Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — الواقعة 56:59 – الواقعة 56:96
المحتويات
- الواقعة 56:59
- الواقعة 56:60
- الواقعة 56:61
- الواقعة 56:62
- الواقعة 56:63
- الواقعة 56:64
- الواقعة 56:65
- الواقعة 56:66
- الواقعة 56:67
- الواقعة 56:68
- الواقعة 56:69
- الواقعة 56:70
- الواقعة 56:71
- الواقعة 56:72
- الواقعة 56:73
- الواقعة 56:74
- الواقعة 56:75
- الواقعة 56:76
- الواقعة 56:77
- الواقعة 56:78
- الواقعة 56:79
- الواقعة 56:80
- الواقعة 56:81
- الواقعة 56:82
- الواقعة 56:83
- الواقعة 56:84
- الواقعة 56:85
- الواقعة 56:86
- الواقعة 56:87
- الواقعة 56:88
- الواقعة 56:89
- الواقعة 56:90
- الواقعة 56:91
- الواقعة 56:92
- الواقعة 56:93
- الواقعة 56:94
- الواقعة 56:95
- الواقعة 56:96
الواقعة 56:59
وَقوله عزّ وجلّ:
﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ إنَّكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ ومَن كانَ في حالِهِمْ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن شَجَرٍ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن زَقُّومٍ" لِبَيانِ الجِنْسِ، والضَمِيرُ فِي: "مِنها" عائِدٌ عَلى الشَجَرِ، و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ أو لِابْتِداءِ الغايَةِ، والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى المَأْكُولِ أو عَلى الأكْلِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَآكِلُونَ مِن شَجَرَةٍ" عَلى الإفْرادِ.
و"الهِيمِ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: هو جَمْعُ "أهْيَمُ" وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ -بِضَمِّ الهاءِ- وهو داءٌ مُعَطِّشٌ يَشْرَبُ مَعَهُ الجُمَلُ حَتّى يَمُوتَ أو يُسْقَمَ سَقَمًا شَدِيدًا، والأُنْثى هَيْماءُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ هَيْماءَ كَعَيْناءَ وعَيْنَ وبَيْضاءَ وبِيضَ، وقالَ قَوْمٌ آخَرُونَ: هو جَمْعُ هايمٌ وهايِمَةٌ، وهَذا أيْضًا مِن هَذا المَعْنى لِأنَّ الجَمَلَ إذا أصابَهُ ذَلِكَ هامَ عَلى وجْهِهِ وذَهَبَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسُفْيانُ الثَوْرِيُّ:
الهِيمُ هُنا الرِمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ، وذَلِكَ أنَّ الهُيامَ -بِفَتْحِ الهاءِ- هو الرَمْلُ الدَقُّ الغَمْرُ المُتَراكِمُ، وقالَ ثَعْلَبُ: الهُيامُ: -بِضَمِّ الهاءِ- الرَمْلُ الَّذِي لا يَتَماسَكُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "شَرِبَ الهِيمَ" بِفَتْحِ الشِينِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وشُعَيْبِ بْنِ الحَبْحابِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، ولا خِلافَ أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "شِرْبُ الهِيمِ" بِكَسْرِ الشِينِ، ولا خِلافَ أنَّهُ اسْمٌ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وباقِي السَبْعَةِ: "شُرْبَ الهِيمِ" بِضَمِّ الشِينِ، واخْتُلِفَ فِيهِ - فَقالَ قَوْمٌ: وهو مَصْدَرٌ، وقالَ آخَرُونَ: هو اسْمٌ لِما يُشْرَبُ.
(p-٢٠٤)وَ"النُزُلُ": أوَّلُ ما يَأْكُلُ الضَيْفُ، وقَرَأ عَمْرُو -فِي رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ -: "نُزُلُهُمْ" بِسُكُونِ الزايِ، وقَرَأ الباقُونَ، واليَزِيدِيُّ عن أبِي عَمْرٍو بِضَمِّ الزايِ، وهُما بِمَعْنى كالشُغْلِ والشُغُلِ. و"الدِينُ": الجَزاءُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ الخالِقُ، وحَضَّ عَلى التَصْدِيقِ عَلى وجْهِ التَقْرِيعِ، ثُمَّ ساقَ تَعالى الحُجَّةَ المُوحِيَةَ لِلتَّصْدِيقِ، كانَ مُعْتَرِضًا مِنَ الكُفّارِ قالَ: ولِمَ أُصَدِّقُ؟ فَقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ كَذا وكَذا؟ الآياتُ، ولَيْسَ يُوجَدُ مَفْطُورٌ يَخْفى عَلَيْهِ أنَّ المَنِيَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنهُ لَيْسَ لَهُ فِيهِ عَمَلٌ ولا إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ، و"أمْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ لَيْسَتِ المُعادَلَةَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ لِأنَّ الفِعْلَ قَدْ تَكَرَّرَ، وإنَّما المُعادَلَةُ عِنْدَهُ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو؟ وهَذِهِ الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ مُعادَلَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ مِنَ النُحاةِ. وأمّا إذا تَغايَرَ الفِعْلانِ فَلَيْسَتْ بِمُعادَلَةٍ إجْماعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُمَنُّونَ" بِضَمِّ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبُو السَمالِ: "تُمَنُّونَ" بِفَتْحِ التاءِ، ويُقالُ: "أمْنى الرَجُلُ ومَنّى" بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "نَحْنُ قَدَّرْنا" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ كُثَيِّرٌ وحْدَهُ: "نَحْنُ قَدَرْنا" بِتَخْفِيفِ الدالِّ، والمَعْنى فِيهِما يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: قَضَيْنا وأثْبَتْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: سَوَّيْنا وعَدَلْنا التَقَدُّمُ والتَأخُّرُ، أيْ: جَعَلْنا المَوْتَ رُتَبًا، لَيْسَ يَمُوتُ العالَمُ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِتَرْتِيبٍ لا يَعْدُوهُ أحَدٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ، أيْ: تَمُوتُ طائِفَةٌ ونُبْدِلُها بِطائِفَةٍ، هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ عَلى تَبْدِيلِكم إنْ أرَدْناهُ، وإنْ نُنْشِئْكم بِأوصافٍ لا يَصِلُها عَمَلُكم ولا تُحِيطُ بِها فِكَرُكُمْ، قالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
تَأوَّلَ الحَسَنُ هَذا لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ، وجاءَتْ لِفَظَّةُ السَبْقِ هُنا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ: « "فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تَغْلِبُوا عَلى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ وصَلاةٍ قَبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا لا تَفُوتَنَّكُمْ"».
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "النَشْأةُ" بِسُكُونِ الشِينِ، وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو (p-٢٠٥)الأشْهَبِ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ-: "النَشاءَةَ" بِفَتْحِها وبِالمَدِّ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: أشارَ إلى خَلْقِ آدَمَ ووَقَفَ عَلَيْهِ لِأنَّكَ لا تَجِدُ أحَدًا يُنْكِرُ أنَّهُ مِن وُلِدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّهُ مِن طِينٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أرادَ بِالنَشْأةِ الأُولى نَشْأةَ إنْسانٍ في طُفُولَتِهِ، فَيَعْلَمُ المَرْءُ نَشْأتَهُ كَيْفَ كانَتْ بِما يَرى مِن نَشْأةِ غَيْرِهِ.
ثُمَّ حَضَّضَ تَعالى عَلى التَذَكُّرِ والنَظَرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" مُشَدَّدَةَ الذالِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في اسْتِعْمالِ القِياسِ والحَضِّ عَلَيْهِ.
الواقعة 56:60
وَقوله عزّ وجلّ:
﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ إنَّكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ ومَن كانَ في حالِهِمْ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن شَجَرٍ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن زَقُّومٍ" لِبَيانِ الجِنْسِ، والضَمِيرُ فِي: "مِنها" عائِدٌ عَلى الشَجَرِ، و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ أو لِابْتِداءِ الغايَةِ، والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى المَأْكُولِ أو عَلى الأكْلِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَآكِلُونَ مِن شَجَرَةٍ" عَلى الإفْرادِ.
و"الهِيمِ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: هو جَمْعُ "أهْيَمُ" وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ -بِضَمِّ الهاءِ- وهو داءٌ مُعَطِّشٌ يَشْرَبُ مَعَهُ الجُمَلُ حَتّى يَمُوتَ أو يُسْقَمَ سَقَمًا شَدِيدًا، والأُنْثى هَيْماءُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ هَيْماءَ كَعَيْناءَ وعَيْنَ وبَيْضاءَ وبِيضَ، وقالَ قَوْمٌ آخَرُونَ: هو جَمْعُ هايمٌ وهايِمَةٌ، وهَذا أيْضًا مِن هَذا المَعْنى لِأنَّ الجَمَلَ إذا أصابَهُ ذَلِكَ هامَ عَلى وجْهِهِ وذَهَبَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسُفْيانُ الثَوْرِيُّ:
الهِيمُ هُنا الرِمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ، وذَلِكَ أنَّ الهُيامَ -بِفَتْحِ الهاءِ- هو الرَمْلُ الدَقُّ الغَمْرُ المُتَراكِمُ، وقالَ ثَعْلَبُ: الهُيامُ: -بِضَمِّ الهاءِ- الرَمْلُ الَّذِي لا يَتَماسَكُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "شَرِبَ الهِيمَ" بِفَتْحِ الشِينِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وشُعَيْبِ بْنِ الحَبْحابِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، ولا خِلافَ أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "شِرْبُ الهِيمِ" بِكَسْرِ الشِينِ، ولا خِلافَ أنَّهُ اسْمٌ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وباقِي السَبْعَةِ: "شُرْبَ الهِيمِ" بِضَمِّ الشِينِ، واخْتُلِفَ فِيهِ - فَقالَ قَوْمٌ: وهو مَصْدَرٌ، وقالَ آخَرُونَ: هو اسْمٌ لِما يُشْرَبُ.
(p-٢٠٤)وَ"النُزُلُ": أوَّلُ ما يَأْكُلُ الضَيْفُ، وقَرَأ عَمْرُو -فِي رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ -: "نُزُلُهُمْ" بِسُكُونِ الزايِ، وقَرَأ الباقُونَ، واليَزِيدِيُّ عن أبِي عَمْرٍو بِضَمِّ الزايِ، وهُما بِمَعْنى كالشُغْلِ والشُغُلِ. و"الدِينُ": الجَزاءُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ الخالِقُ، وحَضَّ عَلى التَصْدِيقِ عَلى وجْهِ التَقْرِيعِ، ثُمَّ ساقَ تَعالى الحُجَّةَ المُوحِيَةَ لِلتَّصْدِيقِ، كانَ مُعْتَرِضًا مِنَ الكُفّارِ قالَ: ولِمَ أُصَدِّقُ؟ فَقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ كَذا وكَذا؟ الآياتُ، ولَيْسَ يُوجَدُ مَفْطُورٌ يَخْفى عَلَيْهِ أنَّ المَنِيَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنهُ لَيْسَ لَهُ فِيهِ عَمَلٌ ولا إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ، و"أمْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ لَيْسَتِ المُعادَلَةَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ لِأنَّ الفِعْلَ قَدْ تَكَرَّرَ، وإنَّما المُعادَلَةُ عِنْدَهُ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو؟ وهَذِهِ الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ مُعادَلَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ مِنَ النُحاةِ. وأمّا إذا تَغايَرَ الفِعْلانِ فَلَيْسَتْ بِمُعادَلَةٍ إجْماعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُمَنُّونَ" بِضَمِّ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبُو السَمالِ: "تُمَنُّونَ" بِفَتْحِ التاءِ، ويُقالُ: "أمْنى الرَجُلُ ومَنّى" بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "نَحْنُ قَدَّرْنا" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ كُثَيِّرٌ وحْدَهُ: "نَحْنُ قَدَرْنا" بِتَخْفِيفِ الدالِّ، والمَعْنى فِيهِما يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: قَضَيْنا وأثْبَتْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: سَوَّيْنا وعَدَلْنا التَقَدُّمُ والتَأخُّرُ، أيْ: جَعَلْنا المَوْتَ رُتَبًا، لَيْسَ يَمُوتُ العالَمُ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِتَرْتِيبٍ لا يَعْدُوهُ أحَدٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ، أيْ: تَمُوتُ طائِفَةٌ ونُبْدِلُها بِطائِفَةٍ، هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ عَلى تَبْدِيلِكم إنْ أرَدْناهُ، وإنْ نُنْشِئْكم بِأوصافٍ لا يَصِلُها عَمَلُكم ولا تُحِيطُ بِها فِكَرُكُمْ، قالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
تَأوَّلَ الحَسَنُ هَذا لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ، وجاءَتْ لِفَظَّةُ السَبْقِ هُنا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ: « "فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تَغْلِبُوا عَلى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ وصَلاةٍ قَبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا لا تَفُوتَنَّكُمْ"».
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "النَشْأةُ" بِسُكُونِ الشِينِ، وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو (p-٢٠٥)الأشْهَبِ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ-: "النَشاءَةَ" بِفَتْحِها وبِالمَدِّ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: أشارَ إلى خَلْقِ آدَمَ ووَقَفَ عَلَيْهِ لِأنَّكَ لا تَجِدُ أحَدًا يُنْكِرُ أنَّهُ مِن وُلِدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّهُ مِن طِينٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أرادَ بِالنَشْأةِ الأُولى نَشْأةَ إنْسانٍ في طُفُولَتِهِ، فَيَعْلَمُ المَرْءُ نَشْأتَهُ كَيْفَ كانَتْ بِما يَرى مِن نَشْأةِ غَيْرِهِ.
ثُمَّ حَضَّضَ تَعالى عَلى التَذَكُّرِ والنَظَرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" مُشَدَّدَةَ الذالِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في اسْتِعْمالِ القِياسِ والحَضِّ عَلَيْهِ.
الواقعة 56:61
وَقوله عزّ وجلّ:
﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ إنَّكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ ومَن كانَ في حالِهِمْ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن شَجَرٍ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن زَقُّومٍ" لِبَيانِ الجِنْسِ، والضَمِيرُ فِي: "مِنها" عائِدٌ عَلى الشَجَرِ، و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ أو لِابْتِداءِ الغايَةِ، والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى المَأْكُولِ أو عَلى الأكْلِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَآكِلُونَ مِن شَجَرَةٍ" عَلى الإفْرادِ.
و"الهِيمِ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: هو جَمْعُ "أهْيَمُ" وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ -بِضَمِّ الهاءِ- وهو داءٌ مُعَطِّشٌ يَشْرَبُ مَعَهُ الجُمَلُ حَتّى يَمُوتَ أو يُسْقَمَ سَقَمًا شَدِيدًا، والأُنْثى هَيْماءُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ هَيْماءَ كَعَيْناءَ وعَيْنَ وبَيْضاءَ وبِيضَ، وقالَ قَوْمٌ آخَرُونَ: هو جَمْعُ هايمٌ وهايِمَةٌ، وهَذا أيْضًا مِن هَذا المَعْنى لِأنَّ الجَمَلَ إذا أصابَهُ ذَلِكَ هامَ عَلى وجْهِهِ وذَهَبَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسُفْيانُ الثَوْرِيُّ:
الهِيمُ هُنا الرِمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ، وذَلِكَ أنَّ الهُيامَ -بِفَتْحِ الهاءِ- هو الرَمْلُ الدَقُّ الغَمْرُ المُتَراكِمُ، وقالَ ثَعْلَبُ: الهُيامُ: -بِضَمِّ الهاءِ- الرَمْلُ الَّذِي لا يَتَماسَكُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "شَرِبَ الهِيمَ" بِفَتْحِ الشِينِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وشُعَيْبِ بْنِ الحَبْحابِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، ولا خِلافَ أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "شِرْبُ الهِيمِ" بِكَسْرِ الشِينِ، ولا خِلافَ أنَّهُ اسْمٌ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وباقِي السَبْعَةِ: "شُرْبَ الهِيمِ" بِضَمِّ الشِينِ، واخْتُلِفَ فِيهِ - فَقالَ قَوْمٌ: وهو مَصْدَرٌ، وقالَ آخَرُونَ: هو اسْمٌ لِما يُشْرَبُ.
(p-٢٠٤)وَ"النُزُلُ": أوَّلُ ما يَأْكُلُ الضَيْفُ، وقَرَأ عَمْرُو -فِي رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ -: "نُزُلُهُمْ" بِسُكُونِ الزايِ، وقَرَأ الباقُونَ، واليَزِيدِيُّ عن أبِي عَمْرٍو بِضَمِّ الزايِ، وهُما بِمَعْنى كالشُغْلِ والشُغُلِ. و"الدِينُ": الجَزاءُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ الخالِقُ، وحَضَّ عَلى التَصْدِيقِ عَلى وجْهِ التَقْرِيعِ، ثُمَّ ساقَ تَعالى الحُجَّةَ المُوحِيَةَ لِلتَّصْدِيقِ، كانَ مُعْتَرِضًا مِنَ الكُفّارِ قالَ: ولِمَ أُصَدِّقُ؟ فَقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ كَذا وكَذا؟ الآياتُ، ولَيْسَ يُوجَدُ مَفْطُورٌ يَخْفى عَلَيْهِ أنَّ المَنِيَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنهُ لَيْسَ لَهُ فِيهِ عَمَلٌ ولا إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ، و"أمْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ لَيْسَتِ المُعادَلَةَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ لِأنَّ الفِعْلَ قَدْ تَكَرَّرَ، وإنَّما المُعادَلَةُ عِنْدَهُ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو؟ وهَذِهِ الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ مُعادَلَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ مِنَ النُحاةِ. وأمّا إذا تَغايَرَ الفِعْلانِ فَلَيْسَتْ بِمُعادَلَةٍ إجْماعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُمَنُّونَ" بِضَمِّ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبُو السَمالِ: "تُمَنُّونَ" بِفَتْحِ التاءِ، ويُقالُ: "أمْنى الرَجُلُ ومَنّى" بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "نَحْنُ قَدَّرْنا" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ كُثَيِّرٌ وحْدَهُ: "نَحْنُ قَدَرْنا" بِتَخْفِيفِ الدالِّ، والمَعْنى فِيهِما يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: قَضَيْنا وأثْبَتْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: سَوَّيْنا وعَدَلْنا التَقَدُّمُ والتَأخُّرُ، أيْ: جَعَلْنا المَوْتَ رُتَبًا، لَيْسَ يَمُوتُ العالَمُ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِتَرْتِيبٍ لا يَعْدُوهُ أحَدٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ، أيْ: تَمُوتُ طائِفَةٌ ونُبْدِلُها بِطائِفَةٍ، هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ عَلى تَبْدِيلِكم إنْ أرَدْناهُ، وإنْ نُنْشِئْكم بِأوصافٍ لا يَصِلُها عَمَلُكم ولا تُحِيطُ بِها فِكَرُكُمْ، قالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
تَأوَّلَ الحَسَنُ هَذا لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ، وجاءَتْ لِفَظَّةُ السَبْقِ هُنا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ: « "فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تَغْلِبُوا عَلى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ وصَلاةٍ قَبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا لا تَفُوتَنَّكُمْ"».
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "النَشْأةُ" بِسُكُونِ الشِينِ، وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو (p-٢٠٥)الأشْهَبِ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ-: "النَشاءَةَ" بِفَتْحِها وبِالمَدِّ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: أشارَ إلى خَلْقِ آدَمَ ووَقَفَ عَلَيْهِ لِأنَّكَ لا تَجِدُ أحَدًا يُنْكِرُ أنَّهُ مِن وُلِدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّهُ مِن طِينٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أرادَ بِالنَشْأةِ الأُولى نَشْأةَ إنْسانٍ في طُفُولَتِهِ، فَيَعْلَمُ المَرْءُ نَشْأتَهُ كَيْفَ كانَتْ بِما يَرى مِن نَشْأةِ غَيْرِهِ.
ثُمَّ حَضَّضَ تَعالى عَلى التَذَكُّرِ والنَظَرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" مُشَدَّدَةَ الذالِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في اسْتِعْمالِ القِياسِ والحَضِّ عَلَيْهِ.
الواقعة 56:62
وَقوله عزّ وجلّ:
﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ إنَّكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ ومَن كانَ في حالِهِمْ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن شَجَرٍ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن زَقُّومٍ" لِبَيانِ الجِنْسِ، والضَمِيرُ فِي: "مِنها" عائِدٌ عَلى الشَجَرِ، و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ أو لِابْتِداءِ الغايَةِ، والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى المَأْكُولِ أو عَلى الأكْلِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَآكِلُونَ مِن شَجَرَةٍ" عَلى الإفْرادِ.
و"الهِيمِ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: هو جَمْعُ "أهْيَمُ" وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ -بِضَمِّ الهاءِ- وهو داءٌ مُعَطِّشٌ يَشْرَبُ مَعَهُ الجُمَلُ حَتّى يَمُوتَ أو يُسْقَمَ سَقَمًا شَدِيدًا، والأُنْثى هَيْماءُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ هَيْماءَ كَعَيْناءَ وعَيْنَ وبَيْضاءَ وبِيضَ، وقالَ قَوْمٌ آخَرُونَ: هو جَمْعُ هايمٌ وهايِمَةٌ، وهَذا أيْضًا مِن هَذا المَعْنى لِأنَّ الجَمَلَ إذا أصابَهُ ذَلِكَ هامَ عَلى وجْهِهِ وذَهَبَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسُفْيانُ الثَوْرِيُّ:
الهِيمُ هُنا الرِمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ، وذَلِكَ أنَّ الهُيامَ -بِفَتْحِ الهاءِ- هو الرَمْلُ الدَقُّ الغَمْرُ المُتَراكِمُ، وقالَ ثَعْلَبُ: الهُيامُ: -بِضَمِّ الهاءِ- الرَمْلُ الَّذِي لا يَتَماسَكُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "شَرِبَ الهِيمَ" بِفَتْحِ الشِينِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وشُعَيْبِ بْنِ الحَبْحابِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، ولا خِلافَ أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "شِرْبُ الهِيمِ" بِكَسْرِ الشِينِ، ولا خِلافَ أنَّهُ اسْمٌ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وباقِي السَبْعَةِ: "شُرْبَ الهِيمِ" بِضَمِّ الشِينِ، واخْتُلِفَ فِيهِ - فَقالَ قَوْمٌ: وهو مَصْدَرٌ، وقالَ آخَرُونَ: هو اسْمٌ لِما يُشْرَبُ.
(p-٢٠٤)وَ"النُزُلُ": أوَّلُ ما يَأْكُلُ الضَيْفُ، وقَرَأ عَمْرُو -فِي رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ -: "نُزُلُهُمْ" بِسُكُونِ الزايِ، وقَرَأ الباقُونَ، واليَزِيدِيُّ عن أبِي عَمْرٍو بِضَمِّ الزايِ، وهُما بِمَعْنى كالشُغْلِ والشُغُلِ. و"الدِينُ": الجَزاءُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ الخالِقُ، وحَضَّ عَلى التَصْدِيقِ عَلى وجْهِ التَقْرِيعِ، ثُمَّ ساقَ تَعالى الحُجَّةَ المُوحِيَةَ لِلتَّصْدِيقِ، كانَ مُعْتَرِضًا مِنَ الكُفّارِ قالَ: ولِمَ أُصَدِّقُ؟ فَقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ كَذا وكَذا؟ الآياتُ، ولَيْسَ يُوجَدُ مَفْطُورٌ يَخْفى عَلَيْهِ أنَّ المَنِيَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنهُ لَيْسَ لَهُ فِيهِ عَمَلٌ ولا إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ، و"أمْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ لَيْسَتِ المُعادَلَةَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ لِأنَّ الفِعْلَ قَدْ تَكَرَّرَ، وإنَّما المُعادَلَةُ عِنْدَهُ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو؟ وهَذِهِ الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ مُعادَلَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ مِنَ النُحاةِ. وأمّا إذا تَغايَرَ الفِعْلانِ فَلَيْسَتْ بِمُعادَلَةٍ إجْماعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُمَنُّونَ" بِضَمِّ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبُو السَمالِ: "تُمَنُّونَ" بِفَتْحِ التاءِ، ويُقالُ: "أمْنى الرَجُلُ ومَنّى" بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "نَحْنُ قَدَّرْنا" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ كُثَيِّرٌ وحْدَهُ: "نَحْنُ قَدَرْنا" بِتَخْفِيفِ الدالِّ، والمَعْنى فِيهِما يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: قَضَيْنا وأثْبَتْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: سَوَّيْنا وعَدَلْنا التَقَدُّمُ والتَأخُّرُ، أيْ: جَعَلْنا المَوْتَ رُتَبًا، لَيْسَ يَمُوتُ العالَمُ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِتَرْتِيبٍ لا يَعْدُوهُ أحَدٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ، أيْ: تَمُوتُ طائِفَةٌ ونُبْدِلُها بِطائِفَةٍ، هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ عَلى تَبْدِيلِكم إنْ أرَدْناهُ، وإنْ نُنْشِئْكم بِأوصافٍ لا يَصِلُها عَمَلُكم ولا تُحِيطُ بِها فِكَرُكُمْ، قالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
تَأوَّلَ الحَسَنُ هَذا لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ، وجاءَتْ لِفَظَّةُ السَبْقِ هُنا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ: « "فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تَغْلِبُوا عَلى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ وصَلاةٍ قَبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا لا تَفُوتَنَّكُمْ"».
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "النَشْأةُ" بِسُكُونِ الشِينِ، وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو (p-٢٠٥)الأشْهَبِ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ-: "النَشاءَةَ" بِفَتْحِها وبِالمَدِّ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: أشارَ إلى خَلْقِ آدَمَ ووَقَفَ عَلَيْهِ لِأنَّكَ لا تَجِدُ أحَدًا يُنْكِرُ أنَّهُ مِن وُلِدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّهُ مِن طِينٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أرادَ بِالنَشْأةِ الأُولى نَشْأةَ إنْسانٍ في طُفُولَتِهِ، فَيَعْلَمُ المَرْءُ نَشْأتَهُ كَيْفَ كانَتْ بِما يَرى مِن نَشْأةِ غَيْرِهِ.
ثُمَّ حَضَّضَ تَعالى عَلى التَذَكُّرِ والنَظَرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" مُشَدَّدَةَ الذالِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في اسْتِعْمالِ القِياسِ والحَضِّ عَلَيْهِ.
الواقعة 56:63
قوله عزّ وجلّ:
﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾
وقَفَ تَعالى الكُفّارَ عَلى أمْرِ الزَرْعِ الَّذِي هو قِوامُ العَيْشِ، وبَيَّنَ لِكُلِّ مَفْطُورٍ أنَّ الحِراثَ الَّذِي يُثِيرُ الأرْضَ ويَفْرِقُ الحَبَّ لَيْسَ يَفْعَلُ في نَباتِ الزَرْعِ شَيْئًا، وقَدْ يُسَمّى الإنْسانُ زارِعًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "يُعْجِبُ الزُرّاعَ"، لَكِنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ زَرْعًا يَتِمُّ أمْ نَحْنُ؟ ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ هَذِهِ الآيَةَ.
(p-٢٠٦)و"الحُطامُ": اليابِسُ المُتَفَتِّتُ مِنَ النَباتِ الصائِرِ إلى ذَهابٍ، وبِهِ شُبِّهَ حُطامُ الدُنْيا، وقِيلَ: المَعْنى: تَبْتًا لا قَمْحَ فِيهِ، "تَفَكَّهُونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: تَعْجَبُونَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: تُلاوِمُونَ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: تَعْجَبُونَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: تَتَفَجَّعُونَ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ لا يَخُصُّ اللَفْظَةَ، والَّذِي يَخُصُّ اللَفْظَ، هُوَ: تَطْرَحُونَ الفاكِهَةَ عن أنْفُسِكُمْ، وهي المَسَرَّةُ والجَزْلَ، ورَجُلٌ فَكِهٌ إذا كانَ مُنْبَسِطَ النَفْسِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِالشَيْءِ، و"تَفَكَّهَ" مِن أخَواتِ "تَحَرَّجَ" و"تَحَوَّبَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَظَلْتُمْ" بِفَتْحِ الظاءِ، ورَوى سُفْيانُ الثَوْرِيُّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ كَسْرَ الظاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: طُرِحَتْ عَلَيْها حَرَكَةُ اللامِ المَحْزُوفَةِ، وذَلِكَ رَدِيءٌ في القِياسِ، وهي قِراءَةُ أبُو حَيْوَةَ، ورَوى أحْمَدُ بْنُ مُوسى: "فَظَلَلْتُمْ" بِلامَيْنِ الأُولى مَفْتُوحَةٌ عَنِ الجَحْدَرِيُّ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِكَسْرِ اللامِ الأُولى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ قَبْلَهُ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: "يَقُولُونَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "أئِنّا لَمُغْرَمُونَ" بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: إنّا لَمُعَذَّبُونَ مِنَ الغَرامِ، وهو أشَدُّ العَذابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ إنْ يُعَذِّبْ يَكُنْ غَرامًا وإنَّ يُعْـ ـطَ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنّا لَمُحَمَّلُونَ الغَرامَ، أيْ: غَرِمْنا في النَفَقَةِ وذِهابِ زَرْعِنا، تَقُولُ: "غَرِمَ الرَجُلُ وأغْرَمْتُهُ فَهو مُغْرَمٌ"، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "المَحْرُومُ" وأنَّهُ المَحْدُودُ والمُحارِفُ.
و"المُزْنِ": السَحابُ بِلا خِلافٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٢٠٧)
؎ ونَحْنُ كَماءِ المُزْنِ ما في نِصابِنا ∗∗∗ كَهامٍّ ولا فِينا يُعَدُّ بِخَيْلٍ
و"الأُجاجُ" أشَدُّ المِياهِ مُلُوحَةُ، وهو ماءُ البَحْرِ الأخْضَرِ. و"تُورُونَ" مَعْناهُ: تَقْتَدِحُونَ مِنَ الأزْنُدِ، تَقُولُ: أوُرِيتُ النارَ مِنَ الزِنادِ، ورَوى الزِنادُ نَفْسُهُ، والزِنادُ قَدْ يَكُونُ مِن حَجَرَيْنِ ومِن حَجَرٍ وحَدِيدَةٍ ومِن شَجَرٍ لا سِيَّما في بِلادِ العَرَبِ، فَإنَّ أزْنُدَهم مِن شَجَرٍ ولا سِيَّما في الشَجَرِ الرَخْوِ كالمَرْخِ والعِفارِ والكَلْخِ وما أشْبَهَ، ولِعادَةِ العَرَبِ في أنَّ زِنادَهم مِن شَجَرٍ قالَ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها﴾، وقالَ بَعْضُ أهْلِ النَظَرِ: أرادَ بِالشَجَرَةِ نَفْسَ النارِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: نَوْعُها أو جِنْسُها، فاسْتَعارَ الشَجَرَةَ لِذَلِكَ، وهو قَوْلٌ فِيهِ تَكَلُّفٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آنْتُمْ" بِالمَدِّ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو، وعِيسى: "أنْتُمْ" بِغَيْرِ مَدٍّ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ.
و"تَذْكِرَةً" مَعْناهُ: تُذَكِّرُ نارَ جَهَنَّمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، و"المَتاعُ" ما يُنْتَفَعُ بِهِ، و"المُقْوِينَ" بِأشْياءَ ضَعِيفَةٍ، كَقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: الخائِفُونَ ونَحْوُهُ، ولا يَقُومُ مِنها إلّا ما ذَكَرْناهُ، ومَن قالَ مَعْناهُ: المُسافِرُونَ فَهو نَحْوُ ما قُلْناهُ، وهي عِبارَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ لِلَّهِ عنهُما، تَقُولُ: "أصْبَحَ الرَجُلُ" دَخَلَ في الصَباحِ، و"أصْحَرَ" دَخَلَ في الصَحْراءِ، و"أقْوى" دَخَلَ في الأرْضِ القِواءِ، ومِنهُ "أقْوَتِ الدارُ، أقْوى الطَلَلُ" أيْ: صارَ قِواءً، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:
؎ ................... ∗∗∗ أقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأبَدِ
(p-٢٠٨)وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎ ............... ∗∗∗ أقْوى وأقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ
والفَقِيرُ والغَنِيُّ إذًا أقْوَيا، سَواءٌ في الحاجَةِ إلى النارِ، ولا شَيْءَ يُغْنِي غِناها في البَرْدِ، ومَن قالَ: "إنَّ أقْوى مِنَ الأضْدادِ مِن حَيْثُ يُقالُ أقْوى الرَجُلُ إذا قَوِيَتْ دابَّتُهُ" فَقَدْ أخْطَأ، وذَلِكَ فِعْلٌ آخَرُ كَأتْرَبَ إذا أثْرى.
ثُمَّ أمَرَ تَبارَكَ تَعالى نَبِيَّهُ بِتَنْزِيهِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ وتَنْزِيهِ أسْمائِهِ العُلى عَمّا يَقُولُهُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ حَجُّوا في هَذِهِ الآياتِ.
الواقعة 56:64
قوله عزّ وجلّ:
﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾
وقَفَ تَعالى الكُفّارَ عَلى أمْرِ الزَرْعِ الَّذِي هو قِوامُ العَيْشِ، وبَيَّنَ لِكُلِّ مَفْطُورٍ أنَّ الحِراثَ الَّذِي يُثِيرُ الأرْضَ ويَفْرِقُ الحَبَّ لَيْسَ يَفْعَلُ في نَباتِ الزَرْعِ شَيْئًا، وقَدْ يُسَمّى الإنْسانُ زارِعًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "يُعْجِبُ الزُرّاعَ"، لَكِنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ زَرْعًا يَتِمُّ أمْ نَحْنُ؟ ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ هَذِهِ الآيَةَ.
(p-٢٠٦)و"الحُطامُ": اليابِسُ المُتَفَتِّتُ مِنَ النَباتِ الصائِرِ إلى ذَهابٍ، وبِهِ شُبِّهَ حُطامُ الدُنْيا، وقِيلَ: المَعْنى: تَبْتًا لا قَمْحَ فِيهِ، "تَفَكَّهُونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: تَعْجَبُونَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: تُلاوِمُونَ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: تَعْجَبُونَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: تَتَفَجَّعُونَ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ لا يَخُصُّ اللَفْظَةَ، والَّذِي يَخُصُّ اللَفْظَ، هُوَ: تَطْرَحُونَ الفاكِهَةَ عن أنْفُسِكُمْ، وهي المَسَرَّةُ والجَزْلَ، ورَجُلٌ فَكِهٌ إذا كانَ مُنْبَسِطَ النَفْسِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِالشَيْءِ، و"تَفَكَّهَ" مِن أخَواتِ "تَحَرَّجَ" و"تَحَوَّبَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَظَلْتُمْ" بِفَتْحِ الظاءِ، ورَوى سُفْيانُ الثَوْرِيُّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ كَسْرَ الظاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: طُرِحَتْ عَلَيْها حَرَكَةُ اللامِ المَحْزُوفَةِ، وذَلِكَ رَدِيءٌ في القِياسِ، وهي قِراءَةُ أبُو حَيْوَةَ، ورَوى أحْمَدُ بْنُ مُوسى: "فَظَلَلْتُمْ" بِلامَيْنِ الأُولى مَفْتُوحَةٌ عَنِ الجَحْدَرِيُّ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِكَسْرِ اللامِ الأُولى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ قَبْلَهُ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: "يَقُولُونَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "أئِنّا لَمُغْرَمُونَ" بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: إنّا لَمُعَذَّبُونَ مِنَ الغَرامِ، وهو أشَدُّ العَذابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ إنْ يُعَذِّبْ يَكُنْ غَرامًا وإنَّ يُعْـ ـطَ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنّا لَمُحَمَّلُونَ الغَرامَ، أيْ: غَرِمْنا في النَفَقَةِ وذِهابِ زَرْعِنا، تَقُولُ: "غَرِمَ الرَجُلُ وأغْرَمْتُهُ فَهو مُغْرَمٌ"، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "المَحْرُومُ" وأنَّهُ المَحْدُودُ والمُحارِفُ.
و"المُزْنِ": السَحابُ بِلا خِلافٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٢٠٧)
؎ ونَحْنُ كَماءِ المُزْنِ ما في نِصابِنا ∗∗∗ كَهامٍّ ولا فِينا يُعَدُّ بِخَيْلٍ
و"الأُجاجُ" أشَدُّ المِياهِ مُلُوحَةُ، وهو ماءُ البَحْرِ الأخْضَرِ. و"تُورُونَ" مَعْناهُ: تَقْتَدِحُونَ مِنَ الأزْنُدِ، تَقُولُ: أوُرِيتُ النارَ مِنَ الزِنادِ، ورَوى الزِنادُ نَفْسُهُ، والزِنادُ قَدْ يَكُونُ مِن حَجَرَيْنِ ومِن حَجَرٍ وحَدِيدَةٍ ومِن شَجَرٍ لا سِيَّما في بِلادِ العَرَبِ، فَإنَّ أزْنُدَهم مِن شَجَرٍ ولا سِيَّما في الشَجَرِ الرَخْوِ كالمَرْخِ والعِفارِ والكَلْخِ وما أشْبَهَ، ولِعادَةِ العَرَبِ في أنَّ زِنادَهم مِن شَجَرٍ قالَ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها﴾، وقالَ بَعْضُ أهْلِ النَظَرِ: أرادَ بِالشَجَرَةِ نَفْسَ النارِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: نَوْعُها أو جِنْسُها، فاسْتَعارَ الشَجَرَةَ لِذَلِكَ، وهو قَوْلٌ فِيهِ تَكَلُّفٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آنْتُمْ" بِالمَدِّ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو، وعِيسى: "أنْتُمْ" بِغَيْرِ مَدٍّ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ.
و"تَذْكِرَةً" مَعْناهُ: تُذَكِّرُ نارَ جَهَنَّمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، و"المَتاعُ" ما يُنْتَفَعُ بِهِ، و"المُقْوِينَ" بِأشْياءَ ضَعِيفَةٍ، كَقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: الخائِفُونَ ونَحْوُهُ، ولا يَقُومُ مِنها إلّا ما ذَكَرْناهُ، ومَن قالَ مَعْناهُ: المُسافِرُونَ فَهو نَحْوُ ما قُلْناهُ، وهي عِبارَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ لِلَّهِ عنهُما، تَقُولُ: "أصْبَحَ الرَجُلُ" دَخَلَ في الصَباحِ، و"أصْحَرَ" دَخَلَ في الصَحْراءِ، و"أقْوى" دَخَلَ في الأرْضِ القِواءِ، ومِنهُ "أقْوَتِ الدارُ، أقْوى الطَلَلُ" أيْ: صارَ قِواءً، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:
؎ ................... ∗∗∗ أقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأبَدِ
(p-٢٠٨)وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎ ............... ∗∗∗ أقْوى وأقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ
والفَقِيرُ والغَنِيُّ إذًا أقْوَيا، سَواءٌ في الحاجَةِ إلى النارِ، ولا شَيْءَ يُغْنِي غِناها في البَرْدِ، ومَن قالَ: "إنَّ أقْوى مِنَ الأضْدادِ مِن حَيْثُ يُقالُ أقْوى الرَجُلُ إذا قَوِيَتْ دابَّتُهُ" فَقَدْ أخْطَأ، وذَلِكَ فِعْلٌ آخَرُ كَأتْرَبَ إذا أثْرى.
ثُمَّ أمَرَ تَبارَكَ تَعالى نَبِيَّهُ بِتَنْزِيهِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ وتَنْزِيهِ أسْمائِهِ العُلى عَمّا يَقُولُهُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ حَجُّوا في هَذِهِ الآياتِ.
الواقعة 56:65
قوله عزّ وجلّ:
﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾
وقَفَ تَعالى الكُفّارَ عَلى أمْرِ الزَرْعِ الَّذِي هو قِوامُ العَيْشِ، وبَيَّنَ لِكُلِّ مَفْطُورٍ أنَّ الحِراثَ الَّذِي يُثِيرُ الأرْضَ ويَفْرِقُ الحَبَّ لَيْسَ يَفْعَلُ في نَباتِ الزَرْعِ شَيْئًا، وقَدْ يُسَمّى الإنْسانُ زارِعًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "يُعْجِبُ الزُرّاعَ"، لَكِنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ زَرْعًا يَتِمُّ أمْ نَحْنُ؟ ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ هَذِهِ الآيَةَ.
(p-٢٠٦)و"الحُطامُ": اليابِسُ المُتَفَتِّتُ مِنَ النَباتِ الصائِرِ إلى ذَهابٍ، وبِهِ شُبِّهَ حُطامُ الدُنْيا، وقِيلَ: المَعْنى: تَبْتًا لا قَمْحَ فِيهِ، "تَفَكَّهُونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: تَعْجَبُونَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: تُلاوِمُونَ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: تَعْجَبُونَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: تَتَفَجَّعُونَ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ لا يَخُصُّ اللَفْظَةَ، والَّذِي يَخُصُّ اللَفْظَ، هُوَ: تَطْرَحُونَ الفاكِهَةَ عن أنْفُسِكُمْ، وهي المَسَرَّةُ والجَزْلَ، ورَجُلٌ فَكِهٌ إذا كانَ مُنْبَسِطَ النَفْسِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِالشَيْءِ، و"تَفَكَّهَ" مِن أخَواتِ "تَحَرَّجَ" و"تَحَوَّبَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَظَلْتُمْ" بِفَتْحِ الظاءِ، ورَوى سُفْيانُ الثَوْرِيُّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ كَسْرَ الظاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: طُرِحَتْ عَلَيْها حَرَكَةُ اللامِ المَحْزُوفَةِ، وذَلِكَ رَدِيءٌ في القِياسِ، وهي قِراءَةُ أبُو حَيْوَةَ، ورَوى أحْمَدُ بْنُ مُوسى: "فَظَلَلْتُمْ" بِلامَيْنِ الأُولى مَفْتُوحَةٌ عَنِ الجَحْدَرِيُّ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِكَسْرِ اللامِ الأُولى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ قَبْلَهُ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: "يَقُولُونَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "أئِنّا لَمُغْرَمُونَ" بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: إنّا لَمُعَذَّبُونَ مِنَ الغَرامِ، وهو أشَدُّ العَذابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ إنْ يُعَذِّبْ يَكُنْ غَرامًا وإنَّ يُعْـ ـطَ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنّا لَمُحَمَّلُونَ الغَرامَ، أيْ: غَرِمْنا في النَفَقَةِ وذِهابِ زَرْعِنا، تَقُولُ: "غَرِمَ الرَجُلُ وأغْرَمْتُهُ فَهو مُغْرَمٌ"، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "المَحْرُومُ" وأنَّهُ المَحْدُودُ والمُحارِفُ.
و"المُزْنِ": السَحابُ بِلا خِلافٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٢٠٧)
؎ ونَحْنُ كَماءِ المُزْنِ ما في نِصابِنا ∗∗∗ كَهامٍّ ولا فِينا يُعَدُّ بِخَيْلٍ
و"الأُجاجُ" أشَدُّ المِياهِ مُلُوحَةُ، وهو ماءُ البَحْرِ الأخْضَرِ. و"تُورُونَ" مَعْناهُ: تَقْتَدِحُونَ مِنَ الأزْنُدِ، تَقُولُ: أوُرِيتُ النارَ مِنَ الزِنادِ، ورَوى الزِنادُ نَفْسُهُ، والزِنادُ قَدْ يَكُونُ مِن حَجَرَيْنِ ومِن حَجَرٍ وحَدِيدَةٍ ومِن شَجَرٍ لا سِيَّما في بِلادِ العَرَبِ، فَإنَّ أزْنُدَهم مِن شَجَرٍ ولا سِيَّما في الشَجَرِ الرَخْوِ كالمَرْخِ والعِفارِ والكَلْخِ وما أشْبَهَ، ولِعادَةِ العَرَبِ في أنَّ زِنادَهم مِن شَجَرٍ قالَ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها﴾، وقالَ بَعْضُ أهْلِ النَظَرِ: أرادَ بِالشَجَرَةِ نَفْسَ النارِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: نَوْعُها أو جِنْسُها، فاسْتَعارَ الشَجَرَةَ لِذَلِكَ، وهو قَوْلٌ فِيهِ تَكَلُّفٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آنْتُمْ" بِالمَدِّ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو، وعِيسى: "أنْتُمْ" بِغَيْرِ مَدٍّ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ.
و"تَذْكِرَةً" مَعْناهُ: تُذَكِّرُ نارَ جَهَنَّمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، و"المَتاعُ" ما يُنْتَفَعُ بِهِ، و"المُقْوِينَ" بِأشْياءَ ضَعِيفَةٍ، كَقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: الخائِفُونَ ونَحْوُهُ، ولا يَقُومُ مِنها إلّا ما ذَكَرْناهُ، ومَن قالَ مَعْناهُ: المُسافِرُونَ فَهو نَحْوُ ما قُلْناهُ، وهي عِبارَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ لِلَّهِ عنهُما، تَقُولُ: "أصْبَحَ الرَجُلُ" دَخَلَ في الصَباحِ، و"أصْحَرَ" دَخَلَ في الصَحْراءِ، و"أقْوى" دَخَلَ في الأرْضِ القِواءِ، ومِنهُ "أقْوَتِ الدارُ، أقْوى الطَلَلُ" أيْ: صارَ قِواءً، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:
؎ ................... ∗∗∗ أقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأبَدِ
(p-٢٠٨)وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎ ............... ∗∗∗ أقْوى وأقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ
والفَقِيرُ والغَنِيُّ إذًا أقْوَيا، سَواءٌ في الحاجَةِ إلى النارِ، ولا شَيْءَ يُغْنِي غِناها في البَرْدِ، ومَن قالَ: "إنَّ أقْوى مِنَ الأضْدادِ مِن حَيْثُ يُقالُ أقْوى الرَجُلُ إذا قَوِيَتْ دابَّتُهُ" فَقَدْ أخْطَأ، وذَلِكَ فِعْلٌ آخَرُ كَأتْرَبَ إذا أثْرى.
ثُمَّ أمَرَ تَبارَكَ تَعالى نَبِيَّهُ بِتَنْزِيهِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ وتَنْزِيهِ أسْمائِهِ العُلى عَمّا يَقُولُهُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ حَجُّوا في هَذِهِ الآياتِ.
الواقعة 56:66
قوله عزّ وجلّ:
﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾
وقَفَ تَعالى الكُفّارَ عَلى أمْرِ الزَرْعِ الَّذِي هو قِوامُ العَيْشِ، وبَيَّنَ لِكُلِّ مَفْطُورٍ أنَّ الحِراثَ الَّذِي يُثِيرُ الأرْضَ ويَفْرِقُ الحَبَّ لَيْسَ يَفْعَلُ في نَباتِ الزَرْعِ شَيْئًا، وقَدْ يُسَمّى الإنْسانُ زارِعًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "يُعْجِبُ الزُرّاعَ"، لَكِنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ زَرْعًا يَتِمُّ أمْ نَحْنُ؟ ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ هَذِهِ الآيَةَ.
(p-٢٠٦)و"الحُطامُ": اليابِسُ المُتَفَتِّتُ مِنَ النَباتِ الصائِرِ إلى ذَهابٍ، وبِهِ شُبِّهَ حُطامُ الدُنْيا، وقِيلَ: المَعْنى: تَبْتًا لا قَمْحَ فِيهِ، "تَفَكَّهُونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: تَعْجَبُونَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: تُلاوِمُونَ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: تَعْجَبُونَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: تَتَفَجَّعُونَ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ لا يَخُصُّ اللَفْظَةَ، والَّذِي يَخُصُّ اللَفْظَ، هُوَ: تَطْرَحُونَ الفاكِهَةَ عن أنْفُسِكُمْ، وهي المَسَرَّةُ والجَزْلَ، ورَجُلٌ فَكِهٌ إذا كانَ مُنْبَسِطَ النَفْسِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِالشَيْءِ، و"تَفَكَّهَ" مِن أخَواتِ "تَحَرَّجَ" و"تَحَوَّبَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَظَلْتُمْ" بِفَتْحِ الظاءِ، ورَوى سُفْيانُ الثَوْرِيُّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ كَسْرَ الظاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: طُرِحَتْ عَلَيْها حَرَكَةُ اللامِ المَحْزُوفَةِ، وذَلِكَ رَدِيءٌ في القِياسِ، وهي قِراءَةُ أبُو حَيْوَةَ، ورَوى أحْمَدُ بْنُ مُوسى: "فَظَلَلْتُمْ" بِلامَيْنِ الأُولى مَفْتُوحَةٌ عَنِ الجَحْدَرِيُّ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِكَسْرِ اللامِ الأُولى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ قَبْلَهُ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: "يَقُولُونَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "أئِنّا لَمُغْرَمُونَ" بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: إنّا لَمُعَذَّبُونَ مِنَ الغَرامِ، وهو أشَدُّ العَذابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ إنْ يُعَذِّبْ يَكُنْ غَرامًا وإنَّ يُعْـ ـطَ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنّا لَمُحَمَّلُونَ الغَرامَ، أيْ: غَرِمْنا في النَفَقَةِ وذِهابِ زَرْعِنا، تَقُولُ: "غَرِمَ الرَجُلُ وأغْرَمْتُهُ فَهو مُغْرَمٌ"، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "المَحْرُومُ" وأنَّهُ المَحْدُودُ والمُحارِفُ.
و"المُزْنِ": السَحابُ بِلا خِلافٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٢٠٧)
؎ ونَحْنُ كَماءِ المُزْنِ ما في نِصابِنا ∗∗∗ كَهامٍّ ولا فِينا يُعَدُّ بِخَيْلٍ
و"الأُجاجُ" أشَدُّ المِياهِ مُلُوحَةُ، وهو ماءُ البَحْرِ الأخْضَرِ. و"تُورُونَ" مَعْناهُ: تَقْتَدِحُونَ مِنَ الأزْنُدِ، تَقُولُ: أوُرِيتُ النارَ مِنَ الزِنادِ، ورَوى الزِنادُ نَفْسُهُ، والزِنادُ قَدْ يَكُونُ مِن حَجَرَيْنِ ومِن حَجَرٍ وحَدِيدَةٍ ومِن شَجَرٍ لا سِيَّما في بِلادِ العَرَبِ، فَإنَّ أزْنُدَهم مِن شَجَرٍ ولا سِيَّما في الشَجَرِ الرَخْوِ كالمَرْخِ والعِفارِ والكَلْخِ وما أشْبَهَ، ولِعادَةِ العَرَبِ في أنَّ زِنادَهم مِن شَجَرٍ قالَ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها﴾، وقالَ بَعْضُ أهْلِ النَظَرِ: أرادَ بِالشَجَرَةِ نَفْسَ النارِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: نَوْعُها أو جِنْسُها، فاسْتَعارَ الشَجَرَةَ لِذَلِكَ، وهو قَوْلٌ فِيهِ تَكَلُّفٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آنْتُمْ" بِالمَدِّ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو، وعِيسى: "أنْتُمْ" بِغَيْرِ مَدٍّ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ.
و"تَذْكِرَةً" مَعْناهُ: تُذَكِّرُ نارَ جَهَنَّمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، و"المَتاعُ" ما يُنْتَفَعُ بِهِ، و"المُقْوِينَ" بِأشْياءَ ضَعِيفَةٍ، كَقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: الخائِفُونَ ونَحْوُهُ، ولا يَقُومُ مِنها إلّا ما ذَكَرْناهُ، ومَن قالَ مَعْناهُ: المُسافِرُونَ فَهو نَحْوُ ما قُلْناهُ، وهي عِبارَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ لِلَّهِ عنهُما، تَقُولُ: "أصْبَحَ الرَجُلُ" دَخَلَ في الصَباحِ، و"أصْحَرَ" دَخَلَ في الصَحْراءِ، و"أقْوى" دَخَلَ في الأرْضِ القِواءِ، ومِنهُ "أقْوَتِ الدارُ، أقْوى الطَلَلُ" أيْ: صارَ قِواءً، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:
؎ ................... ∗∗∗ أقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأبَدِ
(p-٢٠٨)وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎ ............... ∗∗∗ أقْوى وأقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ
والفَقِيرُ والغَنِيُّ إذًا أقْوَيا، سَواءٌ في الحاجَةِ إلى النارِ، ولا شَيْءَ يُغْنِي غِناها في البَرْدِ، ومَن قالَ: "إنَّ أقْوى مِنَ الأضْدادِ مِن حَيْثُ يُقالُ أقْوى الرَجُلُ إذا قَوِيَتْ دابَّتُهُ" فَقَدْ أخْطَأ، وذَلِكَ فِعْلٌ آخَرُ كَأتْرَبَ إذا أثْرى.
ثُمَّ أمَرَ تَبارَكَ تَعالى نَبِيَّهُ بِتَنْزِيهِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ وتَنْزِيهِ أسْمائِهِ العُلى عَمّا يَقُولُهُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ حَجُّوا في هَذِهِ الآياتِ.
الواقعة 56:67
قوله عزّ وجلّ:
﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾
وقَفَ تَعالى الكُفّارَ عَلى أمْرِ الزَرْعِ الَّذِي هو قِوامُ العَيْشِ، وبَيَّنَ لِكُلِّ مَفْطُورٍ أنَّ الحِراثَ الَّذِي يُثِيرُ الأرْضَ ويَفْرِقُ الحَبَّ لَيْسَ يَفْعَلُ في نَباتِ الزَرْعِ شَيْئًا، وقَدْ يُسَمّى الإنْسانُ زارِعًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "يُعْجِبُ الزُرّاعَ"، لَكِنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ زَرْعًا يَتِمُّ أمْ نَحْنُ؟ ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ هَذِهِ الآيَةَ.
(p-٢٠٦)و"الحُطامُ": اليابِسُ المُتَفَتِّتُ مِنَ النَباتِ الصائِرِ إلى ذَهابٍ، وبِهِ شُبِّهَ حُطامُ الدُنْيا، وقِيلَ: المَعْنى: تَبْتًا لا قَمْحَ فِيهِ، "تَفَكَّهُونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: تَعْجَبُونَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: تُلاوِمُونَ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: تَعْجَبُونَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: تَتَفَجَّعُونَ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ لا يَخُصُّ اللَفْظَةَ، والَّذِي يَخُصُّ اللَفْظَ، هُوَ: تَطْرَحُونَ الفاكِهَةَ عن أنْفُسِكُمْ، وهي المَسَرَّةُ والجَزْلَ، ورَجُلٌ فَكِهٌ إذا كانَ مُنْبَسِطَ النَفْسِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِالشَيْءِ، و"تَفَكَّهَ" مِن أخَواتِ "تَحَرَّجَ" و"تَحَوَّبَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَظَلْتُمْ" بِفَتْحِ الظاءِ، ورَوى سُفْيانُ الثَوْرِيُّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ كَسْرَ الظاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: طُرِحَتْ عَلَيْها حَرَكَةُ اللامِ المَحْزُوفَةِ، وذَلِكَ رَدِيءٌ في القِياسِ، وهي قِراءَةُ أبُو حَيْوَةَ، ورَوى أحْمَدُ بْنُ مُوسى: "فَظَلَلْتُمْ" بِلامَيْنِ الأُولى مَفْتُوحَةٌ عَنِ الجَحْدَرِيُّ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِكَسْرِ اللامِ الأُولى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ قَبْلَهُ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: "يَقُولُونَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "أئِنّا لَمُغْرَمُونَ" بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: إنّا لَمُعَذَّبُونَ مِنَ الغَرامِ، وهو أشَدُّ العَذابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ إنْ يُعَذِّبْ يَكُنْ غَرامًا وإنَّ يُعْـ ـطَ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنّا لَمُحَمَّلُونَ الغَرامَ، أيْ: غَرِمْنا في النَفَقَةِ وذِهابِ زَرْعِنا، تَقُولُ: "غَرِمَ الرَجُلُ وأغْرَمْتُهُ فَهو مُغْرَمٌ"، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "المَحْرُومُ" وأنَّهُ المَحْدُودُ والمُحارِفُ.
و"المُزْنِ": السَحابُ بِلا خِلافٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٢٠٧)
؎ ونَحْنُ كَماءِ المُزْنِ ما في نِصابِنا ∗∗∗ كَهامٍّ ولا فِينا يُعَدُّ بِخَيْلٍ
و"الأُجاجُ" أشَدُّ المِياهِ مُلُوحَةُ، وهو ماءُ البَحْرِ الأخْضَرِ. و"تُورُونَ" مَعْناهُ: تَقْتَدِحُونَ مِنَ الأزْنُدِ، تَقُولُ: أوُرِيتُ النارَ مِنَ الزِنادِ، ورَوى الزِنادُ نَفْسُهُ، والزِنادُ قَدْ يَكُونُ مِن حَجَرَيْنِ ومِن حَجَرٍ وحَدِيدَةٍ ومِن شَجَرٍ لا سِيَّما في بِلادِ العَرَبِ، فَإنَّ أزْنُدَهم مِن شَجَرٍ ولا سِيَّما في الشَجَرِ الرَخْوِ كالمَرْخِ والعِفارِ والكَلْخِ وما أشْبَهَ، ولِعادَةِ العَرَبِ في أنَّ زِنادَهم مِن شَجَرٍ قالَ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها﴾، وقالَ بَعْضُ أهْلِ النَظَرِ: أرادَ بِالشَجَرَةِ نَفْسَ النارِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: نَوْعُها أو جِنْسُها، فاسْتَعارَ الشَجَرَةَ لِذَلِكَ، وهو قَوْلٌ فِيهِ تَكَلُّفٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آنْتُمْ" بِالمَدِّ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو، وعِيسى: "أنْتُمْ" بِغَيْرِ مَدٍّ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ.
و"تَذْكِرَةً" مَعْناهُ: تُذَكِّرُ نارَ جَهَنَّمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، و"المَتاعُ" ما يُنْتَفَعُ بِهِ، و"المُقْوِينَ" بِأشْياءَ ضَعِيفَةٍ، كَقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: الخائِفُونَ ونَحْوُهُ، ولا يَقُومُ مِنها إلّا ما ذَكَرْناهُ، ومَن قالَ مَعْناهُ: المُسافِرُونَ فَهو نَحْوُ ما قُلْناهُ، وهي عِبارَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ لِلَّهِ عنهُما، تَقُولُ: "أصْبَحَ الرَجُلُ" دَخَلَ في الصَباحِ، و"أصْحَرَ" دَخَلَ في الصَحْراءِ، و"أقْوى" دَخَلَ في الأرْضِ القِواءِ، ومِنهُ "أقْوَتِ الدارُ، أقْوى الطَلَلُ" أيْ: صارَ قِواءً، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:
؎ ................... ∗∗∗ أقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأبَدِ
(p-٢٠٨)وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎ ............... ∗∗∗ أقْوى وأقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ
والفَقِيرُ والغَنِيُّ إذًا أقْوَيا، سَواءٌ في الحاجَةِ إلى النارِ، ولا شَيْءَ يُغْنِي غِناها في البَرْدِ، ومَن قالَ: "إنَّ أقْوى مِنَ الأضْدادِ مِن حَيْثُ يُقالُ أقْوى الرَجُلُ إذا قَوِيَتْ دابَّتُهُ" فَقَدْ أخْطَأ، وذَلِكَ فِعْلٌ آخَرُ كَأتْرَبَ إذا أثْرى.
ثُمَّ أمَرَ تَبارَكَ تَعالى نَبِيَّهُ بِتَنْزِيهِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ وتَنْزِيهِ أسْمائِهِ العُلى عَمّا يَقُولُهُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ حَجُّوا في هَذِهِ الآياتِ.
الواقعة 56:68
قوله عزّ وجلّ:
﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾
وقَفَ تَعالى الكُفّارَ عَلى أمْرِ الزَرْعِ الَّذِي هو قِوامُ العَيْشِ، وبَيَّنَ لِكُلِّ مَفْطُورٍ أنَّ الحِراثَ الَّذِي يُثِيرُ الأرْضَ ويَفْرِقُ الحَبَّ لَيْسَ يَفْعَلُ في نَباتِ الزَرْعِ شَيْئًا، وقَدْ يُسَمّى الإنْسانُ زارِعًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "يُعْجِبُ الزُرّاعَ"، لَكِنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ زَرْعًا يَتِمُّ أمْ نَحْنُ؟ ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ هَذِهِ الآيَةَ.
(p-٢٠٦)و"الحُطامُ": اليابِسُ المُتَفَتِّتُ مِنَ النَباتِ الصائِرِ إلى ذَهابٍ، وبِهِ شُبِّهَ حُطامُ الدُنْيا، وقِيلَ: المَعْنى: تَبْتًا لا قَمْحَ فِيهِ، "تَفَكَّهُونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: تَعْجَبُونَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: تُلاوِمُونَ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: تَعْجَبُونَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: تَتَفَجَّعُونَ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ لا يَخُصُّ اللَفْظَةَ، والَّذِي يَخُصُّ اللَفْظَ، هُوَ: تَطْرَحُونَ الفاكِهَةَ عن أنْفُسِكُمْ، وهي المَسَرَّةُ والجَزْلَ، ورَجُلٌ فَكِهٌ إذا كانَ مُنْبَسِطَ النَفْسِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِالشَيْءِ، و"تَفَكَّهَ" مِن أخَواتِ "تَحَرَّجَ" و"تَحَوَّبَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَظَلْتُمْ" بِفَتْحِ الظاءِ، ورَوى سُفْيانُ الثَوْرِيُّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ كَسْرَ الظاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: طُرِحَتْ عَلَيْها حَرَكَةُ اللامِ المَحْزُوفَةِ، وذَلِكَ رَدِيءٌ في القِياسِ، وهي قِراءَةُ أبُو حَيْوَةَ، ورَوى أحْمَدُ بْنُ مُوسى: "فَظَلَلْتُمْ" بِلامَيْنِ الأُولى مَفْتُوحَةٌ عَنِ الجَحْدَرِيُّ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِكَسْرِ اللامِ الأُولى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ قَبْلَهُ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: "يَقُولُونَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "أئِنّا لَمُغْرَمُونَ" بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: إنّا لَمُعَذَّبُونَ مِنَ الغَرامِ، وهو أشَدُّ العَذابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ إنْ يُعَذِّبْ يَكُنْ غَرامًا وإنَّ يُعْـ ـطَ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنّا لَمُحَمَّلُونَ الغَرامَ، أيْ: غَرِمْنا في النَفَقَةِ وذِهابِ زَرْعِنا، تَقُولُ: "غَرِمَ الرَجُلُ وأغْرَمْتُهُ فَهو مُغْرَمٌ"، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "المَحْرُومُ" وأنَّهُ المَحْدُودُ والمُحارِفُ.
و"المُزْنِ": السَحابُ بِلا خِلافٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٢٠٧)
؎ ونَحْنُ كَماءِ المُزْنِ ما في نِصابِنا ∗∗∗ كَهامٍّ ولا فِينا يُعَدُّ بِخَيْلٍ
و"الأُجاجُ" أشَدُّ المِياهِ مُلُوحَةُ، وهو ماءُ البَحْرِ الأخْضَرِ. و"تُورُونَ" مَعْناهُ: تَقْتَدِحُونَ مِنَ الأزْنُدِ، تَقُولُ: أوُرِيتُ النارَ مِنَ الزِنادِ، ورَوى الزِنادُ نَفْسُهُ، والزِنادُ قَدْ يَكُونُ مِن حَجَرَيْنِ ومِن حَجَرٍ وحَدِيدَةٍ ومِن شَجَرٍ لا سِيَّما في بِلادِ العَرَبِ، فَإنَّ أزْنُدَهم مِن شَجَرٍ ولا سِيَّما في الشَجَرِ الرَخْوِ كالمَرْخِ والعِفارِ والكَلْخِ وما أشْبَهَ، ولِعادَةِ العَرَبِ في أنَّ زِنادَهم مِن شَجَرٍ قالَ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها﴾، وقالَ بَعْضُ أهْلِ النَظَرِ: أرادَ بِالشَجَرَةِ نَفْسَ النارِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: نَوْعُها أو جِنْسُها، فاسْتَعارَ الشَجَرَةَ لِذَلِكَ، وهو قَوْلٌ فِيهِ تَكَلُّفٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آنْتُمْ" بِالمَدِّ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو، وعِيسى: "أنْتُمْ" بِغَيْرِ مَدٍّ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ.
و"تَذْكِرَةً" مَعْناهُ: تُذَكِّرُ نارَ جَهَنَّمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، و"المَتاعُ" ما يُنْتَفَعُ بِهِ، و"المُقْوِينَ" بِأشْياءَ ضَعِيفَةٍ، كَقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: الخائِفُونَ ونَحْوُهُ، ولا يَقُومُ مِنها إلّا ما ذَكَرْناهُ، ومَن قالَ مَعْناهُ: المُسافِرُونَ فَهو نَحْوُ ما قُلْناهُ، وهي عِبارَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ لِلَّهِ عنهُما، تَقُولُ: "أصْبَحَ الرَجُلُ" دَخَلَ في الصَباحِ، و"أصْحَرَ" دَخَلَ في الصَحْراءِ، و"أقْوى" دَخَلَ في الأرْضِ القِواءِ، ومِنهُ "أقْوَتِ الدارُ، أقْوى الطَلَلُ" أيْ: صارَ قِواءً، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:
؎ ................... ∗∗∗ أقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأبَدِ
(p-٢٠٨)وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎ ............... ∗∗∗ أقْوى وأقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ
والفَقِيرُ والغَنِيُّ إذًا أقْوَيا، سَواءٌ في الحاجَةِ إلى النارِ، ولا شَيْءَ يُغْنِي غِناها في البَرْدِ، ومَن قالَ: "إنَّ أقْوى مِنَ الأضْدادِ مِن حَيْثُ يُقالُ أقْوى الرَجُلُ إذا قَوِيَتْ دابَّتُهُ" فَقَدْ أخْطَأ، وذَلِكَ فِعْلٌ آخَرُ كَأتْرَبَ إذا أثْرى.
ثُمَّ أمَرَ تَبارَكَ تَعالى نَبِيَّهُ بِتَنْزِيهِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ وتَنْزِيهِ أسْمائِهِ العُلى عَمّا يَقُولُهُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ حَجُّوا في هَذِهِ الآياتِ.
الواقعة 56:69
قوله عزّ وجلّ:
﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾
وقَفَ تَعالى الكُفّارَ عَلى أمْرِ الزَرْعِ الَّذِي هو قِوامُ العَيْشِ، وبَيَّنَ لِكُلِّ مَفْطُورٍ أنَّ الحِراثَ الَّذِي يُثِيرُ الأرْضَ ويَفْرِقُ الحَبَّ لَيْسَ يَفْعَلُ في نَباتِ الزَرْعِ شَيْئًا، وقَدْ يُسَمّى الإنْسانُ زارِعًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "يُعْجِبُ الزُرّاعَ"، لَكِنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ زَرْعًا يَتِمُّ أمْ نَحْنُ؟ ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ هَذِهِ الآيَةَ.
(p-٢٠٦)و"الحُطامُ": اليابِسُ المُتَفَتِّتُ مِنَ النَباتِ الصائِرِ إلى ذَهابٍ، وبِهِ شُبِّهَ حُطامُ الدُنْيا، وقِيلَ: المَعْنى: تَبْتًا لا قَمْحَ فِيهِ، "تَفَكَّهُونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: تَعْجَبُونَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: تُلاوِمُونَ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: تَعْجَبُونَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: تَتَفَجَّعُونَ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ لا يَخُصُّ اللَفْظَةَ، والَّذِي يَخُصُّ اللَفْظَ، هُوَ: تَطْرَحُونَ الفاكِهَةَ عن أنْفُسِكُمْ، وهي المَسَرَّةُ والجَزْلَ، ورَجُلٌ فَكِهٌ إذا كانَ مُنْبَسِطَ النَفْسِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِالشَيْءِ، و"تَفَكَّهَ" مِن أخَواتِ "تَحَرَّجَ" و"تَحَوَّبَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَظَلْتُمْ" بِفَتْحِ الظاءِ، ورَوى سُفْيانُ الثَوْرِيُّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ كَسْرَ الظاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: طُرِحَتْ عَلَيْها حَرَكَةُ اللامِ المَحْزُوفَةِ، وذَلِكَ رَدِيءٌ في القِياسِ، وهي قِراءَةُ أبُو حَيْوَةَ، ورَوى أحْمَدُ بْنُ مُوسى: "فَظَلَلْتُمْ" بِلامَيْنِ الأُولى مَفْتُوحَةٌ عَنِ الجَحْدَرِيُّ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِكَسْرِ اللامِ الأُولى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ قَبْلَهُ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: "يَقُولُونَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "أئِنّا لَمُغْرَمُونَ" بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: إنّا لَمُعَذَّبُونَ مِنَ الغَرامِ، وهو أشَدُّ العَذابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ إنْ يُعَذِّبْ يَكُنْ غَرامًا وإنَّ يُعْـ ـطَ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنّا لَمُحَمَّلُونَ الغَرامَ، أيْ: غَرِمْنا في النَفَقَةِ وذِهابِ زَرْعِنا، تَقُولُ: "غَرِمَ الرَجُلُ وأغْرَمْتُهُ فَهو مُغْرَمٌ"، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "المَحْرُومُ" وأنَّهُ المَحْدُودُ والمُحارِفُ.
و"المُزْنِ": السَحابُ بِلا خِلافٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٢٠٧)
؎ ونَحْنُ كَماءِ المُزْنِ ما في نِصابِنا ∗∗∗ كَهامٍّ ولا فِينا يُعَدُّ بِخَيْلٍ
و"الأُجاجُ" أشَدُّ المِياهِ مُلُوحَةُ، وهو ماءُ البَحْرِ الأخْضَرِ. و"تُورُونَ" مَعْناهُ: تَقْتَدِحُونَ مِنَ الأزْنُدِ، تَقُولُ: أوُرِيتُ النارَ مِنَ الزِنادِ، ورَوى الزِنادُ نَفْسُهُ، والزِنادُ قَدْ يَكُونُ مِن حَجَرَيْنِ ومِن حَجَرٍ وحَدِيدَةٍ ومِن شَجَرٍ لا سِيَّما في بِلادِ العَرَبِ، فَإنَّ أزْنُدَهم مِن شَجَرٍ ولا سِيَّما في الشَجَرِ الرَخْوِ كالمَرْخِ والعِفارِ والكَلْخِ وما أشْبَهَ، ولِعادَةِ العَرَبِ في أنَّ زِنادَهم مِن شَجَرٍ قالَ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها﴾، وقالَ بَعْضُ أهْلِ النَظَرِ: أرادَ بِالشَجَرَةِ نَفْسَ النارِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: نَوْعُها أو جِنْسُها، فاسْتَعارَ الشَجَرَةَ لِذَلِكَ، وهو قَوْلٌ فِيهِ تَكَلُّفٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آنْتُمْ" بِالمَدِّ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو، وعِيسى: "أنْتُمْ" بِغَيْرِ مَدٍّ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ.
و"تَذْكِرَةً" مَعْناهُ: تُذَكِّرُ نارَ جَهَنَّمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، و"المَتاعُ" ما يُنْتَفَعُ بِهِ، و"المُقْوِينَ" بِأشْياءَ ضَعِيفَةٍ، كَقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: الخائِفُونَ ونَحْوُهُ، ولا يَقُومُ مِنها إلّا ما ذَكَرْناهُ، ومَن قالَ مَعْناهُ: المُسافِرُونَ فَهو نَحْوُ ما قُلْناهُ، وهي عِبارَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ لِلَّهِ عنهُما، تَقُولُ: "أصْبَحَ الرَجُلُ" دَخَلَ في الصَباحِ، و"أصْحَرَ" دَخَلَ في الصَحْراءِ، و"أقْوى" دَخَلَ في الأرْضِ القِواءِ، ومِنهُ "أقْوَتِ الدارُ، أقْوى الطَلَلُ" أيْ: صارَ قِواءً، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:
؎ ................... ∗∗∗ أقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأبَدِ
(p-٢٠٨)وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎ ............... ∗∗∗ أقْوى وأقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ
والفَقِيرُ والغَنِيُّ إذًا أقْوَيا، سَواءٌ في الحاجَةِ إلى النارِ، ولا شَيْءَ يُغْنِي غِناها في البَرْدِ، ومَن قالَ: "إنَّ أقْوى مِنَ الأضْدادِ مِن حَيْثُ يُقالُ أقْوى الرَجُلُ إذا قَوِيَتْ دابَّتُهُ" فَقَدْ أخْطَأ، وذَلِكَ فِعْلٌ آخَرُ كَأتْرَبَ إذا أثْرى.
ثُمَّ أمَرَ تَبارَكَ تَعالى نَبِيَّهُ بِتَنْزِيهِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ وتَنْزِيهِ أسْمائِهِ العُلى عَمّا يَقُولُهُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ حَجُّوا في هَذِهِ الآياتِ.
الواقعة 56:70
قوله عزّ وجلّ:
﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾
وقَفَ تَعالى الكُفّارَ عَلى أمْرِ الزَرْعِ الَّذِي هو قِوامُ العَيْشِ، وبَيَّنَ لِكُلِّ مَفْطُورٍ أنَّ الحِراثَ الَّذِي يُثِيرُ الأرْضَ ويَفْرِقُ الحَبَّ لَيْسَ يَفْعَلُ في نَباتِ الزَرْعِ شَيْئًا، وقَدْ يُسَمّى الإنْسانُ زارِعًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "يُعْجِبُ الزُرّاعَ"، لَكِنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ زَرْعًا يَتِمُّ أمْ نَحْنُ؟ ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ هَذِهِ الآيَةَ.
(p-٢٠٦)و"الحُطامُ": اليابِسُ المُتَفَتِّتُ مِنَ النَباتِ الصائِرِ إلى ذَهابٍ، وبِهِ شُبِّهَ حُطامُ الدُنْيا، وقِيلَ: المَعْنى: تَبْتًا لا قَمْحَ فِيهِ، "تَفَكَّهُونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: تَعْجَبُونَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: تُلاوِمُونَ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: تَعْجَبُونَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: تَتَفَجَّعُونَ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ لا يَخُصُّ اللَفْظَةَ، والَّذِي يَخُصُّ اللَفْظَ، هُوَ: تَطْرَحُونَ الفاكِهَةَ عن أنْفُسِكُمْ، وهي المَسَرَّةُ والجَزْلَ، ورَجُلٌ فَكِهٌ إذا كانَ مُنْبَسِطَ النَفْسِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِالشَيْءِ، و"تَفَكَّهَ" مِن أخَواتِ "تَحَرَّجَ" و"تَحَوَّبَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَظَلْتُمْ" بِفَتْحِ الظاءِ، ورَوى سُفْيانُ الثَوْرِيُّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ كَسْرَ الظاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: طُرِحَتْ عَلَيْها حَرَكَةُ اللامِ المَحْزُوفَةِ، وذَلِكَ رَدِيءٌ في القِياسِ، وهي قِراءَةُ أبُو حَيْوَةَ، ورَوى أحْمَدُ بْنُ مُوسى: "فَظَلَلْتُمْ" بِلامَيْنِ الأُولى مَفْتُوحَةٌ عَنِ الجَحْدَرِيُّ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِكَسْرِ اللامِ الأُولى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ قَبْلَهُ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: "يَقُولُونَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "أئِنّا لَمُغْرَمُونَ" بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: إنّا لَمُعَذَّبُونَ مِنَ الغَرامِ، وهو أشَدُّ العَذابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ إنْ يُعَذِّبْ يَكُنْ غَرامًا وإنَّ يُعْـ ـطَ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنّا لَمُحَمَّلُونَ الغَرامَ، أيْ: غَرِمْنا في النَفَقَةِ وذِهابِ زَرْعِنا، تَقُولُ: "غَرِمَ الرَجُلُ وأغْرَمْتُهُ فَهو مُغْرَمٌ"، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "المَحْرُومُ" وأنَّهُ المَحْدُودُ والمُحارِفُ.
و"المُزْنِ": السَحابُ بِلا خِلافٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٢٠٧)
؎ ونَحْنُ كَماءِ المُزْنِ ما في نِصابِنا ∗∗∗ كَهامٍّ ولا فِينا يُعَدُّ بِخَيْلٍ
و"الأُجاجُ" أشَدُّ المِياهِ مُلُوحَةُ، وهو ماءُ البَحْرِ الأخْضَرِ. و"تُورُونَ" مَعْناهُ: تَقْتَدِحُونَ مِنَ الأزْنُدِ، تَقُولُ: أوُرِيتُ النارَ مِنَ الزِنادِ، ورَوى الزِنادُ نَفْسُهُ، والزِنادُ قَدْ يَكُونُ مِن حَجَرَيْنِ ومِن حَجَرٍ وحَدِيدَةٍ ومِن شَجَرٍ لا سِيَّما في بِلادِ العَرَبِ، فَإنَّ أزْنُدَهم مِن شَجَرٍ ولا سِيَّما في الشَجَرِ الرَخْوِ كالمَرْخِ والعِفارِ والكَلْخِ وما أشْبَهَ، ولِعادَةِ العَرَبِ في أنَّ زِنادَهم مِن شَجَرٍ قالَ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها﴾، وقالَ بَعْضُ أهْلِ النَظَرِ: أرادَ بِالشَجَرَةِ نَفْسَ النارِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: نَوْعُها أو جِنْسُها، فاسْتَعارَ الشَجَرَةَ لِذَلِكَ، وهو قَوْلٌ فِيهِ تَكَلُّفٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آنْتُمْ" بِالمَدِّ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو، وعِيسى: "أنْتُمْ" بِغَيْرِ مَدٍّ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ.
و"تَذْكِرَةً" مَعْناهُ: تُذَكِّرُ نارَ جَهَنَّمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، و"المَتاعُ" ما يُنْتَفَعُ بِهِ، و"المُقْوِينَ" بِأشْياءَ ضَعِيفَةٍ، كَقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: الخائِفُونَ ونَحْوُهُ، ولا يَقُومُ مِنها إلّا ما ذَكَرْناهُ، ومَن قالَ مَعْناهُ: المُسافِرُونَ فَهو نَحْوُ ما قُلْناهُ، وهي عِبارَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ لِلَّهِ عنهُما، تَقُولُ: "أصْبَحَ الرَجُلُ" دَخَلَ في الصَباحِ، و"أصْحَرَ" دَخَلَ في الصَحْراءِ، و"أقْوى" دَخَلَ في الأرْضِ القِواءِ، ومِنهُ "أقْوَتِ الدارُ، أقْوى الطَلَلُ" أيْ: صارَ قِواءً، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:
؎ ................... ∗∗∗ أقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأبَدِ
(p-٢٠٨)وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎ ............... ∗∗∗ أقْوى وأقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ
والفَقِيرُ والغَنِيُّ إذًا أقْوَيا، سَواءٌ في الحاجَةِ إلى النارِ، ولا شَيْءَ يُغْنِي غِناها في البَرْدِ، ومَن قالَ: "إنَّ أقْوى مِنَ الأضْدادِ مِن حَيْثُ يُقالُ أقْوى الرَجُلُ إذا قَوِيَتْ دابَّتُهُ" فَقَدْ أخْطَأ، وذَلِكَ فِعْلٌ آخَرُ كَأتْرَبَ إذا أثْرى.
ثُمَّ أمَرَ تَبارَكَ تَعالى نَبِيَّهُ بِتَنْزِيهِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ وتَنْزِيهِ أسْمائِهِ العُلى عَمّا يَقُولُهُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ حَجُّوا في هَذِهِ الآياتِ.
الواقعة 56:71
قوله عزّ وجلّ:
﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾
وقَفَ تَعالى الكُفّارَ عَلى أمْرِ الزَرْعِ الَّذِي هو قِوامُ العَيْشِ، وبَيَّنَ لِكُلِّ مَفْطُورٍ أنَّ الحِراثَ الَّذِي يُثِيرُ الأرْضَ ويَفْرِقُ الحَبَّ لَيْسَ يَفْعَلُ في نَباتِ الزَرْعِ شَيْئًا، وقَدْ يُسَمّى الإنْسانُ زارِعًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "يُعْجِبُ الزُرّاعَ"، لَكِنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ زَرْعًا يَتِمُّ أمْ نَحْنُ؟ ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ هَذِهِ الآيَةَ.
(p-٢٠٦)و"الحُطامُ": اليابِسُ المُتَفَتِّتُ مِنَ النَباتِ الصائِرِ إلى ذَهابٍ، وبِهِ شُبِّهَ حُطامُ الدُنْيا، وقِيلَ: المَعْنى: تَبْتًا لا قَمْحَ فِيهِ، "تَفَكَّهُونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: تَعْجَبُونَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: تُلاوِمُونَ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: تَعْجَبُونَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: تَتَفَجَّعُونَ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ لا يَخُصُّ اللَفْظَةَ، والَّذِي يَخُصُّ اللَفْظَ، هُوَ: تَطْرَحُونَ الفاكِهَةَ عن أنْفُسِكُمْ، وهي المَسَرَّةُ والجَزْلَ، ورَجُلٌ فَكِهٌ إذا كانَ مُنْبَسِطَ النَفْسِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِالشَيْءِ، و"تَفَكَّهَ" مِن أخَواتِ "تَحَرَّجَ" و"تَحَوَّبَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَظَلْتُمْ" بِفَتْحِ الظاءِ، ورَوى سُفْيانُ الثَوْرِيُّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ كَسْرَ الظاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: طُرِحَتْ عَلَيْها حَرَكَةُ اللامِ المَحْزُوفَةِ، وذَلِكَ رَدِيءٌ في القِياسِ، وهي قِراءَةُ أبُو حَيْوَةَ، ورَوى أحْمَدُ بْنُ مُوسى: "فَظَلَلْتُمْ" بِلامَيْنِ الأُولى مَفْتُوحَةٌ عَنِ الجَحْدَرِيُّ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِكَسْرِ اللامِ الأُولى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ قَبْلَهُ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: "يَقُولُونَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "أئِنّا لَمُغْرَمُونَ" بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: إنّا لَمُعَذَّبُونَ مِنَ الغَرامِ، وهو أشَدُّ العَذابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ إنْ يُعَذِّبْ يَكُنْ غَرامًا وإنَّ يُعْـ ـطَ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنّا لَمُحَمَّلُونَ الغَرامَ، أيْ: غَرِمْنا في النَفَقَةِ وذِهابِ زَرْعِنا، تَقُولُ: "غَرِمَ الرَجُلُ وأغْرَمْتُهُ فَهو مُغْرَمٌ"، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "المَحْرُومُ" وأنَّهُ المَحْدُودُ والمُحارِفُ.
و"المُزْنِ": السَحابُ بِلا خِلافٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٢٠٧)
؎ ونَحْنُ كَماءِ المُزْنِ ما في نِصابِنا ∗∗∗ كَهامٍّ ولا فِينا يُعَدُّ بِخَيْلٍ
و"الأُجاجُ" أشَدُّ المِياهِ مُلُوحَةُ، وهو ماءُ البَحْرِ الأخْضَرِ. و"تُورُونَ" مَعْناهُ: تَقْتَدِحُونَ مِنَ الأزْنُدِ، تَقُولُ: أوُرِيتُ النارَ مِنَ الزِنادِ، ورَوى الزِنادُ نَفْسُهُ، والزِنادُ قَدْ يَكُونُ مِن حَجَرَيْنِ ومِن حَجَرٍ وحَدِيدَةٍ ومِن شَجَرٍ لا سِيَّما في بِلادِ العَرَبِ، فَإنَّ أزْنُدَهم مِن شَجَرٍ ولا سِيَّما في الشَجَرِ الرَخْوِ كالمَرْخِ والعِفارِ والكَلْخِ وما أشْبَهَ، ولِعادَةِ العَرَبِ في أنَّ زِنادَهم مِن شَجَرٍ قالَ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها﴾، وقالَ بَعْضُ أهْلِ النَظَرِ: أرادَ بِالشَجَرَةِ نَفْسَ النارِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: نَوْعُها أو جِنْسُها، فاسْتَعارَ الشَجَرَةَ لِذَلِكَ، وهو قَوْلٌ فِيهِ تَكَلُّفٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آنْتُمْ" بِالمَدِّ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو، وعِيسى: "أنْتُمْ" بِغَيْرِ مَدٍّ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ.
و"تَذْكِرَةً" مَعْناهُ: تُذَكِّرُ نارَ جَهَنَّمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، و"المَتاعُ" ما يُنْتَفَعُ بِهِ، و"المُقْوِينَ" بِأشْياءَ ضَعِيفَةٍ، كَقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: الخائِفُونَ ونَحْوُهُ، ولا يَقُومُ مِنها إلّا ما ذَكَرْناهُ، ومَن قالَ مَعْناهُ: المُسافِرُونَ فَهو نَحْوُ ما قُلْناهُ، وهي عِبارَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ لِلَّهِ عنهُما، تَقُولُ: "أصْبَحَ الرَجُلُ" دَخَلَ في الصَباحِ، و"أصْحَرَ" دَخَلَ في الصَحْراءِ، و"أقْوى" دَخَلَ في الأرْضِ القِواءِ، ومِنهُ "أقْوَتِ الدارُ، أقْوى الطَلَلُ" أيْ: صارَ قِواءً، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:
؎ ................... ∗∗∗ أقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأبَدِ
(p-٢٠٨)وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎ ............... ∗∗∗ أقْوى وأقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ
والفَقِيرُ والغَنِيُّ إذًا أقْوَيا، سَواءٌ في الحاجَةِ إلى النارِ، ولا شَيْءَ يُغْنِي غِناها في البَرْدِ، ومَن قالَ: "إنَّ أقْوى مِنَ الأضْدادِ مِن حَيْثُ يُقالُ أقْوى الرَجُلُ إذا قَوِيَتْ دابَّتُهُ" فَقَدْ أخْطَأ، وذَلِكَ فِعْلٌ آخَرُ كَأتْرَبَ إذا أثْرى.
ثُمَّ أمَرَ تَبارَكَ تَعالى نَبِيَّهُ بِتَنْزِيهِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ وتَنْزِيهِ أسْمائِهِ العُلى عَمّا يَقُولُهُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ حَجُّوا في هَذِهِ الآياتِ.
الواقعة 56:72
قوله عزّ وجلّ:
﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾
وقَفَ تَعالى الكُفّارَ عَلى أمْرِ الزَرْعِ الَّذِي هو قِوامُ العَيْشِ، وبَيَّنَ لِكُلِّ مَفْطُورٍ أنَّ الحِراثَ الَّذِي يُثِيرُ الأرْضَ ويَفْرِقُ الحَبَّ لَيْسَ يَفْعَلُ في نَباتِ الزَرْعِ شَيْئًا، وقَدْ يُسَمّى الإنْسانُ زارِعًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "يُعْجِبُ الزُرّاعَ"، لَكِنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ زَرْعًا يَتِمُّ أمْ نَحْنُ؟ ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ هَذِهِ الآيَةَ.
(p-٢٠٦)و"الحُطامُ": اليابِسُ المُتَفَتِّتُ مِنَ النَباتِ الصائِرِ إلى ذَهابٍ، وبِهِ شُبِّهَ حُطامُ الدُنْيا، وقِيلَ: المَعْنى: تَبْتًا لا قَمْحَ فِيهِ، "تَفَكَّهُونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: تَعْجَبُونَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: تُلاوِمُونَ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: تَعْجَبُونَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: تَتَفَجَّعُونَ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ لا يَخُصُّ اللَفْظَةَ، والَّذِي يَخُصُّ اللَفْظَ، هُوَ: تَطْرَحُونَ الفاكِهَةَ عن أنْفُسِكُمْ، وهي المَسَرَّةُ والجَزْلَ، ورَجُلٌ فَكِهٌ إذا كانَ مُنْبَسِطَ النَفْسِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِالشَيْءِ، و"تَفَكَّهَ" مِن أخَواتِ "تَحَرَّجَ" و"تَحَوَّبَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَظَلْتُمْ" بِفَتْحِ الظاءِ، ورَوى سُفْيانُ الثَوْرِيُّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ كَسْرَ الظاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: طُرِحَتْ عَلَيْها حَرَكَةُ اللامِ المَحْزُوفَةِ، وذَلِكَ رَدِيءٌ في القِياسِ، وهي قِراءَةُ أبُو حَيْوَةَ، ورَوى أحْمَدُ بْنُ مُوسى: "فَظَلَلْتُمْ" بِلامَيْنِ الأُولى مَفْتُوحَةٌ عَنِ الجَحْدَرِيُّ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِكَسْرِ اللامِ الأُولى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ قَبْلَهُ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: "يَقُولُونَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "أئِنّا لَمُغْرَمُونَ" بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: إنّا لَمُعَذَّبُونَ مِنَ الغَرامِ، وهو أشَدُّ العَذابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ إنْ يُعَذِّبْ يَكُنْ غَرامًا وإنَّ يُعْـ ـطَ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنّا لَمُحَمَّلُونَ الغَرامَ، أيْ: غَرِمْنا في النَفَقَةِ وذِهابِ زَرْعِنا، تَقُولُ: "غَرِمَ الرَجُلُ وأغْرَمْتُهُ فَهو مُغْرَمٌ"، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "المَحْرُومُ" وأنَّهُ المَحْدُودُ والمُحارِفُ.
و"المُزْنِ": السَحابُ بِلا خِلافٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٢٠٧)
؎ ونَحْنُ كَماءِ المُزْنِ ما في نِصابِنا ∗∗∗ كَهامٍّ ولا فِينا يُعَدُّ بِخَيْلٍ
و"الأُجاجُ" أشَدُّ المِياهِ مُلُوحَةُ، وهو ماءُ البَحْرِ الأخْضَرِ. و"تُورُونَ" مَعْناهُ: تَقْتَدِحُونَ مِنَ الأزْنُدِ، تَقُولُ: أوُرِيتُ النارَ مِنَ الزِنادِ، ورَوى الزِنادُ نَفْسُهُ، والزِنادُ قَدْ يَكُونُ مِن حَجَرَيْنِ ومِن حَجَرٍ وحَدِيدَةٍ ومِن شَجَرٍ لا سِيَّما في بِلادِ العَرَبِ، فَإنَّ أزْنُدَهم مِن شَجَرٍ ولا سِيَّما في الشَجَرِ الرَخْوِ كالمَرْخِ والعِفارِ والكَلْخِ وما أشْبَهَ، ولِعادَةِ العَرَبِ في أنَّ زِنادَهم مِن شَجَرٍ قالَ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها﴾، وقالَ بَعْضُ أهْلِ النَظَرِ: أرادَ بِالشَجَرَةِ نَفْسَ النارِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: نَوْعُها أو جِنْسُها، فاسْتَعارَ الشَجَرَةَ لِذَلِكَ، وهو قَوْلٌ فِيهِ تَكَلُّفٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آنْتُمْ" بِالمَدِّ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو، وعِيسى: "أنْتُمْ" بِغَيْرِ مَدٍّ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ.
و"تَذْكِرَةً" مَعْناهُ: تُذَكِّرُ نارَ جَهَنَّمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، و"المَتاعُ" ما يُنْتَفَعُ بِهِ، و"المُقْوِينَ" بِأشْياءَ ضَعِيفَةٍ، كَقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: الخائِفُونَ ونَحْوُهُ، ولا يَقُومُ مِنها إلّا ما ذَكَرْناهُ، ومَن قالَ مَعْناهُ: المُسافِرُونَ فَهو نَحْوُ ما قُلْناهُ، وهي عِبارَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ لِلَّهِ عنهُما، تَقُولُ: "أصْبَحَ الرَجُلُ" دَخَلَ في الصَباحِ، و"أصْحَرَ" دَخَلَ في الصَحْراءِ، و"أقْوى" دَخَلَ في الأرْضِ القِواءِ، ومِنهُ "أقْوَتِ الدارُ، أقْوى الطَلَلُ" أيْ: صارَ قِواءً، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:
؎ ................... ∗∗∗ أقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأبَدِ
(p-٢٠٨)وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎ ............... ∗∗∗ أقْوى وأقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ
والفَقِيرُ والغَنِيُّ إذًا أقْوَيا، سَواءٌ في الحاجَةِ إلى النارِ، ولا شَيْءَ يُغْنِي غِناها في البَرْدِ، ومَن قالَ: "إنَّ أقْوى مِنَ الأضْدادِ مِن حَيْثُ يُقالُ أقْوى الرَجُلُ إذا قَوِيَتْ دابَّتُهُ" فَقَدْ أخْطَأ، وذَلِكَ فِعْلٌ آخَرُ كَأتْرَبَ إذا أثْرى.
ثُمَّ أمَرَ تَبارَكَ تَعالى نَبِيَّهُ بِتَنْزِيهِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ وتَنْزِيهِ أسْمائِهِ العُلى عَمّا يَقُولُهُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ حَجُّوا في هَذِهِ الآياتِ.
الواقعة 56:73
قوله عزّ وجلّ:
﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾
وقَفَ تَعالى الكُفّارَ عَلى أمْرِ الزَرْعِ الَّذِي هو قِوامُ العَيْشِ، وبَيَّنَ لِكُلِّ مَفْطُورٍ أنَّ الحِراثَ الَّذِي يُثِيرُ الأرْضَ ويَفْرِقُ الحَبَّ لَيْسَ يَفْعَلُ في نَباتِ الزَرْعِ شَيْئًا، وقَدْ يُسَمّى الإنْسانُ زارِعًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "يُعْجِبُ الزُرّاعَ"، لَكِنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ زَرْعًا يَتِمُّ أمْ نَحْنُ؟ ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ هَذِهِ الآيَةَ.
(p-٢٠٦)و"الحُطامُ": اليابِسُ المُتَفَتِّتُ مِنَ النَباتِ الصائِرِ إلى ذَهابٍ، وبِهِ شُبِّهَ حُطامُ الدُنْيا، وقِيلَ: المَعْنى: تَبْتًا لا قَمْحَ فِيهِ، "تَفَكَّهُونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: تَعْجَبُونَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: تُلاوِمُونَ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: تَعْجَبُونَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: تَتَفَجَّعُونَ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ لا يَخُصُّ اللَفْظَةَ، والَّذِي يَخُصُّ اللَفْظَ، هُوَ: تَطْرَحُونَ الفاكِهَةَ عن أنْفُسِكُمْ، وهي المَسَرَّةُ والجَزْلَ، ورَجُلٌ فَكِهٌ إذا كانَ مُنْبَسِطَ النَفْسِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِالشَيْءِ، و"تَفَكَّهَ" مِن أخَواتِ "تَحَرَّجَ" و"تَحَوَّبَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَظَلْتُمْ" بِفَتْحِ الظاءِ، ورَوى سُفْيانُ الثَوْرِيُّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ كَسْرَ الظاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: طُرِحَتْ عَلَيْها حَرَكَةُ اللامِ المَحْزُوفَةِ، وذَلِكَ رَدِيءٌ في القِياسِ، وهي قِراءَةُ أبُو حَيْوَةَ، ورَوى أحْمَدُ بْنُ مُوسى: "فَظَلَلْتُمْ" بِلامَيْنِ الأُولى مَفْتُوحَةٌ عَنِ الجَحْدَرِيُّ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِكَسْرِ اللامِ الأُولى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ قَبْلَهُ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: "يَقُولُونَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "أئِنّا لَمُغْرَمُونَ" بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: إنّا لَمُعَذَّبُونَ مِنَ الغَرامِ، وهو أشَدُّ العَذابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ إنْ يُعَذِّبْ يَكُنْ غَرامًا وإنَّ يُعْـ ـطَ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنّا لَمُحَمَّلُونَ الغَرامَ، أيْ: غَرِمْنا في النَفَقَةِ وذِهابِ زَرْعِنا، تَقُولُ: "غَرِمَ الرَجُلُ وأغْرَمْتُهُ فَهو مُغْرَمٌ"، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "المَحْرُومُ" وأنَّهُ المَحْدُودُ والمُحارِفُ.
و"المُزْنِ": السَحابُ بِلا خِلافٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٢٠٧)
؎ ونَحْنُ كَماءِ المُزْنِ ما في نِصابِنا ∗∗∗ كَهامٍّ ولا فِينا يُعَدُّ بِخَيْلٍ
و"الأُجاجُ" أشَدُّ المِياهِ مُلُوحَةُ، وهو ماءُ البَحْرِ الأخْضَرِ. و"تُورُونَ" مَعْناهُ: تَقْتَدِحُونَ مِنَ الأزْنُدِ، تَقُولُ: أوُرِيتُ النارَ مِنَ الزِنادِ، ورَوى الزِنادُ نَفْسُهُ، والزِنادُ قَدْ يَكُونُ مِن حَجَرَيْنِ ومِن حَجَرٍ وحَدِيدَةٍ ومِن شَجَرٍ لا سِيَّما في بِلادِ العَرَبِ، فَإنَّ أزْنُدَهم مِن شَجَرٍ ولا سِيَّما في الشَجَرِ الرَخْوِ كالمَرْخِ والعِفارِ والكَلْخِ وما أشْبَهَ، ولِعادَةِ العَرَبِ في أنَّ زِنادَهم مِن شَجَرٍ قالَ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها﴾، وقالَ بَعْضُ أهْلِ النَظَرِ: أرادَ بِالشَجَرَةِ نَفْسَ النارِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: نَوْعُها أو جِنْسُها، فاسْتَعارَ الشَجَرَةَ لِذَلِكَ، وهو قَوْلٌ فِيهِ تَكَلُّفٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آنْتُمْ" بِالمَدِّ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو، وعِيسى: "أنْتُمْ" بِغَيْرِ مَدٍّ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ.
و"تَذْكِرَةً" مَعْناهُ: تُذَكِّرُ نارَ جَهَنَّمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، و"المَتاعُ" ما يُنْتَفَعُ بِهِ، و"المُقْوِينَ" بِأشْياءَ ضَعِيفَةٍ، كَقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: الخائِفُونَ ونَحْوُهُ، ولا يَقُومُ مِنها إلّا ما ذَكَرْناهُ، ومَن قالَ مَعْناهُ: المُسافِرُونَ فَهو نَحْوُ ما قُلْناهُ، وهي عِبارَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ لِلَّهِ عنهُما، تَقُولُ: "أصْبَحَ الرَجُلُ" دَخَلَ في الصَباحِ، و"أصْحَرَ" دَخَلَ في الصَحْراءِ، و"أقْوى" دَخَلَ في الأرْضِ القِواءِ، ومِنهُ "أقْوَتِ الدارُ، أقْوى الطَلَلُ" أيْ: صارَ قِواءً، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:
؎ ................... ∗∗∗ أقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأبَدِ
(p-٢٠٨)وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎ ............... ∗∗∗ أقْوى وأقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ
والفَقِيرُ والغَنِيُّ إذًا أقْوَيا، سَواءٌ في الحاجَةِ إلى النارِ، ولا شَيْءَ يُغْنِي غِناها في البَرْدِ، ومَن قالَ: "إنَّ أقْوى مِنَ الأضْدادِ مِن حَيْثُ يُقالُ أقْوى الرَجُلُ إذا قَوِيَتْ دابَّتُهُ" فَقَدْ أخْطَأ، وذَلِكَ فِعْلٌ آخَرُ كَأتْرَبَ إذا أثْرى.
ثُمَّ أمَرَ تَبارَكَ تَعالى نَبِيَّهُ بِتَنْزِيهِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ وتَنْزِيهِ أسْمائِهِ العُلى عَمّا يَقُولُهُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ حَجُّوا في هَذِهِ الآياتِ.
الواقعة 56:74
قوله عزّ وجلّ:
﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾
وقَفَ تَعالى الكُفّارَ عَلى أمْرِ الزَرْعِ الَّذِي هو قِوامُ العَيْشِ، وبَيَّنَ لِكُلِّ مَفْطُورٍ أنَّ الحِراثَ الَّذِي يُثِيرُ الأرْضَ ويَفْرِقُ الحَبَّ لَيْسَ يَفْعَلُ في نَباتِ الزَرْعِ شَيْئًا، وقَدْ يُسَمّى الإنْسانُ زارِعًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "يُعْجِبُ الزُرّاعَ"، لَكِنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ زَرْعًا يَتِمُّ أمْ نَحْنُ؟ ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ هَذِهِ الآيَةَ.
(p-٢٠٦)و"الحُطامُ": اليابِسُ المُتَفَتِّتُ مِنَ النَباتِ الصائِرِ إلى ذَهابٍ، وبِهِ شُبِّهَ حُطامُ الدُنْيا، وقِيلَ: المَعْنى: تَبْتًا لا قَمْحَ فِيهِ، "تَفَكَّهُونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: تَعْجَبُونَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: تُلاوِمُونَ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: تَعْجَبُونَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: تَتَفَجَّعُونَ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ لا يَخُصُّ اللَفْظَةَ، والَّذِي يَخُصُّ اللَفْظَ، هُوَ: تَطْرَحُونَ الفاكِهَةَ عن أنْفُسِكُمْ، وهي المَسَرَّةُ والجَزْلَ، ورَجُلٌ فَكِهٌ إذا كانَ مُنْبَسِطَ النَفْسِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِالشَيْءِ، و"تَفَكَّهَ" مِن أخَواتِ "تَحَرَّجَ" و"تَحَوَّبَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَظَلْتُمْ" بِفَتْحِ الظاءِ، ورَوى سُفْيانُ الثَوْرِيُّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ كَسْرَ الظاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: طُرِحَتْ عَلَيْها حَرَكَةُ اللامِ المَحْزُوفَةِ، وذَلِكَ رَدِيءٌ في القِياسِ، وهي قِراءَةُ أبُو حَيْوَةَ، ورَوى أحْمَدُ بْنُ مُوسى: "فَظَلَلْتُمْ" بِلامَيْنِ الأُولى مَفْتُوحَةٌ عَنِ الجَحْدَرِيُّ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِكَسْرِ اللامِ الأُولى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ قَبْلَهُ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: "يَقُولُونَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "أئِنّا لَمُغْرَمُونَ" بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: إنّا لَمُعَذَّبُونَ مِنَ الغَرامِ، وهو أشَدُّ العَذابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ إنْ يُعَذِّبْ يَكُنْ غَرامًا وإنَّ يُعْـ ـطَ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنّا لَمُحَمَّلُونَ الغَرامَ، أيْ: غَرِمْنا في النَفَقَةِ وذِهابِ زَرْعِنا، تَقُولُ: "غَرِمَ الرَجُلُ وأغْرَمْتُهُ فَهو مُغْرَمٌ"، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "المَحْرُومُ" وأنَّهُ المَحْدُودُ والمُحارِفُ.
و"المُزْنِ": السَحابُ بِلا خِلافٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٢٠٧)
؎ ونَحْنُ كَماءِ المُزْنِ ما في نِصابِنا ∗∗∗ كَهامٍّ ولا فِينا يُعَدُّ بِخَيْلٍ
و"الأُجاجُ" أشَدُّ المِياهِ مُلُوحَةُ، وهو ماءُ البَحْرِ الأخْضَرِ. و"تُورُونَ" مَعْناهُ: تَقْتَدِحُونَ مِنَ الأزْنُدِ، تَقُولُ: أوُرِيتُ النارَ مِنَ الزِنادِ، ورَوى الزِنادُ نَفْسُهُ، والزِنادُ قَدْ يَكُونُ مِن حَجَرَيْنِ ومِن حَجَرٍ وحَدِيدَةٍ ومِن شَجَرٍ لا سِيَّما في بِلادِ العَرَبِ، فَإنَّ أزْنُدَهم مِن شَجَرٍ ولا سِيَّما في الشَجَرِ الرَخْوِ كالمَرْخِ والعِفارِ والكَلْخِ وما أشْبَهَ، ولِعادَةِ العَرَبِ في أنَّ زِنادَهم مِن شَجَرٍ قالَ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها﴾، وقالَ بَعْضُ أهْلِ النَظَرِ: أرادَ بِالشَجَرَةِ نَفْسَ النارِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: نَوْعُها أو جِنْسُها، فاسْتَعارَ الشَجَرَةَ لِذَلِكَ، وهو قَوْلٌ فِيهِ تَكَلُّفٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آنْتُمْ" بِالمَدِّ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو، وعِيسى: "أنْتُمْ" بِغَيْرِ مَدٍّ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ.
و"تَذْكِرَةً" مَعْناهُ: تُذَكِّرُ نارَ جَهَنَّمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، و"المَتاعُ" ما يُنْتَفَعُ بِهِ، و"المُقْوِينَ" بِأشْياءَ ضَعِيفَةٍ، كَقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: الخائِفُونَ ونَحْوُهُ، ولا يَقُومُ مِنها إلّا ما ذَكَرْناهُ، ومَن قالَ مَعْناهُ: المُسافِرُونَ فَهو نَحْوُ ما قُلْناهُ، وهي عِبارَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ لِلَّهِ عنهُما، تَقُولُ: "أصْبَحَ الرَجُلُ" دَخَلَ في الصَباحِ، و"أصْحَرَ" دَخَلَ في الصَحْراءِ، و"أقْوى" دَخَلَ في الأرْضِ القِواءِ، ومِنهُ "أقْوَتِ الدارُ، أقْوى الطَلَلُ" أيْ: صارَ قِواءً، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:
؎ ................... ∗∗∗ أقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأبَدِ
(p-٢٠٨)وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎ ............... ∗∗∗ أقْوى وأقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ
والفَقِيرُ والغَنِيُّ إذًا أقْوَيا، سَواءٌ في الحاجَةِ إلى النارِ، ولا شَيْءَ يُغْنِي غِناها في البَرْدِ، ومَن قالَ: "إنَّ أقْوى مِنَ الأضْدادِ مِن حَيْثُ يُقالُ أقْوى الرَجُلُ إذا قَوِيَتْ دابَّتُهُ" فَقَدْ أخْطَأ، وذَلِكَ فِعْلٌ آخَرُ كَأتْرَبَ إذا أثْرى.
ثُمَّ أمَرَ تَبارَكَ تَعالى نَبِيَّهُ بِتَنْزِيهِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ وتَنْزِيهِ أسْمائِهِ العُلى عَمّا يَقُولُهُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ حَجُّوا في هَذِهِ الآياتِ.
الواقعة 56:75
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ﴾ ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ﴿وَأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في "لا" مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ﴾ - فَقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي زائِدَةٌ، والمَعْنى: فَأُقْسِمُ، وزِيادَتُها في بَعْضِ المَواضِعِ مَعْرُوفٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، وغَيْرُ ذَلِكَ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وبَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي نافِيَةٌ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَلا صِحَّةَ لِما يَقُولُهُ الكُفّارُ، ثُمَّ (p-٢٠٩)ابْتَدَأ تَبارَكَ وتَعالى فَقالَ: "أُقْسِمُ"، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هي مُؤَكَّدَةٌ تُعْطِي في القِسْمِ مُبالِغَةً، وهي كاسْتِفْتاحِ كَلامٍ يُشْبِهُ في القَسَمِ ألّا في شائِعِ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلا وأبِي........... لا أخُونُها
المَعْنى: "فَوَأبِي"، أعْدائِها، ولِهَذا نَظائِرُ، وقَرَأ الحَسَنُ والثَقَفِيُّ: "فَلْأُ قْسِمُ" بِغَيْرِ ألْفٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: التَقْدِيرُ: فَلَأنا أُقْسِمُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "بِمَواقِعَ" عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُمْ- وأهْلُ الكُوفَةِ: حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "بِمَوْقِعٍ" عَلى الإفْرادِ، وهو مُرادٌ بِهِ الجَمْعُ، ونَظِيرُ هَذا كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]، جَمْعٌ مِن حَيْثُ لِكُلِّ حِمارٍ صَوْتٌ مُخْتَصٌّ، وأفْرَدَ مِن حَيْثُ الأصْواتُ كُلُّها نَوْعٌ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "النُجُومِ" هُنا- فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: هي نُجُومُ القُرْآنِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في لَيْلَةِ القَدْرِ إلى السَماءِ الدُنْيا- وقِيلَ: إلى البَيْتِ المَعْمُورِ - جُمْلَةً واحِدَةً، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ نُجُومًا مُقَطَّعَةً في مُدَّةٍ مِن عِشْرِينَ سَنَةً، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ عَوْدُ الضَمِيرِ عَلى القُرْآنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾، وذَلِكَ أنَّ ذِكْرَهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ومَن لا يَتَأوَّلُ هَذا التَأْوِيلَ يَقُولُ: إنَّ الضَمِيرَ يَعُودُ عَلى القُرْآنِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِشُهْرَةِ الأمْرِ ووُضُوحِ المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، و﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: النُجُومُ هُنا (p-٢١٠)الكَواكِبُ المَعْرُوفَةُ، واخْتُلِفَ في مَوْقِعِها، فَقالَ مُجاهِدٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: هي مَواقِعُها عِنْدَ غُرُوبِها وطُلُوعُها، وقالَ قَتادَةُ: مَواقِعُها هي مَواضِعُها مِنَ السَماءِ، وقِيلَ: مَواقِعُها عِنْدَ الِانْقِضاضِ إثْرَ العَفارِيتِ، وقالَ الحَسَنُ: مَواقِعُها عِنْدَ انْكِدارِ النُجُومِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ وتَنْبِيهٌ مِنَ المَقْسِمِ بِهِ، ولَيْسَ هَذا بِاعْتِراضٍ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، بَلْ هَذا مَعْنًى قُصِدَ التَهَمُّمُ بِهِ، وإنَّما الِاعْتِراضُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾، وقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" اعْتِراضٌ، وإنَّ "لَوْ تَعْلَمُونَ" اعْتِراضٌ في اعْتِراضٍ، والتَحْرِيرُ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّهُ لَقُرْآنٌ" هو الَّذِي وقَعَ القَسَمُ عَلَيْهِ، ووَصَفَهُ بِالكَرَمِ عَلى مَعْنى إثْباتِ صِفاتِ المَدْحِ لَهُ ودَفْعِ صِفاتِ الحَطِيطَةِ عنهُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ "المَكْنُونَ": المَصُونُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: أرادَ الكِتابَ الَّذِي في السَماءِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: أرادَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّهُ لِكِتابٌ كَرِيمٌ ذَكَرَ كَرَمَهُ وشَرَفَهُ في كِتابٍ مَكْنُونٍ، فَمَعْنى الآيَةِ -عَلى هَذا- الِاسْتِشْهادُ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٦]، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: أرادَ مَصاحِفَ المُسْلِمِينَ، وكانَتْ يَوْمَ نَزَلَتِ الآيَةُ لَمْ تَكُنْ، فَهي -عَلى هَذا- إخْبارٌ بِغَيْبٍ، وكَذَلِكَ هو في كِتابٍ مَصُونٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا لَفْظَةَ "المَسِّ" فَإنَّها تُشِيرُ إلى المَصاحِفِ، وهي مُسْتَعارَةٌ مِن مَسِّ المَلائِكَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ وفي حُكْمِهِ- فَقالَ بَعْضُ مَن قالَ إنَّ الكِتابَ المَكْنُونَ هو الَّذِي في السَماءِ، قالَ: المُطَهَّرُونَ هُنا: المَلائِكَةُ، قالَ قَتادَةُ: فَأمّا عِنْدَكم فَيَمَسُّهُ المُشْرِكُ المُنَجَّسُ والمُنافِقُ، قالَ الطَبَرِيُّ: المُطَهَّرُونَ: المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ ومَن لا ذَنْبَ لَهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ -عَلى هَذا القَوْلِ- حُكْمُ مَسِّ المُصْحَفِ لِسائِرِ بَنِي آدَمَ، ومَن قالَ بِأنَّها مَصاحِفُ المُسْلِمِينَ قالَ: إنَّ قَوْلُهُ تَعالى: "لا يَمَسُّهُ" إخْبارٌ مُضَمِّنُهُ النَهْيُ، وضَمَّةُ السِينِ -عَلى هَذا- ضَمَّةُ إعْرابٍ وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: الكَلامُ نَهْيٌ، وضَمَّةُ السِينِ ضَمَّةُ بِناءٍ، قالَ جَمِيعُهُمْ: فَلا يَمَسُّ المُصْحَفَ مِن بَنِي آدَمَ إلّا الطاهِرُ مِنَ الكُفْرِ والجَنابَةِ والحَدَثِ الأصْغَرِ، قالَ مالِكٌ: (p-٢١١)لا يَحْمِلُهُ غَيْرُ طاهِرٍ بِعَلاقَتِهِ ولا عَلى وِسادَةٍ، وفي كِتابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: « "وَلا يَمَسُّ القُرْآنَ إلّا الطاهِرُ"»، وقَدْ رَخَّصَ أبُو حَنِيفَةَ وقَوْمٌ بِأنْ يَمَسَّهُ الجُنُبُ والحائِضُ عَلى حائِلٍ، غُلافٌ ونَحْوُهُ، ورَخَّصَ بَعْضُ العُلَماءِ في مَسِّهِ في الحَدَثِ الأصْغَرِ وفي قِراءَتِهِ عن ظَهْرِ قَلْبٍ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ وعامِرٌ الشَعْبِيُّ، ولا سِيَّما لِلْمُعَلِّمِ والصِبْيانِ، وقَدْ رَخَّصَ بَعْضُهم لِلْجُنُبِ في قِراءَتِهِ، وهَذا التَرْخِيصُ كُلُّهُ إنَّما هو عَلى القَوْلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنْ "المُطَهَّرِينَ" هُمُ المَلائِكَةُ، أو عَلى مُراعاةِ لِفْظِ المَسِّ، فَقَدْ قالَ سَلْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ لا أمَسُّ المُصْحَفَ ولَكِنْ أقْرَأُ القُرْآنَ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ والهاءِ المُشَدَّدَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُما-: "المُطَهَّرُونَ" بِسُكُونِ الطاءِ وفَتْحِ الهاءِ خَفِيفَةً، وهي قِراءَةُ عِيسى الثَقَفِيِّ. وقَرَأ سَلْمانُ الفارِسِيُّ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ خَفِيفَةً وكَسْرِ الهاءِ وشَدِّها، عَلى مَعْنى الَّذِينَ يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهُمْ، ورُوِيَتْ عنهُ بِشَدِّ الطاءِ والهاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ -بِخِلافٍ عنهُ-: "المُطَهَّرُونَ" بِمَعْنى: المُتَطَهِّرِينَ، والقَوْلُ بِأنَّ "لا يَمَسُّهُ" نَهْيٌ، قَوْلٌ فِيهِ ضَعْفٌ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا كانَ خَبَرًا فَهو في مَوْضِعِ الصِفَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: "تَنْزِيلٌ" صِفَةٌ أيْضًا، فَإذْ جَعَلْناهُ نَهْيًا جاءَ مَعْنًى أجْنَبِيًّا مُعْتَرِضًا بَيْنَ الصِفاتِ، وذَلِكَ لا يَحْسُنُ في رَصْفِ الكَلامِ فَتُدَبِّرُهُ، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ما يَمَسُّهُ" وهَذا يُقَوِّي ما رَجَّحْتُهُ مِنَ الخَبَرِ الَّذِي مَعْناهُ: حَقُّهُ وقَدْرُهُ أنْ ألّا يَمَسَّهُ إلّا طاهِرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ، و"الحَدِيثِ" المُشارِ إلَيْهِ هو القُرْآنُ المُتَضَمِّنُ البَعْثَ، وإنَّ اللهَ تَعالى هو خالِقُ الكُلِّ، وإنَّ ابْنَ آدَمَ مَصَرَّفٌ بِقَدَرِهِ وقَضائِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، و"مُدْهِنُونَ" مَعْناهُ: يُلايِنُ بَعْضُكم بَعْضًا ويَتْبَعُهُ في الكُفْرِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الدُهْنِ لِلِينِهِ وإمْلاسِهِ، وقالَ أبُو قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ:
؎ الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ الـ ∗∗∗ إدْهانِ والفَهَّةِ والهاعِ
(p-٢١٢)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو المُهاوَدَةُ فِيما لا يَحِلُّ، والمُداراةُ هي المُهاوَدَةُ فِيما يَحِلُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مُدْهِنُونَ": مُكَذِّبُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾، أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الآيَةَ تَوْبِيخٌ لِلْقائِلِينَ في المَطَرِ الَّذِي نَزَّلَهُ اللهُ تَعالى رِزْقًا لِلْعِبادِ: هَذا بِنَوْءِ كَذا وكَذا وهَذا بِنَوْءِ الأسَدِ، وهَذا بِنَوْءِ الجَوْزاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمَعْنى: وتَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكُمْ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: جَعَلْتَ يا فُلانُ إحْسانِي إلَيْكَ أنْ سَبَبْتَنِي، فالمَعْنى: جَعَلْتُ شَكَرَ إحْسانِي، وحَكى الهَيْثَمُ بْنُ عُدَيٍّ أنَّ مِن لُغَةِ أزِدْ شَنُوءَةَ: ما رِزْقُ فُلانٍ؟ بِمَعْنى: ما شُكْرُهُ؟ وكانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقْرَؤُها: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكم أنَّكم تَكْذِبُونَ"، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ إلّا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ضَمَّ التاءِ وفَتَحَ الكافَ، وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَتَحَ التاءَ وسَكَّنَ الكافَ وخَفَّفَ الذالَ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وكانَ شُكْرُ القَوْمِ عِنْدَ المِنَنِ ∗∗∗ كَيُّ الصَحِيحاتِ وفَقْءُ الأعْيُنِ
وقَدْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْشَأ بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ، والنَخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبادِ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾، أيْ: بِهَذا الخَبَرِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ المُفَضَّلِ عنهُ: "تُكَذِّبُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُونِ الكافِ وتَخْفِيفِ الذالِ كَقِراءَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكَذِبُهم في مَقالِهِمْ بَيِّنٌ (p-٢١٣)لِأنَّهم يَقُولُونَ: هَذا بِنَوْءِ كَذا، وذَلِكَ كَذِبٌ مِنهم وتَخَرُّصٌ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: مُطِرْنا بِبَعْضِ عُثانَيْنِ الأسَدِ، فَقالَ لَهُ: "كَذَبْتَ بَلْ هو رِزْقُ اللهِ"،» والمَنهِيُّ عنهُ المَكْرُوهُ هو أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ لِلطّالِعِ مِنَ النُجُومِ تَأْثِيرًا في المَطَرِ، وأمّا مُراعاةُ بَعْضِ الطَوالِعِ عَلى مُقْتَضى العادَةِ فَقَدْ قالَ عُمَرُ لِلْعَبّاسِ رَضِيَ اللهُ عنهُما وهُما في الِاسْتِسْقاءِ: يا عَبّاسُ، يا عَمَّ النَبِيِّ ﷺ: كَمْ بَقِيَ مِن نَوْءِ الثُرَيّا؟ فَقالَ العَبّاسُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: العُلَماءُ يَقُولُونَ إنَّها تَعْتَرِضُ الأُفُقَ بَعْدَ سُقُوطِها سَبْعًا، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: فَما مَضَتْ سَبْعٌ حَتّى مُطِرُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى مَوْضِعِ عَجْزٍ يَقْتَضِي النَظَرُ فِيهِ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، والضَمِيرُ في "بَلَغَتِ الحُلْقُومَ" لِنَفْسِ الإنْسانِ، والمَعْنى يَقْتَضِيها وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ، "والحُلْقُومَ" مَجْرى الطَعامِ، وهَذِهِ الحالُ هي نِزاعُ المَرْءِ لِلْمَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْتُمْ" إشارَةٌ إلى جَمِيعِ البَشَرِ، وهَذا مِنَ الِاقْتِضابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "حِينَئِذٍ" بِكَسْرِ النُونِ، و"تَنْظُرُونَ" مَعْناهُ: إلى المُنازِعِ في المَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَلائِكَتَهُ ورُسُلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِقُدْرَتِنا وغَلَبَتِنا، فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ مِنَ النَظَرِ بِالعَيْنِ، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي يَجِيءُ مِنَ النَظَرِ بِالقَلْبِ. وقالَ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ: ما نَظَرْتُ إلى شَيْءٍ إلّا رَأيْتُ اللهَ تَعالى أقْرَبَ إلَيْهِ مِنِّي.
ثُمَّ عادَ التَوْقِيفُ والتَقْرِيرُ ثانِيَةً بِلَفْظِ التَحْضِيضِ، و"المَدِينُ": المَمْلُوكُ، هَذا أصَحُّ ما يُقالُ في مَعْنى اللَفْظَةِ هُنا، ومَن عَبَّرَ عنها بِالمُجازى أوِ المُحاسَبِ فَذَلِكَ هُنا قَلَقٌ، والمَمْلُوكُ يُقَلِّبُ كَيْفَ يَشاءُ المالِكَ، ومِن هَذا المِلْكِ قَوْلُ الأخْطَلِ:(p-٢١٤)
؎ رَبَتْ فَرَبّى في حِجْرِها ابْنُ مَدِينَةَ ∗∗∗ تَراهُ عَلى مِسْحاتِهِ يَتَرَكَّلُ
أرادَ: ابْنُ أُمَّةٍ مَمْلُوكَةٍ، وهو عَبْدٌ يَخْدِمُ الكَرَمَ، وقَدْ قِيلَ في مَعْنى هَذا البَيْتِ: أرادَ أكّارًا حَضَرِيًّا لِأنَّ الأعْرابَ في البادِيَةِ لا يَعْرِفُونَ الفِلاحَةَ وعَمَلَ الكَرْمِ، فَنَسَبَهُ إلى المَدِينَةِ لِما كانَ مِن أهْلِها، فَمَعْنى الآيَةِ: فَلَوْلا تَرْجِعُونَ النَفْسَ البالِغَةَ الحُلْقُومَ إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَمْلُوكِينَ ولا مَقْهُورِينَ، ودِينُ المَلِكِ حُكْمُهُ وسُلْطانُهُ، وقَدْ نَحا إلى هَذا المَعْنى الفَرّاءُ، وذَكَرَهُ مُسْتَوْعِبًا النَقّاشَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "تَرْجِعُونَها" سَدَّتْ مَسَدَّ الأجْوِبَةِ والبَياناتِ الَّتِي تَقْتَضِيها التَخْصِيصاتُ، وإذا مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَلَوْلا إذا" و"إنْ" المُتَكَرِّرَةُ، وحَمَلَ بَعْضُ القَوْلِ بَعْضًا إيجازًا واقْتِضابًا.
الواقعة 56:76
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ﴾ ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ﴿وَأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في "لا" مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ﴾ - فَقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي زائِدَةٌ، والمَعْنى: فَأُقْسِمُ، وزِيادَتُها في بَعْضِ المَواضِعِ مَعْرُوفٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، وغَيْرُ ذَلِكَ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وبَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي نافِيَةٌ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَلا صِحَّةَ لِما يَقُولُهُ الكُفّارُ، ثُمَّ (p-٢٠٩)ابْتَدَأ تَبارَكَ وتَعالى فَقالَ: "أُقْسِمُ"، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هي مُؤَكَّدَةٌ تُعْطِي في القِسْمِ مُبالِغَةً، وهي كاسْتِفْتاحِ كَلامٍ يُشْبِهُ في القَسَمِ ألّا في شائِعِ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلا وأبِي........... لا أخُونُها
المَعْنى: "فَوَأبِي"، أعْدائِها، ولِهَذا نَظائِرُ، وقَرَأ الحَسَنُ والثَقَفِيُّ: "فَلْأُ قْسِمُ" بِغَيْرِ ألْفٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: التَقْدِيرُ: فَلَأنا أُقْسِمُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "بِمَواقِعَ" عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُمْ- وأهْلُ الكُوفَةِ: حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "بِمَوْقِعٍ" عَلى الإفْرادِ، وهو مُرادٌ بِهِ الجَمْعُ، ونَظِيرُ هَذا كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]، جَمْعٌ مِن حَيْثُ لِكُلِّ حِمارٍ صَوْتٌ مُخْتَصٌّ، وأفْرَدَ مِن حَيْثُ الأصْواتُ كُلُّها نَوْعٌ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "النُجُومِ" هُنا- فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: هي نُجُومُ القُرْآنِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في لَيْلَةِ القَدْرِ إلى السَماءِ الدُنْيا- وقِيلَ: إلى البَيْتِ المَعْمُورِ - جُمْلَةً واحِدَةً، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ نُجُومًا مُقَطَّعَةً في مُدَّةٍ مِن عِشْرِينَ سَنَةً، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ عَوْدُ الضَمِيرِ عَلى القُرْآنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾، وذَلِكَ أنَّ ذِكْرَهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ومَن لا يَتَأوَّلُ هَذا التَأْوِيلَ يَقُولُ: إنَّ الضَمِيرَ يَعُودُ عَلى القُرْآنِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِشُهْرَةِ الأمْرِ ووُضُوحِ المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، و﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: النُجُومُ هُنا (p-٢١٠)الكَواكِبُ المَعْرُوفَةُ، واخْتُلِفَ في مَوْقِعِها، فَقالَ مُجاهِدٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: هي مَواقِعُها عِنْدَ غُرُوبِها وطُلُوعُها، وقالَ قَتادَةُ: مَواقِعُها هي مَواضِعُها مِنَ السَماءِ، وقِيلَ: مَواقِعُها عِنْدَ الِانْقِضاضِ إثْرَ العَفارِيتِ، وقالَ الحَسَنُ: مَواقِعُها عِنْدَ انْكِدارِ النُجُومِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ وتَنْبِيهٌ مِنَ المَقْسِمِ بِهِ، ولَيْسَ هَذا بِاعْتِراضٍ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، بَلْ هَذا مَعْنًى قُصِدَ التَهَمُّمُ بِهِ، وإنَّما الِاعْتِراضُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾، وقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" اعْتِراضٌ، وإنَّ "لَوْ تَعْلَمُونَ" اعْتِراضٌ في اعْتِراضٍ، والتَحْرِيرُ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّهُ لَقُرْآنٌ" هو الَّذِي وقَعَ القَسَمُ عَلَيْهِ، ووَصَفَهُ بِالكَرَمِ عَلى مَعْنى إثْباتِ صِفاتِ المَدْحِ لَهُ ودَفْعِ صِفاتِ الحَطِيطَةِ عنهُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ "المَكْنُونَ": المَصُونُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: أرادَ الكِتابَ الَّذِي في السَماءِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: أرادَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّهُ لِكِتابٌ كَرِيمٌ ذَكَرَ كَرَمَهُ وشَرَفَهُ في كِتابٍ مَكْنُونٍ، فَمَعْنى الآيَةِ -عَلى هَذا- الِاسْتِشْهادُ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٦]، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: أرادَ مَصاحِفَ المُسْلِمِينَ، وكانَتْ يَوْمَ نَزَلَتِ الآيَةُ لَمْ تَكُنْ، فَهي -عَلى هَذا- إخْبارٌ بِغَيْبٍ، وكَذَلِكَ هو في كِتابٍ مَصُونٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا لَفْظَةَ "المَسِّ" فَإنَّها تُشِيرُ إلى المَصاحِفِ، وهي مُسْتَعارَةٌ مِن مَسِّ المَلائِكَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ وفي حُكْمِهِ- فَقالَ بَعْضُ مَن قالَ إنَّ الكِتابَ المَكْنُونَ هو الَّذِي في السَماءِ، قالَ: المُطَهَّرُونَ هُنا: المَلائِكَةُ، قالَ قَتادَةُ: فَأمّا عِنْدَكم فَيَمَسُّهُ المُشْرِكُ المُنَجَّسُ والمُنافِقُ، قالَ الطَبَرِيُّ: المُطَهَّرُونَ: المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ ومَن لا ذَنْبَ لَهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ -عَلى هَذا القَوْلِ- حُكْمُ مَسِّ المُصْحَفِ لِسائِرِ بَنِي آدَمَ، ومَن قالَ بِأنَّها مَصاحِفُ المُسْلِمِينَ قالَ: إنَّ قَوْلُهُ تَعالى: "لا يَمَسُّهُ" إخْبارٌ مُضَمِّنُهُ النَهْيُ، وضَمَّةُ السِينِ -عَلى هَذا- ضَمَّةُ إعْرابٍ وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: الكَلامُ نَهْيٌ، وضَمَّةُ السِينِ ضَمَّةُ بِناءٍ، قالَ جَمِيعُهُمْ: فَلا يَمَسُّ المُصْحَفَ مِن بَنِي آدَمَ إلّا الطاهِرُ مِنَ الكُفْرِ والجَنابَةِ والحَدَثِ الأصْغَرِ، قالَ مالِكٌ: (p-٢١١)لا يَحْمِلُهُ غَيْرُ طاهِرٍ بِعَلاقَتِهِ ولا عَلى وِسادَةٍ، وفي كِتابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: « "وَلا يَمَسُّ القُرْآنَ إلّا الطاهِرُ"»، وقَدْ رَخَّصَ أبُو حَنِيفَةَ وقَوْمٌ بِأنْ يَمَسَّهُ الجُنُبُ والحائِضُ عَلى حائِلٍ، غُلافٌ ونَحْوُهُ، ورَخَّصَ بَعْضُ العُلَماءِ في مَسِّهِ في الحَدَثِ الأصْغَرِ وفي قِراءَتِهِ عن ظَهْرِ قَلْبٍ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ وعامِرٌ الشَعْبِيُّ، ولا سِيَّما لِلْمُعَلِّمِ والصِبْيانِ، وقَدْ رَخَّصَ بَعْضُهم لِلْجُنُبِ في قِراءَتِهِ، وهَذا التَرْخِيصُ كُلُّهُ إنَّما هو عَلى القَوْلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنْ "المُطَهَّرِينَ" هُمُ المَلائِكَةُ، أو عَلى مُراعاةِ لِفْظِ المَسِّ، فَقَدْ قالَ سَلْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ لا أمَسُّ المُصْحَفَ ولَكِنْ أقْرَأُ القُرْآنَ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ والهاءِ المُشَدَّدَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُما-: "المُطَهَّرُونَ" بِسُكُونِ الطاءِ وفَتْحِ الهاءِ خَفِيفَةً، وهي قِراءَةُ عِيسى الثَقَفِيِّ. وقَرَأ سَلْمانُ الفارِسِيُّ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ خَفِيفَةً وكَسْرِ الهاءِ وشَدِّها، عَلى مَعْنى الَّذِينَ يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهُمْ، ورُوِيَتْ عنهُ بِشَدِّ الطاءِ والهاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ -بِخِلافٍ عنهُ-: "المُطَهَّرُونَ" بِمَعْنى: المُتَطَهِّرِينَ، والقَوْلُ بِأنَّ "لا يَمَسُّهُ" نَهْيٌ، قَوْلٌ فِيهِ ضَعْفٌ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا كانَ خَبَرًا فَهو في مَوْضِعِ الصِفَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: "تَنْزِيلٌ" صِفَةٌ أيْضًا، فَإذْ جَعَلْناهُ نَهْيًا جاءَ مَعْنًى أجْنَبِيًّا مُعْتَرِضًا بَيْنَ الصِفاتِ، وذَلِكَ لا يَحْسُنُ في رَصْفِ الكَلامِ فَتُدَبِّرُهُ، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ما يَمَسُّهُ" وهَذا يُقَوِّي ما رَجَّحْتُهُ مِنَ الخَبَرِ الَّذِي مَعْناهُ: حَقُّهُ وقَدْرُهُ أنْ ألّا يَمَسَّهُ إلّا طاهِرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ، و"الحَدِيثِ" المُشارِ إلَيْهِ هو القُرْآنُ المُتَضَمِّنُ البَعْثَ، وإنَّ اللهَ تَعالى هو خالِقُ الكُلِّ، وإنَّ ابْنَ آدَمَ مَصَرَّفٌ بِقَدَرِهِ وقَضائِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، و"مُدْهِنُونَ" مَعْناهُ: يُلايِنُ بَعْضُكم بَعْضًا ويَتْبَعُهُ في الكُفْرِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الدُهْنِ لِلِينِهِ وإمْلاسِهِ، وقالَ أبُو قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ:
؎ الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ الـ ∗∗∗ إدْهانِ والفَهَّةِ والهاعِ
(p-٢١٢)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو المُهاوَدَةُ فِيما لا يَحِلُّ، والمُداراةُ هي المُهاوَدَةُ فِيما يَحِلُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مُدْهِنُونَ": مُكَذِّبُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾، أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الآيَةَ تَوْبِيخٌ لِلْقائِلِينَ في المَطَرِ الَّذِي نَزَّلَهُ اللهُ تَعالى رِزْقًا لِلْعِبادِ: هَذا بِنَوْءِ كَذا وكَذا وهَذا بِنَوْءِ الأسَدِ، وهَذا بِنَوْءِ الجَوْزاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمَعْنى: وتَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكُمْ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: جَعَلْتَ يا فُلانُ إحْسانِي إلَيْكَ أنْ سَبَبْتَنِي، فالمَعْنى: جَعَلْتُ شَكَرَ إحْسانِي، وحَكى الهَيْثَمُ بْنُ عُدَيٍّ أنَّ مِن لُغَةِ أزِدْ شَنُوءَةَ: ما رِزْقُ فُلانٍ؟ بِمَعْنى: ما شُكْرُهُ؟ وكانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقْرَؤُها: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكم أنَّكم تَكْذِبُونَ"، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ إلّا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ضَمَّ التاءِ وفَتَحَ الكافَ، وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَتَحَ التاءَ وسَكَّنَ الكافَ وخَفَّفَ الذالَ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وكانَ شُكْرُ القَوْمِ عِنْدَ المِنَنِ ∗∗∗ كَيُّ الصَحِيحاتِ وفَقْءُ الأعْيُنِ
وقَدْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْشَأ بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ، والنَخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبادِ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾، أيْ: بِهَذا الخَبَرِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ المُفَضَّلِ عنهُ: "تُكَذِّبُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُونِ الكافِ وتَخْفِيفِ الذالِ كَقِراءَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكَذِبُهم في مَقالِهِمْ بَيِّنٌ (p-٢١٣)لِأنَّهم يَقُولُونَ: هَذا بِنَوْءِ كَذا، وذَلِكَ كَذِبٌ مِنهم وتَخَرُّصٌ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: مُطِرْنا بِبَعْضِ عُثانَيْنِ الأسَدِ، فَقالَ لَهُ: "كَذَبْتَ بَلْ هو رِزْقُ اللهِ"،» والمَنهِيُّ عنهُ المَكْرُوهُ هو أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ لِلطّالِعِ مِنَ النُجُومِ تَأْثِيرًا في المَطَرِ، وأمّا مُراعاةُ بَعْضِ الطَوالِعِ عَلى مُقْتَضى العادَةِ فَقَدْ قالَ عُمَرُ لِلْعَبّاسِ رَضِيَ اللهُ عنهُما وهُما في الِاسْتِسْقاءِ: يا عَبّاسُ، يا عَمَّ النَبِيِّ ﷺ: كَمْ بَقِيَ مِن نَوْءِ الثُرَيّا؟ فَقالَ العَبّاسُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: العُلَماءُ يَقُولُونَ إنَّها تَعْتَرِضُ الأُفُقَ بَعْدَ سُقُوطِها سَبْعًا، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: فَما مَضَتْ سَبْعٌ حَتّى مُطِرُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى مَوْضِعِ عَجْزٍ يَقْتَضِي النَظَرُ فِيهِ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، والضَمِيرُ في "بَلَغَتِ الحُلْقُومَ" لِنَفْسِ الإنْسانِ، والمَعْنى يَقْتَضِيها وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ، "والحُلْقُومَ" مَجْرى الطَعامِ، وهَذِهِ الحالُ هي نِزاعُ المَرْءِ لِلْمَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْتُمْ" إشارَةٌ إلى جَمِيعِ البَشَرِ، وهَذا مِنَ الِاقْتِضابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "حِينَئِذٍ" بِكَسْرِ النُونِ، و"تَنْظُرُونَ" مَعْناهُ: إلى المُنازِعِ في المَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَلائِكَتَهُ ورُسُلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِقُدْرَتِنا وغَلَبَتِنا، فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ مِنَ النَظَرِ بِالعَيْنِ، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي يَجِيءُ مِنَ النَظَرِ بِالقَلْبِ. وقالَ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ: ما نَظَرْتُ إلى شَيْءٍ إلّا رَأيْتُ اللهَ تَعالى أقْرَبَ إلَيْهِ مِنِّي.
ثُمَّ عادَ التَوْقِيفُ والتَقْرِيرُ ثانِيَةً بِلَفْظِ التَحْضِيضِ، و"المَدِينُ": المَمْلُوكُ، هَذا أصَحُّ ما يُقالُ في مَعْنى اللَفْظَةِ هُنا، ومَن عَبَّرَ عنها بِالمُجازى أوِ المُحاسَبِ فَذَلِكَ هُنا قَلَقٌ، والمَمْلُوكُ يُقَلِّبُ كَيْفَ يَشاءُ المالِكَ، ومِن هَذا المِلْكِ قَوْلُ الأخْطَلِ:(p-٢١٤)
؎ رَبَتْ فَرَبّى في حِجْرِها ابْنُ مَدِينَةَ ∗∗∗ تَراهُ عَلى مِسْحاتِهِ يَتَرَكَّلُ
أرادَ: ابْنُ أُمَّةٍ مَمْلُوكَةٍ، وهو عَبْدٌ يَخْدِمُ الكَرَمَ، وقَدْ قِيلَ في مَعْنى هَذا البَيْتِ: أرادَ أكّارًا حَضَرِيًّا لِأنَّ الأعْرابَ في البادِيَةِ لا يَعْرِفُونَ الفِلاحَةَ وعَمَلَ الكَرْمِ، فَنَسَبَهُ إلى المَدِينَةِ لِما كانَ مِن أهْلِها، فَمَعْنى الآيَةِ: فَلَوْلا تَرْجِعُونَ النَفْسَ البالِغَةَ الحُلْقُومَ إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَمْلُوكِينَ ولا مَقْهُورِينَ، ودِينُ المَلِكِ حُكْمُهُ وسُلْطانُهُ، وقَدْ نَحا إلى هَذا المَعْنى الفَرّاءُ، وذَكَرَهُ مُسْتَوْعِبًا النَقّاشَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "تَرْجِعُونَها" سَدَّتْ مَسَدَّ الأجْوِبَةِ والبَياناتِ الَّتِي تَقْتَضِيها التَخْصِيصاتُ، وإذا مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَلَوْلا إذا" و"إنْ" المُتَكَرِّرَةُ، وحَمَلَ بَعْضُ القَوْلِ بَعْضًا إيجازًا واقْتِضابًا.
الواقعة 56:77
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ﴾ ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ﴿وَأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في "لا" مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ﴾ - فَقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي زائِدَةٌ، والمَعْنى: فَأُقْسِمُ، وزِيادَتُها في بَعْضِ المَواضِعِ مَعْرُوفٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، وغَيْرُ ذَلِكَ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وبَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي نافِيَةٌ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَلا صِحَّةَ لِما يَقُولُهُ الكُفّارُ، ثُمَّ (p-٢٠٩)ابْتَدَأ تَبارَكَ وتَعالى فَقالَ: "أُقْسِمُ"، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هي مُؤَكَّدَةٌ تُعْطِي في القِسْمِ مُبالِغَةً، وهي كاسْتِفْتاحِ كَلامٍ يُشْبِهُ في القَسَمِ ألّا في شائِعِ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلا وأبِي........... لا أخُونُها
المَعْنى: "فَوَأبِي"، أعْدائِها، ولِهَذا نَظائِرُ، وقَرَأ الحَسَنُ والثَقَفِيُّ: "فَلْأُ قْسِمُ" بِغَيْرِ ألْفٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: التَقْدِيرُ: فَلَأنا أُقْسِمُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "بِمَواقِعَ" عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُمْ- وأهْلُ الكُوفَةِ: حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "بِمَوْقِعٍ" عَلى الإفْرادِ، وهو مُرادٌ بِهِ الجَمْعُ، ونَظِيرُ هَذا كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]، جَمْعٌ مِن حَيْثُ لِكُلِّ حِمارٍ صَوْتٌ مُخْتَصٌّ، وأفْرَدَ مِن حَيْثُ الأصْواتُ كُلُّها نَوْعٌ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "النُجُومِ" هُنا- فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: هي نُجُومُ القُرْآنِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في لَيْلَةِ القَدْرِ إلى السَماءِ الدُنْيا- وقِيلَ: إلى البَيْتِ المَعْمُورِ - جُمْلَةً واحِدَةً، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ نُجُومًا مُقَطَّعَةً في مُدَّةٍ مِن عِشْرِينَ سَنَةً، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ عَوْدُ الضَمِيرِ عَلى القُرْآنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾، وذَلِكَ أنَّ ذِكْرَهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ومَن لا يَتَأوَّلُ هَذا التَأْوِيلَ يَقُولُ: إنَّ الضَمِيرَ يَعُودُ عَلى القُرْآنِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِشُهْرَةِ الأمْرِ ووُضُوحِ المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، و﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: النُجُومُ هُنا (p-٢١٠)الكَواكِبُ المَعْرُوفَةُ، واخْتُلِفَ في مَوْقِعِها، فَقالَ مُجاهِدٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: هي مَواقِعُها عِنْدَ غُرُوبِها وطُلُوعُها، وقالَ قَتادَةُ: مَواقِعُها هي مَواضِعُها مِنَ السَماءِ، وقِيلَ: مَواقِعُها عِنْدَ الِانْقِضاضِ إثْرَ العَفارِيتِ، وقالَ الحَسَنُ: مَواقِعُها عِنْدَ انْكِدارِ النُجُومِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ وتَنْبِيهٌ مِنَ المَقْسِمِ بِهِ، ولَيْسَ هَذا بِاعْتِراضٍ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، بَلْ هَذا مَعْنًى قُصِدَ التَهَمُّمُ بِهِ، وإنَّما الِاعْتِراضُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾، وقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" اعْتِراضٌ، وإنَّ "لَوْ تَعْلَمُونَ" اعْتِراضٌ في اعْتِراضٍ، والتَحْرِيرُ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّهُ لَقُرْآنٌ" هو الَّذِي وقَعَ القَسَمُ عَلَيْهِ، ووَصَفَهُ بِالكَرَمِ عَلى مَعْنى إثْباتِ صِفاتِ المَدْحِ لَهُ ودَفْعِ صِفاتِ الحَطِيطَةِ عنهُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ "المَكْنُونَ": المَصُونُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: أرادَ الكِتابَ الَّذِي في السَماءِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: أرادَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّهُ لِكِتابٌ كَرِيمٌ ذَكَرَ كَرَمَهُ وشَرَفَهُ في كِتابٍ مَكْنُونٍ، فَمَعْنى الآيَةِ -عَلى هَذا- الِاسْتِشْهادُ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٦]، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: أرادَ مَصاحِفَ المُسْلِمِينَ، وكانَتْ يَوْمَ نَزَلَتِ الآيَةُ لَمْ تَكُنْ، فَهي -عَلى هَذا- إخْبارٌ بِغَيْبٍ، وكَذَلِكَ هو في كِتابٍ مَصُونٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا لَفْظَةَ "المَسِّ" فَإنَّها تُشِيرُ إلى المَصاحِفِ، وهي مُسْتَعارَةٌ مِن مَسِّ المَلائِكَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ وفي حُكْمِهِ- فَقالَ بَعْضُ مَن قالَ إنَّ الكِتابَ المَكْنُونَ هو الَّذِي في السَماءِ، قالَ: المُطَهَّرُونَ هُنا: المَلائِكَةُ، قالَ قَتادَةُ: فَأمّا عِنْدَكم فَيَمَسُّهُ المُشْرِكُ المُنَجَّسُ والمُنافِقُ، قالَ الطَبَرِيُّ: المُطَهَّرُونَ: المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ ومَن لا ذَنْبَ لَهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ -عَلى هَذا القَوْلِ- حُكْمُ مَسِّ المُصْحَفِ لِسائِرِ بَنِي آدَمَ، ومَن قالَ بِأنَّها مَصاحِفُ المُسْلِمِينَ قالَ: إنَّ قَوْلُهُ تَعالى: "لا يَمَسُّهُ" إخْبارٌ مُضَمِّنُهُ النَهْيُ، وضَمَّةُ السِينِ -عَلى هَذا- ضَمَّةُ إعْرابٍ وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: الكَلامُ نَهْيٌ، وضَمَّةُ السِينِ ضَمَّةُ بِناءٍ، قالَ جَمِيعُهُمْ: فَلا يَمَسُّ المُصْحَفَ مِن بَنِي آدَمَ إلّا الطاهِرُ مِنَ الكُفْرِ والجَنابَةِ والحَدَثِ الأصْغَرِ، قالَ مالِكٌ: (p-٢١١)لا يَحْمِلُهُ غَيْرُ طاهِرٍ بِعَلاقَتِهِ ولا عَلى وِسادَةٍ، وفي كِتابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: « "وَلا يَمَسُّ القُرْآنَ إلّا الطاهِرُ"»، وقَدْ رَخَّصَ أبُو حَنِيفَةَ وقَوْمٌ بِأنْ يَمَسَّهُ الجُنُبُ والحائِضُ عَلى حائِلٍ، غُلافٌ ونَحْوُهُ، ورَخَّصَ بَعْضُ العُلَماءِ في مَسِّهِ في الحَدَثِ الأصْغَرِ وفي قِراءَتِهِ عن ظَهْرِ قَلْبٍ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ وعامِرٌ الشَعْبِيُّ، ولا سِيَّما لِلْمُعَلِّمِ والصِبْيانِ، وقَدْ رَخَّصَ بَعْضُهم لِلْجُنُبِ في قِراءَتِهِ، وهَذا التَرْخِيصُ كُلُّهُ إنَّما هو عَلى القَوْلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنْ "المُطَهَّرِينَ" هُمُ المَلائِكَةُ، أو عَلى مُراعاةِ لِفْظِ المَسِّ، فَقَدْ قالَ سَلْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ لا أمَسُّ المُصْحَفَ ولَكِنْ أقْرَأُ القُرْآنَ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ والهاءِ المُشَدَّدَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُما-: "المُطَهَّرُونَ" بِسُكُونِ الطاءِ وفَتْحِ الهاءِ خَفِيفَةً، وهي قِراءَةُ عِيسى الثَقَفِيِّ. وقَرَأ سَلْمانُ الفارِسِيُّ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ خَفِيفَةً وكَسْرِ الهاءِ وشَدِّها، عَلى مَعْنى الَّذِينَ يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهُمْ، ورُوِيَتْ عنهُ بِشَدِّ الطاءِ والهاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ -بِخِلافٍ عنهُ-: "المُطَهَّرُونَ" بِمَعْنى: المُتَطَهِّرِينَ، والقَوْلُ بِأنَّ "لا يَمَسُّهُ" نَهْيٌ، قَوْلٌ فِيهِ ضَعْفٌ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا كانَ خَبَرًا فَهو في مَوْضِعِ الصِفَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: "تَنْزِيلٌ" صِفَةٌ أيْضًا، فَإذْ جَعَلْناهُ نَهْيًا جاءَ مَعْنًى أجْنَبِيًّا مُعْتَرِضًا بَيْنَ الصِفاتِ، وذَلِكَ لا يَحْسُنُ في رَصْفِ الكَلامِ فَتُدَبِّرُهُ، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ما يَمَسُّهُ" وهَذا يُقَوِّي ما رَجَّحْتُهُ مِنَ الخَبَرِ الَّذِي مَعْناهُ: حَقُّهُ وقَدْرُهُ أنْ ألّا يَمَسَّهُ إلّا طاهِرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ، و"الحَدِيثِ" المُشارِ إلَيْهِ هو القُرْآنُ المُتَضَمِّنُ البَعْثَ، وإنَّ اللهَ تَعالى هو خالِقُ الكُلِّ، وإنَّ ابْنَ آدَمَ مَصَرَّفٌ بِقَدَرِهِ وقَضائِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، و"مُدْهِنُونَ" مَعْناهُ: يُلايِنُ بَعْضُكم بَعْضًا ويَتْبَعُهُ في الكُفْرِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الدُهْنِ لِلِينِهِ وإمْلاسِهِ، وقالَ أبُو قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ:
؎ الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ الـ ∗∗∗ إدْهانِ والفَهَّةِ والهاعِ
(p-٢١٢)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو المُهاوَدَةُ فِيما لا يَحِلُّ، والمُداراةُ هي المُهاوَدَةُ فِيما يَحِلُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مُدْهِنُونَ": مُكَذِّبُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾، أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الآيَةَ تَوْبِيخٌ لِلْقائِلِينَ في المَطَرِ الَّذِي نَزَّلَهُ اللهُ تَعالى رِزْقًا لِلْعِبادِ: هَذا بِنَوْءِ كَذا وكَذا وهَذا بِنَوْءِ الأسَدِ، وهَذا بِنَوْءِ الجَوْزاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمَعْنى: وتَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكُمْ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: جَعَلْتَ يا فُلانُ إحْسانِي إلَيْكَ أنْ سَبَبْتَنِي، فالمَعْنى: جَعَلْتُ شَكَرَ إحْسانِي، وحَكى الهَيْثَمُ بْنُ عُدَيٍّ أنَّ مِن لُغَةِ أزِدْ شَنُوءَةَ: ما رِزْقُ فُلانٍ؟ بِمَعْنى: ما شُكْرُهُ؟ وكانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقْرَؤُها: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكم أنَّكم تَكْذِبُونَ"، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ إلّا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ضَمَّ التاءِ وفَتَحَ الكافَ، وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَتَحَ التاءَ وسَكَّنَ الكافَ وخَفَّفَ الذالَ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وكانَ شُكْرُ القَوْمِ عِنْدَ المِنَنِ ∗∗∗ كَيُّ الصَحِيحاتِ وفَقْءُ الأعْيُنِ
وقَدْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْشَأ بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ، والنَخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبادِ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾، أيْ: بِهَذا الخَبَرِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ المُفَضَّلِ عنهُ: "تُكَذِّبُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُونِ الكافِ وتَخْفِيفِ الذالِ كَقِراءَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكَذِبُهم في مَقالِهِمْ بَيِّنٌ (p-٢١٣)لِأنَّهم يَقُولُونَ: هَذا بِنَوْءِ كَذا، وذَلِكَ كَذِبٌ مِنهم وتَخَرُّصٌ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: مُطِرْنا بِبَعْضِ عُثانَيْنِ الأسَدِ، فَقالَ لَهُ: "كَذَبْتَ بَلْ هو رِزْقُ اللهِ"،» والمَنهِيُّ عنهُ المَكْرُوهُ هو أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ لِلطّالِعِ مِنَ النُجُومِ تَأْثِيرًا في المَطَرِ، وأمّا مُراعاةُ بَعْضِ الطَوالِعِ عَلى مُقْتَضى العادَةِ فَقَدْ قالَ عُمَرُ لِلْعَبّاسِ رَضِيَ اللهُ عنهُما وهُما في الِاسْتِسْقاءِ: يا عَبّاسُ، يا عَمَّ النَبِيِّ ﷺ: كَمْ بَقِيَ مِن نَوْءِ الثُرَيّا؟ فَقالَ العَبّاسُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: العُلَماءُ يَقُولُونَ إنَّها تَعْتَرِضُ الأُفُقَ بَعْدَ سُقُوطِها سَبْعًا، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: فَما مَضَتْ سَبْعٌ حَتّى مُطِرُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى مَوْضِعِ عَجْزٍ يَقْتَضِي النَظَرُ فِيهِ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، والضَمِيرُ في "بَلَغَتِ الحُلْقُومَ" لِنَفْسِ الإنْسانِ، والمَعْنى يَقْتَضِيها وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ، "والحُلْقُومَ" مَجْرى الطَعامِ، وهَذِهِ الحالُ هي نِزاعُ المَرْءِ لِلْمَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْتُمْ" إشارَةٌ إلى جَمِيعِ البَشَرِ، وهَذا مِنَ الِاقْتِضابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "حِينَئِذٍ" بِكَسْرِ النُونِ، و"تَنْظُرُونَ" مَعْناهُ: إلى المُنازِعِ في المَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَلائِكَتَهُ ورُسُلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِقُدْرَتِنا وغَلَبَتِنا، فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ مِنَ النَظَرِ بِالعَيْنِ، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي يَجِيءُ مِنَ النَظَرِ بِالقَلْبِ. وقالَ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ: ما نَظَرْتُ إلى شَيْءٍ إلّا رَأيْتُ اللهَ تَعالى أقْرَبَ إلَيْهِ مِنِّي.
ثُمَّ عادَ التَوْقِيفُ والتَقْرِيرُ ثانِيَةً بِلَفْظِ التَحْضِيضِ، و"المَدِينُ": المَمْلُوكُ، هَذا أصَحُّ ما يُقالُ في مَعْنى اللَفْظَةِ هُنا، ومَن عَبَّرَ عنها بِالمُجازى أوِ المُحاسَبِ فَذَلِكَ هُنا قَلَقٌ، والمَمْلُوكُ يُقَلِّبُ كَيْفَ يَشاءُ المالِكَ، ومِن هَذا المِلْكِ قَوْلُ الأخْطَلِ:(p-٢١٤)
؎ رَبَتْ فَرَبّى في حِجْرِها ابْنُ مَدِينَةَ ∗∗∗ تَراهُ عَلى مِسْحاتِهِ يَتَرَكَّلُ
أرادَ: ابْنُ أُمَّةٍ مَمْلُوكَةٍ، وهو عَبْدٌ يَخْدِمُ الكَرَمَ، وقَدْ قِيلَ في مَعْنى هَذا البَيْتِ: أرادَ أكّارًا حَضَرِيًّا لِأنَّ الأعْرابَ في البادِيَةِ لا يَعْرِفُونَ الفِلاحَةَ وعَمَلَ الكَرْمِ، فَنَسَبَهُ إلى المَدِينَةِ لِما كانَ مِن أهْلِها، فَمَعْنى الآيَةِ: فَلَوْلا تَرْجِعُونَ النَفْسَ البالِغَةَ الحُلْقُومَ إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَمْلُوكِينَ ولا مَقْهُورِينَ، ودِينُ المَلِكِ حُكْمُهُ وسُلْطانُهُ، وقَدْ نَحا إلى هَذا المَعْنى الفَرّاءُ، وذَكَرَهُ مُسْتَوْعِبًا النَقّاشَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "تَرْجِعُونَها" سَدَّتْ مَسَدَّ الأجْوِبَةِ والبَياناتِ الَّتِي تَقْتَضِيها التَخْصِيصاتُ، وإذا مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَلَوْلا إذا" و"إنْ" المُتَكَرِّرَةُ، وحَمَلَ بَعْضُ القَوْلِ بَعْضًا إيجازًا واقْتِضابًا.
الواقعة 56:78
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ﴾ ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ﴿وَأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في "لا" مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ﴾ - فَقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي زائِدَةٌ، والمَعْنى: فَأُقْسِمُ، وزِيادَتُها في بَعْضِ المَواضِعِ مَعْرُوفٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، وغَيْرُ ذَلِكَ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وبَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي نافِيَةٌ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَلا صِحَّةَ لِما يَقُولُهُ الكُفّارُ، ثُمَّ (p-٢٠٩)ابْتَدَأ تَبارَكَ وتَعالى فَقالَ: "أُقْسِمُ"، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هي مُؤَكَّدَةٌ تُعْطِي في القِسْمِ مُبالِغَةً، وهي كاسْتِفْتاحِ كَلامٍ يُشْبِهُ في القَسَمِ ألّا في شائِعِ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلا وأبِي........... لا أخُونُها
المَعْنى: "فَوَأبِي"، أعْدائِها، ولِهَذا نَظائِرُ، وقَرَأ الحَسَنُ والثَقَفِيُّ: "فَلْأُ قْسِمُ" بِغَيْرِ ألْفٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: التَقْدِيرُ: فَلَأنا أُقْسِمُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "بِمَواقِعَ" عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُمْ- وأهْلُ الكُوفَةِ: حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "بِمَوْقِعٍ" عَلى الإفْرادِ، وهو مُرادٌ بِهِ الجَمْعُ، ونَظِيرُ هَذا كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]، جَمْعٌ مِن حَيْثُ لِكُلِّ حِمارٍ صَوْتٌ مُخْتَصٌّ، وأفْرَدَ مِن حَيْثُ الأصْواتُ كُلُّها نَوْعٌ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "النُجُومِ" هُنا- فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: هي نُجُومُ القُرْآنِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في لَيْلَةِ القَدْرِ إلى السَماءِ الدُنْيا- وقِيلَ: إلى البَيْتِ المَعْمُورِ - جُمْلَةً واحِدَةً، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ نُجُومًا مُقَطَّعَةً في مُدَّةٍ مِن عِشْرِينَ سَنَةً، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ عَوْدُ الضَمِيرِ عَلى القُرْآنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾، وذَلِكَ أنَّ ذِكْرَهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ومَن لا يَتَأوَّلُ هَذا التَأْوِيلَ يَقُولُ: إنَّ الضَمِيرَ يَعُودُ عَلى القُرْآنِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِشُهْرَةِ الأمْرِ ووُضُوحِ المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، و﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: النُجُومُ هُنا (p-٢١٠)الكَواكِبُ المَعْرُوفَةُ، واخْتُلِفَ في مَوْقِعِها، فَقالَ مُجاهِدٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: هي مَواقِعُها عِنْدَ غُرُوبِها وطُلُوعُها، وقالَ قَتادَةُ: مَواقِعُها هي مَواضِعُها مِنَ السَماءِ، وقِيلَ: مَواقِعُها عِنْدَ الِانْقِضاضِ إثْرَ العَفارِيتِ، وقالَ الحَسَنُ: مَواقِعُها عِنْدَ انْكِدارِ النُجُومِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ وتَنْبِيهٌ مِنَ المَقْسِمِ بِهِ، ولَيْسَ هَذا بِاعْتِراضٍ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، بَلْ هَذا مَعْنًى قُصِدَ التَهَمُّمُ بِهِ، وإنَّما الِاعْتِراضُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾، وقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" اعْتِراضٌ، وإنَّ "لَوْ تَعْلَمُونَ" اعْتِراضٌ في اعْتِراضٍ، والتَحْرِيرُ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّهُ لَقُرْآنٌ" هو الَّذِي وقَعَ القَسَمُ عَلَيْهِ، ووَصَفَهُ بِالكَرَمِ عَلى مَعْنى إثْباتِ صِفاتِ المَدْحِ لَهُ ودَفْعِ صِفاتِ الحَطِيطَةِ عنهُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ "المَكْنُونَ": المَصُونُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: أرادَ الكِتابَ الَّذِي في السَماءِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: أرادَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّهُ لِكِتابٌ كَرِيمٌ ذَكَرَ كَرَمَهُ وشَرَفَهُ في كِتابٍ مَكْنُونٍ، فَمَعْنى الآيَةِ -عَلى هَذا- الِاسْتِشْهادُ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٦]، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: أرادَ مَصاحِفَ المُسْلِمِينَ، وكانَتْ يَوْمَ نَزَلَتِ الآيَةُ لَمْ تَكُنْ، فَهي -عَلى هَذا- إخْبارٌ بِغَيْبٍ، وكَذَلِكَ هو في كِتابٍ مَصُونٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا لَفْظَةَ "المَسِّ" فَإنَّها تُشِيرُ إلى المَصاحِفِ، وهي مُسْتَعارَةٌ مِن مَسِّ المَلائِكَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ وفي حُكْمِهِ- فَقالَ بَعْضُ مَن قالَ إنَّ الكِتابَ المَكْنُونَ هو الَّذِي في السَماءِ، قالَ: المُطَهَّرُونَ هُنا: المَلائِكَةُ، قالَ قَتادَةُ: فَأمّا عِنْدَكم فَيَمَسُّهُ المُشْرِكُ المُنَجَّسُ والمُنافِقُ، قالَ الطَبَرِيُّ: المُطَهَّرُونَ: المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ ومَن لا ذَنْبَ لَهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ -عَلى هَذا القَوْلِ- حُكْمُ مَسِّ المُصْحَفِ لِسائِرِ بَنِي آدَمَ، ومَن قالَ بِأنَّها مَصاحِفُ المُسْلِمِينَ قالَ: إنَّ قَوْلُهُ تَعالى: "لا يَمَسُّهُ" إخْبارٌ مُضَمِّنُهُ النَهْيُ، وضَمَّةُ السِينِ -عَلى هَذا- ضَمَّةُ إعْرابٍ وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: الكَلامُ نَهْيٌ، وضَمَّةُ السِينِ ضَمَّةُ بِناءٍ، قالَ جَمِيعُهُمْ: فَلا يَمَسُّ المُصْحَفَ مِن بَنِي آدَمَ إلّا الطاهِرُ مِنَ الكُفْرِ والجَنابَةِ والحَدَثِ الأصْغَرِ، قالَ مالِكٌ: (p-٢١١)لا يَحْمِلُهُ غَيْرُ طاهِرٍ بِعَلاقَتِهِ ولا عَلى وِسادَةٍ، وفي كِتابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: « "وَلا يَمَسُّ القُرْآنَ إلّا الطاهِرُ"»، وقَدْ رَخَّصَ أبُو حَنِيفَةَ وقَوْمٌ بِأنْ يَمَسَّهُ الجُنُبُ والحائِضُ عَلى حائِلٍ، غُلافٌ ونَحْوُهُ، ورَخَّصَ بَعْضُ العُلَماءِ في مَسِّهِ في الحَدَثِ الأصْغَرِ وفي قِراءَتِهِ عن ظَهْرِ قَلْبٍ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ وعامِرٌ الشَعْبِيُّ، ولا سِيَّما لِلْمُعَلِّمِ والصِبْيانِ، وقَدْ رَخَّصَ بَعْضُهم لِلْجُنُبِ في قِراءَتِهِ، وهَذا التَرْخِيصُ كُلُّهُ إنَّما هو عَلى القَوْلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنْ "المُطَهَّرِينَ" هُمُ المَلائِكَةُ، أو عَلى مُراعاةِ لِفْظِ المَسِّ، فَقَدْ قالَ سَلْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ لا أمَسُّ المُصْحَفَ ولَكِنْ أقْرَأُ القُرْآنَ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ والهاءِ المُشَدَّدَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُما-: "المُطَهَّرُونَ" بِسُكُونِ الطاءِ وفَتْحِ الهاءِ خَفِيفَةً، وهي قِراءَةُ عِيسى الثَقَفِيِّ. وقَرَأ سَلْمانُ الفارِسِيُّ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ خَفِيفَةً وكَسْرِ الهاءِ وشَدِّها، عَلى مَعْنى الَّذِينَ يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهُمْ، ورُوِيَتْ عنهُ بِشَدِّ الطاءِ والهاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ -بِخِلافٍ عنهُ-: "المُطَهَّرُونَ" بِمَعْنى: المُتَطَهِّرِينَ، والقَوْلُ بِأنَّ "لا يَمَسُّهُ" نَهْيٌ، قَوْلٌ فِيهِ ضَعْفٌ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا كانَ خَبَرًا فَهو في مَوْضِعِ الصِفَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: "تَنْزِيلٌ" صِفَةٌ أيْضًا، فَإذْ جَعَلْناهُ نَهْيًا جاءَ مَعْنًى أجْنَبِيًّا مُعْتَرِضًا بَيْنَ الصِفاتِ، وذَلِكَ لا يَحْسُنُ في رَصْفِ الكَلامِ فَتُدَبِّرُهُ، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ما يَمَسُّهُ" وهَذا يُقَوِّي ما رَجَّحْتُهُ مِنَ الخَبَرِ الَّذِي مَعْناهُ: حَقُّهُ وقَدْرُهُ أنْ ألّا يَمَسَّهُ إلّا طاهِرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ، و"الحَدِيثِ" المُشارِ إلَيْهِ هو القُرْآنُ المُتَضَمِّنُ البَعْثَ، وإنَّ اللهَ تَعالى هو خالِقُ الكُلِّ، وإنَّ ابْنَ آدَمَ مَصَرَّفٌ بِقَدَرِهِ وقَضائِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، و"مُدْهِنُونَ" مَعْناهُ: يُلايِنُ بَعْضُكم بَعْضًا ويَتْبَعُهُ في الكُفْرِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الدُهْنِ لِلِينِهِ وإمْلاسِهِ، وقالَ أبُو قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ:
؎ الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ الـ ∗∗∗ إدْهانِ والفَهَّةِ والهاعِ
(p-٢١٢)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو المُهاوَدَةُ فِيما لا يَحِلُّ، والمُداراةُ هي المُهاوَدَةُ فِيما يَحِلُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مُدْهِنُونَ": مُكَذِّبُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾، أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الآيَةَ تَوْبِيخٌ لِلْقائِلِينَ في المَطَرِ الَّذِي نَزَّلَهُ اللهُ تَعالى رِزْقًا لِلْعِبادِ: هَذا بِنَوْءِ كَذا وكَذا وهَذا بِنَوْءِ الأسَدِ، وهَذا بِنَوْءِ الجَوْزاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمَعْنى: وتَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكُمْ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: جَعَلْتَ يا فُلانُ إحْسانِي إلَيْكَ أنْ سَبَبْتَنِي، فالمَعْنى: جَعَلْتُ شَكَرَ إحْسانِي، وحَكى الهَيْثَمُ بْنُ عُدَيٍّ أنَّ مِن لُغَةِ أزِدْ شَنُوءَةَ: ما رِزْقُ فُلانٍ؟ بِمَعْنى: ما شُكْرُهُ؟ وكانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقْرَؤُها: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكم أنَّكم تَكْذِبُونَ"، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ إلّا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ضَمَّ التاءِ وفَتَحَ الكافَ، وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَتَحَ التاءَ وسَكَّنَ الكافَ وخَفَّفَ الذالَ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وكانَ شُكْرُ القَوْمِ عِنْدَ المِنَنِ ∗∗∗ كَيُّ الصَحِيحاتِ وفَقْءُ الأعْيُنِ
وقَدْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْشَأ بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ، والنَخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبادِ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾، أيْ: بِهَذا الخَبَرِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ المُفَضَّلِ عنهُ: "تُكَذِّبُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُونِ الكافِ وتَخْفِيفِ الذالِ كَقِراءَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكَذِبُهم في مَقالِهِمْ بَيِّنٌ (p-٢١٣)لِأنَّهم يَقُولُونَ: هَذا بِنَوْءِ كَذا، وذَلِكَ كَذِبٌ مِنهم وتَخَرُّصٌ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: مُطِرْنا بِبَعْضِ عُثانَيْنِ الأسَدِ، فَقالَ لَهُ: "كَذَبْتَ بَلْ هو رِزْقُ اللهِ"،» والمَنهِيُّ عنهُ المَكْرُوهُ هو أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ لِلطّالِعِ مِنَ النُجُومِ تَأْثِيرًا في المَطَرِ، وأمّا مُراعاةُ بَعْضِ الطَوالِعِ عَلى مُقْتَضى العادَةِ فَقَدْ قالَ عُمَرُ لِلْعَبّاسِ رَضِيَ اللهُ عنهُما وهُما في الِاسْتِسْقاءِ: يا عَبّاسُ، يا عَمَّ النَبِيِّ ﷺ: كَمْ بَقِيَ مِن نَوْءِ الثُرَيّا؟ فَقالَ العَبّاسُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: العُلَماءُ يَقُولُونَ إنَّها تَعْتَرِضُ الأُفُقَ بَعْدَ سُقُوطِها سَبْعًا، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: فَما مَضَتْ سَبْعٌ حَتّى مُطِرُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى مَوْضِعِ عَجْزٍ يَقْتَضِي النَظَرُ فِيهِ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، والضَمِيرُ في "بَلَغَتِ الحُلْقُومَ" لِنَفْسِ الإنْسانِ، والمَعْنى يَقْتَضِيها وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ، "والحُلْقُومَ" مَجْرى الطَعامِ، وهَذِهِ الحالُ هي نِزاعُ المَرْءِ لِلْمَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْتُمْ" إشارَةٌ إلى جَمِيعِ البَشَرِ، وهَذا مِنَ الِاقْتِضابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "حِينَئِذٍ" بِكَسْرِ النُونِ، و"تَنْظُرُونَ" مَعْناهُ: إلى المُنازِعِ في المَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَلائِكَتَهُ ورُسُلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِقُدْرَتِنا وغَلَبَتِنا، فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ مِنَ النَظَرِ بِالعَيْنِ، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي يَجِيءُ مِنَ النَظَرِ بِالقَلْبِ. وقالَ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ: ما نَظَرْتُ إلى شَيْءٍ إلّا رَأيْتُ اللهَ تَعالى أقْرَبَ إلَيْهِ مِنِّي.
ثُمَّ عادَ التَوْقِيفُ والتَقْرِيرُ ثانِيَةً بِلَفْظِ التَحْضِيضِ، و"المَدِينُ": المَمْلُوكُ، هَذا أصَحُّ ما يُقالُ في مَعْنى اللَفْظَةِ هُنا، ومَن عَبَّرَ عنها بِالمُجازى أوِ المُحاسَبِ فَذَلِكَ هُنا قَلَقٌ، والمَمْلُوكُ يُقَلِّبُ كَيْفَ يَشاءُ المالِكَ، ومِن هَذا المِلْكِ قَوْلُ الأخْطَلِ:(p-٢١٤)
؎ رَبَتْ فَرَبّى في حِجْرِها ابْنُ مَدِينَةَ ∗∗∗ تَراهُ عَلى مِسْحاتِهِ يَتَرَكَّلُ
أرادَ: ابْنُ أُمَّةٍ مَمْلُوكَةٍ، وهو عَبْدٌ يَخْدِمُ الكَرَمَ، وقَدْ قِيلَ في مَعْنى هَذا البَيْتِ: أرادَ أكّارًا حَضَرِيًّا لِأنَّ الأعْرابَ في البادِيَةِ لا يَعْرِفُونَ الفِلاحَةَ وعَمَلَ الكَرْمِ، فَنَسَبَهُ إلى المَدِينَةِ لِما كانَ مِن أهْلِها، فَمَعْنى الآيَةِ: فَلَوْلا تَرْجِعُونَ النَفْسَ البالِغَةَ الحُلْقُومَ إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَمْلُوكِينَ ولا مَقْهُورِينَ، ودِينُ المَلِكِ حُكْمُهُ وسُلْطانُهُ، وقَدْ نَحا إلى هَذا المَعْنى الفَرّاءُ، وذَكَرَهُ مُسْتَوْعِبًا النَقّاشَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "تَرْجِعُونَها" سَدَّتْ مَسَدَّ الأجْوِبَةِ والبَياناتِ الَّتِي تَقْتَضِيها التَخْصِيصاتُ، وإذا مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَلَوْلا إذا" و"إنْ" المُتَكَرِّرَةُ، وحَمَلَ بَعْضُ القَوْلِ بَعْضًا إيجازًا واقْتِضابًا.
الواقعة 56:79
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ﴾ ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ﴿وَأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في "لا" مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ﴾ - فَقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي زائِدَةٌ، والمَعْنى: فَأُقْسِمُ، وزِيادَتُها في بَعْضِ المَواضِعِ مَعْرُوفٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، وغَيْرُ ذَلِكَ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وبَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي نافِيَةٌ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَلا صِحَّةَ لِما يَقُولُهُ الكُفّارُ، ثُمَّ (p-٢٠٩)ابْتَدَأ تَبارَكَ وتَعالى فَقالَ: "أُقْسِمُ"، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هي مُؤَكَّدَةٌ تُعْطِي في القِسْمِ مُبالِغَةً، وهي كاسْتِفْتاحِ كَلامٍ يُشْبِهُ في القَسَمِ ألّا في شائِعِ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلا وأبِي........... لا أخُونُها
المَعْنى: "فَوَأبِي"، أعْدائِها، ولِهَذا نَظائِرُ، وقَرَأ الحَسَنُ والثَقَفِيُّ: "فَلْأُ قْسِمُ" بِغَيْرِ ألْفٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: التَقْدِيرُ: فَلَأنا أُقْسِمُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "بِمَواقِعَ" عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُمْ- وأهْلُ الكُوفَةِ: حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "بِمَوْقِعٍ" عَلى الإفْرادِ، وهو مُرادٌ بِهِ الجَمْعُ، ونَظِيرُ هَذا كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]، جَمْعٌ مِن حَيْثُ لِكُلِّ حِمارٍ صَوْتٌ مُخْتَصٌّ، وأفْرَدَ مِن حَيْثُ الأصْواتُ كُلُّها نَوْعٌ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "النُجُومِ" هُنا- فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: هي نُجُومُ القُرْآنِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في لَيْلَةِ القَدْرِ إلى السَماءِ الدُنْيا- وقِيلَ: إلى البَيْتِ المَعْمُورِ - جُمْلَةً واحِدَةً، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ نُجُومًا مُقَطَّعَةً في مُدَّةٍ مِن عِشْرِينَ سَنَةً، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ عَوْدُ الضَمِيرِ عَلى القُرْآنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾، وذَلِكَ أنَّ ذِكْرَهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ومَن لا يَتَأوَّلُ هَذا التَأْوِيلَ يَقُولُ: إنَّ الضَمِيرَ يَعُودُ عَلى القُرْآنِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِشُهْرَةِ الأمْرِ ووُضُوحِ المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، و﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: النُجُومُ هُنا (p-٢١٠)الكَواكِبُ المَعْرُوفَةُ، واخْتُلِفَ في مَوْقِعِها، فَقالَ مُجاهِدٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: هي مَواقِعُها عِنْدَ غُرُوبِها وطُلُوعُها، وقالَ قَتادَةُ: مَواقِعُها هي مَواضِعُها مِنَ السَماءِ، وقِيلَ: مَواقِعُها عِنْدَ الِانْقِضاضِ إثْرَ العَفارِيتِ، وقالَ الحَسَنُ: مَواقِعُها عِنْدَ انْكِدارِ النُجُومِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ وتَنْبِيهٌ مِنَ المَقْسِمِ بِهِ، ولَيْسَ هَذا بِاعْتِراضٍ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، بَلْ هَذا مَعْنًى قُصِدَ التَهَمُّمُ بِهِ، وإنَّما الِاعْتِراضُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾، وقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" اعْتِراضٌ، وإنَّ "لَوْ تَعْلَمُونَ" اعْتِراضٌ في اعْتِراضٍ، والتَحْرِيرُ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّهُ لَقُرْآنٌ" هو الَّذِي وقَعَ القَسَمُ عَلَيْهِ، ووَصَفَهُ بِالكَرَمِ عَلى مَعْنى إثْباتِ صِفاتِ المَدْحِ لَهُ ودَفْعِ صِفاتِ الحَطِيطَةِ عنهُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ "المَكْنُونَ": المَصُونُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: أرادَ الكِتابَ الَّذِي في السَماءِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: أرادَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّهُ لِكِتابٌ كَرِيمٌ ذَكَرَ كَرَمَهُ وشَرَفَهُ في كِتابٍ مَكْنُونٍ، فَمَعْنى الآيَةِ -عَلى هَذا- الِاسْتِشْهادُ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٦]، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: أرادَ مَصاحِفَ المُسْلِمِينَ، وكانَتْ يَوْمَ نَزَلَتِ الآيَةُ لَمْ تَكُنْ، فَهي -عَلى هَذا- إخْبارٌ بِغَيْبٍ، وكَذَلِكَ هو في كِتابٍ مَصُونٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا لَفْظَةَ "المَسِّ" فَإنَّها تُشِيرُ إلى المَصاحِفِ، وهي مُسْتَعارَةٌ مِن مَسِّ المَلائِكَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ وفي حُكْمِهِ- فَقالَ بَعْضُ مَن قالَ إنَّ الكِتابَ المَكْنُونَ هو الَّذِي في السَماءِ، قالَ: المُطَهَّرُونَ هُنا: المَلائِكَةُ، قالَ قَتادَةُ: فَأمّا عِنْدَكم فَيَمَسُّهُ المُشْرِكُ المُنَجَّسُ والمُنافِقُ، قالَ الطَبَرِيُّ: المُطَهَّرُونَ: المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ ومَن لا ذَنْبَ لَهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ -عَلى هَذا القَوْلِ- حُكْمُ مَسِّ المُصْحَفِ لِسائِرِ بَنِي آدَمَ، ومَن قالَ بِأنَّها مَصاحِفُ المُسْلِمِينَ قالَ: إنَّ قَوْلُهُ تَعالى: "لا يَمَسُّهُ" إخْبارٌ مُضَمِّنُهُ النَهْيُ، وضَمَّةُ السِينِ -عَلى هَذا- ضَمَّةُ إعْرابٍ وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: الكَلامُ نَهْيٌ، وضَمَّةُ السِينِ ضَمَّةُ بِناءٍ، قالَ جَمِيعُهُمْ: فَلا يَمَسُّ المُصْحَفَ مِن بَنِي آدَمَ إلّا الطاهِرُ مِنَ الكُفْرِ والجَنابَةِ والحَدَثِ الأصْغَرِ، قالَ مالِكٌ: (p-٢١١)لا يَحْمِلُهُ غَيْرُ طاهِرٍ بِعَلاقَتِهِ ولا عَلى وِسادَةٍ، وفي كِتابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: « "وَلا يَمَسُّ القُرْآنَ إلّا الطاهِرُ"»، وقَدْ رَخَّصَ أبُو حَنِيفَةَ وقَوْمٌ بِأنْ يَمَسَّهُ الجُنُبُ والحائِضُ عَلى حائِلٍ، غُلافٌ ونَحْوُهُ، ورَخَّصَ بَعْضُ العُلَماءِ في مَسِّهِ في الحَدَثِ الأصْغَرِ وفي قِراءَتِهِ عن ظَهْرِ قَلْبٍ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ وعامِرٌ الشَعْبِيُّ، ولا سِيَّما لِلْمُعَلِّمِ والصِبْيانِ، وقَدْ رَخَّصَ بَعْضُهم لِلْجُنُبِ في قِراءَتِهِ، وهَذا التَرْخِيصُ كُلُّهُ إنَّما هو عَلى القَوْلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنْ "المُطَهَّرِينَ" هُمُ المَلائِكَةُ، أو عَلى مُراعاةِ لِفْظِ المَسِّ، فَقَدْ قالَ سَلْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ لا أمَسُّ المُصْحَفَ ولَكِنْ أقْرَأُ القُرْآنَ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ والهاءِ المُشَدَّدَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُما-: "المُطَهَّرُونَ" بِسُكُونِ الطاءِ وفَتْحِ الهاءِ خَفِيفَةً، وهي قِراءَةُ عِيسى الثَقَفِيِّ. وقَرَأ سَلْمانُ الفارِسِيُّ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ خَفِيفَةً وكَسْرِ الهاءِ وشَدِّها، عَلى مَعْنى الَّذِينَ يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهُمْ، ورُوِيَتْ عنهُ بِشَدِّ الطاءِ والهاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ -بِخِلافٍ عنهُ-: "المُطَهَّرُونَ" بِمَعْنى: المُتَطَهِّرِينَ، والقَوْلُ بِأنَّ "لا يَمَسُّهُ" نَهْيٌ، قَوْلٌ فِيهِ ضَعْفٌ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا كانَ خَبَرًا فَهو في مَوْضِعِ الصِفَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: "تَنْزِيلٌ" صِفَةٌ أيْضًا، فَإذْ جَعَلْناهُ نَهْيًا جاءَ مَعْنًى أجْنَبِيًّا مُعْتَرِضًا بَيْنَ الصِفاتِ، وذَلِكَ لا يَحْسُنُ في رَصْفِ الكَلامِ فَتُدَبِّرُهُ، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ما يَمَسُّهُ" وهَذا يُقَوِّي ما رَجَّحْتُهُ مِنَ الخَبَرِ الَّذِي مَعْناهُ: حَقُّهُ وقَدْرُهُ أنْ ألّا يَمَسَّهُ إلّا طاهِرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ، و"الحَدِيثِ" المُشارِ إلَيْهِ هو القُرْآنُ المُتَضَمِّنُ البَعْثَ، وإنَّ اللهَ تَعالى هو خالِقُ الكُلِّ، وإنَّ ابْنَ آدَمَ مَصَرَّفٌ بِقَدَرِهِ وقَضائِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، و"مُدْهِنُونَ" مَعْناهُ: يُلايِنُ بَعْضُكم بَعْضًا ويَتْبَعُهُ في الكُفْرِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الدُهْنِ لِلِينِهِ وإمْلاسِهِ، وقالَ أبُو قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ:
؎ الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ الـ ∗∗∗ إدْهانِ والفَهَّةِ والهاعِ
(p-٢١٢)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو المُهاوَدَةُ فِيما لا يَحِلُّ، والمُداراةُ هي المُهاوَدَةُ فِيما يَحِلُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مُدْهِنُونَ": مُكَذِّبُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾، أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الآيَةَ تَوْبِيخٌ لِلْقائِلِينَ في المَطَرِ الَّذِي نَزَّلَهُ اللهُ تَعالى رِزْقًا لِلْعِبادِ: هَذا بِنَوْءِ كَذا وكَذا وهَذا بِنَوْءِ الأسَدِ، وهَذا بِنَوْءِ الجَوْزاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمَعْنى: وتَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكُمْ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: جَعَلْتَ يا فُلانُ إحْسانِي إلَيْكَ أنْ سَبَبْتَنِي، فالمَعْنى: جَعَلْتُ شَكَرَ إحْسانِي، وحَكى الهَيْثَمُ بْنُ عُدَيٍّ أنَّ مِن لُغَةِ أزِدْ شَنُوءَةَ: ما رِزْقُ فُلانٍ؟ بِمَعْنى: ما شُكْرُهُ؟ وكانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقْرَؤُها: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكم أنَّكم تَكْذِبُونَ"، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ إلّا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ضَمَّ التاءِ وفَتَحَ الكافَ، وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَتَحَ التاءَ وسَكَّنَ الكافَ وخَفَّفَ الذالَ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وكانَ شُكْرُ القَوْمِ عِنْدَ المِنَنِ ∗∗∗ كَيُّ الصَحِيحاتِ وفَقْءُ الأعْيُنِ
وقَدْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْشَأ بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ، والنَخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبادِ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾، أيْ: بِهَذا الخَبَرِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ المُفَضَّلِ عنهُ: "تُكَذِّبُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُونِ الكافِ وتَخْفِيفِ الذالِ كَقِراءَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكَذِبُهم في مَقالِهِمْ بَيِّنٌ (p-٢١٣)لِأنَّهم يَقُولُونَ: هَذا بِنَوْءِ كَذا، وذَلِكَ كَذِبٌ مِنهم وتَخَرُّصٌ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: مُطِرْنا بِبَعْضِ عُثانَيْنِ الأسَدِ، فَقالَ لَهُ: "كَذَبْتَ بَلْ هو رِزْقُ اللهِ"،» والمَنهِيُّ عنهُ المَكْرُوهُ هو أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ لِلطّالِعِ مِنَ النُجُومِ تَأْثِيرًا في المَطَرِ، وأمّا مُراعاةُ بَعْضِ الطَوالِعِ عَلى مُقْتَضى العادَةِ فَقَدْ قالَ عُمَرُ لِلْعَبّاسِ رَضِيَ اللهُ عنهُما وهُما في الِاسْتِسْقاءِ: يا عَبّاسُ، يا عَمَّ النَبِيِّ ﷺ: كَمْ بَقِيَ مِن نَوْءِ الثُرَيّا؟ فَقالَ العَبّاسُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: العُلَماءُ يَقُولُونَ إنَّها تَعْتَرِضُ الأُفُقَ بَعْدَ سُقُوطِها سَبْعًا، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: فَما مَضَتْ سَبْعٌ حَتّى مُطِرُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى مَوْضِعِ عَجْزٍ يَقْتَضِي النَظَرُ فِيهِ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، والضَمِيرُ في "بَلَغَتِ الحُلْقُومَ" لِنَفْسِ الإنْسانِ، والمَعْنى يَقْتَضِيها وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ، "والحُلْقُومَ" مَجْرى الطَعامِ، وهَذِهِ الحالُ هي نِزاعُ المَرْءِ لِلْمَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْتُمْ" إشارَةٌ إلى جَمِيعِ البَشَرِ، وهَذا مِنَ الِاقْتِضابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "حِينَئِذٍ" بِكَسْرِ النُونِ، و"تَنْظُرُونَ" مَعْناهُ: إلى المُنازِعِ في المَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَلائِكَتَهُ ورُسُلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِقُدْرَتِنا وغَلَبَتِنا، فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ مِنَ النَظَرِ بِالعَيْنِ، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي يَجِيءُ مِنَ النَظَرِ بِالقَلْبِ. وقالَ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ: ما نَظَرْتُ إلى شَيْءٍ إلّا رَأيْتُ اللهَ تَعالى أقْرَبَ إلَيْهِ مِنِّي.
ثُمَّ عادَ التَوْقِيفُ والتَقْرِيرُ ثانِيَةً بِلَفْظِ التَحْضِيضِ، و"المَدِينُ": المَمْلُوكُ، هَذا أصَحُّ ما يُقالُ في مَعْنى اللَفْظَةِ هُنا، ومَن عَبَّرَ عنها بِالمُجازى أوِ المُحاسَبِ فَذَلِكَ هُنا قَلَقٌ، والمَمْلُوكُ يُقَلِّبُ كَيْفَ يَشاءُ المالِكَ، ومِن هَذا المِلْكِ قَوْلُ الأخْطَلِ:(p-٢١٤)
؎ رَبَتْ فَرَبّى في حِجْرِها ابْنُ مَدِينَةَ ∗∗∗ تَراهُ عَلى مِسْحاتِهِ يَتَرَكَّلُ
أرادَ: ابْنُ أُمَّةٍ مَمْلُوكَةٍ، وهو عَبْدٌ يَخْدِمُ الكَرَمَ، وقَدْ قِيلَ في مَعْنى هَذا البَيْتِ: أرادَ أكّارًا حَضَرِيًّا لِأنَّ الأعْرابَ في البادِيَةِ لا يَعْرِفُونَ الفِلاحَةَ وعَمَلَ الكَرْمِ، فَنَسَبَهُ إلى المَدِينَةِ لِما كانَ مِن أهْلِها، فَمَعْنى الآيَةِ: فَلَوْلا تَرْجِعُونَ النَفْسَ البالِغَةَ الحُلْقُومَ إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَمْلُوكِينَ ولا مَقْهُورِينَ، ودِينُ المَلِكِ حُكْمُهُ وسُلْطانُهُ، وقَدْ نَحا إلى هَذا المَعْنى الفَرّاءُ، وذَكَرَهُ مُسْتَوْعِبًا النَقّاشَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "تَرْجِعُونَها" سَدَّتْ مَسَدَّ الأجْوِبَةِ والبَياناتِ الَّتِي تَقْتَضِيها التَخْصِيصاتُ، وإذا مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَلَوْلا إذا" و"إنْ" المُتَكَرِّرَةُ، وحَمَلَ بَعْضُ القَوْلِ بَعْضًا إيجازًا واقْتِضابًا.
الواقعة 56:80
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ﴾ ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ﴿وَأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في "لا" مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ﴾ - فَقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي زائِدَةٌ، والمَعْنى: فَأُقْسِمُ، وزِيادَتُها في بَعْضِ المَواضِعِ مَعْرُوفٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، وغَيْرُ ذَلِكَ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وبَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي نافِيَةٌ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَلا صِحَّةَ لِما يَقُولُهُ الكُفّارُ، ثُمَّ (p-٢٠٩)ابْتَدَأ تَبارَكَ وتَعالى فَقالَ: "أُقْسِمُ"، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هي مُؤَكَّدَةٌ تُعْطِي في القِسْمِ مُبالِغَةً، وهي كاسْتِفْتاحِ كَلامٍ يُشْبِهُ في القَسَمِ ألّا في شائِعِ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلا وأبِي........... لا أخُونُها
المَعْنى: "فَوَأبِي"، أعْدائِها، ولِهَذا نَظائِرُ، وقَرَأ الحَسَنُ والثَقَفِيُّ: "فَلْأُ قْسِمُ" بِغَيْرِ ألْفٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: التَقْدِيرُ: فَلَأنا أُقْسِمُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "بِمَواقِعَ" عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُمْ- وأهْلُ الكُوفَةِ: حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "بِمَوْقِعٍ" عَلى الإفْرادِ، وهو مُرادٌ بِهِ الجَمْعُ، ونَظِيرُ هَذا كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]، جَمْعٌ مِن حَيْثُ لِكُلِّ حِمارٍ صَوْتٌ مُخْتَصٌّ، وأفْرَدَ مِن حَيْثُ الأصْواتُ كُلُّها نَوْعٌ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "النُجُومِ" هُنا- فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: هي نُجُومُ القُرْآنِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في لَيْلَةِ القَدْرِ إلى السَماءِ الدُنْيا- وقِيلَ: إلى البَيْتِ المَعْمُورِ - جُمْلَةً واحِدَةً، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ نُجُومًا مُقَطَّعَةً في مُدَّةٍ مِن عِشْرِينَ سَنَةً، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ عَوْدُ الضَمِيرِ عَلى القُرْآنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾، وذَلِكَ أنَّ ذِكْرَهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ومَن لا يَتَأوَّلُ هَذا التَأْوِيلَ يَقُولُ: إنَّ الضَمِيرَ يَعُودُ عَلى القُرْآنِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِشُهْرَةِ الأمْرِ ووُضُوحِ المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، و﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: النُجُومُ هُنا (p-٢١٠)الكَواكِبُ المَعْرُوفَةُ، واخْتُلِفَ في مَوْقِعِها، فَقالَ مُجاهِدٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: هي مَواقِعُها عِنْدَ غُرُوبِها وطُلُوعُها، وقالَ قَتادَةُ: مَواقِعُها هي مَواضِعُها مِنَ السَماءِ، وقِيلَ: مَواقِعُها عِنْدَ الِانْقِضاضِ إثْرَ العَفارِيتِ، وقالَ الحَسَنُ: مَواقِعُها عِنْدَ انْكِدارِ النُجُومِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ وتَنْبِيهٌ مِنَ المَقْسِمِ بِهِ، ولَيْسَ هَذا بِاعْتِراضٍ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، بَلْ هَذا مَعْنًى قُصِدَ التَهَمُّمُ بِهِ، وإنَّما الِاعْتِراضُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾، وقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" اعْتِراضٌ، وإنَّ "لَوْ تَعْلَمُونَ" اعْتِراضٌ في اعْتِراضٍ، والتَحْرِيرُ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّهُ لَقُرْآنٌ" هو الَّذِي وقَعَ القَسَمُ عَلَيْهِ، ووَصَفَهُ بِالكَرَمِ عَلى مَعْنى إثْباتِ صِفاتِ المَدْحِ لَهُ ودَفْعِ صِفاتِ الحَطِيطَةِ عنهُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ "المَكْنُونَ": المَصُونُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: أرادَ الكِتابَ الَّذِي في السَماءِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: أرادَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّهُ لِكِتابٌ كَرِيمٌ ذَكَرَ كَرَمَهُ وشَرَفَهُ في كِتابٍ مَكْنُونٍ، فَمَعْنى الآيَةِ -عَلى هَذا- الِاسْتِشْهادُ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٦]، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: أرادَ مَصاحِفَ المُسْلِمِينَ، وكانَتْ يَوْمَ نَزَلَتِ الآيَةُ لَمْ تَكُنْ، فَهي -عَلى هَذا- إخْبارٌ بِغَيْبٍ، وكَذَلِكَ هو في كِتابٍ مَصُونٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا لَفْظَةَ "المَسِّ" فَإنَّها تُشِيرُ إلى المَصاحِفِ، وهي مُسْتَعارَةٌ مِن مَسِّ المَلائِكَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ وفي حُكْمِهِ- فَقالَ بَعْضُ مَن قالَ إنَّ الكِتابَ المَكْنُونَ هو الَّذِي في السَماءِ، قالَ: المُطَهَّرُونَ هُنا: المَلائِكَةُ، قالَ قَتادَةُ: فَأمّا عِنْدَكم فَيَمَسُّهُ المُشْرِكُ المُنَجَّسُ والمُنافِقُ، قالَ الطَبَرِيُّ: المُطَهَّرُونَ: المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ ومَن لا ذَنْبَ لَهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ -عَلى هَذا القَوْلِ- حُكْمُ مَسِّ المُصْحَفِ لِسائِرِ بَنِي آدَمَ، ومَن قالَ بِأنَّها مَصاحِفُ المُسْلِمِينَ قالَ: إنَّ قَوْلُهُ تَعالى: "لا يَمَسُّهُ" إخْبارٌ مُضَمِّنُهُ النَهْيُ، وضَمَّةُ السِينِ -عَلى هَذا- ضَمَّةُ إعْرابٍ وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: الكَلامُ نَهْيٌ، وضَمَّةُ السِينِ ضَمَّةُ بِناءٍ، قالَ جَمِيعُهُمْ: فَلا يَمَسُّ المُصْحَفَ مِن بَنِي آدَمَ إلّا الطاهِرُ مِنَ الكُفْرِ والجَنابَةِ والحَدَثِ الأصْغَرِ، قالَ مالِكٌ: (p-٢١١)لا يَحْمِلُهُ غَيْرُ طاهِرٍ بِعَلاقَتِهِ ولا عَلى وِسادَةٍ، وفي كِتابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: « "وَلا يَمَسُّ القُرْآنَ إلّا الطاهِرُ"»، وقَدْ رَخَّصَ أبُو حَنِيفَةَ وقَوْمٌ بِأنْ يَمَسَّهُ الجُنُبُ والحائِضُ عَلى حائِلٍ، غُلافٌ ونَحْوُهُ، ورَخَّصَ بَعْضُ العُلَماءِ في مَسِّهِ في الحَدَثِ الأصْغَرِ وفي قِراءَتِهِ عن ظَهْرِ قَلْبٍ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ وعامِرٌ الشَعْبِيُّ، ولا سِيَّما لِلْمُعَلِّمِ والصِبْيانِ، وقَدْ رَخَّصَ بَعْضُهم لِلْجُنُبِ في قِراءَتِهِ، وهَذا التَرْخِيصُ كُلُّهُ إنَّما هو عَلى القَوْلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنْ "المُطَهَّرِينَ" هُمُ المَلائِكَةُ، أو عَلى مُراعاةِ لِفْظِ المَسِّ، فَقَدْ قالَ سَلْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ لا أمَسُّ المُصْحَفَ ولَكِنْ أقْرَأُ القُرْآنَ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ والهاءِ المُشَدَّدَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُما-: "المُطَهَّرُونَ" بِسُكُونِ الطاءِ وفَتْحِ الهاءِ خَفِيفَةً، وهي قِراءَةُ عِيسى الثَقَفِيِّ. وقَرَأ سَلْمانُ الفارِسِيُّ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ خَفِيفَةً وكَسْرِ الهاءِ وشَدِّها، عَلى مَعْنى الَّذِينَ يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهُمْ، ورُوِيَتْ عنهُ بِشَدِّ الطاءِ والهاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ -بِخِلافٍ عنهُ-: "المُطَهَّرُونَ" بِمَعْنى: المُتَطَهِّرِينَ، والقَوْلُ بِأنَّ "لا يَمَسُّهُ" نَهْيٌ، قَوْلٌ فِيهِ ضَعْفٌ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا كانَ خَبَرًا فَهو في مَوْضِعِ الصِفَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: "تَنْزِيلٌ" صِفَةٌ أيْضًا، فَإذْ جَعَلْناهُ نَهْيًا جاءَ مَعْنًى أجْنَبِيًّا مُعْتَرِضًا بَيْنَ الصِفاتِ، وذَلِكَ لا يَحْسُنُ في رَصْفِ الكَلامِ فَتُدَبِّرُهُ، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ما يَمَسُّهُ" وهَذا يُقَوِّي ما رَجَّحْتُهُ مِنَ الخَبَرِ الَّذِي مَعْناهُ: حَقُّهُ وقَدْرُهُ أنْ ألّا يَمَسَّهُ إلّا طاهِرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ، و"الحَدِيثِ" المُشارِ إلَيْهِ هو القُرْآنُ المُتَضَمِّنُ البَعْثَ، وإنَّ اللهَ تَعالى هو خالِقُ الكُلِّ، وإنَّ ابْنَ آدَمَ مَصَرَّفٌ بِقَدَرِهِ وقَضائِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، و"مُدْهِنُونَ" مَعْناهُ: يُلايِنُ بَعْضُكم بَعْضًا ويَتْبَعُهُ في الكُفْرِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الدُهْنِ لِلِينِهِ وإمْلاسِهِ، وقالَ أبُو قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ:
؎ الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ الـ ∗∗∗ إدْهانِ والفَهَّةِ والهاعِ
(p-٢١٢)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو المُهاوَدَةُ فِيما لا يَحِلُّ، والمُداراةُ هي المُهاوَدَةُ فِيما يَحِلُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مُدْهِنُونَ": مُكَذِّبُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾، أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الآيَةَ تَوْبِيخٌ لِلْقائِلِينَ في المَطَرِ الَّذِي نَزَّلَهُ اللهُ تَعالى رِزْقًا لِلْعِبادِ: هَذا بِنَوْءِ كَذا وكَذا وهَذا بِنَوْءِ الأسَدِ، وهَذا بِنَوْءِ الجَوْزاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمَعْنى: وتَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكُمْ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: جَعَلْتَ يا فُلانُ إحْسانِي إلَيْكَ أنْ سَبَبْتَنِي، فالمَعْنى: جَعَلْتُ شَكَرَ إحْسانِي، وحَكى الهَيْثَمُ بْنُ عُدَيٍّ أنَّ مِن لُغَةِ أزِدْ شَنُوءَةَ: ما رِزْقُ فُلانٍ؟ بِمَعْنى: ما شُكْرُهُ؟ وكانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقْرَؤُها: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكم أنَّكم تَكْذِبُونَ"، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ إلّا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ضَمَّ التاءِ وفَتَحَ الكافَ، وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَتَحَ التاءَ وسَكَّنَ الكافَ وخَفَّفَ الذالَ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وكانَ شُكْرُ القَوْمِ عِنْدَ المِنَنِ ∗∗∗ كَيُّ الصَحِيحاتِ وفَقْءُ الأعْيُنِ
وقَدْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْشَأ بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ، والنَخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبادِ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾، أيْ: بِهَذا الخَبَرِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ المُفَضَّلِ عنهُ: "تُكَذِّبُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُونِ الكافِ وتَخْفِيفِ الذالِ كَقِراءَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكَذِبُهم في مَقالِهِمْ بَيِّنٌ (p-٢١٣)لِأنَّهم يَقُولُونَ: هَذا بِنَوْءِ كَذا، وذَلِكَ كَذِبٌ مِنهم وتَخَرُّصٌ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: مُطِرْنا بِبَعْضِ عُثانَيْنِ الأسَدِ، فَقالَ لَهُ: "كَذَبْتَ بَلْ هو رِزْقُ اللهِ"،» والمَنهِيُّ عنهُ المَكْرُوهُ هو أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ لِلطّالِعِ مِنَ النُجُومِ تَأْثِيرًا في المَطَرِ، وأمّا مُراعاةُ بَعْضِ الطَوالِعِ عَلى مُقْتَضى العادَةِ فَقَدْ قالَ عُمَرُ لِلْعَبّاسِ رَضِيَ اللهُ عنهُما وهُما في الِاسْتِسْقاءِ: يا عَبّاسُ، يا عَمَّ النَبِيِّ ﷺ: كَمْ بَقِيَ مِن نَوْءِ الثُرَيّا؟ فَقالَ العَبّاسُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: العُلَماءُ يَقُولُونَ إنَّها تَعْتَرِضُ الأُفُقَ بَعْدَ سُقُوطِها سَبْعًا، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: فَما مَضَتْ سَبْعٌ حَتّى مُطِرُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى مَوْضِعِ عَجْزٍ يَقْتَضِي النَظَرُ فِيهِ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، والضَمِيرُ في "بَلَغَتِ الحُلْقُومَ" لِنَفْسِ الإنْسانِ، والمَعْنى يَقْتَضِيها وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ، "والحُلْقُومَ" مَجْرى الطَعامِ، وهَذِهِ الحالُ هي نِزاعُ المَرْءِ لِلْمَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْتُمْ" إشارَةٌ إلى جَمِيعِ البَشَرِ، وهَذا مِنَ الِاقْتِضابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "حِينَئِذٍ" بِكَسْرِ النُونِ، و"تَنْظُرُونَ" مَعْناهُ: إلى المُنازِعِ في المَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَلائِكَتَهُ ورُسُلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِقُدْرَتِنا وغَلَبَتِنا، فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ مِنَ النَظَرِ بِالعَيْنِ، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي يَجِيءُ مِنَ النَظَرِ بِالقَلْبِ. وقالَ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ: ما نَظَرْتُ إلى شَيْءٍ إلّا رَأيْتُ اللهَ تَعالى أقْرَبَ إلَيْهِ مِنِّي.
ثُمَّ عادَ التَوْقِيفُ والتَقْرِيرُ ثانِيَةً بِلَفْظِ التَحْضِيضِ، و"المَدِينُ": المَمْلُوكُ، هَذا أصَحُّ ما يُقالُ في مَعْنى اللَفْظَةِ هُنا، ومَن عَبَّرَ عنها بِالمُجازى أوِ المُحاسَبِ فَذَلِكَ هُنا قَلَقٌ، والمَمْلُوكُ يُقَلِّبُ كَيْفَ يَشاءُ المالِكَ، ومِن هَذا المِلْكِ قَوْلُ الأخْطَلِ:(p-٢١٤)
؎ رَبَتْ فَرَبّى في حِجْرِها ابْنُ مَدِينَةَ ∗∗∗ تَراهُ عَلى مِسْحاتِهِ يَتَرَكَّلُ
أرادَ: ابْنُ أُمَّةٍ مَمْلُوكَةٍ، وهو عَبْدٌ يَخْدِمُ الكَرَمَ، وقَدْ قِيلَ في مَعْنى هَذا البَيْتِ: أرادَ أكّارًا حَضَرِيًّا لِأنَّ الأعْرابَ في البادِيَةِ لا يَعْرِفُونَ الفِلاحَةَ وعَمَلَ الكَرْمِ، فَنَسَبَهُ إلى المَدِينَةِ لِما كانَ مِن أهْلِها، فَمَعْنى الآيَةِ: فَلَوْلا تَرْجِعُونَ النَفْسَ البالِغَةَ الحُلْقُومَ إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَمْلُوكِينَ ولا مَقْهُورِينَ، ودِينُ المَلِكِ حُكْمُهُ وسُلْطانُهُ، وقَدْ نَحا إلى هَذا المَعْنى الفَرّاءُ، وذَكَرَهُ مُسْتَوْعِبًا النَقّاشَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "تَرْجِعُونَها" سَدَّتْ مَسَدَّ الأجْوِبَةِ والبَياناتِ الَّتِي تَقْتَضِيها التَخْصِيصاتُ، وإذا مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَلَوْلا إذا" و"إنْ" المُتَكَرِّرَةُ، وحَمَلَ بَعْضُ القَوْلِ بَعْضًا إيجازًا واقْتِضابًا.
الواقعة 56:81
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ﴾ ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ﴿وَأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في "لا" مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ﴾ - فَقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي زائِدَةٌ، والمَعْنى: فَأُقْسِمُ، وزِيادَتُها في بَعْضِ المَواضِعِ مَعْرُوفٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، وغَيْرُ ذَلِكَ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وبَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي نافِيَةٌ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَلا صِحَّةَ لِما يَقُولُهُ الكُفّارُ، ثُمَّ (p-٢٠٩)ابْتَدَأ تَبارَكَ وتَعالى فَقالَ: "أُقْسِمُ"، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هي مُؤَكَّدَةٌ تُعْطِي في القِسْمِ مُبالِغَةً، وهي كاسْتِفْتاحِ كَلامٍ يُشْبِهُ في القَسَمِ ألّا في شائِعِ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلا وأبِي........... لا أخُونُها
المَعْنى: "فَوَأبِي"، أعْدائِها، ولِهَذا نَظائِرُ، وقَرَأ الحَسَنُ والثَقَفِيُّ: "فَلْأُ قْسِمُ" بِغَيْرِ ألْفٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: التَقْدِيرُ: فَلَأنا أُقْسِمُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "بِمَواقِعَ" عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُمْ- وأهْلُ الكُوفَةِ: حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "بِمَوْقِعٍ" عَلى الإفْرادِ، وهو مُرادٌ بِهِ الجَمْعُ، ونَظِيرُ هَذا كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]، جَمْعٌ مِن حَيْثُ لِكُلِّ حِمارٍ صَوْتٌ مُخْتَصٌّ، وأفْرَدَ مِن حَيْثُ الأصْواتُ كُلُّها نَوْعٌ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "النُجُومِ" هُنا- فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: هي نُجُومُ القُرْآنِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في لَيْلَةِ القَدْرِ إلى السَماءِ الدُنْيا- وقِيلَ: إلى البَيْتِ المَعْمُورِ - جُمْلَةً واحِدَةً، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ نُجُومًا مُقَطَّعَةً في مُدَّةٍ مِن عِشْرِينَ سَنَةً، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ عَوْدُ الضَمِيرِ عَلى القُرْآنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾، وذَلِكَ أنَّ ذِكْرَهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ومَن لا يَتَأوَّلُ هَذا التَأْوِيلَ يَقُولُ: إنَّ الضَمِيرَ يَعُودُ عَلى القُرْآنِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِشُهْرَةِ الأمْرِ ووُضُوحِ المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، و﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: النُجُومُ هُنا (p-٢١٠)الكَواكِبُ المَعْرُوفَةُ، واخْتُلِفَ في مَوْقِعِها، فَقالَ مُجاهِدٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: هي مَواقِعُها عِنْدَ غُرُوبِها وطُلُوعُها، وقالَ قَتادَةُ: مَواقِعُها هي مَواضِعُها مِنَ السَماءِ، وقِيلَ: مَواقِعُها عِنْدَ الِانْقِضاضِ إثْرَ العَفارِيتِ، وقالَ الحَسَنُ: مَواقِعُها عِنْدَ انْكِدارِ النُجُومِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ وتَنْبِيهٌ مِنَ المَقْسِمِ بِهِ، ولَيْسَ هَذا بِاعْتِراضٍ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، بَلْ هَذا مَعْنًى قُصِدَ التَهَمُّمُ بِهِ، وإنَّما الِاعْتِراضُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾، وقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" اعْتِراضٌ، وإنَّ "لَوْ تَعْلَمُونَ" اعْتِراضٌ في اعْتِراضٍ، والتَحْرِيرُ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّهُ لَقُرْآنٌ" هو الَّذِي وقَعَ القَسَمُ عَلَيْهِ، ووَصَفَهُ بِالكَرَمِ عَلى مَعْنى إثْباتِ صِفاتِ المَدْحِ لَهُ ودَفْعِ صِفاتِ الحَطِيطَةِ عنهُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ "المَكْنُونَ": المَصُونُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: أرادَ الكِتابَ الَّذِي في السَماءِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: أرادَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّهُ لِكِتابٌ كَرِيمٌ ذَكَرَ كَرَمَهُ وشَرَفَهُ في كِتابٍ مَكْنُونٍ، فَمَعْنى الآيَةِ -عَلى هَذا- الِاسْتِشْهادُ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٦]، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: أرادَ مَصاحِفَ المُسْلِمِينَ، وكانَتْ يَوْمَ نَزَلَتِ الآيَةُ لَمْ تَكُنْ، فَهي -عَلى هَذا- إخْبارٌ بِغَيْبٍ، وكَذَلِكَ هو في كِتابٍ مَصُونٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا لَفْظَةَ "المَسِّ" فَإنَّها تُشِيرُ إلى المَصاحِفِ، وهي مُسْتَعارَةٌ مِن مَسِّ المَلائِكَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ وفي حُكْمِهِ- فَقالَ بَعْضُ مَن قالَ إنَّ الكِتابَ المَكْنُونَ هو الَّذِي في السَماءِ، قالَ: المُطَهَّرُونَ هُنا: المَلائِكَةُ، قالَ قَتادَةُ: فَأمّا عِنْدَكم فَيَمَسُّهُ المُشْرِكُ المُنَجَّسُ والمُنافِقُ، قالَ الطَبَرِيُّ: المُطَهَّرُونَ: المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ ومَن لا ذَنْبَ لَهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ -عَلى هَذا القَوْلِ- حُكْمُ مَسِّ المُصْحَفِ لِسائِرِ بَنِي آدَمَ، ومَن قالَ بِأنَّها مَصاحِفُ المُسْلِمِينَ قالَ: إنَّ قَوْلُهُ تَعالى: "لا يَمَسُّهُ" إخْبارٌ مُضَمِّنُهُ النَهْيُ، وضَمَّةُ السِينِ -عَلى هَذا- ضَمَّةُ إعْرابٍ وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: الكَلامُ نَهْيٌ، وضَمَّةُ السِينِ ضَمَّةُ بِناءٍ، قالَ جَمِيعُهُمْ: فَلا يَمَسُّ المُصْحَفَ مِن بَنِي آدَمَ إلّا الطاهِرُ مِنَ الكُفْرِ والجَنابَةِ والحَدَثِ الأصْغَرِ، قالَ مالِكٌ: (p-٢١١)لا يَحْمِلُهُ غَيْرُ طاهِرٍ بِعَلاقَتِهِ ولا عَلى وِسادَةٍ، وفي كِتابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: « "وَلا يَمَسُّ القُرْآنَ إلّا الطاهِرُ"»، وقَدْ رَخَّصَ أبُو حَنِيفَةَ وقَوْمٌ بِأنْ يَمَسَّهُ الجُنُبُ والحائِضُ عَلى حائِلٍ، غُلافٌ ونَحْوُهُ، ورَخَّصَ بَعْضُ العُلَماءِ في مَسِّهِ في الحَدَثِ الأصْغَرِ وفي قِراءَتِهِ عن ظَهْرِ قَلْبٍ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ وعامِرٌ الشَعْبِيُّ، ولا سِيَّما لِلْمُعَلِّمِ والصِبْيانِ، وقَدْ رَخَّصَ بَعْضُهم لِلْجُنُبِ في قِراءَتِهِ، وهَذا التَرْخِيصُ كُلُّهُ إنَّما هو عَلى القَوْلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنْ "المُطَهَّرِينَ" هُمُ المَلائِكَةُ، أو عَلى مُراعاةِ لِفْظِ المَسِّ، فَقَدْ قالَ سَلْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ لا أمَسُّ المُصْحَفَ ولَكِنْ أقْرَأُ القُرْآنَ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ والهاءِ المُشَدَّدَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُما-: "المُطَهَّرُونَ" بِسُكُونِ الطاءِ وفَتْحِ الهاءِ خَفِيفَةً، وهي قِراءَةُ عِيسى الثَقَفِيِّ. وقَرَأ سَلْمانُ الفارِسِيُّ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ خَفِيفَةً وكَسْرِ الهاءِ وشَدِّها، عَلى مَعْنى الَّذِينَ يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهُمْ، ورُوِيَتْ عنهُ بِشَدِّ الطاءِ والهاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ -بِخِلافٍ عنهُ-: "المُطَهَّرُونَ" بِمَعْنى: المُتَطَهِّرِينَ، والقَوْلُ بِأنَّ "لا يَمَسُّهُ" نَهْيٌ، قَوْلٌ فِيهِ ضَعْفٌ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا كانَ خَبَرًا فَهو في مَوْضِعِ الصِفَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: "تَنْزِيلٌ" صِفَةٌ أيْضًا، فَإذْ جَعَلْناهُ نَهْيًا جاءَ مَعْنًى أجْنَبِيًّا مُعْتَرِضًا بَيْنَ الصِفاتِ، وذَلِكَ لا يَحْسُنُ في رَصْفِ الكَلامِ فَتُدَبِّرُهُ، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ما يَمَسُّهُ" وهَذا يُقَوِّي ما رَجَّحْتُهُ مِنَ الخَبَرِ الَّذِي مَعْناهُ: حَقُّهُ وقَدْرُهُ أنْ ألّا يَمَسَّهُ إلّا طاهِرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ، و"الحَدِيثِ" المُشارِ إلَيْهِ هو القُرْآنُ المُتَضَمِّنُ البَعْثَ، وإنَّ اللهَ تَعالى هو خالِقُ الكُلِّ، وإنَّ ابْنَ آدَمَ مَصَرَّفٌ بِقَدَرِهِ وقَضائِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، و"مُدْهِنُونَ" مَعْناهُ: يُلايِنُ بَعْضُكم بَعْضًا ويَتْبَعُهُ في الكُفْرِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الدُهْنِ لِلِينِهِ وإمْلاسِهِ، وقالَ أبُو قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ:
؎ الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ الـ ∗∗∗ إدْهانِ والفَهَّةِ والهاعِ
(p-٢١٢)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو المُهاوَدَةُ فِيما لا يَحِلُّ، والمُداراةُ هي المُهاوَدَةُ فِيما يَحِلُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مُدْهِنُونَ": مُكَذِّبُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾، أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الآيَةَ تَوْبِيخٌ لِلْقائِلِينَ في المَطَرِ الَّذِي نَزَّلَهُ اللهُ تَعالى رِزْقًا لِلْعِبادِ: هَذا بِنَوْءِ كَذا وكَذا وهَذا بِنَوْءِ الأسَدِ، وهَذا بِنَوْءِ الجَوْزاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمَعْنى: وتَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكُمْ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: جَعَلْتَ يا فُلانُ إحْسانِي إلَيْكَ أنْ سَبَبْتَنِي، فالمَعْنى: جَعَلْتُ شَكَرَ إحْسانِي، وحَكى الهَيْثَمُ بْنُ عُدَيٍّ أنَّ مِن لُغَةِ أزِدْ شَنُوءَةَ: ما رِزْقُ فُلانٍ؟ بِمَعْنى: ما شُكْرُهُ؟ وكانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقْرَؤُها: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكم أنَّكم تَكْذِبُونَ"، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ إلّا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ضَمَّ التاءِ وفَتَحَ الكافَ، وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَتَحَ التاءَ وسَكَّنَ الكافَ وخَفَّفَ الذالَ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وكانَ شُكْرُ القَوْمِ عِنْدَ المِنَنِ ∗∗∗ كَيُّ الصَحِيحاتِ وفَقْءُ الأعْيُنِ
وقَدْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْشَأ بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ، والنَخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبادِ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾، أيْ: بِهَذا الخَبَرِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ المُفَضَّلِ عنهُ: "تُكَذِّبُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُونِ الكافِ وتَخْفِيفِ الذالِ كَقِراءَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكَذِبُهم في مَقالِهِمْ بَيِّنٌ (p-٢١٣)لِأنَّهم يَقُولُونَ: هَذا بِنَوْءِ كَذا، وذَلِكَ كَذِبٌ مِنهم وتَخَرُّصٌ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: مُطِرْنا بِبَعْضِ عُثانَيْنِ الأسَدِ، فَقالَ لَهُ: "كَذَبْتَ بَلْ هو رِزْقُ اللهِ"،» والمَنهِيُّ عنهُ المَكْرُوهُ هو أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ لِلطّالِعِ مِنَ النُجُومِ تَأْثِيرًا في المَطَرِ، وأمّا مُراعاةُ بَعْضِ الطَوالِعِ عَلى مُقْتَضى العادَةِ فَقَدْ قالَ عُمَرُ لِلْعَبّاسِ رَضِيَ اللهُ عنهُما وهُما في الِاسْتِسْقاءِ: يا عَبّاسُ، يا عَمَّ النَبِيِّ ﷺ: كَمْ بَقِيَ مِن نَوْءِ الثُرَيّا؟ فَقالَ العَبّاسُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: العُلَماءُ يَقُولُونَ إنَّها تَعْتَرِضُ الأُفُقَ بَعْدَ سُقُوطِها سَبْعًا، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: فَما مَضَتْ سَبْعٌ حَتّى مُطِرُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى مَوْضِعِ عَجْزٍ يَقْتَضِي النَظَرُ فِيهِ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، والضَمِيرُ في "بَلَغَتِ الحُلْقُومَ" لِنَفْسِ الإنْسانِ، والمَعْنى يَقْتَضِيها وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ، "والحُلْقُومَ" مَجْرى الطَعامِ، وهَذِهِ الحالُ هي نِزاعُ المَرْءِ لِلْمَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْتُمْ" إشارَةٌ إلى جَمِيعِ البَشَرِ، وهَذا مِنَ الِاقْتِضابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "حِينَئِذٍ" بِكَسْرِ النُونِ، و"تَنْظُرُونَ" مَعْناهُ: إلى المُنازِعِ في المَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَلائِكَتَهُ ورُسُلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِقُدْرَتِنا وغَلَبَتِنا، فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ مِنَ النَظَرِ بِالعَيْنِ، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي يَجِيءُ مِنَ النَظَرِ بِالقَلْبِ. وقالَ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ: ما نَظَرْتُ إلى شَيْءٍ إلّا رَأيْتُ اللهَ تَعالى أقْرَبَ إلَيْهِ مِنِّي.
ثُمَّ عادَ التَوْقِيفُ والتَقْرِيرُ ثانِيَةً بِلَفْظِ التَحْضِيضِ، و"المَدِينُ": المَمْلُوكُ، هَذا أصَحُّ ما يُقالُ في مَعْنى اللَفْظَةِ هُنا، ومَن عَبَّرَ عنها بِالمُجازى أوِ المُحاسَبِ فَذَلِكَ هُنا قَلَقٌ، والمَمْلُوكُ يُقَلِّبُ كَيْفَ يَشاءُ المالِكَ، ومِن هَذا المِلْكِ قَوْلُ الأخْطَلِ:(p-٢١٤)
؎ رَبَتْ فَرَبّى في حِجْرِها ابْنُ مَدِينَةَ ∗∗∗ تَراهُ عَلى مِسْحاتِهِ يَتَرَكَّلُ
أرادَ: ابْنُ أُمَّةٍ مَمْلُوكَةٍ، وهو عَبْدٌ يَخْدِمُ الكَرَمَ، وقَدْ قِيلَ في مَعْنى هَذا البَيْتِ: أرادَ أكّارًا حَضَرِيًّا لِأنَّ الأعْرابَ في البادِيَةِ لا يَعْرِفُونَ الفِلاحَةَ وعَمَلَ الكَرْمِ، فَنَسَبَهُ إلى المَدِينَةِ لِما كانَ مِن أهْلِها، فَمَعْنى الآيَةِ: فَلَوْلا تَرْجِعُونَ النَفْسَ البالِغَةَ الحُلْقُومَ إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَمْلُوكِينَ ولا مَقْهُورِينَ، ودِينُ المَلِكِ حُكْمُهُ وسُلْطانُهُ، وقَدْ نَحا إلى هَذا المَعْنى الفَرّاءُ، وذَكَرَهُ مُسْتَوْعِبًا النَقّاشَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "تَرْجِعُونَها" سَدَّتْ مَسَدَّ الأجْوِبَةِ والبَياناتِ الَّتِي تَقْتَضِيها التَخْصِيصاتُ، وإذا مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَلَوْلا إذا" و"إنْ" المُتَكَرِّرَةُ، وحَمَلَ بَعْضُ القَوْلِ بَعْضًا إيجازًا واقْتِضابًا.
الواقعة 56:82
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ﴾ ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ﴿وَأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في "لا" مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ﴾ - فَقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي زائِدَةٌ، والمَعْنى: فَأُقْسِمُ، وزِيادَتُها في بَعْضِ المَواضِعِ مَعْرُوفٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، وغَيْرُ ذَلِكَ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وبَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي نافِيَةٌ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَلا صِحَّةَ لِما يَقُولُهُ الكُفّارُ، ثُمَّ (p-٢٠٩)ابْتَدَأ تَبارَكَ وتَعالى فَقالَ: "أُقْسِمُ"، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هي مُؤَكَّدَةٌ تُعْطِي في القِسْمِ مُبالِغَةً، وهي كاسْتِفْتاحِ كَلامٍ يُشْبِهُ في القَسَمِ ألّا في شائِعِ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلا وأبِي........... لا أخُونُها
المَعْنى: "فَوَأبِي"، أعْدائِها، ولِهَذا نَظائِرُ، وقَرَأ الحَسَنُ والثَقَفِيُّ: "فَلْأُ قْسِمُ" بِغَيْرِ ألْفٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: التَقْدِيرُ: فَلَأنا أُقْسِمُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "بِمَواقِعَ" عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُمْ- وأهْلُ الكُوفَةِ: حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "بِمَوْقِعٍ" عَلى الإفْرادِ، وهو مُرادٌ بِهِ الجَمْعُ، ونَظِيرُ هَذا كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]، جَمْعٌ مِن حَيْثُ لِكُلِّ حِمارٍ صَوْتٌ مُخْتَصٌّ، وأفْرَدَ مِن حَيْثُ الأصْواتُ كُلُّها نَوْعٌ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "النُجُومِ" هُنا- فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: هي نُجُومُ القُرْآنِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في لَيْلَةِ القَدْرِ إلى السَماءِ الدُنْيا- وقِيلَ: إلى البَيْتِ المَعْمُورِ - جُمْلَةً واحِدَةً، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ نُجُومًا مُقَطَّعَةً في مُدَّةٍ مِن عِشْرِينَ سَنَةً، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ عَوْدُ الضَمِيرِ عَلى القُرْآنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾، وذَلِكَ أنَّ ذِكْرَهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ومَن لا يَتَأوَّلُ هَذا التَأْوِيلَ يَقُولُ: إنَّ الضَمِيرَ يَعُودُ عَلى القُرْآنِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِشُهْرَةِ الأمْرِ ووُضُوحِ المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، و﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: النُجُومُ هُنا (p-٢١٠)الكَواكِبُ المَعْرُوفَةُ، واخْتُلِفَ في مَوْقِعِها، فَقالَ مُجاهِدٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: هي مَواقِعُها عِنْدَ غُرُوبِها وطُلُوعُها، وقالَ قَتادَةُ: مَواقِعُها هي مَواضِعُها مِنَ السَماءِ، وقِيلَ: مَواقِعُها عِنْدَ الِانْقِضاضِ إثْرَ العَفارِيتِ، وقالَ الحَسَنُ: مَواقِعُها عِنْدَ انْكِدارِ النُجُومِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ وتَنْبِيهٌ مِنَ المَقْسِمِ بِهِ، ولَيْسَ هَذا بِاعْتِراضٍ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، بَلْ هَذا مَعْنًى قُصِدَ التَهَمُّمُ بِهِ، وإنَّما الِاعْتِراضُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾، وقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" اعْتِراضٌ، وإنَّ "لَوْ تَعْلَمُونَ" اعْتِراضٌ في اعْتِراضٍ، والتَحْرِيرُ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّهُ لَقُرْآنٌ" هو الَّذِي وقَعَ القَسَمُ عَلَيْهِ، ووَصَفَهُ بِالكَرَمِ عَلى مَعْنى إثْباتِ صِفاتِ المَدْحِ لَهُ ودَفْعِ صِفاتِ الحَطِيطَةِ عنهُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ "المَكْنُونَ": المَصُونُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: أرادَ الكِتابَ الَّذِي في السَماءِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: أرادَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّهُ لِكِتابٌ كَرِيمٌ ذَكَرَ كَرَمَهُ وشَرَفَهُ في كِتابٍ مَكْنُونٍ، فَمَعْنى الآيَةِ -عَلى هَذا- الِاسْتِشْهادُ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٦]، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: أرادَ مَصاحِفَ المُسْلِمِينَ، وكانَتْ يَوْمَ نَزَلَتِ الآيَةُ لَمْ تَكُنْ، فَهي -عَلى هَذا- إخْبارٌ بِغَيْبٍ، وكَذَلِكَ هو في كِتابٍ مَصُونٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا لَفْظَةَ "المَسِّ" فَإنَّها تُشِيرُ إلى المَصاحِفِ، وهي مُسْتَعارَةٌ مِن مَسِّ المَلائِكَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ وفي حُكْمِهِ- فَقالَ بَعْضُ مَن قالَ إنَّ الكِتابَ المَكْنُونَ هو الَّذِي في السَماءِ، قالَ: المُطَهَّرُونَ هُنا: المَلائِكَةُ، قالَ قَتادَةُ: فَأمّا عِنْدَكم فَيَمَسُّهُ المُشْرِكُ المُنَجَّسُ والمُنافِقُ، قالَ الطَبَرِيُّ: المُطَهَّرُونَ: المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ ومَن لا ذَنْبَ لَهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ -عَلى هَذا القَوْلِ- حُكْمُ مَسِّ المُصْحَفِ لِسائِرِ بَنِي آدَمَ، ومَن قالَ بِأنَّها مَصاحِفُ المُسْلِمِينَ قالَ: إنَّ قَوْلُهُ تَعالى: "لا يَمَسُّهُ" إخْبارٌ مُضَمِّنُهُ النَهْيُ، وضَمَّةُ السِينِ -عَلى هَذا- ضَمَّةُ إعْرابٍ وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: الكَلامُ نَهْيٌ، وضَمَّةُ السِينِ ضَمَّةُ بِناءٍ، قالَ جَمِيعُهُمْ: فَلا يَمَسُّ المُصْحَفَ مِن بَنِي آدَمَ إلّا الطاهِرُ مِنَ الكُفْرِ والجَنابَةِ والحَدَثِ الأصْغَرِ، قالَ مالِكٌ: (p-٢١١)لا يَحْمِلُهُ غَيْرُ طاهِرٍ بِعَلاقَتِهِ ولا عَلى وِسادَةٍ، وفي كِتابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: « "وَلا يَمَسُّ القُرْآنَ إلّا الطاهِرُ"»، وقَدْ رَخَّصَ أبُو حَنِيفَةَ وقَوْمٌ بِأنْ يَمَسَّهُ الجُنُبُ والحائِضُ عَلى حائِلٍ، غُلافٌ ونَحْوُهُ، ورَخَّصَ بَعْضُ العُلَماءِ في مَسِّهِ في الحَدَثِ الأصْغَرِ وفي قِراءَتِهِ عن ظَهْرِ قَلْبٍ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ وعامِرٌ الشَعْبِيُّ، ولا سِيَّما لِلْمُعَلِّمِ والصِبْيانِ، وقَدْ رَخَّصَ بَعْضُهم لِلْجُنُبِ في قِراءَتِهِ، وهَذا التَرْخِيصُ كُلُّهُ إنَّما هو عَلى القَوْلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنْ "المُطَهَّرِينَ" هُمُ المَلائِكَةُ، أو عَلى مُراعاةِ لِفْظِ المَسِّ، فَقَدْ قالَ سَلْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ لا أمَسُّ المُصْحَفَ ولَكِنْ أقْرَأُ القُرْآنَ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ والهاءِ المُشَدَّدَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُما-: "المُطَهَّرُونَ" بِسُكُونِ الطاءِ وفَتْحِ الهاءِ خَفِيفَةً، وهي قِراءَةُ عِيسى الثَقَفِيِّ. وقَرَأ سَلْمانُ الفارِسِيُّ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ خَفِيفَةً وكَسْرِ الهاءِ وشَدِّها، عَلى مَعْنى الَّذِينَ يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهُمْ، ورُوِيَتْ عنهُ بِشَدِّ الطاءِ والهاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ -بِخِلافٍ عنهُ-: "المُطَهَّرُونَ" بِمَعْنى: المُتَطَهِّرِينَ، والقَوْلُ بِأنَّ "لا يَمَسُّهُ" نَهْيٌ، قَوْلٌ فِيهِ ضَعْفٌ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا كانَ خَبَرًا فَهو في مَوْضِعِ الصِفَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: "تَنْزِيلٌ" صِفَةٌ أيْضًا، فَإذْ جَعَلْناهُ نَهْيًا جاءَ مَعْنًى أجْنَبِيًّا مُعْتَرِضًا بَيْنَ الصِفاتِ، وذَلِكَ لا يَحْسُنُ في رَصْفِ الكَلامِ فَتُدَبِّرُهُ، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ما يَمَسُّهُ" وهَذا يُقَوِّي ما رَجَّحْتُهُ مِنَ الخَبَرِ الَّذِي مَعْناهُ: حَقُّهُ وقَدْرُهُ أنْ ألّا يَمَسَّهُ إلّا طاهِرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ، و"الحَدِيثِ" المُشارِ إلَيْهِ هو القُرْآنُ المُتَضَمِّنُ البَعْثَ، وإنَّ اللهَ تَعالى هو خالِقُ الكُلِّ، وإنَّ ابْنَ آدَمَ مَصَرَّفٌ بِقَدَرِهِ وقَضائِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، و"مُدْهِنُونَ" مَعْناهُ: يُلايِنُ بَعْضُكم بَعْضًا ويَتْبَعُهُ في الكُفْرِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الدُهْنِ لِلِينِهِ وإمْلاسِهِ، وقالَ أبُو قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ:
؎ الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ الـ ∗∗∗ إدْهانِ والفَهَّةِ والهاعِ
(p-٢١٢)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو المُهاوَدَةُ فِيما لا يَحِلُّ، والمُداراةُ هي المُهاوَدَةُ فِيما يَحِلُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مُدْهِنُونَ": مُكَذِّبُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾، أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الآيَةَ تَوْبِيخٌ لِلْقائِلِينَ في المَطَرِ الَّذِي نَزَّلَهُ اللهُ تَعالى رِزْقًا لِلْعِبادِ: هَذا بِنَوْءِ كَذا وكَذا وهَذا بِنَوْءِ الأسَدِ، وهَذا بِنَوْءِ الجَوْزاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمَعْنى: وتَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكُمْ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: جَعَلْتَ يا فُلانُ إحْسانِي إلَيْكَ أنْ سَبَبْتَنِي، فالمَعْنى: جَعَلْتُ شَكَرَ إحْسانِي، وحَكى الهَيْثَمُ بْنُ عُدَيٍّ أنَّ مِن لُغَةِ أزِدْ شَنُوءَةَ: ما رِزْقُ فُلانٍ؟ بِمَعْنى: ما شُكْرُهُ؟ وكانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقْرَؤُها: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكم أنَّكم تَكْذِبُونَ"، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ إلّا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ضَمَّ التاءِ وفَتَحَ الكافَ، وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَتَحَ التاءَ وسَكَّنَ الكافَ وخَفَّفَ الذالَ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وكانَ شُكْرُ القَوْمِ عِنْدَ المِنَنِ ∗∗∗ كَيُّ الصَحِيحاتِ وفَقْءُ الأعْيُنِ
وقَدْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْشَأ بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ، والنَخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبادِ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾، أيْ: بِهَذا الخَبَرِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ المُفَضَّلِ عنهُ: "تُكَذِّبُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُونِ الكافِ وتَخْفِيفِ الذالِ كَقِراءَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكَذِبُهم في مَقالِهِمْ بَيِّنٌ (p-٢١٣)لِأنَّهم يَقُولُونَ: هَذا بِنَوْءِ كَذا، وذَلِكَ كَذِبٌ مِنهم وتَخَرُّصٌ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: مُطِرْنا بِبَعْضِ عُثانَيْنِ الأسَدِ، فَقالَ لَهُ: "كَذَبْتَ بَلْ هو رِزْقُ اللهِ"،» والمَنهِيُّ عنهُ المَكْرُوهُ هو أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ لِلطّالِعِ مِنَ النُجُومِ تَأْثِيرًا في المَطَرِ، وأمّا مُراعاةُ بَعْضِ الطَوالِعِ عَلى مُقْتَضى العادَةِ فَقَدْ قالَ عُمَرُ لِلْعَبّاسِ رَضِيَ اللهُ عنهُما وهُما في الِاسْتِسْقاءِ: يا عَبّاسُ، يا عَمَّ النَبِيِّ ﷺ: كَمْ بَقِيَ مِن نَوْءِ الثُرَيّا؟ فَقالَ العَبّاسُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: العُلَماءُ يَقُولُونَ إنَّها تَعْتَرِضُ الأُفُقَ بَعْدَ سُقُوطِها سَبْعًا، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: فَما مَضَتْ سَبْعٌ حَتّى مُطِرُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى مَوْضِعِ عَجْزٍ يَقْتَضِي النَظَرُ فِيهِ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، والضَمِيرُ في "بَلَغَتِ الحُلْقُومَ" لِنَفْسِ الإنْسانِ، والمَعْنى يَقْتَضِيها وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ، "والحُلْقُومَ" مَجْرى الطَعامِ، وهَذِهِ الحالُ هي نِزاعُ المَرْءِ لِلْمَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْتُمْ" إشارَةٌ إلى جَمِيعِ البَشَرِ، وهَذا مِنَ الِاقْتِضابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "حِينَئِذٍ" بِكَسْرِ النُونِ، و"تَنْظُرُونَ" مَعْناهُ: إلى المُنازِعِ في المَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَلائِكَتَهُ ورُسُلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِقُدْرَتِنا وغَلَبَتِنا، فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ مِنَ النَظَرِ بِالعَيْنِ، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي يَجِيءُ مِنَ النَظَرِ بِالقَلْبِ. وقالَ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ: ما نَظَرْتُ إلى شَيْءٍ إلّا رَأيْتُ اللهَ تَعالى أقْرَبَ إلَيْهِ مِنِّي.
ثُمَّ عادَ التَوْقِيفُ والتَقْرِيرُ ثانِيَةً بِلَفْظِ التَحْضِيضِ، و"المَدِينُ": المَمْلُوكُ، هَذا أصَحُّ ما يُقالُ في مَعْنى اللَفْظَةِ هُنا، ومَن عَبَّرَ عنها بِالمُجازى أوِ المُحاسَبِ فَذَلِكَ هُنا قَلَقٌ، والمَمْلُوكُ يُقَلِّبُ كَيْفَ يَشاءُ المالِكَ، ومِن هَذا المِلْكِ قَوْلُ الأخْطَلِ:(p-٢١٤)
؎ رَبَتْ فَرَبّى في حِجْرِها ابْنُ مَدِينَةَ ∗∗∗ تَراهُ عَلى مِسْحاتِهِ يَتَرَكَّلُ
أرادَ: ابْنُ أُمَّةٍ مَمْلُوكَةٍ، وهو عَبْدٌ يَخْدِمُ الكَرَمَ، وقَدْ قِيلَ في مَعْنى هَذا البَيْتِ: أرادَ أكّارًا حَضَرِيًّا لِأنَّ الأعْرابَ في البادِيَةِ لا يَعْرِفُونَ الفِلاحَةَ وعَمَلَ الكَرْمِ، فَنَسَبَهُ إلى المَدِينَةِ لِما كانَ مِن أهْلِها، فَمَعْنى الآيَةِ: فَلَوْلا تَرْجِعُونَ النَفْسَ البالِغَةَ الحُلْقُومَ إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَمْلُوكِينَ ولا مَقْهُورِينَ، ودِينُ المَلِكِ حُكْمُهُ وسُلْطانُهُ، وقَدْ نَحا إلى هَذا المَعْنى الفَرّاءُ، وذَكَرَهُ مُسْتَوْعِبًا النَقّاشَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "تَرْجِعُونَها" سَدَّتْ مَسَدَّ الأجْوِبَةِ والبَياناتِ الَّتِي تَقْتَضِيها التَخْصِيصاتُ، وإذا مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَلَوْلا إذا" و"إنْ" المُتَكَرِّرَةُ، وحَمَلَ بَعْضُ القَوْلِ بَعْضًا إيجازًا واقْتِضابًا.
الواقعة 56:83
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ﴾ ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ﴿وَأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في "لا" مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ﴾ - فَقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي زائِدَةٌ، والمَعْنى: فَأُقْسِمُ، وزِيادَتُها في بَعْضِ المَواضِعِ مَعْرُوفٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، وغَيْرُ ذَلِكَ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وبَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي نافِيَةٌ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَلا صِحَّةَ لِما يَقُولُهُ الكُفّارُ، ثُمَّ (p-٢٠٩)ابْتَدَأ تَبارَكَ وتَعالى فَقالَ: "أُقْسِمُ"، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هي مُؤَكَّدَةٌ تُعْطِي في القِسْمِ مُبالِغَةً، وهي كاسْتِفْتاحِ كَلامٍ يُشْبِهُ في القَسَمِ ألّا في شائِعِ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلا وأبِي........... لا أخُونُها
المَعْنى: "فَوَأبِي"، أعْدائِها، ولِهَذا نَظائِرُ، وقَرَأ الحَسَنُ والثَقَفِيُّ: "فَلْأُ قْسِمُ" بِغَيْرِ ألْفٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: التَقْدِيرُ: فَلَأنا أُقْسِمُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "بِمَواقِعَ" عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُمْ- وأهْلُ الكُوفَةِ: حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "بِمَوْقِعٍ" عَلى الإفْرادِ، وهو مُرادٌ بِهِ الجَمْعُ، ونَظِيرُ هَذا كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]، جَمْعٌ مِن حَيْثُ لِكُلِّ حِمارٍ صَوْتٌ مُخْتَصٌّ، وأفْرَدَ مِن حَيْثُ الأصْواتُ كُلُّها نَوْعٌ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "النُجُومِ" هُنا- فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: هي نُجُومُ القُرْآنِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في لَيْلَةِ القَدْرِ إلى السَماءِ الدُنْيا- وقِيلَ: إلى البَيْتِ المَعْمُورِ - جُمْلَةً واحِدَةً، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ نُجُومًا مُقَطَّعَةً في مُدَّةٍ مِن عِشْرِينَ سَنَةً، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ عَوْدُ الضَمِيرِ عَلى القُرْآنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾، وذَلِكَ أنَّ ذِكْرَهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ومَن لا يَتَأوَّلُ هَذا التَأْوِيلَ يَقُولُ: إنَّ الضَمِيرَ يَعُودُ عَلى القُرْآنِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِشُهْرَةِ الأمْرِ ووُضُوحِ المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، و﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: النُجُومُ هُنا (p-٢١٠)الكَواكِبُ المَعْرُوفَةُ، واخْتُلِفَ في مَوْقِعِها، فَقالَ مُجاهِدٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: هي مَواقِعُها عِنْدَ غُرُوبِها وطُلُوعُها، وقالَ قَتادَةُ: مَواقِعُها هي مَواضِعُها مِنَ السَماءِ، وقِيلَ: مَواقِعُها عِنْدَ الِانْقِضاضِ إثْرَ العَفارِيتِ، وقالَ الحَسَنُ: مَواقِعُها عِنْدَ انْكِدارِ النُجُومِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ وتَنْبِيهٌ مِنَ المَقْسِمِ بِهِ، ولَيْسَ هَذا بِاعْتِراضٍ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، بَلْ هَذا مَعْنًى قُصِدَ التَهَمُّمُ بِهِ، وإنَّما الِاعْتِراضُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾، وقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" اعْتِراضٌ، وإنَّ "لَوْ تَعْلَمُونَ" اعْتِراضٌ في اعْتِراضٍ، والتَحْرِيرُ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّهُ لَقُرْآنٌ" هو الَّذِي وقَعَ القَسَمُ عَلَيْهِ، ووَصَفَهُ بِالكَرَمِ عَلى مَعْنى إثْباتِ صِفاتِ المَدْحِ لَهُ ودَفْعِ صِفاتِ الحَطِيطَةِ عنهُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ "المَكْنُونَ": المَصُونُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: أرادَ الكِتابَ الَّذِي في السَماءِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: أرادَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّهُ لِكِتابٌ كَرِيمٌ ذَكَرَ كَرَمَهُ وشَرَفَهُ في كِتابٍ مَكْنُونٍ، فَمَعْنى الآيَةِ -عَلى هَذا- الِاسْتِشْهادُ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٦]، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: أرادَ مَصاحِفَ المُسْلِمِينَ، وكانَتْ يَوْمَ نَزَلَتِ الآيَةُ لَمْ تَكُنْ، فَهي -عَلى هَذا- إخْبارٌ بِغَيْبٍ، وكَذَلِكَ هو في كِتابٍ مَصُونٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا لَفْظَةَ "المَسِّ" فَإنَّها تُشِيرُ إلى المَصاحِفِ، وهي مُسْتَعارَةٌ مِن مَسِّ المَلائِكَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ وفي حُكْمِهِ- فَقالَ بَعْضُ مَن قالَ إنَّ الكِتابَ المَكْنُونَ هو الَّذِي في السَماءِ، قالَ: المُطَهَّرُونَ هُنا: المَلائِكَةُ، قالَ قَتادَةُ: فَأمّا عِنْدَكم فَيَمَسُّهُ المُشْرِكُ المُنَجَّسُ والمُنافِقُ، قالَ الطَبَرِيُّ: المُطَهَّرُونَ: المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ ومَن لا ذَنْبَ لَهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ -عَلى هَذا القَوْلِ- حُكْمُ مَسِّ المُصْحَفِ لِسائِرِ بَنِي آدَمَ، ومَن قالَ بِأنَّها مَصاحِفُ المُسْلِمِينَ قالَ: إنَّ قَوْلُهُ تَعالى: "لا يَمَسُّهُ" إخْبارٌ مُضَمِّنُهُ النَهْيُ، وضَمَّةُ السِينِ -عَلى هَذا- ضَمَّةُ إعْرابٍ وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: الكَلامُ نَهْيٌ، وضَمَّةُ السِينِ ضَمَّةُ بِناءٍ، قالَ جَمِيعُهُمْ: فَلا يَمَسُّ المُصْحَفَ مِن بَنِي آدَمَ إلّا الطاهِرُ مِنَ الكُفْرِ والجَنابَةِ والحَدَثِ الأصْغَرِ، قالَ مالِكٌ: (p-٢١١)لا يَحْمِلُهُ غَيْرُ طاهِرٍ بِعَلاقَتِهِ ولا عَلى وِسادَةٍ، وفي كِتابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: « "وَلا يَمَسُّ القُرْآنَ إلّا الطاهِرُ"»، وقَدْ رَخَّصَ أبُو حَنِيفَةَ وقَوْمٌ بِأنْ يَمَسَّهُ الجُنُبُ والحائِضُ عَلى حائِلٍ، غُلافٌ ونَحْوُهُ، ورَخَّصَ بَعْضُ العُلَماءِ في مَسِّهِ في الحَدَثِ الأصْغَرِ وفي قِراءَتِهِ عن ظَهْرِ قَلْبٍ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ وعامِرٌ الشَعْبِيُّ، ولا سِيَّما لِلْمُعَلِّمِ والصِبْيانِ، وقَدْ رَخَّصَ بَعْضُهم لِلْجُنُبِ في قِراءَتِهِ، وهَذا التَرْخِيصُ كُلُّهُ إنَّما هو عَلى القَوْلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنْ "المُطَهَّرِينَ" هُمُ المَلائِكَةُ، أو عَلى مُراعاةِ لِفْظِ المَسِّ، فَقَدْ قالَ سَلْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ لا أمَسُّ المُصْحَفَ ولَكِنْ أقْرَأُ القُرْآنَ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ والهاءِ المُشَدَّدَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُما-: "المُطَهَّرُونَ" بِسُكُونِ الطاءِ وفَتْحِ الهاءِ خَفِيفَةً، وهي قِراءَةُ عِيسى الثَقَفِيِّ. وقَرَأ سَلْمانُ الفارِسِيُّ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ خَفِيفَةً وكَسْرِ الهاءِ وشَدِّها، عَلى مَعْنى الَّذِينَ يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهُمْ، ورُوِيَتْ عنهُ بِشَدِّ الطاءِ والهاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ -بِخِلافٍ عنهُ-: "المُطَهَّرُونَ" بِمَعْنى: المُتَطَهِّرِينَ، والقَوْلُ بِأنَّ "لا يَمَسُّهُ" نَهْيٌ، قَوْلٌ فِيهِ ضَعْفٌ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا كانَ خَبَرًا فَهو في مَوْضِعِ الصِفَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: "تَنْزِيلٌ" صِفَةٌ أيْضًا، فَإذْ جَعَلْناهُ نَهْيًا جاءَ مَعْنًى أجْنَبِيًّا مُعْتَرِضًا بَيْنَ الصِفاتِ، وذَلِكَ لا يَحْسُنُ في رَصْفِ الكَلامِ فَتُدَبِّرُهُ، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ما يَمَسُّهُ" وهَذا يُقَوِّي ما رَجَّحْتُهُ مِنَ الخَبَرِ الَّذِي مَعْناهُ: حَقُّهُ وقَدْرُهُ أنْ ألّا يَمَسَّهُ إلّا طاهِرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ، و"الحَدِيثِ" المُشارِ إلَيْهِ هو القُرْآنُ المُتَضَمِّنُ البَعْثَ، وإنَّ اللهَ تَعالى هو خالِقُ الكُلِّ، وإنَّ ابْنَ آدَمَ مَصَرَّفٌ بِقَدَرِهِ وقَضائِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، و"مُدْهِنُونَ" مَعْناهُ: يُلايِنُ بَعْضُكم بَعْضًا ويَتْبَعُهُ في الكُفْرِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الدُهْنِ لِلِينِهِ وإمْلاسِهِ، وقالَ أبُو قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ:
؎ الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ الـ ∗∗∗ إدْهانِ والفَهَّةِ والهاعِ
(p-٢١٢)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو المُهاوَدَةُ فِيما لا يَحِلُّ، والمُداراةُ هي المُهاوَدَةُ فِيما يَحِلُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مُدْهِنُونَ": مُكَذِّبُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾، أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الآيَةَ تَوْبِيخٌ لِلْقائِلِينَ في المَطَرِ الَّذِي نَزَّلَهُ اللهُ تَعالى رِزْقًا لِلْعِبادِ: هَذا بِنَوْءِ كَذا وكَذا وهَذا بِنَوْءِ الأسَدِ، وهَذا بِنَوْءِ الجَوْزاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمَعْنى: وتَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكُمْ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: جَعَلْتَ يا فُلانُ إحْسانِي إلَيْكَ أنْ سَبَبْتَنِي، فالمَعْنى: جَعَلْتُ شَكَرَ إحْسانِي، وحَكى الهَيْثَمُ بْنُ عُدَيٍّ أنَّ مِن لُغَةِ أزِدْ شَنُوءَةَ: ما رِزْقُ فُلانٍ؟ بِمَعْنى: ما شُكْرُهُ؟ وكانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقْرَؤُها: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكم أنَّكم تَكْذِبُونَ"، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ إلّا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ضَمَّ التاءِ وفَتَحَ الكافَ، وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَتَحَ التاءَ وسَكَّنَ الكافَ وخَفَّفَ الذالَ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وكانَ شُكْرُ القَوْمِ عِنْدَ المِنَنِ ∗∗∗ كَيُّ الصَحِيحاتِ وفَقْءُ الأعْيُنِ
وقَدْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْشَأ بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ، والنَخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبادِ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾، أيْ: بِهَذا الخَبَرِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ المُفَضَّلِ عنهُ: "تُكَذِّبُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُونِ الكافِ وتَخْفِيفِ الذالِ كَقِراءَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكَذِبُهم في مَقالِهِمْ بَيِّنٌ (p-٢١٣)لِأنَّهم يَقُولُونَ: هَذا بِنَوْءِ كَذا، وذَلِكَ كَذِبٌ مِنهم وتَخَرُّصٌ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: مُطِرْنا بِبَعْضِ عُثانَيْنِ الأسَدِ، فَقالَ لَهُ: "كَذَبْتَ بَلْ هو رِزْقُ اللهِ"،» والمَنهِيُّ عنهُ المَكْرُوهُ هو أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ لِلطّالِعِ مِنَ النُجُومِ تَأْثِيرًا في المَطَرِ، وأمّا مُراعاةُ بَعْضِ الطَوالِعِ عَلى مُقْتَضى العادَةِ فَقَدْ قالَ عُمَرُ لِلْعَبّاسِ رَضِيَ اللهُ عنهُما وهُما في الِاسْتِسْقاءِ: يا عَبّاسُ، يا عَمَّ النَبِيِّ ﷺ: كَمْ بَقِيَ مِن نَوْءِ الثُرَيّا؟ فَقالَ العَبّاسُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: العُلَماءُ يَقُولُونَ إنَّها تَعْتَرِضُ الأُفُقَ بَعْدَ سُقُوطِها سَبْعًا، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: فَما مَضَتْ سَبْعٌ حَتّى مُطِرُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى مَوْضِعِ عَجْزٍ يَقْتَضِي النَظَرُ فِيهِ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، والضَمِيرُ في "بَلَغَتِ الحُلْقُومَ" لِنَفْسِ الإنْسانِ، والمَعْنى يَقْتَضِيها وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ، "والحُلْقُومَ" مَجْرى الطَعامِ، وهَذِهِ الحالُ هي نِزاعُ المَرْءِ لِلْمَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْتُمْ" إشارَةٌ إلى جَمِيعِ البَشَرِ، وهَذا مِنَ الِاقْتِضابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "حِينَئِذٍ" بِكَسْرِ النُونِ، و"تَنْظُرُونَ" مَعْناهُ: إلى المُنازِعِ في المَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَلائِكَتَهُ ورُسُلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِقُدْرَتِنا وغَلَبَتِنا، فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ مِنَ النَظَرِ بِالعَيْنِ، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي يَجِيءُ مِنَ النَظَرِ بِالقَلْبِ. وقالَ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ: ما نَظَرْتُ إلى شَيْءٍ إلّا رَأيْتُ اللهَ تَعالى أقْرَبَ إلَيْهِ مِنِّي.
ثُمَّ عادَ التَوْقِيفُ والتَقْرِيرُ ثانِيَةً بِلَفْظِ التَحْضِيضِ، و"المَدِينُ": المَمْلُوكُ، هَذا أصَحُّ ما يُقالُ في مَعْنى اللَفْظَةِ هُنا، ومَن عَبَّرَ عنها بِالمُجازى أوِ المُحاسَبِ فَذَلِكَ هُنا قَلَقٌ، والمَمْلُوكُ يُقَلِّبُ كَيْفَ يَشاءُ المالِكَ، ومِن هَذا المِلْكِ قَوْلُ الأخْطَلِ:(p-٢١٤)
؎ رَبَتْ فَرَبّى في حِجْرِها ابْنُ مَدِينَةَ ∗∗∗ تَراهُ عَلى مِسْحاتِهِ يَتَرَكَّلُ
أرادَ: ابْنُ أُمَّةٍ مَمْلُوكَةٍ، وهو عَبْدٌ يَخْدِمُ الكَرَمَ، وقَدْ قِيلَ في مَعْنى هَذا البَيْتِ: أرادَ أكّارًا حَضَرِيًّا لِأنَّ الأعْرابَ في البادِيَةِ لا يَعْرِفُونَ الفِلاحَةَ وعَمَلَ الكَرْمِ، فَنَسَبَهُ إلى المَدِينَةِ لِما كانَ مِن أهْلِها، فَمَعْنى الآيَةِ: فَلَوْلا تَرْجِعُونَ النَفْسَ البالِغَةَ الحُلْقُومَ إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَمْلُوكِينَ ولا مَقْهُورِينَ، ودِينُ المَلِكِ حُكْمُهُ وسُلْطانُهُ، وقَدْ نَحا إلى هَذا المَعْنى الفَرّاءُ، وذَكَرَهُ مُسْتَوْعِبًا النَقّاشَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "تَرْجِعُونَها" سَدَّتْ مَسَدَّ الأجْوِبَةِ والبَياناتِ الَّتِي تَقْتَضِيها التَخْصِيصاتُ، وإذا مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَلَوْلا إذا" و"إنْ" المُتَكَرِّرَةُ، وحَمَلَ بَعْضُ القَوْلِ بَعْضًا إيجازًا واقْتِضابًا.
الواقعة 56:84
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ﴾ ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ﴿وَأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في "لا" مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ﴾ - فَقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي زائِدَةٌ، والمَعْنى: فَأُقْسِمُ، وزِيادَتُها في بَعْضِ المَواضِعِ مَعْرُوفٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، وغَيْرُ ذَلِكَ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وبَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي نافِيَةٌ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَلا صِحَّةَ لِما يَقُولُهُ الكُفّارُ، ثُمَّ (p-٢٠٩)ابْتَدَأ تَبارَكَ وتَعالى فَقالَ: "أُقْسِمُ"، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هي مُؤَكَّدَةٌ تُعْطِي في القِسْمِ مُبالِغَةً، وهي كاسْتِفْتاحِ كَلامٍ يُشْبِهُ في القَسَمِ ألّا في شائِعِ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلا وأبِي........... لا أخُونُها
المَعْنى: "فَوَأبِي"، أعْدائِها، ولِهَذا نَظائِرُ، وقَرَأ الحَسَنُ والثَقَفِيُّ: "فَلْأُ قْسِمُ" بِغَيْرِ ألْفٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: التَقْدِيرُ: فَلَأنا أُقْسِمُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "بِمَواقِعَ" عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُمْ- وأهْلُ الكُوفَةِ: حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "بِمَوْقِعٍ" عَلى الإفْرادِ، وهو مُرادٌ بِهِ الجَمْعُ، ونَظِيرُ هَذا كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]، جَمْعٌ مِن حَيْثُ لِكُلِّ حِمارٍ صَوْتٌ مُخْتَصٌّ، وأفْرَدَ مِن حَيْثُ الأصْواتُ كُلُّها نَوْعٌ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "النُجُومِ" هُنا- فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: هي نُجُومُ القُرْآنِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في لَيْلَةِ القَدْرِ إلى السَماءِ الدُنْيا- وقِيلَ: إلى البَيْتِ المَعْمُورِ - جُمْلَةً واحِدَةً، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ نُجُومًا مُقَطَّعَةً في مُدَّةٍ مِن عِشْرِينَ سَنَةً، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ عَوْدُ الضَمِيرِ عَلى القُرْآنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾، وذَلِكَ أنَّ ذِكْرَهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ومَن لا يَتَأوَّلُ هَذا التَأْوِيلَ يَقُولُ: إنَّ الضَمِيرَ يَعُودُ عَلى القُرْآنِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِشُهْرَةِ الأمْرِ ووُضُوحِ المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، و﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: النُجُومُ هُنا (p-٢١٠)الكَواكِبُ المَعْرُوفَةُ، واخْتُلِفَ في مَوْقِعِها، فَقالَ مُجاهِدٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: هي مَواقِعُها عِنْدَ غُرُوبِها وطُلُوعُها، وقالَ قَتادَةُ: مَواقِعُها هي مَواضِعُها مِنَ السَماءِ، وقِيلَ: مَواقِعُها عِنْدَ الِانْقِضاضِ إثْرَ العَفارِيتِ، وقالَ الحَسَنُ: مَواقِعُها عِنْدَ انْكِدارِ النُجُومِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ وتَنْبِيهٌ مِنَ المَقْسِمِ بِهِ، ولَيْسَ هَذا بِاعْتِراضٍ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، بَلْ هَذا مَعْنًى قُصِدَ التَهَمُّمُ بِهِ، وإنَّما الِاعْتِراضُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾، وقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" اعْتِراضٌ، وإنَّ "لَوْ تَعْلَمُونَ" اعْتِراضٌ في اعْتِراضٍ، والتَحْرِيرُ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّهُ لَقُرْآنٌ" هو الَّذِي وقَعَ القَسَمُ عَلَيْهِ، ووَصَفَهُ بِالكَرَمِ عَلى مَعْنى إثْباتِ صِفاتِ المَدْحِ لَهُ ودَفْعِ صِفاتِ الحَطِيطَةِ عنهُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ "المَكْنُونَ": المَصُونُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: أرادَ الكِتابَ الَّذِي في السَماءِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: أرادَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّهُ لِكِتابٌ كَرِيمٌ ذَكَرَ كَرَمَهُ وشَرَفَهُ في كِتابٍ مَكْنُونٍ، فَمَعْنى الآيَةِ -عَلى هَذا- الِاسْتِشْهادُ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٦]، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: أرادَ مَصاحِفَ المُسْلِمِينَ، وكانَتْ يَوْمَ نَزَلَتِ الآيَةُ لَمْ تَكُنْ، فَهي -عَلى هَذا- إخْبارٌ بِغَيْبٍ، وكَذَلِكَ هو في كِتابٍ مَصُونٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا لَفْظَةَ "المَسِّ" فَإنَّها تُشِيرُ إلى المَصاحِفِ، وهي مُسْتَعارَةٌ مِن مَسِّ المَلائِكَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ وفي حُكْمِهِ- فَقالَ بَعْضُ مَن قالَ إنَّ الكِتابَ المَكْنُونَ هو الَّذِي في السَماءِ، قالَ: المُطَهَّرُونَ هُنا: المَلائِكَةُ، قالَ قَتادَةُ: فَأمّا عِنْدَكم فَيَمَسُّهُ المُشْرِكُ المُنَجَّسُ والمُنافِقُ، قالَ الطَبَرِيُّ: المُطَهَّرُونَ: المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ ومَن لا ذَنْبَ لَهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ -عَلى هَذا القَوْلِ- حُكْمُ مَسِّ المُصْحَفِ لِسائِرِ بَنِي آدَمَ، ومَن قالَ بِأنَّها مَصاحِفُ المُسْلِمِينَ قالَ: إنَّ قَوْلُهُ تَعالى: "لا يَمَسُّهُ" إخْبارٌ مُضَمِّنُهُ النَهْيُ، وضَمَّةُ السِينِ -عَلى هَذا- ضَمَّةُ إعْرابٍ وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: الكَلامُ نَهْيٌ، وضَمَّةُ السِينِ ضَمَّةُ بِناءٍ، قالَ جَمِيعُهُمْ: فَلا يَمَسُّ المُصْحَفَ مِن بَنِي آدَمَ إلّا الطاهِرُ مِنَ الكُفْرِ والجَنابَةِ والحَدَثِ الأصْغَرِ، قالَ مالِكٌ: (p-٢١١)لا يَحْمِلُهُ غَيْرُ طاهِرٍ بِعَلاقَتِهِ ولا عَلى وِسادَةٍ، وفي كِتابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: « "وَلا يَمَسُّ القُرْآنَ إلّا الطاهِرُ"»، وقَدْ رَخَّصَ أبُو حَنِيفَةَ وقَوْمٌ بِأنْ يَمَسَّهُ الجُنُبُ والحائِضُ عَلى حائِلٍ، غُلافٌ ونَحْوُهُ، ورَخَّصَ بَعْضُ العُلَماءِ في مَسِّهِ في الحَدَثِ الأصْغَرِ وفي قِراءَتِهِ عن ظَهْرِ قَلْبٍ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ وعامِرٌ الشَعْبِيُّ، ولا سِيَّما لِلْمُعَلِّمِ والصِبْيانِ، وقَدْ رَخَّصَ بَعْضُهم لِلْجُنُبِ في قِراءَتِهِ، وهَذا التَرْخِيصُ كُلُّهُ إنَّما هو عَلى القَوْلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنْ "المُطَهَّرِينَ" هُمُ المَلائِكَةُ، أو عَلى مُراعاةِ لِفْظِ المَسِّ، فَقَدْ قالَ سَلْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ لا أمَسُّ المُصْحَفَ ولَكِنْ أقْرَأُ القُرْآنَ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ والهاءِ المُشَدَّدَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُما-: "المُطَهَّرُونَ" بِسُكُونِ الطاءِ وفَتْحِ الهاءِ خَفِيفَةً، وهي قِراءَةُ عِيسى الثَقَفِيِّ. وقَرَأ سَلْمانُ الفارِسِيُّ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ خَفِيفَةً وكَسْرِ الهاءِ وشَدِّها، عَلى مَعْنى الَّذِينَ يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهُمْ، ورُوِيَتْ عنهُ بِشَدِّ الطاءِ والهاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ -بِخِلافٍ عنهُ-: "المُطَهَّرُونَ" بِمَعْنى: المُتَطَهِّرِينَ، والقَوْلُ بِأنَّ "لا يَمَسُّهُ" نَهْيٌ، قَوْلٌ فِيهِ ضَعْفٌ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا كانَ خَبَرًا فَهو في مَوْضِعِ الصِفَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: "تَنْزِيلٌ" صِفَةٌ أيْضًا، فَإذْ جَعَلْناهُ نَهْيًا جاءَ مَعْنًى أجْنَبِيًّا مُعْتَرِضًا بَيْنَ الصِفاتِ، وذَلِكَ لا يَحْسُنُ في رَصْفِ الكَلامِ فَتُدَبِّرُهُ، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ما يَمَسُّهُ" وهَذا يُقَوِّي ما رَجَّحْتُهُ مِنَ الخَبَرِ الَّذِي مَعْناهُ: حَقُّهُ وقَدْرُهُ أنْ ألّا يَمَسَّهُ إلّا طاهِرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ، و"الحَدِيثِ" المُشارِ إلَيْهِ هو القُرْآنُ المُتَضَمِّنُ البَعْثَ، وإنَّ اللهَ تَعالى هو خالِقُ الكُلِّ، وإنَّ ابْنَ آدَمَ مَصَرَّفٌ بِقَدَرِهِ وقَضائِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، و"مُدْهِنُونَ" مَعْناهُ: يُلايِنُ بَعْضُكم بَعْضًا ويَتْبَعُهُ في الكُفْرِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الدُهْنِ لِلِينِهِ وإمْلاسِهِ، وقالَ أبُو قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ:
؎ الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ الـ ∗∗∗ إدْهانِ والفَهَّةِ والهاعِ
(p-٢١٢)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو المُهاوَدَةُ فِيما لا يَحِلُّ، والمُداراةُ هي المُهاوَدَةُ فِيما يَحِلُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مُدْهِنُونَ": مُكَذِّبُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾، أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الآيَةَ تَوْبِيخٌ لِلْقائِلِينَ في المَطَرِ الَّذِي نَزَّلَهُ اللهُ تَعالى رِزْقًا لِلْعِبادِ: هَذا بِنَوْءِ كَذا وكَذا وهَذا بِنَوْءِ الأسَدِ، وهَذا بِنَوْءِ الجَوْزاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمَعْنى: وتَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكُمْ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: جَعَلْتَ يا فُلانُ إحْسانِي إلَيْكَ أنْ سَبَبْتَنِي، فالمَعْنى: جَعَلْتُ شَكَرَ إحْسانِي، وحَكى الهَيْثَمُ بْنُ عُدَيٍّ أنَّ مِن لُغَةِ أزِدْ شَنُوءَةَ: ما رِزْقُ فُلانٍ؟ بِمَعْنى: ما شُكْرُهُ؟ وكانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقْرَؤُها: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكم أنَّكم تَكْذِبُونَ"، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ إلّا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ضَمَّ التاءِ وفَتَحَ الكافَ، وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَتَحَ التاءَ وسَكَّنَ الكافَ وخَفَّفَ الذالَ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وكانَ شُكْرُ القَوْمِ عِنْدَ المِنَنِ ∗∗∗ كَيُّ الصَحِيحاتِ وفَقْءُ الأعْيُنِ
وقَدْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْشَأ بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ، والنَخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبادِ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾، أيْ: بِهَذا الخَبَرِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ المُفَضَّلِ عنهُ: "تُكَذِّبُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُونِ الكافِ وتَخْفِيفِ الذالِ كَقِراءَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكَذِبُهم في مَقالِهِمْ بَيِّنٌ (p-٢١٣)لِأنَّهم يَقُولُونَ: هَذا بِنَوْءِ كَذا، وذَلِكَ كَذِبٌ مِنهم وتَخَرُّصٌ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: مُطِرْنا بِبَعْضِ عُثانَيْنِ الأسَدِ، فَقالَ لَهُ: "كَذَبْتَ بَلْ هو رِزْقُ اللهِ"،» والمَنهِيُّ عنهُ المَكْرُوهُ هو أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ لِلطّالِعِ مِنَ النُجُومِ تَأْثِيرًا في المَطَرِ، وأمّا مُراعاةُ بَعْضِ الطَوالِعِ عَلى مُقْتَضى العادَةِ فَقَدْ قالَ عُمَرُ لِلْعَبّاسِ رَضِيَ اللهُ عنهُما وهُما في الِاسْتِسْقاءِ: يا عَبّاسُ، يا عَمَّ النَبِيِّ ﷺ: كَمْ بَقِيَ مِن نَوْءِ الثُرَيّا؟ فَقالَ العَبّاسُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: العُلَماءُ يَقُولُونَ إنَّها تَعْتَرِضُ الأُفُقَ بَعْدَ سُقُوطِها سَبْعًا، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: فَما مَضَتْ سَبْعٌ حَتّى مُطِرُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى مَوْضِعِ عَجْزٍ يَقْتَضِي النَظَرُ فِيهِ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، والضَمِيرُ في "بَلَغَتِ الحُلْقُومَ" لِنَفْسِ الإنْسانِ، والمَعْنى يَقْتَضِيها وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ، "والحُلْقُومَ" مَجْرى الطَعامِ، وهَذِهِ الحالُ هي نِزاعُ المَرْءِ لِلْمَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْتُمْ" إشارَةٌ إلى جَمِيعِ البَشَرِ، وهَذا مِنَ الِاقْتِضابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "حِينَئِذٍ" بِكَسْرِ النُونِ، و"تَنْظُرُونَ" مَعْناهُ: إلى المُنازِعِ في المَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَلائِكَتَهُ ورُسُلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِقُدْرَتِنا وغَلَبَتِنا، فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ مِنَ النَظَرِ بِالعَيْنِ، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي يَجِيءُ مِنَ النَظَرِ بِالقَلْبِ. وقالَ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ: ما نَظَرْتُ إلى شَيْءٍ إلّا رَأيْتُ اللهَ تَعالى أقْرَبَ إلَيْهِ مِنِّي.
ثُمَّ عادَ التَوْقِيفُ والتَقْرِيرُ ثانِيَةً بِلَفْظِ التَحْضِيضِ، و"المَدِينُ": المَمْلُوكُ، هَذا أصَحُّ ما يُقالُ في مَعْنى اللَفْظَةِ هُنا، ومَن عَبَّرَ عنها بِالمُجازى أوِ المُحاسَبِ فَذَلِكَ هُنا قَلَقٌ، والمَمْلُوكُ يُقَلِّبُ كَيْفَ يَشاءُ المالِكَ، ومِن هَذا المِلْكِ قَوْلُ الأخْطَلِ:(p-٢١٤)
؎ رَبَتْ فَرَبّى في حِجْرِها ابْنُ مَدِينَةَ ∗∗∗ تَراهُ عَلى مِسْحاتِهِ يَتَرَكَّلُ
أرادَ: ابْنُ أُمَّةٍ مَمْلُوكَةٍ، وهو عَبْدٌ يَخْدِمُ الكَرَمَ، وقَدْ قِيلَ في مَعْنى هَذا البَيْتِ: أرادَ أكّارًا حَضَرِيًّا لِأنَّ الأعْرابَ في البادِيَةِ لا يَعْرِفُونَ الفِلاحَةَ وعَمَلَ الكَرْمِ، فَنَسَبَهُ إلى المَدِينَةِ لِما كانَ مِن أهْلِها، فَمَعْنى الآيَةِ: فَلَوْلا تَرْجِعُونَ النَفْسَ البالِغَةَ الحُلْقُومَ إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَمْلُوكِينَ ولا مَقْهُورِينَ، ودِينُ المَلِكِ حُكْمُهُ وسُلْطانُهُ، وقَدْ نَحا إلى هَذا المَعْنى الفَرّاءُ، وذَكَرَهُ مُسْتَوْعِبًا النَقّاشَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "تَرْجِعُونَها" سَدَّتْ مَسَدَّ الأجْوِبَةِ والبَياناتِ الَّتِي تَقْتَضِيها التَخْصِيصاتُ، وإذا مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَلَوْلا إذا" و"إنْ" المُتَكَرِّرَةُ، وحَمَلَ بَعْضُ القَوْلِ بَعْضًا إيجازًا واقْتِضابًا.
الواقعة 56:85
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ﴾ ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ﴿وَأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في "لا" مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ﴾ - فَقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي زائِدَةٌ، والمَعْنى: فَأُقْسِمُ، وزِيادَتُها في بَعْضِ المَواضِعِ مَعْرُوفٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، وغَيْرُ ذَلِكَ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وبَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي نافِيَةٌ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَلا صِحَّةَ لِما يَقُولُهُ الكُفّارُ، ثُمَّ (p-٢٠٩)ابْتَدَأ تَبارَكَ وتَعالى فَقالَ: "أُقْسِمُ"، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هي مُؤَكَّدَةٌ تُعْطِي في القِسْمِ مُبالِغَةً، وهي كاسْتِفْتاحِ كَلامٍ يُشْبِهُ في القَسَمِ ألّا في شائِعِ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلا وأبِي........... لا أخُونُها
المَعْنى: "فَوَأبِي"، أعْدائِها، ولِهَذا نَظائِرُ، وقَرَأ الحَسَنُ والثَقَفِيُّ: "فَلْأُ قْسِمُ" بِغَيْرِ ألْفٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: التَقْدِيرُ: فَلَأنا أُقْسِمُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "بِمَواقِعَ" عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُمْ- وأهْلُ الكُوفَةِ: حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "بِمَوْقِعٍ" عَلى الإفْرادِ، وهو مُرادٌ بِهِ الجَمْعُ، ونَظِيرُ هَذا كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]، جَمْعٌ مِن حَيْثُ لِكُلِّ حِمارٍ صَوْتٌ مُخْتَصٌّ، وأفْرَدَ مِن حَيْثُ الأصْواتُ كُلُّها نَوْعٌ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "النُجُومِ" هُنا- فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: هي نُجُومُ القُرْآنِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في لَيْلَةِ القَدْرِ إلى السَماءِ الدُنْيا- وقِيلَ: إلى البَيْتِ المَعْمُورِ - جُمْلَةً واحِدَةً، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ نُجُومًا مُقَطَّعَةً في مُدَّةٍ مِن عِشْرِينَ سَنَةً، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ عَوْدُ الضَمِيرِ عَلى القُرْآنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾، وذَلِكَ أنَّ ذِكْرَهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ومَن لا يَتَأوَّلُ هَذا التَأْوِيلَ يَقُولُ: إنَّ الضَمِيرَ يَعُودُ عَلى القُرْآنِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِشُهْرَةِ الأمْرِ ووُضُوحِ المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، و﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: النُجُومُ هُنا (p-٢١٠)الكَواكِبُ المَعْرُوفَةُ، واخْتُلِفَ في مَوْقِعِها، فَقالَ مُجاهِدٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: هي مَواقِعُها عِنْدَ غُرُوبِها وطُلُوعُها، وقالَ قَتادَةُ: مَواقِعُها هي مَواضِعُها مِنَ السَماءِ، وقِيلَ: مَواقِعُها عِنْدَ الِانْقِضاضِ إثْرَ العَفارِيتِ، وقالَ الحَسَنُ: مَواقِعُها عِنْدَ انْكِدارِ النُجُومِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ وتَنْبِيهٌ مِنَ المَقْسِمِ بِهِ، ولَيْسَ هَذا بِاعْتِراضٍ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، بَلْ هَذا مَعْنًى قُصِدَ التَهَمُّمُ بِهِ، وإنَّما الِاعْتِراضُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾، وقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" اعْتِراضٌ، وإنَّ "لَوْ تَعْلَمُونَ" اعْتِراضٌ في اعْتِراضٍ، والتَحْرِيرُ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّهُ لَقُرْآنٌ" هو الَّذِي وقَعَ القَسَمُ عَلَيْهِ، ووَصَفَهُ بِالكَرَمِ عَلى مَعْنى إثْباتِ صِفاتِ المَدْحِ لَهُ ودَفْعِ صِفاتِ الحَطِيطَةِ عنهُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ "المَكْنُونَ": المَصُونُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: أرادَ الكِتابَ الَّذِي في السَماءِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: أرادَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّهُ لِكِتابٌ كَرِيمٌ ذَكَرَ كَرَمَهُ وشَرَفَهُ في كِتابٍ مَكْنُونٍ، فَمَعْنى الآيَةِ -عَلى هَذا- الِاسْتِشْهادُ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٦]، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: أرادَ مَصاحِفَ المُسْلِمِينَ، وكانَتْ يَوْمَ نَزَلَتِ الآيَةُ لَمْ تَكُنْ، فَهي -عَلى هَذا- إخْبارٌ بِغَيْبٍ، وكَذَلِكَ هو في كِتابٍ مَصُونٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا لَفْظَةَ "المَسِّ" فَإنَّها تُشِيرُ إلى المَصاحِفِ، وهي مُسْتَعارَةٌ مِن مَسِّ المَلائِكَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ وفي حُكْمِهِ- فَقالَ بَعْضُ مَن قالَ إنَّ الكِتابَ المَكْنُونَ هو الَّذِي في السَماءِ، قالَ: المُطَهَّرُونَ هُنا: المَلائِكَةُ، قالَ قَتادَةُ: فَأمّا عِنْدَكم فَيَمَسُّهُ المُشْرِكُ المُنَجَّسُ والمُنافِقُ، قالَ الطَبَرِيُّ: المُطَهَّرُونَ: المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ ومَن لا ذَنْبَ لَهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ -عَلى هَذا القَوْلِ- حُكْمُ مَسِّ المُصْحَفِ لِسائِرِ بَنِي آدَمَ، ومَن قالَ بِأنَّها مَصاحِفُ المُسْلِمِينَ قالَ: إنَّ قَوْلُهُ تَعالى: "لا يَمَسُّهُ" إخْبارٌ مُضَمِّنُهُ النَهْيُ، وضَمَّةُ السِينِ -عَلى هَذا- ضَمَّةُ إعْرابٍ وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: الكَلامُ نَهْيٌ، وضَمَّةُ السِينِ ضَمَّةُ بِناءٍ، قالَ جَمِيعُهُمْ: فَلا يَمَسُّ المُصْحَفَ مِن بَنِي آدَمَ إلّا الطاهِرُ مِنَ الكُفْرِ والجَنابَةِ والحَدَثِ الأصْغَرِ، قالَ مالِكٌ: (p-٢١١)لا يَحْمِلُهُ غَيْرُ طاهِرٍ بِعَلاقَتِهِ ولا عَلى وِسادَةٍ، وفي كِتابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: « "وَلا يَمَسُّ القُرْآنَ إلّا الطاهِرُ"»، وقَدْ رَخَّصَ أبُو حَنِيفَةَ وقَوْمٌ بِأنْ يَمَسَّهُ الجُنُبُ والحائِضُ عَلى حائِلٍ، غُلافٌ ونَحْوُهُ، ورَخَّصَ بَعْضُ العُلَماءِ في مَسِّهِ في الحَدَثِ الأصْغَرِ وفي قِراءَتِهِ عن ظَهْرِ قَلْبٍ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ وعامِرٌ الشَعْبِيُّ، ولا سِيَّما لِلْمُعَلِّمِ والصِبْيانِ، وقَدْ رَخَّصَ بَعْضُهم لِلْجُنُبِ في قِراءَتِهِ، وهَذا التَرْخِيصُ كُلُّهُ إنَّما هو عَلى القَوْلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنْ "المُطَهَّرِينَ" هُمُ المَلائِكَةُ، أو عَلى مُراعاةِ لِفْظِ المَسِّ، فَقَدْ قالَ سَلْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ لا أمَسُّ المُصْحَفَ ولَكِنْ أقْرَأُ القُرْآنَ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ والهاءِ المُشَدَّدَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُما-: "المُطَهَّرُونَ" بِسُكُونِ الطاءِ وفَتْحِ الهاءِ خَفِيفَةً، وهي قِراءَةُ عِيسى الثَقَفِيِّ. وقَرَأ سَلْمانُ الفارِسِيُّ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ خَفِيفَةً وكَسْرِ الهاءِ وشَدِّها، عَلى مَعْنى الَّذِينَ يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهُمْ، ورُوِيَتْ عنهُ بِشَدِّ الطاءِ والهاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ -بِخِلافٍ عنهُ-: "المُطَهَّرُونَ" بِمَعْنى: المُتَطَهِّرِينَ، والقَوْلُ بِأنَّ "لا يَمَسُّهُ" نَهْيٌ، قَوْلٌ فِيهِ ضَعْفٌ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا كانَ خَبَرًا فَهو في مَوْضِعِ الصِفَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: "تَنْزِيلٌ" صِفَةٌ أيْضًا، فَإذْ جَعَلْناهُ نَهْيًا جاءَ مَعْنًى أجْنَبِيًّا مُعْتَرِضًا بَيْنَ الصِفاتِ، وذَلِكَ لا يَحْسُنُ في رَصْفِ الكَلامِ فَتُدَبِّرُهُ، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ما يَمَسُّهُ" وهَذا يُقَوِّي ما رَجَّحْتُهُ مِنَ الخَبَرِ الَّذِي مَعْناهُ: حَقُّهُ وقَدْرُهُ أنْ ألّا يَمَسَّهُ إلّا طاهِرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ، و"الحَدِيثِ" المُشارِ إلَيْهِ هو القُرْآنُ المُتَضَمِّنُ البَعْثَ، وإنَّ اللهَ تَعالى هو خالِقُ الكُلِّ، وإنَّ ابْنَ آدَمَ مَصَرَّفٌ بِقَدَرِهِ وقَضائِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، و"مُدْهِنُونَ" مَعْناهُ: يُلايِنُ بَعْضُكم بَعْضًا ويَتْبَعُهُ في الكُفْرِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الدُهْنِ لِلِينِهِ وإمْلاسِهِ، وقالَ أبُو قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ:
؎ الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ الـ ∗∗∗ إدْهانِ والفَهَّةِ والهاعِ
(p-٢١٢)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو المُهاوَدَةُ فِيما لا يَحِلُّ، والمُداراةُ هي المُهاوَدَةُ فِيما يَحِلُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مُدْهِنُونَ": مُكَذِّبُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾، أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الآيَةَ تَوْبِيخٌ لِلْقائِلِينَ في المَطَرِ الَّذِي نَزَّلَهُ اللهُ تَعالى رِزْقًا لِلْعِبادِ: هَذا بِنَوْءِ كَذا وكَذا وهَذا بِنَوْءِ الأسَدِ، وهَذا بِنَوْءِ الجَوْزاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمَعْنى: وتَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكُمْ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: جَعَلْتَ يا فُلانُ إحْسانِي إلَيْكَ أنْ سَبَبْتَنِي، فالمَعْنى: جَعَلْتُ شَكَرَ إحْسانِي، وحَكى الهَيْثَمُ بْنُ عُدَيٍّ أنَّ مِن لُغَةِ أزِدْ شَنُوءَةَ: ما رِزْقُ فُلانٍ؟ بِمَعْنى: ما شُكْرُهُ؟ وكانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقْرَؤُها: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكم أنَّكم تَكْذِبُونَ"، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ إلّا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ضَمَّ التاءِ وفَتَحَ الكافَ، وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَتَحَ التاءَ وسَكَّنَ الكافَ وخَفَّفَ الذالَ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وكانَ شُكْرُ القَوْمِ عِنْدَ المِنَنِ ∗∗∗ كَيُّ الصَحِيحاتِ وفَقْءُ الأعْيُنِ
وقَدْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْشَأ بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ، والنَخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبادِ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾، أيْ: بِهَذا الخَبَرِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ المُفَضَّلِ عنهُ: "تُكَذِّبُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُونِ الكافِ وتَخْفِيفِ الذالِ كَقِراءَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكَذِبُهم في مَقالِهِمْ بَيِّنٌ (p-٢١٣)لِأنَّهم يَقُولُونَ: هَذا بِنَوْءِ كَذا، وذَلِكَ كَذِبٌ مِنهم وتَخَرُّصٌ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: مُطِرْنا بِبَعْضِ عُثانَيْنِ الأسَدِ، فَقالَ لَهُ: "كَذَبْتَ بَلْ هو رِزْقُ اللهِ"،» والمَنهِيُّ عنهُ المَكْرُوهُ هو أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ لِلطّالِعِ مِنَ النُجُومِ تَأْثِيرًا في المَطَرِ، وأمّا مُراعاةُ بَعْضِ الطَوالِعِ عَلى مُقْتَضى العادَةِ فَقَدْ قالَ عُمَرُ لِلْعَبّاسِ رَضِيَ اللهُ عنهُما وهُما في الِاسْتِسْقاءِ: يا عَبّاسُ، يا عَمَّ النَبِيِّ ﷺ: كَمْ بَقِيَ مِن نَوْءِ الثُرَيّا؟ فَقالَ العَبّاسُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: العُلَماءُ يَقُولُونَ إنَّها تَعْتَرِضُ الأُفُقَ بَعْدَ سُقُوطِها سَبْعًا، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: فَما مَضَتْ سَبْعٌ حَتّى مُطِرُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى مَوْضِعِ عَجْزٍ يَقْتَضِي النَظَرُ فِيهِ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، والضَمِيرُ في "بَلَغَتِ الحُلْقُومَ" لِنَفْسِ الإنْسانِ، والمَعْنى يَقْتَضِيها وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ، "والحُلْقُومَ" مَجْرى الطَعامِ، وهَذِهِ الحالُ هي نِزاعُ المَرْءِ لِلْمَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْتُمْ" إشارَةٌ إلى جَمِيعِ البَشَرِ، وهَذا مِنَ الِاقْتِضابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "حِينَئِذٍ" بِكَسْرِ النُونِ، و"تَنْظُرُونَ" مَعْناهُ: إلى المُنازِعِ في المَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَلائِكَتَهُ ورُسُلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِقُدْرَتِنا وغَلَبَتِنا، فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ مِنَ النَظَرِ بِالعَيْنِ، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي يَجِيءُ مِنَ النَظَرِ بِالقَلْبِ. وقالَ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ: ما نَظَرْتُ إلى شَيْءٍ إلّا رَأيْتُ اللهَ تَعالى أقْرَبَ إلَيْهِ مِنِّي.
ثُمَّ عادَ التَوْقِيفُ والتَقْرِيرُ ثانِيَةً بِلَفْظِ التَحْضِيضِ، و"المَدِينُ": المَمْلُوكُ، هَذا أصَحُّ ما يُقالُ في مَعْنى اللَفْظَةِ هُنا، ومَن عَبَّرَ عنها بِالمُجازى أوِ المُحاسَبِ فَذَلِكَ هُنا قَلَقٌ، والمَمْلُوكُ يُقَلِّبُ كَيْفَ يَشاءُ المالِكَ، ومِن هَذا المِلْكِ قَوْلُ الأخْطَلِ:(p-٢١٤)
؎ رَبَتْ فَرَبّى في حِجْرِها ابْنُ مَدِينَةَ ∗∗∗ تَراهُ عَلى مِسْحاتِهِ يَتَرَكَّلُ
أرادَ: ابْنُ أُمَّةٍ مَمْلُوكَةٍ، وهو عَبْدٌ يَخْدِمُ الكَرَمَ، وقَدْ قِيلَ في مَعْنى هَذا البَيْتِ: أرادَ أكّارًا حَضَرِيًّا لِأنَّ الأعْرابَ في البادِيَةِ لا يَعْرِفُونَ الفِلاحَةَ وعَمَلَ الكَرْمِ، فَنَسَبَهُ إلى المَدِينَةِ لِما كانَ مِن أهْلِها، فَمَعْنى الآيَةِ: فَلَوْلا تَرْجِعُونَ النَفْسَ البالِغَةَ الحُلْقُومَ إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَمْلُوكِينَ ولا مَقْهُورِينَ، ودِينُ المَلِكِ حُكْمُهُ وسُلْطانُهُ، وقَدْ نَحا إلى هَذا المَعْنى الفَرّاءُ، وذَكَرَهُ مُسْتَوْعِبًا النَقّاشَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "تَرْجِعُونَها" سَدَّتْ مَسَدَّ الأجْوِبَةِ والبَياناتِ الَّتِي تَقْتَضِيها التَخْصِيصاتُ، وإذا مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَلَوْلا إذا" و"إنْ" المُتَكَرِّرَةُ، وحَمَلَ بَعْضُ القَوْلِ بَعْضًا إيجازًا واقْتِضابًا.
الواقعة 56:86
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ﴾ ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ﴿وَأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في "لا" مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ﴾ - فَقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي زائِدَةٌ، والمَعْنى: فَأُقْسِمُ، وزِيادَتُها في بَعْضِ المَواضِعِ مَعْرُوفٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، وغَيْرُ ذَلِكَ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وبَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي نافِيَةٌ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَلا صِحَّةَ لِما يَقُولُهُ الكُفّارُ، ثُمَّ (p-٢٠٩)ابْتَدَأ تَبارَكَ وتَعالى فَقالَ: "أُقْسِمُ"، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هي مُؤَكَّدَةٌ تُعْطِي في القِسْمِ مُبالِغَةً، وهي كاسْتِفْتاحِ كَلامٍ يُشْبِهُ في القَسَمِ ألّا في شائِعِ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلا وأبِي........... لا أخُونُها
المَعْنى: "فَوَأبِي"، أعْدائِها، ولِهَذا نَظائِرُ، وقَرَأ الحَسَنُ والثَقَفِيُّ: "فَلْأُ قْسِمُ" بِغَيْرِ ألْفٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: التَقْدِيرُ: فَلَأنا أُقْسِمُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "بِمَواقِعَ" عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُمْ- وأهْلُ الكُوفَةِ: حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "بِمَوْقِعٍ" عَلى الإفْرادِ، وهو مُرادٌ بِهِ الجَمْعُ، ونَظِيرُ هَذا كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]، جَمْعٌ مِن حَيْثُ لِكُلِّ حِمارٍ صَوْتٌ مُخْتَصٌّ، وأفْرَدَ مِن حَيْثُ الأصْواتُ كُلُّها نَوْعٌ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "النُجُومِ" هُنا- فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: هي نُجُومُ القُرْآنِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في لَيْلَةِ القَدْرِ إلى السَماءِ الدُنْيا- وقِيلَ: إلى البَيْتِ المَعْمُورِ - جُمْلَةً واحِدَةً، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ نُجُومًا مُقَطَّعَةً في مُدَّةٍ مِن عِشْرِينَ سَنَةً، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ عَوْدُ الضَمِيرِ عَلى القُرْآنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾، وذَلِكَ أنَّ ذِكْرَهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ومَن لا يَتَأوَّلُ هَذا التَأْوِيلَ يَقُولُ: إنَّ الضَمِيرَ يَعُودُ عَلى القُرْآنِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِشُهْرَةِ الأمْرِ ووُضُوحِ المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، و﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: النُجُومُ هُنا (p-٢١٠)الكَواكِبُ المَعْرُوفَةُ، واخْتُلِفَ في مَوْقِعِها، فَقالَ مُجاهِدٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: هي مَواقِعُها عِنْدَ غُرُوبِها وطُلُوعُها، وقالَ قَتادَةُ: مَواقِعُها هي مَواضِعُها مِنَ السَماءِ، وقِيلَ: مَواقِعُها عِنْدَ الِانْقِضاضِ إثْرَ العَفارِيتِ، وقالَ الحَسَنُ: مَواقِعُها عِنْدَ انْكِدارِ النُجُومِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ وتَنْبِيهٌ مِنَ المَقْسِمِ بِهِ، ولَيْسَ هَذا بِاعْتِراضٍ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، بَلْ هَذا مَعْنًى قُصِدَ التَهَمُّمُ بِهِ، وإنَّما الِاعْتِراضُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾، وقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" اعْتِراضٌ، وإنَّ "لَوْ تَعْلَمُونَ" اعْتِراضٌ في اعْتِراضٍ، والتَحْرِيرُ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّهُ لَقُرْآنٌ" هو الَّذِي وقَعَ القَسَمُ عَلَيْهِ، ووَصَفَهُ بِالكَرَمِ عَلى مَعْنى إثْباتِ صِفاتِ المَدْحِ لَهُ ودَفْعِ صِفاتِ الحَطِيطَةِ عنهُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ "المَكْنُونَ": المَصُونُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: أرادَ الكِتابَ الَّذِي في السَماءِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: أرادَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّهُ لِكِتابٌ كَرِيمٌ ذَكَرَ كَرَمَهُ وشَرَفَهُ في كِتابٍ مَكْنُونٍ، فَمَعْنى الآيَةِ -عَلى هَذا- الِاسْتِشْهادُ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٦]، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: أرادَ مَصاحِفَ المُسْلِمِينَ، وكانَتْ يَوْمَ نَزَلَتِ الآيَةُ لَمْ تَكُنْ، فَهي -عَلى هَذا- إخْبارٌ بِغَيْبٍ، وكَذَلِكَ هو في كِتابٍ مَصُونٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا لَفْظَةَ "المَسِّ" فَإنَّها تُشِيرُ إلى المَصاحِفِ، وهي مُسْتَعارَةٌ مِن مَسِّ المَلائِكَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ وفي حُكْمِهِ- فَقالَ بَعْضُ مَن قالَ إنَّ الكِتابَ المَكْنُونَ هو الَّذِي في السَماءِ، قالَ: المُطَهَّرُونَ هُنا: المَلائِكَةُ، قالَ قَتادَةُ: فَأمّا عِنْدَكم فَيَمَسُّهُ المُشْرِكُ المُنَجَّسُ والمُنافِقُ، قالَ الطَبَرِيُّ: المُطَهَّرُونَ: المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ ومَن لا ذَنْبَ لَهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ -عَلى هَذا القَوْلِ- حُكْمُ مَسِّ المُصْحَفِ لِسائِرِ بَنِي آدَمَ، ومَن قالَ بِأنَّها مَصاحِفُ المُسْلِمِينَ قالَ: إنَّ قَوْلُهُ تَعالى: "لا يَمَسُّهُ" إخْبارٌ مُضَمِّنُهُ النَهْيُ، وضَمَّةُ السِينِ -عَلى هَذا- ضَمَّةُ إعْرابٍ وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: الكَلامُ نَهْيٌ، وضَمَّةُ السِينِ ضَمَّةُ بِناءٍ، قالَ جَمِيعُهُمْ: فَلا يَمَسُّ المُصْحَفَ مِن بَنِي آدَمَ إلّا الطاهِرُ مِنَ الكُفْرِ والجَنابَةِ والحَدَثِ الأصْغَرِ، قالَ مالِكٌ: (p-٢١١)لا يَحْمِلُهُ غَيْرُ طاهِرٍ بِعَلاقَتِهِ ولا عَلى وِسادَةٍ، وفي كِتابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: « "وَلا يَمَسُّ القُرْآنَ إلّا الطاهِرُ"»، وقَدْ رَخَّصَ أبُو حَنِيفَةَ وقَوْمٌ بِأنْ يَمَسَّهُ الجُنُبُ والحائِضُ عَلى حائِلٍ، غُلافٌ ونَحْوُهُ، ورَخَّصَ بَعْضُ العُلَماءِ في مَسِّهِ في الحَدَثِ الأصْغَرِ وفي قِراءَتِهِ عن ظَهْرِ قَلْبٍ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ وعامِرٌ الشَعْبِيُّ، ولا سِيَّما لِلْمُعَلِّمِ والصِبْيانِ، وقَدْ رَخَّصَ بَعْضُهم لِلْجُنُبِ في قِراءَتِهِ، وهَذا التَرْخِيصُ كُلُّهُ إنَّما هو عَلى القَوْلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنْ "المُطَهَّرِينَ" هُمُ المَلائِكَةُ، أو عَلى مُراعاةِ لِفْظِ المَسِّ، فَقَدْ قالَ سَلْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ لا أمَسُّ المُصْحَفَ ولَكِنْ أقْرَأُ القُرْآنَ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ والهاءِ المُشَدَّدَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُما-: "المُطَهَّرُونَ" بِسُكُونِ الطاءِ وفَتْحِ الهاءِ خَفِيفَةً، وهي قِراءَةُ عِيسى الثَقَفِيِّ. وقَرَأ سَلْمانُ الفارِسِيُّ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ خَفِيفَةً وكَسْرِ الهاءِ وشَدِّها، عَلى مَعْنى الَّذِينَ يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهُمْ، ورُوِيَتْ عنهُ بِشَدِّ الطاءِ والهاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ -بِخِلافٍ عنهُ-: "المُطَهَّرُونَ" بِمَعْنى: المُتَطَهِّرِينَ، والقَوْلُ بِأنَّ "لا يَمَسُّهُ" نَهْيٌ، قَوْلٌ فِيهِ ضَعْفٌ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا كانَ خَبَرًا فَهو في مَوْضِعِ الصِفَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: "تَنْزِيلٌ" صِفَةٌ أيْضًا، فَإذْ جَعَلْناهُ نَهْيًا جاءَ مَعْنًى أجْنَبِيًّا مُعْتَرِضًا بَيْنَ الصِفاتِ، وذَلِكَ لا يَحْسُنُ في رَصْفِ الكَلامِ فَتُدَبِّرُهُ، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ما يَمَسُّهُ" وهَذا يُقَوِّي ما رَجَّحْتُهُ مِنَ الخَبَرِ الَّذِي مَعْناهُ: حَقُّهُ وقَدْرُهُ أنْ ألّا يَمَسَّهُ إلّا طاهِرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ، و"الحَدِيثِ" المُشارِ إلَيْهِ هو القُرْآنُ المُتَضَمِّنُ البَعْثَ، وإنَّ اللهَ تَعالى هو خالِقُ الكُلِّ، وإنَّ ابْنَ آدَمَ مَصَرَّفٌ بِقَدَرِهِ وقَضائِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، و"مُدْهِنُونَ" مَعْناهُ: يُلايِنُ بَعْضُكم بَعْضًا ويَتْبَعُهُ في الكُفْرِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الدُهْنِ لِلِينِهِ وإمْلاسِهِ، وقالَ أبُو قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ:
؎ الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ الـ ∗∗∗ إدْهانِ والفَهَّةِ والهاعِ
(p-٢١٢)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو المُهاوَدَةُ فِيما لا يَحِلُّ، والمُداراةُ هي المُهاوَدَةُ فِيما يَحِلُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مُدْهِنُونَ": مُكَذِّبُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾، أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الآيَةَ تَوْبِيخٌ لِلْقائِلِينَ في المَطَرِ الَّذِي نَزَّلَهُ اللهُ تَعالى رِزْقًا لِلْعِبادِ: هَذا بِنَوْءِ كَذا وكَذا وهَذا بِنَوْءِ الأسَدِ، وهَذا بِنَوْءِ الجَوْزاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمَعْنى: وتَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكُمْ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: جَعَلْتَ يا فُلانُ إحْسانِي إلَيْكَ أنْ سَبَبْتَنِي، فالمَعْنى: جَعَلْتُ شَكَرَ إحْسانِي، وحَكى الهَيْثَمُ بْنُ عُدَيٍّ أنَّ مِن لُغَةِ أزِدْ شَنُوءَةَ: ما رِزْقُ فُلانٍ؟ بِمَعْنى: ما شُكْرُهُ؟ وكانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقْرَؤُها: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكم أنَّكم تَكْذِبُونَ"، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ إلّا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ضَمَّ التاءِ وفَتَحَ الكافَ، وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَتَحَ التاءَ وسَكَّنَ الكافَ وخَفَّفَ الذالَ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وكانَ شُكْرُ القَوْمِ عِنْدَ المِنَنِ ∗∗∗ كَيُّ الصَحِيحاتِ وفَقْءُ الأعْيُنِ
وقَدْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْشَأ بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ، والنَخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبادِ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾، أيْ: بِهَذا الخَبَرِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ المُفَضَّلِ عنهُ: "تُكَذِّبُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُونِ الكافِ وتَخْفِيفِ الذالِ كَقِراءَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكَذِبُهم في مَقالِهِمْ بَيِّنٌ (p-٢١٣)لِأنَّهم يَقُولُونَ: هَذا بِنَوْءِ كَذا، وذَلِكَ كَذِبٌ مِنهم وتَخَرُّصٌ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: مُطِرْنا بِبَعْضِ عُثانَيْنِ الأسَدِ، فَقالَ لَهُ: "كَذَبْتَ بَلْ هو رِزْقُ اللهِ"،» والمَنهِيُّ عنهُ المَكْرُوهُ هو أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ لِلطّالِعِ مِنَ النُجُومِ تَأْثِيرًا في المَطَرِ، وأمّا مُراعاةُ بَعْضِ الطَوالِعِ عَلى مُقْتَضى العادَةِ فَقَدْ قالَ عُمَرُ لِلْعَبّاسِ رَضِيَ اللهُ عنهُما وهُما في الِاسْتِسْقاءِ: يا عَبّاسُ، يا عَمَّ النَبِيِّ ﷺ: كَمْ بَقِيَ مِن نَوْءِ الثُرَيّا؟ فَقالَ العَبّاسُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: العُلَماءُ يَقُولُونَ إنَّها تَعْتَرِضُ الأُفُقَ بَعْدَ سُقُوطِها سَبْعًا، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: فَما مَضَتْ سَبْعٌ حَتّى مُطِرُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى مَوْضِعِ عَجْزٍ يَقْتَضِي النَظَرُ فِيهِ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، والضَمِيرُ في "بَلَغَتِ الحُلْقُومَ" لِنَفْسِ الإنْسانِ، والمَعْنى يَقْتَضِيها وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ، "والحُلْقُومَ" مَجْرى الطَعامِ، وهَذِهِ الحالُ هي نِزاعُ المَرْءِ لِلْمَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْتُمْ" إشارَةٌ إلى جَمِيعِ البَشَرِ، وهَذا مِنَ الِاقْتِضابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "حِينَئِذٍ" بِكَسْرِ النُونِ، و"تَنْظُرُونَ" مَعْناهُ: إلى المُنازِعِ في المَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَلائِكَتَهُ ورُسُلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِقُدْرَتِنا وغَلَبَتِنا، فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ مِنَ النَظَرِ بِالعَيْنِ، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي يَجِيءُ مِنَ النَظَرِ بِالقَلْبِ. وقالَ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ: ما نَظَرْتُ إلى شَيْءٍ إلّا رَأيْتُ اللهَ تَعالى أقْرَبَ إلَيْهِ مِنِّي.
ثُمَّ عادَ التَوْقِيفُ والتَقْرِيرُ ثانِيَةً بِلَفْظِ التَحْضِيضِ، و"المَدِينُ": المَمْلُوكُ، هَذا أصَحُّ ما يُقالُ في مَعْنى اللَفْظَةِ هُنا، ومَن عَبَّرَ عنها بِالمُجازى أوِ المُحاسَبِ فَذَلِكَ هُنا قَلَقٌ، والمَمْلُوكُ يُقَلِّبُ كَيْفَ يَشاءُ المالِكَ، ومِن هَذا المِلْكِ قَوْلُ الأخْطَلِ:(p-٢١٤)
؎ رَبَتْ فَرَبّى في حِجْرِها ابْنُ مَدِينَةَ ∗∗∗ تَراهُ عَلى مِسْحاتِهِ يَتَرَكَّلُ
أرادَ: ابْنُ أُمَّةٍ مَمْلُوكَةٍ، وهو عَبْدٌ يَخْدِمُ الكَرَمَ، وقَدْ قِيلَ في مَعْنى هَذا البَيْتِ: أرادَ أكّارًا حَضَرِيًّا لِأنَّ الأعْرابَ في البادِيَةِ لا يَعْرِفُونَ الفِلاحَةَ وعَمَلَ الكَرْمِ، فَنَسَبَهُ إلى المَدِينَةِ لِما كانَ مِن أهْلِها، فَمَعْنى الآيَةِ: فَلَوْلا تَرْجِعُونَ النَفْسَ البالِغَةَ الحُلْقُومَ إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَمْلُوكِينَ ولا مَقْهُورِينَ، ودِينُ المَلِكِ حُكْمُهُ وسُلْطانُهُ، وقَدْ نَحا إلى هَذا المَعْنى الفَرّاءُ، وذَكَرَهُ مُسْتَوْعِبًا النَقّاشَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "تَرْجِعُونَها" سَدَّتْ مَسَدَّ الأجْوِبَةِ والبَياناتِ الَّتِي تَقْتَضِيها التَخْصِيصاتُ، وإذا مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَلَوْلا إذا" و"إنْ" المُتَكَرِّرَةُ، وحَمَلَ بَعْضُ القَوْلِ بَعْضًا إيجازًا واقْتِضابًا.
الواقعة 56:87
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ﴾ ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ﴿وَأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في "لا" مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ﴾ - فَقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي زائِدَةٌ، والمَعْنى: فَأُقْسِمُ، وزِيادَتُها في بَعْضِ المَواضِعِ مَعْرُوفٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، وغَيْرُ ذَلِكَ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وبَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي نافِيَةٌ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَلا صِحَّةَ لِما يَقُولُهُ الكُفّارُ، ثُمَّ (p-٢٠٩)ابْتَدَأ تَبارَكَ وتَعالى فَقالَ: "أُقْسِمُ"، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هي مُؤَكَّدَةٌ تُعْطِي في القِسْمِ مُبالِغَةً، وهي كاسْتِفْتاحِ كَلامٍ يُشْبِهُ في القَسَمِ ألّا في شائِعِ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلا وأبِي........... لا أخُونُها
المَعْنى: "فَوَأبِي"، أعْدائِها، ولِهَذا نَظائِرُ، وقَرَأ الحَسَنُ والثَقَفِيُّ: "فَلْأُ قْسِمُ" بِغَيْرِ ألْفٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: التَقْدِيرُ: فَلَأنا أُقْسِمُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "بِمَواقِعَ" عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُمْ- وأهْلُ الكُوفَةِ: حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "بِمَوْقِعٍ" عَلى الإفْرادِ، وهو مُرادٌ بِهِ الجَمْعُ، ونَظِيرُ هَذا كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]، جَمْعٌ مِن حَيْثُ لِكُلِّ حِمارٍ صَوْتٌ مُخْتَصٌّ، وأفْرَدَ مِن حَيْثُ الأصْواتُ كُلُّها نَوْعٌ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "النُجُومِ" هُنا- فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: هي نُجُومُ القُرْآنِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في لَيْلَةِ القَدْرِ إلى السَماءِ الدُنْيا- وقِيلَ: إلى البَيْتِ المَعْمُورِ - جُمْلَةً واحِدَةً، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ نُجُومًا مُقَطَّعَةً في مُدَّةٍ مِن عِشْرِينَ سَنَةً، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ عَوْدُ الضَمِيرِ عَلى القُرْآنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾، وذَلِكَ أنَّ ذِكْرَهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ومَن لا يَتَأوَّلُ هَذا التَأْوِيلَ يَقُولُ: إنَّ الضَمِيرَ يَعُودُ عَلى القُرْآنِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِشُهْرَةِ الأمْرِ ووُضُوحِ المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، و﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: النُجُومُ هُنا (p-٢١٠)الكَواكِبُ المَعْرُوفَةُ، واخْتُلِفَ في مَوْقِعِها، فَقالَ مُجاهِدٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: هي مَواقِعُها عِنْدَ غُرُوبِها وطُلُوعُها، وقالَ قَتادَةُ: مَواقِعُها هي مَواضِعُها مِنَ السَماءِ، وقِيلَ: مَواقِعُها عِنْدَ الِانْقِضاضِ إثْرَ العَفارِيتِ، وقالَ الحَسَنُ: مَواقِعُها عِنْدَ انْكِدارِ النُجُومِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ وتَنْبِيهٌ مِنَ المَقْسِمِ بِهِ، ولَيْسَ هَذا بِاعْتِراضٍ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، بَلْ هَذا مَعْنًى قُصِدَ التَهَمُّمُ بِهِ، وإنَّما الِاعْتِراضُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾، وقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" اعْتِراضٌ، وإنَّ "لَوْ تَعْلَمُونَ" اعْتِراضٌ في اعْتِراضٍ، والتَحْرِيرُ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّهُ لَقُرْآنٌ" هو الَّذِي وقَعَ القَسَمُ عَلَيْهِ، ووَصَفَهُ بِالكَرَمِ عَلى مَعْنى إثْباتِ صِفاتِ المَدْحِ لَهُ ودَفْعِ صِفاتِ الحَطِيطَةِ عنهُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ "المَكْنُونَ": المَصُونُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: أرادَ الكِتابَ الَّذِي في السَماءِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: أرادَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّهُ لِكِتابٌ كَرِيمٌ ذَكَرَ كَرَمَهُ وشَرَفَهُ في كِتابٍ مَكْنُونٍ، فَمَعْنى الآيَةِ -عَلى هَذا- الِاسْتِشْهادُ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٦]، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: أرادَ مَصاحِفَ المُسْلِمِينَ، وكانَتْ يَوْمَ نَزَلَتِ الآيَةُ لَمْ تَكُنْ، فَهي -عَلى هَذا- إخْبارٌ بِغَيْبٍ، وكَذَلِكَ هو في كِتابٍ مَصُونٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا لَفْظَةَ "المَسِّ" فَإنَّها تُشِيرُ إلى المَصاحِفِ، وهي مُسْتَعارَةٌ مِن مَسِّ المَلائِكَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ وفي حُكْمِهِ- فَقالَ بَعْضُ مَن قالَ إنَّ الكِتابَ المَكْنُونَ هو الَّذِي في السَماءِ، قالَ: المُطَهَّرُونَ هُنا: المَلائِكَةُ، قالَ قَتادَةُ: فَأمّا عِنْدَكم فَيَمَسُّهُ المُشْرِكُ المُنَجَّسُ والمُنافِقُ، قالَ الطَبَرِيُّ: المُطَهَّرُونَ: المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ ومَن لا ذَنْبَ لَهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ -عَلى هَذا القَوْلِ- حُكْمُ مَسِّ المُصْحَفِ لِسائِرِ بَنِي آدَمَ، ومَن قالَ بِأنَّها مَصاحِفُ المُسْلِمِينَ قالَ: إنَّ قَوْلُهُ تَعالى: "لا يَمَسُّهُ" إخْبارٌ مُضَمِّنُهُ النَهْيُ، وضَمَّةُ السِينِ -عَلى هَذا- ضَمَّةُ إعْرابٍ وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: الكَلامُ نَهْيٌ، وضَمَّةُ السِينِ ضَمَّةُ بِناءٍ، قالَ جَمِيعُهُمْ: فَلا يَمَسُّ المُصْحَفَ مِن بَنِي آدَمَ إلّا الطاهِرُ مِنَ الكُفْرِ والجَنابَةِ والحَدَثِ الأصْغَرِ، قالَ مالِكٌ: (p-٢١١)لا يَحْمِلُهُ غَيْرُ طاهِرٍ بِعَلاقَتِهِ ولا عَلى وِسادَةٍ، وفي كِتابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: « "وَلا يَمَسُّ القُرْآنَ إلّا الطاهِرُ"»، وقَدْ رَخَّصَ أبُو حَنِيفَةَ وقَوْمٌ بِأنْ يَمَسَّهُ الجُنُبُ والحائِضُ عَلى حائِلٍ، غُلافٌ ونَحْوُهُ، ورَخَّصَ بَعْضُ العُلَماءِ في مَسِّهِ في الحَدَثِ الأصْغَرِ وفي قِراءَتِهِ عن ظَهْرِ قَلْبٍ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ وعامِرٌ الشَعْبِيُّ، ولا سِيَّما لِلْمُعَلِّمِ والصِبْيانِ، وقَدْ رَخَّصَ بَعْضُهم لِلْجُنُبِ في قِراءَتِهِ، وهَذا التَرْخِيصُ كُلُّهُ إنَّما هو عَلى القَوْلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنْ "المُطَهَّرِينَ" هُمُ المَلائِكَةُ، أو عَلى مُراعاةِ لِفْظِ المَسِّ، فَقَدْ قالَ سَلْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ لا أمَسُّ المُصْحَفَ ولَكِنْ أقْرَأُ القُرْآنَ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ والهاءِ المُشَدَّدَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُما-: "المُطَهَّرُونَ" بِسُكُونِ الطاءِ وفَتْحِ الهاءِ خَفِيفَةً، وهي قِراءَةُ عِيسى الثَقَفِيِّ. وقَرَأ سَلْمانُ الفارِسِيُّ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ خَفِيفَةً وكَسْرِ الهاءِ وشَدِّها، عَلى مَعْنى الَّذِينَ يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهُمْ، ورُوِيَتْ عنهُ بِشَدِّ الطاءِ والهاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ -بِخِلافٍ عنهُ-: "المُطَهَّرُونَ" بِمَعْنى: المُتَطَهِّرِينَ، والقَوْلُ بِأنَّ "لا يَمَسُّهُ" نَهْيٌ، قَوْلٌ فِيهِ ضَعْفٌ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا كانَ خَبَرًا فَهو في مَوْضِعِ الصِفَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: "تَنْزِيلٌ" صِفَةٌ أيْضًا، فَإذْ جَعَلْناهُ نَهْيًا جاءَ مَعْنًى أجْنَبِيًّا مُعْتَرِضًا بَيْنَ الصِفاتِ، وذَلِكَ لا يَحْسُنُ في رَصْفِ الكَلامِ فَتُدَبِّرُهُ، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ما يَمَسُّهُ" وهَذا يُقَوِّي ما رَجَّحْتُهُ مِنَ الخَبَرِ الَّذِي مَعْناهُ: حَقُّهُ وقَدْرُهُ أنْ ألّا يَمَسَّهُ إلّا طاهِرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ، و"الحَدِيثِ" المُشارِ إلَيْهِ هو القُرْآنُ المُتَضَمِّنُ البَعْثَ، وإنَّ اللهَ تَعالى هو خالِقُ الكُلِّ، وإنَّ ابْنَ آدَمَ مَصَرَّفٌ بِقَدَرِهِ وقَضائِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، و"مُدْهِنُونَ" مَعْناهُ: يُلايِنُ بَعْضُكم بَعْضًا ويَتْبَعُهُ في الكُفْرِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الدُهْنِ لِلِينِهِ وإمْلاسِهِ، وقالَ أبُو قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ:
؎ الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ الـ ∗∗∗ إدْهانِ والفَهَّةِ والهاعِ
(p-٢١٢)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو المُهاوَدَةُ فِيما لا يَحِلُّ، والمُداراةُ هي المُهاوَدَةُ فِيما يَحِلُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مُدْهِنُونَ": مُكَذِّبُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾، أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الآيَةَ تَوْبِيخٌ لِلْقائِلِينَ في المَطَرِ الَّذِي نَزَّلَهُ اللهُ تَعالى رِزْقًا لِلْعِبادِ: هَذا بِنَوْءِ كَذا وكَذا وهَذا بِنَوْءِ الأسَدِ، وهَذا بِنَوْءِ الجَوْزاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمَعْنى: وتَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكُمْ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: جَعَلْتَ يا فُلانُ إحْسانِي إلَيْكَ أنْ سَبَبْتَنِي، فالمَعْنى: جَعَلْتُ شَكَرَ إحْسانِي، وحَكى الهَيْثَمُ بْنُ عُدَيٍّ أنَّ مِن لُغَةِ أزِدْ شَنُوءَةَ: ما رِزْقُ فُلانٍ؟ بِمَعْنى: ما شُكْرُهُ؟ وكانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقْرَؤُها: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكم أنَّكم تَكْذِبُونَ"، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ إلّا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ضَمَّ التاءِ وفَتَحَ الكافَ، وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَتَحَ التاءَ وسَكَّنَ الكافَ وخَفَّفَ الذالَ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وكانَ شُكْرُ القَوْمِ عِنْدَ المِنَنِ ∗∗∗ كَيُّ الصَحِيحاتِ وفَقْءُ الأعْيُنِ
وقَدْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْشَأ بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ، والنَخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبادِ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾، أيْ: بِهَذا الخَبَرِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ المُفَضَّلِ عنهُ: "تُكَذِّبُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُونِ الكافِ وتَخْفِيفِ الذالِ كَقِراءَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكَذِبُهم في مَقالِهِمْ بَيِّنٌ (p-٢١٣)لِأنَّهم يَقُولُونَ: هَذا بِنَوْءِ كَذا، وذَلِكَ كَذِبٌ مِنهم وتَخَرُّصٌ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: مُطِرْنا بِبَعْضِ عُثانَيْنِ الأسَدِ، فَقالَ لَهُ: "كَذَبْتَ بَلْ هو رِزْقُ اللهِ"،» والمَنهِيُّ عنهُ المَكْرُوهُ هو أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ لِلطّالِعِ مِنَ النُجُومِ تَأْثِيرًا في المَطَرِ، وأمّا مُراعاةُ بَعْضِ الطَوالِعِ عَلى مُقْتَضى العادَةِ فَقَدْ قالَ عُمَرُ لِلْعَبّاسِ رَضِيَ اللهُ عنهُما وهُما في الِاسْتِسْقاءِ: يا عَبّاسُ، يا عَمَّ النَبِيِّ ﷺ: كَمْ بَقِيَ مِن نَوْءِ الثُرَيّا؟ فَقالَ العَبّاسُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: العُلَماءُ يَقُولُونَ إنَّها تَعْتَرِضُ الأُفُقَ بَعْدَ سُقُوطِها سَبْعًا، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: فَما مَضَتْ سَبْعٌ حَتّى مُطِرُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى مَوْضِعِ عَجْزٍ يَقْتَضِي النَظَرُ فِيهِ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، والضَمِيرُ في "بَلَغَتِ الحُلْقُومَ" لِنَفْسِ الإنْسانِ، والمَعْنى يَقْتَضِيها وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ، "والحُلْقُومَ" مَجْرى الطَعامِ، وهَذِهِ الحالُ هي نِزاعُ المَرْءِ لِلْمَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْتُمْ" إشارَةٌ إلى جَمِيعِ البَشَرِ، وهَذا مِنَ الِاقْتِضابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "حِينَئِذٍ" بِكَسْرِ النُونِ، و"تَنْظُرُونَ" مَعْناهُ: إلى المُنازِعِ في المَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَلائِكَتَهُ ورُسُلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِقُدْرَتِنا وغَلَبَتِنا، فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ مِنَ النَظَرِ بِالعَيْنِ، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي يَجِيءُ مِنَ النَظَرِ بِالقَلْبِ. وقالَ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ: ما نَظَرْتُ إلى شَيْءٍ إلّا رَأيْتُ اللهَ تَعالى أقْرَبَ إلَيْهِ مِنِّي.
ثُمَّ عادَ التَوْقِيفُ والتَقْرِيرُ ثانِيَةً بِلَفْظِ التَحْضِيضِ، و"المَدِينُ": المَمْلُوكُ، هَذا أصَحُّ ما يُقالُ في مَعْنى اللَفْظَةِ هُنا، ومَن عَبَّرَ عنها بِالمُجازى أوِ المُحاسَبِ فَذَلِكَ هُنا قَلَقٌ، والمَمْلُوكُ يُقَلِّبُ كَيْفَ يَشاءُ المالِكَ، ومِن هَذا المِلْكِ قَوْلُ الأخْطَلِ:(p-٢١٤)
؎ رَبَتْ فَرَبّى في حِجْرِها ابْنُ مَدِينَةَ ∗∗∗ تَراهُ عَلى مِسْحاتِهِ يَتَرَكَّلُ
أرادَ: ابْنُ أُمَّةٍ مَمْلُوكَةٍ، وهو عَبْدٌ يَخْدِمُ الكَرَمَ، وقَدْ قِيلَ في مَعْنى هَذا البَيْتِ: أرادَ أكّارًا حَضَرِيًّا لِأنَّ الأعْرابَ في البادِيَةِ لا يَعْرِفُونَ الفِلاحَةَ وعَمَلَ الكَرْمِ، فَنَسَبَهُ إلى المَدِينَةِ لِما كانَ مِن أهْلِها، فَمَعْنى الآيَةِ: فَلَوْلا تَرْجِعُونَ النَفْسَ البالِغَةَ الحُلْقُومَ إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَمْلُوكِينَ ولا مَقْهُورِينَ، ودِينُ المَلِكِ حُكْمُهُ وسُلْطانُهُ، وقَدْ نَحا إلى هَذا المَعْنى الفَرّاءُ، وذَكَرَهُ مُسْتَوْعِبًا النَقّاشَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "تَرْجِعُونَها" سَدَّتْ مَسَدَّ الأجْوِبَةِ والبَياناتِ الَّتِي تَقْتَضِيها التَخْصِيصاتُ، وإذا مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَلَوْلا إذا" و"إنْ" المُتَكَرِّرَةُ، وحَمَلَ بَعْضُ القَوْلِ بَعْضًا إيجازًا واقْتِضابًا.
الواقعة 56:88
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾
ذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ حالَ الأزْواجِ الثَلاثَةِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ السُورَةِ، وحالَ كُلِّ امْرِئٍ مِنهُمْ، فَأمّا المَرْءُ مِنَ السابِقِينَ المُقَرَّبِينَ فَسَيَلْقى عِنْدَ مَوْتِهِ رُوحًا ورَيْحانًا، و"الرُوحُ": الرَحْمَةُ والسِعَةُ والفَرَجُ والفَرَحُ، ومِنهُ: رَوْحُ اللهِ، و"الرَيْحانُ": الطَيِّبُ، وهو دَلِيلُ النَعِيمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الرَيْحانُ: الرِزْقُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ: الرَيْحانُ هو الشَجَرُ المَعْرُوفُ في الدُنْيا، يَلْقى المُقَرَّبُ رَيْحانًا مِنَ الجَنَّةِ، (p-٢١٥)وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ: "فَرُوِّحْ" بِضَمِّ الراءِ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: رُوحُهُ يَخْرُجُ في رَيْحانِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: الرَيْحانُ: الِاسْتِراحَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
الرَيْحانُ ما تَنْبَسِطُ إلَيْهِ النُفُوسُ، وقالَ الخَلِيلُ: هو طَرَفُ كُلٍّ بِقِلَّةٍ طَيِّبَةٍ فِيها أوائِلُ النُورِ، وقَدْ «قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الحَسَنِ والحُسَيْنِ رَضِيَ الله تَعالى عنهُما: "هُما رَيْحانَتايْ مِنَ الدُنْيا"،» وقالَ النَمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:
؎ سَلامُ الإلَهِ ورَيْحانُهُ ورَحْمَتُهُ وسَماءٌ دِرَرْ
وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ: "فَرُوِّحْ" بِضَمِّ الراءِ.»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ عِبارَةٌ تَقْتَضِي جُمْلَةَ مَدْحٍ، وصِفَةَ تَخَلُّصٍ وحَصُولًا في عالٍ مِنَ المَراتِبِ، والمَعْنى لَيْسَ في أمْرِهِمْ إلّا السَلامُ والنَجاةُ مِنَ العَذابِ، وهَذا كَما تَقُولُ في مَدْحِ رَجُلٍ: أما فُلانٌ فَناهِيكَ بِهِ، أو بِحَسْبِكَ أمْرُهُ، فَهَذا يَقْتَضِي جُمْلَةً غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ مِن مَدْحِهِ، وقَدِ اضْطَرَبَتْ عِباراتُ المُتَأوِّلِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ فَقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: فَيُقالُ لَهُ: " مُسَلَّمٌ لَكَ إَنَّكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ"، وقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: فَسَلامٌ لَكَ أنْتَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ، أيْ: لا تَرى فِيهِمْ إلّا السَلامَةَ مِنَ العَذابِ، فَهَذِهِ الكافُ في "ذَلِكَ" إمّا أنْ تَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ -وَهُوَ الأظْهَرُ- ثُمَّ لِكُلِّ مُعْتَبَرٍ فِيها مَن أُمَّتِهِ، وإمّا أنْ تَكُونَ لِمَن يُخاطِبُهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وغَيْرِ هَذا مِمّا قِيلَ فِيهِ تَكَلُّفٌ.
و"المُكَذِّبُونَ الضالُّونَ" هُمُ الكُفّارُ أصْحابُ الشِمالِ والمَشْأمَةِ، و"النُزُلُ": أوَّلُ شَيْءٍ يُقَدَّمُ لِلضَّيْفِ، و"التَصْلِيَةُ" أنْ تُباشِرَ بِهِمُ النارُ، و"الجَحِيمُ" مُعْظَمُ النارِ وحَيْثُ تَراكُمُها. ولَمّا كَمُلَ تَقْسِيمُ أحْوالِهِمْ وانْقَضى الخَبَرُ بِذَلِكَ أكَّدَ تَعالى الإخْبارَ بِأنْ قالَ لِنَبِيِّهِ (p-٢١٦)مُحَمَّدٍ ﷺ مُخاطَبَةً تُدْخِلُ مَعَهُ أُمَّتُهُ فِيها: إنَّ هَذا الَّذِي أخْبَرْتُكَ بِهِ لَهو حَقُّ اليَقِينِ، وإضافَةُ الحَقِّ إلى اليَقِينِ عِبارَةٌ فِيها مُبالَغَةٌ لِأنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، فَذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّهُ مِن بابِ "دارِ الآخِرَةِ" و"مَسْجِدِ الجامِعِ"، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مَنِ الحُذّاقِ إلى أنَّهُ كَما تَقُولُ في أمْرٍ تُؤَكِّدُهُ: هَذا يَقِينُ اليَقِينِ أو صَوابُ الصَوابِ، بِمَعْنى أنَّهُ نِهايَةُ الصَوابِ، وهَذا أحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّ "دارَ الآخِرَةِ" وما أشْبَهَها يُحْتَمَلُ أنْ تُقَدِّرَ شَيْئًا أضْفَتِ الدارُ إلَيْهِ ووَصَفَتْهُ بِالآخِرَةِ ثُمَّ حَذَفَتْهُ وأقَمْتَ الصِفَةَ مَقامَهُ، كَأنَّكَ قُلْتَ: "دارُ الرَجْعَةِ الآخِرَةِ"، أو دارُ النَشْأةِ الآخِرَةِ"، أو "الحَلْقَةُ الآخِرَهُ"، وهُنا لا يَتَّجِهُ هَذا، وإنَّما هي عِبارَةٌ مُبالَغَةٌ وتَأْكِيدُ مَعْناها أنَّ هَذا الخَبَرَ هو نَفْسُ اليَقِينِ وحَقِيقَتُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ عِبارَةٌ تَقْتَضِي الأمْرَ بِالإعْراضِ عن أقْوالِ الكَفَرَةِ وسائِرِ أُمُورِ الدُنْيا المُخْتَصَّةِ بِها، والإقْبالِ عَلى أُمُورِ الآخِرَةِ، وعِبادَةِ اللهِ تَعالى والدُعاءِ إلَيْهِ، ورَوى عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ قالَ النَبِيُّ ﷺ: "اجْعَلُوها في رُكُوعِكُمْ"، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] قالَ: "اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ"،» ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: سَبَّحَ لِلَّهِ تَعالى بِذِكْرِ أسْمائِهِ العُلى، و"الِاسْمُ" هُنا بِمَعْنى الجِنْسِ، أيْ: بِأسْماءِ رَبِّكَ، و"العَظِيمِ" صِفَةٌ لَهُ، فَكَأنَّهُ أمَرَهُ أنْ يُسَبِّحَهُ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ وإنْ كانَ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا ويُشِيرُ إلَيْهِ إيصالُ سُورَةِ الحَدِيدِ وأوَّلُها فِيهِ التَسْبِيحُ وجُمْلَةٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَعالى، وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "اسْمُ اللهِ الأعْظَمُ مَوْجُودٌ في سِتِّ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الحَدِيدِ"، فَتَأمَّلْ هَذا فَإنَّهُ مِن دَقِيقِ النَظَرِ، ولِلَّهِ تَعالى في كِتابِهِ العَزِيزِ غَوامِضُ لا تَكادُ الأذْهانُ تُدْرِكُها.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الواقِعَةِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الواقعة 56:89
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾
ذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ حالَ الأزْواجِ الثَلاثَةِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ السُورَةِ، وحالَ كُلِّ امْرِئٍ مِنهُمْ، فَأمّا المَرْءُ مِنَ السابِقِينَ المُقَرَّبِينَ فَسَيَلْقى عِنْدَ مَوْتِهِ رُوحًا ورَيْحانًا، و"الرُوحُ": الرَحْمَةُ والسِعَةُ والفَرَجُ والفَرَحُ، ومِنهُ: رَوْحُ اللهِ، و"الرَيْحانُ": الطَيِّبُ، وهو دَلِيلُ النَعِيمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الرَيْحانُ: الرِزْقُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ: الرَيْحانُ هو الشَجَرُ المَعْرُوفُ في الدُنْيا، يَلْقى المُقَرَّبُ رَيْحانًا مِنَ الجَنَّةِ، (p-٢١٥)وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ: "فَرُوِّحْ" بِضَمِّ الراءِ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: رُوحُهُ يَخْرُجُ في رَيْحانِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: الرَيْحانُ: الِاسْتِراحَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
الرَيْحانُ ما تَنْبَسِطُ إلَيْهِ النُفُوسُ، وقالَ الخَلِيلُ: هو طَرَفُ كُلٍّ بِقِلَّةٍ طَيِّبَةٍ فِيها أوائِلُ النُورِ، وقَدْ «قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الحَسَنِ والحُسَيْنِ رَضِيَ الله تَعالى عنهُما: "هُما رَيْحانَتايْ مِنَ الدُنْيا"،» وقالَ النَمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:
؎ سَلامُ الإلَهِ ورَيْحانُهُ ورَحْمَتُهُ وسَماءٌ دِرَرْ
وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ: "فَرُوِّحْ" بِضَمِّ الراءِ.»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ عِبارَةٌ تَقْتَضِي جُمْلَةَ مَدْحٍ، وصِفَةَ تَخَلُّصٍ وحَصُولًا في عالٍ مِنَ المَراتِبِ، والمَعْنى لَيْسَ في أمْرِهِمْ إلّا السَلامُ والنَجاةُ مِنَ العَذابِ، وهَذا كَما تَقُولُ في مَدْحِ رَجُلٍ: أما فُلانٌ فَناهِيكَ بِهِ، أو بِحَسْبِكَ أمْرُهُ، فَهَذا يَقْتَضِي جُمْلَةً غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ مِن مَدْحِهِ، وقَدِ اضْطَرَبَتْ عِباراتُ المُتَأوِّلِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ فَقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: فَيُقالُ لَهُ: " مُسَلَّمٌ لَكَ إَنَّكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ"، وقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: فَسَلامٌ لَكَ أنْتَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ، أيْ: لا تَرى فِيهِمْ إلّا السَلامَةَ مِنَ العَذابِ، فَهَذِهِ الكافُ في "ذَلِكَ" إمّا أنْ تَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ -وَهُوَ الأظْهَرُ- ثُمَّ لِكُلِّ مُعْتَبَرٍ فِيها مَن أُمَّتِهِ، وإمّا أنْ تَكُونَ لِمَن يُخاطِبُهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وغَيْرِ هَذا مِمّا قِيلَ فِيهِ تَكَلُّفٌ.
و"المُكَذِّبُونَ الضالُّونَ" هُمُ الكُفّارُ أصْحابُ الشِمالِ والمَشْأمَةِ، و"النُزُلُ": أوَّلُ شَيْءٍ يُقَدَّمُ لِلضَّيْفِ، و"التَصْلِيَةُ" أنْ تُباشِرَ بِهِمُ النارُ، و"الجَحِيمُ" مُعْظَمُ النارِ وحَيْثُ تَراكُمُها. ولَمّا كَمُلَ تَقْسِيمُ أحْوالِهِمْ وانْقَضى الخَبَرُ بِذَلِكَ أكَّدَ تَعالى الإخْبارَ بِأنْ قالَ لِنَبِيِّهِ (p-٢١٦)مُحَمَّدٍ ﷺ مُخاطَبَةً تُدْخِلُ مَعَهُ أُمَّتُهُ فِيها: إنَّ هَذا الَّذِي أخْبَرْتُكَ بِهِ لَهو حَقُّ اليَقِينِ، وإضافَةُ الحَقِّ إلى اليَقِينِ عِبارَةٌ فِيها مُبالَغَةٌ لِأنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، فَذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّهُ مِن بابِ "دارِ الآخِرَةِ" و"مَسْجِدِ الجامِعِ"، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مَنِ الحُذّاقِ إلى أنَّهُ كَما تَقُولُ في أمْرٍ تُؤَكِّدُهُ: هَذا يَقِينُ اليَقِينِ أو صَوابُ الصَوابِ، بِمَعْنى أنَّهُ نِهايَةُ الصَوابِ، وهَذا أحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّ "دارَ الآخِرَةِ" وما أشْبَهَها يُحْتَمَلُ أنْ تُقَدِّرَ شَيْئًا أضْفَتِ الدارُ إلَيْهِ ووَصَفَتْهُ بِالآخِرَةِ ثُمَّ حَذَفَتْهُ وأقَمْتَ الصِفَةَ مَقامَهُ، كَأنَّكَ قُلْتَ: "دارُ الرَجْعَةِ الآخِرَةِ"، أو دارُ النَشْأةِ الآخِرَةِ"، أو "الحَلْقَةُ الآخِرَهُ"، وهُنا لا يَتَّجِهُ هَذا، وإنَّما هي عِبارَةٌ مُبالَغَةٌ وتَأْكِيدُ مَعْناها أنَّ هَذا الخَبَرَ هو نَفْسُ اليَقِينِ وحَقِيقَتُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ عِبارَةٌ تَقْتَضِي الأمْرَ بِالإعْراضِ عن أقْوالِ الكَفَرَةِ وسائِرِ أُمُورِ الدُنْيا المُخْتَصَّةِ بِها، والإقْبالِ عَلى أُمُورِ الآخِرَةِ، وعِبادَةِ اللهِ تَعالى والدُعاءِ إلَيْهِ، ورَوى عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ قالَ النَبِيُّ ﷺ: "اجْعَلُوها في رُكُوعِكُمْ"، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] قالَ: "اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ"،» ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: سَبَّحَ لِلَّهِ تَعالى بِذِكْرِ أسْمائِهِ العُلى، و"الِاسْمُ" هُنا بِمَعْنى الجِنْسِ، أيْ: بِأسْماءِ رَبِّكَ، و"العَظِيمِ" صِفَةٌ لَهُ، فَكَأنَّهُ أمَرَهُ أنْ يُسَبِّحَهُ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ وإنْ كانَ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا ويُشِيرُ إلَيْهِ إيصالُ سُورَةِ الحَدِيدِ وأوَّلُها فِيهِ التَسْبِيحُ وجُمْلَةٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَعالى، وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "اسْمُ اللهِ الأعْظَمُ مَوْجُودٌ في سِتِّ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الحَدِيدِ"، فَتَأمَّلْ هَذا فَإنَّهُ مِن دَقِيقِ النَظَرِ، ولِلَّهِ تَعالى في كِتابِهِ العَزِيزِ غَوامِضُ لا تَكادُ الأذْهانُ تُدْرِكُها.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الواقِعَةِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الواقعة 56:90
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾
ذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ حالَ الأزْواجِ الثَلاثَةِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ السُورَةِ، وحالَ كُلِّ امْرِئٍ مِنهُمْ، فَأمّا المَرْءُ مِنَ السابِقِينَ المُقَرَّبِينَ فَسَيَلْقى عِنْدَ مَوْتِهِ رُوحًا ورَيْحانًا، و"الرُوحُ": الرَحْمَةُ والسِعَةُ والفَرَجُ والفَرَحُ، ومِنهُ: رَوْحُ اللهِ، و"الرَيْحانُ": الطَيِّبُ، وهو دَلِيلُ النَعِيمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الرَيْحانُ: الرِزْقُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ: الرَيْحانُ هو الشَجَرُ المَعْرُوفُ في الدُنْيا، يَلْقى المُقَرَّبُ رَيْحانًا مِنَ الجَنَّةِ، (p-٢١٥)وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ: "فَرُوِّحْ" بِضَمِّ الراءِ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: رُوحُهُ يَخْرُجُ في رَيْحانِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: الرَيْحانُ: الِاسْتِراحَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
الرَيْحانُ ما تَنْبَسِطُ إلَيْهِ النُفُوسُ، وقالَ الخَلِيلُ: هو طَرَفُ كُلٍّ بِقِلَّةٍ طَيِّبَةٍ فِيها أوائِلُ النُورِ، وقَدْ «قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الحَسَنِ والحُسَيْنِ رَضِيَ الله تَعالى عنهُما: "هُما رَيْحانَتايْ مِنَ الدُنْيا"،» وقالَ النَمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:
؎ سَلامُ الإلَهِ ورَيْحانُهُ ورَحْمَتُهُ وسَماءٌ دِرَرْ
وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ: "فَرُوِّحْ" بِضَمِّ الراءِ.»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ عِبارَةٌ تَقْتَضِي جُمْلَةَ مَدْحٍ، وصِفَةَ تَخَلُّصٍ وحَصُولًا في عالٍ مِنَ المَراتِبِ، والمَعْنى لَيْسَ في أمْرِهِمْ إلّا السَلامُ والنَجاةُ مِنَ العَذابِ، وهَذا كَما تَقُولُ في مَدْحِ رَجُلٍ: أما فُلانٌ فَناهِيكَ بِهِ، أو بِحَسْبِكَ أمْرُهُ، فَهَذا يَقْتَضِي جُمْلَةً غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ مِن مَدْحِهِ، وقَدِ اضْطَرَبَتْ عِباراتُ المُتَأوِّلِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ فَقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: فَيُقالُ لَهُ: " مُسَلَّمٌ لَكَ إَنَّكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ"، وقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: فَسَلامٌ لَكَ أنْتَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ، أيْ: لا تَرى فِيهِمْ إلّا السَلامَةَ مِنَ العَذابِ، فَهَذِهِ الكافُ في "ذَلِكَ" إمّا أنْ تَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ -وَهُوَ الأظْهَرُ- ثُمَّ لِكُلِّ مُعْتَبَرٍ فِيها مَن أُمَّتِهِ، وإمّا أنْ تَكُونَ لِمَن يُخاطِبُهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وغَيْرِ هَذا مِمّا قِيلَ فِيهِ تَكَلُّفٌ.
و"المُكَذِّبُونَ الضالُّونَ" هُمُ الكُفّارُ أصْحابُ الشِمالِ والمَشْأمَةِ، و"النُزُلُ": أوَّلُ شَيْءٍ يُقَدَّمُ لِلضَّيْفِ، و"التَصْلِيَةُ" أنْ تُباشِرَ بِهِمُ النارُ، و"الجَحِيمُ" مُعْظَمُ النارِ وحَيْثُ تَراكُمُها. ولَمّا كَمُلَ تَقْسِيمُ أحْوالِهِمْ وانْقَضى الخَبَرُ بِذَلِكَ أكَّدَ تَعالى الإخْبارَ بِأنْ قالَ لِنَبِيِّهِ (p-٢١٦)مُحَمَّدٍ ﷺ مُخاطَبَةً تُدْخِلُ مَعَهُ أُمَّتُهُ فِيها: إنَّ هَذا الَّذِي أخْبَرْتُكَ بِهِ لَهو حَقُّ اليَقِينِ، وإضافَةُ الحَقِّ إلى اليَقِينِ عِبارَةٌ فِيها مُبالَغَةٌ لِأنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، فَذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّهُ مِن بابِ "دارِ الآخِرَةِ" و"مَسْجِدِ الجامِعِ"، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مَنِ الحُذّاقِ إلى أنَّهُ كَما تَقُولُ في أمْرٍ تُؤَكِّدُهُ: هَذا يَقِينُ اليَقِينِ أو صَوابُ الصَوابِ، بِمَعْنى أنَّهُ نِهايَةُ الصَوابِ، وهَذا أحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّ "دارَ الآخِرَةِ" وما أشْبَهَها يُحْتَمَلُ أنْ تُقَدِّرَ شَيْئًا أضْفَتِ الدارُ إلَيْهِ ووَصَفَتْهُ بِالآخِرَةِ ثُمَّ حَذَفَتْهُ وأقَمْتَ الصِفَةَ مَقامَهُ، كَأنَّكَ قُلْتَ: "دارُ الرَجْعَةِ الآخِرَةِ"، أو دارُ النَشْأةِ الآخِرَةِ"، أو "الحَلْقَةُ الآخِرَهُ"، وهُنا لا يَتَّجِهُ هَذا، وإنَّما هي عِبارَةٌ مُبالَغَةٌ وتَأْكِيدُ مَعْناها أنَّ هَذا الخَبَرَ هو نَفْسُ اليَقِينِ وحَقِيقَتُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ عِبارَةٌ تَقْتَضِي الأمْرَ بِالإعْراضِ عن أقْوالِ الكَفَرَةِ وسائِرِ أُمُورِ الدُنْيا المُخْتَصَّةِ بِها، والإقْبالِ عَلى أُمُورِ الآخِرَةِ، وعِبادَةِ اللهِ تَعالى والدُعاءِ إلَيْهِ، ورَوى عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ قالَ النَبِيُّ ﷺ: "اجْعَلُوها في رُكُوعِكُمْ"، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] قالَ: "اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ"،» ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: سَبَّحَ لِلَّهِ تَعالى بِذِكْرِ أسْمائِهِ العُلى، و"الِاسْمُ" هُنا بِمَعْنى الجِنْسِ، أيْ: بِأسْماءِ رَبِّكَ، و"العَظِيمِ" صِفَةٌ لَهُ، فَكَأنَّهُ أمَرَهُ أنْ يُسَبِّحَهُ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ وإنْ كانَ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا ويُشِيرُ إلَيْهِ إيصالُ سُورَةِ الحَدِيدِ وأوَّلُها فِيهِ التَسْبِيحُ وجُمْلَةٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَعالى، وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "اسْمُ اللهِ الأعْظَمُ مَوْجُودٌ في سِتِّ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الحَدِيدِ"، فَتَأمَّلْ هَذا فَإنَّهُ مِن دَقِيقِ النَظَرِ، ولِلَّهِ تَعالى في كِتابِهِ العَزِيزِ غَوامِضُ لا تَكادُ الأذْهانُ تُدْرِكُها.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الواقِعَةِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الواقعة 56:91
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾
ذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ حالَ الأزْواجِ الثَلاثَةِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ السُورَةِ، وحالَ كُلِّ امْرِئٍ مِنهُمْ، فَأمّا المَرْءُ مِنَ السابِقِينَ المُقَرَّبِينَ فَسَيَلْقى عِنْدَ مَوْتِهِ رُوحًا ورَيْحانًا، و"الرُوحُ": الرَحْمَةُ والسِعَةُ والفَرَجُ والفَرَحُ، ومِنهُ: رَوْحُ اللهِ، و"الرَيْحانُ": الطَيِّبُ، وهو دَلِيلُ النَعِيمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الرَيْحانُ: الرِزْقُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ: الرَيْحانُ هو الشَجَرُ المَعْرُوفُ في الدُنْيا، يَلْقى المُقَرَّبُ رَيْحانًا مِنَ الجَنَّةِ، (p-٢١٥)وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ: "فَرُوِّحْ" بِضَمِّ الراءِ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: رُوحُهُ يَخْرُجُ في رَيْحانِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: الرَيْحانُ: الِاسْتِراحَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
الرَيْحانُ ما تَنْبَسِطُ إلَيْهِ النُفُوسُ، وقالَ الخَلِيلُ: هو طَرَفُ كُلٍّ بِقِلَّةٍ طَيِّبَةٍ فِيها أوائِلُ النُورِ، وقَدْ «قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الحَسَنِ والحُسَيْنِ رَضِيَ الله تَعالى عنهُما: "هُما رَيْحانَتايْ مِنَ الدُنْيا"،» وقالَ النَمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:
؎ سَلامُ الإلَهِ ورَيْحانُهُ ورَحْمَتُهُ وسَماءٌ دِرَرْ
وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ: "فَرُوِّحْ" بِضَمِّ الراءِ.»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ عِبارَةٌ تَقْتَضِي جُمْلَةَ مَدْحٍ، وصِفَةَ تَخَلُّصٍ وحَصُولًا في عالٍ مِنَ المَراتِبِ، والمَعْنى لَيْسَ في أمْرِهِمْ إلّا السَلامُ والنَجاةُ مِنَ العَذابِ، وهَذا كَما تَقُولُ في مَدْحِ رَجُلٍ: أما فُلانٌ فَناهِيكَ بِهِ، أو بِحَسْبِكَ أمْرُهُ، فَهَذا يَقْتَضِي جُمْلَةً غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ مِن مَدْحِهِ، وقَدِ اضْطَرَبَتْ عِباراتُ المُتَأوِّلِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ فَقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: فَيُقالُ لَهُ: " مُسَلَّمٌ لَكَ إَنَّكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ"، وقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: فَسَلامٌ لَكَ أنْتَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ، أيْ: لا تَرى فِيهِمْ إلّا السَلامَةَ مِنَ العَذابِ، فَهَذِهِ الكافُ في "ذَلِكَ" إمّا أنْ تَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ -وَهُوَ الأظْهَرُ- ثُمَّ لِكُلِّ مُعْتَبَرٍ فِيها مَن أُمَّتِهِ، وإمّا أنْ تَكُونَ لِمَن يُخاطِبُهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وغَيْرِ هَذا مِمّا قِيلَ فِيهِ تَكَلُّفٌ.
و"المُكَذِّبُونَ الضالُّونَ" هُمُ الكُفّارُ أصْحابُ الشِمالِ والمَشْأمَةِ، و"النُزُلُ": أوَّلُ شَيْءٍ يُقَدَّمُ لِلضَّيْفِ، و"التَصْلِيَةُ" أنْ تُباشِرَ بِهِمُ النارُ، و"الجَحِيمُ" مُعْظَمُ النارِ وحَيْثُ تَراكُمُها. ولَمّا كَمُلَ تَقْسِيمُ أحْوالِهِمْ وانْقَضى الخَبَرُ بِذَلِكَ أكَّدَ تَعالى الإخْبارَ بِأنْ قالَ لِنَبِيِّهِ (p-٢١٦)مُحَمَّدٍ ﷺ مُخاطَبَةً تُدْخِلُ مَعَهُ أُمَّتُهُ فِيها: إنَّ هَذا الَّذِي أخْبَرْتُكَ بِهِ لَهو حَقُّ اليَقِينِ، وإضافَةُ الحَقِّ إلى اليَقِينِ عِبارَةٌ فِيها مُبالَغَةٌ لِأنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، فَذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّهُ مِن بابِ "دارِ الآخِرَةِ" و"مَسْجِدِ الجامِعِ"، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مَنِ الحُذّاقِ إلى أنَّهُ كَما تَقُولُ في أمْرٍ تُؤَكِّدُهُ: هَذا يَقِينُ اليَقِينِ أو صَوابُ الصَوابِ، بِمَعْنى أنَّهُ نِهايَةُ الصَوابِ، وهَذا أحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّ "دارَ الآخِرَةِ" وما أشْبَهَها يُحْتَمَلُ أنْ تُقَدِّرَ شَيْئًا أضْفَتِ الدارُ إلَيْهِ ووَصَفَتْهُ بِالآخِرَةِ ثُمَّ حَذَفَتْهُ وأقَمْتَ الصِفَةَ مَقامَهُ، كَأنَّكَ قُلْتَ: "دارُ الرَجْعَةِ الآخِرَةِ"، أو دارُ النَشْأةِ الآخِرَةِ"، أو "الحَلْقَةُ الآخِرَهُ"، وهُنا لا يَتَّجِهُ هَذا، وإنَّما هي عِبارَةٌ مُبالَغَةٌ وتَأْكِيدُ مَعْناها أنَّ هَذا الخَبَرَ هو نَفْسُ اليَقِينِ وحَقِيقَتُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ عِبارَةٌ تَقْتَضِي الأمْرَ بِالإعْراضِ عن أقْوالِ الكَفَرَةِ وسائِرِ أُمُورِ الدُنْيا المُخْتَصَّةِ بِها، والإقْبالِ عَلى أُمُورِ الآخِرَةِ، وعِبادَةِ اللهِ تَعالى والدُعاءِ إلَيْهِ، ورَوى عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ قالَ النَبِيُّ ﷺ: "اجْعَلُوها في رُكُوعِكُمْ"، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] قالَ: "اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ"،» ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: سَبَّحَ لِلَّهِ تَعالى بِذِكْرِ أسْمائِهِ العُلى، و"الِاسْمُ" هُنا بِمَعْنى الجِنْسِ، أيْ: بِأسْماءِ رَبِّكَ، و"العَظِيمِ" صِفَةٌ لَهُ، فَكَأنَّهُ أمَرَهُ أنْ يُسَبِّحَهُ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ وإنْ كانَ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا ويُشِيرُ إلَيْهِ إيصالُ سُورَةِ الحَدِيدِ وأوَّلُها فِيهِ التَسْبِيحُ وجُمْلَةٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَعالى، وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "اسْمُ اللهِ الأعْظَمُ مَوْجُودٌ في سِتِّ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الحَدِيدِ"، فَتَأمَّلْ هَذا فَإنَّهُ مِن دَقِيقِ النَظَرِ، ولِلَّهِ تَعالى في كِتابِهِ العَزِيزِ غَوامِضُ لا تَكادُ الأذْهانُ تُدْرِكُها.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الواقِعَةِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الواقعة 56:92
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾
ذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ حالَ الأزْواجِ الثَلاثَةِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ السُورَةِ، وحالَ كُلِّ امْرِئٍ مِنهُمْ، فَأمّا المَرْءُ مِنَ السابِقِينَ المُقَرَّبِينَ فَسَيَلْقى عِنْدَ مَوْتِهِ رُوحًا ورَيْحانًا، و"الرُوحُ": الرَحْمَةُ والسِعَةُ والفَرَجُ والفَرَحُ، ومِنهُ: رَوْحُ اللهِ، و"الرَيْحانُ": الطَيِّبُ، وهو دَلِيلُ النَعِيمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الرَيْحانُ: الرِزْقُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ: الرَيْحانُ هو الشَجَرُ المَعْرُوفُ في الدُنْيا، يَلْقى المُقَرَّبُ رَيْحانًا مِنَ الجَنَّةِ، (p-٢١٥)وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ: "فَرُوِّحْ" بِضَمِّ الراءِ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: رُوحُهُ يَخْرُجُ في رَيْحانِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: الرَيْحانُ: الِاسْتِراحَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
الرَيْحانُ ما تَنْبَسِطُ إلَيْهِ النُفُوسُ، وقالَ الخَلِيلُ: هو طَرَفُ كُلٍّ بِقِلَّةٍ طَيِّبَةٍ فِيها أوائِلُ النُورِ، وقَدْ «قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الحَسَنِ والحُسَيْنِ رَضِيَ الله تَعالى عنهُما: "هُما رَيْحانَتايْ مِنَ الدُنْيا"،» وقالَ النَمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:
؎ سَلامُ الإلَهِ ورَيْحانُهُ ورَحْمَتُهُ وسَماءٌ دِرَرْ
وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ: "فَرُوِّحْ" بِضَمِّ الراءِ.»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ عِبارَةٌ تَقْتَضِي جُمْلَةَ مَدْحٍ، وصِفَةَ تَخَلُّصٍ وحَصُولًا في عالٍ مِنَ المَراتِبِ، والمَعْنى لَيْسَ في أمْرِهِمْ إلّا السَلامُ والنَجاةُ مِنَ العَذابِ، وهَذا كَما تَقُولُ في مَدْحِ رَجُلٍ: أما فُلانٌ فَناهِيكَ بِهِ، أو بِحَسْبِكَ أمْرُهُ، فَهَذا يَقْتَضِي جُمْلَةً غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ مِن مَدْحِهِ، وقَدِ اضْطَرَبَتْ عِباراتُ المُتَأوِّلِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ فَقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: فَيُقالُ لَهُ: " مُسَلَّمٌ لَكَ إَنَّكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ"، وقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: فَسَلامٌ لَكَ أنْتَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ، أيْ: لا تَرى فِيهِمْ إلّا السَلامَةَ مِنَ العَذابِ، فَهَذِهِ الكافُ في "ذَلِكَ" إمّا أنْ تَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ -وَهُوَ الأظْهَرُ- ثُمَّ لِكُلِّ مُعْتَبَرٍ فِيها مَن أُمَّتِهِ، وإمّا أنْ تَكُونَ لِمَن يُخاطِبُهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وغَيْرِ هَذا مِمّا قِيلَ فِيهِ تَكَلُّفٌ.
و"المُكَذِّبُونَ الضالُّونَ" هُمُ الكُفّارُ أصْحابُ الشِمالِ والمَشْأمَةِ، و"النُزُلُ": أوَّلُ شَيْءٍ يُقَدَّمُ لِلضَّيْفِ، و"التَصْلِيَةُ" أنْ تُباشِرَ بِهِمُ النارُ، و"الجَحِيمُ" مُعْظَمُ النارِ وحَيْثُ تَراكُمُها. ولَمّا كَمُلَ تَقْسِيمُ أحْوالِهِمْ وانْقَضى الخَبَرُ بِذَلِكَ أكَّدَ تَعالى الإخْبارَ بِأنْ قالَ لِنَبِيِّهِ (p-٢١٦)مُحَمَّدٍ ﷺ مُخاطَبَةً تُدْخِلُ مَعَهُ أُمَّتُهُ فِيها: إنَّ هَذا الَّذِي أخْبَرْتُكَ بِهِ لَهو حَقُّ اليَقِينِ، وإضافَةُ الحَقِّ إلى اليَقِينِ عِبارَةٌ فِيها مُبالَغَةٌ لِأنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، فَذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّهُ مِن بابِ "دارِ الآخِرَةِ" و"مَسْجِدِ الجامِعِ"، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مَنِ الحُذّاقِ إلى أنَّهُ كَما تَقُولُ في أمْرٍ تُؤَكِّدُهُ: هَذا يَقِينُ اليَقِينِ أو صَوابُ الصَوابِ، بِمَعْنى أنَّهُ نِهايَةُ الصَوابِ، وهَذا أحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّ "دارَ الآخِرَةِ" وما أشْبَهَها يُحْتَمَلُ أنْ تُقَدِّرَ شَيْئًا أضْفَتِ الدارُ إلَيْهِ ووَصَفَتْهُ بِالآخِرَةِ ثُمَّ حَذَفَتْهُ وأقَمْتَ الصِفَةَ مَقامَهُ، كَأنَّكَ قُلْتَ: "دارُ الرَجْعَةِ الآخِرَةِ"، أو دارُ النَشْأةِ الآخِرَةِ"، أو "الحَلْقَةُ الآخِرَهُ"، وهُنا لا يَتَّجِهُ هَذا، وإنَّما هي عِبارَةٌ مُبالَغَةٌ وتَأْكِيدُ مَعْناها أنَّ هَذا الخَبَرَ هو نَفْسُ اليَقِينِ وحَقِيقَتُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ عِبارَةٌ تَقْتَضِي الأمْرَ بِالإعْراضِ عن أقْوالِ الكَفَرَةِ وسائِرِ أُمُورِ الدُنْيا المُخْتَصَّةِ بِها، والإقْبالِ عَلى أُمُورِ الآخِرَةِ، وعِبادَةِ اللهِ تَعالى والدُعاءِ إلَيْهِ، ورَوى عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ قالَ النَبِيُّ ﷺ: "اجْعَلُوها في رُكُوعِكُمْ"، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] قالَ: "اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ"،» ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: سَبَّحَ لِلَّهِ تَعالى بِذِكْرِ أسْمائِهِ العُلى، و"الِاسْمُ" هُنا بِمَعْنى الجِنْسِ، أيْ: بِأسْماءِ رَبِّكَ، و"العَظِيمِ" صِفَةٌ لَهُ، فَكَأنَّهُ أمَرَهُ أنْ يُسَبِّحَهُ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ وإنْ كانَ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا ويُشِيرُ إلَيْهِ إيصالُ سُورَةِ الحَدِيدِ وأوَّلُها فِيهِ التَسْبِيحُ وجُمْلَةٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَعالى، وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "اسْمُ اللهِ الأعْظَمُ مَوْجُودٌ في سِتِّ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الحَدِيدِ"، فَتَأمَّلْ هَذا فَإنَّهُ مِن دَقِيقِ النَظَرِ، ولِلَّهِ تَعالى في كِتابِهِ العَزِيزِ غَوامِضُ لا تَكادُ الأذْهانُ تُدْرِكُها.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الواقِعَةِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الواقعة 56:93
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾
ذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ حالَ الأزْواجِ الثَلاثَةِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ السُورَةِ، وحالَ كُلِّ امْرِئٍ مِنهُمْ، فَأمّا المَرْءُ مِنَ السابِقِينَ المُقَرَّبِينَ فَسَيَلْقى عِنْدَ مَوْتِهِ رُوحًا ورَيْحانًا، و"الرُوحُ": الرَحْمَةُ والسِعَةُ والفَرَجُ والفَرَحُ، ومِنهُ: رَوْحُ اللهِ، و"الرَيْحانُ": الطَيِّبُ، وهو دَلِيلُ النَعِيمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الرَيْحانُ: الرِزْقُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ: الرَيْحانُ هو الشَجَرُ المَعْرُوفُ في الدُنْيا، يَلْقى المُقَرَّبُ رَيْحانًا مِنَ الجَنَّةِ، (p-٢١٥)وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ: "فَرُوِّحْ" بِضَمِّ الراءِ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: رُوحُهُ يَخْرُجُ في رَيْحانِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: الرَيْحانُ: الِاسْتِراحَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
الرَيْحانُ ما تَنْبَسِطُ إلَيْهِ النُفُوسُ، وقالَ الخَلِيلُ: هو طَرَفُ كُلٍّ بِقِلَّةٍ طَيِّبَةٍ فِيها أوائِلُ النُورِ، وقَدْ «قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الحَسَنِ والحُسَيْنِ رَضِيَ الله تَعالى عنهُما: "هُما رَيْحانَتايْ مِنَ الدُنْيا"،» وقالَ النَمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:
؎ سَلامُ الإلَهِ ورَيْحانُهُ ورَحْمَتُهُ وسَماءٌ دِرَرْ
وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ: "فَرُوِّحْ" بِضَمِّ الراءِ.»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ عِبارَةٌ تَقْتَضِي جُمْلَةَ مَدْحٍ، وصِفَةَ تَخَلُّصٍ وحَصُولًا في عالٍ مِنَ المَراتِبِ، والمَعْنى لَيْسَ في أمْرِهِمْ إلّا السَلامُ والنَجاةُ مِنَ العَذابِ، وهَذا كَما تَقُولُ في مَدْحِ رَجُلٍ: أما فُلانٌ فَناهِيكَ بِهِ، أو بِحَسْبِكَ أمْرُهُ، فَهَذا يَقْتَضِي جُمْلَةً غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ مِن مَدْحِهِ، وقَدِ اضْطَرَبَتْ عِباراتُ المُتَأوِّلِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ فَقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: فَيُقالُ لَهُ: " مُسَلَّمٌ لَكَ إَنَّكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ"، وقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: فَسَلامٌ لَكَ أنْتَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ، أيْ: لا تَرى فِيهِمْ إلّا السَلامَةَ مِنَ العَذابِ، فَهَذِهِ الكافُ في "ذَلِكَ" إمّا أنْ تَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ -وَهُوَ الأظْهَرُ- ثُمَّ لِكُلِّ مُعْتَبَرٍ فِيها مَن أُمَّتِهِ، وإمّا أنْ تَكُونَ لِمَن يُخاطِبُهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وغَيْرِ هَذا مِمّا قِيلَ فِيهِ تَكَلُّفٌ.
و"المُكَذِّبُونَ الضالُّونَ" هُمُ الكُفّارُ أصْحابُ الشِمالِ والمَشْأمَةِ، و"النُزُلُ": أوَّلُ شَيْءٍ يُقَدَّمُ لِلضَّيْفِ، و"التَصْلِيَةُ" أنْ تُباشِرَ بِهِمُ النارُ، و"الجَحِيمُ" مُعْظَمُ النارِ وحَيْثُ تَراكُمُها. ولَمّا كَمُلَ تَقْسِيمُ أحْوالِهِمْ وانْقَضى الخَبَرُ بِذَلِكَ أكَّدَ تَعالى الإخْبارَ بِأنْ قالَ لِنَبِيِّهِ (p-٢١٦)مُحَمَّدٍ ﷺ مُخاطَبَةً تُدْخِلُ مَعَهُ أُمَّتُهُ فِيها: إنَّ هَذا الَّذِي أخْبَرْتُكَ بِهِ لَهو حَقُّ اليَقِينِ، وإضافَةُ الحَقِّ إلى اليَقِينِ عِبارَةٌ فِيها مُبالَغَةٌ لِأنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، فَذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّهُ مِن بابِ "دارِ الآخِرَةِ" و"مَسْجِدِ الجامِعِ"، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مَنِ الحُذّاقِ إلى أنَّهُ كَما تَقُولُ في أمْرٍ تُؤَكِّدُهُ: هَذا يَقِينُ اليَقِينِ أو صَوابُ الصَوابِ، بِمَعْنى أنَّهُ نِهايَةُ الصَوابِ، وهَذا أحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّ "دارَ الآخِرَةِ" وما أشْبَهَها يُحْتَمَلُ أنْ تُقَدِّرَ شَيْئًا أضْفَتِ الدارُ إلَيْهِ ووَصَفَتْهُ بِالآخِرَةِ ثُمَّ حَذَفَتْهُ وأقَمْتَ الصِفَةَ مَقامَهُ، كَأنَّكَ قُلْتَ: "دارُ الرَجْعَةِ الآخِرَةِ"، أو دارُ النَشْأةِ الآخِرَةِ"، أو "الحَلْقَةُ الآخِرَهُ"، وهُنا لا يَتَّجِهُ هَذا، وإنَّما هي عِبارَةٌ مُبالَغَةٌ وتَأْكِيدُ مَعْناها أنَّ هَذا الخَبَرَ هو نَفْسُ اليَقِينِ وحَقِيقَتُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ عِبارَةٌ تَقْتَضِي الأمْرَ بِالإعْراضِ عن أقْوالِ الكَفَرَةِ وسائِرِ أُمُورِ الدُنْيا المُخْتَصَّةِ بِها، والإقْبالِ عَلى أُمُورِ الآخِرَةِ، وعِبادَةِ اللهِ تَعالى والدُعاءِ إلَيْهِ، ورَوى عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ قالَ النَبِيُّ ﷺ: "اجْعَلُوها في رُكُوعِكُمْ"، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] قالَ: "اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ"،» ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: سَبَّحَ لِلَّهِ تَعالى بِذِكْرِ أسْمائِهِ العُلى، و"الِاسْمُ" هُنا بِمَعْنى الجِنْسِ، أيْ: بِأسْماءِ رَبِّكَ، و"العَظِيمِ" صِفَةٌ لَهُ، فَكَأنَّهُ أمَرَهُ أنْ يُسَبِّحَهُ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ وإنْ كانَ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا ويُشِيرُ إلَيْهِ إيصالُ سُورَةِ الحَدِيدِ وأوَّلُها فِيهِ التَسْبِيحُ وجُمْلَةٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَعالى، وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "اسْمُ اللهِ الأعْظَمُ مَوْجُودٌ في سِتِّ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الحَدِيدِ"، فَتَأمَّلْ هَذا فَإنَّهُ مِن دَقِيقِ النَظَرِ، ولِلَّهِ تَعالى في كِتابِهِ العَزِيزِ غَوامِضُ لا تَكادُ الأذْهانُ تُدْرِكُها.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الواقِعَةِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الواقعة 56:94
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾
ذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ حالَ الأزْواجِ الثَلاثَةِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ السُورَةِ، وحالَ كُلِّ امْرِئٍ مِنهُمْ، فَأمّا المَرْءُ مِنَ السابِقِينَ المُقَرَّبِينَ فَسَيَلْقى عِنْدَ مَوْتِهِ رُوحًا ورَيْحانًا، و"الرُوحُ": الرَحْمَةُ والسِعَةُ والفَرَجُ والفَرَحُ، ومِنهُ: رَوْحُ اللهِ، و"الرَيْحانُ": الطَيِّبُ، وهو دَلِيلُ النَعِيمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الرَيْحانُ: الرِزْقُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ: الرَيْحانُ هو الشَجَرُ المَعْرُوفُ في الدُنْيا، يَلْقى المُقَرَّبُ رَيْحانًا مِنَ الجَنَّةِ، (p-٢١٥)وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ: "فَرُوِّحْ" بِضَمِّ الراءِ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: رُوحُهُ يَخْرُجُ في رَيْحانِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: الرَيْحانُ: الِاسْتِراحَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
الرَيْحانُ ما تَنْبَسِطُ إلَيْهِ النُفُوسُ، وقالَ الخَلِيلُ: هو طَرَفُ كُلٍّ بِقِلَّةٍ طَيِّبَةٍ فِيها أوائِلُ النُورِ، وقَدْ «قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الحَسَنِ والحُسَيْنِ رَضِيَ الله تَعالى عنهُما: "هُما رَيْحانَتايْ مِنَ الدُنْيا"،» وقالَ النَمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:
؎ سَلامُ الإلَهِ ورَيْحانُهُ ورَحْمَتُهُ وسَماءٌ دِرَرْ
وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ: "فَرُوِّحْ" بِضَمِّ الراءِ.»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ عِبارَةٌ تَقْتَضِي جُمْلَةَ مَدْحٍ، وصِفَةَ تَخَلُّصٍ وحَصُولًا في عالٍ مِنَ المَراتِبِ، والمَعْنى لَيْسَ في أمْرِهِمْ إلّا السَلامُ والنَجاةُ مِنَ العَذابِ، وهَذا كَما تَقُولُ في مَدْحِ رَجُلٍ: أما فُلانٌ فَناهِيكَ بِهِ، أو بِحَسْبِكَ أمْرُهُ، فَهَذا يَقْتَضِي جُمْلَةً غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ مِن مَدْحِهِ، وقَدِ اضْطَرَبَتْ عِباراتُ المُتَأوِّلِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ فَقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: فَيُقالُ لَهُ: " مُسَلَّمٌ لَكَ إَنَّكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ"، وقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: فَسَلامٌ لَكَ أنْتَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ، أيْ: لا تَرى فِيهِمْ إلّا السَلامَةَ مِنَ العَذابِ، فَهَذِهِ الكافُ في "ذَلِكَ" إمّا أنْ تَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ -وَهُوَ الأظْهَرُ- ثُمَّ لِكُلِّ مُعْتَبَرٍ فِيها مَن أُمَّتِهِ، وإمّا أنْ تَكُونَ لِمَن يُخاطِبُهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وغَيْرِ هَذا مِمّا قِيلَ فِيهِ تَكَلُّفٌ.
و"المُكَذِّبُونَ الضالُّونَ" هُمُ الكُفّارُ أصْحابُ الشِمالِ والمَشْأمَةِ، و"النُزُلُ": أوَّلُ شَيْءٍ يُقَدَّمُ لِلضَّيْفِ، و"التَصْلِيَةُ" أنْ تُباشِرَ بِهِمُ النارُ، و"الجَحِيمُ" مُعْظَمُ النارِ وحَيْثُ تَراكُمُها. ولَمّا كَمُلَ تَقْسِيمُ أحْوالِهِمْ وانْقَضى الخَبَرُ بِذَلِكَ أكَّدَ تَعالى الإخْبارَ بِأنْ قالَ لِنَبِيِّهِ (p-٢١٦)مُحَمَّدٍ ﷺ مُخاطَبَةً تُدْخِلُ مَعَهُ أُمَّتُهُ فِيها: إنَّ هَذا الَّذِي أخْبَرْتُكَ بِهِ لَهو حَقُّ اليَقِينِ، وإضافَةُ الحَقِّ إلى اليَقِينِ عِبارَةٌ فِيها مُبالَغَةٌ لِأنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، فَذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّهُ مِن بابِ "دارِ الآخِرَةِ" و"مَسْجِدِ الجامِعِ"، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مَنِ الحُذّاقِ إلى أنَّهُ كَما تَقُولُ في أمْرٍ تُؤَكِّدُهُ: هَذا يَقِينُ اليَقِينِ أو صَوابُ الصَوابِ، بِمَعْنى أنَّهُ نِهايَةُ الصَوابِ، وهَذا أحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّ "دارَ الآخِرَةِ" وما أشْبَهَها يُحْتَمَلُ أنْ تُقَدِّرَ شَيْئًا أضْفَتِ الدارُ إلَيْهِ ووَصَفَتْهُ بِالآخِرَةِ ثُمَّ حَذَفَتْهُ وأقَمْتَ الصِفَةَ مَقامَهُ، كَأنَّكَ قُلْتَ: "دارُ الرَجْعَةِ الآخِرَةِ"، أو دارُ النَشْأةِ الآخِرَةِ"، أو "الحَلْقَةُ الآخِرَهُ"، وهُنا لا يَتَّجِهُ هَذا، وإنَّما هي عِبارَةٌ مُبالَغَةٌ وتَأْكِيدُ مَعْناها أنَّ هَذا الخَبَرَ هو نَفْسُ اليَقِينِ وحَقِيقَتُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ عِبارَةٌ تَقْتَضِي الأمْرَ بِالإعْراضِ عن أقْوالِ الكَفَرَةِ وسائِرِ أُمُورِ الدُنْيا المُخْتَصَّةِ بِها، والإقْبالِ عَلى أُمُورِ الآخِرَةِ، وعِبادَةِ اللهِ تَعالى والدُعاءِ إلَيْهِ، ورَوى عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ قالَ النَبِيُّ ﷺ: "اجْعَلُوها في رُكُوعِكُمْ"، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] قالَ: "اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ"،» ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: سَبَّحَ لِلَّهِ تَعالى بِذِكْرِ أسْمائِهِ العُلى، و"الِاسْمُ" هُنا بِمَعْنى الجِنْسِ، أيْ: بِأسْماءِ رَبِّكَ، و"العَظِيمِ" صِفَةٌ لَهُ، فَكَأنَّهُ أمَرَهُ أنْ يُسَبِّحَهُ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ وإنْ كانَ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا ويُشِيرُ إلَيْهِ إيصالُ سُورَةِ الحَدِيدِ وأوَّلُها فِيهِ التَسْبِيحُ وجُمْلَةٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَعالى، وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "اسْمُ اللهِ الأعْظَمُ مَوْجُودٌ في سِتِّ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الحَدِيدِ"، فَتَأمَّلْ هَذا فَإنَّهُ مِن دَقِيقِ النَظَرِ، ولِلَّهِ تَعالى في كِتابِهِ العَزِيزِ غَوامِضُ لا تَكادُ الأذْهانُ تُدْرِكُها.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الواقِعَةِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الواقعة 56:95
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾
ذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ حالَ الأزْواجِ الثَلاثَةِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ السُورَةِ، وحالَ كُلِّ امْرِئٍ مِنهُمْ، فَأمّا المَرْءُ مِنَ السابِقِينَ المُقَرَّبِينَ فَسَيَلْقى عِنْدَ مَوْتِهِ رُوحًا ورَيْحانًا، و"الرُوحُ": الرَحْمَةُ والسِعَةُ والفَرَجُ والفَرَحُ، ومِنهُ: رَوْحُ اللهِ، و"الرَيْحانُ": الطَيِّبُ، وهو دَلِيلُ النَعِيمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الرَيْحانُ: الرِزْقُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ: الرَيْحانُ هو الشَجَرُ المَعْرُوفُ في الدُنْيا، يَلْقى المُقَرَّبُ رَيْحانًا مِنَ الجَنَّةِ، (p-٢١٥)وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ: "فَرُوِّحْ" بِضَمِّ الراءِ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: رُوحُهُ يَخْرُجُ في رَيْحانِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: الرَيْحانُ: الِاسْتِراحَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
الرَيْحانُ ما تَنْبَسِطُ إلَيْهِ النُفُوسُ، وقالَ الخَلِيلُ: هو طَرَفُ كُلٍّ بِقِلَّةٍ طَيِّبَةٍ فِيها أوائِلُ النُورِ، وقَدْ «قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الحَسَنِ والحُسَيْنِ رَضِيَ الله تَعالى عنهُما: "هُما رَيْحانَتايْ مِنَ الدُنْيا"،» وقالَ النَمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:
؎ سَلامُ الإلَهِ ورَيْحانُهُ ورَحْمَتُهُ وسَماءٌ دِرَرْ
وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ: "فَرُوِّحْ" بِضَمِّ الراءِ.»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ عِبارَةٌ تَقْتَضِي جُمْلَةَ مَدْحٍ، وصِفَةَ تَخَلُّصٍ وحَصُولًا في عالٍ مِنَ المَراتِبِ، والمَعْنى لَيْسَ في أمْرِهِمْ إلّا السَلامُ والنَجاةُ مِنَ العَذابِ، وهَذا كَما تَقُولُ في مَدْحِ رَجُلٍ: أما فُلانٌ فَناهِيكَ بِهِ، أو بِحَسْبِكَ أمْرُهُ، فَهَذا يَقْتَضِي جُمْلَةً غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ مِن مَدْحِهِ، وقَدِ اضْطَرَبَتْ عِباراتُ المُتَأوِّلِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ فَقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: فَيُقالُ لَهُ: " مُسَلَّمٌ لَكَ إَنَّكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ"، وقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: فَسَلامٌ لَكَ أنْتَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ، أيْ: لا تَرى فِيهِمْ إلّا السَلامَةَ مِنَ العَذابِ، فَهَذِهِ الكافُ في "ذَلِكَ" إمّا أنْ تَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ -وَهُوَ الأظْهَرُ- ثُمَّ لِكُلِّ مُعْتَبَرٍ فِيها مَن أُمَّتِهِ، وإمّا أنْ تَكُونَ لِمَن يُخاطِبُهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وغَيْرِ هَذا مِمّا قِيلَ فِيهِ تَكَلُّفٌ.
و"المُكَذِّبُونَ الضالُّونَ" هُمُ الكُفّارُ أصْحابُ الشِمالِ والمَشْأمَةِ، و"النُزُلُ": أوَّلُ شَيْءٍ يُقَدَّمُ لِلضَّيْفِ، و"التَصْلِيَةُ" أنْ تُباشِرَ بِهِمُ النارُ، و"الجَحِيمُ" مُعْظَمُ النارِ وحَيْثُ تَراكُمُها. ولَمّا كَمُلَ تَقْسِيمُ أحْوالِهِمْ وانْقَضى الخَبَرُ بِذَلِكَ أكَّدَ تَعالى الإخْبارَ بِأنْ قالَ لِنَبِيِّهِ (p-٢١٦)مُحَمَّدٍ ﷺ مُخاطَبَةً تُدْخِلُ مَعَهُ أُمَّتُهُ فِيها: إنَّ هَذا الَّذِي أخْبَرْتُكَ بِهِ لَهو حَقُّ اليَقِينِ، وإضافَةُ الحَقِّ إلى اليَقِينِ عِبارَةٌ فِيها مُبالَغَةٌ لِأنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، فَذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّهُ مِن بابِ "دارِ الآخِرَةِ" و"مَسْجِدِ الجامِعِ"، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مَنِ الحُذّاقِ إلى أنَّهُ كَما تَقُولُ في أمْرٍ تُؤَكِّدُهُ: هَذا يَقِينُ اليَقِينِ أو صَوابُ الصَوابِ، بِمَعْنى أنَّهُ نِهايَةُ الصَوابِ، وهَذا أحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّ "دارَ الآخِرَةِ" وما أشْبَهَها يُحْتَمَلُ أنْ تُقَدِّرَ شَيْئًا أضْفَتِ الدارُ إلَيْهِ ووَصَفَتْهُ بِالآخِرَةِ ثُمَّ حَذَفَتْهُ وأقَمْتَ الصِفَةَ مَقامَهُ، كَأنَّكَ قُلْتَ: "دارُ الرَجْعَةِ الآخِرَةِ"، أو دارُ النَشْأةِ الآخِرَةِ"، أو "الحَلْقَةُ الآخِرَهُ"، وهُنا لا يَتَّجِهُ هَذا، وإنَّما هي عِبارَةٌ مُبالَغَةٌ وتَأْكِيدُ مَعْناها أنَّ هَذا الخَبَرَ هو نَفْسُ اليَقِينِ وحَقِيقَتُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ عِبارَةٌ تَقْتَضِي الأمْرَ بِالإعْراضِ عن أقْوالِ الكَفَرَةِ وسائِرِ أُمُورِ الدُنْيا المُخْتَصَّةِ بِها، والإقْبالِ عَلى أُمُورِ الآخِرَةِ، وعِبادَةِ اللهِ تَعالى والدُعاءِ إلَيْهِ، ورَوى عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ قالَ النَبِيُّ ﷺ: "اجْعَلُوها في رُكُوعِكُمْ"، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] قالَ: "اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ"،» ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: سَبَّحَ لِلَّهِ تَعالى بِذِكْرِ أسْمائِهِ العُلى، و"الِاسْمُ" هُنا بِمَعْنى الجِنْسِ، أيْ: بِأسْماءِ رَبِّكَ، و"العَظِيمِ" صِفَةٌ لَهُ، فَكَأنَّهُ أمَرَهُ أنْ يُسَبِّحَهُ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ وإنْ كانَ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا ويُشِيرُ إلَيْهِ إيصالُ سُورَةِ الحَدِيدِ وأوَّلُها فِيهِ التَسْبِيحُ وجُمْلَةٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَعالى، وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "اسْمُ اللهِ الأعْظَمُ مَوْجُودٌ في سِتِّ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الحَدِيدِ"، فَتَأمَّلْ هَذا فَإنَّهُ مِن دَقِيقِ النَظَرِ، ولِلَّهِ تَعالى في كِتابِهِ العَزِيزِ غَوامِضُ لا تَكادُ الأذْهانُ تُدْرِكُها.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الواقِعَةِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الواقعة 56:96
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾
ذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ حالَ الأزْواجِ الثَلاثَةِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ السُورَةِ، وحالَ كُلِّ امْرِئٍ مِنهُمْ، فَأمّا المَرْءُ مِنَ السابِقِينَ المُقَرَّبِينَ فَسَيَلْقى عِنْدَ مَوْتِهِ رُوحًا ورَيْحانًا، و"الرُوحُ": الرَحْمَةُ والسِعَةُ والفَرَجُ والفَرَحُ، ومِنهُ: رَوْحُ اللهِ، و"الرَيْحانُ": الطَيِّبُ، وهو دَلِيلُ النَعِيمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الرَيْحانُ: الرِزْقُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ: الرَيْحانُ هو الشَجَرُ المَعْرُوفُ في الدُنْيا، يَلْقى المُقَرَّبُ رَيْحانًا مِنَ الجَنَّةِ، (p-٢١٥)وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ: "فَرُوِّحْ" بِضَمِّ الراءِ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: رُوحُهُ يَخْرُجُ في رَيْحانِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: الرَيْحانُ: الِاسْتِراحَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
الرَيْحانُ ما تَنْبَسِطُ إلَيْهِ النُفُوسُ، وقالَ الخَلِيلُ: هو طَرَفُ كُلٍّ بِقِلَّةٍ طَيِّبَةٍ فِيها أوائِلُ النُورِ، وقَدْ «قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الحَسَنِ والحُسَيْنِ رَضِيَ الله تَعالى عنهُما: "هُما رَيْحانَتايْ مِنَ الدُنْيا"،» وقالَ النَمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:
؎ سَلامُ الإلَهِ ورَيْحانُهُ ورَحْمَتُهُ وسَماءٌ دِرَرْ
وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ: "فَرُوِّحْ" بِضَمِّ الراءِ.»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ عِبارَةٌ تَقْتَضِي جُمْلَةَ مَدْحٍ، وصِفَةَ تَخَلُّصٍ وحَصُولًا في عالٍ مِنَ المَراتِبِ، والمَعْنى لَيْسَ في أمْرِهِمْ إلّا السَلامُ والنَجاةُ مِنَ العَذابِ، وهَذا كَما تَقُولُ في مَدْحِ رَجُلٍ: أما فُلانٌ فَناهِيكَ بِهِ، أو بِحَسْبِكَ أمْرُهُ، فَهَذا يَقْتَضِي جُمْلَةً غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ مِن مَدْحِهِ، وقَدِ اضْطَرَبَتْ عِباراتُ المُتَأوِّلِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ فَقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: فَيُقالُ لَهُ: " مُسَلَّمٌ لَكَ إَنَّكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ"، وقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: فَسَلامٌ لَكَ أنْتَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَسَلامٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ، أيْ: لا تَرى فِيهِمْ إلّا السَلامَةَ مِنَ العَذابِ، فَهَذِهِ الكافُ في "ذَلِكَ" إمّا أنْ تَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ -وَهُوَ الأظْهَرُ- ثُمَّ لِكُلِّ مُعْتَبَرٍ فِيها مَن أُمَّتِهِ، وإمّا أنْ تَكُونَ لِمَن يُخاطِبُهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وغَيْرِ هَذا مِمّا قِيلَ فِيهِ تَكَلُّفٌ.
و"المُكَذِّبُونَ الضالُّونَ" هُمُ الكُفّارُ أصْحابُ الشِمالِ والمَشْأمَةِ، و"النُزُلُ": أوَّلُ شَيْءٍ يُقَدَّمُ لِلضَّيْفِ، و"التَصْلِيَةُ" أنْ تُباشِرَ بِهِمُ النارُ، و"الجَحِيمُ" مُعْظَمُ النارِ وحَيْثُ تَراكُمُها. ولَمّا كَمُلَ تَقْسِيمُ أحْوالِهِمْ وانْقَضى الخَبَرُ بِذَلِكَ أكَّدَ تَعالى الإخْبارَ بِأنْ قالَ لِنَبِيِّهِ (p-٢١٦)مُحَمَّدٍ ﷺ مُخاطَبَةً تُدْخِلُ مَعَهُ أُمَّتُهُ فِيها: إنَّ هَذا الَّذِي أخْبَرْتُكَ بِهِ لَهو حَقُّ اليَقِينِ، وإضافَةُ الحَقِّ إلى اليَقِينِ عِبارَةٌ فِيها مُبالَغَةٌ لِأنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، فَذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّهُ مِن بابِ "دارِ الآخِرَةِ" و"مَسْجِدِ الجامِعِ"، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مَنِ الحُذّاقِ إلى أنَّهُ كَما تَقُولُ في أمْرٍ تُؤَكِّدُهُ: هَذا يَقِينُ اليَقِينِ أو صَوابُ الصَوابِ، بِمَعْنى أنَّهُ نِهايَةُ الصَوابِ، وهَذا أحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّ "دارَ الآخِرَةِ" وما أشْبَهَها يُحْتَمَلُ أنْ تُقَدِّرَ شَيْئًا أضْفَتِ الدارُ إلَيْهِ ووَصَفَتْهُ بِالآخِرَةِ ثُمَّ حَذَفَتْهُ وأقَمْتَ الصِفَةَ مَقامَهُ، كَأنَّكَ قُلْتَ: "دارُ الرَجْعَةِ الآخِرَةِ"، أو دارُ النَشْأةِ الآخِرَةِ"، أو "الحَلْقَةُ الآخِرَهُ"، وهُنا لا يَتَّجِهُ هَذا، وإنَّما هي عِبارَةٌ مُبالَغَةٌ وتَأْكِيدُ مَعْناها أنَّ هَذا الخَبَرَ هو نَفْسُ اليَقِينِ وحَقِيقَتُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ عِبارَةٌ تَقْتَضِي الأمْرَ بِالإعْراضِ عن أقْوالِ الكَفَرَةِ وسائِرِ أُمُورِ الدُنْيا المُخْتَصَّةِ بِها، والإقْبالِ عَلى أُمُورِ الآخِرَةِ، وعِبادَةِ اللهِ تَعالى والدُعاءِ إلَيْهِ، ورَوى عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ قالَ النَبِيُّ ﷺ: "اجْعَلُوها في رُكُوعِكُمْ"، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] قالَ: "اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ"،» ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: سَبَّحَ لِلَّهِ تَعالى بِذِكْرِ أسْمائِهِ العُلى، و"الِاسْمُ" هُنا بِمَعْنى الجِنْسِ، أيْ: بِأسْماءِ رَبِّكَ، و"العَظِيمِ" صِفَةٌ لَهُ، فَكَأنَّهُ أمَرَهُ أنْ يُسَبِّحَهُ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ وإنْ كانَ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا ويُشِيرُ إلَيْهِ إيصالُ سُورَةِ الحَدِيدِ وأوَّلُها فِيهِ التَسْبِيحُ وجُمْلَةٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَعالى، وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "اسْمُ اللهِ الأعْظَمُ مَوْجُودٌ في سِتِّ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الحَدِيدِ"، فَتَأمَّلْ هَذا فَإنَّهُ مِن دَقِيقِ النَظَرِ، ولِلَّهِ تَعالى في كِتابِهِ العَزِيزِ غَوامِضُ لا تَكادُ الأذْهانُ تُدْرِكُها.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الواقِعَةِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.