Lafzullah

Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — الأحزاب 33:57 – سبأ 34:54

المؤلف / المصدر: Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah

المحتويات
  1. الأحزاب 33:57
  2. الأحزاب 33:58
  3. الأحزاب 33:59
  4. الأحزاب 33:60
  5. الأحزاب 33:61
  6. الأحزاب 33:62
  7. الأحزاب 33:63
  8. الأحزاب 33:64
  9. الأحزاب 33:65
  10. الأحزاب 33:66
  11. الأحزاب 33:67
  12. الأحزاب 33:68
  13. الأحزاب 33:69
  14. الأحزاب 33:70
  15. الأحزاب 33:71
  16. الأحزاب 33:72
  17. الأحزاب 33:73
  18. سبأ 34:1
  19. سبأ 34:2
  20. سبأ 34:3
  21. سبأ 34:4
  22. سبأ 34:5
  23. سبأ 34:6
  24. سبأ 34:7
  25. سبأ 34:8
  26. سبأ 34:9
  27. سبأ 34:10
  28. سبأ 34:11
  29. سبأ 34:12
  30. سبأ 34:13
  31. سبأ 34:14
  32. سبأ 34:15
  33. سبأ 34:16
  34. سبأ 34:17
  35. سبأ 34:18
  36. سبأ 34:19
  37. سبأ 34:20
  38. سبأ 34:21
  39. سبأ 34:22
  40. سبأ 34:23
  41. سبأ 34:24
  42. سبأ 34:25
  43. سبأ 34:26
  44. سبأ 34:27
  45. سبأ 34:28
  46. سبأ 34:29
  47. سبأ 34:30
  48. سبأ 34:31
  49. سبأ 34:32
  50. سبأ 34:33
  51. سبأ 34:34
  52. سبأ 34:35
  53. سبأ 34:36
  54. سبأ 34:37
  55. سبأ 34:38
  56. سبأ 34:39
  57. سبأ 34:40
  58. سبأ 34:41
  59. سبأ 34:42
  60. سبأ 34:43
  61. سبأ 34:44
  62. سبأ 34:45
  63. سبأ 34:46
  64. سبأ 34:47
  65. سبأ 34:48
  66. سبأ 34:49
  67. سبأ 34:50
  68. سبأ 34:51
  69. سبأ 34:52
  70. سبأ 34:53
  71. سبأ 34:54

الأحزاب 33:57

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ اللهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهَ في الدُنْيا والآخِرَةِ وأعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا﴾ ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ هَذِهِ الآيَةُ شَرَّفَ اللهُ بِها رَسُولَهُ ﷺ، وذَكَرَ مَنزِلَتَهُ مِنهُ، وطَهَّرَ بِها سُوءَ فِعْلِ مَنِ اسْتَصْحَبَ في جِهَتِهِ فِكْرَةَ سُوءٍ في أمْرِ زَوْجاتِهِ، ونَحْوَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿ "يُصَلُّونَ"،﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ فِيهِ لِلَّهِ ولِلْمَلائِكَةِ، وهَذا قَوْلٌ مِنَ اللهِ تَعالى شَرَّفَ بِهِ مَلائِكَتَهُ، فَلا يَصْحَبُهُ الِاعْتِراضُ الَّذِي جاءَ في «قَوْلِ الخَطِيبِ عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ: "مَن أطاعَ اللهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، ومَن يَعْصِهِما فَقَدْ ضَلَّ"، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ"،» قالُوا: لِأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ البَشَرِ أنْ يَجْمَعَ ذِكْرَ اللهِ تَعالى مَعَ غَيْرِهِ في ضَمِيرٍ واحِدٍ، ولِلَّهِ أنْ يَفْعَلَ مِن ذَلِكَ ما شاءَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: في الكَلامِ حَذَفٌ تَقْدِيرُهُ: إنَّ اللهَ يُصَلِّي عَلى النَبِيِّ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ، ودَلَّ الظاهِرُ مِنَ القَوْلِ عَلى ما تُرِكَ، ولَيْسَ في الآيَةِ اجْتِماعٌ في ضَمِيرٍ، وذَلِكَ جائِزٌ لِلْبَشَرِ فِعْلُهُ، ولَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ"» لِهَذا المَعْنى، وإنَّما قالَهُ لِأنَّ الخَطِيبَ وقَفَ عَلى "وَمَن يَعْصِهِما" وسَكَتَ سَكْتَةً، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّ في كَلامِ النَبِيِّ ﷺ في مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ: "فَجَمَعَ ذِكْرَ اللهِ تَعالى مَعَ رَسُولِهِ في ضَمِيرٍ"، ومِمّا يُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ أنْ في كِتابِ مُسْلِمٍ: « "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ، قُلْ: ومَن يَعْصِ اللهَ ورَسُولَهُ"،» وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَمّا خَطَّأهُ في وقْفِهِ وقالَ لَهُ: « "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ"» أصْلَحَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ جَمِيعَ كَلامِهِ؛ لِأنَّ فَصْلَ ضَمِيرِ اسْمِ اللهِ تَعالى مِن (p-١٤٥)ضَمِيرِ غَيْرِهِ أولى لا مَحالَةَ، فَقالَ لَهُ. « "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ"» لِمَوْضِعٍ خَطَّأهُ في الوَقْفِ، وحَمَلَهُ عَلى الأُولى في فَصْلِ الضَمِيرَيْنِ. وإنْ كانَ جَمْعُهُما جائِزًا. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: "وَمَلائِكَتَهُ" بِنَصْبِ التاءِ عَطْفًا عَلى المَكْنُونِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى المَوْضِعِ قَبْلَ دُخُولِ "إنَّ"، وفي هَذا نَظَرٌ. وصَلاةُ اللهِ تَعالى رَحْمَةٌ مِنهُ وبَرَكَةٌ، وصَلاةُ المَلائِكَةِ دُعاءٌ وتَعْظِيمٌ، والصَلاةُ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ في كُلٍّ حِينِ مَنَّ الواجِباتِ وُجُوبَ السُنَنِ المُؤَكِّدَةِ الَّتِي لا يَصِحُّ تَرْكُها، ولا يَغْفَلُها إلّا مَن لا خَيْرَ فِيهِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أكْثِرُوا مِنَ الصَلاةِ عَلَيَّ يَوْمَ الجُمْعَةِ فَإنَّهُ يَوْمٌ مَشْهُودٌ".» وصِفَتُها ما ورَدَ عنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في كِتابِ الطَبَرِيُّ، ومِن طَرِيقِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ لَهُ قَوْمٌ مِنَ الصَحابَةِ؛ هَذا السَلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللهِ قَدْ عَرِفْناهُ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قالَ: "قُولُوا: اللهُمَّ صِلِّي عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ، كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وآلِ إبْراهِيمَ، وارْحَمْ مُحَمَّدًا وآلَ مُحَمَّدٍ كَما رَحِمَتْ إبْراهِيمَ وآلَ إبْراهِيمَ في العالَمِينَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ"،» وفي بَعْضِ الرِواياتِ زِيادَةٌ ونَقْصٌ، هَذا مَعْناهُ. وقَرَأ الحَسَنُ: "يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ"، وهَذِهِ الفاءُ تُقَوِّي مَعْنى الشَرْطِ، أيْ: صَلّى اللهُ فَصَلُّوا أنْتُمْ، كَما تَقُولُ: أعْطَيْتُكَ فَخُذْ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللهِ: "صَلُّوا عَلَيْهِ كَما صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةُ، قالَ الجُمْهُورُ مَعْناهُ: بِالكُفْرِ ونِسْبَةِ (p-١٤٦)الصاحِبِ والوَلَدِ والشَرِيكِ إلَيْهِ، ووَصْفِهِ بِما لا يَلِيقُ بِهِ، وفي الحَدِيثِ « (قالَ اللهُ: شَتَمَنِي عَبْدِي فَقالَ: إنْ لِي ولَدًا، وكَذَّبَنِي فَقالَ: إنَّهُ لَنْ يُبْعَثَ)،» وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ بِالتَصْوِيرِ والتَعْرِيضِ لِفِعْلٍ ما لا يَفْعَلُهُ إلّا اللهُ بِنَحْتِ الصُوَرِ وخَلْقِها، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "لَعَنَ اللهُ المُصَوِّرِينَ"،» وقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: يُؤْذُونَ أولِياءَ اللهِ. وإذايَةُ الرَسُولِ ﷺ هي بِما يُؤْذِيهِ مِنَ الأقْوالِ في غَيْرِ مَعْنًى واحِدٍ، مِنَ الأفْعالِ أيْضًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ في الَّذِينَ طَعَنُوا عَلَيْهِ حِينَ اتَّخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والطَعْنُ في تَأْمِيرِ أُسامَةَ إذايَةٌ لَهُ أيْضًا. وقَوْلُهُ: [لَعَنُوا] مَعْناهُ: أُبْعِدُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ. (p-١٤٧)وَإذايَةُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ هي أيْضًا بِالأفْعالِ والأقْوالِ القَبِيحَةِ والبُهْتانِ والكَذِبِ الفاحِشِ المُخْتَلَقِ، ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ يَوْمًا لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إنِّي قَرَأْتُ البارِحَةَ هَذِهِ الآيَةَ فَفَزِعَتْ مِنها ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةُ، واللهِ إنِّي لَأضْرِبَهم وأنْهَرَهُمْ، فَقالَ لَهُ أُبَيٌّ: لَسْتُ مِنهم يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّما أنْتَ مُعَلِّمٌ ومُقَوِّمٌ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قَرَأ: "إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ"، ثُمَّ قالَ لِأُبَيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كَيْفَ تَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ؟ فَقَرَأها كَما قَرَأها عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

الأحزاب 33:58

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ اللهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهَ في الدُنْيا والآخِرَةِ وأعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا﴾ ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ هَذِهِ الآيَةُ شَرَّفَ اللهُ بِها رَسُولَهُ ﷺ، وذَكَرَ مَنزِلَتَهُ مِنهُ، وطَهَّرَ بِها سُوءَ فِعْلِ مَنِ اسْتَصْحَبَ في جِهَتِهِ فِكْرَةَ سُوءٍ في أمْرِ زَوْجاتِهِ، ونَحْوَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿ "يُصَلُّونَ"،﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ فِيهِ لِلَّهِ ولِلْمَلائِكَةِ، وهَذا قَوْلٌ مِنَ اللهِ تَعالى شَرَّفَ بِهِ مَلائِكَتَهُ، فَلا يَصْحَبُهُ الِاعْتِراضُ الَّذِي جاءَ في «قَوْلِ الخَطِيبِ عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ: "مَن أطاعَ اللهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، ومَن يَعْصِهِما فَقَدْ ضَلَّ"، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ"،» قالُوا: لِأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ البَشَرِ أنْ يَجْمَعَ ذِكْرَ اللهِ تَعالى مَعَ غَيْرِهِ في ضَمِيرٍ واحِدٍ، ولِلَّهِ أنْ يَفْعَلَ مِن ذَلِكَ ما شاءَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: في الكَلامِ حَذَفٌ تَقْدِيرُهُ: إنَّ اللهَ يُصَلِّي عَلى النَبِيِّ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ، ودَلَّ الظاهِرُ مِنَ القَوْلِ عَلى ما تُرِكَ، ولَيْسَ في الآيَةِ اجْتِماعٌ في ضَمِيرٍ، وذَلِكَ جائِزٌ لِلْبَشَرِ فِعْلُهُ، ولَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ"» لِهَذا المَعْنى، وإنَّما قالَهُ لِأنَّ الخَطِيبَ وقَفَ عَلى "وَمَن يَعْصِهِما" وسَكَتَ سَكْتَةً، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّ في كَلامِ النَبِيِّ ﷺ في مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ: "فَجَمَعَ ذِكْرَ اللهِ تَعالى مَعَ رَسُولِهِ في ضَمِيرٍ"، ومِمّا يُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ أنْ في كِتابِ مُسْلِمٍ: « "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ، قُلْ: ومَن يَعْصِ اللهَ ورَسُولَهُ"،» وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَمّا خَطَّأهُ في وقْفِهِ وقالَ لَهُ: « "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ"» أصْلَحَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ جَمِيعَ كَلامِهِ؛ لِأنَّ فَصْلَ ضَمِيرِ اسْمِ اللهِ تَعالى مِن (p-١٤٥)ضَمِيرِ غَيْرِهِ أولى لا مَحالَةَ، فَقالَ لَهُ. « "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ"» لِمَوْضِعٍ خَطَّأهُ في الوَقْفِ، وحَمَلَهُ عَلى الأُولى في فَصْلِ الضَمِيرَيْنِ. وإنْ كانَ جَمْعُهُما جائِزًا. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: "وَمَلائِكَتَهُ" بِنَصْبِ التاءِ عَطْفًا عَلى المَكْنُونِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى المَوْضِعِ قَبْلَ دُخُولِ "إنَّ"، وفي هَذا نَظَرٌ. وصَلاةُ اللهِ تَعالى رَحْمَةٌ مِنهُ وبَرَكَةٌ، وصَلاةُ المَلائِكَةِ دُعاءٌ وتَعْظِيمٌ، والصَلاةُ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ في كُلٍّ حِينِ مَنَّ الواجِباتِ وُجُوبَ السُنَنِ المُؤَكِّدَةِ الَّتِي لا يَصِحُّ تَرْكُها، ولا يَغْفَلُها إلّا مَن لا خَيْرَ فِيهِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أكْثِرُوا مِنَ الصَلاةِ عَلَيَّ يَوْمَ الجُمْعَةِ فَإنَّهُ يَوْمٌ مَشْهُودٌ".» وصِفَتُها ما ورَدَ عنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في كِتابِ الطَبَرِيُّ، ومِن طَرِيقِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ لَهُ قَوْمٌ مِنَ الصَحابَةِ؛ هَذا السَلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللهِ قَدْ عَرِفْناهُ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قالَ: "قُولُوا: اللهُمَّ صِلِّي عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ، كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وآلِ إبْراهِيمَ، وارْحَمْ مُحَمَّدًا وآلَ مُحَمَّدٍ كَما رَحِمَتْ إبْراهِيمَ وآلَ إبْراهِيمَ في العالَمِينَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ"،» وفي بَعْضِ الرِواياتِ زِيادَةٌ ونَقْصٌ، هَذا مَعْناهُ. وقَرَأ الحَسَنُ: "يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ"، وهَذِهِ الفاءُ تُقَوِّي مَعْنى الشَرْطِ، أيْ: صَلّى اللهُ فَصَلُّوا أنْتُمْ، كَما تَقُولُ: أعْطَيْتُكَ فَخُذْ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللهِ: "صَلُّوا عَلَيْهِ كَما صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةُ، قالَ الجُمْهُورُ مَعْناهُ: بِالكُفْرِ ونِسْبَةِ (p-١٤٦)الصاحِبِ والوَلَدِ والشَرِيكِ إلَيْهِ، ووَصْفِهِ بِما لا يَلِيقُ بِهِ، وفي الحَدِيثِ « (قالَ اللهُ: شَتَمَنِي عَبْدِي فَقالَ: إنْ لِي ولَدًا، وكَذَّبَنِي فَقالَ: إنَّهُ لَنْ يُبْعَثَ)،» وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ بِالتَصْوِيرِ والتَعْرِيضِ لِفِعْلٍ ما لا يَفْعَلُهُ إلّا اللهُ بِنَحْتِ الصُوَرِ وخَلْقِها، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "لَعَنَ اللهُ المُصَوِّرِينَ"،» وقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: يُؤْذُونَ أولِياءَ اللهِ. وإذايَةُ الرَسُولِ ﷺ هي بِما يُؤْذِيهِ مِنَ الأقْوالِ في غَيْرِ مَعْنًى واحِدٍ، مِنَ الأفْعالِ أيْضًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ في الَّذِينَ طَعَنُوا عَلَيْهِ حِينَ اتَّخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والطَعْنُ في تَأْمِيرِ أُسامَةَ إذايَةٌ لَهُ أيْضًا. وقَوْلُهُ: [لَعَنُوا] مَعْناهُ: أُبْعِدُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ. (p-١٤٧)وَإذايَةُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ هي أيْضًا بِالأفْعالِ والأقْوالِ القَبِيحَةِ والبُهْتانِ والكَذِبِ الفاحِشِ المُخْتَلَقِ، ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ يَوْمًا لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إنِّي قَرَأْتُ البارِحَةَ هَذِهِ الآيَةَ فَفَزِعَتْ مِنها ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةُ، واللهِ إنِّي لَأضْرِبَهم وأنْهَرَهُمْ، فَقالَ لَهُ أُبَيٌّ: لَسْتُ مِنهم يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّما أنْتَ مُعَلِّمٌ ومُقَوِّمٌ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قَرَأ: "إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ"، ثُمَّ قالَ لِأُبَيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كَيْفَ تَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ؟ فَقَرَأها كَما قَرَأها عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

الأحزاب 33:59

قوله عزّ وجلّ: ﴿يا أيُّها النَبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لِما كانَتْ عادَةُ العَرَبِيّاتِ التَبَذُّلَ في مَعْنى الحَجَبَةِ، وكُنَّ يَكْشِفْنَ وُجُوهَهُنَّ كَما تَفْعَلُ الإماءُ، وكانَ ذَلِكَ داعِيًا إلى نَظَرِ الرِجالِ إلَيْهِنَّ وتَشَعُّبِ الفِكْرِ فِيهِنَّ، أمَرَ اللهُ تَعالى رَسُولَهُ ﷺ بِأمْرِهِنَّ بِإدْناءِ الجَلابِيبِ لِيَقَعَ تَسَتُّرُهُنَّ، فَيَكُفُّ عن مُعارَضَتِهِنَّ مَن كانَ غَزِلًا أو شابًّا. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في المَدِينَةِ قَوْمٌ يَجْلِسُونَ عَلى الصُعَداتِ لِرُؤْيَةِ النِساءِ ومُعارَضَتِهِنَّ ومُراوَدَتِهِنَّ، ونَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ. و"الجِلْبابُ": ثَوْبٌ أكْبَرُ مِنَ الخِمارِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ الرِداءُ. واخْتَلَفَ الناسُ في صُورَةِ إدْنائِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ: ذَلِكَ أنْ تَلْوِيَهُ المَرْأةُ حَتّى لا يَظْهَرَ مِنها إلّا عَيْنٌ واحِدَةٌ تُبْصِرُ بِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وقَتادَةُ: وذَلِكَ أنْ تَلْوِيَهُ فَوْقَ الجَبِينِ وتَشُدَّهُ ثُمَّ تَعْطِفُهُ عَلى الأنْفِ وإنْ ظَهَرَتْ عَيْناها، لَكِنَّهُ يَسْتُرُ الصَدْرَ ومُعْظَمَ الوَجْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ﴾، أيْ: عَلى الجُمْلَةِ بِالفَرْقِ حَتّى لا يَخْتَلِطْنَ بِالإماءِ، فَإذا عُرِفْنَ لَمْ يُقابَلْنَ بِأذى مِنَ المُعارِضَةٍ مُراقَبَةً لِرُتْبَةِ الحُرِّيَّةِ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ (p-١٤٨)تُعْرَفَ المَرْأةُ حَتّى تُعْلَمَ مَن هِيَ، وكانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ إذا رَأى أمَةً قَدْ تَقَنَّعَتْ قَنْعَها الدِرَّةَ مُحافَظَةً عَلى زِيِّ الحَرائِرِ. وباقِي الآيَةِ تَرْجِيَةٌ ولُطْفٌ وحَظٌّ عَلى التَوْبَةِ وتَطْمِيعٌ في رَحْمَةِ اللهِ، وفِيها تَأْنِيسٌ لِلنِّساءِ في تَرْكِ الجَلابِيبِ قَبْلَ هَذا الأمْرِ المَشْرُوعِ.

الأحزاب 33:60

قوله عزّ وجلّ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلا قَلِيلا﴾ ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلا﴾ ﴿سُنَّةَ اللهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا﴾ اللامُ في "لَئِنْ" هي المُؤْذِنَةُ بِمَجِيءِ القَسَمِ، واللامُ في "لَنُغْرِيَنَّكَ" هي لامُ القَسَمِ، وتَوَعَّدَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى هَذِهِ الأصْنافَ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَرَنَ تَوَعُّدَهُ بِقَرِينَةِ مُتابَعَتِهِمْ في تَرْكِهِمُ الِانْتِهاءَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ هَذِهِ الأصْنافَ لَمْ تَنْتَهِ، ولَمْ يُنَفِّذِ اللهُ تَعالى عَلَيْها هَذا الوَعِيدَ، فَهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِإنْفاذِ الوَعِيدِ في الآخِرَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ هَذِهِ الأصْنافَ انْتَهَتْ، وتَسَتَّرَ جَمِيعُهم بِأمْرِهِمْ وكَفَوْا، وما بَقِيَ مِن أمْرِهِمْ أنْفَذَ اللهُ تَعالى وعِيدًا بِإزائِهِ، وهو مِثْلُ نَهْيِ النَبِيِّ ﷺ عَنِ الصَلاةِ عَلَيْهِمْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أحَلَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالمُنافِقِينَ: مِنَ الإذْلالِ في إخْراجِهِمْ مِنَ المَسْجِدِ، وبِما نَزَلَ فِيهِمْ مِن سُورَةِ بَراءَةَ، وغَيْرِ ذَلِكَ، فَهم لَمْ يَمْتَثِلُوا الِانْتِهاءَ جُمْلَةً، ولا نَفَذَ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ كامِلًا. و"المُنافِقُونَ" صِنْفٌ يُظْهِرُ الإيمانَ ولا يُبْطِنُهُ، ﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، ﴿والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ﴾ هم قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَتَحَدَّثُونَ بِغَزْوِ العَرَبِ المَدِينَةَ، وبِأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَيُغْلَبُ، إلى نَحْوِ هَذا مِمّا يَرْجُفُونَ بِهِ نُفُوسَ المُؤْمِنِينَ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأصْنافُ مُفْتَرِقَةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ داخِلَةً: في جُمْلَةِ المُنافِقِينَ لَكِنَّهُ نَصَّ عَلى هاتَيْنِ الطائِفَتَيْنِ - وقَدْ ضَمَّهم عُمُومَ لَفْظَةِ النِفاقِ - تَنْبِيهًا عَلَيْهِمْ، وتَشْرِيدًا بِهِمْ، وغَضًّا مِنهم. و"نُغْرِيَنَّكَ" مَعْناهُ: نَحُضُّكَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ تَعْيِينِهِمْ لَكَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لِنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيْهِمْ، وقالَ قَتادَةُ: لِنَحْرُسَنَّكَ بِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ﴾ (p-١٤٩)أيْ بَعْدَ الإغْراءِ؛ لِأنَّكَ تَنْفِيهِمْ بِالإخافَةِ والقَتْلِ، ﴿إلا قَلِيلا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إلّا جِوارًا قَلِيلًا أو وقْتًا قَلِيلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إلّا عَدَدًا قَلِيلًا كَأنَّهُ قالَ: إلّا أقِلّاءَ. وقَوْلُهُ: "مَلْعُونِينَ" يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الذَمِّ، قالَهُ الطَبَرِيُّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن "أقِلّاءَ" الَّذِي قَدَّرْناهُ قَبْلُ في أحَدِ التَأْوِيلاتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "يُجاوِرُونَكَ" كَأنَّهُ قالَ: يَنْتَفُونَ مِنَ المَدِينَةِ مَلْعُونِينَ، [فَلَمّا تَقَرَّرَ "لا يُجاوِرُونَكَ" تَقْدِيرُ "يَنْتِفُونَ" حَسُنَ هَذا]، واللَعْنَةُ: الإبْعادُ، و"ثُقِفُوا" مَعْناهُ: حُصِرُوا وقُدِّرَ عَلَيْهِمْ، و"أُخِذُوا" مَعْناهُ: أُسِرُوا، والأخِيذُ: الأسِيرُ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: "أكْذَبُ مِنَ الأخِيذِ الصَبْحانِ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَقُتِّلُوا"﴾ بِشَدِّ التاءِ، ويُؤَيِّدُها المَصْدَرُ بَعْدَها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِتَخْفِيفِ التاءِ، والمَصْدَرُ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - عَلى غَيْرِ قِياسٍ، قالَ الأعْمَشُ: كُلُّ ما في القُرْآنِ غَيْرَ هَذا المَوْضِعِ فَهو "قُتِلُوا" بِالتَخْفِيفِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "سُنَّتَ اللهِ"﴾ [غافر: ٨٥] نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، ويَجُوزُ فِيهِ الإغْراءُ عَلى بُعْدٍ، و﴿الَّذِينَ خَلَوْا﴾ هم مُنافِقُو الأُمَمِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا﴾، أيْ: مِن غالِبٍ يَسْتَقِرُّ تَبْدِيلُهُ، فَيَخْرُجُ عَلى هَذا تَبْدِيلُ العُصاةِ والكَفَرَةِ، ويَخْرُجُ عنهُ ما يُبَدِّلُهُ اللهُ مِن سَنَةٍ بِسُنَّةٍ بِالنَسْخِ.

الأحزاب 33:61

قوله عزّ وجلّ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلا قَلِيلا﴾ ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلا﴾ ﴿سُنَّةَ اللهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا﴾ اللامُ في "لَئِنْ" هي المُؤْذِنَةُ بِمَجِيءِ القَسَمِ، واللامُ في "لَنُغْرِيَنَّكَ" هي لامُ القَسَمِ، وتَوَعَّدَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى هَذِهِ الأصْنافَ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَرَنَ تَوَعُّدَهُ بِقَرِينَةِ مُتابَعَتِهِمْ في تَرْكِهِمُ الِانْتِهاءَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ هَذِهِ الأصْنافَ لَمْ تَنْتَهِ، ولَمْ يُنَفِّذِ اللهُ تَعالى عَلَيْها هَذا الوَعِيدَ، فَهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِإنْفاذِ الوَعِيدِ في الآخِرَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ هَذِهِ الأصْنافَ انْتَهَتْ، وتَسَتَّرَ جَمِيعُهم بِأمْرِهِمْ وكَفَوْا، وما بَقِيَ مِن أمْرِهِمْ أنْفَذَ اللهُ تَعالى وعِيدًا بِإزائِهِ، وهو مِثْلُ نَهْيِ النَبِيِّ ﷺ عَنِ الصَلاةِ عَلَيْهِمْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أحَلَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالمُنافِقِينَ: مِنَ الإذْلالِ في إخْراجِهِمْ مِنَ المَسْجِدِ، وبِما نَزَلَ فِيهِمْ مِن سُورَةِ بَراءَةَ، وغَيْرِ ذَلِكَ، فَهم لَمْ يَمْتَثِلُوا الِانْتِهاءَ جُمْلَةً، ولا نَفَذَ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ كامِلًا. و"المُنافِقُونَ" صِنْفٌ يُظْهِرُ الإيمانَ ولا يُبْطِنُهُ، ﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، ﴿والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ﴾ هم قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَتَحَدَّثُونَ بِغَزْوِ العَرَبِ المَدِينَةَ، وبِأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَيُغْلَبُ، إلى نَحْوِ هَذا مِمّا يَرْجُفُونَ بِهِ نُفُوسَ المُؤْمِنِينَ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأصْنافُ مُفْتَرِقَةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ داخِلَةً: في جُمْلَةِ المُنافِقِينَ لَكِنَّهُ نَصَّ عَلى هاتَيْنِ الطائِفَتَيْنِ - وقَدْ ضَمَّهم عُمُومَ لَفْظَةِ النِفاقِ - تَنْبِيهًا عَلَيْهِمْ، وتَشْرِيدًا بِهِمْ، وغَضًّا مِنهم. و"نُغْرِيَنَّكَ" مَعْناهُ: نَحُضُّكَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ تَعْيِينِهِمْ لَكَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لِنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيْهِمْ، وقالَ قَتادَةُ: لِنَحْرُسَنَّكَ بِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ﴾ (p-١٤٩)أيْ بَعْدَ الإغْراءِ؛ لِأنَّكَ تَنْفِيهِمْ بِالإخافَةِ والقَتْلِ، ﴿إلا قَلِيلا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إلّا جِوارًا قَلِيلًا أو وقْتًا قَلِيلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إلّا عَدَدًا قَلِيلًا كَأنَّهُ قالَ: إلّا أقِلّاءَ. وقَوْلُهُ: "مَلْعُونِينَ" يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الذَمِّ، قالَهُ الطَبَرِيُّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن "أقِلّاءَ" الَّذِي قَدَّرْناهُ قَبْلُ في أحَدِ التَأْوِيلاتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "يُجاوِرُونَكَ" كَأنَّهُ قالَ: يَنْتَفُونَ مِنَ المَدِينَةِ مَلْعُونِينَ، [فَلَمّا تَقَرَّرَ "لا يُجاوِرُونَكَ" تَقْدِيرُ "يَنْتِفُونَ" حَسُنَ هَذا]، واللَعْنَةُ: الإبْعادُ، و"ثُقِفُوا" مَعْناهُ: حُصِرُوا وقُدِّرَ عَلَيْهِمْ، و"أُخِذُوا" مَعْناهُ: أُسِرُوا، والأخِيذُ: الأسِيرُ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: "أكْذَبُ مِنَ الأخِيذِ الصَبْحانِ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَقُتِّلُوا"﴾ بِشَدِّ التاءِ، ويُؤَيِّدُها المَصْدَرُ بَعْدَها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِتَخْفِيفِ التاءِ، والمَصْدَرُ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - عَلى غَيْرِ قِياسٍ، قالَ الأعْمَشُ: كُلُّ ما في القُرْآنِ غَيْرَ هَذا المَوْضِعِ فَهو "قُتِلُوا" بِالتَخْفِيفِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "سُنَّتَ اللهِ"﴾ [غافر: ٨٥] نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، ويَجُوزُ فِيهِ الإغْراءُ عَلى بُعْدٍ، و﴿الَّذِينَ خَلَوْا﴾ هم مُنافِقُو الأُمَمِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا﴾، أيْ: مِن غالِبٍ يَسْتَقِرُّ تَبْدِيلُهُ، فَيَخْرُجُ عَلى هَذا تَبْدِيلُ العُصاةِ والكَفَرَةِ، ويَخْرُجُ عنهُ ما يُبَدِّلُهُ اللهُ مِن سَنَةٍ بِسُنَّةٍ بِالنَسْخِ.

الأحزاب 33:62

قوله عزّ وجلّ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلا قَلِيلا﴾ ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلا﴾ ﴿سُنَّةَ اللهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا﴾ اللامُ في "لَئِنْ" هي المُؤْذِنَةُ بِمَجِيءِ القَسَمِ، واللامُ في "لَنُغْرِيَنَّكَ" هي لامُ القَسَمِ، وتَوَعَّدَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى هَذِهِ الأصْنافَ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَرَنَ تَوَعُّدَهُ بِقَرِينَةِ مُتابَعَتِهِمْ في تَرْكِهِمُ الِانْتِهاءَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ هَذِهِ الأصْنافَ لَمْ تَنْتَهِ، ولَمْ يُنَفِّذِ اللهُ تَعالى عَلَيْها هَذا الوَعِيدَ، فَهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِإنْفاذِ الوَعِيدِ في الآخِرَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ هَذِهِ الأصْنافَ انْتَهَتْ، وتَسَتَّرَ جَمِيعُهم بِأمْرِهِمْ وكَفَوْا، وما بَقِيَ مِن أمْرِهِمْ أنْفَذَ اللهُ تَعالى وعِيدًا بِإزائِهِ، وهو مِثْلُ نَهْيِ النَبِيِّ ﷺ عَنِ الصَلاةِ عَلَيْهِمْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أحَلَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالمُنافِقِينَ: مِنَ الإذْلالِ في إخْراجِهِمْ مِنَ المَسْجِدِ، وبِما نَزَلَ فِيهِمْ مِن سُورَةِ بَراءَةَ، وغَيْرِ ذَلِكَ، فَهم لَمْ يَمْتَثِلُوا الِانْتِهاءَ جُمْلَةً، ولا نَفَذَ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ كامِلًا. و"المُنافِقُونَ" صِنْفٌ يُظْهِرُ الإيمانَ ولا يُبْطِنُهُ، ﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، ﴿والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ﴾ هم قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَتَحَدَّثُونَ بِغَزْوِ العَرَبِ المَدِينَةَ، وبِأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَيُغْلَبُ، إلى نَحْوِ هَذا مِمّا يَرْجُفُونَ بِهِ نُفُوسَ المُؤْمِنِينَ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأصْنافُ مُفْتَرِقَةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ داخِلَةً: في جُمْلَةِ المُنافِقِينَ لَكِنَّهُ نَصَّ عَلى هاتَيْنِ الطائِفَتَيْنِ - وقَدْ ضَمَّهم عُمُومَ لَفْظَةِ النِفاقِ - تَنْبِيهًا عَلَيْهِمْ، وتَشْرِيدًا بِهِمْ، وغَضًّا مِنهم. و"نُغْرِيَنَّكَ" مَعْناهُ: نَحُضُّكَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ تَعْيِينِهِمْ لَكَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لِنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيْهِمْ، وقالَ قَتادَةُ: لِنَحْرُسَنَّكَ بِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ﴾ (p-١٤٩)أيْ بَعْدَ الإغْراءِ؛ لِأنَّكَ تَنْفِيهِمْ بِالإخافَةِ والقَتْلِ، ﴿إلا قَلِيلا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إلّا جِوارًا قَلِيلًا أو وقْتًا قَلِيلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إلّا عَدَدًا قَلِيلًا كَأنَّهُ قالَ: إلّا أقِلّاءَ. وقَوْلُهُ: "مَلْعُونِينَ" يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الذَمِّ، قالَهُ الطَبَرِيُّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن "أقِلّاءَ" الَّذِي قَدَّرْناهُ قَبْلُ في أحَدِ التَأْوِيلاتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "يُجاوِرُونَكَ" كَأنَّهُ قالَ: يَنْتَفُونَ مِنَ المَدِينَةِ مَلْعُونِينَ، [فَلَمّا تَقَرَّرَ "لا يُجاوِرُونَكَ" تَقْدِيرُ "يَنْتِفُونَ" حَسُنَ هَذا]، واللَعْنَةُ: الإبْعادُ، و"ثُقِفُوا" مَعْناهُ: حُصِرُوا وقُدِّرَ عَلَيْهِمْ، و"أُخِذُوا" مَعْناهُ: أُسِرُوا، والأخِيذُ: الأسِيرُ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: "أكْذَبُ مِنَ الأخِيذِ الصَبْحانِ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَقُتِّلُوا"﴾ بِشَدِّ التاءِ، ويُؤَيِّدُها المَصْدَرُ بَعْدَها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِتَخْفِيفِ التاءِ، والمَصْدَرُ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - عَلى غَيْرِ قِياسٍ، قالَ الأعْمَشُ: كُلُّ ما في القُرْآنِ غَيْرَ هَذا المَوْضِعِ فَهو "قُتِلُوا" بِالتَخْفِيفِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "سُنَّتَ اللهِ"﴾ [غافر: ٨٥] نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، ويَجُوزُ فِيهِ الإغْراءُ عَلى بُعْدٍ، و﴿الَّذِينَ خَلَوْا﴾ هم مُنافِقُو الأُمَمِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا﴾، أيْ: مِن غالِبٍ يَسْتَقِرُّ تَبْدِيلُهُ، فَيَخْرُجُ عَلى هَذا تَبْدِيلُ العُصاةِ والكَفَرَةِ، ويَخْرُجُ عنهُ ما يُبَدِّلُهُ اللهُ مِن سَنَةٍ بِسُنَّةٍ بِالنَسْخِ.

الأحزاب 33:63

(p-١٥٠)قوله عزّ وجلّ: ﴿يَسْألُكَ الناسُ عَنِ الساعَةِ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعَةِ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ ﴿إنَّ اللهَ لَعَنَ الكافِرِينَ وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أطَعْنا اللهَ وأطَعْنا الرَسُولا﴾ ﴿وَقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَبِيلا﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعنهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عن وقْتِ الساعَةِ مَتى هُوَ؟ فَلَمْ يُجِبْ في ذَلِكَ بِشَيْءٍ، ونَزَلَتِ الآيَةُ» آمِرَةً بِأنْ يَرُدَّ العِلْمَ فِيها إلى اللهِ؛ إذْ هي مِن مَفاتِيحِ الغَيْبِ الَّتِي اسْتَأْثَرَ اللهُ تَعالى بِعِلْمِها، ثُمَّ تَوَعَّدَ العالِمَ بِقُرْبِها في قَوْلِهِ: ﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ الآيَةُ.. أيْ: يَنْبَغِي أنْ تَحْذَرَ، و"قَرِيبًا" ظَرْفٌ لَفْظُهُ واحِدٌ جَمْعًا وإفْرادًا ومُذَكَّرًا ومُؤَنَّثًا، ولَوْ كانَ صِفَةً لِـ"الساعَةِ" لَكانَ "قَرِيبَةً". ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى الكافِرِينَ بِعَذابٍ لا ولِيَّ لَهم مِنهُ ولا ناصِرَ. وقَوْلُهُ: "يَوْمَ" يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ، والعامِلُ فِيهِ "يَجِدُونَ"، وهَذا تَقْدِيرُ الطَبَرِيُّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ "يَقُولُونَ" ويَكُونُ ظَرْفًا لِلْقَوْلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ"﴾ عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، بِضَمِّ التاءِ وشَدِّ اللامِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "تَقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ" بِفَتْحِ التاءِ، بِمَعْنى تَتَقَلَّبُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "تَتَقَلَّبُ" بِتاءَيْنِ، وقَرَأ خارِجَةُ، وأبُو حَيْوَةَ: "نُقَلِّبُ" بِالنُونِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ الكُوفِيُّ "تُقَلِّبُ" بِالتاءِ المَضْمُومَةِ وكَسْرِ اللامِ ونَصْبِ الوُجُوهِ، أيْ تُقَلِّبُ السَعِيرُ وُجُوهَهُمْ، فَيَوْمَئِذٍ يَتَمَنَّوْنَ الإيمانَ وطاعَةَ اللهِ ورَسُولِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ التَمَنِّي. ثُمَّ لاذُوا بِالتَشَكِّي مِن كُبَرائِهِمْ في أنَّهم أضَلُّوهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "سادَتَنا"،﴾ وهو جَمْعُ سَيِّدٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ - مِنَ السَبْعَةِ -، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والعامَّةُ في المَسْجِدِ الجامِعِ بِالبَصْرَةِ: "ساداتِنا"، عَلى جَمْعِ الجَمْعِ، و"السَبِيلا" مَفْعُولٌ ثانٍ؛ لِأنَّ "أضَلَّ" مُعَدّى بِالهَمْزَةِ، و"ضَلَّ" يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وهي سَبِيلُ الإيمانِ والهُدى، ثُمَّ دَعَوْا بِأنْ يُضاعِفَ اللهُ لِلْكُبَراءِ المُضِلِّينَ العَذابَ، أيْ: عن أنْفُسِهِمْ وعَمَّنْ أضَلُّوا. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، والأعْرَجُ - بِخِلافٍ عنهُ -: ﴿ "لَعْنًا كَبِيرًا"﴾ بِالباءِ، مِنَ الكِبَرِ، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: "لَعْنًا كَثِيرًا" بِالثاءِ ذاتِ الثَلاثِ، والكَثْرَةُ أشْبَهَ بِمَعْنى اللَعْنَةِ مِنَ الكِبَرِ، أيِ: العنهم مَرّاتٍ كَثِيرَةً.

الأحزاب 33:64

(p-١٥٠)قوله عزّ وجلّ: ﴿يَسْألُكَ الناسُ عَنِ الساعَةِ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعَةِ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ ﴿إنَّ اللهَ لَعَنَ الكافِرِينَ وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أطَعْنا اللهَ وأطَعْنا الرَسُولا﴾ ﴿وَقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَبِيلا﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعنهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عن وقْتِ الساعَةِ مَتى هُوَ؟ فَلَمْ يُجِبْ في ذَلِكَ بِشَيْءٍ، ونَزَلَتِ الآيَةُ» آمِرَةً بِأنْ يَرُدَّ العِلْمَ فِيها إلى اللهِ؛ إذْ هي مِن مَفاتِيحِ الغَيْبِ الَّتِي اسْتَأْثَرَ اللهُ تَعالى بِعِلْمِها، ثُمَّ تَوَعَّدَ العالِمَ بِقُرْبِها في قَوْلِهِ: ﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ الآيَةُ.. أيْ: يَنْبَغِي أنْ تَحْذَرَ، و"قَرِيبًا" ظَرْفٌ لَفْظُهُ واحِدٌ جَمْعًا وإفْرادًا ومُذَكَّرًا ومُؤَنَّثًا، ولَوْ كانَ صِفَةً لِـ"الساعَةِ" لَكانَ "قَرِيبَةً". ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى الكافِرِينَ بِعَذابٍ لا ولِيَّ لَهم مِنهُ ولا ناصِرَ. وقَوْلُهُ: "يَوْمَ" يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ، والعامِلُ فِيهِ "يَجِدُونَ"، وهَذا تَقْدِيرُ الطَبَرِيُّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ "يَقُولُونَ" ويَكُونُ ظَرْفًا لِلْقَوْلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ"﴾ عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، بِضَمِّ التاءِ وشَدِّ اللامِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "تَقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ" بِفَتْحِ التاءِ، بِمَعْنى تَتَقَلَّبُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "تَتَقَلَّبُ" بِتاءَيْنِ، وقَرَأ خارِجَةُ، وأبُو حَيْوَةَ: "نُقَلِّبُ" بِالنُونِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ الكُوفِيُّ "تُقَلِّبُ" بِالتاءِ المَضْمُومَةِ وكَسْرِ اللامِ ونَصْبِ الوُجُوهِ، أيْ تُقَلِّبُ السَعِيرُ وُجُوهَهُمْ، فَيَوْمَئِذٍ يَتَمَنَّوْنَ الإيمانَ وطاعَةَ اللهِ ورَسُولِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ التَمَنِّي. ثُمَّ لاذُوا بِالتَشَكِّي مِن كُبَرائِهِمْ في أنَّهم أضَلُّوهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "سادَتَنا"،﴾ وهو جَمْعُ سَيِّدٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ - مِنَ السَبْعَةِ -، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والعامَّةُ في المَسْجِدِ الجامِعِ بِالبَصْرَةِ: "ساداتِنا"، عَلى جَمْعِ الجَمْعِ، و"السَبِيلا" مَفْعُولٌ ثانٍ؛ لِأنَّ "أضَلَّ" مُعَدّى بِالهَمْزَةِ، و"ضَلَّ" يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وهي سَبِيلُ الإيمانِ والهُدى، ثُمَّ دَعَوْا بِأنْ يُضاعِفَ اللهُ لِلْكُبَراءِ المُضِلِّينَ العَذابَ، أيْ: عن أنْفُسِهِمْ وعَمَّنْ أضَلُّوا. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، والأعْرَجُ - بِخِلافٍ عنهُ -: ﴿ "لَعْنًا كَبِيرًا"﴾ بِالباءِ، مِنَ الكِبَرِ، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: "لَعْنًا كَثِيرًا" بِالثاءِ ذاتِ الثَلاثِ، والكَثْرَةُ أشْبَهَ بِمَعْنى اللَعْنَةِ مِنَ الكِبَرِ، أيِ: العنهم مَرّاتٍ كَثِيرَةً.

الأحزاب 33:65

(p-١٥٠)قوله عزّ وجلّ: ﴿يَسْألُكَ الناسُ عَنِ الساعَةِ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعَةِ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ ﴿إنَّ اللهَ لَعَنَ الكافِرِينَ وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أطَعْنا اللهَ وأطَعْنا الرَسُولا﴾ ﴿وَقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَبِيلا﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعنهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عن وقْتِ الساعَةِ مَتى هُوَ؟ فَلَمْ يُجِبْ في ذَلِكَ بِشَيْءٍ، ونَزَلَتِ الآيَةُ» آمِرَةً بِأنْ يَرُدَّ العِلْمَ فِيها إلى اللهِ؛ إذْ هي مِن مَفاتِيحِ الغَيْبِ الَّتِي اسْتَأْثَرَ اللهُ تَعالى بِعِلْمِها، ثُمَّ تَوَعَّدَ العالِمَ بِقُرْبِها في قَوْلِهِ: ﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ الآيَةُ.. أيْ: يَنْبَغِي أنْ تَحْذَرَ، و"قَرِيبًا" ظَرْفٌ لَفْظُهُ واحِدٌ جَمْعًا وإفْرادًا ومُذَكَّرًا ومُؤَنَّثًا، ولَوْ كانَ صِفَةً لِـ"الساعَةِ" لَكانَ "قَرِيبَةً". ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى الكافِرِينَ بِعَذابٍ لا ولِيَّ لَهم مِنهُ ولا ناصِرَ. وقَوْلُهُ: "يَوْمَ" يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ، والعامِلُ فِيهِ "يَجِدُونَ"، وهَذا تَقْدِيرُ الطَبَرِيُّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ "يَقُولُونَ" ويَكُونُ ظَرْفًا لِلْقَوْلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ"﴾ عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، بِضَمِّ التاءِ وشَدِّ اللامِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "تَقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ" بِفَتْحِ التاءِ، بِمَعْنى تَتَقَلَّبُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "تَتَقَلَّبُ" بِتاءَيْنِ، وقَرَأ خارِجَةُ، وأبُو حَيْوَةَ: "نُقَلِّبُ" بِالنُونِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ الكُوفِيُّ "تُقَلِّبُ" بِالتاءِ المَضْمُومَةِ وكَسْرِ اللامِ ونَصْبِ الوُجُوهِ، أيْ تُقَلِّبُ السَعِيرُ وُجُوهَهُمْ، فَيَوْمَئِذٍ يَتَمَنَّوْنَ الإيمانَ وطاعَةَ اللهِ ورَسُولِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ التَمَنِّي. ثُمَّ لاذُوا بِالتَشَكِّي مِن كُبَرائِهِمْ في أنَّهم أضَلُّوهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "سادَتَنا"،﴾ وهو جَمْعُ سَيِّدٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ - مِنَ السَبْعَةِ -، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والعامَّةُ في المَسْجِدِ الجامِعِ بِالبَصْرَةِ: "ساداتِنا"، عَلى جَمْعِ الجَمْعِ، و"السَبِيلا" مَفْعُولٌ ثانٍ؛ لِأنَّ "أضَلَّ" مُعَدّى بِالهَمْزَةِ، و"ضَلَّ" يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وهي سَبِيلُ الإيمانِ والهُدى، ثُمَّ دَعَوْا بِأنْ يُضاعِفَ اللهُ لِلْكُبَراءِ المُضِلِّينَ العَذابَ، أيْ: عن أنْفُسِهِمْ وعَمَّنْ أضَلُّوا. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، والأعْرَجُ - بِخِلافٍ عنهُ -: ﴿ "لَعْنًا كَبِيرًا"﴾ بِالباءِ، مِنَ الكِبَرِ، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: "لَعْنًا كَثِيرًا" بِالثاءِ ذاتِ الثَلاثِ، والكَثْرَةُ أشْبَهَ بِمَعْنى اللَعْنَةِ مِنَ الكِبَرِ، أيِ: العنهم مَرّاتٍ كَثِيرَةً.

الأحزاب 33:66

(p-١٥٠)قوله عزّ وجلّ: ﴿يَسْألُكَ الناسُ عَنِ الساعَةِ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعَةِ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ ﴿إنَّ اللهَ لَعَنَ الكافِرِينَ وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أطَعْنا اللهَ وأطَعْنا الرَسُولا﴾ ﴿وَقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَبِيلا﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعنهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عن وقْتِ الساعَةِ مَتى هُوَ؟ فَلَمْ يُجِبْ في ذَلِكَ بِشَيْءٍ، ونَزَلَتِ الآيَةُ» آمِرَةً بِأنْ يَرُدَّ العِلْمَ فِيها إلى اللهِ؛ إذْ هي مِن مَفاتِيحِ الغَيْبِ الَّتِي اسْتَأْثَرَ اللهُ تَعالى بِعِلْمِها، ثُمَّ تَوَعَّدَ العالِمَ بِقُرْبِها في قَوْلِهِ: ﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ الآيَةُ.. أيْ: يَنْبَغِي أنْ تَحْذَرَ، و"قَرِيبًا" ظَرْفٌ لَفْظُهُ واحِدٌ جَمْعًا وإفْرادًا ومُذَكَّرًا ومُؤَنَّثًا، ولَوْ كانَ صِفَةً لِـ"الساعَةِ" لَكانَ "قَرِيبَةً". ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى الكافِرِينَ بِعَذابٍ لا ولِيَّ لَهم مِنهُ ولا ناصِرَ. وقَوْلُهُ: "يَوْمَ" يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ، والعامِلُ فِيهِ "يَجِدُونَ"، وهَذا تَقْدِيرُ الطَبَرِيُّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ "يَقُولُونَ" ويَكُونُ ظَرْفًا لِلْقَوْلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ"﴾ عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، بِضَمِّ التاءِ وشَدِّ اللامِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "تَقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ" بِفَتْحِ التاءِ، بِمَعْنى تَتَقَلَّبُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "تَتَقَلَّبُ" بِتاءَيْنِ، وقَرَأ خارِجَةُ، وأبُو حَيْوَةَ: "نُقَلِّبُ" بِالنُونِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ الكُوفِيُّ "تُقَلِّبُ" بِالتاءِ المَضْمُومَةِ وكَسْرِ اللامِ ونَصْبِ الوُجُوهِ، أيْ تُقَلِّبُ السَعِيرُ وُجُوهَهُمْ، فَيَوْمَئِذٍ يَتَمَنَّوْنَ الإيمانَ وطاعَةَ اللهِ ورَسُولِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ التَمَنِّي. ثُمَّ لاذُوا بِالتَشَكِّي مِن كُبَرائِهِمْ في أنَّهم أضَلُّوهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "سادَتَنا"،﴾ وهو جَمْعُ سَيِّدٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ - مِنَ السَبْعَةِ -، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والعامَّةُ في المَسْجِدِ الجامِعِ بِالبَصْرَةِ: "ساداتِنا"، عَلى جَمْعِ الجَمْعِ، و"السَبِيلا" مَفْعُولٌ ثانٍ؛ لِأنَّ "أضَلَّ" مُعَدّى بِالهَمْزَةِ، و"ضَلَّ" يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وهي سَبِيلُ الإيمانِ والهُدى، ثُمَّ دَعَوْا بِأنْ يُضاعِفَ اللهُ لِلْكُبَراءِ المُضِلِّينَ العَذابَ، أيْ: عن أنْفُسِهِمْ وعَمَّنْ أضَلُّوا. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، والأعْرَجُ - بِخِلافٍ عنهُ -: ﴿ "لَعْنًا كَبِيرًا"﴾ بِالباءِ، مِنَ الكِبَرِ، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: "لَعْنًا كَثِيرًا" بِالثاءِ ذاتِ الثَلاثِ، والكَثْرَةُ أشْبَهَ بِمَعْنى اللَعْنَةِ مِنَ الكِبَرِ، أيِ: العنهم مَرّاتٍ كَثِيرَةً.

الأحزاب 33:67

(p-١٥٠)قوله عزّ وجلّ: ﴿يَسْألُكَ الناسُ عَنِ الساعَةِ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعَةِ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ ﴿إنَّ اللهَ لَعَنَ الكافِرِينَ وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أطَعْنا اللهَ وأطَعْنا الرَسُولا﴾ ﴿وَقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَبِيلا﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعنهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عن وقْتِ الساعَةِ مَتى هُوَ؟ فَلَمْ يُجِبْ في ذَلِكَ بِشَيْءٍ، ونَزَلَتِ الآيَةُ» آمِرَةً بِأنْ يَرُدَّ العِلْمَ فِيها إلى اللهِ؛ إذْ هي مِن مَفاتِيحِ الغَيْبِ الَّتِي اسْتَأْثَرَ اللهُ تَعالى بِعِلْمِها، ثُمَّ تَوَعَّدَ العالِمَ بِقُرْبِها في قَوْلِهِ: ﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ الآيَةُ.. أيْ: يَنْبَغِي أنْ تَحْذَرَ، و"قَرِيبًا" ظَرْفٌ لَفْظُهُ واحِدٌ جَمْعًا وإفْرادًا ومُذَكَّرًا ومُؤَنَّثًا، ولَوْ كانَ صِفَةً لِـ"الساعَةِ" لَكانَ "قَرِيبَةً". ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى الكافِرِينَ بِعَذابٍ لا ولِيَّ لَهم مِنهُ ولا ناصِرَ. وقَوْلُهُ: "يَوْمَ" يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ، والعامِلُ فِيهِ "يَجِدُونَ"، وهَذا تَقْدِيرُ الطَبَرِيُّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ "يَقُولُونَ" ويَكُونُ ظَرْفًا لِلْقَوْلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ"﴾ عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، بِضَمِّ التاءِ وشَدِّ اللامِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "تَقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ" بِفَتْحِ التاءِ، بِمَعْنى تَتَقَلَّبُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "تَتَقَلَّبُ" بِتاءَيْنِ، وقَرَأ خارِجَةُ، وأبُو حَيْوَةَ: "نُقَلِّبُ" بِالنُونِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ الكُوفِيُّ "تُقَلِّبُ" بِالتاءِ المَضْمُومَةِ وكَسْرِ اللامِ ونَصْبِ الوُجُوهِ، أيْ تُقَلِّبُ السَعِيرُ وُجُوهَهُمْ، فَيَوْمَئِذٍ يَتَمَنَّوْنَ الإيمانَ وطاعَةَ اللهِ ورَسُولِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ التَمَنِّي. ثُمَّ لاذُوا بِالتَشَكِّي مِن كُبَرائِهِمْ في أنَّهم أضَلُّوهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "سادَتَنا"،﴾ وهو جَمْعُ سَيِّدٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ - مِنَ السَبْعَةِ -، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والعامَّةُ في المَسْجِدِ الجامِعِ بِالبَصْرَةِ: "ساداتِنا"، عَلى جَمْعِ الجَمْعِ، و"السَبِيلا" مَفْعُولٌ ثانٍ؛ لِأنَّ "أضَلَّ" مُعَدّى بِالهَمْزَةِ، و"ضَلَّ" يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وهي سَبِيلُ الإيمانِ والهُدى، ثُمَّ دَعَوْا بِأنْ يُضاعِفَ اللهُ لِلْكُبَراءِ المُضِلِّينَ العَذابَ، أيْ: عن أنْفُسِهِمْ وعَمَّنْ أضَلُّوا. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، والأعْرَجُ - بِخِلافٍ عنهُ -: ﴿ "لَعْنًا كَبِيرًا"﴾ بِالباءِ، مِنَ الكِبَرِ، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: "لَعْنًا كَثِيرًا" بِالثاءِ ذاتِ الثَلاثِ، والكَثْرَةُ أشْبَهَ بِمَعْنى اللَعْنَةِ مِنَ الكِبَرِ، أيِ: العنهم مَرّاتٍ كَثِيرَةً.

الأحزاب 33:68

(p-١٥٠)قوله عزّ وجلّ: ﴿يَسْألُكَ الناسُ عَنِ الساعَةِ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعَةِ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ ﴿إنَّ اللهَ لَعَنَ الكافِرِينَ وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أطَعْنا اللهَ وأطَعْنا الرَسُولا﴾ ﴿وَقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَبِيلا﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعنهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عن وقْتِ الساعَةِ مَتى هُوَ؟ فَلَمْ يُجِبْ في ذَلِكَ بِشَيْءٍ، ونَزَلَتِ الآيَةُ» آمِرَةً بِأنْ يَرُدَّ العِلْمَ فِيها إلى اللهِ؛ إذْ هي مِن مَفاتِيحِ الغَيْبِ الَّتِي اسْتَأْثَرَ اللهُ تَعالى بِعِلْمِها، ثُمَّ تَوَعَّدَ العالِمَ بِقُرْبِها في قَوْلِهِ: ﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ الآيَةُ.. أيْ: يَنْبَغِي أنْ تَحْذَرَ، و"قَرِيبًا" ظَرْفٌ لَفْظُهُ واحِدٌ جَمْعًا وإفْرادًا ومُذَكَّرًا ومُؤَنَّثًا، ولَوْ كانَ صِفَةً لِـ"الساعَةِ" لَكانَ "قَرِيبَةً". ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى الكافِرِينَ بِعَذابٍ لا ولِيَّ لَهم مِنهُ ولا ناصِرَ. وقَوْلُهُ: "يَوْمَ" يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ، والعامِلُ فِيهِ "يَجِدُونَ"، وهَذا تَقْدِيرُ الطَبَرِيُّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ "يَقُولُونَ" ويَكُونُ ظَرْفًا لِلْقَوْلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ"﴾ عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، بِضَمِّ التاءِ وشَدِّ اللامِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "تَقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ" بِفَتْحِ التاءِ، بِمَعْنى تَتَقَلَّبُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "تَتَقَلَّبُ" بِتاءَيْنِ، وقَرَأ خارِجَةُ، وأبُو حَيْوَةَ: "نُقَلِّبُ" بِالنُونِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ الكُوفِيُّ "تُقَلِّبُ" بِالتاءِ المَضْمُومَةِ وكَسْرِ اللامِ ونَصْبِ الوُجُوهِ، أيْ تُقَلِّبُ السَعِيرُ وُجُوهَهُمْ، فَيَوْمَئِذٍ يَتَمَنَّوْنَ الإيمانَ وطاعَةَ اللهِ ورَسُولِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ التَمَنِّي. ثُمَّ لاذُوا بِالتَشَكِّي مِن كُبَرائِهِمْ في أنَّهم أضَلُّوهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "سادَتَنا"،﴾ وهو جَمْعُ سَيِّدٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ - مِنَ السَبْعَةِ -، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والعامَّةُ في المَسْجِدِ الجامِعِ بِالبَصْرَةِ: "ساداتِنا"، عَلى جَمْعِ الجَمْعِ، و"السَبِيلا" مَفْعُولٌ ثانٍ؛ لِأنَّ "أضَلَّ" مُعَدّى بِالهَمْزَةِ، و"ضَلَّ" يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وهي سَبِيلُ الإيمانِ والهُدى، ثُمَّ دَعَوْا بِأنْ يُضاعِفَ اللهُ لِلْكُبَراءِ المُضِلِّينَ العَذابَ، أيْ: عن أنْفُسِهِمْ وعَمَّنْ أضَلُّوا. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، والأعْرَجُ - بِخِلافٍ عنهُ -: ﴿ "لَعْنًا كَبِيرًا"﴾ بِالباءِ، مِنَ الكِبَرِ، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: "لَعْنًا كَثِيرًا" بِالثاءِ ذاتِ الثَلاثِ، والكَثْرَةُ أشْبَهَ بِمَعْنى اللَعْنَةِ مِنَ الكِبَرِ، أيِ: العنهم مَرّاتٍ كَثِيرَةً.

الأحزاب 33:69

(p-١٥١)قوله عزّ وجلّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللهُ مِمّا قالُوا وكانَ عِنْدَ اللهُ وجِيهًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكم ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ومَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ الَّذِينَ آذَوْا مُوسى هم قَوْمٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، واخْتَلَفَ الناسُ في الإذايَةِ الَّتِي كانَتْ وبَرَّأهُ اللهُ مِنها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي قِصَّةُ قارُونَ وإدْخالِهِ المَرْأةَ البَغِيَّ في أنْ تَدَّعِيَ عَلى مُوسى، ثُمَّ تَبْرِئَتِها مُوسى وإشْهارِها لِمُداخَلَةِ قارُونَ، وقَدْ تَقَدَّمَتِ القِصَّةُ في ذِكْرِ قارُونَ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي أنَّ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ خَرَجا مِن فَحْصِ التِيهِ إلى جَبَلٍ، فَماتَ هارُونُ فِيهِ، فَجاءَ مُوسى وحْدَهُ، فَقالَ قَوْمٌ: هو قَتَلَهُ، فَبَعَثَ اللهُ مَلائِكَةً حَمَلُوا هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ حَتّى طافُوا بِهِ في أسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ، ورَأوا آيَةً عَظِيمَةً دَلَّتْهم عَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ أثَرُ [القَتْلِ]، ورُوِيَ أنَّهُ حَيِيَ فَأخْبَرَهم بِأمْرِهِ وبِبَراءَةِ مُوسى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وجَماعَةٌ: هي ما تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، قالَ: « "كانَ بَنُو إسْرائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُراةً، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ يَتَسَتَّرُ كَثِيرًا ويُخْفِي بَدَنَهُ، فَقالَ قَوْمٌ: هو آدَرُ أو أبْرَصُ أو بِهِ آفَةٌ فاغْتَسَلَ مُوسى يَوْمًا وحْدَهُ وجَعَلَ ثِيابَهُ عَلى حَجَرٍ، فَفَرَّ الحَجَرُ بِثِيابِهِ واتَّبَعَهُ مُوسى يَقُولُ: ثَوْبِيَ حَجَرُ، ثَوْبِيَ حَجَرُ، فَمَرَّ في اتِّباعِهِ عَلى مَلَأٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَرَأوهُ سَلِيمًا مِمّا ظُنَّ بِهِ..".. الحَدِيثُ» بِطُولِهِ خَرَّجَهُ البُخارِيُّ، فَبَرَّأهُ اللهُ مِمّا قالُوا. (p-١٥٢)وَ"الوَجِيهُ": المُكَرَّمُ الوَجْهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "وَكانَ عِنْدَ اللهِ"،﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَكانَ عَبْدُ اللهِ ". ثُمَّ وصّى اللهُ المُؤْمِنِينَ بِالقَوْلِ السَدادِ، وذَلِكَ يَعُمُّ جَمِيعَ الخَيْراتِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: أرادَ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، والسَدادُ يَعُمُّ جَمِيعَ هَذا، وإنْ كانَ ظاهِرُ الآيَةِ يُعْطِي أنَّهُ إنَّما أشارَ إلى ما يَكُونُ خِلافًا لِلْأذى الَّذِي قِيلَ في جِهَةِ الرَسُولِ ﷺ وجِهَةِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ وعَدَ تَعالى بِأنَّهُ يُجازِي عَلى القَوْلِ السَدّادِ بِإصْلاحِ الأعْمالِ وغُفْرانِ الذُنُوبِ. وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

الأحزاب 33:70

(p-١٥١)قوله عزّ وجلّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللهُ مِمّا قالُوا وكانَ عِنْدَ اللهُ وجِيهًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكم ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ومَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ الَّذِينَ آذَوْا مُوسى هم قَوْمٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، واخْتَلَفَ الناسُ في الإذايَةِ الَّتِي كانَتْ وبَرَّأهُ اللهُ مِنها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي قِصَّةُ قارُونَ وإدْخالِهِ المَرْأةَ البَغِيَّ في أنْ تَدَّعِيَ عَلى مُوسى، ثُمَّ تَبْرِئَتِها مُوسى وإشْهارِها لِمُداخَلَةِ قارُونَ، وقَدْ تَقَدَّمَتِ القِصَّةُ في ذِكْرِ قارُونَ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي أنَّ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ خَرَجا مِن فَحْصِ التِيهِ إلى جَبَلٍ، فَماتَ هارُونُ فِيهِ، فَجاءَ مُوسى وحْدَهُ، فَقالَ قَوْمٌ: هو قَتَلَهُ، فَبَعَثَ اللهُ مَلائِكَةً حَمَلُوا هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ حَتّى طافُوا بِهِ في أسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ، ورَأوا آيَةً عَظِيمَةً دَلَّتْهم عَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ أثَرُ [القَتْلِ]، ورُوِيَ أنَّهُ حَيِيَ فَأخْبَرَهم بِأمْرِهِ وبِبَراءَةِ مُوسى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وجَماعَةٌ: هي ما تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، قالَ: « "كانَ بَنُو إسْرائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُراةً، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ يَتَسَتَّرُ كَثِيرًا ويُخْفِي بَدَنَهُ، فَقالَ قَوْمٌ: هو آدَرُ أو أبْرَصُ أو بِهِ آفَةٌ فاغْتَسَلَ مُوسى يَوْمًا وحْدَهُ وجَعَلَ ثِيابَهُ عَلى حَجَرٍ، فَفَرَّ الحَجَرُ بِثِيابِهِ واتَّبَعَهُ مُوسى يَقُولُ: ثَوْبِيَ حَجَرُ، ثَوْبِيَ حَجَرُ، فَمَرَّ في اتِّباعِهِ عَلى مَلَأٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَرَأوهُ سَلِيمًا مِمّا ظُنَّ بِهِ..".. الحَدِيثُ» بِطُولِهِ خَرَّجَهُ البُخارِيُّ، فَبَرَّأهُ اللهُ مِمّا قالُوا. (p-١٥٢)وَ"الوَجِيهُ": المُكَرَّمُ الوَجْهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "وَكانَ عِنْدَ اللهِ"،﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَكانَ عَبْدُ اللهِ ". ثُمَّ وصّى اللهُ المُؤْمِنِينَ بِالقَوْلِ السَدادِ، وذَلِكَ يَعُمُّ جَمِيعَ الخَيْراتِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: أرادَ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، والسَدادُ يَعُمُّ جَمِيعَ هَذا، وإنْ كانَ ظاهِرُ الآيَةِ يُعْطِي أنَّهُ إنَّما أشارَ إلى ما يَكُونُ خِلافًا لِلْأذى الَّذِي قِيلَ في جِهَةِ الرَسُولِ ﷺ وجِهَةِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ وعَدَ تَعالى بِأنَّهُ يُجازِي عَلى القَوْلِ السَدّادِ بِإصْلاحِ الأعْمالِ وغُفْرانِ الذُنُوبِ. وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

الأحزاب 33:71

(p-١٥١)قوله عزّ وجلّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللهُ مِمّا قالُوا وكانَ عِنْدَ اللهُ وجِيهًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكم ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ومَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ الَّذِينَ آذَوْا مُوسى هم قَوْمٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، واخْتَلَفَ الناسُ في الإذايَةِ الَّتِي كانَتْ وبَرَّأهُ اللهُ مِنها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي قِصَّةُ قارُونَ وإدْخالِهِ المَرْأةَ البَغِيَّ في أنْ تَدَّعِيَ عَلى مُوسى، ثُمَّ تَبْرِئَتِها مُوسى وإشْهارِها لِمُداخَلَةِ قارُونَ، وقَدْ تَقَدَّمَتِ القِصَّةُ في ذِكْرِ قارُونَ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي أنَّ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ خَرَجا مِن فَحْصِ التِيهِ إلى جَبَلٍ، فَماتَ هارُونُ فِيهِ، فَجاءَ مُوسى وحْدَهُ، فَقالَ قَوْمٌ: هو قَتَلَهُ، فَبَعَثَ اللهُ مَلائِكَةً حَمَلُوا هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ حَتّى طافُوا بِهِ في أسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ، ورَأوا آيَةً عَظِيمَةً دَلَّتْهم عَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ أثَرُ [القَتْلِ]، ورُوِيَ أنَّهُ حَيِيَ فَأخْبَرَهم بِأمْرِهِ وبِبَراءَةِ مُوسى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وجَماعَةٌ: هي ما تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، قالَ: « "كانَ بَنُو إسْرائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُراةً، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ يَتَسَتَّرُ كَثِيرًا ويُخْفِي بَدَنَهُ، فَقالَ قَوْمٌ: هو آدَرُ أو أبْرَصُ أو بِهِ آفَةٌ فاغْتَسَلَ مُوسى يَوْمًا وحْدَهُ وجَعَلَ ثِيابَهُ عَلى حَجَرٍ، فَفَرَّ الحَجَرُ بِثِيابِهِ واتَّبَعَهُ مُوسى يَقُولُ: ثَوْبِيَ حَجَرُ، ثَوْبِيَ حَجَرُ، فَمَرَّ في اتِّباعِهِ عَلى مَلَأٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَرَأوهُ سَلِيمًا مِمّا ظُنَّ بِهِ..".. الحَدِيثُ» بِطُولِهِ خَرَّجَهُ البُخارِيُّ، فَبَرَّأهُ اللهُ مِمّا قالُوا. (p-١٥٢)وَ"الوَجِيهُ": المُكَرَّمُ الوَجْهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "وَكانَ عِنْدَ اللهِ"،﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَكانَ عَبْدُ اللهِ ". ثُمَّ وصّى اللهُ المُؤْمِنِينَ بِالقَوْلِ السَدادِ، وذَلِكَ يَعُمُّ جَمِيعَ الخَيْراتِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: أرادَ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، والسَدادُ يَعُمُّ جَمِيعَ هَذا، وإنْ كانَ ظاهِرُ الآيَةِ يُعْطِي أنَّهُ إنَّما أشارَ إلى ما يَكُونُ خِلافًا لِلْأذى الَّذِي قِيلَ في جِهَةِ الرَسُولِ ﷺ وجِهَةِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ وعَدَ تَعالى بِأنَّهُ يُجازِي عَلى القَوْلِ السَدّادِ بِإصْلاحِ الأعْمالِ وغُفْرانِ الذُنُوبِ. وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

الأحزاب 33:72

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولا﴾ ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ويَتُوبَ اللهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ وكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في الأمانَةِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي أماناتُ المالِ كالوَدائِعِ ونَحْوِها، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ في كُلِّ الفَرائِضِ، وأشَدُّها أمانَةُ المالِ. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ هي الجُمْهُورُ إلى أنَّها كُلُّ شَيْءٍ يُؤْتَمَنُ الإنْسانُ عَلَيْهِ، مِن أمْرٍ ونَهْيٍ وشَأْنِ دِينٍ ودُنْيا، فالشَرْعُ كُلُّهُ أمانَةٌ، قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مِنَ الأمانَةِ أنْ تُؤْتَمَنَ المَرْأةُ عَلى فَرْجِها، وقالَ أبُو الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: غُسْلُ الجَنابَةِ أمانَةٌ، ومَعْنى الآيَةِ: إنّا عَرَضْنا عَلى هَذِهِ المَخْلُوقاتِ العِظامِ أنْ تَحْمِلَ الأوامِرَ والنَواهِيَ، وتَقْتَضِي الثَوابَ إنْ أحْسَنَتْ والعِقابَ إنْ أساءَتْ، فَأبَتْ هَذِهِ المَخْلُوقاتُ وأشْفَقَتْ. (p-١٥٣)وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا بِإدْراكٍ يَخْلُقُهُ اللهُ لَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا العَرْضُ عَلى مَن فِيها مِنَ المَلائِكَةِ، ورُوِيَ أنَّها قالَتْ: رَبِّ ذَرْنِي مُسَخَّرَةً لِما شِئْتَ أنْتَ، طائِعَةً فِيهِ، ولا تَكِلْنِي إلى نَظَرِي وعَمَلِي، ولا أُرِيدُ ثَوابًا، وحَمَلَ الإنْسانُ الأمانَةَ: أيِ: التَزَمَ القِيامَ بِحَقِّها، وهو في ذَلِكَ ظَلُومٌ لِنَفْسِهِ، جَهُولٌ بِقَدْرِ ما دَخَلَ فِيهِ، وهَذا هو تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ. وقالَ الحَسَنُ: "وَحَمَلَها" مَعْناهُ خانَ فِيها، والآيَةُ في الكافِرِ والمُنافِقِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والعُصاةِ عَلى قَدْرِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأصْحابُهُ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُ: الإنْسانُ: آدَمُ، تَحَمَّلَ الأمانَةَ، فَما تَمَّ لَهُ يَوْمٌ حَتّى عَصى المَعْصِيَةَ الَّتِي أخْرَجَتْهُ مِنَ الجَنَّةِ، ورُوِيَ «أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى قالَ لَهُ: يا آدَمُ، إنِّي عَرَضْتُ الأمانَةَ عَلى السَماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها، وأشْفَقْنَ مِنها، أفَتَحْمِلُها أنْتَ بِما فِيها؟ قالَ: وما فِيها؟ قالَ: إنْ أحْسَنْتَ أُجِرْتَ، وإنْ أسَأْتَ عُوقِبْتَ، قالَ: نَعَمْ قَدْ حَمَلْتُها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فَما مَرَّ لَهُ ما بَيْنَ الأُولى والعَصْرِ حَتّى عَصى رَبَّهُ.» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ: الإنْسانُ ابْنُ آدَمَ، قابِيلُ الَّذِي قَتَلَ أخاهُ، وكانَ قَدْ تَحَمَّلَ لِأبِيهِ الأمانَةَ أنْ يَحْفَظَ الأهْلَ بَعْدَهُ، وكانَ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ سافَرَ إلى مَكَّةَ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ. وقالَ بَعْضُهُمُ: الإنْسانُ: النَوْعُ كُلُّهُ، وهَذا حَسَنٌ مَعَ عُمُومِ الأمانَةِ. وقالَ الزَجّاجُ: مَعْنى الآيَةِ: إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ في نَواهِينا وأوامِرِنا عَلى هَذِهِ المَخْلُوقاتِ، فَقُمْنَ بِأمْرِها، وأطَعْنَ فِيما كَلَّفْناها، وتَأبَّيْنَ مِن حَمْلِ المَذَمَّةِ في مَعْصِيَتِنا، وحَمَلَ الإنْسانُ المَذَمَّةَ فِيما كَلَّفْناهُ مِن أوامِرِنا وشَرْعِنا، والإنْسانُ - عَلى تَأْوِيلِهِ - الكافِرُ والعاصِي. وتَسْتَقِيمُ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، فَعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ الَّذِي حَكَيْناهُ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] إجابَةً لِأمْرٍ أُمِرَتْ بِهِ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ إبايَةً وإشْفاقًا (p-١٥٤)مِن أمْرِ عُرِضَ عَلَيْها وخُيِّرَتْ فِيهِ، ورُوِيَ «أنَّ اللهَ عَرَضَ الأمانَةَ عَلى هَذِهِ المَخْلُوقاتِ فَأبَتْ. فَلَمّا عَرَضَها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ: أنا أحْمِلُها بَيْنَ أُذُنِي وعاتِقِي، فَقالَ اللهُ: إنِّي سَأُعِينُكَ، قَدْ جَعَلْتُ لِبَصَرِكَ حِجابًا فَأغْلِقْهُ عَمّا لا يَحِلُّ لَكَ، ولِفَرْجِكَ لِباسًا فَلا تَكْشِفْهُ إلاَّ عَلى ما أحْلَلْتُ لَكَ.» ورُوِيَ في هَذا المَعْنى أشْياءُ تَرَكْتُها اخْتِصارًا لِعَدَمِ صِحَّتِها. وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الآيَةَ مِنَ المَجازِ، أيْ: إنّا إذا قايَسْنا ثِقَلَ الأمانَةِ بِقُوَّةِ السَمَواتِ والأرْضِ والجِبالِ رَأيْنا أنَّها لا تُطِيقُها، وأنَّها لَوْ تَكَلَّمَتْ لَأبَتْها وأشْفَقَتْ، فَعَبَّرَ عن هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ بِالآيَةِ، وهَذا كَما تَقُولُ: عَرَضْتُ الحِمْلَ عَلى البَعِيرِ فَأباهُ، وأنْتَ تُرِيدُ بِذَلِكَ: قايَسْتُ قُوَّتَهُ بِثِقَلِ الحِمْلِ فَرَأيْتُ أنَّها تَقْصُرُ عنهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ﴾ اللامُ لامُ العاقِبَةِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لَمْ يَحْمِلْ لِيَقَعَ العَذابُ، لَكِنْ حَمَلَ فَصارَ الأمْرُ وآلَ إلى أنْ يُعَذَّبَ مَن نافَقَ ومَن أشْرَكَ، وأنْ يَتُوبَ عَلى مَن آمَنَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَتُوبَ" نَصْبًا، عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ "لِيُعَذِّبَ"،﴾ ورَفَعَها الحَسَنُ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ. وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ. كَمُلَ بِعَوْنِ اللهِ وتَوْفِيقِهِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الأحْزابِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

الأحزاب 33:73

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولا﴾ ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ويَتُوبَ اللهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ وكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في الأمانَةِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي أماناتُ المالِ كالوَدائِعِ ونَحْوِها، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ في كُلِّ الفَرائِضِ، وأشَدُّها أمانَةُ المالِ. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ هي الجُمْهُورُ إلى أنَّها كُلُّ شَيْءٍ يُؤْتَمَنُ الإنْسانُ عَلَيْهِ، مِن أمْرٍ ونَهْيٍ وشَأْنِ دِينٍ ودُنْيا، فالشَرْعُ كُلُّهُ أمانَةٌ، قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مِنَ الأمانَةِ أنْ تُؤْتَمَنَ المَرْأةُ عَلى فَرْجِها، وقالَ أبُو الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: غُسْلُ الجَنابَةِ أمانَةٌ، ومَعْنى الآيَةِ: إنّا عَرَضْنا عَلى هَذِهِ المَخْلُوقاتِ العِظامِ أنْ تَحْمِلَ الأوامِرَ والنَواهِيَ، وتَقْتَضِي الثَوابَ إنْ أحْسَنَتْ والعِقابَ إنْ أساءَتْ، فَأبَتْ هَذِهِ المَخْلُوقاتُ وأشْفَقَتْ. (p-١٥٣)وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا بِإدْراكٍ يَخْلُقُهُ اللهُ لَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا العَرْضُ عَلى مَن فِيها مِنَ المَلائِكَةِ، ورُوِيَ أنَّها قالَتْ: رَبِّ ذَرْنِي مُسَخَّرَةً لِما شِئْتَ أنْتَ، طائِعَةً فِيهِ، ولا تَكِلْنِي إلى نَظَرِي وعَمَلِي، ولا أُرِيدُ ثَوابًا، وحَمَلَ الإنْسانُ الأمانَةَ: أيِ: التَزَمَ القِيامَ بِحَقِّها، وهو في ذَلِكَ ظَلُومٌ لِنَفْسِهِ، جَهُولٌ بِقَدْرِ ما دَخَلَ فِيهِ، وهَذا هو تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ. وقالَ الحَسَنُ: "وَحَمَلَها" مَعْناهُ خانَ فِيها، والآيَةُ في الكافِرِ والمُنافِقِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والعُصاةِ عَلى قَدْرِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأصْحابُهُ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُ: الإنْسانُ: آدَمُ، تَحَمَّلَ الأمانَةَ، فَما تَمَّ لَهُ يَوْمٌ حَتّى عَصى المَعْصِيَةَ الَّتِي أخْرَجَتْهُ مِنَ الجَنَّةِ، ورُوِيَ «أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى قالَ لَهُ: يا آدَمُ، إنِّي عَرَضْتُ الأمانَةَ عَلى السَماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها، وأشْفَقْنَ مِنها، أفَتَحْمِلُها أنْتَ بِما فِيها؟ قالَ: وما فِيها؟ قالَ: إنْ أحْسَنْتَ أُجِرْتَ، وإنْ أسَأْتَ عُوقِبْتَ، قالَ: نَعَمْ قَدْ حَمَلْتُها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فَما مَرَّ لَهُ ما بَيْنَ الأُولى والعَصْرِ حَتّى عَصى رَبَّهُ.» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ: الإنْسانُ ابْنُ آدَمَ، قابِيلُ الَّذِي قَتَلَ أخاهُ، وكانَ قَدْ تَحَمَّلَ لِأبِيهِ الأمانَةَ أنْ يَحْفَظَ الأهْلَ بَعْدَهُ، وكانَ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ سافَرَ إلى مَكَّةَ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ. وقالَ بَعْضُهُمُ: الإنْسانُ: النَوْعُ كُلُّهُ، وهَذا حَسَنٌ مَعَ عُمُومِ الأمانَةِ. وقالَ الزَجّاجُ: مَعْنى الآيَةِ: إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ في نَواهِينا وأوامِرِنا عَلى هَذِهِ المَخْلُوقاتِ، فَقُمْنَ بِأمْرِها، وأطَعْنَ فِيما كَلَّفْناها، وتَأبَّيْنَ مِن حَمْلِ المَذَمَّةِ في مَعْصِيَتِنا، وحَمَلَ الإنْسانُ المَذَمَّةَ فِيما كَلَّفْناهُ مِن أوامِرِنا وشَرْعِنا، والإنْسانُ - عَلى تَأْوِيلِهِ - الكافِرُ والعاصِي. وتَسْتَقِيمُ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، فَعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ الَّذِي حَكَيْناهُ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] إجابَةً لِأمْرٍ أُمِرَتْ بِهِ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ إبايَةً وإشْفاقًا (p-١٥٤)مِن أمْرِ عُرِضَ عَلَيْها وخُيِّرَتْ فِيهِ، ورُوِيَ «أنَّ اللهَ عَرَضَ الأمانَةَ عَلى هَذِهِ المَخْلُوقاتِ فَأبَتْ. فَلَمّا عَرَضَها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ: أنا أحْمِلُها بَيْنَ أُذُنِي وعاتِقِي، فَقالَ اللهُ: إنِّي سَأُعِينُكَ، قَدْ جَعَلْتُ لِبَصَرِكَ حِجابًا فَأغْلِقْهُ عَمّا لا يَحِلُّ لَكَ، ولِفَرْجِكَ لِباسًا فَلا تَكْشِفْهُ إلاَّ عَلى ما أحْلَلْتُ لَكَ.» ورُوِيَ في هَذا المَعْنى أشْياءُ تَرَكْتُها اخْتِصارًا لِعَدَمِ صِحَّتِها. وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الآيَةَ مِنَ المَجازِ، أيْ: إنّا إذا قايَسْنا ثِقَلَ الأمانَةِ بِقُوَّةِ السَمَواتِ والأرْضِ والجِبالِ رَأيْنا أنَّها لا تُطِيقُها، وأنَّها لَوْ تَكَلَّمَتْ لَأبَتْها وأشْفَقَتْ، فَعَبَّرَ عن هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ بِالآيَةِ، وهَذا كَما تَقُولُ: عَرَضْتُ الحِمْلَ عَلى البَعِيرِ فَأباهُ، وأنْتَ تُرِيدُ بِذَلِكَ: قايَسْتُ قُوَّتَهُ بِثِقَلِ الحِمْلِ فَرَأيْتُ أنَّها تَقْصُرُ عنهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ﴾ اللامُ لامُ العاقِبَةِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لَمْ يَحْمِلْ لِيَقَعَ العَذابُ، لَكِنْ حَمَلَ فَصارَ الأمْرُ وآلَ إلى أنْ يُعَذَّبَ مَن نافَقَ ومَن أشْرَكَ، وأنْ يَتُوبَ عَلى مَن آمَنَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَتُوبَ" نَصْبًا، عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ "لِيُعَذِّبَ"،﴾ ورَفَعَها الحَسَنُ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ. وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ. كَمُلَ بِعَوْنِ اللهِ وتَوْفِيقِهِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الأحْزابِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

سبأ 34:1

(p-١٥٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ سَبَإٍ هِيَ مَكِّيَّةٌ، واخْتُلِفَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [سبإ: ٦] الآيَةَ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَكِّيَّةٌ، والمُرادُ المُؤْمِنُونَ بِالنَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَدَنِيَّةٌ، والمُرادُ مَن أسْلَمَ بِالمَدِينَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ كابْنِ سَلامٍ وأشْباهِهِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو الرَحِيمُ الغَفُورُ﴾ الألِفُ واللامُ في ﴿ "الحَمْدُ"﴾ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ، أيِ: الحَمْدُ عَلى تَنَوُّعِهِ هو لِلَّهِ تَعالى مِن جَمِيعِ جِهاتِ الفِكْرَةِ، ثُمَّ جاءَ بِالصِفاتِ الَّتِي تَسْتَوْجِبُ المَحامِدَ، وهِيَ: مِلْكُهُ جَمِيعَ ما في السَمَواتِ وما في الأرْضِ، وعِلْمُهُ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ، وخِبْرَتُهُ بِالأشْياءِ، إذْ وُجُودُها إنَّما هو بِهِ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ، ورَحْمَتُهُ بِأنْواعِ خَلْقِهِ، وغُفْرانُهُ لِمَن سَبَقَ في عِلْمِهِ أنْ يَغْفِرَ لَهُ مِن مُؤْمِنٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الألِفُ واللاَّمُ لِلْجِنْسِ أيْضًا، وتَكُونَ الآيَةُ خَبَرًا أنَّ الحَمْدَ في الآخِرَةِ هو لَهُ وحْدَهُ لِإنْعامِهِ وإفْضالِهِ وتَغَمُّدِهِ وظُهُورِ قُدْرَتِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الألِفُ واللاَّمُ فِيهِ لِلْعَهْدِ والإشارَةِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]، أو إلى قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤]. (p-١٥٦)وَ"يَلِجُ" مَعْناهُ: يَدْخُلُ، ومِنهُ قَوْلُ شاعِرٍ: ؎ رَأيْتُ القَوافِي يَتَّلِجْنَ مَوالِجًا ∗∗∗ تَضايَقُ عنها أنْ تَوَلَّجَها الإبَرْ و"يَعْرُجُ" مَعْناهُ: يَصْعَدُ. وهَذِهِ الرُتَبُ حَصَرَتْ كُلَّما يَصِحُّ عِلْمُهُ مِن شَخْصٍ أو قَوْلٍ أو مَعْنى، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "وَما يُنَزَّلُ مِنَ السَماءِ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُونِ وشَدِّ الزايِ.

سبأ 34:2

(p-١٥٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ سَبَإٍ هِيَ مَكِّيَّةٌ، واخْتُلِفَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [سبإ: ٦] الآيَةَ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَكِّيَّةٌ، والمُرادُ المُؤْمِنُونَ بِالنَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَدَنِيَّةٌ، والمُرادُ مَن أسْلَمَ بِالمَدِينَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ كابْنِ سَلامٍ وأشْباهِهِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو الرَحِيمُ الغَفُورُ﴾ الألِفُ واللامُ في ﴿ "الحَمْدُ"﴾ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ، أيِ: الحَمْدُ عَلى تَنَوُّعِهِ هو لِلَّهِ تَعالى مِن جَمِيعِ جِهاتِ الفِكْرَةِ، ثُمَّ جاءَ بِالصِفاتِ الَّتِي تَسْتَوْجِبُ المَحامِدَ، وهِيَ: مِلْكُهُ جَمِيعَ ما في السَمَواتِ وما في الأرْضِ، وعِلْمُهُ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ، وخِبْرَتُهُ بِالأشْياءِ، إذْ وُجُودُها إنَّما هو بِهِ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ، ورَحْمَتُهُ بِأنْواعِ خَلْقِهِ، وغُفْرانُهُ لِمَن سَبَقَ في عِلْمِهِ أنْ يَغْفِرَ لَهُ مِن مُؤْمِنٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الألِفُ واللاَّمُ لِلْجِنْسِ أيْضًا، وتَكُونَ الآيَةُ خَبَرًا أنَّ الحَمْدَ في الآخِرَةِ هو لَهُ وحْدَهُ لِإنْعامِهِ وإفْضالِهِ وتَغَمُّدِهِ وظُهُورِ قُدْرَتِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الألِفُ واللاَّمُ فِيهِ لِلْعَهْدِ والإشارَةِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]، أو إلى قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤]. (p-١٥٦)وَ"يَلِجُ" مَعْناهُ: يَدْخُلُ، ومِنهُ قَوْلُ شاعِرٍ: ؎ رَأيْتُ القَوافِي يَتَّلِجْنَ مَوالِجًا ∗∗∗ تَضايَقُ عنها أنْ تَوَلَّجَها الإبَرْ و"يَعْرُجُ" مَعْناهُ: يَصْعَدُ. وهَذِهِ الرُتَبُ حَصَرَتْ كُلَّما يَصِحُّ عِلْمُهُ مِن شَخْصٍ أو قَوْلٍ أو مَعْنى، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "وَما يُنَزَّلُ مِنَ السَماءِ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُونِ وشَدِّ الزايِ.

سبأ 34:3

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا الساعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكم عالِمِ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عنهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ رُوِيَ أنَّ قائِلَ هَذِهِ المَقالَةِ هو أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وقالَ: "واللاتِ والعُزّى ما ثَمَّ ساعَةٌ تَأْتِي، ولا قِيامَةٌ ولا حَشْرٌ". فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُقْسِمَ بِرَبِّهِ مُقابَلَةً لِقَسَمِ أبِي سُفْيانَ، قِيلَ: رَدًّا وتَكْذِيبًا وإيجابًا لِما نَفاهُ، وأجازَ نافِعٌ الوَقْفَ عَلى "بَلى"، وقَرَأ (p-١٥٧)الجُمْهُورُ: ﴿ "لَتَأْتِيَنَّكُمْ"﴾ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وحَكى أبُو حاتِمٍ قِراءَةً: "لَيَأْتِيَنَّكُمْ" بِالياءِ عَلى المَعْنى في البَعْثِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ - بِخِلافٍ عنهُ -: "عالِمِ" بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن "رَبِّي"، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "عالِمُ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ، أيْ: هو عالِمٌ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "عالِمُ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ "لا يَعْزُبُ" وما بَعْدَهُ، ويَكُونَ الإخْبارُ بِأنَّ "العالِمُ" لا يَعْزُبُ عنهُ شَيْءٌ إشارَةً إلى أنَّهُ قَدْ قَدَّرَ وقْتَها وعَلِمَهُ، والوَجْهُ الأوَّلُ أقْرَبُ، وقَرَأ حَمْزَةٌ، والكِسائِيُّ: "عَلّامِ" عَلى المُبالَغَةِ وبِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ. و"يَعْزُبُ" مَعْناهُ: يَغِيبُ ويَبْعُدُ، وبِهِ فَسَّرَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ بِضَمِّ الزايِ، وخَفَضَها الكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وهُما لُغَتانِ. و"مِثْقالُ ذَرَّةٍ" مَعْناهُ: مِقْدارُ تَثاقُلِها، وهَذا في الأجْرامِ بَيِّنٌ، وفي المَعانِي بِالمُقايَسَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "وَلا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ"﴾ بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: "مِثْقالُ"، وقَرَأ نافِعٌ، والأعْمَشُ، وقَتادَةُ: "أصْغَرَ"، و"أكْبَرَ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "ذَرَّةٍ"، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وفي قَوْلِهِ: ﴿إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ضَمِيرٌ تَقْدِيرُهُ: إلّا هو في كِتابٍ مُبِينٍ، و"الكِتابُ المُبِينُ" هو اللَوْحُ المَحْفُوظُ. واللامُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ "لِيَجْزِيَ"﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ: "لَتَأْتِيَنَّكُمْ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ: "لا يَعْزُبُ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِما في قَوْلِهِ: ﴿إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ مِن مَعْنى الفِعْلِ؛ لِأنَّ المَعْنى: إلّا أُثْبِتُهُ في كِتابٍ مُبِينٍ. و"المَغْفِرَةُ" تَغَمُّدُ الذُنُوبِ، و"الرِزْقُ الكَرِيمُ" الجَنَّةُ. وقَوْلُهُ: "والَّذِينَ" مَعْطُوفٌ عَلى "الَّذِينَ" الأُولى، أيْ: ولِيَجْزِيَ الَّذِينَ سَعَوْا، و"مُعاجِزِينَ" مَعْناهُ: مُحاوِلِينَ تَعْجِيزَ قُدْرَةِ اللهِ فِيهِمْ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ، (p-١٥٨)وَأبُو عَمْرٍو: "مُعَجِّزِينَ" دُونَ ألْفٍ، أيْ: مُعَجِّزِينَ قُدْرَةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى بِزَعْمِهِمْ. وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ: مَعْناهُ: مُثَبِّطِينَ عَنِ الإيمانِ مَن أرادَهُ، مُدْخِلِينِ عَلَيْهِ العَجْزَ في نَشاطِهِ، وهَذا هو سَعْيُهم في الآياتِ، أيْ: في شَأْنِ الآياتِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى جَزاءَ الساعِينَ، كَما بَيَّنَ قَبْلُ جَزاءَ المُؤْمِنِينَ. وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ -: "ألِيمٌ" بِالرَفْعِ عَلى النَعْتِ، لِلْعَذابِ، والباقُونَ بِالكَسْرِ عَلى نَعْتِ "الرِجْزِ"، و"الرِجْزُ" هو العَذابُ السَيِّءُ جِدًّا، وقَرَأابْنُ مُحَيْصِنٍ: "رُجْزٍ" بِضَمِّ الراءِ.

سبأ 34:4

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا الساعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكم عالِمِ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عنهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ رُوِيَ أنَّ قائِلَ هَذِهِ المَقالَةِ هو أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وقالَ: "واللاتِ والعُزّى ما ثَمَّ ساعَةٌ تَأْتِي، ولا قِيامَةٌ ولا حَشْرٌ". فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُقْسِمَ بِرَبِّهِ مُقابَلَةً لِقَسَمِ أبِي سُفْيانَ، قِيلَ: رَدًّا وتَكْذِيبًا وإيجابًا لِما نَفاهُ، وأجازَ نافِعٌ الوَقْفَ عَلى "بَلى"، وقَرَأ (p-١٥٧)الجُمْهُورُ: ﴿ "لَتَأْتِيَنَّكُمْ"﴾ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وحَكى أبُو حاتِمٍ قِراءَةً: "لَيَأْتِيَنَّكُمْ" بِالياءِ عَلى المَعْنى في البَعْثِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ - بِخِلافٍ عنهُ -: "عالِمِ" بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن "رَبِّي"، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "عالِمُ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ، أيْ: هو عالِمٌ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "عالِمُ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ "لا يَعْزُبُ" وما بَعْدَهُ، ويَكُونَ الإخْبارُ بِأنَّ "العالِمُ" لا يَعْزُبُ عنهُ شَيْءٌ إشارَةً إلى أنَّهُ قَدْ قَدَّرَ وقْتَها وعَلِمَهُ، والوَجْهُ الأوَّلُ أقْرَبُ، وقَرَأ حَمْزَةٌ، والكِسائِيُّ: "عَلّامِ" عَلى المُبالَغَةِ وبِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ. و"يَعْزُبُ" مَعْناهُ: يَغِيبُ ويَبْعُدُ، وبِهِ فَسَّرَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ بِضَمِّ الزايِ، وخَفَضَها الكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وهُما لُغَتانِ. و"مِثْقالُ ذَرَّةٍ" مَعْناهُ: مِقْدارُ تَثاقُلِها، وهَذا في الأجْرامِ بَيِّنٌ، وفي المَعانِي بِالمُقايَسَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "وَلا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ"﴾ بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: "مِثْقالُ"، وقَرَأ نافِعٌ، والأعْمَشُ، وقَتادَةُ: "أصْغَرَ"، و"أكْبَرَ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "ذَرَّةٍ"، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وفي قَوْلِهِ: ﴿إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ضَمِيرٌ تَقْدِيرُهُ: إلّا هو في كِتابٍ مُبِينٍ، و"الكِتابُ المُبِينُ" هو اللَوْحُ المَحْفُوظُ. واللامُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ "لِيَجْزِيَ"﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ: "لَتَأْتِيَنَّكُمْ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ: "لا يَعْزُبُ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِما في قَوْلِهِ: ﴿إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ مِن مَعْنى الفِعْلِ؛ لِأنَّ المَعْنى: إلّا أُثْبِتُهُ في كِتابٍ مُبِينٍ. و"المَغْفِرَةُ" تَغَمُّدُ الذُنُوبِ، و"الرِزْقُ الكَرِيمُ" الجَنَّةُ. وقَوْلُهُ: "والَّذِينَ" مَعْطُوفٌ عَلى "الَّذِينَ" الأُولى، أيْ: ولِيَجْزِيَ الَّذِينَ سَعَوْا، و"مُعاجِزِينَ" مَعْناهُ: مُحاوِلِينَ تَعْجِيزَ قُدْرَةِ اللهِ فِيهِمْ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ، (p-١٥٨)وَأبُو عَمْرٍو: "مُعَجِّزِينَ" دُونَ ألْفٍ، أيْ: مُعَجِّزِينَ قُدْرَةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى بِزَعْمِهِمْ. وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ: مَعْناهُ: مُثَبِّطِينَ عَنِ الإيمانِ مَن أرادَهُ، مُدْخِلِينِ عَلَيْهِ العَجْزَ في نَشاطِهِ، وهَذا هو سَعْيُهم في الآياتِ، أيْ: في شَأْنِ الآياتِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى جَزاءَ الساعِينَ، كَما بَيَّنَ قَبْلُ جَزاءَ المُؤْمِنِينَ. وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ -: "ألِيمٌ" بِالرَفْعِ عَلى النَعْتِ، لِلْعَذابِ، والباقُونَ بِالكَسْرِ عَلى نَعْتِ "الرِجْزِ"، و"الرِجْزُ" هو العَذابُ السَيِّءُ جِدًّا، وقَرَأابْنُ مُحَيْصِنٍ: "رُجْزٍ" بِضَمِّ الراءِ.

سبأ 34:5

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا الساعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكم عالِمِ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عنهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ رُوِيَ أنَّ قائِلَ هَذِهِ المَقالَةِ هو أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وقالَ: "واللاتِ والعُزّى ما ثَمَّ ساعَةٌ تَأْتِي، ولا قِيامَةٌ ولا حَشْرٌ". فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُقْسِمَ بِرَبِّهِ مُقابَلَةً لِقَسَمِ أبِي سُفْيانَ، قِيلَ: رَدًّا وتَكْذِيبًا وإيجابًا لِما نَفاهُ، وأجازَ نافِعٌ الوَقْفَ عَلى "بَلى"، وقَرَأ (p-١٥٧)الجُمْهُورُ: ﴿ "لَتَأْتِيَنَّكُمْ"﴾ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وحَكى أبُو حاتِمٍ قِراءَةً: "لَيَأْتِيَنَّكُمْ" بِالياءِ عَلى المَعْنى في البَعْثِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ - بِخِلافٍ عنهُ -: "عالِمِ" بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن "رَبِّي"، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "عالِمُ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ، أيْ: هو عالِمٌ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "عالِمُ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ "لا يَعْزُبُ" وما بَعْدَهُ، ويَكُونَ الإخْبارُ بِأنَّ "العالِمُ" لا يَعْزُبُ عنهُ شَيْءٌ إشارَةً إلى أنَّهُ قَدْ قَدَّرَ وقْتَها وعَلِمَهُ، والوَجْهُ الأوَّلُ أقْرَبُ، وقَرَأ حَمْزَةٌ، والكِسائِيُّ: "عَلّامِ" عَلى المُبالَغَةِ وبِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ. و"يَعْزُبُ" مَعْناهُ: يَغِيبُ ويَبْعُدُ، وبِهِ فَسَّرَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ بِضَمِّ الزايِ، وخَفَضَها الكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وهُما لُغَتانِ. و"مِثْقالُ ذَرَّةٍ" مَعْناهُ: مِقْدارُ تَثاقُلِها، وهَذا في الأجْرامِ بَيِّنٌ، وفي المَعانِي بِالمُقايَسَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "وَلا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ"﴾ بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: "مِثْقالُ"، وقَرَأ نافِعٌ، والأعْمَشُ، وقَتادَةُ: "أصْغَرَ"، و"أكْبَرَ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "ذَرَّةٍ"، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وفي قَوْلِهِ: ﴿إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ضَمِيرٌ تَقْدِيرُهُ: إلّا هو في كِتابٍ مُبِينٍ، و"الكِتابُ المُبِينُ" هو اللَوْحُ المَحْفُوظُ. واللامُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ "لِيَجْزِيَ"﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ: "لَتَأْتِيَنَّكُمْ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ: "لا يَعْزُبُ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِما في قَوْلِهِ: ﴿إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ مِن مَعْنى الفِعْلِ؛ لِأنَّ المَعْنى: إلّا أُثْبِتُهُ في كِتابٍ مُبِينٍ. و"المَغْفِرَةُ" تَغَمُّدُ الذُنُوبِ، و"الرِزْقُ الكَرِيمُ" الجَنَّةُ. وقَوْلُهُ: "والَّذِينَ" مَعْطُوفٌ عَلى "الَّذِينَ" الأُولى، أيْ: ولِيَجْزِيَ الَّذِينَ سَعَوْا، و"مُعاجِزِينَ" مَعْناهُ: مُحاوِلِينَ تَعْجِيزَ قُدْرَةِ اللهِ فِيهِمْ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ، (p-١٥٨)وَأبُو عَمْرٍو: "مُعَجِّزِينَ" دُونَ ألْفٍ، أيْ: مُعَجِّزِينَ قُدْرَةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى بِزَعْمِهِمْ. وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ: مَعْناهُ: مُثَبِّطِينَ عَنِ الإيمانِ مَن أرادَهُ، مُدْخِلِينِ عَلَيْهِ العَجْزَ في نَشاطِهِ، وهَذا هو سَعْيُهم في الآياتِ، أيْ: في شَأْنِ الآياتِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى جَزاءَ الساعِينَ، كَما بَيَّنَ قَبْلُ جَزاءَ المُؤْمِنِينَ. وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ -: "ألِيمٌ" بِالرَفْعِ عَلى النَعْتِ، لِلْعَذابِ، والباقُونَ بِالكَسْرِ عَلى نَعْتِ "الرِجْزِ"، و"الرِجْزُ" هو العَذابُ السَيِّءُ جِدًّا، وقَرَأابْنُ مُحَيْصِنٍ: "رُجْزٍ" بِضَمِّ الراءِ.

سبأ 34:6

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿أفْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَلالِ البَعِيدِ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ والثَعْلَبِيُّ وغَيْرُهُما: "يَرى" مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلِهُ مِنَ الأفْعالِ، والظاهِرُ أنَّهُ فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ، وأنَّ الواوَ إنَّما عَطَفَتْ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وكَأنَّ المَعْنى الإخْبارُ بِأنَّ أهْلَ العِلْمِ يَرَوْنَ الوَحْيَ المُنَزَّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ حَقًّا وأنَّهُ يَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ﴾ مَفْعُولٌ بِـ"يَرى"، و"الحَقَّ" مَفْعُولٌ ثانٍ، و"هُوَ" عِمادٌ. و﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ قِيلَ: هم مَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ،وَقالَ قَتادَةُ: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ المُؤْمِنُونَ بِهِ كائِنًا مَن كانَ، و"يَهْدِي" مَعْناهُ: يُرْشِدُ، و"الصِراطُ المُسْتَقِيمُ" الطَرِيقُ المُعْتَدِلُ، وأرادَ طَرِيقَ الشَرْعِ والدِينِ. ثُمَّ حَكى عَنِ الكُفّارِ مَقالَتَهُمُ الَّتِي قالُوها عَلى جِهَةِ التَعَجُّبِ والهُزْءِ، أيْ: قالَها بَعْضُهم لِبَعْضٍ، كَما يَقُولُ الرَجُلُ لِمَن يُرِيدُ أنْ يُعَجِّبَهُ: هَلْ أدُلُّكَ عَلى أُضْحُوكَةٍ ونادِرَةٍ؟ فَلَمّا كانَ البَعْثُ عِنْدَهم مِنَ البَعِيدِ المُحالِ جَعَلُوا مَن يُخْبِرُ بِهِ في حَيِّزِ مَن يُتَعَجَّبُ مِنهُ، والعامِلُ في "إذا" فِعْلٌ مُضْمَرٌ قَبْلَها فِيما قالَ بَعْضُ الناسِ، تَقْدِيرُهُ: يُنَبِّئُكم بِأنَّكم تُبْعَثُونَ إذا مُزِّقْتُمْ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ العامِلُ ما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ مِن (p-١٥٩)مَعْنى الفِعْلِ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: يُنَبِّئُكم إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ إذا مُزِّقْتُمْ. وقالَ الزَجّاجُ: العامِلُ في "إذا" هو ﴿ "مُزِّقْتُمْ"﴾ وهو خَطَأٌ وإفْسادٌ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ ﴿ "يُنَبِّئُكُمْ"﴾ بِوَجْهٍ، و"مُزِّقْتُمْ" مَعْناهُ: بِالبِلى وتَقَطُّعِ الأوصالِ في القُبُورِ وغَيْرِها. وكُسِرَ الألِفُ مِن ﴿ "إنَّكُمْ"﴾ لِأنَّ ﴿ "يُنَبِّئُكُمْ"﴾ في مَعْنى: يَقُولُ لَكُمْ، ولِمَكانِ اللامِ الَّتِي في الخَبَرِ. و"جَدِيدٍ" بِمَعْنى: مُجَدِّدٍ. وقَوْلُهُمْ: ﴿ "أفْتَرى"﴾ هو مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وهي ألِفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى ألِفِ الوَصْلِ، فَحُذِفَتْ ألِفُ الوَصْلِ، وبَقِيَتْ مَفْتُوحَةً غَيْرَ مَمْدُودَةٍ، فَكَأنَّ بَعْضَهُمُ اسْتَفْهَمَ بَعْضًا عن مُحَمَّدٍ - ﷺ -: أحالُ الفِرْيَةِ عَلى اللهِ هي حالُهُ أمْ حالُ الجُنُونِ؟ لِأنَّ هَذا القَوْلَ إنَّما يَصْدُرُ عن أحَدِ هَذَيْنِ. فَأضْرَبَ القُرْآنُ عن قَوْلِهِمْ وكَذَّبَهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما قالُوا، ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ والإشارَةُ بِذَلِكَ إلَيْهِمْ، ﴿ "فِي العَذابِ"،﴾ يُرِيدُ: عَذابَ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم يَصِيرُونَ إلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: في العَذابِ في الدُنْيا بِمُكابَدَةِ الشَرْعِ ومُكايَدَتِهِ، ومُحاوَلَةِ إطْفاءِ نُورِ اللهِ وهو يُتِمُّ، فَهَذا كُلُّهُ عَذابٌ، وفي الضَلالِ البَعِيدِ، أيْ: قَوِيَتِ الحَيْرَةُ وتَمَكَّنَ التَلَفُ لِأنَّهُ قَدْ أبْعَدَ صاحِبَهُ عَنِ الطَرِيقِ الَّذِي ضَلَّ مِنهُ.

سبأ 34:7

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿أفْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَلالِ البَعِيدِ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ والثَعْلَبِيُّ وغَيْرُهُما: "يَرى" مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلِهُ مِنَ الأفْعالِ، والظاهِرُ أنَّهُ فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ، وأنَّ الواوَ إنَّما عَطَفَتْ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وكَأنَّ المَعْنى الإخْبارُ بِأنَّ أهْلَ العِلْمِ يَرَوْنَ الوَحْيَ المُنَزَّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ حَقًّا وأنَّهُ يَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ﴾ مَفْعُولٌ بِـ"يَرى"، و"الحَقَّ" مَفْعُولٌ ثانٍ، و"هُوَ" عِمادٌ. و﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ قِيلَ: هم مَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ،وَقالَ قَتادَةُ: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ المُؤْمِنُونَ بِهِ كائِنًا مَن كانَ، و"يَهْدِي" مَعْناهُ: يُرْشِدُ، و"الصِراطُ المُسْتَقِيمُ" الطَرِيقُ المُعْتَدِلُ، وأرادَ طَرِيقَ الشَرْعِ والدِينِ. ثُمَّ حَكى عَنِ الكُفّارِ مَقالَتَهُمُ الَّتِي قالُوها عَلى جِهَةِ التَعَجُّبِ والهُزْءِ، أيْ: قالَها بَعْضُهم لِبَعْضٍ، كَما يَقُولُ الرَجُلُ لِمَن يُرِيدُ أنْ يُعَجِّبَهُ: هَلْ أدُلُّكَ عَلى أُضْحُوكَةٍ ونادِرَةٍ؟ فَلَمّا كانَ البَعْثُ عِنْدَهم مِنَ البَعِيدِ المُحالِ جَعَلُوا مَن يُخْبِرُ بِهِ في حَيِّزِ مَن يُتَعَجَّبُ مِنهُ، والعامِلُ في "إذا" فِعْلٌ مُضْمَرٌ قَبْلَها فِيما قالَ بَعْضُ الناسِ، تَقْدِيرُهُ: يُنَبِّئُكم بِأنَّكم تُبْعَثُونَ إذا مُزِّقْتُمْ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ العامِلُ ما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ مِن (p-١٥٩)مَعْنى الفِعْلِ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: يُنَبِّئُكم إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ إذا مُزِّقْتُمْ. وقالَ الزَجّاجُ: العامِلُ في "إذا" هو ﴿ "مُزِّقْتُمْ"﴾ وهو خَطَأٌ وإفْسادٌ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ ﴿ "يُنَبِّئُكُمْ"﴾ بِوَجْهٍ، و"مُزِّقْتُمْ" مَعْناهُ: بِالبِلى وتَقَطُّعِ الأوصالِ في القُبُورِ وغَيْرِها. وكُسِرَ الألِفُ مِن ﴿ "إنَّكُمْ"﴾ لِأنَّ ﴿ "يُنَبِّئُكُمْ"﴾ في مَعْنى: يَقُولُ لَكُمْ، ولِمَكانِ اللامِ الَّتِي في الخَبَرِ. و"جَدِيدٍ" بِمَعْنى: مُجَدِّدٍ. وقَوْلُهُمْ: ﴿ "أفْتَرى"﴾ هو مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وهي ألِفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى ألِفِ الوَصْلِ، فَحُذِفَتْ ألِفُ الوَصْلِ، وبَقِيَتْ مَفْتُوحَةً غَيْرَ مَمْدُودَةٍ، فَكَأنَّ بَعْضَهُمُ اسْتَفْهَمَ بَعْضًا عن مُحَمَّدٍ - ﷺ -: أحالُ الفِرْيَةِ عَلى اللهِ هي حالُهُ أمْ حالُ الجُنُونِ؟ لِأنَّ هَذا القَوْلَ إنَّما يَصْدُرُ عن أحَدِ هَذَيْنِ. فَأضْرَبَ القُرْآنُ عن قَوْلِهِمْ وكَذَّبَهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما قالُوا، ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ والإشارَةُ بِذَلِكَ إلَيْهِمْ، ﴿ "فِي العَذابِ"،﴾ يُرِيدُ: عَذابَ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم يَصِيرُونَ إلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: في العَذابِ في الدُنْيا بِمُكابَدَةِ الشَرْعِ ومُكايَدَتِهِ، ومُحاوَلَةِ إطْفاءِ نُورِ اللهِ وهو يُتِمُّ، فَهَذا كُلُّهُ عَذابٌ، وفي الضَلالِ البَعِيدِ، أيْ: قَوِيَتِ الحَيْرَةُ وتَمَكَّنَ التَلَفُ لِأنَّهُ قَدْ أبْعَدَ صاحِبَهُ عَنِ الطَرِيقِ الَّذِي ضَلَّ مِنهُ.

سبأ 34:8

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿أفْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَلالِ البَعِيدِ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ والثَعْلَبِيُّ وغَيْرُهُما: "يَرى" مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلِهُ مِنَ الأفْعالِ، والظاهِرُ أنَّهُ فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ، وأنَّ الواوَ إنَّما عَطَفَتْ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وكَأنَّ المَعْنى الإخْبارُ بِأنَّ أهْلَ العِلْمِ يَرَوْنَ الوَحْيَ المُنَزَّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ حَقًّا وأنَّهُ يَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ﴾ مَفْعُولٌ بِـ"يَرى"، و"الحَقَّ" مَفْعُولٌ ثانٍ، و"هُوَ" عِمادٌ. و﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ قِيلَ: هم مَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ،وَقالَ قَتادَةُ: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ المُؤْمِنُونَ بِهِ كائِنًا مَن كانَ، و"يَهْدِي" مَعْناهُ: يُرْشِدُ، و"الصِراطُ المُسْتَقِيمُ" الطَرِيقُ المُعْتَدِلُ، وأرادَ طَرِيقَ الشَرْعِ والدِينِ. ثُمَّ حَكى عَنِ الكُفّارِ مَقالَتَهُمُ الَّتِي قالُوها عَلى جِهَةِ التَعَجُّبِ والهُزْءِ، أيْ: قالَها بَعْضُهم لِبَعْضٍ، كَما يَقُولُ الرَجُلُ لِمَن يُرِيدُ أنْ يُعَجِّبَهُ: هَلْ أدُلُّكَ عَلى أُضْحُوكَةٍ ونادِرَةٍ؟ فَلَمّا كانَ البَعْثُ عِنْدَهم مِنَ البَعِيدِ المُحالِ جَعَلُوا مَن يُخْبِرُ بِهِ في حَيِّزِ مَن يُتَعَجَّبُ مِنهُ، والعامِلُ في "إذا" فِعْلٌ مُضْمَرٌ قَبْلَها فِيما قالَ بَعْضُ الناسِ، تَقْدِيرُهُ: يُنَبِّئُكم بِأنَّكم تُبْعَثُونَ إذا مُزِّقْتُمْ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ العامِلُ ما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ مِن (p-١٥٩)مَعْنى الفِعْلِ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: يُنَبِّئُكم إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ إذا مُزِّقْتُمْ. وقالَ الزَجّاجُ: العامِلُ في "إذا" هو ﴿ "مُزِّقْتُمْ"﴾ وهو خَطَأٌ وإفْسادٌ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ ﴿ "يُنَبِّئُكُمْ"﴾ بِوَجْهٍ، و"مُزِّقْتُمْ" مَعْناهُ: بِالبِلى وتَقَطُّعِ الأوصالِ في القُبُورِ وغَيْرِها. وكُسِرَ الألِفُ مِن ﴿ "إنَّكُمْ"﴾ لِأنَّ ﴿ "يُنَبِّئُكُمْ"﴾ في مَعْنى: يَقُولُ لَكُمْ، ولِمَكانِ اللامِ الَّتِي في الخَبَرِ. و"جَدِيدٍ" بِمَعْنى: مُجَدِّدٍ. وقَوْلُهُمْ: ﴿ "أفْتَرى"﴾ هو مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وهي ألِفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى ألِفِ الوَصْلِ، فَحُذِفَتْ ألِفُ الوَصْلِ، وبَقِيَتْ مَفْتُوحَةً غَيْرَ مَمْدُودَةٍ، فَكَأنَّ بَعْضَهُمُ اسْتَفْهَمَ بَعْضًا عن مُحَمَّدٍ - ﷺ -: أحالُ الفِرْيَةِ عَلى اللهِ هي حالُهُ أمْ حالُ الجُنُونِ؟ لِأنَّ هَذا القَوْلَ إنَّما يَصْدُرُ عن أحَدِ هَذَيْنِ. فَأضْرَبَ القُرْآنُ عن قَوْلِهِمْ وكَذَّبَهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما قالُوا، ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ والإشارَةُ بِذَلِكَ إلَيْهِمْ، ﴿ "فِي العَذابِ"،﴾ يُرِيدُ: عَذابَ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم يَصِيرُونَ إلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: في العَذابِ في الدُنْيا بِمُكابَدَةِ الشَرْعِ ومُكايَدَتِهِ، ومُحاوَلَةِ إطْفاءِ نُورِ اللهِ وهو يُتِمُّ، فَهَذا كُلُّهُ عَذابٌ، وفي الضَلالِ البَعِيدِ، أيْ: قَوِيَتِ الحَيْرَةُ وتَمَكَّنَ التَلَفُ لِأنَّهُ قَدْ أبْعَدَ صاحِبَهُ عَنِ الطَرِيقِ الَّذِي ضَلَّ مِنهُ.

سبأ 34:9

قوله عزّ وجلّ: ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَماءِ والأرْضِ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أو نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَماءِ إنْ في ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَيْرَ وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وقَدِّرْ في السَرْدِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (p-١٦٠)الضَمِيرُ في "يَرَوْا" لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، وقَّفَهُمُ اللهُ تَعالى عَلى قُدْرَتِهِ، وخَوَّفَهم مِن إحاطَتِها بِهِمُ، المَعْنى: ألَيْسَ يَرَوْنَ أمامَهم ووَراءَهم سَمائِي وأرْضِي، لا سَبِيلَ لَهم إلى فَقْدِ ذَلِكَ عن أبْصارِهِمْ، ولا عَدَمِ إحاطَتِهِ بِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ"،﴾ أو ﴿ "نُسْقِطْ"﴾ بِالنُونِ في الثَلاثَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالياءِ فِيهِنَّ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وابْنِ مُصَّرِفٍ، والأعْمَشِ، وعِيسى، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ. و"خَسْفُ الأرْضِ" هو إهْواؤُها بِهِمْ وتَهَوُّرُها وغَرَقُهم فِيها، و"الكِسَفُ" قِيلَ: هو مُفْرَدٌ اسْمِ القِطْعَةِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ كِسْفَةٍ، جَمْعُها عَلى مِثالِ تَمْرَةٍ وتَمْرٍ، ومَشْهُورُ جَمْعِها كِسْفٌ كَسِدْرَةٍ وسِدْرٍ. وأدْغَمَ الكِسائِيُّ الفاءَ في الباءِ في قَوْلِهِ تَعالى: "نَخْسِفْ بِهِمُ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الباءَ أضْعَفُ في الصَوْتِ مِنَ الفاءِ فَلا تُدْغَمُ فِيها، وإنْ كانَتِ الباءُ تُدْغَمُ في الفاءِ كَقَوْلِكَ: "اضْرِبْ فُّلانًا"، وهَذا كَما تُدْغَمُ الباءُ في المِيمِ كَقَوْلِكَ: "اضْرِبْ مُّحَمَّدًا"، ولا تُدْغَمُ المِيمُ في الباءِ كَقَوْلِكَ: "أصَمَمٌ بِكَ"؛ لِأنَّ الباءَ انْحَطَّتْ عَنِ المِيمِ بِفِعْلِ الغُنَّةِ الَّتِي في المِيمِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي ذَلِكَ﴾ إلى إحاطَةِ السَماءِ بِالمَرْءِ، ومُماسَّةِ الأرْضِ لَهُ عَلى كُلِّ حالٍ. و"المُنِيبُ": الراجِعُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى نِعْمَتَهُ عَلى داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَلامُ احْتِجاجًا عَلى ما مَنَحَ مُحَمَّدًا ﷺ، أيْ: لا تَسْتَبْعِدُوا هَذا فَقَدْ تَفَضَّلْنا عَلى عَبْدِنا قَدِيمًا بِكَذا، فَلَمّا فَرَغَ التَمْثِيلُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ رَجَعَ التَمْثِيلُ لَهم بِسَبَإٍ وما كانَ مِن هَلاكِهِمْ بِالكُفْرِ والعُتُوِّ، والمَعْنى: قُلْنا:يا جِبالُ، و"أوِّبِي" مَعْناهُ: ارْجِعِي مَعَهُ؛ لِأنَّهُ مُضاعَفُ آبَ (p-١٦١)يُؤُوبُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُمْ: مَعْناهُ: سَبِّحِي مَعَهُ، أيْ: يُسَبِّحُ هو وتُرَجِّعُ هي مَعَهُ التَسْبِيحَ، أيْ: تَرُدُّهُ بِالذِكْرِ، ثُمَّ ضُوعِفَ الفِعْلُ لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: سِيرِي مَعَهُ؛ لِأنَّ التَأْوِيبَ سَيْرُ النَهارِ، كانَ الإنْسانُ يَسِيرُ بِاللَيْلِ ثُمَّ يُرَجِّعُ السَيْرَ بِالنَهارِ، أيْ يُرَدِّدُهُ، فَكَأنَّهُ يَؤُوبُهُ، فَقِيلَ لَهُ: التَأْوِيبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ يَوْمانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ∗∗∗ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْوِيبُ ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: ؎ لَحِقْنا بِحَيٍّ أوَّبُوا السَيْرَ بَعْدَما ∗∗∗ ∗∗∗ دَفَعْنا شُعاعَ الشَمْسِ والطَرَفُ يَجْنَحُ وقالَ مُؤَرِّجٌ: "أوِّبِي": سَبِّحِي بِلُغَةِ الحَبَشَةِ. وهَذا ضَعِيفٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: المَعْنى: نُوحِي مَعَهُ والطَيْرُ تُساعِدُكَ عَلى ذَلِكَ، قالَ: فَكانَ داوُدُ عَلَيْهِ السَلامُ إذا نادى بِالنِياحَةِ والحَنِينِ أجابَتْهُ الجِبالُ وعَكَفَتِ الطَيْرُ عَلَيْهِ مِن فَوْقِهِ، قالَ: فَمِن حِينَئِذٍ سَمِعَ صَدى الجِبالِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "أُوبِي" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الواوِ، أيِ" ارْجِعِي مَعَهُ، أيْ في السَيْرِ أو في التَسْبِيحِ، وأمَرَ الجِبالَ كَما تُؤْمَرُ الواحِدَةُ المُؤَنَّثَةُ لِأنَّ جَمِيعَ ما لا يَعْقِلُ كَذَلِكَ يُؤْمَرُ، وكَذَلِكَ يُكَنّى عنهُ ويُوصَفُ، ومِنهُ المَثَلُ "يا خَيْلَ اللهِ ارْكَبِي"، ومِنهُ ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨]، وهَذا كَثِيرٌ. (p-١٦٢)وَقَرَأ الأعْرَجُ، وعاصِمٌ - بِخِلافٍ - وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ: ﴿ "والطَيْرَ"﴾ بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى لَفْظِ قَوْلِهِ: ﴿ "يا جِبالُ"،﴾ وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو جَعْفَرٍ: "والطَيْرَ" بِالنَصْبِ، فَقِيلَ: ذَلِكَ عَطْفٌ عَلى "فَضْلًا"، وهو مَذْهَبُ الكِسائِيِّ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: "يا جِبالُ" لِأنَّ مَوْضِعَ المُنادى المُفْرَدِ نَصْبٌ، وقالَ أبُو عَمْرٍو: نَصْبُها بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وسَخَّرْنا الطَيْرَ. وقَوْلُهُ: ﴿وَألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ مَعْناهُ: جَعَلْناهُ لَيِّنًا، ورَوى قَتادَةُ وغَيْرُهُ أنَّ الحَدِيدَ كانَ لَهُ كالشَمْعِ لا يَحْتاجُ في عَمَلِهِ إلى نارٍ، وقِيلَ: أعْطاهُ قُوَّةً يَثْنِي بِها الحَدِيدَ، ورُوِيَ أنَّهُ لَقِيَ مَلَكًا - وداوُدُ عَلَيْهِ السَلامُ يَظُنُّهُ إنْسانًا - وداوُدُ مُتَنَكِّرٌ خَرَجَ لِيَسْألَ الناسَ عن نَفْسِهِ في خَفاءٍ، فَقالَ داوُدُ لِذَلِكَ الشَخْصِ الَّذِي تَمَثَّلَ فِيهِ المَلَكُ: ما قَوْلُكَ في هَذا المَلِكِ داوُدَ؟ فَقالَ لَهُ المَلَكُ: نِعْمَ العَبْدُ لَوْلا خَلَّةٌ فِيهِ، قالَ داوُدُ: وما هِيَ؟ قالَ: يَرْتَزِقُ مِن بَيْتِ المالِ، ولَوْ أكَلَ مَن عَمِلَ يَدَيْهِ لَتَمَّتْ فَضائِلُهُ، فَرَجَعَ فَدَعا اللهَ في أنْ يُعَلِّمَهُ صَنْعَةً ويُسَهِّلَها عَلَيْهِ، فَعَلَّمَهُ تَعالى صَنْعَةَ اللَبُوسِ، وألانَ لَهُ الحَدِيدَ، فَكانَ - فِيما رُوِيَ - يَصْنَعُ ما بَيْنَ يَوْمِهِ ولَيْلَتِهِ دِرْعًا تُساوِي ألْفَ دِرْهَمٍ، حَتّى ادَّخَرَ مِنها كَثِيرًا وتَوَسَّعَتْ مَعِيشَتُهُ، وكانَ يُنْفِقُ بَيْتَ المالِ في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾، قِيلَ إنَّ "أنِ" مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وقِيلَ: هي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، و"السابِغاتُ": الدُرُوعُ الكاسِياتُ ذَواتُ القُفُولِ، قالَ قَتادَةُ: داوُدُ عَلَيْهِ السَلامُ أوَّلُ مَن صَنَعَها، ودِرْعُ الحَدِيدِ مُؤَنَّثَةٌ، ودِرْعُ المَرْأةِ مُذَكَّرٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدِّرْ في السَرْدِ﴾، اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ، في أيِّ شَيْءٍ هو التَقْدِيرُ مِن أشْياءِ السَرْدِ؟ إذِ السَرْدُ هو اتِّباعُ الشَيْءِ بِالشَيْءِ مِن جِنْسِهِ، قالَ الشَمّاخُ: كَما تابَعَتْ سَرْدَ العِنانِ الخَوارِزُ (p-١٦٣)وَمِنهُ: سَرْدُ الحَدِيثِ، وقِيلَ لِلدِّرْعِ: مَسْرُودَةٌ لِأنَّها تُوبِعَتْ فِيها الحِلَقُ بِالحِلَقِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗...داوُدُ أو صَنَعُ السَوابِغِ تُبَّعُ وقَوْلُ دُرَيْدٍ: في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ (p-١٦٤)فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التَقْدِيرُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ هو في قَدْرِ الحَلْقَةِ، أيْ: لا تَعْمَلْها صَغِيرَةً فَتَضْعُفُ ولا تَقْوى الدِرْعُ عَلى الدِفاعِ، ولا كَبِيرَةً فَيَنالُ لابِسُها مِن خِلالِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: التَقْدِيرُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ هو المِسْمارُ، يُرِيدُ: قَدِّرِ المَسامِيرَ والحِلَقَ، حَتّى لا تَدُقَّ المِسْمارَ فَتَسْلَسَ، ويُرْوى فَيُسَلْسِلَ، ولا تُغْلِظْهُ فَيَنْقَصِمَ، بِالقافِ - وبِالفاءِ أيْضًا رِوايَةً -، ورَوى قَتادَةُ أنَّ الدُرُوعَ كانَتْ قَبْلَهُ صَفائِحَ فَكانَتْ ثِقالًا، فَلِذَلِكَ أُمِرَ هو بِالتَقْدِيرِ فِيما يَجْمَعُ بَيْنَ الخِفَّةِ والحَصانَةِ، أيْ: قَدِّرْ ما يَأْخُذُ مِن هَذَيْنَ المَعْنَيَيْنِ بِقِسْطِهِ، أيْ: لا تَقْصِدِ الحَصانَةَ فَتُثْقِلَ، ولا الخِفَّةَ وحْدَها فَيُزِيلَ المَنَعَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾، لَمّا كانَ الأمْرُ لَداوُدَ وآلِهِ حُكِيَ وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِمْ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، أيْ: لا يَخْفى عَلَيَّ حُسْنُهُ مِن قَبِيحِهِ، وبِحَسَبَ ذَلِكَ يَكُونُ جَزائِي لَكم.

سبأ 34:10

قوله عزّ وجلّ: ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَماءِ والأرْضِ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أو نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَماءِ إنْ في ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَيْرَ وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وقَدِّرْ في السَرْدِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (p-١٦٠)الضَمِيرُ في "يَرَوْا" لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، وقَّفَهُمُ اللهُ تَعالى عَلى قُدْرَتِهِ، وخَوَّفَهم مِن إحاطَتِها بِهِمُ، المَعْنى: ألَيْسَ يَرَوْنَ أمامَهم ووَراءَهم سَمائِي وأرْضِي، لا سَبِيلَ لَهم إلى فَقْدِ ذَلِكَ عن أبْصارِهِمْ، ولا عَدَمِ إحاطَتِهِ بِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ"،﴾ أو ﴿ "نُسْقِطْ"﴾ بِالنُونِ في الثَلاثَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالياءِ فِيهِنَّ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وابْنِ مُصَّرِفٍ، والأعْمَشِ، وعِيسى، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ. و"خَسْفُ الأرْضِ" هو إهْواؤُها بِهِمْ وتَهَوُّرُها وغَرَقُهم فِيها، و"الكِسَفُ" قِيلَ: هو مُفْرَدٌ اسْمِ القِطْعَةِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ كِسْفَةٍ، جَمْعُها عَلى مِثالِ تَمْرَةٍ وتَمْرٍ، ومَشْهُورُ جَمْعِها كِسْفٌ كَسِدْرَةٍ وسِدْرٍ. وأدْغَمَ الكِسائِيُّ الفاءَ في الباءِ في قَوْلِهِ تَعالى: "نَخْسِفْ بِهِمُ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الباءَ أضْعَفُ في الصَوْتِ مِنَ الفاءِ فَلا تُدْغَمُ فِيها، وإنْ كانَتِ الباءُ تُدْغَمُ في الفاءِ كَقَوْلِكَ: "اضْرِبْ فُّلانًا"، وهَذا كَما تُدْغَمُ الباءُ في المِيمِ كَقَوْلِكَ: "اضْرِبْ مُّحَمَّدًا"، ولا تُدْغَمُ المِيمُ في الباءِ كَقَوْلِكَ: "أصَمَمٌ بِكَ"؛ لِأنَّ الباءَ انْحَطَّتْ عَنِ المِيمِ بِفِعْلِ الغُنَّةِ الَّتِي في المِيمِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي ذَلِكَ﴾ إلى إحاطَةِ السَماءِ بِالمَرْءِ، ومُماسَّةِ الأرْضِ لَهُ عَلى كُلِّ حالٍ. و"المُنِيبُ": الراجِعُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى نِعْمَتَهُ عَلى داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَلامُ احْتِجاجًا عَلى ما مَنَحَ مُحَمَّدًا ﷺ، أيْ: لا تَسْتَبْعِدُوا هَذا فَقَدْ تَفَضَّلْنا عَلى عَبْدِنا قَدِيمًا بِكَذا، فَلَمّا فَرَغَ التَمْثِيلُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ رَجَعَ التَمْثِيلُ لَهم بِسَبَإٍ وما كانَ مِن هَلاكِهِمْ بِالكُفْرِ والعُتُوِّ، والمَعْنى: قُلْنا:يا جِبالُ، و"أوِّبِي" مَعْناهُ: ارْجِعِي مَعَهُ؛ لِأنَّهُ مُضاعَفُ آبَ (p-١٦١)يُؤُوبُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُمْ: مَعْناهُ: سَبِّحِي مَعَهُ، أيْ: يُسَبِّحُ هو وتُرَجِّعُ هي مَعَهُ التَسْبِيحَ، أيْ: تَرُدُّهُ بِالذِكْرِ، ثُمَّ ضُوعِفَ الفِعْلُ لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: سِيرِي مَعَهُ؛ لِأنَّ التَأْوِيبَ سَيْرُ النَهارِ، كانَ الإنْسانُ يَسِيرُ بِاللَيْلِ ثُمَّ يُرَجِّعُ السَيْرَ بِالنَهارِ، أيْ يُرَدِّدُهُ، فَكَأنَّهُ يَؤُوبُهُ، فَقِيلَ لَهُ: التَأْوِيبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ يَوْمانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ∗∗∗ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْوِيبُ ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: ؎ لَحِقْنا بِحَيٍّ أوَّبُوا السَيْرَ بَعْدَما ∗∗∗ ∗∗∗ دَفَعْنا شُعاعَ الشَمْسِ والطَرَفُ يَجْنَحُ وقالَ مُؤَرِّجٌ: "أوِّبِي": سَبِّحِي بِلُغَةِ الحَبَشَةِ. وهَذا ضَعِيفٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: المَعْنى: نُوحِي مَعَهُ والطَيْرُ تُساعِدُكَ عَلى ذَلِكَ، قالَ: فَكانَ داوُدُ عَلَيْهِ السَلامُ إذا نادى بِالنِياحَةِ والحَنِينِ أجابَتْهُ الجِبالُ وعَكَفَتِ الطَيْرُ عَلَيْهِ مِن فَوْقِهِ، قالَ: فَمِن حِينَئِذٍ سَمِعَ صَدى الجِبالِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "أُوبِي" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الواوِ، أيِ" ارْجِعِي مَعَهُ، أيْ في السَيْرِ أو في التَسْبِيحِ، وأمَرَ الجِبالَ كَما تُؤْمَرُ الواحِدَةُ المُؤَنَّثَةُ لِأنَّ جَمِيعَ ما لا يَعْقِلُ كَذَلِكَ يُؤْمَرُ، وكَذَلِكَ يُكَنّى عنهُ ويُوصَفُ، ومِنهُ المَثَلُ "يا خَيْلَ اللهِ ارْكَبِي"، ومِنهُ ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨]، وهَذا كَثِيرٌ. (p-١٦٢)وَقَرَأ الأعْرَجُ، وعاصِمٌ - بِخِلافٍ - وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ: ﴿ "والطَيْرَ"﴾ بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى لَفْظِ قَوْلِهِ: ﴿ "يا جِبالُ"،﴾ وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو جَعْفَرٍ: "والطَيْرَ" بِالنَصْبِ، فَقِيلَ: ذَلِكَ عَطْفٌ عَلى "فَضْلًا"، وهو مَذْهَبُ الكِسائِيِّ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: "يا جِبالُ" لِأنَّ مَوْضِعَ المُنادى المُفْرَدِ نَصْبٌ، وقالَ أبُو عَمْرٍو: نَصْبُها بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وسَخَّرْنا الطَيْرَ. وقَوْلُهُ: ﴿وَألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ مَعْناهُ: جَعَلْناهُ لَيِّنًا، ورَوى قَتادَةُ وغَيْرُهُ أنَّ الحَدِيدَ كانَ لَهُ كالشَمْعِ لا يَحْتاجُ في عَمَلِهِ إلى نارٍ، وقِيلَ: أعْطاهُ قُوَّةً يَثْنِي بِها الحَدِيدَ، ورُوِيَ أنَّهُ لَقِيَ مَلَكًا - وداوُدُ عَلَيْهِ السَلامُ يَظُنُّهُ إنْسانًا - وداوُدُ مُتَنَكِّرٌ خَرَجَ لِيَسْألَ الناسَ عن نَفْسِهِ في خَفاءٍ، فَقالَ داوُدُ لِذَلِكَ الشَخْصِ الَّذِي تَمَثَّلَ فِيهِ المَلَكُ: ما قَوْلُكَ في هَذا المَلِكِ داوُدَ؟ فَقالَ لَهُ المَلَكُ: نِعْمَ العَبْدُ لَوْلا خَلَّةٌ فِيهِ، قالَ داوُدُ: وما هِيَ؟ قالَ: يَرْتَزِقُ مِن بَيْتِ المالِ، ولَوْ أكَلَ مَن عَمِلَ يَدَيْهِ لَتَمَّتْ فَضائِلُهُ، فَرَجَعَ فَدَعا اللهَ في أنْ يُعَلِّمَهُ صَنْعَةً ويُسَهِّلَها عَلَيْهِ، فَعَلَّمَهُ تَعالى صَنْعَةَ اللَبُوسِ، وألانَ لَهُ الحَدِيدَ، فَكانَ - فِيما رُوِيَ - يَصْنَعُ ما بَيْنَ يَوْمِهِ ولَيْلَتِهِ دِرْعًا تُساوِي ألْفَ دِرْهَمٍ، حَتّى ادَّخَرَ مِنها كَثِيرًا وتَوَسَّعَتْ مَعِيشَتُهُ، وكانَ يُنْفِقُ بَيْتَ المالِ في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾، قِيلَ إنَّ "أنِ" مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وقِيلَ: هي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، و"السابِغاتُ": الدُرُوعُ الكاسِياتُ ذَواتُ القُفُولِ، قالَ قَتادَةُ: داوُدُ عَلَيْهِ السَلامُ أوَّلُ مَن صَنَعَها، ودِرْعُ الحَدِيدِ مُؤَنَّثَةٌ، ودِرْعُ المَرْأةِ مُذَكَّرٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدِّرْ في السَرْدِ﴾، اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ، في أيِّ شَيْءٍ هو التَقْدِيرُ مِن أشْياءِ السَرْدِ؟ إذِ السَرْدُ هو اتِّباعُ الشَيْءِ بِالشَيْءِ مِن جِنْسِهِ، قالَ الشَمّاخُ: كَما تابَعَتْ سَرْدَ العِنانِ الخَوارِزُ (p-١٦٣)وَمِنهُ: سَرْدُ الحَدِيثِ، وقِيلَ لِلدِّرْعِ: مَسْرُودَةٌ لِأنَّها تُوبِعَتْ فِيها الحِلَقُ بِالحِلَقِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗...داوُدُ أو صَنَعُ السَوابِغِ تُبَّعُ وقَوْلُ دُرَيْدٍ: في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ (p-١٦٤)فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التَقْدِيرُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ هو في قَدْرِ الحَلْقَةِ، أيْ: لا تَعْمَلْها صَغِيرَةً فَتَضْعُفُ ولا تَقْوى الدِرْعُ عَلى الدِفاعِ، ولا كَبِيرَةً فَيَنالُ لابِسُها مِن خِلالِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: التَقْدِيرُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ هو المِسْمارُ، يُرِيدُ: قَدِّرِ المَسامِيرَ والحِلَقَ، حَتّى لا تَدُقَّ المِسْمارَ فَتَسْلَسَ، ويُرْوى فَيُسَلْسِلَ، ولا تُغْلِظْهُ فَيَنْقَصِمَ، بِالقافِ - وبِالفاءِ أيْضًا رِوايَةً -، ورَوى قَتادَةُ أنَّ الدُرُوعَ كانَتْ قَبْلَهُ صَفائِحَ فَكانَتْ ثِقالًا، فَلِذَلِكَ أُمِرَ هو بِالتَقْدِيرِ فِيما يَجْمَعُ بَيْنَ الخِفَّةِ والحَصانَةِ، أيْ: قَدِّرْ ما يَأْخُذُ مِن هَذَيْنَ المَعْنَيَيْنِ بِقِسْطِهِ، أيْ: لا تَقْصِدِ الحَصانَةَ فَتُثْقِلَ، ولا الخِفَّةَ وحْدَها فَيُزِيلَ المَنَعَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾، لَمّا كانَ الأمْرُ لَداوُدَ وآلِهِ حُكِيَ وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِمْ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، أيْ: لا يَخْفى عَلَيَّ حُسْنُهُ مِن قَبِيحِهِ، وبِحَسَبَ ذَلِكَ يَكُونُ جَزائِي لَكم.

سبأ 34:11

قوله عزّ وجلّ: ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَماءِ والأرْضِ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أو نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَماءِ إنْ في ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَيْرَ وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وقَدِّرْ في السَرْدِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (p-١٦٠)الضَمِيرُ في "يَرَوْا" لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، وقَّفَهُمُ اللهُ تَعالى عَلى قُدْرَتِهِ، وخَوَّفَهم مِن إحاطَتِها بِهِمُ، المَعْنى: ألَيْسَ يَرَوْنَ أمامَهم ووَراءَهم سَمائِي وأرْضِي، لا سَبِيلَ لَهم إلى فَقْدِ ذَلِكَ عن أبْصارِهِمْ، ولا عَدَمِ إحاطَتِهِ بِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ"،﴾ أو ﴿ "نُسْقِطْ"﴾ بِالنُونِ في الثَلاثَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالياءِ فِيهِنَّ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وابْنِ مُصَّرِفٍ، والأعْمَشِ، وعِيسى، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ. و"خَسْفُ الأرْضِ" هو إهْواؤُها بِهِمْ وتَهَوُّرُها وغَرَقُهم فِيها، و"الكِسَفُ" قِيلَ: هو مُفْرَدٌ اسْمِ القِطْعَةِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ كِسْفَةٍ، جَمْعُها عَلى مِثالِ تَمْرَةٍ وتَمْرٍ، ومَشْهُورُ جَمْعِها كِسْفٌ كَسِدْرَةٍ وسِدْرٍ. وأدْغَمَ الكِسائِيُّ الفاءَ في الباءِ في قَوْلِهِ تَعالى: "نَخْسِفْ بِهِمُ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الباءَ أضْعَفُ في الصَوْتِ مِنَ الفاءِ فَلا تُدْغَمُ فِيها، وإنْ كانَتِ الباءُ تُدْغَمُ في الفاءِ كَقَوْلِكَ: "اضْرِبْ فُّلانًا"، وهَذا كَما تُدْغَمُ الباءُ في المِيمِ كَقَوْلِكَ: "اضْرِبْ مُّحَمَّدًا"، ولا تُدْغَمُ المِيمُ في الباءِ كَقَوْلِكَ: "أصَمَمٌ بِكَ"؛ لِأنَّ الباءَ انْحَطَّتْ عَنِ المِيمِ بِفِعْلِ الغُنَّةِ الَّتِي في المِيمِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي ذَلِكَ﴾ إلى إحاطَةِ السَماءِ بِالمَرْءِ، ومُماسَّةِ الأرْضِ لَهُ عَلى كُلِّ حالٍ. و"المُنِيبُ": الراجِعُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى نِعْمَتَهُ عَلى داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَلامُ احْتِجاجًا عَلى ما مَنَحَ مُحَمَّدًا ﷺ، أيْ: لا تَسْتَبْعِدُوا هَذا فَقَدْ تَفَضَّلْنا عَلى عَبْدِنا قَدِيمًا بِكَذا، فَلَمّا فَرَغَ التَمْثِيلُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ رَجَعَ التَمْثِيلُ لَهم بِسَبَإٍ وما كانَ مِن هَلاكِهِمْ بِالكُفْرِ والعُتُوِّ، والمَعْنى: قُلْنا:يا جِبالُ، و"أوِّبِي" مَعْناهُ: ارْجِعِي مَعَهُ؛ لِأنَّهُ مُضاعَفُ آبَ (p-١٦١)يُؤُوبُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُمْ: مَعْناهُ: سَبِّحِي مَعَهُ، أيْ: يُسَبِّحُ هو وتُرَجِّعُ هي مَعَهُ التَسْبِيحَ، أيْ: تَرُدُّهُ بِالذِكْرِ، ثُمَّ ضُوعِفَ الفِعْلُ لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: سِيرِي مَعَهُ؛ لِأنَّ التَأْوِيبَ سَيْرُ النَهارِ، كانَ الإنْسانُ يَسِيرُ بِاللَيْلِ ثُمَّ يُرَجِّعُ السَيْرَ بِالنَهارِ، أيْ يُرَدِّدُهُ، فَكَأنَّهُ يَؤُوبُهُ، فَقِيلَ لَهُ: التَأْوِيبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ يَوْمانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ∗∗∗ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْوِيبُ ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: ؎ لَحِقْنا بِحَيٍّ أوَّبُوا السَيْرَ بَعْدَما ∗∗∗ ∗∗∗ دَفَعْنا شُعاعَ الشَمْسِ والطَرَفُ يَجْنَحُ وقالَ مُؤَرِّجٌ: "أوِّبِي": سَبِّحِي بِلُغَةِ الحَبَشَةِ. وهَذا ضَعِيفٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: المَعْنى: نُوحِي مَعَهُ والطَيْرُ تُساعِدُكَ عَلى ذَلِكَ، قالَ: فَكانَ داوُدُ عَلَيْهِ السَلامُ إذا نادى بِالنِياحَةِ والحَنِينِ أجابَتْهُ الجِبالُ وعَكَفَتِ الطَيْرُ عَلَيْهِ مِن فَوْقِهِ، قالَ: فَمِن حِينَئِذٍ سَمِعَ صَدى الجِبالِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "أُوبِي" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الواوِ، أيِ" ارْجِعِي مَعَهُ، أيْ في السَيْرِ أو في التَسْبِيحِ، وأمَرَ الجِبالَ كَما تُؤْمَرُ الواحِدَةُ المُؤَنَّثَةُ لِأنَّ جَمِيعَ ما لا يَعْقِلُ كَذَلِكَ يُؤْمَرُ، وكَذَلِكَ يُكَنّى عنهُ ويُوصَفُ، ومِنهُ المَثَلُ "يا خَيْلَ اللهِ ارْكَبِي"، ومِنهُ ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨]، وهَذا كَثِيرٌ. (p-١٦٢)وَقَرَأ الأعْرَجُ، وعاصِمٌ - بِخِلافٍ - وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ: ﴿ "والطَيْرَ"﴾ بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى لَفْظِ قَوْلِهِ: ﴿ "يا جِبالُ"،﴾ وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو جَعْفَرٍ: "والطَيْرَ" بِالنَصْبِ، فَقِيلَ: ذَلِكَ عَطْفٌ عَلى "فَضْلًا"، وهو مَذْهَبُ الكِسائِيِّ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: "يا جِبالُ" لِأنَّ مَوْضِعَ المُنادى المُفْرَدِ نَصْبٌ، وقالَ أبُو عَمْرٍو: نَصْبُها بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وسَخَّرْنا الطَيْرَ. وقَوْلُهُ: ﴿وَألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ مَعْناهُ: جَعَلْناهُ لَيِّنًا، ورَوى قَتادَةُ وغَيْرُهُ أنَّ الحَدِيدَ كانَ لَهُ كالشَمْعِ لا يَحْتاجُ في عَمَلِهِ إلى نارٍ، وقِيلَ: أعْطاهُ قُوَّةً يَثْنِي بِها الحَدِيدَ، ورُوِيَ أنَّهُ لَقِيَ مَلَكًا - وداوُدُ عَلَيْهِ السَلامُ يَظُنُّهُ إنْسانًا - وداوُدُ مُتَنَكِّرٌ خَرَجَ لِيَسْألَ الناسَ عن نَفْسِهِ في خَفاءٍ، فَقالَ داوُدُ لِذَلِكَ الشَخْصِ الَّذِي تَمَثَّلَ فِيهِ المَلَكُ: ما قَوْلُكَ في هَذا المَلِكِ داوُدَ؟ فَقالَ لَهُ المَلَكُ: نِعْمَ العَبْدُ لَوْلا خَلَّةٌ فِيهِ، قالَ داوُدُ: وما هِيَ؟ قالَ: يَرْتَزِقُ مِن بَيْتِ المالِ، ولَوْ أكَلَ مَن عَمِلَ يَدَيْهِ لَتَمَّتْ فَضائِلُهُ، فَرَجَعَ فَدَعا اللهَ في أنْ يُعَلِّمَهُ صَنْعَةً ويُسَهِّلَها عَلَيْهِ، فَعَلَّمَهُ تَعالى صَنْعَةَ اللَبُوسِ، وألانَ لَهُ الحَدِيدَ، فَكانَ - فِيما رُوِيَ - يَصْنَعُ ما بَيْنَ يَوْمِهِ ولَيْلَتِهِ دِرْعًا تُساوِي ألْفَ دِرْهَمٍ، حَتّى ادَّخَرَ مِنها كَثِيرًا وتَوَسَّعَتْ مَعِيشَتُهُ، وكانَ يُنْفِقُ بَيْتَ المالِ في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾، قِيلَ إنَّ "أنِ" مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وقِيلَ: هي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، و"السابِغاتُ": الدُرُوعُ الكاسِياتُ ذَواتُ القُفُولِ، قالَ قَتادَةُ: داوُدُ عَلَيْهِ السَلامُ أوَّلُ مَن صَنَعَها، ودِرْعُ الحَدِيدِ مُؤَنَّثَةٌ، ودِرْعُ المَرْأةِ مُذَكَّرٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدِّرْ في السَرْدِ﴾، اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ، في أيِّ شَيْءٍ هو التَقْدِيرُ مِن أشْياءِ السَرْدِ؟ إذِ السَرْدُ هو اتِّباعُ الشَيْءِ بِالشَيْءِ مِن جِنْسِهِ، قالَ الشَمّاخُ: كَما تابَعَتْ سَرْدَ العِنانِ الخَوارِزُ (p-١٦٣)وَمِنهُ: سَرْدُ الحَدِيثِ، وقِيلَ لِلدِّرْعِ: مَسْرُودَةٌ لِأنَّها تُوبِعَتْ فِيها الحِلَقُ بِالحِلَقِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗...داوُدُ أو صَنَعُ السَوابِغِ تُبَّعُ وقَوْلُ دُرَيْدٍ: في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ (p-١٦٤)فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التَقْدِيرُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ هو في قَدْرِ الحَلْقَةِ، أيْ: لا تَعْمَلْها صَغِيرَةً فَتَضْعُفُ ولا تَقْوى الدِرْعُ عَلى الدِفاعِ، ولا كَبِيرَةً فَيَنالُ لابِسُها مِن خِلالِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: التَقْدِيرُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ هو المِسْمارُ، يُرِيدُ: قَدِّرِ المَسامِيرَ والحِلَقَ، حَتّى لا تَدُقَّ المِسْمارَ فَتَسْلَسَ، ويُرْوى فَيُسَلْسِلَ، ولا تُغْلِظْهُ فَيَنْقَصِمَ، بِالقافِ - وبِالفاءِ أيْضًا رِوايَةً -، ورَوى قَتادَةُ أنَّ الدُرُوعَ كانَتْ قَبْلَهُ صَفائِحَ فَكانَتْ ثِقالًا، فَلِذَلِكَ أُمِرَ هو بِالتَقْدِيرِ فِيما يَجْمَعُ بَيْنَ الخِفَّةِ والحَصانَةِ، أيْ: قَدِّرْ ما يَأْخُذُ مِن هَذَيْنَ المَعْنَيَيْنِ بِقِسْطِهِ، أيْ: لا تَقْصِدِ الحَصانَةَ فَتُثْقِلَ، ولا الخِفَّةَ وحْدَها فَيُزِيلَ المَنَعَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾، لَمّا كانَ الأمْرُ لَداوُدَ وآلِهِ حُكِيَ وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِمْ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، أيْ: لا يَخْفى عَلَيَّ حُسْنُهُ مِن قَبِيحِهِ، وبِحَسَبَ ذَلِكَ يَكُونُ جَزائِي لَكم.

سبأ 34:12

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ ومِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ ومِنَ يَزِغْ مِنهم عن أمْرِنا نُذِقْهُ مَن عَذابِ السَعِيرِ﴾ قالَ الحَسَنُ: عَقَرَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ الخَيْلَ أسَفًا عَلى ما فَوَّتَتْهُ مِن فَضْلِ وقْتِ صَلاةِ العَصْرِ، فَأبْدَلَهُ اللهُ تَعالى خَيْرًا مِنها وأسْرَعَ، قَرَأ الجُمْهُورُ: "الرِيحَ" تَجْرِي بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: ولِسُلَيْمانَ سَخَّرَنا الرِيحَ، وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - والأعْرَجُ: "الرِيحُ" بِالرَفْعِ عَلى تَقْدِيرِ: تَسَخَّرَتِ الرِيحُ، أو عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ في المَجْرُورِ، وذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ولِسُلَيْمانَ تَسْخِيرُ الرِيحِ. وقَرَأ الحَسَنُ: "وَلِسُلَيْمانَ الرِياحُ"، وكَذَلِكَ جُمِعَ في كُلِّ القُرْآنِ. (p-١٦٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾، قالَ قَتادَةُ: إنَّها كانَتْ تَقْطَعُ بِهِ في الغُدُوِّ إلى قُرْبِ الزَوالِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ قالَ: كانَ يَخْرُجُ مِنَ الشامِ مِن مُسْتَقَرِّهِ بِتَدْمُرَ الَّتِي بَنَتْها لَهُ الجِنُّ بِالصِفاحِ والعُمُدِ فَيَقِيلُ في إصْطَخَرَ، ويَرُوحُ مِنها فَيَبِيتُ في كابُلَ مِن أرْضِ خُراسانَ، ونَحْوُ هَذا، وكانَتِ الأعاصِيرُ تُقِلُّ بِساطَهُ وتَحْمِلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ الرُخاءِ، وكانَ هَذا البِساطُ يَحْمِلُ - فِيما رُوِيَ - أرْبَعَةَ آلافِ فارِسٍ وما يُشْبِهُها مِنَ الرِجالِ والعَدَدِ ويَتَّسِعُ لَهُمْ، ورُوِيَ أكْثَرُ مِن هَذا بِكَثِيرٍ، ولَكِنَّ عَدَمَ صِحَّتِهِ مَعَ بُعْدِ شِبْهِهِ أوجَبَ اخْتِصارَهُ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « ["خَيْرُ الجُيُوشِ أرْبَعَةُ آلافٍ"]» وما كانَ سُلَيْمانُ لِيَعْدُوَ الخَيْرَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ["غَدْوَتُها شَهْرٌ ورَوْحَتُها شَهْرٌ"]، وكانَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ إذا أرادَ قَوْمًا لَمْ يُشْعَرْ بِهِ حَتّى يُظِلَّهم في جَوِّ السَماءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّهُ كانَتْ تَسِيلُ لَهُ بِاليَمَنِ عَيْنٌ جارِيَةٌ مِن نُحاسٍ يُصْنَعُ لَهُ مِنها جَمِيعُ ما أحَبَّ، والقِطْرُ: النُحاسُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: القِطْرُ: الفِلِزُّ كُلُّهُ، النُحاسُ والحَدِيدُ وما جَرى مَجْراهُ، كانَ يَسِيلُ لَهُ مِنهُ عُيُونٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ مَعْنى ﴿ "وَأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ":﴾ أذَبْنا لَهُ النُحاسَ، عَلى نَحْوِ ما كانَ الحَدِيدُ يَلِينُ لِداوُدَ، قالُوا: وكانَتِ الأعْمالُ تَتَأتّى مِنهُ لِسُلَيْمانَ وهو بارِدٌ دُونَ نارٍ، و"عَيْنَ" - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - بِمَعْنى المُذابِ، وقالُوا: لَمْ يَلِنِ النُحاسُ ولا ذابَ لِأحَدٍ قَبْلَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ﴾ يَحْتَمِلُ أنَّ "مَن" تَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الإتْباعِ لِما تَقَدَّمَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وسَخَّرْنا مِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ في المَجْرُورِ، و"يَزِغْ" مَعْناهُ: يَمِلْ، أيْ يَنْحَرِفُ عاصِيًا، وقالَ: ﴿عن أمْرِنا﴾ ولَمْ يَقُلْ: "عن إرادَتِنا" لِأنَّهُ لا يَقَعُ في العالَمِ شَيْءٌ يُخالِفُ الإرادَةَ، ويَقَعُ ما يُخالِفُ الأمْرَ. قالَ الضَحّاكُ: وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "وَمَن يَزِغْ (p-١٦٦)عن أمْرِنا" بِغَيْرٍ "مِنهُمْ". وقَوْلُهُ: ﴿مِن عَذابِ السَعِيرِ﴾ قِيلَ: عَذابُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ قَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَلَكٌ وبِيَدِهِ سَوْطٌ مِن نارِ السَعِيرِ، فَمَن عَصى ضَرَبَهُ فَأحْرَقَهُ.

سبأ 34:13

قوله عزّ وجلّ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ وجِفانٍ كالجَوابِ وقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَكُورُ﴾ المَحارِيبُ: الأبْنِيَةُ العالِيَةُ الشَرِيفَةُ، قالَ قَتادَةُ: القُصُورُ والمَساجِدُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَساكِنُ، والمِحْرابُ أشْرَفُ مَوْضِعٍ في البَيْتِ، والمِحْرابُ مَوْضِعُ العِبادَةِ أشْرَفُ ما يَكُونُ مِنهُ، وغَلَبَ عُرْفُ الِاسْتِعْمالِ في مَوْضِعِ وُقُوفِ الإمامِ لِشَرَفِهِ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎ كَدُمى العاجِ في المَحارِيبِ أو كال ∗∗∗ بَيْضِ في الرَوْضِ زَهْرُهُ مُسْتَنِيرُ والتَماثِيلُ، قِيلَ: كانَتْ مِن زُجاجٍ ونُحاسٍ، تَماثِيلُ أشْياءَ لَيْسَتْ بِحَيَوانٍ، وقالَ الضَحّاكُ: كانَتْ تَماثِيلَ حَيَوانٍ، وكانَ هَذا مِنَ الجائِزِ في ذَلِكَ الشَرْعِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ونُسِخَ بِشَرْعِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وقالَ قَوْمٌ: حُرِّمَ التَصْوِيرُ لِأنَّ الصُوَرَ كانَتْ تُعْبَدُ، وحَكى في الهِدايَةِ أنَّ فِرْقَةً كانَتْ تُجَوِّزُ التَصْوِيرَ وتَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ خَطَأٌ، وما أحْفَظُ مِن أئِمَّةِ العِلْمِ مَن يُجَوِّزُهُ. والجَوابِي جَمْعُ جابِيَةٍ، وهي البِرْكَةُ الَّتِي يَجِيءُ إلَيْها الماءُ الَّذِي يَجْتَمِعُ، قالَ الراجِزُ: ؎ فَصَبَّحْتُ جابِيَةً صُهارِجا ∗∗∗ ∗∗∗ كَأنَّهُ جِلْدُ السَماءِ خارِجا (p-١٦٧)وَقالَ مُجاهِدٌ: هي جَمْعُ جَوْبَةٍ، وهي الحُفْرَةُ العَظِيمَةُ في الأرْضِ، وفي هَذا نَظَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ نَفى الذَمَّ عن آلِ المُحَلَّقِ جَفْنَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ كَجابِيَةِ الشَيْخِ العِراقِيِّ تَفْهَقُ وأنْشَدَهُ الطَبَرِيُّ: "تَرُوحُ عَلى آلِ المُحَلَّقِ"، ويُرْوى: "السَيْحُ" بِالسِينِ المُهْمَلَةِ، وهو الماءُ الجارِي عَلى وجْهِ الأرْضِ ويُرْوى بِالشِينِ والخاءِ مَنقُوطَتَيْنِ فَيُقالُ أرادَ كِسْرى ويُقالُ أرادَ شَيْخًا مِن فَلّاحِي سَوادِ العِراقِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وذَلِكَ أنَّهُ لِضَعْفِهِ يَدَّخِرُ الماءَ في جابِيَةٍ فَهي تَفْهَقُ أبَدًا فَشُبِّهَتِ الجَفْنَةُ بِها لِعِظَمِها وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: الجَوابِي الحِياضُ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ كالجَوابِ بَغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى بِغَيْرِ ياءٍ في الوَقْفِ وياءٍ في الوَصْلِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِياءٍ فِيهِما. ووَجْهُ حَذْفِ الياءِ التَخْفِيفُ والإيجازُ، وهَذا كَحَذْفِهِمْ ذَلِكَ مِنَ "القاضِ، والغازِ، والهادِ"، وأيْضًا فَلَمّا كانَتِ الألِفُ واللامُ تُعاقِبُ التَنْوِينَ وكانَتِ الياءُ تُحْذَفُ مَعَ التَنْوِينِ وجَبَ أنْ تُحْذَفَ مَعَ ما عاقَبَتْهُ، كَما يُعْمِلُونَ الشَيْءَ أبَدًا عَمَلَ نَقِيضِهِ. و"راسِياتٍ" مَعْناهُ: ثابِتاتٍ لِكِبَرِها، لَيْسَتْ مِمّا يُنْقُلُ ولا يُحْمَلُ، ولا يَسْتَطِيعُ عَمَلَهُ (p-١٦٨)إلّا الجِنُّ، وبِالثُبُوتِ فَسَّرَها الناسُ. ثُمَّ أُمِرُوا مَعَ هَذِهِ النِعَمِ بِأنْ يَعْمَلُوا بِالطاعاتِ. وقَوْلُهُ: ﴿ "شُكْرًا"﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى الحالِ، أيِ: اعْمَلُوا بِالطاعاتِ في حالِ شُكْرٍ مِنكم لِلَّهِ عَلى هَذِهِ النِعَمِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى جِهَةِ المَفْعُولِ، أيِ: اعْمَلُوا عَمَلًا هو الشُكْرُ، كَأنَّ الصَلاةَ والصِيامَ والعِباداتِ كُلَّها هي نَفْسُها الشُكْرُ إذْ سَدَّتْ مَسَدَّهُ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ صَعِدَ المِنبَرَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: "ثَلاثٌ مَن أُوَتِيَهُنَّ فَقَدْ أُوتِيَ العَمَلَ شُكْرًا: العَدْلُ في الغَضَبِ والرِضى، والقَصْدُ في الفَقْرِ والغِنى، وخَشْيَةُ اللهِ في السِرِّ والعَلانِيَةِ"،» ورُوِيَ «أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ: يا رَبِّ كَيْفَ أُطِيقُ شُكْرَكَ عَلى نِعَمِكَ وإلْهامِي وقُدْرَتِي عَلى شُكْرِكَ نِعْمَةٌ لَكَ؟ فَقالَ: الآنَ يا داوُدُ عَرَفْتَنِي حَقَّ مَعْرِفَتِي،» وقالَ ثابِتٌ: رُوِيَ أنَّ مُصَلّى آلِ داوُدَ لَمْ يَخْلُ قَطُّ مِن قائِمٍ يُصَلِّي لَيْلًا ونَهارًا، كانُوا يَتَناوَبُونَهُ دائِمًا، وكانَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ - فِيما رُوِيَ يَأْكُلُ الشَعِيرَ، ويُطْعِمُ أهْلَهُ الخُشْكارَ، ويُطْعِمُ المَساكِينَ الدَرْمَكَ. ورُوِيَ أنَّهُ ما شَبِعَ قَطُّ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: أخافُ أنْ أنْسى الجِياعَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَكُورُ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مُخاطَبَةً لِآلِ داوُدَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُخاطَبَةً لِآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَفِيها تَنْبِيهٌ وتَحْرِيضٌ، وسَمِعَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ رَجُلًا يَقُولُ: اللهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ القَلِيلِ، فَقالَ لَهُ: ما هَذا الدُعاءُ؟ فَقالَ: أرَدْتُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَكُورُ﴾، فَقالَ عُمَرُ: كُلُّ الناسِ أعْلَمُ مِن عُمَرَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ [ص: ٢٤]، والقِلَّةُ أيْضًا بِمَعْنى الخُمُولِ مِنحَةٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فَلِهَذا الدُعاءِ مَحاسِنُ.

سبأ 34:14

(p-١٦٩)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ إلا دابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، و"قَضَيْنا" بِمَعْنى: أنَفَذْنا وأخْرَجْناهُ إلى حَيِّزِ الوُجُودِ، وإلّا فالقَضاءُ الأخِيرُ بِهِ مُتَقَدِّمٌ في الأزَلِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في قَصَصِهِما أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يَتَعَبَّدُ في بَيْتِ المَقْدِسِ، وكانَ يَنْبُتُ في مِحْرابِهِ كُلَّ سَنَةٍ شَجَرَةٌ، فَكانَ يَسْألُها عن مَنافِعِها ومَضارِّها وسائِرِ شَأْنِها فَتُخْبِرُهُ، ويَأْمُرُ بِها فَتُقْلَعُ فَتُصْرَفُ في مَنافِعِها، أو تُغْرَسُ لِتَتَناسَلَ، فَلَمّا كانَ عِنْدَ مَوْتِهِ خَرَجَتْ شَجَرَةٌ فَقالَ لَها: ما أنْتِ؟ فَقالَتْ: أنا الخَرُّوبُ، خَرَجْتُ لِخَرابِ مُلْكِكَ هَذا، فَقالَ: ما كانَ اللهُ لِيُخَرِّبَهُ وأنا حَيٌّ، ولَكِنَّهُ لا شَكَّ حُضُورُ أجَلِي، فاسْتَعَدَّ عَلَيْهِ السَلامُ وغَرَسَها، وصَنَعَ مِنها عَصًا لِنَفْسِهِ، وجَدَّ في عِبادَتِهِ، وجاءَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَلَكُ المَوْتِ، فَأخْبَرَهُ أنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِقَبْضِ رُوحِهِ، وأنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا مُدَّةً يَسِيرَةً، فَرُوِيَ أنَّهُ أمَرَ الجِنَّ حِينَئِذٍ فَصُنِعَتْ لَهُ قُبَّةٌ مِن زُجاجٍ تَشِفُّ، وحَصَلَ فِيها يَتَعَبَّدُ، ولَمْ يَجْعَلْ لَها بابًا، وتَوَكَّأ عَلى عَصاهُ عَلى وضْعٍ يَتَماسَكُ مَعَهُ وإنْ ماتَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ ﷺ عَلى تِلْكَ الحالَةِ، ورُوِيَ أنَّهُ اسْتَعَدَّ في تِلْكَ القُبَّةِ بِزادِ سَنَةٍ، وكانَ الجِنُّ يَتَوَهَّمُونَ أنَّهُ يَتَغَذّى بِاللَيْلِ، وكانُوا لا يَقْرَبُونَ مِنَ القُبَّةِ، ولا يَدْخُلُونَ مِن كُوًى كانَتْ في أعالِيها، ومَن رامَ ذَلِكَ مِنهُمُ احْتَرَقَ قَبْلَ الوُصُولِ إلَيْها، هَذا في المُدَّةِ الَّتِي كانَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ في القُبَّةِ، فَلَمّا ماتَ بَقِيَتْ تِلْكَ الهَيْبَةُ عَلى الجِنِّ، ورُوِيَ أنَّ القُبَّةَ كانَ لَها بابٌ، وأنَّ سُلَيْمانَ أمَرَ بَعْضَ أهْلِهِ بِكِتْمانِ مَوْتِهِ عَلى الجِنِّ والإنْسِ، وأنْ يُتْرَكَ عَلى حالِهِ تِلْكَ سَنَةً، وكانَ غَرَضُهُ في هَذِهِ السَنَةِ أنْ يَعْمَلَ الجِنُّ عَمَلًا كانَ قَدْ بُدِئَ في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ وقُدِّرَ أنَّهُ بَقِيَ مِنهُ عَمَلُ سَنَةٍ، فَأحَبَّ الفَراغَ مِنهُ، فَلَمّا مَضى لِمَوْتِهِ سَنَةٌ خَرَّ عن عَصاهُ، والعَصا قَدْ أكَلَتْهُ الأرَضُ، وهي الدُودَةُ الَّتِي تَأْكُلُ العُودَ، فَرَأتِ الجِنُّ انْحِدارَهُ، فَتَوَهَّمَتْ مَوْتَهُ، فَجاءَ جَسُورٌ مِنهم فَقَرُبَ فَلَمْ يَحْتَرِقْ، ثُمَّ خَطَرَ فَعادَ فَقَرُبَ أكْثَرَ، ثُمَّ قَرُبَ حَتّى دَخَلَ مِن بَعْضِ تِلْكَ الكُوى فَوَجَدَ سُلَيْمانَ مَيِّتًا فَأخْبَرَ بِمَوْتِهِ، فَنُظِرَ ذَلِكَ الأجَلُ فَقُدِّرَ أنَّهُ سَنَةٌ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: جُعِلَتِ الأرَضَةُ فَأكَلَتْ يَوْمًا ولَيْلَةً، ثُمَّ قِيسَ ذَلِكَ بِأكْلِها في العَصا فَعُلِمَ أنَّها أكَلَتْ مُنْذُ سَنَةٍ، فَهَكَذا كانَتْ دَلالَةُ دابَّةِ الأرْضِ عَلى مَوْتِهِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ: في هَذِهِ القَصَصِ إكْثارٌ عُمْدَتُهُ (p-١٧٠)ما ذَكَرْناهُ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ ﴿دابَّةُ الأرْضِ﴾: سُوسَةُ العُودِ، وهي الأرَضَةُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ: "الأرَضُ" بِفَتْحِ الراءِ، جَمْعُ أرَضَةٍ، فَهَذا يُقَوِّي ذَلِكَ التَأْوِيلَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿دابَّةُ الأرْضِ﴾: حَيَوانٌ مِنَ الأرْضِ، شَأْنُهُ أنْ يَأْكُلَ العُودَ، وذَلِكَ مَوْجُودٌ، ولَيْسَتِ السُوسَةُ مِن دَوابِّ الأرْضِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنها أبُو حاتِمٍ اللُغَوِيُّ: "الأرْضِ" هُنا مَصْدَرُ "أُرِضَتِ الأثْوابُ والخَشَبُ" إذا أكَلَتْها الأرَضَةُ، كَأنَّهُ قالَ: دابَّةُ الأكْلِ الَّذِي هو بِتِلْكَ الصُورَةِ، عَلى جِهَةِ التَسَوُّسِ. وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "أكَلَتْ مِنسَأتَهُ"، والمِنسَأةُ هي العَصا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ إذا دَبَبْتَ عَلى المِنساةِ مِن كِبَرٍ ∗∗∗ فَقَدْ تَباعَدَ عنكَ اللهْوُ والغَزَلُ وكَذا قَرَأتْ جَماعَةٌ مِنَ القُرّاءِ بِغَيْرِ هَمْزٍ، مِنها أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، قالَ أبُو عَمْرٍو: لا أعْرِفُ لَها اشْتِقاقًا، فَأنا لا أهْمِزُها؛ لِأنَّها إنْ كانَتْ مِمّا يُهْمَزُ فَقَدِ احْتَطْتُ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِي هَمْزُ ما لا يُهْمَزُ، وقالَ غَيْرُهُ: أصْلُها الهَمْزُ، وهي مِنَ المِنسَأةِ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ، مِن: "نَسَأْتَ الإبِلَ والغَنَمَ والناقَةَ" إذا سُقْتَها، ومِنهُ قَوْلُ طُرْفَةَ: ؎ أمُونٍ كَعِيدانِ الإرانِ نَسَأْتُها ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى لاحِبٍ كَأنَّهُ ظَهْرُ بُرْجُدِ (p-١٧١)وَيُرْوى: "وَعنسٍ" كَألْواحٍ وخُفِّفَتْ هَمْزَتُها جُمْلَةً، وكانَ القِياسُ أنْ تَخَفَّفَ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ عَلى الأصْلِ بِالهَمْزِ. وقَرَأ حَمْزَةُ: "مَنساتَهُ" بِفَتْحِ المِيمِ وبِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مِنسَأْتَهُ" بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ وهَذا لا وجْهَ لَهُ إلّا التَخْفِيفَ في تَسْكِينِ المُتَحَرِّكِ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ فاليَوْمَ أشْرَبُ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللهِ ولا واغِلِ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مِن سَأتِهِ" بِفَصْلِ "مِن" وكَسْرِ التاءِ في " سَأتِهِ"، وهَذِهِ تَنْحُو إلى: سِيَةِ القَوْسِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: سِيَةٌ وساةٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: "مِن سَأتِهِ" ثُمَّ سَكَّنَ الهَمْزَةَ، ومَعْناها: مِن طَرَفِ عَصاهُ، أنْزَلَ العَصا مَنزِلَةَ القَوْسِ. وقالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَمُتْ إلّا في سَفَرٍ مُضْطَجِعًا، ولَكِنَّهُ كانَ في بَيْتٍ مَبْنِيٍّ عَلَيْهِ، وأكَلَتِ الأرَضَةُ عَتَبَةَ البابِ حَتّى خَرَّ البَيْتُ فَعُلِمَ مَوْتُهُ، وهَذا ضَعِيفٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَبَيَّنَتِ الجِنُّ" بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْها، أيْ: بانَ أمْرُها، كَأنَّهُ قالَ: افْتَضَحَتِ الجِنُّ، أيْ لِلْإنْسِ، هَذا تَأْوِيلٌ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ بِمَعْنى: عَلِمَتِ الجِنُّ وتَحَقَّقَتْ، ويُرِيدُ بِالجِنُّ: جُمْهُورَهم والفَعَلَةُ مِنهم والخَدَمَةُ، ويُرِيدُ بِالضَمِيرِ في "كانُوا" رُؤَساءَهم وكِبارَهُمْ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَدَّعُونَ عِلْمَ الغَيْبِ لِأتْباعِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ ويُوهِمُونَهم ذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ، فَيَتَبَيَّنُ الأتْباعُ أنَّ الرُؤُوسَ لَوْ (p-١٧٢)كانُوا عالِمِينَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا. و"أنْ" - عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ - بَدَلٌ مِنَ "الجِنُّ"، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي مَفْعُولَةٌ مَحْضَةٌ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: "تُبُيِّنَتِ الجِنُّ" عَلى الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ، أيْ: تَبَيَّنَها الناسُ، و"أنْ" - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - بَدَلٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: بِأنْ، عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ مِنَ القِراءَةِ الأُولى. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: مَذْهَبُ سِيبَوَيْهٍ أنَّ "أنْ" في هَذِهِ الآيَةِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وإنَّما هي مُؤْذِنَةٌ بِجَوابِ ما تُنَزَّلُ مَنزِلَةَ القَسَمِ مِنَ الفِعْلِ الَّذِي مَعْناهُ التَحَقُّقُ واليَقِينُ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأفْعالَ الَّتِي هِيَ: تَبَيَّنْتُ وتَحَقَّقْتُ وعَلِمْتُ وتَيَقَّنْتُ ونَحْوَها تَحِلُّ مَحَلَّ القَسَمِ في قَوْلِكَ: عَلِمْتُ أنْ لَوْ قامَ زَيْدٌ ما قامَ عَمْرٌو، فَكَأنَّكَ قُلْتَ: واللهِ لَوْ قامَ زَيْدٌ ما قامَ عَمْرٌو، فَقَوْلُهُ: ﴿ "ما لَبِثُوا"﴾ - عَلى هَذا القَوْلِ - جَوابُ ما تُنَزَّلُ مَنزِلَةَ القَسَمِ لا جَوابُ "لَوْ"، وعَلى الأقْوالِ الأُوَلِ جَوابُ "لَوْ"، وفي كِتابِ النَحّاسِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَقْرَأُ بِنَصْبِ [الجِنَّ] أيْ: تَبَيَّنَتِ الإنْسُ الجِنَّ، و﴿العَذابِ المُهِينِ﴾ هو العَمَلُ في تِلْكَ السُخْرَةِ، والمَعْنى أنَّ الجِنَّ لَوْ كانَتْ تَعْلَمُ الغَيْبَ لَما خَفِيَ عَلَيْها أمْرُ مَوْتِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَدْ ظَهَرَ أنَّهُ خَفِيَ عَلَيْها بِدَوامِها في الخِدْمَةِ الصَعْبَةِ وهو مَيِّتٌ، فالمُهِينِ: المُذِلِّ، مِنَ الهَوانِ. قالَ الطَبَرِيُّ: وفي بَعْضِ القِراءاتِ ["فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ لَوْ كانُوا"]، وحَكاها أبُو الفَتْحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَحّاكِ، وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأكْثَرَ المُفَسِّرُونَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ بِما لا صِحَّةَ لَهُ، ولا تَقْتَضِيهِ ألْفاظُ القُرْآنِ، وفي مَعانِيهِ بَعْدُ، فاخْتَصَرْتُهُ لِذَلِكَ.

سبأ 34:15

قوله عزّ وجلّ: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ في مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عن يَمِينٍ وشِمالٍ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ ﴿فَأعْرَضُوا فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وأثْلٍ وشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا وهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ﴾ هَذا مَثَلٌ لِقُرَيْشٍ بِقَوْمٍ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ وأرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُسُلَ فَكَفَرُوا وأعْرَضُوا فانْتَقَمَ اللهُ مِنهُمْ، أيْ: فَأنْتُمْ أيُّها القَوْمُ مِثْلُهم. وسَبَإٍ: هُنا أرادَ بِهِ القَبِيلَ، واخْتُلِفَ، لِمَ سُمِّيَ القَبِيلُ بِذَلِكَ؟ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو اسْمُ امْرَأةٍ كانَتْ أمَّ القَبِيلِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ في كِتابِ الرُمّانِيِّ: هو اسْمُ مَوْضِعٍ، فَسُمِّيَ القَبِيلُ بِهِ، وقالَ الجُمْهُورُ: هو اسْمُ رَجُلٍ كانَ (p-١٧٣)هُوَ أبًا لِلْقَبِيلِ كُلِّهِمْ، قِيلَ: هو ابْنُ يَشْجُبِ بْنِ يَعْرُبَ، ورُوِيَ في هَذا القَوْلِ حَدِيثٌ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ سَألَهُ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ عن سَبَإٍ، ما هُوَ؟ فَقالَ: "هُوَ اسْمُ رَجُلٍ مِنهُ تَناسَلَتْ قَبائِلُ اليَمَنِ".» وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ: "لِسَبَإٍ" بِهَمْزَةٍ مُنَوَّنَةٍ مَكْسُورَةٍ، عَلى مَعْنى الحَيِّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ: "لِسَبَأ" بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ غَيْرِ مَصْرُوفٍ، عَلى مَعْنى القَبِيلَةِ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "مَساكِنَهُمْ"؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ لَهُ مَسْكَنٌ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "فِي مَسْكِنِهِمْ" بِكَسْرِ الكافِ، أيْ: في مَوْضِعِ سُكْناهُمْ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وعَلْقَمَةَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: والفَتْحُ حَسَنٌ أيْضًا، لَكِنَّ هَذا كَما قالُوا: "مَسْجِدٌ"، وإنْ كانَ سِيبَوَيْهِ يَرى هَذا اسْمَ البَيْتِ، ولَيْسَ مَوْضِعَ السُجُودِ، قالَ: هي لُغَةُ الناسِ اليَوْمَ، والفَتْحُ هي لُغَةُ الحِجازِ، وهي اليَوْمَ قَلِيلَةٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفَصٌ: "مَسْكَنَهُمْ" بِفَتْحِ الكافِ، عَلى المَصْدَرِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، وهي قِراءَةُ إبْراهِيمَ النَخَعِيِّ، وهَذا الإفْرادُ هو كَما قالَ الشاعِرُ: ؎ كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَخِفُّوا (p-١٧٤)وَكَما قالَ الآخَرُ: ؎ قَدْ عَضَّ أعْناقَهم جِلْدُ الجَوامِيسِ و"آيَةٌ" مَعْناها: عِبْرَةٌ وعَلامَةٌ عَلى فَضْلِ اللهِ وقُدْرَتِهِ، و"جَنَّتانِ" ابْتِداءٌ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿عن يَمِينٍ وشِمالٍ﴾، أو خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: هي جَنَّتانِ، وهي جُمْلَةٌ بِمَعْنى: هَذِهِ حالُهُمْ، والبَدَلُ مِن "آيَةٌ" ضَعِيفٌ، وقَدْ قالَهُ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ["آيَةٌ جَنَّتَيْنِ"] بِالنَصْبِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في ناحِيَةِ اليَمَنِ وادٍ عَظِيمٌ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، وكانَتْ حُقَّتا الوادِي عِنْدَ أوَّلِ الجَبَلَيْنِ جِسْرٌ عَظِيمٌ مِن حِجارَةٍ مِنَ الجَبَلِ فارْتَدَعَ الماءُ فِيهِ وصارَ بُحَيْرَةً عَظِيمَةً، وأخَذَ الماءُ مِن جَنْبَتَيْها فَمَشى مُرْتَفِعًا يَسْقِي جَنّاتِ جَنْبَتَيِ الوادِي، قِيلَ: بَنَتْهُ بَلْقِيسُ، وقِيلَ: بَناهُ حِمْيَرُ أبُو القَبائِلِ اليَمَنِيَةِ كُلِّها، وكانُوا بِهَذِهِ الحالِ في أرْغَدِ نِعَمٍ، وكانَتْ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ قُرًى ظاهِرَةٌ مُتَّصِلَةٌ مِنَ اليَمَنِ إلى الشامِ، وكانُوا أرْبابَ تِلْكَ البِلادِ في ذَلِكَ الزَمانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ["كُلُوا"]﴾ فِيهِ حَذْفٌ، كَأنَّهُ قالَ: قِيلَ لَهُمْ: كُلُوا، و["طَيِّبَةٌ"] مَعْناهُ: كَرِيمَةُ التُرْبَةِ، حَسَنَةُ الهَواءِ، رَغْدَةٌ مِنَ النِعَمِ، سَلِيمَةُ مِنَ الهَوامِّ والمَضارِّ، هَذِهِ عِباراتُ المُفَسِّرِينَ، وكانَ ذَلِكَ الوادِي - فِيما رُوِيَ عن عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ - لا يَدْخُلُهُ بَرْغُوثٌ ولا قَمْلَةٌ ولا بَعُوضَةٌ ولا عَقْرَبٌ ولا شَيْءٌ مِنَ الحَيَوانِ الضارِّ، وإذا جاءَ بِهِ أحَدٌ مِن سَفَرٍ سَقَطَ عِنْدَ أوَّلِ الوادِي، ورُوِيَ أنَّ الماشِيَ بِمِكْتَلٍ (p-١٧٥)فَوْقَ رَأْسِهِ بَيْنَ أشْجارِهِ كانَ يَمْتَلِئُ مِكْتَلُهُ دُونَ أنْ يَمُدَّ يَدًا، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِنَ الأمْرِ بِالأكْلِ والشُرْبِ والتَوْقِيفِ عَلى طِيبِ البَلَدِ والغُفْرانِ مِنَ الرَبِّ مَعَ الإيمانِ هي مِن قَوْلِ الأنْبِياءِ لَهم. وقَرَأ رُوَيْسٌ عن يَعْقُوبَ: ["بَلْدَةً طَيِّبَةً ورَبًّا غَفُورًا"] بِالنَصْبِ في الكُلِّ، وبَعَثَ إلَيْهِمْ - فِيما رُوِيَ - ثَلاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا فَكَفَرُوا بِهِمْ وأعْرَضُوا، فَبَعَثَ اللهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ السَدِّ جَرادًا أعْمى تَوالَدَ فِيهِ وخَرَّقَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وأرْسَلَ سَيْلًا في ذَلِكَ الوادِي فَحَمَلَ ذَلِكَ السَدَّ، فَيُرْوى أنَّهُ كانَ مِنَ العِظَمِ وكَثْرَةِ الماءِ بِحَيْثُ مَلَأ ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، وحَمَلَ الجَنّاتِ وكَثِيرًا مِنَ الناسِ مِمَّنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الفِرارُ، ويُرْوى أنَّهُ لَمّا خُرِقَ السَدُّ كانَ ذَلِكَ سَبَبُ يُبْسِ الجَنّاتِ فَهَلَكَتْ بِهَذا الوَجْهِ، ورُوِيَ أنَّهُ صَرَّفَ الماءَ مِن مَوْضِعِهِ الَّذِي كانَ فِيهِ أوَّلًا فَتَعَطَّلَ سَقْيُ الجَنّاتِ. واخْتَلَفَ الناسُ في لَفْظَةِ ﴿ ["العَرِمِ"]،﴾ فَقالَ المُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ، وأبُو مَيْسَرَةَ: العَرِمُ في لُغَةِ اليَمَنِ جَمْعُ عَرِمَةٍ، وهو كُلُّ ما بُنِيَ أو سُنِّمَ لِيُمْسِكَ الماءَ، ويُقالُ ذَلِكَ بِلُغَةِ أهْلِ الحِجازِ: المُسَنّاةُ. كَأنَّها الجُسُورُ والسِدادُ ونَحْوُها، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الأعْشى: ؎ وفي ذَلِكَ لِلْمُؤْتَسِي أُسْوَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ ومَأْرَبُ عَضَّ عَلَيْها العَرِمْ ؎ رِخامٌ بَناهُ لَهم حِمْيَرُ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا جاءَ مَوّارُهُ لَمْ يَرِمْ (p-١٧٦)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ مِن سَبَأ الحاضِرِينَ مَأْرِبَ إذْ ∗∗∗ ∗∗∗ يَبْنُونَ مِن دُونِ سَيْلِها العَرِما وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ: اسْمُ وادِي ذَلِكَ الماءِ بِعَيْنِهِ الَّذِي كانَ السَدُّ يُبْنى لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا: إنَّ سَيْلَ ذَلِكَ الوادِي أبَدًا كانَ يَصِلُ إلى مَكَّةَ ويُنْتَفَعُ بِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَرِمُ: الشَدِيدُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَأنَّهُ صِفَةٌ لِلسَّيْلِ، مِنَ العَرامَةِ، والإضافَةُ إلى الصِفَةِ مُبالَغَةٌ، وهي كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: العَرِمُ: اسْمُ الجُرَذِ، وهَذا ضَعِيفٌ. وقِيلَ: العَرِمُ: صِفَةٌ لِلْمَطَرِ الشَدِيدِ الَّذِي كانَ عِنْدَ ذَلِكَ السَيْلِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ قَوْلٌ فِيهِ تَجَوُّزٌ واسْتِعارَةٌ؛ وذَلِكَ أنَّ البَدَلَ مِنَ الخَمْطِ والأثْلِ لَمْ يَكُنْ جَنّاتٍ، لَكِنَّ هَذا كَما تَقُولُ لِمَن جُرِّدَ ثَوْبًا جَيِّدًا وضُرِبَ ظَهْرُهُ: "هَذا الضَرْبُ ثَوْبٌ صالِحٌ لَكَ"، ونَحْوَ هَذا. وقَوْلُهُ: ﴿ "ذَواتَيْ"﴾ تَثْنِيَةُ "ذاتٍ". و"الخَمْطُ": شَجَرُ الأراكِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ، وقِيلَ: "الخَمْطُ" كُلُّ شَجَرٍ لَهُ شَوْكٌ وثَمَرَتُهُ كَرِيهَةُ الطَعْمِ بِمَرارَةٍ، أو حُمَّصَةٌ، أو نَحْوُهُ، ومِنهُ: تَخَمَّطَ اللَبَنُ: إذا تَغَيَّرَ طَعْمُهُ. و"الأثْلُ" ضَرْبٌ مِنَ الطَرْفاءِ، هَذا هو الصَحِيحُ، وكَذا قالَ أبُو حَنِيفَةَ في كِتابِ النَباتِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وقِيلَ: هو شَجَرٌ شَبِيهٌ بِالطَرْفاءِ، وقِيلَ: إنَّهُ السَمُرُ. و"السِدْرُ" مَعْرُوفٌ، ولَهُ نَبَقٌ شَبِيهُ العُنّابِ، لَكِنَّهُ دُونَهُ في الطَعْمِ بِكَثِيرٍ. و"لِلْخَمْطِ" ثَمَرٌ غَثٌّ هو البَرِيرُ، و"لِلْأثْلِ" ثَمَرٌ قَلِيلُ الغِناءِ غَيْرُ حَسَنِ الطَعْمِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعُ: "أُكْلِ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكافِ. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وضَمِّ الكافِ، ورُوِيَ أيْضًا عن أبِي عَمْرٍو سُكُونُ الكافِ، وهُما بِمَعْنى (p-١٧٧)الجَنى والثَمَرَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها﴾ [إبراهيم: ٢٥] أيْ: جَناها. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ بِتَنْوِينِ ﴿ "أُكُلٍ"﴾ وصِفَتِهُ "خَمْطٍ" وما بَعْدَهُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: البَدَلُ هَذا لا يَحْسُنُ؛ لِأنَّ "الخَمْطَ" لَيْسَ بِالأكْلِ، و"الأكْلُ" لَيْسَ بِالخَمْطِ نَفْسِهِ، والصِفَةُ أيْضًا كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الخَمْطَ اسْمٌ لا صِفَةٌ، وأحْسَنُ ما فِيهِ عَطْفُ البَيانِ، كَأنَّهُ بَيَّنَ أنَّ "الأُكُلَ" هَذِهِ الشَجَرَةَ ومِنها، ويُحَسِّنُ قِراءَةَ الجُمْهُورِ أنَّ هَذا الِاسْمَ قَدْ جاءَ مَجِيءَ الصِفَةِ في قَوْلِ الهُذَلِيِّ: ؎ عُقارٌ كَماءِ النِيءِ لَيْسَتْ بِخَمْطَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا خَلَّةٍ يَكْوِي الشَرُوبَ شِهابُها وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإضافَةِ "أكْلٍ" إلى "خَمْطٍ" وبِضَمِّ الكافِ، أيْ: "أُكُلِ خَمْطٍ"، ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ القِراءَةَ أبُو عَلِيٍّ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى ما أجْراهُ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿وَهَلْ نُجازِي﴾، أيْ: يُناقَشُ ويُعارَضُ بِمِثْلِ فِعْلِهِ، قَدْرًا بِقَدْرٍ؛ لِأنَّ جَزاءَ المُؤْمِنِ إنَّما هو بِتَفَضُّلٍ وتَضْعِيفٍ، وأمّا الَّذِي لا يُزادُ ولا يُنْقَصُ فَهو الكَفُورُ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقالَ طاوُسُ: هي المُناقَشَةُ، وكَذَلِكَ إنْ كانَ المُؤْمِنُ ذا ذُنُوبٍ فَقَدْ يُغْفَرُ لَهُ ولا يُجازى، والكافِرُ يُجازى ولا بُدَّ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ"،» وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يُجازى" بِالياءِ وفَتْحِ الزايِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نُجازِي" بِالنُونِ وكَسْرِ الزايِ ﴿ "الكَفُورَ"﴾ بِالنَصْبِ، وقَرَأ مُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ: "وَهَلْ يُجْزى"، وحَكى عنهُ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ أنَّهُ قَرَأ "يُجْزِي" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ. قالَ (p-١٧٨)الزَجّاجُ: يُقالُ: جَزَيْتُ في الخَيْرِ، وجازَيْتُ في الشَرِّ. فَتُرَجِّحُ هَذِهِ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.

سبأ 34:16

قوله عزّ وجلّ: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ في مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عن يَمِينٍ وشِمالٍ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ ﴿فَأعْرَضُوا فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وأثْلٍ وشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا وهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ﴾ هَذا مَثَلٌ لِقُرَيْشٍ بِقَوْمٍ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ وأرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُسُلَ فَكَفَرُوا وأعْرَضُوا فانْتَقَمَ اللهُ مِنهُمْ، أيْ: فَأنْتُمْ أيُّها القَوْمُ مِثْلُهم. وسَبَإٍ: هُنا أرادَ بِهِ القَبِيلَ، واخْتُلِفَ، لِمَ سُمِّيَ القَبِيلُ بِذَلِكَ؟ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو اسْمُ امْرَأةٍ كانَتْ أمَّ القَبِيلِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ في كِتابِ الرُمّانِيِّ: هو اسْمُ مَوْضِعٍ، فَسُمِّيَ القَبِيلُ بِهِ، وقالَ الجُمْهُورُ: هو اسْمُ رَجُلٍ كانَ (p-١٧٣)هُوَ أبًا لِلْقَبِيلِ كُلِّهِمْ، قِيلَ: هو ابْنُ يَشْجُبِ بْنِ يَعْرُبَ، ورُوِيَ في هَذا القَوْلِ حَدِيثٌ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ سَألَهُ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ عن سَبَإٍ، ما هُوَ؟ فَقالَ: "هُوَ اسْمُ رَجُلٍ مِنهُ تَناسَلَتْ قَبائِلُ اليَمَنِ".» وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ: "لِسَبَإٍ" بِهَمْزَةٍ مُنَوَّنَةٍ مَكْسُورَةٍ، عَلى مَعْنى الحَيِّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ: "لِسَبَأ" بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ غَيْرِ مَصْرُوفٍ، عَلى مَعْنى القَبِيلَةِ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "مَساكِنَهُمْ"؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ لَهُ مَسْكَنٌ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "فِي مَسْكِنِهِمْ" بِكَسْرِ الكافِ، أيْ: في مَوْضِعِ سُكْناهُمْ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وعَلْقَمَةَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: والفَتْحُ حَسَنٌ أيْضًا، لَكِنَّ هَذا كَما قالُوا: "مَسْجِدٌ"، وإنْ كانَ سِيبَوَيْهِ يَرى هَذا اسْمَ البَيْتِ، ولَيْسَ مَوْضِعَ السُجُودِ، قالَ: هي لُغَةُ الناسِ اليَوْمَ، والفَتْحُ هي لُغَةُ الحِجازِ، وهي اليَوْمَ قَلِيلَةٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفَصٌ: "مَسْكَنَهُمْ" بِفَتْحِ الكافِ، عَلى المَصْدَرِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، وهي قِراءَةُ إبْراهِيمَ النَخَعِيِّ، وهَذا الإفْرادُ هو كَما قالَ الشاعِرُ: ؎ كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَخِفُّوا (p-١٧٤)وَكَما قالَ الآخَرُ: ؎ قَدْ عَضَّ أعْناقَهم جِلْدُ الجَوامِيسِ و"آيَةٌ" مَعْناها: عِبْرَةٌ وعَلامَةٌ عَلى فَضْلِ اللهِ وقُدْرَتِهِ، و"جَنَّتانِ" ابْتِداءٌ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿عن يَمِينٍ وشِمالٍ﴾، أو خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: هي جَنَّتانِ، وهي جُمْلَةٌ بِمَعْنى: هَذِهِ حالُهُمْ، والبَدَلُ مِن "آيَةٌ" ضَعِيفٌ، وقَدْ قالَهُ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ["آيَةٌ جَنَّتَيْنِ"] بِالنَصْبِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في ناحِيَةِ اليَمَنِ وادٍ عَظِيمٌ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، وكانَتْ حُقَّتا الوادِي عِنْدَ أوَّلِ الجَبَلَيْنِ جِسْرٌ عَظِيمٌ مِن حِجارَةٍ مِنَ الجَبَلِ فارْتَدَعَ الماءُ فِيهِ وصارَ بُحَيْرَةً عَظِيمَةً، وأخَذَ الماءُ مِن جَنْبَتَيْها فَمَشى مُرْتَفِعًا يَسْقِي جَنّاتِ جَنْبَتَيِ الوادِي، قِيلَ: بَنَتْهُ بَلْقِيسُ، وقِيلَ: بَناهُ حِمْيَرُ أبُو القَبائِلِ اليَمَنِيَةِ كُلِّها، وكانُوا بِهَذِهِ الحالِ في أرْغَدِ نِعَمٍ، وكانَتْ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ قُرًى ظاهِرَةٌ مُتَّصِلَةٌ مِنَ اليَمَنِ إلى الشامِ، وكانُوا أرْبابَ تِلْكَ البِلادِ في ذَلِكَ الزَمانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ["كُلُوا"]﴾ فِيهِ حَذْفٌ، كَأنَّهُ قالَ: قِيلَ لَهُمْ: كُلُوا، و["طَيِّبَةٌ"] مَعْناهُ: كَرِيمَةُ التُرْبَةِ، حَسَنَةُ الهَواءِ، رَغْدَةٌ مِنَ النِعَمِ، سَلِيمَةُ مِنَ الهَوامِّ والمَضارِّ، هَذِهِ عِباراتُ المُفَسِّرِينَ، وكانَ ذَلِكَ الوادِي - فِيما رُوِيَ عن عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ - لا يَدْخُلُهُ بَرْغُوثٌ ولا قَمْلَةٌ ولا بَعُوضَةٌ ولا عَقْرَبٌ ولا شَيْءٌ مِنَ الحَيَوانِ الضارِّ، وإذا جاءَ بِهِ أحَدٌ مِن سَفَرٍ سَقَطَ عِنْدَ أوَّلِ الوادِي، ورُوِيَ أنَّ الماشِيَ بِمِكْتَلٍ (p-١٧٥)فَوْقَ رَأْسِهِ بَيْنَ أشْجارِهِ كانَ يَمْتَلِئُ مِكْتَلُهُ دُونَ أنْ يَمُدَّ يَدًا، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِنَ الأمْرِ بِالأكْلِ والشُرْبِ والتَوْقِيفِ عَلى طِيبِ البَلَدِ والغُفْرانِ مِنَ الرَبِّ مَعَ الإيمانِ هي مِن قَوْلِ الأنْبِياءِ لَهم. وقَرَأ رُوَيْسٌ عن يَعْقُوبَ: ["بَلْدَةً طَيِّبَةً ورَبًّا غَفُورًا"] بِالنَصْبِ في الكُلِّ، وبَعَثَ إلَيْهِمْ - فِيما رُوِيَ - ثَلاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا فَكَفَرُوا بِهِمْ وأعْرَضُوا، فَبَعَثَ اللهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ السَدِّ جَرادًا أعْمى تَوالَدَ فِيهِ وخَرَّقَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وأرْسَلَ سَيْلًا في ذَلِكَ الوادِي فَحَمَلَ ذَلِكَ السَدَّ، فَيُرْوى أنَّهُ كانَ مِنَ العِظَمِ وكَثْرَةِ الماءِ بِحَيْثُ مَلَأ ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، وحَمَلَ الجَنّاتِ وكَثِيرًا مِنَ الناسِ مِمَّنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الفِرارُ، ويُرْوى أنَّهُ لَمّا خُرِقَ السَدُّ كانَ ذَلِكَ سَبَبُ يُبْسِ الجَنّاتِ فَهَلَكَتْ بِهَذا الوَجْهِ، ورُوِيَ أنَّهُ صَرَّفَ الماءَ مِن مَوْضِعِهِ الَّذِي كانَ فِيهِ أوَّلًا فَتَعَطَّلَ سَقْيُ الجَنّاتِ. واخْتَلَفَ الناسُ في لَفْظَةِ ﴿ ["العَرِمِ"]،﴾ فَقالَ المُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ، وأبُو مَيْسَرَةَ: العَرِمُ في لُغَةِ اليَمَنِ جَمْعُ عَرِمَةٍ، وهو كُلُّ ما بُنِيَ أو سُنِّمَ لِيُمْسِكَ الماءَ، ويُقالُ ذَلِكَ بِلُغَةِ أهْلِ الحِجازِ: المُسَنّاةُ. كَأنَّها الجُسُورُ والسِدادُ ونَحْوُها، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الأعْشى: ؎ وفي ذَلِكَ لِلْمُؤْتَسِي أُسْوَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ ومَأْرَبُ عَضَّ عَلَيْها العَرِمْ ؎ رِخامٌ بَناهُ لَهم حِمْيَرُ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا جاءَ مَوّارُهُ لَمْ يَرِمْ (p-١٧٦)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ مِن سَبَأ الحاضِرِينَ مَأْرِبَ إذْ ∗∗∗ ∗∗∗ يَبْنُونَ مِن دُونِ سَيْلِها العَرِما وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ: اسْمُ وادِي ذَلِكَ الماءِ بِعَيْنِهِ الَّذِي كانَ السَدُّ يُبْنى لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا: إنَّ سَيْلَ ذَلِكَ الوادِي أبَدًا كانَ يَصِلُ إلى مَكَّةَ ويُنْتَفَعُ بِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَرِمُ: الشَدِيدُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَأنَّهُ صِفَةٌ لِلسَّيْلِ، مِنَ العَرامَةِ، والإضافَةُ إلى الصِفَةِ مُبالَغَةٌ، وهي كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: العَرِمُ: اسْمُ الجُرَذِ، وهَذا ضَعِيفٌ. وقِيلَ: العَرِمُ: صِفَةٌ لِلْمَطَرِ الشَدِيدِ الَّذِي كانَ عِنْدَ ذَلِكَ السَيْلِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ قَوْلٌ فِيهِ تَجَوُّزٌ واسْتِعارَةٌ؛ وذَلِكَ أنَّ البَدَلَ مِنَ الخَمْطِ والأثْلِ لَمْ يَكُنْ جَنّاتٍ، لَكِنَّ هَذا كَما تَقُولُ لِمَن جُرِّدَ ثَوْبًا جَيِّدًا وضُرِبَ ظَهْرُهُ: "هَذا الضَرْبُ ثَوْبٌ صالِحٌ لَكَ"، ونَحْوَ هَذا. وقَوْلُهُ: ﴿ "ذَواتَيْ"﴾ تَثْنِيَةُ "ذاتٍ". و"الخَمْطُ": شَجَرُ الأراكِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ، وقِيلَ: "الخَمْطُ" كُلُّ شَجَرٍ لَهُ شَوْكٌ وثَمَرَتُهُ كَرِيهَةُ الطَعْمِ بِمَرارَةٍ، أو حُمَّصَةٌ، أو نَحْوُهُ، ومِنهُ: تَخَمَّطَ اللَبَنُ: إذا تَغَيَّرَ طَعْمُهُ. و"الأثْلُ" ضَرْبٌ مِنَ الطَرْفاءِ، هَذا هو الصَحِيحُ، وكَذا قالَ أبُو حَنِيفَةَ في كِتابِ النَباتِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وقِيلَ: هو شَجَرٌ شَبِيهٌ بِالطَرْفاءِ، وقِيلَ: إنَّهُ السَمُرُ. و"السِدْرُ" مَعْرُوفٌ، ولَهُ نَبَقٌ شَبِيهُ العُنّابِ، لَكِنَّهُ دُونَهُ في الطَعْمِ بِكَثِيرٍ. و"لِلْخَمْطِ" ثَمَرٌ غَثٌّ هو البَرِيرُ، و"لِلْأثْلِ" ثَمَرٌ قَلِيلُ الغِناءِ غَيْرُ حَسَنِ الطَعْمِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعُ: "أُكْلِ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكافِ. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وضَمِّ الكافِ، ورُوِيَ أيْضًا عن أبِي عَمْرٍو سُكُونُ الكافِ، وهُما بِمَعْنى (p-١٧٧)الجَنى والثَمَرَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها﴾ [إبراهيم: ٢٥] أيْ: جَناها. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ بِتَنْوِينِ ﴿ "أُكُلٍ"﴾ وصِفَتِهُ "خَمْطٍ" وما بَعْدَهُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: البَدَلُ هَذا لا يَحْسُنُ؛ لِأنَّ "الخَمْطَ" لَيْسَ بِالأكْلِ، و"الأكْلُ" لَيْسَ بِالخَمْطِ نَفْسِهِ، والصِفَةُ أيْضًا كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الخَمْطَ اسْمٌ لا صِفَةٌ، وأحْسَنُ ما فِيهِ عَطْفُ البَيانِ، كَأنَّهُ بَيَّنَ أنَّ "الأُكُلَ" هَذِهِ الشَجَرَةَ ومِنها، ويُحَسِّنُ قِراءَةَ الجُمْهُورِ أنَّ هَذا الِاسْمَ قَدْ جاءَ مَجِيءَ الصِفَةِ في قَوْلِ الهُذَلِيِّ: ؎ عُقارٌ كَماءِ النِيءِ لَيْسَتْ بِخَمْطَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا خَلَّةٍ يَكْوِي الشَرُوبَ شِهابُها وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإضافَةِ "أكْلٍ" إلى "خَمْطٍ" وبِضَمِّ الكافِ، أيْ: "أُكُلِ خَمْطٍ"، ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ القِراءَةَ أبُو عَلِيٍّ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى ما أجْراهُ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿وَهَلْ نُجازِي﴾، أيْ: يُناقَشُ ويُعارَضُ بِمِثْلِ فِعْلِهِ، قَدْرًا بِقَدْرٍ؛ لِأنَّ جَزاءَ المُؤْمِنِ إنَّما هو بِتَفَضُّلٍ وتَضْعِيفٍ، وأمّا الَّذِي لا يُزادُ ولا يُنْقَصُ فَهو الكَفُورُ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقالَ طاوُسُ: هي المُناقَشَةُ، وكَذَلِكَ إنْ كانَ المُؤْمِنُ ذا ذُنُوبٍ فَقَدْ يُغْفَرُ لَهُ ولا يُجازى، والكافِرُ يُجازى ولا بُدَّ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ"،» وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يُجازى" بِالياءِ وفَتْحِ الزايِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نُجازِي" بِالنُونِ وكَسْرِ الزايِ ﴿ "الكَفُورَ"﴾ بِالنَصْبِ، وقَرَأ مُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ: "وَهَلْ يُجْزى"، وحَكى عنهُ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ أنَّهُ قَرَأ "يُجْزِي" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ. قالَ (p-١٧٨)الزَجّاجُ: يُقالُ: جَزَيْتُ في الخَيْرِ، وجازَيْتُ في الشَرِّ. فَتُرَجِّحُ هَذِهِ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.

سبأ 34:17

قوله عزّ وجلّ: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ في مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عن يَمِينٍ وشِمالٍ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ ﴿فَأعْرَضُوا فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وأثْلٍ وشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا وهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ﴾ هَذا مَثَلٌ لِقُرَيْشٍ بِقَوْمٍ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ وأرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُسُلَ فَكَفَرُوا وأعْرَضُوا فانْتَقَمَ اللهُ مِنهُمْ، أيْ: فَأنْتُمْ أيُّها القَوْمُ مِثْلُهم. وسَبَإٍ: هُنا أرادَ بِهِ القَبِيلَ، واخْتُلِفَ، لِمَ سُمِّيَ القَبِيلُ بِذَلِكَ؟ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو اسْمُ امْرَأةٍ كانَتْ أمَّ القَبِيلِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ في كِتابِ الرُمّانِيِّ: هو اسْمُ مَوْضِعٍ، فَسُمِّيَ القَبِيلُ بِهِ، وقالَ الجُمْهُورُ: هو اسْمُ رَجُلٍ كانَ (p-١٧٣)هُوَ أبًا لِلْقَبِيلِ كُلِّهِمْ، قِيلَ: هو ابْنُ يَشْجُبِ بْنِ يَعْرُبَ، ورُوِيَ في هَذا القَوْلِ حَدِيثٌ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ سَألَهُ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ عن سَبَإٍ، ما هُوَ؟ فَقالَ: "هُوَ اسْمُ رَجُلٍ مِنهُ تَناسَلَتْ قَبائِلُ اليَمَنِ".» وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ: "لِسَبَإٍ" بِهَمْزَةٍ مُنَوَّنَةٍ مَكْسُورَةٍ، عَلى مَعْنى الحَيِّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ: "لِسَبَأ" بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ غَيْرِ مَصْرُوفٍ، عَلى مَعْنى القَبِيلَةِ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "مَساكِنَهُمْ"؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ لَهُ مَسْكَنٌ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "فِي مَسْكِنِهِمْ" بِكَسْرِ الكافِ، أيْ: في مَوْضِعِ سُكْناهُمْ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وعَلْقَمَةَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: والفَتْحُ حَسَنٌ أيْضًا، لَكِنَّ هَذا كَما قالُوا: "مَسْجِدٌ"، وإنْ كانَ سِيبَوَيْهِ يَرى هَذا اسْمَ البَيْتِ، ولَيْسَ مَوْضِعَ السُجُودِ، قالَ: هي لُغَةُ الناسِ اليَوْمَ، والفَتْحُ هي لُغَةُ الحِجازِ، وهي اليَوْمَ قَلِيلَةٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفَصٌ: "مَسْكَنَهُمْ" بِفَتْحِ الكافِ، عَلى المَصْدَرِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، وهي قِراءَةُ إبْراهِيمَ النَخَعِيِّ، وهَذا الإفْرادُ هو كَما قالَ الشاعِرُ: ؎ كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَخِفُّوا (p-١٧٤)وَكَما قالَ الآخَرُ: ؎ قَدْ عَضَّ أعْناقَهم جِلْدُ الجَوامِيسِ و"آيَةٌ" مَعْناها: عِبْرَةٌ وعَلامَةٌ عَلى فَضْلِ اللهِ وقُدْرَتِهِ، و"جَنَّتانِ" ابْتِداءٌ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿عن يَمِينٍ وشِمالٍ﴾، أو خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: هي جَنَّتانِ، وهي جُمْلَةٌ بِمَعْنى: هَذِهِ حالُهُمْ، والبَدَلُ مِن "آيَةٌ" ضَعِيفٌ، وقَدْ قالَهُ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ["آيَةٌ جَنَّتَيْنِ"] بِالنَصْبِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في ناحِيَةِ اليَمَنِ وادٍ عَظِيمٌ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، وكانَتْ حُقَّتا الوادِي عِنْدَ أوَّلِ الجَبَلَيْنِ جِسْرٌ عَظِيمٌ مِن حِجارَةٍ مِنَ الجَبَلِ فارْتَدَعَ الماءُ فِيهِ وصارَ بُحَيْرَةً عَظِيمَةً، وأخَذَ الماءُ مِن جَنْبَتَيْها فَمَشى مُرْتَفِعًا يَسْقِي جَنّاتِ جَنْبَتَيِ الوادِي، قِيلَ: بَنَتْهُ بَلْقِيسُ، وقِيلَ: بَناهُ حِمْيَرُ أبُو القَبائِلِ اليَمَنِيَةِ كُلِّها، وكانُوا بِهَذِهِ الحالِ في أرْغَدِ نِعَمٍ، وكانَتْ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ قُرًى ظاهِرَةٌ مُتَّصِلَةٌ مِنَ اليَمَنِ إلى الشامِ، وكانُوا أرْبابَ تِلْكَ البِلادِ في ذَلِكَ الزَمانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ["كُلُوا"]﴾ فِيهِ حَذْفٌ، كَأنَّهُ قالَ: قِيلَ لَهُمْ: كُلُوا، و["طَيِّبَةٌ"] مَعْناهُ: كَرِيمَةُ التُرْبَةِ، حَسَنَةُ الهَواءِ، رَغْدَةٌ مِنَ النِعَمِ، سَلِيمَةُ مِنَ الهَوامِّ والمَضارِّ، هَذِهِ عِباراتُ المُفَسِّرِينَ، وكانَ ذَلِكَ الوادِي - فِيما رُوِيَ عن عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ - لا يَدْخُلُهُ بَرْغُوثٌ ولا قَمْلَةٌ ولا بَعُوضَةٌ ولا عَقْرَبٌ ولا شَيْءٌ مِنَ الحَيَوانِ الضارِّ، وإذا جاءَ بِهِ أحَدٌ مِن سَفَرٍ سَقَطَ عِنْدَ أوَّلِ الوادِي، ورُوِيَ أنَّ الماشِيَ بِمِكْتَلٍ (p-١٧٥)فَوْقَ رَأْسِهِ بَيْنَ أشْجارِهِ كانَ يَمْتَلِئُ مِكْتَلُهُ دُونَ أنْ يَمُدَّ يَدًا، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِنَ الأمْرِ بِالأكْلِ والشُرْبِ والتَوْقِيفِ عَلى طِيبِ البَلَدِ والغُفْرانِ مِنَ الرَبِّ مَعَ الإيمانِ هي مِن قَوْلِ الأنْبِياءِ لَهم. وقَرَأ رُوَيْسٌ عن يَعْقُوبَ: ["بَلْدَةً طَيِّبَةً ورَبًّا غَفُورًا"] بِالنَصْبِ في الكُلِّ، وبَعَثَ إلَيْهِمْ - فِيما رُوِيَ - ثَلاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا فَكَفَرُوا بِهِمْ وأعْرَضُوا، فَبَعَثَ اللهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ السَدِّ جَرادًا أعْمى تَوالَدَ فِيهِ وخَرَّقَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وأرْسَلَ سَيْلًا في ذَلِكَ الوادِي فَحَمَلَ ذَلِكَ السَدَّ، فَيُرْوى أنَّهُ كانَ مِنَ العِظَمِ وكَثْرَةِ الماءِ بِحَيْثُ مَلَأ ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، وحَمَلَ الجَنّاتِ وكَثِيرًا مِنَ الناسِ مِمَّنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الفِرارُ، ويُرْوى أنَّهُ لَمّا خُرِقَ السَدُّ كانَ ذَلِكَ سَبَبُ يُبْسِ الجَنّاتِ فَهَلَكَتْ بِهَذا الوَجْهِ، ورُوِيَ أنَّهُ صَرَّفَ الماءَ مِن مَوْضِعِهِ الَّذِي كانَ فِيهِ أوَّلًا فَتَعَطَّلَ سَقْيُ الجَنّاتِ. واخْتَلَفَ الناسُ في لَفْظَةِ ﴿ ["العَرِمِ"]،﴾ فَقالَ المُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ، وأبُو مَيْسَرَةَ: العَرِمُ في لُغَةِ اليَمَنِ جَمْعُ عَرِمَةٍ، وهو كُلُّ ما بُنِيَ أو سُنِّمَ لِيُمْسِكَ الماءَ، ويُقالُ ذَلِكَ بِلُغَةِ أهْلِ الحِجازِ: المُسَنّاةُ. كَأنَّها الجُسُورُ والسِدادُ ونَحْوُها، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الأعْشى: ؎ وفي ذَلِكَ لِلْمُؤْتَسِي أُسْوَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ ومَأْرَبُ عَضَّ عَلَيْها العَرِمْ ؎ رِخامٌ بَناهُ لَهم حِمْيَرُ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا جاءَ مَوّارُهُ لَمْ يَرِمْ (p-١٧٦)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ مِن سَبَأ الحاضِرِينَ مَأْرِبَ إذْ ∗∗∗ ∗∗∗ يَبْنُونَ مِن دُونِ سَيْلِها العَرِما وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ: اسْمُ وادِي ذَلِكَ الماءِ بِعَيْنِهِ الَّذِي كانَ السَدُّ يُبْنى لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا: إنَّ سَيْلَ ذَلِكَ الوادِي أبَدًا كانَ يَصِلُ إلى مَكَّةَ ويُنْتَفَعُ بِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَرِمُ: الشَدِيدُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَأنَّهُ صِفَةٌ لِلسَّيْلِ، مِنَ العَرامَةِ، والإضافَةُ إلى الصِفَةِ مُبالَغَةٌ، وهي كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: العَرِمُ: اسْمُ الجُرَذِ، وهَذا ضَعِيفٌ. وقِيلَ: العَرِمُ: صِفَةٌ لِلْمَطَرِ الشَدِيدِ الَّذِي كانَ عِنْدَ ذَلِكَ السَيْلِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ قَوْلٌ فِيهِ تَجَوُّزٌ واسْتِعارَةٌ؛ وذَلِكَ أنَّ البَدَلَ مِنَ الخَمْطِ والأثْلِ لَمْ يَكُنْ جَنّاتٍ، لَكِنَّ هَذا كَما تَقُولُ لِمَن جُرِّدَ ثَوْبًا جَيِّدًا وضُرِبَ ظَهْرُهُ: "هَذا الضَرْبُ ثَوْبٌ صالِحٌ لَكَ"، ونَحْوَ هَذا. وقَوْلُهُ: ﴿ "ذَواتَيْ"﴾ تَثْنِيَةُ "ذاتٍ". و"الخَمْطُ": شَجَرُ الأراكِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ، وقِيلَ: "الخَمْطُ" كُلُّ شَجَرٍ لَهُ شَوْكٌ وثَمَرَتُهُ كَرِيهَةُ الطَعْمِ بِمَرارَةٍ، أو حُمَّصَةٌ، أو نَحْوُهُ، ومِنهُ: تَخَمَّطَ اللَبَنُ: إذا تَغَيَّرَ طَعْمُهُ. و"الأثْلُ" ضَرْبٌ مِنَ الطَرْفاءِ، هَذا هو الصَحِيحُ، وكَذا قالَ أبُو حَنِيفَةَ في كِتابِ النَباتِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وقِيلَ: هو شَجَرٌ شَبِيهٌ بِالطَرْفاءِ، وقِيلَ: إنَّهُ السَمُرُ. و"السِدْرُ" مَعْرُوفٌ، ولَهُ نَبَقٌ شَبِيهُ العُنّابِ، لَكِنَّهُ دُونَهُ في الطَعْمِ بِكَثِيرٍ. و"لِلْخَمْطِ" ثَمَرٌ غَثٌّ هو البَرِيرُ، و"لِلْأثْلِ" ثَمَرٌ قَلِيلُ الغِناءِ غَيْرُ حَسَنِ الطَعْمِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعُ: "أُكْلِ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكافِ. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وضَمِّ الكافِ، ورُوِيَ أيْضًا عن أبِي عَمْرٍو سُكُونُ الكافِ، وهُما بِمَعْنى (p-١٧٧)الجَنى والثَمَرَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها﴾ [إبراهيم: ٢٥] أيْ: جَناها. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ بِتَنْوِينِ ﴿ "أُكُلٍ"﴾ وصِفَتِهُ "خَمْطٍ" وما بَعْدَهُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: البَدَلُ هَذا لا يَحْسُنُ؛ لِأنَّ "الخَمْطَ" لَيْسَ بِالأكْلِ، و"الأكْلُ" لَيْسَ بِالخَمْطِ نَفْسِهِ، والصِفَةُ أيْضًا كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الخَمْطَ اسْمٌ لا صِفَةٌ، وأحْسَنُ ما فِيهِ عَطْفُ البَيانِ، كَأنَّهُ بَيَّنَ أنَّ "الأُكُلَ" هَذِهِ الشَجَرَةَ ومِنها، ويُحَسِّنُ قِراءَةَ الجُمْهُورِ أنَّ هَذا الِاسْمَ قَدْ جاءَ مَجِيءَ الصِفَةِ في قَوْلِ الهُذَلِيِّ: ؎ عُقارٌ كَماءِ النِيءِ لَيْسَتْ بِخَمْطَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا خَلَّةٍ يَكْوِي الشَرُوبَ شِهابُها وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإضافَةِ "أكْلٍ" إلى "خَمْطٍ" وبِضَمِّ الكافِ، أيْ: "أُكُلِ خَمْطٍ"، ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ القِراءَةَ أبُو عَلِيٍّ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى ما أجْراهُ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿وَهَلْ نُجازِي﴾، أيْ: يُناقَشُ ويُعارَضُ بِمِثْلِ فِعْلِهِ، قَدْرًا بِقَدْرٍ؛ لِأنَّ جَزاءَ المُؤْمِنِ إنَّما هو بِتَفَضُّلٍ وتَضْعِيفٍ، وأمّا الَّذِي لا يُزادُ ولا يُنْقَصُ فَهو الكَفُورُ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقالَ طاوُسُ: هي المُناقَشَةُ، وكَذَلِكَ إنْ كانَ المُؤْمِنُ ذا ذُنُوبٍ فَقَدْ يُغْفَرُ لَهُ ولا يُجازى، والكافِرُ يُجازى ولا بُدَّ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ"،» وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يُجازى" بِالياءِ وفَتْحِ الزايِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نُجازِي" بِالنُونِ وكَسْرِ الزايِ ﴿ "الكَفُورَ"﴾ بِالنَصْبِ، وقَرَأ مُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ: "وَهَلْ يُجْزى"، وحَكى عنهُ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ أنَّهُ قَرَأ "يُجْزِي" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ. قالَ (p-١٧٨)الزَجّاجُ: يُقالُ: جَزَيْتُ في الخَيْرِ، وجازَيْتُ في الشَرِّ. فَتُرَجِّحُ هَذِهِ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.

سبأ 34:18

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرًى ظاهِرَةً وقَدَّرْنا فِيها السَيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأيّامًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا وظَلَمُوا أنْفُسَهم فَجَعَلْناهم أحادِيثَ ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها وصْفٌ لِحالِهِمْ قَبْلَ مَجِيءِ السَيْلِ، وهي أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى - مَعَ ما كانَ مِنهم - مَنَحَهم مِنَ الجَنَّتَيْنِ والنِعْمَةِ الخاصَّةِ بِهِمْ، كانَ قَدْ أصْلَحَ لَهُمُ البِلادَ المُتَّصِلَةَ بِهِمْ وعَمَّرَها، وجَعَلَهم أرْبابَها، وقَدَّرَ فِيها السَيْرَ بِأنْ قَرَّبَ القُرى بَعْضَها مِن بَعْضٍ، حَتّى كانَ المُسافِرُ مِن مَأْرَبَ إلى الشامِ لَيَبِيتُ في قَرْيَةٍ ويَقِيلُ في قَرْيَةٍ، أُخْرى، فَلا يَحْتاجُ إلى حَمْلِ زادٍ، و"القُرى": المُدُنُ، ويُقالُ لِلْجَمْعِ الصَغِيرِ قَرْيَةٌ أيْضًا، وكُلُّها مِن: قَرَيْتُ، أيْ جَمَعْتُ، والقُرى الَّتِي بُورِكَ فِيها هي قُرى الشامِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، والقُرى الظاهِرَةُ هي الَّتِي بَيْنَ الشامِ ومَأْرَبَ، وهي الصِغارُ الَّتِي هي البَوادِي. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي قُرًى عَرَبِيَّةٌ بَيْنَ المَدِينَةِ والشامِ، وقالَهُ الضَحّاكُ، واخْتُلِفَ في مَعْنى "ظاهِرَةً"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مُسْتَعْلِيَةً مُرْتَفِعَةً في الإكامِ والظِرابِ، وهي أشْرَفُ القُرى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَظْهَرُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، فَهي أبَدًا في قَبْضَةِ عَيْنِ المُسافِرِ، لا يَخْلُو مِن رُؤْيَةِ شَيْءٍ مِنها بِهَذا الوَجْهِ. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ مَعْنى "ظاهِرَةً": خارِجَةً عَنِ المُدُنِ، فَهي عِبارَةٌ عَنِ القُرى الصِغارِ الَّتِي هي في ظَواهِرِ المُدُنِ، فَإنَّما فَصَلَ بِهَذِهِ الصِفَةِ بَيْنَ القُرى الصِغارِ وبَيْنَ القُرى المُطْلَقَةِ الَّتِي هي المُدُنُ؛ لِأنَّ ظَواهِرَ المُدُنِ ما خَرَجَ عنها في الفَيافِي والفُحُوصِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: نَزَلْنا بِظاهِرِ فُلانَةٍ، أيْ: خارِجًا عنها. وقَوْلُهُ: "ظاهِرَةً" نَظِيرُ تَسْمِيَةِ الناسِ إيّاها البادِيَةَ والضاحِيَةَ، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ فَلَوْ شَهِدَتْنِي مِن قُرَيْشٍ عِصابَةٌ ∗∗∗ قُرَيْشُ البِطاحِ لا قُرَيْشُ الظَواهِرِ (p-١٧٩)يَعْنِي الخارِجِينَ عن بَطْحاءِ مَكَّةَ، وفي حَدِيثِ الِاسْتِسْقاءِ: « "وَجاءَ أهْلُ الضَواحِي يَشْتَكُونَ: الغَرَقُ الغَرَقُ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدَّرْنا فِيها السَيْرَ﴾، هو ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المُسافِرَ فِيها كانَ يَبِيتُ في قَرْيَةٍ ويَقِيلُ في أُخْرى عَلى أيِّ طَرِيقٍ سَلَكَ، لا يُعْوِزُهُ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سِيرُوا فِيها﴾ مَعْناهُ: قُلْنا لَهم. و[آمِنِينَ] مَعْناهُ: مِنَ الخَوْفِ مِنَ الناسِ المُفْسِدِينَ، وآمِنِينَ مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ وآفاتِ المُسافِرِ. ثُمَّ حَكى عنهم مَقالَةً قالُوها عَلى جِهَةِ البَطَرِ والأشَرِ، وهي طَلَبُ البُعْدِ بَيْنَ الأسْفارِ، والإخْبارُ بِأنَّها بَعِيدَةٌ عَلى القِراءاتِ الأُخْرى، وذَلِكَ أنَّ نافِعًا، وعاصِمًا، وحَمْزَةَ، والكِسائِيَّ قَرَؤُوا: "باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا" بِكَسْرِ العَيْنِ عَلى مَعْنى الطَلَبِ أيْضًا، فَهاتانِ مَعْناهُما الأشَرُ بِأنَّهم مَلُّوا النِعْمَةَ بِالقُرْبِ، وطَلَبُوا اسْتِبْدالَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ. وفي كِتابِ الرُمّانِيِّ أنَّهم قالُوا: لَوْ كانَ جَنْيُ ثِمارِنا أبْعَدَ لَكانَ أشْهَرَ وأكْثَرَ قِيمَةً، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ، وسُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ، وسَعِيدُ بْنُ أبِي الحَسَنِ - أخُو الحَسَنِ - وابْنُ الحَنَفِيَّةِ: "رَبَّنا" بِالنَصْبِ "بَعُدَ بَيْنَ أسْفارِنا" بِفَتْحِ الباءِ وضَمِّ العَيْنِ، ونَصْبِ "بَيْنَ" (p-١٨٠)أيْضًا. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ أبِي الحَسَنِ - مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ -: "بَيْنُ" بِالرَفْعِ وإضافَتِهِ إلى الأسْفارِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ: أيْضًا "رَبُّنا" بِالرَفْعِ "باعَدَ" بِفَتْحِ العَيْنِ والدالِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ أيْضًا، وعَمْرُو بْنُ فايِدٍ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: "رَبُّنا" بِالرَفْعِ "بَعَّدَ" بِفَتْحِ العَيْنِ وشَدِّها وفَتْحِ الدالِ. فَهَذِهِ القِراءَةُ مَعْناها الإخْبارُ بِأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا القَرِيبَ، ورَأوا أنَّ ذَلِكَ غَيْرَ مُقْنِعٍ لَهُمْ، حَتّى كَأنَّهم أرادُوها مُتَّصِلَةً بِالدُورِ، وفي هَذا تَعَسُّفٌ وتَسَخُّطٌ عَلى أقْدارِ اللهِ تَعالى وإرادَتِهِ، وقِلَّةُ شُكْرٍ عَلى نِعْمَتِهِ، بَلْ هي مُقابَلَةُ النِعْمَةِ بِالتَشَكِّي. وفي هَذا المَعْنى ونَحْوِهِ مِمّا اقْتَرَنَ بِكُفْرِهِمْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَفَرَّقَهُمُ اللهُ تَعالى، وخَرَّبَ بِلادَهُمْ، وجَعَلَهم أحادِيثَ، ومِنهُ المَثَلُ السائِرُ: "تَفَرَّقُوا أيادِي سَبَأٍ"، و"أيْدِي سَبَأٍ" ويُقالُ المَثَلُ بِالوَجْهَيْنِ، وهَذا هو تَمَزُّقُهم كُلَّ مُمَزَّقٍ، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "إنَّ سَبَأً أبُو عَشْرِ قَبائِلَ"،» فَلَمّا جاءَ السَيْلُ عَلى مَأْرَبَ وهو اسْمُ بَلَدِهِمْ تَيامَنَ مِنهم سِتَّةُ قَبائِلَ، أيْ: إذْ تَبَدَّدَتْ في بِلادِ اليَمَنِ، وتَشاءَمَتْ مِنها أرْبَعَةٌ، فالمُتَيامِنَةُ كِنْدَةُ والأزْدُ وأشْعَرُ ومَذْحِجٌ وأنْمارٌ الَّتِي مِنها بَجِيلَةُ وخَثْعَمٌ، وطائِفَةٌ قِيلَ لَها: حِمْيَرٌ، بَقِيَ عَلَيْها اسْمُ الأبِ الأوَّلِ، والَّتِي تَشاءَمَتْ لَخْمٌ وجُذامٌ وغَسّانُ وخُزاعَةُ، نَزَلَتْ تِهامَةَ، ومِن هَذِهِ المُتَشائِمَةِ أولادُ قَيْلَةَ، وهُمُ الأوسُ والخَزْرَجُ، ومِنها عامِلَةُ وغَيْرُ ذَلِكَ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأُمَّتَهُ - عَلى جِهَةِ التَنْبِيهِ - أنَّ هَذِهِ القَصَصَ فِيها آياتٌ وعِبَرٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ عَلى الكَمالِ، ومَنِ اتَّصَفَ بِالصَبْرِ والشُكْرِ فَهو المُؤْمِنُ الَّذِي لا تَنْقُصُهُ خَلَّةٌ جَمِيلَةٌ بِوَجْهٍ.

سبأ 34:19

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرًى ظاهِرَةً وقَدَّرْنا فِيها السَيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأيّامًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا وظَلَمُوا أنْفُسَهم فَجَعَلْناهم أحادِيثَ ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها وصْفٌ لِحالِهِمْ قَبْلَ مَجِيءِ السَيْلِ، وهي أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى - مَعَ ما كانَ مِنهم - مَنَحَهم مِنَ الجَنَّتَيْنِ والنِعْمَةِ الخاصَّةِ بِهِمْ، كانَ قَدْ أصْلَحَ لَهُمُ البِلادَ المُتَّصِلَةَ بِهِمْ وعَمَّرَها، وجَعَلَهم أرْبابَها، وقَدَّرَ فِيها السَيْرَ بِأنْ قَرَّبَ القُرى بَعْضَها مِن بَعْضٍ، حَتّى كانَ المُسافِرُ مِن مَأْرَبَ إلى الشامِ لَيَبِيتُ في قَرْيَةٍ ويَقِيلُ في قَرْيَةٍ، أُخْرى، فَلا يَحْتاجُ إلى حَمْلِ زادٍ، و"القُرى": المُدُنُ، ويُقالُ لِلْجَمْعِ الصَغِيرِ قَرْيَةٌ أيْضًا، وكُلُّها مِن: قَرَيْتُ، أيْ جَمَعْتُ، والقُرى الَّتِي بُورِكَ فِيها هي قُرى الشامِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، والقُرى الظاهِرَةُ هي الَّتِي بَيْنَ الشامِ ومَأْرَبَ، وهي الصِغارُ الَّتِي هي البَوادِي. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي قُرًى عَرَبِيَّةٌ بَيْنَ المَدِينَةِ والشامِ، وقالَهُ الضَحّاكُ، واخْتُلِفَ في مَعْنى "ظاهِرَةً"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مُسْتَعْلِيَةً مُرْتَفِعَةً في الإكامِ والظِرابِ، وهي أشْرَفُ القُرى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَظْهَرُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، فَهي أبَدًا في قَبْضَةِ عَيْنِ المُسافِرِ، لا يَخْلُو مِن رُؤْيَةِ شَيْءٍ مِنها بِهَذا الوَجْهِ. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ مَعْنى "ظاهِرَةً": خارِجَةً عَنِ المُدُنِ، فَهي عِبارَةٌ عَنِ القُرى الصِغارِ الَّتِي هي في ظَواهِرِ المُدُنِ، فَإنَّما فَصَلَ بِهَذِهِ الصِفَةِ بَيْنَ القُرى الصِغارِ وبَيْنَ القُرى المُطْلَقَةِ الَّتِي هي المُدُنُ؛ لِأنَّ ظَواهِرَ المُدُنِ ما خَرَجَ عنها في الفَيافِي والفُحُوصِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: نَزَلْنا بِظاهِرِ فُلانَةٍ، أيْ: خارِجًا عنها. وقَوْلُهُ: "ظاهِرَةً" نَظِيرُ تَسْمِيَةِ الناسِ إيّاها البادِيَةَ والضاحِيَةَ، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ فَلَوْ شَهِدَتْنِي مِن قُرَيْشٍ عِصابَةٌ ∗∗∗ قُرَيْشُ البِطاحِ لا قُرَيْشُ الظَواهِرِ (p-١٧٩)يَعْنِي الخارِجِينَ عن بَطْحاءِ مَكَّةَ، وفي حَدِيثِ الِاسْتِسْقاءِ: « "وَجاءَ أهْلُ الضَواحِي يَشْتَكُونَ: الغَرَقُ الغَرَقُ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدَّرْنا فِيها السَيْرَ﴾، هو ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المُسافِرَ فِيها كانَ يَبِيتُ في قَرْيَةٍ ويَقِيلُ في أُخْرى عَلى أيِّ طَرِيقٍ سَلَكَ، لا يُعْوِزُهُ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سِيرُوا فِيها﴾ مَعْناهُ: قُلْنا لَهم. و[آمِنِينَ] مَعْناهُ: مِنَ الخَوْفِ مِنَ الناسِ المُفْسِدِينَ، وآمِنِينَ مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ وآفاتِ المُسافِرِ. ثُمَّ حَكى عنهم مَقالَةً قالُوها عَلى جِهَةِ البَطَرِ والأشَرِ، وهي طَلَبُ البُعْدِ بَيْنَ الأسْفارِ، والإخْبارُ بِأنَّها بَعِيدَةٌ عَلى القِراءاتِ الأُخْرى، وذَلِكَ أنَّ نافِعًا، وعاصِمًا، وحَمْزَةَ، والكِسائِيَّ قَرَؤُوا: "باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا" بِكَسْرِ العَيْنِ عَلى مَعْنى الطَلَبِ أيْضًا، فَهاتانِ مَعْناهُما الأشَرُ بِأنَّهم مَلُّوا النِعْمَةَ بِالقُرْبِ، وطَلَبُوا اسْتِبْدالَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ. وفي كِتابِ الرُمّانِيِّ أنَّهم قالُوا: لَوْ كانَ جَنْيُ ثِمارِنا أبْعَدَ لَكانَ أشْهَرَ وأكْثَرَ قِيمَةً، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ، وسُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ، وسَعِيدُ بْنُ أبِي الحَسَنِ - أخُو الحَسَنِ - وابْنُ الحَنَفِيَّةِ: "رَبَّنا" بِالنَصْبِ "بَعُدَ بَيْنَ أسْفارِنا" بِفَتْحِ الباءِ وضَمِّ العَيْنِ، ونَصْبِ "بَيْنَ" (p-١٨٠)أيْضًا. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ أبِي الحَسَنِ - مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ -: "بَيْنُ" بِالرَفْعِ وإضافَتِهِ إلى الأسْفارِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ: أيْضًا "رَبُّنا" بِالرَفْعِ "باعَدَ" بِفَتْحِ العَيْنِ والدالِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ أيْضًا، وعَمْرُو بْنُ فايِدٍ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: "رَبُّنا" بِالرَفْعِ "بَعَّدَ" بِفَتْحِ العَيْنِ وشَدِّها وفَتْحِ الدالِ. فَهَذِهِ القِراءَةُ مَعْناها الإخْبارُ بِأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا القَرِيبَ، ورَأوا أنَّ ذَلِكَ غَيْرَ مُقْنِعٍ لَهُمْ، حَتّى كَأنَّهم أرادُوها مُتَّصِلَةً بِالدُورِ، وفي هَذا تَعَسُّفٌ وتَسَخُّطٌ عَلى أقْدارِ اللهِ تَعالى وإرادَتِهِ، وقِلَّةُ شُكْرٍ عَلى نِعْمَتِهِ، بَلْ هي مُقابَلَةُ النِعْمَةِ بِالتَشَكِّي. وفي هَذا المَعْنى ونَحْوِهِ مِمّا اقْتَرَنَ بِكُفْرِهِمْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَفَرَّقَهُمُ اللهُ تَعالى، وخَرَّبَ بِلادَهُمْ، وجَعَلَهم أحادِيثَ، ومِنهُ المَثَلُ السائِرُ: "تَفَرَّقُوا أيادِي سَبَأٍ"، و"أيْدِي سَبَأٍ" ويُقالُ المَثَلُ بِالوَجْهَيْنِ، وهَذا هو تَمَزُّقُهم كُلَّ مُمَزَّقٍ، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "إنَّ سَبَأً أبُو عَشْرِ قَبائِلَ"،» فَلَمّا جاءَ السَيْلُ عَلى مَأْرَبَ وهو اسْمُ بَلَدِهِمْ تَيامَنَ مِنهم سِتَّةُ قَبائِلَ، أيْ: إذْ تَبَدَّدَتْ في بِلادِ اليَمَنِ، وتَشاءَمَتْ مِنها أرْبَعَةٌ، فالمُتَيامِنَةُ كِنْدَةُ والأزْدُ وأشْعَرُ ومَذْحِجٌ وأنْمارٌ الَّتِي مِنها بَجِيلَةُ وخَثْعَمٌ، وطائِفَةٌ قِيلَ لَها: حِمْيَرٌ، بَقِيَ عَلَيْها اسْمُ الأبِ الأوَّلِ، والَّتِي تَشاءَمَتْ لَخْمٌ وجُذامٌ وغَسّانُ وخُزاعَةُ، نَزَلَتْ تِهامَةَ، ومِن هَذِهِ المُتَشائِمَةِ أولادُ قَيْلَةَ، وهُمُ الأوسُ والخَزْرَجُ، ومِنها عامِلَةُ وغَيْرُ ذَلِكَ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأُمَّتَهُ - عَلى جِهَةِ التَنْبِيهِ - أنَّ هَذِهِ القَصَصَ فِيها آياتٌ وعِبَرٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ عَلى الكَمالِ، ومَنِ اتَّصَفَ بِالصَبْرِ والشُكْرِ فَهو المُؤْمِنُ الَّذِي لا تَنْقُصُهُ خَلَّةٌ جَمِيلَةٌ بِوَجْهٍ.

سبأ 34:20

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ إلا لِنَعْلَمَ مِن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ ورَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَماواتِ ولا في الأرْضِ وما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ﴾ (p-١٨١)قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَلَقَدْ صَدَقَ" بِتَخْفِيفِ الدالِّ "إبْلِيسُ" رَفْعًا "ظَنَّهُ" بِالنَصْبِ عَلى المَصْدَرِ، وقِيلَ: عَلى الظَرْفِيَّةِ، أيْ: في ظَنِّهِ، وقِيلَ: عَلى المَفْعُولِ، عَلى مَعْنى أنَّهُ لَمّا ظَنَّ عَمِلَ عَمَلًا يُصَدِّقُ بِهِ ذَلِكَ الظَنَّ، فَكَأنَّهُ إنَّما أرادَ أنْ يَصْدُقَ ظَنُّهُ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِكَ: "أخْطَأْتُ ظَنِّي وأصَبْتُ ظَنِّي". وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "صَدَّقَ" بِتَشْدِيدِ الدالِّ، و"الظَنُّ" - عَلى هَذا - مَفْعُولٌ بِـ"صَدَّقَ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وطَلْحَةَ، [ وعاصِمٍ ] والأعْمَشِ. وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وأبُو الهَجْهاجِ، وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ: "صَدَقَ" بِتَخْفِيفِ الدالِّ "إبْلِيسَ" نَصْبًا "ظَنُّهُ" رَفْعًا. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "صَدَقَ" بِتَخْفِيفِ الدالِّ "إبْلِيسُ" بِالرَفْعِ "ظَنُّهُ" بِالرَفْعِ عَلى البَدَلِ، وهو بَدَلُ الِاشْتِمالِ. ومَعْنى الآيَةِ أنَّ ما قالَ إبْلِيسُ مِن أنَّهُ سَيَفْتِنُ بَنِي آدَمَ ويُغْوِيهِمْ، وما قالَ مِن أنَّ اللهَ لا يَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ، وغَيْرِ ذَلِكَ كانَ ظَنًّا مِنهُ وصَدَقَ فِيهِمْ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهُمُ اتَّبَعُوهُ وهو اتِّباعٌ في كُفْرٍ؛ لِأنَّهُ في قِصَّةِ قَوْمٍ كُفّارٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، و"مِنَ" في قَوْلِهِ: ﴿ "مِنَ المُؤْمِنِينَ"﴾ لِبَيانِ الجِنْسِ لا لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ التَبْعِيضَ يَقْتَضِي أنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ اتَّبَعَ إبْلِيسَ. و"السُلْطانُ": الحُجَّةُ، وقَدْ يَكُونُ الِاسْتِعْلاءَ والِاسْتِقْدارَ؛ إذِ اللَفْظُ مِنَ التَسَلُّطِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: واللهِ ما كانَ لَهُ سَوْطٌ ولا سَيْفٌ ولَكِنَّهُ اسْتَمالَهم فَمالُوا بِتَزْيِينِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا لِنَعْلَمَ﴾ أيْ: لِنَعْلَمَهُ مَوْجُودًا؛ لِأنَّ العِلْمَ بِهِ مُتَقَدِّمٌ أوَّلًا. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إلّا لِيَعْلَمَ" بِالياءِ عَلى المَجْهُولِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ آيَةُ تَعْجِيزٍ وإقامَةِ حُجَّةٍ، ويُرْوى أنَّ ذَلِكَ نَزَلَ عِنْدَ الجُوعِ الَّذِي أصابَ قُرَيْشًا. والجُمْهُورُ عَلى "قُلُ ادْعُوا" بِضَمِّ اللامِ، ورَوى عَبّاسٌ عن أبِي عَمْرٍو: "قُلِ ادْعُوا" بِكَسْرِ اللامِ "الَّذِينَ" يُرِيدُ المَلائِكَةَ والأصْنامَ؛ وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا والعَرَبَ كانَ مِنهم مَن يَعْبُدُ المَلائِكَةَ، ومِنهم مَن يَقُولُ: نَعْبُدُها لِتَشْفَعَ لَنا، ونَحْوَ (p-١٨٢)هَذا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُعْجِزَةً لِكُلٍّ مِنهم. ثُمَّ جاءَ بِصِفَةِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَدْعُونَهم آلِهَةً، مِن أنَّهم لا يَمْلِكُونَ مِلْكَ الِاخْتِراعِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَماءِ ولا في الأرْضِ، وأنَّهم لا شِرْكَ لَهم فِيها، وهَذانِ فِيهِما نَوْعا المِلْكِ: إمّا اسْتِبْدادًا وإمّا مُشارَكَةً، فَنَفى عنهم جَمِيعَ ذَلِكَ، ونَفى أنْ يَكُونَ مِنهم لِلَّهِ مُعِينٌ في شَيْءٍ مِن قُدْرَتِهِ، و"الظَهِيرُ": المُعِينُ. ثُمَّ تَقَرَّرَ في الآيَةِ بَعْدُ أنَّ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم يَشْفَعُونَ لَهم لا تَصِحُّ مِنهم شَفاعَةٌ لَهُمْ؛ إذْ هَؤُلاءِ كَفَرَةٌ، ولا يَأْذَنُ اللهُ في الشَفاعَةِ في كافِرٍ.

سبأ 34:21

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ إلا لِنَعْلَمَ مِن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ ورَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَماواتِ ولا في الأرْضِ وما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ﴾ (p-١٨١)قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَلَقَدْ صَدَقَ" بِتَخْفِيفِ الدالِّ "إبْلِيسُ" رَفْعًا "ظَنَّهُ" بِالنَصْبِ عَلى المَصْدَرِ، وقِيلَ: عَلى الظَرْفِيَّةِ، أيْ: في ظَنِّهِ، وقِيلَ: عَلى المَفْعُولِ، عَلى مَعْنى أنَّهُ لَمّا ظَنَّ عَمِلَ عَمَلًا يُصَدِّقُ بِهِ ذَلِكَ الظَنَّ، فَكَأنَّهُ إنَّما أرادَ أنْ يَصْدُقَ ظَنُّهُ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِكَ: "أخْطَأْتُ ظَنِّي وأصَبْتُ ظَنِّي". وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "صَدَّقَ" بِتَشْدِيدِ الدالِّ، و"الظَنُّ" - عَلى هَذا - مَفْعُولٌ بِـ"صَدَّقَ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وطَلْحَةَ، [ وعاصِمٍ ] والأعْمَشِ. وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وأبُو الهَجْهاجِ، وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ: "صَدَقَ" بِتَخْفِيفِ الدالِّ "إبْلِيسَ" نَصْبًا "ظَنُّهُ" رَفْعًا. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "صَدَقَ" بِتَخْفِيفِ الدالِّ "إبْلِيسُ" بِالرَفْعِ "ظَنُّهُ" بِالرَفْعِ عَلى البَدَلِ، وهو بَدَلُ الِاشْتِمالِ. ومَعْنى الآيَةِ أنَّ ما قالَ إبْلِيسُ مِن أنَّهُ سَيَفْتِنُ بَنِي آدَمَ ويُغْوِيهِمْ، وما قالَ مِن أنَّ اللهَ لا يَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ، وغَيْرِ ذَلِكَ كانَ ظَنًّا مِنهُ وصَدَقَ فِيهِمْ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهُمُ اتَّبَعُوهُ وهو اتِّباعٌ في كُفْرٍ؛ لِأنَّهُ في قِصَّةِ قَوْمٍ كُفّارٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، و"مِنَ" في قَوْلِهِ: ﴿ "مِنَ المُؤْمِنِينَ"﴾ لِبَيانِ الجِنْسِ لا لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ التَبْعِيضَ يَقْتَضِي أنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ اتَّبَعَ إبْلِيسَ. و"السُلْطانُ": الحُجَّةُ، وقَدْ يَكُونُ الِاسْتِعْلاءَ والِاسْتِقْدارَ؛ إذِ اللَفْظُ مِنَ التَسَلُّطِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: واللهِ ما كانَ لَهُ سَوْطٌ ولا سَيْفٌ ولَكِنَّهُ اسْتَمالَهم فَمالُوا بِتَزْيِينِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا لِنَعْلَمَ﴾ أيْ: لِنَعْلَمَهُ مَوْجُودًا؛ لِأنَّ العِلْمَ بِهِ مُتَقَدِّمٌ أوَّلًا. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إلّا لِيَعْلَمَ" بِالياءِ عَلى المَجْهُولِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ آيَةُ تَعْجِيزٍ وإقامَةِ حُجَّةٍ، ويُرْوى أنَّ ذَلِكَ نَزَلَ عِنْدَ الجُوعِ الَّذِي أصابَ قُرَيْشًا. والجُمْهُورُ عَلى "قُلُ ادْعُوا" بِضَمِّ اللامِ، ورَوى عَبّاسٌ عن أبِي عَمْرٍو: "قُلِ ادْعُوا" بِكَسْرِ اللامِ "الَّذِينَ" يُرِيدُ المَلائِكَةَ والأصْنامَ؛ وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا والعَرَبَ كانَ مِنهم مَن يَعْبُدُ المَلائِكَةَ، ومِنهم مَن يَقُولُ: نَعْبُدُها لِتَشْفَعَ لَنا، ونَحْوَ (p-١٨٢)هَذا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُعْجِزَةً لِكُلٍّ مِنهم. ثُمَّ جاءَ بِصِفَةِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَدْعُونَهم آلِهَةً، مِن أنَّهم لا يَمْلِكُونَ مِلْكَ الِاخْتِراعِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَماءِ ولا في الأرْضِ، وأنَّهم لا شِرْكَ لَهم فِيها، وهَذانِ فِيهِما نَوْعا المِلْكِ: إمّا اسْتِبْدادًا وإمّا مُشارَكَةً، فَنَفى عنهم جَمِيعَ ذَلِكَ، ونَفى أنْ يَكُونَ مِنهم لِلَّهِ مُعِينٌ في شَيْءٍ مِن قُدْرَتِهِ، و"الظَهِيرُ": المُعِينُ. ثُمَّ تَقَرَّرَ في الآيَةِ بَعْدُ أنَّ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم يَشْفَعُونَ لَهم لا تَصِحُّ مِنهم شَفاعَةٌ لَهُمْ؛ إذْ هَؤُلاءِ كَفَرَةٌ، ولا يَأْذَنُ اللهُ في الشَفاعَةِ في كافِرٍ.

سبأ 34:22

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ إلا لِنَعْلَمَ مِن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ ورَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَماواتِ ولا في الأرْضِ وما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ﴾ (p-١٨١)قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَلَقَدْ صَدَقَ" بِتَخْفِيفِ الدالِّ "إبْلِيسُ" رَفْعًا "ظَنَّهُ" بِالنَصْبِ عَلى المَصْدَرِ، وقِيلَ: عَلى الظَرْفِيَّةِ، أيْ: في ظَنِّهِ، وقِيلَ: عَلى المَفْعُولِ، عَلى مَعْنى أنَّهُ لَمّا ظَنَّ عَمِلَ عَمَلًا يُصَدِّقُ بِهِ ذَلِكَ الظَنَّ، فَكَأنَّهُ إنَّما أرادَ أنْ يَصْدُقَ ظَنُّهُ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِكَ: "أخْطَأْتُ ظَنِّي وأصَبْتُ ظَنِّي". وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "صَدَّقَ" بِتَشْدِيدِ الدالِّ، و"الظَنُّ" - عَلى هَذا - مَفْعُولٌ بِـ"صَدَّقَ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وطَلْحَةَ، [ وعاصِمٍ ] والأعْمَشِ. وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وأبُو الهَجْهاجِ، وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ: "صَدَقَ" بِتَخْفِيفِ الدالِّ "إبْلِيسَ" نَصْبًا "ظَنُّهُ" رَفْعًا. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "صَدَقَ" بِتَخْفِيفِ الدالِّ "إبْلِيسُ" بِالرَفْعِ "ظَنُّهُ" بِالرَفْعِ عَلى البَدَلِ، وهو بَدَلُ الِاشْتِمالِ. ومَعْنى الآيَةِ أنَّ ما قالَ إبْلِيسُ مِن أنَّهُ سَيَفْتِنُ بَنِي آدَمَ ويُغْوِيهِمْ، وما قالَ مِن أنَّ اللهَ لا يَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ، وغَيْرِ ذَلِكَ كانَ ظَنًّا مِنهُ وصَدَقَ فِيهِمْ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهُمُ اتَّبَعُوهُ وهو اتِّباعٌ في كُفْرٍ؛ لِأنَّهُ في قِصَّةِ قَوْمٍ كُفّارٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، و"مِنَ" في قَوْلِهِ: ﴿ "مِنَ المُؤْمِنِينَ"﴾ لِبَيانِ الجِنْسِ لا لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ التَبْعِيضَ يَقْتَضِي أنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ اتَّبَعَ إبْلِيسَ. و"السُلْطانُ": الحُجَّةُ، وقَدْ يَكُونُ الِاسْتِعْلاءَ والِاسْتِقْدارَ؛ إذِ اللَفْظُ مِنَ التَسَلُّطِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: واللهِ ما كانَ لَهُ سَوْطٌ ولا سَيْفٌ ولَكِنَّهُ اسْتَمالَهم فَمالُوا بِتَزْيِينِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا لِنَعْلَمَ﴾ أيْ: لِنَعْلَمَهُ مَوْجُودًا؛ لِأنَّ العِلْمَ بِهِ مُتَقَدِّمٌ أوَّلًا. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إلّا لِيَعْلَمَ" بِالياءِ عَلى المَجْهُولِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ آيَةُ تَعْجِيزٍ وإقامَةِ حُجَّةٍ، ويُرْوى أنَّ ذَلِكَ نَزَلَ عِنْدَ الجُوعِ الَّذِي أصابَ قُرَيْشًا. والجُمْهُورُ عَلى "قُلُ ادْعُوا" بِضَمِّ اللامِ، ورَوى عَبّاسٌ عن أبِي عَمْرٍو: "قُلِ ادْعُوا" بِكَسْرِ اللامِ "الَّذِينَ" يُرِيدُ المَلائِكَةَ والأصْنامَ؛ وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا والعَرَبَ كانَ مِنهم مَن يَعْبُدُ المَلائِكَةَ، ومِنهم مَن يَقُولُ: نَعْبُدُها لِتَشْفَعَ لَنا، ونَحْوَ (p-١٨٢)هَذا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُعْجِزَةً لِكُلٍّ مِنهم. ثُمَّ جاءَ بِصِفَةِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَدْعُونَهم آلِهَةً، مِن أنَّهم لا يَمْلِكُونَ مِلْكَ الِاخْتِراعِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَماءِ ولا في الأرْضِ، وأنَّهم لا شِرْكَ لَهم فِيها، وهَذانِ فِيهِما نَوْعا المِلْكِ: إمّا اسْتِبْدادًا وإمّا مُشارَكَةً، فَنَفى عنهم جَمِيعَ ذَلِكَ، ونَفى أنْ يَكُونَ مِنهم لِلَّهِ مُعِينٌ في شَيْءٍ مِن قُدْرَتِهِ، و"الظَهِيرُ": المُعِينُ. ثُمَّ تَقَرَّرَ في الآيَةِ بَعْدُ أنَّ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم يَشْفَعُونَ لَهم لا تَصِحُّ مِنهم شَفاعَةٌ لَهُمْ؛ إذْ هَؤُلاءِ كَفَرَةٌ، ولا يَأْذَنُ اللهُ في الشَفاعَةِ في كافِرٍ.

سبأ 34:23

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَفاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَن أذِنَ لَهُ حَتّى إذا فُزِّعَ عن قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ المَعْنى: إنَّ كُلَّ مَن دَعَوْتُمْ إلَهًا مَن دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، ولا تَنْفَعُ شَفاعَتُهم إلّا بِإذْنٍ فِيمَن آمَنَ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولا هم شُفَعاءَ عَلى الحَدِّ الَّذِي ظَنَنْتُمْ أنْتُمْ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: ﴿إلا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: لِمَن أرادَ لَهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: لِمَن أذِنَ لَهُ أنْ يَشْفَعَ هو. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واللَفْظُ يَعُمُّهُما: لِأنَّهُ إذا انْفَرَدَ لِلشّافِعِ فَلا شَكَّ أنَّ المَشْفُوعَ فِيهِ مُعَيَّنٌ لَهُ، وإذا انْفَرَدَ لِلْمَشْفُوعِ فِيهِ فالشافِعُ لا مَحالَةَ عالِمٌ مُعَيِّنٌ لِذَلِكَ. وانْظُرْ أنَّ اللامَ الأُولى تُشِيرُ إلى المَشْفُوعِ فِيهِ مِن قَوْلِهِ: "لِمَن"، تَقُولُ: شَفَعْتُ لِفُلانٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِضَمِّ الألِفِ مِن " أُذِنَ" -، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "أذِنَ" بِفَتْحِها، والضَمِيرُ في ﴿ "قُلُوبِهِمْ"﴾ عائِدٌ عَلى المَلائِكَةِ الَّذِينَ دَعَوْهم آلِهَةً، فَفي الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، كَأنَّهُ قالَ: ولا هم شُفَعاءَ كَما تَحْسَبُونَ أنْتُمْ، بَلْ هم عَبَدَةٌ ومُسْتَسْلِمُونَ أبَدًا حَتّى إذا فُزِّعَ عن قُلُوبِهِمْ. وتَظاهَرَتِ الأحادِيثُ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿حَتّى (p-١٨٣)إذا فُزِّعَ عن قُلُوبِهِمْ﴾ إنَّما هي المَلائِكَةُ إذا سَمِعَتِ الوَحْيَ إلى جِبْرِيلَ بِالأمْرِ يَأْمُرُ اللهُ بِهِ سَمِعَتْ كَجَرِّ سِلْسِلَةِ الحَدِيدِ عَلى الصَفْوانِ، فَتَفْزَعُ عِنْدَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا وهَيْبَةً، وقِيلَ: خَوْفَ أنْ تَقُومَ الساعَةُ، فَإذا فَرَغَ ذَلِكَ فُزِّعَ عن قُلُوبِهِمْ، أيْ: أُطِيرَ الفَزَعُ عنها وكُشِفَ، فَيَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ولِجِبْرِيلَ: ﴿ماذا قالَ رَبُّكُمْ﴾ ؟ فَيَقُولُ المَسْؤُولُونَ: قالَ الحَقَّ ﴿وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾، وبِهَذا المَعْنى مِن ذِكْرِ المَلائِكَةِ في صَدْرِ الآياتِ تَتَّسِقُ هَذِهِ الآيَةُ عَلى الأُولى، ومَن لَمْ يَشْعُرْ أنَّ المَلائِكَةَ مُشارٌ إلَيْهِمْ مِن أوَّلِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ [سبإ: ٢٢] لَمْ تَتَّصِلْ لَهم هَذِهِ الآيَةُ بِما قَبْلَها، فَلِذَلِكَ اضْطَرَبَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِها، حَتّى قالَ بَعْضُهم في الكُفّارِ - بَعْدَ حُلُولِ المَوْتِ - فُزِّعَ عن قُلُوبِهِمْ بِفَقْدِ الحَياةِ فَرَأوُا الحَقِيقَةَ، وزالَ فَزَعُهم مِن شُبَهِ ما يُقالُ لَهم في حَياتِهِمْ، فَيُقالُ لَهم حِينَئِذٍ: ﴿ماذا قالَ رَبُّكُمْ﴾ ؟ فَيَقُولُونَ: قالَ الحَقَّ، يُقِرُّونَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإقْرارُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ في جَمِيعِ العالَمِ، وقَوْلُهُ: ﴿ "حَتّى إذا"﴾ يُرِيدُ: في القِيامَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَأْوِيلُ الأوَّلُ في المَلائِكَةِ هو الصَحِيحُ، وهو الَّذِي تَظاهَرَتْ بِهِ الأحادِيثُ. وهَذانِ بَعِيدانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "فُزِّعَ"﴾ بِضَمِّ الفاءِ وكَسْرِ الزايِ، ومَعْناهُ: أُطِيرَ الفَزَعُ عنهُمْ، وهَذِهِ الأفْعالُ جاءَتْ مُخالِفَةً لِسائِرِ الأفْعالِ، لِأنَّ "فَعَّلَ" أصْلُها الإدْخالُ في الشَيْءِ، (p-١٨٤)وَقَوْلُكَ: فَزَّعْتُ زَيْدًا مَعْناهُ: أزَلْتُ الفَزَعَ عنهُ. وكَذَلِكَ: جَزَّعْتُهُ: أزَلْتُ الجَزَعَ عنهُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: "فَدَخَلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى عُمَرَ فَجَزَّعَهُ"، ومِنهُ مَرَّضْتُ فَلانًا: أزَلْتُ المَرَضَ عنهُ. وانْظُرْ أنَّ مُضارِعَ هَذِهِ الأفْعالِ يَلْحَقُ بِـ"تَحَنَّثَ وتَحَرَّجَ وتَفَكَّهَ وتَأثَّمَ وتَخَوَّفَ". وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "فَزَّعَ" بِفَتْحِ الفاءِ والزايِ وشَدِّ الزايِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وطَلْحَةَ، وأبِي المُتَوَكِّلِ الناجِي، واليَمانِيِّ. وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ - بِخِلافٍ -: "فُزِعَ" بِضَمِّ الفاءِ وكَسْرِ الزايِ وتَخْفِيفِها، كَأنَّهُ بِمَعْنى: أقْلَعَ، ومَن قالَ بِأنَّها في العالَمِ أجْمَعِهِ قالَ: مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: فَزَعَ الشَيْطانُ عن قُلُوبِهِمْ، أيْ بادَرَ. وقَرَأ أيُّوبُ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا: "فَرَّغَ" بِالفاءِ وبِراءٍ مُشَدَّدَةٍ وبِغَيْنٍ مَنقُوطَةٍ، مِنَ التَفْرِيغِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: رَواها عَنِ الحَسَنِ نَحْوٌ مِن عَشْرَةِ أنْفُسٍ، وهي قِراءَةُ أبِي مَجْلَزٍ. وقَرَأ مَطَرٌ الوَرّاقُ، عَنِ الحَسَنِ: "فَزِعَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: "فَرَغَ" بِالراءِ المُهْمَلَةِ مُخَفَّفَةً، مِنَ الفَراغِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: وما أظُنُّ الثِقاتِ رَوَوْها عَنِ الحَسَنِ عَلى وُجُوهٍ إلّا لِصُعُوبَةِ المَعْنى عَلَيْهِ فاخْتَلَفَتْ ألْفاظُهُ فِيها. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "حَتّى إذا افْرَنْقَعَ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ. ومَعْنى هَذا كُلِّهِ: وقَعَ فَراغُها مِنَ الفَزَعِ والخَوْفِ، ومَن قَرَأ شَيْئًا مِن هَذا عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عن قُلُوبِهِمْ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، و"افْرَنْقَعَ" مَعْناهُ: تَفَرَّقَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ماذا" يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ"قالَ"، ويَصِحُّ أنْ (p-١٨٥)تَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ قالَ؟ والنَصْبُ في قَوْلِهِمُ: "الحَقَّ" عَلى نَحْوِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: ٣٠] ؛ لِأنَّهم حَقَّقُوا أنَّ ثَمَّ ما أُنْزِلَ، وحَقَّقُوا هُنا أنَّ ثَمَّ ما قِيلَ، وباقِي الآيَةِ تَحْمِيدٌ وتَمْجِيدٌ.

سبأ 34:24

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مَن السَماواتِ والأرْضِ قُلْ اللهُ وإنّا أو إيّاكم لَعَلى هُدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ وهو الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾ ﴿قُلْ أرُونِيَ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلا بَلْ هو اللهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أمَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ ﷺ - عَلى جِهَةِ الِاحْتِجاجِ، وإقامَةِ الدَلِيلِ عَلى الرازِقِ لَهم مِنَ السَماواتِ والأرْضِ [أنْ يَسْألَهُمْ]: مَن هو. ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَقْتَضِبَ الِاحْتِجاجَ بِأنْ يَأْتِيَ بِجَوابِ السُؤالِ؛ إذْ هم في بَهْتَةٍ ووَجَمَةٍ مِنَ السُؤالِ، وإذْ لا جَوابَ لَهم ولا لِمَفْطُورٍ إلّا بِأنْ يَقُولَ: هو اللهُ. وهَذِهِ السَبِيلُ في كُلِّ سُؤالٍ جَوابُهُ في غايَةِ الوُضُوحِ؛ لِأنَّ المُحْتَجَّ يُرِيدُ أنْ يَقْتَضِبَ ويَتَجاوَزَ إلى حُجَّةٍ أُخْرى يُورِدُها. ونَظائِرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنّا أو إيّاكُمْ﴾ تَلَطُّفٌ في الدَعْوَةِ والمُحاوَرَةِ والمَعْنى، كَما تَقُولُ لِمَن خالَفَكَ في مَسْألَةٍ: أحَدُنا مُخْطِئٌ، أيْ: تَثَبَّتْ وتَنَبَّهْ، والمَفْهُومُ مِن كَلامِكَ أنَّ مُخالِفَكَ هو المُخْطِئُ، فَكَذَلِكَ هَذا مَعْناهُ: وإنّا لَعَلى هُدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ، وإنَّكم لَعَلى هُدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ، فَلْنَتَبَيَّنْهُ، والمَقْصِدُ أنَّ الضَلالَ في حَيِّزِ المُخاطَبِينَ، وحَذَفَ أحَدَ الخَبَرَيْنِ لِدَلالَةِ الباقِي عَلَيْهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةُ: "أو" في الآيَةِ (p-١٨٦)بِمَعْنى واوِ النَسَقِ، والتَقْدِيرُ: وإنّا وإيّاكم لَعَلى هَدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ، وهُما خَبَرانِ غَيْرُ مُبْتَدَأيْنِ، وهَذا القَوْلُ غَيْرُ مُتَّجِهٍ واللَفْظُ لا يُساعِدُهُ، وإنْ كانَ المَعْنى - عَلى كُلِّ قَوْلٍ - يَقْتَضِي أنَّ الهُدى في حَيِّزِ المُؤْمِنِينَ والضَلالَ في حَيِّزِ الكَفَرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا﴾ الآيَةَ، مُهادَنَةٌ ومُتارَكَةٌ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا﴾ الآيَةَ... إخْبارٌ بِالبَعْثِ مِنَ القُبُورِ، وقَوْلُهُ: "يَفْتَحُ" مَعْناهُ يَحْكُمُ، والفَتّاحُ: القاضِي، وهي مَشْهُورَةٌ في لُغَةِ اليَمَنِ، وهَذا كُلُّهُ مَنسُوخٌ بِالسَيْفِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرُونِيَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ رُؤْيَةَ قَلْبٍ، فَيَكُونَ قَوْلُهُ: "شُرَكاءَ" مَفْعُولًا ثالِثًا، وهَذا هو الصَحِيحُ، أيْ: أرَوْنِي بِالحُجَّةِ والدَلِيلِ كَيْفَ وجْهُ الشَرِكَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي رُؤْيَةُ بَصَرٍ، و"شُرَكاءَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ المَفْعُولِ بِـ"ألْحَقْتُمُ" العائِدِ عَلى "الَّذِينَ"، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ اسْتِدْعاءَ رُؤْيَةِ العَيْنِ في هَذا لا غَناءَ لَهُ. وقَوْلُهُ: "كَلّا" رَدٌّ لِما تَقَرَّرَ مِن مَذْهَبِهِمْ في الإشْراكِ بِاللهِ تَعالى، ووَصَفَ سُبْحانَهُ وتَعالى نَفْسَهُ بِاللائِقِ بِهِ مِنَ العِزَّةِ والحِكْمَةِ.

سبأ 34:25

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مَن السَماواتِ والأرْضِ قُلْ اللهُ وإنّا أو إيّاكم لَعَلى هُدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ وهو الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾ ﴿قُلْ أرُونِيَ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلا بَلْ هو اللهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أمَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ ﷺ - عَلى جِهَةِ الِاحْتِجاجِ، وإقامَةِ الدَلِيلِ عَلى الرازِقِ لَهم مِنَ السَماواتِ والأرْضِ [أنْ يَسْألَهُمْ]: مَن هو. ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَقْتَضِبَ الِاحْتِجاجَ بِأنْ يَأْتِيَ بِجَوابِ السُؤالِ؛ إذْ هم في بَهْتَةٍ ووَجَمَةٍ مِنَ السُؤالِ، وإذْ لا جَوابَ لَهم ولا لِمَفْطُورٍ إلّا بِأنْ يَقُولَ: هو اللهُ. وهَذِهِ السَبِيلُ في كُلِّ سُؤالٍ جَوابُهُ في غايَةِ الوُضُوحِ؛ لِأنَّ المُحْتَجَّ يُرِيدُ أنْ يَقْتَضِبَ ويَتَجاوَزَ إلى حُجَّةٍ أُخْرى يُورِدُها. ونَظائِرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنّا أو إيّاكُمْ﴾ تَلَطُّفٌ في الدَعْوَةِ والمُحاوَرَةِ والمَعْنى، كَما تَقُولُ لِمَن خالَفَكَ في مَسْألَةٍ: أحَدُنا مُخْطِئٌ، أيْ: تَثَبَّتْ وتَنَبَّهْ، والمَفْهُومُ مِن كَلامِكَ أنَّ مُخالِفَكَ هو المُخْطِئُ، فَكَذَلِكَ هَذا مَعْناهُ: وإنّا لَعَلى هُدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ، وإنَّكم لَعَلى هُدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ، فَلْنَتَبَيَّنْهُ، والمَقْصِدُ أنَّ الضَلالَ في حَيِّزِ المُخاطَبِينَ، وحَذَفَ أحَدَ الخَبَرَيْنِ لِدَلالَةِ الباقِي عَلَيْهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةُ: "أو" في الآيَةِ (p-١٨٦)بِمَعْنى واوِ النَسَقِ، والتَقْدِيرُ: وإنّا وإيّاكم لَعَلى هَدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ، وهُما خَبَرانِ غَيْرُ مُبْتَدَأيْنِ، وهَذا القَوْلُ غَيْرُ مُتَّجِهٍ واللَفْظُ لا يُساعِدُهُ، وإنْ كانَ المَعْنى - عَلى كُلِّ قَوْلٍ - يَقْتَضِي أنَّ الهُدى في حَيِّزِ المُؤْمِنِينَ والضَلالَ في حَيِّزِ الكَفَرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا﴾ الآيَةَ، مُهادَنَةٌ ومُتارَكَةٌ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا﴾ الآيَةَ... إخْبارٌ بِالبَعْثِ مِنَ القُبُورِ، وقَوْلُهُ: "يَفْتَحُ" مَعْناهُ يَحْكُمُ، والفَتّاحُ: القاضِي، وهي مَشْهُورَةٌ في لُغَةِ اليَمَنِ، وهَذا كُلُّهُ مَنسُوخٌ بِالسَيْفِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرُونِيَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ رُؤْيَةَ قَلْبٍ، فَيَكُونَ قَوْلُهُ: "شُرَكاءَ" مَفْعُولًا ثالِثًا، وهَذا هو الصَحِيحُ، أيْ: أرَوْنِي بِالحُجَّةِ والدَلِيلِ كَيْفَ وجْهُ الشَرِكَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي رُؤْيَةُ بَصَرٍ، و"شُرَكاءَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ المَفْعُولِ بِـ"ألْحَقْتُمُ" العائِدِ عَلى "الَّذِينَ"، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ اسْتِدْعاءَ رُؤْيَةِ العَيْنِ في هَذا لا غَناءَ لَهُ. وقَوْلُهُ: "كَلّا" رَدٌّ لِما تَقَرَّرَ مِن مَذْهَبِهِمْ في الإشْراكِ بِاللهِ تَعالى، ووَصَفَ سُبْحانَهُ وتَعالى نَفْسَهُ بِاللائِقِ بِهِ مِنَ العِزَّةِ والحِكْمَةِ.

سبأ 34:26

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مَن السَماواتِ والأرْضِ قُلْ اللهُ وإنّا أو إيّاكم لَعَلى هُدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ وهو الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾ ﴿قُلْ أرُونِيَ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلا بَلْ هو اللهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أمَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ ﷺ - عَلى جِهَةِ الِاحْتِجاجِ، وإقامَةِ الدَلِيلِ عَلى الرازِقِ لَهم مِنَ السَماواتِ والأرْضِ [أنْ يَسْألَهُمْ]: مَن هو. ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَقْتَضِبَ الِاحْتِجاجَ بِأنْ يَأْتِيَ بِجَوابِ السُؤالِ؛ إذْ هم في بَهْتَةٍ ووَجَمَةٍ مِنَ السُؤالِ، وإذْ لا جَوابَ لَهم ولا لِمَفْطُورٍ إلّا بِأنْ يَقُولَ: هو اللهُ. وهَذِهِ السَبِيلُ في كُلِّ سُؤالٍ جَوابُهُ في غايَةِ الوُضُوحِ؛ لِأنَّ المُحْتَجَّ يُرِيدُ أنْ يَقْتَضِبَ ويَتَجاوَزَ إلى حُجَّةٍ أُخْرى يُورِدُها. ونَظائِرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنّا أو إيّاكُمْ﴾ تَلَطُّفٌ في الدَعْوَةِ والمُحاوَرَةِ والمَعْنى، كَما تَقُولُ لِمَن خالَفَكَ في مَسْألَةٍ: أحَدُنا مُخْطِئٌ، أيْ: تَثَبَّتْ وتَنَبَّهْ، والمَفْهُومُ مِن كَلامِكَ أنَّ مُخالِفَكَ هو المُخْطِئُ، فَكَذَلِكَ هَذا مَعْناهُ: وإنّا لَعَلى هُدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ، وإنَّكم لَعَلى هُدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ، فَلْنَتَبَيَّنْهُ، والمَقْصِدُ أنَّ الضَلالَ في حَيِّزِ المُخاطَبِينَ، وحَذَفَ أحَدَ الخَبَرَيْنِ لِدَلالَةِ الباقِي عَلَيْهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةُ: "أو" في الآيَةِ (p-١٨٦)بِمَعْنى واوِ النَسَقِ، والتَقْدِيرُ: وإنّا وإيّاكم لَعَلى هَدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ، وهُما خَبَرانِ غَيْرُ مُبْتَدَأيْنِ، وهَذا القَوْلُ غَيْرُ مُتَّجِهٍ واللَفْظُ لا يُساعِدُهُ، وإنْ كانَ المَعْنى - عَلى كُلِّ قَوْلٍ - يَقْتَضِي أنَّ الهُدى في حَيِّزِ المُؤْمِنِينَ والضَلالَ في حَيِّزِ الكَفَرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا﴾ الآيَةَ، مُهادَنَةٌ ومُتارَكَةٌ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا﴾ الآيَةَ... إخْبارٌ بِالبَعْثِ مِنَ القُبُورِ، وقَوْلُهُ: "يَفْتَحُ" مَعْناهُ يَحْكُمُ، والفَتّاحُ: القاضِي، وهي مَشْهُورَةٌ في لُغَةِ اليَمَنِ، وهَذا كُلُّهُ مَنسُوخٌ بِالسَيْفِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرُونِيَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ رُؤْيَةَ قَلْبٍ، فَيَكُونَ قَوْلُهُ: "شُرَكاءَ" مَفْعُولًا ثالِثًا، وهَذا هو الصَحِيحُ، أيْ: أرَوْنِي بِالحُجَّةِ والدَلِيلِ كَيْفَ وجْهُ الشَرِكَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي رُؤْيَةُ بَصَرٍ، و"شُرَكاءَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ المَفْعُولِ بِـ"ألْحَقْتُمُ" العائِدِ عَلى "الَّذِينَ"، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ اسْتِدْعاءَ رُؤْيَةِ العَيْنِ في هَذا لا غَناءَ لَهُ. وقَوْلُهُ: "كَلّا" رَدٌّ لِما تَقَرَّرَ مِن مَذْهَبِهِمْ في الإشْراكِ بِاللهِ تَعالى، ووَصَفَ سُبْحانَهُ وتَعالى نَفْسَهُ بِاللائِقِ بِهِ مِنَ العِزَّةِ والحِكْمَةِ.

سبأ 34:27

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مَن السَماواتِ والأرْضِ قُلْ اللهُ وإنّا أو إيّاكم لَعَلى هُدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ وهو الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾ ﴿قُلْ أرُونِيَ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلا بَلْ هو اللهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أمَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ ﷺ - عَلى جِهَةِ الِاحْتِجاجِ، وإقامَةِ الدَلِيلِ عَلى الرازِقِ لَهم مِنَ السَماواتِ والأرْضِ [أنْ يَسْألَهُمْ]: مَن هو. ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَقْتَضِبَ الِاحْتِجاجَ بِأنْ يَأْتِيَ بِجَوابِ السُؤالِ؛ إذْ هم في بَهْتَةٍ ووَجَمَةٍ مِنَ السُؤالِ، وإذْ لا جَوابَ لَهم ولا لِمَفْطُورٍ إلّا بِأنْ يَقُولَ: هو اللهُ. وهَذِهِ السَبِيلُ في كُلِّ سُؤالٍ جَوابُهُ في غايَةِ الوُضُوحِ؛ لِأنَّ المُحْتَجَّ يُرِيدُ أنْ يَقْتَضِبَ ويَتَجاوَزَ إلى حُجَّةٍ أُخْرى يُورِدُها. ونَظائِرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنّا أو إيّاكُمْ﴾ تَلَطُّفٌ في الدَعْوَةِ والمُحاوَرَةِ والمَعْنى، كَما تَقُولُ لِمَن خالَفَكَ في مَسْألَةٍ: أحَدُنا مُخْطِئٌ، أيْ: تَثَبَّتْ وتَنَبَّهْ، والمَفْهُومُ مِن كَلامِكَ أنَّ مُخالِفَكَ هو المُخْطِئُ، فَكَذَلِكَ هَذا مَعْناهُ: وإنّا لَعَلى هُدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ، وإنَّكم لَعَلى هُدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ، فَلْنَتَبَيَّنْهُ، والمَقْصِدُ أنَّ الضَلالَ في حَيِّزِ المُخاطَبِينَ، وحَذَفَ أحَدَ الخَبَرَيْنِ لِدَلالَةِ الباقِي عَلَيْهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةُ: "أو" في الآيَةِ (p-١٨٦)بِمَعْنى واوِ النَسَقِ، والتَقْدِيرُ: وإنّا وإيّاكم لَعَلى هَدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ، وهُما خَبَرانِ غَيْرُ مُبْتَدَأيْنِ، وهَذا القَوْلُ غَيْرُ مُتَّجِهٍ واللَفْظُ لا يُساعِدُهُ، وإنْ كانَ المَعْنى - عَلى كُلِّ قَوْلٍ - يَقْتَضِي أنَّ الهُدى في حَيِّزِ المُؤْمِنِينَ والضَلالَ في حَيِّزِ الكَفَرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا﴾ الآيَةَ، مُهادَنَةٌ ومُتارَكَةٌ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا﴾ الآيَةَ... إخْبارٌ بِالبَعْثِ مِنَ القُبُورِ، وقَوْلُهُ: "يَفْتَحُ" مَعْناهُ يَحْكُمُ، والفَتّاحُ: القاضِي، وهي مَشْهُورَةٌ في لُغَةِ اليَمَنِ، وهَذا كُلُّهُ مَنسُوخٌ بِالسَيْفِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرُونِيَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ رُؤْيَةَ قَلْبٍ، فَيَكُونَ قَوْلُهُ: "شُرَكاءَ" مَفْعُولًا ثالِثًا، وهَذا هو الصَحِيحُ، أيْ: أرَوْنِي بِالحُجَّةِ والدَلِيلِ كَيْفَ وجْهُ الشَرِكَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي رُؤْيَةُ بَصَرٍ، و"شُرَكاءَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ المَفْعُولِ بِـ"ألْحَقْتُمُ" العائِدِ عَلى "الَّذِينَ"، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ اسْتِدْعاءَ رُؤْيَةِ العَيْنِ في هَذا لا غَناءَ لَهُ. وقَوْلُهُ: "كَلّا" رَدٌّ لِما تَقَرَّرَ مِن مَذْهَبِهِمْ في الإشْراكِ بِاللهِ تَعالى، ووَصَفَ سُبْحانَهُ وتَعالى نَفْسَهُ بِاللائِقِ بِهِ مِنَ العِزَّةِ والحِكْمَةِ.

سبأ 34:28

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عنهُ ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ هَذا إعْلامٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى بِأنَّهُ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى جَمِيعِ العالَمِ، و"الكافَّةُ": الجَمْعُ الأكْمَلُ مِنَ الناسِ، وهي نَصْبٌ عَلى الحالِ، وقَدَّمَها لِلِاهْتِمامِ، وهَذِهِ إحْدى (p-١٨٧)الخِصالِ الَّتِي خُصَّ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ، الَّتِي حَصَرَها في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ ولَمْ تُحَلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي، وأُوتِيتُ جَوامِعَ الكَلِمِ، وجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، وبُعِثَ كُلُّ نَبِيٍّ إلى خاصٍّ مِنَ الناسِ وبُعِثْتُ إلى الأسْوَدِ والأحْمَرِ"،» وفي هَذِهِ الخِصالِ زِيادَةٌ في كِتابِ مُسْلِمٍ. وقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ يُرِيدُ بِها العُمُومَ في الكَفَرَةِ، والمُؤْمِنُونَ هُمُ الأقَلُّ. ثُمَّ حَكى عنهم مَقالَتَهم في الهُزْءِ بِأمْرِ البَعْثِ، واسْتِعْجالِهِمْ - عَلى مَعْنى التَكْذِيبِ - بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ ؟ فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِأنْ يُخْبِرَهم عن مِيعادُ يَوْمٍ هو يَوْمُ القِيامَةِ، لا يَتَأخَّرُ عنهُ أحَدٌ ولا يَتَقَدَّمُهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الوَعْدُ والوَعِيدُ والمِيعادُ بِمَعْنًى، وخُولِفَ في هَذا، والَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أنَّ الوَعْدَ في الخَيْرِ، والوَعِيدَ في المَكْرُوهِ، والمِيعادَ يَقَعُ لِهَذا ولِهَذا، وأضافَ المِيعادَ إلى اليَوْمِ تَجَوُّزًا مِن حَيْثُ كانَ فِيهِ، وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ اسْتِعْجالُ الكَفَرَةِ لِعَذابِ الدُنْيا، ويَكُونَ الجَوابُ عن ذَلِكَ أيْضًا، ولَمْ يَجْرِ لِلْقِيامَةِ ذِكْرٌ عَلى هَذا التَأْوِيلِ.

سبأ 34:29

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عنهُ ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ هَذا إعْلامٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى بِأنَّهُ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى جَمِيعِ العالَمِ، و"الكافَّةُ": الجَمْعُ الأكْمَلُ مِنَ الناسِ، وهي نَصْبٌ عَلى الحالِ، وقَدَّمَها لِلِاهْتِمامِ، وهَذِهِ إحْدى (p-١٨٧)الخِصالِ الَّتِي خُصَّ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ، الَّتِي حَصَرَها في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ ولَمْ تُحَلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي، وأُوتِيتُ جَوامِعَ الكَلِمِ، وجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، وبُعِثَ كُلُّ نَبِيٍّ إلى خاصٍّ مِنَ الناسِ وبُعِثْتُ إلى الأسْوَدِ والأحْمَرِ"،» وفي هَذِهِ الخِصالِ زِيادَةٌ في كِتابِ مُسْلِمٍ. وقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ يُرِيدُ بِها العُمُومَ في الكَفَرَةِ، والمُؤْمِنُونَ هُمُ الأقَلُّ. ثُمَّ حَكى عنهم مَقالَتَهم في الهُزْءِ بِأمْرِ البَعْثِ، واسْتِعْجالِهِمْ - عَلى مَعْنى التَكْذِيبِ - بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ ؟ فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِأنْ يُخْبِرَهم عن مِيعادُ يَوْمٍ هو يَوْمُ القِيامَةِ، لا يَتَأخَّرُ عنهُ أحَدٌ ولا يَتَقَدَّمُهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الوَعْدُ والوَعِيدُ والمِيعادُ بِمَعْنًى، وخُولِفَ في هَذا، والَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أنَّ الوَعْدَ في الخَيْرِ، والوَعِيدَ في المَكْرُوهِ، والمِيعادَ يَقَعُ لِهَذا ولِهَذا، وأضافَ المِيعادَ إلى اليَوْمِ تَجَوُّزًا مِن حَيْثُ كانَ فِيهِ، وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ اسْتِعْجالُ الكَفَرَةِ لِعَذابِ الدُنْيا، ويَكُونَ الجَوابُ عن ذَلِكَ أيْضًا، ولَمْ يَجْرِ لِلْقِيامَةِ ذِكْرٌ عَلى هَذا التَأْوِيلِ.

سبأ 34:30

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عنهُ ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ هَذا إعْلامٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى بِأنَّهُ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى جَمِيعِ العالَمِ، و"الكافَّةُ": الجَمْعُ الأكْمَلُ مِنَ الناسِ، وهي نَصْبٌ عَلى الحالِ، وقَدَّمَها لِلِاهْتِمامِ، وهَذِهِ إحْدى (p-١٨٧)الخِصالِ الَّتِي خُصَّ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ، الَّتِي حَصَرَها في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ ولَمْ تُحَلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي، وأُوتِيتُ جَوامِعَ الكَلِمِ، وجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، وبُعِثَ كُلُّ نَبِيٍّ إلى خاصٍّ مِنَ الناسِ وبُعِثْتُ إلى الأسْوَدِ والأحْمَرِ"،» وفي هَذِهِ الخِصالِ زِيادَةٌ في كِتابِ مُسْلِمٍ. وقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ يُرِيدُ بِها العُمُومَ في الكَفَرَةِ، والمُؤْمِنُونَ هُمُ الأقَلُّ. ثُمَّ حَكى عنهم مَقالَتَهم في الهُزْءِ بِأمْرِ البَعْثِ، واسْتِعْجالِهِمْ - عَلى مَعْنى التَكْذِيبِ - بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ ؟ فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِأنْ يُخْبِرَهم عن مِيعادُ يَوْمٍ هو يَوْمُ القِيامَةِ، لا يَتَأخَّرُ عنهُ أحَدٌ ولا يَتَقَدَّمُهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الوَعْدُ والوَعِيدُ والمِيعادُ بِمَعْنًى، وخُولِفَ في هَذا، والَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أنَّ الوَعْدَ في الخَيْرِ، والوَعِيدَ في المَكْرُوهِ، والمِيعادَ يَقَعُ لِهَذا ولِهَذا، وأضافَ المِيعادَ إلى اليَوْمِ تَجَوُّزًا مِن حَيْثُ كانَ فِيهِ، وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ اسْتِعْجالُ الكَفَرَةِ لِعَذابِ الدُنْيا، ويَكُونَ الجَوابُ عن ذَلِكَ أيْضًا، ولَمْ يَجْرِ لِلْقِيامَةِ ذِكْرٌ عَلى هَذا التَأْوِيلِ.

سبأ 34:31

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ولَوْ تَرى إذِ الظالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ حُكِيَتْ في هَذِهِ الآيَةِ مَقالَةٌ قالَها بَعْضُ قُرَيْشٍ، وهي أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ ولا بِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَوْراةِ والإنْجِيلِ والزَبُورِ، فَكَأنَّهم كَذَّبُوا بِجَمِيعِ كُتُبِ اللهِ، وإنَّما فَعَلُوا هَذا (p-١٨٨)لَمّا وقَعَ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ بِما في التَوْراةِ مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ" هي الساعَةُ والقِيامَةُ، وهَذا خَطَأٌ لَمْ يَفْهَمْ قائِلُهُ أمْرَ "بَيْنَ اليَدِ" في اللُغَةِ وأنَّهُ المُتَقَدِّمُ في الزَمَنِ، وقَدْ بَيَّنّا مَعْناهُ فِيما تَقَدَّمَ. ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ عن حالَةِ الظالِمِينَ في صِيغَةِ التَعْجِيبِ مِن حالِهِمْ، وجَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ، و﴿يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ أيْ يُرِيدُ: يَتَحاوَرُونَ ويَتَجادَلُونَ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ الجَدَلَ بِأنَّ الأتْباعَ والضُعَفاءَ مِنَ الكَفَرَةِ يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ ولِلرُّؤُوسِ - عَلى جِهَةِ التَذْنِيبِ والتَوْبِيخِ ورَدِّ اللائِمَةِ عَلَيْهِمْ -: لَوْلا أنْتُمْ لَآمَنّا نَحْنُ واهْتَدَيْنا، أيْ: أنْتُمْ أغْوَيْتُمُونا وأمَرْتُمُونا بِالكُفْرِ، فَقالَ لَهُمُ الرُؤَساءُ - عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَكْذِيبِ -: أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى؟ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ، أيْ: دَخَلْتُمْ في الكُفْرِ بِبَصائِرِكُمْ، وأجْرَمْتُمْ بِنَظَرٍ مِنكُمْ، ودَعْوَتُنا لَمْ تَكُنْ ضَرْبَةَ لازِبٍ عَلَيْكُمْ؛ لِأنّا دَعَوْناكم بِغَيْرِ حُجَّةٍ ولا بُرْهانٍ، وهَذا كُلُّهُ يَتَضَمَّنُهُ اللَفْظُ.

سبأ 34:32

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ولَوْ تَرى إذِ الظالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ حُكِيَتْ في هَذِهِ الآيَةِ مَقالَةٌ قالَها بَعْضُ قُرَيْشٍ، وهي أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ ولا بِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَوْراةِ والإنْجِيلِ والزَبُورِ، فَكَأنَّهم كَذَّبُوا بِجَمِيعِ كُتُبِ اللهِ، وإنَّما فَعَلُوا هَذا (p-١٨٨)لَمّا وقَعَ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ بِما في التَوْراةِ مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ" هي الساعَةُ والقِيامَةُ، وهَذا خَطَأٌ لَمْ يَفْهَمْ قائِلُهُ أمْرَ "بَيْنَ اليَدِ" في اللُغَةِ وأنَّهُ المُتَقَدِّمُ في الزَمَنِ، وقَدْ بَيَّنّا مَعْناهُ فِيما تَقَدَّمَ. ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ عن حالَةِ الظالِمِينَ في صِيغَةِ التَعْجِيبِ مِن حالِهِمْ، وجَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ، و﴿يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ أيْ يُرِيدُ: يَتَحاوَرُونَ ويَتَجادَلُونَ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ الجَدَلَ بِأنَّ الأتْباعَ والضُعَفاءَ مِنَ الكَفَرَةِ يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ ولِلرُّؤُوسِ - عَلى جِهَةِ التَذْنِيبِ والتَوْبِيخِ ورَدِّ اللائِمَةِ عَلَيْهِمْ -: لَوْلا أنْتُمْ لَآمَنّا نَحْنُ واهْتَدَيْنا، أيْ: أنْتُمْ أغْوَيْتُمُونا وأمَرْتُمُونا بِالكُفْرِ، فَقالَ لَهُمُ الرُؤَساءُ - عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَكْذِيبِ -: أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى؟ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ، أيْ: دَخَلْتُمْ في الكُفْرِ بِبَصائِرِكُمْ، وأجْرَمْتُمْ بِنَظَرٍ مِنكُمْ، ودَعْوَتُنا لَمْ تَكُنْ ضَرْبَةَ لازِبٍ عَلَيْكُمْ؛ لِأنّا دَعَوْناكم بِغَيْرِ حُجَّةٍ ولا بُرْهانٍ، وهَذا كُلُّهُ يَتَضَمَّنُهُ اللَفْظُ.

سبأ 34:33

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَيْلِ والنَهارِ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا وأسَرُّوا النَدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وجَعَلْنا الأغْلالَ في أعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ هَذِهِ مُراجَعَةٌ مِنَ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ حِينَ قالُوا لَهُمْ: إنَّما كَفَرْتُمْ بِبَصائِرِ أنْفُسِكُمْ، فَقالَ المُسْتَضْعَفُونَ: بَلْ كَفَرْنا بِمَكْرِكم بِنا بِاللَيْلِ والنَهارِ، وأضافَ المَكْرَ إلى اللَيْلِ والنَهارِ مِن حَيْثُ هو فِيهِما، ولِتَدُلَّ هَذِهِ الإضافَةُ عَلى الدُؤُوبِ والزَمانِ، كَما قالُوا: لَيْلٌ نائِمٌ ونَهارٌ صائِمٌ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎ فَنامَ لَيْلِي وتَجَلّى هَمِّي (p-١٨٩)وَهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ قَتادَةُ بْنُ دِعامَةَ: "بَلْ مَكْرٌ" مُنَوَّنًا "اللَيْلَ والنَهارَ" بِتَنْوِينِ (مَكْرٌ) نَصْبًا، وذُكِرَ عن يَحْيَ بْنِ يَعْمَرَ، وكَأنَّ مَعْناها الإحالَةُ عَلى طُولِ الأمَلِ والِاغْتِرارِ بِالأيّامِ، مَعَ أمْرِ هَؤُلاءِ الرُؤَساءِ بِالكُفْرِ. و"النِدُّ" المَثِيلُ والشَبِيهُ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ "وَأسَرُّوا"﴾ عامٌّ جَمِيعَ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ والمُسْتَكْبِرِينَ، و"أسَرُّوا" مَعْناهُ: اعْتَقَدُوها في نُفُوسِهِمْ، ومُعْتَقَداتُ النَفْسِ كُلُّها سِرٌّ، لا يُعْقَلُ غَيْرُ ذَلِكَ، وإنَّما يَظْهَرُ ما يَصْدُرُ عنها مِن كَلامٍ أو قَرِينَةٍ. وقالَ بَعْضُ الناسِ: "أسَرُّوا": أظْهَرُوا، وهي مِنَ الأضْدادِ، وهَذا كَلامُ مَن لَمْ يَعْتَبِرِ المَعْنى، أمّا نَفْسُ النَدامَةِ فَلا تَكُونُ إلّا مُسْتَسَرَّةً ضَرُورَةً، وأمّا الظاهِرُ عنها فَغَيْرُها، ولَمْ يَثْبُتْ قَطُّ في لُغَةٍ أنَّ "أسَرَّ" مِنَ الأضْدادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ أيْ: وافَوْهُ وتَيَقَّنُوا حُصُولَهم فِيهِ. وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

سبأ 34:34

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُتْرَفُوها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأولادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَما أمْوالُكم ولا أولادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى إلا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِعْفِ بِما عَمِلُوا وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عن فِعْلِ قُرَيْشٍ وقَوْلِها، أيْ: هَذِهِ يا مُحَمَّدُ سِيرَةُ الأُمَمِ، فَلا يُهِمَّنَّكَ أمْرُ قَوْمِكَ، و"القَرْيَةُ": المَدِينَةُ، و"المُتْرَفُ": المُنْعَمُ البَطّالُ الغَنِيُّ القَلِيلُ تَعَبِ النَفْسِ والجِسْمِ، فَعادَتُهُمُ المُبادَرَةُ بِالتَكْذِيبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأولادًا﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى "المُتْرَفِينَ"، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ مَعَ تَكْذِيبِهِمْ، ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ مِثْلَهم أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِأنْ يَقُولَ: ﴿إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ﴾ الآيَةَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "قالُوا" لِقُرَيْشٍ، ويَكُونَ كَلامُ "المُتْرَفِينَ" قَدْ تَقَدَّمَ، ثُمَّ تَطَّرِدُ الآيَةُ بَعْدُ. ومَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأولادًا﴾ الِاحْتِجاجُ بِأنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِنا هَذا وقَدَّرَهُ لَنا إلّا لِرِضاهُ عَنّا وعن طَرِيقَتِنا، ونَحْنُ مِمَّنْ لا يُعَذَّبُ البَتَّةَ؛ إذِ اللهُ الَّذِي تَزْعُمُ أنْتَ عِلْمَهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ وإحاطَتَهُ قَدْ قَدَّرَ (p-١٩٠)عَلَيْنا النِعَمَ، فَهو إذَنْ راضٍ عَنّا. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أيْ: بِالفَقْرِ، وهَذا لَيْسَ كالأوَّلِ في القُوَّةِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَقُولَ: إنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما ظَنُّوا، بَلْ بَسْطَ الرِزْقِ وقَدْرَهُ مُعَلَّقٌ بِالمَشِيئَةِ في كافِرٍ ومُؤْمِنٍ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى رِضى اللهِ تَعالى والقُرْبِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُعْطِي ذَلِكَ إمْلاءً واسْتِدْراجًا، وكَثِيرٌ مِنَ الناسِ لا يَعْلَمُ ذَلِكَ كَأنْتُمْ أيُّها الكَفَرَةُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيَقْدِرُ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالتَشْدِيدِ، وهي راجِعَةٌ إلى مَعْنى التَضْيِيقِ الَّذِي هو ضِدُّ البَسْطِ. ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّ أمْوالَهم وأولادَهم لَيْسَتْ بِمُقَرِّبَةٍ مِنَ اللهِ ﴿ "زُلْفى"،﴾ وهي مَصْدَرٌ بِمَعْنى القُرْبِ، وكَأنَّهُ قالَ: تُقَرِّبُكم عِنْدَنا تَقْرِيبًا، وقَرَأ الضَحّاكُ: "زُلَفًى" بِفَتْحِ اللامِ وتَنْوِينٍ. وقَوْلُهُ: ﴿إلا مَن آمَنَ﴾ اسْتِثْناءٌ، و"مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالِاسْتِثْناءِ. وقالَ الزَجّاجُ: هي بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ في ﴿ "تُقَرِّبُكُمْ"،﴾ وقالَ الفَرّاءُ: في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما هو مُقَرَّبٌ إلّا مَن آمَنَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "جَزاءُ الضِعْفِ" بِالإضافَةِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "جَزاءٌ" مُنَوَّنًا "الضِعْفُ" رَفَعًا، وحَكى عنهُ الدانِيُّ "جَزاءً" نَصْبًا مُنَوَّنًا "الضِعْفَ" نَصْبًا. و"الضِعْفِ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ، أيْ بِالتَضْعِيفِ؛ إذْ بَعْضُهم يُجازى إلى عَشْرَةٍ، وبَعْضُهم أكْثَرَ صاعِدًا إلى سَبْعِمِائَةٍ بِحَسَبِ الأعْمالِ ومَشِيئَةِ اللهِ فِيها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "فِي الغُرُفاتِ"﴾ بِالجَمْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "فِي الغُرْفَةِ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، ورُوِيَتْ عَنِ الأعْمَشِ، وهُما في القِراءَةِ حَسَنَتانِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ يَجِيءُ هَذا الجَمْعُ بِالألِفِ والتاءِ "الغُرُفاتِ" ونَحْوِهِ لِلتَّكْثِيرِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎ لَنا الجَفَناتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بِالضُحى ∗∗∗ وأسْيافُنا يَقْطُرْنَ مِن نَجْدَةٍ دَما فَلَمْ يُرِدْ إلّا كَثْرَةَ جِفانٍ، وتَأمَّلْ نَقْدَ الأعْشى في هَذا البَيْتِ. وقَرَأ الأعْشى، والحَسَنُ، وعاصِمٌ - بِخِلافٍ -: "فِي الغُرْفاتِ" بِسُكُونِ الراءِ.

سبأ 34:35

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُتْرَفُوها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأولادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَما أمْوالُكم ولا أولادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى إلا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِعْفِ بِما عَمِلُوا وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عن فِعْلِ قُرَيْشٍ وقَوْلِها، أيْ: هَذِهِ يا مُحَمَّدُ سِيرَةُ الأُمَمِ، فَلا يُهِمَّنَّكَ أمْرُ قَوْمِكَ، و"القَرْيَةُ": المَدِينَةُ، و"المُتْرَفُ": المُنْعَمُ البَطّالُ الغَنِيُّ القَلِيلُ تَعَبِ النَفْسِ والجِسْمِ، فَعادَتُهُمُ المُبادَرَةُ بِالتَكْذِيبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأولادًا﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى "المُتْرَفِينَ"، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ مَعَ تَكْذِيبِهِمْ، ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ مِثْلَهم أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِأنْ يَقُولَ: ﴿إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ﴾ الآيَةَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "قالُوا" لِقُرَيْشٍ، ويَكُونَ كَلامُ "المُتْرَفِينَ" قَدْ تَقَدَّمَ، ثُمَّ تَطَّرِدُ الآيَةُ بَعْدُ. ومَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأولادًا﴾ الِاحْتِجاجُ بِأنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِنا هَذا وقَدَّرَهُ لَنا إلّا لِرِضاهُ عَنّا وعن طَرِيقَتِنا، ونَحْنُ مِمَّنْ لا يُعَذَّبُ البَتَّةَ؛ إذِ اللهُ الَّذِي تَزْعُمُ أنْتَ عِلْمَهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ وإحاطَتَهُ قَدْ قَدَّرَ (p-١٩٠)عَلَيْنا النِعَمَ، فَهو إذَنْ راضٍ عَنّا. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أيْ: بِالفَقْرِ، وهَذا لَيْسَ كالأوَّلِ في القُوَّةِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَقُولَ: إنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما ظَنُّوا، بَلْ بَسْطَ الرِزْقِ وقَدْرَهُ مُعَلَّقٌ بِالمَشِيئَةِ في كافِرٍ ومُؤْمِنٍ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى رِضى اللهِ تَعالى والقُرْبِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُعْطِي ذَلِكَ إمْلاءً واسْتِدْراجًا، وكَثِيرٌ مِنَ الناسِ لا يَعْلَمُ ذَلِكَ كَأنْتُمْ أيُّها الكَفَرَةُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيَقْدِرُ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالتَشْدِيدِ، وهي راجِعَةٌ إلى مَعْنى التَضْيِيقِ الَّذِي هو ضِدُّ البَسْطِ. ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّ أمْوالَهم وأولادَهم لَيْسَتْ بِمُقَرِّبَةٍ مِنَ اللهِ ﴿ "زُلْفى"،﴾ وهي مَصْدَرٌ بِمَعْنى القُرْبِ، وكَأنَّهُ قالَ: تُقَرِّبُكم عِنْدَنا تَقْرِيبًا، وقَرَأ الضَحّاكُ: "زُلَفًى" بِفَتْحِ اللامِ وتَنْوِينٍ. وقَوْلُهُ: ﴿إلا مَن آمَنَ﴾ اسْتِثْناءٌ، و"مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالِاسْتِثْناءِ. وقالَ الزَجّاجُ: هي بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ في ﴿ "تُقَرِّبُكُمْ"،﴾ وقالَ الفَرّاءُ: في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما هو مُقَرَّبٌ إلّا مَن آمَنَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "جَزاءُ الضِعْفِ" بِالإضافَةِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "جَزاءٌ" مُنَوَّنًا "الضِعْفُ" رَفَعًا، وحَكى عنهُ الدانِيُّ "جَزاءً" نَصْبًا مُنَوَّنًا "الضِعْفَ" نَصْبًا. و"الضِعْفِ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ، أيْ بِالتَضْعِيفِ؛ إذْ بَعْضُهم يُجازى إلى عَشْرَةٍ، وبَعْضُهم أكْثَرَ صاعِدًا إلى سَبْعِمِائَةٍ بِحَسَبِ الأعْمالِ ومَشِيئَةِ اللهِ فِيها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "فِي الغُرُفاتِ"﴾ بِالجَمْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "فِي الغُرْفَةِ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، ورُوِيَتْ عَنِ الأعْمَشِ، وهُما في القِراءَةِ حَسَنَتانِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ يَجِيءُ هَذا الجَمْعُ بِالألِفِ والتاءِ "الغُرُفاتِ" ونَحْوِهِ لِلتَّكْثِيرِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎ لَنا الجَفَناتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بِالضُحى ∗∗∗ وأسْيافُنا يَقْطُرْنَ مِن نَجْدَةٍ دَما فَلَمْ يُرِدْ إلّا كَثْرَةَ جِفانٍ، وتَأمَّلْ نَقْدَ الأعْشى في هَذا البَيْتِ. وقَرَأ الأعْشى، والحَسَنُ، وعاصِمٌ - بِخِلافٍ -: "فِي الغُرْفاتِ" بِسُكُونِ الراءِ.

سبأ 34:36

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُتْرَفُوها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأولادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَما أمْوالُكم ولا أولادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى إلا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِعْفِ بِما عَمِلُوا وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عن فِعْلِ قُرَيْشٍ وقَوْلِها، أيْ: هَذِهِ يا مُحَمَّدُ سِيرَةُ الأُمَمِ، فَلا يُهِمَّنَّكَ أمْرُ قَوْمِكَ، و"القَرْيَةُ": المَدِينَةُ، و"المُتْرَفُ": المُنْعَمُ البَطّالُ الغَنِيُّ القَلِيلُ تَعَبِ النَفْسِ والجِسْمِ، فَعادَتُهُمُ المُبادَرَةُ بِالتَكْذِيبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأولادًا﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى "المُتْرَفِينَ"، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ مَعَ تَكْذِيبِهِمْ، ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ مِثْلَهم أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِأنْ يَقُولَ: ﴿إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ﴾ الآيَةَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "قالُوا" لِقُرَيْشٍ، ويَكُونَ كَلامُ "المُتْرَفِينَ" قَدْ تَقَدَّمَ، ثُمَّ تَطَّرِدُ الآيَةُ بَعْدُ. ومَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأولادًا﴾ الِاحْتِجاجُ بِأنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِنا هَذا وقَدَّرَهُ لَنا إلّا لِرِضاهُ عَنّا وعن طَرِيقَتِنا، ونَحْنُ مِمَّنْ لا يُعَذَّبُ البَتَّةَ؛ إذِ اللهُ الَّذِي تَزْعُمُ أنْتَ عِلْمَهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ وإحاطَتَهُ قَدْ قَدَّرَ (p-١٩٠)عَلَيْنا النِعَمَ، فَهو إذَنْ راضٍ عَنّا. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أيْ: بِالفَقْرِ، وهَذا لَيْسَ كالأوَّلِ في القُوَّةِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَقُولَ: إنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما ظَنُّوا، بَلْ بَسْطَ الرِزْقِ وقَدْرَهُ مُعَلَّقٌ بِالمَشِيئَةِ في كافِرٍ ومُؤْمِنٍ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى رِضى اللهِ تَعالى والقُرْبِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُعْطِي ذَلِكَ إمْلاءً واسْتِدْراجًا، وكَثِيرٌ مِنَ الناسِ لا يَعْلَمُ ذَلِكَ كَأنْتُمْ أيُّها الكَفَرَةُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيَقْدِرُ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالتَشْدِيدِ، وهي راجِعَةٌ إلى مَعْنى التَضْيِيقِ الَّذِي هو ضِدُّ البَسْطِ. ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّ أمْوالَهم وأولادَهم لَيْسَتْ بِمُقَرِّبَةٍ مِنَ اللهِ ﴿ "زُلْفى"،﴾ وهي مَصْدَرٌ بِمَعْنى القُرْبِ، وكَأنَّهُ قالَ: تُقَرِّبُكم عِنْدَنا تَقْرِيبًا، وقَرَأ الضَحّاكُ: "زُلَفًى" بِفَتْحِ اللامِ وتَنْوِينٍ. وقَوْلُهُ: ﴿إلا مَن آمَنَ﴾ اسْتِثْناءٌ، و"مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالِاسْتِثْناءِ. وقالَ الزَجّاجُ: هي بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ في ﴿ "تُقَرِّبُكُمْ"،﴾ وقالَ الفَرّاءُ: في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما هو مُقَرَّبٌ إلّا مَن آمَنَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "جَزاءُ الضِعْفِ" بِالإضافَةِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "جَزاءٌ" مُنَوَّنًا "الضِعْفُ" رَفَعًا، وحَكى عنهُ الدانِيُّ "جَزاءً" نَصْبًا مُنَوَّنًا "الضِعْفَ" نَصْبًا. و"الضِعْفِ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ، أيْ بِالتَضْعِيفِ؛ إذْ بَعْضُهم يُجازى إلى عَشْرَةٍ، وبَعْضُهم أكْثَرَ صاعِدًا إلى سَبْعِمِائَةٍ بِحَسَبِ الأعْمالِ ومَشِيئَةِ اللهِ فِيها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "فِي الغُرُفاتِ"﴾ بِالجَمْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "فِي الغُرْفَةِ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، ورُوِيَتْ عَنِ الأعْمَشِ، وهُما في القِراءَةِ حَسَنَتانِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ يَجِيءُ هَذا الجَمْعُ بِالألِفِ والتاءِ "الغُرُفاتِ" ونَحْوِهِ لِلتَّكْثِيرِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎ لَنا الجَفَناتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بِالضُحى ∗∗∗ وأسْيافُنا يَقْطُرْنَ مِن نَجْدَةٍ دَما فَلَمْ يُرِدْ إلّا كَثْرَةَ جِفانٍ، وتَأمَّلْ نَقْدَ الأعْشى في هَذا البَيْتِ. وقَرَأ الأعْشى، والحَسَنُ، وعاصِمٌ - بِخِلافٍ -: "فِي الغُرْفاتِ" بِسُكُونِ الراءِ.

سبأ 34:37

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُتْرَفُوها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأولادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَما أمْوالُكم ولا أولادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى إلا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِعْفِ بِما عَمِلُوا وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عن فِعْلِ قُرَيْشٍ وقَوْلِها، أيْ: هَذِهِ يا مُحَمَّدُ سِيرَةُ الأُمَمِ، فَلا يُهِمَّنَّكَ أمْرُ قَوْمِكَ، و"القَرْيَةُ": المَدِينَةُ، و"المُتْرَفُ": المُنْعَمُ البَطّالُ الغَنِيُّ القَلِيلُ تَعَبِ النَفْسِ والجِسْمِ، فَعادَتُهُمُ المُبادَرَةُ بِالتَكْذِيبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأولادًا﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى "المُتْرَفِينَ"، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ مَعَ تَكْذِيبِهِمْ، ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ مِثْلَهم أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِأنْ يَقُولَ: ﴿إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ﴾ الآيَةَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "قالُوا" لِقُرَيْشٍ، ويَكُونَ كَلامُ "المُتْرَفِينَ" قَدْ تَقَدَّمَ، ثُمَّ تَطَّرِدُ الآيَةُ بَعْدُ. ومَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأولادًا﴾ الِاحْتِجاجُ بِأنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِنا هَذا وقَدَّرَهُ لَنا إلّا لِرِضاهُ عَنّا وعن طَرِيقَتِنا، ونَحْنُ مِمَّنْ لا يُعَذَّبُ البَتَّةَ؛ إذِ اللهُ الَّذِي تَزْعُمُ أنْتَ عِلْمَهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ وإحاطَتَهُ قَدْ قَدَّرَ (p-١٩٠)عَلَيْنا النِعَمَ، فَهو إذَنْ راضٍ عَنّا. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أيْ: بِالفَقْرِ، وهَذا لَيْسَ كالأوَّلِ في القُوَّةِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَقُولَ: إنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما ظَنُّوا، بَلْ بَسْطَ الرِزْقِ وقَدْرَهُ مُعَلَّقٌ بِالمَشِيئَةِ في كافِرٍ ومُؤْمِنٍ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى رِضى اللهِ تَعالى والقُرْبِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُعْطِي ذَلِكَ إمْلاءً واسْتِدْراجًا، وكَثِيرٌ مِنَ الناسِ لا يَعْلَمُ ذَلِكَ كَأنْتُمْ أيُّها الكَفَرَةُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيَقْدِرُ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالتَشْدِيدِ، وهي راجِعَةٌ إلى مَعْنى التَضْيِيقِ الَّذِي هو ضِدُّ البَسْطِ. ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّ أمْوالَهم وأولادَهم لَيْسَتْ بِمُقَرِّبَةٍ مِنَ اللهِ ﴿ "زُلْفى"،﴾ وهي مَصْدَرٌ بِمَعْنى القُرْبِ، وكَأنَّهُ قالَ: تُقَرِّبُكم عِنْدَنا تَقْرِيبًا، وقَرَأ الضَحّاكُ: "زُلَفًى" بِفَتْحِ اللامِ وتَنْوِينٍ. وقَوْلُهُ: ﴿إلا مَن آمَنَ﴾ اسْتِثْناءٌ، و"مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالِاسْتِثْناءِ. وقالَ الزَجّاجُ: هي بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ في ﴿ "تُقَرِّبُكُمْ"،﴾ وقالَ الفَرّاءُ: في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما هو مُقَرَّبٌ إلّا مَن آمَنَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "جَزاءُ الضِعْفِ" بِالإضافَةِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "جَزاءٌ" مُنَوَّنًا "الضِعْفُ" رَفَعًا، وحَكى عنهُ الدانِيُّ "جَزاءً" نَصْبًا مُنَوَّنًا "الضِعْفَ" نَصْبًا. و"الضِعْفِ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ، أيْ بِالتَضْعِيفِ؛ إذْ بَعْضُهم يُجازى إلى عَشْرَةٍ، وبَعْضُهم أكْثَرَ صاعِدًا إلى سَبْعِمِائَةٍ بِحَسَبِ الأعْمالِ ومَشِيئَةِ اللهِ فِيها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "فِي الغُرُفاتِ"﴾ بِالجَمْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "فِي الغُرْفَةِ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، ورُوِيَتْ عَنِ الأعْمَشِ، وهُما في القِراءَةِ حَسَنَتانِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ يَجِيءُ هَذا الجَمْعُ بِالألِفِ والتاءِ "الغُرُفاتِ" ونَحْوِهِ لِلتَّكْثِيرِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎ لَنا الجَفَناتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بِالضُحى ∗∗∗ وأسْيافُنا يَقْطُرْنَ مِن نَجْدَةٍ دَما فَلَمْ يُرِدْ إلّا كَثْرَةَ جِفانٍ، وتَأمَّلْ نَقْدَ الأعْشى في هَذا البَيْتِ. وقَرَأ الأعْشى، والحَسَنُ، وعاصِمٌ - بِخِلافٍ -: "فِي الغُرْفاتِ" بِسُكُونِ الراءِ.

سبأ 34:38

(p-١٩١)قوله عزّ وجلّ: ﴿والَّذِينَ يَسْعَوْنَ في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ وهو خَيْرُ الرازِقِينَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى المُؤْمِنِينَ العامِلِينَ الصالِحاتِ وثَوابَهَمْ عَقَّبَ بِذِكْرِ ضِدِّهِمْ وذِكْرِ جَزائِهِمْ لِيَظْهَرَ تَبايُنُ المَنازِلِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مُعاجِزِينَ"، وفِرْقَةٌ "مُعَجِّزِينَ"، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها. و"مُحْضَرُونَ" مِنَ الإحْضارِ والإعْدادِ. ثُمَّ كَرَّرَ القَوْلَ بِبَسْطِ الرِزْقِ وقَدْرِهُ تَأْكِيدًا وتَبْيِينًا، وقَصَدَ بِهِ هاهُنا رِزْقَ المُؤْمِنِينَ، ولَيْسَ سَوْقُهُ عَلى المَعْنى الأوَّلِ الَّذِي جُلِبَ لِلْكافِرِينَ، بَلْ هَذا هُنا عَلى جِهَةِ الوَعْظِ والتَزْهِيدِ في الدُنْيا، والحَضِّ عَلى النَفَقَةِ في الطاعاتِ، ثُمَّ وعَدَ بِالخَلَفِ في ذَلِكَ وهو بِشَرْطِ الِاقْتِصادِ والنِيَّةِ في الطاعَةِ ودَفْعِ المَضَرّاتِ وعَدٌ مُنْجَزٌ، إمّا في الدُنْيا، وإمّا في الآخِرَةِ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "إنَّ اللهَ قالَ لِي: أنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ"،» وفي البُخارِيِّ: « "أنَّ المَلَكَ يُنادِي كُلَّ يَوْمٍ، اللهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ مَلَكٌ آخَرُ: اللهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا".» وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرازِقِينَ﴾ فَمِن حَيْثُ يُقالُ في الإنْسانِ: إنَّهُ يَرْزُقُ عِيالَهُ، والأمِيرُ جُنْدَهُ، لَكِنَّ ذَلِكَ مِن مالٍ يُمَلَّكُ عَلَيْهِمْ، واللهُ تَعالى مِن خَزائِنَ لا تَفْنى، ومِن إخْراجٍ مِن عَدَمٍ إلى وُجُودٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَيُقَدِّرُ" بِضَمِّ الياءِ وشَدِّ الدالِّ.

سبأ 34:39

(p-١٩١)قوله عزّ وجلّ: ﴿والَّذِينَ يَسْعَوْنَ في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ وهو خَيْرُ الرازِقِينَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى المُؤْمِنِينَ العامِلِينَ الصالِحاتِ وثَوابَهَمْ عَقَّبَ بِذِكْرِ ضِدِّهِمْ وذِكْرِ جَزائِهِمْ لِيَظْهَرَ تَبايُنُ المَنازِلِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مُعاجِزِينَ"، وفِرْقَةٌ "مُعَجِّزِينَ"، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها. و"مُحْضَرُونَ" مِنَ الإحْضارِ والإعْدادِ. ثُمَّ كَرَّرَ القَوْلَ بِبَسْطِ الرِزْقِ وقَدْرِهُ تَأْكِيدًا وتَبْيِينًا، وقَصَدَ بِهِ هاهُنا رِزْقَ المُؤْمِنِينَ، ولَيْسَ سَوْقُهُ عَلى المَعْنى الأوَّلِ الَّذِي جُلِبَ لِلْكافِرِينَ، بَلْ هَذا هُنا عَلى جِهَةِ الوَعْظِ والتَزْهِيدِ في الدُنْيا، والحَضِّ عَلى النَفَقَةِ في الطاعاتِ، ثُمَّ وعَدَ بِالخَلَفِ في ذَلِكَ وهو بِشَرْطِ الِاقْتِصادِ والنِيَّةِ في الطاعَةِ ودَفْعِ المَضَرّاتِ وعَدٌ مُنْجَزٌ، إمّا في الدُنْيا، وإمّا في الآخِرَةِ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "إنَّ اللهَ قالَ لِي: أنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ"،» وفي البُخارِيِّ: « "أنَّ المَلَكَ يُنادِي كُلَّ يَوْمٍ، اللهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ مَلَكٌ آخَرُ: اللهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا".» وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرازِقِينَ﴾ فَمِن حَيْثُ يُقالُ في الإنْسانِ: إنَّهُ يَرْزُقُ عِيالَهُ، والأمِيرُ جُنْدَهُ، لَكِنَّ ذَلِكَ مِن مالٍ يُمَلَّكُ عَلَيْهِمْ، واللهُ تَعالى مِن خَزائِنَ لا تَفْنى، ومِن إخْراجٍ مِن عَدَمٍ إلى وُجُودٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَيُقَدِّرُ" بِضَمِّ الياءِ وشَدِّ الدالِّ.

سبأ 34:40

(p-١٩٢)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فاليَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا ونَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا إلا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكم عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكم وقالُوا ما هَذا إلا إفْكٌ مُفْتَرًى وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ هَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ لِلْكُفّارِ، والمَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَحْشُرُهُمْ"، "ثُمَّ نَقُولُ" بِالنُونِ فِيهِما، ورَواها أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ بِالياءِ فِيهِما، وذَكَرَها أبُو حاتِمٍ عن أبِي عَمْرٍو. والقَوْلُ لِلْمَلائِكَةِ هو تَوْقِيفٌ تَقُومُ مِنهُ الحُجَّةُ عَلى الكُفّارِ عَبَدَتِهِمْ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [المائدة: ١١٦]، وإذا قالَ اللهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ هَذِهِ المَقالَةَ قالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿ "سُبْحانَكَ"،﴾ أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ عَمّا فَعَلَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ، ثُمَّ بَرَّأُوا أنْفُسَهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ يُرِيدُونَ البَراءَةَ مِن أنْ يَكُونَ لَهم عِلْمٌ أو رِضًى أو مُشارَكَةٌ في أنْ يَعْبُدَهُمُ البَشَرُ، ثُمَّ قَرَّرُوا أنَّ البَشَرَ إنَّما عَبَدَتِ الجِنَّ بِرِضى الجِنِّ وبِإغْوائِها لِلْبَشَرِ، فَلَمْ تَنْفِ المَلائِكَةُ عِبادَةَ البَشَرِ إيّاها، وإنَّما قَرَّرَتْ أنَّها لَمْ تَكُنْ لَها في ذَلِكَ مُشارَكَةٌ، ثُمَّ ذَنَّبَتِ الجِنَّ. وعِبادَةُ البَشَرِ لِلْجِنِّ هي فِيما نَعْرِفُهُ نَحْنُ: بِطاعَتِهِمْ إيّاهُمْ، وسَماعِهِمْ مِن وسْوَسَتِهِمْ وإغْوائِهِمْ، فَهَذا نَوْعٌ مِنَ العِبادَةِ، وقَدْ يَجُوزُ إنْ كانَ في الأُمَمِ الكافِرَةِ مَن عَبَدَ الجِنَّ، وفي القُرْآنِ آياتٌ يَظْهَرُ مِنها ذَلِكَ في الأنْعامِ وغَيْرِها. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: "فاليَوْمَ"، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: "فَيُقالُ لَهُمْ"، أيْ: لِمَن عَبَدَ ولِمَن عُبِدَ: ﴿لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾. ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أقْوالَ وأنْواعَ كَلامِهِمْ عِنْدَ ما يُقْرَأُ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ، ويَسْمَعُونَ حِكَمَهُ وبَراهِينَهُ البَيِّنَةَ، فَقائِلٌ طَعَنَ عَلى النَبِيِّ ﷺ بِأنَّهُ يَقْدَحُ في الأوثانِ ودِينِ الآباءِ، وقائِلٌ طَعَنَ عَلَيْهِ بِأنَّ هَذا القُرْآنَ مُفْتَرًى، أيْ: مَصْنُوعٌ مِن قِبَلِ مُحَمَّدٍ ويَدَّعِي أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، وقائِلٌ طَعَنَ عَلَيْهِ بِأنَّ ما عِنْدَهُ مِنَ الرِقَّةِ (p-١٩٣)واسْتِجْلابِ النُفُوسِ واسْتِمالَةِ الأسْماعِ إنَّما هو سِحْرٌ بِهِ يَجْلِبُ ويَسْتَدْعِي، تَعالى اللهُ عن أقْوالِهِمْ، وتَقَدَّسَتْ شَرِيعَتُهُ عن طَعْنِهِمْ.

سبأ 34:41

(p-١٩٢)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فاليَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا ونَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا إلا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكم عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكم وقالُوا ما هَذا إلا إفْكٌ مُفْتَرًى وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ هَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ لِلْكُفّارِ، والمَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَحْشُرُهُمْ"، "ثُمَّ نَقُولُ" بِالنُونِ فِيهِما، ورَواها أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ بِالياءِ فِيهِما، وذَكَرَها أبُو حاتِمٍ عن أبِي عَمْرٍو. والقَوْلُ لِلْمَلائِكَةِ هو تَوْقِيفٌ تَقُومُ مِنهُ الحُجَّةُ عَلى الكُفّارِ عَبَدَتِهِمْ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [المائدة: ١١٦]، وإذا قالَ اللهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ هَذِهِ المَقالَةَ قالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿ "سُبْحانَكَ"،﴾ أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ عَمّا فَعَلَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ، ثُمَّ بَرَّأُوا أنْفُسَهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ يُرِيدُونَ البَراءَةَ مِن أنْ يَكُونَ لَهم عِلْمٌ أو رِضًى أو مُشارَكَةٌ في أنْ يَعْبُدَهُمُ البَشَرُ، ثُمَّ قَرَّرُوا أنَّ البَشَرَ إنَّما عَبَدَتِ الجِنَّ بِرِضى الجِنِّ وبِإغْوائِها لِلْبَشَرِ، فَلَمْ تَنْفِ المَلائِكَةُ عِبادَةَ البَشَرِ إيّاها، وإنَّما قَرَّرَتْ أنَّها لَمْ تَكُنْ لَها في ذَلِكَ مُشارَكَةٌ، ثُمَّ ذَنَّبَتِ الجِنَّ. وعِبادَةُ البَشَرِ لِلْجِنِّ هي فِيما نَعْرِفُهُ نَحْنُ: بِطاعَتِهِمْ إيّاهُمْ، وسَماعِهِمْ مِن وسْوَسَتِهِمْ وإغْوائِهِمْ، فَهَذا نَوْعٌ مِنَ العِبادَةِ، وقَدْ يَجُوزُ إنْ كانَ في الأُمَمِ الكافِرَةِ مَن عَبَدَ الجِنَّ، وفي القُرْآنِ آياتٌ يَظْهَرُ مِنها ذَلِكَ في الأنْعامِ وغَيْرِها. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: "فاليَوْمَ"، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: "فَيُقالُ لَهُمْ"، أيْ: لِمَن عَبَدَ ولِمَن عُبِدَ: ﴿لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾. ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أقْوالَ وأنْواعَ كَلامِهِمْ عِنْدَ ما يُقْرَأُ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ، ويَسْمَعُونَ حِكَمَهُ وبَراهِينَهُ البَيِّنَةَ، فَقائِلٌ طَعَنَ عَلى النَبِيِّ ﷺ بِأنَّهُ يَقْدَحُ في الأوثانِ ودِينِ الآباءِ، وقائِلٌ طَعَنَ عَلَيْهِ بِأنَّ هَذا القُرْآنَ مُفْتَرًى، أيْ: مَصْنُوعٌ مِن قِبَلِ مُحَمَّدٍ ويَدَّعِي أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، وقائِلٌ طَعَنَ عَلَيْهِ بِأنَّ ما عِنْدَهُ مِنَ الرِقَّةِ (p-١٩٣)واسْتِجْلابِ النُفُوسِ واسْتِمالَةِ الأسْماعِ إنَّما هو سِحْرٌ بِهِ يَجْلِبُ ويَسْتَدْعِي، تَعالى اللهُ عن أقْوالِهِمْ، وتَقَدَّسَتْ شَرِيعَتُهُ عن طَعْنِهِمْ.

سبأ 34:42

(p-١٩٢)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فاليَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا ونَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا إلا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكم عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكم وقالُوا ما هَذا إلا إفْكٌ مُفْتَرًى وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ هَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ لِلْكُفّارِ، والمَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَحْشُرُهُمْ"، "ثُمَّ نَقُولُ" بِالنُونِ فِيهِما، ورَواها أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ بِالياءِ فِيهِما، وذَكَرَها أبُو حاتِمٍ عن أبِي عَمْرٍو. والقَوْلُ لِلْمَلائِكَةِ هو تَوْقِيفٌ تَقُومُ مِنهُ الحُجَّةُ عَلى الكُفّارِ عَبَدَتِهِمْ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [المائدة: ١١٦]، وإذا قالَ اللهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ هَذِهِ المَقالَةَ قالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿ "سُبْحانَكَ"،﴾ أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ عَمّا فَعَلَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ، ثُمَّ بَرَّأُوا أنْفُسَهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ يُرِيدُونَ البَراءَةَ مِن أنْ يَكُونَ لَهم عِلْمٌ أو رِضًى أو مُشارَكَةٌ في أنْ يَعْبُدَهُمُ البَشَرُ، ثُمَّ قَرَّرُوا أنَّ البَشَرَ إنَّما عَبَدَتِ الجِنَّ بِرِضى الجِنِّ وبِإغْوائِها لِلْبَشَرِ، فَلَمْ تَنْفِ المَلائِكَةُ عِبادَةَ البَشَرِ إيّاها، وإنَّما قَرَّرَتْ أنَّها لَمْ تَكُنْ لَها في ذَلِكَ مُشارَكَةٌ، ثُمَّ ذَنَّبَتِ الجِنَّ. وعِبادَةُ البَشَرِ لِلْجِنِّ هي فِيما نَعْرِفُهُ نَحْنُ: بِطاعَتِهِمْ إيّاهُمْ، وسَماعِهِمْ مِن وسْوَسَتِهِمْ وإغْوائِهِمْ، فَهَذا نَوْعٌ مِنَ العِبادَةِ، وقَدْ يَجُوزُ إنْ كانَ في الأُمَمِ الكافِرَةِ مَن عَبَدَ الجِنَّ، وفي القُرْآنِ آياتٌ يَظْهَرُ مِنها ذَلِكَ في الأنْعامِ وغَيْرِها. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: "فاليَوْمَ"، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: "فَيُقالُ لَهُمْ"، أيْ: لِمَن عَبَدَ ولِمَن عُبِدَ: ﴿لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾. ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أقْوالَ وأنْواعَ كَلامِهِمْ عِنْدَ ما يُقْرَأُ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ، ويَسْمَعُونَ حِكَمَهُ وبَراهِينَهُ البَيِّنَةَ، فَقائِلٌ طَعَنَ عَلى النَبِيِّ ﷺ بِأنَّهُ يَقْدَحُ في الأوثانِ ودِينِ الآباءِ، وقائِلٌ طَعَنَ عَلَيْهِ بِأنَّ هَذا القُرْآنَ مُفْتَرًى، أيْ: مَصْنُوعٌ مِن قِبَلِ مُحَمَّدٍ ويَدَّعِي أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، وقائِلٌ طَعَنَ عَلَيْهِ بِأنَّ ما عِنْدَهُ مِنَ الرِقَّةِ (p-١٩٣)واسْتِجْلابِ النُفُوسِ واسْتِمالَةِ الأسْماعِ إنَّما هو سِحْرٌ بِهِ يَجْلِبُ ويَسْتَدْعِي، تَعالى اللهُ عن أقْوالِهِمْ، وتَقَدَّسَتْ شَرِيعَتُهُ عن طَعْنِهِمْ.

سبأ 34:43

(p-١٩٢)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فاليَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا ونَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا إلا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكم عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكم وقالُوا ما هَذا إلا إفْكٌ مُفْتَرًى وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ هَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ لِلْكُفّارِ، والمَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَحْشُرُهُمْ"، "ثُمَّ نَقُولُ" بِالنُونِ فِيهِما، ورَواها أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ بِالياءِ فِيهِما، وذَكَرَها أبُو حاتِمٍ عن أبِي عَمْرٍو. والقَوْلُ لِلْمَلائِكَةِ هو تَوْقِيفٌ تَقُومُ مِنهُ الحُجَّةُ عَلى الكُفّارِ عَبَدَتِهِمْ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [المائدة: ١١٦]، وإذا قالَ اللهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ هَذِهِ المَقالَةَ قالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿ "سُبْحانَكَ"،﴾ أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ عَمّا فَعَلَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ، ثُمَّ بَرَّأُوا أنْفُسَهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ يُرِيدُونَ البَراءَةَ مِن أنْ يَكُونَ لَهم عِلْمٌ أو رِضًى أو مُشارَكَةٌ في أنْ يَعْبُدَهُمُ البَشَرُ، ثُمَّ قَرَّرُوا أنَّ البَشَرَ إنَّما عَبَدَتِ الجِنَّ بِرِضى الجِنِّ وبِإغْوائِها لِلْبَشَرِ، فَلَمْ تَنْفِ المَلائِكَةُ عِبادَةَ البَشَرِ إيّاها، وإنَّما قَرَّرَتْ أنَّها لَمْ تَكُنْ لَها في ذَلِكَ مُشارَكَةٌ، ثُمَّ ذَنَّبَتِ الجِنَّ. وعِبادَةُ البَشَرِ لِلْجِنِّ هي فِيما نَعْرِفُهُ نَحْنُ: بِطاعَتِهِمْ إيّاهُمْ، وسَماعِهِمْ مِن وسْوَسَتِهِمْ وإغْوائِهِمْ، فَهَذا نَوْعٌ مِنَ العِبادَةِ، وقَدْ يَجُوزُ إنْ كانَ في الأُمَمِ الكافِرَةِ مَن عَبَدَ الجِنَّ، وفي القُرْآنِ آياتٌ يَظْهَرُ مِنها ذَلِكَ في الأنْعامِ وغَيْرِها. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: "فاليَوْمَ"، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: "فَيُقالُ لَهُمْ"، أيْ: لِمَن عَبَدَ ولِمَن عُبِدَ: ﴿لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾. ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أقْوالَ وأنْواعَ كَلامِهِمْ عِنْدَ ما يُقْرَأُ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ، ويَسْمَعُونَ حِكَمَهُ وبَراهِينَهُ البَيِّنَةَ، فَقائِلٌ طَعَنَ عَلى النَبِيِّ ﷺ بِأنَّهُ يَقْدَحُ في الأوثانِ ودِينِ الآباءِ، وقائِلٌ طَعَنَ عَلَيْهِ بِأنَّ هَذا القُرْآنَ مُفْتَرًى، أيْ: مَصْنُوعٌ مِن قِبَلِ مُحَمَّدٍ ويَدَّعِي أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، وقائِلٌ طَعَنَ عَلَيْهِ بِأنَّ ما عِنْدَهُ مِنَ الرِقَّةِ (p-١٩٣)واسْتِجْلابِ النُفُوسِ واسْتِمالَةِ الأسْماعِ إنَّما هو سِحْرٌ بِهِ يَجْلِبُ ويَسْتَدْعِي، تَعالى اللهُ عن أقْوالِهِمْ، وتَقَدَّسَتْ شَرِيعَتُهُ عن طَعْنِهِمْ.

سبأ 34:44

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾ ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهم فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم يَقُولُونَ بِآرائِهِمْ في كِتابِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: سِحْرٌ، وبَعْضُهُمُ: افْتِراءٌ، وهو مِنهم تَجَرُّؤٌ لا يَسْتَنِدُونَ فِيهِ إلى إثارَةِ عِلْمٍ، ولا إلى خَبَرِ مَن يُقْبَلُ خَبَرُهُ، فَإنّا ما آتَيْناهم كُتُبًا يَدْرُسُونَها، ولا أرْسَلَنا إلَيْهِمْ نَذِيرًا فَيُمْكِنَهم أنْ يَدَّعُوا أنَّ أقْوالَهم تَسْتَنِدُ إلى أمْرِهِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "يَدْرُسُونَها"﴾ بِسُكُونِ الدالِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "يُدَّرِسُونَها" بِفَتْحِ الدالِّ وشَدِّها وكَسْرِ الراءِ، والمَعْنى: وما أرْسَلْنا مِن نَذِيرٍ يُشافِهُهم بِشَيْءٍ، ولا يُباشِرُ أهْلَ عَصْرِهِمْ ولا مَن قَرُبَ مِن آبائِهِمْ، وإلّا فَقَدَ كانَتِ النِذارَةُ في العالَمِ وفي العَرَبِ مَعَ شُعَيْبٍ وصالِحٍ وهُودٍ، ودَعْوَةُ اللهِ وتَوْحِيدُهُ أمْرٌ قَدِيمٌ، لَمْ تَخْلُ الأرْضُ مِن داعٍ إلَيْهِ، فَإنَّما المَعْنى: مِن نَذِيرٍ يَخْتَصُّ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ بَعَثْناكَ إلَيْهِمْ، وقَدْ كانَ عِنْدَ العَرَبِ كَثِيرٌ مِن نِذارَةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، واللهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ وكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٤]، ولَكِنْ لَمْ يَتَجَرَّدْ لِلنِّذارَةِ ولا قاتَلَ عَلَيْها إلّا مُحَمَّدٌ صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ. ثُمَّ مَثَّلَ لَهم بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ قَبْلَهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ مَعانٍ: أحَدُها أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في ﴿ "بَلَغُوا"﴾ عَلى قُرَيْشٍ، وفي ﴿ "آتَيْناهُمْ"﴾ عَلى الأُمَمِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، والمَعْنى: مِنَ القُوَّةِ والنِعَمِ والظُهُورِ في الدُنْيا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، والثانِي بِالعَكْسِ، والمَعْنى: مِنَ الآياتِ والبَيِّناتِ والنُورِ الَّذِي جِئْتَهم بِهِ، والثالِثُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ، والمَعْنى: مِن (p-١٩٤)شُكْرِ النِعْمَةِ وجَزاءِ المِنَّةِ. و"المِعْشارُ": العُشْرُ، ولَمْ يَأْتِ هَذا البِناءُ إلّا في العَشَرَةِ والأرْبَعَةِ، فَقالُوا: مِرْباعٌ ومِعْشارٌ، وقالَ قَوْمٌ: المِعْشارُ: عُشْرُ العُشْرِ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ. و"النَكِيرُ" مَصْدَرٌ كالإنْكارِ في المَعْنى، وكالعَرِينِ في الوَزْنِ، وسَقَطَتِ الياءُ مِنهُ تَخْفِيفًا لِأنَّها آخِرُ آيَةٍ، و"كَيْفَ" تَعْظِيمٌ لِلْأمْرِ، ولَيْسَتِ اسْتِفْهامًا مُجَرَّدًا، وفي هَذا تَهْدِيدٌ لِقُرَيْشٍ، أيْ: أنَّهم مُعَرَّضُونَ لِنَكِيرٍ مِثْلِهِ. ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَدْعُوَهم إلى عِبادَةِ اللهِ، والنَظَرِ في حَقِيقَةِ نُبُوَّتِهِ هُوَ، ويَعِظَهم بِأمْرٍ يَقْرُبُ لِلْأفْهامِ، فَقَوْلُهُ: "بِواحِدَةٍ" مَعْناهُ: بِقَضِيَّةٍ واحِدَةٍ إيجازًا لَكم وتَقْرِيبًا عَلَيْكُمْ، وقَوْلُهُ "أنْ" مُفَسِّرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن "واحِدَةٍ". وقَوْلُهُ: ﴿تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِالطاعَةِ والإخْلاصِ والعِبادَةِ، فَتَكُونَ الواحِدَةُ الَّتِي وعَظَ بِها هَذِهِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْها أنْ يَتَفَكَّرُوا في أمْرِهِ هُوَ، هَلْ بِهِ جِنَّةٌ أو هو بَرِيءٌ مِن ذَلِكَ؟ والوَقْفُ عِنْدَ أبِي حاتِمٍ "تَتَفَكَّرُوا"، فَيَجِيءُ "ما بِصاحِبِكُمْ" نَفْيًا مُسْتَأْنَفًا، وهو عِنْدُ سِيبَوَيْهِ جَوابُ ما تَنَزَّلَ مَنزِلَةَ القَسَمِ؛ لِأنَّ "تَفَكَّرَ" مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُعْطِي التَحْقِيقَ كَتَبَيَّنَ، وتَكُونُ الفِكْرَةُ - عَلى هَذا - في آياتِ اللهِ والإيمانِ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقِيامِهِمْ أنْ يَكُونَ لِوَجْهِ اللهِ في مَعْنى التَفَكُّرِ في مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، فَتَكُونَ الواحِدَةُ الَّتِي وعَظَ بِها "أنْ يَقُومُوا"، لِمَعْنى: أنْ تَقُومُوا لِلْفِكْرَةِ في أمْرِ حاجَتِهِمْ، وكَأنَّ المَعْنى أنْ يُفَكِّرَ الواحِدُ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ، ويَتَناظَمَ الِاثْنانِ عَلى جِهَةِ طَلَبِ التَحْقِيقِ، هَلْ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - جِنَّةٌ أمْ لا؟ وعَلى هَذا لا يُوقَفُ عَلى الفِكْرَةِ. وقَدَّمَ المُثَنّى لِأنَّ الحَقائِقَ مِن مُتَعاضِدَيْنِ في النَظَرِ أجْدى مِن فِكْرَةٍ واحِدَةٍ، فَإذا انْقَدَحَ الحَقُّ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ فَكَّرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بَعْدَ ذَلِكَ فَيَزِيدُ بَصِيرَةً، وقَدْ قالَ الشاعِرُ: ؎ إذا اجْتَمَعُوا جاءُوا بِكُلِّ غَرِيبَةٍ ∗∗∗ فَيَزْدادُ بَعْضُ القَوْمِ مِن بَعْضِهِمْ عِلْما وقَرَأ يَعْقُوبُ: "ثُمَّ تَفَكَّرُوا" بِتاءٍ واحِدَةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ (بِواحِدَةٍ) مَعْناهُ: بِلا إلَهٍ إلّا اللهُ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا لا تُعْطِيهِ الآيَةُ. وقَوْلُهُ: "بَيْنَ يَدَيْ" مُرَتَّبٌ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ جاءَ في الزَمَنِ مِن قَبْلِ العَذابِ الشَدِيدِ الَّذِي تُوُعِّدُوا بِهِ.

سبأ 34:45

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾ ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهم فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم يَقُولُونَ بِآرائِهِمْ في كِتابِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: سِحْرٌ، وبَعْضُهُمُ: افْتِراءٌ، وهو مِنهم تَجَرُّؤٌ لا يَسْتَنِدُونَ فِيهِ إلى إثارَةِ عِلْمٍ، ولا إلى خَبَرِ مَن يُقْبَلُ خَبَرُهُ، فَإنّا ما آتَيْناهم كُتُبًا يَدْرُسُونَها، ولا أرْسَلَنا إلَيْهِمْ نَذِيرًا فَيُمْكِنَهم أنْ يَدَّعُوا أنَّ أقْوالَهم تَسْتَنِدُ إلى أمْرِهِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "يَدْرُسُونَها"﴾ بِسُكُونِ الدالِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "يُدَّرِسُونَها" بِفَتْحِ الدالِّ وشَدِّها وكَسْرِ الراءِ، والمَعْنى: وما أرْسَلْنا مِن نَذِيرٍ يُشافِهُهم بِشَيْءٍ، ولا يُباشِرُ أهْلَ عَصْرِهِمْ ولا مَن قَرُبَ مِن آبائِهِمْ، وإلّا فَقَدَ كانَتِ النِذارَةُ في العالَمِ وفي العَرَبِ مَعَ شُعَيْبٍ وصالِحٍ وهُودٍ، ودَعْوَةُ اللهِ وتَوْحِيدُهُ أمْرٌ قَدِيمٌ، لَمْ تَخْلُ الأرْضُ مِن داعٍ إلَيْهِ، فَإنَّما المَعْنى: مِن نَذِيرٍ يَخْتَصُّ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ بَعَثْناكَ إلَيْهِمْ، وقَدْ كانَ عِنْدَ العَرَبِ كَثِيرٌ مِن نِذارَةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، واللهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ وكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٤]، ولَكِنْ لَمْ يَتَجَرَّدْ لِلنِّذارَةِ ولا قاتَلَ عَلَيْها إلّا مُحَمَّدٌ صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ. ثُمَّ مَثَّلَ لَهم بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ قَبْلَهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ مَعانٍ: أحَدُها أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في ﴿ "بَلَغُوا"﴾ عَلى قُرَيْشٍ، وفي ﴿ "آتَيْناهُمْ"﴾ عَلى الأُمَمِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، والمَعْنى: مِنَ القُوَّةِ والنِعَمِ والظُهُورِ في الدُنْيا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، والثانِي بِالعَكْسِ، والمَعْنى: مِنَ الآياتِ والبَيِّناتِ والنُورِ الَّذِي جِئْتَهم بِهِ، والثالِثُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ، والمَعْنى: مِن (p-١٩٤)شُكْرِ النِعْمَةِ وجَزاءِ المِنَّةِ. و"المِعْشارُ": العُشْرُ، ولَمْ يَأْتِ هَذا البِناءُ إلّا في العَشَرَةِ والأرْبَعَةِ، فَقالُوا: مِرْباعٌ ومِعْشارٌ، وقالَ قَوْمٌ: المِعْشارُ: عُشْرُ العُشْرِ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ. و"النَكِيرُ" مَصْدَرٌ كالإنْكارِ في المَعْنى، وكالعَرِينِ في الوَزْنِ، وسَقَطَتِ الياءُ مِنهُ تَخْفِيفًا لِأنَّها آخِرُ آيَةٍ، و"كَيْفَ" تَعْظِيمٌ لِلْأمْرِ، ولَيْسَتِ اسْتِفْهامًا مُجَرَّدًا، وفي هَذا تَهْدِيدٌ لِقُرَيْشٍ، أيْ: أنَّهم مُعَرَّضُونَ لِنَكِيرٍ مِثْلِهِ. ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَدْعُوَهم إلى عِبادَةِ اللهِ، والنَظَرِ في حَقِيقَةِ نُبُوَّتِهِ هُوَ، ويَعِظَهم بِأمْرٍ يَقْرُبُ لِلْأفْهامِ، فَقَوْلُهُ: "بِواحِدَةٍ" مَعْناهُ: بِقَضِيَّةٍ واحِدَةٍ إيجازًا لَكم وتَقْرِيبًا عَلَيْكُمْ، وقَوْلُهُ "أنْ" مُفَسِّرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن "واحِدَةٍ". وقَوْلُهُ: ﴿تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِالطاعَةِ والإخْلاصِ والعِبادَةِ، فَتَكُونَ الواحِدَةُ الَّتِي وعَظَ بِها هَذِهِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْها أنْ يَتَفَكَّرُوا في أمْرِهِ هُوَ، هَلْ بِهِ جِنَّةٌ أو هو بَرِيءٌ مِن ذَلِكَ؟ والوَقْفُ عِنْدَ أبِي حاتِمٍ "تَتَفَكَّرُوا"، فَيَجِيءُ "ما بِصاحِبِكُمْ" نَفْيًا مُسْتَأْنَفًا، وهو عِنْدُ سِيبَوَيْهِ جَوابُ ما تَنَزَّلَ مَنزِلَةَ القَسَمِ؛ لِأنَّ "تَفَكَّرَ" مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُعْطِي التَحْقِيقَ كَتَبَيَّنَ، وتَكُونُ الفِكْرَةُ - عَلى هَذا - في آياتِ اللهِ والإيمانِ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقِيامِهِمْ أنْ يَكُونَ لِوَجْهِ اللهِ في مَعْنى التَفَكُّرِ في مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، فَتَكُونَ الواحِدَةُ الَّتِي وعَظَ بِها "أنْ يَقُومُوا"، لِمَعْنى: أنْ تَقُومُوا لِلْفِكْرَةِ في أمْرِ حاجَتِهِمْ، وكَأنَّ المَعْنى أنْ يُفَكِّرَ الواحِدُ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ، ويَتَناظَمَ الِاثْنانِ عَلى جِهَةِ طَلَبِ التَحْقِيقِ، هَلْ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - جِنَّةٌ أمْ لا؟ وعَلى هَذا لا يُوقَفُ عَلى الفِكْرَةِ. وقَدَّمَ المُثَنّى لِأنَّ الحَقائِقَ مِن مُتَعاضِدَيْنِ في النَظَرِ أجْدى مِن فِكْرَةٍ واحِدَةٍ، فَإذا انْقَدَحَ الحَقُّ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ فَكَّرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بَعْدَ ذَلِكَ فَيَزِيدُ بَصِيرَةً، وقَدْ قالَ الشاعِرُ: ؎ إذا اجْتَمَعُوا جاءُوا بِكُلِّ غَرِيبَةٍ ∗∗∗ فَيَزْدادُ بَعْضُ القَوْمِ مِن بَعْضِهِمْ عِلْما وقَرَأ يَعْقُوبُ: "ثُمَّ تَفَكَّرُوا" بِتاءٍ واحِدَةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ (بِواحِدَةٍ) مَعْناهُ: بِلا إلَهٍ إلّا اللهُ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا لا تُعْطِيهِ الآيَةُ. وقَوْلُهُ: "بَيْنَ يَدَيْ" مُرَتَّبٌ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ جاءَ في الزَمَنِ مِن قَبْلِ العَذابِ الشَدِيدِ الَّذِي تُوُعِّدُوا بِهِ.

سبأ 34:46

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾ ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهم فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم يَقُولُونَ بِآرائِهِمْ في كِتابِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: سِحْرٌ، وبَعْضُهُمُ: افْتِراءٌ، وهو مِنهم تَجَرُّؤٌ لا يَسْتَنِدُونَ فِيهِ إلى إثارَةِ عِلْمٍ، ولا إلى خَبَرِ مَن يُقْبَلُ خَبَرُهُ، فَإنّا ما آتَيْناهم كُتُبًا يَدْرُسُونَها، ولا أرْسَلَنا إلَيْهِمْ نَذِيرًا فَيُمْكِنَهم أنْ يَدَّعُوا أنَّ أقْوالَهم تَسْتَنِدُ إلى أمْرِهِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "يَدْرُسُونَها"﴾ بِسُكُونِ الدالِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "يُدَّرِسُونَها" بِفَتْحِ الدالِّ وشَدِّها وكَسْرِ الراءِ، والمَعْنى: وما أرْسَلْنا مِن نَذِيرٍ يُشافِهُهم بِشَيْءٍ، ولا يُباشِرُ أهْلَ عَصْرِهِمْ ولا مَن قَرُبَ مِن آبائِهِمْ، وإلّا فَقَدَ كانَتِ النِذارَةُ في العالَمِ وفي العَرَبِ مَعَ شُعَيْبٍ وصالِحٍ وهُودٍ، ودَعْوَةُ اللهِ وتَوْحِيدُهُ أمْرٌ قَدِيمٌ، لَمْ تَخْلُ الأرْضُ مِن داعٍ إلَيْهِ، فَإنَّما المَعْنى: مِن نَذِيرٍ يَخْتَصُّ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ بَعَثْناكَ إلَيْهِمْ، وقَدْ كانَ عِنْدَ العَرَبِ كَثِيرٌ مِن نِذارَةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، واللهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ وكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٤]، ولَكِنْ لَمْ يَتَجَرَّدْ لِلنِّذارَةِ ولا قاتَلَ عَلَيْها إلّا مُحَمَّدٌ صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ. ثُمَّ مَثَّلَ لَهم بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ قَبْلَهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ مَعانٍ: أحَدُها أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في ﴿ "بَلَغُوا"﴾ عَلى قُرَيْشٍ، وفي ﴿ "آتَيْناهُمْ"﴾ عَلى الأُمَمِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، والمَعْنى: مِنَ القُوَّةِ والنِعَمِ والظُهُورِ في الدُنْيا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، والثانِي بِالعَكْسِ، والمَعْنى: مِنَ الآياتِ والبَيِّناتِ والنُورِ الَّذِي جِئْتَهم بِهِ، والثالِثُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ، والمَعْنى: مِن (p-١٩٤)شُكْرِ النِعْمَةِ وجَزاءِ المِنَّةِ. و"المِعْشارُ": العُشْرُ، ولَمْ يَأْتِ هَذا البِناءُ إلّا في العَشَرَةِ والأرْبَعَةِ، فَقالُوا: مِرْباعٌ ومِعْشارٌ، وقالَ قَوْمٌ: المِعْشارُ: عُشْرُ العُشْرِ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ. و"النَكِيرُ" مَصْدَرٌ كالإنْكارِ في المَعْنى، وكالعَرِينِ في الوَزْنِ، وسَقَطَتِ الياءُ مِنهُ تَخْفِيفًا لِأنَّها آخِرُ آيَةٍ، و"كَيْفَ" تَعْظِيمٌ لِلْأمْرِ، ولَيْسَتِ اسْتِفْهامًا مُجَرَّدًا، وفي هَذا تَهْدِيدٌ لِقُرَيْشٍ، أيْ: أنَّهم مُعَرَّضُونَ لِنَكِيرٍ مِثْلِهِ. ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَدْعُوَهم إلى عِبادَةِ اللهِ، والنَظَرِ في حَقِيقَةِ نُبُوَّتِهِ هُوَ، ويَعِظَهم بِأمْرٍ يَقْرُبُ لِلْأفْهامِ، فَقَوْلُهُ: "بِواحِدَةٍ" مَعْناهُ: بِقَضِيَّةٍ واحِدَةٍ إيجازًا لَكم وتَقْرِيبًا عَلَيْكُمْ، وقَوْلُهُ "أنْ" مُفَسِّرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن "واحِدَةٍ". وقَوْلُهُ: ﴿تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِالطاعَةِ والإخْلاصِ والعِبادَةِ، فَتَكُونَ الواحِدَةُ الَّتِي وعَظَ بِها هَذِهِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْها أنْ يَتَفَكَّرُوا في أمْرِهِ هُوَ، هَلْ بِهِ جِنَّةٌ أو هو بَرِيءٌ مِن ذَلِكَ؟ والوَقْفُ عِنْدَ أبِي حاتِمٍ "تَتَفَكَّرُوا"، فَيَجِيءُ "ما بِصاحِبِكُمْ" نَفْيًا مُسْتَأْنَفًا، وهو عِنْدُ سِيبَوَيْهِ جَوابُ ما تَنَزَّلَ مَنزِلَةَ القَسَمِ؛ لِأنَّ "تَفَكَّرَ" مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُعْطِي التَحْقِيقَ كَتَبَيَّنَ، وتَكُونُ الفِكْرَةُ - عَلى هَذا - في آياتِ اللهِ والإيمانِ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقِيامِهِمْ أنْ يَكُونَ لِوَجْهِ اللهِ في مَعْنى التَفَكُّرِ في مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، فَتَكُونَ الواحِدَةُ الَّتِي وعَظَ بِها "أنْ يَقُومُوا"، لِمَعْنى: أنْ تَقُومُوا لِلْفِكْرَةِ في أمْرِ حاجَتِهِمْ، وكَأنَّ المَعْنى أنْ يُفَكِّرَ الواحِدُ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ، ويَتَناظَمَ الِاثْنانِ عَلى جِهَةِ طَلَبِ التَحْقِيقِ، هَلْ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - جِنَّةٌ أمْ لا؟ وعَلى هَذا لا يُوقَفُ عَلى الفِكْرَةِ. وقَدَّمَ المُثَنّى لِأنَّ الحَقائِقَ مِن مُتَعاضِدَيْنِ في النَظَرِ أجْدى مِن فِكْرَةٍ واحِدَةٍ، فَإذا انْقَدَحَ الحَقُّ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ فَكَّرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بَعْدَ ذَلِكَ فَيَزِيدُ بَصِيرَةً، وقَدْ قالَ الشاعِرُ: ؎ إذا اجْتَمَعُوا جاءُوا بِكُلِّ غَرِيبَةٍ ∗∗∗ فَيَزْدادُ بَعْضُ القَوْمِ مِن بَعْضِهِمْ عِلْما وقَرَأ يَعْقُوبُ: "ثُمَّ تَفَكَّرُوا" بِتاءٍ واحِدَةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ (بِواحِدَةٍ) مَعْناهُ: بِلا إلَهٍ إلّا اللهُ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا لا تُعْطِيهِ الآيَةُ. وقَوْلُهُ: "بَيْنَ يَدَيْ" مُرَتَّبٌ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ جاءَ في الزَمَنِ مِن قَبْلِ العَذابِ الشَدِيدِ الَّذِي تُوُعِّدُوا بِهِ.

سبأ 34:47

(p-١٩٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللهِ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ ﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾ ﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿وَلَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ أمَرَهُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِالتَبَرِّي مِن طَلَبِ الدُنْيا وطَلَبِ الأجْرِ عَلى الرِسالَةِ، وتَسْلِيمِ كُلِّ دُنْيًا إلى أرْبابِها، والتَوَكُّلِ عَلى اللهِ في الأجْرِ وجَزاءِ الحَدِّ، والإقْرارِ بِأنَّهُ شَهِيدٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن أفْعالِ البَشَرِ وأقْوالِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ يُرِيدُ: بِالوَحْيِ وآياتِ القُرْآنِ، واسْتَعارَ لَهُ القَذْفَ مِن حَيْثُ كانَ الكَفّارُ يَرْمُونَ بِآياتِهِ وحِكَمِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَلّامُ" بِالرَفْعِ، أيْ: هو عَلّامُ، ونَصَبَها عِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، إمّا عَلى البَدَلِ مِنِ اسْمِ "إنَّ"، أو عَلى المَدْحِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَهُوَ عَلّامُ الغُيُوبِ"، وقَرَأ عاصِمٌ: "الغِيُوبِ" بِكَسْرِ الغَيْنِ. وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ﴾ يُرِيدُ الشَرْعَ وأمْرَ اللهِ ونَهْيَهُ، وقالَ قَوْمٌ: يَعْنِي السَيْفَ. وقَوْلُهُ: ﴿وَما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ: الباطِلُ غَيْرُ الحَقِّ، مِنَ الكَذِبِ والكُفْرِ ونَحْوِهِ، اسْتَعارَ لَهُ الإبْداءَ والإعادَةَ ونَفاهُما عنهُ، كَأنَّهُ قالَ: وما يَصْنَعُ الباطِلُ شَيْئًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الباطِلُ: الشَيْطانُ، والمَعْنى: ما يَفْعَلُ الباطِلُ شَيْئًا مُفِيدًا، أيْ: لَيْسَ يَخْلُقُ ولا يَرْزُقُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" اسْتِفْهامٌ، كَأنَّهُ قالَ: وأيُّ شَيْءٍ يَصْنَعُ الباطِلُ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "ضَلَلْتُ"﴾ بِفَتْحِ اللامِ، "فَإنَّما أضِلُّ" بِكَسْرِ الضادِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ: "ضَلِلْتُ" بِكَسْرِ اللامِ "أضَلُّ" بِفَتْحِ اللامِ، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ. وقَوْلُهُ: ﴿ "فَبِما"﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، و"قَرِيبٌ" مَعْناهُ: بِإحاطَتِهِ وإجابَتِهِ وقُدْرَتِهِ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى﴾ الآيَةَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هَذا في عَذابِ الدُنْيا، ورُوِيَ أنَّ ابْنَ أبْزى قالَ: ذَلِكَ في جَيْشٍ يَغْزُو الكَعْبَةَ فَيُخْسَفُ بِهِمْ في بَيْداءَ مِنَ الأرْضِ، ولا يَنْجُو إلّا رَجُلٌ مِن جُهَيْنَةَ، فَيُخْبِرُ الناسَ (p-١٩٦)بِما نالَ الجَيْشَ، قالُوا: بِسَبَبِهِ قِيلَ: وعِنْدَ جُهَيْنَةَ الخَبَرُ اليَقِينُ وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ، ورُوِيَ في هَذا المَعْنى حَدِيثٌ مُطَوَّلٌ عن حُذَيْفَةَ، ورَوى الطَبَرِيُّ أنَّهُ ضَعِيفُ السَنَدِ مَكْذُوبٌ فِيهِ عَلى داوُدَ بْنِ الجَرّاحِ وقالَ قَتادَةُ: ذَلِكَ في الكُفّارِ في بَدْرٍ ونَحْوِها. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ذَلِكَ في الكُفّارِ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ في القِيامَةِ. وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ عِنْدِي. وأمّا مَعْنى الآيَةِ فَهو التَعَجُبُ مِن حالِهِمْ إذا فَزِعُوا مِن أخْذِ اللهَ إيّاهُمْ، ولَمْ يَتَمَكَّنْ لَهم أنْ يَفُوتَ مِنهم أحَدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ مَعْناهُ: أنَّهم لِلْقُدْرَةِ قَرِيبٌ حَيْثُ كانُوا، قِيلَ: مِن تَحْتِ الأقْدامِ، وهَذا يَتَوَجَّهُ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ، والَّذِي يَعُمُّ جَمِيعَها أنْ يُقالَ: إنَّ الأخْذَ يَجِيئُهم مَن قُرْبٍ في طُمَأْنِينَتِهِمْ، بَيْنا الكافِرُ يُؤَمِّلُ ويَظُنُّ ويَتَرَجّى إذْ غَشِيَهُ الأخْذُ، ومَن غَشِيَهُ أُخِذَ مِن قَرِيبٍ فَلا حِيلَةَ لَهُ ولا رَوِيَّةَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَأُخِذُوا"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فَلا فَوْتَ وأخْذٌ"، كَأنَّهُ قالَ: وحالُهم أخْذٌ.

سبأ 34:48

(p-١٩٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللهِ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ ﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾ ﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿وَلَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ أمَرَهُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِالتَبَرِّي مِن طَلَبِ الدُنْيا وطَلَبِ الأجْرِ عَلى الرِسالَةِ، وتَسْلِيمِ كُلِّ دُنْيًا إلى أرْبابِها، والتَوَكُّلِ عَلى اللهِ في الأجْرِ وجَزاءِ الحَدِّ، والإقْرارِ بِأنَّهُ شَهِيدٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن أفْعالِ البَشَرِ وأقْوالِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ يُرِيدُ: بِالوَحْيِ وآياتِ القُرْآنِ، واسْتَعارَ لَهُ القَذْفَ مِن حَيْثُ كانَ الكَفّارُ يَرْمُونَ بِآياتِهِ وحِكَمِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَلّامُ" بِالرَفْعِ، أيْ: هو عَلّامُ، ونَصَبَها عِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، إمّا عَلى البَدَلِ مِنِ اسْمِ "إنَّ"، أو عَلى المَدْحِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَهُوَ عَلّامُ الغُيُوبِ"، وقَرَأ عاصِمٌ: "الغِيُوبِ" بِكَسْرِ الغَيْنِ. وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ﴾ يُرِيدُ الشَرْعَ وأمْرَ اللهِ ونَهْيَهُ، وقالَ قَوْمٌ: يَعْنِي السَيْفَ. وقَوْلُهُ: ﴿وَما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ: الباطِلُ غَيْرُ الحَقِّ، مِنَ الكَذِبِ والكُفْرِ ونَحْوِهِ، اسْتَعارَ لَهُ الإبْداءَ والإعادَةَ ونَفاهُما عنهُ، كَأنَّهُ قالَ: وما يَصْنَعُ الباطِلُ شَيْئًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الباطِلُ: الشَيْطانُ، والمَعْنى: ما يَفْعَلُ الباطِلُ شَيْئًا مُفِيدًا، أيْ: لَيْسَ يَخْلُقُ ولا يَرْزُقُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" اسْتِفْهامٌ، كَأنَّهُ قالَ: وأيُّ شَيْءٍ يَصْنَعُ الباطِلُ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "ضَلَلْتُ"﴾ بِفَتْحِ اللامِ، "فَإنَّما أضِلُّ" بِكَسْرِ الضادِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ: "ضَلِلْتُ" بِكَسْرِ اللامِ "أضَلُّ" بِفَتْحِ اللامِ، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ. وقَوْلُهُ: ﴿ "فَبِما"﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، و"قَرِيبٌ" مَعْناهُ: بِإحاطَتِهِ وإجابَتِهِ وقُدْرَتِهِ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى﴾ الآيَةَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هَذا في عَذابِ الدُنْيا، ورُوِيَ أنَّ ابْنَ أبْزى قالَ: ذَلِكَ في جَيْشٍ يَغْزُو الكَعْبَةَ فَيُخْسَفُ بِهِمْ في بَيْداءَ مِنَ الأرْضِ، ولا يَنْجُو إلّا رَجُلٌ مِن جُهَيْنَةَ، فَيُخْبِرُ الناسَ (p-١٩٦)بِما نالَ الجَيْشَ، قالُوا: بِسَبَبِهِ قِيلَ: وعِنْدَ جُهَيْنَةَ الخَبَرُ اليَقِينُ وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ، ورُوِيَ في هَذا المَعْنى حَدِيثٌ مُطَوَّلٌ عن حُذَيْفَةَ، ورَوى الطَبَرِيُّ أنَّهُ ضَعِيفُ السَنَدِ مَكْذُوبٌ فِيهِ عَلى داوُدَ بْنِ الجَرّاحِ وقالَ قَتادَةُ: ذَلِكَ في الكُفّارِ في بَدْرٍ ونَحْوِها. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ذَلِكَ في الكُفّارِ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ في القِيامَةِ. وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ عِنْدِي. وأمّا مَعْنى الآيَةِ فَهو التَعَجُبُ مِن حالِهِمْ إذا فَزِعُوا مِن أخْذِ اللهَ إيّاهُمْ، ولَمْ يَتَمَكَّنْ لَهم أنْ يَفُوتَ مِنهم أحَدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ مَعْناهُ: أنَّهم لِلْقُدْرَةِ قَرِيبٌ حَيْثُ كانُوا، قِيلَ: مِن تَحْتِ الأقْدامِ، وهَذا يَتَوَجَّهُ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ، والَّذِي يَعُمُّ جَمِيعَها أنْ يُقالَ: إنَّ الأخْذَ يَجِيئُهم مَن قُرْبٍ في طُمَأْنِينَتِهِمْ، بَيْنا الكافِرُ يُؤَمِّلُ ويَظُنُّ ويَتَرَجّى إذْ غَشِيَهُ الأخْذُ، ومَن غَشِيَهُ أُخِذَ مِن قَرِيبٍ فَلا حِيلَةَ لَهُ ولا رَوِيَّةَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَأُخِذُوا"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فَلا فَوْتَ وأخْذٌ"، كَأنَّهُ قالَ: وحالُهم أخْذٌ.

سبأ 34:49

(p-١٩٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللهِ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ ﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾ ﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿وَلَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ أمَرَهُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِالتَبَرِّي مِن طَلَبِ الدُنْيا وطَلَبِ الأجْرِ عَلى الرِسالَةِ، وتَسْلِيمِ كُلِّ دُنْيًا إلى أرْبابِها، والتَوَكُّلِ عَلى اللهِ في الأجْرِ وجَزاءِ الحَدِّ، والإقْرارِ بِأنَّهُ شَهِيدٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن أفْعالِ البَشَرِ وأقْوالِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ يُرِيدُ: بِالوَحْيِ وآياتِ القُرْآنِ، واسْتَعارَ لَهُ القَذْفَ مِن حَيْثُ كانَ الكَفّارُ يَرْمُونَ بِآياتِهِ وحِكَمِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَلّامُ" بِالرَفْعِ، أيْ: هو عَلّامُ، ونَصَبَها عِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، إمّا عَلى البَدَلِ مِنِ اسْمِ "إنَّ"، أو عَلى المَدْحِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَهُوَ عَلّامُ الغُيُوبِ"، وقَرَأ عاصِمٌ: "الغِيُوبِ" بِكَسْرِ الغَيْنِ. وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ﴾ يُرِيدُ الشَرْعَ وأمْرَ اللهِ ونَهْيَهُ، وقالَ قَوْمٌ: يَعْنِي السَيْفَ. وقَوْلُهُ: ﴿وَما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ: الباطِلُ غَيْرُ الحَقِّ، مِنَ الكَذِبِ والكُفْرِ ونَحْوِهِ، اسْتَعارَ لَهُ الإبْداءَ والإعادَةَ ونَفاهُما عنهُ، كَأنَّهُ قالَ: وما يَصْنَعُ الباطِلُ شَيْئًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الباطِلُ: الشَيْطانُ، والمَعْنى: ما يَفْعَلُ الباطِلُ شَيْئًا مُفِيدًا، أيْ: لَيْسَ يَخْلُقُ ولا يَرْزُقُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" اسْتِفْهامٌ، كَأنَّهُ قالَ: وأيُّ شَيْءٍ يَصْنَعُ الباطِلُ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "ضَلَلْتُ"﴾ بِفَتْحِ اللامِ، "فَإنَّما أضِلُّ" بِكَسْرِ الضادِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ: "ضَلِلْتُ" بِكَسْرِ اللامِ "أضَلُّ" بِفَتْحِ اللامِ، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ. وقَوْلُهُ: ﴿ "فَبِما"﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، و"قَرِيبٌ" مَعْناهُ: بِإحاطَتِهِ وإجابَتِهِ وقُدْرَتِهِ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى﴾ الآيَةَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هَذا في عَذابِ الدُنْيا، ورُوِيَ أنَّ ابْنَ أبْزى قالَ: ذَلِكَ في جَيْشٍ يَغْزُو الكَعْبَةَ فَيُخْسَفُ بِهِمْ في بَيْداءَ مِنَ الأرْضِ، ولا يَنْجُو إلّا رَجُلٌ مِن جُهَيْنَةَ، فَيُخْبِرُ الناسَ (p-١٩٦)بِما نالَ الجَيْشَ، قالُوا: بِسَبَبِهِ قِيلَ: وعِنْدَ جُهَيْنَةَ الخَبَرُ اليَقِينُ وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ، ورُوِيَ في هَذا المَعْنى حَدِيثٌ مُطَوَّلٌ عن حُذَيْفَةَ، ورَوى الطَبَرِيُّ أنَّهُ ضَعِيفُ السَنَدِ مَكْذُوبٌ فِيهِ عَلى داوُدَ بْنِ الجَرّاحِ وقالَ قَتادَةُ: ذَلِكَ في الكُفّارِ في بَدْرٍ ونَحْوِها. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ذَلِكَ في الكُفّارِ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ في القِيامَةِ. وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ عِنْدِي. وأمّا مَعْنى الآيَةِ فَهو التَعَجُبُ مِن حالِهِمْ إذا فَزِعُوا مِن أخْذِ اللهَ إيّاهُمْ، ولَمْ يَتَمَكَّنْ لَهم أنْ يَفُوتَ مِنهم أحَدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ مَعْناهُ: أنَّهم لِلْقُدْرَةِ قَرِيبٌ حَيْثُ كانُوا، قِيلَ: مِن تَحْتِ الأقْدامِ، وهَذا يَتَوَجَّهُ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ، والَّذِي يَعُمُّ جَمِيعَها أنْ يُقالَ: إنَّ الأخْذَ يَجِيئُهم مَن قُرْبٍ في طُمَأْنِينَتِهِمْ، بَيْنا الكافِرُ يُؤَمِّلُ ويَظُنُّ ويَتَرَجّى إذْ غَشِيَهُ الأخْذُ، ومَن غَشِيَهُ أُخِذَ مِن قَرِيبٍ فَلا حِيلَةَ لَهُ ولا رَوِيَّةَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَأُخِذُوا"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فَلا فَوْتَ وأخْذٌ"، كَأنَّهُ قالَ: وحالُهم أخْذٌ.

سبأ 34:50

(p-١٩٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللهِ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ ﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾ ﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿وَلَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ أمَرَهُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِالتَبَرِّي مِن طَلَبِ الدُنْيا وطَلَبِ الأجْرِ عَلى الرِسالَةِ، وتَسْلِيمِ كُلِّ دُنْيًا إلى أرْبابِها، والتَوَكُّلِ عَلى اللهِ في الأجْرِ وجَزاءِ الحَدِّ، والإقْرارِ بِأنَّهُ شَهِيدٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن أفْعالِ البَشَرِ وأقْوالِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ يُرِيدُ: بِالوَحْيِ وآياتِ القُرْآنِ، واسْتَعارَ لَهُ القَذْفَ مِن حَيْثُ كانَ الكَفّارُ يَرْمُونَ بِآياتِهِ وحِكَمِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَلّامُ" بِالرَفْعِ، أيْ: هو عَلّامُ، ونَصَبَها عِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، إمّا عَلى البَدَلِ مِنِ اسْمِ "إنَّ"، أو عَلى المَدْحِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَهُوَ عَلّامُ الغُيُوبِ"، وقَرَأ عاصِمٌ: "الغِيُوبِ" بِكَسْرِ الغَيْنِ. وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ﴾ يُرِيدُ الشَرْعَ وأمْرَ اللهِ ونَهْيَهُ، وقالَ قَوْمٌ: يَعْنِي السَيْفَ. وقَوْلُهُ: ﴿وَما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ: الباطِلُ غَيْرُ الحَقِّ، مِنَ الكَذِبِ والكُفْرِ ونَحْوِهِ، اسْتَعارَ لَهُ الإبْداءَ والإعادَةَ ونَفاهُما عنهُ، كَأنَّهُ قالَ: وما يَصْنَعُ الباطِلُ شَيْئًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الباطِلُ: الشَيْطانُ، والمَعْنى: ما يَفْعَلُ الباطِلُ شَيْئًا مُفِيدًا، أيْ: لَيْسَ يَخْلُقُ ولا يَرْزُقُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" اسْتِفْهامٌ، كَأنَّهُ قالَ: وأيُّ شَيْءٍ يَصْنَعُ الباطِلُ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "ضَلَلْتُ"﴾ بِفَتْحِ اللامِ، "فَإنَّما أضِلُّ" بِكَسْرِ الضادِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ: "ضَلِلْتُ" بِكَسْرِ اللامِ "أضَلُّ" بِفَتْحِ اللامِ، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ. وقَوْلُهُ: ﴿ "فَبِما"﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، و"قَرِيبٌ" مَعْناهُ: بِإحاطَتِهِ وإجابَتِهِ وقُدْرَتِهِ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى﴾ الآيَةَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هَذا في عَذابِ الدُنْيا، ورُوِيَ أنَّ ابْنَ أبْزى قالَ: ذَلِكَ في جَيْشٍ يَغْزُو الكَعْبَةَ فَيُخْسَفُ بِهِمْ في بَيْداءَ مِنَ الأرْضِ، ولا يَنْجُو إلّا رَجُلٌ مِن جُهَيْنَةَ، فَيُخْبِرُ الناسَ (p-١٩٦)بِما نالَ الجَيْشَ، قالُوا: بِسَبَبِهِ قِيلَ: وعِنْدَ جُهَيْنَةَ الخَبَرُ اليَقِينُ وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ، ورُوِيَ في هَذا المَعْنى حَدِيثٌ مُطَوَّلٌ عن حُذَيْفَةَ، ورَوى الطَبَرِيُّ أنَّهُ ضَعِيفُ السَنَدِ مَكْذُوبٌ فِيهِ عَلى داوُدَ بْنِ الجَرّاحِ وقالَ قَتادَةُ: ذَلِكَ في الكُفّارِ في بَدْرٍ ونَحْوِها. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ذَلِكَ في الكُفّارِ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ في القِيامَةِ. وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ عِنْدِي. وأمّا مَعْنى الآيَةِ فَهو التَعَجُبُ مِن حالِهِمْ إذا فَزِعُوا مِن أخْذِ اللهَ إيّاهُمْ، ولَمْ يَتَمَكَّنْ لَهم أنْ يَفُوتَ مِنهم أحَدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ مَعْناهُ: أنَّهم لِلْقُدْرَةِ قَرِيبٌ حَيْثُ كانُوا، قِيلَ: مِن تَحْتِ الأقْدامِ، وهَذا يَتَوَجَّهُ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ، والَّذِي يَعُمُّ جَمِيعَها أنْ يُقالَ: إنَّ الأخْذَ يَجِيئُهم مَن قُرْبٍ في طُمَأْنِينَتِهِمْ، بَيْنا الكافِرُ يُؤَمِّلُ ويَظُنُّ ويَتَرَجّى إذْ غَشِيَهُ الأخْذُ، ومَن غَشِيَهُ أُخِذَ مِن قَرِيبٍ فَلا حِيلَةَ لَهُ ولا رَوِيَّةَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَأُخِذُوا"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فَلا فَوْتَ وأخْذٌ"، كَأنَّهُ قالَ: وحالُهم أخْذٌ.

سبأ 34:51

(p-١٩٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللهِ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ ﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾ ﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿وَلَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ أمَرَهُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِالتَبَرِّي مِن طَلَبِ الدُنْيا وطَلَبِ الأجْرِ عَلى الرِسالَةِ، وتَسْلِيمِ كُلِّ دُنْيًا إلى أرْبابِها، والتَوَكُّلِ عَلى اللهِ في الأجْرِ وجَزاءِ الحَدِّ، والإقْرارِ بِأنَّهُ شَهِيدٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن أفْعالِ البَشَرِ وأقْوالِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ يُرِيدُ: بِالوَحْيِ وآياتِ القُرْآنِ، واسْتَعارَ لَهُ القَذْفَ مِن حَيْثُ كانَ الكَفّارُ يَرْمُونَ بِآياتِهِ وحِكَمِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَلّامُ" بِالرَفْعِ، أيْ: هو عَلّامُ، ونَصَبَها عِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، إمّا عَلى البَدَلِ مِنِ اسْمِ "إنَّ"، أو عَلى المَدْحِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَهُوَ عَلّامُ الغُيُوبِ"، وقَرَأ عاصِمٌ: "الغِيُوبِ" بِكَسْرِ الغَيْنِ. وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ﴾ يُرِيدُ الشَرْعَ وأمْرَ اللهِ ونَهْيَهُ، وقالَ قَوْمٌ: يَعْنِي السَيْفَ. وقَوْلُهُ: ﴿وَما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ: الباطِلُ غَيْرُ الحَقِّ، مِنَ الكَذِبِ والكُفْرِ ونَحْوِهِ، اسْتَعارَ لَهُ الإبْداءَ والإعادَةَ ونَفاهُما عنهُ، كَأنَّهُ قالَ: وما يَصْنَعُ الباطِلُ شَيْئًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الباطِلُ: الشَيْطانُ، والمَعْنى: ما يَفْعَلُ الباطِلُ شَيْئًا مُفِيدًا، أيْ: لَيْسَ يَخْلُقُ ولا يَرْزُقُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" اسْتِفْهامٌ، كَأنَّهُ قالَ: وأيُّ شَيْءٍ يَصْنَعُ الباطِلُ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "ضَلَلْتُ"﴾ بِفَتْحِ اللامِ، "فَإنَّما أضِلُّ" بِكَسْرِ الضادِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ: "ضَلِلْتُ" بِكَسْرِ اللامِ "أضَلُّ" بِفَتْحِ اللامِ، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ. وقَوْلُهُ: ﴿ "فَبِما"﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، و"قَرِيبٌ" مَعْناهُ: بِإحاطَتِهِ وإجابَتِهِ وقُدْرَتِهِ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى﴾ الآيَةَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هَذا في عَذابِ الدُنْيا، ورُوِيَ أنَّ ابْنَ أبْزى قالَ: ذَلِكَ في جَيْشٍ يَغْزُو الكَعْبَةَ فَيُخْسَفُ بِهِمْ في بَيْداءَ مِنَ الأرْضِ، ولا يَنْجُو إلّا رَجُلٌ مِن جُهَيْنَةَ، فَيُخْبِرُ الناسَ (p-١٩٦)بِما نالَ الجَيْشَ، قالُوا: بِسَبَبِهِ قِيلَ: وعِنْدَ جُهَيْنَةَ الخَبَرُ اليَقِينُ وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ، ورُوِيَ في هَذا المَعْنى حَدِيثٌ مُطَوَّلٌ عن حُذَيْفَةَ، ورَوى الطَبَرِيُّ أنَّهُ ضَعِيفُ السَنَدِ مَكْذُوبٌ فِيهِ عَلى داوُدَ بْنِ الجَرّاحِ وقالَ قَتادَةُ: ذَلِكَ في الكُفّارِ في بَدْرٍ ونَحْوِها. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ذَلِكَ في الكُفّارِ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ في القِيامَةِ. وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ عِنْدِي. وأمّا مَعْنى الآيَةِ فَهو التَعَجُبُ مِن حالِهِمْ إذا فَزِعُوا مِن أخْذِ اللهَ إيّاهُمْ، ولَمْ يَتَمَكَّنْ لَهم أنْ يَفُوتَ مِنهم أحَدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ مَعْناهُ: أنَّهم لِلْقُدْرَةِ قَرِيبٌ حَيْثُ كانُوا، قِيلَ: مِن تَحْتِ الأقْدامِ، وهَذا يَتَوَجَّهُ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ، والَّذِي يَعُمُّ جَمِيعَها أنْ يُقالَ: إنَّ الأخْذَ يَجِيئُهم مَن قُرْبٍ في طُمَأْنِينَتِهِمْ، بَيْنا الكافِرُ يُؤَمِّلُ ويَظُنُّ ويَتَرَجّى إذْ غَشِيَهُ الأخْذُ، ومَن غَشِيَهُ أُخِذَ مِن قَرِيبٍ فَلا حِيلَةَ لَهُ ولا رَوِيَّةَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَأُخِذُوا"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فَلا فَوْتَ وأخْذٌ"، كَأنَّهُ قالَ: وحالُهم أخْذٌ.

سبأ 34:52

(p-١٩٧)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقالُوا آمَنّا بِهِ وأنّى لَهُمُ التَناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ ويَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿وَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ الضَمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى في قَوْلِهِ: "بِهِ"، وقِيلَ: عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ وشَرَعِهُ والقُرْآنِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعامَّةُ القُرّاءِ: ﴿ "التَناوُشُ"﴾ بِضَمِّ الواوِ دُونَ هَمْزٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ أيْضًا بِالهَمْزِ، والأُولى مَعْناها: التَناوُلُ، مِن قَوْلِهِمْ: ناشَ يَنُوشُ إذا تَناوَلَ، وتَناوَشَ القَوْمُ في الحَرْبِ إذا تَناوَلَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالسِلاحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ فَهْيَ تَنُوشُ الحَوْضَ نَوْشًا مِن عَلا ∗∗∗ نَوْشًا بِهِ تَقْطَعُ أجْوازَ الفَلا فَكَأنَّهُ قالَ: وأنّى لَهم تَناوُلُ مُرادِهِمْ وقَدْ بَعُدُوا عن مَكانِ إمْكانِ ذَلِكَ. وأمّا الهَمْزُ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِمّا تَقَدَّمَ وهُمِزَتِ الواوُ لَمّا كانَتْ مَضْمُومَةً بِضَمَّةٍ لازِمَةٍ، كَما قالُوا: أُقِّتَتْ وغَيْرَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الطَلَبِ، تَقُولُ: "تَناءَشْتُ الشَيْءَ" إذا (p-١٩٨)طَلَبْتَهُ مِن بَعِيدٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: تَناؤُشُ الشَيْءِ: رُجُوعُهُ، حَكاهُ عنهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وأنْشَدَ: ؎ تَمَنّى أنْ تَؤُوبَ إلَيْكَ مَيٌّ ∗∗∗ ∗∗∗ ولَيْسَ إلى تَناوُشِها سَبِيلُ وكَأنَّهُ قالَ في الآيَةِ: وأنّى لَهم طَلَبُ مُرادِهِمْ وقَدْ بَعُدَ؟ قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: مِنَ الآخِرَةِ إلى الدُنْيا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَيَقْذِفُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الذالِ، عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ، أيْ: يَرْجُمُونَ بِظُنُونِهِمْ، ويَرْمُونَ بِها الرَسُولَ وكِتابَ اللهِ، وذَلِكَ غَيْبٌ عنهُمْ، في قَوْلِهِمْ: سِحْرٌ وافْتِراءٌ وغَيْرَ ذَلِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: قَذْفُهم بِالغَيْبِ هو قَوْلُهُمْ: لا بَعْثٌ ولا جَنَّةٌ ولا نارٌ. وقَرَأ مُجاهِدٌ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الذالِ، عَلى مَعْنى: ويَرْجُمُهُمُ الوَحْيُ بِما يَكْرَهُونَ مِنَ السَماءِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: مِنَ الإيمانِ والتَوْبَةِ والرُجُوعِ إلى الأمانَةِ والعَمَلِ الصالِحِ، وذَلِكَ أنَّهُمُ اشْتَهَوْهُ في وقْتٍ لا تَنْفَعُ فِيهِ التَوْبَةُ، وقالَهُ أيْضًا قَتادَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: وحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ نَعِيمِ الدُنْيا ولَذّاتِها، وقِيلَ: حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ الجَنَّةِ ونَعِيمِها، وهَذا يَتَمَكَّنُ جِدًّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ الأخْذَ والفَزَعَ المَذْكُورَ هو في يَوْمِ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ﴾ أيِ الفِرَقِ المُشابِهَةِ لَهم مِن كُلِّ أُمَّةٍ، وهو جَمْعُ (p-١٩٩)شِيعَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ "مِن قَبْلُ"﴾ يَصْلُحُ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ المُتَقَدِّمَةِ تُعَلُّقُهُ بِـ"فُعِلَ"، ويَصْلُحُ - عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الفَزَعَ هو في يَوْمِ القِيامَةِ - تَعَلُّقُهُ بِـ"أشْياعِهِمْ"، أيْ: بِمَنِ اتَّصَفَ بِصِفَتِهِمْ مِن قَبْلُ في الزَمَنِ الأوَّلِ، لِأنَّ ما يُفْعَلُ بِجَمِيعِهِمْ إنَّما هو في وقْتٍ واحِدٍ، لا يُقالُ فِيهِ: مِن قَبْلُ. و"الشَكُّ المُرِيبُ": أقْوى ما يَكُونُ مِنَ الشَكِّ وأشَدُّهُ إظْلامًا، واللهُ أعْلَمُ. كَمُلَ بِعَوْنِ اللهِ وتَوْفِيقِهِ تَفْسِيرُ سُورَةِ سَبَأٍ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

سبأ 34:53

(p-١٩٧)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقالُوا آمَنّا بِهِ وأنّى لَهُمُ التَناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ ويَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿وَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ الضَمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى في قَوْلِهِ: "بِهِ"، وقِيلَ: عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ وشَرَعِهُ والقُرْآنِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعامَّةُ القُرّاءِ: ﴿ "التَناوُشُ"﴾ بِضَمِّ الواوِ دُونَ هَمْزٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ أيْضًا بِالهَمْزِ، والأُولى مَعْناها: التَناوُلُ، مِن قَوْلِهِمْ: ناشَ يَنُوشُ إذا تَناوَلَ، وتَناوَشَ القَوْمُ في الحَرْبِ إذا تَناوَلَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالسِلاحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ فَهْيَ تَنُوشُ الحَوْضَ نَوْشًا مِن عَلا ∗∗∗ نَوْشًا بِهِ تَقْطَعُ أجْوازَ الفَلا فَكَأنَّهُ قالَ: وأنّى لَهم تَناوُلُ مُرادِهِمْ وقَدْ بَعُدُوا عن مَكانِ إمْكانِ ذَلِكَ. وأمّا الهَمْزُ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِمّا تَقَدَّمَ وهُمِزَتِ الواوُ لَمّا كانَتْ مَضْمُومَةً بِضَمَّةٍ لازِمَةٍ، كَما قالُوا: أُقِّتَتْ وغَيْرَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الطَلَبِ، تَقُولُ: "تَناءَشْتُ الشَيْءَ" إذا (p-١٩٨)طَلَبْتَهُ مِن بَعِيدٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: تَناؤُشُ الشَيْءِ: رُجُوعُهُ، حَكاهُ عنهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وأنْشَدَ: ؎ تَمَنّى أنْ تَؤُوبَ إلَيْكَ مَيٌّ ∗∗∗ ∗∗∗ ولَيْسَ إلى تَناوُشِها سَبِيلُ وكَأنَّهُ قالَ في الآيَةِ: وأنّى لَهم طَلَبُ مُرادِهِمْ وقَدْ بَعُدَ؟ قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: مِنَ الآخِرَةِ إلى الدُنْيا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَيَقْذِفُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الذالِ، عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ، أيْ: يَرْجُمُونَ بِظُنُونِهِمْ، ويَرْمُونَ بِها الرَسُولَ وكِتابَ اللهِ، وذَلِكَ غَيْبٌ عنهُمْ، في قَوْلِهِمْ: سِحْرٌ وافْتِراءٌ وغَيْرَ ذَلِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: قَذْفُهم بِالغَيْبِ هو قَوْلُهُمْ: لا بَعْثٌ ولا جَنَّةٌ ولا نارٌ. وقَرَأ مُجاهِدٌ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الذالِ، عَلى مَعْنى: ويَرْجُمُهُمُ الوَحْيُ بِما يَكْرَهُونَ مِنَ السَماءِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: مِنَ الإيمانِ والتَوْبَةِ والرُجُوعِ إلى الأمانَةِ والعَمَلِ الصالِحِ، وذَلِكَ أنَّهُمُ اشْتَهَوْهُ في وقْتٍ لا تَنْفَعُ فِيهِ التَوْبَةُ، وقالَهُ أيْضًا قَتادَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: وحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ نَعِيمِ الدُنْيا ولَذّاتِها، وقِيلَ: حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ الجَنَّةِ ونَعِيمِها، وهَذا يَتَمَكَّنُ جِدًّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ الأخْذَ والفَزَعَ المَذْكُورَ هو في يَوْمِ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ﴾ أيِ الفِرَقِ المُشابِهَةِ لَهم مِن كُلِّ أُمَّةٍ، وهو جَمْعُ (p-١٩٩)شِيعَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ "مِن قَبْلُ"﴾ يَصْلُحُ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ المُتَقَدِّمَةِ تُعَلُّقُهُ بِـ"فُعِلَ"، ويَصْلُحُ - عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الفَزَعَ هو في يَوْمِ القِيامَةِ - تَعَلُّقُهُ بِـ"أشْياعِهِمْ"، أيْ: بِمَنِ اتَّصَفَ بِصِفَتِهِمْ مِن قَبْلُ في الزَمَنِ الأوَّلِ، لِأنَّ ما يُفْعَلُ بِجَمِيعِهِمْ إنَّما هو في وقْتٍ واحِدٍ، لا يُقالُ فِيهِ: مِن قَبْلُ. و"الشَكُّ المُرِيبُ": أقْوى ما يَكُونُ مِنَ الشَكِّ وأشَدُّهُ إظْلامًا، واللهُ أعْلَمُ. كَمُلَ بِعَوْنِ اللهِ وتَوْفِيقِهِ تَفْسِيرُ سُورَةِ سَبَأٍ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

سبأ 34:54

(p-١٩٧)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقالُوا آمَنّا بِهِ وأنّى لَهُمُ التَناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ ويَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿وَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ الضَمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى في قَوْلِهِ: "بِهِ"، وقِيلَ: عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ وشَرَعِهُ والقُرْآنِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعامَّةُ القُرّاءِ: ﴿ "التَناوُشُ"﴾ بِضَمِّ الواوِ دُونَ هَمْزٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ أيْضًا بِالهَمْزِ، والأُولى مَعْناها: التَناوُلُ، مِن قَوْلِهِمْ: ناشَ يَنُوشُ إذا تَناوَلَ، وتَناوَشَ القَوْمُ في الحَرْبِ إذا تَناوَلَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالسِلاحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ فَهْيَ تَنُوشُ الحَوْضَ نَوْشًا مِن عَلا ∗∗∗ نَوْشًا بِهِ تَقْطَعُ أجْوازَ الفَلا فَكَأنَّهُ قالَ: وأنّى لَهم تَناوُلُ مُرادِهِمْ وقَدْ بَعُدُوا عن مَكانِ إمْكانِ ذَلِكَ. وأمّا الهَمْزُ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِمّا تَقَدَّمَ وهُمِزَتِ الواوُ لَمّا كانَتْ مَضْمُومَةً بِضَمَّةٍ لازِمَةٍ، كَما قالُوا: أُقِّتَتْ وغَيْرَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الطَلَبِ، تَقُولُ: "تَناءَشْتُ الشَيْءَ" إذا (p-١٩٨)طَلَبْتَهُ مِن بَعِيدٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: تَناؤُشُ الشَيْءِ: رُجُوعُهُ، حَكاهُ عنهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وأنْشَدَ: ؎ تَمَنّى أنْ تَؤُوبَ إلَيْكَ مَيٌّ ∗∗∗ ∗∗∗ ولَيْسَ إلى تَناوُشِها سَبِيلُ وكَأنَّهُ قالَ في الآيَةِ: وأنّى لَهم طَلَبُ مُرادِهِمْ وقَدْ بَعُدَ؟ قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: مِنَ الآخِرَةِ إلى الدُنْيا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَيَقْذِفُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الذالِ، عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ، أيْ: يَرْجُمُونَ بِظُنُونِهِمْ، ويَرْمُونَ بِها الرَسُولَ وكِتابَ اللهِ، وذَلِكَ غَيْبٌ عنهُمْ، في قَوْلِهِمْ: سِحْرٌ وافْتِراءٌ وغَيْرَ ذَلِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: قَذْفُهم بِالغَيْبِ هو قَوْلُهُمْ: لا بَعْثٌ ولا جَنَّةٌ ولا نارٌ. وقَرَأ مُجاهِدٌ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الذالِ، عَلى مَعْنى: ويَرْجُمُهُمُ الوَحْيُ بِما يَكْرَهُونَ مِنَ السَماءِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: مِنَ الإيمانِ والتَوْبَةِ والرُجُوعِ إلى الأمانَةِ والعَمَلِ الصالِحِ، وذَلِكَ أنَّهُمُ اشْتَهَوْهُ في وقْتٍ لا تَنْفَعُ فِيهِ التَوْبَةُ، وقالَهُ أيْضًا قَتادَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: وحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ نَعِيمِ الدُنْيا ولَذّاتِها، وقِيلَ: حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ الجَنَّةِ ونَعِيمِها، وهَذا يَتَمَكَّنُ جِدًّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ الأخْذَ والفَزَعَ المَذْكُورَ هو في يَوْمِ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ﴾ أيِ الفِرَقِ المُشابِهَةِ لَهم مِن كُلِّ أُمَّةٍ، وهو جَمْعُ (p-١٩٩)شِيعَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ "مِن قَبْلُ"﴾ يَصْلُحُ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ المُتَقَدِّمَةِ تُعَلُّقُهُ بِـ"فُعِلَ"، ويَصْلُحُ - عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الفَزَعَ هو في يَوْمِ القِيامَةِ - تَعَلُّقُهُ بِـ"أشْياعِهِمْ"، أيْ: بِمَنِ اتَّصَفَ بِصِفَتِهِمْ مِن قَبْلُ في الزَمَنِ الأوَّلِ، لِأنَّ ما يُفْعَلُ بِجَمِيعِهِمْ إنَّما هو في وقْتٍ واحِدٍ، لا يُقالُ فِيهِ: مِن قَبْلُ. و"الشَكُّ المُرِيبُ": أقْوى ما يَكُونُ مِنَ الشَكِّ وأشَدُّهُ إظْلامًا، واللهُ أعْلَمُ. كَمُلَ بِعَوْنِ اللهِ وتَوْفِيقِهِ تَفْسِيرُ سُورَةِ سَبَأٍ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ