Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — الأعراف 7:115 – الأعراف 7:186
المحتويات
- الأعراف 7:115
- الأعراف 7:116
- الأعراف 7:117
- الأعراف 7:118
- الأعراف 7:119
- الأعراف 7:120
- الأعراف 7:121
- الأعراف 7:122
- الأعراف 7:123
- الأعراف 7:124
- الأعراف 7:125
- الأعراف 7:126
- الأعراف 7:127
- الأعراف 7:128
- الأعراف 7:129
- الأعراف 7:130
- الأعراف 7:131
- الأعراف 7:132
- الأعراف 7:133
- الأعراف 7:134
- الأعراف 7:135
- الأعراف 7:136
- الأعراف 7:137
- الأعراف 7:138
- الأعراف 7:139
- الأعراف 7:140
- الأعراف 7:141
- الأعراف 7:142
- الأعراف 7:143
- الأعراف 7:144
- الأعراف 7:145
- الأعراف 7:146
- الأعراف 7:147
- الأعراف 7:148
- الأعراف 7:149
- الأعراف 7:150
- الأعراف 7:151
- الأعراف 7:152
- الأعراف 7:153
- الأعراف 7:154
- الأعراف 7:155
- الأعراف 7:156
- الأعراف 7:157
- الأعراف 7:158
- الأعراف 7:159
- الأعراف 7:160
- الأعراف 7:161
- الأعراف 7:162
- الأعراف 7:163
- الأعراف 7:164
- الأعراف 7:165
- الأعراف 7:166
- الأعراف 7:167
- الأعراف 7:168
- الأعراف 7:169
- الأعراف 7:170
- الأعراف 7:171
- الأعراف 7:172
- الأعراف 7:173
- الأعراف 7:174
- الأعراف 7:175
- الأعراف 7:176
- الأعراف 7:177
- الأعراف 7:178
- الأعراف 7:179
- الأعراف 7:180
- الأعراف 7:181
- الأعراف 7:182
- الأعراف 7:183
- الأعراف 7:184
- الأعراف 7:185
- الأعراف 7:186
الأعراف 7:115
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿وَجاءَ السَحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لأجْرًا إنَّ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ ﴿قالَ ألْقُوا فَلَمّا ألْقُوا سَحَرُوا أعْيُنَ الناسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾
الساحِرُ كانَ عِنْدَهم في ذَلِكَ الزَمَنِ أعْلى المَراتِبِ وأعْظَمَ الرِجالِ، ولَكِنَّ وصْفَهم مُوسى بِذَلِكَ مَعَ مُدافَعَتِهِمْ لَهُ عَنِ النُبُوَّةِ ذَمٌّ عَظِيمٌ وحَطٌّ، وذَلِكَ قَصَدُوا إنْ لَمْ يُمْكِنْهم أكْثَرَ، وقَوْلُهُمْ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ يَعْنُونَ بِأنَّهُ يَحْكُمُ فِيكم بِنَقْلِ رَعِيَّتِكم في بَنِي إسْرائِيلَ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى خَرابِ دِيارِكم إذا ذَهَبَ الخَدَمَةُ والعُمَرَةُ، وأيْضًا فَلا مَحالَةَ أنَّهم خافُوا أنْ يُقاتِلَهُمْ، وجالَتْ ظُنُونُهم في كُلِّ مَجالٍ، وقالَ النَقّاشُ: كانُوا يَأْخُذُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَرْجًا كالجِزْيَةِ فَرَأوا أنَّ مُلْكَهم يَذْهَبُ بِزَوالِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ الظاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ المَلَإ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ لَهُمْ، ورَوى كَرَدْمٌ عن نافِعٍ "تَأْمُرُونِ" بِكَسْرِ النُونِ، وكَذَلِكَ في الشُعَراءِ. و"ما" اسْتِفْهامٌ، و"إذا" بِمَعْنى "الَّذِي"، فَهُما ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وِفي "تَأْمُرُونَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "الَّذِي" تَقْدِيرُهُ: تَأْمُرُونَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ "ماذا" بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ (p-١٦)بِـ "تَأْمُرُونَ" ولا يُضْمَرُ فِيهِ عَلى هَذا. قالَ الطَبَرِيُّ: والسِحْرُ مَأْخُوذٌ مِن: سَحَرَ المَطَرُ الأرْضَ إذا جادَّها حَتّى يَقْلِبَ نَباتَها ويَقْلَعَهُ مِن أُصُولِهِ، فَهو يَسْحَرُها سَحَرًا، والأرْضُ مَسْحُورَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما سَحَرَ المَطَرُ الطِينَ إذا أفْسَدَهُ حَتّى لا يُمْكِنَ فِيهِ عَمَلٌ، والسِحْرُ: الأخْذَةُ الَّتِي تَأْخُذُ العَيْنَ حَتّى تَرى الأمْرَ غَيْرَ ما هُوَ، ورُبَّما سَحَرَ الذِهْنَ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ وساحِرَةُ السَرابِ مِنَ المَوامِي ∗∗∗ تُرَقَّصُ في نَواشِزِها الأُرُومُ
أرادَ: أنَّهُ يُخَيِّلُ نَفْسَهُ ماءً لِلْعُيُونِ.
ثُمَّ أشارَ المَلَأُ عَلى فِرْعَوْنَ بِأنْ يُؤَخِّرَ مُوسى وهارُونَ ويَدَعَ النَظَرَ في أمْرِهِما ويَجْمَعَ السَحَرَةَ مِن كُلِّ مَكانٍ حَتّى تَكُونَ غَلَبَةُ مُوسى بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ مَعْلُومَةٍ بَيِّنَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "أرْجِئْهُو" بِواوٍ بَعْدَ الهاءِ المَضْمُومَةِ وبِالهَمْزِ قَبْلَ الهاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "أرْجِئْهُ" بِالهَمْزِ دُونَ واوٍ بَعْدَها، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ في رِوايَةِ قالُونَ: "أرْجِهِ" بِكَسْرِ الهاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أخِّرْهُ فَسَهَّلَ الهَمْزَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الرَجا بِمَعْنى: أطْعِمْهُ ورَجِّهِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، وقَرَأ ورْشٌ عن نافِعٍ: "أرْجِهِي" بِياءٍ بَعْدَ كَسْرَةِ الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أرْجِئْهِ" بِكَسْرِ الهاءِ وبِهَمْزَةٍ قَبْلَها. قالَ الفارِسِيُّ: وهَذا غَلَطٌ. وقَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ: "أرْجِهُ" بِضَمِّ الهاءِ دُونَ هَمْزٍ، ورَوى أبانُ عن (p-١٧)عاصِمٍ: "أرْجِهْ" بِسُكُونِ الهاءِ، وهي لُغَةٌ تَقِفُ عَلى هاءِ الكِنايَةِ إذا تَحَرَّكَ ما قَبْلَها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ أنْحى عَلَيَّ الدَهْرُ رَجُلًا ويَدًا ∗∗∗ ∗∗∗ يُقْسِمُ لا أُصْلِحُ إلّا أفْسَدا
فَيَصْلِحُ اليَوْمَ ويُفْسِدُ غَدا.
وقالَ الآخَرُ:
؎ لَمّا رَأى أنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعْ ∗∗∗ ∗∗∗ مالَ إلى أرْطاةِ حِقْفٍ فاضْطَجَعْ
وحَكى النَقّاشُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُجالِسُ فِرْعَوْنَ ولَدُ غِيَّةٍ وإنَّما كانُوا أشْرافًا، ولِذَلِكَ أشارُوا بِالإرْجاءِ ولَمْ يُشِيرُوا بِالقَتْلِ وقالُوا: إنْ قَتَلْتَهُ دَخَلَتْ عَلى الناسِ شُبْهَةٌ، ولَكِنِ اغْلِبْهُ بِالحُجَّةِ. و"المَدائِنُ" جَمْعُ مَدِينَةٍ، وزْنُها فَعَيْلَةٍ مِن مَدَنَ، أو مُفْعِلَةٌ مَن دانَ يَدِينُ، وعَلى هَذا يُهْمَزُ مَدائِنُ أو لا يُهْمَزُ، و"حاشِرِينَ" مَعْناهُ: جامِعِينَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: وهُمُ الشُرَطُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "بِكُلِّ ساحِرٍ"، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "بِكُلِّ سَحّارٍ" عَلى بِناءِ المُبالِغَةِ، وكَذَلِكَ في سُورَةِ يُونُسَ، وأجْمَعُوا عَلى "سَحّارٍ" في سُورَةِ الشُعَراءِ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى (p-١٨)الإرْجاءِ الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ: السَجْنُ والحَبْسُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ السَحَرَةُ﴾ الآيَةُ، هُنا مَحْذُوفاتٌ يَقْتَضِيها ظاهِرُ الكَلامِ، وهي أنَّهُ بَعَثَ إلى السَحَرَةِ وأمَرَهم بِالمَجِيءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: أنَّهُ بَعَثَ غِلْمانًا فَعَلَّمُوا بِالفَرَما
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "إنَّ لَنا لَأجْرًا" عَلى جِهَةِ الخَبَرِ، وقَرَأُوا في الشُعَراءِ: "آنَّ لَنا" مَمْدُودَةً مَفْتُوحَةَ الألْفِ غَيْرَ عاصِمٍ، فَإنَّهُ لا يَمُدُّها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ وحَذْفِ ألِفِها، وقَدْ قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: "أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ" ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:.
؎ أفْرَحُ أنْ أُرْزَأ الكِرامَ..... ∗∗∗ ∗∗∗...........................
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ هُنا وفي الشُعَراءِ: "آئِنَّ" بِألْفِ الِاسْتِفْهامِ قَبْلَ "إنَّ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أئِنَّ" دُونَ مَدٍّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو هُنا وفي الشُعَراءِ: "أيِنَّ".
(p-١٩)والأجْرُ هُنا: الأُجْرَةُ، فاقْتَرَحُوها إنْ غَلَبُوا، فَأنْعَمَ فِرْعَوْنُ لَهم بِها وزادُهُمُ المَنزِلَةَ والجاهَ، ومَعْناهُ: المُقَرَّبِينَ مِنِّي، ورُوِيَ أنَّ السَحَرَةَ الَّذِينَ جاءُوا إلى فِرْعَوْنَ كانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانُوا تِسْعَمِائَةٍ، وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّهم كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ رَجُلًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: كانُوا سَبْعِينَ ألْفًا، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْذِرِ: كانُوا ثَمانِينَ ألْفًا، وقالَ السُدِّيُّ: مِائَتَيْ ألْفٍ ونَيِّفًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الأقْوالُ لَيْسَ لَها سَنَدٌ يَتَوَقَّفُ عِنْدَهُ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وقالَ السُدِّيُّ: كانُوا بِضْعَةُ وثَلاثِينَ ألْفَ رَجُلٍ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ حَبْلٌ وعَصًا، وقالَ أبُو ثُمامَةَ: كانُوا سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ الآيَةُ. "أنْ" في قَوْلِهِ: "إمّا أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: إمّا هو الإلْقاءُ. وخَيَّرَ السَحَرَةُ مُوسى في أنْ يَتَقَدَّمَ في الإلْقاءِ أو يَتَأخَّرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا فِعْلُ المُدِلِّ الواثِقِ بِنَفْسِهِ، والظاهِرُ أنَّ التَقَدُّمَ في التَخَيُّلاتِ والمَخارِقِ والحُجَجِ، لِأنَّ بَدِيلَتَها تَمْضِي بِالنَفْسِ، فَلِيُظْهِرَ اللهُ أمْرَ نُبُوَّةِ مُوسى قَوّى نَفْسَهُ ويَقِينَهُ، ووَثَقَ بِالحَقِّ فَأعْطاهُمُ التَقَدُّمُ، فَنَشِطُوا وسُرُّوا حَتّى أظْهَرَ اللهُ الحَقَّ وأبْطَلَ سَعْيَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ الناسِ﴾ نَصٌّ في أنَّ لَهم فِعْلًا ما زائِدًا عَلى ما يُحَدِثُونَهُ مِنَ التَزْيِيفِ والآثارِ في العَصا وسائِرِ الأجْسامِ الَّتِي يَصْرِفُونَ فِيها صِناعَتَهم. و"اسْتَرْهَبُوهُمْ" بِمَعْنى: أرْهَبُوهُمْ، أيْ: أفْزَعُوهُمْ، فَكَأنَّ فِعْلَهُمُ اقْتَضى واسْتَدْعى الرَهْبَةَ مِنَ الناسِ، ووَصَفَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى سِحْرَهم بِالعِظَمِ، ومَعْنى ذَلِكَ: مِن كَثْرَتِهِ، ورُوِيَ أنَّهم جَلَبُوا ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ بَعِيرًا مُوقَرَةً بِالحِبالِ والعِصِيِّ فَلَمّا ألْقَوْها تَحَرَّكَتْ ومَلَأتِ الوادِيَ يَرْكَبُ بَعْضُها بَعْضًا، فاسْتَهْوَلَ الناسُ ذَلِكَ واسْتَرْهَبُوهُمْ، قالَ الزَجّاجُ: قِيلَ: إنَّهم جَعَلُوا فِيها الزِئْبَقَ فَكانَتْ لا تَسْتَقِرُّ.
الأعراف 7:116
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿وَجاءَ السَحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لأجْرًا إنَّ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ ﴿قالَ ألْقُوا فَلَمّا ألْقُوا سَحَرُوا أعْيُنَ الناسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾
الساحِرُ كانَ عِنْدَهم في ذَلِكَ الزَمَنِ أعْلى المَراتِبِ وأعْظَمَ الرِجالِ، ولَكِنَّ وصْفَهم مُوسى بِذَلِكَ مَعَ مُدافَعَتِهِمْ لَهُ عَنِ النُبُوَّةِ ذَمٌّ عَظِيمٌ وحَطٌّ، وذَلِكَ قَصَدُوا إنْ لَمْ يُمْكِنْهم أكْثَرَ، وقَوْلُهُمْ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ يَعْنُونَ بِأنَّهُ يَحْكُمُ فِيكم بِنَقْلِ رَعِيَّتِكم في بَنِي إسْرائِيلَ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى خَرابِ دِيارِكم إذا ذَهَبَ الخَدَمَةُ والعُمَرَةُ، وأيْضًا فَلا مَحالَةَ أنَّهم خافُوا أنْ يُقاتِلَهُمْ، وجالَتْ ظُنُونُهم في كُلِّ مَجالٍ، وقالَ النَقّاشُ: كانُوا يَأْخُذُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَرْجًا كالجِزْيَةِ فَرَأوا أنَّ مُلْكَهم يَذْهَبُ بِزَوالِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ الظاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ المَلَإ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ لَهُمْ، ورَوى كَرَدْمٌ عن نافِعٍ "تَأْمُرُونِ" بِكَسْرِ النُونِ، وكَذَلِكَ في الشُعَراءِ. و"ما" اسْتِفْهامٌ، و"إذا" بِمَعْنى "الَّذِي"، فَهُما ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وِفي "تَأْمُرُونَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "الَّذِي" تَقْدِيرُهُ: تَأْمُرُونَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ "ماذا" بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ (p-١٦)بِـ "تَأْمُرُونَ" ولا يُضْمَرُ فِيهِ عَلى هَذا. قالَ الطَبَرِيُّ: والسِحْرُ مَأْخُوذٌ مِن: سَحَرَ المَطَرُ الأرْضَ إذا جادَّها حَتّى يَقْلِبَ نَباتَها ويَقْلَعَهُ مِن أُصُولِهِ، فَهو يَسْحَرُها سَحَرًا، والأرْضُ مَسْحُورَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما سَحَرَ المَطَرُ الطِينَ إذا أفْسَدَهُ حَتّى لا يُمْكِنَ فِيهِ عَمَلٌ، والسِحْرُ: الأخْذَةُ الَّتِي تَأْخُذُ العَيْنَ حَتّى تَرى الأمْرَ غَيْرَ ما هُوَ، ورُبَّما سَحَرَ الذِهْنَ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ وساحِرَةُ السَرابِ مِنَ المَوامِي ∗∗∗ تُرَقَّصُ في نَواشِزِها الأُرُومُ
أرادَ: أنَّهُ يُخَيِّلُ نَفْسَهُ ماءً لِلْعُيُونِ.
ثُمَّ أشارَ المَلَأُ عَلى فِرْعَوْنَ بِأنْ يُؤَخِّرَ مُوسى وهارُونَ ويَدَعَ النَظَرَ في أمْرِهِما ويَجْمَعَ السَحَرَةَ مِن كُلِّ مَكانٍ حَتّى تَكُونَ غَلَبَةُ مُوسى بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ مَعْلُومَةٍ بَيِّنَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "أرْجِئْهُو" بِواوٍ بَعْدَ الهاءِ المَضْمُومَةِ وبِالهَمْزِ قَبْلَ الهاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "أرْجِئْهُ" بِالهَمْزِ دُونَ واوٍ بَعْدَها، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ في رِوايَةِ قالُونَ: "أرْجِهِ" بِكَسْرِ الهاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أخِّرْهُ فَسَهَّلَ الهَمْزَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الرَجا بِمَعْنى: أطْعِمْهُ ورَجِّهِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، وقَرَأ ورْشٌ عن نافِعٍ: "أرْجِهِي" بِياءٍ بَعْدَ كَسْرَةِ الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أرْجِئْهِ" بِكَسْرِ الهاءِ وبِهَمْزَةٍ قَبْلَها. قالَ الفارِسِيُّ: وهَذا غَلَطٌ. وقَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ: "أرْجِهُ" بِضَمِّ الهاءِ دُونَ هَمْزٍ، ورَوى أبانُ عن (p-١٧)عاصِمٍ: "أرْجِهْ" بِسُكُونِ الهاءِ، وهي لُغَةٌ تَقِفُ عَلى هاءِ الكِنايَةِ إذا تَحَرَّكَ ما قَبْلَها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ أنْحى عَلَيَّ الدَهْرُ رَجُلًا ويَدًا ∗∗∗ ∗∗∗ يُقْسِمُ لا أُصْلِحُ إلّا أفْسَدا
فَيَصْلِحُ اليَوْمَ ويُفْسِدُ غَدا.
وقالَ الآخَرُ:
؎ لَمّا رَأى أنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعْ ∗∗∗ ∗∗∗ مالَ إلى أرْطاةِ حِقْفٍ فاضْطَجَعْ
وحَكى النَقّاشُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُجالِسُ فِرْعَوْنَ ولَدُ غِيَّةٍ وإنَّما كانُوا أشْرافًا، ولِذَلِكَ أشارُوا بِالإرْجاءِ ولَمْ يُشِيرُوا بِالقَتْلِ وقالُوا: إنْ قَتَلْتَهُ دَخَلَتْ عَلى الناسِ شُبْهَةٌ، ولَكِنِ اغْلِبْهُ بِالحُجَّةِ. و"المَدائِنُ" جَمْعُ مَدِينَةٍ، وزْنُها فَعَيْلَةٍ مِن مَدَنَ، أو مُفْعِلَةٌ مَن دانَ يَدِينُ، وعَلى هَذا يُهْمَزُ مَدائِنُ أو لا يُهْمَزُ، و"حاشِرِينَ" مَعْناهُ: جامِعِينَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: وهُمُ الشُرَطُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "بِكُلِّ ساحِرٍ"، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "بِكُلِّ سَحّارٍ" عَلى بِناءِ المُبالِغَةِ، وكَذَلِكَ في سُورَةِ يُونُسَ، وأجْمَعُوا عَلى "سَحّارٍ" في سُورَةِ الشُعَراءِ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى (p-١٨)الإرْجاءِ الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ: السَجْنُ والحَبْسُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ السَحَرَةُ﴾ الآيَةُ، هُنا مَحْذُوفاتٌ يَقْتَضِيها ظاهِرُ الكَلامِ، وهي أنَّهُ بَعَثَ إلى السَحَرَةِ وأمَرَهم بِالمَجِيءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: أنَّهُ بَعَثَ غِلْمانًا فَعَلَّمُوا بِالفَرَما
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "إنَّ لَنا لَأجْرًا" عَلى جِهَةِ الخَبَرِ، وقَرَأُوا في الشُعَراءِ: "آنَّ لَنا" مَمْدُودَةً مَفْتُوحَةَ الألْفِ غَيْرَ عاصِمٍ، فَإنَّهُ لا يَمُدُّها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ وحَذْفِ ألِفِها، وقَدْ قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: "أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ" ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:.
؎ أفْرَحُ أنْ أُرْزَأ الكِرامَ..... ∗∗∗ ∗∗∗...........................
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ هُنا وفي الشُعَراءِ: "آئِنَّ" بِألْفِ الِاسْتِفْهامِ قَبْلَ "إنَّ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أئِنَّ" دُونَ مَدٍّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو هُنا وفي الشُعَراءِ: "أيِنَّ".
(p-١٩)والأجْرُ هُنا: الأُجْرَةُ، فاقْتَرَحُوها إنْ غَلَبُوا، فَأنْعَمَ فِرْعَوْنُ لَهم بِها وزادُهُمُ المَنزِلَةَ والجاهَ، ومَعْناهُ: المُقَرَّبِينَ مِنِّي، ورُوِيَ أنَّ السَحَرَةَ الَّذِينَ جاءُوا إلى فِرْعَوْنَ كانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانُوا تِسْعَمِائَةٍ، وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّهم كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ رَجُلًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: كانُوا سَبْعِينَ ألْفًا، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْذِرِ: كانُوا ثَمانِينَ ألْفًا، وقالَ السُدِّيُّ: مِائَتَيْ ألْفٍ ونَيِّفًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الأقْوالُ لَيْسَ لَها سَنَدٌ يَتَوَقَّفُ عِنْدَهُ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وقالَ السُدِّيُّ: كانُوا بِضْعَةُ وثَلاثِينَ ألْفَ رَجُلٍ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ حَبْلٌ وعَصًا، وقالَ أبُو ثُمامَةَ: كانُوا سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ الآيَةُ. "أنْ" في قَوْلِهِ: "إمّا أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: إمّا هو الإلْقاءُ. وخَيَّرَ السَحَرَةُ مُوسى في أنْ يَتَقَدَّمَ في الإلْقاءِ أو يَتَأخَّرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا فِعْلُ المُدِلِّ الواثِقِ بِنَفْسِهِ، والظاهِرُ أنَّ التَقَدُّمَ في التَخَيُّلاتِ والمَخارِقِ والحُجَجِ، لِأنَّ بَدِيلَتَها تَمْضِي بِالنَفْسِ، فَلِيُظْهِرَ اللهُ أمْرَ نُبُوَّةِ مُوسى قَوّى نَفْسَهُ ويَقِينَهُ، ووَثَقَ بِالحَقِّ فَأعْطاهُمُ التَقَدُّمُ، فَنَشِطُوا وسُرُّوا حَتّى أظْهَرَ اللهُ الحَقَّ وأبْطَلَ سَعْيَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ الناسِ﴾ نَصٌّ في أنَّ لَهم فِعْلًا ما زائِدًا عَلى ما يُحَدِثُونَهُ مِنَ التَزْيِيفِ والآثارِ في العَصا وسائِرِ الأجْسامِ الَّتِي يَصْرِفُونَ فِيها صِناعَتَهم. و"اسْتَرْهَبُوهُمْ" بِمَعْنى: أرْهَبُوهُمْ، أيْ: أفْزَعُوهُمْ، فَكَأنَّ فِعْلَهُمُ اقْتَضى واسْتَدْعى الرَهْبَةَ مِنَ الناسِ، ووَصَفَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى سِحْرَهم بِالعِظَمِ، ومَعْنى ذَلِكَ: مِن كَثْرَتِهِ، ورُوِيَ أنَّهم جَلَبُوا ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ بَعِيرًا مُوقَرَةً بِالحِبالِ والعِصِيِّ فَلَمّا ألْقَوْها تَحَرَّكَتْ ومَلَأتِ الوادِيَ يَرْكَبُ بَعْضُها بَعْضًا، فاسْتَهْوَلَ الناسُ ذَلِكَ واسْتَرْهَبُوهُمْ، قالَ الزَجّاجُ: قِيلَ: إنَّهم جَعَلُوا فِيها الزِئْبَقَ فَكانَتْ لا تَسْتَقِرُّ.
الأعراف 7:117
(p-٢٠)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَأوحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ ﴿وَأُلْقِيَ السَحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾
"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "أوحَيْنا" أيْ بِأنْ ألْقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى "أيْ"، فَلا يَكُونُ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ.
ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا كانَ يَوْمُ الجَمْعِ، خَرَجَ مُتَّكِئًا عَلى عَصاهُ ويَدُهُ في يَدِ أخِيهِ، وقَدْ صَفَّ لَهُ السَحَرَةُ في عَدَدٍ عَظِيمٍ حَسَبَما ذُكِرَ، فَلَمّا ألْقَوْا واسْتَرْهَبُوا أوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ، فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ، فَعَظُمَ حَتّى كانَ كالجَبَلِ، وقِيلَ: إنَّهُ طالَ حَتّى جازَ النِيلَ، وقِيلَ: كانَ الجَمْعُ بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ وطالَ حَتّى جازَ مَدِينَةَ البُحَيْرَةِ، وقِيلَ: كانَ الجَمْعُ بِمِصْرَ وإنَّهُ طالَ حَتّى جازَ بِذَنَبِهِ بَحْرَ القُلْزُمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ مِنَ الصَوابِ مُفْرِطُ الإغْراقِ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، ورُوِيَ أنَّ السَحَرَةَ لَمّا ألْقَوْا وألْقى مُوسى عَصاهُ جَعَلُوا يَرْقُونَ، وجَعَلَتْ حِبالُهم وعِصِيُّهم تَعْظُمُ، وجَعَلَتْ عَصا مُوسى تَعْظُمُ حَتّى سَدَّتِ الأُفُقَ وابْتَلَعَتِ الكُلَّ ورَجَعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عَصًا فَعِنْدَها آمَنَ السَحَرَةُ. ورُوِيَ أنَّ عَصا مُوسى كانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِما السَلامُ، وكانَتْ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: كانَتْ مِنَ العَيْنِ الَّذِي في وسَطِ ورَقِ الرَيْحانِ، وقِيلَ: كانَتْ غُصْنًا مِنَ الخُبَّيْزِ، وقِيلَ: كانَتْ لَها شُعْبَتانِ، وقِيلَ: كانَتْ عَصا الأنْبِياءِ مُخْتَزَنَةً عِنْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَمّا اسْتَرْعى مُوسى، قالَ لَهُ: اذْهَبْ فَخُذْ عَصًا فَذَهَبَ إلى البَيْتِ فَطارَتْ هَذِهِ إلى يَدِهِ، فَأمَرَهُ شُعَيْبٌ بَرَدِّها وأخْذِ غَيْرِها فَفَعَلَ فَطارَتْ هي إلى يَدِهِ، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ (p-٢١)شُعَيْبًا فَتَرَكَها لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ دَفَعَ العَصا إلى مُوسى في طَرِيقِ مَدْيَنَ.
و"تَلْقَفُ" مَعْناهُ: تَبْتَلِعُ وتَزْدَرِدُ، و"ما يَأْفِكُونَ" مَعْناهُ: ما صَوَّرُوا فِيهِ إفْكَهم وكَذِبَهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَلَقَّفُ"، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "تَلْقَفُ" بِسُكُونِ اللامِ وفَتْحِ القافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "تَّلَقَّفُ" بِتَشْدِيدِ التاءِ عَلى إدْغامِ التاءِ مِن "تَتَلَقَّفُ"، وهَذِهِ القِراءَةُ لا تَتَرَتَّبُ إلّا في الوَصْلِ، وأمّا في الِابْتِداءِ في الفِعْلِ فَلا يُمْكِنُ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "تَلْقَمُ" بِالمِيمِ، أيْ تَبْتَلِعُ كاللُقْمَةِ.
ورُوِيَ أنَّ الثُعْبانَ اسْتَوْفى تِلْكَ الحِبال والعَصِيَّ أكْلًا وأعْدَمَها اللهُ عَزَّ وجَلَّ، ومَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى فَمِهِ فَعادَ عَصًا كَما كانَ، فَعَلِمَ السَحَرَةُ حِينَئِذٍ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن عِنْدِ البَشَرِ فَخَرُّوا سُجَّدًا مُؤْمِنِينَ بِاللهِ ورَسُولِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ الآيَةُ، "وَقَعَ" مَعْناهُ: نَزَلَ ووُجِدَ، و"الحَقُّ" يُرِيدُ بِهِ سُطُوعَ البُرْهانِ وظُهُورَ الإعْجازِ واسْتِمْرارَ التَحَدِّي إلى الدِينِ عَلى جَمِيعِ العالَمِ، و﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ سِحْرَ السَحَرَةِ وسَعْيَ فِرْعَوْنَ وشِيعَتِهِ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فَغُلِبُوا" عائِدٌ عَلى جَمِيعِهِمْ مِن سَحَرَةٍ ومِن سَعْيِ فِرْعَوْنَ وشِيعَتِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ إنْ قَدَّرْنا انْقِلابَ الجَمْعِ قَبْلَ إيمانِ السَحَرَةِ فَهم في الضَمِيرِ، وإنْ قَدَّرْناهُ بَعْدَ إيمانِهِمْ، فَلَيْسُوا في الضَمِيرِ، ولا لَحِقَهم صَغارٌ يَصِفُهُمُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا واسْتُشْهِدُوا رَضِيَ اللهُ عنهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ الآياتُ، لَمّا رَأى السَحَرَةُ مِن عَظِيمِ القُدْرَةِ ما تَيَقَّنُوا بِهِ نُبُوَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ، وانْضافَ إلى ذَلِكَ الِاسْتِهْوالُ والِاسْتِعْظامُ والفَزَعُ مِن قُدْرَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فَخَرُّوا سُجَّدًا لِلَّهِ تَعالى مُتَطارِحِينَ، وآمَنُوا نُطْقًا بِألْسِنَتِهِمْ، وتَبَيُّنُهُمُ الرَبَّ بِذِكْرِ مُوسى وهارُونَ زَوالٌ عن رُبُوبِيَّةِ فِرْعَوْنَ وما كانَ يَتَوَهَّمُ فِيهِ الجُهّالُ مِن أنَّهُ رَبُّ الناسِ، وهارُونُ أخُو مُوسى أسَنُّ مِنهُ بِثَلاثِ سِنِينَ.
(p-٢٢)وَقَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى وهَنِ أمْرِهِ، لِأنَّهُ إنَّما جَعَلَ ذَنْبَهم مُفارَقَةَ الإذْنِ ولَمْ يَجْعَلْهُ نَفْسَ الإيمانِ إلّا بِشَرْطٍ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عنهُ في كُلِّ القُرْآنِ: "أمَنتُمْ" عَلى الخَبَرِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "آمَنتُمْ" بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وكَذَلِكَ في طَهَ والشُعَراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ في الثَلاثَةِ مَواضِعَ: "أآمَنتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ الثانِيَةُ مَمْدُودَةٌ، ورَواها الأعْمَشُ عن أبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ أبِي الإخْرِيطِ عنهُ: "وَآمَنتُمْ" وهي عَلى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ إلّا أنَّهُ سَهَّلَها واوًا فَأجْرى المُنْفَصِلَ مَجْرى المُتَّصِلِ في قَوْلِهِمْ "تُوَدَةٌ" في "تُؤَدَةٍ"، وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ القَوّاسِ: "وَآمَنتُمْ" وهي عَلى القِراءَةِ بِالهَمْزَتَيْنِ "أآمَنتُمْ" إلّا أنَّهُ سَهَّلَ ألِفَ الِاسْتِفْهامِ واوًا، وتَرَكَ ألِفَ أفَعَلْتُمْ عَلى ما هي عَلَيْهِ.
والضَمِيرُ في "بِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وعَنَّفَهم فِرْعَوْنُ عَلى الإيمانِ قَبْلَ إذْنِهِ ثُمَّ ألْزَمُهم أنَّ هَذا كانَ عَلى اتِّفاقٍ مِنهُمْ، ورُوِيَ في ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهم أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ اجْتَمَعَ مَعَ رَئِيسِ السَحَرَةِ واسْمُهُ شَمْعُونُ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكم أتُؤْمِنُونَ بِي؟ فَقالَ لَهُ: نَعَمْ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ فِرْعَوْنُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ ثُمَّ قالَ لِلسَّحَرَةِ: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكُمْ﴾ الآيَةُ، فَرَجَعَ فِرْعَوْنُ في مَقالَتِهِ هَذِهِ إلى الخِذْلانِ والغُشْمِ وعادَةِ مُلُوكِ السُوءِ إذا غُولِبُوا.
وقَرَأ حُمَيْدٌ المَكِّيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ: "لَأقْطَعَنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والطاءِ وإسْكانِ القافِ، "وَلَأصْلُبَنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الصادِ وضَمِّ اللامِ، ورُوِيَ بِكَسْرِها، و"مِن خِلافٍ" مَعْناهُ: يُمْنى ويُسْرى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والظاهِرُ مِن هَذِهِ الآياتِ أنَّ فِرْعَوْنَ تَوَعَّدَ، ولَيْسَ في القُرْآنِ نَصٌّ عَلى أنَّهُ أنْفَذَ ذَلِكَ وأوقَعَهُ، ولَكِنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ صَلَبَ بَعْضَهم وقَطَعَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فِرْعَوْنُ أوَّلُ مَن صَلَبَ وقَطَعَ مِن خِلافٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ فِيهِمْ: أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ، وأمّا التَوَعُّدُ فَلِجَمِيعِهِمْ.
الأعراف 7:118
(p-٢٠)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَأوحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ ﴿وَأُلْقِيَ السَحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾
"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "أوحَيْنا" أيْ بِأنْ ألْقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى "أيْ"، فَلا يَكُونُ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ.
ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا كانَ يَوْمُ الجَمْعِ، خَرَجَ مُتَّكِئًا عَلى عَصاهُ ويَدُهُ في يَدِ أخِيهِ، وقَدْ صَفَّ لَهُ السَحَرَةُ في عَدَدٍ عَظِيمٍ حَسَبَما ذُكِرَ، فَلَمّا ألْقَوْا واسْتَرْهَبُوا أوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ، فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ، فَعَظُمَ حَتّى كانَ كالجَبَلِ، وقِيلَ: إنَّهُ طالَ حَتّى جازَ النِيلَ، وقِيلَ: كانَ الجَمْعُ بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ وطالَ حَتّى جازَ مَدِينَةَ البُحَيْرَةِ، وقِيلَ: كانَ الجَمْعُ بِمِصْرَ وإنَّهُ طالَ حَتّى جازَ بِذَنَبِهِ بَحْرَ القُلْزُمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ مِنَ الصَوابِ مُفْرِطُ الإغْراقِ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، ورُوِيَ أنَّ السَحَرَةَ لَمّا ألْقَوْا وألْقى مُوسى عَصاهُ جَعَلُوا يَرْقُونَ، وجَعَلَتْ حِبالُهم وعِصِيُّهم تَعْظُمُ، وجَعَلَتْ عَصا مُوسى تَعْظُمُ حَتّى سَدَّتِ الأُفُقَ وابْتَلَعَتِ الكُلَّ ورَجَعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عَصًا فَعِنْدَها آمَنَ السَحَرَةُ. ورُوِيَ أنَّ عَصا مُوسى كانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِما السَلامُ، وكانَتْ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: كانَتْ مِنَ العَيْنِ الَّذِي في وسَطِ ورَقِ الرَيْحانِ، وقِيلَ: كانَتْ غُصْنًا مِنَ الخُبَّيْزِ، وقِيلَ: كانَتْ لَها شُعْبَتانِ، وقِيلَ: كانَتْ عَصا الأنْبِياءِ مُخْتَزَنَةً عِنْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَمّا اسْتَرْعى مُوسى، قالَ لَهُ: اذْهَبْ فَخُذْ عَصًا فَذَهَبَ إلى البَيْتِ فَطارَتْ هَذِهِ إلى يَدِهِ، فَأمَرَهُ شُعَيْبٌ بَرَدِّها وأخْذِ غَيْرِها فَفَعَلَ فَطارَتْ هي إلى يَدِهِ، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ (p-٢١)شُعَيْبًا فَتَرَكَها لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ دَفَعَ العَصا إلى مُوسى في طَرِيقِ مَدْيَنَ.
و"تَلْقَفُ" مَعْناهُ: تَبْتَلِعُ وتَزْدَرِدُ، و"ما يَأْفِكُونَ" مَعْناهُ: ما صَوَّرُوا فِيهِ إفْكَهم وكَذِبَهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَلَقَّفُ"، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "تَلْقَفُ" بِسُكُونِ اللامِ وفَتْحِ القافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "تَّلَقَّفُ" بِتَشْدِيدِ التاءِ عَلى إدْغامِ التاءِ مِن "تَتَلَقَّفُ"، وهَذِهِ القِراءَةُ لا تَتَرَتَّبُ إلّا في الوَصْلِ، وأمّا في الِابْتِداءِ في الفِعْلِ فَلا يُمْكِنُ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "تَلْقَمُ" بِالمِيمِ، أيْ تَبْتَلِعُ كاللُقْمَةِ.
ورُوِيَ أنَّ الثُعْبانَ اسْتَوْفى تِلْكَ الحِبال والعَصِيَّ أكْلًا وأعْدَمَها اللهُ عَزَّ وجَلَّ، ومَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى فَمِهِ فَعادَ عَصًا كَما كانَ، فَعَلِمَ السَحَرَةُ حِينَئِذٍ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن عِنْدِ البَشَرِ فَخَرُّوا سُجَّدًا مُؤْمِنِينَ بِاللهِ ورَسُولِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ الآيَةُ، "وَقَعَ" مَعْناهُ: نَزَلَ ووُجِدَ، و"الحَقُّ" يُرِيدُ بِهِ سُطُوعَ البُرْهانِ وظُهُورَ الإعْجازِ واسْتِمْرارَ التَحَدِّي إلى الدِينِ عَلى جَمِيعِ العالَمِ، و﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ سِحْرَ السَحَرَةِ وسَعْيَ فِرْعَوْنَ وشِيعَتِهِ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فَغُلِبُوا" عائِدٌ عَلى جَمِيعِهِمْ مِن سَحَرَةٍ ومِن سَعْيِ فِرْعَوْنَ وشِيعَتِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ إنْ قَدَّرْنا انْقِلابَ الجَمْعِ قَبْلَ إيمانِ السَحَرَةِ فَهم في الضَمِيرِ، وإنْ قَدَّرْناهُ بَعْدَ إيمانِهِمْ، فَلَيْسُوا في الضَمِيرِ، ولا لَحِقَهم صَغارٌ يَصِفُهُمُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا واسْتُشْهِدُوا رَضِيَ اللهُ عنهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ الآياتُ، لَمّا رَأى السَحَرَةُ مِن عَظِيمِ القُدْرَةِ ما تَيَقَّنُوا بِهِ نُبُوَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ، وانْضافَ إلى ذَلِكَ الِاسْتِهْوالُ والِاسْتِعْظامُ والفَزَعُ مِن قُدْرَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فَخَرُّوا سُجَّدًا لِلَّهِ تَعالى مُتَطارِحِينَ، وآمَنُوا نُطْقًا بِألْسِنَتِهِمْ، وتَبَيُّنُهُمُ الرَبَّ بِذِكْرِ مُوسى وهارُونَ زَوالٌ عن رُبُوبِيَّةِ فِرْعَوْنَ وما كانَ يَتَوَهَّمُ فِيهِ الجُهّالُ مِن أنَّهُ رَبُّ الناسِ، وهارُونُ أخُو مُوسى أسَنُّ مِنهُ بِثَلاثِ سِنِينَ.
(p-٢٢)وَقَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى وهَنِ أمْرِهِ، لِأنَّهُ إنَّما جَعَلَ ذَنْبَهم مُفارَقَةَ الإذْنِ ولَمْ يَجْعَلْهُ نَفْسَ الإيمانِ إلّا بِشَرْطٍ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عنهُ في كُلِّ القُرْآنِ: "أمَنتُمْ" عَلى الخَبَرِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "آمَنتُمْ" بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وكَذَلِكَ في طَهَ والشُعَراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ في الثَلاثَةِ مَواضِعَ: "أآمَنتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ الثانِيَةُ مَمْدُودَةٌ، ورَواها الأعْمَشُ عن أبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ أبِي الإخْرِيطِ عنهُ: "وَآمَنتُمْ" وهي عَلى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ إلّا أنَّهُ سَهَّلَها واوًا فَأجْرى المُنْفَصِلَ مَجْرى المُتَّصِلِ في قَوْلِهِمْ "تُوَدَةٌ" في "تُؤَدَةٍ"، وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ القَوّاسِ: "وَآمَنتُمْ" وهي عَلى القِراءَةِ بِالهَمْزَتَيْنِ "أآمَنتُمْ" إلّا أنَّهُ سَهَّلَ ألِفَ الِاسْتِفْهامِ واوًا، وتَرَكَ ألِفَ أفَعَلْتُمْ عَلى ما هي عَلَيْهِ.
والضَمِيرُ في "بِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وعَنَّفَهم فِرْعَوْنُ عَلى الإيمانِ قَبْلَ إذْنِهِ ثُمَّ ألْزَمُهم أنَّ هَذا كانَ عَلى اتِّفاقٍ مِنهُمْ، ورُوِيَ في ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهم أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ اجْتَمَعَ مَعَ رَئِيسِ السَحَرَةِ واسْمُهُ شَمْعُونُ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكم أتُؤْمِنُونَ بِي؟ فَقالَ لَهُ: نَعَمْ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ فِرْعَوْنُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ ثُمَّ قالَ لِلسَّحَرَةِ: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكُمْ﴾ الآيَةُ، فَرَجَعَ فِرْعَوْنُ في مَقالَتِهِ هَذِهِ إلى الخِذْلانِ والغُشْمِ وعادَةِ مُلُوكِ السُوءِ إذا غُولِبُوا.
وقَرَأ حُمَيْدٌ المَكِّيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ: "لَأقْطَعَنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والطاءِ وإسْكانِ القافِ، "وَلَأصْلُبَنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الصادِ وضَمِّ اللامِ، ورُوِيَ بِكَسْرِها، و"مِن خِلافٍ" مَعْناهُ: يُمْنى ويُسْرى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والظاهِرُ مِن هَذِهِ الآياتِ أنَّ فِرْعَوْنَ تَوَعَّدَ، ولَيْسَ في القُرْآنِ نَصٌّ عَلى أنَّهُ أنْفَذَ ذَلِكَ وأوقَعَهُ، ولَكِنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ صَلَبَ بَعْضَهم وقَطَعَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فِرْعَوْنُ أوَّلُ مَن صَلَبَ وقَطَعَ مِن خِلافٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ فِيهِمْ: أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ، وأمّا التَوَعُّدُ فَلِجَمِيعِهِمْ.
الأعراف 7:119
(p-٢٠)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَأوحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ ﴿وَأُلْقِيَ السَحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾
"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "أوحَيْنا" أيْ بِأنْ ألْقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى "أيْ"، فَلا يَكُونُ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ.
ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا كانَ يَوْمُ الجَمْعِ، خَرَجَ مُتَّكِئًا عَلى عَصاهُ ويَدُهُ في يَدِ أخِيهِ، وقَدْ صَفَّ لَهُ السَحَرَةُ في عَدَدٍ عَظِيمٍ حَسَبَما ذُكِرَ، فَلَمّا ألْقَوْا واسْتَرْهَبُوا أوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ، فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ، فَعَظُمَ حَتّى كانَ كالجَبَلِ، وقِيلَ: إنَّهُ طالَ حَتّى جازَ النِيلَ، وقِيلَ: كانَ الجَمْعُ بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ وطالَ حَتّى جازَ مَدِينَةَ البُحَيْرَةِ، وقِيلَ: كانَ الجَمْعُ بِمِصْرَ وإنَّهُ طالَ حَتّى جازَ بِذَنَبِهِ بَحْرَ القُلْزُمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ مِنَ الصَوابِ مُفْرِطُ الإغْراقِ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، ورُوِيَ أنَّ السَحَرَةَ لَمّا ألْقَوْا وألْقى مُوسى عَصاهُ جَعَلُوا يَرْقُونَ، وجَعَلَتْ حِبالُهم وعِصِيُّهم تَعْظُمُ، وجَعَلَتْ عَصا مُوسى تَعْظُمُ حَتّى سَدَّتِ الأُفُقَ وابْتَلَعَتِ الكُلَّ ورَجَعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عَصًا فَعِنْدَها آمَنَ السَحَرَةُ. ورُوِيَ أنَّ عَصا مُوسى كانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِما السَلامُ، وكانَتْ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: كانَتْ مِنَ العَيْنِ الَّذِي في وسَطِ ورَقِ الرَيْحانِ، وقِيلَ: كانَتْ غُصْنًا مِنَ الخُبَّيْزِ، وقِيلَ: كانَتْ لَها شُعْبَتانِ، وقِيلَ: كانَتْ عَصا الأنْبِياءِ مُخْتَزَنَةً عِنْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَمّا اسْتَرْعى مُوسى، قالَ لَهُ: اذْهَبْ فَخُذْ عَصًا فَذَهَبَ إلى البَيْتِ فَطارَتْ هَذِهِ إلى يَدِهِ، فَأمَرَهُ شُعَيْبٌ بَرَدِّها وأخْذِ غَيْرِها فَفَعَلَ فَطارَتْ هي إلى يَدِهِ، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ (p-٢١)شُعَيْبًا فَتَرَكَها لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ دَفَعَ العَصا إلى مُوسى في طَرِيقِ مَدْيَنَ.
و"تَلْقَفُ" مَعْناهُ: تَبْتَلِعُ وتَزْدَرِدُ، و"ما يَأْفِكُونَ" مَعْناهُ: ما صَوَّرُوا فِيهِ إفْكَهم وكَذِبَهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَلَقَّفُ"، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "تَلْقَفُ" بِسُكُونِ اللامِ وفَتْحِ القافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "تَّلَقَّفُ" بِتَشْدِيدِ التاءِ عَلى إدْغامِ التاءِ مِن "تَتَلَقَّفُ"، وهَذِهِ القِراءَةُ لا تَتَرَتَّبُ إلّا في الوَصْلِ، وأمّا في الِابْتِداءِ في الفِعْلِ فَلا يُمْكِنُ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "تَلْقَمُ" بِالمِيمِ، أيْ تَبْتَلِعُ كاللُقْمَةِ.
ورُوِيَ أنَّ الثُعْبانَ اسْتَوْفى تِلْكَ الحِبال والعَصِيَّ أكْلًا وأعْدَمَها اللهُ عَزَّ وجَلَّ، ومَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى فَمِهِ فَعادَ عَصًا كَما كانَ، فَعَلِمَ السَحَرَةُ حِينَئِذٍ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن عِنْدِ البَشَرِ فَخَرُّوا سُجَّدًا مُؤْمِنِينَ بِاللهِ ورَسُولِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ الآيَةُ، "وَقَعَ" مَعْناهُ: نَزَلَ ووُجِدَ، و"الحَقُّ" يُرِيدُ بِهِ سُطُوعَ البُرْهانِ وظُهُورَ الإعْجازِ واسْتِمْرارَ التَحَدِّي إلى الدِينِ عَلى جَمِيعِ العالَمِ، و﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ سِحْرَ السَحَرَةِ وسَعْيَ فِرْعَوْنَ وشِيعَتِهِ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فَغُلِبُوا" عائِدٌ عَلى جَمِيعِهِمْ مِن سَحَرَةٍ ومِن سَعْيِ فِرْعَوْنَ وشِيعَتِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ إنْ قَدَّرْنا انْقِلابَ الجَمْعِ قَبْلَ إيمانِ السَحَرَةِ فَهم في الضَمِيرِ، وإنْ قَدَّرْناهُ بَعْدَ إيمانِهِمْ، فَلَيْسُوا في الضَمِيرِ، ولا لَحِقَهم صَغارٌ يَصِفُهُمُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا واسْتُشْهِدُوا رَضِيَ اللهُ عنهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ الآياتُ، لَمّا رَأى السَحَرَةُ مِن عَظِيمِ القُدْرَةِ ما تَيَقَّنُوا بِهِ نُبُوَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ، وانْضافَ إلى ذَلِكَ الِاسْتِهْوالُ والِاسْتِعْظامُ والفَزَعُ مِن قُدْرَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فَخَرُّوا سُجَّدًا لِلَّهِ تَعالى مُتَطارِحِينَ، وآمَنُوا نُطْقًا بِألْسِنَتِهِمْ، وتَبَيُّنُهُمُ الرَبَّ بِذِكْرِ مُوسى وهارُونَ زَوالٌ عن رُبُوبِيَّةِ فِرْعَوْنَ وما كانَ يَتَوَهَّمُ فِيهِ الجُهّالُ مِن أنَّهُ رَبُّ الناسِ، وهارُونُ أخُو مُوسى أسَنُّ مِنهُ بِثَلاثِ سِنِينَ.
(p-٢٢)وَقَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى وهَنِ أمْرِهِ، لِأنَّهُ إنَّما جَعَلَ ذَنْبَهم مُفارَقَةَ الإذْنِ ولَمْ يَجْعَلْهُ نَفْسَ الإيمانِ إلّا بِشَرْطٍ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عنهُ في كُلِّ القُرْآنِ: "أمَنتُمْ" عَلى الخَبَرِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "آمَنتُمْ" بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وكَذَلِكَ في طَهَ والشُعَراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ في الثَلاثَةِ مَواضِعَ: "أآمَنتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ الثانِيَةُ مَمْدُودَةٌ، ورَواها الأعْمَشُ عن أبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ أبِي الإخْرِيطِ عنهُ: "وَآمَنتُمْ" وهي عَلى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ إلّا أنَّهُ سَهَّلَها واوًا فَأجْرى المُنْفَصِلَ مَجْرى المُتَّصِلِ في قَوْلِهِمْ "تُوَدَةٌ" في "تُؤَدَةٍ"، وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ القَوّاسِ: "وَآمَنتُمْ" وهي عَلى القِراءَةِ بِالهَمْزَتَيْنِ "أآمَنتُمْ" إلّا أنَّهُ سَهَّلَ ألِفَ الِاسْتِفْهامِ واوًا، وتَرَكَ ألِفَ أفَعَلْتُمْ عَلى ما هي عَلَيْهِ.
والضَمِيرُ في "بِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وعَنَّفَهم فِرْعَوْنُ عَلى الإيمانِ قَبْلَ إذْنِهِ ثُمَّ ألْزَمُهم أنَّ هَذا كانَ عَلى اتِّفاقٍ مِنهُمْ، ورُوِيَ في ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهم أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ اجْتَمَعَ مَعَ رَئِيسِ السَحَرَةِ واسْمُهُ شَمْعُونُ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكم أتُؤْمِنُونَ بِي؟ فَقالَ لَهُ: نَعَمْ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ فِرْعَوْنُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ ثُمَّ قالَ لِلسَّحَرَةِ: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكُمْ﴾ الآيَةُ، فَرَجَعَ فِرْعَوْنُ في مَقالَتِهِ هَذِهِ إلى الخِذْلانِ والغُشْمِ وعادَةِ مُلُوكِ السُوءِ إذا غُولِبُوا.
وقَرَأ حُمَيْدٌ المَكِّيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ: "لَأقْطَعَنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والطاءِ وإسْكانِ القافِ، "وَلَأصْلُبَنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الصادِ وضَمِّ اللامِ، ورُوِيَ بِكَسْرِها، و"مِن خِلافٍ" مَعْناهُ: يُمْنى ويُسْرى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والظاهِرُ مِن هَذِهِ الآياتِ أنَّ فِرْعَوْنَ تَوَعَّدَ، ولَيْسَ في القُرْآنِ نَصٌّ عَلى أنَّهُ أنْفَذَ ذَلِكَ وأوقَعَهُ، ولَكِنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ صَلَبَ بَعْضَهم وقَطَعَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فِرْعَوْنُ أوَّلُ مَن صَلَبَ وقَطَعَ مِن خِلافٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ فِيهِمْ: أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ، وأمّا التَوَعُّدُ فَلِجَمِيعِهِمْ.
الأعراف 7:120
(p-٢٠)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَأوحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ ﴿وَأُلْقِيَ السَحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾
"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "أوحَيْنا" أيْ بِأنْ ألْقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى "أيْ"، فَلا يَكُونُ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ.
ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا كانَ يَوْمُ الجَمْعِ، خَرَجَ مُتَّكِئًا عَلى عَصاهُ ويَدُهُ في يَدِ أخِيهِ، وقَدْ صَفَّ لَهُ السَحَرَةُ في عَدَدٍ عَظِيمٍ حَسَبَما ذُكِرَ، فَلَمّا ألْقَوْا واسْتَرْهَبُوا أوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ، فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ، فَعَظُمَ حَتّى كانَ كالجَبَلِ، وقِيلَ: إنَّهُ طالَ حَتّى جازَ النِيلَ، وقِيلَ: كانَ الجَمْعُ بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ وطالَ حَتّى جازَ مَدِينَةَ البُحَيْرَةِ، وقِيلَ: كانَ الجَمْعُ بِمِصْرَ وإنَّهُ طالَ حَتّى جازَ بِذَنَبِهِ بَحْرَ القُلْزُمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ مِنَ الصَوابِ مُفْرِطُ الإغْراقِ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، ورُوِيَ أنَّ السَحَرَةَ لَمّا ألْقَوْا وألْقى مُوسى عَصاهُ جَعَلُوا يَرْقُونَ، وجَعَلَتْ حِبالُهم وعِصِيُّهم تَعْظُمُ، وجَعَلَتْ عَصا مُوسى تَعْظُمُ حَتّى سَدَّتِ الأُفُقَ وابْتَلَعَتِ الكُلَّ ورَجَعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عَصًا فَعِنْدَها آمَنَ السَحَرَةُ. ورُوِيَ أنَّ عَصا مُوسى كانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِما السَلامُ، وكانَتْ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: كانَتْ مِنَ العَيْنِ الَّذِي في وسَطِ ورَقِ الرَيْحانِ، وقِيلَ: كانَتْ غُصْنًا مِنَ الخُبَّيْزِ، وقِيلَ: كانَتْ لَها شُعْبَتانِ، وقِيلَ: كانَتْ عَصا الأنْبِياءِ مُخْتَزَنَةً عِنْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَمّا اسْتَرْعى مُوسى، قالَ لَهُ: اذْهَبْ فَخُذْ عَصًا فَذَهَبَ إلى البَيْتِ فَطارَتْ هَذِهِ إلى يَدِهِ، فَأمَرَهُ شُعَيْبٌ بَرَدِّها وأخْذِ غَيْرِها فَفَعَلَ فَطارَتْ هي إلى يَدِهِ، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ (p-٢١)شُعَيْبًا فَتَرَكَها لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ دَفَعَ العَصا إلى مُوسى في طَرِيقِ مَدْيَنَ.
و"تَلْقَفُ" مَعْناهُ: تَبْتَلِعُ وتَزْدَرِدُ، و"ما يَأْفِكُونَ" مَعْناهُ: ما صَوَّرُوا فِيهِ إفْكَهم وكَذِبَهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَلَقَّفُ"، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "تَلْقَفُ" بِسُكُونِ اللامِ وفَتْحِ القافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "تَّلَقَّفُ" بِتَشْدِيدِ التاءِ عَلى إدْغامِ التاءِ مِن "تَتَلَقَّفُ"، وهَذِهِ القِراءَةُ لا تَتَرَتَّبُ إلّا في الوَصْلِ، وأمّا في الِابْتِداءِ في الفِعْلِ فَلا يُمْكِنُ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "تَلْقَمُ" بِالمِيمِ، أيْ تَبْتَلِعُ كاللُقْمَةِ.
ورُوِيَ أنَّ الثُعْبانَ اسْتَوْفى تِلْكَ الحِبال والعَصِيَّ أكْلًا وأعْدَمَها اللهُ عَزَّ وجَلَّ، ومَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى فَمِهِ فَعادَ عَصًا كَما كانَ، فَعَلِمَ السَحَرَةُ حِينَئِذٍ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن عِنْدِ البَشَرِ فَخَرُّوا سُجَّدًا مُؤْمِنِينَ بِاللهِ ورَسُولِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ الآيَةُ، "وَقَعَ" مَعْناهُ: نَزَلَ ووُجِدَ، و"الحَقُّ" يُرِيدُ بِهِ سُطُوعَ البُرْهانِ وظُهُورَ الإعْجازِ واسْتِمْرارَ التَحَدِّي إلى الدِينِ عَلى جَمِيعِ العالَمِ، و﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ سِحْرَ السَحَرَةِ وسَعْيَ فِرْعَوْنَ وشِيعَتِهِ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فَغُلِبُوا" عائِدٌ عَلى جَمِيعِهِمْ مِن سَحَرَةٍ ومِن سَعْيِ فِرْعَوْنَ وشِيعَتِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ إنْ قَدَّرْنا انْقِلابَ الجَمْعِ قَبْلَ إيمانِ السَحَرَةِ فَهم في الضَمِيرِ، وإنْ قَدَّرْناهُ بَعْدَ إيمانِهِمْ، فَلَيْسُوا في الضَمِيرِ، ولا لَحِقَهم صَغارٌ يَصِفُهُمُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا واسْتُشْهِدُوا رَضِيَ اللهُ عنهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ الآياتُ، لَمّا رَأى السَحَرَةُ مِن عَظِيمِ القُدْرَةِ ما تَيَقَّنُوا بِهِ نُبُوَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ، وانْضافَ إلى ذَلِكَ الِاسْتِهْوالُ والِاسْتِعْظامُ والفَزَعُ مِن قُدْرَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فَخَرُّوا سُجَّدًا لِلَّهِ تَعالى مُتَطارِحِينَ، وآمَنُوا نُطْقًا بِألْسِنَتِهِمْ، وتَبَيُّنُهُمُ الرَبَّ بِذِكْرِ مُوسى وهارُونَ زَوالٌ عن رُبُوبِيَّةِ فِرْعَوْنَ وما كانَ يَتَوَهَّمُ فِيهِ الجُهّالُ مِن أنَّهُ رَبُّ الناسِ، وهارُونُ أخُو مُوسى أسَنُّ مِنهُ بِثَلاثِ سِنِينَ.
(p-٢٢)وَقَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى وهَنِ أمْرِهِ، لِأنَّهُ إنَّما جَعَلَ ذَنْبَهم مُفارَقَةَ الإذْنِ ولَمْ يَجْعَلْهُ نَفْسَ الإيمانِ إلّا بِشَرْطٍ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عنهُ في كُلِّ القُرْآنِ: "أمَنتُمْ" عَلى الخَبَرِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "آمَنتُمْ" بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وكَذَلِكَ في طَهَ والشُعَراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ في الثَلاثَةِ مَواضِعَ: "أآمَنتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ الثانِيَةُ مَمْدُودَةٌ، ورَواها الأعْمَشُ عن أبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ أبِي الإخْرِيطِ عنهُ: "وَآمَنتُمْ" وهي عَلى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ إلّا أنَّهُ سَهَّلَها واوًا فَأجْرى المُنْفَصِلَ مَجْرى المُتَّصِلِ في قَوْلِهِمْ "تُوَدَةٌ" في "تُؤَدَةٍ"، وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ القَوّاسِ: "وَآمَنتُمْ" وهي عَلى القِراءَةِ بِالهَمْزَتَيْنِ "أآمَنتُمْ" إلّا أنَّهُ سَهَّلَ ألِفَ الِاسْتِفْهامِ واوًا، وتَرَكَ ألِفَ أفَعَلْتُمْ عَلى ما هي عَلَيْهِ.
والضَمِيرُ في "بِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وعَنَّفَهم فِرْعَوْنُ عَلى الإيمانِ قَبْلَ إذْنِهِ ثُمَّ ألْزَمُهم أنَّ هَذا كانَ عَلى اتِّفاقٍ مِنهُمْ، ورُوِيَ في ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهم أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ اجْتَمَعَ مَعَ رَئِيسِ السَحَرَةِ واسْمُهُ شَمْعُونُ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكم أتُؤْمِنُونَ بِي؟ فَقالَ لَهُ: نَعَمْ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ فِرْعَوْنُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ ثُمَّ قالَ لِلسَّحَرَةِ: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكُمْ﴾ الآيَةُ، فَرَجَعَ فِرْعَوْنُ في مَقالَتِهِ هَذِهِ إلى الخِذْلانِ والغُشْمِ وعادَةِ مُلُوكِ السُوءِ إذا غُولِبُوا.
وقَرَأ حُمَيْدٌ المَكِّيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ: "لَأقْطَعَنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والطاءِ وإسْكانِ القافِ، "وَلَأصْلُبَنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الصادِ وضَمِّ اللامِ، ورُوِيَ بِكَسْرِها، و"مِن خِلافٍ" مَعْناهُ: يُمْنى ويُسْرى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والظاهِرُ مِن هَذِهِ الآياتِ أنَّ فِرْعَوْنَ تَوَعَّدَ، ولَيْسَ في القُرْآنِ نَصٌّ عَلى أنَّهُ أنْفَذَ ذَلِكَ وأوقَعَهُ، ولَكِنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ صَلَبَ بَعْضَهم وقَطَعَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فِرْعَوْنُ أوَّلُ مَن صَلَبَ وقَطَعَ مِن خِلافٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ فِيهِمْ: أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ، وأمّا التَوَعُّدُ فَلِجَمِيعِهِمْ.
الأعراف 7:121
(p-٢٠)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَأوحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ ﴿وَأُلْقِيَ السَحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾
"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "أوحَيْنا" أيْ بِأنْ ألْقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى "أيْ"، فَلا يَكُونُ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ.
ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا كانَ يَوْمُ الجَمْعِ، خَرَجَ مُتَّكِئًا عَلى عَصاهُ ويَدُهُ في يَدِ أخِيهِ، وقَدْ صَفَّ لَهُ السَحَرَةُ في عَدَدٍ عَظِيمٍ حَسَبَما ذُكِرَ، فَلَمّا ألْقَوْا واسْتَرْهَبُوا أوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ، فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ، فَعَظُمَ حَتّى كانَ كالجَبَلِ، وقِيلَ: إنَّهُ طالَ حَتّى جازَ النِيلَ، وقِيلَ: كانَ الجَمْعُ بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ وطالَ حَتّى جازَ مَدِينَةَ البُحَيْرَةِ، وقِيلَ: كانَ الجَمْعُ بِمِصْرَ وإنَّهُ طالَ حَتّى جازَ بِذَنَبِهِ بَحْرَ القُلْزُمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ مِنَ الصَوابِ مُفْرِطُ الإغْراقِ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، ورُوِيَ أنَّ السَحَرَةَ لَمّا ألْقَوْا وألْقى مُوسى عَصاهُ جَعَلُوا يَرْقُونَ، وجَعَلَتْ حِبالُهم وعِصِيُّهم تَعْظُمُ، وجَعَلَتْ عَصا مُوسى تَعْظُمُ حَتّى سَدَّتِ الأُفُقَ وابْتَلَعَتِ الكُلَّ ورَجَعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عَصًا فَعِنْدَها آمَنَ السَحَرَةُ. ورُوِيَ أنَّ عَصا مُوسى كانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِما السَلامُ، وكانَتْ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: كانَتْ مِنَ العَيْنِ الَّذِي في وسَطِ ورَقِ الرَيْحانِ، وقِيلَ: كانَتْ غُصْنًا مِنَ الخُبَّيْزِ، وقِيلَ: كانَتْ لَها شُعْبَتانِ، وقِيلَ: كانَتْ عَصا الأنْبِياءِ مُخْتَزَنَةً عِنْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَمّا اسْتَرْعى مُوسى، قالَ لَهُ: اذْهَبْ فَخُذْ عَصًا فَذَهَبَ إلى البَيْتِ فَطارَتْ هَذِهِ إلى يَدِهِ، فَأمَرَهُ شُعَيْبٌ بَرَدِّها وأخْذِ غَيْرِها فَفَعَلَ فَطارَتْ هي إلى يَدِهِ، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ (p-٢١)شُعَيْبًا فَتَرَكَها لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ دَفَعَ العَصا إلى مُوسى في طَرِيقِ مَدْيَنَ.
و"تَلْقَفُ" مَعْناهُ: تَبْتَلِعُ وتَزْدَرِدُ، و"ما يَأْفِكُونَ" مَعْناهُ: ما صَوَّرُوا فِيهِ إفْكَهم وكَذِبَهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَلَقَّفُ"، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "تَلْقَفُ" بِسُكُونِ اللامِ وفَتْحِ القافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "تَّلَقَّفُ" بِتَشْدِيدِ التاءِ عَلى إدْغامِ التاءِ مِن "تَتَلَقَّفُ"، وهَذِهِ القِراءَةُ لا تَتَرَتَّبُ إلّا في الوَصْلِ، وأمّا في الِابْتِداءِ في الفِعْلِ فَلا يُمْكِنُ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "تَلْقَمُ" بِالمِيمِ، أيْ تَبْتَلِعُ كاللُقْمَةِ.
ورُوِيَ أنَّ الثُعْبانَ اسْتَوْفى تِلْكَ الحِبال والعَصِيَّ أكْلًا وأعْدَمَها اللهُ عَزَّ وجَلَّ، ومَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى فَمِهِ فَعادَ عَصًا كَما كانَ، فَعَلِمَ السَحَرَةُ حِينَئِذٍ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن عِنْدِ البَشَرِ فَخَرُّوا سُجَّدًا مُؤْمِنِينَ بِاللهِ ورَسُولِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ الآيَةُ، "وَقَعَ" مَعْناهُ: نَزَلَ ووُجِدَ، و"الحَقُّ" يُرِيدُ بِهِ سُطُوعَ البُرْهانِ وظُهُورَ الإعْجازِ واسْتِمْرارَ التَحَدِّي إلى الدِينِ عَلى جَمِيعِ العالَمِ، و﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ سِحْرَ السَحَرَةِ وسَعْيَ فِرْعَوْنَ وشِيعَتِهِ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فَغُلِبُوا" عائِدٌ عَلى جَمِيعِهِمْ مِن سَحَرَةٍ ومِن سَعْيِ فِرْعَوْنَ وشِيعَتِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ إنْ قَدَّرْنا انْقِلابَ الجَمْعِ قَبْلَ إيمانِ السَحَرَةِ فَهم في الضَمِيرِ، وإنْ قَدَّرْناهُ بَعْدَ إيمانِهِمْ، فَلَيْسُوا في الضَمِيرِ، ولا لَحِقَهم صَغارٌ يَصِفُهُمُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا واسْتُشْهِدُوا رَضِيَ اللهُ عنهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ الآياتُ، لَمّا رَأى السَحَرَةُ مِن عَظِيمِ القُدْرَةِ ما تَيَقَّنُوا بِهِ نُبُوَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ، وانْضافَ إلى ذَلِكَ الِاسْتِهْوالُ والِاسْتِعْظامُ والفَزَعُ مِن قُدْرَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فَخَرُّوا سُجَّدًا لِلَّهِ تَعالى مُتَطارِحِينَ، وآمَنُوا نُطْقًا بِألْسِنَتِهِمْ، وتَبَيُّنُهُمُ الرَبَّ بِذِكْرِ مُوسى وهارُونَ زَوالٌ عن رُبُوبِيَّةِ فِرْعَوْنَ وما كانَ يَتَوَهَّمُ فِيهِ الجُهّالُ مِن أنَّهُ رَبُّ الناسِ، وهارُونُ أخُو مُوسى أسَنُّ مِنهُ بِثَلاثِ سِنِينَ.
(p-٢٢)وَقَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى وهَنِ أمْرِهِ، لِأنَّهُ إنَّما جَعَلَ ذَنْبَهم مُفارَقَةَ الإذْنِ ولَمْ يَجْعَلْهُ نَفْسَ الإيمانِ إلّا بِشَرْطٍ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عنهُ في كُلِّ القُرْآنِ: "أمَنتُمْ" عَلى الخَبَرِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "آمَنتُمْ" بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وكَذَلِكَ في طَهَ والشُعَراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ في الثَلاثَةِ مَواضِعَ: "أآمَنتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ الثانِيَةُ مَمْدُودَةٌ، ورَواها الأعْمَشُ عن أبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ أبِي الإخْرِيطِ عنهُ: "وَآمَنتُمْ" وهي عَلى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ إلّا أنَّهُ سَهَّلَها واوًا فَأجْرى المُنْفَصِلَ مَجْرى المُتَّصِلِ في قَوْلِهِمْ "تُوَدَةٌ" في "تُؤَدَةٍ"، وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ القَوّاسِ: "وَآمَنتُمْ" وهي عَلى القِراءَةِ بِالهَمْزَتَيْنِ "أآمَنتُمْ" إلّا أنَّهُ سَهَّلَ ألِفَ الِاسْتِفْهامِ واوًا، وتَرَكَ ألِفَ أفَعَلْتُمْ عَلى ما هي عَلَيْهِ.
والضَمِيرُ في "بِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وعَنَّفَهم فِرْعَوْنُ عَلى الإيمانِ قَبْلَ إذْنِهِ ثُمَّ ألْزَمُهم أنَّ هَذا كانَ عَلى اتِّفاقٍ مِنهُمْ، ورُوِيَ في ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهم أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ اجْتَمَعَ مَعَ رَئِيسِ السَحَرَةِ واسْمُهُ شَمْعُونُ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكم أتُؤْمِنُونَ بِي؟ فَقالَ لَهُ: نَعَمْ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ فِرْعَوْنُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ ثُمَّ قالَ لِلسَّحَرَةِ: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكُمْ﴾ الآيَةُ، فَرَجَعَ فِرْعَوْنُ في مَقالَتِهِ هَذِهِ إلى الخِذْلانِ والغُشْمِ وعادَةِ مُلُوكِ السُوءِ إذا غُولِبُوا.
وقَرَأ حُمَيْدٌ المَكِّيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ: "لَأقْطَعَنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والطاءِ وإسْكانِ القافِ، "وَلَأصْلُبَنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الصادِ وضَمِّ اللامِ، ورُوِيَ بِكَسْرِها، و"مِن خِلافٍ" مَعْناهُ: يُمْنى ويُسْرى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والظاهِرُ مِن هَذِهِ الآياتِ أنَّ فِرْعَوْنَ تَوَعَّدَ، ولَيْسَ في القُرْآنِ نَصٌّ عَلى أنَّهُ أنْفَذَ ذَلِكَ وأوقَعَهُ، ولَكِنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ صَلَبَ بَعْضَهم وقَطَعَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فِرْعَوْنُ أوَّلُ مَن صَلَبَ وقَطَعَ مِن خِلافٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ فِيهِمْ: أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ، وأمّا التَوَعُّدُ فَلِجَمِيعِهِمْ.
الأعراف 7:122
(p-٢٠)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَأوحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ ﴿وَأُلْقِيَ السَحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾
"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "أوحَيْنا" أيْ بِأنْ ألْقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى "أيْ"، فَلا يَكُونُ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ.
ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا كانَ يَوْمُ الجَمْعِ، خَرَجَ مُتَّكِئًا عَلى عَصاهُ ويَدُهُ في يَدِ أخِيهِ، وقَدْ صَفَّ لَهُ السَحَرَةُ في عَدَدٍ عَظِيمٍ حَسَبَما ذُكِرَ، فَلَمّا ألْقَوْا واسْتَرْهَبُوا أوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ، فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ، فَعَظُمَ حَتّى كانَ كالجَبَلِ، وقِيلَ: إنَّهُ طالَ حَتّى جازَ النِيلَ، وقِيلَ: كانَ الجَمْعُ بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ وطالَ حَتّى جازَ مَدِينَةَ البُحَيْرَةِ، وقِيلَ: كانَ الجَمْعُ بِمِصْرَ وإنَّهُ طالَ حَتّى جازَ بِذَنَبِهِ بَحْرَ القُلْزُمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ مِنَ الصَوابِ مُفْرِطُ الإغْراقِ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، ورُوِيَ أنَّ السَحَرَةَ لَمّا ألْقَوْا وألْقى مُوسى عَصاهُ جَعَلُوا يَرْقُونَ، وجَعَلَتْ حِبالُهم وعِصِيُّهم تَعْظُمُ، وجَعَلَتْ عَصا مُوسى تَعْظُمُ حَتّى سَدَّتِ الأُفُقَ وابْتَلَعَتِ الكُلَّ ورَجَعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عَصًا فَعِنْدَها آمَنَ السَحَرَةُ. ورُوِيَ أنَّ عَصا مُوسى كانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِما السَلامُ، وكانَتْ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: كانَتْ مِنَ العَيْنِ الَّذِي في وسَطِ ورَقِ الرَيْحانِ، وقِيلَ: كانَتْ غُصْنًا مِنَ الخُبَّيْزِ، وقِيلَ: كانَتْ لَها شُعْبَتانِ، وقِيلَ: كانَتْ عَصا الأنْبِياءِ مُخْتَزَنَةً عِنْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَمّا اسْتَرْعى مُوسى، قالَ لَهُ: اذْهَبْ فَخُذْ عَصًا فَذَهَبَ إلى البَيْتِ فَطارَتْ هَذِهِ إلى يَدِهِ، فَأمَرَهُ شُعَيْبٌ بَرَدِّها وأخْذِ غَيْرِها فَفَعَلَ فَطارَتْ هي إلى يَدِهِ، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ (p-٢١)شُعَيْبًا فَتَرَكَها لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ دَفَعَ العَصا إلى مُوسى في طَرِيقِ مَدْيَنَ.
و"تَلْقَفُ" مَعْناهُ: تَبْتَلِعُ وتَزْدَرِدُ، و"ما يَأْفِكُونَ" مَعْناهُ: ما صَوَّرُوا فِيهِ إفْكَهم وكَذِبَهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَلَقَّفُ"، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "تَلْقَفُ" بِسُكُونِ اللامِ وفَتْحِ القافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "تَّلَقَّفُ" بِتَشْدِيدِ التاءِ عَلى إدْغامِ التاءِ مِن "تَتَلَقَّفُ"، وهَذِهِ القِراءَةُ لا تَتَرَتَّبُ إلّا في الوَصْلِ، وأمّا في الِابْتِداءِ في الفِعْلِ فَلا يُمْكِنُ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "تَلْقَمُ" بِالمِيمِ، أيْ تَبْتَلِعُ كاللُقْمَةِ.
ورُوِيَ أنَّ الثُعْبانَ اسْتَوْفى تِلْكَ الحِبال والعَصِيَّ أكْلًا وأعْدَمَها اللهُ عَزَّ وجَلَّ، ومَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى فَمِهِ فَعادَ عَصًا كَما كانَ، فَعَلِمَ السَحَرَةُ حِينَئِذٍ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن عِنْدِ البَشَرِ فَخَرُّوا سُجَّدًا مُؤْمِنِينَ بِاللهِ ورَسُولِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ الآيَةُ، "وَقَعَ" مَعْناهُ: نَزَلَ ووُجِدَ، و"الحَقُّ" يُرِيدُ بِهِ سُطُوعَ البُرْهانِ وظُهُورَ الإعْجازِ واسْتِمْرارَ التَحَدِّي إلى الدِينِ عَلى جَمِيعِ العالَمِ، و﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ سِحْرَ السَحَرَةِ وسَعْيَ فِرْعَوْنَ وشِيعَتِهِ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فَغُلِبُوا" عائِدٌ عَلى جَمِيعِهِمْ مِن سَحَرَةٍ ومِن سَعْيِ فِرْعَوْنَ وشِيعَتِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ إنْ قَدَّرْنا انْقِلابَ الجَمْعِ قَبْلَ إيمانِ السَحَرَةِ فَهم في الضَمِيرِ، وإنْ قَدَّرْناهُ بَعْدَ إيمانِهِمْ، فَلَيْسُوا في الضَمِيرِ، ولا لَحِقَهم صَغارٌ يَصِفُهُمُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا واسْتُشْهِدُوا رَضِيَ اللهُ عنهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ الآياتُ، لَمّا رَأى السَحَرَةُ مِن عَظِيمِ القُدْرَةِ ما تَيَقَّنُوا بِهِ نُبُوَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ، وانْضافَ إلى ذَلِكَ الِاسْتِهْوالُ والِاسْتِعْظامُ والفَزَعُ مِن قُدْرَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فَخَرُّوا سُجَّدًا لِلَّهِ تَعالى مُتَطارِحِينَ، وآمَنُوا نُطْقًا بِألْسِنَتِهِمْ، وتَبَيُّنُهُمُ الرَبَّ بِذِكْرِ مُوسى وهارُونَ زَوالٌ عن رُبُوبِيَّةِ فِرْعَوْنَ وما كانَ يَتَوَهَّمُ فِيهِ الجُهّالُ مِن أنَّهُ رَبُّ الناسِ، وهارُونُ أخُو مُوسى أسَنُّ مِنهُ بِثَلاثِ سِنِينَ.
(p-٢٢)وَقَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى وهَنِ أمْرِهِ، لِأنَّهُ إنَّما جَعَلَ ذَنْبَهم مُفارَقَةَ الإذْنِ ولَمْ يَجْعَلْهُ نَفْسَ الإيمانِ إلّا بِشَرْطٍ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عنهُ في كُلِّ القُرْآنِ: "أمَنتُمْ" عَلى الخَبَرِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "آمَنتُمْ" بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وكَذَلِكَ في طَهَ والشُعَراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ في الثَلاثَةِ مَواضِعَ: "أآمَنتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ الثانِيَةُ مَمْدُودَةٌ، ورَواها الأعْمَشُ عن أبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ أبِي الإخْرِيطِ عنهُ: "وَآمَنتُمْ" وهي عَلى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ إلّا أنَّهُ سَهَّلَها واوًا فَأجْرى المُنْفَصِلَ مَجْرى المُتَّصِلِ في قَوْلِهِمْ "تُوَدَةٌ" في "تُؤَدَةٍ"، وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ القَوّاسِ: "وَآمَنتُمْ" وهي عَلى القِراءَةِ بِالهَمْزَتَيْنِ "أآمَنتُمْ" إلّا أنَّهُ سَهَّلَ ألِفَ الِاسْتِفْهامِ واوًا، وتَرَكَ ألِفَ أفَعَلْتُمْ عَلى ما هي عَلَيْهِ.
والضَمِيرُ في "بِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وعَنَّفَهم فِرْعَوْنُ عَلى الإيمانِ قَبْلَ إذْنِهِ ثُمَّ ألْزَمُهم أنَّ هَذا كانَ عَلى اتِّفاقٍ مِنهُمْ، ورُوِيَ في ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهم أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ اجْتَمَعَ مَعَ رَئِيسِ السَحَرَةِ واسْمُهُ شَمْعُونُ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكم أتُؤْمِنُونَ بِي؟ فَقالَ لَهُ: نَعَمْ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ فِرْعَوْنُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ ثُمَّ قالَ لِلسَّحَرَةِ: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكُمْ﴾ الآيَةُ، فَرَجَعَ فِرْعَوْنُ في مَقالَتِهِ هَذِهِ إلى الخِذْلانِ والغُشْمِ وعادَةِ مُلُوكِ السُوءِ إذا غُولِبُوا.
وقَرَأ حُمَيْدٌ المَكِّيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ: "لَأقْطَعَنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والطاءِ وإسْكانِ القافِ، "وَلَأصْلُبَنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الصادِ وضَمِّ اللامِ، ورُوِيَ بِكَسْرِها، و"مِن خِلافٍ" مَعْناهُ: يُمْنى ويُسْرى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والظاهِرُ مِن هَذِهِ الآياتِ أنَّ فِرْعَوْنَ تَوَعَّدَ، ولَيْسَ في القُرْآنِ نَصٌّ عَلى أنَّهُ أنْفَذَ ذَلِكَ وأوقَعَهُ، ولَكِنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ صَلَبَ بَعْضَهم وقَطَعَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فِرْعَوْنُ أوَّلُ مَن صَلَبَ وقَطَعَ مِن خِلافٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ فِيهِمْ: أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ، وأمّا التَوَعُّدُ فَلِجَمِيعِهِمْ.
الأعراف 7:123
(p-٢٠)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَأوحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ ﴿وَأُلْقِيَ السَحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾
"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "أوحَيْنا" أيْ بِأنْ ألْقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى "أيْ"، فَلا يَكُونُ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ.
ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا كانَ يَوْمُ الجَمْعِ، خَرَجَ مُتَّكِئًا عَلى عَصاهُ ويَدُهُ في يَدِ أخِيهِ، وقَدْ صَفَّ لَهُ السَحَرَةُ في عَدَدٍ عَظِيمٍ حَسَبَما ذُكِرَ، فَلَمّا ألْقَوْا واسْتَرْهَبُوا أوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ، فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ، فَعَظُمَ حَتّى كانَ كالجَبَلِ، وقِيلَ: إنَّهُ طالَ حَتّى جازَ النِيلَ، وقِيلَ: كانَ الجَمْعُ بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ وطالَ حَتّى جازَ مَدِينَةَ البُحَيْرَةِ، وقِيلَ: كانَ الجَمْعُ بِمِصْرَ وإنَّهُ طالَ حَتّى جازَ بِذَنَبِهِ بَحْرَ القُلْزُمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ مِنَ الصَوابِ مُفْرِطُ الإغْراقِ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، ورُوِيَ أنَّ السَحَرَةَ لَمّا ألْقَوْا وألْقى مُوسى عَصاهُ جَعَلُوا يَرْقُونَ، وجَعَلَتْ حِبالُهم وعِصِيُّهم تَعْظُمُ، وجَعَلَتْ عَصا مُوسى تَعْظُمُ حَتّى سَدَّتِ الأُفُقَ وابْتَلَعَتِ الكُلَّ ورَجَعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عَصًا فَعِنْدَها آمَنَ السَحَرَةُ. ورُوِيَ أنَّ عَصا مُوسى كانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِما السَلامُ، وكانَتْ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: كانَتْ مِنَ العَيْنِ الَّذِي في وسَطِ ورَقِ الرَيْحانِ، وقِيلَ: كانَتْ غُصْنًا مِنَ الخُبَّيْزِ، وقِيلَ: كانَتْ لَها شُعْبَتانِ، وقِيلَ: كانَتْ عَصا الأنْبِياءِ مُخْتَزَنَةً عِنْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَمّا اسْتَرْعى مُوسى، قالَ لَهُ: اذْهَبْ فَخُذْ عَصًا فَذَهَبَ إلى البَيْتِ فَطارَتْ هَذِهِ إلى يَدِهِ، فَأمَرَهُ شُعَيْبٌ بَرَدِّها وأخْذِ غَيْرِها فَفَعَلَ فَطارَتْ هي إلى يَدِهِ، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ (p-٢١)شُعَيْبًا فَتَرَكَها لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ دَفَعَ العَصا إلى مُوسى في طَرِيقِ مَدْيَنَ.
و"تَلْقَفُ" مَعْناهُ: تَبْتَلِعُ وتَزْدَرِدُ، و"ما يَأْفِكُونَ" مَعْناهُ: ما صَوَّرُوا فِيهِ إفْكَهم وكَذِبَهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَلَقَّفُ"، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "تَلْقَفُ" بِسُكُونِ اللامِ وفَتْحِ القافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "تَّلَقَّفُ" بِتَشْدِيدِ التاءِ عَلى إدْغامِ التاءِ مِن "تَتَلَقَّفُ"، وهَذِهِ القِراءَةُ لا تَتَرَتَّبُ إلّا في الوَصْلِ، وأمّا في الِابْتِداءِ في الفِعْلِ فَلا يُمْكِنُ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "تَلْقَمُ" بِالمِيمِ، أيْ تَبْتَلِعُ كاللُقْمَةِ.
ورُوِيَ أنَّ الثُعْبانَ اسْتَوْفى تِلْكَ الحِبال والعَصِيَّ أكْلًا وأعْدَمَها اللهُ عَزَّ وجَلَّ، ومَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى فَمِهِ فَعادَ عَصًا كَما كانَ، فَعَلِمَ السَحَرَةُ حِينَئِذٍ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن عِنْدِ البَشَرِ فَخَرُّوا سُجَّدًا مُؤْمِنِينَ بِاللهِ ورَسُولِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ الآيَةُ، "وَقَعَ" مَعْناهُ: نَزَلَ ووُجِدَ، و"الحَقُّ" يُرِيدُ بِهِ سُطُوعَ البُرْهانِ وظُهُورَ الإعْجازِ واسْتِمْرارَ التَحَدِّي إلى الدِينِ عَلى جَمِيعِ العالَمِ، و﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ سِحْرَ السَحَرَةِ وسَعْيَ فِرْعَوْنَ وشِيعَتِهِ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فَغُلِبُوا" عائِدٌ عَلى جَمِيعِهِمْ مِن سَحَرَةٍ ومِن سَعْيِ فِرْعَوْنَ وشِيعَتِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ إنْ قَدَّرْنا انْقِلابَ الجَمْعِ قَبْلَ إيمانِ السَحَرَةِ فَهم في الضَمِيرِ، وإنْ قَدَّرْناهُ بَعْدَ إيمانِهِمْ، فَلَيْسُوا في الضَمِيرِ، ولا لَحِقَهم صَغارٌ يَصِفُهُمُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا واسْتُشْهِدُوا رَضِيَ اللهُ عنهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ الآياتُ، لَمّا رَأى السَحَرَةُ مِن عَظِيمِ القُدْرَةِ ما تَيَقَّنُوا بِهِ نُبُوَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ، وانْضافَ إلى ذَلِكَ الِاسْتِهْوالُ والِاسْتِعْظامُ والفَزَعُ مِن قُدْرَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فَخَرُّوا سُجَّدًا لِلَّهِ تَعالى مُتَطارِحِينَ، وآمَنُوا نُطْقًا بِألْسِنَتِهِمْ، وتَبَيُّنُهُمُ الرَبَّ بِذِكْرِ مُوسى وهارُونَ زَوالٌ عن رُبُوبِيَّةِ فِرْعَوْنَ وما كانَ يَتَوَهَّمُ فِيهِ الجُهّالُ مِن أنَّهُ رَبُّ الناسِ، وهارُونُ أخُو مُوسى أسَنُّ مِنهُ بِثَلاثِ سِنِينَ.
(p-٢٢)وَقَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى وهَنِ أمْرِهِ، لِأنَّهُ إنَّما جَعَلَ ذَنْبَهم مُفارَقَةَ الإذْنِ ولَمْ يَجْعَلْهُ نَفْسَ الإيمانِ إلّا بِشَرْطٍ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عنهُ في كُلِّ القُرْآنِ: "أمَنتُمْ" عَلى الخَبَرِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "آمَنتُمْ" بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وكَذَلِكَ في طَهَ والشُعَراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ في الثَلاثَةِ مَواضِعَ: "أآمَنتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ الثانِيَةُ مَمْدُودَةٌ، ورَواها الأعْمَشُ عن أبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ أبِي الإخْرِيطِ عنهُ: "وَآمَنتُمْ" وهي عَلى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ إلّا أنَّهُ سَهَّلَها واوًا فَأجْرى المُنْفَصِلَ مَجْرى المُتَّصِلِ في قَوْلِهِمْ "تُوَدَةٌ" في "تُؤَدَةٍ"، وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ القَوّاسِ: "وَآمَنتُمْ" وهي عَلى القِراءَةِ بِالهَمْزَتَيْنِ "أآمَنتُمْ" إلّا أنَّهُ سَهَّلَ ألِفَ الِاسْتِفْهامِ واوًا، وتَرَكَ ألِفَ أفَعَلْتُمْ عَلى ما هي عَلَيْهِ.
والضَمِيرُ في "بِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وعَنَّفَهم فِرْعَوْنُ عَلى الإيمانِ قَبْلَ إذْنِهِ ثُمَّ ألْزَمُهم أنَّ هَذا كانَ عَلى اتِّفاقٍ مِنهُمْ، ورُوِيَ في ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهم أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ اجْتَمَعَ مَعَ رَئِيسِ السَحَرَةِ واسْمُهُ شَمْعُونُ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكم أتُؤْمِنُونَ بِي؟ فَقالَ لَهُ: نَعَمْ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ فِرْعَوْنُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ ثُمَّ قالَ لِلسَّحَرَةِ: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكُمْ﴾ الآيَةُ، فَرَجَعَ فِرْعَوْنُ في مَقالَتِهِ هَذِهِ إلى الخِذْلانِ والغُشْمِ وعادَةِ مُلُوكِ السُوءِ إذا غُولِبُوا.
وقَرَأ حُمَيْدٌ المَكِّيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ: "لَأقْطَعَنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والطاءِ وإسْكانِ القافِ، "وَلَأصْلُبَنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الصادِ وضَمِّ اللامِ، ورُوِيَ بِكَسْرِها، و"مِن خِلافٍ" مَعْناهُ: يُمْنى ويُسْرى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والظاهِرُ مِن هَذِهِ الآياتِ أنَّ فِرْعَوْنَ تَوَعَّدَ، ولَيْسَ في القُرْآنِ نَصٌّ عَلى أنَّهُ أنْفَذَ ذَلِكَ وأوقَعَهُ، ولَكِنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ صَلَبَ بَعْضَهم وقَطَعَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فِرْعَوْنُ أوَّلُ مَن صَلَبَ وقَطَعَ مِن خِلافٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ فِيهِمْ: أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ، وأمّا التَوَعُّدُ فَلِجَمِيعِهِمْ.
الأعراف 7:124
(p-٢٠)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَأوحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ ﴿وَأُلْقِيَ السَحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾
"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "أوحَيْنا" أيْ بِأنْ ألْقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى "أيْ"، فَلا يَكُونُ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ.
ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا كانَ يَوْمُ الجَمْعِ، خَرَجَ مُتَّكِئًا عَلى عَصاهُ ويَدُهُ في يَدِ أخِيهِ، وقَدْ صَفَّ لَهُ السَحَرَةُ في عَدَدٍ عَظِيمٍ حَسَبَما ذُكِرَ، فَلَمّا ألْقَوْا واسْتَرْهَبُوا أوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ، فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ، فَعَظُمَ حَتّى كانَ كالجَبَلِ، وقِيلَ: إنَّهُ طالَ حَتّى جازَ النِيلَ، وقِيلَ: كانَ الجَمْعُ بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ وطالَ حَتّى جازَ مَدِينَةَ البُحَيْرَةِ، وقِيلَ: كانَ الجَمْعُ بِمِصْرَ وإنَّهُ طالَ حَتّى جازَ بِذَنَبِهِ بَحْرَ القُلْزُمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ مِنَ الصَوابِ مُفْرِطُ الإغْراقِ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، ورُوِيَ أنَّ السَحَرَةَ لَمّا ألْقَوْا وألْقى مُوسى عَصاهُ جَعَلُوا يَرْقُونَ، وجَعَلَتْ حِبالُهم وعِصِيُّهم تَعْظُمُ، وجَعَلَتْ عَصا مُوسى تَعْظُمُ حَتّى سَدَّتِ الأُفُقَ وابْتَلَعَتِ الكُلَّ ورَجَعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عَصًا فَعِنْدَها آمَنَ السَحَرَةُ. ورُوِيَ أنَّ عَصا مُوسى كانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِما السَلامُ، وكانَتْ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: كانَتْ مِنَ العَيْنِ الَّذِي في وسَطِ ورَقِ الرَيْحانِ، وقِيلَ: كانَتْ غُصْنًا مِنَ الخُبَّيْزِ، وقِيلَ: كانَتْ لَها شُعْبَتانِ، وقِيلَ: كانَتْ عَصا الأنْبِياءِ مُخْتَزَنَةً عِنْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَمّا اسْتَرْعى مُوسى، قالَ لَهُ: اذْهَبْ فَخُذْ عَصًا فَذَهَبَ إلى البَيْتِ فَطارَتْ هَذِهِ إلى يَدِهِ، فَأمَرَهُ شُعَيْبٌ بَرَدِّها وأخْذِ غَيْرِها فَفَعَلَ فَطارَتْ هي إلى يَدِهِ، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ (p-٢١)شُعَيْبًا فَتَرَكَها لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ دَفَعَ العَصا إلى مُوسى في طَرِيقِ مَدْيَنَ.
و"تَلْقَفُ" مَعْناهُ: تَبْتَلِعُ وتَزْدَرِدُ، و"ما يَأْفِكُونَ" مَعْناهُ: ما صَوَّرُوا فِيهِ إفْكَهم وكَذِبَهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَلَقَّفُ"، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "تَلْقَفُ" بِسُكُونِ اللامِ وفَتْحِ القافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "تَّلَقَّفُ" بِتَشْدِيدِ التاءِ عَلى إدْغامِ التاءِ مِن "تَتَلَقَّفُ"، وهَذِهِ القِراءَةُ لا تَتَرَتَّبُ إلّا في الوَصْلِ، وأمّا في الِابْتِداءِ في الفِعْلِ فَلا يُمْكِنُ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "تَلْقَمُ" بِالمِيمِ، أيْ تَبْتَلِعُ كاللُقْمَةِ.
ورُوِيَ أنَّ الثُعْبانَ اسْتَوْفى تِلْكَ الحِبال والعَصِيَّ أكْلًا وأعْدَمَها اللهُ عَزَّ وجَلَّ، ومَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى فَمِهِ فَعادَ عَصًا كَما كانَ، فَعَلِمَ السَحَرَةُ حِينَئِذٍ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن عِنْدِ البَشَرِ فَخَرُّوا سُجَّدًا مُؤْمِنِينَ بِاللهِ ورَسُولِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ الآيَةُ، "وَقَعَ" مَعْناهُ: نَزَلَ ووُجِدَ، و"الحَقُّ" يُرِيدُ بِهِ سُطُوعَ البُرْهانِ وظُهُورَ الإعْجازِ واسْتِمْرارَ التَحَدِّي إلى الدِينِ عَلى جَمِيعِ العالَمِ، و﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ سِحْرَ السَحَرَةِ وسَعْيَ فِرْعَوْنَ وشِيعَتِهِ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فَغُلِبُوا" عائِدٌ عَلى جَمِيعِهِمْ مِن سَحَرَةٍ ومِن سَعْيِ فِرْعَوْنَ وشِيعَتِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ إنْ قَدَّرْنا انْقِلابَ الجَمْعِ قَبْلَ إيمانِ السَحَرَةِ فَهم في الضَمِيرِ، وإنْ قَدَّرْناهُ بَعْدَ إيمانِهِمْ، فَلَيْسُوا في الضَمِيرِ، ولا لَحِقَهم صَغارٌ يَصِفُهُمُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا واسْتُشْهِدُوا رَضِيَ اللهُ عنهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ الآياتُ، لَمّا رَأى السَحَرَةُ مِن عَظِيمِ القُدْرَةِ ما تَيَقَّنُوا بِهِ نُبُوَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ، وانْضافَ إلى ذَلِكَ الِاسْتِهْوالُ والِاسْتِعْظامُ والفَزَعُ مِن قُدْرَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فَخَرُّوا سُجَّدًا لِلَّهِ تَعالى مُتَطارِحِينَ، وآمَنُوا نُطْقًا بِألْسِنَتِهِمْ، وتَبَيُّنُهُمُ الرَبَّ بِذِكْرِ مُوسى وهارُونَ زَوالٌ عن رُبُوبِيَّةِ فِرْعَوْنَ وما كانَ يَتَوَهَّمُ فِيهِ الجُهّالُ مِن أنَّهُ رَبُّ الناسِ، وهارُونُ أخُو مُوسى أسَنُّ مِنهُ بِثَلاثِ سِنِينَ.
(p-٢٢)وَقَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى وهَنِ أمْرِهِ، لِأنَّهُ إنَّما جَعَلَ ذَنْبَهم مُفارَقَةَ الإذْنِ ولَمْ يَجْعَلْهُ نَفْسَ الإيمانِ إلّا بِشَرْطٍ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عنهُ في كُلِّ القُرْآنِ: "أمَنتُمْ" عَلى الخَبَرِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "آمَنتُمْ" بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وكَذَلِكَ في طَهَ والشُعَراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ في الثَلاثَةِ مَواضِعَ: "أآمَنتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ الثانِيَةُ مَمْدُودَةٌ، ورَواها الأعْمَشُ عن أبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ أبِي الإخْرِيطِ عنهُ: "وَآمَنتُمْ" وهي عَلى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ إلّا أنَّهُ سَهَّلَها واوًا فَأجْرى المُنْفَصِلَ مَجْرى المُتَّصِلِ في قَوْلِهِمْ "تُوَدَةٌ" في "تُؤَدَةٍ"، وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ القَوّاسِ: "وَآمَنتُمْ" وهي عَلى القِراءَةِ بِالهَمْزَتَيْنِ "أآمَنتُمْ" إلّا أنَّهُ سَهَّلَ ألِفَ الِاسْتِفْهامِ واوًا، وتَرَكَ ألِفَ أفَعَلْتُمْ عَلى ما هي عَلَيْهِ.
والضَمِيرُ في "بِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وعَنَّفَهم فِرْعَوْنُ عَلى الإيمانِ قَبْلَ إذْنِهِ ثُمَّ ألْزَمُهم أنَّ هَذا كانَ عَلى اتِّفاقٍ مِنهُمْ، ورُوِيَ في ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهم أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ اجْتَمَعَ مَعَ رَئِيسِ السَحَرَةِ واسْمُهُ شَمْعُونُ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكم أتُؤْمِنُونَ بِي؟ فَقالَ لَهُ: نَعَمْ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ فِرْعَوْنُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ ثُمَّ قالَ لِلسَّحَرَةِ: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكُمْ﴾ الآيَةُ، فَرَجَعَ فِرْعَوْنُ في مَقالَتِهِ هَذِهِ إلى الخِذْلانِ والغُشْمِ وعادَةِ مُلُوكِ السُوءِ إذا غُولِبُوا.
وقَرَأ حُمَيْدٌ المَكِّيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ: "لَأقْطَعَنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والطاءِ وإسْكانِ القافِ، "وَلَأصْلُبَنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الصادِ وضَمِّ اللامِ، ورُوِيَ بِكَسْرِها، و"مِن خِلافٍ" مَعْناهُ: يُمْنى ويُسْرى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والظاهِرُ مِن هَذِهِ الآياتِ أنَّ فِرْعَوْنَ تَوَعَّدَ، ولَيْسَ في القُرْآنِ نَصٌّ عَلى أنَّهُ أنْفَذَ ذَلِكَ وأوقَعَهُ، ولَكِنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ صَلَبَ بَعْضَهم وقَطَعَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فِرْعَوْنُ أوَّلُ مَن صَلَبَ وقَطَعَ مِن خِلافٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ فِيهِمْ: أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ، وأمّا التَوَعُّدُ فَلِجَمِيعِهِمْ.
الأعراف 7:125
(p-٢٣)قوله عزّ وجلّ:
﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبِّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ ﴿وَقالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهم وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾
هَذا تَسْلِيمٌ مِن مُؤْمِنِي السَحَرَةِ، واتِّكالٌ عَلى اللهِ وثِقَةٌ بِما عِنْدَهُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَنْقِمُ" بِكَسْرِ القافِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو البَرَهْسَمِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تَنْقَمُ" بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: الوَجْهُ في القِراءَةِ كَسْرُ القافِ، وكُلُّ العُلَماءِ أنْشَدَ بَيْتَ ابْنِ الرُقَيّاتِ:
؎ ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ.... ∗∗∗..............................
بِفَتْحِ القافِ. ومَعْناهُ: وما تَعُدُّ عَلَيْنا ذَنْبًا وتُؤاخِذُنا بِهِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ مَعْناهُ: عُمَّنا كَما يَعُمُّ الماءُ مَن أُفْرِغَ عَلَيْهِ، وهي هُنا اسْتِعارَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمّا آمَنَتِ السَحَرَةُ اتَّبَعَ مُوسى سِتُّمِائَةِ ألْفٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وحَكى النَقّاشُ عن مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: مَكَثَ مُوسى بِمِصْرَ بَعْدَ إيمانِ السَحَرَةِ عامًا أو نَحْوَهُ يُرِيهِمُ الآياتِ.
وقَوْلُ مَلَإ فِرْعَوْنَ: ﴿أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ﴾ مَقالَةٌ تَتَضَمَّنُ إغْراءَ فِرْعَوْنَ بِمُوسى وقَوْمِهِ، وتَحْرِيضَهُ عَلى قَتْلِهِمْ أو تَغْيِيرِ ما بِهِمْ حَتّى لا يَكُونَ لَهم خُرُوجٌ عن دِينِ فِرْعَوْنَ، ومَعْنى ﴿أتَذَرُ مُوسى﴾ ؟ أتَتْرُكُ؟، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَيَذَرَكَ"، ونَصْبُهُ عَلى مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يُقَدَّرَ: "وَأنْ يَذَرَكَ" فَهي واوُ الصَرْفِ، فَكَأنَّهم قالُوا: أتَذَرُهُ وأنْ يَذَرَكَ؟ أيْ: أتَتْرُكُهُ وتَرْكَكَ؟، والمَعْنى الآخَرُ أنْ يُعْطَفَ عَلى قَوْلِهِ: "لِيُفْسِدُوا". وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ (p-٢٤)مَيْسَرَةَ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عنهُ: "وَيَذَرُكَ" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِمْ: "أتَذَرُ"، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: "وَنَذَرُكَ" بِالنُونِ ورَفْعِ الفِعْلِ عَلى مَعْنى تَوَعُّدٍ مِنهُمْ، أو عَلى مَعْنى إخْبارِ أنَّ الأمْرَ يَؤُولُ إلى هَذا، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعَبْدُ اللهِ: "فِي الأرْضِ وقَدْ تَرَكُوكَ أنْ يَعْبُدُوكَ وآلِهَتَكَ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَقَدْ تَرَكَكَ وآلِهَتَكَ"، وقَرَأ السَبْعَةُ وجُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ: "وَآلِهَتَكَ" عَلى الجَمْعِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا عَلى ما رُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ في زَمَنِهِ لِلنّاسِ آلِهَةٌ مِن بَقَرٍ وأصْنامٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدْ شَرَعَ ذَلِكَ وجَعَلَ نَفْسَهُ الإلَهَ الأعْلى، فَقَوْلُهُ -عَلى هَذا- ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] إنَّما هو بِمُناسَبَةٍ بَيْنِهِ وبَيْنَ سِواهُ مِنَ المَعْبُوداتِ. وقِيلَ: إنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَعْبُدُ حَجَرًا كانَ يُعَلِّقُهُ في صَدْرِهِ كَياقُوتَةٍ أو نَحْوِها، قالَ الحَسَنُ: كانَ لِفِرْعَوْنَ حَنّانَةٌ مُعَلَّقَةٌ في نَحْرِهِ يَعْبُدُها ويَسْجُدُ لَها، وقالَ سُلَيْمانُ التَيْمِيُّ: بَلَغَنِي أنَّهُ كانَ يَعْبُدُ البَقَرَ، ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهم أجْمَعِينَ، وجَماعَةٌ وغَيْرُهُمْ: "وَإلاهَتَكَ"، أيْ: وعِبادَتَكَ والتَذَلُّلَ لَكَ، وزَعَمَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يُبِحْ عِبادَةَ شَيْءٍ سِواهُ، وأنَّهُ في قَوْلِهِ: "الأعْلى" إنَّما أرادَ: "الأعْظَمَ والأكْبَرَ" دُونَ مُناسَبَةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ فِرْعَوْنُ يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "سَنَقْتُلُ" بِالتَخْفِيفِ، و"يُقَتِّلُونَ" بِالتَشْدِيدِ، وخَفَّفَهُما جَمِيعًا نافِعٌ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُقَتِّلُونَ" و"سَنُقَتِّلُ" بِالتَشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ، والمَعْنى: سَنَسْتَمِرُّ عَلى ما كُنّا عَلَيْهِ مِن تَعْذِيبِهِمْ وقَطْعِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ يُرِيدُ: في المَنزِلَةِ والتَمَكُّنِ مِنَ الدُنْيا، و"قاهِرُونَ" يَقْتَضِي تَحْقِيرَ أمْرِهِمْ، أيْ: هم أقَلُّ مِن أنْ يُهْتَمَّ بِهِمْ.
الأعراف 7:126
(p-٢٣)قوله عزّ وجلّ:
﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبِّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ ﴿وَقالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهم وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾
هَذا تَسْلِيمٌ مِن مُؤْمِنِي السَحَرَةِ، واتِّكالٌ عَلى اللهِ وثِقَةٌ بِما عِنْدَهُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَنْقِمُ" بِكَسْرِ القافِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو البَرَهْسَمِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تَنْقَمُ" بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: الوَجْهُ في القِراءَةِ كَسْرُ القافِ، وكُلُّ العُلَماءِ أنْشَدَ بَيْتَ ابْنِ الرُقَيّاتِ:
؎ ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ.... ∗∗∗..............................
بِفَتْحِ القافِ. ومَعْناهُ: وما تَعُدُّ عَلَيْنا ذَنْبًا وتُؤاخِذُنا بِهِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ مَعْناهُ: عُمَّنا كَما يَعُمُّ الماءُ مَن أُفْرِغَ عَلَيْهِ، وهي هُنا اسْتِعارَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمّا آمَنَتِ السَحَرَةُ اتَّبَعَ مُوسى سِتُّمِائَةِ ألْفٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وحَكى النَقّاشُ عن مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: مَكَثَ مُوسى بِمِصْرَ بَعْدَ إيمانِ السَحَرَةِ عامًا أو نَحْوَهُ يُرِيهِمُ الآياتِ.
وقَوْلُ مَلَإ فِرْعَوْنَ: ﴿أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ﴾ مَقالَةٌ تَتَضَمَّنُ إغْراءَ فِرْعَوْنَ بِمُوسى وقَوْمِهِ، وتَحْرِيضَهُ عَلى قَتْلِهِمْ أو تَغْيِيرِ ما بِهِمْ حَتّى لا يَكُونَ لَهم خُرُوجٌ عن دِينِ فِرْعَوْنَ، ومَعْنى ﴿أتَذَرُ مُوسى﴾ ؟ أتَتْرُكُ؟، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَيَذَرَكَ"، ونَصْبُهُ عَلى مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يُقَدَّرَ: "وَأنْ يَذَرَكَ" فَهي واوُ الصَرْفِ، فَكَأنَّهم قالُوا: أتَذَرُهُ وأنْ يَذَرَكَ؟ أيْ: أتَتْرُكُهُ وتَرْكَكَ؟، والمَعْنى الآخَرُ أنْ يُعْطَفَ عَلى قَوْلِهِ: "لِيُفْسِدُوا". وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ (p-٢٤)مَيْسَرَةَ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عنهُ: "وَيَذَرُكَ" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِمْ: "أتَذَرُ"، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: "وَنَذَرُكَ" بِالنُونِ ورَفْعِ الفِعْلِ عَلى مَعْنى تَوَعُّدٍ مِنهُمْ، أو عَلى مَعْنى إخْبارِ أنَّ الأمْرَ يَؤُولُ إلى هَذا، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعَبْدُ اللهِ: "فِي الأرْضِ وقَدْ تَرَكُوكَ أنْ يَعْبُدُوكَ وآلِهَتَكَ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَقَدْ تَرَكَكَ وآلِهَتَكَ"، وقَرَأ السَبْعَةُ وجُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ: "وَآلِهَتَكَ" عَلى الجَمْعِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا عَلى ما رُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ في زَمَنِهِ لِلنّاسِ آلِهَةٌ مِن بَقَرٍ وأصْنامٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدْ شَرَعَ ذَلِكَ وجَعَلَ نَفْسَهُ الإلَهَ الأعْلى، فَقَوْلُهُ -عَلى هَذا- ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] إنَّما هو بِمُناسَبَةٍ بَيْنِهِ وبَيْنَ سِواهُ مِنَ المَعْبُوداتِ. وقِيلَ: إنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَعْبُدُ حَجَرًا كانَ يُعَلِّقُهُ في صَدْرِهِ كَياقُوتَةٍ أو نَحْوِها، قالَ الحَسَنُ: كانَ لِفِرْعَوْنَ حَنّانَةٌ مُعَلَّقَةٌ في نَحْرِهِ يَعْبُدُها ويَسْجُدُ لَها، وقالَ سُلَيْمانُ التَيْمِيُّ: بَلَغَنِي أنَّهُ كانَ يَعْبُدُ البَقَرَ، ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهم أجْمَعِينَ، وجَماعَةٌ وغَيْرُهُمْ: "وَإلاهَتَكَ"، أيْ: وعِبادَتَكَ والتَذَلُّلَ لَكَ، وزَعَمَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يُبِحْ عِبادَةَ شَيْءٍ سِواهُ، وأنَّهُ في قَوْلِهِ: "الأعْلى" إنَّما أرادَ: "الأعْظَمَ والأكْبَرَ" دُونَ مُناسَبَةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ فِرْعَوْنُ يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "سَنَقْتُلُ" بِالتَخْفِيفِ، و"يُقَتِّلُونَ" بِالتَشْدِيدِ، وخَفَّفَهُما جَمِيعًا نافِعٌ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُقَتِّلُونَ" و"سَنُقَتِّلُ" بِالتَشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ، والمَعْنى: سَنَسْتَمِرُّ عَلى ما كُنّا عَلَيْهِ مِن تَعْذِيبِهِمْ وقَطْعِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ يُرِيدُ: في المَنزِلَةِ والتَمَكُّنِ مِنَ الدُنْيا، و"قاهِرُونَ" يَقْتَضِي تَحْقِيرَ أمْرِهِمْ، أيْ: هم أقَلُّ مِن أنْ يُهْتَمَّ بِهِمْ.
الأعراف 7:127
(p-٢٣)قوله عزّ وجلّ:
﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبِّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ ﴿وَقالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهم وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾
هَذا تَسْلِيمٌ مِن مُؤْمِنِي السَحَرَةِ، واتِّكالٌ عَلى اللهِ وثِقَةٌ بِما عِنْدَهُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَنْقِمُ" بِكَسْرِ القافِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو البَرَهْسَمِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تَنْقَمُ" بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: الوَجْهُ في القِراءَةِ كَسْرُ القافِ، وكُلُّ العُلَماءِ أنْشَدَ بَيْتَ ابْنِ الرُقَيّاتِ:
؎ ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ.... ∗∗∗..............................
بِفَتْحِ القافِ. ومَعْناهُ: وما تَعُدُّ عَلَيْنا ذَنْبًا وتُؤاخِذُنا بِهِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ مَعْناهُ: عُمَّنا كَما يَعُمُّ الماءُ مَن أُفْرِغَ عَلَيْهِ، وهي هُنا اسْتِعارَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمّا آمَنَتِ السَحَرَةُ اتَّبَعَ مُوسى سِتُّمِائَةِ ألْفٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وحَكى النَقّاشُ عن مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: مَكَثَ مُوسى بِمِصْرَ بَعْدَ إيمانِ السَحَرَةِ عامًا أو نَحْوَهُ يُرِيهِمُ الآياتِ.
وقَوْلُ مَلَإ فِرْعَوْنَ: ﴿أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ﴾ مَقالَةٌ تَتَضَمَّنُ إغْراءَ فِرْعَوْنَ بِمُوسى وقَوْمِهِ، وتَحْرِيضَهُ عَلى قَتْلِهِمْ أو تَغْيِيرِ ما بِهِمْ حَتّى لا يَكُونَ لَهم خُرُوجٌ عن دِينِ فِرْعَوْنَ، ومَعْنى ﴿أتَذَرُ مُوسى﴾ ؟ أتَتْرُكُ؟، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَيَذَرَكَ"، ونَصْبُهُ عَلى مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يُقَدَّرَ: "وَأنْ يَذَرَكَ" فَهي واوُ الصَرْفِ، فَكَأنَّهم قالُوا: أتَذَرُهُ وأنْ يَذَرَكَ؟ أيْ: أتَتْرُكُهُ وتَرْكَكَ؟، والمَعْنى الآخَرُ أنْ يُعْطَفَ عَلى قَوْلِهِ: "لِيُفْسِدُوا". وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ (p-٢٤)مَيْسَرَةَ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عنهُ: "وَيَذَرُكَ" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِمْ: "أتَذَرُ"، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: "وَنَذَرُكَ" بِالنُونِ ورَفْعِ الفِعْلِ عَلى مَعْنى تَوَعُّدٍ مِنهُمْ، أو عَلى مَعْنى إخْبارِ أنَّ الأمْرَ يَؤُولُ إلى هَذا، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعَبْدُ اللهِ: "فِي الأرْضِ وقَدْ تَرَكُوكَ أنْ يَعْبُدُوكَ وآلِهَتَكَ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَقَدْ تَرَكَكَ وآلِهَتَكَ"، وقَرَأ السَبْعَةُ وجُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ: "وَآلِهَتَكَ" عَلى الجَمْعِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا عَلى ما رُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ في زَمَنِهِ لِلنّاسِ آلِهَةٌ مِن بَقَرٍ وأصْنامٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدْ شَرَعَ ذَلِكَ وجَعَلَ نَفْسَهُ الإلَهَ الأعْلى، فَقَوْلُهُ -عَلى هَذا- ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] إنَّما هو بِمُناسَبَةٍ بَيْنِهِ وبَيْنَ سِواهُ مِنَ المَعْبُوداتِ. وقِيلَ: إنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَعْبُدُ حَجَرًا كانَ يُعَلِّقُهُ في صَدْرِهِ كَياقُوتَةٍ أو نَحْوِها، قالَ الحَسَنُ: كانَ لِفِرْعَوْنَ حَنّانَةٌ مُعَلَّقَةٌ في نَحْرِهِ يَعْبُدُها ويَسْجُدُ لَها، وقالَ سُلَيْمانُ التَيْمِيُّ: بَلَغَنِي أنَّهُ كانَ يَعْبُدُ البَقَرَ، ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهم أجْمَعِينَ، وجَماعَةٌ وغَيْرُهُمْ: "وَإلاهَتَكَ"، أيْ: وعِبادَتَكَ والتَذَلُّلَ لَكَ، وزَعَمَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يُبِحْ عِبادَةَ شَيْءٍ سِواهُ، وأنَّهُ في قَوْلِهِ: "الأعْلى" إنَّما أرادَ: "الأعْظَمَ والأكْبَرَ" دُونَ مُناسَبَةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ فِرْعَوْنُ يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "سَنَقْتُلُ" بِالتَخْفِيفِ، و"يُقَتِّلُونَ" بِالتَشْدِيدِ، وخَفَّفَهُما جَمِيعًا نافِعٌ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُقَتِّلُونَ" و"سَنُقَتِّلُ" بِالتَشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ، والمَعْنى: سَنَسْتَمِرُّ عَلى ما كُنّا عَلَيْهِ مِن تَعْذِيبِهِمْ وقَطْعِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ يُرِيدُ: في المَنزِلَةِ والتَمَكُّنِ مِنَ الدُنْيا، و"قاهِرُونَ" يَقْتَضِي تَحْقِيرَ أمْرِهِمْ، أيْ: هم أقَلُّ مِن أنْ يُهْتَمَّ بِهِمْ.
الأعراف 7:128
(p-٢٥)قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَمَراتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾
لَمّا قالَ فِرْعَوْنُ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم وتَوَعَّدَهُمْ، قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِبَنِي إسْرائِيلَ يُثَبِّتُهم ويَعِدُهم ما عِنْدَ اللهِ: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللهِ واصْبِرُوا﴾، وظاهِرُ هَذا الكَلامِ كُلِّهِ وعْدٌ بِغَيْبٍ فَكَأنَّ قُوَّتَهُ تَقْتَضِي أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، ولَيْسَ في اللَفْظِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، و"الأرْضَ" أرْضُ الدُنْيا وهو الأظْهَرُ، وقِيلَ: المُرادُ هُنا أرْضُ الجَنَّةِ، وأمّا في الثانِيَةِ فَأرْضُ الدُنْيا لا غَيْرُ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُورَثُها" بِفَتْحِ الراءِ، وقَرَأ السَبْعَةُ: "يُورِثُها" ساكِنَةَ الواوِ خَفِيفَةَ الراءِ مَكْسُورَةً، ورَوى حَفْصٌ عن عاصِمٍ وهي قِراءَةُ الحَسَنِ "يُوَرِّثُها" بِتَشْدِيدِ الراءِ عَلى المُبالَغَةِ، والصَبْرُ في هَذِهِ الآيَةِ يَعُمُّ الِانْتِظارَ الَّذِي هو عِبادَةٌ والصَبْرَ في المُناجَزاتِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا﴾ يَعْنُونَ بِهِ الذَبْحِ الَّذِي كانَ في المُدَّةِ الَّتِي كانَ فِرْعَوْنُ يَتَخَوَّفُ فِيها أنْ يُولَدَ المَوْلُودُ الَّذِي يُخَرِّبُ مُلْكَهُ، والَّذِي مِن بَعْدِ مَجِيئِهِ يَعْنُونَ بِهِ وعِيدَ فِرْعَوْنَ وسائِرَ ما كانَ خِلالَ تِلْكَ المُدَّةِ مِنَ الإخافَةِ لَهُمْ، وقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ هَذِهِ المَقالَةَ حِينَ اتَّبَعَهم فِرْعَوْنُ واضْطَرَّهم إلى البَحْرِ فَضاقَتْ صُدُورُهم ورَأوا بَحْرًا أمامَهم وعَدُوًّا كَثِيفًا وراءَهم فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وبِالجُمْلَةِ هو كَلامٌ يَجْرِي مَعَ المَعْهُودِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنِ اضْطِرابِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ وقِلَّةِ يَقِينِهِمْ وصَبْرِهِمْ عَلى الدِينِ، واسْتِعْطافُ مُوسى لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾، ووَعْدُهُ لَهم بِالِاسْتِخْلافِ في الأرْضِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَسْتَدْعِي نُفُوسًا نافِرَةً، ويُقَوِّي هَذا الظَنَّ في بَنِي إسْرائِيلَ سُلُوكُهم هَذِهِ السَبِيلَ في غَيْرِ قِصَّةٍ، وحَكى (p-٢٦)النَقّاشُ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ بِمِصْرَ حِينَ كَلَّفَهم فِرْعَوْنُ مِنَ العَمَلِ ما لا يُطِيقُونَ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يُكَلِّفُهم عَمَلَ الطُوبِ ويَمْنَعُهُمُ التِبْنَ لِيَشُقَّ عَلَيْهِمْ عَمَلُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ تَنْبِيهٌ وحَضٌّ عَلى الِاسْتِقامَةِ، وإنْ قُدِّرَ هَذا الوَعْدُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ فَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ قَوْلُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ: "عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ، وقَدِ اسْتُخْلِفُوا في مِصْرَ في زَمَنِ داوُدَ وسُلَيْمانَ، وقَدْ فَتَحُوا بَيْتَ المَقْدِسِ مَعَ يُوشَعَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِنِينَ﴾ الآيَةُ. أخْبَرَ أنَّهُ أخَذَ آلَ فِرْعَوْنَ في تِلْكَ المُدَّةِ الَّتِي كانَ مُوسى يَدْعُوهم فِيها بِالسِنِينَ وهُوَ: الجُدُوبُ والقُحُوطُ، وهَذِهِ سِيرَةُ اللهِ في الأُمَمِ، وكَذَلِكَ فَعَلَ بِقُرَيْشٍ. والسَنَةُ في كَلامِ العَرَبِ: القَحْطُ ومِنهُ قَوْلُ لَيْلى: "والناسُ مُسْنِتُونَ"، وسَنَةٌ وعِضَةٌ وما جَرى مَجْراهُما مِنَ الأسْماءِ المَنقُوصَةِ تُجْمَعُ بِالواوِ والنُونِ لَيْسَ عَلى جِهَةِ جَمْعِ السَلامَةِ لَكِنْ عَلى جِهَةِ العِوَضِ، مِمّا نَقَصَ وكَذَلِكَ "أرْضٌ" تَوَهَّمُوا فِيها نَقْصَ هاءِ التَأْنِيثِ؛ لِأنَّهُ كانَ حَقُّها أنْ تَكُونَ "أرَضَةً"، وأمّا "حُرَّةٌ وإحَرُّونَ" فَلِأنَّ التَضْعِيفَ أبَدًا يَعْتَلُّ فَتَوَهَّمُوهُ مِثْلَ النَقْصِ، وكَسْرُ السِينِ مِن "سُنُونَ وسِنِينَ" وزِيادَةُ الألِفِ في "إحَرِّينَ" دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِجَمْعِ سَلامَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَمَراتِ﴾ رُوِيَ أنَّ النَخْلَةَ كانَتْ لا تَحْمِلُ إلّا ثَمَرَةً واحِدَةً، وقالَ نَحْوَهُ رَجاءُ بْنُ حَيَوَةَ، وأرادَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُنِيبُوا ويَزْدَجِرُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، إذْ أحْوالُ الشِدَّةِ تُرِقُّ القُلُوبَ وتُرَغِّبُ فِيما عِنْدَ اللهِ.
الأعراف 7:129
(p-٢٥)قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَمَراتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾
لَمّا قالَ فِرْعَوْنُ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم وتَوَعَّدَهُمْ، قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِبَنِي إسْرائِيلَ يُثَبِّتُهم ويَعِدُهم ما عِنْدَ اللهِ: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللهِ واصْبِرُوا﴾، وظاهِرُ هَذا الكَلامِ كُلِّهِ وعْدٌ بِغَيْبٍ فَكَأنَّ قُوَّتَهُ تَقْتَضِي أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، ولَيْسَ في اللَفْظِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، و"الأرْضَ" أرْضُ الدُنْيا وهو الأظْهَرُ، وقِيلَ: المُرادُ هُنا أرْضُ الجَنَّةِ، وأمّا في الثانِيَةِ فَأرْضُ الدُنْيا لا غَيْرُ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُورَثُها" بِفَتْحِ الراءِ، وقَرَأ السَبْعَةُ: "يُورِثُها" ساكِنَةَ الواوِ خَفِيفَةَ الراءِ مَكْسُورَةً، ورَوى حَفْصٌ عن عاصِمٍ وهي قِراءَةُ الحَسَنِ "يُوَرِّثُها" بِتَشْدِيدِ الراءِ عَلى المُبالَغَةِ، والصَبْرُ في هَذِهِ الآيَةِ يَعُمُّ الِانْتِظارَ الَّذِي هو عِبادَةٌ والصَبْرَ في المُناجَزاتِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا﴾ يَعْنُونَ بِهِ الذَبْحِ الَّذِي كانَ في المُدَّةِ الَّتِي كانَ فِرْعَوْنُ يَتَخَوَّفُ فِيها أنْ يُولَدَ المَوْلُودُ الَّذِي يُخَرِّبُ مُلْكَهُ، والَّذِي مِن بَعْدِ مَجِيئِهِ يَعْنُونَ بِهِ وعِيدَ فِرْعَوْنَ وسائِرَ ما كانَ خِلالَ تِلْكَ المُدَّةِ مِنَ الإخافَةِ لَهُمْ، وقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ هَذِهِ المَقالَةَ حِينَ اتَّبَعَهم فِرْعَوْنُ واضْطَرَّهم إلى البَحْرِ فَضاقَتْ صُدُورُهم ورَأوا بَحْرًا أمامَهم وعَدُوًّا كَثِيفًا وراءَهم فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وبِالجُمْلَةِ هو كَلامٌ يَجْرِي مَعَ المَعْهُودِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنِ اضْطِرابِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ وقِلَّةِ يَقِينِهِمْ وصَبْرِهِمْ عَلى الدِينِ، واسْتِعْطافُ مُوسى لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾، ووَعْدُهُ لَهم بِالِاسْتِخْلافِ في الأرْضِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَسْتَدْعِي نُفُوسًا نافِرَةً، ويُقَوِّي هَذا الظَنَّ في بَنِي إسْرائِيلَ سُلُوكُهم هَذِهِ السَبِيلَ في غَيْرِ قِصَّةٍ، وحَكى (p-٢٦)النَقّاشُ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ بِمِصْرَ حِينَ كَلَّفَهم فِرْعَوْنُ مِنَ العَمَلِ ما لا يُطِيقُونَ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يُكَلِّفُهم عَمَلَ الطُوبِ ويَمْنَعُهُمُ التِبْنَ لِيَشُقَّ عَلَيْهِمْ عَمَلُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ تَنْبِيهٌ وحَضٌّ عَلى الِاسْتِقامَةِ، وإنْ قُدِّرَ هَذا الوَعْدُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ فَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ قَوْلُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ: "عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ، وقَدِ اسْتُخْلِفُوا في مِصْرَ في زَمَنِ داوُدَ وسُلَيْمانَ، وقَدْ فَتَحُوا بَيْتَ المَقْدِسِ مَعَ يُوشَعَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِنِينَ﴾ الآيَةُ. أخْبَرَ أنَّهُ أخَذَ آلَ فِرْعَوْنَ في تِلْكَ المُدَّةِ الَّتِي كانَ مُوسى يَدْعُوهم فِيها بِالسِنِينَ وهُوَ: الجُدُوبُ والقُحُوطُ، وهَذِهِ سِيرَةُ اللهِ في الأُمَمِ، وكَذَلِكَ فَعَلَ بِقُرَيْشٍ. والسَنَةُ في كَلامِ العَرَبِ: القَحْطُ ومِنهُ قَوْلُ لَيْلى: "والناسُ مُسْنِتُونَ"، وسَنَةٌ وعِضَةٌ وما جَرى مَجْراهُما مِنَ الأسْماءِ المَنقُوصَةِ تُجْمَعُ بِالواوِ والنُونِ لَيْسَ عَلى جِهَةِ جَمْعِ السَلامَةِ لَكِنْ عَلى جِهَةِ العِوَضِ، مِمّا نَقَصَ وكَذَلِكَ "أرْضٌ" تَوَهَّمُوا فِيها نَقْصَ هاءِ التَأْنِيثِ؛ لِأنَّهُ كانَ حَقُّها أنْ تَكُونَ "أرَضَةً"، وأمّا "حُرَّةٌ وإحَرُّونَ" فَلِأنَّ التَضْعِيفَ أبَدًا يَعْتَلُّ فَتَوَهَّمُوهُ مِثْلَ النَقْصِ، وكَسْرُ السِينِ مِن "سُنُونَ وسِنِينَ" وزِيادَةُ الألِفِ في "إحَرِّينَ" دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِجَمْعِ سَلامَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَمَراتِ﴾ رُوِيَ أنَّ النَخْلَةَ كانَتْ لا تَحْمِلُ إلّا ثَمَرَةً واحِدَةً، وقالَ نَحْوَهُ رَجاءُ بْنُ حَيَوَةَ، وأرادَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُنِيبُوا ويَزْدَجِرُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، إذْ أحْوالُ الشِدَّةِ تُرِقُّ القُلُوبَ وتُرَغِّبُ فِيما عِنْدَ اللهِ.
الأعراف 7:130
(p-٢٥)قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَمَراتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾
لَمّا قالَ فِرْعَوْنُ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم وتَوَعَّدَهُمْ، قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِبَنِي إسْرائِيلَ يُثَبِّتُهم ويَعِدُهم ما عِنْدَ اللهِ: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللهِ واصْبِرُوا﴾، وظاهِرُ هَذا الكَلامِ كُلِّهِ وعْدٌ بِغَيْبٍ فَكَأنَّ قُوَّتَهُ تَقْتَضِي أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، ولَيْسَ في اللَفْظِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، و"الأرْضَ" أرْضُ الدُنْيا وهو الأظْهَرُ، وقِيلَ: المُرادُ هُنا أرْضُ الجَنَّةِ، وأمّا في الثانِيَةِ فَأرْضُ الدُنْيا لا غَيْرُ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُورَثُها" بِفَتْحِ الراءِ، وقَرَأ السَبْعَةُ: "يُورِثُها" ساكِنَةَ الواوِ خَفِيفَةَ الراءِ مَكْسُورَةً، ورَوى حَفْصٌ عن عاصِمٍ وهي قِراءَةُ الحَسَنِ "يُوَرِّثُها" بِتَشْدِيدِ الراءِ عَلى المُبالَغَةِ، والصَبْرُ في هَذِهِ الآيَةِ يَعُمُّ الِانْتِظارَ الَّذِي هو عِبادَةٌ والصَبْرَ في المُناجَزاتِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا﴾ يَعْنُونَ بِهِ الذَبْحِ الَّذِي كانَ في المُدَّةِ الَّتِي كانَ فِرْعَوْنُ يَتَخَوَّفُ فِيها أنْ يُولَدَ المَوْلُودُ الَّذِي يُخَرِّبُ مُلْكَهُ، والَّذِي مِن بَعْدِ مَجِيئِهِ يَعْنُونَ بِهِ وعِيدَ فِرْعَوْنَ وسائِرَ ما كانَ خِلالَ تِلْكَ المُدَّةِ مِنَ الإخافَةِ لَهُمْ، وقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ هَذِهِ المَقالَةَ حِينَ اتَّبَعَهم فِرْعَوْنُ واضْطَرَّهم إلى البَحْرِ فَضاقَتْ صُدُورُهم ورَأوا بَحْرًا أمامَهم وعَدُوًّا كَثِيفًا وراءَهم فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وبِالجُمْلَةِ هو كَلامٌ يَجْرِي مَعَ المَعْهُودِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنِ اضْطِرابِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ وقِلَّةِ يَقِينِهِمْ وصَبْرِهِمْ عَلى الدِينِ، واسْتِعْطافُ مُوسى لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾، ووَعْدُهُ لَهم بِالِاسْتِخْلافِ في الأرْضِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَسْتَدْعِي نُفُوسًا نافِرَةً، ويُقَوِّي هَذا الظَنَّ في بَنِي إسْرائِيلَ سُلُوكُهم هَذِهِ السَبِيلَ في غَيْرِ قِصَّةٍ، وحَكى (p-٢٦)النَقّاشُ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ بِمِصْرَ حِينَ كَلَّفَهم فِرْعَوْنُ مِنَ العَمَلِ ما لا يُطِيقُونَ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يُكَلِّفُهم عَمَلَ الطُوبِ ويَمْنَعُهُمُ التِبْنَ لِيَشُقَّ عَلَيْهِمْ عَمَلُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ تَنْبِيهٌ وحَضٌّ عَلى الِاسْتِقامَةِ، وإنْ قُدِّرَ هَذا الوَعْدُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ فَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ قَوْلُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ: "عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ، وقَدِ اسْتُخْلِفُوا في مِصْرَ في زَمَنِ داوُدَ وسُلَيْمانَ، وقَدْ فَتَحُوا بَيْتَ المَقْدِسِ مَعَ يُوشَعَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِنِينَ﴾ الآيَةُ. أخْبَرَ أنَّهُ أخَذَ آلَ فِرْعَوْنَ في تِلْكَ المُدَّةِ الَّتِي كانَ مُوسى يَدْعُوهم فِيها بِالسِنِينَ وهُوَ: الجُدُوبُ والقُحُوطُ، وهَذِهِ سِيرَةُ اللهِ في الأُمَمِ، وكَذَلِكَ فَعَلَ بِقُرَيْشٍ. والسَنَةُ في كَلامِ العَرَبِ: القَحْطُ ومِنهُ قَوْلُ لَيْلى: "والناسُ مُسْنِتُونَ"، وسَنَةٌ وعِضَةٌ وما جَرى مَجْراهُما مِنَ الأسْماءِ المَنقُوصَةِ تُجْمَعُ بِالواوِ والنُونِ لَيْسَ عَلى جِهَةِ جَمْعِ السَلامَةِ لَكِنْ عَلى جِهَةِ العِوَضِ، مِمّا نَقَصَ وكَذَلِكَ "أرْضٌ" تَوَهَّمُوا فِيها نَقْصَ هاءِ التَأْنِيثِ؛ لِأنَّهُ كانَ حَقُّها أنْ تَكُونَ "أرَضَةً"، وأمّا "حُرَّةٌ وإحَرُّونَ" فَلِأنَّ التَضْعِيفَ أبَدًا يَعْتَلُّ فَتَوَهَّمُوهُ مِثْلَ النَقْصِ، وكَسْرُ السِينِ مِن "سُنُونَ وسِنِينَ" وزِيادَةُ الألِفِ في "إحَرِّينَ" دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِجَمْعِ سَلامَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَمَراتِ﴾ رُوِيَ أنَّ النَخْلَةَ كانَتْ لا تَحْمِلُ إلّا ثَمَرَةً واحِدَةً، وقالَ نَحْوَهُ رَجاءُ بْنُ حَيَوَةَ، وأرادَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُنِيبُوا ويَزْدَجِرُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، إذْ أحْوالُ الشِدَّةِ تُرِقُّ القُلُوبَ وتُرَغِّبُ فِيما عِنْدَ اللهِ.
الأعراف 7:131
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَفادِعَ والدَمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾
(p-٢٧)كانَ القَصْدُ في إصابَتِهِمْ بِالقَحْطِ والنَقْصِ في الثَمَراتِ أنْ يُنِيبُوا ويَرْجِعُوا فَإذا بِهِمْ قَدْ ضَلُّوا وجَعَلُوها تَشاؤُمًا بِمُوسى، فَكانُوا إذا اتَّفَقَ لَهُمُ اتِّفاقٌ حَسَنٌ في غَلّاتٍ ونَحْوِها قالُوا: هَذا لَنا وبِسَبَبِنا وعَلى الحَقِيقَةِ لَنا، وإذا نالَهم ضُرٌّ قالُوا: هَذا بِسَبَبِ مُوسى وشُؤْمِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِالياءِ وشَدِّ الطاءِ والياءِ الأخِيرَةِ "يَطَّيَّرُوا"، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالتاءِ وتَخْفِيفِ الطاءِ: "تَطَيَّرُوا"، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "تَشاءَمُوا بِمُوسى" بِالتاءِ مِن فَوْقُ وبِلَفْظِ الشُؤْمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّما طائِرُهُمْ﴾ مَعْناهُ: حَظُّهم ونَصِيبُهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن زَجْرِ الطَيْرِ، فَسُمِّيَ ما عِنْدَ اللهِ مِنَ القَدَرِ لِلْإنْسانِ طائِرًا لَمّا كانَ الإنْسانُ يَعْتَقِدُ أنَّ كُلَّ ما يُصِيبُهُ إنَّما هو بِحَسَبِ ما يَراهُ في الطائِرِ، فَهي لَفْظَةٌ مُسْتَعارَةٌ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "طائِرُهُمْ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "طَيْرُهُمْ". وقالَ تَعالى: "أكْثَرَهُمْ" وجَمِيعُهم لا يَعْلَمُ إمّا لِأنَّ القَلِيلَ عَلِمَ كالرَجُلِ المُؤْمِنِ وآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، وإمّا أنْ يُرادَ الجَمِيعُ وتَجُوزُ في العِبارَةِ لِأجْلِ الإمْكانِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "طائِرُهُمْ" لِجَمِيعِ العالَمِ ويَجِيءُ تَخْصِيصُ الأكْثَرِ عَلى ظاهِرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ولَكِنَّ أكْثَرَهم لَيْسَ قَرِيبًا أنْ يَعْلَمَ لِانْغِمارِهِمْ في الجَهْلِ، وعَلى هَذا فِيهِمْ قَلِيلٌ مُعَدٌّ لِأنْ يَعْلَمَ لَوْ وفَّقَهُ اللهُ.
و"مَهْما" أصْلُها عِنْدَ الخَلِيلِ "ما ما" فَبُدِّلَتِ الألِفُ الأُولى هاءً، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هي "مَهْ ما" خُلِطَتا، وهي حَرْفٌ واحِدٌ، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْناها: "مَهْ وما" جَزاءٌ، ذَكَرَهُ الزَجّاجُ، وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ طُغْيانَهم وعُتُوَّهم وقَطْعَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ البَحْتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُوفانَ﴾ الآيَةُ، قالَ الأخْفَشُ: الطُوفانُ: جَمْعُ طُوفانَةٍ، وهَذِهِ عُقُوباتٌ وأنْواعٌ مِنَ العَذابِ بَعَثَها اللهُ عَلَيْهِمْ لِيَزْدَجِرُوا ويُنِيبُوا، والطُوفانُ: مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ: طافَ يَطُوفُ فَهو عامٌ في كُلِّ شَيْءٍ يَطُوفُ، إلّا أنَّ اسْتِعْمالَ العَرَبِ لَهُ كَثُرَ في الماءِ والمَطَرِ الشَدِيدِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٢٨)
؎ غَيَّرَ الجَدَّةَ مِن آياتِها ∗∗∗ خُرُقُ الرِيحِ وطُوفانُ المَطَرِ
ومِنهُ قَوْلُ أبِي النَجْمِ:
؎ قَدْ مَدَّ طُوفانٌ فَبَثَّ مَدَدًا ∗∗∗ ∗∗∗ شَهْرًا شَآبِيبَ وشَهْرًا بَرَدا
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: إنَّ الطُوفانَ في هَذِهِ الآيَةِ المَطَرُ الشَدِيدُ أصابَهم وتَوالى عَلَيْهِمْ حَتّى هَدَمَ بُيُوتَهم وضَيَّقَ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: طَمَّ فَيْضُ النِيلِ عَلَيْهِمْ، ورُوِيَ في كَيْفِيَّتِهِ قَصَصٌ كَثِيرٌ. وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها «عَنِ النَبِيِّ ﷺ: "إنَّ الطُوفانَ المُرادَ في هَذِهِ الآيَةِ هو المَوْتُ"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: هو مَصْدَرٌ مُعَمًّى، عُنِيَ بِهِ شَيْءٌ أطافَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِمْ.
والجَرادُ مَعْرُوفٌ، قالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعُ جَرادَةٍ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، فَإنْ أرَدْتَ الفَصْلَ قُلْتَ: رَأيْتُ جَرادَةً ذِكْرًا، ورُوِيَ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لَمّا والى عَلَيْهِمُ المَطَرَ غَرِقَتْ أرْضُهم ومُنِعُوا،الزِراعَةَ قالُوا: يا مُوسى ادْعُ في كَشْفِ هَذا عَنّا ونَحْنُ نُؤْمِنُ، فَدَعا، فَدَفَعَهُ اللهُ عنهم فَأنْبَتَتِ الأرْضُ إنْباتًا حَسَنًا، فَطَغَوْا وقالُوا: ما نَوَدُّ أنّا لَمْ نُمْطَرْ، وما هَذا إلّا إحْسانٌ مِنَ اللهِ إلَيْنا، فَبَعَثَ اللهُ حِينَئِذٍ الجَرادَ، فَأكَلَ جَمِيعَ ما أنْبَتَتِ الأرْضُ، ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن مالِكٍ أنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ أكَلَ أبْوابَهم وأكَلَ الحَدِيدَ والمَسامِيرَ، وضَيَّقَ عَلَيْهِمْ غايَةَ التَضْيِيقِ، وتَرَكَ اللهُ مِن نَباتِهِمْ ما يَقُومُ بِهِ الرَمَقُ، فَقالُوا لِمُوسى: ادْعُ في كَشْفِ الجَرادِ ونَحْنُ نُؤْمِنُ، فَدَعا فَكُشِفَ فَرَجَعُوا إلى كُفْرِهِمْ، ورَأوا أنَّ ما أقامَ رَمَقَهم قَدْ كَفاهُمْ، فَبَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمُ القُمَّلَ وهي الدَبى صِغارُ الجَرادِ الَّذِي يَثِبُ ولا يَطِيرُ، (p-٢٩)قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. وقِيلَ: هو الحَمْنانُ وهو صِغارُ القِرْدانِ. وقِيلَ: هو البَراغِيثُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: القُمَّلُ: السُوسُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الحِنْطَةِ، وقِيلَ: القُمَّلُ: حَيَوانٌ صَغِيرٌ جِدًّا أسْوَدُ، وإنَّهُ بِأرْضِ مِصْرَ حَتّى الآنَ، قالَ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ: القُمَّلُ: الجُعْلانِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "القَمْلَ" بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ المِيمِ، فَهي -عَلى هَذا- بَيِّنَةٌ، إذْ هو القَمْلُ المَعْرُوفُ. ورُوِيَ أنَّ مُوسى مَشى بِعَصاهُ إلى كَثِيبٍ أُهِيلَ، فَضَرَبَهُ فانْتَشَرَ كُلُّهُ قَمْلًا في مِصْرَ، ثُمَّ إنَّهم قالُوا: ادْعُ في كَشْفِ هَذا فَدَعا، ورَجَعُوا إلى طُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ.
وبَعَثَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيْهِمُ الضَفادِعَ، فَكانَتْ تَدْخُلُ في فُرُشِهِمْ وبَيْنَ ثِيابِهِمْ، وإذا هَمَّ الرَجُلُ أنْ يَتَكَلَّمَ وثَبَ الضِفْدَعُ في فَمِهِ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ الرَجُلُ يَجْلِسُ إلى ذَقْنِهِ في الضَفادِعِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَتِ الضَفادِعُ بَرِّيَّةً، فَلَمّا أُرْسِلَتْ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ سَمِعَتْ وأطاعَتْ، فَجَعَلَتْ تَقْذِفُ أنْفُسَها في القُدُورِ وهي تَغْلِي فَأثابَها اللهُ بِحُسْنِ طاعَتِها بِرَدِّ الماءِ. فَقالُوا: ادْعُ في كَشْفِ هَذا، فَدَعا فَكُشِفَ فَرَجَعُوا إلى كُفْرِهِمْ وعُتُوِّهِمْ، فَبَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمُ الدَمَ فَرَجَعَ ماؤُهُمُ الَّذِي يَسْتَسْقُونَهُ ويَحْصُلُ عِنْدَهم دَمًا، فَرُوِيَ أنَّ الرَجُلَ مِنهم كانَ يَسْتَقِي مِنَ البِئْرِ فَإذا ارْتَفَعَ إلَيْهِ الدَلْوُ عادَ دَمًا، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَسْتَقِي القِبْطِيُّ والإسْرائِيلِيُّ بِإناءٍ واحِدٍ فَإذا خَرَجَ الماءُ كانَ الَّذِي يَلِي القِبْطِيَّ دَمًا والَّذِي يَلِي الإسْرائِيلِيَّ ماءً، إلى نَحْوِ هَذا وشِبْهِهِ مِنَ العَذابِ بِالدَمِ المُنْقَلِبِ عَنِ الماءِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةِ المُتَأوِّلِينَ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إنَّما سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الرُعافَ فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "والدَمَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ التَفْصِيلُ أصْلُهُ في الأجْرامِ إزالَةُ الِاتِّصالِ، فَهو تَفْرِيقُ شَيْئَيْنِ، فَإذا اسْتُعْمِلَ في المَعانِي فَيُرادُ أنَّهُ فُرِّقَ بَيْنَها وأُزِيلَ اشْتِراكُها وإشْكالُها، فَيَجِيءُ مِن ذَلِكَ بَيانُها وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "مُفَصَّلاتٍ" يُرادُ بِهِ مُفَرَّقاتُ بِالزَمَنِ، والمَعْنى أنَّهُ كانَ العَذابُ يَرْتَفِعُ ثُمَّ يَبْقَوْنَ مُدَّةً قِيلَ: شَهْرٌ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ أيّامٍ ثُمَّ يَرِدُ الآخَرُ، فالمُرادُ أنَّ هَذِهِ الأنْواعَ مِنَ العَذابِ لَمْ تَجِئْ جُمْلَةً ولا مُتَّصِلَةً، (p-٣٠)ثُمَّ وصَفَهُمُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِالِاسْتِكْبارِ عَنِ الآياتِ والإيمانِ، وبِأنَّهم كانَ لَهُمُ اجْتِرامٌ عَلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وعَلى عِبادِهِ.
الأعراف 7:132
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَفادِعَ والدَمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾
(p-٢٧)كانَ القَصْدُ في إصابَتِهِمْ بِالقَحْطِ والنَقْصِ في الثَمَراتِ أنْ يُنِيبُوا ويَرْجِعُوا فَإذا بِهِمْ قَدْ ضَلُّوا وجَعَلُوها تَشاؤُمًا بِمُوسى، فَكانُوا إذا اتَّفَقَ لَهُمُ اتِّفاقٌ حَسَنٌ في غَلّاتٍ ونَحْوِها قالُوا: هَذا لَنا وبِسَبَبِنا وعَلى الحَقِيقَةِ لَنا، وإذا نالَهم ضُرٌّ قالُوا: هَذا بِسَبَبِ مُوسى وشُؤْمِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِالياءِ وشَدِّ الطاءِ والياءِ الأخِيرَةِ "يَطَّيَّرُوا"، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالتاءِ وتَخْفِيفِ الطاءِ: "تَطَيَّرُوا"، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "تَشاءَمُوا بِمُوسى" بِالتاءِ مِن فَوْقُ وبِلَفْظِ الشُؤْمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّما طائِرُهُمْ﴾ مَعْناهُ: حَظُّهم ونَصِيبُهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن زَجْرِ الطَيْرِ، فَسُمِّيَ ما عِنْدَ اللهِ مِنَ القَدَرِ لِلْإنْسانِ طائِرًا لَمّا كانَ الإنْسانُ يَعْتَقِدُ أنَّ كُلَّ ما يُصِيبُهُ إنَّما هو بِحَسَبِ ما يَراهُ في الطائِرِ، فَهي لَفْظَةٌ مُسْتَعارَةٌ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "طائِرُهُمْ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "طَيْرُهُمْ". وقالَ تَعالى: "أكْثَرَهُمْ" وجَمِيعُهم لا يَعْلَمُ إمّا لِأنَّ القَلِيلَ عَلِمَ كالرَجُلِ المُؤْمِنِ وآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، وإمّا أنْ يُرادَ الجَمِيعُ وتَجُوزُ في العِبارَةِ لِأجْلِ الإمْكانِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "طائِرُهُمْ" لِجَمِيعِ العالَمِ ويَجِيءُ تَخْصِيصُ الأكْثَرِ عَلى ظاهِرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ولَكِنَّ أكْثَرَهم لَيْسَ قَرِيبًا أنْ يَعْلَمَ لِانْغِمارِهِمْ في الجَهْلِ، وعَلى هَذا فِيهِمْ قَلِيلٌ مُعَدٌّ لِأنْ يَعْلَمَ لَوْ وفَّقَهُ اللهُ.
و"مَهْما" أصْلُها عِنْدَ الخَلِيلِ "ما ما" فَبُدِّلَتِ الألِفُ الأُولى هاءً، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هي "مَهْ ما" خُلِطَتا، وهي حَرْفٌ واحِدٌ، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْناها: "مَهْ وما" جَزاءٌ، ذَكَرَهُ الزَجّاجُ، وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ طُغْيانَهم وعُتُوَّهم وقَطْعَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ البَحْتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُوفانَ﴾ الآيَةُ، قالَ الأخْفَشُ: الطُوفانُ: جَمْعُ طُوفانَةٍ، وهَذِهِ عُقُوباتٌ وأنْواعٌ مِنَ العَذابِ بَعَثَها اللهُ عَلَيْهِمْ لِيَزْدَجِرُوا ويُنِيبُوا، والطُوفانُ: مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ: طافَ يَطُوفُ فَهو عامٌ في كُلِّ شَيْءٍ يَطُوفُ، إلّا أنَّ اسْتِعْمالَ العَرَبِ لَهُ كَثُرَ في الماءِ والمَطَرِ الشَدِيدِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٢٨)
؎ غَيَّرَ الجَدَّةَ مِن آياتِها ∗∗∗ خُرُقُ الرِيحِ وطُوفانُ المَطَرِ
ومِنهُ قَوْلُ أبِي النَجْمِ:
؎ قَدْ مَدَّ طُوفانٌ فَبَثَّ مَدَدًا ∗∗∗ ∗∗∗ شَهْرًا شَآبِيبَ وشَهْرًا بَرَدا
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: إنَّ الطُوفانَ في هَذِهِ الآيَةِ المَطَرُ الشَدِيدُ أصابَهم وتَوالى عَلَيْهِمْ حَتّى هَدَمَ بُيُوتَهم وضَيَّقَ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: طَمَّ فَيْضُ النِيلِ عَلَيْهِمْ، ورُوِيَ في كَيْفِيَّتِهِ قَصَصٌ كَثِيرٌ. وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها «عَنِ النَبِيِّ ﷺ: "إنَّ الطُوفانَ المُرادَ في هَذِهِ الآيَةِ هو المَوْتُ"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: هو مَصْدَرٌ مُعَمًّى، عُنِيَ بِهِ شَيْءٌ أطافَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِمْ.
والجَرادُ مَعْرُوفٌ، قالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعُ جَرادَةٍ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، فَإنْ أرَدْتَ الفَصْلَ قُلْتَ: رَأيْتُ جَرادَةً ذِكْرًا، ورُوِيَ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لَمّا والى عَلَيْهِمُ المَطَرَ غَرِقَتْ أرْضُهم ومُنِعُوا،الزِراعَةَ قالُوا: يا مُوسى ادْعُ في كَشْفِ هَذا عَنّا ونَحْنُ نُؤْمِنُ، فَدَعا، فَدَفَعَهُ اللهُ عنهم فَأنْبَتَتِ الأرْضُ إنْباتًا حَسَنًا، فَطَغَوْا وقالُوا: ما نَوَدُّ أنّا لَمْ نُمْطَرْ، وما هَذا إلّا إحْسانٌ مِنَ اللهِ إلَيْنا، فَبَعَثَ اللهُ حِينَئِذٍ الجَرادَ، فَأكَلَ جَمِيعَ ما أنْبَتَتِ الأرْضُ، ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن مالِكٍ أنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ أكَلَ أبْوابَهم وأكَلَ الحَدِيدَ والمَسامِيرَ، وضَيَّقَ عَلَيْهِمْ غايَةَ التَضْيِيقِ، وتَرَكَ اللهُ مِن نَباتِهِمْ ما يَقُومُ بِهِ الرَمَقُ، فَقالُوا لِمُوسى: ادْعُ في كَشْفِ الجَرادِ ونَحْنُ نُؤْمِنُ، فَدَعا فَكُشِفَ فَرَجَعُوا إلى كُفْرِهِمْ، ورَأوا أنَّ ما أقامَ رَمَقَهم قَدْ كَفاهُمْ، فَبَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمُ القُمَّلَ وهي الدَبى صِغارُ الجَرادِ الَّذِي يَثِبُ ولا يَطِيرُ، (p-٢٩)قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. وقِيلَ: هو الحَمْنانُ وهو صِغارُ القِرْدانِ. وقِيلَ: هو البَراغِيثُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: القُمَّلُ: السُوسُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الحِنْطَةِ، وقِيلَ: القُمَّلُ: حَيَوانٌ صَغِيرٌ جِدًّا أسْوَدُ، وإنَّهُ بِأرْضِ مِصْرَ حَتّى الآنَ، قالَ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ: القُمَّلُ: الجُعْلانِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "القَمْلَ" بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ المِيمِ، فَهي -عَلى هَذا- بَيِّنَةٌ، إذْ هو القَمْلُ المَعْرُوفُ. ورُوِيَ أنَّ مُوسى مَشى بِعَصاهُ إلى كَثِيبٍ أُهِيلَ، فَضَرَبَهُ فانْتَشَرَ كُلُّهُ قَمْلًا في مِصْرَ، ثُمَّ إنَّهم قالُوا: ادْعُ في كَشْفِ هَذا فَدَعا، ورَجَعُوا إلى طُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ.
وبَعَثَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيْهِمُ الضَفادِعَ، فَكانَتْ تَدْخُلُ في فُرُشِهِمْ وبَيْنَ ثِيابِهِمْ، وإذا هَمَّ الرَجُلُ أنْ يَتَكَلَّمَ وثَبَ الضِفْدَعُ في فَمِهِ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ الرَجُلُ يَجْلِسُ إلى ذَقْنِهِ في الضَفادِعِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَتِ الضَفادِعُ بَرِّيَّةً، فَلَمّا أُرْسِلَتْ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ سَمِعَتْ وأطاعَتْ، فَجَعَلَتْ تَقْذِفُ أنْفُسَها في القُدُورِ وهي تَغْلِي فَأثابَها اللهُ بِحُسْنِ طاعَتِها بِرَدِّ الماءِ. فَقالُوا: ادْعُ في كَشْفِ هَذا، فَدَعا فَكُشِفَ فَرَجَعُوا إلى كُفْرِهِمْ وعُتُوِّهِمْ، فَبَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمُ الدَمَ فَرَجَعَ ماؤُهُمُ الَّذِي يَسْتَسْقُونَهُ ويَحْصُلُ عِنْدَهم دَمًا، فَرُوِيَ أنَّ الرَجُلَ مِنهم كانَ يَسْتَقِي مِنَ البِئْرِ فَإذا ارْتَفَعَ إلَيْهِ الدَلْوُ عادَ دَمًا، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَسْتَقِي القِبْطِيُّ والإسْرائِيلِيُّ بِإناءٍ واحِدٍ فَإذا خَرَجَ الماءُ كانَ الَّذِي يَلِي القِبْطِيَّ دَمًا والَّذِي يَلِي الإسْرائِيلِيَّ ماءً، إلى نَحْوِ هَذا وشِبْهِهِ مِنَ العَذابِ بِالدَمِ المُنْقَلِبِ عَنِ الماءِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةِ المُتَأوِّلِينَ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إنَّما سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الرُعافَ فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "والدَمَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ التَفْصِيلُ أصْلُهُ في الأجْرامِ إزالَةُ الِاتِّصالِ، فَهو تَفْرِيقُ شَيْئَيْنِ، فَإذا اسْتُعْمِلَ في المَعانِي فَيُرادُ أنَّهُ فُرِّقَ بَيْنَها وأُزِيلَ اشْتِراكُها وإشْكالُها، فَيَجِيءُ مِن ذَلِكَ بَيانُها وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "مُفَصَّلاتٍ" يُرادُ بِهِ مُفَرَّقاتُ بِالزَمَنِ، والمَعْنى أنَّهُ كانَ العَذابُ يَرْتَفِعُ ثُمَّ يَبْقَوْنَ مُدَّةً قِيلَ: شَهْرٌ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ أيّامٍ ثُمَّ يَرِدُ الآخَرُ، فالمُرادُ أنَّ هَذِهِ الأنْواعَ مِنَ العَذابِ لَمْ تَجِئْ جُمْلَةً ولا مُتَّصِلَةً، (p-٣٠)ثُمَّ وصَفَهُمُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِالِاسْتِكْبارِ عَنِ الآياتِ والإيمانِ، وبِأنَّهم كانَ لَهُمُ اجْتِرامٌ عَلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وعَلى عِبادِهِ.
الأعراف 7:133
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَفادِعَ والدَمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾
(p-٢٧)كانَ القَصْدُ في إصابَتِهِمْ بِالقَحْطِ والنَقْصِ في الثَمَراتِ أنْ يُنِيبُوا ويَرْجِعُوا فَإذا بِهِمْ قَدْ ضَلُّوا وجَعَلُوها تَشاؤُمًا بِمُوسى، فَكانُوا إذا اتَّفَقَ لَهُمُ اتِّفاقٌ حَسَنٌ في غَلّاتٍ ونَحْوِها قالُوا: هَذا لَنا وبِسَبَبِنا وعَلى الحَقِيقَةِ لَنا، وإذا نالَهم ضُرٌّ قالُوا: هَذا بِسَبَبِ مُوسى وشُؤْمِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِالياءِ وشَدِّ الطاءِ والياءِ الأخِيرَةِ "يَطَّيَّرُوا"، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالتاءِ وتَخْفِيفِ الطاءِ: "تَطَيَّرُوا"، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "تَشاءَمُوا بِمُوسى" بِالتاءِ مِن فَوْقُ وبِلَفْظِ الشُؤْمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّما طائِرُهُمْ﴾ مَعْناهُ: حَظُّهم ونَصِيبُهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن زَجْرِ الطَيْرِ، فَسُمِّيَ ما عِنْدَ اللهِ مِنَ القَدَرِ لِلْإنْسانِ طائِرًا لَمّا كانَ الإنْسانُ يَعْتَقِدُ أنَّ كُلَّ ما يُصِيبُهُ إنَّما هو بِحَسَبِ ما يَراهُ في الطائِرِ، فَهي لَفْظَةٌ مُسْتَعارَةٌ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "طائِرُهُمْ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "طَيْرُهُمْ". وقالَ تَعالى: "أكْثَرَهُمْ" وجَمِيعُهم لا يَعْلَمُ إمّا لِأنَّ القَلِيلَ عَلِمَ كالرَجُلِ المُؤْمِنِ وآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، وإمّا أنْ يُرادَ الجَمِيعُ وتَجُوزُ في العِبارَةِ لِأجْلِ الإمْكانِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "طائِرُهُمْ" لِجَمِيعِ العالَمِ ويَجِيءُ تَخْصِيصُ الأكْثَرِ عَلى ظاهِرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ولَكِنَّ أكْثَرَهم لَيْسَ قَرِيبًا أنْ يَعْلَمَ لِانْغِمارِهِمْ في الجَهْلِ، وعَلى هَذا فِيهِمْ قَلِيلٌ مُعَدٌّ لِأنْ يَعْلَمَ لَوْ وفَّقَهُ اللهُ.
و"مَهْما" أصْلُها عِنْدَ الخَلِيلِ "ما ما" فَبُدِّلَتِ الألِفُ الأُولى هاءً، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هي "مَهْ ما" خُلِطَتا، وهي حَرْفٌ واحِدٌ، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْناها: "مَهْ وما" جَزاءٌ، ذَكَرَهُ الزَجّاجُ، وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ طُغْيانَهم وعُتُوَّهم وقَطْعَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ البَحْتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُوفانَ﴾ الآيَةُ، قالَ الأخْفَشُ: الطُوفانُ: جَمْعُ طُوفانَةٍ، وهَذِهِ عُقُوباتٌ وأنْواعٌ مِنَ العَذابِ بَعَثَها اللهُ عَلَيْهِمْ لِيَزْدَجِرُوا ويُنِيبُوا، والطُوفانُ: مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ: طافَ يَطُوفُ فَهو عامٌ في كُلِّ شَيْءٍ يَطُوفُ، إلّا أنَّ اسْتِعْمالَ العَرَبِ لَهُ كَثُرَ في الماءِ والمَطَرِ الشَدِيدِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٢٨)
؎ غَيَّرَ الجَدَّةَ مِن آياتِها ∗∗∗ خُرُقُ الرِيحِ وطُوفانُ المَطَرِ
ومِنهُ قَوْلُ أبِي النَجْمِ:
؎ قَدْ مَدَّ طُوفانٌ فَبَثَّ مَدَدًا ∗∗∗ ∗∗∗ شَهْرًا شَآبِيبَ وشَهْرًا بَرَدا
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: إنَّ الطُوفانَ في هَذِهِ الآيَةِ المَطَرُ الشَدِيدُ أصابَهم وتَوالى عَلَيْهِمْ حَتّى هَدَمَ بُيُوتَهم وضَيَّقَ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: طَمَّ فَيْضُ النِيلِ عَلَيْهِمْ، ورُوِيَ في كَيْفِيَّتِهِ قَصَصٌ كَثِيرٌ. وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها «عَنِ النَبِيِّ ﷺ: "إنَّ الطُوفانَ المُرادَ في هَذِهِ الآيَةِ هو المَوْتُ"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: هو مَصْدَرٌ مُعَمًّى، عُنِيَ بِهِ شَيْءٌ أطافَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِمْ.
والجَرادُ مَعْرُوفٌ، قالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعُ جَرادَةٍ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، فَإنْ أرَدْتَ الفَصْلَ قُلْتَ: رَأيْتُ جَرادَةً ذِكْرًا، ورُوِيَ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لَمّا والى عَلَيْهِمُ المَطَرَ غَرِقَتْ أرْضُهم ومُنِعُوا،الزِراعَةَ قالُوا: يا مُوسى ادْعُ في كَشْفِ هَذا عَنّا ونَحْنُ نُؤْمِنُ، فَدَعا، فَدَفَعَهُ اللهُ عنهم فَأنْبَتَتِ الأرْضُ إنْباتًا حَسَنًا، فَطَغَوْا وقالُوا: ما نَوَدُّ أنّا لَمْ نُمْطَرْ، وما هَذا إلّا إحْسانٌ مِنَ اللهِ إلَيْنا، فَبَعَثَ اللهُ حِينَئِذٍ الجَرادَ، فَأكَلَ جَمِيعَ ما أنْبَتَتِ الأرْضُ، ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن مالِكٍ أنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ أكَلَ أبْوابَهم وأكَلَ الحَدِيدَ والمَسامِيرَ، وضَيَّقَ عَلَيْهِمْ غايَةَ التَضْيِيقِ، وتَرَكَ اللهُ مِن نَباتِهِمْ ما يَقُومُ بِهِ الرَمَقُ، فَقالُوا لِمُوسى: ادْعُ في كَشْفِ الجَرادِ ونَحْنُ نُؤْمِنُ، فَدَعا فَكُشِفَ فَرَجَعُوا إلى كُفْرِهِمْ، ورَأوا أنَّ ما أقامَ رَمَقَهم قَدْ كَفاهُمْ، فَبَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمُ القُمَّلَ وهي الدَبى صِغارُ الجَرادِ الَّذِي يَثِبُ ولا يَطِيرُ، (p-٢٩)قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. وقِيلَ: هو الحَمْنانُ وهو صِغارُ القِرْدانِ. وقِيلَ: هو البَراغِيثُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: القُمَّلُ: السُوسُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الحِنْطَةِ، وقِيلَ: القُمَّلُ: حَيَوانٌ صَغِيرٌ جِدًّا أسْوَدُ، وإنَّهُ بِأرْضِ مِصْرَ حَتّى الآنَ، قالَ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ: القُمَّلُ: الجُعْلانِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "القَمْلَ" بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ المِيمِ، فَهي -عَلى هَذا- بَيِّنَةٌ، إذْ هو القَمْلُ المَعْرُوفُ. ورُوِيَ أنَّ مُوسى مَشى بِعَصاهُ إلى كَثِيبٍ أُهِيلَ، فَضَرَبَهُ فانْتَشَرَ كُلُّهُ قَمْلًا في مِصْرَ، ثُمَّ إنَّهم قالُوا: ادْعُ في كَشْفِ هَذا فَدَعا، ورَجَعُوا إلى طُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ.
وبَعَثَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيْهِمُ الضَفادِعَ، فَكانَتْ تَدْخُلُ في فُرُشِهِمْ وبَيْنَ ثِيابِهِمْ، وإذا هَمَّ الرَجُلُ أنْ يَتَكَلَّمَ وثَبَ الضِفْدَعُ في فَمِهِ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ الرَجُلُ يَجْلِسُ إلى ذَقْنِهِ في الضَفادِعِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَتِ الضَفادِعُ بَرِّيَّةً، فَلَمّا أُرْسِلَتْ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ سَمِعَتْ وأطاعَتْ، فَجَعَلَتْ تَقْذِفُ أنْفُسَها في القُدُورِ وهي تَغْلِي فَأثابَها اللهُ بِحُسْنِ طاعَتِها بِرَدِّ الماءِ. فَقالُوا: ادْعُ في كَشْفِ هَذا، فَدَعا فَكُشِفَ فَرَجَعُوا إلى كُفْرِهِمْ وعُتُوِّهِمْ، فَبَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمُ الدَمَ فَرَجَعَ ماؤُهُمُ الَّذِي يَسْتَسْقُونَهُ ويَحْصُلُ عِنْدَهم دَمًا، فَرُوِيَ أنَّ الرَجُلَ مِنهم كانَ يَسْتَقِي مِنَ البِئْرِ فَإذا ارْتَفَعَ إلَيْهِ الدَلْوُ عادَ دَمًا، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَسْتَقِي القِبْطِيُّ والإسْرائِيلِيُّ بِإناءٍ واحِدٍ فَإذا خَرَجَ الماءُ كانَ الَّذِي يَلِي القِبْطِيَّ دَمًا والَّذِي يَلِي الإسْرائِيلِيَّ ماءً، إلى نَحْوِ هَذا وشِبْهِهِ مِنَ العَذابِ بِالدَمِ المُنْقَلِبِ عَنِ الماءِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةِ المُتَأوِّلِينَ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إنَّما سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الرُعافَ فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "والدَمَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ التَفْصِيلُ أصْلُهُ في الأجْرامِ إزالَةُ الِاتِّصالِ، فَهو تَفْرِيقُ شَيْئَيْنِ، فَإذا اسْتُعْمِلَ في المَعانِي فَيُرادُ أنَّهُ فُرِّقَ بَيْنَها وأُزِيلَ اشْتِراكُها وإشْكالُها، فَيَجِيءُ مِن ذَلِكَ بَيانُها وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "مُفَصَّلاتٍ" يُرادُ بِهِ مُفَرَّقاتُ بِالزَمَنِ، والمَعْنى أنَّهُ كانَ العَذابُ يَرْتَفِعُ ثُمَّ يَبْقَوْنَ مُدَّةً قِيلَ: شَهْرٌ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ أيّامٍ ثُمَّ يَرِدُ الآخَرُ، فالمُرادُ أنَّ هَذِهِ الأنْواعَ مِنَ العَذابِ لَمْ تَجِئْ جُمْلَةً ولا مُتَّصِلَةً، (p-٣٠)ثُمَّ وصَفَهُمُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِالِاسْتِكْبارِ عَنِ الآياتِ والإيمانِ، وبِأنَّهم كانَ لَهُمُ اجْتِرامٌ عَلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وعَلى عِبادِهِ.
الأعراف 7:134
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِجْزُ قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِجْزُ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عنهُمُ الرِجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عنها غافِلِينَ﴾
"الرِجْزُ": العَذابُ، والظاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ المُرادَ بِالرِجْزِ العَذابُ المُتَقَدِّمُ الذِكْرِ مِنَ الطُوفانِ والجَرادِ وغَيْرِهِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الإشارَةُ هُنا بِالرِجْزِ إنَّما هي إلى طاعُونٍ أنْزَلَهُ فِيهِمْ، فَماتَ مِنهم في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ سَبْعُونَ ألْفَ قِبْطِيٍّ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِأنْ يَذْبَحُوا كَبْشًا ويَضْمُخُوا أبْوابَهم بِالدَمِ لِيَكُونَ ذَلِكَ فَرْقًا بَيْنَهم وبَيْنَ القِبْطِ في نُزُولِ العَذابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا ضَعِيفٌ، وهَذِهِ الأخْبارُ وما شاكَلَها إنَّما تُؤْخَذُ مِن كُتُبِ بَنِي إسْرائِيلَ فَلِذَلِكَ ضَعُفَتْ، وقَوْلُهُمْ: ﴿بِما عَهِدَ﴾ يُرِيدُونَ: بِذِمامِكَ وماتَّتِكَ إلَيْهِ، فَهي تَعُمُّ جَمِيعَ الوَسائِلِ بَيْنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وبَيْنَ مُوسى مِن طاعَةِ مُوسى ونِعْمَةٍ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنهم عَلى جِهَةِ القَسَمِ عَلى مُوسى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ادْعُ لَنا رَبَّكَ ماتًّا إلَيْهِ بِما عَهِدَ إلَيْكَ، ويُحْتَمَلُ -إنْ كانَ شَعَرَ أنَّ بَيْنَ اللهِ تَعالى وبَيْنَ مُوسى في أمْرِهِمْ عَهْدٌ ما- أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلَيْهِ، والأوَّلُ أعَمُّ وألْزَمُ، والآخَرُ يَحْتاجُ إلى رِوايَةٍ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ﴾ أيْ بِدُعائِكَ ﴿لَنُؤْمِنَنَّ﴾، ﴿وَلَنُرْسِلَنَّ﴾ قَسَمٌ وجَوابُهُ، وهَذا عَهْدٌ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ الَّذِينَ إلَيْهِمُ الحَلُّ والعَقْدُ، ولَهم ضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: "لَنُؤْمِنَنَّ".
وألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ تُعْطِي الفَرْقَ بَيْنَ القِبْطِ وبَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ في رِسالَةِ مُوسى، لِأنَّهُ لَوْ كانَ إيمانُهم بِهِ عَلى حَدِّ إيمانِ بَنِي إسْرائِيلَ لَما أرْسَلُوا بَنِي إسْرائِيلَ ولا فارْقُوا (p-٣١)دِينَهُمْ، بَلْ كانُوا يُشارِكُونَ فِيهِ بَنِي إسْرائِيلَ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا انْكَشَفَ العَذابُ قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى: اذْهَبْ بِبَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ شِئْتَ فَخالَفَهُ بَعْضُ مِلَّتِهِ فَرَجَعَ فَنَكَثَ. وأخْبَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لَمّا كَشَفَ عنهُمُ العَذابَ نَكَثُوا عَهْدَهُمُ الَّذِي أعْطَوْهُ مُوسى. و"إذا" هاهُنا لِلْمُفاجَأةِ، و"إلى" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "كَشَفْنا"، والأجَلُ يُرادُ بِهِ غايَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِما يَخُصُّهُ مِنَ الهَلاكِ والمَوْتِ. وهَذا اللازِمُ مِنَ اللَفْظِ كَما تَقُولُ: أخَذْتُ كَذا إلى وقْتٍ، وأنْتَ لا تُرِيدُ وقْتًا بِعَيْنِهِ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: الأجَلُ هُنا: الغَرَقُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما هَذا القَوْلُ لِأنَّهُ رَأى جُمْهُورَ هَذِهِ الطائِفَةِ قَدِ اتَّفَقَ أنْ هَلَكَتْ غَرَقًا فاعْتَقَدَ أنَّ الإشارَةَ هُنا بِالأجَلِ إنَّما هي إلى الغَرَقِ، وهَذا لَيْسَ بِلازِمٍ لِأنَّهُ لا بُدَّ أنَّهُ ماتَ مِنهم قَبْلَ الغَرَقِ عالَمٌ وهم مِمَّنْ أُخِّرَ وكُشِفَ عنهُمُ العَذابُ إلى أجَلٍ بَلَغَهُ ودَخَلَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَأيْنَ الغَرَقُ مِن هَؤُلاءِ؟ وأيْنَ هو مِمَّنْ بَقِيَ بِمِصْرَ ولَمْ يَغْرَقْ؟
وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ أنَّ مَعْنى الكَلامِ: فَلَمّا كَشَفْنا عنهُمُ الرِجْزَ المُؤَجَّلَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ، ومَحْصُولُ هَذا التَأْوِيلِ أنَّ العَذابَ كانَ مُؤَجَّلًا، والمَعْنى الأوَّلُ أفْصَحُ لِأنَّهُ تَضَمَّنَ تَوَعُّدًا ما.
وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ، وأبُو حَيَوَةَ: "يَنْكِثُونَ" بِكَسْرِ الكافِ، والنَكْثُ: نَقْضُ ما أُبْرِمَ، ويُسْتَعْمَلُ في الأجْسامِ وفي المَعانِي، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: "الرُجْزَ" بِضَمِّ الراءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: إلّا أنَّ ابْنَ مُحَيْصِنٍ كَسَرَ حَرْفَيْنِ: "رِجْزَ الشَيْطانِ"، "والرِجْزَ فاهْجُرْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
رَآهُما بِمَعْنًى آخَرَ بِمَثابَةِ الرِجْزِ والنَتَنِ الَّذِي يَجِبُ التَطَهُّرُ مِنهُ. (p-٣٢)وَ"اليَمُّ": البَحْرُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ دَوِيَّةٌ ودُجى لَيْلٍ كَأنَّهُما ∗∗∗ يَمٌّ تَراطَنُ في حافاتِهِ الرُومُ
والباءُ في قَوْلِهِ: "بِأنَّهُمْ" باءُ التَسْبِيبِ، ووَصْفُ الكُفّارِ بِالغَفْلَةِ -وَهم قَدْ كَذَّبُوا ورَدُّوا في صَدْرِ الآياتِ- مِن حَيْثُ غَفَلُوا عَمّا تَتَضَمَّنُهُ الآياتُ مِنَ الهُدى والنَجاةِ، فَعن ذَلِكَ غَفَلُوا.
الأعراف 7:135
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِجْزُ قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِجْزُ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عنهُمُ الرِجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عنها غافِلِينَ﴾
"الرِجْزُ": العَذابُ، والظاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ المُرادَ بِالرِجْزِ العَذابُ المُتَقَدِّمُ الذِكْرِ مِنَ الطُوفانِ والجَرادِ وغَيْرِهِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الإشارَةُ هُنا بِالرِجْزِ إنَّما هي إلى طاعُونٍ أنْزَلَهُ فِيهِمْ، فَماتَ مِنهم في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ سَبْعُونَ ألْفَ قِبْطِيٍّ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِأنْ يَذْبَحُوا كَبْشًا ويَضْمُخُوا أبْوابَهم بِالدَمِ لِيَكُونَ ذَلِكَ فَرْقًا بَيْنَهم وبَيْنَ القِبْطِ في نُزُولِ العَذابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا ضَعِيفٌ، وهَذِهِ الأخْبارُ وما شاكَلَها إنَّما تُؤْخَذُ مِن كُتُبِ بَنِي إسْرائِيلَ فَلِذَلِكَ ضَعُفَتْ، وقَوْلُهُمْ: ﴿بِما عَهِدَ﴾ يُرِيدُونَ: بِذِمامِكَ وماتَّتِكَ إلَيْهِ، فَهي تَعُمُّ جَمِيعَ الوَسائِلِ بَيْنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وبَيْنَ مُوسى مِن طاعَةِ مُوسى ونِعْمَةٍ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنهم عَلى جِهَةِ القَسَمِ عَلى مُوسى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ادْعُ لَنا رَبَّكَ ماتًّا إلَيْهِ بِما عَهِدَ إلَيْكَ، ويُحْتَمَلُ -إنْ كانَ شَعَرَ أنَّ بَيْنَ اللهِ تَعالى وبَيْنَ مُوسى في أمْرِهِمْ عَهْدٌ ما- أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلَيْهِ، والأوَّلُ أعَمُّ وألْزَمُ، والآخَرُ يَحْتاجُ إلى رِوايَةٍ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ﴾ أيْ بِدُعائِكَ ﴿لَنُؤْمِنَنَّ﴾، ﴿وَلَنُرْسِلَنَّ﴾ قَسَمٌ وجَوابُهُ، وهَذا عَهْدٌ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ الَّذِينَ إلَيْهِمُ الحَلُّ والعَقْدُ، ولَهم ضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: "لَنُؤْمِنَنَّ".
وألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ تُعْطِي الفَرْقَ بَيْنَ القِبْطِ وبَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ في رِسالَةِ مُوسى، لِأنَّهُ لَوْ كانَ إيمانُهم بِهِ عَلى حَدِّ إيمانِ بَنِي إسْرائِيلَ لَما أرْسَلُوا بَنِي إسْرائِيلَ ولا فارْقُوا (p-٣١)دِينَهُمْ، بَلْ كانُوا يُشارِكُونَ فِيهِ بَنِي إسْرائِيلَ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا انْكَشَفَ العَذابُ قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى: اذْهَبْ بِبَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ شِئْتَ فَخالَفَهُ بَعْضُ مِلَّتِهِ فَرَجَعَ فَنَكَثَ. وأخْبَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لَمّا كَشَفَ عنهُمُ العَذابَ نَكَثُوا عَهْدَهُمُ الَّذِي أعْطَوْهُ مُوسى. و"إذا" هاهُنا لِلْمُفاجَأةِ، و"إلى" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "كَشَفْنا"، والأجَلُ يُرادُ بِهِ غايَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِما يَخُصُّهُ مِنَ الهَلاكِ والمَوْتِ. وهَذا اللازِمُ مِنَ اللَفْظِ كَما تَقُولُ: أخَذْتُ كَذا إلى وقْتٍ، وأنْتَ لا تُرِيدُ وقْتًا بِعَيْنِهِ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: الأجَلُ هُنا: الغَرَقُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما هَذا القَوْلُ لِأنَّهُ رَأى جُمْهُورَ هَذِهِ الطائِفَةِ قَدِ اتَّفَقَ أنْ هَلَكَتْ غَرَقًا فاعْتَقَدَ أنَّ الإشارَةَ هُنا بِالأجَلِ إنَّما هي إلى الغَرَقِ، وهَذا لَيْسَ بِلازِمٍ لِأنَّهُ لا بُدَّ أنَّهُ ماتَ مِنهم قَبْلَ الغَرَقِ عالَمٌ وهم مِمَّنْ أُخِّرَ وكُشِفَ عنهُمُ العَذابُ إلى أجَلٍ بَلَغَهُ ودَخَلَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَأيْنَ الغَرَقُ مِن هَؤُلاءِ؟ وأيْنَ هو مِمَّنْ بَقِيَ بِمِصْرَ ولَمْ يَغْرَقْ؟
وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ أنَّ مَعْنى الكَلامِ: فَلَمّا كَشَفْنا عنهُمُ الرِجْزَ المُؤَجَّلَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ، ومَحْصُولُ هَذا التَأْوِيلِ أنَّ العَذابَ كانَ مُؤَجَّلًا، والمَعْنى الأوَّلُ أفْصَحُ لِأنَّهُ تَضَمَّنَ تَوَعُّدًا ما.
وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ، وأبُو حَيَوَةَ: "يَنْكِثُونَ" بِكَسْرِ الكافِ، والنَكْثُ: نَقْضُ ما أُبْرِمَ، ويُسْتَعْمَلُ في الأجْسامِ وفي المَعانِي، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: "الرُجْزَ" بِضَمِّ الراءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: إلّا أنَّ ابْنَ مُحَيْصِنٍ كَسَرَ حَرْفَيْنِ: "رِجْزَ الشَيْطانِ"، "والرِجْزَ فاهْجُرْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
رَآهُما بِمَعْنًى آخَرَ بِمَثابَةِ الرِجْزِ والنَتَنِ الَّذِي يَجِبُ التَطَهُّرُ مِنهُ. (p-٣٢)وَ"اليَمُّ": البَحْرُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ دَوِيَّةٌ ودُجى لَيْلٍ كَأنَّهُما ∗∗∗ يَمٌّ تَراطَنُ في حافاتِهِ الرُومُ
والباءُ في قَوْلِهِ: "بِأنَّهُمْ" باءُ التَسْبِيبِ، ووَصْفُ الكُفّارِ بِالغَفْلَةِ -وَهم قَدْ كَذَّبُوا ورَدُّوا في صَدْرِ الآياتِ- مِن حَيْثُ غَفَلُوا عَمّا تَتَضَمَّنُهُ الآياتُ مِنَ الهُدى والنَجاةِ، فَعن ذَلِكَ غَفَلُوا.
الأعراف 7:136
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِجْزُ قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِجْزُ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عنهُمُ الرِجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عنها غافِلِينَ﴾
"الرِجْزُ": العَذابُ، والظاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ المُرادَ بِالرِجْزِ العَذابُ المُتَقَدِّمُ الذِكْرِ مِنَ الطُوفانِ والجَرادِ وغَيْرِهِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الإشارَةُ هُنا بِالرِجْزِ إنَّما هي إلى طاعُونٍ أنْزَلَهُ فِيهِمْ، فَماتَ مِنهم في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ سَبْعُونَ ألْفَ قِبْطِيٍّ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِأنْ يَذْبَحُوا كَبْشًا ويَضْمُخُوا أبْوابَهم بِالدَمِ لِيَكُونَ ذَلِكَ فَرْقًا بَيْنَهم وبَيْنَ القِبْطِ في نُزُولِ العَذابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا ضَعِيفٌ، وهَذِهِ الأخْبارُ وما شاكَلَها إنَّما تُؤْخَذُ مِن كُتُبِ بَنِي إسْرائِيلَ فَلِذَلِكَ ضَعُفَتْ، وقَوْلُهُمْ: ﴿بِما عَهِدَ﴾ يُرِيدُونَ: بِذِمامِكَ وماتَّتِكَ إلَيْهِ، فَهي تَعُمُّ جَمِيعَ الوَسائِلِ بَيْنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وبَيْنَ مُوسى مِن طاعَةِ مُوسى ونِعْمَةٍ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنهم عَلى جِهَةِ القَسَمِ عَلى مُوسى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ادْعُ لَنا رَبَّكَ ماتًّا إلَيْهِ بِما عَهِدَ إلَيْكَ، ويُحْتَمَلُ -إنْ كانَ شَعَرَ أنَّ بَيْنَ اللهِ تَعالى وبَيْنَ مُوسى في أمْرِهِمْ عَهْدٌ ما- أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلَيْهِ، والأوَّلُ أعَمُّ وألْزَمُ، والآخَرُ يَحْتاجُ إلى رِوايَةٍ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ﴾ أيْ بِدُعائِكَ ﴿لَنُؤْمِنَنَّ﴾، ﴿وَلَنُرْسِلَنَّ﴾ قَسَمٌ وجَوابُهُ، وهَذا عَهْدٌ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ الَّذِينَ إلَيْهِمُ الحَلُّ والعَقْدُ، ولَهم ضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: "لَنُؤْمِنَنَّ".
وألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ تُعْطِي الفَرْقَ بَيْنَ القِبْطِ وبَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ في رِسالَةِ مُوسى، لِأنَّهُ لَوْ كانَ إيمانُهم بِهِ عَلى حَدِّ إيمانِ بَنِي إسْرائِيلَ لَما أرْسَلُوا بَنِي إسْرائِيلَ ولا فارْقُوا (p-٣١)دِينَهُمْ، بَلْ كانُوا يُشارِكُونَ فِيهِ بَنِي إسْرائِيلَ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا انْكَشَفَ العَذابُ قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى: اذْهَبْ بِبَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ شِئْتَ فَخالَفَهُ بَعْضُ مِلَّتِهِ فَرَجَعَ فَنَكَثَ. وأخْبَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لَمّا كَشَفَ عنهُمُ العَذابَ نَكَثُوا عَهْدَهُمُ الَّذِي أعْطَوْهُ مُوسى. و"إذا" هاهُنا لِلْمُفاجَأةِ، و"إلى" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "كَشَفْنا"، والأجَلُ يُرادُ بِهِ غايَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِما يَخُصُّهُ مِنَ الهَلاكِ والمَوْتِ. وهَذا اللازِمُ مِنَ اللَفْظِ كَما تَقُولُ: أخَذْتُ كَذا إلى وقْتٍ، وأنْتَ لا تُرِيدُ وقْتًا بِعَيْنِهِ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: الأجَلُ هُنا: الغَرَقُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما هَذا القَوْلُ لِأنَّهُ رَأى جُمْهُورَ هَذِهِ الطائِفَةِ قَدِ اتَّفَقَ أنْ هَلَكَتْ غَرَقًا فاعْتَقَدَ أنَّ الإشارَةَ هُنا بِالأجَلِ إنَّما هي إلى الغَرَقِ، وهَذا لَيْسَ بِلازِمٍ لِأنَّهُ لا بُدَّ أنَّهُ ماتَ مِنهم قَبْلَ الغَرَقِ عالَمٌ وهم مِمَّنْ أُخِّرَ وكُشِفَ عنهُمُ العَذابُ إلى أجَلٍ بَلَغَهُ ودَخَلَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَأيْنَ الغَرَقُ مِن هَؤُلاءِ؟ وأيْنَ هو مِمَّنْ بَقِيَ بِمِصْرَ ولَمْ يَغْرَقْ؟
وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ أنَّ مَعْنى الكَلامِ: فَلَمّا كَشَفْنا عنهُمُ الرِجْزَ المُؤَجَّلَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ، ومَحْصُولُ هَذا التَأْوِيلِ أنَّ العَذابَ كانَ مُؤَجَّلًا، والمَعْنى الأوَّلُ أفْصَحُ لِأنَّهُ تَضَمَّنَ تَوَعُّدًا ما.
وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ، وأبُو حَيَوَةَ: "يَنْكِثُونَ" بِكَسْرِ الكافِ، والنَكْثُ: نَقْضُ ما أُبْرِمَ، ويُسْتَعْمَلُ في الأجْسامِ وفي المَعانِي، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: "الرُجْزَ" بِضَمِّ الراءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: إلّا أنَّ ابْنَ مُحَيْصِنٍ كَسَرَ حَرْفَيْنِ: "رِجْزَ الشَيْطانِ"، "والرِجْزَ فاهْجُرْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
رَآهُما بِمَعْنًى آخَرَ بِمَثابَةِ الرِجْزِ والنَتَنِ الَّذِي يَجِبُ التَطَهُّرُ مِنهُ. (p-٣٢)وَ"اليَمُّ": البَحْرُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ دَوِيَّةٌ ودُجى لَيْلٍ كَأنَّهُما ∗∗∗ يَمٌّ تَراطَنُ في حافاتِهِ الرُومُ
والباءُ في قَوْلِهِ: "بِأنَّهُمْ" باءُ التَسْبِيبِ، ووَصْفُ الكُفّارِ بِالغَفْلَةِ -وَهم قَدْ كَذَّبُوا ورَدُّوا في صَدْرِ الآياتِ- مِن حَيْثُ غَفَلُوا عَمّا تَتَضَمَّنُهُ الآياتُ مِنَ الهُدى والنَجاةِ، فَعن ذَلِكَ غَفَلُوا.
الأعراف 7:137
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَأورَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا ودَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ قالَ إنَّكم قَوْمٍ تَجْهَلُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ كِنايَةٌ عن بَنِي إسْرائِيلَ لِاسْتِعْبادِ فِرْعَوْنَ لَهُمْ، وغَلَبَتِهِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما: يُرِيدُ أرْضَ الشامِ، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ النَحّاسُ: "وَقِيلَ: يُرادُ أرْضُ مِصْرَ وهو قَوْلُ الحَسَنِ في كِتابِ النَقّاشِ "، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ الأرْضَ كُلَّها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا يَتَّجِهُ إمّا عَلى المَجازِ لِأنَّهُ مَلَّكَهم بِلادًا كَثِيرَةً، وإمّا عَلى الحَقِيقَةِ في أنَّهُ مَلَكَ ذُرِّيَّتَهُمْ، وهو سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ عَلَيْهِما السَلامُ، ولَكِنَّ الَّذِي يَلِيقُ بِمَعْنى الآيَةِ ورُوِيَ فِيها هو أنَّهُ مَلَّكَ أبْناءَ المُسْتَضْعَفِينَ بِأعْيانِهِمْ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها لا سِيَّما بِوَصْفِهِ (p-٣٣)الأرْضَ بِأنَّها الَّتِي بارَكَ فِيها، ولا يَتَّصِفُ بِهَذِهِ الصِفَةِ ويَنْفَرِدُ بِها أكْثَرَ مِن غَيْرِها إلّا أرْضُ الشامِ لَما بِها مِنَ الماءِ والشَجَرِ والنِعَمِ والفَوائِدِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن قائِلٍ لَمْ يُسَمِّهِ -وَذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّهُ الفَرّاءُ - أنَّ ﴿مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، أيْ: يُسْتَضْعَفُونَ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، وأنَّ قَوْلَهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ مَعْمُولٌ لِـ "أورَثْنا" وضَعَّفَهُ الطَبَرِيُّ، وكَذَلِكَ هو قَوْلٌ غَيْرُ مُتَّجِهٍ. و"الَّتِي" في مَوْضِعِ خَفْضٍ نَعْتٌ لِلْأرْضِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتٌ لِـ"مَشارِقَ" و"مَغارِبَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنى﴾ أيْ ما سَبَقَ لَهم في عِلْمِهِ وكَلامِهِ في الأزَلِ مِنَ النَجاةِ مِن عَدُوِّهِمْ والظُهُورِ عَلَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: وهي قَوْلُهُ: ﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٥]، وقِيلَ: هي قَوْلُهُ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٩] الآيَةُ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو: "كَلِماتُ".
و"يَعْرِشُونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: يَبْنُونَ، وعَرَشَ البَيْتَ: سَقَفَهُ، والعَرْشُ: البِناءُ والتَنْضِيدُ، وقالَ الحَسَنُ: هي في الكُرُومِ وما أشْبَهَها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ الباقُونَ " ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ فِيما رُوِيَ عنهُ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ ": بِضَمِّها، وكَذَلِكَ في سُورَةِ النَحْلِ. وهُما لُغَتانِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يُعَرِّشُونَ" و"يُعَكِّفُونَ" بِضَمِّ الياءِ فِيهِما وفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الراءِ والكافِ مَكْسُورَتَيْنِ.
(p-٣٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ورَأيْتُ لِلْحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُخْرَجَ عَلى مُلُوكِ السُوءِ، وإنَّما يَنْبَغِي أنْ يُصْبَرَ عَلَيْهِمْ فَإنَّ اللهَ تَعالى يُدَمِّرُهُمْ، ورَأيْتُ لِغَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: إذا قابَلَ الناسُ البَلاءَ بِمِثْلِهِ وكَلَهُمُ اللهُ إلَيْهِ، وإذا قابَلُوهُ بِالصَبْرِ وانْتِظارِ الفَرَجِ، أتى اللهُ بِالفَرَجِ، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَجاوَزْنا"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "وَجَوَّزْنا"، ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ والمَهْدَوِيُّ، والمَعْنى: قَطَّعْناهُ بِهِمْ وجَزَّعْناهُ، وهَذِهِ الآيَةُ ابْتِداءُ خَبَرٍ عنهُمْ، قالَ النَقّاشُ: جاوَزُوا البَحْرَ يَوْمَ عاشُوراءَ، وأُعْطِيَ مُوسى التَوْراةَ يَوْمَ النَحْرِ القابِلَ، فَبَيْنَ الأمْرَيْنِ أحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، ورُوِيَ أنَّ قَطْعَهم كانَ مِن ضَفَّةِ البَحْرِ إلى الضَفَّةِ المُناوِحَةِ لِلْأُولى، ورُوِيَ أنَّهُ قَطْعٌ مِنَ الضَفَّةِ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ مِنها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ وأمْرٍ لِيَنْفُذَ أمْرُهُ في فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وهَذا هو الظاهِرُ، وإمّا بِحَسَبِ اجْتِهادِ مُوسى في التَخَلُّصِ بِأنْ يَكُونَ بَيْنَ وضْعَيْنِ أوَعارٍ وحايِلاتٍ، ووَقَعَ في كِتابِ النَقّاشِ أنَّهُ نِيلُ مِصْرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا خَطَأٌ لا تُساعِدُهُ رِوايَةٌ، ولا يَحْتَمِلُهُ لَفْظٌ إلّا عَلى تَحامُلٍ، وإنَّما هو بَحْرُ القُلْزُمِ. والقَوْمُ المُشارُ إلَيْهِمْ في الآيَةِ العَرَبُ، وقِيلَ: هُمُ الكَنْعانِيُّونَ، وقالَ قَتادَةُ وأبُو عَمْرٍو الجَوْنِيُّ: هم قَوْمٌ مِن لَخْمٍ وجُذامٍ. والقَوْمُ في الكَلامِ: الرِجالُ خاصَّةً، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:(p-٣٥)
؎ ولا أدْرِي وسَوْفَ إخالُ أدْرِي ∗∗∗ أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ
ومِنهُ قوله عزّ وجلّ: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٌ﴾ [الحجرات: ١١]، ﴿وَلا نِساءٌ مِن نِساءٌ﴾ [الحجرات: ١١].
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يَعْكُفُونَ" بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَبْدِ الوارِثِ عنهُ: "يَعْكِفُونَ" بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ. والعُكُوفُ: المُلازَمَةُ بِالشَخْصِ لِأمْرٍ ما، والإكْبابُ عَلَيْهِ، ومِنهُ الِاعْتِكافُ في المَساجِدِ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:
؎ ........................ ∗∗∗ ∗∗∗ عَكْفَ النَبِيطِ يَلْعَبُونَ الفَنْزَجا
والأصْنامُ في هَذِهِ الآيَةِ قِيلَ: كانَتْ بَقَرًا عَلى الحَقِيقَةِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتْ تَماثِيلَ بَقْرٍ مِن حِجارَةٍ وعِيدانٍ ونَحْوِهِ، وذَلِكَ كانَ أوَّلَ فِتْنَةِ العِجْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والظاهِرُ مِن مَقالَةِ بَنِي إسْرائِيلَ لِمُوسى: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ أنَّهُمُ اسْتَحْسَنُوا ما رَأوهُ مِن آلِهَةِ أُولَئِكَ القَوْمِ، فَأرادُوا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في شَرْعِ مُوسى وفي جُمْلَةِ ما يَتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللهِ، وإلّا فَبَعِيدٌ أنْ يَقُولُوا لِمُوسى: اجْعَلْ لَنا صَنَمًا نُفْرِدُهُ بِالعِبادَةِ ونَكْفُرُ بِرَبِّكَ. فَعَرَّفَهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ هَذا جَهْلٌ مِنهم إذْ سَألُوا أمْرًا حَرامًا فِيهِ (p-٣٦)الإشْراكُ في العِبادَةِ، ومِنهُ يَتَطَرَّقُ إلى إفْرادِ الأصْنامِ بِالعِبادَةِ والكُفْرِ بِاللهِ عَزَّ وجَلَّ. وعَلى هَذا الَّذِي قُلْتُ يَقَعُ التَشابُهُ الَّذِي قَصَّهُ النَبِيُّ ﷺ في «قَوْلِ أبِي واقِدٍ اللَيْثِيِّ لَهُ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ إذْ مَرُّوا عَلى دَوْحِ سِدْرَةٍ خَضْراءَ عَظِيمَةٍ: اجْعَلْ لَنا يا رَسُولَ اللهِ ذاتَ أنْواطٍ كَما لَهم ذاتُ أنْواطٍ، وكانَتْ ذاتُ أنْواطٍ سَرْحَةً لِبَعْضِ المُشْرِكِينَ يُعَلِّقُونَ بِها أسْلِحَتَهُمْ، ولَها يَوْمٌ يَجْتَمِعُونَ إلَيْها فِيهِ، فَأرادَ أبُو واقِدٍ وغَيْرُهُ أنْ يُشَرِّعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في الإسْلامِ، فَرَأى رَسُولُ اللهِ ﷺ أنَّها ذَرِيعَةٌ إلى عِبادَةِ تِلْكَ السَرْحَةِ، فَأنْكَرَهُ وقالَ: "اللهُ أكْبَرُ، قُلْتُمْ واللهِ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مِن قَبْلِكُمْ"».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولَمْ يَقْصِدْ أبُو واقِدٍ بِمَقالَتِهِ فَسادًا، وقالَ بَعْضُ الناسِ: كانَ ذَلِكَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كُفْرًا، ولَفْظَةُ "الإلَهِ" تَقْتَضِي ذَلِكَ، وهَذا مُحْتَمَلٌ، وما ذَكَرْتُهُ أوَّلًا أصَحُّ عِنْدِي، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
الأعراف 7:138
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَأورَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا ودَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ قالَ إنَّكم قَوْمٍ تَجْهَلُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ كِنايَةٌ عن بَنِي إسْرائِيلَ لِاسْتِعْبادِ فِرْعَوْنَ لَهُمْ، وغَلَبَتِهِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما: يُرِيدُ أرْضَ الشامِ، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ النَحّاسُ: "وَقِيلَ: يُرادُ أرْضُ مِصْرَ وهو قَوْلُ الحَسَنِ في كِتابِ النَقّاشِ "، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ الأرْضَ كُلَّها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا يَتَّجِهُ إمّا عَلى المَجازِ لِأنَّهُ مَلَّكَهم بِلادًا كَثِيرَةً، وإمّا عَلى الحَقِيقَةِ في أنَّهُ مَلَكَ ذُرِّيَّتَهُمْ، وهو سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ عَلَيْهِما السَلامُ، ولَكِنَّ الَّذِي يَلِيقُ بِمَعْنى الآيَةِ ورُوِيَ فِيها هو أنَّهُ مَلَّكَ أبْناءَ المُسْتَضْعَفِينَ بِأعْيانِهِمْ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها لا سِيَّما بِوَصْفِهِ (p-٣٣)الأرْضَ بِأنَّها الَّتِي بارَكَ فِيها، ولا يَتَّصِفُ بِهَذِهِ الصِفَةِ ويَنْفَرِدُ بِها أكْثَرَ مِن غَيْرِها إلّا أرْضُ الشامِ لَما بِها مِنَ الماءِ والشَجَرِ والنِعَمِ والفَوائِدِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن قائِلٍ لَمْ يُسَمِّهِ -وَذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّهُ الفَرّاءُ - أنَّ ﴿مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، أيْ: يُسْتَضْعَفُونَ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، وأنَّ قَوْلَهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ مَعْمُولٌ لِـ "أورَثْنا" وضَعَّفَهُ الطَبَرِيُّ، وكَذَلِكَ هو قَوْلٌ غَيْرُ مُتَّجِهٍ. و"الَّتِي" في مَوْضِعِ خَفْضٍ نَعْتٌ لِلْأرْضِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتٌ لِـ"مَشارِقَ" و"مَغارِبَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنى﴾ أيْ ما سَبَقَ لَهم في عِلْمِهِ وكَلامِهِ في الأزَلِ مِنَ النَجاةِ مِن عَدُوِّهِمْ والظُهُورِ عَلَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: وهي قَوْلُهُ: ﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٥]، وقِيلَ: هي قَوْلُهُ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٩] الآيَةُ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو: "كَلِماتُ".
و"يَعْرِشُونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: يَبْنُونَ، وعَرَشَ البَيْتَ: سَقَفَهُ، والعَرْشُ: البِناءُ والتَنْضِيدُ، وقالَ الحَسَنُ: هي في الكُرُومِ وما أشْبَهَها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ الباقُونَ " ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ فِيما رُوِيَ عنهُ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ ": بِضَمِّها، وكَذَلِكَ في سُورَةِ النَحْلِ. وهُما لُغَتانِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يُعَرِّشُونَ" و"يُعَكِّفُونَ" بِضَمِّ الياءِ فِيهِما وفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الراءِ والكافِ مَكْسُورَتَيْنِ.
(p-٣٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ورَأيْتُ لِلْحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُخْرَجَ عَلى مُلُوكِ السُوءِ، وإنَّما يَنْبَغِي أنْ يُصْبَرَ عَلَيْهِمْ فَإنَّ اللهَ تَعالى يُدَمِّرُهُمْ، ورَأيْتُ لِغَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: إذا قابَلَ الناسُ البَلاءَ بِمِثْلِهِ وكَلَهُمُ اللهُ إلَيْهِ، وإذا قابَلُوهُ بِالصَبْرِ وانْتِظارِ الفَرَجِ، أتى اللهُ بِالفَرَجِ، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَجاوَزْنا"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "وَجَوَّزْنا"، ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ والمَهْدَوِيُّ، والمَعْنى: قَطَّعْناهُ بِهِمْ وجَزَّعْناهُ، وهَذِهِ الآيَةُ ابْتِداءُ خَبَرٍ عنهُمْ، قالَ النَقّاشُ: جاوَزُوا البَحْرَ يَوْمَ عاشُوراءَ، وأُعْطِيَ مُوسى التَوْراةَ يَوْمَ النَحْرِ القابِلَ، فَبَيْنَ الأمْرَيْنِ أحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، ورُوِيَ أنَّ قَطْعَهم كانَ مِن ضَفَّةِ البَحْرِ إلى الضَفَّةِ المُناوِحَةِ لِلْأُولى، ورُوِيَ أنَّهُ قَطْعٌ مِنَ الضَفَّةِ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ مِنها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ وأمْرٍ لِيَنْفُذَ أمْرُهُ في فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وهَذا هو الظاهِرُ، وإمّا بِحَسَبِ اجْتِهادِ مُوسى في التَخَلُّصِ بِأنْ يَكُونَ بَيْنَ وضْعَيْنِ أوَعارٍ وحايِلاتٍ، ووَقَعَ في كِتابِ النَقّاشِ أنَّهُ نِيلُ مِصْرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا خَطَأٌ لا تُساعِدُهُ رِوايَةٌ، ولا يَحْتَمِلُهُ لَفْظٌ إلّا عَلى تَحامُلٍ، وإنَّما هو بَحْرُ القُلْزُمِ. والقَوْمُ المُشارُ إلَيْهِمْ في الآيَةِ العَرَبُ، وقِيلَ: هُمُ الكَنْعانِيُّونَ، وقالَ قَتادَةُ وأبُو عَمْرٍو الجَوْنِيُّ: هم قَوْمٌ مِن لَخْمٍ وجُذامٍ. والقَوْمُ في الكَلامِ: الرِجالُ خاصَّةً، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:(p-٣٥)
؎ ولا أدْرِي وسَوْفَ إخالُ أدْرِي ∗∗∗ أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ
ومِنهُ قوله عزّ وجلّ: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٌ﴾ [الحجرات: ١١]، ﴿وَلا نِساءٌ مِن نِساءٌ﴾ [الحجرات: ١١].
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يَعْكُفُونَ" بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَبْدِ الوارِثِ عنهُ: "يَعْكِفُونَ" بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ. والعُكُوفُ: المُلازَمَةُ بِالشَخْصِ لِأمْرٍ ما، والإكْبابُ عَلَيْهِ، ومِنهُ الِاعْتِكافُ في المَساجِدِ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:
؎ ........................ ∗∗∗ ∗∗∗ عَكْفَ النَبِيطِ يَلْعَبُونَ الفَنْزَجا
والأصْنامُ في هَذِهِ الآيَةِ قِيلَ: كانَتْ بَقَرًا عَلى الحَقِيقَةِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتْ تَماثِيلَ بَقْرٍ مِن حِجارَةٍ وعِيدانٍ ونَحْوِهِ، وذَلِكَ كانَ أوَّلَ فِتْنَةِ العِجْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والظاهِرُ مِن مَقالَةِ بَنِي إسْرائِيلَ لِمُوسى: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ أنَّهُمُ اسْتَحْسَنُوا ما رَأوهُ مِن آلِهَةِ أُولَئِكَ القَوْمِ، فَأرادُوا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في شَرْعِ مُوسى وفي جُمْلَةِ ما يَتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللهِ، وإلّا فَبَعِيدٌ أنْ يَقُولُوا لِمُوسى: اجْعَلْ لَنا صَنَمًا نُفْرِدُهُ بِالعِبادَةِ ونَكْفُرُ بِرَبِّكَ. فَعَرَّفَهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ هَذا جَهْلٌ مِنهم إذْ سَألُوا أمْرًا حَرامًا فِيهِ (p-٣٦)الإشْراكُ في العِبادَةِ، ومِنهُ يَتَطَرَّقُ إلى إفْرادِ الأصْنامِ بِالعِبادَةِ والكُفْرِ بِاللهِ عَزَّ وجَلَّ. وعَلى هَذا الَّذِي قُلْتُ يَقَعُ التَشابُهُ الَّذِي قَصَّهُ النَبِيُّ ﷺ في «قَوْلِ أبِي واقِدٍ اللَيْثِيِّ لَهُ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ إذْ مَرُّوا عَلى دَوْحِ سِدْرَةٍ خَضْراءَ عَظِيمَةٍ: اجْعَلْ لَنا يا رَسُولَ اللهِ ذاتَ أنْواطٍ كَما لَهم ذاتُ أنْواطٍ، وكانَتْ ذاتُ أنْواطٍ سَرْحَةً لِبَعْضِ المُشْرِكِينَ يُعَلِّقُونَ بِها أسْلِحَتَهُمْ، ولَها يَوْمٌ يَجْتَمِعُونَ إلَيْها فِيهِ، فَأرادَ أبُو واقِدٍ وغَيْرُهُ أنْ يُشَرِّعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في الإسْلامِ، فَرَأى رَسُولُ اللهِ ﷺ أنَّها ذَرِيعَةٌ إلى عِبادَةِ تِلْكَ السَرْحَةِ، فَأنْكَرَهُ وقالَ: "اللهُ أكْبَرُ، قُلْتُمْ واللهِ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مِن قَبْلِكُمْ"».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولَمْ يَقْصِدْ أبُو واقِدٍ بِمَقالَتِهِ فَسادًا، وقالَ بَعْضُ الناسِ: كانَ ذَلِكَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كُفْرًا، ولَفْظَةُ "الإلَهِ" تَقْتَضِي ذَلِكَ، وهَذا مُحْتَمَلٌ، وما ذَكَرْتُهُ أوَّلًا أصَحُّ عِنْدِي، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
الأعراف 7:139
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿قالَ أغَيْرَ اللهِ أبْغِيكم إلَهًا وهو فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿وَإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾
أعْلَمَهم مُوسى عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِفَسادِ حالِ أُولَئِكَ القَوْمِ لِيَزُولَ ما اسْتَحْسَنُوهُ مِن حالِهِمْ فَقالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ إشارَةً إلى أُولَئِكَ القَوْمِ، ﴿مُتَبَّرٌ﴾ أيْ مَهْلَكٌ مُدَمَّرٌ رَدِيءُ العاقِبَةِ، قالَهُ السُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. والتَبارُ: الهَلاكُ وسِوى العُقْبى، وإناءٌ مُتَبَّرٌ أيْ مَكْسُورٌ وكِسارَتُهُ تِبْرٌ، ومِنهُ تِبْرُ الذَهَبِ لِأنَّهُ كُسارَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ما هم فِيهِ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ حالِهِمْ، ﴿وَباطِلٌ﴾ مَعْناهُ: فاسِدٌ ذاهِبٌ مُضْمَحِلٌّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أغَيْرَ اللهِ﴾ الآيَةُ، أمَرَ اللهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُوقِفَهم ويُقْرِرَهم عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ مِن تِلْقائِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، (p-٣٧)وَ ﴿أبْغِيكُمْ﴾ مَعْناهُ: أطْلُبُ لَكُمْ، مِن بَغَيْتُ الشَيْءَ إذا طَلَبْتَهُ، و"غَيْرَ" مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، هَذا هو الظاهِرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الحالِ، كَأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: قالَ أبْغِيكم إلَهًا غَيْرَ اللهِ؟ فَهي في مَكانِ الصِفَةِ، فَلَمّا قُدِّمَتْ نُصِبَتْ عَلى الحالِ، و﴿العالَمِينَ﴾ لَفْظٌ عامٌّ يُرادُ بِهِ تَخْصِيصُ عالَمِ زَمانِهِمْ، لِأنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أفْضَلُ مِنهم بِإجْماعٍ، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، اللهُمَّ إلّا أنْ يُرادَ بِالفَضْلِ كَثْرَةُ الأنْبِياءِ مِنهم فَإنَّهم فُضِّلُوا في ذَلِكَ عَلى العالَمِينَ بِالإطْلاقِ.
ثُمَّ عَدَّدَ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ النِعَمَ الَّتِي يَجِبُ مِن أجْلِها ألّا يَكْفُرُوا بِهِ ولا يَرْغَبُوا عِبادَةَ غَيْرِهِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "نَجَّيْناكُمْ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنْجَيْناكُمْ" وقَدْ تَقَدَّمَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَإذْ أنْجاكُمْ" أيْ: أنْجاكُمُ اللهُ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشامِ، ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ مَعْناهُ: يُحَمِّلُونَكم ويُكَلِّفُونَكُمْ، تَقُولُ: سامَهُ خُطَّةَ خَسْفٍ، ونَحْوَ هَذا، ومُساوَمَةُ البَيْعِ يَنْظُرُ إلى هَذا وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُتَساوِمِينَ يُكَلِّفُ صاحِبَهُ إرادَتَهُ، ثُمَّ فُسِّرَ سُوءُ العَذابِ بِقَوْلِهِ: ( يُقَتِّلُونَ ويَسْتَحْيُونَ )، و"بَلاءٌ" -فِي هَذا المَوْضِعِ- مَعْناهُ: اخْتِبارٌ وامْتِحانٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى سُوءِ العَذابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ بِهِ إلى التَنْجِيَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: وفي تَنْجِيَتِكُمُ امْتِحانٌ لَكم واخْتِبارٌ، هَلْ يَكُونُ مِنكم وفاءٌ بِحَسَبِ النِعْمَةِ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أظْهَرُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآياتُ خاطَبَ بِها مُوسى مَن حَضَرَهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: بَلْ خُوطِبَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن كانَ عَلى عَهْدِ مُحَمَّدٍ ﷺ تَقْرِيعًا لَهم بِما فُعِلَ بِأوائِلِهِمْ وبِما جازَوْا بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأوَّلُ أظْهَرُ وأبْيَنُ.
الأعراف 7:140
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿قالَ أغَيْرَ اللهِ أبْغِيكم إلَهًا وهو فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿وَإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾
أعْلَمَهم مُوسى عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِفَسادِ حالِ أُولَئِكَ القَوْمِ لِيَزُولَ ما اسْتَحْسَنُوهُ مِن حالِهِمْ فَقالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ إشارَةً إلى أُولَئِكَ القَوْمِ، ﴿مُتَبَّرٌ﴾ أيْ مَهْلَكٌ مُدَمَّرٌ رَدِيءُ العاقِبَةِ، قالَهُ السُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. والتَبارُ: الهَلاكُ وسِوى العُقْبى، وإناءٌ مُتَبَّرٌ أيْ مَكْسُورٌ وكِسارَتُهُ تِبْرٌ، ومِنهُ تِبْرُ الذَهَبِ لِأنَّهُ كُسارَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ما هم فِيهِ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ حالِهِمْ، ﴿وَباطِلٌ﴾ مَعْناهُ: فاسِدٌ ذاهِبٌ مُضْمَحِلٌّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أغَيْرَ اللهِ﴾ الآيَةُ، أمَرَ اللهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُوقِفَهم ويُقْرِرَهم عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ مِن تِلْقائِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، (p-٣٧)وَ ﴿أبْغِيكُمْ﴾ مَعْناهُ: أطْلُبُ لَكُمْ، مِن بَغَيْتُ الشَيْءَ إذا طَلَبْتَهُ، و"غَيْرَ" مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، هَذا هو الظاهِرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الحالِ، كَأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: قالَ أبْغِيكم إلَهًا غَيْرَ اللهِ؟ فَهي في مَكانِ الصِفَةِ، فَلَمّا قُدِّمَتْ نُصِبَتْ عَلى الحالِ، و﴿العالَمِينَ﴾ لَفْظٌ عامٌّ يُرادُ بِهِ تَخْصِيصُ عالَمِ زَمانِهِمْ، لِأنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أفْضَلُ مِنهم بِإجْماعٍ، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، اللهُمَّ إلّا أنْ يُرادَ بِالفَضْلِ كَثْرَةُ الأنْبِياءِ مِنهم فَإنَّهم فُضِّلُوا في ذَلِكَ عَلى العالَمِينَ بِالإطْلاقِ.
ثُمَّ عَدَّدَ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ النِعَمَ الَّتِي يَجِبُ مِن أجْلِها ألّا يَكْفُرُوا بِهِ ولا يَرْغَبُوا عِبادَةَ غَيْرِهِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "نَجَّيْناكُمْ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنْجَيْناكُمْ" وقَدْ تَقَدَّمَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَإذْ أنْجاكُمْ" أيْ: أنْجاكُمُ اللهُ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشامِ، ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ مَعْناهُ: يُحَمِّلُونَكم ويُكَلِّفُونَكُمْ، تَقُولُ: سامَهُ خُطَّةَ خَسْفٍ، ونَحْوَ هَذا، ومُساوَمَةُ البَيْعِ يَنْظُرُ إلى هَذا وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُتَساوِمِينَ يُكَلِّفُ صاحِبَهُ إرادَتَهُ، ثُمَّ فُسِّرَ سُوءُ العَذابِ بِقَوْلِهِ: ( يُقَتِّلُونَ ويَسْتَحْيُونَ )، و"بَلاءٌ" -فِي هَذا المَوْضِعِ- مَعْناهُ: اخْتِبارٌ وامْتِحانٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى سُوءِ العَذابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ بِهِ إلى التَنْجِيَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: وفي تَنْجِيَتِكُمُ امْتِحانٌ لَكم واخْتِبارٌ، هَلْ يَكُونُ مِنكم وفاءٌ بِحَسَبِ النِعْمَةِ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أظْهَرُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآياتُ خاطَبَ بِها مُوسى مَن حَضَرَهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: بَلْ خُوطِبَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن كانَ عَلى عَهْدِ مُحَمَّدٍ ﷺ تَقْرِيعًا لَهم بِما فُعِلَ بِأوائِلِهِمْ وبِما جازَوْا بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأوَّلُ أظْهَرُ وأبْيَنُ.
الأعراف 7:141
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿قالَ أغَيْرَ اللهِ أبْغِيكم إلَهًا وهو فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿وَإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾
أعْلَمَهم مُوسى عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِفَسادِ حالِ أُولَئِكَ القَوْمِ لِيَزُولَ ما اسْتَحْسَنُوهُ مِن حالِهِمْ فَقالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ إشارَةً إلى أُولَئِكَ القَوْمِ، ﴿مُتَبَّرٌ﴾ أيْ مَهْلَكٌ مُدَمَّرٌ رَدِيءُ العاقِبَةِ، قالَهُ السُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. والتَبارُ: الهَلاكُ وسِوى العُقْبى، وإناءٌ مُتَبَّرٌ أيْ مَكْسُورٌ وكِسارَتُهُ تِبْرٌ، ومِنهُ تِبْرُ الذَهَبِ لِأنَّهُ كُسارَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ما هم فِيهِ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ حالِهِمْ، ﴿وَباطِلٌ﴾ مَعْناهُ: فاسِدٌ ذاهِبٌ مُضْمَحِلٌّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أغَيْرَ اللهِ﴾ الآيَةُ، أمَرَ اللهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُوقِفَهم ويُقْرِرَهم عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ مِن تِلْقائِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، (p-٣٧)وَ ﴿أبْغِيكُمْ﴾ مَعْناهُ: أطْلُبُ لَكُمْ، مِن بَغَيْتُ الشَيْءَ إذا طَلَبْتَهُ، و"غَيْرَ" مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، هَذا هو الظاهِرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الحالِ، كَأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: قالَ أبْغِيكم إلَهًا غَيْرَ اللهِ؟ فَهي في مَكانِ الصِفَةِ، فَلَمّا قُدِّمَتْ نُصِبَتْ عَلى الحالِ، و﴿العالَمِينَ﴾ لَفْظٌ عامٌّ يُرادُ بِهِ تَخْصِيصُ عالَمِ زَمانِهِمْ، لِأنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أفْضَلُ مِنهم بِإجْماعٍ، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، اللهُمَّ إلّا أنْ يُرادَ بِالفَضْلِ كَثْرَةُ الأنْبِياءِ مِنهم فَإنَّهم فُضِّلُوا في ذَلِكَ عَلى العالَمِينَ بِالإطْلاقِ.
ثُمَّ عَدَّدَ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ النِعَمَ الَّتِي يَجِبُ مِن أجْلِها ألّا يَكْفُرُوا بِهِ ولا يَرْغَبُوا عِبادَةَ غَيْرِهِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "نَجَّيْناكُمْ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنْجَيْناكُمْ" وقَدْ تَقَدَّمَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَإذْ أنْجاكُمْ" أيْ: أنْجاكُمُ اللهُ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشامِ، ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ مَعْناهُ: يُحَمِّلُونَكم ويُكَلِّفُونَكُمْ، تَقُولُ: سامَهُ خُطَّةَ خَسْفٍ، ونَحْوَ هَذا، ومُساوَمَةُ البَيْعِ يَنْظُرُ إلى هَذا وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُتَساوِمِينَ يُكَلِّفُ صاحِبَهُ إرادَتَهُ، ثُمَّ فُسِّرَ سُوءُ العَذابِ بِقَوْلِهِ: ( يُقَتِّلُونَ ويَسْتَحْيُونَ )، و"بَلاءٌ" -فِي هَذا المَوْضِعِ- مَعْناهُ: اخْتِبارٌ وامْتِحانٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى سُوءِ العَذابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ بِهِ إلى التَنْجِيَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: وفي تَنْجِيَتِكُمُ امْتِحانٌ لَكم واخْتِبارٌ، هَلْ يَكُونُ مِنكم وفاءٌ بِحَسَبِ النِعْمَةِ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أظْهَرُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآياتُ خاطَبَ بِها مُوسى مَن حَضَرَهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: بَلْ خُوطِبَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن كانَ عَلى عَهْدِ مُحَمَّدٍ ﷺ تَقْرِيعًا لَهم بِما فُعِلَ بِأوائِلِهِمْ وبِما جازَوْا بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأوَّلُ أظْهَرُ وأبْيَنُ.
الأعراف 7:142
(p-٣٨)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً وقالَ مُوسى لأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾
قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "وَوَعَدْنا"، وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأنْ يَتَهَيَّأ لِمُناجاتِهِ ثَلاثِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ زادَهُ في الأجَلِ بَعْدَ ذَلِكَ عَشَرَ لَيالٍ، فَذَكَرَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أعْلَمُ بَنِي إسْرائِيلَ بِمَغِيبِهِ ثَلاثِينَ لَيْلَةً، فَلَمّا زادَهُ العَشْرُ في حالِ مَغِيبِهِ دُونَ أنْ تَعْلَمَ بَنُو إسْرائِيلَ ذَلِكَ وجَسَتْ نُفُوسُهم لِلزِّيادَةِ عَلى ما أخْبَرَهم بِهِ، فَقالَ لَهُمُ السامِرِيُّ: إنَّ مُوسى قَدْ هَلَكَ ولَيْسَ بِراجِعٍ وأضَلَّهم بِالعْجِلِ فاتَّبَعُوهُ، قالَهُ كُلُّهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. وقِيلَ: بَلْ أخْبَرَهم بِمَغِيبِهِ أرْبَعِينَ، وكَذَلِكَ أعْلَمَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى، وهو المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وأنَّهم عَدُّوا الأيّامَ واللَيالِيَ، فَلَمّا تَمَّ أرْبَعُونَ مِنَ الدَهْرِ قالُوا: قَدْ أخْلَفَ مُوسى فَضَلُّوا، قالَ مُجاهِدٌ: إنَّ الثَلاثِينَ هي شَهْرُ ذِي القِعْدَةِ، وإنَّ العَشْرَ هي عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ، ورُوِيَ أنَّ الثَلاثِينَ إنَّما وُعِدَ بِأنْ يَصُومَها ويَتَهَيَّأ فِيها لِلْمُناجاةِ ويَسْتَعِدَّ، وأنَّ مُدَّةَ المُناجاةِ هي العَشْرُ، وقِيلَ: بَلْ مُدَّةُ المُناجاةِ الأرْبَعُونَ، وإقْبالُ مُوسى عَلى الأمْرِ والتِزامُهُ يُحَسِّنُ لَفْظَ المُواعَدَةِ، وحَيْثُ ورَدَ أنَّ المُواعَدَةَ أرْبَعُونَ لَيْلَةً فَذَلِكَ إخْبارٌ بِجُمْلَةِ الأمْرِ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ إخْبارٌ بِتَفْصِيلِهِ كَيْفَ وقَعَ، و"أرْبَعِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها في مَوْضِعِ الحالِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "أرْبَعِينَ" ظَرْفًا مِن حَيْثُ هي عَدَدُ أزْمِنَةٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "وَتَمَّمْناها" بِغَيْرِ ألِفٍ وتَشْدِيدِ المِيمِ، وذَكَرَ الزَجّاجُ عن بَعْضِهِمْ قالَ: لَمّا صامَ ثَلاثِينَ يَوْمًا أنْكَرَ خُلُوفَ فَمِهِ فاسْتاكَ بِعُودِ خَرُّوبٍ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: إنّا كُنّا نَسْتَنْشِقُ مِن (p-٣٩)فِيكَ رائِحَةَ المِسْكِ، فَأفْسَدْتَهُ بِالسِواكِ فَزِيدَتْ عَلَيْهِ عَشْرُ لَيالٍ، و"ثَلاثِينَ" نَصْبٌ عَلى تَقْدِيرِ: أجَّلْناهُ ثَلاثِينَ، ولَيْسَتْ مُنْتَصِبَةً عَلى الظَرْفِ؛ لِأنَّ المُواعَدَةَ لَمْ تَقَعْ في الثَلاثِينَ، ثُمَّ رَدَّدَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ قِيلَ: لِيُبَيِّنَ أنَّ العَشْرَ لَمْ تَكُنْ ساعاتٍ، وبِالجُمْلَةِ تَأْكِيدٌ وإيضاحٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ مُوسى لأخِيهِ﴾ الآيَةُ، المَعْنى: وقالَ مُوسى حِينَ أرادَ المُضِيَّ لِلْمُناجاةِ والمَغِيبِ فِيها، و"اخْلُفْنِي" مَعْناهُ: كُنْ خَلِيفَتِي، وهَذا اسْتِخْلافٌ في حَياةٍ كالوِكالَةِ الَّتِي تَنْقَضِي بِعَزْلِ المُوَكَّلِ أو مَوْتِهِ ولا يَقْتَضِي أنَّهُ مُتَمادٍ بَعْدَ وفاةٍ، فَيَنْحَلُّ -عَلى هَذا- ما تَعَلَّقَ بِهِ الإمامِيَّةُ في قَوْلِهِمْ: إنَّ النَبِيَّ ﷺ اسْتَخْلَفَ عَلِيًّا بِقَوْلِهِ: "أنْتَ مِنِّي كَهارُونَ مِن مُوسى"، وقالَ مُوسى: اخْلُفْنِي فَيَتَرَتَّبُ عَلى هَذا أنَّ عَلِيًّا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وما ذَكَرْناهُ يَحُلُّ هَذا القِياسَ.
وأمَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالإصْلاحِ، ثُمَّ مِنَ الطُرُقِ الأُخَرِ في ألّا يَتَّبِعَ سَبِيلَ مُفْسِدٍ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَ مِنَ الإصْلاحِ أنْ يَزْجُرَ السامِرِيَّ ويُغِيرَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ لَمّا جاءَ إلى المَوْضِعِ الَّذِي حُدِّدَ لَهُ، وفي الوَقْتِ الَّذِي عُيِّنَ لَهُ، وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ تَمَنِّيًا مِنهُ: ﴿رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أرِنِي" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ: "أرْنِي" بِسُكُونِ الراءِ.
والمَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلَّمَهُ﴾ [يوسف: ٥٤] أيْ: خَلَقَ لَهُ إدْراكًا سَمَعَ بِهِ الكَلامَ القائِمَ بِالذاتِ القَدِيمِ الَّذِي هو صِفَةُ ذاتٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: أدْنى اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ حَتّى سَمِعَ صَرِيفَ الأقْلامِ في اللَوْحِ، وكَلامُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لا يُشْبِهُ (p-٤٠)شَيْئًا مِنَ الكَلامِ الَّذِي لِلْمَخْلُوقِينَ ولا في جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ، وكَما هو مَوْجُودٌ لا كالمَوْجُوداتِ، ومَعْلُومٌ لا كالمَعْلُوماتِ، كَذَلِكَ كَلامُهُ لا يُشْبِهُ الكَلامَ الَّذِي فِيهِ عَلاماتُ الحُدُوثِ، والواوُ عاطِفَةٌ "كَلَّمَهُ" عَلى "جاءَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ واوَ الحالِ، والأوَّلُ أبْيَنُ. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَلَّمَ اللهُ مُوسى في ألْفِ مَقامٍ، كانَ يَرى نُورًا عَلى وجْهِهِ ثَلاثَةَ أيّامٍ إثْرَ كُلِّ مَقامٍ، وما قَرَبَ مُوسى النِساءَ مُنْذُ كَلَّمَهُ اللهُ تَعالى، وجَوابُ "لَمّا" في قَوْلِهِ تَعالى: "قالَ"، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا كَلَّمَهُ وخَصَّهُ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ طَمَحَتْ هِمَّتُهُ إلى رُتْبَةِ الرُؤْيَةِ وتَشَوَّقَ إلى ذَلِكَ، فَسَألَ رَبَّهُ أنْ يُرِيَهُ نَفْسَهُ، قالَهُ السُدِّيُّ، وأبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ، وقالَ الرَبِيعُ: قَرَّبْناهُ نَجِيًّا حَتّى سَمِعَ صَرِيفَ الأقْلامِ.
ورُؤْيَةُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عِنْدَ الأشْعَرِيَّةِ وأهْلِ السُنَّةِ جائِزَةٌ عَقْلًا، لِأنَّهُ مِن حَيْثُ هو مَوْجُودٌ تَصِحُّ رُؤْيَتُهُ، قالُوا: لِأنَّ الرُؤْيَةَ لِلشَّيْءِ لا تَتَعَلَّقُ بِصِفَةٍ مِن صِفاتِهِ أكْثَرَ مِنَ الوُجُودِ، إلّا أنَّ الشَرِيعَةَ قَرَّرَتْ رُؤْيَةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في الآخِرَةِ نَصًّا، ومَنَعَتْ مِن ذَلِكَ في الدُنْيا بِظَواهِرَ مِنَ الشَرْعِ، فَمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَسْألْ رَبَّهُ مُحالًا وإنَّما سَألَ جائِزًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ﴾ الآيَةُ. لَيْسَ بِجَوابِ مَن سَألَ مُحالًا، وقَدْ قالَ تَبارَكَ وتَعالى لِنُوحٍ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦]، فَلَوْ سَألَ مُوسى مُحالًا لَكانَ في الكَلامِ زَجْرٌ ما وتَبْيِينٌ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ نَصٌّ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى مَنعِهِ الرُؤْيَةَ في الدُنْيا، و"لَنْ" تَنْفِي الفِعْلَ المُسْتَقْبَلَ، ولَوْ بَقِينا مَعَ هَذا النَفْيِ بِمُجَرِّدِهِ لَقَضَيْنا أنَّهُ لا يَراهُ مُوسى أبَدًا ولا في الآخِرَةِ، لَكِنْ ورَدَ مِن جِهَةٍ أُخْرى بِالحَدِيثِ المُتَواتِرِ أنَّ أهْلَ الإيمانِ يَرَوْنَ اللهَ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ، فَمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أحْرى بِرُؤْيَتِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ (p-٤١)قالَ لِمُوسى: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ ولَكِنْ سَأتَجَلّى لِلْجَبَلِ الَّذِي هو أقْوى مِنكَ وأشَدُّ فَإنِ اسْتَقَرَّ وأطاقَ الصَبْرَ لِهَيْبَتِي فَسَيُمْكِنُكَ أنْتَ رُؤْيَتِي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَعَلى هَذا إنَّما جَعَلَ اللهُ الجَبَلَ مِثالًا وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما المَعْنى: سَأتَبَدّى لَكَ عَلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ لِعَظْمَتِي فَسَوْفَ تَرانِي، ورُوِيَ في كَيْفِيَّةِ وُقُوفِ مُوسى وانْتِظارِهِ الرُؤْيَةَ قَصَصٌ طَوِيلٌ اخْتَصَرْتُهُ لِبُعْدِهِ وكَثْرَةِ مَواضِعِ الِاعْتِراضِ فِيهِ.
الأعراف 7:143
(p-٣٨)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً وقالَ مُوسى لأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾
قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "وَوَعَدْنا"، وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأنْ يَتَهَيَّأ لِمُناجاتِهِ ثَلاثِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ زادَهُ في الأجَلِ بَعْدَ ذَلِكَ عَشَرَ لَيالٍ، فَذَكَرَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أعْلَمُ بَنِي إسْرائِيلَ بِمَغِيبِهِ ثَلاثِينَ لَيْلَةً، فَلَمّا زادَهُ العَشْرُ في حالِ مَغِيبِهِ دُونَ أنْ تَعْلَمَ بَنُو إسْرائِيلَ ذَلِكَ وجَسَتْ نُفُوسُهم لِلزِّيادَةِ عَلى ما أخْبَرَهم بِهِ، فَقالَ لَهُمُ السامِرِيُّ: إنَّ مُوسى قَدْ هَلَكَ ولَيْسَ بِراجِعٍ وأضَلَّهم بِالعْجِلِ فاتَّبَعُوهُ، قالَهُ كُلُّهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. وقِيلَ: بَلْ أخْبَرَهم بِمَغِيبِهِ أرْبَعِينَ، وكَذَلِكَ أعْلَمَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى، وهو المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وأنَّهم عَدُّوا الأيّامَ واللَيالِيَ، فَلَمّا تَمَّ أرْبَعُونَ مِنَ الدَهْرِ قالُوا: قَدْ أخْلَفَ مُوسى فَضَلُّوا، قالَ مُجاهِدٌ: إنَّ الثَلاثِينَ هي شَهْرُ ذِي القِعْدَةِ، وإنَّ العَشْرَ هي عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ، ورُوِيَ أنَّ الثَلاثِينَ إنَّما وُعِدَ بِأنْ يَصُومَها ويَتَهَيَّأ فِيها لِلْمُناجاةِ ويَسْتَعِدَّ، وأنَّ مُدَّةَ المُناجاةِ هي العَشْرُ، وقِيلَ: بَلْ مُدَّةُ المُناجاةِ الأرْبَعُونَ، وإقْبالُ مُوسى عَلى الأمْرِ والتِزامُهُ يُحَسِّنُ لَفْظَ المُواعَدَةِ، وحَيْثُ ورَدَ أنَّ المُواعَدَةَ أرْبَعُونَ لَيْلَةً فَذَلِكَ إخْبارٌ بِجُمْلَةِ الأمْرِ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ إخْبارٌ بِتَفْصِيلِهِ كَيْفَ وقَعَ، و"أرْبَعِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها في مَوْضِعِ الحالِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "أرْبَعِينَ" ظَرْفًا مِن حَيْثُ هي عَدَدُ أزْمِنَةٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "وَتَمَّمْناها" بِغَيْرِ ألِفٍ وتَشْدِيدِ المِيمِ، وذَكَرَ الزَجّاجُ عن بَعْضِهِمْ قالَ: لَمّا صامَ ثَلاثِينَ يَوْمًا أنْكَرَ خُلُوفَ فَمِهِ فاسْتاكَ بِعُودِ خَرُّوبٍ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: إنّا كُنّا نَسْتَنْشِقُ مِن (p-٣٩)فِيكَ رائِحَةَ المِسْكِ، فَأفْسَدْتَهُ بِالسِواكِ فَزِيدَتْ عَلَيْهِ عَشْرُ لَيالٍ، و"ثَلاثِينَ" نَصْبٌ عَلى تَقْدِيرِ: أجَّلْناهُ ثَلاثِينَ، ولَيْسَتْ مُنْتَصِبَةً عَلى الظَرْفِ؛ لِأنَّ المُواعَدَةَ لَمْ تَقَعْ في الثَلاثِينَ، ثُمَّ رَدَّدَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ قِيلَ: لِيُبَيِّنَ أنَّ العَشْرَ لَمْ تَكُنْ ساعاتٍ، وبِالجُمْلَةِ تَأْكِيدٌ وإيضاحٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ مُوسى لأخِيهِ﴾ الآيَةُ، المَعْنى: وقالَ مُوسى حِينَ أرادَ المُضِيَّ لِلْمُناجاةِ والمَغِيبِ فِيها، و"اخْلُفْنِي" مَعْناهُ: كُنْ خَلِيفَتِي، وهَذا اسْتِخْلافٌ في حَياةٍ كالوِكالَةِ الَّتِي تَنْقَضِي بِعَزْلِ المُوَكَّلِ أو مَوْتِهِ ولا يَقْتَضِي أنَّهُ مُتَمادٍ بَعْدَ وفاةٍ، فَيَنْحَلُّ -عَلى هَذا- ما تَعَلَّقَ بِهِ الإمامِيَّةُ في قَوْلِهِمْ: إنَّ النَبِيَّ ﷺ اسْتَخْلَفَ عَلِيًّا بِقَوْلِهِ: "أنْتَ مِنِّي كَهارُونَ مِن مُوسى"، وقالَ مُوسى: اخْلُفْنِي فَيَتَرَتَّبُ عَلى هَذا أنَّ عَلِيًّا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وما ذَكَرْناهُ يَحُلُّ هَذا القِياسَ.
وأمَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالإصْلاحِ، ثُمَّ مِنَ الطُرُقِ الأُخَرِ في ألّا يَتَّبِعَ سَبِيلَ مُفْسِدٍ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَ مِنَ الإصْلاحِ أنْ يَزْجُرَ السامِرِيَّ ويُغِيرَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ لَمّا جاءَ إلى المَوْضِعِ الَّذِي حُدِّدَ لَهُ، وفي الوَقْتِ الَّذِي عُيِّنَ لَهُ، وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ تَمَنِّيًا مِنهُ: ﴿رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أرِنِي" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ: "أرْنِي" بِسُكُونِ الراءِ.
والمَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلَّمَهُ﴾ [يوسف: ٥٤] أيْ: خَلَقَ لَهُ إدْراكًا سَمَعَ بِهِ الكَلامَ القائِمَ بِالذاتِ القَدِيمِ الَّذِي هو صِفَةُ ذاتٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: أدْنى اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ حَتّى سَمِعَ صَرِيفَ الأقْلامِ في اللَوْحِ، وكَلامُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لا يُشْبِهُ (p-٤٠)شَيْئًا مِنَ الكَلامِ الَّذِي لِلْمَخْلُوقِينَ ولا في جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ، وكَما هو مَوْجُودٌ لا كالمَوْجُوداتِ، ومَعْلُومٌ لا كالمَعْلُوماتِ، كَذَلِكَ كَلامُهُ لا يُشْبِهُ الكَلامَ الَّذِي فِيهِ عَلاماتُ الحُدُوثِ، والواوُ عاطِفَةٌ "كَلَّمَهُ" عَلى "جاءَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ واوَ الحالِ، والأوَّلُ أبْيَنُ. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَلَّمَ اللهُ مُوسى في ألْفِ مَقامٍ، كانَ يَرى نُورًا عَلى وجْهِهِ ثَلاثَةَ أيّامٍ إثْرَ كُلِّ مَقامٍ، وما قَرَبَ مُوسى النِساءَ مُنْذُ كَلَّمَهُ اللهُ تَعالى، وجَوابُ "لَمّا" في قَوْلِهِ تَعالى: "قالَ"، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا كَلَّمَهُ وخَصَّهُ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ طَمَحَتْ هِمَّتُهُ إلى رُتْبَةِ الرُؤْيَةِ وتَشَوَّقَ إلى ذَلِكَ، فَسَألَ رَبَّهُ أنْ يُرِيَهُ نَفْسَهُ، قالَهُ السُدِّيُّ، وأبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ، وقالَ الرَبِيعُ: قَرَّبْناهُ نَجِيًّا حَتّى سَمِعَ صَرِيفَ الأقْلامِ.
ورُؤْيَةُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عِنْدَ الأشْعَرِيَّةِ وأهْلِ السُنَّةِ جائِزَةٌ عَقْلًا، لِأنَّهُ مِن حَيْثُ هو مَوْجُودٌ تَصِحُّ رُؤْيَتُهُ، قالُوا: لِأنَّ الرُؤْيَةَ لِلشَّيْءِ لا تَتَعَلَّقُ بِصِفَةٍ مِن صِفاتِهِ أكْثَرَ مِنَ الوُجُودِ، إلّا أنَّ الشَرِيعَةَ قَرَّرَتْ رُؤْيَةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في الآخِرَةِ نَصًّا، ومَنَعَتْ مِن ذَلِكَ في الدُنْيا بِظَواهِرَ مِنَ الشَرْعِ، فَمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَسْألْ رَبَّهُ مُحالًا وإنَّما سَألَ جائِزًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ﴾ الآيَةُ. لَيْسَ بِجَوابِ مَن سَألَ مُحالًا، وقَدْ قالَ تَبارَكَ وتَعالى لِنُوحٍ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦]، فَلَوْ سَألَ مُوسى مُحالًا لَكانَ في الكَلامِ زَجْرٌ ما وتَبْيِينٌ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ نَصٌّ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى مَنعِهِ الرُؤْيَةَ في الدُنْيا، و"لَنْ" تَنْفِي الفِعْلَ المُسْتَقْبَلَ، ولَوْ بَقِينا مَعَ هَذا النَفْيِ بِمُجَرِّدِهِ لَقَضَيْنا أنَّهُ لا يَراهُ مُوسى أبَدًا ولا في الآخِرَةِ، لَكِنْ ورَدَ مِن جِهَةٍ أُخْرى بِالحَدِيثِ المُتَواتِرِ أنَّ أهْلَ الإيمانِ يَرَوْنَ اللهَ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ، فَمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أحْرى بِرُؤْيَتِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ (p-٤١)قالَ لِمُوسى: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ ولَكِنْ سَأتَجَلّى لِلْجَبَلِ الَّذِي هو أقْوى مِنكَ وأشَدُّ فَإنِ اسْتَقَرَّ وأطاقَ الصَبْرَ لِهَيْبَتِي فَسَيُمْكِنُكَ أنْتَ رُؤْيَتِي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَعَلى هَذا إنَّما جَعَلَ اللهُ الجَبَلَ مِثالًا وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما المَعْنى: سَأتَبَدّى لَكَ عَلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ لِعَظْمَتِي فَسَوْفَ تَرانِي، ورُوِيَ في كَيْفِيَّةِ وُقُوفِ مُوسى وانْتِظارِهِ الرُؤْيَةَ قَصَصٌ طَوِيلٌ اخْتَصَرْتُهُ لِبُعْدِهِ وكَثْرَةِ مَواضِعِ الِاعْتِراضِ فِيهِ.
الأعراف 7:144
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] ﴿قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى الناسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشاكِرِينَ﴾ ﴿وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾
قالَ المُتَأوِّلُونَ المُتَكَلِّمُونَ كالقاضِي الباقِلّانِيُّ وغَيْرُهُ: "إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ لِلْجَبَلِ حَياةً وحِسًّا وإدْراكًا يَرى بِهِ ثُمَّ تَجَلّى لَهُ، أيْ ظَهَرَ وبَدا سُلْطانُهُ، فانْدَكَّ الجَبَلُ لِشِدَّةِ المَطْلَعِ، فَلَمّا رَأى مُوسى ما بِالجَبَلِ صَعِقَ"، وهَذا المَعْنى هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ عن ثابِتٍ عن أنَسٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَرَأ: "فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا" قالَ: فَوَضَعَ الإبْهامَ قَرِيبًا مِن خِنْصَرِهِ، قالَ: فَساخَ الجَبَلُ، (p-٤٢)فَقالَ حُمَيْدٌ لِثابِتٍ: تَقُولُ هَذا؟ فَرَفَعَ ثابِتٌ يَدَهُ فَضَرَبَ صَدْرَهُ، وقالَ: يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ويَقُولُهُ أنَسٌ وأكْتُمُهُ أنا؟
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: فَلَمّا تَجَلّى اللهُ لِلْجَبَلِ بِقُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ انْدَكَّ الجَبَلُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا التَأْوِيلُ يَتَمَسَّكُ بِهِ المُعْتَزِلَةُ تَمَسُّكًا شَدِيدًا لِقَوْلِهِمْ: إنَّ رُؤْيَةَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ غَيْرُ جائِزَةٍ، وقائِلُهُ مِن أهْلِ السُنَّةِ إنَّما يَقُولُهُ مَعَ اعْتِقادِهِ جَوازَ الرُؤْيَةِ، ولَكِنَّهُ يَقُولُ: إنَّهُ ألْيَقُ بِألْفاظِ الآيَةِ مِن أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ أنَّ الجَبَلَ خُلِقَ لَهُ إدْراكٌ وحَياةٌ، وقالَ الزَجّاجُ: مَن قالَ: إنَّ التَقْدِيرَ: "فَلَمّا تَجَلّى أمْرُ رَبِّهِ" فَقَدْ أخْطَأ، ولا يَعْرِفُ أهْلُ اللُغَةِ ذَلِكَ، ورَدَّ أبُو عَلِيٍّ في "الأغْفالِ" عَلَيْهِ.
والدَكُّ: الِانْسِحاقُ والتَفَتُّتُ، وقَرَأ النَبِيُّ ﷺ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ومُجاهِدٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "دَكًّا"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ، وغَيْرُهُمْ: "دَكّاءَ" عَلى وزْنِ حَمْراءَ، والدَكّاءُ: الناقَةُ الَّتِي لا سَنامَ لَها، فالمَعْنى: جَعَلَهُ أرْضًا دَكّاءَ تَشْبِيهًا بِالناقَةِ، فَرُوِيَ أنَّهُ ذَهَبَ الجَبَلُ بِرُمَّتِهِ، وقِيلَ: ذَهَبَ أعْلاهُ وبَقِيَ أكْثَرُهُ، ورُوِيَ أنَّ الجَبَلَ تَفَتَّتَ وانْسَحَقَ حَتّى صارَ غُبارًا تَذْرُوهُ الرِياحُ، وقالَ سُفْيانُ: رُوِيَ أنَّهُ ساخَ في الأرْضِ وأفْضى إلى البَحْرِ الَّذِي تَحْتَ الأرَضِينَ. قالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: فَهو يَهْوِي فِيهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ورُوِيَ أنَّهُ انْكَسَرَ سِتَّ فِرَقٍ، فَوَقَعَتْ مِنهُ ثَلاثٌ بِمَكَّةَ: ثَبِيرٌ، وغارُ ثَوْرٍ، وحِراءُ، وثَلاثٌ بِالمَدِينَةِ: أُحُدٌ، ووَرْقانُ، ورَضْوى، قالَهُ النَقّاشُ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ: ساخَ في الأرْضِ فَلا يَظْهَرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
و"صَعِقًا" مَعْناهُ: مَغْشِيًّا عَلَيْهِ كَحال مَن تُصِيبُهُ الصَعْقَةُ وهي الصَيْحَةُ المُفْرِطَةُ، قالَ الخَلِيلُ: وهي الوَقْعُ الشَدِيدُ مِن صَوْتِ الرَعْدِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ مَوْتًا، قالَ الزَجّاجُ: وهو ضَعِيفٌ، ولَفْظَةُ "أفاقَ" تَقْتَضِي (p-٤٣)غَيْرَ هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ، كَذا فَسَّرَهُ النَبِيُّ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿تُبْتُ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] مَعْناهُ: مِن أنْ أسْألَكَ الرُؤْيَةَ في الدُنْيا وأنْتَ لا تُبِيحُها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنَّهُ لَفْظٌ قالَهُ عَلَيْهِ السَلامُ لِشِدَّةِ هَوْلِ ما اطَّلَعَ، ولَمْ يَعْنِ بِهِ التَوْبَةَ مِن شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ولَكِنَّهُ لَفْظٌ يَصْلُحُ لِذَلِكَ المَقامِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والَّذِي يَتَحَرَّزُ مِنهُ أهْلُ السُنَّةِ أنْ تَكُونَ تَوْبَةً مِن سُؤالِ المُحالِ كَما زَعَمَتِ المُعْتَزِلَةُ،.
وقَرَأ نافِعٌ: "وَأنا" بِإثْباتِ الألِفِ في الإدْراجِ، قالَ الزَهْراوِيُّ، والأولى حَذْفُها في الإدْراجِ، وإثْباتُها لُغَةٌ شاذَّةٌ خارِجَةٌ عَنِ القِياسِ، وقَوْلُهُ: "أوَّلُ" إمّا أنْ يُرِيدَ: مِن قَوْمِهِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، أو مِن أهْلِ زَمانِهِ إنْ كانَ الكُفْرُ قَدْ طَبَّقَ الآفاقَ، وإمّا أنْ يُرِيدَ أوَّلَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّكَ لا تَرى في الدُنْيا، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
ثُمَّ إنَّ اللهَ تَعالى قَرَّرَ مُوسى عَلى آلائِهِ عِنْدَهُ عَلى جِهَةِ الإخْبارِ وقَنَّعَهُ بِها وأمَرَهُ بِالشُكْرِ عَلَيْها، وكَأنَّهُ قالَ: ولا تَتَعَدَّها إلى غَيْرِها.
واصْطَفى أصْلُهُ: اصْتَفى، وهو افْتَعَلَ مِن صَفا يَصْفُو انْقَلَبَتِ التاءُ طاءً لِمَكانِ الصادِ، ومَعْناهُ: تَخَيَّرْتُكَ وخَصَصْتُكَ، ولا تُسْتَعْمَلُ إلّا في الخَيْرِ والمِنَنِ، لا يُقالُ: اصْطَفاهُ لِشَرٍّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى الناسِ﴾ عامٌّ والمُرادُ الخُصُوصُ فِيمَن شارَكَ مُوسى في الإرْسالِ، فَإنَّ الأنْبِياءَ المُرْسَلِينَ مُشارِكُونَ لَهُ بِما هم رُسُلٌ، والظاهِرُ مِنَ الشَرِيعَةِ أنَّ مُوسى مُخَصَّصٌ بِالكَلامِ وإنْ كانَ قَدْ رُوِيَ في تَكْلِيمِ اللهِ غَيْرَهُ أشْياءُ بِما يَشاءُ، مِن أعْظَمِها «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عن آدَمَ فَقالَ: "هُوَ نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
إلّا أنَّ ذَلِكَ قَدْ تُؤُوِّلَ بِأنَّهُ كانَ في الجَنَّةِ فَيَتُحَفَّظُ -عَلى هَذا- تَخْصِيصُ مُوسى، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿عَلى الناسِ﴾ عُمُومًا مُطْلَقًا في مَجْمُوعِ الدَرَجَتَيْنِ: الرِسالَةِ (p-٤٤)والكَلامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "بِرِسالاتِي" عَلى الجَمْعِ، إذِ الَّذِي أُرْسِلَ بِهِ ضُرُوبٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ: "بِرِسالَتِي" عَلى الإفْرادِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، وتُحَلُّ الرِسالَةُ هاهُنا مَحَلَّ المَصْدَرِ الَّذِي هو الإرْسالُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَبِكَلامِي"، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "بِرِسالَتِي وبِكَلِمِي"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "بِرِسالاتِي وبِكَلِمِي"، وحَكى عنهُ المَهْدَوِيُّ: "وَتَكْلِيمِي" عَلى وزْنِ تَفْعِيلِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشاكِرِينَ﴾ تَأْدِيبٌ وتَقْنِيعٌ وحَمْلٌ عَلى جادَّةِ السَلامَةِ، ومِثالٌ لِكُلِّ أحَدٍ في حالِهِ، فَإنَّ جَمِيعَ النِعَمِ مِن عِنْدِهِ بِمِقْدارٍ، وكُلُّ الأُمُورِ بِمَرْأًى مِنَ اللهِ ومَسْمَعٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والألِفُ واللامُ في "الألْواحِ" عِوَضٌ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي يُقَدَّرُ وصْلُهُ بَيْنَ "الألْواحِ" و"مُوسى" عَلَيْهِ السَلامُ، تَقْدِيرُهُ: في ألْواحِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤١] أيْ: مَأْواهُ. وقِيلَ: كانَتِ الألْواحُ اثْنَيْنِ، وقِيلَ: سَبْعَةً، وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَتِ الألْواحُ مِن زُمُرُّدٍ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مِن ياقُوتٍ أحْمَرَ، وقالَ أبُو العالِيَةِ أيْضًا: مَن بُرُدٍ، وقالَ الحَسَنُ: مِن خَشَبٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ لَفْظَةُ عُمُومٍ، والمُرادُ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ يَنْفَعُ في مَعْنى الشَرْعِ ويُحْتاجُ إلَيْهِ في المَصْلَحَةِ، وقَوْلُهُ: "لِكُلِّ شَيْءٍ" مِثْلُهُ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ما أمِرُوا بِهِ ونُهُوا عنهُ، وقالَهُ مُجاهِدٌ:
، وقالَ السُدِّيُّ: الحَلالُ والحَرامُ. وقَوْلُهُ: "بِقُوَّةٍ" مَعْناهُ: بِجِدٍّ وصَبْرٍ عَلَيْها واحْتِمالٍ لِمُؤْنَتِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما والسُدِّيُّ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: "بِقُوَّةٍ" هُنا: بِطاعَةٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَأْخُذَ بِأشَدِّ مِمّا أمَرَ بِهِ قَوْمَهُ، وخُذْ أصْلُهُ: أُؤْخُذْ، حُذِفَتِ الهَمْزَةُ الَّتِي هي فاءُ الفِعْلِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، فاسْتُغْنِيَ عَنِ الأوَّلِ، وقَوْلُهُ: "بِأحْسَنِها" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما التَفْضِيلُ، (p-٤٥)كَأنَّهُ قالَ: إذا اعْتَرَضَ فِيها مُباحانِ، فَيَأْخُذُونَ الأحْسَنَ مِنهُما كالعَفْوِ والقِصاصِ، والصَبْرِ والِانْتِصارِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
هَذا عَلى القَوْلِ أنَّ أفْعَلَ في التَفْضِيلِ لا يُقالُ إلّا لِما لَهُما اشْتِراكٌ في المُفَضَّلِ فِيهِ. وأمّا عَلى القَوْلِ الآخَرِ فَقَدْ يُرادُ بِالأحْسَنِ المَأْمُورُ بِهِ بِالإضافَةِ لِلْمَنهِيِّ عنهُ لِأنَّهُ أحْسَنُ مِنهُ، وذَلِكَ كالناسِخِ بِالنِسْبَةِ لِلْمَنسُوخِ ونَحْوِ هَذا، وذَهَبَ إلى هَذا المَعْنى الطَبَرِيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّهُ تَدْخُلُ فِيهِ الفَرائِضُ وهي لا تَدْخُلُ في التَأْوِيلِ الأوَّلِ، وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يُتَصَوَّرَ اشْتِراكٌ في حُسْنٍ مِنَ المَأْمُورِ بِهِ والمَنهِيِّ عنهُ ولَوْ بِحَسَبِ المَلاذِ وشَهَواتِ النَفْسِ الأمّارَةِ، والمَعْنى الآخَرُ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: "بِأحْسَنِها" أنْ يُرِيدَ بِـ"أحْسْنِ" وصْفَ الشَرِيعَةِ بِجُمْلَتِها، فَكَأنَّهُ قالَ: قَدْ جَعَلْنا لَكم شَرِيعَةً هي أحْسَنُ، كَما تَقُولُ: "اللهُ أكْبَرُ" دُونَ مُقايَسَةٍ، ثُمَّ قالَ: فَمُرْهم يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها الَّذِي شَرَعْناهُ لَهُمْ، وفي هَذا التَأْوِيلِ اعْتِراضاتٌ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سَأُورِيكُمْ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "أُورِيكُمْ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: ظاهِرُ هَذِهِ القِراءَةِ مَرْدُودٌ وهو أبُو سَعِيدٍ المَأْثُورُ فَصاحَتُهُ. فَوَجَّهَها أنَّ المُرادَ "أُرِيكُمْ" ثُمَّ أُشْبِعَتْ ضَمَّةُ الهَمْزَةِ ومُطِلَتْ حَتّى نَشَأتْ عنها واوٌ، ويَحْسُنُ احْتِمالُ الواوِ في هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ مَوْضِعُ وعِيدٍ وإغْلاظٍ فَمَكَّنَ الصَوْتَ فِيهِ. وقَرَأ قَسامَةُ بْنُ زُهَيْرٍ: "سَأُورِثُكُمْ"، قالَهُ أبُو حاتِمٍ، ونَسَبَها المَهْدَوِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما. (p-٤٦)وَثَبَتَتِ الواوُ في خَطِّ المُصْحَفِ فَلِذَلِكَ أُشْكِلَ هَذا الِاخْتِلافُ مَعَ أنّا لا نَتَأوَّلُ إلّا أنَّها مَرْوِيّاتٌ. فَأمّا مَن قَرَأها: "سَأُورِيكُمْ" فالمَعْنى عِنْدَهُ: سَأعْرِضُ عَلَيْكم وأجْعَلُكم تُحِسُّونَ لِتَعْتَبِرُوا حالَ دارِ الفاسِقِينَ. والرُؤْيَةُ هُنا رُؤْيَةُ العَيْنِ إلّا أنَّ المَعْنى يَتَضَمَّنُ الوَعْدَ لِلْمُؤْمِنِينَ والوَعِيدَ لِلْفاسِقِينَ. ويَدُلُّ عَلى أنَّها رُؤْيَةُ العَيْنِ تَعَدِّي فِعْلِها، وقَدْ عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ، ولَوْ كانَ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ لِتَعَدّى بِالهَمْزَةِ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ، ولَوْ قالَ قائِلٌ: المَفْعُولُ الثالِثُ يَتَضَمَّنُهُ المَعْنى فَهو مُقَدَّرٌ، أيْ: مُدَمَّرَةً أو خَرِبَةً أو مُسَعَّرَةً -عَلى قَوْلِ مَن قالَ: هي جَهَنَّمُ- قِيلَ لَهُ: ولا يَجُوزُ حَذْفُ هَذا المَفْعُولِ والِاقْتِصارِ دُونَهُ أنَّها داخِلَةٌ عَلى المُبْتَدَإ والخَبَرِ، ولَوْ جُوِّزَ لَكانَ عَلى قُبْحٍ في اللِسانِ لا يَلِيقُ بِكِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومُقاتِلٌ، وقَتادَةُ في كِتابِ النَقّاشِ: دارُ الفاسِقِينَ مِصْرُ، والمُرادُ آلُ فِرْعَوْنَ، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: دارُ الفاسِقِينَ الشامُ، والمُرادُ العَمالِقَةُ الَّذِينَ أُمِرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِقِتالِهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: دارُ الفاسِقِينَ جَهَنَّمُ، والمُرادُ الكَفَرَةُ بِمُوسى عامَّةً، وقالَ النَقّاشُ عَنِ الكَلْبِيِّ: دارُ الفاسِقِينَ دُورُ ثَمُودَ وعادٍ والأُمَمِ الخالِيَةِ، أيْ: سَنَقُصُّها عَلَيْكم فَتَرَوْنَها.
الأعراف 7:145
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] ﴿قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى الناسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشاكِرِينَ﴾ ﴿وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾
قالَ المُتَأوِّلُونَ المُتَكَلِّمُونَ كالقاضِي الباقِلّانِيُّ وغَيْرُهُ: "إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ لِلْجَبَلِ حَياةً وحِسًّا وإدْراكًا يَرى بِهِ ثُمَّ تَجَلّى لَهُ، أيْ ظَهَرَ وبَدا سُلْطانُهُ، فانْدَكَّ الجَبَلُ لِشِدَّةِ المَطْلَعِ، فَلَمّا رَأى مُوسى ما بِالجَبَلِ صَعِقَ"، وهَذا المَعْنى هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ عن ثابِتٍ عن أنَسٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَرَأ: "فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا" قالَ: فَوَضَعَ الإبْهامَ قَرِيبًا مِن خِنْصَرِهِ، قالَ: فَساخَ الجَبَلُ، (p-٤٢)فَقالَ حُمَيْدٌ لِثابِتٍ: تَقُولُ هَذا؟ فَرَفَعَ ثابِتٌ يَدَهُ فَضَرَبَ صَدْرَهُ، وقالَ: يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ويَقُولُهُ أنَسٌ وأكْتُمُهُ أنا؟
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: فَلَمّا تَجَلّى اللهُ لِلْجَبَلِ بِقُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ انْدَكَّ الجَبَلُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا التَأْوِيلُ يَتَمَسَّكُ بِهِ المُعْتَزِلَةُ تَمَسُّكًا شَدِيدًا لِقَوْلِهِمْ: إنَّ رُؤْيَةَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ غَيْرُ جائِزَةٍ، وقائِلُهُ مِن أهْلِ السُنَّةِ إنَّما يَقُولُهُ مَعَ اعْتِقادِهِ جَوازَ الرُؤْيَةِ، ولَكِنَّهُ يَقُولُ: إنَّهُ ألْيَقُ بِألْفاظِ الآيَةِ مِن أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ أنَّ الجَبَلَ خُلِقَ لَهُ إدْراكٌ وحَياةٌ، وقالَ الزَجّاجُ: مَن قالَ: إنَّ التَقْدِيرَ: "فَلَمّا تَجَلّى أمْرُ رَبِّهِ" فَقَدْ أخْطَأ، ولا يَعْرِفُ أهْلُ اللُغَةِ ذَلِكَ، ورَدَّ أبُو عَلِيٍّ في "الأغْفالِ" عَلَيْهِ.
والدَكُّ: الِانْسِحاقُ والتَفَتُّتُ، وقَرَأ النَبِيُّ ﷺ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ومُجاهِدٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "دَكًّا"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ، وغَيْرُهُمْ: "دَكّاءَ" عَلى وزْنِ حَمْراءَ، والدَكّاءُ: الناقَةُ الَّتِي لا سَنامَ لَها، فالمَعْنى: جَعَلَهُ أرْضًا دَكّاءَ تَشْبِيهًا بِالناقَةِ، فَرُوِيَ أنَّهُ ذَهَبَ الجَبَلُ بِرُمَّتِهِ، وقِيلَ: ذَهَبَ أعْلاهُ وبَقِيَ أكْثَرُهُ، ورُوِيَ أنَّ الجَبَلَ تَفَتَّتَ وانْسَحَقَ حَتّى صارَ غُبارًا تَذْرُوهُ الرِياحُ، وقالَ سُفْيانُ: رُوِيَ أنَّهُ ساخَ في الأرْضِ وأفْضى إلى البَحْرِ الَّذِي تَحْتَ الأرَضِينَ. قالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: فَهو يَهْوِي فِيهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ورُوِيَ أنَّهُ انْكَسَرَ سِتَّ فِرَقٍ، فَوَقَعَتْ مِنهُ ثَلاثٌ بِمَكَّةَ: ثَبِيرٌ، وغارُ ثَوْرٍ، وحِراءُ، وثَلاثٌ بِالمَدِينَةِ: أُحُدٌ، ووَرْقانُ، ورَضْوى، قالَهُ النَقّاشُ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ: ساخَ في الأرْضِ فَلا يَظْهَرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
و"صَعِقًا" مَعْناهُ: مَغْشِيًّا عَلَيْهِ كَحال مَن تُصِيبُهُ الصَعْقَةُ وهي الصَيْحَةُ المُفْرِطَةُ، قالَ الخَلِيلُ: وهي الوَقْعُ الشَدِيدُ مِن صَوْتِ الرَعْدِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ مَوْتًا، قالَ الزَجّاجُ: وهو ضَعِيفٌ، ولَفْظَةُ "أفاقَ" تَقْتَضِي (p-٤٣)غَيْرَ هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ، كَذا فَسَّرَهُ النَبِيُّ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿تُبْتُ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] مَعْناهُ: مِن أنْ أسْألَكَ الرُؤْيَةَ في الدُنْيا وأنْتَ لا تُبِيحُها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنَّهُ لَفْظٌ قالَهُ عَلَيْهِ السَلامُ لِشِدَّةِ هَوْلِ ما اطَّلَعَ، ولَمْ يَعْنِ بِهِ التَوْبَةَ مِن شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ولَكِنَّهُ لَفْظٌ يَصْلُحُ لِذَلِكَ المَقامِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والَّذِي يَتَحَرَّزُ مِنهُ أهْلُ السُنَّةِ أنْ تَكُونَ تَوْبَةً مِن سُؤالِ المُحالِ كَما زَعَمَتِ المُعْتَزِلَةُ،.
وقَرَأ نافِعٌ: "وَأنا" بِإثْباتِ الألِفِ في الإدْراجِ، قالَ الزَهْراوِيُّ، والأولى حَذْفُها في الإدْراجِ، وإثْباتُها لُغَةٌ شاذَّةٌ خارِجَةٌ عَنِ القِياسِ، وقَوْلُهُ: "أوَّلُ" إمّا أنْ يُرِيدَ: مِن قَوْمِهِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، أو مِن أهْلِ زَمانِهِ إنْ كانَ الكُفْرُ قَدْ طَبَّقَ الآفاقَ، وإمّا أنْ يُرِيدَ أوَّلَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّكَ لا تَرى في الدُنْيا، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
ثُمَّ إنَّ اللهَ تَعالى قَرَّرَ مُوسى عَلى آلائِهِ عِنْدَهُ عَلى جِهَةِ الإخْبارِ وقَنَّعَهُ بِها وأمَرَهُ بِالشُكْرِ عَلَيْها، وكَأنَّهُ قالَ: ولا تَتَعَدَّها إلى غَيْرِها.
واصْطَفى أصْلُهُ: اصْتَفى، وهو افْتَعَلَ مِن صَفا يَصْفُو انْقَلَبَتِ التاءُ طاءً لِمَكانِ الصادِ، ومَعْناهُ: تَخَيَّرْتُكَ وخَصَصْتُكَ، ولا تُسْتَعْمَلُ إلّا في الخَيْرِ والمِنَنِ، لا يُقالُ: اصْطَفاهُ لِشَرٍّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى الناسِ﴾ عامٌّ والمُرادُ الخُصُوصُ فِيمَن شارَكَ مُوسى في الإرْسالِ، فَإنَّ الأنْبِياءَ المُرْسَلِينَ مُشارِكُونَ لَهُ بِما هم رُسُلٌ، والظاهِرُ مِنَ الشَرِيعَةِ أنَّ مُوسى مُخَصَّصٌ بِالكَلامِ وإنْ كانَ قَدْ رُوِيَ في تَكْلِيمِ اللهِ غَيْرَهُ أشْياءُ بِما يَشاءُ، مِن أعْظَمِها «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عن آدَمَ فَقالَ: "هُوَ نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
إلّا أنَّ ذَلِكَ قَدْ تُؤُوِّلَ بِأنَّهُ كانَ في الجَنَّةِ فَيَتُحَفَّظُ -عَلى هَذا- تَخْصِيصُ مُوسى، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿عَلى الناسِ﴾ عُمُومًا مُطْلَقًا في مَجْمُوعِ الدَرَجَتَيْنِ: الرِسالَةِ (p-٤٤)والكَلامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "بِرِسالاتِي" عَلى الجَمْعِ، إذِ الَّذِي أُرْسِلَ بِهِ ضُرُوبٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ: "بِرِسالَتِي" عَلى الإفْرادِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، وتُحَلُّ الرِسالَةُ هاهُنا مَحَلَّ المَصْدَرِ الَّذِي هو الإرْسالُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَبِكَلامِي"، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "بِرِسالَتِي وبِكَلِمِي"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "بِرِسالاتِي وبِكَلِمِي"، وحَكى عنهُ المَهْدَوِيُّ: "وَتَكْلِيمِي" عَلى وزْنِ تَفْعِيلِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشاكِرِينَ﴾ تَأْدِيبٌ وتَقْنِيعٌ وحَمْلٌ عَلى جادَّةِ السَلامَةِ، ومِثالٌ لِكُلِّ أحَدٍ في حالِهِ، فَإنَّ جَمِيعَ النِعَمِ مِن عِنْدِهِ بِمِقْدارٍ، وكُلُّ الأُمُورِ بِمَرْأًى مِنَ اللهِ ومَسْمَعٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والألِفُ واللامُ في "الألْواحِ" عِوَضٌ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي يُقَدَّرُ وصْلُهُ بَيْنَ "الألْواحِ" و"مُوسى" عَلَيْهِ السَلامُ، تَقْدِيرُهُ: في ألْواحِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤١] أيْ: مَأْواهُ. وقِيلَ: كانَتِ الألْواحُ اثْنَيْنِ، وقِيلَ: سَبْعَةً، وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَتِ الألْواحُ مِن زُمُرُّدٍ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مِن ياقُوتٍ أحْمَرَ، وقالَ أبُو العالِيَةِ أيْضًا: مَن بُرُدٍ، وقالَ الحَسَنُ: مِن خَشَبٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ لَفْظَةُ عُمُومٍ، والمُرادُ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ يَنْفَعُ في مَعْنى الشَرْعِ ويُحْتاجُ إلَيْهِ في المَصْلَحَةِ، وقَوْلُهُ: "لِكُلِّ شَيْءٍ" مِثْلُهُ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ما أمِرُوا بِهِ ونُهُوا عنهُ، وقالَهُ مُجاهِدٌ:
، وقالَ السُدِّيُّ: الحَلالُ والحَرامُ. وقَوْلُهُ: "بِقُوَّةٍ" مَعْناهُ: بِجِدٍّ وصَبْرٍ عَلَيْها واحْتِمالٍ لِمُؤْنَتِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما والسُدِّيُّ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: "بِقُوَّةٍ" هُنا: بِطاعَةٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَأْخُذَ بِأشَدِّ مِمّا أمَرَ بِهِ قَوْمَهُ، وخُذْ أصْلُهُ: أُؤْخُذْ، حُذِفَتِ الهَمْزَةُ الَّتِي هي فاءُ الفِعْلِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، فاسْتُغْنِيَ عَنِ الأوَّلِ، وقَوْلُهُ: "بِأحْسَنِها" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما التَفْضِيلُ، (p-٤٥)كَأنَّهُ قالَ: إذا اعْتَرَضَ فِيها مُباحانِ، فَيَأْخُذُونَ الأحْسَنَ مِنهُما كالعَفْوِ والقِصاصِ، والصَبْرِ والِانْتِصارِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
هَذا عَلى القَوْلِ أنَّ أفْعَلَ في التَفْضِيلِ لا يُقالُ إلّا لِما لَهُما اشْتِراكٌ في المُفَضَّلِ فِيهِ. وأمّا عَلى القَوْلِ الآخَرِ فَقَدْ يُرادُ بِالأحْسَنِ المَأْمُورُ بِهِ بِالإضافَةِ لِلْمَنهِيِّ عنهُ لِأنَّهُ أحْسَنُ مِنهُ، وذَلِكَ كالناسِخِ بِالنِسْبَةِ لِلْمَنسُوخِ ونَحْوِ هَذا، وذَهَبَ إلى هَذا المَعْنى الطَبَرِيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّهُ تَدْخُلُ فِيهِ الفَرائِضُ وهي لا تَدْخُلُ في التَأْوِيلِ الأوَّلِ، وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يُتَصَوَّرَ اشْتِراكٌ في حُسْنٍ مِنَ المَأْمُورِ بِهِ والمَنهِيِّ عنهُ ولَوْ بِحَسَبِ المَلاذِ وشَهَواتِ النَفْسِ الأمّارَةِ، والمَعْنى الآخَرُ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: "بِأحْسَنِها" أنْ يُرِيدَ بِـ"أحْسْنِ" وصْفَ الشَرِيعَةِ بِجُمْلَتِها، فَكَأنَّهُ قالَ: قَدْ جَعَلْنا لَكم شَرِيعَةً هي أحْسَنُ، كَما تَقُولُ: "اللهُ أكْبَرُ" دُونَ مُقايَسَةٍ، ثُمَّ قالَ: فَمُرْهم يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها الَّذِي شَرَعْناهُ لَهُمْ، وفي هَذا التَأْوِيلِ اعْتِراضاتٌ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سَأُورِيكُمْ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "أُورِيكُمْ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: ظاهِرُ هَذِهِ القِراءَةِ مَرْدُودٌ وهو أبُو سَعِيدٍ المَأْثُورُ فَصاحَتُهُ. فَوَجَّهَها أنَّ المُرادَ "أُرِيكُمْ" ثُمَّ أُشْبِعَتْ ضَمَّةُ الهَمْزَةِ ومُطِلَتْ حَتّى نَشَأتْ عنها واوٌ، ويَحْسُنُ احْتِمالُ الواوِ في هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ مَوْضِعُ وعِيدٍ وإغْلاظٍ فَمَكَّنَ الصَوْتَ فِيهِ. وقَرَأ قَسامَةُ بْنُ زُهَيْرٍ: "سَأُورِثُكُمْ"، قالَهُ أبُو حاتِمٍ، ونَسَبَها المَهْدَوِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما. (p-٤٦)وَثَبَتَتِ الواوُ في خَطِّ المُصْحَفِ فَلِذَلِكَ أُشْكِلَ هَذا الِاخْتِلافُ مَعَ أنّا لا نَتَأوَّلُ إلّا أنَّها مَرْوِيّاتٌ. فَأمّا مَن قَرَأها: "سَأُورِيكُمْ" فالمَعْنى عِنْدَهُ: سَأعْرِضُ عَلَيْكم وأجْعَلُكم تُحِسُّونَ لِتَعْتَبِرُوا حالَ دارِ الفاسِقِينَ. والرُؤْيَةُ هُنا رُؤْيَةُ العَيْنِ إلّا أنَّ المَعْنى يَتَضَمَّنُ الوَعْدَ لِلْمُؤْمِنِينَ والوَعِيدَ لِلْفاسِقِينَ. ويَدُلُّ عَلى أنَّها رُؤْيَةُ العَيْنِ تَعَدِّي فِعْلِها، وقَدْ عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ، ولَوْ كانَ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ لِتَعَدّى بِالهَمْزَةِ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ، ولَوْ قالَ قائِلٌ: المَفْعُولُ الثالِثُ يَتَضَمَّنُهُ المَعْنى فَهو مُقَدَّرٌ، أيْ: مُدَمَّرَةً أو خَرِبَةً أو مُسَعَّرَةً -عَلى قَوْلِ مَن قالَ: هي جَهَنَّمُ- قِيلَ لَهُ: ولا يَجُوزُ حَذْفُ هَذا المَفْعُولِ والِاقْتِصارِ دُونَهُ أنَّها داخِلَةٌ عَلى المُبْتَدَإ والخَبَرِ، ولَوْ جُوِّزَ لَكانَ عَلى قُبْحٍ في اللِسانِ لا يَلِيقُ بِكِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومُقاتِلٌ، وقَتادَةُ في كِتابِ النَقّاشِ: دارُ الفاسِقِينَ مِصْرُ، والمُرادُ آلُ فِرْعَوْنَ، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: دارُ الفاسِقِينَ الشامُ، والمُرادُ العَمالِقَةُ الَّذِينَ أُمِرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِقِتالِهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: دارُ الفاسِقِينَ جَهَنَّمُ، والمُرادُ الكَفَرَةُ بِمُوسى عامَّةً، وقالَ النَقّاشُ عَنِ الكَلْبِيِّ: دارُ الفاسِقِينَ دُورُ ثَمُودَ وعادٍ والأُمَمِ الخالِيَةِ، أيْ: سَنَقُصُّها عَلَيْكم فَتَرَوْنَها.
الأعراف 7:146
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَأصْرِفُ عن آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عنها غافِلِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أعْمالُهم هَلْ يُجْزَوْنَ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
(p-٤٧)المَعْنى: سَأمْنَعُ وأصُدُّ، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الآياتُ هُنا كُلُّ كِتابٍ مُنَزَّلٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فالمَعْنى: عن فَهْمِها وتَصْدِيقِها، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الآياتُ: العَلاماتُ المَنصُوبَةُ الدالَّةُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فالمَعْنى: عَنِ النَظَرِ فِيها والتَفْكِيرِ والِاسْتِدْلالِ بِها، واللَفْظُ يَعُمُّ الوَجْهَيْنِ.
والمُتَكَبِّرُونَ بِغَيْرِ حَقٍّ في الأرْضِ هُمُ الكَفَرَةُ، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: سَأجْعَلُ الصَرْفَ عَنِ الآياتِ عُقُوبَةً لِلْمُتَكَبِّرِينَ عَلى تَكَبُّرِهِمْ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ حَتْمٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى الطائِفَةِ الَّتِي قَدَّرَ ألّا يُؤْمِنُوا. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: "يَرَوْا" بِفَتْحِ الياءِ، قَرَأها ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمُ، ونافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وشِبْلٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وسائِرُ السَبْعَةِ، وقَرَأها مَضْمُومَةَ الياءِ مالِكُ بْنُ دِينارٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "الرُشْدِ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ- وأبُو البَرَهْسَمِ: "الرُشُدِ" بِضَمِّ الراءِ والشِينِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ عَلى أنَّ "الرُشْدَ" بِضَمِّ الراءِ وسُكُونِ الشِينِ، و"الرَشَدَ" بِفَتْحِهِما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: الرُشْدُ بِضَمِّ الراءِ: الصَلاحُ في النَظَرِ، و"الرَشَدُ" بِفَتْحِهِما: الدِينُ، وأمّا قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ بِضَمِّهِما فَأتْبَعَتِ الضَمَّةُ الضَمَّةَ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "لا يَتَّخِذُوها" و"تَتَّخِذُوها" عَلى تَأْنِيثِ السَبِيلِ، والسَبِيلُ تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الصَرْفِ، أيْ صَرَفْنا إيّاهم وعُقُوبَتُنا لَهم هي بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنِ النَظَرِ في الآياتِ والوُقُوفِ عِنْدَ الحُجَجِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "ذَلِكَ" خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: فَعَلْنا ذَلِكَ.
(p-٤٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها، وسَوْقُها في جُمْلَةِ المُكَذَّبِ بِهِ، ولِقاءِ الآخِرَةِ لَفْظٌ يَتَضَمَّنُ تَهْدِيدًا. أيْ: هُنالِكَ يُفْتَضَحُ لَهم حالُهم. و"حَبِطَتْ" مَعْناهُ: سَقَطَتْ وفَسَدَتْ، وأصْلُ الحَبَطِ فِيما تَقَدَّمَ صَلاحُهُ، ولَكِنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الَّذِي كانَ أوَّلَ مَرَّةٍ فاسِدًا، إذْ مَآلُ العامِلِينَ واحِدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: يَسْتَوْجِبُونَ بِسُوءِ فِعْلِهِمُ العُقُوبَةَ، وساغَ أنْ يُسْتَعْمَلَ "حَبِطَتْ" هُنا إذْ كانَتْ أعْمالُهم في مُعْتَقَداتِهِمْ جارِيَةً في طَرِيقِ صَلاحٍ، فَكَأنَّ الحَبَطَ فِيها إنَّما هو بِحَسَبِ مُعْتَقَداتِهِمْ، وأمّا بِحَسَبِ ما هي عَلَيْهِ في أنْفُسِها فَفاسِدَةٌ مُنْذُ أوَّلِ أمْرِها، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ مِمّا يُنْبِتُ الرَبِيعُ ما يَقْتُلُ حَبَطًا أو يُلِمُّ"» أيْ فَسادًا لِكَثْرَةِ الأكْلِ بَعْدَ الصَلاحِ الَّذِي كانَ أوَّلًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو السَمّالِ: "حَبَطَتْ" بِفَتْحِ الباءِ.
الأعراف 7:147
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَأصْرِفُ عن آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عنها غافِلِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أعْمالُهم هَلْ يُجْزَوْنَ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
(p-٤٧)المَعْنى: سَأمْنَعُ وأصُدُّ، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الآياتُ هُنا كُلُّ كِتابٍ مُنَزَّلٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فالمَعْنى: عن فَهْمِها وتَصْدِيقِها، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الآياتُ: العَلاماتُ المَنصُوبَةُ الدالَّةُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فالمَعْنى: عَنِ النَظَرِ فِيها والتَفْكِيرِ والِاسْتِدْلالِ بِها، واللَفْظُ يَعُمُّ الوَجْهَيْنِ.
والمُتَكَبِّرُونَ بِغَيْرِ حَقٍّ في الأرْضِ هُمُ الكَفَرَةُ، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: سَأجْعَلُ الصَرْفَ عَنِ الآياتِ عُقُوبَةً لِلْمُتَكَبِّرِينَ عَلى تَكَبُّرِهِمْ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ حَتْمٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى الطائِفَةِ الَّتِي قَدَّرَ ألّا يُؤْمِنُوا. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: "يَرَوْا" بِفَتْحِ الياءِ، قَرَأها ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمُ، ونافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وشِبْلٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وسائِرُ السَبْعَةِ، وقَرَأها مَضْمُومَةَ الياءِ مالِكُ بْنُ دِينارٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "الرُشْدِ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ- وأبُو البَرَهْسَمِ: "الرُشُدِ" بِضَمِّ الراءِ والشِينِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ عَلى أنَّ "الرُشْدَ" بِضَمِّ الراءِ وسُكُونِ الشِينِ، و"الرَشَدَ" بِفَتْحِهِما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: الرُشْدُ بِضَمِّ الراءِ: الصَلاحُ في النَظَرِ، و"الرَشَدُ" بِفَتْحِهِما: الدِينُ، وأمّا قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ بِضَمِّهِما فَأتْبَعَتِ الضَمَّةُ الضَمَّةَ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "لا يَتَّخِذُوها" و"تَتَّخِذُوها" عَلى تَأْنِيثِ السَبِيلِ، والسَبِيلُ تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الصَرْفِ، أيْ صَرَفْنا إيّاهم وعُقُوبَتُنا لَهم هي بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنِ النَظَرِ في الآياتِ والوُقُوفِ عِنْدَ الحُجَجِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "ذَلِكَ" خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: فَعَلْنا ذَلِكَ.
(p-٤٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها، وسَوْقُها في جُمْلَةِ المُكَذَّبِ بِهِ، ولِقاءِ الآخِرَةِ لَفْظٌ يَتَضَمَّنُ تَهْدِيدًا. أيْ: هُنالِكَ يُفْتَضَحُ لَهم حالُهم. و"حَبِطَتْ" مَعْناهُ: سَقَطَتْ وفَسَدَتْ، وأصْلُ الحَبَطِ فِيما تَقَدَّمَ صَلاحُهُ، ولَكِنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الَّذِي كانَ أوَّلَ مَرَّةٍ فاسِدًا، إذْ مَآلُ العامِلِينَ واحِدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: يَسْتَوْجِبُونَ بِسُوءِ فِعْلِهِمُ العُقُوبَةَ، وساغَ أنْ يُسْتَعْمَلَ "حَبِطَتْ" هُنا إذْ كانَتْ أعْمالُهم في مُعْتَقَداتِهِمْ جارِيَةً في طَرِيقِ صَلاحٍ، فَكَأنَّ الحَبَطَ فِيها إنَّما هو بِحَسَبِ مُعْتَقَداتِهِمْ، وأمّا بِحَسَبِ ما هي عَلَيْهِ في أنْفُسِها فَفاسِدَةٌ مُنْذُ أوَّلِ أمْرِها، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ مِمّا يُنْبِتُ الرَبِيعُ ما يَقْتُلُ حَبَطًا أو يُلِمُّ"» أيْ فَسادًا لِكَثْرَةِ الأكْلِ بَعْدَ الصَلاحِ الَّذِي كانَ أوَّلًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو السَمّالِ: "حَبَطَتْ" بِفَتْحِ الباءِ.
الأعراف 7:148
قوله عزّ وجلّ:
﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿وَلَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ورَأوا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
اتَّخَذَ أصْلَهُ: اِيتَخَذَ، وزْنُهُ افْتَعَلَ، مِن تَخِذَ. هَذا قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ. والضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" عائِدٌ عَلى مُوسى، أيْ بَعْدِ مُضِيِّهِ إلى المُناجاةِ، وأضافَ الحُلِيَّ إلى بَنِي إسْرائِيلَ وإنْ كانَ مُسْتَعارًا مِنَ القِبْطِ -إذْ كانُوا قَدْ تَمَلَّكُوهُ- إمّا بِأنْ نُفِّلُوهُ كَما رُوِيَ، وحَكى يَحْيى بْنُ سَلامٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: اسْتَعارَ بَنُو إسْرائِيلَ حُلِيَّ القِبْطِ لِيَوْمِ الزِينَةِ، (p-٤٩)فَلَمّا أُمِرَ مُوسى أنْ يَسْرِيَ بِهِمْ لَيْلًا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ رَدُّ العَوارِي، وأيْضًا فَخَشُوا أنْ يَفْتَضِحَ سِرُّهُمْ، ثُمَّ إنَّ اللهَ نَفَّلَهم إيّاهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُضافَ الحُلِيُّ إلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن حَيْثُ تَصَرَّفَتْ أيْدِيهِمْ فِيهِ بَعْدَ غَزْوِ آلِ فِرْعَوْنَ.
ويُرْوى أنَّ السامِرِيَّ -واسْمُهُ مُوسى بْنُ ظَفِرٍ ويُنْسَبُ إلى قَرْيَةٍ تُسَمّى سامِرَةَ- قالَ لِهارُونَ حِينَ ذَهَبَ مُوسى إلى المُناجاةِ: يا هارُونُ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ بَدَّدُوا الحُلِيَّ الَّذِي اسْتُعِيرَ مِنَ القِبْطِ وتَصَرَّفُوا فِيهِ وأنْفَقُوا مِنهُ، فَلَوْ جَمَعْتَهُ حَتّى يَرى مُوسى فِيهِ رَأْيَهُ، قالَ: فَجَمَعَهُ هارُونُ، فَلَمّا اجْتَمَعَ قالَ لِلسّامِرِيِّ: أنْتَ أولى الناسِ بِأنْ يُخْتَزَنَ عِنْدَكَ، فَأخَذَهُ السامِرِيُّ -وَكانَ صائِغًا- فَصاغَ مِنهُ صُورَةَ عِجْلٍ، وهو ولَدُ البَقَرَةِ. ﴿جَسَدًا﴾ أيْ جُثَّةً وجَمادًا، وقِيلَ: كانَ جَسَدًا بِلا رَأْسٍ. وهَذا تَعَلُّقٌ بِأنَّ الجَسَدَ في اللُغَةِ ما عَدا الرَأْسَ، وقِيلَ: إنَّ اللهَ جَعَلَ لَهُ لَحْمًا ودَمًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الآثارَ في أنَّ مُوسى بَرَدَهُ بِالمَبارِدِ تُكَذِّبُ ذَلِكَ، والخُوارُ: صَوْتُ البَقَرِ، ويُرْوى أنَّ هَذا العِجْلَ إنَّما خارَ مَرَّةً واحِدَةً، وذَلِكَ بِحِيلَةٍ صِناعِيَّةٍ مِنَ السامِرِيِّ أو بِسِحْرٍ تَرَكَّبَ لَهُ مِن قَبْضِهِ القَبْضَةَ مِن أثَرِ الرَسُولِ، أو بِأنَّ اللهَ أخارَ العِجْلَ لَفَتْنِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَهُ جُوارٌ" بِالجِيمِ وهو الصِياحُ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وشِدَّةُ الصَوْتِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "مِن حُلِيِّهِمْ" بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِ اللامِ، وهو جَمْعُ حَلْيٍ -عَلى مِثالِ ثَدْيِ وثُدِيٍّ- وأصْلُهُ: حُلُوِي، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ فَجاءَ "حُلُيٌّ" فَكُسِرَتِ اللامُ لِتُناسِبَ الياءَ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "مِن حِلِيِّهِمْ" بِكَسْرِ الحاءِ عَلى ما قَدَّمْنا مِنَ التَعْلِيلِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: إلّا أنَّهم كَسَرُوا الحاءَ إتْباعًا لِكَسْرَةِ اللامِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَوّى التَغْيِيرَ الَّذِي دَخَلَ عَلى الجَمْعِ عَلى هَذا التَغْيِيرِ الأخِيرِ، قالَ: ومِمّا يُؤَكِّدُ كَسْرَ الفاءِ في هَذا النَحْوِ مِنَ الجَمْعِ قَوْلُهُمْ: قِسِيٌّ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ هَكَذا يَحْيى بْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ: "مِن حَلْيِهِمْ" بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ اللامِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، وإمّا أنْ يَكُونَ جَمْعَ حِلْيَةٍ كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ. ومَعْنى الحُلِيِّ: ما يُتَجَمَّلُ بِهِ مِن حِجارَةٍ وذَهَبٍ وفِضَّةٍ.
ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعالى سُوءَ فِطَرِهِمْ وقَرَّرَ فَسادَ اعْتِقادِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ (p-٥٠)الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ الصامِتَ الجَمادَ لا يَتَّصِفُ بِالأُلُوهِيَّةِ، والَّذِي لا يُرْشِدُ إلى خَيْرٍ ولا يَكْشِفُ غَمًّا كَذَلِكَ، والضَمِيرُ في "اتَّخَذُوهُ" عائِدٌ عَلى العِجْلِ، وقَوْلُهُ: "وَكانُوا" إخْبارٌ لَنا عن جَمِيعِ أحْوالِهِمْ ماضِيًا وحالًا ومُسْتَقْبَلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الواوُ واوَ حالٍ، وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ سَبَبُ اتِّخاذِ العِجْلِ وبَسْطِ تِلْكَ الحالِ بِما أغْنى عن إعادَتِهِ هاهُنا.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِكَسْرِ القافِ وضَمِّ السِينِ: "سُقِطَ في أيْدِيهِمْ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَقَطَ" بِفَتْحِ السِينِ والقافِ، حَكاهُ الزَجّاجُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أُسْقِطَ" وهي لُغَةٌ حَكاها الطَبَرِيُّ بِالهَمْزَةِ المَضْمُومَةِ وسِينٍ ساكِنَةٍ، والعَرَبُ تَقُولُ لِمَن كانَ ساعِيًا لِوَجْهٍ أو طالِبًا غايَةً ما فَعَرَضَ ما غَلَبَهُ وصَدَّهُ عن وِجْهَتِهِ وأوقَفَهُ مَوْقِفَ العَجْزِ عن بُغْيَتِهِ، وتَيَقَّنَ أنَّهُ قَدْ عَجَزَ: سُقِطَ في يَدِ فُلانٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ لِمَن أقْدَمَ عَلى أمْرٍ وعَجَزَ عنهُ: سُقِطَ في يَدِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والنَدَمُ عِنْدِي عَرَضٌ يُعْرِضُ صاحِبَ هَذِهِ الحالِ، وقَدْ لا يُعَرِّضُهُ لَهُ، فَلَيْسَ النَدَمُ بِأصْلٍ في هَذا، أمّا أنَّ أكْثَرَ أصْحابِ هَذِهِ الحالِ يَصْحَبُهُمُ النَدَمُ، وكَذَلِكَ صَحِبَ بَنِي إسْرائِيلَ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ، والوَجْهُ الَّذِي يَصِلُ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ وبَيْنَ المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ هو أنَّ السَعْيَ أوِ الصَرْفَ أوِ الدِفاعَ سَقَطَ في يَدِ المُشارِ إلَيْهِ فَصارَ في يَدِهِ لا يُجاوِزُها ولا يَكُونُ لَهُ خارِجَها تَأْثِيرٌ. وقالَ الزَجّاجُ: المَعْنى أنَّ النَدَمَ سَقَطَ في أيادِيهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّ الخُسْرانَ والخَيْبَةَ سَقَطَ في أيْدِيهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وعَلى هَذا كُلِّهِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ "سَقَطَ" يَتَعَدّى، فَإنَّ "سَقَطَ" يَتَضَمَّنُ مَفْعُولًا وهو هُنا المَصْدَرُ الَّذِي هو الإسْقاطُ، كَما يُقالُ: ذُهِبَ بِزَيْدٍ، وفي هَذا عِنْدِي نَظَرٌ. (p-٥١)وَأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ: "سَقَطَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أو "أُسْقِطَ" عَلى التَعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ فَبَيِّنٌ في الِاسْتِغْناءِ عَنِ التَعَدِّي، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: "سَقَطَ في يَدَيْهِ" عَلى مَعْنى التَشْبِيهِ بِالأسِيرِ الَّذِي تُكَتَّفُ يَداهُ، فَكَأنَّ صاحِبَ هَذِهِ الحالِ يُسْتَأْسَرُ، ويَقَعُ ظُهُورُ الغَلَبَةِ عَلَيْهِ في يَدِهِ، أو كَأنَّ المُرادَ سَقَطَ بِالغَلَبِ والقَهْرِ في يَدِهِ، وحُدِّثْتُ عن أبِي مَرْوانَ بْنِ سِراجٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: قَوْلُ العَرَبِ "سُقِطَ في يَدِهِ" مِمّا أعْيانِي مَعْناهُ، وقالَ الجُرْجانِيُّ: هَذا مِمّا دُثِرَ اسْتِعْمالُهُ مِثْلَ ما دُثِرَ اسْتِعْمالُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي هَذا الكَلامِ ضَعْفٌ، والسِقاطُ في كَلامِ العَرَبِ كَثْرَةُ الخَطَإ والنَدَمُ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ سُوِيدِ بْنِ أبِي كاهِلٍ:
؎ كَيْفَ يَرْجُونَ سَقاطِي بَعْدَما ∗∗∗ لَفَّعَ الرَأْسَ مَشِيبٌ
وصَلَعْ
وقَوْلُ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا﴾ إنَّما كانَ بَعْدَ رُجُوعِ مُوسى وتَغَيُّرِهِ عَلَيْهِمْ، ورُؤْيَتِهِمْ أنَّهم قَدْ خَرَجُوا عَنِ الدِينِ ووَقَعُوا في الكُفْرِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ بْنُ نَصّاحٍ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُمْ: "قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا" بِالياءِ في "يَرْحَمْنا" وإسْنادِ الفِعْلِ إلى الرَبِّ تَعالى، "وَيَغْفِرْ" بِالياءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والشَعْبِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ، وأيُّوبُ: "تَرْحَمْنا رَبَّنا" بِالتاءِ في "تَرْحَمْنا" ونَصْبِ لَفْظَةِ "رَبَّنا" عَلى جِهَةِ النِداءِ "وَتَغْفِرْ" بِالتاءِ، مِن فَوْقُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ "قالُوا رَبَّنا لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنا وتَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ".
الأعراف 7:149
قوله عزّ وجلّ:
﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿وَلَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ورَأوا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
اتَّخَذَ أصْلَهُ: اِيتَخَذَ، وزْنُهُ افْتَعَلَ، مِن تَخِذَ. هَذا قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ. والضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" عائِدٌ عَلى مُوسى، أيْ بَعْدِ مُضِيِّهِ إلى المُناجاةِ، وأضافَ الحُلِيَّ إلى بَنِي إسْرائِيلَ وإنْ كانَ مُسْتَعارًا مِنَ القِبْطِ -إذْ كانُوا قَدْ تَمَلَّكُوهُ- إمّا بِأنْ نُفِّلُوهُ كَما رُوِيَ، وحَكى يَحْيى بْنُ سَلامٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: اسْتَعارَ بَنُو إسْرائِيلَ حُلِيَّ القِبْطِ لِيَوْمِ الزِينَةِ، (p-٤٩)فَلَمّا أُمِرَ مُوسى أنْ يَسْرِيَ بِهِمْ لَيْلًا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ رَدُّ العَوارِي، وأيْضًا فَخَشُوا أنْ يَفْتَضِحَ سِرُّهُمْ، ثُمَّ إنَّ اللهَ نَفَّلَهم إيّاهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُضافَ الحُلِيُّ إلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن حَيْثُ تَصَرَّفَتْ أيْدِيهِمْ فِيهِ بَعْدَ غَزْوِ آلِ فِرْعَوْنَ.
ويُرْوى أنَّ السامِرِيَّ -واسْمُهُ مُوسى بْنُ ظَفِرٍ ويُنْسَبُ إلى قَرْيَةٍ تُسَمّى سامِرَةَ- قالَ لِهارُونَ حِينَ ذَهَبَ مُوسى إلى المُناجاةِ: يا هارُونُ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ بَدَّدُوا الحُلِيَّ الَّذِي اسْتُعِيرَ مِنَ القِبْطِ وتَصَرَّفُوا فِيهِ وأنْفَقُوا مِنهُ، فَلَوْ جَمَعْتَهُ حَتّى يَرى مُوسى فِيهِ رَأْيَهُ، قالَ: فَجَمَعَهُ هارُونُ، فَلَمّا اجْتَمَعَ قالَ لِلسّامِرِيِّ: أنْتَ أولى الناسِ بِأنْ يُخْتَزَنَ عِنْدَكَ، فَأخَذَهُ السامِرِيُّ -وَكانَ صائِغًا- فَصاغَ مِنهُ صُورَةَ عِجْلٍ، وهو ولَدُ البَقَرَةِ. ﴿جَسَدًا﴾ أيْ جُثَّةً وجَمادًا، وقِيلَ: كانَ جَسَدًا بِلا رَأْسٍ. وهَذا تَعَلُّقٌ بِأنَّ الجَسَدَ في اللُغَةِ ما عَدا الرَأْسَ، وقِيلَ: إنَّ اللهَ جَعَلَ لَهُ لَحْمًا ودَمًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الآثارَ في أنَّ مُوسى بَرَدَهُ بِالمَبارِدِ تُكَذِّبُ ذَلِكَ، والخُوارُ: صَوْتُ البَقَرِ، ويُرْوى أنَّ هَذا العِجْلَ إنَّما خارَ مَرَّةً واحِدَةً، وذَلِكَ بِحِيلَةٍ صِناعِيَّةٍ مِنَ السامِرِيِّ أو بِسِحْرٍ تَرَكَّبَ لَهُ مِن قَبْضِهِ القَبْضَةَ مِن أثَرِ الرَسُولِ، أو بِأنَّ اللهَ أخارَ العِجْلَ لَفَتْنِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَهُ جُوارٌ" بِالجِيمِ وهو الصِياحُ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وشِدَّةُ الصَوْتِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "مِن حُلِيِّهِمْ" بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِ اللامِ، وهو جَمْعُ حَلْيٍ -عَلى مِثالِ ثَدْيِ وثُدِيٍّ- وأصْلُهُ: حُلُوِي، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ فَجاءَ "حُلُيٌّ" فَكُسِرَتِ اللامُ لِتُناسِبَ الياءَ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "مِن حِلِيِّهِمْ" بِكَسْرِ الحاءِ عَلى ما قَدَّمْنا مِنَ التَعْلِيلِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: إلّا أنَّهم كَسَرُوا الحاءَ إتْباعًا لِكَسْرَةِ اللامِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَوّى التَغْيِيرَ الَّذِي دَخَلَ عَلى الجَمْعِ عَلى هَذا التَغْيِيرِ الأخِيرِ، قالَ: ومِمّا يُؤَكِّدُ كَسْرَ الفاءِ في هَذا النَحْوِ مِنَ الجَمْعِ قَوْلُهُمْ: قِسِيٌّ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ هَكَذا يَحْيى بْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ: "مِن حَلْيِهِمْ" بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ اللامِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، وإمّا أنْ يَكُونَ جَمْعَ حِلْيَةٍ كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ. ومَعْنى الحُلِيِّ: ما يُتَجَمَّلُ بِهِ مِن حِجارَةٍ وذَهَبٍ وفِضَّةٍ.
ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعالى سُوءَ فِطَرِهِمْ وقَرَّرَ فَسادَ اعْتِقادِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ (p-٥٠)الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ الصامِتَ الجَمادَ لا يَتَّصِفُ بِالأُلُوهِيَّةِ، والَّذِي لا يُرْشِدُ إلى خَيْرٍ ولا يَكْشِفُ غَمًّا كَذَلِكَ، والضَمِيرُ في "اتَّخَذُوهُ" عائِدٌ عَلى العِجْلِ، وقَوْلُهُ: "وَكانُوا" إخْبارٌ لَنا عن جَمِيعِ أحْوالِهِمْ ماضِيًا وحالًا ومُسْتَقْبَلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الواوُ واوَ حالٍ، وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ سَبَبُ اتِّخاذِ العِجْلِ وبَسْطِ تِلْكَ الحالِ بِما أغْنى عن إعادَتِهِ هاهُنا.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِكَسْرِ القافِ وضَمِّ السِينِ: "سُقِطَ في أيْدِيهِمْ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَقَطَ" بِفَتْحِ السِينِ والقافِ، حَكاهُ الزَجّاجُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أُسْقِطَ" وهي لُغَةٌ حَكاها الطَبَرِيُّ بِالهَمْزَةِ المَضْمُومَةِ وسِينٍ ساكِنَةٍ، والعَرَبُ تَقُولُ لِمَن كانَ ساعِيًا لِوَجْهٍ أو طالِبًا غايَةً ما فَعَرَضَ ما غَلَبَهُ وصَدَّهُ عن وِجْهَتِهِ وأوقَفَهُ مَوْقِفَ العَجْزِ عن بُغْيَتِهِ، وتَيَقَّنَ أنَّهُ قَدْ عَجَزَ: سُقِطَ في يَدِ فُلانٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ لِمَن أقْدَمَ عَلى أمْرٍ وعَجَزَ عنهُ: سُقِطَ في يَدِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والنَدَمُ عِنْدِي عَرَضٌ يُعْرِضُ صاحِبَ هَذِهِ الحالِ، وقَدْ لا يُعَرِّضُهُ لَهُ، فَلَيْسَ النَدَمُ بِأصْلٍ في هَذا، أمّا أنَّ أكْثَرَ أصْحابِ هَذِهِ الحالِ يَصْحَبُهُمُ النَدَمُ، وكَذَلِكَ صَحِبَ بَنِي إسْرائِيلَ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ، والوَجْهُ الَّذِي يَصِلُ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ وبَيْنَ المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ هو أنَّ السَعْيَ أوِ الصَرْفَ أوِ الدِفاعَ سَقَطَ في يَدِ المُشارِ إلَيْهِ فَصارَ في يَدِهِ لا يُجاوِزُها ولا يَكُونُ لَهُ خارِجَها تَأْثِيرٌ. وقالَ الزَجّاجُ: المَعْنى أنَّ النَدَمَ سَقَطَ في أيادِيهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّ الخُسْرانَ والخَيْبَةَ سَقَطَ في أيْدِيهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وعَلى هَذا كُلِّهِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ "سَقَطَ" يَتَعَدّى، فَإنَّ "سَقَطَ" يَتَضَمَّنُ مَفْعُولًا وهو هُنا المَصْدَرُ الَّذِي هو الإسْقاطُ، كَما يُقالُ: ذُهِبَ بِزَيْدٍ، وفي هَذا عِنْدِي نَظَرٌ. (p-٥١)وَأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ: "سَقَطَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أو "أُسْقِطَ" عَلى التَعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ فَبَيِّنٌ في الِاسْتِغْناءِ عَنِ التَعَدِّي، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: "سَقَطَ في يَدَيْهِ" عَلى مَعْنى التَشْبِيهِ بِالأسِيرِ الَّذِي تُكَتَّفُ يَداهُ، فَكَأنَّ صاحِبَ هَذِهِ الحالِ يُسْتَأْسَرُ، ويَقَعُ ظُهُورُ الغَلَبَةِ عَلَيْهِ في يَدِهِ، أو كَأنَّ المُرادَ سَقَطَ بِالغَلَبِ والقَهْرِ في يَدِهِ، وحُدِّثْتُ عن أبِي مَرْوانَ بْنِ سِراجٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: قَوْلُ العَرَبِ "سُقِطَ في يَدِهِ" مِمّا أعْيانِي مَعْناهُ، وقالَ الجُرْجانِيُّ: هَذا مِمّا دُثِرَ اسْتِعْمالُهُ مِثْلَ ما دُثِرَ اسْتِعْمالُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي هَذا الكَلامِ ضَعْفٌ، والسِقاطُ في كَلامِ العَرَبِ كَثْرَةُ الخَطَإ والنَدَمُ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ سُوِيدِ بْنِ أبِي كاهِلٍ:
؎ كَيْفَ يَرْجُونَ سَقاطِي بَعْدَما ∗∗∗ لَفَّعَ الرَأْسَ مَشِيبٌ
وصَلَعْ
وقَوْلُ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا﴾ إنَّما كانَ بَعْدَ رُجُوعِ مُوسى وتَغَيُّرِهِ عَلَيْهِمْ، ورُؤْيَتِهِمْ أنَّهم قَدْ خَرَجُوا عَنِ الدِينِ ووَقَعُوا في الكُفْرِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ بْنُ نَصّاحٍ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُمْ: "قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا" بِالياءِ في "يَرْحَمْنا" وإسْنادِ الفِعْلِ إلى الرَبِّ تَعالى، "وَيَغْفِرْ" بِالياءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والشَعْبِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ، وأيُّوبُ: "تَرْحَمْنا رَبَّنا" بِالتاءِ في "تَرْحَمْنا" ونَصْبِ لَفْظَةِ "رَبَّنا" عَلى جِهَةِ النِداءِ "وَتَغْفِرْ" بِالتاءِ، مِن فَوْقُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ "قالُوا رَبَّنا لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنا وتَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ".
الأعراف 7:150
(p-٥٢)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكم وألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمَ الظالِمِينَ﴾
يُرِيدُ: رَجَعَ مِنَ المُناجاةِ، ويُرْوى أنَّهُ لَمّا قَرُبَ مِن مَحِلَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ سَمِعَ أصْواتَهم فَقالَ: هَذِهِ أصْواتُ قَوْمٍ لاهِينَ، فَلَمّا تَحَقَّقَ عُكُوفُهم عَلى عِبادَةِ العِجْلِ داخَلَهُ الغَضَبُ والأسَفُ وألْقى الألْواحَ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: أخْبَرَهُ اللهُ تَعالى قَبْلَ رُجُوعِهِ أنَّهم قَدْ فُتِنُوا بِالعِجْلِ فَلِذَلِكَ رَجَعَ وهو غاضِبٌ، والأسَفُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الغَضَبِ الشَدِيدِ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ بِمَعْنى الحُزْنِ، والمَعْنَيانِ مُتَرَتِّبانِ هاهُنا، و"ما" المُتَّصِلَةُ بِـ "بِئْسَ" مَصْدَرِيَّةٌ، هَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ، وفِيها اخْتِلافٌ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ: بِئْسَ خِلافَتُكم لِي مِن بَعْدِي، ويُقالُ: خَلَفَهُ بِخَيْرٍ أو بَشَرٍّ إذا فَعَلَهُ بِمَن تَرَكَ مِن بَعْدِهِ، ويُقالُ: عَجِلَ فُلانٌ الأمْرَ إذا سَبَقَ فِيهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أعَجِلْتُمْ﴾ مَعْناهُ: أسابَقْتُمْ قَضاءَ رَبِّكم واسْتَعْجَلْتُمْ إتْيانِي قَبْلَ الوَقْتِ الَّذِي قُدِّرَ بِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقى الألْواحَ﴾ الآيَةُ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ سَبَبُ إلْقائِهِ الألْواحَ غَضَبَهُ عَلى قَوْمِهِ في عِبادَتِهِمُ العِجْلَ وغَضَبَهُ عَلى أخِيهِ في إهْمالِ أمْرِهِمْ، وقالَ قَتادَةُ -إنْ صَحَّ عنهُ-: بَلْ كانَ ذَلِكَ لَمّا رَأى فِيها مِن فَضِيلَةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَرَغِبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأُمَّتِهِ، فَلَمّا عَلِمَ أنَّهُ لِغَيْرِها غَضِبَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ رَدِيءٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُوصَفَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِهِ، والأوَّلُ هو الصَحِيحُ. وبِالجُمْلَةِ فَكانَ في خُلُقِ مُوسى ضِيقٌ وذَلِكَ مُسْتَقِرٌّ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ لَوْحانِ وجُمِعَ إذِ التَثْنِيَةُ جَمْعٌ، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ وِقْرَ سَبْعِينَ بَعِيرًا يُقْرَأُ مِنها الجُزْءُ في سَنَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا ضَعِيفٌ مُفْرِطٌ، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ مُوسى لَمّا ألْقاها تَكَسَّرَتْ فَرُفِعَ أكْثَرُها الَّذِي فِيهِ تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ، وبَقِيَ الَّذِي في نُسْخَتِهِ الهُدى (p-٥٣)والرَحْمَةُ، وهو الَّذِي أخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ مِن أيِّ شَيْءٍ كانَتِ الألْواحُ، وأخْذُهُ بِرَأْسِ أخِيهِ ولِحْيَتِهِ مِنَ الخُلُقِ المَذْكُورِ، هَذا هو ظاهِرُ اللَفْظِ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِيَسارِهِ فَخَشِيَ هارُونُ أنْ يَتَوَهَّمَ الناظِرُ إلَيْهِما أنَّهُ لِغَضَبٍ فَلِذَلِكَ نَهاهُ ورَغِبَ إلَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا ضَعِيفٌ، والأوَّلُ هو الصَحِيحُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤]. وقَوْلُهُ: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ اسْتِلْطافٌ بِرَحِمِ الأُمِّ إذْ هو ألْصَقُ القَراباتِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "ابْنَ أُمَّ" بِفَتْحِ المِيمِ، فَقالَ الكُوفِيُّونَ: أصْلُهُ: ابْنَ أُمّاهُ فَحُذِفَتْ تَخْفِيفًا، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هُما اسْمانِ بُنِيا عَلى الفَتْحِ كاسْمٍ واحِدٍ لِخَمْسَةَ عَشَرَ ونَحْوِها، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "ابْنَ أُمِّ" بِكَسْرِ المِيمِ، فَكَأنَّ الأصْلَ: ابْنَ أُمِّي فَحُذِفَتِ الياءُ، إمّا عَلى حَدِّ حَذْفِهِمْ مِن: لا أُبالِ، ولا أدْرِ تَخْفِيفًا، وإمّا كَأنَّهم جَعَلُوا الأوَّلَ والآخَرَ اسْمًا واحِدًا ثُمَّ أضافُوا، كَقَوْلِكَ: يا أحَدَ عَشَرَ أقْبِلُوا، قالَهُ سِيبَوَيْهِ، وهَذا أقْيَسُ مِنَ الحَذْفِ تَخْفِيفًا، ثُمَّ أضافُوا إلى ياءِ المُتَكَلِّمَ، ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ مِن "أُمِّي" عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: يا غُلامِ فَيَحْذِفُها مِنَ المُنادى، ولَوْ لَمْ يُقَدِّرْ جَعْلَ الأوَّلِ والآخَرِ اسْمًا واحِدًا لَما صَحَّ حَذْفُها، لِأنَّ الأُمَّ لَيْسَتْ بِمُناداةٍ.
و"اسْتَضْعَفُونِي" مَعْناهُ: اعْتَقَدُوا أنِّي ضَعِيفٌ، وقَوْلُهُ: "كادُوا" قارَبُوا ولَمْ يَفْعَلُوا.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ المِيمِ ونَصْبِ "الأعْداءَ"، وقَرَأ مُجاهِدٌ -فِيما حَكاهُ أبُو حاتِمٍ -: "فَلا تَشْمَتْ بِيَ" بِفَتْحِ التاءِ مِن فَوْقُ والمِيمِ ورَفْعِ "الأعْداءُ". حَكاها أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ أيْضًا -فِيما حَكاهُ أبُو الفَتْحِ-: "فَلا تَشْمَتْ بِيَ الأعْداءَ" بِفَتْحِ التاءِ مِن فَوْقُ والمِيمِ ونَصْبِ "الأعْداءَ" هَذا عَلى أنْ يُعَدّى شَمَتَ يَشْمَتُ، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ. قالَ أبُو الفَتْحِ: فَلا تَشْمَتُ بِي أنْتَ يا رَبُّ، وجازَ هَذا (p-٥٤)كَما قالَ تَعالى: ﴿يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ونَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ عادَ إلى المُرادِ فَأضْمَرَ فِعْلًا نَصَبَ بِهِ "الأعْداءَ"، كَأنَّهُ قالَ: لا تَشْمَتْ بِي الأعْداءُ كَقِراءَةِ الجَماعَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي كَلامِ أبِي الفَتْحِ هَذا تَكَلُّفٌ، وحَكى المَهْدَوِيُّ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ: "تَشْمِتُ" بِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ المِيمِ، و"الأعْداءَ" بِالنَصْبِ، والشَماتَةُ: فَرْحَةُ العَدُوِّ بِمُصابِ عَدُوِّهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظالِمِينَ﴾ يُرِيدُ عَبَدَةَ العِجْلِ.
الأعراف 7:151
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الراحِمِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُنْيا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
اسْتَغْفَرَ مُوسى مِن فِعْلِهِ مَعَ أخِيهِ، ومِن عَجَلَتِهِ في إلْقاءِ الألْواحِ، واسْتَغْفَرَ لِأخِيهِ مِن فِعْلِهِ في الصَبْرِ لِبَنِي إسْرائِيلَ، ويُمْكِنُ أنَّ الِاسْتِغْفارَ كانَ لِغَيْرِ هَذا مِمّا لا نَعْلَمُهُ، واللهُ أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ الآيَةُ، مُخاطَبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَنالُهُمْ﴾، ووَقَعَ ذَلِكَ النَيْلُ في عَهْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والغَضَبُ والذِلَّةُ هو أمْرُهم بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ، هَذا هو الظاهِرُ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الذِلَّةُ: الجِزْيَةُ، ووَجْهُ هَذا القَوْلِ أنَّ الغَضَبَ والذِلَّةَ بَقِيَتْ في عَقِبِ هَؤُلاءِ المَقْصُودِينَ بِها أوَّلًا، وكَأنَّ المُرادَ: سَيَنالُ أعْقابَهم. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الإشارَةُ في قَوْلِهِ: "الَّذِينَ" إلى مَن ماتَ مِن عَبَدَةِ العِجْلِ قَبْلَ التَوْبَةِ بِقَتْلِ النَفْسِ، وإلى مَن فَرَّ فَلَمْ يَكُنْ حاضِرًا وقْتَ القَتْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والغَضَبُ -عَلى هَذا- والذِلَّةُ هو عَذابُ الآخِرَةِ، والغَضَبُ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ إنْ أُخِذَ بِمَعْنى الإرادَةِ فَهو صِفَةُ ذاتٍ، وإنْ أُخِذَ بِمَعْنى العُقُوبَةِ وإحْلالِ النِقْمَةِ فَهو صِفَةُ فِعْلٍ، (p-٥٥)وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ المُرادُ أوَّلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى اللهِ في عِبادَةِ العِجْلِ، وتَكُونُ قُوَّةُ اللَفْظِ تَعُمُّ كُلَّ مُفْتَرٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَدْ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وأبُو قُلابَةَ وغَيْرُهُما: كُلُّ صاحِبِ بِدْعَةٍ أو فِرْيَةٍ ذَلِيلٌ، واسْتَدَلُّوا بِالآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَيِّئاتِ﴾ الآيَةُ، تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ الوَعْدَ بِأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَغْفِرُ لِلتّائِبِينَ، والإشارَةُ إلى مَن تابَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وفي الآيَةِ تَرْتِيبُ الإيمانِ بَعْدَ التَوْبَةِ، والمَعْنى في ذَلِكَ أنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ: "وَآمَنُوا" أنَّ التَوْبَةَ نافِعَةٌ لَهم مُنْجِيَةٌ فَتَمَسَّكُوا بِها، فَهَذا إيمانٌ خاصٌّ بَعْدَ الإيمانِ عَلى الإطْلاقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: "وَآمَنُوا" أيْ وعَمِلُوا عَمَلَ المُؤْمِنِينَ حَتّى وافَوْا عَلى ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ التَأْكِيدَ فَذَكَرَ التَوْبَةَ والإيمانَ إذْ هُما مُتَلازِمانِ، إلّا أنَّ التَوْبَةَ -عَلى هَذا- تَكُونُ مِن كُفْرٍ ولا بُدَّ فَيَجِيءُ "تابُوا - وآمَنُوا" بِمَعْنًى واحِدٍ، وهَذا لا يَتَرَتَّبُ في تَوْبَةِ المَعاصِي، فَإنَّ الإيمانَ مُتَقَدِّمٌ لِتِلْكَ ولا بُدَّ، وهو وتَوْبَةُ الكُفْرِ مُتَلازِمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ إيجابٌ ووَعْدٌ مُرَجٍّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: "تابُوا - وآمَنُوا" أنْ يَكُونَ لَمْ تُقْصَدْ رُتْبَةُ الفِعْلَيْنِ عَلى عُرْفِ الواوِ في أنَّها لا تُوجِبُ رُتْبَةً، ويَكُونُ "وَآمَنُوا" بِمَعْنى: وهم مُؤْمِنُونَ قَبْلُ وبَعْدُ، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِن صِفَتِهِمْ أنْ آمَنُوا.
الأعراف 7:152
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الراحِمِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُنْيا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
اسْتَغْفَرَ مُوسى مِن فِعْلِهِ مَعَ أخِيهِ، ومِن عَجَلَتِهِ في إلْقاءِ الألْواحِ، واسْتَغْفَرَ لِأخِيهِ مِن فِعْلِهِ في الصَبْرِ لِبَنِي إسْرائِيلَ، ويُمْكِنُ أنَّ الِاسْتِغْفارَ كانَ لِغَيْرِ هَذا مِمّا لا نَعْلَمُهُ، واللهُ أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ الآيَةُ، مُخاطَبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَنالُهُمْ﴾، ووَقَعَ ذَلِكَ النَيْلُ في عَهْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والغَضَبُ والذِلَّةُ هو أمْرُهم بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ، هَذا هو الظاهِرُ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الذِلَّةُ: الجِزْيَةُ، ووَجْهُ هَذا القَوْلِ أنَّ الغَضَبَ والذِلَّةَ بَقِيَتْ في عَقِبِ هَؤُلاءِ المَقْصُودِينَ بِها أوَّلًا، وكَأنَّ المُرادَ: سَيَنالُ أعْقابَهم. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الإشارَةُ في قَوْلِهِ: "الَّذِينَ" إلى مَن ماتَ مِن عَبَدَةِ العِجْلِ قَبْلَ التَوْبَةِ بِقَتْلِ النَفْسِ، وإلى مَن فَرَّ فَلَمْ يَكُنْ حاضِرًا وقْتَ القَتْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والغَضَبُ -عَلى هَذا- والذِلَّةُ هو عَذابُ الآخِرَةِ، والغَضَبُ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ إنْ أُخِذَ بِمَعْنى الإرادَةِ فَهو صِفَةُ ذاتٍ، وإنْ أُخِذَ بِمَعْنى العُقُوبَةِ وإحْلالِ النِقْمَةِ فَهو صِفَةُ فِعْلٍ، (p-٥٥)وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ المُرادُ أوَّلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى اللهِ في عِبادَةِ العِجْلِ، وتَكُونُ قُوَّةُ اللَفْظِ تَعُمُّ كُلَّ مُفْتَرٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَدْ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وأبُو قُلابَةَ وغَيْرُهُما: كُلُّ صاحِبِ بِدْعَةٍ أو فِرْيَةٍ ذَلِيلٌ، واسْتَدَلُّوا بِالآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَيِّئاتِ﴾ الآيَةُ، تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ الوَعْدَ بِأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَغْفِرُ لِلتّائِبِينَ، والإشارَةُ إلى مَن تابَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وفي الآيَةِ تَرْتِيبُ الإيمانِ بَعْدَ التَوْبَةِ، والمَعْنى في ذَلِكَ أنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ: "وَآمَنُوا" أنَّ التَوْبَةَ نافِعَةٌ لَهم مُنْجِيَةٌ فَتَمَسَّكُوا بِها، فَهَذا إيمانٌ خاصٌّ بَعْدَ الإيمانِ عَلى الإطْلاقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: "وَآمَنُوا" أيْ وعَمِلُوا عَمَلَ المُؤْمِنِينَ حَتّى وافَوْا عَلى ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ التَأْكِيدَ فَذَكَرَ التَوْبَةَ والإيمانَ إذْ هُما مُتَلازِمانِ، إلّا أنَّ التَوْبَةَ -عَلى هَذا- تَكُونُ مِن كُفْرٍ ولا بُدَّ فَيَجِيءُ "تابُوا - وآمَنُوا" بِمَعْنًى واحِدٍ، وهَذا لا يَتَرَتَّبُ في تَوْبَةِ المَعاصِي، فَإنَّ الإيمانَ مُتَقَدِّمٌ لِتِلْكَ ولا بُدَّ، وهو وتَوْبَةُ الكُفْرِ مُتَلازِمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ إيجابٌ ووَعْدٌ مُرَجٍّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: "تابُوا - وآمَنُوا" أنْ يَكُونَ لَمْ تُقْصَدْ رُتْبَةُ الفِعْلَيْنِ عَلى عُرْفِ الواوِ في أنَّها لا تُوجِبُ رُتْبَةً، ويَكُونُ "وَآمَنُوا" بِمَعْنى: وهم مُؤْمِنُونَ قَبْلُ وبَعْدُ، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِن صِفَتِهِمْ أنْ آمَنُوا.
الأعراف 7:153
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الراحِمِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُنْيا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
اسْتَغْفَرَ مُوسى مِن فِعْلِهِ مَعَ أخِيهِ، ومِن عَجَلَتِهِ في إلْقاءِ الألْواحِ، واسْتَغْفَرَ لِأخِيهِ مِن فِعْلِهِ في الصَبْرِ لِبَنِي إسْرائِيلَ، ويُمْكِنُ أنَّ الِاسْتِغْفارَ كانَ لِغَيْرِ هَذا مِمّا لا نَعْلَمُهُ، واللهُ أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ الآيَةُ، مُخاطَبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَنالُهُمْ﴾، ووَقَعَ ذَلِكَ النَيْلُ في عَهْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والغَضَبُ والذِلَّةُ هو أمْرُهم بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ، هَذا هو الظاهِرُ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الذِلَّةُ: الجِزْيَةُ، ووَجْهُ هَذا القَوْلِ أنَّ الغَضَبَ والذِلَّةَ بَقِيَتْ في عَقِبِ هَؤُلاءِ المَقْصُودِينَ بِها أوَّلًا، وكَأنَّ المُرادَ: سَيَنالُ أعْقابَهم. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الإشارَةُ في قَوْلِهِ: "الَّذِينَ" إلى مَن ماتَ مِن عَبَدَةِ العِجْلِ قَبْلَ التَوْبَةِ بِقَتْلِ النَفْسِ، وإلى مَن فَرَّ فَلَمْ يَكُنْ حاضِرًا وقْتَ القَتْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والغَضَبُ -عَلى هَذا- والذِلَّةُ هو عَذابُ الآخِرَةِ، والغَضَبُ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ إنْ أُخِذَ بِمَعْنى الإرادَةِ فَهو صِفَةُ ذاتٍ، وإنْ أُخِذَ بِمَعْنى العُقُوبَةِ وإحْلالِ النِقْمَةِ فَهو صِفَةُ فِعْلٍ، (p-٥٥)وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ المُرادُ أوَّلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى اللهِ في عِبادَةِ العِجْلِ، وتَكُونُ قُوَّةُ اللَفْظِ تَعُمُّ كُلَّ مُفْتَرٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَدْ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وأبُو قُلابَةَ وغَيْرُهُما: كُلُّ صاحِبِ بِدْعَةٍ أو فِرْيَةٍ ذَلِيلٌ، واسْتَدَلُّوا بِالآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَيِّئاتِ﴾ الآيَةُ، تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ الوَعْدَ بِأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَغْفِرُ لِلتّائِبِينَ، والإشارَةُ إلى مَن تابَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وفي الآيَةِ تَرْتِيبُ الإيمانِ بَعْدَ التَوْبَةِ، والمَعْنى في ذَلِكَ أنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ: "وَآمَنُوا" أنَّ التَوْبَةَ نافِعَةٌ لَهم مُنْجِيَةٌ فَتَمَسَّكُوا بِها، فَهَذا إيمانٌ خاصٌّ بَعْدَ الإيمانِ عَلى الإطْلاقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: "وَآمَنُوا" أيْ وعَمِلُوا عَمَلَ المُؤْمِنِينَ حَتّى وافَوْا عَلى ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ التَأْكِيدَ فَذَكَرَ التَوْبَةَ والإيمانَ إذْ هُما مُتَلازِمانِ، إلّا أنَّ التَوْبَةَ -عَلى هَذا- تَكُونُ مِن كُفْرٍ ولا بُدَّ فَيَجِيءُ "تابُوا - وآمَنُوا" بِمَعْنًى واحِدٍ، وهَذا لا يَتَرَتَّبُ في تَوْبَةِ المَعاصِي، فَإنَّ الإيمانَ مُتَقَدِّمٌ لِتِلْكَ ولا بُدَّ، وهو وتَوْبَةُ الكُفْرِ مُتَلازِمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ إيجابٌ ووَعْدٌ مُرَجٍّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: "تابُوا - وآمَنُوا" أنْ يَكُونَ لَمْ تُقْصَدْ رُتْبَةُ الفِعْلَيْنِ عَلى عُرْفِ الواوِ في أنَّها لا تُوجِبُ رُتْبَةً، ويَكُونُ "وَآمَنُوا" بِمَعْنى: وهم مُؤْمِنُونَ قَبْلُ وبَعْدُ، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِن صِفَتِهِمْ أنْ آمَنُوا.
الأعراف 7:154
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَمّا سَكَتَ عن مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقاتِنا فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُفَهاءُ مِنّا إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مِن تَشاءُ وتَهْدِي مِن تَشاءُ أنْتَ ولِيُّنا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾
مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا سَكَنَ غَضَبُهُ أخَذَ الألْواحَ الَّتِي كانَ ألْقى، وقَدْ تَقَدَّمَ ما رُوِيَ أنَّهُ رُفِعَ أكْثَرُها أو ذَهَبَ في التَكَسُّرِ، وقَوْلُهُ: ﴿سَكَتَ﴾ لَفْظَةٌ مُسْتَعارَةٌ، شَبَّهَ خُمُودَ الغَضَبِ بِانْقِطاعِ كَلامِ المُتَكَلِّمِ وهو سُكُوتُهُ، قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: تَقُولُ العَرَبُ: "سالَ الوادِي يَوْمَيْنِ ثُمَّ سَكَتَ"، وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: مَصْدَرُ (p-٥٦)قَوْلِكَ: "سَكَتَ الغَضَبُ": سَكْتٌ، ومَصْدَرُ قَوْلِكَ: "سَكَتَ الرَجُلُ": سُكُوتٌ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ فِعْلٌ عَلى حِدَةٍ ولَيْسَ مِن سُكُوتِ الناسِ، وقِيلَ: إنَّ في المَعْنى قَلْبًا، والمُرادُ: ولَمّا سَكَتَ مُوسى عَنِ الغَضَبِ، فَهو مِن بابِ: أدْخَلْتُ فَمِي في الحَجَرِ، وأدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، وفي هَذا أيْضًا اسْتِعارَةٌ، إذِ الغَضَبُ لَيْسَ يَتَكَلَّمُ فَيُوصَفُ بِالسُكُوتِ، وقَرَأ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ: "وَلَمّا سَكَنَ"، وفي مُصْحَفِ حَفْصَةَ: "وَلَمّا سَكَتَ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَمّا صَبَرَ عن مُوسى الغَضَبُ"، قالَ النَقّاشُ: وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "وَلَمّا اشْتُقَّ عن مُوسى الغَضَبُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِي نُسْخَتِها﴾ مَعْناهُ: وفِيما يُنْسَخُ مِنها ويُقْرَأُ، واللامُ في قَوْلِهِ: "لِرَبِّهِمْ" يُحْتَمَلُ وُجُوهًا، مَذْهَبُ المُبَرِّدِ أنَّها تَتَعَلَّقُ بِمَصْدَرٍ كَأنَّهُ قالَ: الَّذِينَ رَهْبُتُهم لِرَبِّهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ المَفْعُولُ ضَعُفَ الفِعْلُ فَقَوِيَ عَلى التَعَدِّي بِاللامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: هم لِأجْلِ طاعَةِ رَبِّهِمْ وخَوْفِ رَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ العِقابَ والوَعِيدَ ونَحْوَ هَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ الآيَةُ، مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ اخْتارَ مِن قَوْمِهِ هَذِهِ العُدَّةَ لِيَذْهَبَ بِهِمْ إلى مَوْضِعِ عِبادَةٍ وابْتِهالٍ ودُعاءٍ لِيَكُونَ مِنهُ ومِنهُمُ اعْتِذارٌ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ مِن خَطَإ بَنِي إسْرائِيلَ في عِبادَةِ العِجْلِ وطَلَبٍ لِكَمالِ العَفْوِ عَمَّنْ بَقِيَ مِنهم. ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ اخْتِيارَهم كانَ بِسَبَبِ قَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ مُوسى قَتَلَ هارُونَ حِينَ ذَهَبَ مَعَهُ ولَمْ يَرْجِعْ، فاخْتارَ هَؤُلاءِ لِيَذْهَبُوا فَيُكَلِّمُهم هارُونُ بِأنَّهُ ماتَ بِأجَلِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمِيقاتِنا﴾ يُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ ويُنافِرُ هَذا القَوْلَ، لِأنَّها تَقْتَضِي أنَّ ذَلِكَ كانَ عن تَوْقِيتٍ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وعِدَةٍ في الوَقْتِ والمَوْضِعِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: "واخْتارَ مُوسى مِن قَوْمِهِ"، فَلَمّا انْحَذَفَ الخافِضُ تَعَدّى الفِعْلُ فَنَصَبَ، وهَذا كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ.
(p-٥٧)واخْتَلَفَ العُلَماءُ في سَبَبِ الرَجْفَةِ الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ، فَقِيلَ: كانَتْ عُقُوبَةً لَهم عَلى سُكُوتِهِمْ وإغْضائِهِمْ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، وقِيلَ: كانَتْ عَلى عِبادَتِهِمُ العِجْلَ بِأنْفُسِهِمْ وخَفِيَ ذَلِكَ عن مُوسى في وقْتِ الِاخْتِيارِ حَتّى أعْلَمَهُ اللهُ، قالَهُ السُدِّيُّ. وقِيلَ: كانَتْ عُقُوبَةً لَهم لِأنَّهم لَمّا دَنَوْا وعَلِمُوا أنَّ مُوسى يَسْمَعُ كَلامَ اللهِ قالُوا لَهُ: "أرِنا رَبَّكَ" فَأخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ، وقِيلَ: كانَتْ عُقُوبَةً لِتَشَطُّطِهِمْ في الدُعاءِ بِأنْ قالُوا: اللهُمَّ أعْطِنا ما لَمْ تُعْطِهِ أحَدًا قَبْلَنا ولا تُعْطِيهِ أحَدًا بَعْدَنا، فَأخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ، وقِيلَ: إنَّما أخَذَتْهم لَمّا سَمِعُوا كَلامَ هارُونَ وهو مَيِّتٌ، وذَلِكَ أنَّ مُوسى وهارُونَ ذَهَبا إلى التَعَبُّدِ أو نَحْوِهِ فَماتَ هارُونُ فَدَفَنَهُ مُوسى وجاءَ، فَقالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: أيْنَ هارُونُ؟ فَقالَ: ماتَ، فَقالُوا بَلْ أنْتَ قَتَلْتَهُ لِأنَّكَ حَسَدْتَنا عَلى حُسْنِ خُلُقِهِ وعِشْرَتِهِ، فاخْتارَ السَبْعِينَ لِيَمْضُوا مَعَهُ حَتّى يَرَوْا بُرْهانَ ما قالَ لَهُمْ، فَلَمّا وصَلُوا قالَ لَهُ مُوسى: يا هارُونُ أقُتِلْتَ أمْ مُتَّ؟ فَناداهُ مِنَ القَبْرِ: بَلْ مُتُّ، فَأخَذَتِ القَوْمَ الرَجْفَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ورُوِيَ أنَّهم ماتُوا في رَجْفَتِهِمْ هَذِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ كانَتْ كالإغْماءِ ونَحْوِهِ، والرَجْفَةُ: الِاهْتِزازُ والتَقَلْقُلُ لِلْهَوْلِ العَظِيمِ، فَلَمّا رَأى مُوسى ذَلِكَ أسِفَ عَلَيْهِمْ، وعَلِمَ أنَّ أمْرَ بَنِي إسْرائِيلَ سَيَتَشَعَّبُ عَلَيْهِ إذا لَمْ يَأْتِ بِالقَوْمِ، فَجَعَلَ يَسْتَعْطِفُ رَبَّهُ، أيْ رَبِّ لَوْ أهْلَكْتَهم قَبْلَ هَذِهِ الحالِ وإيّايَ لَكانَ أحَقَّ عَلَيَّ، وهَذا وقْتٌ هَلاكُهم فِيهِ مُفْسِدٌ عَلَيَّ مُؤْذٍ لِي.
ثُمَّ اسْتَفْهَمَ عَلى جِهَةِ الرَغْبَةِ والتَضَرُّعِ والتَذَلُّلِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ﴾ أنْ يُرِيدَ وقْتَ إغْضائِهِمْ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، أيْ: وقْتَ عِبادَتِهِمْ -عَلى القَوْلِ بِذَلِكَ-، وفي نَفْسِهِ هو وقْتُ قَتْلِهِ القِبْطِيَّ، أيْ: فَأنْتَ قَدْ سَتَرْتَ وعَفَوْتَ حِينَئِذٍ، فَكَيْفَ الآنُ إذْ رُجُوعِي دُونَهم فَسادٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَمَنحى الكَلامِ -عَلى هَذا- مَحْضُ اسْتِعْطافٍ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ مَنَحاهُ الإدْلاءُ بِالحُجَّةِ في صِيغَةِ اسْتِعْطافٍ، وإذا قُلْنا: إنَّ سَبَبَ الرَجْفَةِ كانَ عِبادَةَ العِجْلِ كانَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "أتُهْلِكُنا" لَهُ ولِلسَّبْعِينَ، و"السُفَهاءُ" إشارَةٌ إلى العَبَدَةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وكَذَلِكَ إذا كانَ سَبَبُها قَوْلَ بَنِي إسْرائِيلَ لَهُ: قَتَلْتَ هارُونَ، وإذا كانَ سَبَبُ الرَجْفَةِ طَلَبَهُمُ الرُؤْيَةَ وتَشَطُّطَهم في الدُعاءِ أو عِبادَتَهم بِأنْفُسِهِمُ العِجْلَ فالضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "أتُهْلِكُنا" يُرِيدُ بِهِ نَفْسَهُ وبَنِي (p-٥٨)إسْرائِيلَ، أيْ: بِالتَفَرُّقِ والكُفْرِ والعِصْيانِ يَكُونُ هَلاكُهُمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "السُفَهاءُ" إشارَةً إلى السَبْعِينَ، ورُوِيَ أنَّ السَبْعِينَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَن زادَ عَلى الأرْبَعِينَ ولا مَن قَصَّرَ عَنِ العِشْرِينَ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهم أُحْيُوا وجُعِلُوا أنْبِياءَ كُلَّهم.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا أعْلَمَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ السَبْعِينَ عَبَدُوا العِجْلَ تَعَجَّبَ وقالَ: ﴿إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ﴾ أيِ: الأُمُورُ بِيَدِكَ تَفْعَلُ ما تُرِيدُ، وقِيلَ: إنَّ اللهَ تَعالى لَمّا أعْلَمَ مُوسى بِعِبادَةِ بَنِي إسْرائِيلَ العِجْلَ وبِصِفَتِهِ قالَ مُوسى: أيْ رَبِّ ومَن أخارَهُ؟ قالَ: أنا، قالَ مُوسى: فَأنْتَ أضْلَلْتَهُمْ، إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ بِـ"هِيَ" إلى قَوْلِهِمْ: "أرِنا اللهَ" إذْ كانَتْ فِتْنَةً مِنَ اللهِ أوجَبَتِ الرَجْفَةَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ، واغْفِرْ مَعْناهُ: اسْتُرْ.
الأعراف 7:155
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَمّا سَكَتَ عن مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقاتِنا فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُفَهاءُ مِنّا إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مِن تَشاءُ وتَهْدِي مِن تَشاءُ أنْتَ ولِيُّنا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾
مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا سَكَنَ غَضَبُهُ أخَذَ الألْواحَ الَّتِي كانَ ألْقى، وقَدْ تَقَدَّمَ ما رُوِيَ أنَّهُ رُفِعَ أكْثَرُها أو ذَهَبَ في التَكَسُّرِ، وقَوْلُهُ: ﴿سَكَتَ﴾ لَفْظَةٌ مُسْتَعارَةٌ، شَبَّهَ خُمُودَ الغَضَبِ بِانْقِطاعِ كَلامِ المُتَكَلِّمِ وهو سُكُوتُهُ، قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: تَقُولُ العَرَبُ: "سالَ الوادِي يَوْمَيْنِ ثُمَّ سَكَتَ"، وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: مَصْدَرُ (p-٥٦)قَوْلِكَ: "سَكَتَ الغَضَبُ": سَكْتٌ، ومَصْدَرُ قَوْلِكَ: "سَكَتَ الرَجُلُ": سُكُوتٌ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ فِعْلٌ عَلى حِدَةٍ ولَيْسَ مِن سُكُوتِ الناسِ، وقِيلَ: إنَّ في المَعْنى قَلْبًا، والمُرادُ: ولَمّا سَكَتَ مُوسى عَنِ الغَضَبِ، فَهو مِن بابِ: أدْخَلْتُ فَمِي في الحَجَرِ، وأدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، وفي هَذا أيْضًا اسْتِعارَةٌ، إذِ الغَضَبُ لَيْسَ يَتَكَلَّمُ فَيُوصَفُ بِالسُكُوتِ، وقَرَأ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ: "وَلَمّا سَكَنَ"، وفي مُصْحَفِ حَفْصَةَ: "وَلَمّا سَكَتَ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَمّا صَبَرَ عن مُوسى الغَضَبُ"، قالَ النَقّاشُ: وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "وَلَمّا اشْتُقَّ عن مُوسى الغَضَبُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِي نُسْخَتِها﴾ مَعْناهُ: وفِيما يُنْسَخُ مِنها ويُقْرَأُ، واللامُ في قَوْلِهِ: "لِرَبِّهِمْ" يُحْتَمَلُ وُجُوهًا، مَذْهَبُ المُبَرِّدِ أنَّها تَتَعَلَّقُ بِمَصْدَرٍ كَأنَّهُ قالَ: الَّذِينَ رَهْبُتُهم لِرَبِّهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ المَفْعُولُ ضَعُفَ الفِعْلُ فَقَوِيَ عَلى التَعَدِّي بِاللامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: هم لِأجْلِ طاعَةِ رَبِّهِمْ وخَوْفِ رَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ العِقابَ والوَعِيدَ ونَحْوَ هَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ الآيَةُ، مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ اخْتارَ مِن قَوْمِهِ هَذِهِ العُدَّةَ لِيَذْهَبَ بِهِمْ إلى مَوْضِعِ عِبادَةٍ وابْتِهالٍ ودُعاءٍ لِيَكُونَ مِنهُ ومِنهُمُ اعْتِذارٌ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ مِن خَطَإ بَنِي إسْرائِيلَ في عِبادَةِ العِجْلِ وطَلَبٍ لِكَمالِ العَفْوِ عَمَّنْ بَقِيَ مِنهم. ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ اخْتِيارَهم كانَ بِسَبَبِ قَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ مُوسى قَتَلَ هارُونَ حِينَ ذَهَبَ مَعَهُ ولَمْ يَرْجِعْ، فاخْتارَ هَؤُلاءِ لِيَذْهَبُوا فَيُكَلِّمُهم هارُونُ بِأنَّهُ ماتَ بِأجَلِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمِيقاتِنا﴾ يُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ ويُنافِرُ هَذا القَوْلَ، لِأنَّها تَقْتَضِي أنَّ ذَلِكَ كانَ عن تَوْقِيتٍ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وعِدَةٍ في الوَقْتِ والمَوْضِعِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: "واخْتارَ مُوسى مِن قَوْمِهِ"، فَلَمّا انْحَذَفَ الخافِضُ تَعَدّى الفِعْلُ فَنَصَبَ، وهَذا كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ.
(p-٥٧)واخْتَلَفَ العُلَماءُ في سَبَبِ الرَجْفَةِ الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ، فَقِيلَ: كانَتْ عُقُوبَةً لَهم عَلى سُكُوتِهِمْ وإغْضائِهِمْ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، وقِيلَ: كانَتْ عَلى عِبادَتِهِمُ العِجْلَ بِأنْفُسِهِمْ وخَفِيَ ذَلِكَ عن مُوسى في وقْتِ الِاخْتِيارِ حَتّى أعْلَمَهُ اللهُ، قالَهُ السُدِّيُّ. وقِيلَ: كانَتْ عُقُوبَةً لَهم لِأنَّهم لَمّا دَنَوْا وعَلِمُوا أنَّ مُوسى يَسْمَعُ كَلامَ اللهِ قالُوا لَهُ: "أرِنا رَبَّكَ" فَأخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ، وقِيلَ: كانَتْ عُقُوبَةً لِتَشَطُّطِهِمْ في الدُعاءِ بِأنْ قالُوا: اللهُمَّ أعْطِنا ما لَمْ تُعْطِهِ أحَدًا قَبْلَنا ولا تُعْطِيهِ أحَدًا بَعْدَنا، فَأخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ، وقِيلَ: إنَّما أخَذَتْهم لَمّا سَمِعُوا كَلامَ هارُونَ وهو مَيِّتٌ، وذَلِكَ أنَّ مُوسى وهارُونَ ذَهَبا إلى التَعَبُّدِ أو نَحْوِهِ فَماتَ هارُونُ فَدَفَنَهُ مُوسى وجاءَ، فَقالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: أيْنَ هارُونُ؟ فَقالَ: ماتَ، فَقالُوا بَلْ أنْتَ قَتَلْتَهُ لِأنَّكَ حَسَدْتَنا عَلى حُسْنِ خُلُقِهِ وعِشْرَتِهِ، فاخْتارَ السَبْعِينَ لِيَمْضُوا مَعَهُ حَتّى يَرَوْا بُرْهانَ ما قالَ لَهُمْ، فَلَمّا وصَلُوا قالَ لَهُ مُوسى: يا هارُونُ أقُتِلْتَ أمْ مُتَّ؟ فَناداهُ مِنَ القَبْرِ: بَلْ مُتُّ، فَأخَذَتِ القَوْمَ الرَجْفَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ورُوِيَ أنَّهم ماتُوا في رَجْفَتِهِمْ هَذِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ كانَتْ كالإغْماءِ ونَحْوِهِ، والرَجْفَةُ: الِاهْتِزازُ والتَقَلْقُلُ لِلْهَوْلِ العَظِيمِ، فَلَمّا رَأى مُوسى ذَلِكَ أسِفَ عَلَيْهِمْ، وعَلِمَ أنَّ أمْرَ بَنِي إسْرائِيلَ سَيَتَشَعَّبُ عَلَيْهِ إذا لَمْ يَأْتِ بِالقَوْمِ، فَجَعَلَ يَسْتَعْطِفُ رَبَّهُ، أيْ رَبِّ لَوْ أهْلَكْتَهم قَبْلَ هَذِهِ الحالِ وإيّايَ لَكانَ أحَقَّ عَلَيَّ، وهَذا وقْتٌ هَلاكُهم فِيهِ مُفْسِدٌ عَلَيَّ مُؤْذٍ لِي.
ثُمَّ اسْتَفْهَمَ عَلى جِهَةِ الرَغْبَةِ والتَضَرُّعِ والتَذَلُّلِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ﴾ أنْ يُرِيدَ وقْتَ إغْضائِهِمْ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، أيْ: وقْتَ عِبادَتِهِمْ -عَلى القَوْلِ بِذَلِكَ-، وفي نَفْسِهِ هو وقْتُ قَتْلِهِ القِبْطِيَّ، أيْ: فَأنْتَ قَدْ سَتَرْتَ وعَفَوْتَ حِينَئِذٍ، فَكَيْفَ الآنُ إذْ رُجُوعِي دُونَهم فَسادٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَمَنحى الكَلامِ -عَلى هَذا- مَحْضُ اسْتِعْطافٍ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ مَنَحاهُ الإدْلاءُ بِالحُجَّةِ في صِيغَةِ اسْتِعْطافٍ، وإذا قُلْنا: إنَّ سَبَبَ الرَجْفَةِ كانَ عِبادَةَ العِجْلِ كانَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "أتُهْلِكُنا" لَهُ ولِلسَّبْعِينَ، و"السُفَهاءُ" إشارَةٌ إلى العَبَدَةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وكَذَلِكَ إذا كانَ سَبَبُها قَوْلَ بَنِي إسْرائِيلَ لَهُ: قَتَلْتَ هارُونَ، وإذا كانَ سَبَبُ الرَجْفَةِ طَلَبَهُمُ الرُؤْيَةَ وتَشَطُّطَهم في الدُعاءِ أو عِبادَتَهم بِأنْفُسِهِمُ العِجْلَ فالضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "أتُهْلِكُنا" يُرِيدُ بِهِ نَفْسَهُ وبَنِي (p-٥٨)إسْرائِيلَ، أيْ: بِالتَفَرُّقِ والكُفْرِ والعِصْيانِ يَكُونُ هَلاكُهُمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "السُفَهاءُ" إشارَةً إلى السَبْعِينَ، ورُوِيَ أنَّ السَبْعِينَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَن زادَ عَلى الأرْبَعِينَ ولا مَن قَصَّرَ عَنِ العِشْرِينَ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهم أُحْيُوا وجُعِلُوا أنْبِياءَ كُلَّهم.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا أعْلَمَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ السَبْعِينَ عَبَدُوا العِجْلَ تَعَجَّبَ وقالَ: ﴿إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ﴾ أيِ: الأُمُورُ بِيَدِكَ تَفْعَلُ ما تُرِيدُ، وقِيلَ: إنَّ اللهَ تَعالى لَمّا أعْلَمَ مُوسى بِعِبادَةِ بَنِي إسْرائِيلَ العِجْلَ وبِصِفَتِهِ قالَ مُوسى: أيْ رَبِّ ومَن أخارَهُ؟ قالَ: أنا، قالَ مُوسى: فَأنْتَ أضْلَلْتَهُمْ، إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ بِـ"هِيَ" إلى قَوْلِهِمْ: "أرِنا اللهَ" إذْ كانَتْ فِتْنَةً مِنَ اللهِ أوجَبَتِ الرَجْفَةَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ، واغْفِرْ مَعْناهُ: اسْتُرْ.
الأعراف 7:156
قوله عزّ وجلّ:
﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ إنّا هُدْنا إلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾
"واكْتُبْ" مَعْناهُ: أثْبِتْ واقْضِ، والكَتْبُ مُسْتَعْمَلٌ في ما يَخْلُدُ، و"حَسَنَةً" لَفْظٌّ عامٌّ في كُلِّ ما يَحْسُنُ في الدُنْيا مِن عافِيَةٍ وغِنًى وطاعَةٍ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى وغَيْرِ ذَلِكَ، وحَسَنَةُ الآخِرَةِ الجَنَّةُ لا حَسَنَةَ دُونَها ولا مَرْمى وراءَها، و"هُدْنا" بِضَمِّ الهاءِ مَعْناهُ: تُبْنا، وقَرَأ أبُو وجْزَةَ "هِدْنا" بِكَسْرِ الهاءِ، ومَعْناهُ: حَرَّكْنا أنْفُسَنا وجَذَبْناها لِطاعَتِكَ، وهو مَأْخُوذٌ مَن هادَ يَهِيدُ إذا حَرَّكَ.
(p-٥٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ الآيَةُ، قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: إنَّ الرَجْفَةَ الَّتِي أُنْزِلَتْ بِالقَوْمِ هي عَذابِي أُصِيبَ بِهِ مَن شِئْتُ، ثُمَّ أخْبَرَ عن رَحْمَتِهِ، ويُحْتَمَلُ -وَهُوَ الأظْهَرُ- أنَّ الكَلامَ قُصِدَ بِهِ الخَبَرُ عن عَذابِهِ وعن رَحْمَتِهِ مِن أوَّلِ ما ابْتَدَأ، ويَنْدَرِجُ أمْرُ أصْحابِ الرَجْفَةِ في عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾. وقَرَأ الحَسَنُ، وطاوُسُ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "مَن أساءَ" مِنَ الإساءَةِ، أيْ مَن عَمِلَ غَيْرَ صالِحٍ، ولِلْمُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ القِراءَةِ تَعَلُّقٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما إنْفاذُ الوَعِيدِ، والآخَرُ خَلْقُ المَرْءِ أفْعالَهُ، وأنَّ "أساءَ" لا فِعْلَ لِلَّهِ فِيهِ، وهَذانَ التَعَلُّقانِ فِيهِما احْتِمالٌ يَنْفَصِلُ عنهُ كَما يَنْفَصِلُ عن سائِرِ الظَواهِرِ، إلّا أنَّ القَرَأةَ أطْنَبُوا في التَحَفُّظِ مِن هَذِهِ القِراءَةِ، وقالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: لا تَصِحُّ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الحَسَنِ وطاوُسٍ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ رَجُلُ سُوءٍ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّ سُفْيانَ بْنَ عُيَيْنَةَ قَرَأها مَرَّةً واسْتَحْسَنَها فَقامَ إلَيْهِ عَبْدُ الرَحْمَنِ المُقْبِرِيُّ وصاحَ بِهِ وأسْمَعَهُ، فَقالَ سُفْيانُ: لَمْ أدْرِ ولَمْ أفْطِنْ لِما يَقُولُ أهْلُ البِدَعِ، وهَذا إفْراطٌ مِنَ المُقَرَّبِينَ، وحَمَلَهم عَلى ذَلِكَ شُحُّهم عَلى الدِينِ وظَنُّهم أنَّ الِانْفِصالَ عن تَعَلُّقِ المُعْتَزِلَةِ مُتَعَذِّرٌ.
ثُمَّ وصَفَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى رَحْمَتَهُ بِأنَّها وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو عُمُومٌ في الرَحْمَةِ وخُصُوصٌ في قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾، والمُرادُ مَن قَدْ سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ أنْ يَرْحَمَهُ دُونَ مَن سِواهُمْ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو عُمُومٌ في رَحْمَةِ الدُنْيا لِأنَّ الكافِرَ والمُؤْمِنَ والحَيَوانَ كُلُّهُ مُتَقَلِّبٌ في رَحْمَةِ اللهِ الدُنْيَوِيَّةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ تَعالى: "وَرَحْمَتِي" يُرادُ بِهِ التَوْبَةُ، وهي خاصَّةٌ -عَلى هَذا- في الرَحْمَةِ وفي الأشْياءِ لِأنَّ المُرادَ مَن قَدْ تَقَعُ مِنهُ التَوْبَةُ، وقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: إنَّ إبْلِيسَ لَمّا سَمِعَ قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ طَمِعَ في رَحْمَةِ اللهِ، فَلَمّا سَمِعَ ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَكاةَ﴾ يَئِسَ إبْلِيسُ وبَقِيَتِ اليَهُودُ والنَصارى، فَلَمّا تَمادَتِ الصِفَةُ تَبَيَّنَ أنَّ المُرادَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ ويَئِسَ اليَهُودُ والنَصارى مِنَ الآيَةِ، وقالَ نَحْوَهُ قَتادَةُ. (p-٦٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَأكْتُبُها﴾ أيْ أُقَدِّرُها وأقْضِيها، وقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قالَ: يا رَبِّ جَعَلْتُ وِفادَتِي لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: فاحْمَدُوا اللهَ الَّذِي جَعَلَ وِفادَةَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكُمْ، وقَوْلُهُ: "يَتَّقُونَ" -فِي هَذِهِ الآيَةِ- قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: يَتَّقُونَ الشِرْكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَتَّقُونَ المَعاصِيَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومَن قالَ: "الشِرْكُ لا غَيْرُ" خَرَجَ إلى قَوْلِ المُرْجِئَةِ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ مِنَ الآيَةِ شَرْطُ الأعْمالِ بِقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَكاةَ﴾، ومَن قالَ: "المَعاصِي ولا بُدَّ" خَرَجَ إلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، والصَوابُ بِأنْ تَكُونَ اللَفْظَةُ عامَّةً ولَكِنْ لَيْسَ بِأنْ نَقُولَ: "وَلا بُدَّ مِنِ اتِّقاءِ المَعاصِي"، بَلْ بِأنْ نَقُولَ: "مَعَ أنَّ مَواقِعَ المَعاصِي في مَشِيئَةِ اللهِ تَعالى"، ومَعْنى: "يَتَّقُونَ" يَجْعَلُونَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُتَّقى وِقايَةً وحِجابًا، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى الرُتْبَةَ العالِيَةَ لِيَتَسابَقَ السامِعُونَ إلَيْها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَكاةَ﴾ الظاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْتُونَ﴾ أنَّها الزَكاةُ المُخْتَصَّةُ بِالمالِ، وخَصَّها هُنا بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لَها، وجَعْلَها مِثالًا لِجَمِيعِ الطاعاتِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيما رُوِيَ عنهُ: ويُؤْتُونَ الأعْمالَ الَّتِي يُزَكُّونَ بِها أنْفُسَهم.
الأعراف 7:157
قوله عزّ وجلّ:
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَسُولَ النَبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَوْراةِ والإنْجِيلِ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ ويَضَعُ عنهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمُ فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾
هَذِهِ الألْفاظُ أخْرَجَتِ اليَهُودَ والنَصارى مِنَ الِاشْتِراكِ الَّذِي يَظْهَرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وخَلَصَتْ هَذِهِ العِدَةُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وغَيْرُهُما.
و"يَتَّبِعُونَ" مَعْناهُ: في شَرْعِهِ ودِينِهِ، و"الرَسُولَ" و"النَبِيَّ" اسْمانِ لِمَعْنَيَيْنِ، فَإنَّ الرَسُولَ أخَصُّ مِنَ النَبِيِّ، هَذا في الآدَمِيِّينَ لِاشْتِراكِ المُلْكِ في لَفْظَةِ الرَسُولِ. (p-٦١)والنَبِيُّ مَأْخُوذٌ مِنَ النَبَإ، وقِيلَ: لَمّا كانَ طَرِيقًا إلى رَحْمَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وسَبَبًا شُبِّهَ بِالنَبِيِّ الَّذِي هو الطَرِيقُ، وأنْشَدُوا:
؎ لَأصْبَحَ رَتْمًا دُقاقَ الحَصى ∗∗∗ مَكانَ النَبِيِّ مِنَ الكاثِبِ
وأصْلُهُ الهَمْزُ ولَكِنَّهُ خُفِّفَ، كَذا قالَهُ سِيبَوَيْهِ، وذَلِكَ كَتَخْفِيفِهِمْ خابِيَةً وهي مَن خَبَّأ، واسْتُعْمِلَ تَخْفِيفُهُ حَتّى قَدْ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "لا تَنْبِرُوا اسْمِي"،» وقُدِّمَ الرَسُولُ اهْتِمامًا بِمَعْنى الرِسالَةِ عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ، وإلّا فَمَعْنى النُبُوَّةِ هو المُتَقَدِّمُ، وكَذَلِكَ «رَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى البَراءِ بْنِ عازِبٍ حِينَ قالَ: "آمَنتُ بِكِتابِكَ الَّذِي أنْزَلْتَ، وبِرَسُولِكَ الَّذِي أرْسَلْتَ"، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أرْسَلْتَ"» لِيَتَرَتَّبَ الكَلامُ كَما تَرَتَّبَ الأمْرُ في نَفْسِهِ، لِأنَّهُ نُبِّئَ ثُمَّ أُرْسِلَ، وأيْضًا في العِبارَةِ المَرْدُودَةِ تَكْرارُ الرِسالَةِ وهو مَعْنًى واحِدٌ.
و"الأُمِّيُّ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ، قِيلَ: نَسَبٌ إلى أُمِّ القُرى وهي مَكَّةُ.
(p-٦٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
واللَفْظَةُ -عَلى هَذا- مُخْتَصَّةٌ بِالنَبِيِّ ﷺ وغَيْرُ مُضَمَّنَةٍ مَعْنى عَدَمِ الكِتابَةِ، وقِيلَ: هو مَنسُوبٌ -لِعَدَمِ الكِتابَةِ والحِسابِ- إلى الأُمِّ، أيْ: هو عَلى حالِ الصُدُورِ عَنِ الأُمِّ في عَدَمِ الكِتابَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَنسُوبٌ إلى الأُمَّةِ، وهَذا أيْضًا مُضَمَّنٌ عَدَمَ الكِتابَةِ لِأنَّ الأُمَّةَ بِجُمْلَتِها غَيْرُ كاتِبَةٍ حَتّى تَحْدُثَ فِيها الكِتابَةُ كَسائِرِ الصَنائِعِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ فِيما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ: "الأمِّيُّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهو مَنسُوبٌ إلى الأمِّ وهو القَصْدُ، أيْ لِأنَّ هَذا النَبِيَّ مَقْصِدُ لِلنّاسِ ومَوْضِعُ أمٍّ يَؤُمُّونَهُ بِأفْعالِهِمْ وتَشَرُّعِهِمْ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ أنْ يُرِيدَ الأُمِّيَّ فَغُيِّرَ تَغْيِيرَ النِسَبِ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "يَجِدُونَهُ" لِبَنِي إسْرائِيلَ، والهاءُ مِنهُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ صِفَتُهُ ونَعْتُهُ. ورُوِيَ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ قالَ لِمُوسى: قُلْ لِبَنِي إسْرائِيلَ: أجْعَلُ لَكُمُ الأرْضَ مَسْجِدًا وطَهُورًا، وأجْعَلُ السَكِينَةَ مَعَكم في بُيُوتِكُمْ، وأجْعَلُكم تَقْرَؤُونَ التَوْراةَ عن ظَهْرِ قُلُوبِكُمْ، فَأخْبَرَ مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ فَقالُوا: إنَّما نُرِيدُ أنْ نُصَلِّيَ في الكَنائِسِ، وأنْ تَكُونَ السَكِينَةُ كَما كانَتْ في التابُوتِ، وأنْ لا نَقْرَأ التَوْراةَ إلّا نَظَرًا، فَقِيلَ لَهُمْ: فَنَكْتُبُها لِلَّذِينِ يَتَّقُونَ يَعْنِي أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ. ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ أنَّ في التَوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ: « "يا أيُّها النَبِيُّ، إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا وحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أنْتَ عَبْدِي ورَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ ولا صَخّابٍ في الأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَيِّئَةِ السَيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ، ولَنْ أقْبِضَهُ حَتّى أُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجاءَ بِأنْ يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللهُ، فَنُقِيمُ بِهِ قُلُوبًا غُلْفًا، وآذانًا صُمًّا، وأعْيُنًا عُمْيًا"». وفي البُخارِيِّ: « "فَنَفْتَحُ بِهِ عُيُونًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقُلُوبًا غُلْفًا"».
ونَصُّ كَعْبِ الأحْبارِ نَحْوُ هَذِهِ الألْفاظِ إلّا أنَّهُ قالَ: "قُلُوبًا غُلْفًا، وآذانًا صُمُومًا"، قالَ الطَبَرِيُّ: وهي لُغَةٌ حِمْيَرِيَّةٌ، وقَدْ رُوِيَتْ "غُلُوفِيا وصُمُومِيا".
(p-٦٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأظُنُّ هَذا وهْمًا وعُجْمَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ ابْتِداءً وصْفَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى النَبِيَّ ﷺ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَهُ مُتَعَلِّقًا بِـ "يَجِدُونَهُ" في مَوْضِعِ الحالِ عَلى تَجَوُّزٍ، أيْ: يَجِدُونَهُ في التَوْراةِ آمِرًا بِشَرْطِ وُجُودِهِ، فالمَعْنى الأوَّلُ لا يَقْتَضِي أنَّهم عَلِمُوا مِنَ التَوْراةِ أنَّهُ يَأْمُرُهم ويَنْهاهم ويُحِلُّ ويُحَرِّمُ، والمَعْنى الثانِي يَقْتَضِي ذَلِكَ، فالمَعْنى الثانِي -عَلى هَذا- ذَمٌّ لَهُمْ، ونَحا إلى هَذا أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في "الأغْفالِ": "يَأْمُرُهُمْ" عِنْدِي تَفْسِيرٌ لِما كُتِبَ مِن ذِكْرِهِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] تَفْسِيرٌ لِلْمَثَلِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "يَجِدُونَهُ" لِأنَّ الضَمِيرَ لِلذِّكْرِ والِاسْمِ، والذِكْرُ والِاسْمُ لا يَأْمُرانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وما قَدَّمْتُهُ مِنَ التَجَوُّزِ وشَرْطِ الوُجُودِ يَقْرُبُ مِمّا مَنَعَ مِنهُ أبُو عَلِيٍّ، وانْظُرْ، و"بِالمَعْرُوفِ" ما عَرَفَ الشَرْعُ، وكُلُّ مَعْرُوفٍ مِن جِهَةِ المُرُوءَةِ فَهو مَعْرُوفٌ بِالشَرْعِ، فَقَدْ قالَ ﷺ: « "بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَحاسِنَ الأخْلاقِ"،» و"المُنْكَرُ" مُقابِلُهُ.
و"الطَيِّباتُ" قالَ فِيها بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّها إشارَةٌ إلى البَحِيرَةِ ونَحْوِها، ومَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ أنَّها المُحَلَّلاتُ، فَكَأنَّهُ وصَفَها بِالطَيِّبِ إذْ هي لَفْظَةٌ تَتَضَمَّنُ مَدْحًا وتَشْرِيفًا، وبِحَسْبِ هَذا يَقُولُ في "الخَبائِثِ" إنَّها المُحَرَّماتُ، وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الخَبائِثُ: هي لَحْمُ الخِنْزِيرِ والرِبا وغَيْرُهُ، وعَلى هَذا حَلَّلَ مالِكٌ المُتَقَذَّراتِ كالحَيّاتِ والخَنافِسِ والعَقارِبِ ونَحْوِها، ومَذْهَبُ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ أنَّ الطَيِّباتِ هي مِن جِهَةِ الطَعْمِ إلّا أنَّ اللَفْظَةُ عِنْدَهُ لَيْسَتْ عَلى عُمُومِها لِأنَّ عُمُومَها بِهَذا (p-٦٤)الوَجْهِ مِنَ الطَعْمِ يَقْتَضِي تَحْلِيلَ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ، بَلْ يَراها مُخْتَصَّةً فِيما حَلَّلَهُ الشَرْعُ، ويَرى الخَبائِثَ لَفْظًا عامًّا في المُحَرَّماتِ بِالشَرْعِ وفي المُتَقَذَّراتِ فَيُحَرِّمُ العَقارِبَ والخَنافِسَ والوَزْغَ وما جَرى هَذا المَجْرى، والناسُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ إلّا أنَّ في تَعْيِينِ الخَبائِثِ اخْتِلافًا لَيْسَ هَذا مَوْضِعَ تَقَصِّيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَضَعُ عنهم إصْرَهُمْ﴾ الآيَةُ، "يَضَعُ" كانَ قِياسُهُ أنْ يَكُونَ "يَضَعُ" بِكَسْرِ الضادِ لَكِنْ رَدَّهُ حَرْفُ الحَلْقِ إلى فَتْحِ الضادِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو "يَضَعْ عَّنْهُمُ" العَيْنَ في العَيْنِ. وأشَمَّها الرَفْعَ وأشْبَعَها أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "وَيُذْهِبُ عنهم إصْرَهُمْ"، والإصْرُ: الثِقْلُ، وبِهِ فَسَّرَ هُنا- قَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والإصْرُ أيْضًا: العَهْدُ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، والحَسَنُ، وغَيْرُهم. وقَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ المَعْنَيَيْنِ، فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ كانَ أُخِذَ عَلَيْهِمْ عَهْدٌ أنْ يَقُومُوا بِأعْمالٍ ثِقالٍ فَوُضِعَ عنهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ ذَلِكَ العَهْدُ وثِقَلُ تِلْكَ الأعْمالِ. وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: الإصْرُ: شِدَّةُ العِبادَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والناسُ: "إصْرَهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ، وأيُّوبُ السِخْتِيانِيُّ، ويَعْلى بْنُ حَكِيمٍ، وأبُو سِراجٍ الهُذَلِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ: "آصارَهُمْ" بِالجَمْعِ، لَمّا كانَتِ الأعْمالُ كَثِيرَةً كانَتْ أثْقالُها مُتَغايِرَةً، ومَن وحَّدَ الإصْرَ فَإنَّما فَهو مُفْرَدُ اسْمِ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، قالَ أبُو حاتِمٍ: في كِتابِ بَعْضِ العُلَماءِ: "أُصُرَهُمْ" واحِدُ مَفْتُوحِ الهَمْزَةِ عن نافِعٍ، وعِيسى، والزَيّاتِ، وذَلِكَ غَلَطٌ. وذَكَرَ ها مَكِّيٌّ عن أبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ وقالَ: هي لُغَةٌ.
﴿والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ عِبارَةٌ مُسْتَعارَةٌ أيْضًا لِتِلْكَ الأثْقالِ، كَقَطْعِ الجِلْدِ مِن أثَرِ البَوْلِ، وأنْ لا دِيَةَ، ولا بُدَّ مِن قَتْلٍ لِلْقاتِلِ، وتَرْكِ الأشْغالِ يَوْمَ السَبْتِ، فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَأى يَوْمَ السَبْتِ رَجُلًا يَحْمِلُ قَصَبًا فَضَرَبَ عُنُقَهُ، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِكَ: "طَوْقُ فُلانٍ كَذا" إذا ألْزَمَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ اذْهَبْ بِها اذْهَبْ بِها ∗∗∗ ∗∗∗ طُوِّقْتَها طَوْقَ الحَمامَهْ
أيْ: لَزِمَكَ عارُها. (p-٦٥)وَمِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎ فَلَيْسَ كَعَهْدِ الدارِ يا أمَّ مالِكٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ولَكِنْ أحاطَتْ بِالرِقابِ السَلاسِلُ
؎ وعادَ الفَتى كالكَهْلِ لَيْسَ بِقائِلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ سِوى الحَقِّ شَيْئًا فاسْتَراحَ العَواذِلُ
يُرِيدُ أوامِرَ الإسْلامِ ولَوازِمَ الإيمانِ الَّذِي قَيَّدَ الفَتْكَ كَما قالَ ﷺ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّما المُرادُ هُنا بِالأغْلالِ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في اليَهُودِ ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤]، فَمَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ زالَتْ عنهُ الدَعْوَةُ وتَغْلِيلُها.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن حالِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ﴾، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وسُلَيْمانُ التَيْمِيُّ، وقَتادَةُ، وعِيسى: "عَزَّرُوهُ" بِالتَخْفِيفِ، وجُمْهُورُ الناسِ عَلى التَشْدِيدِ في الزايِ، ومَعْناهُ في القِراءَتَيْنِ وقَّرُوهُ. والتَعْزِيرُ والنَصْرُ مُشاهَدَةٌ خاصَّةٌ لِلصَّحابَةِ، واتِّباعُ النُورِ يَشْتَرِكُ فِيهِ مَعَهُمُ المُؤْمِنُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. والنُورُ كِنايَةٌ عن جُمْلَةِ الشَرْعِ، وقَوْلُهُ: "مَعَهُ" فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، والتَقْدِيرُ: مَعَ بَعْثِهِ أو نُبُوَّتِهِ أو نَحْوِ هَذا، وشُبِّهَ الشَرْعُ والهُدى بِالنُورِ إذِ القُلُوبُ تَسْتَضِيءُ بِهِ كَما يَسْتَضِيءُ البَصَرُ بِالنُورِ، و"المُفْلِحُونَ" مَعْناهُ: الفائِزُونَ بِبُغْيَتِهِمْ، وهَذا يَعُمُّ مَعانِيَ الفَلاحِ فَإنَّ مَن بَقِيَ فَقَدْ فازَ بِبُغْيَتِهِ.
الأعراف 7:158
قوله عزّ وجلّ:
﴿قُلْ يا أيُّها الناسُ إنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكم جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ لا إلَهَ إلا هو يُحْيِي ويُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ النَبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وكَلِماتِهِ واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٠]
(p-٦٦)هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ بِإشْهارِ الدَعْوَةِ والحَضِّ عَلى الدُخُولِ في الشَرْعِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا رَجّى الأُمَّةَ المُتَّبِعَةَ لِلنَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّتِي كَتَبَ لَهم رَحْمَتَهُ عَقَّبَ ذَلِكَ بِدُعاءِ الناسِ إلى الِاتِّباعِ الَّذِي تَحْصُلُ مَعَهُ تِلْكَ المَنازِلُ. وهَذِهِ الآيَةُ خاصَّةٌ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَيْنَ الرُسُلِ، فَإنَّ مُحَمَّدًا ﷺ بُعِثَ إلى الناسِ كافَّةً وإلى الجِنِّ، قالَهُ الحَسَنُ، وتَقْتَضِيهِ الأحادِيثُ، وكُلُّ نَبِيٍّ إنَّما بُعِثَ إلى فِرْقَةٍ دُونَ العُمُومِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا أُعْلِنَ بِالرِسالَةِ مِن عِنْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى أرْدَفَ بِصِفَةِ اللهِ الَّتِي تَقْتَضِي الإذْعانَ لَهُ وهي أنَّهُ مالِكُ السَمَواتِ والأرْضِ بِالخَلْقِ والإبْداعِ والإحْياءِ والإماتَةِ، لا إلَهَ إلّا هو ولا مَعْبُودَ سِواهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ﴾ الآيَةُ، هو الحَضُّ عَلى اتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ﴾ يُرِيدُ: الَّذِي يُصَدِّقُ ﴿بِاللهِ وكَلِماتِهِ﴾، والكَلِماتُ هُنا الآياتُ المُنَزَّلَةُ مِن عِنْدِهِ كالتَوْراةِ والإنْجِيلِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كَلِماتِهِ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "كَلِمَتِهِ" بِالإفْرادِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وآياتِهِ" بَدَلَ "كَلِماتِهِ"، وقالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: المُرادُ بِـ "كَلِماتِهِ" أو "كَلِمَتِهِ" عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ أيْ: عَلى طَمَعِكم وبِحَسَبِ ما تَرَوْنَهُ، وقَوْلُهُ: "واتَّبِعُوهُ" لَفْظٌ عامٌّ يَدْخُلُ تَحْتَهُ جَمِيعُ إلْزاماتِ الشَرِيعَةِ، جَعَلَنا اللهُ مِن مُتَّبِعِيهِ عَلى ما يَلْزَمُ بِمَنِّهِ ورَحْمَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسى﴾ الآيَةُ، "يَهْدُونَ" مَعْناهُ: يُرْشِدُونَ أنْفُسَهُمْ، وهَذا الكَلامُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ وصْفَ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى عَهْدِ مُوسى وما والاهُ مِنَ الزَمَنِ، فَأخْبَرَ أنَّهُ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ عَلى عُتُوِّهِمْ وخِلافِهِمْ مَنِ اهْتَدى واتَّقى وعَدَلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الجَماعَةَ الَّتِي آمَنَتْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِجْلابِ لِإيمانِ جَمِيعِهِمْ، ويُحْتَمَلُ ما رُوِيَ مِن أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا تَقَطَّعُوا مَرَّتْ أُمَّةٌ مِنهم واعْتَزَلَتْ ودَخَلَتْ تَحْتَ الأرْضِ فَمَشَتْ في سِرْبٍ تَحْتَ الأرْضِ سَنَةً ونِصْفَ سَنَةٍ حَتّى خَرَجُوا وراءَ الصِينِ، فَهم هُنالِكَ خَلْفَ وادٍ مِن شَهْدٍ يُقِيمُونَ الشَرْعَ ويَهْدُونَ بِالحَقِّ، قالَهُ السُدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ، ورُوِيَ بَعْضُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
(p-٦٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا حَدِيثٌ بَعِيدٌ، وقَرَأ بَعْضٌ مِنَ الناسِ: "وَقَطَّعْناهُمْ" بِشَدِّ الطاءِ، وقَرَأ أبُو حَيَوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَقَطَعْناهُمْ" بِتَخْفِيفِ الطاءِ، ورَواها أبانُ عن عاصِمٍ، ومَعْناهُ: فَرَّقْناهُمْ، مِنَ القَطْعِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عَشْرَةَ" بِسُكُونِ الشِينِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ بِخِلافِ: "عَشَرَةٍ" بِفَتْحِ الشِينِ، وقَرَأتْ هَذِهِ الجَماعَةُ أيْضًا، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وأبُو حَيَوَةَ: "عَشِرَةَ" بِكَسْرِ الشِينِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: والعَجَبُ أنَّ تَمِيمًا يُخَفِّفُونَ ما كانَ مِن هَذا الوَزْنِ، وأنَّ أهْلَ الحِجازِ يُشْبِعُونَ، وتَناقَضُوا في هَذا الحَرْفِ. وقَوْلُهُ: "أسْباطًا" بَدَلٌ مِنِ "اثْنَتَيْ". والتَمْيِيزُ الَّذِي بَيْنَ العَدَدِ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً أو قِطْعَةً أسْباطًا، وإمّا أنْ يَزُولَ عَنِ التَمْيِيزِ ويُقَدَّرَ: وقَطَّعْناهم فِرَقًا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، ثُمَّ أُبْدِلَ "أسْباطًا"، والأوَّلُ أحْسَنُ وأبْيَنُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "أسْباطًا" تَمْيِيزًا لِأنَّ التَمْيِيزَ لا يَكُونُ إلّا مُفْرَدًا نَكِرَةً، وأيْضًا فالسِبْطَ مُذَكَّرٌ وهو قَدْ عُدَّ مُؤَنَّثًا، عَلى أنَّ هَذِهِ العِلَّةَ لَوِ انْفَرَدَتْ لَمَنَعَتْ إذِ السِبْطُ بِمَعْنى الأُمَّةِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وقالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: لَمّا كانَ السِبْطُ بِمَعْنى الأُمَّةِ غَلَّبَ التَأْنِيثَ، وهو مِثْلُ قَوْلٍ الشاعِرِ:
؎ فَإنَّ كِلابًا هَذِهِ عَشْرُ أبْطُنٍ ∗∗∗ وأنْتَ بَرِيءٌ مِن قَبائِلِها العَشْرِ
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأغْفَلَ هَذا الكُوفِيُّ جَمْعَ الأسْباطِ وأنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ إنَّما كانَ يَجُوزُ لَوْ كانَ الكَلامُ: "اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سِبْطًا"، والسِبْطَ في ولَدِ إسْحاقَ كالقَبِيلَةِ في ولَدِ إسْماعِيلَ، وقَدْ قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: إنَّ السِبْطَ مِنَ السَبَطِ وهو شَجَرٌ. (p-٦٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما الأظْهَرُ فِيهِ عِبْرانِيٌّ عُرِّبَ.
الأعراف 7:159
قوله عزّ وجلّ:
﴿قُلْ يا أيُّها الناسُ إنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكم جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ لا إلَهَ إلا هو يُحْيِي ويُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ النَبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وكَلِماتِهِ واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٠]
(p-٦٦)هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ بِإشْهارِ الدَعْوَةِ والحَضِّ عَلى الدُخُولِ في الشَرْعِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا رَجّى الأُمَّةَ المُتَّبِعَةَ لِلنَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّتِي كَتَبَ لَهم رَحْمَتَهُ عَقَّبَ ذَلِكَ بِدُعاءِ الناسِ إلى الِاتِّباعِ الَّذِي تَحْصُلُ مَعَهُ تِلْكَ المَنازِلُ. وهَذِهِ الآيَةُ خاصَّةٌ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَيْنَ الرُسُلِ، فَإنَّ مُحَمَّدًا ﷺ بُعِثَ إلى الناسِ كافَّةً وإلى الجِنِّ، قالَهُ الحَسَنُ، وتَقْتَضِيهِ الأحادِيثُ، وكُلُّ نَبِيٍّ إنَّما بُعِثَ إلى فِرْقَةٍ دُونَ العُمُومِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا أُعْلِنَ بِالرِسالَةِ مِن عِنْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى أرْدَفَ بِصِفَةِ اللهِ الَّتِي تَقْتَضِي الإذْعانَ لَهُ وهي أنَّهُ مالِكُ السَمَواتِ والأرْضِ بِالخَلْقِ والإبْداعِ والإحْياءِ والإماتَةِ، لا إلَهَ إلّا هو ولا مَعْبُودَ سِواهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ﴾ الآيَةُ، هو الحَضُّ عَلى اتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ﴾ يُرِيدُ: الَّذِي يُصَدِّقُ ﴿بِاللهِ وكَلِماتِهِ﴾، والكَلِماتُ هُنا الآياتُ المُنَزَّلَةُ مِن عِنْدِهِ كالتَوْراةِ والإنْجِيلِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كَلِماتِهِ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "كَلِمَتِهِ" بِالإفْرادِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وآياتِهِ" بَدَلَ "كَلِماتِهِ"، وقالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: المُرادُ بِـ "كَلِماتِهِ" أو "كَلِمَتِهِ" عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ أيْ: عَلى طَمَعِكم وبِحَسَبِ ما تَرَوْنَهُ، وقَوْلُهُ: "واتَّبِعُوهُ" لَفْظٌ عامٌّ يَدْخُلُ تَحْتَهُ جَمِيعُ إلْزاماتِ الشَرِيعَةِ، جَعَلَنا اللهُ مِن مُتَّبِعِيهِ عَلى ما يَلْزَمُ بِمَنِّهِ ورَحْمَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسى﴾ الآيَةُ، "يَهْدُونَ" مَعْناهُ: يُرْشِدُونَ أنْفُسَهُمْ، وهَذا الكَلامُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ وصْفَ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى عَهْدِ مُوسى وما والاهُ مِنَ الزَمَنِ، فَأخْبَرَ أنَّهُ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ عَلى عُتُوِّهِمْ وخِلافِهِمْ مَنِ اهْتَدى واتَّقى وعَدَلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الجَماعَةَ الَّتِي آمَنَتْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِجْلابِ لِإيمانِ جَمِيعِهِمْ، ويُحْتَمَلُ ما رُوِيَ مِن أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا تَقَطَّعُوا مَرَّتْ أُمَّةٌ مِنهم واعْتَزَلَتْ ودَخَلَتْ تَحْتَ الأرْضِ فَمَشَتْ في سِرْبٍ تَحْتَ الأرْضِ سَنَةً ونِصْفَ سَنَةٍ حَتّى خَرَجُوا وراءَ الصِينِ، فَهم هُنالِكَ خَلْفَ وادٍ مِن شَهْدٍ يُقِيمُونَ الشَرْعَ ويَهْدُونَ بِالحَقِّ، قالَهُ السُدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ، ورُوِيَ بَعْضُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
(p-٦٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا حَدِيثٌ بَعِيدٌ، وقَرَأ بَعْضٌ مِنَ الناسِ: "وَقَطَّعْناهُمْ" بِشَدِّ الطاءِ، وقَرَأ أبُو حَيَوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَقَطَعْناهُمْ" بِتَخْفِيفِ الطاءِ، ورَواها أبانُ عن عاصِمٍ، ومَعْناهُ: فَرَّقْناهُمْ، مِنَ القَطْعِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عَشْرَةَ" بِسُكُونِ الشِينِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ بِخِلافِ: "عَشَرَةٍ" بِفَتْحِ الشِينِ، وقَرَأتْ هَذِهِ الجَماعَةُ أيْضًا، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وأبُو حَيَوَةَ: "عَشِرَةَ" بِكَسْرِ الشِينِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: والعَجَبُ أنَّ تَمِيمًا يُخَفِّفُونَ ما كانَ مِن هَذا الوَزْنِ، وأنَّ أهْلَ الحِجازِ يُشْبِعُونَ، وتَناقَضُوا في هَذا الحَرْفِ. وقَوْلُهُ: "أسْباطًا" بَدَلٌ مِنِ "اثْنَتَيْ". والتَمْيِيزُ الَّذِي بَيْنَ العَدَدِ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً أو قِطْعَةً أسْباطًا، وإمّا أنْ يَزُولَ عَنِ التَمْيِيزِ ويُقَدَّرَ: وقَطَّعْناهم فِرَقًا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، ثُمَّ أُبْدِلَ "أسْباطًا"، والأوَّلُ أحْسَنُ وأبْيَنُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "أسْباطًا" تَمْيِيزًا لِأنَّ التَمْيِيزَ لا يَكُونُ إلّا مُفْرَدًا نَكِرَةً، وأيْضًا فالسِبْطَ مُذَكَّرٌ وهو قَدْ عُدَّ مُؤَنَّثًا، عَلى أنَّ هَذِهِ العِلَّةَ لَوِ انْفَرَدَتْ لَمَنَعَتْ إذِ السِبْطُ بِمَعْنى الأُمَّةِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وقالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: لَمّا كانَ السِبْطُ بِمَعْنى الأُمَّةِ غَلَّبَ التَأْنِيثَ، وهو مِثْلُ قَوْلٍ الشاعِرِ:
؎ فَإنَّ كِلابًا هَذِهِ عَشْرُ أبْطُنٍ ∗∗∗ وأنْتَ بَرِيءٌ مِن قَبائِلِها العَشْرِ
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأغْفَلَ هَذا الكُوفِيُّ جَمْعَ الأسْباطِ وأنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ إنَّما كانَ يَجُوزُ لَوْ كانَ الكَلامُ: "اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سِبْطًا"، والسِبْطَ في ولَدِ إسْحاقَ كالقَبِيلَةِ في ولَدِ إسْماعِيلَ، وقَدْ قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: إنَّ السِبْطَ مِنَ السَبَطِ وهو شَجَرٌ. (p-٦٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما الأظْهَرُ فِيهِ عِبْرانِيٌّ عُرِّبَ.
الأعراف 7:160
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَأوحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْبَجَسَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهم وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾
قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ أمْرُ الحَجَرِ والِاسْتِسْقاءِ، وأيْنَ كانَ، وأمْرُ التَظْلِيلِ وإنْزالِ المَنِّ والسَلْوى، وذَكَرْنا ذَلِكَ بِما يُغْنِي عن إعادَتِهِ هاهُنا.
و"فانْبَجَسَتْ" مَعْناهُ: انْفَجَرَتْ إلّا أنَّ الِانْبِجاسَ أخَفُّ مِنَ الِانْفِجارِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعِيسى الهَمْدانِيُّ: "كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ" بِتَوْحِيدِ الضَمِيرِ.
الأعراف 7:161
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾
والمَعْنى: واذْكُرْ إذْ قِيلَ لَهُمْ، والمُرادُ مَن سَلَفَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا خَرَجُوا مِنَ التِيهِ قِيلَ لَهُمُ:اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ، والقَرْيَةُ في كَلامِ العَرَبِ: المَدِينَةُ مُجْتَمَعُ المَنازِلِ، والإشارَةُ هُنا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ.
قالَهُ الطَبَرِيُّ. وقِيلَ: إلى أرِيحا، و﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ أيْ: هي ونِعَمُها لَكم مُباحَةٌ. وقَرَأ السَبْعَةُ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "حِطَّةٌ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "حِطَّةً" بِالنَصْبِ، الرَفْعُ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: طَلَبُنا (p-٦٩)حِطَّةٌ، والنَصْبُ عَلى المَصْدَرِ، أيْ حُطَّ ذُنُوبَنا حِطَّةً، وهَذا عَلى أنْ يُكَلِّفُوا قَوْلَ لَفْظَةٍ مَعْناها: حِطَّةٌ. وقَدْ قالَ قَوْمٌ: كُلِّفُوا قَوْلًا حَسَنًا مُضَمَّنُهُ الإيمانُ وشُكْرُ اللهِ لِيَكُونَ حِطَّةً لِذُنُوبِهِمْ، فالكَلامُ -عَلى هَذا- كَقَوْلِكَ: قُلْ خَيْرًا. وتَوْفِيَةُ هَذا مَذْكُورٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نَغْفِرْ" بِالنُونِ "لَكم خَطِيئاتِكُمْ" بِالتاءِ مَهْمُوزًا عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "نَغْفِرْ" بِالنُونِ "لَكم خَطاياكُمْ" نَحْوُ "قَضاياكُمْ"، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ والأعْمَشُ، وقَرَأ نافِعٌ: "تُغْفَرْ" بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ "لَكم خَطِيئاتُكُمْ" بِالهَمْزِ وضَمِّ التاءِ عَلى الجَمْعِ، ورَواها مَحْبُوبٌ عن أبِي عَمْرٍو.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "تُغْفَرْ" بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ "لَكم خَطِيئَتُكُمْ" واحِدَةً مَهْمُوزَةً مَرْفُوعَةً، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأها الأعْرَجُ وفِرْقَةٌ "تَغْفِرْ" بِالتاءِ وفَتَحَها عَلى مَعْنى أنَّ الحِطَّةَ تَغْفِرُ إذْ هي سَبَبُ الغُفْرانِ.
و"بَدَّلَ" مَعْناهُ: غَيَّرَ اللَفْظَ دُونَ أنْ يَذْهَبَ بِجَمِيعِهِ، وأبْدَلَ: إذا ذَهَبَ بِهِ وجاءَ بِلَفْظٍ آخَرَ، والإشارَةُ بِالقَوْلِ إلى قَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ: "حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ أو حِنْطَةٌ في شُعَيْرَةٍ"، والرِجْزِ الَّذِي أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ: طاعُونٌ، يُقالُ: ماتَ مِنهُ في يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وتَقَدَّمَ أيْضًا اسْتِيعابُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ الآيَةُ، قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إنَّ اليَهُودَ المُعارِضِينَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ قالُوا: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عِصْيانٌ ولا مُعانَدَةٌ لِما أمَرُوا بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُوَبِّخَةً لَهم ومُقَرِّرَةً ما كانَ مِن فِعْلِ أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ، فَسُؤالُهم إنَّما كانَ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، والقَرْيَةُ هُنا: مَدْيَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقِيلَ: أيْلَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ، وعِكْرِمَةُ، والسُدِّيُّ، والثَوْرِيُّ. وقالَ قَتادَةُ هي "مُقْنا" بِالقافِ ساكِنَةً، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ هي مَقْناةُ (p-٧٠)ساحِلُ مَدْيَنَ، ويُقالُ فِيها مَغْنى بِالغَيْنِ مَفْتُوحَةً ونُونٍ مُشَدَّدَةً، وقِيلَ: هي طَبَرِيَّةُ، قالَهُ الزُهْرِيُّ، و"حاضِرَةَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَعْنى الحُضُورِ" أيِ:البَحْرُ فِيها حاضِرٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَعْنى الحَضارَةِ عَلى جِهَةِ التَعْظِيمِ لَها، أيْ هي الحاضِرَةُ في مُدُنِ البَحْرِ. و"إذْ يَعْدُونَ" مَعْناهُ: يُخالِفُونَ الشَرْعَ، مِن عَدا يَعْدُو. وقَرَأ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وأبُو نُهَيْكٍ: "يَعَدُّونَ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: أرادَ "يَعْتَدُونَ" فَأسْكَنِ التاءَ لِيُدْغِمَها في الدالِ، ونَقَلَ فَتْحَها إلى العَيْنِ فَصارَ "يَعَدُّونَ" بِفَتْحِ العَيْنِ وشَدِّ الدالِ المَضْمُومَةِ، والِاعْتِداءُ مِنهم في السَبْتِ هو نَفْسُ العَمَلِ والِاشْتِغالِ كانَ صَيْدًا أو غَيْرَهُ، إلّا أنَّهُ كانَ في هَذِهِ النازِلَةِ بِالصَيْدِ، وكانَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ ابْتَلاهم في أمْرِ الحُوتِ بِأنْ يَغِيبَ عنهم سائِرَ الجُمْعَةِ فَإذا كانَ يَوْمُ السَبْتِ جاءَهم في الماءِ شارِعًا، أيْ مُقْبِلًا إلَيْهِمْ مُصْطَفًّا، كَما تَقُولُ: أُشْرِعَتِ الرِماحُ إذا مُدَّتْ مُصْطَفَّةً، وهَذا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ مِنَ الحُوتِ بِإرْسالٍ مِنَ اللهِ كَإرْسالِ السَحابِ، أو بِوَحْيٍ وإلْهامٍ كالوَحْيِ إلى النَحْلِ، أو بِإشْعارٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى نَحْوِ ما يُشْعِرُ اللهُ الدَوابَّ يَوْمَ الجُمْعَةِ بِأمْرِ الساعَةِ حَسَبَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "ما مِن دابَّةٍ إلّا وهي مُصِيخَةٌ يَوْمَ الجُمْعَةِ حَتّى تَطْلُعَ الشَمْسُ فَرَقًا مِنَ الساعَةِ"»، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الحُوتِ شُعُورًا بِالسَلامَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى نَحْوِ شُعُورِ حَمامِ الحَرَمِ بِالسَلامَةِ.
قالَ رُواةُ هَذا القَصَصِ: فَيَقْرُبُ الحُوتُ ويَكْثُرُ حَتّى يُمْكِنَ أخْذُهُ بِاليَدِ، فَإذا كانَ لَيْلَةَ الأحَدِ غابَ بِجُمْلَتِهِ، وقِيلَ: غابَتْ كَثْرَتُهُ ولَمْ يَبْقَ مِنهُ إلّا القَلِيلُ الَّذِي يُتْعِبُ صَيْدُهُ، قالَ قَتادَةُ: فَفَتَنَهم ذَلِكَ وأضَرَّ بِهِمْ فَتَطَرَّقُوا إلى المَعْصِيَةِ بِأنْ حَفَرُوا حُفَرًا يَخْرُجُ إلَيْها ماءُ البَحْرِ عَلى أُخْدُودٍ، فَإذا جاءَ الحُوتُ يَوْمَ السَبْتِ وحَصَلَ في الحُفْرَةِ ألْقَوْا في الأُخْدُودِ حَجَرًا فَمَنَعُوهُ الخُرُوجَ إلى البَحْرِ فَإذا كانَ الأحَدُ أخَذُوهُ، فَكانَ هَذا أوَّلَ التَطَرُّقِ.
ورَوى أشْهَبُ عن مالِكٍ قالَ: زَعَمَ ابْنُ رُومانَ أنَّهم كانُوا يَأْخُذُ الرَجُلُ خَيْطًا ويَصْنَعُ فِيهِ وهْقَةً وألْقاها في ذَنَبِ الحُوتِ، وفي الطَرَفِ الآخَرِ مِنَ الخَيْطِ وتَدٌ مَضْرُوبٌ، وتَرَكَهُ كَذَلِكَ إلى الأحَدِ، ثُمَّ تَطَرَّقَ الناسُ حِينَ رَأوا مَن صَنَعَ هَذا لا يُبْتَلى حَتّى كَثُرَ (p-٧١)صَيْدُ الحُوتِ ومُشِيَ بِهِ في الأسْواقِ، وأعْلَنَ الفَسَقَةُ بِصَيْدِهِ وقالُوا: ذَهَبَتْ حُرْمَةُ السَبْتِ، فَنَهَضَتْ فِرْقَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ونَهَتْ وجاهَرَتْ بِالنَهْيِ واعْتَزَلَتْ، والعامِلُ في قَوْلِهِ: "وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ" قَوْلُهُ: "لا تَأْتِيهِمْ" وهو ظَرْفٌ مُقَدَّمٌ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: "حِيتانُهم يَوْمَ إسْباتِهِمْ"، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والناسُ: "يَسْبِتُونَ" بِكَسْرِ الباءِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، وعاصِمٌ بِخِلافٍ: "يَسْبُتُونَ" بِضَمِّها، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وعاصِمٌ بِخِلافٍ "يُسْبِتُونَ" مِن أسَبَتَ إذا دَخَلَ في السَبْتِ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: "كَذَلِكَ" الإشارَةُ إلى أمْرِ الحُوتِ وفِتْنَتِهِمْ بِهِ، هَذا عَلى مَن وقَفَ عَلى "تَأْتِيهِمْ"، ومَن وقَفَ عَلى "كَذَلِكَ" فالإشارَةُ إلى كَثْرَةِ الحِيتانِ شُرَّعًا، أيْ: فَما أتى مِنها فَهو قَلِيلٌ، و"نَبْلُوهُمْ" أيْ نَمْتَحِنُهم لِفِسْقِهِمْ وعِصْيانِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ رِوايَةٌ وتَطْوِيلٌ اخْتَصَرْتُهُ واقْتَصَرْتُ مِنهُ عَلى ما لا تُفْهَمُ ألْفاظُ الآيَةِ إلّا بِهِ.
الأعراف 7:162
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾
والمَعْنى: واذْكُرْ إذْ قِيلَ لَهُمْ، والمُرادُ مَن سَلَفَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا خَرَجُوا مِنَ التِيهِ قِيلَ لَهُمُ:اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ، والقَرْيَةُ في كَلامِ العَرَبِ: المَدِينَةُ مُجْتَمَعُ المَنازِلِ، والإشارَةُ هُنا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ.
قالَهُ الطَبَرِيُّ. وقِيلَ: إلى أرِيحا، و﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ أيْ: هي ونِعَمُها لَكم مُباحَةٌ. وقَرَأ السَبْعَةُ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "حِطَّةٌ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "حِطَّةً" بِالنَصْبِ، الرَفْعُ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: طَلَبُنا (p-٦٩)حِطَّةٌ، والنَصْبُ عَلى المَصْدَرِ، أيْ حُطَّ ذُنُوبَنا حِطَّةً، وهَذا عَلى أنْ يُكَلِّفُوا قَوْلَ لَفْظَةٍ مَعْناها: حِطَّةٌ. وقَدْ قالَ قَوْمٌ: كُلِّفُوا قَوْلًا حَسَنًا مُضَمَّنُهُ الإيمانُ وشُكْرُ اللهِ لِيَكُونَ حِطَّةً لِذُنُوبِهِمْ، فالكَلامُ -عَلى هَذا- كَقَوْلِكَ: قُلْ خَيْرًا. وتَوْفِيَةُ هَذا مَذْكُورٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نَغْفِرْ" بِالنُونِ "لَكم خَطِيئاتِكُمْ" بِالتاءِ مَهْمُوزًا عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "نَغْفِرْ" بِالنُونِ "لَكم خَطاياكُمْ" نَحْوُ "قَضاياكُمْ"، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ والأعْمَشُ، وقَرَأ نافِعٌ: "تُغْفَرْ" بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ "لَكم خَطِيئاتُكُمْ" بِالهَمْزِ وضَمِّ التاءِ عَلى الجَمْعِ، ورَواها مَحْبُوبٌ عن أبِي عَمْرٍو.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "تُغْفَرْ" بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ "لَكم خَطِيئَتُكُمْ" واحِدَةً مَهْمُوزَةً مَرْفُوعَةً، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأها الأعْرَجُ وفِرْقَةٌ "تَغْفِرْ" بِالتاءِ وفَتَحَها عَلى مَعْنى أنَّ الحِطَّةَ تَغْفِرُ إذْ هي سَبَبُ الغُفْرانِ.
و"بَدَّلَ" مَعْناهُ: غَيَّرَ اللَفْظَ دُونَ أنْ يَذْهَبَ بِجَمِيعِهِ، وأبْدَلَ: إذا ذَهَبَ بِهِ وجاءَ بِلَفْظٍ آخَرَ، والإشارَةُ بِالقَوْلِ إلى قَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ: "حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ أو حِنْطَةٌ في شُعَيْرَةٍ"، والرِجْزِ الَّذِي أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ: طاعُونٌ، يُقالُ: ماتَ مِنهُ في يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وتَقَدَّمَ أيْضًا اسْتِيعابُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ الآيَةُ، قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إنَّ اليَهُودَ المُعارِضِينَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ قالُوا: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عِصْيانٌ ولا مُعانَدَةٌ لِما أمَرُوا بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُوَبِّخَةً لَهم ومُقَرِّرَةً ما كانَ مِن فِعْلِ أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ، فَسُؤالُهم إنَّما كانَ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، والقَرْيَةُ هُنا: مَدْيَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقِيلَ: أيْلَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ، وعِكْرِمَةُ، والسُدِّيُّ، والثَوْرِيُّ. وقالَ قَتادَةُ هي "مُقْنا" بِالقافِ ساكِنَةً، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ هي مَقْناةُ (p-٧٠)ساحِلُ مَدْيَنَ، ويُقالُ فِيها مَغْنى بِالغَيْنِ مَفْتُوحَةً ونُونٍ مُشَدَّدَةً، وقِيلَ: هي طَبَرِيَّةُ، قالَهُ الزُهْرِيُّ، و"حاضِرَةَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَعْنى الحُضُورِ" أيِ:البَحْرُ فِيها حاضِرٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَعْنى الحَضارَةِ عَلى جِهَةِ التَعْظِيمِ لَها، أيْ هي الحاضِرَةُ في مُدُنِ البَحْرِ. و"إذْ يَعْدُونَ" مَعْناهُ: يُخالِفُونَ الشَرْعَ، مِن عَدا يَعْدُو. وقَرَأ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وأبُو نُهَيْكٍ: "يَعَدُّونَ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: أرادَ "يَعْتَدُونَ" فَأسْكَنِ التاءَ لِيُدْغِمَها في الدالِ، ونَقَلَ فَتْحَها إلى العَيْنِ فَصارَ "يَعَدُّونَ" بِفَتْحِ العَيْنِ وشَدِّ الدالِ المَضْمُومَةِ، والِاعْتِداءُ مِنهم في السَبْتِ هو نَفْسُ العَمَلِ والِاشْتِغالِ كانَ صَيْدًا أو غَيْرَهُ، إلّا أنَّهُ كانَ في هَذِهِ النازِلَةِ بِالصَيْدِ، وكانَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ ابْتَلاهم في أمْرِ الحُوتِ بِأنْ يَغِيبَ عنهم سائِرَ الجُمْعَةِ فَإذا كانَ يَوْمُ السَبْتِ جاءَهم في الماءِ شارِعًا، أيْ مُقْبِلًا إلَيْهِمْ مُصْطَفًّا، كَما تَقُولُ: أُشْرِعَتِ الرِماحُ إذا مُدَّتْ مُصْطَفَّةً، وهَذا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ مِنَ الحُوتِ بِإرْسالٍ مِنَ اللهِ كَإرْسالِ السَحابِ، أو بِوَحْيٍ وإلْهامٍ كالوَحْيِ إلى النَحْلِ، أو بِإشْعارٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى نَحْوِ ما يُشْعِرُ اللهُ الدَوابَّ يَوْمَ الجُمْعَةِ بِأمْرِ الساعَةِ حَسَبَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "ما مِن دابَّةٍ إلّا وهي مُصِيخَةٌ يَوْمَ الجُمْعَةِ حَتّى تَطْلُعَ الشَمْسُ فَرَقًا مِنَ الساعَةِ"»، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الحُوتِ شُعُورًا بِالسَلامَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى نَحْوِ شُعُورِ حَمامِ الحَرَمِ بِالسَلامَةِ.
قالَ رُواةُ هَذا القَصَصِ: فَيَقْرُبُ الحُوتُ ويَكْثُرُ حَتّى يُمْكِنَ أخْذُهُ بِاليَدِ، فَإذا كانَ لَيْلَةَ الأحَدِ غابَ بِجُمْلَتِهِ، وقِيلَ: غابَتْ كَثْرَتُهُ ولَمْ يَبْقَ مِنهُ إلّا القَلِيلُ الَّذِي يُتْعِبُ صَيْدُهُ، قالَ قَتادَةُ: فَفَتَنَهم ذَلِكَ وأضَرَّ بِهِمْ فَتَطَرَّقُوا إلى المَعْصِيَةِ بِأنْ حَفَرُوا حُفَرًا يَخْرُجُ إلَيْها ماءُ البَحْرِ عَلى أُخْدُودٍ، فَإذا جاءَ الحُوتُ يَوْمَ السَبْتِ وحَصَلَ في الحُفْرَةِ ألْقَوْا في الأُخْدُودِ حَجَرًا فَمَنَعُوهُ الخُرُوجَ إلى البَحْرِ فَإذا كانَ الأحَدُ أخَذُوهُ، فَكانَ هَذا أوَّلَ التَطَرُّقِ.
ورَوى أشْهَبُ عن مالِكٍ قالَ: زَعَمَ ابْنُ رُومانَ أنَّهم كانُوا يَأْخُذُ الرَجُلُ خَيْطًا ويَصْنَعُ فِيهِ وهْقَةً وألْقاها في ذَنَبِ الحُوتِ، وفي الطَرَفِ الآخَرِ مِنَ الخَيْطِ وتَدٌ مَضْرُوبٌ، وتَرَكَهُ كَذَلِكَ إلى الأحَدِ، ثُمَّ تَطَرَّقَ الناسُ حِينَ رَأوا مَن صَنَعَ هَذا لا يُبْتَلى حَتّى كَثُرَ (p-٧١)صَيْدُ الحُوتِ ومُشِيَ بِهِ في الأسْواقِ، وأعْلَنَ الفَسَقَةُ بِصَيْدِهِ وقالُوا: ذَهَبَتْ حُرْمَةُ السَبْتِ، فَنَهَضَتْ فِرْقَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ونَهَتْ وجاهَرَتْ بِالنَهْيِ واعْتَزَلَتْ، والعامِلُ في قَوْلِهِ: "وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ" قَوْلُهُ: "لا تَأْتِيهِمْ" وهو ظَرْفٌ مُقَدَّمٌ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: "حِيتانُهم يَوْمَ إسْباتِهِمْ"، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والناسُ: "يَسْبِتُونَ" بِكَسْرِ الباءِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، وعاصِمٌ بِخِلافٍ: "يَسْبُتُونَ" بِضَمِّها، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وعاصِمٌ بِخِلافٍ "يُسْبِتُونَ" مِن أسَبَتَ إذا دَخَلَ في السَبْتِ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: "كَذَلِكَ" الإشارَةُ إلى أمْرِ الحُوتِ وفِتْنَتِهِمْ بِهِ، هَذا عَلى مَن وقَفَ عَلى "تَأْتِيهِمْ"، ومَن وقَفَ عَلى "كَذَلِكَ" فالإشارَةُ إلى كَثْرَةِ الحِيتانِ شُرَّعًا، أيْ: فَما أتى مِنها فَهو قَلِيلٌ، و"نَبْلُوهُمْ" أيْ نَمْتَحِنُهم لِفِسْقِهِمْ وعِصْيانِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ رِوايَةٌ وتَطْوِيلٌ اخْتَصَرْتُهُ واقْتَصَرْتُ مِنهُ عَلى ما لا تُفْهَمُ ألْفاظُ الآيَةِ إلّا بِهِ.
الأعراف 7:163
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾
والمَعْنى: واذْكُرْ إذْ قِيلَ لَهُمْ، والمُرادُ مَن سَلَفَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا خَرَجُوا مِنَ التِيهِ قِيلَ لَهُمُ:اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ، والقَرْيَةُ في كَلامِ العَرَبِ: المَدِينَةُ مُجْتَمَعُ المَنازِلِ، والإشارَةُ هُنا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ.
قالَهُ الطَبَرِيُّ. وقِيلَ: إلى أرِيحا، و﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ أيْ: هي ونِعَمُها لَكم مُباحَةٌ. وقَرَأ السَبْعَةُ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "حِطَّةٌ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "حِطَّةً" بِالنَصْبِ، الرَفْعُ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: طَلَبُنا (p-٦٩)حِطَّةٌ، والنَصْبُ عَلى المَصْدَرِ، أيْ حُطَّ ذُنُوبَنا حِطَّةً، وهَذا عَلى أنْ يُكَلِّفُوا قَوْلَ لَفْظَةٍ مَعْناها: حِطَّةٌ. وقَدْ قالَ قَوْمٌ: كُلِّفُوا قَوْلًا حَسَنًا مُضَمَّنُهُ الإيمانُ وشُكْرُ اللهِ لِيَكُونَ حِطَّةً لِذُنُوبِهِمْ، فالكَلامُ -عَلى هَذا- كَقَوْلِكَ: قُلْ خَيْرًا. وتَوْفِيَةُ هَذا مَذْكُورٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نَغْفِرْ" بِالنُونِ "لَكم خَطِيئاتِكُمْ" بِالتاءِ مَهْمُوزًا عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "نَغْفِرْ" بِالنُونِ "لَكم خَطاياكُمْ" نَحْوُ "قَضاياكُمْ"، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ والأعْمَشُ، وقَرَأ نافِعٌ: "تُغْفَرْ" بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ "لَكم خَطِيئاتُكُمْ" بِالهَمْزِ وضَمِّ التاءِ عَلى الجَمْعِ، ورَواها مَحْبُوبٌ عن أبِي عَمْرٍو.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "تُغْفَرْ" بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ "لَكم خَطِيئَتُكُمْ" واحِدَةً مَهْمُوزَةً مَرْفُوعَةً، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأها الأعْرَجُ وفِرْقَةٌ "تَغْفِرْ" بِالتاءِ وفَتَحَها عَلى مَعْنى أنَّ الحِطَّةَ تَغْفِرُ إذْ هي سَبَبُ الغُفْرانِ.
و"بَدَّلَ" مَعْناهُ: غَيَّرَ اللَفْظَ دُونَ أنْ يَذْهَبَ بِجَمِيعِهِ، وأبْدَلَ: إذا ذَهَبَ بِهِ وجاءَ بِلَفْظٍ آخَرَ، والإشارَةُ بِالقَوْلِ إلى قَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ: "حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ أو حِنْطَةٌ في شُعَيْرَةٍ"، والرِجْزِ الَّذِي أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ: طاعُونٌ، يُقالُ: ماتَ مِنهُ في يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وتَقَدَّمَ أيْضًا اسْتِيعابُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ الآيَةُ، قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إنَّ اليَهُودَ المُعارِضِينَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ قالُوا: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عِصْيانٌ ولا مُعانَدَةٌ لِما أمَرُوا بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُوَبِّخَةً لَهم ومُقَرِّرَةً ما كانَ مِن فِعْلِ أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ، فَسُؤالُهم إنَّما كانَ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، والقَرْيَةُ هُنا: مَدْيَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقِيلَ: أيْلَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ، وعِكْرِمَةُ، والسُدِّيُّ، والثَوْرِيُّ. وقالَ قَتادَةُ هي "مُقْنا" بِالقافِ ساكِنَةً، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ هي مَقْناةُ (p-٧٠)ساحِلُ مَدْيَنَ، ويُقالُ فِيها مَغْنى بِالغَيْنِ مَفْتُوحَةً ونُونٍ مُشَدَّدَةً، وقِيلَ: هي طَبَرِيَّةُ، قالَهُ الزُهْرِيُّ، و"حاضِرَةَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَعْنى الحُضُورِ" أيِ:البَحْرُ فِيها حاضِرٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَعْنى الحَضارَةِ عَلى جِهَةِ التَعْظِيمِ لَها، أيْ هي الحاضِرَةُ في مُدُنِ البَحْرِ. و"إذْ يَعْدُونَ" مَعْناهُ: يُخالِفُونَ الشَرْعَ، مِن عَدا يَعْدُو. وقَرَأ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وأبُو نُهَيْكٍ: "يَعَدُّونَ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: أرادَ "يَعْتَدُونَ" فَأسْكَنِ التاءَ لِيُدْغِمَها في الدالِ، ونَقَلَ فَتْحَها إلى العَيْنِ فَصارَ "يَعَدُّونَ" بِفَتْحِ العَيْنِ وشَدِّ الدالِ المَضْمُومَةِ، والِاعْتِداءُ مِنهم في السَبْتِ هو نَفْسُ العَمَلِ والِاشْتِغالِ كانَ صَيْدًا أو غَيْرَهُ، إلّا أنَّهُ كانَ في هَذِهِ النازِلَةِ بِالصَيْدِ، وكانَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ ابْتَلاهم في أمْرِ الحُوتِ بِأنْ يَغِيبَ عنهم سائِرَ الجُمْعَةِ فَإذا كانَ يَوْمُ السَبْتِ جاءَهم في الماءِ شارِعًا، أيْ مُقْبِلًا إلَيْهِمْ مُصْطَفًّا، كَما تَقُولُ: أُشْرِعَتِ الرِماحُ إذا مُدَّتْ مُصْطَفَّةً، وهَذا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ مِنَ الحُوتِ بِإرْسالٍ مِنَ اللهِ كَإرْسالِ السَحابِ، أو بِوَحْيٍ وإلْهامٍ كالوَحْيِ إلى النَحْلِ، أو بِإشْعارٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى نَحْوِ ما يُشْعِرُ اللهُ الدَوابَّ يَوْمَ الجُمْعَةِ بِأمْرِ الساعَةِ حَسَبَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "ما مِن دابَّةٍ إلّا وهي مُصِيخَةٌ يَوْمَ الجُمْعَةِ حَتّى تَطْلُعَ الشَمْسُ فَرَقًا مِنَ الساعَةِ"»، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الحُوتِ شُعُورًا بِالسَلامَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى نَحْوِ شُعُورِ حَمامِ الحَرَمِ بِالسَلامَةِ.
قالَ رُواةُ هَذا القَصَصِ: فَيَقْرُبُ الحُوتُ ويَكْثُرُ حَتّى يُمْكِنَ أخْذُهُ بِاليَدِ، فَإذا كانَ لَيْلَةَ الأحَدِ غابَ بِجُمْلَتِهِ، وقِيلَ: غابَتْ كَثْرَتُهُ ولَمْ يَبْقَ مِنهُ إلّا القَلِيلُ الَّذِي يُتْعِبُ صَيْدُهُ، قالَ قَتادَةُ: فَفَتَنَهم ذَلِكَ وأضَرَّ بِهِمْ فَتَطَرَّقُوا إلى المَعْصِيَةِ بِأنْ حَفَرُوا حُفَرًا يَخْرُجُ إلَيْها ماءُ البَحْرِ عَلى أُخْدُودٍ، فَإذا جاءَ الحُوتُ يَوْمَ السَبْتِ وحَصَلَ في الحُفْرَةِ ألْقَوْا في الأُخْدُودِ حَجَرًا فَمَنَعُوهُ الخُرُوجَ إلى البَحْرِ فَإذا كانَ الأحَدُ أخَذُوهُ، فَكانَ هَذا أوَّلَ التَطَرُّقِ.
ورَوى أشْهَبُ عن مالِكٍ قالَ: زَعَمَ ابْنُ رُومانَ أنَّهم كانُوا يَأْخُذُ الرَجُلُ خَيْطًا ويَصْنَعُ فِيهِ وهْقَةً وألْقاها في ذَنَبِ الحُوتِ، وفي الطَرَفِ الآخَرِ مِنَ الخَيْطِ وتَدٌ مَضْرُوبٌ، وتَرَكَهُ كَذَلِكَ إلى الأحَدِ، ثُمَّ تَطَرَّقَ الناسُ حِينَ رَأوا مَن صَنَعَ هَذا لا يُبْتَلى حَتّى كَثُرَ (p-٧١)صَيْدُ الحُوتِ ومُشِيَ بِهِ في الأسْواقِ، وأعْلَنَ الفَسَقَةُ بِصَيْدِهِ وقالُوا: ذَهَبَتْ حُرْمَةُ السَبْتِ، فَنَهَضَتْ فِرْقَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ونَهَتْ وجاهَرَتْ بِالنَهْيِ واعْتَزَلَتْ، والعامِلُ في قَوْلِهِ: "وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ" قَوْلُهُ: "لا تَأْتِيهِمْ" وهو ظَرْفٌ مُقَدَّمٌ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: "حِيتانُهم يَوْمَ إسْباتِهِمْ"، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والناسُ: "يَسْبِتُونَ" بِكَسْرِ الباءِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، وعاصِمٌ بِخِلافٍ: "يَسْبُتُونَ" بِضَمِّها، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وعاصِمٌ بِخِلافٍ "يُسْبِتُونَ" مِن أسَبَتَ إذا دَخَلَ في السَبْتِ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: "كَذَلِكَ" الإشارَةُ إلى أمْرِ الحُوتِ وفِتْنَتِهِمْ بِهِ، هَذا عَلى مَن وقَفَ عَلى "تَأْتِيهِمْ"، ومَن وقَفَ عَلى "كَذَلِكَ" فالإشارَةُ إلى كَثْرَةِ الحِيتانِ شُرَّعًا، أيْ: فَما أتى مِنها فَهو قَلِيلٌ، و"نَبْلُوهُمْ" أيْ نَمْتَحِنُهم لِفِسْقِهِمْ وعِصْيانِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ رِوايَةٌ وتَطْوِيلٌ اخْتَصَرْتُهُ واقْتَصَرْتُ مِنهُ عَلى ما لا تُفْهَمُ ألْفاظُ الآيَةِ إلّا بِهِ.
الأعراف 7:164
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهم أو مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا عَتَوْا عن ما نُهُوا عنهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾
قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ افْتَرَقَتْ ثَلاثَ فِرَقٍ، فِرْقَةٍ عَصَتْ وصادَتْ، وفِرْقَةٍ نَهَتْ وجاهَرَتْ وتَكَلَّمَتْ واعْتَزَلَتْ، وفِرْقَةٍ اعْتَزَلَتْ ولَمْ تَعْصِ ولَمْ تَنْهَ، وإنَّ هَذِهِ الفِرْقَةَ لِما رَأتْ مُجاهَرَةَ الناهِيَةِ وطُغْيانَ العاصِيَةِ وعُتُوَّها قالَتْ لِلنّاهِيَةِ "لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا" يُرِيدُونَ العاصِيَةَ "اللهُ مُهْلِكُهم أو مُعَذِّبُهُمْ" عَلى غَلَبَةِ الظَنِّ وما عُهِدَ مِن فِعْلِ اللهِ حِينَئِذٍ بِالأُمَمِ العاصِيَةِ، فَقالَتِ الناهِيَةُ" مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةً إلى اللهِ، ثُمَّ اخْتُلِفَ بَعْدَ هَذا فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ الطائِفَةَ الَّتِي لَمْ تَعْصِ ولَمْ تَنْهَ هَلَكَتْ مَعَ العاصِيَةِ عُقُوبَةً عَلى تَرْكِ النَهْيِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ أيْضًا: ما أدْرِي ما فُعِلَ بِهِمْ. وقالَتْ فِرْقَةٌ بَلْ نَجَتْ مَعَ الناهِيَةِ لِأنَّها لَمْ تَعْصِ ولا رَضِيَتْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ والحَسَنُ وغَيْرُهُما، وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ (p-٧٢)فِيما أسْنَدَ عنهُ الطَبَرِيُّ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ تَفْتَرِقْ إلّا فِرْقَتَيْنِ، فَرِقَّةً عَصَتْ وجاهَرَتْ، وفِرْقَةً نَهَتْ وغَيَّرَتْ واعْتَزَلَتْ، وقالَتْ لِلْعاصِيَةِ: إنَّ اللهَ يُهْلِكُهم ويُعَذِّبُهُمْ، فَقالَتْ أُمَّةٌ مِنَ العاصِينَ لِلنّاهِينَ -عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ-: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا قَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ اللهَ مُهْلِكُهم أو مُعَذِّبُهُمْ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والقَوْلُ الأوَّلُ أصْوَبُ، وتُؤَيِّدُهُ الضَمائِرُ في قَوْلِهِ: "إلى رَبِّكم ولَعَلَّهُمْ" فَهَذِهِ المُخاطَبَةُ تَقْتَضِي مُخاطِبًا ومُخاطَبًا ومَكْنِيًّا عنهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "مَعْذِرَةٌ" بِالرَفْعِ، أيْ: مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةٌ أيْ إقامَةُ عُذْرٍ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ- وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "مَعْذِرَةً" بِالنَصْبِ، أيْ: وعَظْنا مَعْذِرَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ: حُجَّتُها أنْ سِيبَوَيْهِ قالَ: لَوْ قالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ مَعْذِرَةً إلى اللهِ وإلَيْكَ مِن كَذا لَنَصَبَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
الرَجُلُ القائِلُ في هَذا المِثالِ مُعْتَذِرٌ عن نَفْسِهِ ولَيْسَ كَذَلِكَ الناهُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَتَأمَّلْ. ومَعْنى "مُهْلِكُهُمْ" في الدُنْيا أو "مُعَذِّبُهُمْ" في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لَعَلَّهم يَتَّقُونَ" يَقْتَضِي التَرَجِّيَ المَحْضَ لِأنَّهُ مِن قَوْلِ آدَمِيِّينَ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "نَسُوا" لِلْمَنهِيِّينَ، وهو تَرْكٌ سُمِّيَ نِسْيانًا إذْ أقْوى مَنازِلِ التَرْكِ أنْ يَنْسى المَتْرُوكُ. و"ما" في قَوْلِهِ: "ما ذُكِّرُوا بِهِ" مَعْنى الَّذِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الذِكْرُ نَفْسُهُ، ويُحْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِ ما كانَ فِيهِ الذِكْرُ، والسُوءُ لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ المَعاصِي إلّا أنَّ الَّذِي يَخْتَصُّ هُنا بِحَسِبِ قَصَصِ الآيَةِ صَيْدُ الحُوتِ. و"الَّذِينَ ظَلَمُوا" هُمُ العاصُونَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِعَذابٍ بَئِيسٍ" مَعْناهُ: مُؤْلِمٍ مُوجِعٍ شَدِيدٍ.
وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ - أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وغَيْرُهُما- "بِيسٍ" بِكَسْرِ الباءِ وسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ السِينِ وتَنْوِينِها، وهَذا عَلى أنَّهُ فِعْلٌ سُمِّيَ بِهِ، كَقَوْلِهِ ﷺ « "أنْهاكم عن قِيلٍ وقالَ"». وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بِئْسَ" كَما تَقُولُ: بِئْسَ الرَجُلُ، وضَعَّفَها (p-٧٣)أبُو حاتِمٍ، قالَ أبُو عَمْرٍو: ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ "بِئْسَ" بِهَمْزَةٍ بَيْنَ الباءِ والسِينِ. وقَرَأ نافِعٌ -فِيما يَرْوِي عنهُ خارِجَةُ -: "بَيْسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ السِينِ مُنَوَّنَةً. ورَوى مالِكُ بْنُ دِينارٍ عن نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ "بَيْسٍ" عَلى مُثُلِ جَمَلٍ وجَبَلٍ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ المُقْرِي: "بَئِسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ وسِينٍ مُنَوَّنَةٍ عَلى وزْنِ فَعِلٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسِ الرُقَيّاتِ:
؎ لَيْتَنِي ألْقى رُقَيَّةَ في ∗∗∗ خَلْوَةٍ مِن غَيْرِ ما بَئِسْ
قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: هي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، وطَلْحَةِ بْنِ مُصَرِّفٍ. ورُوِيَ عن نَصْرٍ "بَيِسْ" بِياءٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، قالَ الزَهْراوِيُّ: ورُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ "بَئِّسٍ" الباءُ مَفْتُوحَةٌ والهَمْزَةُ مَكْسُورَةٌ مُشَدَّدَةٌ والسِينُ مَكْسُورَةٌ مُنَوَّنَةٌ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَئِّسَ" الَّتِي قَبْلُ إلّا فَتْحَ السِينِ، ذَكَرَها أبُو عَمْرٍو الدانِي عَمّا حَكى يَعْقُوبُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ أبِي قُرَّةَ عنهُ- وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ عنهُ- "بَئِيسٍ" بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ المَكْسُورَةِ والسِينِ المُنَوَّنَةِ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ. وهَذا وصْفٌ بِالمَصْدَرِ كَقَوْلِهِمْ: "عَذِيرَ الحَيِّ" والنَذِيرَ والنَكِيرَ، ونَحْوَ ذَلِكَ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، ومُجاهِدٍ، وأهْلِ الحِجازِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، ونَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، والأعْمَشِ، وهي الَّتِي رَجَّحَ أبُو حاتِمٍ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الإصْبَعِ العُدْوانِيِّ:
؎ حَنِقًا عَلَيَّ ولا أرى ∗∗∗ ∗∗∗ لِي مِنهُما شَرًّا بَئِيسا
(p-٧٤)وَقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ "بِئِيسٍ" كالأوَّلِ إلّا كَسْرَ الباءِ، عَلى وزْنِ فِعِيلٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: هُما لُغَتانِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عنهُ-: "بَيْئَسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَلى وزْنِ فَيْعْلٍ، ومَعْناهُ: شَدِيدٌ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ بْنِ عابِسٍ الكِنْدِيِّ:
؎ كِلاهُما كانَ رَئِيسًا بَيْئَسا ∗∗∗ ∗∗∗ يَضْرِبُ في يَوْمِ الهِياجِ القَوْنَسا
فَهِيَ صِفَةٌ كَضَيْغَمٍ وحَيْدَرٍ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْمَشُ -بِخِلافٍ عنهُ-: "بَيْئِسٍ" كالَّتِي قَبْلُ إلّا كَسْرَ الهَمْزَةِ عَلى وزْنِ فَيْعِلٍ، وهَذا شاذٌّ لِأنَّهُ لا يُوجَدُ فَيْعِلٌ في الصَحِيحِ، وإنَّما يُوجَدُ في المُعْتَلِّ مِثْلُ سَيِّدٍ ومَيِّتٍ. وقالَ الزَهْراوِيُّ: رَوى نَصْرٌ عن عاصِمٍ: "بَيِّسٍ" عَلى مِثالِ "مَيِّتٍ"، وهَذا عَلى أنَّهُ مِنَ البُؤْسِ، ولا أصْلَ لَهُ في الهَمْزِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: زَعَمَ عاصِمٌ أنَّ الحَسَنَ والأعْمَشَ قَرَأا: "بِئْيَسٍ" الباءُ مَكْسُورَةٌ والهَمْزَةُ ساكِنَةٌ والياءُ مَفْتُوحَةٌ عَلى مِثالِ خِدْيَمٍ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ مِنَ السَبْعَةِ: "بِئْسٍ" بِكَسْرِ الباءِ وسُكُونِ الهَمْزَةِ وتَنْوِينِ السِينِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَأْسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الألِفِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "بائِسٍ" عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَيَسَ" بِفَتْحِ الباءِ والياءِ والسِينِ عَلى وزْنِ فَعَلَ، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: "بَأْسَ" بِفَتْحِ الباءِ والسِينِ وسُكُونِ الهَمْزَةِ عَلى وزْنِ فَعْلَ غَيْرَ مَصْرُوفٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَأْسٍ" مَصْرُوفًا، وحَكى أبُو حاتِمٍ "بَيَسٍ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: هي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، وحَكى الزَهْراوِيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وأهْلِ مَكَّةَ "بِئْسَ" ويُهْمَزُ هَمْزًا خَفِيفًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولَمْ يُبَيِّنْ هَلِ الهَمْزَةُ مَكْسُورَةٌ أو ساكِنَةٌ. (p-٧٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: "بِما كانُوا يَفْسُقُونَ" أيْ لِأجْلِ ذَلِكَ وعُقُوبَةً عَلَيْهِ.
والعُتُوُّ: الِاسْتِعْصاءُ وقِلَّةُ الطَواعِيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "قُلْنا لَهُمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا بِلَفْظٍ مِن مَلَكٍ أسْمَعَهم ذَلِكَ، فَكانَ أذْهَبَ في الإغْرابِ والهَوانِ والإصْغارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ المَقْدِرَةِ المُكَوِّنَةِ لَهم قِرَدَةً، و"خاسِئِينَ" مُبْعَدِينَ، كَما «قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِابْنِ صَيّادٍ: "اخْسَأْ"»، وكَما يُقالُ لِلْكَلْبِ: اخْسَأْ، فَـ "خاسِئِينَ" خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، هَذا اخْتِيارُ أبِي الفَتْحِ، وضَعَّفَ الصِفَةَ، وكَذَلِكَ هُوَ، لِأنَّ القَصْدَ لَيْسَ التَشْبِيهَ بِقِرْدَةٍ مُبْعَداتٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "خاسِئِينَ" حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "كُونُوا"، والصِفَةُ أيْضًا مُتَوَجِّهَةٌ مَعَ ضَعْفِها، ورُوِيَ أنَّ الشَبابَ مِنهم مُسِخُوا قِرَدَةً والرِجالَ الكِبارَ مُسِخُوا خَنازِيرَ، ورُوِيَ أنَّ مَسْخَهم كانَ بَعْدَ المَعْصِيَةِ في صَيْدِ الحُوتِ بِعامَيْنِ، وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: إنَّ إهْلاكَهم كانَ في زَمَنِ داوُدَ، ورُوِيَ أنَّ الناهِينَ قَسَمُوا المَدِينَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ العاصِينَ بِجِدارٍ، فَلَمّا أصْبَحُوا لَيْلَةَ أُهْلِكَ العاصُونَ، لَمْ يُفْتَحْ بابُ مَدِينَةِ العاصِينَ حَتّى ارْتَفَعَ النَهارُ، فاسْتَرابَ الناهُونَ لِذَلِكَ، فَطَلَعَ أحَدُ الناسِ عَلى السُورِ فَرَآهم مَمْسُوخِينَ قِرَدَةً تَتَواثَبُ، فَصاحَ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِمْ يَعْرِفُ الرَجُلُ قَرابَتَهُ ويَعْرِفُ القِرْدُ أيْضًا كَذَلِكَ قَرابَتَهُ، ويَنْضَمُّونَ إلى قَرابَتِهِمْ فَيَتَحَسَّرُونَ، قالَ الزَجّاجُ: وقالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ القِرَدَةُ مِن نَسْلِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وتَعَلَّقَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ فُقِدَتْ، وما أراها إلّا الفَأْرَةَ إذا قُرِّبَ لَها لَبَنٌ لَمْ تَشْرَبْ"،» وبَقَوْلِهِ ﷺ في الضَبِّ. (p-٧٦)وَقَصَصُ هَذا الأمْرِ أكْثَرُ مِن هَذا لَكِنِ اخْتَصَرْتُهُ واقْتَصَرْتُ عَلى عُيُونِهِ.
الأعراف 7:165
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهم أو مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا عَتَوْا عن ما نُهُوا عنهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾
قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ افْتَرَقَتْ ثَلاثَ فِرَقٍ، فِرْقَةٍ عَصَتْ وصادَتْ، وفِرْقَةٍ نَهَتْ وجاهَرَتْ وتَكَلَّمَتْ واعْتَزَلَتْ، وفِرْقَةٍ اعْتَزَلَتْ ولَمْ تَعْصِ ولَمْ تَنْهَ، وإنَّ هَذِهِ الفِرْقَةَ لِما رَأتْ مُجاهَرَةَ الناهِيَةِ وطُغْيانَ العاصِيَةِ وعُتُوَّها قالَتْ لِلنّاهِيَةِ "لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا" يُرِيدُونَ العاصِيَةَ "اللهُ مُهْلِكُهم أو مُعَذِّبُهُمْ" عَلى غَلَبَةِ الظَنِّ وما عُهِدَ مِن فِعْلِ اللهِ حِينَئِذٍ بِالأُمَمِ العاصِيَةِ، فَقالَتِ الناهِيَةُ" مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةً إلى اللهِ، ثُمَّ اخْتُلِفَ بَعْدَ هَذا فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ الطائِفَةَ الَّتِي لَمْ تَعْصِ ولَمْ تَنْهَ هَلَكَتْ مَعَ العاصِيَةِ عُقُوبَةً عَلى تَرْكِ النَهْيِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ أيْضًا: ما أدْرِي ما فُعِلَ بِهِمْ. وقالَتْ فِرْقَةٌ بَلْ نَجَتْ مَعَ الناهِيَةِ لِأنَّها لَمْ تَعْصِ ولا رَضِيَتْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ والحَسَنُ وغَيْرُهُما، وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ (p-٧٢)فِيما أسْنَدَ عنهُ الطَبَرِيُّ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ تَفْتَرِقْ إلّا فِرْقَتَيْنِ، فَرِقَّةً عَصَتْ وجاهَرَتْ، وفِرْقَةً نَهَتْ وغَيَّرَتْ واعْتَزَلَتْ، وقالَتْ لِلْعاصِيَةِ: إنَّ اللهَ يُهْلِكُهم ويُعَذِّبُهُمْ، فَقالَتْ أُمَّةٌ مِنَ العاصِينَ لِلنّاهِينَ -عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ-: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا قَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ اللهَ مُهْلِكُهم أو مُعَذِّبُهُمْ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والقَوْلُ الأوَّلُ أصْوَبُ، وتُؤَيِّدُهُ الضَمائِرُ في قَوْلِهِ: "إلى رَبِّكم ولَعَلَّهُمْ" فَهَذِهِ المُخاطَبَةُ تَقْتَضِي مُخاطِبًا ومُخاطَبًا ومَكْنِيًّا عنهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "مَعْذِرَةٌ" بِالرَفْعِ، أيْ: مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةٌ أيْ إقامَةُ عُذْرٍ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ- وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "مَعْذِرَةً" بِالنَصْبِ، أيْ: وعَظْنا مَعْذِرَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ: حُجَّتُها أنْ سِيبَوَيْهِ قالَ: لَوْ قالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ مَعْذِرَةً إلى اللهِ وإلَيْكَ مِن كَذا لَنَصَبَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
الرَجُلُ القائِلُ في هَذا المِثالِ مُعْتَذِرٌ عن نَفْسِهِ ولَيْسَ كَذَلِكَ الناهُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَتَأمَّلْ. ومَعْنى "مُهْلِكُهُمْ" في الدُنْيا أو "مُعَذِّبُهُمْ" في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لَعَلَّهم يَتَّقُونَ" يَقْتَضِي التَرَجِّيَ المَحْضَ لِأنَّهُ مِن قَوْلِ آدَمِيِّينَ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "نَسُوا" لِلْمَنهِيِّينَ، وهو تَرْكٌ سُمِّيَ نِسْيانًا إذْ أقْوى مَنازِلِ التَرْكِ أنْ يَنْسى المَتْرُوكُ. و"ما" في قَوْلِهِ: "ما ذُكِّرُوا بِهِ" مَعْنى الَّذِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الذِكْرُ نَفْسُهُ، ويُحْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِ ما كانَ فِيهِ الذِكْرُ، والسُوءُ لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ المَعاصِي إلّا أنَّ الَّذِي يَخْتَصُّ هُنا بِحَسِبِ قَصَصِ الآيَةِ صَيْدُ الحُوتِ. و"الَّذِينَ ظَلَمُوا" هُمُ العاصُونَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِعَذابٍ بَئِيسٍ" مَعْناهُ: مُؤْلِمٍ مُوجِعٍ شَدِيدٍ.
وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ - أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وغَيْرُهُما- "بِيسٍ" بِكَسْرِ الباءِ وسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ السِينِ وتَنْوِينِها، وهَذا عَلى أنَّهُ فِعْلٌ سُمِّيَ بِهِ، كَقَوْلِهِ ﷺ « "أنْهاكم عن قِيلٍ وقالَ"». وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بِئْسَ" كَما تَقُولُ: بِئْسَ الرَجُلُ، وضَعَّفَها (p-٧٣)أبُو حاتِمٍ، قالَ أبُو عَمْرٍو: ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ "بِئْسَ" بِهَمْزَةٍ بَيْنَ الباءِ والسِينِ. وقَرَأ نافِعٌ -فِيما يَرْوِي عنهُ خارِجَةُ -: "بَيْسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ السِينِ مُنَوَّنَةً. ورَوى مالِكُ بْنُ دِينارٍ عن نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ "بَيْسٍ" عَلى مُثُلِ جَمَلٍ وجَبَلٍ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ المُقْرِي: "بَئِسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ وسِينٍ مُنَوَّنَةٍ عَلى وزْنِ فَعِلٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسِ الرُقَيّاتِ:
؎ لَيْتَنِي ألْقى رُقَيَّةَ في ∗∗∗ خَلْوَةٍ مِن غَيْرِ ما بَئِسْ
قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: هي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، وطَلْحَةِ بْنِ مُصَرِّفٍ. ورُوِيَ عن نَصْرٍ "بَيِسْ" بِياءٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، قالَ الزَهْراوِيُّ: ورُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ "بَئِّسٍ" الباءُ مَفْتُوحَةٌ والهَمْزَةُ مَكْسُورَةٌ مُشَدَّدَةٌ والسِينُ مَكْسُورَةٌ مُنَوَّنَةٌ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَئِّسَ" الَّتِي قَبْلُ إلّا فَتْحَ السِينِ، ذَكَرَها أبُو عَمْرٍو الدانِي عَمّا حَكى يَعْقُوبُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ أبِي قُرَّةَ عنهُ- وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ عنهُ- "بَئِيسٍ" بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ المَكْسُورَةِ والسِينِ المُنَوَّنَةِ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ. وهَذا وصْفٌ بِالمَصْدَرِ كَقَوْلِهِمْ: "عَذِيرَ الحَيِّ" والنَذِيرَ والنَكِيرَ، ونَحْوَ ذَلِكَ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، ومُجاهِدٍ، وأهْلِ الحِجازِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، ونَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، والأعْمَشِ، وهي الَّتِي رَجَّحَ أبُو حاتِمٍ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الإصْبَعِ العُدْوانِيِّ:
؎ حَنِقًا عَلَيَّ ولا أرى ∗∗∗ ∗∗∗ لِي مِنهُما شَرًّا بَئِيسا
(p-٧٤)وَقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ "بِئِيسٍ" كالأوَّلِ إلّا كَسْرَ الباءِ، عَلى وزْنِ فِعِيلٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: هُما لُغَتانِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عنهُ-: "بَيْئَسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَلى وزْنِ فَيْعْلٍ، ومَعْناهُ: شَدِيدٌ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ بْنِ عابِسٍ الكِنْدِيِّ:
؎ كِلاهُما كانَ رَئِيسًا بَيْئَسا ∗∗∗ ∗∗∗ يَضْرِبُ في يَوْمِ الهِياجِ القَوْنَسا
فَهِيَ صِفَةٌ كَضَيْغَمٍ وحَيْدَرٍ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْمَشُ -بِخِلافٍ عنهُ-: "بَيْئِسٍ" كالَّتِي قَبْلُ إلّا كَسْرَ الهَمْزَةِ عَلى وزْنِ فَيْعِلٍ، وهَذا شاذٌّ لِأنَّهُ لا يُوجَدُ فَيْعِلٌ في الصَحِيحِ، وإنَّما يُوجَدُ في المُعْتَلِّ مِثْلُ سَيِّدٍ ومَيِّتٍ. وقالَ الزَهْراوِيُّ: رَوى نَصْرٌ عن عاصِمٍ: "بَيِّسٍ" عَلى مِثالِ "مَيِّتٍ"، وهَذا عَلى أنَّهُ مِنَ البُؤْسِ، ولا أصْلَ لَهُ في الهَمْزِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: زَعَمَ عاصِمٌ أنَّ الحَسَنَ والأعْمَشَ قَرَأا: "بِئْيَسٍ" الباءُ مَكْسُورَةٌ والهَمْزَةُ ساكِنَةٌ والياءُ مَفْتُوحَةٌ عَلى مِثالِ خِدْيَمٍ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ مِنَ السَبْعَةِ: "بِئْسٍ" بِكَسْرِ الباءِ وسُكُونِ الهَمْزَةِ وتَنْوِينِ السِينِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَأْسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الألِفِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "بائِسٍ" عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَيَسَ" بِفَتْحِ الباءِ والياءِ والسِينِ عَلى وزْنِ فَعَلَ، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: "بَأْسَ" بِفَتْحِ الباءِ والسِينِ وسُكُونِ الهَمْزَةِ عَلى وزْنِ فَعْلَ غَيْرَ مَصْرُوفٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَأْسٍ" مَصْرُوفًا، وحَكى أبُو حاتِمٍ "بَيَسٍ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: هي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، وحَكى الزَهْراوِيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وأهْلِ مَكَّةَ "بِئْسَ" ويُهْمَزُ هَمْزًا خَفِيفًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولَمْ يُبَيِّنْ هَلِ الهَمْزَةُ مَكْسُورَةٌ أو ساكِنَةٌ. (p-٧٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: "بِما كانُوا يَفْسُقُونَ" أيْ لِأجْلِ ذَلِكَ وعُقُوبَةً عَلَيْهِ.
والعُتُوُّ: الِاسْتِعْصاءُ وقِلَّةُ الطَواعِيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "قُلْنا لَهُمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا بِلَفْظٍ مِن مَلَكٍ أسْمَعَهم ذَلِكَ، فَكانَ أذْهَبَ في الإغْرابِ والهَوانِ والإصْغارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ المَقْدِرَةِ المُكَوِّنَةِ لَهم قِرَدَةً، و"خاسِئِينَ" مُبْعَدِينَ، كَما «قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِابْنِ صَيّادٍ: "اخْسَأْ"»، وكَما يُقالُ لِلْكَلْبِ: اخْسَأْ، فَـ "خاسِئِينَ" خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، هَذا اخْتِيارُ أبِي الفَتْحِ، وضَعَّفَ الصِفَةَ، وكَذَلِكَ هُوَ، لِأنَّ القَصْدَ لَيْسَ التَشْبِيهَ بِقِرْدَةٍ مُبْعَداتٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "خاسِئِينَ" حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "كُونُوا"، والصِفَةُ أيْضًا مُتَوَجِّهَةٌ مَعَ ضَعْفِها، ورُوِيَ أنَّ الشَبابَ مِنهم مُسِخُوا قِرَدَةً والرِجالَ الكِبارَ مُسِخُوا خَنازِيرَ، ورُوِيَ أنَّ مَسْخَهم كانَ بَعْدَ المَعْصِيَةِ في صَيْدِ الحُوتِ بِعامَيْنِ، وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: إنَّ إهْلاكَهم كانَ في زَمَنِ داوُدَ، ورُوِيَ أنَّ الناهِينَ قَسَمُوا المَدِينَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ العاصِينَ بِجِدارٍ، فَلَمّا أصْبَحُوا لَيْلَةَ أُهْلِكَ العاصُونَ، لَمْ يُفْتَحْ بابُ مَدِينَةِ العاصِينَ حَتّى ارْتَفَعَ النَهارُ، فاسْتَرابَ الناهُونَ لِذَلِكَ، فَطَلَعَ أحَدُ الناسِ عَلى السُورِ فَرَآهم مَمْسُوخِينَ قِرَدَةً تَتَواثَبُ، فَصاحَ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِمْ يَعْرِفُ الرَجُلُ قَرابَتَهُ ويَعْرِفُ القِرْدُ أيْضًا كَذَلِكَ قَرابَتَهُ، ويَنْضَمُّونَ إلى قَرابَتِهِمْ فَيَتَحَسَّرُونَ، قالَ الزَجّاجُ: وقالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ القِرَدَةُ مِن نَسْلِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وتَعَلَّقَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ فُقِدَتْ، وما أراها إلّا الفَأْرَةَ إذا قُرِّبَ لَها لَبَنٌ لَمْ تَشْرَبْ"،» وبَقَوْلِهِ ﷺ في الضَبِّ. (p-٧٦)وَقَصَصُ هَذا الأمْرِ أكْثَرُ مِن هَذا لَكِنِ اخْتَصَرْتُهُ واقْتَصَرْتُ عَلى عُيُونِهِ.
الأعراف 7:166
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهم أو مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا عَتَوْا عن ما نُهُوا عنهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾
قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ افْتَرَقَتْ ثَلاثَ فِرَقٍ، فِرْقَةٍ عَصَتْ وصادَتْ، وفِرْقَةٍ نَهَتْ وجاهَرَتْ وتَكَلَّمَتْ واعْتَزَلَتْ، وفِرْقَةٍ اعْتَزَلَتْ ولَمْ تَعْصِ ولَمْ تَنْهَ، وإنَّ هَذِهِ الفِرْقَةَ لِما رَأتْ مُجاهَرَةَ الناهِيَةِ وطُغْيانَ العاصِيَةِ وعُتُوَّها قالَتْ لِلنّاهِيَةِ "لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا" يُرِيدُونَ العاصِيَةَ "اللهُ مُهْلِكُهم أو مُعَذِّبُهُمْ" عَلى غَلَبَةِ الظَنِّ وما عُهِدَ مِن فِعْلِ اللهِ حِينَئِذٍ بِالأُمَمِ العاصِيَةِ، فَقالَتِ الناهِيَةُ" مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةً إلى اللهِ، ثُمَّ اخْتُلِفَ بَعْدَ هَذا فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ الطائِفَةَ الَّتِي لَمْ تَعْصِ ولَمْ تَنْهَ هَلَكَتْ مَعَ العاصِيَةِ عُقُوبَةً عَلى تَرْكِ النَهْيِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ أيْضًا: ما أدْرِي ما فُعِلَ بِهِمْ. وقالَتْ فِرْقَةٌ بَلْ نَجَتْ مَعَ الناهِيَةِ لِأنَّها لَمْ تَعْصِ ولا رَضِيَتْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ والحَسَنُ وغَيْرُهُما، وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ (p-٧٢)فِيما أسْنَدَ عنهُ الطَبَرِيُّ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ تَفْتَرِقْ إلّا فِرْقَتَيْنِ، فَرِقَّةً عَصَتْ وجاهَرَتْ، وفِرْقَةً نَهَتْ وغَيَّرَتْ واعْتَزَلَتْ، وقالَتْ لِلْعاصِيَةِ: إنَّ اللهَ يُهْلِكُهم ويُعَذِّبُهُمْ، فَقالَتْ أُمَّةٌ مِنَ العاصِينَ لِلنّاهِينَ -عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ-: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا قَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ اللهَ مُهْلِكُهم أو مُعَذِّبُهُمْ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والقَوْلُ الأوَّلُ أصْوَبُ، وتُؤَيِّدُهُ الضَمائِرُ في قَوْلِهِ: "إلى رَبِّكم ولَعَلَّهُمْ" فَهَذِهِ المُخاطَبَةُ تَقْتَضِي مُخاطِبًا ومُخاطَبًا ومَكْنِيًّا عنهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "مَعْذِرَةٌ" بِالرَفْعِ، أيْ: مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةٌ أيْ إقامَةُ عُذْرٍ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ- وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "مَعْذِرَةً" بِالنَصْبِ، أيْ: وعَظْنا مَعْذِرَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ: حُجَّتُها أنْ سِيبَوَيْهِ قالَ: لَوْ قالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ مَعْذِرَةً إلى اللهِ وإلَيْكَ مِن كَذا لَنَصَبَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
الرَجُلُ القائِلُ في هَذا المِثالِ مُعْتَذِرٌ عن نَفْسِهِ ولَيْسَ كَذَلِكَ الناهُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَتَأمَّلْ. ومَعْنى "مُهْلِكُهُمْ" في الدُنْيا أو "مُعَذِّبُهُمْ" في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لَعَلَّهم يَتَّقُونَ" يَقْتَضِي التَرَجِّيَ المَحْضَ لِأنَّهُ مِن قَوْلِ آدَمِيِّينَ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "نَسُوا" لِلْمَنهِيِّينَ، وهو تَرْكٌ سُمِّيَ نِسْيانًا إذْ أقْوى مَنازِلِ التَرْكِ أنْ يَنْسى المَتْرُوكُ. و"ما" في قَوْلِهِ: "ما ذُكِّرُوا بِهِ" مَعْنى الَّذِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الذِكْرُ نَفْسُهُ، ويُحْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِ ما كانَ فِيهِ الذِكْرُ، والسُوءُ لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ المَعاصِي إلّا أنَّ الَّذِي يَخْتَصُّ هُنا بِحَسِبِ قَصَصِ الآيَةِ صَيْدُ الحُوتِ. و"الَّذِينَ ظَلَمُوا" هُمُ العاصُونَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِعَذابٍ بَئِيسٍ" مَعْناهُ: مُؤْلِمٍ مُوجِعٍ شَدِيدٍ.
وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ - أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وغَيْرُهُما- "بِيسٍ" بِكَسْرِ الباءِ وسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ السِينِ وتَنْوِينِها، وهَذا عَلى أنَّهُ فِعْلٌ سُمِّيَ بِهِ، كَقَوْلِهِ ﷺ « "أنْهاكم عن قِيلٍ وقالَ"». وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بِئْسَ" كَما تَقُولُ: بِئْسَ الرَجُلُ، وضَعَّفَها (p-٧٣)أبُو حاتِمٍ، قالَ أبُو عَمْرٍو: ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ "بِئْسَ" بِهَمْزَةٍ بَيْنَ الباءِ والسِينِ. وقَرَأ نافِعٌ -فِيما يَرْوِي عنهُ خارِجَةُ -: "بَيْسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ السِينِ مُنَوَّنَةً. ورَوى مالِكُ بْنُ دِينارٍ عن نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ "بَيْسٍ" عَلى مُثُلِ جَمَلٍ وجَبَلٍ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ المُقْرِي: "بَئِسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ وسِينٍ مُنَوَّنَةٍ عَلى وزْنِ فَعِلٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسِ الرُقَيّاتِ:
؎ لَيْتَنِي ألْقى رُقَيَّةَ في ∗∗∗ خَلْوَةٍ مِن غَيْرِ ما بَئِسْ
قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: هي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، وطَلْحَةِ بْنِ مُصَرِّفٍ. ورُوِيَ عن نَصْرٍ "بَيِسْ" بِياءٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، قالَ الزَهْراوِيُّ: ورُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ "بَئِّسٍ" الباءُ مَفْتُوحَةٌ والهَمْزَةُ مَكْسُورَةٌ مُشَدَّدَةٌ والسِينُ مَكْسُورَةٌ مُنَوَّنَةٌ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَئِّسَ" الَّتِي قَبْلُ إلّا فَتْحَ السِينِ، ذَكَرَها أبُو عَمْرٍو الدانِي عَمّا حَكى يَعْقُوبُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ أبِي قُرَّةَ عنهُ- وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ عنهُ- "بَئِيسٍ" بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ المَكْسُورَةِ والسِينِ المُنَوَّنَةِ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ. وهَذا وصْفٌ بِالمَصْدَرِ كَقَوْلِهِمْ: "عَذِيرَ الحَيِّ" والنَذِيرَ والنَكِيرَ، ونَحْوَ ذَلِكَ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، ومُجاهِدٍ، وأهْلِ الحِجازِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، ونَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، والأعْمَشِ، وهي الَّتِي رَجَّحَ أبُو حاتِمٍ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الإصْبَعِ العُدْوانِيِّ:
؎ حَنِقًا عَلَيَّ ولا أرى ∗∗∗ ∗∗∗ لِي مِنهُما شَرًّا بَئِيسا
(p-٧٤)وَقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ "بِئِيسٍ" كالأوَّلِ إلّا كَسْرَ الباءِ، عَلى وزْنِ فِعِيلٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: هُما لُغَتانِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عنهُ-: "بَيْئَسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَلى وزْنِ فَيْعْلٍ، ومَعْناهُ: شَدِيدٌ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ بْنِ عابِسٍ الكِنْدِيِّ:
؎ كِلاهُما كانَ رَئِيسًا بَيْئَسا ∗∗∗ ∗∗∗ يَضْرِبُ في يَوْمِ الهِياجِ القَوْنَسا
فَهِيَ صِفَةٌ كَضَيْغَمٍ وحَيْدَرٍ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْمَشُ -بِخِلافٍ عنهُ-: "بَيْئِسٍ" كالَّتِي قَبْلُ إلّا كَسْرَ الهَمْزَةِ عَلى وزْنِ فَيْعِلٍ، وهَذا شاذٌّ لِأنَّهُ لا يُوجَدُ فَيْعِلٌ في الصَحِيحِ، وإنَّما يُوجَدُ في المُعْتَلِّ مِثْلُ سَيِّدٍ ومَيِّتٍ. وقالَ الزَهْراوِيُّ: رَوى نَصْرٌ عن عاصِمٍ: "بَيِّسٍ" عَلى مِثالِ "مَيِّتٍ"، وهَذا عَلى أنَّهُ مِنَ البُؤْسِ، ولا أصْلَ لَهُ في الهَمْزِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: زَعَمَ عاصِمٌ أنَّ الحَسَنَ والأعْمَشَ قَرَأا: "بِئْيَسٍ" الباءُ مَكْسُورَةٌ والهَمْزَةُ ساكِنَةٌ والياءُ مَفْتُوحَةٌ عَلى مِثالِ خِدْيَمٍ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ مِنَ السَبْعَةِ: "بِئْسٍ" بِكَسْرِ الباءِ وسُكُونِ الهَمْزَةِ وتَنْوِينِ السِينِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَأْسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الألِفِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "بائِسٍ" عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَيَسَ" بِفَتْحِ الباءِ والياءِ والسِينِ عَلى وزْنِ فَعَلَ، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: "بَأْسَ" بِفَتْحِ الباءِ والسِينِ وسُكُونِ الهَمْزَةِ عَلى وزْنِ فَعْلَ غَيْرَ مَصْرُوفٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَأْسٍ" مَصْرُوفًا، وحَكى أبُو حاتِمٍ "بَيَسٍ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: هي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، وحَكى الزَهْراوِيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وأهْلِ مَكَّةَ "بِئْسَ" ويُهْمَزُ هَمْزًا خَفِيفًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولَمْ يُبَيِّنْ هَلِ الهَمْزَةُ مَكْسُورَةٌ أو ساكِنَةٌ. (p-٧٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: "بِما كانُوا يَفْسُقُونَ" أيْ لِأجْلِ ذَلِكَ وعُقُوبَةً عَلَيْهِ.
والعُتُوُّ: الِاسْتِعْصاءُ وقِلَّةُ الطَواعِيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "قُلْنا لَهُمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا بِلَفْظٍ مِن مَلَكٍ أسْمَعَهم ذَلِكَ، فَكانَ أذْهَبَ في الإغْرابِ والهَوانِ والإصْغارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ المَقْدِرَةِ المُكَوِّنَةِ لَهم قِرَدَةً، و"خاسِئِينَ" مُبْعَدِينَ، كَما «قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِابْنِ صَيّادٍ: "اخْسَأْ"»، وكَما يُقالُ لِلْكَلْبِ: اخْسَأْ، فَـ "خاسِئِينَ" خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، هَذا اخْتِيارُ أبِي الفَتْحِ، وضَعَّفَ الصِفَةَ، وكَذَلِكَ هُوَ، لِأنَّ القَصْدَ لَيْسَ التَشْبِيهَ بِقِرْدَةٍ مُبْعَداتٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "خاسِئِينَ" حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "كُونُوا"، والصِفَةُ أيْضًا مُتَوَجِّهَةٌ مَعَ ضَعْفِها، ورُوِيَ أنَّ الشَبابَ مِنهم مُسِخُوا قِرَدَةً والرِجالَ الكِبارَ مُسِخُوا خَنازِيرَ، ورُوِيَ أنَّ مَسْخَهم كانَ بَعْدَ المَعْصِيَةِ في صَيْدِ الحُوتِ بِعامَيْنِ، وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: إنَّ إهْلاكَهم كانَ في زَمَنِ داوُدَ، ورُوِيَ أنَّ الناهِينَ قَسَمُوا المَدِينَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ العاصِينَ بِجِدارٍ، فَلَمّا أصْبَحُوا لَيْلَةَ أُهْلِكَ العاصُونَ، لَمْ يُفْتَحْ بابُ مَدِينَةِ العاصِينَ حَتّى ارْتَفَعَ النَهارُ، فاسْتَرابَ الناهُونَ لِذَلِكَ، فَطَلَعَ أحَدُ الناسِ عَلى السُورِ فَرَآهم مَمْسُوخِينَ قِرَدَةً تَتَواثَبُ، فَصاحَ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِمْ يَعْرِفُ الرَجُلُ قَرابَتَهُ ويَعْرِفُ القِرْدُ أيْضًا كَذَلِكَ قَرابَتَهُ، ويَنْضَمُّونَ إلى قَرابَتِهِمْ فَيَتَحَسَّرُونَ، قالَ الزَجّاجُ: وقالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ القِرَدَةُ مِن نَسْلِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وتَعَلَّقَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ فُقِدَتْ، وما أراها إلّا الفَأْرَةَ إذا قُرِّبَ لَها لَبَنٌ لَمْ تَشْرَبْ"،» وبَقَوْلِهِ ﷺ في الضَبِّ. (p-٧٦)وَقَصَصُ هَذا الأمْرِ أكْثَرُ مِن هَذا لَكِنِ اخْتَصَرْتُهُ واقْتَصَرْتُ عَلى عُيُونِهِ.
الأعراف 7:167
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ إنَّ رَبُّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وَقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا مِنهُمُ الصالِحُونَ ومِنهم دُونَ ذَلِكَ وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَيِّئاتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾
بِنْيَةُ "تَأذَّنَ" هي الَّتِي تَقْتَضِي التَكَسُّبَ، مِن أذِنَ أيْ عَلِمَ، وآذَنَ أيْ أعْلَمَ، مِثْلُ كَرُمَ وأكْرَمَ وتَكَرَّمَ، إلّا أنَّ تَعَلَّمَ (وَما جَرى مَجْرى هَذا الفِعْلِ) إذا كانَ مُسْنَدًا إلى اسْمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَلْحَقْهُ مَعْنى التَكَسُّبِ الَّذِي يَلْحَقُ المُحْدَثِينَ، فَإنَّما يَتَرَتَّبُ بِمَعْنى عِلْمِ صِفَةٍ لا بِتَكَسُّبٍ، بَلْ هي قائِمَةٌ بِالذاتِ، وإلى هَذا المَعْنى يَنْحُو الشاعِرُ بِقَوْلِهِ:
؎ تَعَلَّمْ أبَيْتَ اللَعْنَ
لِأنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالتَعَلُّمِ الَّذِي يَقْتَضِي جَهالَةً، وإنَّما أرادَ أنْ يُوقِفَهُ عَلى قُوَّةِ عِلْمِهِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ تَعَلَّمْ أنَّ شَرَّ الناسِ حَيٌّ ∗∗∗ ∗∗∗ يُنادى في شِعارِهِمُ يَسارُ
فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: وإذْ عَلِمَ اللهُ لِيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ، ويَقْتَضِي قُوَّةَ الكَلامِ أنَّ ذَلِكَ العِلْمَ مِنهُ مُقْتَرِنٌ بِإنْفاذٍ وإمْضاءٍ، كَما تَقُولُ في أمْرٍ قَدْ عَزَمْتَ عَلَيْهِ غايَةَ العَزْمِ: "عَلِمَ اللهُ لِأفْعَلَنَّ كَذا"، نَحا إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وقالَ الطَبَرِيُّ، وغَيْرُهُ: "تَأذَّنَ" مَعْناهُ: أعْلَمَ، وهو قَلِقٌ مِن جِهَةِ التَصْرِيفِ إذْ نِسْبَةُ "تَأذَّنَ" إلى الفاعِلِ غَيْرُ نِسْبَةِ "أعْلَمَ"، وتَبَيُّنُ ذَلِكَ (p-٧٧)مِنَ التَعَدِّي وغَيْرِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَأذَّنَ" مَعْناهُ: قالَ، ورُوِيَ عنهُ أنَّ مَعْناهُ: أمَرَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى: "تَأذَّنَ": تَأْلّى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقادَهم إلى هَذا القَوْلِ دُخُولُ اللامِ في الجَوابِ، وأمّا اللَفْظَةُ فَبَعِيدَةٌ عن هَذا.
والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ" لِمَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لا لِلضَّمِيرِ في "لَهُمْ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَسُومُهُمْ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي إشارَةٌ إلى العَذابِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي إلى مُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والصَحِيحُ أنَّها عامَّةٌ في كُلِّ مَن حالُ اليَهُودِ مَعَهُ هَذِهِ الحالُ، ويَسُومُهم مَعْناهُ: يُكَلِّفُهم ويُحَمِّلُهُمْ، و﴿سُوءَ العَذابِ﴾ الظاهِرُ مِنهُ الجِزْيَةُ والإذْلالُ، وقَدْ حَتَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ هَذا وحَطَّ مُلْكَهُمْ، فَلَيْسَ في الأرْضِ رايَةٌ لِيَهُودِيٍّ، وقالابْنُ المُسَيِّبِ: فَيُسْتَحَبُّ أنْ تُتْعَبَ اليَهُودُ في الجِزْيَةِ، ولَقَدْ حَدَّثَ أنَّ طائِفَةً مِنَ الرُومِ أمَلَكَتْ في صُقْعِها، فَباعَتِ اليَهُودَ المُجاوِرَةَ لَهُمُ الساكِنَةَ مَعَهم وتَمَلَّكُوهم.
ثُمَّ حَسُنَ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ -لِتَضَمُّنِها الإيقاعَ بِهِمْ والوَعِيدَ- أنْ يُنَبِّهَ عَلى سُرْعَةِ عِقابِ اللهِ ويُخَوِّفَ بِذَلِكَ تَخْوِيفًا عامًّا لِجَمِيعِ الناسِ، ثُمَّ رَجّى ذَلِكَ لُطْفًا مِنهُ تَبارَكَ وتَعالى.
وقَوْلُهُ وتَعالى: ﴿وَقَطَّعْناهُمْ﴾ مَعْناهُ: فَرَّقْناهم في الأرْضِ، قالَ الطَبَرِيُّ عن جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: ما في الأرْضِ بُقْعَةٌ إلّا وفِيها مَعْشَرٌ مِنَ اليَهُودِ، والظاهِرُ في المُشارِ إلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُمُ الَّذِينَ بَعَدَ سُلَيْمانَ وقْتَ زَوالِ مُلْكِهِمْ، والظاهِرُ أنَّهُ قَبْلَ مُدَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ صالِحٌ بَعْدَ كُفْرِهِمْ بِعِيسى ﷺ، وفي التَوارِيخِ في هَذا الفَصْلِ رِواياتٌ مُضْطَرِبَةٌ، والصالِحُونَ ودُونَ ذَلِكَ ألْفاظٌ مُحْتَمِلَةٌ أنْ يُرادَ بِها صَلاحُ الإيمانِ، فَـ "دُونَ" بِمَعْنى غَيْرٍ يُرادُ بِها الكَفَرَةُ، وإنْ أُرِيدَ بِالصَلاحِ العِبادَةُ والخَيْرُ وتَوابِعُ الإيمانِ فَـ "دُونَ ذَلِكَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مُؤْمِنِينَ.
(p-٧٨)﴿وَبَلَوْناهُمْ﴾ مَعْناهُ: امْتَحَنّاهُمْ، والحَسَناتُ: الصِحَّةُ والرَخاءُ ونَحْوُ هَذا مِمّا هو بِحَسَبِ رَأْيِ ابْنِ آدَمَ ونَظَرِهِ، والسَيِّئاتُ: مُقابَلاتُ هَذِهِ. وقَوْلُهُ: "لَعَلَّهُمْ" أيْ بِحَسَبِ رَأْيِكم لَوْ شاهَدْتُمْ ذَلِكَ، والمَعْنى: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى الطاعَةِ ويَتُوبُونَ مِنَ المَعْصِيَةِ.
الأعراف 7:168
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ إنَّ رَبُّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وَقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا مِنهُمُ الصالِحُونَ ومِنهم دُونَ ذَلِكَ وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَيِّئاتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾
بِنْيَةُ "تَأذَّنَ" هي الَّتِي تَقْتَضِي التَكَسُّبَ، مِن أذِنَ أيْ عَلِمَ، وآذَنَ أيْ أعْلَمَ، مِثْلُ كَرُمَ وأكْرَمَ وتَكَرَّمَ، إلّا أنَّ تَعَلَّمَ (وَما جَرى مَجْرى هَذا الفِعْلِ) إذا كانَ مُسْنَدًا إلى اسْمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَلْحَقْهُ مَعْنى التَكَسُّبِ الَّذِي يَلْحَقُ المُحْدَثِينَ، فَإنَّما يَتَرَتَّبُ بِمَعْنى عِلْمِ صِفَةٍ لا بِتَكَسُّبٍ، بَلْ هي قائِمَةٌ بِالذاتِ، وإلى هَذا المَعْنى يَنْحُو الشاعِرُ بِقَوْلِهِ:
؎ تَعَلَّمْ أبَيْتَ اللَعْنَ
لِأنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالتَعَلُّمِ الَّذِي يَقْتَضِي جَهالَةً، وإنَّما أرادَ أنْ يُوقِفَهُ عَلى قُوَّةِ عِلْمِهِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ تَعَلَّمْ أنَّ شَرَّ الناسِ حَيٌّ ∗∗∗ ∗∗∗ يُنادى في شِعارِهِمُ يَسارُ
فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: وإذْ عَلِمَ اللهُ لِيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ، ويَقْتَضِي قُوَّةَ الكَلامِ أنَّ ذَلِكَ العِلْمَ مِنهُ مُقْتَرِنٌ بِإنْفاذٍ وإمْضاءٍ، كَما تَقُولُ في أمْرٍ قَدْ عَزَمْتَ عَلَيْهِ غايَةَ العَزْمِ: "عَلِمَ اللهُ لِأفْعَلَنَّ كَذا"، نَحا إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وقالَ الطَبَرِيُّ، وغَيْرُهُ: "تَأذَّنَ" مَعْناهُ: أعْلَمَ، وهو قَلِقٌ مِن جِهَةِ التَصْرِيفِ إذْ نِسْبَةُ "تَأذَّنَ" إلى الفاعِلِ غَيْرُ نِسْبَةِ "أعْلَمَ"، وتَبَيُّنُ ذَلِكَ (p-٧٧)مِنَ التَعَدِّي وغَيْرِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَأذَّنَ" مَعْناهُ: قالَ، ورُوِيَ عنهُ أنَّ مَعْناهُ: أمَرَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى: "تَأذَّنَ": تَأْلّى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقادَهم إلى هَذا القَوْلِ دُخُولُ اللامِ في الجَوابِ، وأمّا اللَفْظَةُ فَبَعِيدَةٌ عن هَذا.
والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ" لِمَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لا لِلضَّمِيرِ في "لَهُمْ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَسُومُهُمْ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي إشارَةٌ إلى العَذابِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي إلى مُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والصَحِيحُ أنَّها عامَّةٌ في كُلِّ مَن حالُ اليَهُودِ مَعَهُ هَذِهِ الحالُ، ويَسُومُهم مَعْناهُ: يُكَلِّفُهم ويُحَمِّلُهُمْ، و﴿سُوءَ العَذابِ﴾ الظاهِرُ مِنهُ الجِزْيَةُ والإذْلالُ، وقَدْ حَتَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ هَذا وحَطَّ مُلْكَهُمْ، فَلَيْسَ في الأرْضِ رايَةٌ لِيَهُودِيٍّ، وقالابْنُ المُسَيِّبِ: فَيُسْتَحَبُّ أنْ تُتْعَبَ اليَهُودُ في الجِزْيَةِ، ولَقَدْ حَدَّثَ أنَّ طائِفَةً مِنَ الرُومِ أمَلَكَتْ في صُقْعِها، فَباعَتِ اليَهُودَ المُجاوِرَةَ لَهُمُ الساكِنَةَ مَعَهم وتَمَلَّكُوهم.
ثُمَّ حَسُنَ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ -لِتَضَمُّنِها الإيقاعَ بِهِمْ والوَعِيدَ- أنْ يُنَبِّهَ عَلى سُرْعَةِ عِقابِ اللهِ ويُخَوِّفَ بِذَلِكَ تَخْوِيفًا عامًّا لِجَمِيعِ الناسِ، ثُمَّ رَجّى ذَلِكَ لُطْفًا مِنهُ تَبارَكَ وتَعالى.
وقَوْلُهُ وتَعالى: ﴿وَقَطَّعْناهُمْ﴾ مَعْناهُ: فَرَّقْناهم في الأرْضِ، قالَ الطَبَرِيُّ عن جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: ما في الأرْضِ بُقْعَةٌ إلّا وفِيها مَعْشَرٌ مِنَ اليَهُودِ، والظاهِرُ في المُشارِ إلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُمُ الَّذِينَ بَعَدَ سُلَيْمانَ وقْتَ زَوالِ مُلْكِهِمْ، والظاهِرُ أنَّهُ قَبْلَ مُدَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ صالِحٌ بَعْدَ كُفْرِهِمْ بِعِيسى ﷺ، وفي التَوارِيخِ في هَذا الفَصْلِ رِواياتٌ مُضْطَرِبَةٌ، والصالِحُونَ ودُونَ ذَلِكَ ألْفاظٌ مُحْتَمِلَةٌ أنْ يُرادَ بِها صَلاحُ الإيمانِ، فَـ "دُونَ" بِمَعْنى غَيْرٍ يُرادُ بِها الكَفَرَةُ، وإنْ أُرِيدَ بِالصَلاحِ العِبادَةُ والخَيْرُ وتَوابِعُ الإيمانِ فَـ "دُونَ ذَلِكَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مُؤْمِنِينَ.
(p-٧٨)﴿وَبَلَوْناهُمْ﴾ مَعْناهُ: امْتَحَنّاهُمْ، والحَسَناتُ: الصِحَّةُ والرَخاءُ ونَحْوُ هَذا مِمّا هو بِحَسَبِ رَأْيِ ابْنِ آدَمَ ونَظَرِهِ، والسَيِّئاتُ: مُقابَلاتُ هَذِهِ. وقَوْلُهُ: "لَعَلَّهُمْ" أيْ بِحَسَبِ رَأْيِكم لَوْ شاهَدْتُمْ ذَلِكَ، والمَعْنى: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى الطاعَةِ ويَتُوبُونَ مِنَ المَعْصِيَةِ.
الأعراف 7:169
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضَ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابَ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللهِ إلا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ والدارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾
"خَلَفَ" مَعْناهُ: حَدَثَ خَلْفَهم وبَعْدَهم "خَلْفٌ" بِإسْكانِ اللامِ، يُسْتَعْمَلُ في الأشْهَرِ في الذَمِّ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎ ذَهَبَ الَّذِينَ يُعاشُ في أكْنافِهِمْ ∗∗∗ وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ
وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في المَدْحِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ:
؎ لَنا القَدَمُ الأُولى إلَيْكَ وخَلْفَنا ∗∗∗ ∗∗∗ لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللهِ تابِعُ
والخَلَفُ -بِفَتْحِ اللامِ- يُسْتَعْمَلُ -فِي الأشْهَرِ- في المَدْحِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَجّاجُ: وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الذَمِّ أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٧٩)
؎ ألّا ذَلِكَ الخَلَفُ الأعْوَرُ
وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ بِالخَلْفِ هاهُنا النَصارى، وضَعَّفَهُ الطَبَرِيُّ. وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "وُرِّثُوا الكِتابَ" بِضَمِّ الواوِ وشَدِّ الراءِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ إشارَةٌ إلى الرِشا والمَكاسِبِ الخَبِيثَةِ، والعَرَضُ: ما يُعْرَضُ ويَعِنُّ ولا يَثْبُتُ، و"الأدْنى" إشارَةٌ إلى عَيْشِ الدُنْيا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ ذَمٌّ لَهم بِاغْتِرارِهِمْ، وقَوْلِهِمْ: "سَيُغْفَرُ" مَعَ عِلْمِهِمْ بِما في كِتابِ اللهِ مِنَ الوَعِيدِ عَلى المَعاصِي وإصْرارِهِمْ عَلَيْهِمْ وأنَّهم إذا أمْكَنَتْهم ثانِيَةً ارْتَكَبُوها فَهَؤُلاءِ عَجَزَةٌ، كَما قالَ ﷺ: "والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها وتَمَنّى عَلى اللهِ"، وهم مُصِرُّونَ، وإنَّما يَقُولُ سَيُغْفَرُ لَنا مَن أقْلَعَ ونَدِمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ، تَشْدِيدٌ في لُزُومِ قَوْلِ الحَقِّ عَلى اللهِ في الشَرْعِ والأحْكامِ بَيْنَ الناسِ، وأنْ لا تَمِيلَ الرِشا بِالحُكّامِ إلى الباطِلِ، و"الكِتابُ" يُرِيدُ بِهِ التَوْراةَ، ومِيثاقُها: الشَدائِدُ الَّتِي فِيها في هَذا المَعْنى، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللهِ إلا الحَقَّ﴾ يُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ قَوْلَهُمُ الباطِلَ في حُكُومَةٍ مِمّا يَقَعُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ويُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ قَوْلَهُمْ: "سَيُغْفَرُ لَنا" وهم قَدْ عَلِمُوا الحَقَّ في نَهْيِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عن ذَلِكَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَقُولُوا" بِياءٍ مِن تَحْتُ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "تَقُولُوا" بِتاءٍ مِن فَوْقُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَدَرَسُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ﴾ الآيَةُ بِمَعْنى المُضِيِّ، ويُقَدَّرُ: ألَيْسَ قَدْ أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابَ ودَرَسُوا ما فِيهِ؟ وبِهَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِمُ الباطِلَ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "وادّارَسُوا ما فِيهِ"، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: "وَدَرَسُوا" مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَرِثُوا الكِتابَ﴾.
(p-٨٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي هَذا نَظَرٌ لِبُعْدِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ قَوْلُهُ: "وَدَرَسُوا" يَزُولُ مِنهُ مَعْنى إقامَةِ الحُجَّةِ بِالتَقْدِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: "ألَمْ" ثُمَّ وعَظَ وذَكَّرَ تَبارَكَ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿والدارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أفَلا تَعْقِلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: "يَعْقِلُونَ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ( لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ). وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ، وأبُو عَمْرٍو، والناسُ: "يُمَسِّكُونَ" بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ السِينِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو العالِيَةِ، وعاصِمٌ وحْدَهُ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "يُمْسِكُونَ" بِسُكُونِ المِيمِ وتَخْفِيفِ السِينِ، وكُلُّهم خَفَّفَ "وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ"، إلّا أبا عَمْرٍو فَإنَّهُ قَرَأ: "وَلا تُمَسِّكُوا" بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ السِينِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "والَّذِينَ اسْتَمْسَكُوا" وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: "والَّذِينَ مَسَكُوا"، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
؎ فَما تَمَسَّكَ بِالعَهْدِ الَّذِي زَعَمَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا كَما تُمْسِكُ الماءَ الغَرابِيلُ
أمّا إنْ شَدَّ السِينَ يَجْرِي مَعَ التَعَدِّي بِالباءِ.
الأعراف 7:170
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضَ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابَ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللهِ إلا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ والدارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾
"خَلَفَ" مَعْناهُ: حَدَثَ خَلْفَهم وبَعْدَهم "خَلْفٌ" بِإسْكانِ اللامِ، يُسْتَعْمَلُ في الأشْهَرِ في الذَمِّ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎ ذَهَبَ الَّذِينَ يُعاشُ في أكْنافِهِمْ ∗∗∗ وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ
وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في المَدْحِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ:
؎ لَنا القَدَمُ الأُولى إلَيْكَ وخَلْفَنا ∗∗∗ ∗∗∗ لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللهِ تابِعُ
والخَلَفُ -بِفَتْحِ اللامِ- يُسْتَعْمَلُ -فِي الأشْهَرِ- في المَدْحِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَجّاجُ: وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الذَمِّ أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٧٩)
؎ ألّا ذَلِكَ الخَلَفُ الأعْوَرُ
وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ بِالخَلْفِ هاهُنا النَصارى، وضَعَّفَهُ الطَبَرِيُّ. وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "وُرِّثُوا الكِتابَ" بِضَمِّ الواوِ وشَدِّ الراءِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ إشارَةٌ إلى الرِشا والمَكاسِبِ الخَبِيثَةِ، والعَرَضُ: ما يُعْرَضُ ويَعِنُّ ولا يَثْبُتُ، و"الأدْنى" إشارَةٌ إلى عَيْشِ الدُنْيا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ ذَمٌّ لَهم بِاغْتِرارِهِمْ، وقَوْلِهِمْ: "سَيُغْفَرُ" مَعَ عِلْمِهِمْ بِما في كِتابِ اللهِ مِنَ الوَعِيدِ عَلى المَعاصِي وإصْرارِهِمْ عَلَيْهِمْ وأنَّهم إذا أمْكَنَتْهم ثانِيَةً ارْتَكَبُوها فَهَؤُلاءِ عَجَزَةٌ، كَما قالَ ﷺ: "والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها وتَمَنّى عَلى اللهِ"، وهم مُصِرُّونَ، وإنَّما يَقُولُ سَيُغْفَرُ لَنا مَن أقْلَعَ ونَدِمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ، تَشْدِيدٌ في لُزُومِ قَوْلِ الحَقِّ عَلى اللهِ في الشَرْعِ والأحْكامِ بَيْنَ الناسِ، وأنْ لا تَمِيلَ الرِشا بِالحُكّامِ إلى الباطِلِ، و"الكِتابُ" يُرِيدُ بِهِ التَوْراةَ، ومِيثاقُها: الشَدائِدُ الَّتِي فِيها في هَذا المَعْنى، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللهِ إلا الحَقَّ﴾ يُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ قَوْلَهُمُ الباطِلَ في حُكُومَةٍ مِمّا يَقَعُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ويُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ قَوْلَهُمْ: "سَيُغْفَرُ لَنا" وهم قَدْ عَلِمُوا الحَقَّ في نَهْيِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عن ذَلِكَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَقُولُوا" بِياءٍ مِن تَحْتُ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "تَقُولُوا" بِتاءٍ مِن فَوْقُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَدَرَسُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ﴾ الآيَةُ بِمَعْنى المُضِيِّ، ويُقَدَّرُ: ألَيْسَ قَدْ أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابَ ودَرَسُوا ما فِيهِ؟ وبِهَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِمُ الباطِلَ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "وادّارَسُوا ما فِيهِ"، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: "وَدَرَسُوا" مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَرِثُوا الكِتابَ﴾.
(p-٨٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي هَذا نَظَرٌ لِبُعْدِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ قَوْلُهُ: "وَدَرَسُوا" يَزُولُ مِنهُ مَعْنى إقامَةِ الحُجَّةِ بِالتَقْدِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: "ألَمْ" ثُمَّ وعَظَ وذَكَّرَ تَبارَكَ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿والدارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أفَلا تَعْقِلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: "يَعْقِلُونَ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ( لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ). وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ، وأبُو عَمْرٍو، والناسُ: "يُمَسِّكُونَ" بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ السِينِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو العالِيَةِ، وعاصِمٌ وحْدَهُ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "يُمْسِكُونَ" بِسُكُونِ المِيمِ وتَخْفِيفِ السِينِ، وكُلُّهم خَفَّفَ "وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ"، إلّا أبا عَمْرٍو فَإنَّهُ قَرَأ: "وَلا تُمَسِّكُوا" بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ السِينِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "والَّذِينَ اسْتَمْسَكُوا" وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: "والَّذِينَ مَسَكُوا"، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
؎ فَما تَمَسَّكَ بِالعَهْدِ الَّذِي زَعَمَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا كَما تُمْسِكُ الماءَ الغَرابِيلُ
أمّا إنْ شَدَّ السِينَ يَجْرِي مَعَ التَعَدِّي بِالباءِ.
الأعراف 7:171
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عن هَذا غافِلِينَ﴾
"نَتَقْنا" مَعْناهُ: اقْتَلَعْنا ورَفَعْنا، فَكَأنَّ النَتْقَ اقْتِلاعُ الشَيْءِ، تَقُولُ العَرَبُ: "نَتَقْتُ الزُبْدَةَ مِن فَمِ القِرْبَةِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ونَتَقُوا أحْلامَنا الأثاقِلا
(p-٨١)والناتِقُ: الرَحِمُ الَّتِي تُقْلِعُ الوَلَدَ مِنَ الرَجُلِ، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:
؎ لَمْ يُحْرَمُوا حُسْنَ الغَداءِ وأُمُّهم ∗∗∗ ∗∗∗ دَحَقَتْ عَلَيْكَ بِناتِقٍ مِذْكارِ
وفِي الحَدِيثِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "عَلَيْكم بِتَزْوِيجِ الأبْكارِ فَإنَّهُنَّ أنَتَقُ أرْحامًا وأطْيَبُ أفْواهًا"» الحَدِيثُ. وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ بَدَلَ هَذِهِ اللَفْظَةِ في هَذِهِ القِصَّةِ بِعَيْنِها "رَفَعْنا"، و"فَوْقَهُمْ" أعْطَتِ الرَفْعَ بِزِيادَةِ قَرِينَةٍ هي أنَّ الجَبَلَ اقْتَلَعَتْهُ المَلائِكَةُ وأمَرَ اللهُ إيّاهُ.
ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا جاءَهم بِالتَوْراةِ فَقالَ عَنِ اللهِ تَعالى: هَذا كِتابُ اللهِ، أتَقْبَلُونَهُ بِما فِيهِ؟ فَإنَّ فِيهِ بَيانَ ما أُحِلَّ لَكم وما حُرِّمَ عَلَيْكم وما أمَرَكم وما نَهاكُمْ، قالُوا: انْشُرْ عَلَيْنا ما فِيها، فَإنْ كانَتْ فَرائِضُها يَسِيرَةً وحُدُودُها خَفِيفَةً قَبِلْناها، قالَ: اقْبَلُوها بِما فِيها، قالُوا: لا، فَراجَعَهم مُوسى فَراجَعُوا ثَلاثًا فَأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إلى (p-٨٢)الجَبَلِ فانْقَلَعَ وارْتَفَعَ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، فَقالَ لَهم مُوسى ﷺ: ألا تَرَوْنَ ما يَقُولُ رَبِّي؟ لَئِنْ لَمْ تَقْبَلُوا التَوْراةَ بِما فِيها لَأرْمِيَنَّكم بِهَذا الجَبَلِ، قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: فَلَمّا رَأوا إلى الجَبَلِ خَرَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ساجِدًا عَلى حاجِبِهِ الأيْسَرِ، ونَظَرَ بِعَيْنِهِ اليُمْنى إلى الجَبَلِ فَرَقًا أنْ يَسْقُطَ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ لَيْسَ في الأرْضِ يَهُودِيُّ يَسْجُدُ إلّا عَلى حاجِبِهِ الأيْسَرِ، يَقُولُونَ: هَذِهِ السَجْدَةُ الَّتِي رَفَعَتْ بِها عَنّا العُقُوبَةَ.
و"الظُلَّةُ": ما أظَلَّ، ومِنهُ ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]، ومِنهُ ﴿عَذابُ يَوْمِ الظُلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩]، ومِنهُ «قَوْلُ أسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: قَرَأْتُ البارِحَةَ فَغَشِيَ الدارَ مِثْلُ الظُلَّةِ فِيها أمْثالُ المَصابِيحِ، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "تِلْكَ السَكِينَةُ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ".» فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ الجَبَلُ ظُلَّةً فَما مَعْنى: "كَأنَّهُ"؟ فالجَوابُ أنَّ البَشَرَ إنَّما اعْتادُوا هَذِهِ الأجْرامَ الأرْضِيَّةَ ظُلُلًا إذا كانَتْ عَلى عُمُدٍ، فَلَمّا كانَ الجَبَلُ عَلى غَيْرِ عُمُدٍ قِيلَ: ﴿كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾، أيْ: كَأنَّهُ عَلى عُمُدٍ، "وَظَنُّوا" قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: أيْقَنُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولَيْسَ الأمْرُ عِنْدِي كَذَلِكَ، بَلْ هو مَوْضِعُ غَلَبَةِ الظَنِّ مَعَ بَقاءِ الرَجاءِ، وكَيْفَ يُوقِنُونَ بِوُقُوعِهِ ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ يَقُولُ: إنَّ الرَمْيَ بِهِ إنَّما هو بِشَرْطِ ألّا يَقْبَلُوا التَوْراةَ، والظَنُّ إنَّما يَقَعُ ويُسْتَعْمَلُ في اليَقِينِ مَتى كانَ ذَلِكَ المُتَيَقَّنُ لَمْ يَخْرُجْ إلى (p-٨٣)الحَواسِّ، وقَدْ تَبَيَّنَ هَذا فِيما سَلَفَ مِن هَذا الكِتابِ. ثُمَّ قِيلَ لَهم في وقْتِ ارْتِفاعِ الجَبَلِ: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ فَأخَذُوها والتَزَمُوا جَمِيعَ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن شِدَّةٍ ورَخاءٍ فَما وفَّوْا، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "واذْكُرُوا"، وقَرَأ الأعْمَشُ -فِيما حَكى أبُو الفَتْحِ عنهُ-: "واذَّكَّرُوا". وقَوْلُهُ: "لَعَلَّكُمْ" عَلى تَرَجِّيهِمْ، وهَذا تَشَدُّدٌ في حِفْظِها والتَهَمُّمِ بِأمْرِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ﴾ الآيَةُ، التَقْدِيرُ: واذْكُرْ إذْ أخَذَ رَبُّكَ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ قالَ النُحاةُ: هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن بَنِي آدَمَ﴾، وألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ تَقْتَضِي أنَّ الأخْذَ إنَّما كانَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ، ولَيْسَ لِآدَمَ في الآيَةِ ذِكْرٌ بِحَسَبِ اللَفْظَةِ، وتَواتَرَتِ الأحادِيثُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ مِن طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرِهِما أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لَمّا خَلَقَ آدَمَ (وَفِي بَعْضِ الرِواياتِ: لَمّا أهْبَطَ آدَمَ إلى الأرْضِ في دَهْناءَ مِن أرْضِ السِنْدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وفي بَعْضِها أنَّ ذَلِكَ بِنُعْمانَ وهي عَرَفَةُ وما يَلِيها، قالَهُ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ) مَسَحَ عَلى ظَهْرِهِ (وَفِي بَعْضِ الرِواياتِ بِيَمِينِهِ، وفي بَعْضِ الرِواياتِ ضَرَبَ مَنكِبَهُ) فاسْتَخْرَجَ مِنها -أيْ مِنَ المَسْحَةِ أوِ الضَرْبَةِ- نَسَمَ بَنِيهِ، فَفي بَعْضِ الرِواياتِ كالذَرِّ، وفي بَعْضِها كالخَرْدَلِ. وقالَ مُحَمَّدُ (p-٨٤)بْنُ كَعْبٍ: إنَّها الأرْواحُ جُعِلَتْ لَها مِثالاتٌ، ورَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "أُخِذُوا مِن ظَهْرِهِ كَما يُؤْخَذُ بِالمُشْطِ مِنَ الرَأْسِ، وجَعَلَ اللهُ لَهم عُقُولًا كَنَمْلَةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، وأخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِأنَّهُ رَبُّهم وأنْ لا إلَهَ غَيْرُهُ، فَأقَرُّوا بِذَلِكَ والتَزَمُوهُ، وأعْلَمَهم أنَّهُ سَيَبْعَثُ الرُسُلَ إلَيْهِمْ مُذَكِّرَةً وداعِيَةً، فَشَهِدَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ"،» قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: أشْهَدَ عَلَيْهِمُ السَماواتِ السَبْعَ، فَلَيْسَ مِن أحَدٍ يُولَدُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إلّا وقَدْ أُخِذَ عَلَيْهِ العَهْدُ في ذَلِكَ اليَوْمِ والمَقامِ، وقالَ السُدِّيُّ: أعْطى الكُفّارُ العَهْدَ يَوْمَئِذٍ كارِهِينَ عَلى وجْهِ التَقِيَّةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
هَذِهِ نُخَيْلَةُ مَجْمُوعِ الرِواياتِ المُطَوَّلَةِ، وكَأنَّ ألْفاظَ هَذِهِ الأحادِيثِ لا تَلْتَئِمُ مَعَ ألْفاظِ الآيَةِ، وقَدْ أكْثَرَ الناسُ في رَوْمِ الجَمْعِ بَيْنَهُما، فَقالَ قَوْمٌ: إنَّ الآيَةَ مُشِيرَةٌ إلى هَذا التَناسُلِ الَّذِي في الدُنْيا، و"أخَذَ" بِمَعْنى: أوجَدَ عَلى المَعْهُودِ، وأنَّ (الإشْهادَ) هو عِنْدَ بُلُوغِ المُكَلَّفِ وهو قَدْ أُعْطِيَ الفَهْمَ، ونُصِبَتْ لَهُ هَذِهِ الصَنْعَةُ الدالَّةُ عَلى الصانِعِ، ونَحا إلى هَذا المَعْنى الزَجّاجُ، وهو مَعْنًى تَحْتَمِلُهُ الألْفاظُ، لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما الآيَةَ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ، ورِوايَتُهُما ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ.
وطَوَّلَ الجُرْجانِيُّ في هَذِهِ المَسْألَةِ، ومَدارُ كَلامِهِ عَلى أنَّ المَسْحَ وإخْراجَ الذَرِّيَّةِ مِن ظَهْرِ آدَمَ حَسَبَ الحَدِيثِ، وقِيلَ في الآيَةِ: أخَذَ مِن ظُهُورِهِمْ، إذِ الإخْراجُ مِن ظَهْرِ آدَمَ الَّذِي هو الأصْلُ إخْراجٌ مِن ظُهُورِ بَنِيهِ الَّذِينَ هُمُ الفُرُوعُ، إذِ الفَرْعُ والأصْلُ شَيْءٌ واحِدٌ، إلى كَلامٍ كَثِيرٍ لا يَثْبُتُ لِلنَّقْدِ.
(p-٨٥)وَقالَ غَيْرُهُ: إنَّ جَمِيعَ ما في الحَدِيثِ مِن مَسْحٍ بِيَمِينِهِ وضَرْبِ مَنكِبَهِ ونَحْوِ هَذا إنَّما هو عِبارَةٌ عن إيجادِ ذَلِكَ النَسَمِ مِنهُ، واليَمِينُ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، أو يَكُونُ الماسِحُ مَلَكًا بِأمْرِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فَتَضَمَّنَ الحَدِيثُ صَدْرَ القِصَّةِ وإيجادَ النَسَمِ مِن آدَمَ، وهَذِهِ زِيادَةٌ عَلى ما في الآيَةِ، ثُمَّ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ ما جَرى بَعْدَ هَذا مِن أخْذِ العَهْدِ، والنَسَمُ حُضُورٌ مَوْجُودُونَ. وهي تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ "أخَذَ" عامِلًا في "عَهْدٍ" أو "مِيثاقٍ" تُقَدِّرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: "ذُرِّيَّتَهُمْ"، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "مِن ظُهُورِهِمْ" لِبَيانِ جِنْسِ النُبُوَّةِ، إذِ المُرادُ مِنَ الجَمِيعِ التَناسُلُ، ويَشْرَكُهُ في لَفْظَةِ "بَنِي آدَمَ" بَنُوهُ لِصُلْبِهِ وبَنُوهُ بِالشَفَقَةِ والحَنانِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "ذُرِّيَّتَهُمْ" بَدَلًا مِن "بَنِي آدَمَ"، والمَعْنى الآخَرُ أنَّهُ لَمّا كانَتْ كُلُّ نَسَمَةٍ هُنالِكَ لَها نِسْبَةٌ إلى الَّتِي هي مِن ظَهْرِها كانَ تَعْيِينُ تِلْكَ النِسْبَةِ أُخِذَ مِنَ الظَهْرِ إذْ سَتَخْرُجُ مِنهُ، فَهي المُسْتَأْنَفُ، فالمَعْنى: وإذْ عُيِّنُوا بِهَذِهِ النِسْبَةِ وعُرِفُوا بِها، فَذَلِكَ أخْذٌ ما، و"أخَذَ" -عَلى هَذا- عامِلٌ في "ذُرِّيَّتَهُمْ" ولَيْسَ بِمَعْنى مَسَحَ وأوجَدَ، بَلْ قَدْ تَقَدَّمَ إيجادُهم كَما تَقَدَّمَ الحَدِيثُ المَذْكُورُ، فالحَدِيثُ يَزِيدُ مَعْنًى عَلى الآيَةِ وهو ذِكْرُ آدَمَ وأوَّلُ إيجادِ النَسَمِ كَيْفَ كانَ.
وقالَ الطَرْطُوشِيُّ: إنَّ هَذا العَهْدَ يَلْزَمُ البَشَرَ وإنْ كانُوا لا يَذْكُرُونَهُ في هَذِهِ الحَياةِ كَما يَلْزَمُ الطَلاقُ مَن شُهِدَ عَلَيْهِ بِهِ وهو قَدْ نَسِيَهُ إلى غَيْرِ هَذا مِمّا لَيْسَ بِتَفْسِيرٍ ولا مِن طَرِيقِهِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "ذُرِّيّاتِهِمْ" جَمْعُ جَمْعٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "ذُرِّيَّتَهُمْ" والإفْرادُ هُنا جَمْعٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى لَفْظِ الذُرِّيَّةِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَلامُ كانُوا بَيْنَ تِلْكَ النَسَمِ، وأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ رَأى داوُدَ فَأعْجَبَهُ، فَقالَ: مَن هَذا؟ فَقِيلَ: نَبِيٌّ مِن ذُرِّيَّتِكَ، فَقالَ: كَمْ (p-٨٦)عُمْرُهُ؟ فَقِيلَ: سِتُّونَ سَنَةً، فَقالَ: زِيدُوهُ مِن عُمْرِي أرْبَعِينَ سَنَةً فَزِيدَتْ، قالَ: وكانَ عُمَرُ آدَمَ ألْفًا، فَلَمّا أكْمَلَ تِسْعَمِائَةٍ وسِتِّينَ جاءَ مَلَكُ المَوْتِ فَقالَ لَهُ آدَمُ: بَقِيَ لِي أرْبَعُونَ سَنَةً، فَرَجَعَ مَلَكُ المَوْتِ إلى رَبِّهِ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ لَهُ: قُلْ لَهُ: إنَّكَ أعْطَيْتَها لِابْنِكَ داوُدَ، فَتُوُفِّيَ عَلَيْهِ السَلامُ بَعْدَ أنْ خاصَمَ في الأرْبَعِينَ، قالَ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ: مَن ماتَ صَغِيرًا فَهو عَلى العَهْدِ الأوَّلِ، ومَن بَلَغَ فَقَدْ أخَذَهُ العَهْدُ الثانِي، يَعْنِي الَّذِي في هَذِهِ الحَياةِ المَعْقُولَةِ الآنَ، وحَكى الزَجّاجُ عن قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ عِبارَةٌ عن أنَّ كُلَّ نَسَمَةٍ إذا وُلِدَتْ وبَلَغَتْ فَنَظَرُها في الأدِلَّةِ المَنصُوبَةِ عَهْدٌ عَلَيْها في أنْ تُؤْمِنَ وتَعْرِفَ اللهَ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا القَوْلِ، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ مُنَكَّبٌ عَنِ الأحادِيثِ المَأْثُورَةِ مَطَّرِحٌ لَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَهِدْنا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ بَعْضِ النَسَمِ لِبَعْضٍ، أيْ شَهِدْنا عَلَيْكم لِئَلّا تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ: غَفَلْنا عن مَعْرِفَةِ اللهِ والإيمانِ بِهِ، فَتَكُونَ مُقالَةً مِن هَؤُلاءِ لِهَؤُلاءِ، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ، وعَلى هَذا لا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "بَلى"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "شَهِدْنا" مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، فَيَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: "بَلى"، قالَ السُدِّيُّ: المَعْنى: قالَ اللهُ ومَلائِكَتُهُ: شَهِدْنا، ورَواهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ النَبِيِّ ﷺ.
وقَرَأ السَبْعَةُ غَيْرَ أبِي عَمْرٍو: "أنْ تَقُولُوا" عَلى مُخاطَبَةِ حاضِرِينَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "أنْ يَقُولُوا" عَلى الحِكايَةِ عن غائِبِينَ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، والقِراءَتانِ تَتَفَسَّرانِ بِحَسَبِ المَعْنَيَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، و"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: مَخافَةَ أنْ.
الأعراف 7:172
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عن هَذا غافِلِينَ﴾
"نَتَقْنا" مَعْناهُ: اقْتَلَعْنا ورَفَعْنا، فَكَأنَّ النَتْقَ اقْتِلاعُ الشَيْءِ، تَقُولُ العَرَبُ: "نَتَقْتُ الزُبْدَةَ مِن فَمِ القِرْبَةِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ونَتَقُوا أحْلامَنا الأثاقِلا
(p-٨١)والناتِقُ: الرَحِمُ الَّتِي تُقْلِعُ الوَلَدَ مِنَ الرَجُلِ، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:
؎ لَمْ يُحْرَمُوا حُسْنَ الغَداءِ وأُمُّهم ∗∗∗ ∗∗∗ دَحَقَتْ عَلَيْكَ بِناتِقٍ مِذْكارِ
وفِي الحَدِيثِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "عَلَيْكم بِتَزْوِيجِ الأبْكارِ فَإنَّهُنَّ أنَتَقُ أرْحامًا وأطْيَبُ أفْواهًا"» الحَدِيثُ. وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ بَدَلَ هَذِهِ اللَفْظَةِ في هَذِهِ القِصَّةِ بِعَيْنِها "رَفَعْنا"، و"فَوْقَهُمْ" أعْطَتِ الرَفْعَ بِزِيادَةِ قَرِينَةٍ هي أنَّ الجَبَلَ اقْتَلَعَتْهُ المَلائِكَةُ وأمَرَ اللهُ إيّاهُ.
ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا جاءَهم بِالتَوْراةِ فَقالَ عَنِ اللهِ تَعالى: هَذا كِتابُ اللهِ، أتَقْبَلُونَهُ بِما فِيهِ؟ فَإنَّ فِيهِ بَيانَ ما أُحِلَّ لَكم وما حُرِّمَ عَلَيْكم وما أمَرَكم وما نَهاكُمْ، قالُوا: انْشُرْ عَلَيْنا ما فِيها، فَإنْ كانَتْ فَرائِضُها يَسِيرَةً وحُدُودُها خَفِيفَةً قَبِلْناها، قالَ: اقْبَلُوها بِما فِيها، قالُوا: لا، فَراجَعَهم مُوسى فَراجَعُوا ثَلاثًا فَأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إلى (p-٨٢)الجَبَلِ فانْقَلَعَ وارْتَفَعَ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، فَقالَ لَهم مُوسى ﷺ: ألا تَرَوْنَ ما يَقُولُ رَبِّي؟ لَئِنْ لَمْ تَقْبَلُوا التَوْراةَ بِما فِيها لَأرْمِيَنَّكم بِهَذا الجَبَلِ، قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: فَلَمّا رَأوا إلى الجَبَلِ خَرَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ساجِدًا عَلى حاجِبِهِ الأيْسَرِ، ونَظَرَ بِعَيْنِهِ اليُمْنى إلى الجَبَلِ فَرَقًا أنْ يَسْقُطَ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ لَيْسَ في الأرْضِ يَهُودِيُّ يَسْجُدُ إلّا عَلى حاجِبِهِ الأيْسَرِ، يَقُولُونَ: هَذِهِ السَجْدَةُ الَّتِي رَفَعَتْ بِها عَنّا العُقُوبَةَ.
و"الظُلَّةُ": ما أظَلَّ، ومِنهُ ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]، ومِنهُ ﴿عَذابُ يَوْمِ الظُلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩]، ومِنهُ «قَوْلُ أسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: قَرَأْتُ البارِحَةَ فَغَشِيَ الدارَ مِثْلُ الظُلَّةِ فِيها أمْثالُ المَصابِيحِ، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "تِلْكَ السَكِينَةُ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ".» فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ الجَبَلُ ظُلَّةً فَما مَعْنى: "كَأنَّهُ"؟ فالجَوابُ أنَّ البَشَرَ إنَّما اعْتادُوا هَذِهِ الأجْرامَ الأرْضِيَّةَ ظُلُلًا إذا كانَتْ عَلى عُمُدٍ، فَلَمّا كانَ الجَبَلُ عَلى غَيْرِ عُمُدٍ قِيلَ: ﴿كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾، أيْ: كَأنَّهُ عَلى عُمُدٍ، "وَظَنُّوا" قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: أيْقَنُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولَيْسَ الأمْرُ عِنْدِي كَذَلِكَ، بَلْ هو مَوْضِعُ غَلَبَةِ الظَنِّ مَعَ بَقاءِ الرَجاءِ، وكَيْفَ يُوقِنُونَ بِوُقُوعِهِ ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ يَقُولُ: إنَّ الرَمْيَ بِهِ إنَّما هو بِشَرْطِ ألّا يَقْبَلُوا التَوْراةَ، والظَنُّ إنَّما يَقَعُ ويُسْتَعْمَلُ في اليَقِينِ مَتى كانَ ذَلِكَ المُتَيَقَّنُ لَمْ يَخْرُجْ إلى (p-٨٣)الحَواسِّ، وقَدْ تَبَيَّنَ هَذا فِيما سَلَفَ مِن هَذا الكِتابِ. ثُمَّ قِيلَ لَهم في وقْتِ ارْتِفاعِ الجَبَلِ: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ فَأخَذُوها والتَزَمُوا جَمِيعَ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن شِدَّةٍ ورَخاءٍ فَما وفَّوْا، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "واذْكُرُوا"، وقَرَأ الأعْمَشُ -فِيما حَكى أبُو الفَتْحِ عنهُ-: "واذَّكَّرُوا". وقَوْلُهُ: "لَعَلَّكُمْ" عَلى تَرَجِّيهِمْ، وهَذا تَشَدُّدٌ في حِفْظِها والتَهَمُّمِ بِأمْرِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ﴾ الآيَةُ، التَقْدِيرُ: واذْكُرْ إذْ أخَذَ رَبُّكَ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ قالَ النُحاةُ: هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن بَنِي آدَمَ﴾، وألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ تَقْتَضِي أنَّ الأخْذَ إنَّما كانَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ، ولَيْسَ لِآدَمَ في الآيَةِ ذِكْرٌ بِحَسَبِ اللَفْظَةِ، وتَواتَرَتِ الأحادِيثُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ مِن طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرِهِما أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لَمّا خَلَقَ آدَمَ (وَفِي بَعْضِ الرِواياتِ: لَمّا أهْبَطَ آدَمَ إلى الأرْضِ في دَهْناءَ مِن أرْضِ السِنْدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وفي بَعْضِها أنَّ ذَلِكَ بِنُعْمانَ وهي عَرَفَةُ وما يَلِيها، قالَهُ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ) مَسَحَ عَلى ظَهْرِهِ (وَفِي بَعْضِ الرِواياتِ بِيَمِينِهِ، وفي بَعْضِ الرِواياتِ ضَرَبَ مَنكِبَهُ) فاسْتَخْرَجَ مِنها -أيْ مِنَ المَسْحَةِ أوِ الضَرْبَةِ- نَسَمَ بَنِيهِ، فَفي بَعْضِ الرِواياتِ كالذَرِّ، وفي بَعْضِها كالخَرْدَلِ. وقالَ مُحَمَّدُ (p-٨٤)بْنُ كَعْبٍ: إنَّها الأرْواحُ جُعِلَتْ لَها مِثالاتٌ، ورَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "أُخِذُوا مِن ظَهْرِهِ كَما يُؤْخَذُ بِالمُشْطِ مِنَ الرَأْسِ، وجَعَلَ اللهُ لَهم عُقُولًا كَنَمْلَةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، وأخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِأنَّهُ رَبُّهم وأنْ لا إلَهَ غَيْرُهُ، فَأقَرُّوا بِذَلِكَ والتَزَمُوهُ، وأعْلَمَهم أنَّهُ سَيَبْعَثُ الرُسُلَ إلَيْهِمْ مُذَكِّرَةً وداعِيَةً، فَشَهِدَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ"،» قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: أشْهَدَ عَلَيْهِمُ السَماواتِ السَبْعَ، فَلَيْسَ مِن أحَدٍ يُولَدُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إلّا وقَدْ أُخِذَ عَلَيْهِ العَهْدُ في ذَلِكَ اليَوْمِ والمَقامِ، وقالَ السُدِّيُّ: أعْطى الكُفّارُ العَهْدَ يَوْمَئِذٍ كارِهِينَ عَلى وجْهِ التَقِيَّةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
هَذِهِ نُخَيْلَةُ مَجْمُوعِ الرِواياتِ المُطَوَّلَةِ، وكَأنَّ ألْفاظَ هَذِهِ الأحادِيثِ لا تَلْتَئِمُ مَعَ ألْفاظِ الآيَةِ، وقَدْ أكْثَرَ الناسُ في رَوْمِ الجَمْعِ بَيْنَهُما، فَقالَ قَوْمٌ: إنَّ الآيَةَ مُشِيرَةٌ إلى هَذا التَناسُلِ الَّذِي في الدُنْيا، و"أخَذَ" بِمَعْنى: أوجَدَ عَلى المَعْهُودِ، وأنَّ (الإشْهادَ) هو عِنْدَ بُلُوغِ المُكَلَّفِ وهو قَدْ أُعْطِيَ الفَهْمَ، ونُصِبَتْ لَهُ هَذِهِ الصَنْعَةُ الدالَّةُ عَلى الصانِعِ، ونَحا إلى هَذا المَعْنى الزَجّاجُ، وهو مَعْنًى تَحْتَمِلُهُ الألْفاظُ، لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما الآيَةَ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ، ورِوايَتُهُما ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ.
وطَوَّلَ الجُرْجانِيُّ في هَذِهِ المَسْألَةِ، ومَدارُ كَلامِهِ عَلى أنَّ المَسْحَ وإخْراجَ الذَرِّيَّةِ مِن ظَهْرِ آدَمَ حَسَبَ الحَدِيثِ، وقِيلَ في الآيَةِ: أخَذَ مِن ظُهُورِهِمْ، إذِ الإخْراجُ مِن ظَهْرِ آدَمَ الَّذِي هو الأصْلُ إخْراجٌ مِن ظُهُورِ بَنِيهِ الَّذِينَ هُمُ الفُرُوعُ، إذِ الفَرْعُ والأصْلُ شَيْءٌ واحِدٌ، إلى كَلامٍ كَثِيرٍ لا يَثْبُتُ لِلنَّقْدِ.
(p-٨٥)وَقالَ غَيْرُهُ: إنَّ جَمِيعَ ما في الحَدِيثِ مِن مَسْحٍ بِيَمِينِهِ وضَرْبِ مَنكِبَهِ ونَحْوِ هَذا إنَّما هو عِبارَةٌ عن إيجادِ ذَلِكَ النَسَمِ مِنهُ، واليَمِينُ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، أو يَكُونُ الماسِحُ مَلَكًا بِأمْرِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فَتَضَمَّنَ الحَدِيثُ صَدْرَ القِصَّةِ وإيجادَ النَسَمِ مِن آدَمَ، وهَذِهِ زِيادَةٌ عَلى ما في الآيَةِ، ثُمَّ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ ما جَرى بَعْدَ هَذا مِن أخْذِ العَهْدِ، والنَسَمُ حُضُورٌ مَوْجُودُونَ. وهي تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ "أخَذَ" عامِلًا في "عَهْدٍ" أو "مِيثاقٍ" تُقَدِّرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: "ذُرِّيَّتَهُمْ"، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "مِن ظُهُورِهِمْ" لِبَيانِ جِنْسِ النُبُوَّةِ، إذِ المُرادُ مِنَ الجَمِيعِ التَناسُلُ، ويَشْرَكُهُ في لَفْظَةِ "بَنِي آدَمَ" بَنُوهُ لِصُلْبِهِ وبَنُوهُ بِالشَفَقَةِ والحَنانِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "ذُرِّيَّتَهُمْ" بَدَلًا مِن "بَنِي آدَمَ"، والمَعْنى الآخَرُ أنَّهُ لَمّا كانَتْ كُلُّ نَسَمَةٍ هُنالِكَ لَها نِسْبَةٌ إلى الَّتِي هي مِن ظَهْرِها كانَ تَعْيِينُ تِلْكَ النِسْبَةِ أُخِذَ مِنَ الظَهْرِ إذْ سَتَخْرُجُ مِنهُ، فَهي المُسْتَأْنَفُ، فالمَعْنى: وإذْ عُيِّنُوا بِهَذِهِ النِسْبَةِ وعُرِفُوا بِها، فَذَلِكَ أخْذٌ ما، و"أخَذَ" -عَلى هَذا- عامِلٌ في "ذُرِّيَّتَهُمْ" ولَيْسَ بِمَعْنى مَسَحَ وأوجَدَ، بَلْ قَدْ تَقَدَّمَ إيجادُهم كَما تَقَدَّمَ الحَدِيثُ المَذْكُورُ، فالحَدِيثُ يَزِيدُ مَعْنًى عَلى الآيَةِ وهو ذِكْرُ آدَمَ وأوَّلُ إيجادِ النَسَمِ كَيْفَ كانَ.
وقالَ الطَرْطُوشِيُّ: إنَّ هَذا العَهْدَ يَلْزَمُ البَشَرَ وإنْ كانُوا لا يَذْكُرُونَهُ في هَذِهِ الحَياةِ كَما يَلْزَمُ الطَلاقُ مَن شُهِدَ عَلَيْهِ بِهِ وهو قَدْ نَسِيَهُ إلى غَيْرِ هَذا مِمّا لَيْسَ بِتَفْسِيرٍ ولا مِن طَرِيقِهِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "ذُرِّيّاتِهِمْ" جَمْعُ جَمْعٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "ذُرِّيَّتَهُمْ" والإفْرادُ هُنا جَمْعٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى لَفْظِ الذُرِّيَّةِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَلامُ كانُوا بَيْنَ تِلْكَ النَسَمِ، وأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ رَأى داوُدَ فَأعْجَبَهُ، فَقالَ: مَن هَذا؟ فَقِيلَ: نَبِيٌّ مِن ذُرِّيَّتِكَ، فَقالَ: كَمْ (p-٨٦)عُمْرُهُ؟ فَقِيلَ: سِتُّونَ سَنَةً، فَقالَ: زِيدُوهُ مِن عُمْرِي أرْبَعِينَ سَنَةً فَزِيدَتْ، قالَ: وكانَ عُمَرُ آدَمَ ألْفًا، فَلَمّا أكْمَلَ تِسْعَمِائَةٍ وسِتِّينَ جاءَ مَلَكُ المَوْتِ فَقالَ لَهُ آدَمُ: بَقِيَ لِي أرْبَعُونَ سَنَةً، فَرَجَعَ مَلَكُ المَوْتِ إلى رَبِّهِ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ لَهُ: قُلْ لَهُ: إنَّكَ أعْطَيْتَها لِابْنِكَ داوُدَ، فَتُوُفِّيَ عَلَيْهِ السَلامُ بَعْدَ أنْ خاصَمَ في الأرْبَعِينَ، قالَ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ: مَن ماتَ صَغِيرًا فَهو عَلى العَهْدِ الأوَّلِ، ومَن بَلَغَ فَقَدْ أخَذَهُ العَهْدُ الثانِي، يَعْنِي الَّذِي في هَذِهِ الحَياةِ المَعْقُولَةِ الآنَ، وحَكى الزَجّاجُ عن قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ عِبارَةٌ عن أنَّ كُلَّ نَسَمَةٍ إذا وُلِدَتْ وبَلَغَتْ فَنَظَرُها في الأدِلَّةِ المَنصُوبَةِ عَهْدٌ عَلَيْها في أنْ تُؤْمِنَ وتَعْرِفَ اللهَ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا القَوْلِ، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ مُنَكَّبٌ عَنِ الأحادِيثِ المَأْثُورَةِ مَطَّرِحٌ لَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَهِدْنا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ بَعْضِ النَسَمِ لِبَعْضٍ، أيْ شَهِدْنا عَلَيْكم لِئَلّا تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ: غَفَلْنا عن مَعْرِفَةِ اللهِ والإيمانِ بِهِ، فَتَكُونَ مُقالَةً مِن هَؤُلاءِ لِهَؤُلاءِ، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ، وعَلى هَذا لا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "بَلى"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "شَهِدْنا" مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، فَيَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: "بَلى"، قالَ السُدِّيُّ: المَعْنى: قالَ اللهُ ومَلائِكَتُهُ: شَهِدْنا، ورَواهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ النَبِيِّ ﷺ.
وقَرَأ السَبْعَةُ غَيْرَ أبِي عَمْرٍو: "أنْ تَقُولُوا" عَلى مُخاطَبَةِ حاضِرِينَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "أنْ يَقُولُوا" عَلى الحِكايَةِ عن غائِبِينَ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، والقِراءَتانِ تَتَفَسَّرانِ بِحَسَبِ المَعْنَيَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، و"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: مَخافَةَ أنْ.
الأعراف 7:173
(p-٨٧)قوله عزّ وجلّ:
﴿أو تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأتْبَعَهُ الشَيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
المَعْنى في هَذِهِ الآياتِ أنَّ الكَفَرَةَ لَوْ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ عَهْدٌ ولا جاءَهم رَسُولٌ مُذَكِّرٌ بِما تَضَمَّنَهُ العَهْدُ مِن تَوْحِيدِ اللهِ وعِبادَتِهِ لَكانَتْ لَهم حُجَّتانِ؛ إحْداهُما: كُنّا غافِلِينَ، والأُخْرى: كُنّا تِباعًا لِأسْلافِنا فَكَيْفَ نَهْلَكُ والذَنْبُ إنَّما هو لِمَن طَرَقَ لَنا وأضَلَّنا، فَوَقَعَتْ شَهادَةُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ أو شَهادَةُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ؛ لِتَنْقَطِعَ لَهم هَذِهِ الحُجَجُ، والِاخْتِلافُ في "تَقُولُوا" أو "يَقُولُوا" بِحَسَبِ الأوَّلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ تَقْدِيرُهُ: وكَما فَعَلْنا هَذِهِ الأُمُورَ وأنْفَذْنا هَذِهِ المَقادِيرَ فَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ونُبَيِّنُها لِمَن عاصَرَكَ وبُعِثْتَ إلَيْهِ. "وَلَعَلَّهُمْ" عَلى تَرَجِّيهِمْ وتَرَجِّيكم وبِحَسَبِ نَظَرِ البَشَرِ، ﴿يَرْجِعُونَ﴾ إلى طاعَةِ اللهِ، ويَدْخُلُونَ في تَوْحِيدِهِ وعِبادَتِهِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُفَصِّلُ" بِالياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ. "واتْلُ" مَعْناهُ: قُصَّ واسْرُدْ، والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ" عائِدٌ عَلى حاضِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الكُفّارِ وغَيْرِهِمْ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الَّذِي أُوتِيَ الآياتِ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ: هو رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَعَثَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إلى مَلِكِ مَدْيَنَ داعِيًا إلى اللهِ تَعالى وإلى الشَرِيعَةِ، وعَلَّمَهُ مِن آياتِ اللهِ ما يُمْكِنُ أنْ يَدْعُوَ بِهِ وإلَيْهِ، فَلَمّا وصَلَ رَشاهُ المَلِكُ وأعْطاهُ عَلى أنْ يَتْرُكَ دِينَ مُوسى ويُتابِعَ المَلِكَ عَلى دِينِهِ فَفَعَلَ، وفَتَنَ المَلِكُ بِهِ الناسَ وأضَلَّهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو رَجُلٌ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ الجَبّارِينَ اسْمُهُ بُلْعُمُ، وقِيلَ: بُلْعامُ بْنُ عابِرٍ، وقِيلَ: ابْنٌ آبِرٍ، وقِيلَ: غَيْرُ هَذا مِمّا ذِكْرُهُ تَطْوِيلٌ، وكانَ في جُمْلَةِ الجَبّارِينَ الَّذِينَ غَزاهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَمّا قَرُبَ مِنهم مُوسى لَجَؤُوا إلى بُلْعامَ وكانَ صالِحًا مُسْتَجابَ (p-٨٨)الدَعْوَةِ، وقِيلَ: كانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِن صُحُفِ إبْراهِيمَ ونَحْوِها، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ رُشِّحَ لِلنُّبُوَّةِ وأُعْطِيَها فَرَشاهُ قَوْمُهُ عَلى أنْ يَسْكُتَ فَفَعَلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ لا يَصِحُّ عن مُجاهِدٍ، ومَن أُعْطِيَ النُبُوَّةَ فَقَدْ أُعْطِيَ العِصْمَةَ ولا بُدَّ، ثَبَتَ هَذا بِالشَرْعِ، وقَدْ نَصَّ مَعْنى ما قُلْتُهُ أبُو المَعالِي في كِتابِ الشامِلِ، وقِيلَ: كانَ يَعْلَمُ اسْمَ اللهِ الأعْظَمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وهَذا الخِلافُ في المُرادِ بِقَوْلِهِ: "آياتِنا"، فَقالَ لَهُ قَوْمُهُ: ادْعُ اللهَ تَعالى عَلى مُوسى وعَسْكَرِهِ، فَقالَ لَهُمْ: وكَيْفَ أدْعُو عَلى نَبِيٍّ مُرْسَلٍ؟ فَما زالُوا بِهِ حَتّى فَتَنُوهُ، فَخَرَجَ حَتّى أشْرَفَ عَلى جَبَلٍ يُرى مِنهُ عَسْكَرُ مُوسى، وكانَ قَدْ قالَ لِقَوْمِهِ: لا أفْعَلُ حَتّى أسْتَأْمِرَ رَبِّي، فَفَعَلَ فَسَكَتَ عنهُ فَأخْبَرَهُمْ، فَقالُوا لَهُ: إنَّ اللهَ لَمْ يَدَعْ نَهْيَكَ إلّا وقَدْ أرادَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ، فَلَمّا أشْرَفَ عَلى العَسْكَرِ جَعَلَ يَدْعُو عَلى مُوسى، فَتَحَوَّلَ لِسانُهُ بِالدُعاءِ لِمُوسى والدُعاءِ عَلى قَوْمِهِ، فَقالُوا لَهُ: ما تَقُولُ؟ فَقالَ: إنِّي لا أمْلِكُ إلّا هَذا وعَلِمَ أنَّهُ قَدْ أخْطَأ، فَرُوِيَ أنَّهُ قَدْ خَرَجَ لِسانُهُ عَلى صَدْرِهِ، فَقالَ لِقَوْمِهِ: إنِّي قَدْ هَلَكْتُ ولَكِنْ لَمْ تَبْقَ لَكم إلّا الحِيلَةُ، فَأخْرِجُوا النِساءَ إلى عَسْكَرِ مُوسى عَلى جِهَةِ التَجَرُّدِ وغَيْرِهِ ومُرُوهُنَّ ألّا تَمْتَنِعَ امْرَأةٌ مِن رَجُلٍ فَإنَّهم إذا زَنَوْا هَلَكُوا، فَفَعَلُوا، فَخَرَجَ النِساءُ فَزَنى بِهِنَّ رِجالُ بَنِي إسْرائِيلَ، وجاءَ فَنُحاصُ بْنُ العِيزارِ بْنِ هارُونَ، فانْتَظَمَ بِرُمْحِهِ امْرَأةً ورَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ورَفَعَهُما عَلى أعْلى الرُمْحِ، فَوَقَعَ في بَنِي إسْرائِيلَ الطاعُونُ فَماتَ مِنهم في ساعَةٍ واحِدَةٍ سَبْعُونَ ألْفًا، ثُمَّ ذَكَرَ المُعْتَمِرُ عن أبِيهِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَتَلَ بَعْدَ ذَلِكَ الرَجُلَ المُنْسَلِخَ مِن آياتِ اللهِ، قالَ المَهْدَوِيُّ: رُوِيَ أنَّهُ دَعا عَلى مُوسى ألّا يَدْخُلَ مَدِينَةَ الجَبّارِينَ فَأُجِيبَ، ودَعا عَلَيْهِ مُوسى ﷺ أنْ يَنْسى اسْمَ اللهِ الأعْظَمَ فَأُجِيبَ، قالَ الزَجّاجُ: وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ إلى مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وصَوابُ هَذا أنْ يُقالَ: إلى كُفّارِ أهْلِ الكِتابِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنهم مُنافِقٌ، إنَّما كانُوا (p-٨٩)مُجاهِرِينَ، وفي هَذِهِ القِصَّةِ رِواياتٌ كَثِيرَةٌ اخْتَصَرْتُها لِتَعَذُّرِ صِحَّتِها، واقْتَصَرْتُ مِنها عَلى ما يَخُصُّ ألْفاظَ الآيَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُشارُ إلَيْهِ في الآيَةِ رَجُلٌ كانَ قَدْ أُعْطِيَ ثَلاثَ دَعَواتٍ مُسْتَجاباتٍ فَتَرَكَ أنْ يَدْعُوَ بِها في مَصالِحِ العِبادِ، فَدَعا بِواحِدَةٍ أنْ تَرْجِعَ امْرَأتُهُ أجْمَلَ النِساءِ فَكانَ ذَلِكَ، فَلَمّا رَأتْ نَفْسَها كَذَلِكَ أبْغَضَتْهُ واحْتَقَرَتْهُ، فَدَعا عَلَيْها ثانِيَةً فَمُسِخَتْ كَلْبَةً، فَشَفَعَ لَها بَنُوها عِنْدَهُ فَدَعا لَها الثالِثَةَ فَعادَتْ كَما كانَتْ، ثُمَّ انْصَرَفَتْ إلى حالِها، فَذَهَبَتِ الدَعَواتُ.
وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المُشارُ إلَيْهِ في الآيَةِ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ، وكانَ قَدْ أُوتِيَ عِلْمًا، ورُوِيَ أنَّهُ جاءَ يُرِيدُ الإسْلامَ فَوَصَلَ إلى بَدْرٍ بَعْدَ الوَقْعَةِ بِيَوْمٍ أو نَحْوِهِ فَقالَ: مَن قَتَلَ هَؤُلاءِ؟ فَقِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ، فَقالَ: لا حاجَةَ لِي بِدِينِ مَن قَتَلَ هَؤُلاءِ، فارْتَدَّ ورَجَعَ، وقالَ: الآنَ حَلَّتْ لِيَ الخَمْرُ -وَكانَ قَدْ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ- فَمَرَّ حَتّى لَحِقَ بِقَوْمٍ مِن مُلُوكِ حِمْيَرٍ فَنادَمَهم حَتّى ماتَ.
و"انْسَلَخَ" عِبارَةٌ عَنِ البَراءَةِ مِنها والِانْفِصالِ والبُعْدِ، كالسَلْخِ مِنَ الثِيابِ والجِلْدِ، و"أتْبَعَهُ": صَيَّرَهُ تابِعًا، كَذا قالَ الطَبَرِيُّ إمّا لِضَلالَةٍ رَسَمَها لَهُ، وإمّا لِنَفْسِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَأتْبَعَهُ" بِقَطْعِ الألِفِ وسُكُونِ التاءِ، وهي راجِحَةٌ لِأنَّها تَتَضَمَّنُ أنَّهُ لَحِقَهُ وصارَ مَعَهُ، وكَذَلِكَ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ، (﴾ [الحجر: ١٨] فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ )، وقَرَأ الحَسَنُ فِيما رَوى عنهُ هارُونُ "فاتَّبَعَهُ" بِصِلَةِ الألِفِ وشَدِّ التاءِ، وكَذَلِكَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِخِلافٍ، وكَذَلِكَ الخِلافُ عَنِ الحَسَنِ عَلى مَعْنى لازَمَهُ واتَّبَعَهُ بِالإغْواءِ حَتّى أغْواهُ، و"مِنَ الغاوِينَ" أيْ: مِنَ الضالِّينَ.
الأعراف 7:174
(p-٨٧)قوله عزّ وجلّ:
﴿أو تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأتْبَعَهُ الشَيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
المَعْنى في هَذِهِ الآياتِ أنَّ الكَفَرَةَ لَوْ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ عَهْدٌ ولا جاءَهم رَسُولٌ مُذَكِّرٌ بِما تَضَمَّنَهُ العَهْدُ مِن تَوْحِيدِ اللهِ وعِبادَتِهِ لَكانَتْ لَهم حُجَّتانِ؛ إحْداهُما: كُنّا غافِلِينَ، والأُخْرى: كُنّا تِباعًا لِأسْلافِنا فَكَيْفَ نَهْلَكُ والذَنْبُ إنَّما هو لِمَن طَرَقَ لَنا وأضَلَّنا، فَوَقَعَتْ شَهادَةُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ أو شَهادَةُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ؛ لِتَنْقَطِعَ لَهم هَذِهِ الحُجَجُ، والِاخْتِلافُ في "تَقُولُوا" أو "يَقُولُوا" بِحَسَبِ الأوَّلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ تَقْدِيرُهُ: وكَما فَعَلْنا هَذِهِ الأُمُورَ وأنْفَذْنا هَذِهِ المَقادِيرَ فَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ونُبَيِّنُها لِمَن عاصَرَكَ وبُعِثْتَ إلَيْهِ. "وَلَعَلَّهُمْ" عَلى تَرَجِّيهِمْ وتَرَجِّيكم وبِحَسَبِ نَظَرِ البَشَرِ، ﴿يَرْجِعُونَ﴾ إلى طاعَةِ اللهِ، ويَدْخُلُونَ في تَوْحِيدِهِ وعِبادَتِهِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُفَصِّلُ" بِالياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ. "واتْلُ" مَعْناهُ: قُصَّ واسْرُدْ، والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ" عائِدٌ عَلى حاضِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الكُفّارِ وغَيْرِهِمْ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الَّذِي أُوتِيَ الآياتِ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ: هو رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَعَثَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إلى مَلِكِ مَدْيَنَ داعِيًا إلى اللهِ تَعالى وإلى الشَرِيعَةِ، وعَلَّمَهُ مِن آياتِ اللهِ ما يُمْكِنُ أنْ يَدْعُوَ بِهِ وإلَيْهِ، فَلَمّا وصَلَ رَشاهُ المَلِكُ وأعْطاهُ عَلى أنْ يَتْرُكَ دِينَ مُوسى ويُتابِعَ المَلِكَ عَلى دِينِهِ فَفَعَلَ، وفَتَنَ المَلِكُ بِهِ الناسَ وأضَلَّهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو رَجُلٌ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ الجَبّارِينَ اسْمُهُ بُلْعُمُ، وقِيلَ: بُلْعامُ بْنُ عابِرٍ، وقِيلَ: ابْنٌ آبِرٍ، وقِيلَ: غَيْرُ هَذا مِمّا ذِكْرُهُ تَطْوِيلٌ، وكانَ في جُمْلَةِ الجَبّارِينَ الَّذِينَ غَزاهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَمّا قَرُبَ مِنهم مُوسى لَجَؤُوا إلى بُلْعامَ وكانَ صالِحًا مُسْتَجابَ (p-٨٨)الدَعْوَةِ، وقِيلَ: كانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِن صُحُفِ إبْراهِيمَ ونَحْوِها، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ رُشِّحَ لِلنُّبُوَّةِ وأُعْطِيَها فَرَشاهُ قَوْمُهُ عَلى أنْ يَسْكُتَ فَفَعَلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ لا يَصِحُّ عن مُجاهِدٍ، ومَن أُعْطِيَ النُبُوَّةَ فَقَدْ أُعْطِيَ العِصْمَةَ ولا بُدَّ، ثَبَتَ هَذا بِالشَرْعِ، وقَدْ نَصَّ مَعْنى ما قُلْتُهُ أبُو المَعالِي في كِتابِ الشامِلِ، وقِيلَ: كانَ يَعْلَمُ اسْمَ اللهِ الأعْظَمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وهَذا الخِلافُ في المُرادِ بِقَوْلِهِ: "آياتِنا"، فَقالَ لَهُ قَوْمُهُ: ادْعُ اللهَ تَعالى عَلى مُوسى وعَسْكَرِهِ، فَقالَ لَهُمْ: وكَيْفَ أدْعُو عَلى نَبِيٍّ مُرْسَلٍ؟ فَما زالُوا بِهِ حَتّى فَتَنُوهُ، فَخَرَجَ حَتّى أشْرَفَ عَلى جَبَلٍ يُرى مِنهُ عَسْكَرُ مُوسى، وكانَ قَدْ قالَ لِقَوْمِهِ: لا أفْعَلُ حَتّى أسْتَأْمِرَ رَبِّي، فَفَعَلَ فَسَكَتَ عنهُ فَأخْبَرَهُمْ، فَقالُوا لَهُ: إنَّ اللهَ لَمْ يَدَعْ نَهْيَكَ إلّا وقَدْ أرادَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ، فَلَمّا أشْرَفَ عَلى العَسْكَرِ جَعَلَ يَدْعُو عَلى مُوسى، فَتَحَوَّلَ لِسانُهُ بِالدُعاءِ لِمُوسى والدُعاءِ عَلى قَوْمِهِ، فَقالُوا لَهُ: ما تَقُولُ؟ فَقالَ: إنِّي لا أمْلِكُ إلّا هَذا وعَلِمَ أنَّهُ قَدْ أخْطَأ، فَرُوِيَ أنَّهُ قَدْ خَرَجَ لِسانُهُ عَلى صَدْرِهِ، فَقالَ لِقَوْمِهِ: إنِّي قَدْ هَلَكْتُ ولَكِنْ لَمْ تَبْقَ لَكم إلّا الحِيلَةُ، فَأخْرِجُوا النِساءَ إلى عَسْكَرِ مُوسى عَلى جِهَةِ التَجَرُّدِ وغَيْرِهِ ومُرُوهُنَّ ألّا تَمْتَنِعَ امْرَأةٌ مِن رَجُلٍ فَإنَّهم إذا زَنَوْا هَلَكُوا، فَفَعَلُوا، فَخَرَجَ النِساءُ فَزَنى بِهِنَّ رِجالُ بَنِي إسْرائِيلَ، وجاءَ فَنُحاصُ بْنُ العِيزارِ بْنِ هارُونَ، فانْتَظَمَ بِرُمْحِهِ امْرَأةً ورَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ورَفَعَهُما عَلى أعْلى الرُمْحِ، فَوَقَعَ في بَنِي إسْرائِيلَ الطاعُونُ فَماتَ مِنهم في ساعَةٍ واحِدَةٍ سَبْعُونَ ألْفًا، ثُمَّ ذَكَرَ المُعْتَمِرُ عن أبِيهِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَتَلَ بَعْدَ ذَلِكَ الرَجُلَ المُنْسَلِخَ مِن آياتِ اللهِ، قالَ المَهْدَوِيُّ: رُوِيَ أنَّهُ دَعا عَلى مُوسى ألّا يَدْخُلَ مَدِينَةَ الجَبّارِينَ فَأُجِيبَ، ودَعا عَلَيْهِ مُوسى ﷺ أنْ يَنْسى اسْمَ اللهِ الأعْظَمَ فَأُجِيبَ، قالَ الزَجّاجُ: وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ إلى مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وصَوابُ هَذا أنْ يُقالَ: إلى كُفّارِ أهْلِ الكِتابِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنهم مُنافِقٌ، إنَّما كانُوا (p-٨٩)مُجاهِرِينَ، وفي هَذِهِ القِصَّةِ رِواياتٌ كَثِيرَةٌ اخْتَصَرْتُها لِتَعَذُّرِ صِحَّتِها، واقْتَصَرْتُ مِنها عَلى ما يَخُصُّ ألْفاظَ الآيَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُشارُ إلَيْهِ في الآيَةِ رَجُلٌ كانَ قَدْ أُعْطِيَ ثَلاثَ دَعَواتٍ مُسْتَجاباتٍ فَتَرَكَ أنْ يَدْعُوَ بِها في مَصالِحِ العِبادِ، فَدَعا بِواحِدَةٍ أنْ تَرْجِعَ امْرَأتُهُ أجْمَلَ النِساءِ فَكانَ ذَلِكَ، فَلَمّا رَأتْ نَفْسَها كَذَلِكَ أبْغَضَتْهُ واحْتَقَرَتْهُ، فَدَعا عَلَيْها ثانِيَةً فَمُسِخَتْ كَلْبَةً، فَشَفَعَ لَها بَنُوها عِنْدَهُ فَدَعا لَها الثالِثَةَ فَعادَتْ كَما كانَتْ، ثُمَّ انْصَرَفَتْ إلى حالِها، فَذَهَبَتِ الدَعَواتُ.
وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المُشارُ إلَيْهِ في الآيَةِ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ، وكانَ قَدْ أُوتِيَ عِلْمًا، ورُوِيَ أنَّهُ جاءَ يُرِيدُ الإسْلامَ فَوَصَلَ إلى بَدْرٍ بَعْدَ الوَقْعَةِ بِيَوْمٍ أو نَحْوِهِ فَقالَ: مَن قَتَلَ هَؤُلاءِ؟ فَقِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ، فَقالَ: لا حاجَةَ لِي بِدِينِ مَن قَتَلَ هَؤُلاءِ، فارْتَدَّ ورَجَعَ، وقالَ: الآنَ حَلَّتْ لِيَ الخَمْرُ -وَكانَ قَدْ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ- فَمَرَّ حَتّى لَحِقَ بِقَوْمٍ مِن مُلُوكِ حِمْيَرٍ فَنادَمَهم حَتّى ماتَ.
و"انْسَلَخَ" عِبارَةٌ عَنِ البَراءَةِ مِنها والِانْفِصالِ والبُعْدِ، كالسَلْخِ مِنَ الثِيابِ والجِلْدِ، و"أتْبَعَهُ": صَيَّرَهُ تابِعًا، كَذا قالَ الطَبَرِيُّ إمّا لِضَلالَةٍ رَسَمَها لَهُ، وإمّا لِنَفْسِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَأتْبَعَهُ" بِقَطْعِ الألِفِ وسُكُونِ التاءِ، وهي راجِحَةٌ لِأنَّها تَتَضَمَّنُ أنَّهُ لَحِقَهُ وصارَ مَعَهُ، وكَذَلِكَ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ، (﴾ [الحجر: ١٨] فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ )، وقَرَأ الحَسَنُ فِيما رَوى عنهُ هارُونُ "فاتَّبَعَهُ" بِصِلَةِ الألِفِ وشَدِّ التاءِ، وكَذَلِكَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِخِلافٍ، وكَذَلِكَ الخِلافُ عَنِ الحَسَنِ عَلى مَعْنى لازَمَهُ واتَّبَعَهُ بِالإغْواءِ حَتّى أغْواهُ، و"مِنَ الغاوِينَ" أيْ: مِنَ الضالِّينَ.
الأعراف 7:175
(p-٨٧)قوله عزّ وجلّ:
﴿أو تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأتْبَعَهُ الشَيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
المَعْنى في هَذِهِ الآياتِ أنَّ الكَفَرَةَ لَوْ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ عَهْدٌ ولا جاءَهم رَسُولٌ مُذَكِّرٌ بِما تَضَمَّنَهُ العَهْدُ مِن تَوْحِيدِ اللهِ وعِبادَتِهِ لَكانَتْ لَهم حُجَّتانِ؛ إحْداهُما: كُنّا غافِلِينَ، والأُخْرى: كُنّا تِباعًا لِأسْلافِنا فَكَيْفَ نَهْلَكُ والذَنْبُ إنَّما هو لِمَن طَرَقَ لَنا وأضَلَّنا، فَوَقَعَتْ شَهادَةُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ أو شَهادَةُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ؛ لِتَنْقَطِعَ لَهم هَذِهِ الحُجَجُ، والِاخْتِلافُ في "تَقُولُوا" أو "يَقُولُوا" بِحَسَبِ الأوَّلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ تَقْدِيرُهُ: وكَما فَعَلْنا هَذِهِ الأُمُورَ وأنْفَذْنا هَذِهِ المَقادِيرَ فَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ونُبَيِّنُها لِمَن عاصَرَكَ وبُعِثْتَ إلَيْهِ. "وَلَعَلَّهُمْ" عَلى تَرَجِّيهِمْ وتَرَجِّيكم وبِحَسَبِ نَظَرِ البَشَرِ، ﴿يَرْجِعُونَ﴾ إلى طاعَةِ اللهِ، ويَدْخُلُونَ في تَوْحِيدِهِ وعِبادَتِهِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُفَصِّلُ" بِالياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ. "واتْلُ" مَعْناهُ: قُصَّ واسْرُدْ، والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ" عائِدٌ عَلى حاضِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الكُفّارِ وغَيْرِهِمْ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الَّذِي أُوتِيَ الآياتِ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ: هو رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَعَثَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إلى مَلِكِ مَدْيَنَ داعِيًا إلى اللهِ تَعالى وإلى الشَرِيعَةِ، وعَلَّمَهُ مِن آياتِ اللهِ ما يُمْكِنُ أنْ يَدْعُوَ بِهِ وإلَيْهِ، فَلَمّا وصَلَ رَشاهُ المَلِكُ وأعْطاهُ عَلى أنْ يَتْرُكَ دِينَ مُوسى ويُتابِعَ المَلِكَ عَلى دِينِهِ فَفَعَلَ، وفَتَنَ المَلِكُ بِهِ الناسَ وأضَلَّهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو رَجُلٌ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ الجَبّارِينَ اسْمُهُ بُلْعُمُ، وقِيلَ: بُلْعامُ بْنُ عابِرٍ، وقِيلَ: ابْنٌ آبِرٍ، وقِيلَ: غَيْرُ هَذا مِمّا ذِكْرُهُ تَطْوِيلٌ، وكانَ في جُمْلَةِ الجَبّارِينَ الَّذِينَ غَزاهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَمّا قَرُبَ مِنهم مُوسى لَجَؤُوا إلى بُلْعامَ وكانَ صالِحًا مُسْتَجابَ (p-٨٨)الدَعْوَةِ، وقِيلَ: كانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِن صُحُفِ إبْراهِيمَ ونَحْوِها، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ رُشِّحَ لِلنُّبُوَّةِ وأُعْطِيَها فَرَشاهُ قَوْمُهُ عَلى أنْ يَسْكُتَ فَفَعَلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ لا يَصِحُّ عن مُجاهِدٍ، ومَن أُعْطِيَ النُبُوَّةَ فَقَدْ أُعْطِيَ العِصْمَةَ ولا بُدَّ، ثَبَتَ هَذا بِالشَرْعِ، وقَدْ نَصَّ مَعْنى ما قُلْتُهُ أبُو المَعالِي في كِتابِ الشامِلِ، وقِيلَ: كانَ يَعْلَمُ اسْمَ اللهِ الأعْظَمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وهَذا الخِلافُ في المُرادِ بِقَوْلِهِ: "آياتِنا"، فَقالَ لَهُ قَوْمُهُ: ادْعُ اللهَ تَعالى عَلى مُوسى وعَسْكَرِهِ، فَقالَ لَهُمْ: وكَيْفَ أدْعُو عَلى نَبِيٍّ مُرْسَلٍ؟ فَما زالُوا بِهِ حَتّى فَتَنُوهُ، فَخَرَجَ حَتّى أشْرَفَ عَلى جَبَلٍ يُرى مِنهُ عَسْكَرُ مُوسى، وكانَ قَدْ قالَ لِقَوْمِهِ: لا أفْعَلُ حَتّى أسْتَأْمِرَ رَبِّي، فَفَعَلَ فَسَكَتَ عنهُ فَأخْبَرَهُمْ، فَقالُوا لَهُ: إنَّ اللهَ لَمْ يَدَعْ نَهْيَكَ إلّا وقَدْ أرادَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ، فَلَمّا أشْرَفَ عَلى العَسْكَرِ جَعَلَ يَدْعُو عَلى مُوسى، فَتَحَوَّلَ لِسانُهُ بِالدُعاءِ لِمُوسى والدُعاءِ عَلى قَوْمِهِ، فَقالُوا لَهُ: ما تَقُولُ؟ فَقالَ: إنِّي لا أمْلِكُ إلّا هَذا وعَلِمَ أنَّهُ قَدْ أخْطَأ، فَرُوِيَ أنَّهُ قَدْ خَرَجَ لِسانُهُ عَلى صَدْرِهِ، فَقالَ لِقَوْمِهِ: إنِّي قَدْ هَلَكْتُ ولَكِنْ لَمْ تَبْقَ لَكم إلّا الحِيلَةُ، فَأخْرِجُوا النِساءَ إلى عَسْكَرِ مُوسى عَلى جِهَةِ التَجَرُّدِ وغَيْرِهِ ومُرُوهُنَّ ألّا تَمْتَنِعَ امْرَأةٌ مِن رَجُلٍ فَإنَّهم إذا زَنَوْا هَلَكُوا، فَفَعَلُوا، فَخَرَجَ النِساءُ فَزَنى بِهِنَّ رِجالُ بَنِي إسْرائِيلَ، وجاءَ فَنُحاصُ بْنُ العِيزارِ بْنِ هارُونَ، فانْتَظَمَ بِرُمْحِهِ امْرَأةً ورَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ورَفَعَهُما عَلى أعْلى الرُمْحِ، فَوَقَعَ في بَنِي إسْرائِيلَ الطاعُونُ فَماتَ مِنهم في ساعَةٍ واحِدَةٍ سَبْعُونَ ألْفًا، ثُمَّ ذَكَرَ المُعْتَمِرُ عن أبِيهِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَتَلَ بَعْدَ ذَلِكَ الرَجُلَ المُنْسَلِخَ مِن آياتِ اللهِ، قالَ المَهْدَوِيُّ: رُوِيَ أنَّهُ دَعا عَلى مُوسى ألّا يَدْخُلَ مَدِينَةَ الجَبّارِينَ فَأُجِيبَ، ودَعا عَلَيْهِ مُوسى ﷺ أنْ يَنْسى اسْمَ اللهِ الأعْظَمَ فَأُجِيبَ، قالَ الزَجّاجُ: وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ إلى مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وصَوابُ هَذا أنْ يُقالَ: إلى كُفّارِ أهْلِ الكِتابِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنهم مُنافِقٌ، إنَّما كانُوا (p-٨٩)مُجاهِرِينَ، وفي هَذِهِ القِصَّةِ رِواياتٌ كَثِيرَةٌ اخْتَصَرْتُها لِتَعَذُّرِ صِحَّتِها، واقْتَصَرْتُ مِنها عَلى ما يَخُصُّ ألْفاظَ الآيَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُشارُ إلَيْهِ في الآيَةِ رَجُلٌ كانَ قَدْ أُعْطِيَ ثَلاثَ دَعَواتٍ مُسْتَجاباتٍ فَتَرَكَ أنْ يَدْعُوَ بِها في مَصالِحِ العِبادِ، فَدَعا بِواحِدَةٍ أنْ تَرْجِعَ امْرَأتُهُ أجْمَلَ النِساءِ فَكانَ ذَلِكَ، فَلَمّا رَأتْ نَفْسَها كَذَلِكَ أبْغَضَتْهُ واحْتَقَرَتْهُ، فَدَعا عَلَيْها ثانِيَةً فَمُسِخَتْ كَلْبَةً، فَشَفَعَ لَها بَنُوها عِنْدَهُ فَدَعا لَها الثالِثَةَ فَعادَتْ كَما كانَتْ، ثُمَّ انْصَرَفَتْ إلى حالِها، فَذَهَبَتِ الدَعَواتُ.
وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المُشارُ إلَيْهِ في الآيَةِ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ، وكانَ قَدْ أُوتِيَ عِلْمًا، ورُوِيَ أنَّهُ جاءَ يُرِيدُ الإسْلامَ فَوَصَلَ إلى بَدْرٍ بَعْدَ الوَقْعَةِ بِيَوْمٍ أو نَحْوِهِ فَقالَ: مَن قَتَلَ هَؤُلاءِ؟ فَقِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ، فَقالَ: لا حاجَةَ لِي بِدِينِ مَن قَتَلَ هَؤُلاءِ، فارْتَدَّ ورَجَعَ، وقالَ: الآنَ حَلَّتْ لِيَ الخَمْرُ -وَكانَ قَدْ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ- فَمَرَّ حَتّى لَحِقَ بِقَوْمٍ مِن مُلُوكِ حِمْيَرٍ فَنادَمَهم حَتّى ماتَ.
و"انْسَلَخَ" عِبارَةٌ عَنِ البَراءَةِ مِنها والِانْفِصالِ والبُعْدِ، كالسَلْخِ مِنَ الثِيابِ والجِلْدِ، و"أتْبَعَهُ": صَيَّرَهُ تابِعًا، كَذا قالَ الطَبَرِيُّ إمّا لِضَلالَةٍ رَسَمَها لَهُ، وإمّا لِنَفْسِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَأتْبَعَهُ" بِقَطْعِ الألِفِ وسُكُونِ التاءِ، وهي راجِحَةٌ لِأنَّها تَتَضَمَّنُ أنَّهُ لَحِقَهُ وصارَ مَعَهُ، وكَذَلِكَ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ، (﴾ [الحجر: ١٨] فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ )، وقَرَأ الحَسَنُ فِيما رَوى عنهُ هارُونُ "فاتَّبَعَهُ" بِصِلَةِ الألِفِ وشَدِّ التاءِ، وكَذَلِكَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِخِلافٍ، وكَذَلِكَ الخِلافُ عَنِ الحَسَنِ عَلى مَعْنى لازَمَهُ واتَّبَعَهُ بِالإغْواءِ حَتّى أغْواهُ، و"مِنَ الغاوِينَ" أيْ: مِنَ الضالِّينَ.
الأعراف 7:176
(p-٩٠)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أو تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿ساءَ مَثَلا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ ﴿مَن يَهْدِ اللهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾
يَقُولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: لَأخَذْناهُ، كَما تَقُولُ: "رُفِعَ الظالِمُ" إذا هَلَكَ، والضَمِيرُ في "بِها" عائِدٌ عَلى المَعْصِيَةِ في الِانْسِلاخِ، وابْتَدَأ وصْفَ حالِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ فَهي عِبارَةٌ عن إمْهالِهِ وإمْلاءِ اللهِ لَهُ، وقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ: "لَرَفَعْناهُ" مَعْناهُ: لَتَوَفَّيْناهُ قَبْلَ أنْ يَقَعَ في المَعْصِيَةِ ورَفَعْناهُ عنها، والضَمِيرُ -عَلى هَذا- عائِدٌ عَلى الآياتِ، ثُمَّ ابْتَدَأ وصْفَ حالِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وجَماعَةٌ مَعَهُ: "لَرَفَعْناهُ" أيْ: لَشَرَّفْنا ذِكْرَهُ ورَفَعْنا مَنزِلَتَهُ لَدَيْنا بِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي آتَيْناهُ، ﴿وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ فالكَلامُ مُتَّصِلٌ ذُكَرَ فِيهِ السَبَبُ الَّذِي مِن أجْلِهِ لَمْ يُرْفَعْ ولَمْ يُشَرَّفْ كَما فُعِلَ بِغَيْرِهِ مِمَّنْ أُوتِيَ هَذا.
و"أخْلَدَ" مَعْناهُ: لازَمَ وتَقاعَسَ وثَبَتَ، والمُخْلِدُ: الَّذِي يَثْبُتُ شَبابُهُ فَلا يَغْشاهُ الشَيْبُ، ومِنهُ الخُلْدُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ لِمَنِ الدِيارُ غَشِيتَها بِالفَدْفَدِ ∗∗∗ كالوَحْيِ في حَجْرِ المَسِيلِ المُخْلِدِ
وقَوْلُهُ: ﴿إلى الأرْضِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إلى شَهَواتِها ولَذّاتِها وما فِيها مِنَ المَلاذِّ، قالَهُ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِها العِبارَةَ عَنِ الأسْفَلِ والأخَسِّ، كَمّا (p-٩١)يُقالُ: فُلانٌ في الحَضِيضِ، ويَتَأيَّدُ ذَلِكَ مِن جِهَةِ المَعْنى المَعْقُولِ، وذَلِكَ أنَّ الأرْضَ وما ارْتَكَزَ فِيها هي الدُنْيا، وكُلُّ ما عَلَيْها فانٍ، مَن أخْلَدَ إلَيْهِ، فَقَدْ حُرِمَ حَظَّ الآخِرَةِ الباقِيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ﴾ قالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذا الرَجُلَ عُوقِبَ في الدُنْيا بِأنَّهُ يَلْهَثُ كَما يَلْهَثُ الكَلْبُ فَشُبِّهَ بِهِ صُورَةً وهَيْئَةً، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما شُبِّهَ بِهِ في أنَّهُ كانَ ضالًّا قَبْلَ أنْ يُؤْتى الآياتِ، ثُمَّ أُوتِيَها فَكانَ أيْضًا ضالًّا لَمْ تَنْفَعْهُ الآياتُ، فَهو كالكَلْبِ في أنَّهُ لا يُفارِقُ اللهْثَ في حالِ حَمْلِ المَشَقَّةِ عَلَيْهِ وتَرْكِهِ دُونَ حَمْلٍ عَلَيْهِ، وتَحْرِيرُ المَعْنى: فالشَيْءُ الَّذِي تَتَصَوَّرُهُ النُفُوسُ مِن حالِهِ هو كالَّذِي تَتَصَوَّرُ مِن حالِ الكَلْبِ، وبِهَذا التَقْدِيرِ يَحْسُنُ دُخُولُ "الكافِ" عَلى "مَثَلٍ"، واللهْثُ: تَنَفُّسٌ بِسُرْعَةٍ وتَحَرُّكُ أعْضاءِ الفَمِ مَعَهُ، وامْتِدادُ اللِسانِ، وأكْثَرُ ما يَعْتَرِي ذَلِكَ مَعَ الحَرِّ والتَعَبِ، وهو في الفَرَسِ: ضَبْحٌ، وخِلْقَةُ الكَلْبِ أنَّهُ يَلْهَثُ عَلى كُلِّ حالٍ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ مَعْنى: ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ أيْ تَطْرُدُهُ، وحَكاهُ عن مُجاهِدٍ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وذَلِكَ داخِلٌ في جُمْلَةِ المَشَقَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ﴾ أيْ: هَذا المَثَلُ يا مُحَمَّدُ مَثَلُ هَؤُلاءِ القَوْمِ الَّذِينَ كانُوا ضالِّينَ قَبْلَ أنْ تَأْتِيَهم بِالهُدى والرِسالَةِ، ثُمَّ جِئْتَهم بِذَلِكَ فَبَقُوا عَلى ضَلالَتِهِمْ ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ. فَمَثَلُهم كَمَثَلِ الكَلْبِ، وقَوْلُهُ: ﴿فاقْصُصِ القَصَصَ﴾ أيِ:اسْرُدْ عَلَيْهِمْ ما يَعْلَمُونَ أنَّهُ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا أهْلُ الكُتُبِ الماضِيَةِ ولَسْتَ مِنهم ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ في ذَلِكَ فَيُؤْمِنُونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ساءَ مَثَلا﴾، قالَ الزَجّاجُ: التَقْدِيرُ: ساءَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ، لِأنَّ الَّذِي بَعْدَ "بِئْسَ" و"نِعْمَ" إنَّما يَتَفَسَّرُ مِن نَوْعِهِ، كَما تَقُولُ: بِئْسَ رَجُلًا زَيْدٌ، ولَمّا انْحَذَفَ "مَثَلُ" أُقِيمَ "القَوْمُ" مَقامَهُ، والرَفْعُ في ذَلِكَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ فِيما تَقَدَّمَ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "ساءَ مَثَلُ القَوْمِ"، ورَفْعُ "مَثَلٍ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ بِـ "ساءَ"، ولا تَجْرِي "ساءَ" مَجْرى (p-٩٢)"بِئْسَ" إلّا إذا كانَ ما بَعْدَها مَنصُوبًا، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: قَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "مِثْلُ" بِكَسْرِ المِيمِ ورَفْعِ اللامِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "مَثَلُ" بِفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ اللامِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا خِلافُ ما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ، فَإنَّهُ قالَ: قَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ: "ساءَ مَثَلُ" بِالرَفْعِ.
وخُتِمَتْ هَذِهِ الآياتُ -الَّتِي تَضَمَّنَتْ ضَلالَ أقْوامٍ والقَوْلَ فِيهِ- بِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، الهِدايَةُ مِنهُ وبِخَلْقِهِ واخْتِراعِهِ، وكَذَلِكَ الإضْلالُ، وفي الآيَةِ تَعَجُّبٌ مِن حالِ المَذْكُورِينَ، ومَن أضَلَّ فَقَدْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالخُسْرانِ، والثَوابُ والعِقابُ مُتَعَلِّقٌ بِكَسْبِ ابْنِ آدَمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهُ خَلَقَ لِسُكْنى جَهَنَّمَ والِاحْتِراقِ فِيها كَثِيرًا، وفي ضِمْنِهِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ. و"ذَرَأ" مَعْناهُ: خَلَقَ وأوجَدَ مَعَ بَثٍّ ونَشْرٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِجَهَنَّمَ" هي لامُ العاقِبَةِ، أيْ: لِيَكُونَ أمْرُهم ومَآلُهم لِجَهَنَّمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، ولامُ العاقِبَةِ إنَّما يُتَصَوَّرُ إذا كانَ فِعْلُ الفاعِلِ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ ما يَصِيرُ الأمْرُ إلَيْهِ، وهَذِهِ اللامُ مِثْلُ الَّتِي في قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ يا أمَّ فَرْوَ كُفِّي اللَوْمَ واعْتَرِفِي ∗∗∗ ∗∗∗ فَكُلُّ والِدَةٍ لِلْمُنْتَأى تَلِدُ
(p-٩٣)وَأمّا هُنا فالفِعْلُ قُصِدَ بِهِ ما يَصِيرُ الأمْرُ إلَيْهِ مِن سُكْناهم جَهَنَّمَ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: "أولادُ الزِنى مِمّا ذَرَأ اللهُ لِجَهَنَّمَ"، ثُمَّ أسْنَدَ فِيهِ حَدِيثًا مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَثِيرًا" وإنْ كانَ لَيْسَ بِنَصٍّ في أنَّ الكَفّارَ أكْثَرُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَهو ناظِرٌ إلى ذَلِكَ في قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "قالَ اللهُ لِآدَمَ: أخْرِجْ بَعْثَ النارِ، فَأخْرَجَ مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَةً وتِسْعِينَ وتِسْعَمِائَةً"».
الأعراف 7:177
(p-٩٠)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أو تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿ساءَ مَثَلا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ ﴿مَن يَهْدِ اللهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾
يَقُولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: لَأخَذْناهُ، كَما تَقُولُ: "رُفِعَ الظالِمُ" إذا هَلَكَ، والضَمِيرُ في "بِها" عائِدٌ عَلى المَعْصِيَةِ في الِانْسِلاخِ، وابْتَدَأ وصْفَ حالِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ فَهي عِبارَةٌ عن إمْهالِهِ وإمْلاءِ اللهِ لَهُ، وقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ: "لَرَفَعْناهُ" مَعْناهُ: لَتَوَفَّيْناهُ قَبْلَ أنْ يَقَعَ في المَعْصِيَةِ ورَفَعْناهُ عنها، والضَمِيرُ -عَلى هَذا- عائِدٌ عَلى الآياتِ، ثُمَّ ابْتَدَأ وصْفَ حالِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وجَماعَةٌ مَعَهُ: "لَرَفَعْناهُ" أيْ: لَشَرَّفْنا ذِكْرَهُ ورَفَعْنا مَنزِلَتَهُ لَدَيْنا بِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي آتَيْناهُ، ﴿وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ فالكَلامُ مُتَّصِلٌ ذُكَرَ فِيهِ السَبَبُ الَّذِي مِن أجْلِهِ لَمْ يُرْفَعْ ولَمْ يُشَرَّفْ كَما فُعِلَ بِغَيْرِهِ مِمَّنْ أُوتِيَ هَذا.
و"أخْلَدَ" مَعْناهُ: لازَمَ وتَقاعَسَ وثَبَتَ، والمُخْلِدُ: الَّذِي يَثْبُتُ شَبابُهُ فَلا يَغْشاهُ الشَيْبُ، ومِنهُ الخُلْدُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ لِمَنِ الدِيارُ غَشِيتَها بِالفَدْفَدِ ∗∗∗ كالوَحْيِ في حَجْرِ المَسِيلِ المُخْلِدِ
وقَوْلُهُ: ﴿إلى الأرْضِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إلى شَهَواتِها ولَذّاتِها وما فِيها مِنَ المَلاذِّ، قالَهُ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِها العِبارَةَ عَنِ الأسْفَلِ والأخَسِّ، كَمّا (p-٩١)يُقالُ: فُلانٌ في الحَضِيضِ، ويَتَأيَّدُ ذَلِكَ مِن جِهَةِ المَعْنى المَعْقُولِ، وذَلِكَ أنَّ الأرْضَ وما ارْتَكَزَ فِيها هي الدُنْيا، وكُلُّ ما عَلَيْها فانٍ، مَن أخْلَدَ إلَيْهِ، فَقَدْ حُرِمَ حَظَّ الآخِرَةِ الباقِيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ﴾ قالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذا الرَجُلَ عُوقِبَ في الدُنْيا بِأنَّهُ يَلْهَثُ كَما يَلْهَثُ الكَلْبُ فَشُبِّهَ بِهِ صُورَةً وهَيْئَةً، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما شُبِّهَ بِهِ في أنَّهُ كانَ ضالًّا قَبْلَ أنْ يُؤْتى الآياتِ، ثُمَّ أُوتِيَها فَكانَ أيْضًا ضالًّا لَمْ تَنْفَعْهُ الآياتُ، فَهو كالكَلْبِ في أنَّهُ لا يُفارِقُ اللهْثَ في حالِ حَمْلِ المَشَقَّةِ عَلَيْهِ وتَرْكِهِ دُونَ حَمْلٍ عَلَيْهِ، وتَحْرِيرُ المَعْنى: فالشَيْءُ الَّذِي تَتَصَوَّرُهُ النُفُوسُ مِن حالِهِ هو كالَّذِي تَتَصَوَّرُ مِن حالِ الكَلْبِ، وبِهَذا التَقْدِيرِ يَحْسُنُ دُخُولُ "الكافِ" عَلى "مَثَلٍ"، واللهْثُ: تَنَفُّسٌ بِسُرْعَةٍ وتَحَرُّكُ أعْضاءِ الفَمِ مَعَهُ، وامْتِدادُ اللِسانِ، وأكْثَرُ ما يَعْتَرِي ذَلِكَ مَعَ الحَرِّ والتَعَبِ، وهو في الفَرَسِ: ضَبْحٌ، وخِلْقَةُ الكَلْبِ أنَّهُ يَلْهَثُ عَلى كُلِّ حالٍ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ مَعْنى: ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ أيْ تَطْرُدُهُ، وحَكاهُ عن مُجاهِدٍ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وذَلِكَ داخِلٌ في جُمْلَةِ المَشَقَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ﴾ أيْ: هَذا المَثَلُ يا مُحَمَّدُ مَثَلُ هَؤُلاءِ القَوْمِ الَّذِينَ كانُوا ضالِّينَ قَبْلَ أنْ تَأْتِيَهم بِالهُدى والرِسالَةِ، ثُمَّ جِئْتَهم بِذَلِكَ فَبَقُوا عَلى ضَلالَتِهِمْ ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ. فَمَثَلُهم كَمَثَلِ الكَلْبِ، وقَوْلُهُ: ﴿فاقْصُصِ القَصَصَ﴾ أيِ:اسْرُدْ عَلَيْهِمْ ما يَعْلَمُونَ أنَّهُ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا أهْلُ الكُتُبِ الماضِيَةِ ولَسْتَ مِنهم ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ في ذَلِكَ فَيُؤْمِنُونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ساءَ مَثَلا﴾، قالَ الزَجّاجُ: التَقْدِيرُ: ساءَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ، لِأنَّ الَّذِي بَعْدَ "بِئْسَ" و"نِعْمَ" إنَّما يَتَفَسَّرُ مِن نَوْعِهِ، كَما تَقُولُ: بِئْسَ رَجُلًا زَيْدٌ، ولَمّا انْحَذَفَ "مَثَلُ" أُقِيمَ "القَوْمُ" مَقامَهُ، والرَفْعُ في ذَلِكَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ فِيما تَقَدَّمَ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "ساءَ مَثَلُ القَوْمِ"، ورَفْعُ "مَثَلٍ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ بِـ "ساءَ"، ولا تَجْرِي "ساءَ" مَجْرى (p-٩٢)"بِئْسَ" إلّا إذا كانَ ما بَعْدَها مَنصُوبًا، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: قَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "مِثْلُ" بِكَسْرِ المِيمِ ورَفْعِ اللامِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "مَثَلُ" بِفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ اللامِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا خِلافُ ما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ، فَإنَّهُ قالَ: قَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ: "ساءَ مَثَلُ" بِالرَفْعِ.
وخُتِمَتْ هَذِهِ الآياتُ -الَّتِي تَضَمَّنَتْ ضَلالَ أقْوامٍ والقَوْلَ فِيهِ- بِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، الهِدايَةُ مِنهُ وبِخَلْقِهِ واخْتِراعِهِ، وكَذَلِكَ الإضْلالُ، وفي الآيَةِ تَعَجُّبٌ مِن حالِ المَذْكُورِينَ، ومَن أضَلَّ فَقَدْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالخُسْرانِ، والثَوابُ والعِقابُ مُتَعَلِّقٌ بِكَسْبِ ابْنِ آدَمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهُ خَلَقَ لِسُكْنى جَهَنَّمَ والِاحْتِراقِ فِيها كَثِيرًا، وفي ضِمْنِهِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ. و"ذَرَأ" مَعْناهُ: خَلَقَ وأوجَدَ مَعَ بَثٍّ ونَشْرٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِجَهَنَّمَ" هي لامُ العاقِبَةِ، أيْ: لِيَكُونَ أمْرُهم ومَآلُهم لِجَهَنَّمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، ولامُ العاقِبَةِ إنَّما يُتَصَوَّرُ إذا كانَ فِعْلُ الفاعِلِ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ ما يَصِيرُ الأمْرُ إلَيْهِ، وهَذِهِ اللامُ مِثْلُ الَّتِي في قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ يا أمَّ فَرْوَ كُفِّي اللَوْمَ واعْتَرِفِي ∗∗∗ ∗∗∗ فَكُلُّ والِدَةٍ لِلْمُنْتَأى تَلِدُ
(p-٩٣)وَأمّا هُنا فالفِعْلُ قُصِدَ بِهِ ما يَصِيرُ الأمْرُ إلَيْهِ مِن سُكْناهم جَهَنَّمَ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: "أولادُ الزِنى مِمّا ذَرَأ اللهُ لِجَهَنَّمَ"، ثُمَّ أسْنَدَ فِيهِ حَدِيثًا مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَثِيرًا" وإنْ كانَ لَيْسَ بِنَصٍّ في أنَّ الكَفّارَ أكْثَرُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَهو ناظِرٌ إلى ذَلِكَ في قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "قالَ اللهُ لِآدَمَ: أخْرِجْ بَعْثَ النارِ، فَأخْرَجَ مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَةً وتِسْعِينَ وتِسْعَمِائَةً"».
الأعراف 7:178
(p-٩٠)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أو تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿ساءَ مَثَلا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ ﴿مَن يَهْدِ اللهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾
يَقُولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: لَأخَذْناهُ، كَما تَقُولُ: "رُفِعَ الظالِمُ" إذا هَلَكَ، والضَمِيرُ في "بِها" عائِدٌ عَلى المَعْصِيَةِ في الِانْسِلاخِ، وابْتَدَأ وصْفَ حالِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ فَهي عِبارَةٌ عن إمْهالِهِ وإمْلاءِ اللهِ لَهُ، وقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ: "لَرَفَعْناهُ" مَعْناهُ: لَتَوَفَّيْناهُ قَبْلَ أنْ يَقَعَ في المَعْصِيَةِ ورَفَعْناهُ عنها، والضَمِيرُ -عَلى هَذا- عائِدٌ عَلى الآياتِ، ثُمَّ ابْتَدَأ وصْفَ حالِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وجَماعَةٌ مَعَهُ: "لَرَفَعْناهُ" أيْ: لَشَرَّفْنا ذِكْرَهُ ورَفَعْنا مَنزِلَتَهُ لَدَيْنا بِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي آتَيْناهُ، ﴿وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ فالكَلامُ مُتَّصِلٌ ذُكَرَ فِيهِ السَبَبُ الَّذِي مِن أجْلِهِ لَمْ يُرْفَعْ ولَمْ يُشَرَّفْ كَما فُعِلَ بِغَيْرِهِ مِمَّنْ أُوتِيَ هَذا.
و"أخْلَدَ" مَعْناهُ: لازَمَ وتَقاعَسَ وثَبَتَ، والمُخْلِدُ: الَّذِي يَثْبُتُ شَبابُهُ فَلا يَغْشاهُ الشَيْبُ، ومِنهُ الخُلْدُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ لِمَنِ الدِيارُ غَشِيتَها بِالفَدْفَدِ ∗∗∗ كالوَحْيِ في حَجْرِ المَسِيلِ المُخْلِدِ
وقَوْلُهُ: ﴿إلى الأرْضِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إلى شَهَواتِها ولَذّاتِها وما فِيها مِنَ المَلاذِّ، قالَهُ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِها العِبارَةَ عَنِ الأسْفَلِ والأخَسِّ، كَمّا (p-٩١)يُقالُ: فُلانٌ في الحَضِيضِ، ويَتَأيَّدُ ذَلِكَ مِن جِهَةِ المَعْنى المَعْقُولِ، وذَلِكَ أنَّ الأرْضَ وما ارْتَكَزَ فِيها هي الدُنْيا، وكُلُّ ما عَلَيْها فانٍ، مَن أخْلَدَ إلَيْهِ، فَقَدْ حُرِمَ حَظَّ الآخِرَةِ الباقِيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ﴾ قالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذا الرَجُلَ عُوقِبَ في الدُنْيا بِأنَّهُ يَلْهَثُ كَما يَلْهَثُ الكَلْبُ فَشُبِّهَ بِهِ صُورَةً وهَيْئَةً، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما شُبِّهَ بِهِ في أنَّهُ كانَ ضالًّا قَبْلَ أنْ يُؤْتى الآياتِ، ثُمَّ أُوتِيَها فَكانَ أيْضًا ضالًّا لَمْ تَنْفَعْهُ الآياتُ، فَهو كالكَلْبِ في أنَّهُ لا يُفارِقُ اللهْثَ في حالِ حَمْلِ المَشَقَّةِ عَلَيْهِ وتَرْكِهِ دُونَ حَمْلٍ عَلَيْهِ، وتَحْرِيرُ المَعْنى: فالشَيْءُ الَّذِي تَتَصَوَّرُهُ النُفُوسُ مِن حالِهِ هو كالَّذِي تَتَصَوَّرُ مِن حالِ الكَلْبِ، وبِهَذا التَقْدِيرِ يَحْسُنُ دُخُولُ "الكافِ" عَلى "مَثَلٍ"، واللهْثُ: تَنَفُّسٌ بِسُرْعَةٍ وتَحَرُّكُ أعْضاءِ الفَمِ مَعَهُ، وامْتِدادُ اللِسانِ، وأكْثَرُ ما يَعْتَرِي ذَلِكَ مَعَ الحَرِّ والتَعَبِ، وهو في الفَرَسِ: ضَبْحٌ، وخِلْقَةُ الكَلْبِ أنَّهُ يَلْهَثُ عَلى كُلِّ حالٍ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ مَعْنى: ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ أيْ تَطْرُدُهُ، وحَكاهُ عن مُجاهِدٍ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وذَلِكَ داخِلٌ في جُمْلَةِ المَشَقَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ﴾ أيْ: هَذا المَثَلُ يا مُحَمَّدُ مَثَلُ هَؤُلاءِ القَوْمِ الَّذِينَ كانُوا ضالِّينَ قَبْلَ أنْ تَأْتِيَهم بِالهُدى والرِسالَةِ، ثُمَّ جِئْتَهم بِذَلِكَ فَبَقُوا عَلى ضَلالَتِهِمْ ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ. فَمَثَلُهم كَمَثَلِ الكَلْبِ، وقَوْلُهُ: ﴿فاقْصُصِ القَصَصَ﴾ أيِ:اسْرُدْ عَلَيْهِمْ ما يَعْلَمُونَ أنَّهُ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا أهْلُ الكُتُبِ الماضِيَةِ ولَسْتَ مِنهم ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ في ذَلِكَ فَيُؤْمِنُونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ساءَ مَثَلا﴾، قالَ الزَجّاجُ: التَقْدِيرُ: ساءَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ، لِأنَّ الَّذِي بَعْدَ "بِئْسَ" و"نِعْمَ" إنَّما يَتَفَسَّرُ مِن نَوْعِهِ، كَما تَقُولُ: بِئْسَ رَجُلًا زَيْدٌ، ولَمّا انْحَذَفَ "مَثَلُ" أُقِيمَ "القَوْمُ" مَقامَهُ، والرَفْعُ في ذَلِكَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ فِيما تَقَدَّمَ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "ساءَ مَثَلُ القَوْمِ"، ورَفْعُ "مَثَلٍ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ بِـ "ساءَ"، ولا تَجْرِي "ساءَ" مَجْرى (p-٩٢)"بِئْسَ" إلّا إذا كانَ ما بَعْدَها مَنصُوبًا، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: قَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "مِثْلُ" بِكَسْرِ المِيمِ ورَفْعِ اللامِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "مَثَلُ" بِفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ اللامِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا خِلافُ ما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ، فَإنَّهُ قالَ: قَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ: "ساءَ مَثَلُ" بِالرَفْعِ.
وخُتِمَتْ هَذِهِ الآياتُ -الَّتِي تَضَمَّنَتْ ضَلالَ أقْوامٍ والقَوْلَ فِيهِ- بِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، الهِدايَةُ مِنهُ وبِخَلْقِهِ واخْتِراعِهِ، وكَذَلِكَ الإضْلالُ، وفي الآيَةِ تَعَجُّبٌ مِن حالِ المَذْكُورِينَ، ومَن أضَلَّ فَقَدْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالخُسْرانِ، والثَوابُ والعِقابُ مُتَعَلِّقٌ بِكَسْبِ ابْنِ آدَمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهُ خَلَقَ لِسُكْنى جَهَنَّمَ والِاحْتِراقِ فِيها كَثِيرًا، وفي ضِمْنِهِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ. و"ذَرَأ" مَعْناهُ: خَلَقَ وأوجَدَ مَعَ بَثٍّ ونَشْرٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِجَهَنَّمَ" هي لامُ العاقِبَةِ، أيْ: لِيَكُونَ أمْرُهم ومَآلُهم لِجَهَنَّمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، ولامُ العاقِبَةِ إنَّما يُتَصَوَّرُ إذا كانَ فِعْلُ الفاعِلِ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ ما يَصِيرُ الأمْرُ إلَيْهِ، وهَذِهِ اللامُ مِثْلُ الَّتِي في قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ يا أمَّ فَرْوَ كُفِّي اللَوْمَ واعْتَرِفِي ∗∗∗ ∗∗∗ فَكُلُّ والِدَةٍ لِلْمُنْتَأى تَلِدُ
(p-٩٣)وَأمّا هُنا فالفِعْلُ قُصِدَ بِهِ ما يَصِيرُ الأمْرُ إلَيْهِ مِن سُكْناهم جَهَنَّمَ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: "أولادُ الزِنى مِمّا ذَرَأ اللهُ لِجَهَنَّمَ"، ثُمَّ أسْنَدَ فِيهِ حَدِيثًا مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَثِيرًا" وإنْ كانَ لَيْسَ بِنَصٍّ في أنَّ الكَفّارَ أكْثَرُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَهو ناظِرٌ إلى ذَلِكَ في قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "قالَ اللهُ لِآدَمَ: أخْرِجْ بَعْثَ النارِ، فَأخْرَجَ مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَةً وتِسْعِينَ وتِسْعَمِائَةً"».
الأعراف 7:179
(p-٩٠)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أو تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿ساءَ مَثَلا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ ﴿مَن يَهْدِ اللهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾
يَقُولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: لَأخَذْناهُ، كَما تَقُولُ: "رُفِعَ الظالِمُ" إذا هَلَكَ، والضَمِيرُ في "بِها" عائِدٌ عَلى المَعْصِيَةِ في الِانْسِلاخِ، وابْتَدَأ وصْفَ حالِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ فَهي عِبارَةٌ عن إمْهالِهِ وإمْلاءِ اللهِ لَهُ، وقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ: "لَرَفَعْناهُ" مَعْناهُ: لَتَوَفَّيْناهُ قَبْلَ أنْ يَقَعَ في المَعْصِيَةِ ورَفَعْناهُ عنها، والضَمِيرُ -عَلى هَذا- عائِدٌ عَلى الآياتِ، ثُمَّ ابْتَدَأ وصْفَ حالِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وجَماعَةٌ مَعَهُ: "لَرَفَعْناهُ" أيْ: لَشَرَّفْنا ذِكْرَهُ ورَفَعْنا مَنزِلَتَهُ لَدَيْنا بِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي آتَيْناهُ، ﴿وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ فالكَلامُ مُتَّصِلٌ ذُكَرَ فِيهِ السَبَبُ الَّذِي مِن أجْلِهِ لَمْ يُرْفَعْ ولَمْ يُشَرَّفْ كَما فُعِلَ بِغَيْرِهِ مِمَّنْ أُوتِيَ هَذا.
و"أخْلَدَ" مَعْناهُ: لازَمَ وتَقاعَسَ وثَبَتَ، والمُخْلِدُ: الَّذِي يَثْبُتُ شَبابُهُ فَلا يَغْشاهُ الشَيْبُ، ومِنهُ الخُلْدُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ لِمَنِ الدِيارُ غَشِيتَها بِالفَدْفَدِ ∗∗∗ كالوَحْيِ في حَجْرِ المَسِيلِ المُخْلِدِ
وقَوْلُهُ: ﴿إلى الأرْضِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إلى شَهَواتِها ولَذّاتِها وما فِيها مِنَ المَلاذِّ، قالَهُ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِها العِبارَةَ عَنِ الأسْفَلِ والأخَسِّ، كَمّا (p-٩١)يُقالُ: فُلانٌ في الحَضِيضِ، ويَتَأيَّدُ ذَلِكَ مِن جِهَةِ المَعْنى المَعْقُولِ، وذَلِكَ أنَّ الأرْضَ وما ارْتَكَزَ فِيها هي الدُنْيا، وكُلُّ ما عَلَيْها فانٍ، مَن أخْلَدَ إلَيْهِ، فَقَدْ حُرِمَ حَظَّ الآخِرَةِ الباقِيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ﴾ قالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذا الرَجُلَ عُوقِبَ في الدُنْيا بِأنَّهُ يَلْهَثُ كَما يَلْهَثُ الكَلْبُ فَشُبِّهَ بِهِ صُورَةً وهَيْئَةً، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما شُبِّهَ بِهِ في أنَّهُ كانَ ضالًّا قَبْلَ أنْ يُؤْتى الآياتِ، ثُمَّ أُوتِيَها فَكانَ أيْضًا ضالًّا لَمْ تَنْفَعْهُ الآياتُ، فَهو كالكَلْبِ في أنَّهُ لا يُفارِقُ اللهْثَ في حالِ حَمْلِ المَشَقَّةِ عَلَيْهِ وتَرْكِهِ دُونَ حَمْلٍ عَلَيْهِ، وتَحْرِيرُ المَعْنى: فالشَيْءُ الَّذِي تَتَصَوَّرُهُ النُفُوسُ مِن حالِهِ هو كالَّذِي تَتَصَوَّرُ مِن حالِ الكَلْبِ، وبِهَذا التَقْدِيرِ يَحْسُنُ دُخُولُ "الكافِ" عَلى "مَثَلٍ"، واللهْثُ: تَنَفُّسٌ بِسُرْعَةٍ وتَحَرُّكُ أعْضاءِ الفَمِ مَعَهُ، وامْتِدادُ اللِسانِ، وأكْثَرُ ما يَعْتَرِي ذَلِكَ مَعَ الحَرِّ والتَعَبِ، وهو في الفَرَسِ: ضَبْحٌ، وخِلْقَةُ الكَلْبِ أنَّهُ يَلْهَثُ عَلى كُلِّ حالٍ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ مَعْنى: ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ أيْ تَطْرُدُهُ، وحَكاهُ عن مُجاهِدٍ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وذَلِكَ داخِلٌ في جُمْلَةِ المَشَقَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ﴾ أيْ: هَذا المَثَلُ يا مُحَمَّدُ مَثَلُ هَؤُلاءِ القَوْمِ الَّذِينَ كانُوا ضالِّينَ قَبْلَ أنْ تَأْتِيَهم بِالهُدى والرِسالَةِ، ثُمَّ جِئْتَهم بِذَلِكَ فَبَقُوا عَلى ضَلالَتِهِمْ ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ. فَمَثَلُهم كَمَثَلِ الكَلْبِ، وقَوْلُهُ: ﴿فاقْصُصِ القَصَصَ﴾ أيِ:اسْرُدْ عَلَيْهِمْ ما يَعْلَمُونَ أنَّهُ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا أهْلُ الكُتُبِ الماضِيَةِ ولَسْتَ مِنهم ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ في ذَلِكَ فَيُؤْمِنُونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ساءَ مَثَلا﴾، قالَ الزَجّاجُ: التَقْدِيرُ: ساءَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ، لِأنَّ الَّذِي بَعْدَ "بِئْسَ" و"نِعْمَ" إنَّما يَتَفَسَّرُ مِن نَوْعِهِ، كَما تَقُولُ: بِئْسَ رَجُلًا زَيْدٌ، ولَمّا انْحَذَفَ "مَثَلُ" أُقِيمَ "القَوْمُ" مَقامَهُ، والرَفْعُ في ذَلِكَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ فِيما تَقَدَّمَ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "ساءَ مَثَلُ القَوْمِ"، ورَفْعُ "مَثَلٍ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ بِـ "ساءَ"، ولا تَجْرِي "ساءَ" مَجْرى (p-٩٢)"بِئْسَ" إلّا إذا كانَ ما بَعْدَها مَنصُوبًا، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: قَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "مِثْلُ" بِكَسْرِ المِيمِ ورَفْعِ اللامِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "مَثَلُ" بِفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ اللامِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا خِلافُ ما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ، فَإنَّهُ قالَ: قَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ: "ساءَ مَثَلُ" بِالرَفْعِ.
وخُتِمَتْ هَذِهِ الآياتُ -الَّتِي تَضَمَّنَتْ ضَلالَ أقْوامٍ والقَوْلَ فِيهِ- بِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، الهِدايَةُ مِنهُ وبِخَلْقِهِ واخْتِراعِهِ، وكَذَلِكَ الإضْلالُ، وفي الآيَةِ تَعَجُّبٌ مِن حالِ المَذْكُورِينَ، ومَن أضَلَّ فَقَدْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالخُسْرانِ، والثَوابُ والعِقابُ مُتَعَلِّقٌ بِكَسْبِ ابْنِ آدَمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهُ خَلَقَ لِسُكْنى جَهَنَّمَ والِاحْتِراقِ فِيها كَثِيرًا، وفي ضِمْنِهِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ. و"ذَرَأ" مَعْناهُ: خَلَقَ وأوجَدَ مَعَ بَثٍّ ونَشْرٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِجَهَنَّمَ" هي لامُ العاقِبَةِ، أيْ: لِيَكُونَ أمْرُهم ومَآلُهم لِجَهَنَّمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، ولامُ العاقِبَةِ إنَّما يُتَصَوَّرُ إذا كانَ فِعْلُ الفاعِلِ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ ما يَصِيرُ الأمْرُ إلَيْهِ، وهَذِهِ اللامُ مِثْلُ الَّتِي في قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ يا أمَّ فَرْوَ كُفِّي اللَوْمَ واعْتَرِفِي ∗∗∗ ∗∗∗ فَكُلُّ والِدَةٍ لِلْمُنْتَأى تَلِدُ
(p-٩٣)وَأمّا هُنا فالفِعْلُ قُصِدَ بِهِ ما يَصِيرُ الأمْرُ إلَيْهِ مِن سُكْناهم جَهَنَّمَ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: "أولادُ الزِنى مِمّا ذَرَأ اللهُ لِجَهَنَّمَ"، ثُمَّ أسْنَدَ فِيهِ حَدِيثًا مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَثِيرًا" وإنْ كانَ لَيْسَ بِنَصٍّ في أنَّ الكَفّارَ أكْثَرُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَهو ناظِرٌ إلى ذَلِكَ في قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "قالَ اللهُ لِآدَمَ: أخْرِجْ بَعْثَ النارِ، فَأخْرَجَ مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَةً وتِسْعِينَ وتِسْعَمِائَةً"».
الأعراف 7:180
قوله عزّ وجلّ:
﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هم الغافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] ﴿وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
وُصِفَتْ هَذِهِ الصِنْفَةُ الكافِرَةُ المُعْرِضَةُ عَنِ النَظَرِ في آياتِ اللهِ بِأنَّ قُلُوبَهم لا تَفُقْهُ، (p-٩٤)وَأعْيُنَهم لا تُبْصِرُ، وآذانَهم لا تَسْمَعُ، ولَيْسَ الغَرَضُ مِن ذَلِكَ نَفْيَ هَذِهِ الإدْراكاتِ عن حَواسِّهِمْ جُمْلَةً، وإنَّما الغَرَضُ نَفْيُها في جِهَةٍ ما كَما تَقُولُ: فُلانٌ أصَمُّ عَنِ الخَنا، ومِنهُ قَوْلُ مِسْكِينٍ الدارِمِيِّ:
أعْمى إذا ما جارَتِي خَرَجَتْ... حَتّى يُوارِيَ جارَتِي السِتْرُ
وأصَمُّ عَمّا كانَ بَيْنَهُما... عَمْدًا وما بِالسَمْعِ مِن وقْرِ
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ وعَوْراءِ الكَلامِ صَمَمْتُ عنها ∗∗∗ ولَوْ أنِّي أشاءُ بِها سَمِيعُ
؎ وبادِرَةٍ وزَعْتُ النَفْسَ عنها ∗∗∗ ∗∗∗ وقَدْ بَقِيَتْ مِنَ الغَضَبِ الضُلُوعُ
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ في وصاةِ مَن يَدْخُلُ إلى دارِ مَلِكٍ:
؎ وادْخُلْ إذا ما دَخَلْتَ أعْمى ∗∗∗ ∗∗∗ واخْرُجْ إذا ما خَرَجْتَ أخْرَسْ
فَكَأنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُمُ النَظَرُ بِالقَلْبِ ولا بِالعَيْنِ ولا ما سَمِعُوهُ مِنَ الآياتِ والمَواعِظِ، اسْتَوْجَبُوا الوَصْفَ بِأنَّهم لا يَفْقَهُونَ ولا يُبْصِرُونَ ولا يَسْمَعُونَ، وفَسَّرَ مُجاهِدٌ هَذا بِأنْ قالَ: لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها شَيْئًا مِن أمْرِ الآخِرَةِ، وأعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها الهُدى، وآذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها الحَقَّ. و"أُولَئِكَ" إشارَةٌ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ (p-٩٥)الكَفَرَةِ، وشَبَّهَهم بِالأنْعامِ في أنَّ الأنْعامَ لا تَفْقَهُ قُلُوبُهُمُ الأشْياءَ، ولا تَعْقِلُ المَقايِيسَ، وكَذَلِكَ ما تُبْصِرُهُ لا يَتَحَصَّلُ لَها كَما يَجِبُ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ ما يُبْصِرُونَهُ ويَسْمَعُونَهُ لا يَتَحَصَّلُ لَهم مِنهُ عِلْمٌ عَلى ما هو بِهِ حِينَ أبْصَرَ وسَمِعَ، ثُمَّ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أضَلُّ، لِأنَّ الأنْعامَ تِلْكَ هي بِنْيَتُها وخِلْقَتُها، لا تُقَصِّرُ في شَيْءٍ، ولا لَها سَبِيلٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وهَؤُلاءِ مُعَدُّونَ لِلْفَهْمِ، وقَدْ خُلِقَتْ لَهم قُوًى يُصَرِّفُونَها، وأُعْطُوا طُرُقًا في النَظَرِ، فَهم -بِغَفْلَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ- يُلْحِقُونَ أنْفُسَهم بِالأنْعامِ، فَهم أضَلُّ عَلى هَذا، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] الطَرِيقَ الَّذِي بِهِ صارُوا أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ وهو الغَفْلَةُ والتَقْصِيرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ الآيَةُ، السَبَبُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما رُوِيَ «أنَّ أبا جَهْلٍ سَمِعَ بَعْضَ أصْحابِ النَبِيِّ ﷺ يَقْرَأُ فَيَذْكُرُ اللهَ في قِراءَتِهِ، ومَرَّةً يَقْرَأُ فَيَذْكُرُ الرَحْمَنَ. ونَحْوَ هَذا، فَقالَ: مُحَمَّدٌ يَزْعُمُ أنَّ الإلَهَ واحِدٌ وهو إنَّما يَعْبُدُ آلِهَةً كَثِيرَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ.»
و"الأسْماءُ" هُنا بِمَعْنى: التَسْمِياتِ إجْماعًا مِنَ المُتَأوِّلِينَ لا يُمْكِنُ غَيْرُهُ، و"الحُسْنى": مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ تُقَدَّرَ "الحُسْنى" فُعْلى مُؤَنَّثُهُ "أحْسَنُ" فَأُفْرِدَ وصْفُ جَمِيعِ ما لا يَعْقِلُ، كَما قالَ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨]، وكَما قالَ: ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبإ: ١٠]، وهَذا كَثِيرٌ وحُسْنُ الأسْماءِ إنَّما يَتَوَجَّهُ بِتَحْسِينِ الشَرْعِ لِإطْلاقِها، والنَصِّ (p-٩٦)عَلَيْها، وانْضافَ إلى ذَلِكَ أيْضًا أنَّها إنَّما تَضَمَّنَتْ مَعانِيَ حِسانًا شَرِيفَةً.
واخْتَلَفَ الناسُ في الِاسْمِ الَّذِي يَقْتَضِي مَدْحًا خالِصًا ولا يَتَعَلَّقُ بِهِ شُبْهَةٌ ولا اشْتِراكٌ، إلّا أنَّهُ لَمْ يُرَ مَنصُوصًا -هَلْ يُطْلَقُ ويُسَمّى اللهُ بِهِ؟- فَنَصَّ ابْنُ الباقِلّانِيِّ عَلى جَوازِ ذَلِكَ، ونَصَّ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ عَلى مَنعِ ذَلِكَ، والفُقَهاءُ والجُمْهُورُ عَلى المَنعِ، وهو الصَوابُ ألّا يُسَمّى اللهُ تَعالى إلّا بِاسْمٍ قَدْ أطْلَقَتْهُ الشَرِيعَةُ ووَقَفَتْ عَلَيْهِ أيْضًا، فَإنَّ هَذِهِ الشَرِيطَةَ الَّتِي في جَوازِ إطْلاقِهِ مِن أنْ يَكُونَ مَدْحًا خالِصًا لا شُبْهَةَ فِيهِ ولا اشْتِراكَ أمْرٌ لا يُحْسِنُهُ إلّا الأقَلُّ مِن أهْلِ العُلُومِ، فَإذا أُبِيحَ ذَلِكَ تَسَوَّرَ عَلَيْهِ مَن يَظُنُّ بِنَفْسِهِ الإحْسانَ وهو لا يُحْسِنُ، فَأدْخَلَ في أسْماءِ اللهِ ما لا يَجُوزُ إجْماعًا.
واخْتُلِفَ أيْضًا في الأفْعالِ الَّتِي في القُرْآنِ مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] و﴿مَكْرَ اللهِ﴾ [الأعراف: ٩٩]، ونَحْوِ ذَلِكَ -هَلْ يُطْلَقُ مِنها اسْمُ الفاعِلِ؟- فَقالَتْ فِرْقَةٌ: لا يُطْلَقُ ذَلِكَ بِوَجْهٍ، وجَوَّزَتْ فِرْقَةٌ أنْ يُقالَ ذَلِكَ مُقَيَّدًا بِسَبَبِهِ، فَيُقالُ: "اللهُ مُسْتَهْزِئٌ بِالكافِرِينَ" "وَماكِرٌ بِالَّذِينِ يَمْكُرُونَ بِالدِينِ"، وأمّا إطْلاقُ ذَلِكَ دُونَ تَقْيِيدٍ فَمَمْنُوعٌ إجْماعًا، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْوى، ولا ضَرُورَةَ تَدْفَعُ إلى القَوْلِ الثانِي لِأنَّ صِيغَةَ الفِعْلِ الوارِدَةَ في كِتابِ اللهِ تُغْنِي، ومِن أسْماءِ اللهِ تَعالى ما ورَدَ في القُرْآنِ، ومِنها ما ورَدَ في الحَدِيثِ وتَواتَرَ، وهَذا هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ، وقَدْ ورَدَ في التِرْمِذِيِّ حَدِيثٌ عن أبِي هُرَيْرَةَ ونَصَّ فِيهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، وفي بَعْضِها شُذُوذٌ، وذَلِكَ الحَدِيثُ (p-٩٧)لَيْسَ بِالمُتَواتِرِ، وإنَّما المُتَواتِرُ مِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إلّا واحِدًا، مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ"»، ومَعْنى أحْصاها: عَدَّها وحَفِظَها، وتَضَمَّنَ ذَلِكَ الإيمانَ بِها والتَعْظِيمَ لَها والرَغْبَةَ فِيها والعِبْرَةَ في مَعانِيها، وهَذا حَدِيثُ البُخارِيِّ، والمُتَحَصِّلُ مِنهُ أنَّ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى هَذِهِ الأسْماءَ مُباحًا إطْلاقُها، ووَرَدَ في بَعْضِ دُعاءِ النَبِيِّ ﷺ: « "يا حَنّانُ يا مَنّانُ"،» ولَمْ يَقَعْ هَذانِ الِاسْمانِ في تَسْمِيَةِ التِرْمِذِيِّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فادْعُوهُ بِها﴾ إباحَةٌ بِإطْلاقِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: اتْرُكُوهم ولا تُحاجُّوهم ولا تَعْرِضُوا لَهُمْ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: الوَعِيدُ كَقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١]، وقَوْلِهِ: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا﴾ [الحجر: ٣]، ويُقالُ ألْحَدَ ولَحَدَ بِمَعْنى جارَ ومالَ وانْحَرَفَ، وألْحَدَ: أشْهَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ........................ ∗∗∗ ∗∗∗ لَيْسَ الإمامُ بِالشَحِيحِ المُلْحِدِ
قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولا يَكادُ يُسْمَعُ لِأحَدٍ، وفي القُرْآنِ ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ﴾ [الحج: ٢٥]، ومِنهُ لَحْدُ القَبْرِ المائِلُ إلى أحَدِ شِقَّيْهِ.
(p-٩٨)وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يُلْحِدُونَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ، وكَذَلِكَ في النَحْلِ والسَجْدَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ الأحْرُفَ الثَلاثَةَ: "يَلْحَدُونَ" بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ، وكَذَلِكَ ابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، والأعْمَشُ.
ومَعْنى الإلْحادِ في أسْماءِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُسَمُّوا اللاتَ نَظِيرًا إلى اسْمِ اللهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والعُزّى نَظِيرًا إلى العَزِيزِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ويُسَمُّونَ اللهَ رَبًّا ويُسَمُّونَ أوثانَهم أرْبابًا، ونَحْوَ هَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ بِعَذابِ الآخِرَةِ، وذَهَبَ الكِسائِيُّ إلى الفَرْقِ بَيْنَألْحَدَ ولَحَدَ، وزَعَمَ أنْ ألْحَدَ بِمَعْنى مالَ وانْحَرَفَ، ولَحَدَ بِمَعْنى رَكَنَ وانْضَوى، قالَ الطَبَرِيُّ: وكانَ الكِسائِيُّ يَقْرَأُ جَمِيعَ ما في القُرْآنِ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ إلّا الَّتِي في النَحْلِ، فَإنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ ويَزْعُمُ أنَّها بِمَعْنى الرُكُونِ، وكَذَلِكَ ذَكَرَ عنهُ أبُو عَلِيٍّ.
الأعراف 7:181
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾
هَذِهِ آيَةٌ تَتَضَمَّنُ الخَبَرَ عن قَوْمٍ مُخالِفِينَ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في أنَّهم أهْلُ إيمانٍ واسْتِقامَةٍ وهِدايَةٍ. وظاهِرُ لَفْظِ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي كُلَّ مُؤْمِنٍ كانَ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ إلى قِيامِ الساعَةِ. قالَ النَحّاسَ: فَلا تَخْلُو الدُنْيا في وقْتٍ مِنَ الأوقاتِ مِن داعٍ يَدْعُو إلى الحَقِّ.
(p-٩٩)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
سَواءٌ بَعُدَ صَوْتُهُ أو كانَ خامِلًا.
ورُوِيَ عن كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّها في أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورُوِيَ في ذَلِكَ حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ ﷺ قالَ: « "هَذِهِ الآيَةُ لَكُمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُها لِقَوْمِ مُوسى".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الآيَةُ وعِيدٌ، والإشارَةُ إلى الكُفّارِ، و﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ مَعْناهُ: سَنَسُوقُهم شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ودَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ بِالنِعَمِ عَلَيْهِمْ والإمْهالِ لَهم حَتّى يَغْتَرُّوا ويَظُنُّوا أنَّهم لا يَنالُهم عِقابٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ مَعْناهُ: مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ اسْتِدْراجٌ لَهُمْ، وهَذِهِ عُقُوبَةٌ مِنَ اللهِ عَلى التَكْذِيبِ بِالآياتِ، لَمّا حَتَّمَ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ أمْلى لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والنَخْعِيُّ: "سَيَسْتَدْرِجُهُمْ" بِالياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أُمْلِي" مَعْناهُ: أُؤَخِّرُ مُلاءَةً مِنَ الدَهْرِ، أيْ مُدَّةً. وفِيها ثَلاثُ لُغاتٍ: فَتْحُ المِيمِ وضَمُّها وكَسْرُها. وقَرَأ عَبْدُ الحَمِيدِ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: "أنَّ كَيْدِي" عَلى مَعْنى: لِأجْلِ أنَّ كَيْدِي، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ وسائِرُ السَبْعَةِ: "إنَّ كَيْدِي" عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ.
(p-١٠٠)وَ"مَتِينٌ" مَعْناهُ: قَوِيٌّ، قالَ الشاعِرُ:
؎ لِآَلٍ عَلَيْنا واجِبٌ لا نُضَيِّعُهُ ∗∗∗ مَتِينٌ قُواهُ غَيْرُ مُنْتَكَثِ الحَبْلِ
ورَوى ابْنُ إسْحاقَ في هَذا البَيْتِ "أمِينٌ قُواهُ"، وهو مِنَ المَتْنِ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ لِقُوَّتِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ لَها مَتْنَتانِ خَظاتا كَما ∗∗∗ ∗∗∗ أكَبَّ عَلى ساعِدَيْهِ النَمِرْ
وهُما جَنْبَتا الظَهْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ عَدَلْنَ عُدُولَ اليَأْسِ وافْتَجَّ يَبْتَلِي ∗∗∗ ∗∗∗ أفانِينَ مِنَ الهُوبِ شَدَّ مَماتِنِ
ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ ويَخْدِي عَلى صُمٍّ صِلابٍ مَلاطِسِ ∗∗∗ ∗∗∗ شَدِيداتِ عَقْدٍ لَيِّناتِ مِتانِ
(p-١٠١)وَمِنهُ الحَدِيثُ في غَزْوَةٍ بَنِي المُصْطَلِقِ: « "فَمَتَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالناسِ"» أيْ: سارَ بِهِمْ سَيْرًا شَدِيدًا لِيَنْقَطِعَ الحَدِيثُ بِقَوْلِ ابْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ﴾ [المنافقون: ٨] الآيَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ﴾ الآيَةُ، تَقْرِيرٌ يُقارِنُهُ تَوْبِيخٌ لِلْكُفّارِ، والوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾، ثُمَّ ابْتَدَأ القَوْلَ بِنَفْيِ ما ذَكَرُوهُ: ﴿ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ أيْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أو لَمْ يَتَفَكَّرُوا أنَّهُ ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ؟
وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فِيما رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَعِدَ لَيْلًا عَلى الصَفا، فَجَعَلَ يَدْعُو قَبائِلَ قُرَيْشٍ: يا بَنِي فُلانٍ، يا بَنِي فُلانٍ، يُحَذِّرُهم ويَدْعُوهم إلى اللهِ، فَقالَ بَعْضُ الكُفّارِ حِينَ أصْبَحُوا: هَذا مَجْنُونٌ باتَ يُصَوِّتُ حَتّى الصَباحِ» فَنَفى اللهُ عَزَّ وجَلَّ ما قالُوهُ مِن ذَلِكَ في هَذا المَوْطِنِ المَذْكُورِ وفي غَيْرِهِ، فَإنَّ الجُنُونَ بَعْضُ ما رَمَوْهُ بِهِ حَتّى أظْهَرَ اللهُ نُورَهُ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ نَذِيرٌ أيْ مُحَذِّرٌ مِنَ العَذابِ، ولَفْظُ النِذارَةِ إذا جاءَ مُطْلَقًا، فَإنَّما هو في الشَرِّ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ مُقَيَّدًا بِهِ، ويَظْهَرُ مِن رَصْفِ الآيَةِ أنَّها باعِثَةٌ لَهم عَلى الفِكْرَةِ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّهُ لَيْسَ بِهِ جِنَّةٌ، كَما أحالَهم بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى النَظَرِ، ثُمَّ بَيَّنَ المَنظُورَ فِيهِ كَذَلِكَ أحالَ هُنا عَلى الفِكْرَةِ ثُمَّ بَيَّنَ المُتَفَكَّرَ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةُ، هَذا أيْضًا تَوْبِيخٌ لِلْكَفّارِ وتَقْرِيرٌ، والنَظَرُ هُنا بِالقَلْبِ عِبْرَةً وفِكْرًا، و"مَلَكُوتُ" بِناءُ عَظَمَةٍ ومُبالَغَةٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ ما يُنْظَرُ فِيهِ ويُسْتَدَلُّ بِهِ، مِنَ الصَنْعَةِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، ومِن نَفْسِ الإنْسِ وحَواسِّهِ ومَواضِعِ رِزْقِهِ، والشَيْءُ واقِعٌ عَلى المَوْجُوداتِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَأنْ عَسى﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فِي مَلَكُوتِ﴾. و"وَأنِ" الثانِيَةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ "عَسى"، والمَعْنى تَوْقِيفُهم عَلى أنْ لَمْ يَقَعْ لَهم نَظَرٌ في شَيْءٍ مِن هَذا، ولا في أنَّهُ قَرُبَتْ آجالُهُمْ، فَماتُوا فَفاتَ أوانُ الِاسْتِدْراكِ ووَجَبَ عَلَيْهِمُ المَحْذُورُ.
(p-١٠٢)ثُمَّ وقَّفَهم بِأيِّ حَدِيثٍ أو أمْرٍ يَقَعُ إيمانُهم وتَصْدِيقُهم إذا لَمْ يَقَعْ بِأمْرٍ فِيهِ نَجاتُهم ودُخُولُهُمُ الجَنَّةَ؟ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وعن أيِّ نَفْسٍ بَعْدِ نَفْسِي أُقاتِلُ؟
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "بَعْدَهُ" يُرادُ بِهِ القُرْآنُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وقَصَّتُهُ وأمْرُهُ أجْمَعُ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الأجَلِ، إذْ لا عَمَلَ بَعْدَ المَوْتِ.
الأعراف 7:182
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾
هَذِهِ آيَةٌ تَتَضَمَّنُ الخَبَرَ عن قَوْمٍ مُخالِفِينَ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في أنَّهم أهْلُ إيمانٍ واسْتِقامَةٍ وهِدايَةٍ. وظاهِرُ لَفْظِ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي كُلَّ مُؤْمِنٍ كانَ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ إلى قِيامِ الساعَةِ. قالَ النَحّاسَ: فَلا تَخْلُو الدُنْيا في وقْتٍ مِنَ الأوقاتِ مِن داعٍ يَدْعُو إلى الحَقِّ.
(p-٩٩)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
سَواءٌ بَعُدَ صَوْتُهُ أو كانَ خامِلًا.
ورُوِيَ عن كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّها في أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورُوِيَ في ذَلِكَ حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ ﷺ قالَ: « "هَذِهِ الآيَةُ لَكُمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُها لِقَوْمِ مُوسى".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الآيَةُ وعِيدٌ، والإشارَةُ إلى الكُفّارِ، و﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ مَعْناهُ: سَنَسُوقُهم شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ودَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ بِالنِعَمِ عَلَيْهِمْ والإمْهالِ لَهم حَتّى يَغْتَرُّوا ويَظُنُّوا أنَّهم لا يَنالُهم عِقابٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ مَعْناهُ: مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ اسْتِدْراجٌ لَهُمْ، وهَذِهِ عُقُوبَةٌ مِنَ اللهِ عَلى التَكْذِيبِ بِالآياتِ، لَمّا حَتَّمَ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ أمْلى لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والنَخْعِيُّ: "سَيَسْتَدْرِجُهُمْ" بِالياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أُمْلِي" مَعْناهُ: أُؤَخِّرُ مُلاءَةً مِنَ الدَهْرِ، أيْ مُدَّةً. وفِيها ثَلاثُ لُغاتٍ: فَتْحُ المِيمِ وضَمُّها وكَسْرُها. وقَرَأ عَبْدُ الحَمِيدِ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: "أنَّ كَيْدِي" عَلى مَعْنى: لِأجْلِ أنَّ كَيْدِي، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ وسائِرُ السَبْعَةِ: "إنَّ كَيْدِي" عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ.
(p-١٠٠)وَ"مَتِينٌ" مَعْناهُ: قَوِيٌّ، قالَ الشاعِرُ:
؎ لِآَلٍ عَلَيْنا واجِبٌ لا نُضَيِّعُهُ ∗∗∗ مَتِينٌ قُواهُ غَيْرُ مُنْتَكَثِ الحَبْلِ
ورَوى ابْنُ إسْحاقَ في هَذا البَيْتِ "أمِينٌ قُواهُ"، وهو مِنَ المَتْنِ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ لِقُوَّتِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ لَها مَتْنَتانِ خَظاتا كَما ∗∗∗ ∗∗∗ أكَبَّ عَلى ساعِدَيْهِ النَمِرْ
وهُما جَنْبَتا الظَهْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ عَدَلْنَ عُدُولَ اليَأْسِ وافْتَجَّ يَبْتَلِي ∗∗∗ ∗∗∗ أفانِينَ مِنَ الهُوبِ شَدَّ مَماتِنِ
ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ ويَخْدِي عَلى صُمٍّ صِلابٍ مَلاطِسِ ∗∗∗ ∗∗∗ شَدِيداتِ عَقْدٍ لَيِّناتِ مِتانِ
(p-١٠١)وَمِنهُ الحَدِيثُ في غَزْوَةٍ بَنِي المُصْطَلِقِ: « "فَمَتَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالناسِ"» أيْ: سارَ بِهِمْ سَيْرًا شَدِيدًا لِيَنْقَطِعَ الحَدِيثُ بِقَوْلِ ابْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ﴾ [المنافقون: ٨] الآيَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ﴾ الآيَةُ، تَقْرِيرٌ يُقارِنُهُ تَوْبِيخٌ لِلْكُفّارِ، والوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾، ثُمَّ ابْتَدَأ القَوْلَ بِنَفْيِ ما ذَكَرُوهُ: ﴿ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ أيْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أو لَمْ يَتَفَكَّرُوا أنَّهُ ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ؟
وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فِيما رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَعِدَ لَيْلًا عَلى الصَفا، فَجَعَلَ يَدْعُو قَبائِلَ قُرَيْشٍ: يا بَنِي فُلانٍ، يا بَنِي فُلانٍ، يُحَذِّرُهم ويَدْعُوهم إلى اللهِ، فَقالَ بَعْضُ الكُفّارِ حِينَ أصْبَحُوا: هَذا مَجْنُونٌ باتَ يُصَوِّتُ حَتّى الصَباحِ» فَنَفى اللهُ عَزَّ وجَلَّ ما قالُوهُ مِن ذَلِكَ في هَذا المَوْطِنِ المَذْكُورِ وفي غَيْرِهِ، فَإنَّ الجُنُونَ بَعْضُ ما رَمَوْهُ بِهِ حَتّى أظْهَرَ اللهُ نُورَهُ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ نَذِيرٌ أيْ مُحَذِّرٌ مِنَ العَذابِ، ولَفْظُ النِذارَةِ إذا جاءَ مُطْلَقًا، فَإنَّما هو في الشَرِّ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ مُقَيَّدًا بِهِ، ويَظْهَرُ مِن رَصْفِ الآيَةِ أنَّها باعِثَةٌ لَهم عَلى الفِكْرَةِ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّهُ لَيْسَ بِهِ جِنَّةٌ، كَما أحالَهم بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى النَظَرِ، ثُمَّ بَيَّنَ المَنظُورَ فِيهِ كَذَلِكَ أحالَ هُنا عَلى الفِكْرَةِ ثُمَّ بَيَّنَ المُتَفَكَّرَ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةُ، هَذا أيْضًا تَوْبِيخٌ لِلْكَفّارِ وتَقْرِيرٌ، والنَظَرُ هُنا بِالقَلْبِ عِبْرَةً وفِكْرًا، و"مَلَكُوتُ" بِناءُ عَظَمَةٍ ومُبالَغَةٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ ما يُنْظَرُ فِيهِ ويُسْتَدَلُّ بِهِ، مِنَ الصَنْعَةِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، ومِن نَفْسِ الإنْسِ وحَواسِّهِ ومَواضِعِ رِزْقِهِ، والشَيْءُ واقِعٌ عَلى المَوْجُوداتِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَأنْ عَسى﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فِي مَلَكُوتِ﴾. و"وَأنِ" الثانِيَةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ "عَسى"، والمَعْنى تَوْقِيفُهم عَلى أنْ لَمْ يَقَعْ لَهم نَظَرٌ في شَيْءٍ مِن هَذا، ولا في أنَّهُ قَرُبَتْ آجالُهُمْ، فَماتُوا فَفاتَ أوانُ الِاسْتِدْراكِ ووَجَبَ عَلَيْهِمُ المَحْذُورُ.
(p-١٠٢)ثُمَّ وقَّفَهم بِأيِّ حَدِيثٍ أو أمْرٍ يَقَعُ إيمانُهم وتَصْدِيقُهم إذا لَمْ يَقَعْ بِأمْرٍ فِيهِ نَجاتُهم ودُخُولُهُمُ الجَنَّةَ؟ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وعن أيِّ نَفْسٍ بَعْدِ نَفْسِي أُقاتِلُ؟
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "بَعْدَهُ" يُرادُ بِهِ القُرْآنُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وقَصَّتُهُ وأمْرُهُ أجْمَعُ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الأجَلِ، إذْ لا عَمَلَ بَعْدَ المَوْتِ.
الأعراف 7:183
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾
هَذِهِ آيَةٌ تَتَضَمَّنُ الخَبَرَ عن قَوْمٍ مُخالِفِينَ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في أنَّهم أهْلُ إيمانٍ واسْتِقامَةٍ وهِدايَةٍ. وظاهِرُ لَفْظِ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي كُلَّ مُؤْمِنٍ كانَ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ إلى قِيامِ الساعَةِ. قالَ النَحّاسَ: فَلا تَخْلُو الدُنْيا في وقْتٍ مِنَ الأوقاتِ مِن داعٍ يَدْعُو إلى الحَقِّ.
(p-٩٩)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
سَواءٌ بَعُدَ صَوْتُهُ أو كانَ خامِلًا.
ورُوِيَ عن كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّها في أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورُوِيَ في ذَلِكَ حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ ﷺ قالَ: « "هَذِهِ الآيَةُ لَكُمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُها لِقَوْمِ مُوسى".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الآيَةُ وعِيدٌ، والإشارَةُ إلى الكُفّارِ، و﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ مَعْناهُ: سَنَسُوقُهم شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ودَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ بِالنِعَمِ عَلَيْهِمْ والإمْهالِ لَهم حَتّى يَغْتَرُّوا ويَظُنُّوا أنَّهم لا يَنالُهم عِقابٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ مَعْناهُ: مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ اسْتِدْراجٌ لَهُمْ، وهَذِهِ عُقُوبَةٌ مِنَ اللهِ عَلى التَكْذِيبِ بِالآياتِ، لَمّا حَتَّمَ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ أمْلى لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والنَخْعِيُّ: "سَيَسْتَدْرِجُهُمْ" بِالياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أُمْلِي" مَعْناهُ: أُؤَخِّرُ مُلاءَةً مِنَ الدَهْرِ، أيْ مُدَّةً. وفِيها ثَلاثُ لُغاتٍ: فَتْحُ المِيمِ وضَمُّها وكَسْرُها. وقَرَأ عَبْدُ الحَمِيدِ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: "أنَّ كَيْدِي" عَلى مَعْنى: لِأجْلِ أنَّ كَيْدِي، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ وسائِرُ السَبْعَةِ: "إنَّ كَيْدِي" عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ.
(p-١٠٠)وَ"مَتِينٌ" مَعْناهُ: قَوِيٌّ، قالَ الشاعِرُ:
؎ لِآَلٍ عَلَيْنا واجِبٌ لا نُضَيِّعُهُ ∗∗∗ مَتِينٌ قُواهُ غَيْرُ مُنْتَكَثِ الحَبْلِ
ورَوى ابْنُ إسْحاقَ في هَذا البَيْتِ "أمِينٌ قُواهُ"، وهو مِنَ المَتْنِ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ لِقُوَّتِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ لَها مَتْنَتانِ خَظاتا كَما ∗∗∗ ∗∗∗ أكَبَّ عَلى ساعِدَيْهِ النَمِرْ
وهُما جَنْبَتا الظَهْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ عَدَلْنَ عُدُولَ اليَأْسِ وافْتَجَّ يَبْتَلِي ∗∗∗ ∗∗∗ أفانِينَ مِنَ الهُوبِ شَدَّ مَماتِنِ
ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ ويَخْدِي عَلى صُمٍّ صِلابٍ مَلاطِسِ ∗∗∗ ∗∗∗ شَدِيداتِ عَقْدٍ لَيِّناتِ مِتانِ
(p-١٠١)وَمِنهُ الحَدِيثُ في غَزْوَةٍ بَنِي المُصْطَلِقِ: « "فَمَتَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالناسِ"» أيْ: سارَ بِهِمْ سَيْرًا شَدِيدًا لِيَنْقَطِعَ الحَدِيثُ بِقَوْلِ ابْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ﴾ [المنافقون: ٨] الآيَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ﴾ الآيَةُ، تَقْرِيرٌ يُقارِنُهُ تَوْبِيخٌ لِلْكُفّارِ، والوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾، ثُمَّ ابْتَدَأ القَوْلَ بِنَفْيِ ما ذَكَرُوهُ: ﴿ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ أيْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أو لَمْ يَتَفَكَّرُوا أنَّهُ ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ؟
وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فِيما رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَعِدَ لَيْلًا عَلى الصَفا، فَجَعَلَ يَدْعُو قَبائِلَ قُرَيْشٍ: يا بَنِي فُلانٍ، يا بَنِي فُلانٍ، يُحَذِّرُهم ويَدْعُوهم إلى اللهِ، فَقالَ بَعْضُ الكُفّارِ حِينَ أصْبَحُوا: هَذا مَجْنُونٌ باتَ يُصَوِّتُ حَتّى الصَباحِ» فَنَفى اللهُ عَزَّ وجَلَّ ما قالُوهُ مِن ذَلِكَ في هَذا المَوْطِنِ المَذْكُورِ وفي غَيْرِهِ، فَإنَّ الجُنُونَ بَعْضُ ما رَمَوْهُ بِهِ حَتّى أظْهَرَ اللهُ نُورَهُ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ نَذِيرٌ أيْ مُحَذِّرٌ مِنَ العَذابِ، ولَفْظُ النِذارَةِ إذا جاءَ مُطْلَقًا، فَإنَّما هو في الشَرِّ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ مُقَيَّدًا بِهِ، ويَظْهَرُ مِن رَصْفِ الآيَةِ أنَّها باعِثَةٌ لَهم عَلى الفِكْرَةِ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّهُ لَيْسَ بِهِ جِنَّةٌ، كَما أحالَهم بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى النَظَرِ، ثُمَّ بَيَّنَ المَنظُورَ فِيهِ كَذَلِكَ أحالَ هُنا عَلى الفِكْرَةِ ثُمَّ بَيَّنَ المُتَفَكَّرَ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةُ، هَذا أيْضًا تَوْبِيخٌ لِلْكَفّارِ وتَقْرِيرٌ، والنَظَرُ هُنا بِالقَلْبِ عِبْرَةً وفِكْرًا، و"مَلَكُوتُ" بِناءُ عَظَمَةٍ ومُبالَغَةٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ ما يُنْظَرُ فِيهِ ويُسْتَدَلُّ بِهِ، مِنَ الصَنْعَةِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، ومِن نَفْسِ الإنْسِ وحَواسِّهِ ومَواضِعِ رِزْقِهِ، والشَيْءُ واقِعٌ عَلى المَوْجُوداتِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَأنْ عَسى﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فِي مَلَكُوتِ﴾. و"وَأنِ" الثانِيَةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ "عَسى"، والمَعْنى تَوْقِيفُهم عَلى أنْ لَمْ يَقَعْ لَهم نَظَرٌ في شَيْءٍ مِن هَذا، ولا في أنَّهُ قَرُبَتْ آجالُهُمْ، فَماتُوا فَفاتَ أوانُ الِاسْتِدْراكِ ووَجَبَ عَلَيْهِمُ المَحْذُورُ.
(p-١٠٢)ثُمَّ وقَّفَهم بِأيِّ حَدِيثٍ أو أمْرٍ يَقَعُ إيمانُهم وتَصْدِيقُهم إذا لَمْ يَقَعْ بِأمْرٍ فِيهِ نَجاتُهم ودُخُولُهُمُ الجَنَّةَ؟ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وعن أيِّ نَفْسٍ بَعْدِ نَفْسِي أُقاتِلُ؟
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "بَعْدَهُ" يُرادُ بِهِ القُرْآنُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وقَصَّتُهُ وأمْرُهُ أجْمَعُ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الأجَلِ، إذْ لا عَمَلَ بَعْدَ المَوْتِ.
الأعراف 7:184
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾
هَذِهِ آيَةٌ تَتَضَمَّنُ الخَبَرَ عن قَوْمٍ مُخالِفِينَ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في أنَّهم أهْلُ إيمانٍ واسْتِقامَةٍ وهِدايَةٍ. وظاهِرُ لَفْظِ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي كُلَّ مُؤْمِنٍ كانَ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ إلى قِيامِ الساعَةِ. قالَ النَحّاسَ: فَلا تَخْلُو الدُنْيا في وقْتٍ مِنَ الأوقاتِ مِن داعٍ يَدْعُو إلى الحَقِّ.
(p-٩٩)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
سَواءٌ بَعُدَ صَوْتُهُ أو كانَ خامِلًا.
ورُوِيَ عن كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّها في أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورُوِيَ في ذَلِكَ حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ ﷺ قالَ: « "هَذِهِ الآيَةُ لَكُمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُها لِقَوْمِ مُوسى".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الآيَةُ وعِيدٌ، والإشارَةُ إلى الكُفّارِ، و﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ مَعْناهُ: سَنَسُوقُهم شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ودَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ بِالنِعَمِ عَلَيْهِمْ والإمْهالِ لَهم حَتّى يَغْتَرُّوا ويَظُنُّوا أنَّهم لا يَنالُهم عِقابٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ مَعْناهُ: مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ اسْتِدْراجٌ لَهُمْ، وهَذِهِ عُقُوبَةٌ مِنَ اللهِ عَلى التَكْذِيبِ بِالآياتِ، لَمّا حَتَّمَ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ أمْلى لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والنَخْعِيُّ: "سَيَسْتَدْرِجُهُمْ" بِالياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أُمْلِي" مَعْناهُ: أُؤَخِّرُ مُلاءَةً مِنَ الدَهْرِ، أيْ مُدَّةً. وفِيها ثَلاثُ لُغاتٍ: فَتْحُ المِيمِ وضَمُّها وكَسْرُها. وقَرَأ عَبْدُ الحَمِيدِ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: "أنَّ كَيْدِي" عَلى مَعْنى: لِأجْلِ أنَّ كَيْدِي، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ وسائِرُ السَبْعَةِ: "إنَّ كَيْدِي" عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ.
(p-١٠٠)وَ"مَتِينٌ" مَعْناهُ: قَوِيٌّ، قالَ الشاعِرُ:
؎ لِآَلٍ عَلَيْنا واجِبٌ لا نُضَيِّعُهُ ∗∗∗ مَتِينٌ قُواهُ غَيْرُ مُنْتَكَثِ الحَبْلِ
ورَوى ابْنُ إسْحاقَ في هَذا البَيْتِ "أمِينٌ قُواهُ"، وهو مِنَ المَتْنِ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ لِقُوَّتِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ لَها مَتْنَتانِ خَظاتا كَما ∗∗∗ ∗∗∗ أكَبَّ عَلى ساعِدَيْهِ النَمِرْ
وهُما جَنْبَتا الظَهْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ عَدَلْنَ عُدُولَ اليَأْسِ وافْتَجَّ يَبْتَلِي ∗∗∗ ∗∗∗ أفانِينَ مِنَ الهُوبِ شَدَّ مَماتِنِ
ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ ويَخْدِي عَلى صُمٍّ صِلابٍ مَلاطِسِ ∗∗∗ ∗∗∗ شَدِيداتِ عَقْدٍ لَيِّناتِ مِتانِ
(p-١٠١)وَمِنهُ الحَدِيثُ في غَزْوَةٍ بَنِي المُصْطَلِقِ: « "فَمَتَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالناسِ"» أيْ: سارَ بِهِمْ سَيْرًا شَدِيدًا لِيَنْقَطِعَ الحَدِيثُ بِقَوْلِ ابْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ﴾ [المنافقون: ٨] الآيَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ﴾ الآيَةُ، تَقْرِيرٌ يُقارِنُهُ تَوْبِيخٌ لِلْكُفّارِ، والوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾، ثُمَّ ابْتَدَأ القَوْلَ بِنَفْيِ ما ذَكَرُوهُ: ﴿ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ أيْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أو لَمْ يَتَفَكَّرُوا أنَّهُ ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ؟
وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فِيما رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَعِدَ لَيْلًا عَلى الصَفا، فَجَعَلَ يَدْعُو قَبائِلَ قُرَيْشٍ: يا بَنِي فُلانٍ، يا بَنِي فُلانٍ، يُحَذِّرُهم ويَدْعُوهم إلى اللهِ، فَقالَ بَعْضُ الكُفّارِ حِينَ أصْبَحُوا: هَذا مَجْنُونٌ باتَ يُصَوِّتُ حَتّى الصَباحِ» فَنَفى اللهُ عَزَّ وجَلَّ ما قالُوهُ مِن ذَلِكَ في هَذا المَوْطِنِ المَذْكُورِ وفي غَيْرِهِ، فَإنَّ الجُنُونَ بَعْضُ ما رَمَوْهُ بِهِ حَتّى أظْهَرَ اللهُ نُورَهُ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ نَذِيرٌ أيْ مُحَذِّرٌ مِنَ العَذابِ، ولَفْظُ النِذارَةِ إذا جاءَ مُطْلَقًا، فَإنَّما هو في الشَرِّ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ مُقَيَّدًا بِهِ، ويَظْهَرُ مِن رَصْفِ الآيَةِ أنَّها باعِثَةٌ لَهم عَلى الفِكْرَةِ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّهُ لَيْسَ بِهِ جِنَّةٌ، كَما أحالَهم بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى النَظَرِ، ثُمَّ بَيَّنَ المَنظُورَ فِيهِ كَذَلِكَ أحالَ هُنا عَلى الفِكْرَةِ ثُمَّ بَيَّنَ المُتَفَكَّرَ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةُ، هَذا أيْضًا تَوْبِيخٌ لِلْكَفّارِ وتَقْرِيرٌ، والنَظَرُ هُنا بِالقَلْبِ عِبْرَةً وفِكْرًا، و"مَلَكُوتُ" بِناءُ عَظَمَةٍ ومُبالَغَةٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ ما يُنْظَرُ فِيهِ ويُسْتَدَلُّ بِهِ، مِنَ الصَنْعَةِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، ومِن نَفْسِ الإنْسِ وحَواسِّهِ ومَواضِعِ رِزْقِهِ، والشَيْءُ واقِعٌ عَلى المَوْجُوداتِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَأنْ عَسى﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فِي مَلَكُوتِ﴾. و"وَأنِ" الثانِيَةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ "عَسى"، والمَعْنى تَوْقِيفُهم عَلى أنْ لَمْ يَقَعْ لَهم نَظَرٌ في شَيْءٍ مِن هَذا، ولا في أنَّهُ قَرُبَتْ آجالُهُمْ، فَماتُوا فَفاتَ أوانُ الِاسْتِدْراكِ ووَجَبَ عَلَيْهِمُ المَحْذُورُ.
(p-١٠٢)ثُمَّ وقَّفَهم بِأيِّ حَدِيثٍ أو أمْرٍ يَقَعُ إيمانُهم وتَصْدِيقُهم إذا لَمْ يَقَعْ بِأمْرٍ فِيهِ نَجاتُهم ودُخُولُهُمُ الجَنَّةَ؟ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وعن أيِّ نَفْسٍ بَعْدِ نَفْسِي أُقاتِلُ؟
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "بَعْدَهُ" يُرادُ بِهِ القُرْآنُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وقَصَّتُهُ وأمْرُهُ أجْمَعُ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الأجَلِ، إذْ لا عَمَلَ بَعْدَ المَوْتِ.
الأعراف 7:185
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾
هَذِهِ آيَةٌ تَتَضَمَّنُ الخَبَرَ عن قَوْمٍ مُخالِفِينَ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في أنَّهم أهْلُ إيمانٍ واسْتِقامَةٍ وهِدايَةٍ. وظاهِرُ لَفْظِ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي كُلَّ مُؤْمِنٍ كانَ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ إلى قِيامِ الساعَةِ. قالَ النَحّاسَ: فَلا تَخْلُو الدُنْيا في وقْتٍ مِنَ الأوقاتِ مِن داعٍ يَدْعُو إلى الحَقِّ.
(p-٩٩)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
سَواءٌ بَعُدَ صَوْتُهُ أو كانَ خامِلًا.
ورُوِيَ عن كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّها في أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورُوِيَ في ذَلِكَ حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ ﷺ قالَ: « "هَذِهِ الآيَةُ لَكُمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُها لِقَوْمِ مُوسى".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الآيَةُ وعِيدٌ، والإشارَةُ إلى الكُفّارِ، و﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ مَعْناهُ: سَنَسُوقُهم شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ودَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ بِالنِعَمِ عَلَيْهِمْ والإمْهالِ لَهم حَتّى يَغْتَرُّوا ويَظُنُّوا أنَّهم لا يَنالُهم عِقابٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ مَعْناهُ: مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ اسْتِدْراجٌ لَهُمْ، وهَذِهِ عُقُوبَةٌ مِنَ اللهِ عَلى التَكْذِيبِ بِالآياتِ، لَمّا حَتَّمَ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ أمْلى لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والنَخْعِيُّ: "سَيَسْتَدْرِجُهُمْ" بِالياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أُمْلِي" مَعْناهُ: أُؤَخِّرُ مُلاءَةً مِنَ الدَهْرِ، أيْ مُدَّةً. وفِيها ثَلاثُ لُغاتٍ: فَتْحُ المِيمِ وضَمُّها وكَسْرُها. وقَرَأ عَبْدُ الحَمِيدِ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: "أنَّ كَيْدِي" عَلى مَعْنى: لِأجْلِ أنَّ كَيْدِي، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ وسائِرُ السَبْعَةِ: "إنَّ كَيْدِي" عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ.
(p-١٠٠)وَ"مَتِينٌ" مَعْناهُ: قَوِيٌّ، قالَ الشاعِرُ:
؎ لِآَلٍ عَلَيْنا واجِبٌ لا نُضَيِّعُهُ ∗∗∗ مَتِينٌ قُواهُ غَيْرُ مُنْتَكَثِ الحَبْلِ
ورَوى ابْنُ إسْحاقَ في هَذا البَيْتِ "أمِينٌ قُواهُ"، وهو مِنَ المَتْنِ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ لِقُوَّتِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ لَها مَتْنَتانِ خَظاتا كَما ∗∗∗ ∗∗∗ أكَبَّ عَلى ساعِدَيْهِ النَمِرْ
وهُما جَنْبَتا الظَهْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ عَدَلْنَ عُدُولَ اليَأْسِ وافْتَجَّ يَبْتَلِي ∗∗∗ ∗∗∗ أفانِينَ مِنَ الهُوبِ شَدَّ مَماتِنِ
ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ ويَخْدِي عَلى صُمٍّ صِلابٍ مَلاطِسِ ∗∗∗ ∗∗∗ شَدِيداتِ عَقْدٍ لَيِّناتِ مِتانِ
(p-١٠١)وَمِنهُ الحَدِيثُ في غَزْوَةٍ بَنِي المُصْطَلِقِ: « "فَمَتَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالناسِ"» أيْ: سارَ بِهِمْ سَيْرًا شَدِيدًا لِيَنْقَطِعَ الحَدِيثُ بِقَوْلِ ابْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ﴾ [المنافقون: ٨] الآيَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ﴾ الآيَةُ، تَقْرِيرٌ يُقارِنُهُ تَوْبِيخٌ لِلْكُفّارِ، والوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾، ثُمَّ ابْتَدَأ القَوْلَ بِنَفْيِ ما ذَكَرُوهُ: ﴿ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ أيْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أو لَمْ يَتَفَكَّرُوا أنَّهُ ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ؟
وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فِيما رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَعِدَ لَيْلًا عَلى الصَفا، فَجَعَلَ يَدْعُو قَبائِلَ قُرَيْشٍ: يا بَنِي فُلانٍ، يا بَنِي فُلانٍ، يُحَذِّرُهم ويَدْعُوهم إلى اللهِ، فَقالَ بَعْضُ الكُفّارِ حِينَ أصْبَحُوا: هَذا مَجْنُونٌ باتَ يُصَوِّتُ حَتّى الصَباحِ» فَنَفى اللهُ عَزَّ وجَلَّ ما قالُوهُ مِن ذَلِكَ في هَذا المَوْطِنِ المَذْكُورِ وفي غَيْرِهِ، فَإنَّ الجُنُونَ بَعْضُ ما رَمَوْهُ بِهِ حَتّى أظْهَرَ اللهُ نُورَهُ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ نَذِيرٌ أيْ مُحَذِّرٌ مِنَ العَذابِ، ولَفْظُ النِذارَةِ إذا جاءَ مُطْلَقًا، فَإنَّما هو في الشَرِّ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ مُقَيَّدًا بِهِ، ويَظْهَرُ مِن رَصْفِ الآيَةِ أنَّها باعِثَةٌ لَهم عَلى الفِكْرَةِ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّهُ لَيْسَ بِهِ جِنَّةٌ، كَما أحالَهم بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى النَظَرِ، ثُمَّ بَيَّنَ المَنظُورَ فِيهِ كَذَلِكَ أحالَ هُنا عَلى الفِكْرَةِ ثُمَّ بَيَّنَ المُتَفَكَّرَ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةُ، هَذا أيْضًا تَوْبِيخٌ لِلْكَفّارِ وتَقْرِيرٌ، والنَظَرُ هُنا بِالقَلْبِ عِبْرَةً وفِكْرًا، و"مَلَكُوتُ" بِناءُ عَظَمَةٍ ومُبالَغَةٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ ما يُنْظَرُ فِيهِ ويُسْتَدَلُّ بِهِ، مِنَ الصَنْعَةِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، ومِن نَفْسِ الإنْسِ وحَواسِّهِ ومَواضِعِ رِزْقِهِ، والشَيْءُ واقِعٌ عَلى المَوْجُوداتِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَأنْ عَسى﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فِي مَلَكُوتِ﴾. و"وَأنِ" الثانِيَةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ "عَسى"، والمَعْنى تَوْقِيفُهم عَلى أنْ لَمْ يَقَعْ لَهم نَظَرٌ في شَيْءٍ مِن هَذا، ولا في أنَّهُ قَرُبَتْ آجالُهُمْ، فَماتُوا فَفاتَ أوانُ الِاسْتِدْراكِ ووَجَبَ عَلَيْهِمُ المَحْذُورُ.
(p-١٠٢)ثُمَّ وقَّفَهم بِأيِّ حَدِيثٍ أو أمْرٍ يَقَعُ إيمانُهم وتَصْدِيقُهم إذا لَمْ يَقَعْ بِأمْرٍ فِيهِ نَجاتُهم ودُخُولُهُمُ الجَنَّةَ؟ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وعن أيِّ نَفْسٍ بَعْدِ نَفْسِي أُقاتِلُ؟
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "بَعْدَهُ" يُرادُ بِهِ القُرْآنُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وقَصَّتُهُ وأمْرُهُ أجْمَعُ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الأجَلِ، إذْ لا عَمَلَ بَعْدَ المَوْتِ.
الأعراف 7:186
قوله عزّ وجلّ:
﴿مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الساعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هو ثَقُلَتْ في السَماواتِ والأرْضِ لا تَأْتِيكم إلا بَغْتَةً يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عنها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
هَذا شَرْطٌ وجَوابٌ مُضَمَّنُهُ اليَأْسُ مِنهم والمَقْتُ لَهُمْ، لِأنَّ المُرادَ أنَّ هَذا قَدْ نَزَلَ بِهِمْ وأنَّهم مِثالٌ لِهَذا.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وقَتادَةُ: "وَنَذَرُهُمْ" بِالنُونِ ورَفْعِ الراءِ، وكَذَلِكَ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، ورَوى عنهُ حَفْصٌ "وَيَذَرُهُمْ" بِالياءِ والرَفْعِ، وقَرَأها أهْلُ مَكَّةَ، وهَذا عَلى إضْمارِ مُبْتَدَإٍ: "وَنَحْنُ نَذْرُهُمْ"، أو عَلى قَطْعِ الفِعْلِ واسْتِئْنافِ القَوْلِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو -فِيما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ - بِالياءِ والجَزْمِ، وقَرَأها كَذَلِكَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ: "وَيَذَرْهُمْ" بِالياءِ وبِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ الفاءِ وما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا هادِيَ لَهُ﴾ لِأنَّهُ مَوْضِعُ جَزْمٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ أبِي داوُدَ:
؎ فابْلُونِي بَلِيَّتَكم لَعَلِّي ∗∗∗ أُصالِحُكم وأسْتَدْرِجْ نَوِيّا
(p-١٠٣)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ أنّى سَلَكْتَ فَإنَّنِي لَكَ كاشِحٌ ∗∗∗ ∗∗∗ وعَلى انْتِقاصِكَ في الحَياةِ وأزْدَدْ
قالَ أبُو عَلِيٍّ: ومِثْلُهُ في الحَمْلِ عَلى المَوْضِعِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]، لِأنَّكَ لَوْ لَمْ تُلْحِقِ الفاءَ لَقُلْتَ "أصَّدَّقْ"، ورَوى خارِجَةُ عن نافِعٍ: "وَنَذَرْهُمْ" بِالنُونِ والجَزْمِ. والطُغْيانُ: الإفْراطُ في الشَيْءِ، وكَأنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ الصَلاحِ، والعَمَهُ: الحَيْرَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الساعَةِ﴾ الآيَةُ، قالَ قَتادَةُ بْنُ دِعامَةَ: المُرادُ: يَسْألُكَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: يا مُحَمَّدُ، إنّا قَرابَتُكَ فَأخْبِرْنا بِوَقْتِ الساعَةِ. قالَ (p-١٠٤)ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المُرادُ بِالآيَةِ اليَهُودُ، وذَلِكَ أنَّ جَبَلَ بْنَ أبِي قُشَيْرٍ، وسَمْوِيلَ بْنَ زَيْدٍ قالا لَهُ: إنْ كُنْتَ نَبِيًّا، فَأخْبِرْنا بِوَقْتِ الساعَةِ فَإنّا نَعْرِفُها، فَإنْ صَدَقْتَ آمَنّا بِكَ.
و"الساعَةُ": القِيامَةُ، مَوْتُ كُلِّ شَيْءٍ كانَ حِينَئِذٍ حَيًّا وبَعْثُ الجَمِيعِ هو كُلُّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الساعَةِ واسْمُ القِيامَةِ. و"أيّانَ" مَعْناها: مَتى وهو سُؤالٌ عن زَمانٍ، ولِتَضَمُّنِها الوَقْتَ بُنِيَتْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أيّانَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ السُلَمِيُّ: "إيّانَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ أصْلُها "أيَّ آنٍ" وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَتْحِ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ أيّانَ تَقْضِي حاجَتِي أيّانا ∗∗∗ ∗∗∗ أما تَرى لِفِعْلِها إبّانا؟
قالَ أبُو الفَتْحِ: وزْنُ "أيّانَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ: فَعْلانَ، وبِكَسْرِها: فِعْلانَ، والنُونُ فِيهِما زائِدَةٌ. ومُرْساها رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ أيّانَ، ومَذْهَبُ المُبَرِّدِ أنَّ مُرْساها مُرْتَفِعٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ ومَعْناهُ مُثْبِتُها ومُنْتَهاها، مَأْخُوذَةٌ مَن أرْسى يُرْسِي، ثُمَّ أمَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِالرَدِّ إلَيْهِ والتَسْلِيمِ لِعِلْمِهِ، ويُجَلِّيها مَعْناهُ يُظْهِرُها والجَلاءُ البَيِّنَةُ والشُهُودُ وهو مُرادُ زُهَيْرٍ بِقَوْلِهِ:
؎ ..................... ∗∗∗ ∗∗∗ يَمِينٌ أو نِفارٌ أو جَلاءُ
(p-١٠٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَقُلَتْ في السَماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ السُدِّيُّ، ومَعْمَرٌ عن بَعْضِ أهْلِ التَأْوِيلِ: مَعْناهُ: ثَقُلَ أنْ تَعْلَمَ ويُوقَفَ عَلى حَقِيقَةِ وقْتِها، قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْناهُ: ثَقُلَتْ هَيْئَتُها والفَزَعُ مِنها عَلى أهْلِ السَماواتِ والأرْضِ، كَما تَقُولُ: خِيفَ العَدُوُّ في بَلَدِ كَذا وكَذا، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْناهُ: ثَقُلَتْ عَلى السَماواتِ والأرْضِ أنْفُسِها لِتَفَطُّرِ السَماواتِ وتَبَدُّلِ الأرْضِ ونَسْفِ الجِبالِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى خَبَرًا يَدْخُلُ فِيهِ الكُلُّ: إنَّها لا تَأْتِي إلّا بَغْتَةً، أيْ فَجْأةً دُونَ أنْ يَتَقَدَّمَ مِنها عِلْمٌ بِوَقْتِها عِنْدَ أحَدٍ مِنَ الناسِ، و"بَغْتَةً" مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عنها﴾ الآيَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: المَعْنى: يَسْألُونَكَ عنها كَأنَّكَ حَفِيٌّ، أيْ: مُتْحَفٌ ومُهْتَبَلٌ، وهَذا يَنْحُو إلى ما قالَتْ قُرَيْشٌ: إنّا قَرابَتُكَ فَأخْبِرْنا، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا، والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: كَأنَّكَ حَفِيٌّ في المَسْألَةِ عنها والِاشْتِغالِ بِها حَتّى حَصَّلَتْ عِلْمَها، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -فِيما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ -: "كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِها"، لِأنَّ "حَفِيٌّ" مَعْناهُ: مُهْتَبَلٌ مُجْتَهِدٌ في السُؤالِ مُبالِغٌ في الإقْبالِ عَلى ما يُسْألُ عنهُ، وقَدْ يَجِيءُ "حَفِيٌّ" وصْفًا لِلسُّؤالِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلَمّا التَقَيْنا بَيَّنَ السَيْفُ بَيْنَنا ∗∗∗ ∗∗∗ لِسائِلَةٍ عَنّا حَفِيُّ سُؤالُها
ومِنَ المَعْنى الأوَّلِ الَّذِي يَجِيءُ فِيهِ "حَفِيٌّ" وصْفًا لِلسّائِلِ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ سُؤالُ حَفِيٍّ عن أخِيهِ كَأنَّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ بِذُكْرَتِهِ وسْنانُ أو مُتَواسِنُ
(p-١٠٦)ثُمَّ أمَرَهُ ثانِيَةً بِأنْ يُسَلِّمَ لِعِلْمِهِ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ وتَهَمُّمًا بِهِ إذْ هو مِنَ الغُيُوبِ الخَمْسَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ الساعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤]، وقِيلَ: العِلْمُ الأوَّلُ عِلْمُ قِيامِها والثانِي عِلْمُ كُنْهِها وحالِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾، قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا الأمْرَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللهُ، بَلْ يَظُنُّ أكْثَرُهم أنَّهُ مِمّا يَعْلَمُ البَشَرُ.