Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — الانشقاق 84:1 – البروج 85:22
المحتويات
- الانشقاق 84:1
- الانشقاق 84:2
- الانشقاق 84:3
- الانشقاق 84:4
- الانشقاق 84:5
- الانشقاق 84:6
- الانشقاق 84:7
- الانشقاق 84:8
- الانشقاق 84:9
- الانشقاق 84:10
- الانشقاق 84:11
- الانشقاق 84:12
- الانشقاق 84:13
- الانشقاق 84:14
- الانشقاق 84:15
- الانشقاق 84:16
- الانشقاق 84:17
- الانشقاق 84:18
- الانشقاق 84:19
- الانشقاق 84:20
- الانشقاق 84:21
- الانشقاق 84:22
- الانشقاق 84:23
- الانشقاق 84:24
- الانشقاق 84:25
- البروج 85:1
- البروج 85:2
- البروج 85:3
- البروج 85:4
- البروج 85:5
- البروج 85:6
- البروج 85:7
- البروج 85:8
- البروج 85:9
- البروج 85:10
- البروج 85:11
- البروج 85:12
- البروج 85:13
- البروج 85:14
- البروج 85:15
- البروج 85:16
- البروج 85:17
- البروج 85:18
- البروج 85:19
- البروج 85:20
- البروج 85:21
- البروج 85:22
الانشقاق 84:1
(p-٥٦٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الِانْشِقاقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ بَيْنِ المُتَأوِّلِينَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿إذا السَماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وَإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وَألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾
هَذِهِ أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"انْشِقاقُ السَماءِ" هو تَفَطُّرُها لِهَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وانْشَقَّتِ السَماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦]، وقالَ الفَرّاءُ، والزَجّاجُ، وغَيْرُهُما: هو تَشَقُّقُها بِالغَمامِ، وقالَ قَوْمٌ: تَشَقُّقُها هو تَفَتُّحُها أبْوابًا لِنُزُولِ المَلائِكَةِ وصُعُودِهِمْ في هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "انْشَقَّتْ" يَقِفُ عَلى التاءِ كَأنَّهُ يَشُمُّها شَيْئًا مِنَ الجَرِّ، وكَذَلِكَ في أخَواتِها. قالَ أبُو حاتِمٍ: وسَمِعْتُ أعْرابِيًّا فَصِيحًا في بِلادِ قَيْسٍ بِكَسْرِ هَذِهِ التاءاتِ، وهي لُغَةٌ.
و"أذِنَتْ" مَعْناهُ: اسْتَمْتَعَتْ وسَمِعَتْ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "ما أذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ أذِنَهُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ"،» ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٨)
؎ صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإذا ذُكِرْتَ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا
وقَوْلُهُ تَعالى: و"حُقَّتْ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، مَعْناهُ: وحُقَّ لَها أنْ تَسْمَعَ وتُطِيعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وحُقَّ لَها أنْ تَنْشَقَّ لِشِدَّةِ الهَوْلِ وخَوْفِ اللهِ تَعالى.
و"مَدُّ الأرْضِ" هو إزالَةُ جِبالِها حَتّى لا يَبْقى فِيها عِوَجٌ ولا أمْتٌ، فَذَلِكَ مَدُّها، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يَمُدُّ الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ".»
و"ألْقَتْ ما فِيها"، يُرِيدُ: مِنَ المَوْتى، قالَهُ الجُمْهُورُ، وقالَ الزَجّاجُ: مِنَ الكُنُوزِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ وقْتَ خُرُوجِ الدَجّالِ، وإنَّما تُلْقِي يَوْمَ القِيامَةِ المَوْتى.
و"تَخَلَّتْ" مَعْناهُ: خَلَتْ عَمّا كانَ فِيها، أيْ لَمْ تَتَمَسَّكْ مِنهم بِشَيْءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْجِنْسِ، و"الكادِحُ": العامِلُ بِشِدَّةٍ وسُرْعَةٍ واجْتِهادٍ مُؤَثِّرٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن سَألَ ولَهُ ما يُغْنِيهِ جاءَتْ مَسْألَتُهُ حُدُوثًا أو كُدُوحًا في وجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ"،» والمَعْنى: أنَّكَ عامِلٌ خَيْرًا أو شَرًّا، وأنْتَ لا مَحالَةَ في ذَلِكَ سائِرٌ إلى رَبِّكَ لِأنَّ الزَمَنَ يَطِيرُ بِعُمْرِ الإنْسانِ، وإنَّما هو مُدَّةُ عُمْرِهِ في سَيْرٍ حَثِيثٍ إلى رَبِّهِ. وهَذِهِ آيَةُ وعْظٍ وتَذْكِيرٍ، أيْ: فَكُنْ عَلى حَذَرٍ مِن هَذِهِ الحالِ، واعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا تَجِدُهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: بِإدْغامِ كافِ "إنَّكَ" في كافِ "كادِحٍ"، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٩)
؎ وما الإنْسانُ إلّا ذُو اغْتِرارٍ ∗∗∗ طَوالَ الدَهْرِ يَكْدَحُ في سَفالِ
وقالَ قَتادَةُ: مَنِ اسْتَطاعَ أنْ يَكُونَ كَدْحُهُ في طاعَةِ اللهِ فَلْيَفْعَلْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمُلاقِيهِ" مَعْناهُ: فَمُلاقٍ عَذابَهُ أو تَنْعِيمَهُ.
واخْتَلَفَ النُحاةُ في العامِلُ في "إذا" فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: العامِلُ: "انْشَقَّتْ"، وأبى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّتِهِمْ، لِأنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "انْشَقَّتْ"، ومَن يُجِيزُ ذَلِكَ تَضْعُفُ عِنْدَهُ الإضافَةُ ويَقْوى مَعْنى الجَزاءِ.
وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: العامِلُ "فَمُلاقِيهِ"، وقالَ بَعْضُ حُذّاقِهِمْ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ. وكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا في جَوابِ إذا"، فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ النُحاةِ: هو مَحْذُوفٌ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ، والأخْفَشُ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾، أيْ: إذا انْشَقَّتِ السَماءُ فَأنْتَ مُلاقِي اللهَ تَعالى، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ، وجَوابُ "إذا" في الفاءِ المَقَدَّرَةِ. وقالَ الفَرّاءُ عن بَعْضِ النُحاةِ: هو "أذِنَتْ" عَلى زِيادَةِ تَقْدِيرِ الواوِ. فَأمّا الضَمِيرُ "فَمُلاقِيهِ" فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: هو عائِدٌ عَلى الرَبِّ تَعالى، فالفاءُ -عَلى هَذا- عاطِفَةٌ "مُلاقٍ" عَلى "كادِحٍ"، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو عائِدٌ عَلى الكَدْحِ، فالفاءُ -عَلى هَذا- هى عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، والمَعْنى: مُلاقٍ جَزاءَهُ خَيْرًا كانَ أو شَرًّا.
ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الناسَ إلى المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالمُؤْمِنُونَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، ومَن يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِن عُصاتِهِمْ فَإنَّهُ يُعْطى كِتابَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النارِ، وقَدْ جَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُعْطاهُ أوَّلًا قَبْلَ دُخُولِهِ النارَ، وهَذِهِ الآيَةُ تُرَدُّ عَلى هَذا القَوْلِ. و"الحِسابُ اليَسِيرُ" هو العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ ويُعَذَّبُ، كَذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعائِشَةَ (p-٥٧٠)رَضِيَ اللهُ عنها، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "مَن حُوسِبَ عُذِّبَ" فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: ألَمْ يَقُلِ اللهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ الآيَةُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: وسَلَّمَ: "إنَّما ذَلِكَ العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ "،» وفي الحَدِيثِ مِن طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، « " يُدْنِي اللهُ تَعالى العَبْدَ حَتّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيَقُولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِكَ كَذا وكَذا؟ -يُعَدِّدُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ-، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: فَلِمَ فَعَلْتَ كَذا وكَذا لِمَعاصِيهِ- فَيَقِفُ العَبْدُ خَزْيانًا، فَيَقُولُ اللهُ تَعالى: سَتَرْتُها عَلَيْكَ في الدُنْيا وأنا أغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ.» وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: « "اللهُمَّ حاسِبْنِي حِسابًا يَسِيرًا"، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ وما هُوَ؟ فَقالَ: "أنْ يَتَجاوَزَ عَنِ السَيِّئاتِ"»، ورَوى ابْنُ عُمَرَ، أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "مَن حاسَبَ نَفْسَهُ في الدُنْيا هَوَّنَ اللهُ تَعالى حِسابَهُ يَوْمَ القِيامَةِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: "إلى أهْلِهِ" أيِ الَّذِينَ أعَدَّ اللهُ تَعالى لَهُ في الجَنَّةِ، إمّا مِن نِساءِ الدُنْيا وإمّا مِنَ الحُورِ العَيْنِ وإمّا مِنَ الجَمِيعِ.
(p-٥٧١)والكافِرُ يُؤْتى كِتابَهُ مِن ورائِهِ لِأنْ يَدَيْهِ مَغْلُولَتانِ، ورُوِيَ أنْ يَدَهُ تُدْخَلُ مِن صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ فَيَأْخُذُ كِتابُهُ بِها.
ويُقالُ إنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا في أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ وفي أخِيهِ الأسْوَدِ، وكانَ أبُو سَلَمَةَ مِن أفْضَلِ المُسْلِمِينَ وأخُوهُ مِن عُتاةِ الكافِرِينَ و"يَدْعُوا ثُبُورًا" مَعْناهُ: يَصِيحُ مُنْتَحِبًا: وا ثَبُوراهُ وا حُزْناهُ ونَحْوُ هَذا مِمّا مَعْناهُ: هَذا وقْتُكَ، وأوانُكَ، أيْ احْضُرْنِي، الثُبُورُ اسْمٌ جامِعٌ لِلْمَكارِهِ كالوَيْلِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو الشَعْثاءِ، والأعْرَجُ: "وَيُصَلّى" بِشَدِّ اللامِ وضَمِّ الياءِ عَلى المُبالَغَةِ. وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبانَ- بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ اللامِ، وهي قِراءَةُ أبِي الأشْهَبِ، وعِيسى، وهارُونُ عن أبِي عَمْرٍو. وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَسَيَصْلى". وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي أهْلِهِ" يُرِيدُ في الدُنْيا، أيْ تَمَلُّكُهُ ذَلِكَ لا يَدْرِي إلّا السُرُورَ بِأهْلِهِ دُونَ مَعْرِفَةِ اللهِ تَعالى، والمُؤْمِنُ إنْ سُرَّ بِأهْلِهِ لا حَرَجَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ مَعْناهُ: لَنْ يَرْجِعَ إلى اللهِ تَعالى مَبْعُوثًا مَحْشُورًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمْ أعْلَمْ ما مَعْنى "يَحُورَ" حَتّى سَمِعْتُ أعْرابِيَّةً تَقُولُ لِبُنَيَّةٍ لَها: حُورِي، أيِ ارْجِعِي. والظَنُّ هُنا عَلى بابِهِ، و"أنَّ" وما بَعْدَها تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "ظَنَّ"، وهي "أنْ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، و"الحَوَرُ": الرُجُوعُ عَلى الأدْراجِ، ومِنهُ: "اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الحُورِ بَعْدَ الكُورِ". (p-٥٧٢)ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى عَلى ظَنِّ هَذا الكافِرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "بَلى"، أيْ: يَحُورُ ويَرْجِعُ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يَزَلْ بَصِيرًا بِهِمْ، لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُ أحَدٍ مِنهُمْ، وفي هَذا وعِيدٌ.
الانشقاق 84:2
(p-٥٦٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الِانْشِقاقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ بَيْنِ المُتَأوِّلِينَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿إذا السَماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وَإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وَألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾
هَذِهِ أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"انْشِقاقُ السَماءِ" هو تَفَطُّرُها لِهَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وانْشَقَّتِ السَماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦]، وقالَ الفَرّاءُ، والزَجّاجُ، وغَيْرُهُما: هو تَشَقُّقُها بِالغَمامِ، وقالَ قَوْمٌ: تَشَقُّقُها هو تَفَتُّحُها أبْوابًا لِنُزُولِ المَلائِكَةِ وصُعُودِهِمْ في هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "انْشَقَّتْ" يَقِفُ عَلى التاءِ كَأنَّهُ يَشُمُّها شَيْئًا مِنَ الجَرِّ، وكَذَلِكَ في أخَواتِها. قالَ أبُو حاتِمٍ: وسَمِعْتُ أعْرابِيًّا فَصِيحًا في بِلادِ قَيْسٍ بِكَسْرِ هَذِهِ التاءاتِ، وهي لُغَةٌ.
و"أذِنَتْ" مَعْناهُ: اسْتَمْتَعَتْ وسَمِعَتْ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "ما أذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ أذِنَهُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ"،» ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٨)
؎ صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإذا ذُكِرْتَ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا
وقَوْلُهُ تَعالى: و"حُقَّتْ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، مَعْناهُ: وحُقَّ لَها أنْ تَسْمَعَ وتُطِيعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وحُقَّ لَها أنْ تَنْشَقَّ لِشِدَّةِ الهَوْلِ وخَوْفِ اللهِ تَعالى.
و"مَدُّ الأرْضِ" هو إزالَةُ جِبالِها حَتّى لا يَبْقى فِيها عِوَجٌ ولا أمْتٌ، فَذَلِكَ مَدُّها، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يَمُدُّ الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ".»
و"ألْقَتْ ما فِيها"، يُرِيدُ: مِنَ المَوْتى، قالَهُ الجُمْهُورُ، وقالَ الزَجّاجُ: مِنَ الكُنُوزِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ وقْتَ خُرُوجِ الدَجّالِ، وإنَّما تُلْقِي يَوْمَ القِيامَةِ المَوْتى.
و"تَخَلَّتْ" مَعْناهُ: خَلَتْ عَمّا كانَ فِيها، أيْ لَمْ تَتَمَسَّكْ مِنهم بِشَيْءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْجِنْسِ، و"الكادِحُ": العامِلُ بِشِدَّةٍ وسُرْعَةٍ واجْتِهادٍ مُؤَثِّرٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن سَألَ ولَهُ ما يُغْنِيهِ جاءَتْ مَسْألَتُهُ حُدُوثًا أو كُدُوحًا في وجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ"،» والمَعْنى: أنَّكَ عامِلٌ خَيْرًا أو شَرًّا، وأنْتَ لا مَحالَةَ في ذَلِكَ سائِرٌ إلى رَبِّكَ لِأنَّ الزَمَنَ يَطِيرُ بِعُمْرِ الإنْسانِ، وإنَّما هو مُدَّةُ عُمْرِهِ في سَيْرٍ حَثِيثٍ إلى رَبِّهِ. وهَذِهِ آيَةُ وعْظٍ وتَذْكِيرٍ، أيْ: فَكُنْ عَلى حَذَرٍ مِن هَذِهِ الحالِ، واعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا تَجِدُهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: بِإدْغامِ كافِ "إنَّكَ" في كافِ "كادِحٍ"، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٩)
؎ وما الإنْسانُ إلّا ذُو اغْتِرارٍ ∗∗∗ طَوالَ الدَهْرِ يَكْدَحُ في سَفالِ
وقالَ قَتادَةُ: مَنِ اسْتَطاعَ أنْ يَكُونَ كَدْحُهُ في طاعَةِ اللهِ فَلْيَفْعَلْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمُلاقِيهِ" مَعْناهُ: فَمُلاقٍ عَذابَهُ أو تَنْعِيمَهُ.
واخْتَلَفَ النُحاةُ في العامِلُ في "إذا" فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: العامِلُ: "انْشَقَّتْ"، وأبى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّتِهِمْ، لِأنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "انْشَقَّتْ"، ومَن يُجِيزُ ذَلِكَ تَضْعُفُ عِنْدَهُ الإضافَةُ ويَقْوى مَعْنى الجَزاءِ.
وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: العامِلُ "فَمُلاقِيهِ"، وقالَ بَعْضُ حُذّاقِهِمْ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ. وكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا في جَوابِ إذا"، فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ النُحاةِ: هو مَحْذُوفٌ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ، والأخْفَشُ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾، أيْ: إذا انْشَقَّتِ السَماءُ فَأنْتَ مُلاقِي اللهَ تَعالى، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ، وجَوابُ "إذا" في الفاءِ المَقَدَّرَةِ. وقالَ الفَرّاءُ عن بَعْضِ النُحاةِ: هو "أذِنَتْ" عَلى زِيادَةِ تَقْدِيرِ الواوِ. فَأمّا الضَمِيرُ "فَمُلاقِيهِ" فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: هو عائِدٌ عَلى الرَبِّ تَعالى، فالفاءُ -عَلى هَذا- عاطِفَةٌ "مُلاقٍ" عَلى "كادِحٍ"، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو عائِدٌ عَلى الكَدْحِ، فالفاءُ -عَلى هَذا- هى عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، والمَعْنى: مُلاقٍ جَزاءَهُ خَيْرًا كانَ أو شَرًّا.
ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الناسَ إلى المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالمُؤْمِنُونَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، ومَن يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِن عُصاتِهِمْ فَإنَّهُ يُعْطى كِتابَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النارِ، وقَدْ جَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُعْطاهُ أوَّلًا قَبْلَ دُخُولِهِ النارَ، وهَذِهِ الآيَةُ تُرَدُّ عَلى هَذا القَوْلِ. و"الحِسابُ اليَسِيرُ" هو العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ ويُعَذَّبُ، كَذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعائِشَةَ (p-٥٧٠)رَضِيَ اللهُ عنها، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "مَن حُوسِبَ عُذِّبَ" فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: ألَمْ يَقُلِ اللهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ الآيَةُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: وسَلَّمَ: "إنَّما ذَلِكَ العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ "،» وفي الحَدِيثِ مِن طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، « " يُدْنِي اللهُ تَعالى العَبْدَ حَتّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيَقُولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِكَ كَذا وكَذا؟ -يُعَدِّدُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ-، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: فَلِمَ فَعَلْتَ كَذا وكَذا لِمَعاصِيهِ- فَيَقِفُ العَبْدُ خَزْيانًا، فَيَقُولُ اللهُ تَعالى: سَتَرْتُها عَلَيْكَ في الدُنْيا وأنا أغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ.» وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: « "اللهُمَّ حاسِبْنِي حِسابًا يَسِيرًا"، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ وما هُوَ؟ فَقالَ: "أنْ يَتَجاوَزَ عَنِ السَيِّئاتِ"»، ورَوى ابْنُ عُمَرَ، أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "مَن حاسَبَ نَفْسَهُ في الدُنْيا هَوَّنَ اللهُ تَعالى حِسابَهُ يَوْمَ القِيامَةِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: "إلى أهْلِهِ" أيِ الَّذِينَ أعَدَّ اللهُ تَعالى لَهُ في الجَنَّةِ، إمّا مِن نِساءِ الدُنْيا وإمّا مِنَ الحُورِ العَيْنِ وإمّا مِنَ الجَمِيعِ.
(p-٥٧١)والكافِرُ يُؤْتى كِتابَهُ مِن ورائِهِ لِأنْ يَدَيْهِ مَغْلُولَتانِ، ورُوِيَ أنْ يَدَهُ تُدْخَلُ مِن صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ فَيَأْخُذُ كِتابُهُ بِها.
ويُقالُ إنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا في أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ وفي أخِيهِ الأسْوَدِ، وكانَ أبُو سَلَمَةَ مِن أفْضَلِ المُسْلِمِينَ وأخُوهُ مِن عُتاةِ الكافِرِينَ و"يَدْعُوا ثُبُورًا" مَعْناهُ: يَصِيحُ مُنْتَحِبًا: وا ثَبُوراهُ وا حُزْناهُ ونَحْوُ هَذا مِمّا مَعْناهُ: هَذا وقْتُكَ، وأوانُكَ، أيْ احْضُرْنِي، الثُبُورُ اسْمٌ جامِعٌ لِلْمَكارِهِ كالوَيْلِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو الشَعْثاءِ، والأعْرَجُ: "وَيُصَلّى" بِشَدِّ اللامِ وضَمِّ الياءِ عَلى المُبالَغَةِ. وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبانَ- بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ اللامِ، وهي قِراءَةُ أبِي الأشْهَبِ، وعِيسى، وهارُونُ عن أبِي عَمْرٍو. وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَسَيَصْلى". وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي أهْلِهِ" يُرِيدُ في الدُنْيا، أيْ تَمَلُّكُهُ ذَلِكَ لا يَدْرِي إلّا السُرُورَ بِأهْلِهِ دُونَ مَعْرِفَةِ اللهِ تَعالى، والمُؤْمِنُ إنْ سُرَّ بِأهْلِهِ لا حَرَجَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ مَعْناهُ: لَنْ يَرْجِعَ إلى اللهِ تَعالى مَبْعُوثًا مَحْشُورًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمْ أعْلَمْ ما مَعْنى "يَحُورَ" حَتّى سَمِعْتُ أعْرابِيَّةً تَقُولُ لِبُنَيَّةٍ لَها: حُورِي، أيِ ارْجِعِي. والظَنُّ هُنا عَلى بابِهِ، و"أنَّ" وما بَعْدَها تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "ظَنَّ"، وهي "أنْ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، و"الحَوَرُ": الرُجُوعُ عَلى الأدْراجِ، ومِنهُ: "اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الحُورِ بَعْدَ الكُورِ". (p-٥٧٢)ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى عَلى ظَنِّ هَذا الكافِرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "بَلى"، أيْ: يَحُورُ ويَرْجِعُ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يَزَلْ بَصِيرًا بِهِمْ، لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُ أحَدٍ مِنهُمْ، وفي هَذا وعِيدٌ.
الانشقاق 84:3
(p-٥٦٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الِانْشِقاقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ بَيْنِ المُتَأوِّلِينَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿إذا السَماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وَإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وَألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾
هَذِهِ أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"انْشِقاقُ السَماءِ" هو تَفَطُّرُها لِهَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وانْشَقَّتِ السَماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦]، وقالَ الفَرّاءُ، والزَجّاجُ، وغَيْرُهُما: هو تَشَقُّقُها بِالغَمامِ، وقالَ قَوْمٌ: تَشَقُّقُها هو تَفَتُّحُها أبْوابًا لِنُزُولِ المَلائِكَةِ وصُعُودِهِمْ في هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "انْشَقَّتْ" يَقِفُ عَلى التاءِ كَأنَّهُ يَشُمُّها شَيْئًا مِنَ الجَرِّ، وكَذَلِكَ في أخَواتِها. قالَ أبُو حاتِمٍ: وسَمِعْتُ أعْرابِيًّا فَصِيحًا في بِلادِ قَيْسٍ بِكَسْرِ هَذِهِ التاءاتِ، وهي لُغَةٌ.
و"أذِنَتْ" مَعْناهُ: اسْتَمْتَعَتْ وسَمِعَتْ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "ما أذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ أذِنَهُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ"،» ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٨)
؎ صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإذا ذُكِرْتَ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا
وقَوْلُهُ تَعالى: و"حُقَّتْ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، مَعْناهُ: وحُقَّ لَها أنْ تَسْمَعَ وتُطِيعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وحُقَّ لَها أنْ تَنْشَقَّ لِشِدَّةِ الهَوْلِ وخَوْفِ اللهِ تَعالى.
و"مَدُّ الأرْضِ" هو إزالَةُ جِبالِها حَتّى لا يَبْقى فِيها عِوَجٌ ولا أمْتٌ، فَذَلِكَ مَدُّها، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يَمُدُّ الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ".»
و"ألْقَتْ ما فِيها"، يُرِيدُ: مِنَ المَوْتى، قالَهُ الجُمْهُورُ، وقالَ الزَجّاجُ: مِنَ الكُنُوزِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ وقْتَ خُرُوجِ الدَجّالِ، وإنَّما تُلْقِي يَوْمَ القِيامَةِ المَوْتى.
و"تَخَلَّتْ" مَعْناهُ: خَلَتْ عَمّا كانَ فِيها، أيْ لَمْ تَتَمَسَّكْ مِنهم بِشَيْءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْجِنْسِ، و"الكادِحُ": العامِلُ بِشِدَّةٍ وسُرْعَةٍ واجْتِهادٍ مُؤَثِّرٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن سَألَ ولَهُ ما يُغْنِيهِ جاءَتْ مَسْألَتُهُ حُدُوثًا أو كُدُوحًا في وجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ"،» والمَعْنى: أنَّكَ عامِلٌ خَيْرًا أو شَرًّا، وأنْتَ لا مَحالَةَ في ذَلِكَ سائِرٌ إلى رَبِّكَ لِأنَّ الزَمَنَ يَطِيرُ بِعُمْرِ الإنْسانِ، وإنَّما هو مُدَّةُ عُمْرِهِ في سَيْرٍ حَثِيثٍ إلى رَبِّهِ. وهَذِهِ آيَةُ وعْظٍ وتَذْكِيرٍ، أيْ: فَكُنْ عَلى حَذَرٍ مِن هَذِهِ الحالِ، واعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا تَجِدُهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: بِإدْغامِ كافِ "إنَّكَ" في كافِ "كادِحٍ"، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٩)
؎ وما الإنْسانُ إلّا ذُو اغْتِرارٍ ∗∗∗ طَوالَ الدَهْرِ يَكْدَحُ في سَفالِ
وقالَ قَتادَةُ: مَنِ اسْتَطاعَ أنْ يَكُونَ كَدْحُهُ في طاعَةِ اللهِ فَلْيَفْعَلْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمُلاقِيهِ" مَعْناهُ: فَمُلاقٍ عَذابَهُ أو تَنْعِيمَهُ.
واخْتَلَفَ النُحاةُ في العامِلُ في "إذا" فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: العامِلُ: "انْشَقَّتْ"، وأبى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّتِهِمْ، لِأنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "انْشَقَّتْ"، ومَن يُجِيزُ ذَلِكَ تَضْعُفُ عِنْدَهُ الإضافَةُ ويَقْوى مَعْنى الجَزاءِ.
وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: العامِلُ "فَمُلاقِيهِ"، وقالَ بَعْضُ حُذّاقِهِمْ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ. وكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا في جَوابِ إذا"، فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ النُحاةِ: هو مَحْذُوفٌ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ، والأخْفَشُ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾، أيْ: إذا انْشَقَّتِ السَماءُ فَأنْتَ مُلاقِي اللهَ تَعالى، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ، وجَوابُ "إذا" في الفاءِ المَقَدَّرَةِ. وقالَ الفَرّاءُ عن بَعْضِ النُحاةِ: هو "أذِنَتْ" عَلى زِيادَةِ تَقْدِيرِ الواوِ. فَأمّا الضَمِيرُ "فَمُلاقِيهِ" فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: هو عائِدٌ عَلى الرَبِّ تَعالى، فالفاءُ -عَلى هَذا- عاطِفَةٌ "مُلاقٍ" عَلى "كادِحٍ"، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو عائِدٌ عَلى الكَدْحِ، فالفاءُ -عَلى هَذا- هى عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، والمَعْنى: مُلاقٍ جَزاءَهُ خَيْرًا كانَ أو شَرًّا.
ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الناسَ إلى المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالمُؤْمِنُونَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، ومَن يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِن عُصاتِهِمْ فَإنَّهُ يُعْطى كِتابَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النارِ، وقَدْ جَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُعْطاهُ أوَّلًا قَبْلَ دُخُولِهِ النارَ، وهَذِهِ الآيَةُ تُرَدُّ عَلى هَذا القَوْلِ. و"الحِسابُ اليَسِيرُ" هو العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ ويُعَذَّبُ، كَذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعائِشَةَ (p-٥٧٠)رَضِيَ اللهُ عنها، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "مَن حُوسِبَ عُذِّبَ" فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: ألَمْ يَقُلِ اللهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ الآيَةُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: وسَلَّمَ: "إنَّما ذَلِكَ العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ "،» وفي الحَدِيثِ مِن طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، « " يُدْنِي اللهُ تَعالى العَبْدَ حَتّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيَقُولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِكَ كَذا وكَذا؟ -يُعَدِّدُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ-، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: فَلِمَ فَعَلْتَ كَذا وكَذا لِمَعاصِيهِ- فَيَقِفُ العَبْدُ خَزْيانًا، فَيَقُولُ اللهُ تَعالى: سَتَرْتُها عَلَيْكَ في الدُنْيا وأنا أغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ.» وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: « "اللهُمَّ حاسِبْنِي حِسابًا يَسِيرًا"، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ وما هُوَ؟ فَقالَ: "أنْ يَتَجاوَزَ عَنِ السَيِّئاتِ"»، ورَوى ابْنُ عُمَرَ، أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "مَن حاسَبَ نَفْسَهُ في الدُنْيا هَوَّنَ اللهُ تَعالى حِسابَهُ يَوْمَ القِيامَةِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: "إلى أهْلِهِ" أيِ الَّذِينَ أعَدَّ اللهُ تَعالى لَهُ في الجَنَّةِ، إمّا مِن نِساءِ الدُنْيا وإمّا مِنَ الحُورِ العَيْنِ وإمّا مِنَ الجَمِيعِ.
(p-٥٧١)والكافِرُ يُؤْتى كِتابَهُ مِن ورائِهِ لِأنْ يَدَيْهِ مَغْلُولَتانِ، ورُوِيَ أنْ يَدَهُ تُدْخَلُ مِن صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ فَيَأْخُذُ كِتابُهُ بِها.
ويُقالُ إنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا في أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ وفي أخِيهِ الأسْوَدِ، وكانَ أبُو سَلَمَةَ مِن أفْضَلِ المُسْلِمِينَ وأخُوهُ مِن عُتاةِ الكافِرِينَ و"يَدْعُوا ثُبُورًا" مَعْناهُ: يَصِيحُ مُنْتَحِبًا: وا ثَبُوراهُ وا حُزْناهُ ونَحْوُ هَذا مِمّا مَعْناهُ: هَذا وقْتُكَ، وأوانُكَ، أيْ احْضُرْنِي، الثُبُورُ اسْمٌ جامِعٌ لِلْمَكارِهِ كالوَيْلِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو الشَعْثاءِ، والأعْرَجُ: "وَيُصَلّى" بِشَدِّ اللامِ وضَمِّ الياءِ عَلى المُبالَغَةِ. وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبانَ- بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ اللامِ، وهي قِراءَةُ أبِي الأشْهَبِ، وعِيسى، وهارُونُ عن أبِي عَمْرٍو. وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَسَيَصْلى". وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي أهْلِهِ" يُرِيدُ في الدُنْيا، أيْ تَمَلُّكُهُ ذَلِكَ لا يَدْرِي إلّا السُرُورَ بِأهْلِهِ دُونَ مَعْرِفَةِ اللهِ تَعالى، والمُؤْمِنُ إنْ سُرَّ بِأهْلِهِ لا حَرَجَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ مَعْناهُ: لَنْ يَرْجِعَ إلى اللهِ تَعالى مَبْعُوثًا مَحْشُورًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمْ أعْلَمْ ما مَعْنى "يَحُورَ" حَتّى سَمِعْتُ أعْرابِيَّةً تَقُولُ لِبُنَيَّةٍ لَها: حُورِي، أيِ ارْجِعِي. والظَنُّ هُنا عَلى بابِهِ، و"أنَّ" وما بَعْدَها تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "ظَنَّ"، وهي "أنْ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، و"الحَوَرُ": الرُجُوعُ عَلى الأدْراجِ، ومِنهُ: "اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الحُورِ بَعْدَ الكُورِ". (p-٥٧٢)ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى عَلى ظَنِّ هَذا الكافِرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "بَلى"، أيْ: يَحُورُ ويَرْجِعُ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يَزَلْ بَصِيرًا بِهِمْ، لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُ أحَدٍ مِنهُمْ، وفي هَذا وعِيدٌ.
الانشقاق 84:4
(p-٥٦٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الِانْشِقاقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ بَيْنِ المُتَأوِّلِينَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿إذا السَماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وَإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وَألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾
هَذِهِ أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"انْشِقاقُ السَماءِ" هو تَفَطُّرُها لِهَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وانْشَقَّتِ السَماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦]، وقالَ الفَرّاءُ، والزَجّاجُ، وغَيْرُهُما: هو تَشَقُّقُها بِالغَمامِ، وقالَ قَوْمٌ: تَشَقُّقُها هو تَفَتُّحُها أبْوابًا لِنُزُولِ المَلائِكَةِ وصُعُودِهِمْ في هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "انْشَقَّتْ" يَقِفُ عَلى التاءِ كَأنَّهُ يَشُمُّها شَيْئًا مِنَ الجَرِّ، وكَذَلِكَ في أخَواتِها. قالَ أبُو حاتِمٍ: وسَمِعْتُ أعْرابِيًّا فَصِيحًا في بِلادِ قَيْسٍ بِكَسْرِ هَذِهِ التاءاتِ، وهي لُغَةٌ.
و"أذِنَتْ" مَعْناهُ: اسْتَمْتَعَتْ وسَمِعَتْ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "ما أذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ أذِنَهُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ"،» ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٨)
؎ صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإذا ذُكِرْتَ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا
وقَوْلُهُ تَعالى: و"حُقَّتْ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، مَعْناهُ: وحُقَّ لَها أنْ تَسْمَعَ وتُطِيعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وحُقَّ لَها أنْ تَنْشَقَّ لِشِدَّةِ الهَوْلِ وخَوْفِ اللهِ تَعالى.
و"مَدُّ الأرْضِ" هو إزالَةُ جِبالِها حَتّى لا يَبْقى فِيها عِوَجٌ ولا أمْتٌ، فَذَلِكَ مَدُّها، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يَمُدُّ الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ".»
و"ألْقَتْ ما فِيها"، يُرِيدُ: مِنَ المَوْتى، قالَهُ الجُمْهُورُ، وقالَ الزَجّاجُ: مِنَ الكُنُوزِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ وقْتَ خُرُوجِ الدَجّالِ، وإنَّما تُلْقِي يَوْمَ القِيامَةِ المَوْتى.
و"تَخَلَّتْ" مَعْناهُ: خَلَتْ عَمّا كانَ فِيها، أيْ لَمْ تَتَمَسَّكْ مِنهم بِشَيْءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْجِنْسِ، و"الكادِحُ": العامِلُ بِشِدَّةٍ وسُرْعَةٍ واجْتِهادٍ مُؤَثِّرٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن سَألَ ولَهُ ما يُغْنِيهِ جاءَتْ مَسْألَتُهُ حُدُوثًا أو كُدُوحًا في وجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ"،» والمَعْنى: أنَّكَ عامِلٌ خَيْرًا أو شَرًّا، وأنْتَ لا مَحالَةَ في ذَلِكَ سائِرٌ إلى رَبِّكَ لِأنَّ الزَمَنَ يَطِيرُ بِعُمْرِ الإنْسانِ، وإنَّما هو مُدَّةُ عُمْرِهِ في سَيْرٍ حَثِيثٍ إلى رَبِّهِ. وهَذِهِ آيَةُ وعْظٍ وتَذْكِيرٍ، أيْ: فَكُنْ عَلى حَذَرٍ مِن هَذِهِ الحالِ، واعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا تَجِدُهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: بِإدْغامِ كافِ "إنَّكَ" في كافِ "كادِحٍ"، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٩)
؎ وما الإنْسانُ إلّا ذُو اغْتِرارٍ ∗∗∗ طَوالَ الدَهْرِ يَكْدَحُ في سَفالِ
وقالَ قَتادَةُ: مَنِ اسْتَطاعَ أنْ يَكُونَ كَدْحُهُ في طاعَةِ اللهِ فَلْيَفْعَلْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمُلاقِيهِ" مَعْناهُ: فَمُلاقٍ عَذابَهُ أو تَنْعِيمَهُ.
واخْتَلَفَ النُحاةُ في العامِلُ في "إذا" فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: العامِلُ: "انْشَقَّتْ"، وأبى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّتِهِمْ، لِأنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "انْشَقَّتْ"، ومَن يُجِيزُ ذَلِكَ تَضْعُفُ عِنْدَهُ الإضافَةُ ويَقْوى مَعْنى الجَزاءِ.
وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: العامِلُ "فَمُلاقِيهِ"، وقالَ بَعْضُ حُذّاقِهِمْ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ. وكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا في جَوابِ إذا"، فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ النُحاةِ: هو مَحْذُوفٌ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ، والأخْفَشُ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾، أيْ: إذا انْشَقَّتِ السَماءُ فَأنْتَ مُلاقِي اللهَ تَعالى، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ، وجَوابُ "إذا" في الفاءِ المَقَدَّرَةِ. وقالَ الفَرّاءُ عن بَعْضِ النُحاةِ: هو "أذِنَتْ" عَلى زِيادَةِ تَقْدِيرِ الواوِ. فَأمّا الضَمِيرُ "فَمُلاقِيهِ" فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: هو عائِدٌ عَلى الرَبِّ تَعالى، فالفاءُ -عَلى هَذا- عاطِفَةٌ "مُلاقٍ" عَلى "كادِحٍ"، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو عائِدٌ عَلى الكَدْحِ، فالفاءُ -عَلى هَذا- هى عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، والمَعْنى: مُلاقٍ جَزاءَهُ خَيْرًا كانَ أو شَرًّا.
ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الناسَ إلى المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالمُؤْمِنُونَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، ومَن يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِن عُصاتِهِمْ فَإنَّهُ يُعْطى كِتابَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النارِ، وقَدْ جَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُعْطاهُ أوَّلًا قَبْلَ دُخُولِهِ النارَ، وهَذِهِ الآيَةُ تُرَدُّ عَلى هَذا القَوْلِ. و"الحِسابُ اليَسِيرُ" هو العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ ويُعَذَّبُ، كَذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعائِشَةَ (p-٥٧٠)رَضِيَ اللهُ عنها، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "مَن حُوسِبَ عُذِّبَ" فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: ألَمْ يَقُلِ اللهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ الآيَةُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: وسَلَّمَ: "إنَّما ذَلِكَ العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ "،» وفي الحَدِيثِ مِن طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، « " يُدْنِي اللهُ تَعالى العَبْدَ حَتّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيَقُولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِكَ كَذا وكَذا؟ -يُعَدِّدُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ-، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: فَلِمَ فَعَلْتَ كَذا وكَذا لِمَعاصِيهِ- فَيَقِفُ العَبْدُ خَزْيانًا، فَيَقُولُ اللهُ تَعالى: سَتَرْتُها عَلَيْكَ في الدُنْيا وأنا أغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ.» وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: « "اللهُمَّ حاسِبْنِي حِسابًا يَسِيرًا"، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ وما هُوَ؟ فَقالَ: "أنْ يَتَجاوَزَ عَنِ السَيِّئاتِ"»، ورَوى ابْنُ عُمَرَ، أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "مَن حاسَبَ نَفْسَهُ في الدُنْيا هَوَّنَ اللهُ تَعالى حِسابَهُ يَوْمَ القِيامَةِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: "إلى أهْلِهِ" أيِ الَّذِينَ أعَدَّ اللهُ تَعالى لَهُ في الجَنَّةِ، إمّا مِن نِساءِ الدُنْيا وإمّا مِنَ الحُورِ العَيْنِ وإمّا مِنَ الجَمِيعِ.
(p-٥٧١)والكافِرُ يُؤْتى كِتابَهُ مِن ورائِهِ لِأنْ يَدَيْهِ مَغْلُولَتانِ، ورُوِيَ أنْ يَدَهُ تُدْخَلُ مِن صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ فَيَأْخُذُ كِتابُهُ بِها.
ويُقالُ إنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا في أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ وفي أخِيهِ الأسْوَدِ، وكانَ أبُو سَلَمَةَ مِن أفْضَلِ المُسْلِمِينَ وأخُوهُ مِن عُتاةِ الكافِرِينَ و"يَدْعُوا ثُبُورًا" مَعْناهُ: يَصِيحُ مُنْتَحِبًا: وا ثَبُوراهُ وا حُزْناهُ ونَحْوُ هَذا مِمّا مَعْناهُ: هَذا وقْتُكَ، وأوانُكَ، أيْ احْضُرْنِي، الثُبُورُ اسْمٌ جامِعٌ لِلْمَكارِهِ كالوَيْلِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو الشَعْثاءِ، والأعْرَجُ: "وَيُصَلّى" بِشَدِّ اللامِ وضَمِّ الياءِ عَلى المُبالَغَةِ. وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبانَ- بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ اللامِ، وهي قِراءَةُ أبِي الأشْهَبِ، وعِيسى، وهارُونُ عن أبِي عَمْرٍو. وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَسَيَصْلى". وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي أهْلِهِ" يُرِيدُ في الدُنْيا، أيْ تَمَلُّكُهُ ذَلِكَ لا يَدْرِي إلّا السُرُورَ بِأهْلِهِ دُونَ مَعْرِفَةِ اللهِ تَعالى، والمُؤْمِنُ إنْ سُرَّ بِأهْلِهِ لا حَرَجَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ مَعْناهُ: لَنْ يَرْجِعَ إلى اللهِ تَعالى مَبْعُوثًا مَحْشُورًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمْ أعْلَمْ ما مَعْنى "يَحُورَ" حَتّى سَمِعْتُ أعْرابِيَّةً تَقُولُ لِبُنَيَّةٍ لَها: حُورِي، أيِ ارْجِعِي. والظَنُّ هُنا عَلى بابِهِ، و"أنَّ" وما بَعْدَها تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "ظَنَّ"، وهي "أنْ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، و"الحَوَرُ": الرُجُوعُ عَلى الأدْراجِ، ومِنهُ: "اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الحُورِ بَعْدَ الكُورِ". (p-٥٧٢)ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى عَلى ظَنِّ هَذا الكافِرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "بَلى"، أيْ: يَحُورُ ويَرْجِعُ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يَزَلْ بَصِيرًا بِهِمْ، لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُ أحَدٍ مِنهُمْ، وفي هَذا وعِيدٌ.
الانشقاق 84:5
(p-٥٦٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الِانْشِقاقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ بَيْنِ المُتَأوِّلِينَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿إذا السَماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وَإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وَألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾
هَذِهِ أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"انْشِقاقُ السَماءِ" هو تَفَطُّرُها لِهَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وانْشَقَّتِ السَماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦]، وقالَ الفَرّاءُ، والزَجّاجُ، وغَيْرُهُما: هو تَشَقُّقُها بِالغَمامِ، وقالَ قَوْمٌ: تَشَقُّقُها هو تَفَتُّحُها أبْوابًا لِنُزُولِ المَلائِكَةِ وصُعُودِهِمْ في هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "انْشَقَّتْ" يَقِفُ عَلى التاءِ كَأنَّهُ يَشُمُّها شَيْئًا مِنَ الجَرِّ، وكَذَلِكَ في أخَواتِها. قالَ أبُو حاتِمٍ: وسَمِعْتُ أعْرابِيًّا فَصِيحًا في بِلادِ قَيْسٍ بِكَسْرِ هَذِهِ التاءاتِ، وهي لُغَةٌ.
و"أذِنَتْ" مَعْناهُ: اسْتَمْتَعَتْ وسَمِعَتْ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "ما أذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ أذِنَهُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ"،» ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٨)
؎ صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإذا ذُكِرْتَ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا
وقَوْلُهُ تَعالى: و"حُقَّتْ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، مَعْناهُ: وحُقَّ لَها أنْ تَسْمَعَ وتُطِيعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وحُقَّ لَها أنْ تَنْشَقَّ لِشِدَّةِ الهَوْلِ وخَوْفِ اللهِ تَعالى.
و"مَدُّ الأرْضِ" هو إزالَةُ جِبالِها حَتّى لا يَبْقى فِيها عِوَجٌ ولا أمْتٌ، فَذَلِكَ مَدُّها، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يَمُدُّ الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ".»
و"ألْقَتْ ما فِيها"، يُرِيدُ: مِنَ المَوْتى، قالَهُ الجُمْهُورُ، وقالَ الزَجّاجُ: مِنَ الكُنُوزِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ وقْتَ خُرُوجِ الدَجّالِ، وإنَّما تُلْقِي يَوْمَ القِيامَةِ المَوْتى.
و"تَخَلَّتْ" مَعْناهُ: خَلَتْ عَمّا كانَ فِيها، أيْ لَمْ تَتَمَسَّكْ مِنهم بِشَيْءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْجِنْسِ، و"الكادِحُ": العامِلُ بِشِدَّةٍ وسُرْعَةٍ واجْتِهادٍ مُؤَثِّرٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن سَألَ ولَهُ ما يُغْنِيهِ جاءَتْ مَسْألَتُهُ حُدُوثًا أو كُدُوحًا في وجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ"،» والمَعْنى: أنَّكَ عامِلٌ خَيْرًا أو شَرًّا، وأنْتَ لا مَحالَةَ في ذَلِكَ سائِرٌ إلى رَبِّكَ لِأنَّ الزَمَنَ يَطِيرُ بِعُمْرِ الإنْسانِ، وإنَّما هو مُدَّةُ عُمْرِهِ في سَيْرٍ حَثِيثٍ إلى رَبِّهِ. وهَذِهِ آيَةُ وعْظٍ وتَذْكِيرٍ، أيْ: فَكُنْ عَلى حَذَرٍ مِن هَذِهِ الحالِ، واعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا تَجِدُهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: بِإدْغامِ كافِ "إنَّكَ" في كافِ "كادِحٍ"، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٩)
؎ وما الإنْسانُ إلّا ذُو اغْتِرارٍ ∗∗∗ طَوالَ الدَهْرِ يَكْدَحُ في سَفالِ
وقالَ قَتادَةُ: مَنِ اسْتَطاعَ أنْ يَكُونَ كَدْحُهُ في طاعَةِ اللهِ فَلْيَفْعَلْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمُلاقِيهِ" مَعْناهُ: فَمُلاقٍ عَذابَهُ أو تَنْعِيمَهُ.
واخْتَلَفَ النُحاةُ في العامِلُ في "إذا" فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: العامِلُ: "انْشَقَّتْ"، وأبى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّتِهِمْ، لِأنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "انْشَقَّتْ"، ومَن يُجِيزُ ذَلِكَ تَضْعُفُ عِنْدَهُ الإضافَةُ ويَقْوى مَعْنى الجَزاءِ.
وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: العامِلُ "فَمُلاقِيهِ"، وقالَ بَعْضُ حُذّاقِهِمْ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ. وكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا في جَوابِ إذا"، فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ النُحاةِ: هو مَحْذُوفٌ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ، والأخْفَشُ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾، أيْ: إذا انْشَقَّتِ السَماءُ فَأنْتَ مُلاقِي اللهَ تَعالى، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ، وجَوابُ "إذا" في الفاءِ المَقَدَّرَةِ. وقالَ الفَرّاءُ عن بَعْضِ النُحاةِ: هو "أذِنَتْ" عَلى زِيادَةِ تَقْدِيرِ الواوِ. فَأمّا الضَمِيرُ "فَمُلاقِيهِ" فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: هو عائِدٌ عَلى الرَبِّ تَعالى، فالفاءُ -عَلى هَذا- عاطِفَةٌ "مُلاقٍ" عَلى "كادِحٍ"، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو عائِدٌ عَلى الكَدْحِ، فالفاءُ -عَلى هَذا- هى عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، والمَعْنى: مُلاقٍ جَزاءَهُ خَيْرًا كانَ أو شَرًّا.
ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الناسَ إلى المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالمُؤْمِنُونَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، ومَن يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِن عُصاتِهِمْ فَإنَّهُ يُعْطى كِتابَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النارِ، وقَدْ جَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُعْطاهُ أوَّلًا قَبْلَ دُخُولِهِ النارَ، وهَذِهِ الآيَةُ تُرَدُّ عَلى هَذا القَوْلِ. و"الحِسابُ اليَسِيرُ" هو العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ ويُعَذَّبُ، كَذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعائِشَةَ (p-٥٧٠)رَضِيَ اللهُ عنها، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "مَن حُوسِبَ عُذِّبَ" فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: ألَمْ يَقُلِ اللهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ الآيَةُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: وسَلَّمَ: "إنَّما ذَلِكَ العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ "،» وفي الحَدِيثِ مِن طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، « " يُدْنِي اللهُ تَعالى العَبْدَ حَتّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيَقُولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِكَ كَذا وكَذا؟ -يُعَدِّدُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ-، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: فَلِمَ فَعَلْتَ كَذا وكَذا لِمَعاصِيهِ- فَيَقِفُ العَبْدُ خَزْيانًا، فَيَقُولُ اللهُ تَعالى: سَتَرْتُها عَلَيْكَ في الدُنْيا وأنا أغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ.» وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: « "اللهُمَّ حاسِبْنِي حِسابًا يَسِيرًا"، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ وما هُوَ؟ فَقالَ: "أنْ يَتَجاوَزَ عَنِ السَيِّئاتِ"»، ورَوى ابْنُ عُمَرَ، أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "مَن حاسَبَ نَفْسَهُ في الدُنْيا هَوَّنَ اللهُ تَعالى حِسابَهُ يَوْمَ القِيامَةِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: "إلى أهْلِهِ" أيِ الَّذِينَ أعَدَّ اللهُ تَعالى لَهُ في الجَنَّةِ، إمّا مِن نِساءِ الدُنْيا وإمّا مِنَ الحُورِ العَيْنِ وإمّا مِنَ الجَمِيعِ.
(p-٥٧١)والكافِرُ يُؤْتى كِتابَهُ مِن ورائِهِ لِأنْ يَدَيْهِ مَغْلُولَتانِ، ورُوِيَ أنْ يَدَهُ تُدْخَلُ مِن صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ فَيَأْخُذُ كِتابُهُ بِها.
ويُقالُ إنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا في أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ وفي أخِيهِ الأسْوَدِ، وكانَ أبُو سَلَمَةَ مِن أفْضَلِ المُسْلِمِينَ وأخُوهُ مِن عُتاةِ الكافِرِينَ و"يَدْعُوا ثُبُورًا" مَعْناهُ: يَصِيحُ مُنْتَحِبًا: وا ثَبُوراهُ وا حُزْناهُ ونَحْوُ هَذا مِمّا مَعْناهُ: هَذا وقْتُكَ، وأوانُكَ، أيْ احْضُرْنِي، الثُبُورُ اسْمٌ جامِعٌ لِلْمَكارِهِ كالوَيْلِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو الشَعْثاءِ، والأعْرَجُ: "وَيُصَلّى" بِشَدِّ اللامِ وضَمِّ الياءِ عَلى المُبالَغَةِ. وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبانَ- بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ اللامِ، وهي قِراءَةُ أبِي الأشْهَبِ، وعِيسى، وهارُونُ عن أبِي عَمْرٍو. وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَسَيَصْلى". وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي أهْلِهِ" يُرِيدُ في الدُنْيا، أيْ تَمَلُّكُهُ ذَلِكَ لا يَدْرِي إلّا السُرُورَ بِأهْلِهِ دُونَ مَعْرِفَةِ اللهِ تَعالى، والمُؤْمِنُ إنْ سُرَّ بِأهْلِهِ لا حَرَجَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ مَعْناهُ: لَنْ يَرْجِعَ إلى اللهِ تَعالى مَبْعُوثًا مَحْشُورًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمْ أعْلَمْ ما مَعْنى "يَحُورَ" حَتّى سَمِعْتُ أعْرابِيَّةً تَقُولُ لِبُنَيَّةٍ لَها: حُورِي، أيِ ارْجِعِي. والظَنُّ هُنا عَلى بابِهِ، و"أنَّ" وما بَعْدَها تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "ظَنَّ"، وهي "أنْ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، و"الحَوَرُ": الرُجُوعُ عَلى الأدْراجِ، ومِنهُ: "اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الحُورِ بَعْدَ الكُورِ". (p-٥٧٢)ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى عَلى ظَنِّ هَذا الكافِرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "بَلى"، أيْ: يَحُورُ ويَرْجِعُ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يَزَلْ بَصِيرًا بِهِمْ، لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُ أحَدٍ مِنهُمْ، وفي هَذا وعِيدٌ.
الانشقاق 84:6
(p-٥٦٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الِانْشِقاقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ بَيْنِ المُتَأوِّلِينَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿إذا السَماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وَإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وَألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾
هَذِهِ أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"انْشِقاقُ السَماءِ" هو تَفَطُّرُها لِهَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وانْشَقَّتِ السَماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦]، وقالَ الفَرّاءُ، والزَجّاجُ، وغَيْرُهُما: هو تَشَقُّقُها بِالغَمامِ، وقالَ قَوْمٌ: تَشَقُّقُها هو تَفَتُّحُها أبْوابًا لِنُزُولِ المَلائِكَةِ وصُعُودِهِمْ في هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "انْشَقَّتْ" يَقِفُ عَلى التاءِ كَأنَّهُ يَشُمُّها شَيْئًا مِنَ الجَرِّ، وكَذَلِكَ في أخَواتِها. قالَ أبُو حاتِمٍ: وسَمِعْتُ أعْرابِيًّا فَصِيحًا في بِلادِ قَيْسٍ بِكَسْرِ هَذِهِ التاءاتِ، وهي لُغَةٌ.
و"أذِنَتْ" مَعْناهُ: اسْتَمْتَعَتْ وسَمِعَتْ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "ما أذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ أذِنَهُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ"،» ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٨)
؎ صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإذا ذُكِرْتَ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا
وقَوْلُهُ تَعالى: و"حُقَّتْ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، مَعْناهُ: وحُقَّ لَها أنْ تَسْمَعَ وتُطِيعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وحُقَّ لَها أنْ تَنْشَقَّ لِشِدَّةِ الهَوْلِ وخَوْفِ اللهِ تَعالى.
و"مَدُّ الأرْضِ" هو إزالَةُ جِبالِها حَتّى لا يَبْقى فِيها عِوَجٌ ولا أمْتٌ، فَذَلِكَ مَدُّها، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يَمُدُّ الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ".»
و"ألْقَتْ ما فِيها"، يُرِيدُ: مِنَ المَوْتى، قالَهُ الجُمْهُورُ، وقالَ الزَجّاجُ: مِنَ الكُنُوزِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ وقْتَ خُرُوجِ الدَجّالِ، وإنَّما تُلْقِي يَوْمَ القِيامَةِ المَوْتى.
و"تَخَلَّتْ" مَعْناهُ: خَلَتْ عَمّا كانَ فِيها، أيْ لَمْ تَتَمَسَّكْ مِنهم بِشَيْءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْجِنْسِ، و"الكادِحُ": العامِلُ بِشِدَّةٍ وسُرْعَةٍ واجْتِهادٍ مُؤَثِّرٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن سَألَ ولَهُ ما يُغْنِيهِ جاءَتْ مَسْألَتُهُ حُدُوثًا أو كُدُوحًا في وجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ"،» والمَعْنى: أنَّكَ عامِلٌ خَيْرًا أو شَرًّا، وأنْتَ لا مَحالَةَ في ذَلِكَ سائِرٌ إلى رَبِّكَ لِأنَّ الزَمَنَ يَطِيرُ بِعُمْرِ الإنْسانِ، وإنَّما هو مُدَّةُ عُمْرِهِ في سَيْرٍ حَثِيثٍ إلى رَبِّهِ. وهَذِهِ آيَةُ وعْظٍ وتَذْكِيرٍ، أيْ: فَكُنْ عَلى حَذَرٍ مِن هَذِهِ الحالِ، واعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا تَجِدُهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: بِإدْغامِ كافِ "إنَّكَ" في كافِ "كادِحٍ"، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٩)
؎ وما الإنْسانُ إلّا ذُو اغْتِرارٍ ∗∗∗ طَوالَ الدَهْرِ يَكْدَحُ في سَفالِ
وقالَ قَتادَةُ: مَنِ اسْتَطاعَ أنْ يَكُونَ كَدْحُهُ في طاعَةِ اللهِ فَلْيَفْعَلْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمُلاقِيهِ" مَعْناهُ: فَمُلاقٍ عَذابَهُ أو تَنْعِيمَهُ.
واخْتَلَفَ النُحاةُ في العامِلُ في "إذا" فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: العامِلُ: "انْشَقَّتْ"، وأبى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّتِهِمْ، لِأنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "انْشَقَّتْ"، ومَن يُجِيزُ ذَلِكَ تَضْعُفُ عِنْدَهُ الإضافَةُ ويَقْوى مَعْنى الجَزاءِ.
وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: العامِلُ "فَمُلاقِيهِ"، وقالَ بَعْضُ حُذّاقِهِمْ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ. وكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا في جَوابِ إذا"، فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ النُحاةِ: هو مَحْذُوفٌ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ، والأخْفَشُ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾، أيْ: إذا انْشَقَّتِ السَماءُ فَأنْتَ مُلاقِي اللهَ تَعالى، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ، وجَوابُ "إذا" في الفاءِ المَقَدَّرَةِ. وقالَ الفَرّاءُ عن بَعْضِ النُحاةِ: هو "أذِنَتْ" عَلى زِيادَةِ تَقْدِيرِ الواوِ. فَأمّا الضَمِيرُ "فَمُلاقِيهِ" فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: هو عائِدٌ عَلى الرَبِّ تَعالى، فالفاءُ -عَلى هَذا- عاطِفَةٌ "مُلاقٍ" عَلى "كادِحٍ"، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو عائِدٌ عَلى الكَدْحِ، فالفاءُ -عَلى هَذا- هى عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، والمَعْنى: مُلاقٍ جَزاءَهُ خَيْرًا كانَ أو شَرًّا.
ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الناسَ إلى المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالمُؤْمِنُونَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، ومَن يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِن عُصاتِهِمْ فَإنَّهُ يُعْطى كِتابَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النارِ، وقَدْ جَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُعْطاهُ أوَّلًا قَبْلَ دُخُولِهِ النارَ، وهَذِهِ الآيَةُ تُرَدُّ عَلى هَذا القَوْلِ. و"الحِسابُ اليَسِيرُ" هو العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ ويُعَذَّبُ، كَذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعائِشَةَ (p-٥٧٠)رَضِيَ اللهُ عنها، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "مَن حُوسِبَ عُذِّبَ" فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: ألَمْ يَقُلِ اللهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ الآيَةُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: وسَلَّمَ: "إنَّما ذَلِكَ العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ "،» وفي الحَدِيثِ مِن طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، « " يُدْنِي اللهُ تَعالى العَبْدَ حَتّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيَقُولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِكَ كَذا وكَذا؟ -يُعَدِّدُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ-، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: فَلِمَ فَعَلْتَ كَذا وكَذا لِمَعاصِيهِ- فَيَقِفُ العَبْدُ خَزْيانًا، فَيَقُولُ اللهُ تَعالى: سَتَرْتُها عَلَيْكَ في الدُنْيا وأنا أغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ.» وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: « "اللهُمَّ حاسِبْنِي حِسابًا يَسِيرًا"، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ وما هُوَ؟ فَقالَ: "أنْ يَتَجاوَزَ عَنِ السَيِّئاتِ"»، ورَوى ابْنُ عُمَرَ، أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "مَن حاسَبَ نَفْسَهُ في الدُنْيا هَوَّنَ اللهُ تَعالى حِسابَهُ يَوْمَ القِيامَةِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: "إلى أهْلِهِ" أيِ الَّذِينَ أعَدَّ اللهُ تَعالى لَهُ في الجَنَّةِ، إمّا مِن نِساءِ الدُنْيا وإمّا مِنَ الحُورِ العَيْنِ وإمّا مِنَ الجَمِيعِ.
(p-٥٧١)والكافِرُ يُؤْتى كِتابَهُ مِن ورائِهِ لِأنْ يَدَيْهِ مَغْلُولَتانِ، ورُوِيَ أنْ يَدَهُ تُدْخَلُ مِن صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ فَيَأْخُذُ كِتابُهُ بِها.
ويُقالُ إنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا في أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ وفي أخِيهِ الأسْوَدِ، وكانَ أبُو سَلَمَةَ مِن أفْضَلِ المُسْلِمِينَ وأخُوهُ مِن عُتاةِ الكافِرِينَ و"يَدْعُوا ثُبُورًا" مَعْناهُ: يَصِيحُ مُنْتَحِبًا: وا ثَبُوراهُ وا حُزْناهُ ونَحْوُ هَذا مِمّا مَعْناهُ: هَذا وقْتُكَ، وأوانُكَ، أيْ احْضُرْنِي، الثُبُورُ اسْمٌ جامِعٌ لِلْمَكارِهِ كالوَيْلِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو الشَعْثاءِ، والأعْرَجُ: "وَيُصَلّى" بِشَدِّ اللامِ وضَمِّ الياءِ عَلى المُبالَغَةِ. وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبانَ- بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ اللامِ، وهي قِراءَةُ أبِي الأشْهَبِ، وعِيسى، وهارُونُ عن أبِي عَمْرٍو. وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَسَيَصْلى". وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي أهْلِهِ" يُرِيدُ في الدُنْيا، أيْ تَمَلُّكُهُ ذَلِكَ لا يَدْرِي إلّا السُرُورَ بِأهْلِهِ دُونَ مَعْرِفَةِ اللهِ تَعالى، والمُؤْمِنُ إنْ سُرَّ بِأهْلِهِ لا حَرَجَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ مَعْناهُ: لَنْ يَرْجِعَ إلى اللهِ تَعالى مَبْعُوثًا مَحْشُورًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمْ أعْلَمْ ما مَعْنى "يَحُورَ" حَتّى سَمِعْتُ أعْرابِيَّةً تَقُولُ لِبُنَيَّةٍ لَها: حُورِي، أيِ ارْجِعِي. والظَنُّ هُنا عَلى بابِهِ، و"أنَّ" وما بَعْدَها تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "ظَنَّ"، وهي "أنْ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، و"الحَوَرُ": الرُجُوعُ عَلى الأدْراجِ، ومِنهُ: "اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الحُورِ بَعْدَ الكُورِ". (p-٥٧٢)ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى عَلى ظَنِّ هَذا الكافِرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "بَلى"، أيْ: يَحُورُ ويَرْجِعُ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يَزَلْ بَصِيرًا بِهِمْ، لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُ أحَدٍ مِنهُمْ، وفي هَذا وعِيدٌ.
الانشقاق 84:7
(p-٥٦٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الِانْشِقاقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ بَيْنِ المُتَأوِّلِينَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿إذا السَماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وَإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وَألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾
هَذِهِ أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"انْشِقاقُ السَماءِ" هو تَفَطُّرُها لِهَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وانْشَقَّتِ السَماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦]، وقالَ الفَرّاءُ، والزَجّاجُ، وغَيْرُهُما: هو تَشَقُّقُها بِالغَمامِ، وقالَ قَوْمٌ: تَشَقُّقُها هو تَفَتُّحُها أبْوابًا لِنُزُولِ المَلائِكَةِ وصُعُودِهِمْ في هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "انْشَقَّتْ" يَقِفُ عَلى التاءِ كَأنَّهُ يَشُمُّها شَيْئًا مِنَ الجَرِّ، وكَذَلِكَ في أخَواتِها. قالَ أبُو حاتِمٍ: وسَمِعْتُ أعْرابِيًّا فَصِيحًا في بِلادِ قَيْسٍ بِكَسْرِ هَذِهِ التاءاتِ، وهي لُغَةٌ.
و"أذِنَتْ" مَعْناهُ: اسْتَمْتَعَتْ وسَمِعَتْ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "ما أذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ أذِنَهُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ"،» ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٨)
؎ صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإذا ذُكِرْتَ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا
وقَوْلُهُ تَعالى: و"حُقَّتْ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، مَعْناهُ: وحُقَّ لَها أنْ تَسْمَعَ وتُطِيعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وحُقَّ لَها أنْ تَنْشَقَّ لِشِدَّةِ الهَوْلِ وخَوْفِ اللهِ تَعالى.
و"مَدُّ الأرْضِ" هو إزالَةُ جِبالِها حَتّى لا يَبْقى فِيها عِوَجٌ ولا أمْتٌ، فَذَلِكَ مَدُّها، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يَمُدُّ الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ".»
و"ألْقَتْ ما فِيها"، يُرِيدُ: مِنَ المَوْتى، قالَهُ الجُمْهُورُ، وقالَ الزَجّاجُ: مِنَ الكُنُوزِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ وقْتَ خُرُوجِ الدَجّالِ، وإنَّما تُلْقِي يَوْمَ القِيامَةِ المَوْتى.
و"تَخَلَّتْ" مَعْناهُ: خَلَتْ عَمّا كانَ فِيها، أيْ لَمْ تَتَمَسَّكْ مِنهم بِشَيْءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْجِنْسِ، و"الكادِحُ": العامِلُ بِشِدَّةٍ وسُرْعَةٍ واجْتِهادٍ مُؤَثِّرٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن سَألَ ولَهُ ما يُغْنِيهِ جاءَتْ مَسْألَتُهُ حُدُوثًا أو كُدُوحًا في وجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ"،» والمَعْنى: أنَّكَ عامِلٌ خَيْرًا أو شَرًّا، وأنْتَ لا مَحالَةَ في ذَلِكَ سائِرٌ إلى رَبِّكَ لِأنَّ الزَمَنَ يَطِيرُ بِعُمْرِ الإنْسانِ، وإنَّما هو مُدَّةُ عُمْرِهِ في سَيْرٍ حَثِيثٍ إلى رَبِّهِ. وهَذِهِ آيَةُ وعْظٍ وتَذْكِيرٍ، أيْ: فَكُنْ عَلى حَذَرٍ مِن هَذِهِ الحالِ، واعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا تَجِدُهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: بِإدْغامِ كافِ "إنَّكَ" في كافِ "كادِحٍ"، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٩)
؎ وما الإنْسانُ إلّا ذُو اغْتِرارٍ ∗∗∗ طَوالَ الدَهْرِ يَكْدَحُ في سَفالِ
وقالَ قَتادَةُ: مَنِ اسْتَطاعَ أنْ يَكُونَ كَدْحُهُ في طاعَةِ اللهِ فَلْيَفْعَلْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمُلاقِيهِ" مَعْناهُ: فَمُلاقٍ عَذابَهُ أو تَنْعِيمَهُ.
واخْتَلَفَ النُحاةُ في العامِلُ في "إذا" فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: العامِلُ: "انْشَقَّتْ"، وأبى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّتِهِمْ، لِأنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "انْشَقَّتْ"، ومَن يُجِيزُ ذَلِكَ تَضْعُفُ عِنْدَهُ الإضافَةُ ويَقْوى مَعْنى الجَزاءِ.
وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: العامِلُ "فَمُلاقِيهِ"، وقالَ بَعْضُ حُذّاقِهِمْ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ. وكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا في جَوابِ إذا"، فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ النُحاةِ: هو مَحْذُوفٌ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ، والأخْفَشُ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾، أيْ: إذا انْشَقَّتِ السَماءُ فَأنْتَ مُلاقِي اللهَ تَعالى، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ، وجَوابُ "إذا" في الفاءِ المَقَدَّرَةِ. وقالَ الفَرّاءُ عن بَعْضِ النُحاةِ: هو "أذِنَتْ" عَلى زِيادَةِ تَقْدِيرِ الواوِ. فَأمّا الضَمِيرُ "فَمُلاقِيهِ" فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: هو عائِدٌ عَلى الرَبِّ تَعالى، فالفاءُ -عَلى هَذا- عاطِفَةٌ "مُلاقٍ" عَلى "كادِحٍ"، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو عائِدٌ عَلى الكَدْحِ، فالفاءُ -عَلى هَذا- هى عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، والمَعْنى: مُلاقٍ جَزاءَهُ خَيْرًا كانَ أو شَرًّا.
ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الناسَ إلى المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالمُؤْمِنُونَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، ومَن يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِن عُصاتِهِمْ فَإنَّهُ يُعْطى كِتابَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النارِ، وقَدْ جَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُعْطاهُ أوَّلًا قَبْلَ دُخُولِهِ النارَ، وهَذِهِ الآيَةُ تُرَدُّ عَلى هَذا القَوْلِ. و"الحِسابُ اليَسِيرُ" هو العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ ويُعَذَّبُ، كَذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعائِشَةَ (p-٥٧٠)رَضِيَ اللهُ عنها، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "مَن حُوسِبَ عُذِّبَ" فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: ألَمْ يَقُلِ اللهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ الآيَةُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: وسَلَّمَ: "إنَّما ذَلِكَ العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ "،» وفي الحَدِيثِ مِن طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، « " يُدْنِي اللهُ تَعالى العَبْدَ حَتّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيَقُولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِكَ كَذا وكَذا؟ -يُعَدِّدُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ-، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: فَلِمَ فَعَلْتَ كَذا وكَذا لِمَعاصِيهِ- فَيَقِفُ العَبْدُ خَزْيانًا، فَيَقُولُ اللهُ تَعالى: سَتَرْتُها عَلَيْكَ في الدُنْيا وأنا أغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ.» وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: « "اللهُمَّ حاسِبْنِي حِسابًا يَسِيرًا"، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ وما هُوَ؟ فَقالَ: "أنْ يَتَجاوَزَ عَنِ السَيِّئاتِ"»، ورَوى ابْنُ عُمَرَ، أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "مَن حاسَبَ نَفْسَهُ في الدُنْيا هَوَّنَ اللهُ تَعالى حِسابَهُ يَوْمَ القِيامَةِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: "إلى أهْلِهِ" أيِ الَّذِينَ أعَدَّ اللهُ تَعالى لَهُ في الجَنَّةِ، إمّا مِن نِساءِ الدُنْيا وإمّا مِنَ الحُورِ العَيْنِ وإمّا مِنَ الجَمِيعِ.
(p-٥٧١)والكافِرُ يُؤْتى كِتابَهُ مِن ورائِهِ لِأنْ يَدَيْهِ مَغْلُولَتانِ، ورُوِيَ أنْ يَدَهُ تُدْخَلُ مِن صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ فَيَأْخُذُ كِتابُهُ بِها.
ويُقالُ إنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا في أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ وفي أخِيهِ الأسْوَدِ، وكانَ أبُو سَلَمَةَ مِن أفْضَلِ المُسْلِمِينَ وأخُوهُ مِن عُتاةِ الكافِرِينَ و"يَدْعُوا ثُبُورًا" مَعْناهُ: يَصِيحُ مُنْتَحِبًا: وا ثَبُوراهُ وا حُزْناهُ ونَحْوُ هَذا مِمّا مَعْناهُ: هَذا وقْتُكَ، وأوانُكَ، أيْ احْضُرْنِي، الثُبُورُ اسْمٌ جامِعٌ لِلْمَكارِهِ كالوَيْلِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو الشَعْثاءِ، والأعْرَجُ: "وَيُصَلّى" بِشَدِّ اللامِ وضَمِّ الياءِ عَلى المُبالَغَةِ. وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبانَ- بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ اللامِ، وهي قِراءَةُ أبِي الأشْهَبِ، وعِيسى، وهارُونُ عن أبِي عَمْرٍو. وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَسَيَصْلى". وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي أهْلِهِ" يُرِيدُ في الدُنْيا، أيْ تَمَلُّكُهُ ذَلِكَ لا يَدْرِي إلّا السُرُورَ بِأهْلِهِ دُونَ مَعْرِفَةِ اللهِ تَعالى، والمُؤْمِنُ إنْ سُرَّ بِأهْلِهِ لا حَرَجَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ مَعْناهُ: لَنْ يَرْجِعَ إلى اللهِ تَعالى مَبْعُوثًا مَحْشُورًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمْ أعْلَمْ ما مَعْنى "يَحُورَ" حَتّى سَمِعْتُ أعْرابِيَّةً تَقُولُ لِبُنَيَّةٍ لَها: حُورِي، أيِ ارْجِعِي. والظَنُّ هُنا عَلى بابِهِ، و"أنَّ" وما بَعْدَها تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "ظَنَّ"، وهي "أنْ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، و"الحَوَرُ": الرُجُوعُ عَلى الأدْراجِ، ومِنهُ: "اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الحُورِ بَعْدَ الكُورِ". (p-٥٧٢)ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى عَلى ظَنِّ هَذا الكافِرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "بَلى"، أيْ: يَحُورُ ويَرْجِعُ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يَزَلْ بَصِيرًا بِهِمْ، لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُ أحَدٍ مِنهُمْ، وفي هَذا وعِيدٌ.
الانشقاق 84:8
(p-٥٦٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الِانْشِقاقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ بَيْنِ المُتَأوِّلِينَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿إذا السَماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وَإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وَألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾
هَذِهِ أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"انْشِقاقُ السَماءِ" هو تَفَطُّرُها لِهَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وانْشَقَّتِ السَماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦]، وقالَ الفَرّاءُ، والزَجّاجُ، وغَيْرُهُما: هو تَشَقُّقُها بِالغَمامِ، وقالَ قَوْمٌ: تَشَقُّقُها هو تَفَتُّحُها أبْوابًا لِنُزُولِ المَلائِكَةِ وصُعُودِهِمْ في هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "انْشَقَّتْ" يَقِفُ عَلى التاءِ كَأنَّهُ يَشُمُّها شَيْئًا مِنَ الجَرِّ، وكَذَلِكَ في أخَواتِها. قالَ أبُو حاتِمٍ: وسَمِعْتُ أعْرابِيًّا فَصِيحًا في بِلادِ قَيْسٍ بِكَسْرِ هَذِهِ التاءاتِ، وهي لُغَةٌ.
و"أذِنَتْ" مَعْناهُ: اسْتَمْتَعَتْ وسَمِعَتْ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "ما أذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ أذِنَهُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ"،» ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٨)
؎ صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإذا ذُكِرْتَ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا
وقَوْلُهُ تَعالى: و"حُقَّتْ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، مَعْناهُ: وحُقَّ لَها أنْ تَسْمَعَ وتُطِيعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وحُقَّ لَها أنْ تَنْشَقَّ لِشِدَّةِ الهَوْلِ وخَوْفِ اللهِ تَعالى.
و"مَدُّ الأرْضِ" هو إزالَةُ جِبالِها حَتّى لا يَبْقى فِيها عِوَجٌ ولا أمْتٌ، فَذَلِكَ مَدُّها، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يَمُدُّ الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ".»
و"ألْقَتْ ما فِيها"، يُرِيدُ: مِنَ المَوْتى، قالَهُ الجُمْهُورُ، وقالَ الزَجّاجُ: مِنَ الكُنُوزِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ وقْتَ خُرُوجِ الدَجّالِ، وإنَّما تُلْقِي يَوْمَ القِيامَةِ المَوْتى.
و"تَخَلَّتْ" مَعْناهُ: خَلَتْ عَمّا كانَ فِيها، أيْ لَمْ تَتَمَسَّكْ مِنهم بِشَيْءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْجِنْسِ، و"الكادِحُ": العامِلُ بِشِدَّةٍ وسُرْعَةٍ واجْتِهادٍ مُؤَثِّرٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن سَألَ ولَهُ ما يُغْنِيهِ جاءَتْ مَسْألَتُهُ حُدُوثًا أو كُدُوحًا في وجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ"،» والمَعْنى: أنَّكَ عامِلٌ خَيْرًا أو شَرًّا، وأنْتَ لا مَحالَةَ في ذَلِكَ سائِرٌ إلى رَبِّكَ لِأنَّ الزَمَنَ يَطِيرُ بِعُمْرِ الإنْسانِ، وإنَّما هو مُدَّةُ عُمْرِهِ في سَيْرٍ حَثِيثٍ إلى رَبِّهِ. وهَذِهِ آيَةُ وعْظٍ وتَذْكِيرٍ، أيْ: فَكُنْ عَلى حَذَرٍ مِن هَذِهِ الحالِ، واعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا تَجِدُهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: بِإدْغامِ كافِ "إنَّكَ" في كافِ "كادِحٍ"، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٩)
؎ وما الإنْسانُ إلّا ذُو اغْتِرارٍ ∗∗∗ طَوالَ الدَهْرِ يَكْدَحُ في سَفالِ
وقالَ قَتادَةُ: مَنِ اسْتَطاعَ أنْ يَكُونَ كَدْحُهُ في طاعَةِ اللهِ فَلْيَفْعَلْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمُلاقِيهِ" مَعْناهُ: فَمُلاقٍ عَذابَهُ أو تَنْعِيمَهُ.
واخْتَلَفَ النُحاةُ في العامِلُ في "إذا" فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: العامِلُ: "انْشَقَّتْ"، وأبى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّتِهِمْ، لِأنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "انْشَقَّتْ"، ومَن يُجِيزُ ذَلِكَ تَضْعُفُ عِنْدَهُ الإضافَةُ ويَقْوى مَعْنى الجَزاءِ.
وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: العامِلُ "فَمُلاقِيهِ"، وقالَ بَعْضُ حُذّاقِهِمْ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ. وكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا في جَوابِ إذا"، فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ النُحاةِ: هو مَحْذُوفٌ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ، والأخْفَشُ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾، أيْ: إذا انْشَقَّتِ السَماءُ فَأنْتَ مُلاقِي اللهَ تَعالى، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ، وجَوابُ "إذا" في الفاءِ المَقَدَّرَةِ. وقالَ الفَرّاءُ عن بَعْضِ النُحاةِ: هو "أذِنَتْ" عَلى زِيادَةِ تَقْدِيرِ الواوِ. فَأمّا الضَمِيرُ "فَمُلاقِيهِ" فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: هو عائِدٌ عَلى الرَبِّ تَعالى، فالفاءُ -عَلى هَذا- عاطِفَةٌ "مُلاقٍ" عَلى "كادِحٍ"، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو عائِدٌ عَلى الكَدْحِ، فالفاءُ -عَلى هَذا- هى عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، والمَعْنى: مُلاقٍ جَزاءَهُ خَيْرًا كانَ أو شَرًّا.
ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الناسَ إلى المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالمُؤْمِنُونَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، ومَن يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِن عُصاتِهِمْ فَإنَّهُ يُعْطى كِتابَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النارِ، وقَدْ جَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُعْطاهُ أوَّلًا قَبْلَ دُخُولِهِ النارَ، وهَذِهِ الآيَةُ تُرَدُّ عَلى هَذا القَوْلِ. و"الحِسابُ اليَسِيرُ" هو العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ ويُعَذَّبُ، كَذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعائِشَةَ (p-٥٧٠)رَضِيَ اللهُ عنها، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "مَن حُوسِبَ عُذِّبَ" فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: ألَمْ يَقُلِ اللهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ الآيَةُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: وسَلَّمَ: "إنَّما ذَلِكَ العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ "،» وفي الحَدِيثِ مِن طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، « " يُدْنِي اللهُ تَعالى العَبْدَ حَتّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيَقُولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِكَ كَذا وكَذا؟ -يُعَدِّدُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ-، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: فَلِمَ فَعَلْتَ كَذا وكَذا لِمَعاصِيهِ- فَيَقِفُ العَبْدُ خَزْيانًا، فَيَقُولُ اللهُ تَعالى: سَتَرْتُها عَلَيْكَ في الدُنْيا وأنا أغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ.» وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: « "اللهُمَّ حاسِبْنِي حِسابًا يَسِيرًا"، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ وما هُوَ؟ فَقالَ: "أنْ يَتَجاوَزَ عَنِ السَيِّئاتِ"»، ورَوى ابْنُ عُمَرَ، أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "مَن حاسَبَ نَفْسَهُ في الدُنْيا هَوَّنَ اللهُ تَعالى حِسابَهُ يَوْمَ القِيامَةِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: "إلى أهْلِهِ" أيِ الَّذِينَ أعَدَّ اللهُ تَعالى لَهُ في الجَنَّةِ، إمّا مِن نِساءِ الدُنْيا وإمّا مِنَ الحُورِ العَيْنِ وإمّا مِنَ الجَمِيعِ.
(p-٥٧١)والكافِرُ يُؤْتى كِتابَهُ مِن ورائِهِ لِأنْ يَدَيْهِ مَغْلُولَتانِ، ورُوِيَ أنْ يَدَهُ تُدْخَلُ مِن صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ فَيَأْخُذُ كِتابُهُ بِها.
ويُقالُ إنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا في أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ وفي أخِيهِ الأسْوَدِ، وكانَ أبُو سَلَمَةَ مِن أفْضَلِ المُسْلِمِينَ وأخُوهُ مِن عُتاةِ الكافِرِينَ و"يَدْعُوا ثُبُورًا" مَعْناهُ: يَصِيحُ مُنْتَحِبًا: وا ثَبُوراهُ وا حُزْناهُ ونَحْوُ هَذا مِمّا مَعْناهُ: هَذا وقْتُكَ، وأوانُكَ، أيْ احْضُرْنِي، الثُبُورُ اسْمٌ جامِعٌ لِلْمَكارِهِ كالوَيْلِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو الشَعْثاءِ، والأعْرَجُ: "وَيُصَلّى" بِشَدِّ اللامِ وضَمِّ الياءِ عَلى المُبالَغَةِ. وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبانَ- بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ اللامِ، وهي قِراءَةُ أبِي الأشْهَبِ، وعِيسى، وهارُونُ عن أبِي عَمْرٍو. وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَسَيَصْلى". وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي أهْلِهِ" يُرِيدُ في الدُنْيا، أيْ تَمَلُّكُهُ ذَلِكَ لا يَدْرِي إلّا السُرُورَ بِأهْلِهِ دُونَ مَعْرِفَةِ اللهِ تَعالى، والمُؤْمِنُ إنْ سُرَّ بِأهْلِهِ لا حَرَجَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ مَعْناهُ: لَنْ يَرْجِعَ إلى اللهِ تَعالى مَبْعُوثًا مَحْشُورًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمْ أعْلَمْ ما مَعْنى "يَحُورَ" حَتّى سَمِعْتُ أعْرابِيَّةً تَقُولُ لِبُنَيَّةٍ لَها: حُورِي، أيِ ارْجِعِي. والظَنُّ هُنا عَلى بابِهِ، و"أنَّ" وما بَعْدَها تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "ظَنَّ"، وهي "أنْ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، و"الحَوَرُ": الرُجُوعُ عَلى الأدْراجِ، ومِنهُ: "اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الحُورِ بَعْدَ الكُورِ". (p-٥٧٢)ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى عَلى ظَنِّ هَذا الكافِرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "بَلى"، أيْ: يَحُورُ ويَرْجِعُ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يَزَلْ بَصِيرًا بِهِمْ، لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُ أحَدٍ مِنهُمْ، وفي هَذا وعِيدٌ.
الانشقاق 84:9
(p-٥٦٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الِانْشِقاقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ بَيْنِ المُتَأوِّلِينَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿إذا السَماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وَإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وَألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾
هَذِهِ أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"انْشِقاقُ السَماءِ" هو تَفَطُّرُها لِهَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وانْشَقَّتِ السَماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦]، وقالَ الفَرّاءُ، والزَجّاجُ، وغَيْرُهُما: هو تَشَقُّقُها بِالغَمامِ، وقالَ قَوْمٌ: تَشَقُّقُها هو تَفَتُّحُها أبْوابًا لِنُزُولِ المَلائِكَةِ وصُعُودِهِمْ في هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "انْشَقَّتْ" يَقِفُ عَلى التاءِ كَأنَّهُ يَشُمُّها شَيْئًا مِنَ الجَرِّ، وكَذَلِكَ في أخَواتِها. قالَ أبُو حاتِمٍ: وسَمِعْتُ أعْرابِيًّا فَصِيحًا في بِلادِ قَيْسٍ بِكَسْرِ هَذِهِ التاءاتِ، وهي لُغَةٌ.
و"أذِنَتْ" مَعْناهُ: اسْتَمْتَعَتْ وسَمِعَتْ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "ما أذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ أذِنَهُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ"،» ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٨)
؎ صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإذا ذُكِرْتَ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا
وقَوْلُهُ تَعالى: و"حُقَّتْ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، مَعْناهُ: وحُقَّ لَها أنْ تَسْمَعَ وتُطِيعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وحُقَّ لَها أنْ تَنْشَقَّ لِشِدَّةِ الهَوْلِ وخَوْفِ اللهِ تَعالى.
و"مَدُّ الأرْضِ" هو إزالَةُ جِبالِها حَتّى لا يَبْقى فِيها عِوَجٌ ولا أمْتٌ، فَذَلِكَ مَدُّها، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يَمُدُّ الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ".»
و"ألْقَتْ ما فِيها"، يُرِيدُ: مِنَ المَوْتى، قالَهُ الجُمْهُورُ، وقالَ الزَجّاجُ: مِنَ الكُنُوزِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ وقْتَ خُرُوجِ الدَجّالِ، وإنَّما تُلْقِي يَوْمَ القِيامَةِ المَوْتى.
و"تَخَلَّتْ" مَعْناهُ: خَلَتْ عَمّا كانَ فِيها، أيْ لَمْ تَتَمَسَّكْ مِنهم بِشَيْءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْجِنْسِ، و"الكادِحُ": العامِلُ بِشِدَّةٍ وسُرْعَةٍ واجْتِهادٍ مُؤَثِّرٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن سَألَ ولَهُ ما يُغْنِيهِ جاءَتْ مَسْألَتُهُ حُدُوثًا أو كُدُوحًا في وجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ"،» والمَعْنى: أنَّكَ عامِلٌ خَيْرًا أو شَرًّا، وأنْتَ لا مَحالَةَ في ذَلِكَ سائِرٌ إلى رَبِّكَ لِأنَّ الزَمَنَ يَطِيرُ بِعُمْرِ الإنْسانِ، وإنَّما هو مُدَّةُ عُمْرِهِ في سَيْرٍ حَثِيثٍ إلى رَبِّهِ. وهَذِهِ آيَةُ وعْظٍ وتَذْكِيرٍ، أيْ: فَكُنْ عَلى حَذَرٍ مِن هَذِهِ الحالِ، واعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا تَجِدُهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: بِإدْغامِ كافِ "إنَّكَ" في كافِ "كادِحٍ"، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٩)
؎ وما الإنْسانُ إلّا ذُو اغْتِرارٍ ∗∗∗ طَوالَ الدَهْرِ يَكْدَحُ في سَفالِ
وقالَ قَتادَةُ: مَنِ اسْتَطاعَ أنْ يَكُونَ كَدْحُهُ في طاعَةِ اللهِ فَلْيَفْعَلْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمُلاقِيهِ" مَعْناهُ: فَمُلاقٍ عَذابَهُ أو تَنْعِيمَهُ.
واخْتَلَفَ النُحاةُ في العامِلُ في "إذا" فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: العامِلُ: "انْشَقَّتْ"، وأبى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّتِهِمْ، لِأنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "انْشَقَّتْ"، ومَن يُجِيزُ ذَلِكَ تَضْعُفُ عِنْدَهُ الإضافَةُ ويَقْوى مَعْنى الجَزاءِ.
وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: العامِلُ "فَمُلاقِيهِ"، وقالَ بَعْضُ حُذّاقِهِمْ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ. وكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا في جَوابِ إذا"، فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ النُحاةِ: هو مَحْذُوفٌ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ، والأخْفَشُ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾، أيْ: إذا انْشَقَّتِ السَماءُ فَأنْتَ مُلاقِي اللهَ تَعالى، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ، وجَوابُ "إذا" في الفاءِ المَقَدَّرَةِ. وقالَ الفَرّاءُ عن بَعْضِ النُحاةِ: هو "أذِنَتْ" عَلى زِيادَةِ تَقْدِيرِ الواوِ. فَأمّا الضَمِيرُ "فَمُلاقِيهِ" فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: هو عائِدٌ عَلى الرَبِّ تَعالى، فالفاءُ -عَلى هَذا- عاطِفَةٌ "مُلاقٍ" عَلى "كادِحٍ"، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو عائِدٌ عَلى الكَدْحِ، فالفاءُ -عَلى هَذا- هى عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، والمَعْنى: مُلاقٍ جَزاءَهُ خَيْرًا كانَ أو شَرًّا.
ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الناسَ إلى المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالمُؤْمِنُونَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، ومَن يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِن عُصاتِهِمْ فَإنَّهُ يُعْطى كِتابَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النارِ، وقَدْ جَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُعْطاهُ أوَّلًا قَبْلَ دُخُولِهِ النارَ، وهَذِهِ الآيَةُ تُرَدُّ عَلى هَذا القَوْلِ. و"الحِسابُ اليَسِيرُ" هو العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ ويُعَذَّبُ، كَذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعائِشَةَ (p-٥٧٠)رَضِيَ اللهُ عنها، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "مَن حُوسِبَ عُذِّبَ" فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: ألَمْ يَقُلِ اللهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ الآيَةُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: وسَلَّمَ: "إنَّما ذَلِكَ العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ "،» وفي الحَدِيثِ مِن طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، « " يُدْنِي اللهُ تَعالى العَبْدَ حَتّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيَقُولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِكَ كَذا وكَذا؟ -يُعَدِّدُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ-، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: فَلِمَ فَعَلْتَ كَذا وكَذا لِمَعاصِيهِ- فَيَقِفُ العَبْدُ خَزْيانًا، فَيَقُولُ اللهُ تَعالى: سَتَرْتُها عَلَيْكَ في الدُنْيا وأنا أغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ.» وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: « "اللهُمَّ حاسِبْنِي حِسابًا يَسِيرًا"، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ وما هُوَ؟ فَقالَ: "أنْ يَتَجاوَزَ عَنِ السَيِّئاتِ"»، ورَوى ابْنُ عُمَرَ، أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "مَن حاسَبَ نَفْسَهُ في الدُنْيا هَوَّنَ اللهُ تَعالى حِسابَهُ يَوْمَ القِيامَةِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: "إلى أهْلِهِ" أيِ الَّذِينَ أعَدَّ اللهُ تَعالى لَهُ في الجَنَّةِ، إمّا مِن نِساءِ الدُنْيا وإمّا مِنَ الحُورِ العَيْنِ وإمّا مِنَ الجَمِيعِ.
(p-٥٧١)والكافِرُ يُؤْتى كِتابَهُ مِن ورائِهِ لِأنْ يَدَيْهِ مَغْلُولَتانِ، ورُوِيَ أنْ يَدَهُ تُدْخَلُ مِن صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ فَيَأْخُذُ كِتابُهُ بِها.
ويُقالُ إنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا في أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ وفي أخِيهِ الأسْوَدِ، وكانَ أبُو سَلَمَةَ مِن أفْضَلِ المُسْلِمِينَ وأخُوهُ مِن عُتاةِ الكافِرِينَ و"يَدْعُوا ثُبُورًا" مَعْناهُ: يَصِيحُ مُنْتَحِبًا: وا ثَبُوراهُ وا حُزْناهُ ونَحْوُ هَذا مِمّا مَعْناهُ: هَذا وقْتُكَ، وأوانُكَ، أيْ احْضُرْنِي، الثُبُورُ اسْمٌ جامِعٌ لِلْمَكارِهِ كالوَيْلِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو الشَعْثاءِ، والأعْرَجُ: "وَيُصَلّى" بِشَدِّ اللامِ وضَمِّ الياءِ عَلى المُبالَغَةِ. وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبانَ- بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ اللامِ، وهي قِراءَةُ أبِي الأشْهَبِ، وعِيسى، وهارُونُ عن أبِي عَمْرٍو. وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَسَيَصْلى". وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي أهْلِهِ" يُرِيدُ في الدُنْيا، أيْ تَمَلُّكُهُ ذَلِكَ لا يَدْرِي إلّا السُرُورَ بِأهْلِهِ دُونَ مَعْرِفَةِ اللهِ تَعالى، والمُؤْمِنُ إنْ سُرَّ بِأهْلِهِ لا حَرَجَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ مَعْناهُ: لَنْ يَرْجِعَ إلى اللهِ تَعالى مَبْعُوثًا مَحْشُورًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمْ أعْلَمْ ما مَعْنى "يَحُورَ" حَتّى سَمِعْتُ أعْرابِيَّةً تَقُولُ لِبُنَيَّةٍ لَها: حُورِي، أيِ ارْجِعِي. والظَنُّ هُنا عَلى بابِهِ، و"أنَّ" وما بَعْدَها تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "ظَنَّ"، وهي "أنْ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، و"الحَوَرُ": الرُجُوعُ عَلى الأدْراجِ، ومِنهُ: "اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الحُورِ بَعْدَ الكُورِ". (p-٥٧٢)ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى عَلى ظَنِّ هَذا الكافِرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "بَلى"، أيْ: يَحُورُ ويَرْجِعُ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يَزَلْ بَصِيرًا بِهِمْ، لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُ أحَدٍ مِنهُمْ، وفي هَذا وعِيدٌ.
الانشقاق 84:10
(p-٥٦٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الِانْشِقاقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ بَيْنِ المُتَأوِّلِينَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿إذا السَماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وَإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وَألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾
هَذِهِ أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"انْشِقاقُ السَماءِ" هو تَفَطُّرُها لِهَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وانْشَقَّتِ السَماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦]، وقالَ الفَرّاءُ، والزَجّاجُ، وغَيْرُهُما: هو تَشَقُّقُها بِالغَمامِ، وقالَ قَوْمٌ: تَشَقُّقُها هو تَفَتُّحُها أبْوابًا لِنُزُولِ المَلائِكَةِ وصُعُودِهِمْ في هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "انْشَقَّتْ" يَقِفُ عَلى التاءِ كَأنَّهُ يَشُمُّها شَيْئًا مِنَ الجَرِّ، وكَذَلِكَ في أخَواتِها. قالَ أبُو حاتِمٍ: وسَمِعْتُ أعْرابِيًّا فَصِيحًا في بِلادِ قَيْسٍ بِكَسْرِ هَذِهِ التاءاتِ، وهي لُغَةٌ.
و"أذِنَتْ" مَعْناهُ: اسْتَمْتَعَتْ وسَمِعَتْ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "ما أذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ أذِنَهُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ"،» ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٨)
؎ صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإذا ذُكِرْتَ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا
وقَوْلُهُ تَعالى: و"حُقَّتْ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، مَعْناهُ: وحُقَّ لَها أنْ تَسْمَعَ وتُطِيعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وحُقَّ لَها أنْ تَنْشَقَّ لِشِدَّةِ الهَوْلِ وخَوْفِ اللهِ تَعالى.
و"مَدُّ الأرْضِ" هو إزالَةُ جِبالِها حَتّى لا يَبْقى فِيها عِوَجٌ ولا أمْتٌ، فَذَلِكَ مَدُّها، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يَمُدُّ الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ".»
و"ألْقَتْ ما فِيها"، يُرِيدُ: مِنَ المَوْتى، قالَهُ الجُمْهُورُ، وقالَ الزَجّاجُ: مِنَ الكُنُوزِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ وقْتَ خُرُوجِ الدَجّالِ، وإنَّما تُلْقِي يَوْمَ القِيامَةِ المَوْتى.
و"تَخَلَّتْ" مَعْناهُ: خَلَتْ عَمّا كانَ فِيها، أيْ لَمْ تَتَمَسَّكْ مِنهم بِشَيْءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْجِنْسِ، و"الكادِحُ": العامِلُ بِشِدَّةٍ وسُرْعَةٍ واجْتِهادٍ مُؤَثِّرٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن سَألَ ولَهُ ما يُغْنِيهِ جاءَتْ مَسْألَتُهُ حُدُوثًا أو كُدُوحًا في وجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ"،» والمَعْنى: أنَّكَ عامِلٌ خَيْرًا أو شَرًّا، وأنْتَ لا مَحالَةَ في ذَلِكَ سائِرٌ إلى رَبِّكَ لِأنَّ الزَمَنَ يَطِيرُ بِعُمْرِ الإنْسانِ، وإنَّما هو مُدَّةُ عُمْرِهِ في سَيْرٍ حَثِيثٍ إلى رَبِّهِ. وهَذِهِ آيَةُ وعْظٍ وتَذْكِيرٍ، أيْ: فَكُنْ عَلى حَذَرٍ مِن هَذِهِ الحالِ، واعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا تَجِدُهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: بِإدْغامِ كافِ "إنَّكَ" في كافِ "كادِحٍ"، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٩)
؎ وما الإنْسانُ إلّا ذُو اغْتِرارٍ ∗∗∗ طَوالَ الدَهْرِ يَكْدَحُ في سَفالِ
وقالَ قَتادَةُ: مَنِ اسْتَطاعَ أنْ يَكُونَ كَدْحُهُ في طاعَةِ اللهِ فَلْيَفْعَلْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمُلاقِيهِ" مَعْناهُ: فَمُلاقٍ عَذابَهُ أو تَنْعِيمَهُ.
واخْتَلَفَ النُحاةُ في العامِلُ في "إذا" فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: العامِلُ: "انْشَقَّتْ"، وأبى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّتِهِمْ، لِأنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "انْشَقَّتْ"، ومَن يُجِيزُ ذَلِكَ تَضْعُفُ عِنْدَهُ الإضافَةُ ويَقْوى مَعْنى الجَزاءِ.
وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: العامِلُ "فَمُلاقِيهِ"، وقالَ بَعْضُ حُذّاقِهِمْ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ. وكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا في جَوابِ إذا"، فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ النُحاةِ: هو مَحْذُوفٌ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ، والأخْفَشُ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾، أيْ: إذا انْشَقَّتِ السَماءُ فَأنْتَ مُلاقِي اللهَ تَعالى، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ، وجَوابُ "إذا" في الفاءِ المَقَدَّرَةِ. وقالَ الفَرّاءُ عن بَعْضِ النُحاةِ: هو "أذِنَتْ" عَلى زِيادَةِ تَقْدِيرِ الواوِ. فَأمّا الضَمِيرُ "فَمُلاقِيهِ" فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: هو عائِدٌ عَلى الرَبِّ تَعالى، فالفاءُ -عَلى هَذا- عاطِفَةٌ "مُلاقٍ" عَلى "كادِحٍ"، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو عائِدٌ عَلى الكَدْحِ، فالفاءُ -عَلى هَذا- هى عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، والمَعْنى: مُلاقٍ جَزاءَهُ خَيْرًا كانَ أو شَرًّا.
ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الناسَ إلى المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالمُؤْمِنُونَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، ومَن يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِن عُصاتِهِمْ فَإنَّهُ يُعْطى كِتابَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النارِ، وقَدْ جَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُعْطاهُ أوَّلًا قَبْلَ دُخُولِهِ النارَ، وهَذِهِ الآيَةُ تُرَدُّ عَلى هَذا القَوْلِ. و"الحِسابُ اليَسِيرُ" هو العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ ويُعَذَّبُ، كَذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعائِشَةَ (p-٥٧٠)رَضِيَ اللهُ عنها، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "مَن حُوسِبَ عُذِّبَ" فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: ألَمْ يَقُلِ اللهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ الآيَةُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: وسَلَّمَ: "إنَّما ذَلِكَ العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ "،» وفي الحَدِيثِ مِن طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، « " يُدْنِي اللهُ تَعالى العَبْدَ حَتّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيَقُولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِكَ كَذا وكَذا؟ -يُعَدِّدُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ-، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: فَلِمَ فَعَلْتَ كَذا وكَذا لِمَعاصِيهِ- فَيَقِفُ العَبْدُ خَزْيانًا، فَيَقُولُ اللهُ تَعالى: سَتَرْتُها عَلَيْكَ في الدُنْيا وأنا أغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ.» وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: « "اللهُمَّ حاسِبْنِي حِسابًا يَسِيرًا"، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ وما هُوَ؟ فَقالَ: "أنْ يَتَجاوَزَ عَنِ السَيِّئاتِ"»، ورَوى ابْنُ عُمَرَ، أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "مَن حاسَبَ نَفْسَهُ في الدُنْيا هَوَّنَ اللهُ تَعالى حِسابَهُ يَوْمَ القِيامَةِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: "إلى أهْلِهِ" أيِ الَّذِينَ أعَدَّ اللهُ تَعالى لَهُ في الجَنَّةِ، إمّا مِن نِساءِ الدُنْيا وإمّا مِنَ الحُورِ العَيْنِ وإمّا مِنَ الجَمِيعِ.
(p-٥٧١)والكافِرُ يُؤْتى كِتابَهُ مِن ورائِهِ لِأنْ يَدَيْهِ مَغْلُولَتانِ، ورُوِيَ أنْ يَدَهُ تُدْخَلُ مِن صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ فَيَأْخُذُ كِتابُهُ بِها.
ويُقالُ إنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا في أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ وفي أخِيهِ الأسْوَدِ، وكانَ أبُو سَلَمَةَ مِن أفْضَلِ المُسْلِمِينَ وأخُوهُ مِن عُتاةِ الكافِرِينَ و"يَدْعُوا ثُبُورًا" مَعْناهُ: يَصِيحُ مُنْتَحِبًا: وا ثَبُوراهُ وا حُزْناهُ ونَحْوُ هَذا مِمّا مَعْناهُ: هَذا وقْتُكَ، وأوانُكَ، أيْ احْضُرْنِي، الثُبُورُ اسْمٌ جامِعٌ لِلْمَكارِهِ كالوَيْلِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو الشَعْثاءِ، والأعْرَجُ: "وَيُصَلّى" بِشَدِّ اللامِ وضَمِّ الياءِ عَلى المُبالَغَةِ. وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبانَ- بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ اللامِ، وهي قِراءَةُ أبِي الأشْهَبِ، وعِيسى، وهارُونُ عن أبِي عَمْرٍو. وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَسَيَصْلى". وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي أهْلِهِ" يُرِيدُ في الدُنْيا، أيْ تَمَلُّكُهُ ذَلِكَ لا يَدْرِي إلّا السُرُورَ بِأهْلِهِ دُونَ مَعْرِفَةِ اللهِ تَعالى، والمُؤْمِنُ إنْ سُرَّ بِأهْلِهِ لا حَرَجَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ مَعْناهُ: لَنْ يَرْجِعَ إلى اللهِ تَعالى مَبْعُوثًا مَحْشُورًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمْ أعْلَمْ ما مَعْنى "يَحُورَ" حَتّى سَمِعْتُ أعْرابِيَّةً تَقُولُ لِبُنَيَّةٍ لَها: حُورِي، أيِ ارْجِعِي. والظَنُّ هُنا عَلى بابِهِ، و"أنَّ" وما بَعْدَها تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "ظَنَّ"، وهي "أنْ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، و"الحَوَرُ": الرُجُوعُ عَلى الأدْراجِ، ومِنهُ: "اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الحُورِ بَعْدَ الكُورِ". (p-٥٧٢)ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى عَلى ظَنِّ هَذا الكافِرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "بَلى"، أيْ: يَحُورُ ويَرْجِعُ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يَزَلْ بَصِيرًا بِهِمْ، لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُ أحَدٍ مِنهُمْ، وفي هَذا وعِيدٌ.
الانشقاق 84:11
(p-٥٦٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الِانْشِقاقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ بَيْنِ المُتَأوِّلِينَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿إذا السَماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وَإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وَألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾
هَذِهِ أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"انْشِقاقُ السَماءِ" هو تَفَطُّرُها لِهَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وانْشَقَّتِ السَماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦]، وقالَ الفَرّاءُ، والزَجّاجُ، وغَيْرُهُما: هو تَشَقُّقُها بِالغَمامِ، وقالَ قَوْمٌ: تَشَقُّقُها هو تَفَتُّحُها أبْوابًا لِنُزُولِ المَلائِكَةِ وصُعُودِهِمْ في هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "انْشَقَّتْ" يَقِفُ عَلى التاءِ كَأنَّهُ يَشُمُّها شَيْئًا مِنَ الجَرِّ، وكَذَلِكَ في أخَواتِها. قالَ أبُو حاتِمٍ: وسَمِعْتُ أعْرابِيًّا فَصِيحًا في بِلادِ قَيْسٍ بِكَسْرِ هَذِهِ التاءاتِ، وهي لُغَةٌ.
و"أذِنَتْ" مَعْناهُ: اسْتَمْتَعَتْ وسَمِعَتْ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "ما أذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ أذِنَهُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ"،» ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٨)
؎ صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإذا ذُكِرْتَ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا
وقَوْلُهُ تَعالى: و"حُقَّتْ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، مَعْناهُ: وحُقَّ لَها أنْ تَسْمَعَ وتُطِيعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وحُقَّ لَها أنْ تَنْشَقَّ لِشِدَّةِ الهَوْلِ وخَوْفِ اللهِ تَعالى.
و"مَدُّ الأرْضِ" هو إزالَةُ جِبالِها حَتّى لا يَبْقى فِيها عِوَجٌ ولا أمْتٌ، فَذَلِكَ مَدُّها، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يَمُدُّ الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ".»
و"ألْقَتْ ما فِيها"، يُرِيدُ: مِنَ المَوْتى، قالَهُ الجُمْهُورُ، وقالَ الزَجّاجُ: مِنَ الكُنُوزِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ وقْتَ خُرُوجِ الدَجّالِ، وإنَّما تُلْقِي يَوْمَ القِيامَةِ المَوْتى.
و"تَخَلَّتْ" مَعْناهُ: خَلَتْ عَمّا كانَ فِيها، أيْ لَمْ تَتَمَسَّكْ مِنهم بِشَيْءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْجِنْسِ، و"الكادِحُ": العامِلُ بِشِدَّةٍ وسُرْعَةٍ واجْتِهادٍ مُؤَثِّرٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن سَألَ ولَهُ ما يُغْنِيهِ جاءَتْ مَسْألَتُهُ حُدُوثًا أو كُدُوحًا في وجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ"،» والمَعْنى: أنَّكَ عامِلٌ خَيْرًا أو شَرًّا، وأنْتَ لا مَحالَةَ في ذَلِكَ سائِرٌ إلى رَبِّكَ لِأنَّ الزَمَنَ يَطِيرُ بِعُمْرِ الإنْسانِ، وإنَّما هو مُدَّةُ عُمْرِهِ في سَيْرٍ حَثِيثٍ إلى رَبِّهِ. وهَذِهِ آيَةُ وعْظٍ وتَذْكِيرٍ، أيْ: فَكُنْ عَلى حَذَرٍ مِن هَذِهِ الحالِ، واعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا تَجِدُهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: بِإدْغامِ كافِ "إنَّكَ" في كافِ "كادِحٍ"، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٩)
؎ وما الإنْسانُ إلّا ذُو اغْتِرارٍ ∗∗∗ طَوالَ الدَهْرِ يَكْدَحُ في سَفالِ
وقالَ قَتادَةُ: مَنِ اسْتَطاعَ أنْ يَكُونَ كَدْحُهُ في طاعَةِ اللهِ فَلْيَفْعَلْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمُلاقِيهِ" مَعْناهُ: فَمُلاقٍ عَذابَهُ أو تَنْعِيمَهُ.
واخْتَلَفَ النُحاةُ في العامِلُ في "إذا" فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: العامِلُ: "انْشَقَّتْ"، وأبى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّتِهِمْ، لِأنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "انْشَقَّتْ"، ومَن يُجِيزُ ذَلِكَ تَضْعُفُ عِنْدَهُ الإضافَةُ ويَقْوى مَعْنى الجَزاءِ.
وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: العامِلُ "فَمُلاقِيهِ"، وقالَ بَعْضُ حُذّاقِهِمْ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ. وكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا في جَوابِ إذا"، فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ النُحاةِ: هو مَحْذُوفٌ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ، والأخْفَشُ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾، أيْ: إذا انْشَقَّتِ السَماءُ فَأنْتَ مُلاقِي اللهَ تَعالى، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ، وجَوابُ "إذا" في الفاءِ المَقَدَّرَةِ. وقالَ الفَرّاءُ عن بَعْضِ النُحاةِ: هو "أذِنَتْ" عَلى زِيادَةِ تَقْدِيرِ الواوِ. فَأمّا الضَمِيرُ "فَمُلاقِيهِ" فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: هو عائِدٌ عَلى الرَبِّ تَعالى، فالفاءُ -عَلى هَذا- عاطِفَةٌ "مُلاقٍ" عَلى "كادِحٍ"، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو عائِدٌ عَلى الكَدْحِ، فالفاءُ -عَلى هَذا- هى عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، والمَعْنى: مُلاقٍ جَزاءَهُ خَيْرًا كانَ أو شَرًّا.
ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الناسَ إلى المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالمُؤْمِنُونَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، ومَن يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِن عُصاتِهِمْ فَإنَّهُ يُعْطى كِتابَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النارِ، وقَدْ جَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُعْطاهُ أوَّلًا قَبْلَ دُخُولِهِ النارَ، وهَذِهِ الآيَةُ تُرَدُّ عَلى هَذا القَوْلِ. و"الحِسابُ اليَسِيرُ" هو العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ ويُعَذَّبُ، كَذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعائِشَةَ (p-٥٧٠)رَضِيَ اللهُ عنها، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "مَن حُوسِبَ عُذِّبَ" فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: ألَمْ يَقُلِ اللهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ الآيَةُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: وسَلَّمَ: "إنَّما ذَلِكَ العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ "،» وفي الحَدِيثِ مِن طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، « " يُدْنِي اللهُ تَعالى العَبْدَ حَتّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيَقُولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِكَ كَذا وكَذا؟ -يُعَدِّدُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ-، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: فَلِمَ فَعَلْتَ كَذا وكَذا لِمَعاصِيهِ- فَيَقِفُ العَبْدُ خَزْيانًا، فَيَقُولُ اللهُ تَعالى: سَتَرْتُها عَلَيْكَ في الدُنْيا وأنا أغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ.» وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: « "اللهُمَّ حاسِبْنِي حِسابًا يَسِيرًا"، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ وما هُوَ؟ فَقالَ: "أنْ يَتَجاوَزَ عَنِ السَيِّئاتِ"»، ورَوى ابْنُ عُمَرَ، أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "مَن حاسَبَ نَفْسَهُ في الدُنْيا هَوَّنَ اللهُ تَعالى حِسابَهُ يَوْمَ القِيامَةِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: "إلى أهْلِهِ" أيِ الَّذِينَ أعَدَّ اللهُ تَعالى لَهُ في الجَنَّةِ، إمّا مِن نِساءِ الدُنْيا وإمّا مِنَ الحُورِ العَيْنِ وإمّا مِنَ الجَمِيعِ.
(p-٥٧١)والكافِرُ يُؤْتى كِتابَهُ مِن ورائِهِ لِأنْ يَدَيْهِ مَغْلُولَتانِ، ورُوِيَ أنْ يَدَهُ تُدْخَلُ مِن صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ فَيَأْخُذُ كِتابُهُ بِها.
ويُقالُ إنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا في أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ وفي أخِيهِ الأسْوَدِ، وكانَ أبُو سَلَمَةَ مِن أفْضَلِ المُسْلِمِينَ وأخُوهُ مِن عُتاةِ الكافِرِينَ و"يَدْعُوا ثُبُورًا" مَعْناهُ: يَصِيحُ مُنْتَحِبًا: وا ثَبُوراهُ وا حُزْناهُ ونَحْوُ هَذا مِمّا مَعْناهُ: هَذا وقْتُكَ، وأوانُكَ، أيْ احْضُرْنِي، الثُبُورُ اسْمٌ جامِعٌ لِلْمَكارِهِ كالوَيْلِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو الشَعْثاءِ، والأعْرَجُ: "وَيُصَلّى" بِشَدِّ اللامِ وضَمِّ الياءِ عَلى المُبالَغَةِ. وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبانَ- بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ اللامِ، وهي قِراءَةُ أبِي الأشْهَبِ، وعِيسى، وهارُونُ عن أبِي عَمْرٍو. وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَسَيَصْلى". وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي أهْلِهِ" يُرِيدُ في الدُنْيا، أيْ تَمَلُّكُهُ ذَلِكَ لا يَدْرِي إلّا السُرُورَ بِأهْلِهِ دُونَ مَعْرِفَةِ اللهِ تَعالى، والمُؤْمِنُ إنْ سُرَّ بِأهْلِهِ لا حَرَجَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ مَعْناهُ: لَنْ يَرْجِعَ إلى اللهِ تَعالى مَبْعُوثًا مَحْشُورًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمْ أعْلَمْ ما مَعْنى "يَحُورَ" حَتّى سَمِعْتُ أعْرابِيَّةً تَقُولُ لِبُنَيَّةٍ لَها: حُورِي، أيِ ارْجِعِي. والظَنُّ هُنا عَلى بابِهِ، و"أنَّ" وما بَعْدَها تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "ظَنَّ"، وهي "أنْ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، و"الحَوَرُ": الرُجُوعُ عَلى الأدْراجِ، ومِنهُ: "اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الحُورِ بَعْدَ الكُورِ". (p-٥٧٢)ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى عَلى ظَنِّ هَذا الكافِرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "بَلى"، أيْ: يَحُورُ ويَرْجِعُ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يَزَلْ بَصِيرًا بِهِمْ، لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُ أحَدٍ مِنهُمْ، وفي هَذا وعِيدٌ.
الانشقاق 84:12
(p-٥٦٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الِانْشِقاقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ بَيْنِ المُتَأوِّلِينَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿إذا السَماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وَإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وَألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾
هَذِهِ أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"انْشِقاقُ السَماءِ" هو تَفَطُّرُها لِهَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وانْشَقَّتِ السَماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦]، وقالَ الفَرّاءُ، والزَجّاجُ، وغَيْرُهُما: هو تَشَقُّقُها بِالغَمامِ، وقالَ قَوْمٌ: تَشَقُّقُها هو تَفَتُّحُها أبْوابًا لِنُزُولِ المَلائِكَةِ وصُعُودِهِمْ في هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "انْشَقَّتْ" يَقِفُ عَلى التاءِ كَأنَّهُ يَشُمُّها شَيْئًا مِنَ الجَرِّ، وكَذَلِكَ في أخَواتِها. قالَ أبُو حاتِمٍ: وسَمِعْتُ أعْرابِيًّا فَصِيحًا في بِلادِ قَيْسٍ بِكَسْرِ هَذِهِ التاءاتِ، وهي لُغَةٌ.
و"أذِنَتْ" مَعْناهُ: اسْتَمْتَعَتْ وسَمِعَتْ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "ما أذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ أذِنَهُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ"،» ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٨)
؎ صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإذا ذُكِرْتَ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا
وقَوْلُهُ تَعالى: و"حُقَّتْ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، مَعْناهُ: وحُقَّ لَها أنْ تَسْمَعَ وتُطِيعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وحُقَّ لَها أنْ تَنْشَقَّ لِشِدَّةِ الهَوْلِ وخَوْفِ اللهِ تَعالى.
و"مَدُّ الأرْضِ" هو إزالَةُ جِبالِها حَتّى لا يَبْقى فِيها عِوَجٌ ولا أمْتٌ، فَذَلِكَ مَدُّها، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يَمُدُّ الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ".»
و"ألْقَتْ ما فِيها"، يُرِيدُ: مِنَ المَوْتى، قالَهُ الجُمْهُورُ، وقالَ الزَجّاجُ: مِنَ الكُنُوزِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ وقْتَ خُرُوجِ الدَجّالِ، وإنَّما تُلْقِي يَوْمَ القِيامَةِ المَوْتى.
و"تَخَلَّتْ" مَعْناهُ: خَلَتْ عَمّا كانَ فِيها، أيْ لَمْ تَتَمَسَّكْ مِنهم بِشَيْءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْجِنْسِ، و"الكادِحُ": العامِلُ بِشِدَّةٍ وسُرْعَةٍ واجْتِهادٍ مُؤَثِّرٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن سَألَ ولَهُ ما يُغْنِيهِ جاءَتْ مَسْألَتُهُ حُدُوثًا أو كُدُوحًا في وجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ"،» والمَعْنى: أنَّكَ عامِلٌ خَيْرًا أو شَرًّا، وأنْتَ لا مَحالَةَ في ذَلِكَ سائِرٌ إلى رَبِّكَ لِأنَّ الزَمَنَ يَطِيرُ بِعُمْرِ الإنْسانِ، وإنَّما هو مُدَّةُ عُمْرِهِ في سَيْرٍ حَثِيثٍ إلى رَبِّهِ. وهَذِهِ آيَةُ وعْظٍ وتَذْكِيرٍ، أيْ: فَكُنْ عَلى حَذَرٍ مِن هَذِهِ الحالِ، واعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا تَجِدُهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: بِإدْغامِ كافِ "إنَّكَ" في كافِ "كادِحٍ"، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٩)
؎ وما الإنْسانُ إلّا ذُو اغْتِرارٍ ∗∗∗ طَوالَ الدَهْرِ يَكْدَحُ في سَفالِ
وقالَ قَتادَةُ: مَنِ اسْتَطاعَ أنْ يَكُونَ كَدْحُهُ في طاعَةِ اللهِ فَلْيَفْعَلْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمُلاقِيهِ" مَعْناهُ: فَمُلاقٍ عَذابَهُ أو تَنْعِيمَهُ.
واخْتَلَفَ النُحاةُ في العامِلُ في "إذا" فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: العامِلُ: "انْشَقَّتْ"، وأبى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّتِهِمْ، لِأنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "انْشَقَّتْ"، ومَن يُجِيزُ ذَلِكَ تَضْعُفُ عِنْدَهُ الإضافَةُ ويَقْوى مَعْنى الجَزاءِ.
وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: العامِلُ "فَمُلاقِيهِ"، وقالَ بَعْضُ حُذّاقِهِمْ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ. وكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا في جَوابِ إذا"، فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ النُحاةِ: هو مَحْذُوفٌ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ، والأخْفَشُ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾، أيْ: إذا انْشَقَّتِ السَماءُ فَأنْتَ مُلاقِي اللهَ تَعالى، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ، وجَوابُ "إذا" في الفاءِ المَقَدَّرَةِ. وقالَ الفَرّاءُ عن بَعْضِ النُحاةِ: هو "أذِنَتْ" عَلى زِيادَةِ تَقْدِيرِ الواوِ. فَأمّا الضَمِيرُ "فَمُلاقِيهِ" فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: هو عائِدٌ عَلى الرَبِّ تَعالى، فالفاءُ -عَلى هَذا- عاطِفَةٌ "مُلاقٍ" عَلى "كادِحٍ"، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو عائِدٌ عَلى الكَدْحِ، فالفاءُ -عَلى هَذا- هى عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، والمَعْنى: مُلاقٍ جَزاءَهُ خَيْرًا كانَ أو شَرًّا.
ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الناسَ إلى المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالمُؤْمِنُونَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، ومَن يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِن عُصاتِهِمْ فَإنَّهُ يُعْطى كِتابَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النارِ، وقَدْ جَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُعْطاهُ أوَّلًا قَبْلَ دُخُولِهِ النارَ، وهَذِهِ الآيَةُ تُرَدُّ عَلى هَذا القَوْلِ. و"الحِسابُ اليَسِيرُ" هو العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ ويُعَذَّبُ، كَذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعائِشَةَ (p-٥٧٠)رَضِيَ اللهُ عنها، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "مَن حُوسِبَ عُذِّبَ" فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: ألَمْ يَقُلِ اللهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ الآيَةُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: وسَلَّمَ: "إنَّما ذَلِكَ العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ "،» وفي الحَدِيثِ مِن طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، « " يُدْنِي اللهُ تَعالى العَبْدَ حَتّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيَقُولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِكَ كَذا وكَذا؟ -يُعَدِّدُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ-، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: فَلِمَ فَعَلْتَ كَذا وكَذا لِمَعاصِيهِ- فَيَقِفُ العَبْدُ خَزْيانًا، فَيَقُولُ اللهُ تَعالى: سَتَرْتُها عَلَيْكَ في الدُنْيا وأنا أغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ.» وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: « "اللهُمَّ حاسِبْنِي حِسابًا يَسِيرًا"، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ وما هُوَ؟ فَقالَ: "أنْ يَتَجاوَزَ عَنِ السَيِّئاتِ"»، ورَوى ابْنُ عُمَرَ، أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "مَن حاسَبَ نَفْسَهُ في الدُنْيا هَوَّنَ اللهُ تَعالى حِسابَهُ يَوْمَ القِيامَةِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: "إلى أهْلِهِ" أيِ الَّذِينَ أعَدَّ اللهُ تَعالى لَهُ في الجَنَّةِ، إمّا مِن نِساءِ الدُنْيا وإمّا مِنَ الحُورِ العَيْنِ وإمّا مِنَ الجَمِيعِ.
(p-٥٧١)والكافِرُ يُؤْتى كِتابَهُ مِن ورائِهِ لِأنْ يَدَيْهِ مَغْلُولَتانِ، ورُوِيَ أنْ يَدَهُ تُدْخَلُ مِن صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ فَيَأْخُذُ كِتابُهُ بِها.
ويُقالُ إنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا في أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ وفي أخِيهِ الأسْوَدِ، وكانَ أبُو سَلَمَةَ مِن أفْضَلِ المُسْلِمِينَ وأخُوهُ مِن عُتاةِ الكافِرِينَ و"يَدْعُوا ثُبُورًا" مَعْناهُ: يَصِيحُ مُنْتَحِبًا: وا ثَبُوراهُ وا حُزْناهُ ونَحْوُ هَذا مِمّا مَعْناهُ: هَذا وقْتُكَ، وأوانُكَ، أيْ احْضُرْنِي، الثُبُورُ اسْمٌ جامِعٌ لِلْمَكارِهِ كالوَيْلِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو الشَعْثاءِ، والأعْرَجُ: "وَيُصَلّى" بِشَدِّ اللامِ وضَمِّ الياءِ عَلى المُبالَغَةِ. وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبانَ- بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ اللامِ، وهي قِراءَةُ أبِي الأشْهَبِ، وعِيسى، وهارُونُ عن أبِي عَمْرٍو. وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَسَيَصْلى". وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي أهْلِهِ" يُرِيدُ في الدُنْيا، أيْ تَمَلُّكُهُ ذَلِكَ لا يَدْرِي إلّا السُرُورَ بِأهْلِهِ دُونَ مَعْرِفَةِ اللهِ تَعالى، والمُؤْمِنُ إنْ سُرَّ بِأهْلِهِ لا حَرَجَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ مَعْناهُ: لَنْ يَرْجِعَ إلى اللهِ تَعالى مَبْعُوثًا مَحْشُورًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمْ أعْلَمْ ما مَعْنى "يَحُورَ" حَتّى سَمِعْتُ أعْرابِيَّةً تَقُولُ لِبُنَيَّةٍ لَها: حُورِي، أيِ ارْجِعِي. والظَنُّ هُنا عَلى بابِهِ، و"أنَّ" وما بَعْدَها تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "ظَنَّ"، وهي "أنْ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، و"الحَوَرُ": الرُجُوعُ عَلى الأدْراجِ، ومِنهُ: "اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الحُورِ بَعْدَ الكُورِ". (p-٥٧٢)ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى عَلى ظَنِّ هَذا الكافِرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "بَلى"، أيْ: يَحُورُ ويَرْجِعُ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يَزَلْ بَصِيرًا بِهِمْ، لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُ أحَدٍ مِنهُمْ، وفي هَذا وعِيدٌ.
الانشقاق 84:13
(p-٥٦٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الِانْشِقاقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ بَيْنِ المُتَأوِّلِينَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿إذا السَماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وَإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وَألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾
هَذِهِ أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"انْشِقاقُ السَماءِ" هو تَفَطُّرُها لِهَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وانْشَقَّتِ السَماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦]، وقالَ الفَرّاءُ، والزَجّاجُ، وغَيْرُهُما: هو تَشَقُّقُها بِالغَمامِ، وقالَ قَوْمٌ: تَشَقُّقُها هو تَفَتُّحُها أبْوابًا لِنُزُولِ المَلائِكَةِ وصُعُودِهِمْ في هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "انْشَقَّتْ" يَقِفُ عَلى التاءِ كَأنَّهُ يَشُمُّها شَيْئًا مِنَ الجَرِّ، وكَذَلِكَ في أخَواتِها. قالَ أبُو حاتِمٍ: وسَمِعْتُ أعْرابِيًّا فَصِيحًا في بِلادِ قَيْسٍ بِكَسْرِ هَذِهِ التاءاتِ، وهي لُغَةٌ.
و"أذِنَتْ" مَعْناهُ: اسْتَمْتَعَتْ وسَمِعَتْ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "ما أذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ أذِنَهُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ"،» ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٨)
؎ صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإذا ذُكِرْتَ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا
وقَوْلُهُ تَعالى: و"حُقَّتْ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، مَعْناهُ: وحُقَّ لَها أنْ تَسْمَعَ وتُطِيعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وحُقَّ لَها أنْ تَنْشَقَّ لِشِدَّةِ الهَوْلِ وخَوْفِ اللهِ تَعالى.
و"مَدُّ الأرْضِ" هو إزالَةُ جِبالِها حَتّى لا يَبْقى فِيها عِوَجٌ ولا أمْتٌ، فَذَلِكَ مَدُّها، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يَمُدُّ الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ".»
و"ألْقَتْ ما فِيها"، يُرِيدُ: مِنَ المَوْتى، قالَهُ الجُمْهُورُ، وقالَ الزَجّاجُ: مِنَ الكُنُوزِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ وقْتَ خُرُوجِ الدَجّالِ، وإنَّما تُلْقِي يَوْمَ القِيامَةِ المَوْتى.
و"تَخَلَّتْ" مَعْناهُ: خَلَتْ عَمّا كانَ فِيها، أيْ لَمْ تَتَمَسَّكْ مِنهم بِشَيْءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْجِنْسِ، و"الكادِحُ": العامِلُ بِشِدَّةٍ وسُرْعَةٍ واجْتِهادٍ مُؤَثِّرٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن سَألَ ولَهُ ما يُغْنِيهِ جاءَتْ مَسْألَتُهُ حُدُوثًا أو كُدُوحًا في وجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ"،» والمَعْنى: أنَّكَ عامِلٌ خَيْرًا أو شَرًّا، وأنْتَ لا مَحالَةَ في ذَلِكَ سائِرٌ إلى رَبِّكَ لِأنَّ الزَمَنَ يَطِيرُ بِعُمْرِ الإنْسانِ، وإنَّما هو مُدَّةُ عُمْرِهِ في سَيْرٍ حَثِيثٍ إلى رَبِّهِ. وهَذِهِ آيَةُ وعْظٍ وتَذْكِيرٍ، أيْ: فَكُنْ عَلى حَذَرٍ مِن هَذِهِ الحالِ، واعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا تَجِدُهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: بِإدْغامِ كافِ "إنَّكَ" في كافِ "كادِحٍ"، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٩)
؎ وما الإنْسانُ إلّا ذُو اغْتِرارٍ ∗∗∗ طَوالَ الدَهْرِ يَكْدَحُ في سَفالِ
وقالَ قَتادَةُ: مَنِ اسْتَطاعَ أنْ يَكُونَ كَدْحُهُ في طاعَةِ اللهِ فَلْيَفْعَلْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمُلاقِيهِ" مَعْناهُ: فَمُلاقٍ عَذابَهُ أو تَنْعِيمَهُ.
واخْتَلَفَ النُحاةُ في العامِلُ في "إذا" فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: العامِلُ: "انْشَقَّتْ"، وأبى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّتِهِمْ، لِأنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "انْشَقَّتْ"، ومَن يُجِيزُ ذَلِكَ تَضْعُفُ عِنْدَهُ الإضافَةُ ويَقْوى مَعْنى الجَزاءِ.
وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: العامِلُ "فَمُلاقِيهِ"، وقالَ بَعْضُ حُذّاقِهِمْ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ. وكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا في جَوابِ إذا"، فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ النُحاةِ: هو مَحْذُوفٌ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ، والأخْفَشُ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾، أيْ: إذا انْشَقَّتِ السَماءُ فَأنْتَ مُلاقِي اللهَ تَعالى، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ، وجَوابُ "إذا" في الفاءِ المَقَدَّرَةِ. وقالَ الفَرّاءُ عن بَعْضِ النُحاةِ: هو "أذِنَتْ" عَلى زِيادَةِ تَقْدِيرِ الواوِ. فَأمّا الضَمِيرُ "فَمُلاقِيهِ" فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: هو عائِدٌ عَلى الرَبِّ تَعالى، فالفاءُ -عَلى هَذا- عاطِفَةٌ "مُلاقٍ" عَلى "كادِحٍ"، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو عائِدٌ عَلى الكَدْحِ، فالفاءُ -عَلى هَذا- هى عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، والمَعْنى: مُلاقٍ جَزاءَهُ خَيْرًا كانَ أو شَرًّا.
ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الناسَ إلى المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالمُؤْمِنُونَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، ومَن يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِن عُصاتِهِمْ فَإنَّهُ يُعْطى كِتابَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النارِ، وقَدْ جَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُعْطاهُ أوَّلًا قَبْلَ دُخُولِهِ النارَ، وهَذِهِ الآيَةُ تُرَدُّ عَلى هَذا القَوْلِ. و"الحِسابُ اليَسِيرُ" هو العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ ويُعَذَّبُ، كَذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعائِشَةَ (p-٥٧٠)رَضِيَ اللهُ عنها، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "مَن حُوسِبَ عُذِّبَ" فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: ألَمْ يَقُلِ اللهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ الآيَةُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: وسَلَّمَ: "إنَّما ذَلِكَ العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ "،» وفي الحَدِيثِ مِن طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، « " يُدْنِي اللهُ تَعالى العَبْدَ حَتّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيَقُولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِكَ كَذا وكَذا؟ -يُعَدِّدُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ-، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: فَلِمَ فَعَلْتَ كَذا وكَذا لِمَعاصِيهِ- فَيَقِفُ العَبْدُ خَزْيانًا، فَيَقُولُ اللهُ تَعالى: سَتَرْتُها عَلَيْكَ في الدُنْيا وأنا أغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ.» وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: « "اللهُمَّ حاسِبْنِي حِسابًا يَسِيرًا"، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ وما هُوَ؟ فَقالَ: "أنْ يَتَجاوَزَ عَنِ السَيِّئاتِ"»، ورَوى ابْنُ عُمَرَ، أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "مَن حاسَبَ نَفْسَهُ في الدُنْيا هَوَّنَ اللهُ تَعالى حِسابَهُ يَوْمَ القِيامَةِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: "إلى أهْلِهِ" أيِ الَّذِينَ أعَدَّ اللهُ تَعالى لَهُ في الجَنَّةِ، إمّا مِن نِساءِ الدُنْيا وإمّا مِنَ الحُورِ العَيْنِ وإمّا مِنَ الجَمِيعِ.
(p-٥٧١)والكافِرُ يُؤْتى كِتابَهُ مِن ورائِهِ لِأنْ يَدَيْهِ مَغْلُولَتانِ، ورُوِيَ أنْ يَدَهُ تُدْخَلُ مِن صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ فَيَأْخُذُ كِتابُهُ بِها.
ويُقالُ إنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا في أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ وفي أخِيهِ الأسْوَدِ، وكانَ أبُو سَلَمَةَ مِن أفْضَلِ المُسْلِمِينَ وأخُوهُ مِن عُتاةِ الكافِرِينَ و"يَدْعُوا ثُبُورًا" مَعْناهُ: يَصِيحُ مُنْتَحِبًا: وا ثَبُوراهُ وا حُزْناهُ ونَحْوُ هَذا مِمّا مَعْناهُ: هَذا وقْتُكَ، وأوانُكَ، أيْ احْضُرْنِي، الثُبُورُ اسْمٌ جامِعٌ لِلْمَكارِهِ كالوَيْلِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو الشَعْثاءِ، والأعْرَجُ: "وَيُصَلّى" بِشَدِّ اللامِ وضَمِّ الياءِ عَلى المُبالَغَةِ. وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبانَ- بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ اللامِ، وهي قِراءَةُ أبِي الأشْهَبِ، وعِيسى، وهارُونُ عن أبِي عَمْرٍو. وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَسَيَصْلى". وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي أهْلِهِ" يُرِيدُ في الدُنْيا، أيْ تَمَلُّكُهُ ذَلِكَ لا يَدْرِي إلّا السُرُورَ بِأهْلِهِ دُونَ مَعْرِفَةِ اللهِ تَعالى، والمُؤْمِنُ إنْ سُرَّ بِأهْلِهِ لا حَرَجَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ مَعْناهُ: لَنْ يَرْجِعَ إلى اللهِ تَعالى مَبْعُوثًا مَحْشُورًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمْ أعْلَمْ ما مَعْنى "يَحُورَ" حَتّى سَمِعْتُ أعْرابِيَّةً تَقُولُ لِبُنَيَّةٍ لَها: حُورِي، أيِ ارْجِعِي. والظَنُّ هُنا عَلى بابِهِ، و"أنَّ" وما بَعْدَها تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "ظَنَّ"، وهي "أنْ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، و"الحَوَرُ": الرُجُوعُ عَلى الأدْراجِ، ومِنهُ: "اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الحُورِ بَعْدَ الكُورِ". (p-٥٧٢)ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى عَلى ظَنِّ هَذا الكافِرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "بَلى"، أيْ: يَحُورُ ويَرْجِعُ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يَزَلْ بَصِيرًا بِهِمْ، لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُ أحَدٍ مِنهُمْ، وفي هَذا وعِيدٌ.
الانشقاق 84:14
(p-٥٦٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الِانْشِقاقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ بَيْنِ المُتَأوِّلِينَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿إذا السَماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وَإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وَألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾
هَذِهِ أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"انْشِقاقُ السَماءِ" هو تَفَطُّرُها لِهَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وانْشَقَّتِ السَماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦]، وقالَ الفَرّاءُ، والزَجّاجُ، وغَيْرُهُما: هو تَشَقُّقُها بِالغَمامِ، وقالَ قَوْمٌ: تَشَقُّقُها هو تَفَتُّحُها أبْوابًا لِنُزُولِ المَلائِكَةِ وصُعُودِهِمْ في هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "انْشَقَّتْ" يَقِفُ عَلى التاءِ كَأنَّهُ يَشُمُّها شَيْئًا مِنَ الجَرِّ، وكَذَلِكَ في أخَواتِها. قالَ أبُو حاتِمٍ: وسَمِعْتُ أعْرابِيًّا فَصِيحًا في بِلادِ قَيْسٍ بِكَسْرِ هَذِهِ التاءاتِ، وهي لُغَةٌ.
و"أذِنَتْ" مَعْناهُ: اسْتَمْتَعَتْ وسَمِعَتْ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "ما أذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ أذِنَهُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ"،» ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٨)
؎ صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإذا ذُكِرْتَ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا
وقَوْلُهُ تَعالى: و"حُقَّتْ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، مَعْناهُ: وحُقَّ لَها أنْ تَسْمَعَ وتُطِيعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وحُقَّ لَها أنْ تَنْشَقَّ لِشِدَّةِ الهَوْلِ وخَوْفِ اللهِ تَعالى.
و"مَدُّ الأرْضِ" هو إزالَةُ جِبالِها حَتّى لا يَبْقى فِيها عِوَجٌ ولا أمْتٌ، فَذَلِكَ مَدُّها، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يَمُدُّ الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ".»
و"ألْقَتْ ما فِيها"، يُرِيدُ: مِنَ المَوْتى، قالَهُ الجُمْهُورُ، وقالَ الزَجّاجُ: مِنَ الكُنُوزِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ وقْتَ خُرُوجِ الدَجّالِ، وإنَّما تُلْقِي يَوْمَ القِيامَةِ المَوْتى.
و"تَخَلَّتْ" مَعْناهُ: خَلَتْ عَمّا كانَ فِيها، أيْ لَمْ تَتَمَسَّكْ مِنهم بِشَيْءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْجِنْسِ، و"الكادِحُ": العامِلُ بِشِدَّةٍ وسُرْعَةٍ واجْتِهادٍ مُؤَثِّرٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن سَألَ ولَهُ ما يُغْنِيهِ جاءَتْ مَسْألَتُهُ حُدُوثًا أو كُدُوحًا في وجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ"،» والمَعْنى: أنَّكَ عامِلٌ خَيْرًا أو شَرًّا، وأنْتَ لا مَحالَةَ في ذَلِكَ سائِرٌ إلى رَبِّكَ لِأنَّ الزَمَنَ يَطِيرُ بِعُمْرِ الإنْسانِ، وإنَّما هو مُدَّةُ عُمْرِهِ في سَيْرٍ حَثِيثٍ إلى رَبِّهِ. وهَذِهِ آيَةُ وعْظٍ وتَذْكِيرٍ، أيْ: فَكُنْ عَلى حَذَرٍ مِن هَذِهِ الحالِ، واعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا تَجِدُهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: بِإدْغامِ كافِ "إنَّكَ" في كافِ "كادِحٍ"، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٩)
؎ وما الإنْسانُ إلّا ذُو اغْتِرارٍ ∗∗∗ طَوالَ الدَهْرِ يَكْدَحُ في سَفالِ
وقالَ قَتادَةُ: مَنِ اسْتَطاعَ أنْ يَكُونَ كَدْحُهُ في طاعَةِ اللهِ فَلْيَفْعَلْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمُلاقِيهِ" مَعْناهُ: فَمُلاقٍ عَذابَهُ أو تَنْعِيمَهُ.
واخْتَلَفَ النُحاةُ في العامِلُ في "إذا" فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: العامِلُ: "انْشَقَّتْ"، وأبى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّتِهِمْ، لِأنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "انْشَقَّتْ"، ومَن يُجِيزُ ذَلِكَ تَضْعُفُ عِنْدَهُ الإضافَةُ ويَقْوى مَعْنى الجَزاءِ.
وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: العامِلُ "فَمُلاقِيهِ"، وقالَ بَعْضُ حُذّاقِهِمْ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ. وكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا في جَوابِ إذا"، فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ النُحاةِ: هو مَحْذُوفٌ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ، والأخْفَشُ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾، أيْ: إذا انْشَقَّتِ السَماءُ فَأنْتَ مُلاقِي اللهَ تَعالى، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ، وجَوابُ "إذا" في الفاءِ المَقَدَّرَةِ. وقالَ الفَرّاءُ عن بَعْضِ النُحاةِ: هو "أذِنَتْ" عَلى زِيادَةِ تَقْدِيرِ الواوِ. فَأمّا الضَمِيرُ "فَمُلاقِيهِ" فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: هو عائِدٌ عَلى الرَبِّ تَعالى، فالفاءُ -عَلى هَذا- عاطِفَةٌ "مُلاقٍ" عَلى "كادِحٍ"، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو عائِدٌ عَلى الكَدْحِ، فالفاءُ -عَلى هَذا- هى عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، والمَعْنى: مُلاقٍ جَزاءَهُ خَيْرًا كانَ أو شَرًّا.
ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الناسَ إلى المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالمُؤْمِنُونَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، ومَن يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِن عُصاتِهِمْ فَإنَّهُ يُعْطى كِتابَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النارِ، وقَدْ جَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُعْطاهُ أوَّلًا قَبْلَ دُخُولِهِ النارَ، وهَذِهِ الآيَةُ تُرَدُّ عَلى هَذا القَوْلِ. و"الحِسابُ اليَسِيرُ" هو العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ ويُعَذَّبُ، كَذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعائِشَةَ (p-٥٧٠)رَضِيَ اللهُ عنها، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "مَن حُوسِبَ عُذِّبَ" فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: ألَمْ يَقُلِ اللهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ الآيَةُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: وسَلَّمَ: "إنَّما ذَلِكَ العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ "،» وفي الحَدِيثِ مِن طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، « " يُدْنِي اللهُ تَعالى العَبْدَ حَتّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيَقُولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِكَ كَذا وكَذا؟ -يُعَدِّدُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ-، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: فَلِمَ فَعَلْتَ كَذا وكَذا لِمَعاصِيهِ- فَيَقِفُ العَبْدُ خَزْيانًا، فَيَقُولُ اللهُ تَعالى: سَتَرْتُها عَلَيْكَ في الدُنْيا وأنا أغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ.» وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: « "اللهُمَّ حاسِبْنِي حِسابًا يَسِيرًا"، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ وما هُوَ؟ فَقالَ: "أنْ يَتَجاوَزَ عَنِ السَيِّئاتِ"»، ورَوى ابْنُ عُمَرَ، أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "مَن حاسَبَ نَفْسَهُ في الدُنْيا هَوَّنَ اللهُ تَعالى حِسابَهُ يَوْمَ القِيامَةِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: "إلى أهْلِهِ" أيِ الَّذِينَ أعَدَّ اللهُ تَعالى لَهُ في الجَنَّةِ، إمّا مِن نِساءِ الدُنْيا وإمّا مِنَ الحُورِ العَيْنِ وإمّا مِنَ الجَمِيعِ.
(p-٥٧١)والكافِرُ يُؤْتى كِتابَهُ مِن ورائِهِ لِأنْ يَدَيْهِ مَغْلُولَتانِ، ورُوِيَ أنْ يَدَهُ تُدْخَلُ مِن صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ فَيَأْخُذُ كِتابُهُ بِها.
ويُقالُ إنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا في أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ وفي أخِيهِ الأسْوَدِ، وكانَ أبُو سَلَمَةَ مِن أفْضَلِ المُسْلِمِينَ وأخُوهُ مِن عُتاةِ الكافِرِينَ و"يَدْعُوا ثُبُورًا" مَعْناهُ: يَصِيحُ مُنْتَحِبًا: وا ثَبُوراهُ وا حُزْناهُ ونَحْوُ هَذا مِمّا مَعْناهُ: هَذا وقْتُكَ، وأوانُكَ، أيْ احْضُرْنِي، الثُبُورُ اسْمٌ جامِعٌ لِلْمَكارِهِ كالوَيْلِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو الشَعْثاءِ، والأعْرَجُ: "وَيُصَلّى" بِشَدِّ اللامِ وضَمِّ الياءِ عَلى المُبالَغَةِ. وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبانَ- بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ اللامِ، وهي قِراءَةُ أبِي الأشْهَبِ، وعِيسى، وهارُونُ عن أبِي عَمْرٍو. وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَسَيَصْلى". وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي أهْلِهِ" يُرِيدُ في الدُنْيا، أيْ تَمَلُّكُهُ ذَلِكَ لا يَدْرِي إلّا السُرُورَ بِأهْلِهِ دُونَ مَعْرِفَةِ اللهِ تَعالى، والمُؤْمِنُ إنْ سُرَّ بِأهْلِهِ لا حَرَجَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ مَعْناهُ: لَنْ يَرْجِعَ إلى اللهِ تَعالى مَبْعُوثًا مَحْشُورًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمْ أعْلَمْ ما مَعْنى "يَحُورَ" حَتّى سَمِعْتُ أعْرابِيَّةً تَقُولُ لِبُنَيَّةٍ لَها: حُورِي، أيِ ارْجِعِي. والظَنُّ هُنا عَلى بابِهِ، و"أنَّ" وما بَعْدَها تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "ظَنَّ"، وهي "أنْ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، و"الحَوَرُ": الرُجُوعُ عَلى الأدْراجِ، ومِنهُ: "اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الحُورِ بَعْدَ الكُورِ". (p-٥٧٢)ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى عَلى ظَنِّ هَذا الكافِرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "بَلى"، أيْ: يَحُورُ ويَرْجِعُ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يَزَلْ بَصِيرًا بِهِمْ، لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُ أحَدٍ مِنهُمْ، وفي هَذا وعِيدٌ.
الانشقاق 84:15
(p-٥٦٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الِانْشِقاقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ بَيْنِ المُتَأوِّلِينَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿إذا السَماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وَإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وَألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾
هَذِهِ أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"انْشِقاقُ السَماءِ" هو تَفَطُّرُها لِهَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وانْشَقَّتِ السَماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦]، وقالَ الفَرّاءُ، والزَجّاجُ، وغَيْرُهُما: هو تَشَقُّقُها بِالغَمامِ، وقالَ قَوْمٌ: تَشَقُّقُها هو تَفَتُّحُها أبْوابًا لِنُزُولِ المَلائِكَةِ وصُعُودِهِمْ في هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "انْشَقَّتْ" يَقِفُ عَلى التاءِ كَأنَّهُ يَشُمُّها شَيْئًا مِنَ الجَرِّ، وكَذَلِكَ في أخَواتِها. قالَ أبُو حاتِمٍ: وسَمِعْتُ أعْرابِيًّا فَصِيحًا في بِلادِ قَيْسٍ بِكَسْرِ هَذِهِ التاءاتِ، وهي لُغَةٌ.
و"أذِنَتْ" مَعْناهُ: اسْتَمْتَعَتْ وسَمِعَتْ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "ما أذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ أذِنَهُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ"،» ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٨)
؎ صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإذا ذُكِرْتَ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا
وقَوْلُهُ تَعالى: و"حُقَّتْ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، مَعْناهُ: وحُقَّ لَها أنْ تَسْمَعَ وتُطِيعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وحُقَّ لَها أنْ تَنْشَقَّ لِشِدَّةِ الهَوْلِ وخَوْفِ اللهِ تَعالى.
و"مَدُّ الأرْضِ" هو إزالَةُ جِبالِها حَتّى لا يَبْقى فِيها عِوَجٌ ولا أمْتٌ، فَذَلِكَ مَدُّها، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يَمُدُّ الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ".»
و"ألْقَتْ ما فِيها"، يُرِيدُ: مِنَ المَوْتى، قالَهُ الجُمْهُورُ، وقالَ الزَجّاجُ: مِنَ الكُنُوزِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ وقْتَ خُرُوجِ الدَجّالِ، وإنَّما تُلْقِي يَوْمَ القِيامَةِ المَوْتى.
و"تَخَلَّتْ" مَعْناهُ: خَلَتْ عَمّا كانَ فِيها، أيْ لَمْ تَتَمَسَّكْ مِنهم بِشَيْءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْجِنْسِ، و"الكادِحُ": العامِلُ بِشِدَّةٍ وسُرْعَةٍ واجْتِهادٍ مُؤَثِّرٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن سَألَ ولَهُ ما يُغْنِيهِ جاءَتْ مَسْألَتُهُ حُدُوثًا أو كُدُوحًا في وجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ"،» والمَعْنى: أنَّكَ عامِلٌ خَيْرًا أو شَرًّا، وأنْتَ لا مَحالَةَ في ذَلِكَ سائِرٌ إلى رَبِّكَ لِأنَّ الزَمَنَ يَطِيرُ بِعُمْرِ الإنْسانِ، وإنَّما هو مُدَّةُ عُمْرِهِ في سَيْرٍ حَثِيثٍ إلى رَبِّهِ. وهَذِهِ آيَةُ وعْظٍ وتَذْكِيرٍ، أيْ: فَكُنْ عَلى حَذَرٍ مِن هَذِهِ الحالِ، واعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا تَجِدُهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: بِإدْغامِ كافِ "إنَّكَ" في كافِ "كادِحٍ"، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٦٩)
؎ وما الإنْسانُ إلّا ذُو اغْتِرارٍ ∗∗∗ طَوالَ الدَهْرِ يَكْدَحُ في سَفالِ
وقالَ قَتادَةُ: مَنِ اسْتَطاعَ أنْ يَكُونَ كَدْحُهُ في طاعَةِ اللهِ فَلْيَفْعَلْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمُلاقِيهِ" مَعْناهُ: فَمُلاقٍ عَذابَهُ أو تَنْعِيمَهُ.
واخْتَلَفَ النُحاةُ في العامِلُ في "إذا" فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: العامِلُ: "انْشَقَّتْ"، وأبى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّتِهِمْ، لِأنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "انْشَقَّتْ"، ومَن يُجِيزُ ذَلِكَ تَضْعُفُ عِنْدَهُ الإضافَةُ ويَقْوى مَعْنى الجَزاءِ.
وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: العامِلُ "فَمُلاقِيهِ"، وقالَ بَعْضُ حُذّاقِهِمْ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ. وكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا في جَوابِ إذا"، فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ النُحاةِ: هو مَحْذُوفٌ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ، والأخْفَشُ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾، أيْ: إذا انْشَقَّتِ السَماءُ فَأنْتَ مُلاقِي اللهَ تَعالى، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ، وجَوابُ "إذا" في الفاءِ المَقَدَّرَةِ. وقالَ الفَرّاءُ عن بَعْضِ النُحاةِ: هو "أذِنَتْ" عَلى زِيادَةِ تَقْدِيرِ الواوِ. فَأمّا الضَمِيرُ "فَمُلاقِيهِ" فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: هو عائِدٌ عَلى الرَبِّ تَعالى، فالفاءُ -عَلى هَذا- عاطِفَةٌ "مُلاقٍ" عَلى "كادِحٍ"، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو عائِدٌ عَلى الكَدْحِ، فالفاءُ -عَلى هَذا- هى عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، والمَعْنى: مُلاقٍ جَزاءَهُ خَيْرًا كانَ أو شَرًّا.
ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الناسَ إلى المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالمُؤْمِنُونَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، ومَن يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِن عُصاتِهِمْ فَإنَّهُ يُعْطى كِتابَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النارِ، وقَدْ جَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُعْطاهُ أوَّلًا قَبْلَ دُخُولِهِ النارَ، وهَذِهِ الآيَةُ تُرَدُّ عَلى هَذا القَوْلِ. و"الحِسابُ اليَسِيرُ" هو العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ ويُعَذَّبُ، كَذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعائِشَةَ (p-٥٧٠)رَضِيَ اللهُ عنها، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "مَن حُوسِبَ عُذِّبَ" فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: ألَمْ يَقُلِ اللهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ الآيَةُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: وسَلَّمَ: "إنَّما ذَلِكَ العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَإنَّهُ يَهْلَكُ "،» وفي الحَدِيثِ مِن طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، « " يُدْنِي اللهُ تَعالى العَبْدَ حَتّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيَقُولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِكَ كَذا وكَذا؟ -يُعَدِّدُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ-، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: فَلِمَ فَعَلْتَ كَذا وكَذا لِمَعاصِيهِ- فَيَقِفُ العَبْدُ خَزْيانًا، فَيَقُولُ اللهُ تَعالى: سَتَرْتُها عَلَيْكَ في الدُنْيا وأنا أغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ.» وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: « "اللهُمَّ حاسِبْنِي حِسابًا يَسِيرًا"، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ وما هُوَ؟ فَقالَ: "أنْ يَتَجاوَزَ عَنِ السَيِّئاتِ"»، ورَوى ابْنُ عُمَرَ، أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "مَن حاسَبَ نَفْسَهُ في الدُنْيا هَوَّنَ اللهُ تَعالى حِسابَهُ يَوْمَ القِيامَةِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: "إلى أهْلِهِ" أيِ الَّذِينَ أعَدَّ اللهُ تَعالى لَهُ في الجَنَّةِ، إمّا مِن نِساءِ الدُنْيا وإمّا مِنَ الحُورِ العَيْنِ وإمّا مِنَ الجَمِيعِ.
(p-٥٧١)والكافِرُ يُؤْتى كِتابَهُ مِن ورائِهِ لِأنْ يَدَيْهِ مَغْلُولَتانِ، ورُوِيَ أنْ يَدَهُ تُدْخَلُ مِن صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ فَيَأْخُذُ كِتابُهُ بِها.
ويُقالُ إنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا في أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ وفي أخِيهِ الأسْوَدِ، وكانَ أبُو سَلَمَةَ مِن أفْضَلِ المُسْلِمِينَ وأخُوهُ مِن عُتاةِ الكافِرِينَ و"يَدْعُوا ثُبُورًا" مَعْناهُ: يَصِيحُ مُنْتَحِبًا: وا ثَبُوراهُ وا حُزْناهُ ونَحْوُ هَذا مِمّا مَعْناهُ: هَذا وقْتُكَ، وأوانُكَ، أيْ احْضُرْنِي، الثُبُورُ اسْمٌ جامِعٌ لِلْمَكارِهِ كالوَيْلِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو الشَعْثاءِ، والأعْرَجُ: "وَيُصَلّى" بِشَدِّ اللامِ وضَمِّ الياءِ عَلى المُبالَغَةِ. وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبانَ- بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ اللامِ، وهي قِراءَةُ أبِي الأشْهَبِ، وعِيسى، وهارُونُ عن أبِي عَمْرٍو. وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَسَيَصْلى". وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي أهْلِهِ" يُرِيدُ في الدُنْيا، أيْ تَمَلُّكُهُ ذَلِكَ لا يَدْرِي إلّا السُرُورَ بِأهْلِهِ دُونَ مَعْرِفَةِ اللهِ تَعالى، والمُؤْمِنُ إنْ سُرَّ بِأهْلِهِ لا حَرَجَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ مَعْناهُ: لَنْ يَرْجِعَ إلى اللهِ تَعالى مَبْعُوثًا مَحْشُورًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمْ أعْلَمْ ما مَعْنى "يَحُورَ" حَتّى سَمِعْتُ أعْرابِيَّةً تَقُولُ لِبُنَيَّةٍ لَها: حُورِي، أيِ ارْجِعِي. والظَنُّ هُنا عَلى بابِهِ، و"أنَّ" وما بَعْدَها تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "ظَنَّ"، وهي "أنْ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، و"الحَوَرُ": الرُجُوعُ عَلى الأدْراجِ، ومِنهُ: "اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الحُورِ بَعْدَ الكُورِ". (p-٥٧٢)ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى عَلى ظَنِّ هَذا الكافِرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "بَلى"، أيْ: يَحُورُ ويَرْجِعُ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يَزَلْ بَصِيرًا بِهِمْ، لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُ أحَدٍ مِنهُمْ، وفي هَذا وعِيدٌ.
الانشقاق 84:16
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَفَقِ﴾ ﴿واللَيْلِ وما وسَقَ﴾ ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عن طَبَقٍ﴾ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ ﴿واللهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾
"لا" زائِدَةٌ، والتَقْدِيرُ: فَأُقْسِمُ، وقِيلَ: "لا" رادَّ عَلى أقْوالِ الكُفّارِ، وابْتَدَأ القَوْلَ: أُقْسِمُ، وقَسَمُ اللهِ تَعالى بِمَخْلُوقاتِهِ هو عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها وتَعْرِيضُها لِلْعِبْرَةِ، إذِ القَسَمُ بِها مُنَبِّهٌ مِنها. و"الشَفَقُ": الحُمْرَةُ الَّتِي تَعْقُبُ غَيْبُوبَةَ الشَمْسِ مَعَ البَياضِ التابِعِ لَها في الأغْلَبِ، وقِيلَ الشَفَقُ هُنا النَهارُ كُلُّهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: الشَفَقُ البَياضُ الَّذِي تَتْلُوهُ الحُمْرَةُ.
و"وَسَقَ" مَعْناهُ: جَمَعَ وضَمَّ، ومِنهُ الوَسْقُ، أيِ الأصْوُعُ المَجْمُوعَةُ، واللَيْلُ يَسِقُ الحَيَوانَ جُمْلَةً، أيْ يَجْمَعُها في نَفْسِهِ ويَضُمُّها، وكَذَلِكَ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ الَّتِي في الأرْضِ والهَواءِ مِنَ البِحارِ والجِبالِ والرِياحِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
و"اتِّساقُ القَمَرِ" كَمالُهُ وتَمامُهُ بَدْرًا، فالمَعْنى: امْتَلَأ مِنَ النُورِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عَبّاسٍ -بِخِلافٍ عنهُما- وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ "لَتَرْكَبُنَّ" بِضَمِّ الباءِ، عَلى مُخاطَبَةِ الناسِ، والمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الشَدائِدَ، المَوْتَ والبَعْثَ والحِسابَ حالًا بَعْدَ حالٍ، أو تَكُونُ الأحْوالُ مِنَ النُطْفَةِ إلى الهَرَمِ، كَما تَقُولُ: طَبَقَةٌ بَعْدَ طَبَقَةٍ، و"عن" تَجِيءُ بِمَعْنى "بَعْدُ"، كَما تَقُولُ: "وَرِثَ المَجْدَ كابِرًا عن كابِرٍ" وقِيلَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبَدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في النَبِيِّ ﷺ:
؎ وأنْتَ لَمّا بُعِثْتَ أشْرَقَتِ الأرْ ضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الطُرُقُ
؎ تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ
(p-٥٧٣)أيْ قَرْنٌ مِنَ الناسِ؛ لِأنَّهُ طَبَقُ الأرْضِ، قالَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ:
؎ إنِّي امْرُؤٌ قَدْ حَلَبْتُ الدَهْرَ أشْطُرَهُ ∗∗∗ وساقَنِي طَبَقٌ مِنهُ إلى طَبَقِ
أيْ حالٌ بَعْدَ حالٍ، وقِيلَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الآخِرَةَ بَعْدَ الأُولى، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَيَرْكَبُنَّ" عَلى أنَّهم غَيْبٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَن قَبْلَكم. / ٥٠ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَما في الحَدِيثِ: « "شِبْرًا بِشِبْرٍ، وذِراعًا بِذِراعٍ"،» فَهَذا هو طَبَقٌ عن طَبَقٍ، ويَلْتَئِمُ هَذا المَعْنى مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ الَّتِي ذَكَرْنا عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ويَحْسُنُ مَعَ القِراءَةِ الأُولى، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعَمْرُو بْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأُسُودُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومَعْرُوفٌ والشَعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى: "لَتَرْكَبَنَّ" بِفَتْحِ الباءِ، عَلى مَعْنى: أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقِيلَ: المَعْنى: حالًا بَعْدَ حالٍ مِن مُعالَجَةِ الكُفّارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَماءٌ بَعْدَ سَماءٍ في الإسْراءِ، وقِيلَ: هي عِدَةٌ بِالنَصْرِ، أيْ لَتَرْكَبَنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ كَما كانَ ووُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: المَعْنى: لَتَرْكَبَنَّ السَماءَ في أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ حالًا بَعْدَ حالٍ، تَكُونُ كالمَهْلِ وكالدِهانِ وتَنْفَطِرُ وتَتَشَقَّقُ، فالسَماءُ هي الفاعِلَةُ، (p-٥٧٤)وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "لَيَرْكَبُنَّ" عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، فَإمّا أنْ يُرادَ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلى المَعانِي المُتَقَدِّمَةِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ يَعْنِي: نَبِيُّكم ﷺ، إمامًا، قالَ بَعْضُ الناسِ في كِتابِ النَقّاشِ مِن أنَّ المُرادَ القَمَرُ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا وأسْرارًا واسْتِهْلالًا.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ، -والمُرادُ أُولَئِكَ الكُفّارُ- بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾، أيْ: مَن حُجَّتُهم مَعَ هَذِهِ البَراهِينِ الساطِعَةِ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُكَذِّبُونَ" بِضَمِّ الياءِ وشَدِّ الذالِ، وقَرَأ الضَحّاكُ بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الذالِ وإسْكانِ الكافِ. و"يُوعُونَ" مَعْناهُ: يَجْمَعُونَ مِنَ الأعْمالِ والتَكْذِيبِ والكُفْرِ، كَأنَّهم يَجْعَلُونَها في أوعِيَةٍ، تَقُولُ: وعَيْتُ العِلْمَ وأوعَيْتُ المَتاعَ، وجَعَلَ تَعالى البِشارَةَ في العَذابِ لَمّا صَرَّحَ بِهِ، وإذا جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما هي مِنَ الخَيرِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا سَبَقَ لَهُمُ الإيمانُ في قَضائِهِ. و"مَمْنُونٍ" مَعْناهُ: مَقْطُوعٌ، مِن قَوْلِهِمْ: حَبْلٌ مَنِينٌ، أيْ مَقْطُوعٌ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ اليَشْكُرِي:
؎ فَتَرى خَلْفَهُنَّ مِنَ الرَجْعِ والوَقْـ ∗∗∗ ـعِ مَنِينًا كَأنَّهُ أهْباءُ
يُرِيدُ غُبارًا مُتَقَطِّعًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مَمْنُونٍ" مُعَدَّدٌ عَلَيْهِمْ مَحْسُوبٌ مُنَغَّصٌ بِالمَنِّ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الِانْشِقاقِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
الانشقاق 84:17
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَفَقِ﴾ ﴿واللَيْلِ وما وسَقَ﴾ ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عن طَبَقٍ﴾ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ ﴿واللهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾
"لا" زائِدَةٌ، والتَقْدِيرُ: فَأُقْسِمُ، وقِيلَ: "لا" رادَّ عَلى أقْوالِ الكُفّارِ، وابْتَدَأ القَوْلَ: أُقْسِمُ، وقَسَمُ اللهِ تَعالى بِمَخْلُوقاتِهِ هو عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها وتَعْرِيضُها لِلْعِبْرَةِ، إذِ القَسَمُ بِها مُنَبِّهٌ مِنها. و"الشَفَقُ": الحُمْرَةُ الَّتِي تَعْقُبُ غَيْبُوبَةَ الشَمْسِ مَعَ البَياضِ التابِعِ لَها في الأغْلَبِ، وقِيلَ الشَفَقُ هُنا النَهارُ كُلُّهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: الشَفَقُ البَياضُ الَّذِي تَتْلُوهُ الحُمْرَةُ.
و"وَسَقَ" مَعْناهُ: جَمَعَ وضَمَّ، ومِنهُ الوَسْقُ، أيِ الأصْوُعُ المَجْمُوعَةُ، واللَيْلُ يَسِقُ الحَيَوانَ جُمْلَةً، أيْ يَجْمَعُها في نَفْسِهِ ويَضُمُّها، وكَذَلِكَ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ الَّتِي في الأرْضِ والهَواءِ مِنَ البِحارِ والجِبالِ والرِياحِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
و"اتِّساقُ القَمَرِ" كَمالُهُ وتَمامُهُ بَدْرًا، فالمَعْنى: امْتَلَأ مِنَ النُورِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عَبّاسٍ -بِخِلافٍ عنهُما- وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ "لَتَرْكَبُنَّ" بِضَمِّ الباءِ، عَلى مُخاطَبَةِ الناسِ، والمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الشَدائِدَ، المَوْتَ والبَعْثَ والحِسابَ حالًا بَعْدَ حالٍ، أو تَكُونُ الأحْوالُ مِنَ النُطْفَةِ إلى الهَرَمِ، كَما تَقُولُ: طَبَقَةٌ بَعْدَ طَبَقَةٍ، و"عن" تَجِيءُ بِمَعْنى "بَعْدُ"، كَما تَقُولُ: "وَرِثَ المَجْدَ كابِرًا عن كابِرٍ" وقِيلَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبَدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في النَبِيِّ ﷺ:
؎ وأنْتَ لَمّا بُعِثْتَ أشْرَقَتِ الأرْ ضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الطُرُقُ
؎ تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ
(p-٥٧٣)أيْ قَرْنٌ مِنَ الناسِ؛ لِأنَّهُ طَبَقُ الأرْضِ، قالَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ:
؎ إنِّي امْرُؤٌ قَدْ حَلَبْتُ الدَهْرَ أشْطُرَهُ ∗∗∗ وساقَنِي طَبَقٌ مِنهُ إلى طَبَقِ
أيْ حالٌ بَعْدَ حالٍ، وقِيلَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الآخِرَةَ بَعْدَ الأُولى، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَيَرْكَبُنَّ" عَلى أنَّهم غَيْبٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَن قَبْلَكم. / ٥٠ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَما في الحَدِيثِ: « "شِبْرًا بِشِبْرٍ، وذِراعًا بِذِراعٍ"،» فَهَذا هو طَبَقٌ عن طَبَقٍ، ويَلْتَئِمُ هَذا المَعْنى مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ الَّتِي ذَكَرْنا عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ويَحْسُنُ مَعَ القِراءَةِ الأُولى، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعَمْرُو بْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأُسُودُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومَعْرُوفٌ والشَعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى: "لَتَرْكَبَنَّ" بِفَتْحِ الباءِ، عَلى مَعْنى: أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقِيلَ: المَعْنى: حالًا بَعْدَ حالٍ مِن مُعالَجَةِ الكُفّارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَماءٌ بَعْدَ سَماءٍ في الإسْراءِ، وقِيلَ: هي عِدَةٌ بِالنَصْرِ، أيْ لَتَرْكَبَنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ كَما كانَ ووُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: المَعْنى: لَتَرْكَبَنَّ السَماءَ في أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ حالًا بَعْدَ حالٍ، تَكُونُ كالمَهْلِ وكالدِهانِ وتَنْفَطِرُ وتَتَشَقَّقُ، فالسَماءُ هي الفاعِلَةُ، (p-٥٧٤)وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "لَيَرْكَبُنَّ" عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، فَإمّا أنْ يُرادَ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلى المَعانِي المُتَقَدِّمَةِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ يَعْنِي: نَبِيُّكم ﷺ، إمامًا، قالَ بَعْضُ الناسِ في كِتابِ النَقّاشِ مِن أنَّ المُرادَ القَمَرُ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا وأسْرارًا واسْتِهْلالًا.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ، -والمُرادُ أُولَئِكَ الكُفّارُ- بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾، أيْ: مَن حُجَّتُهم مَعَ هَذِهِ البَراهِينِ الساطِعَةِ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُكَذِّبُونَ" بِضَمِّ الياءِ وشَدِّ الذالِ، وقَرَأ الضَحّاكُ بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الذالِ وإسْكانِ الكافِ. و"يُوعُونَ" مَعْناهُ: يَجْمَعُونَ مِنَ الأعْمالِ والتَكْذِيبِ والكُفْرِ، كَأنَّهم يَجْعَلُونَها في أوعِيَةٍ، تَقُولُ: وعَيْتُ العِلْمَ وأوعَيْتُ المَتاعَ، وجَعَلَ تَعالى البِشارَةَ في العَذابِ لَمّا صَرَّحَ بِهِ، وإذا جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما هي مِنَ الخَيرِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا سَبَقَ لَهُمُ الإيمانُ في قَضائِهِ. و"مَمْنُونٍ" مَعْناهُ: مَقْطُوعٌ، مِن قَوْلِهِمْ: حَبْلٌ مَنِينٌ، أيْ مَقْطُوعٌ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ اليَشْكُرِي:
؎ فَتَرى خَلْفَهُنَّ مِنَ الرَجْعِ والوَقْـ ∗∗∗ ـعِ مَنِينًا كَأنَّهُ أهْباءُ
يُرِيدُ غُبارًا مُتَقَطِّعًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مَمْنُونٍ" مُعَدَّدٌ عَلَيْهِمْ مَحْسُوبٌ مُنَغَّصٌ بِالمَنِّ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الِانْشِقاقِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
الانشقاق 84:18
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَفَقِ﴾ ﴿واللَيْلِ وما وسَقَ﴾ ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عن طَبَقٍ﴾ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ ﴿واللهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾
"لا" زائِدَةٌ، والتَقْدِيرُ: فَأُقْسِمُ، وقِيلَ: "لا" رادَّ عَلى أقْوالِ الكُفّارِ، وابْتَدَأ القَوْلَ: أُقْسِمُ، وقَسَمُ اللهِ تَعالى بِمَخْلُوقاتِهِ هو عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها وتَعْرِيضُها لِلْعِبْرَةِ، إذِ القَسَمُ بِها مُنَبِّهٌ مِنها. و"الشَفَقُ": الحُمْرَةُ الَّتِي تَعْقُبُ غَيْبُوبَةَ الشَمْسِ مَعَ البَياضِ التابِعِ لَها في الأغْلَبِ، وقِيلَ الشَفَقُ هُنا النَهارُ كُلُّهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: الشَفَقُ البَياضُ الَّذِي تَتْلُوهُ الحُمْرَةُ.
و"وَسَقَ" مَعْناهُ: جَمَعَ وضَمَّ، ومِنهُ الوَسْقُ، أيِ الأصْوُعُ المَجْمُوعَةُ، واللَيْلُ يَسِقُ الحَيَوانَ جُمْلَةً، أيْ يَجْمَعُها في نَفْسِهِ ويَضُمُّها، وكَذَلِكَ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ الَّتِي في الأرْضِ والهَواءِ مِنَ البِحارِ والجِبالِ والرِياحِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
و"اتِّساقُ القَمَرِ" كَمالُهُ وتَمامُهُ بَدْرًا، فالمَعْنى: امْتَلَأ مِنَ النُورِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عَبّاسٍ -بِخِلافٍ عنهُما- وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ "لَتَرْكَبُنَّ" بِضَمِّ الباءِ، عَلى مُخاطَبَةِ الناسِ، والمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الشَدائِدَ، المَوْتَ والبَعْثَ والحِسابَ حالًا بَعْدَ حالٍ، أو تَكُونُ الأحْوالُ مِنَ النُطْفَةِ إلى الهَرَمِ، كَما تَقُولُ: طَبَقَةٌ بَعْدَ طَبَقَةٍ، و"عن" تَجِيءُ بِمَعْنى "بَعْدُ"، كَما تَقُولُ: "وَرِثَ المَجْدَ كابِرًا عن كابِرٍ" وقِيلَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبَدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في النَبِيِّ ﷺ:
؎ وأنْتَ لَمّا بُعِثْتَ أشْرَقَتِ الأرْ ضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الطُرُقُ
؎ تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ
(p-٥٧٣)أيْ قَرْنٌ مِنَ الناسِ؛ لِأنَّهُ طَبَقُ الأرْضِ، قالَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ:
؎ إنِّي امْرُؤٌ قَدْ حَلَبْتُ الدَهْرَ أشْطُرَهُ ∗∗∗ وساقَنِي طَبَقٌ مِنهُ إلى طَبَقِ
أيْ حالٌ بَعْدَ حالٍ، وقِيلَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الآخِرَةَ بَعْدَ الأُولى، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَيَرْكَبُنَّ" عَلى أنَّهم غَيْبٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَن قَبْلَكم. / ٥٠ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَما في الحَدِيثِ: « "شِبْرًا بِشِبْرٍ، وذِراعًا بِذِراعٍ"،» فَهَذا هو طَبَقٌ عن طَبَقٍ، ويَلْتَئِمُ هَذا المَعْنى مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ الَّتِي ذَكَرْنا عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ويَحْسُنُ مَعَ القِراءَةِ الأُولى، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعَمْرُو بْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأُسُودُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومَعْرُوفٌ والشَعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى: "لَتَرْكَبَنَّ" بِفَتْحِ الباءِ، عَلى مَعْنى: أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقِيلَ: المَعْنى: حالًا بَعْدَ حالٍ مِن مُعالَجَةِ الكُفّارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَماءٌ بَعْدَ سَماءٍ في الإسْراءِ، وقِيلَ: هي عِدَةٌ بِالنَصْرِ، أيْ لَتَرْكَبَنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ كَما كانَ ووُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: المَعْنى: لَتَرْكَبَنَّ السَماءَ في أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ حالًا بَعْدَ حالٍ، تَكُونُ كالمَهْلِ وكالدِهانِ وتَنْفَطِرُ وتَتَشَقَّقُ، فالسَماءُ هي الفاعِلَةُ، (p-٥٧٤)وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "لَيَرْكَبُنَّ" عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، فَإمّا أنْ يُرادَ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلى المَعانِي المُتَقَدِّمَةِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ يَعْنِي: نَبِيُّكم ﷺ، إمامًا، قالَ بَعْضُ الناسِ في كِتابِ النَقّاشِ مِن أنَّ المُرادَ القَمَرُ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا وأسْرارًا واسْتِهْلالًا.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ، -والمُرادُ أُولَئِكَ الكُفّارُ- بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾، أيْ: مَن حُجَّتُهم مَعَ هَذِهِ البَراهِينِ الساطِعَةِ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُكَذِّبُونَ" بِضَمِّ الياءِ وشَدِّ الذالِ، وقَرَأ الضَحّاكُ بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الذالِ وإسْكانِ الكافِ. و"يُوعُونَ" مَعْناهُ: يَجْمَعُونَ مِنَ الأعْمالِ والتَكْذِيبِ والكُفْرِ، كَأنَّهم يَجْعَلُونَها في أوعِيَةٍ، تَقُولُ: وعَيْتُ العِلْمَ وأوعَيْتُ المَتاعَ، وجَعَلَ تَعالى البِشارَةَ في العَذابِ لَمّا صَرَّحَ بِهِ، وإذا جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما هي مِنَ الخَيرِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا سَبَقَ لَهُمُ الإيمانُ في قَضائِهِ. و"مَمْنُونٍ" مَعْناهُ: مَقْطُوعٌ، مِن قَوْلِهِمْ: حَبْلٌ مَنِينٌ، أيْ مَقْطُوعٌ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ اليَشْكُرِي:
؎ فَتَرى خَلْفَهُنَّ مِنَ الرَجْعِ والوَقْـ ∗∗∗ ـعِ مَنِينًا كَأنَّهُ أهْباءُ
يُرِيدُ غُبارًا مُتَقَطِّعًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مَمْنُونٍ" مُعَدَّدٌ عَلَيْهِمْ مَحْسُوبٌ مُنَغَّصٌ بِالمَنِّ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الِانْشِقاقِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
الانشقاق 84:19
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَفَقِ﴾ ﴿واللَيْلِ وما وسَقَ﴾ ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عن طَبَقٍ﴾ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ ﴿واللهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾
"لا" زائِدَةٌ، والتَقْدِيرُ: فَأُقْسِمُ، وقِيلَ: "لا" رادَّ عَلى أقْوالِ الكُفّارِ، وابْتَدَأ القَوْلَ: أُقْسِمُ، وقَسَمُ اللهِ تَعالى بِمَخْلُوقاتِهِ هو عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها وتَعْرِيضُها لِلْعِبْرَةِ، إذِ القَسَمُ بِها مُنَبِّهٌ مِنها. و"الشَفَقُ": الحُمْرَةُ الَّتِي تَعْقُبُ غَيْبُوبَةَ الشَمْسِ مَعَ البَياضِ التابِعِ لَها في الأغْلَبِ، وقِيلَ الشَفَقُ هُنا النَهارُ كُلُّهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: الشَفَقُ البَياضُ الَّذِي تَتْلُوهُ الحُمْرَةُ.
و"وَسَقَ" مَعْناهُ: جَمَعَ وضَمَّ، ومِنهُ الوَسْقُ، أيِ الأصْوُعُ المَجْمُوعَةُ، واللَيْلُ يَسِقُ الحَيَوانَ جُمْلَةً، أيْ يَجْمَعُها في نَفْسِهِ ويَضُمُّها، وكَذَلِكَ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ الَّتِي في الأرْضِ والهَواءِ مِنَ البِحارِ والجِبالِ والرِياحِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
و"اتِّساقُ القَمَرِ" كَمالُهُ وتَمامُهُ بَدْرًا، فالمَعْنى: امْتَلَأ مِنَ النُورِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عَبّاسٍ -بِخِلافٍ عنهُما- وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ "لَتَرْكَبُنَّ" بِضَمِّ الباءِ، عَلى مُخاطَبَةِ الناسِ، والمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الشَدائِدَ، المَوْتَ والبَعْثَ والحِسابَ حالًا بَعْدَ حالٍ، أو تَكُونُ الأحْوالُ مِنَ النُطْفَةِ إلى الهَرَمِ، كَما تَقُولُ: طَبَقَةٌ بَعْدَ طَبَقَةٍ، و"عن" تَجِيءُ بِمَعْنى "بَعْدُ"، كَما تَقُولُ: "وَرِثَ المَجْدَ كابِرًا عن كابِرٍ" وقِيلَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبَدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في النَبِيِّ ﷺ:
؎ وأنْتَ لَمّا بُعِثْتَ أشْرَقَتِ الأرْ ضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الطُرُقُ
؎ تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ
(p-٥٧٣)أيْ قَرْنٌ مِنَ الناسِ؛ لِأنَّهُ طَبَقُ الأرْضِ، قالَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ:
؎ إنِّي امْرُؤٌ قَدْ حَلَبْتُ الدَهْرَ أشْطُرَهُ ∗∗∗ وساقَنِي طَبَقٌ مِنهُ إلى طَبَقِ
أيْ حالٌ بَعْدَ حالٍ، وقِيلَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الآخِرَةَ بَعْدَ الأُولى، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَيَرْكَبُنَّ" عَلى أنَّهم غَيْبٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَن قَبْلَكم. / ٥٠ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَما في الحَدِيثِ: « "شِبْرًا بِشِبْرٍ، وذِراعًا بِذِراعٍ"،» فَهَذا هو طَبَقٌ عن طَبَقٍ، ويَلْتَئِمُ هَذا المَعْنى مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ الَّتِي ذَكَرْنا عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ويَحْسُنُ مَعَ القِراءَةِ الأُولى، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعَمْرُو بْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأُسُودُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومَعْرُوفٌ والشَعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى: "لَتَرْكَبَنَّ" بِفَتْحِ الباءِ، عَلى مَعْنى: أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقِيلَ: المَعْنى: حالًا بَعْدَ حالٍ مِن مُعالَجَةِ الكُفّارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَماءٌ بَعْدَ سَماءٍ في الإسْراءِ، وقِيلَ: هي عِدَةٌ بِالنَصْرِ، أيْ لَتَرْكَبَنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ كَما كانَ ووُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: المَعْنى: لَتَرْكَبَنَّ السَماءَ في أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ حالًا بَعْدَ حالٍ، تَكُونُ كالمَهْلِ وكالدِهانِ وتَنْفَطِرُ وتَتَشَقَّقُ، فالسَماءُ هي الفاعِلَةُ، (p-٥٧٤)وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "لَيَرْكَبُنَّ" عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، فَإمّا أنْ يُرادَ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلى المَعانِي المُتَقَدِّمَةِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ يَعْنِي: نَبِيُّكم ﷺ، إمامًا، قالَ بَعْضُ الناسِ في كِتابِ النَقّاشِ مِن أنَّ المُرادَ القَمَرُ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا وأسْرارًا واسْتِهْلالًا.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ، -والمُرادُ أُولَئِكَ الكُفّارُ- بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾، أيْ: مَن حُجَّتُهم مَعَ هَذِهِ البَراهِينِ الساطِعَةِ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُكَذِّبُونَ" بِضَمِّ الياءِ وشَدِّ الذالِ، وقَرَأ الضَحّاكُ بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الذالِ وإسْكانِ الكافِ. و"يُوعُونَ" مَعْناهُ: يَجْمَعُونَ مِنَ الأعْمالِ والتَكْذِيبِ والكُفْرِ، كَأنَّهم يَجْعَلُونَها في أوعِيَةٍ، تَقُولُ: وعَيْتُ العِلْمَ وأوعَيْتُ المَتاعَ، وجَعَلَ تَعالى البِشارَةَ في العَذابِ لَمّا صَرَّحَ بِهِ، وإذا جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما هي مِنَ الخَيرِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا سَبَقَ لَهُمُ الإيمانُ في قَضائِهِ. و"مَمْنُونٍ" مَعْناهُ: مَقْطُوعٌ، مِن قَوْلِهِمْ: حَبْلٌ مَنِينٌ، أيْ مَقْطُوعٌ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ اليَشْكُرِي:
؎ فَتَرى خَلْفَهُنَّ مِنَ الرَجْعِ والوَقْـ ∗∗∗ ـعِ مَنِينًا كَأنَّهُ أهْباءُ
يُرِيدُ غُبارًا مُتَقَطِّعًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مَمْنُونٍ" مُعَدَّدٌ عَلَيْهِمْ مَحْسُوبٌ مُنَغَّصٌ بِالمَنِّ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الِانْشِقاقِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
الانشقاق 84:20
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَفَقِ﴾ ﴿واللَيْلِ وما وسَقَ﴾ ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عن طَبَقٍ﴾ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ ﴿واللهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾
"لا" زائِدَةٌ، والتَقْدِيرُ: فَأُقْسِمُ، وقِيلَ: "لا" رادَّ عَلى أقْوالِ الكُفّارِ، وابْتَدَأ القَوْلَ: أُقْسِمُ، وقَسَمُ اللهِ تَعالى بِمَخْلُوقاتِهِ هو عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها وتَعْرِيضُها لِلْعِبْرَةِ، إذِ القَسَمُ بِها مُنَبِّهٌ مِنها. و"الشَفَقُ": الحُمْرَةُ الَّتِي تَعْقُبُ غَيْبُوبَةَ الشَمْسِ مَعَ البَياضِ التابِعِ لَها في الأغْلَبِ، وقِيلَ الشَفَقُ هُنا النَهارُ كُلُّهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: الشَفَقُ البَياضُ الَّذِي تَتْلُوهُ الحُمْرَةُ.
و"وَسَقَ" مَعْناهُ: جَمَعَ وضَمَّ، ومِنهُ الوَسْقُ، أيِ الأصْوُعُ المَجْمُوعَةُ، واللَيْلُ يَسِقُ الحَيَوانَ جُمْلَةً، أيْ يَجْمَعُها في نَفْسِهِ ويَضُمُّها، وكَذَلِكَ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ الَّتِي في الأرْضِ والهَواءِ مِنَ البِحارِ والجِبالِ والرِياحِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
و"اتِّساقُ القَمَرِ" كَمالُهُ وتَمامُهُ بَدْرًا، فالمَعْنى: امْتَلَأ مِنَ النُورِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عَبّاسٍ -بِخِلافٍ عنهُما- وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ "لَتَرْكَبُنَّ" بِضَمِّ الباءِ، عَلى مُخاطَبَةِ الناسِ، والمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الشَدائِدَ، المَوْتَ والبَعْثَ والحِسابَ حالًا بَعْدَ حالٍ، أو تَكُونُ الأحْوالُ مِنَ النُطْفَةِ إلى الهَرَمِ، كَما تَقُولُ: طَبَقَةٌ بَعْدَ طَبَقَةٍ، و"عن" تَجِيءُ بِمَعْنى "بَعْدُ"، كَما تَقُولُ: "وَرِثَ المَجْدَ كابِرًا عن كابِرٍ" وقِيلَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبَدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في النَبِيِّ ﷺ:
؎ وأنْتَ لَمّا بُعِثْتَ أشْرَقَتِ الأرْ ضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الطُرُقُ
؎ تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ
(p-٥٧٣)أيْ قَرْنٌ مِنَ الناسِ؛ لِأنَّهُ طَبَقُ الأرْضِ، قالَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ:
؎ إنِّي امْرُؤٌ قَدْ حَلَبْتُ الدَهْرَ أشْطُرَهُ ∗∗∗ وساقَنِي طَبَقٌ مِنهُ إلى طَبَقِ
أيْ حالٌ بَعْدَ حالٍ، وقِيلَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الآخِرَةَ بَعْدَ الأُولى، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَيَرْكَبُنَّ" عَلى أنَّهم غَيْبٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَن قَبْلَكم. / ٥٠ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَما في الحَدِيثِ: « "شِبْرًا بِشِبْرٍ، وذِراعًا بِذِراعٍ"،» فَهَذا هو طَبَقٌ عن طَبَقٍ، ويَلْتَئِمُ هَذا المَعْنى مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ الَّتِي ذَكَرْنا عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ويَحْسُنُ مَعَ القِراءَةِ الأُولى، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعَمْرُو بْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأُسُودُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومَعْرُوفٌ والشَعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى: "لَتَرْكَبَنَّ" بِفَتْحِ الباءِ، عَلى مَعْنى: أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقِيلَ: المَعْنى: حالًا بَعْدَ حالٍ مِن مُعالَجَةِ الكُفّارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَماءٌ بَعْدَ سَماءٍ في الإسْراءِ، وقِيلَ: هي عِدَةٌ بِالنَصْرِ، أيْ لَتَرْكَبَنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ كَما كانَ ووُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: المَعْنى: لَتَرْكَبَنَّ السَماءَ في أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ حالًا بَعْدَ حالٍ، تَكُونُ كالمَهْلِ وكالدِهانِ وتَنْفَطِرُ وتَتَشَقَّقُ، فالسَماءُ هي الفاعِلَةُ، (p-٥٧٤)وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "لَيَرْكَبُنَّ" عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، فَإمّا أنْ يُرادَ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلى المَعانِي المُتَقَدِّمَةِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ يَعْنِي: نَبِيُّكم ﷺ، إمامًا، قالَ بَعْضُ الناسِ في كِتابِ النَقّاشِ مِن أنَّ المُرادَ القَمَرُ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا وأسْرارًا واسْتِهْلالًا.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ، -والمُرادُ أُولَئِكَ الكُفّارُ- بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾، أيْ: مَن حُجَّتُهم مَعَ هَذِهِ البَراهِينِ الساطِعَةِ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُكَذِّبُونَ" بِضَمِّ الياءِ وشَدِّ الذالِ، وقَرَأ الضَحّاكُ بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الذالِ وإسْكانِ الكافِ. و"يُوعُونَ" مَعْناهُ: يَجْمَعُونَ مِنَ الأعْمالِ والتَكْذِيبِ والكُفْرِ، كَأنَّهم يَجْعَلُونَها في أوعِيَةٍ، تَقُولُ: وعَيْتُ العِلْمَ وأوعَيْتُ المَتاعَ، وجَعَلَ تَعالى البِشارَةَ في العَذابِ لَمّا صَرَّحَ بِهِ، وإذا جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما هي مِنَ الخَيرِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا سَبَقَ لَهُمُ الإيمانُ في قَضائِهِ. و"مَمْنُونٍ" مَعْناهُ: مَقْطُوعٌ، مِن قَوْلِهِمْ: حَبْلٌ مَنِينٌ، أيْ مَقْطُوعٌ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ اليَشْكُرِي:
؎ فَتَرى خَلْفَهُنَّ مِنَ الرَجْعِ والوَقْـ ∗∗∗ ـعِ مَنِينًا كَأنَّهُ أهْباءُ
يُرِيدُ غُبارًا مُتَقَطِّعًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مَمْنُونٍ" مُعَدَّدٌ عَلَيْهِمْ مَحْسُوبٌ مُنَغَّصٌ بِالمَنِّ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الِانْشِقاقِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
الانشقاق 84:21
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَفَقِ﴾ ﴿واللَيْلِ وما وسَقَ﴾ ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عن طَبَقٍ﴾ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ ﴿واللهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾
"لا" زائِدَةٌ، والتَقْدِيرُ: فَأُقْسِمُ، وقِيلَ: "لا" رادَّ عَلى أقْوالِ الكُفّارِ، وابْتَدَأ القَوْلَ: أُقْسِمُ، وقَسَمُ اللهِ تَعالى بِمَخْلُوقاتِهِ هو عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها وتَعْرِيضُها لِلْعِبْرَةِ، إذِ القَسَمُ بِها مُنَبِّهٌ مِنها. و"الشَفَقُ": الحُمْرَةُ الَّتِي تَعْقُبُ غَيْبُوبَةَ الشَمْسِ مَعَ البَياضِ التابِعِ لَها في الأغْلَبِ، وقِيلَ الشَفَقُ هُنا النَهارُ كُلُّهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: الشَفَقُ البَياضُ الَّذِي تَتْلُوهُ الحُمْرَةُ.
و"وَسَقَ" مَعْناهُ: جَمَعَ وضَمَّ، ومِنهُ الوَسْقُ، أيِ الأصْوُعُ المَجْمُوعَةُ، واللَيْلُ يَسِقُ الحَيَوانَ جُمْلَةً، أيْ يَجْمَعُها في نَفْسِهِ ويَضُمُّها، وكَذَلِكَ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ الَّتِي في الأرْضِ والهَواءِ مِنَ البِحارِ والجِبالِ والرِياحِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
و"اتِّساقُ القَمَرِ" كَمالُهُ وتَمامُهُ بَدْرًا، فالمَعْنى: امْتَلَأ مِنَ النُورِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عَبّاسٍ -بِخِلافٍ عنهُما- وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ "لَتَرْكَبُنَّ" بِضَمِّ الباءِ، عَلى مُخاطَبَةِ الناسِ، والمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الشَدائِدَ، المَوْتَ والبَعْثَ والحِسابَ حالًا بَعْدَ حالٍ، أو تَكُونُ الأحْوالُ مِنَ النُطْفَةِ إلى الهَرَمِ، كَما تَقُولُ: طَبَقَةٌ بَعْدَ طَبَقَةٍ، و"عن" تَجِيءُ بِمَعْنى "بَعْدُ"، كَما تَقُولُ: "وَرِثَ المَجْدَ كابِرًا عن كابِرٍ" وقِيلَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبَدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في النَبِيِّ ﷺ:
؎ وأنْتَ لَمّا بُعِثْتَ أشْرَقَتِ الأرْ ضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الطُرُقُ
؎ تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ
(p-٥٧٣)أيْ قَرْنٌ مِنَ الناسِ؛ لِأنَّهُ طَبَقُ الأرْضِ، قالَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ:
؎ إنِّي امْرُؤٌ قَدْ حَلَبْتُ الدَهْرَ أشْطُرَهُ ∗∗∗ وساقَنِي طَبَقٌ مِنهُ إلى طَبَقِ
أيْ حالٌ بَعْدَ حالٍ، وقِيلَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الآخِرَةَ بَعْدَ الأُولى، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَيَرْكَبُنَّ" عَلى أنَّهم غَيْبٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَن قَبْلَكم. / ٥٠ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَما في الحَدِيثِ: « "شِبْرًا بِشِبْرٍ، وذِراعًا بِذِراعٍ"،» فَهَذا هو طَبَقٌ عن طَبَقٍ، ويَلْتَئِمُ هَذا المَعْنى مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ الَّتِي ذَكَرْنا عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ويَحْسُنُ مَعَ القِراءَةِ الأُولى، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعَمْرُو بْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأُسُودُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومَعْرُوفٌ والشَعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى: "لَتَرْكَبَنَّ" بِفَتْحِ الباءِ، عَلى مَعْنى: أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقِيلَ: المَعْنى: حالًا بَعْدَ حالٍ مِن مُعالَجَةِ الكُفّارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَماءٌ بَعْدَ سَماءٍ في الإسْراءِ، وقِيلَ: هي عِدَةٌ بِالنَصْرِ، أيْ لَتَرْكَبَنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ كَما كانَ ووُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: المَعْنى: لَتَرْكَبَنَّ السَماءَ في أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ حالًا بَعْدَ حالٍ، تَكُونُ كالمَهْلِ وكالدِهانِ وتَنْفَطِرُ وتَتَشَقَّقُ، فالسَماءُ هي الفاعِلَةُ، (p-٥٧٤)وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "لَيَرْكَبُنَّ" عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، فَإمّا أنْ يُرادَ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلى المَعانِي المُتَقَدِّمَةِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ يَعْنِي: نَبِيُّكم ﷺ، إمامًا، قالَ بَعْضُ الناسِ في كِتابِ النَقّاشِ مِن أنَّ المُرادَ القَمَرُ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا وأسْرارًا واسْتِهْلالًا.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ، -والمُرادُ أُولَئِكَ الكُفّارُ- بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾، أيْ: مَن حُجَّتُهم مَعَ هَذِهِ البَراهِينِ الساطِعَةِ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُكَذِّبُونَ" بِضَمِّ الياءِ وشَدِّ الذالِ، وقَرَأ الضَحّاكُ بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الذالِ وإسْكانِ الكافِ. و"يُوعُونَ" مَعْناهُ: يَجْمَعُونَ مِنَ الأعْمالِ والتَكْذِيبِ والكُفْرِ، كَأنَّهم يَجْعَلُونَها في أوعِيَةٍ، تَقُولُ: وعَيْتُ العِلْمَ وأوعَيْتُ المَتاعَ، وجَعَلَ تَعالى البِشارَةَ في العَذابِ لَمّا صَرَّحَ بِهِ، وإذا جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما هي مِنَ الخَيرِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا سَبَقَ لَهُمُ الإيمانُ في قَضائِهِ. و"مَمْنُونٍ" مَعْناهُ: مَقْطُوعٌ، مِن قَوْلِهِمْ: حَبْلٌ مَنِينٌ، أيْ مَقْطُوعٌ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ اليَشْكُرِي:
؎ فَتَرى خَلْفَهُنَّ مِنَ الرَجْعِ والوَقْـ ∗∗∗ ـعِ مَنِينًا كَأنَّهُ أهْباءُ
يُرِيدُ غُبارًا مُتَقَطِّعًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مَمْنُونٍ" مُعَدَّدٌ عَلَيْهِمْ مَحْسُوبٌ مُنَغَّصٌ بِالمَنِّ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الِانْشِقاقِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
الانشقاق 84:22
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَفَقِ﴾ ﴿واللَيْلِ وما وسَقَ﴾ ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عن طَبَقٍ﴾ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ ﴿واللهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾
"لا" زائِدَةٌ، والتَقْدِيرُ: فَأُقْسِمُ، وقِيلَ: "لا" رادَّ عَلى أقْوالِ الكُفّارِ، وابْتَدَأ القَوْلَ: أُقْسِمُ، وقَسَمُ اللهِ تَعالى بِمَخْلُوقاتِهِ هو عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها وتَعْرِيضُها لِلْعِبْرَةِ، إذِ القَسَمُ بِها مُنَبِّهٌ مِنها. و"الشَفَقُ": الحُمْرَةُ الَّتِي تَعْقُبُ غَيْبُوبَةَ الشَمْسِ مَعَ البَياضِ التابِعِ لَها في الأغْلَبِ، وقِيلَ الشَفَقُ هُنا النَهارُ كُلُّهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: الشَفَقُ البَياضُ الَّذِي تَتْلُوهُ الحُمْرَةُ.
و"وَسَقَ" مَعْناهُ: جَمَعَ وضَمَّ، ومِنهُ الوَسْقُ، أيِ الأصْوُعُ المَجْمُوعَةُ، واللَيْلُ يَسِقُ الحَيَوانَ جُمْلَةً، أيْ يَجْمَعُها في نَفْسِهِ ويَضُمُّها، وكَذَلِكَ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ الَّتِي في الأرْضِ والهَواءِ مِنَ البِحارِ والجِبالِ والرِياحِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
و"اتِّساقُ القَمَرِ" كَمالُهُ وتَمامُهُ بَدْرًا، فالمَعْنى: امْتَلَأ مِنَ النُورِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عَبّاسٍ -بِخِلافٍ عنهُما- وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ "لَتَرْكَبُنَّ" بِضَمِّ الباءِ، عَلى مُخاطَبَةِ الناسِ، والمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الشَدائِدَ، المَوْتَ والبَعْثَ والحِسابَ حالًا بَعْدَ حالٍ، أو تَكُونُ الأحْوالُ مِنَ النُطْفَةِ إلى الهَرَمِ، كَما تَقُولُ: طَبَقَةٌ بَعْدَ طَبَقَةٍ، و"عن" تَجِيءُ بِمَعْنى "بَعْدُ"، كَما تَقُولُ: "وَرِثَ المَجْدَ كابِرًا عن كابِرٍ" وقِيلَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبَدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في النَبِيِّ ﷺ:
؎ وأنْتَ لَمّا بُعِثْتَ أشْرَقَتِ الأرْ ضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الطُرُقُ
؎ تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ
(p-٥٧٣)أيْ قَرْنٌ مِنَ الناسِ؛ لِأنَّهُ طَبَقُ الأرْضِ، قالَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ:
؎ إنِّي امْرُؤٌ قَدْ حَلَبْتُ الدَهْرَ أشْطُرَهُ ∗∗∗ وساقَنِي طَبَقٌ مِنهُ إلى طَبَقِ
أيْ حالٌ بَعْدَ حالٍ، وقِيلَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الآخِرَةَ بَعْدَ الأُولى، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَيَرْكَبُنَّ" عَلى أنَّهم غَيْبٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَن قَبْلَكم. / ٥٠ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَما في الحَدِيثِ: « "شِبْرًا بِشِبْرٍ، وذِراعًا بِذِراعٍ"،» فَهَذا هو طَبَقٌ عن طَبَقٍ، ويَلْتَئِمُ هَذا المَعْنى مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ الَّتِي ذَكَرْنا عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ويَحْسُنُ مَعَ القِراءَةِ الأُولى، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعَمْرُو بْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأُسُودُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومَعْرُوفٌ والشَعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى: "لَتَرْكَبَنَّ" بِفَتْحِ الباءِ، عَلى مَعْنى: أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقِيلَ: المَعْنى: حالًا بَعْدَ حالٍ مِن مُعالَجَةِ الكُفّارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَماءٌ بَعْدَ سَماءٍ في الإسْراءِ، وقِيلَ: هي عِدَةٌ بِالنَصْرِ، أيْ لَتَرْكَبَنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ كَما كانَ ووُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: المَعْنى: لَتَرْكَبَنَّ السَماءَ في أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ حالًا بَعْدَ حالٍ، تَكُونُ كالمَهْلِ وكالدِهانِ وتَنْفَطِرُ وتَتَشَقَّقُ، فالسَماءُ هي الفاعِلَةُ، (p-٥٧٤)وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "لَيَرْكَبُنَّ" عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، فَإمّا أنْ يُرادَ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلى المَعانِي المُتَقَدِّمَةِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ يَعْنِي: نَبِيُّكم ﷺ، إمامًا، قالَ بَعْضُ الناسِ في كِتابِ النَقّاشِ مِن أنَّ المُرادَ القَمَرُ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا وأسْرارًا واسْتِهْلالًا.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ، -والمُرادُ أُولَئِكَ الكُفّارُ- بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾، أيْ: مَن حُجَّتُهم مَعَ هَذِهِ البَراهِينِ الساطِعَةِ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُكَذِّبُونَ" بِضَمِّ الياءِ وشَدِّ الذالِ، وقَرَأ الضَحّاكُ بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الذالِ وإسْكانِ الكافِ. و"يُوعُونَ" مَعْناهُ: يَجْمَعُونَ مِنَ الأعْمالِ والتَكْذِيبِ والكُفْرِ، كَأنَّهم يَجْعَلُونَها في أوعِيَةٍ، تَقُولُ: وعَيْتُ العِلْمَ وأوعَيْتُ المَتاعَ، وجَعَلَ تَعالى البِشارَةَ في العَذابِ لَمّا صَرَّحَ بِهِ، وإذا جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما هي مِنَ الخَيرِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا سَبَقَ لَهُمُ الإيمانُ في قَضائِهِ. و"مَمْنُونٍ" مَعْناهُ: مَقْطُوعٌ، مِن قَوْلِهِمْ: حَبْلٌ مَنِينٌ، أيْ مَقْطُوعٌ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ اليَشْكُرِي:
؎ فَتَرى خَلْفَهُنَّ مِنَ الرَجْعِ والوَقْـ ∗∗∗ ـعِ مَنِينًا كَأنَّهُ أهْباءُ
يُرِيدُ غُبارًا مُتَقَطِّعًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مَمْنُونٍ" مُعَدَّدٌ عَلَيْهِمْ مَحْسُوبٌ مُنَغَّصٌ بِالمَنِّ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الِانْشِقاقِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
الانشقاق 84:23
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَفَقِ﴾ ﴿واللَيْلِ وما وسَقَ﴾ ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عن طَبَقٍ﴾ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ ﴿واللهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾
"لا" زائِدَةٌ، والتَقْدِيرُ: فَأُقْسِمُ، وقِيلَ: "لا" رادَّ عَلى أقْوالِ الكُفّارِ، وابْتَدَأ القَوْلَ: أُقْسِمُ، وقَسَمُ اللهِ تَعالى بِمَخْلُوقاتِهِ هو عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها وتَعْرِيضُها لِلْعِبْرَةِ، إذِ القَسَمُ بِها مُنَبِّهٌ مِنها. و"الشَفَقُ": الحُمْرَةُ الَّتِي تَعْقُبُ غَيْبُوبَةَ الشَمْسِ مَعَ البَياضِ التابِعِ لَها في الأغْلَبِ، وقِيلَ الشَفَقُ هُنا النَهارُ كُلُّهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: الشَفَقُ البَياضُ الَّذِي تَتْلُوهُ الحُمْرَةُ.
و"وَسَقَ" مَعْناهُ: جَمَعَ وضَمَّ، ومِنهُ الوَسْقُ، أيِ الأصْوُعُ المَجْمُوعَةُ، واللَيْلُ يَسِقُ الحَيَوانَ جُمْلَةً، أيْ يَجْمَعُها في نَفْسِهِ ويَضُمُّها، وكَذَلِكَ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ الَّتِي في الأرْضِ والهَواءِ مِنَ البِحارِ والجِبالِ والرِياحِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
و"اتِّساقُ القَمَرِ" كَمالُهُ وتَمامُهُ بَدْرًا، فالمَعْنى: امْتَلَأ مِنَ النُورِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عَبّاسٍ -بِخِلافٍ عنهُما- وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ "لَتَرْكَبُنَّ" بِضَمِّ الباءِ، عَلى مُخاطَبَةِ الناسِ، والمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الشَدائِدَ، المَوْتَ والبَعْثَ والحِسابَ حالًا بَعْدَ حالٍ، أو تَكُونُ الأحْوالُ مِنَ النُطْفَةِ إلى الهَرَمِ، كَما تَقُولُ: طَبَقَةٌ بَعْدَ طَبَقَةٍ، و"عن" تَجِيءُ بِمَعْنى "بَعْدُ"، كَما تَقُولُ: "وَرِثَ المَجْدَ كابِرًا عن كابِرٍ" وقِيلَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبَدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في النَبِيِّ ﷺ:
؎ وأنْتَ لَمّا بُعِثْتَ أشْرَقَتِ الأرْ ضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الطُرُقُ
؎ تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ
(p-٥٧٣)أيْ قَرْنٌ مِنَ الناسِ؛ لِأنَّهُ طَبَقُ الأرْضِ، قالَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ:
؎ إنِّي امْرُؤٌ قَدْ حَلَبْتُ الدَهْرَ أشْطُرَهُ ∗∗∗ وساقَنِي طَبَقٌ مِنهُ إلى طَبَقِ
أيْ حالٌ بَعْدَ حالٍ، وقِيلَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الآخِرَةَ بَعْدَ الأُولى، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَيَرْكَبُنَّ" عَلى أنَّهم غَيْبٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَن قَبْلَكم. / ٥٠ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَما في الحَدِيثِ: « "شِبْرًا بِشِبْرٍ، وذِراعًا بِذِراعٍ"،» فَهَذا هو طَبَقٌ عن طَبَقٍ، ويَلْتَئِمُ هَذا المَعْنى مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ الَّتِي ذَكَرْنا عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ويَحْسُنُ مَعَ القِراءَةِ الأُولى، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعَمْرُو بْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأُسُودُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومَعْرُوفٌ والشَعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى: "لَتَرْكَبَنَّ" بِفَتْحِ الباءِ، عَلى مَعْنى: أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقِيلَ: المَعْنى: حالًا بَعْدَ حالٍ مِن مُعالَجَةِ الكُفّارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَماءٌ بَعْدَ سَماءٍ في الإسْراءِ، وقِيلَ: هي عِدَةٌ بِالنَصْرِ، أيْ لَتَرْكَبَنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ كَما كانَ ووُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: المَعْنى: لَتَرْكَبَنَّ السَماءَ في أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ حالًا بَعْدَ حالٍ، تَكُونُ كالمَهْلِ وكالدِهانِ وتَنْفَطِرُ وتَتَشَقَّقُ، فالسَماءُ هي الفاعِلَةُ، (p-٥٧٤)وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "لَيَرْكَبُنَّ" عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، فَإمّا أنْ يُرادَ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلى المَعانِي المُتَقَدِّمَةِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ يَعْنِي: نَبِيُّكم ﷺ، إمامًا، قالَ بَعْضُ الناسِ في كِتابِ النَقّاشِ مِن أنَّ المُرادَ القَمَرُ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا وأسْرارًا واسْتِهْلالًا.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ، -والمُرادُ أُولَئِكَ الكُفّارُ- بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾، أيْ: مَن حُجَّتُهم مَعَ هَذِهِ البَراهِينِ الساطِعَةِ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُكَذِّبُونَ" بِضَمِّ الياءِ وشَدِّ الذالِ، وقَرَأ الضَحّاكُ بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الذالِ وإسْكانِ الكافِ. و"يُوعُونَ" مَعْناهُ: يَجْمَعُونَ مِنَ الأعْمالِ والتَكْذِيبِ والكُفْرِ، كَأنَّهم يَجْعَلُونَها في أوعِيَةٍ، تَقُولُ: وعَيْتُ العِلْمَ وأوعَيْتُ المَتاعَ، وجَعَلَ تَعالى البِشارَةَ في العَذابِ لَمّا صَرَّحَ بِهِ، وإذا جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما هي مِنَ الخَيرِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا سَبَقَ لَهُمُ الإيمانُ في قَضائِهِ. و"مَمْنُونٍ" مَعْناهُ: مَقْطُوعٌ، مِن قَوْلِهِمْ: حَبْلٌ مَنِينٌ، أيْ مَقْطُوعٌ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ اليَشْكُرِي:
؎ فَتَرى خَلْفَهُنَّ مِنَ الرَجْعِ والوَقْـ ∗∗∗ ـعِ مَنِينًا كَأنَّهُ أهْباءُ
يُرِيدُ غُبارًا مُتَقَطِّعًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مَمْنُونٍ" مُعَدَّدٌ عَلَيْهِمْ مَحْسُوبٌ مُنَغَّصٌ بِالمَنِّ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الِانْشِقاقِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
الانشقاق 84:24
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَفَقِ﴾ ﴿واللَيْلِ وما وسَقَ﴾ ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عن طَبَقٍ﴾ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ ﴿واللهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾
"لا" زائِدَةٌ، والتَقْدِيرُ: فَأُقْسِمُ، وقِيلَ: "لا" رادَّ عَلى أقْوالِ الكُفّارِ، وابْتَدَأ القَوْلَ: أُقْسِمُ، وقَسَمُ اللهِ تَعالى بِمَخْلُوقاتِهِ هو عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها وتَعْرِيضُها لِلْعِبْرَةِ، إذِ القَسَمُ بِها مُنَبِّهٌ مِنها. و"الشَفَقُ": الحُمْرَةُ الَّتِي تَعْقُبُ غَيْبُوبَةَ الشَمْسِ مَعَ البَياضِ التابِعِ لَها في الأغْلَبِ، وقِيلَ الشَفَقُ هُنا النَهارُ كُلُّهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: الشَفَقُ البَياضُ الَّذِي تَتْلُوهُ الحُمْرَةُ.
و"وَسَقَ" مَعْناهُ: جَمَعَ وضَمَّ، ومِنهُ الوَسْقُ، أيِ الأصْوُعُ المَجْمُوعَةُ، واللَيْلُ يَسِقُ الحَيَوانَ جُمْلَةً، أيْ يَجْمَعُها في نَفْسِهِ ويَضُمُّها، وكَذَلِكَ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ الَّتِي في الأرْضِ والهَواءِ مِنَ البِحارِ والجِبالِ والرِياحِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
و"اتِّساقُ القَمَرِ" كَمالُهُ وتَمامُهُ بَدْرًا، فالمَعْنى: امْتَلَأ مِنَ النُورِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عَبّاسٍ -بِخِلافٍ عنهُما- وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ "لَتَرْكَبُنَّ" بِضَمِّ الباءِ، عَلى مُخاطَبَةِ الناسِ، والمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الشَدائِدَ، المَوْتَ والبَعْثَ والحِسابَ حالًا بَعْدَ حالٍ، أو تَكُونُ الأحْوالُ مِنَ النُطْفَةِ إلى الهَرَمِ، كَما تَقُولُ: طَبَقَةٌ بَعْدَ طَبَقَةٍ، و"عن" تَجِيءُ بِمَعْنى "بَعْدُ"، كَما تَقُولُ: "وَرِثَ المَجْدَ كابِرًا عن كابِرٍ" وقِيلَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبَدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في النَبِيِّ ﷺ:
؎ وأنْتَ لَمّا بُعِثْتَ أشْرَقَتِ الأرْ ضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الطُرُقُ
؎ تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ
(p-٥٧٣)أيْ قَرْنٌ مِنَ الناسِ؛ لِأنَّهُ طَبَقُ الأرْضِ، قالَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ:
؎ إنِّي امْرُؤٌ قَدْ حَلَبْتُ الدَهْرَ أشْطُرَهُ ∗∗∗ وساقَنِي طَبَقٌ مِنهُ إلى طَبَقِ
أيْ حالٌ بَعْدَ حالٍ، وقِيلَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الآخِرَةَ بَعْدَ الأُولى، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَيَرْكَبُنَّ" عَلى أنَّهم غَيْبٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَن قَبْلَكم. / ٥٠ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَما في الحَدِيثِ: « "شِبْرًا بِشِبْرٍ، وذِراعًا بِذِراعٍ"،» فَهَذا هو طَبَقٌ عن طَبَقٍ، ويَلْتَئِمُ هَذا المَعْنى مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ الَّتِي ذَكَرْنا عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ويَحْسُنُ مَعَ القِراءَةِ الأُولى، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعَمْرُو بْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأُسُودُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومَعْرُوفٌ والشَعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى: "لَتَرْكَبَنَّ" بِفَتْحِ الباءِ، عَلى مَعْنى: أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقِيلَ: المَعْنى: حالًا بَعْدَ حالٍ مِن مُعالَجَةِ الكُفّارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَماءٌ بَعْدَ سَماءٍ في الإسْراءِ، وقِيلَ: هي عِدَةٌ بِالنَصْرِ، أيْ لَتَرْكَبَنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ كَما كانَ ووُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: المَعْنى: لَتَرْكَبَنَّ السَماءَ في أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ حالًا بَعْدَ حالٍ، تَكُونُ كالمَهْلِ وكالدِهانِ وتَنْفَطِرُ وتَتَشَقَّقُ، فالسَماءُ هي الفاعِلَةُ، (p-٥٧٤)وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "لَيَرْكَبُنَّ" عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، فَإمّا أنْ يُرادَ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلى المَعانِي المُتَقَدِّمَةِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ يَعْنِي: نَبِيُّكم ﷺ، إمامًا، قالَ بَعْضُ الناسِ في كِتابِ النَقّاشِ مِن أنَّ المُرادَ القَمَرُ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا وأسْرارًا واسْتِهْلالًا.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ، -والمُرادُ أُولَئِكَ الكُفّارُ- بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾، أيْ: مَن حُجَّتُهم مَعَ هَذِهِ البَراهِينِ الساطِعَةِ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُكَذِّبُونَ" بِضَمِّ الياءِ وشَدِّ الذالِ، وقَرَأ الضَحّاكُ بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الذالِ وإسْكانِ الكافِ. و"يُوعُونَ" مَعْناهُ: يَجْمَعُونَ مِنَ الأعْمالِ والتَكْذِيبِ والكُفْرِ، كَأنَّهم يَجْعَلُونَها في أوعِيَةٍ، تَقُولُ: وعَيْتُ العِلْمَ وأوعَيْتُ المَتاعَ، وجَعَلَ تَعالى البِشارَةَ في العَذابِ لَمّا صَرَّحَ بِهِ، وإذا جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما هي مِنَ الخَيرِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا سَبَقَ لَهُمُ الإيمانُ في قَضائِهِ. و"مَمْنُونٍ" مَعْناهُ: مَقْطُوعٌ، مِن قَوْلِهِمْ: حَبْلٌ مَنِينٌ، أيْ مَقْطُوعٌ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ اليَشْكُرِي:
؎ فَتَرى خَلْفَهُنَّ مِنَ الرَجْعِ والوَقْـ ∗∗∗ ـعِ مَنِينًا كَأنَّهُ أهْباءُ
يُرِيدُ غُبارًا مُتَقَطِّعًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مَمْنُونٍ" مُعَدَّدٌ عَلَيْهِمْ مَحْسُوبٌ مُنَغَّصٌ بِالمَنِّ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الِانْشِقاقِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
الانشقاق 84:25
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَفَقِ﴾ ﴿واللَيْلِ وما وسَقَ﴾ ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عن طَبَقٍ﴾ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ ﴿واللهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾
"لا" زائِدَةٌ، والتَقْدِيرُ: فَأُقْسِمُ، وقِيلَ: "لا" رادَّ عَلى أقْوالِ الكُفّارِ، وابْتَدَأ القَوْلَ: أُقْسِمُ، وقَسَمُ اللهِ تَعالى بِمَخْلُوقاتِهِ هو عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها وتَعْرِيضُها لِلْعِبْرَةِ، إذِ القَسَمُ بِها مُنَبِّهٌ مِنها. و"الشَفَقُ": الحُمْرَةُ الَّتِي تَعْقُبُ غَيْبُوبَةَ الشَمْسِ مَعَ البَياضِ التابِعِ لَها في الأغْلَبِ، وقِيلَ الشَفَقُ هُنا النَهارُ كُلُّهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: الشَفَقُ البَياضُ الَّذِي تَتْلُوهُ الحُمْرَةُ.
و"وَسَقَ" مَعْناهُ: جَمَعَ وضَمَّ، ومِنهُ الوَسْقُ، أيِ الأصْوُعُ المَجْمُوعَةُ، واللَيْلُ يَسِقُ الحَيَوانَ جُمْلَةً، أيْ يَجْمَعُها في نَفْسِهِ ويَضُمُّها، وكَذَلِكَ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ الَّتِي في الأرْضِ والهَواءِ مِنَ البِحارِ والجِبالِ والرِياحِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
و"اتِّساقُ القَمَرِ" كَمالُهُ وتَمامُهُ بَدْرًا، فالمَعْنى: امْتَلَأ مِنَ النُورِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عَبّاسٍ -بِخِلافٍ عنهُما- وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ "لَتَرْكَبُنَّ" بِضَمِّ الباءِ، عَلى مُخاطَبَةِ الناسِ، والمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الشَدائِدَ، المَوْتَ والبَعْثَ والحِسابَ حالًا بَعْدَ حالٍ، أو تَكُونُ الأحْوالُ مِنَ النُطْفَةِ إلى الهَرَمِ، كَما تَقُولُ: طَبَقَةٌ بَعْدَ طَبَقَةٍ، و"عن" تَجِيءُ بِمَعْنى "بَعْدُ"، كَما تَقُولُ: "وَرِثَ المَجْدَ كابِرًا عن كابِرٍ" وقِيلَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبَدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في النَبِيِّ ﷺ:
؎ وأنْتَ لَمّا بُعِثْتَ أشْرَقَتِ الأرْ ضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الطُرُقُ
؎ تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ
(p-٥٧٣)أيْ قَرْنٌ مِنَ الناسِ؛ لِأنَّهُ طَبَقُ الأرْضِ، قالَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ:
؎ إنِّي امْرُؤٌ قَدْ حَلَبْتُ الدَهْرَ أشْطُرَهُ ∗∗∗ وساقَنِي طَبَقٌ مِنهُ إلى طَبَقِ
أيْ حالٌ بَعْدَ حالٍ، وقِيلَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الآخِرَةَ بَعْدَ الأُولى، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَيَرْكَبُنَّ" عَلى أنَّهم غَيْبٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَن قَبْلَكم. / ٥٠ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَما في الحَدِيثِ: « "شِبْرًا بِشِبْرٍ، وذِراعًا بِذِراعٍ"،» فَهَذا هو طَبَقٌ عن طَبَقٍ، ويَلْتَئِمُ هَذا المَعْنى مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ الَّتِي ذَكَرْنا عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ويَحْسُنُ مَعَ القِراءَةِ الأُولى، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعَمْرُو بْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأُسُودُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومَعْرُوفٌ والشَعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى: "لَتَرْكَبَنَّ" بِفَتْحِ الباءِ، عَلى مَعْنى: أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقِيلَ: المَعْنى: حالًا بَعْدَ حالٍ مِن مُعالَجَةِ الكُفّارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَماءٌ بَعْدَ سَماءٍ في الإسْراءِ، وقِيلَ: هي عِدَةٌ بِالنَصْرِ، أيْ لَتَرْكَبَنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ كَما كانَ ووُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: المَعْنى: لَتَرْكَبَنَّ السَماءَ في أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ حالًا بَعْدَ حالٍ، تَكُونُ كالمَهْلِ وكالدِهانِ وتَنْفَطِرُ وتَتَشَقَّقُ، فالسَماءُ هي الفاعِلَةُ، (p-٥٧٤)وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "لَيَرْكَبُنَّ" عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، فَإمّا أنْ يُرادَ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلى المَعانِي المُتَقَدِّمَةِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ يَعْنِي: نَبِيُّكم ﷺ، إمامًا، قالَ بَعْضُ الناسِ في كِتابِ النَقّاشِ مِن أنَّ المُرادَ القَمَرُ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا وأسْرارًا واسْتِهْلالًا.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ، -والمُرادُ أُولَئِكَ الكُفّارُ- بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾، أيْ: مَن حُجَّتُهم مَعَ هَذِهِ البَراهِينِ الساطِعَةِ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُكَذِّبُونَ" بِضَمِّ الياءِ وشَدِّ الذالِ، وقَرَأ الضَحّاكُ بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الذالِ وإسْكانِ الكافِ. و"يُوعُونَ" مَعْناهُ: يَجْمَعُونَ مِنَ الأعْمالِ والتَكْذِيبِ والكُفْرِ، كَأنَّهم يَجْعَلُونَها في أوعِيَةٍ، تَقُولُ: وعَيْتُ العِلْمَ وأوعَيْتُ المَتاعَ، وجَعَلَ تَعالى البِشارَةَ في العَذابِ لَمّا صَرَّحَ بِهِ، وإذا جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما هي مِنَ الخَيرِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا سَبَقَ لَهُمُ الإيمانُ في قَضائِهِ. و"مَمْنُونٍ" مَعْناهُ: مَقْطُوعٌ، مِن قَوْلِهِمْ: حَبْلٌ مَنِينٌ، أيْ مَقْطُوعٌ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ اليَشْكُرِي:
؎ فَتَرى خَلْفَهُنَّ مِنَ الرَجْعِ والوَقْـ ∗∗∗ ـعِ مَنِينًا كَأنَّهُ أهْباءُ
يُرِيدُ غُبارًا مُتَقَطِّعًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مَمْنُونٍ" مُعَدَّدٌ عَلَيْهِمْ مَحْسُوبٌ مُنَغَّصٌ بِالمَنِّ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الِانْشِقاقِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
البروج 85:1
(p-٥٧٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ البُرُوجِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ لا خِلافَ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والسَماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وَما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في "البُرُوجِ"، فَقالَ الضَحّاكُ وقَتادَةُ: هي القُصُورُ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ كَأنَّها بُرْجٌ رُومِيٌّ يُشَيِّدُهُ بانٍ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: البُرُوجُ: النُجُومُ لِأنَّها تَتَبَرَّجُ بِنُورِها، والتَبَرُّجُ: التَظاهُرُ والتَبَدِّي، وقالَ الجُمْهُورُ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: البُرُوجُ هي المَنازِلُ الَّتِي عَرَفَتْها العَرَبُ، وهي اثْنا عَشَرَ عَلى ما قَسَّمَتْهُ العَرَبُ وهي الَّتِي تَقْطَعُها الشَمْسُ في سَنَةُ والقَمَرُ في ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: ذاتُ الرَمْلِ والماءِ يُرِيدُ أنَّها مَبْنِيَّةٌ في السَماءِ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
و"اليَوْمِ المَوْعُودِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقٍ، قالَهُ النَبِيُّ ﷺ، ومَعْناهُ: المَوْعُودُ بِهِ.
(p-٥٧٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: و"مَشْهُودٍ" مَعْناهُ: عَلَيْهِ، أو بِهِ، أو فِيهِ، وهَذا يَتَرَتَّبُ بِحَسْبَ الخِلافِ في تَعْيِينِ المُرادِ بـ ﴿وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾، فَقَدِ اخْتَلَفَ الناسُ في المُشارِ إلَيْهِ بِهِما، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما الشاهِدُ: اللهُ تَعالى، والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ: الشاهِدُ: مُحَمَّدٌ ﷺ، والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ [الفتح: ٨]، وقالَ تَعالى في يَوْمِ القِيامَةِ: ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ أيْضًا: الشاهِدُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ذُرِّيَّتِهِ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ. و"شاهِدٍ" اسْمُ جِنْسٍ عَلى هَذا، وقالَ بَعْضُ مَن بَسَطَ قَوْلَ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ "شاهِدٍ" يُرادُ بِهِ رِجْلٌ فَرْدٌ أو نَسَمَةٌ مِنَ النَسَمِ، فَفي هَذا تَذْكِيرٌ بِحَقارَةِ المِسْكِينِ ابْنِ آدَمَ، و"المَشْهُودِ" يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الشاهِدُ: يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الجُمْعَةِ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، وابْنُ المُسَيِّبِ وقَتادَةُ: "شاهِدٍ" يَوْمُ القِيامِهِ، و"مَشْهُودٌ" الناسُ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الشاهِدُ: أنْتَ يا بْنَ آدَمَ، والمَشْهُودُ: اللهُ تَعالى، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ بِالعَكْسِ، وتَلا: ( وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا )، وقالَ أبُو مالِكٍ: الشاهِدُ: عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، والمَشْهُودُ: أُمَّتُهُ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [المائدة: ١١٧]، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: "شاهِدٍ": يَوْمُ التَرْوِيَةِ، و"مَشْهُودٍ": يَوْمُ عَرَفَةَ، وقالَ بَعْضُ الناسِ في كِتابِ النَقّاشِ: الشاهِدُ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، والمَشْهُودُ يَوْمُ الجُمْعَةِ، وذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الشاهِدُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ النَحْرِ، وعنهُ أيْضًا: "شاهِدٍ": يَوْمُ القِيامَةِ، و"مَشْهُودٍ": يَوْمُ عَرَفَةَ، (p-٥٧٧)وَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "شاهِدٍ": يَوْمُ الجُمْعَةَ، و"مَشْهُودٍ" يَوْمُ عَرَفَةَ،» قالَهُ عَلِيٌّ وأبُو بَكْرٍ والحَسَنُ. وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: الشاهِدُ: يَوْمُ الأضْحى، والمَشْهُودُ: يَوْمُ عَرَفَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ووَصَفَ هَذِهِ الأيّامَ بِشاهِدٍ لِأنَّها تَشْهَدُ لِحاضِرِيها بِالأعْمالِ، والمَشْهُودُ فِيما مَضى مِنَ الأقْوالِ بِمَعْنى المُشاهَدِ -بِفَتْحِ الهاءِ-، وقالَ التِرْمِذِيُّ: الشاهِدُ: المَلائِكَةُ الحَفَظَةُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ: الناسُ، وقالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى -عِنْدَ الثَعْلَبِيِّ -: الشاهِدُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أُمَّتُهُ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، أيْ شاهِدًا، وقِيلَ: الشاهِدُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أُمَمُهُمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: الشاهِدُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ قَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ وسائِرُ الأُمَمِ حَسَبَ الحَدِيثِ المَنصُوصِ في ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: الشاهِدُ، الجَوارِحُ الَّتِي تَنْطِقُ يَوْمَ القِيامَةِ فَتَشْهَدُ عَلى أصْحابِها، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أصْحابُها، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ المَلائِكَةُ المُتَعاقِبُونَ في الأُمَّةِ، والمَشْهُودُ قُرْآنُ الفَجْرَ، وتَفْسِيرُهُ ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ النَجْمُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِ اللَيْلُ والنَهارُ، أيْ: يَشْهَدُ النَجْمُ بِإقْبالِ هَذا وإدْبارِ هَذا، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "حَتّى يَطَّلِعَ الشاهِدُ"،» "الشاهِدُ النَجْمُ" وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ هو اللهُ تَعالى والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ، والمَشْهُودُ بِهِ الوَحْدانِيَّةُ وأنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ، وقِيلَ: الشاهِدُ: مَخْلُوقاتُ اللهِ تَعالى، والمَشْهُودُ بِهِ وحْدانِيَّتُهُ، وأنْشَدَ الثَعْلَبِيُّ في هَذا المَعْنى قَوْلَ الشاعِرِ:
؎ وفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ
(p-٥٧٨)وَ"قُتِلَ" مَعْناهُ: فَعَلَ اللهُ بِهِمْ ذَلِكَ لِأنَّهم أهْلٌ لَهُ، فَهو عَلى جِهَةِ الدُعاءِ بِحَسَبِ البَشَرِ، لا أنَّ اللهَ تَعالى يَدْعُو عَلى أحَدٍ، وقِيلَ -عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -: مَعْناهُ: لَعَنَ، وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، وقِيلَ: هو إخْبارٌ بِأنَّ النارَ قَتَلَتْهُمْ، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وسَيَأْتِي بَيانُهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في أصْحابِ الأُخْدُودِ، فَقِيلَ: هو قَوْمٌ كانُوا عَلى دِينٍ، وكانَ لَهم مَلِكٌ، فَزَنى بِأُخْتِهِ، ثُمَّ حَمَلَهُ بَعْضُ الناسِ عَلى أنْ يَسُنَّ في الناسِ نِكاحَ الأخَواتِ والبَناتِ، فَحَمَلَ الناسَ عَلى ذَلِكَ، فَأطاعَهُ كَثِيرٌ وعَصَتْهُ فَرِقَّةٌ، فَخَذَّ لَهم أخادِيدَ، وهي حَفائِرُ طَوِيلَةٌ كالخَنادِقِ، وأضْرَمَ لَهم نارًا وطَرَحَهم فِيها، ثُمَّ اسْتَمَرَّتِ المَجُوسِيَّةُ في مَطِيعِيهِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: صاحِبُ الأُخْدُودِ مَلِكٌ مِن حِمْيَرَ، كانَ بِمَزارِعَ مِنَ اليَمَنِ، اقْتَتَلَ هو والكُفّارُ مَعَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ غَلَبَ في آخِرِ الأمْرِ، فَحَرَقَهم عَلى دِينِهِ إذْ أبَوْا دِينَهُ، ومِنهم كانَتِ المَرْأةُ ذاتُ الطِفْلِ الَّتِي تَلَكَّأتْ فَقالَ لَها الطِفْلُ: امْضِ في النارِ فَإنَّكِ عَلى الحَقِّ. وحَكى النَقّاشُ عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، أنَّ نَبِيَّ أصْحابِ الأُخْدُودِ كانَ حَبَشِيًّا، وأنَّ الحَبَشَةَ بَقِيَّةُ أصْحابِ الأُخْدُودِ، وقِيلَ: أصْحابُ الأُخْدُودِ ذُو نُواسِ في قِصَّةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الثامِرِ الَّتِي وقَعَتْ في السَيْرِ، وقِيلَ: كانَ أصْحابُ الأُخْدُودِ في بَنِي إسْرائِيلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ صْاحِبَّ الأُخْدُودِ هو مُحَرِّقُ، وأنَّهُ الَّذِي حَرَّقَ مِن بَنِي تَمِيمٍ المِائَةَ، ويَعْتَرِضُ هَذا القَوْلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾، فَيَنْفَصِلُ عن هَذا الِاعْتِراضِ بِأنَّ هَذا الكَلامَ مُنْقَطِعٌ مِن قِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ، وأنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "هُمْ"قُرَيْشٌ الَّذِينَ كانُوا يَفْتِنُونَ الناسَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في جَوابِ القَسَمِ، فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: هو مَحْذُوفٌ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: هو قَوْلُهُ تَعالى: "قُتِلَ"، والتَقْدِيرُ: لَقُتِلَ، وقالَ قَتادَةُ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢]، وقالَ آخَرُونَ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠].
وقَوْلُهُ تَعالى: "النارِ" بَدَلٌ مِن "الأُخْدُودِ"، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، وهي قِراءَةُ (p-٥٧٩)الجُمْهُورِ "النارِ" بِخَفْضِ الراءِ، وقَرَأ قَوْمٌ "النارُ" بِالرَفْعِ، عَلى مَعْنى: قَتَلَتْهُمُ النارُ. و"الوَقُودُ" بِالضَمِّ- مَصْدَرٌ مِن: وُقِدَتِ النارُ إذا اضْطَرَمَتْ، و"الوَقُودُ" -بِفَتْحِ الواوِ- ما تُوقَدُ بِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ: بِضَمِّها. وكانَ مِن قِصَّةِ هَؤُلاءِ أنَّ الكُفّارَ قَعَدُوا، وضَمَّ المُؤْمِنُونَ فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الدُخُولَ في الكُفْرِ، فَمَن أبى رُمِيَ في أُخْدُودِ النارِ فاحْتَرَقَ، فَرُوِيَ أنَّهُ احْتَرَقَ عِشْرُونَ ألْفًا، قالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وأبُو العالِيَةِ: بَعَثَ اللهُ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ رِيحًا فَقَبَضَتْ أرْواحَهُمْ، أو نَحْوَ هَذا، وخَرَجَتِ النارُ وأحْرَقَتِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى حافَّتَيِ الأُخْدُودِ، وعَلى هَذا يَجِيءُ "قُتِلَ" خَبَرا الِادِّعاءِ، وقالَ قَتادَةُ: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ.
و"نَقَمُوا" مَعْناهُ: اعْتَدَوْا وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَقَمُوا" بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَقِمُوا" بِكَسْرِ القاءِ.
البروج 85:2
(p-٥٧٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ البُرُوجِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ لا خِلافَ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والسَماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وَما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في "البُرُوجِ"، فَقالَ الضَحّاكُ وقَتادَةُ: هي القُصُورُ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ كَأنَّها بُرْجٌ رُومِيٌّ يُشَيِّدُهُ بانٍ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: البُرُوجُ: النُجُومُ لِأنَّها تَتَبَرَّجُ بِنُورِها، والتَبَرُّجُ: التَظاهُرُ والتَبَدِّي، وقالَ الجُمْهُورُ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: البُرُوجُ هي المَنازِلُ الَّتِي عَرَفَتْها العَرَبُ، وهي اثْنا عَشَرَ عَلى ما قَسَّمَتْهُ العَرَبُ وهي الَّتِي تَقْطَعُها الشَمْسُ في سَنَةُ والقَمَرُ في ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: ذاتُ الرَمْلِ والماءِ يُرِيدُ أنَّها مَبْنِيَّةٌ في السَماءِ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
و"اليَوْمِ المَوْعُودِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقٍ، قالَهُ النَبِيُّ ﷺ، ومَعْناهُ: المَوْعُودُ بِهِ.
(p-٥٧٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: و"مَشْهُودٍ" مَعْناهُ: عَلَيْهِ، أو بِهِ، أو فِيهِ، وهَذا يَتَرَتَّبُ بِحَسْبَ الخِلافِ في تَعْيِينِ المُرادِ بـ ﴿وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾، فَقَدِ اخْتَلَفَ الناسُ في المُشارِ إلَيْهِ بِهِما، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما الشاهِدُ: اللهُ تَعالى، والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ: الشاهِدُ: مُحَمَّدٌ ﷺ، والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ [الفتح: ٨]، وقالَ تَعالى في يَوْمِ القِيامَةِ: ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ أيْضًا: الشاهِدُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ذُرِّيَّتِهِ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ. و"شاهِدٍ" اسْمُ جِنْسٍ عَلى هَذا، وقالَ بَعْضُ مَن بَسَطَ قَوْلَ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ "شاهِدٍ" يُرادُ بِهِ رِجْلٌ فَرْدٌ أو نَسَمَةٌ مِنَ النَسَمِ، فَفي هَذا تَذْكِيرٌ بِحَقارَةِ المِسْكِينِ ابْنِ آدَمَ، و"المَشْهُودِ" يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الشاهِدُ: يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الجُمْعَةِ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، وابْنُ المُسَيِّبِ وقَتادَةُ: "شاهِدٍ" يَوْمُ القِيامِهِ، و"مَشْهُودٌ" الناسُ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الشاهِدُ: أنْتَ يا بْنَ آدَمَ، والمَشْهُودُ: اللهُ تَعالى، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ بِالعَكْسِ، وتَلا: ( وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا )، وقالَ أبُو مالِكٍ: الشاهِدُ: عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، والمَشْهُودُ: أُمَّتُهُ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [المائدة: ١١٧]، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: "شاهِدٍ": يَوْمُ التَرْوِيَةِ، و"مَشْهُودٍ": يَوْمُ عَرَفَةَ، وقالَ بَعْضُ الناسِ في كِتابِ النَقّاشِ: الشاهِدُ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، والمَشْهُودُ يَوْمُ الجُمْعَةِ، وذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الشاهِدُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ النَحْرِ، وعنهُ أيْضًا: "شاهِدٍ": يَوْمُ القِيامَةِ، و"مَشْهُودٍ": يَوْمُ عَرَفَةَ، (p-٥٧٧)وَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "شاهِدٍ": يَوْمُ الجُمْعَةَ، و"مَشْهُودٍ" يَوْمُ عَرَفَةَ،» قالَهُ عَلِيٌّ وأبُو بَكْرٍ والحَسَنُ. وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: الشاهِدُ: يَوْمُ الأضْحى، والمَشْهُودُ: يَوْمُ عَرَفَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ووَصَفَ هَذِهِ الأيّامَ بِشاهِدٍ لِأنَّها تَشْهَدُ لِحاضِرِيها بِالأعْمالِ، والمَشْهُودُ فِيما مَضى مِنَ الأقْوالِ بِمَعْنى المُشاهَدِ -بِفَتْحِ الهاءِ-، وقالَ التِرْمِذِيُّ: الشاهِدُ: المَلائِكَةُ الحَفَظَةُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ: الناسُ، وقالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى -عِنْدَ الثَعْلَبِيِّ -: الشاهِدُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أُمَّتُهُ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، أيْ شاهِدًا، وقِيلَ: الشاهِدُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أُمَمُهُمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: الشاهِدُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ قَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ وسائِرُ الأُمَمِ حَسَبَ الحَدِيثِ المَنصُوصِ في ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: الشاهِدُ، الجَوارِحُ الَّتِي تَنْطِقُ يَوْمَ القِيامَةِ فَتَشْهَدُ عَلى أصْحابِها، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أصْحابُها، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ المَلائِكَةُ المُتَعاقِبُونَ في الأُمَّةِ، والمَشْهُودُ قُرْآنُ الفَجْرَ، وتَفْسِيرُهُ ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ النَجْمُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِ اللَيْلُ والنَهارُ، أيْ: يَشْهَدُ النَجْمُ بِإقْبالِ هَذا وإدْبارِ هَذا، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "حَتّى يَطَّلِعَ الشاهِدُ"،» "الشاهِدُ النَجْمُ" وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ هو اللهُ تَعالى والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ، والمَشْهُودُ بِهِ الوَحْدانِيَّةُ وأنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ، وقِيلَ: الشاهِدُ: مَخْلُوقاتُ اللهِ تَعالى، والمَشْهُودُ بِهِ وحْدانِيَّتُهُ، وأنْشَدَ الثَعْلَبِيُّ في هَذا المَعْنى قَوْلَ الشاعِرِ:
؎ وفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ
(p-٥٧٨)وَ"قُتِلَ" مَعْناهُ: فَعَلَ اللهُ بِهِمْ ذَلِكَ لِأنَّهم أهْلٌ لَهُ، فَهو عَلى جِهَةِ الدُعاءِ بِحَسَبِ البَشَرِ، لا أنَّ اللهَ تَعالى يَدْعُو عَلى أحَدٍ، وقِيلَ -عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -: مَعْناهُ: لَعَنَ، وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، وقِيلَ: هو إخْبارٌ بِأنَّ النارَ قَتَلَتْهُمْ، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وسَيَأْتِي بَيانُهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في أصْحابِ الأُخْدُودِ، فَقِيلَ: هو قَوْمٌ كانُوا عَلى دِينٍ، وكانَ لَهم مَلِكٌ، فَزَنى بِأُخْتِهِ، ثُمَّ حَمَلَهُ بَعْضُ الناسِ عَلى أنْ يَسُنَّ في الناسِ نِكاحَ الأخَواتِ والبَناتِ، فَحَمَلَ الناسَ عَلى ذَلِكَ، فَأطاعَهُ كَثِيرٌ وعَصَتْهُ فَرِقَّةٌ، فَخَذَّ لَهم أخادِيدَ، وهي حَفائِرُ طَوِيلَةٌ كالخَنادِقِ، وأضْرَمَ لَهم نارًا وطَرَحَهم فِيها، ثُمَّ اسْتَمَرَّتِ المَجُوسِيَّةُ في مَطِيعِيهِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: صاحِبُ الأُخْدُودِ مَلِكٌ مِن حِمْيَرَ، كانَ بِمَزارِعَ مِنَ اليَمَنِ، اقْتَتَلَ هو والكُفّارُ مَعَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ غَلَبَ في آخِرِ الأمْرِ، فَحَرَقَهم عَلى دِينِهِ إذْ أبَوْا دِينَهُ، ومِنهم كانَتِ المَرْأةُ ذاتُ الطِفْلِ الَّتِي تَلَكَّأتْ فَقالَ لَها الطِفْلُ: امْضِ في النارِ فَإنَّكِ عَلى الحَقِّ. وحَكى النَقّاشُ عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، أنَّ نَبِيَّ أصْحابِ الأُخْدُودِ كانَ حَبَشِيًّا، وأنَّ الحَبَشَةَ بَقِيَّةُ أصْحابِ الأُخْدُودِ، وقِيلَ: أصْحابُ الأُخْدُودِ ذُو نُواسِ في قِصَّةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الثامِرِ الَّتِي وقَعَتْ في السَيْرِ، وقِيلَ: كانَ أصْحابُ الأُخْدُودِ في بَنِي إسْرائِيلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ صْاحِبَّ الأُخْدُودِ هو مُحَرِّقُ، وأنَّهُ الَّذِي حَرَّقَ مِن بَنِي تَمِيمٍ المِائَةَ، ويَعْتَرِضُ هَذا القَوْلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾، فَيَنْفَصِلُ عن هَذا الِاعْتِراضِ بِأنَّ هَذا الكَلامَ مُنْقَطِعٌ مِن قِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ، وأنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "هُمْ"قُرَيْشٌ الَّذِينَ كانُوا يَفْتِنُونَ الناسَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في جَوابِ القَسَمِ، فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: هو مَحْذُوفٌ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: هو قَوْلُهُ تَعالى: "قُتِلَ"، والتَقْدِيرُ: لَقُتِلَ، وقالَ قَتادَةُ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢]، وقالَ آخَرُونَ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠].
وقَوْلُهُ تَعالى: "النارِ" بَدَلٌ مِن "الأُخْدُودِ"، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، وهي قِراءَةُ (p-٥٧٩)الجُمْهُورِ "النارِ" بِخَفْضِ الراءِ، وقَرَأ قَوْمٌ "النارُ" بِالرَفْعِ، عَلى مَعْنى: قَتَلَتْهُمُ النارُ. و"الوَقُودُ" بِالضَمِّ- مَصْدَرٌ مِن: وُقِدَتِ النارُ إذا اضْطَرَمَتْ، و"الوَقُودُ" -بِفَتْحِ الواوِ- ما تُوقَدُ بِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ: بِضَمِّها. وكانَ مِن قِصَّةِ هَؤُلاءِ أنَّ الكُفّارَ قَعَدُوا، وضَمَّ المُؤْمِنُونَ فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الدُخُولَ في الكُفْرِ، فَمَن أبى رُمِيَ في أُخْدُودِ النارِ فاحْتَرَقَ، فَرُوِيَ أنَّهُ احْتَرَقَ عِشْرُونَ ألْفًا، قالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وأبُو العالِيَةِ: بَعَثَ اللهُ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ رِيحًا فَقَبَضَتْ أرْواحَهُمْ، أو نَحْوَ هَذا، وخَرَجَتِ النارُ وأحْرَقَتِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى حافَّتَيِ الأُخْدُودِ، وعَلى هَذا يَجِيءُ "قُتِلَ" خَبَرا الِادِّعاءِ، وقالَ قَتادَةُ: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ.
و"نَقَمُوا" مَعْناهُ: اعْتَدَوْا وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَقَمُوا" بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَقِمُوا" بِكَسْرِ القاءِ.
البروج 85:3
(p-٥٧٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ البُرُوجِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ لا خِلافَ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والسَماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وَما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في "البُرُوجِ"، فَقالَ الضَحّاكُ وقَتادَةُ: هي القُصُورُ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ كَأنَّها بُرْجٌ رُومِيٌّ يُشَيِّدُهُ بانٍ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: البُرُوجُ: النُجُومُ لِأنَّها تَتَبَرَّجُ بِنُورِها، والتَبَرُّجُ: التَظاهُرُ والتَبَدِّي، وقالَ الجُمْهُورُ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: البُرُوجُ هي المَنازِلُ الَّتِي عَرَفَتْها العَرَبُ، وهي اثْنا عَشَرَ عَلى ما قَسَّمَتْهُ العَرَبُ وهي الَّتِي تَقْطَعُها الشَمْسُ في سَنَةُ والقَمَرُ في ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: ذاتُ الرَمْلِ والماءِ يُرِيدُ أنَّها مَبْنِيَّةٌ في السَماءِ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
و"اليَوْمِ المَوْعُودِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقٍ، قالَهُ النَبِيُّ ﷺ، ومَعْناهُ: المَوْعُودُ بِهِ.
(p-٥٧٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: و"مَشْهُودٍ" مَعْناهُ: عَلَيْهِ، أو بِهِ، أو فِيهِ، وهَذا يَتَرَتَّبُ بِحَسْبَ الخِلافِ في تَعْيِينِ المُرادِ بـ ﴿وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾، فَقَدِ اخْتَلَفَ الناسُ في المُشارِ إلَيْهِ بِهِما، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما الشاهِدُ: اللهُ تَعالى، والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ: الشاهِدُ: مُحَمَّدٌ ﷺ، والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ [الفتح: ٨]، وقالَ تَعالى في يَوْمِ القِيامَةِ: ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ أيْضًا: الشاهِدُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ذُرِّيَّتِهِ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ. و"شاهِدٍ" اسْمُ جِنْسٍ عَلى هَذا، وقالَ بَعْضُ مَن بَسَطَ قَوْلَ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ "شاهِدٍ" يُرادُ بِهِ رِجْلٌ فَرْدٌ أو نَسَمَةٌ مِنَ النَسَمِ، فَفي هَذا تَذْكِيرٌ بِحَقارَةِ المِسْكِينِ ابْنِ آدَمَ، و"المَشْهُودِ" يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الشاهِدُ: يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الجُمْعَةِ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، وابْنُ المُسَيِّبِ وقَتادَةُ: "شاهِدٍ" يَوْمُ القِيامِهِ، و"مَشْهُودٌ" الناسُ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الشاهِدُ: أنْتَ يا بْنَ آدَمَ، والمَشْهُودُ: اللهُ تَعالى، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ بِالعَكْسِ، وتَلا: ( وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا )، وقالَ أبُو مالِكٍ: الشاهِدُ: عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، والمَشْهُودُ: أُمَّتُهُ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [المائدة: ١١٧]، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: "شاهِدٍ": يَوْمُ التَرْوِيَةِ، و"مَشْهُودٍ": يَوْمُ عَرَفَةَ، وقالَ بَعْضُ الناسِ في كِتابِ النَقّاشِ: الشاهِدُ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، والمَشْهُودُ يَوْمُ الجُمْعَةِ، وذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الشاهِدُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ النَحْرِ، وعنهُ أيْضًا: "شاهِدٍ": يَوْمُ القِيامَةِ، و"مَشْهُودٍ": يَوْمُ عَرَفَةَ، (p-٥٧٧)وَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "شاهِدٍ": يَوْمُ الجُمْعَةَ، و"مَشْهُودٍ" يَوْمُ عَرَفَةَ،» قالَهُ عَلِيٌّ وأبُو بَكْرٍ والحَسَنُ. وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: الشاهِدُ: يَوْمُ الأضْحى، والمَشْهُودُ: يَوْمُ عَرَفَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ووَصَفَ هَذِهِ الأيّامَ بِشاهِدٍ لِأنَّها تَشْهَدُ لِحاضِرِيها بِالأعْمالِ، والمَشْهُودُ فِيما مَضى مِنَ الأقْوالِ بِمَعْنى المُشاهَدِ -بِفَتْحِ الهاءِ-، وقالَ التِرْمِذِيُّ: الشاهِدُ: المَلائِكَةُ الحَفَظَةُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ: الناسُ، وقالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى -عِنْدَ الثَعْلَبِيِّ -: الشاهِدُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أُمَّتُهُ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، أيْ شاهِدًا، وقِيلَ: الشاهِدُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أُمَمُهُمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: الشاهِدُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ قَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ وسائِرُ الأُمَمِ حَسَبَ الحَدِيثِ المَنصُوصِ في ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: الشاهِدُ، الجَوارِحُ الَّتِي تَنْطِقُ يَوْمَ القِيامَةِ فَتَشْهَدُ عَلى أصْحابِها، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أصْحابُها، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ المَلائِكَةُ المُتَعاقِبُونَ في الأُمَّةِ، والمَشْهُودُ قُرْآنُ الفَجْرَ، وتَفْسِيرُهُ ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ النَجْمُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِ اللَيْلُ والنَهارُ، أيْ: يَشْهَدُ النَجْمُ بِإقْبالِ هَذا وإدْبارِ هَذا، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "حَتّى يَطَّلِعَ الشاهِدُ"،» "الشاهِدُ النَجْمُ" وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ هو اللهُ تَعالى والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ، والمَشْهُودُ بِهِ الوَحْدانِيَّةُ وأنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ، وقِيلَ: الشاهِدُ: مَخْلُوقاتُ اللهِ تَعالى، والمَشْهُودُ بِهِ وحْدانِيَّتُهُ، وأنْشَدَ الثَعْلَبِيُّ في هَذا المَعْنى قَوْلَ الشاعِرِ:
؎ وفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ
(p-٥٧٨)وَ"قُتِلَ" مَعْناهُ: فَعَلَ اللهُ بِهِمْ ذَلِكَ لِأنَّهم أهْلٌ لَهُ، فَهو عَلى جِهَةِ الدُعاءِ بِحَسَبِ البَشَرِ، لا أنَّ اللهَ تَعالى يَدْعُو عَلى أحَدٍ، وقِيلَ -عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -: مَعْناهُ: لَعَنَ، وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، وقِيلَ: هو إخْبارٌ بِأنَّ النارَ قَتَلَتْهُمْ، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وسَيَأْتِي بَيانُهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في أصْحابِ الأُخْدُودِ، فَقِيلَ: هو قَوْمٌ كانُوا عَلى دِينٍ، وكانَ لَهم مَلِكٌ، فَزَنى بِأُخْتِهِ، ثُمَّ حَمَلَهُ بَعْضُ الناسِ عَلى أنْ يَسُنَّ في الناسِ نِكاحَ الأخَواتِ والبَناتِ، فَحَمَلَ الناسَ عَلى ذَلِكَ، فَأطاعَهُ كَثِيرٌ وعَصَتْهُ فَرِقَّةٌ، فَخَذَّ لَهم أخادِيدَ، وهي حَفائِرُ طَوِيلَةٌ كالخَنادِقِ، وأضْرَمَ لَهم نارًا وطَرَحَهم فِيها، ثُمَّ اسْتَمَرَّتِ المَجُوسِيَّةُ في مَطِيعِيهِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: صاحِبُ الأُخْدُودِ مَلِكٌ مِن حِمْيَرَ، كانَ بِمَزارِعَ مِنَ اليَمَنِ، اقْتَتَلَ هو والكُفّارُ مَعَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ غَلَبَ في آخِرِ الأمْرِ، فَحَرَقَهم عَلى دِينِهِ إذْ أبَوْا دِينَهُ، ومِنهم كانَتِ المَرْأةُ ذاتُ الطِفْلِ الَّتِي تَلَكَّأتْ فَقالَ لَها الطِفْلُ: امْضِ في النارِ فَإنَّكِ عَلى الحَقِّ. وحَكى النَقّاشُ عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، أنَّ نَبِيَّ أصْحابِ الأُخْدُودِ كانَ حَبَشِيًّا، وأنَّ الحَبَشَةَ بَقِيَّةُ أصْحابِ الأُخْدُودِ، وقِيلَ: أصْحابُ الأُخْدُودِ ذُو نُواسِ في قِصَّةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الثامِرِ الَّتِي وقَعَتْ في السَيْرِ، وقِيلَ: كانَ أصْحابُ الأُخْدُودِ في بَنِي إسْرائِيلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ صْاحِبَّ الأُخْدُودِ هو مُحَرِّقُ، وأنَّهُ الَّذِي حَرَّقَ مِن بَنِي تَمِيمٍ المِائَةَ، ويَعْتَرِضُ هَذا القَوْلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾، فَيَنْفَصِلُ عن هَذا الِاعْتِراضِ بِأنَّ هَذا الكَلامَ مُنْقَطِعٌ مِن قِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ، وأنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "هُمْ"قُرَيْشٌ الَّذِينَ كانُوا يَفْتِنُونَ الناسَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في جَوابِ القَسَمِ، فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: هو مَحْذُوفٌ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: هو قَوْلُهُ تَعالى: "قُتِلَ"، والتَقْدِيرُ: لَقُتِلَ، وقالَ قَتادَةُ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢]، وقالَ آخَرُونَ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠].
وقَوْلُهُ تَعالى: "النارِ" بَدَلٌ مِن "الأُخْدُودِ"، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، وهي قِراءَةُ (p-٥٧٩)الجُمْهُورِ "النارِ" بِخَفْضِ الراءِ، وقَرَأ قَوْمٌ "النارُ" بِالرَفْعِ، عَلى مَعْنى: قَتَلَتْهُمُ النارُ. و"الوَقُودُ" بِالضَمِّ- مَصْدَرٌ مِن: وُقِدَتِ النارُ إذا اضْطَرَمَتْ، و"الوَقُودُ" -بِفَتْحِ الواوِ- ما تُوقَدُ بِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ: بِضَمِّها. وكانَ مِن قِصَّةِ هَؤُلاءِ أنَّ الكُفّارَ قَعَدُوا، وضَمَّ المُؤْمِنُونَ فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الدُخُولَ في الكُفْرِ، فَمَن أبى رُمِيَ في أُخْدُودِ النارِ فاحْتَرَقَ، فَرُوِيَ أنَّهُ احْتَرَقَ عِشْرُونَ ألْفًا، قالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وأبُو العالِيَةِ: بَعَثَ اللهُ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ رِيحًا فَقَبَضَتْ أرْواحَهُمْ، أو نَحْوَ هَذا، وخَرَجَتِ النارُ وأحْرَقَتِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى حافَّتَيِ الأُخْدُودِ، وعَلى هَذا يَجِيءُ "قُتِلَ" خَبَرا الِادِّعاءِ، وقالَ قَتادَةُ: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ.
و"نَقَمُوا" مَعْناهُ: اعْتَدَوْا وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَقَمُوا" بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَقِمُوا" بِكَسْرِ القاءِ.
البروج 85:4
(p-٥٧٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ البُرُوجِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ لا خِلافَ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والسَماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وَما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في "البُرُوجِ"، فَقالَ الضَحّاكُ وقَتادَةُ: هي القُصُورُ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ كَأنَّها بُرْجٌ رُومِيٌّ يُشَيِّدُهُ بانٍ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: البُرُوجُ: النُجُومُ لِأنَّها تَتَبَرَّجُ بِنُورِها، والتَبَرُّجُ: التَظاهُرُ والتَبَدِّي، وقالَ الجُمْهُورُ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: البُرُوجُ هي المَنازِلُ الَّتِي عَرَفَتْها العَرَبُ، وهي اثْنا عَشَرَ عَلى ما قَسَّمَتْهُ العَرَبُ وهي الَّتِي تَقْطَعُها الشَمْسُ في سَنَةُ والقَمَرُ في ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: ذاتُ الرَمْلِ والماءِ يُرِيدُ أنَّها مَبْنِيَّةٌ في السَماءِ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
و"اليَوْمِ المَوْعُودِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقٍ، قالَهُ النَبِيُّ ﷺ، ومَعْناهُ: المَوْعُودُ بِهِ.
(p-٥٧٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: و"مَشْهُودٍ" مَعْناهُ: عَلَيْهِ، أو بِهِ، أو فِيهِ، وهَذا يَتَرَتَّبُ بِحَسْبَ الخِلافِ في تَعْيِينِ المُرادِ بـ ﴿وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾، فَقَدِ اخْتَلَفَ الناسُ في المُشارِ إلَيْهِ بِهِما، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما الشاهِدُ: اللهُ تَعالى، والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ: الشاهِدُ: مُحَمَّدٌ ﷺ، والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ [الفتح: ٨]، وقالَ تَعالى في يَوْمِ القِيامَةِ: ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ أيْضًا: الشاهِدُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ذُرِّيَّتِهِ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ. و"شاهِدٍ" اسْمُ جِنْسٍ عَلى هَذا، وقالَ بَعْضُ مَن بَسَطَ قَوْلَ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ "شاهِدٍ" يُرادُ بِهِ رِجْلٌ فَرْدٌ أو نَسَمَةٌ مِنَ النَسَمِ، فَفي هَذا تَذْكِيرٌ بِحَقارَةِ المِسْكِينِ ابْنِ آدَمَ، و"المَشْهُودِ" يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الشاهِدُ: يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الجُمْعَةِ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، وابْنُ المُسَيِّبِ وقَتادَةُ: "شاهِدٍ" يَوْمُ القِيامِهِ، و"مَشْهُودٌ" الناسُ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الشاهِدُ: أنْتَ يا بْنَ آدَمَ، والمَشْهُودُ: اللهُ تَعالى، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ بِالعَكْسِ، وتَلا: ( وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا )، وقالَ أبُو مالِكٍ: الشاهِدُ: عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، والمَشْهُودُ: أُمَّتُهُ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [المائدة: ١١٧]، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: "شاهِدٍ": يَوْمُ التَرْوِيَةِ، و"مَشْهُودٍ": يَوْمُ عَرَفَةَ، وقالَ بَعْضُ الناسِ في كِتابِ النَقّاشِ: الشاهِدُ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، والمَشْهُودُ يَوْمُ الجُمْعَةِ، وذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الشاهِدُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ النَحْرِ، وعنهُ أيْضًا: "شاهِدٍ": يَوْمُ القِيامَةِ، و"مَشْهُودٍ": يَوْمُ عَرَفَةَ، (p-٥٧٧)وَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "شاهِدٍ": يَوْمُ الجُمْعَةَ، و"مَشْهُودٍ" يَوْمُ عَرَفَةَ،» قالَهُ عَلِيٌّ وأبُو بَكْرٍ والحَسَنُ. وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: الشاهِدُ: يَوْمُ الأضْحى، والمَشْهُودُ: يَوْمُ عَرَفَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ووَصَفَ هَذِهِ الأيّامَ بِشاهِدٍ لِأنَّها تَشْهَدُ لِحاضِرِيها بِالأعْمالِ، والمَشْهُودُ فِيما مَضى مِنَ الأقْوالِ بِمَعْنى المُشاهَدِ -بِفَتْحِ الهاءِ-، وقالَ التِرْمِذِيُّ: الشاهِدُ: المَلائِكَةُ الحَفَظَةُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ: الناسُ، وقالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى -عِنْدَ الثَعْلَبِيِّ -: الشاهِدُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أُمَّتُهُ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، أيْ شاهِدًا، وقِيلَ: الشاهِدُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أُمَمُهُمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: الشاهِدُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ قَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ وسائِرُ الأُمَمِ حَسَبَ الحَدِيثِ المَنصُوصِ في ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: الشاهِدُ، الجَوارِحُ الَّتِي تَنْطِقُ يَوْمَ القِيامَةِ فَتَشْهَدُ عَلى أصْحابِها، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أصْحابُها، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ المَلائِكَةُ المُتَعاقِبُونَ في الأُمَّةِ، والمَشْهُودُ قُرْآنُ الفَجْرَ، وتَفْسِيرُهُ ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ النَجْمُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِ اللَيْلُ والنَهارُ، أيْ: يَشْهَدُ النَجْمُ بِإقْبالِ هَذا وإدْبارِ هَذا، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "حَتّى يَطَّلِعَ الشاهِدُ"،» "الشاهِدُ النَجْمُ" وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ هو اللهُ تَعالى والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ، والمَشْهُودُ بِهِ الوَحْدانِيَّةُ وأنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ، وقِيلَ: الشاهِدُ: مَخْلُوقاتُ اللهِ تَعالى، والمَشْهُودُ بِهِ وحْدانِيَّتُهُ، وأنْشَدَ الثَعْلَبِيُّ في هَذا المَعْنى قَوْلَ الشاعِرِ:
؎ وفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ
(p-٥٧٨)وَ"قُتِلَ" مَعْناهُ: فَعَلَ اللهُ بِهِمْ ذَلِكَ لِأنَّهم أهْلٌ لَهُ، فَهو عَلى جِهَةِ الدُعاءِ بِحَسَبِ البَشَرِ، لا أنَّ اللهَ تَعالى يَدْعُو عَلى أحَدٍ، وقِيلَ -عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -: مَعْناهُ: لَعَنَ، وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، وقِيلَ: هو إخْبارٌ بِأنَّ النارَ قَتَلَتْهُمْ، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وسَيَأْتِي بَيانُهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في أصْحابِ الأُخْدُودِ، فَقِيلَ: هو قَوْمٌ كانُوا عَلى دِينٍ، وكانَ لَهم مَلِكٌ، فَزَنى بِأُخْتِهِ، ثُمَّ حَمَلَهُ بَعْضُ الناسِ عَلى أنْ يَسُنَّ في الناسِ نِكاحَ الأخَواتِ والبَناتِ، فَحَمَلَ الناسَ عَلى ذَلِكَ، فَأطاعَهُ كَثِيرٌ وعَصَتْهُ فَرِقَّةٌ، فَخَذَّ لَهم أخادِيدَ، وهي حَفائِرُ طَوِيلَةٌ كالخَنادِقِ، وأضْرَمَ لَهم نارًا وطَرَحَهم فِيها، ثُمَّ اسْتَمَرَّتِ المَجُوسِيَّةُ في مَطِيعِيهِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: صاحِبُ الأُخْدُودِ مَلِكٌ مِن حِمْيَرَ، كانَ بِمَزارِعَ مِنَ اليَمَنِ، اقْتَتَلَ هو والكُفّارُ مَعَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ غَلَبَ في آخِرِ الأمْرِ، فَحَرَقَهم عَلى دِينِهِ إذْ أبَوْا دِينَهُ، ومِنهم كانَتِ المَرْأةُ ذاتُ الطِفْلِ الَّتِي تَلَكَّأتْ فَقالَ لَها الطِفْلُ: امْضِ في النارِ فَإنَّكِ عَلى الحَقِّ. وحَكى النَقّاشُ عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، أنَّ نَبِيَّ أصْحابِ الأُخْدُودِ كانَ حَبَشِيًّا، وأنَّ الحَبَشَةَ بَقِيَّةُ أصْحابِ الأُخْدُودِ، وقِيلَ: أصْحابُ الأُخْدُودِ ذُو نُواسِ في قِصَّةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الثامِرِ الَّتِي وقَعَتْ في السَيْرِ، وقِيلَ: كانَ أصْحابُ الأُخْدُودِ في بَنِي إسْرائِيلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ صْاحِبَّ الأُخْدُودِ هو مُحَرِّقُ، وأنَّهُ الَّذِي حَرَّقَ مِن بَنِي تَمِيمٍ المِائَةَ، ويَعْتَرِضُ هَذا القَوْلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾، فَيَنْفَصِلُ عن هَذا الِاعْتِراضِ بِأنَّ هَذا الكَلامَ مُنْقَطِعٌ مِن قِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ، وأنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "هُمْ"قُرَيْشٌ الَّذِينَ كانُوا يَفْتِنُونَ الناسَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في جَوابِ القَسَمِ، فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: هو مَحْذُوفٌ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: هو قَوْلُهُ تَعالى: "قُتِلَ"، والتَقْدِيرُ: لَقُتِلَ، وقالَ قَتادَةُ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢]، وقالَ آخَرُونَ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠].
وقَوْلُهُ تَعالى: "النارِ" بَدَلٌ مِن "الأُخْدُودِ"، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، وهي قِراءَةُ (p-٥٧٩)الجُمْهُورِ "النارِ" بِخَفْضِ الراءِ، وقَرَأ قَوْمٌ "النارُ" بِالرَفْعِ، عَلى مَعْنى: قَتَلَتْهُمُ النارُ. و"الوَقُودُ" بِالضَمِّ- مَصْدَرٌ مِن: وُقِدَتِ النارُ إذا اضْطَرَمَتْ، و"الوَقُودُ" -بِفَتْحِ الواوِ- ما تُوقَدُ بِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ: بِضَمِّها. وكانَ مِن قِصَّةِ هَؤُلاءِ أنَّ الكُفّارَ قَعَدُوا، وضَمَّ المُؤْمِنُونَ فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الدُخُولَ في الكُفْرِ، فَمَن أبى رُمِيَ في أُخْدُودِ النارِ فاحْتَرَقَ، فَرُوِيَ أنَّهُ احْتَرَقَ عِشْرُونَ ألْفًا، قالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وأبُو العالِيَةِ: بَعَثَ اللهُ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ رِيحًا فَقَبَضَتْ أرْواحَهُمْ، أو نَحْوَ هَذا، وخَرَجَتِ النارُ وأحْرَقَتِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى حافَّتَيِ الأُخْدُودِ، وعَلى هَذا يَجِيءُ "قُتِلَ" خَبَرا الِادِّعاءِ، وقالَ قَتادَةُ: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ.
و"نَقَمُوا" مَعْناهُ: اعْتَدَوْا وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَقَمُوا" بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَقِمُوا" بِكَسْرِ القاءِ.
البروج 85:5
(p-٥٧٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ البُرُوجِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ لا خِلافَ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والسَماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وَما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في "البُرُوجِ"، فَقالَ الضَحّاكُ وقَتادَةُ: هي القُصُورُ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ كَأنَّها بُرْجٌ رُومِيٌّ يُشَيِّدُهُ بانٍ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: البُرُوجُ: النُجُومُ لِأنَّها تَتَبَرَّجُ بِنُورِها، والتَبَرُّجُ: التَظاهُرُ والتَبَدِّي، وقالَ الجُمْهُورُ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: البُرُوجُ هي المَنازِلُ الَّتِي عَرَفَتْها العَرَبُ، وهي اثْنا عَشَرَ عَلى ما قَسَّمَتْهُ العَرَبُ وهي الَّتِي تَقْطَعُها الشَمْسُ في سَنَةُ والقَمَرُ في ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: ذاتُ الرَمْلِ والماءِ يُرِيدُ أنَّها مَبْنِيَّةٌ في السَماءِ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
و"اليَوْمِ المَوْعُودِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقٍ، قالَهُ النَبِيُّ ﷺ، ومَعْناهُ: المَوْعُودُ بِهِ.
(p-٥٧٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: و"مَشْهُودٍ" مَعْناهُ: عَلَيْهِ، أو بِهِ، أو فِيهِ، وهَذا يَتَرَتَّبُ بِحَسْبَ الخِلافِ في تَعْيِينِ المُرادِ بـ ﴿وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾، فَقَدِ اخْتَلَفَ الناسُ في المُشارِ إلَيْهِ بِهِما، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما الشاهِدُ: اللهُ تَعالى، والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ: الشاهِدُ: مُحَمَّدٌ ﷺ، والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ [الفتح: ٨]، وقالَ تَعالى في يَوْمِ القِيامَةِ: ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ أيْضًا: الشاهِدُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ذُرِّيَّتِهِ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ. و"شاهِدٍ" اسْمُ جِنْسٍ عَلى هَذا، وقالَ بَعْضُ مَن بَسَطَ قَوْلَ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ "شاهِدٍ" يُرادُ بِهِ رِجْلٌ فَرْدٌ أو نَسَمَةٌ مِنَ النَسَمِ، فَفي هَذا تَذْكِيرٌ بِحَقارَةِ المِسْكِينِ ابْنِ آدَمَ، و"المَشْهُودِ" يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الشاهِدُ: يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الجُمْعَةِ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، وابْنُ المُسَيِّبِ وقَتادَةُ: "شاهِدٍ" يَوْمُ القِيامِهِ، و"مَشْهُودٌ" الناسُ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الشاهِدُ: أنْتَ يا بْنَ آدَمَ، والمَشْهُودُ: اللهُ تَعالى، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ بِالعَكْسِ، وتَلا: ( وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا )، وقالَ أبُو مالِكٍ: الشاهِدُ: عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، والمَشْهُودُ: أُمَّتُهُ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [المائدة: ١١٧]، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: "شاهِدٍ": يَوْمُ التَرْوِيَةِ، و"مَشْهُودٍ": يَوْمُ عَرَفَةَ، وقالَ بَعْضُ الناسِ في كِتابِ النَقّاشِ: الشاهِدُ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، والمَشْهُودُ يَوْمُ الجُمْعَةِ، وذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الشاهِدُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ النَحْرِ، وعنهُ أيْضًا: "شاهِدٍ": يَوْمُ القِيامَةِ، و"مَشْهُودٍ": يَوْمُ عَرَفَةَ، (p-٥٧٧)وَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "شاهِدٍ": يَوْمُ الجُمْعَةَ، و"مَشْهُودٍ" يَوْمُ عَرَفَةَ،» قالَهُ عَلِيٌّ وأبُو بَكْرٍ والحَسَنُ. وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: الشاهِدُ: يَوْمُ الأضْحى، والمَشْهُودُ: يَوْمُ عَرَفَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ووَصَفَ هَذِهِ الأيّامَ بِشاهِدٍ لِأنَّها تَشْهَدُ لِحاضِرِيها بِالأعْمالِ، والمَشْهُودُ فِيما مَضى مِنَ الأقْوالِ بِمَعْنى المُشاهَدِ -بِفَتْحِ الهاءِ-، وقالَ التِرْمِذِيُّ: الشاهِدُ: المَلائِكَةُ الحَفَظَةُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ: الناسُ، وقالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى -عِنْدَ الثَعْلَبِيِّ -: الشاهِدُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أُمَّتُهُ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، أيْ شاهِدًا، وقِيلَ: الشاهِدُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أُمَمُهُمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: الشاهِدُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ قَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ وسائِرُ الأُمَمِ حَسَبَ الحَدِيثِ المَنصُوصِ في ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: الشاهِدُ، الجَوارِحُ الَّتِي تَنْطِقُ يَوْمَ القِيامَةِ فَتَشْهَدُ عَلى أصْحابِها، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أصْحابُها، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ المَلائِكَةُ المُتَعاقِبُونَ في الأُمَّةِ، والمَشْهُودُ قُرْآنُ الفَجْرَ، وتَفْسِيرُهُ ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ النَجْمُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِ اللَيْلُ والنَهارُ، أيْ: يَشْهَدُ النَجْمُ بِإقْبالِ هَذا وإدْبارِ هَذا، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "حَتّى يَطَّلِعَ الشاهِدُ"،» "الشاهِدُ النَجْمُ" وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ هو اللهُ تَعالى والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ، والمَشْهُودُ بِهِ الوَحْدانِيَّةُ وأنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ، وقِيلَ: الشاهِدُ: مَخْلُوقاتُ اللهِ تَعالى، والمَشْهُودُ بِهِ وحْدانِيَّتُهُ، وأنْشَدَ الثَعْلَبِيُّ في هَذا المَعْنى قَوْلَ الشاعِرِ:
؎ وفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ
(p-٥٧٨)وَ"قُتِلَ" مَعْناهُ: فَعَلَ اللهُ بِهِمْ ذَلِكَ لِأنَّهم أهْلٌ لَهُ، فَهو عَلى جِهَةِ الدُعاءِ بِحَسَبِ البَشَرِ، لا أنَّ اللهَ تَعالى يَدْعُو عَلى أحَدٍ، وقِيلَ -عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -: مَعْناهُ: لَعَنَ، وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، وقِيلَ: هو إخْبارٌ بِأنَّ النارَ قَتَلَتْهُمْ، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وسَيَأْتِي بَيانُهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في أصْحابِ الأُخْدُودِ، فَقِيلَ: هو قَوْمٌ كانُوا عَلى دِينٍ، وكانَ لَهم مَلِكٌ، فَزَنى بِأُخْتِهِ، ثُمَّ حَمَلَهُ بَعْضُ الناسِ عَلى أنْ يَسُنَّ في الناسِ نِكاحَ الأخَواتِ والبَناتِ، فَحَمَلَ الناسَ عَلى ذَلِكَ، فَأطاعَهُ كَثِيرٌ وعَصَتْهُ فَرِقَّةٌ، فَخَذَّ لَهم أخادِيدَ، وهي حَفائِرُ طَوِيلَةٌ كالخَنادِقِ، وأضْرَمَ لَهم نارًا وطَرَحَهم فِيها، ثُمَّ اسْتَمَرَّتِ المَجُوسِيَّةُ في مَطِيعِيهِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: صاحِبُ الأُخْدُودِ مَلِكٌ مِن حِمْيَرَ، كانَ بِمَزارِعَ مِنَ اليَمَنِ، اقْتَتَلَ هو والكُفّارُ مَعَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ غَلَبَ في آخِرِ الأمْرِ، فَحَرَقَهم عَلى دِينِهِ إذْ أبَوْا دِينَهُ، ومِنهم كانَتِ المَرْأةُ ذاتُ الطِفْلِ الَّتِي تَلَكَّأتْ فَقالَ لَها الطِفْلُ: امْضِ في النارِ فَإنَّكِ عَلى الحَقِّ. وحَكى النَقّاشُ عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، أنَّ نَبِيَّ أصْحابِ الأُخْدُودِ كانَ حَبَشِيًّا، وأنَّ الحَبَشَةَ بَقِيَّةُ أصْحابِ الأُخْدُودِ، وقِيلَ: أصْحابُ الأُخْدُودِ ذُو نُواسِ في قِصَّةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الثامِرِ الَّتِي وقَعَتْ في السَيْرِ، وقِيلَ: كانَ أصْحابُ الأُخْدُودِ في بَنِي إسْرائِيلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ صْاحِبَّ الأُخْدُودِ هو مُحَرِّقُ، وأنَّهُ الَّذِي حَرَّقَ مِن بَنِي تَمِيمٍ المِائَةَ، ويَعْتَرِضُ هَذا القَوْلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾، فَيَنْفَصِلُ عن هَذا الِاعْتِراضِ بِأنَّ هَذا الكَلامَ مُنْقَطِعٌ مِن قِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ، وأنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "هُمْ"قُرَيْشٌ الَّذِينَ كانُوا يَفْتِنُونَ الناسَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في جَوابِ القَسَمِ، فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: هو مَحْذُوفٌ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: هو قَوْلُهُ تَعالى: "قُتِلَ"، والتَقْدِيرُ: لَقُتِلَ، وقالَ قَتادَةُ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢]، وقالَ آخَرُونَ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠].
وقَوْلُهُ تَعالى: "النارِ" بَدَلٌ مِن "الأُخْدُودِ"، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، وهي قِراءَةُ (p-٥٧٩)الجُمْهُورِ "النارِ" بِخَفْضِ الراءِ، وقَرَأ قَوْمٌ "النارُ" بِالرَفْعِ، عَلى مَعْنى: قَتَلَتْهُمُ النارُ. و"الوَقُودُ" بِالضَمِّ- مَصْدَرٌ مِن: وُقِدَتِ النارُ إذا اضْطَرَمَتْ، و"الوَقُودُ" -بِفَتْحِ الواوِ- ما تُوقَدُ بِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ: بِضَمِّها. وكانَ مِن قِصَّةِ هَؤُلاءِ أنَّ الكُفّارَ قَعَدُوا، وضَمَّ المُؤْمِنُونَ فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الدُخُولَ في الكُفْرِ، فَمَن أبى رُمِيَ في أُخْدُودِ النارِ فاحْتَرَقَ، فَرُوِيَ أنَّهُ احْتَرَقَ عِشْرُونَ ألْفًا، قالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وأبُو العالِيَةِ: بَعَثَ اللهُ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ رِيحًا فَقَبَضَتْ أرْواحَهُمْ، أو نَحْوَ هَذا، وخَرَجَتِ النارُ وأحْرَقَتِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى حافَّتَيِ الأُخْدُودِ، وعَلى هَذا يَجِيءُ "قُتِلَ" خَبَرا الِادِّعاءِ، وقالَ قَتادَةُ: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ.
و"نَقَمُوا" مَعْناهُ: اعْتَدَوْا وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَقَمُوا" بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَقِمُوا" بِكَسْرِ القاءِ.
البروج 85:6
(p-٥٧٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ البُرُوجِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ لا خِلافَ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والسَماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وَما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في "البُرُوجِ"، فَقالَ الضَحّاكُ وقَتادَةُ: هي القُصُورُ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ كَأنَّها بُرْجٌ رُومِيٌّ يُشَيِّدُهُ بانٍ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: البُرُوجُ: النُجُومُ لِأنَّها تَتَبَرَّجُ بِنُورِها، والتَبَرُّجُ: التَظاهُرُ والتَبَدِّي، وقالَ الجُمْهُورُ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: البُرُوجُ هي المَنازِلُ الَّتِي عَرَفَتْها العَرَبُ، وهي اثْنا عَشَرَ عَلى ما قَسَّمَتْهُ العَرَبُ وهي الَّتِي تَقْطَعُها الشَمْسُ في سَنَةُ والقَمَرُ في ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: ذاتُ الرَمْلِ والماءِ يُرِيدُ أنَّها مَبْنِيَّةٌ في السَماءِ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
و"اليَوْمِ المَوْعُودِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقٍ، قالَهُ النَبِيُّ ﷺ، ومَعْناهُ: المَوْعُودُ بِهِ.
(p-٥٧٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: و"مَشْهُودٍ" مَعْناهُ: عَلَيْهِ، أو بِهِ، أو فِيهِ، وهَذا يَتَرَتَّبُ بِحَسْبَ الخِلافِ في تَعْيِينِ المُرادِ بـ ﴿وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾، فَقَدِ اخْتَلَفَ الناسُ في المُشارِ إلَيْهِ بِهِما، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما الشاهِدُ: اللهُ تَعالى، والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ: الشاهِدُ: مُحَمَّدٌ ﷺ، والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ [الفتح: ٨]، وقالَ تَعالى في يَوْمِ القِيامَةِ: ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ أيْضًا: الشاهِدُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ذُرِّيَّتِهِ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ. و"شاهِدٍ" اسْمُ جِنْسٍ عَلى هَذا، وقالَ بَعْضُ مَن بَسَطَ قَوْلَ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ "شاهِدٍ" يُرادُ بِهِ رِجْلٌ فَرْدٌ أو نَسَمَةٌ مِنَ النَسَمِ، فَفي هَذا تَذْكِيرٌ بِحَقارَةِ المِسْكِينِ ابْنِ آدَمَ، و"المَشْهُودِ" يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الشاهِدُ: يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الجُمْعَةِ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، وابْنُ المُسَيِّبِ وقَتادَةُ: "شاهِدٍ" يَوْمُ القِيامِهِ، و"مَشْهُودٌ" الناسُ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الشاهِدُ: أنْتَ يا بْنَ آدَمَ، والمَشْهُودُ: اللهُ تَعالى، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ بِالعَكْسِ، وتَلا: ( وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا )، وقالَ أبُو مالِكٍ: الشاهِدُ: عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، والمَشْهُودُ: أُمَّتُهُ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [المائدة: ١١٧]، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: "شاهِدٍ": يَوْمُ التَرْوِيَةِ، و"مَشْهُودٍ": يَوْمُ عَرَفَةَ، وقالَ بَعْضُ الناسِ في كِتابِ النَقّاشِ: الشاهِدُ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، والمَشْهُودُ يَوْمُ الجُمْعَةِ، وذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الشاهِدُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ النَحْرِ، وعنهُ أيْضًا: "شاهِدٍ": يَوْمُ القِيامَةِ، و"مَشْهُودٍ": يَوْمُ عَرَفَةَ، (p-٥٧٧)وَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "شاهِدٍ": يَوْمُ الجُمْعَةَ، و"مَشْهُودٍ" يَوْمُ عَرَفَةَ،» قالَهُ عَلِيٌّ وأبُو بَكْرٍ والحَسَنُ. وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: الشاهِدُ: يَوْمُ الأضْحى، والمَشْهُودُ: يَوْمُ عَرَفَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ووَصَفَ هَذِهِ الأيّامَ بِشاهِدٍ لِأنَّها تَشْهَدُ لِحاضِرِيها بِالأعْمالِ، والمَشْهُودُ فِيما مَضى مِنَ الأقْوالِ بِمَعْنى المُشاهَدِ -بِفَتْحِ الهاءِ-، وقالَ التِرْمِذِيُّ: الشاهِدُ: المَلائِكَةُ الحَفَظَةُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ: الناسُ، وقالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى -عِنْدَ الثَعْلَبِيِّ -: الشاهِدُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أُمَّتُهُ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، أيْ شاهِدًا، وقِيلَ: الشاهِدُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أُمَمُهُمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: الشاهِدُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ قَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ وسائِرُ الأُمَمِ حَسَبَ الحَدِيثِ المَنصُوصِ في ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: الشاهِدُ، الجَوارِحُ الَّتِي تَنْطِقُ يَوْمَ القِيامَةِ فَتَشْهَدُ عَلى أصْحابِها، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أصْحابُها، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ المَلائِكَةُ المُتَعاقِبُونَ في الأُمَّةِ، والمَشْهُودُ قُرْآنُ الفَجْرَ، وتَفْسِيرُهُ ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ النَجْمُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِ اللَيْلُ والنَهارُ، أيْ: يَشْهَدُ النَجْمُ بِإقْبالِ هَذا وإدْبارِ هَذا، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "حَتّى يَطَّلِعَ الشاهِدُ"،» "الشاهِدُ النَجْمُ" وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ هو اللهُ تَعالى والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ، والمَشْهُودُ بِهِ الوَحْدانِيَّةُ وأنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ، وقِيلَ: الشاهِدُ: مَخْلُوقاتُ اللهِ تَعالى، والمَشْهُودُ بِهِ وحْدانِيَّتُهُ، وأنْشَدَ الثَعْلَبِيُّ في هَذا المَعْنى قَوْلَ الشاعِرِ:
؎ وفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ
(p-٥٧٨)وَ"قُتِلَ" مَعْناهُ: فَعَلَ اللهُ بِهِمْ ذَلِكَ لِأنَّهم أهْلٌ لَهُ، فَهو عَلى جِهَةِ الدُعاءِ بِحَسَبِ البَشَرِ، لا أنَّ اللهَ تَعالى يَدْعُو عَلى أحَدٍ، وقِيلَ -عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -: مَعْناهُ: لَعَنَ، وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، وقِيلَ: هو إخْبارٌ بِأنَّ النارَ قَتَلَتْهُمْ، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وسَيَأْتِي بَيانُهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في أصْحابِ الأُخْدُودِ، فَقِيلَ: هو قَوْمٌ كانُوا عَلى دِينٍ، وكانَ لَهم مَلِكٌ، فَزَنى بِأُخْتِهِ، ثُمَّ حَمَلَهُ بَعْضُ الناسِ عَلى أنْ يَسُنَّ في الناسِ نِكاحَ الأخَواتِ والبَناتِ، فَحَمَلَ الناسَ عَلى ذَلِكَ، فَأطاعَهُ كَثِيرٌ وعَصَتْهُ فَرِقَّةٌ، فَخَذَّ لَهم أخادِيدَ، وهي حَفائِرُ طَوِيلَةٌ كالخَنادِقِ، وأضْرَمَ لَهم نارًا وطَرَحَهم فِيها، ثُمَّ اسْتَمَرَّتِ المَجُوسِيَّةُ في مَطِيعِيهِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: صاحِبُ الأُخْدُودِ مَلِكٌ مِن حِمْيَرَ، كانَ بِمَزارِعَ مِنَ اليَمَنِ، اقْتَتَلَ هو والكُفّارُ مَعَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ غَلَبَ في آخِرِ الأمْرِ، فَحَرَقَهم عَلى دِينِهِ إذْ أبَوْا دِينَهُ، ومِنهم كانَتِ المَرْأةُ ذاتُ الطِفْلِ الَّتِي تَلَكَّأتْ فَقالَ لَها الطِفْلُ: امْضِ في النارِ فَإنَّكِ عَلى الحَقِّ. وحَكى النَقّاشُ عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، أنَّ نَبِيَّ أصْحابِ الأُخْدُودِ كانَ حَبَشِيًّا، وأنَّ الحَبَشَةَ بَقِيَّةُ أصْحابِ الأُخْدُودِ، وقِيلَ: أصْحابُ الأُخْدُودِ ذُو نُواسِ في قِصَّةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الثامِرِ الَّتِي وقَعَتْ في السَيْرِ، وقِيلَ: كانَ أصْحابُ الأُخْدُودِ في بَنِي إسْرائِيلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ صْاحِبَّ الأُخْدُودِ هو مُحَرِّقُ، وأنَّهُ الَّذِي حَرَّقَ مِن بَنِي تَمِيمٍ المِائَةَ، ويَعْتَرِضُ هَذا القَوْلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾، فَيَنْفَصِلُ عن هَذا الِاعْتِراضِ بِأنَّ هَذا الكَلامَ مُنْقَطِعٌ مِن قِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ، وأنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "هُمْ"قُرَيْشٌ الَّذِينَ كانُوا يَفْتِنُونَ الناسَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في جَوابِ القَسَمِ، فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: هو مَحْذُوفٌ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: هو قَوْلُهُ تَعالى: "قُتِلَ"، والتَقْدِيرُ: لَقُتِلَ، وقالَ قَتادَةُ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢]، وقالَ آخَرُونَ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠].
وقَوْلُهُ تَعالى: "النارِ" بَدَلٌ مِن "الأُخْدُودِ"، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، وهي قِراءَةُ (p-٥٧٩)الجُمْهُورِ "النارِ" بِخَفْضِ الراءِ، وقَرَأ قَوْمٌ "النارُ" بِالرَفْعِ، عَلى مَعْنى: قَتَلَتْهُمُ النارُ. و"الوَقُودُ" بِالضَمِّ- مَصْدَرٌ مِن: وُقِدَتِ النارُ إذا اضْطَرَمَتْ، و"الوَقُودُ" -بِفَتْحِ الواوِ- ما تُوقَدُ بِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ: بِضَمِّها. وكانَ مِن قِصَّةِ هَؤُلاءِ أنَّ الكُفّارَ قَعَدُوا، وضَمَّ المُؤْمِنُونَ فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الدُخُولَ في الكُفْرِ، فَمَن أبى رُمِيَ في أُخْدُودِ النارِ فاحْتَرَقَ، فَرُوِيَ أنَّهُ احْتَرَقَ عِشْرُونَ ألْفًا، قالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وأبُو العالِيَةِ: بَعَثَ اللهُ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ رِيحًا فَقَبَضَتْ أرْواحَهُمْ، أو نَحْوَ هَذا، وخَرَجَتِ النارُ وأحْرَقَتِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى حافَّتَيِ الأُخْدُودِ، وعَلى هَذا يَجِيءُ "قُتِلَ" خَبَرا الِادِّعاءِ، وقالَ قَتادَةُ: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ.
و"نَقَمُوا" مَعْناهُ: اعْتَدَوْا وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَقَمُوا" بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَقِمُوا" بِكَسْرِ القاءِ.
البروج 85:7
(p-٥٧٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ البُرُوجِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ لا خِلافَ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والسَماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وَما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في "البُرُوجِ"، فَقالَ الضَحّاكُ وقَتادَةُ: هي القُصُورُ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ كَأنَّها بُرْجٌ رُومِيٌّ يُشَيِّدُهُ بانٍ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: البُرُوجُ: النُجُومُ لِأنَّها تَتَبَرَّجُ بِنُورِها، والتَبَرُّجُ: التَظاهُرُ والتَبَدِّي، وقالَ الجُمْهُورُ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: البُرُوجُ هي المَنازِلُ الَّتِي عَرَفَتْها العَرَبُ، وهي اثْنا عَشَرَ عَلى ما قَسَّمَتْهُ العَرَبُ وهي الَّتِي تَقْطَعُها الشَمْسُ في سَنَةُ والقَمَرُ في ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: ذاتُ الرَمْلِ والماءِ يُرِيدُ أنَّها مَبْنِيَّةٌ في السَماءِ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
و"اليَوْمِ المَوْعُودِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقٍ، قالَهُ النَبِيُّ ﷺ، ومَعْناهُ: المَوْعُودُ بِهِ.
(p-٥٧٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: و"مَشْهُودٍ" مَعْناهُ: عَلَيْهِ، أو بِهِ، أو فِيهِ، وهَذا يَتَرَتَّبُ بِحَسْبَ الخِلافِ في تَعْيِينِ المُرادِ بـ ﴿وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾، فَقَدِ اخْتَلَفَ الناسُ في المُشارِ إلَيْهِ بِهِما، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما الشاهِدُ: اللهُ تَعالى، والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ: الشاهِدُ: مُحَمَّدٌ ﷺ، والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ [الفتح: ٨]، وقالَ تَعالى في يَوْمِ القِيامَةِ: ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ أيْضًا: الشاهِدُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ذُرِّيَّتِهِ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ. و"شاهِدٍ" اسْمُ جِنْسٍ عَلى هَذا، وقالَ بَعْضُ مَن بَسَطَ قَوْلَ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ "شاهِدٍ" يُرادُ بِهِ رِجْلٌ فَرْدٌ أو نَسَمَةٌ مِنَ النَسَمِ، فَفي هَذا تَذْكِيرٌ بِحَقارَةِ المِسْكِينِ ابْنِ آدَمَ، و"المَشْهُودِ" يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الشاهِدُ: يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الجُمْعَةِ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، وابْنُ المُسَيِّبِ وقَتادَةُ: "شاهِدٍ" يَوْمُ القِيامِهِ، و"مَشْهُودٌ" الناسُ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الشاهِدُ: أنْتَ يا بْنَ آدَمَ، والمَشْهُودُ: اللهُ تَعالى، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ بِالعَكْسِ، وتَلا: ( وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا )، وقالَ أبُو مالِكٍ: الشاهِدُ: عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، والمَشْهُودُ: أُمَّتُهُ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [المائدة: ١١٧]، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: "شاهِدٍ": يَوْمُ التَرْوِيَةِ، و"مَشْهُودٍ": يَوْمُ عَرَفَةَ، وقالَ بَعْضُ الناسِ في كِتابِ النَقّاشِ: الشاهِدُ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، والمَشْهُودُ يَوْمُ الجُمْعَةِ، وذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الشاهِدُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ النَحْرِ، وعنهُ أيْضًا: "شاهِدٍ": يَوْمُ القِيامَةِ، و"مَشْهُودٍ": يَوْمُ عَرَفَةَ، (p-٥٧٧)وَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "شاهِدٍ": يَوْمُ الجُمْعَةَ، و"مَشْهُودٍ" يَوْمُ عَرَفَةَ،» قالَهُ عَلِيٌّ وأبُو بَكْرٍ والحَسَنُ. وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: الشاهِدُ: يَوْمُ الأضْحى، والمَشْهُودُ: يَوْمُ عَرَفَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ووَصَفَ هَذِهِ الأيّامَ بِشاهِدٍ لِأنَّها تَشْهَدُ لِحاضِرِيها بِالأعْمالِ، والمَشْهُودُ فِيما مَضى مِنَ الأقْوالِ بِمَعْنى المُشاهَدِ -بِفَتْحِ الهاءِ-، وقالَ التِرْمِذِيُّ: الشاهِدُ: المَلائِكَةُ الحَفَظَةُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ: الناسُ، وقالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى -عِنْدَ الثَعْلَبِيِّ -: الشاهِدُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أُمَّتُهُ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، أيْ شاهِدًا، وقِيلَ: الشاهِدُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أُمَمُهُمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: الشاهِدُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ قَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ وسائِرُ الأُمَمِ حَسَبَ الحَدِيثِ المَنصُوصِ في ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: الشاهِدُ، الجَوارِحُ الَّتِي تَنْطِقُ يَوْمَ القِيامَةِ فَتَشْهَدُ عَلى أصْحابِها، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أصْحابُها، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ المَلائِكَةُ المُتَعاقِبُونَ في الأُمَّةِ، والمَشْهُودُ قُرْآنُ الفَجْرَ، وتَفْسِيرُهُ ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ النَجْمُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِ اللَيْلُ والنَهارُ، أيْ: يَشْهَدُ النَجْمُ بِإقْبالِ هَذا وإدْبارِ هَذا، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "حَتّى يَطَّلِعَ الشاهِدُ"،» "الشاهِدُ النَجْمُ" وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ هو اللهُ تَعالى والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ، والمَشْهُودُ بِهِ الوَحْدانِيَّةُ وأنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ، وقِيلَ: الشاهِدُ: مَخْلُوقاتُ اللهِ تَعالى، والمَشْهُودُ بِهِ وحْدانِيَّتُهُ، وأنْشَدَ الثَعْلَبِيُّ في هَذا المَعْنى قَوْلَ الشاعِرِ:
؎ وفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ
(p-٥٧٨)وَ"قُتِلَ" مَعْناهُ: فَعَلَ اللهُ بِهِمْ ذَلِكَ لِأنَّهم أهْلٌ لَهُ، فَهو عَلى جِهَةِ الدُعاءِ بِحَسَبِ البَشَرِ، لا أنَّ اللهَ تَعالى يَدْعُو عَلى أحَدٍ، وقِيلَ -عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -: مَعْناهُ: لَعَنَ، وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، وقِيلَ: هو إخْبارٌ بِأنَّ النارَ قَتَلَتْهُمْ، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وسَيَأْتِي بَيانُهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في أصْحابِ الأُخْدُودِ، فَقِيلَ: هو قَوْمٌ كانُوا عَلى دِينٍ، وكانَ لَهم مَلِكٌ، فَزَنى بِأُخْتِهِ، ثُمَّ حَمَلَهُ بَعْضُ الناسِ عَلى أنْ يَسُنَّ في الناسِ نِكاحَ الأخَواتِ والبَناتِ، فَحَمَلَ الناسَ عَلى ذَلِكَ، فَأطاعَهُ كَثِيرٌ وعَصَتْهُ فَرِقَّةٌ، فَخَذَّ لَهم أخادِيدَ، وهي حَفائِرُ طَوِيلَةٌ كالخَنادِقِ، وأضْرَمَ لَهم نارًا وطَرَحَهم فِيها، ثُمَّ اسْتَمَرَّتِ المَجُوسِيَّةُ في مَطِيعِيهِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: صاحِبُ الأُخْدُودِ مَلِكٌ مِن حِمْيَرَ، كانَ بِمَزارِعَ مِنَ اليَمَنِ، اقْتَتَلَ هو والكُفّارُ مَعَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ غَلَبَ في آخِرِ الأمْرِ، فَحَرَقَهم عَلى دِينِهِ إذْ أبَوْا دِينَهُ، ومِنهم كانَتِ المَرْأةُ ذاتُ الطِفْلِ الَّتِي تَلَكَّأتْ فَقالَ لَها الطِفْلُ: امْضِ في النارِ فَإنَّكِ عَلى الحَقِّ. وحَكى النَقّاشُ عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، أنَّ نَبِيَّ أصْحابِ الأُخْدُودِ كانَ حَبَشِيًّا، وأنَّ الحَبَشَةَ بَقِيَّةُ أصْحابِ الأُخْدُودِ، وقِيلَ: أصْحابُ الأُخْدُودِ ذُو نُواسِ في قِصَّةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الثامِرِ الَّتِي وقَعَتْ في السَيْرِ، وقِيلَ: كانَ أصْحابُ الأُخْدُودِ في بَنِي إسْرائِيلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ صْاحِبَّ الأُخْدُودِ هو مُحَرِّقُ، وأنَّهُ الَّذِي حَرَّقَ مِن بَنِي تَمِيمٍ المِائَةَ، ويَعْتَرِضُ هَذا القَوْلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾، فَيَنْفَصِلُ عن هَذا الِاعْتِراضِ بِأنَّ هَذا الكَلامَ مُنْقَطِعٌ مِن قِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ، وأنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "هُمْ"قُرَيْشٌ الَّذِينَ كانُوا يَفْتِنُونَ الناسَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في جَوابِ القَسَمِ، فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: هو مَحْذُوفٌ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: هو قَوْلُهُ تَعالى: "قُتِلَ"، والتَقْدِيرُ: لَقُتِلَ، وقالَ قَتادَةُ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢]، وقالَ آخَرُونَ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠].
وقَوْلُهُ تَعالى: "النارِ" بَدَلٌ مِن "الأُخْدُودِ"، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، وهي قِراءَةُ (p-٥٧٩)الجُمْهُورِ "النارِ" بِخَفْضِ الراءِ، وقَرَأ قَوْمٌ "النارُ" بِالرَفْعِ، عَلى مَعْنى: قَتَلَتْهُمُ النارُ. و"الوَقُودُ" بِالضَمِّ- مَصْدَرٌ مِن: وُقِدَتِ النارُ إذا اضْطَرَمَتْ، و"الوَقُودُ" -بِفَتْحِ الواوِ- ما تُوقَدُ بِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ: بِضَمِّها. وكانَ مِن قِصَّةِ هَؤُلاءِ أنَّ الكُفّارَ قَعَدُوا، وضَمَّ المُؤْمِنُونَ فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الدُخُولَ في الكُفْرِ، فَمَن أبى رُمِيَ في أُخْدُودِ النارِ فاحْتَرَقَ، فَرُوِيَ أنَّهُ احْتَرَقَ عِشْرُونَ ألْفًا، قالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وأبُو العالِيَةِ: بَعَثَ اللهُ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ رِيحًا فَقَبَضَتْ أرْواحَهُمْ، أو نَحْوَ هَذا، وخَرَجَتِ النارُ وأحْرَقَتِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى حافَّتَيِ الأُخْدُودِ، وعَلى هَذا يَجِيءُ "قُتِلَ" خَبَرا الِادِّعاءِ، وقالَ قَتادَةُ: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ.
و"نَقَمُوا" مَعْناهُ: اعْتَدَوْا وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَقَمُوا" بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَقِمُوا" بِكَسْرِ القاءِ.
البروج 85:8
(p-٥٧٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ البُرُوجِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ لا خِلافَ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والسَماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وَما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في "البُرُوجِ"، فَقالَ الضَحّاكُ وقَتادَةُ: هي القُصُورُ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ كَأنَّها بُرْجٌ رُومِيٌّ يُشَيِّدُهُ بانٍ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: البُرُوجُ: النُجُومُ لِأنَّها تَتَبَرَّجُ بِنُورِها، والتَبَرُّجُ: التَظاهُرُ والتَبَدِّي، وقالَ الجُمْهُورُ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: البُرُوجُ هي المَنازِلُ الَّتِي عَرَفَتْها العَرَبُ، وهي اثْنا عَشَرَ عَلى ما قَسَّمَتْهُ العَرَبُ وهي الَّتِي تَقْطَعُها الشَمْسُ في سَنَةُ والقَمَرُ في ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: ذاتُ الرَمْلِ والماءِ يُرِيدُ أنَّها مَبْنِيَّةٌ في السَماءِ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
و"اليَوْمِ المَوْعُودِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقٍ، قالَهُ النَبِيُّ ﷺ، ومَعْناهُ: المَوْعُودُ بِهِ.
(p-٥٧٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: و"مَشْهُودٍ" مَعْناهُ: عَلَيْهِ، أو بِهِ، أو فِيهِ، وهَذا يَتَرَتَّبُ بِحَسْبَ الخِلافِ في تَعْيِينِ المُرادِ بـ ﴿وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾، فَقَدِ اخْتَلَفَ الناسُ في المُشارِ إلَيْهِ بِهِما، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما الشاهِدُ: اللهُ تَعالى، والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ: الشاهِدُ: مُحَمَّدٌ ﷺ، والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ [الفتح: ٨]، وقالَ تَعالى في يَوْمِ القِيامَةِ: ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ أيْضًا: الشاهِدُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ذُرِّيَّتِهِ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ. و"شاهِدٍ" اسْمُ جِنْسٍ عَلى هَذا، وقالَ بَعْضُ مَن بَسَطَ قَوْلَ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ "شاهِدٍ" يُرادُ بِهِ رِجْلٌ فَرْدٌ أو نَسَمَةٌ مِنَ النَسَمِ، فَفي هَذا تَذْكِيرٌ بِحَقارَةِ المِسْكِينِ ابْنِ آدَمَ، و"المَشْهُودِ" يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الشاهِدُ: يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الجُمْعَةِ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، وابْنُ المُسَيِّبِ وقَتادَةُ: "شاهِدٍ" يَوْمُ القِيامِهِ، و"مَشْهُودٌ" الناسُ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الشاهِدُ: أنْتَ يا بْنَ آدَمَ، والمَشْهُودُ: اللهُ تَعالى، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ بِالعَكْسِ، وتَلا: ( وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا )، وقالَ أبُو مالِكٍ: الشاهِدُ: عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، والمَشْهُودُ: أُمَّتُهُ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [المائدة: ١١٧]، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: "شاهِدٍ": يَوْمُ التَرْوِيَةِ، و"مَشْهُودٍ": يَوْمُ عَرَفَةَ، وقالَ بَعْضُ الناسِ في كِتابِ النَقّاشِ: الشاهِدُ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، والمَشْهُودُ يَوْمُ الجُمْعَةِ، وذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الشاهِدُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ النَحْرِ، وعنهُ أيْضًا: "شاهِدٍ": يَوْمُ القِيامَةِ، و"مَشْهُودٍ": يَوْمُ عَرَفَةَ، (p-٥٧٧)وَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "شاهِدٍ": يَوْمُ الجُمْعَةَ، و"مَشْهُودٍ" يَوْمُ عَرَفَةَ،» قالَهُ عَلِيٌّ وأبُو بَكْرٍ والحَسَنُ. وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: الشاهِدُ: يَوْمُ الأضْحى، والمَشْهُودُ: يَوْمُ عَرَفَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ووَصَفَ هَذِهِ الأيّامَ بِشاهِدٍ لِأنَّها تَشْهَدُ لِحاضِرِيها بِالأعْمالِ، والمَشْهُودُ فِيما مَضى مِنَ الأقْوالِ بِمَعْنى المُشاهَدِ -بِفَتْحِ الهاءِ-، وقالَ التِرْمِذِيُّ: الشاهِدُ: المَلائِكَةُ الحَفَظَةُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ: الناسُ، وقالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى -عِنْدَ الثَعْلَبِيِّ -: الشاهِدُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أُمَّتُهُ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، أيْ شاهِدًا، وقِيلَ: الشاهِدُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أُمَمُهُمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: الشاهِدُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ قَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ وسائِرُ الأُمَمِ حَسَبَ الحَدِيثِ المَنصُوصِ في ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: الشاهِدُ، الجَوارِحُ الَّتِي تَنْطِقُ يَوْمَ القِيامَةِ فَتَشْهَدُ عَلى أصْحابِها، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أصْحابُها، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ المَلائِكَةُ المُتَعاقِبُونَ في الأُمَّةِ، والمَشْهُودُ قُرْآنُ الفَجْرَ، وتَفْسِيرُهُ ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ النَجْمُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِ اللَيْلُ والنَهارُ، أيْ: يَشْهَدُ النَجْمُ بِإقْبالِ هَذا وإدْبارِ هَذا، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "حَتّى يَطَّلِعَ الشاهِدُ"،» "الشاهِدُ النَجْمُ" وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ هو اللهُ تَعالى والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ، والمَشْهُودُ بِهِ الوَحْدانِيَّةُ وأنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ، وقِيلَ: الشاهِدُ: مَخْلُوقاتُ اللهِ تَعالى، والمَشْهُودُ بِهِ وحْدانِيَّتُهُ، وأنْشَدَ الثَعْلَبِيُّ في هَذا المَعْنى قَوْلَ الشاعِرِ:
؎ وفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ
(p-٥٧٨)وَ"قُتِلَ" مَعْناهُ: فَعَلَ اللهُ بِهِمْ ذَلِكَ لِأنَّهم أهْلٌ لَهُ، فَهو عَلى جِهَةِ الدُعاءِ بِحَسَبِ البَشَرِ، لا أنَّ اللهَ تَعالى يَدْعُو عَلى أحَدٍ، وقِيلَ -عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -: مَعْناهُ: لَعَنَ، وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، وقِيلَ: هو إخْبارٌ بِأنَّ النارَ قَتَلَتْهُمْ، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وسَيَأْتِي بَيانُهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في أصْحابِ الأُخْدُودِ، فَقِيلَ: هو قَوْمٌ كانُوا عَلى دِينٍ، وكانَ لَهم مَلِكٌ، فَزَنى بِأُخْتِهِ، ثُمَّ حَمَلَهُ بَعْضُ الناسِ عَلى أنْ يَسُنَّ في الناسِ نِكاحَ الأخَواتِ والبَناتِ، فَحَمَلَ الناسَ عَلى ذَلِكَ، فَأطاعَهُ كَثِيرٌ وعَصَتْهُ فَرِقَّةٌ، فَخَذَّ لَهم أخادِيدَ، وهي حَفائِرُ طَوِيلَةٌ كالخَنادِقِ، وأضْرَمَ لَهم نارًا وطَرَحَهم فِيها، ثُمَّ اسْتَمَرَّتِ المَجُوسِيَّةُ في مَطِيعِيهِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: صاحِبُ الأُخْدُودِ مَلِكٌ مِن حِمْيَرَ، كانَ بِمَزارِعَ مِنَ اليَمَنِ، اقْتَتَلَ هو والكُفّارُ مَعَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ غَلَبَ في آخِرِ الأمْرِ، فَحَرَقَهم عَلى دِينِهِ إذْ أبَوْا دِينَهُ، ومِنهم كانَتِ المَرْأةُ ذاتُ الطِفْلِ الَّتِي تَلَكَّأتْ فَقالَ لَها الطِفْلُ: امْضِ في النارِ فَإنَّكِ عَلى الحَقِّ. وحَكى النَقّاشُ عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، أنَّ نَبِيَّ أصْحابِ الأُخْدُودِ كانَ حَبَشِيًّا، وأنَّ الحَبَشَةَ بَقِيَّةُ أصْحابِ الأُخْدُودِ، وقِيلَ: أصْحابُ الأُخْدُودِ ذُو نُواسِ في قِصَّةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الثامِرِ الَّتِي وقَعَتْ في السَيْرِ، وقِيلَ: كانَ أصْحابُ الأُخْدُودِ في بَنِي إسْرائِيلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ صْاحِبَّ الأُخْدُودِ هو مُحَرِّقُ، وأنَّهُ الَّذِي حَرَّقَ مِن بَنِي تَمِيمٍ المِائَةَ، ويَعْتَرِضُ هَذا القَوْلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾، فَيَنْفَصِلُ عن هَذا الِاعْتِراضِ بِأنَّ هَذا الكَلامَ مُنْقَطِعٌ مِن قِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ، وأنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "هُمْ"قُرَيْشٌ الَّذِينَ كانُوا يَفْتِنُونَ الناسَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في جَوابِ القَسَمِ، فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: هو مَحْذُوفٌ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: هو قَوْلُهُ تَعالى: "قُتِلَ"، والتَقْدِيرُ: لَقُتِلَ، وقالَ قَتادَةُ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢]، وقالَ آخَرُونَ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠].
وقَوْلُهُ تَعالى: "النارِ" بَدَلٌ مِن "الأُخْدُودِ"، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، وهي قِراءَةُ (p-٥٧٩)الجُمْهُورِ "النارِ" بِخَفْضِ الراءِ، وقَرَأ قَوْمٌ "النارُ" بِالرَفْعِ، عَلى مَعْنى: قَتَلَتْهُمُ النارُ. و"الوَقُودُ" بِالضَمِّ- مَصْدَرٌ مِن: وُقِدَتِ النارُ إذا اضْطَرَمَتْ، و"الوَقُودُ" -بِفَتْحِ الواوِ- ما تُوقَدُ بِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ: بِضَمِّها. وكانَ مِن قِصَّةِ هَؤُلاءِ أنَّ الكُفّارَ قَعَدُوا، وضَمَّ المُؤْمِنُونَ فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الدُخُولَ في الكُفْرِ، فَمَن أبى رُمِيَ في أُخْدُودِ النارِ فاحْتَرَقَ، فَرُوِيَ أنَّهُ احْتَرَقَ عِشْرُونَ ألْفًا، قالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وأبُو العالِيَةِ: بَعَثَ اللهُ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ رِيحًا فَقَبَضَتْ أرْواحَهُمْ، أو نَحْوَ هَذا، وخَرَجَتِ النارُ وأحْرَقَتِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى حافَّتَيِ الأُخْدُودِ، وعَلى هَذا يَجِيءُ "قُتِلَ" خَبَرا الِادِّعاءِ، وقالَ قَتادَةُ: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ.
و"نَقَمُوا" مَعْناهُ: اعْتَدَوْا وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَقَمُوا" بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَقِمُوا" بِكَسْرِ القاءِ.
البروج 85:9
(p-٥٧٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ البُرُوجِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ لا خِلافَ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والسَماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وَما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في "البُرُوجِ"، فَقالَ الضَحّاكُ وقَتادَةُ: هي القُصُورُ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ كَأنَّها بُرْجٌ رُومِيٌّ يُشَيِّدُهُ بانٍ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: البُرُوجُ: النُجُومُ لِأنَّها تَتَبَرَّجُ بِنُورِها، والتَبَرُّجُ: التَظاهُرُ والتَبَدِّي، وقالَ الجُمْهُورُ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: البُرُوجُ هي المَنازِلُ الَّتِي عَرَفَتْها العَرَبُ، وهي اثْنا عَشَرَ عَلى ما قَسَّمَتْهُ العَرَبُ وهي الَّتِي تَقْطَعُها الشَمْسُ في سَنَةُ والقَمَرُ في ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: ذاتُ الرَمْلِ والماءِ يُرِيدُ أنَّها مَبْنِيَّةٌ في السَماءِ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
و"اليَوْمِ المَوْعُودِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقٍ، قالَهُ النَبِيُّ ﷺ، ومَعْناهُ: المَوْعُودُ بِهِ.
(p-٥٧٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: و"مَشْهُودٍ" مَعْناهُ: عَلَيْهِ، أو بِهِ، أو فِيهِ، وهَذا يَتَرَتَّبُ بِحَسْبَ الخِلافِ في تَعْيِينِ المُرادِ بـ ﴿وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾، فَقَدِ اخْتَلَفَ الناسُ في المُشارِ إلَيْهِ بِهِما، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما الشاهِدُ: اللهُ تَعالى، والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ: الشاهِدُ: مُحَمَّدٌ ﷺ، والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ [الفتح: ٨]، وقالَ تَعالى في يَوْمِ القِيامَةِ: ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ أيْضًا: الشاهِدُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ذُرِّيَّتِهِ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ. و"شاهِدٍ" اسْمُ جِنْسٍ عَلى هَذا، وقالَ بَعْضُ مَن بَسَطَ قَوْلَ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ "شاهِدٍ" يُرادُ بِهِ رِجْلٌ فَرْدٌ أو نَسَمَةٌ مِنَ النَسَمِ، فَفي هَذا تَذْكِيرٌ بِحَقارَةِ المِسْكِينِ ابْنِ آدَمَ، و"المَشْهُودِ" يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الشاهِدُ: يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الجُمْعَةِ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، وابْنُ المُسَيِّبِ وقَتادَةُ: "شاهِدٍ" يَوْمُ القِيامِهِ، و"مَشْهُودٌ" الناسُ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الشاهِدُ: أنْتَ يا بْنَ آدَمَ، والمَشْهُودُ: اللهُ تَعالى، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ بِالعَكْسِ، وتَلا: ( وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا )، وقالَ أبُو مالِكٍ: الشاهِدُ: عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، والمَشْهُودُ: أُمَّتُهُ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [المائدة: ١١٧]، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: "شاهِدٍ": يَوْمُ التَرْوِيَةِ، و"مَشْهُودٍ": يَوْمُ عَرَفَةَ، وقالَ بَعْضُ الناسِ في كِتابِ النَقّاشِ: الشاهِدُ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، والمَشْهُودُ يَوْمُ الجُمْعَةِ، وذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الشاهِدُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ النَحْرِ، وعنهُ أيْضًا: "شاهِدٍ": يَوْمُ القِيامَةِ، و"مَشْهُودٍ": يَوْمُ عَرَفَةَ، (p-٥٧٧)وَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "شاهِدٍ": يَوْمُ الجُمْعَةَ، و"مَشْهُودٍ" يَوْمُ عَرَفَةَ،» قالَهُ عَلِيٌّ وأبُو بَكْرٍ والحَسَنُ. وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: الشاهِدُ: يَوْمُ الأضْحى، والمَشْهُودُ: يَوْمُ عَرَفَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ووَصَفَ هَذِهِ الأيّامَ بِشاهِدٍ لِأنَّها تَشْهَدُ لِحاضِرِيها بِالأعْمالِ، والمَشْهُودُ فِيما مَضى مِنَ الأقْوالِ بِمَعْنى المُشاهَدِ -بِفَتْحِ الهاءِ-، وقالَ التِرْمِذِيُّ: الشاهِدُ: المَلائِكَةُ الحَفَظَةُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ: الناسُ، وقالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى -عِنْدَ الثَعْلَبِيِّ -: الشاهِدُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أُمَّتُهُ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، أيْ شاهِدًا، وقِيلَ: الشاهِدُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أُمَمُهُمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: الشاهِدُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ قَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ وسائِرُ الأُمَمِ حَسَبَ الحَدِيثِ المَنصُوصِ في ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: الشاهِدُ، الجَوارِحُ الَّتِي تَنْطِقُ يَوْمَ القِيامَةِ فَتَشْهَدُ عَلى أصْحابِها، والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ أصْحابُها، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ المَلائِكَةُ المُتَعاقِبُونَ في الأُمَّةِ، والمَشْهُودُ قُرْآنُ الفَجْرَ، وتَفْسِيرُهُ ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ النَجْمُ، والمَشْهُودُ عَلَيْهِ اللَيْلُ والنَهارُ، أيْ: يَشْهَدُ النَجْمُ بِإقْبالِ هَذا وإدْبارِ هَذا، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "حَتّى يَطَّلِعَ الشاهِدُ"،» "الشاهِدُ النَجْمُ" وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشاهِدُ هو اللهُ تَعالى والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ، والمَشْهُودُ بِهِ الوَحْدانِيَّةُ وأنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ، وقِيلَ: الشاهِدُ: مَخْلُوقاتُ اللهِ تَعالى، والمَشْهُودُ بِهِ وحْدانِيَّتُهُ، وأنْشَدَ الثَعْلَبِيُّ في هَذا المَعْنى قَوْلَ الشاعِرِ:
؎ وفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ
(p-٥٧٨)وَ"قُتِلَ" مَعْناهُ: فَعَلَ اللهُ بِهِمْ ذَلِكَ لِأنَّهم أهْلٌ لَهُ، فَهو عَلى جِهَةِ الدُعاءِ بِحَسَبِ البَشَرِ، لا أنَّ اللهَ تَعالى يَدْعُو عَلى أحَدٍ، وقِيلَ -عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -: مَعْناهُ: لَعَنَ، وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، وقِيلَ: هو إخْبارٌ بِأنَّ النارَ قَتَلَتْهُمْ، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وسَيَأْتِي بَيانُهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في أصْحابِ الأُخْدُودِ، فَقِيلَ: هو قَوْمٌ كانُوا عَلى دِينٍ، وكانَ لَهم مَلِكٌ، فَزَنى بِأُخْتِهِ، ثُمَّ حَمَلَهُ بَعْضُ الناسِ عَلى أنْ يَسُنَّ في الناسِ نِكاحَ الأخَواتِ والبَناتِ، فَحَمَلَ الناسَ عَلى ذَلِكَ، فَأطاعَهُ كَثِيرٌ وعَصَتْهُ فَرِقَّةٌ، فَخَذَّ لَهم أخادِيدَ، وهي حَفائِرُ طَوِيلَةٌ كالخَنادِقِ، وأضْرَمَ لَهم نارًا وطَرَحَهم فِيها، ثُمَّ اسْتَمَرَّتِ المَجُوسِيَّةُ في مَطِيعِيهِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: صاحِبُ الأُخْدُودِ مَلِكٌ مِن حِمْيَرَ، كانَ بِمَزارِعَ مِنَ اليَمَنِ، اقْتَتَلَ هو والكُفّارُ مَعَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ غَلَبَ في آخِرِ الأمْرِ، فَحَرَقَهم عَلى دِينِهِ إذْ أبَوْا دِينَهُ، ومِنهم كانَتِ المَرْأةُ ذاتُ الطِفْلِ الَّتِي تَلَكَّأتْ فَقالَ لَها الطِفْلُ: امْضِ في النارِ فَإنَّكِ عَلى الحَقِّ. وحَكى النَقّاشُ عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، أنَّ نَبِيَّ أصْحابِ الأُخْدُودِ كانَ حَبَشِيًّا، وأنَّ الحَبَشَةَ بَقِيَّةُ أصْحابِ الأُخْدُودِ، وقِيلَ: أصْحابُ الأُخْدُودِ ذُو نُواسِ في قِصَّةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الثامِرِ الَّتِي وقَعَتْ في السَيْرِ، وقِيلَ: كانَ أصْحابُ الأُخْدُودِ في بَنِي إسْرائِيلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ صْاحِبَّ الأُخْدُودِ هو مُحَرِّقُ، وأنَّهُ الَّذِي حَرَّقَ مِن بَنِي تَمِيمٍ المِائَةَ، ويَعْتَرِضُ هَذا القَوْلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾، فَيَنْفَصِلُ عن هَذا الِاعْتِراضِ بِأنَّ هَذا الكَلامَ مُنْقَطِعٌ مِن قِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ، وأنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "هُمْ"قُرَيْشٌ الَّذِينَ كانُوا يَفْتِنُونَ الناسَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في جَوابِ القَسَمِ، فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: هو مَحْذُوفٌ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: هو قَوْلُهُ تَعالى: "قُتِلَ"، والتَقْدِيرُ: لَقُتِلَ، وقالَ قَتادَةُ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢]، وقالَ آخَرُونَ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠].
وقَوْلُهُ تَعالى: "النارِ" بَدَلٌ مِن "الأُخْدُودِ"، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، وهي قِراءَةُ (p-٥٧٩)الجُمْهُورِ "النارِ" بِخَفْضِ الراءِ، وقَرَأ قَوْمٌ "النارُ" بِالرَفْعِ، عَلى مَعْنى: قَتَلَتْهُمُ النارُ. و"الوَقُودُ" بِالضَمِّ- مَصْدَرٌ مِن: وُقِدَتِ النارُ إذا اضْطَرَمَتْ، و"الوَقُودُ" -بِفَتْحِ الواوِ- ما تُوقَدُ بِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ: بِضَمِّها. وكانَ مِن قِصَّةِ هَؤُلاءِ أنَّ الكُفّارَ قَعَدُوا، وضَمَّ المُؤْمِنُونَ فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الدُخُولَ في الكُفْرِ، فَمَن أبى رُمِيَ في أُخْدُودِ النارِ فاحْتَرَقَ، فَرُوِيَ أنَّهُ احْتَرَقَ عِشْرُونَ ألْفًا، قالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وأبُو العالِيَةِ: بَعَثَ اللهُ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ رِيحًا فَقَبَضَتْ أرْواحَهُمْ، أو نَحْوَ هَذا، وخَرَجَتِ النارُ وأحْرَقَتِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى حافَّتَيِ الأُخْدُودِ، وعَلى هَذا يَجِيءُ "قُتِلَ" خَبَرا الِادِّعاءِ، وقالَ قَتادَةُ: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ.
و"نَقَمُوا" مَعْناهُ: اعْتَدَوْا وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَقَمُوا" بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَقِمُوا" بِكَسْرِ القاءِ.
البروج 85:10
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ ﴿وَهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾
"فَتَنُوا" مَعْناهُ: أحْرَقُوا، وفَتَنْتُ الذَهَبَ والفِضَّةَ في النارِ: أحْرَقَتَهُما، والفَتِينُ: حِجارَةُ الحُرَّةِ السُودُ لِأنَّ الشَمْسَ كَأنَّها أحْرَقَتْها. ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآياتِ الأواخِرَ في قُرَيْشٍ جَعَلَ الفِتْنَةَ الِامْتِحانَ والتَعْذِيبَ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ بَعْضُ التَقْوِيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ ؛ لِأنَّ هَذا اللَفْظَ في قُرَيْشٍ أحْكَمُ مِنهُ في أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ عَلِمَ أنَّهم ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ، وأمّا قُرَيْشٌ فَكانَ فِيهِمْ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مَن تابَ بَعْدَ ذَلِكَ وآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، و"جَهَنَّمُ والحَرِيقُ" طَبَقَتانِ مِنَ النارِ، ومَن قالَ إنَّ النارَ خَرَجَتْ فَأحْرَقَتِ الكُفّارَ القُعُودَ جُعِلَ الحَرِيقُ في الدُنْيا. و"البَطْشُ" الأخْذُ بِقُوَّةٍ وسُرْعَةٍ، "وَيُبْدِئُ ويُعِيدُ" قالَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: "يُبْدِئُ" الخَلْقَ بِالإنْشاءِ و"يُعِيدُ" بِالحَشْرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما مَعْناهُ: إنَّ ذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ، فَهي عِبارَةٌ عن أنَّهُ يَفْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ، أيْ: يُبْدِئُ كُلَّ ما يَبْدَأُ ويُعِيدُ كُلَّ ما يُعادُ، وهَذانَ قِسْمانِ يَسْتَوْفِيانِ جَمِيعَ الأشْياءِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: يُبْدِئُ العَذابَ ويُعِيدُهُ عَلى الكُفّارِ.
(p-٥٨٠)وَ"الغَفُورُ الوَدُودُ" صِفَتا فِعْلٍ، الأُولى سَتْرٌ عَلى عِبادِهِ، والثانِيَةُ لُطْفٌ بِهِمْ وإحْسانٌ إلَيْهِمْ، وخَصَّصَ العَرْشَ بِإضافَةِ نَفْسِهِ إلَيْهِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "المَجِيدِ" بِخَفْضِ الدالِ صِفَةً لِلْعَرْشِ، وهَذا عَلى أنَّ المَجْدَ والتَمَجُّدَ قَدْ يُوصَفُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ المَوْجُوداتِ، وقَدْ قالُوا: مَجَدَتِ الدابَّةُ إذا سَمِنَتْ، وأمْجَدَتْها إذا أحْسَنَتْ عَلَيْها، وقالُوا: "فِي كُلِّ شَجَرٍ نارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعِفارُ"، أيْ كَثُرَتْ نارُهُما، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: "المَجِيدُ" بِالرَفْعِ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ذُو العَرْشِ"، ورَوى ابْنُ عامِرٍ: "ذِي العَرْشِ" نَعْتًا لِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ﴾.
البروج 85:11
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ ﴿وَهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾
"فَتَنُوا" مَعْناهُ: أحْرَقُوا، وفَتَنْتُ الذَهَبَ والفِضَّةَ في النارِ: أحْرَقَتَهُما، والفَتِينُ: حِجارَةُ الحُرَّةِ السُودُ لِأنَّ الشَمْسَ كَأنَّها أحْرَقَتْها. ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآياتِ الأواخِرَ في قُرَيْشٍ جَعَلَ الفِتْنَةَ الِامْتِحانَ والتَعْذِيبَ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ بَعْضُ التَقْوِيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ ؛ لِأنَّ هَذا اللَفْظَ في قُرَيْشٍ أحْكَمُ مِنهُ في أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ عَلِمَ أنَّهم ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ، وأمّا قُرَيْشٌ فَكانَ فِيهِمْ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مَن تابَ بَعْدَ ذَلِكَ وآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، و"جَهَنَّمُ والحَرِيقُ" طَبَقَتانِ مِنَ النارِ، ومَن قالَ إنَّ النارَ خَرَجَتْ فَأحْرَقَتِ الكُفّارَ القُعُودَ جُعِلَ الحَرِيقُ في الدُنْيا. و"البَطْشُ" الأخْذُ بِقُوَّةٍ وسُرْعَةٍ، "وَيُبْدِئُ ويُعِيدُ" قالَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: "يُبْدِئُ" الخَلْقَ بِالإنْشاءِ و"يُعِيدُ" بِالحَشْرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما مَعْناهُ: إنَّ ذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ، فَهي عِبارَةٌ عن أنَّهُ يَفْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ، أيْ: يُبْدِئُ كُلَّ ما يَبْدَأُ ويُعِيدُ كُلَّ ما يُعادُ، وهَذانَ قِسْمانِ يَسْتَوْفِيانِ جَمِيعَ الأشْياءِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: يُبْدِئُ العَذابَ ويُعِيدُهُ عَلى الكُفّارِ.
(p-٥٨٠)وَ"الغَفُورُ الوَدُودُ" صِفَتا فِعْلٍ، الأُولى سَتْرٌ عَلى عِبادِهِ، والثانِيَةُ لُطْفٌ بِهِمْ وإحْسانٌ إلَيْهِمْ، وخَصَّصَ العَرْشَ بِإضافَةِ نَفْسِهِ إلَيْهِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "المَجِيدِ" بِخَفْضِ الدالِ صِفَةً لِلْعَرْشِ، وهَذا عَلى أنَّ المَجْدَ والتَمَجُّدَ قَدْ يُوصَفُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ المَوْجُوداتِ، وقَدْ قالُوا: مَجَدَتِ الدابَّةُ إذا سَمِنَتْ، وأمْجَدَتْها إذا أحْسَنَتْ عَلَيْها، وقالُوا: "فِي كُلِّ شَجَرٍ نارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعِفارُ"، أيْ كَثُرَتْ نارُهُما، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: "المَجِيدُ" بِالرَفْعِ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ذُو العَرْشِ"، ورَوى ابْنُ عامِرٍ: "ذِي العَرْشِ" نَعْتًا لِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ﴾.
البروج 85:12
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ ﴿وَهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾
"فَتَنُوا" مَعْناهُ: أحْرَقُوا، وفَتَنْتُ الذَهَبَ والفِضَّةَ في النارِ: أحْرَقَتَهُما، والفَتِينُ: حِجارَةُ الحُرَّةِ السُودُ لِأنَّ الشَمْسَ كَأنَّها أحْرَقَتْها. ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآياتِ الأواخِرَ في قُرَيْشٍ جَعَلَ الفِتْنَةَ الِامْتِحانَ والتَعْذِيبَ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ بَعْضُ التَقْوِيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ ؛ لِأنَّ هَذا اللَفْظَ في قُرَيْشٍ أحْكَمُ مِنهُ في أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ عَلِمَ أنَّهم ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ، وأمّا قُرَيْشٌ فَكانَ فِيهِمْ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مَن تابَ بَعْدَ ذَلِكَ وآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، و"جَهَنَّمُ والحَرِيقُ" طَبَقَتانِ مِنَ النارِ، ومَن قالَ إنَّ النارَ خَرَجَتْ فَأحْرَقَتِ الكُفّارَ القُعُودَ جُعِلَ الحَرِيقُ في الدُنْيا. و"البَطْشُ" الأخْذُ بِقُوَّةٍ وسُرْعَةٍ، "وَيُبْدِئُ ويُعِيدُ" قالَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: "يُبْدِئُ" الخَلْقَ بِالإنْشاءِ و"يُعِيدُ" بِالحَشْرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما مَعْناهُ: إنَّ ذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ، فَهي عِبارَةٌ عن أنَّهُ يَفْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ، أيْ: يُبْدِئُ كُلَّ ما يَبْدَأُ ويُعِيدُ كُلَّ ما يُعادُ، وهَذانَ قِسْمانِ يَسْتَوْفِيانِ جَمِيعَ الأشْياءِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: يُبْدِئُ العَذابَ ويُعِيدُهُ عَلى الكُفّارِ.
(p-٥٨٠)وَ"الغَفُورُ الوَدُودُ" صِفَتا فِعْلٍ، الأُولى سَتْرٌ عَلى عِبادِهِ، والثانِيَةُ لُطْفٌ بِهِمْ وإحْسانٌ إلَيْهِمْ، وخَصَّصَ العَرْشَ بِإضافَةِ نَفْسِهِ إلَيْهِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "المَجِيدِ" بِخَفْضِ الدالِ صِفَةً لِلْعَرْشِ، وهَذا عَلى أنَّ المَجْدَ والتَمَجُّدَ قَدْ يُوصَفُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ المَوْجُوداتِ، وقَدْ قالُوا: مَجَدَتِ الدابَّةُ إذا سَمِنَتْ، وأمْجَدَتْها إذا أحْسَنَتْ عَلَيْها، وقالُوا: "فِي كُلِّ شَجَرٍ نارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعِفارُ"، أيْ كَثُرَتْ نارُهُما، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: "المَجِيدُ" بِالرَفْعِ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ذُو العَرْشِ"، ورَوى ابْنُ عامِرٍ: "ذِي العَرْشِ" نَعْتًا لِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ﴾.
البروج 85:13
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ ﴿وَهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾
"فَتَنُوا" مَعْناهُ: أحْرَقُوا، وفَتَنْتُ الذَهَبَ والفِضَّةَ في النارِ: أحْرَقَتَهُما، والفَتِينُ: حِجارَةُ الحُرَّةِ السُودُ لِأنَّ الشَمْسَ كَأنَّها أحْرَقَتْها. ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآياتِ الأواخِرَ في قُرَيْشٍ جَعَلَ الفِتْنَةَ الِامْتِحانَ والتَعْذِيبَ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ بَعْضُ التَقْوِيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ ؛ لِأنَّ هَذا اللَفْظَ في قُرَيْشٍ أحْكَمُ مِنهُ في أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ عَلِمَ أنَّهم ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ، وأمّا قُرَيْشٌ فَكانَ فِيهِمْ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مَن تابَ بَعْدَ ذَلِكَ وآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، و"جَهَنَّمُ والحَرِيقُ" طَبَقَتانِ مِنَ النارِ، ومَن قالَ إنَّ النارَ خَرَجَتْ فَأحْرَقَتِ الكُفّارَ القُعُودَ جُعِلَ الحَرِيقُ في الدُنْيا. و"البَطْشُ" الأخْذُ بِقُوَّةٍ وسُرْعَةٍ، "وَيُبْدِئُ ويُعِيدُ" قالَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: "يُبْدِئُ" الخَلْقَ بِالإنْشاءِ و"يُعِيدُ" بِالحَشْرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما مَعْناهُ: إنَّ ذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ، فَهي عِبارَةٌ عن أنَّهُ يَفْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ، أيْ: يُبْدِئُ كُلَّ ما يَبْدَأُ ويُعِيدُ كُلَّ ما يُعادُ، وهَذانَ قِسْمانِ يَسْتَوْفِيانِ جَمِيعَ الأشْياءِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: يُبْدِئُ العَذابَ ويُعِيدُهُ عَلى الكُفّارِ.
(p-٥٨٠)وَ"الغَفُورُ الوَدُودُ" صِفَتا فِعْلٍ، الأُولى سَتْرٌ عَلى عِبادِهِ، والثانِيَةُ لُطْفٌ بِهِمْ وإحْسانٌ إلَيْهِمْ، وخَصَّصَ العَرْشَ بِإضافَةِ نَفْسِهِ إلَيْهِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "المَجِيدِ" بِخَفْضِ الدالِ صِفَةً لِلْعَرْشِ، وهَذا عَلى أنَّ المَجْدَ والتَمَجُّدَ قَدْ يُوصَفُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ المَوْجُوداتِ، وقَدْ قالُوا: مَجَدَتِ الدابَّةُ إذا سَمِنَتْ، وأمْجَدَتْها إذا أحْسَنَتْ عَلَيْها، وقالُوا: "فِي كُلِّ شَجَرٍ نارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعِفارُ"، أيْ كَثُرَتْ نارُهُما، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: "المَجِيدُ" بِالرَفْعِ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ذُو العَرْشِ"، ورَوى ابْنُ عامِرٍ: "ذِي العَرْشِ" نَعْتًا لِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ﴾.
البروج 85:14
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ ﴿وَهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾
"فَتَنُوا" مَعْناهُ: أحْرَقُوا، وفَتَنْتُ الذَهَبَ والفِضَّةَ في النارِ: أحْرَقَتَهُما، والفَتِينُ: حِجارَةُ الحُرَّةِ السُودُ لِأنَّ الشَمْسَ كَأنَّها أحْرَقَتْها. ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآياتِ الأواخِرَ في قُرَيْشٍ جَعَلَ الفِتْنَةَ الِامْتِحانَ والتَعْذِيبَ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ بَعْضُ التَقْوِيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ ؛ لِأنَّ هَذا اللَفْظَ في قُرَيْشٍ أحْكَمُ مِنهُ في أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ عَلِمَ أنَّهم ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ، وأمّا قُرَيْشٌ فَكانَ فِيهِمْ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مَن تابَ بَعْدَ ذَلِكَ وآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، و"جَهَنَّمُ والحَرِيقُ" طَبَقَتانِ مِنَ النارِ، ومَن قالَ إنَّ النارَ خَرَجَتْ فَأحْرَقَتِ الكُفّارَ القُعُودَ جُعِلَ الحَرِيقُ في الدُنْيا. و"البَطْشُ" الأخْذُ بِقُوَّةٍ وسُرْعَةٍ، "وَيُبْدِئُ ويُعِيدُ" قالَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: "يُبْدِئُ" الخَلْقَ بِالإنْشاءِ و"يُعِيدُ" بِالحَشْرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما مَعْناهُ: إنَّ ذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ، فَهي عِبارَةٌ عن أنَّهُ يَفْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ، أيْ: يُبْدِئُ كُلَّ ما يَبْدَأُ ويُعِيدُ كُلَّ ما يُعادُ، وهَذانَ قِسْمانِ يَسْتَوْفِيانِ جَمِيعَ الأشْياءِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: يُبْدِئُ العَذابَ ويُعِيدُهُ عَلى الكُفّارِ.
(p-٥٨٠)وَ"الغَفُورُ الوَدُودُ" صِفَتا فِعْلٍ، الأُولى سَتْرٌ عَلى عِبادِهِ، والثانِيَةُ لُطْفٌ بِهِمْ وإحْسانٌ إلَيْهِمْ، وخَصَّصَ العَرْشَ بِإضافَةِ نَفْسِهِ إلَيْهِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "المَجِيدِ" بِخَفْضِ الدالِ صِفَةً لِلْعَرْشِ، وهَذا عَلى أنَّ المَجْدَ والتَمَجُّدَ قَدْ يُوصَفُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ المَوْجُوداتِ، وقَدْ قالُوا: مَجَدَتِ الدابَّةُ إذا سَمِنَتْ، وأمْجَدَتْها إذا أحْسَنَتْ عَلَيْها، وقالُوا: "فِي كُلِّ شَجَرٍ نارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعِفارُ"، أيْ كَثُرَتْ نارُهُما، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: "المَجِيدُ" بِالرَفْعِ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ذُو العَرْشِ"، ورَوى ابْنُ عامِرٍ: "ذِي العَرْشِ" نَعْتًا لِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ﴾.
البروج 85:15
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ ﴿وَهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾
"فَتَنُوا" مَعْناهُ: أحْرَقُوا، وفَتَنْتُ الذَهَبَ والفِضَّةَ في النارِ: أحْرَقَتَهُما، والفَتِينُ: حِجارَةُ الحُرَّةِ السُودُ لِأنَّ الشَمْسَ كَأنَّها أحْرَقَتْها. ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآياتِ الأواخِرَ في قُرَيْشٍ جَعَلَ الفِتْنَةَ الِامْتِحانَ والتَعْذِيبَ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ بَعْضُ التَقْوِيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ ؛ لِأنَّ هَذا اللَفْظَ في قُرَيْشٍ أحْكَمُ مِنهُ في أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ عَلِمَ أنَّهم ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ، وأمّا قُرَيْشٌ فَكانَ فِيهِمْ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مَن تابَ بَعْدَ ذَلِكَ وآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، و"جَهَنَّمُ والحَرِيقُ" طَبَقَتانِ مِنَ النارِ، ومَن قالَ إنَّ النارَ خَرَجَتْ فَأحْرَقَتِ الكُفّارَ القُعُودَ جُعِلَ الحَرِيقُ في الدُنْيا. و"البَطْشُ" الأخْذُ بِقُوَّةٍ وسُرْعَةٍ، "وَيُبْدِئُ ويُعِيدُ" قالَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: "يُبْدِئُ" الخَلْقَ بِالإنْشاءِ و"يُعِيدُ" بِالحَشْرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما مَعْناهُ: إنَّ ذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ، فَهي عِبارَةٌ عن أنَّهُ يَفْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ، أيْ: يُبْدِئُ كُلَّ ما يَبْدَأُ ويُعِيدُ كُلَّ ما يُعادُ، وهَذانَ قِسْمانِ يَسْتَوْفِيانِ جَمِيعَ الأشْياءِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: يُبْدِئُ العَذابَ ويُعِيدُهُ عَلى الكُفّارِ.
(p-٥٨٠)وَ"الغَفُورُ الوَدُودُ" صِفَتا فِعْلٍ، الأُولى سَتْرٌ عَلى عِبادِهِ، والثانِيَةُ لُطْفٌ بِهِمْ وإحْسانٌ إلَيْهِمْ، وخَصَّصَ العَرْشَ بِإضافَةِ نَفْسِهِ إلَيْهِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "المَجِيدِ" بِخَفْضِ الدالِ صِفَةً لِلْعَرْشِ، وهَذا عَلى أنَّ المَجْدَ والتَمَجُّدَ قَدْ يُوصَفُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ المَوْجُوداتِ، وقَدْ قالُوا: مَجَدَتِ الدابَّةُ إذا سَمِنَتْ، وأمْجَدَتْها إذا أحْسَنَتْ عَلَيْها، وقالُوا: "فِي كُلِّ شَجَرٍ نارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعِفارُ"، أيْ كَثُرَتْ نارُهُما، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: "المَجِيدُ" بِالرَفْعِ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ذُو العَرْشِ"، ورَوى ابْنُ عامِرٍ: "ذِي العَرْشِ" نَعْتًا لِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ﴾.
البروج 85:16
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ ﴿وَهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾
"فَتَنُوا" مَعْناهُ: أحْرَقُوا، وفَتَنْتُ الذَهَبَ والفِضَّةَ في النارِ: أحْرَقَتَهُما، والفَتِينُ: حِجارَةُ الحُرَّةِ السُودُ لِأنَّ الشَمْسَ كَأنَّها أحْرَقَتْها. ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآياتِ الأواخِرَ في قُرَيْشٍ جَعَلَ الفِتْنَةَ الِامْتِحانَ والتَعْذِيبَ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ بَعْضُ التَقْوِيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ ؛ لِأنَّ هَذا اللَفْظَ في قُرَيْشٍ أحْكَمُ مِنهُ في أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ عَلِمَ أنَّهم ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ، وأمّا قُرَيْشٌ فَكانَ فِيهِمْ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مَن تابَ بَعْدَ ذَلِكَ وآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، و"جَهَنَّمُ والحَرِيقُ" طَبَقَتانِ مِنَ النارِ، ومَن قالَ إنَّ النارَ خَرَجَتْ فَأحْرَقَتِ الكُفّارَ القُعُودَ جُعِلَ الحَرِيقُ في الدُنْيا. و"البَطْشُ" الأخْذُ بِقُوَّةٍ وسُرْعَةٍ، "وَيُبْدِئُ ويُعِيدُ" قالَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: "يُبْدِئُ" الخَلْقَ بِالإنْشاءِ و"يُعِيدُ" بِالحَشْرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما مَعْناهُ: إنَّ ذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ، فَهي عِبارَةٌ عن أنَّهُ يَفْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ، أيْ: يُبْدِئُ كُلَّ ما يَبْدَأُ ويُعِيدُ كُلَّ ما يُعادُ، وهَذانَ قِسْمانِ يَسْتَوْفِيانِ جَمِيعَ الأشْياءِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: يُبْدِئُ العَذابَ ويُعِيدُهُ عَلى الكُفّارِ.
(p-٥٨٠)وَ"الغَفُورُ الوَدُودُ" صِفَتا فِعْلٍ، الأُولى سَتْرٌ عَلى عِبادِهِ، والثانِيَةُ لُطْفٌ بِهِمْ وإحْسانٌ إلَيْهِمْ، وخَصَّصَ العَرْشَ بِإضافَةِ نَفْسِهِ إلَيْهِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "المَجِيدِ" بِخَفْضِ الدالِ صِفَةً لِلْعَرْشِ، وهَذا عَلى أنَّ المَجْدَ والتَمَجُّدَ قَدْ يُوصَفُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ المَوْجُوداتِ، وقَدْ قالُوا: مَجَدَتِ الدابَّةُ إذا سَمِنَتْ، وأمْجَدَتْها إذا أحْسَنَتْ عَلَيْها، وقالُوا: "فِي كُلِّ شَجَرٍ نارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعِفارُ"، أيْ كَثُرَتْ نارُهُما، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: "المَجِيدُ" بِالرَفْعِ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ذُو العَرْشِ"، ورَوى ابْنُ عامِرٍ: "ذِي العَرْشِ" نَعْتًا لِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ﴾.
البروج 85:17
قوله عزّ وجلّ:
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ ﴿واللهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾
هَذا تَوْقِيفٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنى: فاجْعَلْ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ يُخالِفُونَكَ وراءَ ظَهْرِكَ ولا تَهْتَمَّ، فَقَدِ انْتَقَمَ اللهَ تَعالى مِن أُولَئِكَ الأقْوِياءِ الأشِدّاءِ فَكَيْفَ بِهَؤُلاءِ؟ و"الجُنُودُ": الجُمُوعُ المُعَدَّةُ لِلْقِتالِ والجَرْيِ نَحْوُ غَرَضٍ واحِدٍ، ونابَ فِرْعَوْنُ الذِكْرَ مَنابَ قَوْمِهِ وآلِهِ إذْ كانَ رَأْسَهُمْ، و"فِرْعَوْنَ وثَمُودَ" في مَوْضِعِ حَفْضٍ عَلى البَدَلِ مِن "الجُنُودِ". ثُمَّ تَرَكَ القَوْلَ بِحالِهِ، وأضْرَبَ عنهُ إلى الإخْبارِ بِأنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ لا حُجَّةَ لَهم عَلَيْهِ ولا بُرْهانَ، بَلْ هو تَكْذِيبٌ مُجَرَّدٌ سَبَبُهُ الحَسَدُ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾، أيْ وعَذابُ اللهِ تَعالى ونِقْمَتُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ورائِهِمْ﴾، مَعْناهُ ما يَأْتِي بَعْدَ كُفْرِهِمْ وعِصْيانِهِمْ.
(p-٥٨١)ثُمَّ أضْرَبَ تَعالى عن تَكْذِيبِهِمْ مُبْطِلًا لَهُ ورَدًّا عَلَيْهِ، أنَّهُ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، أيْ: لا مَذَمَّةَ فِيهِ، وهَذا مِمّا تَقَدَّمَ مِن وصْفٍ غَيْرِ اللهِ تَعالى بِالمَجْدِ والتَمَجُّدِ. وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ: "قُرْآنُ مَجِيدٍ" عَلى الإضافَةِ، وأنْ يَكُونَ اللهُ تَعالى، هو المَجِيدُ و"اللَوْحُ" هو اللَوْحُ المَحْفُوظُ الَّذِي فِيهِ جَمِيعُ الأشْياءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ" بِالخَفْضِ صِفَةٌ للَّوْحِ المَشْهُورِ بِهَذِهِ الصِفَةِ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ -بِخِلافٍ عنهُ- وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْرَجُ: "مَحْفُوظٌ" بِالرَفْعِ صِفَةُ القُرْآنِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أيْ هو مَحْفُوظٌ في القُلُوبِ لا يُدْرِكُهُ الخَطَأُ والتَبْدِيلُ. وقالَ أنَسٌ: إنَّ اللَوْحَ المَحْفُوظَ هو في جَبْهَةِ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: هو مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهَذا كُلُّهُ مِمّا قَصَرَتْ بِهِ الأسانِيدُ، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ: "فِي لُوحٍ" بِضَمِّ اللامِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [البُرُوجِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
البروج 85:18
قوله عزّ وجلّ:
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ ﴿واللهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾
هَذا تَوْقِيفٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنى: فاجْعَلْ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ يُخالِفُونَكَ وراءَ ظَهْرِكَ ولا تَهْتَمَّ، فَقَدِ انْتَقَمَ اللهَ تَعالى مِن أُولَئِكَ الأقْوِياءِ الأشِدّاءِ فَكَيْفَ بِهَؤُلاءِ؟ و"الجُنُودُ": الجُمُوعُ المُعَدَّةُ لِلْقِتالِ والجَرْيِ نَحْوُ غَرَضٍ واحِدٍ، ونابَ فِرْعَوْنُ الذِكْرَ مَنابَ قَوْمِهِ وآلِهِ إذْ كانَ رَأْسَهُمْ، و"فِرْعَوْنَ وثَمُودَ" في مَوْضِعِ حَفْضٍ عَلى البَدَلِ مِن "الجُنُودِ". ثُمَّ تَرَكَ القَوْلَ بِحالِهِ، وأضْرَبَ عنهُ إلى الإخْبارِ بِأنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ لا حُجَّةَ لَهم عَلَيْهِ ولا بُرْهانَ، بَلْ هو تَكْذِيبٌ مُجَرَّدٌ سَبَبُهُ الحَسَدُ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾، أيْ وعَذابُ اللهِ تَعالى ونِقْمَتُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ورائِهِمْ﴾، مَعْناهُ ما يَأْتِي بَعْدَ كُفْرِهِمْ وعِصْيانِهِمْ.
(p-٥٨١)ثُمَّ أضْرَبَ تَعالى عن تَكْذِيبِهِمْ مُبْطِلًا لَهُ ورَدًّا عَلَيْهِ، أنَّهُ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، أيْ: لا مَذَمَّةَ فِيهِ، وهَذا مِمّا تَقَدَّمَ مِن وصْفٍ غَيْرِ اللهِ تَعالى بِالمَجْدِ والتَمَجُّدِ. وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ: "قُرْآنُ مَجِيدٍ" عَلى الإضافَةِ، وأنْ يَكُونَ اللهُ تَعالى، هو المَجِيدُ و"اللَوْحُ" هو اللَوْحُ المَحْفُوظُ الَّذِي فِيهِ جَمِيعُ الأشْياءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ" بِالخَفْضِ صِفَةٌ للَّوْحِ المَشْهُورِ بِهَذِهِ الصِفَةِ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ -بِخِلافٍ عنهُ- وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْرَجُ: "مَحْفُوظٌ" بِالرَفْعِ صِفَةُ القُرْآنِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أيْ هو مَحْفُوظٌ في القُلُوبِ لا يُدْرِكُهُ الخَطَأُ والتَبْدِيلُ. وقالَ أنَسٌ: إنَّ اللَوْحَ المَحْفُوظَ هو في جَبْهَةِ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: هو مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهَذا كُلُّهُ مِمّا قَصَرَتْ بِهِ الأسانِيدُ، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ: "فِي لُوحٍ" بِضَمِّ اللامِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [البُرُوجِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
البروج 85:19
قوله عزّ وجلّ:
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ ﴿واللهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾
هَذا تَوْقِيفٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنى: فاجْعَلْ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ يُخالِفُونَكَ وراءَ ظَهْرِكَ ولا تَهْتَمَّ، فَقَدِ انْتَقَمَ اللهَ تَعالى مِن أُولَئِكَ الأقْوِياءِ الأشِدّاءِ فَكَيْفَ بِهَؤُلاءِ؟ و"الجُنُودُ": الجُمُوعُ المُعَدَّةُ لِلْقِتالِ والجَرْيِ نَحْوُ غَرَضٍ واحِدٍ، ونابَ فِرْعَوْنُ الذِكْرَ مَنابَ قَوْمِهِ وآلِهِ إذْ كانَ رَأْسَهُمْ، و"فِرْعَوْنَ وثَمُودَ" في مَوْضِعِ حَفْضٍ عَلى البَدَلِ مِن "الجُنُودِ". ثُمَّ تَرَكَ القَوْلَ بِحالِهِ، وأضْرَبَ عنهُ إلى الإخْبارِ بِأنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ لا حُجَّةَ لَهم عَلَيْهِ ولا بُرْهانَ، بَلْ هو تَكْذِيبٌ مُجَرَّدٌ سَبَبُهُ الحَسَدُ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾، أيْ وعَذابُ اللهِ تَعالى ونِقْمَتُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ورائِهِمْ﴾، مَعْناهُ ما يَأْتِي بَعْدَ كُفْرِهِمْ وعِصْيانِهِمْ.
(p-٥٨١)ثُمَّ أضْرَبَ تَعالى عن تَكْذِيبِهِمْ مُبْطِلًا لَهُ ورَدًّا عَلَيْهِ، أنَّهُ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، أيْ: لا مَذَمَّةَ فِيهِ، وهَذا مِمّا تَقَدَّمَ مِن وصْفٍ غَيْرِ اللهِ تَعالى بِالمَجْدِ والتَمَجُّدِ. وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ: "قُرْآنُ مَجِيدٍ" عَلى الإضافَةِ، وأنْ يَكُونَ اللهُ تَعالى، هو المَجِيدُ و"اللَوْحُ" هو اللَوْحُ المَحْفُوظُ الَّذِي فِيهِ جَمِيعُ الأشْياءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ" بِالخَفْضِ صِفَةٌ للَّوْحِ المَشْهُورِ بِهَذِهِ الصِفَةِ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ -بِخِلافٍ عنهُ- وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْرَجُ: "مَحْفُوظٌ" بِالرَفْعِ صِفَةُ القُرْآنِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أيْ هو مَحْفُوظٌ في القُلُوبِ لا يُدْرِكُهُ الخَطَأُ والتَبْدِيلُ. وقالَ أنَسٌ: إنَّ اللَوْحَ المَحْفُوظَ هو في جَبْهَةِ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: هو مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهَذا كُلُّهُ مِمّا قَصَرَتْ بِهِ الأسانِيدُ، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ: "فِي لُوحٍ" بِضَمِّ اللامِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [البُرُوجِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
البروج 85:20
قوله عزّ وجلّ:
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ ﴿واللهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾
هَذا تَوْقِيفٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنى: فاجْعَلْ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ يُخالِفُونَكَ وراءَ ظَهْرِكَ ولا تَهْتَمَّ، فَقَدِ انْتَقَمَ اللهَ تَعالى مِن أُولَئِكَ الأقْوِياءِ الأشِدّاءِ فَكَيْفَ بِهَؤُلاءِ؟ و"الجُنُودُ": الجُمُوعُ المُعَدَّةُ لِلْقِتالِ والجَرْيِ نَحْوُ غَرَضٍ واحِدٍ، ونابَ فِرْعَوْنُ الذِكْرَ مَنابَ قَوْمِهِ وآلِهِ إذْ كانَ رَأْسَهُمْ، و"فِرْعَوْنَ وثَمُودَ" في مَوْضِعِ حَفْضٍ عَلى البَدَلِ مِن "الجُنُودِ". ثُمَّ تَرَكَ القَوْلَ بِحالِهِ، وأضْرَبَ عنهُ إلى الإخْبارِ بِأنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ لا حُجَّةَ لَهم عَلَيْهِ ولا بُرْهانَ، بَلْ هو تَكْذِيبٌ مُجَرَّدٌ سَبَبُهُ الحَسَدُ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾، أيْ وعَذابُ اللهِ تَعالى ونِقْمَتُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ورائِهِمْ﴾، مَعْناهُ ما يَأْتِي بَعْدَ كُفْرِهِمْ وعِصْيانِهِمْ.
(p-٥٨١)ثُمَّ أضْرَبَ تَعالى عن تَكْذِيبِهِمْ مُبْطِلًا لَهُ ورَدًّا عَلَيْهِ، أنَّهُ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، أيْ: لا مَذَمَّةَ فِيهِ، وهَذا مِمّا تَقَدَّمَ مِن وصْفٍ غَيْرِ اللهِ تَعالى بِالمَجْدِ والتَمَجُّدِ. وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ: "قُرْآنُ مَجِيدٍ" عَلى الإضافَةِ، وأنْ يَكُونَ اللهُ تَعالى، هو المَجِيدُ و"اللَوْحُ" هو اللَوْحُ المَحْفُوظُ الَّذِي فِيهِ جَمِيعُ الأشْياءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ" بِالخَفْضِ صِفَةٌ للَّوْحِ المَشْهُورِ بِهَذِهِ الصِفَةِ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ -بِخِلافٍ عنهُ- وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْرَجُ: "مَحْفُوظٌ" بِالرَفْعِ صِفَةُ القُرْآنِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أيْ هو مَحْفُوظٌ في القُلُوبِ لا يُدْرِكُهُ الخَطَأُ والتَبْدِيلُ. وقالَ أنَسٌ: إنَّ اللَوْحَ المَحْفُوظَ هو في جَبْهَةِ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: هو مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهَذا كُلُّهُ مِمّا قَصَرَتْ بِهِ الأسانِيدُ، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ: "فِي لُوحٍ" بِضَمِّ اللامِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [البُرُوجِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
البروج 85:21
قوله عزّ وجلّ:
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ ﴿واللهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾
هَذا تَوْقِيفٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنى: فاجْعَلْ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ يُخالِفُونَكَ وراءَ ظَهْرِكَ ولا تَهْتَمَّ، فَقَدِ انْتَقَمَ اللهَ تَعالى مِن أُولَئِكَ الأقْوِياءِ الأشِدّاءِ فَكَيْفَ بِهَؤُلاءِ؟ و"الجُنُودُ": الجُمُوعُ المُعَدَّةُ لِلْقِتالِ والجَرْيِ نَحْوُ غَرَضٍ واحِدٍ، ونابَ فِرْعَوْنُ الذِكْرَ مَنابَ قَوْمِهِ وآلِهِ إذْ كانَ رَأْسَهُمْ، و"فِرْعَوْنَ وثَمُودَ" في مَوْضِعِ حَفْضٍ عَلى البَدَلِ مِن "الجُنُودِ". ثُمَّ تَرَكَ القَوْلَ بِحالِهِ، وأضْرَبَ عنهُ إلى الإخْبارِ بِأنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ لا حُجَّةَ لَهم عَلَيْهِ ولا بُرْهانَ، بَلْ هو تَكْذِيبٌ مُجَرَّدٌ سَبَبُهُ الحَسَدُ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾، أيْ وعَذابُ اللهِ تَعالى ونِقْمَتُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ورائِهِمْ﴾، مَعْناهُ ما يَأْتِي بَعْدَ كُفْرِهِمْ وعِصْيانِهِمْ.
(p-٥٨١)ثُمَّ أضْرَبَ تَعالى عن تَكْذِيبِهِمْ مُبْطِلًا لَهُ ورَدًّا عَلَيْهِ، أنَّهُ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، أيْ: لا مَذَمَّةَ فِيهِ، وهَذا مِمّا تَقَدَّمَ مِن وصْفٍ غَيْرِ اللهِ تَعالى بِالمَجْدِ والتَمَجُّدِ. وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ: "قُرْآنُ مَجِيدٍ" عَلى الإضافَةِ، وأنْ يَكُونَ اللهُ تَعالى، هو المَجِيدُ و"اللَوْحُ" هو اللَوْحُ المَحْفُوظُ الَّذِي فِيهِ جَمِيعُ الأشْياءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ" بِالخَفْضِ صِفَةٌ للَّوْحِ المَشْهُورِ بِهَذِهِ الصِفَةِ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ -بِخِلافٍ عنهُ- وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْرَجُ: "مَحْفُوظٌ" بِالرَفْعِ صِفَةُ القُرْآنِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أيْ هو مَحْفُوظٌ في القُلُوبِ لا يُدْرِكُهُ الخَطَأُ والتَبْدِيلُ. وقالَ أنَسٌ: إنَّ اللَوْحَ المَحْفُوظَ هو في جَبْهَةِ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: هو مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهَذا كُلُّهُ مِمّا قَصَرَتْ بِهِ الأسانِيدُ، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ: "فِي لُوحٍ" بِضَمِّ اللامِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [البُرُوجِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
البروج 85:22
قوله عزّ وجلّ:
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ ﴿واللهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾
هَذا تَوْقِيفٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنى: فاجْعَلْ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ يُخالِفُونَكَ وراءَ ظَهْرِكَ ولا تَهْتَمَّ، فَقَدِ انْتَقَمَ اللهَ تَعالى مِن أُولَئِكَ الأقْوِياءِ الأشِدّاءِ فَكَيْفَ بِهَؤُلاءِ؟ و"الجُنُودُ": الجُمُوعُ المُعَدَّةُ لِلْقِتالِ والجَرْيِ نَحْوُ غَرَضٍ واحِدٍ، ونابَ فِرْعَوْنُ الذِكْرَ مَنابَ قَوْمِهِ وآلِهِ إذْ كانَ رَأْسَهُمْ، و"فِرْعَوْنَ وثَمُودَ" في مَوْضِعِ حَفْضٍ عَلى البَدَلِ مِن "الجُنُودِ". ثُمَّ تَرَكَ القَوْلَ بِحالِهِ، وأضْرَبَ عنهُ إلى الإخْبارِ بِأنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ لا حُجَّةَ لَهم عَلَيْهِ ولا بُرْهانَ، بَلْ هو تَكْذِيبٌ مُجَرَّدٌ سَبَبُهُ الحَسَدُ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾، أيْ وعَذابُ اللهِ تَعالى ونِقْمَتُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ورائِهِمْ﴾، مَعْناهُ ما يَأْتِي بَعْدَ كُفْرِهِمْ وعِصْيانِهِمْ.
(p-٥٨١)ثُمَّ أضْرَبَ تَعالى عن تَكْذِيبِهِمْ مُبْطِلًا لَهُ ورَدًّا عَلَيْهِ، أنَّهُ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، أيْ: لا مَذَمَّةَ فِيهِ، وهَذا مِمّا تَقَدَّمَ مِن وصْفٍ غَيْرِ اللهِ تَعالى بِالمَجْدِ والتَمَجُّدِ. وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ: "قُرْآنُ مَجِيدٍ" عَلى الإضافَةِ، وأنْ يَكُونَ اللهُ تَعالى، هو المَجِيدُ و"اللَوْحُ" هو اللَوْحُ المَحْفُوظُ الَّذِي فِيهِ جَمِيعُ الأشْياءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ" بِالخَفْضِ صِفَةٌ للَّوْحِ المَشْهُورِ بِهَذِهِ الصِفَةِ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ -بِخِلافٍ عنهُ- وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْرَجُ: "مَحْفُوظٌ" بِالرَفْعِ صِفَةُ القُرْآنِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أيْ هو مَحْفُوظٌ في القُلُوبِ لا يُدْرِكُهُ الخَطَأُ والتَبْدِيلُ. وقالَ أنَسٌ: إنَّ اللَوْحَ المَحْفُوظَ هو في جَبْهَةِ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: هو مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهَذا كُلُّهُ مِمّا قَصَرَتْ بِهِ الأسانِيدُ، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ: "فِي لُوحٍ" بِضَمِّ اللامِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [البُرُوجِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.