُعٍ وإصْبَعُ
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
و"حَقِيقٌ" -عَلى هَذا- مَعْناهُ: جَدِيرٌ وخَلِيقٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: قالَ قَوْمٌ: "حَقِيقٌ" مَعْناهُ: حَرِيصٌ فَلِذَلِكَ وُصِلَتْ بِـ"عَلى"، وفي هَذا القَوْلِ بُعْدٌ، وقالَ قَوْمٌ: "حَقِيقٌ" صِفَةٌ لِـ"رَسُولٌ"، تَمَّ عِنْدَها الكَلامُ، و"عَلَيَّ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و"أنْ لا أقُولَ" ابْتِداءٌ تَقَدَّمَ خَبَرُهُ، وإعْرابُ "أنْ" عَلى قِراءَةِ مَن سَكَّنَ الياءَ خَفْضٌ، وعَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَها مُشَدَّدَةً رَفْعٌ، وقالَ الكِسائِيُّ: في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "حَقِيقٌ بِألّا أقُولَ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو: في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "حَقِيقٌ أنْ أقُولَ" وبِهِ قَرَأ الأعْمَشُ. وهَذِهِ المُخاطَبَةُ -إذا تَأمَّلْتَ- غايَةٌ في التَلَطُّفِ في القَوْلِ اللَيِّنِ الَّذِي أُمِرَ عَلَيْهِ السَلامُ بِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ الآيَةُ. البَيِّنَةُ هُنا إشارَةُ إلى جَمِيعِ آياتِهِ، وهي عَلى المُعْجِزَةِ هُنا أدَلُّ، وهَذا مِن مُوسى عَرْضُ نُبُوَّتِهِ، ومِن فِرْعَوْنَ اسْتِدْعاءُ خَرْقِ العادَةِ الدالِ عَلى الصِدْقِ.
(p-١٤)وَظاهِرُ الآيَةِ وغَيْرِها أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ تَنْبَنِ شَرِيعَتُهُ إلّا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَقَطْ، ولَمْ يَدْعُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ إلّا إلى إرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَكَرَهُ لَعَلَّهُ يَخْشى أو يَزَّكّى ويُوَحِّدُ كَما يُذَكِّرُ كُلَّ كافِرٍ، إذْ كَلُّ نَبِيٍّ داعٍ إلى التَوْحِيدِ وإنْ لَمْ يَكُنْ آخِذًا بِهِ ومُقاتِلًا عَلَيْهِ، وأمّا أنَّهُ دَعاهُ إلى أنْ يُؤْمِنَ ويَلْتَزِمَ جَمِيعَ الشَرْعِ فَلَمْ يُرِدْ هَذا نَصًّا، والأمْرُ مُحْتَمَلٍ، وبِالجُمْلَةِ فَيَظْهَرُ فَرْقُ ما بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَيْنَ فِرْعَوْنَ والقِبْطِ، ألا تَرى أنَّ بَقِيَّةَ القِبْطِ وهُمُ الأكْثَرُ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أبَدًا ولا عارَضَهُمْ، وكانَ القِبْطُ مَثَلًا عَبَدَةَ البَقَرِ وغَيْرَهُمْ؟ وإنَّما احْتاجَ إلى مُحاوَرَةِ فِرْعَوْنَ لِتَمَلُّكِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَلِقَ بِهِ وبِمُحاوَرَتِهِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ لِأعْوانِهِ: خُذُوهُ، فَألْقى مُوسى العَصا فَصارَتْ ثُعْبانًا وهَمَّتْ بِفِرْعَوْنَ فَهَرَبَ مِنها، وقالَ السُدِّيُّ: إنَّهُ أحْدَثَ وقالَ: يا مُوسى كُفَّهُ عَنِّي فَكَفَّهُ، وقالَ نَحْوَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
و"إذا" ظَرْفُ مَكانٍ في هَذا المَوْضِعِ عِنْدَ المُبَرِّدِ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عن جُثَّةٍ، والصَحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أنَّها ظَرْفُ زَمانٍ في كُلِّ مَوْضِعٍ، ويُقالُ: إنَّ الثُعْبانَ وضَعَ أسْفَلَ لِحْيَيْهِ في الأرْضِ وأعْلاهُما في شُرُفاتِ القَصْرِ. والثُعْبانُ: الحَيَّةُ الذَكَرُ، وهو أهْوَلُ وأجْرَأُ، قالَهُ الضَحّاكُ. وقالَ قَتادَةُ: صارَتْ حَيَّةً شَعْراءَ ذَكَرًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: غَرَزَتْ ذَنَبَها في الأرْضِ ورَفَعَتْ صَدْرَها إلى فِرْعَوْنَ. وقَوْلُهُ: ﴿مُبِينٌ﴾ مَعْناهُ: لا تَخْيِيلَ فِيهِ، بَلْ هو بَيَّنَ أنَّهُ حَقِيقَةٌ، وهو مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ، أو مَن بانَ بِمَعْنى سَلَبَ عن أجْزائِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ مَعْناهُ: مِن جَيْبِهِ أو كُمِّهِ حَسَبَ الخِلافِ في ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: كاللَبَنِ أو أشَدَّ بَياضًا، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ تَظْهَرُ مُنِيرَةً شَفّافَةً كالشَمْسِ تَتَألَّقُ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ذا دَمٍ أحْمَرَ إلى السَوادِ، ثُمَّ كانَ يَرُدُّ يَدَهُ فَتَرْجِعُ إلى لَوْنِ بَدَنِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهاتانِ الآيَتانِ عَرَضَهُما مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِلْمُعارَضَةِ، ودَعا إلى اللهِ بِهِما، (p-١٥)وَخَرَقَ العادَةَ بِهِما، وتَحَدّى الناسَ إلى الدِينِ بِهِما، فَإذا جَعَلْنا التَحَدِّيَ الدُعاءَ إلى الدِينِ مُطْلَقًا فَبِهِما تَحَدّى، وإذا جَعَلْنا التَحَدِّيَ الدُعاءَ بَعْدَ العَجْزِ عن مُعارَضَةِ المُعْجِزَةِ وظُهُورِ ذَلِكَ فَتَنْفَرِدُ حِينَئِذٍ العَصا بِذَلِكَ، لِأنَّ المُعارَضَةَ والعَجْزَ فِيها وقَعا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُقالُ: التَحَدِّي هو الدُعاءُ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِ المُعْجِزَةِ، فَهَذا نَحْوٌ ثالِثٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ تَحَدّى مُوسى بِالآيَتَيْنِ جَمِيعًا، لِأنَّ الظاهِرَ مِن أمْرِهِ أنَّهُ عَرَضَهُما لِلنَّظَرِ مَعًا وإنْ كانَ لَمْ يَنُصَّ عَلى الدُعاءِ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِما، ورُوِيَ عن فَرَقَدٍ السَبَخِيِّ أنَّ فَمَ الحَيَّةِ كانَ يَنْفَتِحُ أرْبَعِينَ ذِراعًا.
الأعراف 7:106
(p-١٢)قوله عزّ وجلّ:
﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِها فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللهِ إلا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ﴾ ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( مِن بَعْدِهِمْ ) عائِدٌ عَلى الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم وعَلى أُمَمِهِمْ، والآياتُ في هَذِهِ الآيَةِ عامٌّ في التِسْعِ وغَيْرِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ المَعْنى: فَظَلَمُوا أنْفُسَهم فِيها وبِسَبَبِها وظَلَمُوا أيْضًا مَظْهَرَها ومُتَّبِعِي مَظْهَرِها. وقِيلَ: لَمّا نُزِّلَتْ "ظَلَمُوا" مَنزِلَةَ "كَفَرُوا" و"جَحَدُوا" عُدِّيَتْ بِالباءِ، كَما قالَ:
قَدْ قَتَلَ اللهُ زِيادًا عَنِّي
فَأُنْزِلَ "قَتْلَ" مَنزِلَةَ "صَرَفَ"، ثُمَّ حَذَّرَ اللهُ مِن عاقِبَةِ المُفْسِدِينَ الظالِمِينَ، وجَعَلَهم مِثالًا يَتَوَعَّدُ بِهِ كَفَرَةَ عَصْرِ النَبِيِّ ﷺ.
وفِرْعَوْنُ: اسْمُ كُلِّ مَلِكٍ لِمِصْرَ في ذَلِكَ الزَمانِ، فَخاطَبَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأعْظَمِ أسْمائِهِ وأحَبِّها إلَيْهِ إذْ كانَ مِنَ الفَراعِنَةِ كالنَمارِذَةِ في اليُونانِ وقَيْصَرَ في الرُومِ وكِسْرى في فارِسَ والنَجاشِيِّ في الحَبَشَةِ. ورُوِيَ أنَّهُ مُوسى بْنُ عُمْرانَ بْنِ فاهَتَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرَحْمَنِ، ورُوِيَ أنَّ اسْمَ فِرْعَوْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ، وقِيلَ: هو فِرْعَوْنُ يُوسُفَ، وأنَّهُ عَمَّرَ نَيِّفًا وأرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومَن قالَ إنَّ يُوسُفَ المَبْعُوثَ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ مُوسى في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ﴾ [غافر: ٣٤] هو غَيْرُ يُوسُفَ الصِدِّيقِ فَلَيْسَ يَحْتاجُ إلى نَظَرٍ، ومَن قالَ إنَّهُ (p-١٣)يُوسُفُ الصِدِّيقُ فَيُعارِضُهُ ما يَظْهَرُ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ، وذَلِكَ أنَّهُ مَلَكَ مِصْرَ بَعْدَ عَزِيزِها، فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ أنْ يَعِيشَ عَزِيزُها إلى مُدَّةِ مُوسى؟ فَيَنْفَصِلُ أنَّ العَزِيزَ لَيْسَ بِفِرْعَوْنَ المَلِكِ، إنَّما كانَ حاجِبًا لَهُ.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ "عَلَيَّ" بِإضافَةِ "عَلى" إلَيْهِ، وقَرَأ الباقُونَ "عَلى" بِسُكُونِ الياءِ، قالَ الفارِسِيُّ: مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ "عَلى" وضَعَتْ مَوْضِعَ "الباءِ"، كَأنَّهُ قالَ: "حَقِيقٌ بِألّا أقُولَ عَلى اللهِ إلّا الحَقَّ" كَما وضُعِتِ "الباءُ" مَوْضِعَ "عَلى" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ [الأعراف: ٨٦] فَيَتُوَصَّلُ إلى المَعْنى بِهَذِهِ وبِهَذِهِ، وكَما تَجِيءُ "عَلى" أيْضًا بِمَعْنى "عن"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ في صِفَةِ قَوْسِهِ:
؎ أرْمِي عَلَيْها وهي فَرْعٌ أجْمَعُ ∗∗∗ وهي ثَلاثُ أذْرُعٍ وإصْبَعُ
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
و"حَقِيقٌ" -عَلى هَذا- مَعْناهُ: جَدِيرٌ وخَلِيقٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: قالَ قَوْمٌ: "حَقِيقٌ" مَعْناهُ: حَرِيصٌ فَلِذَلِكَ وُصِلَتْ بِـ"عَلى"، وفي هَذا القَوْلِ بُعْدٌ، وقالَ قَوْمٌ: "حَقِيقٌ" صِفَةٌ لِـ"رَسُولٌ"، تَمَّ عِنْدَها الكَلامُ، و"عَلَيَّ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و"أنْ لا أقُولَ" ابْتِداءٌ تَقَدَّمَ خَبَرُهُ، وإعْرابُ "أنْ" عَلى قِراءَةِ مَن سَكَّنَ الياءَ خَفْضٌ، وعَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَها مُشَدَّدَةً رَفْعٌ، وقالَ الكِسائِيُّ: في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "حَقِيقٌ بِألّا أقُولَ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو: في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "حَقِيقٌ أنْ أقُولَ" وبِهِ قَرَأ الأعْمَشُ. وهَذِهِ المُخاطَبَةُ -إذا تَأمَّلْتَ- غايَةٌ في التَلَطُّفِ في القَوْلِ اللَيِّنِ الَّذِي أُمِرَ عَلَيْهِ السَلامُ بِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ الآيَةُ. البَيِّنَةُ هُنا إشارَةُ إلى جَمِيعِ آياتِهِ، وهي عَلى المُعْجِزَةِ هُنا أدَلُّ، وهَذا مِن مُوسى عَرْضُ نُبُوَّتِهِ، ومِن فِرْعَوْنَ اسْتِدْعاءُ خَرْقِ العادَةِ الدالِ عَلى الصِدْقِ.
(p-١٤)وَظاهِرُ الآيَةِ وغَيْرِها أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ تَنْبَنِ شَرِيعَتُهُ إلّا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَقَطْ، ولَمْ يَدْعُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ إلّا إلى إرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَكَرَهُ لَعَلَّهُ يَخْشى أو يَزَّكّى ويُوَحِّدُ كَما يُذَكِّرُ كُلَّ كافِرٍ، إذْ كَلُّ نَبِيٍّ داعٍ إلى التَوْحِيدِ وإنْ لَمْ يَكُنْ آخِذًا بِهِ ومُقاتِلًا عَلَيْهِ، وأمّا أنَّهُ دَعاهُ إلى أنْ يُؤْمِنَ ويَلْتَزِمَ جَمِيعَ الشَرْعِ فَلَمْ يُرِدْ هَذا نَصًّا، والأمْرُ مُحْتَمَلٍ، وبِالجُمْلَةِ فَيَظْهَرُ فَرْقُ ما بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَيْنَ فِرْعَوْنَ والقِبْطِ، ألا تَرى أنَّ بَقِيَّةَ القِبْطِ وهُمُ الأكْثَرُ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أبَدًا ولا عارَضَهُمْ، وكانَ القِبْطُ مَثَلًا عَبَدَةَ البَقَرِ وغَيْرَهُمْ؟ وإنَّما احْتاجَ إلى مُحاوَرَةِ فِرْعَوْنَ لِتَمَلُّكِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَلِقَ بِهِ وبِمُحاوَرَتِهِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ لِأعْوانِهِ: خُذُوهُ، فَألْقى مُوسى العَصا فَصارَتْ ثُعْبانًا وهَمَّتْ بِفِرْعَوْنَ فَهَرَبَ مِنها، وقالَ السُدِّيُّ: إنَّهُ أحْدَثَ وقالَ: يا مُوسى كُفَّهُ عَنِّي فَكَفَّهُ، وقالَ نَحْوَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
و"إذا" ظَرْفُ مَكانٍ في هَذا المَوْضِعِ عِنْدَ المُبَرِّدِ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عن جُثَّةٍ، والصَحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أنَّها ظَرْفُ زَمانٍ في كُلِّ مَوْضِعٍ، ويُقالُ: إنَّ الثُعْبانَ وضَعَ أسْفَلَ لِحْيَيْهِ في الأرْضِ وأعْلاهُما في شُرُفاتِ القَصْرِ. والثُعْبانُ: الحَيَّةُ الذَكَرُ، وهو أهْوَلُ وأجْرَأُ، قالَهُ الضَحّاكُ. وقالَ قَتادَةُ: صارَتْ حَيَّةً شَعْراءَ ذَكَرًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: غَرَزَتْ ذَنَبَها في الأرْضِ ورَفَعَتْ صَدْرَها إلى فِرْعَوْنَ. وقَوْلُهُ: ﴿مُبِينٌ﴾ مَعْناهُ: لا تَخْيِيلَ فِيهِ، بَلْ هو بَيَّنَ أنَّهُ حَقِيقَةٌ، وهو مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ، أو مَن بانَ بِمَعْنى سَلَبَ عن أجْزائِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ مَعْناهُ: مِن جَيْبِهِ أو كُمِّهِ حَسَبَ الخِلافِ في ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: كاللَبَنِ أو أشَدَّ بَياضًا، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ تَظْهَرُ مُنِيرَةً شَفّافَةً كالشَمْسِ تَتَألَّقُ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ذا دَمٍ أحْمَرَ إلى السَوادِ، ثُمَّ كانَ يَرُدُّ يَدَهُ فَتَرْجِعُ إلى لَوْنِ بَدَنِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهاتانِ الآيَتانِ عَرَضَهُما مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِلْمُعارَضَةِ، ودَعا إلى اللهِ بِهِما، (p-١٥)وَخَرَقَ العادَةَ بِهِما، وتَحَدّى الناسَ إلى الدِينِ بِهِما، فَإذا جَعَلْنا التَحَدِّيَ الدُعاءَ إلى الدِينِ مُطْلَقًا فَبِهِما تَحَدّى، وإذا جَعَلْنا التَحَدِّيَ الدُعاءَ بَعْدَ العَجْزِ عن مُعارَضَةِ المُعْجِزَةِ وظُهُورِ ذَلِكَ فَتَنْفَرِدُ حِينَئِذٍ العَصا بِذَلِكَ، لِأنَّ المُعارَضَةَ والعَجْزَ فِيها وقَعا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُقالُ: التَحَدِّي هو الدُعاءُ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِ المُعْجِزَةِ، فَهَذا نَحْوٌ ثالِثٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ تَحَدّى مُوسى بِالآيَتَيْنِ جَمِيعًا، لِأنَّ الظاهِرَ مِن أمْرِهِ أنَّهُ عَرَضَهُما لِلنَّظَرِ مَعًا وإنْ كانَ لَمْ يَنُصَّ عَلى الدُعاءِ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِما، ورُوِيَ عن فَرَقَدٍ السَبَخِيِّ أنَّ فَمَ الحَيَّةِ كانَ يَنْفَتِحُ أرْبَعِينَ ذِراعًا.
الأعراف 7:107
(p-١٢)قوله عزّ وجلّ:
﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِها فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللهِ إلا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ﴾ ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( مِن بَعْدِهِمْ ) عائِدٌ عَلى الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم وعَلى أُمَمِهِمْ، والآياتُ في هَذِهِ الآيَةِ عامٌّ في التِسْعِ وغَيْرِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ المَعْنى: فَظَلَمُوا أنْفُسَهم فِيها وبِسَبَبِها وظَلَمُوا أيْضًا مَظْهَرَها ومُتَّبِعِي مَظْهَرِها. وقِيلَ: لَمّا نُزِّلَتْ "ظَلَمُوا" مَنزِلَةَ "كَفَرُوا" و"جَحَدُوا" عُدِّيَتْ بِالباءِ، كَما قالَ:
قَدْ قَتَلَ اللهُ زِيادًا عَنِّي
فَأُنْزِلَ "قَتْلَ" مَنزِلَةَ "صَرَفَ"، ثُمَّ حَذَّرَ اللهُ مِن عاقِبَةِ المُفْسِدِينَ الظالِمِينَ، وجَعَلَهم مِثالًا يَتَوَعَّدُ بِهِ كَفَرَةَ عَصْرِ النَبِيِّ ﷺ.
وفِرْعَوْنُ: اسْمُ كُلِّ مَلِكٍ لِمِصْرَ في ذَلِكَ الزَمانِ، فَخاطَبَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأعْظَمِ أسْمائِهِ وأحَبِّها إلَيْهِ إذْ كانَ مِنَ الفَراعِنَةِ كالنَمارِذَةِ في اليُونانِ وقَيْصَرَ في الرُومِ وكِسْرى في فارِسَ والنَجاشِيِّ في الحَبَشَةِ. ورُوِيَ أنَّهُ مُوسى بْنُ عُمْرانَ بْنِ فاهَتَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرَحْمَنِ، ورُوِيَ أنَّ اسْمَ فِرْعَوْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ، وقِيلَ: هو فِرْعَوْنُ يُوسُفَ، وأنَّهُ عَمَّرَ نَيِّفًا وأرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومَن قالَ إنَّ يُوسُفَ المَبْعُوثَ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ مُوسى في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ﴾ [غافر: ٣٤] هو غَيْرُ يُوسُفَ الصِدِّيقِ فَلَيْسَ يَحْتاجُ إلى نَظَرٍ، ومَن قالَ إنَّهُ (p-١٣)يُوسُفُ الصِدِّيقُ فَيُعارِضُهُ ما يَظْهَرُ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ، وذَلِكَ أنَّهُ مَلَكَ مِصْرَ بَعْدَ عَزِيزِها، فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ أنْ يَعِيشَ عَزِيزُها إلى مُدَّةِ مُوسى؟ فَيَنْفَصِلُ أنَّ العَزِيزَ لَيْسَ بِفِرْعَوْنَ المَلِكِ، إنَّما كانَ حاجِبًا لَهُ.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ "عَلَيَّ" بِإضافَةِ "عَلى" إلَيْهِ، وقَرَأ الباقُونَ "عَلى" بِسُكُونِ الياءِ، قالَ الفارِسِيُّ: مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ "عَلى" وضَعَتْ مَوْضِعَ "الباءِ"، كَأنَّهُ قالَ: "حَقِيقٌ بِألّا أقُولَ عَلى اللهِ إلّا الحَقَّ" كَما وضُعِتِ "الباءُ" مَوْضِعَ "عَلى" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ [الأعراف: ٨٦] فَيَتُوَصَّلُ إلى المَعْنى بِهَذِهِ وبِهَذِهِ، وكَما تَجِيءُ "عَلى" أيْضًا بِمَعْنى "عن"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ في صِفَةِ قَوْسِهِ:
؎ أرْمِي عَلَيْها وهي فَرْعٌ أجْمَعُ ∗∗∗ وهي ثَلاثُ أذْرُعٍ وإصْبَعُ
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
و"حَقِيقٌ" -عَلى هَذا- مَعْناهُ: جَدِيرٌ وخَلِيقٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: قالَ قَوْمٌ: "حَقِيقٌ" مَعْناهُ: حَرِيصٌ فَلِذَلِكَ وُصِلَتْ بِـ"عَلى"، وفي هَذا القَوْلِ بُعْدٌ، وقالَ قَوْمٌ: "حَقِيقٌ" صِفَةٌ لِـ"رَسُولٌ"، تَمَّ عِنْدَها الكَلامُ، و"عَلَيَّ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و"أنْ لا أقُولَ" ابْتِداءٌ تَقَدَّمَ خَبَرُهُ، وإعْرابُ "أنْ" عَلى قِراءَةِ مَن سَكَّنَ الياءَ خَفْضٌ، وعَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَها مُشَدَّدَةً رَفْعٌ، وقالَ الكِسائِيُّ: في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "حَقِيقٌ بِألّا أقُولَ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو: في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "حَقِيقٌ أنْ أقُولَ" وبِهِ قَرَأ الأعْمَشُ. وهَذِهِ المُخاطَبَةُ -إذا تَأمَّلْتَ- غايَةٌ في التَلَطُّفِ في القَوْلِ اللَيِّنِ الَّذِي أُمِرَ عَلَيْهِ السَلامُ بِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ الآيَةُ. البَيِّنَةُ هُنا إشارَةُ إلى جَمِيعِ آياتِهِ، وهي عَلى المُعْجِزَةِ هُنا أدَلُّ، وهَذا مِن مُوسى عَرْضُ نُبُوَّتِهِ، ومِن فِرْعَوْنَ اسْتِدْعاءُ خَرْقِ العادَةِ الدالِ عَلى الصِدْقِ.
(p-١٤)وَظاهِرُ الآيَةِ وغَيْرِها أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ تَنْبَنِ شَرِيعَتُهُ إلّا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَقَطْ، ولَمْ يَدْعُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ إلّا إلى إرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَكَرَهُ لَعَلَّهُ يَخْشى أو يَزَّكّى ويُوَحِّدُ كَما يُذَكِّرُ كُلَّ كافِرٍ، إذْ كَلُّ نَبِيٍّ داعٍ إلى التَوْحِيدِ وإنْ لَمْ يَكُنْ آخِذًا بِهِ ومُقاتِلًا عَلَيْهِ، وأمّا أنَّهُ دَعاهُ إلى أنْ يُؤْمِنَ ويَلْتَزِمَ جَمِيعَ الشَرْعِ فَلَمْ يُرِدْ هَذا نَصًّا، والأمْرُ مُحْتَمَلٍ، وبِالجُمْلَةِ فَيَظْهَرُ فَرْقُ ما بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَيْنَ فِرْعَوْنَ والقِبْطِ، ألا تَرى أنَّ بَقِيَّةَ القِبْطِ وهُمُ الأكْثَرُ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أبَدًا ولا عارَضَهُمْ، وكانَ القِبْطُ مَثَلًا عَبَدَةَ البَقَرِ وغَيْرَهُمْ؟ وإنَّما احْتاجَ إلى مُحاوَرَةِ فِرْعَوْنَ لِتَمَلُّكِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَلِقَ بِهِ وبِمُحاوَرَتِهِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ لِأعْوانِهِ: خُذُوهُ، فَألْقى مُوسى العَصا فَصارَتْ ثُعْبانًا وهَمَّتْ بِفِرْعَوْنَ فَهَرَبَ مِنها، وقالَ السُدِّيُّ: إنَّهُ أحْدَثَ وقالَ: يا مُوسى كُفَّهُ عَنِّي فَكَفَّهُ، وقالَ نَحْوَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
و"إذا" ظَرْفُ مَكانٍ في هَذا المَوْضِعِ عِنْدَ المُبَرِّدِ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عن جُثَّةٍ، والصَحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أنَّها ظَرْفُ زَمانٍ في كُلِّ مَوْضِعٍ، ويُقالُ: إنَّ الثُعْبانَ وضَعَ أسْفَلَ لِحْيَيْهِ في الأرْضِ وأعْلاهُما في شُرُفاتِ القَصْرِ. والثُعْبانُ: الحَيَّةُ الذَكَرُ، وهو أهْوَلُ وأجْرَأُ، قالَهُ الضَحّاكُ. وقالَ قَتادَةُ: صارَتْ حَيَّةً شَعْراءَ ذَكَرًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: غَرَزَتْ ذَنَبَها في الأرْضِ ورَفَعَتْ صَدْرَها إلى فِرْعَوْنَ. وقَوْلُهُ: ﴿مُبِينٌ﴾ مَعْناهُ: لا تَخْيِيلَ فِيهِ، بَلْ هو بَيَّنَ أنَّهُ حَقِيقَةٌ، وهو مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ، أو مَن بانَ بِمَعْنى سَلَبَ عن أجْزائِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ مَعْناهُ: مِن جَيْبِهِ أو كُمِّهِ حَسَبَ الخِلافِ في ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: كاللَبَنِ أو أشَدَّ بَياضًا، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ تَظْهَرُ مُنِيرَةً شَفّافَةً كالشَمْسِ تَتَألَّقُ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ذا دَمٍ أحْمَرَ إلى السَوادِ، ثُمَّ كانَ يَرُدُّ يَدَهُ فَتَرْجِعُ إلى لَوْنِ بَدَنِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهاتانِ الآيَتانِ عَرَضَهُما مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِلْمُعارَضَةِ، ودَعا إلى اللهِ بِهِما، (p-١٥)وَخَرَقَ العادَةَ بِهِما، وتَحَدّى الناسَ إلى الدِينِ بِهِما، فَإذا جَعَلْنا التَحَدِّيَ الدُعاءَ إلى الدِينِ مُطْلَقًا فَبِهِما تَحَدّى، وإذا جَعَلْنا التَحَدِّيَ الدُعاءَ بَعْدَ العَجْزِ عن مُعارَضَةِ المُعْجِزَةِ وظُهُورِ ذَلِكَ فَتَنْفَرِدُ حِينَئِذٍ العَصا بِذَلِكَ، لِأنَّ المُعارَضَةَ والعَجْزَ فِيها وقَعا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُقالُ: التَحَدِّي هو الدُعاءُ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِ المُعْجِزَةِ، فَهَذا نَحْوٌ ثالِثٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ تَحَدّى مُوسى بِالآيَتَيْنِ جَمِيعًا، لِأنَّ الظاهِرَ مِن أمْرِهِ أنَّهُ عَرَضَهُما لِلنَّظَرِ مَعًا وإنْ كانَ لَمْ يَنُصَّ عَلى الدُعاءِ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِما، ورُوِيَ عن فَرَقَدٍ السَبَخِيِّ أنَّ فَمَ الحَيَّةِ كانَ يَنْفَتِحُ أرْبَعِينَ ذِراعًا.
الأعراف 7:108
(p-١٢)قوله عزّ وجلّ:
﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِها فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللهِ إلا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ﴾ ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( مِن بَعْدِهِمْ ) عائِدٌ عَلى الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم وعَلى أُمَمِهِمْ، والآياتُ في هَذِهِ الآيَةِ عامٌّ في التِسْعِ وغَيْرِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ المَعْنى: فَظَلَمُوا أنْفُسَهم فِيها وبِسَبَبِها وظَلَمُوا أيْضًا مَظْهَرَها ومُتَّبِعِي مَظْهَرِها. وقِيلَ: لَمّا نُزِّلَتْ "ظَلَمُوا" مَنزِلَةَ "كَفَرُوا" و"جَحَدُوا" عُدِّيَتْ بِالباءِ، كَما قالَ:
قَدْ قَتَلَ اللهُ زِيادًا عَنِّي
فَأُنْزِلَ "قَتْلَ" مَنزِلَةَ "صَرَفَ"، ثُمَّ حَذَّرَ اللهُ مِن عاقِبَةِ المُفْسِدِينَ الظالِمِينَ، وجَعَلَهم مِثالًا يَتَوَعَّدُ بِهِ كَفَرَةَ عَصْرِ النَبِيِّ ﷺ.
وفِرْعَوْنُ: اسْمُ كُلِّ مَلِكٍ لِمِصْرَ في ذَلِكَ الزَمانِ، فَخاطَبَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأعْظَمِ أسْمائِهِ وأحَبِّها إلَيْهِ إذْ كانَ مِنَ الفَراعِنَةِ كالنَمارِذَةِ في اليُونانِ وقَيْصَرَ في الرُومِ وكِسْرى في فارِسَ والنَجاشِيِّ في الحَبَشَةِ. ورُوِيَ أنَّهُ مُوسى بْنُ عُمْرانَ بْنِ فاهَتَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرَحْمَنِ، ورُوِيَ أنَّ اسْمَ فِرْعَوْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ، وقِيلَ: هو فِرْعَوْنُ يُوسُفَ، وأنَّهُ عَمَّرَ نَيِّفًا وأرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومَن قالَ إنَّ يُوسُفَ المَبْعُوثَ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ مُوسى في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ﴾ [غافر: ٣٤] هو غَيْرُ يُوسُفَ الصِدِّيقِ فَلَيْسَ يَحْتاجُ إلى نَظَرٍ، ومَن قالَ إنَّهُ (p-١٣)يُوسُفُ الصِدِّيقُ فَيُعارِضُهُ ما يَظْهَرُ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ، وذَلِكَ أنَّهُ مَلَكَ مِصْرَ بَعْدَ عَزِيزِها، فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ أنْ يَعِيشَ عَزِيزُها إلى مُدَّةِ مُوسى؟ فَيَنْفَصِلُ أنَّ العَزِيزَ لَيْسَ بِفِرْعَوْنَ المَلِكِ، إنَّما كانَ حاجِبًا لَهُ.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ "عَلَيَّ" بِإضافَةِ "عَلى" إلَيْهِ، وقَرَأ الباقُونَ "عَلى" بِسُكُونِ الياءِ، قالَ الفارِسِيُّ: مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ "عَلى" وضَعَتْ مَوْضِعَ "الباءِ"، كَأنَّهُ قالَ: "حَقِيقٌ بِألّا أقُولَ عَلى اللهِ إلّا الحَقَّ" كَما وضُعِتِ "الباءُ" مَوْضِعَ "عَلى" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ [الأعراف: ٨٦] فَيَتُوَصَّلُ إلى المَعْنى بِهَذِهِ وبِهَذِهِ، وكَما تَجِيءُ "عَلى" أيْضًا بِمَعْنى "عن"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ في صِفَةِ قَوْسِهِ:
؎ أرْمِي عَلَيْها وهي فَرْعٌ أجْمَعُ ∗∗∗ وهي ثَلاثُ أذْرُعٍ وإصْبَعُ
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
و"حَقِيقٌ" -عَلى هَذا- مَعْناهُ: جَدِيرٌ وخَلِيقٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: قالَ قَوْمٌ: "حَقِيقٌ" مَعْناهُ: حَرِيصٌ فَلِذَلِكَ وُصِلَتْ بِـ"عَلى"، وفي هَذا القَوْلِ بُعْدٌ، وقالَ قَوْمٌ: "حَقِيقٌ" صِفَةٌ لِـ"رَسُولٌ"، تَمَّ عِنْدَها الكَلامُ، و"عَلَيَّ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و"أنْ لا أقُولَ" ابْتِداءٌ تَقَدَّمَ خَبَرُهُ، وإعْرابُ "أنْ" عَلى قِراءَةِ مَن سَكَّنَ الياءَ خَفْضٌ، وعَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَها مُشَدَّدَةً رَفْعٌ، وقالَ الكِسائِيُّ: في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "حَقِيقٌ بِألّا أقُولَ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو: في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "حَقِيقٌ أنْ أقُولَ" وبِهِ قَرَأ الأعْمَشُ. وهَذِهِ المُخاطَبَةُ -إذا تَأمَّلْتَ- غايَةٌ في التَلَطُّفِ في القَوْلِ اللَيِّنِ الَّذِي أُمِرَ عَلَيْهِ السَلامُ بِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ الآيَةُ. البَيِّنَةُ هُنا إشارَةُ إلى جَمِيعِ آياتِهِ، وهي عَلى المُعْجِزَةِ هُنا أدَلُّ، وهَذا مِن مُوسى عَرْضُ نُبُوَّتِهِ، ومِن فِرْعَوْنَ اسْتِدْعاءُ خَرْقِ العادَةِ الدالِ عَلى الصِدْقِ.
(p-١٤)وَظاهِرُ الآيَةِ وغَيْرِها أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ تَنْبَنِ شَرِيعَتُهُ إلّا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَقَطْ، ولَمْ يَدْعُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ إلّا إلى إرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَكَرَهُ لَعَلَّهُ يَخْشى أو يَزَّكّى ويُوَحِّدُ كَما يُذَكِّرُ كُلَّ كافِرٍ، إذْ كَلُّ نَبِيٍّ داعٍ إلى التَوْحِيدِ وإنْ لَمْ يَكُنْ آخِذًا بِهِ ومُقاتِلًا عَلَيْهِ، وأمّا أنَّهُ دَعاهُ إلى أنْ يُؤْمِنَ ويَلْتَزِمَ جَمِيعَ الشَرْعِ فَلَمْ يُرِدْ هَذا نَصًّا، والأمْرُ مُحْتَمَلٍ، وبِالجُمْلَةِ فَيَظْهَرُ فَرْقُ ما بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَيْنَ فِرْعَوْنَ والقِبْطِ، ألا تَرى أنَّ بَقِيَّةَ القِبْطِ وهُمُ الأكْثَرُ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أبَدًا ولا عارَضَهُمْ، وكانَ القِبْطُ مَثَلًا عَبَدَةَ البَقَرِ وغَيْرَهُمْ؟ وإنَّما احْتاجَ إلى مُحاوَرَةِ فِرْعَوْنَ لِتَمَلُّكِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَلِقَ بِهِ وبِمُحاوَرَتِهِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ لِأعْوانِهِ: خُذُوهُ، فَألْقى مُوسى العَصا فَصارَتْ ثُعْبانًا وهَمَّتْ بِفِرْعَوْنَ فَهَرَبَ مِنها، وقالَ السُدِّيُّ: إنَّهُ أحْدَثَ وقالَ: يا مُوسى كُفَّهُ عَنِّي فَكَفَّهُ، وقالَ نَحْوَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
و"إذا" ظَرْفُ مَكانٍ في هَذا المَوْضِعِ عِنْدَ المُبَرِّدِ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عن جُثَّةٍ، والصَحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أنَّها ظَرْفُ زَمانٍ في كُلِّ مَوْضِعٍ، ويُقالُ: إنَّ الثُعْبانَ وضَعَ أسْفَلَ لِحْيَيْهِ في الأرْضِ وأعْلاهُما في شُرُفاتِ القَصْرِ. والثُعْبانُ: الحَيَّةُ الذَكَرُ، وهو أهْوَلُ وأجْرَأُ، قالَهُ الضَحّاكُ. وقالَ قَتادَةُ: صارَتْ حَيَّةً شَعْراءَ ذَكَرًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: غَرَزَتْ ذَنَبَها في الأرْضِ ورَفَعَتْ صَدْرَها إلى فِرْعَوْنَ. وقَوْلُهُ: ﴿مُبِينٌ﴾ مَعْناهُ: لا تَخْيِيلَ فِيهِ، بَلْ هو بَيَّنَ أنَّهُ حَقِيقَةٌ، وهو مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ، أو مَن بانَ بِمَعْنى سَلَبَ عن أجْزائِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ مَعْناهُ: مِن جَيْبِهِ أو كُمِّهِ حَسَبَ الخِلافِ في ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: كاللَبَنِ أو أشَدَّ بَياضًا، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ تَظْهَرُ مُنِيرَةً شَفّافَةً كالشَمْسِ تَتَألَّقُ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ذا دَمٍ أحْمَرَ إلى السَوادِ، ثُمَّ كانَ يَرُدُّ يَدَهُ فَتَرْجِعُ إلى لَوْنِ بَدَنِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهاتانِ الآيَتانِ عَرَضَهُما مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِلْمُعارَضَةِ، ودَعا إلى اللهِ بِهِما، (p-١٥)وَخَرَقَ العادَةَ بِهِما، وتَحَدّى الناسَ إلى الدِينِ بِهِما، فَإذا جَعَلْنا التَحَدِّيَ الدُعاءَ إلى الدِينِ مُطْلَقًا فَبِهِما تَحَدّى، وإذا جَعَلْنا التَحَدِّيَ الدُعاءَ بَعْدَ العَجْزِ عن مُعارَضَةِ المُعْجِزَةِ وظُهُورِ ذَلِكَ فَتَنْفَرِدُ حِينَئِذٍ العَصا بِذَلِكَ، لِأنَّ المُعارَضَةَ والعَجْزَ فِيها وقَعا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُقالُ: التَحَدِّي هو الدُعاءُ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِ المُعْجِزَةِ، فَهَذا نَحْوٌ ثالِثٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ تَحَدّى مُوسى بِالآيَتَيْنِ جَمِيعًا، لِأنَّ الظاهِرَ مِن أمْرِهِ أنَّهُ عَرَضَهُما لِلنَّظَرِ مَعًا وإنْ كانَ لَمْ يَنُصَّ عَلى الدُعاءِ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِما، ورُوِيَ عن فَرَقَدٍ السَبَخِيِّ أنَّ فَمَ الحَيَّةِ كانَ يَنْفَتِحُ أرْبَعِينَ ذِراعًا.
الأعراف 7:109
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿وَجاءَ السَحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لأجْرًا إنَّ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ ﴿قالَ ألْقُوا فَلَمّا ألْقُوا سَحَرُوا أعْيُنَ الناسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾
الساحِرُ كانَ عِنْدَهم في ذَلِكَ الزَمَنِ أعْلى المَراتِبِ وأعْظَمَ الرِجالِ، ولَكِنَّ وصْفَهم مُوسى بِذَلِكَ مَعَ مُدافَعَتِهِمْ لَهُ عَنِ النُبُوَّةِ ذَمٌّ عَظِيمٌ وحَطٌّ، وذَلِكَ قَصَدُوا إنْ لَمْ يُمْكِنْهم أكْثَرَ، وقَوْلُهُمْ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ يَعْنُونَ بِأنَّهُ يَحْكُمُ فِيكم بِنَقْلِ رَعِيَّتِكم في بَنِي إسْرائِيلَ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى خَرابِ دِيارِكم إذا ذَهَبَ الخَدَمَةُ والعُمَرَةُ، وأيْضًا فَلا مَحالَةَ أنَّهم خافُوا أنْ يُقاتِلَهُمْ، وجالَتْ ظُنُونُهم في كُلِّ مَجالٍ، وقالَ النَقّاشُ: كانُوا يَأْخُذُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَرْجًا كالجِزْيَةِ فَرَأوا أنَّ مُلْكَهم يَذْهَبُ بِزَوالِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ الظاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ المَلَإ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ لَهُمْ، ورَوى كَرَدْمٌ عن نافِعٍ "تَأْمُرُونِ" بِكَسْرِ النُونِ، وكَذَلِكَ في الشُعَراءِ. و"ما" اسْتِفْهامٌ، و"إذا" بِمَعْنى "الَّذِي"، فَهُما ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وِفي "تَأْمُرُونَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "الَّذِي" تَقْدِيرُهُ: تَأْمُرُونَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ "ماذا" بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ (p-١٦)بِـ "تَأْمُرُونَ" ولا يُضْمَرُ فِيهِ عَلى هَذا. قالَ الطَبَرِيُّ: والسِحْرُ مَأْخُوذٌ مِن: سَحَرَ المَطَرُ الأرْضَ إذا جادَّها حَتّى يَقْلِبَ نَباتَها ويَقْلَعَهُ مِن أُصُولِهِ، فَهو يَسْحَرُها سَحَرًا، والأرْضُ مَسْحُورَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما سَحَرَ المَطَرُ الطِينَ إذا أفْسَدَهُ حَتّى لا يُمْكِنَ فِيهِ عَمَلٌ، والسِحْرُ: الأخْذَةُ الَّتِي تَأْخُذُ العَيْنَ حَتّى تَرى الأمْرَ غَيْرَ ما هُوَ، ورُبَّما سَحَرَ الذِهْنَ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ وساحِرَةُ السَرابِ مِنَ المَوامِي ∗∗∗ تُرَقَّصُ في نَواشِزِها الأُرُومُ
أرادَ: أنَّهُ يُخَيِّلُ نَفْسَهُ ماءً لِلْعُيُونِ.
ثُمَّ أشارَ المَلَأُ عَلى فِرْعَوْنَ بِأنْ يُؤَخِّرَ مُوسى وهارُونَ ويَدَعَ النَظَرَ في أمْرِهِما ويَجْمَعَ السَحَرَةَ مِن كُلِّ مَكانٍ حَتّى تَكُونَ غَلَبَةُ مُوسى بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ مَعْلُومَةٍ بَيِّنَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "أرْجِئْهُو" بِواوٍ بَعْدَ الهاءِ المَضْمُومَةِ وبِالهَمْزِ قَبْلَ الهاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "أرْجِئْهُ" بِالهَمْزِ دُونَ واوٍ بَعْدَها، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ في رِوايَةِ قالُونَ: "أرْجِهِ" بِكَسْرِ الهاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أخِّرْهُ فَسَهَّلَ الهَمْزَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الرَجا بِمَعْنى: أطْعِمْهُ ورَجِّهِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، وقَرَأ ورْشٌ عن نافِعٍ: "أرْجِهِي" بِياءٍ بَعْدَ كَسْرَةِ الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أرْجِئْهِ" بِكَسْرِ الهاءِ وبِهَمْزَةٍ قَبْلَها. قالَ الفارِسِيُّ: وهَذا غَلَطٌ. وقَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ: "أرْجِهُ" بِضَمِّ الهاءِ دُونَ هَمْزٍ، ورَوى أبانُ عن (p-١٧)عاصِمٍ: "أرْجِهْ" بِسُكُونِ الهاءِ، وهي لُغَةٌ تَقِفُ عَلى هاءِ الكِنايَةِ إذا تَحَرَّكَ ما قَبْلَها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ أنْحى عَلَيَّ الدَهْرُ رَجُلًا ويَدًا ∗∗∗ ∗∗∗ يُقْسِمُ لا أُصْلِحُ إلّا أفْسَدا
فَيَصْلِحُ اليَوْمَ ويُفْسِدُ غَدا.
وقالَ الآخَرُ:
؎ لَمّا رَأى أنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعْ ∗∗∗ ∗∗∗ مالَ إلى أرْطاةِ حِقْفٍ فاضْطَجَعْ
وحَكى النَقّاشُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُجالِسُ فِرْعَوْنَ ولَدُ غِيَّةٍ وإنَّما كانُوا أشْرافًا، ولِذَلِكَ أشارُوا بِالإرْجاءِ ولَمْ يُشِيرُوا بِالقَتْلِ وقالُوا: إنْ قَتَلْتَهُ دَخَلَتْ عَلى الناسِ شُبْهَةٌ، ولَكِنِ اغْلِبْهُ بِالحُجَّةِ. و"المَدائِنُ" جَمْعُ مَدِينَةٍ، وزْنُها فَعَيْلَةٍ مِن مَدَنَ، أو مُفْعِلَةٌ مَن دانَ يَدِينُ، وعَلى هَذا يُهْمَزُ مَدائِنُ أو لا يُهْمَزُ، و"حاشِرِينَ" مَعْناهُ: جامِعِينَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: وهُمُ الشُرَطُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "بِكُلِّ ساحِرٍ"، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "بِكُلِّ سَحّارٍ" عَلى بِناءِ المُبالِغَةِ، وكَذَلِكَ في سُورَةِ يُونُسَ، وأجْمَعُوا عَلى "سَحّارٍ" في سُورَةِ الشُعَراءِ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى (p-١٨)الإرْجاءِ الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ: السَجْنُ والحَبْسُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ السَحَرَةُ﴾ الآيَةُ، هُنا مَحْذُوفاتٌ يَقْتَضِيها ظاهِرُ الكَلامِ، وهي أنَّهُ بَعَثَ إلى السَحَرَةِ وأمَرَهم بِالمَجِيءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: أنَّهُ بَعَثَ غِلْمانًا فَعَلَّمُوا بِالفَرَما
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "إنَّ لَنا لَأجْرًا" عَلى جِهَةِ الخَبَرِ، وقَرَأُوا في الشُعَراءِ: "آنَّ لَنا" مَمْدُودَةً مَفْتُوحَةَ الألْفِ غَيْرَ عاصِمٍ، فَإنَّهُ لا يَمُدُّها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ وحَذْفِ ألِفِها، وقَدْ قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: "أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ" ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:.
؎ أفْرَحُ أنْ أُرْزَأ الكِرامَ..... ∗∗∗ ∗∗∗...........................
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ هُنا وفي الشُعَراءِ: "آئِنَّ" بِألْفِ الِاسْتِفْهامِ قَبْلَ "إنَّ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أئِنَّ" دُونَ مَدٍّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو هُنا وفي الشُعَراءِ: "أيِنَّ".
(p-١٩)والأجْرُ هُنا: الأُجْرَةُ، فاقْتَرَحُوها إنْ غَلَبُوا، فَأنْعَمَ فِرْعَوْنُ لَهم بِها وزادُهُمُ المَنزِلَةَ والجاهَ، ومَعْناهُ: المُقَرَّبِينَ مِنِّي، ورُوِيَ أنَّ السَحَرَةَ الَّذِينَ جاءُوا إلى فِرْعَوْنَ كانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانُوا تِسْعَمِائَةٍ، وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّهم كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ رَجُلًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: كانُوا سَبْعِينَ ألْفًا، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْذِرِ: كانُوا ثَمانِينَ ألْفًا، وقالَ السُدِّيُّ: مِائَتَيْ ألْفٍ ونَيِّفًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الأقْوالُ لَيْسَ لَها سَنَدٌ يَتَوَقَّفُ عِنْدَهُ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وقالَ السُدِّيُّ: كانُوا بِضْعَةُ وثَلاثِينَ ألْفَ رَجُلٍ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ حَبْلٌ وعَصًا، وقالَ أبُو ثُمامَةَ: كانُوا سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ الآيَةُ. "أنْ" في قَوْلِهِ: "إمّا أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: إمّا هو الإلْقاءُ. وخَيَّرَ السَحَرَةُ مُوسى في أنْ يَتَقَدَّمَ في الإلْقاءِ أو يَتَأخَّرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا فِعْلُ المُدِلِّ الواثِقِ بِنَفْسِهِ، والظاهِرُ أنَّ التَقَدُّمَ في التَخَيُّلاتِ والمَخارِقِ والحُجَجِ، لِأنَّ بَدِيلَتَها تَمْضِي بِالنَفْسِ، فَلِيُظْهِرَ اللهُ أمْرَ نُبُوَّةِ مُوسى قَوّى نَفْسَهُ ويَقِينَهُ، ووَثَقَ بِالحَقِّ فَأعْطاهُمُ التَقَدُّمُ، فَنَشِطُوا وسُرُّوا حَتّى أظْهَرَ اللهُ الحَقَّ وأبْطَلَ سَعْيَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ الناسِ﴾ نَصٌّ في أنَّ لَهم فِعْلًا ما زائِدًا عَلى ما يُحَدِثُونَهُ مِنَ التَزْيِيفِ والآثارِ في العَصا وسائِرِ الأجْسامِ الَّتِي يَصْرِفُونَ فِيها صِناعَتَهم. و"اسْتَرْهَبُوهُمْ" بِمَعْنى: أرْهَبُوهُمْ، أيْ: أفْزَعُوهُمْ، فَكَأنَّ فِعْلَهُمُ اقْتَضى واسْتَدْعى الرَهْبَةَ مِنَ الناسِ، ووَصَفَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى سِحْرَهم بِالعِظَمِ، ومَعْنى ذَلِكَ: مِن كَثْرَتِهِ، ورُوِيَ أنَّهم جَلَبُوا ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ بَعِيرًا مُوقَرَةً بِالحِبالِ والعِصِيِّ فَلَمّا ألْقَوْها تَحَرَّكَتْ ومَلَأتِ الوادِيَ يَرْكَبُ بَعْضُها بَعْضًا، فاسْتَهْوَلَ الناسُ ذَلِكَ واسْتَرْهَبُوهُمْ، قالَ الزَجّاجُ: قِيلَ: إنَّهم جَعَلُوا فِيها الزِئْبَقَ فَكانَتْ لا تَسْتَقِرُّ.
الأعراف 7:110
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿وَجاءَ السَحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لأجْرًا إنَّ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ ﴿قالَ ألْقُوا فَلَمّا ألْقُوا سَحَرُوا أعْيُنَ الناسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾
الساحِرُ كانَ عِنْدَهم في ذَلِكَ الزَمَنِ أعْلى المَراتِبِ وأعْظَمَ الرِجالِ، ولَكِنَّ وصْفَهم مُوسى بِذَلِكَ مَعَ مُدافَعَتِهِمْ لَهُ عَنِ النُبُوَّةِ ذَمٌّ عَظِيمٌ وحَطٌّ، وذَلِكَ قَصَدُوا إنْ لَمْ يُمْكِنْهم أكْثَرَ، وقَوْلُهُمْ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ يَعْنُونَ بِأنَّهُ يَحْكُمُ فِيكم بِنَقْلِ رَعِيَّتِكم في بَنِي إسْرائِيلَ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى خَرابِ دِيارِكم إذا ذَهَبَ الخَدَمَةُ والعُمَرَةُ، وأيْضًا فَلا مَحالَةَ أنَّهم خافُوا أنْ يُقاتِلَهُمْ، وجالَتْ ظُنُونُهم في كُلِّ مَجالٍ، وقالَ النَقّاشُ: كانُوا يَأْخُذُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَرْجًا كالجِزْيَةِ فَرَأوا أنَّ مُلْكَهم يَذْهَبُ بِزَوالِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ الظاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ المَلَإ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ لَهُمْ، ورَوى كَرَدْمٌ عن نافِعٍ "تَأْمُرُونِ" بِكَسْرِ النُونِ، وكَذَلِكَ في الشُعَراءِ. و"ما" اسْتِفْهامٌ، و"إذا" بِمَعْنى "الَّذِي"، فَهُما ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وِفي "تَأْمُرُونَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "الَّذِي" تَقْدِيرُهُ: تَأْمُرُونَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ "ماذا" بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ (p-١٦)بِـ "تَأْمُرُونَ" ولا يُضْمَرُ فِيهِ عَلى هَذا. قالَ الطَبَرِيُّ: والسِحْرُ مَأْخُوذٌ مِن: سَحَرَ المَطَرُ الأرْضَ إذا جادَّها حَتّى يَقْلِبَ نَباتَها ويَقْلَعَهُ مِن أُصُولِهِ، فَهو يَسْحَرُها سَحَرًا، والأرْضُ مَسْحُورَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما سَحَرَ المَطَرُ الطِينَ إذا أفْسَدَهُ حَتّى لا يُمْكِنَ فِيهِ عَمَلٌ، والسِحْرُ: الأخْذَةُ الَّتِي تَأْخُذُ العَيْنَ حَتّى تَرى الأمْرَ غَيْرَ ما هُوَ، ورُبَّما سَحَرَ الذِهْنَ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ وساحِرَةُ السَرابِ مِنَ المَوامِي ∗∗∗ تُرَقَّصُ في نَواشِزِها الأُرُومُ
أرادَ: أنَّهُ يُخَيِّلُ نَفْسَهُ ماءً لِلْعُيُونِ.
ثُمَّ أشارَ المَلَأُ عَلى فِرْعَوْنَ بِأنْ يُؤَخِّرَ مُوسى وهارُونَ ويَدَعَ النَظَرَ في أمْرِهِما ويَجْمَعَ السَحَرَةَ مِن كُلِّ مَكانٍ حَتّى تَكُونَ غَلَبَةُ مُوسى بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ مَعْلُومَةٍ بَيِّنَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "أرْجِئْهُو" بِواوٍ بَعْدَ الهاءِ المَضْمُومَةِ وبِالهَمْزِ قَبْلَ الهاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "أرْجِئْهُ" بِالهَمْزِ دُونَ واوٍ بَعْدَها، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ في رِوايَةِ قالُونَ: "أرْجِهِ" بِكَسْرِ الهاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أخِّرْهُ فَسَهَّلَ الهَمْزَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الرَجا بِمَعْنى: أطْعِمْهُ ورَجِّهِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، وقَرَأ ورْشٌ عن نافِعٍ: "أرْجِهِي" بِياءٍ بَعْدَ كَسْرَةِ الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أرْجِئْهِ" بِكَسْرِ الهاءِ وبِهَمْزَةٍ قَبْلَها. قالَ الفارِسِيُّ: وهَذا غَلَطٌ. وقَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ: "أرْجِهُ" بِضَمِّ الهاءِ دُونَ هَمْزٍ، ورَوى أبانُ عن (p-١٧)عاصِمٍ: "أرْجِهْ" بِسُكُونِ الهاءِ، وهي لُغَةٌ تَقِفُ عَلى هاءِ الكِنايَةِ إذا تَحَرَّكَ ما قَبْلَها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ أنْحى عَلَيَّ الدَهْرُ رَجُلًا ويَدًا ∗∗∗ ∗∗∗ يُقْسِمُ لا أُصْلِحُ إلّا أفْسَدا
فَيَصْلِحُ اليَوْمَ ويُفْسِدُ غَدا.
وقالَ الآخَرُ:
؎ لَمّا رَأى أنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعْ ∗∗∗ ∗∗∗ مالَ إلى أرْطاةِ حِقْفٍ فاضْطَجَعْ
وحَكى النَقّاشُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُجالِسُ فِرْعَوْنَ ولَدُ غِيَّةٍ وإنَّما كانُوا أشْرافًا، ولِذَلِكَ أشارُوا بِالإرْجاءِ ولَمْ يُشِيرُوا بِالقَتْلِ وقالُوا: إنْ قَتَلْتَهُ دَخَلَتْ عَلى الناسِ شُبْهَةٌ، ولَكِنِ اغْلِبْهُ بِالحُجَّةِ. و"المَدائِنُ" جَمْعُ مَدِينَةٍ، وزْنُها فَعَيْلَةٍ مِن مَدَنَ، أو مُفْعِلَةٌ مَن دانَ يَدِينُ، وعَلى هَذا يُهْمَزُ مَدائِنُ أو لا يُهْمَزُ، و"حاشِرِينَ" مَعْناهُ: جامِعِينَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: وهُمُ الشُرَطُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "بِكُلِّ ساحِرٍ"، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "بِكُلِّ سَحّارٍ" عَلى بِناءِ المُبالِغَةِ، وكَذَلِكَ في سُورَةِ يُونُسَ، وأجْمَعُوا عَلى "سَحّارٍ" في سُورَةِ الشُعَراءِ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى (p-١٨)الإرْجاءِ الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ: السَجْنُ والحَبْسُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ السَحَرَةُ﴾ الآيَةُ، هُنا مَحْذُوفاتٌ يَقْتَضِيها ظاهِرُ الكَلامِ، وهي أنَّهُ بَعَثَ إلى السَحَرَةِ وأمَرَهم بِالمَجِيءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: أنَّهُ بَعَثَ غِلْمانًا فَعَلَّمُوا بِالفَرَما
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "إنَّ لَنا لَأجْرًا" عَلى جِهَةِ الخَبَرِ، وقَرَأُوا في الشُعَراءِ: "آنَّ لَنا" مَمْدُودَةً مَفْتُوحَةَ الألْفِ غَيْرَ عاصِمٍ، فَإنَّهُ لا يَمُدُّها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ وحَذْفِ ألِفِها، وقَدْ قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: "أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ" ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:.
؎ أفْرَحُ أنْ أُرْزَأ الكِرامَ..... ∗∗∗ ∗∗∗...........................
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ هُنا وفي الشُعَراءِ: "آئِنَّ" بِألْفِ الِاسْتِفْهامِ قَبْلَ "إنَّ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أئِنَّ" دُونَ مَدٍّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو هُنا وفي الشُعَراءِ: "أيِنَّ".
(p-١٩)والأجْرُ هُنا: الأُجْرَةُ، فاقْتَرَحُوها إنْ غَلَبُوا، فَأنْعَمَ فِرْعَوْنُ لَهم بِها وزادُهُمُ المَنزِلَةَ والجاهَ، ومَعْناهُ: المُقَرَّبِينَ مِنِّي، ورُوِيَ أنَّ السَحَرَةَ الَّذِينَ جاءُوا إلى فِرْعَوْنَ كانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانُوا تِسْعَمِائَةٍ، وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّهم كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ رَجُلًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: كانُوا سَبْعِينَ ألْفًا، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْذِرِ: كانُوا ثَمانِينَ ألْفًا، وقالَ السُدِّيُّ: مِائَتَيْ ألْفٍ ونَيِّفًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الأقْوالُ لَيْسَ لَها سَنَدٌ يَتَوَقَّفُ عِنْدَهُ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وقالَ السُدِّيُّ: كانُوا بِضْعَةُ وثَلاثِينَ ألْفَ رَجُلٍ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ حَبْلٌ وعَصًا، وقالَ أبُو ثُمامَةَ: كانُوا سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ الآيَةُ. "أنْ" في قَوْلِهِ: "إمّا أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: إمّا هو الإلْقاءُ. وخَيَّرَ السَحَرَةُ مُوسى في أنْ يَتَقَدَّمَ في الإلْقاءِ أو يَتَأخَّرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا فِعْلُ المُدِلِّ الواثِقِ بِنَفْسِهِ، والظاهِرُ أنَّ التَقَدُّمَ في التَخَيُّلاتِ والمَخارِقِ والحُجَجِ، لِأنَّ بَدِيلَتَها تَمْضِي بِالنَفْسِ، فَلِيُظْهِرَ اللهُ أمْرَ نُبُوَّةِ مُوسى قَوّى نَفْسَهُ ويَقِينَهُ، ووَثَقَ بِالحَقِّ فَأعْطاهُمُ التَقَدُّمُ، فَنَشِطُوا وسُرُّوا حَتّى أظْهَرَ اللهُ الحَقَّ وأبْطَلَ سَعْيَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ الناسِ﴾ نَصٌّ في أنَّ لَهم فِعْلًا ما زائِدًا عَلى ما يُحَدِثُونَهُ مِنَ التَزْيِيفِ والآثارِ في العَصا وسائِرِ الأجْسامِ الَّتِي يَصْرِفُونَ فِيها صِناعَتَهم. و"اسْتَرْهَبُوهُمْ" بِمَعْنى: أرْهَبُوهُمْ، أيْ: أفْزَعُوهُمْ، فَكَأنَّ فِعْلَهُمُ اقْتَضى واسْتَدْعى الرَهْبَةَ مِنَ الناسِ، ووَصَفَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى سِحْرَهم بِالعِظَمِ، ومَعْنى ذَلِكَ: مِن كَثْرَتِهِ، ورُوِيَ أنَّهم جَلَبُوا ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ بَعِيرًا مُوقَرَةً بِالحِبالِ والعِصِيِّ فَلَمّا ألْقَوْها تَحَرَّكَتْ ومَلَأتِ الوادِيَ يَرْكَبُ بَعْضُها بَعْضًا، فاسْتَهْوَلَ الناسُ ذَلِكَ واسْتَرْهَبُوهُمْ، قالَ الزَجّاجُ: قِيلَ: إنَّهم جَعَلُوا فِيها الزِئْبَقَ فَكانَتْ لا تَسْتَقِرُّ.
الأعراف 7:111
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿وَجاءَ السَحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لأجْرًا إنَّ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ ﴿قالَ ألْقُوا فَلَمّا ألْقُوا سَحَرُوا أعْيُنَ الناسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾
الساحِرُ كانَ عِنْدَهم في ذَلِكَ الزَمَنِ أعْلى المَراتِبِ وأعْظَمَ الرِجالِ، ولَكِنَّ وصْفَهم مُوسى بِذَلِكَ مَعَ مُدافَعَتِهِمْ لَهُ عَنِ النُبُوَّةِ ذَمٌّ عَظِيمٌ وحَطٌّ، وذَلِكَ قَصَدُوا إنْ لَمْ يُمْكِنْهم أكْثَرَ، وقَوْلُهُمْ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ يَعْنُونَ بِأنَّهُ يَحْكُمُ فِيكم بِنَقْلِ رَعِيَّتِكم في بَنِي إسْرائِيلَ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى خَرابِ دِيارِكم إذا ذَهَبَ الخَدَمَةُ والعُمَرَةُ، وأيْضًا فَلا مَحالَةَ أنَّهم خافُوا أنْ يُقاتِلَهُمْ، وجالَتْ ظُنُونُهم في كُلِّ مَجالٍ، وقالَ النَقّاشُ: كانُوا يَأْخُذُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَرْجًا كالجِزْيَةِ فَرَأوا أنَّ مُلْكَهم يَذْهَبُ بِزَوالِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ الظاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ المَلَإ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ لَهُمْ، ورَوى كَرَدْمٌ عن نافِعٍ "تَأْمُرُونِ" بِكَسْرِ النُونِ، وكَذَلِكَ في الشُعَراءِ. و"ما" اسْتِفْهامٌ، و"إذا" بِمَعْنى "الَّذِي"، فَهُما ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وِفي "تَأْمُرُونَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "الَّذِي" تَقْدِيرُهُ: تَأْمُرُونَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ "ماذا" بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ (p-١٦)بِـ "تَأْمُرُونَ" ولا يُضْمَرُ فِيهِ عَلى هَذا. قالَ الطَبَرِيُّ: والسِحْرُ مَأْخُوذٌ مِن: سَحَرَ المَطَرُ الأرْضَ إذا جادَّها حَتّى يَقْلِبَ نَباتَها ويَقْلَعَهُ مِن أُصُولِهِ، فَهو يَسْحَرُها سَحَرًا، والأرْضُ مَسْحُورَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما سَحَرَ المَطَرُ الطِينَ إذا أفْسَدَهُ حَتّى لا يُمْكِنَ فِيهِ عَمَلٌ، والسِحْرُ: الأخْذَةُ الَّتِي تَأْخُذُ العَيْنَ حَتّى تَرى الأمْرَ غَيْرَ ما هُوَ، ورُبَّما سَحَرَ الذِهْنَ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ وساحِرَةُ السَرابِ مِنَ المَوامِي ∗∗∗ تُرَقَّصُ في نَواشِزِها الأُرُومُ
أرادَ: أنَّهُ يُخَيِّلُ نَفْسَهُ ماءً لِلْعُيُونِ.
ثُمَّ أشارَ المَلَأُ عَلى فِرْعَوْنَ بِأنْ يُؤَخِّرَ مُوسى وهارُونَ ويَدَعَ النَظَرَ في أمْرِهِما ويَجْمَعَ السَحَرَةَ مِن كُلِّ مَكانٍ حَتّى تَكُونَ غَلَبَةُ مُوسى بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ مَعْلُومَةٍ بَيِّنَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "أرْجِئْهُو" بِواوٍ بَعْدَ الهاءِ المَضْمُومَةِ وبِالهَمْزِ قَبْلَ الهاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "أرْجِئْهُ" بِالهَمْزِ دُونَ واوٍ بَعْدَها، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ في رِوايَةِ قالُونَ: "أرْجِهِ" بِكَسْرِ الهاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أخِّرْهُ فَسَهَّلَ الهَمْزَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الرَجا بِمَعْنى: أطْعِمْهُ ورَجِّهِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، وقَرَأ ورْشٌ عن نافِعٍ: "أرْجِهِي" بِياءٍ بَعْدَ كَسْرَةِ الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أرْجِئْهِ" بِكَسْرِ الهاءِ وبِهَمْزَةٍ قَبْلَها. قالَ الفارِسِيُّ: وهَذا غَلَطٌ. وقَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ: "أرْجِهُ" بِضَمِّ الهاءِ دُونَ هَمْزٍ، ورَوى أبانُ عن (p-١٧)عاصِمٍ: "أرْجِهْ" بِسُكُونِ الهاءِ، وهي لُغَةٌ تَقِفُ عَلى هاءِ الكِنايَةِ إذا تَحَرَّكَ ما قَبْلَها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ أنْحى عَلَيَّ الدَهْرُ رَجُلًا ويَدًا ∗∗∗ ∗∗∗ يُقْسِمُ لا أُصْلِحُ إلّا أفْسَدا
فَيَصْلِحُ اليَوْمَ ويُفْسِدُ غَدا.
وقالَ الآخَرُ:
؎ لَمّا رَأى أنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعْ ∗∗∗ ∗∗∗ مالَ إلى أرْطاةِ حِقْفٍ فاضْطَجَعْ
وحَكى النَقّاشُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُجالِسُ فِرْعَوْنَ ولَدُ غِيَّةٍ وإنَّما كانُوا أشْرافًا، ولِذَلِكَ أشارُوا بِالإرْجاءِ ولَمْ يُشِيرُوا بِالقَتْلِ وقالُوا: إنْ قَتَلْتَهُ دَخَلَتْ عَلى الناسِ شُبْهَةٌ، ولَكِنِ اغْلِبْهُ بِالحُجَّةِ. و"المَدائِنُ" جَمْعُ مَدِينَةٍ، وزْنُها فَعَيْلَةٍ مِن مَدَنَ، أو مُفْعِلَةٌ مَن دانَ يَدِينُ، وعَلى هَذا يُهْمَزُ مَدائِنُ أو لا يُهْمَزُ، و"حاشِرِينَ" مَعْناهُ: جامِعِينَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: وهُمُ الشُرَطُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "بِكُلِّ ساحِرٍ"، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "بِكُلِّ سَحّارٍ" عَلى بِناءِ المُبالِغَةِ، وكَذَلِكَ في سُورَةِ يُونُسَ، وأجْمَعُوا عَلى "سَحّارٍ" في سُورَةِ الشُعَراءِ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى (p-١٨)الإرْجاءِ الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ: السَجْنُ والحَبْسُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ السَحَرَةُ﴾ الآيَةُ، هُنا مَحْذُوفاتٌ يَقْتَضِيها ظاهِرُ الكَلامِ، وهي أنَّهُ بَعَثَ إلى السَحَرَةِ وأمَرَهم بِالمَجِيءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: أنَّهُ بَعَثَ غِلْمانًا فَعَلَّمُوا بِالفَرَما
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "إنَّ لَنا لَأجْرًا" عَلى جِهَةِ الخَبَرِ، وقَرَأُوا في الشُعَراءِ: "آنَّ لَنا" مَمْدُودَةً مَفْتُوحَةَ الألْفِ غَيْرَ عاصِمٍ، فَإنَّهُ لا يَمُدُّها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ وحَذْفِ ألِفِها، وقَدْ قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: "أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ" ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:.
؎ أفْرَحُ أنْ أُرْزَأ الكِرامَ..... ∗∗∗ ∗∗∗...........................
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ هُنا وفي الشُعَراءِ: "آئِنَّ" بِألْفِ الِاسْتِفْهامِ قَبْلَ "إنَّ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أئِنَّ" دُونَ مَدٍّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو هُنا وفي الشُعَراءِ: "أيِنَّ".
(p-١٩)والأجْرُ هُنا: الأُجْرَةُ، فاقْتَرَحُوها إنْ غَلَبُوا، فَأنْعَمَ فِرْعَوْنُ لَهم بِها وزادُهُمُ المَنزِلَةَ والجاهَ، ومَعْناهُ: المُقَرَّبِينَ مِنِّي، ورُوِيَ أنَّ السَحَرَةَ الَّذِينَ جاءُوا إلى فِرْعَوْنَ كانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانُوا تِسْعَمِائَةٍ، وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّهم كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ رَجُلًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: كانُوا سَبْعِينَ ألْفًا، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْذِرِ: كانُوا ثَمانِينَ ألْفًا، وقالَ السُدِّيُّ: مِائَتَيْ ألْفٍ ونَيِّفًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الأقْوالُ لَيْسَ لَها سَنَدٌ يَتَوَقَّفُ عِنْدَهُ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وقالَ السُدِّيُّ: كانُوا بِضْعَةُ وثَلاثِينَ ألْفَ رَجُلٍ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ حَبْلٌ وعَصًا، وقالَ أبُو ثُمامَةَ: كانُوا سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ الآيَةُ. "أنْ" في قَوْلِهِ: "إمّا أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: إمّا هو الإلْقاءُ. وخَيَّرَ السَحَرَةُ مُوسى في أنْ يَتَقَدَّمَ في الإلْقاءِ أو يَتَأخَّرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا فِعْلُ المُدِلِّ الواثِقِ بِنَفْسِهِ، والظاهِرُ أنَّ التَقَدُّمَ في التَخَيُّلاتِ والمَخارِقِ والحُجَجِ، لِأنَّ بَدِيلَتَها تَمْضِي بِالنَفْسِ، فَلِيُظْهِرَ اللهُ أمْرَ نُبُوَّةِ مُوسى قَوّى نَفْسَهُ ويَقِينَهُ، ووَثَقَ بِالحَقِّ فَأعْطاهُمُ التَقَدُّمُ، فَنَشِطُوا وسُرُّوا حَتّى أظْهَرَ اللهُ الحَقَّ وأبْطَلَ سَعْيَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ الناسِ﴾ نَصٌّ في أنَّ لَهم فِعْلًا ما زائِدًا عَلى ما يُحَدِثُونَهُ مِنَ التَزْيِيفِ والآثارِ في العَصا وسائِرِ الأجْسامِ الَّتِي يَصْرِفُونَ فِيها صِناعَتَهم. و"اسْتَرْهَبُوهُمْ" بِمَعْنى: أرْهَبُوهُمْ، أيْ: أفْزَعُوهُمْ، فَكَأنَّ فِعْلَهُمُ اقْتَضى واسْتَدْعى الرَهْبَةَ مِنَ الناسِ، ووَصَفَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى سِحْرَهم بِالعِظَمِ، ومَعْنى ذَلِكَ: مِن كَثْرَتِهِ، ورُوِيَ أنَّهم جَلَبُوا ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ بَعِيرًا مُوقَرَةً بِالحِبالِ والعِصِيِّ فَلَمّا ألْقَوْها تَحَرَّكَتْ ومَلَأتِ الوادِيَ يَرْكَبُ بَعْضُها بَعْضًا، فاسْتَهْوَلَ الناسُ ذَلِكَ واسْتَرْهَبُوهُمْ، قالَ الزَجّاجُ: قِيلَ: إنَّهم جَعَلُوا فِيها الزِئْبَقَ فَكانَتْ لا تَسْتَقِرُّ.
الأعراف 7:112
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿وَجاءَ السَحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لأجْرًا إنَّ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ ﴿قالَ ألْقُوا فَلَمّا ألْقُوا سَحَرُوا أعْيُنَ الناسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾
الساحِرُ كانَ عِنْدَهم في ذَلِكَ الزَمَنِ أعْلى المَراتِبِ وأعْظَمَ الرِجالِ، ولَكِنَّ وصْفَهم مُوسى بِذَلِكَ مَعَ مُدافَعَتِهِمْ لَهُ عَنِ النُبُوَّةِ ذَمٌّ عَظِيمٌ وحَطٌّ، وذَلِكَ قَصَدُوا إنْ لَمْ يُمْكِنْهم أكْثَرَ، وقَوْلُهُمْ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ يَعْنُونَ بِأنَّهُ يَحْكُمُ فِيكم بِنَقْلِ رَعِيَّتِكم في بَنِي إسْرائِيلَ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى خَرابِ دِيارِكم إذا ذَهَبَ الخَدَمَةُ والعُمَرَةُ، وأيْضًا فَلا مَحالَةَ أنَّهم خافُوا أنْ يُقاتِلَهُمْ، وجالَتْ ظُنُونُهم في كُلِّ مَجالٍ، وقالَ النَقّاشُ: كانُوا يَأْخُذُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَرْجًا كالجِزْيَةِ فَرَأوا أنَّ مُلْكَهم يَذْهَبُ بِزَوالِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ الظاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ المَلَإ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ لَهُمْ، ورَوى كَرَدْمٌ عن نافِعٍ "تَأْمُرُونِ" بِكَسْرِ النُونِ، وكَذَلِكَ في الشُعَراءِ. و"ما" اسْتِفْهامٌ، و"إذا" بِمَعْنى "الَّذِي"، فَهُما ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وِفي "تَأْمُرُونَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "الَّذِي" تَقْدِيرُهُ: تَأْمُرُونَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ "ماذا" بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ (p-١٦)بِـ "تَأْمُرُونَ" ولا يُضْمَرُ فِيهِ عَلى هَذا. قالَ الطَبَرِيُّ: والسِحْرُ مَأْخُوذٌ مِن: سَحَرَ المَطَرُ الأرْضَ إذا جادَّها حَتّى يَقْلِبَ نَباتَها ويَقْلَعَهُ مِن أُصُولِهِ، فَهو يَسْحَرُها سَحَرًا، والأرْضُ مَسْحُورَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما سَحَرَ المَطَرُ الطِينَ إذا أفْسَدَهُ حَتّى لا يُمْكِنَ فِيهِ عَمَلٌ، والسِحْرُ: الأخْذَةُ الَّتِي تَأْخُذُ العَيْنَ حَتّى تَرى الأمْرَ غَيْرَ ما هُوَ، ورُبَّما سَحَرَ الذِهْنَ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ وساحِرَةُ السَرابِ مِنَ المَوامِي ∗∗∗ تُرَقَّصُ في نَواشِزِها الأُرُومُ
أرادَ: أنَّهُ يُخَيِّلُ نَفْسَهُ ماءً لِلْعُيُونِ.
ثُمَّ أشارَ المَلَأُ عَلى فِرْعَوْنَ بِأنْ يُؤَخِّرَ مُوسى وهارُونَ ويَدَعَ النَظَرَ في أمْرِهِما ويَجْمَعَ السَحَرَةَ مِن كُلِّ مَكانٍ حَتّى تَكُونَ غَلَبَةُ مُوسى بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ مَعْلُومَةٍ بَيِّنَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "أرْجِئْهُو" بِواوٍ بَعْدَ الهاءِ المَضْمُومَةِ وبِالهَمْزِ قَبْلَ الهاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "أرْجِئْهُ" بِالهَمْزِ دُونَ واوٍ بَعْدَها، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ في رِوايَةِ قالُونَ: "أرْجِهِ" بِكَسْرِ الهاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أخِّرْهُ فَسَهَّلَ الهَمْزَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الرَجا بِمَعْنى: أطْعِمْهُ ورَجِّهِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، وقَرَأ ورْشٌ عن نافِعٍ: "أرْجِهِي" بِياءٍ بَعْدَ كَسْرَةِ الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أرْجِئْهِ" بِكَسْرِ الهاءِ وبِهَمْزَةٍ قَبْلَها. قالَ الفارِسِيُّ: وهَذا غَلَطٌ. وقَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ: "أرْجِهُ" بِضَمِّ الهاءِ دُونَ هَمْزٍ، ورَوى أبانُ عن (p-١٧)عاصِمٍ: "أرْجِهْ" بِسُكُونِ الهاءِ، وهي لُغَةٌ تَقِفُ عَلى هاءِ الكِنايَةِ إذا تَحَرَّكَ ما قَبْلَها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ أنْحى عَلَيَّ الدَهْرُ رَجُلًا ويَدًا ∗∗∗ ∗∗∗ يُقْسِمُ لا أُصْلِحُ إلّا أفْسَدا
فَيَصْلِحُ اليَوْمَ ويُفْسِدُ غَدا.
وقالَ الآخَرُ:
؎ لَمّا رَأى أنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعْ ∗∗∗ ∗∗∗ مالَ إلى أرْطاةِ حِقْفٍ فاضْطَجَعْ
وحَكى النَقّاشُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُجالِسُ فِرْعَوْنَ ولَدُ غِيَّةٍ وإنَّما كانُوا أشْرافًا، ولِذَلِكَ أشارُوا بِالإرْجاءِ ولَمْ يُشِيرُوا بِالقَتْلِ وقالُوا: إنْ قَتَلْتَهُ دَخَلَتْ عَلى الناسِ شُبْهَةٌ، ولَكِنِ اغْلِبْهُ بِالحُجَّةِ. و"المَدائِنُ" جَمْعُ مَدِينَةٍ، وزْنُها فَعَيْلَةٍ مِن مَدَنَ، أو مُفْعِلَةٌ مَن دانَ يَدِينُ، وعَلى هَذا يُهْمَزُ مَدائِنُ أو لا يُهْمَزُ، و"حاشِرِينَ" مَعْناهُ: جامِعِينَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: وهُمُ الشُرَطُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "بِكُلِّ ساحِرٍ"، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "بِكُلِّ سَحّارٍ" عَلى بِناءِ المُبالِغَةِ، وكَذَلِكَ في سُورَةِ يُونُسَ، وأجْمَعُوا عَلى "سَحّارٍ" في سُورَةِ الشُعَراءِ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى (p-١٨)الإرْجاءِ الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ: السَجْنُ والحَبْسُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ السَحَرَةُ﴾ الآيَةُ، هُنا مَحْذُوفاتٌ يَقْتَضِيها ظاهِرُ الكَلامِ، وهي أنَّهُ بَعَثَ إلى السَحَرَةِ وأمَرَهم بِالمَجِيءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: أنَّهُ بَعَثَ غِلْمانًا فَعَلَّمُوا بِالفَرَما
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "إنَّ لَنا لَأجْرًا" عَلى جِهَةِ الخَبَرِ، وقَرَأُوا في الشُعَراءِ: "آنَّ لَنا" مَمْدُودَةً مَفْتُوحَةَ الألْفِ غَيْرَ عاصِمٍ، فَإنَّهُ لا يَمُدُّها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ وحَذْفِ ألِفِها، وقَدْ قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: "أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ" ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:.
؎ أفْرَحُ أنْ أُرْزَأ الكِرامَ..... ∗∗∗ ∗∗∗...........................
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ هُنا وفي الشُعَراءِ: "آئِنَّ" بِألْفِ الِاسْتِفْهامِ قَبْلَ "إنَّ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أئِنَّ" دُونَ مَدٍّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو هُنا وفي الشُعَراءِ: "أيِنَّ".
(p-١٩)والأجْرُ هُنا: الأُجْرَةُ، فاقْتَرَحُوها إنْ غَلَبُوا، فَأنْعَمَ فِرْعَوْنُ لَهم بِها وزادُهُمُ المَنزِلَةَ والجاهَ، ومَعْناهُ: المُقَرَّبِينَ مِنِّي، ورُوِيَ أنَّ السَحَرَةَ الَّذِينَ جاءُوا إلى فِرْعَوْنَ كانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانُوا تِسْعَمِائَةٍ، وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّهم كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ رَجُلًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: كانُوا سَبْعِينَ ألْفًا، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْذِرِ: كانُوا ثَمانِينَ ألْفًا، وقالَ السُدِّيُّ: مِائَتَيْ ألْفٍ ونَيِّفًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الأقْوالُ لَيْسَ لَها سَنَدٌ يَتَوَقَّفُ عِنْدَهُ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وقالَ السُدِّيُّ: كانُوا بِضْعَةُ وثَلاثِينَ ألْفَ رَجُلٍ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ حَبْلٌ وعَصًا، وقالَ أبُو ثُمامَةَ: كانُوا سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ الآيَةُ. "أنْ" في قَوْلِهِ: "إمّا أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: إمّا هو الإلْقاءُ. وخَيَّرَ السَحَرَةُ مُوسى في أنْ يَتَقَدَّمَ في الإلْقاءِ أو يَتَأخَّرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا فِعْلُ المُدِلِّ الواثِقِ بِنَفْسِهِ، والظاهِرُ أنَّ التَقَدُّمَ في التَخَيُّلاتِ والمَخارِقِ والحُجَجِ، لِأنَّ بَدِيلَتَها تَمْضِي بِالنَفْسِ، فَلِيُظْهِرَ اللهُ أمْرَ نُبُوَّةِ مُوسى قَوّى نَفْسَهُ ويَقِينَهُ، ووَثَقَ بِالحَقِّ فَأعْطاهُمُ التَقَدُّمُ، فَنَشِطُوا وسُرُّوا حَتّى أظْهَرَ اللهُ الحَقَّ وأبْطَلَ سَعْيَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ الناسِ﴾ نَصٌّ في أنَّ لَهم فِعْلًا ما زائِدًا عَلى ما يُحَدِثُونَهُ مِنَ التَزْيِيفِ والآثارِ في العَصا وسائِرِ الأجْسامِ الَّتِي يَصْرِفُونَ فِيها صِناعَتَهم. و"اسْتَرْهَبُوهُمْ" بِمَعْنى: أرْهَبُوهُمْ، أيْ: أفْزَعُوهُمْ، فَكَأنَّ فِعْلَهُمُ اقْتَضى واسْتَدْعى الرَهْبَةَ مِنَ الناسِ، ووَصَفَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى سِحْرَهم بِالعِظَمِ، ومَعْنى ذَلِكَ: مِن كَثْرَتِهِ، ورُوِيَ أنَّهم جَلَبُوا ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ بَعِيرًا مُوقَرَةً بِالحِبالِ والعِصِيِّ فَلَمّا ألْقَوْها تَحَرَّكَتْ ومَلَأتِ الوادِيَ يَرْكَبُ بَعْضُها بَعْضًا، فاسْتَهْوَلَ الناسُ ذَلِكَ واسْتَرْهَبُوهُمْ، قالَ الزَجّاجُ: قِيلَ: إنَّهم جَعَلُوا فِيها الزِئْبَقَ فَكانَتْ لا تَسْتَقِرُّ.
الأعراف 7:113
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿وَجاءَ السَحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لأجْرًا إنَّ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ ﴿قالَ ألْقُوا فَلَمّا ألْقُوا سَحَرُوا أعْيُنَ الناسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾
الساحِرُ كانَ عِنْدَهم في ذَلِكَ الزَمَنِ أعْلى المَراتِبِ وأعْظَمَ الرِجالِ، ولَكِنَّ وصْفَهم مُوسى بِذَلِكَ مَعَ مُدافَعَتِهِمْ لَهُ عَنِ النُبُوَّةِ ذَمٌّ عَظِيمٌ وحَطٌّ، وذَلِكَ قَصَدُوا إنْ لَمْ يُمْكِنْهم أكْثَرَ، وقَوْلُهُمْ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ يَعْنُونَ بِأنَّهُ يَحْكُمُ فِيكم بِنَقْلِ رَعِيَّتِكم في بَنِي إسْرائِيلَ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى خَرابِ دِيارِكم إذا ذَهَبَ الخَدَمَةُ والعُمَرَةُ، وأيْضًا فَلا مَحالَةَ أنَّهم خافُوا أنْ يُقاتِلَهُمْ، وجالَتْ ظُنُونُهم في كُلِّ مَجالٍ، وقالَ النَقّاشُ: كانُوا يَأْخُذُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَرْجًا كالجِزْيَةِ فَرَأوا أنَّ مُلْكَهم يَذْهَبُ بِزَوالِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ الظاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ المَلَإ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ لَهُمْ، ورَوى كَرَدْمٌ عن نافِعٍ "تَأْمُرُونِ" بِكَسْرِ النُونِ، وكَذَلِكَ في الشُعَراءِ. و"ما" اسْتِفْهامٌ، و"إذا" بِمَعْنى "الَّذِي"، فَهُما ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وِفي "تَأْمُرُونَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "الَّذِي" تَقْدِيرُهُ: تَأْمُرُونَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ "ماذا" بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ (p-١٦)بِـ "تَأْمُرُونَ" ولا يُضْمَرُ فِيهِ عَلى هَذا. قالَ الطَبَرِيُّ: والسِحْرُ مَأْخُوذٌ مِن: سَحَرَ المَطَرُ الأرْضَ إذا جادَّها حَتّى يَقْلِبَ نَباتَها ويَقْلَعَهُ مِن أُصُولِهِ، فَهو يَسْحَرُها سَحَرًا، والأرْضُ مَسْحُورَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما سَحَرَ المَطَرُ الطِينَ إذا أفْسَدَهُ حَتّى لا يُمْكِنَ فِيهِ عَمَلٌ، والسِحْرُ: الأخْذَةُ الَّتِي تَأْخُذُ العَيْنَ حَتّى تَرى الأمْرَ غَيْرَ ما هُوَ، ورُبَّما سَحَرَ الذِهْنَ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ وساحِرَةُ السَرابِ مِنَ المَوامِي ∗∗∗ تُرَقَّصُ في نَواشِزِها الأُرُومُ
أرادَ: أنَّهُ يُخَيِّلُ نَفْسَهُ ماءً لِلْعُيُونِ.
ثُمَّ أشارَ المَلَأُ عَلى فِرْعَوْنَ بِأنْ يُؤَخِّرَ مُوسى وهارُونَ ويَدَعَ النَظَرَ في أمْرِهِما ويَجْمَعَ السَحَرَةَ مِن كُلِّ مَكانٍ حَتّى تَكُونَ غَلَبَةُ مُوسى بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ مَعْلُومَةٍ بَيِّنَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "أرْجِئْهُو" بِواوٍ بَعْدَ الهاءِ المَضْمُومَةِ وبِالهَمْزِ قَبْلَ الهاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "أرْجِئْهُ" بِالهَمْزِ دُونَ واوٍ بَعْدَها، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ في رِوايَةِ قالُونَ: "أرْجِهِ" بِكَسْرِ الهاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أخِّرْهُ فَسَهَّلَ الهَمْزَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الرَجا بِمَعْنى: أطْعِمْهُ ورَجِّهِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، وقَرَأ ورْشٌ عن نافِعٍ: "أرْجِهِي" بِياءٍ بَعْدَ كَسْرَةِ الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أرْجِئْهِ" بِكَسْرِ الهاءِ وبِهَمْزَةٍ قَبْلَها. قالَ الفارِسِيُّ: وهَذا غَلَطٌ. وقَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ: "أرْجِهُ" بِضَمِّ الهاءِ دُونَ هَمْزٍ، ورَوى أبانُ عن (p-١٧)عاصِمٍ: "أرْجِهْ" بِسُكُونِ الهاءِ، وهي لُغَةٌ تَقِفُ عَلى هاءِ الكِنايَةِ إذا تَحَرَّكَ ما قَبْلَها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ أنْحى عَلَيَّ الدَهْرُ رَجُلًا ويَدًا ∗∗∗ ∗∗∗ يُقْسِمُ لا أُصْلِحُ إلّا أفْسَدا
فَيَصْلِحُ اليَوْمَ ويُفْسِدُ غَدا.
وقالَ الآخَرُ:
؎ لَمّا رَأى أنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعْ ∗∗∗ ∗∗∗ مالَ إلى أرْطاةِ حِقْفٍ فاضْطَجَعْ
وحَكى النَقّاشُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُجالِسُ فِرْعَوْنَ ولَدُ غِيَّةٍ وإنَّما كانُوا أشْرافًا، ولِذَلِكَ أشارُوا بِالإرْجاءِ ولَمْ يُشِيرُوا بِالقَتْلِ وقالُوا: إنْ قَتَلْتَهُ دَخَلَتْ عَلى الناسِ شُبْهَةٌ، ولَكِنِ اغْلِبْهُ بِالحُجَّةِ. و"المَدائِنُ" جَمْعُ مَدِينَةٍ، وزْنُها فَعَيْلَةٍ مِن مَدَنَ، أو مُفْعِلَةٌ مَن دانَ يَدِينُ، وعَلى هَذا يُهْمَزُ مَدائِنُ أو لا يُهْمَزُ، و"حاشِرِينَ" مَعْناهُ: جامِعِينَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: وهُمُ الشُرَطُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "بِكُلِّ ساحِرٍ"، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "بِكُلِّ سَحّارٍ" عَلى بِناءِ المُبالِغَةِ، وكَذَلِكَ في سُورَةِ يُونُسَ، وأجْمَعُوا عَلى "سَحّارٍ" في سُورَةِ الشُعَراءِ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى (p-١٨)الإرْجاءِ الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ: السَجْنُ والحَبْسُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ السَحَرَةُ﴾ الآيَةُ، هُنا مَحْذُوفاتٌ يَقْتَضِيها ظاهِرُ الكَلامِ، وهي أنَّهُ بَعَثَ إلى السَحَرَةِ وأمَرَهم بِالمَجِيءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: أنَّهُ بَعَثَ غِلْمانًا فَعَلَّمُوا بِالفَرَما
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "إنَّ لَنا لَأجْرًا" عَلى جِهَةِ الخَبَرِ، وقَرَأُوا في الشُعَراءِ: "آنَّ لَنا" مَمْدُودَةً مَفْتُوحَةَ الألْفِ غَيْرَ عاصِمٍ، فَإنَّهُ لا يَمُدُّها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ وحَذْفِ ألِفِها، وقَدْ قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: "أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ" ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:.
؎ أفْرَحُ أنْ أُرْزَأ الكِرامَ..... ∗∗∗ ∗∗∗...........................
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ هُنا وفي الشُعَراءِ: "آئِنَّ" بِألْفِ الِاسْتِفْهامِ قَبْلَ "إنَّ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أئِنَّ" دُونَ مَدٍّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو هُنا وفي الشُعَراءِ: "أيِنَّ".
(p-١٩)والأجْرُ هُنا: الأُجْرَةُ، فاقْتَرَحُوها إنْ غَلَبُوا، فَأنْعَمَ فِرْعَوْنُ لَهم بِها وزادُهُمُ المَنزِلَةَ والجاهَ، ومَعْناهُ: المُقَرَّبِينَ مِنِّي، ورُوِيَ أنَّ السَحَرَةَ الَّذِينَ جاءُوا إلى فِرْعَوْنَ كانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانُوا تِسْعَمِائَةٍ، وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّهم كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ رَجُلًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: كانُوا سَبْعِينَ ألْفًا، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْذِرِ: كانُوا ثَمانِينَ ألْفًا، وقالَ السُدِّيُّ: مِائَتَيْ ألْفٍ ونَيِّفًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الأقْوالُ لَيْسَ لَها سَنَدٌ يَتَوَقَّفُ عِنْدَهُ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وقالَ السُدِّيُّ: كانُوا بِضْعَةُ وثَلاثِينَ ألْفَ رَجُلٍ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ حَبْلٌ وعَصًا، وقالَ أبُو ثُمامَةَ: كانُوا سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ الآيَةُ. "أنْ" في قَوْلِهِ: "إمّا أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: إمّا هو الإلْقاءُ. وخَيَّرَ السَحَرَةُ مُوسى في أنْ يَتَقَدَّمَ في الإلْقاءِ أو يَتَأخَّرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا فِعْلُ المُدِلِّ الواثِقِ بِنَفْسِهِ، والظاهِرُ أنَّ التَقَدُّمَ في التَخَيُّلاتِ والمَخارِقِ والحُجَجِ، لِأنَّ بَدِيلَتَها تَمْضِي بِالنَفْسِ، فَلِيُظْهِرَ اللهُ أمْرَ نُبُوَّةِ مُوسى قَوّى نَفْسَهُ ويَقِينَهُ، ووَثَقَ بِالحَقِّ فَأعْطاهُمُ التَقَدُّمُ، فَنَشِطُوا وسُرُّوا حَتّى أظْهَرَ اللهُ الحَقَّ وأبْطَلَ سَعْيَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ الناسِ﴾ نَصٌّ في أنَّ لَهم فِعْلًا ما زائِدًا عَلى ما يُحَدِثُونَهُ مِنَ التَزْيِيفِ والآثارِ في العَصا وسائِرِ الأجْسامِ الَّتِي يَصْرِفُونَ فِيها صِناعَتَهم. و"اسْتَرْهَبُوهُمْ" بِمَعْنى: أرْهَبُوهُمْ، أيْ: أفْزَعُوهُمْ، فَكَأنَّ فِعْلَهُمُ اقْتَضى واسْتَدْعى الرَهْبَةَ مِنَ الناسِ، ووَصَفَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى سِحْرَهم بِالعِظَمِ، ومَعْنى ذَلِكَ: مِن كَثْرَتِهِ، ورُوِيَ أنَّهم جَلَبُوا ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ بَعِيرًا مُوقَرَةً بِالحِبالِ والعِصِيِّ فَلَمّا ألْقَوْها تَحَرَّكَتْ ومَلَأتِ الوادِيَ يَرْكَبُ بَعْضُها بَعْضًا، فاسْتَهْوَلَ الناسُ ذَلِكَ واسْتَرْهَبُوهُمْ، قالَ الزَجّاجُ: قِيلَ: إنَّهم جَعَلُوا فِيها الزِئْبَقَ فَكانَتْ لا تَسْتَقِرُّ.
الأعراف 7:114
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿وَجاءَ السَحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لأجْرًا إنَّ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ ﴿قالَ ألْقُوا فَلَمّا ألْقُوا سَحَرُوا أعْيُنَ الناسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾
الساحِرُ كانَ عِنْدَهم في ذَلِكَ الزَمَنِ أعْلى المَراتِبِ وأعْظَمَ الرِجالِ، ولَكِنَّ وصْفَهم مُوسى بِذَلِكَ مَعَ مُدافَعَتِهِمْ لَهُ عَنِ النُبُوَّةِ ذَمٌّ عَظِيمٌ وحَطٌّ، وذَلِكَ قَصَدُوا إنْ لَمْ يُمْكِنْهم أكْثَرَ، وقَوْلُهُمْ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ يَعْنُونَ بِأنَّهُ يَحْكُمُ فِيكم بِنَقْلِ رَعِيَّتِكم في بَنِي إسْرائِيلَ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى خَرابِ دِيارِكم إذا ذَهَبَ الخَدَمَةُ والعُمَرَةُ، وأيْضًا فَلا مَحالَةَ أنَّهم خافُوا أنْ يُقاتِلَهُمْ، وجالَتْ ظُنُونُهم في كُلِّ مَجالٍ، وقالَ النَقّاشُ: كانُوا يَأْخُذُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَرْجًا كالجِزْيَةِ فَرَأوا أنَّ مُلْكَهم يَذْهَبُ بِزَوالِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ الظاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ المَلَإ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ لَهُمْ، ورَوى كَرَدْمٌ عن نافِعٍ "تَأْمُرُونِ" بِكَسْرِ النُونِ، وكَذَلِكَ في الشُعَراءِ. و"ما" اسْتِفْهامٌ، و"إذا" بِمَعْنى "الَّذِي"، فَهُما ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وِفي "تَأْمُرُونَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "الَّذِي" تَقْدِيرُهُ: تَأْمُرُونَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ "ماذا" بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ (p-١٦)بِـ "تَأْمُرُونَ" ولا يُضْمَرُ فِيهِ عَلى هَذا. قالَ الطَبَرِيُّ: والسِحْرُ مَأْخُوذٌ مِن: سَحَرَ المَطَرُ الأرْضَ إذا جادَّها حَتّى يَقْلِبَ نَباتَها ويَقْلَعَهُ مِن أُصُولِهِ، فَهو يَسْحَرُها سَحَرًا، والأرْضُ مَسْحُورَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما سَحَرَ المَطَرُ الطِينَ إذا أفْسَدَهُ حَتّى لا يُمْكِنَ فِيهِ عَمَلٌ، والسِحْرُ: الأخْذَةُ الَّتِي تَأْخُذُ العَيْنَ حَتّى تَرى الأمْرَ غَيْرَ ما هُوَ، ورُبَّما سَحَرَ الذِهْنَ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ وساحِرَةُ السَرابِ مِنَ المَوامِي ∗∗∗ تُرَقَّصُ في نَواشِزِها الأُرُومُ
أرادَ: أنَّهُ يُخَيِّلُ نَفْسَهُ ماءً لِلْعُيُونِ.
ثُمَّ أشارَ المَلَأُ عَلى فِرْعَوْنَ بِأنْ يُؤَخِّرَ مُوسى وهارُونَ ويَدَعَ النَظَرَ في أمْرِهِما ويَجْمَعَ السَحَرَةَ مِن كُلِّ مَكانٍ حَتّى تَكُونَ غَلَبَةُ مُوسى بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ مَعْلُومَةٍ بَيِّنَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "أرْجِئْهُو" بِواوٍ بَعْدَ الهاءِ المَضْمُومَةِ وبِالهَمْزِ قَبْلَ الهاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "أرْجِئْهُ" بِالهَمْزِ دُونَ واوٍ بَعْدَها، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ في رِوايَةِ قالُونَ: "أرْجِهِ" بِكَسْرِ الهاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أخِّرْهُ فَسَهَّلَ الهَمْزَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الرَجا بِمَعْنى: أطْعِمْهُ ورَجِّهِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، وقَرَأ ورْشٌ عن نافِعٍ: "أرْجِهِي" بِياءٍ بَعْدَ كَسْرَةِ الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أرْجِئْهِ" بِكَسْرِ الهاءِ وبِهَمْزَةٍ قَبْلَها. قالَ الفارِسِيُّ: وهَذا غَلَطٌ. وقَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ: "أرْجِهُ" بِضَمِّ الهاءِ دُونَ هَمْزٍ، ورَوى أبانُ عن (p-١٧)عاصِمٍ: "أرْجِهْ" بِسُكُونِ الهاءِ، وهي لُغَةٌ تَقِفُ عَلى هاءِ الكِنايَةِ إذا تَحَرَّكَ ما قَبْلَها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ أنْحى عَلَيَّ الدَهْرُ رَجُلًا ويَدًا ∗∗∗ ∗∗∗ يُقْسِمُ لا أُصْلِحُ إلّا أفْسَدا
فَيَصْلِحُ اليَوْمَ ويُفْسِدُ غَدا.
وقالَ الآخَرُ:
؎ لَمّا رَأى أنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعْ ∗∗∗ ∗∗∗ مالَ إلى أرْطاةِ حِقْفٍ فاضْطَجَعْ
وحَكى النَقّاشُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُجالِسُ فِرْعَوْنَ ولَدُ غِيَّةٍ وإنَّما كانُوا أشْرافًا، ولِذَلِكَ أشارُوا بِالإرْجاءِ ولَمْ يُشِيرُوا بِالقَتْلِ وقالُوا: إنْ قَتَلْتَهُ دَخَلَتْ عَلى الناسِ شُبْهَةٌ، ولَكِنِ اغْلِبْهُ بِالحُجَّةِ. و"المَدائِنُ" جَمْعُ مَدِينَةٍ، وزْنُها فَعَيْلَةٍ مِن مَدَنَ، أو مُفْعِلَةٌ مَن دانَ يَدِينُ، وعَلى هَذا يُهْمَزُ مَدائِنُ أو لا يُهْمَزُ، و"حاشِرِينَ" مَعْناهُ: جامِعِينَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: وهُمُ الشُرَطُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "بِكُلِّ ساحِرٍ"، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "بِكُلِّ سَحّارٍ" عَلى بِناءِ المُبالِغَةِ، وكَذَلِكَ في سُورَةِ يُونُسَ، وأجْمَعُوا عَلى "سَحّارٍ" في سُورَةِ الشُعَراءِ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى (p-١٨)الإرْجاءِ الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ: السَجْنُ والحَبْسُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ السَحَرَةُ﴾ الآيَةُ، هُنا مَحْذُوفاتٌ يَقْتَضِيها ظاهِرُ الكَلامِ، وهي أنَّهُ بَعَثَ إلى السَحَرَةِ وأمَرَهم بِالمَجِيءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: أنَّهُ بَعَثَ غِلْمانًا فَعَلَّمُوا بِالفَرَما
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "إنَّ لَنا لَأجْرًا" عَلى جِهَةِ الخَبَرِ، وقَرَأُوا في الشُعَراءِ: "آنَّ لَنا" مَمْدُودَةً مَفْتُوحَةَ الألْفِ غَيْرَ عاصِمٍ، فَإنَّهُ لا يَمُدُّها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ وحَذْفِ ألِفِها، وقَدْ قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: "أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ" ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:.
؎ أفْرَحُ أنْ أُرْزَأ الكِرامَ..... ∗∗∗ ∗∗∗...........................
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ هُنا وفي الشُعَراءِ: "آئِنَّ" بِألْفِ الِاسْتِفْهامِ قَبْلَ "إنَّ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أئِنَّ" دُونَ مَدٍّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو هُنا وفي الشُعَراءِ: "أيِنَّ".
(p-١٩)والأجْرُ هُنا: الأُجْرَةُ، فاقْتَرَحُوها إنْ غَلَبُوا، فَأنْعَمَ فِرْعَوْنُ لَهم بِها وزادُهُمُ المَنزِلَةَ والجاهَ، ومَعْناهُ: المُقَرَّبِينَ مِنِّي، ورُوِيَ أنَّ السَحَرَةَ الَّذِينَ جاءُوا إلى فِرْعَوْنَ كانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانُوا تِسْعَمِائَةٍ، وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّهم كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ رَجُلًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: كانُوا سَبْعِينَ ألْفًا، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْذِرِ: كانُوا ثَمانِينَ ألْفًا، وقالَ السُدِّيُّ: مِائَتَيْ ألْفٍ ونَيِّفًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الأقْوالُ لَيْسَ لَها سَنَدٌ يَتَوَقَّفُ عِنْدَهُ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وقالَ السُدِّيُّ: كانُوا بِضْعَةُ وثَلاثِينَ ألْفَ رَجُلٍ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ حَبْلٌ وعَصًا، وقالَ أبُو ثُمامَةَ: كانُوا سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ الآيَةُ. "أنْ" في قَوْلِهِ: "إمّا أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: إمّا هو الإلْقاءُ. وخَيَّرَ السَحَرَةُ مُوسى في أنْ يَتَقَدَّمَ في الإلْقاءِ أو يَتَأخَّرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا فِعْلُ المُدِلِّ الواثِقِ بِنَفْسِهِ، والظاهِرُ أنَّ التَقَدُّمَ في التَخَيُّلاتِ والمَخارِقِ والحُجَجِ، لِأنَّ بَدِيلَتَها تَمْضِي بِالنَفْسِ، فَلِيُظْهِرَ اللهُ أمْرَ نُبُوَّةِ مُوسى قَوّى نَفْسَهُ ويَقِينَهُ، ووَثَقَ بِالحَقِّ فَأعْطاهُمُ التَقَدُّمُ، فَنَشِطُوا وسُرُّوا حَتّى أظْهَرَ اللهُ الحَقَّ وأبْطَلَ سَعْيَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ الناسِ﴾ نَصٌّ في أنَّ لَهم فِعْلًا ما زائِدًا عَلى ما يُحَدِثُونَهُ مِنَ التَزْيِيفِ والآثارِ في العَصا وسائِرِ الأجْسامِ الَّتِي يَصْرِفُونَ فِيها صِناعَتَهم. و"اسْتَرْهَبُوهُمْ" بِمَعْنى: أرْهَبُوهُمْ، أيْ: أفْزَعُوهُمْ، فَكَأنَّ فِعْلَهُمُ اقْتَضى واسْتَدْعى الرَهْبَةَ مِنَ الناسِ، ووَصَفَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى سِحْرَهم بِالعِظَمِ، ومَعْنى ذَلِكَ: مِن كَثْرَتِهِ، ورُوِيَ أنَّهم جَلَبُوا ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ بَعِيرًا مُوقَرَةً بِالحِبالِ والعِصِيِّ فَلَمّا ألْقَوْها تَحَرَّكَتْ ومَلَأتِ الوادِيَ يَرْكَبُ بَعْضُها بَعْضًا، فاسْتَهْوَلَ الناسُ ذَلِكَ واسْتَرْهَبُوهُمْ، قالَ الزَجّاجُ: قِيلَ: إنَّهم جَعَلُوا فِيها الزِئْبَقَ فَكانَتْ لا تَسْتَقِرُّ.