Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — السجدة 32:1 – الأحزاب 33:56
المحتويات
- السجدة 32:1
- السجدة 32:2
- السجدة 32:3
- السجدة 32:4
- السجدة 32:5
- السجدة 32:6
- السجدة 32:7
- السجدة 32:8
- السجدة 32:9
- السجدة 32:10
- السجدة 32:11
- السجدة 32:12
- السجدة 32:13
- السجدة 32:14
- السجدة 32:15
- السجدة 32:16
- السجدة 32:17
- السجدة 32:18
- السجدة 32:19
- السجدة 32:20
- السجدة 32:21
- السجدة 32:22
- السجدة 32:23
- السجدة 32:24
- السجدة 32:25
- السجدة 32:26
- السجدة 32:27
- السجدة 32:28
- السجدة 32:29
- السجدة 32:30
- الأحزاب 33:1
- الأحزاب 33:2
- الأحزاب 33:3
- الأحزاب 33:4
- الأحزاب 33:5
- الأحزاب 33:6
- الأحزاب 33:7
- الأحزاب 33:8
- الأحزاب 33:9
- الأحزاب 33:10
- الأحزاب 33:11
- الأحزاب 33:12
- الأحزاب 33:13
- الأحزاب 33:14
- الأحزاب 33:15
- الأحزاب 33:16
- الأحزاب 33:17
- الأحزاب 33:18
- الأحزاب 33:19
- الأحزاب 33:20
- الأحزاب 33:21
- الأحزاب 33:22
- الأحزاب 33:23
- الأحزاب 33:24
- الأحزاب 33:25
- الأحزاب 33:26
- الأحزاب 33:27
- الأحزاب 33:28
- الأحزاب 33:29
- الأحزاب 33:30
- الأحزاب 33:31
- الأحزاب 33:32
- الأحزاب 33:33
- الأحزاب 33:34
- الأحزاب 33:35
- الأحزاب 33:36
- الأحزاب 33:37
- الأحزاب 33:38
- الأحزاب 33:39
- الأحزاب 33:40
- الأحزاب 33:41
- الأحزاب 33:42
- الأحزاب 33:43
- الأحزاب 33:44
- الأحزاب 33:45
- الأحزاب 33:46
- الأحزاب 33:47
- الأحزاب 33:48
- الأحزاب 33:49
- الأحزاب 33:50
- الأحزاب 33:51
- الأحزاب 33:52
- الأحزاب 33:53
- الأحزاب 33:54
- الأحزاب 33:55
- الأحزاب 33:56
السجدة 32:1
(p-٦٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ السَجْدَةِ
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ غَيْرُ ثَلاثِ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] إلى تَمامِ ثَلاثِ آياتٍ، ويَأْتِي تَفْسِيرُها. وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: « "ما كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنامُ حَتّى يَقْرَأ: ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ﴾ السَجْدَةَ، و﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]».
قوله عزّ وجلّ:
﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾
﴿ "تَنْزِيلُ"﴾ يَصِحُّ أنْ يَرْتَفِعَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ ﴿ "لا رَيْبَ"،﴾ ويَصِحُّ أنْ يَرْتَفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ابْتِداءٍ، وهُوَ: إمّا الحُرُوفُ المُشارُ إلَيْها عَلى بَعْضِ الأقْوالِ في أوائِلِ السُورِ، وإمّا: "ذَلِكَ تَنْزِيلُ"، أو نَحْوَ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ بِحَسَبِ القَوْلِ في الحُرُوفِ.
(p-٦٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: هو كَذا في نَفْسِهِ، ولا يُراعى ارْتِيابُ الكَفَرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"تَنْزِيلُ"، فَفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ "لا رَيْبَ"،﴾ أيْ: لا شَكَّ فِيهِ مِن جِهَةِ اللهِ تَعالى، وإنَّ وقَعَ شَكٌّ لِلْكَفَرَةِ فَذَلِكَ لا يُراعى. والرَيْبُ: الشَكُّ، وكَذَلِكَ هو في كُلِّ القُرْآنِ إلّا قَوْلَهُ: ﴿رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠].
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أمْ يَقُولُونَ"﴾ إضْرابٌ، وتَقْدِيرُهُ أنَّهُ قالَ: بَلْ أيَقُولُونَ، و"افْتَراهُ": اخْتَلَقَهُ، ثُمَّ رَدَّ تَعالى عَلى مَقالَتِهِمْ هَذِهِ، وأخْبَرَ أنَّهُ الحَقُّ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، واللامُ في قَوْلِهِ: "لِتُنْذِرَ" يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أنْزَلَهُ لِتُنْذِرَ، فَيُوقِفُ حِينَئِذٍ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ "مِن رَبِّكَ"،﴾ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ما أتاهم مِن نَذِيرٍ﴾ أيْ: لَمْ يُباشِرْهم ولا رَأوهُ هم ولا آباؤُهُمُ العَرَبُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] فَيَعُمُّ مَن بُوشِرَ مِنَ النُذُرِ ومَن سَمِعَ بِهِ، فالعَرَبُ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي خَلَتْ فِيها النُذُرُ عَلى هَذا الوَجْهِ، لِأنَّها عَلِمَتْ بِإبْراهِيمَ وبَنِيِّهِ عَلَيْهِمُ السَلامُ ودَعْوَتِهِمْ، وهم مِمَّنْ لَمَّ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مُباشِرٌ لَهم سِوى مُحَمَّدٍ ﷺ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومُقاتِلٌ: المَعْنى: لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ يَقْضِي بِأنْ يَوْمًا مِن أيّامِ الجُمْعَةِ بَقِيَ لَمْ يُخْلَقْ فِيهِ شَيْءٌ، وتَظاهَرَتِ الأحادِيثُ الصِحاحُ «أنَّ الخَلْقَ ابْتَدَأ يَوْمَ الأحَدِ، وخُلِقَ آدَمُ يَوْمَ الجُمْعَةِ (p-٦٧)آخِرَ الأشْياءِ،» فَهَذا مُسْتَقِيمٌ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ، ووَقَعَ في كِتابٍ مُسْلِمٍ «أنَّ الخَلْقَ ابْتَدَأ يَوْمَ السَبْتَ،» فَهَذا يُخالِفُ الآيَةَ، اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ أرادَ في الآيَةِ جَمِيعَ الأشْياءِ غَيْرَ آدَمِ عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ يَكُونُ يَوْمُ الجُمْعَةَ هو الَّذِي لَمْ يُخْلَقْ فِيهِ شَيْءٌ مِمّا بَيْنُ السَماءِ والأرْضِ؛ لِأنَّ آدَمَ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مِمّا بَيْنَهُما. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ بِما فِيهِ كِفايَةٌ، و"ثُمَّ" في هَذا المَوْضِعِ لِتَرْتِيبِ الجُمَلِ، لا لِأنَّ الِاسْتِواءَ كانَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، وهَذا عَلى المُخْتارِ في مَعْنى "اسْتَوى".
ونَفْيُ الشَفاعَةِ مَحْمُولٌ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا نَفْيٌ عَنِ الكَفَرَةِ، وإمّا نَفْيُ الشُفَعاءِ مِن ذاتِهِمْ عَلى حَدِّ شَفاعَةِ الدُنْيا؛ لِأنَّ شَفاعَةَ الآخِرَةِ إنَّما هي بَعْدَ إذْنٍ مِنَ اللهِ تَعالى.
السجدة 32:2
(p-٦٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ السَجْدَةِ
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ غَيْرُ ثَلاثِ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] إلى تَمامِ ثَلاثِ آياتٍ، ويَأْتِي تَفْسِيرُها. وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: « "ما كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنامُ حَتّى يَقْرَأ: ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ﴾ السَجْدَةَ، و﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]».
قوله عزّ وجلّ:
﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾
﴿ "تَنْزِيلُ"﴾ يَصِحُّ أنْ يَرْتَفِعَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ ﴿ "لا رَيْبَ"،﴾ ويَصِحُّ أنْ يَرْتَفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ابْتِداءٍ، وهُوَ: إمّا الحُرُوفُ المُشارُ إلَيْها عَلى بَعْضِ الأقْوالِ في أوائِلِ السُورِ، وإمّا: "ذَلِكَ تَنْزِيلُ"، أو نَحْوَ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ بِحَسَبِ القَوْلِ في الحُرُوفِ.
(p-٦٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: هو كَذا في نَفْسِهِ، ولا يُراعى ارْتِيابُ الكَفَرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"تَنْزِيلُ"، فَفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ "لا رَيْبَ"،﴾ أيْ: لا شَكَّ فِيهِ مِن جِهَةِ اللهِ تَعالى، وإنَّ وقَعَ شَكٌّ لِلْكَفَرَةِ فَذَلِكَ لا يُراعى. والرَيْبُ: الشَكُّ، وكَذَلِكَ هو في كُلِّ القُرْآنِ إلّا قَوْلَهُ: ﴿رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠].
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أمْ يَقُولُونَ"﴾ إضْرابٌ، وتَقْدِيرُهُ أنَّهُ قالَ: بَلْ أيَقُولُونَ، و"افْتَراهُ": اخْتَلَقَهُ، ثُمَّ رَدَّ تَعالى عَلى مَقالَتِهِمْ هَذِهِ، وأخْبَرَ أنَّهُ الحَقُّ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، واللامُ في قَوْلِهِ: "لِتُنْذِرَ" يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أنْزَلَهُ لِتُنْذِرَ، فَيُوقِفُ حِينَئِذٍ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ "مِن رَبِّكَ"،﴾ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ما أتاهم مِن نَذِيرٍ﴾ أيْ: لَمْ يُباشِرْهم ولا رَأوهُ هم ولا آباؤُهُمُ العَرَبُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] فَيَعُمُّ مَن بُوشِرَ مِنَ النُذُرِ ومَن سَمِعَ بِهِ، فالعَرَبُ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي خَلَتْ فِيها النُذُرُ عَلى هَذا الوَجْهِ، لِأنَّها عَلِمَتْ بِإبْراهِيمَ وبَنِيِّهِ عَلَيْهِمُ السَلامُ ودَعْوَتِهِمْ، وهم مِمَّنْ لَمَّ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مُباشِرٌ لَهم سِوى مُحَمَّدٍ ﷺ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومُقاتِلٌ: المَعْنى: لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ يَقْضِي بِأنْ يَوْمًا مِن أيّامِ الجُمْعَةِ بَقِيَ لَمْ يُخْلَقْ فِيهِ شَيْءٌ، وتَظاهَرَتِ الأحادِيثُ الصِحاحُ «أنَّ الخَلْقَ ابْتَدَأ يَوْمَ الأحَدِ، وخُلِقَ آدَمُ يَوْمَ الجُمْعَةِ (p-٦٧)آخِرَ الأشْياءِ،» فَهَذا مُسْتَقِيمٌ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ، ووَقَعَ في كِتابٍ مُسْلِمٍ «أنَّ الخَلْقَ ابْتَدَأ يَوْمَ السَبْتَ،» فَهَذا يُخالِفُ الآيَةَ، اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ أرادَ في الآيَةِ جَمِيعَ الأشْياءِ غَيْرَ آدَمِ عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ يَكُونُ يَوْمُ الجُمْعَةَ هو الَّذِي لَمْ يُخْلَقْ فِيهِ شَيْءٌ مِمّا بَيْنُ السَماءِ والأرْضِ؛ لِأنَّ آدَمَ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مِمّا بَيْنَهُما. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ بِما فِيهِ كِفايَةٌ، و"ثُمَّ" في هَذا المَوْضِعِ لِتَرْتِيبِ الجُمَلِ، لا لِأنَّ الِاسْتِواءَ كانَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، وهَذا عَلى المُخْتارِ في مَعْنى "اسْتَوى".
ونَفْيُ الشَفاعَةِ مَحْمُولٌ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا نَفْيٌ عَنِ الكَفَرَةِ، وإمّا نَفْيُ الشُفَعاءِ مِن ذاتِهِمْ عَلى حَدِّ شَفاعَةِ الدُنْيا؛ لِأنَّ شَفاعَةَ الآخِرَةِ إنَّما هي بَعْدَ إذْنٍ مِنَ اللهِ تَعالى.
السجدة 32:3
(p-٦٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ السَجْدَةِ
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ غَيْرُ ثَلاثِ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] إلى تَمامِ ثَلاثِ آياتٍ، ويَأْتِي تَفْسِيرُها. وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: « "ما كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنامُ حَتّى يَقْرَأ: ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ﴾ السَجْدَةَ، و﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]».
قوله عزّ وجلّ:
﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾
﴿ "تَنْزِيلُ"﴾ يَصِحُّ أنْ يَرْتَفِعَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ ﴿ "لا رَيْبَ"،﴾ ويَصِحُّ أنْ يَرْتَفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ابْتِداءٍ، وهُوَ: إمّا الحُرُوفُ المُشارُ إلَيْها عَلى بَعْضِ الأقْوالِ في أوائِلِ السُورِ، وإمّا: "ذَلِكَ تَنْزِيلُ"، أو نَحْوَ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ بِحَسَبِ القَوْلِ في الحُرُوفِ.
(p-٦٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: هو كَذا في نَفْسِهِ، ولا يُراعى ارْتِيابُ الكَفَرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"تَنْزِيلُ"، فَفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ "لا رَيْبَ"،﴾ أيْ: لا شَكَّ فِيهِ مِن جِهَةِ اللهِ تَعالى، وإنَّ وقَعَ شَكٌّ لِلْكَفَرَةِ فَذَلِكَ لا يُراعى. والرَيْبُ: الشَكُّ، وكَذَلِكَ هو في كُلِّ القُرْآنِ إلّا قَوْلَهُ: ﴿رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠].
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أمْ يَقُولُونَ"﴾ إضْرابٌ، وتَقْدِيرُهُ أنَّهُ قالَ: بَلْ أيَقُولُونَ، و"افْتَراهُ": اخْتَلَقَهُ، ثُمَّ رَدَّ تَعالى عَلى مَقالَتِهِمْ هَذِهِ، وأخْبَرَ أنَّهُ الحَقُّ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، واللامُ في قَوْلِهِ: "لِتُنْذِرَ" يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أنْزَلَهُ لِتُنْذِرَ، فَيُوقِفُ حِينَئِذٍ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ "مِن رَبِّكَ"،﴾ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ما أتاهم مِن نَذِيرٍ﴾ أيْ: لَمْ يُباشِرْهم ولا رَأوهُ هم ولا آباؤُهُمُ العَرَبُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] فَيَعُمُّ مَن بُوشِرَ مِنَ النُذُرِ ومَن سَمِعَ بِهِ، فالعَرَبُ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي خَلَتْ فِيها النُذُرُ عَلى هَذا الوَجْهِ، لِأنَّها عَلِمَتْ بِإبْراهِيمَ وبَنِيِّهِ عَلَيْهِمُ السَلامُ ودَعْوَتِهِمْ، وهم مِمَّنْ لَمَّ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مُباشِرٌ لَهم سِوى مُحَمَّدٍ ﷺ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومُقاتِلٌ: المَعْنى: لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ يَقْضِي بِأنْ يَوْمًا مِن أيّامِ الجُمْعَةِ بَقِيَ لَمْ يُخْلَقْ فِيهِ شَيْءٌ، وتَظاهَرَتِ الأحادِيثُ الصِحاحُ «أنَّ الخَلْقَ ابْتَدَأ يَوْمَ الأحَدِ، وخُلِقَ آدَمُ يَوْمَ الجُمْعَةِ (p-٦٧)آخِرَ الأشْياءِ،» فَهَذا مُسْتَقِيمٌ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ، ووَقَعَ في كِتابٍ مُسْلِمٍ «أنَّ الخَلْقَ ابْتَدَأ يَوْمَ السَبْتَ،» فَهَذا يُخالِفُ الآيَةَ، اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ أرادَ في الآيَةِ جَمِيعَ الأشْياءِ غَيْرَ آدَمِ عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ يَكُونُ يَوْمُ الجُمْعَةَ هو الَّذِي لَمْ يُخْلَقْ فِيهِ شَيْءٌ مِمّا بَيْنُ السَماءِ والأرْضِ؛ لِأنَّ آدَمَ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مِمّا بَيْنَهُما. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ بِما فِيهِ كِفايَةٌ، و"ثُمَّ" في هَذا المَوْضِعِ لِتَرْتِيبِ الجُمَلِ، لا لِأنَّ الِاسْتِواءَ كانَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، وهَذا عَلى المُخْتارِ في مَعْنى "اسْتَوى".
ونَفْيُ الشَفاعَةِ مَحْمُولٌ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا نَفْيٌ عَنِ الكَفَرَةِ، وإمّا نَفْيُ الشُفَعاءِ مِن ذاتِهِمْ عَلى حَدِّ شَفاعَةِ الدُنْيا؛ لِأنَّ شَفاعَةَ الآخِرَةِ إنَّما هي بَعْدَ إذْنٍ مِنَ اللهِ تَعالى.
السجدة 32:4
(p-٦٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ السَجْدَةِ
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ غَيْرُ ثَلاثِ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] إلى تَمامِ ثَلاثِ آياتٍ، ويَأْتِي تَفْسِيرُها. وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: « "ما كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنامُ حَتّى يَقْرَأ: ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ﴾ السَجْدَةَ، و﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]».
قوله عزّ وجلّ:
﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾
﴿ "تَنْزِيلُ"﴾ يَصِحُّ أنْ يَرْتَفِعَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ ﴿ "لا رَيْبَ"،﴾ ويَصِحُّ أنْ يَرْتَفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ابْتِداءٍ، وهُوَ: إمّا الحُرُوفُ المُشارُ إلَيْها عَلى بَعْضِ الأقْوالِ في أوائِلِ السُورِ، وإمّا: "ذَلِكَ تَنْزِيلُ"، أو نَحْوَ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ بِحَسَبِ القَوْلِ في الحُرُوفِ.
(p-٦٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: هو كَذا في نَفْسِهِ، ولا يُراعى ارْتِيابُ الكَفَرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"تَنْزِيلُ"، فَفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ "لا رَيْبَ"،﴾ أيْ: لا شَكَّ فِيهِ مِن جِهَةِ اللهِ تَعالى، وإنَّ وقَعَ شَكٌّ لِلْكَفَرَةِ فَذَلِكَ لا يُراعى. والرَيْبُ: الشَكُّ، وكَذَلِكَ هو في كُلِّ القُرْآنِ إلّا قَوْلَهُ: ﴿رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠].
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أمْ يَقُولُونَ"﴾ إضْرابٌ، وتَقْدِيرُهُ أنَّهُ قالَ: بَلْ أيَقُولُونَ، و"افْتَراهُ": اخْتَلَقَهُ، ثُمَّ رَدَّ تَعالى عَلى مَقالَتِهِمْ هَذِهِ، وأخْبَرَ أنَّهُ الحَقُّ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، واللامُ في قَوْلِهِ: "لِتُنْذِرَ" يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أنْزَلَهُ لِتُنْذِرَ، فَيُوقِفُ حِينَئِذٍ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ "مِن رَبِّكَ"،﴾ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ما أتاهم مِن نَذِيرٍ﴾ أيْ: لَمْ يُباشِرْهم ولا رَأوهُ هم ولا آباؤُهُمُ العَرَبُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] فَيَعُمُّ مَن بُوشِرَ مِنَ النُذُرِ ومَن سَمِعَ بِهِ، فالعَرَبُ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي خَلَتْ فِيها النُذُرُ عَلى هَذا الوَجْهِ، لِأنَّها عَلِمَتْ بِإبْراهِيمَ وبَنِيِّهِ عَلَيْهِمُ السَلامُ ودَعْوَتِهِمْ، وهم مِمَّنْ لَمَّ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مُباشِرٌ لَهم سِوى مُحَمَّدٍ ﷺ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومُقاتِلٌ: المَعْنى: لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ يَقْضِي بِأنْ يَوْمًا مِن أيّامِ الجُمْعَةِ بَقِيَ لَمْ يُخْلَقْ فِيهِ شَيْءٌ، وتَظاهَرَتِ الأحادِيثُ الصِحاحُ «أنَّ الخَلْقَ ابْتَدَأ يَوْمَ الأحَدِ، وخُلِقَ آدَمُ يَوْمَ الجُمْعَةِ (p-٦٧)آخِرَ الأشْياءِ،» فَهَذا مُسْتَقِيمٌ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ، ووَقَعَ في كِتابٍ مُسْلِمٍ «أنَّ الخَلْقَ ابْتَدَأ يَوْمَ السَبْتَ،» فَهَذا يُخالِفُ الآيَةَ، اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ أرادَ في الآيَةِ جَمِيعَ الأشْياءِ غَيْرَ آدَمِ عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ يَكُونُ يَوْمُ الجُمْعَةَ هو الَّذِي لَمْ يُخْلَقْ فِيهِ شَيْءٌ مِمّا بَيْنُ السَماءِ والأرْضِ؛ لِأنَّ آدَمَ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مِمّا بَيْنَهُما. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ بِما فِيهِ كِفايَةٌ، و"ثُمَّ" في هَذا المَوْضِعِ لِتَرْتِيبِ الجُمَلِ، لا لِأنَّ الِاسْتِواءَ كانَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، وهَذا عَلى المُخْتارِ في مَعْنى "اسْتَوى".
ونَفْيُ الشَفاعَةِ مَحْمُولٌ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا نَفْيٌ عَنِ الكَفَرَةِ، وإمّا نَفْيُ الشُفَعاءِ مِن ذاتِهِمْ عَلى حَدِّ شَفاعَةِ الدُنْيا؛ لِأنَّ شَفاعَةَ الآخِرَةِ إنَّما هي بَعْدَ إذْنٍ مِنَ اللهِ تَعالى.
السجدة 32:5
قوله عزّ وجلّ:
﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾
﴿ "الأمْرُ"﴾ اسْمُ جِنْسٍ لِجَمِيعِ الأُمُورِ، والمَعْنى: يُنَفِّذُ اللهُ تَعالى قَضاءَهُ بِجَمِيعِ ما يَشاؤُهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِ خَبَرُ ذَلِكَ في يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُنْيا مِقْدارُهُ - وإنَّ لَوْ يَسِيرُ فِيهِ السَيْرَ المَعْرُوفَ مِنَ البَشَرِ - ألْفُ سَنَةٍ؛ لَأنَّ ما بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ، هَذا أحَدُ الأقْوالِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، والضَحّاكِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: إنَّ المَعْنى أنَّ الضَمِيرَ في ﴿ "مِقْدارُهُ"﴾ عائِدٌ عَلى التَدْبِيرِ، أيْ: كَأنَ مِقْدارَ التَدْبِيرِ المُنْقَضِي في يَوْمِ القِيامَةِ ألْفُ سَنَةٍ لَوْ دَبَّرَهُ البَشَرُ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: المَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى يُدَبِّرُ ويُلْقِي إلى المَلائِكَةِ أُمُورَ ألْفِ سَنَةٍ مِن عَدِّنا، وهو اليَوْمُ عِنْدَهُ، فَإذا فَرَغَتْ ألْقى إلَيْهِمْ مِثْلَها، فالمَعْنى أنَّ الأُمُورَ تُنَفَّذُ عِنْدَهُ لِهَذِهِ المُدَّةِ، ثُمَّ تَصِيرُ إلَيْهِ آخِرًا؛ لِأنَّ عاقِبَةَ الأُمُورِ إلَيْهِ. وقِيلَ: المَعْنى: يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَماءِ إلى الأرْضِ في مُدَّةِ الدُنْيا، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِ في يَوْمِ القِيامَةِ، ويَوْمُ القِيامَةِ مِقْدارُهُ ألْفُ سَنَةٍ مِن عَدِّنا، وهو عَلى الكُفّارِ قَدْرُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ لِهَوْلِهِ وشُنْعَتِهِ حَسْبَما في سُورَةِ ﴿ "سَألَ سائِلٌ".﴾ [المعارج: ١] وسَنَذْكُرُ هُناكَ ما فِيهِ مِنَ التَأْوِيلِ والأقْوالِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
وحَكى الطَبَرِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: "قَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ (p-٦٨)مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ قَبْلَ هَذا: ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ [السجدة: ٤] ومُتَّصِلٌ بِهِ، أيْ أنَّ تِلْكَ السِتَّةَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مِن ألْفِ سَنَةٍ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ مُكْرَهَةٌ ألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِ، رادَّةٌ لَهُ الأحادِيثُ الَّتِي تُثْبِتُ أيّامَ خَلْقِ اللهِ تَعالى المَخْلُوقاتِ، وحُكِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ الضَمِيرَ في "مِقْدارُهُ" عائِدٌ عَلى "العُرُوجِ"، والعُرُوجُ: الصُعُودُ، والمَعارِجُ: الأدْراجُ الَّتِي يُصْعَدُ عَلَيْها.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى الآيَةِ: يُدَبِّرُ أمْرَ الشَمْسِ في أنَّها تَصْعَدُ وتَنْزِلُ في يَوْمٍ، وذَلِكَ قَدْرُ ألْفِ سَنَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ، وظاهِرُ عَوْدِ الضَمِيرِ في "إلَيْهِ" عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى، كَما قالَ: ﴿ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩]، وكَما قالَ: ﴿مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وهَذا كُلُّهُ بَرِيءٌ مِنَ التَحَيُّزِ. وقِيلَ: إنَّ الضَمِيرَ يَعُودُ عَلى "السَماءِ" لِأنَّها قَدْ تُذْكَرُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "تَعُدُّونَ"﴾ بِالتاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، والحَسَنُ - بِخِلافٍ عنهُ -: "يَعُدُّونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ.
السجدة 32:6
قوله عزّ وجلّ:
﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ العَزِيزُ الرَحِيمُ﴾ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَقالُوا أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾
(p-٦٩)قالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِالغَيْبِ الآخِرَةَ وبالشَهادَةِ الدُنْيا، وقِيلَ: أرادَ بالغَيْبِ ما غابَ عَنِ المَخْلُوقِينَ، وبالشَهادَةِ ما شُوهِدَ مِنَ الأشْياءِ، فَكَأنَّهُ حَصَرَ بِهَذِهِ الألْفاظِ جَمِيعَ الأشْياءِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "خَلَقَهُ" بِفَتْحِ اللامِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، ومَعْنى ﴿ "أحْسَنَ":﴾ أتْقَنَ وأحْكَمَ، فَهو حَسَنٌ مِن جِهَةِ ما هو لِمَقاصِدِهِ الَّتِي أُرِيدُ لَها، ومِن هَذا المَعْنى ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ: لَيْسَتِ اسْتُ القِرْدِ بِحَسَنَةٍ ولَكِنَّها مُتْقَنَةٌ مَحْكَمَةٌ. والجُمْلَةُ في "خَلَقَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبِ صِفَةٍ لِـ"كُلَّ"، أو في مَوْضِعِ خَفْضِ صِفَةٍ لِـ"شَيْءٍ". وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "خَلْقَهُ" بِسُكُونِ اللامِ، وذَلِكَ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، والضَمِيرُ فِيهِ إمّا عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وإمّا عَلى المَفْعُولِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن "كُلَّ"، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - إلى أنَّ "أحْسَنَ" مَعْناها: ألْهَمَ، وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ بِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠]، أيْ ألْهَمَ الرَجُلَ إلى المَرْأةِ، والجُمَلَ إلى الناقَةِ، وهَذا قَوْلٌ فِيهِ بَعْدٌ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَبَدَأ"،﴾ وقَرَأ الزَهْرِيُّ: "وَبَدا خَلْقُ الإنْسانِ" بِألْفٍ دُونَ هَمْزٍ، وبِنَصْبِ القافِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: ذَلِكَ عَلى البَدَلِ لا عَلى التَخْفِيفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَأنَّهُ أبْدَلَ الألْفَ مِنَ الهَمْزَةِ، وبِدِيَ لُغَةَ الأنْصارِ، وقالَ ابْنُ رَواحَةَ:
؎ بِاسْمِ الإلَهِ وبِهِ بَدِينا ∗∗∗ ولَوْ عَبَدَنا غَيْرَهُ شَقِيَنا
و"الإنْسانُ": آدَمُ، عَدَّدَ أمْرَهُ عَلى بَنِيهِ؛ إذْ خَلْقُهُ خَلْقٌ لَهُمْ؛ مِن حَيْثُ هو مُنْسِلٌ لَهم. و"النَسْلُ": ما يَكُونُ عَنِ الحَيَوانِ مِنَ الوَلَدِ، كَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن: "نَسْلَ الشَيْءُ" إذا (p-٧٠)خَرَجَ مِن مَوْضِعِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]، ومِنهُ: "نَسْلَ رِيشُ الطائِرِ" إذا تَساقَطَ. و"السُلالَةُ" مِن: سُلَّ يُسِلُّ؛ فَكَأنَّ الماءَ يُسِلُّ مِنَ الإنْسانِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَجاءَتْ بِهِ عَضْبَ الأدِيمِ غَضَنْفَرًا ∗∗∗ ∗∗∗ سُلالَةَ فَرَجٍ كانَ غَيْرَ حَصِينِ
و"المَهِينُ": الضَعِيفُ، يُقالُ: "مَهُنَ الإنْسانُ" إذا ضَعُفَ وذَلَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نَفَخَ" عِبارَةٌ عن إفاضَةِ الرُوحِ في جَسَدِ ابْنِ آدَمَ، والضَمِيرُ في ﴿ "رُوحِهِ"﴾ لِلَّهِ تَعالى، وهي إضافَةُ مِلْكٍ إلى مالِكٍ، وخَلْقٍ إلى خالِقٍ. ثُمَّ أظْهَرَ تَعْدِيدَ النِعَمِ عَلَيْهِمْ في أنْ خَصَّهم في قَوْلِهِ: "لَكُمُ" (بِضَمِيرِ) السَمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ، وهي لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ أيْضًا. كَما خَصَّ آدَمَ بِالتَسْوِيَةِ ونَفْخِ الرُوحِ، وهو لِجَمِيعِ ذُرِّيَّتِهِ، وهَذا كُلُّهُ إيجازٌ واقْتِضابٌ وتَرْكٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ المَنطُوقُ بِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الإنْسانُ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمَ جِنْسٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "قَلِيلا"﴾ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ حِينَ حُذِفَ المَوْصُوفِ بِهِ.
والضَمِيرُ في "قالُوا" لِلْكُفّارِ الجاحِدِينَ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ، والمُسْتَبْعِدِينَ لِذَلِكَ دُونَ (p-٧١)حُجَّةٍ ولا دَلِيلٍ، ومَوْضِعُ "أئِذا" نَصْبٌ بِما في قَوْلِهِ: ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: لِنُعادِ. واخْتَلَفَ القُراءُ في "أئِذا"، وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِيعابُ ذِكْرِهِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "ضَلَلْنا"﴾ بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "ضَلِلْنا" بِكَسْرِ اللامِ، والمَعْنى: تَلِفْنا وتَقَطَّعَتْ أوصالُنا فَذَهَبْنا حَتّى لَمْ نُوجَدْ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ كُنْتُ القَذى في مَوْجٍ أكْدَرَ مُزْبِدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ قَذَفَ الأتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلالًا
ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:
؎ فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وغُودِرَ بِالجَوْلانِ حَزْمٌ ونائِلُ
أيْ: مُتْلِفُوهُ دَفْنًا، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:(p-٧٢)
؎ تَضِلُّ المَدارِي في مُثَنّى ومُرْسَلِ
وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "صَلَلْنا" بِالصادِّ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ وفَتْحَ اللامِ، قالَ الفَرّاءُ: ويُرْوى عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومَعْناهُ: صِرْنا مِنَ الصِلَّةِ، وهي الأرْضُ اليابِسَةُ الصُلْبَةُ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: مِنَ التَغَيُّرِ، كَما يُقالُ: "صَلَّ اللَحْمُ"، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبانِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ العاصِ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: "صَلَلْنا" بِالصادِّ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ وكَسَرَ اللامِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو حَيْوَةَ: "ضَلَّلْنا". بِضَمِّ الضادِ وكَسْرِ اللامِ وشَدِّها.
وقَوْلُهُمْ: ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، أيْ: أئِنّا لَفي هَذِهِ الحالَةِ نُعادُ ويُجَدَّدُ خَلْقُنا. وقَوْلُهُ تَعالى: "بَلْ" إضْرابٌ عن مَعْنى اسْتِفْهامِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ: لَيْسُوا مُسْتَفْهِمِينَ، بَلْ هم كافِرُونَ جاحِدُونَ بِلِقاءِ اللهِ تَعالى.
(p-٧٣)ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم بِجُمْلَةِ الحالِ غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ، فَبَدَأ بِالإخْبارِ مِن وقْتٍ تَفَقُّدِ رُوحِ الإنْسانِ إلى الوَقْتِ الَّذِي يَعُودُ فِيهِ إلى رَبِّهِ، فَجَمَعَ الغايَتَيْنِ الأُولى والآخِرَةَ، و"يَتَوَفّاكُمْ" مَعْناهُ: يَسْتَوْفِيكُمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إنَّ بَنِيِ الأرْدَمِ لَيْسُوا مِن أحَدْ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا تَوَفّاهم قُرَيْشٌ في العَدَدِ
و﴿مَلَكُ المَوْتِ﴾ اسْمُهُ عِزْرائِيلُ، وتَصَرُّفُهُ كُلُّهُ بِأمْرِ اللهِ تَعالى وخَلْقِهِ واخْتِراعِهِ، ورُوِيَ في الحَدِيثِ «أنَّ البَهائِمَ كُلَّها يَتَوَفّى اللهُ رَوْحَها دُونَ مَلَكٍ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَأنَّهُ يَعْدَمُ حَيّاتَها، وكَذَلِكَ الأمْرُ في بَنِيِ آدَمَ؛ إلّا أنَّهُ نَوْعُ شُرِّفَ بِتَصَرُّفِ مَلَكٍ ومَلائِكَةٍ مَعَهُ في قَبْضِ أرْواحِهِمْ، وكَذَلِكَ أيْضًا غَلَّظَ العَذابَ عَلى الكافِرِينَ بِذَلِكَ. ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ: أنَّ الدُنْيا بَيْنَ يَدَيْ مَلَكِ المَوْتِ كالطَسْتِ بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ يَأْخُذُ مِن حَيْثُ أُمِرَ.
السجدة 32:7
قوله عزّ وجلّ:
﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ العَزِيزُ الرَحِيمُ﴾ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَقالُوا أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾
(p-٦٩)قالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِالغَيْبِ الآخِرَةَ وبالشَهادَةِ الدُنْيا، وقِيلَ: أرادَ بالغَيْبِ ما غابَ عَنِ المَخْلُوقِينَ، وبالشَهادَةِ ما شُوهِدَ مِنَ الأشْياءِ، فَكَأنَّهُ حَصَرَ بِهَذِهِ الألْفاظِ جَمِيعَ الأشْياءِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "خَلَقَهُ" بِفَتْحِ اللامِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، ومَعْنى ﴿ "أحْسَنَ":﴾ أتْقَنَ وأحْكَمَ، فَهو حَسَنٌ مِن جِهَةِ ما هو لِمَقاصِدِهِ الَّتِي أُرِيدُ لَها، ومِن هَذا المَعْنى ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ: لَيْسَتِ اسْتُ القِرْدِ بِحَسَنَةٍ ولَكِنَّها مُتْقَنَةٌ مَحْكَمَةٌ. والجُمْلَةُ في "خَلَقَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبِ صِفَةٍ لِـ"كُلَّ"، أو في مَوْضِعِ خَفْضِ صِفَةٍ لِـ"شَيْءٍ". وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "خَلْقَهُ" بِسُكُونِ اللامِ، وذَلِكَ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، والضَمِيرُ فِيهِ إمّا عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وإمّا عَلى المَفْعُولِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن "كُلَّ"، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - إلى أنَّ "أحْسَنَ" مَعْناها: ألْهَمَ، وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ بِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠]، أيْ ألْهَمَ الرَجُلَ إلى المَرْأةِ، والجُمَلَ إلى الناقَةِ، وهَذا قَوْلٌ فِيهِ بَعْدٌ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَبَدَأ"،﴾ وقَرَأ الزَهْرِيُّ: "وَبَدا خَلْقُ الإنْسانِ" بِألْفٍ دُونَ هَمْزٍ، وبِنَصْبِ القافِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: ذَلِكَ عَلى البَدَلِ لا عَلى التَخْفِيفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَأنَّهُ أبْدَلَ الألْفَ مِنَ الهَمْزَةِ، وبِدِيَ لُغَةَ الأنْصارِ، وقالَ ابْنُ رَواحَةَ:
؎ بِاسْمِ الإلَهِ وبِهِ بَدِينا ∗∗∗ ولَوْ عَبَدَنا غَيْرَهُ شَقِيَنا
و"الإنْسانُ": آدَمُ، عَدَّدَ أمْرَهُ عَلى بَنِيهِ؛ إذْ خَلْقُهُ خَلْقٌ لَهُمْ؛ مِن حَيْثُ هو مُنْسِلٌ لَهم. و"النَسْلُ": ما يَكُونُ عَنِ الحَيَوانِ مِنَ الوَلَدِ، كَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن: "نَسْلَ الشَيْءُ" إذا (p-٧٠)خَرَجَ مِن مَوْضِعِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]، ومِنهُ: "نَسْلَ رِيشُ الطائِرِ" إذا تَساقَطَ. و"السُلالَةُ" مِن: سُلَّ يُسِلُّ؛ فَكَأنَّ الماءَ يُسِلُّ مِنَ الإنْسانِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَجاءَتْ بِهِ عَضْبَ الأدِيمِ غَضَنْفَرًا ∗∗∗ ∗∗∗ سُلالَةَ فَرَجٍ كانَ غَيْرَ حَصِينِ
و"المَهِينُ": الضَعِيفُ، يُقالُ: "مَهُنَ الإنْسانُ" إذا ضَعُفَ وذَلَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نَفَخَ" عِبارَةٌ عن إفاضَةِ الرُوحِ في جَسَدِ ابْنِ آدَمَ، والضَمِيرُ في ﴿ "رُوحِهِ"﴾ لِلَّهِ تَعالى، وهي إضافَةُ مِلْكٍ إلى مالِكٍ، وخَلْقٍ إلى خالِقٍ. ثُمَّ أظْهَرَ تَعْدِيدَ النِعَمِ عَلَيْهِمْ في أنْ خَصَّهم في قَوْلِهِ: "لَكُمُ" (بِضَمِيرِ) السَمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ، وهي لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ أيْضًا. كَما خَصَّ آدَمَ بِالتَسْوِيَةِ ونَفْخِ الرُوحِ، وهو لِجَمِيعِ ذُرِّيَّتِهِ، وهَذا كُلُّهُ إيجازٌ واقْتِضابٌ وتَرْكٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ المَنطُوقُ بِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الإنْسانُ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمَ جِنْسٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "قَلِيلا"﴾ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ حِينَ حُذِفَ المَوْصُوفِ بِهِ.
والضَمِيرُ في "قالُوا" لِلْكُفّارِ الجاحِدِينَ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ، والمُسْتَبْعِدِينَ لِذَلِكَ دُونَ (p-٧١)حُجَّةٍ ولا دَلِيلٍ، ومَوْضِعُ "أئِذا" نَصْبٌ بِما في قَوْلِهِ: ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: لِنُعادِ. واخْتَلَفَ القُراءُ في "أئِذا"، وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِيعابُ ذِكْرِهِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "ضَلَلْنا"﴾ بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "ضَلِلْنا" بِكَسْرِ اللامِ، والمَعْنى: تَلِفْنا وتَقَطَّعَتْ أوصالُنا فَذَهَبْنا حَتّى لَمْ نُوجَدْ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ كُنْتُ القَذى في مَوْجٍ أكْدَرَ مُزْبِدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ قَذَفَ الأتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلالًا
ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:
؎ فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وغُودِرَ بِالجَوْلانِ حَزْمٌ ونائِلُ
أيْ: مُتْلِفُوهُ دَفْنًا، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:(p-٧٢)
؎ تَضِلُّ المَدارِي في مُثَنّى ومُرْسَلِ
وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "صَلَلْنا" بِالصادِّ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ وفَتْحَ اللامِ، قالَ الفَرّاءُ: ويُرْوى عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومَعْناهُ: صِرْنا مِنَ الصِلَّةِ، وهي الأرْضُ اليابِسَةُ الصُلْبَةُ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: مِنَ التَغَيُّرِ، كَما يُقالُ: "صَلَّ اللَحْمُ"، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبانِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ العاصِ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: "صَلَلْنا" بِالصادِّ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ وكَسَرَ اللامِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو حَيْوَةَ: "ضَلَّلْنا". بِضَمِّ الضادِ وكَسْرِ اللامِ وشَدِّها.
وقَوْلُهُمْ: ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، أيْ: أئِنّا لَفي هَذِهِ الحالَةِ نُعادُ ويُجَدَّدُ خَلْقُنا. وقَوْلُهُ تَعالى: "بَلْ" إضْرابٌ عن مَعْنى اسْتِفْهامِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ: لَيْسُوا مُسْتَفْهِمِينَ، بَلْ هم كافِرُونَ جاحِدُونَ بِلِقاءِ اللهِ تَعالى.
(p-٧٣)ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم بِجُمْلَةِ الحالِ غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ، فَبَدَأ بِالإخْبارِ مِن وقْتٍ تَفَقُّدِ رُوحِ الإنْسانِ إلى الوَقْتِ الَّذِي يَعُودُ فِيهِ إلى رَبِّهِ، فَجَمَعَ الغايَتَيْنِ الأُولى والآخِرَةَ، و"يَتَوَفّاكُمْ" مَعْناهُ: يَسْتَوْفِيكُمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إنَّ بَنِيِ الأرْدَمِ لَيْسُوا مِن أحَدْ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا تَوَفّاهم قُرَيْشٌ في العَدَدِ
و﴿مَلَكُ المَوْتِ﴾ اسْمُهُ عِزْرائِيلُ، وتَصَرُّفُهُ كُلُّهُ بِأمْرِ اللهِ تَعالى وخَلْقِهِ واخْتِراعِهِ، ورُوِيَ في الحَدِيثِ «أنَّ البَهائِمَ كُلَّها يَتَوَفّى اللهُ رَوْحَها دُونَ مَلَكٍ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَأنَّهُ يَعْدَمُ حَيّاتَها، وكَذَلِكَ الأمْرُ في بَنِيِ آدَمَ؛ إلّا أنَّهُ نَوْعُ شُرِّفَ بِتَصَرُّفِ مَلَكٍ ومَلائِكَةٍ مَعَهُ في قَبْضِ أرْواحِهِمْ، وكَذَلِكَ أيْضًا غَلَّظَ العَذابَ عَلى الكافِرِينَ بِذَلِكَ. ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ: أنَّ الدُنْيا بَيْنَ يَدَيْ مَلَكِ المَوْتِ كالطَسْتِ بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ يَأْخُذُ مِن حَيْثُ أُمِرَ.
السجدة 32:8
قوله عزّ وجلّ:
﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ العَزِيزُ الرَحِيمُ﴾ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَقالُوا أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾
(p-٦٩)قالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِالغَيْبِ الآخِرَةَ وبالشَهادَةِ الدُنْيا، وقِيلَ: أرادَ بالغَيْبِ ما غابَ عَنِ المَخْلُوقِينَ، وبالشَهادَةِ ما شُوهِدَ مِنَ الأشْياءِ، فَكَأنَّهُ حَصَرَ بِهَذِهِ الألْفاظِ جَمِيعَ الأشْياءِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "خَلَقَهُ" بِفَتْحِ اللامِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، ومَعْنى ﴿ "أحْسَنَ":﴾ أتْقَنَ وأحْكَمَ، فَهو حَسَنٌ مِن جِهَةِ ما هو لِمَقاصِدِهِ الَّتِي أُرِيدُ لَها، ومِن هَذا المَعْنى ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ: لَيْسَتِ اسْتُ القِرْدِ بِحَسَنَةٍ ولَكِنَّها مُتْقَنَةٌ مَحْكَمَةٌ. والجُمْلَةُ في "خَلَقَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبِ صِفَةٍ لِـ"كُلَّ"، أو في مَوْضِعِ خَفْضِ صِفَةٍ لِـ"شَيْءٍ". وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "خَلْقَهُ" بِسُكُونِ اللامِ، وذَلِكَ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، والضَمِيرُ فِيهِ إمّا عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وإمّا عَلى المَفْعُولِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن "كُلَّ"، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - إلى أنَّ "أحْسَنَ" مَعْناها: ألْهَمَ، وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ بِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠]، أيْ ألْهَمَ الرَجُلَ إلى المَرْأةِ، والجُمَلَ إلى الناقَةِ، وهَذا قَوْلٌ فِيهِ بَعْدٌ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَبَدَأ"،﴾ وقَرَأ الزَهْرِيُّ: "وَبَدا خَلْقُ الإنْسانِ" بِألْفٍ دُونَ هَمْزٍ، وبِنَصْبِ القافِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: ذَلِكَ عَلى البَدَلِ لا عَلى التَخْفِيفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَأنَّهُ أبْدَلَ الألْفَ مِنَ الهَمْزَةِ، وبِدِيَ لُغَةَ الأنْصارِ، وقالَ ابْنُ رَواحَةَ:
؎ بِاسْمِ الإلَهِ وبِهِ بَدِينا ∗∗∗ ولَوْ عَبَدَنا غَيْرَهُ شَقِيَنا
و"الإنْسانُ": آدَمُ، عَدَّدَ أمْرَهُ عَلى بَنِيهِ؛ إذْ خَلْقُهُ خَلْقٌ لَهُمْ؛ مِن حَيْثُ هو مُنْسِلٌ لَهم. و"النَسْلُ": ما يَكُونُ عَنِ الحَيَوانِ مِنَ الوَلَدِ، كَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن: "نَسْلَ الشَيْءُ" إذا (p-٧٠)خَرَجَ مِن مَوْضِعِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]، ومِنهُ: "نَسْلَ رِيشُ الطائِرِ" إذا تَساقَطَ. و"السُلالَةُ" مِن: سُلَّ يُسِلُّ؛ فَكَأنَّ الماءَ يُسِلُّ مِنَ الإنْسانِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَجاءَتْ بِهِ عَضْبَ الأدِيمِ غَضَنْفَرًا ∗∗∗ ∗∗∗ سُلالَةَ فَرَجٍ كانَ غَيْرَ حَصِينِ
و"المَهِينُ": الضَعِيفُ، يُقالُ: "مَهُنَ الإنْسانُ" إذا ضَعُفَ وذَلَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نَفَخَ" عِبارَةٌ عن إفاضَةِ الرُوحِ في جَسَدِ ابْنِ آدَمَ، والضَمِيرُ في ﴿ "رُوحِهِ"﴾ لِلَّهِ تَعالى، وهي إضافَةُ مِلْكٍ إلى مالِكٍ، وخَلْقٍ إلى خالِقٍ. ثُمَّ أظْهَرَ تَعْدِيدَ النِعَمِ عَلَيْهِمْ في أنْ خَصَّهم في قَوْلِهِ: "لَكُمُ" (بِضَمِيرِ) السَمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ، وهي لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ أيْضًا. كَما خَصَّ آدَمَ بِالتَسْوِيَةِ ونَفْخِ الرُوحِ، وهو لِجَمِيعِ ذُرِّيَّتِهِ، وهَذا كُلُّهُ إيجازٌ واقْتِضابٌ وتَرْكٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ المَنطُوقُ بِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الإنْسانُ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمَ جِنْسٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "قَلِيلا"﴾ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ حِينَ حُذِفَ المَوْصُوفِ بِهِ.
والضَمِيرُ في "قالُوا" لِلْكُفّارِ الجاحِدِينَ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ، والمُسْتَبْعِدِينَ لِذَلِكَ دُونَ (p-٧١)حُجَّةٍ ولا دَلِيلٍ، ومَوْضِعُ "أئِذا" نَصْبٌ بِما في قَوْلِهِ: ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: لِنُعادِ. واخْتَلَفَ القُراءُ في "أئِذا"، وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِيعابُ ذِكْرِهِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "ضَلَلْنا"﴾ بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "ضَلِلْنا" بِكَسْرِ اللامِ، والمَعْنى: تَلِفْنا وتَقَطَّعَتْ أوصالُنا فَذَهَبْنا حَتّى لَمْ نُوجَدْ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ كُنْتُ القَذى في مَوْجٍ أكْدَرَ مُزْبِدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ قَذَفَ الأتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلالًا
ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:
؎ فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وغُودِرَ بِالجَوْلانِ حَزْمٌ ونائِلُ
أيْ: مُتْلِفُوهُ دَفْنًا، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:(p-٧٢)
؎ تَضِلُّ المَدارِي في مُثَنّى ومُرْسَلِ
وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "صَلَلْنا" بِالصادِّ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ وفَتْحَ اللامِ، قالَ الفَرّاءُ: ويُرْوى عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومَعْناهُ: صِرْنا مِنَ الصِلَّةِ، وهي الأرْضُ اليابِسَةُ الصُلْبَةُ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: مِنَ التَغَيُّرِ، كَما يُقالُ: "صَلَّ اللَحْمُ"، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبانِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ العاصِ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: "صَلَلْنا" بِالصادِّ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ وكَسَرَ اللامِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو حَيْوَةَ: "ضَلَّلْنا". بِضَمِّ الضادِ وكَسْرِ اللامِ وشَدِّها.
وقَوْلُهُمْ: ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، أيْ: أئِنّا لَفي هَذِهِ الحالَةِ نُعادُ ويُجَدَّدُ خَلْقُنا. وقَوْلُهُ تَعالى: "بَلْ" إضْرابٌ عن مَعْنى اسْتِفْهامِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ: لَيْسُوا مُسْتَفْهِمِينَ، بَلْ هم كافِرُونَ جاحِدُونَ بِلِقاءِ اللهِ تَعالى.
(p-٧٣)ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم بِجُمْلَةِ الحالِ غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ، فَبَدَأ بِالإخْبارِ مِن وقْتٍ تَفَقُّدِ رُوحِ الإنْسانِ إلى الوَقْتِ الَّذِي يَعُودُ فِيهِ إلى رَبِّهِ، فَجَمَعَ الغايَتَيْنِ الأُولى والآخِرَةَ، و"يَتَوَفّاكُمْ" مَعْناهُ: يَسْتَوْفِيكُمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إنَّ بَنِيِ الأرْدَمِ لَيْسُوا مِن أحَدْ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا تَوَفّاهم قُرَيْشٌ في العَدَدِ
و﴿مَلَكُ المَوْتِ﴾ اسْمُهُ عِزْرائِيلُ، وتَصَرُّفُهُ كُلُّهُ بِأمْرِ اللهِ تَعالى وخَلْقِهِ واخْتِراعِهِ، ورُوِيَ في الحَدِيثِ «أنَّ البَهائِمَ كُلَّها يَتَوَفّى اللهُ رَوْحَها دُونَ مَلَكٍ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَأنَّهُ يَعْدَمُ حَيّاتَها، وكَذَلِكَ الأمْرُ في بَنِيِ آدَمَ؛ إلّا أنَّهُ نَوْعُ شُرِّفَ بِتَصَرُّفِ مَلَكٍ ومَلائِكَةٍ مَعَهُ في قَبْضِ أرْواحِهِمْ، وكَذَلِكَ أيْضًا غَلَّظَ العَذابَ عَلى الكافِرِينَ بِذَلِكَ. ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ: أنَّ الدُنْيا بَيْنَ يَدَيْ مَلَكِ المَوْتِ كالطَسْتِ بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ يَأْخُذُ مِن حَيْثُ أُمِرَ.
السجدة 32:9
قوله عزّ وجلّ:
﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ العَزِيزُ الرَحِيمُ﴾ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَقالُوا أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾
(p-٦٩)قالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِالغَيْبِ الآخِرَةَ وبالشَهادَةِ الدُنْيا، وقِيلَ: أرادَ بالغَيْبِ ما غابَ عَنِ المَخْلُوقِينَ، وبالشَهادَةِ ما شُوهِدَ مِنَ الأشْياءِ، فَكَأنَّهُ حَصَرَ بِهَذِهِ الألْفاظِ جَمِيعَ الأشْياءِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "خَلَقَهُ" بِفَتْحِ اللامِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، ومَعْنى ﴿ "أحْسَنَ":﴾ أتْقَنَ وأحْكَمَ، فَهو حَسَنٌ مِن جِهَةِ ما هو لِمَقاصِدِهِ الَّتِي أُرِيدُ لَها، ومِن هَذا المَعْنى ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ: لَيْسَتِ اسْتُ القِرْدِ بِحَسَنَةٍ ولَكِنَّها مُتْقَنَةٌ مَحْكَمَةٌ. والجُمْلَةُ في "خَلَقَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبِ صِفَةٍ لِـ"كُلَّ"، أو في مَوْضِعِ خَفْضِ صِفَةٍ لِـ"شَيْءٍ". وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "خَلْقَهُ" بِسُكُونِ اللامِ، وذَلِكَ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، والضَمِيرُ فِيهِ إمّا عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وإمّا عَلى المَفْعُولِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن "كُلَّ"، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - إلى أنَّ "أحْسَنَ" مَعْناها: ألْهَمَ، وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ بِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠]، أيْ ألْهَمَ الرَجُلَ إلى المَرْأةِ، والجُمَلَ إلى الناقَةِ، وهَذا قَوْلٌ فِيهِ بَعْدٌ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَبَدَأ"،﴾ وقَرَأ الزَهْرِيُّ: "وَبَدا خَلْقُ الإنْسانِ" بِألْفٍ دُونَ هَمْزٍ، وبِنَصْبِ القافِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: ذَلِكَ عَلى البَدَلِ لا عَلى التَخْفِيفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَأنَّهُ أبْدَلَ الألْفَ مِنَ الهَمْزَةِ، وبِدِيَ لُغَةَ الأنْصارِ، وقالَ ابْنُ رَواحَةَ:
؎ بِاسْمِ الإلَهِ وبِهِ بَدِينا ∗∗∗ ولَوْ عَبَدَنا غَيْرَهُ شَقِيَنا
و"الإنْسانُ": آدَمُ، عَدَّدَ أمْرَهُ عَلى بَنِيهِ؛ إذْ خَلْقُهُ خَلْقٌ لَهُمْ؛ مِن حَيْثُ هو مُنْسِلٌ لَهم. و"النَسْلُ": ما يَكُونُ عَنِ الحَيَوانِ مِنَ الوَلَدِ، كَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن: "نَسْلَ الشَيْءُ" إذا (p-٧٠)خَرَجَ مِن مَوْضِعِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]، ومِنهُ: "نَسْلَ رِيشُ الطائِرِ" إذا تَساقَطَ. و"السُلالَةُ" مِن: سُلَّ يُسِلُّ؛ فَكَأنَّ الماءَ يُسِلُّ مِنَ الإنْسانِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَجاءَتْ بِهِ عَضْبَ الأدِيمِ غَضَنْفَرًا ∗∗∗ ∗∗∗ سُلالَةَ فَرَجٍ كانَ غَيْرَ حَصِينِ
و"المَهِينُ": الضَعِيفُ، يُقالُ: "مَهُنَ الإنْسانُ" إذا ضَعُفَ وذَلَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نَفَخَ" عِبارَةٌ عن إفاضَةِ الرُوحِ في جَسَدِ ابْنِ آدَمَ، والضَمِيرُ في ﴿ "رُوحِهِ"﴾ لِلَّهِ تَعالى، وهي إضافَةُ مِلْكٍ إلى مالِكٍ، وخَلْقٍ إلى خالِقٍ. ثُمَّ أظْهَرَ تَعْدِيدَ النِعَمِ عَلَيْهِمْ في أنْ خَصَّهم في قَوْلِهِ: "لَكُمُ" (بِضَمِيرِ) السَمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ، وهي لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ أيْضًا. كَما خَصَّ آدَمَ بِالتَسْوِيَةِ ونَفْخِ الرُوحِ، وهو لِجَمِيعِ ذُرِّيَّتِهِ، وهَذا كُلُّهُ إيجازٌ واقْتِضابٌ وتَرْكٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ المَنطُوقُ بِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الإنْسانُ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمَ جِنْسٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "قَلِيلا"﴾ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ حِينَ حُذِفَ المَوْصُوفِ بِهِ.
والضَمِيرُ في "قالُوا" لِلْكُفّارِ الجاحِدِينَ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ، والمُسْتَبْعِدِينَ لِذَلِكَ دُونَ (p-٧١)حُجَّةٍ ولا دَلِيلٍ، ومَوْضِعُ "أئِذا" نَصْبٌ بِما في قَوْلِهِ: ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: لِنُعادِ. واخْتَلَفَ القُراءُ في "أئِذا"، وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِيعابُ ذِكْرِهِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "ضَلَلْنا"﴾ بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "ضَلِلْنا" بِكَسْرِ اللامِ، والمَعْنى: تَلِفْنا وتَقَطَّعَتْ أوصالُنا فَذَهَبْنا حَتّى لَمْ نُوجَدْ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ كُنْتُ القَذى في مَوْجٍ أكْدَرَ مُزْبِدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ قَذَفَ الأتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلالًا
ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:
؎ فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وغُودِرَ بِالجَوْلانِ حَزْمٌ ونائِلُ
أيْ: مُتْلِفُوهُ دَفْنًا، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:(p-٧٢)
؎ تَضِلُّ المَدارِي في مُثَنّى ومُرْسَلِ
وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "صَلَلْنا" بِالصادِّ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ وفَتْحَ اللامِ، قالَ الفَرّاءُ: ويُرْوى عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومَعْناهُ: صِرْنا مِنَ الصِلَّةِ، وهي الأرْضُ اليابِسَةُ الصُلْبَةُ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: مِنَ التَغَيُّرِ، كَما يُقالُ: "صَلَّ اللَحْمُ"، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبانِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ العاصِ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: "صَلَلْنا" بِالصادِّ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ وكَسَرَ اللامِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو حَيْوَةَ: "ضَلَّلْنا". بِضَمِّ الضادِ وكَسْرِ اللامِ وشَدِّها.
وقَوْلُهُمْ: ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، أيْ: أئِنّا لَفي هَذِهِ الحالَةِ نُعادُ ويُجَدَّدُ خَلْقُنا. وقَوْلُهُ تَعالى: "بَلْ" إضْرابٌ عن مَعْنى اسْتِفْهامِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ: لَيْسُوا مُسْتَفْهِمِينَ، بَلْ هم كافِرُونَ جاحِدُونَ بِلِقاءِ اللهِ تَعالى.
(p-٧٣)ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم بِجُمْلَةِ الحالِ غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ، فَبَدَأ بِالإخْبارِ مِن وقْتٍ تَفَقُّدِ رُوحِ الإنْسانِ إلى الوَقْتِ الَّذِي يَعُودُ فِيهِ إلى رَبِّهِ، فَجَمَعَ الغايَتَيْنِ الأُولى والآخِرَةَ، و"يَتَوَفّاكُمْ" مَعْناهُ: يَسْتَوْفِيكُمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إنَّ بَنِيِ الأرْدَمِ لَيْسُوا مِن أحَدْ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا تَوَفّاهم قُرَيْشٌ في العَدَدِ
و﴿مَلَكُ المَوْتِ﴾ اسْمُهُ عِزْرائِيلُ، وتَصَرُّفُهُ كُلُّهُ بِأمْرِ اللهِ تَعالى وخَلْقِهِ واخْتِراعِهِ، ورُوِيَ في الحَدِيثِ «أنَّ البَهائِمَ كُلَّها يَتَوَفّى اللهُ رَوْحَها دُونَ مَلَكٍ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَأنَّهُ يَعْدَمُ حَيّاتَها، وكَذَلِكَ الأمْرُ في بَنِيِ آدَمَ؛ إلّا أنَّهُ نَوْعُ شُرِّفَ بِتَصَرُّفِ مَلَكٍ ومَلائِكَةٍ مَعَهُ في قَبْضِ أرْواحِهِمْ، وكَذَلِكَ أيْضًا غَلَّظَ العَذابَ عَلى الكافِرِينَ بِذَلِكَ. ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ: أنَّ الدُنْيا بَيْنَ يَدَيْ مَلَكِ المَوْتِ كالطَسْتِ بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ يَأْخُذُ مِن حَيْثُ أُمِرَ.
السجدة 32:10
قوله عزّ وجلّ:
﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ العَزِيزُ الرَحِيمُ﴾ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَقالُوا أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾
(p-٦٩)قالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِالغَيْبِ الآخِرَةَ وبالشَهادَةِ الدُنْيا، وقِيلَ: أرادَ بالغَيْبِ ما غابَ عَنِ المَخْلُوقِينَ، وبالشَهادَةِ ما شُوهِدَ مِنَ الأشْياءِ، فَكَأنَّهُ حَصَرَ بِهَذِهِ الألْفاظِ جَمِيعَ الأشْياءِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "خَلَقَهُ" بِفَتْحِ اللامِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، ومَعْنى ﴿ "أحْسَنَ":﴾ أتْقَنَ وأحْكَمَ، فَهو حَسَنٌ مِن جِهَةِ ما هو لِمَقاصِدِهِ الَّتِي أُرِيدُ لَها، ومِن هَذا المَعْنى ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ: لَيْسَتِ اسْتُ القِرْدِ بِحَسَنَةٍ ولَكِنَّها مُتْقَنَةٌ مَحْكَمَةٌ. والجُمْلَةُ في "خَلَقَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبِ صِفَةٍ لِـ"كُلَّ"، أو في مَوْضِعِ خَفْضِ صِفَةٍ لِـ"شَيْءٍ". وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "خَلْقَهُ" بِسُكُونِ اللامِ، وذَلِكَ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، والضَمِيرُ فِيهِ إمّا عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وإمّا عَلى المَفْعُولِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن "كُلَّ"، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - إلى أنَّ "أحْسَنَ" مَعْناها: ألْهَمَ، وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ بِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠]، أيْ ألْهَمَ الرَجُلَ إلى المَرْأةِ، والجُمَلَ إلى الناقَةِ، وهَذا قَوْلٌ فِيهِ بَعْدٌ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَبَدَأ"،﴾ وقَرَأ الزَهْرِيُّ: "وَبَدا خَلْقُ الإنْسانِ" بِألْفٍ دُونَ هَمْزٍ، وبِنَصْبِ القافِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: ذَلِكَ عَلى البَدَلِ لا عَلى التَخْفِيفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَأنَّهُ أبْدَلَ الألْفَ مِنَ الهَمْزَةِ، وبِدِيَ لُغَةَ الأنْصارِ، وقالَ ابْنُ رَواحَةَ:
؎ بِاسْمِ الإلَهِ وبِهِ بَدِينا ∗∗∗ ولَوْ عَبَدَنا غَيْرَهُ شَقِيَنا
و"الإنْسانُ": آدَمُ، عَدَّدَ أمْرَهُ عَلى بَنِيهِ؛ إذْ خَلْقُهُ خَلْقٌ لَهُمْ؛ مِن حَيْثُ هو مُنْسِلٌ لَهم. و"النَسْلُ": ما يَكُونُ عَنِ الحَيَوانِ مِنَ الوَلَدِ، كَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن: "نَسْلَ الشَيْءُ" إذا (p-٧٠)خَرَجَ مِن مَوْضِعِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]، ومِنهُ: "نَسْلَ رِيشُ الطائِرِ" إذا تَساقَطَ. و"السُلالَةُ" مِن: سُلَّ يُسِلُّ؛ فَكَأنَّ الماءَ يُسِلُّ مِنَ الإنْسانِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَجاءَتْ بِهِ عَضْبَ الأدِيمِ غَضَنْفَرًا ∗∗∗ ∗∗∗ سُلالَةَ فَرَجٍ كانَ غَيْرَ حَصِينِ
و"المَهِينُ": الضَعِيفُ، يُقالُ: "مَهُنَ الإنْسانُ" إذا ضَعُفَ وذَلَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نَفَخَ" عِبارَةٌ عن إفاضَةِ الرُوحِ في جَسَدِ ابْنِ آدَمَ، والضَمِيرُ في ﴿ "رُوحِهِ"﴾ لِلَّهِ تَعالى، وهي إضافَةُ مِلْكٍ إلى مالِكٍ، وخَلْقٍ إلى خالِقٍ. ثُمَّ أظْهَرَ تَعْدِيدَ النِعَمِ عَلَيْهِمْ في أنْ خَصَّهم في قَوْلِهِ: "لَكُمُ" (بِضَمِيرِ) السَمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ، وهي لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ أيْضًا. كَما خَصَّ آدَمَ بِالتَسْوِيَةِ ونَفْخِ الرُوحِ، وهو لِجَمِيعِ ذُرِّيَّتِهِ، وهَذا كُلُّهُ إيجازٌ واقْتِضابٌ وتَرْكٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ المَنطُوقُ بِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الإنْسانُ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمَ جِنْسٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "قَلِيلا"﴾ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ حِينَ حُذِفَ المَوْصُوفِ بِهِ.
والضَمِيرُ في "قالُوا" لِلْكُفّارِ الجاحِدِينَ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ، والمُسْتَبْعِدِينَ لِذَلِكَ دُونَ (p-٧١)حُجَّةٍ ولا دَلِيلٍ، ومَوْضِعُ "أئِذا" نَصْبٌ بِما في قَوْلِهِ: ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: لِنُعادِ. واخْتَلَفَ القُراءُ في "أئِذا"، وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِيعابُ ذِكْرِهِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "ضَلَلْنا"﴾ بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "ضَلِلْنا" بِكَسْرِ اللامِ، والمَعْنى: تَلِفْنا وتَقَطَّعَتْ أوصالُنا فَذَهَبْنا حَتّى لَمْ نُوجَدْ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ كُنْتُ القَذى في مَوْجٍ أكْدَرَ مُزْبِدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ قَذَفَ الأتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلالًا
ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:
؎ فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وغُودِرَ بِالجَوْلانِ حَزْمٌ ونائِلُ
أيْ: مُتْلِفُوهُ دَفْنًا، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:(p-٧٢)
؎ تَضِلُّ المَدارِي في مُثَنّى ومُرْسَلِ
وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "صَلَلْنا" بِالصادِّ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ وفَتْحَ اللامِ، قالَ الفَرّاءُ: ويُرْوى عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومَعْناهُ: صِرْنا مِنَ الصِلَّةِ، وهي الأرْضُ اليابِسَةُ الصُلْبَةُ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: مِنَ التَغَيُّرِ، كَما يُقالُ: "صَلَّ اللَحْمُ"، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبانِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ العاصِ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: "صَلَلْنا" بِالصادِّ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ وكَسَرَ اللامِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو حَيْوَةَ: "ضَلَّلْنا". بِضَمِّ الضادِ وكَسْرِ اللامِ وشَدِّها.
وقَوْلُهُمْ: ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، أيْ: أئِنّا لَفي هَذِهِ الحالَةِ نُعادُ ويُجَدَّدُ خَلْقُنا. وقَوْلُهُ تَعالى: "بَلْ" إضْرابٌ عن مَعْنى اسْتِفْهامِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ: لَيْسُوا مُسْتَفْهِمِينَ، بَلْ هم كافِرُونَ جاحِدُونَ بِلِقاءِ اللهِ تَعالى.
(p-٧٣)ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم بِجُمْلَةِ الحالِ غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ، فَبَدَأ بِالإخْبارِ مِن وقْتٍ تَفَقُّدِ رُوحِ الإنْسانِ إلى الوَقْتِ الَّذِي يَعُودُ فِيهِ إلى رَبِّهِ، فَجَمَعَ الغايَتَيْنِ الأُولى والآخِرَةَ، و"يَتَوَفّاكُمْ" مَعْناهُ: يَسْتَوْفِيكُمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إنَّ بَنِيِ الأرْدَمِ لَيْسُوا مِن أحَدْ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا تَوَفّاهم قُرَيْشٌ في العَدَدِ
و﴿مَلَكُ المَوْتِ﴾ اسْمُهُ عِزْرائِيلُ، وتَصَرُّفُهُ كُلُّهُ بِأمْرِ اللهِ تَعالى وخَلْقِهِ واخْتِراعِهِ، ورُوِيَ في الحَدِيثِ «أنَّ البَهائِمَ كُلَّها يَتَوَفّى اللهُ رَوْحَها دُونَ مَلَكٍ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَأنَّهُ يَعْدَمُ حَيّاتَها، وكَذَلِكَ الأمْرُ في بَنِيِ آدَمَ؛ إلّا أنَّهُ نَوْعُ شُرِّفَ بِتَصَرُّفِ مَلَكٍ ومَلائِكَةٍ مَعَهُ في قَبْضِ أرْواحِهِمْ، وكَذَلِكَ أيْضًا غَلَّظَ العَذابَ عَلى الكافِرِينَ بِذَلِكَ. ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ: أنَّ الدُنْيا بَيْنَ يَدَيْ مَلَكِ المَوْتِ كالطَسْتِ بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ يَأْخُذُ مِن حَيْثُ أُمِرَ.
السجدة 32:11
قوله عزّ وجلّ:
﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ العَزِيزُ الرَحِيمُ﴾ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَقالُوا أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾
(p-٦٩)قالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِالغَيْبِ الآخِرَةَ وبالشَهادَةِ الدُنْيا، وقِيلَ: أرادَ بالغَيْبِ ما غابَ عَنِ المَخْلُوقِينَ، وبالشَهادَةِ ما شُوهِدَ مِنَ الأشْياءِ، فَكَأنَّهُ حَصَرَ بِهَذِهِ الألْفاظِ جَمِيعَ الأشْياءِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "خَلَقَهُ" بِفَتْحِ اللامِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، ومَعْنى ﴿ "أحْسَنَ":﴾ أتْقَنَ وأحْكَمَ، فَهو حَسَنٌ مِن جِهَةِ ما هو لِمَقاصِدِهِ الَّتِي أُرِيدُ لَها، ومِن هَذا المَعْنى ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ: لَيْسَتِ اسْتُ القِرْدِ بِحَسَنَةٍ ولَكِنَّها مُتْقَنَةٌ مَحْكَمَةٌ. والجُمْلَةُ في "خَلَقَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبِ صِفَةٍ لِـ"كُلَّ"، أو في مَوْضِعِ خَفْضِ صِفَةٍ لِـ"شَيْءٍ". وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "خَلْقَهُ" بِسُكُونِ اللامِ، وذَلِكَ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، والضَمِيرُ فِيهِ إمّا عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وإمّا عَلى المَفْعُولِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن "كُلَّ"، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - إلى أنَّ "أحْسَنَ" مَعْناها: ألْهَمَ، وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ بِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠]، أيْ ألْهَمَ الرَجُلَ إلى المَرْأةِ، والجُمَلَ إلى الناقَةِ، وهَذا قَوْلٌ فِيهِ بَعْدٌ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَبَدَأ"،﴾ وقَرَأ الزَهْرِيُّ: "وَبَدا خَلْقُ الإنْسانِ" بِألْفٍ دُونَ هَمْزٍ، وبِنَصْبِ القافِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: ذَلِكَ عَلى البَدَلِ لا عَلى التَخْفِيفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَأنَّهُ أبْدَلَ الألْفَ مِنَ الهَمْزَةِ، وبِدِيَ لُغَةَ الأنْصارِ، وقالَ ابْنُ رَواحَةَ:
؎ بِاسْمِ الإلَهِ وبِهِ بَدِينا ∗∗∗ ولَوْ عَبَدَنا غَيْرَهُ شَقِيَنا
و"الإنْسانُ": آدَمُ، عَدَّدَ أمْرَهُ عَلى بَنِيهِ؛ إذْ خَلْقُهُ خَلْقٌ لَهُمْ؛ مِن حَيْثُ هو مُنْسِلٌ لَهم. و"النَسْلُ": ما يَكُونُ عَنِ الحَيَوانِ مِنَ الوَلَدِ، كَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن: "نَسْلَ الشَيْءُ" إذا (p-٧٠)خَرَجَ مِن مَوْضِعِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]، ومِنهُ: "نَسْلَ رِيشُ الطائِرِ" إذا تَساقَطَ. و"السُلالَةُ" مِن: سُلَّ يُسِلُّ؛ فَكَأنَّ الماءَ يُسِلُّ مِنَ الإنْسانِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَجاءَتْ بِهِ عَضْبَ الأدِيمِ غَضَنْفَرًا ∗∗∗ ∗∗∗ سُلالَةَ فَرَجٍ كانَ غَيْرَ حَصِينِ
و"المَهِينُ": الضَعِيفُ، يُقالُ: "مَهُنَ الإنْسانُ" إذا ضَعُفَ وذَلَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نَفَخَ" عِبارَةٌ عن إفاضَةِ الرُوحِ في جَسَدِ ابْنِ آدَمَ، والضَمِيرُ في ﴿ "رُوحِهِ"﴾ لِلَّهِ تَعالى، وهي إضافَةُ مِلْكٍ إلى مالِكٍ، وخَلْقٍ إلى خالِقٍ. ثُمَّ أظْهَرَ تَعْدِيدَ النِعَمِ عَلَيْهِمْ في أنْ خَصَّهم في قَوْلِهِ: "لَكُمُ" (بِضَمِيرِ) السَمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ، وهي لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ أيْضًا. كَما خَصَّ آدَمَ بِالتَسْوِيَةِ ونَفْخِ الرُوحِ، وهو لِجَمِيعِ ذُرِّيَّتِهِ، وهَذا كُلُّهُ إيجازٌ واقْتِضابٌ وتَرْكٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ المَنطُوقُ بِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الإنْسانُ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمَ جِنْسٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "قَلِيلا"﴾ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ حِينَ حُذِفَ المَوْصُوفِ بِهِ.
والضَمِيرُ في "قالُوا" لِلْكُفّارِ الجاحِدِينَ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ، والمُسْتَبْعِدِينَ لِذَلِكَ دُونَ (p-٧١)حُجَّةٍ ولا دَلِيلٍ، ومَوْضِعُ "أئِذا" نَصْبٌ بِما في قَوْلِهِ: ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: لِنُعادِ. واخْتَلَفَ القُراءُ في "أئِذا"، وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِيعابُ ذِكْرِهِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "ضَلَلْنا"﴾ بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "ضَلِلْنا" بِكَسْرِ اللامِ، والمَعْنى: تَلِفْنا وتَقَطَّعَتْ أوصالُنا فَذَهَبْنا حَتّى لَمْ نُوجَدْ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ كُنْتُ القَذى في مَوْجٍ أكْدَرَ مُزْبِدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ قَذَفَ الأتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلالًا
ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:
؎ فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وغُودِرَ بِالجَوْلانِ حَزْمٌ ونائِلُ
أيْ: مُتْلِفُوهُ دَفْنًا، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:(p-٧٢)
؎ تَضِلُّ المَدارِي في مُثَنّى ومُرْسَلِ
وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "صَلَلْنا" بِالصادِّ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ وفَتْحَ اللامِ، قالَ الفَرّاءُ: ويُرْوى عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومَعْناهُ: صِرْنا مِنَ الصِلَّةِ، وهي الأرْضُ اليابِسَةُ الصُلْبَةُ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: مِنَ التَغَيُّرِ، كَما يُقالُ: "صَلَّ اللَحْمُ"، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبانِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ العاصِ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: "صَلَلْنا" بِالصادِّ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ وكَسَرَ اللامِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو حَيْوَةَ: "ضَلَّلْنا". بِضَمِّ الضادِ وكَسْرِ اللامِ وشَدِّها.
وقَوْلُهُمْ: ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، أيْ: أئِنّا لَفي هَذِهِ الحالَةِ نُعادُ ويُجَدَّدُ خَلْقُنا. وقَوْلُهُ تَعالى: "بَلْ" إضْرابٌ عن مَعْنى اسْتِفْهامِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ: لَيْسُوا مُسْتَفْهِمِينَ، بَلْ هم كافِرُونَ جاحِدُونَ بِلِقاءِ اللهِ تَعالى.
(p-٧٣)ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم بِجُمْلَةِ الحالِ غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ، فَبَدَأ بِالإخْبارِ مِن وقْتٍ تَفَقُّدِ رُوحِ الإنْسانِ إلى الوَقْتِ الَّذِي يَعُودُ فِيهِ إلى رَبِّهِ، فَجَمَعَ الغايَتَيْنِ الأُولى والآخِرَةَ، و"يَتَوَفّاكُمْ" مَعْناهُ: يَسْتَوْفِيكُمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إنَّ بَنِيِ الأرْدَمِ لَيْسُوا مِن أحَدْ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا تَوَفّاهم قُرَيْشٌ في العَدَدِ
و﴿مَلَكُ المَوْتِ﴾ اسْمُهُ عِزْرائِيلُ، وتَصَرُّفُهُ كُلُّهُ بِأمْرِ اللهِ تَعالى وخَلْقِهِ واخْتِراعِهِ، ورُوِيَ في الحَدِيثِ «أنَّ البَهائِمَ كُلَّها يَتَوَفّى اللهُ رَوْحَها دُونَ مَلَكٍ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَأنَّهُ يَعْدَمُ حَيّاتَها، وكَذَلِكَ الأمْرُ في بَنِيِ آدَمَ؛ إلّا أنَّهُ نَوْعُ شُرِّفَ بِتَصَرُّفِ مَلَكٍ ومَلائِكَةٍ مَعَهُ في قَبْضِ أرْواحِهِمْ، وكَذَلِكَ أيْضًا غَلَّظَ العَذابَ عَلى الكافِرِينَ بِذَلِكَ. ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ: أنَّ الدُنْيا بَيْنَ يَدَيْ مَلَكِ المَوْتِ كالطَسْتِ بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ يَأْخُذُ مِن حَيْثُ أُمِرَ.
السجدة 32:12
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والناسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا إنّا نَسِيناكم وذُوقُوا (p-٧٤)عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "لَوْ تَرى" تَعْجِيبٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ مِن حالِ الكَفَرَةِ وما حَلَّ بِهِمْ. وجَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ حَذْفَهُ أهْوَلُ؛ إذْ يَتْرُكُ الإنْسانُ فِيهِ مَعَ أقْصى تَخَيُّلُهُ. و"المُجْرِمُونَ" هُمُ الكافِرُونَ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنّا مُوقِنُونَ﴾، أيْ أنَّهم كانُوا في الدُنْيا غَيْرَ مُوقِنِينَ. و"تَنْكِيسُ الرُؤُوسِ" هو مِنَ الهَوْلِ والذُلِّ واليَأْسِ والهَمِّ بِحُلُولِ العَذابِ وتَعَلُّقِ نُفُوسِهِمْ بِالرَجْعَةِ إلى الدُنْيا، وفي القَوْلِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُونَ رَبَّنا، وقَوْلُهُمْ: ﴿أبْصَرْنا وسَمِعْنا﴾ أيْ: ما كُنّا نُخْبَرُ بِهِ في الدُنْيا فَكُنّا مُكَذِّبِينَ بِهِ، ثُمَّ طَلَبُوا الرَجْعَةَ حِينَ لا يَنْفَعُ ذَلِكَ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى عن نَفْسِهِ أنَّهُ لَوْ شاءَ لَهَدى الناسَ أجْمَعِينَ، أيْ: يَلْطُفُ بِهِمْ لُطْفًا يُؤْمِنُونَ بِهِ ويَخْتَرِعُ الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ. هَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ آيَةٌ يَضْطَرُّهم بِها إلى الإيمانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلُ بَعْضِ المُعْتَزِلَةِ، إلّا أنَّ مَن أشَرْنا إلَيْهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ لَمْ يَدْرِ قَدَرَ القَوْلِ ولا مَغْزاهُ ولِذَلِكَ حَكاهُ، والَّذِي يَقُودُ المُعْتَزِلَةَ إلى هَذِهِ المَقالَةِ أنَّهم يَرَوْنَ أنَّ مَن يَقْدِرُ عَلى اللُطْفِ بِإنْسانٍ حَتّى يُؤْمِنَ ولا يَفْعَلَ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ ولا مِنَ الأمْرِ المُسْتَقِيمِ، والكَلامُ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ يَطُولُ ولَهُ تَوالِيفُهُ، و"الجِنَّةِ" الشَياطِينُ.
وقَوْلُهُ: "فَذُوقُوا العَذابَ" بِمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا، و"نَسِيتُمْ" مَعْناهُ: تَرَكْتُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرُهُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ مُضافٌ تَقْدِيرُهُ: عَمَلٌ، أو عِدَّةٌ ونَحْوَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنّا نَسِيناكُمْ﴾ سَمّى العُقُوبَةَ بِاسْمِ الذَنْبِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِتَكَسُّبِكُمُ الآثامَ.
ثُمَّ أثْنى عَزَّ وجَلَّ عَلى القَوْمِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ، ووَصْفَهم بِالصِفَةِ الحَسَنَةِ، بِسُجُودِهِمْ عِنْدَ التَذْكِيرِ وتَسْبِيحِهِمْ وعَدَمِ اسْتِكْبارِهِمْ، بِخِلافِ ما يَصْنَعُ الكُفْرُ مِنَ الإعْراضِ عِنْدَ التَذْكِيرِ، وقَوْلِ الهُجْرِ، وإظْهارِ التَكَبُّرِ، وهَذِهِ السَجْدَةُ مِن عَزائِمِ السَجْدَةِ في القُرْآنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: السُجُودُ هُنا بِمَعْنى الرُكُوعِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، ومُجاهِدٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ (p-٧٥)خَرَجُوا مِنَ المَسْجِدِ، فَكَأنَّ الرُكُوعَ يُقْصَدُ مِن هَذا، ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، وأيْضًا فَمِن مَذْهَبِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ القارِئَ لِلسَّجْدَةِ يَرْكَعُ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤].
السجدة 32:13
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والناسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا إنّا نَسِيناكم وذُوقُوا (p-٧٤)عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "لَوْ تَرى" تَعْجِيبٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ مِن حالِ الكَفَرَةِ وما حَلَّ بِهِمْ. وجَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ حَذْفَهُ أهْوَلُ؛ إذْ يَتْرُكُ الإنْسانُ فِيهِ مَعَ أقْصى تَخَيُّلُهُ. و"المُجْرِمُونَ" هُمُ الكافِرُونَ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنّا مُوقِنُونَ﴾، أيْ أنَّهم كانُوا في الدُنْيا غَيْرَ مُوقِنِينَ. و"تَنْكِيسُ الرُؤُوسِ" هو مِنَ الهَوْلِ والذُلِّ واليَأْسِ والهَمِّ بِحُلُولِ العَذابِ وتَعَلُّقِ نُفُوسِهِمْ بِالرَجْعَةِ إلى الدُنْيا، وفي القَوْلِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُونَ رَبَّنا، وقَوْلُهُمْ: ﴿أبْصَرْنا وسَمِعْنا﴾ أيْ: ما كُنّا نُخْبَرُ بِهِ في الدُنْيا فَكُنّا مُكَذِّبِينَ بِهِ، ثُمَّ طَلَبُوا الرَجْعَةَ حِينَ لا يَنْفَعُ ذَلِكَ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى عن نَفْسِهِ أنَّهُ لَوْ شاءَ لَهَدى الناسَ أجْمَعِينَ، أيْ: يَلْطُفُ بِهِمْ لُطْفًا يُؤْمِنُونَ بِهِ ويَخْتَرِعُ الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ. هَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ آيَةٌ يَضْطَرُّهم بِها إلى الإيمانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلُ بَعْضِ المُعْتَزِلَةِ، إلّا أنَّ مَن أشَرْنا إلَيْهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ لَمْ يَدْرِ قَدَرَ القَوْلِ ولا مَغْزاهُ ولِذَلِكَ حَكاهُ، والَّذِي يَقُودُ المُعْتَزِلَةَ إلى هَذِهِ المَقالَةِ أنَّهم يَرَوْنَ أنَّ مَن يَقْدِرُ عَلى اللُطْفِ بِإنْسانٍ حَتّى يُؤْمِنَ ولا يَفْعَلَ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ ولا مِنَ الأمْرِ المُسْتَقِيمِ، والكَلامُ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ يَطُولُ ولَهُ تَوالِيفُهُ، و"الجِنَّةِ" الشَياطِينُ.
وقَوْلُهُ: "فَذُوقُوا العَذابَ" بِمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا، و"نَسِيتُمْ" مَعْناهُ: تَرَكْتُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرُهُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ مُضافٌ تَقْدِيرُهُ: عَمَلٌ، أو عِدَّةٌ ونَحْوَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنّا نَسِيناكُمْ﴾ سَمّى العُقُوبَةَ بِاسْمِ الذَنْبِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِتَكَسُّبِكُمُ الآثامَ.
ثُمَّ أثْنى عَزَّ وجَلَّ عَلى القَوْمِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ، ووَصْفَهم بِالصِفَةِ الحَسَنَةِ، بِسُجُودِهِمْ عِنْدَ التَذْكِيرِ وتَسْبِيحِهِمْ وعَدَمِ اسْتِكْبارِهِمْ، بِخِلافِ ما يَصْنَعُ الكُفْرُ مِنَ الإعْراضِ عِنْدَ التَذْكِيرِ، وقَوْلِ الهُجْرِ، وإظْهارِ التَكَبُّرِ، وهَذِهِ السَجْدَةُ مِن عَزائِمِ السَجْدَةِ في القُرْآنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: السُجُودُ هُنا بِمَعْنى الرُكُوعِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، ومُجاهِدٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ (p-٧٥)خَرَجُوا مِنَ المَسْجِدِ، فَكَأنَّ الرُكُوعَ يُقْصَدُ مِن هَذا، ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، وأيْضًا فَمِن مَذْهَبِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ القارِئَ لِلسَّجْدَةِ يَرْكَعُ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤].
السجدة 32:14
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والناسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا إنّا نَسِيناكم وذُوقُوا (p-٧٤)عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "لَوْ تَرى" تَعْجِيبٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ مِن حالِ الكَفَرَةِ وما حَلَّ بِهِمْ. وجَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ حَذْفَهُ أهْوَلُ؛ إذْ يَتْرُكُ الإنْسانُ فِيهِ مَعَ أقْصى تَخَيُّلُهُ. و"المُجْرِمُونَ" هُمُ الكافِرُونَ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنّا مُوقِنُونَ﴾، أيْ أنَّهم كانُوا في الدُنْيا غَيْرَ مُوقِنِينَ. و"تَنْكِيسُ الرُؤُوسِ" هو مِنَ الهَوْلِ والذُلِّ واليَأْسِ والهَمِّ بِحُلُولِ العَذابِ وتَعَلُّقِ نُفُوسِهِمْ بِالرَجْعَةِ إلى الدُنْيا، وفي القَوْلِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُونَ رَبَّنا، وقَوْلُهُمْ: ﴿أبْصَرْنا وسَمِعْنا﴾ أيْ: ما كُنّا نُخْبَرُ بِهِ في الدُنْيا فَكُنّا مُكَذِّبِينَ بِهِ، ثُمَّ طَلَبُوا الرَجْعَةَ حِينَ لا يَنْفَعُ ذَلِكَ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى عن نَفْسِهِ أنَّهُ لَوْ شاءَ لَهَدى الناسَ أجْمَعِينَ، أيْ: يَلْطُفُ بِهِمْ لُطْفًا يُؤْمِنُونَ بِهِ ويَخْتَرِعُ الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ. هَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ آيَةٌ يَضْطَرُّهم بِها إلى الإيمانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلُ بَعْضِ المُعْتَزِلَةِ، إلّا أنَّ مَن أشَرْنا إلَيْهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ لَمْ يَدْرِ قَدَرَ القَوْلِ ولا مَغْزاهُ ولِذَلِكَ حَكاهُ، والَّذِي يَقُودُ المُعْتَزِلَةَ إلى هَذِهِ المَقالَةِ أنَّهم يَرَوْنَ أنَّ مَن يَقْدِرُ عَلى اللُطْفِ بِإنْسانٍ حَتّى يُؤْمِنَ ولا يَفْعَلَ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ ولا مِنَ الأمْرِ المُسْتَقِيمِ، والكَلامُ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ يَطُولُ ولَهُ تَوالِيفُهُ، و"الجِنَّةِ" الشَياطِينُ.
وقَوْلُهُ: "فَذُوقُوا العَذابَ" بِمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا، و"نَسِيتُمْ" مَعْناهُ: تَرَكْتُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرُهُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ مُضافٌ تَقْدِيرُهُ: عَمَلٌ، أو عِدَّةٌ ونَحْوَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنّا نَسِيناكُمْ﴾ سَمّى العُقُوبَةَ بِاسْمِ الذَنْبِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِتَكَسُّبِكُمُ الآثامَ.
ثُمَّ أثْنى عَزَّ وجَلَّ عَلى القَوْمِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ، ووَصْفَهم بِالصِفَةِ الحَسَنَةِ، بِسُجُودِهِمْ عِنْدَ التَذْكِيرِ وتَسْبِيحِهِمْ وعَدَمِ اسْتِكْبارِهِمْ، بِخِلافِ ما يَصْنَعُ الكُفْرُ مِنَ الإعْراضِ عِنْدَ التَذْكِيرِ، وقَوْلِ الهُجْرِ، وإظْهارِ التَكَبُّرِ، وهَذِهِ السَجْدَةُ مِن عَزائِمِ السَجْدَةِ في القُرْآنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: السُجُودُ هُنا بِمَعْنى الرُكُوعِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، ومُجاهِدٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ (p-٧٥)خَرَجُوا مِنَ المَسْجِدِ، فَكَأنَّ الرُكُوعَ يُقْصَدُ مِن هَذا، ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، وأيْضًا فَمِن مَذْهَبِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ القارِئَ لِلسَّجْدَةِ يَرْكَعُ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤].
السجدة 32:15
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والناسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا إنّا نَسِيناكم وذُوقُوا (p-٧٤)عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "لَوْ تَرى" تَعْجِيبٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ مِن حالِ الكَفَرَةِ وما حَلَّ بِهِمْ. وجَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ حَذْفَهُ أهْوَلُ؛ إذْ يَتْرُكُ الإنْسانُ فِيهِ مَعَ أقْصى تَخَيُّلُهُ. و"المُجْرِمُونَ" هُمُ الكافِرُونَ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنّا مُوقِنُونَ﴾، أيْ أنَّهم كانُوا في الدُنْيا غَيْرَ مُوقِنِينَ. و"تَنْكِيسُ الرُؤُوسِ" هو مِنَ الهَوْلِ والذُلِّ واليَأْسِ والهَمِّ بِحُلُولِ العَذابِ وتَعَلُّقِ نُفُوسِهِمْ بِالرَجْعَةِ إلى الدُنْيا، وفي القَوْلِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُونَ رَبَّنا، وقَوْلُهُمْ: ﴿أبْصَرْنا وسَمِعْنا﴾ أيْ: ما كُنّا نُخْبَرُ بِهِ في الدُنْيا فَكُنّا مُكَذِّبِينَ بِهِ، ثُمَّ طَلَبُوا الرَجْعَةَ حِينَ لا يَنْفَعُ ذَلِكَ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى عن نَفْسِهِ أنَّهُ لَوْ شاءَ لَهَدى الناسَ أجْمَعِينَ، أيْ: يَلْطُفُ بِهِمْ لُطْفًا يُؤْمِنُونَ بِهِ ويَخْتَرِعُ الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ. هَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ آيَةٌ يَضْطَرُّهم بِها إلى الإيمانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلُ بَعْضِ المُعْتَزِلَةِ، إلّا أنَّ مَن أشَرْنا إلَيْهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ لَمْ يَدْرِ قَدَرَ القَوْلِ ولا مَغْزاهُ ولِذَلِكَ حَكاهُ، والَّذِي يَقُودُ المُعْتَزِلَةَ إلى هَذِهِ المَقالَةِ أنَّهم يَرَوْنَ أنَّ مَن يَقْدِرُ عَلى اللُطْفِ بِإنْسانٍ حَتّى يُؤْمِنَ ولا يَفْعَلَ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ ولا مِنَ الأمْرِ المُسْتَقِيمِ، والكَلامُ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ يَطُولُ ولَهُ تَوالِيفُهُ، و"الجِنَّةِ" الشَياطِينُ.
وقَوْلُهُ: "فَذُوقُوا العَذابَ" بِمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا، و"نَسِيتُمْ" مَعْناهُ: تَرَكْتُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرُهُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ مُضافٌ تَقْدِيرُهُ: عَمَلٌ، أو عِدَّةٌ ونَحْوَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنّا نَسِيناكُمْ﴾ سَمّى العُقُوبَةَ بِاسْمِ الذَنْبِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِتَكَسُّبِكُمُ الآثامَ.
ثُمَّ أثْنى عَزَّ وجَلَّ عَلى القَوْمِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ، ووَصْفَهم بِالصِفَةِ الحَسَنَةِ، بِسُجُودِهِمْ عِنْدَ التَذْكِيرِ وتَسْبِيحِهِمْ وعَدَمِ اسْتِكْبارِهِمْ، بِخِلافِ ما يَصْنَعُ الكُفْرُ مِنَ الإعْراضِ عِنْدَ التَذْكِيرِ، وقَوْلِ الهُجْرِ، وإظْهارِ التَكَبُّرِ، وهَذِهِ السَجْدَةُ مِن عَزائِمِ السَجْدَةِ في القُرْآنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: السُجُودُ هُنا بِمَعْنى الرُكُوعِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، ومُجاهِدٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ (p-٧٥)خَرَجُوا مِنَ المَسْجِدِ، فَكَأنَّ الرُكُوعَ يُقْصَدُ مِن هَذا، ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، وأيْضًا فَمِن مَذْهَبِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ القارِئَ لِلسَّجْدَةِ يَرْكَعُ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤].
السجدة 32:16
قوله عزّ وجلّ:
﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى نُزُلا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النارُ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
جَفا الرَجُلُ المَوْضِعَ: إذا تَرَكَهُ، وتَجافى الجَنْبُ عن مَضْجَعِهِ: إذا تَرَكَهُ، وجافى الرَجُلُ جَنْبَهُ عن مَضْجَعِهِ، وفي الحَدِيثِ: "يُجافِي بِعَضُدَيْهِ عن جَنْبَيْهِ" أيْ يُبْعِدُهُما عن بَدَنِهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ﴾ أيْ تَبْتَعِدُ وتَزُولُ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَواحَةَ:
؎ نَبِيٌّ تَجافى جَنْبُهُ عن فِراشِهِ ∗∗∗ إذا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ
ويُرْوى: "يَبِيتُ يُجافِي"، قالَ الزَجّاجُ، والرُمّانِيُّ: التَجافِي: التَنَحِّي إلى جِهَةٍ فَوْقَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وكَذَلِكَ هو في الصَفْحِ عَنِ المُخْطِئِ في سَبٍّ ونَحْوَهُ. (p-٧٦)وَ"الجُنُوبُ": جَمْعُ جَنْبٍ، و"المَضاجِعُ": مَوْضِعُ الِاضْطِجاعِ لِلنَّوْمِ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: أرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ الصَلاةَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، وقالَ عَطاءُ، وأبُو سَلَمَةَ: أرادَ صَلاةَ العِشاءِ الآخِرَةَ.
وقالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ يَنامُونَ مِن أوَّلِ الغُرُوبِ، ومِن أيِّ وقْتٍ شاءَ الإنْسانُ، فَجاءَ انْتِظارُ وقْتِ العَشاءِ الآخِرَةِ غَرِيبًا شاقًّا، وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ أيْضًا: أرادَ انْتِظارَ العِشاءِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يُؤَخِّرُها إلى نَحْوِ ثُلْثِ اللَيْلِ، وفي ذَلِكَ أحادِيثٌ كَثِيرَةٌ. وقالَ الضَحّاكُ: "تَجافِي الجَنْبِ هو أنْ يُصَلِّيَ الرَجُلُ العِشاءَ والصُبْحَ في جَماعَةٍ". وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، يُساعِدُهُ لَفْظُ الآيَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أرادَ بِهَذا التَجافِي صَلاةَ النَوافِلِ بِاللَيْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وعَلى هَذا التَأْوِيلِ أكْثَرُ الناسِ، وهو الَّذِي فِيهِ المَدْحُ، وفِيهِ أحادِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ يَذْكُرُ قِيامَ اللَيْلِ ثُمَّ يَسْتَشْهِدُ بِالآيَةِ. ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عن مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
(p-٧٧)وَرَجَّحَ الزَجّاجُ هَذا القَوْلَ بِأنَّهم جَوُّزُوا بِإجْفاءٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ العَمَلَ إجْفاءٌ أيْضًا هو قِيامُ اللَيْلِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "يَدْعُونَ"﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَوْصُوفِينَ، أيْ وقْتَ التَجافِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ مُسْتَأْنِفَةً، أيْ: تَتَجافى جُنُوبُهم وهم أيْضًا في كُلِّ أحْوالِهِمْ يَدْعُونَ لَيْلَهم ونَهارَهُمْ، و"الخَوْفُ" مِن عَذابِ اللهِ، و"الطَمَعُ" في ثَوابِ اللهِ. و"يُنْفِقُونَ" قِيلَ: مَعْناهُ: الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ، وقِيلَ: النَوافِلُ والصَدَقاتُ غَيْرُ المَفْرُوضَةِ، وهَذا القَوْلُ أمْدَحُ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى وعْدَهم مِنَ النَعِيمِ بِما لَمْ تَعْلَمْهُ نَفْسٌ ولا بَشَرٌ ولا مَلَكٌ.
وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "أُخْفِي" بِسُكُونِ الياءِ، كَأنَّهُ قالَ: "أُخْفِي أنا"، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، ورُوِيَ عنهُ: "ما أخْفَيْتُ لَهم مِن قُرّاتِ أعْيُ"، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ: "ما نُخْفِي لَهُمْ" بِالنُونِ مَضْمُومَةً، ورَوى المُفَضَّلُ عَنِ الأعْمَشِ: "ما يُخْفى لَهُمْ" بِالياءِ المَضْمُومَةِ وفَتَحِ الفاءِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: "ما أخْفى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ: ما أخْفى اللهُ لَهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، و"ما" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى فَثَمَّ ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أُخْفِيهِ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فالضَمِيرُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجْرِي في العَوْدَةِ عَلى "الَّذِي"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ"أُخْفِيَ"، وعَلى القِراءَةِ الثانِيَةِ هي في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ.
(p-٧٨)وَ"قُرَّةُ العَيْنِ": ما تُلِذُّهُ وتَشْتَهِيهِ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ القَرِّ، كَما أنَّ "سُخْنَةَ العَيْنِ" مَأْخُوذَةٌ مِنَ السَخانَةِ، وأصْلُ هَذا - فِيما يَزْعُمُونَ - أنَّ دَمْعَ الفَرَحِ بارِدٌ، ودَمْعُ الحُزْنِ سُخْنٌ.
وفِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، واقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ ".﴾» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فِي التَوْراةِ مَكْتُوبٌ: عَلى اللهِ لِلَّذِينِ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ". وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "قُرّاتِ" عَلى الجَمْعِ. وقَوْلُهُ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، أيْ: بِتَكَسُّبِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا﴾ الآيَةُ. رُوِيَ عن عَطاءِ بْنِ يَسارٍ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: والوَلِيدُ بْنُ عَقَبَةَ بْنُ أبِي مُعَيَّطٍ، وذَلِكَ أنَّهُما تَلاحَنا، فَقالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اسْكُتْ فَإنَّكَ فاسِقٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وذَكَرَ الزَجّاجُ، والنَحاسُ، وغَيْرُهُما أنَّها نَزَلَتْ في عَلَيٍّ وعَقَبَةَ بْنِ أبِي مِعْيَطٍ، وعَلى هَذا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَكِّيَّةً، لِأنَّ عُقْبَةَ لَمْ يَكُنْ بِالمَدِينَةِ، وإنَّما قُتِلَ في طَرِيقِ مَكَّةَ مُنْصَرِفُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن بَدْرٍ، ويَعْتَرِضُ القَوْلُ الآخَرُ بِإطْلاقِ اسْمِ الفِسْقِ عَلى الوَلِيدِ، وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في صَدْرِ إسْلامِ الوَلِيدِ لِشَيْءٍ كانَ في نَفْسِهِ، أو لِما رُوِيَ مِن نَقْلِهِ عن بَنِي المُصْطَلَقِ ما لَمْ يَكُنْ حَتّى نَزَلَتْ فِيهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ تُطْلِقَ الشَرِيعَةُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ كانَ عَلى طَرَفٍ مِمّا يَبْغِي، وهو الَّذِي شَرِبَ الخَمْرَ في (p-٧٩)خِلافَةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وصَلّى الصُبْحَ بِالناسِ أرْبَعًا، ثُمَّ التَفَتَ وقالَ: أتُرِيدُونَ أنْ أزِيدَكُمْ؟ ونَحْوَ هَذا مِمّا يَطُولُ ذِكْرُهُ.
ثُمَّ قَسَّمَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ والفاسِقِينَ الَّذِينَ فَسَّقَهم بِالكُفْرِ؛ لِأنَّ التَكْذِيبَ الَّذِي في آخِرِ الآيَةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "جَنَّةُ" بِالإفْرادِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "نَزَلا" بِإسْكانِ الزايِ، والجُمْهُورُ عَلى ضَمِّها، وسائِرُ باقِي الآيَةِ بَيَّنٌ.
السجدة 32:17
قوله عزّ وجلّ:
﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى نُزُلا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النارُ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
جَفا الرَجُلُ المَوْضِعَ: إذا تَرَكَهُ، وتَجافى الجَنْبُ عن مَضْجَعِهِ: إذا تَرَكَهُ، وجافى الرَجُلُ جَنْبَهُ عن مَضْجَعِهِ، وفي الحَدِيثِ: "يُجافِي بِعَضُدَيْهِ عن جَنْبَيْهِ" أيْ يُبْعِدُهُما عن بَدَنِهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ﴾ أيْ تَبْتَعِدُ وتَزُولُ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَواحَةَ:
؎ نَبِيٌّ تَجافى جَنْبُهُ عن فِراشِهِ ∗∗∗ إذا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ
ويُرْوى: "يَبِيتُ يُجافِي"، قالَ الزَجّاجُ، والرُمّانِيُّ: التَجافِي: التَنَحِّي إلى جِهَةٍ فَوْقَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وكَذَلِكَ هو في الصَفْحِ عَنِ المُخْطِئِ في سَبٍّ ونَحْوَهُ. (p-٧٦)وَ"الجُنُوبُ": جَمْعُ جَنْبٍ، و"المَضاجِعُ": مَوْضِعُ الِاضْطِجاعِ لِلنَّوْمِ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: أرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ الصَلاةَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، وقالَ عَطاءُ، وأبُو سَلَمَةَ: أرادَ صَلاةَ العِشاءِ الآخِرَةَ.
وقالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ يَنامُونَ مِن أوَّلِ الغُرُوبِ، ومِن أيِّ وقْتٍ شاءَ الإنْسانُ، فَجاءَ انْتِظارُ وقْتِ العَشاءِ الآخِرَةِ غَرِيبًا شاقًّا، وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ أيْضًا: أرادَ انْتِظارَ العِشاءِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يُؤَخِّرُها إلى نَحْوِ ثُلْثِ اللَيْلِ، وفي ذَلِكَ أحادِيثٌ كَثِيرَةٌ. وقالَ الضَحّاكُ: "تَجافِي الجَنْبِ هو أنْ يُصَلِّيَ الرَجُلُ العِشاءَ والصُبْحَ في جَماعَةٍ". وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، يُساعِدُهُ لَفْظُ الآيَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أرادَ بِهَذا التَجافِي صَلاةَ النَوافِلِ بِاللَيْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وعَلى هَذا التَأْوِيلِ أكْثَرُ الناسِ، وهو الَّذِي فِيهِ المَدْحُ، وفِيهِ أحادِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ يَذْكُرُ قِيامَ اللَيْلِ ثُمَّ يَسْتَشْهِدُ بِالآيَةِ. ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عن مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
(p-٧٧)وَرَجَّحَ الزَجّاجُ هَذا القَوْلَ بِأنَّهم جَوُّزُوا بِإجْفاءٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ العَمَلَ إجْفاءٌ أيْضًا هو قِيامُ اللَيْلِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "يَدْعُونَ"﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَوْصُوفِينَ، أيْ وقْتَ التَجافِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ مُسْتَأْنِفَةً، أيْ: تَتَجافى جُنُوبُهم وهم أيْضًا في كُلِّ أحْوالِهِمْ يَدْعُونَ لَيْلَهم ونَهارَهُمْ، و"الخَوْفُ" مِن عَذابِ اللهِ، و"الطَمَعُ" في ثَوابِ اللهِ. و"يُنْفِقُونَ" قِيلَ: مَعْناهُ: الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ، وقِيلَ: النَوافِلُ والصَدَقاتُ غَيْرُ المَفْرُوضَةِ، وهَذا القَوْلُ أمْدَحُ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى وعْدَهم مِنَ النَعِيمِ بِما لَمْ تَعْلَمْهُ نَفْسٌ ولا بَشَرٌ ولا مَلَكٌ.
وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "أُخْفِي" بِسُكُونِ الياءِ، كَأنَّهُ قالَ: "أُخْفِي أنا"، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، ورُوِيَ عنهُ: "ما أخْفَيْتُ لَهم مِن قُرّاتِ أعْيُ"، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ: "ما نُخْفِي لَهُمْ" بِالنُونِ مَضْمُومَةً، ورَوى المُفَضَّلُ عَنِ الأعْمَشِ: "ما يُخْفى لَهُمْ" بِالياءِ المَضْمُومَةِ وفَتَحِ الفاءِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: "ما أخْفى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ: ما أخْفى اللهُ لَهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، و"ما" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى فَثَمَّ ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أُخْفِيهِ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فالضَمِيرُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجْرِي في العَوْدَةِ عَلى "الَّذِي"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ"أُخْفِيَ"، وعَلى القِراءَةِ الثانِيَةِ هي في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ.
(p-٧٨)وَ"قُرَّةُ العَيْنِ": ما تُلِذُّهُ وتَشْتَهِيهِ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ القَرِّ، كَما أنَّ "سُخْنَةَ العَيْنِ" مَأْخُوذَةٌ مِنَ السَخانَةِ، وأصْلُ هَذا - فِيما يَزْعُمُونَ - أنَّ دَمْعَ الفَرَحِ بارِدٌ، ودَمْعُ الحُزْنِ سُخْنٌ.
وفِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، واقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ ".﴾» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فِي التَوْراةِ مَكْتُوبٌ: عَلى اللهِ لِلَّذِينِ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ". وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "قُرّاتِ" عَلى الجَمْعِ. وقَوْلُهُ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، أيْ: بِتَكَسُّبِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا﴾ الآيَةُ. رُوِيَ عن عَطاءِ بْنِ يَسارٍ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: والوَلِيدُ بْنُ عَقَبَةَ بْنُ أبِي مُعَيَّطٍ، وذَلِكَ أنَّهُما تَلاحَنا، فَقالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اسْكُتْ فَإنَّكَ فاسِقٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وذَكَرَ الزَجّاجُ، والنَحاسُ، وغَيْرُهُما أنَّها نَزَلَتْ في عَلَيٍّ وعَقَبَةَ بْنِ أبِي مِعْيَطٍ، وعَلى هَذا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَكِّيَّةً، لِأنَّ عُقْبَةَ لَمْ يَكُنْ بِالمَدِينَةِ، وإنَّما قُتِلَ في طَرِيقِ مَكَّةَ مُنْصَرِفُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن بَدْرٍ، ويَعْتَرِضُ القَوْلُ الآخَرُ بِإطْلاقِ اسْمِ الفِسْقِ عَلى الوَلِيدِ، وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في صَدْرِ إسْلامِ الوَلِيدِ لِشَيْءٍ كانَ في نَفْسِهِ، أو لِما رُوِيَ مِن نَقْلِهِ عن بَنِي المُصْطَلَقِ ما لَمْ يَكُنْ حَتّى نَزَلَتْ فِيهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ تُطْلِقَ الشَرِيعَةُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ كانَ عَلى طَرَفٍ مِمّا يَبْغِي، وهو الَّذِي شَرِبَ الخَمْرَ في (p-٧٩)خِلافَةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وصَلّى الصُبْحَ بِالناسِ أرْبَعًا، ثُمَّ التَفَتَ وقالَ: أتُرِيدُونَ أنْ أزِيدَكُمْ؟ ونَحْوَ هَذا مِمّا يَطُولُ ذِكْرُهُ.
ثُمَّ قَسَّمَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ والفاسِقِينَ الَّذِينَ فَسَّقَهم بِالكُفْرِ؛ لِأنَّ التَكْذِيبَ الَّذِي في آخِرِ الآيَةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "جَنَّةُ" بِالإفْرادِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "نَزَلا" بِإسْكانِ الزايِ، والجُمْهُورُ عَلى ضَمِّها، وسائِرُ باقِي الآيَةِ بَيَّنٌ.
السجدة 32:18
قوله عزّ وجلّ:
﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى نُزُلا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النارُ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
جَفا الرَجُلُ المَوْضِعَ: إذا تَرَكَهُ، وتَجافى الجَنْبُ عن مَضْجَعِهِ: إذا تَرَكَهُ، وجافى الرَجُلُ جَنْبَهُ عن مَضْجَعِهِ، وفي الحَدِيثِ: "يُجافِي بِعَضُدَيْهِ عن جَنْبَيْهِ" أيْ يُبْعِدُهُما عن بَدَنِهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ﴾ أيْ تَبْتَعِدُ وتَزُولُ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَواحَةَ:
؎ نَبِيٌّ تَجافى جَنْبُهُ عن فِراشِهِ ∗∗∗ إذا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ
ويُرْوى: "يَبِيتُ يُجافِي"، قالَ الزَجّاجُ، والرُمّانِيُّ: التَجافِي: التَنَحِّي إلى جِهَةٍ فَوْقَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وكَذَلِكَ هو في الصَفْحِ عَنِ المُخْطِئِ في سَبٍّ ونَحْوَهُ. (p-٧٦)وَ"الجُنُوبُ": جَمْعُ جَنْبٍ، و"المَضاجِعُ": مَوْضِعُ الِاضْطِجاعِ لِلنَّوْمِ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: أرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ الصَلاةَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، وقالَ عَطاءُ، وأبُو سَلَمَةَ: أرادَ صَلاةَ العِشاءِ الآخِرَةَ.
وقالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ يَنامُونَ مِن أوَّلِ الغُرُوبِ، ومِن أيِّ وقْتٍ شاءَ الإنْسانُ، فَجاءَ انْتِظارُ وقْتِ العَشاءِ الآخِرَةِ غَرِيبًا شاقًّا، وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ أيْضًا: أرادَ انْتِظارَ العِشاءِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يُؤَخِّرُها إلى نَحْوِ ثُلْثِ اللَيْلِ، وفي ذَلِكَ أحادِيثٌ كَثِيرَةٌ. وقالَ الضَحّاكُ: "تَجافِي الجَنْبِ هو أنْ يُصَلِّيَ الرَجُلُ العِشاءَ والصُبْحَ في جَماعَةٍ". وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، يُساعِدُهُ لَفْظُ الآيَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أرادَ بِهَذا التَجافِي صَلاةَ النَوافِلِ بِاللَيْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وعَلى هَذا التَأْوِيلِ أكْثَرُ الناسِ، وهو الَّذِي فِيهِ المَدْحُ، وفِيهِ أحادِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ يَذْكُرُ قِيامَ اللَيْلِ ثُمَّ يَسْتَشْهِدُ بِالآيَةِ. ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عن مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
(p-٧٧)وَرَجَّحَ الزَجّاجُ هَذا القَوْلَ بِأنَّهم جَوُّزُوا بِإجْفاءٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ العَمَلَ إجْفاءٌ أيْضًا هو قِيامُ اللَيْلِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "يَدْعُونَ"﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَوْصُوفِينَ، أيْ وقْتَ التَجافِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ مُسْتَأْنِفَةً، أيْ: تَتَجافى جُنُوبُهم وهم أيْضًا في كُلِّ أحْوالِهِمْ يَدْعُونَ لَيْلَهم ونَهارَهُمْ، و"الخَوْفُ" مِن عَذابِ اللهِ، و"الطَمَعُ" في ثَوابِ اللهِ. و"يُنْفِقُونَ" قِيلَ: مَعْناهُ: الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ، وقِيلَ: النَوافِلُ والصَدَقاتُ غَيْرُ المَفْرُوضَةِ، وهَذا القَوْلُ أمْدَحُ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى وعْدَهم مِنَ النَعِيمِ بِما لَمْ تَعْلَمْهُ نَفْسٌ ولا بَشَرٌ ولا مَلَكٌ.
وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "أُخْفِي" بِسُكُونِ الياءِ، كَأنَّهُ قالَ: "أُخْفِي أنا"، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، ورُوِيَ عنهُ: "ما أخْفَيْتُ لَهم مِن قُرّاتِ أعْيُ"، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ: "ما نُخْفِي لَهُمْ" بِالنُونِ مَضْمُومَةً، ورَوى المُفَضَّلُ عَنِ الأعْمَشِ: "ما يُخْفى لَهُمْ" بِالياءِ المَضْمُومَةِ وفَتَحِ الفاءِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: "ما أخْفى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ: ما أخْفى اللهُ لَهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، و"ما" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى فَثَمَّ ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أُخْفِيهِ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فالضَمِيرُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجْرِي في العَوْدَةِ عَلى "الَّذِي"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ"أُخْفِيَ"، وعَلى القِراءَةِ الثانِيَةِ هي في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ.
(p-٧٨)وَ"قُرَّةُ العَيْنِ": ما تُلِذُّهُ وتَشْتَهِيهِ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ القَرِّ، كَما أنَّ "سُخْنَةَ العَيْنِ" مَأْخُوذَةٌ مِنَ السَخانَةِ، وأصْلُ هَذا - فِيما يَزْعُمُونَ - أنَّ دَمْعَ الفَرَحِ بارِدٌ، ودَمْعُ الحُزْنِ سُخْنٌ.
وفِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، واقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ ".﴾» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فِي التَوْراةِ مَكْتُوبٌ: عَلى اللهِ لِلَّذِينِ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ". وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "قُرّاتِ" عَلى الجَمْعِ. وقَوْلُهُ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، أيْ: بِتَكَسُّبِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا﴾ الآيَةُ. رُوِيَ عن عَطاءِ بْنِ يَسارٍ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: والوَلِيدُ بْنُ عَقَبَةَ بْنُ أبِي مُعَيَّطٍ، وذَلِكَ أنَّهُما تَلاحَنا، فَقالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اسْكُتْ فَإنَّكَ فاسِقٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وذَكَرَ الزَجّاجُ، والنَحاسُ، وغَيْرُهُما أنَّها نَزَلَتْ في عَلَيٍّ وعَقَبَةَ بْنِ أبِي مِعْيَطٍ، وعَلى هَذا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَكِّيَّةً، لِأنَّ عُقْبَةَ لَمْ يَكُنْ بِالمَدِينَةِ، وإنَّما قُتِلَ في طَرِيقِ مَكَّةَ مُنْصَرِفُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن بَدْرٍ، ويَعْتَرِضُ القَوْلُ الآخَرُ بِإطْلاقِ اسْمِ الفِسْقِ عَلى الوَلِيدِ، وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في صَدْرِ إسْلامِ الوَلِيدِ لِشَيْءٍ كانَ في نَفْسِهِ، أو لِما رُوِيَ مِن نَقْلِهِ عن بَنِي المُصْطَلَقِ ما لَمْ يَكُنْ حَتّى نَزَلَتْ فِيهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ تُطْلِقَ الشَرِيعَةُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ كانَ عَلى طَرَفٍ مِمّا يَبْغِي، وهو الَّذِي شَرِبَ الخَمْرَ في (p-٧٩)خِلافَةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وصَلّى الصُبْحَ بِالناسِ أرْبَعًا، ثُمَّ التَفَتَ وقالَ: أتُرِيدُونَ أنْ أزِيدَكُمْ؟ ونَحْوَ هَذا مِمّا يَطُولُ ذِكْرُهُ.
ثُمَّ قَسَّمَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ والفاسِقِينَ الَّذِينَ فَسَّقَهم بِالكُفْرِ؛ لِأنَّ التَكْذِيبَ الَّذِي في آخِرِ الآيَةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "جَنَّةُ" بِالإفْرادِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "نَزَلا" بِإسْكانِ الزايِ، والجُمْهُورُ عَلى ضَمِّها، وسائِرُ باقِي الآيَةِ بَيَّنٌ.
السجدة 32:19
قوله عزّ وجلّ:
﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى نُزُلا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النارُ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
جَفا الرَجُلُ المَوْضِعَ: إذا تَرَكَهُ، وتَجافى الجَنْبُ عن مَضْجَعِهِ: إذا تَرَكَهُ، وجافى الرَجُلُ جَنْبَهُ عن مَضْجَعِهِ، وفي الحَدِيثِ: "يُجافِي بِعَضُدَيْهِ عن جَنْبَيْهِ" أيْ يُبْعِدُهُما عن بَدَنِهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ﴾ أيْ تَبْتَعِدُ وتَزُولُ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَواحَةَ:
؎ نَبِيٌّ تَجافى جَنْبُهُ عن فِراشِهِ ∗∗∗ إذا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ
ويُرْوى: "يَبِيتُ يُجافِي"، قالَ الزَجّاجُ، والرُمّانِيُّ: التَجافِي: التَنَحِّي إلى جِهَةٍ فَوْقَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وكَذَلِكَ هو في الصَفْحِ عَنِ المُخْطِئِ في سَبٍّ ونَحْوَهُ. (p-٧٦)وَ"الجُنُوبُ": جَمْعُ جَنْبٍ، و"المَضاجِعُ": مَوْضِعُ الِاضْطِجاعِ لِلنَّوْمِ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: أرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ الصَلاةَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، وقالَ عَطاءُ، وأبُو سَلَمَةَ: أرادَ صَلاةَ العِشاءِ الآخِرَةَ.
وقالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ يَنامُونَ مِن أوَّلِ الغُرُوبِ، ومِن أيِّ وقْتٍ شاءَ الإنْسانُ، فَجاءَ انْتِظارُ وقْتِ العَشاءِ الآخِرَةِ غَرِيبًا شاقًّا، وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ أيْضًا: أرادَ انْتِظارَ العِشاءِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يُؤَخِّرُها إلى نَحْوِ ثُلْثِ اللَيْلِ، وفي ذَلِكَ أحادِيثٌ كَثِيرَةٌ. وقالَ الضَحّاكُ: "تَجافِي الجَنْبِ هو أنْ يُصَلِّيَ الرَجُلُ العِشاءَ والصُبْحَ في جَماعَةٍ". وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، يُساعِدُهُ لَفْظُ الآيَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أرادَ بِهَذا التَجافِي صَلاةَ النَوافِلِ بِاللَيْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وعَلى هَذا التَأْوِيلِ أكْثَرُ الناسِ، وهو الَّذِي فِيهِ المَدْحُ، وفِيهِ أحادِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ يَذْكُرُ قِيامَ اللَيْلِ ثُمَّ يَسْتَشْهِدُ بِالآيَةِ. ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عن مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
(p-٧٧)وَرَجَّحَ الزَجّاجُ هَذا القَوْلَ بِأنَّهم جَوُّزُوا بِإجْفاءٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ العَمَلَ إجْفاءٌ أيْضًا هو قِيامُ اللَيْلِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "يَدْعُونَ"﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَوْصُوفِينَ، أيْ وقْتَ التَجافِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ مُسْتَأْنِفَةً، أيْ: تَتَجافى جُنُوبُهم وهم أيْضًا في كُلِّ أحْوالِهِمْ يَدْعُونَ لَيْلَهم ونَهارَهُمْ، و"الخَوْفُ" مِن عَذابِ اللهِ، و"الطَمَعُ" في ثَوابِ اللهِ. و"يُنْفِقُونَ" قِيلَ: مَعْناهُ: الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ، وقِيلَ: النَوافِلُ والصَدَقاتُ غَيْرُ المَفْرُوضَةِ، وهَذا القَوْلُ أمْدَحُ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى وعْدَهم مِنَ النَعِيمِ بِما لَمْ تَعْلَمْهُ نَفْسٌ ولا بَشَرٌ ولا مَلَكٌ.
وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "أُخْفِي" بِسُكُونِ الياءِ، كَأنَّهُ قالَ: "أُخْفِي أنا"، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، ورُوِيَ عنهُ: "ما أخْفَيْتُ لَهم مِن قُرّاتِ أعْيُ"، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ: "ما نُخْفِي لَهُمْ" بِالنُونِ مَضْمُومَةً، ورَوى المُفَضَّلُ عَنِ الأعْمَشِ: "ما يُخْفى لَهُمْ" بِالياءِ المَضْمُومَةِ وفَتَحِ الفاءِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: "ما أخْفى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ: ما أخْفى اللهُ لَهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، و"ما" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى فَثَمَّ ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أُخْفِيهِ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فالضَمِيرُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجْرِي في العَوْدَةِ عَلى "الَّذِي"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ"أُخْفِيَ"، وعَلى القِراءَةِ الثانِيَةِ هي في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ.
(p-٧٨)وَ"قُرَّةُ العَيْنِ": ما تُلِذُّهُ وتَشْتَهِيهِ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ القَرِّ، كَما أنَّ "سُخْنَةَ العَيْنِ" مَأْخُوذَةٌ مِنَ السَخانَةِ، وأصْلُ هَذا - فِيما يَزْعُمُونَ - أنَّ دَمْعَ الفَرَحِ بارِدٌ، ودَمْعُ الحُزْنِ سُخْنٌ.
وفِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، واقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ ".﴾» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فِي التَوْراةِ مَكْتُوبٌ: عَلى اللهِ لِلَّذِينِ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ". وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "قُرّاتِ" عَلى الجَمْعِ. وقَوْلُهُ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، أيْ: بِتَكَسُّبِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا﴾ الآيَةُ. رُوِيَ عن عَطاءِ بْنِ يَسارٍ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: والوَلِيدُ بْنُ عَقَبَةَ بْنُ أبِي مُعَيَّطٍ، وذَلِكَ أنَّهُما تَلاحَنا، فَقالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اسْكُتْ فَإنَّكَ فاسِقٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وذَكَرَ الزَجّاجُ، والنَحاسُ، وغَيْرُهُما أنَّها نَزَلَتْ في عَلَيٍّ وعَقَبَةَ بْنِ أبِي مِعْيَطٍ، وعَلى هَذا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَكِّيَّةً، لِأنَّ عُقْبَةَ لَمْ يَكُنْ بِالمَدِينَةِ، وإنَّما قُتِلَ في طَرِيقِ مَكَّةَ مُنْصَرِفُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن بَدْرٍ، ويَعْتَرِضُ القَوْلُ الآخَرُ بِإطْلاقِ اسْمِ الفِسْقِ عَلى الوَلِيدِ، وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في صَدْرِ إسْلامِ الوَلِيدِ لِشَيْءٍ كانَ في نَفْسِهِ، أو لِما رُوِيَ مِن نَقْلِهِ عن بَنِي المُصْطَلَقِ ما لَمْ يَكُنْ حَتّى نَزَلَتْ فِيهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ تُطْلِقَ الشَرِيعَةُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ كانَ عَلى طَرَفٍ مِمّا يَبْغِي، وهو الَّذِي شَرِبَ الخَمْرَ في (p-٧٩)خِلافَةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وصَلّى الصُبْحَ بِالناسِ أرْبَعًا، ثُمَّ التَفَتَ وقالَ: أتُرِيدُونَ أنْ أزِيدَكُمْ؟ ونَحْوَ هَذا مِمّا يَطُولُ ذِكْرُهُ.
ثُمَّ قَسَّمَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ والفاسِقِينَ الَّذِينَ فَسَّقَهم بِالكُفْرِ؛ لِأنَّ التَكْذِيبَ الَّذِي في آخِرِ الآيَةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "جَنَّةُ" بِالإفْرادِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "نَزَلا" بِإسْكانِ الزايِ، والجُمْهُورُ عَلى ضَمِّها، وسائِرُ باقِي الآيَةِ بَيَّنٌ.
السجدة 32:20
قوله عزّ وجلّ:
﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى نُزُلا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النارُ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
جَفا الرَجُلُ المَوْضِعَ: إذا تَرَكَهُ، وتَجافى الجَنْبُ عن مَضْجَعِهِ: إذا تَرَكَهُ، وجافى الرَجُلُ جَنْبَهُ عن مَضْجَعِهِ، وفي الحَدِيثِ: "يُجافِي بِعَضُدَيْهِ عن جَنْبَيْهِ" أيْ يُبْعِدُهُما عن بَدَنِهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ﴾ أيْ تَبْتَعِدُ وتَزُولُ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَواحَةَ:
؎ نَبِيٌّ تَجافى جَنْبُهُ عن فِراشِهِ ∗∗∗ إذا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ
ويُرْوى: "يَبِيتُ يُجافِي"، قالَ الزَجّاجُ، والرُمّانِيُّ: التَجافِي: التَنَحِّي إلى جِهَةٍ فَوْقَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وكَذَلِكَ هو في الصَفْحِ عَنِ المُخْطِئِ في سَبٍّ ونَحْوَهُ. (p-٧٦)وَ"الجُنُوبُ": جَمْعُ جَنْبٍ، و"المَضاجِعُ": مَوْضِعُ الِاضْطِجاعِ لِلنَّوْمِ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: أرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ الصَلاةَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، وقالَ عَطاءُ، وأبُو سَلَمَةَ: أرادَ صَلاةَ العِشاءِ الآخِرَةَ.
وقالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ يَنامُونَ مِن أوَّلِ الغُرُوبِ، ومِن أيِّ وقْتٍ شاءَ الإنْسانُ، فَجاءَ انْتِظارُ وقْتِ العَشاءِ الآخِرَةِ غَرِيبًا شاقًّا، وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ أيْضًا: أرادَ انْتِظارَ العِشاءِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يُؤَخِّرُها إلى نَحْوِ ثُلْثِ اللَيْلِ، وفي ذَلِكَ أحادِيثٌ كَثِيرَةٌ. وقالَ الضَحّاكُ: "تَجافِي الجَنْبِ هو أنْ يُصَلِّيَ الرَجُلُ العِشاءَ والصُبْحَ في جَماعَةٍ". وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، يُساعِدُهُ لَفْظُ الآيَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أرادَ بِهَذا التَجافِي صَلاةَ النَوافِلِ بِاللَيْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وعَلى هَذا التَأْوِيلِ أكْثَرُ الناسِ، وهو الَّذِي فِيهِ المَدْحُ، وفِيهِ أحادِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ يَذْكُرُ قِيامَ اللَيْلِ ثُمَّ يَسْتَشْهِدُ بِالآيَةِ. ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عن مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
(p-٧٧)وَرَجَّحَ الزَجّاجُ هَذا القَوْلَ بِأنَّهم جَوُّزُوا بِإجْفاءٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ العَمَلَ إجْفاءٌ أيْضًا هو قِيامُ اللَيْلِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "يَدْعُونَ"﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَوْصُوفِينَ، أيْ وقْتَ التَجافِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ مُسْتَأْنِفَةً، أيْ: تَتَجافى جُنُوبُهم وهم أيْضًا في كُلِّ أحْوالِهِمْ يَدْعُونَ لَيْلَهم ونَهارَهُمْ، و"الخَوْفُ" مِن عَذابِ اللهِ، و"الطَمَعُ" في ثَوابِ اللهِ. و"يُنْفِقُونَ" قِيلَ: مَعْناهُ: الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ، وقِيلَ: النَوافِلُ والصَدَقاتُ غَيْرُ المَفْرُوضَةِ، وهَذا القَوْلُ أمْدَحُ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى وعْدَهم مِنَ النَعِيمِ بِما لَمْ تَعْلَمْهُ نَفْسٌ ولا بَشَرٌ ولا مَلَكٌ.
وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "أُخْفِي" بِسُكُونِ الياءِ، كَأنَّهُ قالَ: "أُخْفِي أنا"، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، ورُوِيَ عنهُ: "ما أخْفَيْتُ لَهم مِن قُرّاتِ أعْيُ"، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ: "ما نُخْفِي لَهُمْ" بِالنُونِ مَضْمُومَةً، ورَوى المُفَضَّلُ عَنِ الأعْمَشِ: "ما يُخْفى لَهُمْ" بِالياءِ المَضْمُومَةِ وفَتَحِ الفاءِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: "ما أخْفى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ: ما أخْفى اللهُ لَهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، و"ما" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى فَثَمَّ ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أُخْفِيهِ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فالضَمِيرُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجْرِي في العَوْدَةِ عَلى "الَّذِي"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ"أُخْفِيَ"، وعَلى القِراءَةِ الثانِيَةِ هي في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ.
(p-٧٨)وَ"قُرَّةُ العَيْنِ": ما تُلِذُّهُ وتَشْتَهِيهِ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ القَرِّ، كَما أنَّ "سُخْنَةَ العَيْنِ" مَأْخُوذَةٌ مِنَ السَخانَةِ، وأصْلُ هَذا - فِيما يَزْعُمُونَ - أنَّ دَمْعَ الفَرَحِ بارِدٌ، ودَمْعُ الحُزْنِ سُخْنٌ.
وفِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، واقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ ".﴾» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فِي التَوْراةِ مَكْتُوبٌ: عَلى اللهِ لِلَّذِينِ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ". وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "قُرّاتِ" عَلى الجَمْعِ. وقَوْلُهُ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، أيْ: بِتَكَسُّبِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا﴾ الآيَةُ. رُوِيَ عن عَطاءِ بْنِ يَسارٍ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: والوَلِيدُ بْنُ عَقَبَةَ بْنُ أبِي مُعَيَّطٍ، وذَلِكَ أنَّهُما تَلاحَنا، فَقالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اسْكُتْ فَإنَّكَ فاسِقٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وذَكَرَ الزَجّاجُ، والنَحاسُ، وغَيْرُهُما أنَّها نَزَلَتْ في عَلَيٍّ وعَقَبَةَ بْنِ أبِي مِعْيَطٍ، وعَلى هَذا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَكِّيَّةً، لِأنَّ عُقْبَةَ لَمْ يَكُنْ بِالمَدِينَةِ، وإنَّما قُتِلَ في طَرِيقِ مَكَّةَ مُنْصَرِفُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن بَدْرٍ، ويَعْتَرِضُ القَوْلُ الآخَرُ بِإطْلاقِ اسْمِ الفِسْقِ عَلى الوَلِيدِ، وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في صَدْرِ إسْلامِ الوَلِيدِ لِشَيْءٍ كانَ في نَفْسِهِ، أو لِما رُوِيَ مِن نَقْلِهِ عن بَنِي المُصْطَلَقِ ما لَمْ يَكُنْ حَتّى نَزَلَتْ فِيهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ تُطْلِقَ الشَرِيعَةُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ كانَ عَلى طَرَفٍ مِمّا يَبْغِي، وهو الَّذِي شَرِبَ الخَمْرَ في (p-٧٩)خِلافَةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وصَلّى الصُبْحَ بِالناسِ أرْبَعًا، ثُمَّ التَفَتَ وقالَ: أتُرِيدُونَ أنْ أزِيدَكُمْ؟ ونَحْوَ هَذا مِمّا يَطُولُ ذِكْرُهُ.
ثُمَّ قَسَّمَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ والفاسِقِينَ الَّذِينَ فَسَّقَهم بِالكُفْرِ؛ لِأنَّ التَكْذِيبَ الَّذِي في آخِرِ الآيَةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "جَنَّةُ" بِالإفْرادِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "نَزَلا" بِإسْكانِ الزايِ، والجُمْهُورُ عَلى ضَمِّها، وسائِرُ باقِي الآيَةِ بَيَّنٌ.
السجدة 32:21
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عنها إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَنُذِيقَنَّهُمْ" بِكَفّارِ قُرَيْشٍ، أعْلَمَ اللهُ تَعالى أنَّهُ يُصِبْهم بِعَذابٍ دُونَ عَذابِ الآخِرَةِ لَعَلَّهم يَتُوبُونَ ويَتَّعِظُونَ، ولا خِلافَ أنَّ العَذابَ الأكْبَرَ هو عَذابُ الآخِرَةِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في تَعْيِينِ العَذابِ الأدْنى، فَقالَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ، ومُقاتِلُ: هُمُ السُنُونَ الَّتِي أجاعَهُمُ اللهُ فِيها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأُبَيِّ بْنُ كَعْبٍ: هو مَصائِبُ الدُنْيا مِنَ الأمْراضِ ونَحْوَها، وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: هو القَتْلُ بِالسَيْفِ كَبَدْرٍ وغَيْرِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَيَكُونُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ "الراجِعُ" غَيْرَ "الَّذِي يَذُوقُ"، بَلِ الَّذِي يَبْقى بَعْدَهُ، وتَخْتَلِفُ رُتْبَتا ضَمِيرِ الذَوْقِ مَعَ ضَمِيرِ لَعَلَّ. وقالَ أُبَيِّ بْنُ كَعْبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أيْضًا: هي البَطْشَةُ، واللِزامُ والدُخانُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا: عَنى بِذَلِكَ الحُدُودَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَتَّجِهُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - أنْ تَكُونَ في فَسَقَةِ المُؤْمِنِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: عَنى بِذَلِكَ عَذابَ القَبْرِ.
(p-٨٠)ثُمَّ قالَ تَعالى عَلى جِهَةِ التَعَجُّبِ والتَقْرِيرِ -: ﴿وَمَن أظْلَمُ﴾، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ هَذِهِ صِفَتُهُ، وهي بِخِلافِ ما تَقَدَّمَ في صِفَةِ المُؤْمِنِينَ مِن أنَّهم إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ اللهِ خَرُّوا سُجَّدًا، ثُمَّ تُوعَدُ تَبارَكَ وتَعالى المُجْرِمِينَ، وهُمُ المُتَجاسِرُونَ عَلى رُكُوبِ الكُفْرِ والمَعاصِي بِالقُوَّةِ، وظاهِرُ الإجْرامِ هُنا أنَّهُ الكُفْرُ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن يَزِيدِ بْنِ رَفِيعٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ قَوْلَ اللهِ تَعالى في القُرْآنِ: ﴿إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ إنَّما هو في أهْلِ القَدَرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
يُرِيدُ القائِلِينَ بِأنَّ أفْعالَ العَبْدِ مِن قَبْلِهِ، قالَ: ثُمَّ قَرَأ يَزِيدُ بْنُ رَفِيعٍ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨] ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩].
قالَ
القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فِي هَذا المَنزَعِ مِنَ البُعْدِ ما لا خَفاءَ بِهِ. ورَوى مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ثَلاثٌ مَن فَعَلَهُنَّ فَقَدْ أجْرَمَ: مَن عَقَدَ لِواءٌ في غَيْرِ حَقٍّ، ومَن عَقَّ والِدَيْهِ، أوَ مَشى مَعَ ظالِمٍ يَنْصُرُهُ".»
السجدة 32:22
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عنها إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَنُذِيقَنَّهُمْ" بِكَفّارِ قُرَيْشٍ، أعْلَمَ اللهُ تَعالى أنَّهُ يُصِبْهم بِعَذابٍ دُونَ عَذابِ الآخِرَةِ لَعَلَّهم يَتُوبُونَ ويَتَّعِظُونَ، ولا خِلافَ أنَّ العَذابَ الأكْبَرَ هو عَذابُ الآخِرَةِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في تَعْيِينِ العَذابِ الأدْنى، فَقالَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ، ومُقاتِلُ: هُمُ السُنُونَ الَّتِي أجاعَهُمُ اللهُ فِيها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأُبَيِّ بْنُ كَعْبٍ: هو مَصائِبُ الدُنْيا مِنَ الأمْراضِ ونَحْوَها، وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: هو القَتْلُ بِالسَيْفِ كَبَدْرٍ وغَيْرِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَيَكُونُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ "الراجِعُ" غَيْرَ "الَّذِي يَذُوقُ"، بَلِ الَّذِي يَبْقى بَعْدَهُ، وتَخْتَلِفُ رُتْبَتا ضَمِيرِ الذَوْقِ مَعَ ضَمِيرِ لَعَلَّ. وقالَ أُبَيِّ بْنُ كَعْبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أيْضًا: هي البَطْشَةُ، واللِزامُ والدُخانُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا: عَنى بِذَلِكَ الحُدُودَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَتَّجِهُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - أنْ تَكُونَ في فَسَقَةِ المُؤْمِنِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: عَنى بِذَلِكَ عَذابَ القَبْرِ.
(p-٨٠)ثُمَّ قالَ تَعالى عَلى جِهَةِ التَعَجُّبِ والتَقْرِيرِ -: ﴿وَمَن أظْلَمُ﴾، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ هَذِهِ صِفَتُهُ، وهي بِخِلافِ ما تَقَدَّمَ في صِفَةِ المُؤْمِنِينَ مِن أنَّهم إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ اللهِ خَرُّوا سُجَّدًا، ثُمَّ تُوعَدُ تَبارَكَ وتَعالى المُجْرِمِينَ، وهُمُ المُتَجاسِرُونَ عَلى رُكُوبِ الكُفْرِ والمَعاصِي بِالقُوَّةِ، وظاهِرُ الإجْرامِ هُنا أنَّهُ الكُفْرُ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن يَزِيدِ بْنِ رَفِيعٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ قَوْلَ اللهِ تَعالى في القُرْآنِ: ﴿إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ إنَّما هو في أهْلِ القَدَرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
يُرِيدُ القائِلِينَ بِأنَّ أفْعالَ العَبْدِ مِن قَبْلِهِ، قالَ: ثُمَّ قَرَأ يَزِيدُ بْنُ رَفِيعٍ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨] ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩].
قالَ
القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فِي هَذا المَنزَعِ مِنَ البُعْدِ ما لا خَفاءَ بِهِ. ورَوى مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ثَلاثٌ مَن فَعَلَهُنَّ فَقَدْ أجْرَمَ: مَن عَقَدَ لِواءٌ في غَيْرِ حَقٍّ، ومَن عَقَّ والِدَيْهِ، أوَ مَشى مَعَ ظالِمٍ يَنْصُرُهُ".»
السجدة 32:23
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
قَرَأ الناسُ: "فِي مِرْيَةٍ" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّها. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الضَمِيرِ الَّذِي في "لِقائِهِ" عَلى مَن يَعُودُ؟ فَقالَ أبُو العالِيَةِ الرِياحِيُّ، وقَتادَةُ: يَعُوُدُ عَلى "مُوسى"، والمَعْنى: لا تَكُ في شَكٍّ مِن أنْ تَلْقى مُوسى، أيْ: في لَيْلَةِ الإسْراءِ، وهَذا (p-٨١)قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ السَلَفِ، وقالَهُ المُبَرِّدُ حِينَ امْتَحَنَ أبا إسْحاقٍ الزَجّاجَ بِهَذِهِ المَسْألَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الكِتابِ"، أيْ أنَّهُ لَقِيَ مُوسى حِينَ لَقِيَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والمَصْدَرُ في هَذا التَأْوِيلِ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُضافًا لِلْفاعِلِ، بِمَعْنى: لَقِيَ الكِتابُ مُوسى، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى المَفْعُولِ، بِمَعْنى: لَقِيَ الكِتابَ - بِالنَصْبِ - مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ. وقالَ الحَسَنُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى ما يَتَضَمَّنُهُ القَوْلُ مِنَ المِحْنَةِ والشَدَّةِ الَّتِي في إخْبارِهِ بِأنَّهُ آتى مُوسى الكِتابَ، كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى هَذا العِبْءَ الَّذِي أنْتَ بِسَبِيلِهِ، فَلا تَمْتَرُ أنَّكَ تَلْقى ما لَقِيَ هو مِنَ المِحْنَةِ بِالناسِ، وكَأنَّ الآيَةَ تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن لِقائِهِ في الآخِرَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى مَلَكِ المَوْتِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ.
والمِرْيَةُ: الشَكُّ. والضَمِيرُ في "جَعَلْناهُ" عائِدٌ عَلى "مُوسى"، وهو قَوْلُ قَتادَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "الكِتابِ".
و"أئِمَّةٌ": جَمْعُ إمامٍ، وهو الَّذِي يُقْتَدى بِهِ، وأصْلُهُ خَيْطُ البِناءِ، وجُمْهُورُ النَحْوِيِّينَ عَلى "أيِمَّةً" بِياءٍ وتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، إلّا ابْنَ أبِي إسْحاقٍ، فَإنَّهُ جَوَّزَ اجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ وقَرَأ: "أئِمَّةً". وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "لَمّا صَبَرُوا"﴾ بِفَتْحِ اللامِ وشَدَّ المِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "لِما صَبَرُوا" بِكَسْرِ اللامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، فالأُولى في مَعْنى الظَرْفِ، والثانِيَةُ كَأنَّهُ قالَ: لِأجْلِ صَبْرِهِمْ، فـَ"ما" مَصْدَرِيَّةٌ، وفي القِراءَتَيْنِ مَعْنى المُجازاةِ، أيْ: جَعَلَهم أئِمَّةً جَزاءً عَلى صَبْرِهِمْ عَلى الدُنْيا، وكَوْنِهِمْ مُوقِنِينَ بِآياتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وأوامِرِهِ وجَمِيعِ ما تُورِدُهُ الشَرِيعَةُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "بِما صَبَرُوا".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ الآيَةُ حُكْمٌ يَعُمُّ جَمِيعَ الخَلْقِ، وذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى تَخْصِيصِ الضَمِيرِ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ.
السجدة 32:24
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
قَرَأ الناسُ: "فِي مِرْيَةٍ" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّها. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الضَمِيرِ الَّذِي في "لِقائِهِ" عَلى مَن يَعُودُ؟ فَقالَ أبُو العالِيَةِ الرِياحِيُّ، وقَتادَةُ: يَعُوُدُ عَلى "مُوسى"، والمَعْنى: لا تَكُ في شَكٍّ مِن أنْ تَلْقى مُوسى، أيْ: في لَيْلَةِ الإسْراءِ، وهَذا (p-٨١)قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ السَلَفِ، وقالَهُ المُبَرِّدُ حِينَ امْتَحَنَ أبا إسْحاقٍ الزَجّاجَ بِهَذِهِ المَسْألَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الكِتابِ"، أيْ أنَّهُ لَقِيَ مُوسى حِينَ لَقِيَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والمَصْدَرُ في هَذا التَأْوِيلِ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُضافًا لِلْفاعِلِ، بِمَعْنى: لَقِيَ الكِتابُ مُوسى، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى المَفْعُولِ، بِمَعْنى: لَقِيَ الكِتابَ - بِالنَصْبِ - مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ. وقالَ الحَسَنُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى ما يَتَضَمَّنُهُ القَوْلُ مِنَ المِحْنَةِ والشَدَّةِ الَّتِي في إخْبارِهِ بِأنَّهُ آتى مُوسى الكِتابَ، كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى هَذا العِبْءَ الَّذِي أنْتَ بِسَبِيلِهِ، فَلا تَمْتَرُ أنَّكَ تَلْقى ما لَقِيَ هو مِنَ المِحْنَةِ بِالناسِ، وكَأنَّ الآيَةَ تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن لِقائِهِ في الآخِرَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى مَلَكِ المَوْتِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ.
والمِرْيَةُ: الشَكُّ. والضَمِيرُ في "جَعَلْناهُ" عائِدٌ عَلى "مُوسى"، وهو قَوْلُ قَتادَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "الكِتابِ".
و"أئِمَّةٌ": جَمْعُ إمامٍ، وهو الَّذِي يُقْتَدى بِهِ، وأصْلُهُ خَيْطُ البِناءِ، وجُمْهُورُ النَحْوِيِّينَ عَلى "أيِمَّةً" بِياءٍ وتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، إلّا ابْنَ أبِي إسْحاقٍ، فَإنَّهُ جَوَّزَ اجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ وقَرَأ: "أئِمَّةً". وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "لَمّا صَبَرُوا"﴾ بِفَتْحِ اللامِ وشَدَّ المِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "لِما صَبَرُوا" بِكَسْرِ اللامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، فالأُولى في مَعْنى الظَرْفِ، والثانِيَةُ كَأنَّهُ قالَ: لِأجْلِ صَبْرِهِمْ، فـَ"ما" مَصْدَرِيَّةٌ، وفي القِراءَتَيْنِ مَعْنى المُجازاةِ، أيْ: جَعَلَهم أئِمَّةً جَزاءً عَلى صَبْرِهِمْ عَلى الدُنْيا، وكَوْنِهِمْ مُوقِنِينَ بِآياتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وأوامِرِهِ وجَمِيعِ ما تُورِدُهُ الشَرِيعَةُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "بِما صَبَرُوا".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ الآيَةُ حُكْمٌ يَعُمُّ جَمِيعَ الخَلْقِ، وذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى تَخْصِيصِ الضَمِيرِ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ.
السجدة 32:25
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
قَرَأ الناسُ: "فِي مِرْيَةٍ" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّها. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الضَمِيرِ الَّذِي في "لِقائِهِ" عَلى مَن يَعُودُ؟ فَقالَ أبُو العالِيَةِ الرِياحِيُّ، وقَتادَةُ: يَعُوُدُ عَلى "مُوسى"، والمَعْنى: لا تَكُ في شَكٍّ مِن أنْ تَلْقى مُوسى، أيْ: في لَيْلَةِ الإسْراءِ، وهَذا (p-٨١)قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ السَلَفِ، وقالَهُ المُبَرِّدُ حِينَ امْتَحَنَ أبا إسْحاقٍ الزَجّاجَ بِهَذِهِ المَسْألَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الكِتابِ"، أيْ أنَّهُ لَقِيَ مُوسى حِينَ لَقِيَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والمَصْدَرُ في هَذا التَأْوِيلِ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُضافًا لِلْفاعِلِ، بِمَعْنى: لَقِيَ الكِتابُ مُوسى، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى المَفْعُولِ، بِمَعْنى: لَقِيَ الكِتابَ - بِالنَصْبِ - مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ. وقالَ الحَسَنُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى ما يَتَضَمَّنُهُ القَوْلُ مِنَ المِحْنَةِ والشَدَّةِ الَّتِي في إخْبارِهِ بِأنَّهُ آتى مُوسى الكِتابَ، كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى هَذا العِبْءَ الَّذِي أنْتَ بِسَبِيلِهِ، فَلا تَمْتَرُ أنَّكَ تَلْقى ما لَقِيَ هو مِنَ المِحْنَةِ بِالناسِ، وكَأنَّ الآيَةَ تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن لِقائِهِ في الآخِرَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى مَلَكِ المَوْتِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ.
والمِرْيَةُ: الشَكُّ. والضَمِيرُ في "جَعَلْناهُ" عائِدٌ عَلى "مُوسى"، وهو قَوْلُ قَتادَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "الكِتابِ".
و"أئِمَّةٌ": جَمْعُ إمامٍ، وهو الَّذِي يُقْتَدى بِهِ، وأصْلُهُ خَيْطُ البِناءِ، وجُمْهُورُ النَحْوِيِّينَ عَلى "أيِمَّةً" بِياءٍ وتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، إلّا ابْنَ أبِي إسْحاقٍ، فَإنَّهُ جَوَّزَ اجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ وقَرَأ: "أئِمَّةً". وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "لَمّا صَبَرُوا"﴾ بِفَتْحِ اللامِ وشَدَّ المِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "لِما صَبَرُوا" بِكَسْرِ اللامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، فالأُولى في مَعْنى الظَرْفِ، والثانِيَةُ كَأنَّهُ قالَ: لِأجْلِ صَبْرِهِمْ، فـَ"ما" مَصْدَرِيَّةٌ، وفي القِراءَتَيْنِ مَعْنى المُجازاةِ، أيْ: جَعَلَهم أئِمَّةً جَزاءً عَلى صَبْرِهِمْ عَلى الدُنْيا، وكَوْنِهِمْ مُوقِنِينَ بِآياتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وأوامِرِهِ وجَمِيعِ ما تُورِدُهُ الشَرِيعَةُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "بِما صَبَرُوا".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ الآيَةُ حُكْمٌ يَعُمُّ جَمِيعَ الخَلْقِ، وذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى تَخْصِيصِ الضَمِيرِ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ.
السجدة 32:26
(p-٨٢)قوله عزّ وجلّ:
﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿فَأعْرِضْ عنهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾
"يَهْدِ" مَعْناهُ: يُبَيِّنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَهْدِي" بِالياءِ، فالفاعِلُ اللهُ تَعالى في قَوْلِ فِرْقَةٍ، والرَسُولُ في قَوْلِ فِرْقَةٍ، والمَصْدَرُ في قَوْلِ فِرْقَةٍ، كَأنَّهُ قالَ: أو لَمْ يُبَيِّنْ لَهُمُ الهُدى. وجَوَّزَ الكُوفِيُّونَ أنْ يَكُونَ الفاعِلَ "كَمْ"، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّها في الخَبَرِ عَلى حُكْمِها في الِاسْتِفْهامِ في أنَّها لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبِلَها. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "نَهْدِ لَهُمْ" بِالنُونِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وقَتادَةَ. فالفاعِلُ اللهُ تَعالى، و"كَمْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ: فَعِنْدَ الكُوفِيِّينَ بِـ"نَهْدِ"، وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ بِـ"أهْلَكْنا" عَلى القِراءَتَيْنِ جَمِيعًا. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَمْشُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الشِينِ، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ: "يُمَشُّونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الشِينِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "يُمْشُونَ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ المِيمِ وشِينٍ مَضْمُومَةٍ مُخَفَّفَةٍ، والضَمِيرُ في "يَمْشُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُخاطِبِينَ بِالبَيِّنَةِ المُحْتَجِّ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُهْلِكِينَ، فَـ"يَمْشُونَ" في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: أُهْلِكُوا وهم ماشُونَ في مَساكِنِهِمْ. والضَمِيرُ في ﴿ "يَسْمَعُونَ"﴾ لِلْمَنهِيِّينَ. ومَعْنى الآيَةِ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى الكَفَرَةِ بِالأُمَمِ السالِفَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَأهْلَكُوا.
ثُمَّ أقامَ عَزَّ وجَلَّ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ في مَعْنى الإيمانِ بِالقُدْرَةِ وبِالبَعْثِ بِأنْ نَبَّهَهم عَلى إحْياءِ الأرْضِ المَواتِ بِالماءِ، و"السَوْقُ" هو بِالسَحابِ، و"الجُرُزُ": الأرْضُ العاطِشَةُ الَّتِي قَدْ أكَلَتْ نَباتَها مِنَ العَطَشِ والقَيْظِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأكُولِ: جُرُوزٌ، قالَ الشاعِرُ:
؎ خِبٌّ جَرُوزٌ وإذا جاعَ بَكى
(p-٨٣)وَمَن عَبَّرَ عنها بِأنَّها الأرْضُ الَّتِي لا تُنْبِتُ فَإنَّها عِبارَةٌ غَيْرُ مُخْلِصَةٍ. وعَمَّ تَعالى كُلَّ أرْضٍ هي بِهَذِهِ الصِفَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ فِيها والعِبْرَةَ بَيِّنَةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ أيْضًا: الأرْضُ الجُرُزُ أرْضُ (أبْيَنُ) مِنَ اليَمَنِ، وهي أرْضٌ تَشْرَبُ بِسُيُولٍ لا بِمَطَرٍ. وجُمْهُورُ الناسِ عَلى ضَمِّ الراءِ، قالَ الزَجّاجُ: وتَقْرَأُ: "الجُرُزُ" بِسُكُونِ الراءِ.
ثُمَّ خَصَّ تَعالى الزَرْعَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ؛ ولِأنَّهُ عُظْمُ ما يَقْصِدُ مِنَ النَباتِ، وإلّا فَعَرَفَ أكْلَ الأنْعامِ إنَّما هو مِن غَيْرِ الزَرْعِ، لَكِنَّهُ أوقَعَ الزَرْعَ مَوْقِعَ النَباتِ، ثُمَّ فَصَلَ ذَلِكَ بِأكْلِ الأنْعامِ وبَنِي آدَمَ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بْنُ عَيّاشٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "يَأْكُلُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "تُبَصِرُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُبْصِرُونَ" بِالياءِ.
ثُمَّ حُكِيَ عَنِ الكَفَرَةِ أنَّهم يَسْتَفْتِحُونَ ويَسْتَعْجِلُونَ فَصْلَ القَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَسُولِ ﷺ عَلى مَعْنى الهَزْءِ والتَكْذِيبِ. و"الفَتْحُ": الحُكْمُ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وهَذا أقْوى الأقْوالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ إلى فَتْحِ مَكَّةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا ضَعِيفٌ، يَرُدُّهُ الإخْبارُ بِأنَّ الكَفَرَةَ لا يَنْفَعُهُمُ الإيمانَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ الفَتْحُ إلّا إمّا حُكْمُ الآخِرَةِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وإمّا "فَصْلٌ" في الدُنْيا كَبَدْرٍ ونَحْوَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ﴾ إشارَةٌ إلى الفَتْحِ الأوَّلِ حَسَبَ مُحْتَمَلاتِهِ. فالألِفُ واللامُ في "الفَتْحِ" الثانِي لِلْعَهْدِ، و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "يَنْفَعُ"، و"يُنْظَرُونَ" مَعْناهُ: يُؤَخِّرُونَ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالإعْراضِ عَنِ الكُفّارِ وانْتِظارِ الفَرَجِ، وهَذا مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ (p-٨٤)السَيْفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ أيِ العَذابَ، بِمَعْنى أنَّ هَذا حُكْمَهم وإنْ كانُوا لا يَشْعُرُونَ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ: "مُنْتَظَرُونَ" أيْ: لِلْعَذابِ النازِلِ بِهِمْ، واللهُ أعْلَمُ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ السَجْدَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
والصَلاةُ والسَلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ
السجدة 32:27
(p-٨٢)قوله عزّ وجلّ:
﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿فَأعْرِضْ عنهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾
"يَهْدِ" مَعْناهُ: يُبَيِّنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَهْدِي" بِالياءِ، فالفاعِلُ اللهُ تَعالى في قَوْلِ فِرْقَةٍ، والرَسُولُ في قَوْلِ فِرْقَةٍ، والمَصْدَرُ في قَوْلِ فِرْقَةٍ، كَأنَّهُ قالَ: أو لَمْ يُبَيِّنْ لَهُمُ الهُدى. وجَوَّزَ الكُوفِيُّونَ أنْ يَكُونَ الفاعِلَ "كَمْ"، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّها في الخَبَرِ عَلى حُكْمِها في الِاسْتِفْهامِ في أنَّها لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبِلَها. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "نَهْدِ لَهُمْ" بِالنُونِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وقَتادَةَ. فالفاعِلُ اللهُ تَعالى، و"كَمْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ: فَعِنْدَ الكُوفِيِّينَ بِـ"نَهْدِ"، وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ بِـ"أهْلَكْنا" عَلى القِراءَتَيْنِ جَمِيعًا. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَمْشُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الشِينِ، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ: "يُمَشُّونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الشِينِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "يُمْشُونَ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ المِيمِ وشِينٍ مَضْمُومَةٍ مُخَفَّفَةٍ، والضَمِيرُ في "يَمْشُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُخاطِبِينَ بِالبَيِّنَةِ المُحْتَجِّ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُهْلِكِينَ، فَـ"يَمْشُونَ" في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: أُهْلِكُوا وهم ماشُونَ في مَساكِنِهِمْ. والضَمِيرُ في ﴿ "يَسْمَعُونَ"﴾ لِلْمَنهِيِّينَ. ومَعْنى الآيَةِ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى الكَفَرَةِ بِالأُمَمِ السالِفَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَأهْلَكُوا.
ثُمَّ أقامَ عَزَّ وجَلَّ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ في مَعْنى الإيمانِ بِالقُدْرَةِ وبِالبَعْثِ بِأنْ نَبَّهَهم عَلى إحْياءِ الأرْضِ المَواتِ بِالماءِ، و"السَوْقُ" هو بِالسَحابِ، و"الجُرُزُ": الأرْضُ العاطِشَةُ الَّتِي قَدْ أكَلَتْ نَباتَها مِنَ العَطَشِ والقَيْظِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأكُولِ: جُرُوزٌ، قالَ الشاعِرُ:
؎ خِبٌّ جَرُوزٌ وإذا جاعَ بَكى
(p-٨٣)وَمَن عَبَّرَ عنها بِأنَّها الأرْضُ الَّتِي لا تُنْبِتُ فَإنَّها عِبارَةٌ غَيْرُ مُخْلِصَةٍ. وعَمَّ تَعالى كُلَّ أرْضٍ هي بِهَذِهِ الصِفَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ فِيها والعِبْرَةَ بَيِّنَةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ أيْضًا: الأرْضُ الجُرُزُ أرْضُ (أبْيَنُ) مِنَ اليَمَنِ، وهي أرْضٌ تَشْرَبُ بِسُيُولٍ لا بِمَطَرٍ. وجُمْهُورُ الناسِ عَلى ضَمِّ الراءِ، قالَ الزَجّاجُ: وتَقْرَأُ: "الجُرُزُ" بِسُكُونِ الراءِ.
ثُمَّ خَصَّ تَعالى الزَرْعَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ؛ ولِأنَّهُ عُظْمُ ما يَقْصِدُ مِنَ النَباتِ، وإلّا فَعَرَفَ أكْلَ الأنْعامِ إنَّما هو مِن غَيْرِ الزَرْعِ، لَكِنَّهُ أوقَعَ الزَرْعَ مَوْقِعَ النَباتِ، ثُمَّ فَصَلَ ذَلِكَ بِأكْلِ الأنْعامِ وبَنِي آدَمَ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بْنُ عَيّاشٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "يَأْكُلُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "تُبَصِرُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُبْصِرُونَ" بِالياءِ.
ثُمَّ حُكِيَ عَنِ الكَفَرَةِ أنَّهم يَسْتَفْتِحُونَ ويَسْتَعْجِلُونَ فَصْلَ القَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَسُولِ ﷺ عَلى مَعْنى الهَزْءِ والتَكْذِيبِ. و"الفَتْحُ": الحُكْمُ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وهَذا أقْوى الأقْوالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ إلى فَتْحِ مَكَّةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا ضَعِيفٌ، يَرُدُّهُ الإخْبارُ بِأنَّ الكَفَرَةَ لا يَنْفَعُهُمُ الإيمانَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ الفَتْحُ إلّا إمّا حُكْمُ الآخِرَةِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وإمّا "فَصْلٌ" في الدُنْيا كَبَدْرٍ ونَحْوَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ﴾ إشارَةٌ إلى الفَتْحِ الأوَّلِ حَسَبَ مُحْتَمَلاتِهِ. فالألِفُ واللامُ في "الفَتْحِ" الثانِي لِلْعَهْدِ، و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "يَنْفَعُ"، و"يُنْظَرُونَ" مَعْناهُ: يُؤَخِّرُونَ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالإعْراضِ عَنِ الكُفّارِ وانْتِظارِ الفَرَجِ، وهَذا مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ (p-٨٤)السَيْفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ أيِ العَذابَ، بِمَعْنى أنَّ هَذا حُكْمَهم وإنْ كانُوا لا يَشْعُرُونَ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ: "مُنْتَظَرُونَ" أيْ: لِلْعَذابِ النازِلِ بِهِمْ، واللهُ أعْلَمُ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ السَجْدَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
والصَلاةُ والسَلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ
السجدة 32:28
(p-٨٢)قوله عزّ وجلّ:
﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿فَأعْرِضْ عنهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾
"يَهْدِ" مَعْناهُ: يُبَيِّنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَهْدِي" بِالياءِ، فالفاعِلُ اللهُ تَعالى في قَوْلِ فِرْقَةٍ، والرَسُولُ في قَوْلِ فِرْقَةٍ، والمَصْدَرُ في قَوْلِ فِرْقَةٍ، كَأنَّهُ قالَ: أو لَمْ يُبَيِّنْ لَهُمُ الهُدى. وجَوَّزَ الكُوفِيُّونَ أنْ يَكُونَ الفاعِلَ "كَمْ"، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّها في الخَبَرِ عَلى حُكْمِها في الِاسْتِفْهامِ في أنَّها لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبِلَها. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "نَهْدِ لَهُمْ" بِالنُونِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وقَتادَةَ. فالفاعِلُ اللهُ تَعالى، و"كَمْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ: فَعِنْدَ الكُوفِيِّينَ بِـ"نَهْدِ"، وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ بِـ"أهْلَكْنا" عَلى القِراءَتَيْنِ جَمِيعًا. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَمْشُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الشِينِ، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ: "يُمَشُّونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الشِينِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "يُمْشُونَ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ المِيمِ وشِينٍ مَضْمُومَةٍ مُخَفَّفَةٍ، والضَمِيرُ في "يَمْشُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُخاطِبِينَ بِالبَيِّنَةِ المُحْتَجِّ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُهْلِكِينَ، فَـ"يَمْشُونَ" في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: أُهْلِكُوا وهم ماشُونَ في مَساكِنِهِمْ. والضَمِيرُ في ﴿ "يَسْمَعُونَ"﴾ لِلْمَنهِيِّينَ. ومَعْنى الآيَةِ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى الكَفَرَةِ بِالأُمَمِ السالِفَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَأهْلَكُوا.
ثُمَّ أقامَ عَزَّ وجَلَّ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ في مَعْنى الإيمانِ بِالقُدْرَةِ وبِالبَعْثِ بِأنْ نَبَّهَهم عَلى إحْياءِ الأرْضِ المَواتِ بِالماءِ، و"السَوْقُ" هو بِالسَحابِ، و"الجُرُزُ": الأرْضُ العاطِشَةُ الَّتِي قَدْ أكَلَتْ نَباتَها مِنَ العَطَشِ والقَيْظِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأكُولِ: جُرُوزٌ، قالَ الشاعِرُ:
؎ خِبٌّ جَرُوزٌ وإذا جاعَ بَكى
(p-٨٣)وَمَن عَبَّرَ عنها بِأنَّها الأرْضُ الَّتِي لا تُنْبِتُ فَإنَّها عِبارَةٌ غَيْرُ مُخْلِصَةٍ. وعَمَّ تَعالى كُلَّ أرْضٍ هي بِهَذِهِ الصِفَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ فِيها والعِبْرَةَ بَيِّنَةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ أيْضًا: الأرْضُ الجُرُزُ أرْضُ (أبْيَنُ) مِنَ اليَمَنِ، وهي أرْضٌ تَشْرَبُ بِسُيُولٍ لا بِمَطَرٍ. وجُمْهُورُ الناسِ عَلى ضَمِّ الراءِ، قالَ الزَجّاجُ: وتَقْرَأُ: "الجُرُزُ" بِسُكُونِ الراءِ.
ثُمَّ خَصَّ تَعالى الزَرْعَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ؛ ولِأنَّهُ عُظْمُ ما يَقْصِدُ مِنَ النَباتِ، وإلّا فَعَرَفَ أكْلَ الأنْعامِ إنَّما هو مِن غَيْرِ الزَرْعِ، لَكِنَّهُ أوقَعَ الزَرْعَ مَوْقِعَ النَباتِ، ثُمَّ فَصَلَ ذَلِكَ بِأكْلِ الأنْعامِ وبَنِي آدَمَ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بْنُ عَيّاشٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "يَأْكُلُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "تُبَصِرُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُبْصِرُونَ" بِالياءِ.
ثُمَّ حُكِيَ عَنِ الكَفَرَةِ أنَّهم يَسْتَفْتِحُونَ ويَسْتَعْجِلُونَ فَصْلَ القَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَسُولِ ﷺ عَلى مَعْنى الهَزْءِ والتَكْذِيبِ. و"الفَتْحُ": الحُكْمُ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وهَذا أقْوى الأقْوالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ إلى فَتْحِ مَكَّةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا ضَعِيفٌ، يَرُدُّهُ الإخْبارُ بِأنَّ الكَفَرَةَ لا يَنْفَعُهُمُ الإيمانَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ الفَتْحُ إلّا إمّا حُكْمُ الآخِرَةِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وإمّا "فَصْلٌ" في الدُنْيا كَبَدْرٍ ونَحْوَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ﴾ إشارَةٌ إلى الفَتْحِ الأوَّلِ حَسَبَ مُحْتَمَلاتِهِ. فالألِفُ واللامُ في "الفَتْحِ" الثانِي لِلْعَهْدِ، و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "يَنْفَعُ"، و"يُنْظَرُونَ" مَعْناهُ: يُؤَخِّرُونَ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالإعْراضِ عَنِ الكُفّارِ وانْتِظارِ الفَرَجِ، وهَذا مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ (p-٨٤)السَيْفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ أيِ العَذابَ، بِمَعْنى أنَّ هَذا حُكْمَهم وإنْ كانُوا لا يَشْعُرُونَ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ: "مُنْتَظَرُونَ" أيْ: لِلْعَذابِ النازِلِ بِهِمْ، واللهُ أعْلَمُ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ السَجْدَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
والصَلاةُ والسَلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ
السجدة 32:29
(p-٨٢)قوله عزّ وجلّ:
﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿فَأعْرِضْ عنهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾
"يَهْدِ" مَعْناهُ: يُبَيِّنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَهْدِي" بِالياءِ، فالفاعِلُ اللهُ تَعالى في قَوْلِ فِرْقَةٍ، والرَسُولُ في قَوْلِ فِرْقَةٍ، والمَصْدَرُ في قَوْلِ فِرْقَةٍ، كَأنَّهُ قالَ: أو لَمْ يُبَيِّنْ لَهُمُ الهُدى. وجَوَّزَ الكُوفِيُّونَ أنْ يَكُونَ الفاعِلَ "كَمْ"، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّها في الخَبَرِ عَلى حُكْمِها في الِاسْتِفْهامِ في أنَّها لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبِلَها. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "نَهْدِ لَهُمْ" بِالنُونِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وقَتادَةَ. فالفاعِلُ اللهُ تَعالى، و"كَمْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ: فَعِنْدَ الكُوفِيِّينَ بِـ"نَهْدِ"، وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ بِـ"أهْلَكْنا" عَلى القِراءَتَيْنِ جَمِيعًا. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَمْشُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الشِينِ، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ: "يُمَشُّونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الشِينِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "يُمْشُونَ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ المِيمِ وشِينٍ مَضْمُومَةٍ مُخَفَّفَةٍ، والضَمِيرُ في "يَمْشُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُخاطِبِينَ بِالبَيِّنَةِ المُحْتَجِّ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُهْلِكِينَ، فَـ"يَمْشُونَ" في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: أُهْلِكُوا وهم ماشُونَ في مَساكِنِهِمْ. والضَمِيرُ في ﴿ "يَسْمَعُونَ"﴾ لِلْمَنهِيِّينَ. ومَعْنى الآيَةِ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى الكَفَرَةِ بِالأُمَمِ السالِفَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَأهْلَكُوا.
ثُمَّ أقامَ عَزَّ وجَلَّ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ في مَعْنى الإيمانِ بِالقُدْرَةِ وبِالبَعْثِ بِأنْ نَبَّهَهم عَلى إحْياءِ الأرْضِ المَواتِ بِالماءِ، و"السَوْقُ" هو بِالسَحابِ، و"الجُرُزُ": الأرْضُ العاطِشَةُ الَّتِي قَدْ أكَلَتْ نَباتَها مِنَ العَطَشِ والقَيْظِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأكُولِ: جُرُوزٌ، قالَ الشاعِرُ:
؎ خِبٌّ جَرُوزٌ وإذا جاعَ بَكى
(p-٨٣)وَمَن عَبَّرَ عنها بِأنَّها الأرْضُ الَّتِي لا تُنْبِتُ فَإنَّها عِبارَةٌ غَيْرُ مُخْلِصَةٍ. وعَمَّ تَعالى كُلَّ أرْضٍ هي بِهَذِهِ الصِفَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ فِيها والعِبْرَةَ بَيِّنَةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ أيْضًا: الأرْضُ الجُرُزُ أرْضُ (أبْيَنُ) مِنَ اليَمَنِ، وهي أرْضٌ تَشْرَبُ بِسُيُولٍ لا بِمَطَرٍ. وجُمْهُورُ الناسِ عَلى ضَمِّ الراءِ، قالَ الزَجّاجُ: وتَقْرَأُ: "الجُرُزُ" بِسُكُونِ الراءِ.
ثُمَّ خَصَّ تَعالى الزَرْعَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ؛ ولِأنَّهُ عُظْمُ ما يَقْصِدُ مِنَ النَباتِ، وإلّا فَعَرَفَ أكْلَ الأنْعامِ إنَّما هو مِن غَيْرِ الزَرْعِ، لَكِنَّهُ أوقَعَ الزَرْعَ مَوْقِعَ النَباتِ، ثُمَّ فَصَلَ ذَلِكَ بِأكْلِ الأنْعامِ وبَنِي آدَمَ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بْنُ عَيّاشٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "يَأْكُلُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "تُبَصِرُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُبْصِرُونَ" بِالياءِ.
ثُمَّ حُكِيَ عَنِ الكَفَرَةِ أنَّهم يَسْتَفْتِحُونَ ويَسْتَعْجِلُونَ فَصْلَ القَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَسُولِ ﷺ عَلى مَعْنى الهَزْءِ والتَكْذِيبِ. و"الفَتْحُ": الحُكْمُ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وهَذا أقْوى الأقْوالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ إلى فَتْحِ مَكَّةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا ضَعِيفٌ، يَرُدُّهُ الإخْبارُ بِأنَّ الكَفَرَةَ لا يَنْفَعُهُمُ الإيمانَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ الفَتْحُ إلّا إمّا حُكْمُ الآخِرَةِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وإمّا "فَصْلٌ" في الدُنْيا كَبَدْرٍ ونَحْوَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ﴾ إشارَةٌ إلى الفَتْحِ الأوَّلِ حَسَبَ مُحْتَمَلاتِهِ. فالألِفُ واللامُ في "الفَتْحِ" الثانِي لِلْعَهْدِ، و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "يَنْفَعُ"، و"يُنْظَرُونَ" مَعْناهُ: يُؤَخِّرُونَ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالإعْراضِ عَنِ الكُفّارِ وانْتِظارِ الفَرَجِ، وهَذا مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ (p-٨٤)السَيْفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ أيِ العَذابَ، بِمَعْنى أنَّ هَذا حُكْمَهم وإنْ كانُوا لا يَشْعُرُونَ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ: "مُنْتَظَرُونَ" أيْ: لِلْعَذابِ النازِلِ بِهِمْ، واللهُ أعْلَمُ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ السَجْدَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
والصَلاةُ والسَلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ
السجدة 32:30
(p-٨٢)قوله عزّ وجلّ:
﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿فَأعْرِضْ عنهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾
"يَهْدِ" مَعْناهُ: يُبَيِّنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَهْدِي" بِالياءِ، فالفاعِلُ اللهُ تَعالى في قَوْلِ فِرْقَةٍ، والرَسُولُ في قَوْلِ فِرْقَةٍ، والمَصْدَرُ في قَوْلِ فِرْقَةٍ، كَأنَّهُ قالَ: أو لَمْ يُبَيِّنْ لَهُمُ الهُدى. وجَوَّزَ الكُوفِيُّونَ أنْ يَكُونَ الفاعِلَ "كَمْ"، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّها في الخَبَرِ عَلى حُكْمِها في الِاسْتِفْهامِ في أنَّها لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبِلَها. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "نَهْدِ لَهُمْ" بِالنُونِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وقَتادَةَ. فالفاعِلُ اللهُ تَعالى، و"كَمْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ: فَعِنْدَ الكُوفِيِّينَ بِـ"نَهْدِ"، وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ بِـ"أهْلَكْنا" عَلى القِراءَتَيْنِ جَمِيعًا. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَمْشُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الشِينِ، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ: "يُمَشُّونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الشِينِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "يُمْشُونَ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ المِيمِ وشِينٍ مَضْمُومَةٍ مُخَفَّفَةٍ، والضَمِيرُ في "يَمْشُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُخاطِبِينَ بِالبَيِّنَةِ المُحْتَجِّ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُهْلِكِينَ، فَـ"يَمْشُونَ" في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: أُهْلِكُوا وهم ماشُونَ في مَساكِنِهِمْ. والضَمِيرُ في ﴿ "يَسْمَعُونَ"﴾ لِلْمَنهِيِّينَ. ومَعْنى الآيَةِ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى الكَفَرَةِ بِالأُمَمِ السالِفَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَأهْلَكُوا.
ثُمَّ أقامَ عَزَّ وجَلَّ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ في مَعْنى الإيمانِ بِالقُدْرَةِ وبِالبَعْثِ بِأنْ نَبَّهَهم عَلى إحْياءِ الأرْضِ المَواتِ بِالماءِ، و"السَوْقُ" هو بِالسَحابِ، و"الجُرُزُ": الأرْضُ العاطِشَةُ الَّتِي قَدْ أكَلَتْ نَباتَها مِنَ العَطَشِ والقَيْظِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأكُولِ: جُرُوزٌ، قالَ الشاعِرُ:
؎ خِبٌّ جَرُوزٌ وإذا جاعَ بَكى
(p-٨٣)وَمَن عَبَّرَ عنها بِأنَّها الأرْضُ الَّتِي لا تُنْبِتُ فَإنَّها عِبارَةٌ غَيْرُ مُخْلِصَةٍ. وعَمَّ تَعالى كُلَّ أرْضٍ هي بِهَذِهِ الصِفَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ فِيها والعِبْرَةَ بَيِّنَةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ أيْضًا: الأرْضُ الجُرُزُ أرْضُ (أبْيَنُ) مِنَ اليَمَنِ، وهي أرْضٌ تَشْرَبُ بِسُيُولٍ لا بِمَطَرٍ. وجُمْهُورُ الناسِ عَلى ضَمِّ الراءِ، قالَ الزَجّاجُ: وتَقْرَأُ: "الجُرُزُ" بِسُكُونِ الراءِ.
ثُمَّ خَصَّ تَعالى الزَرْعَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ؛ ولِأنَّهُ عُظْمُ ما يَقْصِدُ مِنَ النَباتِ، وإلّا فَعَرَفَ أكْلَ الأنْعامِ إنَّما هو مِن غَيْرِ الزَرْعِ، لَكِنَّهُ أوقَعَ الزَرْعَ مَوْقِعَ النَباتِ، ثُمَّ فَصَلَ ذَلِكَ بِأكْلِ الأنْعامِ وبَنِي آدَمَ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بْنُ عَيّاشٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "يَأْكُلُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "تُبَصِرُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُبْصِرُونَ" بِالياءِ.
ثُمَّ حُكِيَ عَنِ الكَفَرَةِ أنَّهم يَسْتَفْتِحُونَ ويَسْتَعْجِلُونَ فَصْلَ القَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَسُولِ ﷺ عَلى مَعْنى الهَزْءِ والتَكْذِيبِ. و"الفَتْحُ": الحُكْمُ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وهَذا أقْوى الأقْوالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ إلى فَتْحِ مَكَّةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا ضَعِيفٌ، يَرُدُّهُ الإخْبارُ بِأنَّ الكَفَرَةَ لا يَنْفَعُهُمُ الإيمانَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ الفَتْحُ إلّا إمّا حُكْمُ الآخِرَةِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وإمّا "فَصْلٌ" في الدُنْيا كَبَدْرٍ ونَحْوَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ﴾ إشارَةٌ إلى الفَتْحِ الأوَّلِ حَسَبَ مُحْتَمَلاتِهِ. فالألِفُ واللامُ في "الفَتْحِ" الثانِي لِلْعَهْدِ، و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "يَنْفَعُ"، و"يُنْظَرُونَ" مَعْناهُ: يُؤَخِّرُونَ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالإعْراضِ عَنِ الكُفّارِ وانْتِظارِ الفَرَجِ، وهَذا مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ (p-٨٤)السَيْفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ أيِ العَذابَ، بِمَعْنى أنَّ هَذا حُكْمَهم وإنْ كانُوا لا يَشْعُرُونَ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ: "مُنْتَظَرُونَ" أيْ: لِلْعَذابِ النازِلِ بِهِمْ، واللهُ أعْلَمُ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ السَجْدَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
والصَلاةُ والسَلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ
الأحزاب 33:1
(p-٨٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الأحْزابِ
هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ فِيما عَلِمْتُ، وكَذَلِكَ قالَ المَهَدُوِيُّ وغَيْرُهُ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها النَبِيُّ اتَّقِ اللهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ إنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "اتَّقِ"﴾ مَعْناهُ: دُمْ عَلى التَقْوى، ومَتى أُمِرَ أحَدٌ بِشَيْءٍ هو بِهِ مُتْلَبِسٌ فَإنَّما مَعْناهُ الدَوامُ في المُسْتَقْبَلِ عَلى مَثَلِ الحالَةِ الماضِيَةِ، وحَذَّرَهُ تَعالى مِن طاعَةِ الكافِرِينَ، وهُمُ المُجَلَّحُونَ بِالكُفْرِ، والمُنافِقُونَ وهُمُ المُظْهِرُونَ لِلْإيمانِ وهم لا يُبْطِنُونَهُ.
(p-٨٦)وَسَبَبُ الآيَةِ أنَّهم كانُوا يُلِحُّونَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالطَلَباتِ والإراداتِ، رُبَّما كانَ في إرادَتِهِمْ سَعْيٌ عَلى الشَرْعِ، وهم يُدْخِلُونَها مَدْخَلَ المَصالِحِ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِخُلُقِهِ العَظِيمِ وحِرْصِهِ عَلى اسْتِئْلافِهِمْ رُبَّما لا يَنَهُمُ في بَعْضِ الأُمُورِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، تَحْذِيرًا لَهُ مِنهُمْ، وتَنْبِيهًا عَلى عَداوَتِهِمْ، والنَوازِلُ في طَلَباتِهِمْ كَثِيرَةٌ مَحْفُوظَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ: لا عَلَيْكَ مِنهم ولا مِن إيمانِهِمْ، فاللهُ عَلِيمٌ بِما يَنْبَغِي لَكَ، حَكِيمٌ في هَدْيِ مَن شاءَ وإضْلالِ مَن شاءَ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِاتِّباعٍ ما يُوحى إلَيْهِ - وهو القُرْآنُ الحَكِيمُ - والِاقْتِصارِ عَلى ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ تَوَعُّدٌ مّا. وقَرَأ أبُو عَمْرُو وحْدَهُ: "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ، والتَوَعُّدُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِلْكافِرِينَ والمُنافِقِينَ أبْيَنُ. وقَوْلُهُ "كانَ" في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ يَقْتَضِي الدَوامَ، أيْ: كانَ ويَكُونُ، ولَيْسَتِ الدالَّةَ عَلى زَمَنٍ مَخْصُوصٍ لِلْمُضِيِّ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالتَوَكُّلِ عَلى اللهِ في جَمِيعِ أمْرِهِ، وأعْلَمَهُ أنَّ ذَلِكَ كافٍ مُقْنِعٌ، والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿ "بِاللهِ"﴾ زائِدَةٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وكَأنَّهُ قالَ: وكَفى اللهُ، وهي عِنْدُهُ كَقَوْلِهِمْ: بِحَسْبِكِ أنْ تَفْعَلَ، وغَيْرُهُ يَراها غَيْرَ زائِدَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِـ"كَفى"، عَلى مَعْنى: اكْتَفِ بِاللهِ، و"الوَكِيلُ" القائِمُ بِالأمْرِ المُغْنِي فِيهِ عن كُلِّ شَيْءٍ.
الأحزاب 33:2
(p-٨٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الأحْزابِ
هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ فِيما عَلِمْتُ، وكَذَلِكَ قالَ المَهَدُوِيُّ وغَيْرُهُ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها النَبِيُّ اتَّقِ اللهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ إنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "اتَّقِ"﴾ مَعْناهُ: دُمْ عَلى التَقْوى، ومَتى أُمِرَ أحَدٌ بِشَيْءٍ هو بِهِ مُتْلَبِسٌ فَإنَّما مَعْناهُ الدَوامُ في المُسْتَقْبَلِ عَلى مَثَلِ الحالَةِ الماضِيَةِ، وحَذَّرَهُ تَعالى مِن طاعَةِ الكافِرِينَ، وهُمُ المُجَلَّحُونَ بِالكُفْرِ، والمُنافِقُونَ وهُمُ المُظْهِرُونَ لِلْإيمانِ وهم لا يُبْطِنُونَهُ.
(p-٨٦)وَسَبَبُ الآيَةِ أنَّهم كانُوا يُلِحُّونَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالطَلَباتِ والإراداتِ، رُبَّما كانَ في إرادَتِهِمْ سَعْيٌ عَلى الشَرْعِ، وهم يُدْخِلُونَها مَدْخَلَ المَصالِحِ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِخُلُقِهِ العَظِيمِ وحِرْصِهِ عَلى اسْتِئْلافِهِمْ رُبَّما لا يَنَهُمُ في بَعْضِ الأُمُورِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، تَحْذِيرًا لَهُ مِنهُمْ، وتَنْبِيهًا عَلى عَداوَتِهِمْ، والنَوازِلُ في طَلَباتِهِمْ كَثِيرَةٌ مَحْفُوظَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ: لا عَلَيْكَ مِنهم ولا مِن إيمانِهِمْ، فاللهُ عَلِيمٌ بِما يَنْبَغِي لَكَ، حَكِيمٌ في هَدْيِ مَن شاءَ وإضْلالِ مَن شاءَ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِاتِّباعٍ ما يُوحى إلَيْهِ - وهو القُرْآنُ الحَكِيمُ - والِاقْتِصارِ عَلى ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ تَوَعُّدٌ مّا. وقَرَأ أبُو عَمْرُو وحْدَهُ: "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ، والتَوَعُّدُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِلْكافِرِينَ والمُنافِقِينَ أبْيَنُ. وقَوْلُهُ "كانَ" في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ يَقْتَضِي الدَوامَ، أيْ: كانَ ويَكُونُ، ولَيْسَتِ الدالَّةَ عَلى زَمَنٍ مَخْصُوصٍ لِلْمُضِيِّ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالتَوَكُّلِ عَلى اللهِ في جَمِيعِ أمْرِهِ، وأعْلَمَهُ أنَّ ذَلِكَ كافٍ مُقْنِعٌ، والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿ "بِاللهِ"﴾ زائِدَةٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وكَأنَّهُ قالَ: وكَفى اللهُ، وهي عِنْدُهُ كَقَوْلِهِمْ: بِحَسْبِكِ أنْ تَفْعَلَ، وغَيْرُهُ يَراها غَيْرَ زائِدَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِـ"كَفى"، عَلى مَعْنى: اكْتَفِ بِاللهِ، و"الوَكِيلُ" القائِمُ بِالأمْرِ المُغْنِي فِيهِ عن كُلِّ شَيْءٍ.
الأحزاب 33:3
(p-٨٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الأحْزابِ
هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ فِيما عَلِمْتُ، وكَذَلِكَ قالَ المَهَدُوِيُّ وغَيْرُهُ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها النَبِيُّ اتَّقِ اللهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ إنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "اتَّقِ"﴾ مَعْناهُ: دُمْ عَلى التَقْوى، ومَتى أُمِرَ أحَدٌ بِشَيْءٍ هو بِهِ مُتْلَبِسٌ فَإنَّما مَعْناهُ الدَوامُ في المُسْتَقْبَلِ عَلى مَثَلِ الحالَةِ الماضِيَةِ، وحَذَّرَهُ تَعالى مِن طاعَةِ الكافِرِينَ، وهُمُ المُجَلَّحُونَ بِالكُفْرِ، والمُنافِقُونَ وهُمُ المُظْهِرُونَ لِلْإيمانِ وهم لا يُبْطِنُونَهُ.
(p-٨٦)وَسَبَبُ الآيَةِ أنَّهم كانُوا يُلِحُّونَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالطَلَباتِ والإراداتِ، رُبَّما كانَ في إرادَتِهِمْ سَعْيٌ عَلى الشَرْعِ، وهم يُدْخِلُونَها مَدْخَلَ المَصالِحِ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِخُلُقِهِ العَظِيمِ وحِرْصِهِ عَلى اسْتِئْلافِهِمْ رُبَّما لا يَنَهُمُ في بَعْضِ الأُمُورِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، تَحْذِيرًا لَهُ مِنهُمْ، وتَنْبِيهًا عَلى عَداوَتِهِمْ، والنَوازِلُ في طَلَباتِهِمْ كَثِيرَةٌ مَحْفُوظَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ: لا عَلَيْكَ مِنهم ولا مِن إيمانِهِمْ، فاللهُ عَلِيمٌ بِما يَنْبَغِي لَكَ، حَكِيمٌ في هَدْيِ مَن شاءَ وإضْلالِ مَن شاءَ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِاتِّباعٍ ما يُوحى إلَيْهِ - وهو القُرْآنُ الحَكِيمُ - والِاقْتِصارِ عَلى ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ تَوَعُّدٌ مّا. وقَرَأ أبُو عَمْرُو وحْدَهُ: "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ، والتَوَعُّدُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِلْكافِرِينَ والمُنافِقِينَ أبْيَنُ. وقَوْلُهُ "كانَ" في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ يَقْتَضِي الدَوامَ، أيْ: كانَ ويَكُونُ، ولَيْسَتِ الدالَّةَ عَلى زَمَنٍ مَخْصُوصٍ لِلْمُضِيِّ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالتَوَكُّلِ عَلى اللهِ في جَمِيعِ أمْرِهِ، وأعْلَمَهُ أنَّ ذَلِكَ كافٍ مُقْنِعٌ، والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿ "بِاللهِ"﴾ زائِدَةٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وكَأنَّهُ قالَ: وكَفى اللهُ، وهي عِنْدُهُ كَقَوْلِهِمْ: بِحَسْبِكِ أنْ تَفْعَلَ، وغَيْرُهُ يَراها غَيْرَ زائِدَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِـ"كَفى"، عَلى مَعْنى: اكْتَفِ بِاللهِ، و"الوَكِيلُ" القائِمُ بِالأمْرِ المُغْنِي فِيهِ عن كُلِّ شَيْءٍ.
الأحزاب 33:4
قوله عزّ وجلّ:
﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكم واللهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَبِيلَ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في السَبَبِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سَبَبُها أنَّ بَعْضَ المُنافِقِينَ قالَ: إنْ مُحَمَّدًا لَهُ قَلْبانِ؛ لِأنَّهُ رُبَّما كانَ في شَيْءٍ فَنَزَعَ في غَيْرِهِ نَزْعَةً ثُمَّ عادَ إلى شَأْنِهِ الأوَّلِ، فَقالُوا ذَلِكَ عنهُ، فَنَفاهُ اللهُ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بَلْ سَبَبُهُ أنَّهُ كانَ في قُرَيْشٍ في بَنِي فَهِرٍ رَجُلٌ فَهم يَدَّعِي أنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ؛ ويُقالُ لَهُ: ذُو القَلْبَيْنِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وهو ابْنُ مَعْمَرِ، وكانَ (p-٨٧)يَقُولُ: أنا أذْكى مِن مُحَمَّدٍ وأفْهَمُ، فَلِما وقَعَتْ هَزِيمَةٌ بِدْرٍ طاشَ لُبُّهُ، وحَدَّثَ أبا سُفْيانِ بْنِ حَرْبٍ كالمُخْتَلِّ فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ ونَفْيًا لِدَعْواهُ. وقِيلَ: إنَّهُ كانَ ابْنُ خَطَلٍ. قالَ الزَهْراوِيُّ: جاءَ هَذا اللَفْظُ عَلى جِهَةِ المَثَلِ في زَيْدِ بْنِ حارِثَةٍ والتَوْطِئَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾، أيْ: كَما لَيْسَ لِأحَدٍ قَلْبانِ، كَذَلِكَ لَيْسَ دَعِيُّهُ ابْنَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَظْهَرُ مِنَ الآيَةِ أنَّها بِجُمْلَتِها نَفْيٌ لِأشْياءٍ كانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُها في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإعْلامٌ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ، فَمِنها أنَّ بَعْضَ العَرَبِ كانَتْ تَقُولُ: إنَّ الإنْسانَ لَهُ قَلْبانِ قَلْبٌ يَأْمُرُهُ وقَلْبٌ يَنْهاهُ، وكانَ تَضادُّ الخَواطِرِ يَحْمِلُها عَلى ذَلِكَ، ومِن هَذا قَوْلُ الكُمَيْتِ:
؎ فَتَذَكَّرْ مِن أنّى ومِن أيْنَ شُرْبُهُ ∗∗∗ يُؤامِرُ نَفْسَيْهِ كَذِي الهَجْمَةِ الإبِلُ
والناسُ حَتّى الآنَ يَقُولُونَ إذا وصَفُوا أفْكارَهم في شَيْءٍ ما: يَقُولُ لِي أحَدُ قَلْبَيْ كَذا، ويَقُولُ الآخَرُ كَذا، وكَذا كانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُ الزَوْجَةُ إذا ظُوهِرَ مِنها بِمَنزِلَةِ الأُمِّ وتَراهُ طَلاقًا، وكانَتْ تَعْتَقِدُ الدَعِيَّ المُتَبَنّى ابْنًا، فَأعْلَمَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنَّهُ لا أحَدَ بِقَلْبَيْنِ، ويَكُونُ في هَذا أيْضًا طَعْنٌ عَلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرَهُمْ، أيْ: إنَّما هو قَلْبٌ واحِدٌ، فَإمّا حَلَّهُ إيمانٌ وإمّا حَلَّهُ كُفْرٌ؛ لِأنَّ دَرَجَةَ النِفاقِ كَأنَّها مُتَوَسِّطَةٌ يُؤْمِنُ قَلْبٌ ويَكْفُرُ الآخَرُ، فَنَفاها اللهُ تَعالى، وبَيَّنَ أنَّهُ قَلْبٌ واحِدٌ، وعَلى هَذا النَحْوِ يَسْتَشْهِدُ الإنْسانُ بِهَذِهِ الآيَةِ مَتى نَسِيَ شَيْئًا أو وهِمَ، يَقُولُ عَلى جِهَةِ الِاعْتِذارِ: ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾، (p-٨٨)أيْ: إذا نَسِيَ قَلْبُهُ الواحِدُ يُذَكِّرُهُ الآخَرُ، وكَذَلِكَ أعْلَمَ أنَّ الزَوْجَةَ لا تَكُونُ أُمًّا، وأنَّ الدَعِيَّ لَمْ يَجْعَلْهُ ابْنًا.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ: "الَّلاءِ" دُونَ ياءٍ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرُو، وابْنِ جُبَيْرٍ: "اللايْ" بِياءٍ ساكِنَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ ورْشٌ بِياءٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وطِلْحَةُ، والأعْمَشُ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءُ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "تَظّاهَرُونَ" بِشَدِّ الظاءِ وألِفٌ، وقَرَأ عاصِمُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ: "تُظاهِرُونَ" بِضَمِّ التاءِ وتَخْفِيفِ الظاءِ، وأنْكَرَها أبُو عَمْرُو، وقالَ: إنَّما هَذا في المُعاوَنَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولَيْسَ بِمُنْكَرٍ، ولَفْظَةُ ظِهارٍ تَقْتَضِيهِ. وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "تَظاهِرُونَ" بِفَتْحِ التاءِ والظاءِ المُخَفَّفَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو: "تَظَّهَّرُونَ" بِشَدِّ الظاءِ والهاءِ دُونَ ألْفٍ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثابٍ: "تُظْهِرُونَ" بِضَمِّ التاءِ وسُكُونِ الظاءِ وكَسْرِ الهاءِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "تَتَظَهَّرُونَ" بِتاءَيْنِ، وكانَتِ العَرَبُ تُطَلِّقُ وتَقُولُ: "أنْتَ مِنِّي كَظَهْرِ أُمِّي" فَنَزَلَتِ الآيَةُ، وأنْزَلَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى كَفّارَةَ الظِهارِ، وتَفْسِيرُ الظِهارِ وبَيانُهُ أثْبَتْناهُ في سُورَةِ المُجادِلَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ الآيَةُ، سَبَبُها «أنَّ زَيْدَ بْنِ حارِثَةٍ كانُوا يَدْعُونَهُ زَيْدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ عَبْدًا لِخَدِيجَةَ، فَوَهَبَتْهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأقامَ مَعَهُ مُدَّةً، ثُمَّ جاءَ عَمُّهُ وأبُوهُ يَرْغَبانِ في فِدائِهِ، فَقالَ لَهُما النَبِيُّ ﷺ - وذَلِكَ قَبْلَ البَعْثِ -: "خَيِّراهُ، فَإنِ اخْتارَكُما فَهو لَكُما دُونَ فِداءٍ"، فَخَيَّراهُ فاخْتارَ الرِقُّ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى حُرِّيَّتِهِ وقَوْمِهِ، فَقالَ مُحَمَّدٌ ﷺ: "يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اشْهَدُوا أنَّهُ ابْنِي، يَرِثُنِي وأرِثُهُ"، فَرَضِيَ بِذَلِكَ أبُوهُ وعَمُّهُ وانْصَرَفا.»
(p-٨٩)وَقَوْلُهُ: ﴿ "بِأفْواهِكُمْ"﴾ تَأْكِيدٌ لِبُطْلانِ القَوْلِ، أيْ أنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الوُجُودِ، إنَّما هو قَوْلٌ فَقَطْ، وهَذا كَما تَقُولُ: "أنا أمْشِي إلَيْكَ عَلى قَدَمٍ"، فَإنَّما تُؤَكِّدُ بِذَلِكَ المَسِيرَةَ، وهَذا كَثِيرٌ. و"يَهْدِي" مَعْناهُ: يُبَيِّنُ، وهو يَتَعَدّى بِغَيْرِ حَرْفِ جَرٍّ، وقَرَأ قَتادَةُ: "يُهَدِّي" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الهاءِ وشَدِّ الدالِّ، و"السَبِيلُ" هو سَبِيلُ الشَرْعِ والإيمانِ. وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ - في رِوايَةِ جَعْفَرٍ - يَقِفُونَ "السَبِيلا"، ويَطْرَحُونَها في الوَصْلِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ بِالألْفِ وصَلًا ووَقَفًا، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وحَمْزَةُ بِغَيْرِ ألْفٍ وصَلًا ووَقَفًا، وهَذا كُلُّهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، واتَّفَقُوا هُنا خاصَّةً عَلى طَرْحِ الألْفِ وصَلًا ووَقْفًا لِمَكانِ ألِفِ الوَصْلِ الَّتِي تَلْقى اللامَ.
الأحزاب 33:5
(p-٩٠)قوله عزّ وجلّ:
﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِينِ ومَوالِيكم ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم وكانَ اللهِ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿النَبِيُّ أولى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أولى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللهِ مِن المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أولِيائِكم مَعْرُوفًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾
أمَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِدُعاءِ الأدْعِياءِ إلى آبائِهِمْ لِلصُّلْبِ، فَمَن جُهِلَ ذَلِكَ فِيهِ كانَ مَوْلًى وأخًا في الدِينِ، فَقالَ الناسُ: زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ، وسالِمُ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ أبا بَكَرَةَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: أنا مِمَّنْ لا يُعْرَفُ أبُوهُ، فَأنا أخُوكم في الدِينِ ومَوْلاكُمْ، قالَ الراوِيَ عنهُ: ولَوْ عَلِمَ واللهِ أنَّ أباهُ حَمّارٌ لانْتَمى إلَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ورِجالُ الحَدِيثِ يَقُولُونَ في أبِي بَكَرَةَ: نُفَيْعُ بْنُ الحارِثِ.
و"أقْسَطُ" مَعْناهُ: أعْدَلُ، وقالَ قَتادَةُ: «بَلَغَنا أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ أبِيهِ مُتَعَمِّدًا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ".»
وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ الآيَةُ رَفْعٌ لِلْحَرَجِ عَمَّنْ وهَمَ ونَسِيَ وأخْطَأ فَجَرى عَلى العادَةِ مِن نِسْبَةِ زَيْدٍ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُشْبِهُهُ، وأبْقى الجُناحَ في التَعَمُّدِ مَعَ الشَرْطِ أوِ الجَزاءِ المَنصُوصِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يُرِيدُ: لِما مَضى مِن فِعْلِهِمْ في ذَلِكَ، ثُمَّ هَمّا صِفَتانِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ تُطْرَدانِ في كُلِّ شَيْءٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: خَطَؤُهم فِيما كانَ سَلَفَ مِن قَوْلِهِمْ ذَلِكَ.
(p-٩١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا ضَعِيفٌ لا يُوصَفُ ذَلِكَ بِخَطَأٍ إلّا بَعْدَ النَهْيِ، وإنَّما الخَطَأُ هُنا بِمَعْنى النِسْيانِ، وما كانَ مُقابِلَ العَمْدِ. وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: الخَطَأُ الَّذِي رَفَعَ اللهُ فِيهِ الجَناحَ أنْ تَعْتَقِدَ في أحَدٍ أنَّهُ ابْنُ فُلانٍ فَتَنْسُبُهُ إلَيْهِ، وهو في الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِابْنِهِ، والعَمْدُ هو أنَّ تَنْسُبَهُ إلى فُلانٍ وأنْتَ تَدْرِي أنَّهُ ابْنُ غَيْرِهِ، والخَطَأُ مَرْفُوعٌ عن هَذِهِ الأُمَّةِ عِقابُهُ، وقَدْ قالَ النَبِيُّ ﷺ: « "وُضِعَ عن أُمَّتِي الخَطَأُ والنِسْيانُ وما أُكْرِهُوا عَلَيْهِ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "ما أخْشى عَلَيْكُمُ الخَطَأُ، وإنَّما أخْشى العَمْدَ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿النَبِيُّ أولى بِالمُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةُ. أزالَ اللهُ تَعالى بِها أحْكامًا كانَتْ في صَدْرِ الإسْلامِ، مِنها «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ لا يُصَلِّي عَلى مَيِّتٍ عَلَيْهِ دِينٌ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أولى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ،» فَجَمْعُ هَذا أنَّ المُؤْمِنَ يَلْزَمُ أنْ يُحِبَّ النَبِيَّ أكْثَرَ مِن نَفْسِهِ، حَسَبَ حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَمْتَثِلَ أوامِرَهُ، أحَبَّتْ نَفْسُهُ ذَلِكَ أو كَرِهَتْهُ، «قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: "أنا أولى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ، مَن تَرَكَ مالًا فَلِوَرَثَتِهِ، ومَن تَرَكَ دِينًا أو ضَياعًا فِعَلَيَّ، أنا ولِيُّهُ، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ": ﴿النَبِيُّ أولى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾». وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ العارِفِينَ: هو أولى بِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّ أنْفُسَهم تَدْعُوهم إلى الهَلاكِ، وهو يَدْعُوهم إلى النَجاةِ.
(p-٩٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أنا آخِذٌ بِحَجْزِكم عَنِ النارِ وأنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيها تَقَحُّمُ الفِراشِ".»
وشَرَّفَ تَعالى أزْواجَ النَبِيِّ ﷺ بِأنْ جَعْلَهُنَّ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ: في حُرْمَةِ النِكاحِ وفي المَبَرَّةِ، وحَجَبَهُنَّ رَضِيَ اللهُ عنهُنَّ بِخِلافِ الأُمَّهاتِ، قالَ مَسْرُوقٌ: قالَتِ امْرَأةٌ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: يا أُمَّهُ، فَقالَتْ: لَسْتُ لَكِ بِأُمٍّ، وإنَّما أنا أُمُّ رِجالِكُمْ، وفي مُصْحَفٍ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ"، وسَمِعَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ هَذِهِ القِراءَةَ فَأنْكَرَها، فَقِيلَ لَهُ: إنَّها في مُصْحَفِ أُبَيِّ، فَسَألَهُ فَقَرَّرَها أُبَيُّ وأغْلَظَ لِعُمْرَ، وقَدْ قِيلَ في قَوْلِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ: "هَؤُلاءِ بَناتِي": إنَّما أرادَ المُؤْمِناتِ، أيْ: تَزَوَّجُوهُنَّ.
ثُمَّ حَكَمَ بِأنَّ أُولِي الأرْحامِ أحَقُّ مِمّا كانَتِ الشَرِيعَةُ قَرَّرَتْهُ مِنَ التَوارُثِ بِأُخُوَّةِ الإسْلامِ وبِالهِجْرَةِ، فَإنَّهُ كانَ بِالمَدِينَةِ تَوارُثٌ في صَدْرِ الإسْلامِ بِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ، اخْتَلَفَتِ الرِوايَةُ في صِفَتِهِ، ولَيْسَ لِمَعْرِفَتِهِ الآنَ حُكْمٌ فاخْتَصَرَتْهُ، ورَدَّ اللهُ المَوارِيثَ عَلى الأنْسابِ الصَحِيحَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابِ اللهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ القُرْآنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ اللَوْحَ المَحْفُوظَ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"أولى" الثانِيَةِ، وهَذِهِ الأُخُوَّةُ والهِجْرَةُ الَّتِي ذَكَرْنا.
(p-٩٣)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أولِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ يُرِيدُ الإحْسانَ في الحَياةِ، والصِلَةَ والوَصِيَّةَ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ، وهَذا كُلُّهُ جائِزٌ أنْ يُفْعَلَ مَعَ الوَلِيِّ عَلى أقْسامِهِ، والقَرِيبُ الكافِرُ يُوصى لَهُ بِوَصِيَّةٍ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ، هَلْ يَجْعَلُ هو وصِيًّا؟ فَجَوَّزَ بَعْضٌ، ومَنعَ بَعْضٌ، ورَدَّ النَظَرَ في ذَلِكَ إلى السُلْطانِ بَعْضٌ، مِنهم مالِكُ بْنُ أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وذَهَبَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، والرُمّانِيُّ، وغَيْرُهُ إلى أنَّ المَعْنى: "إلى أولِيائِكم مِنَ المُؤْمِنِينَ"، ولَفْظُ الآيَةِ يُعَضِّدُ هَذا المَذْهَبَ، وتَعْمِيمُ لِفَظِ "الوَلِيِّ" أيْضًا حَسَنٌ كَما قَدَّمْنا؛ إذْ وِلايَةُ النَسَبِ لا تَدْفَعُ الكافِرَ
وإنَّما يَدْفَعُ أنْ يَلْقى إلَيْهِ بِالمَوَدَّةِ كَوَلِيِّ الإسْلامِ، والكِتابِيُّ الَّذِي سَطَّرَ ذَلِكَ فِيهِ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا.
و"مَسْطُورًا" مِن قَوْلِكَ: "سَطَّرْتُ الكِتابَ" إذا أثْبَتْهُ أسْطارًا، ومِنهُ قَوْلُ العَجاجِ:
فِي الصُحُفِ الأُولى الَّتِي كانَ سَطَرْ
قالَ قَتادَةُ: وفي بَعْضِ القِراءَةِ: "كانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ مَكْتُوبًا".
الأحزاب 33:6
(p-٩٠)قوله عزّ وجلّ:
﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِينِ ومَوالِيكم ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم وكانَ اللهِ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿النَبِيُّ أولى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أولى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللهِ مِن المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أولِيائِكم مَعْرُوفًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾
أمَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِدُعاءِ الأدْعِياءِ إلى آبائِهِمْ لِلصُّلْبِ، فَمَن جُهِلَ ذَلِكَ فِيهِ كانَ مَوْلًى وأخًا في الدِينِ، فَقالَ الناسُ: زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ، وسالِمُ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ أبا بَكَرَةَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: أنا مِمَّنْ لا يُعْرَفُ أبُوهُ، فَأنا أخُوكم في الدِينِ ومَوْلاكُمْ، قالَ الراوِيَ عنهُ: ولَوْ عَلِمَ واللهِ أنَّ أباهُ حَمّارٌ لانْتَمى إلَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ورِجالُ الحَدِيثِ يَقُولُونَ في أبِي بَكَرَةَ: نُفَيْعُ بْنُ الحارِثِ.
و"أقْسَطُ" مَعْناهُ: أعْدَلُ، وقالَ قَتادَةُ: «بَلَغَنا أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ أبِيهِ مُتَعَمِّدًا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ".»
وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ الآيَةُ رَفْعٌ لِلْحَرَجِ عَمَّنْ وهَمَ ونَسِيَ وأخْطَأ فَجَرى عَلى العادَةِ مِن نِسْبَةِ زَيْدٍ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُشْبِهُهُ، وأبْقى الجُناحَ في التَعَمُّدِ مَعَ الشَرْطِ أوِ الجَزاءِ المَنصُوصِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يُرِيدُ: لِما مَضى مِن فِعْلِهِمْ في ذَلِكَ، ثُمَّ هَمّا صِفَتانِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ تُطْرَدانِ في كُلِّ شَيْءٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: خَطَؤُهم فِيما كانَ سَلَفَ مِن قَوْلِهِمْ ذَلِكَ.
(p-٩١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا ضَعِيفٌ لا يُوصَفُ ذَلِكَ بِخَطَأٍ إلّا بَعْدَ النَهْيِ، وإنَّما الخَطَأُ هُنا بِمَعْنى النِسْيانِ، وما كانَ مُقابِلَ العَمْدِ. وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: الخَطَأُ الَّذِي رَفَعَ اللهُ فِيهِ الجَناحَ أنْ تَعْتَقِدَ في أحَدٍ أنَّهُ ابْنُ فُلانٍ فَتَنْسُبُهُ إلَيْهِ، وهو في الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِابْنِهِ، والعَمْدُ هو أنَّ تَنْسُبَهُ إلى فُلانٍ وأنْتَ تَدْرِي أنَّهُ ابْنُ غَيْرِهِ، والخَطَأُ مَرْفُوعٌ عن هَذِهِ الأُمَّةِ عِقابُهُ، وقَدْ قالَ النَبِيُّ ﷺ: « "وُضِعَ عن أُمَّتِي الخَطَأُ والنِسْيانُ وما أُكْرِهُوا عَلَيْهِ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "ما أخْشى عَلَيْكُمُ الخَطَأُ، وإنَّما أخْشى العَمْدَ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿النَبِيُّ أولى بِالمُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةُ. أزالَ اللهُ تَعالى بِها أحْكامًا كانَتْ في صَدْرِ الإسْلامِ، مِنها «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ لا يُصَلِّي عَلى مَيِّتٍ عَلَيْهِ دِينٌ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أولى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ،» فَجَمْعُ هَذا أنَّ المُؤْمِنَ يَلْزَمُ أنْ يُحِبَّ النَبِيَّ أكْثَرَ مِن نَفْسِهِ، حَسَبَ حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَمْتَثِلَ أوامِرَهُ، أحَبَّتْ نَفْسُهُ ذَلِكَ أو كَرِهَتْهُ، «قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: "أنا أولى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ، مَن تَرَكَ مالًا فَلِوَرَثَتِهِ، ومَن تَرَكَ دِينًا أو ضَياعًا فِعَلَيَّ، أنا ولِيُّهُ، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ": ﴿النَبِيُّ أولى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾». وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ العارِفِينَ: هو أولى بِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّ أنْفُسَهم تَدْعُوهم إلى الهَلاكِ، وهو يَدْعُوهم إلى النَجاةِ.
(p-٩٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أنا آخِذٌ بِحَجْزِكم عَنِ النارِ وأنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيها تَقَحُّمُ الفِراشِ".»
وشَرَّفَ تَعالى أزْواجَ النَبِيِّ ﷺ بِأنْ جَعْلَهُنَّ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ: في حُرْمَةِ النِكاحِ وفي المَبَرَّةِ، وحَجَبَهُنَّ رَضِيَ اللهُ عنهُنَّ بِخِلافِ الأُمَّهاتِ، قالَ مَسْرُوقٌ: قالَتِ امْرَأةٌ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: يا أُمَّهُ، فَقالَتْ: لَسْتُ لَكِ بِأُمٍّ، وإنَّما أنا أُمُّ رِجالِكُمْ، وفي مُصْحَفٍ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ"، وسَمِعَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ هَذِهِ القِراءَةَ فَأنْكَرَها، فَقِيلَ لَهُ: إنَّها في مُصْحَفِ أُبَيِّ، فَسَألَهُ فَقَرَّرَها أُبَيُّ وأغْلَظَ لِعُمْرَ، وقَدْ قِيلَ في قَوْلِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ: "هَؤُلاءِ بَناتِي": إنَّما أرادَ المُؤْمِناتِ، أيْ: تَزَوَّجُوهُنَّ.
ثُمَّ حَكَمَ بِأنَّ أُولِي الأرْحامِ أحَقُّ مِمّا كانَتِ الشَرِيعَةُ قَرَّرَتْهُ مِنَ التَوارُثِ بِأُخُوَّةِ الإسْلامِ وبِالهِجْرَةِ، فَإنَّهُ كانَ بِالمَدِينَةِ تَوارُثٌ في صَدْرِ الإسْلامِ بِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ، اخْتَلَفَتِ الرِوايَةُ في صِفَتِهِ، ولَيْسَ لِمَعْرِفَتِهِ الآنَ حُكْمٌ فاخْتَصَرَتْهُ، ورَدَّ اللهُ المَوارِيثَ عَلى الأنْسابِ الصَحِيحَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابِ اللهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ القُرْآنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ اللَوْحَ المَحْفُوظَ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"أولى" الثانِيَةِ، وهَذِهِ الأُخُوَّةُ والهِجْرَةُ الَّتِي ذَكَرْنا.
(p-٩٣)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أولِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ يُرِيدُ الإحْسانَ في الحَياةِ، والصِلَةَ والوَصِيَّةَ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ، وهَذا كُلُّهُ جائِزٌ أنْ يُفْعَلَ مَعَ الوَلِيِّ عَلى أقْسامِهِ، والقَرِيبُ الكافِرُ يُوصى لَهُ بِوَصِيَّةٍ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ، هَلْ يَجْعَلُ هو وصِيًّا؟ فَجَوَّزَ بَعْضٌ، ومَنعَ بَعْضٌ، ورَدَّ النَظَرَ في ذَلِكَ إلى السُلْطانِ بَعْضٌ، مِنهم مالِكُ بْنُ أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وذَهَبَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، والرُمّانِيُّ، وغَيْرُهُ إلى أنَّ المَعْنى: "إلى أولِيائِكم مِنَ المُؤْمِنِينَ"، ولَفْظُ الآيَةِ يُعَضِّدُ هَذا المَذْهَبَ، وتَعْمِيمُ لِفَظِ "الوَلِيِّ" أيْضًا حَسَنٌ كَما قَدَّمْنا؛ إذْ وِلايَةُ النَسَبِ لا تَدْفَعُ الكافِرَ
وإنَّما يَدْفَعُ أنْ يَلْقى إلَيْهِ بِالمَوَدَّةِ كَوَلِيِّ الإسْلامِ، والكِتابِيُّ الَّذِي سَطَّرَ ذَلِكَ فِيهِ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا.
و"مَسْطُورًا" مِن قَوْلِكَ: "سَطَّرْتُ الكِتابَ" إذا أثْبَتْهُ أسْطارًا، ومِنهُ قَوْلُ العَجاجِ:
فِي الصُحُفِ الأُولى الَّتِي كانَ سَطَرْ
قالَ قَتادَةُ: وفي بَعْضِ القِراءَةِ: "كانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ مَكْتُوبًا".
الأحزاب 33:7
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ﴿لِيَسْألَ الصادِقِينَ عن صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وكانَ اللهِ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾
"إذْ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ظَرْفًا لِسَطْرِ الأحْكامِ المُتَقَدِّمَةِ في الكِتابِ، كَأنَّهُ قالَ: كانَتْ هَذِهِ الأحْكامُ مُسَطَّرَةٌ مُلْقاةٌ إلى الأنْبِياءِ إذْ أخَذْنا عَلَيْهِمُ المِيثاقَ في التَبْلِيغِ والشَرائِعِ، فَيَكُونُ "إذْ" مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب: ٦]. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ (p-٩٤)بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ، وهَذا التَأْوِيلُ أبْيَنُ مِنَ الأوَّلِ:
وهَذا المِيثاقُ المُشارُ إلَيْهِ قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: إنَّهُ الَّذِي أخَذَ عَلَيْهِمْ وقْتَ اسْتِخْراجِ البَشَرِ مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَرِّ، قالُوا: فَأخَذَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى حِينَئِذٍ مِيثاقَ النَبِيِّينَ بِالتَبْلِيغِ وبِتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وبِجَمِيعِ ما تَتَضَمَّنُهُ النُبُوَّةُ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أشارَ إلى أخْذِ المِيثاقِ عَلى كُلٍّ واحِدٍ مِنهم عِنْدَ بَعْثِهِ، وإلى إلْقاءِ الرِسالَةِ إلَيْهِ وأوامِرِها ومُعْتَقَداتِها.
وذَكَرَ اللهُ تَعالى النَبِيِّينَ جُمْلَةً، ثُمَّ خَصَّصَ بِالذِكْرِ أفْرادًا مِنهم تَشْرِيفًا وتَعْظِيمًا، إذْ هَؤُلاءِ الخَمْسَةُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ هم أصْحابُ الكُتُبِ والشَرائِعِ والحُرُوبِ الفاصِلَةِ عَلى التَوْحِيدِ وأُولُو العَزْمِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ، وقُدِّمَ ذِكْرُ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلى مَزِيَّتِهِ في الزَمَنِ تَشْرِيفًا خاصًّا لَهُ أيْضًا، ورُوِيَ عنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ: « "كُنْتُ أوَّلُ الأنْبِياءِ في الخَلْقِ وآخِرُهم في البَعْثِ".»
وكَرَّرَ أخْذَ المِيثاقِ لِمَكانِ الصِفَةِ الَّتِي وُصِفَ بِها، و"غَلِيظًا" إشْعارٌ بِحُرْمَةٍ هَذا المِيثاقِ وقُوَّتِها، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "لِيَسْألَ"﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"أخَذْنا"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامُ كَيْ، أيْ: بُعِثَتِ الرُسُلُ وأُخِذَتْ عَلَيْها المَواثِيقُ في التَبْلِيغِ لِكَيْ يَجْعَلَ اللهُ خَلْقَهُ فِرْقَتَيْنِ، فِرْقَةٌ صادِقَةٌ يَسْألُها عن صِدْقِها، عَلى مَعْنى إقامَةِ الحُجَّةِ والتَقْرِيرِ، كَما قالَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [المائدة: ١١٦] ؟ فَتُجِيبُهُ كَأنَّها قَدْ صَدَّقَتِ اللهُ في إيمانِها وجَمِيعِ أفْعالِها، فَيُثِيبُها عَلى ذَلِكَ، وفُرْقَةٌ كَفَرَتْ فَيَنالُها ما أُعِدَّ لَها مِنَ العَذابِ الألِيمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَسْألَ" لامُ الصَيْرُورَةِ، أيْ: أخَذَ المَواثِيقَ عَلى الأنْبِياءِ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى كَذا، والأوَّلُ أصْوَبُ.
والصِدْقُ في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُضادُّ لِلْكَذِبِ في القَوْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ (p-٩٥)يَكُونُ مِن صِدْقِ الأفْعالِ واسْتِقامَتِها، ومِنهُ: عَوْدُ صِدْقٍ، وصَدَقَنِي السَيْفُ والمالُ، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ "الصادِقِينَ"﴾ في هَذِهِ الآيَةِ أرادَ بِهِمُ الرُسُلَ، أيْ: يَسْألُهم عن تَبْلِيغِهِمْ، وقالَ أيْضًا: أرادَ المُؤَدِّينَ المُبَلِّغِينَ عَنِ الرُسُلِ. وهَذا كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ﴾ [المائدة: ١١]، إلى قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿يا أيُّها النَبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨] نَزَلَتْ في شَأْنِ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ وما اتَّصَلَ بِها مِن أمْرِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أجْلى بَنِي النَضِيرِ مِن مَوْضِعِهِمْ عِنْدَ المَدِينَةِ إلى خَيْبَرَ، فاجْتَمَعَتْ جَماعَةٌ مِنهم ومَن غَيْرِهِمْ مِنَ اليَهُودِ وخَرَجُوا إلى مَكَّةَ مُسْتَنْهِضِينَ قُرَيْشًا إلى حَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وجَسَّرُوهم عَلى ذَلِكَ، وأزْمَعَتْ قُرَيْشٌ السَيْرَ إلى المَدِينَةِ، ونَهَضَ اليَهُودُ إلى غَطْفانَ وبَنِي أسَدٍ ومَن أمَّلَهم مِن أهْلِ نَجْدٍ وتِهامَةَ، فاسْتَنْفَرُوهم إلى ذَلِكَ، فَتَحَزَّبَ الناسُ وسارُوا إلى المَدِينَةِ، واتَّصَلَ الخَبَرُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَحَفَرَ الخَنْدَقَ حَوْلَ دِيارٍ بِالمَدِينَةِ وحِصْنِهِ، وكانَ أمْرًا لَمْ تَعْهَدْهُ العَرَبُ، وإنَّما كانَ مِن أعْمالِ فارِسٍ والرُومِ، وأشارَ بِهِ سَلْمانُ الفارِسِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَوَرَدَ الأحْزابُ، قُرَيْشٌ وكِنانَةُ والأحابِيشُ في نَحْوِ عَشَرَةِ آلافٍ عَلَيْهِمْ أبُو سُفْيانُ بْنُ حَرْبٍ، ووَرَدَتْ غَطْفانُ وأهْلُ نَجْدٍ عَلَيْهِمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنُ بَدْرٍ الفَزارِيُّ، ووَرَدَتْ بَنُو عامِرٍ وغَيْرُهم عَلَيْهِمْ عامِرُ بْنُ الطُفَيْلِ إلى غَيْرِ هَؤُلاءِ، فَحَصَرُوا المَدِينَةَ، وذَلِكَ في شَوّالِ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ، عَلى ما قالَ ابْنُ إسْحاقٍ، وقالَ مالِكٌ: كانَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ، وكانَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ قَدْ عاهَدُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلى الهُدْنَةِ، وعاقَدُوهُ عَلى أنْ لا يَلْحَقُهُ مِنهم ضَرَرٌ، فَلَمّا تَمَكَّنَ هَذا الحِصارُ واثَقَهم بَنُو النَضِيرِ، فَغَدَرُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ، ونَقَضُوا العَهْدَ، وصارُوا لَهُ حِزْبًا مَعَ الأحْزابِ، فَضاقَ الحالُ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، وكَثُرَتِ الظُنُونُ ورَسُولُ اللهِ ﷺ يُبَشِّرُ ويَعِدُ بِالنَصْرِ.
ثُمَّ ألْقى اللهُ تَعالى الرُعْبَ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، ويَئِسُوا مِنَ الظَفَرِ بِمَنَعَةِ الخَنْدَقِ، وبِما رَأوا مِن جَلَدِ المُؤْمِنِينَ، وجاءَ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ اسْمَهُ نَوْفَلُ بْنُ الحارِثِ - وقِيلَ غَيْرُ هَذا - فاقْتَحَمَ الخَنْدَقَ بِفَرَسِهِ فَقُتِلَ فِيهِ، فَكانَ ذَلِكَ حاجِزًا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ إنَّ اللهَ تَعالى بَعَثَ (p-٩٦)الصِبا لِنُصْرَةِ نَبِيِّهِ ﷺ عَلى الكُفّارِ، فَطَرَدَتْهُمْ، وهَدَّدَتْ بُيُوتَهُمْ، وأطْفَأتْ نِيرانَهُمْ، وقَطَعَتْ حِبالَهُمْ، وأطِفَأتْ قُدُورَهُمْ، ولَمْ يُمْكِنْهم مَعَها قَرارٌ، وبَعَثَ اللهُ مَعَ الصِبا مَلائِكَةً تُشَدِّدُ الرِيحَ، وتَفْعَلُ نَحْوَ فِعْلِها، وتُلْقِي الرُعْبَ في قُلُوبِ الكَفَرَةِ حَتّى أزْمَعُوا الرِحْلَةَ بَعْدَ بِضْعٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً لِلْحَصْرِ، فانْصَرَفُوا خائِبِينَ، فَهَذِهِ الجُنُودُ الَّتِي لَمْ تُرَ.» وقَرَأ الحَسَنُ: "وَجُنُودًا" بِفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَعْمَلُونَ بِالتاءِ، فَكَأنَّ في الآيَةِ مُقابَلَةً لَهُمْ، أيْ: أنْتُمْ لَمْ تَرَوْا جُنُودَهُ وهو بَصِيرٌ بِأعْمالِكُمْ، فَيَتَبَيَّنُ في هَذا القُدْرَةِ والسُلْطانِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو وحْدَهُ: "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ عَلى مَعْنى الوَعِيدِ لِلْكَفَرَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو أيْضًا بِالتاءِ، وهُما حَسَنَتانِ، ورُوِيَ عن أبِي عُمْرَةَ: "لَمْ يَرَوْها" مِن تَحْتٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قِراءَةُ العامَّةِ: "لَمْ تَرَوْها" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، ونافِعٍ، والأعْرَجِ: "يَعْلَمُونَ" بِالتاءِ.
الأحزاب 33:8
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ﴿لِيَسْألَ الصادِقِينَ عن صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وكانَ اللهِ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾
"إذْ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ظَرْفًا لِسَطْرِ الأحْكامِ المُتَقَدِّمَةِ في الكِتابِ، كَأنَّهُ قالَ: كانَتْ هَذِهِ الأحْكامُ مُسَطَّرَةٌ مُلْقاةٌ إلى الأنْبِياءِ إذْ أخَذْنا عَلَيْهِمُ المِيثاقَ في التَبْلِيغِ والشَرائِعِ، فَيَكُونُ "إذْ" مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب: ٦]. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ (p-٩٤)بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ، وهَذا التَأْوِيلُ أبْيَنُ مِنَ الأوَّلِ:
وهَذا المِيثاقُ المُشارُ إلَيْهِ قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: إنَّهُ الَّذِي أخَذَ عَلَيْهِمْ وقْتَ اسْتِخْراجِ البَشَرِ مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَرِّ، قالُوا: فَأخَذَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى حِينَئِذٍ مِيثاقَ النَبِيِّينَ بِالتَبْلِيغِ وبِتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وبِجَمِيعِ ما تَتَضَمَّنُهُ النُبُوَّةُ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أشارَ إلى أخْذِ المِيثاقِ عَلى كُلٍّ واحِدٍ مِنهم عِنْدَ بَعْثِهِ، وإلى إلْقاءِ الرِسالَةِ إلَيْهِ وأوامِرِها ومُعْتَقَداتِها.
وذَكَرَ اللهُ تَعالى النَبِيِّينَ جُمْلَةً، ثُمَّ خَصَّصَ بِالذِكْرِ أفْرادًا مِنهم تَشْرِيفًا وتَعْظِيمًا، إذْ هَؤُلاءِ الخَمْسَةُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ هم أصْحابُ الكُتُبِ والشَرائِعِ والحُرُوبِ الفاصِلَةِ عَلى التَوْحِيدِ وأُولُو العَزْمِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ، وقُدِّمَ ذِكْرُ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلى مَزِيَّتِهِ في الزَمَنِ تَشْرِيفًا خاصًّا لَهُ أيْضًا، ورُوِيَ عنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ: « "كُنْتُ أوَّلُ الأنْبِياءِ في الخَلْقِ وآخِرُهم في البَعْثِ".»
وكَرَّرَ أخْذَ المِيثاقِ لِمَكانِ الصِفَةِ الَّتِي وُصِفَ بِها، و"غَلِيظًا" إشْعارٌ بِحُرْمَةٍ هَذا المِيثاقِ وقُوَّتِها، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "لِيَسْألَ"﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"أخَذْنا"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامُ كَيْ، أيْ: بُعِثَتِ الرُسُلُ وأُخِذَتْ عَلَيْها المَواثِيقُ في التَبْلِيغِ لِكَيْ يَجْعَلَ اللهُ خَلْقَهُ فِرْقَتَيْنِ، فِرْقَةٌ صادِقَةٌ يَسْألُها عن صِدْقِها، عَلى مَعْنى إقامَةِ الحُجَّةِ والتَقْرِيرِ، كَما قالَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [المائدة: ١١٦] ؟ فَتُجِيبُهُ كَأنَّها قَدْ صَدَّقَتِ اللهُ في إيمانِها وجَمِيعِ أفْعالِها، فَيُثِيبُها عَلى ذَلِكَ، وفُرْقَةٌ كَفَرَتْ فَيَنالُها ما أُعِدَّ لَها مِنَ العَذابِ الألِيمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَسْألَ" لامُ الصَيْرُورَةِ، أيْ: أخَذَ المَواثِيقَ عَلى الأنْبِياءِ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى كَذا، والأوَّلُ أصْوَبُ.
والصِدْقُ في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُضادُّ لِلْكَذِبِ في القَوْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ (p-٩٥)يَكُونُ مِن صِدْقِ الأفْعالِ واسْتِقامَتِها، ومِنهُ: عَوْدُ صِدْقٍ، وصَدَقَنِي السَيْفُ والمالُ، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ "الصادِقِينَ"﴾ في هَذِهِ الآيَةِ أرادَ بِهِمُ الرُسُلَ، أيْ: يَسْألُهم عن تَبْلِيغِهِمْ، وقالَ أيْضًا: أرادَ المُؤَدِّينَ المُبَلِّغِينَ عَنِ الرُسُلِ. وهَذا كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ﴾ [المائدة: ١١]، إلى قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿يا أيُّها النَبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨] نَزَلَتْ في شَأْنِ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ وما اتَّصَلَ بِها مِن أمْرِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أجْلى بَنِي النَضِيرِ مِن مَوْضِعِهِمْ عِنْدَ المَدِينَةِ إلى خَيْبَرَ، فاجْتَمَعَتْ جَماعَةٌ مِنهم ومَن غَيْرِهِمْ مِنَ اليَهُودِ وخَرَجُوا إلى مَكَّةَ مُسْتَنْهِضِينَ قُرَيْشًا إلى حَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وجَسَّرُوهم عَلى ذَلِكَ، وأزْمَعَتْ قُرَيْشٌ السَيْرَ إلى المَدِينَةِ، ونَهَضَ اليَهُودُ إلى غَطْفانَ وبَنِي أسَدٍ ومَن أمَّلَهم مِن أهْلِ نَجْدٍ وتِهامَةَ، فاسْتَنْفَرُوهم إلى ذَلِكَ، فَتَحَزَّبَ الناسُ وسارُوا إلى المَدِينَةِ، واتَّصَلَ الخَبَرُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَحَفَرَ الخَنْدَقَ حَوْلَ دِيارٍ بِالمَدِينَةِ وحِصْنِهِ، وكانَ أمْرًا لَمْ تَعْهَدْهُ العَرَبُ، وإنَّما كانَ مِن أعْمالِ فارِسٍ والرُومِ، وأشارَ بِهِ سَلْمانُ الفارِسِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَوَرَدَ الأحْزابُ، قُرَيْشٌ وكِنانَةُ والأحابِيشُ في نَحْوِ عَشَرَةِ آلافٍ عَلَيْهِمْ أبُو سُفْيانُ بْنُ حَرْبٍ، ووَرَدَتْ غَطْفانُ وأهْلُ نَجْدٍ عَلَيْهِمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنُ بَدْرٍ الفَزارِيُّ، ووَرَدَتْ بَنُو عامِرٍ وغَيْرُهم عَلَيْهِمْ عامِرُ بْنُ الطُفَيْلِ إلى غَيْرِ هَؤُلاءِ، فَحَصَرُوا المَدِينَةَ، وذَلِكَ في شَوّالِ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ، عَلى ما قالَ ابْنُ إسْحاقٍ، وقالَ مالِكٌ: كانَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ، وكانَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ قَدْ عاهَدُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلى الهُدْنَةِ، وعاقَدُوهُ عَلى أنْ لا يَلْحَقُهُ مِنهم ضَرَرٌ، فَلَمّا تَمَكَّنَ هَذا الحِصارُ واثَقَهم بَنُو النَضِيرِ، فَغَدَرُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ، ونَقَضُوا العَهْدَ، وصارُوا لَهُ حِزْبًا مَعَ الأحْزابِ، فَضاقَ الحالُ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، وكَثُرَتِ الظُنُونُ ورَسُولُ اللهِ ﷺ يُبَشِّرُ ويَعِدُ بِالنَصْرِ.
ثُمَّ ألْقى اللهُ تَعالى الرُعْبَ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، ويَئِسُوا مِنَ الظَفَرِ بِمَنَعَةِ الخَنْدَقِ، وبِما رَأوا مِن جَلَدِ المُؤْمِنِينَ، وجاءَ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ اسْمَهُ نَوْفَلُ بْنُ الحارِثِ - وقِيلَ غَيْرُ هَذا - فاقْتَحَمَ الخَنْدَقَ بِفَرَسِهِ فَقُتِلَ فِيهِ، فَكانَ ذَلِكَ حاجِزًا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ إنَّ اللهَ تَعالى بَعَثَ (p-٩٦)الصِبا لِنُصْرَةِ نَبِيِّهِ ﷺ عَلى الكُفّارِ، فَطَرَدَتْهُمْ، وهَدَّدَتْ بُيُوتَهُمْ، وأطْفَأتْ نِيرانَهُمْ، وقَطَعَتْ حِبالَهُمْ، وأطِفَأتْ قُدُورَهُمْ، ولَمْ يُمْكِنْهم مَعَها قَرارٌ، وبَعَثَ اللهُ مَعَ الصِبا مَلائِكَةً تُشَدِّدُ الرِيحَ، وتَفْعَلُ نَحْوَ فِعْلِها، وتُلْقِي الرُعْبَ في قُلُوبِ الكَفَرَةِ حَتّى أزْمَعُوا الرِحْلَةَ بَعْدَ بِضْعٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً لِلْحَصْرِ، فانْصَرَفُوا خائِبِينَ، فَهَذِهِ الجُنُودُ الَّتِي لَمْ تُرَ.» وقَرَأ الحَسَنُ: "وَجُنُودًا" بِفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَعْمَلُونَ بِالتاءِ، فَكَأنَّ في الآيَةِ مُقابَلَةً لَهُمْ، أيْ: أنْتُمْ لَمْ تَرَوْا جُنُودَهُ وهو بَصِيرٌ بِأعْمالِكُمْ، فَيَتَبَيَّنُ في هَذا القُدْرَةِ والسُلْطانِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو وحْدَهُ: "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ عَلى مَعْنى الوَعِيدِ لِلْكَفَرَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو أيْضًا بِالتاءِ، وهُما حَسَنَتانِ، ورُوِيَ عن أبِي عُمْرَةَ: "لَمْ يَرَوْها" مِن تَحْتٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قِراءَةُ العامَّةِ: "لَمْ تَرَوْها" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، ونافِعٍ، والأعْرَجِ: "يَعْلَمُونَ" بِالتاءِ.
الأحزاب 33:9
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ﴿لِيَسْألَ الصادِقِينَ عن صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وكانَ اللهِ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾
"إذْ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ظَرْفًا لِسَطْرِ الأحْكامِ المُتَقَدِّمَةِ في الكِتابِ، كَأنَّهُ قالَ: كانَتْ هَذِهِ الأحْكامُ مُسَطَّرَةٌ مُلْقاةٌ إلى الأنْبِياءِ إذْ أخَذْنا عَلَيْهِمُ المِيثاقَ في التَبْلِيغِ والشَرائِعِ، فَيَكُونُ "إذْ" مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب: ٦]. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ (p-٩٤)بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ، وهَذا التَأْوِيلُ أبْيَنُ مِنَ الأوَّلِ:
وهَذا المِيثاقُ المُشارُ إلَيْهِ قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: إنَّهُ الَّذِي أخَذَ عَلَيْهِمْ وقْتَ اسْتِخْراجِ البَشَرِ مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَرِّ، قالُوا: فَأخَذَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى حِينَئِذٍ مِيثاقَ النَبِيِّينَ بِالتَبْلِيغِ وبِتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وبِجَمِيعِ ما تَتَضَمَّنُهُ النُبُوَّةُ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أشارَ إلى أخْذِ المِيثاقِ عَلى كُلٍّ واحِدٍ مِنهم عِنْدَ بَعْثِهِ، وإلى إلْقاءِ الرِسالَةِ إلَيْهِ وأوامِرِها ومُعْتَقَداتِها.
وذَكَرَ اللهُ تَعالى النَبِيِّينَ جُمْلَةً، ثُمَّ خَصَّصَ بِالذِكْرِ أفْرادًا مِنهم تَشْرِيفًا وتَعْظِيمًا، إذْ هَؤُلاءِ الخَمْسَةُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ هم أصْحابُ الكُتُبِ والشَرائِعِ والحُرُوبِ الفاصِلَةِ عَلى التَوْحِيدِ وأُولُو العَزْمِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ، وقُدِّمَ ذِكْرُ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلى مَزِيَّتِهِ في الزَمَنِ تَشْرِيفًا خاصًّا لَهُ أيْضًا، ورُوِيَ عنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ: « "كُنْتُ أوَّلُ الأنْبِياءِ في الخَلْقِ وآخِرُهم في البَعْثِ".»
وكَرَّرَ أخْذَ المِيثاقِ لِمَكانِ الصِفَةِ الَّتِي وُصِفَ بِها، و"غَلِيظًا" إشْعارٌ بِحُرْمَةٍ هَذا المِيثاقِ وقُوَّتِها، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "لِيَسْألَ"﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"أخَذْنا"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامُ كَيْ، أيْ: بُعِثَتِ الرُسُلُ وأُخِذَتْ عَلَيْها المَواثِيقُ في التَبْلِيغِ لِكَيْ يَجْعَلَ اللهُ خَلْقَهُ فِرْقَتَيْنِ، فِرْقَةٌ صادِقَةٌ يَسْألُها عن صِدْقِها، عَلى مَعْنى إقامَةِ الحُجَّةِ والتَقْرِيرِ، كَما قالَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [المائدة: ١١٦] ؟ فَتُجِيبُهُ كَأنَّها قَدْ صَدَّقَتِ اللهُ في إيمانِها وجَمِيعِ أفْعالِها، فَيُثِيبُها عَلى ذَلِكَ، وفُرْقَةٌ كَفَرَتْ فَيَنالُها ما أُعِدَّ لَها مِنَ العَذابِ الألِيمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَسْألَ" لامُ الصَيْرُورَةِ، أيْ: أخَذَ المَواثِيقَ عَلى الأنْبِياءِ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى كَذا، والأوَّلُ أصْوَبُ.
والصِدْقُ في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُضادُّ لِلْكَذِبِ في القَوْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ (p-٩٥)يَكُونُ مِن صِدْقِ الأفْعالِ واسْتِقامَتِها، ومِنهُ: عَوْدُ صِدْقٍ، وصَدَقَنِي السَيْفُ والمالُ، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ "الصادِقِينَ"﴾ في هَذِهِ الآيَةِ أرادَ بِهِمُ الرُسُلَ، أيْ: يَسْألُهم عن تَبْلِيغِهِمْ، وقالَ أيْضًا: أرادَ المُؤَدِّينَ المُبَلِّغِينَ عَنِ الرُسُلِ. وهَذا كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ﴾ [المائدة: ١١]، إلى قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿يا أيُّها النَبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨] نَزَلَتْ في شَأْنِ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ وما اتَّصَلَ بِها مِن أمْرِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أجْلى بَنِي النَضِيرِ مِن مَوْضِعِهِمْ عِنْدَ المَدِينَةِ إلى خَيْبَرَ، فاجْتَمَعَتْ جَماعَةٌ مِنهم ومَن غَيْرِهِمْ مِنَ اليَهُودِ وخَرَجُوا إلى مَكَّةَ مُسْتَنْهِضِينَ قُرَيْشًا إلى حَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وجَسَّرُوهم عَلى ذَلِكَ، وأزْمَعَتْ قُرَيْشٌ السَيْرَ إلى المَدِينَةِ، ونَهَضَ اليَهُودُ إلى غَطْفانَ وبَنِي أسَدٍ ومَن أمَّلَهم مِن أهْلِ نَجْدٍ وتِهامَةَ، فاسْتَنْفَرُوهم إلى ذَلِكَ، فَتَحَزَّبَ الناسُ وسارُوا إلى المَدِينَةِ، واتَّصَلَ الخَبَرُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَحَفَرَ الخَنْدَقَ حَوْلَ دِيارٍ بِالمَدِينَةِ وحِصْنِهِ، وكانَ أمْرًا لَمْ تَعْهَدْهُ العَرَبُ، وإنَّما كانَ مِن أعْمالِ فارِسٍ والرُومِ، وأشارَ بِهِ سَلْمانُ الفارِسِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَوَرَدَ الأحْزابُ، قُرَيْشٌ وكِنانَةُ والأحابِيشُ في نَحْوِ عَشَرَةِ آلافٍ عَلَيْهِمْ أبُو سُفْيانُ بْنُ حَرْبٍ، ووَرَدَتْ غَطْفانُ وأهْلُ نَجْدٍ عَلَيْهِمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنُ بَدْرٍ الفَزارِيُّ، ووَرَدَتْ بَنُو عامِرٍ وغَيْرُهم عَلَيْهِمْ عامِرُ بْنُ الطُفَيْلِ إلى غَيْرِ هَؤُلاءِ، فَحَصَرُوا المَدِينَةَ، وذَلِكَ في شَوّالِ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ، عَلى ما قالَ ابْنُ إسْحاقٍ، وقالَ مالِكٌ: كانَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ، وكانَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ قَدْ عاهَدُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلى الهُدْنَةِ، وعاقَدُوهُ عَلى أنْ لا يَلْحَقُهُ مِنهم ضَرَرٌ، فَلَمّا تَمَكَّنَ هَذا الحِصارُ واثَقَهم بَنُو النَضِيرِ، فَغَدَرُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ، ونَقَضُوا العَهْدَ، وصارُوا لَهُ حِزْبًا مَعَ الأحْزابِ، فَضاقَ الحالُ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، وكَثُرَتِ الظُنُونُ ورَسُولُ اللهِ ﷺ يُبَشِّرُ ويَعِدُ بِالنَصْرِ.
ثُمَّ ألْقى اللهُ تَعالى الرُعْبَ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، ويَئِسُوا مِنَ الظَفَرِ بِمَنَعَةِ الخَنْدَقِ، وبِما رَأوا مِن جَلَدِ المُؤْمِنِينَ، وجاءَ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ اسْمَهُ نَوْفَلُ بْنُ الحارِثِ - وقِيلَ غَيْرُ هَذا - فاقْتَحَمَ الخَنْدَقَ بِفَرَسِهِ فَقُتِلَ فِيهِ، فَكانَ ذَلِكَ حاجِزًا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ إنَّ اللهَ تَعالى بَعَثَ (p-٩٦)الصِبا لِنُصْرَةِ نَبِيِّهِ ﷺ عَلى الكُفّارِ، فَطَرَدَتْهُمْ، وهَدَّدَتْ بُيُوتَهُمْ، وأطْفَأتْ نِيرانَهُمْ، وقَطَعَتْ حِبالَهُمْ، وأطِفَأتْ قُدُورَهُمْ، ولَمْ يُمْكِنْهم مَعَها قَرارٌ، وبَعَثَ اللهُ مَعَ الصِبا مَلائِكَةً تُشَدِّدُ الرِيحَ، وتَفْعَلُ نَحْوَ فِعْلِها، وتُلْقِي الرُعْبَ في قُلُوبِ الكَفَرَةِ حَتّى أزْمَعُوا الرِحْلَةَ بَعْدَ بِضْعٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً لِلْحَصْرِ، فانْصَرَفُوا خائِبِينَ، فَهَذِهِ الجُنُودُ الَّتِي لَمْ تُرَ.» وقَرَأ الحَسَنُ: "وَجُنُودًا" بِفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَعْمَلُونَ بِالتاءِ، فَكَأنَّ في الآيَةِ مُقابَلَةً لَهُمْ، أيْ: أنْتُمْ لَمْ تَرَوْا جُنُودَهُ وهو بَصِيرٌ بِأعْمالِكُمْ، فَيَتَبَيَّنُ في هَذا القُدْرَةِ والسُلْطانِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو وحْدَهُ: "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ عَلى مَعْنى الوَعِيدِ لِلْكَفَرَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو أيْضًا بِالتاءِ، وهُما حَسَنَتانِ، ورُوِيَ عن أبِي عُمْرَةَ: "لَمْ يَرَوْها" مِن تَحْتٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قِراءَةُ العامَّةِ: "لَمْ تَرَوْها" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، ونافِعٍ، والأعْرَجِ: "يَعْلَمُونَ" بِالتاءِ.
الأحزاب 33:10
قوله عزّ وجلّ:
﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُنُونا﴾ ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ ﴿وَإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾
"إذْ" هَذِهِ بَدَلٌ مِنَ الأُولى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ جاءَتْكُمْ﴾ [الأحزاب: ٩]، وقَوْلُهُ: ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ يُرِيدُ أهْلَ نَجْدٍ مَعَ عُيَيْنَةَ بْنِ حُصَنٍ، ﴿وَمِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ يُرِيدُ مَكَّةَ وسائِرَ تُهامَةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ أيْ: مِن أعْلى الوادِي مِن قِبَلِ مَشْرَفِ غَطْفانِ، ﴿وَمِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي مِنهُ قِبَلَ المَغْرِبِ وقِيلَ: إنَّما أرادَ ما يَخْتَصُّ بِبُقْعَةِ المَدِينَةِ، أيْ: نَزَلَتْ طائِفَةٌ في أعْلى المَدِينَةِ، وطائِفَةٌ في أسْفَلِها، وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ الحَصْرِ.
و﴿زاغَتِ الأبْصارُ﴾ مَعْناهُ: مالَتْ عن مَواضِعِها، وذَلِكَ فِعْلُ الوالِهِ الفَزَعِ، وأدْغَمَ الأعْمَشُ "إذْ زاغَتِ"، وبَيَّنَ الذالَ الجُمْهُورُ، وكُلٌّ حَسَنٌ.
﴿وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ عِبارَةٌ عَمّا يَجِدُهُ الهَلَعُ مِن ثَوَرانِ نَفْسِهِ وتَفَرُّقِها شُعاعًا، ويَجِدُ كَأنَّ حَشَوْتَهُ وقَلْبَهُ يَصْعَدُ عُلُوًّا لِيَنْفَصِلَ، فَلَيْسَ بُلُوغُ القُلُوبِ الحَناجِرَ حَقِيقَةً بِالنَقْلَةِ، بَلْ (p-٩٧)يُشِيرُ إلى ذَلِكَ، فَيُسْتَعارُ لَها بُلُوغُ الحَناجِرِ، ورَوى أبُو سَعِيدٍ «أنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا يَوْمَ الخَنْدَقِ: يا رَسُولَ اللهِ، بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ، فَهَلْ مِن شَيْءٍ نَقُولُهُ؟ قالَ نَعَمْ، قُولُوا: "اللهُمَّ اسْتُرْ عَوْراتِنا، وآمِن رَوْعاتِنا"، فَقالُوها فَضَرَبَ اللهُ تَعالى وُجُوَهَ الكُفّارِ بِالرِيحِ فَهَزَمَهم.»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُنُونا﴾، أيْ: تَكادُونَ تَضْطَرِبُونَ وتَقُولُونَ: ما هَذا الخُلْفُ لِلْمَوْعِدِ؟ وهَذِهِ عِبارَةٌ عن خَواطِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ لا يُمْكِنُ لِلْبَشَرِ دَفَعُها، وأمّا المُنافِقُونَ فَجَلَّحُوا ونَطَقُوا. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ: "الظُنُونا" بِألْفٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وذَلِكَ اتِّباعٌ لِخَطِّ المُصْحَفِ، وعِلَّتُهُ تَعْدِيلُ رُؤُوسِ الآيِ، وطَرْدُ هَذِهِ العِلَّةِ أنْ يُلازِمَ الوَقْفَ. وقَدْ رُوِيَ عن أبِي عَمْرُو أنَّهُ كانَ لا يَصِلُ، فَكّانِ لا يُوافِقُ خَطَّ المُصْحَفِ وقِياسَ الفَواصِلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو أيْضًا، وحَمْزَةُ في الوَصْلِ والوَقْفِ: "الظُنُونَ" بِغَيْرِ ألْفٍ، وهَذا هو الأصْلُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرُو بِالألْفِ في الوَقْفِ، وبِحَذْفِها في الوَصْلِ، وعَلَّلُوا الوَقْفَ بِتَساوِي رُؤُوسِ الآيِ، وبِما يَفْعَلُ العَرَبُ في القَوافِي مِنَ الزِيادَةِ والنَقْصِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "هُنالِكَ"﴾ ظَرْفُ زَمانٍ، والعامِلُ فِيهِ ﴿ "ابْتُلِيَ"،﴾ ومَن قالَ: إنِ العامِلَ فِيهِ "وَتَظُنُّونَ" فَلَيْسَ قَوْلُهُ بِالقَوِيِّ؛ لِأنَّ البُداءَةَ لَيْسَتْ بِمُتَمَكِّنَةٍ. و"ابْتُلِيَ" مَعْناهُ: اخْتُبِرَ وامْتُحِنَ الصابِرُ مِنهم مَنِ الجازِعِ، ﴿ "وَزُلْزِلُوا"﴾ مَعْناهُ: حُرِّكُوا بِعُنْفٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زِلْزالًا" بِكَسْرِ الزايِ، وقَرَأها "زِلْزالًا" بِالفَتْحِ: الجَحْدَرِيُّ، وكَذَلِكَ "زَلْزالَها" في ﴿إذا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١].
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى قَوْلَ المُنافِقِينَ والمَرْضى القُلُوبِ، ونَبَّهَ عَلَيْهِمْ عَلى جِهَةِ الذَمِّ لَهُمْ، ورُوِيَ «عن (p-٩٨)يَزِيدِ بْنِ رُومانٍ أنَّ مُعَتَّبَ بْنَ قُشَيْرٍ قالَ: يَعِدُنا مُحَمَّدٌ أنْ نَفْتَحَ كُنُوزَ كِسْرى وقَيْصَرَ ومَكَّةَ ونَحْنُ الآنُ لا يَقْدِرُ أحَدُنا أنْ يَذْهَبَ إلى الغائِطِ، ما يَعِدُنا إلّا غُرُورًا، أيْ أمْرًا يَغُرُّنا ويُوقِعُنا فِيما لا طاقَةَ لَنا بِهِ، وقالَ غَيْرُهُ مِنَ المُنافِقِينَ نَحْوَ هَذا فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ،» وقَوْلُهُمْ: ﴿ما وعَدَنا اللهُ ورَسُولُهُ﴾ إنَّما هو عَلى جِهَةِ الهَزْءِ، كَأنَّهم يَقُولُونَ: عَلى زَعْمِ هَذا الَّذِي يَدَّعِي، أنَّهُ رَسُولٌ، يَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ مِنَ المُحالِ أنْ يَكُونَ اعْتِقادُهم أنَّ ذَلِكَ الوَعْدَ هو مِنَ اللهِ ومِن رَسُولِهِ ثُمَّ يَصِفُونَهُ بِالغُرُورِ، بَلْ مَعْناهُ: عَلى زَعْمِ هَذا.
الأحزاب 33:11
قوله عزّ وجلّ:
﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُنُونا﴾ ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ ﴿وَإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾
"إذْ" هَذِهِ بَدَلٌ مِنَ الأُولى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ جاءَتْكُمْ﴾ [الأحزاب: ٩]، وقَوْلُهُ: ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ يُرِيدُ أهْلَ نَجْدٍ مَعَ عُيَيْنَةَ بْنِ حُصَنٍ، ﴿وَمِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ يُرِيدُ مَكَّةَ وسائِرَ تُهامَةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ أيْ: مِن أعْلى الوادِي مِن قِبَلِ مَشْرَفِ غَطْفانِ، ﴿وَمِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي مِنهُ قِبَلَ المَغْرِبِ وقِيلَ: إنَّما أرادَ ما يَخْتَصُّ بِبُقْعَةِ المَدِينَةِ، أيْ: نَزَلَتْ طائِفَةٌ في أعْلى المَدِينَةِ، وطائِفَةٌ في أسْفَلِها، وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ الحَصْرِ.
و﴿زاغَتِ الأبْصارُ﴾ مَعْناهُ: مالَتْ عن مَواضِعِها، وذَلِكَ فِعْلُ الوالِهِ الفَزَعِ، وأدْغَمَ الأعْمَشُ "إذْ زاغَتِ"، وبَيَّنَ الذالَ الجُمْهُورُ، وكُلٌّ حَسَنٌ.
﴿وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ عِبارَةٌ عَمّا يَجِدُهُ الهَلَعُ مِن ثَوَرانِ نَفْسِهِ وتَفَرُّقِها شُعاعًا، ويَجِدُ كَأنَّ حَشَوْتَهُ وقَلْبَهُ يَصْعَدُ عُلُوًّا لِيَنْفَصِلَ، فَلَيْسَ بُلُوغُ القُلُوبِ الحَناجِرَ حَقِيقَةً بِالنَقْلَةِ، بَلْ (p-٩٧)يُشِيرُ إلى ذَلِكَ، فَيُسْتَعارُ لَها بُلُوغُ الحَناجِرِ، ورَوى أبُو سَعِيدٍ «أنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا يَوْمَ الخَنْدَقِ: يا رَسُولَ اللهِ، بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ، فَهَلْ مِن شَيْءٍ نَقُولُهُ؟ قالَ نَعَمْ، قُولُوا: "اللهُمَّ اسْتُرْ عَوْراتِنا، وآمِن رَوْعاتِنا"، فَقالُوها فَضَرَبَ اللهُ تَعالى وُجُوَهَ الكُفّارِ بِالرِيحِ فَهَزَمَهم.»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُنُونا﴾، أيْ: تَكادُونَ تَضْطَرِبُونَ وتَقُولُونَ: ما هَذا الخُلْفُ لِلْمَوْعِدِ؟ وهَذِهِ عِبارَةٌ عن خَواطِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ لا يُمْكِنُ لِلْبَشَرِ دَفَعُها، وأمّا المُنافِقُونَ فَجَلَّحُوا ونَطَقُوا. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ: "الظُنُونا" بِألْفٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وذَلِكَ اتِّباعٌ لِخَطِّ المُصْحَفِ، وعِلَّتُهُ تَعْدِيلُ رُؤُوسِ الآيِ، وطَرْدُ هَذِهِ العِلَّةِ أنْ يُلازِمَ الوَقْفَ. وقَدْ رُوِيَ عن أبِي عَمْرُو أنَّهُ كانَ لا يَصِلُ، فَكّانِ لا يُوافِقُ خَطَّ المُصْحَفِ وقِياسَ الفَواصِلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو أيْضًا، وحَمْزَةُ في الوَصْلِ والوَقْفِ: "الظُنُونَ" بِغَيْرِ ألْفٍ، وهَذا هو الأصْلُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرُو بِالألْفِ في الوَقْفِ، وبِحَذْفِها في الوَصْلِ، وعَلَّلُوا الوَقْفَ بِتَساوِي رُؤُوسِ الآيِ، وبِما يَفْعَلُ العَرَبُ في القَوافِي مِنَ الزِيادَةِ والنَقْصِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "هُنالِكَ"﴾ ظَرْفُ زَمانٍ، والعامِلُ فِيهِ ﴿ "ابْتُلِيَ"،﴾ ومَن قالَ: إنِ العامِلَ فِيهِ "وَتَظُنُّونَ" فَلَيْسَ قَوْلُهُ بِالقَوِيِّ؛ لِأنَّ البُداءَةَ لَيْسَتْ بِمُتَمَكِّنَةٍ. و"ابْتُلِيَ" مَعْناهُ: اخْتُبِرَ وامْتُحِنَ الصابِرُ مِنهم مَنِ الجازِعِ، ﴿ "وَزُلْزِلُوا"﴾ مَعْناهُ: حُرِّكُوا بِعُنْفٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زِلْزالًا" بِكَسْرِ الزايِ، وقَرَأها "زِلْزالًا" بِالفَتْحِ: الجَحْدَرِيُّ، وكَذَلِكَ "زَلْزالَها" في ﴿إذا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١].
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى قَوْلَ المُنافِقِينَ والمَرْضى القُلُوبِ، ونَبَّهَ عَلَيْهِمْ عَلى جِهَةِ الذَمِّ لَهُمْ، ورُوِيَ «عن (p-٩٨)يَزِيدِ بْنِ رُومانٍ أنَّ مُعَتَّبَ بْنَ قُشَيْرٍ قالَ: يَعِدُنا مُحَمَّدٌ أنْ نَفْتَحَ كُنُوزَ كِسْرى وقَيْصَرَ ومَكَّةَ ونَحْنُ الآنُ لا يَقْدِرُ أحَدُنا أنْ يَذْهَبَ إلى الغائِطِ، ما يَعِدُنا إلّا غُرُورًا، أيْ أمْرًا يَغُرُّنا ويُوقِعُنا فِيما لا طاقَةَ لَنا بِهِ، وقالَ غَيْرُهُ مِنَ المُنافِقِينَ نَحْوَ هَذا فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ،» وقَوْلُهُمْ: ﴿ما وعَدَنا اللهُ ورَسُولُهُ﴾ إنَّما هو عَلى جِهَةِ الهَزْءِ، كَأنَّهم يَقُولُونَ: عَلى زَعْمِ هَذا الَّذِي يَدَّعِي، أنَّهُ رَسُولٌ، يَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ مِنَ المُحالِ أنْ يَكُونَ اعْتِقادُهم أنَّ ذَلِكَ الوَعْدَ هو مِنَ اللهِ ومِن رَسُولِهِ ثُمَّ يَصِفُونَهُ بِالغُرُورِ، بَلْ مَعْناهُ: عَلى زَعْمِ هَذا.
الأحزاب 33:12
قوله عزّ وجلّ:
﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُنُونا﴾ ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ ﴿وَإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾
"إذْ" هَذِهِ بَدَلٌ مِنَ الأُولى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ جاءَتْكُمْ﴾ [الأحزاب: ٩]، وقَوْلُهُ: ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ يُرِيدُ أهْلَ نَجْدٍ مَعَ عُيَيْنَةَ بْنِ حُصَنٍ، ﴿وَمِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ يُرِيدُ مَكَّةَ وسائِرَ تُهامَةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ أيْ: مِن أعْلى الوادِي مِن قِبَلِ مَشْرَفِ غَطْفانِ، ﴿وَمِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي مِنهُ قِبَلَ المَغْرِبِ وقِيلَ: إنَّما أرادَ ما يَخْتَصُّ بِبُقْعَةِ المَدِينَةِ، أيْ: نَزَلَتْ طائِفَةٌ في أعْلى المَدِينَةِ، وطائِفَةٌ في أسْفَلِها، وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ الحَصْرِ.
و﴿زاغَتِ الأبْصارُ﴾ مَعْناهُ: مالَتْ عن مَواضِعِها، وذَلِكَ فِعْلُ الوالِهِ الفَزَعِ، وأدْغَمَ الأعْمَشُ "إذْ زاغَتِ"، وبَيَّنَ الذالَ الجُمْهُورُ، وكُلٌّ حَسَنٌ.
﴿وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ عِبارَةٌ عَمّا يَجِدُهُ الهَلَعُ مِن ثَوَرانِ نَفْسِهِ وتَفَرُّقِها شُعاعًا، ويَجِدُ كَأنَّ حَشَوْتَهُ وقَلْبَهُ يَصْعَدُ عُلُوًّا لِيَنْفَصِلَ، فَلَيْسَ بُلُوغُ القُلُوبِ الحَناجِرَ حَقِيقَةً بِالنَقْلَةِ، بَلْ (p-٩٧)يُشِيرُ إلى ذَلِكَ، فَيُسْتَعارُ لَها بُلُوغُ الحَناجِرِ، ورَوى أبُو سَعِيدٍ «أنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا يَوْمَ الخَنْدَقِ: يا رَسُولَ اللهِ، بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ، فَهَلْ مِن شَيْءٍ نَقُولُهُ؟ قالَ نَعَمْ، قُولُوا: "اللهُمَّ اسْتُرْ عَوْراتِنا، وآمِن رَوْعاتِنا"، فَقالُوها فَضَرَبَ اللهُ تَعالى وُجُوَهَ الكُفّارِ بِالرِيحِ فَهَزَمَهم.»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُنُونا﴾، أيْ: تَكادُونَ تَضْطَرِبُونَ وتَقُولُونَ: ما هَذا الخُلْفُ لِلْمَوْعِدِ؟ وهَذِهِ عِبارَةٌ عن خَواطِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ لا يُمْكِنُ لِلْبَشَرِ دَفَعُها، وأمّا المُنافِقُونَ فَجَلَّحُوا ونَطَقُوا. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ: "الظُنُونا" بِألْفٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وذَلِكَ اتِّباعٌ لِخَطِّ المُصْحَفِ، وعِلَّتُهُ تَعْدِيلُ رُؤُوسِ الآيِ، وطَرْدُ هَذِهِ العِلَّةِ أنْ يُلازِمَ الوَقْفَ. وقَدْ رُوِيَ عن أبِي عَمْرُو أنَّهُ كانَ لا يَصِلُ، فَكّانِ لا يُوافِقُ خَطَّ المُصْحَفِ وقِياسَ الفَواصِلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو أيْضًا، وحَمْزَةُ في الوَصْلِ والوَقْفِ: "الظُنُونَ" بِغَيْرِ ألْفٍ، وهَذا هو الأصْلُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرُو بِالألْفِ في الوَقْفِ، وبِحَذْفِها في الوَصْلِ، وعَلَّلُوا الوَقْفَ بِتَساوِي رُؤُوسِ الآيِ، وبِما يَفْعَلُ العَرَبُ في القَوافِي مِنَ الزِيادَةِ والنَقْصِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "هُنالِكَ"﴾ ظَرْفُ زَمانٍ، والعامِلُ فِيهِ ﴿ "ابْتُلِيَ"،﴾ ومَن قالَ: إنِ العامِلَ فِيهِ "وَتَظُنُّونَ" فَلَيْسَ قَوْلُهُ بِالقَوِيِّ؛ لِأنَّ البُداءَةَ لَيْسَتْ بِمُتَمَكِّنَةٍ. و"ابْتُلِيَ" مَعْناهُ: اخْتُبِرَ وامْتُحِنَ الصابِرُ مِنهم مَنِ الجازِعِ، ﴿ "وَزُلْزِلُوا"﴾ مَعْناهُ: حُرِّكُوا بِعُنْفٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زِلْزالًا" بِكَسْرِ الزايِ، وقَرَأها "زِلْزالًا" بِالفَتْحِ: الجَحْدَرِيُّ، وكَذَلِكَ "زَلْزالَها" في ﴿إذا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١].
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى قَوْلَ المُنافِقِينَ والمَرْضى القُلُوبِ، ونَبَّهَ عَلَيْهِمْ عَلى جِهَةِ الذَمِّ لَهُمْ، ورُوِيَ «عن (p-٩٨)يَزِيدِ بْنِ رُومانٍ أنَّ مُعَتَّبَ بْنَ قُشَيْرٍ قالَ: يَعِدُنا مُحَمَّدٌ أنْ نَفْتَحَ كُنُوزَ كِسْرى وقَيْصَرَ ومَكَّةَ ونَحْنُ الآنُ لا يَقْدِرُ أحَدُنا أنْ يَذْهَبَ إلى الغائِطِ، ما يَعِدُنا إلّا غُرُورًا، أيْ أمْرًا يَغُرُّنا ويُوقِعُنا فِيما لا طاقَةَ لَنا بِهِ، وقالَ غَيْرُهُ مِنَ المُنافِقِينَ نَحْوَ هَذا فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ،» وقَوْلُهُمْ: ﴿ما وعَدَنا اللهُ ورَسُولُهُ﴾ إنَّما هو عَلى جِهَةِ الهَزْءِ، كَأنَّهم يَقُولُونَ: عَلى زَعْمِ هَذا الَّذِي يَدَّعِي، أنَّهُ رَسُولٌ، يَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ مِنَ المُحالِ أنْ يَكُونَ اعْتِقادُهم أنَّ ذَلِكَ الوَعْدَ هو مِنَ اللهِ ومِن رَسُولِهِ ثُمَّ يَصِفُونَهُ بِالغُرُورِ، بَلْ مَعْناهُ: عَلى زَعْمِ هَذا.
الأحزاب 33:13
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهم النَبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنَّ يُرِيدُونَ إلا فِرارًا﴾ ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْها وما تَلَبَّثُوا بِها إلا يَسِيرًا﴾ ﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللهَ مَسْؤُولا﴾
هَذِهِ المَقالَةُ رُوِيَ أنَّ بَنِي حارِثَةَ قالُوها، وبُيُوتُهم بِحُدُودِ المَدِينَةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: بَنُو سَلَمَةَ، وقِيلَ: القائِلُ لِذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وأصْحابُهُ. وقَرَأ السِلْمِيُّ، وحَفَصٌ، واليَمانِيُّ، والأعْرَجُ: "لا مَقامَ" بِضَمِّ المِيمِ، بِمَعْنى: لا مَوْضِعَ قِيامٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي رَجاءٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والنَخْعِيِّ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ، وطِلْحَةَ، والمَعْنى: في حَوْمَةِ القِتالِ ومَوْضِعِ المُمانَعَةِ. ﴿ "فارْجِعُوا"﴾ مَعْناهُ: إلى مَنازِلِكم وبُيُوتِكُمْ، وكانَ هَذا عَلى جِهَةِ التَخْذِيلِ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ.
والفَرِيقُ المُسْتَأْذِنُ، رُوِيَ أنَّ أوسَ بْنَ قِيظِي، اسْتَأْذَنَ في ذَلِكَ عَنِ اتِّفاقٍ مِن عَشِيرَتِهِ، فَقالَ: إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ، أيْ مُنْكَشِفَةٌ لِلْعَدُوِّ، وقِيلَ: أرادَ: خالِيَةٌ لِلسُّرّاقِ، ويُقالُ: أعْوَرُ المَنزِلِ إذا انْكَشَفَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ لَنا الشَدَّةُ الأُولى إذا القِرْنُ أعْوَرا
(p-٩٩)قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الفَرِيقُ بَنُو حارِثَةَ، وهم كانُوا عاهَدُوا اللهَ إثْرَ أُحُدٍ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ يَعْمَرَ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ: "عَوِرَةٌ" بِكَسْرِ الواوِ فِيهِما، وهو اسْمُ فاعِلٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: "صِحَّةُ الواوِ في هَذِهِ شاذَّةٌ، لِأنَّها مُتَحَرِّكَةٌ قَبْلَها فَتْحَةٌ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "عَوْرَةٌ"﴾ ساكِنَةَ الواوِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، والبَيْتُ المَعْمُورُ هو المُنْفَرِدُ المُعَرَّضُ لِمَن شاءَهُ بِسُوءٍ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى عن بُيُوتِهِمْ أنَّها لَيْسَتْ كَما ذَكَرُوهُ، وأنَّ قَصْدَهُمُ الفِرارَ، وأنَّ ما أظْهَرُوهُ مِن أنَّهم يُرِيدُونَ حِمايَةَ بُيُوتِهِمْ وخاصَّةً نُفُوسَهم لَيْسَ كَذَلِكَ، وأنَّهم إنَّما يَكْرَهُونَ نَصْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ويُرِيدُونَ خِزْيَهُ وأنْ يُغْلَبَ.
ولَوْ دُخِلَتِ المَدِينَةُ مِن أقْطارِها، واشْتَدَّ الخَوْفُ الحَقِيقِيُّ، ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ والحَرْبَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وأصْحابِهِ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ لَطارُوا إلَيْها وأتَوْها مُجِيبِينَ فِيها، ولَمْ يَتَلَبَّثُوا في بُيُوتِهِمْ لِحِفْظِها إلّا يَسِيرًا، قِيلَ: قَدْرَ ما يَأْخُذُونَ سِلاحَهم. وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "ثُمَّ سُوُلُو الفِتْنَةَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، وهي مَن سالَ يُسالُ كَخافَ يُخافُ، لُغَةٌ في "سَألَ" العَيْنُ فِيها واوٌ، وحَكى أبُو زَيْدٍ: هُما يَتَساوَلانِ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: "سُلُوا الفِتْنَةَ"، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "سُوئِلُوا" بِالمَدِّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "لَأتَوْها" بِمَعْنى لَجاؤَوْها، وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرُو: "لَآتَوْها" بِمَعْنى: لَأعْطَوْها مِن أنْفُسِهِمْ، وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، فَكَأنَّها رَدٌّ عَلى السُؤالِ ومُشْبِهَةً لَهُ، قالَ الشَعْبِيُّ: وقَرَأها النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِالمَدِّ.
ثُمَّ أخْبَرَ عنهم تَبارَكَ وتَعالى أنَّهم قَدْ كانُوا عاهَدُوا عَلى أنْ لا يَفِرُّوا، ورُوِيَ عن (p-١٠٠)يَزِيدُ بْنُ رُومانٍ أنَّ هَذِهِ الإشارَةَ إلى بَنِي حارِثَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهم مَعَ بَنِي سَلَمَةَ كانَتا الطائِفَتَيْنِ اللَتَيْنِ هَمَّتا بِالفَشَلِ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ تابُوا وعاهَدا عَلى أنْ لا يَقَعُ فِرارٌ، فَوَقَعَ يَوْمَ الخَنْدَقِ مَن بَنِي حارِثَةَ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُولا﴾ تَوَعُّدٌ. و"الأقْطارُ": النَواحِي، واحِدُها قُطْرٌ وقَتْرٌ، والضَمِيرُ في بِها يُحْتَمَلُ المَدِينَةُ ويُحْتَمَلُ البُيُوتُ.
الأحزاب 33:14
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهم النَبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنَّ يُرِيدُونَ إلا فِرارًا﴾ ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْها وما تَلَبَّثُوا بِها إلا يَسِيرًا﴾ ﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللهَ مَسْؤُولا﴾
هَذِهِ المَقالَةُ رُوِيَ أنَّ بَنِي حارِثَةَ قالُوها، وبُيُوتُهم بِحُدُودِ المَدِينَةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: بَنُو سَلَمَةَ، وقِيلَ: القائِلُ لِذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وأصْحابُهُ. وقَرَأ السِلْمِيُّ، وحَفَصٌ، واليَمانِيُّ، والأعْرَجُ: "لا مَقامَ" بِضَمِّ المِيمِ، بِمَعْنى: لا مَوْضِعَ قِيامٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي رَجاءٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والنَخْعِيِّ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ، وطِلْحَةَ، والمَعْنى: في حَوْمَةِ القِتالِ ومَوْضِعِ المُمانَعَةِ. ﴿ "فارْجِعُوا"﴾ مَعْناهُ: إلى مَنازِلِكم وبُيُوتِكُمْ، وكانَ هَذا عَلى جِهَةِ التَخْذِيلِ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ.
والفَرِيقُ المُسْتَأْذِنُ، رُوِيَ أنَّ أوسَ بْنَ قِيظِي، اسْتَأْذَنَ في ذَلِكَ عَنِ اتِّفاقٍ مِن عَشِيرَتِهِ، فَقالَ: إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ، أيْ مُنْكَشِفَةٌ لِلْعَدُوِّ، وقِيلَ: أرادَ: خالِيَةٌ لِلسُّرّاقِ، ويُقالُ: أعْوَرُ المَنزِلِ إذا انْكَشَفَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ لَنا الشَدَّةُ الأُولى إذا القِرْنُ أعْوَرا
(p-٩٩)قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الفَرِيقُ بَنُو حارِثَةَ، وهم كانُوا عاهَدُوا اللهَ إثْرَ أُحُدٍ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ يَعْمَرَ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ: "عَوِرَةٌ" بِكَسْرِ الواوِ فِيهِما، وهو اسْمُ فاعِلٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: "صِحَّةُ الواوِ في هَذِهِ شاذَّةٌ، لِأنَّها مُتَحَرِّكَةٌ قَبْلَها فَتْحَةٌ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "عَوْرَةٌ"﴾ ساكِنَةَ الواوِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، والبَيْتُ المَعْمُورُ هو المُنْفَرِدُ المُعَرَّضُ لِمَن شاءَهُ بِسُوءٍ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى عن بُيُوتِهِمْ أنَّها لَيْسَتْ كَما ذَكَرُوهُ، وأنَّ قَصْدَهُمُ الفِرارَ، وأنَّ ما أظْهَرُوهُ مِن أنَّهم يُرِيدُونَ حِمايَةَ بُيُوتِهِمْ وخاصَّةً نُفُوسَهم لَيْسَ كَذَلِكَ، وأنَّهم إنَّما يَكْرَهُونَ نَصْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ويُرِيدُونَ خِزْيَهُ وأنْ يُغْلَبَ.
ولَوْ دُخِلَتِ المَدِينَةُ مِن أقْطارِها، واشْتَدَّ الخَوْفُ الحَقِيقِيُّ، ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ والحَرْبَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وأصْحابِهِ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ لَطارُوا إلَيْها وأتَوْها مُجِيبِينَ فِيها، ولَمْ يَتَلَبَّثُوا في بُيُوتِهِمْ لِحِفْظِها إلّا يَسِيرًا، قِيلَ: قَدْرَ ما يَأْخُذُونَ سِلاحَهم. وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "ثُمَّ سُوُلُو الفِتْنَةَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، وهي مَن سالَ يُسالُ كَخافَ يُخافُ، لُغَةٌ في "سَألَ" العَيْنُ فِيها واوٌ، وحَكى أبُو زَيْدٍ: هُما يَتَساوَلانِ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: "سُلُوا الفِتْنَةَ"، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "سُوئِلُوا" بِالمَدِّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "لَأتَوْها" بِمَعْنى لَجاؤَوْها، وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرُو: "لَآتَوْها" بِمَعْنى: لَأعْطَوْها مِن أنْفُسِهِمْ، وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، فَكَأنَّها رَدٌّ عَلى السُؤالِ ومُشْبِهَةً لَهُ، قالَ الشَعْبِيُّ: وقَرَأها النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِالمَدِّ.
ثُمَّ أخْبَرَ عنهم تَبارَكَ وتَعالى أنَّهم قَدْ كانُوا عاهَدُوا عَلى أنْ لا يَفِرُّوا، ورُوِيَ عن (p-١٠٠)يَزِيدُ بْنُ رُومانٍ أنَّ هَذِهِ الإشارَةَ إلى بَنِي حارِثَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهم مَعَ بَنِي سَلَمَةَ كانَتا الطائِفَتَيْنِ اللَتَيْنِ هَمَّتا بِالفَشَلِ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ تابُوا وعاهَدا عَلى أنْ لا يَقَعُ فِرارٌ، فَوَقَعَ يَوْمَ الخَنْدَقِ مَن بَنِي حارِثَةَ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُولا﴾ تَوَعُّدٌ. و"الأقْطارُ": النَواحِي، واحِدُها قُطْرٌ وقَتْرٌ، والضَمِيرُ في بِها يُحْتَمَلُ المَدِينَةُ ويُحْتَمَلُ البُيُوتُ.
الأحزاب 33:15
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهم النَبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنَّ يُرِيدُونَ إلا فِرارًا﴾ ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْها وما تَلَبَّثُوا بِها إلا يَسِيرًا﴾ ﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللهَ مَسْؤُولا﴾
هَذِهِ المَقالَةُ رُوِيَ أنَّ بَنِي حارِثَةَ قالُوها، وبُيُوتُهم بِحُدُودِ المَدِينَةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: بَنُو سَلَمَةَ، وقِيلَ: القائِلُ لِذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وأصْحابُهُ. وقَرَأ السِلْمِيُّ، وحَفَصٌ، واليَمانِيُّ، والأعْرَجُ: "لا مَقامَ" بِضَمِّ المِيمِ، بِمَعْنى: لا مَوْضِعَ قِيامٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي رَجاءٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والنَخْعِيِّ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ، وطِلْحَةَ، والمَعْنى: في حَوْمَةِ القِتالِ ومَوْضِعِ المُمانَعَةِ. ﴿ "فارْجِعُوا"﴾ مَعْناهُ: إلى مَنازِلِكم وبُيُوتِكُمْ، وكانَ هَذا عَلى جِهَةِ التَخْذِيلِ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ.
والفَرِيقُ المُسْتَأْذِنُ، رُوِيَ أنَّ أوسَ بْنَ قِيظِي، اسْتَأْذَنَ في ذَلِكَ عَنِ اتِّفاقٍ مِن عَشِيرَتِهِ، فَقالَ: إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ، أيْ مُنْكَشِفَةٌ لِلْعَدُوِّ، وقِيلَ: أرادَ: خالِيَةٌ لِلسُّرّاقِ، ويُقالُ: أعْوَرُ المَنزِلِ إذا انْكَشَفَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ لَنا الشَدَّةُ الأُولى إذا القِرْنُ أعْوَرا
(p-٩٩)قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الفَرِيقُ بَنُو حارِثَةَ، وهم كانُوا عاهَدُوا اللهَ إثْرَ أُحُدٍ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ يَعْمَرَ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ: "عَوِرَةٌ" بِكَسْرِ الواوِ فِيهِما، وهو اسْمُ فاعِلٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: "صِحَّةُ الواوِ في هَذِهِ شاذَّةٌ، لِأنَّها مُتَحَرِّكَةٌ قَبْلَها فَتْحَةٌ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "عَوْرَةٌ"﴾ ساكِنَةَ الواوِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، والبَيْتُ المَعْمُورُ هو المُنْفَرِدُ المُعَرَّضُ لِمَن شاءَهُ بِسُوءٍ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى عن بُيُوتِهِمْ أنَّها لَيْسَتْ كَما ذَكَرُوهُ، وأنَّ قَصْدَهُمُ الفِرارَ، وأنَّ ما أظْهَرُوهُ مِن أنَّهم يُرِيدُونَ حِمايَةَ بُيُوتِهِمْ وخاصَّةً نُفُوسَهم لَيْسَ كَذَلِكَ، وأنَّهم إنَّما يَكْرَهُونَ نَصْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ويُرِيدُونَ خِزْيَهُ وأنْ يُغْلَبَ.
ولَوْ دُخِلَتِ المَدِينَةُ مِن أقْطارِها، واشْتَدَّ الخَوْفُ الحَقِيقِيُّ، ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ والحَرْبَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وأصْحابِهِ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ لَطارُوا إلَيْها وأتَوْها مُجِيبِينَ فِيها، ولَمْ يَتَلَبَّثُوا في بُيُوتِهِمْ لِحِفْظِها إلّا يَسِيرًا، قِيلَ: قَدْرَ ما يَأْخُذُونَ سِلاحَهم. وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "ثُمَّ سُوُلُو الفِتْنَةَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، وهي مَن سالَ يُسالُ كَخافَ يُخافُ، لُغَةٌ في "سَألَ" العَيْنُ فِيها واوٌ، وحَكى أبُو زَيْدٍ: هُما يَتَساوَلانِ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: "سُلُوا الفِتْنَةَ"، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "سُوئِلُوا" بِالمَدِّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "لَأتَوْها" بِمَعْنى لَجاؤَوْها، وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرُو: "لَآتَوْها" بِمَعْنى: لَأعْطَوْها مِن أنْفُسِهِمْ، وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، فَكَأنَّها رَدٌّ عَلى السُؤالِ ومُشْبِهَةً لَهُ، قالَ الشَعْبِيُّ: وقَرَأها النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِالمَدِّ.
ثُمَّ أخْبَرَ عنهم تَبارَكَ وتَعالى أنَّهم قَدْ كانُوا عاهَدُوا عَلى أنْ لا يَفِرُّوا، ورُوِيَ عن (p-١٠٠)يَزِيدُ بْنُ رُومانٍ أنَّ هَذِهِ الإشارَةَ إلى بَنِي حارِثَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهم مَعَ بَنِي سَلَمَةَ كانَتا الطائِفَتَيْنِ اللَتَيْنِ هَمَّتا بِالفَشَلِ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ تابُوا وعاهَدا عَلى أنْ لا يَقَعُ فِرارٌ، فَوَقَعَ يَوْمَ الخَنْدَقِ مَن بَنِي حارِثَةَ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُولا﴾ تَوَعُّدٌ. و"الأقْطارُ": النَواحِي، واحِدُها قُطْرٌ وقَتْرٌ، والضَمِيرُ في بِها يُحْتَمَلُ المَدِينَةُ ويُحْتَمَلُ البُيُوتُ.
الأحزاب 33:16
قوله عزّ وجلّ:
﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مَن اللهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أو أرادَ بِكم رَحْمَةً ولا يَجِدُونَ لَهم مَن دُونِ اللهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلا قَلِيلا﴾
أمْرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُخاطِبَهم بِتَوْبِيخٍ، فَأعْلَمَهم بِأنَّ الفِرارَ لا يُنْجِيهِمْ مِنَ القَدَرِ، بِأنَّهم لا يُمَتَّعُونَ في تِلْكَ الأوطانِ، بَلْ تَنْقَطِعُ أعْمارُهم في يَسِيرٍ مِنَ المُدَّةِ، والقَلِيلُ الَّذِي اسْتَثْناهُ هي مُدَّةَ الآجالِ، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ خَثِيمٍ، ثُمَّ وقَّفَهم عَلى عاصِمٍ مِنَ اللهِ يُسْنَدُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ حَكَمَ بِأنَّهم لا يَجِدُونَ ذَلِكَ، ولا ولِيَّ ولا نَصِيرَ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُمَتَّعُونَ" بِالياءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تُمَتَّعُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ.
ثُمَّ وبَّخَهم بِأنَّ اللهَ يَعْلَمُ المُعَوِّقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يَعُوقُونَ الناسَ عن نُصْرَةِ الرَسُولِ، ويَمْنَعُونَهم بِالأقْوالِ والأفْعالِ مِن ذَلِكَ، ويَسْعَوْنَ عَلى الَّذِينَ يَنْصُرُونَهُ، (p-١٠١)وَتَقُولُ: عاقَنِي أمْرُ كَذا، وعَوَّقَنِي إذا بالَغْتُ وضَعَّفْتُ الفِعْلَ.
وأمّا القائِلُونَ فاخْتَلَفَ الناسُ في حالِهِمْ، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: أرادَ المُنافِقِينَ، يَقُولُ المُنافِقُ لِإخْوانِهِ في النَسَبِ وقَرابَتِهِ: "هَلُمَّ إلَيْنا" أيْ: إلى المَنازِلِ والأكْلِ والشُرْبِ وتَرْكِ القِتالِ، ورُوِيَ أنَّ جَماعَةً مِنهم فَعَلَتْ ذَلِكَ. ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا مِنَ المُؤْمِنِينَ رَجَعَ إلى دارِهِ فَوَجَدَ أخا لَهُ مُنافِقًا، بَيْنَ يَدَيْهِ رَغِيفٌ وشِواءٌ ونَبِيذٌ، فَقالَ لَهُ: أتَجْلِسُ هَكَذا ورَسُولُ اللهِ ﷺ في القِتالِ؟ فَقالَ لَهُ أخُوهُ: هَلُمَّ إلى ما أنا فِيهِ يا فُلانُ، ودَعْنِي مِن مُحَمَّدٍ فَقْدَ واللهِ هَلَكَ، وما لَهُ قِبَلٌ بِأعْدائِهِ. فَشَتَمَهُ أخُوهُ وقالَ: واللهِ لِأُعَرِّفَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَذَهَبَ إلى النَبِيِّ ﷺ فَوَجَدَ الآيَةَ نَزَلَتْ.»
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أرادَ مَن كانَ مِنَ المُنافِقِينَ يُداخِلُ كَفارَّ قُرَيْشٍ مِنَ العَرَبِ، فَإنَّهُ كانَ مِنهم مَن يُداخِلُهُمْ، وقالَ لَهُمْ: "هَلُمَّ إلَيْنا"، أيْ إلى المَدِينَةِ فَإنَّكم تَغْلِبُونَ مُحَمَّدًا، والإخْوانُ- عَلى هَذا - هم في الكُفْرِ والمَذْهَبِ السُوءِ.
و"هَلُمَّ" بِمَعْنى: أقْبِلْ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَسْتَعْمِلُها عَلى حَدٍّ واحِدٍ في المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ والمُفْرَدِ والجَمْعِ، وهَذا عَلى أنَّها اسْمُ فِعْلٍ، هَذِهِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، ومِنهم مَن يُجْرِيها مَجْرى الأفْعالِ فَيُلْحِقُها الضَمائِرَ المُخْتَلِفَةَ، فَيَقُولُ: هَلُمَّ، وهَلُمُّوا. وأصْلُ "هَلُمَّ": "هالمُمْ"، نُقِلَتْ حَرَكَةُ المِيمِ إلى اللامِ فاسْتُغْنِيَ عَنِ الألْفِ، وأُدْغِمَتِ المِيمُ في المِيمِ لِسُكُونِها فَجاءَ "هَلُمَّ"، وهَذا مِثْلَ تَعْلِيلِ: "رَدَّ" مِنَ ارْدُدْ.
والبَأْسُ: القِتالُ، و"إلّا قَلِيلًا" مَعْناهُ: إلّا إتْيانًا قَلِيلًا، وقِلَّتُهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِقِصَرِ مُدَّتِهِ وقِلَّةِ أزْمِنَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِقِلَّةِ عِقابِهِ، وأنَّهُ رِياءٌ وتَلْمِيعٌ لا تَحْقِيقَ.
الأحزاب 33:17
قوله عزّ وجلّ:
﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مَن اللهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أو أرادَ بِكم رَحْمَةً ولا يَجِدُونَ لَهم مَن دُونِ اللهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلا قَلِيلا﴾
أمْرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُخاطِبَهم بِتَوْبِيخٍ، فَأعْلَمَهم بِأنَّ الفِرارَ لا يُنْجِيهِمْ مِنَ القَدَرِ، بِأنَّهم لا يُمَتَّعُونَ في تِلْكَ الأوطانِ، بَلْ تَنْقَطِعُ أعْمارُهم في يَسِيرٍ مِنَ المُدَّةِ، والقَلِيلُ الَّذِي اسْتَثْناهُ هي مُدَّةَ الآجالِ، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ خَثِيمٍ، ثُمَّ وقَّفَهم عَلى عاصِمٍ مِنَ اللهِ يُسْنَدُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ حَكَمَ بِأنَّهم لا يَجِدُونَ ذَلِكَ، ولا ولِيَّ ولا نَصِيرَ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُمَتَّعُونَ" بِالياءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تُمَتَّعُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ.
ثُمَّ وبَّخَهم بِأنَّ اللهَ يَعْلَمُ المُعَوِّقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يَعُوقُونَ الناسَ عن نُصْرَةِ الرَسُولِ، ويَمْنَعُونَهم بِالأقْوالِ والأفْعالِ مِن ذَلِكَ، ويَسْعَوْنَ عَلى الَّذِينَ يَنْصُرُونَهُ، (p-١٠١)وَتَقُولُ: عاقَنِي أمْرُ كَذا، وعَوَّقَنِي إذا بالَغْتُ وضَعَّفْتُ الفِعْلَ.
وأمّا القائِلُونَ فاخْتَلَفَ الناسُ في حالِهِمْ، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: أرادَ المُنافِقِينَ، يَقُولُ المُنافِقُ لِإخْوانِهِ في النَسَبِ وقَرابَتِهِ: "هَلُمَّ إلَيْنا" أيْ: إلى المَنازِلِ والأكْلِ والشُرْبِ وتَرْكِ القِتالِ، ورُوِيَ أنَّ جَماعَةً مِنهم فَعَلَتْ ذَلِكَ. ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا مِنَ المُؤْمِنِينَ رَجَعَ إلى دارِهِ فَوَجَدَ أخا لَهُ مُنافِقًا، بَيْنَ يَدَيْهِ رَغِيفٌ وشِواءٌ ونَبِيذٌ، فَقالَ لَهُ: أتَجْلِسُ هَكَذا ورَسُولُ اللهِ ﷺ في القِتالِ؟ فَقالَ لَهُ أخُوهُ: هَلُمَّ إلى ما أنا فِيهِ يا فُلانُ، ودَعْنِي مِن مُحَمَّدٍ فَقْدَ واللهِ هَلَكَ، وما لَهُ قِبَلٌ بِأعْدائِهِ. فَشَتَمَهُ أخُوهُ وقالَ: واللهِ لِأُعَرِّفَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَذَهَبَ إلى النَبِيِّ ﷺ فَوَجَدَ الآيَةَ نَزَلَتْ.»
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أرادَ مَن كانَ مِنَ المُنافِقِينَ يُداخِلُ كَفارَّ قُرَيْشٍ مِنَ العَرَبِ، فَإنَّهُ كانَ مِنهم مَن يُداخِلُهُمْ، وقالَ لَهُمْ: "هَلُمَّ إلَيْنا"، أيْ إلى المَدِينَةِ فَإنَّكم تَغْلِبُونَ مُحَمَّدًا، والإخْوانُ- عَلى هَذا - هم في الكُفْرِ والمَذْهَبِ السُوءِ.
و"هَلُمَّ" بِمَعْنى: أقْبِلْ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَسْتَعْمِلُها عَلى حَدٍّ واحِدٍ في المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ والمُفْرَدِ والجَمْعِ، وهَذا عَلى أنَّها اسْمُ فِعْلٍ، هَذِهِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، ومِنهم مَن يُجْرِيها مَجْرى الأفْعالِ فَيُلْحِقُها الضَمائِرَ المُخْتَلِفَةَ، فَيَقُولُ: هَلُمَّ، وهَلُمُّوا. وأصْلُ "هَلُمَّ": "هالمُمْ"، نُقِلَتْ حَرَكَةُ المِيمِ إلى اللامِ فاسْتُغْنِيَ عَنِ الألْفِ، وأُدْغِمَتِ المِيمُ في المِيمِ لِسُكُونِها فَجاءَ "هَلُمَّ"، وهَذا مِثْلَ تَعْلِيلِ: "رَدَّ" مِنَ ارْدُدْ.
والبَأْسُ: القِتالُ، و"إلّا قَلِيلًا" مَعْناهُ: إلّا إتْيانًا قَلِيلًا، وقِلَّتُهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِقِصَرِ مُدَّتِهِ وقِلَّةِ أزْمِنَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِقِلَّةِ عِقابِهِ، وأنَّهُ رِياءٌ وتَلْمِيعٌ لا تَحْقِيقَ.
الأحزاب 33:18
قوله عزّ وجلّ:
﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مَن اللهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أو أرادَ بِكم رَحْمَةً ولا يَجِدُونَ لَهم مَن دُونِ اللهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلا قَلِيلا﴾
أمْرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُخاطِبَهم بِتَوْبِيخٍ، فَأعْلَمَهم بِأنَّ الفِرارَ لا يُنْجِيهِمْ مِنَ القَدَرِ، بِأنَّهم لا يُمَتَّعُونَ في تِلْكَ الأوطانِ، بَلْ تَنْقَطِعُ أعْمارُهم في يَسِيرٍ مِنَ المُدَّةِ، والقَلِيلُ الَّذِي اسْتَثْناهُ هي مُدَّةَ الآجالِ، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ خَثِيمٍ، ثُمَّ وقَّفَهم عَلى عاصِمٍ مِنَ اللهِ يُسْنَدُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ حَكَمَ بِأنَّهم لا يَجِدُونَ ذَلِكَ، ولا ولِيَّ ولا نَصِيرَ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُمَتَّعُونَ" بِالياءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تُمَتَّعُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ.
ثُمَّ وبَّخَهم بِأنَّ اللهَ يَعْلَمُ المُعَوِّقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يَعُوقُونَ الناسَ عن نُصْرَةِ الرَسُولِ، ويَمْنَعُونَهم بِالأقْوالِ والأفْعالِ مِن ذَلِكَ، ويَسْعَوْنَ عَلى الَّذِينَ يَنْصُرُونَهُ، (p-١٠١)وَتَقُولُ: عاقَنِي أمْرُ كَذا، وعَوَّقَنِي إذا بالَغْتُ وضَعَّفْتُ الفِعْلَ.
وأمّا القائِلُونَ فاخْتَلَفَ الناسُ في حالِهِمْ، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: أرادَ المُنافِقِينَ، يَقُولُ المُنافِقُ لِإخْوانِهِ في النَسَبِ وقَرابَتِهِ: "هَلُمَّ إلَيْنا" أيْ: إلى المَنازِلِ والأكْلِ والشُرْبِ وتَرْكِ القِتالِ، ورُوِيَ أنَّ جَماعَةً مِنهم فَعَلَتْ ذَلِكَ. ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا مِنَ المُؤْمِنِينَ رَجَعَ إلى دارِهِ فَوَجَدَ أخا لَهُ مُنافِقًا، بَيْنَ يَدَيْهِ رَغِيفٌ وشِواءٌ ونَبِيذٌ، فَقالَ لَهُ: أتَجْلِسُ هَكَذا ورَسُولُ اللهِ ﷺ في القِتالِ؟ فَقالَ لَهُ أخُوهُ: هَلُمَّ إلى ما أنا فِيهِ يا فُلانُ، ودَعْنِي مِن مُحَمَّدٍ فَقْدَ واللهِ هَلَكَ، وما لَهُ قِبَلٌ بِأعْدائِهِ. فَشَتَمَهُ أخُوهُ وقالَ: واللهِ لِأُعَرِّفَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَذَهَبَ إلى النَبِيِّ ﷺ فَوَجَدَ الآيَةَ نَزَلَتْ.»
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أرادَ مَن كانَ مِنَ المُنافِقِينَ يُداخِلُ كَفارَّ قُرَيْشٍ مِنَ العَرَبِ، فَإنَّهُ كانَ مِنهم مَن يُداخِلُهُمْ، وقالَ لَهُمْ: "هَلُمَّ إلَيْنا"، أيْ إلى المَدِينَةِ فَإنَّكم تَغْلِبُونَ مُحَمَّدًا، والإخْوانُ- عَلى هَذا - هم في الكُفْرِ والمَذْهَبِ السُوءِ.
و"هَلُمَّ" بِمَعْنى: أقْبِلْ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَسْتَعْمِلُها عَلى حَدٍّ واحِدٍ في المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ والمُفْرَدِ والجَمْعِ، وهَذا عَلى أنَّها اسْمُ فِعْلٍ، هَذِهِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، ومِنهم مَن يُجْرِيها مَجْرى الأفْعالِ فَيُلْحِقُها الضَمائِرَ المُخْتَلِفَةَ، فَيَقُولُ: هَلُمَّ، وهَلُمُّوا. وأصْلُ "هَلُمَّ": "هالمُمْ"، نُقِلَتْ حَرَكَةُ المِيمِ إلى اللامِ فاسْتُغْنِيَ عَنِ الألْفِ، وأُدْغِمَتِ المِيمُ في المِيمِ لِسُكُونِها فَجاءَ "هَلُمَّ"، وهَذا مِثْلَ تَعْلِيلِ: "رَدَّ" مِنَ ارْدُدْ.
والبَأْسُ: القِتالُ، و"إلّا قَلِيلًا" مَعْناهُ: إلّا إتْيانًا قَلِيلًا، وقِلَّتُهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِقِصَرِ مُدَّتِهِ وقِلَّةِ أزْمِنَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِقِلَّةِ عِقابِهِ، وأنَّهُ رِياءٌ وتَلْمِيعٌ لا تَحْقِيقَ.
الأحزاب 33:19
قوله عزّ وجلّ:
﴿أشِحَّةً عَلَيْكم فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأحْبَطَ اللهُ أعْمالَهم وكانَ ذَلِكَ عَلى اللهُ يَسِيرًا﴾
(p-١٠٢)﴿ "أشِحَّةً"﴾ جَمْعُ شَحِيحٍ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ مِنَ "القائِلِينَ": أو مِن فِعْلٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "المُعَوِّقِينَ"، أو مِنَ الضَمِيرِ في "يَأْتُونَ"، أو عَلى الذَمِّ، وقَدْ مَنَعَ بَعْضُ النُحاةِ أنْ يَعْمَلَ في هَذِهِ الحالِ "المُعَوِّقِينَ" أوِ"القائِلِينَ" لِمَكانِ التَفْرِيقِ بَيْنَ الصِلَةِ والمَوْصُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَأْتُونَ البَأْسَ﴾ [الأحزاب: ١٨] وهو غَيْرُ داخِلٍ في الصِلَةِ. وهَذا الشُحُّ قِيلَ: هو بِأنْفُسِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هو بِإخْوانِهِمْ، وقِيلَ: بِأمْوالِهِمْ في النَفَقاتِ في سَبِيلِ اللهِ، وقِيلَ: بِالغَنِيمَةِ عِنْدَ القَسْمِ، والصَوابُ تَعْمِيمُ الشُحِّ، وأنْ يَكُونَ بِكُلِّ ما فِيهِ لِلْمُؤْمِنِينَ مَنفَعَةً.
وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ﴾، قِيلَ: مَعْناهُ: فَإذا قَوِيَ الخَوْفُ مِنَ العَدُوِّ، وتُوِقِّعَ أنْ يَسْتَأْصِلَ جَمِيعَ أهْلِ المَدِينَةِ، لاذَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ بِكَ، يَنْظُرُونَ نَظَرَ الهَلَعِ المُخْتَلِطِ، كَنَظَرِ الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ، "فَإذا ذَهَبَ" ذَلِكَ الخَوْفُ العَظِيمُ ﴿ "سَلَقُوكُمْ"﴾ أيْ: خاطَبُوكم مُخاطَبَةً بَلِيغَةً، يُقالُ: خَطِيبٌ سَلّاقٌ ومِسْلاقٌ ومُسْلَقٌ، ولِسانٌ أيْضًا كَذَلِكَ إذا كانَ فَصِيحًا مُقْتَدِرًا، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "صَلَقُوكُمْ" بِالصادِّ. ووَصَفَ الألْسِنَةَ بِالحِدَّةِ لِقَطْعِها المَعانِي، ونُفُوذِها في الأقْوالِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ﴾ أيْ: إذا كانَ المُؤْمِنُونَ في قُوَّةٍ وظُهُورٍ، وخَشِيَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ سَطْوَتَكَ يا مُحَمَّدُ بِهِمْ رَأيْتُهم يُصانِعُونَ ويَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ فازِعٍ مِنكَ خائِفٍ هَلِعٍ، فَإذا ذَهَبَ خَوْفُكَ عنهم بِاشْتِغالِكَ بِعَدُوٍّ ونَحْوَهُ - كَما كانَ مَعَ الأحْزابِ - سَلَقُوكم حِينَئِذٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في المَعْنى الَّذِي فِيهِ يَسْلُقُونَ، فَقالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانِ وغَيْرُهُ: ذَلِكَ في أذى المُؤْمِنِينَ وسَبِّهِمْ وتَنْقِيصِ الشَرْعِ ونَحْوَ هَذا، وقالَ قَتادَةُ: ذَلِكَ في طَلَبِ العَطاءِ مِنَ الغَنِيمَةِ والإلْحافِ في المَسْألَةِ. وهَذانَ القَوْلانِ يَتَرَتَّبانِ مَعَ كُلٍّ واحِدٍ مِنَ التَأْوِيلَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في الخَوْفِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: السَلْقُ هو في مُخادَعَةِ المُؤْمِنِينَ بِما يُرْضِيهِمْ مِنَ القَوْلِ عَلى جِهَةِ المُصانَعَةِ والمُخاتَلَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "أشِحَّةً"﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في ﴿ "سَلَقُوكُمْ"،﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ "عَلى الخَيْرِ"﴾ يَدُلُّ عَلى (p-١٠٣)عُمُومِ الشُحِّ في قَوْلِهِ أوَّلًا ﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾، وقِيلَ في هَذا: مَعْناهُ: أشِحَّةً عَلى مالِ الغَنائِمِ، وهَذا مَذْهَبُ مَن قالَ: إنَّ "الخَيْرَ" في كِتابِ اللهِ حَيْثُ وقَعَ فَهو بِمَعْنى المالِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أشِحَّةٌ" بِالرَفْعِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى عنهم أنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا، ولا كَمُلَ تَصْدِيقُهُمْ، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الإشارَةَ إلى مُنافِقِينَ لَمْ يَكُنْ لَهم قَطُّ إيمانٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَأحْبَطَ اللهُ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ أنَّها لَمْ تَقْبَلْ قَطُّ، أنَّها كالمُحْبَطَةِ، وحَكى الطَبَرِيِّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ عن أبِيهِ أنَّهُ قالَ: نَزَلْتُ في رَجُلٍ بَدْرِيٍّ نافَقَ بَعْدَ ذَلِكَ ووَقَعَ في هَذِهِ المَعانِي فَأحْبَطَ اللهُ عَمَلَهُ في بَدْرٍ وغَيْرِها، وهَذا فِيهِ ضَعْفٌ.
والإشارَةُ بِـ"ذَلِكَ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكانَ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى إحْباطِ عَمَلِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى جُمْلَةِ حالِهِمِ وما وُصِفَ مِن شُحِّهِمْ ونَظَرِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أعْمالِهِمْ، أيْ أنَّ أمْرَهم يَسِيرٌ لا يُبالِي بِهِ، ولا لَهُ أثَرٌ في دَفْعِ خَيْرٍ ولا جَلْبِ شَرٍّ.
الأحزاب 33:20
قوله عزّ وجلّ:
﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وإنْ يَأْتِ الأحْزابَ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ يَسْألُونَ عن أنْبائِكم ولَوْ كانُوا فِيكم ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا﴾ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللهِ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللهِ كَثِيرًا﴾
الضَمِيرُ في ﴿ "يَحْسَبُونَ"﴾ لِلْمُنافِقِينَ، والمَعْنى أنَّهم مِنَ الجَزَعِ والفَزَعِ بِحَيْثُ رَحَلَ الأحْزابُ وهَزَمَهُمُ اللهُ تَعالى وهَؤُلاءِ يَظُنُّونَ أنَّهم لَمْ يَذْهَبُوا، بَلْ يُرِيدُونَ الكَرَّةَ إلى المَدِينَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن مُعْتَقَدِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ أنَّ وِدَّهم إذا أتى الأحْزابُ وحاصَرُوا المَدِينَةَ أنْ يَكُونُوا هم قَدْ خَرَجُوا إلى البادِيَةِ ومَعَ الأعْرابِ وهم أهْلُ العَمُودِ والرَحِيلِ مَن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، ومَن كانَ مِنهم مُقِيمًا بِأرْضٍ مُسْتَوْطِنًا فَلا يُسَمَّوْنَ أعْرابًا، وغَرَضُهم مِنَ البَداوَةِ أنْ يَكُونُوا سالِمِينَ مِنَ القِتالِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ: "لَوْ أنَّهم بُدًّى في الأعْرابِ" شَدِيدَةُ الدالِّ مُنَوَّنَةٌ، وهو جَمْعُ بادٍ كَغازٍ وغُزًّى. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "بُدًّا" فِعْلًا ماضِيًا.
وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ، ونافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والحَسَنُ: "يَسْألُونَ"، أيْ عن أنْبائِكُمْ، وقَرَأ أبُو (p-١٠٤)عَمْرُو، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ: "يَسْألُونَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [البقرة: ٢١١]، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ - بِخِلافٍ عنهُ -: "يَسّاءَلُونَ"، أيْ: يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ الجَحْدَرِيُّ في الإمامِ: "يَتَساءَلُونَ".
ثُمَّ سَلّى اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عنهُمْ، وحَقَّرَ شَأْنَهم بِأنْ أخْبَرَ أنَّهم لَوْ حَضَرُوا لَما أغْنَوْا ولَما قاتَلُوا إلّا قِتالًا قَلِيلًا لا نَفْعَ لَهُ، قالَ التَغْلَبِيُّ: هو قَلِيلٌ مِن حَيْثُ هو رِياءٌ مِن غَيْرِ حِسْبَةٍ ولَوْ كانَ لِلَّهِ لَكانَ كَثِيرًا.
ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى عَلى جِهَةِ المَوْعِظَةِ بِأنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ ومُدَّعٍ في الإسْلامِ يَجِبُ أنْ يَقْتَدِيَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ حِينَ قاتَلَ وصَبَرَ وجادَ بِنَفْسِهِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إسْوَةٌ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ: "أُسْوَةٌ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وهُما لُغَتانِ، مَعْناها: قُدْوَةٌ، وتَأسّى الرَجُلُ إذا اقْتَدى، و"رَجاءُ اللهِ تَعالى" تابِعٌ لِلْمَعْرِفَةِ بِهِ، و"رَجاءُ اليَوْمِ الآخِرِ" ثَمَرَةُ العَمَلِ الصالِحِ، و"ذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا" مِن خَيْرِ الأعْمالِ، فَنَبَّهَ عَلَيْهِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "يَحْسَبُونَ الأحْزابَ قَدْ ذَهَبُوا، فَإذا وجَدُوهم لَمْ يَذْهَبُوا ودُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ".
الأحزاب 33:21
قوله عزّ وجلّ:
﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وإنْ يَأْتِ الأحْزابَ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ يَسْألُونَ عن أنْبائِكم ولَوْ كانُوا فِيكم ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا﴾ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللهِ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللهِ كَثِيرًا﴾
الضَمِيرُ في ﴿ "يَحْسَبُونَ"﴾ لِلْمُنافِقِينَ، والمَعْنى أنَّهم مِنَ الجَزَعِ والفَزَعِ بِحَيْثُ رَحَلَ الأحْزابُ وهَزَمَهُمُ اللهُ تَعالى وهَؤُلاءِ يَظُنُّونَ أنَّهم لَمْ يَذْهَبُوا، بَلْ يُرِيدُونَ الكَرَّةَ إلى المَدِينَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن مُعْتَقَدِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ أنَّ وِدَّهم إذا أتى الأحْزابُ وحاصَرُوا المَدِينَةَ أنْ يَكُونُوا هم قَدْ خَرَجُوا إلى البادِيَةِ ومَعَ الأعْرابِ وهم أهْلُ العَمُودِ والرَحِيلِ مَن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، ومَن كانَ مِنهم مُقِيمًا بِأرْضٍ مُسْتَوْطِنًا فَلا يُسَمَّوْنَ أعْرابًا، وغَرَضُهم مِنَ البَداوَةِ أنْ يَكُونُوا سالِمِينَ مِنَ القِتالِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ: "لَوْ أنَّهم بُدًّى في الأعْرابِ" شَدِيدَةُ الدالِّ مُنَوَّنَةٌ، وهو جَمْعُ بادٍ كَغازٍ وغُزًّى. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "بُدًّا" فِعْلًا ماضِيًا.
وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ، ونافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والحَسَنُ: "يَسْألُونَ"، أيْ عن أنْبائِكُمْ، وقَرَأ أبُو (p-١٠٤)عَمْرُو، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ: "يَسْألُونَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [البقرة: ٢١١]، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ - بِخِلافٍ عنهُ -: "يَسّاءَلُونَ"، أيْ: يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ الجَحْدَرِيُّ في الإمامِ: "يَتَساءَلُونَ".
ثُمَّ سَلّى اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عنهُمْ، وحَقَّرَ شَأْنَهم بِأنْ أخْبَرَ أنَّهم لَوْ حَضَرُوا لَما أغْنَوْا ولَما قاتَلُوا إلّا قِتالًا قَلِيلًا لا نَفْعَ لَهُ، قالَ التَغْلَبِيُّ: هو قَلِيلٌ مِن حَيْثُ هو رِياءٌ مِن غَيْرِ حِسْبَةٍ ولَوْ كانَ لِلَّهِ لَكانَ كَثِيرًا.
ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى عَلى جِهَةِ المَوْعِظَةِ بِأنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ ومُدَّعٍ في الإسْلامِ يَجِبُ أنْ يَقْتَدِيَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ حِينَ قاتَلَ وصَبَرَ وجادَ بِنَفْسِهِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إسْوَةٌ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ: "أُسْوَةٌ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وهُما لُغَتانِ، مَعْناها: قُدْوَةٌ، وتَأسّى الرَجُلُ إذا اقْتَدى، و"رَجاءُ اللهِ تَعالى" تابِعٌ لِلْمَعْرِفَةِ بِهِ، و"رَجاءُ اليَوْمِ الآخِرِ" ثَمَرَةُ العَمَلِ الصالِحِ، و"ذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا" مِن خَيْرِ الأعْمالِ، فَنَبَّهَ عَلَيْهِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "يَحْسَبُونَ الأحْزابَ قَدْ ذَهَبُوا، فَإذا وجَدُوهم لَمْ يَذْهَبُوا ودُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ".
الأحزاب 33:22
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مِنَ قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مِنَ يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنْ اللهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
وصَفَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ حِينَ رَأوا تَجَمُّعَ الأحْزابَ لِحَرْبِهِمْ، وصَبْرَهم عَلى البَلاءِ، وتَصْدِيقَهم وعْدَ اللهِ تَعالى عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ ماذا أرادُوا (p-١٠٥)بِوَعْدِ اللهِ ورَسُولِهِ؟، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادُوا ما أعْلَمَهم بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أمَرَ بِحَفْرِ الخَنْدَقِ، فَإنَّهُ أعْلَمَهم بِأنَّهم سَيُحْصَرُونَ، وأمَرَهم بِالِاسْتِعْدادِ لِذَلِكَ، وبِأنَّهم سَيُنْصَرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمّا رَأوُا الأحْزابَ قالُوا: هَذا ما وعَدَنا اللهُ ورَسُولُهُ، فَسَلَّمُوا لِأوَّلِ الأمْرِ وانْتَظَرُوا أجْرَهُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادُوا بِوَعْدِ اللهِ ما نَزَلَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ ألا إنَّ نَصْرُ اللهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُونَ نَظَرُوا في هَذِهِ الآيَةِ، وفي قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِنْدَ أمْرِهِمْ بِحَفْرِ الخَنْدَقِ، وأشارُوا بِالوَعْدِ إلى جَمِيعِ ذَلِكَ، وهي مَقالَتانِ، إحْداهُما مِنَ اللهِ تَعالى، والأُخْرى مِن رَسُولِهِ ﷺ.
وزِيادَةُ الإيمانِ هي في أوصافِهِ لا في ذاتِهِ؛ لِأنَّ ثُبُوتَهُ وإبْعادَ الشُكُوكِ عنهُ والشُبَهَ زِيادَةٌ في أوصافِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَزِيدَ إيمانُهم بِما وقَعَ، وبِما أخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِمّا لَمْ يَقَعُ، فَتَكُونُ الزِيادَةُ - بِهَذا الوَجْهِ - فِيمَن يُؤْمِنُ بِهِ لا في نَفْسِ الإيمانِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَما زادُوهُمْ" بِواوِ جَمْعٍ.
و"التَسْلِيمُ": الِانْقِيادُ لِأمْرِ اللهِ تَعالى كَيْفَ جاءَ، ومِن ذَلِكَ ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ عِنْدَ اشْتِدادِ ذَلِكَ الخَوْفِ: إنَّ هَذا أمْرٌ عَظِيمٌ، فَهَلْ مِن شَيْءٍ نَقُولُهُ؟ فَقالَ: "قُولُوا: اللهُمَّ آمِن رَوْعاتِنا، واسْتُرْ عُيُوبَنا"، فَقالَها المُسْلِمُونَ في تِلْكَ الضِيقاتِ.
(p-١٠٦)ثُمَّ أثْنى اللهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى رِجالٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ عاهَدُوا اللهَ تَعالى عَلى الِاسْتِقامَةِ التامَّةِ فَوَفَوْا وقَضَوْا نَحْبَهُمْ، أيْ نُذُرَهم وعَهْدَهُمْ، والنَحْبَ - في كَلامِ العَرَبِ -: النُذُرُ، والشَيْءُ الَّذِي يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ ويَعْتَقِدُ الوَفاءَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ قَضى نَحْبَهُ في مُلْتَقى القَوْمِ هَوْبَرُ.
المَعْنى أنَّهُ التَزَمَ الصَبْرَ إلى فَتْحٍ أو مَوْتٍ فَماتَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎ بِطَخْفَةَ جالَدْنا المُلُوكَ وخَيْلُنا ∗∗∗ ∗∗∗ عَشِيَّةَ بِسِطامٍ جَرَيْنَ عَلى نَحْبٍ
أيْ: عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ التَزَمَ القِيامَ بِهِ، كَأنَّهُ خَطَرٌ عَظِيمٌ.
وقَدْ يُسَمّى المَوْتُ نَحْبًا، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ الحَسَنُ: ﴿ "قَضى نَحْبَهُ":﴾ ماتَ عَلى عَهْدٍ، ويُقالُ لِلَّذِي جاهَدَ في أمْرٍ حَتّى ماتَ: قَضى نَحْبَهُ، ويُقالُ لِمَن ماتَ: قَضى فُلانٌ نَحْبَهُ، وهَذا تَجَوُّزٌ، كَأنَّ المَوْتَ أمْرٌ لابُدَ (p-١٠٧)لِلْإنْسانِ أنْ يَقَعَ بِهِ فَسُمِّيَ نَحْبًا لِذَلِكَ.
فَمِمَّنْ سَمّى المُفَسِّرُونَ أنَّهُ أُشِيرَ إلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَسُ بْنُ النَضْرِ، عَمُّ أنِسِ بْنِ مالِكٍ، وذَلِكَ «أنَّهُ غابَ عن بَدْرٍ، فَساءَهُ ذَلِكَ وقالَ: لَئِنْ شَهِدَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَشْهَدًا لِيَرَيَنَّ اللهَ ما أصْنَعُ، فَلَمّا كانَتْ أُحُدٌ أبْلى بَلاءً حَسَنًا حَتّى قُتِلَ، ووُجِدَ فِيهِ نَيِّفٌ عَلى ثَمانِينَ جُرْحًا،» فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ هَذِهِ الإشارَةَ هي إلى أنَسِ بْنِ النَضْرِ ونُظَرائِهِ مِمَّنِ اسْتَشْهَدَ في ذاتِ اللهِ تَعالى. وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: الرِجالُ الَّذِينَ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ هم أهْلُ العَقَبَةِ السَبْعُونَ أهْلُ البَيْعَةٍ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَوْصُوفُونَ بِقَضاءِ النَحْبِ هم جَماعَةٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وفَوْا بِعُهُودِ الإسْلامِ عَلى التَمامِ، فالشُهَداءُ مِنهُمْ، والعَشَرَةُ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالجَنَّةِ مِنهُمْ، إلى مَن حَصَلَ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ مِمَّنْ لَمْ يَنُصُّ عَلَيْهِ، ويُصَحِّحُ هَذِهِ المَقالَةَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ عَلى المِنبَرِ، فَقالَ لَهُ أعْرابِيٌّ: يا رَسُولَ اللهِ، مِنَ الَّذِي قَضى نَحْبَهُ؟ فَسَكَتَ عنهُ النَبِيُّ ﷺ ساعَةً، ثُمَّ دَخَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ عَلى بابِ المَسْجِدِ، وعَلَيْهِ ثَوْبانِ أخْضَرانِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أيْنَ السائِلُ؟ فَقالَ: هَأنَذا ذا يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: هَذا مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ.» فَهَذا أدُلُّ دَلِيلٍ عَلى أنَّ النَحْبَ لَيْسَ مِن شُرُوطِهِ المَوْتُ. وقالَ مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ: «إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ"، ورَوَتْ هَذا المَعْنى عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عَنِ النَبِيِّ ﷺ.»
(p-١٠٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾، يَقُولُ: ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ الحُصُولَ في أعْلى مَراتِبِ الإيمانِ والصَلاحِ، وهو بِسَبِيلٍ ذَلِكَ، وما بَدَّلُوا وما غَيَّرُوا، ثُمَّ أكَّدَ بِالمَصْدَرِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عَلى مِنبَرِ البَصْرَةِ: "وَمِنهم مَن بَدَّلَ تَبْدِيلًا"، رَواهُ عنهُ أبُو نُصَرَةٍ.
ورَوى عنهُ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: "وَمِنهم مَن يَنْتَظِرُ وآخَرُونَ بَدَّلُوا تَبْدِيلًا".
واللامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ﴾ لامُ الصَيْرُورَةِ والعاقِبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ، وتَعْذِيبُ المُنافِقِينَ ثَمَرَةُ إدامَتِهِمُ الإقامَةُ عَلى النِفاقِ إلى مَوْتِهِمْ، والتَوْبَةُ مُوازِيَةٌ لِتِلْكَ الإدامَةِ، وثَمَرَةُ التَوْبَةِ تَرْكُهم دُونَ عَذابٍ، فَهُما دَرَجَتانِ: إدامَةٌ عَلى نِفاقٍ، أو تَوْبَةٌ مِنهُ، وعنهُما ثَمَرَتانِ: تَعْذِيبٌ أو رَحْمَةٌ، فَذَكَرَ تَعالى - عَلى جِهَةِ الإيجازِ - واحِدَةٌ مِن هَذَيْنَ، وواحِدَةٌ مِن هَذَيْنَ، ودَلَّ ما ذُكِرَ عَلى ما تُرِكَ ذِكْرُهُ. ويَدُلُّكَ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: "لِيُعَذِّبَ": لِيُدِيمَ عَلى النِفاقِ قَوْلُهُ: "إنْ شاءَ" ومُعادَلَتُهُ بِالتَوْبَةِ وبِحَرْفِ "أو"، ولا يُجَوِّزُ أحَدٌ أنَّ "إنْ شاءَ" يَصِحُّ في تَعْذِيبِ مُنافِقٍ عَلى نِفاقِهِ، بَلْ قَدْ حَتَّمَ اللهُ عَلى نَفْسِهِ بِتَعْذِيبِهِ.
الأحزاب 33:23
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مِنَ قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مِنَ يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنْ اللهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
وصَفَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ حِينَ رَأوا تَجَمُّعَ الأحْزابَ لِحَرْبِهِمْ، وصَبْرَهم عَلى البَلاءِ، وتَصْدِيقَهم وعْدَ اللهِ تَعالى عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ ماذا أرادُوا (p-١٠٥)بِوَعْدِ اللهِ ورَسُولِهِ؟، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادُوا ما أعْلَمَهم بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أمَرَ بِحَفْرِ الخَنْدَقِ، فَإنَّهُ أعْلَمَهم بِأنَّهم سَيُحْصَرُونَ، وأمَرَهم بِالِاسْتِعْدادِ لِذَلِكَ، وبِأنَّهم سَيُنْصَرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمّا رَأوُا الأحْزابَ قالُوا: هَذا ما وعَدَنا اللهُ ورَسُولُهُ، فَسَلَّمُوا لِأوَّلِ الأمْرِ وانْتَظَرُوا أجْرَهُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادُوا بِوَعْدِ اللهِ ما نَزَلَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ ألا إنَّ نَصْرُ اللهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُونَ نَظَرُوا في هَذِهِ الآيَةِ، وفي قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِنْدَ أمْرِهِمْ بِحَفْرِ الخَنْدَقِ، وأشارُوا بِالوَعْدِ إلى جَمِيعِ ذَلِكَ، وهي مَقالَتانِ، إحْداهُما مِنَ اللهِ تَعالى، والأُخْرى مِن رَسُولِهِ ﷺ.
وزِيادَةُ الإيمانِ هي في أوصافِهِ لا في ذاتِهِ؛ لِأنَّ ثُبُوتَهُ وإبْعادَ الشُكُوكِ عنهُ والشُبَهَ زِيادَةٌ في أوصافِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَزِيدَ إيمانُهم بِما وقَعَ، وبِما أخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِمّا لَمْ يَقَعُ، فَتَكُونُ الزِيادَةُ - بِهَذا الوَجْهِ - فِيمَن يُؤْمِنُ بِهِ لا في نَفْسِ الإيمانِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَما زادُوهُمْ" بِواوِ جَمْعٍ.
و"التَسْلِيمُ": الِانْقِيادُ لِأمْرِ اللهِ تَعالى كَيْفَ جاءَ، ومِن ذَلِكَ ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ عِنْدَ اشْتِدادِ ذَلِكَ الخَوْفِ: إنَّ هَذا أمْرٌ عَظِيمٌ، فَهَلْ مِن شَيْءٍ نَقُولُهُ؟ فَقالَ: "قُولُوا: اللهُمَّ آمِن رَوْعاتِنا، واسْتُرْ عُيُوبَنا"، فَقالَها المُسْلِمُونَ في تِلْكَ الضِيقاتِ.
(p-١٠٦)ثُمَّ أثْنى اللهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى رِجالٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ عاهَدُوا اللهَ تَعالى عَلى الِاسْتِقامَةِ التامَّةِ فَوَفَوْا وقَضَوْا نَحْبَهُمْ، أيْ نُذُرَهم وعَهْدَهُمْ، والنَحْبَ - في كَلامِ العَرَبِ -: النُذُرُ، والشَيْءُ الَّذِي يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ ويَعْتَقِدُ الوَفاءَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ قَضى نَحْبَهُ في مُلْتَقى القَوْمِ هَوْبَرُ.
المَعْنى أنَّهُ التَزَمَ الصَبْرَ إلى فَتْحٍ أو مَوْتٍ فَماتَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎ بِطَخْفَةَ جالَدْنا المُلُوكَ وخَيْلُنا ∗∗∗ ∗∗∗ عَشِيَّةَ بِسِطامٍ جَرَيْنَ عَلى نَحْبٍ
أيْ: عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ التَزَمَ القِيامَ بِهِ، كَأنَّهُ خَطَرٌ عَظِيمٌ.
وقَدْ يُسَمّى المَوْتُ نَحْبًا، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ الحَسَنُ: ﴿ "قَضى نَحْبَهُ":﴾ ماتَ عَلى عَهْدٍ، ويُقالُ لِلَّذِي جاهَدَ في أمْرٍ حَتّى ماتَ: قَضى نَحْبَهُ، ويُقالُ لِمَن ماتَ: قَضى فُلانٌ نَحْبَهُ، وهَذا تَجَوُّزٌ، كَأنَّ المَوْتَ أمْرٌ لابُدَ (p-١٠٧)لِلْإنْسانِ أنْ يَقَعَ بِهِ فَسُمِّيَ نَحْبًا لِذَلِكَ.
فَمِمَّنْ سَمّى المُفَسِّرُونَ أنَّهُ أُشِيرَ إلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَسُ بْنُ النَضْرِ، عَمُّ أنِسِ بْنِ مالِكٍ، وذَلِكَ «أنَّهُ غابَ عن بَدْرٍ، فَساءَهُ ذَلِكَ وقالَ: لَئِنْ شَهِدَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَشْهَدًا لِيَرَيَنَّ اللهَ ما أصْنَعُ، فَلَمّا كانَتْ أُحُدٌ أبْلى بَلاءً حَسَنًا حَتّى قُتِلَ، ووُجِدَ فِيهِ نَيِّفٌ عَلى ثَمانِينَ جُرْحًا،» فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ هَذِهِ الإشارَةَ هي إلى أنَسِ بْنِ النَضْرِ ونُظَرائِهِ مِمَّنِ اسْتَشْهَدَ في ذاتِ اللهِ تَعالى. وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: الرِجالُ الَّذِينَ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ هم أهْلُ العَقَبَةِ السَبْعُونَ أهْلُ البَيْعَةٍ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَوْصُوفُونَ بِقَضاءِ النَحْبِ هم جَماعَةٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وفَوْا بِعُهُودِ الإسْلامِ عَلى التَمامِ، فالشُهَداءُ مِنهُمْ، والعَشَرَةُ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالجَنَّةِ مِنهُمْ، إلى مَن حَصَلَ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ مِمَّنْ لَمْ يَنُصُّ عَلَيْهِ، ويُصَحِّحُ هَذِهِ المَقالَةَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ عَلى المِنبَرِ، فَقالَ لَهُ أعْرابِيٌّ: يا رَسُولَ اللهِ، مِنَ الَّذِي قَضى نَحْبَهُ؟ فَسَكَتَ عنهُ النَبِيُّ ﷺ ساعَةً، ثُمَّ دَخَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ عَلى بابِ المَسْجِدِ، وعَلَيْهِ ثَوْبانِ أخْضَرانِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أيْنَ السائِلُ؟ فَقالَ: هَأنَذا ذا يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: هَذا مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ.» فَهَذا أدُلُّ دَلِيلٍ عَلى أنَّ النَحْبَ لَيْسَ مِن شُرُوطِهِ المَوْتُ. وقالَ مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ: «إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ"، ورَوَتْ هَذا المَعْنى عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عَنِ النَبِيِّ ﷺ.»
(p-١٠٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾، يَقُولُ: ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ الحُصُولَ في أعْلى مَراتِبِ الإيمانِ والصَلاحِ، وهو بِسَبِيلٍ ذَلِكَ، وما بَدَّلُوا وما غَيَّرُوا، ثُمَّ أكَّدَ بِالمَصْدَرِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عَلى مِنبَرِ البَصْرَةِ: "وَمِنهم مَن بَدَّلَ تَبْدِيلًا"، رَواهُ عنهُ أبُو نُصَرَةٍ.
ورَوى عنهُ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: "وَمِنهم مَن يَنْتَظِرُ وآخَرُونَ بَدَّلُوا تَبْدِيلًا".
واللامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ﴾ لامُ الصَيْرُورَةِ والعاقِبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ، وتَعْذِيبُ المُنافِقِينَ ثَمَرَةُ إدامَتِهِمُ الإقامَةُ عَلى النِفاقِ إلى مَوْتِهِمْ، والتَوْبَةُ مُوازِيَةٌ لِتِلْكَ الإدامَةِ، وثَمَرَةُ التَوْبَةِ تَرْكُهم دُونَ عَذابٍ، فَهُما دَرَجَتانِ: إدامَةٌ عَلى نِفاقٍ، أو تَوْبَةٌ مِنهُ، وعنهُما ثَمَرَتانِ: تَعْذِيبٌ أو رَحْمَةٌ، فَذَكَرَ تَعالى - عَلى جِهَةِ الإيجازِ - واحِدَةٌ مِن هَذَيْنَ، وواحِدَةٌ مِن هَذَيْنَ، ودَلَّ ما ذُكِرَ عَلى ما تُرِكَ ذِكْرُهُ. ويَدُلُّكَ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: "لِيُعَذِّبَ": لِيُدِيمَ عَلى النِفاقِ قَوْلُهُ: "إنْ شاءَ" ومُعادَلَتُهُ بِالتَوْبَةِ وبِحَرْفِ "أو"، ولا يُجَوِّزُ أحَدٌ أنَّ "إنْ شاءَ" يَصِحُّ في تَعْذِيبِ مُنافِقٍ عَلى نِفاقِهِ، بَلْ قَدْ حَتَّمَ اللهُ عَلى نَفْسِهِ بِتَعْذِيبِهِ.
الأحزاب 33:24
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مِنَ قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مِنَ يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنْ اللهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
وصَفَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ حِينَ رَأوا تَجَمُّعَ الأحْزابَ لِحَرْبِهِمْ، وصَبْرَهم عَلى البَلاءِ، وتَصْدِيقَهم وعْدَ اللهِ تَعالى عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ ماذا أرادُوا (p-١٠٥)بِوَعْدِ اللهِ ورَسُولِهِ؟، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادُوا ما أعْلَمَهم بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أمَرَ بِحَفْرِ الخَنْدَقِ، فَإنَّهُ أعْلَمَهم بِأنَّهم سَيُحْصَرُونَ، وأمَرَهم بِالِاسْتِعْدادِ لِذَلِكَ، وبِأنَّهم سَيُنْصَرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمّا رَأوُا الأحْزابَ قالُوا: هَذا ما وعَدَنا اللهُ ورَسُولُهُ، فَسَلَّمُوا لِأوَّلِ الأمْرِ وانْتَظَرُوا أجْرَهُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادُوا بِوَعْدِ اللهِ ما نَزَلَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ ألا إنَّ نَصْرُ اللهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُونَ نَظَرُوا في هَذِهِ الآيَةِ، وفي قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِنْدَ أمْرِهِمْ بِحَفْرِ الخَنْدَقِ، وأشارُوا بِالوَعْدِ إلى جَمِيعِ ذَلِكَ، وهي مَقالَتانِ، إحْداهُما مِنَ اللهِ تَعالى، والأُخْرى مِن رَسُولِهِ ﷺ.
وزِيادَةُ الإيمانِ هي في أوصافِهِ لا في ذاتِهِ؛ لِأنَّ ثُبُوتَهُ وإبْعادَ الشُكُوكِ عنهُ والشُبَهَ زِيادَةٌ في أوصافِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَزِيدَ إيمانُهم بِما وقَعَ، وبِما أخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِمّا لَمْ يَقَعُ، فَتَكُونُ الزِيادَةُ - بِهَذا الوَجْهِ - فِيمَن يُؤْمِنُ بِهِ لا في نَفْسِ الإيمانِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَما زادُوهُمْ" بِواوِ جَمْعٍ.
و"التَسْلِيمُ": الِانْقِيادُ لِأمْرِ اللهِ تَعالى كَيْفَ جاءَ، ومِن ذَلِكَ ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ عِنْدَ اشْتِدادِ ذَلِكَ الخَوْفِ: إنَّ هَذا أمْرٌ عَظِيمٌ، فَهَلْ مِن شَيْءٍ نَقُولُهُ؟ فَقالَ: "قُولُوا: اللهُمَّ آمِن رَوْعاتِنا، واسْتُرْ عُيُوبَنا"، فَقالَها المُسْلِمُونَ في تِلْكَ الضِيقاتِ.
(p-١٠٦)ثُمَّ أثْنى اللهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى رِجالٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ عاهَدُوا اللهَ تَعالى عَلى الِاسْتِقامَةِ التامَّةِ فَوَفَوْا وقَضَوْا نَحْبَهُمْ، أيْ نُذُرَهم وعَهْدَهُمْ، والنَحْبَ - في كَلامِ العَرَبِ -: النُذُرُ، والشَيْءُ الَّذِي يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ ويَعْتَقِدُ الوَفاءَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ قَضى نَحْبَهُ في مُلْتَقى القَوْمِ هَوْبَرُ.
المَعْنى أنَّهُ التَزَمَ الصَبْرَ إلى فَتْحٍ أو مَوْتٍ فَماتَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎ بِطَخْفَةَ جالَدْنا المُلُوكَ وخَيْلُنا ∗∗∗ ∗∗∗ عَشِيَّةَ بِسِطامٍ جَرَيْنَ عَلى نَحْبٍ
أيْ: عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ التَزَمَ القِيامَ بِهِ، كَأنَّهُ خَطَرٌ عَظِيمٌ.
وقَدْ يُسَمّى المَوْتُ نَحْبًا، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ الحَسَنُ: ﴿ "قَضى نَحْبَهُ":﴾ ماتَ عَلى عَهْدٍ، ويُقالُ لِلَّذِي جاهَدَ في أمْرٍ حَتّى ماتَ: قَضى نَحْبَهُ، ويُقالُ لِمَن ماتَ: قَضى فُلانٌ نَحْبَهُ، وهَذا تَجَوُّزٌ، كَأنَّ المَوْتَ أمْرٌ لابُدَ (p-١٠٧)لِلْإنْسانِ أنْ يَقَعَ بِهِ فَسُمِّيَ نَحْبًا لِذَلِكَ.
فَمِمَّنْ سَمّى المُفَسِّرُونَ أنَّهُ أُشِيرَ إلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَسُ بْنُ النَضْرِ، عَمُّ أنِسِ بْنِ مالِكٍ، وذَلِكَ «أنَّهُ غابَ عن بَدْرٍ، فَساءَهُ ذَلِكَ وقالَ: لَئِنْ شَهِدَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَشْهَدًا لِيَرَيَنَّ اللهَ ما أصْنَعُ، فَلَمّا كانَتْ أُحُدٌ أبْلى بَلاءً حَسَنًا حَتّى قُتِلَ، ووُجِدَ فِيهِ نَيِّفٌ عَلى ثَمانِينَ جُرْحًا،» فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ هَذِهِ الإشارَةَ هي إلى أنَسِ بْنِ النَضْرِ ونُظَرائِهِ مِمَّنِ اسْتَشْهَدَ في ذاتِ اللهِ تَعالى. وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: الرِجالُ الَّذِينَ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ هم أهْلُ العَقَبَةِ السَبْعُونَ أهْلُ البَيْعَةٍ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَوْصُوفُونَ بِقَضاءِ النَحْبِ هم جَماعَةٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وفَوْا بِعُهُودِ الإسْلامِ عَلى التَمامِ، فالشُهَداءُ مِنهُمْ، والعَشَرَةُ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالجَنَّةِ مِنهُمْ، إلى مَن حَصَلَ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ مِمَّنْ لَمْ يَنُصُّ عَلَيْهِ، ويُصَحِّحُ هَذِهِ المَقالَةَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ عَلى المِنبَرِ، فَقالَ لَهُ أعْرابِيٌّ: يا رَسُولَ اللهِ، مِنَ الَّذِي قَضى نَحْبَهُ؟ فَسَكَتَ عنهُ النَبِيُّ ﷺ ساعَةً، ثُمَّ دَخَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ عَلى بابِ المَسْجِدِ، وعَلَيْهِ ثَوْبانِ أخْضَرانِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أيْنَ السائِلُ؟ فَقالَ: هَأنَذا ذا يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: هَذا مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ.» فَهَذا أدُلُّ دَلِيلٍ عَلى أنَّ النَحْبَ لَيْسَ مِن شُرُوطِهِ المَوْتُ. وقالَ مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ: «إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ"، ورَوَتْ هَذا المَعْنى عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عَنِ النَبِيِّ ﷺ.»
(p-١٠٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾، يَقُولُ: ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ الحُصُولَ في أعْلى مَراتِبِ الإيمانِ والصَلاحِ، وهو بِسَبِيلٍ ذَلِكَ، وما بَدَّلُوا وما غَيَّرُوا، ثُمَّ أكَّدَ بِالمَصْدَرِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عَلى مِنبَرِ البَصْرَةِ: "وَمِنهم مَن بَدَّلَ تَبْدِيلًا"، رَواهُ عنهُ أبُو نُصَرَةٍ.
ورَوى عنهُ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: "وَمِنهم مَن يَنْتَظِرُ وآخَرُونَ بَدَّلُوا تَبْدِيلًا".
واللامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ﴾ لامُ الصَيْرُورَةِ والعاقِبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ، وتَعْذِيبُ المُنافِقِينَ ثَمَرَةُ إدامَتِهِمُ الإقامَةُ عَلى النِفاقِ إلى مَوْتِهِمْ، والتَوْبَةُ مُوازِيَةٌ لِتِلْكَ الإدامَةِ، وثَمَرَةُ التَوْبَةِ تَرْكُهم دُونَ عَذابٍ، فَهُما دَرَجَتانِ: إدامَةٌ عَلى نِفاقٍ، أو تَوْبَةٌ مِنهُ، وعنهُما ثَمَرَتانِ: تَعْذِيبٌ أو رَحْمَةٌ، فَذَكَرَ تَعالى - عَلى جِهَةِ الإيجازِ - واحِدَةٌ مِن هَذَيْنَ، وواحِدَةٌ مِن هَذَيْنَ، ودَلَّ ما ذُكِرَ عَلى ما تُرِكَ ذِكْرُهُ. ويَدُلُّكَ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: "لِيُعَذِّبَ": لِيُدِيمَ عَلى النِفاقِ قَوْلُهُ: "إنْ شاءَ" ومُعادَلَتُهُ بِالتَوْبَةِ وبِحَرْفِ "أو"، ولا يُجَوِّزُ أحَدٌ أنَّ "إنْ شاءَ" يَصِحُّ في تَعْذِيبِ مُنافِقٍ عَلى نِفاقِهِ، بَلْ قَدْ حَتَّمَ اللهُ عَلى نَفْسِهِ بِتَعْذِيبِهِ.
الأحزاب 33:25
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ﴿وَأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ ﴿وَأورَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها وكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾
(p-١٠٩)عَدَّدَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ نِعَمَهُ عَلى المُؤْمِنِينَ في هَزْمِ الأحْزابِ، وأنَّ اللهَ تَعالى رَدَّهم بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَشْفُوا مِنهُ شَيْئًا، ولا نالُوا مُرادًا، وكَفى اللهُ كُلَّ مَن كانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنْ يُقاتِلَ الأحْزابَ. ورُوِيَ أنَّ المُرادَ بِـ المُؤْمِنِينَ هَنا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَوْمٌ مَعَهُ عَبِئُوا لِلْقِتالِ وبَرَزُوا ودَعَوْا إلَيْهِ. وقِيلَ: عَنى رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ، فَكَفاهُمُ اللهُ مُداوَمَةَ ذَلِكَ ودَعْوَتَهُ بِأنْ هَزَمَ الأحْزابَ بِالرِيحِ والمَلائِكَةِ، وصَنَعَ ذَلِكَ بِقُوَّتِهِ وعِزَّتِهِ. «قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: حُبِسْنا يَوْمَ الخَنْدَقِ فَلَمْ نُصَلِّ الظَهْرَ ولا العَصْرَ ولا المَغْرِبَ ولا العَشاءَ، حَتّى كانَ بَعْدَ هَوِيٍّ مِنَ اللَيْلِ كَفِينا، وأنْزَلَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَكَفى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾، وأمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلالًا فَأقامَ، وصَلّى الظُهْرَ فَأحْسَنَها، ثُمَّ كَذَلِكَ كُلَّ صَلاةٍ بِإقامَةِ إقامَةٍ.»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ يُرِيدُ بَنِي قُرَيْظَةَ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، قالَ الرُمّانِيِّ: وقالَ الحَسَنُ: الَّذِينَ أنْزَلُوا مِن صَياصِيهِمْ بَنُو النَضِيرِ، وقالَ الناسُ: هم بَنُو قُرَيْظَةَ، وذَلِكَ أنَّهم «لَمّا غَدَرُوا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وظاهَرُوا الأحْزابَ عَلَيْهِ أرادَ اللهُ النِقْمَةَ مِنهُمْ، فَلَمّا ذَهَبَ الأحْزابُ جاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ وقْتَ الظُهْرِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنِ اللهَ تَعالى يَأْمُرُكَ بِالخُرُوجِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَنادى رَسُولُ اللهِ ﷺ في الناسِ، وقالَ لَهُمْ: "لا يُصَلِّينَ أحَدٌ العَصْرَ إلّا في بَنِي قُرَيْظَةَ"، فَخَرَجَ الناسُ إلَيْها، ووَصَلَها قَوْمٌ مِنَ الصَحابَةِ بَعْدَ العَشاءِ وهم لَمْ يُصَلُّوا العَصْرَ وُقُوفًا مَعَ لَفْظِ النَبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُخَطِّئْهم رَسُولُ اللهِ ﷺ في ذَلِكَ، وصَلّى قَوْمٌ في الطَرِيقِ، ورَأوا أنَّ قَوْلَ النَبِيِّ ﷺ إنَّما خَرَجَ مَخْرَجَ التَأْكِيدِ، فَلَمْ يُخَطِّئْهم أيْضًا، وحَصَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَنِي قُرَيْظَةَ خَمْسًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَزَلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ الأوسِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكانَ بَيْنَهم وبَيْنَ الأوسِ حِلْفٌ، فَرَجَوْا حُنَوَّهُ عَلَيْهِمْ، فَحَكَمَ فِيهِمْ سَعْدٌ بِأنْ تُقْتَلَ المُقاتِلَةُ، وتُسْبى الذُرِّيَّةُ والعَيّالُ والأمْوالُ، وأنْ تَكُونَ الأرْضُ والثِمارُ لِلْمُهاجِرِينَ دُونَ الأنْصارِ، فَقالَتْ لَهُ الأنْصارُ في ذَلِكَ، فَقالَ: أرَدْتُ أنْ تَكُونَ لَهم أمْوالٌ كَما لَكم أمْوالٌ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ المَلِيكِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةِ"، فَأمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرِجالِهِمْ فَأُخْرِجُوا أرْسالًا، وضَرَبَ أعْناقَهُمْ، وهم مِنَ الثَمانِمِائَةَ إلى (p-١١٠)التِسْعِمِئَةِ، وسِيقَ فِيهِمْ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبُ النَضْرِيِّ، وهو الَّذِي كانَ أدْخَلُهم في الغَدْرِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمّا ذَهَبَ الأحْزابُ دَخَلَ عِنْدَهُمْ، وفاءَ لَهُمْ، فَأخَذَهُ الحَصْرُ حَتّى نَزَلَ فِيمَن نَزَلَ عَلى حَكْمِ سَعْدٍ، فَلَمّا قُرِّبَ وعَلَيْهِ حُلَّتانِ فُقّاحِيَّتانِ، ويَداهُ مَجْمُوعَةٌ إلى عُنُقِهِ وأبْصَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقالَ لَهُ: يا مُحَمَّدُ، واللهِ ما لُمْتُ نَفْسِي في عَداوَتِكَ، ولَقَدِ اجْتَهَدْتُ ولَكِنْ مَن يَخْذُلِ اللهَ يُخْذَلُ، ثُمَّ قالَ: أيُّها الناسُ، لا بَأْسَ، إنَّهُ أمْرُ اللهِ وقَدَرُهُ ومَلْحَمَةٌ كُتِبَتْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ تَقَدَّمُ فَضَرَبَتْ عُنُقَهُ، وفِيهِ يَقُولُ جَبَلُ بْنُ جَوّالٍ الثَعْلَبِيِّ:
؎ لَعْمُرِكَ ما لامَ ابْنُ أخْطَبَ نَفْسَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّهُ مَن يَخْذُلِ اللهَ يُخْذَلُ
؎ لَجاهَدَ حَتّى أبْلَغَ النَفْسَ عُذْرَها ∗∗∗ ∗∗∗ وقَلْقَلَ يَبْغِي العِزَّ كُلَّ مُقَلْقِلِ
» وقَوْلُهُ: ﴿ "ظاهَرُوهُمْ"﴾ مَعْناهُ: عاوَنُوهُمْ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "الَّذِينَ آزَرُوهُمْ"، وهي بِمَعْنى: ظاهَرُوهم. والصَياصِي: الحُصُونُ، وإحْداها: صِيصَةُ، وهي كُلُّ ما يَمْتَنِعُ بِهِ، ومِنهُ يُقالُ لِقُرُونِ البَقَرِ: الصَياصِي، والصَياصِي أيْضًا شَوْكُ الحاكَّةِ، وتَتَّخِذُ مِن حَدِيدٍ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِمَّةِ:
؎ كَوَقْعِ الصَياصِي ∗∗∗ في النَسِيجِ المُمَدَّدِ
والفَرِيقُ المَقْتُولُ: الرِجالُ المُقاتِلَةُ، والفَرِيقُ المَأْسُورُ: العِيالُ والذُرِّيَّةُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "وَتَأْسِرُونَ"﴾ بِكَسْرِ السِينِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَتَأْسُرُونَ" بِضَمِّ السِينِ.
(p-١١١)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَأورَثَكُمْ"﴾ اسْتِعارَةٌ، مِن حَيْثُ حَصَلَ ذَلِكَ لَهم بَعْدَ مَوْتِ الآخَرِينَ وقَتْلِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿وَأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ يُرِيدُ بِها البِلادَ الَّتِي فُتِحَتْ بَعْدَ كالعِراقِ والشامِ واليَمَنِ ومَكَّةَ، فَوَعْدُ اللهِ تَعالى بِها عِنْدَ فَتْحِ حُصُونِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وأخْبَرَ أنَّهُ قَدْ قَضى بِذَلِكَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن فِرَقٍ أنَّهم خَصَّصُوا ذَلِكَ، فَقالَ الحَسَنُ: أرادَ الرُومَ وفارِسَ، وقالَ قَتادَةُ: كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّها مَكَّةُ، وقالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانٍ، ومُقاتِلُ، وابْنُ زَيْدٍ: هي خُيَبْرٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اليَمَنُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ دُونَ شَيْءٍ.
الأحزاب 33:26
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ﴿وَأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ ﴿وَأورَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها وكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾
(p-١٠٩)عَدَّدَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ نِعَمَهُ عَلى المُؤْمِنِينَ في هَزْمِ الأحْزابِ، وأنَّ اللهَ تَعالى رَدَّهم بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَشْفُوا مِنهُ شَيْئًا، ولا نالُوا مُرادًا، وكَفى اللهُ كُلَّ مَن كانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنْ يُقاتِلَ الأحْزابَ. ورُوِيَ أنَّ المُرادَ بِـ المُؤْمِنِينَ هَنا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَوْمٌ مَعَهُ عَبِئُوا لِلْقِتالِ وبَرَزُوا ودَعَوْا إلَيْهِ. وقِيلَ: عَنى رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ، فَكَفاهُمُ اللهُ مُداوَمَةَ ذَلِكَ ودَعْوَتَهُ بِأنْ هَزَمَ الأحْزابَ بِالرِيحِ والمَلائِكَةِ، وصَنَعَ ذَلِكَ بِقُوَّتِهِ وعِزَّتِهِ. «قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: حُبِسْنا يَوْمَ الخَنْدَقِ فَلَمْ نُصَلِّ الظَهْرَ ولا العَصْرَ ولا المَغْرِبَ ولا العَشاءَ، حَتّى كانَ بَعْدَ هَوِيٍّ مِنَ اللَيْلِ كَفِينا، وأنْزَلَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَكَفى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾، وأمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلالًا فَأقامَ، وصَلّى الظُهْرَ فَأحْسَنَها، ثُمَّ كَذَلِكَ كُلَّ صَلاةٍ بِإقامَةِ إقامَةٍ.»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ يُرِيدُ بَنِي قُرَيْظَةَ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، قالَ الرُمّانِيِّ: وقالَ الحَسَنُ: الَّذِينَ أنْزَلُوا مِن صَياصِيهِمْ بَنُو النَضِيرِ، وقالَ الناسُ: هم بَنُو قُرَيْظَةَ، وذَلِكَ أنَّهم «لَمّا غَدَرُوا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وظاهَرُوا الأحْزابَ عَلَيْهِ أرادَ اللهُ النِقْمَةَ مِنهُمْ، فَلَمّا ذَهَبَ الأحْزابُ جاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ وقْتَ الظُهْرِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنِ اللهَ تَعالى يَأْمُرُكَ بِالخُرُوجِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَنادى رَسُولُ اللهِ ﷺ في الناسِ، وقالَ لَهُمْ: "لا يُصَلِّينَ أحَدٌ العَصْرَ إلّا في بَنِي قُرَيْظَةَ"، فَخَرَجَ الناسُ إلَيْها، ووَصَلَها قَوْمٌ مِنَ الصَحابَةِ بَعْدَ العَشاءِ وهم لَمْ يُصَلُّوا العَصْرَ وُقُوفًا مَعَ لَفْظِ النَبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُخَطِّئْهم رَسُولُ اللهِ ﷺ في ذَلِكَ، وصَلّى قَوْمٌ في الطَرِيقِ، ورَأوا أنَّ قَوْلَ النَبِيِّ ﷺ إنَّما خَرَجَ مَخْرَجَ التَأْكِيدِ، فَلَمْ يُخَطِّئْهم أيْضًا، وحَصَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَنِي قُرَيْظَةَ خَمْسًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَزَلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ الأوسِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكانَ بَيْنَهم وبَيْنَ الأوسِ حِلْفٌ، فَرَجَوْا حُنَوَّهُ عَلَيْهِمْ، فَحَكَمَ فِيهِمْ سَعْدٌ بِأنْ تُقْتَلَ المُقاتِلَةُ، وتُسْبى الذُرِّيَّةُ والعَيّالُ والأمْوالُ، وأنْ تَكُونَ الأرْضُ والثِمارُ لِلْمُهاجِرِينَ دُونَ الأنْصارِ، فَقالَتْ لَهُ الأنْصارُ في ذَلِكَ، فَقالَ: أرَدْتُ أنْ تَكُونَ لَهم أمْوالٌ كَما لَكم أمْوالٌ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ المَلِيكِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةِ"، فَأمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرِجالِهِمْ فَأُخْرِجُوا أرْسالًا، وضَرَبَ أعْناقَهُمْ، وهم مِنَ الثَمانِمِائَةَ إلى (p-١١٠)التِسْعِمِئَةِ، وسِيقَ فِيهِمْ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبُ النَضْرِيِّ، وهو الَّذِي كانَ أدْخَلُهم في الغَدْرِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمّا ذَهَبَ الأحْزابُ دَخَلَ عِنْدَهُمْ، وفاءَ لَهُمْ، فَأخَذَهُ الحَصْرُ حَتّى نَزَلَ فِيمَن نَزَلَ عَلى حَكْمِ سَعْدٍ، فَلَمّا قُرِّبَ وعَلَيْهِ حُلَّتانِ فُقّاحِيَّتانِ، ويَداهُ مَجْمُوعَةٌ إلى عُنُقِهِ وأبْصَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقالَ لَهُ: يا مُحَمَّدُ، واللهِ ما لُمْتُ نَفْسِي في عَداوَتِكَ، ولَقَدِ اجْتَهَدْتُ ولَكِنْ مَن يَخْذُلِ اللهَ يُخْذَلُ، ثُمَّ قالَ: أيُّها الناسُ، لا بَأْسَ، إنَّهُ أمْرُ اللهِ وقَدَرُهُ ومَلْحَمَةٌ كُتِبَتْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ تَقَدَّمُ فَضَرَبَتْ عُنُقَهُ، وفِيهِ يَقُولُ جَبَلُ بْنُ جَوّالٍ الثَعْلَبِيِّ:
؎ لَعْمُرِكَ ما لامَ ابْنُ أخْطَبَ نَفْسَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّهُ مَن يَخْذُلِ اللهَ يُخْذَلُ
؎ لَجاهَدَ حَتّى أبْلَغَ النَفْسَ عُذْرَها ∗∗∗ ∗∗∗ وقَلْقَلَ يَبْغِي العِزَّ كُلَّ مُقَلْقِلِ
» وقَوْلُهُ: ﴿ "ظاهَرُوهُمْ"﴾ مَعْناهُ: عاوَنُوهُمْ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "الَّذِينَ آزَرُوهُمْ"، وهي بِمَعْنى: ظاهَرُوهم. والصَياصِي: الحُصُونُ، وإحْداها: صِيصَةُ، وهي كُلُّ ما يَمْتَنِعُ بِهِ، ومِنهُ يُقالُ لِقُرُونِ البَقَرِ: الصَياصِي، والصَياصِي أيْضًا شَوْكُ الحاكَّةِ، وتَتَّخِذُ مِن حَدِيدٍ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِمَّةِ:
؎ كَوَقْعِ الصَياصِي ∗∗∗ في النَسِيجِ المُمَدَّدِ
والفَرِيقُ المَقْتُولُ: الرِجالُ المُقاتِلَةُ، والفَرِيقُ المَأْسُورُ: العِيالُ والذُرِّيَّةُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "وَتَأْسِرُونَ"﴾ بِكَسْرِ السِينِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَتَأْسُرُونَ" بِضَمِّ السِينِ.
(p-١١١)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَأورَثَكُمْ"﴾ اسْتِعارَةٌ، مِن حَيْثُ حَصَلَ ذَلِكَ لَهم بَعْدَ مَوْتِ الآخَرِينَ وقَتْلِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿وَأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ يُرِيدُ بِها البِلادَ الَّتِي فُتِحَتْ بَعْدَ كالعِراقِ والشامِ واليَمَنِ ومَكَّةَ، فَوَعْدُ اللهِ تَعالى بِها عِنْدَ فَتْحِ حُصُونِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وأخْبَرَ أنَّهُ قَدْ قَضى بِذَلِكَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن فِرَقٍ أنَّهم خَصَّصُوا ذَلِكَ، فَقالَ الحَسَنُ: أرادَ الرُومَ وفارِسَ، وقالَ قَتادَةُ: كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّها مَكَّةُ، وقالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانٍ، ومُقاتِلُ، وابْنُ زَيْدٍ: هي خُيَبْرٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اليَمَنُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ دُونَ شَيْءٍ.
الأحزاب 33:27
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ﴿وَأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ ﴿وَأورَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها وكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾
(p-١٠٩)عَدَّدَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ نِعَمَهُ عَلى المُؤْمِنِينَ في هَزْمِ الأحْزابِ، وأنَّ اللهَ تَعالى رَدَّهم بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَشْفُوا مِنهُ شَيْئًا، ولا نالُوا مُرادًا، وكَفى اللهُ كُلَّ مَن كانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنْ يُقاتِلَ الأحْزابَ. ورُوِيَ أنَّ المُرادَ بِـ المُؤْمِنِينَ هَنا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَوْمٌ مَعَهُ عَبِئُوا لِلْقِتالِ وبَرَزُوا ودَعَوْا إلَيْهِ. وقِيلَ: عَنى رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ، فَكَفاهُمُ اللهُ مُداوَمَةَ ذَلِكَ ودَعْوَتَهُ بِأنْ هَزَمَ الأحْزابَ بِالرِيحِ والمَلائِكَةِ، وصَنَعَ ذَلِكَ بِقُوَّتِهِ وعِزَّتِهِ. «قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: حُبِسْنا يَوْمَ الخَنْدَقِ فَلَمْ نُصَلِّ الظَهْرَ ولا العَصْرَ ولا المَغْرِبَ ولا العَشاءَ، حَتّى كانَ بَعْدَ هَوِيٍّ مِنَ اللَيْلِ كَفِينا، وأنْزَلَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَكَفى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾، وأمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلالًا فَأقامَ، وصَلّى الظُهْرَ فَأحْسَنَها، ثُمَّ كَذَلِكَ كُلَّ صَلاةٍ بِإقامَةِ إقامَةٍ.»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ يُرِيدُ بَنِي قُرَيْظَةَ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، قالَ الرُمّانِيِّ: وقالَ الحَسَنُ: الَّذِينَ أنْزَلُوا مِن صَياصِيهِمْ بَنُو النَضِيرِ، وقالَ الناسُ: هم بَنُو قُرَيْظَةَ، وذَلِكَ أنَّهم «لَمّا غَدَرُوا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وظاهَرُوا الأحْزابَ عَلَيْهِ أرادَ اللهُ النِقْمَةَ مِنهُمْ، فَلَمّا ذَهَبَ الأحْزابُ جاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ وقْتَ الظُهْرِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنِ اللهَ تَعالى يَأْمُرُكَ بِالخُرُوجِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَنادى رَسُولُ اللهِ ﷺ في الناسِ، وقالَ لَهُمْ: "لا يُصَلِّينَ أحَدٌ العَصْرَ إلّا في بَنِي قُرَيْظَةَ"، فَخَرَجَ الناسُ إلَيْها، ووَصَلَها قَوْمٌ مِنَ الصَحابَةِ بَعْدَ العَشاءِ وهم لَمْ يُصَلُّوا العَصْرَ وُقُوفًا مَعَ لَفْظِ النَبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُخَطِّئْهم رَسُولُ اللهِ ﷺ في ذَلِكَ، وصَلّى قَوْمٌ في الطَرِيقِ، ورَأوا أنَّ قَوْلَ النَبِيِّ ﷺ إنَّما خَرَجَ مَخْرَجَ التَأْكِيدِ، فَلَمْ يُخَطِّئْهم أيْضًا، وحَصَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَنِي قُرَيْظَةَ خَمْسًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَزَلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ الأوسِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكانَ بَيْنَهم وبَيْنَ الأوسِ حِلْفٌ، فَرَجَوْا حُنَوَّهُ عَلَيْهِمْ، فَحَكَمَ فِيهِمْ سَعْدٌ بِأنْ تُقْتَلَ المُقاتِلَةُ، وتُسْبى الذُرِّيَّةُ والعَيّالُ والأمْوالُ، وأنْ تَكُونَ الأرْضُ والثِمارُ لِلْمُهاجِرِينَ دُونَ الأنْصارِ، فَقالَتْ لَهُ الأنْصارُ في ذَلِكَ، فَقالَ: أرَدْتُ أنْ تَكُونَ لَهم أمْوالٌ كَما لَكم أمْوالٌ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ المَلِيكِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةِ"، فَأمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرِجالِهِمْ فَأُخْرِجُوا أرْسالًا، وضَرَبَ أعْناقَهُمْ، وهم مِنَ الثَمانِمِائَةَ إلى (p-١١٠)التِسْعِمِئَةِ، وسِيقَ فِيهِمْ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبُ النَضْرِيِّ، وهو الَّذِي كانَ أدْخَلُهم في الغَدْرِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمّا ذَهَبَ الأحْزابُ دَخَلَ عِنْدَهُمْ، وفاءَ لَهُمْ، فَأخَذَهُ الحَصْرُ حَتّى نَزَلَ فِيمَن نَزَلَ عَلى حَكْمِ سَعْدٍ، فَلَمّا قُرِّبَ وعَلَيْهِ حُلَّتانِ فُقّاحِيَّتانِ، ويَداهُ مَجْمُوعَةٌ إلى عُنُقِهِ وأبْصَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقالَ لَهُ: يا مُحَمَّدُ، واللهِ ما لُمْتُ نَفْسِي في عَداوَتِكَ، ولَقَدِ اجْتَهَدْتُ ولَكِنْ مَن يَخْذُلِ اللهَ يُخْذَلُ، ثُمَّ قالَ: أيُّها الناسُ، لا بَأْسَ، إنَّهُ أمْرُ اللهِ وقَدَرُهُ ومَلْحَمَةٌ كُتِبَتْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ تَقَدَّمُ فَضَرَبَتْ عُنُقَهُ، وفِيهِ يَقُولُ جَبَلُ بْنُ جَوّالٍ الثَعْلَبِيِّ:
؎ لَعْمُرِكَ ما لامَ ابْنُ أخْطَبَ نَفْسَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّهُ مَن يَخْذُلِ اللهَ يُخْذَلُ
؎ لَجاهَدَ حَتّى أبْلَغَ النَفْسَ عُذْرَها ∗∗∗ ∗∗∗ وقَلْقَلَ يَبْغِي العِزَّ كُلَّ مُقَلْقِلِ
» وقَوْلُهُ: ﴿ "ظاهَرُوهُمْ"﴾ مَعْناهُ: عاوَنُوهُمْ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "الَّذِينَ آزَرُوهُمْ"، وهي بِمَعْنى: ظاهَرُوهم. والصَياصِي: الحُصُونُ، وإحْداها: صِيصَةُ، وهي كُلُّ ما يَمْتَنِعُ بِهِ، ومِنهُ يُقالُ لِقُرُونِ البَقَرِ: الصَياصِي، والصَياصِي أيْضًا شَوْكُ الحاكَّةِ، وتَتَّخِذُ مِن حَدِيدٍ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِمَّةِ:
؎ كَوَقْعِ الصَياصِي ∗∗∗ في النَسِيجِ المُمَدَّدِ
والفَرِيقُ المَقْتُولُ: الرِجالُ المُقاتِلَةُ، والفَرِيقُ المَأْسُورُ: العِيالُ والذُرِّيَّةُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "وَتَأْسِرُونَ"﴾ بِكَسْرِ السِينِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَتَأْسُرُونَ" بِضَمِّ السِينِ.
(p-١١١)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَأورَثَكُمْ"﴾ اسْتِعارَةٌ، مِن حَيْثُ حَصَلَ ذَلِكَ لَهم بَعْدَ مَوْتِ الآخَرِينَ وقَتْلِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿وَأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ يُرِيدُ بِها البِلادَ الَّتِي فُتِحَتْ بَعْدَ كالعِراقِ والشامِ واليَمَنِ ومَكَّةَ، فَوَعْدُ اللهِ تَعالى بِها عِنْدَ فَتْحِ حُصُونِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وأخْبَرَ أنَّهُ قَدْ قَضى بِذَلِكَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن فِرَقٍ أنَّهم خَصَّصُوا ذَلِكَ، فَقالَ الحَسَنُ: أرادَ الرُومَ وفارِسَ، وقالَ قَتادَةُ: كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّها مَكَّةُ، وقالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانٍ، ومُقاتِلُ، وابْنُ زَيْدٍ: هي خُيَبْرٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اليَمَنُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ دُونَ شَيْءٍ.
الأحزاب 33:28
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها النَبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾ ﴿وَإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ ورَسُولَهُ والدارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِها، فَقالَ قَتادَةُ: سَبَبُها غِيرَةٌ غارَتْها عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: وقَعَ بَيْنَ أزْواجِهِ تَغايُرٌ ونَحْوَهُ مِمّا شَقِيَ هو بِهِ - ﷺ - فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وبَشَّرَهُ اللهُ أنْ يَصْرِفَ إرادَتَهُ في أنْ يُؤْوِيَ إلَيْهِ مَن يَشاءُ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ: نَزَلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَألَهُ أزْواجُهُ النَفَقَةَ، وتَشَطَّطْنَ في تَكْلِيفِهِ مِنها فَوْقَ وُسْعِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ سَبَبُ ذَلِكَ أنَّهُنَّ طَلَبْنَ مِنهُ مَلابِسَ وثِيابًا، وقالَتْ واحِدَةٌ: لَوْ كُنّا عِنْدَ غَيْرِ النَبِيِّ لَكانَ لَنا الحُلِيُّ والمَتاعُ. وقالَ بَعْضُ الناسِ: «أمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِنَّ، وتَخْيِيرِهِنَّ بَيْنَ الدُنْيا والآخِرَةِ» وأمْرِ الطَلاقِ مَرَجًا، فَلَوِ اخْتَرْنَ أنْفُسَهُنَّ نَظَرَ كَيْفَ يُسَرِّحُهُنَّ هُوَ، ولَيْسَ فِيها تَخْيِيرِهِنَّ في الطَلاقِ؛ لِأنَّ التَخْيِيرَ يَتَضَمَّنُ ثَلاثَ تَطْلِيقاتٍ وهو قَدْ قالَ: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾، ولَيْسَ مَعَ بَتِّ الطَلاقِ سَراحٌ جَمِيلٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هي آيَةُ تَخْيِيرٍ، واخْتَرْنَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، ولَمْ يَعُدْ ذَلِكَ طَلاقًا، وهو قَوْلُ عائِشَةَ أيْضًا.
واخْتَلَفَ الناسُ في التَخْيِيرِ إذا اخْتارَتِ المَرْأةُ نَفْسَها، فَقالَ مالِكٌ: هي طالِقُ ثَلاثًا، ولا مُناكِرَةَ لِلزَّوْجِ، بِخِلافِ التَمْلِيكِ. وقالَ غَيْرُهُ: هي طَلْقَةٌ بائِنَةٌ. وقالَ بَعْضُ الصَحابَةِ (p-١١٢)رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ: إذا خَيَّرَ الرَجُلُ امْرَأتَهُ فاخْتارَتْهُ فَهي طَلْقَةٌ، وهَذا مُخالِفٌ جِدًّا.
وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُنْيا﴾، أيْ: إنْ كانَتْ عَظِيمُ هِمَّتِكُنَّ ومَطْلَبِكُنَّ، أيِ التَعَمُّقَ فِيها والنَيْلَ مِن نِعْمَتِها. و"زِينَةُ الدُنْيا": المالُ والبَنُونَ، و"تَعالَيْنَ" دُعاءٌ، و"أُمَتِّعْكُنَّ" مَعْناهُ أُعْطِيكُنَّ المَتاعَ الَّذِي نَدَبَ اللهُ تَعالى لَهُ في قَوْلِهِ: "وَمَتِّعُوهُنَّ"، وأكْثَرُ الناسِ عَلى أنَّها مِنَ المَندُوباتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي واجِبَةٌ، والسَراحُ الجَمِيلُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ما دُونُ بَتِّ الطَلاقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في بَقاءِ جَمِيلِ المُعْتَقَدِ وحَسُنِ العِشْرَةِ وجَمِيلِ الثَناءِ وإنْ كانَ الطَلاقُ باتًّا. و"أعَدَّ" مَعْناهُ: يَسَّرَ وسَنّى، و"المُحْسِناتُ": الطائِعاتُ لِلَّهِ والرَسُولِ.
وأزْواجُ النَبِيِّ اللَواتِي نَزَلَتْ فِيهِنَّ تِسْعٌ، خَمْسُ قُرَشِيّاتٍ: عائِشَةُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وحَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ، وسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، وأُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أبِي أُمِّيَّةَ. وأرْبَعٌ غَيْرُ قُرَشِيّاتٍ: مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ الهِلالِيَّةُ، وصَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنُ أخْطَبُ الخَيْبَرِيَّةُ، وزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الأسْدِيَّةُ، وجُوَيْرِيَّةُ بِنْتُ الحارِثِ المُصْطَلْقِيَةُ. رَضِيَ اللهُ عن أزْواجِ رَسُولِ اللهِ أجْمَعِينَ.
وفِي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ لَمّا خَرَجَ مِن إيلائِهِ الشَهْرَ، ونَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، بَدَأ بِعائِشَةَ فَقالَ: "إنِّي ذاكِرٌ لَكَ أمْرًا، ولا عَلَيْكَ ألّا تُعَجِّلِي حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ"، ثُمَّ تَلا عَلَيْها الآيَةَ، فَقالَتْ لَهُ: وفي هَذا أسْتَأْمَرَ أبَوَيَّ؟ فَإنِّي أُرِيدُ اللهَ ورَسُولَهُ والدارَ الآخِرَةَ، قالَتْ: "وَقَدْ عَلِمَ أنَّ أبَوَيَّ لا يَأْمُرانِي بِفِراقِهِ"، ثُمَّ تَتابَعَ أزْواجُ النَبِيِّ ﷺ عَلى مَثْلِ قَوْلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، فاخْتَرْنَ اللهَ ورَسُولَهُ.»
الأحزاب 33:29
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها النَبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾ ﴿وَإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ ورَسُولَهُ والدارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِها، فَقالَ قَتادَةُ: سَبَبُها غِيرَةٌ غارَتْها عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: وقَعَ بَيْنَ أزْواجِهِ تَغايُرٌ ونَحْوَهُ مِمّا شَقِيَ هو بِهِ - ﷺ - فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وبَشَّرَهُ اللهُ أنْ يَصْرِفَ إرادَتَهُ في أنْ يُؤْوِيَ إلَيْهِ مَن يَشاءُ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ: نَزَلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَألَهُ أزْواجُهُ النَفَقَةَ، وتَشَطَّطْنَ في تَكْلِيفِهِ مِنها فَوْقَ وُسْعِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ سَبَبُ ذَلِكَ أنَّهُنَّ طَلَبْنَ مِنهُ مَلابِسَ وثِيابًا، وقالَتْ واحِدَةٌ: لَوْ كُنّا عِنْدَ غَيْرِ النَبِيِّ لَكانَ لَنا الحُلِيُّ والمَتاعُ. وقالَ بَعْضُ الناسِ: «أمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِنَّ، وتَخْيِيرِهِنَّ بَيْنَ الدُنْيا والآخِرَةِ» وأمْرِ الطَلاقِ مَرَجًا، فَلَوِ اخْتَرْنَ أنْفُسَهُنَّ نَظَرَ كَيْفَ يُسَرِّحُهُنَّ هُوَ، ولَيْسَ فِيها تَخْيِيرِهِنَّ في الطَلاقِ؛ لِأنَّ التَخْيِيرَ يَتَضَمَّنُ ثَلاثَ تَطْلِيقاتٍ وهو قَدْ قالَ: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾، ولَيْسَ مَعَ بَتِّ الطَلاقِ سَراحٌ جَمِيلٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هي آيَةُ تَخْيِيرٍ، واخْتَرْنَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، ولَمْ يَعُدْ ذَلِكَ طَلاقًا، وهو قَوْلُ عائِشَةَ أيْضًا.
واخْتَلَفَ الناسُ في التَخْيِيرِ إذا اخْتارَتِ المَرْأةُ نَفْسَها، فَقالَ مالِكٌ: هي طالِقُ ثَلاثًا، ولا مُناكِرَةَ لِلزَّوْجِ، بِخِلافِ التَمْلِيكِ. وقالَ غَيْرُهُ: هي طَلْقَةٌ بائِنَةٌ. وقالَ بَعْضُ الصَحابَةِ (p-١١٢)رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ: إذا خَيَّرَ الرَجُلُ امْرَأتَهُ فاخْتارَتْهُ فَهي طَلْقَةٌ، وهَذا مُخالِفٌ جِدًّا.
وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُنْيا﴾، أيْ: إنْ كانَتْ عَظِيمُ هِمَّتِكُنَّ ومَطْلَبِكُنَّ، أيِ التَعَمُّقَ فِيها والنَيْلَ مِن نِعْمَتِها. و"زِينَةُ الدُنْيا": المالُ والبَنُونَ، و"تَعالَيْنَ" دُعاءٌ، و"أُمَتِّعْكُنَّ" مَعْناهُ أُعْطِيكُنَّ المَتاعَ الَّذِي نَدَبَ اللهُ تَعالى لَهُ في قَوْلِهِ: "وَمَتِّعُوهُنَّ"، وأكْثَرُ الناسِ عَلى أنَّها مِنَ المَندُوباتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي واجِبَةٌ، والسَراحُ الجَمِيلُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ما دُونُ بَتِّ الطَلاقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في بَقاءِ جَمِيلِ المُعْتَقَدِ وحَسُنِ العِشْرَةِ وجَمِيلِ الثَناءِ وإنْ كانَ الطَلاقُ باتًّا. و"أعَدَّ" مَعْناهُ: يَسَّرَ وسَنّى، و"المُحْسِناتُ": الطائِعاتُ لِلَّهِ والرَسُولِ.
وأزْواجُ النَبِيِّ اللَواتِي نَزَلَتْ فِيهِنَّ تِسْعٌ، خَمْسُ قُرَشِيّاتٍ: عائِشَةُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وحَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ، وسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، وأُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أبِي أُمِّيَّةَ. وأرْبَعٌ غَيْرُ قُرَشِيّاتٍ: مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ الهِلالِيَّةُ، وصَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنُ أخْطَبُ الخَيْبَرِيَّةُ، وزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الأسْدِيَّةُ، وجُوَيْرِيَّةُ بِنْتُ الحارِثِ المُصْطَلْقِيَةُ. رَضِيَ اللهُ عن أزْواجِ رَسُولِ اللهِ أجْمَعِينَ.
وفِي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ لَمّا خَرَجَ مِن إيلائِهِ الشَهْرَ، ونَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، بَدَأ بِعائِشَةَ فَقالَ: "إنِّي ذاكِرٌ لَكَ أمْرًا، ولا عَلَيْكَ ألّا تُعَجِّلِي حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ"، ثُمَّ تَلا عَلَيْها الآيَةَ، فَقالَتْ لَهُ: وفي هَذا أسْتَأْمَرَ أبَوَيَّ؟ فَإنِّي أُرِيدُ اللهَ ورَسُولَهُ والدارَ الآخِرَةَ، قالَتْ: "وَقَدْ عَلِمَ أنَّ أبَوَيَّ لا يَأْمُرانِي بِفِراقِهِ"، ثُمَّ تَتابَعَ أزْواجُ النَبِيِّ ﷺ عَلى مَثْلِ قَوْلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، فاخْتَرْنَ اللهَ ورَسُولَهُ.»
الأحزاب 33:30
(p-١١٣)قوله عزّ وجلّ:
﴿يا نِساءَ النَبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرًا﴾ ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ ﴿يا نِساءَ النَبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾
قالَ أبُو رافِعٍ: كانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ كَثِيرًا ما يَقْرَأُ سُورَةَ يُوسُفَ وسُورَةَ الأحْزابِ في الصُبْحِ، فَكانَ إذا بَلَغَ ﴿ "يا نِساءَ النَبِيِّ"﴾ رَفَعَ بِها صَوْتَهُ، فَقِيلَ لَهُ، فَقالَ: أُذَكِّرُهُنَّ العَهْدَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَن يَأْتِ" بِياءٍ وتاءٍ، ﴿ "وَمَن يَقْنُتْ"﴾ بِياءٍ حَمْلًا عَلى اللَفْظِ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فايِدٍ، الجَحْدَرِيُّ، ويَعْقُوبُ: "تَأْتِ" بِتاءَيْنِ و"تَقْنُتْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ حَمْلًا عَلى المَعْنى. وقالَ قَوْمٌ: الفاحِشَةُ إذا ورَدَتْ مُعَرَّفَةً فَهي الزِنى واللِواطُ، وإذا ورَدَتْ مُنَكَّرَةً فَهي سائِرُ المَعاصِي وكُلُّ مُسْتَفْحَشٍ، وإذا ورَدَتْ مَنعُوتَةً بِالبَيانِ فَهي عُقُوقُ الزَوْجِ وفَسادُ عَشْرَتِهِ، ولِذَلِكَ يَصِفُها بِالبَيانِ إذْ لا يُمْكِنُ سَتْرُها، والزِنى وغَيْرُهُ هو مِمّا يَتَسَتِرُ بِهِ ولا يَكُونُ مُبَيَّنًا، ولا مَحالَةَ أنَّ الوَعِيدَ واقِعٌ عَلى ما خُفِيَ مِنهُ وما ظَهَرَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ قَوْلُهُ: ﴿بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ يَعُمُّ جَمِيعَ المَعاصِي، وكَذَلِكَ الفاحِشَةَ كَيْفَ ورَدَتْ. ولَمّا كانَ أزْواجُ النَبِيِّ ﷺ في مَهْبَطِ الوَحْيِ وفي مَنزِلِ أوامِرِ اللهِ ونَواهِيهِ قَوِيَ الأمْرُ عَلَيْهِنَّ ولَزِمَهُنَّ بِسَبَبِ مَكانَتِهِنَّ أكْثَرَ مِمّا يُلْزِمُ غَيْرَهُنَّ، فَضُوعِفَ لَهُنَّ الأجْرُ والعَذابُ، والإشارَةُ بِالفاحِشَةِ إلى الزِنى وغَيْرِهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وشِبْلٌ، وعاصِمٌ: "مُبَيَّنَةً" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وقَتادَةُ بِكَسْرِها وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُضاعِفُ" بِالياءِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللهِ تَعالى، (p-١١٤)وَقَرَأ أبُو عَمْرُو فِيما رُوِيَ عنهُ: "نُضاعِفُ" بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ "العَذابَ" نَصْبًا، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، وهَذِهِ مُفاعَلَةٌ مِن واحِدٍ كَطارَقْتُ النَعْلَ وعاقَبْتُ اللِصَّ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُضاعِفُ" بِالياءِ وعَيْنٍ مَفْتُوحَةٍ "العَذابَ" رَفَعًا، وقَرَأ أبُو عَمْرُو: "يُضَعِّفُ" بِتَشْدِيدِ العَيْنِ عَلى بِناءِ المُبالَغَةِ "العَذابُ" رَفَعًا، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعِيسى. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "نُضَعِّفُ" بِالنُونِ وكَسْرِ العَيْنِ المُشَدَّدَةِ "العَذابَ" نَصْبًا، وهي قِراءَةُ الجَحْدَرِيِّ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "ضِعْفَيْنِ"﴾ مَعْناهُ: أنْ يَكُونَ العَذابُ عَذابَيْنِ، أيْ: يُضافُ إلى عَذابِ سائِرِ الناسِ عَذابٌ آخَرُ مِثْلُهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو عَمْرُو - فِيما حَكى الطَبَرِيُّ عنهُما -: بَلْ يُضاعَفُ إلَيْهِ عَذابانِ مِثْلُهُ فَيَكُونُ ثَلاثَةَ أعْذِبَةً، وضَعَّفَهُ الطَبَرِيُّ، وكَذَلِكَ هو غَيْرُ صَحِيحٍ وإنْ كانَ لَهُ بِاللَفْظِ تَعَلُّقُ احْتِمالٍ، ويَكُونُ الأجْرُ مَرَّتَيْنِ مِمّا يُفْسِدُ هَذا القَوْلُ؛ لِأنَّ العَذابَ في الفاحِشَةِ بِإزاءِ الأجْرِ في الطاعَةِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى تَضْعِيفِ العَذابِ.
و"يَقْنُتْ" مَعْناهُ: يُطِيعُ ويَخْضَعُ بِالعُبُودِيَّةِ، قالَهُ الشَعْبِيُّ وقَتادَةُ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "يَقْنُتُ" بِالياءِ، و"تَعْمَلُ" بِالتاءِ، ﴿ "نُؤْتِها"﴾ بِالنُونِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: أُسْنِدَ "يَقْنُتْ" إلى ضَمِيرٍ، فَلَمّا تَبَيَّنَ أنَّهُ المُؤَنَّثُ حُمِلَ فِيما "تَعْمَلُ" عَلى المَعْنى، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ كُلَّ الثَلاثَةِ المَواضِعِ بِالياءِ حَمْلًا في الأوَّلَيْنِ عَلى لَفْظِ "مَن"، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنِ وثّابٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ أيْضًا: "فَسَوْفَ يُؤْتِها اللهُ أجَرَها".
و"الاعْتادُ": التَيْسِيرُ والإعْدادُ، و"الرِزْقُ الكَرِيمُ": الجَنَّةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ وعْدٌ دُنْياوِيُّ، أيْ أنَّ رِزْقَها في الدُنْيا عَلى اللهِ، وهو كَرِيمٌ مِن حَيْثُ ذَلِكَ هو حَلالٌ وقَصْدٌ وبِرِضى مِنَ اللهِ في نَيْلِهِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: العَذابُ الَّذِي تَوَعَّدَ بِهِ ضِعْفَيْنِ هو عَذابُ الدُنْيا ثُمَّ عَذابُ الآخِرَةِ، وكَذَلِكَ الأجْرُ، وهَذا ضَعِيفٌ اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ أزْواجُ النَبِيِّ ﷺ لا تَدْفَعُ عنهُنَّ حُدُودُ الدُنْيا عَذابَ الآخِرَةِ، عَلى ما هي حالُ الناسِ عَلَيْهِ، بِحُكْمِ حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصامِتِ، وهَذا أمْرٌ لَمْ يُرْوَ في أزْواجِ النَبِيِّ ﷺ ولا حُفِظَ تَقَرُّرُهُ.
(p-١١٥)ثُمَّ خاطَبَهُنَّ اللهُ تَعالى بِأنَّهُنَّ لِسِنٍّ كَأحَدٍ مِن نِساءِ عَصْرِهِنَّ فَما بَعْدُ، بَلْ هُنَّ أفْضَلُ بِشَرْطِ التَقْوى؛ لِما مَنَحَهُنَّ اللهُ مِن صُحْبَةِ الرَسُولِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وعِظَمِ المَحَلِّ مِنهُ ونُزُولِ القُرْآنِ في حَقِّهِنَّ، وإنَّما خَصَّصَ النِساءَ لِأنَّ فِيمَن تَقَدَّمَ آسِيَةُ ومَرْيَمُ، فَتَأمَّلْهُ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا قَتادَةُ.
ثُمَّ نَهاهُنَّ اللهُ عَمّا كانَتِ الحالُ عَلَيْهِ في نِساءِ العَرَبِ مِن مُكالَمَةِ الرِجالِ بِرَخِيمِ الصَوْتِ. ﴿ "فَلا تَخْضَعْنَ"﴾ أيْ: ولا تَلِنَّ، وقَدْ يَكُونُ الخُضُوعُ في القَوْلِ في نَفْسِ الألْفاظِ ورُخامَتِها وهَيْئَتِها، وإنْ لَمْ يَكُنِ المَعْنى مُرِيبًا، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ لَفْظَةَ الخُضُوعِ بِمَعْنى المَيْلِ في الغَزَلِ، ومِنهُ قَوْلُ لَيْلى الأخْيِلِيَّةِ حِينَ قالَ لَها الحَجّاجُ: هَلْ رَأيْتِ قَطُّ مِن تَوْبَةَ شَيْئًا تُنْكِرِينَهُ؟ قالَتْ: لا واللهِ أيُّها الأمِيرُ؛ إلّا أنَّهُ أنْشَدَنِي يَوْمًا شِعْرًا ظَنَنْتُ مِنهُ أنَّهُ خَضَعَ لِبَعْضِ الأمْرِ، فَأنْشَدْتُهُ أنا:
؎ وذِي حاجَةٍ قُلْنا لَهُ لا تَبُحْ بِها ∗∗∗ فَلَيْسَ إلَيْها ما حَيِيتَ سَبِيلُ
الحِكايَةُ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخُضُوعُ بِالقَوْلِ ما يُدْخِلُ في القُلُوبِ الغَزَلَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "فَيَطْمَعَ"﴾ بِالنَصْبِ عَلى أنَّهُ نَصْبٌ بِالفاءِ في جَوابِ التَمَنِّيِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبانُ بْنُ عُثْمانَ: "فَيُطَمِّعِ" بِالجَزْمِ وكَسْرٍ لِلِالتِقاءِ، وهَذِهِ فاءُ عَطْفٍ (p-١١٦)مَحْضَةٍ، وكانَ النَهْيُ دُونَ جَوابٍ ظاهِرٍ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ أبْلَغُ؛ في النَهْيِ لِأنَّها تُعْطِي أنَّ الخُضُوعَ بِسَبَبِ الطَمَعِ، قالَ أبُو عَمْرُو الدانِي: قَرَأ الأعْرَجُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "فَيَطْمِعَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ.
و"المَرَضُ" في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ قَتادَةُ: هو النِفاقُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: الفِسْقُ والغَزَلُ، وهَذا أصْوَبُ، ولَيْسَ لِلنِّفاقِ مَدْخَلٌ في هَذِهِ الآيَةِ، والقَوْلُ المَعْرُوفُ هو الصَوابُ الَّذِي لا تُنْكِرُهُ الشَرِيعَةُ ولا النُفُوسُ.
الأحزاب 33:31
(p-١١٣)قوله عزّ وجلّ:
﴿يا نِساءَ النَبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرًا﴾ ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ ﴿يا نِساءَ النَبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾
قالَ أبُو رافِعٍ: كانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ كَثِيرًا ما يَقْرَأُ سُورَةَ يُوسُفَ وسُورَةَ الأحْزابِ في الصُبْحِ، فَكانَ إذا بَلَغَ ﴿ "يا نِساءَ النَبِيِّ"﴾ رَفَعَ بِها صَوْتَهُ، فَقِيلَ لَهُ، فَقالَ: أُذَكِّرُهُنَّ العَهْدَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَن يَأْتِ" بِياءٍ وتاءٍ، ﴿ "وَمَن يَقْنُتْ"﴾ بِياءٍ حَمْلًا عَلى اللَفْظِ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فايِدٍ، الجَحْدَرِيُّ، ويَعْقُوبُ: "تَأْتِ" بِتاءَيْنِ و"تَقْنُتْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ حَمْلًا عَلى المَعْنى. وقالَ قَوْمٌ: الفاحِشَةُ إذا ورَدَتْ مُعَرَّفَةً فَهي الزِنى واللِواطُ، وإذا ورَدَتْ مُنَكَّرَةً فَهي سائِرُ المَعاصِي وكُلُّ مُسْتَفْحَشٍ، وإذا ورَدَتْ مَنعُوتَةً بِالبَيانِ فَهي عُقُوقُ الزَوْجِ وفَسادُ عَشْرَتِهِ، ولِذَلِكَ يَصِفُها بِالبَيانِ إذْ لا يُمْكِنُ سَتْرُها، والزِنى وغَيْرُهُ هو مِمّا يَتَسَتِرُ بِهِ ولا يَكُونُ مُبَيَّنًا، ولا مَحالَةَ أنَّ الوَعِيدَ واقِعٌ عَلى ما خُفِيَ مِنهُ وما ظَهَرَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ قَوْلُهُ: ﴿بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ يَعُمُّ جَمِيعَ المَعاصِي، وكَذَلِكَ الفاحِشَةَ كَيْفَ ورَدَتْ. ولَمّا كانَ أزْواجُ النَبِيِّ ﷺ في مَهْبَطِ الوَحْيِ وفي مَنزِلِ أوامِرِ اللهِ ونَواهِيهِ قَوِيَ الأمْرُ عَلَيْهِنَّ ولَزِمَهُنَّ بِسَبَبِ مَكانَتِهِنَّ أكْثَرَ مِمّا يُلْزِمُ غَيْرَهُنَّ، فَضُوعِفَ لَهُنَّ الأجْرُ والعَذابُ، والإشارَةُ بِالفاحِشَةِ إلى الزِنى وغَيْرِهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وشِبْلٌ، وعاصِمٌ: "مُبَيَّنَةً" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وقَتادَةُ بِكَسْرِها وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُضاعِفُ" بِالياءِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللهِ تَعالى، (p-١١٤)وَقَرَأ أبُو عَمْرُو فِيما رُوِيَ عنهُ: "نُضاعِفُ" بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ "العَذابَ" نَصْبًا، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، وهَذِهِ مُفاعَلَةٌ مِن واحِدٍ كَطارَقْتُ النَعْلَ وعاقَبْتُ اللِصَّ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُضاعِفُ" بِالياءِ وعَيْنٍ مَفْتُوحَةٍ "العَذابَ" رَفَعًا، وقَرَأ أبُو عَمْرُو: "يُضَعِّفُ" بِتَشْدِيدِ العَيْنِ عَلى بِناءِ المُبالَغَةِ "العَذابُ" رَفَعًا، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعِيسى. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "نُضَعِّفُ" بِالنُونِ وكَسْرِ العَيْنِ المُشَدَّدَةِ "العَذابَ" نَصْبًا، وهي قِراءَةُ الجَحْدَرِيِّ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "ضِعْفَيْنِ"﴾ مَعْناهُ: أنْ يَكُونَ العَذابُ عَذابَيْنِ، أيْ: يُضافُ إلى عَذابِ سائِرِ الناسِ عَذابٌ آخَرُ مِثْلُهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو عَمْرُو - فِيما حَكى الطَبَرِيُّ عنهُما -: بَلْ يُضاعَفُ إلَيْهِ عَذابانِ مِثْلُهُ فَيَكُونُ ثَلاثَةَ أعْذِبَةً، وضَعَّفَهُ الطَبَرِيُّ، وكَذَلِكَ هو غَيْرُ صَحِيحٍ وإنْ كانَ لَهُ بِاللَفْظِ تَعَلُّقُ احْتِمالٍ، ويَكُونُ الأجْرُ مَرَّتَيْنِ مِمّا يُفْسِدُ هَذا القَوْلُ؛ لِأنَّ العَذابَ في الفاحِشَةِ بِإزاءِ الأجْرِ في الطاعَةِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى تَضْعِيفِ العَذابِ.
و"يَقْنُتْ" مَعْناهُ: يُطِيعُ ويَخْضَعُ بِالعُبُودِيَّةِ، قالَهُ الشَعْبِيُّ وقَتادَةُ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "يَقْنُتُ" بِالياءِ، و"تَعْمَلُ" بِالتاءِ، ﴿ "نُؤْتِها"﴾ بِالنُونِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: أُسْنِدَ "يَقْنُتْ" إلى ضَمِيرٍ، فَلَمّا تَبَيَّنَ أنَّهُ المُؤَنَّثُ حُمِلَ فِيما "تَعْمَلُ" عَلى المَعْنى، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ كُلَّ الثَلاثَةِ المَواضِعِ بِالياءِ حَمْلًا في الأوَّلَيْنِ عَلى لَفْظِ "مَن"، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنِ وثّابٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ أيْضًا: "فَسَوْفَ يُؤْتِها اللهُ أجَرَها".
و"الاعْتادُ": التَيْسِيرُ والإعْدادُ، و"الرِزْقُ الكَرِيمُ": الجَنَّةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ وعْدٌ دُنْياوِيُّ، أيْ أنَّ رِزْقَها في الدُنْيا عَلى اللهِ، وهو كَرِيمٌ مِن حَيْثُ ذَلِكَ هو حَلالٌ وقَصْدٌ وبِرِضى مِنَ اللهِ في نَيْلِهِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: العَذابُ الَّذِي تَوَعَّدَ بِهِ ضِعْفَيْنِ هو عَذابُ الدُنْيا ثُمَّ عَذابُ الآخِرَةِ، وكَذَلِكَ الأجْرُ، وهَذا ضَعِيفٌ اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ أزْواجُ النَبِيِّ ﷺ لا تَدْفَعُ عنهُنَّ حُدُودُ الدُنْيا عَذابَ الآخِرَةِ، عَلى ما هي حالُ الناسِ عَلَيْهِ، بِحُكْمِ حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصامِتِ، وهَذا أمْرٌ لَمْ يُرْوَ في أزْواجِ النَبِيِّ ﷺ ولا حُفِظَ تَقَرُّرُهُ.
(p-١١٥)ثُمَّ خاطَبَهُنَّ اللهُ تَعالى بِأنَّهُنَّ لِسِنٍّ كَأحَدٍ مِن نِساءِ عَصْرِهِنَّ فَما بَعْدُ، بَلْ هُنَّ أفْضَلُ بِشَرْطِ التَقْوى؛ لِما مَنَحَهُنَّ اللهُ مِن صُحْبَةِ الرَسُولِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وعِظَمِ المَحَلِّ مِنهُ ونُزُولِ القُرْآنِ في حَقِّهِنَّ، وإنَّما خَصَّصَ النِساءَ لِأنَّ فِيمَن تَقَدَّمَ آسِيَةُ ومَرْيَمُ، فَتَأمَّلْهُ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا قَتادَةُ.
ثُمَّ نَهاهُنَّ اللهُ عَمّا كانَتِ الحالُ عَلَيْهِ في نِساءِ العَرَبِ مِن مُكالَمَةِ الرِجالِ بِرَخِيمِ الصَوْتِ. ﴿ "فَلا تَخْضَعْنَ"﴾ أيْ: ولا تَلِنَّ، وقَدْ يَكُونُ الخُضُوعُ في القَوْلِ في نَفْسِ الألْفاظِ ورُخامَتِها وهَيْئَتِها، وإنْ لَمْ يَكُنِ المَعْنى مُرِيبًا، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ لَفْظَةَ الخُضُوعِ بِمَعْنى المَيْلِ في الغَزَلِ، ومِنهُ قَوْلُ لَيْلى الأخْيِلِيَّةِ حِينَ قالَ لَها الحَجّاجُ: هَلْ رَأيْتِ قَطُّ مِن تَوْبَةَ شَيْئًا تُنْكِرِينَهُ؟ قالَتْ: لا واللهِ أيُّها الأمِيرُ؛ إلّا أنَّهُ أنْشَدَنِي يَوْمًا شِعْرًا ظَنَنْتُ مِنهُ أنَّهُ خَضَعَ لِبَعْضِ الأمْرِ، فَأنْشَدْتُهُ أنا:
؎ وذِي حاجَةٍ قُلْنا لَهُ لا تَبُحْ بِها ∗∗∗ فَلَيْسَ إلَيْها ما حَيِيتَ سَبِيلُ
الحِكايَةُ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخُضُوعُ بِالقَوْلِ ما يُدْخِلُ في القُلُوبِ الغَزَلَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "فَيَطْمَعَ"﴾ بِالنَصْبِ عَلى أنَّهُ نَصْبٌ بِالفاءِ في جَوابِ التَمَنِّيِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبانُ بْنُ عُثْمانَ: "فَيُطَمِّعِ" بِالجَزْمِ وكَسْرٍ لِلِالتِقاءِ، وهَذِهِ فاءُ عَطْفٍ (p-١١٦)مَحْضَةٍ، وكانَ النَهْيُ دُونَ جَوابٍ ظاهِرٍ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ أبْلَغُ؛ في النَهْيِ لِأنَّها تُعْطِي أنَّ الخُضُوعَ بِسَبَبِ الطَمَعِ، قالَ أبُو عَمْرُو الدانِي: قَرَأ الأعْرَجُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "فَيَطْمِعَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ.
و"المَرَضُ" في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ قَتادَةُ: هو النِفاقُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: الفِسْقُ والغَزَلُ، وهَذا أصْوَبُ، ولَيْسَ لِلنِّفاقِ مَدْخَلٌ في هَذِهِ الآيَةِ، والقَوْلُ المَعْرُوفُ هو الصَوابُ الَّذِي لا تُنْكِرُهُ الشَرِيعَةُ ولا النُفُوسُ.
الأحزاب 33:32
(p-١١٣)قوله عزّ وجلّ:
﴿يا نِساءَ النَبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرًا﴾ ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ ﴿يا نِساءَ النَبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾
قالَ أبُو رافِعٍ: كانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ كَثِيرًا ما يَقْرَأُ سُورَةَ يُوسُفَ وسُورَةَ الأحْزابِ في الصُبْحِ، فَكانَ إذا بَلَغَ ﴿ "يا نِساءَ النَبِيِّ"﴾ رَفَعَ بِها صَوْتَهُ، فَقِيلَ لَهُ، فَقالَ: أُذَكِّرُهُنَّ العَهْدَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَن يَأْتِ" بِياءٍ وتاءٍ، ﴿ "وَمَن يَقْنُتْ"﴾ بِياءٍ حَمْلًا عَلى اللَفْظِ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فايِدٍ، الجَحْدَرِيُّ، ويَعْقُوبُ: "تَأْتِ" بِتاءَيْنِ و"تَقْنُتْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ حَمْلًا عَلى المَعْنى. وقالَ قَوْمٌ: الفاحِشَةُ إذا ورَدَتْ مُعَرَّفَةً فَهي الزِنى واللِواطُ، وإذا ورَدَتْ مُنَكَّرَةً فَهي سائِرُ المَعاصِي وكُلُّ مُسْتَفْحَشٍ، وإذا ورَدَتْ مَنعُوتَةً بِالبَيانِ فَهي عُقُوقُ الزَوْجِ وفَسادُ عَشْرَتِهِ، ولِذَلِكَ يَصِفُها بِالبَيانِ إذْ لا يُمْكِنُ سَتْرُها، والزِنى وغَيْرُهُ هو مِمّا يَتَسَتِرُ بِهِ ولا يَكُونُ مُبَيَّنًا، ولا مَحالَةَ أنَّ الوَعِيدَ واقِعٌ عَلى ما خُفِيَ مِنهُ وما ظَهَرَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ قَوْلُهُ: ﴿بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ يَعُمُّ جَمِيعَ المَعاصِي، وكَذَلِكَ الفاحِشَةَ كَيْفَ ورَدَتْ. ولَمّا كانَ أزْواجُ النَبِيِّ ﷺ في مَهْبَطِ الوَحْيِ وفي مَنزِلِ أوامِرِ اللهِ ونَواهِيهِ قَوِيَ الأمْرُ عَلَيْهِنَّ ولَزِمَهُنَّ بِسَبَبِ مَكانَتِهِنَّ أكْثَرَ مِمّا يُلْزِمُ غَيْرَهُنَّ، فَضُوعِفَ لَهُنَّ الأجْرُ والعَذابُ، والإشارَةُ بِالفاحِشَةِ إلى الزِنى وغَيْرِهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وشِبْلٌ، وعاصِمٌ: "مُبَيَّنَةً" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وقَتادَةُ بِكَسْرِها وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُضاعِفُ" بِالياءِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللهِ تَعالى، (p-١١٤)وَقَرَأ أبُو عَمْرُو فِيما رُوِيَ عنهُ: "نُضاعِفُ" بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ "العَذابَ" نَصْبًا، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، وهَذِهِ مُفاعَلَةٌ مِن واحِدٍ كَطارَقْتُ النَعْلَ وعاقَبْتُ اللِصَّ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُضاعِفُ" بِالياءِ وعَيْنٍ مَفْتُوحَةٍ "العَذابَ" رَفَعًا، وقَرَأ أبُو عَمْرُو: "يُضَعِّفُ" بِتَشْدِيدِ العَيْنِ عَلى بِناءِ المُبالَغَةِ "العَذابُ" رَفَعًا، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعِيسى. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "نُضَعِّفُ" بِالنُونِ وكَسْرِ العَيْنِ المُشَدَّدَةِ "العَذابَ" نَصْبًا، وهي قِراءَةُ الجَحْدَرِيِّ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "ضِعْفَيْنِ"﴾ مَعْناهُ: أنْ يَكُونَ العَذابُ عَذابَيْنِ، أيْ: يُضافُ إلى عَذابِ سائِرِ الناسِ عَذابٌ آخَرُ مِثْلُهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو عَمْرُو - فِيما حَكى الطَبَرِيُّ عنهُما -: بَلْ يُضاعَفُ إلَيْهِ عَذابانِ مِثْلُهُ فَيَكُونُ ثَلاثَةَ أعْذِبَةً، وضَعَّفَهُ الطَبَرِيُّ، وكَذَلِكَ هو غَيْرُ صَحِيحٍ وإنْ كانَ لَهُ بِاللَفْظِ تَعَلُّقُ احْتِمالٍ، ويَكُونُ الأجْرُ مَرَّتَيْنِ مِمّا يُفْسِدُ هَذا القَوْلُ؛ لِأنَّ العَذابَ في الفاحِشَةِ بِإزاءِ الأجْرِ في الطاعَةِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى تَضْعِيفِ العَذابِ.
و"يَقْنُتْ" مَعْناهُ: يُطِيعُ ويَخْضَعُ بِالعُبُودِيَّةِ، قالَهُ الشَعْبِيُّ وقَتادَةُ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "يَقْنُتُ" بِالياءِ، و"تَعْمَلُ" بِالتاءِ، ﴿ "نُؤْتِها"﴾ بِالنُونِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: أُسْنِدَ "يَقْنُتْ" إلى ضَمِيرٍ، فَلَمّا تَبَيَّنَ أنَّهُ المُؤَنَّثُ حُمِلَ فِيما "تَعْمَلُ" عَلى المَعْنى، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ كُلَّ الثَلاثَةِ المَواضِعِ بِالياءِ حَمْلًا في الأوَّلَيْنِ عَلى لَفْظِ "مَن"، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنِ وثّابٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ أيْضًا: "فَسَوْفَ يُؤْتِها اللهُ أجَرَها".
و"الاعْتادُ": التَيْسِيرُ والإعْدادُ، و"الرِزْقُ الكَرِيمُ": الجَنَّةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ وعْدٌ دُنْياوِيُّ، أيْ أنَّ رِزْقَها في الدُنْيا عَلى اللهِ، وهو كَرِيمٌ مِن حَيْثُ ذَلِكَ هو حَلالٌ وقَصْدٌ وبِرِضى مِنَ اللهِ في نَيْلِهِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: العَذابُ الَّذِي تَوَعَّدَ بِهِ ضِعْفَيْنِ هو عَذابُ الدُنْيا ثُمَّ عَذابُ الآخِرَةِ، وكَذَلِكَ الأجْرُ، وهَذا ضَعِيفٌ اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ أزْواجُ النَبِيِّ ﷺ لا تَدْفَعُ عنهُنَّ حُدُودُ الدُنْيا عَذابَ الآخِرَةِ، عَلى ما هي حالُ الناسِ عَلَيْهِ، بِحُكْمِ حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصامِتِ، وهَذا أمْرٌ لَمْ يُرْوَ في أزْواجِ النَبِيِّ ﷺ ولا حُفِظَ تَقَرُّرُهُ.
(p-١١٥)ثُمَّ خاطَبَهُنَّ اللهُ تَعالى بِأنَّهُنَّ لِسِنٍّ كَأحَدٍ مِن نِساءِ عَصْرِهِنَّ فَما بَعْدُ، بَلْ هُنَّ أفْضَلُ بِشَرْطِ التَقْوى؛ لِما مَنَحَهُنَّ اللهُ مِن صُحْبَةِ الرَسُولِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وعِظَمِ المَحَلِّ مِنهُ ونُزُولِ القُرْآنِ في حَقِّهِنَّ، وإنَّما خَصَّصَ النِساءَ لِأنَّ فِيمَن تَقَدَّمَ آسِيَةُ ومَرْيَمُ، فَتَأمَّلْهُ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا قَتادَةُ.
ثُمَّ نَهاهُنَّ اللهُ عَمّا كانَتِ الحالُ عَلَيْهِ في نِساءِ العَرَبِ مِن مُكالَمَةِ الرِجالِ بِرَخِيمِ الصَوْتِ. ﴿ "فَلا تَخْضَعْنَ"﴾ أيْ: ولا تَلِنَّ، وقَدْ يَكُونُ الخُضُوعُ في القَوْلِ في نَفْسِ الألْفاظِ ورُخامَتِها وهَيْئَتِها، وإنْ لَمْ يَكُنِ المَعْنى مُرِيبًا، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ لَفْظَةَ الخُضُوعِ بِمَعْنى المَيْلِ في الغَزَلِ، ومِنهُ قَوْلُ لَيْلى الأخْيِلِيَّةِ حِينَ قالَ لَها الحَجّاجُ: هَلْ رَأيْتِ قَطُّ مِن تَوْبَةَ شَيْئًا تُنْكِرِينَهُ؟ قالَتْ: لا واللهِ أيُّها الأمِيرُ؛ إلّا أنَّهُ أنْشَدَنِي يَوْمًا شِعْرًا ظَنَنْتُ مِنهُ أنَّهُ خَضَعَ لِبَعْضِ الأمْرِ، فَأنْشَدْتُهُ أنا:
؎ وذِي حاجَةٍ قُلْنا لَهُ لا تَبُحْ بِها ∗∗∗ فَلَيْسَ إلَيْها ما حَيِيتَ سَبِيلُ
الحِكايَةُ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخُضُوعُ بِالقَوْلِ ما يُدْخِلُ في القُلُوبِ الغَزَلَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "فَيَطْمَعَ"﴾ بِالنَصْبِ عَلى أنَّهُ نَصْبٌ بِالفاءِ في جَوابِ التَمَنِّيِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبانُ بْنُ عُثْمانَ: "فَيُطَمِّعِ" بِالجَزْمِ وكَسْرٍ لِلِالتِقاءِ، وهَذِهِ فاءُ عَطْفٍ (p-١١٦)مَحْضَةٍ، وكانَ النَهْيُ دُونَ جَوابٍ ظاهِرٍ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ أبْلَغُ؛ في النَهْيِ لِأنَّها تُعْطِي أنَّ الخُضُوعَ بِسَبَبِ الطَمَعِ، قالَ أبُو عَمْرُو الدانِي: قَرَأ الأعْرَجُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "فَيَطْمِعَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ.
و"المَرَضُ" في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ قَتادَةُ: هو النِفاقُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: الفِسْقُ والغَزَلُ، وهَذا أصْوَبُ، ولَيْسَ لِلنِّفاقِ مَدْخَلٌ في هَذِهِ الآيَةِ، والقَوْلُ المَعْرُوفُ هو الصَوابُ الَّذِي لا تُنْكِرُهُ الشَرِيعَةُ ولا النُفُوسُ.
الأحزاب 33:33
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى وأقِمْنَ الصَلاةَ وآتِينَ الزَكاةَ وأطِعْنَ اللهَ ورَسُولَهُ إنَّما يُرِيدُ اللهَ لِيُذْهِبَ عنكُمُ الرِجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾
قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ القافِ. وفَتَحَها نافِعٌ وعاصِمٌ، فَأمّا الأُولى فَيَصِحُّ أنْ تَكُونَ مِنَ الوَقارِ، تَقُولُ: وقَّرَ يُقِرُّ وقارًا، وقِرْنَ مِثْلُ عِدْنَ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مِنَ القَرارِ، تَقُولُ: "قَرَرْتُ بِالمَكانِ" - بِفَتْحِ الراءِ - أقِرُّ، والأصْلُ: أقْرَرْنَ، حُذِفَتِ الراءُ الواحِدَةُ تَخْفِيفًا، - كَما قالُوا في ظَلَلْتُ: ظَلْتُ -، ونَقَلُوا حَرَكَتَها إلى القافِ، واسْتُغْنِيَ عَنِ الألْفِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: بَلْ عُلَّ بِأنْ أُبْدِلَتِ الراءُ ياءً ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى القافِ ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ لِسُكُونِها وسُكُونِ الراءِ بَعْدَها.
وأمّا الثانِيَةُ فَعَلى لُغَةِ العَرَبِ: "قَرِرْتُ - بِكَسْرِ الراءِ - أقَرُّ - بِفَتْحِ القافِ - في المَكانِ" وهي لُغَةٌ ذَكَرَها أبُو عُبَيْدٍ في "الغَرِيبِ المُصَنَّفِ"، وذَكَرَها الزَجاجُ وغَيْرُهُ، وأنْكَرَها قَوْمٌ، مِنهُمُ المازِنِي وغَيْرُهُ، قالُوا: وإنَّما يُقالُ قَرِرْتُ - بِكَسْرِ الراءِ - مِن قُرَّةِ العَيْنِ، وأمّا مِنَ القَرارِ فَإنَّما هو مَن قَرَرْتُ - بِفَتْحِ الراءِ -.
وقَرَأ عاصِمٌ: "فِي بُيُوتِكُنَّ" - بِكَسْرِ الباءِ -، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "واقْرِرْنَ" بِألْفِ وصْلٍ وراءَيْنَ الأُولى مَكْسُورَةٌ. فَأمَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ نِساءَ النَبِيِّ ﷺ بِمُلازَمَةِ (p-١١٧)بُيُوتِهِنَّ، ونَهاهُنَّ عَنِ التَبَرُّجِ، وأعْلَمَهُنَّ أنَّهُ فِعْلُ الجاهِلِيَّةِ الأُولى.
وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها كانَتْ إذا قَرَأتْ هَذِهِ الآيَةَ تُبْكِي حَتّى تَبُلَّ خِمارَها، وذُكِرَ أنَّ سَوْدَةَ قِيلَ لَها: لِمَ لا تَحُجِّينَ وتَعْتَمِرِينَ كَما تَفْعَلُ أخَواتِكِ؟ فَقالَتْ: قَدْ حَجَجْتُ واعْتَمَرْتُ وأمَرَنِي اللهُ تَعالى أنْ أقِرَّ في بَيْتِي، قالَ الراوِي: فَواللهِ ما خَرَجَتْ مِن بابِ حُجْرَتِها حَتّى أُخْرِجَتْ جِنازَتُها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وبُكاءُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها إنَّما كانَ بِسَبَبِ سَفَرِها أيّامَ الجَمَلِ، وحِينَئِذٍ قالَ لَها عَمّارُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّ اللهَ أمَرَكِ أنْ تُقِرِّي في بَيْتِكِ.
و"التَبَرُّجُ": إظْهارُ الزِينَةِ والتَصَنُّعُ بِها، ومِنهُ البُرُوجُ؛ لِظُهُورِها وانْكِشافِها لِلْعُيُونِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الجاهِلِيَّةِ الأُولى"، فَقالَ الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ: ما بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ عَلَيْهِما السَلامُ، وهي ثَمانِمِائَةَ سَنَةٍ، وحُكِيَتْ لَهم سِيَرٌ ذَمِيمَةٌ، وقالَ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ: ما بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ما بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ عَلَيْهِما السَلامُ، وذَكَرَ قِصَصًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ما بَيْنَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ عامِرٌ الشَعْبِيُّ: ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ، وقالَ أبُو العالِيَةَ: هو زَمانُ سُلَيْمانَ وداوُدَ عَلَيْهِما السَلامُ، كانَ فِيهِ لِلْمَرْأةِ قَمِيصٌ مِنَ الدُرِّ غَيْرَ مُخَيَّطِ الجانِبَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والَّذِي يَظْهَرُ عِنْدِي أنَّهُ أشارَ إلى الجاهِلِيَّةِ الَّتِي لَحِقَتْها، فَأمَرْنَ بِالنَقْلَةِ عن سِيرَتِهِنَّ فِيها، وهي ما كانَ قَبْلُ الشَرْعِ مِن سِيرَةِ الكَفَرَةِ، لِأنَّهم كانُوا لا غَيْرَةَ عِنْدِهِمْ، وكُلُّ أمْرِ النِساءِ دُونَ حُجْبَةً، وجَعَلَها أولى بِالإضافَةِ إلى حالَةِ الإسْلامِ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ ثَمَّ جاهِلِيَّةٍ أُخْرى، وقَدْ مَرَّ اسْمُ الجاهِلِيَّةِ عَلى تِلْكَ المُدَّةِ الَّتِي قَبْلَ الإسْلامِ فَقالُوا: جاهِلِيٌّ في الشُعَراءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في البُخارِيِّ: "سَمِعْتُ أبِي في الجاهِلِيَّةِ يَقُولُ" إلى غَيْرِ هَذا.
و"الرِجْسُ" اسْمٌ يَقَعُ عَلى الإثْمِ وعَلى العَذابِ وعَلى النَجاساتِ والنَقائِصِ، فَأذْهَبَ اللهُ جَمِيعَ ذَلِكَ عن أهْلِ البَيْتِ، ونَصَبَ "أهْلَ البَيْتِ" عَلى المَدْحِ، أو عَلى النِداءِ المُضافِ، أو بِإضْمارِ: أعْنِي.
(p-١١٨)واخْتَلَفَ الناسُ في أهْلِ البَيْتِ، مِن هُمْ؟ فَقالَ عِكْرِمَةُ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هم زَوْجاتُهُ خاصَّةً، لا رَجُلَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، وذَهَبُوا إلى أنَّ "البَيْتَ" أُرِيدَ بِهِ مَساكِنُ النَبِيِّ ﷺ، وقالَتْ فِرْقَةٌ - هي الجُمْهُورُ -: أهْلُ البَيْتِ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ والحَسَنُ والحُسَيْنُ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وفي هَذا أحادِيثٌ نَبَوِيَّةٌ، قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: «قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في خَمْسَةٍ: فِيَّ، وفي عَلِيٍّ وفاطِمَةَ والحَسَنِ والحُسَيْنِ "،» ومِن حُجَّةِ الجُمْهُورِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "عنكُمُ"﴾ و"يُطَهِّرَكُمْ" بِالمِيمِ، ولَوْ كانَ لِلنِّساءِ خاصَّةً لَكانَ: "عنكُنَّ" و"يُطَهِّرُكُنَّ" والَّذِي يَظْهَرُ إلَيَّ أنَّ زَوْجاتِهِ لا يَخْرُجَنَّ عن ذَلِكَ البَتَّةَ، فَأهْلُ البَيْتِ زَوْجاتُهُ وبِنْتُهُ وبَنُوها وزَوْجُها، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْضِي أنَّ الزَوْجاتِ مِن أهْلِ البَيْتِ: لِأنَّ الآيَةَ فِيهِنَّ، والمُخاطَبَةَ لَهُنَّ، أمّا «أنَّ أمَّ سَلَمَةَ قالَتْ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في بَيْتِي، فَدَعا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا وفاطِمَةَ وحَسَنًا وحُسَيْنًا، فَدَخَلَ مَعَهم تَحْتَ كِساءً خَيْبَرِيٍّ، وقالَ: "هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي"، - وقَرَأ الآيَةَ - وقالَ: "اللهُمَّ اذْهِبْ عنهُمُ الرِجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا"، قالَتْ أمُّ سَلَمَةَ: فَقُلْتُ: وأنا يا رَسُولَ اللهِ؟ فَقالَ: "أنْتِ مِن أزْواجِ النَبِيِّ، وأنْتِ إلَيَّ خَيْرٌ".» وقالَ الثَعْلَبِيُّ: هم بَنُو هاشِمٍ، فَهَذا عَلى أنَّ "البَيْتَ" يُرادُ بِهِ النَسَبُ، فَيَكُونُ العَبّاسُ وأعْمامُهُ وبَنُو أعْمامِهِ مِنهُمْ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عن زَيْدِ بْنِ أرْقَمٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
الأحزاب 33:34
قوله عزّ وجلّ:
﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللهِ والحِكْمَةِ إنَّ اللهِ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ والقانِتِينَ والقانِتاتِ والصادِقِينَ والصادِقاتِ والصابِرِينَ والصابِراتِ والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ (p-١١٩)والصائِمِينَ والصائِماتِ والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ والذاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا والذاكِراتِ أعَدَّ اللهَ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾
اتِّصالُ هَذِهِ الألْفاظِ يُعْطِي أنَّ "أهْلَ البَيْتِ" نِساؤُهُ، وعَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ هي ابْتِداءُ مُخاطَبَةٍ، أمَرَ اللهُ تَعالى أزْواجَ النَبِيِّ ﷺ - عَلى جِهَةِ المَوْعِظَةِ وتَعْدِيدِ النِعْمَةِ - بِذِكْرِ ما يُتْلى في بُيُوتِهِنَّ، ولَفْظُ "الذِكْرِ" هُنا يَحْتَمِلُ مَقْصِدَيْنِ كِلاهُما مَوْعِظَةٌ وتَعْدِيدُ نِعْمَةٍ: أحَدُهُما أنْ يُرِيدَ: "اذْكُرْنَ"، أيْ: تُذَكِّرْنَهُ واقْدُرَنَّهُ قَدْرَهُ، وفَكِّرْنَ في أنَّ مِن هَذِهِ حالَهُ يَنْبَغِي أنْ تُحَسِّنَ أفْعالَهُ، والآخَرُ أنْ يُرِيدَ: "اذْكُرْنَ" بِمَعْنى: احْفَظْنَ واقْرَأْنَ والزَمْنَهُ الألْسِنَةَ، وكَأنَّهُ يَقُولُ: واحْفَظْنَ أوامِرَ اللهِ ونَواهِيهِ، وذَلِكَ هو الَّذِي يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللهِ، وذَلِكَ مُؤَدٍّ بِكُنَّ إلى الِاسْتِقامَةِ. و"الحِكْمَةُ" هي سُنَّةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ دُونَ أنْ يَكُونَ في قُرْآنٍ مَتْلُوٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصَفًّا لِلْآياتِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ "لَطِيفًا"﴾ تَأْنِيسٌ وتَعْدِيدُ نِعَمِهِ: أيْ: لَطِيفٌ بِكُنَّ في هَذِهِ النِعْمَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ "خَبِيرًا"﴾ تَحْذِيرٌ ما.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ عن أُمِّ سَلَمَةَ أنَّ سَبَبَها «أنَّها قالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: "يا رَسُولَ اللهِ، يَذْكُرُ اللهُ تَعالى الرِجالَ في كِتابِهِ في كُلِّ شَيْءٍ، ولا يَذْكُرُنا" فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.»
ورَوى قَتادَةُ «أنَّ نِساءً مِنَ الأنْصارِ دَخَلْنَ عَلى أزْواجِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، فَقُلْنَ لَهُنَّ: "ذَكَرَكُنَّ اللهُ في القُرْآنِ ولَمْ يَذْكُرْ سائِرَ النِساءِ بِشَيْءٍ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما «أنَّ نِساءَ النَبِيِّ قُلْنَ لَهُ: "ما لَهُ تَعالى يَذْكُرُ المُؤْمِنِينَ ولَمْ يَذْكُرِ المُؤْمِناتِ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.»
وبَدَأ تَعالى بِذِكْرِ "الإسْلامِ" الَّذِي يَعُمُّ الإيمانَ وعَمَلَ الجَوارِحِ، ثُمَّ ذَكَرَ "الإيمانَ" تَخْصِيصًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ عُظْمُ الإسْلامِ ودُعامَتُهُ، و"القانِتُ": العابِدُ المُطِيعُ، (p-١٢٠)وَ"الصادِقُ" مَعْناهُ: فِيما عُوهِدَ عَلَيْهِ أنْ يَفِيَ بِهِ ويُكْمِلَهُ، و"الصابِرُ": عَنِ الشَهَواتِ وعَلى الطاعاتِ في المَكْرَهِ والمَنَشَطِ، و"الخاشِعُ": الخائِفُ لِلَّهِ المُسْتَكِينُ لِرُبُوبِيَّتِهِ الوَقُورُ، و"المُتَصَدِّقُ": بِالفَرْضِ والنَفْلِ، وقِيلَ: هي في الفَرْضِ خاصَّةً، والأوَّلُ أمْدَحُ، و"الصائِمُ" كَذَلِكَ في الفَرْضِ والنَفْلِ، و"حِفْظُ الفَرْجِ" هو مِنَ الزِنى وشَبَهِهِ، ويَدْخُلُ مَعَ ذَلِكَ كُلُّ ما يُؤَدِّي إلى الزِنى أو هو في طَرِيقِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ "والحافِظاتِ"﴾ حَذْفُ ضَمِيرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المُتَقَدِّمُ، تَقْدِيرُهُ: والحافِظاتُها، وفي "الذاكِراتِ" أيْضًا مِثْلُهُ، و"المَغْفِرَةُ" هي سَتْرُ ذُنُوبِهِمْ والصَفْحُ عنها، و"الأجْرُ العَظِيمُ": الجَنَّةُ.
الأحزاب 33:35
قوله عزّ وجلّ:
﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللهِ والحِكْمَةِ إنَّ اللهِ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ والقانِتِينَ والقانِتاتِ والصادِقِينَ والصادِقاتِ والصابِرِينَ والصابِراتِ والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ (p-١١٩)والصائِمِينَ والصائِماتِ والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ والذاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا والذاكِراتِ أعَدَّ اللهَ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾
اتِّصالُ هَذِهِ الألْفاظِ يُعْطِي أنَّ "أهْلَ البَيْتِ" نِساؤُهُ، وعَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ هي ابْتِداءُ مُخاطَبَةٍ، أمَرَ اللهُ تَعالى أزْواجَ النَبِيِّ ﷺ - عَلى جِهَةِ المَوْعِظَةِ وتَعْدِيدِ النِعْمَةِ - بِذِكْرِ ما يُتْلى في بُيُوتِهِنَّ، ولَفْظُ "الذِكْرِ" هُنا يَحْتَمِلُ مَقْصِدَيْنِ كِلاهُما مَوْعِظَةٌ وتَعْدِيدُ نِعْمَةٍ: أحَدُهُما أنْ يُرِيدَ: "اذْكُرْنَ"، أيْ: تُذَكِّرْنَهُ واقْدُرَنَّهُ قَدْرَهُ، وفَكِّرْنَ في أنَّ مِن هَذِهِ حالَهُ يَنْبَغِي أنْ تُحَسِّنَ أفْعالَهُ، والآخَرُ أنْ يُرِيدَ: "اذْكُرْنَ" بِمَعْنى: احْفَظْنَ واقْرَأْنَ والزَمْنَهُ الألْسِنَةَ، وكَأنَّهُ يَقُولُ: واحْفَظْنَ أوامِرَ اللهِ ونَواهِيهِ، وذَلِكَ هو الَّذِي يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللهِ، وذَلِكَ مُؤَدٍّ بِكُنَّ إلى الِاسْتِقامَةِ. و"الحِكْمَةُ" هي سُنَّةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ دُونَ أنْ يَكُونَ في قُرْآنٍ مَتْلُوٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصَفًّا لِلْآياتِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ "لَطِيفًا"﴾ تَأْنِيسٌ وتَعْدِيدُ نِعَمِهِ: أيْ: لَطِيفٌ بِكُنَّ في هَذِهِ النِعْمَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ "خَبِيرًا"﴾ تَحْذِيرٌ ما.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ عن أُمِّ سَلَمَةَ أنَّ سَبَبَها «أنَّها قالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: "يا رَسُولَ اللهِ، يَذْكُرُ اللهُ تَعالى الرِجالَ في كِتابِهِ في كُلِّ شَيْءٍ، ولا يَذْكُرُنا" فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.»
ورَوى قَتادَةُ «أنَّ نِساءً مِنَ الأنْصارِ دَخَلْنَ عَلى أزْواجِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، فَقُلْنَ لَهُنَّ: "ذَكَرَكُنَّ اللهُ في القُرْآنِ ولَمْ يَذْكُرْ سائِرَ النِساءِ بِشَيْءٍ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما «أنَّ نِساءَ النَبِيِّ قُلْنَ لَهُ: "ما لَهُ تَعالى يَذْكُرُ المُؤْمِنِينَ ولَمْ يَذْكُرِ المُؤْمِناتِ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.»
وبَدَأ تَعالى بِذِكْرِ "الإسْلامِ" الَّذِي يَعُمُّ الإيمانَ وعَمَلَ الجَوارِحِ، ثُمَّ ذَكَرَ "الإيمانَ" تَخْصِيصًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ عُظْمُ الإسْلامِ ودُعامَتُهُ، و"القانِتُ": العابِدُ المُطِيعُ، (p-١٢٠)وَ"الصادِقُ" مَعْناهُ: فِيما عُوهِدَ عَلَيْهِ أنْ يَفِيَ بِهِ ويُكْمِلَهُ، و"الصابِرُ": عَنِ الشَهَواتِ وعَلى الطاعاتِ في المَكْرَهِ والمَنَشَطِ، و"الخاشِعُ": الخائِفُ لِلَّهِ المُسْتَكِينُ لِرُبُوبِيَّتِهِ الوَقُورُ، و"المُتَصَدِّقُ": بِالفَرْضِ والنَفْلِ، وقِيلَ: هي في الفَرْضِ خاصَّةً، والأوَّلُ أمْدَحُ، و"الصائِمُ" كَذَلِكَ في الفَرْضِ والنَفْلِ، و"حِفْظُ الفَرْجِ" هو مِنَ الزِنى وشَبَهِهِ، ويَدْخُلُ مَعَ ذَلِكَ كُلُّ ما يُؤَدِّي إلى الزِنى أو هو في طَرِيقِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ "والحافِظاتِ"﴾ حَذْفُ ضَمِيرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المُتَقَدِّمُ، تَقْدِيرُهُ: والحافِظاتُها، وفي "الذاكِراتِ" أيْضًا مِثْلُهُ، و"المَغْفِرَةُ" هي سَتْرُ ذُنُوبِهِمْ والصَفْحُ عنها، و"الأجْرُ العَظِيمُ": الجَنَّةُ.
الأحزاب 33:36
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ ومَن يَعْصِ اللهُ ورَسُولُهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا﴾ ﴿وَإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللهُ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى الناسَ واللهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وكانَ أمْرُ اللهُ مَفْعُولا﴾
قَوْلُهُ: ﴿ "وَما كانَ"﴾ لَفْظُهُ النَفْيُ ومَعْناهُ الحَظْرُ والمَنعُ مِن فِعْلِ هَذا، وهَذِهِ العِبارَةُ: "ما كانَ" و"ما يَنْبَغِي" ونَحْوَها تَجِيءُ لِحَظْرِ الشَيْءِ والحُكْمِ بِأنَّهُ لا يَكُونُ، ورُبَّما كانَ امْتِناعُ ذَلِكَ الشَيْءِ عَقْلًا، كَقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ [النمل: ٦٠]، ورُبَّما كانَ العِلْمُ بِامْتِناعِهِ شَرْعًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ﴾ [الشورى: ٥١]، ورُبَّما كانَ حَظْرُهُ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ كَهَذِهِ الآيَةِ، ورُبَّما كانَ في المَندُوباتِ، كَما تَقُولُ: "ما كانَ لَكَ يا فُلانُ أنْ تَتْرُكَ النَوافِلَ" ونَحْوَ هَذا.
وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ فِيما قالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَطَبَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، فَظَنَّتْ أنَّ الخِطْبَةَ لِنَفْسِهِ، فَلِما بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما يُرِيدُها لِزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ كَرِهَتْ وأبَتْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَأذْعَنَتْ زَيْنَبُ حِينَئِذٍ وتَزَوَّجَتْهُ،» وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّما (p-١٢١)أُنْزِلَتْ بِسَبَبِ «أنَّ أُمَّ كُلْثُومِ بِنْتَ عَقَبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ فَزَوَّجَها مِن زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ هي وأخُوها، وقالا: إنَّما أرَدْنا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَزَوَّجَها غَيْرَهُ. فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ،» فَأجابا إلى تَزْوِيجِ زَيْدٍ.
و"الخِيَرَةُ": مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَخَيُّرِ، وهَذِهِ الآيَةُ في ضِمْنِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَبِيُّ أولى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. وهَذِهِ الآيَةُ تُقَوِّي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] أنَّ "ما" نافِيَةٌ لا مَفْعُولَةٌ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وعِيسى: "أنْ تَكُونَ" بِالتاءِ عَلى لَفْظِ "الخِيَرَةِ". وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "أنْ يَكُونَ" عَلى مَعْنى "الخِيَرَةِ"، وأنَّ تَأْنِيثَها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وقَوْلَهُ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] دُونَ عَلامَةِ تَأْنِيثٍ يُقَوِّي هَذِهِ القِراءَةَ الَّتِي بِالياءِ.
ثُمَّ تُوَعَّدَ عَزَّ وجَلَّ وأخْبَرَ أنَّ مَن يَعْصِ اللهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ، وهَذا العِصْيانُ يَعُمُّ الكَفْرَ فَما دُونَهُ، وكُلُّ عاصٍ يَأْخُذُ مِنَ الضَلالِ بِقَدْرِ مَعْصِيَتِهِ.
ثُمَّ عاتَبَ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِقَوْلِهِ: "وَإذْ تَقُولُ" الآيَةُ. واخْتَلَفَ الناسُ في تَأْوِيلِها، فَذَهَبَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ - مِنهُمُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ - إلى أنَّ النَبِيَّ ﷺ وقَعَ مِنهُ اسْتِحْسانٌ لِزَيْنَبَ وهي في عِصْمَةِ زَيْدٍ، وكانَ حَرِيصًا عَلى أنْ يُطَلِّقَها زَيْدٌ فَيَتَزَوَّجُها هُوَ، ثُمَّ إنَّ زِيدًا لَمّا أخْبَرَهُ بِأنَّهُ يُرِيدُ فِراقَها، ويَشْكُو مِنها غِلْظَةَ قَوْلٍ وعِصْيانِ أمْرٍ وأذى بِاللِسانِ وتَعَظُّمًا بِالشَرَفِ قالَ لَهُ: "اتَّقِ اللهَ"، أيْ: فِيما تَقُولُ عنها، و﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾، وهو يُخْفِي الحِرْصَ عَلى طَلاقِ زِيدٍ إيّاها، وهَذا هو الَّذِي كانَ يُخْفِي في نَفْسِهِ، ولَكِنَّهُ لَزِمَ ما يَجِبُ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ. وقالُوا: خَشِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قالَةَ الناسِ في ذَلِكَ، فَعاتَبَهُ اللهُ تَعالى عَلى جَمِيعِ هَذا.
(p-١٢٢)وَقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "ما اللهُ مُظْهِرُهُ"، وقالَ الحَسَنُ: ما نَزَلْ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ أشَدَّ عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الآيَةِ، وقالَ هو وعائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَوْ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كاتِمًا شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ لِشِدَّتِها عَلَيْهِ، ورَوى ابْنُ زَيْدٍ في نَحْوِ هَذا القَوْلِ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ طَلَبَ زَيْدًا في دارِهِ فَلَمْ يَجِدْهُ، ورَأى زَيْنَبَ حاسِرَةً فَأعْجَبَتْهُ فَقالَ: "سُبْحانَ اللهِ مُقَلِّبُ القُلُوبَ"» ورُوِيَ في هَذِهِ القِصَّةِ أشْياءٌ يَطُولُ ذِكْرُها، وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مُسْتَوْفٍ لِمَعانِيها.
وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ إلى أنَّ الآيَةَ لا كَبِيرَ عَتَبَ فِيها، ورَوَوْا عن عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ «أنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إلى النَبِيِّ ﷺ أنَّ زَيْدًا يُطَلِّقُ زَيْنَبَ، وأنَّهُ يَتَزَوَّجُها بِتَزْوِيجِ اللهِ إيّاها، فَلَمّا تَشَكّى زِيدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ خُلُقَ زَيْنَبَ وأنَّها لا تُطِيعُهُ، وأعْلَمَهُ بِأنَّهُ يُرِيدُ طَلاقَها، قالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى جِهَةِ الأدَبِ والوَصِيَّةِ: "اتَّقِ اللهَ" - أيْ في أقْوالِكَ "وَأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ"، وهو يَعْلَمُ أنَّهُ سَيُفارِقُها.» وهَذا هو الَّذِي أخْفى في نَفْسِهِ، ولَمْ يُرِدْ أنْ يَأْمُرَهُ بِالطَلاقِ لِما عَلِمَ مِن أنَّهُ سَيَتَزَوَّجُها، وخَشِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَلْحَقَهُ قَوْلٌ مِنَ الناسِ في أنْ يَتَزَوَّجَ زَيْنَبَ بَعْدَ زَيْدٍ وهو مَوْلاهُ وقَدْ أمَرَهُ بِطَلاقِها، فَعاتَبَهُ اللهُ تَعالى عَلى هَذا القَدْرِ مِن أنْ خَشِيَ الناسَ في شَيْءٍ قَدْ أباحَهُ اللهُ تَعالى بِأنْ قالَ: "أمْسِكْ" مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ يُطَلِّقْ، وأعْلَمَهُ أنَّ اللهَ أحَقُّ بِالخَشْيَةِ، أيْ في كُلِّ حالٍ.
(p-١٢٣)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ بِالإسْلامِ وغَيْرِهِ، ﴿وَأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ أيْ بِالعِتْقِ، وهو زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ، وزَيْنَبُ هي بِنْتُ جَحْشٍ هي بِنْتُ أُمَيْمَةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلَبِ عَمَّةُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.
ثُمَّ أعْلَمُ تَعالى أنَّهُ زَوَّجَها مِنهُ لَمّا قَضى زَيْدٌ وطَرَهُ مِنها لِتَكُونَ سُنَّةً لِلْمُسْلِمِينَ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ، ولِيُبَيِّنَ أنَّها لَيْسَتْ كَحُرْمَةِ النُبُوَّةِ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِزَيْدٍ: "ما أجِدُ في نَفْسِي أوثَقَ مِنكَ، فاخْطُبُ زَيْنَبَ عَلِيَّ"، قالَ: فَذَهَبْتُ ووَلَّيْتُها ظَهْرِي تَوْقِيرًا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وخَطَبْتُها فَفَرِحَتْ وقالَتْ: ما أنا بِصانِعَةٍ شَيْئًا حَتّى أُوامِرَ رُبِّيَ، فَقامَتْ إلى مَسْجِدِها، ونَزَلَ القُرْآنُ فَتَزَوَّجَها النَبِيُّ ﷺ ودَخَلَ بِها.»
و"الوَطَرُ": الحاجَةُ والبُغْيَةُ، والإشارَةُ هُنا إلى الجِماعِ، ورَوى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عن آبائِهِ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ: "وَطَرًا زَوَّجْتُكَها".» وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ مِن هَذِهِ الآيَةِ ومِن قَوْلِ شُعَيْبٍ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ [القصص: ٢٧] إلى أنَّ تَرْتِيبَ هَذا المَعْنى في المُهُورِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ: "أنْكِحُهُ إيّاها" فَيُقَدِّمُ ضَمِيرَ الزَوْجِ لِما في الآيَتَيْنِ، وهَذا عِنْدِي غَيْرُ لازِمٍ، لِأنَّ الزَوْجَ في الآيَةِ مُخاطِبٌ فَحَسُنَ تَقْدِيمُهُ، وفي المُهُورِ الزَوْجانِ غائِبانِ فَقَدِّمْ مَن شِئْتَ، ولَمْ يُبْقَ تَرْجِيحٌ إلّا بِدَرَجَةِ الرِجالِ وأنَّهُمُ القائِمُونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ أمْرُ اللهِ مَفْعُولا﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: "وَكانَ حُكْمُ أمْرِ اللهِ" أو "مُضَمَّنٌ أمْرَ اللهِ"، وإلّا فالأمْرُ قَدِيمٌ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ مَفْعُولٌ، ويُحْتَمَلُ - عَلى بُعْدٍ - أنْ يَكُونَ "الأمْرُ" واحِدَ الأُمُورِ أيِ الَّتِي شَأْنُها أنْ تَفْعَلَ. ورُوِيَ أنَّ عائِشَةَ وزَيْنَبَ تَفاخَرَتا، فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: أنا الَّتِي سَبَقَتْ صِفَتِي لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الجَنَّةِ (p-١٢٤)فِي سَرَقَةِ حَرِيرٍ، وقالَتْ زَيْنَبُ رَضِيَ اللهُ عنها: أنا الَّتِي زَوَّجَنِي اللهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَمَواتٍ. وقالَ الشَعْبِيُّ: «كانَتْ زَيْنَبُ تَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: إنِّي لِأدِلَّ عَلَيْكَ بِثَلاثٍ ما مِن نِسائِكَ امْرَأةٌ تَدِلُّ بِهِنَّ، أنَّ جَدْيِّ وجَدَّكَ واحِدٌ، وإنَّ اللهَ أنْكَحَكَ إيّايَ مِنَ السَماءِ، وأنَّ السَفِيرَ في ذَلِكَ. جِبْرِيلُ.»
الأحزاب 33:37
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ ومَن يَعْصِ اللهُ ورَسُولُهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا﴾ ﴿وَإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللهُ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى الناسَ واللهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وكانَ أمْرُ اللهُ مَفْعُولا﴾
قَوْلُهُ: ﴿ "وَما كانَ"﴾ لَفْظُهُ النَفْيُ ومَعْناهُ الحَظْرُ والمَنعُ مِن فِعْلِ هَذا، وهَذِهِ العِبارَةُ: "ما كانَ" و"ما يَنْبَغِي" ونَحْوَها تَجِيءُ لِحَظْرِ الشَيْءِ والحُكْمِ بِأنَّهُ لا يَكُونُ، ورُبَّما كانَ امْتِناعُ ذَلِكَ الشَيْءِ عَقْلًا، كَقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ [النمل: ٦٠]، ورُبَّما كانَ العِلْمُ بِامْتِناعِهِ شَرْعًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ﴾ [الشورى: ٥١]، ورُبَّما كانَ حَظْرُهُ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ كَهَذِهِ الآيَةِ، ورُبَّما كانَ في المَندُوباتِ، كَما تَقُولُ: "ما كانَ لَكَ يا فُلانُ أنْ تَتْرُكَ النَوافِلَ" ونَحْوَ هَذا.
وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ فِيما قالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَطَبَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، فَظَنَّتْ أنَّ الخِطْبَةَ لِنَفْسِهِ، فَلِما بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما يُرِيدُها لِزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ كَرِهَتْ وأبَتْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَأذْعَنَتْ زَيْنَبُ حِينَئِذٍ وتَزَوَّجَتْهُ،» وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّما (p-١٢١)أُنْزِلَتْ بِسَبَبِ «أنَّ أُمَّ كُلْثُومِ بِنْتَ عَقَبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ فَزَوَّجَها مِن زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ هي وأخُوها، وقالا: إنَّما أرَدْنا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَزَوَّجَها غَيْرَهُ. فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ،» فَأجابا إلى تَزْوِيجِ زَيْدٍ.
و"الخِيَرَةُ": مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَخَيُّرِ، وهَذِهِ الآيَةُ في ضِمْنِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَبِيُّ أولى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. وهَذِهِ الآيَةُ تُقَوِّي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] أنَّ "ما" نافِيَةٌ لا مَفْعُولَةٌ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وعِيسى: "أنْ تَكُونَ" بِالتاءِ عَلى لَفْظِ "الخِيَرَةِ". وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "أنْ يَكُونَ" عَلى مَعْنى "الخِيَرَةِ"، وأنَّ تَأْنِيثَها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وقَوْلَهُ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] دُونَ عَلامَةِ تَأْنِيثٍ يُقَوِّي هَذِهِ القِراءَةَ الَّتِي بِالياءِ.
ثُمَّ تُوَعَّدَ عَزَّ وجَلَّ وأخْبَرَ أنَّ مَن يَعْصِ اللهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ، وهَذا العِصْيانُ يَعُمُّ الكَفْرَ فَما دُونَهُ، وكُلُّ عاصٍ يَأْخُذُ مِنَ الضَلالِ بِقَدْرِ مَعْصِيَتِهِ.
ثُمَّ عاتَبَ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِقَوْلِهِ: "وَإذْ تَقُولُ" الآيَةُ. واخْتَلَفَ الناسُ في تَأْوِيلِها، فَذَهَبَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ - مِنهُمُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ - إلى أنَّ النَبِيَّ ﷺ وقَعَ مِنهُ اسْتِحْسانٌ لِزَيْنَبَ وهي في عِصْمَةِ زَيْدٍ، وكانَ حَرِيصًا عَلى أنْ يُطَلِّقَها زَيْدٌ فَيَتَزَوَّجُها هُوَ، ثُمَّ إنَّ زِيدًا لَمّا أخْبَرَهُ بِأنَّهُ يُرِيدُ فِراقَها، ويَشْكُو مِنها غِلْظَةَ قَوْلٍ وعِصْيانِ أمْرٍ وأذى بِاللِسانِ وتَعَظُّمًا بِالشَرَفِ قالَ لَهُ: "اتَّقِ اللهَ"، أيْ: فِيما تَقُولُ عنها، و﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾، وهو يُخْفِي الحِرْصَ عَلى طَلاقِ زِيدٍ إيّاها، وهَذا هو الَّذِي كانَ يُخْفِي في نَفْسِهِ، ولَكِنَّهُ لَزِمَ ما يَجِبُ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ. وقالُوا: خَشِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قالَةَ الناسِ في ذَلِكَ، فَعاتَبَهُ اللهُ تَعالى عَلى جَمِيعِ هَذا.
(p-١٢٢)وَقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "ما اللهُ مُظْهِرُهُ"، وقالَ الحَسَنُ: ما نَزَلْ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ أشَدَّ عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الآيَةِ، وقالَ هو وعائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَوْ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كاتِمًا شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ لِشِدَّتِها عَلَيْهِ، ورَوى ابْنُ زَيْدٍ في نَحْوِ هَذا القَوْلِ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ طَلَبَ زَيْدًا في دارِهِ فَلَمْ يَجِدْهُ، ورَأى زَيْنَبَ حاسِرَةً فَأعْجَبَتْهُ فَقالَ: "سُبْحانَ اللهِ مُقَلِّبُ القُلُوبَ"» ورُوِيَ في هَذِهِ القِصَّةِ أشْياءٌ يَطُولُ ذِكْرُها، وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مُسْتَوْفٍ لِمَعانِيها.
وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ إلى أنَّ الآيَةَ لا كَبِيرَ عَتَبَ فِيها، ورَوَوْا عن عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ «أنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إلى النَبِيِّ ﷺ أنَّ زَيْدًا يُطَلِّقُ زَيْنَبَ، وأنَّهُ يَتَزَوَّجُها بِتَزْوِيجِ اللهِ إيّاها، فَلَمّا تَشَكّى زِيدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ خُلُقَ زَيْنَبَ وأنَّها لا تُطِيعُهُ، وأعْلَمَهُ بِأنَّهُ يُرِيدُ طَلاقَها، قالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى جِهَةِ الأدَبِ والوَصِيَّةِ: "اتَّقِ اللهَ" - أيْ في أقْوالِكَ "وَأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ"، وهو يَعْلَمُ أنَّهُ سَيُفارِقُها.» وهَذا هو الَّذِي أخْفى في نَفْسِهِ، ولَمْ يُرِدْ أنْ يَأْمُرَهُ بِالطَلاقِ لِما عَلِمَ مِن أنَّهُ سَيَتَزَوَّجُها، وخَشِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَلْحَقَهُ قَوْلٌ مِنَ الناسِ في أنْ يَتَزَوَّجَ زَيْنَبَ بَعْدَ زَيْدٍ وهو مَوْلاهُ وقَدْ أمَرَهُ بِطَلاقِها، فَعاتَبَهُ اللهُ تَعالى عَلى هَذا القَدْرِ مِن أنْ خَشِيَ الناسَ في شَيْءٍ قَدْ أباحَهُ اللهُ تَعالى بِأنْ قالَ: "أمْسِكْ" مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ يُطَلِّقْ، وأعْلَمَهُ أنَّ اللهَ أحَقُّ بِالخَشْيَةِ، أيْ في كُلِّ حالٍ.
(p-١٢٣)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ بِالإسْلامِ وغَيْرِهِ، ﴿وَأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ أيْ بِالعِتْقِ، وهو زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ، وزَيْنَبُ هي بِنْتُ جَحْشٍ هي بِنْتُ أُمَيْمَةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلَبِ عَمَّةُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.
ثُمَّ أعْلَمُ تَعالى أنَّهُ زَوَّجَها مِنهُ لَمّا قَضى زَيْدٌ وطَرَهُ مِنها لِتَكُونَ سُنَّةً لِلْمُسْلِمِينَ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ، ولِيُبَيِّنَ أنَّها لَيْسَتْ كَحُرْمَةِ النُبُوَّةِ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِزَيْدٍ: "ما أجِدُ في نَفْسِي أوثَقَ مِنكَ، فاخْطُبُ زَيْنَبَ عَلِيَّ"، قالَ: فَذَهَبْتُ ووَلَّيْتُها ظَهْرِي تَوْقِيرًا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وخَطَبْتُها فَفَرِحَتْ وقالَتْ: ما أنا بِصانِعَةٍ شَيْئًا حَتّى أُوامِرَ رُبِّيَ، فَقامَتْ إلى مَسْجِدِها، ونَزَلَ القُرْآنُ فَتَزَوَّجَها النَبِيُّ ﷺ ودَخَلَ بِها.»
و"الوَطَرُ": الحاجَةُ والبُغْيَةُ، والإشارَةُ هُنا إلى الجِماعِ، ورَوى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عن آبائِهِ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ: "وَطَرًا زَوَّجْتُكَها".» وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ مِن هَذِهِ الآيَةِ ومِن قَوْلِ شُعَيْبٍ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ [القصص: ٢٧] إلى أنَّ تَرْتِيبَ هَذا المَعْنى في المُهُورِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ: "أنْكِحُهُ إيّاها" فَيُقَدِّمُ ضَمِيرَ الزَوْجِ لِما في الآيَتَيْنِ، وهَذا عِنْدِي غَيْرُ لازِمٍ، لِأنَّ الزَوْجَ في الآيَةِ مُخاطِبٌ فَحَسُنَ تَقْدِيمُهُ، وفي المُهُورِ الزَوْجانِ غائِبانِ فَقَدِّمْ مَن شِئْتَ، ولَمْ يُبْقَ تَرْجِيحٌ إلّا بِدَرَجَةِ الرِجالِ وأنَّهُمُ القائِمُونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ أمْرُ اللهِ مَفْعُولا﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: "وَكانَ حُكْمُ أمْرِ اللهِ" أو "مُضَمَّنٌ أمْرَ اللهِ"، وإلّا فالأمْرُ قَدِيمٌ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ مَفْعُولٌ، ويُحْتَمَلُ - عَلى بُعْدٍ - أنْ يَكُونَ "الأمْرُ" واحِدَ الأُمُورِ أيِ الَّتِي شَأْنُها أنْ تَفْعَلَ. ورُوِيَ أنَّ عائِشَةَ وزَيْنَبَ تَفاخَرَتا، فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: أنا الَّتِي سَبَقَتْ صِفَتِي لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الجَنَّةِ (p-١٢٤)فِي سَرَقَةِ حَرِيرٍ، وقالَتْ زَيْنَبُ رَضِيَ اللهُ عنها: أنا الَّتِي زَوَّجَنِي اللهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَمَواتٍ. وقالَ الشَعْبِيُّ: «كانَتْ زَيْنَبُ تَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: إنِّي لِأدِلَّ عَلَيْكَ بِثَلاثٍ ما مِن نِسائِكَ امْرَأةٌ تَدِلُّ بِهِنَّ، أنَّ جَدْيِّ وجَدَّكَ واحِدٌ، وإنَّ اللهَ أنْكَحَكَ إيّايَ مِنَ السَماءِ، وأنَّ السَفِيرَ في ذَلِكَ. جِبْرِيلُ.»
الأحزاب 33:38
قوله عزّ وجلّ:
﴿ما كانَ عَلى النَبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهُ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللهُ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللهِ وكَفى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللهِ وخاتَمَ النَبِيِّينَ وكانَ اللهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾
هَذِهِ مُخاطَبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، أعْلَمَهم أنَّهُ لا حَرَجَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ في نَيْلِ ما فَرَضَ اللهُ لَهُ وأباحَهُ، مِن تَزْوِيجِ زَيْنَبَ بَعْدَ زَيْدٍ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّ هَذا ونَحْوَهُ هو السُنَنُ الأقْدَمُ في الأنْبِياءِ، مِن أنْ يَنالُوا ما أحَلَّ اللهُ لَهُمْ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن مُقاتِلٍ وابْنِ الكَلْبِيِّ أنَّ الإشارَةَ إلى داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، حَيْثُ جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن فُتِنَ بِها، و"سُنَّةَ" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، أو عَلى إضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: الزَمَ أو نَحْوَهُ، أو عَلى الإغْراءِ، كَأنَّهُ قالَ: فَعَلَيْهِ سُنَّةُ اللهِ. و"الَّذِينَ خَلَوْا" هُمُ الأنْبِياءُ، بِدَلِيلِ وصْفِهِمْ بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ﴾. و"أمْرُ اللهِ" في هَذِهِ الآيَةِ، أيْ: مَأْمُوراتُ اللهِ والكائِناتِ عن (p-١٢٥)أمْرِهِ، فَهي مَقْدُورَةٌ، وقَوْلُهُ: "قَدَرًا" فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: ذا قَدْرٍ وعن قَدْرٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "الَّذِينَ بَلَّغُوا رِسالاتِ اللهِ".
وقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللهَ﴾ تَعْرِيضٌ بِالعِتابِ الأوَّلُ في خَشْيَةِ النَبِيِّ ﷺ الناسَ، ثُمَّ رَدَّ الأمْرَ كُلَّهُ إلى اللهِ، وأنَّهُ المُحاسِبُ عَلى جَمِيعِ الأعْمالِ والمُعْتَقَداتُ، وكَفى بِهِ لا إلَهَ إلّا هُوَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ "حَسِيبًا"﴾ بِمَعْنى "مُحْسِبًا"، أيْ كافِيًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾. اذْهَبَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ما وقَعَ في نُفُوسِ مُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ مِن بَعْدِ تَزَوُّجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ زَيْنَبَ زَوْجَةَ دَعِيِّهِ زَيْدٍ؛ لِأنَّهم كانُوا اسْتَعْظَمُوا أنْ تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ، فَنَفى القُرْآنُ تِلْكَ الصُورَةَ في البُنُوَّةِ، وأعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَكُنْ في حَقِيقَةِ أمْرِهِ أبا أحَدٍ مِن رِجالِ المُعاصِرِينَ لَهُ، ولَمْ يُقْصَدْ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ فَيَحْتاجُ إلى الِاحْتِجاجِ بِأمْرِ بَنِيهِ بِأنَّهم كانُوا ماتُوا، ولا في أمْرِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ بِأنَّهُما كانا طِفْلَيْنِ، ومَنِ احْتَجَّ بِذَلِكَ فَإنَّهُ تَأوَّلَ نَفْيَ البُنُوَّةِ عنهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى غَيْرِ ما قُصِدَ بِها.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وبَعْضُ الناسِ: "وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ" بِالرَفْعِ عَلى مَعْنى: هو رَسُولُ اللهِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ، وعِيسى: "رَسُولَ" بِالنَصْبِ عَلى العَطْفِ عَلى "أبا"، وهَؤُلاءِ قَرَؤُوا "وَلَكِنْ" بِالتَخْفِيفِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلَكِنَّ" بِشَدِّ النُونِ، فَيَنْتَصِبُ "رَسُولَ" عَلى أنَّهُ اسْمُ "لَكِنَّ" والخَبَرُ مَحْذُوفٌ.
وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ، والحَسَنُ، والشَعْبِيُّ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ: ﴿ "وَخاتَمَ النَبِيِّينَ"﴾ بِفَتْحِ التاءِ عَلى مَعْنى أنَّهم بِهِ خَتَمُوا، فَهو كالخاتَمِ والطابَعِ لَهُمْ، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ بِكَسْرِ التاءِ بِمَعْنى أنَّهُ خَتْمُهُمْ، أيْ جاءَ آخِرُهُمْ، ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "أنا خاتَمُ ألْفِ نَبِيٍّ"،» بِفَتْحِ التاءِ، وهَذِهِ الألْفاظُ عِنْدَ جَماعَةِ عُلَماءِ (p-١٢٦)الأُمَّةِ خَلَفًا وسُلَفًا مُتَلَقّاةٌ عَلى العُمُومِ التامِّ، مُقْتَضِيَةٌ نَصًّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وما ذَكَرَهُ القاضِي ابْنُ الطَيِّبِ في كِتابِهِ المُسَمّى بِالهِدايَةِ مِن تَجْوِيزِ الِاحْتِمالِ في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ ضَعِيفٌ، وما ذَكَرَهُ الغَزالِي في هَذِهِ الآيَةِ وهَذا المَعْنى في كِتابِهِ الَّذِي سَمّاهُ بِالِاقْتِصادِ إلْحادٌ عِنْدِي، وتَطَرُّقٌ خَبِيثٌ إلى تَشْوِيشِ عَقِيدَةِ المُسْلِمِينَ في خَتْمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ النُبُوءَةَ، فالحَذِرُ الحَذِرُ مِنهُ، واللهُ الهادِي بِرَحْمَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "مِن رِجالِكم ولَكِنَّ نَبِيَّنا خَتَمَ النَبِيِّينَ"، قالَ الرُمّانِيُّ خَتَمَ بِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ الِاسْتِصْلاحَ فَمَن لَمْ يَصْلُحْ بِهِ فَمَيْئُوسٌ مِن صَلاحِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ عُمُومٌ، والمَقْصُودُ بِهِ هُنا عِلْمُهُ تَبارَكَ وتَعالى بِما رَآهُ الأصْلَحَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وما قَدَّرَهُ في الأمْرِ كُلِّهِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى عِبادَهُ بِأنْ يَذْكُرُوهُ ذِكْرًا كَثِيرًا، وجَعَلَ ذَلِكَ دُونَ حَدٍّ ولا تَقْدِيرٍ لِسُهُولَتِهِ عَلى العَبِيدِ، ولِعِظَمِ الأجْرِ فِيهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمْ يُعْذَرْ أحَدٌ في تَرْكِ ذِكْرِ اللهِ إلّا مَن غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ، وقالَ: الكَثِيرُ: أنْ لا يَنْساهُ أبَدًا، ورَوى أبُو سَعِيدٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "أكْثِرُوا ذِكْرَ اللهِ حَتّى يَقُولُوا: مَجْنُونٌ".»
وقَوْلُهُ: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ أرادَ: في كُلِّ الأوقاتِ، مُجَدِّدُ الزَمانِ بِطَرَفَيْ نَهارِهِ ولَيْلِهِ، وقالَ قَتادَةُ، والطَبَرِيُّ وغَيْرُهُما: الإشارَةُ إلى صَلاتِي الغَداةُ والعَصْرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ فَلا يَتَعَلَّقُ بِها مَن زَعَمَ أنَّ الصَلاةَ إنَّما فُرِضَتْ أوَّلًا صَلاتَيْنِ في طَرَفَيِ النَهارِ، والرِوايَةُ بِذَلِكَ ضَعِيفَةٌ، و"الأصِيلُ" مِنَ العَصْرِ إلى اللَيْلِ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى عِبادِهِ نِعْمَتَهُ في الصَلاةِ عَلَيْهِمْ، وصَلاةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلى العَبِيدِ هي رَحْمَتُهُ لَهُمْ، وبَرَكَتُهُ لَدَيْهِمْ، ونَشْرُهُ إلَيْنا الجَمِيلُ، وصَلاةُ المَلائِكَةِ الدُعاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ، ورَوَتْ فِرْقَةٌ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ صَلاةُ اللهِ عَلى عِبادِهِ؟ (p-١٢٧)قالَ: "سَبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"،» واخْتُلِفَ في تَأْوِيلٍ هَذا القَوْلِ، فَقِيلَ: إنَّ هَذا كُلَّهُ مِن كَلامِ اللهِ، وهي صِلاتُهُ عَلى عِبادِهِ، وقِيلَ: « "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ"» هو مِن كَلامِ مُحَمَّدٍ ﷺ يُقَدِّمُهُ بَيْنَ يَدَيْ نُقْطَةٍ بِاللَفْظِ الَّذِي هو صَلاةُ اللهِ، وهُوَ: « "رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"،» وقَدَّمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ هَذا مِن حَيْثُ فَهَمَ مِنَ السائِلِ أنَّهُ تَوَهَّمَ في صَلاةِ اللهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ وجْهًا لا يَلِيقُ بِاللهِ تَعالى فَقَدَّمَ التَنْزِيهَ لِلَّهِ والتَعْظِيمَ بَيْنَ يَدَيْ أخْبارِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لِيُخْرِجَكُمْ"﴾ أيْ: صَلاتَهُ وصَلاةَ مَلائِكَتِهِ لِكَيْ يَهْدِيَكم ويُنْقِذَكم مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى بِرَحْمَتِهِ بِالمُؤْمِنِينَ تَأْنِيسًا لَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ"﴾ قِيلَ: يَوْمَ القِيامَةِ المُؤْمِنُ تُحْيِّيهِ المَلائِكَةُ بِالسَلامِ، ومَعْناهُ: السَلامَةُ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ. وقالَ قَتادَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يَوْمَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَلامِ، أيْ: سَلِمْنا وسَلِمْتَ مِن كُلِّ هَمٍّ وتَخَوُّفٍ. وقِيلَ: تُحْيِيهِمُ المَلائِكَةُ يَوْمَئِذٍ، وأمّا "الأجْرُ الكَرِيمُ" فَإنَّهُ جَنَّةُ الخُلْدِ في جِوارِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
الأحزاب 33:39
قوله عزّ وجلّ:
﴿ما كانَ عَلى النَبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهُ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللهُ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللهِ وكَفى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللهِ وخاتَمَ النَبِيِّينَ وكانَ اللهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾
هَذِهِ مُخاطَبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، أعْلَمَهم أنَّهُ لا حَرَجَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ في نَيْلِ ما فَرَضَ اللهُ لَهُ وأباحَهُ، مِن تَزْوِيجِ زَيْنَبَ بَعْدَ زَيْدٍ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّ هَذا ونَحْوَهُ هو السُنَنُ الأقْدَمُ في الأنْبِياءِ، مِن أنْ يَنالُوا ما أحَلَّ اللهُ لَهُمْ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن مُقاتِلٍ وابْنِ الكَلْبِيِّ أنَّ الإشارَةَ إلى داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، حَيْثُ جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن فُتِنَ بِها، و"سُنَّةَ" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، أو عَلى إضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: الزَمَ أو نَحْوَهُ، أو عَلى الإغْراءِ، كَأنَّهُ قالَ: فَعَلَيْهِ سُنَّةُ اللهِ. و"الَّذِينَ خَلَوْا" هُمُ الأنْبِياءُ، بِدَلِيلِ وصْفِهِمْ بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ﴾. و"أمْرُ اللهِ" في هَذِهِ الآيَةِ، أيْ: مَأْمُوراتُ اللهِ والكائِناتِ عن (p-١٢٥)أمْرِهِ، فَهي مَقْدُورَةٌ، وقَوْلُهُ: "قَدَرًا" فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: ذا قَدْرٍ وعن قَدْرٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "الَّذِينَ بَلَّغُوا رِسالاتِ اللهِ".
وقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللهَ﴾ تَعْرِيضٌ بِالعِتابِ الأوَّلُ في خَشْيَةِ النَبِيِّ ﷺ الناسَ، ثُمَّ رَدَّ الأمْرَ كُلَّهُ إلى اللهِ، وأنَّهُ المُحاسِبُ عَلى جَمِيعِ الأعْمالِ والمُعْتَقَداتُ، وكَفى بِهِ لا إلَهَ إلّا هُوَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ "حَسِيبًا"﴾ بِمَعْنى "مُحْسِبًا"، أيْ كافِيًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾. اذْهَبَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ما وقَعَ في نُفُوسِ مُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ مِن بَعْدِ تَزَوُّجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ زَيْنَبَ زَوْجَةَ دَعِيِّهِ زَيْدٍ؛ لِأنَّهم كانُوا اسْتَعْظَمُوا أنْ تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ، فَنَفى القُرْآنُ تِلْكَ الصُورَةَ في البُنُوَّةِ، وأعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَكُنْ في حَقِيقَةِ أمْرِهِ أبا أحَدٍ مِن رِجالِ المُعاصِرِينَ لَهُ، ولَمْ يُقْصَدْ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ فَيَحْتاجُ إلى الِاحْتِجاجِ بِأمْرِ بَنِيهِ بِأنَّهم كانُوا ماتُوا، ولا في أمْرِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ بِأنَّهُما كانا طِفْلَيْنِ، ومَنِ احْتَجَّ بِذَلِكَ فَإنَّهُ تَأوَّلَ نَفْيَ البُنُوَّةِ عنهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى غَيْرِ ما قُصِدَ بِها.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وبَعْضُ الناسِ: "وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ" بِالرَفْعِ عَلى مَعْنى: هو رَسُولُ اللهِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ، وعِيسى: "رَسُولَ" بِالنَصْبِ عَلى العَطْفِ عَلى "أبا"، وهَؤُلاءِ قَرَؤُوا "وَلَكِنْ" بِالتَخْفِيفِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلَكِنَّ" بِشَدِّ النُونِ، فَيَنْتَصِبُ "رَسُولَ" عَلى أنَّهُ اسْمُ "لَكِنَّ" والخَبَرُ مَحْذُوفٌ.
وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ، والحَسَنُ، والشَعْبِيُّ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ: ﴿ "وَخاتَمَ النَبِيِّينَ"﴾ بِفَتْحِ التاءِ عَلى مَعْنى أنَّهم بِهِ خَتَمُوا، فَهو كالخاتَمِ والطابَعِ لَهُمْ، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ بِكَسْرِ التاءِ بِمَعْنى أنَّهُ خَتْمُهُمْ، أيْ جاءَ آخِرُهُمْ، ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "أنا خاتَمُ ألْفِ نَبِيٍّ"،» بِفَتْحِ التاءِ، وهَذِهِ الألْفاظُ عِنْدَ جَماعَةِ عُلَماءِ (p-١٢٦)الأُمَّةِ خَلَفًا وسُلَفًا مُتَلَقّاةٌ عَلى العُمُومِ التامِّ، مُقْتَضِيَةٌ نَصًّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وما ذَكَرَهُ القاضِي ابْنُ الطَيِّبِ في كِتابِهِ المُسَمّى بِالهِدايَةِ مِن تَجْوِيزِ الِاحْتِمالِ في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ ضَعِيفٌ، وما ذَكَرَهُ الغَزالِي في هَذِهِ الآيَةِ وهَذا المَعْنى في كِتابِهِ الَّذِي سَمّاهُ بِالِاقْتِصادِ إلْحادٌ عِنْدِي، وتَطَرُّقٌ خَبِيثٌ إلى تَشْوِيشِ عَقِيدَةِ المُسْلِمِينَ في خَتْمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ النُبُوءَةَ، فالحَذِرُ الحَذِرُ مِنهُ، واللهُ الهادِي بِرَحْمَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "مِن رِجالِكم ولَكِنَّ نَبِيَّنا خَتَمَ النَبِيِّينَ"، قالَ الرُمّانِيُّ خَتَمَ بِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ الِاسْتِصْلاحَ فَمَن لَمْ يَصْلُحْ بِهِ فَمَيْئُوسٌ مِن صَلاحِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ عُمُومٌ، والمَقْصُودُ بِهِ هُنا عِلْمُهُ تَبارَكَ وتَعالى بِما رَآهُ الأصْلَحَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وما قَدَّرَهُ في الأمْرِ كُلِّهِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى عِبادَهُ بِأنْ يَذْكُرُوهُ ذِكْرًا كَثِيرًا، وجَعَلَ ذَلِكَ دُونَ حَدٍّ ولا تَقْدِيرٍ لِسُهُولَتِهِ عَلى العَبِيدِ، ولِعِظَمِ الأجْرِ فِيهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمْ يُعْذَرْ أحَدٌ في تَرْكِ ذِكْرِ اللهِ إلّا مَن غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ، وقالَ: الكَثِيرُ: أنْ لا يَنْساهُ أبَدًا، ورَوى أبُو سَعِيدٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "أكْثِرُوا ذِكْرَ اللهِ حَتّى يَقُولُوا: مَجْنُونٌ".»
وقَوْلُهُ: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ أرادَ: في كُلِّ الأوقاتِ، مُجَدِّدُ الزَمانِ بِطَرَفَيْ نَهارِهِ ولَيْلِهِ، وقالَ قَتادَةُ، والطَبَرِيُّ وغَيْرُهُما: الإشارَةُ إلى صَلاتِي الغَداةُ والعَصْرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ فَلا يَتَعَلَّقُ بِها مَن زَعَمَ أنَّ الصَلاةَ إنَّما فُرِضَتْ أوَّلًا صَلاتَيْنِ في طَرَفَيِ النَهارِ، والرِوايَةُ بِذَلِكَ ضَعِيفَةٌ، و"الأصِيلُ" مِنَ العَصْرِ إلى اللَيْلِ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى عِبادِهِ نِعْمَتَهُ في الصَلاةِ عَلَيْهِمْ، وصَلاةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلى العَبِيدِ هي رَحْمَتُهُ لَهُمْ، وبَرَكَتُهُ لَدَيْهِمْ، ونَشْرُهُ إلَيْنا الجَمِيلُ، وصَلاةُ المَلائِكَةِ الدُعاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ، ورَوَتْ فِرْقَةٌ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ صَلاةُ اللهِ عَلى عِبادِهِ؟ (p-١٢٧)قالَ: "سَبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"،» واخْتُلِفَ في تَأْوِيلٍ هَذا القَوْلِ، فَقِيلَ: إنَّ هَذا كُلَّهُ مِن كَلامِ اللهِ، وهي صِلاتُهُ عَلى عِبادِهِ، وقِيلَ: « "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ"» هو مِن كَلامِ مُحَمَّدٍ ﷺ يُقَدِّمُهُ بَيْنَ يَدَيْ نُقْطَةٍ بِاللَفْظِ الَّذِي هو صَلاةُ اللهِ، وهُوَ: « "رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"،» وقَدَّمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ هَذا مِن حَيْثُ فَهَمَ مِنَ السائِلِ أنَّهُ تَوَهَّمَ في صَلاةِ اللهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ وجْهًا لا يَلِيقُ بِاللهِ تَعالى فَقَدَّمَ التَنْزِيهَ لِلَّهِ والتَعْظِيمَ بَيْنَ يَدَيْ أخْبارِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لِيُخْرِجَكُمْ"﴾ أيْ: صَلاتَهُ وصَلاةَ مَلائِكَتِهِ لِكَيْ يَهْدِيَكم ويُنْقِذَكم مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى بِرَحْمَتِهِ بِالمُؤْمِنِينَ تَأْنِيسًا لَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ"﴾ قِيلَ: يَوْمَ القِيامَةِ المُؤْمِنُ تُحْيِّيهِ المَلائِكَةُ بِالسَلامِ، ومَعْناهُ: السَلامَةُ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ. وقالَ قَتادَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يَوْمَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَلامِ، أيْ: سَلِمْنا وسَلِمْتَ مِن كُلِّ هَمٍّ وتَخَوُّفٍ. وقِيلَ: تُحْيِيهِمُ المَلائِكَةُ يَوْمَئِذٍ، وأمّا "الأجْرُ الكَرِيمُ" فَإنَّهُ جَنَّةُ الخُلْدِ في جِوارِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
الأحزاب 33:40
قوله عزّ وجلّ:
﴿ما كانَ عَلى النَبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهُ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللهُ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللهِ وكَفى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللهِ وخاتَمَ النَبِيِّينَ وكانَ اللهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾
هَذِهِ مُخاطَبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، أعْلَمَهم أنَّهُ لا حَرَجَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ في نَيْلِ ما فَرَضَ اللهُ لَهُ وأباحَهُ، مِن تَزْوِيجِ زَيْنَبَ بَعْدَ زَيْدٍ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّ هَذا ونَحْوَهُ هو السُنَنُ الأقْدَمُ في الأنْبِياءِ، مِن أنْ يَنالُوا ما أحَلَّ اللهُ لَهُمْ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن مُقاتِلٍ وابْنِ الكَلْبِيِّ أنَّ الإشارَةَ إلى داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، حَيْثُ جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن فُتِنَ بِها، و"سُنَّةَ" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، أو عَلى إضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: الزَمَ أو نَحْوَهُ، أو عَلى الإغْراءِ، كَأنَّهُ قالَ: فَعَلَيْهِ سُنَّةُ اللهِ. و"الَّذِينَ خَلَوْا" هُمُ الأنْبِياءُ، بِدَلِيلِ وصْفِهِمْ بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ﴾. و"أمْرُ اللهِ" في هَذِهِ الآيَةِ، أيْ: مَأْمُوراتُ اللهِ والكائِناتِ عن (p-١٢٥)أمْرِهِ، فَهي مَقْدُورَةٌ، وقَوْلُهُ: "قَدَرًا" فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: ذا قَدْرٍ وعن قَدْرٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "الَّذِينَ بَلَّغُوا رِسالاتِ اللهِ".
وقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللهَ﴾ تَعْرِيضٌ بِالعِتابِ الأوَّلُ في خَشْيَةِ النَبِيِّ ﷺ الناسَ، ثُمَّ رَدَّ الأمْرَ كُلَّهُ إلى اللهِ، وأنَّهُ المُحاسِبُ عَلى جَمِيعِ الأعْمالِ والمُعْتَقَداتُ، وكَفى بِهِ لا إلَهَ إلّا هُوَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ "حَسِيبًا"﴾ بِمَعْنى "مُحْسِبًا"، أيْ كافِيًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾. اذْهَبَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ما وقَعَ في نُفُوسِ مُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ مِن بَعْدِ تَزَوُّجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ زَيْنَبَ زَوْجَةَ دَعِيِّهِ زَيْدٍ؛ لِأنَّهم كانُوا اسْتَعْظَمُوا أنْ تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ، فَنَفى القُرْآنُ تِلْكَ الصُورَةَ في البُنُوَّةِ، وأعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَكُنْ في حَقِيقَةِ أمْرِهِ أبا أحَدٍ مِن رِجالِ المُعاصِرِينَ لَهُ، ولَمْ يُقْصَدْ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ فَيَحْتاجُ إلى الِاحْتِجاجِ بِأمْرِ بَنِيهِ بِأنَّهم كانُوا ماتُوا، ولا في أمْرِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ بِأنَّهُما كانا طِفْلَيْنِ، ومَنِ احْتَجَّ بِذَلِكَ فَإنَّهُ تَأوَّلَ نَفْيَ البُنُوَّةِ عنهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى غَيْرِ ما قُصِدَ بِها.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وبَعْضُ الناسِ: "وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ" بِالرَفْعِ عَلى مَعْنى: هو رَسُولُ اللهِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ، وعِيسى: "رَسُولَ" بِالنَصْبِ عَلى العَطْفِ عَلى "أبا"، وهَؤُلاءِ قَرَؤُوا "وَلَكِنْ" بِالتَخْفِيفِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلَكِنَّ" بِشَدِّ النُونِ، فَيَنْتَصِبُ "رَسُولَ" عَلى أنَّهُ اسْمُ "لَكِنَّ" والخَبَرُ مَحْذُوفٌ.
وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ، والحَسَنُ، والشَعْبِيُّ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ: ﴿ "وَخاتَمَ النَبِيِّينَ"﴾ بِفَتْحِ التاءِ عَلى مَعْنى أنَّهم بِهِ خَتَمُوا، فَهو كالخاتَمِ والطابَعِ لَهُمْ، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ بِكَسْرِ التاءِ بِمَعْنى أنَّهُ خَتْمُهُمْ، أيْ جاءَ آخِرُهُمْ، ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "أنا خاتَمُ ألْفِ نَبِيٍّ"،» بِفَتْحِ التاءِ، وهَذِهِ الألْفاظُ عِنْدَ جَماعَةِ عُلَماءِ (p-١٢٦)الأُمَّةِ خَلَفًا وسُلَفًا مُتَلَقّاةٌ عَلى العُمُومِ التامِّ، مُقْتَضِيَةٌ نَصًّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وما ذَكَرَهُ القاضِي ابْنُ الطَيِّبِ في كِتابِهِ المُسَمّى بِالهِدايَةِ مِن تَجْوِيزِ الِاحْتِمالِ في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ ضَعِيفٌ، وما ذَكَرَهُ الغَزالِي في هَذِهِ الآيَةِ وهَذا المَعْنى في كِتابِهِ الَّذِي سَمّاهُ بِالِاقْتِصادِ إلْحادٌ عِنْدِي، وتَطَرُّقٌ خَبِيثٌ إلى تَشْوِيشِ عَقِيدَةِ المُسْلِمِينَ في خَتْمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ النُبُوءَةَ، فالحَذِرُ الحَذِرُ مِنهُ، واللهُ الهادِي بِرَحْمَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "مِن رِجالِكم ولَكِنَّ نَبِيَّنا خَتَمَ النَبِيِّينَ"، قالَ الرُمّانِيُّ خَتَمَ بِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ الِاسْتِصْلاحَ فَمَن لَمْ يَصْلُحْ بِهِ فَمَيْئُوسٌ مِن صَلاحِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ عُمُومٌ، والمَقْصُودُ بِهِ هُنا عِلْمُهُ تَبارَكَ وتَعالى بِما رَآهُ الأصْلَحَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وما قَدَّرَهُ في الأمْرِ كُلِّهِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى عِبادَهُ بِأنْ يَذْكُرُوهُ ذِكْرًا كَثِيرًا، وجَعَلَ ذَلِكَ دُونَ حَدٍّ ولا تَقْدِيرٍ لِسُهُولَتِهِ عَلى العَبِيدِ، ولِعِظَمِ الأجْرِ فِيهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمْ يُعْذَرْ أحَدٌ في تَرْكِ ذِكْرِ اللهِ إلّا مَن غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ، وقالَ: الكَثِيرُ: أنْ لا يَنْساهُ أبَدًا، ورَوى أبُو سَعِيدٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "أكْثِرُوا ذِكْرَ اللهِ حَتّى يَقُولُوا: مَجْنُونٌ".»
وقَوْلُهُ: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ أرادَ: في كُلِّ الأوقاتِ، مُجَدِّدُ الزَمانِ بِطَرَفَيْ نَهارِهِ ولَيْلِهِ، وقالَ قَتادَةُ، والطَبَرِيُّ وغَيْرُهُما: الإشارَةُ إلى صَلاتِي الغَداةُ والعَصْرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ فَلا يَتَعَلَّقُ بِها مَن زَعَمَ أنَّ الصَلاةَ إنَّما فُرِضَتْ أوَّلًا صَلاتَيْنِ في طَرَفَيِ النَهارِ، والرِوايَةُ بِذَلِكَ ضَعِيفَةٌ، و"الأصِيلُ" مِنَ العَصْرِ إلى اللَيْلِ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى عِبادِهِ نِعْمَتَهُ في الصَلاةِ عَلَيْهِمْ، وصَلاةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلى العَبِيدِ هي رَحْمَتُهُ لَهُمْ، وبَرَكَتُهُ لَدَيْهِمْ، ونَشْرُهُ إلَيْنا الجَمِيلُ، وصَلاةُ المَلائِكَةِ الدُعاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ، ورَوَتْ فِرْقَةٌ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ صَلاةُ اللهِ عَلى عِبادِهِ؟ (p-١٢٧)قالَ: "سَبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"،» واخْتُلِفَ في تَأْوِيلٍ هَذا القَوْلِ، فَقِيلَ: إنَّ هَذا كُلَّهُ مِن كَلامِ اللهِ، وهي صِلاتُهُ عَلى عِبادِهِ، وقِيلَ: « "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ"» هو مِن كَلامِ مُحَمَّدٍ ﷺ يُقَدِّمُهُ بَيْنَ يَدَيْ نُقْطَةٍ بِاللَفْظِ الَّذِي هو صَلاةُ اللهِ، وهُوَ: « "رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"،» وقَدَّمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ هَذا مِن حَيْثُ فَهَمَ مِنَ السائِلِ أنَّهُ تَوَهَّمَ في صَلاةِ اللهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ وجْهًا لا يَلِيقُ بِاللهِ تَعالى فَقَدَّمَ التَنْزِيهَ لِلَّهِ والتَعْظِيمَ بَيْنَ يَدَيْ أخْبارِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لِيُخْرِجَكُمْ"﴾ أيْ: صَلاتَهُ وصَلاةَ مَلائِكَتِهِ لِكَيْ يَهْدِيَكم ويُنْقِذَكم مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى بِرَحْمَتِهِ بِالمُؤْمِنِينَ تَأْنِيسًا لَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ"﴾ قِيلَ: يَوْمَ القِيامَةِ المُؤْمِنُ تُحْيِّيهِ المَلائِكَةُ بِالسَلامِ، ومَعْناهُ: السَلامَةُ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ. وقالَ قَتادَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يَوْمَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَلامِ، أيْ: سَلِمْنا وسَلِمْتَ مِن كُلِّ هَمٍّ وتَخَوُّفٍ. وقِيلَ: تُحْيِيهِمُ المَلائِكَةُ يَوْمَئِذٍ، وأمّا "الأجْرُ الكَرِيمُ" فَإنَّهُ جَنَّةُ الخُلْدِ في جِوارِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
الأحزاب 33:41
قوله عزّ وجلّ:
﴿ما كانَ عَلى النَبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهُ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللهُ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللهِ وكَفى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللهِ وخاتَمَ النَبِيِّينَ وكانَ اللهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾
هَذِهِ مُخاطَبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، أعْلَمَهم أنَّهُ لا حَرَجَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ في نَيْلِ ما فَرَضَ اللهُ لَهُ وأباحَهُ، مِن تَزْوِيجِ زَيْنَبَ بَعْدَ زَيْدٍ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّ هَذا ونَحْوَهُ هو السُنَنُ الأقْدَمُ في الأنْبِياءِ، مِن أنْ يَنالُوا ما أحَلَّ اللهُ لَهُمْ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن مُقاتِلٍ وابْنِ الكَلْبِيِّ أنَّ الإشارَةَ إلى داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، حَيْثُ جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن فُتِنَ بِها، و"سُنَّةَ" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، أو عَلى إضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: الزَمَ أو نَحْوَهُ، أو عَلى الإغْراءِ، كَأنَّهُ قالَ: فَعَلَيْهِ سُنَّةُ اللهِ. و"الَّذِينَ خَلَوْا" هُمُ الأنْبِياءُ، بِدَلِيلِ وصْفِهِمْ بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ﴾. و"أمْرُ اللهِ" في هَذِهِ الآيَةِ، أيْ: مَأْمُوراتُ اللهِ والكائِناتِ عن (p-١٢٥)أمْرِهِ، فَهي مَقْدُورَةٌ، وقَوْلُهُ: "قَدَرًا" فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: ذا قَدْرٍ وعن قَدْرٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "الَّذِينَ بَلَّغُوا رِسالاتِ اللهِ".
وقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللهَ﴾ تَعْرِيضٌ بِالعِتابِ الأوَّلُ في خَشْيَةِ النَبِيِّ ﷺ الناسَ، ثُمَّ رَدَّ الأمْرَ كُلَّهُ إلى اللهِ، وأنَّهُ المُحاسِبُ عَلى جَمِيعِ الأعْمالِ والمُعْتَقَداتُ، وكَفى بِهِ لا إلَهَ إلّا هُوَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ "حَسِيبًا"﴾ بِمَعْنى "مُحْسِبًا"، أيْ كافِيًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾. اذْهَبَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ما وقَعَ في نُفُوسِ مُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ مِن بَعْدِ تَزَوُّجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ زَيْنَبَ زَوْجَةَ دَعِيِّهِ زَيْدٍ؛ لِأنَّهم كانُوا اسْتَعْظَمُوا أنْ تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ، فَنَفى القُرْآنُ تِلْكَ الصُورَةَ في البُنُوَّةِ، وأعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَكُنْ في حَقِيقَةِ أمْرِهِ أبا أحَدٍ مِن رِجالِ المُعاصِرِينَ لَهُ، ولَمْ يُقْصَدْ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ فَيَحْتاجُ إلى الِاحْتِجاجِ بِأمْرِ بَنِيهِ بِأنَّهم كانُوا ماتُوا، ولا في أمْرِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ بِأنَّهُما كانا طِفْلَيْنِ، ومَنِ احْتَجَّ بِذَلِكَ فَإنَّهُ تَأوَّلَ نَفْيَ البُنُوَّةِ عنهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى غَيْرِ ما قُصِدَ بِها.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وبَعْضُ الناسِ: "وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ" بِالرَفْعِ عَلى مَعْنى: هو رَسُولُ اللهِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ، وعِيسى: "رَسُولَ" بِالنَصْبِ عَلى العَطْفِ عَلى "أبا"، وهَؤُلاءِ قَرَؤُوا "وَلَكِنْ" بِالتَخْفِيفِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلَكِنَّ" بِشَدِّ النُونِ، فَيَنْتَصِبُ "رَسُولَ" عَلى أنَّهُ اسْمُ "لَكِنَّ" والخَبَرُ مَحْذُوفٌ.
وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ، والحَسَنُ، والشَعْبِيُّ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ: ﴿ "وَخاتَمَ النَبِيِّينَ"﴾ بِفَتْحِ التاءِ عَلى مَعْنى أنَّهم بِهِ خَتَمُوا، فَهو كالخاتَمِ والطابَعِ لَهُمْ، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ بِكَسْرِ التاءِ بِمَعْنى أنَّهُ خَتْمُهُمْ، أيْ جاءَ آخِرُهُمْ، ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "أنا خاتَمُ ألْفِ نَبِيٍّ"،» بِفَتْحِ التاءِ، وهَذِهِ الألْفاظُ عِنْدَ جَماعَةِ عُلَماءِ (p-١٢٦)الأُمَّةِ خَلَفًا وسُلَفًا مُتَلَقّاةٌ عَلى العُمُومِ التامِّ، مُقْتَضِيَةٌ نَصًّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وما ذَكَرَهُ القاضِي ابْنُ الطَيِّبِ في كِتابِهِ المُسَمّى بِالهِدايَةِ مِن تَجْوِيزِ الِاحْتِمالِ في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ ضَعِيفٌ، وما ذَكَرَهُ الغَزالِي في هَذِهِ الآيَةِ وهَذا المَعْنى في كِتابِهِ الَّذِي سَمّاهُ بِالِاقْتِصادِ إلْحادٌ عِنْدِي، وتَطَرُّقٌ خَبِيثٌ إلى تَشْوِيشِ عَقِيدَةِ المُسْلِمِينَ في خَتْمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ النُبُوءَةَ، فالحَذِرُ الحَذِرُ مِنهُ، واللهُ الهادِي بِرَحْمَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "مِن رِجالِكم ولَكِنَّ نَبِيَّنا خَتَمَ النَبِيِّينَ"، قالَ الرُمّانِيُّ خَتَمَ بِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ الِاسْتِصْلاحَ فَمَن لَمْ يَصْلُحْ بِهِ فَمَيْئُوسٌ مِن صَلاحِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ عُمُومٌ، والمَقْصُودُ بِهِ هُنا عِلْمُهُ تَبارَكَ وتَعالى بِما رَآهُ الأصْلَحَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وما قَدَّرَهُ في الأمْرِ كُلِّهِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى عِبادَهُ بِأنْ يَذْكُرُوهُ ذِكْرًا كَثِيرًا، وجَعَلَ ذَلِكَ دُونَ حَدٍّ ولا تَقْدِيرٍ لِسُهُولَتِهِ عَلى العَبِيدِ، ولِعِظَمِ الأجْرِ فِيهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمْ يُعْذَرْ أحَدٌ في تَرْكِ ذِكْرِ اللهِ إلّا مَن غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ، وقالَ: الكَثِيرُ: أنْ لا يَنْساهُ أبَدًا، ورَوى أبُو سَعِيدٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "أكْثِرُوا ذِكْرَ اللهِ حَتّى يَقُولُوا: مَجْنُونٌ".»
وقَوْلُهُ: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ أرادَ: في كُلِّ الأوقاتِ، مُجَدِّدُ الزَمانِ بِطَرَفَيْ نَهارِهِ ولَيْلِهِ، وقالَ قَتادَةُ، والطَبَرِيُّ وغَيْرُهُما: الإشارَةُ إلى صَلاتِي الغَداةُ والعَصْرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ فَلا يَتَعَلَّقُ بِها مَن زَعَمَ أنَّ الصَلاةَ إنَّما فُرِضَتْ أوَّلًا صَلاتَيْنِ في طَرَفَيِ النَهارِ، والرِوايَةُ بِذَلِكَ ضَعِيفَةٌ، و"الأصِيلُ" مِنَ العَصْرِ إلى اللَيْلِ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى عِبادِهِ نِعْمَتَهُ في الصَلاةِ عَلَيْهِمْ، وصَلاةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلى العَبِيدِ هي رَحْمَتُهُ لَهُمْ، وبَرَكَتُهُ لَدَيْهِمْ، ونَشْرُهُ إلَيْنا الجَمِيلُ، وصَلاةُ المَلائِكَةِ الدُعاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ، ورَوَتْ فِرْقَةٌ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ صَلاةُ اللهِ عَلى عِبادِهِ؟ (p-١٢٧)قالَ: "سَبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"،» واخْتُلِفَ في تَأْوِيلٍ هَذا القَوْلِ، فَقِيلَ: إنَّ هَذا كُلَّهُ مِن كَلامِ اللهِ، وهي صِلاتُهُ عَلى عِبادِهِ، وقِيلَ: « "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ"» هو مِن كَلامِ مُحَمَّدٍ ﷺ يُقَدِّمُهُ بَيْنَ يَدَيْ نُقْطَةٍ بِاللَفْظِ الَّذِي هو صَلاةُ اللهِ، وهُوَ: « "رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"،» وقَدَّمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ هَذا مِن حَيْثُ فَهَمَ مِنَ السائِلِ أنَّهُ تَوَهَّمَ في صَلاةِ اللهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ وجْهًا لا يَلِيقُ بِاللهِ تَعالى فَقَدَّمَ التَنْزِيهَ لِلَّهِ والتَعْظِيمَ بَيْنَ يَدَيْ أخْبارِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لِيُخْرِجَكُمْ"﴾ أيْ: صَلاتَهُ وصَلاةَ مَلائِكَتِهِ لِكَيْ يَهْدِيَكم ويُنْقِذَكم مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى بِرَحْمَتِهِ بِالمُؤْمِنِينَ تَأْنِيسًا لَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ"﴾ قِيلَ: يَوْمَ القِيامَةِ المُؤْمِنُ تُحْيِّيهِ المَلائِكَةُ بِالسَلامِ، ومَعْناهُ: السَلامَةُ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ. وقالَ قَتادَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يَوْمَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَلامِ، أيْ: سَلِمْنا وسَلِمْتَ مِن كُلِّ هَمٍّ وتَخَوُّفٍ. وقِيلَ: تُحْيِيهِمُ المَلائِكَةُ يَوْمَئِذٍ، وأمّا "الأجْرُ الكَرِيمُ" فَإنَّهُ جَنَّةُ الخُلْدِ في جِوارِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
الأحزاب 33:42
قوله عزّ وجلّ:
﴿ما كانَ عَلى النَبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهُ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللهُ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللهِ وكَفى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللهِ وخاتَمَ النَبِيِّينَ وكانَ اللهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾
هَذِهِ مُخاطَبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، أعْلَمَهم أنَّهُ لا حَرَجَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ في نَيْلِ ما فَرَضَ اللهُ لَهُ وأباحَهُ، مِن تَزْوِيجِ زَيْنَبَ بَعْدَ زَيْدٍ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّ هَذا ونَحْوَهُ هو السُنَنُ الأقْدَمُ في الأنْبِياءِ، مِن أنْ يَنالُوا ما أحَلَّ اللهُ لَهُمْ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن مُقاتِلٍ وابْنِ الكَلْبِيِّ أنَّ الإشارَةَ إلى داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، حَيْثُ جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن فُتِنَ بِها، و"سُنَّةَ" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، أو عَلى إضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: الزَمَ أو نَحْوَهُ، أو عَلى الإغْراءِ، كَأنَّهُ قالَ: فَعَلَيْهِ سُنَّةُ اللهِ. و"الَّذِينَ خَلَوْا" هُمُ الأنْبِياءُ، بِدَلِيلِ وصْفِهِمْ بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ﴾. و"أمْرُ اللهِ" في هَذِهِ الآيَةِ، أيْ: مَأْمُوراتُ اللهِ والكائِناتِ عن (p-١٢٥)أمْرِهِ، فَهي مَقْدُورَةٌ، وقَوْلُهُ: "قَدَرًا" فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: ذا قَدْرٍ وعن قَدْرٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "الَّذِينَ بَلَّغُوا رِسالاتِ اللهِ".
وقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللهَ﴾ تَعْرِيضٌ بِالعِتابِ الأوَّلُ في خَشْيَةِ النَبِيِّ ﷺ الناسَ، ثُمَّ رَدَّ الأمْرَ كُلَّهُ إلى اللهِ، وأنَّهُ المُحاسِبُ عَلى جَمِيعِ الأعْمالِ والمُعْتَقَداتُ، وكَفى بِهِ لا إلَهَ إلّا هُوَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ "حَسِيبًا"﴾ بِمَعْنى "مُحْسِبًا"، أيْ كافِيًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾. اذْهَبَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ما وقَعَ في نُفُوسِ مُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ مِن بَعْدِ تَزَوُّجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ زَيْنَبَ زَوْجَةَ دَعِيِّهِ زَيْدٍ؛ لِأنَّهم كانُوا اسْتَعْظَمُوا أنْ تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ، فَنَفى القُرْآنُ تِلْكَ الصُورَةَ في البُنُوَّةِ، وأعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَكُنْ في حَقِيقَةِ أمْرِهِ أبا أحَدٍ مِن رِجالِ المُعاصِرِينَ لَهُ، ولَمْ يُقْصَدْ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ فَيَحْتاجُ إلى الِاحْتِجاجِ بِأمْرِ بَنِيهِ بِأنَّهم كانُوا ماتُوا، ولا في أمْرِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ بِأنَّهُما كانا طِفْلَيْنِ، ومَنِ احْتَجَّ بِذَلِكَ فَإنَّهُ تَأوَّلَ نَفْيَ البُنُوَّةِ عنهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى غَيْرِ ما قُصِدَ بِها.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وبَعْضُ الناسِ: "وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ" بِالرَفْعِ عَلى مَعْنى: هو رَسُولُ اللهِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ، وعِيسى: "رَسُولَ" بِالنَصْبِ عَلى العَطْفِ عَلى "أبا"، وهَؤُلاءِ قَرَؤُوا "وَلَكِنْ" بِالتَخْفِيفِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلَكِنَّ" بِشَدِّ النُونِ، فَيَنْتَصِبُ "رَسُولَ" عَلى أنَّهُ اسْمُ "لَكِنَّ" والخَبَرُ مَحْذُوفٌ.
وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ، والحَسَنُ، والشَعْبِيُّ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ: ﴿ "وَخاتَمَ النَبِيِّينَ"﴾ بِفَتْحِ التاءِ عَلى مَعْنى أنَّهم بِهِ خَتَمُوا، فَهو كالخاتَمِ والطابَعِ لَهُمْ، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ بِكَسْرِ التاءِ بِمَعْنى أنَّهُ خَتْمُهُمْ، أيْ جاءَ آخِرُهُمْ، ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "أنا خاتَمُ ألْفِ نَبِيٍّ"،» بِفَتْحِ التاءِ، وهَذِهِ الألْفاظُ عِنْدَ جَماعَةِ عُلَماءِ (p-١٢٦)الأُمَّةِ خَلَفًا وسُلَفًا مُتَلَقّاةٌ عَلى العُمُومِ التامِّ، مُقْتَضِيَةٌ نَصًّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وما ذَكَرَهُ القاضِي ابْنُ الطَيِّبِ في كِتابِهِ المُسَمّى بِالهِدايَةِ مِن تَجْوِيزِ الِاحْتِمالِ في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ ضَعِيفٌ، وما ذَكَرَهُ الغَزالِي في هَذِهِ الآيَةِ وهَذا المَعْنى في كِتابِهِ الَّذِي سَمّاهُ بِالِاقْتِصادِ إلْحادٌ عِنْدِي، وتَطَرُّقٌ خَبِيثٌ إلى تَشْوِيشِ عَقِيدَةِ المُسْلِمِينَ في خَتْمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ النُبُوءَةَ، فالحَذِرُ الحَذِرُ مِنهُ، واللهُ الهادِي بِرَحْمَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "مِن رِجالِكم ولَكِنَّ نَبِيَّنا خَتَمَ النَبِيِّينَ"، قالَ الرُمّانِيُّ خَتَمَ بِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ الِاسْتِصْلاحَ فَمَن لَمْ يَصْلُحْ بِهِ فَمَيْئُوسٌ مِن صَلاحِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ عُمُومٌ، والمَقْصُودُ بِهِ هُنا عِلْمُهُ تَبارَكَ وتَعالى بِما رَآهُ الأصْلَحَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وما قَدَّرَهُ في الأمْرِ كُلِّهِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى عِبادَهُ بِأنْ يَذْكُرُوهُ ذِكْرًا كَثِيرًا، وجَعَلَ ذَلِكَ دُونَ حَدٍّ ولا تَقْدِيرٍ لِسُهُولَتِهِ عَلى العَبِيدِ، ولِعِظَمِ الأجْرِ فِيهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمْ يُعْذَرْ أحَدٌ في تَرْكِ ذِكْرِ اللهِ إلّا مَن غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ، وقالَ: الكَثِيرُ: أنْ لا يَنْساهُ أبَدًا، ورَوى أبُو سَعِيدٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "أكْثِرُوا ذِكْرَ اللهِ حَتّى يَقُولُوا: مَجْنُونٌ".»
وقَوْلُهُ: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ أرادَ: في كُلِّ الأوقاتِ، مُجَدِّدُ الزَمانِ بِطَرَفَيْ نَهارِهِ ولَيْلِهِ، وقالَ قَتادَةُ، والطَبَرِيُّ وغَيْرُهُما: الإشارَةُ إلى صَلاتِي الغَداةُ والعَصْرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ فَلا يَتَعَلَّقُ بِها مَن زَعَمَ أنَّ الصَلاةَ إنَّما فُرِضَتْ أوَّلًا صَلاتَيْنِ في طَرَفَيِ النَهارِ، والرِوايَةُ بِذَلِكَ ضَعِيفَةٌ، و"الأصِيلُ" مِنَ العَصْرِ إلى اللَيْلِ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى عِبادِهِ نِعْمَتَهُ في الصَلاةِ عَلَيْهِمْ، وصَلاةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلى العَبِيدِ هي رَحْمَتُهُ لَهُمْ، وبَرَكَتُهُ لَدَيْهِمْ، ونَشْرُهُ إلَيْنا الجَمِيلُ، وصَلاةُ المَلائِكَةِ الدُعاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ، ورَوَتْ فِرْقَةٌ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ صَلاةُ اللهِ عَلى عِبادِهِ؟ (p-١٢٧)قالَ: "سَبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"،» واخْتُلِفَ في تَأْوِيلٍ هَذا القَوْلِ، فَقِيلَ: إنَّ هَذا كُلَّهُ مِن كَلامِ اللهِ، وهي صِلاتُهُ عَلى عِبادِهِ، وقِيلَ: « "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ"» هو مِن كَلامِ مُحَمَّدٍ ﷺ يُقَدِّمُهُ بَيْنَ يَدَيْ نُقْطَةٍ بِاللَفْظِ الَّذِي هو صَلاةُ اللهِ، وهُوَ: « "رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"،» وقَدَّمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ هَذا مِن حَيْثُ فَهَمَ مِنَ السائِلِ أنَّهُ تَوَهَّمَ في صَلاةِ اللهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ وجْهًا لا يَلِيقُ بِاللهِ تَعالى فَقَدَّمَ التَنْزِيهَ لِلَّهِ والتَعْظِيمَ بَيْنَ يَدَيْ أخْبارِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لِيُخْرِجَكُمْ"﴾ أيْ: صَلاتَهُ وصَلاةَ مَلائِكَتِهِ لِكَيْ يَهْدِيَكم ويُنْقِذَكم مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى بِرَحْمَتِهِ بِالمُؤْمِنِينَ تَأْنِيسًا لَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ"﴾ قِيلَ: يَوْمَ القِيامَةِ المُؤْمِنُ تُحْيِّيهِ المَلائِكَةُ بِالسَلامِ، ومَعْناهُ: السَلامَةُ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ. وقالَ قَتادَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يَوْمَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَلامِ، أيْ: سَلِمْنا وسَلِمْتَ مِن كُلِّ هَمٍّ وتَخَوُّفٍ. وقِيلَ: تُحْيِيهِمُ المَلائِكَةُ يَوْمَئِذٍ، وأمّا "الأجْرُ الكَرِيمُ" فَإنَّهُ جَنَّةُ الخُلْدِ في جِوارِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
الأحزاب 33:43
قوله عزّ وجلّ:
﴿ما كانَ عَلى النَبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهُ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللهُ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللهِ وكَفى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللهِ وخاتَمَ النَبِيِّينَ وكانَ اللهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾
هَذِهِ مُخاطَبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، أعْلَمَهم أنَّهُ لا حَرَجَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ في نَيْلِ ما فَرَضَ اللهُ لَهُ وأباحَهُ، مِن تَزْوِيجِ زَيْنَبَ بَعْدَ زَيْدٍ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّ هَذا ونَحْوَهُ هو السُنَنُ الأقْدَمُ في الأنْبِياءِ، مِن أنْ يَنالُوا ما أحَلَّ اللهُ لَهُمْ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن مُقاتِلٍ وابْنِ الكَلْبِيِّ أنَّ الإشارَةَ إلى داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، حَيْثُ جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن فُتِنَ بِها، و"سُنَّةَ" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، أو عَلى إضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: الزَمَ أو نَحْوَهُ، أو عَلى الإغْراءِ، كَأنَّهُ قالَ: فَعَلَيْهِ سُنَّةُ اللهِ. و"الَّذِينَ خَلَوْا" هُمُ الأنْبِياءُ، بِدَلِيلِ وصْفِهِمْ بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ﴾. و"أمْرُ اللهِ" في هَذِهِ الآيَةِ، أيْ: مَأْمُوراتُ اللهِ والكائِناتِ عن (p-١٢٥)أمْرِهِ، فَهي مَقْدُورَةٌ، وقَوْلُهُ: "قَدَرًا" فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: ذا قَدْرٍ وعن قَدْرٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "الَّذِينَ بَلَّغُوا رِسالاتِ اللهِ".
وقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللهَ﴾ تَعْرِيضٌ بِالعِتابِ الأوَّلُ في خَشْيَةِ النَبِيِّ ﷺ الناسَ، ثُمَّ رَدَّ الأمْرَ كُلَّهُ إلى اللهِ، وأنَّهُ المُحاسِبُ عَلى جَمِيعِ الأعْمالِ والمُعْتَقَداتُ، وكَفى بِهِ لا إلَهَ إلّا هُوَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ "حَسِيبًا"﴾ بِمَعْنى "مُحْسِبًا"، أيْ كافِيًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾. اذْهَبَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ما وقَعَ في نُفُوسِ مُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ مِن بَعْدِ تَزَوُّجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ زَيْنَبَ زَوْجَةَ دَعِيِّهِ زَيْدٍ؛ لِأنَّهم كانُوا اسْتَعْظَمُوا أنْ تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ، فَنَفى القُرْآنُ تِلْكَ الصُورَةَ في البُنُوَّةِ، وأعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَكُنْ في حَقِيقَةِ أمْرِهِ أبا أحَدٍ مِن رِجالِ المُعاصِرِينَ لَهُ، ولَمْ يُقْصَدْ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ فَيَحْتاجُ إلى الِاحْتِجاجِ بِأمْرِ بَنِيهِ بِأنَّهم كانُوا ماتُوا، ولا في أمْرِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ بِأنَّهُما كانا طِفْلَيْنِ، ومَنِ احْتَجَّ بِذَلِكَ فَإنَّهُ تَأوَّلَ نَفْيَ البُنُوَّةِ عنهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى غَيْرِ ما قُصِدَ بِها.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وبَعْضُ الناسِ: "وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ" بِالرَفْعِ عَلى مَعْنى: هو رَسُولُ اللهِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ، وعِيسى: "رَسُولَ" بِالنَصْبِ عَلى العَطْفِ عَلى "أبا"، وهَؤُلاءِ قَرَؤُوا "وَلَكِنْ" بِالتَخْفِيفِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلَكِنَّ" بِشَدِّ النُونِ، فَيَنْتَصِبُ "رَسُولَ" عَلى أنَّهُ اسْمُ "لَكِنَّ" والخَبَرُ مَحْذُوفٌ.
وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ، والحَسَنُ، والشَعْبِيُّ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ: ﴿ "وَخاتَمَ النَبِيِّينَ"﴾ بِفَتْحِ التاءِ عَلى مَعْنى أنَّهم بِهِ خَتَمُوا، فَهو كالخاتَمِ والطابَعِ لَهُمْ، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ بِكَسْرِ التاءِ بِمَعْنى أنَّهُ خَتْمُهُمْ، أيْ جاءَ آخِرُهُمْ، ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "أنا خاتَمُ ألْفِ نَبِيٍّ"،» بِفَتْحِ التاءِ، وهَذِهِ الألْفاظُ عِنْدَ جَماعَةِ عُلَماءِ (p-١٢٦)الأُمَّةِ خَلَفًا وسُلَفًا مُتَلَقّاةٌ عَلى العُمُومِ التامِّ، مُقْتَضِيَةٌ نَصًّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وما ذَكَرَهُ القاضِي ابْنُ الطَيِّبِ في كِتابِهِ المُسَمّى بِالهِدايَةِ مِن تَجْوِيزِ الِاحْتِمالِ في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ ضَعِيفٌ، وما ذَكَرَهُ الغَزالِي في هَذِهِ الآيَةِ وهَذا المَعْنى في كِتابِهِ الَّذِي سَمّاهُ بِالِاقْتِصادِ إلْحادٌ عِنْدِي، وتَطَرُّقٌ خَبِيثٌ إلى تَشْوِيشِ عَقِيدَةِ المُسْلِمِينَ في خَتْمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ النُبُوءَةَ، فالحَذِرُ الحَذِرُ مِنهُ، واللهُ الهادِي بِرَحْمَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "مِن رِجالِكم ولَكِنَّ نَبِيَّنا خَتَمَ النَبِيِّينَ"، قالَ الرُمّانِيُّ خَتَمَ بِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ الِاسْتِصْلاحَ فَمَن لَمْ يَصْلُحْ بِهِ فَمَيْئُوسٌ مِن صَلاحِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ عُمُومٌ، والمَقْصُودُ بِهِ هُنا عِلْمُهُ تَبارَكَ وتَعالى بِما رَآهُ الأصْلَحَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وما قَدَّرَهُ في الأمْرِ كُلِّهِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى عِبادَهُ بِأنْ يَذْكُرُوهُ ذِكْرًا كَثِيرًا، وجَعَلَ ذَلِكَ دُونَ حَدٍّ ولا تَقْدِيرٍ لِسُهُولَتِهِ عَلى العَبِيدِ، ولِعِظَمِ الأجْرِ فِيهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمْ يُعْذَرْ أحَدٌ في تَرْكِ ذِكْرِ اللهِ إلّا مَن غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ، وقالَ: الكَثِيرُ: أنْ لا يَنْساهُ أبَدًا، ورَوى أبُو سَعِيدٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "أكْثِرُوا ذِكْرَ اللهِ حَتّى يَقُولُوا: مَجْنُونٌ".»
وقَوْلُهُ: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ أرادَ: في كُلِّ الأوقاتِ، مُجَدِّدُ الزَمانِ بِطَرَفَيْ نَهارِهِ ولَيْلِهِ، وقالَ قَتادَةُ، والطَبَرِيُّ وغَيْرُهُما: الإشارَةُ إلى صَلاتِي الغَداةُ والعَصْرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ فَلا يَتَعَلَّقُ بِها مَن زَعَمَ أنَّ الصَلاةَ إنَّما فُرِضَتْ أوَّلًا صَلاتَيْنِ في طَرَفَيِ النَهارِ، والرِوايَةُ بِذَلِكَ ضَعِيفَةٌ، و"الأصِيلُ" مِنَ العَصْرِ إلى اللَيْلِ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى عِبادِهِ نِعْمَتَهُ في الصَلاةِ عَلَيْهِمْ، وصَلاةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلى العَبِيدِ هي رَحْمَتُهُ لَهُمْ، وبَرَكَتُهُ لَدَيْهِمْ، ونَشْرُهُ إلَيْنا الجَمِيلُ، وصَلاةُ المَلائِكَةِ الدُعاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ، ورَوَتْ فِرْقَةٌ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ صَلاةُ اللهِ عَلى عِبادِهِ؟ (p-١٢٧)قالَ: "سَبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"،» واخْتُلِفَ في تَأْوِيلٍ هَذا القَوْلِ، فَقِيلَ: إنَّ هَذا كُلَّهُ مِن كَلامِ اللهِ، وهي صِلاتُهُ عَلى عِبادِهِ، وقِيلَ: « "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ"» هو مِن كَلامِ مُحَمَّدٍ ﷺ يُقَدِّمُهُ بَيْنَ يَدَيْ نُقْطَةٍ بِاللَفْظِ الَّذِي هو صَلاةُ اللهِ، وهُوَ: « "رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"،» وقَدَّمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ هَذا مِن حَيْثُ فَهَمَ مِنَ السائِلِ أنَّهُ تَوَهَّمَ في صَلاةِ اللهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ وجْهًا لا يَلِيقُ بِاللهِ تَعالى فَقَدَّمَ التَنْزِيهَ لِلَّهِ والتَعْظِيمَ بَيْنَ يَدَيْ أخْبارِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لِيُخْرِجَكُمْ"﴾ أيْ: صَلاتَهُ وصَلاةَ مَلائِكَتِهِ لِكَيْ يَهْدِيَكم ويُنْقِذَكم مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى بِرَحْمَتِهِ بِالمُؤْمِنِينَ تَأْنِيسًا لَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ"﴾ قِيلَ: يَوْمَ القِيامَةِ المُؤْمِنُ تُحْيِّيهِ المَلائِكَةُ بِالسَلامِ، ومَعْناهُ: السَلامَةُ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ. وقالَ قَتادَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يَوْمَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَلامِ، أيْ: سَلِمْنا وسَلِمْتَ مِن كُلِّ هَمٍّ وتَخَوُّفٍ. وقِيلَ: تُحْيِيهِمُ المَلائِكَةُ يَوْمَئِذٍ، وأمّا "الأجْرُ الكَرِيمُ" فَإنَّهُ جَنَّةُ الخُلْدِ في جِوارِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
الأحزاب 33:44
قوله عزّ وجلّ:
﴿ما كانَ عَلى النَبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهُ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللهُ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللهِ وكَفى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللهِ وخاتَمَ النَبِيِّينَ وكانَ اللهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾
هَذِهِ مُخاطَبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، أعْلَمَهم أنَّهُ لا حَرَجَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ في نَيْلِ ما فَرَضَ اللهُ لَهُ وأباحَهُ، مِن تَزْوِيجِ زَيْنَبَ بَعْدَ زَيْدٍ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّ هَذا ونَحْوَهُ هو السُنَنُ الأقْدَمُ في الأنْبِياءِ، مِن أنْ يَنالُوا ما أحَلَّ اللهُ لَهُمْ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن مُقاتِلٍ وابْنِ الكَلْبِيِّ أنَّ الإشارَةَ إلى داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، حَيْثُ جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن فُتِنَ بِها، و"سُنَّةَ" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، أو عَلى إضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: الزَمَ أو نَحْوَهُ، أو عَلى الإغْراءِ، كَأنَّهُ قالَ: فَعَلَيْهِ سُنَّةُ اللهِ. و"الَّذِينَ خَلَوْا" هُمُ الأنْبِياءُ، بِدَلِيلِ وصْفِهِمْ بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ﴾. و"أمْرُ اللهِ" في هَذِهِ الآيَةِ، أيْ: مَأْمُوراتُ اللهِ والكائِناتِ عن (p-١٢٥)أمْرِهِ، فَهي مَقْدُورَةٌ، وقَوْلُهُ: "قَدَرًا" فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: ذا قَدْرٍ وعن قَدْرٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "الَّذِينَ بَلَّغُوا رِسالاتِ اللهِ".
وقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللهَ﴾ تَعْرِيضٌ بِالعِتابِ الأوَّلُ في خَشْيَةِ النَبِيِّ ﷺ الناسَ، ثُمَّ رَدَّ الأمْرَ كُلَّهُ إلى اللهِ، وأنَّهُ المُحاسِبُ عَلى جَمِيعِ الأعْمالِ والمُعْتَقَداتُ، وكَفى بِهِ لا إلَهَ إلّا هُوَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ "حَسِيبًا"﴾ بِمَعْنى "مُحْسِبًا"، أيْ كافِيًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾. اذْهَبَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ما وقَعَ في نُفُوسِ مُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ مِن بَعْدِ تَزَوُّجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ زَيْنَبَ زَوْجَةَ دَعِيِّهِ زَيْدٍ؛ لِأنَّهم كانُوا اسْتَعْظَمُوا أنْ تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ، فَنَفى القُرْآنُ تِلْكَ الصُورَةَ في البُنُوَّةِ، وأعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَكُنْ في حَقِيقَةِ أمْرِهِ أبا أحَدٍ مِن رِجالِ المُعاصِرِينَ لَهُ، ولَمْ يُقْصَدْ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ فَيَحْتاجُ إلى الِاحْتِجاجِ بِأمْرِ بَنِيهِ بِأنَّهم كانُوا ماتُوا، ولا في أمْرِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ بِأنَّهُما كانا طِفْلَيْنِ، ومَنِ احْتَجَّ بِذَلِكَ فَإنَّهُ تَأوَّلَ نَفْيَ البُنُوَّةِ عنهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى غَيْرِ ما قُصِدَ بِها.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وبَعْضُ الناسِ: "وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ" بِالرَفْعِ عَلى مَعْنى: هو رَسُولُ اللهِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ، وعِيسى: "رَسُولَ" بِالنَصْبِ عَلى العَطْفِ عَلى "أبا"، وهَؤُلاءِ قَرَؤُوا "وَلَكِنْ" بِالتَخْفِيفِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلَكِنَّ" بِشَدِّ النُونِ، فَيَنْتَصِبُ "رَسُولَ" عَلى أنَّهُ اسْمُ "لَكِنَّ" والخَبَرُ مَحْذُوفٌ.
وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ، والحَسَنُ، والشَعْبِيُّ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ: ﴿ "وَخاتَمَ النَبِيِّينَ"﴾ بِفَتْحِ التاءِ عَلى مَعْنى أنَّهم بِهِ خَتَمُوا، فَهو كالخاتَمِ والطابَعِ لَهُمْ، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ بِكَسْرِ التاءِ بِمَعْنى أنَّهُ خَتْمُهُمْ، أيْ جاءَ آخِرُهُمْ، ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "أنا خاتَمُ ألْفِ نَبِيٍّ"،» بِفَتْحِ التاءِ، وهَذِهِ الألْفاظُ عِنْدَ جَماعَةِ عُلَماءِ (p-١٢٦)الأُمَّةِ خَلَفًا وسُلَفًا مُتَلَقّاةٌ عَلى العُمُومِ التامِّ، مُقْتَضِيَةٌ نَصًّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وما ذَكَرَهُ القاضِي ابْنُ الطَيِّبِ في كِتابِهِ المُسَمّى بِالهِدايَةِ مِن تَجْوِيزِ الِاحْتِمالِ في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ ضَعِيفٌ، وما ذَكَرَهُ الغَزالِي في هَذِهِ الآيَةِ وهَذا المَعْنى في كِتابِهِ الَّذِي سَمّاهُ بِالِاقْتِصادِ إلْحادٌ عِنْدِي، وتَطَرُّقٌ خَبِيثٌ إلى تَشْوِيشِ عَقِيدَةِ المُسْلِمِينَ في خَتْمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ النُبُوءَةَ، فالحَذِرُ الحَذِرُ مِنهُ، واللهُ الهادِي بِرَحْمَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "مِن رِجالِكم ولَكِنَّ نَبِيَّنا خَتَمَ النَبِيِّينَ"، قالَ الرُمّانِيُّ خَتَمَ بِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ الِاسْتِصْلاحَ فَمَن لَمْ يَصْلُحْ بِهِ فَمَيْئُوسٌ مِن صَلاحِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ عُمُومٌ، والمَقْصُودُ بِهِ هُنا عِلْمُهُ تَبارَكَ وتَعالى بِما رَآهُ الأصْلَحَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وما قَدَّرَهُ في الأمْرِ كُلِّهِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى عِبادَهُ بِأنْ يَذْكُرُوهُ ذِكْرًا كَثِيرًا، وجَعَلَ ذَلِكَ دُونَ حَدٍّ ولا تَقْدِيرٍ لِسُهُولَتِهِ عَلى العَبِيدِ، ولِعِظَمِ الأجْرِ فِيهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمْ يُعْذَرْ أحَدٌ في تَرْكِ ذِكْرِ اللهِ إلّا مَن غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ، وقالَ: الكَثِيرُ: أنْ لا يَنْساهُ أبَدًا، ورَوى أبُو سَعِيدٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "أكْثِرُوا ذِكْرَ اللهِ حَتّى يَقُولُوا: مَجْنُونٌ".»
وقَوْلُهُ: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ أرادَ: في كُلِّ الأوقاتِ، مُجَدِّدُ الزَمانِ بِطَرَفَيْ نَهارِهِ ولَيْلِهِ، وقالَ قَتادَةُ، والطَبَرِيُّ وغَيْرُهُما: الإشارَةُ إلى صَلاتِي الغَداةُ والعَصْرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ فَلا يَتَعَلَّقُ بِها مَن زَعَمَ أنَّ الصَلاةَ إنَّما فُرِضَتْ أوَّلًا صَلاتَيْنِ في طَرَفَيِ النَهارِ، والرِوايَةُ بِذَلِكَ ضَعِيفَةٌ، و"الأصِيلُ" مِنَ العَصْرِ إلى اللَيْلِ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى عِبادِهِ نِعْمَتَهُ في الصَلاةِ عَلَيْهِمْ، وصَلاةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلى العَبِيدِ هي رَحْمَتُهُ لَهُمْ، وبَرَكَتُهُ لَدَيْهِمْ، ونَشْرُهُ إلَيْنا الجَمِيلُ، وصَلاةُ المَلائِكَةِ الدُعاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ، ورَوَتْ فِرْقَةٌ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ صَلاةُ اللهِ عَلى عِبادِهِ؟ (p-١٢٧)قالَ: "سَبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"،» واخْتُلِفَ في تَأْوِيلٍ هَذا القَوْلِ، فَقِيلَ: إنَّ هَذا كُلَّهُ مِن كَلامِ اللهِ، وهي صِلاتُهُ عَلى عِبادِهِ، وقِيلَ: « "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ"» هو مِن كَلامِ مُحَمَّدٍ ﷺ يُقَدِّمُهُ بَيْنَ يَدَيْ نُقْطَةٍ بِاللَفْظِ الَّذِي هو صَلاةُ اللهِ، وهُوَ: « "رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"،» وقَدَّمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ هَذا مِن حَيْثُ فَهَمَ مِنَ السائِلِ أنَّهُ تَوَهَّمَ في صَلاةِ اللهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ وجْهًا لا يَلِيقُ بِاللهِ تَعالى فَقَدَّمَ التَنْزِيهَ لِلَّهِ والتَعْظِيمَ بَيْنَ يَدَيْ أخْبارِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لِيُخْرِجَكُمْ"﴾ أيْ: صَلاتَهُ وصَلاةَ مَلائِكَتِهِ لِكَيْ يَهْدِيَكم ويُنْقِذَكم مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى بِرَحْمَتِهِ بِالمُؤْمِنِينَ تَأْنِيسًا لَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ"﴾ قِيلَ: يَوْمَ القِيامَةِ المُؤْمِنُ تُحْيِّيهِ المَلائِكَةُ بِالسَلامِ، ومَعْناهُ: السَلامَةُ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ. وقالَ قَتادَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يَوْمَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَلامِ، أيْ: سَلِمْنا وسَلِمْتَ مِن كُلِّ هَمٍّ وتَخَوُّفٍ. وقِيلَ: تُحْيِيهِمُ المَلائِكَةُ يَوْمَئِذٍ، وأمّا "الأجْرُ الكَرِيمُ" فَإنَّهُ جَنَّةُ الخُلْدِ في جِوارِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
الأحزاب 33:45
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها النَبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وَداعِيًا إلى اللهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ ﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللهِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾
هَذِهِ الآياتُ فِيها تَأْنِيسٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ، وتَكْرِيمٌ لِجَمِيعِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ "شاهِدًا"﴾ مَعْناهُ: عَلى أُمَّتِكَ بِالتَبْلِيغِ إلَيْهِمْ، وعَلى سائِرِ الأُمَمِ في تَبْلِيغِ أنْبِيائِهِمْ، ونَحْوَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: "مُبَشِّرًا" مَعْناهُ: لِلْمُؤْمِنِينَ بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى وبِالجَنَّةِ. ﴿ "وَنَذِيرًا"﴾ مَعْناهُ: لِلْعُصاةِ والمُكَذِّبِينَ مِنَ النارِ وعَذابِ الخُلْدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ دَعا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا ومُعاذًا رَضِيَ اللهُ عنهُما فَبَعَثَهُما إلى اليَمَنِ، وقالَ: "اذْهَبا (p-١٢٨)فَبَشِّرا ولا تُنَفِّرا، ويَسِّرا ولا تُعَسِّرا، فَإنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ: وقَرَأ الآيَةَ"،» و"الدُعاءُ إلى اللهِ" هو تَبْلِيغُ التَوْحِيدِ والأخْذُ بِهِ، ومُكافَحَةُ الكَفَرَةِ. "وَبِإذْنِهِ" مَعْناهُ هُنا: بِأمْرِهِ إيّاكَ وتَقْدِيرُهُ ذَلِكَ في وقْتِهِ وأوانِهِ. و"سِراجًا مُنِيرًا" اسْتِعارَةٌ لِلنُّورِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ شَرْعُهُ، فَكَأنَّ المُهْتَدِينَ بِهِ والمُؤْمِنِينَ يَخْرُجُونَ بِهِ مِن ظُلْمَةِ الكُفْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَبَشِّرِ"،﴾ الواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، والمَعْنى مُنْقَطِعٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ بِالفَضْلِ الكَبِيرِ مِنَ اللهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
قالَ لَنا أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ: هَذِهِ مِن أرْجى آيَةٍ عِنْدِي في كِتابِ اللهِ تَعالى: لِأنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم عِنْدَهُ فَضْلًا كَبِيرًا، وقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعالى الفَضْلَ الكَبِيرَ ما هو في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢]، فالآيَةُ الَّتِي في هَذِهِ السُورَةِ خَبَرٌ، والَّتِي في "حم، عسق" تَفْسِيرٌ لَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ نَهْيٌ لَهُ عَنِ السَماعِ مِنهم في أشْياءَ كانُوا يَطْلُبُونَها مِمّا لا يَجِبُ، وفي أشْياءَ كانُوا يُدْخِلُونَها مَدْخَلَ النَصائِحِ وهي غِشٌّ، إلى نَحْوِ هَذا المَعْنى. وقَوْلُهُ: ﴿وَدَعْ أذاهُمْ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَأْمُرَهُ بِتَرْكٍ أنْ يُؤْذِيَهم هو ويُعاقِبَهُمْ، فَكَأنَّ المَعْنى: فاصْفَحْ عن زَلَلِهِمْ ولا تُؤْذِهِمْ، فالمَصْدَرُ - عَلى هَذا - مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، ونُسِخَ مِنَ الآيَةِ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - ما يَخُصُّ الكافِرِينَ، وناسِخُهُ آيَةُ السَيْفِ، والمَعْنى الثانِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وَدَعْ أذاهُمْ﴾ بِمَعْنى: أعْرِضْ عن أقْوالِهِمْ وما يُؤْذُونَكَ، فالمَصْدَرُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - مُضافٌ إلى الفاعِلِ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالتَوَكُّلِ عَلَيْهِ، وآنَسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾، فَفي قُوَّةِ الكَلامِ وعْدٌ بِنَصْرٍ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في "كَفى بِاللهِ". و"الوَكِيلُ": الحافِظُ القائِمُ عَلى الأمْرِ.
ثُمَّ خاطَبَ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِحُكْمِ الزَوْجَةِ تُطْلَقُ قَبْلَ البِناءِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ (p-١٢٩)بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ وبِمُهْلَةِ "ثُمَّ" عَلى أنَّ الطَلاقَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ نِكاحٍ، وأنَّ مَن طَلَّقَ المَرْأةَ قَبْلَ نِكاحِها - وإنَّ عَيَّنَها - فَإنَّ ذَلِكَ لا يَلْزَمُهُ، وقالَ هَذا نَيِّفٌ عَلى ثَلاثِينَ مِن صاحِبٍ وتابِعٍ وإمامٍ، سَمّى البُخارِيُّ مِنهُمُ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ. وقالَتْ طائِفَةٌ عَظِيمَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ طَلاقَ المُعَيَّنَةِ الشَخْصِ أوِ القَبِيلِ أوِ البَلَدِ لازِمٌ قَبْلَ النِكاحِ، مِنهم مالِكٌ وجَمِيعُ أصْحابِهِ وجَمْعٌ عَظِيمٌ مِن عُلَماءِ الأُمَّةِ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "تَمَسُّوهُنَّ"،﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "تَماسُّوهُنُّ"، والمَعْنى فِيهِما الجِماعُ، وهَذِهِ العِدَّةُ إنَّما هي لِاسْتِبْراءِ الرَحِمِ وحِفْظِ النَسَبِ في الحَمْلِ، فَمَن لَمْ تُمَسُّ فَلا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِيها.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ مَن ﴿ "تَعْتَدُّونَها"﴾ بِشَدِّ الدالِّ عَلى وزْنِ تَفْتَعِلُونَها، مِنَ العَدِّ، ورَوى ابْنُ أبِي بِرْزَةَ عن أبِي بَكْرٍ "تَعْتَدُونَها" بِالتَخْفِيفِ، مِنَ العُدْوانِ، كَأنَّهُ قالَ: فَما لَكم عِدَّةٌ تُلْزِمُونَها عُدْوانًا وظُلْمًا لَهُنَّ. والقِراءَةُ الأُولى أشْهَرُ عن كَثِيرٍ، وتَخْفِيفُ الدالِّ وهُمٌ مِنَ ابْنِ أبِي بِزَّةَ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِتَمْتِيعِ المُطْلَقَةِ قَبْلَ البِناءِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُتْعَةِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: (p-١٣٠)هِيَ واجِبَةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَندُوبٌ إلَيْها، مِنهم مالِكٌ وأصْحابُهُ، وقالَ قَوْمٌ: المُتْعَةُ لِلَّتِي لَمْ يَفْرِضْ لَها، ونِصْفُ المَهْرِ لِلَّتِي فُرِضَ لَها، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: بَلِ المُتْعَةُ كانَتْ لِجَمِيعِهِنَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ نُسْخَتْ آيَةُ البَقَرَةِ بِالنِصْفِ لِمَن فُرِضَ لَها ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُتْعَةِ.
وهَذِهِ الآيَةُ خَصَّصَتْ آيَتَيْنِ: إحْداهُما ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فَخَصَّصَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَن لَمْ يَدْخُلْ بِها، وكَذَلِكَ خَصَّصَتْ مِن ذَواتِ الثَلاثَةِ الأشْهُرِ، وهُنَّ مَن قَعَدْنَ عَنِ المَحِيضِ، ومَن لَمْ يَحْضُنْ مَن صَغِيرِ المُطَلَّقاتِ قَبْلَ البِناءِ. و"السَراحُ الجَمِيلُ" هو الطَلاقُ يَتْبَعُهُ عِشْرَةٌ حَسَنَةٌ وكَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ دُونَ أذى.
الأحزاب 33:46
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها النَبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وَداعِيًا إلى اللهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ ﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللهِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾
هَذِهِ الآياتُ فِيها تَأْنِيسٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ، وتَكْرِيمٌ لِجَمِيعِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ "شاهِدًا"﴾ مَعْناهُ: عَلى أُمَّتِكَ بِالتَبْلِيغِ إلَيْهِمْ، وعَلى سائِرِ الأُمَمِ في تَبْلِيغِ أنْبِيائِهِمْ، ونَحْوَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: "مُبَشِّرًا" مَعْناهُ: لِلْمُؤْمِنِينَ بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى وبِالجَنَّةِ. ﴿ "وَنَذِيرًا"﴾ مَعْناهُ: لِلْعُصاةِ والمُكَذِّبِينَ مِنَ النارِ وعَذابِ الخُلْدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ دَعا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا ومُعاذًا رَضِيَ اللهُ عنهُما فَبَعَثَهُما إلى اليَمَنِ، وقالَ: "اذْهَبا (p-١٢٨)فَبَشِّرا ولا تُنَفِّرا، ويَسِّرا ولا تُعَسِّرا، فَإنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ: وقَرَأ الآيَةَ"،» و"الدُعاءُ إلى اللهِ" هو تَبْلِيغُ التَوْحِيدِ والأخْذُ بِهِ، ومُكافَحَةُ الكَفَرَةِ. "وَبِإذْنِهِ" مَعْناهُ هُنا: بِأمْرِهِ إيّاكَ وتَقْدِيرُهُ ذَلِكَ في وقْتِهِ وأوانِهِ. و"سِراجًا مُنِيرًا" اسْتِعارَةٌ لِلنُّورِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ شَرْعُهُ، فَكَأنَّ المُهْتَدِينَ بِهِ والمُؤْمِنِينَ يَخْرُجُونَ بِهِ مِن ظُلْمَةِ الكُفْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَبَشِّرِ"،﴾ الواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، والمَعْنى مُنْقَطِعٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ بِالفَضْلِ الكَبِيرِ مِنَ اللهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
قالَ لَنا أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ: هَذِهِ مِن أرْجى آيَةٍ عِنْدِي في كِتابِ اللهِ تَعالى: لِأنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم عِنْدَهُ فَضْلًا كَبِيرًا، وقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعالى الفَضْلَ الكَبِيرَ ما هو في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢]، فالآيَةُ الَّتِي في هَذِهِ السُورَةِ خَبَرٌ، والَّتِي في "حم، عسق" تَفْسِيرٌ لَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ نَهْيٌ لَهُ عَنِ السَماعِ مِنهم في أشْياءَ كانُوا يَطْلُبُونَها مِمّا لا يَجِبُ، وفي أشْياءَ كانُوا يُدْخِلُونَها مَدْخَلَ النَصائِحِ وهي غِشٌّ، إلى نَحْوِ هَذا المَعْنى. وقَوْلُهُ: ﴿وَدَعْ أذاهُمْ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَأْمُرَهُ بِتَرْكٍ أنْ يُؤْذِيَهم هو ويُعاقِبَهُمْ، فَكَأنَّ المَعْنى: فاصْفَحْ عن زَلَلِهِمْ ولا تُؤْذِهِمْ، فالمَصْدَرُ - عَلى هَذا - مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، ونُسِخَ مِنَ الآيَةِ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - ما يَخُصُّ الكافِرِينَ، وناسِخُهُ آيَةُ السَيْفِ، والمَعْنى الثانِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وَدَعْ أذاهُمْ﴾ بِمَعْنى: أعْرِضْ عن أقْوالِهِمْ وما يُؤْذُونَكَ، فالمَصْدَرُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - مُضافٌ إلى الفاعِلِ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالتَوَكُّلِ عَلَيْهِ، وآنَسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾، فَفي قُوَّةِ الكَلامِ وعْدٌ بِنَصْرٍ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في "كَفى بِاللهِ". و"الوَكِيلُ": الحافِظُ القائِمُ عَلى الأمْرِ.
ثُمَّ خاطَبَ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِحُكْمِ الزَوْجَةِ تُطْلَقُ قَبْلَ البِناءِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ (p-١٢٩)بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ وبِمُهْلَةِ "ثُمَّ" عَلى أنَّ الطَلاقَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ نِكاحٍ، وأنَّ مَن طَلَّقَ المَرْأةَ قَبْلَ نِكاحِها - وإنَّ عَيَّنَها - فَإنَّ ذَلِكَ لا يَلْزَمُهُ، وقالَ هَذا نَيِّفٌ عَلى ثَلاثِينَ مِن صاحِبٍ وتابِعٍ وإمامٍ، سَمّى البُخارِيُّ مِنهُمُ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ. وقالَتْ طائِفَةٌ عَظِيمَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ طَلاقَ المُعَيَّنَةِ الشَخْصِ أوِ القَبِيلِ أوِ البَلَدِ لازِمٌ قَبْلَ النِكاحِ، مِنهم مالِكٌ وجَمِيعُ أصْحابِهِ وجَمْعٌ عَظِيمٌ مِن عُلَماءِ الأُمَّةِ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "تَمَسُّوهُنَّ"،﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "تَماسُّوهُنُّ"، والمَعْنى فِيهِما الجِماعُ، وهَذِهِ العِدَّةُ إنَّما هي لِاسْتِبْراءِ الرَحِمِ وحِفْظِ النَسَبِ في الحَمْلِ، فَمَن لَمْ تُمَسُّ فَلا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِيها.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ مَن ﴿ "تَعْتَدُّونَها"﴾ بِشَدِّ الدالِّ عَلى وزْنِ تَفْتَعِلُونَها، مِنَ العَدِّ، ورَوى ابْنُ أبِي بِرْزَةَ عن أبِي بَكْرٍ "تَعْتَدُونَها" بِالتَخْفِيفِ، مِنَ العُدْوانِ، كَأنَّهُ قالَ: فَما لَكم عِدَّةٌ تُلْزِمُونَها عُدْوانًا وظُلْمًا لَهُنَّ. والقِراءَةُ الأُولى أشْهَرُ عن كَثِيرٍ، وتَخْفِيفُ الدالِّ وهُمٌ مِنَ ابْنِ أبِي بِزَّةَ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِتَمْتِيعِ المُطْلَقَةِ قَبْلَ البِناءِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُتْعَةِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: (p-١٣٠)هِيَ واجِبَةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَندُوبٌ إلَيْها، مِنهم مالِكٌ وأصْحابُهُ، وقالَ قَوْمٌ: المُتْعَةُ لِلَّتِي لَمْ يَفْرِضْ لَها، ونِصْفُ المَهْرِ لِلَّتِي فُرِضَ لَها، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: بَلِ المُتْعَةُ كانَتْ لِجَمِيعِهِنَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ نُسْخَتْ آيَةُ البَقَرَةِ بِالنِصْفِ لِمَن فُرِضَ لَها ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُتْعَةِ.
وهَذِهِ الآيَةُ خَصَّصَتْ آيَتَيْنِ: إحْداهُما ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فَخَصَّصَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَن لَمْ يَدْخُلْ بِها، وكَذَلِكَ خَصَّصَتْ مِن ذَواتِ الثَلاثَةِ الأشْهُرِ، وهُنَّ مَن قَعَدْنَ عَنِ المَحِيضِ، ومَن لَمْ يَحْضُنْ مَن صَغِيرِ المُطَلَّقاتِ قَبْلَ البِناءِ. و"السَراحُ الجَمِيلُ" هو الطَلاقُ يَتْبَعُهُ عِشْرَةٌ حَسَنَةٌ وكَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ دُونَ أذى.
الأحزاب 33:47
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها النَبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وَداعِيًا إلى اللهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ ﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللهِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾
هَذِهِ الآياتُ فِيها تَأْنِيسٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ، وتَكْرِيمٌ لِجَمِيعِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ "شاهِدًا"﴾ مَعْناهُ: عَلى أُمَّتِكَ بِالتَبْلِيغِ إلَيْهِمْ، وعَلى سائِرِ الأُمَمِ في تَبْلِيغِ أنْبِيائِهِمْ، ونَحْوَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: "مُبَشِّرًا" مَعْناهُ: لِلْمُؤْمِنِينَ بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى وبِالجَنَّةِ. ﴿ "وَنَذِيرًا"﴾ مَعْناهُ: لِلْعُصاةِ والمُكَذِّبِينَ مِنَ النارِ وعَذابِ الخُلْدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ دَعا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا ومُعاذًا رَضِيَ اللهُ عنهُما فَبَعَثَهُما إلى اليَمَنِ، وقالَ: "اذْهَبا (p-١٢٨)فَبَشِّرا ولا تُنَفِّرا، ويَسِّرا ولا تُعَسِّرا، فَإنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ: وقَرَأ الآيَةَ"،» و"الدُعاءُ إلى اللهِ" هو تَبْلِيغُ التَوْحِيدِ والأخْذُ بِهِ، ومُكافَحَةُ الكَفَرَةِ. "وَبِإذْنِهِ" مَعْناهُ هُنا: بِأمْرِهِ إيّاكَ وتَقْدِيرُهُ ذَلِكَ في وقْتِهِ وأوانِهِ. و"سِراجًا مُنِيرًا" اسْتِعارَةٌ لِلنُّورِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ شَرْعُهُ، فَكَأنَّ المُهْتَدِينَ بِهِ والمُؤْمِنِينَ يَخْرُجُونَ بِهِ مِن ظُلْمَةِ الكُفْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَبَشِّرِ"،﴾ الواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، والمَعْنى مُنْقَطِعٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ بِالفَضْلِ الكَبِيرِ مِنَ اللهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
قالَ لَنا أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ: هَذِهِ مِن أرْجى آيَةٍ عِنْدِي في كِتابِ اللهِ تَعالى: لِأنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم عِنْدَهُ فَضْلًا كَبِيرًا، وقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعالى الفَضْلَ الكَبِيرَ ما هو في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢]، فالآيَةُ الَّتِي في هَذِهِ السُورَةِ خَبَرٌ، والَّتِي في "حم، عسق" تَفْسِيرٌ لَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ نَهْيٌ لَهُ عَنِ السَماعِ مِنهم في أشْياءَ كانُوا يَطْلُبُونَها مِمّا لا يَجِبُ، وفي أشْياءَ كانُوا يُدْخِلُونَها مَدْخَلَ النَصائِحِ وهي غِشٌّ، إلى نَحْوِ هَذا المَعْنى. وقَوْلُهُ: ﴿وَدَعْ أذاهُمْ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَأْمُرَهُ بِتَرْكٍ أنْ يُؤْذِيَهم هو ويُعاقِبَهُمْ، فَكَأنَّ المَعْنى: فاصْفَحْ عن زَلَلِهِمْ ولا تُؤْذِهِمْ، فالمَصْدَرُ - عَلى هَذا - مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، ونُسِخَ مِنَ الآيَةِ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - ما يَخُصُّ الكافِرِينَ، وناسِخُهُ آيَةُ السَيْفِ، والمَعْنى الثانِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وَدَعْ أذاهُمْ﴾ بِمَعْنى: أعْرِضْ عن أقْوالِهِمْ وما يُؤْذُونَكَ، فالمَصْدَرُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - مُضافٌ إلى الفاعِلِ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالتَوَكُّلِ عَلَيْهِ، وآنَسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾، فَفي قُوَّةِ الكَلامِ وعْدٌ بِنَصْرٍ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في "كَفى بِاللهِ". و"الوَكِيلُ": الحافِظُ القائِمُ عَلى الأمْرِ.
ثُمَّ خاطَبَ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِحُكْمِ الزَوْجَةِ تُطْلَقُ قَبْلَ البِناءِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ (p-١٢٩)بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ وبِمُهْلَةِ "ثُمَّ" عَلى أنَّ الطَلاقَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ نِكاحٍ، وأنَّ مَن طَلَّقَ المَرْأةَ قَبْلَ نِكاحِها - وإنَّ عَيَّنَها - فَإنَّ ذَلِكَ لا يَلْزَمُهُ، وقالَ هَذا نَيِّفٌ عَلى ثَلاثِينَ مِن صاحِبٍ وتابِعٍ وإمامٍ، سَمّى البُخارِيُّ مِنهُمُ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ. وقالَتْ طائِفَةٌ عَظِيمَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ طَلاقَ المُعَيَّنَةِ الشَخْصِ أوِ القَبِيلِ أوِ البَلَدِ لازِمٌ قَبْلَ النِكاحِ، مِنهم مالِكٌ وجَمِيعُ أصْحابِهِ وجَمْعٌ عَظِيمٌ مِن عُلَماءِ الأُمَّةِ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "تَمَسُّوهُنَّ"،﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "تَماسُّوهُنُّ"، والمَعْنى فِيهِما الجِماعُ، وهَذِهِ العِدَّةُ إنَّما هي لِاسْتِبْراءِ الرَحِمِ وحِفْظِ النَسَبِ في الحَمْلِ، فَمَن لَمْ تُمَسُّ فَلا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِيها.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ مَن ﴿ "تَعْتَدُّونَها"﴾ بِشَدِّ الدالِّ عَلى وزْنِ تَفْتَعِلُونَها، مِنَ العَدِّ، ورَوى ابْنُ أبِي بِرْزَةَ عن أبِي بَكْرٍ "تَعْتَدُونَها" بِالتَخْفِيفِ، مِنَ العُدْوانِ، كَأنَّهُ قالَ: فَما لَكم عِدَّةٌ تُلْزِمُونَها عُدْوانًا وظُلْمًا لَهُنَّ. والقِراءَةُ الأُولى أشْهَرُ عن كَثِيرٍ، وتَخْفِيفُ الدالِّ وهُمٌ مِنَ ابْنِ أبِي بِزَّةَ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِتَمْتِيعِ المُطْلَقَةِ قَبْلَ البِناءِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُتْعَةِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: (p-١٣٠)هِيَ واجِبَةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَندُوبٌ إلَيْها، مِنهم مالِكٌ وأصْحابُهُ، وقالَ قَوْمٌ: المُتْعَةُ لِلَّتِي لَمْ يَفْرِضْ لَها، ونِصْفُ المَهْرِ لِلَّتِي فُرِضَ لَها، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: بَلِ المُتْعَةُ كانَتْ لِجَمِيعِهِنَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ نُسْخَتْ آيَةُ البَقَرَةِ بِالنِصْفِ لِمَن فُرِضَ لَها ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُتْعَةِ.
وهَذِهِ الآيَةُ خَصَّصَتْ آيَتَيْنِ: إحْداهُما ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فَخَصَّصَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَن لَمْ يَدْخُلْ بِها، وكَذَلِكَ خَصَّصَتْ مِن ذَواتِ الثَلاثَةِ الأشْهُرِ، وهُنَّ مَن قَعَدْنَ عَنِ المَحِيضِ، ومَن لَمْ يَحْضُنْ مَن صَغِيرِ المُطَلَّقاتِ قَبْلَ البِناءِ. و"السَراحُ الجَمِيلُ" هو الطَلاقُ يَتْبَعُهُ عِشْرَةٌ حَسَنَةٌ وكَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ دُونَ أذى.
الأحزاب 33:48
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها النَبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وَداعِيًا إلى اللهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ ﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللهِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾
هَذِهِ الآياتُ فِيها تَأْنِيسٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ، وتَكْرِيمٌ لِجَمِيعِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ "شاهِدًا"﴾ مَعْناهُ: عَلى أُمَّتِكَ بِالتَبْلِيغِ إلَيْهِمْ، وعَلى سائِرِ الأُمَمِ في تَبْلِيغِ أنْبِيائِهِمْ، ونَحْوَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: "مُبَشِّرًا" مَعْناهُ: لِلْمُؤْمِنِينَ بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى وبِالجَنَّةِ. ﴿ "وَنَذِيرًا"﴾ مَعْناهُ: لِلْعُصاةِ والمُكَذِّبِينَ مِنَ النارِ وعَذابِ الخُلْدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ دَعا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا ومُعاذًا رَضِيَ اللهُ عنهُما فَبَعَثَهُما إلى اليَمَنِ، وقالَ: "اذْهَبا (p-١٢٨)فَبَشِّرا ولا تُنَفِّرا، ويَسِّرا ولا تُعَسِّرا، فَإنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ: وقَرَأ الآيَةَ"،» و"الدُعاءُ إلى اللهِ" هو تَبْلِيغُ التَوْحِيدِ والأخْذُ بِهِ، ومُكافَحَةُ الكَفَرَةِ. "وَبِإذْنِهِ" مَعْناهُ هُنا: بِأمْرِهِ إيّاكَ وتَقْدِيرُهُ ذَلِكَ في وقْتِهِ وأوانِهِ. و"سِراجًا مُنِيرًا" اسْتِعارَةٌ لِلنُّورِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ شَرْعُهُ، فَكَأنَّ المُهْتَدِينَ بِهِ والمُؤْمِنِينَ يَخْرُجُونَ بِهِ مِن ظُلْمَةِ الكُفْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَبَشِّرِ"،﴾ الواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، والمَعْنى مُنْقَطِعٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ بِالفَضْلِ الكَبِيرِ مِنَ اللهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
قالَ لَنا أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ: هَذِهِ مِن أرْجى آيَةٍ عِنْدِي في كِتابِ اللهِ تَعالى: لِأنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم عِنْدَهُ فَضْلًا كَبِيرًا، وقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعالى الفَضْلَ الكَبِيرَ ما هو في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢]، فالآيَةُ الَّتِي في هَذِهِ السُورَةِ خَبَرٌ، والَّتِي في "حم، عسق" تَفْسِيرٌ لَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ نَهْيٌ لَهُ عَنِ السَماعِ مِنهم في أشْياءَ كانُوا يَطْلُبُونَها مِمّا لا يَجِبُ، وفي أشْياءَ كانُوا يُدْخِلُونَها مَدْخَلَ النَصائِحِ وهي غِشٌّ، إلى نَحْوِ هَذا المَعْنى. وقَوْلُهُ: ﴿وَدَعْ أذاهُمْ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَأْمُرَهُ بِتَرْكٍ أنْ يُؤْذِيَهم هو ويُعاقِبَهُمْ، فَكَأنَّ المَعْنى: فاصْفَحْ عن زَلَلِهِمْ ولا تُؤْذِهِمْ، فالمَصْدَرُ - عَلى هَذا - مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، ونُسِخَ مِنَ الآيَةِ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - ما يَخُصُّ الكافِرِينَ، وناسِخُهُ آيَةُ السَيْفِ، والمَعْنى الثانِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وَدَعْ أذاهُمْ﴾ بِمَعْنى: أعْرِضْ عن أقْوالِهِمْ وما يُؤْذُونَكَ، فالمَصْدَرُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - مُضافٌ إلى الفاعِلِ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالتَوَكُّلِ عَلَيْهِ، وآنَسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾، فَفي قُوَّةِ الكَلامِ وعْدٌ بِنَصْرٍ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في "كَفى بِاللهِ". و"الوَكِيلُ": الحافِظُ القائِمُ عَلى الأمْرِ.
ثُمَّ خاطَبَ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِحُكْمِ الزَوْجَةِ تُطْلَقُ قَبْلَ البِناءِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ (p-١٢٩)بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ وبِمُهْلَةِ "ثُمَّ" عَلى أنَّ الطَلاقَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ نِكاحٍ، وأنَّ مَن طَلَّقَ المَرْأةَ قَبْلَ نِكاحِها - وإنَّ عَيَّنَها - فَإنَّ ذَلِكَ لا يَلْزَمُهُ، وقالَ هَذا نَيِّفٌ عَلى ثَلاثِينَ مِن صاحِبٍ وتابِعٍ وإمامٍ، سَمّى البُخارِيُّ مِنهُمُ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ. وقالَتْ طائِفَةٌ عَظِيمَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ طَلاقَ المُعَيَّنَةِ الشَخْصِ أوِ القَبِيلِ أوِ البَلَدِ لازِمٌ قَبْلَ النِكاحِ، مِنهم مالِكٌ وجَمِيعُ أصْحابِهِ وجَمْعٌ عَظِيمٌ مِن عُلَماءِ الأُمَّةِ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "تَمَسُّوهُنَّ"،﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "تَماسُّوهُنُّ"، والمَعْنى فِيهِما الجِماعُ، وهَذِهِ العِدَّةُ إنَّما هي لِاسْتِبْراءِ الرَحِمِ وحِفْظِ النَسَبِ في الحَمْلِ، فَمَن لَمْ تُمَسُّ فَلا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِيها.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ مَن ﴿ "تَعْتَدُّونَها"﴾ بِشَدِّ الدالِّ عَلى وزْنِ تَفْتَعِلُونَها، مِنَ العَدِّ، ورَوى ابْنُ أبِي بِرْزَةَ عن أبِي بَكْرٍ "تَعْتَدُونَها" بِالتَخْفِيفِ، مِنَ العُدْوانِ، كَأنَّهُ قالَ: فَما لَكم عِدَّةٌ تُلْزِمُونَها عُدْوانًا وظُلْمًا لَهُنَّ. والقِراءَةُ الأُولى أشْهَرُ عن كَثِيرٍ، وتَخْفِيفُ الدالِّ وهُمٌ مِنَ ابْنِ أبِي بِزَّةَ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِتَمْتِيعِ المُطْلَقَةِ قَبْلَ البِناءِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُتْعَةِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: (p-١٣٠)هِيَ واجِبَةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَندُوبٌ إلَيْها، مِنهم مالِكٌ وأصْحابُهُ، وقالَ قَوْمٌ: المُتْعَةُ لِلَّتِي لَمْ يَفْرِضْ لَها، ونِصْفُ المَهْرِ لِلَّتِي فُرِضَ لَها، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: بَلِ المُتْعَةُ كانَتْ لِجَمِيعِهِنَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ نُسْخَتْ آيَةُ البَقَرَةِ بِالنِصْفِ لِمَن فُرِضَ لَها ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُتْعَةِ.
وهَذِهِ الآيَةُ خَصَّصَتْ آيَتَيْنِ: إحْداهُما ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فَخَصَّصَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَن لَمْ يَدْخُلْ بِها، وكَذَلِكَ خَصَّصَتْ مِن ذَواتِ الثَلاثَةِ الأشْهُرِ، وهُنَّ مَن قَعَدْنَ عَنِ المَحِيضِ، ومَن لَمْ يَحْضُنْ مَن صَغِيرِ المُطَلَّقاتِ قَبْلَ البِناءِ. و"السَراحُ الجَمِيلُ" هو الطَلاقُ يَتْبَعُهُ عِشْرَةٌ حَسَنَةٌ وكَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ دُونَ أذى.
الأحزاب 33:49
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها النَبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وَداعِيًا إلى اللهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ ﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللهِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾
هَذِهِ الآياتُ فِيها تَأْنِيسٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ، وتَكْرِيمٌ لِجَمِيعِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ "شاهِدًا"﴾ مَعْناهُ: عَلى أُمَّتِكَ بِالتَبْلِيغِ إلَيْهِمْ، وعَلى سائِرِ الأُمَمِ في تَبْلِيغِ أنْبِيائِهِمْ، ونَحْوَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: "مُبَشِّرًا" مَعْناهُ: لِلْمُؤْمِنِينَ بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى وبِالجَنَّةِ. ﴿ "وَنَذِيرًا"﴾ مَعْناهُ: لِلْعُصاةِ والمُكَذِّبِينَ مِنَ النارِ وعَذابِ الخُلْدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ دَعا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا ومُعاذًا رَضِيَ اللهُ عنهُما فَبَعَثَهُما إلى اليَمَنِ، وقالَ: "اذْهَبا (p-١٢٨)فَبَشِّرا ولا تُنَفِّرا، ويَسِّرا ولا تُعَسِّرا، فَإنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ: وقَرَأ الآيَةَ"،» و"الدُعاءُ إلى اللهِ" هو تَبْلِيغُ التَوْحِيدِ والأخْذُ بِهِ، ومُكافَحَةُ الكَفَرَةِ. "وَبِإذْنِهِ" مَعْناهُ هُنا: بِأمْرِهِ إيّاكَ وتَقْدِيرُهُ ذَلِكَ في وقْتِهِ وأوانِهِ. و"سِراجًا مُنِيرًا" اسْتِعارَةٌ لِلنُّورِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ شَرْعُهُ، فَكَأنَّ المُهْتَدِينَ بِهِ والمُؤْمِنِينَ يَخْرُجُونَ بِهِ مِن ظُلْمَةِ الكُفْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَبَشِّرِ"،﴾ الواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، والمَعْنى مُنْقَطِعٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ بِالفَضْلِ الكَبِيرِ مِنَ اللهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
قالَ لَنا أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ: هَذِهِ مِن أرْجى آيَةٍ عِنْدِي في كِتابِ اللهِ تَعالى: لِأنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم عِنْدَهُ فَضْلًا كَبِيرًا، وقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعالى الفَضْلَ الكَبِيرَ ما هو في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢]، فالآيَةُ الَّتِي في هَذِهِ السُورَةِ خَبَرٌ، والَّتِي في "حم، عسق" تَفْسِيرٌ لَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ نَهْيٌ لَهُ عَنِ السَماعِ مِنهم في أشْياءَ كانُوا يَطْلُبُونَها مِمّا لا يَجِبُ، وفي أشْياءَ كانُوا يُدْخِلُونَها مَدْخَلَ النَصائِحِ وهي غِشٌّ، إلى نَحْوِ هَذا المَعْنى. وقَوْلُهُ: ﴿وَدَعْ أذاهُمْ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَأْمُرَهُ بِتَرْكٍ أنْ يُؤْذِيَهم هو ويُعاقِبَهُمْ، فَكَأنَّ المَعْنى: فاصْفَحْ عن زَلَلِهِمْ ولا تُؤْذِهِمْ، فالمَصْدَرُ - عَلى هَذا - مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، ونُسِخَ مِنَ الآيَةِ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - ما يَخُصُّ الكافِرِينَ، وناسِخُهُ آيَةُ السَيْفِ، والمَعْنى الثانِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وَدَعْ أذاهُمْ﴾ بِمَعْنى: أعْرِضْ عن أقْوالِهِمْ وما يُؤْذُونَكَ، فالمَصْدَرُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - مُضافٌ إلى الفاعِلِ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالتَوَكُّلِ عَلَيْهِ، وآنَسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾، فَفي قُوَّةِ الكَلامِ وعْدٌ بِنَصْرٍ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في "كَفى بِاللهِ". و"الوَكِيلُ": الحافِظُ القائِمُ عَلى الأمْرِ.
ثُمَّ خاطَبَ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِحُكْمِ الزَوْجَةِ تُطْلَقُ قَبْلَ البِناءِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ (p-١٢٩)بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ وبِمُهْلَةِ "ثُمَّ" عَلى أنَّ الطَلاقَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ نِكاحٍ، وأنَّ مَن طَلَّقَ المَرْأةَ قَبْلَ نِكاحِها - وإنَّ عَيَّنَها - فَإنَّ ذَلِكَ لا يَلْزَمُهُ، وقالَ هَذا نَيِّفٌ عَلى ثَلاثِينَ مِن صاحِبٍ وتابِعٍ وإمامٍ، سَمّى البُخارِيُّ مِنهُمُ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ. وقالَتْ طائِفَةٌ عَظِيمَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ طَلاقَ المُعَيَّنَةِ الشَخْصِ أوِ القَبِيلِ أوِ البَلَدِ لازِمٌ قَبْلَ النِكاحِ، مِنهم مالِكٌ وجَمِيعُ أصْحابِهِ وجَمْعٌ عَظِيمٌ مِن عُلَماءِ الأُمَّةِ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "تَمَسُّوهُنَّ"،﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "تَماسُّوهُنُّ"، والمَعْنى فِيهِما الجِماعُ، وهَذِهِ العِدَّةُ إنَّما هي لِاسْتِبْراءِ الرَحِمِ وحِفْظِ النَسَبِ في الحَمْلِ، فَمَن لَمْ تُمَسُّ فَلا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِيها.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ مَن ﴿ "تَعْتَدُّونَها"﴾ بِشَدِّ الدالِّ عَلى وزْنِ تَفْتَعِلُونَها، مِنَ العَدِّ، ورَوى ابْنُ أبِي بِرْزَةَ عن أبِي بَكْرٍ "تَعْتَدُونَها" بِالتَخْفِيفِ، مِنَ العُدْوانِ، كَأنَّهُ قالَ: فَما لَكم عِدَّةٌ تُلْزِمُونَها عُدْوانًا وظُلْمًا لَهُنَّ. والقِراءَةُ الأُولى أشْهَرُ عن كَثِيرٍ، وتَخْفِيفُ الدالِّ وهُمٌ مِنَ ابْنِ أبِي بِزَّةَ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِتَمْتِيعِ المُطْلَقَةِ قَبْلَ البِناءِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُتْعَةِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: (p-١٣٠)هِيَ واجِبَةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَندُوبٌ إلَيْها، مِنهم مالِكٌ وأصْحابُهُ، وقالَ قَوْمٌ: المُتْعَةُ لِلَّتِي لَمْ يَفْرِضْ لَها، ونِصْفُ المَهْرِ لِلَّتِي فُرِضَ لَها، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: بَلِ المُتْعَةُ كانَتْ لِجَمِيعِهِنَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ نُسْخَتْ آيَةُ البَقَرَةِ بِالنِصْفِ لِمَن فُرِضَ لَها ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُتْعَةِ.
وهَذِهِ الآيَةُ خَصَّصَتْ آيَتَيْنِ: إحْداهُما ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فَخَصَّصَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَن لَمْ يَدْخُلْ بِها، وكَذَلِكَ خَصَّصَتْ مِن ذَواتِ الثَلاثَةِ الأشْهُرِ، وهُنَّ مَن قَعَدْنَ عَنِ المَحِيضِ، ومَن لَمْ يَحْضُنْ مَن صَغِيرِ المُطَلَّقاتِ قَبْلَ البِناءِ. و"السَراحُ الجَمِيلُ" هو الطَلاقُ يَتْبَعُهُ عِشْرَةٌ حَسَنَةٌ وكَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ دُونَ أذى.
الأحزاب 33:50
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها النَبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللهُ عَلَيْكَ وبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ وبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ اللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ وما مَلَكَتْ أيْمانُهم لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
قَرَأ الجُمْهُورُ: "اللاتِي" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "اللايِيِ" بِياءٍ مِن تَحْتٍ. وذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ، والضَحاكُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ إلى أنَّ المَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى أحَلَّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ كُلَّ امْرَأةٍ يُؤْتِيها مَهْرَها، وأباحَ لَهُ تَعالى كُلَّ النِساءِ بِهَذا الوَجْهِ، وأباحَ لَهُ مِلْكَ اليَمِينِ، وبَناتَ العَمِّ والعَمَّةَ والخالَ والخالَةَ مِمَّنْ هاجَرَ مَعَهُ، وخَصَّصَ هَؤُلاءِ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا؛ مِنهُنَّ إذْ قَدْ تَناوَلَهُنَّ - عَلى تَأْوِيلِ ابْنِ زَيْدٍ - قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها النَبِيُّ إنّا أحْلَلْنا﴾، وأباحَ لَهُ الواهِباتِ خاصَّةً لَهُ، فَهَذِهِ - عَلى تَأْوِيلِ ابْنِ زَيْدٍ - إباحَةٌ مُطْلَقَةٌ في جَمِيعِ النِساءِ حاشى ذَواتِ المَحارِمِ، لا سِيَّما - عَلى ما ذَكَرَهُ الضَحّاكُ (p-١٣١)أنَّ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "وَبَناتُ خالاتِكَ واللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ". ثُمَّ قالَ - بَعْدَ هَذا - ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] أيْ: مِن هَذِهِ الأصْنافِ كُلِّها، ثُمَّ تَجْرِي الضَمائِرُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى العُمُومِ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ﴾ [الأحزاب: ٥٢] فَيَجِيءُ هَذا الضَمِيرُ مَقْطُوعًا مِنَ الأوَّلِ عائِدًا عَلى أزْواجِهِ التِسْعِ فَقَطْ، عَلى الخِلافِ في ذَلِكَ.
وتَأوَّلَ غَيْرَ ابْنِ زَيْدٍ قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها النَبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللاتِي﴾ أنَّ الإشارَةَ إلى حَفْصَةَ وعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما ومَن في عِصْمَتِهِ مِمَّنْ تَزَوَّجْنَ بِمَهْرٍ، وأنَّ مِلْكَ اليَمِينِ بَعْدَ حَلالٍ لَهُ، وأنَّ اللهَ تَعالى أباحَ لَهُ ﷺ مَعَ المَذْكُوراتِ بَناتِ عَمِّهِ وعَمّاتِهِ وخالِهِ وخالاتِهِ مِمَّنْ هاجَرَ مَعَهُ، والواهِباتُ خاصَّةً لَهُ ﷺ، فَيَجِيءُ الأمْرُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - أضْيَقَ عَلى النَبِيِّ ﷺ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلُ ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: « "كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَزَوَّجُ في أيِّ الناسِ شاءَ، وكانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى نِسائِهِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وحُرِّمَ عَلَيْهِ الناسُ إلّا مَن سُمِّيَ سُرَّ نِساؤُهُ بِذَلِكَ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
لِأنَّ مِلْكَ اليَمِينِ إنَّما تَعَلُّقُهُ في النادِرِ مِنَ الأمْرِ، وبَناتُ العَمِّ والعَمّاتِ والخالِ والخالاتِ يَسِيرُ، ومَن يُمْكِنُ أنْ يَتَزَوَّجَ مِنهُنَّ مَحْصُورٌ عِنْدَ نِسائِهِ، لا سِيَّما وقَدْ قُيِّدَ ذَلِكَ شَرْطَ الهِجْرَةِ، وكَذا الواهِبَةُ مِنَ النِساءِ قَلِيلٌ، فَلِذَلِكَ سُرَّ أزْواجُهُ بِانْحِصارِ الأمْرِ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] إشارَةٌ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿وَلا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ﴾ [الأحزاب: ٥٢] إشارَةٌ إلى أزْواجِهِ اللَواتِي تَقَدَّمَ النَصُّ عَلَيْهِنَّ بِالتَحْلِيلِ، فَيَأْتِي الكَلامُ مُنَسَّقًا مُطَّرَدًا أكْثَرَ مِنَ اطِّرادِهِ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ. والأُجُورُ: المُهُورُ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا أفاءَ اللهُ عَلَيْكَ﴾ أيْ رَدُّهُ إلَيْكَ في الغَنائِمِ، يُرِيدُ: أو عَلى أُمَّتِكَ لِأنَّهُ فَيْءٌ عَلَيْهِ. ومِلْكُ اليَمِينِ أصْلُهُ الفَيْءُ مِنَ الغَنائِمِ، أو ما تَناسَلَ مِمَّنْ سُبِيَ، والشِراءُ مِنَ (p-١٣٢)الحَرْبِيِّينَ كالسِباءِ، ويُباحُ السِباءُ مِنَ الحَرْبِيِّينِ، ولا يَجُوزُ سَبْيُ مَن لَهُ عَهْدٌ ولا تَمَلُّكُهُ، ويُسَمّى سَبْيُ الخِبْثَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَناتِ عَمِّكَ﴾ رُوِيَ «عن أُمِّ هانِئِ بِنْتِ أبِي طالِبٍ أنَّها قالَتْ: "خَطَبَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ، فاعْتَذَرَتْ إلَيْهِ فَعَذَرَنِي، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَحَرَّمَنِي عَلَيْهِ لِأنِّي لَمْ أُهاجِرْ مَعَهُ، وإنَّما كُنْتُ مِنَ الطُلَقاءِ".»
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "إنْ وهَبَتْ"﴾ بِكَسْرِ الألِفِ، وهَذا يَقْتَضِي اسْتِئْنافَ الأمْرِ، أيْ: إنْ وقَعَ فَهو حَلالٌ لَهُ، عَلى أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: « "لَمْ تَكُنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ امْرَأةٌ إلّا بِعَقْدِ نِكاحٍ أو مِلْكِ يَمِينٍ. فَأمّا بِالهِبَةِ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنهُنَّ أحَدٌ".» وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والثَقَفِيُّ، والشَعْبِيُّ: "أنْ وهَبَتْ" بِفَتْحِ الألِفِ، فَهي إشارَةٌ إلى ما وقَعَ مِنَ الواهِباتِ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ، وكَسْرُ الألِفِ يَجْرِي مَعَ تَأْوِيلِ ابْنِ زَيْدٍ الَّذِي قَدَّمْناهُ، وفَتْحُها يَجْرِي مَعَ التَأْوِيلِ الآخَرِ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ قالَ: الإشارَةُ إلى مَن وهَبَ نَفْسَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنَ النِساءِ عَلى الجُمْلَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما - فِيما حَكى الطَبَرِيُّ -: هي مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: هي أمُّ شُرَيْكٍ.
وقالَ الشَعْبِيُّ وعُرْوَةُ: هي زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ أُمُّ المَساكِينِ، وقالَ أيْضًا عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمِ بْنِ الأوقَصِ السِلْمِيُّ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وامْرَأةٌ مُؤْمِنَةٌ وهَبَتْ"، دُونَ "إنْ".
(p-١٣٣)وَقَوْلُهُ: ﴿خالِصَةً لَكَ﴾ أيْ: هِبَةُ النِساءِ أنْفُسُهُنَّ خاصَّةٌ ومِزِيَّةٌ "لا تَجُوزُ"، فَلا يَجُوزُ أنْ تَهَبَ المَرْأةُ نَفْسَها لِرَجُلٍ، وأجْمَعَ الناسُ عَلى أنَّ ذَلِكَ غَيْرَ جائِزٍ؛ إلّا ما رُوِيَ عن أبِي حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ، وأبِي يُوسُفَ أنَّهم قالُوا: إذا وهَبَتْ وأشْهَدَ هو عَلى نَفْسِهِ بِمَهْرٍ فَذَلِكَ جائِزٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَلَيْسَ في قَوْلِهِمْ إلّا تَجْوِيزَ العِبارَةِ وبِلَفْظَةِ الهِبَةِ، وإلّا فالأفْعالُ الَّتِي اشْتَرَطُوها هي أفْعالُ النِكاحِ بِعَيْنِهِ، ويَظْهَرُ مِن لَفْظِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿خالِصَةً لَكَ﴾ يُرادُ بِهِ جَمِيعُ هَذِهِ الإباحَةِ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ قَصَرُوا عَلى مَثْنى وثُلاثٍ ورُباعٍ.
وقَوْلُهُ: "قَدْ عَلِمْنا" الآيَةُ، يُرِيدُ: فَرَضْنا الوَلِيَّ والشاهِدَ والمَهْرَ والِاقْتِصارَ عَلى أرْبَعٍ، قالَهُ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: هو مَثْنى وثُلاثٌ ورُباعٌ. وقَوْلُهُ: "لِئَلّا يَكُونُ" أيْ: بَيَّنّا هَذا البَيانَ، وشَرَحْنا هَذا الشَرْحَ لِئَلّا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ويُظَنُّ بِكَ أنَّكَ قَدْ أثِمْتُ عِنْدَ رَبِّكِ في شَيْءٍ، ثُمَّ آنَسَ الجَمِيعَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِغُفْرانِهِ ورَحْمَتِهِ.
الأحزاب 33:51
قوله عزّ وجلّ:
﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ واللهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكم وكانَ اللهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾
﴿ "تُرْجِي"﴾ مَعْناهُ: تُؤَخِّرُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "تُرْجِئُ" بِالهَمْزِ، وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ - وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ: "تُرْجِي" بِغَيْرِ هَمْزٍ، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنى. ﴿ "وَتُؤْوِي"﴾ مَعْناهُ: تَضُمُّ وتُقَرِّبُ، وقالَ المِبْرَدُ: هو مُعَدّى "رَجا يَرْجُو"، تَقُولُ: "رَجا الرَجُلُ وأرْجَيْتُهُ" جَعَلْتُهُ ذا رَجاءٍ.
ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى فَسَحَ لِنَبِيِّهِ فِيما يَفْعَلُهُ في جِهَةِ النِساءِ، والضَمِيرُ في "مِنهُنَّ" عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ مِنَ الأصْنافِ حَيْثُ الخِلافُ المَذْكُورُ في ذَلِكَ.
(p-١٣٤)وَهَذا الإرْجاءُ والإيواءُ يَحْتَمِلُ مَعانِي: مِنها في القَسْمِ، أيْ: تُقَرِّبُ مَن شِئْتُ في القِسْمَةِ لَها مِن نَفْسِكَ، وتُؤَخِّرُ عنكَ مَن شِئْتَ، وتُكْثِرُ لِمَن شِئْتَ، وتُقِلُّ لِمَن شِئْتَ، لا حَرَجَ عَلَيْكَ في ذَلِكَ، فَإذا عَلِمْنَ هُنَّ أنَّ هَذا هو حُكْمُ اللهِ تَعالى لَكَ وقَضاؤُهُ زالَتِ الأنَفَةُ والتَغايُرُ عنهُنَّ ورَضِينَ وقَرَّتْ أعْيُنُهُنَّ وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَحّاكِ ؛ لِأنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآياتِ إنَّما كانَ تَغايُرًا - وقَعَ بَيْنَ زَوْجاتِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - عَلَيْهِ، فَشَقِيَ بِذَلِكَ، فَفَسَحَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لَهُ، وأنَّبَهُنَّ بِهَذِهِ الآياتِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: في طَلاقِ مَن شاءَ مِمَّنْ حَصَلَ في عِصْمَتِهِ، وإمْساكِ مَن شاءَ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: «وَكانَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قَدْ هَمَّ بِطَلاقِ بَعْضِ نِسائِهِ، فَقُلْنَ لَهُ: اقْسِمْ لَنا ما شِئْتَ، فَكانَ مِمَّنْ أرْجَأ سَوْدَةُ وجُوَيْرِيَّةُ وصَفِيَّةُ وأُمُّ حَبِيبَةَ ومَيْمُونَةُ، وآوى إلَيْهِ عائِشَةَ وأُمَّ سَلَمَةَ وحَفْصَةَ وزَيْنَبَ رَضِيَ اللهُ عنهُنَّ أجْمَعِينَ.»
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: في تَزْوِيجِ مَن شاءَ مِنَ النِساءِ وتَرْكِ مَن شاءَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: في ضَمِّ مَن شاءَ مِنَ الواهِباتِ وتَأْخِيرِ مَن شاءَ.
وعَلى كُلِّ مَعْنى فالآيَةُ مَعْناها التَوْسِعَةُ عَلَيْهِ - ﷺ والإباحَةُ؛ «قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: لَمّا قَرَأ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ قُلْتُ: ما أرى رَبَّكَ إلّا يُسارِعُ في هَواكَ.»
وذَهَبَ هِبَةُ اللهِ في "الناسِخِ والمَنسُوخِ" لَهُ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ﴾ الآيَةُ ناسِخٌ قَوْلَهُ ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ﴾ الآيَةُ، وقالَ: لَيْسَ في كِتابِ اللهِ تَعالى ناسِخٌ تَقَدَّمَ المَنسُوخَ سِوى هَذا. وكَلامُهُ يَضْعُفُ مِن جِهاتٍ.
(p-١٣٥)وَقوله عزّ وجلّ: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ يَحْتَمِلُ مَعانِي: أحَدُهُما أنْ تَكُونَ "مَن" لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: مَن أرَدْتَهُ وطَلَبَتْهُ نَفْسُكَ مِمَّنْ كُنْتُ عَزَلْتَهُ وأخَّرَتْهُ فَلا جَناحَ في رَدِّهِ إلى نَفْسِكَ وإيوائِهِ إلَيْكَ بَعْدَ عُزْلَتِهِ. ووَجْهٌ ثانٍ وهو أنْ يَكُونَ مُقَوِّيًا ومُؤَكِّدًا لِقَوْلِهِ: ( تُرْجِي مَن تَشاءُ وتُؤْوِي مَن تَشاءُ )، فَيَقُولُ بَعْدُ: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ فَذَلِكَ سَواءٌ لا جُناحَ عَلَيْكَ في جَمِيعِهِ، وذَلِكَ كَما تَقُولُ: "مَن لَقِيَكَ مِمَّنْ لَمْ يَلْقَكَ جَمِيعُهم لَكَ شاكِرِينَ"، وأنْتَ تُرِيدُ: "مَن لَقِيَكَ ومَن لَمْ يَلْقَكَ"، وهَذا المَعْنى يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَعْنى القَسَمِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في الطَلاقِ والإمْساكِ، وفي الواهِباتِ، وبِكُلِّ واحِدٍ قالَتْ فِرْقَةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ"﴾ بِرَفْعِ الأعْيُنِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "أنْ تُقِرَّ" بِضَمِّ التاءِ مِن "تُقِرَّ" وكَسْرِ القافِ "أعْيُنَهُنَّ" نَصْبًا. وقَوْلُهُ: ﴿ "بِما آتَيْتَهُنَّ"﴾ أيْ: مِن نَفْسِكَ ومالِكَ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "كُلُّهُنَّ"﴾ بِالرَفْعِ عَلى التَأْكِيدِ لِلضَّمِيرِ في "يَرْضَيْنَ"، ولَمْ يُجَوِّزُ الطَبَرِيُّ غَيْرَها، وقَرَأ جُوَيْرَةُ بْنُ عابِدٍ: "كُلَّهُنَّ" بِالنَصْبِ عَلى تَأْكِيدِ ضَمِيرِ "آتَيْتَهُنَّ"، والمَعْنى أنَّهُنَّ يُسَلِّمْنَ لِلَّهِ ولِحُكْمِهِ، وكُنْ قَبْلَ لا يَتَسامَحْنَ بَيْنَهُنَّ لِلْغَيْرَةِ، ولا يُسَلِّمْنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أنَفَةً، نَحا إلى هَذا المَعْنى ابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكُمْ﴾ خَبَرٌ عامٌّ، والإشارَةُ إلى ما في قَلْبِ (p-١٣٦)رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن مَحَبَّةِ شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، وكَذَلِكَ يَدْخُلُ في المَعْنى أيْضًا المُؤْمِنُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿ "حَلِيمًا"﴾ صِفَةٌ تَقْتَضِي مِنهُ تَبارَكَ وتَعالى صَفْحًا وتَأْنِيسًا في هَذا المَعْنى؛ إذْ هي خَواطِرُ وفِكْرٌ لا يَمْلِكُها الإنْسانُ في الأغْلَبِ.
واتَّفَقَتِ الرِواياتُ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَدَلَ بَيْنَهُنَّ في القِسْمَةِ حَتّى ماتَ، ولَمْ يَمْتَثِلْ ما أُبِيحَ لَهُ مَعَهُنَّ ضَبَطا لِنَفْسِهِ، وأخْذًا بِالفَضْلِ، غَيْرَ أنَّ سَوْدَةً وهَبَتْ يَوْمَها لِعائِشَةَ تَوَصُّلًا لِمَسَرَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ مِن بَعْدُ﴾، قِيلَ كَما قَدَّمْنا: إنَّها خَطَرَتْ عَلَيْهِ النِساءُ إلّا التِسْعَ اللَواتِي كُنَّ عِنْدَهُ، فَكَأنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، لَمّا هَجَرَهُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهْرًا وآلى مِنهُنَّ، ثُمَّ خَرَجَ وخَيَّرَهُنَّ فاخْتَرْنَ اللهَ ورَسُولَهُ، جازاهُنَّ اللهُ بِأنَّ حَظَرَ عَلَيْهِ النِساءَ غَيْرَهُنَّ، وقَنَّعَهُ بِهِنَّ، وحَظَرَ عَلَيْهِ تَبْدِيلِهِنَّ، ونَسَخَ بِذَلِكَ ما أباحَهُ لَهُ مِن قَبْلُ مِنَ التَوْسِعَةِ في جَمِيعِ النِساءِ. وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وعِكْرِمَةُ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ مِن بَعْدُ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ الأصْنافِ المُسَمّاهٍ. ومَن قالَ بِأنَّ الإباحَةَ كانَتْ لَهُ مُطْلَقَةً قالَ هُنا: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ﴾ مَعْناهُ: لا يَحِلُّ لَكَ اليَهُودِيّاتِ ولا النَصْرانِيّاتِ، وهَذا تَأْوِيلٌ فِيهِ بُعْدٌ وإنْ كانَ رُوِيَ عن مُجاهِدٍ، وكَذَلِكَ قَدَّرَ: ولا أنْ تُبَدِّلَ اليَهُودِيّاتِ والنَصْرانِيّاتِ بِالمُسْلِماتِ، وهَذا قَوْلُ أبِي رَزِينٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ مِن بَعْدُ﴾ يَعْنِي: لا يَحِلُّ لَكَ العَمّاتُ ولا الخالاتُ ونَحْوَهُنَّ، وأمَرَ مَعَ ذَلِكَ بِأنْ لا يَتَبَدَّلُ بِأزْواجِهِ التِسْعِ، ومُنِعَ أنْ يُطَلِّقَ مِنهُنَّ ويَتَزَوَّجَ غَيْرَهُنَّ، قالَهُ الضَحّاكُ. وقِيلَ: بِمَن تَزَوَّجَ وحَصَلَ في عِصْمَتِهِ، أيْ: لا يُبَدِّلُها بِأنْ يَأْخُذَ زَوْجَةَ إنْسانٍ ويُعْطِيَهُ هو زَوْجَتَهُ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَذا شَيْءٌ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ. وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ أنْكَرَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرَهُ في مَعْنى الآيَةِ، وما فَعَلَتِ العَرَبُ هَذا قَطُّ، وما رُوِيَ مِن حَدِيثِ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ «أنَّهُ دَخَلَ عَلى النَبِيِّ ﷺ وعِنْدَهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها فَقالَ: "مَن هَذِهِ الحُمَيْراءُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هَذِهِ عائِشَةُ، فَقالَ عُيَيْنَةُ: يا رَسُولَ اللهِ، إنْ شِئْتَ نَزَلْتُ لَكَ عن سَيِّدَةِ العَرَبِ جَمالًا ونَسَبًا"» فَلَيْسَ بِتَبْدِيلٍ ولا أرادَ ذَلِكَ، وإنَّما احْتَقَرَ عائِشَةَ لِأنَّها كانَتْ صَبِيَّةً فَقالَ هَذا القَوْلَ. وقَرَأ أبُو عَمْرُو - بِخِلافٍ -: "تَحِلُّ" (p-١٣٧)بِالتاءِ عَلى مَعْنى: جَماعَةِ النِساءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ مِن تَحْتٍ، عَلى مَعْنى: جَمِيعِ النِساءِ، وهُما حُسْنانِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ لَفْظِ النِساءِ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾، «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ أسْماءِ بِنْتِ عُمَيْسٍ، أعْجَبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ حُسْنُها حِينَ ماتَ عنها جَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ، [فَأرادَ أنْ يَتَزَوَّجَها]،» وفي هَذِهِ اللَفْظَةِ: ﴿أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أنْ يَنْظُرَ الرَجُلُ إلى مَن يُرِيدُ زَواجَها، وقَدْ «أرادَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ زَواجَ امْرَأةٍ فَقالَ لَهُ النَبِيُّ ﷺ: "انْظُرْ إلَيْها فَإنَّهُ أجْدَرُ أنْ يُؤْدِمَ بَيْنَكُما"،» وقالَ ﷺ لِآخَرَ: « "انْظُرْ إلَيْها فَإنَّ في أعْيُنِ الأنْصارِ شَيْئًا"،» قالَ الحَمِيدِيُّ: يَعْنِي: صَفْراءَ، وقالَ سَهْلُ بْنُ أبِي حَثْمَةَ: (p-١٣٨)«رَأيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ يُطارِدُ بُيَيْتَةَ بِنْتَ الضَحّاكِ عَلى إجّارٍ مِن أجاجِيرِ المَدِينَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: أتَفْعَلُ هَذا؟ فَقالَ: نَعَمَ: قالَ النَبِيُّ ﷺ: "إذا ألْقى اللهُ في قَلْبِ أحَدِكم خُطْبَةَ امْرَأةٍ فَلا بَأْسَ أنْ يَنْظُرَ إلَيْها".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾. "ما" في مَوْضِعِ رَفْعِ بَدَلٍ مِنَ "النِساءُ"، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وفي النَصْبِ ضَعْفٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والتَقْدِيرُ: إلّا مِلْكَ يَمِينِكَ، بِمَعْنى "مَمْلُوكَ"، وهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن غَيْرِ الجِنْسِ الأوَّلِ. و"الرَقِيبُ" فَعِيلُ بِمَعْنى فاعِلٍ، أيْ: راقَبَ.
الأحزاب 33:52
قوله عزّ وجلّ:
﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ واللهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكم وكانَ اللهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾
﴿ "تُرْجِي"﴾ مَعْناهُ: تُؤَخِّرُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "تُرْجِئُ" بِالهَمْزِ، وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ - وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ: "تُرْجِي" بِغَيْرِ هَمْزٍ، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنى. ﴿ "وَتُؤْوِي"﴾ مَعْناهُ: تَضُمُّ وتُقَرِّبُ، وقالَ المِبْرَدُ: هو مُعَدّى "رَجا يَرْجُو"، تَقُولُ: "رَجا الرَجُلُ وأرْجَيْتُهُ" جَعَلْتُهُ ذا رَجاءٍ.
ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى فَسَحَ لِنَبِيِّهِ فِيما يَفْعَلُهُ في جِهَةِ النِساءِ، والضَمِيرُ في "مِنهُنَّ" عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ مِنَ الأصْنافِ حَيْثُ الخِلافُ المَذْكُورُ في ذَلِكَ.
(p-١٣٤)وَهَذا الإرْجاءُ والإيواءُ يَحْتَمِلُ مَعانِي: مِنها في القَسْمِ، أيْ: تُقَرِّبُ مَن شِئْتُ في القِسْمَةِ لَها مِن نَفْسِكَ، وتُؤَخِّرُ عنكَ مَن شِئْتَ، وتُكْثِرُ لِمَن شِئْتَ، وتُقِلُّ لِمَن شِئْتَ، لا حَرَجَ عَلَيْكَ في ذَلِكَ، فَإذا عَلِمْنَ هُنَّ أنَّ هَذا هو حُكْمُ اللهِ تَعالى لَكَ وقَضاؤُهُ زالَتِ الأنَفَةُ والتَغايُرُ عنهُنَّ ورَضِينَ وقَرَّتْ أعْيُنُهُنَّ وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَحّاكِ ؛ لِأنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآياتِ إنَّما كانَ تَغايُرًا - وقَعَ بَيْنَ زَوْجاتِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - عَلَيْهِ، فَشَقِيَ بِذَلِكَ، فَفَسَحَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لَهُ، وأنَّبَهُنَّ بِهَذِهِ الآياتِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: في طَلاقِ مَن شاءَ مِمَّنْ حَصَلَ في عِصْمَتِهِ، وإمْساكِ مَن شاءَ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: «وَكانَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قَدْ هَمَّ بِطَلاقِ بَعْضِ نِسائِهِ، فَقُلْنَ لَهُ: اقْسِمْ لَنا ما شِئْتَ، فَكانَ مِمَّنْ أرْجَأ سَوْدَةُ وجُوَيْرِيَّةُ وصَفِيَّةُ وأُمُّ حَبِيبَةَ ومَيْمُونَةُ، وآوى إلَيْهِ عائِشَةَ وأُمَّ سَلَمَةَ وحَفْصَةَ وزَيْنَبَ رَضِيَ اللهُ عنهُنَّ أجْمَعِينَ.»
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: في تَزْوِيجِ مَن شاءَ مِنَ النِساءِ وتَرْكِ مَن شاءَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: في ضَمِّ مَن شاءَ مِنَ الواهِباتِ وتَأْخِيرِ مَن شاءَ.
وعَلى كُلِّ مَعْنى فالآيَةُ مَعْناها التَوْسِعَةُ عَلَيْهِ - ﷺ والإباحَةُ؛ «قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: لَمّا قَرَأ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ قُلْتُ: ما أرى رَبَّكَ إلّا يُسارِعُ في هَواكَ.»
وذَهَبَ هِبَةُ اللهِ في "الناسِخِ والمَنسُوخِ" لَهُ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ﴾ الآيَةُ ناسِخٌ قَوْلَهُ ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ﴾ الآيَةُ، وقالَ: لَيْسَ في كِتابِ اللهِ تَعالى ناسِخٌ تَقَدَّمَ المَنسُوخَ سِوى هَذا. وكَلامُهُ يَضْعُفُ مِن جِهاتٍ.
(p-١٣٥)وَقوله عزّ وجلّ: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ يَحْتَمِلُ مَعانِي: أحَدُهُما أنْ تَكُونَ "مَن" لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: مَن أرَدْتَهُ وطَلَبَتْهُ نَفْسُكَ مِمَّنْ كُنْتُ عَزَلْتَهُ وأخَّرَتْهُ فَلا جَناحَ في رَدِّهِ إلى نَفْسِكَ وإيوائِهِ إلَيْكَ بَعْدَ عُزْلَتِهِ. ووَجْهٌ ثانٍ وهو أنْ يَكُونَ مُقَوِّيًا ومُؤَكِّدًا لِقَوْلِهِ: ( تُرْجِي مَن تَشاءُ وتُؤْوِي مَن تَشاءُ )، فَيَقُولُ بَعْدُ: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ فَذَلِكَ سَواءٌ لا جُناحَ عَلَيْكَ في جَمِيعِهِ، وذَلِكَ كَما تَقُولُ: "مَن لَقِيَكَ مِمَّنْ لَمْ يَلْقَكَ جَمِيعُهم لَكَ شاكِرِينَ"، وأنْتَ تُرِيدُ: "مَن لَقِيَكَ ومَن لَمْ يَلْقَكَ"، وهَذا المَعْنى يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَعْنى القَسَمِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في الطَلاقِ والإمْساكِ، وفي الواهِباتِ، وبِكُلِّ واحِدٍ قالَتْ فِرْقَةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ"﴾ بِرَفْعِ الأعْيُنِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "أنْ تُقِرَّ" بِضَمِّ التاءِ مِن "تُقِرَّ" وكَسْرِ القافِ "أعْيُنَهُنَّ" نَصْبًا. وقَوْلُهُ: ﴿ "بِما آتَيْتَهُنَّ"﴾ أيْ: مِن نَفْسِكَ ومالِكَ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "كُلُّهُنَّ"﴾ بِالرَفْعِ عَلى التَأْكِيدِ لِلضَّمِيرِ في "يَرْضَيْنَ"، ولَمْ يُجَوِّزُ الطَبَرِيُّ غَيْرَها، وقَرَأ جُوَيْرَةُ بْنُ عابِدٍ: "كُلَّهُنَّ" بِالنَصْبِ عَلى تَأْكِيدِ ضَمِيرِ "آتَيْتَهُنَّ"، والمَعْنى أنَّهُنَّ يُسَلِّمْنَ لِلَّهِ ولِحُكْمِهِ، وكُنْ قَبْلَ لا يَتَسامَحْنَ بَيْنَهُنَّ لِلْغَيْرَةِ، ولا يُسَلِّمْنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أنَفَةً، نَحا إلى هَذا المَعْنى ابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكُمْ﴾ خَبَرٌ عامٌّ، والإشارَةُ إلى ما في قَلْبِ (p-١٣٦)رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن مَحَبَّةِ شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، وكَذَلِكَ يَدْخُلُ في المَعْنى أيْضًا المُؤْمِنُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿ "حَلِيمًا"﴾ صِفَةٌ تَقْتَضِي مِنهُ تَبارَكَ وتَعالى صَفْحًا وتَأْنِيسًا في هَذا المَعْنى؛ إذْ هي خَواطِرُ وفِكْرٌ لا يَمْلِكُها الإنْسانُ في الأغْلَبِ.
واتَّفَقَتِ الرِواياتُ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَدَلَ بَيْنَهُنَّ في القِسْمَةِ حَتّى ماتَ، ولَمْ يَمْتَثِلْ ما أُبِيحَ لَهُ مَعَهُنَّ ضَبَطا لِنَفْسِهِ، وأخْذًا بِالفَضْلِ، غَيْرَ أنَّ سَوْدَةً وهَبَتْ يَوْمَها لِعائِشَةَ تَوَصُّلًا لِمَسَرَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ مِن بَعْدُ﴾، قِيلَ كَما قَدَّمْنا: إنَّها خَطَرَتْ عَلَيْهِ النِساءُ إلّا التِسْعَ اللَواتِي كُنَّ عِنْدَهُ، فَكَأنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، لَمّا هَجَرَهُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهْرًا وآلى مِنهُنَّ، ثُمَّ خَرَجَ وخَيَّرَهُنَّ فاخْتَرْنَ اللهَ ورَسُولَهُ، جازاهُنَّ اللهُ بِأنَّ حَظَرَ عَلَيْهِ النِساءَ غَيْرَهُنَّ، وقَنَّعَهُ بِهِنَّ، وحَظَرَ عَلَيْهِ تَبْدِيلِهِنَّ، ونَسَخَ بِذَلِكَ ما أباحَهُ لَهُ مِن قَبْلُ مِنَ التَوْسِعَةِ في جَمِيعِ النِساءِ. وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وعِكْرِمَةُ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ مِن بَعْدُ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ الأصْنافِ المُسَمّاهٍ. ومَن قالَ بِأنَّ الإباحَةَ كانَتْ لَهُ مُطْلَقَةً قالَ هُنا: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ﴾ مَعْناهُ: لا يَحِلُّ لَكَ اليَهُودِيّاتِ ولا النَصْرانِيّاتِ، وهَذا تَأْوِيلٌ فِيهِ بُعْدٌ وإنْ كانَ رُوِيَ عن مُجاهِدٍ، وكَذَلِكَ قَدَّرَ: ولا أنْ تُبَدِّلَ اليَهُودِيّاتِ والنَصْرانِيّاتِ بِالمُسْلِماتِ، وهَذا قَوْلُ أبِي رَزِينٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ مِن بَعْدُ﴾ يَعْنِي: لا يَحِلُّ لَكَ العَمّاتُ ولا الخالاتُ ونَحْوَهُنَّ، وأمَرَ مَعَ ذَلِكَ بِأنْ لا يَتَبَدَّلُ بِأزْواجِهِ التِسْعِ، ومُنِعَ أنْ يُطَلِّقَ مِنهُنَّ ويَتَزَوَّجَ غَيْرَهُنَّ، قالَهُ الضَحّاكُ. وقِيلَ: بِمَن تَزَوَّجَ وحَصَلَ في عِصْمَتِهِ، أيْ: لا يُبَدِّلُها بِأنْ يَأْخُذَ زَوْجَةَ إنْسانٍ ويُعْطِيَهُ هو زَوْجَتَهُ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَذا شَيْءٌ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ. وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ أنْكَرَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرَهُ في مَعْنى الآيَةِ، وما فَعَلَتِ العَرَبُ هَذا قَطُّ، وما رُوِيَ مِن حَدِيثِ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ «أنَّهُ دَخَلَ عَلى النَبِيِّ ﷺ وعِنْدَهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها فَقالَ: "مَن هَذِهِ الحُمَيْراءُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هَذِهِ عائِشَةُ، فَقالَ عُيَيْنَةُ: يا رَسُولَ اللهِ، إنْ شِئْتَ نَزَلْتُ لَكَ عن سَيِّدَةِ العَرَبِ جَمالًا ونَسَبًا"» فَلَيْسَ بِتَبْدِيلٍ ولا أرادَ ذَلِكَ، وإنَّما احْتَقَرَ عائِشَةَ لِأنَّها كانَتْ صَبِيَّةً فَقالَ هَذا القَوْلَ. وقَرَأ أبُو عَمْرُو - بِخِلافٍ -: "تَحِلُّ" (p-١٣٧)بِالتاءِ عَلى مَعْنى: جَماعَةِ النِساءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ مِن تَحْتٍ، عَلى مَعْنى: جَمِيعِ النِساءِ، وهُما حُسْنانِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ لَفْظِ النِساءِ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾، «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ أسْماءِ بِنْتِ عُمَيْسٍ، أعْجَبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ حُسْنُها حِينَ ماتَ عنها جَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ، [فَأرادَ أنْ يَتَزَوَّجَها]،» وفي هَذِهِ اللَفْظَةِ: ﴿أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أنْ يَنْظُرَ الرَجُلُ إلى مَن يُرِيدُ زَواجَها، وقَدْ «أرادَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ زَواجَ امْرَأةٍ فَقالَ لَهُ النَبِيُّ ﷺ: "انْظُرْ إلَيْها فَإنَّهُ أجْدَرُ أنْ يُؤْدِمَ بَيْنَكُما"،» وقالَ ﷺ لِآخَرَ: « "انْظُرْ إلَيْها فَإنَّ في أعْيُنِ الأنْصارِ شَيْئًا"،» قالَ الحَمِيدِيُّ: يَعْنِي: صَفْراءَ، وقالَ سَهْلُ بْنُ أبِي حَثْمَةَ: (p-١٣٨)«رَأيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ يُطارِدُ بُيَيْتَةَ بِنْتَ الضَحّاكِ عَلى إجّارٍ مِن أجاجِيرِ المَدِينَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: أتَفْعَلُ هَذا؟ فَقالَ: نَعَمَ: قالَ النَبِيُّ ﷺ: "إذا ألْقى اللهُ في قَلْبِ أحَدِكم خُطْبَةَ امْرَأةٍ فَلا بَأْسَ أنْ يَنْظُرَ إلَيْها".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾. "ما" في مَوْضِعِ رَفْعِ بَدَلٍ مِنَ "النِساءُ"، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وفي النَصْبِ ضَعْفٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والتَقْدِيرُ: إلّا مِلْكَ يَمِينِكَ، بِمَعْنى "مَمْلُوكَ"، وهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن غَيْرِ الجِنْسِ الأوَّلِ. و"الرَقِيبُ" فَعِيلُ بِمَعْنى فاعِلٍ، أيْ: راقَبَ.
الأحزاب 33:53
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَبِيِّ فَيَسْتَحْيِي مِنكم واللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِنَ وراءِ حِجابٍ ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِنَ بَعْدِهِ أبَدًا إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا﴾
هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ قِصَّتَيْنِ: إحْداهُما الأدَبُ في أمْرِ الطَعامِ والجُلُوسِ، والثانِيَةُ في أمْرِ الحِجابِ.
فَأمًّا الأُولى فالجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ سَبَبَها «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا تَزَوَّجَ زَيْنَبَ بِنْتَ (p-١٣٩)جَحْشٍ أولَمَ عَلَيْها، فَدَعا الناسَ، فَلَمّا طُعِمُوا قَعَدَ نَفَرٌ في طائِفَةٍ مِنَ البَيْتِ، فَثَقُلَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَكانُهُمْ، فَخَرَجَ لِيَخْرُجُوا بِخُرُوجِهِ، ومَرَّ عَلى حُجَرِ نِسائِهِ، ثُمَّ عادَ فَوَجَدَهم في مَكانِهِمْ وزَيْنَبُ في البَيْتِ مَعَهُمْ، فَلَمّا دَخَلَ ورَآهُمُ انْصَرَفَ، فَخَرَجُوا عِنْدَ ذَلِكَ، قالَ أنَسُ: فَأُعْلِمُ أو أعْلَمْتُهُ بِانْصِرافِهِمْ فَجاءَ، فَلَمّا وصَلَ الحُجْرَةَ أرْخى السِتْرَ بَيْنِي وبَيْنَهُ ودَخَلَ، ونَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.» وقالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ - في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: إنَّ هَذا السَبَبَ جَرى في بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، والأوَّلُ أشْهَرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَتَحَيَّنُونَ طَعامَ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، فَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِ قَبْلَ الطَعامِ إلى أنْ يُدْرِكَ، ثُمَّ يَأْكُلُونَ ولا يَخْرُجُونَ، وقالَ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي حَكِيمٍ: هَذا أدَبٌ أدَّبَ اللهُ تَعالى بِهِ الثُقَلاءَ، وقالَ ابْنُ أبِي عائِشَةَ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: بِحَسْبِكَ مِنَ الثُقَلاءِ أنَّ الشَرْعَ لَمْ يَحْتَمِلْهم.
وأمّا آيَةُ الحِجابِ فَقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ وجَماعَةٌ: سَبَبُها أمْرُ القُعُودِ في بَيْتِ زَيْنَبَ، القِصَّةُ المَذْكُورَةُ آنِفًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ في بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها وجَماعَةٌ: سَبَبُ الحِجابِ «كَلامُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأنَّهُ كَلَّمَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِرارًا في أنْ يَحْجُبَ نِساءَهُ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لا يَفْعَلُ، وكانَ عُمَرُ يُتابِعُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ لَيْلًا لِحاجَتِها - وكانَتِ امْرَأةً تَفْرُعُ النِساءَ طُولًا - فَناداها عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: قَدْ عَرِفْناكِ يا سَوْدَةَ - حِرْصًا عَلى الحِجابِ - وقالَتْ لَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ: عَجِبْنا لَكَ يا ابْنَ الخَطّابِ، تَغارُ عَلَيْنا والوَحْيُ يَنْزِلُ في بُيُوتِنا؟ فَما زالَ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ يُتابِعُ حَتّى نَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ.»
(p-١٤٠)وَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: وافَقْتُ رَبِّي في ثَلاثٍ: مِنها الحِجابُ، ومَقامُ إبْراهِيمَ، و﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]. الحَدِيثُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وكانَتْ سِيرَةُ القَوْمِ إذا كانَ لَهم طَعامُ ولِيمَةٍ أو نَحْوَهُ أنْ يُبَكِّرَ مَن شاءَ إلى دارِ الدَعْوَةِ، يَنْتَظِرُ طَبْخَ الطَعامِ ونُضْجَهُ في حَدِيثٍ وأُنْسٍ، وكَذَلِكَ إذا انْتَهَوْا مِنهُ جَلَسُوا كَذَلِكَ، فَنَهى اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عن أمْثالِ ذَلِكَ في بَيْتِ النَبِيِّ ﷺ، ودَخَلَ في النَهْيِ سائِرُ المُؤْمِنِينَ، والتَزَمَ الناسُ أدَبَ اللهِ تَعالى لَهم في ذَلِكَ، فَمَنَعَهم مِنَ الدُخُولِ إلّا بِإذْنٍ عِنْدَ الأكْلِ، لا قَبْلَهُ لِانْتِظارِ نُضْجِ الطَعامِ.
و"ناظِرِينَ" مَعْناهُ: مُنْتَظَرِينَ، و"إناهُ" مَصْدَرُ أنى الشَيْءُ يَأْنِي إذا فَرَغَ وحانَ إنّى، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَمَخَّضَتِ المَنُونُ لَهُ بِيَوْمٍ ∗∗∗ أنى ولِكُلِّ حامِلَةٍ تَمامُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ النُونِ مِن "إنّاهُ"، وأمالَها حَمْزَةُ والكِسائِيُّ.
(p-١٤١)ثُمَّ أكَّدَ المَنعَ وحَصَرَ وقْتَ الدُخُولِ بِأنْ يَكُونَ عِنْدَ الإذْنِ، ثُمَّ أمَرَ بَعْدَ الطَعامِ بِأنْ يَفْتَرِقَ جَمْعُهم ويَنْتَشِرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ﴾، و"غَيْرٌ" مَنصُوبَةٌ عَلى الحالِ مِنَ الكافِ والمِيمِ في "لَكم أيْ: غَيْرَ ناظِرِينَ ولا مُسْتَأْنِسِينَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "غَيْرِ" بِكَسْرِ الراءِ، وجَوازُهُ عَلى تَقْدِيرِ: غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ أنْتُمْ. وقَرَأ الأعْمَشُ: "إناهُ" عَلى جَمْعِ "إنّى" بِمَدَّةٍ بَعْدِ النُونِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَيَسْتَحْيِي" بِإظْهارِ الياءِ المَكْسُورَةِ قَبْلَ الساكِنَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَيَسْتَحِي" بِسُكُونِ الياءِ دُونَ ياءٍ مَكْسُورَةٍ قَبْلَها. وقَوْلُهُ: ﴿واللهُ لا يَسْتَحْيِي﴾ مَعْناهُ: لا يَقَعُ مِنهُ تَرْكُ قَوْلِ الحَقِّ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَقَعُ مِنَ البَشَرِ لِعِلَّةِ الِاسْتِحْياءِ نَفى عَنِ اللهِ تَعالى العِلَّةَ المُوجِبَةَ لِذَلِكَ في البَشَرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا﴾ الآيَةُ هي آيَةُ الحِجابِ، و"المَتاعُ" عامٌّ في جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يُطْلَبَ عَلى عُرْفِ السُكْنى والمُجاوَرَةِ مِنَ المَواعِينِ وسائِرِ المَرافِقِ لِلدِّينِ والدُنْيا. ﴿ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ﴾ يُرِيدُ مِنَ الخَواطِرِ الَّتِي تُعْرَضُ لِلنِّساءِ في أمْرِ الرِجالِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ «أنَّ بَعْضَ الصَحابَةِ قالَ: "لَوْ ماتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَتَزَوَّجَتْ عائِشَةُ "، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَتَأذّى بِهِ،» هَكَذا كَنّى عنهُ ابْنُ عَبّاسٍ بِـ"بَعْضِ الصَحابَةِ"، وحَكى مَكِّيُّ عن مَعْمَرٍ أنَّهُ قالَ: "هُوَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ ".
(p-١٤٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
لِلَّهِ دُرُّ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عَلى طَلْحَةَ، اللهُ عاصِمُهُ مِنهُ، ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ حِينَ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أُمَّ سَلَمَةَ بَعْدَ أبِي سَلَمَةَ، وحَفْصَةَ بَعْدَ خُنَيْسِ بْنِ حُذافَةَ. "ما بالُ مُحَمَّدٍ يَتَزَوَّجُ نِساءَنا، واللهِ لَوْ قَدْ ماتَ لَأجَّلْنا السِهامَ عَلى نِسائِهِ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في هَذا،» وحَرَّمَ اللهُ نِكاحَ أزْواجِهِ بَعْدَهُ، وجَعَلَ لَهُنَّ حُكْمَ الأُمَّهاتِ، ولَمّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وارْتَدَّتِ العَرَبُ ثُمَّ رَجَعَتْ تَزَوَّجُ عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ قَتِيلَةَ بِنْتَ الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ تَزَوَّجَها ولَمْ يَبِنْ بِها، فَصَعُبَ ذَلِكَ عَلى أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَلِقَ لَهُ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَهْلًا، إنَّها لَيْسَتْ مِن نِسائِهِ، إنَّهُ لَمْ يُخَيِّرْها ولا أرْخى عَلَيْها حِجابًا، وقَدْ أبانَتْها مِنهُ رَدَّتُها مَعَ قَوْمِها، فَسَكَنَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَهَبَ عُمَرُ إلى ألّا يَشْهَدَ جِنازَةَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ إلّا ذُو مَحْرَمٍ مِنها مُراعاةً لِلْحِجابِ فَدَلَّتْهُ أسْماءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ عَلى سَتْرِها في النَعْشِ بِالقُبَّةِ، وأعْلَمَتْهُ أنَّها رَأتْ ذَلِكَ في بِلادِ الحَبَشَةِ فَصَنَعَهُ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ صُنِعَ في جِنازَةِ فاطِمَةَ بِنْتِ النَبِيِّ ﷺ.
الأحزاب 33:54
(p-١٤٣)قوله عزّ وجلّ:
﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا أو تُخْفُوهُ فَإنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ ولا إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ أخَواتِهِنَّ ولا نِسائِهِنَّ ولا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ واتَّقِينَ اللهَ إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا أو تُخْفُوهُ﴾ الآيَةُ... وعِيدٌ وتَوْبِيخٌ ووَعِيدٌ لِمَن تَقَدَّمُ بِهِ التَعْرِيضُ في الآيَةِ قَبْلَها، مِمَّنْ أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، ومَن أُشِيرُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، فَقِيلَ لَهم في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تُخْفُونَهُ مِن هَذِهِ المُعْتَقَداتِ والخَواطِرِ المَكْرُوهَةِ، ويُجازِيكم عَلَيْها، ثُمَّ ذَكَرَ تَبارَكَ وتَعالى الإباحَةَ فِيمَن سَمّى مِنَ القَرابَةِ؛ إذْ لا تَقْضِي أحْوالُ البَشَرِ إلّا مُداخَلَةَ مَن ذَكَرَ، وكَثْرَةَ تِرْدادِهِ، وسَلامَةَ نَفْسِهِ مِن أمْرِ الغَزْلِ؛ لِما تَتَحاشاهُ النُفُوسُ مِن ذَواتِ المَحارِمِ، فَمِن ذَلِكَ الآباءُ والأولادُ والإخْوَةُ وأبْناؤُهم وأبْناءُ الأخَواتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا نِسائِهِنَّ﴾ دَخَلَ فِيهِ الأخَواتُ والأُمَّهاتُ وسائِرُ القَراباتِ ومَن يَتَّصِلُ مِنَ المُنْصَرِفاتِ لَهُنَّ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، ويُؤَيِّدُ قَوْلُهم هَذِهِ الإضافَةَ المُخَصَّصَةَ في قَوْلِ: ﴿ "نِسائِهِنَّ"،﴾ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: إنَّما أرادَ جَمِيعَ النِساءِ المُؤْمِناتِ، وتَخْصِيصُ الإضافَةِ إنَّما هي في الإيمانِ.
وقَوْلُهُ: ﴿أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] قالَتْ طائِفَةٌ: مِنَ الإماءِ دُونَ العَبِيدِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: مِنَ العَبِيدِ والإماءِ، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الطائِفَةُ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: ما مَلَكَتْهُ مِنَ العَبِيدِ دُونَ مِن مَلَكَ سِواهُنَّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ مِن جَمِيعِ العَبِيدِ، كانَ في مِلْكِهِنَّ أو في مِلْكِ غَيْرِهِنَّ، والمُكاتَبُ إذا كانَ عِنْدَهُ ما يُؤَدِّي فَقَدْ أمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِضَرْبِ الحِجابِ دُونَهُ، وفَعَلَتْ ذَلِكَ أُمُّ سَلَمَةَ مَعَ مُكاتَبِها نَبْهانِ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: دَخَلَ الأعْمامُ في الآباءِ، وقالَ الشَعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ: لَمْ يَذْكُرْهم لِإمْكانِ أنْ يَصْفُوا لِأبْنائِهِمْ، وكَذَلِكَ الأخْوالُ، وكَرِهُوا أنْ تَضَعَ المَرْأةُ خِمارَها عِنْدَ عَمِّها أو خالِها.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المَعْنى الَّذِي رُفِعَ فِيهِ الجُناحُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَتادَةُ: هو الحِجابُ، أيْ: أُبِيحُ لِهَذِهِ الأصْنافِ الدُخُولَ عَلى النِساءِ دُونَ الحِجابِ ورُؤْيَتِهِنَّ، وقالَ مُجاهِدٌ ؛ ذَلِكَ في رَفْعِ الجِلْبابِ وإبْداءِ الزِينَةِ.
(p-١٤٤)وَلَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى الرُخْصَةَ في هَذِهِ الأصْنافِ، وانْجَزَمَتِ الإباحَةُ، عَطَفَ فَأمَرَهُنَّ بِالتَقْوى عَطْفَ جُمْلَةٍ، عَلى جُمْلَةٍ وهَذا في غايَةِ البَلاغَةِ والإيجازِ، كَأنَّهُ قالَ: اقْتَصَرْنَ عَلى هَذا واتَّقِينَ اللهَ فِيهِ أنْ تَتَعَدَّيْنَهُ إلى غَيْرِهِ، ثُمَّ تَوَعَّدَ تَبارَكَ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾.
الأحزاب 33:55
(p-١٤٣)قوله عزّ وجلّ:
﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا أو تُخْفُوهُ فَإنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ ولا إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ أخَواتِهِنَّ ولا نِسائِهِنَّ ولا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ واتَّقِينَ اللهَ إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا أو تُخْفُوهُ﴾ الآيَةُ... وعِيدٌ وتَوْبِيخٌ ووَعِيدٌ لِمَن تَقَدَّمُ بِهِ التَعْرِيضُ في الآيَةِ قَبْلَها، مِمَّنْ أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، ومَن أُشِيرُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، فَقِيلَ لَهم في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تُخْفُونَهُ مِن هَذِهِ المُعْتَقَداتِ والخَواطِرِ المَكْرُوهَةِ، ويُجازِيكم عَلَيْها، ثُمَّ ذَكَرَ تَبارَكَ وتَعالى الإباحَةَ فِيمَن سَمّى مِنَ القَرابَةِ؛ إذْ لا تَقْضِي أحْوالُ البَشَرِ إلّا مُداخَلَةَ مَن ذَكَرَ، وكَثْرَةَ تِرْدادِهِ، وسَلامَةَ نَفْسِهِ مِن أمْرِ الغَزْلِ؛ لِما تَتَحاشاهُ النُفُوسُ مِن ذَواتِ المَحارِمِ، فَمِن ذَلِكَ الآباءُ والأولادُ والإخْوَةُ وأبْناؤُهم وأبْناءُ الأخَواتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا نِسائِهِنَّ﴾ دَخَلَ فِيهِ الأخَواتُ والأُمَّهاتُ وسائِرُ القَراباتِ ومَن يَتَّصِلُ مِنَ المُنْصَرِفاتِ لَهُنَّ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، ويُؤَيِّدُ قَوْلُهم هَذِهِ الإضافَةَ المُخَصَّصَةَ في قَوْلِ: ﴿ "نِسائِهِنَّ"،﴾ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: إنَّما أرادَ جَمِيعَ النِساءِ المُؤْمِناتِ، وتَخْصِيصُ الإضافَةِ إنَّما هي في الإيمانِ.
وقَوْلُهُ: ﴿أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] قالَتْ طائِفَةٌ: مِنَ الإماءِ دُونَ العَبِيدِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: مِنَ العَبِيدِ والإماءِ، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الطائِفَةُ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: ما مَلَكَتْهُ مِنَ العَبِيدِ دُونَ مِن مَلَكَ سِواهُنَّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ مِن جَمِيعِ العَبِيدِ، كانَ في مِلْكِهِنَّ أو في مِلْكِ غَيْرِهِنَّ، والمُكاتَبُ إذا كانَ عِنْدَهُ ما يُؤَدِّي فَقَدْ أمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِضَرْبِ الحِجابِ دُونَهُ، وفَعَلَتْ ذَلِكَ أُمُّ سَلَمَةَ مَعَ مُكاتَبِها نَبْهانِ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: دَخَلَ الأعْمامُ في الآباءِ، وقالَ الشَعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ: لَمْ يَذْكُرْهم لِإمْكانِ أنْ يَصْفُوا لِأبْنائِهِمْ، وكَذَلِكَ الأخْوالُ، وكَرِهُوا أنْ تَضَعَ المَرْأةُ خِمارَها عِنْدَ عَمِّها أو خالِها.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المَعْنى الَّذِي رُفِعَ فِيهِ الجُناحُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَتادَةُ: هو الحِجابُ، أيْ: أُبِيحُ لِهَذِهِ الأصْنافِ الدُخُولَ عَلى النِساءِ دُونَ الحِجابِ ورُؤْيَتِهِنَّ، وقالَ مُجاهِدٌ ؛ ذَلِكَ في رَفْعِ الجِلْبابِ وإبْداءِ الزِينَةِ.
(p-١٤٤)وَلَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى الرُخْصَةَ في هَذِهِ الأصْنافِ، وانْجَزَمَتِ الإباحَةُ، عَطَفَ فَأمَرَهُنَّ بِالتَقْوى عَطْفَ جُمْلَةٍ، عَلى جُمْلَةٍ وهَذا في غايَةِ البَلاغَةِ والإيجازِ، كَأنَّهُ قالَ: اقْتَصَرْنَ عَلى هَذا واتَّقِينَ اللهَ فِيهِ أنْ تَتَعَدَّيْنَهُ إلى غَيْرِهِ، ثُمَّ تَوَعَّدَ تَبارَكَ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾.
الأحزاب 33:56
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ اللهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهَ في الدُنْيا والآخِرَةِ وأعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا﴾ ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾
هَذِهِ الآيَةُ شَرَّفَ اللهُ بِها رَسُولَهُ ﷺ، وذَكَرَ مَنزِلَتَهُ مِنهُ، وطَهَّرَ بِها سُوءَ فِعْلِ مَنِ اسْتَصْحَبَ في جِهَتِهِ فِكْرَةَ سُوءٍ في أمْرِ زَوْجاتِهِ، ونَحْوَ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "يُصَلُّونَ"،﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ فِيهِ لِلَّهِ ولِلْمَلائِكَةِ، وهَذا قَوْلٌ مِنَ اللهِ تَعالى شَرَّفَ بِهِ مَلائِكَتَهُ، فَلا يَصْحَبُهُ الِاعْتِراضُ الَّذِي جاءَ في «قَوْلِ الخَطِيبِ عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ: "مَن أطاعَ اللهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، ومَن يَعْصِهِما فَقَدْ ضَلَّ"، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ"،» قالُوا: لِأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ البَشَرِ أنْ يَجْمَعَ ذِكْرَ اللهِ تَعالى مَعَ غَيْرِهِ في ضَمِيرٍ واحِدٍ، ولِلَّهِ أنْ يَفْعَلَ مِن ذَلِكَ ما شاءَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: في الكَلامِ حَذَفٌ تَقْدِيرُهُ: إنَّ اللهَ يُصَلِّي عَلى النَبِيِّ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ، ودَلَّ الظاهِرُ مِنَ القَوْلِ عَلى ما تُرِكَ، ولَيْسَ في الآيَةِ اجْتِماعٌ في ضَمِيرٍ، وذَلِكَ جائِزٌ لِلْبَشَرِ فِعْلُهُ، ولَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ"» لِهَذا المَعْنى، وإنَّما قالَهُ لِأنَّ الخَطِيبَ وقَفَ عَلى "وَمَن يَعْصِهِما" وسَكَتَ سَكْتَةً، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّ في كَلامِ النَبِيِّ ﷺ في مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ: "فَجَمَعَ ذِكْرَ اللهِ تَعالى مَعَ رَسُولِهِ في ضَمِيرٍ"، ومِمّا يُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ أنْ في كِتابِ مُسْلِمٍ: « "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ، قُلْ: ومَن يَعْصِ اللهَ ورَسُولَهُ"،» وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَمّا خَطَّأهُ في وقْفِهِ وقالَ لَهُ: « "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ"» أصْلَحَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ جَمِيعَ كَلامِهِ؛ لِأنَّ فَصْلَ ضَمِيرِ اسْمِ اللهِ تَعالى مِن (p-١٤٥)ضَمِيرِ غَيْرِهِ أولى لا مَحالَةَ، فَقالَ لَهُ. « "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ"» لِمَوْضِعٍ خَطَّأهُ في الوَقْفِ، وحَمَلَهُ عَلى الأُولى في فَصْلِ الضَمِيرَيْنِ. وإنْ كانَ جَمْعُهُما جائِزًا.
وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: "وَمَلائِكَتَهُ" بِنَصْبِ التاءِ عَطْفًا عَلى المَكْنُونِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى المَوْضِعِ قَبْلَ دُخُولِ "إنَّ"، وفي هَذا نَظَرٌ.
وصَلاةُ اللهِ تَعالى رَحْمَةٌ مِنهُ وبَرَكَةٌ، وصَلاةُ المَلائِكَةِ دُعاءٌ وتَعْظِيمٌ، والصَلاةُ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ في كُلٍّ حِينِ مَنَّ الواجِباتِ وُجُوبَ السُنَنِ المُؤَكِّدَةِ الَّتِي لا يَصِحُّ تَرْكُها، ولا يَغْفَلُها إلّا مَن لا خَيْرَ فِيهِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أكْثِرُوا مِنَ الصَلاةِ عَلَيَّ يَوْمَ الجُمْعَةِ فَإنَّهُ يَوْمٌ مَشْهُودٌ".»
وصِفَتُها ما ورَدَ عنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في كِتابِ الطَبَرِيُّ، ومِن طَرِيقِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ لَهُ قَوْمٌ مِنَ الصَحابَةِ؛ هَذا السَلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللهِ قَدْ عَرِفْناهُ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قالَ: "قُولُوا: اللهُمَّ صِلِّي عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ، كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وآلِ إبْراهِيمَ، وارْحَمْ مُحَمَّدًا وآلَ مُحَمَّدٍ كَما رَحِمَتْ إبْراهِيمَ وآلَ إبْراهِيمَ في العالَمِينَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ"،» وفي بَعْضِ الرِواياتِ زِيادَةٌ ونَقْصٌ، هَذا مَعْناهُ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ"، وهَذِهِ الفاءُ تُقَوِّي مَعْنى الشَرْطِ، أيْ: صَلّى اللهُ فَصَلُّوا أنْتُمْ، كَما تَقُولُ: أعْطَيْتُكَ فَخُذْ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللهِ: "صَلُّوا عَلَيْهِ كَما صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةُ، قالَ الجُمْهُورُ مَعْناهُ: بِالكُفْرِ ونِسْبَةِ (p-١٤٦)الصاحِبِ والوَلَدِ والشَرِيكِ إلَيْهِ، ووَصْفِهِ بِما لا يَلِيقُ بِهِ، وفي الحَدِيثِ « (قالَ اللهُ: شَتَمَنِي عَبْدِي فَقالَ: إنْ لِي ولَدًا، وكَذَّبَنِي فَقالَ: إنَّهُ لَنْ يُبْعَثَ)،» وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ بِالتَصْوِيرِ والتَعْرِيضِ لِفِعْلٍ ما لا يَفْعَلُهُ إلّا اللهُ بِنَحْتِ الصُوَرِ وخَلْقِها، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "لَعَنَ اللهُ المُصَوِّرِينَ"،» وقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: يُؤْذُونَ أولِياءَ اللهِ.
وإذايَةُ الرَسُولِ ﷺ هي بِما يُؤْذِيهِ مِنَ الأقْوالِ في غَيْرِ مَعْنًى واحِدٍ، مِنَ الأفْعالِ أيْضًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ في الَّذِينَ طَعَنُوا عَلَيْهِ حِينَ اتَّخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والطَعْنُ في تَأْمِيرِ أُسامَةَ إذايَةٌ لَهُ أيْضًا.
وقَوْلُهُ: [لَعَنُوا] مَعْناهُ: أُبْعِدُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ.
(p-١٤٧)وَإذايَةُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ هي أيْضًا بِالأفْعالِ والأقْوالِ القَبِيحَةِ والبُهْتانِ والكَذِبِ الفاحِشِ المُخْتَلَقِ، ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ يَوْمًا لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إنِّي قَرَأْتُ البارِحَةَ هَذِهِ الآيَةَ فَفَزِعَتْ مِنها ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةُ، واللهِ إنِّي لَأضْرِبَهم وأنْهَرَهُمْ، فَقالَ لَهُ أُبَيٌّ: لَسْتُ مِنهم يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّما أنْتَ مُعَلِّمٌ ومُقَوِّمٌ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قَرَأ: "إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ"، ثُمَّ قالَ لِأُبَيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كَيْفَ تَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ؟ فَقَرَأها كَما قَرَأها عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ.