Lafzullah

Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — الرحمن 55:71 – الواقعة 56:58

المؤلف / المصدر: Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah

المحتويات
  1. الرحمن 55:71
  2. الرحمن 55:72
  3. الرحمن 55:73
  4. الرحمن 55:74
  5. الرحمن 55:75
  6. الرحمن 55:76
  7. الرحمن 55:77
  8. الرحمن 55:78
  9. الواقعة 56:1
  10. الواقعة 56:2
  11. الواقعة 56:3
  12. الواقعة 56:4
  13. الواقعة 56:5
  14. الواقعة 56:6
  15. الواقعة 56:7
  16. الواقعة 56:8
  17. الواقعة 56:9
  18. الواقعة 56:10
  19. الواقعة 56:11
  20. الواقعة 56:12
  21. الواقعة 56:13
  22. الواقعة 56:14
  23. الواقعة 56:15
  24. الواقعة 56:16
  25. الواقعة 56:17
  26. الواقعة 56:18
  27. الواقعة 56:19
  28. الواقعة 56:20
  29. الواقعة 56:21
  30. الواقعة 56:22
  31. الواقعة 56:23
  32. الواقعة 56:24
  33. الواقعة 56:25
  34. الواقعة 56:26
  35. الواقعة 56:27
  36. الواقعة 56:28
  37. الواقعة 56:29
  38. الواقعة 56:30
  39. الواقعة 56:31
  40. الواقعة 56:32
  41. الواقعة 56:33
  42. الواقعة 56:34
  43. الواقعة 56:35
  44. الواقعة 56:36
  45. الواقعة 56:37
  46. الواقعة 56:38
  47. الواقعة 56:39
  48. الواقعة 56:40
  49. الواقعة 56:41
  50. الواقعة 56:42
  51. الواقعة 56:43
  52. الواقعة 56:44
  53. الواقعة 56:45
  54. الواقعة 56:46
  55. الواقعة 56:47
  56. الواقعة 56:48
  57. الواقعة 56:49
  58. الواقعة 56:50
  59. الواقعة 56:51
  60. الواقعة 56:52
  61. الواقعة 56:53
  62. الواقعة 56:54
  63. الواقعة 56:55
  64. الواقعة 56:56
  65. الواقعة 56:57
  66. الواقعة 56:58

الرحمن 55:71

قوله عزّ وجلّ: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ "خَيْراتٌ" جَمْعُ "خَيْرَةٍ" وهي أفْضَلُ النِساءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-١٨٢) ؎ ولَقَدْ طَعنتُ مَجامِعَ الرَبَلاتِ رَبَلاتِ هِنْدٍ خَيْرَةِ المَلِكاتِ وقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ أخْبِرْنِي عن قَوْلِهِ تَعالى: "خَيْراتٌ حِسانٌ "، قالَ: "خَيْراتُ الأخْلاقِ، حِسانُ الوُجُوهِ"» وقَرَأ أبُو بَكْرِ بْنِ حَبِيبٍ السَهْمِيُّ: "خَيِّراتٌ" بِشَدّ الياءِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مَقْصُوراتٌ" مَعْناهُ: مَحْجُوباتٌ مَصُوناتٌ، وكانَتِ العَرَبُ تَمْدَحُ النِساءَ بِمُلازَمَةِ البُيُوتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ .......... ∗∗∗ وتَغْفُلُ عن إتْيانِهِنَّ فَتُعْذَرُ يَصِفُ أنَّ جِيرانَها يَزُرْنَها ولا تَزُورُهُنَّ، ويُرْوى أنَّ بَيْتَ الأعْشى قَدْ ذَمَّ، وهو قَوْلُهُ: ؎ كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ∗∗∗ مَرُّ السَحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ (p-١٨٣)فَقِيلَ في ذَمِّهِ: هَذِهِ جَوّالَةٌ خَرّاجَةٌ ولّاجَةٌ، ومِن مَدْحِ القَصْرِ قَوْلُ كُثَيِّرٍ: ؎ وأنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ كُلَّ قَصِيرَةٍ ∗∗∗ إلَيَّ ولَمْ تَشْعُرْ بِذاكَ القَصائِرُ ؎ أُرِيدُ قَصِيراتِ الحِجالِ ولَمْ أُرِدْ ∗∗∗ قِصارَ الخُطى، شَرُّ النِساءِ البَحاتِرُ وقالَ الحَسَنُ: مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ: لَيْسَ بِطَوّافاتٍ في الطُرُقِ. و"الخِيامِ": البُيُوتُ مِنَ الخَشَبِ والثُمامِ وسائِرِ الحَشِيشِ، وهي بُيُوتُ المُرْتَحِلِينَ مِنَ العَرَبِ. وخِيامُ الجَنَّةِ: بُيُوتُ اللُؤْلُؤِ، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي دُرٌّ مُجَوَّفٌ، ورَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وإذا كانَ عِنْدَ المَسْكَنِ عِنْدَ العَرَبِ مَن شِعْرٍ فَهو بَيْتٌ، ولا يُقالُ لَهُ خَيْمَةٌ، ومِن هَذا قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ مَتى كانَ الخِيامُ بِذِي طُلُوحٍ ∗∗∗ سَقَيْتُ الغَيْثَ أيَّتُها الخِيامُ (p-١٨٤)وَمِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ أمْرَخٌ خِيامُهم أمْ عُشُرُ؟.... فاسْتَفْهَمَ: هَلْ هم مُنْجِدُونَ أمْ غائِرُونَ؟ لِأنَّ العُشُرَ مِمّا لا يَنْبُتُ إلّا في تِهامَةَ والمَرْخُ مِمّا لا يَنْبُتُ إلّا في نَجْدٍ. و"الرَفْرَفُ": ما تَدَلّى مِنَ الأسْرَةِ مِن غالِي الثِيابِ والبَسْطِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الرَفْرَفُ رِياضُ الجَنَّةِ، والأوَّلُ أصْوَبُ وأبْيَنُ، ووَجْهُ قَوْلِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ مِن: رَفَّ النَبْتُ إذا نَعُمَ وحَسُنَ. وما تَدَلّى حَوْلَ الخِباءِ مِنَ الخِرْقَةِ الشَفّافَةِ يُسَمّى رَفْرَفًا، وكَذَلِكَ يُسَمِّيهِ الناسُ اليَوْمَ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الرَفْرَفُ: المَرافِقُ، و"العَبْقَرِيُّ": بُسُطٌ حِسانٌ فِيها صُوَرٌ وغَيْرُ ذَلِكَ تُصْنَعُ بِعَبْقَرٍ، وهو مَوْضِعٌ يَعْمَلُ فِيهِ الوَشْيُ والدِيباجُ ونَحْوُهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَبْقَرِيُّ: الزَرابِيُّ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي الطَنافِسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الدِيباجُ الغَلِيظُ، وقَرَأ زُهَيْرٌ الفَرْقَبِيُّ: "رَفارِفُ" بِالجَمْعِ وتَرْكِ الصَرْفِ، وقَرَأ أبُو طَمِعَةَ المَدَنِيُّ، وعاصِمٌ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ-: "رَفارِفٍ" بِالصَرْفِ، وكَذَلِكَ قَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ "رَفارِفٍ وعَباقِرِيٍّ" بِالجَمْعِ والصَرْفِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وغَلِطَ الزَجّاجُ والرُمّانِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ، وقَرَأ أيْضًا عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "عَباقَرَيَ" بِفَتْحِ القافِ والياءِ، وهَذا عَلى أنَّ اسْمَ المَوْضِعِ "عَباقَرَ" بِفَتْحِ القافِ، والصَحِيحُ في اسْمِ المَوْضِعِ "عَبْقَرَ"، قالَ امْرُؤُ القَيْسَ:(p-١٨٥) ؎ كَأنَّ صَلِيلَ المَرْوِ حِينَ تَشُذُّهُ ∗∗∗ صَلِيلُ زُيُوفٍ يَنْتَقِدْنَ بِعَبْقَرا قالَ الخَلِيلُ والأصْمَعِيُّ: العَرَبُ إذا اسْتَحْسَنَتْ شَيْئًا واسْتَجادَتْهُ قالَتْ: عَبْقَرِي. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ الناسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ "» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَبْقَرِيُّ سَيِّدُ القَوْمِ وعَيْنُهُمْ، وقالَ زُهَيْرٌ: ؎ بِخَيْلٍ عَلَيْها جَنَّةُ عَبْقَرِيَّةٌ ∗∗∗ جَدِيرُونَ يَوْمًا أنْ يَنالُوا فَيَسْتَعْلُوا ويُقالُ: عَبْقَرٌ: مَسْكَنٌ لِلْجِنِّ، وقالَ ذُو الرُمَّةِ:(p-١٨٦) ؎ حَتّى كَأنَّ رِياضَ القُفِّ ألْبَسُها ∗∗∗ مِن وشْيِ عَبْقَرَ تَجْلِيلٌ وتَنْجِيدُ وقَرَأ الأعْرَجُ: "خُضُرٌ" بِضَمِّ الضادِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ذِي الجَلالِ" عَلى اتِّباعِ "الرَبِّ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الشامِ: "ذُو الجَلالِ" عَلى اتِّباعِ "الِاسْمِ"، وكَذَلِكَ في الأوَّلِ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "ذِي الجَلالِ" في المَوْضِعَيْنِ، وهَذا المَوْضِعُ مِمّا أُرِيدَ فِيهِ بِالِاسْمِ مُسَمّاهُ، والدُعاءُ بِهاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ حَسَنٌ مَرْجُوُّ الإجابَةِ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "ألَظُّوا بَيا ذا الجَلالِ والإكْرامِ"». كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الرَحْمَنِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

الرحمن 55:72

قوله عزّ وجلّ: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ "خَيْراتٌ" جَمْعُ "خَيْرَةٍ" وهي أفْضَلُ النِساءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-١٨٢) ؎ ولَقَدْ طَعنتُ مَجامِعَ الرَبَلاتِ رَبَلاتِ هِنْدٍ خَيْرَةِ المَلِكاتِ وقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ أخْبِرْنِي عن قَوْلِهِ تَعالى: "خَيْراتٌ حِسانٌ "، قالَ: "خَيْراتُ الأخْلاقِ، حِسانُ الوُجُوهِ"» وقَرَأ أبُو بَكْرِ بْنِ حَبِيبٍ السَهْمِيُّ: "خَيِّراتٌ" بِشَدّ الياءِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مَقْصُوراتٌ" مَعْناهُ: مَحْجُوباتٌ مَصُوناتٌ، وكانَتِ العَرَبُ تَمْدَحُ النِساءَ بِمُلازَمَةِ البُيُوتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ .......... ∗∗∗ وتَغْفُلُ عن إتْيانِهِنَّ فَتُعْذَرُ يَصِفُ أنَّ جِيرانَها يَزُرْنَها ولا تَزُورُهُنَّ، ويُرْوى أنَّ بَيْتَ الأعْشى قَدْ ذَمَّ، وهو قَوْلُهُ: ؎ كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ∗∗∗ مَرُّ السَحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ (p-١٨٣)فَقِيلَ في ذَمِّهِ: هَذِهِ جَوّالَةٌ خَرّاجَةٌ ولّاجَةٌ، ومِن مَدْحِ القَصْرِ قَوْلُ كُثَيِّرٍ: ؎ وأنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ كُلَّ قَصِيرَةٍ ∗∗∗ إلَيَّ ولَمْ تَشْعُرْ بِذاكَ القَصائِرُ ؎ أُرِيدُ قَصِيراتِ الحِجالِ ولَمْ أُرِدْ ∗∗∗ قِصارَ الخُطى، شَرُّ النِساءِ البَحاتِرُ وقالَ الحَسَنُ: مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ: لَيْسَ بِطَوّافاتٍ في الطُرُقِ. و"الخِيامِ": البُيُوتُ مِنَ الخَشَبِ والثُمامِ وسائِرِ الحَشِيشِ، وهي بُيُوتُ المُرْتَحِلِينَ مِنَ العَرَبِ. وخِيامُ الجَنَّةِ: بُيُوتُ اللُؤْلُؤِ، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي دُرٌّ مُجَوَّفٌ، ورَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وإذا كانَ عِنْدَ المَسْكَنِ عِنْدَ العَرَبِ مَن شِعْرٍ فَهو بَيْتٌ، ولا يُقالُ لَهُ خَيْمَةٌ، ومِن هَذا قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ مَتى كانَ الخِيامُ بِذِي طُلُوحٍ ∗∗∗ سَقَيْتُ الغَيْثَ أيَّتُها الخِيامُ (p-١٨٤)وَمِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ أمْرَخٌ خِيامُهم أمْ عُشُرُ؟.... فاسْتَفْهَمَ: هَلْ هم مُنْجِدُونَ أمْ غائِرُونَ؟ لِأنَّ العُشُرَ مِمّا لا يَنْبُتُ إلّا في تِهامَةَ والمَرْخُ مِمّا لا يَنْبُتُ إلّا في نَجْدٍ. و"الرَفْرَفُ": ما تَدَلّى مِنَ الأسْرَةِ مِن غالِي الثِيابِ والبَسْطِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الرَفْرَفُ رِياضُ الجَنَّةِ، والأوَّلُ أصْوَبُ وأبْيَنُ، ووَجْهُ قَوْلِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ مِن: رَفَّ النَبْتُ إذا نَعُمَ وحَسُنَ. وما تَدَلّى حَوْلَ الخِباءِ مِنَ الخِرْقَةِ الشَفّافَةِ يُسَمّى رَفْرَفًا، وكَذَلِكَ يُسَمِّيهِ الناسُ اليَوْمَ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الرَفْرَفُ: المَرافِقُ، و"العَبْقَرِيُّ": بُسُطٌ حِسانٌ فِيها صُوَرٌ وغَيْرُ ذَلِكَ تُصْنَعُ بِعَبْقَرٍ، وهو مَوْضِعٌ يَعْمَلُ فِيهِ الوَشْيُ والدِيباجُ ونَحْوُهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَبْقَرِيُّ: الزَرابِيُّ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي الطَنافِسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الدِيباجُ الغَلِيظُ، وقَرَأ زُهَيْرٌ الفَرْقَبِيُّ: "رَفارِفُ" بِالجَمْعِ وتَرْكِ الصَرْفِ، وقَرَأ أبُو طَمِعَةَ المَدَنِيُّ، وعاصِمٌ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ-: "رَفارِفٍ" بِالصَرْفِ، وكَذَلِكَ قَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ "رَفارِفٍ وعَباقِرِيٍّ" بِالجَمْعِ والصَرْفِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وغَلِطَ الزَجّاجُ والرُمّانِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ، وقَرَأ أيْضًا عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "عَباقَرَيَ" بِفَتْحِ القافِ والياءِ، وهَذا عَلى أنَّ اسْمَ المَوْضِعِ "عَباقَرَ" بِفَتْحِ القافِ، والصَحِيحُ في اسْمِ المَوْضِعِ "عَبْقَرَ"، قالَ امْرُؤُ القَيْسَ:(p-١٨٥) ؎ كَأنَّ صَلِيلَ المَرْوِ حِينَ تَشُذُّهُ ∗∗∗ صَلِيلُ زُيُوفٍ يَنْتَقِدْنَ بِعَبْقَرا قالَ الخَلِيلُ والأصْمَعِيُّ: العَرَبُ إذا اسْتَحْسَنَتْ شَيْئًا واسْتَجادَتْهُ قالَتْ: عَبْقَرِي. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ الناسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ "» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَبْقَرِيُّ سَيِّدُ القَوْمِ وعَيْنُهُمْ، وقالَ زُهَيْرٌ: ؎ بِخَيْلٍ عَلَيْها جَنَّةُ عَبْقَرِيَّةٌ ∗∗∗ جَدِيرُونَ يَوْمًا أنْ يَنالُوا فَيَسْتَعْلُوا ويُقالُ: عَبْقَرٌ: مَسْكَنٌ لِلْجِنِّ، وقالَ ذُو الرُمَّةِ:(p-١٨٦) ؎ حَتّى كَأنَّ رِياضَ القُفِّ ألْبَسُها ∗∗∗ مِن وشْيِ عَبْقَرَ تَجْلِيلٌ وتَنْجِيدُ وقَرَأ الأعْرَجُ: "خُضُرٌ" بِضَمِّ الضادِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ذِي الجَلالِ" عَلى اتِّباعِ "الرَبِّ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الشامِ: "ذُو الجَلالِ" عَلى اتِّباعِ "الِاسْمِ"، وكَذَلِكَ في الأوَّلِ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "ذِي الجَلالِ" في المَوْضِعَيْنِ، وهَذا المَوْضِعُ مِمّا أُرِيدَ فِيهِ بِالِاسْمِ مُسَمّاهُ، والدُعاءُ بِهاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ حَسَنٌ مَرْجُوُّ الإجابَةِ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "ألَظُّوا بَيا ذا الجَلالِ والإكْرامِ"». كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الرَحْمَنِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

الرحمن 55:73

قوله عزّ وجلّ: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ "خَيْراتٌ" جَمْعُ "خَيْرَةٍ" وهي أفْضَلُ النِساءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-١٨٢) ؎ ولَقَدْ طَعنتُ مَجامِعَ الرَبَلاتِ رَبَلاتِ هِنْدٍ خَيْرَةِ المَلِكاتِ وقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ أخْبِرْنِي عن قَوْلِهِ تَعالى: "خَيْراتٌ حِسانٌ "، قالَ: "خَيْراتُ الأخْلاقِ، حِسانُ الوُجُوهِ"» وقَرَأ أبُو بَكْرِ بْنِ حَبِيبٍ السَهْمِيُّ: "خَيِّراتٌ" بِشَدّ الياءِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مَقْصُوراتٌ" مَعْناهُ: مَحْجُوباتٌ مَصُوناتٌ، وكانَتِ العَرَبُ تَمْدَحُ النِساءَ بِمُلازَمَةِ البُيُوتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ .......... ∗∗∗ وتَغْفُلُ عن إتْيانِهِنَّ فَتُعْذَرُ يَصِفُ أنَّ جِيرانَها يَزُرْنَها ولا تَزُورُهُنَّ، ويُرْوى أنَّ بَيْتَ الأعْشى قَدْ ذَمَّ، وهو قَوْلُهُ: ؎ كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ∗∗∗ مَرُّ السَحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ (p-١٨٣)فَقِيلَ في ذَمِّهِ: هَذِهِ جَوّالَةٌ خَرّاجَةٌ ولّاجَةٌ، ومِن مَدْحِ القَصْرِ قَوْلُ كُثَيِّرٍ: ؎ وأنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ كُلَّ قَصِيرَةٍ ∗∗∗ إلَيَّ ولَمْ تَشْعُرْ بِذاكَ القَصائِرُ ؎ أُرِيدُ قَصِيراتِ الحِجالِ ولَمْ أُرِدْ ∗∗∗ قِصارَ الخُطى، شَرُّ النِساءِ البَحاتِرُ وقالَ الحَسَنُ: مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ: لَيْسَ بِطَوّافاتٍ في الطُرُقِ. و"الخِيامِ": البُيُوتُ مِنَ الخَشَبِ والثُمامِ وسائِرِ الحَشِيشِ، وهي بُيُوتُ المُرْتَحِلِينَ مِنَ العَرَبِ. وخِيامُ الجَنَّةِ: بُيُوتُ اللُؤْلُؤِ، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي دُرٌّ مُجَوَّفٌ، ورَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وإذا كانَ عِنْدَ المَسْكَنِ عِنْدَ العَرَبِ مَن شِعْرٍ فَهو بَيْتٌ، ولا يُقالُ لَهُ خَيْمَةٌ، ومِن هَذا قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ مَتى كانَ الخِيامُ بِذِي طُلُوحٍ ∗∗∗ سَقَيْتُ الغَيْثَ أيَّتُها الخِيامُ (p-١٨٤)وَمِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ أمْرَخٌ خِيامُهم أمْ عُشُرُ؟.... فاسْتَفْهَمَ: هَلْ هم مُنْجِدُونَ أمْ غائِرُونَ؟ لِأنَّ العُشُرَ مِمّا لا يَنْبُتُ إلّا في تِهامَةَ والمَرْخُ مِمّا لا يَنْبُتُ إلّا في نَجْدٍ. و"الرَفْرَفُ": ما تَدَلّى مِنَ الأسْرَةِ مِن غالِي الثِيابِ والبَسْطِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الرَفْرَفُ رِياضُ الجَنَّةِ، والأوَّلُ أصْوَبُ وأبْيَنُ، ووَجْهُ قَوْلِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ مِن: رَفَّ النَبْتُ إذا نَعُمَ وحَسُنَ. وما تَدَلّى حَوْلَ الخِباءِ مِنَ الخِرْقَةِ الشَفّافَةِ يُسَمّى رَفْرَفًا، وكَذَلِكَ يُسَمِّيهِ الناسُ اليَوْمَ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الرَفْرَفُ: المَرافِقُ، و"العَبْقَرِيُّ": بُسُطٌ حِسانٌ فِيها صُوَرٌ وغَيْرُ ذَلِكَ تُصْنَعُ بِعَبْقَرٍ، وهو مَوْضِعٌ يَعْمَلُ فِيهِ الوَشْيُ والدِيباجُ ونَحْوُهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَبْقَرِيُّ: الزَرابِيُّ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي الطَنافِسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الدِيباجُ الغَلِيظُ، وقَرَأ زُهَيْرٌ الفَرْقَبِيُّ: "رَفارِفُ" بِالجَمْعِ وتَرْكِ الصَرْفِ، وقَرَأ أبُو طَمِعَةَ المَدَنِيُّ، وعاصِمٌ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ-: "رَفارِفٍ" بِالصَرْفِ، وكَذَلِكَ قَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ "رَفارِفٍ وعَباقِرِيٍّ" بِالجَمْعِ والصَرْفِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وغَلِطَ الزَجّاجُ والرُمّانِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ، وقَرَأ أيْضًا عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "عَباقَرَيَ" بِفَتْحِ القافِ والياءِ، وهَذا عَلى أنَّ اسْمَ المَوْضِعِ "عَباقَرَ" بِفَتْحِ القافِ، والصَحِيحُ في اسْمِ المَوْضِعِ "عَبْقَرَ"، قالَ امْرُؤُ القَيْسَ:(p-١٨٥) ؎ كَأنَّ صَلِيلَ المَرْوِ حِينَ تَشُذُّهُ ∗∗∗ صَلِيلُ زُيُوفٍ يَنْتَقِدْنَ بِعَبْقَرا قالَ الخَلِيلُ والأصْمَعِيُّ: العَرَبُ إذا اسْتَحْسَنَتْ شَيْئًا واسْتَجادَتْهُ قالَتْ: عَبْقَرِي. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ الناسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ "» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَبْقَرِيُّ سَيِّدُ القَوْمِ وعَيْنُهُمْ، وقالَ زُهَيْرٌ: ؎ بِخَيْلٍ عَلَيْها جَنَّةُ عَبْقَرِيَّةٌ ∗∗∗ جَدِيرُونَ يَوْمًا أنْ يَنالُوا فَيَسْتَعْلُوا ويُقالُ: عَبْقَرٌ: مَسْكَنٌ لِلْجِنِّ، وقالَ ذُو الرُمَّةِ:(p-١٨٦) ؎ حَتّى كَأنَّ رِياضَ القُفِّ ألْبَسُها ∗∗∗ مِن وشْيِ عَبْقَرَ تَجْلِيلٌ وتَنْجِيدُ وقَرَأ الأعْرَجُ: "خُضُرٌ" بِضَمِّ الضادِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ذِي الجَلالِ" عَلى اتِّباعِ "الرَبِّ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الشامِ: "ذُو الجَلالِ" عَلى اتِّباعِ "الِاسْمِ"، وكَذَلِكَ في الأوَّلِ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "ذِي الجَلالِ" في المَوْضِعَيْنِ، وهَذا المَوْضِعُ مِمّا أُرِيدَ فِيهِ بِالِاسْمِ مُسَمّاهُ، والدُعاءُ بِهاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ حَسَنٌ مَرْجُوُّ الإجابَةِ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "ألَظُّوا بَيا ذا الجَلالِ والإكْرامِ"». كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الرَحْمَنِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

الرحمن 55:74

قوله عزّ وجلّ: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ "خَيْراتٌ" جَمْعُ "خَيْرَةٍ" وهي أفْضَلُ النِساءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-١٨٢) ؎ ولَقَدْ طَعنتُ مَجامِعَ الرَبَلاتِ رَبَلاتِ هِنْدٍ خَيْرَةِ المَلِكاتِ وقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ أخْبِرْنِي عن قَوْلِهِ تَعالى: "خَيْراتٌ حِسانٌ "، قالَ: "خَيْراتُ الأخْلاقِ، حِسانُ الوُجُوهِ"» وقَرَأ أبُو بَكْرِ بْنِ حَبِيبٍ السَهْمِيُّ: "خَيِّراتٌ" بِشَدّ الياءِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مَقْصُوراتٌ" مَعْناهُ: مَحْجُوباتٌ مَصُوناتٌ، وكانَتِ العَرَبُ تَمْدَحُ النِساءَ بِمُلازَمَةِ البُيُوتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ .......... ∗∗∗ وتَغْفُلُ عن إتْيانِهِنَّ فَتُعْذَرُ يَصِفُ أنَّ جِيرانَها يَزُرْنَها ولا تَزُورُهُنَّ، ويُرْوى أنَّ بَيْتَ الأعْشى قَدْ ذَمَّ، وهو قَوْلُهُ: ؎ كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ∗∗∗ مَرُّ السَحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ (p-١٨٣)فَقِيلَ في ذَمِّهِ: هَذِهِ جَوّالَةٌ خَرّاجَةٌ ولّاجَةٌ، ومِن مَدْحِ القَصْرِ قَوْلُ كُثَيِّرٍ: ؎ وأنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ كُلَّ قَصِيرَةٍ ∗∗∗ إلَيَّ ولَمْ تَشْعُرْ بِذاكَ القَصائِرُ ؎ أُرِيدُ قَصِيراتِ الحِجالِ ولَمْ أُرِدْ ∗∗∗ قِصارَ الخُطى، شَرُّ النِساءِ البَحاتِرُ وقالَ الحَسَنُ: مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ: لَيْسَ بِطَوّافاتٍ في الطُرُقِ. و"الخِيامِ": البُيُوتُ مِنَ الخَشَبِ والثُمامِ وسائِرِ الحَشِيشِ، وهي بُيُوتُ المُرْتَحِلِينَ مِنَ العَرَبِ. وخِيامُ الجَنَّةِ: بُيُوتُ اللُؤْلُؤِ، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي دُرٌّ مُجَوَّفٌ، ورَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وإذا كانَ عِنْدَ المَسْكَنِ عِنْدَ العَرَبِ مَن شِعْرٍ فَهو بَيْتٌ، ولا يُقالُ لَهُ خَيْمَةٌ، ومِن هَذا قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ مَتى كانَ الخِيامُ بِذِي طُلُوحٍ ∗∗∗ سَقَيْتُ الغَيْثَ أيَّتُها الخِيامُ (p-١٨٤)وَمِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ أمْرَخٌ خِيامُهم أمْ عُشُرُ؟.... فاسْتَفْهَمَ: هَلْ هم مُنْجِدُونَ أمْ غائِرُونَ؟ لِأنَّ العُشُرَ مِمّا لا يَنْبُتُ إلّا في تِهامَةَ والمَرْخُ مِمّا لا يَنْبُتُ إلّا في نَجْدٍ. و"الرَفْرَفُ": ما تَدَلّى مِنَ الأسْرَةِ مِن غالِي الثِيابِ والبَسْطِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الرَفْرَفُ رِياضُ الجَنَّةِ، والأوَّلُ أصْوَبُ وأبْيَنُ، ووَجْهُ قَوْلِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ مِن: رَفَّ النَبْتُ إذا نَعُمَ وحَسُنَ. وما تَدَلّى حَوْلَ الخِباءِ مِنَ الخِرْقَةِ الشَفّافَةِ يُسَمّى رَفْرَفًا، وكَذَلِكَ يُسَمِّيهِ الناسُ اليَوْمَ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الرَفْرَفُ: المَرافِقُ، و"العَبْقَرِيُّ": بُسُطٌ حِسانٌ فِيها صُوَرٌ وغَيْرُ ذَلِكَ تُصْنَعُ بِعَبْقَرٍ، وهو مَوْضِعٌ يَعْمَلُ فِيهِ الوَشْيُ والدِيباجُ ونَحْوُهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَبْقَرِيُّ: الزَرابِيُّ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي الطَنافِسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الدِيباجُ الغَلِيظُ، وقَرَأ زُهَيْرٌ الفَرْقَبِيُّ: "رَفارِفُ" بِالجَمْعِ وتَرْكِ الصَرْفِ، وقَرَأ أبُو طَمِعَةَ المَدَنِيُّ، وعاصِمٌ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ-: "رَفارِفٍ" بِالصَرْفِ، وكَذَلِكَ قَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ "رَفارِفٍ وعَباقِرِيٍّ" بِالجَمْعِ والصَرْفِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وغَلِطَ الزَجّاجُ والرُمّانِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ، وقَرَأ أيْضًا عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "عَباقَرَيَ" بِفَتْحِ القافِ والياءِ، وهَذا عَلى أنَّ اسْمَ المَوْضِعِ "عَباقَرَ" بِفَتْحِ القافِ، والصَحِيحُ في اسْمِ المَوْضِعِ "عَبْقَرَ"، قالَ امْرُؤُ القَيْسَ:(p-١٨٥) ؎ كَأنَّ صَلِيلَ المَرْوِ حِينَ تَشُذُّهُ ∗∗∗ صَلِيلُ زُيُوفٍ يَنْتَقِدْنَ بِعَبْقَرا قالَ الخَلِيلُ والأصْمَعِيُّ: العَرَبُ إذا اسْتَحْسَنَتْ شَيْئًا واسْتَجادَتْهُ قالَتْ: عَبْقَرِي. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ الناسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ "» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَبْقَرِيُّ سَيِّدُ القَوْمِ وعَيْنُهُمْ، وقالَ زُهَيْرٌ: ؎ بِخَيْلٍ عَلَيْها جَنَّةُ عَبْقَرِيَّةٌ ∗∗∗ جَدِيرُونَ يَوْمًا أنْ يَنالُوا فَيَسْتَعْلُوا ويُقالُ: عَبْقَرٌ: مَسْكَنٌ لِلْجِنِّ، وقالَ ذُو الرُمَّةِ:(p-١٨٦) ؎ حَتّى كَأنَّ رِياضَ القُفِّ ألْبَسُها ∗∗∗ مِن وشْيِ عَبْقَرَ تَجْلِيلٌ وتَنْجِيدُ وقَرَأ الأعْرَجُ: "خُضُرٌ" بِضَمِّ الضادِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ذِي الجَلالِ" عَلى اتِّباعِ "الرَبِّ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الشامِ: "ذُو الجَلالِ" عَلى اتِّباعِ "الِاسْمِ"، وكَذَلِكَ في الأوَّلِ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "ذِي الجَلالِ" في المَوْضِعَيْنِ، وهَذا المَوْضِعُ مِمّا أُرِيدَ فِيهِ بِالِاسْمِ مُسَمّاهُ، والدُعاءُ بِهاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ حَسَنٌ مَرْجُوُّ الإجابَةِ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "ألَظُّوا بَيا ذا الجَلالِ والإكْرامِ"». كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الرَحْمَنِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

الرحمن 55:75

قوله عزّ وجلّ: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ "خَيْراتٌ" جَمْعُ "خَيْرَةٍ" وهي أفْضَلُ النِساءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-١٨٢) ؎ ولَقَدْ طَعنتُ مَجامِعَ الرَبَلاتِ رَبَلاتِ هِنْدٍ خَيْرَةِ المَلِكاتِ وقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ أخْبِرْنِي عن قَوْلِهِ تَعالى: "خَيْراتٌ حِسانٌ "، قالَ: "خَيْراتُ الأخْلاقِ، حِسانُ الوُجُوهِ"» وقَرَأ أبُو بَكْرِ بْنِ حَبِيبٍ السَهْمِيُّ: "خَيِّراتٌ" بِشَدّ الياءِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مَقْصُوراتٌ" مَعْناهُ: مَحْجُوباتٌ مَصُوناتٌ، وكانَتِ العَرَبُ تَمْدَحُ النِساءَ بِمُلازَمَةِ البُيُوتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ .......... ∗∗∗ وتَغْفُلُ عن إتْيانِهِنَّ فَتُعْذَرُ يَصِفُ أنَّ جِيرانَها يَزُرْنَها ولا تَزُورُهُنَّ، ويُرْوى أنَّ بَيْتَ الأعْشى قَدْ ذَمَّ، وهو قَوْلُهُ: ؎ كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ∗∗∗ مَرُّ السَحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ (p-١٨٣)فَقِيلَ في ذَمِّهِ: هَذِهِ جَوّالَةٌ خَرّاجَةٌ ولّاجَةٌ، ومِن مَدْحِ القَصْرِ قَوْلُ كُثَيِّرٍ: ؎ وأنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ كُلَّ قَصِيرَةٍ ∗∗∗ إلَيَّ ولَمْ تَشْعُرْ بِذاكَ القَصائِرُ ؎ أُرِيدُ قَصِيراتِ الحِجالِ ولَمْ أُرِدْ ∗∗∗ قِصارَ الخُطى، شَرُّ النِساءِ البَحاتِرُ وقالَ الحَسَنُ: مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ: لَيْسَ بِطَوّافاتٍ في الطُرُقِ. و"الخِيامِ": البُيُوتُ مِنَ الخَشَبِ والثُمامِ وسائِرِ الحَشِيشِ، وهي بُيُوتُ المُرْتَحِلِينَ مِنَ العَرَبِ. وخِيامُ الجَنَّةِ: بُيُوتُ اللُؤْلُؤِ، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي دُرٌّ مُجَوَّفٌ، ورَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وإذا كانَ عِنْدَ المَسْكَنِ عِنْدَ العَرَبِ مَن شِعْرٍ فَهو بَيْتٌ، ولا يُقالُ لَهُ خَيْمَةٌ، ومِن هَذا قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ مَتى كانَ الخِيامُ بِذِي طُلُوحٍ ∗∗∗ سَقَيْتُ الغَيْثَ أيَّتُها الخِيامُ (p-١٨٤)وَمِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ أمْرَخٌ خِيامُهم أمْ عُشُرُ؟.... فاسْتَفْهَمَ: هَلْ هم مُنْجِدُونَ أمْ غائِرُونَ؟ لِأنَّ العُشُرَ مِمّا لا يَنْبُتُ إلّا في تِهامَةَ والمَرْخُ مِمّا لا يَنْبُتُ إلّا في نَجْدٍ. و"الرَفْرَفُ": ما تَدَلّى مِنَ الأسْرَةِ مِن غالِي الثِيابِ والبَسْطِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الرَفْرَفُ رِياضُ الجَنَّةِ، والأوَّلُ أصْوَبُ وأبْيَنُ، ووَجْهُ قَوْلِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ مِن: رَفَّ النَبْتُ إذا نَعُمَ وحَسُنَ. وما تَدَلّى حَوْلَ الخِباءِ مِنَ الخِرْقَةِ الشَفّافَةِ يُسَمّى رَفْرَفًا، وكَذَلِكَ يُسَمِّيهِ الناسُ اليَوْمَ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الرَفْرَفُ: المَرافِقُ، و"العَبْقَرِيُّ": بُسُطٌ حِسانٌ فِيها صُوَرٌ وغَيْرُ ذَلِكَ تُصْنَعُ بِعَبْقَرٍ، وهو مَوْضِعٌ يَعْمَلُ فِيهِ الوَشْيُ والدِيباجُ ونَحْوُهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَبْقَرِيُّ: الزَرابِيُّ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي الطَنافِسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الدِيباجُ الغَلِيظُ، وقَرَأ زُهَيْرٌ الفَرْقَبِيُّ: "رَفارِفُ" بِالجَمْعِ وتَرْكِ الصَرْفِ، وقَرَأ أبُو طَمِعَةَ المَدَنِيُّ، وعاصِمٌ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ-: "رَفارِفٍ" بِالصَرْفِ، وكَذَلِكَ قَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ "رَفارِفٍ وعَباقِرِيٍّ" بِالجَمْعِ والصَرْفِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وغَلِطَ الزَجّاجُ والرُمّانِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ، وقَرَأ أيْضًا عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "عَباقَرَيَ" بِفَتْحِ القافِ والياءِ، وهَذا عَلى أنَّ اسْمَ المَوْضِعِ "عَباقَرَ" بِفَتْحِ القافِ، والصَحِيحُ في اسْمِ المَوْضِعِ "عَبْقَرَ"، قالَ امْرُؤُ القَيْسَ:(p-١٨٥) ؎ كَأنَّ صَلِيلَ المَرْوِ حِينَ تَشُذُّهُ ∗∗∗ صَلِيلُ زُيُوفٍ يَنْتَقِدْنَ بِعَبْقَرا قالَ الخَلِيلُ والأصْمَعِيُّ: العَرَبُ إذا اسْتَحْسَنَتْ شَيْئًا واسْتَجادَتْهُ قالَتْ: عَبْقَرِي. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ الناسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ "» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَبْقَرِيُّ سَيِّدُ القَوْمِ وعَيْنُهُمْ، وقالَ زُهَيْرٌ: ؎ بِخَيْلٍ عَلَيْها جَنَّةُ عَبْقَرِيَّةٌ ∗∗∗ جَدِيرُونَ يَوْمًا أنْ يَنالُوا فَيَسْتَعْلُوا ويُقالُ: عَبْقَرٌ: مَسْكَنٌ لِلْجِنِّ، وقالَ ذُو الرُمَّةِ:(p-١٨٦) ؎ حَتّى كَأنَّ رِياضَ القُفِّ ألْبَسُها ∗∗∗ مِن وشْيِ عَبْقَرَ تَجْلِيلٌ وتَنْجِيدُ وقَرَأ الأعْرَجُ: "خُضُرٌ" بِضَمِّ الضادِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ذِي الجَلالِ" عَلى اتِّباعِ "الرَبِّ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الشامِ: "ذُو الجَلالِ" عَلى اتِّباعِ "الِاسْمِ"، وكَذَلِكَ في الأوَّلِ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "ذِي الجَلالِ" في المَوْضِعَيْنِ، وهَذا المَوْضِعُ مِمّا أُرِيدَ فِيهِ بِالِاسْمِ مُسَمّاهُ، والدُعاءُ بِهاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ حَسَنٌ مَرْجُوُّ الإجابَةِ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "ألَظُّوا بَيا ذا الجَلالِ والإكْرامِ"». كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الرَحْمَنِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

الرحمن 55:76

قوله عزّ وجلّ: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ "خَيْراتٌ" جَمْعُ "خَيْرَةٍ" وهي أفْضَلُ النِساءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-١٨٢) ؎ ولَقَدْ طَعنتُ مَجامِعَ الرَبَلاتِ رَبَلاتِ هِنْدٍ خَيْرَةِ المَلِكاتِ وقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ أخْبِرْنِي عن قَوْلِهِ تَعالى: "خَيْراتٌ حِسانٌ "، قالَ: "خَيْراتُ الأخْلاقِ، حِسانُ الوُجُوهِ"» وقَرَأ أبُو بَكْرِ بْنِ حَبِيبٍ السَهْمِيُّ: "خَيِّراتٌ" بِشَدّ الياءِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مَقْصُوراتٌ" مَعْناهُ: مَحْجُوباتٌ مَصُوناتٌ، وكانَتِ العَرَبُ تَمْدَحُ النِساءَ بِمُلازَمَةِ البُيُوتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ .......... ∗∗∗ وتَغْفُلُ عن إتْيانِهِنَّ فَتُعْذَرُ يَصِفُ أنَّ جِيرانَها يَزُرْنَها ولا تَزُورُهُنَّ، ويُرْوى أنَّ بَيْتَ الأعْشى قَدْ ذَمَّ، وهو قَوْلُهُ: ؎ كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ∗∗∗ مَرُّ السَحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ (p-١٨٣)فَقِيلَ في ذَمِّهِ: هَذِهِ جَوّالَةٌ خَرّاجَةٌ ولّاجَةٌ، ومِن مَدْحِ القَصْرِ قَوْلُ كُثَيِّرٍ: ؎ وأنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ كُلَّ قَصِيرَةٍ ∗∗∗ إلَيَّ ولَمْ تَشْعُرْ بِذاكَ القَصائِرُ ؎ أُرِيدُ قَصِيراتِ الحِجالِ ولَمْ أُرِدْ ∗∗∗ قِصارَ الخُطى، شَرُّ النِساءِ البَحاتِرُ وقالَ الحَسَنُ: مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ: لَيْسَ بِطَوّافاتٍ في الطُرُقِ. و"الخِيامِ": البُيُوتُ مِنَ الخَشَبِ والثُمامِ وسائِرِ الحَشِيشِ، وهي بُيُوتُ المُرْتَحِلِينَ مِنَ العَرَبِ. وخِيامُ الجَنَّةِ: بُيُوتُ اللُؤْلُؤِ، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي دُرٌّ مُجَوَّفٌ، ورَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وإذا كانَ عِنْدَ المَسْكَنِ عِنْدَ العَرَبِ مَن شِعْرٍ فَهو بَيْتٌ، ولا يُقالُ لَهُ خَيْمَةٌ، ومِن هَذا قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ مَتى كانَ الخِيامُ بِذِي طُلُوحٍ ∗∗∗ سَقَيْتُ الغَيْثَ أيَّتُها الخِيامُ (p-١٨٤)وَمِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ أمْرَخٌ خِيامُهم أمْ عُشُرُ؟.... فاسْتَفْهَمَ: هَلْ هم مُنْجِدُونَ أمْ غائِرُونَ؟ لِأنَّ العُشُرَ مِمّا لا يَنْبُتُ إلّا في تِهامَةَ والمَرْخُ مِمّا لا يَنْبُتُ إلّا في نَجْدٍ. و"الرَفْرَفُ": ما تَدَلّى مِنَ الأسْرَةِ مِن غالِي الثِيابِ والبَسْطِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الرَفْرَفُ رِياضُ الجَنَّةِ، والأوَّلُ أصْوَبُ وأبْيَنُ، ووَجْهُ قَوْلِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ مِن: رَفَّ النَبْتُ إذا نَعُمَ وحَسُنَ. وما تَدَلّى حَوْلَ الخِباءِ مِنَ الخِرْقَةِ الشَفّافَةِ يُسَمّى رَفْرَفًا، وكَذَلِكَ يُسَمِّيهِ الناسُ اليَوْمَ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الرَفْرَفُ: المَرافِقُ، و"العَبْقَرِيُّ": بُسُطٌ حِسانٌ فِيها صُوَرٌ وغَيْرُ ذَلِكَ تُصْنَعُ بِعَبْقَرٍ، وهو مَوْضِعٌ يَعْمَلُ فِيهِ الوَشْيُ والدِيباجُ ونَحْوُهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَبْقَرِيُّ: الزَرابِيُّ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي الطَنافِسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الدِيباجُ الغَلِيظُ، وقَرَأ زُهَيْرٌ الفَرْقَبِيُّ: "رَفارِفُ" بِالجَمْعِ وتَرْكِ الصَرْفِ، وقَرَأ أبُو طَمِعَةَ المَدَنِيُّ، وعاصِمٌ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ-: "رَفارِفٍ" بِالصَرْفِ، وكَذَلِكَ قَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ "رَفارِفٍ وعَباقِرِيٍّ" بِالجَمْعِ والصَرْفِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وغَلِطَ الزَجّاجُ والرُمّانِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ، وقَرَأ أيْضًا عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "عَباقَرَيَ" بِفَتْحِ القافِ والياءِ، وهَذا عَلى أنَّ اسْمَ المَوْضِعِ "عَباقَرَ" بِفَتْحِ القافِ، والصَحِيحُ في اسْمِ المَوْضِعِ "عَبْقَرَ"، قالَ امْرُؤُ القَيْسَ:(p-١٨٥) ؎ كَأنَّ صَلِيلَ المَرْوِ حِينَ تَشُذُّهُ ∗∗∗ صَلِيلُ زُيُوفٍ يَنْتَقِدْنَ بِعَبْقَرا قالَ الخَلِيلُ والأصْمَعِيُّ: العَرَبُ إذا اسْتَحْسَنَتْ شَيْئًا واسْتَجادَتْهُ قالَتْ: عَبْقَرِي. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ الناسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ "» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَبْقَرِيُّ سَيِّدُ القَوْمِ وعَيْنُهُمْ، وقالَ زُهَيْرٌ: ؎ بِخَيْلٍ عَلَيْها جَنَّةُ عَبْقَرِيَّةٌ ∗∗∗ جَدِيرُونَ يَوْمًا أنْ يَنالُوا فَيَسْتَعْلُوا ويُقالُ: عَبْقَرٌ: مَسْكَنٌ لِلْجِنِّ، وقالَ ذُو الرُمَّةِ:(p-١٨٦) ؎ حَتّى كَأنَّ رِياضَ القُفِّ ألْبَسُها ∗∗∗ مِن وشْيِ عَبْقَرَ تَجْلِيلٌ وتَنْجِيدُ وقَرَأ الأعْرَجُ: "خُضُرٌ" بِضَمِّ الضادِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ذِي الجَلالِ" عَلى اتِّباعِ "الرَبِّ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الشامِ: "ذُو الجَلالِ" عَلى اتِّباعِ "الِاسْمِ"، وكَذَلِكَ في الأوَّلِ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "ذِي الجَلالِ" في المَوْضِعَيْنِ، وهَذا المَوْضِعُ مِمّا أُرِيدَ فِيهِ بِالِاسْمِ مُسَمّاهُ، والدُعاءُ بِهاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ حَسَنٌ مَرْجُوُّ الإجابَةِ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "ألَظُّوا بَيا ذا الجَلالِ والإكْرامِ"». كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الرَحْمَنِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

الرحمن 55:77

قوله عزّ وجلّ: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ "خَيْراتٌ" جَمْعُ "خَيْرَةٍ" وهي أفْضَلُ النِساءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-١٨٢) ؎ ولَقَدْ طَعنتُ مَجامِعَ الرَبَلاتِ رَبَلاتِ هِنْدٍ خَيْرَةِ المَلِكاتِ وقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ أخْبِرْنِي عن قَوْلِهِ تَعالى: "خَيْراتٌ حِسانٌ "، قالَ: "خَيْراتُ الأخْلاقِ، حِسانُ الوُجُوهِ"» وقَرَأ أبُو بَكْرِ بْنِ حَبِيبٍ السَهْمِيُّ: "خَيِّراتٌ" بِشَدّ الياءِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مَقْصُوراتٌ" مَعْناهُ: مَحْجُوباتٌ مَصُوناتٌ، وكانَتِ العَرَبُ تَمْدَحُ النِساءَ بِمُلازَمَةِ البُيُوتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ .......... ∗∗∗ وتَغْفُلُ عن إتْيانِهِنَّ فَتُعْذَرُ يَصِفُ أنَّ جِيرانَها يَزُرْنَها ولا تَزُورُهُنَّ، ويُرْوى أنَّ بَيْتَ الأعْشى قَدْ ذَمَّ، وهو قَوْلُهُ: ؎ كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ∗∗∗ مَرُّ السَحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ (p-١٨٣)فَقِيلَ في ذَمِّهِ: هَذِهِ جَوّالَةٌ خَرّاجَةٌ ولّاجَةٌ، ومِن مَدْحِ القَصْرِ قَوْلُ كُثَيِّرٍ: ؎ وأنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ كُلَّ قَصِيرَةٍ ∗∗∗ إلَيَّ ولَمْ تَشْعُرْ بِذاكَ القَصائِرُ ؎ أُرِيدُ قَصِيراتِ الحِجالِ ولَمْ أُرِدْ ∗∗∗ قِصارَ الخُطى، شَرُّ النِساءِ البَحاتِرُ وقالَ الحَسَنُ: مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ: لَيْسَ بِطَوّافاتٍ في الطُرُقِ. و"الخِيامِ": البُيُوتُ مِنَ الخَشَبِ والثُمامِ وسائِرِ الحَشِيشِ، وهي بُيُوتُ المُرْتَحِلِينَ مِنَ العَرَبِ. وخِيامُ الجَنَّةِ: بُيُوتُ اللُؤْلُؤِ، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي دُرٌّ مُجَوَّفٌ، ورَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وإذا كانَ عِنْدَ المَسْكَنِ عِنْدَ العَرَبِ مَن شِعْرٍ فَهو بَيْتٌ، ولا يُقالُ لَهُ خَيْمَةٌ، ومِن هَذا قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ مَتى كانَ الخِيامُ بِذِي طُلُوحٍ ∗∗∗ سَقَيْتُ الغَيْثَ أيَّتُها الخِيامُ (p-١٨٤)وَمِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ أمْرَخٌ خِيامُهم أمْ عُشُرُ؟.... فاسْتَفْهَمَ: هَلْ هم مُنْجِدُونَ أمْ غائِرُونَ؟ لِأنَّ العُشُرَ مِمّا لا يَنْبُتُ إلّا في تِهامَةَ والمَرْخُ مِمّا لا يَنْبُتُ إلّا في نَجْدٍ. و"الرَفْرَفُ": ما تَدَلّى مِنَ الأسْرَةِ مِن غالِي الثِيابِ والبَسْطِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الرَفْرَفُ رِياضُ الجَنَّةِ، والأوَّلُ أصْوَبُ وأبْيَنُ، ووَجْهُ قَوْلِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ مِن: رَفَّ النَبْتُ إذا نَعُمَ وحَسُنَ. وما تَدَلّى حَوْلَ الخِباءِ مِنَ الخِرْقَةِ الشَفّافَةِ يُسَمّى رَفْرَفًا، وكَذَلِكَ يُسَمِّيهِ الناسُ اليَوْمَ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الرَفْرَفُ: المَرافِقُ، و"العَبْقَرِيُّ": بُسُطٌ حِسانٌ فِيها صُوَرٌ وغَيْرُ ذَلِكَ تُصْنَعُ بِعَبْقَرٍ، وهو مَوْضِعٌ يَعْمَلُ فِيهِ الوَشْيُ والدِيباجُ ونَحْوُهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَبْقَرِيُّ: الزَرابِيُّ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي الطَنافِسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الدِيباجُ الغَلِيظُ، وقَرَأ زُهَيْرٌ الفَرْقَبِيُّ: "رَفارِفُ" بِالجَمْعِ وتَرْكِ الصَرْفِ، وقَرَأ أبُو طَمِعَةَ المَدَنِيُّ، وعاصِمٌ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ-: "رَفارِفٍ" بِالصَرْفِ، وكَذَلِكَ قَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ "رَفارِفٍ وعَباقِرِيٍّ" بِالجَمْعِ والصَرْفِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وغَلِطَ الزَجّاجُ والرُمّانِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ، وقَرَأ أيْضًا عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "عَباقَرَيَ" بِفَتْحِ القافِ والياءِ، وهَذا عَلى أنَّ اسْمَ المَوْضِعِ "عَباقَرَ" بِفَتْحِ القافِ، والصَحِيحُ في اسْمِ المَوْضِعِ "عَبْقَرَ"، قالَ امْرُؤُ القَيْسَ:(p-١٨٥) ؎ كَأنَّ صَلِيلَ المَرْوِ حِينَ تَشُذُّهُ ∗∗∗ صَلِيلُ زُيُوفٍ يَنْتَقِدْنَ بِعَبْقَرا قالَ الخَلِيلُ والأصْمَعِيُّ: العَرَبُ إذا اسْتَحْسَنَتْ شَيْئًا واسْتَجادَتْهُ قالَتْ: عَبْقَرِي. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ الناسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ "» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَبْقَرِيُّ سَيِّدُ القَوْمِ وعَيْنُهُمْ، وقالَ زُهَيْرٌ: ؎ بِخَيْلٍ عَلَيْها جَنَّةُ عَبْقَرِيَّةٌ ∗∗∗ جَدِيرُونَ يَوْمًا أنْ يَنالُوا فَيَسْتَعْلُوا ويُقالُ: عَبْقَرٌ: مَسْكَنٌ لِلْجِنِّ، وقالَ ذُو الرُمَّةِ:(p-١٨٦) ؎ حَتّى كَأنَّ رِياضَ القُفِّ ألْبَسُها ∗∗∗ مِن وشْيِ عَبْقَرَ تَجْلِيلٌ وتَنْجِيدُ وقَرَأ الأعْرَجُ: "خُضُرٌ" بِضَمِّ الضادِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ذِي الجَلالِ" عَلى اتِّباعِ "الرَبِّ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الشامِ: "ذُو الجَلالِ" عَلى اتِّباعِ "الِاسْمِ"، وكَذَلِكَ في الأوَّلِ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "ذِي الجَلالِ" في المَوْضِعَيْنِ، وهَذا المَوْضِعُ مِمّا أُرِيدَ فِيهِ بِالِاسْمِ مُسَمّاهُ، والدُعاءُ بِهاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ حَسَنٌ مَرْجُوُّ الإجابَةِ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "ألَظُّوا بَيا ذا الجَلالِ والإكْرامِ"». كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الرَحْمَنِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

الرحمن 55:78

قوله عزّ وجلّ: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ "خَيْراتٌ" جَمْعُ "خَيْرَةٍ" وهي أفْضَلُ النِساءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-١٨٢) ؎ ولَقَدْ طَعنتُ مَجامِعَ الرَبَلاتِ رَبَلاتِ هِنْدٍ خَيْرَةِ المَلِكاتِ وقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ أخْبِرْنِي عن قَوْلِهِ تَعالى: "خَيْراتٌ حِسانٌ "، قالَ: "خَيْراتُ الأخْلاقِ، حِسانُ الوُجُوهِ"» وقَرَأ أبُو بَكْرِ بْنِ حَبِيبٍ السَهْمِيُّ: "خَيِّراتٌ" بِشَدّ الياءِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مَقْصُوراتٌ" مَعْناهُ: مَحْجُوباتٌ مَصُوناتٌ، وكانَتِ العَرَبُ تَمْدَحُ النِساءَ بِمُلازَمَةِ البُيُوتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ .......... ∗∗∗ وتَغْفُلُ عن إتْيانِهِنَّ فَتُعْذَرُ يَصِفُ أنَّ جِيرانَها يَزُرْنَها ولا تَزُورُهُنَّ، ويُرْوى أنَّ بَيْتَ الأعْشى قَدْ ذَمَّ، وهو قَوْلُهُ: ؎ كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ∗∗∗ مَرُّ السَحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ (p-١٨٣)فَقِيلَ في ذَمِّهِ: هَذِهِ جَوّالَةٌ خَرّاجَةٌ ولّاجَةٌ، ومِن مَدْحِ القَصْرِ قَوْلُ كُثَيِّرٍ: ؎ وأنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ كُلَّ قَصِيرَةٍ ∗∗∗ إلَيَّ ولَمْ تَشْعُرْ بِذاكَ القَصائِرُ ؎ أُرِيدُ قَصِيراتِ الحِجالِ ولَمْ أُرِدْ ∗∗∗ قِصارَ الخُطى، شَرُّ النِساءِ البَحاتِرُ وقالَ الحَسَنُ: مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ: لَيْسَ بِطَوّافاتٍ في الطُرُقِ. و"الخِيامِ": البُيُوتُ مِنَ الخَشَبِ والثُمامِ وسائِرِ الحَشِيشِ، وهي بُيُوتُ المُرْتَحِلِينَ مِنَ العَرَبِ. وخِيامُ الجَنَّةِ: بُيُوتُ اللُؤْلُؤِ، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي دُرٌّ مُجَوَّفٌ، ورَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وإذا كانَ عِنْدَ المَسْكَنِ عِنْدَ العَرَبِ مَن شِعْرٍ فَهو بَيْتٌ، ولا يُقالُ لَهُ خَيْمَةٌ، ومِن هَذا قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ مَتى كانَ الخِيامُ بِذِي طُلُوحٍ ∗∗∗ سَقَيْتُ الغَيْثَ أيَّتُها الخِيامُ (p-١٨٤)وَمِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ أمْرَخٌ خِيامُهم أمْ عُشُرُ؟.... فاسْتَفْهَمَ: هَلْ هم مُنْجِدُونَ أمْ غائِرُونَ؟ لِأنَّ العُشُرَ مِمّا لا يَنْبُتُ إلّا في تِهامَةَ والمَرْخُ مِمّا لا يَنْبُتُ إلّا في نَجْدٍ. و"الرَفْرَفُ": ما تَدَلّى مِنَ الأسْرَةِ مِن غالِي الثِيابِ والبَسْطِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الرَفْرَفُ رِياضُ الجَنَّةِ، والأوَّلُ أصْوَبُ وأبْيَنُ، ووَجْهُ قَوْلِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ مِن: رَفَّ النَبْتُ إذا نَعُمَ وحَسُنَ. وما تَدَلّى حَوْلَ الخِباءِ مِنَ الخِرْقَةِ الشَفّافَةِ يُسَمّى رَفْرَفًا، وكَذَلِكَ يُسَمِّيهِ الناسُ اليَوْمَ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الرَفْرَفُ: المَرافِقُ، و"العَبْقَرِيُّ": بُسُطٌ حِسانٌ فِيها صُوَرٌ وغَيْرُ ذَلِكَ تُصْنَعُ بِعَبْقَرٍ، وهو مَوْضِعٌ يَعْمَلُ فِيهِ الوَشْيُ والدِيباجُ ونَحْوُهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَبْقَرِيُّ: الزَرابِيُّ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي الطَنافِسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الدِيباجُ الغَلِيظُ، وقَرَأ زُهَيْرٌ الفَرْقَبِيُّ: "رَفارِفُ" بِالجَمْعِ وتَرْكِ الصَرْفِ، وقَرَأ أبُو طَمِعَةَ المَدَنِيُّ، وعاصِمٌ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ-: "رَفارِفٍ" بِالصَرْفِ، وكَذَلِكَ قَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ "رَفارِفٍ وعَباقِرِيٍّ" بِالجَمْعِ والصَرْفِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وغَلِطَ الزَجّاجُ والرُمّانِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ، وقَرَأ أيْضًا عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "عَباقَرَيَ" بِفَتْحِ القافِ والياءِ، وهَذا عَلى أنَّ اسْمَ المَوْضِعِ "عَباقَرَ" بِفَتْحِ القافِ، والصَحِيحُ في اسْمِ المَوْضِعِ "عَبْقَرَ"، قالَ امْرُؤُ القَيْسَ:(p-١٨٥) ؎ كَأنَّ صَلِيلَ المَرْوِ حِينَ تَشُذُّهُ ∗∗∗ صَلِيلُ زُيُوفٍ يَنْتَقِدْنَ بِعَبْقَرا قالَ الخَلِيلُ والأصْمَعِيُّ: العَرَبُ إذا اسْتَحْسَنَتْ شَيْئًا واسْتَجادَتْهُ قالَتْ: عَبْقَرِي. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ الناسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ "» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَبْقَرِيُّ سَيِّدُ القَوْمِ وعَيْنُهُمْ، وقالَ زُهَيْرٌ: ؎ بِخَيْلٍ عَلَيْها جَنَّةُ عَبْقَرِيَّةٌ ∗∗∗ جَدِيرُونَ يَوْمًا أنْ يَنالُوا فَيَسْتَعْلُوا ويُقالُ: عَبْقَرٌ: مَسْكَنٌ لِلْجِنِّ، وقالَ ذُو الرُمَّةِ:(p-١٨٦) ؎ حَتّى كَأنَّ رِياضَ القُفِّ ألْبَسُها ∗∗∗ مِن وشْيِ عَبْقَرَ تَجْلِيلٌ وتَنْجِيدُ وقَرَأ الأعْرَجُ: "خُضُرٌ" بِضَمِّ الضادِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ذِي الجَلالِ" عَلى اتِّباعِ "الرَبِّ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الشامِ: "ذُو الجَلالِ" عَلى اتِّباعِ "الِاسْمِ"، وكَذَلِكَ في الأوَّلِ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "ذِي الجَلالِ" في المَوْضِعَيْنِ، وهَذا المَوْضِعُ مِمّا أُرِيدَ فِيهِ بِالِاسْمِ مُسَمّاهُ، والدُعاءُ بِهاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ حَسَنٌ مَرْجُوُّ الإجابَةِ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "ألَظُّوا بَيا ذا الجَلالِ والإكْرامِ"». كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الرَحْمَنِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

الواقعة 56:1

(p-١٨٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الواقِعَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: إنَّ فِيها آياتٍ مَدَنِيَّةً أو مِمّا نَزَلَ في السَفَرِ، وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ ثابِتٍ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "مَن داوَمَ عَلى قِراءَةِ سُورَةِ الواقِعَةِ لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا"،»«وَدَعا عُثْمانُ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إلى عَطائِهِ فَأبى أنْ يَأْخُذَ، فَقِيلَ لَهُ: خُذْ لِلْعِيالِ فَقالَ: إنَّهم يَقْرَؤُونَ سُورَةَ الواقِعَةِ، سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَن قَرَأها لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فِيها ذِكْرُ القِيامَةِ وحُظُوظُ النَفْسِ في الآخِرَةِ، وفَهْمُ ذَلِكَ غِنًى لا فَقْرَ مَعَهُ، مِن فَهِمَهُ شَغَلَ بِالِاسْتِعْدادِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وَبُسَّتِ (p-١٨٨)الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿والسابِقُونَ السابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَعِيمِ﴾ "الواقِعَةُ" اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ كالصاخَّةِ والآزِفَةِ والطامَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذِهِ كُلُّها أسْماءٌ تَقْتَضِي تَعْظِيمَها وتَشْنِيعَ أمْرِها، وقالَ الضَحّاكُ: الواقِعَةُ: الصَيْحَةُ، وهي النَفْخَةُ في الصُورِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الواقِعَةُ صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ تَقَعُ عِنْدَ القِيامَةِ، فَهَذِهِ كُلُّها مَعانٍ لِأجْلِ القِيامَةِ. و"كاذِبَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ وخائِنَةَ الأعْيُنِ، فالمَعْنى: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ ولا رَدٌّ مَثْنَوِيَّةٌ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ والحَسَنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها حالٌ كاذِبَةٌ، ويُحْتَمَلُ -الكَلامُ عَلى هَذا- مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما كاذِبَةٌ أيْ: مَكْذُوبَةٌ فِيما أخْبَرَ بِهِ عنها، وسَمّاها كاذِبَةً لِهَذا، كَما تَقُولُ: قِصَّةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: مَكْذُوبٌ فِيها، والثانِي حالَةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: لا يَمْضِي وُقُوعُها، كَما تَقُولُ: فُلانٌ إذا حَمَلَ لَمْ يَكْذِبْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ رُفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ، أيْ: هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ: "خافِضَةً رافِعَةً" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ بَعْدَ الحالِ الَّتِي هي "لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ"، ولَكَ أنْ تُتابِعَ الأحْوالَ كَما لَكَ أنْ تُتابِعَ أخْبارَ المُبْتَدَأِ، والقِراءَةُ الأُولى أشْهَرُ وأبْرَعُ مَعْنًى، وذَلِكَ أنَّ مَوْقِعَ الحالِ مِنَ الكَلامِ مَوْقِعُ ما لَوْ لَمْ يُذْكَرْ لاسْتُغْنِيَ عنهُ، ومَوْقِعُ الجُمَلِ الَّتِي يَجْزِمُ الخَبَرُ بِها مَوْقِعُ ما يَتَهَمَّمُ بِهِ. واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى هَذا الخَفْضِ والرَفْعِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَتادَةُ، وعُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُراقَةَ: القِيامَةُ تَخْفِضُ أقْوامًا إلى النارِ، وتَرْفَعُ أقْوامًا إلى الجَنَّةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: الصَيْحَةُ تَخْفِضُ صَوْتَها لِتَسْمَعَ الأدْنى، وتَرْفَعُهُ لِتَسْمَعَ الأقْصى، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القِيامَةُ بِتَفَطُّرِ السَماءِ والأرْضِ والجِبالِ، وانْهِدامِ هَذِهِ البِنْيَةِ يَرْفَعُ طائِفَةً مِنَ الأجْرامِ ويَخْفِضُ أُخْرى، فَكَأنَّها عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الهَوْلِ والِاضْطِرابِ. (p-١٨٩)والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "إذا رُجَّتِ" "وَقَعَتِ"؛ لِأنَّ هَذِهِ بَدَلٌ مِن "إذا" الأُولى، وقَدْ قالُوا: إنَّ "وَقَعَتْ" هو العامِلُ في الأُولى، وذَلِكَ لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ فِيهِما قَوِيٌّ، فَهي كَمَن وما في الشَرْطِ يَعْمَلُ فِيها ما بَعْدَها مِنَ الأفْعالِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "وَقَعَتْ" فَلا يَصِحُّ أنْ تَعْمَلَ فِيها، وإنَّما العامِلُ فِيها فِعْلٌ مُقَدَّرٌ. ومَعْنى "رُجَّتْ" زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِعُنْفٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومِنهُ ارْتَجَّ السَهْمُ في الغَرَضِ، إذا اضْطَرَبَ بَعْدَ وُقُوعِهِ، والرَجَّةُ في الناسِ الأمْرُ المُحَرِّكُ. واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ في مَعْنى "بُسَّتْ" - فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: فُتِّتَتْ كَما تُبَسُّ البَسِيسَةُ، وهي السَوِيقُ، ويُقالُ: بَسَسْتُ الدَقِيقَ إذا ثَرَيْتُهُ بِالماءِ وبَقِيَ مُتَفَتِّتًا، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ في هَذا: . ؎ لا تَخْبِزا خَبْزًا وبُسّا بَسّا وقالَ هَذا قَوْلُ لِصٍّ أعْجَلَهُ الخَوْفُ عَنِ العَجِينِ فَقالَ هَذا لِصاحِبَيْهِ. وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: "بُسَّتْ" مَعْناهُ: سُيِّرَتْ، قالُوا: والخُبْزُ: السَيْرُ الشَدِيدُ وضَرْبُ الأرْضِ بِالأيْدِي، والبَسُّ: السَيْرُ الرَفِيقُ، وأنْشَدُوا البَيْتَ: ؎ لا تَخْبِزا خُبْزًا وبُسّا بَسًّا ∗∗∗ وجَنَّباها نَهْشَلًا وعَبْسا ذَكَرَ هَذا أبُو عُثْمانَ اللُغَوِيُّ في كِتابِ "الأفْعالِ". (p-١٩٠)وَ "الهَباءُ": ما يَتَطايَرُ في الهَواءِ مِنَ الأجْزاءِ الدَقِيقَةِ ولا يَكادُ يُرى إلّا في الشَمْسِ إذا دَخَلَتْ مِن كُوَّةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن يَبَسِ النَباتِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن حَوافِرِ الخَيْلِ والدَوابِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الهَباءُ ما يَتَطايَرُ مِن شَرَرِ النارِ فَإذا طُفِيَ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ. و"المُنْبَثُّ": -بِالتاءِ المُثَلَّثَةِ-: الشائِعُ في جَمِيعِ الهَواءِ، وقَرَأ النَخْعِيُّ: "مَنبَتًّا" بِالتاءِ بِنُقْطَتَيْنِ، أيْ: مُتَقَطِّعًا، ذَكَرَ ذَلِكَ الثَعْلَبِيُّ، والقَوْلُ الأوَّلُ في الهَباءِ أحْسَنُ الأقْوالِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَكُنْتُمْ" لِجَمِيعِ العالَمِ؛ لِأنَّ المَوْصُوفِينَ مِن أصْحابِ المَشْأمَةِ لَيْسُوا في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ و"الأزْواجُ": الأنْواعُ والضُرُوبُ، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ مَنازِلُ الناسِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ابْتِداءٌ، و"ما" ابْتِداءٌ ثانٍ و"أصْحابُ المَيْمَنَةِ" خَبَرُ "ما"، والجُمْلَةُ خَبَرُ الِابْتِداءِ الأوَّلِ، وفي الكَلامِ مَعْنى التَعْظِيمِ، كَما تَقُولُ: "زَيْدٌ ما زِيدٌ"، ونَظِيرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ، و"المَيْمَنَةِ" أظْهَرُ ما في اشْتِقاقِها أنَّها مِن ناحِيَةِ اليَمِينِ، وقِيلَ: مِنَ اليُمْنِ، وكَذَلِكَ "المَشْأمَةُ" إمّا أنْ تَكُونَ مِنَ اليَدِ الشُؤْمى، وإمّا أنْ تَكُونَ مِنَ الشُؤْمِ، وقَدْ فُسِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِهَذَيْنَ المَعْنَيَيْنِ؛ إذْ أصْحابُ المَيْمَنَةِ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ والرَبِيعُ، ويُشْبِهُ أنَّ اليُمْنَ والشُؤْمَ إنَّما اشْتُقّا مِنَ اليَمِينِ والشَمالِ، وذَلِكَ عَلى طَرِيقَتِهِمْ في السانِحِ والبارِحِ، وكَذَلِكَ اليُمْنُ والشامُ اشْتُقّا مِنَ اليُمْنى والشُؤْمى. وقَوْلُهُ تَعالى: "والسابِقُونَ" ابْتِداءٌ، و"السابِقُونَ" الثانِي قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هو نَعْتٌ لِلْأوَّلِ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ خَبَرُ الِابْتِداءِ، وهَذا كَما تَقُولُ: الناسُ الناسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى مَعْنى التَفْخِيمِ لِلْأمْرِ وتَعْظِيمِهِ، والمَعْنى هو أنْ تَقُولَ: السابِقُونَ إلى (p-١٩١)الإيمانِ السابِقُونَ إلى الجَنَّةِ والرَحْمَةِ، أُولَئِكَ...، ويَتَّجِهُ هَذا المَعْنى عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وهو في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: "السابِقُونَ" الثانِي صِفَةٌ، و"المُقَرَّبُونَ" مَعْناهُ: مِنَ اللهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ، قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: وهَذِهِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ أنَّ العالَمَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ: مُؤْمِنُونَ هم عَلى يَمِينِ العَرْشِ وهُنالِكَ الجَنَّةُ، وكافِرُونَ، هم عَلى شَمالِ العَرْشِ وهُنالِكَ هي النارُ، والقَوْلُ في يَمِينِ العَرْشِ وشَمالِهِ نَحْوٌ مَنِ الَّذِي مَرَّ في سُورَةِ الكَهْفِ في اليَمِينِ والشَمالِ، وقَدْ قِيلَ في أصْحابِ المَيْمَنَةِ واليَمِينِ: إنَّهم مَن أخَذَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، وُفي أصْحابِ المَشْأمَةِ والشَمالِ: إنَّهم مَن أخَذَهُ بِشَمالِهِ، فَعَلى هَذا لَيْسَتْ نِسْبَةُ اليَمِينِ والشَمالِ إلى العَرْشِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ أطْفالُ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ مَيْمَنَةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَشْأمَتُهُ المَذْكُورَتانِ في حَدِيثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ. و"السابِقُونَ" مَعْناهُ: قَدْ سَبَقَتْ لَهُمُ السَعادَةُ وكانَتْ أعْمالُهم في الدُنْيا سَبْقًا إلى أعْمالِ البِرِّ وإلى تَرْكِ المَعاصِي، فَهَذا عُمُومٌ في جَمِيعِ الناسِ، وخَصَّصَ المُفَسِّرُونَ مِن هَذا أشْياءَ، فَقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: هُمُ السابِقُونَ إلى المَساجِدِ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلُّوا القِبْلَتَيْنِ، وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ، وقِيلَ: هم غَيْرُ هَذا مِمّا هو جُزْءٌ مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ السابِقِينَ فَقالَ: "هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ"،» (p-١٩٢)وَقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فِي جَنَّةِ النَعِيمِ" عَلى الإفْرادِ، و: "المُقَرَّبُونَ" عِبارَةٌ عن أعْلى مَنازِلِ البَشَرِ في الآخِرَةِ، وقِيلَ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ، وقِيلَ لِعامِرِ بْنِ عَبْدِ قَيْسٍ في يَوْمِ حَلْبَةٍ: مَن سَبَقَ؟ فَقالَ: المُقَرَّبُونَ.

الواقعة 56:2

(p-١٨٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الواقِعَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: إنَّ فِيها آياتٍ مَدَنِيَّةً أو مِمّا نَزَلَ في السَفَرِ، وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ ثابِتٍ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "مَن داوَمَ عَلى قِراءَةِ سُورَةِ الواقِعَةِ لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا"،»«وَدَعا عُثْمانُ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إلى عَطائِهِ فَأبى أنْ يَأْخُذَ، فَقِيلَ لَهُ: خُذْ لِلْعِيالِ فَقالَ: إنَّهم يَقْرَؤُونَ سُورَةَ الواقِعَةِ، سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَن قَرَأها لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فِيها ذِكْرُ القِيامَةِ وحُظُوظُ النَفْسِ في الآخِرَةِ، وفَهْمُ ذَلِكَ غِنًى لا فَقْرَ مَعَهُ، مِن فَهِمَهُ شَغَلَ بِالِاسْتِعْدادِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وَبُسَّتِ (p-١٨٨)الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿والسابِقُونَ السابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَعِيمِ﴾ "الواقِعَةُ" اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ كالصاخَّةِ والآزِفَةِ والطامَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذِهِ كُلُّها أسْماءٌ تَقْتَضِي تَعْظِيمَها وتَشْنِيعَ أمْرِها، وقالَ الضَحّاكُ: الواقِعَةُ: الصَيْحَةُ، وهي النَفْخَةُ في الصُورِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الواقِعَةُ صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ تَقَعُ عِنْدَ القِيامَةِ، فَهَذِهِ كُلُّها مَعانٍ لِأجْلِ القِيامَةِ. و"كاذِبَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ وخائِنَةَ الأعْيُنِ، فالمَعْنى: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ ولا رَدٌّ مَثْنَوِيَّةٌ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ والحَسَنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها حالٌ كاذِبَةٌ، ويُحْتَمَلُ -الكَلامُ عَلى هَذا- مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما كاذِبَةٌ أيْ: مَكْذُوبَةٌ فِيما أخْبَرَ بِهِ عنها، وسَمّاها كاذِبَةً لِهَذا، كَما تَقُولُ: قِصَّةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: مَكْذُوبٌ فِيها، والثانِي حالَةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: لا يَمْضِي وُقُوعُها، كَما تَقُولُ: فُلانٌ إذا حَمَلَ لَمْ يَكْذِبْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ رُفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ، أيْ: هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ: "خافِضَةً رافِعَةً" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ بَعْدَ الحالِ الَّتِي هي "لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ"، ولَكَ أنْ تُتابِعَ الأحْوالَ كَما لَكَ أنْ تُتابِعَ أخْبارَ المُبْتَدَأِ، والقِراءَةُ الأُولى أشْهَرُ وأبْرَعُ مَعْنًى، وذَلِكَ أنَّ مَوْقِعَ الحالِ مِنَ الكَلامِ مَوْقِعُ ما لَوْ لَمْ يُذْكَرْ لاسْتُغْنِيَ عنهُ، ومَوْقِعُ الجُمَلِ الَّتِي يَجْزِمُ الخَبَرُ بِها مَوْقِعُ ما يَتَهَمَّمُ بِهِ. واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى هَذا الخَفْضِ والرَفْعِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَتادَةُ، وعُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُراقَةَ: القِيامَةُ تَخْفِضُ أقْوامًا إلى النارِ، وتَرْفَعُ أقْوامًا إلى الجَنَّةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: الصَيْحَةُ تَخْفِضُ صَوْتَها لِتَسْمَعَ الأدْنى، وتَرْفَعُهُ لِتَسْمَعَ الأقْصى، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القِيامَةُ بِتَفَطُّرِ السَماءِ والأرْضِ والجِبالِ، وانْهِدامِ هَذِهِ البِنْيَةِ يَرْفَعُ طائِفَةً مِنَ الأجْرامِ ويَخْفِضُ أُخْرى، فَكَأنَّها عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الهَوْلِ والِاضْطِرابِ. (p-١٨٩)والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "إذا رُجَّتِ" "وَقَعَتِ"؛ لِأنَّ هَذِهِ بَدَلٌ مِن "إذا" الأُولى، وقَدْ قالُوا: إنَّ "وَقَعَتْ" هو العامِلُ في الأُولى، وذَلِكَ لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ فِيهِما قَوِيٌّ، فَهي كَمَن وما في الشَرْطِ يَعْمَلُ فِيها ما بَعْدَها مِنَ الأفْعالِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "وَقَعَتْ" فَلا يَصِحُّ أنْ تَعْمَلَ فِيها، وإنَّما العامِلُ فِيها فِعْلٌ مُقَدَّرٌ. ومَعْنى "رُجَّتْ" زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِعُنْفٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومِنهُ ارْتَجَّ السَهْمُ في الغَرَضِ، إذا اضْطَرَبَ بَعْدَ وُقُوعِهِ، والرَجَّةُ في الناسِ الأمْرُ المُحَرِّكُ. واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ في مَعْنى "بُسَّتْ" - فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: فُتِّتَتْ كَما تُبَسُّ البَسِيسَةُ، وهي السَوِيقُ، ويُقالُ: بَسَسْتُ الدَقِيقَ إذا ثَرَيْتُهُ بِالماءِ وبَقِيَ مُتَفَتِّتًا، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ في هَذا: . ؎ لا تَخْبِزا خَبْزًا وبُسّا بَسّا وقالَ هَذا قَوْلُ لِصٍّ أعْجَلَهُ الخَوْفُ عَنِ العَجِينِ فَقالَ هَذا لِصاحِبَيْهِ. وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: "بُسَّتْ" مَعْناهُ: سُيِّرَتْ، قالُوا: والخُبْزُ: السَيْرُ الشَدِيدُ وضَرْبُ الأرْضِ بِالأيْدِي، والبَسُّ: السَيْرُ الرَفِيقُ، وأنْشَدُوا البَيْتَ: ؎ لا تَخْبِزا خُبْزًا وبُسّا بَسًّا ∗∗∗ وجَنَّباها نَهْشَلًا وعَبْسا ذَكَرَ هَذا أبُو عُثْمانَ اللُغَوِيُّ في كِتابِ "الأفْعالِ". (p-١٩٠)وَ "الهَباءُ": ما يَتَطايَرُ في الهَواءِ مِنَ الأجْزاءِ الدَقِيقَةِ ولا يَكادُ يُرى إلّا في الشَمْسِ إذا دَخَلَتْ مِن كُوَّةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن يَبَسِ النَباتِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن حَوافِرِ الخَيْلِ والدَوابِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الهَباءُ ما يَتَطايَرُ مِن شَرَرِ النارِ فَإذا طُفِيَ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ. و"المُنْبَثُّ": -بِالتاءِ المُثَلَّثَةِ-: الشائِعُ في جَمِيعِ الهَواءِ، وقَرَأ النَخْعِيُّ: "مَنبَتًّا" بِالتاءِ بِنُقْطَتَيْنِ، أيْ: مُتَقَطِّعًا، ذَكَرَ ذَلِكَ الثَعْلَبِيُّ، والقَوْلُ الأوَّلُ في الهَباءِ أحْسَنُ الأقْوالِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَكُنْتُمْ" لِجَمِيعِ العالَمِ؛ لِأنَّ المَوْصُوفِينَ مِن أصْحابِ المَشْأمَةِ لَيْسُوا في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ و"الأزْواجُ": الأنْواعُ والضُرُوبُ، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ مَنازِلُ الناسِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ابْتِداءٌ، و"ما" ابْتِداءٌ ثانٍ و"أصْحابُ المَيْمَنَةِ" خَبَرُ "ما"، والجُمْلَةُ خَبَرُ الِابْتِداءِ الأوَّلِ، وفي الكَلامِ مَعْنى التَعْظِيمِ، كَما تَقُولُ: "زَيْدٌ ما زِيدٌ"، ونَظِيرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ، و"المَيْمَنَةِ" أظْهَرُ ما في اشْتِقاقِها أنَّها مِن ناحِيَةِ اليَمِينِ، وقِيلَ: مِنَ اليُمْنِ، وكَذَلِكَ "المَشْأمَةُ" إمّا أنْ تَكُونَ مِنَ اليَدِ الشُؤْمى، وإمّا أنْ تَكُونَ مِنَ الشُؤْمِ، وقَدْ فُسِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِهَذَيْنَ المَعْنَيَيْنِ؛ إذْ أصْحابُ المَيْمَنَةِ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ والرَبِيعُ، ويُشْبِهُ أنَّ اليُمْنَ والشُؤْمَ إنَّما اشْتُقّا مِنَ اليَمِينِ والشَمالِ، وذَلِكَ عَلى طَرِيقَتِهِمْ في السانِحِ والبارِحِ، وكَذَلِكَ اليُمْنُ والشامُ اشْتُقّا مِنَ اليُمْنى والشُؤْمى. وقَوْلُهُ تَعالى: "والسابِقُونَ" ابْتِداءٌ، و"السابِقُونَ" الثانِي قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هو نَعْتٌ لِلْأوَّلِ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ خَبَرُ الِابْتِداءِ، وهَذا كَما تَقُولُ: الناسُ الناسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى مَعْنى التَفْخِيمِ لِلْأمْرِ وتَعْظِيمِهِ، والمَعْنى هو أنْ تَقُولَ: السابِقُونَ إلى (p-١٩١)الإيمانِ السابِقُونَ إلى الجَنَّةِ والرَحْمَةِ، أُولَئِكَ...، ويَتَّجِهُ هَذا المَعْنى عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وهو في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: "السابِقُونَ" الثانِي صِفَةٌ، و"المُقَرَّبُونَ" مَعْناهُ: مِنَ اللهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ، قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: وهَذِهِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ أنَّ العالَمَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ: مُؤْمِنُونَ هم عَلى يَمِينِ العَرْشِ وهُنالِكَ الجَنَّةُ، وكافِرُونَ، هم عَلى شَمالِ العَرْشِ وهُنالِكَ هي النارُ، والقَوْلُ في يَمِينِ العَرْشِ وشَمالِهِ نَحْوٌ مَنِ الَّذِي مَرَّ في سُورَةِ الكَهْفِ في اليَمِينِ والشَمالِ، وقَدْ قِيلَ في أصْحابِ المَيْمَنَةِ واليَمِينِ: إنَّهم مَن أخَذَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، وُفي أصْحابِ المَشْأمَةِ والشَمالِ: إنَّهم مَن أخَذَهُ بِشَمالِهِ، فَعَلى هَذا لَيْسَتْ نِسْبَةُ اليَمِينِ والشَمالِ إلى العَرْشِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ أطْفالُ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ مَيْمَنَةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَشْأمَتُهُ المَذْكُورَتانِ في حَدِيثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ. و"السابِقُونَ" مَعْناهُ: قَدْ سَبَقَتْ لَهُمُ السَعادَةُ وكانَتْ أعْمالُهم في الدُنْيا سَبْقًا إلى أعْمالِ البِرِّ وإلى تَرْكِ المَعاصِي، فَهَذا عُمُومٌ في جَمِيعِ الناسِ، وخَصَّصَ المُفَسِّرُونَ مِن هَذا أشْياءَ، فَقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: هُمُ السابِقُونَ إلى المَساجِدِ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلُّوا القِبْلَتَيْنِ، وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ، وقِيلَ: هم غَيْرُ هَذا مِمّا هو جُزْءٌ مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ السابِقِينَ فَقالَ: "هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ"،» (p-١٩٢)وَقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فِي جَنَّةِ النَعِيمِ" عَلى الإفْرادِ، و: "المُقَرَّبُونَ" عِبارَةٌ عن أعْلى مَنازِلِ البَشَرِ في الآخِرَةِ، وقِيلَ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ، وقِيلَ لِعامِرِ بْنِ عَبْدِ قَيْسٍ في يَوْمِ حَلْبَةٍ: مَن سَبَقَ؟ فَقالَ: المُقَرَّبُونَ.

الواقعة 56:3

(p-١٨٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الواقِعَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: إنَّ فِيها آياتٍ مَدَنِيَّةً أو مِمّا نَزَلَ في السَفَرِ، وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ ثابِتٍ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "مَن داوَمَ عَلى قِراءَةِ سُورَةِ الواقِعَةِ لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا"،»«وَدَعا عُثْمانُ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إلى عَطائِهِ فَأبى أنْ يَأْخُذَ، فَقِيلَ لَهُ: خُذْ لِلْعِيالِ فَقالَ: إنَّهم يَقْرَؤُونَ سُورَةَ الواقِعَةِ، سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَن قَرَأها لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فِيها ذِكْرُ القِيامَةِ وحُظُوظُ النَفْسِ في الآخِرَةِ، وفَهْمُ ذَلِكَ غِنًى لا فَقْرَ مَعَهُ، مِن فَهِمَهُ شَغَلَ بِالِاسْتِعْدادِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وَبُسَّتِ (p-١٨٨)الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿والسابِقُونَ السابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَعِيمِ﴾ "الواقِعَةُ" اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ كالصاخَّةِ والآزِفَةِ والطامَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذِهِ كُلُّها أسْماءٌ تَقْتَضِي تَعْظِيمَها وتَشْنِيعَ أمْرِها، وقالَ الضَحّاكُ: الواقِعَةُ: الصَيْحَةُ، وهي النَفْخَةُ في الصُورِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الواقِعَةُ صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ تَقَعُ عِنْدَ القِيامَةِ، فَهَذِهِ كُلُّها مَعانٍ لِأجْلِ القِيامَةِ. و"كاذِبَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ وخائِنَةَ الأعْيُنِ، فالمَعْنى: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ ولا رَدٌّ مَثْنَوِيَّةٌ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ والحَسَنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها حالٌ كاذِبَةٌ، ويُحْتَمَلُ -الكَلامُ عَلى هَذا- مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما كاذِبَةٌ أيْ: مَكْذُوبَةٌ فِيما أخْبَرَ بِهِ عنها، وسَمّاها كاذِبَةً لِهَذا، كَما تَقُولُ: قِصَّةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: مَكْذُوبٌ فِيها، والثانِي حالَةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: لا يَمْضِي وُقُوعُها، كَما تَقُولُ: فُلانٌ إذا حَمَلَ لَمْ يَكْذِبْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ رُفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ، أيْ: هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ: "خافِضَةً رافِعَةً" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ بَعْدَ الحالِ الَّتِي هي "لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ"، ولَكَ أنْ تُتابِعَ الأحْوالَ كَما لَكَ أنْ تُتابِعَ أخْبارَ المُبْتَدَأِ، والقِراءَةُ الأُولى أشْهَرُ وأبْرَعُ مَعْنًى، وذَلِكَ أنَّ مَوْقِعَ الحالِ مِنَ الكَلامِ مَوْقِعُ ما لَوْ لَمْ يُذْكَرْ لاسْتُغْنِيَ عنهُ، ومَوْقِعُ الجُمَلِ الَّتِي يَجْزِمُ الخَبَرُ بِها مَوْقِعُ ما يَتَهَمَّمُ بِهِ. واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى هَذا الخَفْضِ والرَفْعِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَتادَةُ، وعُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُراقَةَ: القِيامَةُ تَخْفِضُ أقْوامًا إلى النارِ، وتَرْفَعُ أقْوامًا إلى الجَنَّةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: الصَيْحَةُ تَخْفِضُ صَوْتَها لِتَسْمَعَ الأدْنى، وتَرْفَعُهُ لِتَسْمَعَ الأقْصى، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القِيامَةُ بِتَفَطُّرِ السَماءِ والأرْضِ والجِبالِ، وانْهِدامِ هَذِهِ البِنْيَةِ يَرْفَعُ طائِفَةً مِنَ الأجْرامِ ويَخْفِضُ أُخْرى، فَكَأنَّها عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الهَوْلِ والِاضْطِرابِ. (p-١٨٩)والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "إذا رُجَّتِ" "وَقَعَتِ"؛ لِأنَّ هَذِهِ بَدَلٌ مِن "إذا" الأُولى، وقَدْ قالُوا: إنَّ "وَقَعَتْ" هو العامِلُ في الأُولى، وذَلِكَ لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ فِيهِما قَوِيٌّ، فَهي كَمَن وما في الشَرْطِ يَعْمَلُ فِيها ما بَعْدَها مِنَ الأفْعالِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "وَقَعَتْ" فَلا يَصِحُّ أنْ تَعْمَلَ فِيها، وإنَّما العامِلُ فِيها فِعْلٌ مُقَدَّرٌ. ومَعْنى "رُجَّتْ" زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِعُنْفٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومِنهُ ارْتَجَّ السَهْمُ في الغَرَضِ، إذا اضْطَرَبَ بَعْدَ وُقُوعِهِ، والرَجَّةُ في الناسِ الأمْرُ المُحَرِّكُ. واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ في مَعْنى "بُسَّتْ" - فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: فُتِّتَتْ كَما تُبَسُّ البَسِيسَةُ، وهي السَوِيقُ، ويُقالُ: بَسَسْتُ الدَقِيقَ إذا ثَرَيْتُهُ بِالماءِ وبَقِيَ مُتَفَتِّتًا، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ في هَذا: . ؎ لا تَخْبِزا خَبْزًا وبُسّا بَسّا وقالَ هَذا قَوْلُ لِصٍّ أعْجَلَهُ الخَوْفُ عَنِ العَجِينِ فَقالَ هَذا لِصاحِبَيْهِ. وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: "بُسَّتْ" مَعْناهُ: سُيِّرَتْ، قالُوا: والخُبْزُ: السَيْرُ الشَدِيدُ وضَرْبُ الأرْضِ بِالأيْدِي، والبَسُّ: السَيْرُ الرَفِيقُ، وأنْشَدُوا البَيْتَ: ؎ لا تَخْبِزا خُبْزًا وبُسّا بَسًّا ∗∗∗ وجَنَّباها نَهْشَلًا وعَبْسا ذَكَرَ هَذا أبُو عُثْمانَ اللُغَوِيُّ في كِتابِ "الأفْعالِ". (p-١٩٠)وَ "الهَباءُ": ما يَتَطايَرُ في الهَواءِ مِنَ الأجْزاءِ الدَقِيقَةِ ولا يَكادُ يُرى إلّا في الشَمْسِ إذا دَخَلَتْ مِن كُوَّةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن يَبَسِ النَباتِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن حَوافِرِ الخَيْلِ والدَوابِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الهَباءُ ما يَتَطايَرُ مِن شَرَرِ النارِ فَإذا طُفِيَ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ. و"المُنْبَثُّ": -بِالتاءِ المُثَلَّثَةِ-: الشائِعُ في جَمِيعِ الهَواءِ، وقَرَأ النَخْعِيُّ: "مَنبَتًّا" بِالتاءِ بِنُقْطَتَيْنِ، أيْ: مُتَقَطِّعًا، ذَكَرَ ذَلِكَ الثَعْلَبِيُّ، والقَوْلُ الأوَّلُ في الهَباءِ أحْسَنُ الأقْوالِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَكُنْتُمْ" لِجَمِيعِ العالَمِ؛ لِأنَّ المَوْصُوفِينَ مِن أصْحابِ المَشْأمَةِ لَيْسُوا في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ و"الأزْواجُ": الأنْواعُ والضُرُوبُ، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ مَنازِلُ الناسِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ابْتِداءٌ، و"ما" ابْتِداءٌ ثانٍ و"أصْحابُ المَيْمَنَةِ" خَبَرُ "ما"، والجُمْلَةُ خَبَرُ الِابْتِداءِ الأوَّلِ، وفي الكَلامِ مَعْنى التَعْظِيمِ، كَما تَقُولُ: "زَيْدٌ ما زِيدٌ"، ونَظِيرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ، و"المَيْمَنَةِ" أظْهَرُ ما في اشْتِقاقِها أنَّها مِن ناحِيَةِ اليَمِينِ، وقِيلَ: مِنَ اليُمْنِ، وكَذَلِكَ "المَشْأمَةُ" إمّا أنْ تَكُونَ مِنَ اليَدِ الشُؤْمى، وإمّا أنْ تَكُونَ مِنَ الشُؤْمِ، وقَدْ فُسِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِهَذَيْنَ المَعْنَيَيْنِ؛ إذْ أصْحابُ المَيْمَنَةِ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ والرَبِيعُ، ويُشْبِهُ أنَّ اليُمْنَ والشُؤْمَ إنَّما اشْتُقّا مِنَ اليَمِينِ والشَمالِ، وذَلِكَ عَلى طَرِيقَتِهِمْ في السانِحِ والبارِحِ، وكَذَلِكَ اليُمْنُ والشامُ اشْتُقّا مِنَ اليُمْنى والشُؤْمى. وقَوْلُهُ تَعالى: "والسابِقُونَ" ابْتِداءٌ، و"السابِقُونَ" الثانِي قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هو نَعْتٌ لِلْأوَّلِ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ خَبَرُ الِابْتِداءِ، وهَذا كَما تَقُولُ: الناسُ الناسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى مَعْنى التَفْخِيمِ لِلْأمْرِ وتَعْظِيمِهِ، والمَعْنى هو أنْ تَقُولَ: السابِقُونَ إلى (p-١٩١)الإيمانِ السابِقُونَ إلى الجَنَّةِ والرَحْمَةِ، أُولَئِكَ...، ويَتَّجِهُ هَذا المَعْنى عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وهو في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: "السابِقُونَ" الثانِي صِفَةٌ، و"المُقَرَّبُونَ" مَعْناهُ: مِنَ اللهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ، قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: وهَذِهِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ أنَّ العالَمَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ: مُؤْمِنُونَ هم عَلى يَمِينِ العَرْشِ وهُنالِكَ الجَنَّةُ، وكافِرُونَ، هم عَلى شَمالِ العَرْشِ وهُنالِكَ هي النارُ، والقَوْلُ في يَمِينِ العَرْشِ وشَمالِهِ نَحْوٌ مَنِ الَّذِي مَرَّ في سُورَةِ الكَهْفِ في اليَمِينِ والشَمالِ، وقَدْ قِيلَ في أصْحابِ المَيْمَنَةِ واليَمِينِ: إنَّهم مَن أخَذَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، وُفي أصْحابِ المَشْأمَةِ والشَمالِ: إنَّهم مَن أخَذَهُ بِشَمالِهِ، فَعَلى هَذا لَيْسَتْ نِسْبَةُ اليَمِينِ والشَمالِ إلى العَرْشِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ أطْفالُ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ مَيْمَنَةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَشْأمَتُهُ المَذْكُورَتانِ في حَدِيثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ. و"السابِقُونَ" مَعْناهُ: قَدْ سَبَقَتْ لَهُمُ السَعادَةُ وكانَتْ أعْمالُهم في الدُنْيا سَبْقًا إلى أعْمالِ البِرِّ وإلى تَرْكِ المَعاصِي، فَهَذا عُمُومٌ في جَمِيعِ الناسِ، وخَصَّصَ المُفَسِّرُونَ مِن هَذا أشْياءَ، فَقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: هُمُ السابِقُونَ إلى المَساجِدِ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلُّوا القِبْلَتَيْنِ، وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ، وقِيلَ: هم غَيْرُ هَذا مِمّا هو جُزْءٌ مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ السابِقِينَ فَقالَ: "هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ"،» (p-١٩٢)وَقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فِي جَنَّةِ النَعِيمِ" عَلى الإفْرادِ، و: "المُقَرَّبُونَ" عِبارَةٌ عن أعْلى مَنازِلِ البَشَرِ في الآخِرَةِ، وقِيلَ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ، وقِيلَ لِعامِرِ بْنِ عَبْدِ قَيْسٍ في يَوْمِ حَلْبَةٍ: مَن سَبَقَ؟ فَقالَ: المُقَرَّبُونَ.

الواقعة 56:4

(p-١٨٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الواقِعَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: إنَّ فِيها آياتٍ مَدَنِيَّةً أو مِمّا نَزَلَ في السَفَرِ، وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ ثابِتٍ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "مَن داوَمَ عَلى قِراءَةِ سُورَةِ الواقِعَةِ لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا"،»«وَدَعا عُثْمانُ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إلى عَطائِهِ فَأبى أنْ يَأْخُذَ، فَقِيلَ لَهُ: خُذْ لِلْعِيالِ فَقالَ: إنَّهم يَقْرَؤُونَ سُورَةَ الواقِعَةِ، سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَن قَرَأها لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فِيها ذِكْرُ القِيامَةِ وحُظُوظُ النَفْسِ في الآخِرَةِ، وفَهْمُ ذَلِكَ غِنًى لا فَقْرَ مَعَهُ، مِن فَهِمَهُ شَغَلَ بِالِاسْتِعْدادِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وَبُسَّتِ (p-١٨٨)الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿والسابِقُونَ السابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَعِيمِ﴾ "الواقِعَةُ" اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ كالصاخَّةِ والآزِفَةِ والطامَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذِهِ كُلُّها أسْماءٌ تَقْتَضِي تَعْظِيمَها وتَشْنِيعَ أمْرِها، وقالَ الضَحّاكُ: الواقِعَةُ: الصَيْحَةُ، وهي النَفْخَةُ في الصُورِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الواقِعَةُ صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ تَقَعُ عِنْدَ القِيامَةِ، فَهَذِهِ كُلُّها مَعانٍ لِأجْلِ القِيامَةِ. و"كاذِبَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ وخائِنَةَ الأعْيُنِ، فالمَعْنى: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ ولا رَدٌّ مَثْنَوِيَّةٌ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ والحَسَنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها حالٌ كاذِبَةٌ، ويُحْتَمَلُ -الكَلامُ عَلى هَذا- مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما كاذِبَةٌ أيْ: مَكْذُوبَةٌ فِيما أخْبَرَ بِهِ عنها، وسَمّاها كاذِبَةً لِهَذا، كَما تَقُولُ: قِصَّةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: مَكْذُوبٌ فِيها، والثانِي حالَةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: لا يَمْضِي وُقُوعُها، كَما تَقُولُ: فُلانٌ إذا حَمَلَ لَمْ يَكْذِبْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ رُفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ، أيْ: هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ: "خافِضَةً رافِعَةً" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ بَعْدَ الحالِ الَّتِي هي "لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ"، ولَكَ أنْ تُتابِعَ الأحْوالَ كَما لَكَ أنْ تُتابِعَ أخْبارَ المُبْتَدَأِ، والقِراءَةُ الأُولى أشْهَرُ وأبْرَعُ مَعْنًى، وذَلِكَ أنَّ مَوْقِعَ الحالِ مِنَ الكَلامِ مَوْقِعُ ما لَوْ لَمْ يُذْكَرْ لاسْتُغْنِيَ عنهُ، ومَوْقِعُ الجُمَلِ الَّتِي يَجْزِمُ الخَبَرُ بِها مَوْقِعُ ما يَتَهَمَّمُ بِهِ. واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى هَذا الخَفْضِ والرَفْعِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَتادَةُ، وعُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُراقَةَ: القِيامَةُ تَخْفِضُ أقْوامًا إلى النارِ، وتَرْفَعُ أقْوامًا إلى الجَنَّةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: الصَيْحَةُ تَخْفِضُ صَوْتَها لِتَسْمَعَ الأدْنى، وتَرْفَعُهُ لِتَسْمَعَ الأقْصى، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القِيامَةُ بِتَفَطُّرِ السَماءِ والأرْضِ والجِبالِ، وانْهِدامِ هَذِهِ البِنْيَةِ يَرْفَعُ طائِفَةً مِنَ الأجْرامِ ويَخْفِضُ أُخْرى، فَكَأنَّها عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الهَوْلِ والِاضْطِرابِ. (p-١٨٩)والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "إذا رُجَّتِ" "وَقَعَتِ"؛ لِأنَّ هَذِهِ بَدَلٌ مِن "إذا" الأُولى، وقَدْ قالُوا: إنَّ "وَقَعَتْ" هو العامِلُ في الأُولى، وذَلِكَ لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ فِيهِما قَوِيٌّ، فَهي كَمَن وما في الشَرْطِ يَعْمَلُ فِيها ما بَعْدَها مِنَ الأفْعالِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "وَقَعَتْ" فَلا يَصِحُّ أنْ تَعْمَلَ فِيها، وإنَّما العامِلُ فِيها فِعْلٌ مُقَدَّرٌ. ومَعْنى "رُجَّتْ" زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِعُنْفٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومِنهُ ارْتَجَّ السَهْمُ في الغَرَضِ، إذا اضْطَرَبَ بَعْدَ وُقُوعِهِ، والرَجَّةُ في الناسِ الأمْرُ المُحَرِّكُ. واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ في مَعْنى "بُسَّتْ" - فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: فُتِّتَتْ كَما تُبَسُّ البَسِيسَةُ، وهي السَوِيقُ، ويُقالُ: بَسَسْتُ الدَقِيقَ إذا ثَرَيْتُهُ بِالماءِ وبَقِيَ مُتَفَتِّتًا، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ في هَذا: . ؎ لا تَخْبِزا خَبْزًا وبُسّا بَسّا وقالَ هَذا قَوْلُ لِصٍّ أعْجَلَهُ الخَوْفُ عَنِ العَجِينِ فَقالَ هَذا لِصاحِبَيْهِ. وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: "بُسَّتْ" مَعْناهُ: سُيِّرَتْ، قالُوا: والخُبْزُ: السَيْرُ الشَدِيدُ وضَرْبُ الأرْضِ بِالأيْدِي، والبَسُّ: السَيْرُ الرَفِيقُ، وأنْشَدُوا البَيْتَ: ؎ لا تَخْبِزا خُبْزًا وبُسّا بَسًّا ∗∗∗ وجَنَّباها نَهْشَلًا وعَبْسا ذَكَرَ هَذا أبُو عُثْمانَ اللُغَوِيُّ في كِتابِ "الأفْعالِ". (p-١٩٠)وَ "الهَباءُ": ما يَتَطايَرُ في الهَواءِ مِنَ الأجْزاءِ الدَقِيقَةِ ولا يَكادُ يُرى إلّا في الشَمْسِ إذا دَخَلَتْ مِن كُوَّةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن يَبَسِ النَباتِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن حَوافِرِ الخَيْلِ والدَوابِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الهَباءُ ما يَتَطايَرُ مِن شَرَرِ النارِ فَإذا طُفِيَ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ. و"المُنْبَثُّ": -بِالتاءِ المُثَلَّثَةِ-: الشائِعُ في جَمِيعِ الهَواءِ، وقَرَأ النَخْعِيُّ: "مَنبَتًّا" بِالتاءِ بِنُقْطَتَيْنِ، أيْ: مُتَقَطِّعًا، ذَكَرَ ذَلِكَ الثَعْلَبِيُّ، والقَوْلُ الأوَّلُ في الهَباءِ أحْسَنُ الأقْوالِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَكُنْتُمْ" لِجَمِيعِ العالَمِ؛ لِأنَّ المَوْصُوفِينَ مِن أصْحابِ المَشْأمَةِ لَيْسُوا في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ و"الأزْواجُ": الأنْواعُ والضُرُوبُ، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ مَنازِلُ الناسِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ابْتِداءٌ، و"ما" ابْتِداءٌ ثانٍ و"أصْحابُ المَيْمَنَةِ" خَبَرُ "ما"، والجُمْلَةُ خَبَرُ الِابْتِداءِ الأوَّلِ، وفي الكَلامِ مَعْنى التَعْظِيمِ، كَما تَقُولُ: "زَيْدٌ ما زِيدٌ"، ونَظِيرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ، و"المَيْمَنَةِ" أظْهَرُ ما في اشْتِقاقِها أنَّها مِن ناحِيَةِ اليَمِينِ، وقِيلَ: مِنَ اليُمْنِ، وكَذَلِكَ "المَشْأمَةُ" إمّا أنْ تَكُونَ مِنَ اليَدِ الشُؤْمى، وإمّا أنْ تَكُونَ مِنَ الشُؤْمِ، وقَدْ فُسِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِهَذَيْنَ المَعْنَيَيْنِ؛ إذْ أصْحابُ المَيْمَنَةِ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ والرَبِيعُ، ويُشْبِهُ أنَّ اليُمْنَ والشُؤْمَ إنَّما اشْتُقّا مِنَ اليَمِينِ والشَمالِ، وذَلِكَ عَلى طَرِيقَتِهِمْ في السانِحِ والبارِحِ، وكَذَلِكَ اليُمْنُ والشامُ اشْتُقّا مِنَ اليُمْنى والشُؤْمى. وقَوْلُهُ تَعالى: "والسابِقُونَ" ابْتِداءٌ، و"السابِقُونَ" الثانِي قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هو نَعْتٌ لِلْأوَّلِ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ خَبَرُ الِابْتِداءِ، وهَذا كَما تَقُولُ: الناسُ الناسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى مَعْنى التَفْخِيمِ لِلْأمْرِ وتَعْظِيمِهِ، والمَعْنى هو أنْ تَقُولَ: السابِقُونَ إلى (p-١٩١)الإيمانِ السابِقُونَ إلى الجَنَّةِ والرَحْمَةِ، أُولَئِكَ...، ويَتَّجِهُ هَذا المَعْنى عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وهو في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: "السابِقُونَ" الثانِي صِفَةٌ، و"المُقَرَّبُونَ" مَعْناهُ: مِنَ اللهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ، قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: وهَذِهِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ أنَّ العالَمَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ: مُؤْمِنُونَ هم عَلى يَمِينِ العَرْشِ وهُنالِكَ الجَنَّةُ، وكافِرُونَ، هم عَلى شَمالِ العَرْشِ وهُنالِكَ هي النارُ، والقَوْلُ في يَمِينِ العَرْشِ وشَمالِهِ نَحْوٌ مَنِ الَّذِي مَرَّ في سُورَةِ الكَهْفِ في اليَمِينِ والشَمالِ، وقَدْ قِيلَ في أصْحابِ المَيْمَنَةِ واليَمِينِ: إنَّهم مَن أخَذَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، وُفي أصْحابِ المَشْأمَةِ والشَمالِ: إنَّهم مَن أخَذَهُ بِشَمالِهِ، فَعَلى هَذا لَيْسَتْ نِسْبَةُ اليَمِينِ والشَمالِ إلى العَرْشِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ أطْفالُ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ مَيْمَنَةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَشْأمَتُهُ المَذْكُورَتانِ في حَدِيثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ. و"السابِقُونَ" مَعْناهُ: قَدْ سَبَقَتْ لَهُمُ السَعادَةُ وكانَتْ أعْمالُهم في الدُنْيا سَبْقًا إلى أعْمالِ البِرِّ وإلى تَرْكِ المَعاصِي، فَهَذا عُمُومٌ في جَمِيعِ الناسِ، وخَصَّصَ المُفَسِّرُونَ مِن هَذا أشْياءَ، فَقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: هُمُ السابِقُونَ إلى المَساجِدِ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلُّوا القِبْلَتَيْنِ، وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ، وقِيلَ: هم غَيْرُ هَذا مِمّا هو جُزْءٌ مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ السابِقِينَ فَقالَ: "هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ"،» (p-١٩٢)وَقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فِي جَنَّةِ النَعِيمِ" عَلى الإفْرادِ، و: "المُقَرَّبُونَ" عِبارَةٌ عن أعْلى مَنازِلِ البَشَرِ في الآخِرَةِ، وقِيلَ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ، وقِيلَ لِعامِرِ بْنِ عَبْدِ قَيْسٍ في يَوْمِ حَلْبَةٍ: مَن سَبَقَ؟ فَقالَ: المُقَرَّبُونَ.

الواقعة 56:5

(p-١٨٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الواقِعَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: إنَّ فِيها آياتٍ مَدَنِيَّةً أو مِمّا نَزَلَ في السَفَرِ، وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ ثابِتٍ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "مَن داوَمَ عَلى قِراءَةِ سُورَةِ الواقِعَةِ لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا"،»«وَدَعا عُثْمانُ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إلى عَطائِهِ فَأبى أنْ يَأْخُذَ، فَقِيلَ لَهُ: خُذْ لِلْعِيالِ فَقالَ: إنَّهم يَقْرَؤُونَ سُورَةَ الواقِعَةِ، سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَن قَرَأها لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فِيها ذِكْرُ القِيامَةِ وحُظُوظُ النَفْسِ في الآخِرَةِ، وفَهْمُ ذَلِكَ غِنًى لا فَقْرَ مَعَهُ، مِن فَهِمَهُ شَغَلَ بِالِاسْتِعْدادِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وَبُسَّتِ (p-١٨٨)الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿والسابِقُونَ السابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَعِيمِ﴾ "الواقِعَةُ" اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ كالصاخَّةِ والآزِفَةِ والطامَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذِهِ كُلُّها أسْماءٌ تَقْتَضِي تَعْظِيمَها وتَشْنِيعَ أمْرِها، وقالَ الضَحّاكُ: الواقِعَةُ: الصَيْحَةُ، وهي النَفْخَةُ في الصُورِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الواقِعَةُ صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ تَقَعُ عِنْدَ القِيامَةِ، فَهَذِهِ كُلُّها مَعانٍ لِأجْلِ القِيامَةِ. و"كاذِبَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ وخائِنَةَ الأعْيُنِ، فالمَعْنى: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ ولا رَدٌّ مَثْنَوِيَّةٌ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ والحَسَنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها حالٌ كاذِبَةٌ، ويُحْتَمَلُ -الكَلامُ عَلى هَذا- مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما كاذِبَةٌ أيْ: مَكْذُوبَةٌ فِيما أخْبَرَ بِهِ عنها، وسَمّاها كاذِبَةً لِهَذا، كَما تَقُولُ: قِصَّةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: مَكْذُوبٌ فِيها، والثانِي حالَةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: لا يَمْضِي وُقُوعُها، كَما تَقُولُ: فُلانٌ إذا حَمَلَ لَمْ يَكْذِبْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ رُفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ، أيْ: هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ: "خافِضَةً رافِعَةً" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ بَعْدَ الحالِ الَّتِي هي "لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ"، ولَكَ أنْ تُتابِعَ الأحْوالَ كَما لَكَ أنْ تُتابِعَ أخْبارَ المُبْتَدَأِ، والقِراءَةُ الأُولى أشْهَرُ وأبْرَعُ مَعْنًى، وذَلِكَ أنَّ مَوْقِعَ الحالِ مِنَ الكَلامِ مَوْقِعُ ما لَوْ لَمْ يُذْكَرْ لاسْتُغْنِيَ عنهُ، ومَوْقِعُ الجُمَلِ الَّتِي يَجْزِمُ الخَبَرُ بِها مَوْقِعُ ما يَتَهَمَّمُ بِهِ. واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى هَذا الخَفْضِ والرَفْعِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَتادَةُ، وعُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُراقَةَ: القِيامَةُ تَخْفِضُ أقْوامًا إلى النارِ، وتَرْفَعُ أقْوامًا إلى الجَنَّةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: الصَيْحَةُ تَخْفِضُ صَوْتَها لِتَسْمَعَ الأدْنى، وتَرْفَعُهُ لِتَسْمَعَ الأقْصى، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القِيامَةُ بِتَفَطُّرِ السَماءِ والأرْضِ والجِبالِ، وانْهِدامِ هَذِهِ البِنْيَةِ يَرْفَعُ طائِفَةً مِنَ الأجْرامِ ويَخْفِضُ أُخْرى، فَكَأنَّها عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الهَوْلِ والِاضْطِرابِ. (p-١٨٩)والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "إذا رُجَّتِ" "وَقَعَتِ"؛ لِأنَّ هَذِهِ بَدَلٌ مِن "إذا" الأُولى، وقَدْ قالُوا: إنَّ "وَقَعَتْ" هو العامِلُ في الأُولى، وذَلِكَ لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ فِيهِما قَوِيٌّ، فَهي كَمَن وما في الشَرْطِ يَعْمَلُ فِيها ما بَعْدَها مِنَ الأفْعالِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "وَقَعَتْ" فَلا يَصِحُّ أنْ تَعْمَلَ فِيها، وإنَّما العامِلُ فِيها فِعْلٌ مُقَدَّرٌ. ومَعْنى "رُجَّتْ" زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِعُنْفٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومِنهُ ارْتَجَّ السَهْمُ في الغَرَضِ، إذا اضْطَرَبَ بَعْدَ وُقُوعِهِ، والرَجَّةُ في الناسِ الأمْرُ المُحَرِّكُ. واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ في مَعْنى "بُسَّتْ" - فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: فُتِّتَتْ كَما تُبَسُّ البَسِيسَةُ، وهي السَوِيقُ، ويُقالُ: بَسَسْتُ الدَقِيقَ إذا ثَرَيْتُهُ بِالماءِ وبَقِيَ مُتَفَتِّتًا، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ في هَذا: . ؎ لا تَخْبِزا خَبْزًا وبُسّا بَسّا وقالَ هَذا قَوْلُ لِصٍّ أعْجَلَهُ الخَوْفُ عَنِ العَجِينِ فَقالَ هَذا لِصاحِبَيْهِ. وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: "بُسَّتْ" مَعْناهُ: سُيِّرَتْ، قالُوا: والخُبْزُ: السَيْرُ الشَدِيدُ وضَرْبُ الأرْضِ بِالأيْدِي، والبَسُّ: السَيْرُ الرَفِيقُ، وأنْشَدُوا البَيْتَ: ؎ لا تَخْبِزا خُبْزًا وبُسّا بَسًّا ∗∗∗ وجَنَّباها نَهْشَلًا وعَبْسا ذَكَرَ هَذا أبُو عُثْمانَ اللُغَوِيُّ في كِتابِ "الأفْعالِ". (p-١٩٠)وَ "الهَباءُ": ما يَتَطايَرُ في الهَواءِ مِنَ الأجْزاءِ الدَقِيقَةِ ولا يَكادُ يُرى إلّا في الشَمْسِ إذا دَخَلَتْ مِن كُوَّةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن يَبَسِ النَباتِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن حَوافِرِ الخَيْلِ والدَوابِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الهَباءُ ما يَتَطايَرُ مِن شَرَرِ النارِ فَإذا طُفِيَ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ. و"المُنْبَثُّ": -بِالتاءِ المُثَلَّثَةِ-: الشائِعُ في جَمِيعِ الهَواءِ، وقَرَأ النَخْعِيُّ: "مَنبَتًّا" بِالتاءِ بِنُقْطَتَيْنِ، أيْ: مُتَقَطِّعًا، ذَكَرَ ذَلِكَ الثَعْلَبِيُّ، والقَوْلُ الأوَّلُ في الهَباءِ أحْسَنُ الأقْوالِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَكُنْتُمْ" لِجَمِيعِ العالَمِ؛ لِأنَّ المَوْصُوفِينَ مِن أصْحابِ المَشْأمَةِ لَيْسُوا في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ و"الأزْواجُ": الأنْواعُ والضُرُوبُ، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ مَنازِلُ الناسِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ابْتِداءٌ، و"ما" ابْتِداءٌ ثانٍ و"أصْحابُ المَيْمَنَةِ" خَبَرُ "ما"، والجُمْلَةُ خَبَرُ الِابْتِداءِ الأوَّلِ، وفي الكَلامِ مَعْنى التَعْظِيمِ، كَما تَقُولُ: "زَيْدٌ ما زِيدٌ"، ونَظِيرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ، و"المَيْمَنَةِ" أظْهَرُ ما في اشْتِقاقِها أنَّها مِن ناحِيَةِ اليَمِينِ، وقِيلَ: مِنَ اليُمْنِ، وكَذَلِكَ "المَشْأمَةُ" إمّا أنْ تَكُونَ مِنَ اليَدِ الشُؤْمى، وإمّا أنْ تَكُونَ مِنَ الشُؤْمِ، وقَدْ فُسِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِهَذَيْنَ المَعْنَيَيْنِ؛ إذْ أصْحابُ المَيْمَنَةِ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ والرَبِيعُ، ويُشْبِهُ أنَّ اليُمْنَ والشُؤْمَ إنَّما اشْتُقّا مِنَ اليَمِينِ والشَمالِ، وذَلِكَ عَلى طَرِيقَتِهِمْ في السانِحِ والبارِحِ، وكَذَلِكَ اليُمْنُ والشامُ اشْتُقّا مِنَ اليُمْنى والشُؤْمى. وقَوْلُهُ تَعالى: "والسابِقُونَ" ابْتِداءٌ، و"السابِقُونَ" الثانِي قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هو نَعْتٌ لِلْأوَّلِ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ خَبَرُ الِابْتِداءِ، وهَذا كَما تَقُولُ: الناسُ الناسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى مَعْنى التَفْخِيمِ لِلْأمْرِ وتَعْظِيمِهِ، والمَعْنى هو أنْ تَقُولَ: السابِقُونَ إلى (p-١٩١)الإيمانِ السابِقُونَ إلى الجَنَّةِ والرَحْمَةِ، أُولَئِكَ...، ويَتَّجِهُ هَذا المَعْنى عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وهو في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: "السابِقُونَ" الثانِي صِفَةٌ، و"المُقَرَّبُونَ" مَعْناهُ: مِنَ اللهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ، قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: وهَذِهِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ أنَّ العالَمَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ: مُؤْمِنُونَ هم عَلى يَمِينِ العَرْشِ وهُنالِكَ الجَنَّةُ، وكافِرُونَ، هم عَلى شَمالِ العَرْشِ وهُنالِكَ هي النارُ، والقَوْلُ في يَمِينِ العَرْشِ وشَمالِهِ نَحْوٌ مَنِ الَّذِي مَرَّ في سُورَةِ الكَهْفِ في اليَمِينِ والشَمالِ، وقَدْ قِيلَ في أصْحابِ المَيْمَنَةِ واليَمِينِ: إنَّهم مَن أخَذَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، وُفي أصْحابِ المَشْأمَةِ والشَمالِ: إنَّهم مَن أخَذَهُ بِشَمالِهِ، فَعَلى هَذا لَيْسَتْ نِسْبَةُ اليَمِينِ والشَمالِ إلى العَرْشِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ أطْفالُ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ مَيْمَنَةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَشْأمَتُهُ المَذْكُورَتانِ في حَدِيثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ. و"السابِقُونَ" مَعْناهُ: قَدْ سَبَقَتْ لَهُمُ السَعادَةُ وكانَتْ أعْمالُهم في الدُنْيا سَبْقًا إلى أعْمالِ البِرِّ وإلى تَرْكِ المَعاصِي، فَهَذا عُمُومٌ في جَمِيعِ الناسِ، وخَصَّصَ المُفَسِّرُونَ مِن هَذا أشْياءَ، فَقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: هُمُ السابِقُونَ إلى المَساجِدِ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلُّوا القِبْلَتَيْنِ، وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ، وقِيلَ: هم غَيْرُ هَذا مِمّا هو جُزْءٌ مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ السابِقِينَ فَقالَ: "هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ"،» (p-١٩٢)وَقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فِي جَنَّةِ النَعِيمِ" عَلى الإفْرادِ، و: "المُقَرَّبُونَ" عِبارَةٌ عن أعْلى مَنازِلِ البَشَرِ في الآخِرَةِ، وقِيلَ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ، وقِيلَ لِعامِرِ بْنِ عَبْدِ قَيْسٍ في يَوْمِ حَلْبَةٍ: مَن سَبَقَ؟ فَقالَ: المُقَرَّبُونَ.

الواقعة 56:6

(p-١٨٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الواقِعَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: إنَّ فِيها آياتٍ مَدَنِيَّةً أو مِمّا نَزَلَ في السَفَرِ، وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ ثابِتٍ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "مَن داوَمَ عَلى قِراءَةِ سُورَةِ الواقِعَةِ لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا"،»«وَدَعا عُثْمانُ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إلى عَطائِهِ فَأبى أنْ يَأْخُذَ، فَقِيلَ لَهُ: خُذْ لِلْعِيالِ فَقالَ: إنَّهم يَقْرَؤُونَ سُورَةَ الواقِعَةِ، سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَن قَرَأها لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فِيها ذِكْرُ القِيامَةِ وحُظُوظُ النَفْسِ في الآخِرَةِ، وفَهْمُ ذَلِكَ غِنًى لا فَقْرَ مَعَهُ، مِن فَهِمَهُ شَغَلَ بِالِاسْتِعْدادِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وَبُسَّتِ (p-١٨٨)الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿والسابِقُونَ السابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَعِيمِ﴾ "الواقِعَةُ" اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ كالصاخَّةِ والآزِفَةِ والطامَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذِهِ كُلُّها أسْماءٌ تَقْتَضِي تَعْظِيمَها وتَشْنِيعَ أمْرِها، وقالَ الضَحّاكُ: الواقِعَةُ: الصَيْحَةُ، وهي النَفْخَةُ في الصُورِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الواقِعَةُ صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ تَقَعُ عِنْدَ القِيامَةِ، فَهَذِهِ كُلُّها مَعانٍ لِأجْلِ القِيامَةِ. و"كاذِبَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ وخائِنَةَ الأعْيُنِ، فالمَعْنى: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ ولا رَدٌّ مَثْنَوِيَّةٌ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ والحَسَنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها حالٌ كاذِبَةٌ، ويُحْتَمَلُ -الكَلامُ عَلى هَذا- مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما كاذِبَةٌ أيْ: مَكْذُوبَةٌ فِيما أخْبَرَ بِهِ عنها، وسَمّاها كاذِبَةً لِهَذا، كَما تَقُولُ: قِصَّةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: مَكْذُوبٌ فِيها، والثانِي حالَةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: لا يَمْضِي وُقُوعُها، كَما تَقُولُ: فُلانٌ إذا حَمَلَ لَمْ يَكْذِبْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ رُفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ، أيْ: هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ: "خافِضَةً رافِعَةً" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ بَعْدَ الحالِ الَّتِي هي "لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ"، ولَكَ أنْ تُتابِعَ الأحْوالَ كَما لَكَ أنْ تُتابِعَ أخْبارَ المُبْتَدَأِ، والقِراءَةُ الأُولى أشْهَرُ وأبْرَعُ مَعْنًى، وذَلِكَ أنَّ مَوْقِعَ الحالِ مِنَ الكَلامِ مَوْقِعُ ما لَوْ لَمْ يُذْكَرْ لاسْتُغْنِيَ عنهُ، ومَوْقِعُ الجُمَلِ الَّتِي يَجْزِمُ الخَبَرُ بِها مَوْقِعُ ما يَتَهَمَّمُ بِهِ. واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى هَذا الخَفْضِ والرَفْعِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَتادَةُ، وعُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُراقَةَ: القِيامَةُ تَخْفِضُ أقْوامًا إلى النارِ، وتَرْفَعُ أقْوامًا إلى الجَنَّةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: الصَيْحَةُ تَخْفِضُ صَوْتَها لِتَسْمَعَ الأدْنى، وتَرْفَعُهُ لِتَسْمَعَ الأقْصى، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القِيامَةُ بِتَفَطُّرِ السَماءِ والأرْضِ والجِبالِ، وانْهِدامِ هَذِهِ البِنْيَةِ يَرْفَعُ طائِفَةً مِنَ الأجْرامِ ويَخْفِضُ أُخْرى، فَكَأنَّها عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الهَوْلِ والِاضْطِرابِ. (p-١٨٩)والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "إذا رُجَّتِ" "وَقَعَتِ"؛ لِأنَّ هَذِهِ بَدَلٌ مِن "إذا" الأُولى، وقَدْ قالُوا: إنَّ "وَقَعَتْ" هو العامِلُ في الأُولى، وذَلِكَ لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ فِيهِما قَوِيٌّ، فَهي كَمَن وما في الشَرْطِ يَعْمَلُ فِيها ما بَعْدَها مِنَ الأفْعالِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "وَقَعَتْ" فَلا يَصِحُّ أنْ تَعْمَلَ فِيها، وإنَّما العامِلُ فِيها فِعْلٌ مُقَدَّرٌ. ومَعْنى "رُجَّتْ" زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِعُنْفٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومِنهُ ارْتَجَّ السَهْمُ في الغَرَضِ، إذا اضْطَرَبَ بَعْدَ وُقُوعِهِ، والرَجَّةُ في الناسِ الأمْرُ المُحَرِّكُ. واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ في مَعْنى "بُسَّتْ" - فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: فُتِّتَتْ كَما تُبَسُّ البَسِيسَةُ، وهي السَوِيقُ، ويُقالُ: بَسَسْتُ الدَقِيقَ إذا ثَرَيْتُهُ بِالماءِ وبَقِيَ مُتَفَتِّتًا، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ في هَذا: . ؎ لا تَخْبِزا خَبْزًا وبُسّا بَسّا وقالَ هَذا قَوْلُ لِصٍّ أعْجَلَهُ الخَوْفُ عَنِ العَجِينِ فَقالَ هَذا لِصاحِبَيْهِ. وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: "بُسَّتْ" مَعْناهُ: سُيِّرَتْ، قالُوا: والخُبْزُ: السَيْرُ الشَدِيدُ وضَرْبُ الأرْضِ بِالأيْدِي، والبَسُّ: السَيْرُ الرَفِيقُ، وأنْشَدُوا البَيْتَ: ؎ لا تَخْبِزا خُبْزًا وبُسّا بَسًّا ∗∗∗ وجَنَّباها نَهْشَلًا وعَبْسا ذَكَرَ هَذا أبُو عُثْمانَ اللُغَوِيُّ في كِتابِ "الأفْعالِ". (p-١٩٠)وَ "الهَباءُ": ما يَتَطايَرُ في الهَواءِ مِنَ الأجْزاءِ الدَقِيقَةِ ولا يَكادُ يُرى إلّا في الشَمْسِ إذا دَخَلَتْ مِن كُوَّةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن يَبَسِ النَباتِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن حَوافِرِ الخَيْلِ والدَوابِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الهَباءُ ما يَتَطايَرُ مِن شَرَرِ النارِ فَإذا طُفِيَ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ. و"المُنْبَثُّ": -بِالتاءِ المُثَلَّثَةِ-: الشائِعُ في جَمِيعِ الهَواءِ، وقَرَأ النَخْعِيُّ: "مَنبَتًّا" بِالتاءِ بِنُقْطَتَيْنِ، أيْ: مُتَقَطِّعًا، ذَكَرَ ذَلِكَ الثَعْلَبِيُّ، والقَوْلُ الأوَّلُ في الهَباءِ أحْسَنُ الأقْوالِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَكُنْتُمْ" لِجَمِيعِ العالَمِ؛ لِأنَّ المَوْصُوفِينَ مِن أصْحابِ المَشْأمَةِ لَيْسُوا في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ و"الأزْواجُ": الأنْواعُ والضُرُوبُ، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ مَنازِلُ الناسِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ابْتِداءٌ، و"ما" ابْتِداءٌ ثانٍ و"أصْحابُ المَيْمَنَةِ" خَبَرُ "ما"، والجُمْلَةُ خَبَرُ الِابْتِداءِ الأوَّلِ، وفي الكَلامِ مَعْنى التَعْظِيمِ، كَما تَقُولُ: "زَيْدٌ ما زِيدٌ"، ونَظِيرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ، و"المَيْمَنَةِ" أظْهَرُ ما في اشْتِقاقِها أنَّها مِن ناحِيَةِ اليَمِينِ، وقِيلَ: مِنَ اليُمْنِ، وكَذَلِكَ "المَشْأمَةُ" إمّا أنْ تَكُونَ مِنَ اليَدِ الشُؤْمى، وإمّا أنْ تَكُونَ مِنَ الشُؤْمِ، وقَدْ فُسِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِهَذَيْنَ المَعْنَيَيْنِ؛ إذْ أصْحابُ المَيْمَنَةِ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ والرَبِيعُ، ويُشْبِهُ أنَّ اليُمْنَ والشُؤْمَ إنَّما اشْتُقّا مِنَ اليَمِينِ والشَمالِ، وذَلِكَ عَلى طَرِيقَتِهِمْ في السانِحِ والبارِحِ، وكَذَلِكَ اليُمْنُ والشامُ اشْتُقّا مِنَ اليُمْنى والشُؤْمى. وقَوْلُهُ تَعالى: "والسابِقُونَ" ابْتِداءٌ، و"السابِقُونَ" الثانِي قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هو نَعْتٌ لِلْأوَّلِ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ خَبَرُ الِابْتِداءِ، وهَذا كَما تَقُولُ: الناسُ الناسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى مَعْنى التَفْخِيمِ لِلْأمْرِ وتَعْظِيمِهِ، والمَعْنى هو أنْ تَقُولَ: السابِقُونَ إلى (p-١٩١)الإيمانِ السابِقُونَ إلى الجَنَّةِ والرَحْمَةِ، أُولَئِكَ...، ويَتَّجِهُ هَذا المَعْنى عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وهو في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: "السابِقُونَ" الثانِي صِفَةٌ، و"المُقَرَّبُونَ" مَعْناهُ: مِنَ اللهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ، قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: وهَذِهِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ أنَّ العالَمَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ: مُؤْمِنُونَ هم عَلى يَمِينِ العَرْشِ وهُنالِكَ الجَنَّةُ، وكافِرُونَ، هم عَلى شَمالِ العَرْشِ وهُنالِكَ هي النارُ، والقَوْلُ في يَمِينِ العَرْشِ وشَمالِهِ نَحْوٌ مَنِ الَّذِي مَرَّ في سُورَةِ الكَهْفِ في اليَمِينِ والشَمالِ، وقَدْ قِيلَ في أصْحابِ المَيْمَنَةِ واليَمِينِ: إنَّهم مَن أخَذَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، وُفي أصْحابِ المَشْأمَةِ والشَمالِ: إنَّهم مَن أخَذَهُ بِشَمالِهِ، فَعَلى هَذا لَيْسَتْ نِسْبَةُ اليَمِينِ والشَمالِ إلى العَرْشِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ أطْفالُ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ مَيْمَنَةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَشْأمَتُهُ المَذْكُورَتانِ في حَدِيثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ. و"السابِقُونَ" مَعْناهُ: قَدْ سَبَقَتْ لَهُمُ السَعادَةُ وكانَتْ أعْمالُهم في الدُنْيا سَبْقًا إلى أعْمالِ البِرِّ وإلى تَرْكِ المَعاصِي، فَهَذا عُمُومٌ في جَمِيعِ الناسِ، وخَصَّصَ المُفَسِّرُونَ مِن هَذا أشْياءَ، فَقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: هُمُ السابِقُونَ إلى المَساجِدِ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلُّوا القِبْلَتَيْنِ، وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ، وقِيلَ: هم غَيْرُ هَذا مِمّا هو جُزْءٌ مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ السابِقِينَ فَقالَ: "هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ"،» (p-١٩٢)وَقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فِي جَنَّةِ النَعِيمِ" عَلى الإفْرادِ، و: "المُقَرَّبُونَ" عِبارَةٌ عن أعْلى مَنازِلِ البَشَرِ في الآخِرَةِ، وقِيلَ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ، وقِيلَ لِعامِرِ بْنِ عَبْدِ قَيْسٍ في يَوْمِ حَلْبَةٍ: مَن سَبَقَ؟ فَقالَ: المُقَرَّبُونَ.

الواقعة 56:7

(p-١٨٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الواقِعَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: إنَّ فِيها آياتٍ مَدَنِيَّةً أو مِمّا نَزَلَ في السَفَرِ، وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ ثابِتٍ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "مَن داوَمَ عَلى قِراءَةِ سُورَةِ الواقِعَةِ لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا"،»«وَدَعا عُثْمانُ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إلى عَطائِهِ فَأبى أنْ يَأْخُذَ، فَقِيلَ لَهُ: خُذْ لِلْعِيالِ فَقالَ: إنَّهم يَقْرَؤُونَ سُورَةَ الواقِعَةِ، سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَن قَرَأها لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فِيها ذِكْرُ القِيامَةِ وحُظُوظُ النَفْسِ في الآخِرَةِ، وفَهْمُ ذَلِكَ غِنًى لا فَقْرَ مَعَهُ، مِن فَهِمَهُ شَغَلَ بِالِاسْتِعْدادِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وَبُسَّتِ (p-١٨٨)الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿والسابِقُونَ السابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَعِيمِ﴾ "الواقِعَةُ" اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ كالصاخَّةِ والآزِفَةِ والطامَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذِهِ كُلُّها أسْماءٌ تَقْتَضِي تَعْظِيمَها وتَشْنِيعَ أمْرِها، وقالَ الضَحّاكُ: الواقِعَةُ: الصَيْحَةُ، وهي النَفْخَةُ في الصُورِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الواقِعَةُ صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ تَقَعُ عِنْدَ القِيامَةِ، فَهَذِهِ كُلُّها مَعانٍ لِأجْلِ القِيامَةِ. و"كاذِبَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ وخائِنَةَ الأعْيُنِ، فالمَعْنى: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ ولا رَدٌّ مَثْنَوِيَّةٌ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ والحَسَنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها حالٌ كاذِبَةٌ، ويُحْتَمَلُ -الكَلامُ عَلى هَذا- مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما كاذِبَةٌ أيْ: مَكْذُوبَةٌ فِيما أخْبَرَ بِهِ عنها، وسَمّاها كاذِبَةً لِهَذا، كَما تَقُولُ: قِصَّةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: مَكْذُوبٌ فِيها، والثانِي حالَةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: لا يَمْضِي وُقُوعُها، كَما تَقُولُ: فُلانٌ إذا حَمَلَ لَمْ يَكْذِبْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ رُفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ، أيْ: هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ: "خافِضَةً رافِعَةً" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ بَعْدَ الحالِ الَّتِي هي "لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ"، ولَكَ أنْ تُتابِعَ الأحْوالَ كَما لَكَ أنْ تُتابِعَ أخْبارَ المُبْتَدَأِ، والقِراءَةُ الأُولى أشْهَرُ وأبْرَعُ مَعْنًى، وذَلِكَ أنَّ مَوْقِعَ الحالِ مِنَ الكَلامِ مَوْقِعُ ما لَوْ لَمْ يُذْكَرْ لاسْتُغْنِيَ عنهُ، ومَوْقِعُ الجُمَلِ الَّتِي يَجْزِمُ الخَبَرُ بِها مَوْقِعُ ما يَتَهَمَّمُ بِهِ. واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى هَذا الخَفْضِ والرَفْعِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَتادَةُ، وعُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُراقَةَ: القِيامَةُ تَخْفِضُ أقْوامًا إلى النارِ، وتَرْفَعُ أقْوامًا إلى الجَنَّةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: الصَيْحَةُ تَخْفِضُ صَوْتَها لِتَسْمَعَ الأدْنى، وتَرْفَعُهُ لِتَسْمَعَ الأقْصى، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القِيامَةُ بِتَفَطُّرِ السَماءِ والأرْضِ والجِبالِ، وانْهِدامِ هَذِهِ البِنْيَةِ يَرْفَعُ طائِفَةً مِنَ الأجْرامِ ويَخْفِضُ أُخْرى، فَكَأنَّها عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الهَوْلِ والِاضْطِرابِ. (p-١٨٩)والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "إذا رُجَّتِ" "وَقَعَتِ"؛ لِأنَّ هَذِهِ بَدَلٌ مِن "إذا" الأُولى، وقَدْ قالُوا: إنَّ "وَقَعَتْ" هو العامِلُ في الأُولى، وذَلِكَ لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ فِيهِما قَوِيٌّ، فَهي كَمَن وما في الشَرْطِ يَعْمَلُ فِيها ما بَعْدَها مِنَ الأفْعالِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "وَقَعَتْ" فَلا يَصِحُّ أنْ تَعْمَلَ فِيها، وإنَّما العامِلُ فِيها فِعْلٌ مُقَدَّرٌ. ومَعْنى "رُجَّتْ" زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِعُنْفٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومِنهُ ارْتَجَّ السَهْمُ في الغَرَضِ، إذا اضْطَرَبَ بَعْدَ وُقُوعِهِ، والرَجَّةُ في الناسِ الأمْرُ المُحَرِّكُ. واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ في مَعْنى "بُسَّتْ" - فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: فُتِّتَتْ كَما تُبَسُّ البَسِيسَةُ، وهي السَوِيقُ، ويُقالُ: بَسَسْتُ الدَقِيقَ إذا ثَرَيْتُهُ بِالماءِ وبَقِيَ مُتَفَتِّتًا، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ في هَذا: . ؎ لا تَخْبِزا خَبْزًا وبُسّا بَسّا وقالَ هَذا قَوْلُ لِصٍّ أعْجَلَهُ الخَوْفُ عَنِ العَجِينِ فَقالَ هَذا لِصاحِبَيْهِ. وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: "بُسَّتْ" مَعْناهُ: سُيِّرَتْ، قالُوا: والخُبْزُ: السَيْرُ الشَدِيدُ وضَرْبُ الأرْضِ بِالأيْدِي، والبَسُّ: السَيْرُ الرَفِيقُ، وأنْشَدُوا البَيْتَ: ؎ لا تَخْبِزا خُبْزًا وبُسّا بَسًّا ∗∗∗ وجَنَّباها نَهْشَلًا وعَبْسا ذَكَرَ هَذا أبُو عُثْمانَ اللُغَوِيُّ في كِتابِ "الأفْعالِ". (p-١٩٠)وَ "الهَباءُ": ما يَتَطايَرُ في الهَواءِ مِنَ الأجْزاءِ الدَقِيقَةِ ولا يَكادُ يُرى إلّا في الشَمْسِ إذا دَخَلَتْ مِن كُوَّةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن يَبَسِ النَباتِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن حَوافِرِ الخَيْلِ والدَوابِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الهَباءُ ما يَتَطايَرُ مِن شَرَرِ النارِ فَإذا طُفِيَ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ. و"المُنْبَثُّ": -بِالتاءِ المُثَلَّثَةِ-: الشائِعُ في جَمِيعِ الهَواءِ، وقَرَأ النَخْعِيُّ: "مَنبَتًّا" بِالتاءِ بِنُقْطَتَيْنِ، أيْ: مُتَقَطِّعًا، ذَكَرَ ذَلِكَ الثَعْلَبِيُّ، والقَوْلُ الأوَّلُ في الهَباءِ أحْسَنُ الأقْوالِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَكُنْتُمْ" لِجَمِيعِ العالَمِ؛ لِأنَّ المَوْصُوفِينَ مِن أصْحابِ المَشْأمَةِ لَيْسُوا في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ و"الأزْواجُ": الأنْواعُ والضُرُوبُ، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ مَنازِلُ الناسِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ابْتِداءٌ، و"ما" ابْتِداءٌ ثانٍ و"أصْحابُ المَيْمَنَةِ" خَبَرُ "ما"، والجُمْلَةُ خَبَرُ الِابْتِداءِ الأوَّلِ، وفي الكَلامِ مَعْنى التَعْظِيمِ، كَما تَقُولُ: "زَيْدٌ ما زِيدٌ"، ونَظِيرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ، و"المَيْمَنَةِ" أظْهَرُ ما في اشْتِقاقِها أنَّها مِن ناحِيَةِ اليَمِينِ، وقِيلَ: مِنَ اليُمْنِ، وكَذَلِكَ "المَشْأمَةُ" إمّا أنْ تَكُونَ مِنَ اليَدِ الشُؤْمى، وإمّا أنْ تَكُونَ مِنَ الشُؤْمِ، وقَدْ فُسِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِهَذَيْنَ المَعْنَيَيْنِ؛ إذْ أصْحابُ المَيْمَنَةِ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ والرَبِيعُ، ويُشْبِهُ أنَّ اليُمْنَ والشُؤْمَ إنَّما اشْتُقّا مِنَ اليَمِينِ والشَمالِ، وذَلِكَ عَلى طَرِيقَتِهِمْ في السانِحِ والبارِحِ، وكَذَلِكَ اليُمْنُ والشامُ اشْتُقّا مِنَ اليُمْنى والشُؤْمى. وقَوْلُهُ تَعالى: "والسابِقُونَ" ابْتِداءٌ، و"السابِقُونَ" الثانِي قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هو نَعْتٌ لِلْأوَّلِ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ خَبَرُ الِابْتِداءِ، وهَذا كَما تَقُولُ: الناسُ الناسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى مَعْنى التَفْخِيمِ لِلْأمْرِ وتَعْظِيمِهِ، والمَعْنى هو أنْ تَقُولَ: السابِقُونَ إلى (p-١٩١)الإيمانِ السابِقُونَ إلى الجَنَّةِ والرَحْمَةِ، أُولَئِكَ...، ويَتَّجِهُ هَذا المَعْنى عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وهو في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: "السابِقُونَ" الثانِي صِفَةٌ، و"المُقَرَّبُونَ" مَعْناهُ: مِنَ اللهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ، قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: وهَذِهِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ أنَّ العالَمَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ: مُؤْمِنُونَ هم عَلى يَمِينِ العَرْشِ وهُنالِكَ الجَنَّةُ، وكافِرُونَ، هم عَلى شَمالِ العَرْشِ وهُنالِكَ هي النارُ، والقَوْلُ في يَمِينِ العَرْشِ وشَمالِهِ نَحْوٌ مَنِ الَّذِي مَرَّ في سُورَةِ الكَهْفِ في اليَمِينِ والشَمالِ، وقَدْ قِيلَ في أصْحابِ المَيْمَنَةِ واليَمِينِ: إنَّهم مَن أخَذَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، وُفي أصْحابِ المَشْأمَةِ والشَمالِ: إنَّهم مَن أخَذَهُ بِشَمالِهِ، فَعَلى هَذا لَيْسَتْ نِسْبَةُ اليَمِينِ والشَمالِ إلى العَرْشِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ أطْفالُ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ مَيْمَنَةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَشْأمَتُهُ المَذْكُورَتانِ في حَدِيثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ. و"السابِقُونَ" مَعْناهُ: قَدْ سَبَقَتْ لَهُمُ السَعادَةُ وكانَتْ أعْمالُهم في الدُنْيا سَبْقًا إلى أعْمالِ البِرِّ وإلى تَرْكِ المَعاصِي، فَهَذا عُمُومٌ في جَمِيعِ الناسِ، وخَصَّصَ المُفَسِّرُونَ مِن هَذا أشْياءَ، فَقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: هُمُ السابِقُونَ إلى المَساجِدِ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلُّوا القِبْلَتَيْنِ، وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ، وقِيلَ: هم غَيْرُ هَذا مِمّا هو جُزْءٌ مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ السابِقِينَ فَقالَ: "هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ"،» (p-١٩٢)وَقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فِي جَنَّةِ النَعِيمِ" عَلى الإفْرادِ، و: "المُقَرَّبُونَ" عِبارَةٌ عن أعْلى مَنازِلِ البَشَرِ في الآخِرَةِ، وقِيلَ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ، وقِيلَ لِعامِرِ بْنِ عَبْدِ قَيْسٍ في يَوْمِ حَلْبَةٍ: مَن سَبَقَ؟ فَقالَ: المُقَرَّبُونَ.

الواقعة 56:8

(p-١٨٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الواقِعَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: إنَّ فِيها آياتٍ مَدَنِيَّةً أو مِمّا نَزَلَ في السَفَرِ، وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ ثابِتٍ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "مَن داوَمَ عَلى قِراءَةِ سُورَةِ الواقِعَةِ لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا"،»«وَدَعا عُثْمانُ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إلى عَطائِهِ فَأبى أنْ يَأْخُذَ، فَقِيلَ لَهُ: خُذْ لِلْعِيالِ فَقالَ: إنَّهم يَقْرَؤُونَ سُورَةَ الواقِعَةِ، سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَن قَرَأها لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فِيها ذِكْرُ القِيامَةِ وحُظُوظُ النَفْسِ في الآخِرَةِ، وفَهْمُ ذَلِكَ غِنًى لا فَقْرَ مَعَهُ، مِن فَهِمَهُ شَغَلَ بِالِاسْتِعْدادِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وَبُسَّتِ (p-١٨٨)الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿والسابِقُونَ السابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَعِيمِ﴾ "الواقِعَةُ" اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ كالصاخَّةِ والآزِفَةِ والطامَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذِهِ كُلُّها أسْماءٌ تَقْتَضِي تَعْظِيمَها وتَشْنِيعَ أمْرِها، وقالَ الضَحّاكُ: الواقِعَةُ: الصَيْحَةُ، وهي النَفْخَةُ في الصُورِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الواقِعَةُ صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ تَقَعُ عِنْدَ القِيامَةِ، فَهَذِهِ كُلُّها مَعانٍ لِأجْلِ القِيامَةِ. و"كاذِبَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ وخائِنَةَ الأعْيُنِ، فالمَعْنى: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ ولا رَدٌّ مَثْنَوِيَّةٌ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ والحَسَنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها حالٌ كاذِبَةٌ، ويُحْتَمَلُ -الكَلامُ عَلى هَذا- مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما كاذِبَةٌ أيْ: مَكْذُوبَةٌ فِيما أخْبَرَ بِهِ عنها، وسَمّاها كاذِبَةً لِهَذا، كَما تَقُولُ: قِصَّةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: مَكْذُوبٌ فِيها، والثانِي حالَةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: لا يَمْضِي وُقُوعُها، كَما تَقُولُ: فُلانٌ إذا حَمَلَ لَمْ يَكْذِبْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ رُفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ، أيْ: هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ: "خافِضَةً رافِعَةً" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ بَعْدَ الحالِ الَّتِي هي "لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ"، ولَكَ أنْ تُتابِعَ الأحْوالَ كَما لَكَ أنْ تُتابِعَ أخْبارَ المُبْتَدَأِ، والقِراءَةُ الأُولى أشْهَرُ وأبْرَعُ مَعْنًى، وذَلِكَ أنَّ مَوْقِعَ الحالِ مِنَ الكَلامِ مَوْقِعُ ما لَوْ لَمْ يُذْكَرْ لاسْتُغْنِيَ عنهُ، ومَوْقِعُ الجُمَلِ الَّتِي يَجْزِمُ الخَبَرُ بِها مَوْقِعُ ما يَتَهَمَّمُ بِهِ. واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى هَذا الخَفْضِ والرَفْعِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَتادَةُ، وعُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُراقَةَ: القِيامَةُ تَخْفِضُ أقْوامًا إلى النارِ، وتَرْفَعُ أقْوامًا إلى الجَنَّةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: الصَيْحَةُ تَخْفِضُ صَوْتَها لِتَسْمَعَ الأدْنى، وتَرْفَعُهُ لِتَسْمَعَ الأقْصى، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القِيامَةُ بِتَفَطُّرِ السَماءِ والأرْضِ والجِبالِ، وانْهِدامِ هَذِهِ البِنْيَةِ يَرْفَعُ طائِفَةً مِنَ الأجْرامِ ويَخْفِضُ أُخْرى، فَكَأنَّها عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الهَوْلِ والِاضْطِرابِ. (p-١٨٩)والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "إذا رُجَّتِ" "وَقَعَتِ"؛ لِأنَّ هَذِهِ بَدَلٌ مِن "إذا" الأُولى، وقَدْ قالُوا: إنَّ "وَقَعَتْ" هو العامِلُ في الأُولى، وذَلِكَ لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ فِيهِما قَوِيٌّ، فَهي كَمَن وما في الشَرْطِ يَعْمَلُ فِيها ما بَعْدَها مِنَ الأفْعالِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "وَقَعَتْ" فَلا يَصِحُّ أنْ تَعْمَلَ فِيها، وإنَّما العامِلُ فِيها فِعْلٌ مُقَدَّرٌ. ومَعْنى "رُجَّتْ" زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِعُنْفٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومِنهُ ارْتَجَّ السَهْمُ في الغَرَضِ، إذا اضْطَرَبَ بَعْدَ وُقُوعِهِ، والرَجَّةُ في الناسِ الأمْرُ المُحَرِّكُ. واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ في مَعْنى "بُسَّتْ" - فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: فُتِّتَتْ كَما تُبَسُّ البَسِيسَةُ، وهي السَوِيقُ، ويُقالُ: بَسَسْتُ الدَقِيقَ إذا ثَرَيْتُهُ بِالماءِ وبَقِيَ مُتَفَتِّتًا، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ في هَذا: . ؎ لا تَخْبِزا خَبْزًا وبُسّا بَسّا وقالَ هَذا قَوْلُ لِصٍّ أعْجَلَهُ الخَوْفُ عَنِ العَجِينِ فَقالَ هَذا لِصاحِبَيْهِ. وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: "بُسَّتْ" مَعْناهُ: سُيِّرَتْ، قالُوا: والخُبْزُ: السَيْرُ الشَدِيدُ وضَرْبُ الأرْضِ بِالأيْدِي، والبَسُّ: السَيْرُ الرَفِيقُ، وأنْشَدُوا البَيْتَ: ؎ لا تَخْبِزا خُبْزًا وبُسّا بَسًّا ∗∗∗ وجَنَّباها نَهْشَلًا وعَبْسا ذَكَرَ هَذا أبُو عُثْمانَ اللُغَوِيُّ في كِتابِ "الأفْعالِ". (p-١٩٠)وَ "الهَباءُ": ما يَتَطايَرُ في الهَواءِ مِنَ الأجْزاءِ الدَقِيقَةِ ولا يَكادُ يُرى إلّا في الشَمْسِ إذا دَخَلَتْ مِن كُوَّةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن يَبَسِ النَباتِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن حَوافِرِ الخَيْلِ والدَوابِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الهَباءُ ما يَتَطايَرُ مِن شَرَرِ النارِ فَإذا طُفِيَ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ. و"المُنْبَثُّ": -بِالتاءِ المُثَلَّثَةِ-: الشائِعُ في جَمِيعِ الهَواءِ، وقَرَأ النَخْعِيُّ: "مَنبَتًّا" بِالتاءِ بِنُقْطَتَيْنِ، أيْ: مُتَقَطِّعًا، ذَكَرَ ذَلِكَ الثَعْلَبِيُّ، والقَوْلُ الأوَّلُ في الهَباءِ أحْسَنُ الأقْوالِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَكُنْتُمْ" لِجَمِيعِ العالَمِ؛ لِأنَّ المَوْصُوفِينَ مِن أصْحابِ المَشْأمَةِ لَيْسُوا في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ و"الأزْواجُ": الأنْواعُ والضُرُوبُ، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ مَنازِلُ الناسِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ابْتِداءٌ، و"ما" ابْتِداءٌ ثانٍ و"أصْحابُ المَيْمَنَةِ" خَبَرُ "ما"، والجُمْلَةُ خَبَرُ الِابْتِداءِ الأوَّلِ، وفي الكَلامِ مَعْنى التَعْظِيمِ، كَما تَقُولُ: "زَيْدٌ ما زِيدٌ"، ونَظِيرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ، و"المَيْمَنَةِ" أظْهَرُ ما في اشْتِقاقِها أنَّها مِن ناحِيَةِ اليَمِينِ، وقِيلَ: مِنَ اليُمْنِ، وكَذَلِكَ "المَشْأمَةُ" إمّا أنْ تَكُونَ مِنَ اليَدِ الشُؤْمى، وإمّا أنْ تَكُونَ مِنَ الشُؤْمِ، وقَدْ فُسِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِهَذَيْنَ المَعْنَيَيْنِ؛ إذْ أصْحابُ المَيْمَنَةِ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ والرَبِيعُ، ويُشْبِهُ أنَّ اليُمْنَ والشُؤْمَ إنَّما اشْتُقّا مِنَ اليَمِينِ والشَمالِ، وذَلِكَ عَلى طَرِيقَتِهِمْ في السانِحِ والبارِحِ، وكَذَلِكَ اليُمْنُ والشامُ اشْتُقّا مِنَ اليُمْنى والشُؤْمى. وقَوْلُهُ تَعالى: "والسابِقُونَ" ابْتِداءٌ، و"السابِقُونَ" الثانِي قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هو نَعْتٌ لِلْأوَّلِ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ خَبَرُ الِابْتِداءِ، وهَذا كَما تَقُولُ: الناسُ الناسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى مَعْنى التَفْخِيمِ لِلْأمْرِ وتَعْظِيمِهِ، والمَعْنى هو أنْ تَقُولَ: السابِقُونَ إلى (p-١٩١)الإيمانِ السابِقُونَ إلى الجَنَّةِ والرَحْمَةِ، أُولَئِكَ...، ويَتَّجِهُ هَذا المَعْنى عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وهو في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: "السابِقُونَ" الثانِي صِفَةٌ، و"المُقَرَّبُونَ" مَعْناهُ: مِنَ اللهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ، قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: وهَذِهِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ أنَّ العالَمَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ: مُؤْمِنُونَ هم عَلى يَمِينِ العَرْشِ وهُنالِكَ الجَنَّةُ، وكافِرُونَ، هم عَلى شَمالِ العَرْشِ وهُنالِكَ هي النارُ، والقَوْلُ في يَمِينِ العَرْشِ وشَمالِهِ نَحْوٌ مَنِ الَّذِي مَرَّ في سُورَةِ الكَهْفِ في اليَمِينِ والشَمالِ، وقَدْ قِيلَ في أصْحابِ المَيْمَنَةِ واليَمِينِ: إنَّهم مَن أخَذَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، وُفي أصْحابِ المَشْأمَةِ والشَمالِ: إنَّهم مَن أخَذَهُ بِشَمالِهِ، فَعَلى هَذا لَيْسَتْ نِسْبَةُ اليَمِينِ والشَمالِ إلى العَرْشِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ أطْفالُ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ مَيْمَنَةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَشْأمَتُهُ المَذْكُورَتانِ في حَدِيثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ. و"السابِقُونَ" مَعْناهُ: قَدْ سَبَقَتْ لَهُمُ السَعادَةُ وكانَتْ أعْمالُهم في الدُنْيا سَبْقًا إلى أعْمالِ البِرِّ وإلى تَرْكِ المَعاصِي، فَهَذا عُمُومٌ في جَمِيعِ الناسِ، وخَصَّصَ المُفَسِّرُونَ مِن هَذا أشْياءَ، فَقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: هُمُ السابِقُونَ إلى المَساجِدِ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلُّوا القِبْلَتَيْنِ، وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ، وقِيلَ: هم غَيْرُ هَذا مِمّا هو جُزْءٌ مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ السابِقِينَ فَقالَ: "هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ"،» (p-١٩٢)وَقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فِي جَنَّةِ النَعِيمِ" عَلى الإفْرادِ، و: "المُقَرَّبُونَ" عِبارَةٌ عن أعْلى مَنازِلِ البَشَرِ في الآخِرَةِ، وقِيلَ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ، وقِيلَ لِعامِرِ بْنِ عَبْدِ قَيْسٍ في يَوْمِ حَلْبَةٍ: مَن سَبَقَ؟ فَقالَ: المُقَرَّبُونَ.

الواقعة 56:9

(p-١٨٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الواقِعَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: إنَّ فِيها آياتٍ مَدَنِيَّةً أو مِمّا نَزَلَ في السَفَرِ، وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ ثابِتٍ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "مَن داوَمَ عَلى قِراءَةِ سُورَةِ الواقِعَةِ لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا"،»«وَدَعا عُثْمانُ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إلى عَطائِهِ فَأبى أنْ يَأْخُذَ، فَقِيلَ لَهُ: خُذْ لِلْعِيالِ فَقالَ: إنَّهم يَقْرَؤُونَ سُورَةَ الواقِعَةِ، سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَن قَرَأها لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فِيها ذِكْرُ القِيامَةِ وحُظُوظُ النَفْسِ في الآخِرَةِ، وفَهْمُ ذَلِكَ غِنًى لا فَقْرَ مَعَهُ، مِن فَهِمَهُ شَغَلَ بِالِاسْتِعْدادِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وَبُسَّتِ (p-١٨٨)الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿والسابِقُونَ السابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَعِيمِ﴾ "الواقِعَةُ" اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ كالصاخَّةِ والآزِفَةِ والطامَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذِهِ كُلُّها أسْماءٌ تَقْتَضِي تَعْظِيمَها وتَشْنِيعَ أمْرِها، وقالَ الضَحّاكُ: الواقِعَةُ: الصَيْحَةُ، وهي النَفْخَةُ في الصُورِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الواقِعَةُ صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ تَقَعُ عِنْدَ القِيامَةِ، فَهَذِهِ كُلُّها مَعانٍ لِأجْلِ القِيامَةِ. و"كاذِبَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ وخائِنَةَ الأعْيُنِ، فالمَعْنى: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ ولا رَدٌّ مَثْنَوِيَّةٌ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ والحَسَنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها حالٌ كاذِبَةٌ، ويُحْتَمَلُ -الكَلامُ عَلى هَذا- مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما كاذِبَةٌ أيْ: مَكْذُوبَةٌ فِيما أخْبَرَ بِهِ عنها، وسَمّاها كاذِبَةً لِهَذا، كَما تَقُولُ: قِصَّةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: مَكْذُوبٌ فِيها، والثانِي حالَةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: لا يَمْضِي وُقُوعُها، كَما تَقُولُ: فُلانٌ إذا حَمَلَ لَمْ يَكْذِبْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ رُفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ، أيْ: هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ: "خافِضَةً رافِعَةً" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ بَعْدَ الحالِ الَّتِي هي "لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ"، ولَكَ أنْ تُتابِعَ الأحْوالَ كَما لَكَ أنْ تُتابِعَ أخْبارَ المُبْتَدَأِ، والقِراءَةُ الأُولى أشْهَرُ وأبْرَعُ مَعْنًى، وذَلِكَ أنَّ مَوْقِعَ الحالِ مِنَ الكَلامِ مَوْقِعُ ما لَوْ لَمْ يُذْكَرْ لاسْتُغْنِيَ عنهُ، ومَوْقِعُ الجُمَلِ الَّتِي يَجْزِمُ الخَبَرُ بِها مَوْقِعُ ما يَتَهَمَّمُ بِهِ. واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى هَذا الخَفْضِ والرَفْعِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَتادَةُ، وعُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُراقَةَ: القِيامَةُ تَخْفِضُ أقْوامًا إلى النارِ، وتَرْفَعُ أقْوامًا إلى الجَنَّةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: الصَيْحَةُ تَخْفِضُ صَوْتَها لِتَسْمَعَ الأدْنى، وتَرْفَعُهُ لِتَسْمَعَ الأقْصى، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القِيامَةُ بِتَفَطُّرِ السَماءِ والأرْضِ والجِبالِ، وانْهِدامِ هَذِهِ البِنْيَةِ يَرْفَعُ طائِفَةً مِنَ الأجْرامِ ويَخْفِضُ أُخْرى، فَكَأنَّها عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الهَوْلِ والِاضْطِرابِ. (p-١٨٩)والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "إذا رُجَّتِ" "وَقَعَتِ"؛ لِأنَّ هَذِهِ بَدَلٌ مِن "إذا" الأُولى، وقَدْ قالُوا: إنَّ "وَقَعَتْ" هو العامِلُ في الأُولى، وذَلِكَ لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ فِيهِما قَوِيٌّ، فَهي كَمَن وما في الشَرْطِ يَعْمَلُ فِيها ما بَعْدَها مِنَ الأفْعالِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "وَقَعَتْ" فَلا يَصِحُّ أنْ تَعْمَلَ فِيها، وإنَّما العامِلُ فِيها فِعْلٌ مُقَدَّرٌ. ومَعْنى "رُجَّتْ" زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِعُنْفٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومِنهُ ارْتَجَّ السَهْمُ في الغَرَضِ، إذا اضْطَرَبَ بَعْدَ وُقُوعِهِ، والرَجَّةُ في الناسِ الأمْرُ المُحَرِّكُ. واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ في مَعْنى "بُسَّتْ" - فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: فُتِّتَتْ كَما تُبَسُّ البَسِيسَةُ، وهي السَوِيقُ، ويُقالُ: بَسَسْتُ الدَقِيقَ إذا ثَرَيْتُهُ بِالماءِ وبَقِيَ مُتَفَتِّتًا، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ في هَذا: . ؎ لا تَخْبِزا خَبْزًا وبُسّا بَسّا وقالَ هَذا قَوْلُ لِصٍّ أعْجَلَهُ الخَوْفُ عَنِ العَجِينِ فَقالَ هَذا لِصاحِبَيْهِ. وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: "بُسَّتْ" مَعْناهُ: سُيِّرَتْ، قالُوا: والخُبْزُ: السَيْرُ الشَدِيدُ وضَرْبُ الأرْضِ بِالأيْدِي، والبَسُّ: السَيْرُ الرَفِيقُ، وأنْشَدُوا البَيْتَ: ؎ لا تَخْبِزا خُبْزًا وبُسّا بَسًّا ∗∗∗ وجَنَّباها نَهْشَلًا وعَبْسا ذَكَرَ هَذا أبُو عُثْمانَ اللُغَوِيُّ في كِتابِ "الأفْعالِ". (p-١٩٠)وَ "الهَباءُ": ما يَتَطايَرُ في الهَواءِ مِنَ الأجْزاءِ الدَقِيقَةِ ولا يَكادُ يُرى إلّا في الشَمْسِ إذا دَخَلَتْ مِن كُوَّةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن يَبَسِ النَباتِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن حَوافِرِ الخَيْلِ والدَوابِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الهَباءُ ما يَتَطايَرُ مِن شَرَرِ النارِ فَإذا طُفِيَ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ. و"المُنْبَثُّ": -بِالتاءِ المُثَلَّثَةِ-: الشائِعُ في جَمِيعِ الهَواءِ، وقَرَأ النَخْعِيُّ: "مَنبَتًّا" بِالتاءِ بِنُقْطَتَيْنِ، أيْ: مُتَقَطِّعًا، ذَكَرَ ذَلِكَ الثَعْلَبِيُّ، والقَوْلُ الأوَّلُ في الهَباءِ أحْسَنُ الأقْوالِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَكُنْتُمْ" لِجَمِيعِ العالَمِ؛ لِأنَّ المَوْصُوفِينَ مِن أصْحابِ المَشْأمَةِ لَيْسُوا في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ و"الأزْواجُ": الأنْواعُ والضُرُوبُ، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ مَنازِلُ الناسِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ابْتِداءٌ، و"ما" ابْتِداءٌ ثانٍ و"أصْحابُ المَيْمَنَةِ" خَبَرُ "ما"، والجُمْلَةُ خَبَرُ الِابْتِداءِ الأوَّلِ، وفي الكَلامِ مَعْنى التَعْظِيمِ، كَما تَقُولُ: "زَيْدٌ ما زِيدٌ"، ونَظِيرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ، و"المَيْمَنَةِ" أظْهَرُ ما في اشْتِقاقِها أنَّها مِن ناحِيَةِ اليَمِينِ، وقِيلَ: مِنَ اليُمْنِ، وكَذَلِكَ "المَشْأمَةُ" إمّا أنْ تَكُونَ مِنَ اليَدِ الشُؤْمى، وإمّا أنْ تَكُونَ مِنَ الشُؤْمِ، وقَدْ فُسِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِهَذَيْنَ المَعْنَيَيْنِ؛ إذْ أصْحابُ المَيْمَنَةِ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ والرَبِيعُ، ويُشْبِهُ أنَّ اليُمْنَ والشُؤْمَ إنَّما اشْتُقّا مِنَ اليَمِينِ والشَمالِ، وذَلِكَ عَلى طَرِيقَتِهِمْ في السانِحِ والبارِحِ، وكَذَلِكَ اليُمْنُ والشامُ اشْتُقّا مِنَ اليُمْنى والشُؤْمى. وقَوْلُهُ تَعالى: "والسابِقُونَ" ابْتِداءٌ، و"السابِقُونَ" الثانِي قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هو نَعْتٌ لِلْأوَّلِ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ خَبَرُ الِابْتِداءِ، وهَذا كَما تَقُولُ: الناسُ الناسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى مَعْنى التَفْخِيمِ لِلْأمْرِ وتَعْظِيمِهِ، والمَعْنى هو أنْ تَقُولَ: السابِقُونَ إلى (p-١٩١)الإيمانِ السابِقُونَ إلى الجَنَّةِ والرَحْمَةِ، أُولَئِكَ...، ويَتَّجِهُ هَذا المَعْنى عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وهو في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: "السابِقُونَ" الثانِي صِفَةٌ، و"المُقَرَّبُونَ" مَعْناهُ: مِنَ اللهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ، قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: وهَذِهِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ أنَّ العالَمَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ: مُؤْمِنُونَ هم عَلى يَمِينِ العَرْشِ وهُنالِكَ الجَنَّةُ، وكافِرُونَ، هم عَلى شَمالِ العَرْشِ وهُنالِكَ هي النارُ، والقَوْلُ في يَمِينِ العَرْشِ وشَمالِهِ نَحْوٌ مَنِ الَّذِي مَرَّ في سُورَةِ الكَهْفِ في اليَمِينِ والشَمالِ، وقَدْ قِيلَ في أصْحابِ المَيْمَنَةِ واليَمِينِ: إنَّهم مَن أخَذَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، وُفي أصْحابِ المَشْأمَةِ والشَمالِ: إنَّهم مَن أخَذَهُ بِشَمالِهِ، فَعَلى هَذا لَيْسَتْ نِسْبَةُ اليَمِينِ والشَمالِ إلى العَرْشِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ أطْفالُ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ مَيْمَنَةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَشْأمَتُهُ المَذْكُورَتانِ في حَدِيثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ. و"السابِقُونَ" مَعْناهُ: قَدْ سَبَقَتْ لَهُمُ السَعادَةُ وكانَتْ أعْمالُهم في الدُنْيا سَبْقًا إلى أعْمالِ البِرِّ وإلى تَرْكِ المَعاصِي، فَهَذا عُمُومٌ في جَمِيعِ الناسِ، وخَصَّصَ المُفَسِّرُونَ مِن هَذا أشْياءَ، فَقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: هُمُ السابِقُونَ إلى المَساجِدِ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلُّوا القِبْلَتَيْنِ، وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ، وقِيلَ: هم غَيْرُ هَذا مِمّا هو جُزْءٌ مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ السابِقِينَ فَقالَ: "هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ"،» (p-١٩٢)وَقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فِي جَنَّةِ النَعِيمِ" عَلى الإفْرادِ، و: "المُقَرَّبُونَ" عِبارَةٌ عن أعْلى مَنازِلِ البَشَرِ في الآخِرَةِ، وقِيلَ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ، وقِيلَ لِعامِرِ بْنِ عَبْدِ قَيْسٍ في يَوْمِ حَلْبَةٍ: مَن سَبَقَ؟ فَقالَ: المُقَرَّبُونَ.

الواقعة 56:10

(p-١٨٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الواقِعَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: إنَّ فِيها آياتٍ مَدَنِيَّةً أو مِمّا نَزَلَ في السَفَرِ، وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ ثابِتٍ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "مَن داوَمَ عَلى قِراءَةِ سُورَةِ الواقِعَةِ لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا"،»«وَدَعا عُثْمانُ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إلى عَطائِهِ فَأبى أنْ يَأْخُذَ، فَقِيلَ لَهُ: خُذْ لِلْعِيالِ فَقالَ: إنَّهم يَقْرَؤُونَ سُورَةَ الواقِعَةِ، سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَن قَرَأها لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فِيها ذِكْرُ القِيامَةِ وحُظُوظُ النَفْسِ في الآخِرَةِ، وفَهْمُ ذَلِكَ غِنًى لا فَقْرَ مَعَهُ، مِن فَهِمَهُ شَغَلَ بِالِاسْتِعْدادِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وَبُسَّتِ (p-١٨٨)الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿والسابِقُونَ السابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَعِيمِ﴾ "الواقِعَةُ" اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ كالصاخَّةِ والآزِفَةِ والطامَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذِهِ كُلُّها أسْماءٌ تَقْتَضِي تَعْظِيمَها وتَشْنِيعَ أمْرِها، وقالَ الضَحّاكُ: الواقِعَةُ: الصَيْحَةُ، وهي النَفْخَةُ في الصُورِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الواقِعَةُ صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ تَقَعُ عِنْدَ القِيامَةِ، فَهَذِهِ كُلُّها مَعانٍ لِأجْلِ القِيامَةِ. و"كاذِبَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ وخائِنَةَ الأعْيُنِ، فالمَعْنى: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ ولا رَدٌّ مَثْنَوِيَّةٌ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ والحَسَنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها حالٌ كاذِبَةٌ، ويُحْتَمَلُ -الكَلامُ عَلى هَذا- مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما كاذِبَةٌ أيْ: مَكْذُوبَةٌ فِيما أخْبَرَ بِهِ عنها، وسَمّاها كاذِبَةً لِهَذا، كَما تَقُولُ: قِصَّةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: مَكْذُوبٌ فِيها، والثانِي حالَةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: لا يَمْضِي وُقُوعُها، كَما تَقُولُ: فُلانٌ إذا حَمَلَ لَمْ يَكْذِبْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ رُفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ، أيْ: هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ: "خافِضَةً رافِعَةً" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ بَعْدَ الحالِ الَّتِي هي "لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ"، ولَكَ أنْ تُتابِعَ الأحْوالَ كَما لَكَ أنْ تُتابِعَ أخْبارَ المُبْتَدَأِ، والقِراءَةُ الأُولى أشْهَرُ وأبْرَعُ مَعْنًى، وذَلِكَ أنَّ مَوْقِعَ الحالِ مِنَ الكَلامِ مَوْقِعُ ما لَوْ لَمْ يُذْكَرْ لاسْتُغْنِيَ عنهُ، ومَوْقِعُ الجُمَلِ الَّتِي يَجْزِمُ الخَبَرُ بِها مَوْقِعُ ما يَتَهَمَّمُ بِهِ. واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى هَذا الخَفْضِ والرَفْعِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَتادَةُ، وعُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُراقَةَ: القِيامَةُ تَخْفِضُ أقْوامًا إلى النارِ، وتَرْفَعُ أقْوامًا إلى الجَنَّةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: الصَيْحَةُ تَخْفِضُ صَوْتَها لِتَسْمَعَ الأدْنى، وتَرْفَعُهُ لِتَسْمَعَ الأقْصى، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القِيامَةُ بِتَفَطُّرِ السَماءِ والأرْضِ والجِبالِ، وانْهِدامِ هَذِهِ البِنْيَةِ يَرْفَعُ طائِفَةً مِنَ الأجْرامِ ويَخْفِضُ أُخْرى، فَكَأنَّها عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الهَوْلِ والِاضْطِرابِ. (p-١٨٩)والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "إذا رُجَّتِ" "وَقَعَتِ"؛ لِأنَّ هَذِهِ بَدَلٌ مِن "إذا" الأُولى، وقَدْ قالُوا: إنَّ "وَقَعَتْ" هو العامِلُ في الأُولى، وذَلِكَ لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ فِيهِما قَوِيٌّ، فَهي كَمَن وما في الشَرْطِ يَعْمَلُ فِيها ما بَعْدَها مِنَ الأفْعالِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "وَقَعَتْ" فَلا يَصِحُّ أنْ تَعْمَلَ فِيها، وإنَّما العامِلُ فِيها فِعْلٌ مُقَدَّرٌ. ومَعْنى "رُجَّتْ" زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِعُنْفٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومِنهُ ارْتَجَّ السَهْمُ في الغَرَضِ، إذا اضْطَرَبَ بَعْدَ وُقُوعِهِ، والرَجَّةُ في الناسِ الأمْرُ المُحَرِّكُ. واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ في مَعْنى "بُسَّتْ" - فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: فُتِّتَتْ كَما تُبَسُّ البَسِيسَةُ، وهي السَوِيقُ، ويُقالُ: بَسَسْتُ الدَقِيقَ إذا ثَرَيْتُهُ بِالماءِ وبَقِيَ مُتَفَتِّتًا، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ في هَذا: . ؎ لا تَخْبِزا خَبْزًا وبُسّا بَسّا وقالَ هَذا قَوْلُ لِصٍّ أعْجَلَهُ الخَوْفُ عَنِ العَجِينِ فَقالَ هَذا لِصاحِبَيْهِ. وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: "بُسَّتْ" مَعْناهُ: سُيِّرَتْ، قالُوا: والخُبْزُ: السَيْرُ الشَدِيدُ وضَرْبُ الأرْضِ بِالأيْدِي، والبَسُّ: السَيْرُ الرَفِيقُ، وأنْشَدُوا البَيْتَ: ؎ لا تَخْبِزا خُبْزًا وبُسّا بَسًّا ∗∗∗ وجَنَّباها نَهْشَلًا وعَبْسا ذَكَرَ هَذا أبُو عُثْمانَ اللُغَوِيُّ في كِتابِ "الأفْعالِ". (p-١٩٠)وَ "الهَباءُ": ما يَتَطايَرُ في الهَواءِ مِنَ الأجْزاءِ الدَقِيقَةِ ولا يَكادُ يُرى إلّا في الشَمْسِ إذا دَخَلَتْ مِن كُوَّةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن يَبَسِ النَباتِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن حَوافِرِ الخَيْلِ والدَوابِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الهَباءُ ما يَتَطايَرُ مِن شَرَرِ النارِ فَإذا طُفِيَ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ. و"المُنْبَثُّ": -بِالتاءِ المُثَلَّثَةِ-: الشائِعُ في جَمِيعِ الهَواءِ، وقَرَأ النَخْعِيُّ: "مَنبَتًّا" بِالتاءِ بِنُقْطَتَيْنِ، أيْ: مُتَقَطِّعًا، ذَكَرَ ذَلِكَ الثَعْلَبِيُّ، والقَوْلُ الأوَّلُ في الهَباءِ أحْسَنُ الأقْوالِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَكُنْتُمْ" لِجَمِيعِ العالَمِ؛ لِأنَّ المَوْصُوفِينَ مِن أصْحابِ المَشْأمَةِ لَيْسُوا في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ و"الأزْواجُ": الأنْواعُ والضُرُوبُ، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ مَنازِلُ الناسِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ابْتِداءٌ، و"ما" ابْتِداءٌ ثانٍ و"أصْحابُ المَيْمَنَةِ" خَبَرُ "ما"، والجُمْلَةُ خَبَرُ الِابْتِداءِ الأوَّلِ، وفي الكَلامِ مَعْنى التَعْظِيمِ، كَما تَقُولُ: "زَيْدٌ ما زِيدٌ"، ونَظِيرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ، و"المَيْمَنَةِ" أظْهَرُ ما في اشْتِقاقِها أنَّها مِن ناحِيَةِ اليَمِينِ، وقِيلَ: مِنَ اليُمْنِ، وكَذَلِكَ "المَشْأمَةُ" إمّا أنْ تَكُونَ مِنَ اليَدِ الشُؤْمى، وإمّا أنْ تَكُونَ مِنَ الشُؤْمِ، وقَدْ فُسِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِهَذَيْنَ المَعْنَيَيْنِ؛ إذْ أصْحابُ المَيْمَنَةِ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ والرَبِيعُ، ويُشْبِهُ أنَّ اليُمْنَ والشُؤْمَ إنَّما اشْتُقّا مِنَ اليَمِينِ والشَمالِ، وذَلِكَ عَلى طَرِيقَتِهِمْ في السانِحِ والبارِحِ، وكَذَلِكَ اليُمْنُ والشامُ اشْتُقّا مِنَ اليُمْنى والشُؤْمى. وقَوْلُهُ تَعالى: "والسابِقُونَ" ابْتِداءٌ، و"السابِقُونَ" الثانِي قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هو نَعْتٌ لِلْأوَّلِ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ خَبَرُ الِابْتِداءِ، وهَذا كَما تَقُولُ: الناسُ الناسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى مَعْنى التَفْخِيمِ لِلْأمْرِ وتَعْظِيمِهِ، والمَعْنى هو أنْ تَقُولَ: السابِقُونَ إلى (p-١٩١)الإيمانِ السابِقُونَ إلى الجَنَّةِ والرَحْمَةِ، أُولَئِكَ...، ويَتَّجِهُ هَذا المَعْنى عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وهو في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: "السابِقُونَ" الثانِي صِفَةٌ، و"المُقَرَّبُونَ" مَعْناهُ: مِنَ اللهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ، قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: وهَذِهِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ أنَّ العالَمَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ: مُؤْمِنُونَ هم عَلى يَمِينِ العَرْشِ وهُنالِكَ الجَنَّةُ، وكافِرُونَ، هم عَلى شَمالِ العَرْشِ وهُنالِكَ هي النارُ، والقَوْلُ في يَمِينِ العَرْشِ وشَمالِهِ نَحْوٌ مَنِ الَّذِي مَرَّ في سُورَةِ الكَهْفِ في اليَمِينِ والشَمالِ، وقَدْ قِيلَ في أصْحابِ المَيْمَنَةِ واليَمِينِ: إنَّهم مَن أخَذَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، وُفي أصْحابِ المَشْأمَةِ والشَمالِ: إنَّهم مَن أخَذَهُ بِشَمالِهِ، فَعَلى هَذا لَيْسَتْ نِسْبَةُ اليَمِينِ والشَمالِ إلى العَرْشِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ أطْفالُ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ مَيْمَنَةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَشْأمَتُهُ المَذْكُورَتانِ في حَدِيثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ. و"السابِقُونَ" مَعْناهُ: قَدْ سَبَقَتْ لَهُمُ السَعادَةُ وكانَتْ أعْمالُهم في الدُنْيا سَبْقًا إلى أعْمالِ البِرِّ وإلى تَرْكِ المَعاصِي، فَهَذا عُمُومٌ في جَمِيعِ الناسِ، وخَصَّصَ المُفَسِّرُونَ مِن هَذا أشْياءَ، فَقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: هُمُ السابِقُونَ إلى المَساجِدِ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلُّوا القِبْلَتَيْنِ، وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ، وقِيلَ: هم غَيْرُ هَذا مِمّا هو جُزْءٌ مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ السابِقِينَ فَقالَ: "هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ"،» (p-١٩٢)وَقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فِي جَنَّةِ النَعِيمِ" عَلى الإفْرادِ، و: "المُقَرَّبُونَ" عِبارَةٌ عن أعْلى مَنازِلِ البَشَرِ في الآخِرَةِ، وقِيلَ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ، وقِيلَ لِعامِرِ بْنِ عَبْدِ قَيْسٍ في يَوْمِ حَلْبَةٍ: مَن سَبَقَ؟ فَقالَ: المُقَرَّبُونَ.

الواقعة 56:11

(p-١٨٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الواقِعَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: إنَّ فِيها آياتٍ مَدَنِيَّةً أو مِمّا نَزَلَ في السَفَرِ، وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ ثابِتٍ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "مَن داوَمَ عَلى قِراءَةِ سُورَةِ الواقِعَةِ لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا"،»«وَدَعا عُثْمانُ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إلى عَطائِهِ فَأبى أنْ يَأْخُذَ، فَقِيلَ لَهُ: خُذْ لِلْعِيالِ فَقالَ: إنَّهم يَقْرَؤُونَ سُورَةَ الواقِعَةِ، سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَن قَرَأها لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فِيها ذِكْرُ القِيامَةِ وحُظُوظُ النَفْسِ في الآخِرَةِ، وفَهْمُ ذَلِكَ غِنًى لا فَقْرَ مَعَهُ، مِن فَهِمَهُ شَغَلَ بِالِاسْتِعْدادِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وَبُسَّتِ (p-١٨٨)الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿والسابِقُونَ السابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَعِيمِ﴾ "الواقِعَةُ" اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ كالصاخَّةِ والآزِفَةِ والطامَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذِهِ كُلُّها أسْماءٌ تَقْتَضِي تَعْظِيمَها وتَشْنِيعَ أمْرِها، وقالَ الضَحّاكُ: الواقِعَةُ: الصَيْحَةُ، وهي النَفْخَةُ في الصُورِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الواقِعَةُ صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ تَقَعُ عِنْدَ القِيامَةِ، فَهَذِهِ كُلُّها مَعانٍ لِأجْلِ القِيامَةِ. و"كاذِبَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ وخائِنَةَ الأعْيُنِ، فالمَعْنى: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ ولا رَدٌّ مَثْنَوِيَّةٌ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ والحَسَنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها حالٌ كاذِبَةٌ، ويُحْتَمَلُ -الكَلامُ عَلى هَذا- مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما كاذِبَةٌ أيْ: مَكْذُوبَةٌ فِيما أخْبَرَ بِهِ عنها، وسَمّاها كاذِبَةً لِهَذا، كَما تَقُولُ: قِصَّةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: مَكْذُوبٌ فِيها، والثانِي حالَةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: لا يَمْضِي وُقُوعُها، كَما تَقُولُ: فُلانٌ إذا حَمَلَ لَمْ يَكْذِبْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ رُفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ، أيْ: هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ: "خافِضَةً رافِعَةً" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ بَعْدَ الحالِ الَّتِي هي "لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ"، ولَكَ أنْ تُتابِعَ الأحْوالَ كَما لَكَ أنْ تُتابِعَ أخْبارَ المُبْتَدَأِ، والقِراءَةُ الأُولى أشْهَرُ وأبْرَعُ مَعْنًى، وذَلِكَ أنَّ مَوْقِعَ الحالِ مِنَ الكَلامِ مَوْقِعُ ما لَوْ لَمْ يُذْكَرْ لاسْتُغْنِيَ عنهُ، ومَوْقِعُ الجُمَلِ الَّتِي يَجْزِمُ الخَبَرُ بِها مَوْقِعُ ما يَتَهَمَّمُ بِهِ. واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى هَذا الخَفْضِ والرَفْعِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَتادَةُ، وعُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُراقَةَ: القِيامَةُ تَخْفِضُ أقْوامًا إلى النارِ، وتَرْفَعُ أقْوامًا إلى الجَنَّةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: الصَيْحَةُ تَخْفِضُ صَوْتَها لِتَسْمَعَ الأدْنى، وتَرْفَعُهُ لِتَسْمَعَ الأقْصى، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القِيامَةُ بِتَفَطُّرِ السَماءِ والأرْضِ والجِبالِ، وانْهِدامِ هَذِهِ البِنْيَةِ يَرْفَعُ طائِفَةً مِنَ الأجْرامِ ويَخْفِضُ أُخْرى، فَكَأنَّها عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الهَوْلِ والِاضْطِرابِ. (p-١٨٩)والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "إذا رُجَّتِ" "وَقَعَتِ"؛ لِأنَّ هَذِهِ بَدَلٌ مِن "إذا" الأُولى، وقَدْ قالُوا: إنَّ "وَقَعَتْ" هو العامِلُ في الأُولى، وذَلِكَ لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ فِيهِما قَوِيٌّ، فَهي كَمَن وما في الشَرْطِ يَعْمَلُ فِيها ما بَعْدَها مِنَ الأفْعالِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "وَقَعَتْ" فَلا يَصِحُّ أنْ تَعْمَلَ فِيها، وإنَّما العامِلُ فِيها فِعْلٌ مُقَدَّرٌ. ومَعْنى "رُجَّتْ" زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِعُنْفٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومِنهُ ارْتَجَّ السَهْمُ في الغَرَضِ، إذا اضْطَرَبَ بَعْدَ وُقُوعِهِ، والرَجَّةُ في الناسِ الأمْرُ المُحَرِّكُ. واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ في مَعْنى "بُسَّتْ" - فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: فُتِّتَتْ كَما تُبَسُّ البَسِيسَةُ، وهي السَوِيقُ، ويُقالُ: بَسَسْتُ الدَقِيقَ إذا ثَرَيْتُهُ بِالماءِ وبَقِيَ مُتَفَتِّتًا، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ في هَذا: . ؎ لا تَخْبِزا خَبْزًا وبُسّا بَسّا وقالَ هَذا قَوْلُ لِصٍّ أعْجَلَهُ الخَوْفُ عَنِ العَجِينِ فَقالَ هَذا لِصاحِبَيْهِ. وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: "بُسَّتْ" مَعْناهُ: سُيِّرَتْ، قالُوا: والخُبْزُ: السَيْرُ الشَدِيدُ وضَرْبُ الأرْضِ بِالأيْدِي، والبَسُّ: السَيْرُ الرَفِيقُ، وأنْشَدُوا البَيْتَ: ؎ لا تَخْبِزا خُبْزًا وبُسّا بَسًّا ∗∗∗ وجَنَّباها نَهْشَلًا وعَبْسا ذَكَرَ هَذا أبُو عُثْمانَ اللُغَوِيُّ في كِتابِ "الأفْعالِ". (p-١٩٠)وَ "الهَباءُ": ما يَتَطايَرُ في الهَواءِ مِنَ الأجْزاءِ الدَقِيقَةِ ولا يَكادُ يُرى إلّا في الشَمْسِ إذا دَخَلَتْ مِن كُوَّةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن يَبَسِ النَباتِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن حَوافِرِ الخَيْلِ والدَوابِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الهَباءُ ما يَتَطايَرُ مِن شَرَرِ النارِ فَإذا طُفِيَ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ. و"المُنْبَثُّ": -بِالتاءِ المُثَلَّثَةِ-: الشائِعُ في جَمِيعِ الهَواءِ، وقَرَأ النَخْعِيُّ: "مَنبَتًّا" بِالتاءِ بِنُقْطَتَيْنِ، أيْ: مُتَقَطِّعًا، ذَكَرَ ذَلِكَ الثَعْلَبِيُّ، والقَوْلُ الأوَّلُ في الهَباءِ أحْسَنُ الأقْوالِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَكُنْتُمْ" لِجَمِيعِ العالَمِ؛ لِأنَّ المَوْصُوفِينَ مِن أصْحابِ المَشْأمَةِ لَيْسُوا في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ و"الأزْواجُ": الأنْواعُ والضُرُوبُ، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ مَنازِلُ الناسِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ابْتِداءٌ، و"ما" ابْتِداءٌ ثانٍ و"أصْحابُ المَيْمَنَةِ" خَبَرُ "ما"، والجُمْلَةُ خَبَرُ الِابْتِداءِ الأوَّلِ، وفي الكَلامِ مَعْنى التَعْظِيمِ، كَما تَقُولُ: "زَيْدٌ ما زِيدٌ"، ونَظِيرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ، و"المَيْمَنَةِ" أظْهَرُ ما في اشْتِقاقِها أنَّها مِن ناحِيَةِ اليَمِينِ، وقِيلَ: مِنَ اليُمْنِ، وكَذَلِكَ "المَشْأمَةُ" إمّا أنْ تَكُونَ مِنَ اليَدِ الشُؤْمى، وإمّا أنْ تَكُونَ مِنَ الشُؤْمِ، وقَدْ فُسِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِهَذَيْنَ المَعْنَيَيْنِ؛ إذْ أصْحابُ المَيْمَنَةِ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ والرَبِيعُ، ويُشْبِهُ أنَّ اليُمْنَ والشُؤْمَ إنَّما اشْتُقّا مِنَ اليَمِينِ والشَمالِ، وذَلِكَ عَلى طَرِيقَتِهِمْ في السانِحِ والبارِحِ، وكَذَلِكَ اليُمْنُ والشامُ اشْتُقّا مِنَ اليُمْنى والشُؤْمى. وقَوْلُهُ تَعالى: "والسابِقُونَ" ابْتِداءٌ، و"السابِقُونَ" الثانِي قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هو نَعْتٌ لِلْأوَّلِ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ خَبَرُ الِابْتِداءِ، وهَذا كَما تَقُولُ: الناسُ الناسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى مَعْنى التَفْخِيمِ لِلْأمْرِ وتَعْظِيمِهِ، والمَعْنى هو أنْ تَقُولَ: السابِقُونَ إلى (p-١٩١)الإيمانِ السابِقُونَ إلى الجَنَّةِ والرَحْمَةِ، أُولَئِكَ...، ويَتَّجِهُ هَذا المَعْنى عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وهو في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: "السابِقُونَ" الثانِي صِفَةٌ، و"المُقَرَّبُونَ" مَعْناهُ: مِنَ اللهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ، قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: وهَذِهِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ أنَّ العالَمَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ: مُؤْمِنُونَ هم عَلى يَمِينِ العَرْشِ وهُنالِكَ الجَنَّةُ، وكافِرُونَ، هم عَلى شَمالِ العَرْشِ وهُنالِكَ هي النارُ، والقَوْلُ في يَمِينِ العَرْشِ وشَمالِهِ نَحْوٌ مَنِ الَّذِي مَرَّ في سُورَةِ الكَهْفِ في اليَمِينِ والشَمالِ، وقَدْ قِيلَ في أصْحابِ المَيْمَنَةِ واليَمِينِ: إنَّهم مَن أخَذَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، وُفي أصْحابِ المَشْأمَةِ والشَمالِ: إنَّهم مَن أخَذَهُ بِشَمالِهِ، فَعَلى هَذا لَيْسَتْ نِسْبَةُ اليَمِينِ والشَمالِ إلى العَرْشِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ أطْفالُ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ مَيْمَنَةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَشْأمَتُهُ المَذْكُورَتانِ في حَدِيثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ. و"السابِقُونَ" مَعْناهُ: قَدْ سَبَقَتْ لَهُمُ السَعادَةُ وكانَتْ أعْمالُهم في الدُنْيا سَبْقًا إلى أعْمالِ البِرِّ وإلى تَرْكِ المَعاصِي، فَهَذا عُمُومٌ في جَمِيعِ الناسِ، وخَصَّصَ المُفَسِّرُونَ مِن هَذا أشْياءَ، فَقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: هُمُ السابِقُونَ إلى المَساجِدِ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلُّوا القِبْلَتَيْنِ، وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ، وقِيلَ: هم غَيْرُ هَذا مِمّا هو جُزْءٌ مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ السابِقِينَ فَقالَ: "هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ"،» (p-١٩٢)وَقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فِي جَنَّةِ النَعِيمِ" عَلى الإفْرادِ، و: "المُقَرَّبُونَ" عِبارَةٌ عن أعْلى مَنازِلِ البَشَرِ في الآخِرَةِ، وقِيلَ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ، وقِيلَ لِعامِرِ بْنِ عَبْدِ قَيْسٍ في يَوْمِ حَلْبَةٍ: مَن سَبَقَ؟ فَقالَ: المُقَرَّبُونَ.

الواقعة 56:12

(p-١٨٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الواقِعَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: إنَّ فِيها آياتٍ مَدَنِيَّةً أو مِمّا نَزَلَ في السَفَرِ، وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ ثابِتٍ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "مَن داوَمَ عَلى قِراءَةِ سُورَةِ الواقِعَةِ لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا"،»«وَدَعا عُثْمانُ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إلى عَطائِهِ فَأبى أنْ يَأْخُذَ، فَقِيلَ لَهُ: خُذْ لِلْعِيالِ فَقالَ: إنَّهم يَقْرَؤُونَ سُورَةَ الواقِعَةِ، سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَن قَرَأها لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فِيها ذِكْرُ القِيامَةِ وحُظُوظُ النَفْسِ في الآخِرَةِ، وفَهْمُ ذَلِكَ غِنًى لا فَقْرَ مَعَهُ، مِن فَهِمَهُ شَغَلَ بِالِاسْتِعْدادِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وَبُسَّتِ (p-١٨٨)الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿والسابِقُونَ السابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَعِيمِ﴾ "الواقِعَةُ" اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ كالصاخَّةِ والآزِفَةِ والطامَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذِهِ كُلُّها أسْماءٌ تَقْتَضِي تَعْظِيمَها وتَشْنِيعَ أمْرِها، وقالَ الضَحّاكُ: الواقِعَةُ: الصَيْحَةُ، وهي النَفْخَةُ في الصُورِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الواقِعَةُ صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ تَقَعُ عِنْدَ القِيامَةِ، فَهَذِهِ كُلُّها مَعانٍ لِأجْلِ القِيامَةِ. و"كاذِبَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ وخائِنَةَ الأعْيُنِ، فالمَعْنى: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ ولا رَدٌّ مَثْنَوِيَّةٌ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ والحَسَنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها حالٌ كاذِبَةٌ، ويُحْتَمَلُ -الكَلامُ عَلى هَذا- مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما كاذِبَةٌ أيْ: مَكْذُوبَةٌ فِيما أخْبَرَ بِهِ عنها، وسَمّاها كاذِبَةً لِهَذا، كَما تَقُولُ: قِصَّةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: مَكْذُوبٌ فِيها، والثانِي حالَةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: لا يَمْضِي وُقُوعُها، كَما تَقُولُ: فُلانٌ إذا حَمَلَ لَمْ يَكْذِبْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ رُفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ، أيْ: هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ: "خافِضَةً رافِعَةً" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ بَعْدَ الحالِ الَّتِي هي "لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ"، ولَكَ أنْ تُتابِعَ الأحْوالَ كَما لَكَ أنْ تُتابِعَ أخْبارَ المُبْتَدَأِ، والقِراءَةُ الأُولى أشْهَرُ وأبْرَعُ مَعْنًى، وذَلِكَ أنَّ مَوْقِعَ الحالِ مِنَ الكَلامِ مَوْقِعُ ما لَوْ لَمْ يُذْكَرْ لاسْتُغْنِيَ عنهُ، ومَوْقِعُ الجُمَلِ الَّتِي يَجْزِمُ الخَبَرُ بِها مَوْقِعُ ما يَتَهَمَّمُ بِهِ. واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى هَذا الخَفْضِ والرَفْعِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَتادَةُ، وعُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُراقَةَ: القِيامَةُ تَخْفِضُ أقْوامًا إلى النارِ، وتَرْفَعُ أقْوامًا إلى الجَنَّةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: الصَيْحَةُ تَخْفِضُ صَوْتَها لِتَسْمَعَ الأدْنى، وتَرْفَعُهُ لِتَسْمَعَ الأقْصى، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القِيامَةُ بِتَفَطُّرِ السَماءِ والأرْضِ والجِبالِ، وانْهِدامِ هَذِهِ البِنْيَةِ يَرْفَعُ طائِفَةً مِنَ الأجْرامِ ويَخْفِضُ أُخْرى، فَكَأنَّها عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الهَوْلِ والِاضْطِرابِ. (p-١٨٩)والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "إذا رُجَّتِ" "وَقَعَتِ"؛ لِأنَّ هَذِهِ بَدَلٌ مِن "إذا" الأُولى، وقَدْ قالُوا: إنَّ "وَقَعَتْ" هو العامِلُ في الأُولى، وذَلِكَ لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ فِيهِما قَوِيٌّ، فَهي كَمَن وما في الشَرْطِ يَعْمَلُ فِيها ما بَعْدَها مِنَ الأفْعالِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "وَقَعَتْ" فَلا يَصِحُّ أنْ تَعْمَلَ فِيها، وإنَّما العامِلُ فِيها فِعْلٌ مُقَدَّرٌ. ومَعْنى "رُجَّتْ" زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِعُنْفٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومِنهُ ارْتَجَّ السَهْمُ في الغَرَضِ، إذا اضْطَرَبَ بَعْدَ وُقُوعِهِ، والرَجَّةُ في الناسِ الأمْرُ المُحَرِّكُ. واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ في مَعْنى "بُسَّتْ" - فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: فُتِّتَتْ كَما تُبَسُّ البَسِيسَةُ، وهي السَوِيقُ، ويُقالُ: بَسَسْتُ الدَقِيقَ إذا ثَرَيْتُهُ بِالماءِ وبَقِيَ مُتَفَتِّتًا، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ في هَذا: . ؎ لا تَخْبِزا خَبْزًا وبُسّا بَسّا وقالَ هَذا قَوْلُ لِصٍّ أعْجَلَهُ الخَوْفُ عَنِ العَجِينِ فَقالَ هَذا لِصاحِبَيْهِ. وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: "بُسَّتْ" مَعْناهُ: سُيِّرَتْ، قالُوا: والخُبْزُ: السَيْرُ الشَدِيدُ وضَرْبُ الأرْضِ بِالأيْدِي، والبَسُّ: السَيْرُ الرَفِيقُ، وأنْشَدُوا البَيْتَ: ؎ لا تَخْبِزا خُبْزًا وبُسّا بَسًّا ∗∗∗ وجَنَّباها نَهْشَلًا وعَبْسا ذَكَرَ هَذا أبُو عُثْمانَ اللُغَوِيُّ في كِتابِ "الأفْعالِ". (p-١٩٠)وَ "الهَباءُ": ما يَتَطايَرُ في الهَواءِ مِنَ الأجْزاءِ الدَقِيقَةِ ولا يَكادُ يُرى إلّا في الشَمْسِ إذا دَخَلَتْ مِن كُوَّةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن يَبَسِ النَباتِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن حَوافِرِ الخَيْلِ والدَوابِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الهَباءُ ما يَتَطايَرُ مِن شَرَرِ النارِ فَإذا طُفِيَ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ. و"المُنْبَثُّ": -بِالتاءِ المُثَلَّثَةِ-: الشائِعُ في جَمِيعِ الهَواءِ، وقَرَأ النَخْعِيُّ: "مَنبَتًّا" بِالتاءِ بِنُقْطَتَيْنِ، أيْ: مُتَقَطِّعًا، ذَكَرَ ذَلِكَ الثَعْلَبِيُّ، والقَوْلُ الأوَّلُ في الهَباءِ أحْسَنُ الأقْوالِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَكُنْتُمْ" لِجَمِيعِ العالَمِ؛ لِأنَّ المَوْصُوفِينَ مِن أصْحابِ المَشْأمَةِ لَيْسُوا في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ و"الأزْواجُ": الأنْواعُ والضُرُوبُ، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ مَنازِلُ الناسِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ابْتِداءٌ، و"ما" ابْتِداءٌ ثانٍ و"أصْحابُ المَيْمَنَةِ" خَبَرُ "ما"، والجُمْلَةُ خَبَرُ الِابْتِداءِ الأوَّلِ، وفي الكَلامِ مَعْنى التَعْظِيمِ، كَما تَقُولُ: "زَيْدٌ ما زِيدٌ"، ونَظِيرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ، و"المَيْمَنَةِ" أظْهَرُ ما في اشْتِقاقِها أنَّها مِن ناحِيَةِ اليَمِينِ، وقِيلَ: مِنَ اليُمْنِ، وكَذَلِكَ "المَشْأمَةُ" إمّا أنْ تَكُونَ مِنَ اليَدِ الشُؤْمى، وإمّا أنْ تَكُونَ مِنَ الشُؤْمِ، وقَدْ فُسِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِهَذَيْنَ المَعْنَيَيْنِ؛ إذْ أصْحابُ المَيْمَنَةِ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ والرَبِيعُ، ويُشْبِهُ أنَّ اليُمْنَ والشُؤْمَ إنَّما اشْتُقّا مِنَ اليَمِينِ والشَمالِ، وذَلِكَ عَلى طَرِيقَتِهِمْ في السانِحِ والبارِحِ، وكَذَلِكَ اليُمْنُ والشامُ اشْتُقّا مِنَ اليُمْنى والشُؤْمى. وقَوْلُهُ تَعالى: "والسابِقُونَ" ابْتِداءٌ، و"السابِقُونَ" الثانِي قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هو نَعْتٌ لِلْأوَّلِ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ خَبَرُ الِابْتِداءِ، وهَذا كَما تَقُولُ: الناسُ الناسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى مَعْنى التَفْخِيمِ لِلْأمْرِ وتَعْظِيمِهِ، والمَعْنى هو أنْ تَقُولَ: السابِقُونَ إلى (p-١٩١)الإيمانِ السابِقُونَ إلى الجَنَّةِ والرَحْمَةِ، أُولَئِكَ...، ويَتَّجِهُ هَذا المَعْنى عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وهو في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: "السابِقُونَ" الثانِي صِفَةٌ، و"المُقَرَّبُونَ" مَعْناهُ: مِنَ اللهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ، قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: وهَذِهِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ أنَّ العالَمَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ: مُؤْمِنُونَ هم عَلى يَمِينِ العَرْشِ وهُنالِكَ الجَنَّةُ، وكافِرُونَ، هم عَلى شَمالِ العَرْشِ وهُنالِكَ هي النارُ، والقَوْلُ في يَمِينِ العَرْشِ وشَمالِهِ نَحْوٌ مَنِ الَّذِي مَرَّ في سُورَةِ الكَهْفِ في اليَمِينِ والشَمالِ، وقَدْ قِيلَ في أصْحابِ المَيْمَنَةِ واليَمِينِ: إنَّهم مَن أخَذَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، وُفي أصْحابِ المَشْأمَةِ والشَمالِ: إنَّهم مَن أخَذَهُ بِشَمالِهِ، فَعَلى هَذا لَيْسَتْ نِسْبَةُ اليَمِينِ والشَمالِ إلى العَرْشِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ أطْفالُ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ مَيْمَنَةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَشْأمَتُهُ المَذْكُورَتانِ في حَدِيثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ. و"السابِقُونَ" مَعْناهُ: قَدْ سَبَقَتْ لَهُمُ السَعادَةُ وكانَتْ أعْمالُهم في الدُنْيا سَبْقًا إلى أعْمالِ البِرِّ وإلى تَرْكِ المَعاصِي، فَهَذا عُمُومٌ في جَمِيعِ الناسِ، وخَصَّصَ المُفَسِّرُونَ مِن هَذا أشْياءَ، فَقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: هُمُ السابِقُونَ إلى المَساجِدِ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلُّوا القِبْلَتَيْنِ، وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ، وقِيلَ: هم غَيْرُ هَذا مِمّا هو جُزْءٌ مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ السابِقِينَ فَقالَ: "هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ"،» (p-١٩٢)وَقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فِي جَنَّةِ النَعِيمِ" عَلى الإفْرادِ، و: "المُقَرَّبُونَ" عِبارَةٌ عن أعْلى مَنازِلِ البَشَرِ في الآخِرَةِ، وقِيلَ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ، وقِيلَ لِعامِرِ بْنِ عَبْدِ قَيْسٍ في يَوْمِ حَلْبَةٍ: مَن سَبَقَ؟ فَقالَ: المُقَرَّبُونَ.

الواقعة 56:13

قوله عزّ وجلّ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها ولا يُنْزِفُونَ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ "الثُلَّةُ": الجَماعَةُ والفِرْقَةُ، وهو تَقَعُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، واللَفْظُ في هَذا الوَضْعِ يُعْطِي أنَّ الجُمْلَةَ مِنَ الأوَّلِينَ أكْثَرُ مِنَ الجُمْلَةِ مِنَ الآخِرِينَ وهي الَّتِي عَبَّرَ عنها بِالقَلِيلِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى ذَلِكَ -فَقالَ قَوْمٌ- حَكى قَوْلَهم مَكِّيٌّ -: المُرادُ بِذَلِكَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ لِأنَّهم كانُوا في صَدْرِ الدُنْيا أكْثَرَ عَدَدًا، وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: المُرادُ السابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ والسابِقُونَ مِنَ الأُمَّةِ، وذَلِكَ إمّا أنْ يَقْتَرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِجُمُوعِهِمْ إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَأُولَئِكَ أكْثَرُ عَدَدًا لا مَحالَةَ، وإمّا أنْ يَقْرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مِمَّنْ سَبَقَ في أثْناءِ الأُمَمِ السالِفَةِ إلى السابِقِينَ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَأُولَئِكَ أكْثَرُ. ورُوِيَ أنَّ الصَحابَةَ رَضِيَ اللهِ تَعالى عنهم حَزِنُوا لِقِلَّةِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] فَرَضُوا، ورُوِيَ (p-١٩٣)عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا أنَّها تَأوَّلَتْ أنَّ الفِرْقَتَيْنِ في أُمَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ هي في الصَدْرِ ثُلَّةٌ وفي آخِرِ الأُمَّةِ قَلِيلٌ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ فِيما رُوِيَ عنهُ: « "الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ أوَّلُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقٌ سائِرُها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ".» وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُرُرٌ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "سُرَرٌ" بِفَتْحِ الراءِ، و"المَوْضُونَةُ": المَنسُوجَةُ بِتَرْكِيبِ بَعْضِ أجْزائِها عَلى بَعْضٍ كَحِلَقِ الدِرْعِ، فَإنَّ الدِرْعَ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ ومِن نَسْجِ داوُدَ مَوْضُونَةٌ ∗∗∗ تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيرًا فَعِيرًا وكَذَلِكَ سَقِيفَةُ الخُوصِ ونَحْوِهِ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ وضِينُ الناقَةِ وهو حِزامُها لِأنَّهُ مَوْضُونٌ، فَهو كَقَتِيلٍ وجَرِيحٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎ إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وضِينُها ∗∗∗ مُعْتَرِضًا في بَطْنِها جَنِينُها ؎ مُخالِفًا دِينَ النَصارى دِينُها قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ السُرُرُ المَوْضُونَةُ هي مَرْمُولَةٌ بِالذَهَبِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هي مُشَبَّكَةٌ بِالدُرِّ والياقُوتِ، و"مُتَّكِئِينَ" و"مُتَقابِلِينَ"، حالانِ، وفِيهِما ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مُتَّكِئِينَ عَلَيْها ناعِمِينَ". (p-١٩٤)وَ"الوِلْدانِ": صِغارُ الخَدَمِ، عِبارَةٌ عن أنَّهم صِغارُ الأسْنانِ. ووَصَفَهم تَعالى بِالخُلْدِ وإنْ كانَ جَمِيعُ ما في الجَنَّةِ كَذَلِكَ؛ إشارَةً إلى أنَّهم في حالِ الوِلْدانِ مُخَلَّدُونَ لا تَكْبُرُ لَهم سِنٌّ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ، قالَ الفَرّاءُ: "مُخَلَّدُونَ" مَعْناهُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضَرْبٌ مِنَ الأقْراطِ، والأوَّلُ أصْوَبُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِلَّذِي كَبُرَ ولَمْ يَشِبْ: إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ. و"الأكْوابُ": ما كانَ مِن أوانِي الشُرْبِ لا أُذُنَ لَهُ ولا خُرْطُومَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي جِرارٌ مِن فِضَّةٍ، وقالَ أبُو صالِحٍ: مُسْتَدِيرَةُ أفْواهُها، وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: لَيْسَتْ لَها عُرًى. و"الإبْرِيقُ": ما لَهُ خُرْطُومٌ، قالَ مُجاهِدٌ: وأُذُنٌ، وهو مِن أوانِي الخَمْرِ عِنْدَ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎ وتَداعَوْا إلى الصَبُوحِ فَقامَتْ ∗∗∗ قَيْنَةٌ في يَمِينِها إبْرِيقُ و"الكَأْسُ": الآنِيَةُ المُعَدَّةُ لِلشُّرْبِ بِها، بِشَرِيطَةِ أنْ يَكُونَ فِيها خَمْرٌ ونَبِيذٌ، أو بِسَبِيلِ ذَلِكَ، ومَتى كانَ فارِغًا فَهو مُنْتَسِبٌ إلى جِنْسِهِ زُجاجًا كانَ أو غَيْرَهُ، ولا يُقالُ لِآنِيَةٍ فِيها ماءٌ ولَبَنٌ: كَأْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن مَعِينٍ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ، فَوَزْنُها مَفْعُولٌ، أصْلُها مَعْيُونٌ، وهَذا تَأْوِيلُ قَتادَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها﴾ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: لا يَلْحَقُ رُؤُوسَهم الصُداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُنْيا، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: لا يَتَفَرَّقُونَ عنها، بِمَعْنى: لا تُقْطَعُ عنهم لَذَّتُهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ كَما يُفَرِّقُ أهْلُ خَمْرِ الدُنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَفْرِيقِ، وهَذا كَما قالَ: « "يَتَصَدَّعُ السَحابُ عَنِ المَدِينَةِ"...» الحَدِيثُ. (p-١٩٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا يُنْزِفُونَ" قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا، والنَزِيفُ: السَكْرانُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ............. ∗∗∗ شَرِبَ النَزِيفَ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "وَلا يَنْزِفُونَ" بِكَسْرِ الزايِ وفَتْحِ الياءِ، مِن: "نَزَفَ البِئْرُ" إذا اسْتَقى ماءَها، فَهي بِمَعْنى: تَمَّ خَمْرُهم ونَفِدَتْ، هَكَذا قالَ أبُو الفَتْحِ. وحَكاها أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، والجَحْدَرِيِّ، والأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعِيسى بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ، قالَ: ومَعْناها: لا يَفْنى شَرابُهُمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أنْزَفَ الرَجُلُ عَبْرَتُهُ". وتَقُولُ أيْضًا: "أنْزَفَ" إذا سَكِرَ، ومِنهُ قَوْلُ الأُبَيْرِدِ: ؎ لَعُمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أو صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَدامى كُنْتُمْ آلَ أبْجَرا (p-١٩٦)وَعَطَفَ "الفاكِهَةَ" عَلى "الكَأْسِ والأبارِيقِ". قَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا يَشْتَهُونَ"، رُوِيَ فِيهِ أنَّ العَبْدَ يَرى الطائِرَ يَطِيرُ فَيَشْتَهِيهِ فَيَنْزِلُ لَهُ كَما اشْتَهاهُ، ورُبَّما أكَلَ مِنهُ ألْوانًا بِحَسَبِ تَصَرُّفِ شَهْوَتِهِ إلى كَثِيرٍ مِمّا رُوِيَ في هَذا المَعْنى. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "وَحَوَرٍ عِينٍ" بِالخَفْضِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشِ، وأبِي القَعْقاعِ، وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَحُورًا عِينًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَبْعَةِ: "وَحَوَرٌ عِينٌ" بِالرَفْعِ، كُلُّ هَذِهِ القِراءاتِ مَحْمُولَةُ الإعْرابِ عَلى المَعْنى لا عَلى اللَفْظِ، فالخَفْضُ كَأنَّ المَعْنى: قِيلَ: تُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ،وَكَأنَّ المَعْنى في قِراءَةِ النَصْبِ: وتُعْطُونَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا، وكَأنَّ المَعْنى في الرَفْعِ: لَهم هَذا كُلُّهُ وحُورٌ عِينٌ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ "وَحُورٌ" عَلى الضَمِيرِ المُسْتَقِرِّ في "مُتَّكِئِينَ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَمْ يُؤَكِّدْ لِكَوْنِ طُولِ الكَلامِ بَدَلًا مِنَ التَوْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى "الوِلْدانِ" وإنْ كانَ طَوافُ الحُورِ يُقْلِقُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى الضَمِيرِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى سُرُرٍ". وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى "حُورٌ عِينٌ"، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَحِيرٌ عِينٌ". وخَصَّ "سُبْحانَهُ" المَكْنُونَ مِنَ اللُؤْلُؤِ لِأنَّهُ أصْفى لَوْنًا وأبْعَدُ عَنِ الغَيْرِ، «وَسَألَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا رَسُولَ اللهِ ﷺ عن هَذا التَشْبِيهِ فَقالَ: "صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي"،» و"جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ" أيْ: هَذِهِ الرُتَبُ والنِعَمُ هي بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ هي مُقْسَّمَةٌ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ هو بِرَحْمَةِ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، فَأمّا هَذا الفَضْلُ وأنَّ دُخُولَها لَيْسَ بِعَمَلِ عامِلٍ فَفِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "وَلا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ".» (p-١٩٧)، و"اللَغْوُ": سَقْطُ القَوْلِ مِن فُحْشٍ وغَيْرِهِ، و"التَأْثِيمُ" مَصْدَرٌ، بِمَعْنى: لا يُؤْثَمُ أحَدٌ هُناكَ غَيْرُهُ ولا نَفْسُهُ بِقَوْلٍ كَأنْ يَسْمَعَ ويَتَألَّمَ بِسَماعِهِ. و"قِيلًا" مُسْتَثْنًى، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وقالَ قَوْمٌ: هو مُنْقَطِعٌ، و"سَلامًا" نَعْتٌ لِلْقِيلِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إلّا قَلِيلًا سالِمًا من هَذِهِ العُيُوبِ وغَيْرِها، وقالَ أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ أيْضًا: "سَلامًا" مَصْدَرٌ، وناصِبُهُ "قِيلًا"، كَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهم يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: سَلامًا سَلامًا، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: "سَلامًا" مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أسْلَمُوا سَلامًا.

الواقعة 56:14

قوله عزّ وجلّ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها ولا يُنْزِفُونَ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ "الثُلَّةُ": الجَماعَةُ والفِرْقَةُ، وهو تَقَعُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، واللَفْظُ في هَذا الوَضْعِ يُعْطِي أنَّ الجُمْلَةَ مِنَ الأوَّلِينَ أكْثَرُ مِنَ الجُمْلَةِ مِنَ الآخِرِينَ وهي الَّتِي عَبَّرَ عنها بِالقَلِيلِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى ذَلِكَ -فَقالَ قَوْمٌ- حَكى قَوْلَهم مَكِّيٌّ -: المُرادُ بِذَلِكَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ لِأنَّهم كانُوا في صَدْرِ الدُنْيا أكْثَرَ عَدَدًا، وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: المُرادُ السابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ والسابِقُونَ مِنَ الأُمَّةِ، وذَلِكَ إمّا أنْ يَقْتَرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِجُمُوعِهِمْ إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَأُولَئِكَ أكْثَرُ عَدَدًا لا مَحالَةَ، وإمّا أنْ يَقْرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مِمَّنْ سَبَقَ في أثْناءِ الأُمَمِ السالِفَةِ إلى السابِقِينَ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَأُولَئِكَ أكْثَرُ. ورُوِيَ أنَّ الصَحابَةَ رَضِيَ اللهِ تَعالى عنهم حَزِنُوا لِقِلَّةِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] فَرَضُوا، ورُوِيَ (p-١٩٣)عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا أنَّها تَأوَّلَتْ أنَّ الفِرْقَتَيْنِ في أُمَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ هي في الصَدْرِ ثُلَّةٌ وفي آخِرِ الأُمَّةِ قَلِيلٌ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ فِيما رُوِيَ عنهُ: « "الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ أوَّلُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقٌ سائِرُها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ".» وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُرُرٌ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "سُرَرٌ" بِفَتْحِ الراءِ، و"المَوْضُونَةُ": المَنسُوجَةُ بِتَرْكِيبِ بَعْضِ أجْزائِها عَلى بَعْضٍ كَحِلَقِ الدِرْعِ، فَإنَّ الدِرْعَ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ ومِن نَسْجِ داوُدَ مَوْضُونَةٌ ∗∗∗ تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيرًا فَعِيرًا وكَذَلِكَ سَقِيفَةُ الخُوصِ ونَحْوِهِ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ وضِينُ الناقَةِ وهو حِزامُها لِأنَّهُ مَوْضُونٌ، فَهو كَقَتِيلٍ وجَرِيحٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎ إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وضِينُها ∗∗∗ مُعْتَرِضًا في بَطْنِها جَنِينُها ؎ مُخالِفًا دِينَ النَصارى دِينُها قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ السُرُرُ المَوْضُونَةُ هي مَرْمُولَةٌ بِالذَهَبِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هي مُشَبَّكَةٌ بِالدُرِّ والياقُوتِ، و"مُتَّكِئِينَ" و"مُتَقابِلِينَ"، حالانِ، وفِيهِما ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مُتَّكِئِينَ عَلَيْها ناعِمِينَ". (p-١٩٤)وَ"الوِلْدانِ": صِغارُ الخَدَمِ، عِبارَةٌ عن أنَّهم صِغارُ الأسْنانِ. ووَصَفَهم تَعالى بِالخُلْدِ وإنْ كانَ جَمِيعُ ما في الجَنَّةِ كَذَلِكَ؛ إشارَةً إلى أنَّهم في حالِ الوِلْدانِ مُخَلَّدُونَ لا تَكْبُرُ لَهم سِنٌّ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ، قالَ الفَرّاءُ: "مُخَلَّدُونَ" مَعْناهُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضَرْبٌ مِنَ الأقْراطِ، والأوَّلُ أصْوَبُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِلَّذِي كَبُرَ ولَمْ يَشِبْ: إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ. و"الأكْوابُ": ما كانَ مِن أوانِي الشُرْبِ لا أُذُنَ لَهُ ولا خُرْطُومَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي جِرارٌ مِن فِضَّةٍ، وقالَ أبُو صالِحٍ: مُسْتَدِيرَةُ أفْواهُها، وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: لَيْسَتْ لَها عُرًى. و"الإبْرِيقُ": ما لَهُ خُرْطُومٌ، قالَ مُجاهِدٌ: وأُذُنٌ، وهو مِن أوانِي الخَمْرِ عِنْدَ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎ وتَداعَوْا إلى الصَبُوحِ فَقامَتْ ∗∗∗ قَيْنَةٌ في يَمِينِها إبْرِيقُ و"الكَأْسُ": الآنِيَةُ المُعَدَّةُ لِلشُّرْبِ بِها، بِشَرِيطَةِ أنْ يَكُونَ فِيها خَمْرٌ ونَبِيذٌ، أو بِسَبِيلِ ذَلِكَ، ومَتى كانَ فارِغًا فَهو مُنْتَسِبٌ إلى جِنْسِهِ زُجاجًا كانَ أو غَيْرَهُ، ولا يُقالُ لِآنِيَةٍ فِيها ماءٌ ولَبَنٌ: كَأْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن مَعِينٍ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ، فَوَزْنُها مَفْعُولٌ، أصْلُها مَعْيُونٌ، وهَذا تَأْوِيلُ قَتادَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها﴾ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: لا يَلْحَقُ رُؤُوسَهم الصُداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُنْيا، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: لا يَتَفَرَّقُونَ عنها، بِمَعْنى: لا تُقْطَعُ عنهم لَذَّتُهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ كَما يُفَرِّقُ أهْلُ خَمْرِ الدُنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَفْرِيقِ، وهَذا كَما قالَ: « "يَتَصَدَّعُ السَحابُ عَنِ المَدِينَةِ"...» الحَدِيثُ. (p-١٩٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا يُنْزِفُونَ" قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا، والنَزِيفُ: السَكْرانُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ............. ∗∗∗ شَرِبَ النَزِيفَ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "وَلا يَنْزِفُونَ" بِكَسْرِ الزايِ وفَتْحِ الياءِ، مِن: "نَزَفَ البِئْرُ" إذا اسْتَقى ماءَها، فَهي بِمَعْنى: تَمَّ خَمْرُهم ونَفِدَتْ، هَكَذا قالَ أبُو الفَتْحِ. وحَكاها أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، والجَحْدَرِيِّ، والأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعِيسى بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ، قالَ: ومَعْناها: لا يَفْنى شَرابُهُمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أنْزَفَ الرَجُلُ عَبْرَتُهُ". وتَقُولُ أيْضًا: "أنْزَفَ" إذا سَكِرَ، ومِنهُ قَوْلُ الأُبَيْرِدِ: ؎ لَعُمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أو صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَدامى كُنْتُمْ آلَ أبْجَرا (p-١٩٦)وَعَطَفَ "الفاكِهَةَ" عَلى "الكَأْسِ والأبارِيقِ". قَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا يَشْتَهُونَ"، رُوِيَ فِيهِ أنَّ العَبْدَ يَرى الطائِرَ يَطِيرُ فَيَشْتَهِيهِ فَيَنْزِلُ لَهُ كَما اشْتَهاهُ، ورُبَّما أكَلَ مِنهُ ألْوانًا بِحَسَبِ تَصَرُّفِ شَهْوَتِهِ إلى كَثِيرٍ مِمّا رُوِيَ في هَذا المَعْنى. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "وَحَوَرٍ عِينٍ" بِالخَفْضِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشِ، وأبِي القَعْقاعِ، وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَحُورًا عِينًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَبْعَةِ: "وَحَوَرٌ عِينٌ" بِالرَفْعِ، كُلُّ هَذِهِ القِراءاتِ مَحْمُولَةُ الإعْرابِ عَلى المَعْنى لا عَلى اللَفْظِ، فالخَفْضُ كَأنَّ المَعْنى: قِيلَ: تُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ،وَكَأنَّ المَعْنى في قِراءَةِ النَصْبِ: وتُعْطُونَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا، وكَأنَّ المَعْنى في الرَفْعِ: لَهم هَذا كُلُّهُ وحُورٌ عِينٌ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ "وَحُورٌ" عَلى الضَمِيرِ المُسْتَقِرِّ في "مُتَّكِئِينَ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَمْ يُؤَكِّدْ لِكَوْنِ طُولِ الكَلامِ بَدَلًا مِنَ التَوْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى "الوِلْدانِ" وإنْ كانَ طَوافُ الحُورِ يُقْلِقُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى الضَمِيرِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى سُرُرٍ". وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى "حُورٌ عِينٌ"، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَحِيرٌ عِينٌ". وخَصَّ "سُبْحانَهُ" المَكْنُونَ مِنَ اللُؤْلُؤِ لِأنَّهُ أصْفى لَوْنًا وأبْعَدُ عَنِ الغَيْرِ، «وَسَألَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا رَسُولَ اللهِ ﷺ عن هَذا التَشْبِيهِ فَقالَ: "صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي"،» و"جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ" أيْ: هَذِهِ الرُتَبُ والنِعَمُ هي بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ هي مُقْسَّمَةٌ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ هو بِرَحْمَةِ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، فَأمّا هَذا الفَضْلُ وأنَّ دُخُولَها لَيْسَ بِعَمَلِ عامِلٍ فَفِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "وَلا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ".» (p-١٩٧)، و"اللَغْوُ": سَقْطُ القَوْلِ مِن فُحْشٍ وغَيْرِهِ، و"التَأْثِيمُ" مَصْدَرٌ، بِمَعْنى: لا يُؤْثَمُ أحَدٌ هُناكَ غَيْرُهُ ولا نَفْسُهُ بِقَوْلٍ كَأنْ يَسْمَعَ ويَتَألَّمَ بِسَماعِهِ. و"قِيلًا" مُسْتَثْنًى، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وقالَ قَوْمٌ: هو مُنْقَطِعٌ، و"سَلامًا" نَعْتٌ لِلْقِيلِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إلّا قَلِيلًا سالِمًا من هَذِهِ العُيُوبِ وغَيْرِها، وقالَ أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ أيْضًا: "سَلامًا" مَصْدَرٌ، وناصِبُهُ "قِيلًا"، كَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهم يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: سَلامًا سَلامًا، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: "سَلامًا" مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أسْلَمُوا سَلامًا.

الواقعة 56:15

قوله عزّ وجلّ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها ولا يُنْزِفُونَ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ "الثُلَّةُ": الجَماعَةُ والفِرْقَةُ، وهو تَقَعُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، واللَفْظُ في هَذا الوَضْعِ يُعْطِي أنَّ الجُمْلَةَ مِنَ الأوَّلِينَ أكْثَرُ مِنَ الجُمْلَةِ مِنَ الآخِرِينَ وهي الَّتِي عَبَّرَ عنها بِالقَلِيلِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى ذَلِكَ -فَقالَ قَوْمٌ- حَكى قَوْلَهم مَكِّيٌّ -: المُرادُ بِذَلِكَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ لِأنَّهم كانُوا في صَدْرِ الدُنْيا أكْثَرَ عَدَدًا، وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: المُرادُ السابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ والسابِقُونَ مِنَ الأُمَّةِ، وذَلِكَ إمّا أنْ يَقْتَرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِجُمُوعِهِمْ إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَأُولَئِكَ أكْثَرُ عَدَدًا لا مَحالَةَ، وإمّا أنْ يَقْرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مِمَّنْ سَبَقَ في أثْناءِ الأُمَمِ السالِفَةِ إلى السابِقِينَ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَأُولَئِكَ أكْثَرُ. ورُوِيَ أنَّ الصَحابَةَ رَضِيَ اللهِ تَعالى عنهم حَزِنُوا لِقِلَّةِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] فَرَضُوا، ورُوِيَ (p-١٩٣)عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا أنَّها تَأوَّلَتْ أنَّ الفِرْقَتَيْنِ في أُمَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ هي في الصَدْرِ ثُلَّةٌ وفي آخِرِ الأُمَّةِ قَلِيلٌ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ فِيما رُوِيَ عنهُ: « "الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ أوَّلُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقٌ سائِرُها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ".» وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُرُرٌ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "سُرَرٌ" بِفَتْحِ الراءِ، و"المَوْضُونَةُ": المَنسُوجَةُ بِتَرْكِيبِ بَعْضِ أجْزائِها عَلى بَعْضٍ كَحِلَقِ الدِرْعِ، فَإنَّ الدِرْعَ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ ومِن نَسْجِ داوُدَ مَوْضُونَةٌ ∗∗∗ تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيرًا فَعِيرًا وكَذَلِكَ سَقِيفَةُ الخُوصِ ونَحْوِهِ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ وضِينُ الناقَةِ وهو حِزامُها لِأنَّهُ مَوْضُونٌ، فَهو كَقَتِيلٍ وجَرِيحٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎ إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وضِينُها ∗∗∗ مُعْتَرِضًا في بَطْنِها جَنِينُها ؎ مُخالِفًا دِينَ النَصارى دِينُها قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ السُرُرُ المَوْضُونَةُ هي مَرْمُولَةٌ بِالذَهَبِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هي مُشَبَّكَةٌ بِالدُرِّ والياقُوتِ، و"مُتَّكِئِينَ" و"مُتَقابِلِينَ"، حالانِ، وفِيهِما ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مُتَّكِئِينَ عَلَيْها ناعِمِينَ". (p-١٩٤)وَ"الوِلْدانِ": صِغارُ الخَدَمِ، عِبارَةٌ عن أنَّهم صِغارُ الأسْنانِ. ووَصَفَهم تَعالى بِالخُلْدِ وإنْ كانَ جَمِيعُ ما في الجَنَّةِ كَذَلِكَ؛ إشارَةً إلى أنَّهم في حالِ الوِلْدانِ مُخَلَّدُونَ لا تَكْبُرُ لَهم سِنٌّ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ، قالَ الفَرّاءُ: "مُخَلَّدُونَ" مَعْناهُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضَرْبٌ مِنَ الأقْراطِ، والأوَّلُ أصْوَبُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِلَّذِي كَبُرَ ولَمْ يَشِبْ: إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ. و"الأكْوابُ": ما كانَ مِن أوانِي الشُرْبِ لا أُذُنَ لَهُ ولا خُرْطُومَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي جِرارٌ مِن فِضَّةٍ، وقالَ أبُو صالِحٍ: مُسْتَدِيرَةُ أفْواهُها، وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: لَيْسَتْ لَها عُرًى. و"الإبْرِيقُ": ما لَهُ خُرْطُومٌ، قالَ مُجاهِدٌ: وأُذُنٌ، وهو مِن أوانِي الخَمْرِ عِنْدَ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎ وتَداعَوْا إلى الصَبُوحِ فَقامَتْ ∗∗∗ قَيْنَةٌ في يَمِينِها إبْرِيقُ و"الكَأْسُ": الآنِيَةُ المُعَدَّةُ لِلشُّرْبِ بِها، بِشَرِيطَةِ أنْ يَكُونَ فِيها خَمْرٌ ونَبِيذٌ، أو بِسَبِيلِ ذَلِكَ، ومَتى كانَ فارِغًا فَهو مُنْتَسِبٌ إلى جِنْسِهِ زُجاجًا كانَ أو غَيْرَهُ، ولا يُقالُ لِآنِيَةٍ فِيها ماءٌ ولَبَنٌ: كَأْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن مَعِينٍ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ، فَوَزْنُها مَفْعُولٌ، أصْلُها مَعْيُونٌ، وهَذا تَأْوِيلُ قَتادَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها﴾ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: لا يَلْحَقُ رُؤُوسَهم الصُداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُنْيا، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: لا يَتَفَرَّقُونَ عنها، بِمَعْنى: لا تُقْطَعُ عنهم لَذَّتُهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ كَما يُفَرِّقُ أهْلُ خَمْرِ الدُنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَفْرِيقِ، وهَذا كَما قالَ: « "يَتَصَدَّعُ السَحابُ عَنِ المَدِينَةِ"...» الحَدِيثُ. (p-١٩٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا يُنْزِفُونَ" قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا، والنَزِيفُ: السَكْرانُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ............. ∗∗∗ شَرِبَ النَزِيفَ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "وَلا يَنْزِفُونَ" بِكَسْرِ الزايِ وفَتْحِ الياءِ، مِن: "نَزَفَ البِئْرُ" إذا اسْتَقى ماءَها، فَهي بِمَعْنى: تَمَّ خَمْرُهم ونَفِدَتْ، هَكَذا قالَ أبُو الفَتْحِ. وحَكاها أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، والجَحْدَرِيِّ، والأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعِيسى بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ، قالَ: ومَعْناها: لا يَفْنى شَرابُهُمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أنْزَفَ الرَجُلُ عَبْرَتُهُ". وتَقُولُ أيْضًا: "أنْزَفَ" إذا سَكِرَ، ومِنهُ قَوْلُ الأُبَيْرِدِ: ؎ لَعُمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أو صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَدامى كُنْتُمْ آلَ أبْجَرا (p-١٩٦)وَعَطَفَ "الفاكِهَةَ" عَلى "الكَأْسِ والأبارِيقِ". قَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا يَشْتَهُونَ"، رُوِيَ فِيهِ أنَّ العَبْدَ يَرى الطائِرَ يَطِيرُ فَيَشْتَهِيهِ فَيَنْزِلُ لَهُ كَما اشْتَهاهُ، ورُبَّما أكَلَ مِنهُ ألْوانًا بِحَسَبِ تَصَرُّفِ شَهْوَتِهِ إلى كَثِيرٍ مِمّا رُوِيَ في هَذا المَعْنى. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "وَحَوَرٍ عِينٍ" بِالخَفْضِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشِ، وأبِي القَعْقاعِ، وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَحُورًا عِينًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَبْعَةِ: "وَحَوَرٌ عِينٌ" بِالرَفْعِ، كُلُّ هَذِهِ القِراءاتِ مَحْمُولَةُ الإعْرابِ عَلى المَعْنى لا عَلى اللَفْظِ، فالخَفْضُ كَأنَّ المَعْنى: قِيلَ: تُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ،وَكَأنَّ المَعْنى في قِراءَةِ النَصْبِ: وتُعْطُونَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا، وكَأنَّ المَعْنى في الرَفْعِ: لَهم هَذا كُلُّهُ وحُورٌ عِينٌ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ "وَحُورٌ" عَلى الضَمِيرِ المُسْتَقِرِّ في "مُتَّكِئِينَ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَمْ يُؤَكِّدْ لِكَوْنِ طُولِ الكَلامِ بَدَلًا مِنَ التَوْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى "الوِلْدانِ" وإنْ كانَ طَوافُ الحُورِ يُقْلِقُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى الضَمِيرِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى سُرُرٍ". وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى "حُورٌ عِينٌ"، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَحِيرٌ عِينٌ". وخَصَّ "سُبْحانَهُ" المَكْنُونَ مِنَ اللُؤْلُؤِ لِأنَّهُ أصْفى لَوْنًا وأبْعَدُ عَنِ الغَيْرِ، «وَسَألَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا رَسُولَ اللهِ ﷺ عن هَذا التَشْبِيهِ فَقالَ: "صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي"،» و"جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ" أيْ: هَذِهِ الرُتَبُ والنِعَمُ هي بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ هي مُقْسَّمَةٌ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ هو بِرَحْمَةِ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، فَأمّا هَذا الفَضْلُ وأنَّ دُخُولَها لَيْسَ بِعَمَلِ عامِلٍ فَفِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "وَلا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ".» (p-١٩٧)، و"اللَغْوُ": سَقْطُ القَوْلِ مِن فُحْشٍ وغَيْرِهِ، و"التَأْثِيمُ" مَصْدَرٌ، بِمَعْنى: لا يُؤْثَمُ أحَدٌ هُناكَ غَيْرُهُ ولا نَفْسُهُ بِقَوْلٍ كَأنْ يَسْمَعَ ويَتَألَّمَ بِسَماعِهِ. و"قِيلًا" مُسْتَثْنًى، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وقالَ قَوْمٌ: هو مُنْقَطِعٌ، و"سَلامًا" نَعْتٌ لِلْقِيلِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إلّا قَلِيلًا سالِمًا من هَذِهِ العُيُوبِ وغَيْرِها، وقالَ أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ أيْضًا: "سَلامًا" مَصْدَرٌ، وناصِبُهُ "قِيلًا"، كَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهم يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: سَلامًا سَلامًا، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: "سَلامًا" مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أسْلَمُوا سَلامًا.

الواقعة 56:16

قوله عزّ وجلّ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها ولا يُنْزِفُونَ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ "الثُلَّةُ": الجَماعَةُ والفِرْقَةُ، وهو تَقَعُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، واللَفْظُ في هَذا الوَضْعِ يُعْطِي أنَّ الجُمْلَةَ مِنَ الأوَّلِينَ أكْثَرُ مِنَ الجُمْلَةِ مِنَ الآخِرِينَ وهي الَّتِي عَبَّرَ عنها بِالقَلِيلِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى ذَلِكَ -فَقالَ قَوْمٌ- حَكى قَوْلَهم مَكِّيٌّ -: المُرادُ بِذَلِكَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ لِأنَّهم كانُوا في صَدْرِ الدُنْيا أكْثَرَ عَدَدًا، وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: المُرادُ السابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ والسابِقُونَ مِنَ الأُمَّةِ، وذَلِكَ إمّا أنْ يَقْتَرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِجُمُوعِهِمْ إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَأُولَئِكَ أكْثَرُ عَدَدًا لا مَحالَةَ، وإمّا أنْ يَقْرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مِمَّنْ سَبَقَ في أثْناءِ الأُمَمِ السالِفَةِ إلى السابِقِينَ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَأُولَئِكَ أكْثَرُ. ورُوِيَ أنَّ الصَحابَةَ رَضِيَ اللهِ تَعالى عنهم حَزِنُوا لِقِلَّةِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] فَرَضُوا، ورُوِيَ (p-١٩٣)عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا أنَّها تَأوَّلَتْ أنَّ الفِرْقَتَيْنِ في أُمَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ هي في الصَدْرِ ثُلَّةٌ وفي آخِرِ الأُمَّةِ قَلِيلٌ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ فِيما رُوِيَ عنهُ: « "الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ أوَّلُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقٌ سائِرُها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ".» وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُرُرٌ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "سُرَرٌ" بِفَتْحِ الراءِ، و"المَوْضُونَةُ": المَنسُوجَةُ بِتَرْكِيبِ بَعْضِ أجْزائِها عَلى بَعْضٍ كَحِلَقِ الدِرْعِ، فَإنَّ الدِرْعَ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ ومِن نَسْجِ داوُدَ مَوْضُونَةٌ ∗∗∗ تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيرًا فَعِيرًا وكَذَلِكَ سَقِيفَةُ الخُوصِ ونَحْوِهِ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ وضِينُ الناقَةِ وهو حِزامُها لِأنَّهُ مَوْضُونٌ، فَهو كَقَتِيلٍ وجَرِيحٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎ إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وضِينُها ∗∗∗ مُعْتَرِضًا في بَطْنِها جَنِينُها ؎ مُخالِفًا دِينَ النَصارى دِينُها قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ السُرُرُ المَوْضُونَةُ هي مَرْمُولَةٌ بِالذَهَبِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هي مُشَبَّكَةٌ بِالدُرِّ والياقُوتِ، و"مُتَّكِئِينَ" و"مُتَقابِلِينَ"، حالانِ، وفِيهِما ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مُتَّكِئِينَ عَلَيْها ناعِمِينَ". (p-١٩٤)وَ"الوِلْدانِ": صِغارُ الخَدَمِ، عِبارَةٌ عن أنَّهم صِغارُ الأسْنانِ. ووَصَفَهم تَعالى بِالخُلْدِ وإنْ كانَ جَمِيعُ ما في الجَنَّةِ كَذَلِكَ؛ إشارَةً إلى أنَّهم في حالِ الوِلْدانِ مُخَلَّدُونَ لا تَكْبُرُ لَهم سِنٌّ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ، قالَ الفَرّاءُ: "مُخَلَّدُونَ" مَعْناهُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضَرْبٌ مِنَ الأقْراطِ، والأوَّلُ أصْوَبُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِلَّذِي كَبُرَ ولَمْ يَشِبْ: إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ. و"الأكْوابُ": ما كانَ مِن أوانِي الشُرْبِ لا أُذُنَ لَهُ ولا خُرْطُومَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي جِرارٌ مِن فِضَّةٍ، وقالَ أبُو صالِحٍ: مُسْتَدِيرَةُ أفْواهُها، وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: لَيْسَتْ لَها عُرًى. و"الإبْرِيقُ": ما لَهُ خُرْطُومٌ، قالَ مُجاهِدٌ: وأُذُنٌ، وهو مِن أوانِي الخَمْرِ عِنْدَ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎ وتَداعَوْا إلى الصَبُوحِ فَقامَتْ ∗∗∗ قَيْنَةٌ في يَمِينِها إبْرِيقُ و"الكَأْسُ": الآنِيَةُ المُعَدَّةُ لِلشُّرْبِ بِها، بِشَرِيطَةِ أنْ يَكُونَ فِيها خَمْرٌ ونَبِيذٌ، أو بِسَبِيلِ ذَلِكَ، ومَتى كانَ فارِغًا فَهو مُنْتَسِبٌ إلى جِنْسِهِ زُجاجًا كانَ أو غَيْرَهُ، ولا يُقالُ لِآنِيَةٍ فِيها ماءٌ ولَبَنٌ: كَأْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن مَعِينٍ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ، فَوَزْنُها مَفْعُولٌ، أصْلُها مَعْيُونٌ، وهَذا تَأْوِيلُ قَتادَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها﴾ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: لا يَلْحَقُ رُؤُوسَهم الصُداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُنْيا، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: لا يَتَفَرَّقُونَ عنها، بِمَعْنى: لا تُقْطَعُ عنهم لَذَّتُهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ كَما يُفَرِّقُ أهْلُ خَمْرِ الدُنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَفْرِيقِ، وهَذا كَما قالَ: « "يَتَصَدَّعُ السَحابُ عَنِ المَدِينَةِ"...» الحَدِيثُ. (p-١٩٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا يُنْزِفُونَ" قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا، والنَزِيفُ: السَكْرانُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ............. ∗∗∗ شَرِبَ النَزِيفَ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "وَلا يَنْزِفُونَ" بِكَسْرِ الزايِ وفَتْحِ الياءِ، مِن: "نَزَفَ البِئْرُ" إذا اسْتَقى ماءَها، فَهي بِمَعْنى: تَمَّ خَمْرُهم ونَفِدَتْ، هَكَذا قالَ أبُو الفَتْحِ. وحَكاها أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، والجَحْدَرِيِّ، والأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعِيسى بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ، قالَ: ومَعْناها: لا يَفْنى شَرابُهُمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أنْزَفَ الرَجُلُ عَبْرَتُهُ". وتَقُولُ أيْضًا: "أنْزَفَ" إذا سَكِرَ، ومِنهُ قَوْلُ الأُبَيْرِدِ: ؎ لَعُمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أو صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَدامى كُنْتُمْ آلَ أبْجَرا (p-١٩٦)وَعَطَفَ "الفاكِهَةَ" عَلى "الكَأْسِ والأبارِيقِ". قَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا يَشْتَهُونَ"، رُوِيَ فِيهِ أنَّ العَبْدَ يَرى الطائِرَ يَطِيرُ فَيَشْتَهِيهِ فَيَنْزِلُ لَهُ كَما اشْتَهاهُ، ورُبَّما أكَلَ مِنهُ ألْوانًا بِحَسَبِ تَصَرُّفِ شَهْوَتِهِ إلى كَثِيرٍ مِمّا رُوِيَ في هَذا المَعْنى. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "وَحَوَرٍ عِينٍ" بِالخَفْضِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشِ، وأبِي القَعْقاعِ، وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَحُورًا عِينًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَبْعَةِ: "وَحَوَرٌ عِينٌ" بِالرَفْعِ، كُلُّ هَذِهِ القِراءاتِ مَحْمُولَةُ الإعْرابِ عَلى المَعْنى لا عَلى اللَفْظِ، فالخَفْضُ كَأنَّ المَعْنى: قِيلَ: تُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ،وَكَأنَّ المَعْنى في قِراءَةِ النَصْبِ: وتُعْطُونَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا، وكَأنَّ المَعْنى في الرَفْعِ: لَهم هَذا كُلُّهُ وحُورٌ عِينٌ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ "وَحُورٌ" عَلى الضَمِيرِ المُسْتَقِرِّ في "مُتَّكِئِينَ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَمْ يُؤَكِّدْ لِكَوْنِ طُولِ الكَلامِ بَدَلًا مِنَ التَوْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى "الوِلْدانِ" وإنْ كانَ طَوافُ الحُورِ يُقْلِقُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى الضَمِيرِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى سُرُرٍ". وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى "حُورٌ عِينٌ"، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَحِيرٌ عِينٌ". وخَصَّ "سُبْحانَهُ" المَكْنُونَ مِنَ اللُؤْلُؤِ لِأنَّهُ أصْفى لَوْنًا وأبْعَدُ عَنِ الغَيْرِ، «وَسَألَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا رَسُولَ اللهِ ﷺ عن هَذا التَشْبِيهِ فَقالَ: "صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي"،» و"جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ" أيْ: هَذِهِ الرُتَبُ والنِعَمُ هي بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ هي مُقْسَّمَةٌ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ هو بِرَحْمَةِ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، فَأمّا هَذا الفَضْلُ وأنَّ دُخُولَها لَيْسَ بِعَمَلِ عامِلٍ فَفِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "وَلا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ".» (p-١٩٧)، و"اللَغْوُ": سَقْطُ القَوْلِ مِن فُحْشٍ وغَيْرِهِ، و"التَأْثِيمُ" مَصْدَرٌ، بِمَعْنى: لا يُؤْثَمُ أحَدٌ هُناكَ غَيْرُهُ ولا نَفْسُهُ بِقَوْلٍ كَأنْ يَسْمَعَ ويَتَألَّمَ بِسَماعِهِ. و"قِيلًا" مُسْتَثْنًى، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وقالَ قَوْمٌ: هو مُنْقَطِعٌ، و"سَلامًا" نَعْتٌ لِلْقِيلِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إلّا قَلِيلًا سالِمًا من هَذِهِ العُيُوبِ وغَيْرِها، وقالَ أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ أيْضًا: "سَلامًا" مَصْدَرٌ، وناصِبُهُ "قِيلًا"، كَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهم يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: سَلامًا سَلامًا، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: "سَلامًا" مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أسْلَمُوا سَلامًا.

الواقعة 56:17

قوله عزّ وجلّ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها ولا يُنْزِفُونَ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ "الثُلَّةُ": الجَماعَةُ والفِرْقَةُ، وهو تَقَعُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، واللَفْظُ في هَذا الوَضْعِ يُعْطِي أنَّ الجُمْلَةَ مِنَ الأوَّلِينَ أكْثَرُ مِنَ الجُمْلَةِ مِنَ الآخِرِينَ وهي الَّتِي عَبَّرَ عنها بِالقَلِيلِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى ذَلِكَ -فَقالَ قَوْمٌ- حَكى قَوْلَهم مَكِّيٌّ -: المُرادُ بِذَلِكَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ لِأنَّهم كانُوا في صَدْرِ الدُنْيا أكْثَرَ عَدَدًا، وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: المُرادُ السابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ والسابِقُونَ مِنَ الأُمَّةِ، وذَلِكَ إمّا أنْ يَقْتَرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِجُمُوعِهِمْ إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَأُولَئِكَ أكْثَرُ عَدَدًا لا مَحالَةَ، وإمّا أنْ يَقْرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مِمَّنْ سَبَقَ في أثْناءِ الأُمَمِ السالِفَةِ إلى السابِقِينَ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَأُولَئِكَ أكْثَرُ. ورُوِيَ أنَّ الصَحابَةَ رَضِيَ اللهِ تَعالى عنهم حَزِنُوا لِقِلَّةِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] فَرَضُوا، ورُوِيَ (p-١٩٣)عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا أنَّها تَأوَّلَتْ أنَّ الفِرْقَتَيْنِ في أُمَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ هي في الصَدْرِ ثُلَّةٌ وفي آخِرِ الأُمَّةِ قَلِيلٌ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ فِيما رُوِيَ عنهُ: « "الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ أوَّلُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقٌ سائِرُها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ".» وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُرُرٌ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "سُرَرٌ" بِفَتْحِ الراءِ، و"المَوْضُونَةُ": المَنسُوجَةُ بِتَرْكِيبِ بَعْضِ أجْزائِها عَلى بَعْضٍ كَحِلَقِ الدِرْعِ، فَإنَّ الدِرْعَ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ ومِن نَسْجِ داوُدَ مَوْضُونَةٌ ∗∗∗ تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيرًا فَعِيرًا وكَذَلِكَ سَقِيفَةُ الخُوصِ ونَحْوِهِ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ وضِينُ الناقَةِ وهو حِزامُها لِأنَّهُ مَوْضُونٌ، فَهو كَقَتِيلٍ وجَرِيحٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎ إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وضِينُها ∗∗∗ مُعْتَرِضًا في بَطْنِها جَنِينُها ؎ مُخالِفًا دِينَ النَصارى دِينُها قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ السُرُرُ المَوْضُونَةُ هي مَرْمُولَةٌ بِالذَهَبِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هي مُشَبَّكَةٌ بِالدُرِّ والياقُوتِ، و"مُتَّكِئِينَ" و"مُتَقابِلِينَ"، حالانِ، وفِيهِما ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مُتَّكِئِينَ عَلَيْها ناعِمِينَ". (p-١٩٤)وَ"الوِلْدانِ": صِغارُ الخَدَمِ، عِبارَةٌ عن أنَّهم صِغارُ الأسْنانِ. ووَصَفَهم تَعالى بِالخُلْدِ وإنْ كانَ جَمِيعُ ما في الجَنَّةِ كَذَلِكَ؛ إشارَةً إلى أنَّهم في حالِ الوِلْدانِ مُخَلَّدُونَ لا تَكْبُرُ لَهم سِنٌّ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ، قالَ الفَرّاءُ: "مُخَلَّدُونَ" مَعْناهُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضَرْبٌ مِنَ الأقْراطِ، والأوَّلُ أصْوَبُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِلَّذِي كَبُرَ ولَمْ يَشِبْ: إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ. و"الأكْوابُ": ما كانَ مِن أوانِي الشُرْبِ لا أُذُنَ لَهُ ولا خُرْطُومَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي جِرارٌ مِن فِضَّةٍ، وقالَ أبُو صالِحٍ: مُسْتَدِيرَةُ أفْواهُها، وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: لَيْسَتْ لَها عُرًى. و"الإبْرِيقُ": ما لَهُ خُرْطُومٌ، قالَ مُجاهِدٌ: وأُذُنٌ، وهو مِن أوانِي الخَمْرِ عِنْدَ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎ وتَداعَوْا إلى الصَبُوحِ فَقامَتْ ∗∗∗ قَيْنَةٌ في يَمِينِها إبْرِيقُ و"الكَأْسُ": الآنِيَةُ المُعَدَّةُ لِلشُّرْبِ بِها، بِشَرِيطَةِ أنْ يَكُونَ فِيها خَمْرٌ ونَبِيذٌ، أو بِسَبِيلِ ذَلِكَ، ومَتى كانَ فارِغًا فَهو مُنْتَسِبٌ إلى جِنْسِهِ زُجاجًا كانَ أو غَيْرَهُ، ولا يُقالُ لِآنِيَةٍ فِيها ماءٌ ولَبَنٌ: كَأْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن مَعِينٍ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ، فَوَزْنُها مَفْعُولٌ، أصْلُها مَعْيُونٌ، وهَذا تَأْوِيلُ قَتادَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها﴾ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: لا يَلْحَقُ رُؤُوسَهم الصُداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُنْيا، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: لا يَتَفَرَّقُونَ عنها، بِمَعْنى: لا تُقْطَعُ عنهم لَذَّتُهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ كَما يُفَرِّقُ أهْلُ خَمْرِ الدُنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَفْرِيقِ، وهَذا كَما قالَ: « "يَتَصَدَّعُ السَحابُ عَنِ المَدِينَةِ"...» الحَدِيثُ. (p-١٩٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا يُنْزِفُونَ" قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا، والنَزِيفُ: السَكْرانُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ............. ∗∗∗ شَرِبَ النَزِيفَ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "وَلا يَنْزِفُونَ" بِكَسْرِ الزايِ وفَتْحِ الياءِ، مِن: "نَزَفَ البِئْرُ" إذا اسْتَقى ماءَها، فَهي بِمَعْنى: تَمَّ خَمْرُهم ونَفِدَتْ، هَكَذا قالَ أبُو الفَتْحِ. وحَكاها أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، والجَحْدَرِيِّ، والأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعِيسى بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ، قالَ: ومَعْناها: لا يَفْنى شَرابُهُمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أنْزَفَ الرَجُلُ عَبْرَتُهُ". وتَقُولُ أيْضًا: "أنْزَفَ" إذا سَكِرَ، ومِنهُ قَوْلُ الأُبَيْرِدِ: ؎ لَعُمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أو صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَدامى كُنْتُمْ آلَ أبْجَرا (p-١٩٦)وَعَطَفَ "الفاكِهَةَ" عَلى "الكَأْسِ والأبارِيقِ". قَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا يَشْتَهُونَ"، رُوِيَ فِيهِ أنَّ العَبْدَ يَرى الطائِرَ يَطِيرُ فَيَشْتَهِيهِ فَيَنْزِلُ لَهُ كَما اشْتَهاهُ، ورُبَّما أكَلَ مِنهُ ألْوانًا بِحَسَبِ تَصَرُّفِ شَهْوَتِهِ إلى كَثِيرٍ مِمّا رُوِيَ في هَذا المَعْنى. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "وَحَوَرٍ عِينٍ" بِالخَفْضِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشِ، وأبِي القَعْقاعِ، وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَحُورًا عِينًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَبْعَةِ: "وَحَوَرٌ عِينٌ" بِالرَفْعِ، كُلُّ هَذِهِ القِراءاتِ مَحْمُولَةُ الإعْرابِ عَلى المَعْنى لا عَلى اللَفْظِ، فالخَفْضُ كَأنَّ المَعْنى: قِيلَ: تُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ،وَكَأنَّ المَعْنى في قِراءَةِ النَصْبِ: وتُعْطُونَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا، وكَأنَّ المَعْنى في الرَفْعِ: لَهم هَذا كُلُّهُ وحُورٌ عِينٌ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ "وَحُورٌ" عَلى الضَمِيرِ المُسْتَقِرِّ في "مُتَّكِئِينَ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَمْ يُؤَكِّدْ لِكَوْنِ طُولِ الكَلامِ بَدَلًا مِنَ التَوْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى "الوِلْدانِ" وإنْ كانَ طَوافُ الحُورِ يُقْلِقُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى الضَمِيرِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى سُرُرٍ". وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى "حُورٌ عِينٌ"، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَحِيرٌ عِينٌ". وخَصَّ "سُبْحانَهُ" المَكْنُونَ مِنَ اللُؤْلُؤِ لِأنَّهُ أصْفى لَوْنًا وأبْعَدُ عَنِ الغَيْرِ، «وَسَألَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا رَسُولَ اللهِ ﷺ عن هَذا التَشْبِيهِ فَقالَ: "صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي"،» و"جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ" أيْ: هَذِهِ الرُتَبُ والنِعَمُ هي بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ هي مُقْسَّمَةٌ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ هو بِرَحْمَةِ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، فَأمّا هَذا الفَضْلُ وأنَّ دُخُولَها لَيْسَ بِعَمَلِ عامِلٍ فَفِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "وَلا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ".» (p-١٩٧)، و"اللَغْوُ": سَقْطُ القَوْلِ مِن فُحْشٍ وغَيْرِهِ، و"التَأْثِيمُ" مَصْدَرٌ، بِمَعْنى: لا يُؤْثَمُ أحَدٌ هُناكَ غَيْرُهُ ولا نَفْسُهُ بِقَوْلٍ كَأنْ يَسْمَعَ ويَتَألَّمَ بِسَماعِهِ. و"قِيلًا" مُسْتَثْنًى، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وقالَ قَوْمٌ: هو مُنْقَطِعٌ، و"سَلامًا" نَعْتٌ لِلْقِيلِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إلّا قَلِيلًا سالِمًا من هَذِهِ العُيُوبِ وغَيْرِها، وقالَ أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ أيْضًا: "سَلامًا" مَصْدَرٌ، وناصِبُهُ "قِيلًا"، كَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهم يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: سَلامًا سَلامًا، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: "سَلامًا" مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أسْلَمُوا سَلامًا.

الواقعة 56:18

قوله عزّ وجلّ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها ولا يُنْزِفُونَ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ "الثُلَّةُ": الجَماعَةُ والفِرْقَةُ، وهو تَقَعُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، واللَفْظُ في هَذا الوَضْعِ يُعْطِي أنَّ الجُمْلَةَ مِنَ الأوَّلِينَ أكْثَرُ مِنَ الجُمْلَةِ مِنَ الآخِرِينَ وهي الَّتِي عَبَّرَ عنها بِالقَلِيلِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى ذَلِكَ -فَقالَ قَوْمٌ- حَكى قَوْلَهم مَكِّيٌّ -: المُرادُ بِذَلِكَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ لِأنَّهم كانُوا في صَدْرِ الدُنْيا أكْثَرَ عَدَدًا، وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: المُرادُ السابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ والسابِقُونَ مِنَ الأُمَّةِ، وذَلِكَ إمّا أنْ يَقْتَرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِجُمُوعِهِمْ إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَأُولَئِكَ أكْثَرُ عَدَدًا لا مَحالَةَ، وإمّا أنْ يَقْرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مِمَّنْ سَبَقَ في أثْناءِ الأُمَمِ السالِفَةِ إلى السابِقِينَ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَأُولَئِكَ أكْثَرُ. ورُوِيَ أنَّ الصَحابَةَ رَضِيَ اللهِ تَعالى عنهم حَزِنُوا لِقِلَّةِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] فَرَضُوا، ورُوِيَ (p-١٩٣)عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا أنَّها تَأوَّلَتْ أنَّ الفِرْقَتَيْنِ في أُمَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ هي في الصَدْرِ ثُلَّةٌ وفي آخِرِ الأُمَّةِ قَلِيلٌ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ فِيما رُوِيَ عنهُ: « "الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ أوَّلُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقٌ سائِرُها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ".» وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُرُرٌ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "سُرَرٌ" بِفَتْحِ الراءِ، و"المَوْضُونَةُ": المَنسُوجَةُ بِتَرْكِيبِ بَعْضِ أجْزائِها عَلى بَعْضٍ كَحِلَقِ الدِرْعِ، فَإنَّ الدِرْعَ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ ومِن نَسْجِ داوُدَ مَوْضُونَةٌ ∗∗∗ تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيرًا فَعِيرًا وكَذَلِكَ سَقِيفَةُ الخُوصِ ونَحْوِهِ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ وضِينُ الناقَةِ وهو حِزامُها لِأنَّهُ مَوْضُونٌ، فَهو كَقَتِيلٍ وجَرِيحٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎ إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وضِينُها ∗∗∗ مُعْتَرِضًا في بَطْنِها جَنِينُها ؎ مُخالِفًا دِينَ النَصارى دِينُها قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ السُرُرُ المَوْضُونَةُ هي مَرْمُولَةٌ بِالذَهَبِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هي مُشَبَّكَةٌ بِالدُرِّ والياقُوتِ، و"مُتَّكِئِينَ" و"مُتَقابِلِينَ"، حالانِ، وفِيهِما ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مُتَّكِئِينَ عَلَيْها ناعِمِينَ". (p-١٩٤)وَ"الوِلْدانِ": صِغارُ الخَدَمِ، عِبارَةٌ عن أنَّهم صِغارُ الأسْنانِ. ووَصَفَهم تَعالى بِالخُلْدِ وإنْ كانَ جَمِيعُ ما في الجَنَّةِ كَذَلِكَ؛ إشارَةً إلى أنَّهم في حالِ الوِلْدانِ مُخَلَّدُونَ لا تَكْبُرُ لَهم سِنٌّ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ، قالَ الفَرّاءُ: "مُخَلَّدُونَ" مَعْناهُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضَرْبٌ مِنَ الأقْراطِ، والأوَّلُ أصْوَبُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِلَّذِي كَبُرَ ولَمْ يَشِبْ: إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ. و"الأكْوابُ": ما كانَ مِن أوانِي الشُرْبِ لا أُذُنَ لَهُ ولا خُرْطُومَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي جِرارٌ مِن فِضَّةٍ، وقالَ أبُو صالِحٍ: مُسْتَدِيرَةُ أفْواهُها، وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: لَيْسَتْ لَها عُرًى. و"الإبْرِيقُ": ما لَهُ خُرْطُومٌ، قالَ مُجاهِدٌ: وأُذُنٌ، وهو مِن أوانِي الخَمْرِ عِنْدَ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎ وتَداعَوْا إلى الصَبُوحِ فَقامَتْ ∗∗∗ قَيْنَةٌ في يَمِينِها إبْرِيقُ و"الكَأْسُ": الآنِيَةُ المُعَدَّةُ لِلشُّرْبِ بِها، بِشَرِيطَةِ أنْ يَكُونَ فِيها خَمْرٌ ونَبِيذٌ، أو بِسَبِيلِ ذَلِكَ، ومَتى كانَ فارِغًا فَهو مُنْتَسِبٌ إلى جِنْسِهِ زُجاجًا كانَ أو غَيْرَهُ، ولا يُقالُ لِآنِيَةٍ فِيها ماءٌ ولَبَنٌ: كَأْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن مَعِينٍ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ، فَوَزْنُها مَفْعُولٌ، أصْلُها مَعْيُونٌ، وهَذا تَأْوِيلُ قَتادَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها﴾ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: لا يَلْحَقُ رُؤُوسَهم الصُداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُنْيا، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: لا يَتَفَرَّقُونَ عنها، بِمَعْنى: لا تُقْطَعُ عنهم لَذَّتُهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ كَما يُفَرِّقُ أهْلُ خَمْرِ الدُنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَفْرِيقِ، وهَذا كَما قالَ: « "يَتَصَدَّعُ السَحابُ عَنِ المَدِينَةِ"...» الحَدِيثُ. (p-١٩٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا يُنْزِفُونَ" قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا، والنَزِيفُ: السَكْرانُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ............. ∗∗∗ شَرِبَ النَزِيفَ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "وَلا يَنْزِفُونَ" بِكَسْرِ الزايِ وفَتْحِ الياءِ، مِن: "نَزَفَ البِئْرُ" إذا اسْتَقى ماءَها، فَهي بِمَعْنى: تَمَّ خَمْرُهم ونَفِدَتْ، هَكَذا قالَ أبُو الفَتْحِ. وحَكاها أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، والجَحْدَرِيِّ، والأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعِيسى بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ، قالَ: ومَعْناها: لا يَفْنى شَرابُهُمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أنْزَفَ الرَجُلُ عَبْرَتُهُ". وتَقُولُ أيْضًا: "أنْزَفَ" إذا سَكِرَ، ومِنهُ قَوْلُ الأُبَيْرِدِ: ؎ لَعُمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أو صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَدامى كُنْتُمْ آلَ أبْجَرا (p-١٩٦)وَعَطَفَ "الفاكِهَةَ" عَلى "الكَأْسِ والأبارِيقِ". قَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا يَشْتَهُونَ"، رُوِيَ فِيهِ أنَّ العَبْدَ يَرى الطائِرَ يَطِيرُ فَيَشْتَهِيهِ فَيَنْزِلُ لَهُ كَما اشْتَهاهُ، ورُبَّما أكَلَ مِنهُ ألْوانًا بِحَسَبِ تَصَرُّفِ شَهْوَتِهِ إلى كَثِيرٍ مِمّا رُوِيَ في هَذا المَعْنى. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "وَحَوَرٍ عِينٍ" بِالخَفْضِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشِ، وأبِي القَعْقاعِ، وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَحُورًا عِينًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَبْعَةِ: "وَحَوَرٌ عِينٌ" بِالرَفْعِ، كُلُّ هَذِهِ القِراءاتِ مَحْمُولَةُ الإعْرابِ عَلى المَعْنى لا عَلى اللَفْظِ، فالخَفْضُ كَأنَّ المَعْنى: قِيلَ: تُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ،وَكَأنَّ المَعْنى في قِراءَةِ النَصْبِ: وتُعْطُونَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا، وكَأنَّ المَعْنى في الرَفْعِ: لَهم هَذا كُلُّهُ وحُورٌ عِينٌ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ "وَحُورٌ" عَلى الضَمِيرِ المُسْتَقِرِّ في "مُتَّكِئِينَ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَمْ يُؤَكِّدْ لِكَوْنِ طُولِ الكَلامِ بَدَلًا مِنَ التَوْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى "الوِلْدانِ" وإنْ كانَ طَوافُ الحُورِ يُقْلِقُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى الضَمِيرِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى سُرُرٍ". وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى "حُورٌ عِينٌ"، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَحِيرٌ عِينٌ". وخَصَّ "سُبْحانَهُ" المَكْنُونَ مِنَ اللُؤْلُؤِ لِأنَّهُ أصْفى لَوْنًا وأبْعَدُ عَنِ الغَيْرِ، «وَسَألَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا رَسُولَ اللهِ ﷺ عن هَذا التَشْبِيهِ فَقالَ: "صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي"،» و"جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ" أيْ: هَذِهِ الرُتَبُ والنِعَمُ هي بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ هي مُقْسَّمَةٌ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ هو بِرَحْمَةِ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، فَأمّا هَذا الفَضْلُ وأنَّ دُخُولَها لَيْسَ بِعَمَلِ عامِلٍ فَفِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "وَلا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ".» (p-١٩٧)، و"اللَغْوُ": سَقْطُ القَوْلِ مِن فُحْشٍ وغَيْرِهِ، و"التَأْثِيمُ" مَصْدَرٌ، بِمَعْنى: لا يُؤْثَمُ أحَدٌ هُناكَ غَيْرُهُ ولا نَفْسُهُ بِقَوْلٍ كَأنْ يَسْمَعَ ويَتَألَّمَ بِسَماعِهِ. و"قِيلًا" مُسْتَثْنًى، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وقالَ قَوْمٌ: هو مُنْقَطِعٌ، و"سَلامًا" نَعْتٌ لِلْقِيلِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إلّا قَلِيلًا سالِمًا من هَذِهِ العُيُوبِ وغَيْرِها، وقالَ أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ أيْضًا: "سَلامًا" مَصْدَرٌ، وناصِبُهُ "قِيلًا"، كَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهم يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: سَلامًا سَلامًا، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: "سَلامًا" مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أسْلَمُوا سَلامًا.

الواقعة 56:19

قوله عزّ وجلّ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها ولا يُنْزِفُونَ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ "الثُلَّةُ": الجَماعَةُ والفِرْقَةُ، وهو تَقَعُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، واللَفْظُ في هَذا الوَضْعِ يُعْطِي أنَّ الجُمْلَةَ مِنَ الأوَّلِينَ أكْثَرُ مِنَ الجُمْلَةِ مِنَ الآخِرِينَ وهي الَّتِي عَبَّرَ عنها بِالقَلِيلِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى ذَلِكَ -فَقالَ قَوْمٌ- حَكى قَوْلَهم مَكِّيٌّ -: المُرادُ بِذَلِكَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ لِأنَّهم كانُوا في صَدْرِ الدُنْيا أكْثَرَ عَدَدًا، وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: المُرادُ السابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ والسابِقُونَ مِنَ الأُمَّةِ، وذَلِكَ إمّا أنْ يَقْتَرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِجُمُوعِهِمْ إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَأُولَئِكَ أكْثَرُ عَدَدًا لا مَحالَةَ، وإمّا أنْ يَقْرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مِمَّنْ سَبَقَ في أثْناءِ الأُمَمِ السالِفَةِ إلى السابِقِينَ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَأُولَئِكَ أكْثَرُ. ورُوِيَ أنَّ الصَحابَةَ رَضِيَ اللهِ تَعالى عنهم حَزِنُوا لِقِلَّةِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] فَرَضُوا، ورُوِيَ (p-١٩٣)عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا أنَّها تَأوَّلَتْ أنَّ الفِرْقَتَيْنِ في أُمَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ هي في الصَدْرِ ثُلَّةٌ وفي آخِرِ الأُمَّةِ قَلِيلٌ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ فِيما رُوِيَ عنهُ: « "الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ أوَّلُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقٌ سائِرُها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ".» وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُرُرٌ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "سُرَرٌ" بِفَتْحِ الراءِ، و"المَوْضُونَةُ": المَنسُوجَةُ بِتَرْكِيبِ بَعْضِ أجْزائِها عَلى بَعْضٍ كَحِلَقِ الدِرْعِ، فَإنَّ الدِرْعَ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ ومِن نَسْجِ داوُدَ مَوْضُونَةٌ ∗∗∗ تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيرًا فَعِيرًا وكَذَلِكَ سَقِيفَةُ الخُوصِ ونَحْوِهِ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ وضِينُ الناقَةِ وهو حِزامُها لِأنَّهُ مَوْضُونٌ، فَهو كَقَتِيلٍ وجَرِيحٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎ إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وضِينُها ∗∗∗ مُعْتَرِضًا في بَطْنِها جَنِينُها ؎ مُخالِفًا دِينَ النَصارى دِينُها قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ السُرُرُ المَوْضُونَةُ هي مَرْمُولَةٌ بِالذَهَبِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هي مُشَبَّكَةٌ بِالدُرِّ والياقُوتِ، و"مُتَّكِئِينَ" و"مُتَقابِلِينَ"، حالانِ، وفِيهِما ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مُتَّكِئِينَ عَلَيْها ناعِمِينَ". (p-١٩٤)وَ"الوِلْدانِ": صِغارُ الخَدَمِ، عِبارَةٌ عن أنَّهم صِغارُ الأسْنانِ. ووَصَفَهم تَعالى بِالخُلْدِ وإنْ كانَ جَمِيعُ ما في الجَنَّةِ كَذَلِكَ؛ إشارَةً إلى أنَّهم في حالِ الوِلْدانِ مُخَلَّدُونَ لا تَكْبُرُ لَهم سِنٌّ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ، قالَ الفَرّاءُ: "مُخَلَّدُونَ" مَعْناهُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضَرْبٌ مِنَ الأقْراطِ، والأوَّلُ أصْوَبُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِلَّذِي كَبُرَ ولَمْ يَشِبْ: إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ. و"الأكْوابُ": ما كانَ مِن أوانِي الشُرْبِ لا أُذُنَ لَهُ ولا خُرْطُومَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي جِرارٌ مِن فِضَّةٍ، وقالَ أبُو صالِحٍ: مُسْتَدِيرَةُ أفْواهُها، وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: لَيْسَتْ لَها عُرًى. و"الإبْرِيقُ": ما لَهُ خُرْطُومٌ، قالَ مُجاهِدٌ: وأُذُنٌ، وهو مِن أوانِي الخَمْرِ عِنْدَ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎ وتَداعَوْا إلى الصَبُوحِ فَقامَتْ ∗∗∗ قَيْنَةٌ في يَمِينِها إبْرِيقُ و"الكَأْسُ": الآنِيَةُ المُعَدَّةُ لِلشُّرْبِ بِها، بِشَرِيطَةِ أنْ يَكُونَ فِيها خَمْرٌ ونَبِيذٌ، أو بِسَبِيلِ ذَلِكَ، ومَتى كانَ فارِغًا فَهو مُنْتَسِبٌ إلى جِنْسِهِ زُجاجًا كانَ أو غَيْرَهُ، ولا يُقالُ لِآنِيَةٍ فِيها ماءٌ ولَبَنٌ: كَأْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن مَعِينٍ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ، فَوَزْنُها مَفْعُولٌ، أصْلُها مَعْيُونٌ، وهَذا تَأْوِيلُ قَتادَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها﴾ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: لا يَلْحَقُ رُؤُوسَهم الصُداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُنْيا، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: لا يَتَفَرَّقُونَ عنها، بِمَعْنى: لا تُقْطَعُ عنهم لَذَّتُهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ كَما يُفَرِّقُ أهْلُ خَمْرِ الدُنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَفْرِيقِ، وهَذا كَما قالَ: « "يَتَصَدَّعُ السَحابُ عَنِ المَدِينَةِ"...» الحَدِيثُ. (p-١٩٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا يُنْزِفُونَ" قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا، والنَزِيفُ: السَكْرانُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ............. ∗∗∗ شَرِبَ النَزِيفَ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "وَلا يَنْزِفُونَ" بِكَسْرِ الزايِ وفَتْحِ الياءِ، مِن: "نَزَفَ البِئْرُ" إذا اسْتَقى ماءَها، فَهي بِمَعْنى: تَمَّ خَمْرُهم ونَفِدَتْ، هَكَذا قالَ أبُو الفَتْحِ. وحَكاها أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، والجَحْدَرِيِّ، والأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعِيسى بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ، قالَ: ومَعْناها: لا يَفْنى شَرابُهُمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أنْزَفَ الرَجُلُ عَبْرَتُهُ". وتَقُولُ أيْضًا: "أنْزَفَ" إذا سَكِرَ، ومِنهُ قَوْلُ الأُبَيْرِدِ: ؎ لَعُمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أو صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَدامى كُنْتُمْ آلَ أبْجَرا (p-١٩٦)وَعَطَفَ "الفاكِهَةَ" عَلى "الكَأْسِ والأبارِيقِ". قَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا يَشْتَهُونَ"، رُوِيَ فِيهِ أنَّ العَبْدَ يَرى الطائِرَ يَطِيرُ فَيَشْتَهِيهِ فَيَنْزِلُ لَهُ كَما اشْتَهاهُ، ورُبَّما أكَلَ مِنهُ ألْوانًا بِحَسَبِ تَصَرُّفِ شَهْوَتِهِ إلى كَثِيرٍ مِمّا رُوِيَ في هَذا المَعْنى. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "وَحَوَرٍ عِينٍ" بِالخَفْضِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشِ، وأبِي القَعْقاعِ، وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَحُورًا عِينًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَبْعَةِ: "وَحَوَرٌ عِينٌ" بِالرَفْعِ، كُلُّ هَذِهِ القِراءاتِ مَحْمُولَةُ الإعْرابِ عَلى المَعْنى لا عَلى اللَفْظِ، فالخَفْضُ كَأنَّ المَعْنى: قِيلَ: تُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ،وَكَأنَّ المَعْنى في قِراءَةِ النَصْبِ: وتُعْطُونَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا، وكَأنَّ المَعْنى في الرَفْعِ: لَهم هَذا كُلُّهُ وحُورٌ عِينٌ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ "وَحُورٌ" عَلى الضَمِيرِ المُسْتَقِرِّ في "مُتَّكِئِينَ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَمْ يُؤَكِّدْ لِكَوْنِ طُولِ الكَلامِ بَدَلًا مِنَ التَوْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى "الوِلْدانِ" وإنْ كانَ طَوافُ الحُورِ يُقْلِقُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى الضَمِيرِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى سُرُرٍ". وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى "حُورٌ عِينٌ"، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَحِيرٌ عِينٌ". وخَصَّ "سُبْحانَهُ" المَكْنُونَ مِنَ اللُؤْلُؤِ لِأنَّهُ أصْفى لَوْنًا وأبْعَدُ عَنِ الغَيْرِ، «وَسَألَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا رَسُولَ اللهِ ﷺ عن هَذا التَشْبِيهِ فَقالَ: "صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي"،» و"جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ" أيْ: هَذِهِ الرُتَبُ والنِعَمُ هي بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ هي مُقْسَّمَةٌ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ هو بِرَحْمَةِ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، فَأمّا هَذا الفَضْلُ وأنَّ دُخُولَها لَيْسَ بِعَمَلِ عامِلٍ فَفِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "وَلا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ".» (p-١٩٧)، و"اللَغْوُ": سَقْطُ القَوْلِ مِن فُحْشٍ وغَيْرِهِ، و"التَأْثِيمُ" مَصْدَرٌ، بِمَعْنى: لا يُؤْثَمُ أحَدٌ هُناكَ غَيْرُهُ ولا نَفْسُهُ بِقَوْلٍ كَأنْ يَسْمَعَ ويَتَألَّمَ بِسَماعِهِ. و"قِيلًا" مُسْتَثْنًى، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وقالَ قَوْمٌ: هو مُنْقَطِعٌ، و"سَلامًا" نَعْتٌ لِلْقِيلِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إلّا قَلِيلًا سالِمًا من هَذِهِ العُيُوبِ وغَيْرِها، وقالَ أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ أيْضًا: "سَلامًا" مَصْدَرٌ، وناصِبُهُ "قِيلًا"، كَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهم يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: سَلامًا سَلامًا، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: "سَلامًا" مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أسْلَمُوا سَلامًا.

الواقعة 56:20

قوله عزّ وجلّ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها ولا يُنْزِفُونَ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ "الثُلَّةُ": الجَماعَةُ والفِرْقَةُ، وهو تَقَعُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، واللَفْظُ في هَذا الوَضْعِ يُعْطِي أنَّ الجُمْلَةَ مِنَ الأوَّلِينَ أكْثَرُ مِنَ الجُمْلَةِ مِنَ الآخِرِينَ وهي الَّتِي عَبَّرَ عنها بِالقَلِيلِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى ذَلِكَ -فَقالَ قَوْمٌ- حَكى قَوْلَهم مَكِّيٌّ -: المُرادُ بِذَلِكَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ لِأنَّهم كانُوا في صَدْرِ الدُنْيا أكْثَرَ عَدَدًا، وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: المُرادُ السابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ والسابِقُونَ مِنَ الأُمَّةِ، وذَلِكَ إمّا أنْ يَقْتَرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِجُمُوعِهِمْ إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَأُولَئِكَ أكْثَرُ عَدَدًا لا مَحالَةَ، وإمّا أنْ يَقْرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مِمَّنْ سَبَقَ في أثْناءِ الأُمَمِ السالِفَةِ إلى السابِقِينَ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَأُولَئِكَ أكْثَرُ. ورُوِيَ أنَّ الصَحابَةَ رَضِيَ اللهِ تَعالى عنهم حَزِنُوا لِقِلَّةِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] فَرَضُوا، ورُوِيَ (p-١٩٣)عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا أنَّها تَأوَّلَتْ أنَّ الفِرْقَتَيْنِ في أُمَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ هي في الصَدْرِ ثُلَّةٌ وفي آخِرِ الأُمَّةِ قَلِيلٌ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ فِيما رُوِيَ عنهُ: « "الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ أوَّلُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقٌ سائِرُها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ".» وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُرُرٌ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "سُرَرٌ" بِفَتْحِ الراءِ، و"المَوْضُونَةُ": المَنسُوجَةُ بِتَرْكِيبِ بَعْضِ أجْزائِها عَلى بَعْضٍ كَحِلَقِ الدِرْعِ، فَإنَّ الدِرْعَ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ ومِن نَسْجِ داوُدَ مَوْضُونَةٌ ∗∗∗ تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيرًا فَعِيرًا وكَذَلِكَ سَقِيفَةُ الخُوصِ ونَحْوِهِ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ وضِينُ الناقَةِ وهو حِزامُها لِأنَّهُ مَوْضُونٌ، فَهو كَقَتِيلٍ وجَرِيحٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎ إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وضِينُها ∗∗∗ مُعْتَرِضًا في بَطْنِها جَنِينُها ؎ مُخالِفًا دِينَ النَصارى دِينُها قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ السُرُرُ المَوْضُونَةُ هي مَرْمُولَةٌ بِالذَهَبِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هي مُشَبَّكَةٌ بِالدُرِّ والياقُوتِ، و"مُتَّكِئِينَ" و"مُتَقابِلِينَ"، حالانِ، وفِيهِما ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مُتَّكِئِينَ عَلَيْها ناعِمِينَ". (p-١٩٤)وَ"الوِلْدانِ": صِغارُ الخَدَمِ، عِبارَةٌ عن أنَّهم صِغارُ الأسْنانِ. ووَصَفَهم تَعالى بِالخُلْدِ وإنْ كانَ جَمِيعُ ما في الجَنَّةِ كَذَلِكَ؛ إشارَةً إلى أنَّهم في حالِ الوِلْدانِ مُخَلَّدُونَ لا تَكْبُرُ لَهم سِنٌّ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ، قالَ الفَرّاءُ: "مُخَلَّدُونَ" مَعْناهُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضَرْبٌ مِنَ الأقْراطِ، والأوَّلُ أصْوَبُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِلَّذِي كَبُرَ ولَمْ يَشِبْ: إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ. و"الأكْوابُ": ما كانَ مِن أوانِي الشُرْبِ لا أُذُنَ لَهُ ولا خُرْطُومَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي جِرارٌ مِن فِضَّةٍ، وقالَ أبُو صالِحٍ: مُسْتَدِيرَةُ أفْواهُها، وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: لَيْسَتْ لَها عُرًى. و"الإبْرِيقُ": ما لَهُ خُرْطُومٌ، قالَ مُجاهِدٌ: وأُذُنٌ، وهو مِن أوانِي الخَمْرِ عِنْدَ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎ وتَداعَوْا إلى الصَبُوحِ فَقامَتْ ∗∗∗ قَيْنَةٌ في يَمِينِها إبْرِيقُ و"الكَأْسُ": الآنِيَةُ المُعَدَّةُ لِلشُّرْبِ بِها، بِشَرِيطَةِ أنْ يَكُونَ فِيها خَمْرٌ ونَبِيذٌ، أو بِسَبِيلِ ذَلِكَ، ومَتى كانَ فارِغًا فَهو مُنْتَسِبٌ إلى جِنْسِهِ زُجاجًا كانَ أو غَيْرَهُ، ولا يُقالُ لِآنِيَةٍ فِيها ماءٌ ولَبَنٌ: كَأْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن مَعِينٍ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ، فَوَزْنُها مَفْعُولٌ، أصْلُها مَعْيُونٌ، وهَذا تَأْوِيلُ قَتادَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها﴾ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: لا يَلْحَقُ رُؤُوسَهم الصُداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُنْيا، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: لا يَتَفَرَّقُونَ عنها، بِمَعْنى: لا تُقْطَعُ عنهم لَذَّتُهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ كَما يُفَرِّقُ أهْلُ خَمْرِ الدُنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَفْرِيقِ، وهَذا كَما قالَ: « "يَتَصَدَّعُ السَحابُ عَنِ المَدِينَةِ"...» الحَدِيثُ. (p-١٩٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا يُنْزِفُونَ" قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا، والنَزِيفُ: السَكْرانُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ............. ∗∗∗ شَرِبَ النَزِيفَ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "وَلا يَنْزِفُونَ" بِكَسْرِ الزايِ وفَتْحِ الياءِ، مِن: "نَزَفَ البِئْرُ" إذا اسْتَقى ماءَها، فَهي بِمَعْنى: تَمَّ خَمْرُهم ونَفِدَتْ، هَكَذا قالَ أبُو الفَتْحِ. وحَكاها أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، والجَحْدَرِيِّ، والأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعِيسى بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ، قالَ: ومَعْناها: لا يَفْنى شَرابُهُمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أنْزَفَ الرَجُلُ عَبْرَتُهُ". وتَقُولُ أيْضًا: "أنْزَفَ" إذا سَكِرَ، ومِنهُ قَوْلُ الأُبَيْرِدِ: ؎ لَعُمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أو صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَدامى كُنْتُمْ آلَ أبْجَرا (p-١٩٦)وَعَطَفَ "الفاكِهَةَ" عَلى "الكَأْسِ والأبارِيقِ". قَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا يَشْتَهُونَ"، رُوِيَ فِيهِ أنَّ العَبْدَ يَرى الطائِرَ يَطِيرُ فَيَشْتَهِيهِ فَيَنْزِلُ لَهُ كَما اشْتَهاهُ، ورُبَّما أكَلَ مِنهُ ألْوانًا بِحَسَبِ تَصَرُّفِ شَهْوَتِهِ إلى كَثِيرٍ مِمّا رُوِيَ في هَذا المَعْنى. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "وَحَوَرٍ عِينٍ" بِالخَفْضِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشِ، وأبِي القَعْقاعِ، وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَحُورًا عِينًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَبْعَةِ: "وَحَوَرٌ عِينٌ" بِالرَفْعِ، كُلُّ هَذِهِ القِراءاتِ مَحْمُولَةُ الإعْرابِ عَلى المَعْنى لا عَلى اللَفْظِ، فالخَفْضُ كَأنَّ المَعْنى: قِيلَ: تُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ،وَكَأنَّ المَعْنى في قِراءَةِ النَصْبِ: وتُعْطُونَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا، وكَأنَّ المَعْنى في الرَفْعِ: لَهم هَذا كُلُّهُ وحُورٌ عِينٌ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ "وَحُورٌ" عَلى الضَمِيرِ المُسْتَقِرِّ في "مُتَّكِئِينَ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَمْ يُؤَكِّدْ لِكَوْنِ طُولِ الكَلامِ بَدَلًا مِنَ التَوْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى "الوِلْدانِ" وإنْ كانَ طَوافُ الحُورِ يُقْلِقُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى الضَمِيرِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى سُرُرٍ". وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى "حُورٌ عِينٌ"، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَحِيرٌ عِينٌ". وخَصَّ "سُبْحانَهُ" المَكْنُونَ مِنَ اللُؤْلُؤِ لِأنَّهُ أصْفى لَوْنًا وأبْعَدُ عَنِ الغَيْرِ، «وَسَألَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا رَسُولَ اللهِ ﷺ عن هَذا التَشْبِيهِ فَقالَ: "صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي"،» و"جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ" أيْ: هَذِهِ الرُتَبُ والنِعَمُ هي بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ هي مُقْسَّمَةٌ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ هو بِرَحْمَةِ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، فَأمّا هَذا الفَضْلُ وأنَّ دُخُولَها لَيْسَ بِعَمَلِ عامِلٍ فَفِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "وَلا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ".» (p-١٩٧)، و"اللَغْوُ": سَقْطُ القَوْلِ مِن فُحْشٍ وغَيْرِهِ، و"التَأْثِيمُ" مَصْدَرٌ، بِمَعْنى: لا يُؤْثَمُ أحَدٌ هُناكَ غَيْرُهُ ولا نَفْسُهُ بِقَوْلٍ كَأنْ يَسْمَعَ ويَتَألَّمَ بِسَماعِهِ. و"قِيلًا" مُسْتَثْنًى، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وقالَ قَوْمٌ: هو مُنْقَطِعٌ، و"سَلامًا" نَعْتٌ لِلْقِيلِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إلّا قَلِيلًا سالِمًا من هَذِهِ العُيُوبِ وغَيْرِها، وقالَ أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ أيْضًا: "سَلامًا" مَصْدَرٌ، وناصِبُهُ "قِيلًا"، كَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهم يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: سَلامًا سَلامًا، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: "سَلامًا" مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أسْلَمُوا سَلامًا.

الواقعة 56:21

قوله عزّ وجلّ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها ولا يُنْزِفُونَ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ "الثُلَّةُ": الجَماعَةُ والفِرْقَةُ، وهو تَقَعُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، واللَفْظُ في هَذا الوَضْعِ يُعْطِي أنَّ الجُمْلَةَ مِنَ الأوَّلِينَ أكْثَرُ مِنَ الجُمْلَةِ مِنَ الآخِرِينَ وهي الَّتِي عَبَّرَ عنها بِالقَلِيلِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى ذَلِكَ -فَقالَ قَوْمٌ- حَكى قَوْلَهم مَكِّيٌّ -: المُرادُ بِذَلِكَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ لِأنَّهم كانُوا في صَدْرِ الدُنْيا أكْثَرَ عَدَدًا، وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: المُرادُ السابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ والسابِقُونَ مِنَ الأُمَّةِ، وذَلِكَ إمّا أنْ يَقْتَرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِجُمُوعِهِمْ إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَأُولَئِكَ أكْثَرُ عَدَدًا لا مَحالَةَ، وإمّا أنْ يَقْرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مِمَّنْ سَبَقَ في أثْناءِ الأُمَمِ السالِفَةِ إلى السابِقِينَ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَأُولَئِكَ أكْثَرُ. ورُوِيَ أنَّ الصَحابَةَ رَضِيَ اللهِ تَعالى عنهم حَزِنُوا لِقِلَّةِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] فَرَضُوا، ورُوِيَ (p-١٩٣)عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا أنَّها تَأوَّلَتْ أنَّ الفِرْقَتَيْنِ في أُمَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ هي في الصَدْرِ ثُلَّةٌ وفي آخِرِ الأُمَّةِ قَلِيلٌ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ فِيما رُوِيَ عنهُ: « "الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ أوَّلُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقٌ سائِرُها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ".» وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُرُرٌ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "سُرَرٌ" بِفَتْحِ الراءِ، و"المَوْضُونَةُ": المَنسُوجَةُ بِتَرْكِيبِ بَعْضِ أجْزائِها عَلى بَعْضٍ كَحِلَقِ الدِرْعِ، فَإنَّ الدِرْعَ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ ومِن نَسْجِ داوُدَ مَوْضُونَةٌ ∗∗∗ تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيرًا فَعِيرًا وكَذَلِكَ سَقِيفَةُ الخُوصِ ونَحْوِهِ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ وضِينُ الناقَةِ وهو حِزامُها لِأنَّهُ مَوْضُونٌ، فَهو كَقَتِيلٍ وجَرِيحٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎ إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وضِينُها ∗∗∗ مُعْتَرِضًا في بَطْنِها جَنِينُها ؎ مُخالِفًا دِينَ النَصارى دِينُها قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ السُرُرُ المَوْضُونَةُ هي مَرْمُولَةٌ بِالذَهَبِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هي مُشَبَّكَةٌ بِالدُرِّ والياقُوتِ، و"مُتَّكِئِينَ" و"مُتَقابِلِينَ"، حالانِ، وفِيهِما ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مُتَّكِئِينَ عَلَيْها ناعِمِينَ". (p-١٩٤)وَ"الوِلْدانِ": صِغارُ الخَدَمِ، عِبارَةٌ عن أنَّهم صِغارُ الأسْنانِ. ووَصَفَهم تَعالى بِالخُلْدِ وإنْ كانَ جَمِيعُ ما في الجَنَّةِ كَذَلِكَ؛ إشارَةً إلى أنَّهم في حالِ الوِلْدانِ مُخَلَّدُونَ لا تَكْبُرُ لَهم سِنٌّ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ، قالَ الفَرّاءُ: "مُخَلَّدُونَ" مَعْناهُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضَرْبٌ مِنَ الأقْراطِ، والأوَّلُ أصْوَبُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِلَّذِي كَبُرَ ولَمْ يَشِبْ: إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ. و"الأكْوابُ": ما كانَ مِن أوانِي الشُرْبِ لا أُذُنَ لَهُ ولا خُرْطُومَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي جِرارٌ مِن فِضَّةٍ، وقالَ أبُو صالِحٍ: مُسْتَدِيرَةُ أفْواهُها، وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: لَيْسَتْ لَها عُرًى. و"الإبْرِيقُ": ما لَهُ خُرْطُومٌ، قالَ مُجاهِدٌ: وأُذُنٌ، وهو مِن أوانِي الخَمْرِ عِنْدَ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎ وتَداعَوْا إلى الصَبُوحِ فَقامَتْ ∗∗∗ قَيْنَةٌ في يَمِينِها إبْرِيقُ و"الكَأْسُ": الآنِيَةُ المُعَدَّةُ لِلشُّرْبِ بِها، بِشَرِيطَةِ أنْ يَكُونَ فِيها خَمْرٌ ونَبِيذٌ، أو بِسَبِيلِ ذَلِكَ، ومَتى كانَ فارِغًا فَهو مُنْتَسِبٌ إلى جِنْسِهِ زُجاجًا كانَ أو غَيْرَهُ، ولا يُقالُ لِآنِيَةٍ فِيها ماءٌ ولَبَنٌ: كَأْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن مَعِينٍ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ، فَوَزْنُها مَفْعُولٌ، أصْلُها مَعْيُونٌ، وهَذا تَأْوِيلُ قَتادَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها﴾ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: لا يَلْحَقُ رُؤُوسَهم الصُداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُنْيا، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: لا يَتَفَرَّقُونَ عنها، بِمَعْنى: لا تُقْطَعُ عنهم لَذَّتُهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ كَما يُفَرِّقُ أهْلُ خَمْرِ الدُنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَفْرِيقِ، وهَذا كَما قالَ: « "يَتَصَدَّعُ السَحابُ عَنِ المَدِينَةِ"...» الحَدِيثُ. (p-١٩٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا يُنْزِفُونَ" قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا، والنَزِيفُ: السَكْرانُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ............. ∗∗∗ شَرِبَ النَزِيفَ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "وَلا يَنْزِفُونَ" بِكَسْرِ الزايِ وفَتْحِ الياءِ، مِن: "نَزَفَ البِئْرُ" إذا اسْتَقى ماءَها، فَهي بِمَعْنى: تَمَّ خَمْرُهم ونَفِدَتْ، هَكَذا قالَ أبُو الفَتْحِ. وحَكاها أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، والجَحْدَرِيِّ، والأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعِيسى بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ، قالَ: ومَعْناها: لا يَفْنى شَرابُهُمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أنْزَفَ الرَجُلُ عَبْرَتُهُ". وتَقُولُ أيْضًا: "أنْزَفَ" إذا سَكِرَ، ومِنهُ قَوْلُ الأُبَيْرِدِ: ؎ لَعُمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أو صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَدامى كُنْتُمْ آلَ أبْجَرا (p-١٩٦)وَعَطَفَ "الفاكِهَةَ" عَلى "الكَأْسِ والأبارِيقِ". قَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا يَشْتَهُونَ"، رُوِيَ فِيهِ أنَّ العَبْدَ يَرى الطائِرَ يَطِيرُ فَيَشْتَهِيهِ فَيَنْزِلُ لَهُ كَما اشْتَهاهُ، ورُبَّما أكَلَ مِنهُ ألْوانًا بِحَسَبِ تَصَرُّفِ شَهْوَتِهِ إلى كَثِيرٍ مِمّا رُوِيَ في هَذا المَعْنى. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "وَحَوَرٍ عِينٍ" بِالخَفْضِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشِ، وأبِي القَعْقاعِ، وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَحُورًا عِينًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَبْعَةِ: "وَحَوَرٌ عِينٌ" بِالرَفْعِ، كُلُّ هَذِهِ القِراءاتِ مَحْمُولَةُ الإعْرابِ عَلى المَعْنى لا عَلى اللَفْظِ، فالخَفْضُ كَأنَّ المَعْنى: قِيلَ: تُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ،وَكَأنَّ المَعْنى في قِراءَةِ النَصْبِ: وتُعْطُونَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا، وكَأنَّ المَعْنى في الرَفْعِ: لَهم هَذا كُلُّهُ وحُورٌ عِينٌ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ "وَحُورٌ" عَلى الضَمِيرِ المُسْتَقِرِّ في "مُتَّكِئِينَ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَمْ يُؤَكِّدْ لِكَوْنِ طُولِ الكَلامِ بَدَلًا مِنَ التَوْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى "الوِلْدانِ" وإنْ كانَ طَوافُ الحُورِ يُقْلِقُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى الضَمِيرِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى سُرُرٍ". وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى "حُورٌ عِينٌ"، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَحِيرٌ عِينٌ". وخَصَّ "سُبْحانَهُ" المَكْنُونَ مِنَ اللُؤْلُؤِ لِأنَّهُ أصْفى لَوْنًا وأبْعَدُ عَنِ الغَيْرِ، «وَسَألَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا رَسُولَ اللهِ ﷺ عن هَذا التَشْبِيهِ فَقالَ: "صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي"،» و"جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ" أيْ: هَذِهِ الرُتَبُ والنِعَمُ هي بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ هي مُقْسَّمَةٌ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ هو بِرَحْمَةِ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، فَأمّا هَذا الفَضْلُ وأنَّ دُخُولَها لَيْسَ بِعَمَلِ عامِلٍ فَفِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "وَلا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ".» (p-١٩٧)، و"اللَغْوُ": سَقْطُ القَوْلِ مِن فُحْشٍ وغَيْرِهِ، و"التَأْثِيمُ" مَصْدَرٌ، بِمَعْنى: لا يُؤْثَمُ أحَدٌ هُناكَ غَيْرُهُ ولا نَفْسُهُ بِقَوْلٍ كَأنْ يَسْمَعَ ويَتَألَّمَ بِسَماعِهِ. و"قِيلًا" مُسْتَثْنًى، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وقالَ قَوْمٌ: هو مُنْقَطِعٌ، و"سَلامًا" نَعْتٌ لِلْقِيلِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إلّا قَلِيلًا سالِمًا من هَذِهِ العُيُوبِ وغَيْرِها، وقالَ أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ أيْضًا: "سَلامًا" مَصْدَرٌ، وناصِبُهُ "قِيلًا"، كَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهم يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: سَلامًا سَلامًا، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: "سَلامًا" مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أسْلَمُوا سَلامًا.

الواقعة 56:22

قوله عزّ وجلّ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها ولا يُنْزِفُونَ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ "الثُلَّةُ": الجَماعَةُ والفِرْقَةُ، وهو تَقَعُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، واللَفْظُ في هَذا الوَضْعِ يُعْطِي أنَّ الجُمْلَةَ مِنَ الأوَّلِينَ أكْثَرُ مِنَ الجُمْلَةِ مِنَ الآخِرِينَ وهي الَّتِي عَبَّرَ عنها بِالقَلِيلِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى ذَلِكَ -فَقالَ قَوْمٌ- حَكى قَوْلَهم مَكِّيٌّ -: المُرادُ بِذَلِكَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ لِأنَّهم كانُوا في صَدْرِ الدُنْيا أكْثَرَ عَدَدًا، وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: المُرادُ السابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ والسابِقُونَ مِنَ الأُمَّةِ، وذَلِكَ إمّا أنْ يَقْتَرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِجُمُوعِهِمْ إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَأُولَئِكَ أكْثَرُ عَدَدًا لا مَحالَةَ، وإمّا أنْ يَقْرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مِمَّنْ سَبَقَ في أثْناءِ الأُمَمِ السالِفَةِ إلى السابِقِينَ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَأُولَئِكَ أكْثَرُ. ورُوِيَ أنَّ الصَحابَةَ رَضِيَ اللهِ تَعالى عنهم حَزِنُوا لِقِلَّةِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] فَرَضُوا، ورُوِيَ (p-١٩٣)عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا أنَّها تَأوَّلَتْ أنَّ الفِرْقَتَيْنِ في أُمَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ هي في الصَدْرِ ثُلَّةٌ وفي آخِرِ الأُمَّةِ قَلِيلٌ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ فِيما رُوِيَ عنهُ: « "الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ أوَّلُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقٌ سائِرُها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ".» وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُرُرٌ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "سُرَرٌ" بِفَتْحِ الراءِ، و"المَوْضُونَةُ": المَنسُوجَةُ بِتَرْكِيبِ بَعْضِ أجْزائِها عَلى بَعْضٍ كَحِلَقِ الدِرْعِ، فَإنَّ الدِرْعَ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ ومِن نَسْجِ داوُدَ مَوْضُونَةٌ ∗∗∗ تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيرًا فَعِيرًا وكَذَلِكَ سَقِيفَةُ الخُوصِ ونَحْوِهِ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ وضِينُ الناقَةِ وهو حِزامُها لِأنَّهُ مَوْضُونٌ، فَهو كَقَتِيلٍ وجَرِيحٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎ إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وضِينُها ∗∗∗ مُعْتَرِضًا في بَطْنِها جَنِينُها ؎ مُخالِفًا دِينَ النَصارى دِينُها قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ السُرُرُ المَوْضُونَةُ هي مَرْمُولَةٌ بِالذَهَبِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هي مُشَبَّكَةٌ بِالدُرِّ والياقُوتِ، و"مُتَّكِئِينَ" و"مُتَقابِلِينَ"، حالانِ، وفِيهِما ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مُتَّكِئِينَ عَلَيْها ناعِمِينَ". (p-١٩٤)وَ"الوِلْدانِ": صِغارُ الخَدَمِ، عِبارَةٌ عن أنَّهم صِغارُ الأسْنانِ. ووَصَفَهم تَعالى بِالخُلْدِ وإنْ كانَ جَمِيعُ ما في الجَنَّةِ كَذَلِكَ؛ إشارَةً إلى أنَّهم في حالِ الوِلْدانِ مُخَلَّدُونَ لا تَكْبُرُ لَهم سِنٌّ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ، قالَ الفَرّاءُ: "مُخَلَّدُونَ" مَعْناهُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضَرْبٌ مِنَ الأقْراطِ، والأوَّلُ أصْوَبُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِلَّذِي كَبُرَ ولَمْ يَشِبْ: إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ. و"الأكْوابُ": ما كانَ مِن أوانِي الشُرْبِ لا أُذُنَ لَهُ ولا خُرْطُومَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي جِرارٌ مِن فِضَّةٍ، وقالَ أبُو صالِحٍ: مُسْتَدِيرَةُ أفْواهُها، وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: لَيْسَتْ لَها عُرًى. و"الإبْرِيقُ": ما لَهُ خُرْطُومٌ، قالَ مُجاهِدٌ: وأُذُنٌ، وهو مِن أوانِي الخَمْرِ عِنْدَ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎ وتَداعَوْا إلى الصَبُوحِ فَقامَتْ ∗∗∗ قَيْنَةٌ في يَمِينِها إبْرِيقُ و"الكَأْسُ": الآنِيَةُ المُعَدَّةُ لِلشُّرْبِ بِها، بِشَرِيطَةِ أنْ يَكُونَ فِيها خَمْرٌ ونَبِيذٌ، أو بِسَبِيلِ ذَلِكَ، ومَتى كانَ فارِغًا فَهو مُنْتَسِبٌ إلى جِنْسِهِ زُجاجًا كانَ أو غَيْرَهُ، ولا يُقالُ لِآنِيَةٍ فِيها ماءٌ ولَبَنٌ: كَأْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن مَعِينٍ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ، فَوَزْنُها مَفْعُولٌ، أصْلُها مَعْيُونٌ، وهَذا تَأْوِيلُ قَتادَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها﴾ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: لا يَلْحَقُ رُؤُوسَهم الصُداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُنْيا، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: لا يَتَفَرَّقُونَ عنها، بِمَعْنى: لا تُقْطَعُ عنهم لَذَّتُهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ كَما يُفَرِّقُ أهْلُ خَمْرِ الدُنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَفْرِيقِ، وهَذا كَما قالَ: « "يَتَصَدَّعُ السَحابُ عَنِ المَدِينَةِ"...» الحَدِيثُ. (p-١٩٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا يُنْزِفُونَ" قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا، والنَزِيفُ: السَكْرانُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ............. ∗∗∗ شَرِبَ النَزِيفَ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "وَلا يَنْزِفُونَ" بِكَسْرِ الزايِ وفَتْحِ الياءِ، مِن: "نَزَفَ البِئْرُ" إذا اسْتَقى ماءَها، فَهي بِمَعْنى: تَمَّ خَمْرُهم ونَفِدَتْ، هَكَذا قالَ أبُو الفَتْحِ. وحَكاها أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، والجَحْدَرِيِّ، والأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعِيسى بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ، قالَ: ومَعْناها: لا يَفْنى شَرابُهُمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أنْزَفَ الرَجُلُ عَبْرَتُهُ". وتَقُولُ أيْضًا: "أنْزَفَ" إذا سَكِرَ، ومِنهُ قَوْلُ الأُبَيْرِدِ: ؎ لَعُمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أو صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَدامى كُنْتُمْ آلَ أبْجَرا (p-١٩٦)وَعَطَفَ "الفاكِهَةَ" عَلى "الكَأْسِ والأبارِيقِ". قَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا يَشْتَهُونَ"، رُوِيَ فِيهِ أنَّ العَبْدَ يَرى الطائِرَ يَطِيرُ فَيَشْتَهِيهِ فَيَنْزِلُ لَهُ كَما اشْتَهاهُ، ورُبَّما أكَلَ مِنهُ ألْوانًا بِحَسَبِ تَصَرُّفِ شَهْوَتِهِ إلى كَثِيرٍ مِمّا رُوِيَ في هَذا المَعْنى. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "وَحَوَرٍ عِينٍ" بِالخَفْضِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشِ، وأبِي القَعْقاعِ، وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَحُورًا عِينًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَبْعَةِ: "وَحَوَرٌ عِينٌ" بِالرَفْعِ، كُلُّ هَذِهِ القِراءاتِ مَحْمُولَةُ الإعْرابِ عَلى المَعْنى لا عَلى اللَفْظِ، فالخَفْضُ كَأنَّ المَعْنى: قِيلَ: تُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ،وَكَأنَّ المَعْنى في قِراءَةِ النَصْبِ: وتُعْطُونَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا، وكَأنَّ المَعْنى في الرَفْعِ: لَهم هَذا كُلُّهُ وحُورٌ عِينٌ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ "وَحُورٌ" عَلى الضَمِيرِ المُسْتَقِرِّ في "مُتَّكِئِينَ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَمْ يُؤَكِّدْ لِكَوْنِ طُولِ الكَلامِ بَدَلًا مِنَ التَوْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى "الوِلْدانِ" وإنْ كانَ طَوافُ الحُورِ يُقْلِقُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى الضَمِيرِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى سُرُرٍ". وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى "حُورٌ عِينٌ"، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَحِيرٌ عِينٌ". وخَصَّ "سُبْحانَهُ" المَكْنُونَ مِنَ اللُؤْلُؤِ لِأنَّهُ أصْفى لَوْنًا وأبْعَدُ عَنِ الغَيْرِ، «وَسَألَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا رَسُولَ اللهِ ﷺ عن هَذا التَشْبِيهِ فَقالَ: "صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي"،» و"جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ" أيْ: هَذِهِ الرُتَبُ والنِعَمُ هي بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ هي مُقْسَّمَةٌ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ هو بِرَحْمَةِ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، فَأمّا هَذا الفَضْلُ وأنَّ دُخُولَها لَيْسَ بِعَمَلِ عامِلٍ فَفِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "وَلا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ".» (p-١٩٧)، و"اللَغْوُ": سَقْطُ القَوْلِ مِن فُحْشٍ وغَيْرِهِ، و"التَأْثِيمُ" مَصْدَرٌ، بِمَعْنى: لا يُؤْثَمُ أحَدٌ هُناكَ غَيْرُهُ ولا نَفْسُهُ بِقَوْلٍ كَأنْ يَسْمَعَ ويَتَألَّمَ بِسَماعِهِ. و"قِيلًا" مُسْتَثْنًى، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وقالَ قَوْمٌ: هو مُنْقَطِعٌ، و"سَلامًا" نَعْتٌ لِلْقِيلِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إلّا قَلِيلًا سالِمًا من هَذِهِ العُيُوبِ وغَيْرِها، وقالَ أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ أيْضًا: "سَلامًا" مَصْدَرٌ، وناصِبُهُ "قِيلًا"، كَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهم يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: سَلامًا سَلامًا، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: "سَلامًا" مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أسْلَمُوا سَلامًا.

الواقعة 56:23

قوله عزّ وجلّ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها ولا يُنْزِفُونَ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ "الثُلَّةُ": الجَماعَةُ والفِرْقَةُ، وهو تَقَعُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، واللَفْظُ في هَذا الوَضْعِ يُعْطِي أنَّ الجُمْلَةَ مِنَ الأوَّلِينَ أكْثَرُ مِنَ الجُمْلَةِ مِنَ الآخِرِينَ وهي الَّتِي عَبَّرَ عنها بِالقَلِيلِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى ذَلِكَ -فَقالَ قَوْمٌ- حَكى قَوْلَهم مَكِّيٌّ -: المُرادُ بِذَلِكَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ لِأنَّهم كانُوا في صَدْرِ الدُنْيا أكْثَرَ عَدَدًا، وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: المُرادُ السابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ والسابِقُونَ مِنَ الأُمَّةِ، وذَلِكَ إمّا أنْ يَقْتَرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِجُمُوعِهِمْ إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَأُولَئِكَ أكْثَرُ عَدَدًا لا مَحالَةَ، وإمّا أنْ يَقْرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مِمَّنْ سَبَقَ في أثْناءِ الأُمَمِ السالِفَةِ إلى السابِقِينَ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَأُولَئِكَ أكْثَرُ. ورُوِيَ أنَّ الصَحابَةَ رَضِيَ اللهِ تَعالى عنهم حَزِنُوا لِقِلَّةِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] فَرَضُوا، ورُوِيَ (p-١٩٣)عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا أنَّها تَأوَّلَتْ أنَّ الفِرْقَتَيْنِ في أُمَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ هي في الصَدْرِ ثُلَّةٌ وفي آخِرِ الأُمَّةِ قَلِيلٌ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ فِيما رُوِيَ عنهُ: « "الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ أوَّلُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقٌ سائِرُها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ".» وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُرُرٌ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "سُرَرٌ" بِفَتْحِ الراءِ، و"المَوْضُونَةُ": المَنسُوجَةُ بِتَرْكِيبِ بَعْضِ أجْزائِها عَلى بَعْضٍ كَحِلَقِ الدِرْعِ، فَإنَّ الدِرْعَ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ ومِن نَسْجِ داوُدَ مَوْضُونَةٌ ∗∗∗ تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيرًا فَعِيرًا وكَذَلِكَ سَقِيفَةُ الخُوصِ ونَحْوِهِ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ وضِينُ الناقَةِ وهو حِزامُها لِأنَّهُ مَوْضُونٌ، فَهو كَقَتِيلٍ وجَرِيحٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎ إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وضِينُها ∗∗∗ مُعْتَرِضًا في بَطْنِها جَنِينُها ؎ مُخالِفًا دِينَ النَصارى دِينُها قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ السُرُرُ المَوْضُونَةُ هي مَرْمُولَةٌ بِالذَهَبِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هي مُشَبَّكَةٌ بِالدُرِّ والياقُوتِ، و"مُتَّكِئِينَ" و"مُتَقابِلِينَ"، حالانِ، وفِيهِما ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مُتَّكِئِينَ عَلَيْها ناعِمِينَ". (p-١٩٤)وَ"الوِلْدانِ": صِغارُ الخَدَمِ، عِبارَةٌ عن أنَّهم صِغارُ الأسْنانِ. ووَصَفَهم تَعالى بِالخُلْدِ وإنْ كانَ جَمِيعُ ما في الجَنَّةِ كَذَلِكَ؛ إشارَةً إلى أنَّهم في حالِ الوِلْدانِ مُخَلَّدُونَ لا تَكْبُرُ لَهم سِنٌّ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ، قالَ الفَرّاءُ: "مُخَلَّدُونَ" مَعْناهُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضَرْبٌ مِنَ الأقْراطِ، والأوَّلُ أصْوَبُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِلَّذِي كَبُرَ ولَمْ يَشِبْ: إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ. و"الأكْوابُ": ما كانَ مِن أوانِي الشُرْبِ لا أُذُنَ لَهُ ولا خُرْطُومَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي جِرارٌ مِن فِضَّةٍ، وقالَ أبُو صالِحٍ: مُسْتَدِيرَةُ أفْواهُها، وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: لَيْسَتْ لَها عُرًى. و"الإبْرِيقُ": ما لَهُ خُرْطُومٌ، قالَ مُجاهِدٌ: وأُذُنٌ، وهو مِن أوانِي الخَمْرِ عِنْدَ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎ وتَداعَوْا إلى الصَبُوحِ فَقامَتْ ∗∗∗ قَيْنَةٌ في يَمِينِها إبْرِيقُ و"الكَأْسُ": الآنِيَةُ المُعَدَّةُ لِلشُّرْبِ بِها، بِشَرِيطَةِ أنْ يَكُونَ فِيها خَمْرٌ ونَبِيذٌ، أو بِسَبِيلِ ذَلِكَ، ومَتى كانَ فارِغًا فَهو مُنْتَسِبٌ إلى جِنْسِهِ زُجاجًا كانَ أو غَيْرَهُ، ولا يُقالُ لِآنِيَةٍ فِيها ماءٌ ولَبَنٌ: كَأْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن مَعِينٍ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ، فَوَزْنُها مَفْعُولٌ، أصْلُها مَعْيُونٌ، وهَذا تَأْوِيلُ قَتادَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها﴾ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: لا يَلْحَقُ رُؤُوسَهم الصُداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُنْيا، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: لا يَتَفَرَّقُونَ عنها، بِمَعْنى: لا تُقْطَعُ عنهم لَذَّتُهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ كَما يُفَرِّقُ أهْلُ خَمْرِ الدُنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَفْرِيقِ، وهَذا كَما قالَ: « "يَتَصَدَّعُ السَحابُ عَنِ المَدِينَةِ"...» الحَدِيثُ. (p-١٩٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا يُنْزِفُونَ" قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا، والنَزِيفُ: السَكْرانُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ............. ∗∗∗ شَرِبَ النَزِيفَ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "وَلا يَنْزِفُونَ" بِكَسْرِ الزايِ وفَتْحِ الياءِ، مِن: "نَزَفَ البِئْرُ" إذا اسْتَقى ماءَها، فَهي بِمَعْنى: تَمَّ خَمْرُهم ونَفِدَتْ، هَكَذا قالَ أبُو الفَتْحِ. وحَكاها أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، والجَحْدَرِيِّ، والأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعِيسى بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ، قالَ: ومَعْناها: لا يَفْنى شَرابُهُمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أنْزَفَ الرَجُلُ عَبْرَتُهُ". وتَقُولُ أيْضًا: "أنْزَفَ" إذا سَكِرَ، ومِنهُ قَوْلُ الأُبَيْرِدِ: ؎ لَعُمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أو صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَدامى كُنْتُمْ آلَ أبْجَرا (p-١٩٦)وَعَطَفَ "الفاكِهَةَ" عَلى "الكَأْسِ والأبارِيقِ". قَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا يَشْتَهُونَ"، رُوِيَ فِيهِ أنَّ العَبْدَ يَرى الطائِرَ يَطِيرُ فَيَشْتَهِيهِ فَيَنْزِلُ لَهُ كَما اشْتَهاهُ، ورُبَّما أكَلَ مِنهُ ألْوانًا بِحَسَبِ تَصَرُّفِ شَهْوَتِهِ إلى كَثِيرٍ مِمّا رُوِيَ في هَذا المَعْنى. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "وَحَوَرٍ عِينٍ" بِالخَفْضِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشِ، وأبِي القَعْقاعِ، وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَحُورًا عِينًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَبْعَةِ: "وَحَوَرٌ عِينٌ" بِالرَفْعِ، كُلُّ هَذِهِ القِراءاتِ مَحْمُولَةُ الإعْرابِ عَلى المَعْنى لا عَلى اللَفْظِ، فالخَفْضُ كَأنَّ المَعْنى: قِيلَ: تُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ،وَكَأنَّ المَعْنى في قِراءَةِ النَصْبِ: وتُعْطُونَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا، وكَأنَّ المَعْنى في الرَفْعِ: لَهم هَذا كُلُّهُ وحُورٌ عِينٌ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ "وَحُورٌ" عَلى الضَمِيرِ المُسْتَقِرِّ في "مُتَّكِئِينَ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَمْ يُؤَكِّدْ لِكَوْنِ طُولِ الكَلامِ بَدَلًا مِنَ التَوْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى "الوِلْدانِ" وإنْ كانَ طَوافُ الحُورِ يُقْلِقُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى الضَمِيرِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى سُرُرٍ". وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى "حُورٌ عِينٌ"، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَحِيرٌ عِينٌ". وخَصَّ "سُبْحانَهُ" المَكْنُونَ مِنَ اللُؤْلُؤِ لِأنَّهُ أصْفى لَوْنًا وأبْعَدُ عَنِ الغَيْرِ، «وَسَألَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا رَسُولَ اللهِ ﷺ عن هَذا التَشْبِيهِ فَقالَ: "صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي"،» و"جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ" أيْ: هَذِهِ الرُتَبُ والنِعَمُ هي بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ هي مُقْسَّمَةٌ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ هو بِرَحْمَةِ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، فَأمّا هَذا الفَضْلُ وأنَّ دُخُولَها لَيْسَ بِعَمَلِ عامِلٍ فَفِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "وَلا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ".» (p-١٩٧)، و"اللَغْوُ": سَقْطُ القَوْلِ مِن فُحْشٍ وغَيْرِهِ، و"التَأْثِيمُ" مَصْدَرٌ، بِمَعْنى: لا يُؤْثَمُ أحَدٌ هُناكَ غَيْرُهُ ولا نَفْسُهُ بِقَوْلٍ كَأنْ يَسْمَعَ ويَتَألَّمَ بِسَماعِهِ. و"قِيلًا" مُسْتَثْنًى، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وقالَ قَوْمٌ: هو مُنْقَطِعٌ، و"سَلامًا" نَعْتٌ لِلْقِيلِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إلّا قَلِيلًا سالِمًا من هَذِهِ العُيُوبِ وغَيْرِها، وقالَ أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ أيْضًا: "سَلامًا" مَصْدَرٌ، وناصِبُهُ "قِيلًا"، كَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهم يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: سَلامًا سَلامًا، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: "سَلامًا" مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أسْلَمُوا سَلامًا.

الواقعة 56:24

قوله عزّ وجلّ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها ولا يُنْزِفُونَ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ "الثُلَّةُ": الجَماعَةُ والفِرْقَةُ، وهو تَقَعُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، واللَفْظُ في هَذا الوَضْعِ يُعْطِي أنَّ الجُمْلَةَ مِنَ الأوَّلِينَ أكْثَرُ مِنَ الجُمْلَةِ مِنَ الآخِرِينَ وهي الَّتِي عَبَّرَ عنها بِالقَلِيلِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى ذَلِكَ -فَقالَ قَوْمٌ- حَكى قَوْلَهم مَكِّيٌّ -: المُرادُ بِذَلِكَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ لِأنَّهم كانُوا في صَدْرِ الدُنْيا أكْثَرَ عَدَدًا، وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: المُرادُ السابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ والسابِقُونَ مِنَ الأُمَّةِ، وذَلِكَ إمّا أنْ يَقْتَرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِجُمُوعِهِمْ إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَأُولَئِكَ أكْثَرُ عَدَدًا لا مَحالَةَ، وإمّا أنْ يَقْرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مِمَّنْ سَبَقَ في أثْناءِ الأُمَمِ السالِفَةِ إلى السابِقِينَ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَأُولَئِكَ أكْثَرُ. ورُوِيَ أنَّ الصَحابَةَ رَضِيَ اللهِ تَعالى عنهم حَزِنُوا لِقِلَّةِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] فَرَضُوا، ورُوِيَ (p-١٩٣)عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا أنَّها تَأوَّلَتْ أنَّ الفِرْقَتَيْنِ في أُمَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ هي في الصَدْرِ ثُلَّةٌ وفي آخِرِ الأُمَّةِ قَلِيلٌ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ فِيما رُوِيَ عنهُ: « "الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ أوَّلُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقٌ سائِرُها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ".» وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُرُرٌ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "سُرَرٌ" بِفَتْحِ الراءِ، و"المَوْضُونَةُ": المَنسُوجَةُ بِتَرْكِيبِ بَعْضِ أجْزائِها عَلى بَعْضٍ كَحِلَقِ الدِرْعِ، فَإنَّ الدِرْعَ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ ومِن نَسْجِ داوُدَ مَوْضُونَةٌ ∗∗∗ تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيرًا فَعِيرًا وكَذَلِكَ سَقِيفَةُ الخُوصِ ونَحْوِهِ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ وضِينُ الناقَةِ وهو حِزامُها لِأنَّهُ مَوْضُونٌ، فَهو كَقَتِيلٍ وجَرِيحٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎ إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وضِينُها ∗∗∗ مُعْتَرِضًا في بَطْنِها جَنِينُها ؎ مُخالِفًا دِينَ النَصارى دِينُها قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ السُرُرُ المَوْضُونَةُ هي مَرْمُولَةٌ بِالذَهَبِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هي مُشَبَّكَةٌ بِالدُرِّ والياقُوتِ، و"مُتَّكِئِينَ" و"مُتَقابِلِينَ"، حالانِ، وفِيهِما ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مُتَّكِئِينَ عَلَيْها ناعِمِينَ". (p-١٩٤)وَ"الوِلْدانِ": صِغارُ الخَدَمِ، عِبارَةٌ عن أنَّهم صِغارُ الأسْنانِ. ووَصَفَهم تَعالى بِالخُلْدِ وإنْ كانَ جَمِيعُ ما في الجَنَّةِ كَذَلِكَ؛ إشارَةً إلى أنَّهم في حالِ الوِلْدانِ مُخَلَّدُونَ لا تَكْبُرُ لَهم سِنٌّ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ، قالَ الفَرّاءُ: "مُخَلَّدُونَ" مَعْناهُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضَرْبٌ مِنَ الأقْراطِ، والأوَّلُ أصْوَبُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِلَّذِي كَبُرَ ولَمْ يَشِبْ: إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ. و"الأكْوابُ": ما كانَ مِن أوانِي الشُرْبِ لا أُذُنَ لَهُ ولا خُرْطُومَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي جِرارٌ مِن فِضَّةٍ، وقالَ أبُو صالِحٍ: مُسْتَدِيرَةُ أفْواهُها، وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: لَيْسَتْ لَها عُرًى. و"الإبْرِيقُ": ما لَهُ خُرْطُومٌ، قالَ مُجاهِدٌ: وأُذُنٌ، وهو مِن أوانِي الخَمْرِ عِنْدَ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎ وتَداعَوْا إلى الصَبُوحِ فَقامَتْ ∗∗∗ قَيْنَةٌ في يَمِينِها إبْرِيقُ و"الكَأْسُ": الآنِيَةُ المُعَدَّةُ لِلشُّرْبِ بِها، بِشَرِيطَةِ أنْ يَكُونَ فِيها خَمْرٌ ونَبِيذٌ، أو بِسَبِيلِ ذَلِكَ، ومَتى كانَ فارِغًا فَهو مُنْتَسِبٌ إلى جِنْسِهِ زُجاجًا كانَ أو غَيْرَهُ، ولا يُقالُ لِآنِيَةٍ فِيها ماءٌ ولَبَنٌ: كَأْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن مَعِينٍ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ، فَوَزْنُها مَفْعُولٌ، أصْلُها مَعْيُونٌ، وهَذا تَأْوِيلُ قَتادَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها﴾ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: لا يَلْحَقُ رُؤُوسَهم الصُداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُنْيا، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: لا يَتَفَرَّقُونَ عنها، بِمَعْنى: لا تُقْطَعُ عنهم لَذَّتُهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ كَما يُفَرِّقُ أهْلُ خَمْرِ الدُنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَفْرِيقِ، وهَذا كَما قالَ: « "يَتَصَدَّعُ السَحابُ عَنِ المَدِينَةِ"...» الحَدِيثُ. (p-١٩٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا يُنْزِفُونَ" قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا، والنَزِيفُ: السَكْرانُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ............. ∗∗∗ شَرِبَ النَزِيفَ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "وَلا يَنْزِفُونَ" بِكَسْرِ الزايِ وفَتْحِ الياءِ، مِن: "نَزَفَ البِئْرُ" إذا اسْتَقى ماءَها، فَهي بِمَعْنى: تَمَّ خَمْرُهم ونَفِدَتْ، هَكَذا قالَ أبُو الفَتْحِ. وحَكاها أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، والجَحْدَرِيِّ، والأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعِيسى بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ، قالَ: ومَعْناها: لا يَفْنى شَرابُهُمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أنْزَفَ الرَجُلُ عَبْرَتُهُ". وتَقُولُ أيْضًا: "أنْزَفَ" إذا سَكِرَ، ومِنهُ قَوْلُ الأُبَيْرِدِ: ؎ لَعُمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أو صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَدامى كُنْتُمْ آلَ أبْجَرا (p-١٩٦)وَعَطَفَ "الفاكِهَةَ" عَلى "الكَأْسِ والأبارِيقِ". قَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا يَشْتَهُونَ"، رُوِيَ فِيهِ أنَّ العَبْدَ يَرى الطائِرَ يَطِيرُ فَيَشْتَهِيهِ فَيَنْزِلُ لَهُ كَما اشْتَهاهُ، ورُبَّما أكَلَ مِنهُ ألْوانًا بِحَسَبِ تَصَرُّفِ شَهْوَتِهِ إلى كَثِيرٍ مِمّا رُوِيَ في هَذا المَعْنى. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "وَحَوَرٍ عِينٍ" بِالخَفْضِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشِ، وأبِي القَعْقاعِ، وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَحُورًا عِينًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَبْعَةِ: "وَحَوَرٌ عِينٌ" بِالرَفْعِ، كُلُّ هَذِهِ القِراءاتِ مَحْمُولَةُ الإعْرابِ عَلى المَعْنى لا عَلى اللَفْظِ، فالخَفْضُ كَأنَّ المَعْنى: قِيلَ: تُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ،وَكَأنَّ المَعْنى في قِراءَةِ النَصْبِ: وتُعْطُونَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا، وكَأنَّ المَعْنى في الرَفْعِ: لَهم هَذا كُلُّهُ وحُورٌ عِينٌ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ "وَحُورٌ" عَلى الضَمِيرِ المُسْتَقِرِّ في "مُتَّكِئِينَ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَمْ يُؤَكِّدْ لِكَوْنِ طُولِ الكَلامِ بَدَلًا مِنَ التَوْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى "الوِلْدانِ" وإنْ كانَ طَوافُ الحُورِ يُقْلِقُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى الضَمِيرِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى سُرُرٍ". وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى "حُورٌ عِينٌ"، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَحِيرٌ عِينٌ". وخَصَّ "سُبْحانَهُ" المَكْنُونَ مِنَ اللُؤْلُؤِ لِأنَّهُ أصْفى لَوْنًا وأبْعَدُ عَنِ الغَيْرِ، «وَسَألَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا رَسُولَ اللهِ ﷺ عن هَذا التَشْبِيهِ فَقالَ: "صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي"،» و"جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ" أيْ: هَذِهِ الرُتَبُ والنِعَمُ هي بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ هي مُقْسَّمَةٌ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ هو بِرَحْمَةِ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، فَأمّا هَذا الفَضْلُ وأنَّ دُخُولَها لَيْسَ بِعَمَلِ عامِلٍ فَفِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "وَلا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ".» (p-١٩٧)، و"اللَغْوُ": سَقْطُ القَوْلِ مِن فُحْشٍ وغَيْرِهِ، و"التَأْثِيمُ" مَصْدَرٌ، بِمَعْنى: لا يُؤْثَمُ أحَدٌ هُناكَ غَيْرُهُ ولا نَفْسُهُ بِقَوْلٍ كَأنْ يَسْمَعَ ويَتَألَّمَ بِسَماعِهِ. و"قِيلًا" مُسْتَثْنًى، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وقالَ قَوْمٌ: هو مُنْقَطِعٌ، و"سَلامًا" نَعْتٌ لِلْقِيلِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إلّا قَلِيلًا سالِمًا من هَذِهِ العُيُوبِ وغَيْرِها، وقالَ أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ أيْضًا: "سَلامًا" مَصْدَرٌ، وناصِبُهُ "قِيلًا"، كَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهم يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: سَلامًا سَلامًا، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: "سَلامًا" مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أسْلَمُوا سَلامًا.

الواقعة 56:25

قوله عزّ وجلّ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها ولا يُنْزِفُونَ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ "الثُلَّةُ": الجَماعَةُ والفِرْقَةُ، وهو تَقَعُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، واللَفْظُ في هَذا الوَضْعِ يُعْطِي أنَّ الجُمْلَةَ مِنَ الأوَّلِينَ أكْثَرُ مِنَ الجُمْلَةِ مِنَ الآخِرِينَ وهي الَّتِي عَبَّرَ عنها بِالقَلِيلِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى ذَلِكَ -فَقالَ قَوْمٌ- حَكى قَوْلَهم مَكِّيٌّ -: المُرادُ بِذَلِكَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ لِأنَّهم كانُوا في صَدْرِ الدُنْيا أكْثَرَ عَدَدًا، وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: المُرادُ السابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ والسابِقُونَ مِنَ الأُمَّةِ، وذَلِكَ إمّا أنْ يَقْتَرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِجُمُوعِهِمْ إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَأُولَئِكَ أكْثَرُ عَدَدًا لا مَحالَةَ، وإمّا أنْ يَقْرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مِمَّنْ سَبَقَ في أثْناءِ الأُمَمِ السالِفَةِ إلى السابِقِينَ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَأُولَئِكَ أكْثَرُ. ورُوِيَ أنَّ الصَحابَةَ رَضِيَ اللهِ تَعالى عنهم حَزِنُوا لِقِلَّةِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] فَرَضُوا، ورُوِيَ (p-١٩٣)عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا أنَّها تَأوَّلَتْ أنَّ الفِرْقَتَيْنِ في أُمَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ هي في الصَدْرِ ثُلَّةٌ وفي آخِرِ الأُمَّةِ قَلِيلٌ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ فِيما رُوِيَ عنهُ: « "الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ أوَّلُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقٌ سائِرُها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ".» وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُرُرٌ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "سُرَرٌ" بِفَتْحِ الراءِ، و"المَوْضُونَةُ": المَنسُوجَةُ بِتَرْكِيبِ بَعْضِ أجْزائِها عَلى بَعْضٍ كَحِلَقِ الدِرْعِ، فَإنَّ الدِرْعَ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ ومِن نَسْجِ داوُدَ مَوْضُونَةٌ ∗∗∗ تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيرًا فَعِيرًا وكَذَلِكَ سَقِيفَةُ الخُوصِ ونَحْوِهِ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ وضِينُ الناقَةِ وهو حِزامُها لِأنَّهُ مَوْضُونٌ، فَهو كَقَتِيلٍ وجَرِيحٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎ إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وضِينُها ∗∗∗ مُعْتَرِضًا في بَطْنِها جَنِينُها ؎ مُخالِفًا دِينَ النَصارى دِينُها قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ السُرُرُ المَوْضُونَةُ هي مَرْمُولَةٌ بِالذَهَبِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هي مُشَبَّكَةٌ بِالدُرِّ والياقُوتِ، و"مُتَّكِئِينَ" و"مُتَقابِلِينَ"، حالانِ، وفِيهِما ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مُتَّكِئِينَ عَلَيْها ناعِمِينَ". (p-١٩٤)وَ"الوِلْدانِ": صِغارُ الخَدَمِ، عِبارَةٌ عن أنَّهم صِغارُ الأسْنانِ. ووَصَفَهم تَعالى بِالخُلْدِ وإنْ كانَ جَمِيعُ ما في الجَنَّةِ كَذَلِكَ؛ إشارَةً إلى أنَّهم في حالِ الوِلْدانِ مُخَلَّدُونَ لا تَكْبُرُ لَهم سِنٌّ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ، قالَ الفَرّاءُ: "مُخَلَّدُونَ" مَعْناهُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضَرْبٌ مِنَ الأقْراطِ، والأوَّلُ أصْوَبُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِلَّذِي كَبُرَ ولَمْ يَشِبْ: إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ. و"الأكْوابُ": ما كانَ مِن أوانِي الشُرْبِ لا أُذُنَ لَهُ ولا خُرْطُومَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي جِرارٌ مِن فِضَّةٍ، وقالَ أبُو صالِحٍ: مُسْتَدِيرَةُ أفْواهُها، وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: لَيْسَتْ لَها عُرًى. و"الإبْرِيقُ": ما لَهُ خُرْطُومٌ، قالَ مُجاهِدٌ: وأُذُنٌ، وهو مِن أوانِي الخَمْرِ عِنْدَ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎ وتَداعَوْا إلى الصَبُوحِ فَقامَتْ ∗∗∗ قَيْنَةٌ في يَمِينِها إبْرِيقُ و"الكَأْسُ": الآنِيَةُ المُعَدَّةُ لِلشُّرْبِ بِها، بِشَرِيطَةِ أنْ يَكُونَ فِيها خَمْرٌ ونَبِيذٌ، أو بِسَبِيلِ ذَلِكَ، ومَتى كانَ فارِغًا فَهو مُنْتَسِبٌ إلى جِنْسِهِ زُجاجًا كانَ أو غَيْرَهُ، ولا يُقالُ لِآنِيَةٍ فِيها ماءٌ ولَبَنٌ: كَأْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن مَعِينٍ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ، فَوَزْنُها مَفْعُولٌ، أصْلُها مَعْيُونٌ، وهَذا تَأْوِيلُ قَتادَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها﴾ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: لا يَلْحَقُ رُؤُوسَهم الصُداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُنْيا، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: لا يَتَفَرَّقُونَ عنها، بِمَعْنى: لا تُقْطَعُ عنهم لَذَّتُهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ كَما يُفَرِّقُ أهْلُ خَمْرِ الدُنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَفْرِيقِ، وهَذا كَما قالَ: « "يَتَصَدَّعُ السَحابُ عَنِ المَدِينَةِ"...» الحَدِيثُ. (p-١٩٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا يُنْزِفُونَ" قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا، والنَزِيفُ: السَكْرانُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ............. ∗∗∗ شَرِبَ النَزِيفَ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "وَلا يَنْزِفُونَ" بِكَسْرِ الزايِ وفَتْحِ الياءِ، مِن: "نَزَفَ البِئْرُ" إذا اسْتَقى ماءَها، فَهي بِمَعْنى: تَمَّ خَمْرُهم ونَفِدَتْ، هَكَذا قالَ أبُو الفَتْحِ. وحَكاها أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، والجَحْدَرِيِّ، والأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعِيسى بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ، قالَ: ومَعْناها: لا يَفْنى شَرابُهُمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أنْزَفَ الرَجُلُ عَبْرَتُهُ". وتَقُولُ أيْضًا: "أنْزَفَ" إذا سَكِرَ، ومِنهُ قَوْلُ الأُبَيْرِدِ: ؎ لَعُمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أو صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَدامى كُنْتُمْ آلَ أبْجَرا (p-١٩٦)وَعَطَفَ "الفاكِهَةَ" عَلى "الكَأْسِ والأبارِيقِ". قَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا يَشْتَهُونَ"، رُوِيَ فِيهِ أنَّ العَبْدَ يَرى الطائِرَ يَطِيرُ فَيَشْتَهِيهِ فَيَنْزِلُ لَهُ كَما اشْتَهاهُ، ورُبَّما أكَلَ مِنهُ ألْوانًا بِحَسَبِ تَصَرُّفِ شَهْوَتِهِ إلى كَثِيرٍ مِمّا رُوِيَ في هَذا المَعْنى. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "وَحَوَرٍ عِينٍ" بِالخَفْضِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشِ، وأبِي القَعْقاعِ، وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَحُورًا عِينًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَبْعَةِ: "وَحَوَرٌ عِينٌ" بِالرَفْعِ، كُلُّ هَذِهِ القِراءاتِ مَحْمُولَةُ الإعْرابِ عَلى المَعْنى لا عَلى اللَفْظِ، فالخَفْضُ كَأنَّ المَعْنى: قِيلَ: تُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ،وَكَأنَّ المَعْنى في قِراءَةِ النَصْبِ: وتُعْطُونَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا، وكَأنَّ المَعْنى في الرَفْعِ: لَهم هَذا كُلُّهُ وحُورٌ عِينٌ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ "وَحُورٌ" عَلى الضَمِيرِ المُسْتَقِرِّ في "مُتَّكِئِينَ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَمْ يُؤَكِّدْ لِكَوْنِ طُولِ الكَلامِ بَدَلًا مِنَ التَوْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى "الوِلْدانِ" وإنْ كانَ طَوافُ الحُورِ يُقْلِقُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى الضَمِيرِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى سُرُرٍ". وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى "حُورٌ عِينٌ"، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَحِيرٌ عِينٌ". وخَصَّ "سُبْحانَهُ" المَكْنُونَ مِنَ اللُؤْلُؤِ لِأنَّهُ أصْفى لَوْنًا وأبْعَدُ عَنِ الغَيْرِ، «وَسَألَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا رَسُولَ اللهِ ﷺ عن هَذا التَشْبِيهِ فَقالَ: "صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي"،» و"جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ" أيْ: هَذِهِ الرُتَبُ والنِعَمُ هي بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ هي مُقْسَّمَةٌ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ هو بِرَحْمَةِ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، فَأمّا هَذا الفَضْلُ وأنَّ دُخُولَها لَيْسَ بِعَمَلِ عامِلٍ فَفِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "وَلا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ".» (p-١٩٧)، و"اللَغْوُ": سَقْطُ القَوْلِ مِن فُحْشٍ وغَيْرِهِ، و"التَأْثِيمُ" مَصْدَرٌ، بِمَعْنى: لا يُؤْثَمُ أحَدٌ هُناكَ غَيْرُهُ ولا نَفْسُهُ بِقَوْلٍ كَأنْ يَسْمَعَ ويَتَألَّمَ بِسَماعِهِ. و"قِيلًا" مُسْتَثْنًى، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وقالَ قَوْمٌ: هو مُنْقَطِعٌ، و"سَلامًا" نَعْتٌ لِلْقِيلِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إلّا قَلِيلًا سالِمًا من هَذِهِ العُيُوبِ وغَيْرِها، وقالَ أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ أيْضًا: "سَلامًا" مَصْدَرٌ، وناصِبُهُ "قِيلًا"، كَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهم يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: سَلامًا سَلامًا، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: "سَلامًا" مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أسْلَمُوا سَلامًا.

الواقعة 56:26

قوله عزّ وجلّ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها ولا يُنْزِفُونَ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ "الثُلَّةُ": الجَماعَةُ والفِرْقَةُ، وهو تَقَعُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، واللَفْظُ في هَذا الوَضْعِ يُعْطِي أنَّ الجُمْلَةَ مِنَ الأوَّلِينَ أكْثَرُ مِنَ الجُمْلَةِ مِنَ الآخِرِينَ وهي الَّتِي عَبَّرَ عنها بِالقَلِيلِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى ذَلِكَ -فَقالَ قَوْمٌ- حَكى قَوْلَهم مَكِّيٌّ -: المُرادُ بِذَلِكَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ لِأنَّهم كانُوا في صَدْرِ الدُنْيا أكْثَرَ عَدَدًا، وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: المُرادُ السابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ والسابِقُونَ مِنَ الأُمَّةِ، وذَلِكَ إمّا أنْ يَقْتَرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِجُمُوعِهِمْ إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَأُولَئِكَ أكْثَرُ عَدَدًا لا مَحالَةَ، وإمّا أنْ يَقْرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مِمَّنْ سَبَقَ في أثْناءِ الأُمَمِ السالِفَةِ إلى السابِقِينَ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَأُولَئِكَ أكْثَرُ. ورُوِيَ أنَّ الصَحابَةَ رَضِيَ اللهِ تَعالى عنهم حَزِنُوا لِقِلَّةِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] فَرَضُوا، ورُوِيَ (p-١٩٣)عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا أنَّها تَأوَّلَتْ أنَّ الفِرْقَتَيْنِ في أُمَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ هي في الصَدْرِ ثُلَّةٌ وفي آخِرِ الأُمَّةِ قَلِيلٌ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ فِيما رُوِيَ عنهُ: « "الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ أوَّلُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقٌ سائِرُها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ".» وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُرُرٌ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "سُرَرٌ" بِفَتْحِ الراءِ، و"المَوْضُونَةُ": المَنسُوجَةُ بِتَرْكِيبِ بَعْضِ أجْزائِها عَلى بَعْضٍ كَحِلَقِ الدِرْعِ، فَإنَّ الدِرْعَ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ ومِن نَسْجِ داوُدَ مَوْضُونَةٌ ∗∗∗ تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيرًا فَعِيرًا وكَذَلِكَ سَقِيفَةُ الخُوصِ ونَحْوِهِ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ وضِينُ الناقَةِ وهو حِزامُها لِأنَّهُ مَوْضُونٌ، فَهو كَقَتِيلٍ وجَرِيحٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎ إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وضِينُها ∗∗∗ مُعْتَرِضًا في بَطْنِها جَنِينُها ؎ مُخالِفًا دِينَ النَصارى دِينُها قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ السُرُرُ المَوْضُونَةُ هي مَرْمُولَةٌ بِالذَهَبِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هي مُشَبَّكَةٌ بِالدُرِّ والياقُوتِ، و"مُتَّكِئِينَ" و"مُتَقابِلِينَ"، حالانِ، وفِيهِما ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مُتَّكِئِينَ عَلَيْها ناعِمِينَ". (p-١٩٤)وَ"الوِلْدانِ": صِغارُ الخَدَمِ، عِبارَةٌ عن أنَّهم صِغارُ الأسْنانِ. ووَصَفَهم تَعالى بِالخُلْدِ وإنْ كانَ جَمِيعُ ما في الجَنَّةِ كَذَلِكَ؛ إشارَةً إلى أنَّهم في حالِ الوِلْدانِ مُخَلَّدُونَ لا تَكْبُرُ لَهم سِنٌّ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ، قالَ الفَرّاءُ: "مُخَلَّدُونَ" مَعْناهُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضَرْبٌ مِنَ الأقْراطِ، والأوَّلُ أصْوَبُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِلَّذِي كَبُرَ ولَمْ يَشِبْ: إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ. و"الأكْوابُ": ما كانَ مِن أوانِي الشُرْبِ لا أُذُنَ لَهُ ولا خُرْطُومَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي جِرارٌ مِن فِضَّةٍ، وقالَ أبُو صالِحٍ: مُسْتَدِيرَةُ أفْواهُها، وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: لَيْسَتْ لَها عُرًى. و"الإبْرِيقُ": ما لَهُ خُرْطُومٌ، قالَ مُجاهِدٌ: وأُذُنٌ، وهو مِن أوانِي الخَمْرِ عِنْدَ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎ وتَداعَوْا إلى الصَبُوحِ فَقامَتْ ∗∗∗ قَيْنَةٌ في يَمِينِها إبْرِيقُ و"الكَأْسُ": الآنِيَةُ المُعَدَّةُ لِلشُّرْبِ بِها، بِشَرِيطَةِ أنْ يَكُونَ فِيها خَمْرٌ ونَبِيذٌ، أو بِسَبِيلِ ذَلِكَ، ومَتى كانَ فارِغًا فَهو مُنْتَسِبٌ إلى جِنْسِهِ زُجاجًا كانَ أو غَيْرَهُ، ولا يُقالُ لِآنِيَةٍ فِيها ماءٌ ولَبَنٌ: كَأْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن مَعِينٍ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ، فَوَزْنُها مَفْعُولٌ، أصْلُها مَعْيُونٌ، وهَذا تَأْوِيلُ قَتادَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها﴾ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: لا يَلْحَقُ رُؤُوسَهم الصُداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُنْيا، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: لا يَتَفَرَّقُونَ عنها، بِمَعْنى: لا تُقْطَعُ عنهم لَذَّتُهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ كَما يُفَرِّقُ أهْلُ خَمْرِ الدُنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَفْرِيقِ، وهَذا كَما قالَ: « "يَتَصَدَّعُ السَحابُ عَنِ المَدِينَةِ"...» الحَدِيثُ. (p-١٩٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا يُنْزِفُونَ" قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا، والنَزِيفُ: السَكْرانُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ............. ∗∗∗ شَرِبَ النَزِيفَ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "وَلا يَنْزِفُونَ" بِكَسْرِ الزايِ وفَتْحِ الياءِ، مِن: "نَزَفَ البِئْرُ" إذا اسْتَقى ماءَها، فَهي بِمَعْنى: تَمَّ خَمْرُهم ونَفِدَتْ، هَكَذا قالَ أبُو الفَتْحِ. وحَكاها أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، والجَحْدَرِيِّ، والأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعِيسى بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ، قالَ: ومَعْناها: لا يَفْنى شَرابُهُمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أنْزَفَ الرَجُلُ عَبْرَتُهُ". وتَقُولُ أيْضًا: "أنْزَفَ" إذا سَكِرَ، ومِنهُ قَوْلُ الأُبَيْرِدِ: ؎ لَعُمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أو صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَدامى كُنْتُمْ آلَ أبْجَرا (p-١٩٦)وَعَطَفَ "الفاكِهَةَ" عَلى "الكَأْسِ والأبارِيقِ". قَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا يَشْتَهُونَ"، رُوِيَ فِيهِ أنَّ العَبْدَ يَرى الطائِرَ يَطِيرُ فَيَشْتَهِيهِ فَيَنْزِلُ لَهُ كَما اشْتَهاهُ، ورُبَّما أكَلَ مِنهُ ألْوانًا بِحَسَبِ تَصَرُّفِ شَهْوَتِهِ إلى كَثِيرٍ مِمّا رُوِيَ في هَذا المَعْنى. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "وَحَوَرٍ عِينٍ" بِالخَفْضِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشِ، وأبِي القَعْقاعِ، وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَحُورًا عِينًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَبْعَةِ: "وَحَوَرٌ عِينٌ" بِالرَفْعِ، كُلُّ هَذِهِ القِراءاتِ مَحْمُولَةُ الإعْرابِ عَلى المَعْنى لا عَلى اللَفْظِ، فالخَفْضُ كَأنَّ المَعْنى: قِيلَ: تُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ،وَكَأنَّ المَعْنى في قِراءَةِ النَصْبِ: وتُعْطُونَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا، وكَأنَّ المَعْنى في الرَفْعِ: لَهم هَذا كُلُّهُ وحُورٌ عِينٌ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ "وَحُورٌ" عَلى الضَمِيرِ المُسْتَقِرِّ في "مُتَّكِئِينَ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَمْ يُؤَكِّدْ لِكَوْنِ طُولِ الكَلامِ بَدَلًا مِنَ التَوْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى "الوِلْدانِ" وإنْ كانَ طَوافُ الحُورِ يُقْلِقُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى الضَمِيرِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى سُرُرٍ". وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى "حُورٌ عِينٌ"، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَحِيرٌ عِينٌ". وخَصَّ "سُبْحانَهُ" المَكْنُونَ مِنَ اللُؤْلُؤِ لِأنَّهُ أصْفى لَوْنًا وأبْعَدُ عَنِ الغَيْرِ، «وَسَألَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا رَسُولَ اللهِ ﷺ عن هَذا التَشْبِيهِ فَقالَ: "صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي"،» و"جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ" أيْ: هَذِهِ الرُتَبُ والنِعَمُ هي بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ هي مُقْسَّمَةٌ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ هو بِرَحْمَةِ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، فَأمّا هَذا الفَضْلُ وأنَّ دُخُولَها لَيْسَ بِعَمَلِ عامِلٍ فَفِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "وَلا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ".» (p-١٩٧)، و"اللَغْوُ": سَقْطُ القَوْلِ مِن فُحْشٍ وغَيْرِهِ، و"التَأْثِيمُ" مَصْدَرٌ، بِمَعْنى: لا يُؤْثَمُ أحَدٌ هُناكَ غَيْرُهُ ولا نَفْسُهُ بِقَوْلٍ كَأنْ يَسْمَعَ ويَتَألَّمَ بِسَماعِهِ. و"قِيلًا" مُسْتَثْنًى، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وقالَ قَوْمٌ: هو مُنْقَطِعٌ، و"سَلامًا" نَعْتٌ لِلْقِيلِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إلّا قَلِيلًا سالِمًا من هَذِهِ العُيُوبِ وغَيْرِها، وقالَ أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ أيْضًا: "سَلامًا" مَصْدَرٌ، وناصِبُهُ "قِيلًا"، كَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهم يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: سَلامًا سَلامًا، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: "سَلامًا" مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أسْلَمُوا سَلامًا.

الواقعة 56:27

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ﴿وَطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ﴿وَماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ "السِدْرُ" شَجَرٌ مَعْرُوفٌ، وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ: شَجَرُ أُمِّ غِيلانَ، وهو مِنَ العِضاه، لَهُ شَوْكٌ، وفي الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خِلْقَتِهِ لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرٍ، طَيِّبِ الطَعْمِ والرِيحِ، ووَصَفَهُ تَعالى بِأنَّهُ مَخْضُودٌ،أيْ: مَقْطُوعُ الشَوْكِ لا أذًى فِيهِ، وقالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ: ؎ إنَّ الحَدائِقَ في الجِنانِ ظَلِيلَةٌ فِيها الكَواعِبُ سِدْرُها مَخْضُودُ وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عن "مَخْضُودٍ" بِأنَّهُ المُوَقَّرُ حَمْلًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو قَطْعُ الشَوْكِ، وهو الصَوابُ، أما إنَّ وقْرَهُ هو كَرَمُهُ، ورُوِيَ عَنِ الضَحّاكِ أنَّ بَعْضَ الصَحابَةِ أعْجَبَهم سِدْرُ وجٍّ فَقالُوا: لَيْتَ لَنا في الآخِرَةِ مِثْلَ هَذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ولِأهْلِ تَحْرِيرِ النَظَرِ هُنا إشارَةٌ في أنَّ هَذا الخَضْدَ بِإزاءِ أعْمالِهِمُ الَّتِي سَلِمُوا فِيها: إذْ أهْلُ اليَمِينِ تَوّابُونَ لَهم سَلامٌ، ولَيْسُوا بِسابِقِينَ. و"الطَلْحُ" كَذَلِكَ مِنَ العِضاهِ شَجَرٌ عِظامٌ كَثِيرُ الشَوْكِ وشَبَّهَهُ في الجَنَّةِ عَلى صِفاتٍ (p-١٩٨)كَثِيرَةٌ مُبايَنَةٌ لِحالِ الدُنْيا، و"مَنضُودٍ" مَعْناهُ: مُرَكَّبٌ ثَمَرُهُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ مِن أرْضِهِ إلى أعْلاهُ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُما: "وَطَلْعٍ مَنضُودٍ"، فَقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما هو "وَطَلْحٍ" فَقالَ: ما لِلطَّلْحِ ولِلْجَنَّةِ؟ فَقِيلَ لَهُ: أنُصْلِحُها في المُصْحَفِ؟ فَقالَ: إنَّ المُصْحَفَ اليَوْمَ لا يُهاجُ ولا يُغَيَّرُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "الطَلْحُ": المَوْزُ، وقالَهُ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ طَيِّبٌ. و"الظِلُّ المَمْدُودُ" مَعْناهُ: الَّذِي لا تَنْسَخُهُ شَمْسٌ، ويُفَسِّرُ ذَلِكَ في قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَكْبُ الجَوادَ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ لا يَقْطَعُها، واقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ "وَظِلٍّ مَمْدُودٍ".» إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأحادِيثِ في هَذا المَعْنى، وقالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِلُّ هو مِن طَلْحِها وسِدْرِها. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَماءٍ مَسْكُوبٍ" أيْ: بِزَوالِ الإبّانِ كَحالِ فاكِهَةِ الدُنْيا، "وَلا مَمْنُوعَةٍ" بِبُعْدِ التَناوُلِ، ولا بِشَوْكِ يُؤْذِي في شَجَراتِها، ولا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي تَمْتَنِعُ بِها فاكِهَةُ الدُنْيا. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفُرُشٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَفُرْشٌ" بِسُكُونِها، والفُرْشُ: الأسِرَّةُ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ في ارْتِفاعِ السَرِيرِ مِنها خَمْسمِائَةَ سَنَةٍ، وهَذا واللهُ أعْلَمُ لا يَثْبُتُ، وإنَّ قُدِّرَ فَمُتَأوِّلٌ خارِجٌ عن ظاهِرِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: أرادَ بِالفُرُشِ النِساءَ. و"مَرْفُوعَةٍ" مَعْناهُ في الأقْدارِ والمَنازِلِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ظَلَلْتَ مُفْتَرِشَ الهَلْباءِ تَشْتُمُنِي ∗∗∗ عِنْدَ الرَسُولِ فَلَمْ تَصْدُقْ ولَمْ تُصِبِ (p-١٩٩)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ في تَعْدِيدِهِ عَلى صِهْرِهِ: "وَأفْرَشْتُكَ كَرِيمَتِي". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾، قالَ قَتادَةُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الحُورِ العِينِ" المَذْكُوراتِ قَبْلُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ تِلْكَ القِصَّةَ قَدِ انْقَضَتْ جُمْلَةً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ: قَدْ ذَكَرَهُنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ" فَلِذَلِكَ رَدَّ الضَمِيرَ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلى المَقْصِدِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] ونَحْوِهِ، و: "أنْشَأْناهُنَّ" مَعْناهُ: خَلَقْناهُنَّ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: « "عَجائِزُكُنَّ في الدُنْيا عُمْشًا رُمْصًا،»«وَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِعَجُوزٍ: "إنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها عَجُوزٌ"، فَحَزِنَتْ فَقالَ "إنَّكَ إذا دَخَلْتَ الجَنَّةَ أُنْشِئْتَ خَلْقًا آخَرَ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾، قِيلَ: مَعْناهُ دائِماتِ البَكارَةِ، مَتى عاوَدَ الواطِئُ وجَدَها بِكْرًا. و"العَرَبُ" جَمْعُ عَرُوبٍ وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها بِإظْهارِ مَحَبَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَبَّرَ عنهُنَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎ وفي الحُدُوجِ عُرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَوادِفِ يُعْشى دُونَها البَصَرُ (p-٢٠٠)وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العُرُوبُ: الحَسَنَةُ الكَلامِ، وقَدْ تَجِيءُ العُرُوبُ صِفَةَ ذَمٍّ عَلى غَيْرِ هَذا المَعْنى، وهي الفاسِدَةُ الأخْلاقِ كَأنَّها عُرِّبَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وما بَدَلٌ مِن أُمِّ عُثْمانَ سَلْفَعٌ ∗∗∗ مِنَ السُودِ ورْهاءُ العِنانِ عَرِيبُ وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "عُرُبًا" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والحَسَنُ: والأعْمَشُ: "عُرْبًا" بِسُكُونِها، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، واخْتَلَفَ عن نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أتْرابًا" مَعْناهُ: في الشَكْلِ والَقَدِّ حَتّى يَقُولَ الرائِي: هم أتْرابٌ، والتِرْبُ هو الَّذِي مَسَّ التُرابَ مَعَ تِرْبِهِ في وقْتٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ: "أتْرابًا" بِمَعْنى: سِنًّا واحِدَةً، ويُرْوى أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ هم عَلى قَدْرِ ابْنِ أرْبَعَةَ عَشَرَ عامًا في الشَبابِ والنُضْرَةِ، وقِيلَ: عَلى أمْثالِ أبْناءِ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، مُرْدًا بِيضًا مُكَحَّلِينَ. واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ - فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وغَيْرُهُ: الأوَّلُونَ: سالِفُ الأُمَمِ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ هم أصْحابُ اليَمِينِ، والآخَرُونَ: هَذِهِ الأُمَّةُ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ أهْلُ يَمِينٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بَلْ جَمِيعُهم إلّا مَن كانَ مِنَ السابِقِينَ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هاتانِ الفِرْقَتانِ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ (p-٢٠١)رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "الثُلْثانِ مِن أُمَّتِي"،» فَعَلى هَذا التابِعُونَ بِإحْسانٍ ومَن جَرى مَجْراهم ثُلَّةٌ أُولى، وسائِرُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ أُخْرى في آخِرِ الزَمانِ.

الواقعة 56:28

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ﴿وَطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ﴿وَماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ "السِدْرُ" شَجَرٌ مَعْرُوفٌ، وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ: شَجَرُ أُمِّ غِيلانَ، وهو مِنَ العِضاه، لَهُ شَوْكٌ، وفي الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خِلْقَتِهِ لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرٍ، طَيِّبِ الطَعْمِ والرِيحِ، ووَصَفَهُ تَعالى بِأنَّهُ مَخْضُودٌ،أيْ: مَقْطُوعُ الشَوْكِ لا أذًى فِيهِ، وقالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ: ؎ إنَّ الحَدائِقَ في الجِنانِ ظَلِيلَةٌ فِيها الكَواعِبُ سِدْرُها مَخْضُودُ وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عن "مَخْضُودٍ" بِأنَّهُ المُوَقَّرُ حَمْلًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو قَطْعُ الشَوْكِ، وهو الصَوابُ، أما إنَّ وقْرَهُ هو كَرَمُهُ، ورُوِيَ عَنِ الضَحّاكِ أنَّ بَعْضَ الصَحابَةِ أعْجَبَهم سِدْرُ وجٍّ فَقالُوا: لَيْتَ لَنا في الآخِرَةِ مِثْلَ هَذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ولِأهْلِ تَحْرِيرِ النَظَرِ هُنا إشارَةٌ في أنَّ هَذا الخَضْدَ بِإزاءِ أعْمالِهِمُ الَّتِي سَلِمُوا فِيها: إذْ أهْلُ اليَمِينِ تَوّابُونَ لَهم سَلامٌ، ولَيْسُوا بِسابِقِينَ. و"الطَلْحُ" كَذَلِكَ مِنَ العِضاهِ شَجَرٌ عِظامٌ كَثِيرُ الشَوْكِ وشَبَّهَهُ في الجَنَّةِ عَلى صِفاتٍ (p-١٩٨)كَثِيرَةٌ مُبايَنَةٌ لِحالِ الدُنْيا، و"مَنضُودٍ" مَعْناهُ: مُرَكَّبٌ ثَمَرُهُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ مِن أرْضِهِ إلى أعْلاهُ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُما: "وَطَلْعٍ مَنضُودٍ"، فَقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما هو "وَطَلْحٍ" فَقالَ: ما لِلطَّلْحِ ولِلْجَنَّةِ؟ فَقِيلَ لَهُ: أنُصْلِحُها في المُصْحَفِ؟ فَقالَ: إنَّ المُصْحَفَ اليَوْمَ لا يُهاجُ ولا يُغَيَّرُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "الطَلْحُ": المَوْزُ، وقالَهُ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ طَيِّبٌ. و"الظِلُّ المَمْدُودُ" مَعْناهُ: الَّذِي لا تَنْسَخُهُ شَمْسٌ، ويُفَسِّرُ ذَلِكَ في قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَكْبُ الجَوادَ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ لا يَقْطَعُها، واقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ "وَظِلٍّ مَمْدُودٍ".» إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأحادِيثِ في هَذا المَعْنى، وقالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِلُّ هو مِن طَلْحِها وسِدْرِها. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَماءٍ مَسْكُوبٍ" أيْ: بِزَوالِ الإبّانِ كَحالِ فاكِهَةِ الدُنْيا، "وَلا مَمْنُوعَةٍ" بِبُعْدِ التَناوُلِ، ولا بِشَوْكِ يُؤْذِي في شَجَراتِها، ولا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي تَمْتَنِعُ بِها فاكِهَةُ الدُنْيا. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفُرُشٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَفُرْشٌ" بِسُكُونِها، والفُرْشُ: الأسِرَّةُ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ في ارْتِفاعِ السَرِيرِ مِنها خَمْسمِائَةَ سَنَةٍ، وهَذا واللهُ أعْلَمُ لا يَثْبُتُ، وإنَّ قُدِّرَ فَمُتَأوِّلٌ خارِجٌ عن ظاهِرِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: أرادَ بِالفُرُشِ النِساءَ. و"مَرْفُوعَةٍ" مَعْناهُ في الأقْدارِ والمَنازِلِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ظَلَلْتَ مُفْتَرِشَ الهَلْباءِ تَشْتُمُنِي ∗∗∗ عِنْدَ الرَسُولِ فَلَمْ تَصْدُقْ ولَمْ تُصِبِ (p-١٩٩)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ في تَعْدِيدِهِ عَلى صِهْرِهِ: "وَأفْرَشْتُكَ كَرِيمَتِي". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾، قالَ قَتادَةُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الحُورِ العِينِ" المَذْكُوراتِ قَبْلُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ تِلْكَ القِصَّةَ قَدِ انْقَضَتْ جُمْلَةً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ: قَدْ ذَكَرَهُنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ" فَلِذَلِكَ رَدَّ الضَمِيرَ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلى المَقْصِدِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] ونَحْوِهِ، و: "أنْشَأْناهُنَّ" مَعْناهُ: خَلَقْناهُنَّ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: « "عَجائِزُكُنَّ في الدُنْيا عُمْشًا رُمْصًا،»«وَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِعَجُوزٍ: "إنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها عَجُوزٌ"، فَحَزِنَتْ فَقالَ "إنَّكَ إذا دَخَلْتَ الجَنَّةَ أُنْشِئْتَ خَلْقًا آخَرَ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾، قِيلَ: مَعْناهُ دائِماتِ البَكارَةِ، مَتى عاوَدَ الواطِئُ وجَدَها بِكْرًا. و"العَرَبُ" جَمْعُ عَرُوبٍ وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها بِإظْهارِ مَحَبَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَبَّرَ عنهُنَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎ وفي الحُدُوجِ عُرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَوادِفِ يُعْشى دُونَها البَصَرُ (p-٢٠٠)وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العُرُوبُ: الحَسَنَةُ الكَلامِ، وقَدْ تَجِيءُ العُرُوبُ صِفَةَ ذَمٍّ عَلى غَيْرِ هَذا المَعْنى، وهي الفاسِدَةُ الأخْلاقِ كَأنَّها عُرِّبَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وما بَدَلٌ مِن أُمِّ عُثْمانَ سَلْفَعٌ ∗∗∗ مِنَ السُودِ ورْهاءُ العِنانِ عَرِيبُ وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "عُرُبًا" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والحَسَنُ: والأعْمَشُ: "عُرْبًا" بِسُكُونِها، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، واخْتَلَفَ عن نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أتْرابًا" مَعْناهُ: في الشَكْلِ والَقَدِّ حَتّى يَقُولَ الرائِي: هم أتْرابٌ، والتِرْبُ هو الَّذِي مَسَّ التُرابَ مَعَ تِرْبِهِ في وقْتٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ: "أتْرابًا" بِمَعْنى: سِنًّا واحِدَةً، ويُرْوى أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ هم عَلى قَدْرِ ابْنِ أرْبَعَةَ عَشَرَ عامًا في الشَبابِ والنُضْرَةِ، وقِيلَ: عَلى أمْثالِ أبْناءِ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، مُرْدًا بِيضًا مُكَحَّلِينَ. واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ - فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وغَيْرُهُ: الأوَّلُونَ: سالِفُ الأُمَمِ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ هم أصْحابُ اليَمِينِ، والآخَرُونَ: هَذِهِ الأُمَّةُ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ أهْلُ يَمِينٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بَلْ جَمِيعُهم إلّا مَن كانَ مِنَ السابِقِينَ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هاتانِ الفِرْقَتانِ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ (p-٢٠١)رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "الثُلْثانِ مِن أُمَّتِي"،» فَعَلى هَذا التابِعُونَ بِإحْسانٍ ومَن جَرى مَجْراهم ثُلَّةٌ أُولى، وسائِرُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ أُخْرى في آخِرِ الزَمانِ.

الواقعة 56:29

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ﴿وَطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ﴿وَماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ "السِدْرُ" شَجَرٌ مَعْرُوفٌ، وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ: شَجَرُ أُمِّ غِيلانَ، وهو مِنَ العِضاه، لَهُ شَوْكٌ، وفي الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خِلْقَتِهِ لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرٍ، طَيِّبِ الطَعْمِ والرِيحِ، ووَصَفَهُ تَعالى بِأنَّهُ مَخْضُودٌ،أيْ: مَقْطُوعُ الشَوْكِ لا أذًى فِيهِ، وقالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ: ؎ إنَّ الحَدائِقَ في الجِنانِ ظَلِيلَةٌ فِيها الكَواعِبُ سِدْرُها مَخْضُودُ وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عن "مَخْضُودٍ" بِأنَّهُ المُوَقَّرُ حَمْلًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو قَطْعُ الشَوْكِ، وهو الصَوابُ، أما إنَّ وقْرَهُ هو كَرَمُهُ، ورُوِيَ عَنِ الضَحّاكِ أنَّ بَعْضَ الصَحابَةِ أعْجَبَهم سِدْرُ وجٍّ فَقالُوا: لَيْتَ لَنا في الآخِرَةِ مِثْلَ هَذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ولِأهْلِ تَحْرِيرِ النَظَرِ هُنا إشارَةٌ في أنَّ هَذا الخَضْدَ بِإزاءِ أعْمالِهِمُ الَّتِي سَلِمُوا فِيها: إذْ أهْلُ اليَمِينِ تَوّابُونَ لَهم سَلامٌ، ولَيْسُوا بِسابِقِينَ. و"الطَلْحُ" كَذَلِكَ مِنَ العِضاهِ شَجَرٌ عِظامٌ كَثِيرُ الشَوْكِ وشَبَّهَهُ في الجَنَّةِ عَلى صِفاتٍ (p-١٩٨)كَثِيرَةٌ مُبايَنَةٌ لِحالِ الدُنْيا، و"مَنضُودٍ" مَعْناهُ: مُرَكَّبٌ ثَمَرُهُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ مِن أرْضِهِ إلى أعْلاهُ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُما: "وَطَلْعٍ مَنضُودٍ"، فَقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما هو "وَطَلْحٍ" فَقالَ: ما لِلطَّلْحِ ولِلْجَنَّةِ؟ فَقِيلَ لَهُ: أنُصْلِحُها في المُصْحَفِ؟ فَقالَ: إنَّ المُصْحَفَ اليَوْمَ لا يُهاجُ ولا يُغَيَّرُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "الطَلْحُ": المَوْزُ، وقالَهُ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ طَيِّبٌ. و"الظِلُّ المَمْدُودُ" مَعْناهُ: الَّذِي لا تَنْسَخُهُ شَمْسٌ، ويُفَسِّرُ ذَلِكَ في قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَكْبُ الجَوادَ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ لا يَقْطَعُها، واقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ "وَظِلٍّ مَمْدُودٍ".» إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأحادِيثِ في هَذا المَعْنى، وقالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِلُّ هو مِن طَلْحِها وسِدْرِها. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَماءٍ مَسْكُوبٍ" أيْ: بِزَوالِ الإبّانِ كَحالِ فاكِهَةِ الدُنْيا، "وَلا مَمْنُوعَةٍ" بِبُعْدِ التَناوُلِ، ولا بِشَوْكِ يُؤْذِي في شَجَراتِها، ولا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي تَمْتَنِعُ بِها فاكِهَةُ الدُنْيا. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفُرُشٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَفُرْشٌ" بِسُكُونِها، والفُرْشُ: الأسِرَّةُ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ في ارْتِفاعِ السَرِيرِ مِنها خَمْسمِائَةَ سَنَةٍ، وهَذا واللهُ أعْلَمُ لا يَثْبُتُ، وإنَّ قُدِّرَ فَمُتَأوِّلٌ خارِجٌ عن ظاهِرِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: أرادَ بِالفُرُشِ النِساءَ. و"مَرْفُوعَةٍ" مَعْناهُ في الأقْدارِ والمَنازِلِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ظَلَلْتَ مُفْتَرِشَ الهَلْباءِ تَشْتُمُنِي ∗∗∗ عِنْدَ الرَسُولِ فَلَمْ تَصْدُقْ ولَمْ تُصِبِ (p-١٩٩)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ في تَعْدِيدِهِ عَلى صِهْرِهِ: "وَأفْرَشْتُكَ كَرِيمَتِي". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾، قالَ قَتادَةُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الحُورِ العِينِ" المَذْكُوراتِ قَبْلُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ تِلْكَ القِصَّةَ قَدِ انْقَضَتْ جُمْلَةً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ: قَدْ ذَكَرَهُنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ" فَلِذَلِكَ رَدَّ الضَمِيرَ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلى المَقْصِدِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] ونَحْوِهِ، و: "أنْشَأْناهُنَّ" مَعْناهُ: خَلَقْناهُنَّ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: « "عَجائِزُكُنَّ في الدُنْيا عُمْشًا رُمْصًا،»«وَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِعَجُوزٍ: "إنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها عَجُوزٌ"، فَحَزِنَتْ فَقالَ "إنَّكَ إذا دَخَلْتَ الجَنَّةَ أُنْشِئْتَ خَلْقًا آخَرَ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾، قِيلَ: مَعْناهُ دائِماتِ البَكارَةِ، مَتى عاوَدَ الواطِئُ وجَدَها بِكْرًا. و"العَرَبُ" جَمْعُ عَرُوبٍ وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها بِإظْهارِ مَحَبَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَبَّرَ عنهُنَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎ وفي الحُدُوجِ عُرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَوادِفِ يُعْشى دُونَها البَصَرُ (p-٢٠٠)وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العُرُوبُ: الحَسَنَةُ الكَلامِ، وقَدْ تَجِيءُ العُرُوبُ صِفَةَ ذَمٍّ عَلى غَيْرِ هَذا المَعْنى، وهي الفاسِدَةُ الأخْلاقِ كَأنَّها عُرِّبَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وما بَدَلٌ مِن أُمِّ عُثْمانَ سَلْفَعٌ ∗∗∗ مِنَ السُودِ ورْهاءُ العِنانِ عَرِيبُ وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "عُرُبًا" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والحَسَنُ: والأعْمَشُ: "عُرْبًا" بِسُكُونِها، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، واخْتَلَفَ عن نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أتْرابًا" مَعْناهُ: في الشَكْلِ والَقَدِّ حَتّى يَقُولَ الرائِي: هم أتْرابٌ، والتِرْبُ هو الَّذِي مَسَّ التُرابَ مَعَ تِرْبِهِ في وقْتٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ: "أتْرابًا" بِمَعْنى: سِنًّا واحِدَةً، ويُرْوى أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ هم عَلى قَدْرِ ابْنِ أرْبَعَةَ عَشَرَ عامًا في الشَبابِ والنُضْرَةِ، وقِيلَ: عَلى أمْثالِ أبْناءِ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، مُرْدًا بِيضًا مُكَحَّلِينَ. واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ - فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وغَيْرُهُ: الأوَّلُونَ: سالِفُ الأُمَمِ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ هم أصْحابُ اليَمِينِ، والآخَرُونَ: هَذِهِ الأُمَّةُ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ أهْلُ يَمِينٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بَلْ جَمِيعُهم إلّا مَن كانَ مِنَ السابِقِينَ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هاتانِ الفِرْقَتانِ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ (p-٢٠١)رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "الثُلْثانِ مِن أُمَّتِي"،» فَعَلى هَذا التابِعُونَ بِإحْسانٍ ومَن جَرى مَجْراهم ثُلَّةٌ أُولى، وسائِرُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ أُخْرى في آخِرِ الزَمانِ.

الواقعة 56:30

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ﴿وَطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ﴿وَماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ "السِدْرُ" شَجَرٌ مَعْرُوفٌ، وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ: شَجَرُ أُمِّ غِيلانَ، وهو مِنَ العِضاه، لَهُ شَوْكٌ، وفي الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خِلْقَتِهِ لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرٍ، طَيِّبِ الطَعْمِ والرِيحِ، ووَصَفَهُ تَعالى بِأنَّهُ مَخْضُودٌ،أيْ: مَقْطُوعُ الشَوْكِ لا أذًى فِيهِ، وقالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ: ؎ إنَّ الحَدائِقَ في الجِنانِ ظَلِيلَةٌ فِيها الكَواعِبُ سِدْرُها مَخْضُودُ وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عن "مَخْضُودٍ" بِأنَّهُ المُوَقَّرُ حَمْلًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو قَطْعُ الشَوْكِ، وهو الصَوابُ، أما إنَّ وقْرَهُ هو كَرَمُهُ، ورُوِيَ عَنِ الضَحّاكِ أنَّ بَعْضَ الصَحابَةِ أعْجَبَهم سِدْرُ وجٍّ فَقالُوا: لَيْتَ لَنا في الآخِرَةِ مِثْلَ هَذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ولِأهْلِ تَحْرِيرِ النَظَرِ هُنا إشارَةٌ في أنَّ هَذا الخَضْدَ بِإزاءِ أعْمالِهِمُ الَّتِي سَلِمُوا فِيها: إذْ أهْلُ اليَمِينِ تَوّابُونَ لَهم سَلامٌ، ولَيْسُوا بِسابِقِينَ. و"الطَلْحُ" كَذَلِكَ مِنَ العِضاهِ شَجَرٌ عِظامٌ كَثِيرُ الشَوْكِ وشَبَّهَهُ في الجَنَّةِ عَلى صِفاتٍ (p-١٩٨)كَثِيرَةٌ مُبايَنَةٌ لِحالِ الدُنْيا، و"مَنضُودٍ" مَعْناهُ: مُرَكَّبٌ ثَمَرُهُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ مِن أرْضِهِ إلى أعْلاهُ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُما: "وَطَلْعٍ مَنضُودٍ"، فَقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما هو "وَطَلْحٍ" فَقالَ: ما لِلطَّلْحِ ولِلْجَنَّةِ؟ فَقِيلَ لَهُ: أنُصْلِحُها في المُصْحَفِ؟ فَقالَ: إنَّ المُصْحَفَ اليَوْمَ لا يُهاجُ ولا يُغَيَّرُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "الطَلْحُ": المَوْزُ، وقالَهُ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ طَيِّبٌ. و"الظِلُّ المَمْدُودُ" مَعْناهُ: الَّذِي لا تَنْسَخُهُ شَمْسٌ، ويُفَسِّرُ ذَلِكَ في قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَكْبُ الجَوادَ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ لا يَقْطَعُها، واقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ "وَظِلٍّ مَمْدُودٍ".» إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأحادِيثِ في هَذا المَعْنى، وقالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِلُّ هو مِن طَلْحِها وسِدْرِها. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَماءٍ مَسْكُوبٍ" أيْ: بِزَوالِ الإبّانِ كَحالِ فاكِهَةِ الدُنْيا، "وَلا مَمْنُوعَةٍ" بِبُعْدِ التَناوُلِ، ولا بِشَوْكِ يُؤْذِي في شَجَراتِها، ولا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي تَمْتَنِعُ بِها فاكِهَةُ الدُنْيا. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفُرُشٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَفُرْشٌ" بِسُكُونِها، والفُرْشُ: الأسِرَّةُ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ في ارْتِفاعِ السَرِيرِ مِنها خَمْسمِائَةَ سَنَةٍ، وهَذا واللهُ أعْلَمُ لا يَثْبُتُ، وإنَّ قُدِّرَ فَمُتَأوِّلٌ خارِجٌ عن ظاهِرِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: أرادَ بِالفُرُشِ النِساءَ. و"مَرْفُوعَةٍ" مَعْناهُ في الأقْدارِ والمَنازِلِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ظَلَلْتَ مُفْتَرِشَ الهَلْباءِ تَشْتُمُنِي ∗∗∗ عِنْدَ الرَسُولِ فَلَمْ تَصْدُقْ ولَمْ تُصِبِ (p-١٩٩)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ في تَعْدِيدِهِ عَلى صِهْرِهِ: "وَأفْرَشْتُكَ كَرِيمَتِي". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾، قالَ قَتادَةُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الحُورِ العِينِ" المَذْكُوراتِ قَبْلُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ تِلْكَ القِصَّةَ قَدِ انْقَضَتْ جُمْلَةً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ: قَدْ ذَكَرَهُنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ" فَلِذَلِكَ رَدَّ الضَمِيرَ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلى المَقْصِدِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] ونَحْوِهِ، و: "أنْشَأْناهُنَّ" مَعْناهُ: خَلَقْناهُنَّ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: « "عَجائِزُكُنَّ في الدُنْيا عُمْشًا رُمْصًا،»«وَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِعَجُوزٍ: "إنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها عَجُوزٌ"، فَحَزِنَتْ فَقالَ "إنَّكَ إذا دَخَلْتَ الجَنَّةَ أُنْشِئْتَ خَلْقًا آخَرَ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾، قِيلَ: مَعْناهُ دائِماتِ البَكارَةِ، مَتى عاوَدَ الواطِئُ وجَدَها بِكْرًا. و"العَرَبُ" جَمْعُ عَرُوبٍ وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها بِإظْهارِ مَحَبَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَبَّرَ عنهُنَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎ وفي الحُدُوجِ عُرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَوادِفِ يُعْشى دُونَها البَصَرُ (p-٢٠٠)وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العُرُوبُ: الحَسَنَةُ الكَلامِ، وقَدْ تَجِيءُ العُرُوبُ صِفَةَ ذَمٍّ عَلى غَيْرِ هَذا المَعْنى، وهي الفاسِدَةُ الأخْلاقِ كَأنَّها عُرِّبَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وما بَدَلٌ مِن أُمِّ عُثْمانَ سَلْفَعٌ ∗∗∗ مِنَ السُودِ ورْهاءُ العِنانِ عَرِيبُ وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "عُرُبًا" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والحَسَنُ: والأعْمَشُ: "عُرْبًا" بِسُكُونِها، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، واخْتَلَفَ عن نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أتْرابًا" مَعْناهُ: في الشَكْلِ والَقَدِّ حَتّى يَقُولَ الرائِي: هم أتْرابٌ، والتِرْبُ هو الَّذِي مَسَّ التُرابَ مَعَ تِرْبِهِ في وقْتٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ: "أتْرابًا" بِمَعْنى: سِنًّا واحِدَةً، ويُرْوى أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ هم عَلى قَدْرِ ابْنِ أرْبَعَةَ عَشَرَ عامًا في الشَبابِ والنُضْرَةِ، وقِيلَ: عَلى أمْثالِ أبْناءِ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، مُرْدًا بِيضًا مُكَحَّلِينَ. واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ - فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وغَيْرُهُ: الأوَّلُونَ: سالِفُ الأُمَمِ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ هم أصْحابُ اليَمِينِ، والآخَرُونَ: هَذِهِ الأُمَّةُ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ أهْلُ يَمِينٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بَلْ جَمِيعُهم إلّا مَن كانَ مِنَ السابِقِينَ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هاتانِ الفِرْقَتانِ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ (p-٢٠١)رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "الثُلْثانِ مِن أُمَّتِي"،» فَعَلى هَذا التابِعُونَ بِإحْسانٍ ومَن جَرى مَجْراهم ثُلَّةٌ أُولى، وسائِرُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ أُخْرى في آخِرِ الزَمانِ.

الواقعة 56:31

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ﴿وَطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ﴿وَماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ "السِدْرُ" شَجَرٌ مَعْرُوفٌ، وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ: شَجَرُ أُمِّ غِيلانَ، وهو مِنَ العِضاه، لَهُ شَوْكٌ، وفي الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خِلْقَتِهِ لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرٍ، طَيِّبِ الطَعْمِ والرِيحِ، ووَصَفَهُ تَعالى بِأنَّهُ مَخْضُودٌ،أيْ: مَقْطُوعُ الشَوْكِ لا أذًى فِيهِ، وقالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ: ؎ إنَّ الحَدائِقَ في الجِنانِ ظَلِيلَةٌ فِيها الكَواعِبُ سِدْرُها مَخْضُودُ وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عن "مَخْضُودٍ" بِأنَّهُ المُوَقَّرُ حَمْلًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو قَطْعُ الشَوْكِ، وهو الصَوابُ، أما إنَّ وقْرَهُ هو كَرَمُهُ، ورُوِيَ عَنِ الضَحّاكِ أنَّ بَعْضَ الصَحابَةِ أعْجَبَهم سِدْرُ وجٍّ فَقالُوا: لَيْتَ لَنا في الآخِرَةِ مِثْلَ هَذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ولِأهْلِ تَحْرِيرِ النَظَرِ هُنا إشارَةٌ في أنَّ هَذا الخَضْدَ بِإزاءِ أعْمالِهِمُ الَّتِي سَلِمُوا فِيها: إذْ أهْلُ اليَمِينِ تَوّابُونَ لَهم سَلامٌ، ولَيْسُوا بِسابِقِينَ. و"الطَلْحُ" كَذَلِكَ مِنَ العِضاهِ شَجَرٌ عِظامٌ كَثِيرُ الشَوْكِ وشَبَّهَهُ في الجَنَّةِ عَلى صِفاتٍ (p-١٩٨)كَثِيرَةٌ مُبايَنَةٌ لِحالِ الدُنْيا، و"مَنضُودٍ" مَعْناهُ: مُرَكَّبٌ ثَمَرُهُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ مِن أرْضِهِ إلى أعْلاهُ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُما: "وَطَلْعٍ مَنضُودٍ"، فَقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما هو "وَطَلْحٍ" فَقالَ: ما لِلطَّلْحِ ولِلْجَنَّةِ؟ فَقِيلَ لَهُ: أنُصْلِحُها في المُصْحَفِ؟ فَقالَ: إنَّ المُصْحَفَ اليَوْمَ لا يُهاجُ ولا يُغَيَّرُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "الطَلْحُ": المَوْزُ، وقالَهُ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ طَيِّبٌ. و"الظِلُّ المَمْدُودُ" مَعْناهُ: الَّذِي لا تَنْسَخُهُ شَمْسٌ، ويُفَسِّرُ ذَلِكَ في قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَكْبُ الجَوادَ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ لا يَقْطَعُها، واقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ "وَظِلٍّ مَمْدُودٍ".» إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأحادِيثِ في هَذا المَعْنى، وقالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِلُّ هو مِن طَلْحِها وسِدْرِها. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَماءٍ مَسْكُوبٍ" أيْ: بِزَوالِ الإبّانِ كَحالِ فاكِهَةِ الدُنْيا، "وَلا مَمْنُوعَةٍ" بِبُعْدِ التَناوُلِ، ولا بِشَوْكِ يُؤْذِي في شَجَراتِها، ولا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي تَمْتَنِعُ بِها فاكِهَةُ الدُنْيا. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفُرُشٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَفُرْشٌ" بِسُكُونِها، والفُرْشُ: الأسِرَّةُ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ في ارْتِفاعِ السَرِيرِ مِنها خَمْسمِائَةَ سَنَةٍ، وهَذا واللهُ أعْلَمُ لا يَثْبُتُ، وإنَّ قُدِّرَ فَمُتَأوِّلٌ خارِجٌ عن ظاهِرِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: أرادَ بِالفُرُشِ النِساءَ. و"مَرْفُوعَةٍ" مَعْناهُ في الأقْدارِ والمَنازِلِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ظَلَلْتَ مُفْتَرِشَ الهَلْباءِ تَشْتُمُنِي ∗∗∗ عِنْدَ الرَسُولِ فَلَمْ تَصْدُقْ ولَمْ تُصِبِ (p-١٩٩)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ في تَعْدِيدِهِ عَلى صِهْرِهِ: "وَأفْرَشْتُكَ كَرِيمَتِي". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾، قالَ قَتادَةُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الحُورِ العِينِ" المَذْكُوراتِ قَبْلُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ تِلْكَ القِصَّةَ قَدِ انْقَضَتْ جُمْلَةً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ: قَدْ ذَكَرَهُنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ" فَلِذَلِكَ رَدَّ الضَمِيرَ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلى المَقْصِدِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] ونَحْوِهِ، و: "أنْشَأْناهُنَّ" مَعْناهُ: خَلَقْناهُنَّ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: « "عَجائِزُكُنَّ في الدُنْيا عُمْشًا رُمْصًا،»«وَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِعَجُوزٍ: "إنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها عَجُوزٌ"، فَحَزِنَتْ فَقالَ "إنَّكَ إذا دَخَلْتَ الجَنَّةَ أُنْشِئْتَ خَلْقًا آخَرَ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾، قِيلَ: مَعْناهُ دائِماتِ البَكارَةِ، مَتى عاوَدَ الواطِئُ وجَدَها بِكْرًا. و"العَرَبُ" جَمْعُ عَرُوبٍ وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها بِإظْهارِ مَحَبَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَبَّرَ عنهُنَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎ وفي الحُدُوجِ عُرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَوادِفِ يُعْشى دُونَها البَصَرُ (p-٢٠٠)وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العُرُوبُ: الحَسَنَةُ الكَلامِ، وقَدْ تَجِيءُ العُرُوبُ صِفَةَ ذَمٍّ عَلى غَيْرِ هَذا المَعْنى، وهي الفاسِدَةُ الأخْلاقِ كَأنَّها عُرِّبَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وما بَدَلٌ مِن أُمِّ عُثْمانَ سَلْفَعٌ ∗∗∗ مِنَ السُودِ ورْهاءُ العِنانِ عَرِيبُ وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "عُرُبًا" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والحَسَنُ: والأعْمَشُ: "عُرْبًا" بِسُكُونِها، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، واخْتَلَفَ عن نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أتْرابًا" مَعْناهُ: في الشَكْلِ والَقَدِّ حَتّى يَقُولَ الرائِي: هم أتْرابٌ، والتِرْبُ هو الَّذِي مَسَّ التُرابَ مَعَ تِرْبِهِ في وقْتٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ: "أتْرابًا" بِمَعْنى: سِنًّا واحِدَةً، ويُرْوى أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ هم عَلى قَدْرِ ابْنِ أرْبَعَةَ عَشَرَ عامًا في الشَبابِ والنُضْرَةِ، وقِيلَ: عَلى أمْثالِ أبْناءِ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، مُرْدًا بِيضًا مُكَحَّلِينَ. واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ - فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وغَيْرُهُ: الأوَّلُونَ: سالِفُ الأُمَمِ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ هم أصْحابُ اليَمِينِ، والآخَرُونَ: هَذِهِ الأُمَّةُ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ أهْلُ يَمِينٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بَلْ جَمِيعُهم إلّا مَن كانَ مِنَ السابِقِينَ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هاتانِ الفِرْقَتانِ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ (p-٢٠١)رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "الثُلْثانِ مِن أُمَّتِي"،» فَعَلى هَذا التابِعُونَ بِإحْسانٍ ومَن جَرى مَجْراهم ثُلَّةٌ أُولى، وسائِرُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ أُخْرى في آخِرِ الزَمانِ.

الواقعة 56:32

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ﴿وَطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ﴿وَماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ "السِدْرُ" شَجَرٌ مَعْرُوفٌ، وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ: شَجَرُ أُمِّ غِيلانَ، وهو مِنَ العِضاه، لَهُ شَوْكٌ، وفي الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خِلْقَتِهِ لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرٍ، طَيِّبِ الطَعْمِ والرِيحِ، ووَصَفَهُ تَعالى بِأنَّهُ مَخْضُودٌ،أيْ: مَقْطُوعُ الشَوْكِ لا أذًى فِيهِ، وقالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ: ؎ إنَّ الحَدائِقَ في الجِنانِ ظَلِيلَةٌ فِيها الكَواعِبُ سِدْرُها مَخْضُودُ وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عن "مَخْضُودٍ" بِأنَّهُ المُوَقَّرُ حَمْلًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو قَطْعُ الشَوْكِ، وهو الصَوابُ، أما إنَّ وقْرَهُ هو كَرَمُهُ، ورُوِيَ عَنِ الضَحّاكِ أنَّ بَعْضَ الصَحابَةِ أعْجَبَهم سِدْرُ وجٍّ فَقالُوا: لَيْتَ لَنا في الآخِرَةِ مِثْلَ هَذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ولِأهْلِ تَحْرِيرِ النَظَرِ هُنا إشارَةٌ في أنَّ هَذا الخَضْدَ بِإزاءِ أعْمالِهِمُ الَّتِي سَلِمُوا فِيها: إذْ أهْلُ اليَمِينِ تَوّابُونَ لَهم سَلامٌ، ولَيْسُوا بِسابِقِينَ. و"الطَلْحُ" كَذَلِكَ مِنَ العِضاهِ شَجَرٌ عِظامٌ كَثِيرُ الشَوْكِ وشَبَّهَهُ في الجَنَّةِ عَلى صِفاتٍ (p-١٩٨)كَثِيرَةٌ مُبايَنَةٌ لِحالِ الدُنْيا، و"مَنضُودٍ" مَعْناهُ: مُرَكَّبٌ ثَمَرُهُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ مِن أرْضِهِ إلى أعْلاهُ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُما: "وَطَلْعٍ مَنضُودٍ"، فَقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما هو "وَطَلْحٍ" فَقالَ: ما لِلطَّلْحِ ولِلْجَنَّةِ؟ فَقِيلَ لَهُ: أنُصْلِحُها في المُصْحَفِ؟ فَقالَ: إنَّ المُصْحَفَ اليَوْمَ لا يُهاجُ ولا يُغَيَّرُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "الطَلْحُ": المَوْزُ، وقالَهُ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ طَيِّبٌ. و"الظِلُّ المَمْدُودُ" مَعْناهُ: الَّذِي لا تَنْسَخُهُ شَمْسٌ، ويُفَسِّرُ ذَلِكَ في قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَكْبُ الجَوادَ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ لا يَقْطَعُها، واقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ "وَظِلٍّ مَمْدُودٍ".» إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأحادِيثِ في هَذا المَعْنى، وقالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِلُّ هو مِن طَلْحِها وسِدْرِها. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَماءٍ مَسْكُوبٍ" أيْ: بِزَوالِ الإبّانِ كَحالِ فاكِهَةِ الدُنْيا، "وَلا مَمْنُوعَةٍ" بِبُعْدِ التَناوُلِ، ولا بِشَوْكِ يُؤْذِي في شَجَراتِها، ولا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي تَمْتَنِعُ بِها فاكِهَةُ الدُنْيا. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفُرُشٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَفُرْشٌ" بِسُكُونِها، والفُرْشُ: الأسِرَّةُ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ في ارْتِفاعِ السَرِيرِ مِنها خَمْسمِائَةَ سَنَةٍ، وهَذا واللهُ أعْلَمُ لا يَثْبُتُ، وإنَّ قُدِّرَ فَمُتَأوِّلٌ خارِجٌ عن ظاهِرِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: أرادَ بِالفُرُشِ النِساءَ. و"مَرْفُوعَةٍ" مَعْناهُ في الأقْدارِ والمَنازِلِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ظَلَلْتَ مُفْتَرِشَ الهَلْباءِ تَشْتُمُنِي ∗∗∗ عِنْدَ الرَسُولِ فَلَمْ تَصْدُقْ ولَمْ تُصِبِ (p-١٩٩)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ في تَعْدِيدِهِ عَلى صِهْرِهِ: "وَأفْرَشْتُكَ كَرِيمَتِي". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾، قالَ قَتادَةُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الحُورِ العِينِ" المَذْكُوراتِ قَبْلُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ تِلْكَ القِصَّةَ قَدِ انْقَضَتْ جُمْلَةً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ: قَدْ ذَكَرَهُنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ" فَلِذَلِكَ رَدَّ الضَمِيرَ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلى المَقْصِدِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] ونَحْوِهِ، و: "أنْشَأْناهُنَّ" مَعْناهُ: خَلَقْناهُنَّ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: « "عَجائِزُكُنَّ في الدُنْيا عُمْشًا رُمْصًا،»«وَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِعَجُوزٍ: "إنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها عَجُوزٌ"، فَحَزِنَتْ فَقالَ "إنَّكَ إذا دَخَلْتَ الجَنَّةَ أُنْشِئْتَ خَلْقًا آخَرَ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾، قِيلَ: مَعْناهُ دائِماتِ البَكارَةِ، مَتى عاوَدَ الواطِئُ وجَدَها بِكْرًا. و"العَرَبُ" جَمْعُ عَرُوبٍ وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها بِإظْهارِ مَحَبَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَبَّرَ عنهُنَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎ وفي الحُدُوجِ عُرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَوادِفِ يُعْشى دُونَها البَصَرُ (p-٢٠٠)وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العُرُوبُ: الحَسَنَةُ الكَلامِ، وقَدْ تَجِيءُ العُرُوبُ صِفَةَ ذَمٍّ عَلى غَيْرِ هَذا المَعْنى، وهي الفاسِدَةُ الأخْلاقِ كَأنَّها عُرِّبَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وما بَدَلٌ مِن أُمِّ عُثْمانَ سَلْفَعٌ ∗∗∗ مِنَ السُودِ ورْهاءُ العِنانِ عَرِيبُ وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "عُرُبًا" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والحَسَنُ: والأعْمَشُ: "عُرْبًا" بِسُكُونِها، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، واخْتَلَفَ عن نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أتْرابًا" مَعْناهُ: في الشَكْلِ والَقَدِّ حَتّى يَقُولَ الرائِي: هم أتْرابٌ، والتِرْبُ هو الَّذِي مَسَّ التُرابَ مَعَ تِرْبِهِ في وقْتٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ: "أتْرابًا" بِمَعْنى: سِنًّا واحِدَةً، ويُرْوى أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ هم عَلى قَدْرِ ابْنِ أرْبَعَةَ عَشَرَ عامًا في الشَبابِ والنُضْرَةِ، وقِيلَ: عَلى أمْثالِ أبْناءِ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، مُرْدًا بِيضًا مُكَحَّلِينَ. واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ - فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وغَيْرُهُ: الأوَّلُونَ: سالِفُ الأُمَمِ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ هم أصْحابُ اليَمِينِ، والآخَرُونَ: هَذِهِ الأُمَّةُ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ أهْلُ يَمِينٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بَلْ جَمِيعُهم إلّا مَن كانَ مِنَ السابِقِينَ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هاتانِ الفِرْقَتانِ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ (p-٢٠١)رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "الثُلْثانِ مِن أُمَّتِي"،» فَعَلى هَذا التابِعُونَ بِإحْسانٍ ومَن جَرى مَجْراهم ثُلَّةٌ أُولى، وسائِرُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ أُخْرى في آخِرِ الزَمانِ.

الواقعة 56:33

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ﴿وَطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ﴿وَماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ "السِدْرُ" شَجَرٌ مَعْرُوفٌ، وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ: شَجَرُ أُمِّ غِيلانَ، وهو مِنَ العِضاه، لَهُ شَوْكٌ، وفي الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خِلْقَتِهِ لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرٍ، طَيِّبِ الطَعْمِ والرِيحِ، ووَصَفَهُ تَعالى بِأنَّهُ مَخْضُودٌ،أيْ: مَقْطُوعُ الشَوْكِ لا أذًى فِيهِ، وقالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ: ؎ إنَّ الحَدائِقَ في الجِنانِ ظَلِيلَةٌ فِيها الكَواعِبُ سِدْرُها مَخْضُودُ وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عن "مَخْضُودٍ" بِأنَّهُ المُوَقَّرُ حَمْلًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو قَطْعُ الشَوْكِ، وهو الصَوابُ، أما إنَّ وقْرَهُ هو كَرَمُهُ، ورُوِيَ عَنِ الضَحّاكِ أنَّ بَعْضَ الصَحابَةِ أعْجَبَهم سِدْرُ وجٍّ فَقالُوا: لَيْتَ لَنا في الآخِرَةِ مِثْلَ هَذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ولِأهْلِ تَحْرِيرِ النَظَرِ هُنا إشارَةٌ في أنَّ هَذا الخَضْدَ بِإزاءِ أعْمالِهِمُ الَّتِي سَلِمُوا فِيها: إذْ أهْلُ اليَمِينِ تَوّابُونَ لَهم سَلامٌ، ولَيْسُوا بِسابِقِينَ. و"الطَلْحُ" كَذَلِكَ مِنَ العِضاهِ شَجَرٌ عِظامٌ كَثِيرُ الشَوْكِ وشَبَّهَهُ في الجَنَّةِ عَلى صِفاتٍ (p-١٩٨)كَثِيرَةٌ مُبايَنَةٌ لِحالِ الدُنْيا، و"مَنضُودٍ" مَعْناهُ: مُرَكَّبٌ ثَمَرُهُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ مِن أرْضِهِ إلى أعْلاهُ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُما: "وَطَلْعٍ مَنضُودٍ"، فَقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما هو "وَطَلْحٍ" فَقالَ: ما لِلطَّلْحِ ولِلْجَنَّةِ؟ فَقِيلَ لَهُ: أنُصْلِحُها في المُصْحَفِ؟ فَقالَ: إنَّ المُصْحَفَ اليَوْمَ لا يُهاجُ ولا يُغَيَّرُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "الطَلْحُ": المَوْزُ، وقالَهُ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ طَيِّبٌ. و"الظِلُّ المَمْدُودُ" مَعْناهُ: الَّذِي لا تَنْسَخُهُ شَمْسٌ، ويُفَسِّرُ ذَلِكَ في قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَكْبُ الجَوادَ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ لا يَقْطَعُها، واقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ "وَظِلٍّ مَمْدُودٍ".» إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأحادِيثِ في هَذا المَعْنى، وقالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِلُّ هو مِن طَلْحِها وسِدْرِها. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَماءٍ مَسْكُوبٍ" أيْ: بِزَوالِ الإبّانِ كَحالِ فاكِهَةِ الدُنْيا، "وَلا مَمْنُوعَةٍ" بِبُعْدِ التَناوُلِ، ولا بِشَوْكِ يُؤْذِي في شَجَراتِها، ولا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي تَمْتَنِعُ بِها فاكِهَةُ الدُنْيا. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفُرُشٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَفُرْشٌ" بِسُكُونِها، والفُرْشُ: الأسِرَّةُ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ في ارْتِفاعِ السَرِيرِ مِنها خَمْسمِائَةَ سَنَةٍ، وهَذا واللهُ أعْلَمُ لا يَثْبُتُ، وإنَّ قُدِّرَ فَمُتَأوِّلٌ خارِجٌ عن ظاهِرِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: أرادَ بِالفُرُشِ النِساءَ. و"مَرْفُوعَةٍ" مَعْناهُ في الأقْدارِ والمَنازِلِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ظَلَلْتَ مُفْتَرِشَ الهَلْباءِ تَشْتُمُنِي ∗∗∗ عِنْدَ الرَسُولِ فَلَمْ تَصْدُقْ ولَمْ تُصِبِ (p-١٩٩)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ في تَعْدِيدِهِ عَلى صِهْرِهِ: "وَأفْرَشْتُكَ كَرِيمَتِي". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾، قالَ قَتادَةُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الحُورِ العِينِ" المَذْكُوراتِ قَبْلُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ تِلْكَ القِصَّةَ قَدِ انْقَضَتْ جُمْلَةً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ: قَدْ ذَكَرَهُنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ" فَلِذَلِكَ رَدَّ الضَمِيرَ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلى المَقْصِدِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] ونَحْوِهِ، و: "أنْشَأْناهُنَّ" مَعْناهُ: خَلَقْناهُنَّ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: « "عَجائِزُكُنَّ في الدُنْيا عُمْشًا رُمْصًا،»«وَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِعَجُوزٍ: "إنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها عَجُوزٌ"، فَحَزِنَتْ فَقالَ "إنَّكَ إذا دَخَلْتَ الجَنَّةَ أُنْشِئْتَ خَلْقًا آخَرَ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾، قِيلَ: مَعْناهُ دائِماتِ البَكارَةِ، مَتى عاوَدَ الواطِئُ وجَدَها بِكْرًا. و"العَرَبُ" جَمْعُ عَرُوبٍ وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها بِإظْهارِ مَحَبَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَبَّرَ عنهُنَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎ وفي الحُدُوجِ عُرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَوادِفِ يُعْشى دُونَها البَصَرُ (p-٢٠٠)وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العُرُوبُ: الحَسَنَةُ الكَلامِ، وقَدْ تَجِيءُ العُرُوبُ صِفَةَ ذَمٍّ عَلى غَيْرِ هَذا المَعْنى، وهي الفاسِدَةُ الأخْلاقِ كَأنَّها عُرِّبَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وما بَدَلٌ مِن أُمِّ عُثْمانَ سَلْفَعٌ ∗∗∗ مِنَ السُودِ ورْهاءُ العِنانِ عَرِيبُ وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "عُرُبًا" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والحَسَنُ: والأعْمَشُ: "عُرْبًا" بِسُكُونِها، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، واخْتَلَفَ عن نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أتْرابًا" مَعْناهُ: في الشَكْلِ والَقَدِّ حَتّى يَقُولَ الرائِي: هم أتْرابٌ، والتِرْبُ هو الَّذِي مَسَّ التُرابَ مَعَ تِرْبِهِ في وقْتٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ: "أتْرابًا" بِمَعْنى: سِنًّا واحِدَةً، ويُرْوى أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ هم عَلى قَدْرِ ابْنِ أرْبَعَةَ عَشَرَ عامًا في الشَبابِ والنُضْرَةِ، وقِيلَ: عَلى أمْثالِ أبْناءِ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، مُرْدًا بِيضًا مُكَحَّلِينَ. واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ - فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وغَيْرُهُ: الأوَّلُونَ: سالِفُ الأُمَمِ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ هم أصْحابُ اليَمِينِ، والآخَرُونَ: هَذِهِ الأُمَّةُ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ أهْلُ يَمِينٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بَلْ جَمِيعُهم إلّا مَن كانَ مِنَ السابِقِينَ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هاتانِ الفِرْقَتانِ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ (p-٢٠١)رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "الثُلْثانِ مِن أُمَّتِي"،» فَعَلى هَذا التابِعُونَ بِإحْسانٍ ومَن جَرى مَجْراهم ثُلَّةٌ أُولى، وسائِرُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ أُخْرى في آخِرِ الزَمانِ.

الواقعة 56:34

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ﴿وَطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ﴿وَماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ "السِدْرُ" شَجَرٌ مَعْرُوفٌ، وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ: شَجَرُ أُمِّ غِيلانَ، وهو مِنَ العِضاه، لَهُ شَوْكٌ، وفي الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خِلْقَتِهِ لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرٍ، طَيِّبِ الطَعْمِ والرِيحِ، ووَصَفَهُ تَعالى بِأنَّهُ مَخْضُودٌ،أيْ: مَقْطُوعُ الشَوْكِ لا أذًى فِيهِ، وقالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ: ؎ إنَّ الحَدائِقَ في الجِنانِ ظَلِيلَةٌ فِيها الكَواعِبُ سِدْرُها مَخْضُودُ وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عن "مَخْضُودٍ" بِأنَّهُ المُوَقَّرُ حَمْلًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو قَطْعُ الشَوْكِ، وهو الصَوابُ، أما إنَّ وقْرَهُ هو كَرَمُهُ، ورُوِيَ عَنِ الضَحّاكِ أنَّ بَعْضَ الصَحابَةِ أعْجَبَهم سِدْرُ وجٍّ فَقالُوا: لَيْتَ لَنا في الآخِرَةِ مِثْلَ هَذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ولِأهْلِ تَحْرِيرِ النَظَرِ هُنا إشارَةٌ في أنَّ هَذا الخَضْدَ بِإزاءِ أعْمالِهِمُ الَّتِي سَلِمُوا فِيها: إذْ أهْلُ اليَمِينِ تَوّابُونَ لَهم سَلامٌ، ولَيْسُوا بِسابِقِينَ. و"الطَلْحُ" كَذَلِكَ مِنَ العِضاهِ شَجَرٌ عِظامٌ كَثِيرُ الشَوْكِ وشَبَّهَهُ في الجَنَّةِ عَلى صِفاتٍ (p-١٩٨)كَثِيرَةٌ مُبايَنَةٌ لِحالِ الدُنْيا، و"مَنضُودٍ" مَعْناهُ: مُرَكَّبٌ ثَمَرُهُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ مِن أرْضِهِ إلى أعْلاهُ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُما: "وَطَلْعٍ مَنضُودٍ"، فَقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما هو "وَطَلْحٍ" فَقالَ: ما لِلطَّلْحِ ولِلْجَنَّةِ؟ فَقِيلَ لَهُ: أنُصْلِحُها في المُصْحَفِ؟ فَقالَ: إنَّ المُصْحَفَ اليَوْمَ لا يُهاجُ ولا يُغَيَّرُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "الطَلْحُ": المَوْزُ، وقالَهُ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ طَيِّبٌ. و"الظِلُّ المَمْدُودُ" مَعْناهُ: الَّذِي لا تَنْسَخُهُ شَمْسٌ، ويُفَسِّرُ ذَلِكَ في قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَكْبُ الجَوادَ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ لا يَقْطَعُها، واقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ "وَظِلٍّ مَمْدُودٍ".» إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأحادِيثِ في هَذا المَعْنى، وقالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِلُّ هو مِن طَلْحِها وسِدْرِها. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَماءٍ مَسْكُوبٍ" أيْ: بِزَوالِ الإبّانِ كَحالِ فاكِهَةِ الدُنْيا، "وَلا مَمْنُوعَةٍ" بِبُعْدِ التَناوُلِ، ولا بِشَوْكِ يُؤْذِي في شَجَراتِها، ولا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي تَمْتَنِعُ بِها فاكِهَةُ الدُنْيا. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفُرُشٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَفُرْشٌ" بِسُكُونِها، والفُرْشُ: الأسِرَّةُ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ في ارْتِفاعِ السَرِيرِ مِنها خَمْسمِائَةَ سَنَةٍ، وهَذا واللهُ أعْلَمُ لا يَثْبُتُ، وإنَّ قُدِّرَ فَمُتَأوِّلٌ خارِجٌ عن ظاهِرِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: أرادَ بِالفُرُشِ النِساءَ. و"مَرْفُوعَةٍ" مَعْناهُ في الأقْدارِ والمَنازِلِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ظَلَلْتَ مُفْتَرِشَ الهَلْباءِ تَشْتُمُنِي ∗∗∗ عِنْدَ الرَسُولِ فَلَمْ تَصْدُقْ ولَمْ تُصِبِ (p-١٩٩)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ في تَعْدِيدِهِ عَلى صِهْرِهِ: "وَأفْرَشْتُكَ كَرِيمَتِي". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾، قالَ قَتادَةُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الحُورِ العِينِ" المَذْكُوراتِ قَبْلُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ تِلْكَ القِصَّةَ قَدِ انْقَضَتْ جُمْلَةً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ: قَدْ ذَكَرَهُنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ" فَلِذَلِكَ رَدَّ الضَمِيرَ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلى المَقْصِدِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] ونَحْوِهِ، و: "أنْشَأْناهُنَّ" مَعْناهُ: خَلَقْناهُنَّ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: « "عَجائِزُكُنَّ في الدُنْيا عُمْشًا رُمْصًا،»«وَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِعَجُوزٍ: "إنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها عَجُوزٌ"، فَحَزِنَتْ فَقالَ "إنَّكَ إذا دَخَلْتَ الجَنَّةَ أُنْشِئْتَ خَلْقًا آخَرَ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾، قِيلَ: مَعْناهُ دائِماتِ البَكارَةِ، مَتى عاوَدَ الواطِئُ وجَدَها بِكْرًا. و"العَرَبُ" جَمْعُ عَرُوبٍ وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها بِإظْهارِ مَحَبَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَبَّرَ عنهُنَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎ وفي الحُدُوجِ عُرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَوادِفِ يُعْشى دُونَها البَصَرُ (p-٢٠٠)وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العُرُوبُ: الحَسَنَةُ الكَلامِ، وقَدْ تَجِيءُ العُرُوبُ صِفَةَ ذَمٍّ عَلى غَيْرِ هَذا المَعْنى، وهي الفاسِدَةُ الأخْلاقِ كَأنَّها عُرِّبَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وما بَدَلٌ مِن أُمِّ عُثْمانَ سَلْفَعٌ ∗∗∗ مِنَ السُودِ ورْهاءُ العِنانِ عَرِيبُ وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "عُرُبًا" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والحَسَنُ: والأعْمَشُ: "عُرْبًا" بِسُكُونِها، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، واخْتَلَفَ عن نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أتْرابًا" مَعْناهُ: في الشَكْلِ والَقَدِّ حَتّى يَقُولَ الرائِي: هم أتْرابٌ، والتِرْبُ هو الَّذِي مَسَّ التُرابَ مَعَ تِرْبِهِ في وقْتٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ: "أتْرابًا" بِمَعْنى: سِنًّا واحِدَةً، ويُرْوى أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ هم عَلى قَدْرِ ابْنِ أرْبَعَةَ عَشَرَ عامًا في الشَبابِ والنُضْرَةِ، وقِيلَ: عَلى أمْثالِ أبْناءِ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، مُرْدًا بِيضًا مُكَحَّلِينَ. واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ - فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وغَيْرُهُ: الأوَّلُونَ: سالِفُ الأُمَمِ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ هم أصْحابُ اليَمِينِ، والآخَرُونَ: هَذِهِ الأُمَّةُ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ أهْلُ يَمِينٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بَلْ جَمِيعُهم إلّا مَن كانَ مِنَ السابِقِينَ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هاتانِ الفِرْقَتانِ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ (p-٢٠١)رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "الثُلْثانِ مِن أُمَّتِي"،» فَعَلى هَذا التابِعُونَ بِإحْسانٍ ومَن جَرى مَجْراهم ثُلَّةٌ أُولى، وسائِرُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ أُخْرى في آخِرِ الزَمانِ.

الواقعة 56:35

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ﴿وَطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ﴿وَماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ "السِدْرُ" شَجَرٌ مَعْرُوفٌ، وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ: شَجَرُ أُمِّ غِيلانَ، وهو مِنَ العِضاه، لَهُ شَوْكٌ، وفي الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خِلْقَتِهِ لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرٍ، طَيِّبِ الطَعْمِ والرِيحِ، ووَصَفَهُ تَعالى بِأنَّهُ مَخْضُودٌ،أيْ: مَقْطُوعُ الشَوْكِ لا أذًى فِيهِ، وقالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ: ؎ إنَّ الحَدائِقَ في الجِنانِ ظَلِيلَةٌ فِيها الكَواعِبُ سِدْرُها مَخْضُودُ وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عن "مَخْضُودٍ" بِأنَّهُ المُوَقَّرُ حَمْلًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو قَطْعُ الشَوْكِ، وهو الصَوابُ، أما إنَّ وقْرَهُ هو كَرَمُهُ، ورُوِيَ عَنِ الضَحّاكِ أنَّ بَعْضَ الصَحابَةِ أعْجَبَهم سِدْرُ وجٍّ فَقالُوا: لَيْتَ لَنا في الآخِرَةِ مِثْلَ هَذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ولِأهْلِ تَحْرِيرِ النَظَرِ هُنا إشارَةٌ في أنَّ هَذا الخَضْدَ بِإزاءِ أعْمالِهِمُ الَّتِي سَلِمُوا فِيها: إذْ أهْلُ اليَمِينِ تَوّابُونَ لَهم سَلامٌ، ولَيْسُوا بِسابِقِينَ. و"الطَلْحُ" كَذَلِكَ مِنَ العِضاهِ شَجَرٌ عِظامٌ كَثِيرُ الشَوْكِ وشَبَّهَهُ في الجَنَّةِ عَلى صِفاتٍ (p-١٩٨)كَثِيرَةٌ مُبايَنَةٌ لِحالِ الدُنْيا، و"مَنضُودٍ" مَعْناهُ: مُرَكَّبٌ ثَمَرُهُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ مِن أرْضِهِ إلى أعْلاهُ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُما: "وَطَلْعٍ مَنضُودٍ"، فَقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما هو "وَطَلْحٍ" فَقالَ: ما لِلطَّلْحِ ولِلْجَنَّةِ؟ فَقِيلَ لَهُ: أنُصْلِحُها في المُصْحَفِ؟ فَقالَ: إنَّ المُصْحَفَ اليَوْمَ لا يُهاجُ ولا يُغَيَّرُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "الطَلْحُ": المَوْزُ، وقالَهُ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ طَيِّبٌ. و"الظِلُّ المَمْدُودُ" مَعْناهُ: الَّذِي لا تَنْسَخُهُ شَمْسٌ، ويُفَسِّرُ ذَلِكَ في قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَكْبُ الجَوادَ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ لا يَقْطَعُها، واقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ "وَظِلٍّ مَمْدُودٍ".» إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأحادِيثِ في هَذا المَعْنى، وقالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِلُّ هو مِن طَلْحِها وسِدْرِها. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَماءٍ مَسْكُوبٍ" أيْ: بِزَوالِ الإبّانِ كَحالِ فاكِهَةِ الدُنْيا، "وَلا مَمْنُوعَةٍ" بِبُعْدِ التَناوُلِ، ولا بِشَوْكِ يُؤْذِي في شَجَراتِها، ولا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي تَمْتَنِعُ بِها فاكِهَةُ الدُنْيا. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفُرُشٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَفُرْشٌ" بِسُكُونِها، والفُرْشُ: الأسِرَّةُ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ في ارْتِفاعِ السَرِيرِ مِنها خَمْسمِائَةَ سَنَةٍ، وهَذا واللهُ أعْلَمُ لا يَثْبُتُ، وإنَّ قُدِّرَ فَمُتَأوِّلٌ خارِجٌ عن ظاهِرِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: أرادَ بِالفُرُشِ النِساءَ. و"مَرْفُوعَةٍ" مَعْناهُ في الأقْدارِ والمَنازِلِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ظَلَلْتَ مُفْتَرِشَ الهَلْباءِ تَشْتُمُنِي ∗∗∗ عِنْدَ الرَسُولِ فَلَمْ تَصْدُقْ ولَمْ تُصِبِ (p-١٩٩)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ في تَعْدِيدِهِ عَلى صِهْرِهِ: "وَأفْرَشْتُكَ كَرِيمَتِي". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾، قالَ قَتادَةُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الحُورِ العِينِ" المَذْكُوراتِ قَبْلُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ تِلْكَ القِصَّةَ قَدِ انْقَضَتْ جُمْلَةً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ: قَدْ ذَكَرَهُنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ" فَلِذَلِكَ رَدَّ الضَمِيرَ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلى المَقْصِدِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] ونَحْوِهِ، و: "أنْشَأْناهُنَّ" مَعْناهُ: خَلَقْناهُنَّ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: « "عَجائِزُكُنَّ في الدُنْيا عُمْشًا رُمْصًا،»«وَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِعَجُوزٍ: "إنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها عَجُوزٌ"، فَحَزِنَتْ فَقالَ "إنَّكَ إذا دَخَلْتَ الجَنَّةَ أُنْشِئْتَ خَلْقًا آخَرَ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾، قِيلَ: مَعْناهُ دائِماتِ البَكارَةِ، مَتى عاوَدَ الواطِئُ وجَدَها بِكْرًا. و"العَرَبُ" جَمْعُ عَرُوبٍ وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها بِإظْهارِ مَحَبَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَبَّرَ عنهُنَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎ وفي الحُدُوجِ عُرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَوادِفِ يُعْشى دُونَها البَصَرُ (p-٢٠٠)وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العُرُوبُ: الحَسَنَةُ الكَلامِ، وقَدْ تَجِيءُ العُرُوبُ صِفَةَ ذَمٍّ عَلى غَيْرِ هَذا المَعْنى، وهي الفاسِدَةُ الأخْلاقِ كَأنَّها عُرِّبَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وما بَدَلٌ مِن أُمِّ عُثْمانَ سَلْفَعٌ ∗∗∗ مِنَ السُودِ ورْهاءُ العِنانِ عَرِيبُ وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "عُرُبًا" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والحَسَنُ: والأعْمَشُ: "عُرْبًا" بِسُكُونِها، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، واخْتَلَفَ عن نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أتْرابًا" مَعْناهُ: في الشَكْلِ والَقَدِّ حَتّى يَقُولَ الرائِي: هم أتْرابٌ، والتِرْبُ هو الَّذِي مَسَّ التُرابَ مَعَ تِرْبِهِ في وقْتٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ: "أتْرابًا" بِمَعْنى: سِنًّا واحِدَةً، ويُرْوى أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ هم عَلى قَدْرِ ابْنِ أرْبَعَةَ عَشَرَ عامًا في الشَبابِ والنُضْرَةِ، وقِيلَ: عَلى أمْثالِ أبْناءِ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، مُرْدًا بِيضًا مُكَحَّلِينَ. واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ - فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وغَيْرُهُ: الأوَّلُونَ: سالِفُ الأُمَمِ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ هم أصْحابُ اليَمِينِ، والآخَرُونَ: هَذِهِ الأُمَّةُ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ أهْلُ يَمِينٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بَلْ جَمِيعُهم إلّا مَن كانَ مِنَ السابِقِينَ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هاتانِ الفِرْقَتانِ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ (p-٢٠١)رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "الثُلْثانِ مِن أُمَّتِي"،» فَعَلى هَذا التابِعُونَ بِإحْسانٍ ومَن جَرى مَجْراهم ثُلَّةٌ أُولى، وسائِرُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ أُخْرى في آخِرِ الزَمانِ.

الواقعة 56:36

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ﴿وَطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ﴿وَماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ "السِدْرُ" شَجَرٌ مَعْرُوفٌ، وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ: شَجَرُ أُمِّ غِيلانَ، وهو مِنَ العِضاه، لَهُ شَوْكٌ، وفي الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خِلْقَتِهِ لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرٍ، طَيِّبِ الطَعْمِ والرِيحِ، ووَصَفَهُ تَعالى بِأنَّهُ مَخْضُودٌ،أيْ: مَقْطُوعُ الشَوْكِ لا أذًى فِيهِ، وقالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ: ؎ إنَّ الحَدائِقَ في الجِنانِ ظَلِيلَةٌ فِيها الكَواعِبُ سِدْرُها مَخْضُودُ وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عن "مَخْضُودٍ" بِأنَّهُ المُوَقَّرُ حَمْلًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو قَطْعُ الشَوْكِ، وهو الصَوابُ، أما إنَّ وقْرَهُ هو كَرَمُهُ، ورُوِيَ عَنِ الضَحّاكِ أنَّ بَعْضَ الصَحابَةِ أعْجَبَهم سِدْرُ وجٍّ فَقالُوا: لَيْتَ لَنا في الآخِرَةِ مِثْلَ هَذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ولِأهْلِ تَحْرِيرِ النَظَرِ هُنا إشارَةٌ في أنَّ هَذا الخَضْدَ بِإزاءِ أعْمالِهِمُ الَّتِي سَلِمُوا فِيها: إذْ أهْلُ اليَمِينِ تَوّابُونَ لَهم سَلامٌ، ولَيْسُوا بِسابِقِينَ. و"الطَلْحُ" كَذَلِكَ مِنَ العِضاهِ شَجَرٌ عِظامٌ كَثِيرُ الشَوْكِ وشَبَّهَهُ في الجَنَّةِ عَلى صِفاتٍ (p-١٩٨)كَثِيرَةٌ مُبايَنَةٌ لِحالِ الدُنْيا، و"مَنضُودٍ" مَعْناهُ: مُرَكَّبٌ ثَمَرُهُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ مِن أرْضِهِ إلى أعْلاهُ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُما: "وَطَلْعٍ مَنضُودٍ"، فَقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما هو "وَطَلْحٍ" فَقالَ: ما لِلطَّلْحِ ولِلْجَنَّةِ؟ فَقِيلَ لَهُ: أنُصْلِحُها في المُصْحَفِ؟ فَقالَ: إنَّ المُصْحَفَ اليَوْمَ لا يُهاجُ ولا يُغَيَّرُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "الطَلْحُ": المَوْزُ، وقالَهُ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ طَيِّبٌ. و"الظِلُّ المَمْدُودُ" مَعْناهُ: الَّذِي لا تَنْسَخُهُ شَمْسٌ، ويُفَسِّرُ ذَلِكَ في قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَكْبُ الجَوادَ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ لا يَقْطَعُها، واقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ "وَظِلٍّ مَمْدُودٍ".» إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأحادِيثِ في هَذا المَعْنى، وقالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِلُّ هو مِن طَلْحِها وسِدْرِها. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَماءٍ مَسْكُوبٍ" أيْ: بِزَوالِ الإبّانِ كَحالِ فاكِهَةِ الدُنْيا، "وَلا مَمْنُوعَةٍ" بِبُعْدِ التَناوُلِ، ولا بِشَوْكِ يُؤْذِي في شَجَراتِها، ولا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي تَمْتَنِعُ بِها فاكِهَةُ الدُنْيا. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفُرُشٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَفُرْشٌ" بِسُكُونِها، والفُرْشُ: الأسِرَّةُ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ في ارْتِفاعِ السَرِيرِ مِنها خَمْسمِائَةَ سَنَةٍ، وهَذا واللهُ أعْلَمُ لا يَثْبُتُ، وإنَّ قُدِّرَ فَمُتَأوِّلٌ خارِجٌ عن ظاهِرِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: أرادَ بِالفُرُشِ النِساءَ. و"مَرْفُوعَةٍ" مَعْناهُ في الأقْدارِ والمَنازِلِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ظَلَلْتَ مُفْتَرِشَ الهَلْباءِ تَشْتُمُنِي ∗∗∗ عِنْدَ الرَسُولِ فَلَمْ تَصْدُقْ ولَمْ تُصِبِ (p-١٩٩)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ في تَعْدِيدِهِ عَلى صِهْرِهِ: "وَأفْرَشْتُكَ كَرِيمَتِي". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾، قالَ قَتادَةُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الحُورِ العِينِ" المَذْكُوراتِ قَبْلُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ تِلْكَ القِصَّةَ قَدِ انْقَضَتْ جُمْلَةً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ: قَدْ ذَكَرَهُنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ" فَلِذَلِكَ رَدَّ الضَمِيرَ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلى المَقْصِدِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] ونَحْوِهِ، و: "أنْشَأْناهُنَّ" مَعْناهُ: خَلَقْناهُنَّ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: « "عَجائِزُكُنَّ في الدُنْيا عُمْشًا رُمْصًا،»«وَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِعَجُوزٍ: "إنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها عَجُوزٌ"، فَحَزِنَتْ فَقالَ "إنَّكَ إذا دَخَلْتَ الجَنَّةَ أُنْشِئْتَ خَلْقًا آخَرَ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾، قِيلَ: مَعْناهُ دائِماتِ البَكارَةِ، مَتى عاوَدَ الواطِئُ وجَدَها بِكْرًا. و"العَرَبُ" جَمْعُ عَرُوبٍ وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها بِإظْهارِ مَحَبَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَبَّرَ عنهُنَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎ وفي الحُدُوجِ عُرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَوادِفِ يُعْشى دُونَها البَصَرُ (p-٢٠٠)وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العُرُوبُ: الحَسَنَةُ الكَلامِ، وقَدْ تَجِيءُ العُرُوبُ صِفَةَ ذَمٍّ عَلى غَيْرِ هَذا المَعْنى، وهي الفاسِدَةُ الأخْلاقِ كَأنَّها عُرِّبَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وما بَدَلٌ مِن أُمِّ عُثْمانَ سَلْفَعٌ ∗∗∗ مِنَ السُودِ ورْهاءُ العِنانِ عَرِيبُ وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "عُرُبًا" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والحَسَنُ: والأعْمَشُ: "عُرْبًا" بِسُكُونِها، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، واخْتَلَفَ عن نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أتْرابًا" مَعْناهُ: في الشَكْلِ والَقَدِّ حَتّى يَقُولَ الرائِي: هم أتْرابٌ، والتِرْبُ هو الَّذِي مَسَّ التُرابَ مَعَ تِرْبِهِ في وقْتٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ: "أتْرابًا" بِمَعْنى: سِنًّا واحِدَةً، ويُرْوى أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ هم عَلى قَدْرِ ابْنِ أرْبَعَةَ عَشَرَ عامًا في الشَبابِ والنُضْرَةِ، وقِيلَ: عَلى أمْثالِ أبْناءِ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، مُرْدًا بِيضًا مُكَحَّلِينَ. واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ - فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وغَيْرُهُ: الأوَّلُونَ: سالِفُ الأُمَمِ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ هم أصْحابُ اليَمِينِ، والآخَرُونَ: هَذِهِ الأُمَّةُ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ أهْلُ يَمِينٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بَلْ جَمِيعُهم إلّا مَن كانَ مِنَ السابِقِينَ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هاتانِ الفِرْقَتانِ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ (p-٢٠١)رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "الثُلْثانِ مِن أُمَّتِي"،» فَعَلى هَذا التابِعُونَ بِإحْسانٍ ومَن جَرى مَجْراهم ثُلَّةٌ أُولى، وسائِرُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ أُخْرى في آخِرِ الزَمانِ.

الواقعة 56:37

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ﴿وَطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ﴿وَماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ "السِدْرُ" شَجَرٌ مَعْرُوفٌ، وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ: شَجَرُ أُمِّ غِيلانَ، وهو مِنَ العِضاه، لَهُ شَوْكٌ، وفي الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خِلْقَتِهِ لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرٍ، طَيِّبِ الطَعْمِ والرِيحِ، ووَصَفَهُ تَعالى بِأنَّهُ مَخْضُودٌ،أيْ: مَقْطُوعُ الشَوْكِ لا أذًى فِيهِ، وقالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ: ؎ إنَّ الحَدائِقَ في الجِنانِ ظَلِيلَةٌ فِيها الكَواعِبُ سِدْرُها مَخْضُودُ وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عن "مَخْضُودٍ" بِأنَّهُ المُوَقَّرُ حَمْلًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو قَطْعُ الشَوْكِ، وهو الصَوابُ، أما إنَّ وقْرَهُ هو كَرَمُهُ، ورُوِيَ عَنِ الضَحّاكِ أنَّ بَعْضَ الصَحابَةِ أعْجَبَهم سِدْرُ وجٍّ فَقالُوا: لَيْتَ لَنا في الآخِرَةِ مِثْلَ هَذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ولِأهْلِ تَحْرِيرِ النَظَرِ هُنا إشارَةٌ في أنَّ هَذا الخَضْدَ بِإزاءِ أعْمالِهِمُ الَّتِي سَلِمُوا فِيها: إذْ أهْلُ اليَمِينِ تَوّابُونَ لَهم سَلامٌ، ولَيْسُوا بِسابِقِينَ. و"الطَلْحُ" كَذَلِكَ مِنَ العِضاهِ شَجَرٌ عِظامٌ كَثِيرُ الشَوْكِ وشَبَّهَهُ في الجَنَّةِ عَلى صِفاتٍ (p-١٩٨)كَثِيرَةٌ مُبايَنَةٌ لِحالِ الدُنْيا، و"مَنضُودٍ" مَعْناهُ: مُرَكَّبٌ ثَمَرُهُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ مِن أرْضِهِ إلى أعْلاهُ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُما: "وَطَلْعٍ مَنضُودٍ"، فَقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما هو "وَطَلْحٍ" فَقالَ: ما لِلطَّلْحِ ولِلْجَنَّةِ؟ فَقِيلَ لَهُ: أنُصْلِحُها في المُصْحَفِ؟ فَقالَ: إنَّ المُصْحَفَ اليَوْمَ لا يُهاجُ ولا يُغَيَّرُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "الطَلْحُ": المَوْزُ، وقالَهُ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ طَيِّبٌ. و"الظِلُّ المَمْدُودُ" مَعْناهُ: الَّذِي لا تَنْسَخُهُ شَمْسٌ، ويُفَسِّرُ ذَلِكَ في قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَكْبُ الجَوادَ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ لا يَقْطَعُها، واقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ "وَظِلٍّ مَمْدُودٍ".» إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأحادِيثِ في هَذا المَعْنى، وقالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِلُّ هو مِن طَلْحِها وسِدْرِها. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَماءٍ مَسْكُوبٍ" أيْ: بِزَوالِ الإبّانِ كَحالِ فاكِهَةِ الدُنْيا، "وَلا مَمْنُوعَةٍ" بِبُعْدِ التَناوُلِ، ولا بِشَوْكِ يُؤْذِي في شَجَراتِها، ولا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي تَمْتَنِعُ بِها فاكِهَةُ الدُنْيا. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفُرُشٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَفُرْشٌ" بِسُكُونِها، والفُرْشُ: الأسِرَّةُ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ في ارْتِفاعِ السَرِيرِ مِنها خَمْسمِائَةَ سَنَةٍ، وهَذا واللهُ أعْلَمُ لا يَثْبُتُ، وإنَّ قُدِّرَ فَمُتَأوِّلٌ خارِجٌ عن ظاهِرِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: أرادَ بِالفُرُشِ النِساءَ. و"مَرْفُوعَةٍ" مَعْناهُ في الأقْدارِ والمَنازِلِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ظَلَلْتَ مُفْتَرِشَ الهَلْباءِ تَشْتُمُنِي ∗∗∗ عِنْدَ الرَسُولِ فَلَمْ تَصْدُقْ ولَمْ تُصِبِ (p-١٩٩)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ في تَعْدِيدِهِ عَلى صِهْرِهِ: "وَأفْرَشْتُكَ كَرِيمَتِي". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾، قالَ قَتادَةُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الحُورِ العِينِ" المَذْكُوراتِ قَبْلُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ تِلْكَ القِصَّةَ قَدِ انْقَضَتْ جُمْلَةً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ: قَدْ ذَكَرَهُنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ" فَلِذَلِكَ رَدَّ الضَمِيرَ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلى المَقْصِدِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] ونَحْوِهِ، و: "أنْشَأْناهُنَّ" مَعْناهُ: خَلَقْناهُنَّ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: « "عَجائِزُكُنَّ في الدُنْيا عُمْشًا رُمْصًا،»«وَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِعَجُوزٍ: "إنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها عَجُوزٌ"، فَحَزِنَتْ فَقالَ "إنَّكَ إذا دَخَلْتَ الجَنَّةَ أُنْشِئْتَ خَلْقًا آخَرَ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾، قِيلَ: مَعْناهُ دائِماتِ البَكارَةِ، مَتى عاوَدَ الواطِئُ وجَدَها بِكْرًا. و"العَرَبُ" جَمْعُ عَرُوبٍ وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها بِإظْهارِ مَحَبَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَبَّرَ عنهُنَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎ وفي الحُدُوجِ عُرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَوادِفِ يُعْشى دُونَها البَصَرُ (p-٢٠٠)وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العُرُوبُ: الحَسَنَةُ الكَلامِ، وقَدْ تَجِيءُ العُرُوبُ صِفَةَ ذَمٍّ عَلى غَيْرِ هَذا المَعْنى، وهي الفاسِدَةُ الأخْلاقِ كَأنَّها عُرِّبَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وما بَدَلٌ مِن أُمِّ عُثْمانَ سَلْفَعٌ ∗∗∗ مِنَ السُودِ ورْهاءُ العِنانِ عَرِيبُ وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "عُرُبًا" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والحَسَنُ: والأعْمَشُ: "عُرْبًا" بِسُكُونِها، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، واخْتَلَفَ عن نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أتْرابًا" مَعْناهُ: في الشَكْلِ والَقَدِّ حَتّى يَقُولَ الرائِي: هم أتْرابٌ، والتِرْبُ هو الَّذِي مَسَّ التُرابَ مَعَ تِرْبِهِ في وقْتٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ: "أتْرابًا" بِمَعْنى: سِنًّا واحِدَةً، ويُرْوى أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ هم عَلى قَدْرِ ابْنِ أرْبَعَةَ عَشَرَ عامًا في الشَبابِ والنُضْرَةِ، وقِيلَ: عَلى أمْثالِ أبْناءِ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، مُرْدًا بِيضًا مُكَحَّلِينَ. واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ - فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وغَيْرُهُ: الأوَّلُونَ: سالِفُ الأُمَمِ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ هم أصْحابُ اليَمِينِ، والآخَرُونَ: هَذِهِ الأُمَّةُ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ أهْلُ يَمِينٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بَلْ جَمِيعُهم إلّا مَن كانَ مِنَ السابِقِينَ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هاتانِ الفِرْقَتانِ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ (p-٢٠١)رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "الثُلْثانِ مِن أُمَّتِي"،» فَعَلى هَذا التابِعُونَ بِإحْسانٍ ومَن جَرى مَجْراهم ثُلَّةٌ أُولى، وسائِرُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ أُخْرى في آخِرِ الزَمانِ.

الواقعة 56:38

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ﴿وَطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ﴿وَماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ "السِدْرُ" شَجَرٌ مَعْرُوفٌ، وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ: شَجَرُ أُمِّ غِيلانَ، وهو مِنَ العِضاه، لَهُ شَوْكٌ، وفي الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خِلْقَتِهِ لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرٍ، طَيِّبِ الطَعْمِ والرِيحِ، ووَصَفَهُ تَعالى بِأنَّهُ مَخْضُودٌ،أيْ: مَقْطُوعُ الشَوْكِ لا أذًى فِيهِ، وقالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ: ؎ إنَّ الحَدائِقَ في الجِنانِ ظَلِيلَةٌ فِيها الكَواعِبُ سِدْرُها مَخْضُودُ وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عن "مَخْضُودٍ" بِأنَّهُ المُوَقَّرُ حَمْلًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو قَطْعُ الشَوْكِ، وهو الصَوابُ، أما إنَّ وقْرَهُ هو كَرَمُهُ، ورُوِيَ عَنِ الضَحّاكِ أنَّ بَعْضَ الصَحابَةِ أعْجَبَهم سِدْرُ وجٍّ فَقالُوا: لَيْتَ لَنا في الآخِرَةِ مِثْلَ هَذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ولِأهْلِ تَحْرِيرِ النَظَرِ هُنا إشارَةٌ في أنَّ هَذا الخَضْدَ بِإزاءِ أعْمالِهِمُ الَّتِي سَلِمُوا فِيها: إذْ أهْلُ اليَمِينِ تَوّابُونَ لَهم سَلامٌ، ولَيْسُوا بِسابِقِينَ. و"الطَلْحُ" كَذَلِكَ مِنَ العِضاهِ شَجَرٌ عِظامٌ كَثِيرُ الشَوْكِ وشَبَّهَهُ في الجَنَّةِ عَلى صِفاتٍ (p-١٩٨)كَثِيرَةٌ مُبايَنَةٌ لِحالِ الدُنْيا، و"مَنضُودٍ" مَعْناهُ: مُرَكَّبٌ ثَمَرُهُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ مِن أرْضِهِ إلى أعْلاهُ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُما: "وَطَلْعٍ مَنضُودٍ"، فَقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما هو "وَطَلْحٍ" فَقالَ: ما لِلطَّلْحِ ولِلْجَنَّةِ؟ فَقِيلَ لَهُ: أنُصْلِحُها في المُصْحَفِ؟ فَقالَ: إنَّ المُصْحَفَ اليَوْمَ لا يُهاجُ ولا يُغَيَّرُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "الطَلْحُ": المَوْزُ، وقالَهُ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ طَيِّبٌ. و"الظِلُّ المَمْدُودُ" مَعْناهُ: الَّذِي لا تَنْسَخُهُ شَمْسٌ، ويُفَسِّرُ ذَلِكَ في قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَكْبُ الجَوادَ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ لا يَقْطَعُها، واقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ "وَظِلٍّ مَمْدُودٍ".» إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأحادِيثِ في هَذا المَعْنى، وقالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِلُّ هو مِن طَلْحِها وسِدْرِها. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَماءٍ مَسْكُوبٍ" أيْ: بِزَوالِ الإبّانِ كَحالِ فاكِهَةِ الدُنْيا، "وَلا مَمْنُوعَةٍ" بِبُعْدِ التَناوُلِ، ولا بِشَوْكِ يُؤْذِي في شَجَراتِها، ولا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي تَمْتَنِعُ بِها فاكِهَةُ الدُنْيا. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفُرُشٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَفُرْشٌ" بِسُكُونِها، والفُرْشُ: الأسِرَّةُ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ في ارْتِفاعِ السَرِيرِ مِنها خَمْسمِائَةَ سَنَةٍ، وهَذا واللهُ أعْلَمُ لا يَثْبُتُ، وإنَّ قُدِّرَ فَمُتَأوِّلٌ خارِجٌ عن ظاهِرِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: أرادَ بِالفُرُشِ النِساءَ. و"مَرْفُوعَةٍ" مَعْناهُ في الأقْدارِ والمَنازِلِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ظَلَلْتَ مُفْتَرِشَ الهَلْباءِ تَشْتُمُنِي ∗∗∗ عِنْدَ الرَسُولِ فَلَمْ تَصْدُقْ ولَمْ تُصِبِ (p-١٩٩)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ في تَعْدِيدِهِ عَلى صِهْرِهِ: "وَأفْرَشْتُكَ كَرِيمَتِي". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾، قالَ قَتادَةُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الحُورِ العِينِ" المَذْكُوراتِ قَبْلُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ تِلْكَ القِصَّةَ قَدِ انْقَضَتْ جُمْلَةً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ: قَدْ ذَكَرَهُنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ" فَلِذَلِكَ رَدَّ الضَمِيرَ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلى المَقْصِدِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] ونَحْوِهِ، و: "أنْشَأْناهُنَّ" مَعْناهُ: خَلَقْناهُنَّ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: « "عَجائِزُكُنَّ في الدُنْيا عُمْشًا رُمْصًا،»«وَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِعَجُوزٍ: "إنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها عَجُوزٌ"، فَحَزِنَتْ فَقالَ "إنَّكَ إذا دَخَلْتَ الجَنَّةَ أُنْشِئْتَ خَلْقًا آخَرَ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾، قِيلَ: مَعْناهُ دائِماتِ البَكارَةِ، مَتى عاوَدَ الواطِئُ وجَدَها بِكْرًا. و"العَرَبُ" جَمْعُ عَرُوبٍ وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها بِإظْهارِ مَحَبَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَبَّرَ عنهُنَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎ وفي الحُدُوجِ عُرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَوادِفِ يُعْشى دُونَها البَصَرُ (p-٢٠٠)وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العُرُوبُ: الحَسَنَةُ الكَلامِ، وقَدْ تَجِيءُ العُرُوبُ صِفَةَ ذَمٍّ عَلى غَيْرِ هَذا المَعْنى، وهي الفاسِدَةُ الأخْلاقِ كَأنَّها عُرِّبَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وما بَدَلٌ مِن أُمِّ عُثْمانَ سَلْفَعٌ ∗∗∗ مِنَ السُودِ ورْهاءُ العِنانِ عَرِيبُ وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "عُرُبًا" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والحَسَنُ: والأعْمَشُ: "عُرْبًا" بِسُكُونِها، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، واخْتَلَفَ عن نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أتْرابًا" مَعْناهُ: في الشَكْلِ والَقَدِّ حَتّى يَقُولَ الرائِي: هم أتْرابٌ، والتِرْبُ هو الَّذِي مَسَّ التُرابَ مَعَ تِرْبِهِ في وقْتٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ: "أتْرابًا" بِمَعْنى: سِنًّا واحِدَةً، ويُرْوى أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ هم عَلى قَدْرِ ابْنِ أرْبَعَةَ عَشَرَ عامًا في الشَبابِ والنُضْرَةِ، وقِيلَ: عَلى أمْثالِ أبْناءِ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، مُرْدًا بِيضًا مُكَحَّلِينَ. واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ - فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وغَيْرُهُ: الأوَّلُونَ: سالِفُ الأُمَمِ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ هم أصْحابُ اليَمِينِ، والآخَرُونَ: هَذِهِ الأُمَّةُ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ أهْلُ يَمِينٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بَلْ جَمِيعُهم إلّا مَن كانَ مِنَ السابِقِينَ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هاتانِ الفِرْقَتانِ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ (p-٢٠١)رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "الثُلْثانِ مِن أُمَّتِي"،» فَعَلى هَذا التابِعُونَ بِإحْسانٍ ومَن جَرى مَجْراهم ثُلَّةٌ أُولى، وسائِرُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ أُخْرى في آخِرِ الزَمانِ.

الواقعة 56:39

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ﴿وَطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ﴿وَماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ "السِدْرُ" شَجَرٌ مَعْرُوفٌ، وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ: شَجَرُ أُمِّ غِيلانَ، وهو مِنَ العِضاه، لَهُ شَوْكٌ، وفي الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خِلْقَتِهِ لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرٍ، طَيِّبِ الطَعْمِ والرِيحِ، ووَصَفَهُ تَعالى بِأنَّهُ مَخْضُودٌ،أيْ: مَقْطُوعُ الشَوْكِ لا أذًى فِيهِ، وقالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ: ؎ إنَّ الحَدائِقَ في الجِنانِ ظَلِيلَةٌ فِيها الكَواعِبُ سِدْرُها مَخْضُودُ وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عن "مَخْضُودٍ" بِأنَّهُ المُوَقَّرُ حَمْلًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو قَطْعُ الشَوْكِ، وهو الصَوابُ، أما إنَّ وقْرَهُ هو كَرَمُهُ، ورُوِيَ عَنِ الضَحّاكِ أنَّ بَعْضَ الصَحابَةِ أعْجَبَهم سِدْرُ وجٍّ فَقالُوا: لَيْتَ لَنا في الآخِرَةِ مِثْلَ هَذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ولِأهْلِ تَحْرِيرِ النَظَرِ هُنا إشارَةٌ في أنَّ هَذا الخَضْدَ بِإزاءِ أعْمالِهِمُ الَّتِي سَلِمُوا فِيها: إذْ أهْلُ اليَمِينِ تَوّابُونَ لَهم سَلامٌ، ولَيْسُوا بِسابِقِينَ. و"الطَلْحُ" كَذَلِكَ مِنَ العِضاهِ شَجَرٌ عِظامٌ كَثِيرُ الشَوْكِ وشَبَّهَهُ في الجَنَّةِ عَلى صِفاتٍ (p-١٩٨)كَثِيرَةٌ مُبايَنَةٌ لِحالِ الدُنْيا، و"مَنضُودٍ" مَعْناهُ: مُرَكَّبٌ ثَمَرُهُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ مِن أرْضِهِ إلى أعْلاهُ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُما: "وَطَلْعٍ مَنضُودٍ"، فَقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما هو "وَطَلْحٍ" فَقالَ: ما لِلطَّلْحِ ولِلْجَنَّةِ؟ فَقِيلَ لَهُ: أنُصْلِحُها في المُصْحَفِ؟ فَقالَ: إنَّ المُصْحَفَ اليَوْمَ لا يُهاجُ ولا يُغَيَّرُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "الطَلْحُ": المَوْزُ، وقالَهُ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ طَيِّبٌ. و"الظِلُّ المَمْدُودُ" مَعْناهُ: الَّذِي لا تَنْسَخُهُ شَمْسٌ، ويُفَسِّرُ ذَلِكَ في قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَكْبُ الجَوادَ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ لا يَقْطَعُها، واقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ "وَظِلٍّ مَمْدُودٍ".» إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأحادِيثِ في هَذا المَعْنى، وقالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِلُّ هو مِن طَلْحِها وسِدْرِها. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَماءٍ مَسْكُوبٍ" أيْ: بِزَوالِ الإبّانِ كَحالِ فاكِهَةِ الدُنْيا، "وَلا مَمْنُوعَةٍ" بِبُعْدِ التَناوُلِ، ولا بِشَوْكِ يُؤْذِي في شَجَراتِها، ولا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي تَمْتَنِعُ بِها فاكِهَةُ الدُنْيا. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفُرُشٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَفُرْشٌ" بِسُكُونِها، والفُرْشُ: الأسِرَّةُ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ في ارْتِفاعِ السَرِيرِ مِنها خَمْسمِائَةَ سَنَةٍ، وهَذا واللهُ أعْلَمُ لا يَثْبُتُ، وإنَّ قُدِّرَ فَمُتَأوِّلٌ خارِجٌ عن ظاهِرِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: أرادَ بِالفُرُشِ النِساءَ. و"مَرْفُوعَةٍ" مَعْناهُ في الأقْدارِ والمَنازِلِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ظَلَلْتَ مُفْتَرِشَ الهَلْباءِ تَشْتُمُنِي ∗∗∗ عِنْدَ الرَسُولِ فَلَمْ تَصْدُقْ ولَمْ تُصِبِ (p-١٩٩)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ في تَعْدِيدِهِ عَلى صِهْرِهِ: "وَأفْرَشْتُكَ كَرِيمَتِي". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾، قالَ قَتادَةُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الحُورِ العِينِ" المَذْكُوراتِ قَبْلُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ تِلْكَ القِصَّةَ قَدِ انْقَضَتْ جُمْلَةً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ: قَدْ ذَكَرَهُنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ" فَلِذَلِكَ رَدَّ الضَمِيرَ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلى المَقْصِدِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] ونَحْوِهِ، و: "أنْشَأْناهُنَّ" مَعْناهُ: خَلَقْناهُنَّ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: « "عَجائِزُكُنَّ في الدُنْيا عُمْشًا رُمْصًا،»«وَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِعَجُوزٍ: "إنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها عَجُوزٌ"، فَحَزِنَتْ فَقالَ "إنَّكَ إذا دَخَلْتَ الجَنَّةَ أُنْشِئْتَ خَلْقًا آخَرَ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾، قِيلَ: مَعْناهُ دائِماتِ البَكارَةِ، مَتى عاوَدَ الواطِئُ وجَدَها بِكْرًا. و"العَرَبُ" جَمْعُ عَرُوبٍ وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها بِإظْهارِ مَحَبَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَبَّرَ عنهُنَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎ وفي الحُدُوجِ عُرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَوادِفِ يُعْشى دُونَها البَصَرُ (p-٢٠٠)وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العُرُوبُ: الحَسَنَةُ الكَلامِ، وقَدْ تَجِيءُ العُرُوبُ صِفَةَ ذَمٍّ عَلى غَيْرِ هَذا المَعْنى، وهي الفاسِدَةُ الأخْلاقِ كَأنَّها عُرِّبَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وما بَدَلٌ مِن أُمِّ عُثْمانَ سَلْفَعٌ ∗∗∗ مِنَ السُودِ ورْهاءُ العِنانِ عَرِيبُ وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "عُرُبًا" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والحَسَنُ: والأعْمَشُ: "عُرْبًا" بِسُكُونِها، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، واخْتَلَفَ عن نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أتْرابًا" مَعْناهُ: في الشَكْلِ والَقَدِّ حَتّى يَقُولَ الرائِي: هم أتْرابٌ، والتِرْبُ هو الَّذِي مَسَّ التُرابَ مَعَ تِرْبِهِ في وقْتٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ: "أتْرابًا" بِمَعْنى: سِنًّا واحِدَةً، ويُرْوى أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ هم عَلى قَدْرِ ابْنِ أرْبَعَةَ عَشَرَ عامًا في الشَبابِ والنُضْرَةِ، وقِيلَ: عَلى أمْثالِ أبْناءِ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، مُرْدًا بِيضًا مُكَحَّلِينَ. واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ - فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وغَيْرُهُ: الأوَّلُونَ: سالِفُ الأُمَمِ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ هم أصْحابُ اليَمِينِ، والآخَرُونَ: هَذِهِ الأُمَّةُ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ أهْلُ يَمِينٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بَلْ جَمِيعُهم إلّا مَن كانَ مِنَ السابِقِينَ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هاتانِ الفِرْقَتانِ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ (p-٢٠١)رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "الثُلْثانِ مِن أُمَّتِي"،» فَعَلى هَذا التابِعُونَ بِإحْسانٍ ومَن جَرى مَجْراهم ثُلَّةٌ أُولى، وسائِرُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ أُخْرى في آخِرِ الزَمانِ.

الواقعة 56:40

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ﴿وَطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ﴿وَماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ "السِدْرُ" شَجَرٌ مَعْرُوفٌ، وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ: شَجَرُ أُمِّ غِيلانَ، وهو مِنَ العِضاه، لَهُ شَوْكٌ، وفي الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خِلْقَتِهِ لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرٍ، طَيِّبِ الطَعْمِ والرِيحِ، ووَصَفَهُ تَعالى بِأنَّهُ مَخْضُودٌ،أيْ: مَقْطُوعُ الشَوْكِ لا أذًى فِيهِ، وقالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ: ؎ إنَّ الحَدائِقَ في الجِنانِ ظَلِيلَةٌ فِيها الكَواعِبُ سِدْرُها مَخْضُودُ وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عن "مَخْضُودٍ" بِأنَّهُ المُوَقَّرُ حَمْلًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو قَطْعُ الشَوْكِ، وهو الصَوابُ، أما إنَّ وقْرَهُ هو كَرَمُهُ، ورُوِيَ عَنِ الضَحّاكِ أنَّ بَعْضَ الصَحابَةِ أعْجَبَهم سِدْرُ وجٍّ فَقالُوا: لَيْتَ لَنا في الآخِرَةِ مِثْلَ هَذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ولِأهْلِ تَحْرِيرِ النَظَرِ هُنا إشارَةٌ في أنَّ هَذا الخَضْدَ بِإزاءِ أعْمالِهِمُ الَّتِي سَلِمُوا فِيها: إذْ أهْلُ اليَمِينِ تَوّابُونَ لَهم سَلامٌ، ولَيْسُوا بِسابِقِينَ. و"الطَلْحُ" كَذَلِكَ مِنَ العِضاهِ شَجَرٌ عِظامٌ كَثِيرُ الشَوْكِ وشَبَّهَهُ في الجَنَّةِ عَلى صِفاتٍ (p-١٩٨)كَثِيرَةٌ مُبايَنَةٌ لِحالِ الدُنْيا، و"مَنضُودٍ" مَعْناهُ: مُرَكَّبٌ ثَمَرُهُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ مِن أرْضِهِ إلى أعْلاهُ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُما: "وَطَلْعٍ مَنضُودٍ"، فَقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما هو "وَطَلْحٍ" فَقالَ: ما لِلطَّلْحِ ولِلْجَنَّةِ؟ فَقِيلَ لَهُ: أنُصْلِحُها في المُصْحَفِ؟ فَقالَ: إنَّ المُصْحَفَ اليَوْمَ لا يُهاجُ ولا يُغَيَّرُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "الطَلْحُ": المَوْزُ، وقالَهُ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ طَيِّبٌ. و"الظِلُّ المَمْدُودُ" مَعْناهُ: الَّذِي لا تَنْسَخُهُ شَمْسٌ، ويُفَسِّرُ ذَلِكَ في قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَكْبُ الجَوادَ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ لا يَقْطَعُها، واقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ "وَظِلٍّ مَمْدُودٍ".» إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأحادِيثِ في هَذا المَعْنى، وقالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِلُّ هو مِن طَلْحِها وسِدْرِها. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَماءٍ مَسْكُوبٍ" أيْ: بِزَوالِ الإبّانِ كَحالِ فاكِهَةِ الدُنْيا، "وَلا مَمْنُوعَةٍ" بِبُعْدِ التَناوُلِ، ولا بِشَوْكِ يُؤْذِي في شَجَراتِها، ولا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي تَمْتَنِعُ بِها فاكِهَةُ الدُنْيا. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفُرُشٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَفُرْشٌ" بِسُكُونِها، والفُرْشُ: الأسِرَّةُ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ في ارْتِفاعِ السَرِيرِ مِنها خَمْسمِائَةَ سَنَةٍ، وهَذا واللهُ أعْلَمُ لا يَثْبُتُ، وإنَّ قُدِّرَ فَمُتَأوِّلٌ خارِجٌ عن ظاهِرِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: أرادَ بِالفُرُشِ النِساءَ. و"مَرْفُوعَةٍ" مَعْناهُ في الأقْدارِ والمَنازِلِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ظَلَلْتَ مُفْتَرِشَ الهَلْباءِ تَشْتُمُنِي ∗∗∗ عِنْدَ الرَسُولِ فَلَمْ تَصْدُقْ ولَمْ تُصِبِ (p-١٩٩)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ في تَعْدِيدِهِ عَلى صِهْرِهِ: "وَأفْرَشْتُكَ كَرِيمَتِي". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾، قالَ قَتادَةُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الحُورِ العِينِ" المَذْكُوراتِ قَبْلُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ تِلْكَ القِصَّةَ قَدِ انْقَضَتْ جُمْلَةً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ: قَدْ ذَكَرَهُنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ" فَلِذَلِكَ رَدَّ الضَمِيرَ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلى المَقْصِدِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] ونَحْوِهِ، و: "أنْشَأْناهُنَّ" مَعْناهُ: خَلَقْناهُنَّ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: « "عَجائِزُكُنَّ في الدُنْيا عُمْشًا رُمْصًا،»«وَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِعَجُوزٍ: "إنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها عَجُوزٌ"، فَحَزِنَتْ فَقالَ "إنَّكَ إذا دَخَلْتَ الجَنَّةَ أُنْشِئْتَ خَلْقًا آخَرَ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾، قِيلَ: مَعْناهُ دائِماتِ البَكارَةِ، مَتى عاوَدَ الواطِئُ وجَدَها بِكْرًا. و"العَرَبُ" جَمْعُ عَرُوبٍ وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها بِإظْهارِ مَحَبَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَبَّرَ عنهُنَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎ وفي الحُدُوجِ عُرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَوادِفِ يُعْشى دُونَها البَصَرُ (p-٢٠٠)وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العُرُوبُ: الحَسَنَةُ الكَلامِ، وقَدْ تَجِيءُ العُرُوبُ صِفَةَ ذَمٍّ عَلى غَيْرِ هَذا المَعْنى، وهي الفاسِدَةُ الأخْلاقِ كَأنَّها عُرِّبَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وما بَدَلٌ مِن أُمِّ عُثْمانَ سَلْفَعٌ ∗∗∗ مِنَ السُودِ ورْهاءُ العِنانِ عَرِيبُ وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "عُرُبًا" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والحَسَنُ: والأعْمَشُ: "عُرْبًا" بِسُكُونِها، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، واخْتَلَفَ عن نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أتْرابًا" مَعْناهُ: في الشَكْلِ والَقَدِّ حَتّى يَقُولَ الرائِي: هم أتْرابٌ، والتِرْبُ هو الَّذِي مَسَّ التُرابَ مَعَ تِرْبِهِ في وقْتٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ: "أتْرابًا" بِمَعْنى: سِنًّا واحِدَةً، ويُرْوى أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ هم عَلى قَدْرِ ابْنِ أرْبَعَةَ عَشَرَ عامًا في الشَبابِ والنُضْرَةِ، وقِيلَ: عَلى أمْثالِ أبْناءِ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، مُرْدًا بِيضًا مُكَحَّلِينَ. واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ - فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وغَيْرُهُ: الأوَّلُونَ: سالِفُ الأُمَمِ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ هم أصْحابُ اليَمِينِ، والآخَرُونَ: هَذِهِ الأُمَّةُ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ أهْلُ يَمِينٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بَلْ جَمِيعُهم إلّا مَن كانَ مِنَ السابِقِينَ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هاتانِ الفِرْقَتانِ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ (p-٢٠١)رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "الثُلْثانِ مِن أُمَّتِي"،» فَعَلى هَذا التابِعُونَ بِإحْسانٍ ومَن جَرى مَجْراهم ثُلَّةٌ أُولى، وسائِرُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ أُخْرى في آخِرِ الزَمانِ.

الواقعة 56:41

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأصْحابُ الشِمالِ ما أصْحابُ الشِمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ إعْرابُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأصْحابُ الشِمالِ ما أصْحابُ الشِمالِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ، وفي الكَلامِ هُنا مَعْنى الإنْحاءِ عَلَيْهِمْ وتَعْظِيمِ مُصابِهِمْ. و"السَمُومُ": أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الحَرِّ اليابِسِ الَّذِي لا بَلَلَ مَعَهُ. و"الحَمِيمُ": الأسْوَدُ وهو بِناءُ مُبالَغَةٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الشَيْءِ الأسْوَدِ الَّذِي يُظِلُّ أهْلَ النارِ، ما هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ، وابْنُ زَيْدٍ: هو الدُخانُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: هو سُرادِقُ النارِ المُحِيطِ بِأهْلِها، فَإنَّهُ يَرْتَفِعُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ حَتّى يُظِلَّهم. وحَكى النَقّاشُ أنَّ "اليَحْمُومَ" اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، وقالَهُ ابْنُ كِيسانَ، وقالَ ابْنُ بُرَيْدَةَ، وابْنُ زَيْدٍ أيْضًا في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: هو جَبَلٌ في النارِ أسْوَدٌ يَفْزَعُ أهْلُ النارِ إلى ذُراهُ فَيَجِدُونَهُ أشَدَّ شَيْءٍ وأمَرَّهُ. قَوْلُهُ تَعالى: "وَلا كَرِيمٍ" قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: لَيْسَ لَهُ صِفَةُ مَدْحٍ في الظِلالِ، وهَذا كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كِرِيمٌ ونَسَبٌ كَرِيمٌ، يَعْنِي بِذَلِكَ أنَّ لَهُ صِفاتِ مَدْحٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَصِفَهُ بِعَدَمِ الكَرَمِ عَلى مَعْنى ألّا كَرامَةَ لَهُمْ، وذَلِكَ أنَّ المَرْءَ في الدُنْيا قَدْ يَصْبِرُ عَلى سُوءِ المَوْضِعِ لِقَرِينَةِ إكْرامٍ يَنالُهُ فِيهِ مِن أحَدٍ، فَجَمَعَ هَذا الظِلَّ في النارِ أنَّهُ سَيِّئُ الصِفَةِ وهم فِيهِ مُهانُونَ. (p-٢٠٢)و"المُتْرَفُ": المُنَعَّمُ في سَرَفٍ وتَخَوُّضٍ، و"يُصِرُّونَ" مَعْناهُ: يَعْتَقِدُونَ اعْتِقادًا لا يَنْوُونَ عنهُ إقْلاعًا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا يَتُوبُونَ ولا يَسْتَغْفِرُونَ، و"الحِنْثُ": الإثْمُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن ماتَ لَهُ ثَلاثٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ..."» الحَدِيثُ، أرادَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ فَتَتَعَلَّقُ بِهِمُ الآثامُ، وقالَ الخَطابِيُّ: الحِنْثُ في كَلامِ العَرَبِ العَدْلُ الثَقِيلُ، يُشَبِّهُ الإثْمَ بِهِ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِهَذا الإثْمِ - فَقالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: هو الشِرْكُ، وهَذا هو الظاهِرُ، وقالَ قَوْمٌ - فِيما ذَكَرَ مَكِّيٌّ -: هو الحِنْثُ في قَسَمِهِمُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] الآيَةُ في التَكْذِيبِ بِالبَعْثِ، وهَذا أيْضًا يَتَضَمَّنُ الكُفْرَ، فالقَوْلُ بِهِ عَلى عُمُومِهِ أولى، وقالَ الشَعْبِيُّ: الحِنْثُ العَظِيمُ: اليَمِينُ الغَمُوسُ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلافِ القُرّاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِذا"وَ"أئِنّا"، ويُخْتَصُّ مِن ذَلِكَ بِهَذا المَوْضِعِ أنَّ ابْنَ عامِرٍ يُخالِفُ فِيهِ أصْلَهُ فَيَقْرَأُ: أيِذا" "أيِنّا" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ فِيهِما عَلى الِاسْتِفْهامِ، ورَواهُ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ". والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِذا" فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: "لَمَبْعُوثُونَ"، تَقْدِيرُهُ: أنُبْعَثُ أو نُحْشَرُ؟ ولا يَعْمَلُ فِيهِ ما بَعْدَهُ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "مُتْنا" بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُتْنا" بِكَسْرِها وهَذا عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: مِتُّ أمُوتُ عَلى وزْنِ فِعْلٍ بِكَسْرِ العَيْنِ يَفْعَلُ بِضَمِّها، ولَمْ يُحْكَ مِنها عَنِ العَرَبِ إلّا هَذِهِ اللَفْظَةُ وأُخْرى هي فَضَلَ يُفَضِّلُ. وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "أو آباؤُنا" بِسُكُونِ الواوِ مِن "أو"، ومَعْنى الآيَةِ اسْتِبْعادُ أنْ يُبْعَثُوا هم وآباؤُهم عَلى حَدٍّ واحِدٍ مِنَ الِاسْتِبْعادِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوَآباؤُنا" بِتَحْرِيكِ الواوِ عَلى أنَّها واوُ العَطْفِ دَخَلَ عَلَيْها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناها شِدَّةُ الِاسْتِبْعادِ (p-٢٠٣)فِي الآباءِ، كَأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثُوا ثُمَّ أتَوْا بِذِكْرٍ مِنَ البَعْثِ فِيهِمْ أبْعَدُ، وهَذا بَيِّنٌ لِأهْلِ العِلْمِ بِلِسانِ العَرَبِ. ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُعْلِمَهم بِأنَّ العالَمَ مَحْشُورٌ مَبْعُوثٌ لِيَوْمٍ مَعْلُومٍ مُوَقَّتٍ. و"مِيقاتٍ" مِفْعالٍ مِنَ الوَقْتِ، كَمِيعادٍ مِنَ الوَعْدِ.

الواقعة 56:42

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأصْحابُ الشِمالِ ما أصْحابُ الشِمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ إعْرابُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأصْحابُ الشِمالِ ما أصْحابُ الشِمالِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ، وفي الكَلامِ هُنا مَعْنى الإنْحاءِ عَلَيْهِمْ وتَعْظِيمِ مُصابِهِمْ. و"السَمُومُ": أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الحَرِّ اليابِسِ الَّذِي لا بَلَلَ مَعَهُ. و"الحَمِيمُ": الأسْوَدُ وهو بِناءُ مُبالَغَةٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الشَيْءِ الأسْوَدِ الَّذِي يُظِلُّ أهْلَ النارِ، ما هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ، وابْنُ زَيْدٍ: هو الدُخانُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: هو سُرادِقُ النارِ المُحِيطِ بِأهْلِها، فَإنَّهُ يَرْتَفِعُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ حَتّى يُظِلَّهم. وحَكى النَقّاشُ أنَّ "اليَحْمُومَ" اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، وقالَهُ ابْنُ كِيسانَ، وقالَ ابْنُ بُرَيْدَةَ، وابْنُ زَيْدٍ أيْضًا في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: هو جَبَلٌ في النارِ أسْوَدٌ يَفْزَعُ أهْلُ النارِ إلى ذُراهُ فَيَجِدُونَهُ أشَدَّ شَيْءٍ وأمَرَّهُ. قَوْلُهُ تَعالى: "وَلا كَرِيمٍ" قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: لَيْسَ لَهُ صِفَةُ مَدْحٍ في الظِلالِ، وهَذا كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كِرِيمٌ ونَسَبٌ كَرِيمٌ، يَعْنِي بِذَلِكَ أنَّ لَهُ صِفاتِ مَدْحٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَصِفَهُ بِعَدَمِ الكَرَمِ عَلى مَعْنى ألّا كَرامَةَ لَهُمْ، وذَلِكَ أنَّ المَرْءَ في الدُنْيا قَدْ يَصْبِرُ عَلى سُوءِ المَوْضِعِ لِقَرِينَةِ إكْرامٍ يَنالُهُ فِيهِ مِن أحَدٍ، فَجَمَعَ هَذا الظِلَّ في النارِ أنَّهُ سَيِّئُ الصِفَةِ وهم فِيهِ مُهانُونَ. (p-٢٠٢)و"المُتْرَفُ": المُنَعَّمُ في سَرَفٍ وتَخَوُّضٍ، و"يُصِرُّونَ" مَعْناهُ: يَعْتَقِدُونَ اعْتِقادًا لا يَنْوُونَ عنهُ إقْلاعًا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا يَتُوبُونَ ولا يَسْتَغْفِرُونَ، و"الحِنْثُ": الإثْمُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن ماتَ لَهُ ثَلاثٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ..."» الحَدِيثُ، أرادَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ فَتَتَعَلَّقُ بِهِمُ الآثامُ، وقالَ الخَطابِيُّ: الحِنْثُ في كَلامِ العَرَبِ العَدْلُ الثَقِيلُ، يُشَبِّهُ الإثْمَ بِهِ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِهَذا الإثْمِ - فَقالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: هو الشِرْكُ، وهَذا هو الظاهِرُ، وقالَ قَوْمٌ - فِيما ذَكَرَ مَكِّيٌّ -: هو الحِنْثُ في قَسَمِهِمُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] الآيَةُ في التَكْذِيبِ بِالبَعْثِ، وهَذا أيْضًا يَتَضَمَّنُ الكُفْرَ، فالقَوْلُ بِهِ عَلى عُمُومِهِ أولى، وقالَ الشَعْبِيُّ: الحِنْثُ العَظِيمُ: اليَمِينُ الغَمُوسُ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلافِ القُرّاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِذا"وَ"أئِنّا"، ويُخْتَصُّ مِن ذَلِكَ بِهَذا المَوْضِعِ أنَّ ابْنَ عامِرٍ يُخالِفُ فِيهِ أصْلَهُ فَيَقْرَأُ: أيِذا" "أيِنّا" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ فِيهِما عَلى الِاسْتِفْهامِ، ورَواهُ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ". والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِذا" فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: "لَمَبْعُوثُونَ"، تَقْدِيرُهُ: أنُبْعَثُ أو نُحْشَرُ؟ ولا يَعْمَلُ فِيهِ ما بَعْدَهُ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "مُتْنا" بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُتْنا" بِكَسْرِها وهَذا عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: مِتُّ أمُوتُ عَلى وزْنِ فِعْلٍ بِكَسْرِ العَيْنِ يَفْعَلُ بِضَمِّها، ولَمْ يُحْكَ مِنها عَنِ العَرَبِ إلّا هَذِهِ اللَفْظَةُ وأُخْرى هي فَضَلَ يُفَضِّلُ. وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "أو آباؤُنا" بِسُكُونِ الواوِ مِن "أو"، ومَعْنى الآيَةِ اسْتِبْعادُ أنْ يُبْعَثُوا هم وآباؤُهم عَلى حَدٍّ واحِدٍ مِنَ الِاسْتِبْعادِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوَآباؤُنا" بِتَحْرِيكِ الواوِ عَلى أنَّها واوُ العَطْفِ دَخَلَ عَلَيْها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناها شِدَّةُ الِاسْتِبْعادِ (p-٢٠٣)فِي الآباءِ، كَأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثُوا ثُمَّ أتَوْا بِذِكْرٍ مِنَ البَعْثِ فِيهِمْ أبْعَدُ، وهَذا بَيِّنٌ لِأهْلِ العِلْمِ بِلِسانِ العَرَبِ. ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُعْلِمَهم بِأنَّ العالَمَ مَحْشُورٌ مَبْعُوثٌ لِيَوْمٍ مَعْلُومٍ مُوَقَّتٍ. و"مِيقاتٍ" مِفْعالٍ مِنَ الوَقْتِ، كَمِيعادٍ مِنَ الوَعْدِ.

الواقعة 56:43

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأصْحابُ الشِمالِ ما أصْحابُ الشِمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ إعْرابُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأصْحابُ الشِمالِ ما أصْحابُ الشِمالِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ، وفي الكَلامِ هُنا مَعْنى الإنْحاءِ عَلَيْهِمْ وتَعْظِيمِ مُصابِهِمْ. و"السَمُومُ": أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الحَرِّ اليابِسِ الَّذِي لا بَلَلَ مَعَهُ. و"الحَمِيمُ": الأسْوَدُ وهو بِناءُ مُبالَغَةٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الشَيْءِ الأسْوَدِ الَّذِي يُظِلُّ أهْلَ النارِ، ما هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ، وابْنُ زَيْدٍ: هو الدُخانُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: هو سُرادِقُ النارِ المُحِيطِ بِأهْلِها، فَإنَّهُ يَرْتَفِعُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ حَتّى يُظِلَّهم. وحَكى النَقّاشُ أنَّ "اليَحْمُومَ" اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، وقالَهُ ابْنُ كِيسانَ، وقالَ ابْنُ بُرَيْدَةَ، وابْنُ زَيْدٍ أيْضًا في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: هو جَبَلٌ في النارِ أسْوَدٌ يَفْزَعُ أهْلُ النارِ إلى ذُراهُ فَيَجِدُونَهُ أشَدَّ شَيْءٍ وأمَرَّهُ. قَوْلُهُ تَعالى: "وَلا كَرِيمٍ" قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: لَيْسَ لَهُ صِفَةُ مَدْحٍ في الظِلالِ، وهَذا كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كِرِيمٌ ونَسَبٌ كَرِيمٌ، يَعْنِي بِذَلِكَ أنَّ لَهُ صِفاتِ مَدْحٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَصِفَهُ بِعَدَمِ الكَرَمِ عَلى مَعْنى ألّا كَرامَةَ لَهُمْ، وذَلِكَ أنَّ المَرْءَ في الدُنْيا قَدْ يَصْبِرُ عَلى سُوءِ المَوْضِعِ لِقَرِينَةِ إكْرامٍ يَنالُهُ فِيهِ مِن أحَدٍ، فَجَمَعَ هَذا الظِلَّ في النارِ أنَّهُ سَيِّئُ الصِفَةِ وهم فِيهِ مُهانُونَ. (p-٢٠٢)و"المُتْرَفُ": المُنَعَّمُ في سَرَفٍ وتَخَوُّضٍ، و"يُصِرُّونَ" مَعْناهُ: يَعْتَقِدُونَ اعْتِقادًا لا يَنْوُونَ عنهُ إقْلاعًا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا يَتُوبُونَ ولا يَسْتَغْفِرُونَ، و"الحِنْثُ": الإثْمُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن ماتَ لَهُ ثَلاثٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ..."» الحَدِيثُ، أرادَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ فَتَتَعَلَّقُ بِهِمُ الآثامُ، وقالَ الخَطابِيُّ: الحِنْثُ في كَلامِ العَرَبِ العَدْلُ الثَقِيلُ، يُشَبِّهُ الإثْمَ بِهِ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِهَذا الإثْمِ - فَقالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: هو الشِرْكُ، وهَذا هو الظاهِرُ، وقالَ قَوْمٌ - فِيما ذَكَرَ مَكِّيٌّ -: هو الحِنْثُ في قَسَمِهِمُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] الآيَةُ في التَكْذِيبِ بِالبَعْثِ، وهَذا أيْضًا يَتَضَمَّنُ الكُفْرَ، فالقَوْلُ بِهِ عَلى عُمُومِهِ أولى، وقالَ الشَعْبِيُّ: الحِنْثُ العَظِيمُ: اليَمِينُ الغَمُوسُ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلافِ القُرّاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِذا"وَ"أئِنّا"، ويُخْتَصُّ مِن ذَلِكَ بِهَذا المَوْضِعِ أنَّ ابْنَ عامِرٍ يُخالِفُ فِيهِ أصْلَهُ فَيَقْرَأُ: أيِذا" "أيِنّا" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ فِيهِما عَلى الِاسْتِفْهامِ، ورَواهُ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ". والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِذا" فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: "لَمَبْعُوثُونَ"، تَقْدِيرُهُ: أنُبْعَثُ أو نُحْشَرُ؟ ولا يَعْمَلُ فِيهِ ما بَعْدَهُ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "مُتْنا" بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُتْنا" بِكَسْرِها وهَذا عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: مِتُّ أمُوتُ عَلى وزْنِ فِعْلٍ بِكَسْرِ العَيْنِ يَفْعَلُ بِضَمِّها، ولَمْ يُحْكَ مِنها عَنِ العَرَبِ إلّا هَذِهِ اللَفْظَةُ وأُخْرى هي فَضَلَ يُفَضِّلُ. وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "أو آباؤُنا" بِسُكُونِ الواوِ مِن "أو"، ومَعْنى الآيَةِ اسْتِبْعادُ أنْ يُبْعَثُوا هم وآباؤُهم عَلى حَدٍّ واحِدٍ مِنَ الِاسْتِبْعادِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوَآباؤُنا" بِتَحْرِيكِ الواوِ عَلى أنَّها واوُ العَطْفِ دَخَلَ عَلَيْها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناها شِدَّةُ الِاسْتِبْعادِ (p-٢٠٣)فِي الآباءِ، كَأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثُوا ثُمَّ أتَوْا بِذِكْرٍ مِنَ البَعْثِ فِيهِمْ أبْعَدُ، وهَذا بَيِّنٌ لِأهْلِ العِلْمِ بِلِسانِ العَرَبِ. ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُعْلِمَهم بِأنَّ العالَمَ مَحْشُورٌ مَبْعُوثٌ لِيَوْمٍ مَعْلُومٍ مُوَقَّتٍ. و"مِيقاتٍ" مِفْعالٍ مِنَ الوَقْتِ، كَمِيعادٍ مِنَ الوَعْدِ.

الواقعة 56:44

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأصْحابُ الشِمالِ ما أصْحابُ الشِمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ إعْرابُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأصْحابُ الشِمالِ ما أصْحابُ الشِمالِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ، وفي الكَلامِ هُنا مَعْنى الإنْحاءِ عَلَيْهِمْ وتَعْظِيمِ مُصابِهِمْ. و"السَمُومُ": أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الحَرِّ اليابِسِ الَّذِي لا بَلَلَ مَعَهُ. و"الحَمِيمُ": الأسْوَدُ وهو بِناءُ مُبالَغَةٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الشَيْءِ الأسْوَدِ الَّذِي يُظِلُّ أهْلَ النارِ، ما هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ، وابْنُ زَيْدٍ: هو الدُخانُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: هو سُرادِقُ النارِ المُحِيطِ بِأهْلِها، فَإنَّهُ يَرْتَفِعُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ حَتّى يُظِلَّهم. وحَكى النَقّاشُ أنَّ "اليَحْمُومَ" اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، وقالَهُ ابْنُ كِيسانَ، وقالَ ابْنُ بُرَيْدَةَ، وابْنُ زَيْدٍ أيْضًا في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: هو جَبَلٌ في النارِ أسْوَدٌ يَفْزَعُ أهْلُ النارِ إلى ذُراهُ فَيَجِدُونَهُ أشَدَّ شَيْءٍ وأمَرَّهُ. قَوْلُهُ تَعالى: "وَلا كَرِيمٍ" قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: لَيْسَ لَهُ صِفَةُ مَدْحٍ في الظِلالِ، وهَذا كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كِرِيمٌ ونَسَبٌ كَرِيمٌ، يَعْنِي بِذَلِكَ أنَّ لَهُ صِفاتِ مَدْحٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَصِفَهُ بِعَدَمِ الكَرَمِ عَلى مَعْنى ألّا كَرامَةَ لَهُمْ، وذَلِكَ أنَّ المَرْءَ في الدُنْيا قَدْ يَصْبِرُ عَلى سُوءِ المَوْضِعِ لِقَرِينَةِ إكْرامٍ يَنالُهُ فِيهِ مِن أحَدٍ، فَجَمَعَ هَذا الظِلَّ في النارِ أنَّهُ سَيِّئُ الصِفَةِ وهم فِيهِ مُهانُونَ. (p-٢٠٢)و"المُتْرَفُ": المُنَعَّمُ في سَرَفٍ وتَخَوُّضٍ، و"يُصِرُّونَ" مَعْناهُ: يَعْتَقِدُونَ اعْتِقادًا لا يَنْوُونَ عنهُ إقْلاعًا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا يَتُوبُونَ ولا يَسْتَغْفِرُونَ، و"الحِنْثُ": الإثْمُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن ماتَ لَهُ ثَلاثٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ..."» الحَدِيثُ، أرادَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ فَتَتَعَلَّقُ بِهِمُ الآثامُ، وقالَ الخَطابِيُّ: الحِنْثُ في كَلامِ العَرَبِ العَدْلُ الثَقِيلُ، يُشَبِّهُ الإثْمَ بِهِ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِهَذا الإثْمِ - فَقالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: هو الشِرْكُ، وهَذا هو الظاهِرُ، وقالَ قَوْمٌ - فِيما ذَكَرَ مَكِّيٌّ -: هو الحِنْثُ في قَسَمِهِمُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] الآيَةُ في التَكْذِيبِ بِالبَعْثِ، وهَذا أيْضًا يَتَضَمَّنُ الكُفْرَ، فالقَوْلُ بِهِ عَلى عُمُومِهِ أولى، وقالَ الشَعْبِيُّ: الحِنْثُ العَظِيمُ: اليَمِينُ الغَمُوسُ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلافِ القُرّاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِذا"وَ"أئِنّا"، ويُخْتَصُّ مِن ذَلِكَ بِهَذا المَوْضِعِ أنَّ ابْنَ عامِرٍ يُخالِفُ فِيهِ أصْلَهُ فَيَقْرَأُ: أيِذا" "أيِنّا" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ فِيهِما عَلى الِاسْتِفْهامِ، ورَواهُ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ". والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِذا" فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: "لَمَبْعُوثُونَ"، تَقْدِيرُهُ: أنُبْعَثُ أو نُحْشَرُ؟ ولا يَعْمَلُ فِيهِ ما بَعْدَهُ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "مُتْنا" بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُتْنا" بِكَسْرِها وهَذا عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: مِتُّ أمُوتُ عَلى وزْنِ فِعْلٍ بِكَسْرِ العَيْنِ يَفْعَلُ بِضَمِّها، ولَمْ يُحْكَ مِنها عَنِ العَرَبِ إلّا هَذِهِ اللَفْظَةُ وأُخْرى هي فَضَلَ يُفَضِّلُ. وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "أو آباؤُنا" بِسُكُونِ الواوِ مِن "أو"، ومَعْنى الآيَةِ اسْتِبْعادُ أنْ يُبْعَثُوا هم وآباؤُهم عَلى حَدٍّ واحِدٍ مِنَ الِاسْتِبْعادِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوَآباؤُنا" بِتَحْرِيكِ الواوِ عَلى أنَّها واوُ العَطْفِ دَخَلَ عَلَيْها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناها شِدَّةُ الِاسْتِبْعادِ (p-٢٠٣)فِي الآباءِ، كَأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثُوا ثُمَّ أتَوْا بِذِكْرٍ مِنَ البَعْثِ فِيهِمْ أبْعَدُ، وهَذا بَيِّنٌ لِأهْلِ العِلْمِ بِلِسانِ العَرَبِ. ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُعْلِمَهم بِأنَّ العالَمَ مَحْشُورٌ مَبْعُوثٌ لِيَوْمٍ مَعْلُومٍ مُوَقَّتٍ. و"مِيقاتٍ" مِفْعالٍ مِنَ الوَقْتِ، كَمِيعادٍ مِنَ الوَعْدِ.

الواقعة 56:45

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأصْحابُ الشِمالِ ما أصْحابُ الشِمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ إعْرابُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأصْحابُ الشِمالِ ما أصْحابُ الشِمالِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ، وفي الكَلامِ هُنا مَعْنى الإنْحاءِ عَلَيْهِمْ وتَعْظِيمِ مُصابِهِمْ. و"السَمُومُ": أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الحَرِّ اليابِسِ الَّذِي لا بَلَلَ مَعَهُ. و"الحَمِيمُ": الأسْوَدُ وهو بِناءُ مُبالَغَةٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الشَيْءِ الأسْوَدِ الَّذِي يُظِلُّ أهْلَ النارِ، ما هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ، وابْنُ زَيْدٍ: هو الدُخانُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: هو سُرادِقُ النارِ المُحِيطِ بِأهْلِها، فَإنَّهُ يَرْتَفِعُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ حَتّى يُظِلَّهم. وحَكى النَقّاشُ أنَّ "اليَحْمُومَ" اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، وقالَهُ ابْنُ كِيسانَ، وقالَ ابْنُ بُرَيْدَةَ، وابْنُ زَيْدٍ أيْضًا في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: هو جَبَلٌ في النارِ أسْوَدٌ يَفْزَعُ أهْلُ النارِ إلى ذُراهُ فَيَجِدُونَهُ أشَدَّ شَيْءٍ وأمَرَّهُ. قَوْلُهُ تَعالى: "وَلا كَرِيمٍ" قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: لَيْسَ لَهُ صِفَةُ مَدْحٍ في الظِلالِ، وهَذا كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كِرِيمٌ ونَسَبٌ كَرِيمٌ، يَعْنِي بِذَلِكَ أنَّ لَهُ صِفاتِ مَدْحٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَصِفَهُ بِعَدَمِ الكَرَمِ عَلى مَعْنى ألّا كَرامَةَ لَهُمْ، وذَلِكَ أنَّ المَرْءَ في الدُنْيا قَدْ يَصْبِرُ عَلى سُوءِ المَوْضِعِ لِقَرِينَةِ إكْرامٍ يَنالُهُ فِيهِ مِن أحَدٍ، فَجَمَعَ هَذا الظِلَّ في النارِ أنَّهُ سَيِّئُ الصِفَةِ وهم فِيهِ مُهانُونَ. (p-٢٠٢)و"المُتْرَفُ": المُنَعَّمُ في سَرَفٍ وتَخَوُّضٍ، و"يُصِرُّونَ" مَعْناهُ: يَعْتَقِدُونَ اعْتِقادًا لا يَنْوُونَ عنهُ إقْلاعًا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا يَتُوبُونَ ولا يَسْتَغْفِرُونَ، و"الحِنْثُ": الإثْمُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن ماتَ لَهُ ثَلاثٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ..."» الحَدِيثُ، أرادَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ فَتَتَعَلَّقُ بِهِمُ الآثامُ، وقالَ الخَطابِيُّ: الحِنْثُ في كَلامِ العَرَبِ العَدْلُ الثَقِيلُ، يُشَبِّهُ الإثْمَ بِهِ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِهَذا الإثْمِ - فَقالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: هو الشِرْكُ، وهَذا هو الظاهِرُ، وقالَ قَوْمٌ - فِيما ذَكَرَ مَكِّيٌّ -: هو الحِنْثُ في قَسَمِهِمُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] الآيَةُ في التَكْذِيبِ بِالبَعْثِ، وهَذا أيْضًا يَتَضَمَّنُ الكُفْرَ، فالقَوْلُ بِهِ عَلى عُمُومِهِ أولى، وقالَ الشَعْبِيُّ: الحِنْثُ العَظِيمُ: اليَمِينُ الغَمُوسُ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلافِ القُرّاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِذا"وَ"أئِنّا"، ويُخْتَصُّ مِن ذَلِكَ بِهَذا المَوْضِعِ أنَّ ابْنَ عامِرٍ يُخالِفُ فِيهِ أصْلَهُ فَيَقْرَأُ: أيِذا" "أيِنّا" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ فِيهِما عَلى الِاسْتِفْهامِ، ورَواهُ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ". والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِذا" فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: "لَمَبْعُوثُونَ"، تَقْدِيرُهُ: أنُبْعَثُ أو نُحْشَرُ؟ ولا يَعْمَلُ فِيهِ ما بَعْدَهُ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "مُتْنا" بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُتْنا" بِكَسْرِها وهَذا عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: مِتُّ أمُوتُ عَلى وزْنِ فِعْلٍ بِكَسْرِ العَيْنِ يَفْعَلُ بِضَمِّها، ولَمْ يُحْكَ مِنها عَنِ العَرَبِ إلّا هَذِهِ اللَفْظَةُ وأُخْرى هي فَضَلَ يُفَضِّلُ. وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "أو آباؤُنا" بِسُكُونِ الواوِ مِن "أو"، ومَعْنى الآيَةِ اسْتِبْعادُ أنْ يُبْعَثُوا هم وآباؤُهم عَلى حَدٍّ واحِدٍ مِنَ الِاسْتِبْعادِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوَآباؤُنا" بِتَحْرِيكِ الواوِ عَلى أنَّها واوُ العَطْفِ دَخَلَ عَلَيْها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناها شِدَّةُ الِاسْتِبْعادِ (p-٢٠٣)فِي الآباءِ، كَأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثُوا ثُمَّ أتَوْا بِذِكْرٍ مِنَ البَعْثِ فِيهِمْ أبْعَدُ، وهَذا بَيِّنٌ لِأهْلِ العِلْمِ بِلِسانِ العَرَبِ. ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُعْلِمَهم بِأنَّ العالَمَ مَحْشُورٌ مَبْعُوثٌ لِيَوْمٍ مَعْلُومٍ مُوَقَّتٍ. و"مِيقاتٍ" مِفْعالٍ مِنَ الوَقْتِ، كَمِيعادٍ مِنَ الوَعْدِ.

الواقعة 56:46

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأصْحابُ الشِمالِ ما أصْحابُ الشِمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ إعْرابُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأصْحابُ الشِمالِ ما أصْحابُ الشِمالِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ، وفي الكَلامِ هُنا مَعْنى الإنْحاءِ عَلَيْهِمْ وتَعْظِيمِ مُصابِهِمْ. و"السَمُومُ": أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الحَرِّ اليابِسِ الَّذِي لا بَلَلَ مَعَهُ. و"الحَمِيمُ": الأسْوَدُ وهو بِناءُ مُبالَغَةٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الشَيْءِ الأسْوَدِ الَّذِي يُظِلُّ أهْلَ النارِ، ما هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ، وابْنُ زَيْدٍ: هو الدُخانُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: هو سُرادِقُ النارِ المُحِيطِ بِأهْلِها، فَإنَّهُ يَرْتَفِعُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ حَتّى يُظِلَّهم. وحَكى النَقّاشُ أنَّ "اليَحْمُومَ" اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، وقالَهُ ابْنُ كِيسانَ، وقالَ ابْنُ بُرَيْدَةَ، وابْنُ زَيْدٍ أيْضًا في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: هو جَبَلٌ في النارِ أسْوَدٌ يَفْزَعُ أهْلُ النارِ إلى ذُراهُ فَيَجِدُونَهُ أشَدَّ شَيْءٍ وأمَرَّهُ. قَوْلُهُ تَعالى: "وَلا كَرِيمٍ" قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: لَيْسَ لَهُ صِفَةُ مَدْحٍ في الظِلالِ، وهَذا كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كِرِيمٌ ونَسَبٌ كَرِيمٌ، يَعْنِي بِذَلِكَ أنَّ لَهُ صِفاتِ مَدْحٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَصِفَهُ بِعَدَمِ الكَرَمِ عَلى مَعْنى ألّا كَرامَةَ لَهُمْ، وذَلِكَ أنَّ المَرْءَ في الدُنْيا قَدْ يَصْبِرُ عَلى سُوءِ المَوْضِعِ لِقَرِينَةِ إكْرامٍ يَنالُهُ فِيهِ مِن أحَدٍ، فَجَمَعَ هَذا الظِلَّ في النارِ أنَّهُ سَيِّئُ الصِفَةِ وهم فِيهِ مُهانُونَ. (p-٢٠٢)و"المُتْرَفُ": المُنَعَّمُ في سَرَفٍ وتَخَوُّضٍ، و"يُصِرُّونَ" مَعْناهُ: يَعْتَقِدُونَ اعْتِقادًا لا يَنْوُونَ عنهُ إقْلاعًا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا يَتُوبُونَ ولا يَسْتَغْفِرُونَ، و"الحِنْثُ": الإثْمُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن ماتَ لَهُ ثَلاثٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ..."» الحَدِيثُ، أرادَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ فَتَتَعَلَّقُ بِهِمُ الآثامُ، وقالَ الخَطابِيُّ: الحِنْثُ في كَلامِ العَرَبِ العَدْلُ الثَقِيلُ، يُشَبِّهُ الإثْمَ بِهِ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِهَذا الإثْمِ - فَقالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: هو الشِرْكُ، وهَذا هو الظاهِرُ، وقالَ قَوْمٌ - فِيما ذَكَرَ مَكِّيٌّ -: هو الحِنْثُ في قَسَمِهِمُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] الآيَةُ في التَكْذِيبِ بِالبَعْثِ، وهَذا أيْضًا يَتَضَمَّنُ الكُفْرَ، فالقَوْلُ بِهِ عَلى عُمُومِهِ أولى، وقالَ الشَعْبِيُّ: الحِنْثُ العَظِيمُ: اليَمِينُ الغَمُوسُ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلافِ القُرّاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِذا"وَ"أئِنّا"، ويُخْتَصُّ مِن ذَلِكَ بِهَذا المَوْضِعِ أنَّ ابْنَ عامِرٍ يُخالِفُ فِيهِ أصْلَهُ فَيَقْرَأُ: أيِذا" "أيِنّا" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ فِيهِما عَلى الِاسْتِفْهامِ، ورَواهُ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ". والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِذا" فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: "لَمَبْعُوثُونَ"، تَقْدِيرُهُ: أنُبْعَثُ أو نُحْشَرُ؟ ولا يَعْمَلُ فِيهِ ما بَعْدَهُ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "مُتْنا" بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُتْنا" بِكَسْرِها وهَذا عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: مِتُّ أمُوتُ عَلى وزْنِ فِعْلٍ بِكَسْرِ العَيْنِ يَفْعَلُ بِضَمِّها، ولَمْ يُحْكَ مِنها عَنِ العَرَبِ إلّا هَذِهِ اللَفْظَةُ وأُخْرى هي فَضَلَ يُفَضِّلُ. وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "أو آباؤُنا" بِسُكُونِ الواوِ مِن "أو"، ومَعْنى الآيَةِ اسْتِبْعادُ أنْ يُبْعَثُوا هم وآباؤُهم عَلى حَدٍّ واحِدٍ مِنَ الِاسْتِبْعادِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوَآباؤُنا" بِتَحْرِيكِ الواوِ عَلى أنَّها واوُ العَطْفِ دَخَلَ عَلَيْها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناها شِدَّةُ الِاسْتِبْعادِ (p-٢٠٣)فِي الآباءِ، كَأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثُوا ثُمَّ أتَوْا بِذِكْرٍ مِنَ البَعْثِ فِيهِمْ أبْعَدُ، وهَذا بَيِّنٌ لِأهْلِ العِلْمِ بِلِسانِ العَرَبِ. ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُعْلِمَهم بِأنَّ العالَمَ مَحْشُورٌ مَبْعُوثٌ لِيَوْمٍ مَعْلُومٍ مُوَقَّتٍ. و"مِيقاتٍ" مِفْعالٍ مِنَ الوَقْتِ، كَمِيعادٍ مِنَ الوَعْدِ.

الواقعة 56:47

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأصْحابُ الشِمالِ ما أصْحابُ الشِمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ إعْرابُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأصْحابُ الشِمالِ ما أصْحابُ الشِمالِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ، وفي الكَلامِ هُنا مَعْنى الإنْحاءِ عَلَيْهِمْ وتَعْظِيمِ مُصابِهِمْ. و"السَمُومُ": أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الحَرِّ اليابِسِ الَّذِي لا بَلَلَ مَعَهُ. و"الحَمِيمُ": الأسْوَدُ وهو بِناءُ مُبالَغَةٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الشَيْءِ الأسْوَدِ الَّذِي يُظِلُّ أهْلَ النارِ، ما هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ، وابْنُ زَيْدٍ: هو الدُخانُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: هو سُرادِقُ النارِ المُحِيطِ بِأهْلِها، فَإنَّهُ يَرْتَفِعُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ حَتّى يُظِلَّهم. وحَكى النَقّاشُ أنَّ "اليَحْمُومَ" اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، وقالَهُ ابْنُ كِيسانَ، وقالَ ابْنُ بُرَيْدَةَ، وابْنُ زَيْدٍ أيْضًا في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: هو جَبَلٌ في النارِ أسْوَدٌ يَفْزَعُ أهْلُ النارِ إلى ذُراهُ فَيَجِدُونَهُ أشَدَّ شَيْءٍ وأمَرَّهُ. قَوْلُهُ تَعالى: "وَلا كَرِيمٍ" قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: لَيْسَ لَهُ صِفَةُ مَدْحٍ في الظِلالِ، وهَذا كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كِرِيمٌ ونَسَبٌ كَرِيمٌ، يَعْنِي بِذَلِكَ أنَّ لَهُ صِفاتِ مَدْحٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَصِفَهُ بِعَدَمِ الكَرَمِ عَلى مَعْنى ألّا كَرامَةَ لَهُمْ، وذَلِكَ أنَّ المَرْءَ في الدُنْيا قَدْ يَصْبِرُ عَلى سُوءِ المَوْضِعِ لِقَرِينَةِ إكْرامٍ يَنالُهُ فِيهِ مِن أحَدٍ، فَجَمَعَ هَذا الظِلَّ في النارِ أنَّهُ سَيِّئُ الصِفَةِ وهم فِيهِ مُهانُونَ. (p-٢٠٢)و"المُتْرَفُ": المُنَعَّمُ في سَرَفٍ وتَخَوُّضٍ، و"يُصِرُّونَ" مَعْناهُ: يَعْتَقِدُونَ اعْتِقادًا لا يَنْوُونَ عنهُ إقْلاعًا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا يَتُوبُونَ ولا يَسْتَغْفِرُونَ، و"الحِنْثُ": الإثْمُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن ماتَ لَهُ ثَلاثٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ..."» الحَدِيثُ، أرادَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ فَتَتَعَلَّقُ بِهِمُ الآثامُ، وقالَ الخَطابِيُّ: الحِنْثُ في كَلامِ العَرَبِ العَدْلُ الثَقِيلُ، يُشَبِّهُ الإثْمَ بِهِ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِهَذا الإثْمِ - فَقالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: هو الشِرْكُ، وهَذا هو الظاهِرُ، وقالَ قَوْمٌ - فِيما ذَكَرَ مَكِّيٌّ -: هو الحِنْثُ في قَسَمِهِمُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] الآيَةُ في التَكْذِيبِ بِالبَعْثِ، وهَذا أيْضًا يَتَضَمَّنُ الكُفْرَ، فالقَوْلُ بِهِ عَلى عُمُومِهِ أولى، وقالَ الشَعْبِيُّ: الحِنْثُ العَظِيمُ: اليَمِينُ الغَمُوسُ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلافِ القُرّاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِذا"وَ"أئِنّا"، ويُخْتَصُّ مِن ذَلِكَ بِهَذا المَوْضِعِ أنَّ ابْنَ عامِرٍ يُخالِفُ فِيهِ أصْلَهُ فَيَقْرَأُ: أيِذا" "أيِنّا" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ فِيهِما عَلى الِاسْتِفْهامِ، ورَواهُ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ". والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِذا" فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: "لَمَبْعُوثُونَ"، تَقْدِيرُهُ: أنُبْعَثُ أو نُحْشَرُ؟ ولا يَعْمَلُ فِيهِ ما بَعْدَهُ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "مُتْنا" بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُتْنا" بِكَسْرِها وهَذا عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: مِتُّ أمُوتُ عَلى وزْنِ فِعْلٍ بِكَسْرِ العَيْنِ يَفْعَلُ بِضَمِّها، ولَمْ يُحْكَ مِنها عَنِ العَرَبِ إلّا هَذِهِ اللَفْظَةُ وأُخْرى هي فَضَلَ يُفَضِّلُ. وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "أو آباؤُنا" بِسُكُونِ الواوِ مِن "أو"، ومَعْنى الآيَةِ اسْتِبْعادُ أنْ يُبْعَثُوا هم وآباؤُهم عَلى حَدٍّ واحِدٍ مِنَ الِاسْتِبْعادِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوَآباؤُنا" بِتَحْرِيكِ الواوِ عَلى أنَّها واوُ العَطْفِ دَخَلَ عَلَيْها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناها شِدَّةُ الِاسْتِبْعادِ (p-٢٠٣)فِي الآباءِ، كَأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثُوا ثُمَّ أتَوْا بِذِكْرٍ مِنَ البَعْثِ فِيهِمْ أبْعَدُ، وهَذا بَيِّنٌ لِأهْلِ العِلْمِ بِلِسانِ العَرَبِ. ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُعْلِمَهم بِأنَّ العالَمَ مَحْشُورٌ مَبْعُوثٌ لِيَوْمٍ مَعْلُومٍ مُوَقَّتٍ. و"مِيقاتٍ" مِفْعالٍ مِنَ الوَقْتِ، كَمِيعادٍ مِنَ الوَعْدِ.

الواقعة 56:48

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأصْحابُ الشِمالِ ما أصْحابُ الشِمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ إعْرابُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأصْحابُ الشِمالِ ما أصْحابُ الشِمالِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ، وفي الكَلامِ هُنا مَعْنى الإنْحاءِ عَلَيْهِمْ وتَعْظِيمِ مُصابِهِمْ. و"السَمُومُ": أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الحَرِّ اليابِسِ الَّذِي لا بَلَلَ مَعَهُ. و"الحَمِيمُ": الأسْوَدُ وهو بِناءُ مُبالَغَةٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الشَيْءِ الأسْوَدِ الَّذِي يُظِلُّ أهْلَ النارِ، ما هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ، وابْنُ زَيْدٍ: هو الدُخانُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: هو سُرادِقُ النارِ المُحِيطِ بِأهْلِها، فَإنَّهُ يَرْتَفِعُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ حَتّى يُظِلَّهم. وحَكى النَقّاشُ أنَّ "اليَحْمُومَ" اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، وقالَهُ ابْنُ كِيسانَ، وقالَ ابْنُ بُرَيْدَةَ، وابْنُ زَيْدٍ أيْضًا في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: هو جَبَلٌ في النارِ أسْوَدٌ يَفْزَعُ أهْلُ النارِ إلى ذُراهُ فَيَجِدُونَهُ أشَدَّ شَيْءٍ وأمَرَّهُ. قَوْلُهُ تَعالى: "وَلا كَرِيمٍ" قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: لَيْسَ لَهُ صِفَةُ مَدْحٍ في الظِلالِ، وهَذا كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كِرِيمٌ ونَسَبٌ كَرِيمٌ، يَعْنِي بِذَلِكَ أنَّ لَهُ صِفاتِ مَدْحٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَصِفَهُ بِعَدَمِ الكَرَمِ عَلى مَعْنى ألّا كَرامَةَ لَهُمْ، وذَلِكَ أنَّ المَرْءَ في الدُنْيا قَدْ يَصْبِرُ عَلى سُوءِ المَوْضِعِ لِقَرِينَةِ إكْرامٍ يَنالُهُ فِيهِ مِن أحَدٍ، فَجَمَعَ هَذا الظِلَّ في النارِ أنَّهُ سَيِّئُ الصِفَةِ وهم فِيهِ مُهانُونَ. (p-٢٠٢)و"المُتْرَفُ": المُنَعَّمُ في سَرَفٍ وتَخَوُّضٍ، و"يُصِرُّونَ" مَعْناهُ: يَعْتَقِدُونَ اعْتِقادًا لا يَنْوُونَ عنهُ إقْلاعًا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا يَتُوبُونَ ولا يَسْتَغْفِرُونَ، و"الحِنْثُ": الإثْمُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن ماتَ لَهُ ثَلاثٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ..."» الحَدِيثُ، أرادَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ فَتَتَعَلَّقُ بِهِمُ الآثامُ، وقالَ الخَطابِيُّ: الحِنْثُ في كَلامِ العَرَبِ العَدْلُ الثَقِيلُ، يُشَبِّهُ الإثْمَ بِهِ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِهَذا الإثْمِ - فَقالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: هو الشِرْكُ، وهَذا هو الظاهِرُ، وقالَ قَوْمٌ - فِيما ذَكَرَ مَكِّيٌّ -: هو الحِنْثُ في قَسَمِهِمُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] الآيَةُ في التَكْذِيبِ بِالبَعْثِ، وهَذا أيْضًا يَتَضَمَّنُ الكُفْرَ، فالقَوْلُ بِهِ عَلى عُمُومِهِ أولى، وقالَ الشَعْبِيُّ: الحِنْثُ العَظِيمُ: اليَمِينُ الغَمُوسُ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلافِ القُرّاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِذا"وَ"أئِنّا"، ويُخْتَصُّ مِن ذَلِكَ بِهَذا المَوْضِعِ أنَّ ابْنَ عامِرٍ يُخالِفُ فِيهِ أصْلَهُ فَيَقْرَأُ: أيِذا" "أيِنّا" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ فِيهِما عَلى الِاسْتِفْهامِ، ورَواهُ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ". والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِذا" فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: "لَمَبْعُوثُونَ"، تَقْدِيرُهُ: أنُبْعَثُ أو نُحْشَرُ؟ ولا يَعْمَلُ فِيهِ ما بَعْدَهُ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "مُتْنا" بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُتْنا" بِكَسْرِها وهَذا عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: مِتُّ أمُوتُ عَلى وزْنِ فِعْلٍ بِكَسْرِ العَيْنِ يَفْعَلُ بِضَمِّها، ولَمْ يُحْكَ مِنها عَنِ العَرَبِ إلّا هَذِهِ اللَفْظَةُ وأُخْرى هي فَضَلَ يُفَضِّلُ. وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "أو آباؤُنا" بِسُكُونِ الواوِ مِن "أو"، ومَعْنى الآيَةِ اسْتِبْعادُ أنْ يُبْعَثُوا هم وآباؤُهم عَلى حَدٍّ واحِدٍ مِنَ الِاسْتِبْعادِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوَآباؤُنا" بِتَحْرِيكِ الواوِ عَلى أنَّها واوُ العَطْفِ دَخَلَ عَلَيْها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناها شِدَّةُ الِاسْتِبْعادِ (p-٢٠٣)فِي الآباءِ، كَأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثُوا ثُمَّ أتَوْا بِذِكْرٍ مِنَ البَعْثِ فِيهِمْ أبْعَدُ، وهَذا بَيِّنٌ لِأهْلِ العِلْمِ بِلِسانِ العَرَبِ. ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُعْلِمَهم بِأنَّ العالَمَ مَحْشُورٌ مَبْعُوثٌ لِيَوْمٍ مَعْلُومٍ مُوَقَّتٍ. و"مِيقاتٍ" مِفْعالٍ مِنَ الوَقْتِ، كَمِيعادٍ مِنَ الوَعْدِ.

الواقعة 56:49

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأصْحابُ الشِمالِ ما أصْحابُ الشِمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ إعْرابُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأصْحابُ الشِمالِ ما أصْحابُ الشِمالِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ، وفي الكَلامِ هُنا مَعْنى الإنْحاءِ عَلَيْهِمْ وتَعْظِيمِ مُصابِهِمْ. و"السَمُومُ": أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الحَرِّ اليابِسِ الَّذِي لا بَلَلَ مَعَهُ. و"الحَمِيمُ": الأسْوَدُ وهو بِناءُ مُبالَغَةٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الشَيْءِ الأسْوَدِ الَّذِي يُظِلُّ أهْلَ النارِ، ما هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ، وابْنُ زَيْدٍ: هو الدُخانُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: هو سُرادِقُ النارِ المُحِيطِ بِأهْلِها، فَإنَّهُ يَرْتَفِعُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ حَتّى يُظِلَّهم. وحَكى النَقّاشُ أنَّ "اليَحْمُومَ" اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، وقالَهُ ابْنُ كِيسانَ، وقالَ ابْنُ بُرَيْدَةَ، وابْنُ زَيْدٍ أيْضًا في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: هو جَبَلٌ في النارِ أسْوَدٌ يَفْزَعُ أهْلُ النارِ إلى ذُراهُ فَيَجِدُونَهُ أشَدَّ شَيْءٍ وأمَرَّهُ. قَوْلُهُ تَعالى: "وَلا كَرِيمٍ" قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: لَيْسَ لَهُ صِفَةُ مَدْحٍ في الظِلالِ، وهَذا كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كِرِيمٌ ونَسَبٌ كَرِيمٌ، يَعْنِي بِذَلِكَ أنَّ لَهُ صِفاتِ مَدْحٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَصِفَهُ بِعَدَمِ الكَرَمِ عَلى مَعْنى ألّا كَرامَةَ لَهُمْ، وذَلِكَ أنَّ المَرْءَ في الدُنْيا قَدْ يَصْبِرُ عَلى سُوءِ المَوْضِعِ لِقَرِينَةِ إكْرامٍ يَنالُهُ فِيهِ مِن أحَدٍ، فَجَمَعَ هَذا الظِلَّ في النارِ أنَّهُ سَيِّئُ الصِفَةِ وهم فِيهِ مُهانُونَ. (p-٢٠٢)و"المُتْرَفُ": المُنَعَّمُ في سَرَفٍ وتَخَوُّضٍ، و"يُصِرُّونَ" مَعْناهُ: يَعْتَقِدُونَ اعْتِقادًا لا يَنْوُونَ عنهُ إقْلاعًا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا يَتُوبُونَ ولا يَسْتَغْفِرُونَ، و"الحِنْثُ": الإثْمُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن ماتَ لَهُ ثَلاثٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ..."» الحَدِيثُ، أرادَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ فَتَتَعَلَّقُ بِهِمُ الآثامُ، وقالَ الخَطابِيُّ: الحِنْثُ في كَلامِ العَرَبِ العَدْلُ الثَقِيلُ، يُشَبِّهُ الإثْمَ بِهِ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِهَذا الإثْمِ - فَقالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: هو الشِرْكُ، وهَذا هو الظاهِرُ، وقالَ قَوْمٌ - فِيما ذَكَرَ مَكِّيٌّ -: هو الحِنْثُ في قَسَمِهِمُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] الآيَةُ في التَكْذِيبِ بِالبَعْثِ، وهَذا أيْضًا يَتَضَمَّنُ الكُفْرَ، فالقَوْلُ بِهِ عَلى عُمُومِهِ أولى، وقالَ الشَعْبِيُّ: الحِنْثُ العَظِيمُ: اليَمِينُ الغَمُوسُ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلافِ القُرّاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِذا"وَ"أئِنّا"، ويُخْتَصُّ مِن ذَلِكَ بِهَذا المَوْضِعِ أنَّ ابْنَ عامِرٍ يُخالِفُ فِيهِ أصْلَهُ فَيَقْرَأُ: أيِذا" "أيِنّا" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ فِيهِما عَلى الِاسْتِفْهامِ، ورَواهُ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ". والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِذا" فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: "لَمَبْعُوثُونَ"، تَقْدِيرُهُ: أنُبْعَثُ أو نُحْشَرُ؟ ولا يَعْمَلُ فِيهِ ما بَعْدَهُ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "مُتْنا" بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُتْنا" بِكَسْرِها وهَذا عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: مِتُّ أمُوتُ عَلى وزْنِ فِعْلٍ بِكَسْرِ العَيْنِ يَفْعَلُ بِضَمِّها، ولَمْ يُحْكَ مِنها عَنِ العَرَبِ إلّا هَذِهِ اللَفْظَةُ وأُخْرى هي فَضَلَ يُفَضِّلُ. وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "أو آباؤُنا" بِسُكُونِ الواوِ مِن "أو"، ومَعْنى الآيَةِ اسْتِبْعادُ أنْ يُبْعَثُوا هم وآباؤُهم عَلى حَدٍّ واحِدٍ مِنَ الِاسْتِبْعادِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوَآباؤُنا" بِتَحْرِيكِ الواوِ عَلى أنَّها واوُ العَطْفِ دَخَلَ عَلَيْها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناها شِدَّةُ الِاسْتِبْعادِ (p-٢٠٣)فِي الآباءِ، كَأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثُوا ثُمَّ أتَوْا بِذِكْرٍ مِنَ البَعْثِ فِيهِمْ أبْعَدُ، وهَذا بَيِّنٌ لِأهْلِ العِلْمِ بِلِسانِ العَرَبِ. ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُعْلِمَهم بِأنَّ العالَمَ مَحْشُورٌ مَبْعُوثٌ لِيَوْمٍ مَعْلُومٍ مُوَقَّتٍ. و"مِيقاتٍ" مِفْعالٍ مِنَ الوَقْتِ، كَمِيعادٍ مِنَ الوَعْدِ.

الواقعة 56:50

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأصْحابُ الشِمالِ ما أصْحابُ الشِمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ إعْرابُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأصْحابُ الشِمالِ ما أصْحابُ الشِمالِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ، وفي الكَلامِ هُنا مَعْنى الإنْحاءِ عَلَيْهِمْ وتَعْظِيمِ مُصابِهِمْ. و"السَمُومُ": أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الحَرِّ اليابِسِ الَّذِي لا بَلَلَ مَعَهُ. و"الحَمِيمُ": الأسْوَدُ وهو بِناءُ مُبالَغَةٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الشَيْءِ الأسْوَدِ الَّذِي يُظِلُّ أهْلَ النارِ، ما هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ، وابْنُ زَيْدٍ: هو الدُخانُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: هو سُرادِقُ النارِ المُحِيطِ بِأهْلِها، فَإنَّهُ يَرْتَفِعُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ حَتّى يُظِلَّهم. وحَكى النَقّاشُ أنَّ "اليَحْمُومَ" اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، وقالَهُ ابْنُ كِيسانَ، وقالَ ابْنُ بُرَيْدَةَ، وابْنُ زَيْدٍ أيْضًا في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: هو جَبَلٌ في النارِ أسْوَدٌ يَفْزَعُ أهْلُ النارِ إلى ذُراهُ فَيَجِدُونَهُ أشَدَّ شَيْءٍ وأمَرَّهُ. قَوْلُهُ تَعالى: "وَلا كَرِيمٍ" قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: لَيْسَ لَهُ صِفَةُ مَدْحٍ في الظِلالِ، وهَذا كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كِرِيمٌ ونَسَبٌ كَرِيمٌ، يَعْنِي بِذَلِكَ أنَّ لَهُ صِفاتِ مَدْحٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَصِفَهُ بِعَدَمِ الكَرَمِ عَلى مَعْنى ألّا كَرامَةَ لَهُمْ، وذَلِكَ أنَّ المَرْءَ في الدُنْيا قَدْ يَصْبِرُ عَلى سُوءِ المَوْضِعِ لِقَرِينَةِ إكْرامٍ يَنالُهُ فِيهِ مِن أحَدٍ، فَجَمَعَ هَذا الظِلَّ في النارِ أنَّهُ سَيِّئُ الصِفَةِ وهم فِيهِ مُهانُونَ. (p-٢٠٢)و"المُتْرَفُ": المُنَعَّمُ في سَرَفٍ وتَخَوُّضٍ، و"يُصِرُّونَ" مَعْناهُ: يَعْتَقِدُونَ اعْتِقادًا لا يَنْوُونَ عنهُ إقْلاعًا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا يَتُوبُونَ ولا يَسْتَغْفِرُونَ، و"الحِنْثُ": الإثْمُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن ماتَ لَهُ ثَلاثٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ..."» الحَدِيثُ، أرادَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ فَتَتَعَلَّقُ بِهِمُ الآثامُ، وقالَ الخَطابِيُّ: الحِنْثُ في كَلامِ العَرَبِ العَدْلُ الثَقِيلُ، يُشَبِّهُ الإثْمَ بِهِ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِهَذا الإثْمِ - فَقالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: هو الشِرْكُ، وهَذا هو الظاهِرُ، وقالَ قَوْمٌ - فِيما ذَكَرَ مَكِّيٌّ -: هو الحِنْثُ في قَسَمِهِمُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] الآيَةُ في التَكْذِيبِ بِالبَعْثِ، وهَذا أيْضًا يَتَضَمَّنُ الكُفْرَ، فالقَوْلُ بِهِ عَلى عُمُومِهِ أولى، وقالَ الشَعْبِيُّ: الحِنْثُ العَظِيمُ: اليَمِينُ الغَمُوسُ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلافِ القُرّاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِذا"وَ"أئِنّا"، ويُخْتَصُّ مِن ذَلِكَ بِهَذا المَوْضِعِ أنَّ ابْنَ عامِرٍ يُخالِفُ فِيهِ أصْلَهُ فَيَقْرَأُ: أيِذا" "أيِنّا" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ فِيهِما عَلى الِاسْتِفْهامِ، ورَواهُ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ". والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِذا" فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: "لَمَبْعُوثُونَ"، تَقْدِيرُهُ: أنُبْعَثُ أو نُحْشَرُ؟ ولا يَعْمَلُ فِيهِ ما بَعْدَهُ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "مُتْنا" بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُتْنا" بِكَسْرِها وهَذا عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: مِتُّ أمُوتُ عَلى وزْنِ فِعْلٍ بِكَسْرِ العَيْنِ يَفْعَلُ بِضَمِّها، ولَمْ يُحْكَ مِنها عَنِ العَرَبِ إلّا هَذِهِ اللَفْظَةُ وأُخْرى هي فَضَلَ يُفَضِّلُ. وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "أو آباؤُنا" بِسُكُونِ الواوِ مِن "أو"، ومَعْنى الآيَةِ اسْتِبْعادُ أنْ يُبْعَثُوا هم وآباؤُهم عَلى حَدٍّ واحِدٍ مِنَ الِاسْتِبْعادِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوَآباؤُنا" بِتَحْرِيكِ الواوِ عَلى أنَّها واوُ العَطْفِ دَخَلَ عَلَيْها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناها شِدَّةُ الِاسْتِبْعادِ (p-٢٠٣)فِي الآباءِ، كَأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثُوا ثُمَّ أتَوْا بِذِكْرٍ مِنَ البَعْثِ فِيهِمْ أبْعَدُ، وهَذا بَيِّنٌ لِأهْلِ العِلْمِ بِلِسانِ العَرَبِ. ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُعْلِمَهم بِأنَّ العالَمَ مَحْشُورٌ مَبْعُوثٌ لِيَوْمٍ مَعْلُومٍ مُوَقَّتٍ. و"مِيقاتٍ" مِفْعالٍ مِنَ الوَقْتِ، كَمِيعادٍ مِنَ الوَعْدِ.

الواقعة 56:51

وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ إنَّكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ ومَن كانَ في حالِهِمْ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن شَجَرٍ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن زَقُّومٍ" لِبَيانِ الجِنْسِ، والضَمِيرُ فِي: "مِنها" عائِدٌ عَلى الشَجَرِ، و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ أو لِابْتِداءِ الغايَةِ، والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى المَأْكُولِ أو عَلى الأكْلِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَآكِلُونَ مِن شَجَرَةٍ" عَلى الإفْرادِ. و"الهِيمِ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: هو جَمْعُ "أهْيَمُ" وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ -بِضَمِّ الهاءِ- وهو داءٌ مُعَطِّشٌ يَشْرَبُ مَعَهُ الجُمَلُ حَتّى يَمُوتَ أو يُسْقَمَ سَقَمًا شَدِيدًا، والأُنْثى هَيْماءُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ هَيْماءَ كَعَيْناءَ وعَيْنَ وبَيْضاءَ وبِيضَ، وقالَ قَوْمٌ آخَرُونَ: هو جَمْعُ هايمٌ وهايِمَةٌ، وهَذا أيْضًا مِن هَذا المَعْنى لِأنَّ الجَمَلَ إذا أصابَهُ ذَلِكَ هامَ عَلى وجْهِهِ وذَهَبَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسُفْيانُ الثَوْرِيُّ: الهِيمُ هُنا الرِمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ، وذَلِكَ أنَّ الهُيامَ -بِفَتْحِ الهاءِ- هو الرَمْلُ الدَقُّ الغَمْرُ المُتَراكِمُ، وقالَ ثَعْلَبُ: الهُيامُ: -بِضَمِّ الهاءِ- الرَمْلُ الَّذِي لا يَتَماسَكُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "شَرِبَ الهِيمَ" بِفَتْحِ الشِينِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وشُعَيْبِ بْنِ الحَبْحابِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، ولا خِلافَ أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "شِرْبُ الهِيمِ" بِكَسْرِ الشِينِ، ولا خِلافَ أنَّهُ اسْمٌ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وباقِي السَبْعَةِ: "شُرْبَ الهِيمِ" بِضَمِّ الشِينِ، واخْتُلِفَ فِيهِ - فَقالَ قَوْمٌ: وهو مَصْدَرٌ، وقالَ آخَرُونَ: هو اسْمٌ لِما يُشْرَبُ. (p-٢٠٤)وَ"النُزُلُ": أوَّلُ ما يَأْكُلُ الضَيْفُ، وقَرَأ عَمْرُو -فِي رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ -: "نُزُلُهُمْ" بِسُكُونِ الزايِ، وقَرَأ الباقُونَ، واليَزِيدِيُّ عن أبِي عَمْرٍو بِضَمِّ الزايِ، وهُما بِمَعْنى كالشُغْلِ والشُغُلِ. و"الدِينُ": الجَزاءُ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ الخالِقُ، وحَضَّ عَلى التَصْدِيقِ عَلى وجْهِ التَقْرِيعِ، ثُمَّ ساقَ تَعالى الحُجَّةَ المُوحِيَةَ لِلتَّصْدِيقِ، كانَ مُعْتَرِضًا مِنَ الكُفّارِ قالَ: ولِمَ أُصَدِّقُ؟ فَقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ كَذا وكَذا؟ الآياتُ، ولَيْسَ يُوجَدُ مَفْطُورٌ يَخْفى عَلَيْهِ أنَّ المَنِيَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنهُ لَيْسَ لَهُ فِيهِ عَمَلٌ ولا إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ، و"أمْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ لَيْسَتِ المُعادَلَةَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ لِأنَّ الفِعْلَ قَدْ تَكَرَّرَ، وإنَّما المُعادَلَةُ عِنْدَهُ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو؟ وهَذِهِ الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ مُعادَلَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ مِنَ النُحاةِ. وأمّا إذا تَغايَرَ الفِعْلانِ فَلَيْسَتْ بِمُعادَلَةٍ إجْماعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُمَنُّونَ" بِضَمِّ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبُو السَمالِ: "تُمَنُّونَ" بِفَتْحِ التاءِ، ويُقالُ: "أمْنى الرَجُلُ ومَنّى" بِمَعْنًى واحِدٍ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "نَحْنُ قَدَّرْنا" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ كُثَيِّرٌ وحْدَهُ: "نَحْنُ قَدَرْنا" بِتَخْفِيفِ الدالِّ، والمَعْنى فِيهِما يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: قَضَيْنا وأثْبَتْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: سَوَّيْنا وعَدَلْنا التَقَدُّمُ والتَأخُّرُ، أيْ: جَعَلْنا المَوْتَ رُتَبًا، لَيْسَ يَمُوتُ العالَمُ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِتَرْتِيبٍ لا يَعْدُوهُ أحَدٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ، أيْ: تَمُوتُ طائِفَةٌ ونُبْدِلُها بِطائِفَةٍ، هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ عَلى تَبْدِيلِكم إنْ أرَدْناهُ، وإنْ نُنْشِئْكم بِأوصافٍ لا يَصِلُها عَمَلُكم ولا تُحِيطُ بِها فِكَرُكُمْ، قالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: تَأوَّلَ الحَسَنُ هَذا لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ، وجاءَتْ لِفَظَّةُ السَبْقِ هُنا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ: « "فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تَغْلِبُوا عَلى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ وصَلاةٍ قَبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا لا تَفُوتَنَّكُمْ"». وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "النَشْأةُ" بِسُكُونِ الشِينِ، وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو (p-٢٠٥)الأشْهَبِ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ-: "النَشاءَةَ" بِفَتْحِها وبِالمَدِّ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: أشارَ إلى خَلْقِ آدَمَ ووَقَفَ عَلَيْهِ لِأنَّكَ لا تَجِدُ أحَدًا يُنْكِرُ أنَّهُ مِن وُلِدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّهُ مِن طِينٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أرادَ بِالنَشْأةِ الأُولى نَشْأةَ إنْسانٍ في طُفُولَتِهِ، فَيَعْلَمُ المَرْءُ نَشْأتَهُ كَيْفَ كانَتْ بِما يَرى مِن نَشْأةِ غَيْرِهِ. ثُمَّ حَضَّضَ تَعالى عَلى التَذَكُّرِ والنَظَرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" مُشَدَّدَةَ الذالِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في اسْتِعْمالِ القِياسِ والحَضِّ عَلَيْهِ.

الواقعة 56:52

وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ إنَّكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ ومَن كانَ في حالِهِمْ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن شَجَرٍ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن زَقُّومٍ" لِبَيانِ الجِنْسِ، والضَمِيرُ فِي: "مِنها" عائِدٌ عَلى الشَجَرِ، و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ أو لِابْتِداءِ الغايَةِ، والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى المَأْكُولِ أو عَلى الأكْلِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَآكِلُونَ مِن شَجَرَةٍ" عَلى الإفْرادِ. و"الهِيمِ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: هو جَمْعُ "أهْيَمُ" وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ -بِضَمِّ الهاءِ- وهو داءٌ مُعَطِّشٌ يَشْرَبُ مَعَهُ الجُمَلُ حَتّى يَمُوتَ أو يُسْقَمَ سَقَمًا شَدِيدًا، والأُنْثى هَيْماءُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ هَيْماءَ كَعَيْناءَ وعَيْنَ وبَيْضاءَ وبِيضَ، وقالَ قَوْمٌ آخَرُونَ: هو جَمْعُ هايمٌ وهايِمَةٌ، وهَذا أيْضًا مِن هَذا المَعْنى لِأنَّ الجَمَلَ إذا أصابَهُ ذَلِكَ هامَ عَلى وجْهِهِ وذَهَبَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسُفْيانُ الثَوْرِيُّ: الهِيمُ هُنا الرِمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ، وذَلِكَ أنَّ الهُيامَ -بِفَتْحِ الهاءِ- هو الرَمْلُ الدَقُّ الغَمْرُ المُتَراكِمُ، وقالَ ثَعْلَبُ: الهُيامُ: -بِضَمِّ الهاءِ- الرَمْلُ الَّذِي لا يَتَماسَكُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "شَرِبَ الهِيمَ" بِفَتْحِ الشِينِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وشُعَيْبِ بْنِ الحَبْحابِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، ولا خِلافَ أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "شِرْبُ الهِيمِ" بِكَسْرِ الشِينِ، ولا خِلافَ أنَّهُ اسْمٌ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وباقِي السَبْعَةِ: "شُرْبَ الهِيمِ" بِضَمِّ الشِينِ، واخْتُلِفَ فِيهِ - فَقالَ قَوْمٌ: وهو مَصْدَرٌ، وقالَ آخَرُونَ: هو اسْمٌ لِما يُشْرَبُ. (p-٢٠٤)وَ"النُزُلُ": أوَّلُ ما يَأْكُلُ الضَيْفُ، وقَرَأ عَمْرُو -فِي رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ -: "نُزُلُهُمْ" بِسُكُونِ الزايِ، وقَرَأ الباقُونَ، واليَزِيدِيُّ عن أبِي عَمْرٍو بِضَمِّ الزايِ، وهُما بِمَعْنى كالشُغْلِ والشُغُلِ. و"الدِينُ": الجَزاءُ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ الخالِقُ، وحَضَّ عَلى التَصْدِيقِ عَلى وجْهِ التَقْرِيعِ، ثُمَّ ساقَ تَعالى الحُجَّةَ المُوحِيَةَ لِلتَّصْدِيقِ، كانَ مُعْتَرِضًا مِنَ الكُفّارِ قالَ: ولِمَ أُصَدِّقُ؟ فَقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ كَذا وكَذا؟ الآياتُ، ولَيْسَ يُوجَدُ مَفْطُورٌ يَخْفى عَلَيْهِ أنَّ المَنِيَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنهُ لَيْسَ لَهُ فِيهِ عَمَلٌ ولا إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ، و"أمْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ لَيْسَتِ المُعادَلَةَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ لِأنَّ الفِعْلَ قَدْ تَكَرَّرَ، وإنَّما المُعادَلَةُ عِنْدَهُ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو؟ وهَذِهِ الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ مُعادَلَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ مِنَ النُحاةِ. وأمّا إذا تَغايَرَ الفِعْلانِ فَلَيْسَتْ بِمُعادَلَةٍ إجْماعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُمَنُّونَ" بِضَمِّ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبُو السَمالِ: "تُمَنُّونَ" بِفَتْحِ التاءِ، ويُقالُ: "أمْنى الرَجُلُ ومَنّى" بِمَعْنًى واحِدٍ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "نَحْنُ قَدَّرْنا" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ كُثَيِّرٌ وحْدَهُ: "نَحْنُ قَدَرْنا" بِتَخْفِيفِ الدالِّ، والمَعْنى فِيهِما يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: قَضَيْنا وأثْبَتْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: سَوَّيْنا وعَدَلْنا التَقَدُّمُ والتَأخُّرُ، أيْ: جَعَلْنا المَوْتَ رُتَبًا، لَيْسَ يَمُوتُ العالَمُ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِتَرْتِيبٍ لا يَعْدُوهُ أحَدٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ، أيْ: تَمُوتُ طائِفَةٌ ونُبْدِلُها بِطائِفَةٍ، هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ عَلى تَبْدِيلِكم إنْ أرَدْناهُ، وإنْ نُنْشِئْكم بِأوصافٍ لا يَصِلُها عَمَلُكم ولا تُحِيطُ بِها فِكَرُكُمْ، قالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: تَأوَّلَ الحَسَنُ هَذا لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ، وجاءَتْ لِفَظَّةُ السَبْقِ هُنا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ: « "فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تَغْلِبُوا عَلى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ وصَلاةٍ قَبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا لا تَفُوتَنَّكُمْ"». وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "النَشْأةُ" بِسُكُونِ الشِينِ، وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو (p-٢٠٥)الأشْهَبِ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ-: "النَشاءَةَ" بِفَتْحِها وبِالمَدِّ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: أشارَ إلى خَلْقِ آدَمَ ووَقَفَ عَلَيْهِ لِأنَّكَ لا تَجِدُ أحَدًا يُنْكِرُ أنَّهُ مِن وُلِدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّهُ مِن طِينٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أرادَ بِالنَشْأةِ الأُولى نَشْأةَ إنْسانٍ في طُفُولَتِهِ، فَيَعْلَمُ المَرْءُ نَشْأتَهُ كَيْفَ كانَتْ بِما يَرى مِن نَشْأةِ غَيْرِهِ. ثُمَّ حَضَّضَ تَعالى عَلى التَذَكُّرِ والنَظَرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" مُشَدَّدَةَ الذالِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في اسْتِعْمالِ القِياسِ والحَضِّ عَلَيْهِ.

الواقعة 56:53

وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ إنَّكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ ومَن كانَ في حالِهِمْ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن شَجَرٍ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن زَقُّومٍ" لِبَيانِ الجِنْسِ، والضَمِيرُ فِي: "مِنها" عائِدٌ عَلى الشَجَرِ، و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ أو لِابْتِداءِ الغايَةِ، والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى المَأْكُولِ أو عَلى الأكْلِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَآكِلُونَ مِن شَجَرَةٍ" عَلى الإفْرادِ. و"الهِيمِ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: هو جَمْعُ "أهْيَمُ" وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ -بِضَمِّ الهاءِ- وهو داءٌ مُعَطِّشٌ يَشْرَبُ مَعَهُ الجُمَلُ حَتّى يَمُوتَ أو يُسْقَمَ سَقَمًا شَدِيدًا، والأُنْثى هَيْماءُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ هَيْماءَ كَعَيْناءَ وعَيْنَ وبَيْضاءَ وبِيضَ، وقالَ قَوْمٌ آخَرُونَ: هو جَمْعُ هايمٌ وهايِمَةٌ، وهَذا أيْضًا مِن هَذا المَعْنى لِأنَّ الجَمَلَ إذا أصابَهُ ذَلِكَ هامَ عَلى وجْهِهِ وذَهَبَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسُفْيانُ الثَوْرِيُّ: الهِيمُ هُنا الرِمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ، وذَلِكَ أنَّ الهُيامَ -بِفَتْحِ الهاءِ- هو الرَمْلُ الدَقُّ الغَمْرُ المُتَراكِمُ، وقالَ ثَعْلَبُ: الهُيامُ: -بِضَمِّ الهاءِ- الرَمْلُ الَّذِي لا يَتَماسَكُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "شَرِبَ الهِيمَ" بِفَتْحِ الشِينِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وشُعَيْبِ بْنِ الحَبْحابِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، ولا خِلافَ أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "شِرْبُ الهِيمِ" بِكَسْرِ الشِينِ، ولا خِلافَ أنَّهُ اسْمٌ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وباقِي السَبْعَةِ: "شُرْبَ الهِيمِ" بِضَمِّ الشِينِ، واخْتُلِفَ فِيهِ - فَقالَ قَوْمٌ: وهو مَصْدَرٌ، وقالَ آخَرُونَ: هو اسْمٌ لِما يُشْرَبُ. (p-٢٠٤)وَ"النُزُلُ": أوَّلُ ما يَأْكُلُ الضَيْفُ، وقَرَأ عَمْرُو -فِي رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ -: "نُزُلُهُمْ" بِسُكُونِ الزايِ، وقَرَأ الباقُونَ، واليَزِيدِيُّ عن أبِي عَمْرٍو بِضَمِّ الزايِ، وهُما بِمَعْنى كالشُغْلِ والشُغُلِ. و"الدِينُ": الجَزاءُ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ الخالِقُ، وحَضَّ عَلى التَصْدِيقِ عَلى وجْهِ التَقْرِيعِ، ثُمَّ ساقَ تَعالى الحُجَّةَ المُوحِيَةَ لِلتَّصْدِيقِ، كانَ مُعْتَرِضًا مِنَ الكُفّارِ قالَ: ولِمَ أُصَدِّقُ؟ فَقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ كَذا وكَذا؟ الآياتُ، ولَيْسَ يُوجَدُ مَفْطُورٌ يَخْفى عَلَيْهِ أنَّ المَنِيَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنهُ لَيْسَ لَهُ فِيهِ عَمَلٌ ولا إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ، و"أمْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ لَيْسَتِ المُعادَلَةَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ لِأنَّ الفِعْلَ قَدْ تَكَرَّرَ، وإنَّما المُعادَلَةُ عِنْدَهُ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو؟ وهَذِهِ الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ مُعادَلَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ مِنَ النُحاةِ. وأمّا إذا تَغايَرَ الفِعْلانِ فَلَيْسَتْ بِمُعادَلَةٍ إجْماعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُمَنُّونَ" بِضَمِّ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبُو السَمالِ: "تُمَنُّونَ" بِفَتْحِ التاءِ، ويُقالُ: "أمْنى الرَجُلُ ومَنّى" بِمَعْنًى واحِدٍ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "نَحْنُ قَدَّرْنا" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ كُثَيِّرٌ وحْدَهُ: "نَحْنُ قَدَرْنا" بِتَخْفِيفِ الدالِّ، والمَعْنى فِيهِما يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: قَضَيْنا وأثْبَتْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: سَوَّيْنا وعَدَلْنا التَقَدُّمُ والتَأخُّرُ، أيْ: جَعَلْنا المَوْتَ رُتَبًا، لَيْسَ يَمُوتُ العالَمُ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِتَرْتِيبٍ لا يَعْدُوهُ أحَدٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ، أيْ: تَمُوتُ طائِفَةٌ ونُبْدِلُها بِطائِفَةٍ، هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ عَلى تَبْدِيلِكم إنْ أرَدْناهُ، وإنْ نُنْشِئْكم بِأوصافٍ لا يَصِلُها عَمَلُكم ولا تُحِيطُ بِها فِكَرُكُمْ، قالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: تَأوَّلَ الحَسَنُ هَذا لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ، وجاءَتْ لِفَظَّةُ السَبْقِ هُنا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ: « "فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تَغْلِبُوا عَلى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ وصَلاةٍ قَبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا لا تَفُوتَنَّكُمْ"». وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "النَشْأةُ" بِسُكُونِ الشِينِ، وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو (p-٢٠٥)الأشْهَبِ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ-: "النَشاءَةَ" بِفَتْحِها وبِالمَدِّ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: أشارَ إلى خَلْقِ آدَمَ ووَقَفَ عَلَيْهِ لِأنَّكَ لا تَجِدُ أحَدًا يُنْكِرُ أنَّهُ مِن وُلِدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّهُ مِن طِينٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أرادَ بِالنَشْأةِ الأُولى نَشْأةَ إنْسانٍ في طُفُولَتِهِ، فَيَعْلَمُ المَرْءُ نَشْأتَهُ كَيْفَ كانَتْ بِما يَرى مِن نَشْأةِ غَيْرِهِ. ثُمَّ حَضَّضَ تَعالى عَلى التَذَكُّرِ والنَظَرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" مُشَدَّدَةَ الذالِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في اسْتِعْمالِ القِياسِ والحَضِّ عَلَيْهِ.

الواقعة 56:54

وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ إنَّكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ ومَن كانَ في حالِهِمْ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن شَجَرٍ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن زَقُّومٍ" لِبَيانِ الجِنْسِ، والضَمِيرُ فِي: "مِنها" عائِدٌ عَلى الشَجَرِ، و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ أو لِابْتِداءِ الغايَةِ، والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى المَأْكُولِ أو عَلى الأكْلِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَآكِلُونَ مِن شَجَرَةٍ" عَلى الإفْرادِ. و"الهِيمِ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: هو جَمْعُ "أهْيَمُ" وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ -بِضَمِّ الهاءِ- وهو داءٌ مُعَطِّشٌ يَشْرَبُ مَعَهُ الجُمَلُ حَتّى يَمُوتَ أو يُسْقَمَ سَقَمًا شَدِيدًا، والأُنْثى هَيْماءُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ هَيْماءَ كَعَيْناءَ وعَيْنَ وبَيْضاءَ وبِيضَ، وقالَ قَوْمٌ آخَرُونَ: هو جَمْعُ هايمٌ وهايِمَةٌ، وهَذا أيْضًا مِن هَذا المَعْنى لِأنَّ الجَمَلَ إذا أصابَهُ ذَلِكَ هامَ عَلى وجْهِهِ وذَهَبَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسُفْيانُ الثَوْرِيُّ: الهِيمُ هُنا الرِمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ، وذَلِكَ أنَّ الهُيامَ -بِفَتْحِ الهاءِ- هو الرَمْلُ الدَقُّ الغَمْرُ المُتَراكِمُ، وقالَ ثَعْلَبُ: الهُيامُ: -بِضَمِّ الهاءِ- الرَمْلُ الَّذِي لا يَتَماسَكُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "شَرِبَ الهِيمَ" بِفَتْحِ الشِينِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وشُعَيْبِ بْنِ الحَبْحابِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، ولا خِلافَ أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "شِرْبُ الهِيمِ" بِكَسْرِ الشِينِ، ولا خِلافَ أنَّهُ اسْمٌ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وباقِي السَبْعَةِ: "شُرْبَ الهِيمِ" بِضَمِّ الشِينِ، واخْتُلِفَ فِيهِ - فَقالَ قَوْمٌ: وهو مَصْدَرٌ، وقالَ آخَرُونَ: هو اسْمٌ لِما يُشْرَبُ. (p-٢٠٤)وَ"النُزُلُ": أوَّلُ ما يَأْكُلُ الضَيْفُ، وقَرَأ عَمْرُو -فِي رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ -: "نُزُلُهُمْ" بِسُكُونِ الزايِ، وقَرَأ الباقُونَ، واليَزِيدِيُّ عن أبِي عَمْرٍو بِضَمِّ الزايِ، وهُما بِمَعْنى كالشُغْلِ والشُغُلِ. و"الدِينُ": الجَزاءُ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ الخالِقُ، وحَضَّ عَلى التَصْدِيقِ عَلى وجْهِ التَقْرِيعِ، ثُمَّ ساقَ تَعالى الحُجَّةَ المُوحِيَةَ لِلتَّصْدِيقِ، كانَ مُعْتَرِضًا مِنَ الكُفّارِ قالَ: ولِمَ أُصَدِّقُ؟ فَقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ كَذا وكَذا؟ الآياتُ، ولَيْسَ يُوجَدُ مَفْطُورٌ يَخْفى عَلَيْهِ أنَّ المَنِيَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنهُ لَيْسَ لَهُ فِيهِ عَمَلٌ ولا إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ، و"أمْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ لَيْسَتِ المُعادَلَةَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ لِأنَّ الفِعْلَ قَدْ تَكَرَّرَ، وإنَّما المُعادَلَةُ عِنْدَهُ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو؟ وهَذِهِ الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ مُعادَلَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ مِنَ النُحاةِ. وأمّا إذا تَغايَرَ الفِعْلانِ فَلَيْسَتْ بِمُعادَلَةٍ إجْماعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُمَنُّونَ" بِضَمِّ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبُو السَمالِ: "تُمَنُّونَ" بِفَتْحِ التاءِ، ويُقالُ: "أمْنى الرَجُلُ ومَنّى" بِمَعْنًى واحِدٍ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "نَحْنُ قَدَّرْنا" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ كُثَيِّرٌ وحْدَهُ: "نَحْنُ قَدَرْنا" بِتَخْفِيفِ الدالِّ، والمَعْنى فِيهِما يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: قَضَيْنا وأثْبَتْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: سَوَّيْنا وعَدَلْنا التَقَدُّمُ والتَأخُّرُ، أيْ: جَعَلْنا المَوْتَ رُتَبًا، لَيْسَ يَمُوتُ العالَمُ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِتَرْتِيبٍ لا يَعْدُوهُ أحَدٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ، أيْ: تَمُوتُ طائِفَةٌ ونُبْدِلُها بِطائِفَةٍ، هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ عَلى تَبْدِيلِكم إنْ أرَدْناهُ، وإنْ نُنْشِئْكم بِأوصافٍ لا يَصِلُها عَمَلُكم ولا تُحِيطُ بِها فِكَرُكُمْ، قالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: تَأوَّلَ الحَسَنُ هَذا لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ، وجاءَتْ لِفَظَّةُ السَبْقِ هُنا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ: « "فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تَغْلِبُوا عَلى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ وصَلاةٍ قَبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا لا تَفُوتَنَّكُمْ"». وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "النَشْأةُ" بِسُكُونِ الشِينِ، وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو (p-٢٠٥)الأشْهَبِ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ-: "النَشاءَةَ" بِفَتْحِها وبِالمَدِّ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: أشارَ إلى خَلْقِ آدَمَ ووَقَفَ عَلَيْهِ لِأنَّكَ لا تَجِدُ أحَدًا يُنْكِرُ أنَّهُ مِن وُلِدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّهُ مِن طِينٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أرادَ بِالنَشْأةِ الأُولى نَشْأةَ إنْسانٍ في طُفُولَتِهِ، فَيَعْلَمُ المَرْءُ نَشْأتَهُ كَيْفَ كانَتْ بِما يَرى مِن نَشْأةِ غَيْرِهِ. ثُمَّ حَضَّضَ تَعالى عَلى التَذَكُّرِ والنَظَرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" مُشَدَّدَةَ الذالِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في اسْتِعْمالِ القِياسِ والحَضِّ عَلَيْهِ.

الواقعة 56:55

وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ إنَّكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ ومَن كانَ في حالِهِمْ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن شَجَرٍ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن زَقُّومٍ" لِبَيانِ الجِنْسِ، والضَمِيرُ فِي: "مِنها" عائِدٌ عَلى الشَجَرِ، و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ أو لِابْتِداءِ الغايَةِ، والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى المَأْكُولِ أو عَلى الأكْلِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَآكِلُونَ مِن شَجَرَةٍ" عَلى الإفْرادِ. و"الهِيمِ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: هو جَمْعُ "أهْيَمُ" وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ -بِضَمِّ الهاءِ- وهو داءٌ مُعَطِّشٌ يَشْرَبُ مَعَهُ الجُمَلُ حَتّى يَمُوتَ أو يُسْقَمَ سَقَمًا شَدِيدًا، والأُنْثى هَيْماءُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ هَيْماءَ كَعَيْناءَ وعَيْنَ وبَيْضاءَ وبِيضَ، وقالَ قَوْمٌ آخَرُونَ: هو جَمْعُ هايمٌ وهايِمَةٌ، وهَذا أيْضًا مِن هَذا المَعْنى لِأنَّ الجَمَلَ إذا أصابَهُ ذَلِكَ هامَ عَلى وجْهِهِ وذَهَبَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسُفْيانُ الثَوْرِيُّ: الهِيمُ هُنا الرِمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ، وذَلِكَ أنَّ الهُيامَ -بِفَتْحِ الهاءِ- هو الرَمْلُ الدَقُّ الغَمْرُ المُتَراكِمُ، وقالَ ثَعْلَبُ: الهُيامُ: -بِضَمِّ الهاءِ- الرَمْلُ الَّذِي لا يَتَماسَكُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "شَرِبَ الهِيمَ" بِفَتْحِ الشِينِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وشُعَيْبِ بْنِ الحَبْحابِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، ولا خِلافَ أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "شِرْبُ الهِيمِ" بِكَسْرِ الشِينِ، ولا خِلافَ أنَّهُ اسْمٌ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وباقِي السَبْعَةِ: "شُرْبَ الهِيمِ" بِضَمِّ الشِينِ، واخْتُلِفَ فِيهِ - فَقالَ قَوْمٌ: وهو مَصْدَرٌ، وقالَ آخَرُونَ: هو اسْمٌ لِما يُشْرَبُ. (p-٢٠٤)وَ"النُزُلُ": أوَّلُ ما يَأْكُلُ الضَيْفُ، وقَرَأ عَمْرُو -فِي رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ -: "نُزُلُهُمْ" بِسُكُونِ الزايِ، وقَرَأ الباقُونَ، واليَزِيدِيُّ عن أبِي عَمْرٍو بِضَمِّ الزايِ، وهُما بِمَعْنى كالشُغْلِ والشُغُلِ. و"الدِينُ": الجَزاءُ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ الخالِقُ، وحَضَّ عَلى التَصْدِيقِ عَلى وجْهِ التَقْرِيعِ، ثُمَّ ساقَ تَعالى الحُجَّةَ المُوحِيَةَ لِلتَّصْدِيقِ، كانَ مُعْتَرِضًا مِنَ الكُفّارِ قالَ: ولِمَ أُصَدِّقُ؟ فَقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ كَذا وكَذا؟ الآياتُ، ولَيْسَ يُوجَدُ مَفْطُورٌ يَخْفى عَلَيْهِ أنَّ المَنِيَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنهُ لَيْسَ لَهُ فِيهِ عَمَلٌ ولا إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ، و"أمْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ لَيْسَتِ المُعادَلَةَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ لِأنَّ الفِعْلَ قَدْ تَكَرَّرَ، وإنَّما المُعادَلَةُ عِنْدَهُ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو؟ وهَذِهِ الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ مُعادَلَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ مِنَ النُحاةِ. وأمّا إذا تَغايَرَ الفِعْلانِ فَلَيْسَتْ بِمُعادَلَةٍ إجْماعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُمَنُّونَ" بِضَمِّ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبُو السَمالِ: "تُمَنُّونَ" بِفَتْحِ التاءِ، ويُقالُ: "أمْنى الرَجُلُ ومَنّى" بِمَعْنًى واحِدٍ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "نَحْنُ قَدَّرْنا" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ كُثَيِّرٌ وحْدَهُ: "نَحْنُ قَدَرْنا" بِتَخْفِيفِ الدالِّ، والمَعْنى فِيهِما يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: قَضَيْنا وأثْبَتْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: سَوَّيْنا وعَدَلْنا التَقَدُّمُ والتَأخُّرُ، أيْ: جَعَلْنا المَوْتَ رُتَبًا، لَيْسَ يَمُوتُ العالَمُ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِتَرْتِيبٍ لا يَعْدُوهُ أحَدٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ، أيْ: تَمُوتُ طائِفَةٌ ونُبْدِلُها بِطائِفَةٍ، هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ عَلى تَبْدِيلِكم إنْ أرَدْناهُ، وإنْ نُنْشِئْكم بِأوصافٍ لا يَصِلُها عَمَلُكم ولا تُحِيطُ بِها فِكَرُكُمْ، قالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: تَأوَّلَ الحَسَنُ هَذا لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ، وجاءَتْ لِفَظَّةُ السَبْقِ هُنا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ: « "فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تَغْلِبُوا عَلى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ وصَلاةٍ قَبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا لا تَفُوتَنَّكُمْ"». وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "النَشْأةُ" بِسُكُونِ الشِينِ، وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو (p-٢٠٥)الأشْهَبِ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ-: "النَشاءَةَ" بِفَتْحِها وبِالمَدِّ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: أشارَ إلى خَلْقِ آدَمَ ووَقَفَ عَلَيْهِ لِأنَّكَ لا تَجِدُ أحَدًا يُنْكِرُ أنَّهُ مِن وُلِدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّهُ مِن طِينٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أرادَ بِالنَشْأةِ الأُولى نَشْأةَ إنْسانٍ في طُفُولَتِهِ، فَيَعْلَمُ المَرْءُ نَشْأتَهُ كَيْفَ كانَتْ بِما يَرى مِن نَشْأةِ غَيْرِهِ. ثُمَّ حَضَّضَ تَعالى عَلى التَذَكُّرِ والنَظَرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" مُشَدَّدَةَ الذالِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في اسْتِعْمالِ القِياسِ والحَضِّ عَلَيْهِ.

الواقعة 56:56

وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ إنَّكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ ومَن كانَ في حالِهِمْ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن شَجَرٍ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن زَقُّومٍ" لِبَيانِ الجِنْسِ، والضَمِيرُ فِي: "مِنها" عائِدٌ عَلى الشَجَرِ، و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ أو لِابْتِداءِ الغايَةِ، والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى المَأْكُولِ أو عَلى الأكْلِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَآكِلُونَ مِن شَجَرَةٍ" عَلى الإفْرادِ. و"الهِيمِ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: هو جَمْعُ "أهْيَمُ" وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ -بِضَمِّ الهاءِ- وهو داءٌ مُعَطِّشٌ يَشْرَبُ مَعَهُ الجُمَلُ حَتّى يَمُوتَ أو يُسْقَمَ سَقَمًا شَدِيدًا، والأُنْثى هَيْماءُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ هَيْماءَ كَعَيْناءَ وعَيْنَ وبَيْضاءَ وبِيضَ، وقالَ قَوْمٌ آخَرُونَ: هو جَمْعُ هايمٌ وهايِمَةٌ، وهَذا أيْضًا مِن هَذا المَعْنى لِأنَّ الجَمَلَ إذا أصابَهُ ذَلِكَ هامَ عَلى وجْهِهِ وذَهَبَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسُفْيانُ الثَوْرِيُّ: الهِيمُ هُنا الرِمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ، وذَلِكَ أنَّ الهُيامَ -بِفَتْحِ الهاءِ- هو الرَمْلُ الدَقُّ الغَمْرُ المُتَراكِمُ، وقالَ ثَعْلَبُ: الهُيامُ: -بِضَمِّ الهاءِ- الرَمْلُ الَّذِي لا يَتَماسَكُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "شَرِبَ الهِيمَ" بِفَتْحِ الشِينِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وشُعَيْبِ بْنِ الحَبْحابِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، ولا خِلافَ أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "شِرْبُ الهِيمِ" بِكَسْرِ الشِينِ، ولا خِلافَ أنَّهُ اسْمٌ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وباقِي السَبْعَةِ: "شُرْبَ الهِيمِ" بِضَمِّ الشِينِ، واخْتُلِفَ فِيهِ - فَقالَ قَوْمٌ: وهو مَصْدَرٌ، وقالَ آخَرُونَ: هو اسْمٌ لِما يُشْرَبُ. (p-٢٠٤)وَ"النُزُلُ": أوَّلُ ما يَأْكُلُ الضَيْفُ، وقَرَأ عَمْرُو -فِي رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ -: "نُزُلُهُمْ" بِسُكُونِ الزايِ، وقَرَأ الباقُونَ، واليَزِيدِيُّ عن أبِي عَمْرٍو بِضَمِّ الزايِ، وهُما بِمَعْنى كالشُغْلِ والشُغُلِ. و"الدِينُ": الجَزاءُ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ الخالِقُ، وحَضَّ عَلى التَصْدِيقِ عَلى وجْهِ التَقْرِيعِ، ثُمَّ ساقَ تَعالى الحُجَّةَ المُوحِيَةَ لِلتَّصْدِيقِ، كانَ مُعْتَرِضًا مِنَ الكُفّارِ قالَ: ولِمَ أُصَدِّقُ؟ فَقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ كَذا وكَذا؟ الآياتُ، ولَيْسَ يُوجَدُ مَفْطُورٌ يَخْفى عَلَيْهِ أنَّ المَنِيَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنهُ لَيْسَ لَهُ فِيهِ عَمَلٌ ولا إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ، و"أمْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ لَيْسَتِ المُعادَلَةَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ لِأنَّ الفِعْلَ قَدْ تَكَرَّرَ، وإنَّما المُعادَلَةُ عِنْدَهُ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو؟ وهَذِهِ الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ مُعادَلَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ مِنَ النُحاةِ. وأمّا إذا تَغايَرَ الفِعْلانِ فَلَيْسَتْ بِمُعادَلَةٍ إجْماعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُمَنُّونَ" بِضَمِّ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبُو السَمالِ: "تُمَنُّونَ" بِفَتْحِ التاءِ، ويُقالُ: "أمْنى الرَجُلُ ومَنّى" بِمَعْنًى واحِدٍ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "نَحْنُ قَدَّرْنا" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ كُثَيِّرٌ وحْدَهُ: "نَحْنُ قَدَرْنا" بِتَخْفِيفِ الدالِّ، والمَعْنى فِيهِما يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: قَضَيْنا وأثْبَتْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: سَوَّيْنا وعَدَلْنا التَقَدُّمُ والتَأخُّرُ، أيْ: جَعَلْنا المَوْتَ رُتَبًا، لَيْسَ يَمُوتُ العالَمُ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِتَرْتِيبٍ لا يَعْدُوهُ أحَدٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ، أيْ: تَمُوتُ طائِفَةٌ ونُبْدِلُها بِطائِفَةٍ، هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ عَلى تَبْدِيلِكم إنْ أرَدْناهُ، وإنْ نُنْشِئْكم بِأوصافٍ لا يَصِلُها عَمَلُكم ولا تُحِيطُ بِها فِكَرُكُمْ، قالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: تَأوَّلَ الحَسَنُ هَذا لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ، وجاءَتْ لِفَظَّةُ السَبْقِ هُنا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ: « "فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تَغْلِبُوا عَلى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ وصَلاةٍ قَبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا لا تَفُوتَنَّكُمْ"». وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "النَشْأةُ" بِسُكُونِ الشِينِ، وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو (p-٢٠٥)الأشْهَبِ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ-: "النَشاءَةَ" بِفَتْحِها وبِالمَدِّ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: أشارَ إلى خَلْقِ آدَمَ ووَقَفَ عَلَيْهِ لِأنَّكَ لا تَجِدُ أحَدًا يُنْكِرُ أنَّهُ مِن وُلِدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّهُ مِن طِينٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أرادَ بِالنَشْأةِ الأُولى نَشْأةَ إنْسانٍ في طُفُولَتِهِ، فَيَعْلَمُ المَرْءُ نَشْأتَهُ كَيْفَ كانَتْ بِما يَرى مِن نَشْأةِ غَيْرِهِ. ثُمَّ حَضَّضَ تَعالى عَلى التَذَكُّرِ والنَظَرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" مُشَدَّدَةَ الذالِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في اسْتِعْمالِ القِياسِ والحَضِّ عَلَيْهِ.

الواقعة 56:57

وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ إنَّكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ ومَن كانَ في حالِهِمْ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن شَجَرٍ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن زَقُّومٍ" لِبَيانِ الجِنْسِ، والضَمِيرُ فِي: "مِنها" عائِدٌ عَلى الشَجَرِ، و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ أو لِابْتِداءِ الغايَةِ، والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى المَأْكُولِ أو عَلى الأكْلِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَآكِلُونَ مِن شَجَرَةٍ" عَلى الإفْرادِ. و"الهِيمِ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: هو جَمْعُ "أهْيَمُ" وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ -بِضَمِّ الهاءِ- وهو داءٌ مُعَطِّشٌ يَشْرَبُ مَعَهُ الجُمَلُ حَتّى يَمُوتَ أو يُسْقَمَ سَقَمًا شَدِيدًا، والأُنْثى هَيْماءُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ هَيْماءَ كَعَيْناءَ وعَيْنَ وبَيْضاءَ وبِيضَ، وقالَ قَوْمٌ آخَرُونَ: هو جَمْعُ هايمٌ وهايِمَةٌ، وهَذا أيْضًا مِن هَذا المَعْنى لِأنَّ الجَمَلَ إذا أصابَهُ ذَلِكَ هامَ عَلى وجْهِهِ وذَهَبَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسُفْيانُ الثَوْرِيُّ: الهِيمُ هُنا الرِمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ، وذَلِكَ أنَّ الهُيامَ -بِفَتْحِ الهاءِ- هو الرَمْلُ الدَقُّ الغَمْرُ المُتَراكِمُ، وقالَ ثَعْلَبُ: الهُيامُ: -بِضَمِّ الهاءِ- الرَمْلُ الَّذِي لا يَتَماسَكُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "شَرِبَ الهِيمَ" بِفَتْحِ الشِينِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وشُعَيْبِ بْنِ الحَبْحابِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، ولا خِلافَ أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "شِرْبُ الهِيمِ" بِكَسْرِ الشِينِ، ولا خِلافَ أنَّهُ اسْمٌ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وباقِي السَبْعَةِ: "شُرْبَ الهِيمِ" بِضَمِّ الشِينِ، واخْتُلِفَ فِيهِ - فَقالَ قَوْمٌ: وهو مَصْدَرٌ، وقالَ آخَرُونَ: هو اسْمٌ لِما يُشْرَبُ. (p-٢٠٤)وَ"النُزُلُ": أوَّلُ ما يَأْكُلُ الضَيْفُ، وقَرَأ عَمْرُو -فِي رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ -: "نُزُلُهُمْ" بِسُكُونِ الزايِ، وقَرَأ الباقُونَ، واليَزِيدِيُّ عن أبِي عَمْرٍو بِضَمِّ الزايِ، وهُما بِمَعْنى كالشُغْلِ والشُغُلِ. و"الدِينُ": الجَزاءُ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ الخالِقُ، وحَضَّ عَلى التَصْدِيقِ عَلى وجْهِ التَقْرِيعِ، ثُمَّ ساقَ تَعالى الحُجَّةَ المُوحِيَةَ لِلتَّصْدِيقِ، كانَ مُعْتَرِضًا مِنَ الكُفّارِ قالَ: ولِمَ أُصَدِّقُ؟ فَقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ كَذا وكَذا؟ الآياتُ، ولَيْسَ يُوجَدُ مَفْطُورٌ يَخْفى عَلَيْهِ أنَّ المَنِيَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنهُ لَيْسَ لَهُ فِيهِ عَمَلٌ ولا إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ، و"أمْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ لَيْسَتِ المُعادَلَةَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ لِأنَّ الفِعْلَ قَدْ تَكَرَّرَ، وإنَّما المُعادَلَةُ عِنْدَهُ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو؟ وهَذِهِ الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ مُعادَلَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ مِنَ النُحاةِ. وأمّا إذا تَغايَرَ الفِعْلانِ فَلَيْسَتْ بِمُعادَلَةٍ إجْماعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُمَنُّونَ" بِضَمِّ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبُو السَمالِ: "تُمَنُّونَ" بِفَتْحِ التاءِ، ويُقالُ: "أمْنى الرَجُلُ ومَنّى" بِمَعْنًى واحِدٍ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "نَحْنُ قَدَّرْنا" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ كُثَيِّرٌ وحْدَهُ: "نَحْنُ قَدَرْنا" بِتَخْفِيفِ الدالِّ، والمَعْنى فِيهِما يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: قَضَيْنا وأثْبَتْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: سَوَّيْنا وعَدَلْنا التَقَدُّمُ والتَأخُّرُ، أيْ: جَعَلْنا المَوْتَ رُتَبًا، لَيْسَ يَمُوتُ العالَمُ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِتَرْتِيبٍ لا يَعْدُوهُ أحَدٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ، أيْ: تَمُوتُ طائِفَةٌ ونُبْدِلُها بِطائِفَةٍ، هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ عَلى تَبْدِيلِكم إنْ أرَدْناهُ، وإنْ نُنْشِئْكم بِأوصافٍ لا يَصِلُها عَمَلُكم ولا تُحِيطُ بِها فِكَرُكُمْ، قالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: تَأوَّلَ الحَسَنُ هَذا لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ، وجاءَتْ لِفَظَّةُ السَبْقِ هُنا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ: « "فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تَغْلِبُوا عَلى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ وصَلاةٍ قَبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا لا تَفُوتَنَّكُمْ"». وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "النَشْأةُ" بِسُكُونِ الشِينِ، وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو (p-٢٠٥)الأشْهَبِ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ-: "النَشاءَةَ" بِفَتْحِها وبِالمَدِّ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: أشارَ إلى خَلْقِ آدَمَ ووَقَفَ عَلَيْهِ لِأنَّكَ لا تَجِدُ أحَدًا يُنْكِرُ أنَّهُ مِن وُلِدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّهُ مِن طِينٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أرادَ بِالنَشْأةِ الأُولى نَشْأةَ إنْسانٍ في طُفُولَتِهِ، فَيَعْلَمُ المَرْءُ نَشْأتَهُ كَيْفَ كانَتْ بِما يَرى مِن نَشْأةِ غَيْرِهِ. ثُمَّ حَضَّضَ تَعالى عَلى التَذَكُّرِ والنَظَرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" مُشَدَّدَةَ الذالِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في اسْتِعْمالِ القِياسِ والحَضِّ عَلَيْهِ.

الواقعة 56:58

وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ إنَّكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ ومَن كانَ في حالِهِمْ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن شَجَرٍ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن زَقُّومٍ" لِبَيانِ الجِنْسِ، والضَمِيرُ فِي: "مِنها" عائِدٌ عَلى الشَجَرِ، و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ أو لِابْتِداءِ الغايَةِ، والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى المَأْكُولِ أو عَلى الأكْلِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَآكِلُونَ مِن شَجَرَةٍ" عَلى الإفْرادِ. و"الهِيمِ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: هو جَمْعُ "أهْيَمُ" وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ -بِضَمِّ الهاءِ- وهو داءٌ مُعَطِّشٌ يَشْرَبُ مَعَهُ الجُمَلُ حَتّى يَمُوتَ أو يُسْقَمَ سَقَمًا شَدِيدًا، والأُنْثى هَيْماءُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ هَيْماءَ كَعَيْناءَ وعَيْنَ وبَيْضاءَ وبِيضَ، وقالَ قَوْمٌ آخَرُونَ: هو جَمْعُ هايمٌ وهايِمَةٌ، وهَذا أيْضًا مِن هَذا المَعْنى لِأنَّ الجَمَلَ إذا أصابَهُ ذَلِكَ هامَ عَلى وجْهِهِ وذَهَبَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسُفْيانُ الثَوْرِيُّ: الهِيمُ هُنا الرِمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ، وذَلِكَ أنَّ الهُيامَ -بِفَتْحِ الهاءِ- هو الرَمْلُ الدَقُّ الغَمْرُ المُتَراكِمُ، وقالَ ثَعْلَبُ: الهُيامُ: -بِضَمِّ الهاءِ- الرَمْلُ الَّذِي لا يَتَماسَكُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "شَرِبَ الهِيمَ" بِفَتْحِ الشِينِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وشُعَيْبِ بْنِ الحَبْحابِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، ولا خِلافَ أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "شِرْبُ الهِيمِ" بِكَسْرِ الشِينِ، ولا خِلافَ أنَّهُ اسْمٌ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وباقِي السَبْعَةِ: "شُرْبَ الهِيمِ" بِضَمِّ الشِينِ، واخْتُلِفَ فِيهِ - فَقالَ قَوْمٌ: وهو مَصْدَرٌ، وقالَ آخَرُونَ: هو اسْمٌ لِما يُشْرَبُ. (p-٢٠٤)وَ"النُزُلُ": أوَّلُ ما يَأْكُلُ الضَيْفُ، وقَرَأ عَمْرُو -فِي رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ -: "نُزُلُهُمْ" بِسُكُونِ الزايِ، وقَرَأ الباقُونَ، واليَزِيدِيُّ عن أبِي عَمْرٍو بِضَمِّ الزايِ، وهُما بِمَعْنى كالشُغْلِ والشُغُلِ. و"الدِينُ": الجَزاءُ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ الخالِقُ، وحَضَّ عَلى التَصْدِيقِ عَلى وجْهِ التَقْرِيعِ، ثُمَّ ساقَ تَعالى الحُجَّةَ المُوحِيَةَ لِلتَّصْدِيقِ، كانَ مُعْتَرِضًا مِنَ الكُفّارِ قالَ: ولِمَ أُصَدِّقُ؟ فَقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ كَذا وكَذا؟ الآياتُ، ولَيْسَ يُوجَدُ مَفْطُورٌ يَخْفى عَلَيْهِ أنَّ المَنِيَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنهُ لَيْسَ لَهُ فِيهِ عَمَلٌ ولا إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ، و"أمْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ لَيْسَتِ المُعادَلَةَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ لِأنَّ الفِعْلَ قَدْ تَكَرَّرَ، وإنَّما المُعادَلَةُ عِنْدَهُ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو؟ وهَذِهِ الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ مُعادَلَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ مِنَ النُحاةِ. وأمّا إذا تَغايَرَ الفِعْلانِ فَلَيْسَتْ بِمُعادَلَةٍ إجْماعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُمَنُّونَ" بِضَمِّ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبُو السَمالِ: "تُمَنُّونَ" بِفَتْحِ التاءِ، ويُقالُ: "أمْنى الرَجُلُ ومَنّى" بِمَعْنًى واحِدٍ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "نَحْنُ قَدَّرْنا" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ كُثَيِّرٌ وحْدَهُ: "نَحْنُ قَدَرْنا" بِتَخْفِيفِ الدالِّ، والمَعْنى فِيهِما يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: قَضَيْنا وأثْبَتْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: سَوَّيْنا وعَدَلْنا التَقَدُّمُ والتَأخُّرُ، أيْ: جَعَلْنا المَوْتَ رُتَبًا، لَيْسَ يَمُوتُ العالَمُ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِتَرْتِيبٍ لا يَعْدُوهُ أحَدٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ، أيْ: تَمُوتُ طائِفَةٌ ونُبْدِلُها بِطائِفَةٍ، هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ عَلى تَبْدِيلِكم إنْ أرَدْناهُ، وإنْ نُنْشِئْكم بِأوصافٍ لا يَصِلُها عَمَلُكم ولا تُحِيطُ بِها فِكَرُكُمْ، قالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: تَأوَّلَ الحَسَنُ هَذا لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ، وجاءَتْ لِفَظَّةُ السَبْقِ هُنا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ: « "فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تَغْلِبُوا عَلى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ وصَلاةٍ قَبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا لا تَفُوتَنَّكُمْ"». وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "النَشْأةُ" بِسُكُونِ الشِينِ، وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو (p-٢٠٥)الأشْهَبِ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ-: "النَشاءَةَ" بِفَتْحِها وبِالمَدِّ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: أشارَ إلى خَلْقِ آدَمَ ووَقَفَ عَلَيْهِ لِأنَّكَ لا تَجِدُ أحَدًا يُنْكِرُ أنَّهُ مِن وُلِدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّهُ مِن طِينٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أرادَ بِالنَشْأةِ الأُولى نَشْأةَ إنْسانٍ في طُفُولَتِهِ، فَيَعْلَمُ المَرْءُ نَشْأتَهُ كَيْفَ كانَتْ بِما يَرى مِن نَشْأةِ غَيْرِهِ. ثُمَّ حَضَّضَ تَعالى عَلى التَذَكُّرِ والنَظَرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" مُشَدَّدَةَ الذالِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في اسْتِعْمالِ القِياسِ والحَضِّ عَلَيْهِ.