Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — الطارق 86:1 – الغاشية 88:26
المحتويات
- الطارق 86:1
- الطارق 86:2
- الطارق 86:3
- الطارق 86:4
- الطارق 86:5
- الطارق 86:6
- الطارق 86:7
- الطارق 86:8
- الطارق 86:9
- الطارق 86:10
- الطارق 86:11
- الطارق 86:12
- الطارق 86:13
- الطارق 86:14
- الطارق 86:15
- الطارق 86:16
- الطارق 86:17
- الأعلى 87:1
- الأعلى 87:2
- الأعلى 87:3
- الأعلى 87:4
- الأعلى 87:5
- الأعلى 87:6
- الأعلى 87:7
- الأعلى 87:8
- الأعلى 87:9
- الأعلى 87:10
- الأعلى 87:11
- الأعلى 87:12
- الأعلى 87:13
- الأعلى 87:14
- الأعلى 87:15
- الأعلى 87:16
- الأعلى 87:17
- الأعلى 87:18
- الأعلى 87:19
- الغاشية 88:1
- الغاشية 88:2
- الغاشية 88:3
- الغاشية 88:4
- الغاشية 88:5
- الغاشية 88:6
- الغاشية 88:7
- الغاشية 88:8
- الغاشية 88:9
- الغاشية 88:10
- الغاشية 88:11
- الغاشية 88:12
- الغاشية 88:13
- الغاشية 88:14
- الغاشية 88:15
- الغاشية 88:16
- الغاشية 88:17
- الغاشية 88:18
- الغاشية 88:19
- الغاشية 88:20
- الغاشية 88:21
- الغاشية 88:22
- الغاشية 88:23
- الغاشية 88:24
- الغاشية 88:25
- الغاشية 88:26
الطارق 86:1
(p-٥٨٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الطارِقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والسَماءِ والطارِقِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما الطارِقُ﴾ ﴿النَجْمُ الثاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُلْبِ والتَرائِبِ﴾ ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ﴾ ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾
أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالسَماءِ المَعْرُوفَةِ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَوْمٌ: السَماءُ هُنا المَطَرُ، والعَرَبُ تُسَمِّي سَماءً لِما كانَ مِنَ السَماءِ وتُسَمِّي السَحابَ سَماءً، قالَ الشاعِرُ:
؎ إذا نَزَلَ السَماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا
وقالَ النابِغَةُ:
؎ كالأُقْحُوانِ غَداةَ غَبِّ سَمائِهِ ∗∗∗............
(p-٥٨٣)وَ"الطارِقِ": الَّذِي يَأْتِي لَيْلًا، وهو اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ ما يَظْهَرُ ويَأْتِي لَيْلًا، ومِنهُ «نَهى النَبِيُّ صَلّى اللهُ ﷺ الناسَ مِن أسْفارِهِمْ أنْ يَأْتِيَ الرَجُلُ أهْلَهُ طُرُوقًا،» ومِنهُ الخَيالُ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ يا نائِمَ اللَيْلِ مُغْتَرًّا بِأوَّلِهِ ∗∗∗ إنَّ الحَوادِثَ قَدْ يَطْرُقْنَ أسْحارا
ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعالى الطارِقَ الَّذِي قُصِدَ مِنَ الجِنْسِ المَذْكُورِ وهو "النَجْمُ الثاقِبُ"، وقِيلَ: بَلْ مَعْنى الآيَةِ: والسَماءُ وجَمِيعُ ما يَطْرُقُ فِيها مِنَ الأُمُورِ والمَخْلُوقاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ -عَلى جِهَةِ التَنْبِيهِ- أجَلُّ الطارِقاتِ قَدْرًا وهو النَجْمُ الثاقِبُ.
فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وما أدْراكَ حَقُّ الطارِقِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "النَجْمِ الثاقِبِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ ما مَعْناهُ إنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ، لِأنَّها كُلَّها باقِيَةٌ أيْ ظاهِرَةُ الضَوْءِ: يُقالُ: ثَقَبَ النَجْمُ إذا أضاءَ، وثَقَبَتِ النارُ، كَذَلِكَ، وثَقَبَتِ الرائِحَةُ إذا سَطَعَتْ، ويُقالُ لِلْمُوقِدِ؛ اثْقُبْ نارَكَ، أيْ أضِئْها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أرادَ نَجْمًا مَخْصُوصًا وهو زُحَلُ، ووَصَفَهُ بِالثُقُوبِ لِأنَّهُ مُبْرِزٌ عَلى الكَواكِبِ في ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ الجَدْيَ، وقالَ بَعْضُ هَؤُلاءِ: ثَقُبَ النَجْمُ، إذا ارْتَفَعَ، فَإنَّما وُصِفَ زَحْلًا بِالثُقُوبِ لِأنَّهُ أرْفَعُ الكَواكِبِ مَكانًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وغَيْرُهُ: النَجْمُ الثاقِبُ: الثُرَيّا، وهو الَّذِي تُطْلَقُ عَلَيْهِ العَرَبُ اسْمَ الجِنْسِ مُعَرَّفًا.
(p-٥٨٤)وَجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِما" مُخَفَّفَةُ المِيمِ، قالَ الحُذّاقُ مِنَ النَحْوِيِّينَ وهُمُ البَصْرِيُّونَ: "إنْ" مُخَفِّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ لامُ التَأْكِيدِ الداخِلَةِ عَلى الخَبَرِ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: "إنْ" بِمَعْنى "ما" النافِيَةُ، واللامُ بِمَعْنى "إلّا"، فالتَقْدِيرُ: ما كَلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ والأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ -بِخِلافٍ عنهُما- وقَتادَةُ: "لَمّا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: "لَمّا" بِمَعْنى "إلّا"، لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ في هُذَيْلَ وغَيْرِهِمْ، تَقُولُ أقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمّا فَعَلْتَ كَذا، أيْ: إلّا فَعَلْتَ كَذا.
ومَعْنى هَذِهِ الآيَةُ، -فِيما قالَ قَتادَةُ وابْنُ سِيرِينَ وغَيْرُهُما- إنْ كُلَّ نَفْسٍ مُكَلَّفَةٌ فَعَلَيْها حافِظٌ يُحْصِي أعْمالَها ويُعِدُّها لِلْجَزاءِ عَلَيْها، وبِهَذا الوَجْهِ تَدْخُلُ الآيَةُ في الوَعِيدِ الزاجِرِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: عَلَيْها حافِظٌ يَحْفَظُها حَتّى يُسَلِّمَها إلى القَدَرِ، وهَذا قَوْلٌ فاسِدُ المَعْنى لِأنَّ مُدَّةَ الحِفْظِ إنَّما هي بِقَدَرٍ، وقالَ أبُو أُمامَةَ: قالَ النَبِيُّ ﷺ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ" « "إنَّ لِكُلِّ نَفْسِ حَفَظَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى يَذُبُّونَ عنها كَما يَذُبُّ عَنِ العَسَلِ، ولَوْ وكَلَ المَرْءُ إلى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لاخْتَطَفَتْهُ الغِيَرُ والشَياطِينُ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ تَوْقِيفٌ لِمُنْكِرِي عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الدالَّةِ عَلى أنَّ البَعْثَ جائِزٌ مُمْكِنٌ، ثُمَّ بادَرَ اللَفْظَ إلى الجَوابِ اقْتِضابًا وإسْراعًا إلى إقامَةِ الحُجَّةِ؛ إذْ لا جَوابَ لِأحَدٍ إلّا هَذا، "دافِقٍ" قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: هو عَلى النَسَبِ، أيْ: ذا دَفْقٍ، والدَفْقُ: دَفَقَ الماءُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كَدَفْعِ الوادِي والسَيْلِ إذا جاءَ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ (p-٥٨٥)الماءُ دافِقًا لِأنَّ بَعْضَهُ يَدْفَعُ بَعْضًا، فَمِنهُ دافِقٌ ومِنهُ مَدْفُوقٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُلْبِ والتَرائِبِ﴾، قالَ قَتادَةُ والحَسَنُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: مِن بَيْنِ صُلْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَجُلِ والمَرْأةِ وتَرائِبِهِ، وقالَ سُفْيانُ وقَتادَةُ أيْضًا وجَماعَةٌ: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ، والضَمِيرُ في "يَخْرُجُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْماءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الصُلْبِ" بِسُكُونِ اللامِ وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ وعِيسى: "الصُلُبِ" بِضَمِّ اللامِ عَلى الجَمْعِ. و"التَرِيبَةُ" مِنَ الإنْسانِ: ما بَيْنَ التَرْقُوَةِ إلى الثَدْيِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مُعَلَّقُ الحُلِيِّ عَلى الصَدْرِ، وجَمْعُ ذَلِكَ: "تَرِيبٌ"، قالَ المُثَقَّبُ العَبْدِيُّ:
؎ ومِن ذَهَبٍ يُسَنُّ عَلى تَرِيبٍ ∗∗∗ كَلَوْنِ العاجِ لَيْسَ بِذِي غُضُونِ
وقالَ امْرُؤ القَيْسَ:
؎ .......... ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَجَنْجَلِ
فَجَمَعَ التَرِيبَةَ وما حَوْلَها فَجَعَلَ ذَلِكَ تَرائِبَ. وقالَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ "التَرائِبَ" أطْرافُ المَرْءِ، رِجْلاهُ ويَداهُ وعَيْناهُ، وقالَ مَعْمَرُ: التَرائِبُ جَمْعُ تَرِيبَةٍ وهي عُصارَةُ القَلْبِ، ومِنها يَكُونُ الوَلَدُ، وفي هَذِهِ الأقْوالِ تُحْكَمُ عَلى اللُغَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: التَرائِبُ مَوْضِعُ القِلادَةِ، وقالَ أيْضًا: هي ما بَيْنَ ثَدْيَيِ المَرْأةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هي أضْلاعُ الرَجُلِ الَّتِي أسْفَلَ الصُلْبِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الصَدْرُ، وقالَ (p-٥٨٦)هِيَ التَراقِي، وقالَ: هي ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ والصَدْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ﴾ الضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلَّهِ تَعالى، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الضَمِيرِ في "رَجْعِهِ" فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هو عائِدٌ عَلى الإنْسانُ، أيْ: عَلى رَدِّهِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: هو عائِدٌ عَلى الإنْسانُ لَكِنَّ المَعْنى: يَرْجِعُهُ ماءٌ كَما كانَ أوَّلًا، وقالَ الضَحّاكُ أيْضًا: يُرْجِعُهُ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَبابِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: هو عائِدٌ عَلى الماءِ، أيْ يَرُدُّهُ في الإحْلِيلِ، وقِيلَ: في الصُلْبِ، والعامِلُ في "يَوْمَ" -عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ- فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، -وَهُوَ أظْهَرُ الأقْوالِ وأبْيَنُها- اخْتَلَفُوا في العامِلِ في "يَوْمَ" فَقالَ بَعْضُهُمْ: العامِلُ "ناصِرٍ" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَلا ناصِرٍ"، وقِيلَ: العامِلُ "الرَجْعُ" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى رَجْعِهِ"، قالُوا: وفي المَصْدَرِ مِنَ القُوَّةِ بِحَيْثُ يَعْمَلُ وإنْ حالَ خَبَرانِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ، وقِيلَ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَرْجِعُهُ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ"، وكُلُّ هَذِهِ الفِرَقِ فَرَّتْ مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ "قادِرٌ"؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَظْهَرُ مِنهُ تَخْصِيصُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وحْدَهُ، وإذا تُؤُمِّلَ المَعْنى وما يَقْتَضِيهِ فَصِيحُ كَلامِ العَرَبِ جازَ أنْ يَكُونَ العامِلُ "قادِرٌ"، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ، أيْ: عَلى الإطْلاقِ أوَّلًا وآخِرًا وفي كُلِّ وقْتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى وخَصَّصَ مِنَ الأوقاتِ الوَقْتَ الأهَمَّ عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ الجَزاءِ والوُصُولِ إلى العَذابِ، فَتَجْتَمِعُ النُفُوسُ إلى حَذَرِهِ والخَوْفِ مِنهُ.
و"تُبْلى السَرائِرُ" مَعْناهُ: تُخْتَبَرُ وتَكْشَفُ بَواطِنُها، ورَوى أبُو الدَرْداءِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّ السَرائِرَ الَّتِي يَبْتَلِيها اللهُ تَعالى مِنَ العِبادِ: التَوْحِيدُ والصَلاةُ والزَكاةُ والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ. وصَوْمُ رَمَضانَ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
هَذِهِ عُظْمُ الأمْرِ. وقالَ أبُو قَتادَةَ: الوَجْهُ في الآيَةِ العُمُومُ في جَمِيعِ السَرائِرِ، ولَيْسَ يَمْتَنِعُ في الدُنْيا مِنَ المَكارِهِ إلّا بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ: إمّا بِقُوَّةٍ في ذاتِ الإنْسانِ وإمّا بِناصِرٍ (p-٥٨٧)خارِجٍ عن ذاتِهِ، فَأخْبَرَهُ اللهُ تَعالى عَنِ الإنْسانِ أنَّهُ يَعْدَمُهُما يَوْمَ القِيامَةِ فَلا يَعْصِمُهُ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى شَيْءٌ.
الطارق 86:2
(p-٥٨٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الطارِقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والسَماءِ والطارِقِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما الطارِقُ﴾ ﴿النَجْمُ الثاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُلْبِ والتَرائِبِ﴾ ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ﴾ ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾
أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالسَماءِ المَعْرُوفَةِ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَوْمٌ: السَماءُ هُنا المَطَرُ، والعَرَبُ تُسَمِّي سَماءً لِما كانَ مِنَ السَماءِ وتُسَمِّي السَحابَ سَماءً، قالَ الشاعِرُ:
؎ إذا نَزَلَ السَماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا
وقالَ النابِغَةُ:
؎ كالأُقْحُوانِ غَداةَ غَبِّ سَمائِهِ ∗∗∗............
(p-٥٨٣)وَ"الطارِقِ": الَّذِي يَأْتِي لَيْلًا، وهو اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ ما يَظْهَرُ ويَأْتِي لَيْلًا، ومِنهُ «نَهى النَبِيُّ صَلّى اللهُ ﷺ الناسَ مِن أسْفارِهِمْ أنْ يَأْتِيَ الرَجُلُ أهْلَهُ طُرُوقًا،» ومِنهُ الخَيالُ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ يا نائِمَ اللَيْلِ مُغْتَرًّا بِأوَّلِهِ ∗∗∗ إنَّ الحَوادِثَ قَدْ يَطْرُقْنَ أسْحارا
ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعالى الطارِقَ الَّذِي قُصِدَ مِنَ الجِنْسِ المَذْكُورِ وهو "النَجْمُ الثاقِبُ"، وقِيلَ: بَلْ مَعْنى الآيَةِ: والسَماءُ وجَمِيعُ ما يَطْرُقُ فِيها مِنَ الأُمُورِ والمَخْلُوقاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ -عَلى جِهَةِ التَنْبِيهِ- أجَلُّ الطارِقاتِ قَدْرًا وهو النَجْمُ الثاقِبُ.
فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وما أدْراكَ حَقُّ الطارِقِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "النَجْمِ الثاقِبِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ ما مَعْناهُ إنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ، لِأنَّها كُلَّها باقِيَةٌ أيْ ظاهِرَةُ الضَوْءِ: يُقالُ: ثَقَبَ النَجْمُ إذا أضاءَ، وثَقَبَتِ النارُ، كَذَلِكَ، وثَقَبَتِ الرائِحَةُ إذا سَطَعَتْ، ويُقالُ لِلْمُوقِدِ؛ اثْقُبْ نارَكَ، أيْ أضِئْها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أرادَ نَجْمًا مَخْصُوصًا وهو زُحَلُ، ووَصَفَهُ بِالثُقُوبِ لِأنَّهُ مُبْرِزٌ عَلى الكَواكِبِ في ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ الجَدْيَ، وقالَ بَعْضُ هَؤُلاءِ: ثَقُبَ النَجْمُ، إذا ارْتَفَعَ، فَإنَّما وُصِفَ زَحْلًا بِالثُقُوبِ لِأنَّهُ أرْفَعُ الكَواكِبِ مَكانًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وغَيْرُهُ: النَجْمُ الثاقِبُ: الثُرَيّا، وهو الَّذِي تُطْلَقُ عَلَيْهِ العَرَبُ اسْمَ الجِنْسِ مُعَرَّفًا.
(p-٥٨٤)وَجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِما" مُخَفَّفَةُ المِيمِ، قالَ الحُذّاقُ مِنَ النَحْوِيِّينَ وهُمُ البَصْرِيُّونَ: "إنْ" مُخَفِّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ لامُ التَأْكِيدِ الداخِلَةِ عَلى الخَبَرِ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: "إنْ" بِمَعْنى "ما" النافِيَةُ، واللامُ بِمَعْنى "إلّا"، فالتَقْدِيرُ: ما كَلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ والأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ -بِخِلافٍ عنهُما- وقَتادَةُ: "لَمّا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: "لَمّا" بِمَعْنى "إلّا"، لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ في هُذَيْلَ وغَيْرِهِمْ، تَقُولُ أقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمّا فَعَلْتَ كَذا، أيْ: إلّا فَعَلْتَ كَذا.
ومَعْنى هَذِهِ الآيَةُ، -فِيما قالَ قَتادَةُ وابْنُ سِيرِينَ وغَيْرُهُما- إنْ كُلَّ نَفْسٍ مُكَلَّفَةٌ فَعَلَيْها حافِظٌ يُحْصِي أعْمالَها ويُعِدُّها لِلْجَزاءِ عَلَيْها، وبِهَذا الوَجْهِ تَدْخُلُ الآيَةُ في الوَعِيدِ الزاجِرِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: عَلَيْها حافِظٌ يَحْفَظُها حَتّى يُسَلِّمَها إلى القَدَرِ، وهَذا قَوْلٌ فاسِدُ المَعْنى لِأنَّ مُدَّةَ الحِفْظِ إنَّما هي بِقَدَرٍ، وقالَ أبُو أُمامَةَ: قالَ النَبِيُّ ﷺ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ" « "إنَّ لِكُلِّ نَفْسِ حَفَظَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى يَذُبُّونَ عنها كَما يَذُبُّ عَنِ العَسَلِ، ولَوْ وكَلَ المَرْءُ إلى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لاخْتَطَفَتْهُ الغِيَرُ والشَياطِينُ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ تَوْقِيفٌ لِمُنْكِرِي عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الدالَّةِ عَلى أنَّ البَعْثَ جائِزٌ مُمْكِنٌ، ثُمَّ بادَرَ اللَفْظَ إلى الجَوابِ اقْتِضابًا وإسْراعًا إلى إقامَةِ الحُجَّةِ؛ إذْ لا جَوابَ لِأحَدٍ إلّا هَذا، "دافِقٍ" قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: هو عَلى النَسَبِ، أيْ: ذا دَفْقٍ، والدَفْقُ: دَفَقَ الماءُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كَدَفْعِ الوادِي والسَيْلِ إذا جاءَ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ (p-٥٨٥)الماءُ دافِقًا لِأنَّ بَعْضَهُ يَدْفَعُ بَعْضًا، فَمِنهُ دافِقٌ ومِنهُ مَدْفُوقٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُلْبِ والتَرائِبِ﴾، قالَ قَتادَةُ والحَسَنُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: مِن بَيْنِ صُلْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَجُلِ والمَرْأةِ وتَرائِبِهِ، وقالَ سُفْيانُ وقَتادَةُ أيْضًا وجَماعَةٌ: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ، والضَمِيرُ في "يَخْرُجُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْماءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الصُلْبِ" بِسُكُونِ اللامِ وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ وعِيسى: "الصُلُبِ" بِضَمِّ اللامِ عَلى الجَمْعِ. و"التَرِيبَةُ" مِنَ الإنْسانِ: ما بَيْنَ التَرْقُوَةِ إلى الثَدْيِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مُعَلَّقُ الحُلِيِّ عَلى الصَدْرِ، وجَمْعُ ذَلِكَ: "تَرِيبٌ"، قالَ المُثَقَّبُ العَبْدِيُّ:
؎ ومِن ذَهَبٍ يُسَنُّ عَلى تَرِيبٍ ∗∗∗ كَلَوْنِ العاجِ لَيْسَ بِذِي غُضُونِ
وقالَ امْرُؤ القَيْسَ:
؎ .......... ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَجَنْجَلِ
فَجَمَعَ التَرِيبَةَ وما حَوْلَها فَجَعَلَ ذَلِكَ تَرائِبَ. وقالَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ "التَرائِبَ" أطْرافُ المَرْءِ، رِجْلاهُ ويَداهُ وعَيْناهُ، وقالَ مَعْمَرُ: التَرائِبُ جَمْعُ تَرِيبَةٍ وهي عُصارَةُ القَلْبِ، ومِنها يَكُونُ الوَلَدُ، وفي هَذِهِ الأقْوالِ تُحْكَمُ عَلى اللُغَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: التَرائِبُ مَوْضِعُ القِلادَةِ، وقالَ أيْضًا: هي ما بَيْنَ ثَدْيَيِ المَرْأةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هي أضْلاعُ الرَجُلِ الَّتِي أسْفَلَ الصُلْبِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الصَدْرُ، وقالَ (p-٥٨٦)هِيَ التَراقِي، وقالَ: هي ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ والصَدْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ﴾ الضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلَّهِ تَعالى، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الضَمِيرِ في "رَجْعِهِ" فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هو عائِدٌ عَلى الإنْسانُ، أيْ: عَلى رَدِّهِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: هو عائِدٌ عَلى الإنْسانُ لَكِنَّ المَعْنى: يَرْجِعُهُ ماءٌ كَما كانَ أوَّلًا، وقالَ الضَحّاكُ أيْضًا: يُرْجِعُهُ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَبابِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: هو عائِدٌ عَلى الماءِ، أيْ يَرُدُّهُ في الإحْلِيلِ، وقِيلَ: في الصُلْبِ، والعامِلُ في "يَوْمَ" -عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ- فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، -وَهُوَ أظْهَرُ الأقْوالِ وأبْيَنُها- اخْتَلَفُوا في العامِلِ في "يَوْمَ" فَقالَ بَعْضُهُمْ: العامِلُ "ناصِرٍ" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَلا ناصِرٍ"، وقِيلَ: العامِلُ "الرَجْعُ" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى رَجْعِهِ"، قالُوا: وفي المَصْدَرِ مِنَ القُوَّةِ بِحَيْثُ يَعْمَلُ وإنْ حالَ خَبَرانِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ، وقِيلَ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَرْجِعُهُ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ"، وكُلُّ هَذِهِ الفِرَقِ فَرَّتْ مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ "قادِرٌ"؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَظْهَرُ مِنهُ تَخْصِيصُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وحْدَهُ، وإذا تُؤُمِّلَ المَعْنى وما يَقْتَضِيهِ فَصِيحُ كَلامِ العَرَبِ جازَ أنْ يَكُونَ العامِلُ "قادِرٌ"، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ، أيْ: عَلى الإطْلاقِ أوَّلًا وآخِرًا وفي كُلِّ وقْتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى وخَصَّصَ مِنَ الأوقاتِ الوَقْتَ الأهَمَّ عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ الجَزاءِ والوُصُولِ إلى العَذابِ، فَتَجْتَمِعُ النُفُوسُ إلى حَذَرِهِ والخَوْفِ مِنهُ.
و"تُبْلى السَرائِرُ" مَعْناهُ: تُخْتَبَرُ وتَكْشَفُ بَواطِنُها، ورَوى أبُو الدَرْداءِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّ السَرائِرَ الَّتِي يَبْتَلِيها اللهُ تَعالى مِنَ العِبادِ: التَوْحِيدُ والصَلاةُ والزَكاةُ والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ. وصَوْمُ رَمَضانَ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
هَذِهِ عُظْمُ الأمْرِ. وقالَ أبُو قَتادَةَ: الوَجْهُ في الآيَةِ العُمُومُ في جَمِيعِ السَرائِرِ، ولَيْسَ يَمْتَنِعُ في الدُنْيا مِنَ المَكارِهِ إلّا بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ: إمّا بِقُوَّةٍ في ذاتِ الإنْسانِ وإمّا بِناصِرٍ (p-٥٨٧)خارِجٍ عن ذاتِهِ، فَأخْبَرَهُ اللهُ تَعالى عَنِ الإنْسانِ أنَّهُ يَعْدَمُهُما يَوْمَ القِيامَةِ فَلا يَعْصِمُهُ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى شَيْءٌ.
الطارق 86:3
(p-٥٨٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الطارِقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والسَماءِ والطارِقِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما الطارِقُ﴾ ﴿النَجْمُ الثاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُلْبِ والتَرائِبِ﴾ ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ﴾ ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾
أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالسَماءِ المَعْرُوفَةِ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَوْمٌ: السَماءُ هُنا المَطَرُ، والعَرَبُ تُسَمِّي سَماءً لِما كانَ مِنَ السَماءِ وتُسَمِّي السَحابَ سَماءً، قالَ الشاعِرُ:
؎ إذا نَزَلَ السَماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا
وقالَ النابِغَةُ:
؎ كالأُقْحُوانِ غَداةَ غَبِّ سَمائِهِ ∗∗∗............
(p-٥٨٣)وَ"الطارِقِ": الَّذِي يَأْتِي لَيْلًا، وهو اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ ما يَظْهَرُ ويَأْتِي لَيْلًا، ومِنهُ «نَهى النَبِيُّ صَلّى اللهُ ﷺ الناسَ مِن أسْفارِهِمْ أنْ يَأْتِيَ الرَجُلُ أهْلَهُ طُرُوقًا،» ومِنهُ الخَيالُ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ يا نائِمَ اللَيْلِ مُغْتَرًّا بِأوَّلِهِ ∗∗∗ إنَّ الحَوادِثَ قَدْ يَطْرُقْنَ أسْحارا
ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعالى الطارِقَ الَّذِي قُصِدَ مِنَ الجِنْسِ المَذْكُورِ وهو "النَجْمُ الثاقِبُ"، وقِيلَ: بَلْ مَعْنى الآيَةِ: والسَماءُ وجَمِيعُ ما يَطْرُقُ فِيها مِنَ الأُمُورِ والمَخْلُوقاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ -عَلى جِهَةِ التَنْبِيهِ- أجَلُّ الطارِقاتِ قَدْرًا وهو النَجْمُ الثاقِبُ.
فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وما أدْراكَ حَقُّ الطارِقِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "النَجْمِ الثاقِبِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ ما مَعْناهُ إنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ، لِأنَّها كُلَّها باقِيَةٌ أيْ ظاهِرَةُ الضَوْءِ: يُقالُ: ثَقَبَ النَجْمُ إذا أضاءَ، وثَقَبَتِ النارُ، كَذَلِكَ، وثَقَبَتِ الرائِحَةُ إذا سَطَعَتْ، ويُقالُ لِلْمُوقِدِ؛ اثْقُبْ نارَكَ، أيْ أضِئْها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أرادَ نَجْمًا مَخْصُوصًا وهو زُحَلُ، ووَصَفَهُ بِالثُقُوبِ لِأنَّهُ مُبْرِزٌ عَلى الكَواكِبِ في ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ الجَدْيَ، وقالَ بَعْضُ هَؤُلاءِ: ثَقُبَ النَجْمُ، إذا ارْتَفَعَ، فَإنَّما وُصِفَ زَحْلًا بِالثُقُوبِ لِأنَّهُ أرْفَعُ الكَواكِبِ مَكانًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وغَيْرُهُ: النَجْمُ الثاقِبُ: الثُرَيّا، وهو الَّذِي تُطْلَقُ عَلَيْهِ العَرَبُ اسْمَ الجِنْسِ مُعَرَّفًا.
(p-٥٨٤)وَجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِما" مُخَفَّفَةُ المِيمِ، قالَ الحُذّاقُ مِنَ النَحْوِيِّينَ وهُمُ البَصْرِيُّونَ: "إنْ" مُخَفِّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ لامُ التَأْكِيدِ الداخِلَةِ عَلى الخَبَرِ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: "إنْ" بِمَعْنى "ما" النافِيَةُ، واللامُ بِمَعْنى "إلّا"، فالتَقْدِيرُ: ما كَلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ والأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ -بِخِلافٍ عنهُما- وقَتادَةُ: "لَمّا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: "لَمّا" بِمَعْنى "إلّا"، لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ في هُذَيْلَ وغَيْرِهِمْ، تَقُولُ أقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمّا فَعَلْتَ كَذا، أيْ: إلّا فَعَلْتَ كَذا.
ومَعْنى هَذِهِ الآيَةُ، -فِيما قالَ قَتادَةُ وابْنُ سِيرِينَ وغَيْرُهُما- إنْ كُلَّ نَفْسٍ مُكَلَّفَةٌ فَعَلَيْها حافِظٌ يُحْصِي أعْمالَها ويُعِدُّها لِلْجَزاءِ عَلَيْها، وبِهَذا الوَجْهِ تَدْخُلُ الآيَةُ في الوَعِيدِ الزاجِرِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: عَلَيْها حافِظٌ يَحْفَظُها حَتّى يُسَلِّمَها إلى القَدَرِ، وهَذا قَوْلٌ فاسِدُ المَعْنى لِأنَّ مُدَّةَ الحِفْظِ إنَّما هي بِقَدَرٍ، وقالَ أبُو أُمامَةَ: قالَ النَبِيُّ ﷺ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ" « "إنَّ لِكُلِّ نَفْسِ حَفَظَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى يَذُبُّونَ عنها كَما يَذُبُّ عَنِ العَسَلِ، ولَوْ وكَلَ المَرْءُ إلى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لاخْتَطَفَتْهُ الغِيَرُ والشَياطِينُ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ تَوْقِيفٌ لِمُنْكِرِي عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الدالَّةِ عَلى أنَّ البَعْثَ جائِزٌ مُمْكِنٌ، ثُمَّ بادَرَ اللَفْظَ إلى الجَوابِ اقْتِضابًا وإسْراعًا إلى إقامَةِ الحُجَّةِ؛ إذْ لا جَوابَ لِأحَدٍ إلّا هَذا، "دافِقٍ" قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: هو عَلى النَسَبِ، أيْ: ذا دَفْقٍ، والدَفْقُ: دَفَقَ الماءُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كَدَفْعِ الوادِي والسَيْلِ إذا جاءَ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ (p-٥٨٥)الماءُ دافِقًا لِأنَّ بَعْضَهُ يَدْفَعُ بَعْضًا، فَمِنهُ دافِقٌ ومِنهُ مَدْفُوقٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُلْبِ والتَرائِبِ﴾، قالَ قَتادَةُ والحَسَنُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: مِن بَيْنِ صُلْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَجُلِ والمَرْأةِ وتَرائِبِهِ، وقالَ سُفْيانُ وقَتادَةُ أيْضًا وجَماعَةٌ: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ، والضَمِيرُ في "يَخْرُجُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْماءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الصُلْبِ" بِسُكُونِ اللامِ وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ وعِيسى: "الصُلُبِ" بِضَمِّ اللامِ عَلى الجَمْعِ. و"التَرِيبَةُ" مِنَ الإنْسانِ: ما بَيْنَ التَرْقُوَةِ إلى الثَدْيِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مُعَلَّقُ الحُلِيِّ عَلى الصَدْرِ، وجَمْعُ ذَلِكَ: "تَرِيبٌ"، قالَ المُثَقَّبُ العَبْدِيُّ:
؎ ومِن ذَهَبٍ يُسَنُّ عَلى تَرِيبٍ ∗∗∗ كَلَوْنِ العاجِ لَيْسَ بِذِي غُضُونِ
وقالَ امْرُؤ القَيْسَ:
؎ .......... ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَجَنْجَلِ
فَجَمَعَ التَرِيبَةَ وما حَوْلَها فَجَعَلَ ذَلِكَ تَرائِبَ. وقالَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ "التَرائِبَ" أطْرافُ المَرْءِ، رِجْلاهُ ويَداهُ وعَيْناهُ، وقالَ مَعْمَرُ: التَرائِبُ جَمْعُ تَرِيبَةٍ وهي عُصارَةُ القَلْبِ، ومِنها يَكُونُ الوَلَدُ، وفي هَذِهِ الأقْوالِ تُحْكَمُ عَلى اللُغَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: التَرائِبُ مَوْضِعُ القِلادَةِ، وقالَ أيْضًا: هي ما بَيْنَ ثَدْيَيِ المَرْأةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هي أضْلاعُ الرَجُلِ الَّتِي أسْفَلَ الصُلْبِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الصَدْرُ، وقالَ (p-٥٨٦)هِيَ التَراقِي، وقالَ: هي ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ والصَدْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ﴾ الضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلَّهِ تَعالى، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الضَمِيرِ في "رَجْعِهِ" فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هو عائِدٌ عَلى الإنْسانُ، أيْ: عَلى رَدِّهِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: هو عائِدٌ عَلى الإنْسانُ لَكِنَّ المَعْنى: يَرْجِعُهُ ماءٌ كَما كانَ أوَّلًا، وقالَ الضَحّاكُ أيْضًا: يُرْجِعُهُ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَبابِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: هو عائِدٌ عَلى الماءِ، أيْ يَرُدُّهُ في الإحْلِيلِ، وقِيلَ: في الصُلْبِ، والعامِلُ في "يَوْمَ" -عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ- فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، -وَهُوَ أظْهَرُ الأقْوالِ وأبْيَنُها- اخْتَلَفُوا في العامِلِ في "يَوْمَ" فَقالَ بَعْضُهُمْ: العامِلُ "ناصِرٍ" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَلا ناصِرٍ"، وقِيلَ: العامِلُ "الرَجْعُ" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى رَجْعِهِ"، قالُوا: وفي المَصْدَرِ مِنَ القُوَّةِ بِحَيْثُ يَعْمَلُ وإنْ حالَ خَبَرانِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ، وقِيلَ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَرْجِعُهُ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ"، وكُلُّ هَذِهِ الفِرَقِ فَرَّتْ مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ "قادِرٌ"؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَظْهَرُ مِنهُ تَخْصِيصُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وحْدَهُ، وإذا تُؤُمِّلَ المَعْنى وما يَقْتَضِيهِ فَصِيحُ كَلامِ العَرَبِ جازَ أنْ يَكُونَ العامِلُ "قادِرٌ"، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ، أيْ: عَلى الإطْلاقِ أوَّلًا وآخِرًا وفي كُلِّ وقْتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى وخَصَّصَ مِنَ الأوقاتِ الوَقْتَ الأهَمَّ عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ الجَزاءِ والوُصُولِ إلى العَذابِ، فَتَجْتَمِعُ النُفُوسُ إلى حَذَرِهِ والخَوْفِ مِنهُ.
و"تُبْلى السَرائِرُ" مَعْناهُ: تُخْتَبَرُ وتَكْشَفُ بَواطِنُها، ورَوى أبُو الدَرْداءِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّ السَرائِرَ الَّتِي يَبْتَلِيها اللهُ تَعالى مِنَ العِبادِ: التَوْحِيدُ والصَلاةُ والزَكاةُ والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ. وصَوْمُ رَمَضانَ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
هَذِهِ عُظْمُ الأمْرِ. وقالَ أبُو قَتادَةَ: الوَجْهُ في الآيَةِ العُمُومُ في جَمِيعِ السَرائِرِ، ولَيْسَ يَمْتَنِعُ في الدُنْيا مِنَ المَكارِهِ إلّا بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ: إمّا بِقُوَّةٍ في ذاتِ الإنْسانِ وإمّا بِناصِرٍ (p-٥٨٧)خارِجٍ عن ذاتِهِ، فَأخْبَرَهُ اللهُ تَعالى عَنِ الإنْسانِ أنَّهُ يَعْدَمُهُما يَوْمَ القِيامَةِ فَلا يَعْصِمُهُ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى شَيْءٌ.
الطارق 86:4
(p-٥٨٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الطارِقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والسَماءِ والطارِقِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما الطارِقُ﴾ ﴿النَجْمُ الثاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُلْبِ والتَرائِبِ﴾ ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ﴾ ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾
أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالسَماءِ المَعْرُوفَةِ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَوْمٌ: السَماءُ هُنا المَطَرُ، والعَرَبُ تُسَمِّي سَماءً لِما كانَ مِنَ السَماءِ وتُسَمِّي السَحابَ سَماءً، قالَ الشاعِرُ:
؎ إذا نَزَلَ السَماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا
وقالَ النابِغَةُ:
؎ كالأُقْحُوانِ غَداةَ غَبِّ سَمائِهِ ∗∗∗............
(p-٥٨٣)وَ"الطارِقِ": الَّذِي يَأْتِي لَيْلًا، وهو اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ ما يَظْهَرُ ويَأْتِي لَيْلًا، ومِنهُ «نَهى النَبِيُّ صَلّى اللهُ ﷺ الناسَ مِن أسْفارِهِمْ أنْ يَأْتِيَ الرَجُلُ أهْلَهُ طُرُوقًا،» ومِنهُ الخَيالُ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ يا نائِمَ اللَيْلِ مُغْتَرًّا بِأوَّلِهِ ∗∗∗ إنَّ الحَوادِثَ قَدْ يَطْرُقْنَ أسْحارا
ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعالى الطارِقَ الَّذِي قُصِدَ مِنَ الجِنْسِ المَذْكُورِ وهو "النَجْمُ الثاقِبُ"، وقِيلَ: بَلْ مَعْنى الآيَةِ: والسَماءُ وجَمِيعُ ما يَطْرُقُ فِيها مِنَ الأُمُورِ والمَخْلُوقاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ -عَلى جِهَةِ التَنْبِيهِ- أجَلُّ الطارِقاتِ قَدْرًا وهو النَجْمُ الثاقِبُ.
فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وما أدْراكَ حَقُّ الطارِقِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "النَجْمِ الثاقِبِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ ما مَعْناهُ إنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ، لِأنَّها كُلَّها باقِيَةٌ أيْ ظاهِرَةُ الضَوْءِ: يُقالُ: ثَقَبَ النَجْمُ إذا أضاءَ، وثَقَبَتِ النارُ، كَذَلِكَ، وثَقَبَتِ الرائِحَةُ إذا سَطَعَتْ، ويُقالُ لِلْمُوقِدِ؛ اثْقُبْ نارَكَ، أيْ أضِئْها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أرادَ نَجْمًا مَخْصُوصًا وهو زُحَلُ، ووَصَفَهُ بِالثُقُوبِ لِأنَّهُ مُبْرِزٌ عَلى الكَواكِبِ في ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ الجَدْيَ، وقالَ بَعْضُ هَؤُلاءِ: ثَقُبَ النَجْمُ، إذا ارْتَفَعَ، فَإنَّما وُصِفَ زَحْلًا بِالثُقُوبِ لِأنَّهُ أرْفَعُ الكَواكِبِ مَكانًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وغَيْرُهُ: النَجْمُ الثاقِبُ: الثُرَيّا، وهو الَّذِي تُطْلَقُ عَلَيْهِ العَرَبُ اسْمَ الجِنْسِ مُعَرَّفًا.
(p-٥٨٤)وَجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِما" مُخَفَّفَةُ المِيمِ، قالَ الحُذّاقُ مِنَ النَحْوِيِّينَ وهُمُ البَصْرِيُّونَ: "إنْ" مُخَفِّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ لامُ التَأْكِيدِ الداخِلَةِ عَلى الخَبَرِ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: "إنْ" بِمَعْنى "ما" النافِيَةُ، واللامُ بِمَعْنى "إلّا"، فالتَقْدِيرُ: ما كَلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ والأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ -بِخِلافٍ عنهُما- وقَتادَةُ: "لَمّا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: "لَمّا" بِمَعْنى "إلّا"، لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ في هُذَيْلَ وغَيْرِهِمْ، تَقُولُ أقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمّا فَعَلْتَ كَذا، أيْ: إلّا فَعَلْتَ كَذا.
ومَعْنى هَذِهِ الآيَةُ، -فِيما قالَ قَتادَةُ وابْنُ سِيرِينَ وغَيْرُهُما- إنْ كُلَّ نَفْسٍ مُكَلَّفَةٌ فَعَلَيْها حافِظٌ يُحْصِي أعْمالَها ويُعِدُّها لِلْجَزاءِ عَلَيْها، وبِهَذا الوَجْهِ تَدْخُلُ الآيَةُ في الوَعِيدِ الزاجِرِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: عَلَيْها حافِظٌ يَحْفَظُها حَتّى يُسَلِّمَها إلى القَدَرِ، وهَذا قَوْلٌ فاسِدُ المَعْنى لِأنَّ مُدَّةَ الحِفْظِ إنَّما هي بِقَدَرٍ، وقالَ أبُو أُمامَةَ: قالَ النَبِيُّ ﷺ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ" « "إنَّ لِكُلِّ نَفْسِ حَفَظَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى يَذُبُّونَ عنها كَما يَذُبُّ عَنِ العَسَلِ، ولَوْ وكَلَ المَرْءُ إلى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لاخْتَطَفَتْهُ الغِيَرُ والشَياطِينُ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ تَوْقِيفٌ لِمُنْكِرِي عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الدالَّةِ عَلى أنَّ البَعْثَ جائِزٌ مُمْكِنٌ، ثُمَّ بادَرَ اللَفْظَ إلى الجَوابِ اقْتِضابًا وإسْراعًا إلى إقامَةِ الحُجَّةِ؛ إذْ لا جَوابَ لِأحَدٍ إلّا هَذا، "دافِقٍ" قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: هو عَلى النَسَبِ، أيْ: ذا دَفْقٍ، والدَفْقُ: دَفَقَ الماءُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كَدَفْعِ الوادِي والسَيْلِ إذا جاءَ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ (p-٥٨٥)الماءُ دافِقًا لِأنَّ بَعْضَهُ يَدْفَعُ بَعْضًا، فَمِنهُ دافِقٌ ومِنهُ مَدْفُوقٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُلْبِ والتَرائِبِ﴾، قالَ قَتادَةُ والحَسَنُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: مِن بَيْنِ صُلْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَجُلِ والمَرْأةِ وتَرائِبِهِ، وقالَ سُفْيانُ وقَتادَةُ أيْضًا وجَماعَةٌ: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ، والضَمِيرُ في "يَخْرُجُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْماءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الصُلْبِ" بِسُكُونِ اللامِ وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ وعِيسى: "الصُلُبِ" بِضَمِّ اللامِ عَلى الجَمْعِ. و"التَرِيبَةُ" مِنَ الإنْسانِ: ما بَيْنَ التَرْقُوَةِ إلى الثَدْيِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مُعَلَّقُ الحُلِيِّ عَلى الصَدْرِ، وجَمْعُ ذَلِكَ: "تَرِيبٌ"، قالَ المُثَقَّبُ العَبْدِيُّ:
؎ ومِن ذَهَبٍ يُسَنُّ عَلى تَرِيبٍ ∗∗∗ كَلَوْنِ العاجِ لَيْسَ بِذِي غُضُونِ
وقالَ امْرُؤ القَيْسَ:
؎ .......... ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَجَنْجَلِ
فَجَمَعَ التَرِيبَةَ وما حَوْلَها فَجَعَلَ ذَلِكَ تَرائِبَ. وقالَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ "التَرائِبَ" أطْرافُ المَرْءِ، رِجْلاهُ ويَداهُ وعَيْناهُ، وقالَ مَعْمَرُ: التَرائِبُ جَمْعُ تَرِيبَةٍ وهي عُصارَةُ القَلْبِ، ومِنها يَكُونُ الوَلَدُ، وفي هَذِهِ الأقْوالِ تُحْكَمُ عَلى اللُغَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: التَرائِبُ مَوْضِعُ القِلادَةِ، وقالَ أيْضًا: هي ما بَيْنَ ثَدْيَيِ المَرْأةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هي أضْلاعُ الرَجُلِ الَّتِي أسْفَلَ الصُلْبِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الصَدْرُ، وقالَ (p-٥٨٦)هِيَ التَراقِي، وقالَ: هي ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ والصَدْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ﴾ الضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلَّهِ تَعالى، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الضَمِيرِ في "رَجْعِهِ" فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هو عائِدٌ عَلى الإنْسانُ، أيْ: عَلى رَدِّهِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: هو عائِدٌ عَلى الإنْسانُ لَكِنَّ المَعْنى: يَرْجِعُهُ ماءٌ كَما كانَ أوَّلًا، وقالَ الضَحّاكُ أيْضًا: يُرْجِعُهُ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَبابِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: هو عائِدٌ عَلى الماءِ، أيْ يَرُدُّهُ في الإحْلِيلِ، وقِيلَ: في الصُلْبِ، والعامِلُ في "يَوْمَ" -عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ- فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، -وَهُوَ أظْهَرُ الأقْوالِ وأبْيَنُها- اخْتَلَفُوا في العامِلِ في "يَوْمَ" فَقالَ بَعْضُهُمْ: العامِلُ "ناصِرٍ" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَلا ناصِرٍ"، وقِيلَ: العامِلُ "الرَجْعُ" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى رَجْعِهِ"، قالُوا: وفي المَصْدَرِ مِنَ القُوَّةِ بِحَيْثُ يَعْمَلُ وإنْ حالَ خَبَرانِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ، وقِيلَ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَرْجِعُهُ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ"، وكُلُّ هَذِهِ الفِرَقِ فَرَّتْ مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ "قادِرٌ"؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَظْهَرُ مِنهُ تَخْصِيصُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وحْدَهُ، وإذا تُؤُمِّلَ المَعْنى وما يَقْتَضِيهِ فَصِيحُ كَلامِ العَرَبِ جازَ أنْ يَكُونَ العامِلُ "قادِرٌ"، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ، أيْ: عَلى الإطْلاقِ أوَّلًا وآخِرًا وفي كُلِّ وقْتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى وخَصَّصَ مِنَ الأوقاتِ الوَقْتَ الأهَمَّ عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ الجَزاءِ والوُصُولِ إلى العَذابِ، فَتَجْتَمِعُ النُفُوسُ إلى حَذَرِهِ والخَوْفِ مِنهُ.
و"تُبْلى السَرائِرُ" مَعْناهُ: تُخْتَبَرُ وتَكْشَفُ بَواطِنُها، ورَوى أبُو الدَرْداءِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّ السَرائِرَ الَّتِي يَبْتَلِيها اللهُ تَعالى مِنَ العِبادِ: التَوْحِيدُ والصَلاةُ والزَكاةُ والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ. وصَوْمُ رَمَضانَ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
هَذِهِ عُظْمُ الأمْرِ. وقالَ أبُو قَتادَةَ: الوَجْهُ في الآيَةِ العُمُومُ في جَمِيعِ السَرائِرِ، ولَيْسَ يَمْتَنِعُ في الدُنْيا مِنَ المَكارِهِ إلّا بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ: إمّا بِقُوَّةٍ في ذاتِ الإنْسانِ وإمّا بِناصِرٍ (p-٥٨٧)خارِجٍ عن ذاتِهِ، فَأخْبَرَهُ اللهُ تَعالى عَنِ الإنْسانِ أنَّهُ يَعْدَمُهُما يَوْمَ القِيامَةِ فَلا يَعْصِمُهُ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى شَيْءٌ.
الطارق 86:5
(p-٥٨٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الطارِقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والسَماءِ والطارِقِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما الطارِقُ﴾ ﴿النَجْمُ الثاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُلْبِ والتَرائِبِ﴾ ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ﴾ ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾
أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالسَماءِ المَعْرُوفَةِ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَوْمٌ: السَماءُ هُنا المَطَرُ، والعَرَبُ تُسَمِّي سَماءً لِما كانَ مِنَ السَماءِ وتُسَمِّي السَحابَ سَماءً، قالَ الشاعِرُ:
؎ إذا نَزَلَ السَماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا
وقالَ النابِغَةُ:
؎ كالأُقْحُوانِ غَداةَ غَبِّ سَمائِهِ ∗∗∗............
(p-٥٨٣)وَ"الطارِقِ": الَّذِي يَأْتِي لَيْلًا، وهو اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ ما يَظْهَرُ ويَأْتِي لَيْلًا، ومِنهُ «نَهى النَبِيُّ صَلّى اللهُ ﷺ الناسَ مِن أسْفارِهِمْ أنْ يَأْتِيَ الرَجُلُ أهْلَهُ طُرُوقًا،» ومِنهُ الخَيالُ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ يا نائِمَ اللَيْلِ مُغْتَرًّا بِأوَّلِهِ ∗∗∗ إنَّ الحَوادِثَ قَدْ يَطْرُقْنَ أسْحارا
ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعالى الطارِقَ الَّذِي قُصِدَ مِنَ الجِنْسِ المَذْكُورِ وهو "النَجْمُ الثاقِبُ"، وقِيلَ: بَلْ مَعْنى الآيَةِ: والسَماءُ وجَمِيعُ ما يَطْرُقُ فِيها مِنَ الأُمُورِ والمَخْلُوقاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ -عَلى جِهَةِ التَنْبِيهِ- أجَلُّ الطارِقاتِ قَدْرًا وهو النَجْمُ الثاقِبُ.
فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وما أدْراكَ حَقُّ الطارِقِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "النَجْمِ الثاقِبِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ ما مَعْناهُ إنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ، لِأنَّها كُلَّها باقِيَةٌ أيْ ظاهِرَةُ الضَوْءِ: يُقالُ: ثَقَبَ النَجْمُ إذا أضاءَ، وثَقَبَتِ النارُ، كَذَلِكَ، وثَقَبَتِ الرائِحَةُ إذا سَطَعَتْ، ويُقالُ لِلْمُوقِدِ؛ اثْقُبْ نارَكَ، أيْ أضِئْها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أرادَ نَجْمًا مَخْصُوصًا وهو زُحَلُ، ووَصَفَهُ بِالثُقُوبِ لِأنَّهُ مُبْرِزٌ عَلى الكَواكِبِ في ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ الجَدْيَ، وقالَ بَعْضُ هَؤُلاءِ: ثَقُبَ النَجْمُ، إذا ارْتَفَعَ، فَإنَّما وُصِفَ زَحْلًا بِالثُقُوبِ لِأنَّهُ أرْفَعُ الكَواكِبِ مَكانًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وغَيْرُهُ: النَجْمُ الثاقِبُ: الثُرَيّا، وهو الَّذِي تُطْلَقُ عَلَيْهِ العَرَبُ اسْمَ الجِنْسِ مُعَرَّفًا.
(p-٥٨٤)وَجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِما" مُخَفَّفَةُ المِيمِ، قالَ الحُذّاقُ مِنَ النَحْوِيِّينَ وهُمُ البَصْرِيُّونَ: "إنْ" مُخَفِّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ لامُ التَأْكِيدِ الداخِلَةِ عَلى الخَبَرِ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: "إنْ" بِمَعْنى "ما" النافِيَةُ، واللامُ بِمَعْنى "إلّا"، فالتَقْدِيرُ: ما كَلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ والأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ -بِخِلافٍ عنهُما- وقَتادَةُ: "لَمّا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: "لَمّا" بِمَعْنى "إلّا"، لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ في هُذَيْلَ وغَيْرِهِمْ، تَقُولُ أقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمّا فَعَلْتَ كَذا، أيْ: إلّا فَعَلْتَ كَذا.
ومَعْنى هَذِهِ الآيَةُ، -فِيما قالَ قَتادَةُ وابْنُ سِيرِينَ وغَيْرُهُما- إنْ كُلَّ نَفْسٍ مُكَلَّفَةٌ فَعَلَيْها حافِظٌ يُحْصِي أعْمالَها ويُعِدُّها لِلْجَزاءِ عَلَيْها، وبِهَذا الوَجْهِ تَدْخُلُ الآيَةُ في الوَعِيدِ الزاجِرِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: عَلَيْها حافِظٌ يَحْفَظُها حَتّى يُسَلِّمَها إلى القَدَرِ، وهَذا قَوْلٌ فاسِدُ المَعْنى لِأنَّ مُدَّةَ الحِفْظِ إنَّما هي بِقَدَرٍ، وقالَ أبُو أُمامَةَ: قالَ النَبِيُّ ﷺ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ" « "إنَّ لِكُلِّ نَفْسِ حَفَظَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى يَذُبُّونَ عنها كَما يَذُبُّ عَنِ العَسَلِ، ولَوْ وكَلَ المَرْءُ إلى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لاخْتَطَفَتْهُ الغِيَرُ والشَياطِينُ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ تَوْقِيفٌ لِمُنْكِرِي عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الدالَّةِ عَلى أنَّ البَعْثَ جائِزٌ مُمْكِنٌ، ثُمَّ بادَرَ اللَفْظَ إلى الجَوابِ اقْتِضابًا وإسْراعًا إلى إقامَةِ الحُجَّةِ؛ إذْ لا جَوابَ لِأحَدٍ إلّا هَذا، "دافِقٍ" قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: هو عَلى النَسَبِ، أيْ: ذا دَفْقٍ، والدَفْقُ: دَفَقَ الماءُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كَدَفْعِ الوادِي والسَيْلِ إذا جاءَ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ (p-٥٨٥)الماءُ دافِقًا لِأنَّ بَعْضَهُ يَدْفَعُ بَعْضًا، فَمِنهُ دافِقٌ ومِنهُ مَدْفُوقٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُلْبِ والتَرائِبِ﴾، قالَ قَتادَةُ والحَسَنُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: مِن بَيْنِ صُلْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَجُلِ والمَرْأةِ وتَرائِبِهِ، وقالَ سُفْيانُ وقَتادَةُ أيْضًا وجَماعَةٌ: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ، والضَمِيرُ في "يَخْرُجُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْماءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الصُلْبِ" بِسُكُونِ اللامِ وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ وعِيسى: "الصُلُبِ" بِضَمِّ اللامِ عَلى الجَمْعِ. و"التَرِيبَةُ" مِنَ الإنْسانِ: ما بَيْنَ التَرْقُوَةِ إلى الثَدْيِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مُعَلَّقُ الحُلِيِّ عَلى الصَدْرِ، وجَمْعُ ذَلِكَ: "تَرِيبٌ"، قالَ المُثَقَّبُ العَبْدِيُّ:
؎ ومِن ذَهَبٍ يُسَنُّ عَلى تَرِيبٍ ∗∗∗ كَلَوْنِ العاجِ لَيْسَ بِذِي غُضُونِ
وقالَ امْرُؤ القَيْسَ:
؎ .......... ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَجَنْجَلِ
فَجَمَعَ التَرِيبَةَ وما حَوْلَها فَجَعَلَ ذَلِكَ تَرائِبَ. وقالَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ "التَرائِبَ" أطْرافُ المَرْءِ، رِجْلاهُ ويَداهُ وعَيْناهُ، وقالَ مَعْمَرُ: التَرائِبُ جَمْعُ تَرِيبَةٍ وهي عُصارَةُ القَلْبِ، ومِنها يَكُونُ الوَلَدُ، وفي هَذِهِ الأقْوالِ تُحْكَمُ عَلى اللُغَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: التَرائِبُ مَوْضِعُ القِلادَةِ، وقالَ أيْضًا: هي ما بَيْنَ ثَدْيَيِ المَرْأةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هي أضْلاعُ الرَجُلِ الَّتِي أسْفَلَ الصُلْبِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الصَدْرُ، وقالَ (p-٥٨٦)هِيَ التَراقِي، وقالَ: هي ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ والصَدْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ﴾ الضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلَّهِ تَعالى، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الضَمِيرِ في "رَجْعِهِ" فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هو عائِدٌ عَلى الإنْسانُ، أيْ: عَلى رَدِّهِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: هو عائِدٌ عَلى الإنْسانُ لَكِنَّ المَعْنى: يَرْجِعُهُ ماءٌ كَما كانَ أوَّلًا، وقالَ الضَحّاكُ أيْضًا: يُرْجِعُهُ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَبابِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: هو عائِدٌ عَلى الماءِ، أيْ يَرُدُّهُ في الإحْلِيلِ، وقِيلَ: في الصُلْبِ، والعامِلُ في "يَوْمَ" -عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ- فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، -وَهُوَ أظْهَرُ الأقْوالِ وأبْيَنُها- اخْتَلَفُوا في العامِلِ في "يَوْمَ" فَقالَ بَعْضُهُمْ: العامِلُ "ناصِرٍ" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَلا ناصِرٍ"، وقِيلَ: العامِلُ "الرَجْعُ" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى رَجْعِهِ"، قالُوا: وفي المَصْدَرِ مِنَ القُوَّةِ بِحَيْثُ يَعْمَلُ وإنْ حالَ خَبَرانِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ، وقِيلَ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَرْجِعُهُ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ"، وكُلُّ هَذِهِ الفِرَقِ فَرَّتْ مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ "قادِرٌ"؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَظْهَرُ مِنهُ تَخْصِيصُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وحْدَهُ، وإذا تُؤُمِّلَ المَعْنى وما يَقْتَضِيهِ فَصِيحُ كَلامِ العَرَبِ جازَ أنْ يَكُونَ العامِلُ "قادِرٌ"، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ، أيْ: عَلى الإطْلاقِ أوَّلًا وآخِرًا وفي كُلِّ وقْتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى وخَصَّصَ مِنَ الأوقاتِ الوَقْتَ الأهَمَّ عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ الجَزاءِ والوُصُولِ إلى العَذابِ، فَتَجْتَمِعُ النُفُوسُ إلى حَذَرِهِ والخَوْفِ مِنهُ.
و"تُبْلى السَرائِرُ" مَعْناهُ: تُخْتَبَرُ وتَكْشَفُ بَواطِنُها، ورَوى أبُو الدَرْداءِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّ السَرائِرَ الَّتِي يَبْتَلِيها اللهُ تَعالى مِنَ العِبادِ: التَوْحِيدُ والصَلاةُ والزَكاةُ والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ. وصَوْمُ رَمَضانَ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
هَذِهِ عُظْمُ الأمْرِ. وقالَ أبُو قَتادَةَ: الوَجْهُ في الآيَةِ العُمُومُ في جَمِيعِ السَرائِرِ، ولَيْسَ يَمْتَنِعُ في الدُنْيا مِنَ المَكارِهِ إلّا بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ: إمّا بِقُوَّةٍ في ذاتِ الإنْسانِ وإمّا بِناصِرٍ (p-٥٨٧)خارِجٍ عن ذاتِهِ، فَأخْبَرَهُ اللهُ تَعالى عَنِ الإنْسانِ أنَّهُ يَعْدَمُهُما يَوْمَ القِيامَةِ فَلا يَعْصِمُهُ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى شَيْءٌ.
الطارق 86:6
(p-٥٨٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الطارِقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والسَماءِ والطارِقِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما الطارِقُ﴾ ﴿النَجْمُ الثاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُلْبِ والتَرائِبِ﴾ ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ﴾ ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾
أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالسَماءِ المَعْرُوفَةِ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَوْمٌ: السَماءُ هُنا المَطَرُ، والعَرَبُ تُسَمِّي سَماءً لِما كانَ مِنَ السَماءِ وتُسَمِّي السَحابَ سَماءً، قالَ الشاعِرُ:
؎ إذا نَزَلَ السَماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا
وقالَ النابِغَةُ:
؎ كالأُقْحُوانِ غَداةَ غَبِّ سَمائِهِ ∗∗∗............
(p-٥٨٣)وَ"الطارِقِ": الَّذِي يَأْتِي لَيْلًا، وهو اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ ما يَظْهَرُ ويَأْتِي لَيْلًا، ومِنهُ «نَهى النَبِيُّ صَلّى اللهُ ﷺ الناسَ مِن أسْفارِهِمْ أنْ يَأْتِيَ الرَجُلُ أهْلَهُ طُرُوقًا،» ومِنهُ الخَيالُ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ يا نائِمَ اللَيْلِ مُغْتَرًّا بِأوَّلِهِ ∗∗∗ إنَّ الحَوادِثَ قَدْ يَطْرُقْنَ أسْحارا
ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعالى الطارِقَ الَّذِي قُصِدَ مِنَ الجِنْسِ المَذْكُورِ وهو "النَجْمُ الثاقِبُ"، وقِيلَ: بَلْ مَعْنى الآيَةِ: والسَماءُ وجَمِيعُ ما يَطْرُقُ فِيها مِنَ الأُمُورِ والمَخْلُوقاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ -عَلى جِهَةِ التَنْبِيهِ- أجَلُّ الطارِقاتِ قَدْرًا وهو النَجْمُ الثاقِبُ.
فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وما أدْراكَ حَقُّ الطارِقِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "النَجْمِ الثاقِبِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ ما مَعْناهُ إنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ، لِأنَّها كُلَّها باقِيَةٌ أيْ ظاهِرَةُ الضَوْءِ: يُقالُ: ثَقَبَ النَجْمُ إذا أضاءَ، وثَقَبَتِ النارُ، كَذَلِكَ، وثَقَبَتِ الرائِحَةُ إذا سَطَعَتْ، ويُقالُ لِلْمُوقِدِ؛ اثْقُبْ نارَكَ، أيْ أضِئْها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أرادَ نَجْمًا مَخْصُوصًا وهو زُحَلُ، ووَصَفَهُ بِالثُقُوبِ لِأنَّهُ مُبْرِزٌ عَلى الكَواكِبِ في ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ الجَدْيَ، وقالَ بَعْضُ هَؤُلاءِ: ثَقُبَ النَجْمُ، إذا ارْتَفَعَ، فَإنَّما وُصِفَ زَحْلًا بِالثُقُوبِ لِأنَّهُ أرْفَعُ الكَواكِبِ مَكانًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وغَيْرُهُ: النَجْمُ الثاقِبُ: الثُرَيّا، وهو الَّذِي تُطْلَقُ عَلَيْهِ العَرَبُ اسْمَ الجِنْسِ مُعَرَّفًا.
(p-٥٨٤)وَجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِما" مُخَفَّفَةُ المِيمِ، قالَ الحُذّاقُ مِنَ النَحْوِيِّينَ وهُمُ البَصْرِيُّونَ: "إنْ" مُخَفِّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ لامُ التَأْكِيدِ الداخِلَةِ عَلى الخَبَرِ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: "إنْ" بِمَعْنى "ما" النافِيَةُ، واللامُ بِمَعْنى "إلّا"، فالتَقْدِيرُ: ما كَلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ والأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ -بِخِلافٍ عنهُما- وقَتادَةُ: "لَمّا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: "لَمّا" بِمَعْنى "إلّا"، لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ في هُذَيْلَ وغَيْرِهِمْ، تَقُولُ أقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمّا فَعَلْتَ كَذا، أيْ: إلّا فَعَلْتَ كَذا.
ومَعْنى هَذِهِ الآيَةُ، -فِيما قالَ قَتادَةُ وابْنُ سِيرِينَ وغَيْرُهُما- إنْ كُلَّ نَفْسٍ مُكَلَّفَةٌ فَعَلَيْها حافِظٌ يُحْصِي أعْمالَها ويُعِدُّها لِلْجَزاءِ عَلَيْها، وبِهَذا الوَجْهِ تَدْخُلُ الآيَةُ في الوَعِيدِ الزاجِرِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: عَلَيْها حافِظٌ يَحْفَظُها حَتّى يُسَلِّمَها إلى القَدَرِ، وهَذا قَوْلٌ فاسِدُ المَعْنى لِأنَّ مُدَّةَ الحِفْظِ إنَّما هي بِقَدَرٍ، وقالَ أبُو أُمامَةَ: قالَ النَبِيُّ ﷺ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ" « "إنَّ لِكُلِّ نَفْسِ حَفَظَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى يَذُبُّونَ عنها كَما يَذُبُّ عَنِ العَسَلِ، ولَوْ وكَلَ المَرْءُ إلى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لاخْتَطَفَتْهُ الغِيَرُ والشَياطِينُ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ تَوْقِيفٌ لِمُنْكِرِي عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الدالَّةِ عَلى أنَّ البَعْثَ جائِزٌ مُمْكِنٌ، ثُمَّ بادَرَ اللَفْظَ إلى الجَوابِ اقْتِضابًا وإسْراعًا إلى إقامَةِ الحُجَّةِ؛ إذْ لا جَوابَ لِأحَدٍ إلّا هَذا، "دافِقٍ" قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: هو عَلى النَسَبِ، أيْ: ذا دَفْقٍ، والدَفْقُ: دَفَقَ الماءُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كَدَفْعِ الوادِي والسَيْلِ إذا جاءَ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ (p-٥٨٥)الماءُ دافِقًا لِأنَّ بَعْضَهُ يَدْفَعُ بَعْضًا، فَمِنهُ دافِقٌ ومِنهُ مَدْفُوقٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُلْبِ والتَرائِبِ﴾، قالَ قَتادَةُ والحَسَنُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: مِن بَيْنِ صُلْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَجُلِ والمَرْأةِ وتَرائِبِهِ، وقالَ سُفْيانُ وقَتادَةُ أيْضًا وجَماعَةٌ: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ، والضَمِيرُ في "يَخْرُجُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْماءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الصُلْبِ" بِسُكُونِ اللامِ وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ وعِيسى: "الصُلُبِ" بِضَمِّ اللامِ عَلى الجَمْعِ. و"التَرِيبَةُ" مِنَ الإنْسانِ: ما بَيْنَ التَرْقُوَةِ إلى الثَدْيِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مُعَلَّقُ الحُلِيِّ عَلى الصَدْرِ، وجَمْعُ ذَلِكَ: "تَرِيبٌ"، قالَ المُثَقَّبُ العَبْدِيُّ:
؎ ومِن ذَهَبٍ يُسَنُّ عَلى تَرِيبٍ ∗∗∗ كَلَوْنِ العاجِ لَيْسَ بِذِي غُضُونِ
وقالَ امْرُؤ القَيْسَ:
؎ .......... ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَجَنْجَلِ
فَجَمَعَ التَرِيبَةَ وما حَوْلَها فَجَعَلَ ذَلِكَ تَرائِبَ. وقالَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ "التَرائِبَ" أطْرافُ المَرْءِ، رِجْلاهُ ويَداهُ وعَيْناهُ، وقالَ مَعْمَرُ: التَرائِبُ جَمْعُ تَرِيبَةٍ وهي عُصارَةُ القَلْبِ، ومِنها يَكُونُ الوَلَدُ، وفي هَذِهِ الأقْوالِ تُحْكَمُ عَلى اللُغَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: التَرائِبُ مَوْضِعُ القِلادَةِ، وقالَ أيْضًا: هي ما بَيْنَ ثَدْيَيِ المَرْأةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هي أضْلاعُ الرَجُلِ الَّتِي أسْفَلَ الصُلْبِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الصَدْرُ، وقالَ (p-٥٨٦)هِيَ التَراقِي، وقالَ: هي ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ والصَدْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ﴾ الضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلَّهِ تَعالى، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الضَمِيرِ في "رَجْعِهِ" فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هو عائِدٌ عَلى الإنْسانُ، أيْ: عَلى رَدِّهِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: هو عائِدٌ عَلى الإنْسانُ لَكِنَّ المَعْنى: يَرْجِعُهُ ماءٌ كَما كانَ أوَّلًا، وقالَ الضَحّاكُ أيْضًا: يُرْجِعُهُ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَبابِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: هو عائِدٌ عَلى الماءِ، أيْ يَرُدُّهُ في الإحْلِيلِ، وقِيلَ: في الصُلْبِ، والعامِلُ في "يَوْمَ" -عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ- فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، -وَهُوَ أظْهَرُ الأقْوالِ وأبْيَنُها- اخْتَلَفُوا في العامِلِ في "يَوْمَ" فَقالَ بَعْضُهُمْ: العامِلُ "ناصِرٍ" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَلا ناصِرٍ"، وقِيلَ: العامِلُ "الرَجْعُ" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى رَجْعِهِ"، قالُوا: وفي المَصْدَرِ مِنَ القُوَّةِ بِحَيْثُ يَعْمَلُ وإنْ حالَ خَبَرانِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ، وقِيلَ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَرْجِعُهُ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ"، وكُلُّ هَذِهِ الفِرَقِ فَرَّتْ مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ "قادِرٌ"؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَظْهَرُ مِنهُ تَخْصِيصُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وحْدَهُ، وإذا تُؤُمِّلَ المَعْنى وما يَقْتَضِيهِ فَصِيحُ كَلامِ العَرَبِ جازَ أنْ يَكُونَ العامِلُ "قادِرٌ"، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ، أيْ: عَلى الإطْلاقِ أوَّلًا وآخِرًا وفي كُلِّ وقْتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى وخَصَّصَ مِنَ الأوقاتِ الوَقْتَ الأهَمَّ عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ الجَزاءِ والوُصُولِ إلى العَذابِ، فَتَجْتَمِعُ النُفُوسُ إلى حَذَرِهِ والخَوْفِ مِنهُ.
و"تُبْلى السَرائِرُ" مَعْناهُ: تُخْتَبَرُ وتَكْشَفُ بَواطِنُها، ورَوى أبُو الدَرْداءِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّ السَرائِرَ الَّتِي يَبْتَلِيها اللهُ تَعالى مِنَ العِبادِ: التَوْحِيدُ والصَلاةُ والزَكاةُ والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ. وصَوْمُ رَمَضانَ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
هَذِهِ عُظْمُ الأمْرِ. وقالَ أبُو قَتادَةَ: الوَجْهُ في الآيَةِ العُمُومُ في جَمِيعِ السَرائِرِ، ولَيْسَ يَمْتَنِعُ في الدُنْيا مِنَ المَكارِهِ إلّا بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ: إمّا بِقُوَّةٍ في ذاتِ الإنْسانِ وإمّا بِناصِرٍ (p-٥٨٧)خارِجٍ عن ذاتِهِ، فَأخْبَرَهُ اللهُ تَعالى عَنِ الإنْسانِ أنَّهُ يَعْدَمُهُما يَوْمَ القِيامَةِ فَلا يَعْصِمُهُ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى شَيْءٌ.
الطارق 86:7
(p-٥٨٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الطارِقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والسَماءِ والطارِقِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما الطارِقُ﴾ ﴿النَجْمُ الثاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُلْبِ والتَرائِبِ﴾ ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ﴾ ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾
أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالسَماءِ المَعْرُوفَةِ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَوْمٌ: السَماءُ هُنا المَطَرُ، والعَرَبُ تُسَمِّي سَماءً لِما كانَ مِنَ السَماءِ وتُسَمِّي السَحابَ سَماءً، قالَ الشاعِرُ:
؎ إذا نَزَلَ السَماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا
وقالَ النابِغَةُ:
؎ كالأُقْحُوانِ غَداةَ غَبِّ سَمائِهِ ∗∗∗............
(p-٥٨٣)وَ"الطارِقِ": الَّذِي يَأْتِي لَيْلًا، وهو اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ ما يَظْهَرُ ويَأْتِي لَيْلًا، ومِنهُ «نَهى النَبِيُّ صَلّى اللهُ ﷺ الناسَ مِن أسْفارِهِمْ أنْ يَأْتِيَ الرَجُلُ أهْلَهُ طُرُوقًا،» ومِنهُ الخَيالُ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ يا نائِمَ اللَيْلِ مُغْتَرًّا بِأوَّلِهِ ∗∗∗ إنَّ الحَوادِثَ قَدْ يَطْرُقْنَ أسْحارا
ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعالى الطارِقَ الَّذِي قُصِدَ مِنَ الجِنْسِ المَذْكُورِ وهو "النَجْمُ الثاقِبُ"، وقِيلَ: بَلْ مَعْنى الآيَةِ: والسَماءُ وجَمِيعُ ما يَطْرُقُ فِيها مِنَ الأُمُورِ والمَخْلُوقاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ -عَلى جِهَةِ التَنْبِيهِ- أجَلُّ الطارِقاتِ قَدْرًا وهو النَجْمُ الثاقِبُ.
فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وما أدْراكَ حَقُّ الطارِقِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "النَجْمِ الثاقِبِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ ما مَعْناهُ إنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ، لِأنَّها كُلَّها باقِيَةٌ أيْ ظاهِرَةُ الضَوْءِ: يُقالُ: ثَقَبَ النَجْمُ إذا أضاءَ، وثَقَبَتِ النارُ، كَذَلِكَ، وثَقَبَتِ الرائِحَةُ إذا سَطَعَتْ، ويُقالُ لِلْمُوقِدِ؛ اثْقُبْ نارَكَ، أيْ أضِئْها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أرادَ نَجْمًا مَخْصُوصًا وهو زُحَلُ، ووَصَفَهُ بِالثُقُوبِ لِأنَّهُ مُبْرِزٌ عَلى الكَواكِبِ في ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ الجَدْيَ، وقالَ بَعْضُ هَؤُلاءِ: ثَقُبَ النَجْمُ، إذا ارْتَفَعَ، فَإنَّما وُصِفَ زَحْلًا بِالثُقُوبِ لِأنَّهُ أرْفَعُ الكَواكِبِ مَكانًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وغَيْرُهُ: النَجْمُ الثاقِبُ: الثُرَيّا، وهو الَّذِي تُطْلَقُ عَلَيْهِ العَرَبُ اسْمَ الجِنْسِ مُعَرَّفًا.
(p-٥٨٤)وَجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِما" مُخَفَّفَةُ المِيمِ، قالَ الحُذّاقُ مِنَ النَحْوِيِّينَ وهُمُ البَصْرِيُّونَ: "إنْ" مُخَفِّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ لامُ التَأْكِيدِ الداخِلَةِ عَلى الخَبَرِ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: "إنْ" بِمَعْنى "ما" النافِيَةُ، واللامُ بِمَعْنى "إلّا"، فالتَقْدِيرُ: ما كَلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ والأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ -بِخِلافٍ عنهُما- وقَتادَةُ: "لَمّا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: "لَمّا" بِمَعْنى "إلّا"، لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ في هُذَيْلَ وغَيْرِهِمْ، تَقُولُ أقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمّا فَعَلْتَ كَذا، أيْ: إلّا فَعَلْتَ كَذا.
ومَعْنى هَذِهِ الآيَةُ، -فِيما قالَ قَتادَةُ وابْنُ سِيرِينَ وغَيْرُهُما- إنْ كُلَّ نَفْسٍ مُكَلَّفَةٌ فَعَلَيْها حافِظٌ يُحْصِي أعْمالَها ويُعِدُّها لِلْجَزاءِ عَلَيْها، وبِهَذا الوَجْهِ تَدْخُلُ الآيَةُ في الوَعِيدِ الزاجِرِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: عَلَيْها حافِظٌ يَحْفَظُها حَتّى يُسَلِّمَها إلى القَدَرِ، وهَذا قَوْلٌ فاسِدُ المَعْنى لِأنَّ مُدَّةَ الحِفْظِ إنَّما هي بِقَدَرٍ، وقالَ أبُو أُمامَةَ: قالَ النَبِيُّ ﷺ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ" « "إنَّ لِكُلِّ نَفْسِ حَفَظَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى يَذُبُّونَ عنها كَما يَذُبُّ عَنِ العَسَلِ، ولَوْ وكَلَ المَرْءُ إلى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لاخْتَطَفَتْهُ الغِيَرُ والشَياطِينُ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ تَوْقِيفٌ لِمُنْكِرِي عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الدالَّةِ عَلى أنَّ البَعْثَ جائِزٌ مُمْكِنٌ، ثُمَّ بادَرَ اللَفْظَ إلى الجَوابِ اقْتِضابًا وإسْراعًا إلى إقامَةِ الحُجَّةِ؛ إذْ لا جَوابَ لِأحَدٍ إلّا هَذا، "دافِقٍ" قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: هو عَلى النَسَبِ، أيْ: ذا دَفْقٍ، والدَفْقُ: دَفَقَ الماءُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كَدَفْعِ الوادِي والسَيْلِ إذا جاءَ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ (p-٥٨٥)الماءُ دافِقًا لِأنَّ بَعْضَهُ يَدْفَعُ بَعْضًا، فَمِنهُ دافِقٌ ومِنهُ مَدْفُوقٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُلْبِ والتَرائِبِ﴾، قالَ قَتادَةُ والحَسَنُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: مِن بَيْنِ صُلْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَجُلِ والمَرْأةِ وتَرائِبِهِ، وقالَ سُفْيانُ وقَتادَةُ أيْضًا وجَماعَةٌ: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ، والضَمِيرُ في "يَخْرُجُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْماءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الصُلْبِ" بِسُكُونِ اللامِ وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ وعِيسى: "الصُلُبِ" بِضَمِّ اللامِ عَلى الجَمْعِ. و"التَرِيبَةُ" مِنَ الإنْسانِ: ما بَيْنَ التَرْقُوَةِ إلى الثَدْيِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مُعَلَّقُ الحُلِيِّ عَلى الصَدْرِ، وجَمْعُ ذَلِكَ: "تَرِيبٌ"، قالَ المُثَقَّبُ العَبْدِيُّ:
؎ ومِن ذَهَبٍ يُسَنُّ عَلى تَرِيبٍ ∗∗∗ كَلَوْنِ العاجِ لَيْسَ بِذِي غُضُونِ
وقالَ امْرُؤ القَيْسَ:
؎ .......... ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَجَنْجَلِ
فَجَمَعَ التَرِيبَةَ وما حَوْلَها فَجَعَلَ ذَلِكَ تَرائِبَ. وقالَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ "التَرائِبَ" أطْرافُ المَرْءِ، رِجْلاهُ ويَداهُ وعَيْناهُ، وقالَ مَعْمَرُ: التَرائِبُ جَمْعُ تَرِيبَةٍ وهي عُصارَةُ القَلْبِ، ومِنها يَكُونُ الوَلَدُ، وفي هَذِهِ الأقْوالِ تُحْكَمُ عَلى اللُغَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: التَرائِبُ مَوْضِعُ القِلادَةِ، وقالَ أيْضًا: هي ما بَيْنَ ثَدْيَيِ المَرْأةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هي أضْلاعُ الرَجُلِ الَّتِي أسْفَلَ الصُلْبِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الصَدْرُ، وقالَ (p-٥٨٦)هِيَ التَراقِي، وقالَ: هي ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ والصَدْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ﴾ الضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلَّهِ تَعالى، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الضَمِيرِ في "رَجْعِهِ" فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هو عائِدٌ عَلى الإنْسانُ، أيْ: عَلى رَدِّهِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: هو عائِدٌ عَلى الإنْسانُ لَكِنَّ المَعْنى: يَرْجِعُهُ ماءٌ كَما كانَ أوَّلًا، وقالَ الضَحّاكُ أيْضًا: يُرْجِعُهُ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَبابِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: هو عائِدٌ عَلى الماءِ، أيْ يَرُدُّهُ في الإحْلِيلِ، وقِيلَ: في الصُلْبِ، والعامِلُ في "يَوْمَ" -عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ- فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، -وَهُوَ أظْهَرُ الأقْوالِ وأبْيَنُها- اخْتَلَفُوا في العامِلِ في "يَوْمَ" فَقالَ بَعْضُهُمْ: العامِلُ "ناصِرٍ" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَلا ناصِرٍ"، وقِيلَ: العامِلُ "الرَجْعُ" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى رَجْعِهِ"، قالُوا: وفي المَصْدَرِ مِنَ القُوَّةِ بِحَيْثُ يَعْمَلُ وإنْ حالَ خَبَرانِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ، وقِيلَ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَرْجِعُهُ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ"، وكُلُّ هَذِهِ الفِرَقِ فَرَّتْ مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ "قادِرٌ"؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَظْهَرُ مِنهُ تَخْصِيصُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وحْدَهُ، وإذا تُؤُمِّلَ المَعْنى وما يَقْتَضِيهِ فَصِيحُ كَلامِ العَرَبِ جازَ أنْ يَكُونَ العامِلُ "قادِرٌ"، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ، أيْ: عَلى الإطْلاقِ أوَّلًا وآخِرًا وفي كُلِّ وقْتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى وخَصَّصَ مِنَ الأوقاتِ الوَقْتَ الأهَمَّ عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ الجَزاءِ والوُصُولِ إلى العَذابِ، فَتَجْتَمِعُ النُفُوسُ إلى حَذَرِهِ والخَوْفِ مِنهُ.
و"تُبْلى السَرائِرُ" مَعْناهُ: تُخْتَبَرُ وتَكْشَفُ بَواطِنُها، ورَوى أبُو الدَرْداءِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّ السَرائِرَ الَّتِي يَبْتَلِيها اللهُ تَعالى مِنَ العِبادِ: التَوْحِيدُ والصَلاةُ والزَكاةُ والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ. وصَوْمُ رَمَضانَ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
هَذِهِ عُظْمُ الأمْرِ. وقالَ أبُو قَتادَةَ: الوَجْهُ في الآيَةِ العُمُومُ في جَمِيعِ السَرائِرِ، ولَيْسَ يَمْتَنِعُ في الدُنْيا مِنَ المَكارِهِ إلّا بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ: إمّا بِقُوَّةٍ في ذاتِ الإنْسانِ وإمّا بِناصِرٍ (p-٥٨٧)خارِجٍ عن ذاتِهِ، فَأخْبَرَهُ اللهُ تَعالى عَنِ الإنْسانِ أنَّهُ يَعْدَمُهُما يَوْمَ القِيامَةِ فَلا يَعْصِمُهُ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى شَيْءٌ.
الطارق 86:8
(p-٥٨٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الطارِقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والسَماءِ والطارِقِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما الطارِقُ﴾ ﴿النَجْمُ الثاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُلْبِ والتَرائِبِ﴾ ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ﴾ ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾
أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالسَماءِ المَعْرُوفَةِ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَوْمٌ: السَماءُ هُنا المَطَرُ، والعَرَبُ تُسَمِّي سَماءً لِما كانَ مِنَ السَماءِ وتُسَمِّي السَحابَ سَماءً، قالَ الشاعِرُ:
؎ إذا نَزَلَ السَماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا
وقالَ النابِغَةُ:
؎ كالأُقْحُوانِ غَداةَ غَبِّ سَمائِهِ ∗∗∗............
(p-٥٨٣)وَ"الطارِقِ": الَّذِي يَأْتِي لَيْلًا، وهو اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ ما يَظْهَرُ ويَأْتِي لَيْلًا، ومِنهُ «نَهى النَبِيُّ صَلّى اللهُ ﷺ الناسَ مِن أسْفارِهِمْ أنْ يَأْتِيَ الرَجُلُ أهْلَهُ طُرُوقًا،» ومِنهُ الخَيالُ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ يا نائِمَ اللَيْلِ مُغْتَرًّا بِأوَّلِهِ ∗∗∗ إنَّ الحَوادِثَ قَدْ يَطْرُقْنَ أسْحارا
ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعالى الطارِقَ الَّذِي قُصِدَ مِنَ الجِنْسِ المَذْكُورِ وهو "النَجْمُ الثاقِبُ"، وقِيلَ: بَلْ مَعْنى الآيَةِ: والسَماءُ وجَمِيعُ ما يَطْرُقُ فِيها مِنَ الأُمُورِ والمَخْلُوقاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ -عَلى جِهَةِ التَنْبِيهِ- أجَلُّ الطارِقاتِ قَدْرًا وهو النَجْمُ الثاقِبُ.
فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وما أدْراكَ حَقُّ الطارِقِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "النَجْمِ الثاقِبِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ ما مَعْناهُ إنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ، لِأنَّها كُلَّها باقِيَةٌ أيْ ظاهِرَةُ الضَوْءِ: يُقالُ: ثَقَبَ النَجْمُ إذا أضاءَ، وثَقَبَتِ النارُ، كَذَلِكَ، وثَقَبَتِ الرائِحَةُ إذا سَطَعَتْ، ويُقالُ لِلْمُوقِدِ؛ اثْقُبْ نارَكَ، أيْ أضِئْها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أرادَ نَجْمًا مَخْصُوصًا وهو زُحَلُ، ووَصَفَهُ بِالثُقُوبِ لِأنَّهُ مُبْرِزٌ عَلى الكَواكِبِ في ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ الجَدْيَ، وقالَ بَعْضُ هَؤُلاءِ: ثَقُبَ النَجْمُ، إذا ارْتَفَعَ، فَإنَّما وُصِفَ زَحْلًا بِالثُقُوبِ لِأنَّهُ أرْفَعُ الكَواكِبِ مَكانًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وغَيْرُهُ: النَجْمُ الثاقِبُ: الثُرَيّا، وهو الَّذِي تُطْلَقُ عَلَيْهِ العَرَبُ اسْمَ الجِنْسِ مُعَرَّفًا.
(p-٥٨٤)وَجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِما" مُخَفَّفَةُ المِيمِ، قالَ الحُذّاقُ مِنَ النَحْوِيِّينَ وهُمُ البَصْرِيُّونَ: "إنْ" مُخَفِّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ لامُ التَأْكِيدِ الداخِلَةِ عَلى الخَبَرِ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: "إنْ" بِمَعْنى "ما" النافِيَةُ، واللامُ بِمَعْنى "إلّا"، فالتَقْدِيرُ: ما كَلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ والأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ -بِخِلافٍ عنهُما- وقَتادَةُ: "لَمّا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: "لَمّا" بِمَعْنى "إلّا"، لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ في هُذَيْلَ وغَيْرِهِمْ، تَقُولُ أقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمّا فَعَلْتَ كَذا، أيْ: إلّا فَعَلْتَ كَذا.
ومَعْنى هَذِهِ الآيَةُ، -فِيما قالَ قَتادَةُ وابْنُ سِيرِينَ وغَيْرُهُما- إنْ كُلَّ نَفْسٍ مُكَلَّفَةٌ فَعَلَيْها حافِظٌ يُحْصِي أعْمالَها ويُعِدُّها لِلْجَزاءِ عَلَيْها، وبِهَذا الوَجْهِ تَدْخُلُ الآيَةُ في الوَعِيدِ الزاجِرِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: عَلَيْها حافِظٌ يَحْفَظُها حَتّى يُسَلِّمَها إلى القَدَرِ، وهَذا قَوْلٌ فاسِدُ المَعْنى لِأنَّ مُدَّةَ الحِفْظِ إنَّما هي بِقَدَرٍ، وقالَ أبُو أُمامَةَ: قالَ النَبِيُّ ﷺ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ" « "إنَّ لِكُلِّ نَفْسِ حَفَظَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى يَذُبُّونَ عنها كَما يَذُبُّ عَنِ العَسَلِ، ولَوْ وكَلَ المَرْءُ إلى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لاخْتَطَفَتْهُ الغِيَرُ والشَياطِينُ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ تَوْقِيفٌ لِمُنْكِرِي عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الدالَّةِ عَلى أنَّ البَعْثَ جائِزٌ مُمْكِنٌ، ثُمَّ بادَرَ اللَفْظَ إلى الجَوابِ اقْتِضابًا وإسْراعًا إلى إقامَةِ الحُجَّةِ؛ إذْ لا جَوابَ لِأحَدٍ إلّا هَذا، "دافِقٍ" قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: هو عَلى النَسَبِ، أيْ: ذا دَفْقٍ، والدَفْقُ: دَفَقَ الماءُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كَدَفْعِ الوادِي والسَيْلِ إذا جاءَ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ (p-٥٨٥)الماءُ دافِقًا لِأنَّ بَعْضَهُ يَدْفَعُ بَعْضًا، فَمِنهُ دافِقٌ ومِنهُ مَدْفُوقٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُلْبِ والتَرائِبِ﴾، قالَ قَتادَةُ والحَسَنُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: مِن بَيْنِ صُلْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَجُلِ والمَرْأةِ وتَرائِبِهِ، وقالَ سُفْيانُ وقَتادَةُ أيْضًا وجَماعَةٌ: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ، والضَمِيرُ في "يَخْرُجُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْماءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الصُلْبِ" بِسُكُونِ اللامِ وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ وعِيسى: "الصُلُبِ" بِضَمِّ اللامِ عَلى الجَمْعِ. و"التَرِيبَةُ" مِنَ الإنْسانِ: ما بَيْنَ التَرْقُوَةِ إلى الثَدْيِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مُعَلَّقُ الحُلِيِّ عَلى الصَدْرِ، وجَمْعُ ذَلِكَ: "تَرِيبٌ"، قالَ المُثَقَّبُ العَبْدِيُّ:
؎ ومِن ذَهَبٍ يُسَنُّ عَلى تَرِيبٍ ∗∗∗ كَلَوْنِ العاجِ لَيْسَ بِذِي غُضُونِ
وقالَ امْرُؤ القَيْسَ:
؎ .......... ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَجَنْجَلِ
فَجَمَعَ التَرِيبَةَ وما حَوْلَها فَجَعَلَ ذَلِكَ تَرائِبَ. وقالَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ "التَرائِبَ" أطْرافُ المَرْءِ، رِجْلاهُ ويَداهُ وعَيْناهُ، وقالَ مَعْمَرُ: التَرائِبُ جَمْعُ تَرِيبَةٍ وهي عُصارَةُ القَلْبِ، ومِنها يَكُونُ الوَلَدُ، وفي هَذِهِ الأقْوالِ تُحْكَمُ عَلى اللُغَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: التَرائِبُ مَوْضِعُ القِلادَةِ، وقالَ أيْضًا: هي ما بَيْنَ ثَدْيَيِ المَرْأةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هي أضْلاعُ الرَجُلِ الَّتِي أسْفَلَ الصُلْبِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الصَدْرُ، وقالَ (p-٥٨٦)هِيَ التَراقِي، وقالَ: هي ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ والصَدْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ﴾ الضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلَّهِ تَعالى، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الضَمِيرِ في "رَجْعِهِ" فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هو عائِدٌ عَلى الإنْسانُ، أيْ: عَلى رَدِّهِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: هو عائِدٌ عَلى الإنْسانُ لَكِنَّ المَعْنى: يَرْجِعُهُ ماءٌ كَما كانَ أوَّلًا، وقالَ الضَحّاكُ أيْضًا: يُرْجِعُهُ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَبابِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: هو عائِدٌ عَلى الماءِ، أيْ يَرُدُّهُ في الإحْلِيلِ، وقِيلَ: في الصُلْبِ، والعامِلُ في "يَوْمَ" -عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ- فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، -وَهُوَ أظْهَرُ الأقْوالِ وأبْيَنُها- اخْتَلَفُوا في العامِلِ في "يَوْمَ" فَقالَ بَعْضُهُمْ: العامِلُ "ناصِرٍ" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَلا ناصِرٍ"، وقِيلَ: العامِلُ "الرَجْعُ" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى رَجْعِهِ"، قالُوا: وفي المَصْدَرِ مِنَ القُوَّةِ بِحَيْثُ يَعْمَلُ وإنْ حالَ خَبَرانِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ، وقِيلَ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَرْجِعُهُ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ"، وكُلُّ هَذِهِ الفِرَقِ فَرَّتْ مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ "قادِرٌ"؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَظْهَرُ مِنهُ تَخْصِيصُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وحْدَهُ، وإذا تُؤُمِّلَ المَعْنى وما يَقْتَضِيهِ فَصِيحُ كَلامِ العَرَبِ جازَ أنْ يَكُونَ العامِلُ "قادِرٌ"، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ، أيْ: عَلى الإطْلاقِ أوَّلًا وآخِرًا وفي كُلِّ وقْتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى وخَصَّصَ مِنَ الأوقاتِ الوَقْتَ الأهَمَّ عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ الجَزاءِ والوُصُولِ إلى العَذابِ، فَتَجْتَمِعُ النُفُوسُ إلى حَذَرِهِ والخَوْفِ مِنهُ.
و"تُبْلى السَرائِرُ" مَعْناهُ: تُخْتَبَرُ وتَكْشَفُ بَواطِنُها، ورَوى أبُو الدَرْداءِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّ السَرائِرَ الَّتِي يَبْتَلِيها اللهُ تَعالى مِنَ العِبادِ: التَوْحِيدُ والصَلاةُ والزَكاةُ والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ. وصَوْمُ رَمَضانَ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
هَذِهِ عُظْمُ الأمْرِ. وقالَ أبُو قَتادَةَ: الوَجْهُ في الآيَةِ العُمُومُ في جَمِيعِ السَرائِرِ، ولَيْسَ يَمْتَنِعُ في الدُنْيا مِنَ المَكارِهِ إلّا بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ: إمّا بِقُوَّةٍ في ذاتِ الإنْسانِ وإمّا بِناصِرٍ (p-٥٨٧)خارِجٍ عن ذاتِهِ، فَأخْبَرَهُ اللهُ تَعالى عَنِ الإنْسانِ أنَّهُ يَعْدَمُهُما يَوْمَ القِيامَةِ فَلا يَعْصِمُهُ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى شَيْءٌ.
الطارق 86:9
(p-٥٨٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الطارِقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والسَماءِ والطارِقِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما الطارِقُ﴾ ﴿النَجْمُ الثاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُلْبِ والتَرائِبِ﴾ ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ﴾ ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾
أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالسَماءِ المَعْرُوفَةِ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَوْمٌ: السَماءُ هُنا المَطَرُ، والعَرَبُ تُسَمِّي سَماءً لِما كانَ مِنَ السَماءِ وتُسَمِّي السَحابَ سَماءً، قالَ الشاعِرُ:
؎ إذا نَزَلَ السَماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا
وقالَ النابِغَةُ:
؎ كالأُقْحُوانِ غَداةَ غَبِّ سَمائِهِ ∗∗∗............
(p-٥٨٣)وَ"الطارِقِ": الَّذِي يَأْتِي لَيْلًا، وهو اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ ما يَظْهَرُ ويَأْتِي لَيْلًا، ومِنهُ «نَهى النَبِيُّ صَلّى اللهُ ﷺ الناسَ مِن أسْفارِهِمْ أنْ يَأْتِيَ الرَجُلُ أهْلَهُ طُرُوقًا،» ومِنهُ الخَيالُ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ يا نائِمَ اللَيْلِ مُغْتَرًّا بِأوَّلِهِ ∗∗∗ إنَّ الحَوادِثَ قَدْ يَطْرُقْنَ أسْحارا
ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعالى الطارِقَ الَّذِي قُصِدَ مِنَ الجِنْسِ المَذْكُورِ وهو "النَجْمُ الثاقِبُ"، وقِيلَ: بَلْ مَعْنى الآيَةِ: والسَماءُ وجَمِيعُ ما يَطْرُقُ فِيها مِنَ الأُمُورِ والمَخْلُوقاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ -عَلى جِهَةِ التَنْبِيهِ- أجَلُّ الطارِقاتِ قَدْرًا وهو النَجْمُ الثاقِبُ.
فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وما أدْراكَ حَقُّ الطارِقِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "النَجْمِ الثاقِبِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ ما مَعْناهُ إنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ، لِأنَّها كُلَّها باقِيَةٌ أيْ ظاهِرَةُ الضَوْءِ: يُقالُ: ثَقَبَ النَجْمُ إذا أضاءَ، وثَقَبَتِ النارُ، كَذَلِكَ، وثَقَبَتِ الرائِحَةُ إذا سَطَعَتْ، ويُقالُ لِلْمُوقِدِ؛ اثْقُبْ نارَكَ، أيْ أضِئْها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أرادَ نَجْمًا مَخْصُوصًا وهو زُحَلُ، ووَصَفَهُ بِالثُقُوبِ لِأنَّهُ مُبْرِزٌ عَلى الكَواكِبِ في ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ الجَدْيَ، وقالَ بَعْضُ هَؤُلاءِ: ثَقُبَ النَجْمُ، إذا ارْتَفَعَ، فَإنَّما وُصِفَ زَحْلًا بِالثُقُوبِ لِأنَّهُ أرْفَعُ الكَواكِبِ مَكانًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وغَيْرُهُ: النَجْمُ الثاقِبُ: الثُرَيّا، وهو الَّذِي تُطْلَقُ عَلَيْهِ العَرَبُ اسْمَ الجِنْسِ مُعَرَّفًا.
(p-٥٨٤)وَجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِما" مُخَفَّفَةُ المِيمِ، قالَ الحُذّاقُ مِنَ النَحْوِيِّينَ وهُمُ البَصْرِيُّونَ: "إنْ" مُخَفِّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ لامُ التَأْكِيدِ الداخِلَةِ عَلى الخَبَرِ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: "إنْ" بِمَعْنى "ما" النافِيَةُ، واللامُ بِمَعْنى "إلّا"، فالتَقْدِيرُ: ما كَلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ والأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ -بِخِلافٍ عنهُما- وقَتادَةُ: "لَمّا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: "لَمّا" بِمَعْنى "إلّا"، لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ في هُذَيْلَ وغَيْرِهِمْ، تَقُولُ أقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمّا فَعَلْتَ كَذا، أيْ: إلّا فَعَلْتَ كَذا.
ومَعْنى هَذِهِ الآيَةُ، -فِيما قالَ قَتادَةُ وابْنُ سِيرِينَ وغَيْرُهُما- إنْ كُلَّ نَفْسٍ مُكَلَّفَةٌ فَعَلَيْها حافِظٌ يُحْصِي أعْمالَها ويُعِدُّها لِلْجَزاءِ عَلَيْها، وبِهَذا الوَجْهِ تَدْخُلُ الآيَةُ في الوَعِيدِ الزاجِرِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: عَلَيْها حافِظٌ يَحْفَظُها حَتّى يُسَلِّمَها إلى القَدَرِ، وهَذا قَوْلٌ فاسِدُ المَعْنى لِأنَّ مُدَّةَ الحِفْظِ إنَّما هي بِقَدَرٍ، وقالَ أبُو أُمامَةَ: قالَ النَبِيُّ ﷺ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ" « "إنَّ لِكُلِّ نَفْسِ حَفَظَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى يَذُبُّونَ عنها كَما يَذُبُّ عَنِ العَسَلِ، ولَوْ وكَلَ المَرْءُ إلى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لاخْتَطَفَتْهُ الغِيَرُ والشَياطِينُ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ تَوْقِيفٌ لِمُنْكِرِي عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الدالَّةِ عَلى أنَّ البَعْثَ جائِزٌ مُمْكِنٌ، ثُمَّ بادَرَ اللَفْظَ إلى الجَوابِ اقْتِضابًا وإسْراعًا إلى إقامَةِ الحُجَّةِ؛ إذْ لا جَوابَ لِأحَدٍ إلّا هَذا، "دافِقٍ" قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: هو عَلى النَسَبِ، أيْ: ذا دَفْقٍ، والدَفْقُ: دَفَقَ الماءُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كَدَفْعِ الوادِي والسَيْلِ إذا جاءَ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ (p-٥٨٥)الماءُ دافِقًا لِأنَّ بَعْضَهُ يَدْفَعُ بَعْضًا، فَمِنهُ دافِقٌ ومِنهُ مَدْفُوقٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُلْبِ والتَرائِبِ﴾، قالَ قَتادَةُ والحَسَنُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: مِن بَيْنِ صُلْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَجُلِ والمَرْأةِ وتَرائِبِهِ، وقالَ سُفْيانُ وقَتادَةُ أيْضًا وجَماعَةٌ: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ، والضَمِيرُ في "يَخْرُجُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْماءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الصُلْبِ" بِسُكُونِ اللامِ وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ وعِيسى: "الصُلُبِ" بِضَمِّ اللامِ عَلى الجَمْعِ. و"التَرِيبَةُ" مِنَ الإنْسانِ: ما بَيْنَ التَرْقُوَةِ إلى الثَدْيِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مُعَلَّقُ الحُلِيِّ عَلى الصَدْرِ، وجَمْعُ ذَلِكَ: "تَرِيبٌ"، قالَ المُثَقَّبُ العَبْدِيُّ:
؎ ومِن ذَهَبٍ يُسَنُّ عَلى تَرِيبٍ ∗∗∗ كَلَوْنِ العاجِ لَيْسَ بِذِي غُضُونِ
وقالَ امْرُؤ القَيْسَ:
؎ .......... ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَجَنْجَلِ
فَجَمَعَ التَرِيبَةَ وما حَوْلَها فَجَعَلَ ذَلِكَ تَرائِبَ. وقالَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ "التَرائِبَ" أطْرافُ المَرْءِ، رِجْلاهُ ويَداهُ وعَيْناهُ، وقالَ مَعْمَرُ: التَرائِبُ جَمْعُ تَرِيبَةٍ وهي عُصارَةُ القَلْبِ، ومِنها يَكُونُ الوَلَدُ، وفي هَذِهِ الأقْوالِ تُحْكَمُ عَلى اللُغَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: التَرائِبُ مَوْضِعُ القِلادَةِ، وقالَ أيْضًا: هي ما بَيْنَ ثَدْيَيِ المَرْأةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هي أضْلاعُ الرَجُلِ الَّتِي أسْفَلَ الصُلْبِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الصَدْرُ، وقالَ (p-٥٨٦)هِيَ التَراقِي، وقالَ: هي ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ والصَدْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ﴾ الضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلَّهِ تَعالى، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الضَمِيرِ في "رَجْعِهِ" فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هو عائِدٌ عَلى الإنْسانُ، أيْ: عَلى رَدِّهِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: هو عائِدٌ عَلى الإنْسانُ لَكِنَّ المَعْنى: يَرْجِعُهُ ماءٌ كَما كانَ أوَّلًا، وقالَ الضَحّاكُ أيْضًا: يُرْجِعُهُ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَبابِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: هو عائِدٌ عَلى الماءِ، أيْ يَرُدُّهُ في الإحْلِيلِ، وقِيلَ: في الصُلْبِ، والعامِلُ في "يَوْمَ" -عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ- فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، -وَهُوَ أظْهَرُ الأقْوالِ وأبْيَنُها- اخْتَلَفُوا في العامِلِ في "يَوْمَ" فَقالَ بَعْضُهُمْ: العامِلُ "ناصِرٍ" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَلا ناصِرٍ"، وقِيلَ: العامِلُ "الرَجْعُ" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى رَجْعِهِ"، قالُوا: وفي المَصْدَرِ مِنَ القُوَّةِ بِحَيْثُ يَعْمَلُ وإنْ حالَ خَبَرانِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ، وقِيلَ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَرْجِعُهُ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ"، وكُلُّ هَذِهِ الفِرَقِ فَرَّتْ مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ "قادِرٌ"؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَظْهَرُ مِنهُ تَخْصِيصُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وحْدَهُ، وإذا تُؤُمِّلَ المَعْنى وما يَقْتَضِيهِ فَصِيحُ كَلامِ العَرَبِ جازَ أنْ يَكُونَ العامِلُ "قادِرٌ"، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ، أيْ: عَلى الإطْلاقِ أوَّلًا وآخِرًا وفي كُلِّ وقْتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى وخَصَّصَ مِنَ الأوقاتِ الوَقْتَ الأهَمَّ عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ الجَزاءِ والوُصُولِ إلى العَذابِ، فَتَجْتَمِعُ النُفُوسُ إلى حَذَرِهِ والخَوْفِ مِنهُ.
و"تُبْلى السَرائِرُ" مَعْناهُ: تُخْتَبَرُ وتَكْشَفُ بَواطِنُها، ورَوى أبُو الدَرْداءِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّ السَرائِرَ الَّتِي يَبْتَلِيها اللهُ تَعالى مِنَ العِبادِ: التَوْحِيدُ والصَلاةُ والزَكاةُ والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ. وصَوْمُ رَمَضانَ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
هَذِهِ عُظْمُ الأمْرِ. وقالَ أبُو قَتادَةَ: الوَجْهُ في الآيَةِ العُمُومُ في جَمِيعِ السَرائِرِ، ولَيْسَ يَمْتَنِعُ في الدُنْيا مِنَ المَكارِهِ إلّا بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ: إمّا بِقُوَّةٍ في ذاتِ الإنْسانِ وإمّا بِناصِرٍ (p-٥٨٧)خارِجٍ عن ذاتِهِ، فَأخْبَرَهُ اللهُ تَعالى عَنِ الإنْسانِ أنَّهُ يَعْدَمُهُما يَوْمَ القِيامَةِ فَلا يَعْصِمُهُ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى شَيْءٌ.
الطارق 86:10
(p-٥٨٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الطارِقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والسَماءِ والطارِقِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما الطارِقُ﴾ ﴿النَجْمُ الثاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُلْبِ والتَرائِبِ﴾ ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ﴾ ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾
أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالسَماءِ المَعْرُوفَةِ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَوْمٌ: السَماءُ هُنا المَطَرُ، والعَرَبُ تُسَمِّي سَماءً لِما كانَ مِنَ السَماءِ وتُسَمِّي السَحابَ سَماءً، قالَ الشاعِرُ:
؎ إذا نَزَلَ السَماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا
وقالَ النابِغَةُ:
؎ كالأُقْحُوانِ غَداةَ غَبِّ سَمائِهِ ∗∗∗............
(p-٥٨٣)وَ"الطارِقِ": الَّذِي يَأْتِي لَيْلًا، وهو اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ ما يَظْهَرُ ويَأْتِي لَيْلًا، ومِنهُ «نَهى النَبِيُّ صَلّى اللهُ ﷺ الناسَ مِن أسْفارِهِمْ أنْ يَأْتِيَ الرَجُلُ أهْلَهُ طُرُوقًا،» ومِنهُ الخَيالُ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ يا نائِمَ اللَيْلِ مُغْتَرًّا بِأوَّلِهِ ∗∗∗ إنَّ الحَوادِثَ قَدْ يَطْرُقْنَ أسْحارا
ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعالى الطارِقَ الَّذِي قُصِدَ مِنَ الجِنْسِ المَذْكُورِ وهو "النَجْمُ الثاقِبُ"، وقِيلَ: بَلْ مَعْنى الآيَةِ: والسَماءُ وجَمِيعُ ما يَطْرُقُ فِيها مِنَ الأُمُورِ والمَخْلُوقاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ -عَلى جِهَةِ التَنْبِيهِ- أجَلُّ الطارِقاتِ قَدْرًا وهو النَجْمُ الثاقِبُ.
فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وما أدْراكَ حَقُّ الطارِقِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "النَجْمِ الثاقِبِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ ما مَعْناهُ إنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ، لِأنَّها كُلَّها باقِيَةٌ أيْ ظاهِرَةُ الضَوْءِ: يُقالُ: ثَقَبَ النَجْمُ إذا أضاءَ، وثَقَبَتِ النارُ، كَذَلِكَ، وثَقَبَتِ الرائِحَةُ إذا سَطَعَتْ، ويُقالُ لِلْمُوقِدِ؛ اثْقُبْ نارَكَ، أيْ أضِئْها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أرادَ نَجْمًا مَخْصُوصًا وهو زُحَلُ، ووَصَفَهُ بِالثُقُوبِ لِأنَّهُ مُبْرِزٌ عَلى الكَواكِبِ في ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ الجَدْيَ، وقالَ بَعْضُ هَؤُلاءِ: ثَقُبَ النَجْمُ، إذا ارْتَفَعَ، فَإنَّما وُصِفَ زَحْلًا بِالثُقُوبِ لِأنَّهُ أرْفَعُ الكَواكِبِ مَكانًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا وغَيْرُهُ: النَجْمُ الثاقِبُ: الثُرَيّا، وهو الَّذِي تُطْلَقُ عَلَيْهِ العَرَبُ اسْمَ الجِنْسِ مُعَرَّفًا.
(p-٥٨٤)وَجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِما" مُخَفَّفَةُ المِيمِ، قالَ الحُذّاقُ مِنَ النَحْوِيِّينَ وهُمُ البَصْرِيُّونَ: "إنْ" مُخَفِّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ لامُ التَأْكِيدِ الداخِلَةِ عَلى الخَبَرِ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: "إنْ" بِمَعْنى "ما" النافِيَةُ، واللامُ بِمَعْنى "إلّا"، فالتَقْدِيرُ: ما كَلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ والأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ -بِخِلافٍ عنهُما- وقَتادَةُ: "لَمّا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: "لَمّا" بِمَعْنى "إلّا"، لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ في هُذَيْلَ وغَيْرِهِمْ، تَقُولُ أقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمّا فَعَلْتَ كَذا، أيْ: إلّا فَعَلْتَ كَذا.
ومَعْنى هَذِهِ الآيَةُ، -فِيما قالَ قَتادَةُ وابْنُ سِيرِينَ وغَيْرُهُما- إنْ كُلَّ نَفْسٍ مُكَلَّفَةٌ فَعَلَيْها حافِظٌ يُحْصِي أعْمالَها ويُعِدُّها لِلْجَزاءِ عَلَيْها، وبِهَذا الوَجْهِ تَدْخُلُ الآيَةُ في الوَعِيدِ الزاجِرِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: عَلَيْها حافِظٌ يَحْفَظُها حَتّى يُسَلِّمَها إلى القَدَرِ، وهَذا قَوْلٌ فاسِدُ المَعْنى لِأنَّ مُدَّةَ الحِفْظِ إنَّما هي بِقَدَرٍ، وقالَ أبُو أُمامَةَ: قالَ النَبِيُّ ﷺ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ" « "إنَّ لِكُلِّ نَفْسِ حَفَظَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى يَذُبُّونَ عنها كَما يَذُبُّ عَنِ العَسَلِ، ولَوْ وكَلَ المَرْءُ إلى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لاخْتَطَفَتْهُ الغِيَرُ والشَياطِينُ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ تَوْقِيفٌ لِمُنْكِرِي عَلى أصْلِ الخِلْقَةِ الدالَّةِ عَلى أنَّ البَعْثَ جائِزٌ مُمْكِنٌ، ثُمَّ بادَرَ اللَفْظَ إلى الجَوابِ اقْتِضابًا وإسْراعًا إلى إقامَةِ الحُجَّةِ؛ إذْ لا جَوابَ لِأحَدٍ إلّا هَذا، "دافِقٍ" قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: هو عَلى النَسَبِ، أيْ: ذا دَفْقٍ، والدَفْقُ: دَفَقَ الماءُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كَدَفْعِ الوادِي والسَيْلِ إذا جاءَ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ (p-٥٨٥)الماءُ دافِقًا لِأنَّ بَعْضَهُ يَدْفَعُ بَعْضًا، فَمِنهُ دافِقٌ ومِنهُ مَدْفُوقٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُلْبِ والتَرائِبِ﴾، قالَ قَتادَةُ والحَسَنُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: مِن بَيْنِ صُلْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَجُلِ والمَرْأةِ وتَرائِبِهِ، وقالَ سُفْيانُ وقَتادَةُ أيْضًا وجَماعَةٌ: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ، والضَمِيرُ في "يَخْرُجُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْماءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الصُلْبِ" بِسُكُونِ اللامِ وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ وعِيسى: "الصُلُبِ" بِضَمِّ اللامِ عَلى الجَمْعِ. و"التَرِيبَةُ" مِنَ الإنْسانِ: ما بَيْنَ التَرْقُوَةِ إلى الثَدْيِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مُعَلَّقُ الحُلِيِّ عَلى الصَدْرِ، وجَمْعُ ذَلِكَ: "تَرِيبٌ"، قالَ المُثَقَّبُ العَبْدِيُّ:
؎ ومِن ذَهَبٍ يُسَنُّ عَلى تَرِيبٍ ∗∗∗ كَلَوْنِ العاجِ لَيْسَ بِذِي غُضُونِ
وقالَ امْرُؤ القَيْسَ:
؎ .......... ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَجَنْجَلِ
فَجَمَعَ التَرِيبَةَ وما حَوْلَها فَجَعَلَ ذَلِكَ تَرائِبَ. وقالَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ "التَرائِبَ" أطْرافُ المَرْءِ، رِجْلاهُ ويَداهُ وعَيْناهُ، وقالَ مَعْمَرُ: التَرائِبُ جَمْعُ تَرِيبَةٍ وهي عُصارَةُ القَلْبِ، ومِنها يَكُونُ الوَلَدُ، وفي هَذِهِ الأقْوالِ تُحْكَمُ عَلى اللُغَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: التَرائِبُ مَوْضِعُ القِلادَةِ، وقالَ أيْضًا: هي ما بَيْنَ ثَدْيَيِ المَرْأةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هي أضْلاعُ الرَجُلِ الَّتِي أسْفَلَ الصُلْبِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الصَدْرُ، وقالَ (p-٥٨٦)هِيَ التَراقِي، وقالَ: هي ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ والصَدْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ﴾ الضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلَّهِ تَعالى، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الضَمِيرِ في "رَجْعِهِ" فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هو عائِدٌ عَلى الإنْسانُ، أيْ: عَلى رَدِّهِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: هو عائِدٌ عَلى الإنْسانُ لَكِنَّ المَعْنى: يَرْجِعُهُ ماءٌ كَما كانَ أوَّلًا، وقالَ الضَحّاكُ أيْضًا: يُرْجِعُهُ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَبابِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: هو عائِدٌ عَلى الماءِ، أيْ يَرُدُّهُ في الإحْلِيلِ، وقِيلَ: في الصُلْبِ، والعامِلُ في "يَوْمَ" -عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ- فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، -وَهُوَ أظْهَرُ الأقْوالِ وأبْيَنُها- اخْتَلَفُوا في العامِلِ في "يَوْمَ" فَقالَ بَعْضُهُمْ: العامِلُ "ناصِرٍ" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَلا ناصِرٍ"، وقِيلَ: العامِلُ "الرَجْعُ" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى رَجْعِهِ"، قالُوا: وفي المَصْدَرِ مِنَ القُوَّةِ بِحَيْثُ يَعْمَلُ وإنْ حالَ خَبَرانِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ، وقِيلَ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَرْجِعُهُ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ"، وكُلُّ هَذِهِ الفِرَقِ فَرَّتْ مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ "قادِرٌ"؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَظْهَرُ مِنهُ تَخْصِيصُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وحْدَهُ، وإذا تُؤُمِّلَ المَعْنى وما يَقْتَضِيهِ فَصِيحُ كَلامِ العَرَبِ جازَ أنْ يَكُونَ العامِلُ "قادِرٌ"، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ، أيْ: عَلى الإطْلاقِ أوَّلًا وآخِرًا وفي كُلِّ وقْتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى وخَصَّصَ مِنَ الأوقاتِ الوَقْتَ الأهَمَّ عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ الجَزاءِ والوُصُولِ إلى العَذابِ، فَتَجْتَمِعُ النُفُوسُ إلى حَذَرِهِ والخَوْفِ مِنهُ.
و"تُبْلى السَرائِرُ" مَعْناهُ: تُخْتَبَرُ وتَكْشَفُ بَواطِنُها، ورَوى أبُو الدَرْداءِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّ السَرائِرَ الَّتِي يَبْتَلِيها اللهُ تَعالى مِنَ العِبادِ: التَوْحِيدُ والصَلاةُ والزَكاةُ والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ. وصَوْمُ رَمَضانَ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
هَذِهِ عُظْمُ الأمْرِ. وقالَ أبُو قَتادَةَ: الوَجْهُ في الآيَةِ العُمُومُ في جَمِيعِ السَرائِرِ، ولَيْسَ يَمْتَنِعُ في الدُنْيا مِنَ المَكارِهِ إلّا بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ: إمّا بِقُوَّةٍ في ذاتِ الإنْسانِ وإمّا بِناصِرٍ (p-٥٨٧)خارِجٍ عن ذاتِهِ، فَأخْبَرَهُ اللهُ تَعالى عَنِ الإنْسانِ أنَّهُ يَعْدَمُهُما يَوْمَ القِيامَةِ فَلا يَعْصِمُهُ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى شَيْءٌ.
الطارق 86:11
قوله عزّ وجلّ:
﴿والسَماءِ ذاتِ الرَجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَدْعِ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ ﴿وَما هو بِالهَزْلِ﴾ ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وَأكِيدُ كَيْدًا﴾ ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾
"السَماءِ" في هَذا القِسْمِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المَعْرُوفَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ السَحابَ، و"الرَجْعِ": المَطَرُ وماؤُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎ أبْيَضَ كالرَجْعِ رَسُوبٌ إذا ما ثاخَ في مُحْتَفَلٍ يَخْتَلِي
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الرَجْعِ: السَحابُ والمَطَرُ، قالَ الحَسَن: لِأنَّهُ يَرْجِعُ بِالرِزْقِ كُلَّ عامٍ، قالَ غَيْرُهُ: لِأنَّهُ يَرْجِعُ إلى الأرْضِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَجْعِ مَصْدَرُ رُجُوعِ الشَمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومِنهُ مَنزِلَةٌ، تَذْهَبُ وتَرْجِعُ.
و"الصَدْعُ": النَباتُ؛ لِأنَّ الأرْضَ تَتَصَدَّعُ عنهُ، وهَذا قَوْلٌ يُناسِبُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ الرَجْعَ هو المَطَرُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الصَدْعُ: ما في الأرْضِ مِن شِعابٍ ولِصابٍ وخَنْدَقٍ وتَشَقُّقٍ بِحَرْثٍ وغَيْرِهِ، وهي أُمُورٌ فِيها مُعْتَبَرٌ، وهَذا قَوْلٌ يُناسِبُ القَوْلَ الثانِيَ في "الرَجْعِ".
والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ -وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ- مِن حَيْثُ القَوْلُ في جُزْءٍ مِنهُ والحالُ تَقْتَضِيهِ. و"فَصْلٌ": مَعْناهُ: جُزِمَ، فَصْلُ الحَقائِقِ مِنَ الأباطِيلِ، و"الهَزْلُ": اللَعِبُ الباطِلُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن قُرَيْشٍ إنَّهم يَكِيدُونَ في أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ وتَمَرُّسِهِمْ بِالنَبِيِّ عَلَيْهِ (p-٥٨٨)الصَلاةُ والسَلامُ وتَدْبِيرِهِمْ رَدِّ أمْرِهِ، ثُمَّ قَوّى اللهُ تَعالى ذَلِكَ بِالمَصْدَرِ وأكَّدَهُ، وأخْبَرَ سُبْحانَهُ عن أنَّهُ يَفْعَلُ بِهِمْ عِقابًا سَمّاهُ كَيْدًا، عَلى العُرْفِ في تَسْمِيَةِ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ، ثُمَّ ظَهَرَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَمَهِّلِ الكافِرِينَ" أنَّ عِقابَهُ لَهُمُ الَّذِي سَمّاهُ كَيْدًا مُتَأخِّرٌ حَتّى ظَهَرَ بِبَدْرٍ وغَيْرِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أمْهِلْهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "مَهِّلْهُمْ"، وفي هَذِهِ الآيَةِ مُوادَعَةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "رُوَيْدًا" مَعْناهُ: قَلِيلًا، قالَهُ قَتادَةُ، وهَذِهِ حالٌ، وهَذِهِ اللَفْظَةُ إذا تَقَدَّمَها شَيْءٌ تَصِفُهُ، كَقَوْلِكَ: سَيْرٌ رُوَيْدًا، وتَقَدَّمَها فِعْلٌ يَعْمَلُ فِيها كَهَذِهِ الآيَةِ، وأمّا إذا ابْتَدَأتَ بِها فَقُلْتُ: "رُوَيْدًا يا فُلانُ" فَهي بِمَعْنى الأمْرِ بِالتَمَهُّلِ، يَجْرِي مَجْرى قَوْلِهِمْ: صَبَرًا يا زَيْدُ وقَلِيلًا يا عَمْرُو.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الطارِقِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
الطارق 86:12
قوله عزّ وجلّ:
﴿والسَماءِ ذاتِ الرَجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَدْعِ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ ﴿وَما هو بِالهَزْلِ﴾ ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وَأكِيدُ كَيْدًا﴾ ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾
"السَماءِ" في هَذا القِسْمِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المَعْرُوفَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ السَحابَ، و"الرَجْعِ": المَطَرُ وماؤُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎ أبْيَضَ كالرَجْعِ رَسُوبٌ إذا ما ثاخَ في مُحْتَفَلٍ يَخْتَلِي
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الرَجْعِ: السَحابُ والمَطَرُ، قالَ الحَسَن: لِأنَّهُ يَرْجِعُ بِالرِزْقِ كُلَّ عامٍ، قالَ غَيْرُهُ: لِأنَّهُ يَرْجِعُ إلى الأرْضِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَجْعِ مَصْدَرُ رُجُوعِ الشَمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومِنهُ مَنزِلَةٌ، تَذْهَبُ وتَرْجِعُ.
و"الصَدْعُ": النَباتُ؛ لِأنَّ الأرْضَ تَتَصَدَّعُ عنهُ، وهَذا قَوْلٌ يُناسِبُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ الرَجْعَ هو المَطَرُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الصَدْعُ: ما في الأرْضِ مِن شِعابٍ ولِصابٍ وخَنْدَقٍ وتَشَقُّقٍ بِحَرْثٍ وغَيْرِهِ، وهي أُمُورٌ فِيها مُعْتَبَرٌ، وهَذا قَوْلٌ يُناسِبُ القَوْلَ الثانِيَ في "الرَجْعِ".
والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ -وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ- مِن حَيْثُ القَوْلُ في جُزْءٍ مِنهُ والحالُ تَقْتَضِيهِ. و"فَصْلٌ": مَعْناهُ: جُزِمَ، فَصْلُ الحَقائِقِ مِنَ الأباطِيلِ، و"الهَزْلُ": اللَعِبُ الباطِلُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن قُرَيْشٍ إنَّهم يَكِيدُونَ في أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ وتَمَرُّسِهِمْ بِالنَبِيِّ عَلَيْهِ (p-٥٨٨)الصَلاةُ والسَلامُ وتَدْبِيرِهِمْ رَدِّ أمْرِهِ، ثُمَّ قَوّى اللهُ تَعالى ذَلِكَ بِالمَصْدَرِ وأكَّدَهُ، وأخْبَرَ سُبْحانَهُ عن أنَّهُ يَفْعَلُ بِهِمْ عِقابًا سَمّاهُ كَيْدًا، عَلى العُرْفِ في تَسْمِيَةِ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ، ثُمَّ ظَهَرَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَمَهِّلِ الكافِرِينَ" أنَّ عِقابَهُ لَهُمُ الَّذِي سَمّاهُ كَيْدًا مُتَأخِّرٌ حَتّى ظَهَرَ بِبَدْرٍ وغَيْرِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أمْهِلْهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "مَهِّلْهُمْ"، وفي هَذِهِ الآيَةِ مُوادَعَةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "رُوَيْدًا" مَعْناهُ: قَلِيلًا، قالَهُ قَتادَةُ، وهَذِهِ حالٌ، وهَذِهِ اللَفْظَةُ إذا تَقَدَّمَها شَيْءٌ تَصِفُهُ، كَقَوْلِكَ: سَيْرٌ رُوَيْدًا، وتَقَدَّمَها فِعْلٌ يَعْمَلُ فِيها كَهَذِهِ الآيَةِ، وأمّا إذا ابْتَدَأتَ بِها فَقُلْتُ: "رُوَيْدًا يا فُلانُ" فَهي بِمَعْنى الأمْرِ بِالتَمَهُّلِ، يَجْرِي مَجْرى قَوْلِهِمْ: صَبَرًا يا زَيْدُ وقَلِيلًا يا عَمْرُو.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الطارِقِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
الطارق 86:13
قوله عزّ وجلّ:
﴿والسَماءِ ذاتِ الرَجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَدْعِ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ ﴿وَما هو بِالهَزْلِ﴾ ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وَأكِيدُ كَيْدًا﴾ ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾
"السَماءِ" في هَذا القِسْمِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المَعْرُوفَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ السَحابَ، و"الرَجْعِ": المَطَرُ وماؤُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎ أبْيَضَ كالرَجْعِ رَسُوبٌ إذا ما ثاخَ في مُحْتَفَلٍ يَخْتَلِي
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الرَجْعِ: السَحابُ والمَطَرُ، قالَ الحَسَن: لِأنَّهُ يَرْجِعُ بِالرِزْقِ كُلَّ عامٍ، قالَ غَيْرُهُ: لِأنَّهُ يَرْجِعُ إلى الأرْضِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَجْعِ مَصْدَرُ رُجُوعِ الشَمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومِنهُ مَنزِلَةٌ، تَذْهَبُ وتَرْجِعُ.
و"الصَدْعُ": النَباتُ؛ لِأنَّ الأرْضَ تَتَصَدَّعُ عنهُ، وهَذا قَوْلٌ يُناسِبُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ الرَجْعَ هو المَطَرُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الصَدْعُ: ما في الأرْضِ مِن شِعابٍ ولِصابٍ وخَنْدَقٍ وتَشَقُّقٍ بِحَرْثٍ وغَيْرِهِ، وهي أُمُورٌ فِيها مُعْتَبَرٌ، وهَذا قَوْلٌ يُناسِبُ القَوْلَ الثانِيَ في "الرَجْعِ".
والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ -وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ- مِن حَيْثُ القَوْلُ في جُزْءٍ مِنهُ والحالُ تَقْتَضِيهِ. و"فَصْلٌ": مَعْناهُ: جُزِمَ، فَصْلُ الحَقائِقِ مِنَ الأباطِيلِ، و"الهَزْلُ": اللَعِبُ الباطِلُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن قُرَيْشٍ إنَّهم يَكِيدُونَ في أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ وتَمَرُّسِهِمْ بِالنَبِيِّ عَلَيْهِ (p-٥٨٨)الصَلاةُ والسَلامُ وتَدْبِيرِهِمْ رَدِّ أمْرِهِ، ثُمَّ قَوّى اللهُ تَعالى ذَلِكَ بِالمَصْدَرِ وأكَّدَهُ، وأخْبَرَ سُبْحانَهُ عن أنَّهُ يَفْعَلُ بِهِمْ عِقابًا سَمّاهُ كَيْدًا، عَلى العُرْفِ في تَسْمِيَةِ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ، ثُمَّ ظَهَرَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَمَهِّلِ الكافِرِينَ" أنَّ عِقابَهُ لَهُمُ الَّذِي سَمّاهُ كَيْدًا مُتَأخِّرٌ حَتّى ظَهَرَ بِبَدْرٍ وغَيْرِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أمْهِلْهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "مَهِّلْهُمْ"، وفي هَذِهِ الآيَةِ مُوادَعَةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "رُوَيْدًا" مَعْناهُ: قَلِيلًا، قالَهُ قَتادَةُ، وهَذِهِ حالٌ، وهَذِهِ اللَفْظَةُ إذا تَقَدَّمَها شَيْءٌ تَصِفُهُ، كَقَوْلِكَ: سَيْرٌ رُوَيْدًا، وتَقَدَّمَها فِعْلٌ يَعْمَلُ فِيها كَهَذِهِ الآيَةِ، وأمّا إذا ابْتَدَأتَ بِها فَقُلْتُ: "رُوَيْدًا يا فُلانُ" فَهي بِمَعْنى الأمْرِ بِالتَمَهُّلِ، يَجْرِي مَجْرى قَوْلِهِمْ: صَبَرًا يا زَيْدُ وقَلِيلًا يا عَمْرُو.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الطارِقِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
الطارق 86:14
قوله عزّ وجلّ:
﴿والسَماءِ ذاتِ الرَجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَدْعِ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ ﴿وَما هو بِالهَزْلِ﴾ ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وَأكِيدُ كَيْدًا﴾ ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾
"السَماءِ" في هَذا القِسْمِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المَعْرُوفَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ السَحابَ، و"الرَجْعِ": المَطَرُ وماؤُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎ أبْيَضَ كالرَجْعِ رَسُوبٌ إذا ما ثاخَ في مُحْتَفَلٍ يَخْتَلِي
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الرَجْعِ: السَحابُ والمَطَرُ، قالَ الحَسَن: لِأنَّهُ يَرْجِعُ بِالرِزْقِ كُلَّ عامٍ، قالَ غَيْرُهُ: لِأنَّهُ يَرْجِعُ إلى الأرْضِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَجْعِ مَصْدَرُ رُجُوعِ الشَمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومِنهُ مَنزِلَةٌ، تَذْهَبُ وتَرْجِعُ.
و"الصَدْعُ": النَباتُ؛ لِأنَّ الأرْضَ تَتَصَدَّعُ عنهُ، وهَذا قَوْلٌ يُناسِبُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ الرَجْعَ هو المَطَرُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الصَدْعُ: ما في الأرْضِ مِن شِعابٍ ولِصابٍ وخَنْدَقٍ وتَشَقُّقٍ بِحَرْثٍ وغَيْرِهِ، وهي أُمُورٌ فِيها مُعْتَبَرٌ، وهَذا قَوْلٌ يُناسِبُ القَوْلَ الثانِيَ في "الرَجْعِ".
والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ -وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ- مِن حَيْثُ القَوْلُ في جُزْءٍ مِنهُ والحالُ تَقْتَضِيهِ. و"فَصْلٌ": مَعْناهُ: جُزِمَ، فَصْلُ الحَقائِقِ مِنَ الأباطِيلِ، و"الهَزْلُ": اللَعِبُ الباطِلُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن قُرَيْشٍ إنَّهم يَكِيدُونَ في أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ وتَمَرُّسِهِمْ بِالنَبِيِّ عَلَيْهِ (p-٥٨٨)الصَلاةُ والسَلامُ وتَدْبِيرِهِمْ رَدِّ أمْرِهِ، ثُمَّ قَوّى اللهُ تَعالى ذَلِكَ بِالمَصْدَرِ وأكَّدَهُ، وأخْبَرَ سُبْحانَهُ عن أنَّهُ يَفْعَلُ بِهِمْ عِقابًا سَمّاهُ كَيْدًا، عَلى العُرْفِ في تَسْمِيَةِ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ، ثُمَّ ظَهَرَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَمَهِّلِ الكافِرِينَ" أنَّ عِقابَهُ لَهُمُ الَّذِي سَمّاهُ كَيْدًا مُتَأخِّرٌ حَتّى ظَهَرَ بِبَدْرٍ وغَيْرِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أمْهِلْهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "مَهِّلْهُمْ"، وفي هَذِهِ الآيَةِ مُوادَعَةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "رُوَيْدًا" مَعْناهُ: قَلِيلًا، قالَهُ قَتادَةُ، وهَذِهِ حالٌ، وهَذِهِ اللَفْظَةُ إذا تَقَدَّمَها شَيْءٌ تَصِفُهُ، كَقَوْلِكَ: سَيْرٌ رُوَيْدًا، وتَقَدَّمَها فِعْلٌ يَعْمَلُ فِيها كَهَذِهِ الآيَةِ، وأمّا إذا ابْتَدَأتَ بِها فَقُلْتُ: "رُوَيْدًا يا فُلانُ" فَهي بِمَعْنى الأمْرِ بِالتَمَهُّلِ، يَجْرِي مَجْرى قَوْلِهِمْ: صَبَرًا يا زَيْدُ وقَلِيلًا يا عَمْرُو.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الطارِقِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
الطارق 86:15
قوله عزّ وجلّ:
﴿والسَماءِ ذاتِ الرَجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَدْعِ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ ﴿وَما هو بِالهَزْلِ﴾ ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وَأكِيدُ كَيْدًا﴾ ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾
"السَماءِ" في هَذا القِسْمِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المَعْرُوفَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ السَحابَ، و"الرَجْعِ": المَطَرُ وماؤُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎ أبْيَضَ كالرَجْعِ رَسُوبٌ إذا ما ثاخَ في مُحْتَفَلٍ يَخْتَلِي
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الرَجْعِ: السَحابُ والمَطَرُ، قالَ الحَسَن: لِأنَّهُ يَرْجِعُ بِالرِزْقِ كُلَّ عامٍ، قالَ غَيْرُهُ: لِأنَّهُ يَرْجِعُ إلى الأرْضِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَجْعِ مَصْدَرُ رُجُوعِ الشَمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومِنهُ مَنزِلَةٌ، تَذْهَبُ وتَرْجِعُ.
و"الصَدْعُ": النَباتُ؛ لِأنَّ الأرْضَ تَتَصَدَّعُ عنهُ، وهَذا قَوْلٌ يُناسِبُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ الرَجْعَ هو المَطَرُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الصَدْعُ: ما في الأرْضِ مِن شِعابٍ ولِصابٍ وخَنْدَقٍ وتَشَقُّقٍ بِحَرْثٍ وغَيْرِهِ، وهي أُمُورٌ فِيها مُعْتَبَرٌ، وهَذا قَوْلٌ يُناسِبُ القَوْلَ الثانِيَ في "الرَجْعِ".
والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ -وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ- مِن حَيْثُ القَوْلُ في جُزْءٍ مِنهُ والحالُ تَقْتَضِيهِ. و"فَصْلٌ": مَعْناهُ: جُزِمَ، فَصْلُ الحَقائِقِ مِنَ الأباطِيلِ، و"الهَزْلُ": اللَعِبُ الباطِلُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن قُرَيْشٍ إنَّهم يَكِيدُونَ في أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ وتَمَرُّسِهِمْ بِالنَبِيِّ عَلَيْهِ (p-٥٨٨)الصَلاةُ والسَلامُ وتَدْبِيرِهِمْ رَدِّ أمْرِهِ، ثُمَّ قَوّى اللهُ تَعالى ذَلِكَ بِالمَصْدَرِ وأكَّدَهُ، وأخْبَرَ سُبْحانَهُ عن أنَّهُ يَفْعَلُ بِهِمْ عِقابًا سَمّاهُ كَيْدًا، عَلى العُرْفِ في تَسْمِيَةِ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ، ثُمَّ ظَهَرَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَمَهِّلِ الكافِرِينَ" أنَّ عِقابَهُ لَهُمُ الَّذِي سَمّاهُ كَيْدًا مُتَأخِّرٌ حَتّى ظَهَرَ بِبَدْرٍ وغَيْرِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أمْهِلْهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "مَهِّلْهُمْ"، وفي هَذِهِ الآيَةِ مُوادَعَةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "رُوَيْدًا" مَعْناهُ: قَلِيلًا، قالَهُ قَتادَةُ، وهَذِهِ حالٌ، وهَذِهِ اللَفْظَةُ إذا تَقَدَّمَها شَيْءٌ تَصِفُهُ، كَقَوْلِكَ: سَيْرٌ رُوَيْدًا، وتَقَدَّمَها فِعْلٌ يَعْمَلُ فِيها كَهَذِهِ الآيَةِ، وأمّا إذا ابْتَدَأتَ بِها فَقُلْتُ: "رُوَيْدًا يا فُلانُ" فَهي بِمَعْنى الأمْرِ بِالتَمَهُّلِ، يَجْرِي مَجْرى قَوْلِهِمْ: صَبَرًا يا زَيْدُ وقَلِيلًا يا عَمْرُو.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الطارِقِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
الطارق 86:16
قوله عزّ وجلّ:
﴿والسَماءِ ذاتِ الرَجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَدْعِ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ ﴿وَما هو بِالهَزْلِ﴾ ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وَأكِيدُ كَيْدًا﴾ ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾
"السَماءِ" في هَذا القِسْمِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المَعْرُوفَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ السَحابَ، و"الرَجْعِ": المَطَرُ وماؤُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎ أبْيَضَ كالرَجْعِ رَسُوبٌ إذا ما ثاخَ في مُحْتَفَلٍ يَخْتَلِي
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الرَجْعِ: السَحابُ والمَطَرُ، قالَ الحَسَن: لِأنَّهُ يَرْجِعُ بِالرِزْقِ كُلَّ عامٍ، قالَ غَيْرُهُ: لِأنَّهُ يَرْجِعُ إلى الأرْضِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَجْعِ مَصْدَرُ رُجُوعِ الشَمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومِنهُ مَنزِلَةٌ، تَذْهَبُ وتَرْجِعُ.
و"الصَدْعُ": النَباتُ؛ لِأنَّ الأرْضَ تَتَصَدَّعُ عنهُ، وهَذا قَوْلٌ يُناسِبُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ الرَجْعَ هو المَطَرُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الصَدْعُ: ما في الأرْضِ مِن شِعابٍ ولِصابٍ وخَنْدَقٍ وتَشَقُّقٍ بِحَرْثٍ وغَيْرِهِ، وهي أُمُورٌ فِيها مُعْتَبَرٌ، وهَذا قَوْلٌ يُناسِبُ القَوْلَ الثانِيَ في "الرَجْعِ".
والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ -وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ- مِن حَيْثُ القَوْلُ في جُزْءٍ مِنهُ والحالُ تَقْتَضِيهِ. و"فَصْلٌ": مَعْناهُ: جُزِمَ، فَصْلُ الحَقائِقِ مِنَ الأباطِيلِ، و"الهَزْلُ": اللَعِبُ الباطِلُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن قُرَيْشٍ إنَّهم يَكِيدُونَ في أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ وتَمَرُّسِهِمْ بِالنَبِيِّ عَلَيْهِ (p-٥٨٨)الصَلاةُ والسَلامُ وتَدْبِيرِهِمْ رَدِّ أمْرِهِ، ثُمَّ قَوّى اللهُ تَعالى ذَلِكَ بِالمَصْدَرِ وأكَّدَهُ، وأخْبَرَ سُبْحانَهُ عن أنَّهُ يَفْعَلُ بِهِمْ عِقابًا سَمّاهُ كَيْدًا، عَلى العُرْفِ في تَسْمِيَةِ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ، ثُمَّ ظَهَرَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَمَهِّلِ الكافِرِينَ" أنَّ عِقابَهُ لَهُمُ الَّذِي سَمّاهُ كَيْدًا مُتَأخِّرٌ حَتّى ظَهَرَ بِبَدْرٍ وغَيْرِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أمْهِلْهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "مَهِّلْهُمْ"، وفي هَذِهِ الآيَةِ مُوادَعَةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "رُوَيْدًا" مَعْناهُ: قَلِيلًا، قالَهُ قَتادَةُ، وهَذِهِ حالٌ، وهَذِهِ اللَفْظَةُ إذا تَقَدَّمَها شَيْءٌ تَصِفُهُ، كَقَوْلِكَ: سَيْرٌ رُوَيْدًا، وتَقَدَّمَها فِعْلٌ يَعْمَلُ فِيها كَهَذِهِ الآيَةِ، وأمّا إذا ابْتَدَأتَ بِها فَقُلْتُ: "رُوَيْدًا يا فُلانُ" فَهي بِمَعْنى الأمْرِ بِالتَمَهُّلِ، يَجْرِي مَجْرى قَوْلِهِمْ: صَبَرًا يا زَيْدُ وقَلِيلًا يا عَمْرُو.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الطارِقِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
الطارق 86:17
قوله عزّ وجلّ:
﴿والسَماءِ ذاتِ الرَجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَدْعِ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ ﴿وَما هو بِالهَزْلِ﴾ ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وَأكِيدُ كَيْدًا﴾ ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾
"السَماءِ" في هَذا القِسْمِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المَعْرُوفَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ السَحابَ، و"الرَجْعِ": المَطَرُ وماؤُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎ أبْيَضَ كالرَجْعِ رَسُوبٌ إذا ما ثاخَ في مُحْتَفَلٍ يَخْتَلِي
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الرَجْعِ: السَحابُ والمَطَرُ، قالَ الحَسَن: لِأنَّهُ يَرْجِعُ بِالرِزْقِ كُلَّ عامٍ، قالَ غَيْرُهُ: لِأنَّهُ يَرْجِعُ إلى الأرْضِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَجْعِ مَصْدَرُ رُجُوعِ الشَمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومِنهُ مَنزِلَةٌ، تَذْهَبُ وتَرْجِعُ.
و"الصَدْعُ": النَباتُ؛ لِأنَّ الأرْضَ تَتَصَدَّعُ عنهُ، وهَذا قَوْلٌ يُناسِبُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ الرَجْعَ هو المَطَرُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الصَدْعُ: ما في الأرْضِ مِن شِعابٍ ولِصابٍ وخَنْدَقٍ وتَشَقُّقٍ بِحَرْثٍ وغَيْرِهِ، وهي أُمُورٌ فِيها مُعْتَبَرٌ، وهَذا قَوْلٌ يُناسِبُ القَوْلَ الثانِيَ في "الرَجْعِ".
والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ -وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ- مِن حَيْثُ القَوْلُ في جُزْءٍ مِنهُ والحالُ تَقْتَضِيهِ. و"فَصْلٌ": مَعْناهُ: جُزِمَ، فَصْلُ الحَقائِقِ مِنَ الأباطِيلِ، و"الهَزْلُ": اللَعِبُ الباطِلُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن قُرَيْشٍ إنَّهم يَكِيدُونَ في أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ وتَمَرُّسِهِمْ بِالنَبِيِّ عَلَيْهِ (p-٥٨٨)الصَلاةُ والسَلامُ وتَدْبِيرِهِمْ رَدِّ أمْرِهِ، ثُمَّ قَوّى اللهُ تَعالى ذَلِكَ بِالمَصْدَرِ وأكَّدَهُ، وأخْبَرَ سُبْحانَهُ عن أنَّهُ يَفْعَلُ بِهِمْ عِقابًا سَمّاهُ كَيْدًا، عَلى العُرْفِ في تَسْمِيَةِ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ، ثُمَّ ظَهَرَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَمَهِّلِ الكافِرِينَ" أنَّ عِقابَهُ لَهُمُ الَّذِي سَمّاهُ كَيْدًا مُتَأخِّرٌ حَتّى ظَهَرَ بِبَدْرٍ وغَيْرِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أمْهِلْهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "مَهِّلْهُمْ"، وفي هَذِهِ الآيَةِ مُوادَعَةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "رُوَيْدًا" مَعْناهُ: قَلِيلًا، قالَهُ قَتادَةُ، وهَذِهِ حالٌ، وهَذِهِ اللَفْظَةُ إذا تَقَدَّمَها شَيْءٌ تَصِفُهُ، كَقَوْلِكَ: سَيْرٌ رُوَيْدًا، وتَقَدَّمَها فِعْلٌ يَعْمَلُ فِيها كَهَذِهِ الآيَةِ، وأمّا إذا ابْتَدَأتَ بِها فَقُلْتُ: "رُوَيْدًا يا فُلانُ" فَهي بِمَعْنى الأمْرِ بِالتَمَهُّلِ، يَجْرِي مَجْرى قَوْلِهِمْ: صَبَرًا يا زَيْدُ وقَلِيلًا يا عَمْرُو.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الطارِقِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
الأعلى 87:1
(p-٥٨٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الأعْلى
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وحَكى النَقّاشُ عَنِ الضَحّاكِ أنَّها مَدَنِيَّةُ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ، وإنَّما دَعا إلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ ذَكَرَ صَلاةَ العِيدِ فِيها.
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلا ما شاءَ اللهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾
"سَبِّحِ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: نَزَّهَ وقَدَّسَ وقُلْ: سُبْحانَهُ عَنِ النَقائِصِ والغَيْرِ جَمِيعًا وما يَقُولُ المُشْرِكُونَ، "والِاسْمِ" الَّذِي هُوَ: "ألف، سين، ميم" يَأْتِي في مَواضِعَ مِنَ الكَلامِ الفَصِيحِ يُرادُ بِهِ المُسَمّى، ويَأْتِي في مَواضِعَ يُرادُ بِهِ التَسْمِيَةَ، نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ « "إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا"» وغَيْرَ ذَلِكَ، ومَتى أُرِيدَ بِهِ المُسَمّى فَإنَّما هو صِلَةٌ كالزائِدِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ سَبِّحْ رَبَّكَ، أيْ نَزِّهْهُ، وإذا كانَ الِاسْمُ واحِدًا مِنَ الأسْماءِ كَزَيْدٍ وعَمْرٍو فَيَجِيءُ في الكَلامِ عَلى ما قُلْتُ، تَقُولُ: "زَيْدٌ قائِمٌ" تُرِيدُ المُسَمّى، (p-٥٩٠)وَتَقُولُ: "زَيْدٌ ثَلاثَةُ أحْرُفٍ" تُرِيدُ بِهِ التَسْمِيَةَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذا الوَجْهَ الأوَّلَ، وتَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِالِاسْمِ التَسْمِيَةُ نَفْسُها عَلى مَعْنى: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ عن أنْ يُسَمّى بِهِ صَنَمٌ أو وثَنٌ فَيُقالُ لَهُ: إلَهٌ ورَبٌّ ونَحْوُ ذَلِكَ.
و"الأعْلى" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلِاسْمِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلرَّبِّ تَعالى، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عُمَرَ وعَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُما قَرَآ هَذِهِ السُورَةَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى" قالَ: وهي في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ كَذَلِكَ، وهي قِراءَةُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وابْنِ الزُبَيْرِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى"،» وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، «وَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ قالَ النَبِيُّ ﷺ: "اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ"،» وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾: نَزِّهِ اسْمَ اللهِ تَعالى عن أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى الآيَةِ: صِلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ الأعْلى، كَما تَقُولُ: ابْدَأْ بِاسْمِ اللهِ تَعالى وحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ.
و"سِوى" مَعْناهُ: عَدَلَ وأتْقَنَ حَتّى صارَتِ الأُمُورُ مُسْتَوِيَةً دالَّةً عَلى قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "قَدَّرَ" بِشَدِّ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ القَدَرِ والقَضاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ بَيْنَ الأشْياءِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "قَدَرَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ القُدْرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَهَدى" عامٌّ لِجَمِيعِ الهِداياتِ في الإنْسانِ والحَيَوانِ، وقَدْ خَصَّصَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أشْياءً مِنَ الهِداياتِ، فَقالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: هَدى وأضَلَّ، واكْتَفى بِالواحِدَةِ لِدَلالَتِها عَلى الأُخْرى، وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هَدى الحَيَوانَ إلى وطْءِ الذُكُورِ الإناثِ، وقِيلَ: هَدى المَوْلُودَ عِنْدَ وضْعِهِ إلى مَصِّ الثَدْيِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الناسَ إلى الخَيْرِ والشَرِّ والبَهائِمِ لِلْمَراتِعِ..
(p-٥٩١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الأقْوالُ مِثالاتٌ، والعُمُومُ في الآيَةِ أصْوَبُ في كُلِّ تَقْدِيرٍ وفي كُلِّ هِدايَةٍ. و"المَرْعى": النَباتُ، وهو أصْلٌ في قِوامِ العَيْشِ، إذْ هو غِذاءُ الأنْعامِ، ومِنهُ ما يَنْتَفِعُ بِهِ الناسُ في ذَواتِهِمْ، و"الغُثاءُ": ما يَبِسَ وجَفَّ وتَحَطَّمَ مِنَ النَباتِ، وهو الَّذِي يَحْمِلُهُ السَيْلُ، وبِهِ شَبَّهَ الناسَ الَّذِينَ لا قَدْرَ لَهُمْ، و"الأحْوى" قِيلَ: هو الأخْضَرُ الَّذِي عَلَيْهِ سَوادٌ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ والغَضارَةِ، وقِيلَ: هو الأسْوَدُ سَوادًا يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لِعَسٍّ وفي اللِثاتِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
وتَقْدِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: أخْرَجَ المَرْعى أحْوى، أيْ أسْوَدَ مِن خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً عند يُبْسِهِ، فَـ "أحْوى" حالٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى، أيْ أُسُودُ؛ لِأنَّ الغُثاءَ إذا قُدِّمَ وأصابَتْهُ الأمْطارُ اسْوَدَّ وتَقْبَّضَ فَصارَ أحْوى، فَهَذِهِ صِفَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾، قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ: هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] الآيَةُ وعَدَهُ اللهُ تَعالى أنْ يُقْرِئَهُ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ لا يَنْسى نِسْيانًا لا يَكُونُ بَعْدَهُ تَذَكُّرٌ فَتَذْهَبُ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ مُبادَرَةً خَوْفًا مِنهُ أنْ يَنْسى، وفي هَذا التَأْوِيلِ آيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ في أنَّهُ أُمِّيٌّ، وحَفِظَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ الوَحْيَ وأمِنَهُ مِن نِسْيانِهِ، وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى تِلْكَ، وإنَّما هَذِهِ وعْدٌ بِإقْراءِ الشَرْعِ والسُوَرِ، وأمَرَهُ بِأنْ لا يَنْسى، عَلى مَعْنى التَثْبِيتِ والتَأْكِيدِ، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّ تَرْكَ النِسْيانِ لَيْسَ في قُدْرَتِهِ، فَهو نَهْيٌ عن إغْفالِ التَعاهُدِ، وأثْبَتَ الياءَ في "تَنْسى" لِتَعْدِيلِ رُؤُوسِ الآيِ، وقالَ الجُنَيْدُ: مَعْنى "لا تَنْسى": لا تَتْرُكِ العَمَلَ بِما تَضْمَنُ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ.
(p-٥٩٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللهُ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: مِمّا قَضى اللهُ سُبْحانَهُ بِنَسْخِهِ وأنْ تَرْفَعَ تِلاوَتَهُ وحُكْمَهُ، وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَعانِي: هو اسْتِثْناءُ صِلَةٍ في الكَلامِ، عَلى سُنَّةِ اللهِ تَعالى في الِاسْتِثْناءِ، ولَيْسَ ثَمَّ شَيْءٌ أُبِيحَ نِسْيانُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يُنْسِيَكَهُ لِتَسُنَّ بِهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ « "إنِّي لَأنْسى، أو أنَسى لِأسُنَّ".» وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يَغْلِبَكَ النِسْيانُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُذَكِّرُكَ بِهِ بَعْدُ، ومِن هَذا «قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام حِينَ سَمِعَ قِراءَةَ عَبّادِ بْنِ بِشْرٍ: "رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، لَقَدْ أذْكَرَنِي كَذا وكَذا في سُورَةِ كَذا"».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ونِسْيانُ النَبِيِّ ﷺ مُمْتَنِعٌ فِيما أمَرَ بِتَبْلِيغِهِ، إذْ هو مَعْصُومٌ، فَإذا بَلَّغَهُ ووَعى عنهُ فالنِسْيانُ جائِزٌ عَلى أنْ يَتَذَكَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وعَلى أنْ يَسُنَّ، أو عَلى النَسْخِ.
ثُمَّ أخْبَرَهُ تَعالى إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ الأشْياءِ وما يَخْفى مِنها، وذَلِكَ لِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وبِهَذا يَصِحُّ الخَبَرُ بِأنَّهُ لا يَنْسى شَيْئًا إلّا ذَكَّرَهُ اللهُ تَعالى بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى" مَعْناهُ: نَذْهَبُ بِكَ نَحْوَ الأُمُورِ المُسْتَحْسَنَةِ في دُنْياكَ وأُخْراكَ، مِنَ النَصْرِ والظَفَرِ وعُلُوِّ الرِسالَةِ والمَنزِلَةِ يَوْمَ القِيامَةِ والرِفْعَةِ في الجَنَّةِ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالتَذْكِيرِ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ فَقالَ الفَرّاءُ، والزَهْراوِيُّ: مَعْناهُ: وإنْ لَمْ تَنْفَعْ فاقْتَصِرْ عَلى القَسَمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثانِي، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: إنَّما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِقُرَيْشٍ، أيْ: إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى في هَؤُلاءِ الطُغاةِ العُتاةِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: (p-٥٩٣)
؎ لَقَدْ أسْمَعْتَ -لَوْ نادَيْتَ حَيًّا- ∗∗∗ ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
وهَذا كُلُّهُ كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: قُلْ لِفُلانٍ وأعِدْ لَهُ إنَّ سَمْعَكَ، إنَّما هو تَوْبِيخٌ لِلْمُشارِ إلَيْهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى اللهَ والدارَ الآخِرَةَ، وهُمُ العُلَماءُ والمُؤْمِنُونَ كَلٌّ بِقَدْرِ ما وُفِّقَ، ويَتَجَنَّبُ الذِكْرى ونَفَعَها مَن سَبَقَتْ لَهُ الشَقاوَةُ فَكَفَرَ، ووَجَبَ لَهُ صَلْيُ النارِ، وقالَ الحَسَنُ: "النارَ الكُبْرى" نارُ الآخِرَةِ، والصُغْرى نارُ الدُنْيا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ نارَ جَمِيعِ الآخِرَةِ وإنْ كانَتْ شَدِيدَةً فَهي تَتَفاضَلُ، فَفِيها شَيْءٌ أكْبَرُ مِن شَيْءٍ، وقالَ الفَرّاءُ: الكُبْرى هي السُفْلى مِن أطْباقِ النارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ مَعْناهُ: لا يَمُوتُ فِيها مَوْتًا مُرِيحًا ولا يَحْيا حَياةً هَنِيَّةً، فَهو لا مَحالَةَ حَيٌّ، وقَدْ ورَدَ في خَبَرِ إنَّ العُصاةَ في النارِ مَوْتى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأرادَهُ عَلى التَشْبِيهِ لِأنَّهُ كالسُباتِ والرُكُودِ والهُمُودِ، فَجَعَلَهُ مَوْتًا.
الأعلى 87:2
(p-٥٨٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الأعْلى
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وحَكى النَقّاشُ عَنِ الضَحّاكِ أنَّها مَدَنِيَّةُ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ، وإنَّما دَعا إلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ ذَكَرَ صَلاةَ العِيدِ فِيها.
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلا ما شاءَ اللهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾
"سَبِّحِ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: نَزَّهَ وقَدَّسَ وقُلْ: سُبْحانَهُ عَنِ النَقائِصِ والغَيْرِ جَمِيعًا وما يَقُولُ المُشْرِكُونَ، "والِاسْمِ" الَّذِي هُوَ: "ألف، سين، ميم" يَأْتِي في مَواضِعَ مِنَ الكَلامِ الفَصِيحِ يُرادُ بِهِ المُسَمّى، ويَأْتِي في مَواضِعَ يُرادُ بِهِ التَسْمِيَةَ، نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ « "إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا"» وغَيْرَ ذَلِكَ، ومَتى أُرِيدَ بِهِ المُسَمّى فَإنَّما هو صِلَةٌ كالزائِدِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ سَبِّحْ رَبَّكَ، أيْ نَزِّهْهُ، وإذا كانَ الِاسْمُ واحِدًا مِنَ الأسْماءِ كَزَيْدٍ وعَمْرٍو فَيَجِيءُ في الكَلامِ عَلى ما قُلْتُ، تَقُولُ: "زَيْدٌ قائِمٌ" تُرِيدُ المُسَمّى، (p-٥٩٠)وَتَقُولُ: "زَيْدٌ ثَلاثَةُ أحْرُفٍ" تُرِيدُ بِهِ التَسْمِيَةَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذا الوَجْهَ الأوَّلَ، وتَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِالِاسْمِ التَسْمِيَةُ نَفْسُها عَلى مَعْنى: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ عن أنْ يُسَمّى بِهِ صَنَمٌ أو وثَنٌ فَيُقالُ لَهُ: إلَهٌ ورَبٌّ ونَحْوُ ذَلِكَ.
و"الأعْلى" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلِاسْمِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلرَّبِّ تَعالى، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عُمَرَ وعَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُما قَرَآ هَذِهِ السُورَةَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى" قالَ: وهي في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ كَذَلِكَ، وهي قِراءَةُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وابْنِ الزُبَيْرِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى"،» وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، «وَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ قالَ النَبِيُّ ﷺ: "اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ"،» وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾: نَزِّهِ اسْمَ اللهِ تَعالى عن أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى الآيَةِ: صِلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ الأعْلى، كَما تَقُولُ: ابْدَأْ بِاسْمِ اللهِ تَعالى وحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ.
و"سِوى" مَعْناهُ: عَدَلَ وأتْقَنَ حَتّى صارَتِ الأُمُورُ مُسْتَوِيَةً دالَّةً عَلى قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "قَدَّرَ" بِشَدِّ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ القَدَرِ والقَضاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ بَيْنَ الأشْياءِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "قَدَرَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ القُدْرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَهَدى" عامٌّ لِجَمِيعِ الهِداياتِ في الإنْسانِ والحَيَوانِ، وقَدْ خَصَّصَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أشْياءً مِنَ الهِداياتِ، فَقالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: هَدى وأضَلَّ، واكْتَفى بِالواحِدَةِ لِدَلالَتِها عَلى الأُخْرى، وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هَدى الحَيَوانَ إلى وطْءِ الذُكُورِ الإناثِ، وقِيلَ: هَدى المَوْلُودَ عِنْدَ وضْعِهِ إلى مَصِّ الثَدْيِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الناسَ إلى الخَيْرِ والشَرِّ والبَهائِمِ لِلْمَراتِعِ..
(p-٥٩١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الأقْوالُ مِثالاتٌ، والعُمُومُ في الآيَةِ أصْوَبُ في كُلِّ تَقْدِيرٍ وفي كُلِّ هِدايَةٍ. و"المَرْعى": النَباتُ، وهو أصْلٌ في قِوامِ العَيْشِ، إذْ هو غِذاءُ الأنْعامِ، ومِنهُ ما يَنْتَفِعُ بِهِ الناسُ في ذَواتِهِمْ، و"الغُثاءُ": ما يَبِسَ وجَفَّ وتَحَطَّمَ مِنَ النَباتِ، وهو الَّذِي يَحْمِلُهُ السَيْلُ، وبِهِ شَبَّهَ الناسَ الَّذِينَ لا قَدْرَ لَهُمْ، و"الأحْوى" قِيلَ: هو الأخْضَرُ الَّذِي عَلَيْهِ سَوادٌ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ والغَضارَةِ، وقِيلَ: هو الأسْوَدُ سَوادًا يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لِعَسٍّ وفي اللِثاتِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
وتَقْدِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: أخْرَجَ المَرْعى أحْوى، أيْ أسْوَدَ مِن خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً عند يُبْسِهِ، فَـ "أحْوى" حالٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى، أيْ أُسُودُ؛ لِأنَّ الغُثاءَ إذا قُدِّمَ وأصابَتْهُ الأمْطارُ اسْوَدَّ وتَقْبَّضَ فَصارَ أحْوى، فَهَذِهِ صِفَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾، قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ: هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] الآيَةُ وعَدَهُ اللهُ تَعالى أنْ يُقْرِئَهُ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ لا يَنْسى نِسْيانًا لا يَكُونُ بَعْدَهُ تَذَكُّرٌ فَتَذْهَبُ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ مُبادَرَةً خَوْفًا مِنهُ أنْ يَنْسى، وفي هَذا التَأْوِيلِ آيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ في أنَّهُ أُمِّيٌّ، وحَفِظَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ الوَحْيَ وأمِنَهُ مِن نِسْيانِهِ، وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى تِلْكَ، وإنَّما هَذِهِ وعْدٌ بِإقْراءِ الشَرْعِ والسُوَرِ، وأمَرَهُ بِأنْ لا يَنْسى، عَلى مَعْنى التَثْبِيتِ والتَأْكِيدِ، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّ تَرْكَ النِسْيانِ لَيْسَ في قُدْرَتِهِ، فَهو نَهْيٌ عن إغْفالِ التَعاهُدِ، وأثْبَتَ الياءَ في "تَنْسى" لِتَعْدِيلِ رُؤُوسِ الآيِ، وقالَ الجُنَيْدُ: مَعْنى "لا تَنْسى": لا تَتْرُكِ العَمَلَ بِما تَضْمَنُ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ.
(p-٥٩٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللهُ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: مِمّا قَضى اللهُ سُبْحانَهُ بِنَسْخِهِ وأنْ تَرْفَعَ تِلاوَتَهُ وحُكْمَهُ، وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَعانِي: هو اسْتِثْناءُ صِلَةٍ في الكَلامِ، عَلى سُنَّةِ اللهِ تَعالى في الِاسْتِثْناءِ، ولَيْسَ ثَمَّ شَيْءٌ أُبِيحَ نِسْيانُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يُنْسِيَكَهُ لِتَسُنَّ بِهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ « "إنِّي لَأنْسى، أو أنَسى لِأسُنَّ".» وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يَغْلِبَكَ النِسْيانُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُذَكِّرُكَ بِهِ بَعْدُ، ومِن هَذا «قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام حِينَ سَمِعَ قِراءَةَ عَبّادِ بْنِ بِشْرٍ: "رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، لَقَدْ أذْكَرَنِي كَذا وكَذا في سُورَةِ كَذا"».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ونِسْيانُ النَبِيِّ ﷺ مُمْتَنِعٌ فِيما أمَرَ بِتَبْلِيغِهِ، إذْ هو مَعْصُومٌ، فَإذا بَلَّغَهُ ووَعى عنهُ فالنِسْيانُ جائِزٌ عَلى أنْ يَتَذَكَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وعَلى أنْ يَسُنَّ، أو عَلى النَسْخِ.
ثُمَّ أخْبَرَهُ تَعالى إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ الأشْياءِ وما يَخْفى مِنها، وذَلِكَ لِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وبِهَذا يَصِحُّ الخَبَرُ بِأنَّهُ لا يَنْسى شَيْئًا إلّا ذَكَّرَهُ اللهُ تَعالى بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى" مَعْناهُ: نَذْهَبُ بِكَ نَحْوَ الأُمُورِ المُسْتَحْسَنَةِ في دُنْياكَ وأُخْراكَ، مِنَ النَصْرِ والظَفَرِ وعُلُوِّ الرِسالَةِ والمَنزِلَةِ يَوْمَ القِيامَةِ والرِفْعَةِ في الجَنَّةِ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالتَذْكِيرِ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ فَقالَ الفَرّاءُ، والزَهْراوِيُّ: مَعْناهُ: وإنْ لَمْ تَنْفَعْ فاقْتَصِرْ عَلى القَسَمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثانِي، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: إنَّما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِقُرَيْشٍ، أيْ: إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى في هَؤُلاءِ الطُغاةِ العُتاةِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: (p-٥٩٣)
؎ لَقَدْ أسْمَعْتَ -لَوْ نادَيْتَ حَيًّا- ∗∗∗ ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
وهَذا كُلُّهُ كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: قُلْ لِفُلانٍ وأعِدْ لَهُ إنَّ سَمْعَكَ، إنَّما هو تَوْبِيخٌ لِلْمُشارِ إلَيْهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى اللهَ والدارَ الآخِرَةَ، وهُمُ العُلَماءُ والمُؤْمِنُونَ كَلٌّ بِقَدْرِ ما وُفِّقَ، ويَتَجَنَّبُ الذِكْرى ونَفَعَها مَن سَبَقَتْ لَهُ الشَقاوَةُ فَكَفَرَ، ووَجَبَ لَهُ صَلْيُ النارِ، وقالَ الحَسَنُ: "النارَ الكُبْرى" نارُ الآخِرَةِ، والصُغْرى نارُ الدُنْيا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ نارَ جَمِيعِ الآخِرَةِ وإنْ كانَتْ شَدِيدَةً فَهي تَتَفاضَلُ، فَفِيها شَيْءٌ أكْبَرُ مِن شَيْءٍ، وقالَ الفَرّاءُ: الكُبْرى هي السُفْلى مِن أطْباقِ النارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ مَعْناهُ: لا يَمُوتُ فِيها مَوْتًا مُرِيحًا ولا يَحْيا حَياةً هَنِيَّةً، فَهو لا مَحالَةَ حَيٌّ، وقَدْ ورَدَ في خَبَرِ إنَّ العُصاةَ في النارِ مَوْتى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأرادَهُ عَلى التَشْبِيهِ لِأنَّهُ كالسُباتِ والرُكُودِ والهُمُودِ، فَجَعَلَهُ مَوْتًا.
الأعلى 87:3
(p-٥٨٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الأعْلى
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وحَكى النَقّاشُ عَنِ الضَحّاكِ أنَّها مَدَنِيَّةُ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ، وإنَّما دَعا إلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ ذَكَرَ صَلاةَ العِيدِ فِيها.
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلا ما شاءَ اللهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾
"سَبِّحِ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: نَزَّهَ وقَدَّسَ وقُلْ: سُبْحانَهُ عَنِ النَقائِصِ والغَيْرِ جَمِيعًا وما يَقُولُ المُشْرِكُونَ، "والِاسْمِ" الَّذِي هُوَ: "ألف، سين، ميم" يَأْتِي في مَواضِعَ مِنَ الكَلامِ الفَصِيحِ يُرادُ بِهِ المُسَمّى، ويَأْتِي في مَواضِعَ يُرادُ بِهِ التَسْمِيَةَ، نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ « "إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا"» وغَيْرَ ذَلِكَ، ومَتى أُرِيدَ بِهِ المُسَمّى فَإنَّما هو صِلَةٌ كالزائِدِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ سَبِّحْ رَبَّكَ، أيْ نَزِّهْهُ، وإذا كانَ الِاسْمُ واحِدًا مِنَ الأسْماءِ كَزَيْدٍ وعَمْرٍو فَيَجِيءُ في الكَلامِ عَلى ما قُلْتُ، تَقُولُ: "زَيْدٌ قائِمٌ" تُرِيدُ المُسَمّى، (p-٥٩٠)وَتَقُولُ: "زَيْدٌ ثَلاثَةُ أحْرُفٍ" تُرِيدُ بِهِ التَسْمِيَةَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذا الوَجْهَ الأوَّلَ، وتَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِالِاسْمِ التَسْمِيَةُ نَفْسُها عَلى مَعْنى: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ عن أنْ يُسَمّى بِهِ صَنَمٌ أو وثَنٌ فَيُقالُ لَهُ: إلَهٌ ورَبٌّ ونَحْوُ ذَلِكَ.
و"الأعْلى" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلِاسْمِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلرَّبِّ تَعالى، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عُمَرَ وعَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُما قَرَآ هَذِهِ السُورَةَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى" قالَ: وهي في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ كَذَلِكَ، وهي قِراءَةُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وابْنِ الزُبَيْرِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى"،» وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، «وَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ قالَ النَبِيُّ ﷺ: "اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ"،» وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾: نَزِّهِ اسْمَ اللهِ تَعالى عن أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى الآيَةِ: صِلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ الأعْلى، كَما تَقُولُ: ابْدَأْ بِاسْمِ اللهِ تَعالى وحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ.
و"سِوى" مَعْناهُ: عَدَلَ وأتْقَنَ حَتّى صارَتِ الأُمُورُ مُسْتَوِيَةً دالَّةً عَلى قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "قَدَّرَ" بِشَدِّ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ القَدَرِ والقَضاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ بَيْنَ الأشْياءِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "قَدَرَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ القُدْرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَهَدى" عامٌّ لِجَمِيعِ الهِداياتِ في الإنْسانِ والحَيَوانِ، وقَدْ خَصَّصَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أشْياءً مِنَ الهِداياتِ، فَقالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: هَدى وأضَلَّ، واكْتَفى بِالواحِدَةِ لِدَلالَتِها عَلى الأُخْرى، وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هَدى الحَيَوانَ إلى وطْءِ الذُكُورِ الإناثِ، وقِيلَ: هَدى المَوْلُودَ عِنْدَ وضْعِهِ إلى مَصِّ الثَدْيِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الناسَ إلى الخَيْرِ والشَرِّ والبَهائِمِ لِلْمَراتِعِ..
(p-٥٩١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الأقْوالُ مِثالاتٌ، والعُمُومُ في الآيَةِ أصْوَبُ في كُلِّ تَقْدِيرٍ وفي كُلِّ هِدايَةٍ. و"المَرْعى": النَباتُ، وهو أصْلٌ في قِوامِ العَيْشِ، إذْ هو غِذاءُ الأنْعامِ، ومِنهُ ما يَنْتَفِعُ بِهِ الناسُ في ذَواتِهِمْ، و"الغُثاءُ": ما يَبِسَ وجَفَّ وتَحَطَّمَ مِنَ النَباتِ، وهو الَّذِي يَحْمِلُهُ السَيْلُ، وبِهِ شَبَّهَ الناسَ الَّذِينَ لا قَدْرَ لَهُمْ، و"الأحْوى" قِيلَ: هو الأخْضَرُ الَّذِي عَلَيْهِ سَوادٌ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ والغَضارَةِ، وقِيلَ: هو الأسْوَدُ سَوادًا يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لِعَسٍّ وفي اللِثاتِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
وتَقْدِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: أخْرَجَ المَرْعى أحْوى، أيْ أسْوَدَ مِن خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً عند يُبْسِهِ، فَـ "أحْوى" حالٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى، أيْ أُسُودُ؛ لِأنَّ الغُثاءَ إذا قُدِّمَ وأصابَتْهُ الأمْطارُ اسْوَدَّ وتَقْبَّضَ فَصارَ أحْوى، فَهَذِهِ صِفَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾، قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ: هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] الآيَةُ وعَدَهُ اللهُ تَعالى أنْ يُقْرِئَهُ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ لا يَنْسى نِسْيانًا لا يَكُونُ بَعْدَهُ تَذَكُّرٌ فَتَذْهَبُ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ مُبادَرَةً خَوْفًا مِنهُ أنْ يَنْسى، وفي هَذا التَأْوِيلِ آيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ في أنَّهُ أُمِّيٌّ، وحَفِظَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ الوَحْيَ وأمِنَهُ مِن نِسْيانِهِ، وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى تِلْكَ، وإنَّما هَذِهِ وعْدٌ بِإقْراءِ الشَرْعِ والسُوَرِ، وأمَرَهُ بِأنْ لا يَنْسى، عَلى مَعْنى التَثْبِيتِ والتَأْكِيدِ، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّ تَرْكَ النِسْيانِ لَيْسَ في قُدْرَتِهِ، فَهو نَهْيٌ عن إغْفالِ التَعاهُدِ، وأثْبَتَ الياءَ في "تَنْسى" لِتَعْدِيلِ رُؤُوسِ الآيِ، وقالَ الجُنَيْدُ: مَعْنى "لا تَنْسى": لا تَتْرُكِ العَمَلَ بِما تَضْمَنُ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ.
(p-٥٩٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللهُ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: مِمّا قَضى اللهُ سُبْحانَهُ بِنَسْخِهِ وأنْ تَرْفَعَ تِلاوَتَهُ وحُكْمَهُ، وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَعانِي: هو اسْتِثْناءُ صِلَةٍ في الكَلامِ، عَلى سُنَّةِ اللهِ تَعالى في الِاسْتِثْناءِ، ولَيْسَ ثَمَّ شَيْءٌ أُبِيحَ نِسْيانُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يُنْسِيَكَهُ لِتَسُنَّ بِهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ « "إنِّي لَأنْسى، أو أنَسى لِأسُنَّ".» وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يَغْلِبَكَ النِسْيانُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُذَكِّرُكَ بِهِ بَعْدُ، ومِن هَذا «قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام حِينَ سَمِعَ قِراءَةَ عَبّادِ بْنِ بِشْرٍ: "رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، لَقَدْ أذْكَرَنِي كَذا وكَذا في سُورَةِ كَذا"».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ونِسْيانُ النَبِيِّ ﷺ مُمْتَنِعٌ فِيما أمَرَ بِتَبْلِيغِهِ، إذْ هو مَعْصُومٌ، فَإذا بَلَّغَهُ ووَعى عنهُ فالنِسْيانُ جائِزٌ عَلى أنْ يَتَذَكَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وعَلى أنْ يَسُنَّ، أو عَلى النَسْخِ.
ثُمَّ أخْبَرَهُ تَعالى إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ الأشْياءِ وما يَخْفى مِنها، وذَلِكَ لِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وبِهَذا يَصِحُّ الخَبَرُ بِأنَّهُ لا يَنْسى شَيْئًا إلّا ذَكَّرَهُ اللهُ تَعالى بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى" مَعْناهُ: نَذْهَبُ بِكَ نَحْوَ الأُمُورِ المُسْتَحْسَنَةِ في دُنْياكَ وأُخْراكَ، مِنَ النَصْرِ والظَفَرِ وعُلُوِّ الرِسالَةِ والمَنزِلَةِ يَوْمَ القِيامَةِ والرِفْعَةِ في الجَنَّةِ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالتَذْكِيرِ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ فَقالَ الفَرّاءُ، والزَهْراوِيُّ: مَعْناهُ: وإنْ لَمْ تَنْفَعْ فاقْتَصِرْ عَلى القَسَمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثانِي، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: إنَّما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِقُرَيْشٍ، أيْ: إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى في هَؤُلاءِ الطُغاةِ العُتاةِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: (p-٥٩٣)
؎ لَقَدْ أسْمَعْتَ -لَوْ نادَيْتَ حَيًّا- ∗∗∗ ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
وهَذا كُلُّهُ كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: قُلْ لِفُلانٍ وأعِدْ لَهُ إنَّ سَمْعَكَ، إنَّما هو تَوْبِيخٌ لِلْمُشارِ إلَيْهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى اللهَ والدارَ الآخِرَةَ، وهُمُ العُلَماءُ والمُؤْمِنُونَ كَلٌّ بِقَدْرِ ما وُفِّقَ، ويَتَجَنَّبُ الذِكْرى ونَفَعَها مَن سَبَقَتْ لَهُ الشَقاوَةُ فَكَفَرَ، ووَجَبَ لَهُ صَلْيُ النارِ، وقالَ الحَسَنُ: "النارَ الكُبْرى" نارُ الآخِرَةِ، والصُغْرى نارُ الدُنْيا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ نارَ جَمِيعِ الآخِرَةِ وإنْ كانَتْ شَدِيدَةً فَهي تَتَفاضَلُ، فَفِيها شَيْءٌ أكْبَرُ مِن شَيْءٍ، وقالَ الفَرّاءُ: الكُبْرى هي السُفْلى مِن أطْباقِ النارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ مَعْناهُ: لا يَمُوتُ فِيها مَوْتًا مُرِيحًا ولا يَحْيا حَياةً هَنِيَّةً، فَهو لا مَحالَةَ حَيٌّ، وقَدْ ورَدَ في خَبَرِ إنَّ العُصاةَ في النارِ مَوْتى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأرادَهُ عَلى التَشْبِيهِ لِأنَّهُ كالسُباتِ والرُكُودِ والهُمُودِ، فَجَعَلَهُ مَوْتًا.
الأعلى 87:4
(p-٥٨٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الأعْلى
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وحَكى النَقّاشُ عَنِ الضَحّاكِ أنَّها مَدَنِيَّةُ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ، وإنَّما دَعا إلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ ذَكَرَ صَلاةَ العِيدِ فِيها.
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلا ما شاءَ اللهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾
"سَبِّحِ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: نَزَّهَ وقَدَّسَ وقُلْ: سُبْحانَهُ عَنِ النَقائِصِ والغَيْرِ جَمِيعًا وما يَقُولُ المُشْرِكُونَ، "والِاسْمِ" الَّذِي هُوَ: "ألف، سين، ميم" يَأْتِي في مَواضِعَ مِنَ الكَلامِ الفَصِيحِ يُرادُ بِهِ المُسَمّى، ويَأْتِي في مَواضِعَ يُرادُ بِهِ التَسْمِيَةَ، نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ « "إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا"» وغَيْرَ ذَلِكَ، ومَتى أُرِيدَ بِهِ المُسَمّى فَإنَّما هو صِلَةٌ كالزائِدِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ سَبِّحْ رَبَّكَ، أيْ نَزِّهْهُ، وإذا كانَ الِاسْمُ واحِدًا مِنَ الأسْماءِ كَزَيْدٍ وعَمْرٍو فَيَجِيءُ في الكَلامِ عَلى ما قُلْتُ، تَقُولُ: "زَيْدٌ قائِمٌ" تُرِيدُ المُسَمّى، (p-٥٩٠)وَتَقُولُ: "زَيْدٌ ثَلاثَةُ أحْرُفٍ" تُرِيدُ بِهِ التَسْمِيَةَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذا الوَجْهَ الأوَّلَ، وتَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِالِاسْمِ التَسْمِيَةُ نَفْسُها عَلى مَعْنى: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ عن أنْ يُسَمّى بِهِ صَنَمٌ أو وثَنٌ فَيُقالُ لَهُ: إلَهٌ ورَبٌّ ونَحْوُ ذَلِكَ.
و"الأعْلى" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلِاسْمِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلرَّبِّ تَعالى، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عُمَرَ وعَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُما قَرَآ هَذِهِ السُورَةَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى" قالَ: وهي في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ كَذَلِكَ، وهي قِراءَةُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وابْنِ الزُبَيْرِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى"،» وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، «وَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ قالَ النَبِيُّ ﷺ: "اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ"،» وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾: نَزِّهِ اسْمَ اللهِ تَعالى عن أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى الآيَةِ: صِلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ الأعْلى، كَما تَقُولُ: ابْدَأْ بِاسْمِ اللهِ تَعالى وحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ.
و"سِوى" مَعْناهُ: عَدَلَ وأتْقَنَ حَتّى صارَتِ الأُمُورُ مُسْتَوِيَةً دالَّةً عَلى قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "قَدَّرَ" بِشَدِّ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ القَدَرِ والقَضاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ بَيْنَ الأشْياءِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "قَدَرَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ القُدْرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَهَدى" عامٌّ لِجَمِيعِ الهِداياتِ في الإنْسانِ والحَيَوانِ، وقَدْ خَصَّصَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أشْياءً مِنَ الهِداياتِ، فَقالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: هَدى وأضَلَّ، واكْتَفى بِالواحِدَةِ لِدَلالَتِها عَلى الأُخْرى، وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هَدى الحَيَوانَ إلى وطْءِ الذُكُورِ الإناثِ، وقِيلَ: هَدى المَوْلُودَ عِنْدَ وضْعِهِ إلى مَصِّ الثَدْيِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الناسَ إلى الخَيْرِ والشَرِّ والبَهائِمِ لِلْمَراتِعِ..
(p-٥٩١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الأقْوالُ مِثالاتٌ، والعُمُومُ في الآيَةِ أصْوَبُ في كُلِّ تَقْدِيرٍ وفي كُلِّ هِدايَةٍ. و"المَرْعى": النَباتُ، وهو أصْلٌ في قِوامِ العَيْشِ، إذْ هو غِذاءُ الأنْعامِ، ومِنهُ ما يَنْتَفِعُ بِهِ الناسُ في ذَواتِهِمْ، و"الغُثاءُ": ما يَبِسَ وجَفَّ وتَحَطَّمَ مِنَ النَباتِ، وهو الَّذِي يَحْمِلُهُ السَيْلُ، وبِهِ شَبَّهَ الناسَ الَّذِينَ لا قَدْرَ لَهُمْ، و"الأحْوى" قِيلَ: هو الأخْضَرُ الَّذِي عَلَيْهِ سَوادٌ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ والغَضارَةِ، وقِيلَ: هو الأسْوَدُ سَوادًا يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لِعَسٍّ وفي اللِثاتِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
وتَقْدِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: أخْرَجَ المَرْعى أحْوى، أيْ أسْوَدَ مِن خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً عند يُبْسِهِ، فَـ "أحْوى" حالٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى، أيْ أُسُودُ؛ لِأنَّ الغُثاءَ إذا قُدِّمَ وأصابَتْهُ الأمْطارُ اسْوَدَّ وتَقْبَّضَ فَصارَ أحْوى، فَهَذِهِ صِفَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾، قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ: هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] الآيَةُ وعَدَهُ اللهُ تَعالى أنْ يُقْرِئَهُ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ لا يَنْسى نِسْيانًا لا يَكُونُ بَعْدَهُ تَذَكُّرٌ فَتَذْهَبُ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ مُبادَرَةً خَوْفًا مِنهُ أنْ يَنْسى، وفي هَذا التَأْوِيلِ آيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ في أنَّهُ أُمِّيٌّ، وحَفِظَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ الوَحْيَ وأمِنَهُ مِن نِسْيانِهِ، وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى تِلْكَ، وإنَّما هَذِهِ وعْدٌ بِإقْراءِ الشَرْعِ والسُوَرِ، وأمَرَهُ بِأنْ لا يَنْسى، عَلى مَعْنى التَثْبِيتِ والتَأْكِيدِ، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّ تَرْكَ النِسْيانِ لَيْسَ في قُدْرَتِهِ، فَهو نَهْيٌ عن إغْفالِ التَعاهُدِ، وأثْبَتَ الياءَ في "تَنْسى" لِتَعْدِيلِ رُؤُوسِ الآيِ، وقالَ الجُنَيْدُ: مَعْنى "لا تَنْسى": لا تَتْرُكِ العَمَلَ بِما تَضْمَنُ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ.
(p-٥٩٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللهُ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: مِمّا قَضى اللهُ سُبْحانَهُ بِنَسْخِهِ وأنْ تَرْفَعَ تِلاوَتَهُ وحُكْمَهُ، وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَعانِي: هو اسْتِثْناءُ صِلَةٍ في الكَلامِ، عَلى سُنَّةِ اللهِ تَعالى في الِاسْتِثْناءِ، ولَيْسَ ثَمَّ شَيْءٌ أُبِيحَ نِسْيانُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يُنْسِيَكَهُ لِتَسُنَّ بِهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ « "إنِّي لَأنْسى، أو أنَسى لِأسُنَّ".» وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يَغْلِبَكَ النِسْيانُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُذَكِّرُكَ بِهِ بَعْدُ، ومِن هَذا «قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام حِينَ سَمِعَ قِراءَةَ عَبّادِ بْنِ بِشْرٍ: "رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، لَقَدْ أذْكَرَنِي كَذا وكَذا في سُورَةِ كَذا"».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ونِسْيانُ النَبِيِّ ﷺ مُمْتَنِعٌ فِيما أمَرَ بِتَبْلِيغِهِ، إذْ هو مَعْصُومٌ، فَإذا بَلَّغَهُ ووَعى عنهُ فالنِسْيانُ جائِزٌ عَلى أنْ يَتَذَكَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وعَلى أنْ يَسُنَّ، أو عَلى النَسْخِ.
ثُمَّ أخْبَرَهُ تَعالى إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ الأشْياءِ وما يَخْفى مِنها، وذَلِكَ لِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وبِهَذا يَصِحُّ الخَبَرُ بِأنَّهُ لا يَنْسى شَيْئًا إلّا ذَكَّرَهُ اللهُ تَعالى بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى" مَعْناهُ: نَذْهَبُ بِكَ نَحْوَ الأُمُورِ المُسْتَحْسَنَةِ في دُنْياكَ وأُخْراكَ، مِنَ النَصْرِ والظَفَرِ وعُلُوِّ الرِسالَةِ والمَنزِلَةِ يَوْمَ القِيامَةِ والرِفْعَةِ في الجَنَّةِ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالتَذْكِيرِ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ فَقالَ الفَرّاءُ، والزَهْراوِيُّ: مَعْناهُ: وإنْ لَمْ تَنْفَعْ فاقْتَصِرْ عَلى القَسَمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثانِي، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: إنَّما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِقُرَيْشٍ، أيْ: إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى في هَؤُلاءِ الطُغاةِ العُتاةِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: (p-٥٩٣)
؎ لَقَدْ أسْمَعْتَ -لَوْ نادَيْتَ حَيًّا- ∗∗∗ ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
وهَذا كُلُّهُ كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: قُلْ لِفُلانٍ وأعِدْ لَهُ إنَّ سَمْعَكَ، إنَّما هو تَوْبِيخٌ لِلْمُشارِ إلَيْهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى اللهَ والدارَ الآخِرَةَ، وهُمُ العُلَماءُ والمُؤْمِنُونَ كَلٌّ بِقَدْرِ ما وُفِّقَ، ويَتَجَنَّبُ الذِكْرى ونَفَعَها مَن سَبَقَتْ لَهُ الشَقاوَةُ فَكَفَرَ، ووَجَبَ لَهُ صَلْيُ النارِ، وقالَ الحَسَنُ: "النارَ الكُبْرى" نارُ الآخِرَةِ، والصُغْرى نارُ الدُنْيا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ نارَ جَمِيعِ الآخِرَةِ وإنْ كانَتْ شَدِيدَةً فَهي تَتَفاضَلُ، فَفِيها شَيْءٌ أكْبَرُ مِن شَيْءٍ، وقالَ الفَرّاءُ: الكُبْرى هي السُفْلى مِن أطْباقِ النارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ مَعْناهُ: لا يَمُوتُ فِيها مَوْتًا مُرِيحًا ولا يَحْيا حَياةً هَنِيَّةً، فَهو لا مَحالَةَ حَيٌّ، وقَدْ ورَدَ في خَبَرِ إنَّ العُصاةَ في النارِ مَوْتى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأرادَهُ عَلى التَشْبِيهِ لِأنَّهُ كالسُباتِ والرُكُودِ والهُمُودِ، فَجَعَلَهُ مَوْتًا.
الأعلى 87:5
(p-٥٨٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الأعْلى
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وحَكى النَقّاشُ عَنِ الضَحّاكِ أنَّها مَدَنِيَّةُ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ، وإنَّما دَعا إلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ ذَكَرَ صَلاةَ العِيدِ فِيها.
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلا ما شاءَ اللهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾
"سَبِّحِ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: نَزَّهَ وقَدَّسَ وقُلْ: سُبْحانَهُ عَنِ النَقائِصِ والغَيْرِ جَمِيعًا وما يَقُولُ المُشْرِكُونَ، "والِاسْمِ" الَّذِي هُوَ: "ألف، سين، ميم" يَأْتِي في مَواضِعَ مِنَ الكَلامِ الفَصِيحِ يُرادُ بِهِ المُسَمّى، ويَأْتِي في مَواضِعَ يُرادُ بِهِ التَسْمِيَةَ، نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ « "إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا"» وغَيْرَ ذَلِكَ، ومَتى أُرِيدَ بِهِ المُسَمّى فَإنَّما هو صِلَةٌ كالزائِدِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ سَبِّحْ رَبَّكَ، أيْ نَزِّهْهُ، وإذا كانَ الِاسْمُ واحِدًا مِنَ الأسْماءِ كَزَيْدٍ وعَمْرٍو فَيَجِيءُ في الكَلامِ عَلى ما قُلْتُ، تَقُولُ: "زَيْدٌ قائِمٌ" تُرِيدُ المُسَمّى، (p-٥٩٠)وَتَقُولُ: "زَيْدٌ ثَلاثَةُ أحْرُفٍ" تُرِيدُ بِهِ التَسْمِيَةَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذا الوَجْهَ الأوَّلَ، وتَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِالِاسْمِ التَسْمِيَةُ نَفْسُها عَلى مَعْنى: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ عن أنْ يُسَمّى بِهِ صَنَمٌ أو وثَنٌ فَيُقالُ لَهُ: إلَهٌ ورَبٌّ ونَحْوُ ذَلِكَ.
و"الأعْلى" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلِاسْمِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلرَّبِّ تَعالى، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عُمَرَ وعَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُما قَرَآ هَذِهِ السُورَةَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى" قالَ: وهي في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ كَذَلِكَ، وهي قِراءَةُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وابْنِ الزُبَيْرِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى"،» وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، «وَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ قالَ النَبِيُّ ﷺ: "اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ"،» وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾: نَزِّهِ اسْمَ اللهِ تَعالى عن أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى الآيَةِ: صِلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ الأعْلى، كَما تَقُولُ: ابْدَأْ بِاسْمِ اللهِ تَعالى وحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ.
و"سِوى" مَعْناهُ: عَدَلَ وأتْقَنَ حَتّى صارَتِ الأُمُورُ مُسْتَوِيَةً دالَّةً عَلى قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "قَدَّرَ" بِشَدِّ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ القَدَرِ والقَضاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ بَيْنَ الأشْياءِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "قَدَرَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ القُدْرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَهَدى" عامٌّ لِجَمِيعِ الهِداياتِ في الإنْسانِ والحَيَوانِ، وقَدْ خَصَّصَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أشْياءً مِنَ الهِداياتِ، فَقالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: هَدى وأضَلَّ، واكْتَفى بِالواحِدَةِ لِدَلالَتِها عَلى الأُخْرى، وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هَدى الحَيَوانَ إلى وطْءِ الذُكُورِ الإناثِ، وقِيلَ: هَدى المَوْلُودَ عِنْدَ وضْعِهِ إلى مَصِّ الثَدْيِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الناسَ إلى الخَيْرِ والشَرِّ والبَهائِمِ لِلْمَراتِعِ..
(p-٥٩١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الأقْوالُ مِثالاتٌ، والعُمُومُ في الآيَةِ أصْوَبُ في كُلِّ تَقْدِيرٍ وفي كُلِّ هِدايَةٍ. و"المَرْعى": النَباتُ، وهو أصْلٌ في قِوامِ العَيْشِ، إذْ هو غِذاءُ الأنْعامِ، ومِنهُ ما يَنْتَفِعُ بِهِ الناسُ في ذَواتِهِمْ، و"الغُثاءُ": ما يَبِسَ وجَفَّ وتَحَطَّمَ مِنَ النَباتِ، وهو الَّذِي يَحْمِلُهُ السَيْلُ، وبِهِ شَبَّهَ الناسَ الَّذِينَ لا قَدْرَ لَهُمْ، و"الأحْوى" قِيلَ: هو الأخْضَرُ الَّذِي عَلَيْهِ سَوادٌ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ والغَضارَةِ، وقِيلَ: هو الأسْوَدُ سَوادًا يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لِعَسٍّ وفي اللِثاتِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
وتَقْدِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: أخْرَجَ المَرْعى أحْوى، أيْ أسْوَدَ مِن خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً عند يُبْسِهِ، فَـ "أحْوى" حالٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى، أيْ أُسُودُ؛ لِأنَّ الغُثاءَ إذا قُدِّمَ وأصابَتْهُ الأمْطارُ اسْوَدَّ وتَقْبَّضَ فَصارَ أحْوى، فَهَذِهِ صِفَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾، قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ: هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] الآيَةُ وعَدَهُ اللهُ تَعالى أنْ يُقْرِئَهُ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ لا يَنْسى نِسْيانًا لا يَكُونُ بَعْدَهُ تَذَكُّرٌ فَتَذْهَبُ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ مُبادَرَةً خَوْفًا مِنهُ أنْ يَنْسى، وفي هَذا التَأْوِيلِ آيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ في أنَّهُ أُمِّيٌّ، وحَفِظَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ الوَحْيَ وأمِنَهُ مِن نِسْيانِهِ، وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى تِلْكَ، وإنَّما هَذِهِ وعْدٌ بِإقْراءِ الشَرْعِ والسُوَرِ، وأمَرَهُ بِأنْ لا يَنْسى، عَلى مَعْنى التَثْبِيتِ والتَأْكِيدِ، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّ تَرْكَ النِسْيانِ لَيْسَ في قُدْرَتِهِ، فَهو نَهْيٌ عن إغْفالِ التَعاهُدِ، وأثْبَتَ الياءَ في "تَنْسى" لِتَعْدِيلِ رُؤُوسِ الآيِ، وقالَ الجُنَيْدُ: مَعْنى "لا تَنْسى": لا تَتْرُكِ العَمَلَ بِما تَضْمَنُ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ.
(p-٥٩٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللهُ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: مِمّا قَضى اللهُ سُبْحانَهُ بِنَسْخِهِ وأنْ تَرْفَعَ تِلاوَتَهُ وحُكْمَهُ، وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَعانِي: هو اسْتِثْناءُ صِلَةٍ في الكَلامِ، عَلى سُنَّةِ اللهِ تَعالى في الِاسْتِثْناءِ، ولَيْسَ ثَمَّ شَيْءٌ أُبِيحَ نِسْيانُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يُنْسِيَكَهُ لِتَسُنَّ بِهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ « "إنِّي لَأنْسى، أو أنَسى لِأسُنَّ".» وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يَغْلِبَكَ النِسْيانُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُذَكِّرُكَ بِهِ بَعْدُ، ومِن هَذا «قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام حِينَ سَمِعَ قِراءَةَ عَبّادِ بْنِ بِشْرٍ: "رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، لَقَدْ أذْكَرَنِي كَذا وكَذا في سُورَةِ كَذا"».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ونِسْيانُ النَبِيِّ ﷺ مُمْتَنِعٌ فِيما أمَرَ بِتَبْلِيغِهِ، إذْ هو مَعْصُومٌ، فَإذا بَلَّغَهُ ووَعى عنهُ فالنِسْيانُ جائِزٌ عَلى أنْ يَتَذَكَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وعَلى أنْ يَسُنَّ، أو عَلى النَسْخِ.
ثُمَّ أخْبَرَهُ تَعالى إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ الأشْياءِ وما يَخْفى مِنها، وذَلِكَ لِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وبِهَذا يَصِحُّ الخَبَرُ بِأنَّهُ لا يَنْسى شَيْئًا إلّا ذَكَّرَهُ اللهُ تَعالى بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى" مَعْناهُ: نَذْهَبُ بِكَ نَحْوَ الأُمُورِ المُسْتَحْسَنَةِ في دُنْياكَ وأُخْراكَ، مِنَ النَصْرِ والظَفَرِ وعُلُوِّ الرِسالَةِ والمَنزِلَةِ يَوْمَ القِيامَةِ والرِفْعَةِ في الجَنَّةِ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالتَذْكِيرِ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ فَقالَ الفَرّاءُ، والزَهْراوِيُّ: مَعْناهُ: وإنْ لَمْ تَنْفَعْ فاقْتَصِرْ عَلى القَسَمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثانِي، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: إنَّما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِقُرَيْشٍ، أيْ: إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى في هَؤُلاءِ الطُغاةِ العُتاةِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: (p-٥٩٣)
؎ لَقَدْ أسْمَعْتَ -لَوْ نادَيْتَ حَيًّا- ∗∗∗ ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
وهَذا كُلُّهُ كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: قُلْ لِفُلانٍ وأعِدْ لَهُ إنَّ سَمْعَكَ، إنَّما هو تَوْبِيخٌ لِلْمُشارِ إلَيْهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى اللهَ والدارَ الآخِرَةَ، وهُمُ العُلَماءُ والمُؤْمِنُونَ كَلٌّ بِقَدْرِ ما وُفِّقَ، ويَتَجَنَّبُ الذِكْرى ونَفَعَها مَن سَبَقَتْ لَهُ الشَقاوَةُ فَكَفَرَ، ووَجَبَ لَهُ صَلْيُ النارِ، وقالَ الحَسَنُ: "النارَ الكُبْرى" نارُ الآخِرَةِ، والصُغْرى نارُ الدُنْيا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ نارَ جَمِيعِ الآخِرَةِ وإنْ كانَتْ شَدِيدَةً فَهي تَتَفاضَلُ، فَفِيها شَيْءٌ أكْبَرُ مِن شَيْءٍ، وقالَ الفَرّاءُ: الكُبْرى هي السُفْلى مِن أطْباقِ النارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ مَعْناهُ: لا يَمُوتُ فِيها مَوْتًا مُرِيحًا ولا يَحْيا حَياةً هَنِيَّةً، فَهو لا مَحالَةَ حَيٌّ، وقَدْ ورَدَ في خَبَرِ إنَّ العُصاةَ في النارِ مَوْتى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأرادَهُ عَلى التَشْبِيهِ لِأنَّهُ كالسُباتِ والرُكُودِ والهُمُودِ، فَجَعَلَهُ مَوْتًا.
الأعلى 87:6
(p-٥٨٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الأعْلى
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وحَكى النَقّاشُ عَنِ الضَحّاكِ أنَّها مَدَنِيَّةُ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ، وإنَّما دَعا إلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ ذَكَرَ صَلاةَ العِيدِ فِيها.
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلا ما شاءَ اللهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾
"سَبِّحِ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: نَزَّهَ وقَدَّسَ وقُلْ: سُبْحانَهُ عَنِ النَقائِصِ والغَيْرِ جَمِيعًا وما يَقُولُ المُشْرِكُونَ، "والِاسْمِ" الَّذِي هُوَ: "ألف، سين، ميم" يَأْتِي في مَواضِعَ مِنَ الكَلامِ الفَصِيحِ يُرادُ بِهِ المُسَمّى، ويَأْتِي في مَواضِعَ يُرادُ بِهِ التَسْمِيَةَ، نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ « "إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا"» وغَيْرَ ذَلِكَ، ومَتى أُرِيدَ بِهِ المُسَمّى فَإنَّما هو صِلَةٌ كالزائِدِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ سَبِّحْ رَبَّكَ، أيْ نَزِّهْهُ، وإذا كانَ الِاسْمُ واحِدًا مِنَ الأسْماءِ كَزَيْدٍ وعَمْرٍو فَيَجِيءُ في الكَلامِ عَلى ما قُلْتُ، تَقُولُ: "زَيْدٌ قائِمٌ" تُرِيدُ المُسَمّى، (p-٥٩٠)وَتَقُولُ: "زَيْدٌ ثَلاثَةُ أحْرُفٍ" تُرِيدُ بِهِ التَسْمِيَةَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذا الوَجْهَ الأوَّلَ، وتَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِالِاسْمِ التَسْمِيَةُ نَفْسُها عَلى مَعْنى: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ عن أنْ يُسَمّى بِهِ صَنَمٌ أو وثَنٌ فَيُقالُ لَهُ: إلَهٌ ورَبٌّ ونَحْوُ ذَلِكَ.
و"الأعْلى" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلِاسْمِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلرَّبِّ تَعالى، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عُمَرَ وعَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُما قَرَآ هَذِهِ السُورَةَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى" قالَ: وهي في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ كَذَلِكَ، وهي قِراءَةُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وابْنِ الزُبَيْرِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى"،» وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، «وَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ قالَ النَبِيُّ ﷺ: "اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ"،» وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾: نَزِّهِ اسْمَ اللهِ تَعالى عن أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى الآيَةِ: صِلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ الأعْلى، كَما تَقُولُ: ابْدَأْ بِاسْمِ اللهِ تَعالى وحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ.
و"سِوى" مَعْناهُ: عَدَلَ وأتْقَنَ حَتّى صارَتِ الأُمُورُ مُسْتَوِيَةً دالَّةً عَلى قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "قَدَّرَ" بِشَدِّ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ القَدَرِ والقَضاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ بَيْنَ الأشْياءِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "قَدَرَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ القُدْرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَهَدى" عامٌّ لِجَمِيعِ الهِداياتِ في الإنْسانِ والحَيَوانِ، وقَدْ خَصَّصَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أشْياءً مِنَ الهِداياتِ، فَقالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: هَدى وأضَلَّ، واكْتَفى بِالواحِدَةِ لِدَلالَتِها عَلى الأُخْرى، وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هَدى الحَيَوانَ إلى وطْءِ الذُكُورِ الإناثِ، وقِيلَ: هَدى المَوْلُودَ عِنْدَ وضْعِهِ إلى مَصِّ الثَدْيِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الناسَ إلى الخَيْرِ والشَرِّ والبَهائِمِ لِلْمَراتِعِ..
(p-٥٩١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الأقْوالُ مِثالاتٌ، والعُمُومُ في الآيَةِ أصْوَبُ في كُلِّ تَقْدِيرٍ وفي كُلِّ هِدايَةٍ. و"المَرْعى": النَباتُ، وهو أصْلٌ في قِوامِ العَيْشِ، إذْ هو غِذاءُ الأنْعامِ، ومِنهُ ما يَنْتَفِعُ بِهِ الناسُ في ذَواتِهِمْ، و"الغُثاءُ": ما يَبِسَ وجَفَّ وتَحَطَّمَ مِنَ النَباتِ، وهو الَّذِي يَحْمِلُهُ السَيْلُ، وبِهِ شَبَّهَ الناسَ الَّذِينَ لا قَدْرَ لَهُمْ، و"الأحْوى" قِيلَ: هو الأخْضَرُ الَّذِي عَلَيْهِ سَوادٌ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ والغَضارَةِ، وقِيلَ: هو الأسْوَدُ سَوادًا يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لِعَسٍّ وفي اللِثاتِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
وتَقْدِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: أخْرَجَ المَرْعى أحْوى، أيْ أسْوَدَ مِن خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً عند يُبْسِهِ، فَـ "أحْوى" حالٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى، أيْ أُسُودُ؛ لِأنَّ الغُثاءَ إذا قُدِّمَ وأصابَتْهُ الأمْطارُ اسْوَدَّ وتَقْبَّضَ فَصارَ أحْوى، فَهَذِهِ صِفَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾، قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ: هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] الآيَةُ وعَدَهُ اللهُ تَعالى أنْ يُقْرِئَهُ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ لا يَنْسى نِسْيانًا لا يَكُونُ بَعْدَهُ تَذَكُّرٌ فَتَذْهَبُ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ مُبادَرَةً خَوْفًا مِنهُ أنْ يَنْسى، وفي هَذا التَأْوِيلِ آيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ في أنَّهُ أُمِّيٌّ، وحَفِظَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ الوَحْيَ وأمِنَهُ مِن نِسْيانِهِ، وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى تِلْكَ، وإنَّما هَذِهِ وعْدٌ بِإقْراءِ الشَرْعِ والسُوَرِ، وأمَرَهُ بِأنْ لا يَنْسى، عَلى مَعْنى التَثْبِيتِ والتَأْكِيدِ، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّ تَرْكَ النِسْيانِ لَيْسَ في قُدْرَتِهِ، فَهو نَهْيٌ عن إغْفالِ التَعاهُدِ، وأثْبَتَ الياءَ في "تَنْسى" لِتَعْدِيلِ رُؤُوسِ الآيِ، وقالَ الجُنَيْدُ: مَعْنى "لا تَنْسى": لا تَتْرُكِ العَمَلَ بِما تَضْمَنُ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ.
(p-٥٩٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللهُ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: مِمّا قَضى اللهُ سُبْحانَهُ بِنَسْخِهِ وأنْ تَرْفَعَ تِلاوَتَهُ وحُكْمَهُ، وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَعانِي: هو اسْتِثْناءُ صِلَةٍ في الكَلامِ، عَلى سُنَّةِ اللهِ تَعالى في الِاسْتِثْناءِ، ولَيْسَ ثَمَّ شَيْءٌ أُبِيحَ نِسْيانُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يُنْسِيَكَهُ لِتَسُنَّ بِهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ « "إنِّي لَأنْسى، أو أنَسى لِأسُنَّ".» وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يَغْلِبَكَ النِسْيانُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُذَكِّرُكَ بِهِ بَعْدُ، ومِن هَذا «قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام حِينَ سَمِعَ قِراءَةَ عَبّادِ بْنِ بِشْرٍ: "رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، لَقَدْ أذْكَرَنِي كَذا وكَذا في سُورَةِ كَذا"».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ونِسْيانُ النَبِيِّ ﷺ مُمْتَنِعٌ فِيما أمَرَ بِتَبْلِيغِهِ، إذْ هو مَعْصُومٌ، فَإذا بَلَّغَهُ ووَعى عنهُ فالنِسْيانُ جائِزٌ عَلى أنْ يَتَذَكَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وعَلى أنْ يَسُنَّ، أو عَلى النَسْخِ.
ثُمَّ أخْبَرَهُ تَعالى إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ الأشْياءِ وما يَخْفى مِنها، وذَلِكَ لِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وبِهَذا يَصِحُّ الخَبَرُ بِأنَّهُ لا يَنْسى شَيْئًا إلّا ذَكَّرَهُ اللهُ تَعالى بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى" مَعْناهُ: نَذْهَبُ بِكَ نَحْوَ الأُمُورِ المُسْتَحْسَنَةِ في دُنْياكَ وأُخْراكَ، مِنَ النَصْرِ والظَفَرِ وعُلُوِّ الرِسالَةِ والمَنزِلَةِ يَوْمَ القِيامَةِ والرِفْعَةِ في الجَنَّةِ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالتَذْكِيرِ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ فَقالَ الفَرّاءُ، والزَهْراوِيُّ: مَعْناهُ: وإنْ لَمْ تَنْفَعْ فاقْتَصِرْ عَلى القَسَمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثانِي، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: إنَّما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِقُرَيْشٍ، أيْ: إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى في هَؤُلاءِ الطُغاةِ العُتاةِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: (p-٥٩٣)
؎ لَقَدْ أسْمَعْتَ -لَوْ نادَيْتَ حَيًّا- ∗∗∗ ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
وهَذا كُلُّهُ كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: قُلْ لِفُلانٍ وأعِدْ لَهُ إنَّ سَمْعَكَ، إنَّما هو تَوْبِيخٌ لِلْمُشارِ إلَيْهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى اللهَ والدارَ الآخِرَةَ، وهُمُ العُلَماءُ والمُؤْمِنُونَ كَلٌّ بِقَدْرِ ما وُفِّقَ، ويَتَجَنَّبُ الذِكْرى ونَفَعَها مَن سَبَقَتْ لَهُ الشَقاوَةُ فَكَفَرَ، ووَجَبَ لَهُ صَلْيُ النارِ، وقالَ الحَسَنُ: "النارَ الكُبْرى" نارُ الآخِرَةِ، والصُغْرى نارُ الدُنْيا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ نارَ جَمِيعِ الآخِرَةِ وإنْ كانَتْ شَدِيدَةً فَهي تَتَفاضَلُ، فَفِيها شَيْءٌ أكْبَرُ مِن شَيْءٍ، وقالَ الفَرّاءُ: الكُبْرى هي السُفْلى مِن أطْباقِ النارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ مَعْناهُ: لا يَمُوتُ فِيها مَوْتًا مُرِيحًا ولا يَحْيا حَياةً هَنِيَّةً، فَهو لا مَحالَةَ حَيٌّ، وقَدْ ورَدَ في خَبَرِ إنَّ العُصاةَ في النارِ مَوْتى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأرادَهُ عَلى التَشْبِيهِ لِأنَّهُ كالسُباتِ والرُكُودِ والهُمُودِ، فَجَعَلَهُ مَوْتًا.
الأعلى 87:7
(p-٥٨٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الأعْلى
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وحَكى النَقّاشُ عَنِ الضَحّاكِ أنَّها مَدَنِيَّةُ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ، وإنَّما دَعا إلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ ذَكَرَ صَلاةَ العِيدِ فِيها.
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلا ما شاءَ اللهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾
"سَبِّحِ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: نَزَّهَ وقَدَّسَ وقُلْ: سُبْحانَهُ عَنِ النَقائِصِ والغَيْرِ جَمِيعًا وما يَقُولُ المُشْرِكُونَ، "والِاسْمِ" الَّذِي هُوَ: "ألف، سين، ميم" يَأْتِي في مَواضِعَ مِنَ الكَلامِ الفَصِيحِ يُرادُ بِهِ المُسَمّى، ويَأْتِي في مَواضِعَ يُرادُ بِهِ التَسْمِيَةَ، نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ « "إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا"» وغَيْرَ ذَلِكَ، ومَتى أُرِيدَ بِهِ المُسَمّى فَإنَّما هو صِلَةٌ كالزائِدِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ سَبِّحْ رَبَّكَ، أيْ نَزِّهْهُ، وإذا كانَ الِاسْمُ واحِدًا مِنَ الأسْماءِ كَزَيْدٍ وعَمْرٍو فَيَجِيءُ في الكَلامِ عَلى ما قُلْتُ، تَقُولُ: "زَيْدٌ قائِمٌ" تُرِيدُ المُسَمّى، (p-٥٩٠)وَتَقُولُ: "زَيْدٌ ثَلاثَةُ أحْرُفٍ" تُرِيدُ بِهِ التَسْمِيَةَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذا الوَجْهَ الأوَّلَ، وتَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِالِاسْمِ التَسْمِيَةُ نَفْسُها عَلى مَعْنى: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ عن أنْ يُسَمّى بِهِ صَنَمٌ أو وثَنٌ فَيُقالُ لَهُ: إلَهٌ ورَبٌّ ونَحْوُ ذَلِكَ.
و"الأعْلى" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلِاسْمِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلرَّبِّ تَعالى، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عُمَرَ وعَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُما قَرَآ هَذِهِ السُورَةَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى" قالَ: وهي في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ كَذَلِكَ، وهي قِراءَةُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وابْنِ الزُبَيْرِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى"،» وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، «وَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ قالَ النَبِيُّ ﷺ: "اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ"،» وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾: نَزِّهِ اسْمَ اللهِ تَعالى عن أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى الآيَةِ: صِلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ الأعْلى، كَما تَقُولُ: ابْدَأْ بِاسْمِ اللهِ تَعالى وحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ.
و"سِوى" مَعْناهُ: عَدَلَ وأتْقَنَ حَتّى صارَتِ الأُمُورُ مُسْتَوِيَةً دالَّةً عَلى قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "قَدَّرَ" بِشَدِّ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ القَدَرِ والقَضاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ بَيْنَ الأشْياءِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "قَدَرَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ القُدْرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَهَدى" عامٌّ لِجَمِيعِ الهِداياتِ في الإنْسانِ والحَيَوانِ، وقَدْ خَصَّصَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أشْياءً مِنَ الهِداياتِ، فَقالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: هَدى وأضَلَّ، واكْتَفى بِالواحِدَةِ لِدَلالَتِها عَلى الأُخْرى، وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هَدى الحَيَوانَ إلى وطْءِ الذُكُورِ الإناثِ، وقِيلَ: هَدى المَوْلُودَ عِنْدَ وضْعِهِ إلى مَصِّ الثَدْيِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الناسَ إلى الخَيْرِ والشَرِّ والبَهائِمِ لِلْمَراتِعِ..
(p-٥٩١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الأقْوالُ مِثالاتٌ، والعُمُومُ في الآيَةِ أصْوَبُ في كُلِّ تَقْدِيرٍ وفي كُلِّ هِدايَةٍ. و"المَرْعى": النَباتُ، وهو أصْلٌ في قِوامِ العَيْشِ، إذْ هو غِذاءُ الأنْعامِ، ومِنهُ ما يَنْتَفِعُ بِهِ الناسُ في ذَواتِهِمْ، و"الغُثاءُ": ما يَبِسَ وجَفَّ وتَحَطَّمَ مِنَ النَباتِ، وهو الَّذِي يَحْمِلُهُ السَيْلُ، وبِهِ شَبَّهَ الناسَ الَّذِينَ لا قَدْرَ لَهُمْ، و"الأحْوى" قِيلَ: هو الأخْضَرُ الَّذِي عَلَيْهِ سَوادٌ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ والغَضارَةِ، وقِيلَ: هو الأسْوَدُ سَوادًا يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لِعَسٍّ وفي اللِثاتِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
وتَقْدِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: أخْرَجَ المَرْعى أحْوى، أيْ أسْوَدَ مِن خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً عند يُبْسِهِ، فَـ "أحْوى" حالٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى، أيْ أُسُودُ؛ لِأنَّ الغُثاءَ إذا قُدِّمَ وأصابَتْهُ الأمْطارُ اسْوَدَّ وتَقْبَّضَ فَصارَ أحْوى، فَهَذِهِ صِفَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾، قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ: هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] الآيَةُ وعَدَهُ اللهُ تَعالى أنْ يُقْرِئَهُ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ لا يَنْسى نِسْيانًا لا يَكُونُ بَعْدَهُ تَذَكُّرٌ فَتَذْهَبُ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ مُبادَرَةً خَوْفًا مِنهُ أنْ يَنْسى، وفي هَذا التَأْوِيلِ آيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ في أنَّهُ أُمِّيٌّ، وحَفِظَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ الوَحْيَ وأمِنَهُ مِن نِسْيانِهِ، وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى تِلْكَ، وإنَّما هَذِهِ وعْدٌ بِإقْراءِ الشَرْعِ والسُوَرِ، وأمَرَهُ بِأنْ لا يَنْسى، عَلى مَعْنى التَثْبِيتِ والتَأْكِيدِ، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّ تَرْكَ النِسْيانِ لَيْسَ في قُدْرَتِهِ، فَهو نَهْيٌ عن إغْفالِ التَعاهُدِ، وأثْبَتَ الياءَ في "تَنْسى" لِتَعْدِيلِ رُؤُوسِ الآيِ، وقالَ الجُنَيْدُ: مَعْنى "لا تَنْسى": لا تَتْرُكِ العَمَلَ بِما تَضْمَنُ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ.
(p-٥٩٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللهُ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: مِمّا قَضى اللهُ سُبْحانَهُ بِنَسْخِهِ وأنْ تَرْفَعَ تِلاوَتَهُ وحُكْمَهُ، وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَعانِي: هو اسْتِثْناءُ صِلَةٍ في الكَلامِ، عَلى سُنَّةِ اللهِ تَعالى في الِاسْتِثْناءِ، ولَيْسَ ثَمَّ شَيْءٌ أُبِيحَ نِسْيانُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يُنْسِيَكَهُ لِتَسُنَّ بِهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ « "إنِّي لَأنْسى، أو أنَسى لِأسُنَّ".» وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يَغْلِبَكَ النِسْيانُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُذَكِّرُكَ بِهِ بَعْدُ، ومِن هَذا «قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام حِينَ سَمِعَ قِراءَةَ عَبّادِ بْنِ بِشْرٍ: "رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، لَقَدْ أذْكَرَنِي كَذا وكَذا في سُورَةِ كَذا"».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ونِسْيانُ النَبِيِّ ﷺ مُمْتَنِعٌ فِيما أمَرَ بِتَبْلِيغِهِ، إذْ هو مَعْصُومٌ، فَإذا بَلَّغَهُ ووَعى عنهُ فالنِسْيانُ جائِزٌ عَلى أنْ يَتَذَكَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وعَلى أنْ يَسُنَّ، أو عَلى النَسْخِ.
ثُمَّ أخْبَرَهُ تَعالى إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ الأشْياءِ وما يَخْفى مِنها، وذَلِكَ لِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وبِهَذا يَصِحُّ الخَبَرُ بِأنَّهُ لا يَنْسى شَيْئًا إلّا ذَكَّرَهُ اللهُ تَعالى بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى" مَعْناهُ: نَذْهَبُ بِكَ نَحْوَ الأُمُورِ المُسْتَحْسَنَةِ في دُنْياكَ وأُخْراكَ، مِنَ النَصْرِ والظَفَرِ وعُلُوِّ الرِسالَةِ والمَنزِلَةِ يَوْمَ القِيامَةِ والرِفْعَةِ في الجَنَّةِ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالتَذْكِيرِ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ فَقالَ الفَرّاءُ، والزَهْراوِيُّ: مَعْناهُ: وإنْ لَمْ تَنْفَعْ فاقْتَصِرْ عَلى القَسَمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثانِي، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: إنَّما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِقُرَيْشٍ، أيْ: إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى في هَؤُلاءِ الطُغاةِ العُتاةِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: (p-٥٩٣)
؎ لَقَدْ أسْمَعْتَ -لَوْ نادَيْتَ حَيًّا- ∗∗∗ ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
وهَذا كُلُّهُ كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: قُلْ لِفُلانٍ وأعِدْ لَهُ إنَّ سَمْعَكَ، إنَّما هو تَوْبِيخٌ لِلْمُشارِ إلَيْهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى اللهَ والدارَ الآخِرَةَ، وهُمُ العُلَماءُ والمُؤْمِنُونَ كَلٌّ بِقَدْرِ ما وُفِّقَ، ويَتَجَنَّبُ الذِكْرى ونَفَعَها مَن سَبَقَتْ لَهُ الشَقاوَةُ فَكَفَرَ، ووَجَبَ لَهُ صَلْيُ النارِ، وقالَ الحَسَنُ: "النارَ الكُبْرى" نارُ الآخِرَةِ، والصُغْرى نارُ الدُنْيا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ نارَ جَمِيعِ الآخِرَةِ وإنْ كانَتْ شَدِيدَةً فَهي تَتَفاضَلُ، فَفِيها شَيْءٌ أكْبَرُ مِن شَيْءٍ، وقالَ الفَرّاءُ: الكُبْرى هي السُفْلى مِن أطْباقِ النارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ مَعْناهُ: لا يَمُوتُ فِيها مَوْتًا مُرِيحًا ولا يَحْيا حَياةً هَنِيَّةً، فَهو لا مَحالَةَ حَيٌّ، وقَدْ ورَدَ في خَبَرِ إنَّ العُصاةَ في النارِ مَوْتى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأرادَهُ عَلى التَشْبِيهِ لِأنَّهُ كالسُباتِ والرُكُودِ والهُمُودِ، فَجَعَلَهُ مَوْتًا.
الأعلى 87:8
(p-٥٨٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الأعْلى
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وحَكى النَقّاشُ عَنِ الضَحّاكِ أنَّها مَدَنِيَّةُ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ، وإنَّما دَعا إلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ ذَكَرَ صَلاةَ العِيدِ فِيها.
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلا ما شاءَ اللهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾
"سَبِّحِ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: نَزَّهَ وقَدَّسَ وقُلْ: سُبْحانَهُ عَنِ النَقائِصِ والغَيْرِ جَمِيعًا وما يَقُولُ المُشْرِكُونَ، "والِاسْمِ" الَّذِي هُوَ: "ألف، سين، ميم" يَأْتِي في مَواضِعَ مِنَ الكَلامِ الفَصِيحِ يُرادُ بِهِ المُسَمّى، ويَأْتِي في مَواضِعَ يُرادُ بِهِ التَسْمِيَةَ، نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ « "إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا"» وغَيْرَ ذَلِكَ، ومَتى أُرِيدَ بِهِ المُسَمّى فَإنَّما هو صِلَةٌ كالزائِدِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ سَبِّحْ رَبَّكَ، أيْ نَزِّهْهُ، وإذا كانَ الِاسْمُ واحِدًا مِنَ الأسْماءِ كَزَيْدٍ وعَمْرٍو فَيَجِيءُ في الكَلامِ عَلى ما قُلْتُ، تَقُولُ: "زَيْدٌ قائِمٌ" تُرِيدُ المُسَمّى، (p-٥٩٠)وَتَقُولُ: "زَيْدٌ ثَلاثَةُ أحْرُفٍ" تُرِيدُ بِهِ التَسْمِيَةَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذا الوَجْهَ الأوَّلَ، وتَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِالِاسْمِ التَسْمِيَةُ نَفْسُها عَلى مَعْنى: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ عن أنْ يُسَمّى بِهِ صَنَمٌ أو وثَنٌ فَيُقالُ لَهُ: إلَهٌ ورَبٌّ ونَحْوُ ذَلِكَ.
و"الأعْلى" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلِاسْمِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلرَّبِّ تَعالى، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عُمَرَ وعَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُما قَرَآ هَذِهِ السُورَةَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى" قالَ: وهي في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ كَذَلِكَ، وهي قِراءَةُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وابْنِ الزُبَيْرِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى"،» وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، «وَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ قالَ النَبِيُّ ﷺ: "اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ"،» وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾: نَزِّهِ اسْمَ اللهِ تَعالى عن أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى الآيَةِ: صِلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ الأعْلى، كَما تَقُولُ: ابْدَأْ بِاسْمِ اللهِ تَعالى وحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ.
و"سِوى" مَعْناهُ: عَدَلَ وأتْقَنَ حَتّى صارَتِ الأُمُورُ مُسْتَوِيَةً دالَّةً عَلى قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "قَدَّرَ" بِشَدِّ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ القَدَرِ والقَضاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ بَيْنَ الأشْياءِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "قَدَرَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ القُدْرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَهَدى" عامٌّ لِجَمِيعِ الهِداياتِ في الإنْسانِ والحَيَوانِ، وقَدْ خَصَّصَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أشْياءً مِنَ الهِداياتِ، فَقالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: هَدى وأضَلَّ، واكْتَفى بِالواحِدَةِ لِدَلالَتِها عَلى الأُخْرى، وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هَدى الحَيَوانَ إلى وطْءِ الذُكُورِ الإناثِ، وقِيلَ: هَدى المَوْلُودَ عِنْدَ وضْعِهِ إلى مَصِّ الثَدْيِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الناسَ إلى الخَيْرِ والشَرِّ والبَهائِمِ لِلْمَراتِعِ..
(p-٥٩١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الأقْوالُ مِثالاتٌ، والعُمُومُ في الآيَةِ أصْوَبُ في كُلِّ تَقْدِيرٍ وفي كُلِّ هِدايَةٍ. و"المَرْعى": النَباتُ، وهو أصْلٌ في قِوامِ العَيْشِ، إذْ هو غِذاءُ الأنْعامِ، ومِنهُ ما يَنْتَفِعُ بِهِ الناسُ في ذَواتِهِمْ، و"الغُثاءُ": ما يَبِسَ وجَفَّ وتَحَطَّمَ مِنَ النَباتِ، وهو الَّذِي يَحْمِلُهُ السَيْلُ، وبِهِ شَبَّهَ الناسَ الَّذِينَ لا قَدْرَ لَهُمْ، و"الأحْوى" قِيلَ: هو الأخْضَرُ الَّذِي عَلَيْهِ سَوادٌ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ والغَضارَةِ، وقِيلَ: هو الأسْوَدُ سَوادًا يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لِعَسٍّ وفي اللِثاتِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
وتَقْدِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: أخْرَجَ المَرْعى أحْوى، أيْ أسْوَدَ مِن خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً عند يُبْسِهِ، فَـ "أحْوى" حالٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى، أيْ أُسُودُ؛ لِأنَّ الغُثاءَ إذا قُدِّمَ وأصابَتْهُ الأمْطارُ اسْوَدَّ وتَقْبَّضَ فَصارَ أحْوى، فَهَذِهِ صِفَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾، قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ: هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] الآيَةُ وعَدَهُ اللهُ تَعالى أنْ يُقْرِئَهُ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ لا يَنْسى نِسْيانًا لا يَكُونُ بَعْدَهُ تَذَكُّرٌ فَتَذْهَبُ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ مُبادَرَةً خَوْفًا مِنهُ أنْ يَنْسى، وفي هَذا التَأْوِيلِ آيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ في أنَّهُ أُمِّيٌّ، وحَفِظَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ الوَحْيَ وأمِنَهُ مِن نِسْيانِهِ، وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى تِلْكَ، وإنَّما هَذِهِ وعْدٌ بِإقْراءِ الشَرْعِ والسُوَرِ، وأمَرَهُ بِأنْ لا يَنْسى، عَلى مَعْنى التَثْبِيتِ والتَأْكِيدِ، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّ تَرْكَ النِسْيانِ لَيْسَ في قُدْرَتِهِ، فَهو نَهْيٌ عن إغْفالِ التَعاهُدِ، وأثْبَتَ الياءَ في "تَنْسى" لِتَعْدِيلِ رُؤُوسِ الآيِ، وقالَ الجُنَيْدُ: مَعْنى "لا تَنْسى": لا تَتْرُكِ العَمَلَ بِما تَضْمَنُ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ.
(p-٥٩٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللهُ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: مِمّا قَضى اللهُ سُبْحانَهُ بِنَسْخِهِ وأنْ تَرْفَعَ تِلاوَتَهُ وحُكْمَهُ، وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَعانِي: هو اسْتِثْناءُ صِلَةٍ في الكَلامِ، عَلى سُنَّةِ اللهِ تَعالى في الِاسْتِثْناءِ، ولَيْسَ ثَمَّ شَيْءٌ أُبِيحَ نِسْيانُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يُنْسِيَكَهُ لِتَسُنَّ بِهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ « "إنِّي لَأنْسى، أو أنَسى لِأسُنَّ".» وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يَغْلِبَكَ النِسْيانُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُذَكِّرُكَ بِهِ بَعْدُ، ومِن هَذا «قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام حِينَ سَمِعَ قِراءَةَ عَبّادِ بْنِ بِشْرٍ: "رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، لَقَدْ أذْكَرَنِي كَذا وكَذا في سُورَةِ كَذا"».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ونِسْيانُ النَبِيِّ ﷺ مُمْتَنِعٌ فِيما أمَرَ بِتَبْلِيغِهِ، إذْ هو مَعْصُومٌ، فَإذا بَلَّغَهُ ووَعى عنهُ فالنِسْيانُ جائِزٌ عَلى أنْ يَتَذَكَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وعَلى أنْ يَسُنَّ، أو عَلى النَسْخِ.
ثُمَّ أخْبَرَهُ تَعالى إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ الأشْياءِ وما يَخْفى مِنها، وذَلِكَ لِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وبِهَذا يَصِحُّ الخَبَرُ بِأنَّهُ لا يَنْسى شَيْئًا إلّا ذَكَّرَهُ اللهُ تَعالى بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى" مَعْناهُ: نَذْهَبُ بِكَ نَحْوَ الأُمُورِ المُسْتَحْسَنَةِ في دُنْياكَ وأُخْراكَ، مِنَ النَصْرِ والظَفَرِ وعُلُوِّ الرِسالَةِ والمَنزِلَةِ يَوْمَ القِيامَةِ والرِفْعَةِ في الجَنَّةِ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالتَذْكِيرِ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ فَقالَ الفَرّاءُ، والزَهْراوِيُّ: مَعْناهُ: وإنْ لَمْ تَنْفَعْ فاقْتَصِرْ عَلى القَسَمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثانِي، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: إنَّما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِقُرَيْشٍ، أيْ: إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى في هَؤُلاءِ الطُغاةِ العُتاةِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: (p-٥٩٣)
؎ لَقَدْ أسْمَعْتَ -لَوْ نادَيْتَ حَيًّا- ∗∗∗ ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
وهَذا كُلُّهُ كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: قُلْ لِفُلانٍ وأعِدْ لَهُ إنَّ سَمْعَكَ، إنَّما هو تَوْبِيخٌ لِلْمُشارِ إلَيْهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى اللهَ والدارَ الآخِرَةَ، وهُمُ العُلَماءُ والمُؤْمِنُونَ كَلٌّ بِقَدْرِ ما وُفِّقَ، ويَتَجَنَّبُ الذِكْرى ونَفَعَها مَن سَبَقَتْ لَهُ الشَقاوَةُ فَكَفَرَ، ووَجَبَ لَهُ صَلْيُ النارِ، وقالَ الحَسَنُ: "النارَ الكُبْرى" نارُ الآخِرَةِ، والصُغْرى نارُ الدُنْيا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ نارَ جَمِيعِ الآخِرَةِ وإنْ كانَتْ شَدِيدَةً فَهي تَتَفاضَلُ، فَفِيها شَيْءٌ أكْبَرُ مِن شَيْءٍ، وقالَ الفَرّاءُ: الكُبْرى هي السُفْلى مِن أطْباقِ النارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ مَعْناهُ: لا يَمُوتُ فِيها مَوْتًا مُرِيحًا ولا يَحْيا حَياةً هَنِيَّةً، فَهو لا مَحالَةَ حَيٌّ، وقَدْ ورَدَ في خَبَرِ إنَّ العُصاةَ في النارِ مَوْتى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأرادَهُ عَلى التَشْبِيهِ لِأنَّهُ كالسُباتِ والرُكُودِ والهُمُودِ، فَجَعَلَهُ مَوْتًا.
الأعلى 87:9
(p-٥٨٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الأعْلى
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وحَكى النَقّاشُ عَنِ الضَحّاكِ أنَّها مَدَنِيَّةُ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ، وإنَّما دَعا إلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ ذَكَرَ صَلاةَ العِيدِ فِيها.
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلا ما شاءَ اللهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾
"سَبِّحِ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: نَزَّهَ وقَدَّسَ وقُلْ: سُبْحانَهُ عَنِ النَقائِصِ والغَيْرِ جَمِيعًا وما يَقُولُ المُشْرِكُونَ، "والِاسْمِ" الَّذِي هُوَ: "ألف، سين، ميم" يَأْتِي في مَواضِعَ مِنَ الكَلامِ الفَصِيحِ يُرادُ بِهِ المُسَمّى، ويَأْتِي في مَواضِعَ يُرادُ بِهِ التَسْمِيَةَ، نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ « "إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا"» وغَيْرَ ذَلِكَ، ومَتى أُرِيدَ بِهِ المُسَمّى فَإنَّما هو صِلَةٌ كالزائِدِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ سَبِّحْ رَبَّكَ، أيْ نَزِّهْهُ، وإذا كانَ الِاسْمُ واحِدًا مِنَ الأسْماءِ كَزَيْدٍ وعَمْرٍو فَيَجِيءُ في الكَلامِ عَلى ما قُلْتُ، تَقُولُ: "زَيْدٌ قائِمٌ" تُرِيدُ المُسَمّى، (p-٥٩٠)وَتَقُولُ: "زَيْدٌ ثَلاثَةُ أحْرُفٍ" تُرِيدُ بِهِ التَسْمِيَةَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذا الوَجْهَ الأوَّلَ، وتَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِالِاسْمِ التَسْمِيَةُ نَفْسُها عَلى مَعْنى: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ عن أنْ يُسَمّى بِهِ صَنَمٌ أو وثَنٌ فَيُقالُ لَهُ: إلَهٌ ورَبٌّ ونَحْوُ ذَلِكَ.
و"الأعْلى" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلِاسْمِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلرَّبِّ تَعالى، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عُمَرَ وعَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُما قَرَآ هَذِهِ السُورَةَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى" قالَ: وهي في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ كَذَلِكَ، وهي قِراءَةُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وابْنِ الزُبَيْرِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى"،» وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، «وَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ قالَ النَبِيُّ ﷺ: "اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ"،» وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾: نَزِّهِ اسْمَ اللهِ تَعالى عن أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى الآيَةِ: صِلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ الأعْلى، كَما تَقُولُ: ابْدَأْ بِاسْمِ اللهِ تَعالى وحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ.
و"سِوى" مَعْناهُ: عَدَلَ وأتْقَنَ حَتّى صارَتِ الأُمُورُ مُسْتَوِيَةً دالَّةً عَلى قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "قَدَّرَ" بِشَدِّ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ القَدَرِ والقَضاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ بَيْنَ الأشْياءِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "قَدَرَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ القُدْرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَهَدى" عامٌّ لِجَمِيعِ الهِداياتِ في الإنْسانِ والحَيَوانِ، وقَدْ خَصَّصَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أشْياءً مِنَ الهِداياتِ، فَقالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: هَدى وأضَلَّ، واكْتَفى بِالواحِدَةِ لِدَلالَتِها عَلى الأُخْرى، وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هَدى الحَيَوانَ إلى وطْءِ الذُكُورِ الإناثِ، وقِيلَ: هَدى المَوْلُودَ عِنْدَ وضْعِهِ إلى مَصِّ الثَدْيِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الناسَ إلى الخَيْرِ والشَرِّ والبَهائِمِ لِلْمَراتِعِ..
(p-٥٩١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الأقْوالُ مِثالاتٌ، والعُمُومُ في الآيَةِ أصْوَبُ في كُلِّ تَقْدِيرٍ وفي كُلِّ هِدايَةٍ. و"المَرْعى": النَباتُ، وهو أصْلٌ في قِوامِ العَيْشِ، إذْ هو غِذاءُ الأنْعامِ، ومِنهُ ما يَنْتَفِعُ بِهِ الناسُ في ذَواتِهِمْ، و"الغُثاءُ": ما يَبِسَ وجَفَّ وتَحَطَّمَ مِنَ النَباتِ، وهو الَّذِي يَحْمِلُهُ السَيْلُ، وبِهِ شَبَّهَ الناسَ الَّذِينَ لا قَدْرَ لَهُمْ، و"الأحْوى" قِيلَ: هو الأخْضَرُ الَّذِي عَلَيْهِ سَوادٌ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ والغَضارَةِ، وقِيلَ: هو الأسْوَدُ سَوادًا يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لِعَسٍّ وفي اللِثاتِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
وتَقْدِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: أخْرَجَ المَرْعى أحْوى، أيْ أسْوَدَ مِن خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً عند يُبْسِهِ، فَـ "أحْوى" حالٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى، أيْ أُسُودُ؛ لِأنَّ الغُثاءَ إذا قُدِّمَ وأصابَتْهُ الأمْطارُ اسْوَدَّ وتَقْبَّضَ فَصارَ أحْوى، فَهَذِهِ صِفَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾، قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ: هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] الآيَةُ وعَدَهُ اللهُ تَعالى أنْ يُقْرِئَهُ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ لا يَنْسى نِسْيانًا لا يَكُونُ بَعْدَهُ تَذَكُّرٌ فَتَذْهَبُ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ مُبادَرَةً خَوْفًا مِنهُ أنْ يَنْسى، وفي هَذا التَأْوِيلِ آيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ في أنَّهُ أُمِّيٌّ، وحَفِظَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ الوَحْيَ وأمِنَهُ مِن نِسْيانِهِ، وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى تِلْكَ، وإنَّما هَذِهِ وعْدٌ بِإقْراءِ الشَرْعِ والسُوَرِ، وأمَرَهُ بِأنْ لا يَنْسى، عَلى مَعْنى التَثْبِيتِ والتَأْكِيدِ، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّ تَرْكَ النِسْيانِ لَيْسَ في قُدْرَتِهِ، فَهو نَهْيٌ عن إغْفالِ التَعاهُدِ، وأثْبَتَ الياءَ في "تَنْسى" لِتَعْدِيلِ رُؤُوسِ الآيِ، وقالَ الجُنَيْدُ: مَعْنى "لا تَنْسى": لا تَتْرُكِ العَمَلَ بِما تَضْمَنُ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ.
(p-٥٩٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللهُ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: مِمّا قَضى اللهُ سُبْحانَهُ بِنَسْخِهِ وأنْ تَرْفَعَ تِلاوَتَهُ وحُكْمَهُ، وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَعانِي: هو اسْتِثْناءُ صِلَةٍ في الكَلامِ، عَلى سُنَّةِ اللهِ تَعالى في الِاسْتِثْناءِ، ولَيْسَ ثَمَّ شَيْءٌ أُبِيحَ نِسْيانُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يُنْسِيَكَهُ لِتَسُنَّ بِهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ « "إنِّي لَأنْسى، أو أنَسى لِأسُنَّ".» وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يَغْلِبَكَ النِسْيانُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُذَكِّرُكَ بِهِ بَعْدُ، ومِن هَذا «قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام حِينَ سَمِعَ قِراءَةَ عَبّادِ بْنِ بِشْرٍ: "رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، لَقَدْ أذْكَرَنِي كَذا وكَذا في سُورَةِ كَذا"».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ونِسْيانُ النَبِيِّ ﷺ مُمْتَنِعٌ فِيما أمَرَ بِتَبْلِيغِهِ، إذْ هو مَعْصُومٌ، فَإذا بَلَّغَهُ ووَعى عنهُ فالنِسْيانُ جائِزٌ عَلى أنْ يَتَذَكَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وعَلى أنْ يَسُنَّ، أو عَلى النَسْخِ.
ثُمَّ أخْبَرَهُ تَعالى إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ الأشْياءِ وما يَخْفى مِنها، وذَلِكَ لِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وبِهَذا يَصِحُّ الخَبَرُ بِأنَّهُ لا يَنْسى شَيْئًا إلّا ذَكَّرَهُ اللهُ تَعالى بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى" مَعْناهُ: نَذْهَبُ بِكَ نَحْوَ الأُمُورِ المُسْتَحْسَنَةِ في دُنْياكَ وأُخْراكَ، مِنَ النَصْرِ والظَفَرِ وعُلُوِّ الرِسالَةِ والمَنزِلَةِ يَوْمَ القِيامَةِ والرِفْعَةِ في الجَنَّةِ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالتَذْكِيرِ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ فَقالَ الفَرّاءُ، والزَهْراوِيُّ: مَعْناهُ: وإنْ لَمْ تَنْفَعْ فاقْتَصِرْ عَلى القَسَمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثانِي، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: إنَّما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِقُرَيْشٍ، أيْ: إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى في هَؤُلاءِ الطُغاةِ العُتاةِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: (p-٥٩٣)
؎ لَقَدْ أسْمَعْتَ -لَوْ نادَيْتَ حَيًّا- ∗∗∗ ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
وهَذا كُلُّهُ كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: قُلْ لِفُلانٍ وأعِدْ لَهُ إنَّ سَمْعَكَ، إنَّما هو تَوْبِيخٌ لِلْمُشارِ إلَيْهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى اللهَ والدارَ الآخِرَةَ، وهُمُ العُلَماءُ والمُؤْمِنُونَ كَلٌّ بِقَدْرِ ما وُفِّقَ، ويَتَجَنَّبُ الذِكْرى ونَفَعَها مَن سَبَقَتْ لَهُ الشَقاوَةُ فَكَفَرَ، ووَجَبَ لَهُ صَلْيُ النارِ، وقالَ الحَسَنُ: "النارَ الكُبْرى" نارُ الآخِرَةِ، والصُغْرى نارُ الدُنْيا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ نارَ جَمِيعِ الآخِرَةِ وإنْ كانَتْ شَدِيدَةً فَهي تَتَفاضَلُ، فَفِيها شَيْءٌ أكْبَرُ مِن شَيْءٍ، وقالَ الفَرّاءُ: الكُبْرى هي السُفْلى مِن أطْباقِ النارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ مَعْناهُ: لا يَمُوتُ فِيها مَوْتًا مُرِيحًا ولا يَحْيا حَياةً هَنِيَّةً، فَهو لا مَحالَةَ حَيٌّ، وقَدْ ورَدَ في خَبَرِ إنَّ العُصاةَ في النارِ مَوْتى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأرادَهُ عَلى التَشْبِيهِ لِأنَّهُ كالسُباتِ والرُكُودِ والهُمُودِ، فَجَعَلَهُ مَوْتًا.
الأعلى 87:10
(p-٥٨٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الأعْلى
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وحَكى النَقّاشُ عَنِ الضَحّاكِ أنَّها مَدَنِيَّةُ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ، وإنَّما دَعا إلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ ذَكَرَ صَلاةَ العِيدِ فِيها.
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلا ما شاءَ اللهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾
"سَبِّحِ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: نَزَّهَ وقَدَّسَ وقُلْ: سُبْحانَهُ عَنِ النَقائِصِ والغَيْرِ جَمِيعًا وما يَقُولُ المُشْرِكُونَ، "والِاسْمِ" الَّذِي هُوَ: "ألف، سين، ميم" يَأْتِي في مَواضِعَ مِنَ الكَلامِ الفَصِيحِ يُرادُ بِهِ المُسَمّى، ويَأْتِي في مَواضِعَ يُرادُ بِهِ التَسْمِيَةَ، نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ « "إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا"» وغَيْرَ ذَلِكَ، ومَتى أُرِيدَ بِهِ المُسَمّى فَإنَّما هو صِلَةٌ كالزائِدِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ سَبِّحْ رَبَّكَ، أيْ نَزِّهْهُ، وإذا كانَ الِاسْمُ واحِدًا مِنَ الأسْماءِ كَزَيْدٍ وعَمْرٍو فَيَجِيءُ في الكَلامِ عَلى ما قُلْتُ، تَقُولُ: "زَيْدٌ قائِمٌ" تُرِيدُ المُسَمّى، (p-٥٩٠)وَتَقُولُ: "زَيْدٌ ثَلاثَةُ أحْرُفٍ" تُرِيدُ بِهِ التَسْمِيَةَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذا الوَجْهَ الأوَّلَ، وتَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِالِاسْمِ التَسْمِيَةُ نَفْسُها عَلى مَعْنى: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ عن أنْ يُسَمّى بِهِ صَنَمٌ أو وثَنٌ فَيُقالُ لَهُ: إلَهٌ ورَبٌّ ونَحْوُ ذَلِكَ.
و"الأعْلى" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلِاسْمِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلرَّبِّ تَعالى، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عُمَرَ وعَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُما قَرَآ هَذِهِ السُورَةَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى" قالَ: وهي في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ كَذَلِكَ، وهي قِراءَةُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وابْنِ الزُبَيْرِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى"،» وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، «وَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ قالَ النَبِيُّ ﷺ: "اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ"،» وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾: نَزِّهِ اسْمَ اللهِ تَعالى عن أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى الآيَةِ: صِلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ الأعْلى، كَما تَقُولُ: ابْدَأْ بِاسْمِ اللهِ تَعالى وحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ.
و"سِوى" مَعْناهُ: عَدَلَ وأتْقَنَ حَتّى صارَتِ الأُمُورُ مُسْتَوِيَةً دالَّةً عَلى قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "قَدَّرَ" بِشَدِّ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ القَدَرِ والقَضاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ بَيْنَ الأشْياءِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "قَدَرَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ القُدْرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَهَدى" عامٌّ لِجَمِيعِ الهِداياتِ في الإنْسانِ والحَيَوانِ، وقَدْ خَصَّصَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أشْياءً مِنَ الهِداياتِ، فَقالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: هَدى وأضَلَّ، واكْتَفى بِالواحِدَةِ لِدَلالَتِها عَلى الأُخْرى، وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هَدى الحَيَوانَ إلى وطْءِ الذُكُورِ الإناثِ، وقِيلَ: هَدى المَوْلُودَ عِنْدَ وضْعِهِ إلى مَصِّ الثَدْيِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الناسَ إلى الخَيْرِ والشَرِّ والبَهائِمِ لِلْمَراتِعِ..
(p-٥٩١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الأقْوالُ مِثالاتٌ، والعُمُومُ في الآيَةِ أصْوَبُ في كُلِّ تَقْدِيرٍ وفي كُلِّ هِدايَةٍ. و"المَرْعى": النَباتُ، وهو أصْلٌ في قِوامِ العَيْشِ، إذْ هو غِذاءُ الأنْعامِ، ومِنهُ ما يَنْتَفِعُ بِهِ الناسُ في ذَواتِهِمْ، و"الغُثاءُ": ما يَبِسَ وجَفَّ وتَحَطَّمَ مِنَ النَباتِ، وهو الَّذِي يَحْمِلُهُ السَيْلُ، وبِهِ شَبَّهَ الناسَ الَّذِينَ لا قَدْرَ لَهُمْ، و"الأحْوى" قِيلَ: هو الأخْضَرُ الَّذِي عَلَيْهِ سَوادٌ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ والغَضارَةِ، وقِيلَ: هو الأسْوَدُ سَوادًا يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لِعَسٍّ وفي اللِثاتِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
وتَقْدِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: أخْرَجَ المَرْعى أحْوى، أيْ أسْوَدَ مِن خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً عند يُبْسِهِ، فَـ "أحْوى" حالٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى، أيْ أُسُودُ؛ لِأنَّ الغُثاءَ إذا قُدِّمَ وأصابَتْهُ الأمْطارُ اسْوَدَّ وتَقْبَّضَ فَصارَ أحْوى، فَهَذِهِ صِفَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾، قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ: هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] الآيَةُ وعَدَهُ اللهُ تَعالى أنْ يُقْرِئَهُ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ لا يَنْسى نِسْيانًا لا يَكُونُ بَعْدَهُ تَذَكُّرٌ فَتَذْهَبُ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ مُبادَرَةً خَوْفًا مِنهُ أنْ يَنْسى، وفي هَذا التَأْوِيلِ آيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ في أنَّهُ أُمِّيٌّ، وحَفِظَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ الوَحْيَ وأمِنَهُ مِن نِسْيانِهِ، وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى تِلْكَ، وإنَّما هَذِهِ وعْدٌ بِإقْراءِ الشَرْعِ والسُوَرِ، وأمَرَهُ بِأنْ لا يَنْسى، عَلى مَعْنى التَثْبِيتِ والتَأْكِيدِ، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّ تَرْكَ النِسْيانِ لَيْسَ في قُدْرَتِهِ، فَهو نَهْيٌ عن إغْفالِ التَعاهُدِ، وأثْبَتَ الياءَ في "تَنْسى" لِتَعْدِيلِ رُؤُوسِ الآيِ، وقالَ الجُنَيْدُ: مَعْنى "لا تَنْسى": لا تَتْرُكِ العَمَلَ بِما تَضْمَنُ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ.
(p-٥٩٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللهُ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: مِمّا قَضى اللهُ سُبْحانَهُ بِنَسْخِهِ وأنْ تَرْفَعَ تِلاوَتَهُ وحُكْمَهُ، وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَعانِي: هو اسْتِثْناءُ صِلَةٍ في الكَلامِ، عَلى سُنَّةِ اللهِ تَعالى في الِاسْتِثْناءِ، ولَيْسَ ثَمَّ شَيْءٌ أُبِيحَ نِسْيانُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يُنْسِيَكَهُ لِتَسُنَّ بِهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ « "إنِّي لَأنْسى، أو أنَسى لِأسُنَّ".» وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يَغْلِبَكَ النِسْيانُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُذَكِّرُكَ بِهِ بَعْدُ، ومِن هَذا «قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام حِينَ سَمِعَ قِراءَةَ عَبّادِ بْنِ بِشْرٍ: "رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، لَقَدْ أذْكَرَنِي كَذا وكَذا في سُورَةِ كَذا"».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ونِسْيانُ النَبِيِّ ﷺ مُمْتَنِعٌ فِيما أمَرَ بِتَبْلِيغِهِ، إذْ هو مَعْصُومٌ، فَإذا بَلَّغَهُ ووَعى عنهُ فالنِسْيانُ جائِزٌ عَلى أنْ يَتَذَكَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وعَلى أنْ يَسُنَّ، أو عَلى النَسْخِ.
ثُمَّ أخْبَرَهُ تَعالى إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ الأشْياءِ وما يَخْفى مِنها، وذَلِكَ لِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وبِهَذا يَصِحُّ الخَبَرُ بِأنَّهُ لا يَنْسى شَيْئًا إلّا ذَكَّرَهُ اللهُ تَعالى بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى" مَعْناهُ: نَذْهَبُ بِكَ نَحْوَ الأُمُورِ المُسْتَحْسَنَةِ في دُنْياكَ وأُخْراكَ، مِنَ النَصْرِ والظَفَرِ وعُلُوِّ الرِسالَةِ والمَنزِلَةِ يَوْمَ القِيامَةِ والرِفْعَةِ في الجَنَّةِ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالتَذْكِيرِ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ فَقالَ الفَرّاءُ، والزَهْراوِيُّ: مَعْناهُ: وإنْ لَمْ تَنْفَعْ فاقْتَصِرْ عَلى القَسَمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثانِي، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: إنَّما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِقُرَيْشٍ، أيْ: إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى في هَؤُلاءِ الطُغاةِ العُتاةِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: (p-٥٩٣)
؎ لَقَدْ أسْمَعْتَ -لَوْ نادَيْتَ حَيًّا- ∗∗∗ ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
وهَذا كُلُّهُ كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: قُلْ لِفُلانٍ وأعِدْ لَهُ إنَّ سَمْعَكَ، إنَّما هو تَوْبِيخٌ لِلْمُشارِ إلَيْهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى اللهَ والدارَ الآخِرَةَ، وهُمُ العُلَماءُ والمُؤْمِنُونَ كَلٌّ بِقَدْرِ ما وُفِّقَ، ويَتَجَنَّبُ الذِكْرى ونَفَعَها مَن سَبَقَتْ لَهُ الشَقاوَةُ فَكَفَرَ، ووَجَبَ لَهُ صَلْيُ النارِ، وقالَ الحَسَنُ: "النارَ الكُبْرى" نارُ الآخِرَةِ، والصُغْرى نارُ الدُنْيا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ نارَ جَمِيعِ الآخِرَةِ وإنْ كانَتْ شَدِيدَةً فَهي تَتَفاضَلُ، فَفِيها شَيْءٌ أكْبَرُ مِن شَيْءٍ، وقالَ الفَرّاءُ: الكُبْرى هي السُفْلى مِن أطْباقِ النارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ مَعْناهُ: لا يَمُوتُ فِيها مَوْتًا مُرِيحًا ولا يَحْيا حَياةً هَنِيَّةً، فَهو لا مَحالَةَ حَيٌّ، وقَدْ ورَدَ في خَبَرِ إنَّ العُصاةَ في النارِ مَوْتى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأرادَهُ عَلى التَشْبِيهِ لِأنَّهُ كالسُباتِ والرُكُودِ والهُمُودِ، فَجَعَلَهُ مَوْتًا.
الأعلى 87:11
(p-٥٨٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الأعْلى
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وحَكى النَقّاشُ عَنِ الضَحّاكِ أنَّها مَدَنِيَّةُ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ، وإنَّما دَعا إلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ ذَكَرَ صَلاةَ العِيدِ فِيها.
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلا ما شاءَ اللهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾
"سَبِّحِ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: نَزَّهَ وقَدَّسَ وقُلْ: سُبْحانَهُ عَنِ النَقائِصِ والغَيْرِ جَمِيعًا وما يَقُولُ المُشْرِكُونَ، "والِاسْمِ" الَّذِي هُوَ: "ألف، سين، ميم" يَأْتِي في مَواضِعَ مِنَ الكَلامِ الفَصِيحِ يُرادُ بِهِ المُسَمّى، ويَأْتِي في مَواضِعَ يُرادُ بِهِ التَسْمِيَةَ، نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ « "إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا"» وغَيْرَ ذَلِكَ، ومَتى أُرِيدَ بِهِ المُسَمّى فَإنَّما هو صِلَةٌ كالزائِدِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ سَبِّحْ رَبَّكَ، أيْ نَزِّهْهُ، وإذا كانَ الِاسْمُ واحِدًا مِنَ الأسْماءِ كَزَيْدٍ وعَمْرٍو فَيَجِيءُ في الكَلامِ عَلى ما قُلْتُ، تَقُولُ: "زَيْدٌ قائِمٌ" تُرِيدُ المُسَمّى، (p-٥٩٠)وَتَقُولُ: "زَيْدٌ ثَلاثَةُ أحْرُفٍ" تُرِيدُ بِهِ التَسْمِيَةَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذا الوَجْهَ الأوَّلَ، وتَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِالِاسْمِ التَسْمِيَةُ نَفْسُها عَلى مَعْنى: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ عن أنْ يُسَمّى بِهِ صَنَمٌ أو وثَنٌ فَيُقالُ لَهُ: إلَهٌ ورَبٌّ ونَحْوُ ذَلِكَ.
و"الأعْلى" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلِاسْمِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلرَّبِّ تَعالى، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عُمَرَ وعَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُما قَرَآ هَذِهِ السُورَةَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى" قالَ: وهي في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ كَذَلِكَ، وهي قِراءَةُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وابْنِ الزُبَيْرِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى"،» وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، «وَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ قالَ النَبِيُّ ﷺ: "اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ"،» وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾: نَزِّهِ اسْمَ اللهِ تَعالى عن أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى الآيَةِ: صِلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ الأعْلى، كَما تَقُولُ: ابْدَأْ بِاسْمِ اللهِ تَعالى وحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ.
و"سِوى" مَعْناهُ: عَدَلَ وأتْقَنَ حَتّى صارَتِ الأُمُورُ مُسْتَوِيَةً دالَّةً عَلى قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "قَدَّرَ" بِشَدِّ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ القَدَرِ والقَضاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ بَيْنَ الأشْياءِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "قَدَرَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ القُدْرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَهَدى" عامٌّ لِجَمِيعِ الهِداياتِ في الإنْسانِ والحَيَوانِ، وقَدْ خَصَّصَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أشْياءً مِنَ الهِداياتِ، فَقالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: هَدى وأضَلَّ، واكْتَفى بِالواحِدَةِ لِدَلالَتِها عَلى الأُخْرى، وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هَدى الحَيَوانَ إلى وطْءِ الذُكُورِ الإناثِ، وقِيلَ: هَدى المَوْلُودَ عِنْدَ وضْعِهِ إلى مَصِّ الثَدْيِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الناسَ إلى الخَيْرِ والشَرِّ والبَهائِمِ لِلْمَراتِعِ..
(p-٥٩١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الأقْوالُ مِثالاتٌ، والعُمُومُ في الآيَةِ أصْوَبُ في كُلِّ تَقْدِيرٍ وفي كُلِّ هِدايَةٍ. و"المَرْعى": النَباتُ، وهو أصْلٌ في قِوامِ العَيْشِ، إذْ هو غِذاءُ الأنْعامِ، ومِنهُ ما يَنْتَفِعُ بِهِ الناسُ في ذَواتِهِمْ، و"الغُثاءُ": ما يَبِسَ وجَفَّ وتَحَطَّمَ مِنَ النَباتِ، وهو الَّذِي يَحْمِلُهُ السَيْلُ، وبِهِ شَبَّهَ الناسَ الَّذِينَ لا قَدْرَ لَهُمْ، و"الأحْوى" قِيلَ: هو الأخْضَرُ الَّذِي عَلَيْهِ سَوادٌ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ والغَضارَةِ، وقِيلَ: هو الأسْوَدُ سَوادًا يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لِعَسٍّ وفي اللِثاتِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
وتَقْدِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: أخْرَجَ المَرْعى أحْوى، أيْ أسْوَدَ مِن خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً عند يُبْسِهِ، فَـ "أحْوى" حالٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى، أيْ أُسُودُ؛ لِأنَّ الغُثاءَ إذا قُدِّمَ وأصابَتْهُ الأمْطارُ اسْوَدَّ وتَقْبَّضَ فَصارَ أحْوى، فَهَذِهِ صِفَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾، قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ: هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] الآيَةُ وعَدَهُ اللهُ تَعالى أنْ يُقْرِئَهُ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ لا يَنْسى نِسْيانًا لا يَكُونُ بَعْدَهُ تَذَكُّرٌ فَتَذْهَبُ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ مُبادَرَةً خَوْفًا مِنهُ أنْ يَنْسى، وفي هَذا التَأْوِيلِ آيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ في أنَّهُ أُمِّيٌّ، وحَفِظَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ الوَحْيَ وأمِنَهُ مِن نِسْيانِهِ، وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى تِلْكَ، وإنَّما هَذِهِ وعْدٌ بِإقْراءِ الشَرْعِ والسُوَرِ، وأمَرَهُ بِأنْ لا يَنْسى، عَلى مَعْنى التَثْبِيتِ والتَأْكِيدِ، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّ تَرْكَ النِسْيانِ لَيْسَ في قُدْرَتِهِ، فَهو نَهْيٌ عن إغْفالِ التَعاهُدِ، وأثْبَتَ الياءَ في "تَنْسى" لِتَعْدِيلِ رُؤُوسِ الآيِ، وقالَ الجُنَيْدُ: مَعْنى "لا تَنْسى": لا تَتْرُكِ العَمَلَ بِما تَضْمَنُ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ.
(p-٥٩٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللهُ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: مِمّا قَضى اللهُ سُبْحانَهُ بِنَسْخِهِ وأنْ تَرْفَعَ تِلاوَتَهُ وحُكْمَهُ، وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَعانِي: هو اسْتِثْناءُ صِلَةٍ في الكَلامِ، عَلى سُنَّةِ اللهِ تَعالى في الِاسْتِثْناءِ، ولَيْسَ ثَمَّ شَيْءٌ أُبِيحَ نِسْيانُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يُنْسِيَكَهُ لِتَسُنَّ بِهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ « "إنِّي لَأنْسى، أو أنَسى لِأسُنَّ".» وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يَغْلِبَكَ النِسْيانُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُذَكِّرُكَ بِهِ بَعْدُ، ومِن هَذا «قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام حِينَ سَمِعَ قِراءَةَ عَبّادِ بْنِ بِشْرٍ: "رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، لَقَدْ أذْكَرَنِي كَذا وكَذا في سُورَةِ كَذا"».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ونِسْيانُ النَبِيِّ ﷺ مُمْتَنِعٌ فِيما أمَرَ بِتَبْلِيغِهِ، إذْ هو مَعْصُومٌ، فَإذا بَلَّغَهُ ووَعى عنهُ فالنِسْيانُ جائِزٌ عَلى أنْ يَتَذَكَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وعَلى أنْ يَسُنَّ، أو عَلى النَسْخِ.
ثُمَّ أخْبَرَهُ تَعالى إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ الأشْياءِ وما يَخْفى مِنها، وذَلِكَ لِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وبِهَذا يَصِحُّ الخَبَرُ بِأنَّهُ لا يَنْسى شَيْئًا إلّا ذَكَّرَهُ اللهُ تَعالى بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى" مَعْناهُ: نَذْهَبُ بِكَ نَحْوَ الأُمُورِ المُسْتَحْسَنَةِ في دُنْياكَ وأُخْراكَ، مِنَ النَصْرِ والظَفَرِ وعُلُوِّ الرِسالَةِ والمَنزِلَةِ يَوْمَ القِيامَةِ والرِفْعَةِ في الجَنَّةِ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالتَذْكِيرِ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ فَقالَ الفَرّاءُ، والزَهْراوِيُّ: مَعْناهُ: وإنْ لَمْ تَنْفَعْ فاقْتَصِرْ عَلى القَسَمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثانِي، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: إنَّما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِقُرَيْشٍ، أيْ: إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى في هَؤُلاءِ الطُغاةِ العُتاةِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: (p-٥٩٣)
؎ لَقَدْ أسْمَعْتَ -لَوْ نادَيْتَ حَيًّا- ∗∗∗ ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
وهَذا كُلُّهُ كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: قُلْ لِفُلانٍ وأعِدْ لَهُ إنَّ سَمْعَكَ، إنَّما هو تَوْبِيخٌ لِلْمُشارِ إلَيْهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى اللهَ والدارَ الآخِرَةَ، وهُمُ العُلَماءُ والمُؤْمِنُونَ كَلٌّ بِقَدْرِ ما وُفِّقَ، ويَتَجَنَّبُ الذِكْرى ونَفَعَها مَن سَبَقَتْ لَهُ الشَقاوَةُ فَكَفَرَ، ووَجَبَ لَهُ صَلْيُ النارِ، وقالَ الحَسَنُ: "النارَ الكُبْرى" نارُ الآخِرَةِ، والصُغْرى نارُ الدُنْيا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ نارَ جَمِيعِ الآخِرَةِ وإنْ كانَتْ شَدِيدَةً فَهي تَتَفاضَلُ، فَفِيها شَيْءٌ أكْبَرُ مِن شَيْءٍ، وقالَ الفَرّاءُ: الكُبْرى هي السُفْلى مِن أطْباقِ النارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ مَعْناهُ: لا يَمُوتُ فِيها مَوْتًا مُرِيحًا ولا يَحْيا حَياةً هَنِيَّةً، فَهو لا مَحالَةَ حَيٌّ، وقَدْ ورَدَ في خَبَرِ إنَّ العُصاةَ في النارِ مَوْتى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأرادَهُ عَلى التَشْبِيهِ لِأنَّهُ كالسُباتِ والرُكُودِ والهُمُودِ، فَجَعَلَهُ مَوْتًا.
الأعلى 87:12
(p-٥٨٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الأعْلى
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وحَكى النَقّاشُ عَنِ الضَحّاكِ أنَّها مَدَنِيَّةُ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ، وإنَّما دَعا إلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ ذَكَرَ صَلاةَ العِيدِ فِيها.
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلا ما شاءَ اللهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾
"سَبِّحِ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: نَزَّهَ وقَدَّسَ وقُلْ: سُبْحانَهُ عَنِ النَقائِصِ والغَيْرِ جَمِيعًا وما يَقُولُ المُشْرِكُونَ، "والِاسْمِ" الَّذِي هُوَ: "ألف، سين، ميم" يَأْتِي في مَواضِعَ مِنَ الكَلامِ الفَصِيحِ يُرادُ بِهِ المُسَمّى، ويَأْتِي في مَواضِعَ يُرادُ بِهِ التَسْمِيَةَ، نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ « "إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا"» وغَيْرَ ذَلِكَ، ومَتى أُرِيدَ بِهِ المُسَمّى فَإنَّما هو صِلَةٌ كالزائِدِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ سَبِّحْ رَبَّكَ، أيْ نَزِّهْهُ، وإذا كانَ الِاسْمُ واحِدًا مِنَ الأسْماءِ كَزَيْدٍ وعَمْرٍو فَيَجِيءُ في الكَلامِ عَلى ما قُلْتُ، تَقُولُ: "زَيْدٌ قائِمٌ" تُرِيدُ المُسَمّى، (p-٥٩٠)وَتَقُولُ: "زَيْدٌ ثَلاثَةُ أحْرُفٍ" تُرِيدُ بِهِ التَسْمِيَةَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذا الوَجْهَ الأوَّلَ، وتَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِالِاسْمِ التَسْمِيَةُ نَفْسُها عَلى مَعْنى: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ عن أنْ يُسَمّى بِهِ صَنَمٌ أو وثَنٌ فَيُقالُ لَهُ: إلَهٌ ورَبٌّ ونَحْوُ ذَلِكَ.
و"الأعْلى" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلِاسْمِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلرَّبِّ تَعالى، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عُمَرَ وعَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُما قَرَآ هَذِهِ السُورَةَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى" قالَ: وهي في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ كَذَلِكَ، وهي قِراءَةُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وابْنِ الزُبَيْرِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى"،» وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، «وَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ قالَ النَبِيُّ ﷺ: "اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ"،» وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾: نَزِّهِ اسْمَ اللهِ تَعالى عن أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى الآيَةِ: صِلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ الأعْلى، كَما تَقُولُ: ابْدَأْ بِاسْمِ اللهِ تَعالى وحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ.
و"سِوى" مَعْناهُ: عَدَلَ وأتْقَنَ حَتّى صارَتِ الأُمُورُ مُسْتَوِيَةً دالَّةً عَلى قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "قَدَّرَ" بِشَدِّ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ القَدَرِ والقَضاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ بَيْنَ الأشْياءِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "قَدَرَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ القُدْرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَهَدى" عامٌّ لِجَمِيعِ الهِداياتِ في الإنْسانِ والحَيَوانِ، وقَدْ خَصَّصَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أشْياءً مِنَ الهِداياتِ، فَقالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: هَدى وأضَلَّ، واكْتَفى بِالواحِدَةِ لِدَلالَتِها عَلى الأُخْرى، وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هَدى الحَيَوانَ إلى وطْءِ الذُكُورِ الإناثِ، وقِيلَ: هَدى المَوْلُودَ عِنْدَ وضْعِهِ إلى مَصِّ الثَدْيِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الناسَ إلى الخَيْرِ والشَرِّ والبَهائِمِ لِلْمَراتِعِ..
(p-٥٩١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الأقْوالُ مِثالاتٌ، والعُمُومُ في الآيَةِ أصْوَبُ في كُلِّ تَقْدِيرٍ وفي كُلِّ هِدايَةٍ. و"المَرْعى": النَباتُ، وهو أصْلٌ في قِوامِ العَيْشِ، إذْ هو غِذاءُ الأنْعامِ، ومِنهُ ما يَنْتَفِعُ بِهِ الناسُ في ذَواتِهِمْ، و"الغُثاءُ": ما يَبِسَ وجَفَّ وتَحَطَّمَ مِنَ النَباتِ، وهو الَّذِي يَحْمِلُهُ السَيْلُ، وبِهِ شَبَّهَ الناسَ الَّذِينَ لا قَدْرَ لَهُمْ، و"الأحْوى" قِيلَ: هو الأخْضَرُ الَّذِي عَلَيْهِ سَوادٌ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ والغَضارَةِ، وقِيلَ: هو الأسْوَدُ سَوادًا يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لِعَسٍّ وفي اللِثاتِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
وتَقْدِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: أخْرَجَ المَرْعى أحْوى، أيْ أسْوَدَ مِن خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً عند يُبْسِهِ، فَـ "أحْوى" حالٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى، أيْ أُسُودُ؛ لِأنَّ الغُثاءَ إذا قُدِّمَ وأصابَتْهُ الأمْطارُ اسْوَدَّ وتَقْبَّضَ فَصارَ أحْوى، فَهَذِهِ صِفَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾، قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ: هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] الآيَةُ وعَدَهُ اللهُ تَعالى أنْ يُقْرِئَهُ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ لا يَنْسى نِسْيانًا لا يَكُونُ بَعْدَهُ تَذَكُّرٌ فَتَذْهَبُ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ مُبادَرَةً خَوْفًا مِنهُ أنْ يَنْسى، وفي هَذا التَأْوِيلِ آيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ في أنَّهُ أُمِّيٌّ، وحَفِظَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ الوَحْيَ وأمِنَهُ مِن نِسْيانِهِ، وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى تِلْكَ، وإنَّما هَذِهِ وعْدٌ بِإقْراءِ الشَرْعِ والسُوَرِ، وأمَرَهُ بِأنْ لا يَنْسى، عَلى مَعْنى التَثْبِيتِ والتَأْكِيدِ، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّ تَرْكَ النِسْيانِ لَيْسَ في قُدْرَتِهِ، فَهو نَهْيٌ عن إغْفالِ التَعاهُدِ، وأثْبَتَ الياءَ في "تَنْسى" لِتَعْدِيلِ رُؤُوسِ الآيِ، وقالَ الجُنَيْدُ: مَعْنى "لا تَنْسى": لا تَتْرُكِ العَمَلَ بِما تَضْمَنُ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ.
(p-٥٩٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللهُ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: مِمّا قَضى اللهُ سُبْحانَهُ بِنَسْخِهِ وأنْ تَرْفَعَ تِلاوَتَهُ وحُكْمَهُ، وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَعانِي: هو اسْتِثْناءُ صِلَةٍ في الكَلامِ، عَلى سُنَّةِ اللهِ تَعالى في الِاسْتِثْناءِ، ولَيْسَ ثَمَّ شَيْءٌ أُبِيحَ نِسْيانُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يُنْسِيَكَهُ لِتَسُنَّ بِهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ « "إنِّي لَأنْسى، أو أنَسى لِأسُنَّ".» وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يَغْلِبَكَ النِسْيانُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُذَكِّرُكَ بِهِ بَعْدُ، ومِن هَذا «قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام حِينَ سَمِعَ قِراءَةَ عَبّادِ بْنِ بِشْرٍ: "رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، لَقَدْ أذْكَرَنِي كَذا وكَذا في سُورَةِ كَذا"».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ونِسْيانُ النَبِيِّ ﷺ مُمْتَنِعٌ فِيما أمَرَ بِتَبْلِيغِهِ، إذْ هو مَعْصُومٌ، فَإذا بَلَّغَهُ ووَعى عنهُ فالنِسْيانُ جائِزٌ عَلى أنْ يَتَذَكَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وعَلى أنْ يَسُنَّ، أو عَلى النَسْخِ.
ثُمَّ أخْبَرَهُ تَعالى إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ الأشْياءِ وما يَخْفى مِنها، وذَلِكَ لِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وبِهَذا يَصِحُّ الخَبَرُ بِأنَّهُ لا يَنْسى شَيْئًا إلّا ذَكَّرَهُ اللهُ تَعالى بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى" مَعْناهُ: نَذْهَبُ بِكَ نَحْوَ الأُمُورِ المُسْتَحْسَنَةِ في دُنْياكَ وأُخْراكَ، مِنَ النَصْرِ والظَفَرِ وعُلُوِّ الرِسالَةِ والمَنزِلَةِ يَوْمَ القِيامَةِ والرِفْعَةِ في الجَنَّةِ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالتَذْكِيرِ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ فَقالَ الفَرّاءُ، والزَهْراوِيُّ: مَعْناهُ: وإنْ لَمْ تَنْفَعْ فاقْتَصِرْ عَلى القَسَمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثانِي، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: إنَّما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِقُرَيْشٍ، أيْ: إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى في هَؤُلاءِ الطُغاةِ العُتاةِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: (p-٥٩٣)
؎ لَقَدْ أسْمَعْتَ -لَوْ نادَيْتَ حَيًّا- ∗∗∗ ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
وهَذا كُلُّهُ كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: قُلْ لِفُلانٍ وأعِدْ لَهُ إنَّ سَمْعَكَ، إنَّما هو تَوْبِيخٌ لِلْمُشارِ إلَيْهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى اللهَ والدارَ الآخِرَةَ، وهُمُ العُلَماءُ والمُؤْمِنُونَ كَلٌّ بِقَدْرِ ما وُفِّقَ، ويَتَجَنَّبُ الذِكْرى ونَفَعَها مَن سَبَقَتْ لَهُ الشَقاوَةُ فَكَفَرَ، ووَجَبَ لَهُ صَلْيُ النارِ، وقالَ الحَسَنُ: "النارَ الكُبْرى" نارُ الآخِرَةِ، والصُغْرى نارُ الدُنْيا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ نارَ جَمِيعِ الآخِرَةِ وإنْ كانَتْ شَدِيدَةً فَهي تَتَفاضَلُ، فَفِيها شَيْءٌ أكْبَرُ مِن شَيْءٍ، وقالَ الفَرّاءُ: الكُبْرى هي السُفْلى مِن أطْباقِ النارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ مَعْناهُ: لا يَمُوتُ فِيها مَوْتًا مُرِيحًا ولا يَحْيا حَياةً هَنِيَّةً، فَهو لا مَحالَةَ حَيٌّ، وقَدْ ورَدَ في خَبَرِ إنَّ العُصاةَ في النارِ مَوْتى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأرادَهُ عَلى التَشْبِيهِ لِأنَّهُ كالسُباتِ والرُكُودِ والهُمُودِ، فَجَعَلَهُ مَوْتًا.
الأعلى 87:13
(p-٥٨٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الأعْلى
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وحَكى النَقّاشُ عَنِ الضَحّاكِ أنَّها مَدَنِيَّةُ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ، وإنَّما دَعا إلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ ذَكَرَ صَلاةَ العِيدِ فِيها.
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلا ما شاءَ اللهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾
"سَبِّحِ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: نَزَّهَ وقَدَّسَ وقُلْ: سُبْحانَهُ عَنِ النَقائِصِ والغَيْرِ جَمِيعًا وما يَقُولُ المُشْرِكُونَ، "والِاسْمِ" الَّذِي هُوَ: "ألف، سين، ميم" يَأْتِي في مَواضِعَ مِنَ الكَلامِ الفَصِيحِ يُرادُ بِهِ المُسَمّى، ويَأْتِي في مَواضِعَ يُرادُ بِهِ التَسْمِيَةَ، نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ « "إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا"» وغَيْرَ ذَلِكَ، ومَتى أُرِيدَ بِهِ المُسَمّى فَإنَّما هو صِلَةٌ كالزائِدِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ سَبِّحْ رَبَّكَ، أيْ نَزِّهْهُ، وإذا كانَ الِاسْمُ واحِدًا مِنَ الأسْماءِ كَزَيْدٍ وعَمْرٍو فَيَجِيءُ في الكَلامِ عَلى ما قُلْتُ، تَقُولُ: "زَيْدٌ قائِمٌ" تُرِيدُ المُسَمّى، (p-٥٩٠)وَتَقُولُ: "زَيْدٌ ثَلاثَةُ أحْرُفٍ" تُرِيدُ بِهِ التَسْمِيَةَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذا الوَجْهَ الأوَّلَ، وتَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِالِاسْمِ التَسْمِيَةُ نَفْسُها عَلى مَعْنى: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ عن أنْ يُسَمّى بِهِ صَنَمٌ أو وثَنٌ فَيُقالُ لَهُ: إلَهٌ ورَبٌّ ونَحْوُ ذَلِكَ.
و"الأعْلى" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلِاسْمِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلرَّبِّ تَعالى، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عُمَرَ وعَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُما قَرَآ هَذِهِ السُورَةَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى" قالَ: وهي في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ كَذَلِكَ، وهي قِراءَةُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وابْنِ الزُبَيْرِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى"،» وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، «وَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ قالَ النَبِيُّ ﷺ: "اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ"،» وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾: نَزِّهِ اسْمَ اللهِ تَعالى عن أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى الآيَةِ: صِلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ الأعْلى، كَما تَقُولُ: ابْدَأْ بِاسْمِ اللهِ تَعالى وحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ.
و"سِوى" مَعْناهُ: عَدَلَ وأتْقَنَ حَتّى صارَتِ الأُمُورُ مُسْتَوِيَةً دالَّةً عَلى قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "قَدَّرَ" بِشَدِّ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ القَدَرِ والقَضاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ بَيْنَ الأشْياءِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "قَدَرَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ القُدْرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَهَدى" عامٌّ لِجَمِيعِ الهِداياتِ في الإنْسانِ والحَيَوانِ، وقَدْ خَصَّصَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أشْياءً مِنَ الهِداياتِ، فَقالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: هَدى وأضَلَّ، واكْتَفى بِالواحِدَةِ لِدَلالَتِها عَلى الأُخْرى، وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هَدى الحَيَوانَ إلى وطْءِ الذُكُورِ الإناثِ، وقِيلَ: هَدى المَوْلُودَ عِنْدَ وضْعِهِ إلى مَصِّ الثَدْيِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الناسَ إلى الخَيْرِ والشَرِّ والبَهائِمِ لِلْمَراتِعِ..
(p-٥٩١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الأقْوالُ مِثالاتٌ، والعُمُومُ في الآيَةِ أصْوَبُ في كُلِّ تَقْدِيرٍ وفي كُلِّ هِدايَةٍ. و"المَرْعى": النَباتُ، وهو أصْلٌ في قِوامِ العَيْشِ، إذْ هو غِذاءُ الأنْعامِ، ومِنهُ ما يَنْتَفِعُ بِهِ الناسُ في ذَواتِهِمْ، و"الغُثاءُ": ما يَبِسَ وجَفَّ وتَحَطَّمَ مِنَ النَباتِ، وهو الَّذِي يَحْمِلُهُ السَيْلُ، وبِهِ شَبَّهَ الناسَ الَّذِينَ لا قَدْرَ لَهُمْ، و"الأحْوى" قِيلَ: هو الأخْضَرُ الَّذِي عَلَيْهِ سَوادٌ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ والغَضارَةِ، وقِيلَ: هو الأسْوَدُ سَوادًا يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لِعَسٍّ وفي اللِثاتِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
وتَقْدِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: أخْرَجَ المَرْعى أحْوى، أيْ أسْوَدَ مِن خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً عند يُبْسِهِ، فَـ "أحْوى" حالٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى، أيْ أُسُودُ؛ لِأنَّ الغُثاءَ إذا قُدِّمَ وأصابَتْهُ الأمْطارُ اسْوَدَّ وتَقْبَّضَ فَصارَ أحْوى، فَهَذِهِ صِفَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾، قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ: هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] الآيَةُ وعَدَهُ اللهُ تَعالى أنْ يُقْرِئَهُ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ لا يَنْسى نِسْيانًا لا يَكُونُ بَعْدَهُ تَذَكُّرٌ فَتَذْهَبُ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ مُبادَرَةً خَوْفًا مِنهُ أنْ يَنْسى، وفي هَذا التَأْوِيلِ آيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ في أنَّهُ أُمِّيٌّ، وحَفِظَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ الوَحْيَ وأمِنَهُ مِن نِسْيانِهِ، وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى تِلْكَ، وإنَّما هَذِهِ وعْدٌ بِإقْراءِ الشَرْعِ والسُوَرِ، وأمَرَهُ بِأنْ لا يَنْسى، عَلى مَعْنى التَثْبِيتِ والتَأْكِيدِ، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّ تَرْكَ النِسْيانِ لَيْسَ في قُدْرَتِهِ، فَهو نَهْيٌ عن إغْفالِ التَعاهُدِ، وأثْبَتَ الياءَ في "تَنْسى" لِتَعْدِيلِ رُؤُوسِ الآيِ، وقالَ الجُنَيْدُ: مَعْنى "لا تَنْسى": لا تَتْرُكِ العَمَلَ بِما تَضْمَنُ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ.
(p-٥٩٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللهُ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: مِمّا قَضى اللهُ سُبْحانَهُ بِنَسْخِهِ وأنْ تَرْفَعَ تِلاوَتَهُ وحُكْمَهُ، وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَعانِي: هو اسْتِثْناءُ صِلَةٍ في الكَلامِ، عَلى سُنَّةِ اللهِ تَعالى في الِاسْتِثْناءِ، ولَيْسَ ثَمَّ شَيْءٌ أُبِيحَ نِسْيانُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يُنْسِيَكَهُ لِتَسُنَّ بِهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ « "إنِّي لَأنْسى، أو أنَسى لِأسُنَّ".» وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يَغْلِبَكَ النِسْيانُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُذَكِّرُكَ بِهِ بَعْدُ، ومِن هَذا «قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام حِينَ سَمِعَ قِراءَةَ عَبّادِ بْنِ بِشْرٍ: "رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، لَقَدْ أذْكَرَنِي كَذا وكَذا في سُورَةِ كَذا"».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ونِسْيانُ النَبِيِّ ﷺ مُمْتَنِعٌ فِيما أمَرَ بِتَبْلِيغِهِ، إذْ هو مَعْصُومٌ، فَإذا بَلَّغَهُ ووَعى عنهُ فالنِسْيانُ جائِزٌ عَلى أنْ يَتَذَكَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وعَلى أنْ يَسُنَّ، أو عَلى النَسْخِ.
ثُمَّ أخْبَرَهُ تَعالى إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ الأشْياءِ وما يَخْفى مِنها، وذَلِكَ لِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وبِهَذا يَصِحُّ الخَبَرُ بِأنَّهُ لا يَنْسى شَيْئًا إلّا ذَكَّرَهُ اللهُ تَعالى بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى" مَعْناهُ: نَذْهَبُ بِكَ نَحْوَ الأُمُورِ المُسْتَحْسَنَةِ في دُنْياكَ وأُخْراكَ، مِنَ النَصْرِ والظَفَرِ وعُلُوِّ الرِسالَةِ والمَنزِلَةِ يَوْمَ القِيامَةِ والرِفْعَةِ في الجَنَّةِ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالتَذْكِيرِ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ فَقالَ الفَرّاءُ، والزَهْراوِيُّ: مَعْناهُ: وإنْ لَمْ تَنْفَعْ فاقْتَصِرْ عَلى القَسَمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثانِي، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: إنَّما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِقُرَيْشٍ، أيْ: إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى في هَؤُلاءِ الطُغاةِ العُتاةِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: (p-٥٩٣)
؎ لَقَدْ أسْمَعْتَ -لَوْ نادَيْتَ حَيًّا- ∗∗∗ ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
وهَذا كُلُّهُ كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: قُلْ لِفُلانٍ وأعِدْ لَهُ إنَّ سَمْعَكَ، إنَّما هو تَوْبِيخٌ لِلْمُشارِ إلَيْهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى اللهَ والدارَ الآخِرَةَ، وهُمُ العُلَماءُ والمُؤْمِنُونَ كَلٌّ بِقَدْرِ ما وُفِّقَ، ويَتَجَنَّبُ الذِكْرى ونَفَعَها مَن سَبَقَتْ لَهُ الشَقاوَةُ فَكَفَرَ، ووَجَبَ لَهُ صَلْيُ النارِ، وقالَ الحَسَنُ: "النارَ الكُبْرى" نارُ الآخِرَةِ، والصُغْرى نارُ الدُنْيا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ نارَ جَمِيعِ الآخِرَةِ وإنْ كانَتْ شَدِيدَةً فَهي تَتَفاضَلُ، فَفِيها شَيْءٌ أكْبَرُ مِن شَيْءٍ، وقالَ الفَرّاءُ: الكُبْرى هي السُفْلى مِن أطْباقِ النارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ مَعْناهُ: لا يَمُوتُ فِيها مَوْتًا مُرِيحًا ولا يَحْيا حَياةً هَنِيَّةً، فَهو لا مَحالَةَ حَيٌّ، وقَدْ ورَدَ في خَبَرِ إنَّ العُصاةَ في النارِ مَوْتى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأرادَهُ عَلى التَشْبِيهِ لِأنَّهُ كالسُباتِ والرُكُودِ والهُمُودِ، فَجَعَلَهُ مَوْتًا.
الأعلى 87:14
قوله عزّ وجلّ:
﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُنْيا﴾ ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُحُفِ الأُولى﴾ ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾
"أفْلَحَ" في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: فازَ بِبُغْيَتِهِ، و"تَزَكّى" مَعْناهُ: طَهَّرَ نَفْسَهُ ونَمّاها بِالخَيْرِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللهُ تُطَهِّرُ مِنَ الشِرْكِ"، وقالَ الحَسَنُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا، وقالَ أبُو الأحْوَصِ: مَن رَضَخَ مِن مالِهِ وزَكّاهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ مَعْناهُ: وحَّدَهُ وصَلّى لَهُ الصَلَواتِ الَّتِي فُرِضَتْ عَلَيْهِ، وتَنَفَّلَ أيْضًا بِما أمْكَنَهُ مِن صَلاةٍ وبِرٍّ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ المُسَيِّبِ: هَذِهِ الآيَةُ في صَبِيحَةِ يَوْمِ الفِطْرِ فـ "تَزَكّى" هو أدّى زَكاةَ الفِطْرِ، ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ هو ذَكَرَ اللهَ تَعالى في طَرِيقِ المُصَلّى إلى أنْ يَخْرُجَ الإمامُ، و"الصَلاةُ" هي (p-٥٩٤)صَلاةُ العِيدِ، وقَدْ رُوِيَ هَذا التَفْسِيرُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ. وقالَ قَتادَةُ وكَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: "تَزَكّى" أدّى زَكاةَ مالِهِ، و"صَلّى" مَعْناهُ: صَلّى الخَمْسَ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى الناسَ أنَّهم يُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُنْيا، فالكافِرُ يُؤْثِرُها إيثارَ كُفْرٍ يَرى أنَّ لا آخِرَةَ، والمُؤْمِنُ يُؤْثِرُها إيثارَ مَعْصِيَةٍ وغَلَبَةِ نَفْسٍ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ تَعالى. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ "يُؤْثِرُونَ" بِالياءِ، وقالَ: يَعْنِي الأشَقَّيْنِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، والجَحْدَرِيِّ، وقَرَأ الباقُونَ والناسُ: "تُؤْثِرُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وفي حِرَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ"، وسَبَبُ الإيثارِ حُبُّ العاجِلِ، والجَهْلُ بِبَقاءِ الآخِرَةِ، وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما في الدُنْيا في الآخِرَةِ إلّا كَنَفْخَةِ أرْنَبٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّ هَذا" قالَ الضَحّاكُ: أرادَ القُرْآنَ، ورُوِيَ أنَّ القُرْآنَ انْتَسَخَ مِنَ الصُحُفِ الأُولى، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الإشارَةُ إلى مَعانِي السُورَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الإشارَةُ إلى هَذَيْنَ الخَبَرَيْنِ: إفْلاحٌ مِن تَزَكّى، وإيثارُ الناسِ لِلدُّنْيا مَعَ فَضْلِ الآخِرَةِ عَلَيْها. وهَذا هو الأرْجَحُ لِقُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ بِـ "هَذا".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَفِي الصُحُفِ الأُولى﴾ أيْ لَمْ يُنْسَخْ هَذا قَطُّ في شَرْعٍ مِنَ الشَرائِعِ، فَهو في الأُولى وفي الأخِيراتِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ « "إنَّ مِمّا أدْرَكَ الناسُ مِن كَلامِ النُبُوَّةِ الأُولى إذا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شِئْتَ"» أيْ: أنَّهُ مِمّا جاءَتْ بِهِ الأُولى واسْتَمَرَّ في الغَيْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ "الصُحُفُ" مَضْمُومَةُ الحاءِ، ورَوى هارُونُ عن أبِي عَمْرٍو سُكُونَ الحاءِ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "إبْرَهِمَ" بِغَيْرِ ياءٍ ولا ألِفٍ، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ: "ابْراهامُ"، وكَذَلِكَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: "إبْراهِمُ" بِكَسْرِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ.
ورُوِيَ أنَّ صُحُفَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ نَزَلَتْ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ، والتَوْراةُ في (p-٥٩٥)السادِسَةِ مِن رَمَضانَ والزَبُورُ في اثْنَيْ عَشْرَةَ مِنهُ، والإنْجِيلُ في ثَمانِ عَشْرَةَ مِنهُ، والقُرْآنُ في أرْبَعَ عَشْرَةَ مِنهُ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الأعْلى] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
الأعلى 87:15
قوله عزّ وجلّ:
﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُنْيا﴾ ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُحُفِ الأُولى﴾ ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾
"أفْلَحَ" في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: فازَ بِبُغْيَتِهِ، و"تَزَكّى" مَعْناهُ: طَهَّرَ نَفْسَهُ ونَمّاها بِالخَيْرِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللهُ تُطَهِّرُ مِنَ الشِرْكِ"، وقالَ الحَسَنُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا، وقالَ أبُو الأحْوَصِ: مَن رَضَخَ مِن مالِهِ وزَكّاهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ مَعْناهُ: وحَّدَهُ وصَلّى لَهُ الصَلَواتِ الَّتِي فُرِضَتْ عَلَيْهِ، وتَنَفَّلَ أيْضًا بِما أمْكَنَهُ مِن صَلاةٍ وبِرٍّ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ المُسَيِّبِ: هَذِهِ الآيَةُ في صَبِيحَةِ يَوْمِ الفِطْرِ فـ "تَزَكّى" هو أدّى زَكاةَ الفِطْرِ، ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ هو ذَكَرَ اللهَ تَعالى في طَرِيقِ المُصَلّى إلى أنْ يَخْرُجَ الإمامُ، و"الصَلاةُ" هي (p-٥٩٤)صَلاةُ العِيدِ، وقَدْ رُوِيَ هَذا التَفْسِيرُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ. وقالَ قَتادَةُ وكَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: "تَزَكّى" أدّى زَكاةَ مالِهِ، و"صَلّى" مَعْناهُ: صَلّى الخَمْسَ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى الناسَ أنَّهم يُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُنْيا، فالكافِرُ يُؤْثِرُها إيثارَ كُفْرٍ يَرى أنَّ لا آخِرَةَ، والمُؤْمِنُ يُؤْثِرُها إيثارَ مَعْصِيَةٍ وغَلَبَةِ نَفْسٍ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ تَعالى. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ "يُؤْثِرُونَ" بِالياءِ، وقالَ: يَعْنِي الأشَقَّيْنِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، والجَحْدَرِيِّ، وقَرَأ الباقُونَ والناسُ: "تُؤْثِرُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وفي حِرَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ"، وسَبَبُ الإيثارِ حُبُّ العاجِلِ، والجَهْلُ بِبَقاءِ الآخِرَةِ، وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما في الدُنْيا في الآخِرَةِ إلّا كَنَفْخَةِ أرْنَبٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّ هَذا" قالَ الضَحّاكُ: أرادَ القُرْآنَ، ورُوِيَ أنَّ القُرْآنَ انْتَسَخَ مِنَ الصُحُفِ الأُولى، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الإشارَةُ إلى مَعانِي السُورَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الإشارَةُ إلى هَذَيْنَ الخَبَرَيْنِ: إفْلاحٌ مِن تَزَكّى، وإيثارُ الناسِ لِلدُّنْيا مَعَ فَضْلِ الآخِرَةِ عَلَيْها. وهَذا هو الأرْجَحُ لِقُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ بِـ "هَذا".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَفِي الصُحُفِ الأُولى﴾ أيْ لَمْ يُنْسَخْ هَذا قَطُّ في شَرْعٍ مِنَ الشَرائِعِ، فَهو في الأُولى وفي الأخِيراتِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ « "إنَّ مِمّا أدْرَكَ الناسُ مِن كَلامِ النُبُوَّةِ الأُولى إذا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شِئْتَ"» أيْ: أنَّهُ مِمّا جاءَتْ بِهِ الأُولى واسْتَمَرَّ في الغَيْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ "الصُحُفُ" مَضْمُومَةُ الحاءِ، ورَوى هارُونُ عن أبِي عَمْرٍو سُكُونَ الحاءِ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "إبْرَهِمَ" بِغَيْرِ ياءٍ ولا ألِفٍ، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ: "ابْراهامُ"، وكَذَلِكَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: "إبْراهِمُ" بِكَسْرِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ.
ورُوِيَ أنَّ صُحُفَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ نَزَلَتْ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ، والتَوْراةُ في (p-٥٩٥)السادِسَةِ مِن رَمَضانَ والزَبُورُ في اثْنَيْ عَشْرَةَ مِنهُ، والإنْجِيلُ في ثَمانِ عَشْرَةَ مِنهُ، والقُرْآنُ في أرْبَعَ عَشْرَةَ مِنهُ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الأعْلى] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
الأعلى 87:16
قوله عزّ وجلّ:
﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُنْيا﴾ ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُحُفِ الأُولى﴾ ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾
"أفْلَحَ" في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: فازَ بِبُغْيَتِهِ، و"تَزَكّى" مَعْناهُ: طَهَّرَ نَفْسَهُ ونَمّاها بِالخَيْرِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللهُ تُطَهِّرُ مِنَ الشِرْكِ"، وقالَ الحَسَنُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا، وقالَ أبُو الأحْوَصِ: مَن رَضَخَ مِن مالِهِ وزَكّاهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ مَعْناهُ: وحَّدَهُ وصَلّى لَهُ الصَلَواتِ الَّتِي فُرِضَتْ عَلَيْهِ، وتَنَفَّلَ أيْضًا بِما أمْكَنَهُ مِن صَلاةٍ وبِرٍّ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ المُسَيِّبِ: هَذِهِ الآيَةُ في صَبِيحَةِ يَوْمِ الفِطْرِ فـ "تَزَكّى" هو أدّى زَكاةَ الفِطْرِ، ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ هو ذَكَرَ اللهَ تَعالى في طَرِيقِ المُصَلّى إلى أنْ يَخْرُجَ الإمامُ، و"الصَلاةُ" هي (p-٥٩٤)صَلاةُ العِيدِ، وقَدْ رُوِيَ هَذا التَفْسِيرُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ. وقالَ قَتادَةُ وكَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: "تَزَكّى" أدّى زَكاةَ مالِهِ، و"صَلّى" مَعْناهُ: صَلّى الخَمْسَ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى الناسَ أنَّهم يُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُنْيا، فالكافِرُ يُؤْثِرُها إيثارَ كُفْرٍ يَرى أنَّ لا آخِرَةَ، والمُؤْمِنُ يُؤْثِرُها إيثارَ مَعْصِيَةٍ وغَلَبَةِ نَفْسٍ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ تَعالى. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ "يُؤْثِرُونَ" بِالياءِ، وقالَ: يَعْنِي الأشَقَّيْنِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، والجَحْدَرِيِّ، وقَرَأ الباقُونَ والناسُ: "تُؤْثِرُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وفي حِرَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ"، وسَبَبُ الإيثارِ حُبُّ العاجِلِ، والجَهْلُ بِبَقاءِ الآخِرَةِ، وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما في الدُنْيا في الآخِرَةِ إلّا كَنَفْخَةِ أرْنَبٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّ هَذا" قالَ الضَحّاكُ: أرادَ القُرْآنَ، ورُوِيَ أنَّ القُرْآنَ انْتَسَخَ مِنَ الصُحُفِ الأُولى، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الإشارَةُ إلى مَعانِي السُورَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الإشارَةُ إلى هَذَيْنَ الخَبَرَيْنِ: إفْلاحٌ مِن تَزَكّى، وإيثارُ الناسِ لِلدُّنْيا مَعَ فَضْلِ الآخِرَةِ عَلَيْها. وهَذا هو الأرْجَحُ لِقُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ بِـ "هَذا".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَفِي الصُحُفِ الأُولى﴾ أيْ لَمْ يُنْسَخْ هَذا قَطُّ في شَرْعٍ مِنَ الشَرائِعِ، فَهو في الأُولى وفي الأخِيراتِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ « "إنَّ مِمّا أدْرَكَ الناسُ مِن كَلامِ النُبُوَّةِ الأُولى إذا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شِئْتَ"» أيْ: أنَّهُ مِمّا جاءَتْ بِهِ الأُولى واسْتَمَرَّ في الغَيْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ "الصُحُفُ" مَضْمُومَةُ الحاءِ، ورَوى هارُونُ عن أبِي عَمْرٍو سُكُونَ الحاءِ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "إبْرَهِمَ" بِغَيْرِ ياءٍ ولا ألِفٍ، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ: "ابْراهامُ"، وكَذَلِكَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: "إبْراهِمُ" بِكَسْرِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ.
ورُوِيَ أنَّ صُحُفَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ نَزَلَتْ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ، والتَوْراةُ في (p-٥٩٥)السادِسَةِ مِن رَمَضانَ والزَبُورُ في اثْنَيْ عَشْرَةَ مِنهُ، والإنْجِيلُ في ثَمانِ عَشْرَةَ مِنهُ، والقُرْآنُ في أرْبَعَ عَشْرَةَ مِنهُ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الأعْلى] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
الأعلى 87:17
قوله عزّ وجلّ:
﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُنْيا﴾ ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُحُفِ الأُولى﴾ ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾
"أفْلَحَ" في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: فازَ بِبُغْيَتِهِ، و"تَزَكّى" مَعْناهُ: طَهَّرَ نَفْسَهُ ونَمّاها بِالخَيْرِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللهُ تُطَهِّرُ مِنَ الشِرْكِ"، وقالَ الحَسَنُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا، وقالَ أبُو الأحْوَصِ: مَن رَضَخَ مِن مالِهِ وزَكّاهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ مَعْناهُ: وحَّدَهُ وصَلّى لَهُ الصَلَواتِ الَّتِي فُرِضَتْ عَلَيْهِ، وتَنَفَّلَ أيْضًا بِما أمْكَنَهُ مِن صَلاةٍ وبِرٍّ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ المُسَيِّبِ: هَذِهِ الآيَةُ في صَبِيحَةِ يَوْمِ الفِطْرِ فـ "تَزَكّى" هو أدّى زَكاةَ الفِطْرِ، ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ هو ذَكَرَ اللهَ تَعالى في طَرِيقِ المُصَلّى إلى أنْ يَخْرُجَ الإمامُ، و"الصَلاةُ" هي (p-٥٩٤)صَلاةُ العِيدِ، وقَدْ رُوِيَ هَذا التَفْسِيرُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ. وقالَ قَتادَةُ وكَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: "تَزَكّى" أدّى زَكاةَ مالِهِ، و"صَلّى" مَعْناهُ: صَلّى الخَمْسَ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى الناسَ أنَّهم يُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُنْيا، فالكافِرُ يُؤْثِرُها إيثارَ كُفْرٍ يَرى أنَّ لا آخِرَةَ، والمُؤْمِنُ يُؤْثِرُها إيثارَ مَعْصِيَةٍ وغَلَبَةِ نَفْسٍ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ تَعالى. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ "يُؤْثِرُونَ" بِالياءِ، وقالَ: يَعْنِي الأشَقَّيْنِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، والجَحْدَرِيِّ، وقَرَأ الباقُونَ والناسُ: "تُؤْثِرُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وفي حِرَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ"، وسَبَبُ الإيثارِ حُبُّ العاجِلِ، والجَهْلُ بِبَقاءِ الآخِرَةِ، وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما في الدُنْيا في الآخِرَةِ إلّا كَنَفْخَةِ أرْنَبٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّ هَذا" قالَ الضَحّاكُ: أرادَ القُرْآنَ، ورُوِيَ أنَّ القُرْآنَ انْتَسَخَ مِنَ الصُحُفِ الأُولى، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الإشارَةُ إلى مَعانِي السُورَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الإشارَةُ إلى هَذَيْنَ الخَبَرَيْنِ: إفْلاحٌ مِن تَزَكّى، وإيثارُ الناسِ لِلدُّنْيا مَعَ فَضْلِ الآخِرَةِ عَلَيْها. وهَذا هو الأرْجَحُ لِقُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ بِـ "هَذا".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَفِي الصُحُفِ الأُولى﴾ أيْ لَمْ يُنْسَخْ هَذا قَطُّ في شَرْعٍ مِنَ الشَرائِعِ، فَهو في الأُولى وفي الأخِيراتِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ « "إنَّ مِمّا أدْرَكَ الناسُ مِن كَلامِ النُبُوَّةِ الأُولى إذا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شِئْتَ"» أيْ: أنَّهُ مِمّا جاءَتْ بِهِ الأُولى واسْتَمَرَّ في الغَيْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ "الصُحُفُ" مَضْمُومَةُ الحاءِ، ورَوى هارُونُ عن أبِي عَمْرٍو سُكُونَ الحاءِ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "إبْرَهِمَ" بِغَيْرِ ياءٍ ولا ألِفٍ، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ: "ابْراهامُ"، وكَذَلِكَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: "إبْراهِمُ" بِكَسْرِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ.
ورُوِيَ أنَّ صُحُفَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ نَزَلَتْ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ، والتَوْراةُ في (p-٥٩٥)السادِسَةِ مِن رَمَضانَ والزَبُورُ في اثْنَيْ عَشْرَةَ مِنهُ، والإنْجِيلُ في ثَمانِ عَشْرَةَ مِنهُ، والقُرْآنُ في أرْبَعَ عَشْرَةَ مِنهُ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الأعْلى] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
الأعلى 87:18
قوله عزّ وجلّ:
﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُنْيا﴾ ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُحُفِ الأُولى﴾ ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾
"أفْلَحَ" في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: فازَ بِبُغْيَتِهِ، و"تَزَكّى" مَعْناهُ: طَهَّرَ نَفْسَهُ ونَمّاها بِالخَيْرِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللهُ تُطَهِّرُ مِنَ الشِرْكِ"، وقالَ الحَسَنُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا، وقالَ أبُو الأحْوَصِ: مَن رَضَخَ مِن مالِهِ وزَكّاهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ مَعْناهُ: وحَّدَهُ وصَلّى لَهُ الصَلَواتِ الَّتِي فُرِضَتْ عَلَيْهِ، وتَنَفَّلَ أيْضًا بِما أمْكَنَهُ مِن صَلاةٍ وبِرٍّ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ المُسَيِّبِ: هَذِهِ الآيَةُ في صَبِيحَةِ يَوْمِ الفِطْرِ فـ "تَزَكّى" هو أدّى زَكاةَ الفِطْرِ، ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ هو ذَكَرَ اللهَ تَعالى في طَرِيقِ المُصَلّى إلى أنْ يَخْرُجَ الإمامُ، و"الصَلاةُ" هي (p-٥٩٤)صَلاةُ العِيدِ، وقَدْ رُوِيَ هَذا التَفْسِيرُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ. وقالَ قَتادَةُ وكَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: "تَزَكّى" أدّى زَكاةَ مالِهِ، و"صَلّى" مَعْناهُ: صَلّى الخَمْسَ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى الناسَ أنَّهم يُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُنْيا، فالكافِرُ يُؤْثِرُها إيثارَ كُفْرٍ يَرى أنَّ لا آخِرَةَ، والمُؤْمِنُ يُؤْثِرُها إيثارَ مَعْصِيَةٍ وغَلَبَةِ نَفْسٍ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ تَعالى. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ "يُؤْثِرُونَ" بِالياءِ، وقالَ: يَعْنِي الأشَقَّيْنِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، والجَحْدَرِيِّ، وقَرَأ الباقُونَ والناسُ: "تُؤْثِرُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وفي حِرَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ"، وسَبَبُ الإيثارِ حُبُّ العاجِلِ، والجَهْلُ بِبَقاءِ الآخِرَةِ، وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما في الدُنْيا في الآخِرَةِ إلّا كَنَفْخَةِ أرْنَبٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّ هَذا" قالَ الضَحّاكُ: أرادَ القُرْآنَ، ورُوِيَ أنَّ القُرْآنَ انْتَسَخَ مِنَ الصُحُفِ الأُولى، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الإشارَةُ إلى مَعانِي السُورَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الإشارَةُ إلى هَذَيْنَ الخَبَرَيْنِ: إفْلاحٌ مِن تَزَكّى، وإيثارُ الناسِ لِلدُّنْيا مَعَ فَضْلِ الآخِرَةِ عَلَيْها. وهَذا هو الأرْجَحُ لِقُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ بِـ "هَذا".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَفِي الصُحُفِ الأُولى﴾ أيْ لَمْ يُنْسَخْ هَذا قَطُّ في شَرْعٍ مِنَ الشَرائِعِ، فَهو في الأُولى وفي الأخِيراتِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ « "إنَّ مِمّا أدْرَكَ الناسُ مِن كَلامِ النُبُوَّةِ الأُولى إذا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شِئْتَ"» أيْ: أنَّهُ مِمّا جاءَتْ بِهِ الأُولى واسْتَمَرَّ في الغَيْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ "الصُحُفُ" مَضْمُومَةُ الحاءِ، ورَوى هارُونُ عن أبِي عَمْرٍو سُكُونَ الحاءِ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "إبْرَهِمَ" بِغَيْرِ ياءٍ ولا ألِفٍ، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ: "ابْراهامُ"، وكَذَلِكَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: "إبْراهِمُ" بِكَسْرِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ.
ورُوِيَ أنَّ صُحُفَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ نَزَلَتْ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ، والتَوْراةُ في (p-٥٩٥)السادِسَةِ مِن رَمَضانَ والزَبُورُ في اثْنَيْ عَشْرَةَ مِنهُ، والإنْجِيلُ في ثَمانِ عَشْرَةَ مِنهُ، والقُرْآنُ في أرْبَعَ عَشْرَةَ مِنهُ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الأعْلى] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
الأعلى 87:19
قوله عزّ وجلّ:
﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُنْيا﴾ ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُحُفِ الأُولى﴾ ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾
"أفْلَحَ" في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: فازَ بِبُغْيَتِهِ، و"تَزَكّى" مَعْناهُ: طَهَّرَ نَفْسَهُ ونَمّاها بِالخَيْرِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللهُ تُطَهِّرُ مِنَ الشِرْكِ"، وقالَ الحَسَنُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا، وقالَ أبُو الأحْوَصِ: مَن رَضَخَ مِن مالِهِ وزَكّاهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ مَعْناهُ: وحَّدَهُ وصَلّى لَهُ الصَلَواتِ الَّتِي فُرِضَتْ عَلَيْهِ، وتَنَفَّلَ أيْضًا بِما أمْكَنَهُ مِن صَلاةٍ وبِرٍّ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ المُسَيِّبِ: هَذِهِ الآيَةُ في صَبِيحَةِ يَوْمِ الفِطْرِ فـ "تَزَكّى" هو أدّى زَكاةَ الفِطْرِ، ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ هو ذَكَرَ اللهَ تَعالى في طَرِيقِ المُصَلّى إلى أنْ يَخْرُجَ الإمامُ، و"الصَلاةُ" هي (p-٥٩٤)صَلاةُ العِيدِ، وقَدْ رُوِيَ هَذا التَفْسِيرُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ. وقالَ قَتادَةُ وكَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: "تَزَكّى" أدّى زَكاةَ مالِهِ، و"صَلّى" مَعْناهُ: صَلّى الخَمْسَ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى الناسَ أنَّهم يُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُنْيا، فالكافِرُ يُؤْثِرُها إيثارَ كُفْرٍ يَرى أنَّ لا آخِرَةَ، والمُؤْمِنُ يُؤْثِرُها إيثارَ مَعْصِيَةٍ وغَلَبَةِ نَفْسٍ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ تَعالى. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ "يُؤْثِرُونَ" بِالياءِ، وقالَ: يَعْنِي الأشَقَّيْنِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، والجَحْدَرِيِّ، وقَرَأ الباقُونَ والناسُ: "تُؤْثِرُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وفي حِرَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ"، وسَبَبُ الإيثارِ حُبُّ العاجِلِ، والجَهْلُ بِبَقاءِ الآخِرَةِ، وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما في الدُنْيا في الآخِرَةِ إلّا كَنَفْخَةِ أرْنَبٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّ هَذا" قالَ الضَحّاكُ: أرادَ القُرْآنَ، ورُوِيَ أنَّ القُرْآنَ انْتَسَخَ مِنَ الصُحُفِ الأُولى، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الإشارَةُ إلى مَعانِي السُورَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الإشارَةُ إلى هَذَيْنَ الخَبَرَيْنِ: إفْلاحٌ مِن تَزَكّى، وإيثارُ الناسِ لِلدُّنْيا مَعَ فَضْلِ الآخِرَةِ عَلَيْها. وهَذا هو الأرْجَحُ لِقُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ بِـ "هَذا".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَفِي الصُحُفِ الأُولى﴾ أيْ لَمْ يُنْسَخْ هَذا قَطُّ في شَرْعٍ مِنَ الشَرائِعِ، فَهو في الأُولى وفي الأخِيراتِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ « "إنَّ مِمّا أدْرَكَ الناسُ مِن كَلامِ النُبُوَّةِ الأُولى إذا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شِئْتَ"» أيْ: أنَّهُ مِمّا جاءَتْ بِهِ الأُولى واسْتَمَرَّ في الغَيْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ "الصُحُفُ" مَضْمُومَةُ الحاءِ، ورَوى هارُونُ عن أبِي عَمْرٍو سُكُونَ الحاءِ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "إبْرَهِمَ" بِغَيْرِ ياءٍ ولا ألِفٍ، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ: "ابْراهامُ"، وكَذَلِكَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: "إبْراهِمُ" بِكَسْرِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ.
ورُوِيَ أنَّ صُحُفَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ نَزَلَتْ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ، والتَوْراةُ في (p-٥٩٥)السادِسَةِ مِن رَمَضانَ والزَبُورُ في اثْنَيْ عَشْرَةَ مِنهُ، والإنْجِيلُ في ثَمانِ عَشْرَةَ مِنهُ، والقُرْآنُ في أرْبَعَ عَشْرَةَ مِنهُ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الأعْلى] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
الغاشية 88:1
(p-٥٩٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الغاشِيَةِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ أهْلِ التَأْوِيلِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "هَلْ" بِمَعْنى "قَدْ"، وقالَ الحُذّاقُ: هي عَلى بابِها تَوْقِيفٌ فائِدَتُهُ تَحْرِيكُ نَفْسِ السامِعِ إلى تَلَقِّي الخَبَرِ، وقِيلَ: المَعْنى: هَلْ كانَ هَذا مِن عِلْمِكَ لَوْلا ما عَلَّمْناكَ؟ فَفي هَذا التَأْوِيلِ تَقْرِيرُ النِعْمَةِ. و"الغاشِيَةِ": القِيامَةُ لِأنَّها تَغْشى العالَمَ كُلَّهُ بِهَوْلِها وتَغْيِيرِها لِبِنْيَتِهِ، قالَهُ سُفْيانُ وجُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الغاشِيَةُ: النارُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠]، وقالَ: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]، فَهي تَغْشى سُكّانَها، والقَوْلُ الأوَّلُ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾، والوُجُوهُ الخاشِعَةُ هى وجُوهُ الكَفّارِ، وخُشُوعُها ذُلُّها وتَغَيُّرُها بِالعَذابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عامِلَةٌ ناصِبَةٌ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: عامِلَةٌ في النارِ ناصِبَةٌ فِيها والنَصَبُ: التَعَبُ؛ لِأنَّها تَكَبَّرَتْ عَنِ العَمَلِ لِلَّهِ تَعالى في الدُنْيا فَأعْمَلَها في الآخِرَةِ في نارِهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ والسُدِّيُّ: المَعْنى: عامِلَةٌ في الدُنْيا ناصِبَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فالعَمَلُ -عَلى هَذا- هو مَساعِي الدُنْيا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى: هي عامِلَةٌ في الدُنْيا ناصِبَةٌ فِيها.
(p-٥٩٧)لِأنَّها عَلى غَيْرِ هُدًى، فَلا ثَمَرَةَ لِعَمَلِها إلّا النَصْبُ، وخاتِمَتُهُ النارُ، قالُوا: الآيَةُ في القِسِّيسِينَ وعَبَدَةِ الأوثانِ وكُلِّ مُجْتَهِدٍ في كُفْرٍ، وقَدْ ذَهَبَ هَذا المَذْهَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ، وبَكى رَحْمَةً لِراهِبٍ نَصْرانِيٍّ رَآهُ مُجْتَهِدًا، وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ ذَكَرَ القَدَرِيَّةَ فَبَكى وقالَ إنَّ فِيهِمُ المُجْتَهِدَ.»
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -فِي رِوايَةِ شِبْلٍ- وابْنِ مُحَيْصِنٍ: "عامِلَةٌ ناصِبَةٌ" بِالنَصْبِ عَلى الذَمِّ، والناصِبُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: أذُمُّ أو أعْنِي ونَحْوُ هَذا، وقَرَأ السِتَّةُ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ: "تَصْلى" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُون الصادِ، عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أيِ الوُجُوهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ- وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ -واخْتُلِفَ عن نافِعٍ وعَنِ الأعْرَجِ -: "تُصْلى" بِضَمِّ التاءِ وسُكُونِ الصادِ، وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن "صَلَيْتُهُ النارَ" عَلى مَعْنى أصْلَيْتُهُ فَيَكُونُ كتَضْرِبُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أصْلَيْتُ فَيَكُونُ كَتَكَرَّمَ، قَرَأ بَعْضُ الناسِ: "تُصَلّى" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الصادِ وشَدِّ اللامِ، عَلى التَعْدِيَةِ بِالتَضْعِيفِ، حَكاها أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ. و"الحامِيَةُ": المُسَعَّرَةُ التَوَقُّدَةِ المُتَوَهِّجَةِ. و"الآنِيَةُ": الَّتِي قَدِ انْتَهى حَرُّها،كَما قالَ تَعالى: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى "آنِيَةٍ": حاضِرَةٌ لَهُمْ، مِن قَوْلِهِمْ: آنَ الشَيْءُ إذا حَضَرَ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الضَرِيعِ"، فَقالَ الحَسَنُ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ هو الزَقُّومُ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ لا طَعامَ لَهم إلّا مِن ضَرِيعٍ، وقَدْ أخْبَرَ أنَّ الزَقُّومَ طَعامُ الأثِيمِ، فَذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ الضَرِيعَ هو الزَقُّومُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الضَرِيعُ حِجارَةٌ في النارِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: الضَرِيعُ شَبْرَقُ (p-٥٩٨)النارِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الضَرِيعُ الشَبْرَقُ وهو مَرْعى سُوءٍ لا تُعَقِّدُ السائِمَةُ عَلَيْهِ شَحْمًا ولا لَحْمًا، ومِنهُ قَوْلُ أبِي عِيزارَةَ الهُذَلِيِّ:
؎ وحَبَسْنَ في هَزَمَ الضَرِيعِ فَكُلُّها حَدْباءُ دامِيَةُ اليَدَيْنِ حُرُودُ
وقالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:
؎ رَعى الشَبْرَقَ الرَيّانَ حَتّى إذا ذَوى ∗∗∗ وعادَ ضَرِيعًا بانَ مِنهُ النحائِضُ
وقِيلَ: الضَرِيعُ: العَشْرَقُ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "الضَرِيعُ شَوْكٌ في النارِ"،» وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: الضَرِيعُ يَبِسُ العُرْفُجِ إذا تَحَطَّمَ، وقالَ آخَرُونَ: هو رَطْبٌ العُرْفُجِ، وقالَ الزَجّاجُ: هو نَبْتٌ كالعَوْسَجِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الضَرِيعُ نَبْتٌ في البَحْرِ (p-٥٩٩)أخْضَرٌ مُنْتِنٌ مُجَوَّفٌ مُسْتَطِيلٌ، لَهُ نُورٌ فِيهِ كَبِيرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الضَرِيعُ شَجَرٌ مِن نارٍ. وكُلُّ مَن ذَكَرَ شَيْئًا مِمّا قَدَّرْناهُ فَإنَّما يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ مِن نارٍ ولا بُدَّ، وكُلُّ ما في النارِ فَهو نارٌ. وقالَ قَوْمٌ: ضَرِيعٌ: وادٍ في جَهَنَّمَ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الضَرِيعُ طَعامُ أهْلِ النارِ، ولَمْ يُرِدْ أنْ يُخَصِّصَ شَيْئًا مِمّا ذَكَرَ، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: وهَذا مِمّا لا تَعْرِفُهُ العَرَبُ، وقِيلَ: "الضَرِيعُ" الجِلْدَةُ الَّتِي عَلى العَظْمِ تَحْتَ اللَحْمِ، ولا أعْرِفُ مَن تَأوَّلَ الآيَةَ بِهَذا، وأهْلُ هَذِهِ الأقاوِيلِ يَقُولُونَ: الزَقُّومُ لِطائِفَةٍ، والضَرِيعُ لِطائِفَةٍ، والغِسْلِينُ لِطائِفَةٍ.
واخْتُلِفَ في المَعْنى الَّذِي سُمِّيَ ضَرِيعًا، فَقِيلَ: هو ضَرِيعٌ بِمَعْنى مُضْرِعٍ، أيْ مُضْعِفٍ لِلْبَدَنِ مُهْزِلٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في ولَدىْ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ عنهُمْ: « "ما لِي أراهُما ضارِعَيْنِ" ؟» يُرِيدُ هَزِيلَيْنِ، ومِن فَعِيلٍ بِمَعْنى مُفْعِلٍ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ أمِن رَيْحانَةِ الداعِي السَمِيعِ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ
يُرِيدُ: السَمْعَ. وقِيلَ: ضَرِيعٍ: فَعِيلٌ مِنَ المُضارَعَةِ، أيْ لِأنَّهُ يُشْبِهُ المَرْعى الجَيِّدَ ويُضارِعُهُ في الظاهِرِ، ولَيْسَ بِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى وُجُوهَ أهْلِ النارِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِهِ وُجُوهَ أهْلِ الجَنَّةِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لِسَعْيِها" يُرِيدُ بِهِ: لِعَمَلِها في الدُنْيا وطاعَتِها، والمَعْنى: لِثَوابِ سَعْيِها والتَنْعِيمِ عَلَيْهِ، ووَصَفَ تَعالى الجَنَّةَ بِالعُلُوِّ، وذَلِكَ يَصِحُّ مِن جِهَةِ المَسافَةِ والمَكانِ، ومِن جِهَةِ المَكانِهِ والمَنزِلَةِ أيْضًا.
(p-٦٠٠)وَقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُما- والأعْرَجُ، وأهْلُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ: "لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةٌ" بِضَمِّ التاءِ مِن فَوْقٍ، ورَفَعَ "لاغِيَةً"، فَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةً لاغِيَةً، أيْ ذاتُ لَغْوٍ، فَهي عَلى النَسَبِ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم عَلى مَعْنى: لا تَسْمِعُ فِيها فِئَةً أو جَماعَةً لاغِيَةً ناطِقَةً بِسُوءٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "لاغِيَةً" مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والجاثِيَةِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ "لا تُسْمَعُ" بِضَمِّ التاءِ، "لاغِيًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: "لا يَسْمَعُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ مَضْمُومَةٌ "لاغِيَةٌ" بِالرَفْعِ، وهي قِراءَةُ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِيسى والجَحْدَرِيُّ أيْضًا. إلّا أنَّهُ قَرَأ "لاغِيَةً" بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: لا يَسْمَعُ أحَدٌ كَلِمَةً لاغِيَةً، مِن قَوْلِكَ أسْمَعْتُ زَيْدًا، وقَرَأ الباقُونَ ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ خارِجَةَ - والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ- "لا تَسْمَعُ" بِفَتْحِ التاءِ "لاغِيَةً"، بِالنُصْبِ والمَعْنى إمّا عَلى الكَلِمَةِ وإمّا عَلى الفِئَةِ، والفاعِلُ بـ "تَسْمَعُ" إمّا الوُجُوهُ، وإمّا مُحَمَّدٌ ﷺ -قالَهُ الحَسَنُ- وإنَّما أنْتَ أيُّها المُخاطَبُ عُمُومًا. و"اللَغْوُ" سَقْطُ القَوْلِ، فَذَلِكَ يَجْمَعُ الفُحْشَ وسائِرَ الكَلامِ السَفْاسَفِ الناقِصِ، ولَيْسَ في الجَنَّةِ نُقْصانٌ ولا عَيْبٌ في فِعْلٍ ولا قَوْلٍ، والحَمْدُ لِلَّهِ ولِيِّ النِعْمَةِ.
الغاشية 88:2
(p-٥٩٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الغاشِيَةِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ أهْلِ التَأْوِيلِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "هَلْ" بِمَعْنى "قَدْ"، وقالَ الحُذّاقُ: هي عَلى بابِها تَوْقِيفٌ فائِدَتُهُ تَحْرِيكُ نَفْسِ السامِعِ إلى تَلَقِّي الخَبَرِ، وقِيلَ: المَعْنى: هَلْ كانَ هَذا مِن عِلْمِكَ لَوْلا ما عَلَّمْناكَ؟ فَفي هَذا التَأْوِيلِ تَقْرِيرُ النِعْمَةِ. و"الغاشِيَةِ": القِيامَةُ لِأنَّها تَغْشى العالَمَ كُلَّهُ بِهَوْلِها وتَغْيِيرِها لِبِنْيَتِهِ، قالَهُ سُفْيانُ وجُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الغاشِيَةُ: النارُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠]، وقالَ: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]، فَهي تَغْشى سُكّانَها، والقَوْلُ الأوَّلُ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾، والوُجُوهُ الخاشِعَةُ هى وجُوهُ الكَفّارِ، وخُشُوعُها ذُلُّها وتَغَيُّرُها بِالعَذابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عامِلَةٌ ناصِبَةٌ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: عامِلَةٌ في النارِ ناصِبَةٌ فِيها والنَصَبُ: التَعَبُ؛ لِأنَّها تَكَبَّرَتْ عَنِ العَمَلِ لِلَّهِ تَعالى في الدُنْيا فَأعْمَلَها في الآخِرَةِ في نارِهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ والسُدِّيُّ: المَعْنى: عامِلَةٌ في الدُنْيا ناصِبَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فالعَمَلُ -عَلى هَذا- هو مَساعِي الدُنْيا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى: هي عامِلَةٌ في الدُنْيا ناصِبَةٌ فِيها.
(p-٥٩٧)لِأنَّها عَلى غَيْرِ هُدًى، فَلا ثَمَرَةَ لِعَمَلِها إلّا النَصْبُ، وخاتِمَتُهُ النارُ، قالُوا: الآيَةُ في القِسِّيسِينَ وعَبَدَةِ الأوثانِ وكُلِّ مُجْتَهِدٍ في كُفْرٍ، وقَدْ ذَهَبَ هَذا المَذْهَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ، وبَكى رَحْمَةً لِراهِبٍ نَصْرانِيٍّ رَآهُ مُجْتَهِدًا، وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ ذَكَرَ القَدَرِيَّةَ فَبَكى وقالَ إنَّ فِيهِمُ المُجْتَهِدَ.»
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -فِي رِوايَةِ شِبْلٍ- وابْنِ مُحَيْصِنٍ: "عامِلَةٌ ناصِبَةٌ" بِالنَصْبِ عَلى الذَمِّ، والناصِبُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: أذُمُّ أو أعْنِي ونَحْوُ هَذا، وقَرَأ السِتَّةُ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ: "تَصْلى" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُون الصادِ، عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أيِ الوُجُوهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ- وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ -واخْتُلِفَ عن نافِعٍ وعَنِ الأعْرَجِ -: "تُصْلى" بِضَمِّ التاءِ وسُكُونِ الصادِ، وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن "صَلَيْتُهُ النارَ" عَلى مَعْنى أصْلَيْتُهُ فَيَكُونُ كتَضْرِبُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أصْلَيْتُ فَيَكُونُ كَتَكَرَّمَ، قَرَأ بَعْضُ الناسِ: "تُصَلّى" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الصادِ وشَدِّ اللامِ، عَلى التَعْدِيَةِ بِالتَضْعِيفِ، حَكاها أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ. و"الحامِيَةُ": المُسَعَّرَةُ التَوَقُّدَةِ المُتَوَهِّجَةِ. و"الآنِيَةُ": الَّتِي قَدِ انْتَهى حَرُّها،كَما قالَ تَعالى: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى "آنِيَةٍ": حاضِرَةٌ لَهُمْ، مِن قَوْلِهِمْ: آنَ الشَيْءُ إذا حَضَرَ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الضَرِيعِ"، فَقالَ الحَسَنُ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ هو الزَقُّومُ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ لا طَعامَ لَهم إلّا مِن ضَرِيعٍ، وقَدْ أخْبَرَ أنَّ الزَقُّومَ طَعامُ الأثِيمِ، فَذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ الضَرِيعَ هو الزَقُّومُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الضَرِيعُ حِجارَةٌ في النارِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: الضَرِيعُ شَبْرَقُ (p-٥٩٨)النارِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الضَرِيعُ الشَبْرَقُ وهو مَرْعى سُوءٍ لا تُعَقِّدُ السائِمَةُ عَلَيْهِ شَحْمًا ولا لَحْمًا، ومِنهُ قَوْلُ أبِي عِيزارَةَ الهُذَلِيِّ:
؎ وحَبَسْنَ في هَزَمَ الضَرِيعِ فَكُلُّها حَدْباءُ دامِيَةُ اليَدَيْنِ حُرُودُ
وقالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:
؎ رَعى الشَبْرَقَ الرَيّانَ حَتّى إذا ذَوى ∗∗∗ وعادَ ضَرِيعًا بانَ مِنهُ النحائِضُ
وقِيلَ: الضَرِيعُ: العَشْرَقُ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "الضَرِيعُ شَوْكٌ في النارِ"،» وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: الضَرِيعُ يَبِسُ العُرْفُجِ إذا تَحَطَّمَ، وقالَ آخَرُونَ: هو رَطْبٌ العُرْفُجِ، وقالَ الزَجّاجُ: هو نَبْتٌ كالعَوْسَجِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الضَرِيعُ نَبْتٌ في البَحْرِ (p-٥٩٩)أخْضَرٌ مُنْتِنٌ مُجَوَّفٌ مُسْتَطِيلٌ، لَهُ نُورٌ فِيهِ كَبِيرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الضَرِيعُ شَجَرٌ مِن نارٍ. وكُلُّ مَن ذَكَرَ شَيْئًا مِمّا قَدَّرْناهُ فَإنَّما يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ مِن نارٍ ولا بُدَّ، وكُلُّ ما في النارِ فَهو نارٌ. وقالَ قَوْمٌ: ضَرِيعٌ: وادٍ في جَهَنَّمَ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الضَرِيعُ طَعامُ أهْلِ النارِ، ولَمْ يُرِدْ أنْ يُخَصِّصَ شَيْئًا مِمّا ذَكَرَ، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: وهَذا مِمّا لا تَعْرِفُهُ العَرَبُ، وقِيلَ: "الضَرِيعُ" الجِلْدَةُ الَّتِي عَلى العَظْمِ تَحْتَ اللَحْمِ، ولا أعْرِفُ مَن تَأوَّلَ الآيَةَ بِهَذا، وأهْلُ هَذِهِ الأقاوِيلِ يَقُولُونَ: الزَقُّومُ لِطائِفَةٍ، والضَرِيعُ لِطائِفَةٍ، والغِسْلِينُ لِطائِفَةٍ.
واخْتُلِفَ في المَعْنى الَّذِي سُمِّيَ ضَرِيعًا، فَقِيلَ: هو ضَرِيعٌ بِمَعْنى مُضْرِعٍ، أيْ مُضْعِفٍ لِلْبَدَنِ مُهْزِلٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في ولَدىْ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ عنهُمْ: « "ما لِي أراهُما ضارِعَيْنِ" ؟» يُرِيدُ هَزِيلَيْنِ، ومِن فَعِيلٍ بِمَعْنى مُفْعِلٍ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ أمِن رَيْحانَةِ الداعِي السَمِيعِ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ
يُرِيدُ: السَمْعَ. وقِيلَ: ضَرِيعٍ: فَعِيلٌ مِنَ المُضارَعَةِ، أيْ لِأنَّهُ يُشْبِهُ المَرْعى الجَيِّدَ ويُضارِعُهُ في الظاهِرِ، ولَيْسَ بِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى وُجُوهَ أهْلِ النارِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِهِ وُجُوهَ أهْلِ الجَنَّةِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لِسَعْيِها" يُرِيدُ بِهِ: لِعَمَلِها في الدُنْيا وطاعَتِها، والمَعْنى: لِثَوابِ سَعْيِها والتَنْعِيمِ عَلَيْهِ، ووَصَفَ تَعالى الجَنَّةَ بِالعُلُوِّ، وذَلِكَ يَصِحُّ مِن جِهَةِ المَسافَةِ والمَكانِ، ومِن جِهَةِ المَكانِهِ والمَنزِلَةِ أيْضًا.
(p-٦٠٠)وَقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُما- والأعْرَجُ، وأهْلُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ: "لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةٌ" بِضَمِّ التاءِ مِن فَوْقٍ، ورَفَعَ "لاغِيَةً"، فَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةً لاغِيَةً، أيْ ذاتُ لَغْوٍ، فَهي عَلى النَسَبِ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم عَلى مَعْنى: لا تَسْمِعُ فِيها فِئَةً أو جَماعَةً لاغِيَةً ناطِقَةً بِسُوءٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "لاغِيَةً" مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والجاثِيَةِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ "لا تُسْمَعُ" بِضَمِّ التاءِ، "لاغِيًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: "لا يَسْمَعُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ مَضْمُومَةٌ "لاغِيَةٌ" بِالرَفْعِ، وهي قِراءَةُ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِيسى والجَحْدَرِيُّ أيْضًا. إلّا أنَّهُ قَرَأ "لاغِيَةً" بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: لا يَسْمَعُ أحَدٌ كَلِمَةً لاغِيَةً، مِن قَوْلِكَ أسْمَعْتُ زَيْدًا، وقَرَأ الباقُونَ ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ خارِجَةَ - والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ- "لا تَسْمَعُ" بِفَتْحِ التاءِ "لاغِيَةً"، بِالنُصْبِ والمَعْنى إمّا عَلى الكَلِمَةِ وإمّا عَلى الفِئَةِ، والفاعِلُ بـ "تَسْمَعُ" إمّا الوُجُوهُ، وإمّا مُحَمَّدٌ ﷺ -قالَهُ الحَسَنُ- وإنَّما أنْتَ أيُّها المُخاطَبُ عُمُومًا. و"اللَغْوُ" سَقْطُ القَوْلِ، فَذَلِكَ يَجْمَعُ الفُحْشَ وسائِرَ الكَلامِ السَفْاسَفِ الناقِصِ، ولَيْسَ في الجَنَّةِ نُقْصانٌ ولا عَيْبٌ في فِعْلٍ ولا قَوْلٍ، والحَمْدُ لِلَّهِ ولِيِّ النِعْمَةِ.
الغاشية 88:3
(p-٥٩٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الغاشِيَةِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ أهْلِ التَأْوِيلِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "هَلْ" بِمَعْنى "قَدْ"، وقالَ الحُذّاقُ: هي عَلى بابِها تَوْقِيفٌ فائِدَتُهُ تَحْرِيكُ نَفْسِ السامِعِ إلى تَلَقِّي الخَبَرِ، وقِيلَ: المَعْنى: هَلْ كانَ هَذا مِن عِلْمِكَ لَوْلا ما عَلَّمْناكَ؟ فَفي هَذا التَأْوِيلِ تَقْرِيرُ النِعْمَةِ. و"الغاشِيَةِ": القِيامَةُ لِأنَّها تَغْشى العالَمَ كُلَّهُ بِهَوْلِها وتَغْيِيرِها لِبِنْيَتِهِ، قالَهُ سُفْيانُ وجُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الغاشِيَةُ: النارُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠]، وقالَ: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]، فَهي تَغْشى سُكّانَها، والقَوْلُ الأوَّلُ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾، والوُجُوهُ الخاشِعَةُ هى وجُوهُ الكَفّارِ، وخُشُوعُها ذُلُّها وتَغَيُّرُها بِالعَذابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عامِلَةٌ ناصِبَةٌ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: عامِلَةٌ في النارِ ناصِبَةٌ فِيها والنَصَبُ: التَعَبُ؛ لِأنَّها تَكَبَّرَتْ عَنِ العَمَلِ لِلَّهِ تَعالى في الدُنْيا فَأعْمَلَها في الآخِرَةِ في نارِهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ والسُدِّيُّ: المَعْنى: عامِلَةٌ في الدُنْيا ناصِبَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فالعَمَلُ -عَلى هَذا- هو مَساعِي الدُنْيا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى: هي عامِلَةٌ في الدُنْيا ناصِبَةٌ فِيها.
(p-٥٩٧)لِأنَّها عَلى غَيْرِ هُدًى، فَلا ثَمَرَةَ لِعَمَلِها إلّا النَصْبُ، وخاتِمَتُهُ النارُ، قالُوا: الآيَةُ في القِسِّيسِينَ وعَبَدَةِ الأوثانِ وكُلِّ مُجْتَهِدٍ في كُفْرٍ، وقَدْ ذَهَبَ هَذا المَذْهَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ، وبَكى رَحْمَةً لِراهِبٍ نَصْرانِيٍّ رَآهُ مُجْتَهِدًا، وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ ذَكَرَ القَدَرِيَّةَ فَبَكى وقالَ إنَّ فِيهِمُ المُجْتَهِدَ.»
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -فِي رِوايَةِ شِبْلٍ- وابْنِ مُحَيْصِنٍ: "عامِلَةٌ ناصِبَةٌ" بِالنَصْبِ عَلى الذَمِّ، والناصِبُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: أذُمُّ أو أعْنِي ونَحْوُ هَذا، وقَرَأ السِتَّةُ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ: "تَصْلى" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُون الصادِ، عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أيِ الوُجُوهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ- وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ -واخْتُلِفَ عن نافِعٍ وعَنِ الأعْرَجِ -: "تُصْلى" بِضَمِّ التاءِ وسُكُونِ الصادِ، وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن "صَلَيْتُهُ النارَ" عَلى مَعْنى أصْلَيْتُهُ فَيَكُونُ كتَضْرِبُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أصْلَيْتُ فَيَكُونُ كَتَكَرَّمَ، قَرَأ بَعْضُ الناسِ: "تُصَلّى" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الصادِ وشَدِّ اللامِ، عَلى التَعْدِيَةِ بِالتَضْعِيفِ، حَكاها أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ. و"الحامِيَةُ": المُسَعَّرَةُ التَوَقُّدَةِ المُتَوَهِّجَةِ. و"الآنِيَةُ": الَّتِي قَدِ انْتَهى حَرُّها،كَما قالَ تَعالى: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى "آنِيَةٍ": حاضِرَةٌ لَهُمْ، مِن قَوْلِهِمْ: آنَ الشَيْءُ إذا حَضَرَ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الضَرِيعِ"، فَقالَ الحَسَنُ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ هو الزَقُّومُ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ لا طَعامَ لَهم إلّا مِن ضَرِيعٍ، وقَدْ أخْبَرَ أنَّ الزَقُّومَ طَعامُ الأثِيمِ، فَذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ الضَرِيعَ هو الزَقُّومُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الضَرِيعُ حِجارَةٌ في النارِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: الضَرِيعُ شَبْرَقُ (p-٥٩٨)النارِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الضَرِيعُ الشَبْرَقُ وهو مَرْعى سُوءٍ لا تُعَقِّدُ السائِمَةُ عَلَيْهِ شَحْمًا ولا لَحْمًا، ومِنهُ قَوْلُ أبِي عِيزارَةَ الهُذَلِيِّ:
؎ وحَبَسْنَ في هَزَمَ الضَرِيعِ فَكُلُّها حَدْباءُ دامِيَةُ اليَدَيْنِ حُرُودُ
وقالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:
؎ رَعى الشَبْرَقَ الرَيّانَ حَتّى إذا ذَوى ∗∗∗ وعادَ ضَرِيعًا بانَ مِنهُ النحائِضُ
وقِيلَ: الضَرِيعُ: العَشْرَقُ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "الضَرِيعُ شَوْكٌ في النارِ"،» وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: الضَرِيعُ يَبِسُ العُرْفُجِ إذا تَحَطَّمَ، وقالَ آخَرُونَ: هو رَطْبٌ العُرْفُجِ، وقالَ الزَجّاجُ: هو نَبْتٌ كالعَوْسَجِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الضَرِيعُ نَبْتٌ في البَحْرِ (p-٥٩٩)أخْضَرٌ مُنْتِنٌ مُجَوَّفٌ مُسْتَطِيلٌ، لَهُ نُورٌ فِيهِ كَبِيرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الضَرِيعُ شَجَرٌ مِن نارٍ. وكُلُّ مَن ذَكَرَ شَيْئًا مِمّا قَدَّرْناهُ فَإنَّما يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ مِن نارٍ ولا بُدَّ، وكُلُّ ما في النارِ فَهو نارٌ. وقالَ قَوْمٌ: ضَرِيعٌ: وادٍ في جَهَنَّمَ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الضَرِيعُ طَعامُ أهْلِ النارِ، ولَمْ يُرِدْ أنْ يُخَصِّصَ شَيْئًا مِمّا ذَكَرَ، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: وهَذا مِمّا لا تَعْرِفُهُ العَرَبُ، وقِيلَ: "الضَرِيعُ" الجِلْدَةُ الَّتِي عَلى العَظْمِ تَحْتَ اللَحْمِ، ولا أعْرِفُ مَن تَأوَّلَ الآيَةَ بِهَذا، وأهْلُ هَذِهِ الأقاوِيلِ يَقُولُونَ: الزَقُّومُ لِطائِفَةٍ، والضَرِيعُ لِطائِفَةٍ، والغِسْلِينُ لِطائِفَةٍ.
واخْتُلِفَ في المَعْنى الَّذِي سُمِّيَ ضَرِيعًا، فَقِيلَ: هو ضَرِيعٌ بِمَعْنى مُضْرِعٍ، أيْ مُضْعِفٍ لِلْبَدَنِ مُهْزِلٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في ولَدىْ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ عنهُمْ: « "ما لِي أراهُما ضارِعَيْنِ" ؟» يُرِيدُ هَزِيلَيْنِ، ومِن فَعِيلٍ بِمَعْنى مُفْعِلٍ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ أمِن رَيْحانَةِ الداعِي السَمِيعِ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ
يُرِيدُ: السَمْعَ. وقِيلَ: ضَرِيعٍ: فَعِيلٌ مِنَ المُضارَعَةِ، أيْ لِأنَّهُ يُشْبِهُ المَرْعى الجَيِّدَ ويُضارِعُهُ في الظاهِرِ، ولَيْسَ بِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى وُجُوهَ أهْلِ النارِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِهِ وُجُوهَ أهْلِ الجَنَّةِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لِسَعْيِها" يُرِيدُ بِهِ: لِعَمَلِها في الدُنْيا وطاعَتِها، والمَعْنى: لِثَوابِ سَعْيِها والتَنْعِيمِ عَلَيْهِ، ووَصَفَ تَعالى الجَنَّةَ بِالعُلُوِّ، وذَلِكَ يَصِحُّ مِن جِهَةِ المَسافَةِ والمَكانِ، ومِن جِهَةِ المَكانِهِ والمَنزِلَةِ أيْضًا.
(p-٦٠٠)وَقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُما- والأعْرَجُ، وأهْلُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ: "لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةٌ" بِضَمِّ التاءِ مِن فَوْقٍ، ورَفَعَ "لاغِيَةً"، فَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةً لاغِيَةً، أيْ ذاتُ لَغْوٍ، فَهي عَلى النَسَبِ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم عَلى مَعْنى: لا تَسْمِعُ فِيها فِئَةً أو جَماعَةً لاغِيَةً ناطِقَةً بِسُوءٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "لاغِيَةً" مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والجاثِيَةِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ "لا تُسْمَعُ" بِضَمِّ التاءِ، "لاغِيًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: "لا يَسْمَعُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ مَضْمُومَةٌ "لاغِيَةٌ" بِالرَفْعِ، وهي قِراءَةُ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِيسى والجَحْدَرِيُّ أيْضًا. إلّا أنَّهُ قَرَأ "لاغِيَةً" بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: لا يَسْمَعُ أحَدٌ كَلِمَةً لاغِيَةً، مِن قَوْلِكَ أسْمَعْتُ زَيْدًا، وقَرَأ الباقُونَ ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ خارِجَةَ - والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ- "لا تَسْمَعُ" بِفَتْحِ التاءِ "لاغِيَةً"، بِالنُصْبِ والمَعْنى إمّا عَلى الكَلِمَةِ وإمّا عَلى الفِئَةِ، والفاعِلُ بـ "تَسْمَعُ" إمّا الوُجُوهُ، وإمّا مُحَمَّدٌ ﷺ -قالَهُ الحَسَنُ- وإنَّما أنْتَ أيُّها المُخاطَبُ عُمُومًا. و"اللَغْوُ" سَقْطُ القَوْلِ، فَذَلِكَ يَجْمَعُ الفُحْشَ وسائِرَ الكَلامِ السَفْاسَفِ الناقِصِ، ولَيْسَ في الجَنَّةِ نُقْصانٌ ولا عَيْبٌ في فِعْلٍ ولا قَوْلٍ، والحَمْدُ لِلَّهِ ولِيِّ النِعْمَةِ.
الغاشية 88:4
(p-٥٩٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الغاشِيَةِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ أهْلِ التَأْوِيلِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "هَلْ" بِمَعْنى "قَدْ"، وقالَ الحُذّاقُ: هي عَلى بابِها تَوْقِيفٌ فائِدَتُهُ تَحْرِيكُ نَفْسِ السامِعِ إلى تَلَقِّي الخَبَرِ، وقِيلَ: المَعْنى: هَلْ كانَ هَذا مِن عِلْمِكَ لَوْلا ما عَلَّمْناكَ؟ فَفي هَذا التَأْوِيلِ تَقْرِيرُ النِعْمَةِ. و"الغاشِيَةِ": القِيامَةُ لِأنَّها تَغْشى العالَمَ كُلَّهُ بِهَوْلِها وتَغْيِيرِها لِبِنْيَتِهِ، قالَهُ سُفْيانُ وجُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الغاشِيَةُ: النارُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠]، وقالَ: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]، فَهي تَغْشى سُكّانَها، والقَوْلُ الأوَّلُ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾، والوُجُوهُ الخاشِعَةُ هى وجُوهُ الكَفّارِ، وخُشُوعُها ذُلُّها وتَغَيُّرُها بِالعَذابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عامِلَةٌ ناصِبَةٌ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: عامِلَةٌ في النارِ ناصِبَةٌ فِيها والنَصَبُ: التَعَبُ؛ لِأنَّها تَكَبَّرَتْ عَنِ العَمَلِ لِلَّهِ تَعالى في الدُنْيا فَأعْمَلَها في الآخِرَةِ في نارِهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ والسُدِّيُّ: المَعْنى: عامِلَةٌ في الدُنْيا ناصِبَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فالعَمَلُ -عَلى هَذا- هو مَساعِي الدُنْيا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى: هي عامِلَةٌ في الدُنْيا ناصِبَةٌ فِيها.
(p-٥٩٧)لِأنَّها عَلى غَيْرِ هُدًى، فَلا ثَمَرَةَ لِعَمَلِها إلّا النَصْبُ، وخاتِمَتُهُ النارُ، قالُوا: الآيَةُ في القِسِّيسِينَ وعَبَدَةِ الأوثانِ وكُلِّ مُجْتَهِدٍ في كُفْرٍ، وقَدْ ذَهَبَ هَذا المَذْهَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ، وبَكى رَحْمَةً لِراهِبٍ نَصْرانِيٍّ رَآهُ مُجْتَهِدًا، وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ ذَكَرَ القَدَرِيَّةَ فَبَكى وقالَ إنَّ فِيهِمُ المُجْتَهِدَ.»
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -فِي رِوايَةِ شِبْلٍ- وابْنِ مُحَيْصِنٍ: "عامِلَةٌ ناصِبَةٌ" بِالنَصْبِ عَلى الذَمِّ، والناصِبُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: أذُمُّ أو أعْنِي ونَحْوُ هَذا، وقَرَأ السِتَّةُ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ: "تَصْلى" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُون الصادِ، عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أيِ الوُجُوهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ- وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ -واخْتُلِفَ عن نافِعٍ وعَنِ الأعْرَجِ -: "تُصْلى" بِضَمِّ التاءِ وسُكُونِ الصادِ، وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن "صَلَيْتُهُ النارَ" عَلى مَعْنى أصْلَيْتُهُ فَيَكُونُ كتَضْرِبُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أصْلَيْتُ فَيَكُونُ كَتَكَرَّمَ، قَرَأ بَعْضُ الناسِ: "تُصَلّى" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الصادِ وشَدِّ اللامِ، عَلى التَعْدِيَةِ بِالتَضْعِيفِ، حَكاها أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ. و"الحامِيَةُ": المُسَعَّرَةُ التَوَقُّدَةِ المُتَوَهِّجَةِ. و"الآنِيَةُ": الَّتِي قَدِ انْتَهى حَرُّها،كَما قالَ تَعالى: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى "آنِيَةٍ": حاضِرَةٌ لَهُمْ، مِن قَوْلِهِمْ: آنَ الشَيْءُ إذا حَضَرَ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الضَرِيعِ"، فَقالَ الحَسَنُ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ هو الزَقُّومُ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ لا طَعامَ لَهم إلّا مِن ضَرِيعٍ، وقَدْ أخْبَرَ أنَّ الزَقُّومَ طَعامُ الأثِيمِ، فَذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ الضَرِيعَ هو الزَقُّومُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الضَرِيعُ حِجارَةٌ في النارِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: الضَرِيعُ شَبْرَقُ (p-٥٩٨)النارِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الضَرِيعُ الشَبْرَقُ وهو مَرْعى سُوءٍ لا تُعَقِّدُ السائِمَةُ عَلَيْهِ شَحْمًا ولا لَحْمًا، ومِنهُ قَوْلُ أبِي عِيزارَةَ الهُذَلِيِّ:
؎ وحَبَسْنَ في هَزَمَ الضَرِيعِ فَكُلُّها حَدْباءُ دامِيَةُ اليَدَيْنِ حُرُودُ
وقالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:
؎ رَعى الشَبْرَقَ الرَيّانَ حَتّى إذا ذَوى ∗∗∗ وعادَ ضَرِيعًا بانَ مِنهُ النحائِضُ
وقِيلَ: الضَرِيعُ: العَشْرَقُ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "الضَرِيعُ شَوْكٌ في النارِ"،» وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: الضَرِيعُ يَبِسُ العُرْفُجِ إذا تَحَطَّمَ، وقالَ آخَرُونَ: هو رَطْبٌ العُرْفُجِ، وقالَ الزَجّاجُ: هو نَبْتٌ كالعَوْسَجِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الضَرِيعُ نَبْتٌ في البَحْرِ (p-٥٩٩)أخْضَرٌ مُنْتِنٌ مُجَوَّفٌ مُسْتَطِيلٌ، لَهُ نُورٌ فِيهِ كَبِيرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الضَرِيعُ شَجَرٌ مِن نارٍ. وكُلُّ مَن ذَكَرَ شَيْئًا مِمّا قَدَّرْناهُ فَإنَّما يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ مِن نارٍ ولا بُدَّ، وكُلُّ ما في النارِ فَهو نارٌ. وقالَ قَوْمٌ: ضَرِيعٌ: وادٍ في جَهَنَّمَ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الضَرِيعُ طَعامُ أهْلِ النارِ، ولَمْ يُرِدْ أنْ يُخَصِّصَ شَيْئًا مِمّا ذَكَرَ، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: وهَذا مِمّا لا تَعْرِفُهُ العَرَبُ، وقِيلَ: "الضَرِيعُ" الجِلْدَةُ الَّتِي عَلى العَظْمِ تَحْتَ اللَحْمِ، ولا أعْرِفُ مَن تَأوَّلَ الآيَةَ بِهَذا، وأهْلُ هَذِهِ الأقاوِيلِ يَقُولُونَ: الزَقُّومُ لِطائِفَةٍ، والضَرِيعُ لِطائِفَةٍ، والغِسْلِينُ لِطائِفَةٍ.
واخْتُلِفَ في المَعْنى الَّذِي سُمِّيَ ضَرِيعًا، فَقِيلَ: هو ضَرِيعٌ بِمَعْنى مُضْرِعٍ، أيْ مُضْعِفٍ لِلْبَدَنِ مُهْزِلٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في ولَدىْ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ عنهُمْ: « "ما لِي أراهُما ضارِعَيْنِ" ؟» يُرِيدُ هَزِيلَيْنِ، ومِن فَعِيلٍ بِمَعْنى مُفْعِلٍ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ أمِن رَيْحانَةِ الداعِي السَمِيعِ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ
يُرِيدُ: السَمْعَ. وقِيلَ: ضَرِيعٍ: فَعِيلٌ مِنَ المُضارَعَةِ، أيْ لِأنَّهُ يُشْبِهُ المَرْعى الجَيِّدَ ويُضارِعُهُ في الظاهِرِ، ولَيْسَ بِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى وُجُوهَ أهْلِ النارِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِهِ وُجُوهَ أهْلِ الجَنَّةِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لِسَعْيِها" يُرِيدُ بِهِ: لِعَمَلِها في الدُنْيا وطاعَتِها، والمَعْنى: لِثَوابِ سَعْيِها والتَنْعِيمِ عَلَيْهِ، ووَصَفَ تَعالى الجَنَّةَ بِالعُلُوِّ، وذَلِكَ يَصِحُّ مِن جِهَةِ المَسافَةِ والمَكانِ، ومِن جِهَةِ المَكانِهِ والمَنزِلَةِ أيْضًا.
(p-٦٠٠)وَقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُما- والأعْرَجُ، وأهْلُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ: "لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةٌ" بِضَمِّ التاءِ مِن فَوْقٍ، ورَفَعَ "لاغِيَةً"، فَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةً لاغِيَةً، أيْ ذاتُ لَغْوٍ، فَهي عَلى النَسَبِ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم عَلى مَعْنى: لا تَسْمِعُ فِيها فِئَةً أو جَماعَةً لاغِيَةً ناطِقَةً بِسُوءٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "لاغِيَةً" مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والجاثِيَةِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ "لا تُسْمَعُ" بِضَمِّ التاءِ، "لاغِيًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: "لا يَسْمَعُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ مَضْمُومَةٌ "لاغِيَةٌ" بِالرَفْعِ، وهي قِراءَةُ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِيسى والجَحْدَرِيُّ أيْضًا. إلّا أنَّهُ قَرَأ "لاغِيَةً" بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: لا يَسْمَعُ أحَدٌ كَلِمَةً لاغِيَةً، مِن قَوْلِكَ أسْمَعْتُ زَيْدًا، وقَرَأ الباقُونَ ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ خارِجَةَ - والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ- "لا تَسْمَعُ" بِفَتْحِ التاءِ "لاغِيَةً"، بِالنُصْبِ والمَعْنى إمّا عَلى الكَلِمَةِ وإمّا عَلى الفِئَةِ، والفاعِلُ بـ "تَسْمَعُ" إمّا الوُجُوهُ، وإمّا مُحَمَّدٌ ﷺ -قالَهُ الحَسَنُ- وإنَّما أنْتَ أيُّها المُخاطَبُ عُمُومًا. و"اللَغْوُ" سَقْطُ القَوْلِ، فَذَلِكَ يَجْمَعُ الفُحْشَ وسائِرَ الكَلامِ السَفْاسَفِ الناقِصِ، ولَيْسَ في الجَنَّةِ نُقْصانٌ ولا عَيْبٌ في فِعْلٍ ولا قَوْلٍ، والحَمْدُ لِلَّهِ ولِيِّ النِعْمَةِ.
الغاشية 88:5
(p-٥٩٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الغاشِيَةِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ أهْلِ التَأْوِيلِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "هَلْ" بِمَعْنى "قَدْ"، وقالَ الحُذّاقُ: هي عَلى بابِها تَوْقِيفٌ فائِدَتُهُ تَحْرِيكُ نَفْسِ السامِعِ إلى تَلَقِّي الخَبَرِ، وقِيلَ: المَعْنى: هَلْ كانَ هَذا مِن عِلْمِكَ لَوْلا ما عَلَّمْناكَ؟ فَفي هَذا التَأْوِيلِ تَقْرِيرُ النِعْمَةِ. و"الغاشِيَةِ": القِيامَةُ لِأنَّها تَغْشى العالَمَ كُلَّهُ بِهَوْلِها وتَغْيِيرِها لِبِنْيَتِهِ، قالَهُ سُفْيانُ وجُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الغاشِيَةُ: النارُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠]، وقالَ: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]، فَهي تَغْشى سُكّانَها، والقَوْلُ الأوَّلُ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾، والوُجُوهُ الخاشِعَةُ هى وجُوهُ الكَفّارِ، وخُشُوعُها ذُلُّها وتَغَيُّرُها بِالعَذابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عامِلَةٌ ناصِبَةٌ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: عامِلَةٌ في النارِ ناصِبَةٌ فِيها والنَصَبُ: التَعَبُ؛ لِأنَّها تَكَبَّرَتْ عَنِ العَمَلِ لِلَّهِ تَعالى في الدُنْيا فَأعْمَلَها في الآخِرَةِ في نارِهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ والسُدِّيُّ: المَعْنى: عامِلَةٌ في الدُنْيا ناصِبَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فالعَمَلُ -عَلى هَذا- هو مَساعِي الدُنْيا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى: هي عامِلَةٌ في الدُنْيا ناصِبَةٌ فِيها.
(p-٥٩٧)لِأنَّها عَلى غَيْرِ هُدًى، فَلا ثَمَرَةَ لِعَمَلِها إلّا النَصْبُ، وخاتِمَتُهُ النارُ، قالُوا: الآيَةُ في القِسِّيسِينَ وعَبَدَةِ الأوثانِ وكُلِّ مُجْتَهِدٍ في كُفْرٍ، وقَدْ ذَهَبَ هَذا المَذْهَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ، وبَكى رَحْمَةً لِراهِبٍ نَصْرانِيٍّ رَآهُ مُجْتَهِدًا، وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ ذَكَرَ القَدَرِيَّةَ فَبَكى وقالَ إنَّ فِيهِمُ المُجْتَهِدَ.»
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -فِي رِوايَةِ شِبْلٍ- وابْنِ مُحَيْصِنٍ: "عامِلَةٌ ناصِبَةٌ" بِالنَصْبِ عَلى الذَمِّ، والناصِبُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: أذُمُّ أو أعْنِي ونَحْوُ هَذا، وقَرَأ السِتَّةُ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ: "تَصْلى" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُون الصادِ، عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أيِ الوُجُوهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ- وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ -واخْتُلِفَ عن نافِعٍ وعَنِ الأعْرَجِ -: "تُصْلى" بِضَمِّ التاءِ وسُكُونِ الصادِ، وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن "صَلَيْتُهُ النارَ" عَلى مَعْنى أصْلَيْتُهُ فَيَكُونُ كتَضْرِبُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أصْلَيْتُ فَيَكُونُ كَتَكَرَّمَ، قَرَأ بَعْضُ الناسِ: "تُصَلّى" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الصادِ وشَدِّ اللامِ، عَلى التَعْدِيَةِ بِالتَضْعِيفِ، حَكاها أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ. و"الحامِيَةُ": المُسَعَّرَةُ التَوَقُّدَةِ المُتَوَهِّجَةِ. و"الآنِيَةُ": الَّتِي قَدِ انْتَهى حَرُّها،كَما قالَ تَعالى: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى "آنِيَةٍ": حاضِرَةٌ لَهُمْ، مِن قَوْلِهِمْ: آنَ الشَيْءُ إذا حَضَرَ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الضَرِيعِ"، فَقالَ الحَسَنُ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ هو الزَقُّومُ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ لا طَعامَ لَهم إلّا مِن ضَرِيعٍ، وقَدْ أخْبَرَ أنَّ الزَقُّومَ طَعامُ الأثِيمِ، فَذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ الضَرِيعَ هو الزَقُّومُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الضَرِيعُ حِجارَةٌ في النارِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: الضَرِيعُ شَبْرَقُ (p-٥٩٨)النارِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الضَرِيعُ الشَبْرَقُ وهو مَرْعى سُوءٍ لا تُعَقِّدُ السائِمَةُ عَلَيْهِ شَحْمًا ولا لَحْمًا، ومِنهُ قَوْلُ أبِي عِيزارَةَ الهُذَلِيِّ:
؎ وحَبَسْنَ في هَزَمَ الضَرِيعِ فَكُلُّها حَدْباءُ دامِيَةُ اليَدَيْنِ حُرُودُ
وقالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:
؎ رَعى الشَبْرَقَ الرَيّانَ حَتّى إذا ذَوى ∗∗∗ وعادَ ضَرِيعًا بانَ مِنهُ النحائِضُ
وقِيلَ: الضَرِيعُ: العَشْرَقُ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "الضَرِيعُ شَوْكٌ في النارِ"،» وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: الضَرِيعُ يَبِسُ العُرْفُجِ إذا تَحَطَّمَ، وقالَ آخَرُونَ: هو رَطْبٌ العُرْفُجِ، وقالَ الزَجّاجُ: هو نَبْتٌ كالعَوْسَجِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الضَرِيعُ نَبْتٌ في البَحْرِ (p-٥٩٩)أخْضَرٌ مُنْتِنٌ مُجَوَّفٌ مُسْتَطِيلٌ، لَهُ نُورٌ فِيهِ كَبِيرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الضَرِيعُ شَجَرٌ مِن نارٍ. وكُلُّ مَن ذَكَرَ شَيْئًا مِمّا قَدَّرْناهُ فَإنَّما يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ مِن نارٍ ولا بُدَّ، وكُلُّ ما في النارِ فَهو نارٌ. وقالَ قَوْمٌ: ضَرِيعٌ: وادٍ في جَهَنَّمَ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الضَرِيعُ طَعامُ أهْلِ النارِ، ولَمْ يُرِدْ أنْ يُخَصِّصَ شَيْئًا مِمّا ذَكَرَ، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: وهَذا مِمّا لا تَعْرِفُهُ العَرَبُ، وقِيلَ: "الضَرِيعُ" الجِلْدَةُ الَّتِي عَلى العَظْمِ تَحْتَ اللَحْمِ، ولا أعْرِفُ مَن تَأوَّلَ الآيَةَ بِهَذا، وأهْلُ هَذِهِ الأقاوِيلِ يَقُولُونَ: الزَقُّومُ لِطائِفَةٍ، والضَرِيعُ لِطائِفَةٍ، والغِسْلِينُ لِطائِفَةٍ.
واخْتُلِفَ في المَعْنى الَّذِي سُمِّيَ ضَرِيعًا، فَقِيلَ: هو ضَرِيعٌ بِمَعْنى مُضْرِعٍ، أيْ مُضْعِفٍ لِلْبَدَنِ مُهْزِلٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في ولَدىْ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ عنهُمْ: « "ما لِي أراهُما ضارِعَيْنِ" ؟» يُرِيدُ هَزِيلَيْنِ، ومِن فَعِيلٍ بِمَعْنى مُفْعِلٍ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ أمِن رَيْحانَةِ الداعِي السَمِيعِ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ
يُرِيدُ: السَمْعَ. وقِيلَ: ضَرِيعٍ: فَعِيلٌ مِنَ المُضارَعَةِ، أيْ لِأنَّهُ يُشْبِهُ المَرْعى الجَيِّدَ ويُضارِعُهُ في الظاهِرِ، ولَيْسَ بِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى وُجُوهَ أهْلِ النارِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِهِ وُجُوهَ أهْلِ الجَنَّةِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لِسَعْيِها" يُرِيدُ بِهِ: لِعَمَلِها في الدُنْيا وطاعَتِها، والمَعْنى: لِثَوابِ سَعْيِها والتَنْعِيمِ عَلَيْهِ، ووَصَفَ تَعالى الجَنَّةَ بِالعُلُوِّ، وذَلِكَ يَصِحُّ مِن جِهَةِ المَسافَةِ والمَكانِ، ومِن جِهَةِ المَكانِهِ والمَنزِلَةِ أيْضًا.
(p-٦٠٠)وَقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُما- والأعْرَجُ، وأهْلُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ: "لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةٌ" بِضَمِّ التاءِ مِن فَوْقٍ، ورَفَعَ "لاغِيَةً"، فَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةً لاغِيَةً، أيْ ذاتُ لَغْوٍ، فَهي عَلى النَسَبِ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم عَلى مَعْنى: لا تَسْمِعُ فِيها فِئَةً أو جَماعَةً لاغِيَةً ناطِقَةً بِسُوءٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "لاغِيَةً" مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والجاثِيَةِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ "لا تُسْمَعُ" بِضَمِّ التاءِ، "لاغِيًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: "لا يَسْمَعُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ مَضْمُومَةٌ "لاغِيَةٌ" بِالرَفْعِ، وهي قِراءَةُ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِيسى والجَحْدَرِيُّ أيْضًا. إلّا أنَّهُ قَرَأ "لاغِيَةً" بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: لا يَسْمَعُ أحَدٌ كَلِمَةً لاغِيَةً، مِن قَوْلِكَ أسْمَعْتُ زَيْدًا، وقَرَأ الباقُونَ ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ خارِجَةَ - والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ- "لا تَسْمَعُ" بِفَتْحِ التاءِ "لاغِيَةً"، بِالنُصْبِ والمَعْنى إمّا عَلى الكَلِمَةِ وإمّا عَلى الفِئَةِ، والفاعِلُ بـ "تَسْمَعُ" إمّا الوُجُوهُ، وإمّا مُحَمَّدٌ ﷺ -قالَهُ الحَسَنُ- وإنَّما أنْتَ أيُّها المُخاطَبُ عُمُومًا. و"اللَغْوُ" سَقْطُ القَوْلِ، فَذَلِكَ يَجْمَعُ الفُحْشَ وسائِرَ الكَلامِ السَفْاسَفِ الناقِصِ، ولَيْسَ في الجَنَّةِ نُقْصانٌ ولا عَيْبٌ في فِعْلٍ ولا قَوْلٍ، والحَمْدُ لِلَّهِ ولِيِّ النِعْمَةِ.
الغاشية 88:6
(p-٥٩٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الغاشِيَةِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ أهْلِ التَأْوِيلِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "هَلْ" بِمَعْنى "قَدْ"، وقالَ الحُذّاقُ: هي عَلى بابِها تَوْقِيفٌ فائِدَتُهُ تَحْرِيكُ نَفْسِ السامِعِ إلى تَلَقِّي الخَبَرِ، وقِيلَ: المَعْنى: هَلْ كانَ هَذا مِن عِلْمِكَ لَوْلا ما عَلَّمْناكَ؟ فَفي هَذا التَأْوِيلِ تَقْرِيرُ النِعْمَةِ. و"الغاشِيَةِ": القِيامَةُ لِأنَّها تَغْشى العالَمَ كُلَّهُ بِهَوْلِها وتَغْيِيرِها لِبِنْيَتِهِ، قالَهُ سُفْيانُ وجُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الغاشِيَةُ: النارُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠]، وقالَ: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]، فَهي تَغْشى سُكّانَها، والقَوْلُ الأوَّلُ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾، والوُجُوهُ الخاشِعَةُ هى وجُوهُ الكَفّارِ، وخُشُوعُها ذُلُّها وتَغَيُّرُها بِالعَذابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عامِلَةٌ ناصِبَةٌ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: عامِلَةٌ في النارِ ناصِبَةٌ فِيها والنَصَبُ: التَعَبُ؛ لِأنَّها تَكَبَّرَتْ عَنِ العَمَلِ لِلَّهِ تَعالى في الدُنْيا فَأعْمَلَها في الآخِرَةِ في نارِهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ والسُدِّيُّ: المَعْنى: عامِلَةٌ في الدُنْيا ناصِبَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فالعَمَلُ -عَلى هَذا- هو مَساعِي الدُنْيا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى: هي عامِلَةٌ في الدُنْيا ناصِبَةٌ فِيها.
(p-٥٩٧)لِأنَّها عَلى غَيْرِ هُدًى، فَلا ثَمَرَةَ لِعَمَلِها إلّا النَصْبُ، وخاتِمَتُهُ النارُ، قالُوا: الآيَةُ في القِسِّيسِينَ وعَبَدَةِ الأوثانِ وكُلِّ مُجْتَهِدٍ في كُفْرٍ، وقَدْ ذَهَبَ هَذا المَذْهَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ، وبَكى رَحْمَةً لِراهِبٍ نَصْرانِيٍّ رَآهُ مُجْتَهِدًا، وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ ذَكَرَ القَدَرِيَّةَ فَبَكى وقالَ إنَّ فِيهِمُ المُجْتَهِدَ.»
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -فِي رِوايَةِ شِبْلٍ- وابْنِ مُحَيْصِنٍ: "عامِلَةٌ ناصِبَةٌ" بِالنَصْبِ عَلى الذَمِّ، والناصِبُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: أذُمُّ أو أعْنِي ونَحْوُ هَذا، وقَرَأ السِتَّةُ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ: "تَصْلى" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُون الصادِ، عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أيِ الوُجُوهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ- وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ -واخْتُلِفَ عن نافِعٍ وعَنِ الأعْرَجِ -: "تُصْلى" بِضَمِّ التاءِ وسُكُونِ الصادِ، وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن "صَلَيْتُهُ النارَ" عَلى مَعْنى أصْلَيْتُهُ فَيَكُونُ كتَضْرِبُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أصْلَيْتُ فَيَكُونُ كَتَكَرَّمَ، قَرَأ بَعْضُ الناسِ: "تُصَلّى" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الصادِ وشَدِّ اللامِ، عَلى التَعْدِيَةِ بِالتَضْعِيفِ، حَكاها أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ. و"الحامِيَةُ": المُسَعَّرَةُ التَوَقُّدَةِ المُتَوَهِّجَةِ. و"الآنِيَةُ": الَّتِي قَدِ انْتَهى حَرُّها،كَما قالَ تَعالى: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى "آنِيَةٍ": حاضِرَةٌ لَهُمْ، مِن قَوْلِهِمْ: آنَ الشَيْءُ إذا حَضَرَ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الضَرِيعِ"، فَقالَ الحَسَنُ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ هو الزَقُّومُ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ لا طَعامَ لَهم إلّا مِن ضَرِيعٍ، وقَدْ أخْبَرَ أنَّ الزَقُّومَ طَعامُ الأثِيمِ، فَذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ الضَرِيعَ هو الزَقُّومُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الضَرِيعُ حِجارَةٌ في النارِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: الضَرِيعُ شَبْرَقُ (p-٥٩٨)النارِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الضَرِيعُ الشَبْرَقُ وهو مَرْعى سُوءٍ لا تُعَقِّدُ السائِمَةُ عَلَيْهِ شَحْمًا ولا لَحْمًا، ومِنهُ قَوْلُ أبِي عِيزارَةَ الهُذَلِيِّ:
؎ وحَبَسْنَ في هَزَمَ الضَرِيعِ فَكُلُّها حَدْباءُ دامِيَةُ اليَدَيْنِ حُرُودُ
وقالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:
؎ رَعى الشَبْرَقَ الرَيّانَ حَتّى إذا ذَوى ∗∗∗ وعادَ ضَرِيعًا بانَ مِنهُ النحائِضُ
وقِيلَ: الضَرِيعُ: العَشْرَقُ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "الضَرِيعُ شَوْكٌ في النارِ"،» وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: الضَرِيعُ يَبِسُ العُرْفُجِ إذا تَحَطَّمَ، وقالَ آخَرُونَ: هو رَطْبٌ العُرْفُجِ، وقالَ الزَجّاجُ: هو نَبْتٌ كالعَوْسَجِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الضَرِيعُ نَبْتٌ في البَحْرِ (p-٥٩٩)أخْضَرٌ مُنْتِنٌ مُجَوَّفٌ مُسْتَطِيلٌ، لَهُ نُورٌ فِيهِ كَبِيرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الضَرِيعُ شَجَرٌ مِن نارٍ. وكُلُّ مَن ذَكَرَ شَيْئًا مِمّا قَدَّرْناهُ فَإنَّما يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ مِن نارٍ ولا بُدَّ، وكُلُّ ما في النارِ فَهو نارٌ. وقالَ قَوْمٌ: ضَرِيعٌ: وادٍ في جَهَنَّمَ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الضَرِيعُ طَعامُ أهْلِ النارِ، ولَمْ يُرِدْ أنْ يُخَصِّصَ شَيْئًا مِمّا ذَكَرَ، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: وهَذا مِمّا لا تَعْرِفُهُ العَرَبُ، وقِيلَ: "الضَرِيعُ" الجِلْدَةُ الَّتِي عَلى العَظْمِ تَحْتَ اللَحْمِ، ولا أعْرِفُ مَن تَأوَّلَ الآيَةَ بِهَذا، وأهْلُ هَذِهِ الأقاوِيلِ يَقُولُونَ: الزَقُّومُ لِطائِفَةٍ، والضَرِيعُ لِطائِفَةٍ، والغِسْلِينُ لِطائِفَةٍ.
واخْتُلِفَ في المَعْنى الَّذِي سُمِّيَ ضَرِيعًا، فَقِيلَ: هو ضَرِيعٌ بِمَعْنى مُضْرِعٍ، أيْ مُضْعِفٍ لِلْبَدَنِ مُهْزِلٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في ولَدىْ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ عنهُمْ: « "ما لِي أراهُما ضارِعَيْنِ" ؟» يُرِيدُ هَزِيلَيْنِ، ومِن فَعِيلٍ بِمَعْنى مُفْعِلٍ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ أمِن رَيْحانَةِ الداعِي السَمِيعِ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ
يُرِيدُ: السَمْعَ. وقِيلَ: ضَرِيعٍ: فَعِيلٌ مِنَ المُضارَعَةِ، أيْ لِأنَّهُ يُشْبِهُ المَرْعى الجَيِّدَ ويُضارِعُهُ في الظاهِرِ، ولَيْسَ بِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى وُجُوهَ أهْلِ النارِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِهِ وُجُوهَ أهْلِ الجَنَّةِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لِسَعْيِها" يُرِيدُ بِهِ: لِعَمَلِها في الدُنْيا وطاعَتِها، والمَعْنى: لِثَوابِ سَعْيِها والتَنْعِيمِ عَلَيْهِ، ووَصَفَ تَعالى الجَنَّةَ بِالعُلُوِّ، وذَلِكَ يَصِحُّ مِن جِهَةِ المَسافَةِ والمَكانِ، ومِن جِهَةِ المَكانِهِ والمَنزِلَةِ أيْضًا.
(p-٦٠٠)وَقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُما- والأعْرَجُ، وأهْلُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ: "لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةٌ" بِضَمِّ التاءِ مِن فَوْقٍ، ورَفَعَ "لاغِيَةً"، فَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةً لاغِيَةً، أيْ ذاتُ لَغْوٍ، فَهي عَلى النَسَبِ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم عَلى مَعْنى: لا تَسْمِعُ فِيها فِئَةً أو جَماعَةً لاغِيَةً ناطِقَةً بِسُوءٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "لاغِيَةً" مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والجاثِيَةِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ "لا تُسْمَعُ" بِضَمِّ التاءِ، "لاغِيًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: "لا يَسْمَعُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ مَضْمُومَةٌ "لاغِيَةٌ" بِالرَفْعِ، وهي قِراءَةُ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِيسى والجَحْدَرِيُّ أيْضًا. إلّا أنَّهُ قَرَأ "لاغِيَةً" بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: لا يَسْمَعُ أحَدٌ كَلِمَةً لاغِيَةً، مِن قَوْلِكَ أسْمَعْتُ زَيْدًا، وقَرَأ الباقُونَ ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ خارِجَةَ - والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ- "لا تَسْمَعُ" بِفَتْحِ التاءِ "لاغِيَةً"، بِالنُصْبِ والمَعْنى إمّا عَلى الكَلِمَةِ وإمّا عَلى الفِئَةِ، والفاعِلُ بـ "تَسْمَعُ" إمّا الوُجُوهُ، وإمّا مُحَمَّدٌ ﷺ -قالَهُ الحَسَنُ- وإنَّما أنْتَ أيُّها المُخاطَبُ عُمُومًا. و"اللَغْوُ" سَقْطُ القَوْلِ، فَذَلِكَ يَجْمَعُ الفُحْشَ وسائِرَ الكَلامِ السَفْاسَفِ الناقِصِ، ولَيْسَ في الجَنَّةِ نُقْصانٌ ولا عَيْبٌ في فِعْلٍ ولا قَوْلٍ، والحَمْدُ لِلَّهِ ولِيِّ النِعْمَةِ.
الغاشية 88:7
(p-٥٩٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الغاشِيَةِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ أهْلِ التَأْوِيلِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "هَلْ" بِمَعْنى "قَدْ"، وقالَ الحُذّاقُ: هي عَلى بابِها تَوْقِيفٌ فائِدَتُهُ تَحْرِيكُ نَفْسِ السامِعِ إلى تَلَقِّي الخَبَرِ، وقِيلَ: المَعْنى: هَلْ كانَ هَذا مِن عِلْمِكَ لَوْلا ما عَلَّمْناكَ؟ فَفي هَذا التَأْوِيلِ تَقْرِيرُ النِعْمَةِ. و"الغاشِيَةِ": القِيامَةُ لِأنَّها تَغْشى العالَمَ كُلَّهُ بِهَوْلِها وتَغْيِيرِها لِبِنْيَتِهِ، قالَهُ سُفْيانُ وجُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الغاشِيَةُ: النارُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠]، وقالَ: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]، فَهي تَغْشى سُكّانَها، والقَوْلُ الأوَّلُ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾، والوُجُوهُ الخاشِعَةُ هى وجُوهُ الكَفّارِ، وخُشُوعُها ذُلُّها وتَغَيُّرُها بِالعَذابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عامِلَةٌ ناصِبَةٌ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: عامِلَةٌ في النارِ ناصِبَةٌ فِيها والنَصَبُ: التَعَبُ؛ لِأنَّها تَكَبَّرَتْ عَنِ العَمَلِ لِلَّهِ تَعالى في الدُنْيا فَأعْمَلَها في الآخِرَةِ في نارِهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ والسُدِّيُّ: المَعْنى: عامِلَةٌ في الدُنْيا ناصِبَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فالعَمَلُ -عَلى هَذا- هو مَساعِي الدُنْيا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى: هي عامِلَةٌ في الدُنْيا ناصِبَةٌ فِيها.
(p-٥٩٧)لِأنَّها عَلى غَيْرِ هُدًى، فَلا ثَمَرَةَ لِعَمَلِها إلّا النَصْبُ، وخاتِمَتُهُ النارُ، قالُوا: الآيَةُ في القِسِّيسِينَ وعَبَدَةِ الأوثانِ وكُلِّ مُجْتَهِدٍ في كُفْرٍ، وقَدْ ذَهَبَ هَذا المَذْهَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ، وبَكى رَحْمَةً لِراهِبٍ نَصْرانِيٍّ رَآهُ مُجْتَهِدًا، وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ ذَكَرَ القَدَرِيَّةَ فَبَكى وقالَ إنَّ فِيهِمُ المُجْتَهِدَ.»
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -فِي رِوايَةِ شِبْلٍ- وابْنِ مُحَيْصِنٍ: "عامِلَةٌ ناصِبَةٌ" بِالنَصْبِ عَلى الذَمِّ، والناصِبُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: أذُمُّ أو أعْنِي ونَحْوُ هَذا، وقَرَأ السِتَّةُ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ: "تَصْلى" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُون الصادِ، عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أيِ الوُجُوهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ- وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ -واخْتُلِفَ عن نافِعٍ وعَنِ الأعْرَجِ -: "تُصْلى" بِضَمِّ التاءِ وسُكُونِ الصادِ، وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن "صَلَيْتُهُ النارَ" عَلى مَعْنى أصْلَيْتُهُ فَيَكُونُ كتَضْرِبُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أصْلَيْتُ فَيَكُونُ كَتَكَرَّمَ، قَرَأ بَعْضُ الناسِ: "تُصَلّى" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الصادِ وشَدِّ اللامِ، عَلى التَعْدِيَةِ بِالتَضْعِيفِ، حَكاها أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ. و"الحامِيَةُ": المُسَعَّرَةُ التَوَقُّدَةِ المُتَوَهِّجَةِ. و"الآنِيَةُ": الَّتِي قَدِ انْتَهى حَرُّها،كَما قالَ تَعالى: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى "آنِيَةٍ": حاضِرَةٌ لَهُمْ، مِن قَوْلِهِمْ: آنَ الشَيْءُ إذا حَضَرَ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الضَرِيعِ"، فَقالَ الحَسَنُ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ هو الزَقُّومُ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ لا طَعامَ لَهم إلّا مِن ضَرِيعٍ، وقَدْ أخْبَرَ أنَّ الزَقُّومَ طَعامُ الأثِيمِ، فَذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ الضَرِيعَ هو الزَقُّومُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الضَرِيعُ حِجارَةٌ في النارِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: الضَرِيعُ شَبْرَقُ (p-٥٩٨)النارِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الضَرِيعُ الشَبْرَقُ وهو مَرْعى سُوءٍ لا تُعَقِّدُ السائِمَةُ عَلَيْهِ شَحْمًا ولا لَحْمًا، ومِنهُ قَوْلُ أبِي عِيزارَةَ الهُذَلِيِّ:
؎ وحَبَسْنَ في هَزَمَ الضَرِيعِ فَكُلُّها حَدْباءُ دامِيَةُ اليَدَيْنِ حُرُودُ
وقالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:
؎ رَعى الشَبْرَقَ الرَيّانَ حَتّى إذا ذَوى ∗∗∗ وعادَ ضَرِيعًا بانَ مِنهُ النحائِضُ
وقِيلَ: الضَرِيعُ: العَشْرَقُ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "الضَرِيعُ شَوْكٌ في النارِ"،» وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: الضَرِيعُ يَبِسُ العُرْفُجِ إذا تَحَطَّمَ، وقالَ آخَرُونَ: هو رَطْبٌ العُرْفُجِ، وقالَ الزَجّاجُ: هو نَبْتٌ كالعَوْسَجِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الضَرِيعُ نَبْتٌ في البَحْرِ (p-٥٩٩)أخْضَرٌ مُنْتِنٌ مُجَوَّفٌ مُسْتَطِيلٌ، لَهُ نُورٌ فِيهِ كَبِيرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الضَرِيعُ شَجَرٌ مِن نارٍ. وكُلُّ مَن ذَكَرَ شَيْئًا مِمّا قَدَّرْناهُ فَإنَّما يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ مِن نارٍ ولا بُدَّ، وكُلُّ ما في النارِ فَهو نارٌ. وقالَ قَوْمٌ: ضَرِيعٌ: وادٍ في جَهَنَّمَ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الضَرِيعُ طَعامُ أهْلِ النارِ، ولَمْ يُرِدْ أنْ يُخَصِّصَ شَيْئًا مِمّا ذَكَرَ، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: وهَذا مِمّا لا تَعْرِفُهُ العَرَبُ، وقِيلَ: "الضَرِيعُ" الجِلْدَةُ الَّتِي عَلى العَظْمِ تَحْتَ اللَحْمِ، ولا أعْرِفُ مَن تَأوَّلَ الآيَةَ بِهَذا، وأهْلُ هَذِهِ الأقاوِيلِ يَقُولُونَ: الزَقُّومُ لِطائِفَةٍ، والضَرِيعُ لِطائِفَةٍ، والغِسْلِينُ لِطائِفَةٍ.
واخْتُلِفَ في المَعْنى الَّذِي سُمِّيَ ضَرِيعًا، فَقِيلَ: هو ضَرِيعٌ بِمَعْنى مُضْرِعٍ، أيْ مُضْعِفٍ لِلْبَدَنِ مُهْزِلٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في ولَدىْ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ عنهُمْ: « "ما لِي أراهُما ضارِعَيْنِ" ؟» يُرِيدُ هَزِيلَيْنِ، ومِن فَعِيلٍ بِمَعْنى مُفْعِلٍ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ أمِن رَيْحانَةِ الداعِي السَمِيعِ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ
يُرِيدُ: السَمْعَ. وقِيلَ: ضَرِيعٍ: فَعِيلٌ مِنَ المُضارَعَةِ، أيْ لِأنَّهُ يُشْبِهُ المَرْعى الجَيِّدَ ويُضارِعُهُ في الظاهِرِ، ولَيْسَ بِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى وُجُوهَ أهْلِ النارِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِهِ وُجُوهَ أهْلِ الجَنَّةِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لِسَعْيِها" يُرِيدُ بِهِ: لِعَمَلِها في الدُنْيا وطاعَتِها، والمَعْنى: لِثَوابِ سَعْيِها والتَنْعِيمِ عَلَيْهِ، ووَصَفَ تَعالى الجَنَّةَ بِالعُلُوِّ، وذَلِكَ يَصِحُّ مِن جِهَةِ المَسافَةِ والمَكانِ، ومِن جِهَةِ المَكانِهِ والمَنزِلَةِ أيْضًا.
(p-٦٠٠)وَقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُما- والأعْرَجُ، وأهْلُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ: "لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةٌ" بِضَمِّ التاءِ مِن فَوْقٍ، ورَفَعَ "لاغِيَةً"، فَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةً لاغِيَةً، أيْ ذاتُ لَغْوٍ، فَهي عَلى النَسَبِ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم عَلى مَعْنى: لا تَسْمِعُ فِيها فِئَةً أو جَماعَةً لاغِيَةً ناطِقَةً بِسُوءٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "لاغِيَةً" مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والجاثِيَةِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ "لا تُسْمَعُ" بِضَمِّ التاءِ، "لاغِيًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: "لا يَسْمَعُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ مَضْمُومَةٌ "لاغِيَةٌ" بِالرَفْعِ، وهي قِراءَةُ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِيسى والجَحْدَرِيُّ أيْضًا. إلّا أنَّهُ قَرَأ "لاغِيَةً" بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: لا يَسْمَعُ أحَدٌ كَلِمَةً لاغِيَةً، مِن قَوْلِكَ أسْمَعْتُ زَيْدًا، وقَرَأ الباقُونَ ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ خارِجَةَ - والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ- "لا تَسْمَعُ" بِفَتْحِ التاءِ "لاغِيَةً"، بِالنُصْبِ والمَعْنى إمّا عَلى الكَلِمَةِ وإمّا عَلى الفِئَةِ، والفاعِلُ بـ "تَسْمَعُ" إمّا الوُجُوهُ، وإمّا مُحَمَّدٌ ﷺ -قالَهُ الحَسَنُ- وإنَّما أنْتَ أيُّها المُخاطَبُ عُمُومًا. و"اللَغْوُ" سَقْطُ القَوْلِ، فَذَلِكَ يَجْمَعُ الفُحْشَ وسائِرَ الكَلامِ السَفْاسَفِ الناقِصِ، ولَيْسَ في الجَنَّةِ نُقْصانٌ ولا عَيْبٌ في فِعْلٍ ولا قَوْلٍ، والحَمْدُ لِلَّهِ ولِيِّ النِعْمَةِ.
الغاشية 88:8
(p-٥٩٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الغاشِيَةِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ أهْلِ التَأْوِيلِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "هَلْ" بِمَعْنى "قَدْ"، وقالَ الحُذّاقُ: هي عَلى بابِها تَوْقِيفٌ فائِدَتُهُ تَحْرِيكُ نَفْسِ السامِعِ إلى تَلَقِّي الخَبَرِ، وقِيلَ: المَعْنى: هَلْ كانَ هَذا مِن عِلْمِكَ لَوْلا ما عَلَّمْناكَ؟ فَفي هَذا التَأْوِيلِ تَقْرِيرُ النِعْمَةِ. و"الغاشِيَةِ": القِيامَةُ لِأنَّها تَغْشى العالَمَ كُلَّهُ بِهَوْلِها وتَغْيِيرِها لِبِنْيَتِهِ، قالَهُ سُفْيانُ وجُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الغاشِيَةُ: النارُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠]، وقالَ: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]، فَهي تَغْشى سُكّانَها، والقَوْلُ الأوَّلُ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾، والوُجُوهُ الخاشِعَةُ هى وجُوهُ الكَفّارِ، وخُشُوعُها ذُلُّها وتَغَيُّرُها بِالعَذابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عامِلَةٌ ناصِبَةٌ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: عامِلَةٌ في النارِ ناصِبَةٌ فِيها والنَصَبُ: التَعَبُ؛ لِأنَّها تَكَبَّرَتْ عَنِ العَمَلِ لِلَّهِ تَعالى في الدُنْيا فَأعْمَلَها في الآخِرَةِ في نارِهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ والسُدِّيُّ: المَعْنى: عامِلَةٌ في الدُنْيا ناصِبَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فالعَمَلُ -عَلى هَذا- هو مَساعِي الدُنْيا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى: هي عامِلَةٌ في الدُنْيا ناصِبَةٌ فِيها.
(p-٥٩٧)لِأنَّها عَلى غَيْرِ هُدًى، فَلا ثَمَرَةَ لِعَمَلِها إلّا النَصْبُ، وخاتِمَتُهُ النارُ، قالُوا: الآيَةُ في القِسِّيسِينَ وعَبَدَةِ الأوثانِ وكُلِّ مُجْتَهِدٍ في كُفْرٍ، وقَدْ ذَهَبَ هَذا المَذْهَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ، وبَكى رَحْمَةً لِراهِبٍ نَصْرانِيٍّ رَآهُ مُجْتَهِدًا، وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ ذَكَرَ القَدَرِيَّةَ فَبَكى وقالَ إنَّ فِيهِمُ المُجْتَهِدَ.»
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -فِي رِوايَةِ شِبْلٍ- وابْنِ مُحَيْصِنٍ: "عامِلَةٌ ناصِبَةٌ" بِالنَصْبِ عَلى الذَمِّ، والناصِبُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: أذُمُّ أو أعْنِي ونَحْوُ هَذا، وقَرَأ السِتَّةُ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ: "تَصْلى" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُون الصادِ، عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أيِ الوُجُوهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ- وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ -واخْتُلِفَ عن نافِعٍ وعَنِ الأعْرَجِ -: "تُصْلى" بِضَمِّ التاءِ وسُكُونِ الصادِ، وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن "صَلَيْتُهُ النارَ" عَلى مَعْنى أصْلَيْتُهُ فَيَكُونُ كتَضْرِبُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أصْلَيْتُ فَيَكُونُ كَتَكَرَّمَ، قَرَأ بَعْضُ الناسِ: "تُصَلّى" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الصادِ وشَدِّ اللامِ، عَلى التَعْدِيَةِ بِالتَضْعِيفِ، حَكاها أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ. و"الحامِيَةُ": المُسَعَّرَةُ التَوَقُّدَةِ المُتَوَهِّجَةِ. و"الآنِيَةُ": الَّتِي قَدِ انْتَهى حَرُّها،كَما قالَ تَعالى: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى "آنِيَةٍ": حاضِرَةٌ لَهُمْ، مِن قَوْلِهِمْ: آنَ الشَيْءُ إذا حَضَرَ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الضَرِيعِ"، فَقالَ الحَسَنُ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ هو الزَقُّومُ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ لا طَعامَ لَهم إلّا مِن ضَرِيعٍ، وقَدْ أخْبَرَ أنَّ الزَقُّومَ طَعامُ الأثِيمِ، فَذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ الضَرِيعَ هو الزَقُّومُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الضَرِيعُ حِجارَةٌ في النارِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: الضَرِيعُ شَبْرَقُ (p-٥٩٨)النارِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الضَرِيعُ الشَبْرَقُ وهو مَرْعى سُوءٍ لا تُعَقِّدُ السائِمَةُ عَلَيْهِ شَحْمًا ولا لَحْمًا، ومِنهُ قَوْلُ أبِي عِيزارَةَ الهُذَلِيِّ:
؎ وحَبَسْنَ في هَزَمَ الضَرِيعِ فَكُلُّها حَدْباءُ دامِيَةُ اليَدَيْنِ حُرُودُ
وقالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:
؎ رَعى الشَبْرَقَ الرَيّانَ حَتّى إذا ذَوى ∗∗∗ وعادَ ضَرِيعًا بانَ مِنهُ النحائِضُ
وقِيلَ: الضَرِيعُ: العَشْرَقُ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "الضَرِيعُ شَوْكٌ في النارِ"،» وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: الضَرِيعُ يَبِسُ العُرْفُجِ إذا تَحَطَّمَ، وقالَ آخَرُونَ: هو رَطْبٌ العُرْفُجِ، وقالَ الزَجّاجُ: هو نَبْتٌ كالعَوْسَجِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الضَرِيعُ نَبْتٌ في البَحْرِ (p-٥٩٩)أخْضَرٌ مُنْتِنٌ مُجَوَّفٌ مُسْتَطِيلٌ، لَهُ نُورٌ فِيهِ كَبِيرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الضَرِيعُ شَجَرٌ مِن نارٍ. وكُلُّ مَن ذَكَرَ شَيْئًا مِمّا قَدَّرْناهُ فَإنَّما يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ مِن نارٍ ولا بُدَّ، وكُلُّ ما في النارِ فَهو نارٌ. وقالَ قَوْمٌ: ضَرِيعٌ: وادٍ في جَهَنَّمَ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الضَرِيعُ طَعامُ أهْلِ النارِ، ولَمْ يُرِدْ أنْ يُخَصِّصَ شَيْئًا مِمّا ذَكَرَ، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: وهَذا مِمّا لا تَعْرِفُهُ العَرَبُ، وقِيلَ: "الضَرِيعُ" الجِلْدَةُ الَّتِي عَلى العَظْمِ تَحْتَ اللَحْمِ، ولا أعْرِفُ مَن تَأوَّلَ الآيَةَ بِهَذا، وأهْلُ هَذِهِ الأقاوِيلِ يَقُولُونَ: الزَقُّومُ لِطائِفَةٍ، والضَرِيعُ لِطائِفَةٍ، والغِسْلِينُ لِطائِفَةٍ.
واخْتُلِفَ في المَعْنى الَّذِي سُمِّيَ ضَرِيعًا، فَقِيلَ: هو ضَرِيعٌ بِمَعْنى مُضْرِعٍ، أيْ مُضْعِفٍ لِلْبَدَنِ مُهْزِلٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في ولَدىْ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ عنهُمْ: « "ما لِي أراهُما ضارِعَيْنِ" ؟» يُرِيدُ هَزِيلَيْنِ، ومِن فَعِيلٍ بِمَعْنى مُفْعِلٍ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ أمِن رَيْحانَةِ الداعِي السَمِيعِ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ
يُرِيدُ: السَمْعَ. وقِيلَ: ضَرِيعٍ: فَعِيلٌ مِنَ المُضارَعَةِ، أيْ لِأنَّهُ يُشْبِهُ المَرْعى الجَيِّدَ ويُضارِعُهُ في الظاهِرِ، ولَيْسَ بِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى وُجُوهَ أهْلِ النارِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِهِ وُجُوهَ أهْلِ الجَنَّةِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لِسَعْيِها" يُرِيدُ بِهِ: لِعَمَلِها في الدُنْيا وطاعَتِها، والمَعْنى: لِثَوابِ سَعْيِها والتَنْعِيمِ عَلَيْهِ، ووَصَفَ تَعالى الجَنَّةَ بِالعُلُوِّ، وذَلِكَ يَصِحُّ مِن جِهَةِ المَسافَةِ والمَكانِ، ومِن جِهَةِ المَكانِهِ والمَنزِلَةِ أيْضًا.
(p-٦٠٠)وَقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُما- والأعْرَجُ، وأهْلُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ: "لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةٌ" بِضَمِّ التاءِ مِن فَوْقٍ، ورَفَعَ "لاغِيَةً"، فَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةً لاغِيَةً، أيْ ذاتُ لَغْوٍ، فَهي عَلى النَسَبِ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم عَلى مَعْنى: لا تَسْمِعُ فِيها فِئَةً أو جَماعَةً لاغِيَةً ناطِقَةً بِسُوءٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "لاغِيَةً" مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والجاثِيَةِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ "لا تُسْمَعُ" بِضَمِّ التاءِ، "لاغِيًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: "لا يَسْمَعُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ مَضْمُومَةٌ "لاغِيَةٌ" بِالرَفْعِ، وهي قِراءَةُ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِيسى والجَحْدَرِيُّ أيْضًا. إلّا أنَّهُ قَرَأ "لاغِيَةً" بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: لا يَسْمَعُ أحَدٌ كَلِمَةً لاغِيَةً، مِن قَوْلِكَ أسْمَعْتُ زَيْدًا، وقَرَأ الباقُونَ ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ خارِجَةَ - والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ- "لا تَسْمَعُ" بِفَتْحِ التاءِ "لاغِيَةً"، بِالنُصْبِ والمَعْنى إمّا عَلى الكَلِمَةِ وإمّا عَلى الفِئَةِ، والفاعِلُ بـ "تَسْمَعُ" إمّا الوُجُوهُ، وإمّا مُحَمَّدٌ ﷺ -قالَهُ الحَسَنُ- وإنَّما أنْتَ أيُّها المُخاطَبُ عُمُومًا. و"اللَغْوُ" سَقْطُ القَوْلِ، فَذَلِكَ يَجْمَعُ الفُحْشَ وسائِرَ الكَلامِ السَفْاسَفِ الناقِصِ، ولَيْسَ في الجَنَّةِ نُقْصانٌ ولا عَيْبٌ في فِعْلٍ ولا قَوْلٍ، والحَمْدُ لِلَّهِ ولِيِّ النِعْمَةِ.
الغاشية 88:9
(p-٥٩٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الغاشِيَةِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ أهْلِ التَأْوِيلِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "هَلْ" بِمَعْنى "قَدْ"، وقالَ الحُذّاقُ: هي عَلى بابِها تَوْقِيفٌ فائِدَتُهُ تَحْرِيكُ نَفْسِ السامِعِ إلى تَلَقِّي الخَبَرِ، وقِيلَ: المَعْنى: هَلْ كانَ هَذا مِن عِلْمِكَ لَوْلا ما عَلَّمْناكَ؟ فَفي هَذا التَأْوِيلِ تَقْرِيرُ النِعْمَةِ. و"الغاشِيَةِ": القِيامَةُ لِأنَّها تَغْشى العالَمَ كُلَّهُ بِهَوْلِها وتَغْيِيرِها لِبِنْيَتِهِ، قالَهُ سُفْيانُ وجُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الغاشِيَةُ: النارُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠]، وقالَ: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]، فَهي تَغْشى سُكّانَها، والقَوْلُ الأوَّلُ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾، والوُجُوهُ الخاشِعَةُ هى وجُوهُ الكَفّارِ، وخُشُوعُها ذُلُّها وتَغَيُّرُها بِالعَذابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عامِلَةٌ ناصِبَةٌ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: عامِلَةٌ في النارِ ناصِبَةٌ فِيها والنَصَبُ: التَعَبُ؛ لِأنَّها تَكَبَّرَتْ عَنِ العَمَلِ لِلَّهِ تَعالى في الدُنْيا فَأعْمَلَها في الآخِرَةِ في نارِهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ والسُدِّيُّ: المَعْنى: عامِلَةٌ في الدُنْيا ناصِبَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فالعَمَلُ -عَلى هَذا- هو مَساعِي الدُنْيا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى: هي عامِلَةٌ في الدُنْيا ناصِبَةٌ فِيها.
(p-٥٩٧)لِأنَّها عَلى غَيْرِ هُدًى، فَلا ثَمَرَةَ لِعَمَلِها إلّا النَصْبُ، وخاتِمَتُهُ النارُ، قالُوا: الآيَةُ في القِسِّيسِينَ وعَبَدَةِ الأوثانِ وكُلِّ مُجْتَهِدٍ في كُفْرٍ، وقَدْ ذَهَبَ هَذا المَذْهَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ، وبَكى رَحْمَةً لِراهِبٍ نَصْرانِيٍّ رَآهُ مُجْتَهِدًا، وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ ذَكَرَ القَدَرِيَّةَ فَبَكى وقالَ إنَّ فِيهِمُ المُجْتَهِدَ.»
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -فِي رِوايَةِ شِبْلٍ- وابْنِ مُحَيْصِنٍ: "عامِلَةٌ ناصِبَةٌ" بِالنَصْبِ عَلى الذَمِّ، والناصِبُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: أذُمُّ أو أعْنِي ونَحْوُ هَذا، وقَرَأ السِتَّةُ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ: "تَصْلى" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُون الصادِ، عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أيِ الوُجُوهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ- وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ -واخْتُلِفَ عن نافِعٍ وعَنِ الأعْرَجِ -: "تُصْلى" بِضَمِّ التاءِ وسُكُونِ الصادِ، وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن "صَلَيْتُهُ النارَ" عَلى مَعْنى أصْلَيْتُهُ فَيَكُونُ كتَضْرِبُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أصْلَيْتُ فَيَكُونُ كَتَكَرَّمَ، قَرَأ بَعْضُ الناسِ: "تُصَلّى" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الصادِ وشَدِّ اللامِ، عَلى التَعْدِيَةِ بِالتَضْعِيفِ، حَكاها أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ. و"الحامِيَةُ": المُسَعَّرَةُ التَوَقُّدَةِ المُتَوَهِّجَةِ. و"الآنِيَةُ": الَّتِي قَدِ انْتَهى حَرُّها،كَما قالَ تَعالى: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى "آنِيَةٍ": حاضِرَةٌ لَهُمْ، مِن قَوْلِهِمْ: آنَ الشَيْءُ إذا حَضَرَ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الضَرِيعِ"، فَقالَ الحَسَنُ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ هو الزَقُّومُ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ لا طَعامَ لَهم إلّا مِن ضَرِيعٍ، وقَدْ أخْبَرَ أنَّ الزَقُّومَ طَعامُ الأثِيمِ، فَذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ الضَرِيعَ هو الزَقُّومُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الضَرِيعُ حِجارَةٌ في النارِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: الضَرِيعُ شَبْرَقُ (p-٥٩٨)النارِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الضَرِيعُ الشَبْرَقُ وهو مَرْعى سُوءٍ لا تُعَقِّدُ السائِمَةُ عَلَيْهِ شَحْمًا ولا لَحْمًا، ومِنهُ قَوْلُ أبِي عِيزارَةَ الهُذَلِيِّ:
؎ وحَبَسْنَ في هَزَمَ الضَرِيعِ فَكُلُّها حَدْباءُ دامِيَةُ اليَدَيْنِ حُرُودُ
وقالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:
؎ رَعى الشَبْرَقَ الرَيّانَ حَتّى إذا ذَوى ∗∗∗ وعادَ ضَرِيعًا بانَ مِنهُ النحائِضُ
وقِيلَ: الضَرِيعُ: العَشْرَقُ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "الضَرِيعُ شَوْكٌ في النارِ"،» وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: الضَرِيعُ يَبِسُ العُرْفُجِ إذا تَحَطَّمَ، وقالَ آخَرُونَ: هو رَطْبٌ العُرْفُجِ، وقالَ الزَجّاجُ: هو نَبْتٌ كالعَوْسَجِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الضَرِيعُ نَبْتٌ في البَحْرِ (p-٥٩٩)أخْضَرٌ مُنْتِنٌ مُجَوَّفٌ مُسْتَطِيلٌ، لَهُ نُورٌ فِيهِ كَبِيرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الضَرِيعُ شَجَرٌ مِن نارٍ. وكُلُّ مَن ذَكَرَ شَيْئًا مِمّا قَدَّرْناهُ فَإنَّما يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ مِن نارٍ ولا بُدَّ، وكُلُّ ما في النارِ فَهو نارٌ. وقالَ قَوْمٌ: ضَرِيعٌ: وادٍ في جَهَنَّمَ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الضَرِيعُ طَعامُ أهْلِ النارِ، ولَمْ يُرِدْ أنْ يُخَصِّصَ شَيْئًا مِمّا ذَكَرَ، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: وهَذا مِمّا لا تَعْرِفُهُ العَرَبُ، وقِيلَ: "الضَرِيعُ" الجِلْدَةُ الَّتِي عَلى العَظْمِ تَحْتَ اللَحْمِ، ولا أعْرِفُ مَن تَأوَّلَ الآيَةَ بِهَذا، وأهْلُ هَذِهِ الأقاوِيلِ يَقُولُونَ: الزَقُّومُ لِطائِفَةٍ، والضَرِيعُ لِطائِفَةٍ، والغِسْلِينُ لِطائِفَةٍ.
واخْتُلِفَ في المَعْنى الَّذِي سُمِّيَ ضَرِيعًا، فَقِيلَ: هو ضَرِيعٌ بِمَعْنى مُضْرِعٍ، أيْ مُضْعِفٍ لِلْبَدَنِ مُهْزِلٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في ولَدىْ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ عنهُمْ: « "ما لِي أراهُما ضارِعَيْنِ" ؟» يُرِيدُ هَزِيلَيْنِ، ومِن فَعِيلٍ بِمَعْنى مُفْعِلٍ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ أمِن رَيْحانَةِ الداعِي السَمِيعِ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ
يُرِيدُ: السَمْعَ. وقِيلَ: ضَرِيعٍ: فَعِيلٌ مِنَ المُضارَعَةِ، أيْ لِأنَّهُ يُشْبِهُ المَرْعى الجَيِّدَ ويُضارِعُهُ في الظاهِرِ، ولَيْسَ بِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى وُجُوهَ أهْلِ النارِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِهِ وُجُوهَ أهْلِ الجَنَّةِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لِسَعْيِها" يُرِيدُ بِهِ: لِعَمَلِها في الدُنْيا وطاعَتِها، والمَعْنى: لِثَوابِ سَعْيِها والتَنْعِيمِ عَلَيْهِ، ووَصَفَ تَعالى الجَنَّةَ بِالعُلُوِّ، وذَلِكَ يَصِحُّ مِن جِهَةِ المَسافَةِ والمَكانِ، ومِن جِهَةِ المَكانِهِ والمَنزِلَةِ أيْضًا.
(p-٦٠٠)وَقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُما- والأعْرَجُ، وأهْلُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ: "لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةٌ" بِضَمِّ التاءِ مِن فَوْقٍ، ورَفَعَ "لاغِيَةً"، فَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةً لاغِيَةً، أيْ ذاتُ لَغْوٍ، فَهي عَلى النَسَبِ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم عَلى مَعْنى: لا تَسْمِعُ فِيها فِئَةً أو جَماعَةً لاغِيَةً ناطِقَةً بِسُوءٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "لاغِيَةً" مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والجاثِيَةِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ "لا تُسْمَعُ" بِضَمِّ التاءِ، "لاغِيًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: "لا يَسْمَعُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ مَضْمُومَةٌ "لاغِيَةٌ" بِالرَفْعِ، وهي قِراءَةُ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِيسى والجَحْدَرِيُّ أيْضًا. إلّا أنَّهُ قَرَأ "لاغِيَةً" بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: لا يَسْمَعُ أحَدٌ كَلِمَةً لاغِيَةً، مِن قَوْلِكَ أسْمَعْتُ زَيْدًا، وقَرَأ الباقُونَ ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ خارِجَةَ - والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ- "لا تَسْمَعُ" بِفَتْحِ التاءِ "لاغِيَةً"، بِالنُصْبِ والمَعْنى إمّا عَلى الكَلِمَةِ وإمّا عَلى الفِئَةِ، والفاعِلُ بـ "تَسْمَعُ" إمّا الوُجُوهُ، وإمّا مُحَمَّدٌ ﷺ -قالَهُ الحَسَنُ- وإنَّما أنْتَ أيُّها المُخاطَبُ عُمُومًا. و"اللَغْوُ" سَقْطُ القَوْلِ، فَذَلِكَ يَجْمَعُ الفُحْشَ وسائِرَ الكَلامِ السَفْاسَفِ الناقِصِ، ولَيْسَ في الجَنَّةِ نُقْصانٌ ولا عَيْبٌ في فِعْلٍ ولا قَوْلٍ، والحَمْدُ لِلَّهِ ولِيِّ النِعْمَةِ.
الغاشية 88:10
(p-٥٩٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الغاشِيَةِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ أهْلِ التَأْوِيلِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "هَلْ" بِمَعْنى "قَدْ"، وقالَ الحُذّاقُ: هي عَلى بابِها تَوْقِيفٌ فائِدَتُهُ تَحْرِيكُ نَفْسِ السامِعِ إلى تَلَقِّي الخَبَرِ، وقِيلَ: المَعْنى: هَلْ كانَ هَذا مِن عِلْمِكَ لَوْلا ما عَلَّمْناكَ؟ فَفي هَذا التَأْوِيلِ تَقْرِيرُ النِعْمَةِ. و"الغاشِيَةِ": القِيامَةُ لِأنَّها تَغْشى العالَمَ كُلَّهُ بِهَوْلِها وتَغْيِيرِها لِبِنْيَتِهِ، قالَهُ سُفْيانُ وجُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الغاشِيَةُ: النارُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠]، وقالَ: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]، فَهي تَغْشى سُكّانَها، والقَوْلُ الأوَّلُ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾، والوُجُوهُ الخاشِعَةُ هى وجُوهُ الكَفّارِ، وخُشُوعُها ذُلُّها وتَغَيُّرُها بِالعَذابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عامِلَةٌ ناصِبَةٌ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: عامِلَةٌ في النارِ ناصِبَةٌ فِيها والنَصَبُ: التَعَبُ؛ لِأنَّها تَكَبَّرَتْ عَنِ العَمَلِ لِلَّهِ تَعالى في الدُنْيا فَأعْمَلَها في الآخِرَةِ في نارِهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ والسُدِّيُّ: المَعْنى: عامِلَةٌ في الدُنْيا ناصِبَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فالعَمَلُ -عَلى هَذا- هو مَساعِي الدُنْيا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى: هي عامِلَةٌ في الدُنْيا ناصِبَةٌ فِيها.
(p-٥٩٧)لِأنَّها عَلى غَيْرِ هُدًى، فَلا ثَمَرَةَ لِعَمَلِها إلّا النَصْبُ، وخاتِمَتُهُ النارُ، قالُوا: الآيَةُ في القِسِّيسِينَ وعَبَدَةِ الأوثانِ وكُلِّ مُجْتَهِدٍ في كُفْرٍ، وقَدْ ذَهَبَ هَذا المَذْهَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ، وبَكى رَحْمَةً لِراهِبٍ نَصْرانِيٍّ رَآهُ مُجْتَهِدًا، وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ ذَكَرَ القَدَرِيَّةَ فَبَكى وقالَ إنَّ فِيهِمُ المُجْتَهِدَ.»
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -فِي رِوايَةِ شِبْلٍ- وابْنِ مُحَيْصِنٍ: "عامِلَةٌ ناصِبَةٌ" بِالنَصْبِ عَلى الذَمِّ، والناصِبُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: أذُمُّ أو أعْنِي ونَحْوُ هَذا، وقَرَأ السِتَّةُ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ: "تَصْلى" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُون الصادِ، عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أيِ الوُجُوهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ- وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ -واخْتُلِفَ عن نافِعٍ وعَنِ الأعْرَجِ -: "تُصْلى" بِضَمِّ التاءِ وسُكُونِ الصادِ، وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن "صَلَيْتُهُ النارَ" عَلى مَعْنى أصْلَيْتُهُ فَيَكُونُ كتَضْرِبُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أصْلَيْتُ فَيَكُونُ كَتَكَرَّمَ، قَرَأ بَعْضُ الناسِ: "تُصَلّى" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الصادِ وشَدِّ اللامِ، عَلى التَعْدِيَةِ بِالتَضْعِيفِ، حَكاها أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ. و"الحامِيَةُ": المُسَعَّرَةُ التَوَقُّدَةِ المُتَوَهِّجَةِ. و"الآنِيَةُ": الَّتِي قَدِ انْتَهى حَرُّها،كَما قالَ تَعالى: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى "آنِيَةٍ": حاضِرَةٌ لَهُمْ، مِن قَوْلِهِمْ: آنَ الشَيْءُ إذا حَضَرَ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الضَرِيعِ"، فَقالَ الحَسَنُ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ هو الزَقُّومُ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ لا طَعامَ لَهم إلّا مِن ضَرِيعٍ، وقَدْ أخْبَرَ أنَّ الزَقُّومَ طَعامُ الأثِيمِ، فَذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ الضَرِيعَ هو الزَقُّومُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الضَرِيعُ حِجارَةٌ في النارِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: الضَرِيعُ شَبْرَقُ (p-٥٩٨)النارِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الضَرِيعُ الشَبْرَقُ وهو مَرْعى سُوءٍ لا تُعَقِّدُ السائِمَةُ عَلَيْهِ شَحْمًا ولا لَحْمًا، ومِنهُ قَوْلُ أبِي عِيزارَةَ الهُذَلِيِّ:
؎ وحَبَسْنَ في هَزَمَ الضَرِيعِ فَكُلُّها حَدْباءُ دامِيَةُ اليَدَيْنِ حُرُودُ
وقالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:
؎ رَعى الشَبْرَقَ الرَيّانَ حَتّى إذا ذَوى ∗∗∗ وعادَ ضَرِيعًا بانَ مِنهُ النحائِضُ
وقِيلَ: الضَرِيعُ: العَشْرَقُ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "الضَرِيعُ شَوْكٌ في النارِ"،» وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: الضَرِيعُ يَبِسُ العُرْفُجِ إذا تَحَطَّمَ، وقالَ آخَرُونَ: هو رَطْبٌ العُرْفُجِ، وقالَ الزَجّاجُ: هو نَبْتٌ كالعَوْسَجِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الضَرِيعُ نَبْتٌ في البَحْرِ (p-٥٩٩)أخْضَرٌ مُنْتِنٌ مُجَوَّفٌ مُسْتَطِيلٌ، لَهُ نُورٌ فِيهِ كَبِيرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الضَرِيعُ شَجَرٌ مِن نارٍ. وكُلُّ مَن ذَكَرَ شَيْئًا مِمّا قَدَّرْناهُ فَإنَّما يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ مِن نارٍ ولا بُدَّ، وكُلُّ ما في النارِ فَهو نارٌ. وقالَ قَوْمٌ: ضَرِيعٌ: وادٍ في جَهَنَّمَ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الضَرِيعُ طَعامُ أهْلِ النارِ، ولَمْ يُرِدْ أنْ يُخَصِّصَ شَيْئًا مِمّا ذَكَرَ، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: وهَذا مِمّا لا تَعْرِفُهُ العَرَبُ، وقِيلَ: "الضَرِيعُ" الجِلْدَةُ الَّتِي عَلى العَظْمِ تَحْتَ اللَحْمِ، ولا أعْرِفُ مَن تَأوَّلَ الآيَةَ بِهَذا، وأهْلُ هَذِهِ الأقاوِيلِ يَقُولُونَ: الزَقُّومُ لِطائِفَةٍ، والضَرِيعُ لِطائِفَةٍ، والغِسْلِينُ لِطائِفَةٍ.
واخْتُلِفَ في المَعْنى الَّذِي سُمِّيَ ضَرِيعًا، فَقِيلَ: هو ضَرِيعٌ بِمَعْنى مُضْرِعٍ، أيْ مُضْعِفٍ لِلْبَدَنِ مُهْزِلٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في ولَدىْ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ عنهُمْ: « "ما لِي أراهُما ضارِعَيْنِ" ؟» يُرِيدُ هَزِيلَيْنِ، ومِن فَعِيلٍ بِمَعْنى مُفْعِلٍ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ أمِن رَيْحانَةِ الداعِي السَمِيعِ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ
يُرِيدُ: السَمْعَ. وقِيلَ: ضَرِيعٍ: فَعِيلٌ مِنَ المُضارَعَةِ، أيْ لِأنَّهُ يُشْبِهُ المَرْعى الجَيِّدَ ويُضارِعُهُ في الظاهِرِ، ولَيْسَ بِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى وُجُوهَ أهْلِ النارِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِهِ وُجُوهَ أهْلِ الجَنَّةِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لِسَعْيِها" يُرِيدُ بِهِ: لِعَمَلِها في الدُنْيا وطاعَتِها، والمَعْنى: لِثَوابِ سَعْيِها والتَنْعِيمِ عَلَيْهِ، ووَصَفَ تَعالى الجَنَّةَ بِالعُلُوِّ، وذَلِكَ يَصِحُّ مِن جِهَةِ المَسافَةِ والمَكانِ، ومِن جِهَةِ المَكانِهِ والمَنزِلَةِ أيْضًا.
(p-٦٠٠)وَقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُما- والأعْرَجُ، وأهْلُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ: "لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةٌ" بِضَمِّ التاءِ مِن فَوْقٍ، ورَفَعَ "لاغِيَةً"، فَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةً لاغِيَةً، أيْ ذاتُ لَغْوٍ، فَهي عَلى النَسَبِ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم عَلى مَعْنى: لا تَسْمِعُ فِيها فِئَةً أو جَماعَةً لاغِيَةً ناطِقَةً بِسُوءٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "لاغِيَةً" مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والجاثِيَةِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ "لا تُسْمَعُ" بِضَمِّ التاءِ، "لاغِيًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: "لا يَسْمَعُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ مَضْمُومَةٌ "لاغِيَةٌ" بِالرَفْعِ، وهي قِراءَةُ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِيسى والجَحْدَرِيُّ أيْضًا. إلّا أنَّهُ قَرَأ "لاغِيَةً" بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: لا يَسْمَعُ أحَدٌ كَلِمَةً لاغِيَةً، مِن قَوْلِكَ أسْمَعْتُ زَيْدًا، وقَرَأ الباقُونَ ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ خارِجَةَ - والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ- "لا تَسْمَعُ" بِفَتْحِ التاءِ "لاغِيَةً"، بِالنُصْبِ والمَعْنى إمّا عَلى الكَلِمَةِ وإمّا عَلى الفِئَةِ، والفاعِلُ بـ "تَسْمَعُ" إمّا الوُجُوهُ، وإمّا مُحَمَّدٌ ﷺ -قالَهُ الحَسَنُ- وإنَّما أنْتَ أيُّها المُخاطَبُ عُمُومًا. و"اللَغْوُ" سَقْطُ القَوْلِ، فَذَلِكَ يَجْمَعُ الفُحْشَ وسائِرَ الكَلامِ السَفْاسَفِ الناقِصِ، ولَيْسَ في الجَنَّةِ نُقْصانٌ ولا عَيْبٌ في فِعْلٍ ولا قَوْلٍ، والحَمْدُ لِلَّهِ ولِيِّ النِعْمَةِ.
الغاشية 88:11
(p-٥٩٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الغاشِيَةِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ أهْلِ التَأْوِيلِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "هَلْ" بِمَعْنى "قَدْ"، وقالَ الحُذّاقُ: هي عَلى بابِها تَوْقِيفٌ فائِدَتُهُ تَحْرِيكُ نَفْسِ السامِعِ إلى تَلَقِّي الخَبَرِ، وقِيلَ: المَعْنى: هَلْ كانَ هَذا مِن عِلْمِكَ لَوْلا ما عَلَّمْناكَ؟ فَفي هَذا التَأْوِيلِ تَقْرِيرُ النِعْمَةِ. و"الغاشِيَةِ": القِيامَةُ لِأنَّها تَغْشى العالَمَ كُلَّهُ بِهَوْلِها وتَغْيِيرِها لِبِنْيَتِهِ، قالَهُ سُفْيانُ وجُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الغاشِيَةُ: النارُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠]، وقالَ: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]، فَهي تَغْشى سُكّانَها، والقَوْلُ الأوَّلُ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾، والوُجُوهُ الخاشِعَةُ هى وجُوهُ الكَفّارِ، وخُشُوعُها ذُلُّها وتَغَيُّرُها بِالعَذابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عامِلَةٌ ناصِبَةٌ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: عامِلَةٌ في النارِ ناصِبَةٌ فِيها والنَصَبُ: التَعَبُ؛ لِأنَّها تَكَبَّرَتْ عَنِ العَمَلِ لِلَّهِ تَعالى في الدُنْيا فَأعْمَلَها في الآخِرَةِ في نارِهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ والسُدِّيُّ: المَعْنى: عامِلَةٌ في الدُنْيا ناصِبَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فالعَمَلُ -عَلى هَذا- هو مَساعِي الدُنْيا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى: هي عامِلَةٌ في الدُنْيا ناصِبَةٌ فِيها.
(p-٥٩٧)لِأنَّها عَلى غَيْرِ هُدًى، فَلا ثَمَرَةَ لِعَمَلِها إلّا النَصْبُ، وخاتِمَتُهُ النارُ، قالُوا: الآيَةُ في القِسِّيسِينَ وعَبَدَةِ الأوثانِ وكُلِّ مُجْتَهِدٍ في كُفْرٍ، وقَدْ ذَهَبَ هَذا المَذْهَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ، وبَكى رَحْمَةً لِراهِبٍ نَصْرانِيٍّ رَآهُ مُجْتَهِدًا، وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ ذَكَرَ القَدَرِيَّةَ فَبَكى وقالَ إنَّ فِيهِمُ المُجْتَهِدَ.»
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -فِي رِوايَةِ شِبْلٍ- وابْنِ مُحَيْصِنٍ: "عامِلَةٌ ناصِبَةٌ" بِالنَصْبِ عَلى الذَمِّ، والناصِبُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: أذُمُّ أو أعْنِي ونَحْوُ هَذا، وقَرَأ السِتَّةُ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ: "تَصْلى" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُون الصادِ، عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أيِ الوُجُوهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ- وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ -واخْتُلِفَ عن نافِعٍ وعَنِ الأعْرَجِ -: "تُصْلى" بِضَمِّ التاءِ وسُكُونِ الصادِ، وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن "صَلَيْتُهُ النارَ" عَلى مَعْنى أصْلَيْتُهُ فَيَكُونُ كتَضْرِبُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أصْلَيْتُ فَيَكُونُ كَتَكَرَّمَ، قَرَأ بَعْضُ الناسِ: "تُصَلّى" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الصادِ وشَدِّ اللامِ، عَلى التَعْدِيَةِ بِالتَضْعِيفِ، حَكاها أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ. و"الحامِيَةُ": المُسَعَّرَةُ التَوَقُّدَةِ المُتَوَهِّجَةِ. و"الآنِيَةُ": الَّتِي قَدِ انْتَهى حَرُّها،كَما قالَ تَعالى: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى "آنِيَةٍ": حاضِرَةٌ لَهُمْ، مِن قَوْلِهِمْ: آنَ الشَيْءُ إذا حَضَرَ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الضَرِيعِ"، فَقالَ الحَسَنُ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ هو الزَقُّومُ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ لا طَعامَ لَهم إلّا مِن ضَرِيعٍ، وقَدْ أخْبَرَ أنَّ الزَقُّومَ طَعامُ الأثِيمِ، فَذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ الضَرِيعَ هو الزَقُّومُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الضَرِيعُ حِجارَةٌ في النارِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: الضَرِيعُ شَبْرَقُ (p-٥٩٨)النارِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الضَرِيعُ الشَبْرَقُ وهو مَرْعى سُوءٍ لا تُعَقِّدُ السائِمَةُ عَلَيْهِ شَحْمًا ولا لَحْمًا، ومِنهُ قَوْلُ أبِي عِيزارَةَ الهُذَلِيِّ:
؎ وحَبَسْنَ في هَزَمَ الضَرِيعِ فَكُلُّها حَدْباءُ دامِيَةُ اليَدَيْنِ حُرُودُ
وقالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:
؎ رَعى الشَبْرَقَ الرَيّانَ حَتّى إذا ذَوى ∗∗∗ وعادَ ضَرِيعًا بانَ مِنهُ النحائِضُ
وقِيلَ: الضَرِيعُ: العَشْرَقُ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "الضَرِيعُ شَوْكٌ في النارِ"،» وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: الضَرِيعُ يَبِسُ العُرْفُجِ إذا تَحَطَّمَ، وقالَ آخَرُونَ: هو رَطْبٌ العُرْفُجِ، وقالَ الزَجّاجُ: هو نَبْتٌ كالعَوْسَجِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الضَرِيعُ نَبْتٌ في البَحْرِ (p-٥٩٩)أخْضَرٌ مُنْتِنٌ مُجَوَّفٌ مُسْتَطِيلٌ، لَهُ نُورٌ فِيهِ كَبِيرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الضَرِيعُ شَجَرٌ مِن نارٍ. وكُلُّ مَن ذَكَرَ شَيْئًا مِمّا قَدَّرْناهُ فَإنَّما يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ مِن نارٍ ولا بُدَّ، وكُلُّ ما في النارِ فَهو نارٌ. وقالَ قَوْمٌ: ضَرِيعٌ: وادٍ في جَهَنَّمَ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الضَرِيعُ طَعامُ أهْلِ النارِ، ولَمْ يُرِدْ أنْ يُخَصِّصَ شَيْئًا مِمّا ذَكَرَ، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: وهَذا مِمّا لا تَعْرِفُهُ العَرَبُ، وقِيلَ: "الضَرِيعُ" الجِلْدَةُ الَّتِي عَلى العَظْمِ تَحْتَ اللَحْمِ، ولا أعْرِفُ مَن تَأوَّلَ الآيَةَ بِهَذا، وأهْلُ هَذِهِ الأقاوِيلِ يَقُولُونَ: الزَقُّومُ لِطائِفَةٍ، والضَرِيعُ لِطائِفَةٍ، والغِسْلِينُ لِطائِفَةٍ.
واخْتُلِفَ في المَعْنى الَّذِي سُمِّيَ ضَرِيعًا، فَقِيلَ: هو ضَرِيعٌ بِمَعْنى مُضْرِعٍ، أيْ مُضْعِفٍ لِلْبَدَنِ مُهْزِلٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في ولَدىْ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ عنهُمْ: « "ما لِي أراهُما ضارِعَيْنِ" ؟» يُرِيدُ هَزِيلَيْنِ، ومِن فَعِيلٍ بِمَعْنى مُفْعِلٍ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ أمِن رَيْحانَةِ الداعِي السَمِيعِ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ
يُرِيدُ: السَمْعَ. وقِيلَ: ضَرِيعٍ: فَعِيلٌ مِنَ المُضارَعَةِ، أيْ لِأنَّهُ يُشْبِهُ المَرْعى الجَيِّدَ ويُضارِعُهُ في الظاهِرِ، ولَيْسَ بِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى وُجُوهَ أهْلِ النارِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِهِ وُجُوهَ أهْلِ الجَنَّةِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لِسَعْيِها" يُرِيدُ بِهِ: لِعَمَلِها في الدُنْيا وطاعَتِها، والمَعْنى: لِثَوابِ سَعْيِها والتَنْعِيمِ عَلَيْهِ، ووَصَفَ تَعالى الجَنَّةَ بِالعُلُوِّ، وذَلِكَ يَصِحُّ مِن جِهَةِ المَسافَةِ والمَكانِ، ومِن جِهَةِ المَكانِهِ والمَنزِلَةِ أيْضًا.
(p-٦٠٠)وَقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُما- والأعْرَجُ، وأهْلُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ: "لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةٌ" بِضَمِّ التاءِ مِن فَوْقٍ، ورَفَعَ "لاغِيَةً"، فَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ: لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةً لاغِيَةً، أيْ ذاتُ لَغْوٍ، فَهي عَلى النَسَبِ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم عَلى مَعْنى: لا تَسْمِعُ فِيها فِئَةً أو جَماعَةً لاغِيَةً ناطِقَةً بِسُوءٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "لاغِيَةً" مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والجاثِيَةِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ "لا تُسْمَعُ" بِضَمِّ التاءِ، "لاغِيًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: "لا يَسْمَعُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ مَضْمُومَةٌ "لاغِيَةٌ" بِالرَفْعِ، وهي قِراءَةُ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِيسى والجَحْدَرِيُّ أيْضًا. إلّا أنَّهُ قَرَأ "لاغِيَةً" بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: لا يَسْمَعُ أحَدٌ كَلِمَةً لاغِيَةً، مِن قَوْلِكَ أسْمَعْتُ زَيْدًا، وقَرَأ الباقُونَ ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ خارِجَةَ - والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ- "لا تَسْمَعُ" بِفَتْحِ التاءِ "لاغِيَةً"، بِالنُصْبِ والمَعْنى إمّا عَلى الكَلِمَةِ وإمّا عَلى الفِئَةِ، والفاعِلُ بـ "تَسْمَعُ" إمّا الوُجُوهُ، وإمّا مُحَمَّدٌ ﷺ -قالَهُ الحَسَنُ- وإنَّما أنْتَ أيُّها المُخاطَبُ عُمُومًا. و"اللَغْوُ" سَقْطُ القَوْلِ، فَذَلِكَ يَجْمَعُ الفُحْشَ وسائِرَ الكَلامِ السَفْاسَفِ الناقِصِ، ولَيْسَ في الجَنَّةِ نُقْصانٌ ولا عَيْبٌ في فِعْلٍ ولا قَوْلٍ، والحَمْدُ لِلَّهِ ولِيِّ النِعْمَةِ.
الغاشية 88:12
قوله عزّ وجلّ:
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ ﴿وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ ﴿وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وَإلى السَماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾
"عَيْنٌ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَيْنًا مَخْصُوصَةً ذُكِرَتْ عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها. ورَفْعُ السُرُرِ أشْرَفُ لَها، و"الأكْوابُ" أوانٍ كالأبارِيقِ لا عُرى لَها ولا آذانَ ولا خَراطِيمَ، وشَكْلُها عِنْدَ العَرَبِ مَعْرُوفٌ، و"مَوْضُوعَةٌ" مَعْناهُ: بِأشْرِبَتِها مُعَدَّةٌ و"النَمْرَقَةُ" الوِسادَةُ، ويُقالُ نِمْرِقَةٌ بِكَسْرِ النُونِ والراءِ، وقالَ زُهَيْرٌ:
؎ كُهُولًا وشُبّانًا حِسانًا وُجُوهُهم عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ
(p-٦٠١)وَ "الزَرابِيُّ" واحِدَتُها "زَرِبِيَّةٌ"، ويُقالُ بِفَتْحِ الزايِ، وهي كالطَنافِسِ لَها خَمْلٌ، قالَهُ الفَرّاءُ، وهي مُلَوِّناتٌ، و"مَبْثُوثَةٌ" مَعْناهُ: كَثِيرَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ.
ثُمَّ أقامَ تَعالى الحُجَّةَ عَلى مُنْكِرِي قُدْرَتِهِ عَلى بَعْثِ الأجْسادِ بِأنْ وقَّفَهم عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ في مَخْلُوقاتِهِ، و"الإبِلِ" في هَذِهِ الآيَةِ هي الجِمالُ المَعْرُوفَةُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وفي الجُمَلِ آياتٌ وعِبَرٌ لِمَن تَأْمَّلَ، لَيْسَ في الحَيَوانِ ما يَقُومُ مِنَ البُرُوكِ بِحَمْلِهِ سِواهُ، وهو عَلى قُوَّتِهِ غايَةٌ في الِانْقِيادِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ في بَعْضِ التَفاسِيرِ: إنَّ فَأْرَةً جَرَتْ بِزِمامِ ناقَةٍ فَتَبِعَتْها حَتّى دَخَلَتِ الجُحْرَ فَبَرَكَتِ الناقَةُ وأدْنَتْ رَأْسَها مِن فَمِ الحَجَرِ، وكانَ شُرَيْحٌ القاضِي يَقُولُ لِأصْحابِهِ: اخْرُجُوا بِنا إلى الكُناسَةِ حَتّى نَنْظُرَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: الإبِلُ هُنا: السَحابُ لِأنَّ العَرَبَ قَدْ تُسَمِّيها بِذَلِكَ إذْ تَأْتِي أرْسالًا كالإبِلِ، وتُزْجى كَما تُزْجى الإبِلُ، وهي في هَيْئَتِها أحْيانًا تُشْبِهُ الإبِلَ والنَعامَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كَأنَّ السَحابَ دُوَيْنَ السَما ∗∗∗ ءِ نَعامٌ تَعَلَّقَ بِالأرْجُلِ
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ- وعِيسى "الإبِلَّ" بِشَدِّ اللامِ وهي السَحابُ فِيما ذَكَرَ قَوْمٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ والنَقّاشُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خُلَقَتْ" بِفَتْحِ القافِ وضَمِّ الخاءِ، وقَرَأ
(p-٦٠٢)عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: "خَلَقْتُ" بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ القافِ، عَلى فِعْلِ التَكَلُّمِ، وكَذَلِكَ [رُفِعَتْ، ونُصِبَتْ، وسُطِحَتْ]، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "رُفِّعَتْ، ونُصِّبَتْ وسُطِّحَتْ" بِالتَشْدِيدِ فِيها. و"نُصِبَتْ" مَعْناهُ: أثْبَتَتْ قائِمَةً في الهَواءِ لا تَنْتَطِحُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُطِحَتْ"، بِتَخْفِيفِ الطاءِ وقَرَأ هارُونُ الرَشِيدُ: "سُطِّحَتْ" بِشَدِّ الطاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الأرْضَ سَطْحٌ لا كَرَةٌ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ، والقَوْلُ بِكُرَوِيَّتِها -وَإنْ كانَ لا يَنْقُصُ رُكْنًا مِن أرْكانِ الشَرْعِ- فَهو قَوْلٌ لا يُثْبِتُهُ عُلَماءُ الشَرْعِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالتَذْكِيرِ بِهَذِهِ الآياتِ ونَحْوِها. ثُمَّ نَفى تَعالى أنْ يَكُونَ مُسَيْطِرًا عَلى الناسِ، أيْ قاهِرًا مُخْبِرًا لَهم مَعَ تَكَبُّرٍ مُتَسَلِّطًا عَلَيْهِمْ، يُقالُ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا فُلانٌ، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "بِمُسَيْطِرٍ" بِالسِينِ وبَعْضُهم "بِمُصَيْطِرٍ" بِالصادِ، وقَرَأ هارُونُ "بِمُسَيْطَرٍ" بِفَتْحِ الطاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ عَلى هَذا البِناءِ غَيْرُ "مُسَيْطِرٍ، ومُبَيْطَرٍ، ومُبَيْقَرٍ، ومُهَيْمِنٍ"، وفي الأسْماءِ "مُدَيْبَرٍ، ومُجَيْمِرٍ"، وهو اسْمُ وادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذانَ مُصَغَّرَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ فَأنْتَ مُسَيْطِرٌ عَلَيْهِ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- لا نَسْخَ فِيها، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: الِاسْتِثْناءُ مُنْفَصِلٌ، والمَعْنى: "لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ" وتَمَّ الكَلامُ، وهي آيَةُ مُوادَعَةٍ مَنسُوخَةٍ بِالسَيْفِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾، وهَذا هو القَوْلُ الصَحِيحُ؛ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ، والقِتالُ إنَّما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، و"مَن" بِمَعْنى "الَّذِي". وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وقَتادَةُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: "ألا مَن تَوَلّى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَلى مَعْنى اسْتِفْتاحِ الكَلامِ، و"مَن" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- شَرْطِيَّةٌ. و"العَذابَ الأكْبَرَ" عَذابُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم قَدْ عُذِّبُوا في الدُنْيا بِالجُوعِ والقَتْلِ وغَيْرِهِما، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ اللهُ".
(p-٦٠٣)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "إيابَهُمْ"، مَصْدَرٌ مِن "آبَ يَؤُوبُ" إذا رَجَعَ، وهو الحَشْرُ والرَدُّ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "إَيّابَهُمْ" بِشَدِّ الياءِ، عَلى وزْنِ "فِعالٍ" بِكَسْرِ الفاءِ، أصْلُهُ "فَيْعالٍ"، مِن "أيَبَ" فِعْلٌ أصْلُهُ "فَيَعْلٌ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن "أوَبَ" فَيَجِيءُ "إيوابًا" وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ، وكانَ اللازِمُ في الإدْغامِ رَدَّها "إوّابًا"، لَكِنِ اسْتُحْسِنَتْ فِيهِ الياءُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الغاشِيَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
.
الغاشية 88:13
قوله عزّ وجلّ:
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ ﴿وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ ﴿وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وَإلى السَماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾
"عَيْنٌ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَيْنًا مَخْصُوصَةً ذُكِرَتْ عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها. ورَفْعُ السُرُرِ أشْرَفُ لَها، و"الأكْوابُ" أوانٍ كالأبارِيقِ لا عُرى لَها ولا آذانَ ولا خَراطِيمَ، وشَكْلُها عِنْدَ العَرَبِ مَعْرُوفٌ، و"مَوْضُوعَةٌ" مَعْناهُ: بِأشْرِبَتِها مُعَدَّةٌ و"النَمْرَقَةُ" الوِسادَةُ، ويُقالُ نِمْرِقَةٌ بِكَسْرِ النُونِ والراءِ، وقالَ زُهَيْرٌ:
؎ كُهُولًا وشُبّانًا حِسانًا وُجُوهُهم عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ
(p-٦٠١)وَ "الزَرابِيُّ" واحِدَتُها "زَرِبِيَّةٌ"، ويُقالُ بِفَتْحِ الزايِ، وهي كالطَنافِسِ لَها خَمْلٌ، قالَهُ الفَرّاءُ، وهي مُلَوِّناتٌ، و"مَبْثُوثَةٌ" مَعْناهُ: كَثِيرَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ.
ثُمَّ أقامَ تَعالى الحُجَّةَ عَلى مُنْكِرِي قُدْرَتِهِ عَلى بَعْثِ الأجْسادِ بِأنْ وقَّفَهم عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ في مَخْلُوقاتِهِ، و"الإبِلِ" في هَذِهِ الآيَةِ هي الجِمالُ المَعْرُوفَةُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وفي الجُمَلِ آياتٌ وعِبَرٌ لِمَن تَأْمَّلَ، لَيْسَ في الحَيَوانِ ما يَقُومُ مِنَ البُرُوكِ بِحَمْلِهِ سِواهُ، وهو عَلى قُوَّتِهِ غايَةٌ في الِانْقِيادِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ في بَعْضِ التَفاسِيرِ: إنَّ فَأْرَةً جَرَتْ بِزِمامِ ناقَةٍ فَتَبِعَتْها حَتّى دَخَلَتِ الجُحْرَ فَبَرَكَتِ الناقَةُ وأدْنَتْ رَأْسَها مِن فَمِ الحَجَرِ، وكانَ شُرَيْحٌ القاضِي يَقُولُ لِأصْحابِهِ: اخْرُجُوا بِنا إلى الكُناسَةِ حَتّى نَنْظُرَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: الإبِلُ هُنا: السَحابُ لِأنَّ العَرَبَ قَدْ تُسَمِّيها بِذَلِكَ إذْ تَأْتِي أرْسالًا كالإبِلِ، وتُزْجى كَما تُزْجى الإبِلُ، وهي في هَيْئَتِها أحْيانًا تُشْبِهُ الإبِلَ والنَعامَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كَأنَّ السَحابَ دُوَيْنَ السَما ∗∗∗ ءِ نَعامٌ تَعَلَّقَ بِالأرْجُلِ
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ- وعِيسى "الإبِلَّ" بِشَدِّ اللامِ وهي السَحابُ فِيما ذَكَرَ قَوْمٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ والنَقّاشُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خُلَقَتْ" بِفَتْحِ القافِ وضَمِّ الخاءِ، وقَرَأ
(p-٦٠٢)عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: "خَلَقْتُ" بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ القافِ، عَلى فِعْلِ التَكَلُّمِ، وكَذَلِكَ [رُفِعَتْ، ونُصِبَتْ، وسُطِحَتْ]، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "رُفِّعَتْ، ونُصِّبَتْ وسُطِّحَتْ" بِالتَشْدِيدِ فِيها. و"نُصِبَتْ" مَعْناهُ: أثْبَتَتْ قائِمَةً في الهَواءِ لا تَنْتَطِحُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُطِحَتْ"، بِتَخْفِيفِ الطاءِ وقَرَأ هارُونُ الرَشِيدُ: "سُطِّحَتْ" بِشَدِّ الطاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الأرْضَ سَطْحٌ لا كَرَةٌ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ، والقَوْلُ بِكُرَوِيَّتِها -وَإنْ كانَ لا يَنْقُصُ رُكْنًا مِن أرْكانِ الشَرْعِ- فَهو قَوْلٌ لا يُثْبِتُهُ عُلَماءُ الشَرْعِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالتَذْكِيرِ بِهَذِهِ الآياتِ ونَحْوِها. ثُمَّ نَفى تَعالى أنْ يَكُونَ مُسَيْطِرًا عَلى الناسِ، أيْ قاهِرًا مُخْبِرًا لَهم مَعَ تَكَبُّرٍ مُتَسَلِّطًا عَلَيْهِمْ، يُقالُ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا فُلانٌ، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "بِمُسَيْطِرٍ" بِالسِينِ وبَعْضُهم "بِمُصَيْطِرٍ" بِالصادِ، وقَرَأ هارُونُ "بِمُسَيْطَرٍ" بِفَتْحِ الطاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ عَلى هَذا البِناءِ غَيْرُ "مُسَيْطِرٍ، ومُبَيْطَرٍ، ومُبَيْقَرٍ، ومُهَيْمِنٍ"، وفي الأسْماءِ "مُدَيْبَرٍ، ومُجَيْمِرٍ"، وهو اسْمُ وادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذانَ مُصَغَّرَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ فَأنْتَ مُسَيْطِرٌ عَلَيْهِ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- لا نَسْخَ فِيها، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: الِاسْتِثْناءُ مُنْفَصِلٌ، والمَعْنى: "لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ" وتَمَّ الكَلامُ، وهي آيَةُ مُوادَعَةٍ مَنسُوخَةٍ بِالسَيْفِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾، وهَذا هو القَوْلُ الصَحِيحُ؛ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ، والقِتالُ إنَّما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، و"مَن" بِمَعْنى "الَّذِي". وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وقَتادَةُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: "ألا مَن تَوَلّى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَلى مَعْنى اسْتِفْتاحِ الكَلامِ، و"مَن" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- شَرْطِيَّةٌ. و"العَذابَ الأكْبَرَ" عَذابُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم قَدْ عُذِّبُوا في الدُنْيا بِالجُوعِ والقَتْلِ وغَيْرِهِما، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ اللهُ".
(p-٦٠٣)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "إيابَهُمْ"، مَصْدَرٌ مِن "آبَ يَؤُوبُ" إذا رَجَعَ، وهو الحَشْرُ والرَدُّ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "إَيّابَهُمْ" بِشَدِّ الياءِ، عَلى وزْنِ "فِعالٍ" بِكَسْرِ الفاءِ، أصْلُهُ "فَيْعالٍ"، مِن "أيَبَ" فِعْلٌ أصْلُهُ "فَيَعْلٌ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن "أوَبَ" فَيَجِيءُ "إيوابًا" وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ، وكانَ اللازِمُ في الإدْغامِ رَدَّها "إوّابًا"، لَكِنِ اسْتُحْسِنَتْ فِيهِ الياءُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الغاشِيَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
.
الغاشية 88:14
قوله عزّ وجلّ:
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ ﴿وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ ﴿وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وَإلى السَماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾
"عَيْنٌ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَيْنًا مَخْصُوصَةً ذُكِرَتْ عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها. ورَفْعُ السُرُرِ أشْرَفُ لَها، و"الأكْوابُ" أوانٍ كالأبارِيقِ لا عُرى لَها ولا آذانَ ولا خَراطِيمَ، وشَكْلُها عِنْدَ العَرَبِ مَعْرُوفٌ، و"مَوْضُوعَةٌ" مَعْناهُ: بِأشْرِبَتِها مُعَدَّةٌ و"النَمْرَقَةُ" الوِسادَةُ، ويُقالُ نِمْرِقَةٌ بِكَسْرِ النُونِ والراءِ، وقالَ زُهَيْرٌ:
؎ كُهُولًا وشُبّانًا حِسانًا وُجُوهُهم عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ
(p-٦٠١)وَ "الزَرابِيُّ" واحِدَتُها "زَرِبِيَّةٌ"، ويُقالُ بِفَتْحِ الزايِ، وهي كالطَنافِسِ لَها خَمْلٌ، قالَهُ الفَرّاءُ، وهي مُلَوِّناتٌ، و"مَبْثُوثَةٌ" مَعْناهُ: كَثِيرَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ.
ثُمَّ أقامَ تَعالى الحُجَّةَ عَلى مُنْكِرِي قُدْرَتِهِ عَلى بَعْثِ الأجْسادِ بِأنْ وقَّفَهم عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ في مَخْلُوقاتِهِ، و"الإبِلِ" في هَذِهِ الآيَةِ هي الجِمالُ المَعْرُوفَةُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وفي الجُمَلِ آياتٌ وعِبَرٌ لِمَن تَأْمَّلَ، لَيْسَ في الحَيَوانِ ما يَقُومُ مِنَ البُرُوكِ بِحَمْلِهِ سِواهُ، وهو عَلى قُوَّتِهِ غايَةٌ في الِانْقِيادِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ في بَعْضِ التَفاسِيرِ: إنَّ فَأْرَةً جَرَتْ بِزِمامِ ناقَةٍ فَتَبِعَتْها حَتّى دَخَلَتِ الجُحْرَ فَبَرَكَتِ الناقَةُ وأدْنَتْ رَأْسَها مِن فَمِ الحَجَرِ، وكانَ شُرَيْحٌ القاضِي يَقُولُ لِأصْحابِهِ: اخْرُجُوا بِنا إلى الكُناسَةِ حَتّى نَنْظُرَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: الإبِلُ هُنا: السَحابُ لِأنَّ العَرَبَ قَدْ تُسَمِّيها بِذَلِكَ إذْ تَأْتِي أرْسالًا كالإبِلِ، وتُزْجى كَما تُزْجى الإبِلُ، وهي في هَيْئَتِها أحْيانًا تُشْبِهُ الإبِلَ والنَعامَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كَأنَّ السَحابَ دُوَيْنَ السَما ∗∗∗ ءِ نَعامٌ تَعَلَّقَ بِالأرْجُلِ
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ- وعِيسى "الإبِلَّ" بِشَدِّ اللامِ وهي السَحابُ فِيما ذَكَرَ قَوْمٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ والنَقّاشُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خُلَقَتْ" بِفَتْحِ القافِ وضَمِّ الخاءِ، وقَرَأ
(p-٦٠٢)عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: "خَلَقْتُ" بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ القافِ، عَلى فِعْلِ التَكَلُّمِ، وكَذَلِكَ [رُفِعَتْ، ونُصِبَتْ، وسُطِحَتْ]، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "رُفِّعَتْ، ونُصِّبَتْ وسُطِّحَتْ" بِالتَشْدِيدِ فِيها. و"نُصِبَتْ" مَعْناهُ: أثْبَتَتْ قائِمَةً في الهَواءِ لا تَنْتَطِحُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُطِحَتْ"، بِتَخْفِيفِ الطاءِ وقَرَأ هارُونُ الرَشِيدُ: "سُطِّحَتْ" بِشَدِّ الطاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الأرْضَ سَطْحٌ لا كَرَةٌ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ، والقَوْلُ بِكُرَوِيَّتِها -وَإنْ كانَ لا يَنْقُصُ رُكْنًا مِن أرْكانِ الشَرْعِ- فَهو قَوْلٌ لا يُثْبِتُهُ عُلَماءُ الشَرْعِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالتَذْكِيرِ بِهَذِهِ الآياتِ ونَحْوِها. ثُمَّ نَفى تَعالى أنْ يَكُونَ مُسَيْطِرًا عَلى الناسِ، أيْ قاهِرًا مُخْبِرًا لَهم مَعَ تَكَبُّرٍ مُتَسَلِّطًا عَلَيْهِمْ، يُقالُ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا فُلانٌ، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "بِمُسَيْطِرٍ" بِالسِينِ وبَعْضُهم "بِمُصَيْطِرٍ" بِالصادِ، وقَرَأ هارُونُ "بِمُسَيْطَرٍ" بِفَتْحِ الطاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ عَلى هَذا البِناءِ غَيْرُ "مُسَيْطِرٍ، ومُبَيْطَرٍ، ومُبَيْقَرٍ، ومُهَيْمِنٍ"، وفي الأسْماءِ "مُدَيْبَرٍ، ومُجَيْمِرٍ"، وهو اسْمُ وادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذانَ مُصَغَّرَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ فَأنْتَ مُسَيْطِرٌ عَلَيْهِ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- لا نَسْخَ فِيها، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: الِاسْتِثْناءُ مُنْفَصِلٌ، والمَعْنى: "لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ" وتَمَّ الكَلامُ، وهي آيَةُ مُوادَعَةٍ مَنسُوخَةٍ بِالسَيْفِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾، وهَذا هو القَوْلُ الصَحِيحُ؛ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ، والقِتالُ إنَّما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، و"مَن" بِمَعْنى "الَّذِي". وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وقَتادَةُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: "ألا مَن تَوَلّى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَلى مَعْنى اسْتِفْتاحِ الكَلامِ، و"مَن" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- شَرْطِيَّةٌ. و"العَذابَ الأكْبَرَ" عَذابُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم قَدْ عُذِّبُوا في الدُنْيا بِالجُوعِ والقَتْلِ وغَيْرِهِما، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ اللهُ".
(p-٦٠٣)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "إيابَهُمْ"، مَصْدَرٌ مِن "آبَ يَؤُوبُ" إذا رَجَعَ، وهو الحَشْرُ والرَدُّ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "إَيّابَهُمْ" بِشَدِّ الياءِ، عَلى وزْنِ "فِعالٍ" بِكَسْرِ الفاءِ، أصْلُهُ "فَيْعالٍ"، مِن "أيَبَ" فِعْلٌ أصْلُهُ "فَيَعْلٌ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن "أوَبَ" فَيَجِيءُ "إيوابًا" وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ، وكانَ اللازِمُ في الإدْغامِ رَدَّها "إوّابًا"، لَكِنِ اسْتُحْسِنَتْ فِيهِ الياءُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الغاشِيَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
.
الغاشية 88:15
قوله عزّ وجلّ:
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ ﴿وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ ﴿وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وَإلى السَماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾
"عَيْنٌ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَيْنًا مَخْصُوصَةً ذُكِرَتْ عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها. ورَفْعُ السُرُرِ أشْرَفُ لَها، و"الأكْوابُ" أوانٍ كالأبارِيقِ لا عُرى لَها ولا آذانَ ولا خَراطِيمَ، وشَكْلُها عِنْدَ العَرَبِ مَعْرُوفٌ، و"مَوْضُوعَةٌ" مَعْناهُ: بِأشْرِبَتِها مُعَدَّةٌ و"النَمْرَقَةُ" الوِسادَةُ، ويُقالُ نِمْرِقَةٌ بِكَسْرِ النُونِ والراءِ، وقالَ زُهَيْرٌ:
؎ كُهُولًا وشُبّانًا حِسانًا وُجُوهُهم عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ
(p-٦٠١)وَ "الزَرابِيُّ" واحِدَتُها "زَرِبِيَّةٌ"، ويُقالُ بِفَتْحِ الزايِ، وهي كالطَنافِسِ لَها خَمْلٌ، قالَهُ الفَرّاءُ، وهي مُلَوِّناتٌ، و"مَبْثُوثَةٌ" مَعْناهُ: كَثِيرَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ.
ثُمَّ أقامَ تَعالى الحُجَّةَ عَلى مُنْكِرِي قُدْرَتِهِ عَلى بَعْثِ الأجْسادِ بِأنْ وقَّفَهم عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ في مَخْلُوقاتِهِ، و"الإبِلِ" في هَذِهِ الآيَةِ هي الجِمالُ المَعْرُوفَةُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وفي الجُمَلِ آياتٌ وعِبَرٌ لِمَن تَأْمَّلَ، لَيْسَ في الحَيَوانِ ما يَقُومُ مِنَ البُرُوكِ بِحَمْلِهِ سِواهُ، وهو عَلى قُوَّتِهِ غايَةٌ في الِانْقِيادِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ في بَعْضِ التَفاسِيرِ: إنَّ فَأْرَةً جَرَتْ بِزِمامِ ناقَةٍ فَتَبِعَتْها حَتّى دَخَلَتِ الجُحْرَ فَبَرَكَتِ الناقَةُ وأدْنَتْ رَأْسَها مِن فَمِ الحَجَرِ، وكانَ شُرَيْحٌ القاضِي يَقُولُ لِأصْحابِهِ: اخْرُجُوا بِنا إلى الكُناسَةِ حَتّى نَنْظُرَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: الإبِلُ هُنا: السَحابُ لِأنَّ العَرَبَ قَدْ تُسَمِّيها بِذَلِكَ إذْ تَأْتِي أرْسالًا كالإبِلِ، وتُزْجى كَما تُزْجى الإبِلُ، وهي في هَيْئَتِها أحْيانًا تُشْبِهُ الإبِلَ والنَعامَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كَأنَّ السَحابَ دُوَيْنَ السَما ∗∗∗ ءِ نَعامٌ تَعَلَّقَ بِالأرْجُلِ
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ- وعِيسى "الإبِلَّ" بِشَدِّ اللامِ وهي السَحابُ فِيما ذَكَرَ قَوْمٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ والنَقّاشُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خُلَقَتْ" بِفَتْحِ القافِ وضَمِّ الخاءِ، وقَرَأ
(p-٦٠٢)عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: "خَلَقْتُ" بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ القافِ، عَلى فِعْلِ التَكَلُّمِ، وكَذَلِكَ [رُفِعَتْ، ونُصِبَتْ، وسُطِحَتْ]، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "رُفِّعَتْ، ونُصِّبَتْ وسُطِّحَتْ" بِالتَشْدِيدِ فِيها. و"نُصِبَتْ" مَعْناهُ: أثْبَتَتْ قائِمَةً في الهَواءِ لا تَنْتَطِحُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُطِحَتْ"، بِتَخْفِيفِ الطاءِ وقَرَأ هارُونُ الرَشِيدُ: "سُطِّحَتْ" بِشَدِّ الطاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الأرْضَ سَطْحٌ لا كَرَةٌ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ، والقَوْلُ بِكُرَوِيَّتِها -وَإنْ كانَ لا يَنْقُصُ رُكْنًا مِن أرْكانِ الشَرْعِ- فَهو قَوْلٌ لا يُثْبِتُهُ عُلَماءُ الشَرْعِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالتَذْكِيرِ بِهَذِهِ الآياتِ ونَحْوِها. ثُمَّ نَفى تَعالى أنْ يَكُونَ مُسَيْطِرًا عَلى الناسِ، أيْ قاهِرًا مُخْبِرًا لَهم مَعَ تَكَبُّرٍ مُتَسَلِّطًا عَلَيْهِمْ، يُقالُ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا فُلانٌ، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "بِمُسَيْطِرٍ" بِالسِينِ وبَعْضُهم "بِمُصَيْطِرٍ" بِالصادِ، وقَرَأ هارُونُ "بِمُسَيْطَرٍ" بِفَتْحِ الطاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ عَلى هَذا البِناءِ غَيْرُ "مُسَيْطِرٍ، ومُبَيْطَرٍ، ومُبَيْقَرٍ، ومُهَيْمِنٍ"، وفي الأسْماءِ "مُدَيْبَرٍ، ومُجَيْمِرٍ"، وهو اسْمُ وادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذانَ مُصَغَّرَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ فَأنْتَ مُسَيْطِرٌ عَلَيْهِ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- لا نَسْخَ فِيها، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: الِاسْتِثْناءُ مُنْفَصِلٌ، والمَعْنى: "لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ" وتَمَّ الكَلامُ، وهي آيَةُ مُوادَعَةٍ مَنسُوخَةٍ بِالسَيْفِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾، وهَذا هو القَوْلُ الصَحِيحُ؛ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ، والقِتالُ إنَّما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، و"مَن" بِمَعْنى "الَّذِي". وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وقَتادَةُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: "ألا مَن تَوَلّى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَلى مَعْنى اسْتِفْتاحِ الكَلامِ، و"مَن" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- شَرْطِيَّةٌ. و"العَذابَ الأكْبَرَ" عَذابُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم قَدْ عُذِّبُوا في الدُنْيا بِالجُوعِ والقَتْلِ وغَيْرِهِما، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ اللهُ".
(p-٦٠٣)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "إيابَهُمْ"، مَصْدَرٌ مِن "آبَ يَؤُوبُ" إذا رَجَعَ، وهو الحَشْرُ والرَدُّ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "إَيّابَهُمْ" بِشَدِّ الياءِ، عَلى وزْنِ "فِعالٍ" بِكَسْرِ الفاءِ، أصْلُهُ "فَيْعالٍ"، مِن "أيَبَ" فِعْلٌ أصْلُهُ "فَيَعْلٌ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن "أوَبَ" فَيَجِيءُ "إيوابًا" وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ، وكانَ اللازِمُ في الإدْغامِ رَدَّها "إوّابًا"، لَكِنِ اسْتُحْسِنَتْ فِيهِ الياءُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الغاشِيَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
.
الغاشية 88:16
قوله عزّ وجلّ:
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ ﴿وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ ﴿وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وَإلى السَماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾
"عَيْنٌ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَيْنًا مَخْصُوصَةً ذُكِرَتْ عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها. ورَفْعُ السُرُرِ أشْرَفُ لَها، و"الأكْوابُ" أوانٍ كالأبارِيقِ لا عُرى لَها ولا آذانَ ولا خَراطِيمَ، وشَكْلُها عِنْدَ العَرَبِ مَعْرُوفٌ، و"مَوْضُوعَةٌ" مَعْناهُ: بِأشْرِبَتِها مُعَدَّةٌ و"النَمْرَقَةُ" الوِسادَةُ، ويُقالُ نِمْرِقَةٌ بِكَسْرِ النُونِ والراءِ، وقالَ زُهَيْرٌ:
؎ كُهُولًا وشُبّانًا حِسانًا وُجُوهُهم عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ
(p-٦٠١)وَ "الزَرابِيُّ" واحِدَتُها "زَرِبِيَّةٌ"، ويُقالُ بِفَتْحِ الزايِ، وهي كالطَنافِسِ لَها خَمْلٌ، قالَهُ الفَرّاءُ، وهي مُلَوِّناتٌ، و"مَبْثُوثَةٌ" مَعْناهُ: كَثِيرَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ.
ثُمَّ أقامَ تَعالى الحُجَّةَ عَلى مُنْكِرِي قُدْرَتِهِ عَلى بَعْثِ الأجْسادِ بِأنْ وقَّفَهم عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ في مَخْلُوقاتِهِ، و"الإبِلِ" في هَذِهِ الآيَةِ هي الجِمالُ المَعْرُوفَةُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وفي الجُمَلِ آياتٌ وعِبَرٌ لِمَن تَأْمَّلَ، لَيْسَ في الحَيَوانِ ما يَقُومُ مِنَ البُرُوكِ بِحَمْلِهِ سِواهُ، وهو عَلى قُوَّتِهِ غايَةٌ في الِانْقِيادِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ في بَعْضِ التَفاسِيرِ: إنَّ فَأْرَةً جَرَتْ بِزِمامِ ناقَةٍ فَتَبِعَتْها حَتّى دَخَلَتِ الجُحْرَ فَبَرَكَتِ الناقَةُ وأدْنَتْ رَأْسَها مِن فَمِ الحَجَرِ، وكانَ شُرَيْحٌ القاضِي يَقُولُ لِأصْحابِهِ: اخْرُجُوا بِنا إلى الكُناسَةِ حَتّى نَنْظُرَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: الإبِلُ هُنا: السَحابُ لِأنَّ العَرَبَ قَدْ تُسَمِّيها بِذَلِكَ إذْ تَأْتِي أرْسالًا كالإبِلِ، وتُزْجى كَما تُزْجى الإبِلُ، وهي في هَيْئَتِها أحْيانًا تُشْبِهُ الإبِلَ والنَعامَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كَأنَّ السَحابَ دُوَيْنَ السَما ∗∗∗ ءِ نَعامٌ تَعَلَّقَ بِالأرْجُلِ
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ- وعِيسى "الإبِلَّ" بِشَدِّ اللامِ وهي السَحابُ فِيما ذَكَرَ قَوْمٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ والنَقّاشُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خُلَقَتْ" بِفَتْحِ القافِ وضَمِّ الخاءِ، وقَرَأ
(p-٦٠٢)عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: "خَلَقْتُ" بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ القافِ، عَلى فِعْلِ التَكَلُّمِ، وكَذَلِكَ [رُفِعَتْ، ونُصِبَتْ، وسُطِحَتْ]، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "رُفِّعَتْ، ونُصِّبَتْ وسُطِّحَتْ" بِالتَشْدِيدِ فِيها. و"نُصِبَتْ" مَعْناهُ: أثْبَتَتْ قائِمَةً في الهَواءِ لا تَنْتَطِحُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُطِحَتْ"، بِتَخْفِيفِ الطاءِ وقَرَأ هارُونُ الرَشِيدُ: "سُطِّحَتْ" بِشَدِّ الطاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الأرْضَ سَطْحٌ لا كَرَةٌ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ، والقَوْلُ بِكُرَوِيَّتِها -وَإنْ كانَ لا يَنْقُصُ رُكْنًا مِن أرْكانِ الشَرْعِ- فَهو قَوْلٌ لا يُثْبِتُهُ عُلَماءُ الشَرْعِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالتَذْكِيرِ بِهَذِهِ الآياتِ ونَحْوِها. ثُمَّ نَفى تَعالى أنْ يَكُونَ مُسَيْطِرًا عَلى الناسِ، أيْ قاهِرًا مُخْبِرًا لَهم مَعَ تَكَبُّرٍ مُتَسَلِّطًا عَلَيْهِمْ، يُقالُ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا فُلانٌ، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "بِمُسَيْطِرٍ" بِالسِينِ وبَعْضُهم "بِمُصَيْطِرٍ" بِالصادِ، وقَرَأ هارُونُ "بِمُسَيْطَرٍ" بِفَتْحِ الطاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ عَلى هَذا البِناءِ غَيْرُ "مُسَيْطِرٍ، ومُبَيْطَرٍ، ومُبَيْقَرٍ، ومُهَيْمِنٍ"، وفي الأسْماءِ "مُدَيْبَرٍ، ومُجَيْمِرٍ"، وهو اسْمُ وادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذانَ مُصَغَّرَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ فَأنْتَ مُسَيْطِرٌ عَلَيْهِ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- لا نَسْخَ فِيها، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: الِاسْتِثْناءُ مُنْفَصِلٌ، والمَعْنى: "لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ" وتَمَّ الكَلامُ، وهي آيَةُ مُوادَعَةٍ مَنسُوخَةٍ بِالسَيْفِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾، وهَذا هو القَوْلُ الصَحِيحُ؛ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ، والقِتالُ إنَّما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، و"مَن" بِمَعْنى "الَّذِي". وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وقَتادَةُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: "ألا مَن تَوَلّى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَلى مَعْنى اسْتِفْتاحِ الكَلامِ، و"مَن" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- شَرْطِيَّةٌ. و"العَذابَ الأكْبَرَ" عَذابُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم قَدْ عُذِّبُوا في الدُنْيا بِالجُوعِ والقَتْلِ وغَيْرِهِما، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ اللهُ".
(p-٦٠٣)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "إيابَهُمْ"، مَصْدَرٌ مِن "آبَ يَؤُوبُ" إذا رَجَعَ، وهو الحَشْرُ والرَدُّ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "إَيّابَهُمْ" بِشَدِّ الياءِ، عَلى وزْنِ "فِعالٍ" بِكَسْرِ الفاءِ، أصْلُهُ "فَيْعالٍ"، مِن "أيَبَ" فِعْلٌ أصْلُهُ "فَيَعْلٌ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن "أوَبَ" فَيَجِيءُ "إيوابًا" وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ، وكانَ اللازِمُ في الإدْغامِ رَدَّها "إوّابًا"، لَكِنِ اسْتُحْسِنَتْ فِيهِ الياءُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الغاشِيَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
.
الغاشية 88:17
قوله عزّ وجلّ:
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ ﴿وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ ﴿وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وَإلى السَماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾
"عَيْنٌ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَيْنًا مَخْصُوصَةً ذُكِرَتْ عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها. ورَفْعُ السُرُرِ أشْرَفُ لَها، و"الأكْوابُ" أوانٍ كالأبارِيقِ لا عُرى لَها ولا آذانَ ولا خَراطِيمَ، وشَكْلُها عِنْدَ العَرَبِ مَعْرُوفٌ، و"مَوْضُوعَةٌ" مَعْناهُ: بِأشْرِبَتِها مُعَدَّةٌ و"النَمْرَقَةُ" الوِسادَةُ، ويُقالُ نِمْرِقَةٌ بِكَسْرِ النُونِ والراءِ، وقالَ زُهَيْرٌ:
؎ كُهُولًا وشُبّانًا حِسانًا وُجُوهُهم عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ
(p-٦٠١)وَ "الزَرابِيُّ" واحِدَتُها "زَرِبِيَّةٌ"، ويُقالُ بِفَتْحِ الزايِ، وهي كالطَنافِسِ لَها خَمْلٌ، قالَهُ الفَرّاءُ، وهي مُلَوِّناتٌ، و"مَبْثُوثَةٌ" مَعْناهُ: كَثِيرَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ.
ثُمَّ أقامَ تَعالى الحُجَّةَ عَلى مُنْكِرِي قُدْرَتِهِ عَلى بَعْثِ الأجْسادِ بِأنْ وقَّفَهم عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ في مَخْلُوقاتِهِ، و"الإبِلِ" في هَذِهِ الآيَةِ هي الجِمالُ المَعْرُوفَةُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وفي الجُمَلِ آياتٌ وعِبَرٌ لِمَن تَأْمَّلَ، لَيْسَ في الحَيَوانِ ما يَقُومُ مِنَ البُرُوكِ بِحَمْلِهِ سِواهُ، وهو عَلى قُوَّتِهِ غايَةٌ في الِانْقِيادِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ في بَعْضِ التَفاسِيرِ: إنَّ فَأْرَةً جَرَتْ بِزِمامِ ناقَةٍ فَتَبِعَتْها حَتّى دَخَلَتِ الجُحْرَ فَبَرَكَتِ الناقَةُ وأدْنَتْ رَأْسَها مِن فَمِ الحَجَرِ، وكانَ شُرَيْحٌ القاضِي يَقُولُ لِأصْحابِهِ: اخْرُجُوا بِنا إلى الكُناسَةِ حَتّى نَنْظُرَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: الإبِلُ هُنا: السَحابُ لِأنَّ العَرَبَ قَدْ تُسَمِّيها بِذَلِكَ إذْ تَأْتِي أرْسالًا كالإبِلِ، وتُزْجى كَما تُزْجى الإبِلُ، وهي في هَيْئَتِها أحْيانًا تُشْبِهُ الإبِلَ والنَعامَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كَأنَّ السَحابَ دُوَيْنَ السَما ∗∗∗ ءِ نَعامٌ تَعَلَّقَ بِالأرْجُلِ
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ- وعِيسى "الإبِلَّ" بِشَدِّ اللامِ وهي السَحابُ فِيما ذَكَرَ قَوْمٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ والنَقّاشُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خُلَقَتْ" بِفَتْحِ القافِ وضَمِّ الخاءِ، وقَرَأ
(p-٦٠٢)عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: "خَلَقْتُ" بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ القافِ، عَلى فِعْلِ التَكَلُّمِ، وكَذَلِكَ [رُفِعَتْ، ونُصِبَتْ، وسُطِحَتْ]، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "رُفِّعَتْ، ونُصِّبَتْ وسُطِّحَتْ" بِالتَشْدِيدِ فِيها. و"نُصِبَتْ" مَعْناهُ: أثْبَتَتْ قائِمَةً في الهَواءِ لا تَنْتَطِحُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُطِحَتْ"، بِتَخْفِيفِ الطاءِ وقَرَأ هارُونُ الرَشِيدُ: "سُطِّحَتْ" بِشَدِّ الطاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الأرْضَ سَطْحٌ لا كَرَةٌ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ، والقَوْلُ بِكُرَوِيَّتِها -وَإنْ كانَ لا يَنْقُصُ رُكْنًا مِن أرْكانِ الشَرْعِ- فَهو قَوْلٌ لا يُثْبِتُهُ عُلَماءُ الشَرْعِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالتَذْكِيرِ بِهَذِهِ الآياتِ ونَحْوِها. ثُمَّ نَفى تَعالى أنْ يَكُونَ مُسَيْطِرًا عَلى الناسِ، أيْ قاهِرًا مُخْبِرًا لَهم مَعَ تَكَبُّرٍ مُتَسَلِّطًا عَلَيْهِمْ، يُقالُ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا فُلانٌ، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "بِمُسَيْطِرٍ" بِالسِينِ وبَعْضُهم "بِمُصَيْطِرٍ" بِالصادِ، وقَرَأ هارُونُ "بِمُسَيْطَرٍ" بِفَتْحِ الطاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ عَلى هَذا البِناءِ غَيْرُ "مُسَيْطِرٍ، ومُبَيْطَرٍ، ومُبَيْقَرٍ، ومُهَيْمِنٍ"، وفي الأسْماءِ "مُدَيْبَرٍ، ومُجَيْمِرٍ"، وهو اسْمُ وادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذانَ مُصَغَّرَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ فَأنْتَ مُسَيْطِرٌ عَلَيْهِ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- لا نَسْخَ فِيها، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: الِاسْتِثْناءُ مُنْفَصِلٌ، والمَعْنى: "لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ" وتَمَّ الكَلامُ، وهي آيَةُ مُوادَعَةٍ مَنسُوخَةٍ بِالسَيْفِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾، وهَذا هو القَوْلُ الصَحِيحُ؛ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ، والقِتالُ إنَّما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، و"مَن" بِمَعْنى "الَّذِي". وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وقَتادَةُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: "ألا مَن تَوَلّى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَلى مَعْنى اسْتِفْتاحِ الكَلامِ، و"مَن" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- شَرْطِيَّةٌ. و"العَذابَ الأكْبَرَ" عَذابُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم قَدْ عُذِّبُوا في الدُنْيا بِالجُوعِ والقَتْلِ وغَيْرِهِما، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ اللهُ".
(p-٦٠٣)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "إيابَهُمْ"، مَصْدَرٌ مِن "آبَ يَؤُوبُ" إذا رَجَعَ، وهو الحَشْرُ والرَدُّ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "إَيّابَهُمْ" بِشَدِّ الياءِ، عَلى وزْنِ "فِعالٍ" بِكَسْرِ الفاءِ، أصْلُهُ "فَيْعالٍ"، مِن "أيَبَ" فِعْلٌ أصْلُهُ "فَيَعْلٌ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن "أوَبَ" فَيَجِيءُ "إيوابًا" وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ، وكانَ اللازِمُ في الإدْغامِ رَدَّها "إوّابًا"، لَكِنِ اسْتُحْسِنَتْ فِيهِ الياءُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الغاشِيَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
.
الغاشية 88:18
قوله عزّ وجلّ:
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ ﴿وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ ﴿وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وَإلى السَماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾
"عَيْنٌ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَيْنًا مَخْصُوصَةً ذُكِرَتْ عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها. ورَفْعُ السُرُرِ أشْرَفُ لَها، و"الأكْوابُ" أوانٍ كالأبارِيقِ لا عُرى لَها ولا آذانَ ولا خَراطِيمَ، وشَكْلُها عِنْدَ العَرَبِ مَعْرُوفٌ، و"مَوْضُوعَةٌ" مَعْناهُ: بِأشْرِبَتِها مُعَدَّةٌ و"النَمْرَقَةُ" الوِسادَةُ، ويُقالُ نِمْرِقَةٌ بِكَسْرِ النُونِ والراءِ، وقالَ زُهَيْرٌ:
؎ كُهُولًا وشُبّانًا حِسانًا وُجُوهُهم عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ
(p-٦٠١)وَ "الزَرابِيُّ" واحِدَتُها "زَرِبِيَّةٌ"، ويُقالُ بِفَتْحِ الزايِ، وهي كالطَنافِسِ لَها خَمْلٌ، قالَهُ الفَرّاءُ، وهي مُلَوِّناتٌ، و"مَبْثُوثَةٌ" مَعْناهُ: كَثِيرَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ.
ثُمَّ أقامَ تَعالى الحُجَّةَ عَلى مُنْكِرِي قُدْرَتِهِ عَلى بَعْثِ الأجْسادِ بِأنْ وقَّفَهم عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ في مَخْلُوقاتِهِ، و"الإبِلِ" في هَذِهِ الآيَةِ هي الجِمالُ المَعْرُوفَةُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وفي الجُمَلِ آياتٌ وعِبَرٌ لِمَن تَأْمَّلَ، لَيْسَ في الحَيَوانِ ما يَقُومُ مِنَ البُرُوكِ بِحَمْلِهِ سِواهُ، وهو عَلى قُوَّتِهِ غايَةٌ في الِانْقِيادِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ في بَعْضِ التَفاسِيرِ: إنَّ فَأْرَةً جَرَتْ بِزِمامِ ناقَةٍ فَتَبِعَتْها حَتّى دَخَلَتِ الجُحْرَ فَبَرَكَتِ الناقَةُ وأدْنَتْ رَأْسَها مِن فَمِ الحَجَرِ، وكانَ شُرَيْحٌ القاضِي يَقُولُ لِأصْحابِهِ: اخْرُجُوا بِنا إلى الكُناسَةِ حَتّى نَنْظُرَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: الإبِلُ هُنا: السَحابُ لِأنَّ العَرَبَ قَدْ تُسَمِّيها بِذَلِكَ إذْ تَأْتِي أرْسالًا كالإبِلِ، وتُزْجى كَما تُزْجى الإبِلُ، وهي في هَيْئَتِها أحْيانًا تُشْبِهُ الإبِلَ والنَعامَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كَأنَّ السَحابَ دُوَيْنَ السَما ∗∗∗ ءِ نَعامٌ تَعَلَّقَ بِالأرْجُلِ
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ- وعِيسى "الإبِلَّ" بِشَدِّ اللامِ وهي السَحابُ فِيما ذَكَرَ قَوْمٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ والنَقّاشُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خُلَقَتْ" بِفَتْحِ القافِ وضَمِّ الخاءِ، وقَرَأ
(p-٦٠٢)عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: "خَلَقْتُ" بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ القافِ، عَلى فِعْلِ التَكَلُّمِ، وكَذَلِكَ [رُفِعَتْ، ونُصِبَتْ، وسُطِحَتْ]، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "رُفِّعَتْ، ونُصِّبَتْ وسُطِّحَتْ" بِالتَشْدِيدِ فِيها. و"نُصِبَتْ" مَعْناهُ: أثْبَتَتْ قائِمَةً في الهَواءِ لا تَنْتَطِحُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُطِحَتْ"، بِتَخْفِيفِ الطاءِ وقَرَأ هارُونُ الرَشِيدُ: "سُطِّحَتْ" بِشَدِّ الطاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الأرْضَ سَطْحٌ لا كَرَةٌ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ، والقَوْلُ بِكُرَوِيَّتِها -وَإنْ كانَ لا يَنْقُصُ رُكْنًا مِن أرْكانِ الشَرْعِ- فَهو قَوْلٌ لا يُثْبِتُهُ عُلَماءُ الشَرْعِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالتَذْكِيرِ بِهَذِهِ الآياتِ ونَحْوِها. ثُمَّ نَفى تَعالى أنْ يَكُونَ مُسَيْطِرًا عَلى الناسِ، أيْ قاهِرًا مُخْبِرًا لَهم مَعَ تَكَبُّرٍ مُتَسَلِّطًا عَلَيْهِمْ، يُقالُ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا فُلانٌ، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "بِمُسَيْطِرٍ" بِالسِينِ وبَعْضُهم "بِمُصَيْطِرٍ" بِالصادِ، وقَرَأ هارُونُ "بِمُسَيْطَرٍ" بِفَتْحِ الطاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ عَلى هَذا البِناءِ غَيْرُ "مُسَيْطِرٍ، ومُبَيْطَرٍ، ومُبَيْقَرٍ، ومُهَيْمِنٍ"، وفي الأسْماءِ "مُدَيْبَرٍ، ومُجَيْمِرٍ"، وهو اسْمُ وادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذانَ مُصَغَّرَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ فَأنْتَ مُسَيْطِرٌ عَلَيْهِ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- لا نَسْخَ فِيها، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: الِاسْتِثْناءُ مُنْفَصِلٌ، والمَعْنى: "لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ" وتَمَّ الكَلامُ، وهي آيَةُ مُوادَعَةٍ مَنسُوخَةٍ بِالسَيْفِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾، وهَذا هو القَوْلُ الصَحِيحُ؛ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ، والقِتالُ إنَّما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، و"مَن" بِمَعْنى "الَّذِي". وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وقَتادَةُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: "ألا مَن تَوَلّى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَلى مَعْنى اسْتِفْتاحِ الكَلامِ، و"مَن" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- شَرْطِيَّةٌ. و"العَذابَ الأكْبَرَ" عَذابُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم قَدْ عُذِّبُوا في الدُنْيا بِالجُوعِ والقَتْلِ وغَيْرِهِما، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ اللهُ".
(p-٦٠٣)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "إيابَهُمْ"، مَصْدَرٌ مِن "آبَ يَؤُوبُ" إذا رَجَعَ، وهو الحَشْرُ والرَدُّ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "إَيّابَهُمْ" بِشَدِّ الياءِ، عَلى وزْنِ "فِعالٍ" بِكَسْرِ الفاءِ، أصْلُهُ "فَيْعالٍ"، مِن "أيَبَ" فِعْلٌ أصْلُهُ "فَيَعْلٌ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن "أوَبَ" فَيَجِيءُ "إيوابًا" وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ، وكانَ اللازِمُ في الإدْغامِ رَدَّها "إوّابًا"، لَكِنِ اسْتُحْسِنَتْ فِيهِ الياءُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الغاشِيَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
.
الغاشية 88:19
قوله عزّ وجلّ:
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ ﴿وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ ﴿وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وَإلى السَماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾
"عَيْنٌ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَيْنًا مَخْصُوصَةً ذُكِرَتْ عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها. ورَفْعُ السُرُرِ أشْرَفُ لَها، و"الأكْوابُ" أوانٍ كالأبارِيقِ لا عُرى لَها ولا آذانَ ولا خَراطِيمَ، وشَكْلُها عِنْدَ العَرَبِ مَعْرُوفٌ، و"مَوْضُوعَةٌ" مَعْناهُ: بِأشْرِبَتِها مُعَدَّةٌ و"النَمْرَقَةُ" الوِسادَةُ، ويُقالُ نِمْرِقَةٌ بِكَسْرِ النُونِ والراءِ، وقالَ زُهَيْرٌ:
؎ كُهُولًا وشُبّانًا حِسانًا وُجُوهُهم عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ
(p-٦٠١)وَ "الزَرابِيُّ" واحِدَتُها "زَرِبِيَّةٌ"، ويُقالُ بِفَتْحِ الزايِ، وهي كالطَنافِسِ لَها خَمْلٌ، قالَهُ الفَرّاءُ، وهي مُلَوِّناتٌ، و"مَبْثُوثَةٌ" مَعْناهُ: كَثِيرَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ.
ثُمَّ أقامَ تَعالى الحُجَّةَ عَلى مُنْكِرِي قُدْرَتِهِ عَلى بَعْثِ الأجْسادِ بِأنْ وقَّفَهم عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ في مَخْلُوقاتِهِ، و"الإبِلِ" في هَذِهِ الآيَةِ هي الجِمالُ المَعْرُوفَةُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وفي الجُمَلِ آياتٌ وعِبَرٌ لِمَن تَأْمَّلَ، لَيْسَ في الحَيَوانِ ما يَقُومُ مِنَ البُرُوكِ بِحَمْلِهِ سِواهُ، وهو عَلى قُوَّتِهِ غايَةٌ في الِانْقِيادِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ في بَعْضِ التَفاسِيرِ: إنَّ فَأْرَةً جَرَتْ بِزِمامِ ناقَةٍ فَتَبِعَتْها حَتّى دَخَلَتِ الجُحْرَ فَبَرَكَتِ الناقَةُ وأدْنَتْ رَأْسَها مِن فَمِ الحَجَرِ، وكانَ شُرَيْحٌ القاضِي يَقُولُ لِأصْحابِهِ: اخْرُجُوا بِنا إلى الكُناسَةِ حَتّى نَنْظُرَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: الإبِلُ هُنا: السَحابُ لِأنَّ العَرَبَ قَدْ تُسَمِّيها بِذَلِكَ إذْ تَأْتِي أرْسالًا كالإبِلِ، وتُزْجى كَما تُزْجى الإبِلُ، وهي في هَيْئَتِها أحْيانًا تُشْبِهُ الإبِلَ والنَعامَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كَأنَّ السَحابَ دُوَيْنَ السَما ∗∗∗ ءِ نَعامٌ تَعَلَّقَ بِالأرْجُلِ
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ- وعِيسى "الإبِلَّ" بِشَدِّ اللامِ وهي السَحابُ فِيما ذَكَرَ قَوْمٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ والنَقّاشُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خُلَقَتْ" بِفَتْحِ القافِ وضَمِّ الخاءِ، وقَرَأ
(p-٦٠٢)عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: "خَلَقْتُ" بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ القافِ، عَلى فِعْلِ التَكَلُّمِ، وكَذَلِكَ [رُفِعَتْ، ونُصِبَتْ، وسُطِحَتْ]، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "رُفِّعَتْ، ونُصِّبَتْ وسُطِّحَتْ" بِالتَشْدِيدِ فِيها. و"نُصِبَتْ" مَعْناهُ: أثْبَتَتْ قائِمَةً في الهَواءِ لا تَنْتَطِحُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُطِحَتْ"، بِتَخْفِيفِ الطاءِ وقَرَأ هارُونُ الرَشِيدُ: "سُطِّحَتْ" بِشَدِّ الطاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الأرْضَ سَطْحٌ لا كَرَةٌ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ، والقَوْلُ بِكُرَوِيَّتِها -وَإنْ كانَ لا يَنْقُصُ رُكْنًا مِن أرْكانِ الشَرْعِ- فَهو قَوْلٌ لا يُثْبِتُهُ عُلَماءُ الشَرْعِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالتَذْكِيرِ بِهَذِهِ الآياتِ ونَحْوِها. ثُمَّ نَفى تَعالى أنْ يَكُونَ مُسَيْطِرًا عَلى الناسِ، أيْ قاهِرًا مُخْبِرًا لَهم مَعَ تَكَبُّرٍ مُتَسَلِّطًا عَلَيْهِمْ، يُقالُ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا فُلانٌ، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "بِمُسَيْطِرٍ" بِالسِينِ وبَعْضُهم "بِمُصَيْطِرٍ" بِالصادِ، وقَرَأ هارُونُ "بِمُسَيْطَرٍ" بِفَتْحِ الطاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ عَلى هَذا البِناءِ غَيْرُ "مُسَيْطِرٍ، ومُبَيْطَرٍ، ومُبَيْقَرٍ، ومُهَيْمِنٍ"، وفي الأسْماءِ "مُدَيْبَرٍ، ومُجَيْمِرٍ"، وهو اسْمُ وادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذانَ مُصَغَّرَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ فَأنْتَ مُسَيْطِرٌ عَلَيْهِ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- لا نَسْخَ فِيها، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: الِاسْتِثْناءُ مُنْفَصِلٌ، والمَعْنى: "لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ" وتَمَّ الكَلامُ، وهي آيَةُ مُوادَعَةٍ مَنسُوخَةٍ بِالسَيْفِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾، وهَذا هو القَوْلُ الصَحِيحُ؛ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ، والقِتالُ إنَّما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، و"مَن" بِمَعْنى "الَّذِي". وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وقَتادَةُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: "ألا مَن تَوَلّى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَلى مَعْنى اسْتِفْتاحِ الكَلامِ، و"مَن" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- شَرْطِيَّةٌ. و"العَذابَ الأكْبَرَ" عَذابُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم قَدْ عُذِّبُوا في الدُنْيا بِالجُوعِ والقَتْلِ وغَيْرِهِما، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ اللهُ".
(p-٦٠٣)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "إيابَهُمْ"، مَصْدَرٌ مِن "آبَ يَؤُوبُ" إذا رَجَعَ، وهو الحَشْرُ والرَدُّ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "إَيّابَهُمْ" بِشَدِّ الياءِ، عَلى وزْنِ "فِعالٍ" بِكَسْرِ الفاءِ، أصْلُهُ "فَيْعالٍ"، مِن "أيَبَ" فِعْلٌ أصْلُهُ "فَيَعْلٌ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن "أوَبَ" فَيَجِيءُ "إيوابًا" وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ، وكانَ اللازِمُ في الإدْغامِ رَدَّها "إوّابًا"، لَكِنِ اسْتُحْسِنَتْ فِيهِ الياءُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الغاشِيَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
.
الغاشية 88:20
قوله عزّ وجلّ:
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ ﴿وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ ﴿وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وَإلى السَماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾
"عَيْنٌ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَيْنًا مَخْصُوصَةً ذُكِرَتْ عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها. ورَفْعُ السُرُرِ أشْرَفُ لَها، و"الأكْوابُ" أوانٍ كالأبارِيقِ لا عُرى لَها ولا آذانَ ولا خَراطِيمَ، وشَكْلُها عِنْدَ العَرَبِ مَعْرُوفٌ، و"مَوْضُوعَةٌ" مَعْناهُ: بِأشْرِبَتِها مُعَدَّةٌ و"النَمْرَقَةُ" الوِسادَةُ، ويُقالُ نِمْرِقَةٌ بِكَسْرِ النُونِ والراءِ، وقالَ زُهَيْرٌ:
؎ كُهُولًا وشُبّانًا حِسانًا وُجُوهُهم عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ
(p-٦٠١)وَ "الزَرابِيُّ" واحِدَتُها "زَرِبِيَّةٌ"، ويُقالُ بِفَتْحِ الزايِ، وهي كالطَنافِسِ لَها خَمْلٌ، قالَهُ الفَرّاءُ، وهي مُلَوِّناتٌ، و"مَبْثُوثَةٌ" مَعْناهُ: كَثِيرَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ.
ثُمَّ أقامَ تَعالى الحُجَّةَ عَلى مُنْكِرِي قُدْرَتِهِ عَلى بَعْثِ الأجْسادِ بِأنْ وقَّفَهم عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ في مَخْلُوقاتِهِ، و"الإبِلِ" في هَذِهِ الآيَةِ هي الجِمالُ المَعْرُوفَةُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وفي الجُمَلِ آياتٌ وعِبَرٌ لِمَن تَأْمَّلَ، لَيْسَ في الحَيَوانِ ما يَقُومُ مِنَ البُرُوكِ بِحَمْلِهِ سِواهُ، وهو عَلى قُوَّتِهِ غايَةٌ في الِانْقِيادِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ في بَعْضِ التَفاسِيرِ: إنَّ فَأْرَةً جَرَتْ بِزِمامِ ناقَةٍ فَتَبِعَتْها حَتّى دَخَلَتِ الجُحْرَ فَبَرَكَتِ الناقَةُ وأدْنَتْ رَأْسَها مِن فَمِ الحَجَرِ، وكانَ شُرَيْحٌ القاضِي يَقُولُ لِأصْحابِهِ: اخْرُجُوا بِنا إلى الكُناسَةِ حَتّى نَنْظُرَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: الإبِلُ هُنا: السَحابُ لِأنَّ العَرَبَ قَدْ تُسَمِّيها بِذَلِكَ إذْ تَأْتِي أرْسالًا كالإبِلِ، وتُزْجى كَما تُزْجى الإبِلُ، وهي في هَيْئَتِها أحْيانًا تُشْبِهُ الإبِلَ والنَعامَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كَأنَّ السَحابَ دُوَيْنَ السَما ∗∗∗ ءِ نَعامٌ تَعَلَّقَ بِالأرْجُلِ
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ- وعِيسى "الإبِلَّ" بِشَدِّ اللامِ وهي السَحابُ فِيما ذَكَرَ قَوْمٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ والنَقّاشُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خُلَقَتْ" بِفَتْحِ القافِ وضَمِّ الخاءِ، وقَرَأ
(p-٦٠٢)عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: "خَلَقْتُ" بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ القافِ، عَلى فِعْلِ التَكَلُّمِ، وكَذَلِكَ [رُفِعَتْ، ونُصِبَتْ، وسُطِحَتْ]، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "رُفِّعَتْ، ونُصِّبَتْ وسُطِّحَتْ" بِالتَشْدِيدِ فِيها. و"نُصِبَتْ" مَعْناهُ: أثْبَتَتْ قائِمَةً في الهَواءِ لا تَنْتَطِحُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُطِحَتْ"، بِتَخْفِيفِ الطاءِ وقَرَأ هارُونُ الرَشِيدُ: "سُطِّحَتْ" بِشَدِّ الطاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الأرْضَ سَطْحٌ لا كَرَةٌ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ، والقَوْلُ بِكُرَوِيَّتِها -وَإنْ كانَ لا يَنْقُصُ رُكْنًا مِن أرْكانِ الشَرْعِ- فَهو قَوْلٌ لا يُثْبِتُهُ عُلَماءُ الشَرْعِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالتَذْكِيرِ بِهَذِهِ الآياتِ ونَحْوِها. ثُمَّ نَفى تَعالى أنْ يَكُونَ مُسَيْطِرًا عَلى الناسِ، أيْ قاهِرًا مُخْبِرًا لَهم مَعَ تَكَبُّرٍ مُتَسَلِّطًا عَلَيْهِمْ، يُقالُ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا فُلانٌ، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "بِمُسَيْطِرٍ" بِالسِينِ وبَعْضُهم "بِمُصَيْطِرٍ" بِالصادِ، وقَرَأ هارُونُ "بِمُسَيْطَرٍ" بِفَتْحِ الطاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ عَلى هَذا البِناءِ غَيْرُ "مُسَيْطِرٍ، ومُبَيْطَرٍ، ومُبَيْقَرٍ، ومُهَيْمِنٍ"، وفي الأسْماءِ "مُدَيْبَرٍ، ومُجَيْمِرٍ"، وهو اسْمُ وادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذانَ مُصَغَّرَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ فَأنْتَ مُسَيْطِرٌ عَلَيْهِ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- لا نَسْخَ فِيها، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: الِاسْتِثْناءُ مُنْفَصِلٌ، والمَعْنى: "لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ" وتَمَّ الكَلامُ، وهي آيَةُ مُوادَعَةٍ مَنسُوخَةٍ بِالسَيْفِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾، وهَذا هو القَوْلُ الصَحِيحُ؛ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ، والقِتالُ إنَّما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، و"مَن" بِمَعْنى "الَّذِي". وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وقَتادَةُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: "ألا مَن تَوَلّى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَلى مَعْنى اسْتِفْتاحِ الكَلامِ، و"مَن" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- شَرْطِيَّةٌ. و"العَذابَ الأكْبَرَ" عَذابُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم قَدْ عُذِّبُوا في الدُنْيا بِالجُوعِ والقَتْلِ وغَيْرِهِما، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ اللهُ".
(p-٦٠٣)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "إيابَهُمْ"، مَصْدَرٌ مِن "آبَ يَؤُوبُ" إذا رَجَعَ، وهو الحَشْرُ والرَدُّ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "إَيّابَهُمْ" بِشَدِّ الياءِ، عَلى وزْنِ "فِعالٍ" بِكَسْرِ الفاءِ، أصْلُهُ "فَيْعالٍ"، مِن "أيَبَ" فِعْلٌ أصْلُهُ "فَيَعْلٌ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن "أوَبَ" فَيَجِيءُ "إيوابًا" وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ، وكانَ اللازِمُ في الإدْغامِ رَدَّها "إوّابًا"، لَكِنِ اسْتُحْسِنَتْ فِيهِ الياءُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الغاشِيَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
.
الغاشية 88:21
قوله عزّ وجلّ:
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ ﴿وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ ﴿وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وَإلى السَماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾
"عَيْنٌ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَيْنًا مَخْصُوصَةً ذُكِرَتْ عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها. ورَفْعُ السُرُرِ أشْرَفُ لَها، و"الأكْوابُ" أوانٍ كالأبارِيقِ لا عُرى لَها ولا آذانَ ولا خَراطِيمَ، وشَكْلُها عِنْدَ العَرَبِ مَعْرُوفٌ، و"مَوْضُوعَةٌ" مَعْناهُ: بِأشْرِبَتِها مُعَدَّةٌ و"النَمْرَقَةُ" الوِسادَةُ، ويُقالُ نِمْرِقَةٌ بِكَسْرِ النُونِ والراءِ، وقالَ زُهَيْرٌ:
؎ كُهُولًا وشُبّانًا حِسانًا وُجُوهُهم عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ
(p-٦٠١)وَ "الزَرابِيُّ" واحِدَتُها "زَرِبِيَّةٌ"، ويُقالُ بِفَتْحِ الزايِ، وهي كالطَنافِسِ لَها خَمْلٌ، قالَهُ الفَرّاءُ، وهي مُلَوِّناتٌ، و"مَبْثُوثَةٌ" مَعْناهُ: كَثِيرَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ.
ثُمَّ أقامَ تَعالى الحُجَّةَ عَلى مُنْكِرِي قُدْرَتِهِ عَلى بَعْثِ الأجْسادِ بِأنْ وقَّفَهم عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ في مَخْلُوقاتِهِ، و"الإبِلِ" في هَذِهِ الآيَةِ هي الجِمالُ المَعْرُوفَةُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وفي الجُمَلِ آياتٌ وعِبَرٌ لِمَن تَأْمَّلَ، لَيْسَ في الحَيَوانِ ما يَقُومُ مِنَ البُرُوكِ بِحَمْلِهِ سِواهُ، وهو عَلى قُوَّتِهِ غايَةٌ في الِانْقِيادِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ في بَعْضِ التَفاسِيرِ: إنَّ فَأْرَةً جَرَتْ بِزِمامِ ناقَةٍ فَتَبِعَتْها حَتّى دَخَلَتِ الجُحْرَ فَبَرَكَتِ الناقَةُ وأدْنَتْ رَأْسَها مِن فَمِ الحَجَرِ، وكانَ شُرَيْحٌ القاضِي يَقُولُ لِأصْحابِهِ: اخْرُجُوا بِنا إلى الكُناسَةِ حَتّى نَنْظُرَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: الإبِلُ هُنا: السَحابُ لِأنَّ العَرَبَ قَدْ تُسَمِّيها بِذَلِكَ إذْ تَأْتِي أرْسالًا كالإبِلِ، وتُزْجى كَما تُزْجى الإبِلُ، وهي في هَيْئَتِها أحْيانًا تُشْبِهُ الإبِلَ والنَعامَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كَأنَّ السَحابَ دُوَيْنَ السَما ∗∗∗ ءِ نَعامٌ تَعَلَّقَ بِالأرْجُلِ
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ- وعِيسى "الإبِلَّ" بِشَدِّ اللامِ وهي السَحابُ فِيما ذَكَرَ قَوْمٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ والنَقّاشُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خُلَقَتْ" بِفَتْحِ القافِ وضَمِّ الخاءِ، وقَرَأ
(p-٦٠٢)عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: "خَلَقْتُ" بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ القافِ، عَلى فِعْلِ التَكَلُّمِ، وكَذَلِكَ [رُفِعَتْ، ونُصِبَتْ، وسُطِحَتْ]، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "رُفِّعَتْ، ونُصِّبَتْ وسُطِّحَتْ" بِالتَشْدِيدِ فِيها. و"نُصِبَتْ" مَعْناهُ: أثْبَتَتْ قائِمَةً في الهَواءِ لا تَنْتَطِحُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُطِحَتْ"، بِتَخْفِيفِ الطاءِ وقَرَأ هارُونُ الرَشِيدُ: "سُطِّحَتْ" بِشَدِّ الطاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الأرْضَ سَطْحٌ لا كَرَةٌ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ، والقَوْلُ بِكُرَوِيَّتِها -وَإنْ كانَ لا يَنْقُصُ رُكْنًا مِن أرْكانِ الشَرْعِ- فَهو قَوْلٌ لا يُثْبِتُهُ عُلَماءُ الشَرْعِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالتَذْكِيرِ بِهَذِهِ الآياتِ ونَحْوِها. ثُمَّ نَفى تَعالى أنْ يَكُونَ مُسَيْطِرًا عَلى الناسِ، أيْ قاهِرًا مُخْبِرًا لَهم مَعَ تَكَبُّرٍ مُتَسَلِّطًا عَلَيْهِمْ، يُقالُ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا فُلانٌ، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "بِمُسَيْطِرٍ" بِالسِينِ وبَعْضُهم "بِمُصَيْطِرٍ" بِالصادِ، وقَرَأ هارُونُ "بِمُسَيْطَرٍ" بِفَتْحِ الطاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ عَلى هَذا البِناءِ غَيْرُ "مُسَيْطِرٍ، ومُبَيْطَرٍ، ومُبَيْقَرٍ، ومُهَيْمِنٍ"، وفي الأسْماءِ "مُدَيْبَرٍ، ومُجَيْمِرٍ"، وهو اسْمُ وادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذانَ مُصَغَّرَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ فَأنْتَ مُسَيْطِرٌ عَلَيْهِ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- لا نَسْخَ فِيها، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: الِاسْتِثْناءُ مُنْفَصِلٌ، والمَعْنى: "لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ" وتَمَّ الكَلامُ، وهي آيَةُ مُوادَعَةٍ مَنسُوخَةٍ بِالسَيْفِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾، وهَذا هو القَوْلُ الصَحِيحُ؛ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ، والقِتالُ إنَّما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، و"مَن" بِمَعْنى "الَّذِي". وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وقَتادَةُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: "ألا مَن تَوَلّى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَلى مَعْنى اسْتِفْتاحِ الكَلامِ، و"مَن" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- شَرْطِيَّةٌ. و"العَذابَ الأكْبَرَ" عَذابُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم قَدْ عُذِّبُوا في الدُنْيا بِالجُوعِ والقَتْلِ وغَيْرِهِما، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ اللهُ".
(p-٦٠٣)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "إيابَهُمْ"، مَصْدَرٌ مِن "آبَ يَؤُوبُ" إذا رَجَعَ، وهو الحَشْرُ والرَدُّ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "إَيّابَهُمْ" بِشَدِّ الياءِ، عَلى وزْنِ "فِعالٍ" بِكَسْرِ الفاءِ، أصْلُهُ "فَيْعالٍ"، مِن "أيَبَ" فِعْلٌ أصْلُهُ "فَيَعْلٌ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن "أوَبَ" فَيَجِيءُ "إيوابًا" وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ، وكانَ اللازِمُ في الإدْغامِ رَدَّها "إوّابًا"، لَكِنِ اسْتُحْسِنَتْ فِيهِ الياءُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الغاشِيَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
.
الغاشية 88:22
قوله عزّ وجلّ:
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ ﴿وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ ﴿وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وَإلى السَماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾
"عَيْنٌ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَيْنًا مَخْصُوصَةً ذُكِرَتْ عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها. ورَفْعُ السُرُرِ أشْرَفُ لَها، و"الأكْوابُ" أوانٍ كالأبارِيقِ لا عُرى لَها ولا آذانَ ولا خَراطِيمَ، وشَكْلُها عِنْدَ العَرَبِ مَعْرُوفٌ، و"مَوْضُوعَةٌ" مَعْناهُ: بِأشْرِبَتِها مُعَدَّةٌ و"النَمْرَقَةُ" الوِسادَةُ، ويُقالُ نِمْرِقَةٌ بِكَسْرِ النُونِ والراءِ، وقالَ زُهَيْرٌ:
؎ كُهُولًا وشُبّانًا حِسانًا وُجُوهُهم عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ
(p-٦٠١)وَ "الزَرابِيُّ" واحِدَتُها "زَرِبِيَّةٌ"، ويُقالُ بِفَتْحِ الزايِ، وهي كالطَنافِسِ لَها خَمْلٌ، قالَهُ الفَرّاءُ، وهي مُلَوِّناتٌ، و"مَبْثُوثَةٌ" مَعْناهُ: كَثِيرَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ.
ثُمَّ أقامَ تَعالى الحُجَّةَ عَلى مُنْكِرِي قُدْرَتِهِ عَلى بَعْثِ الأجْسادِ بِأنْ وقَّفَهم عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ في مَخْلُوقاتِهِ، و"الإبِلِ" في هَذِهِ الآيَةِ هي الجِمالُ المَعْرُوفَةُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وفي الجُمَلِ آياتٌ وعِبَرٌ لِمَن تَأْمَّلَ، لَيْسَ في الحَيَوانِ ما يَقُومُ مِنَ البُرُوكِ بِحَمْلِهِ سِواهُ، وهو عَلى قُوَّتِهِ غايَةٌ في الِانْقِيادِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ في بَعْضِ التَفاسِيرِ: إنَّ فَأْرَةً جَرَتْ بِزِمامِ ناقَةٍ فَتَبِعَتْها حَتّى دَخَلَتِ الجُحْرَ فَبَرَكَتِ الناقَةُ وأدْنَتْ رَأْسَها مِن فَمِ الحَجَرِ، وكانَ شُرَيْحٌ القاضِي يَقُولُ لِأصْحابِهِ: اخْرُجُوا بِنا إلى الكُناسَةِ حَتّى نَنْظُرَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: الإبِلُ هُنا: السَحابُ لِأنَّ العَرَبَ قَدْ تُسَمِّيها بِذَلِكَ إذْ تَأْتِي أرْسالًا كالإبِلِ، وتُزْجى كَما تُزْجى الإبِلُ، وهي في هَيْئَتِها أحْيانًا تُشْبِهُ الإبِلَ والنَعامَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كَأنَّ السَحابَ دُوَيْنَ السَما ∗∗∗ ءِ نَعامٌ تَعَلَّقَ بِالأرْجُلِ
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ- وعِيسى "الإبِلَّ" بِشَدِّ اللامِ وهي السَحابُ فِيما ذَكَرَ قَوْمٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ والنَقّاشُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خُلَقَتْ" بِفَتْحِ القافِ وضَمِّ الخاءِ، وقَرَأ
(p-٦٠٢)عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: "خَلَقْتُ" بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ القافِ، عَلى فِعْلِ التَكَلُّمِ، وكَذَلِكَ [رُفِعَتْ، ونُصِبَتْ، وسُطِحَتْ]، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "رُفِّعَتْ، ونُصِّبَتْ وسُطِّحَتْ" بِالتَشْدِيدِ فِيها. و"نُصِبَتْ" مَعْناهُ: أثْبَتَتْ قائِمَةً في الهَواءِ لا تَنْتَطِحُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُطِحَتْ"، بِتَخْفِيفِ الطاءِ وقَرَأ هارُونُ الرَشِيدُ: "سُطِّحَتْ" بِشَدِّ الطاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الأرْضَ سَطْحٌ لا كَرَةٌ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ، والقَوْلُ بِكُرَوِيَّتِها -وَإنْ كانَ لا يَنْقُصُ رُكْنًا مِن أرْكانِ الشَرْعِ- فَهو قَوْلٌ لا يُثْبِتُهُ عُلَماءُ الشَرْعِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالتَذْكِيرِ بِهَذِهِ الآياتِ ونَحْوِها. ثُمَّ نَفى تَعالى أنْ يَكُونَ مُسَيْطِرًا عَلى الناسِ، أيْ قاهِرًا مُخْبِرًا لَهم مَعَ تَكَبُّرٍ مُتَسَلِّطًا عَلَيْهِمْ، يُقالُ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا فُلانٌ، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "بِمُسَيْطِرٍ" بِالسِينِ وبَعْضُهم "بِمُصَيْطِرٍ" بِالصادِ، وقَرَأ هارُونُ "بِمُسَيْطَرٍ" بِفَتْحِ الطاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ عَلى هَذا البِناءِ غَيْرُ "مُسَيْطِرٍ، ومُبَيْطَرٍ، ومُبَيْقَرٍ، ومُهَيْمِنٍ"، وفي الأسْماءِ "مُدَيْبَرٍ، ومُجَيْمِرٍ"، وهو اسْمُ وادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذانَ مُصَغَّرَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ فَأنْتَ مُسَيْطِرٌ عَلَيْهِ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- لا نَسْخَ فِيها، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: الِاسْتِثْناءُ مُنْفَصِلٌ، والمَعْنى: "لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ" وتَمَّ الكَلامُ، وهي آيَةُ مُوادَعَةٍ مَنسُوخَةٍ بِالسَيْفِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾، وهَذا هو القَوْلُ الصَحِيحُ؛ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ، والقِتالُ إنَّما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، و"مَن" بِمَعْنى "الَّذِي". وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وقَتادَةُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: "ألا مَن تَوَلّى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَلى مَعْنى اسْتِفْتاحِ الكَلامِ، و"مَن" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- شَرْطِيَّةٌ. و"العَذابَ الأكْبَرَ" عَذابُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم قَدْ عُذِّبُوا في الدُنْيا بِالجُوعِ والقَتْلِ وغَيْرِهِما، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ اللهُ".
(p-٦٠٣)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "إيابَهُمْ"، مَصْدَرٌ مِن "آبَ يَؤُوبُ" إذا رَجَعَ، وهو الحَشْرُ والرَدُّ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "إَيّابَهُمْ" بِشَدِّ الياءِ، عَلى وزْنِ "فِعالٍ" بِكَسْرِ الفاءِ، أصْلُهُ "فَيْعالٍ"، مِن "أيَبَ" فِعْلٌ أصْلُهُ "فَيَعْلٌ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن "أوَبَ" فَيَجِيءُ "إيوابًا" وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ، وكانَ اللازِمُ في الإدْغامِ رَدَّها "إوّابًا"، لَكِنِ اسْتُحْسِنَتْ فِيهِ الياءُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الغاشِيَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
.
الغاشية 88:23
قوله عزّ وجلّ:
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ ﴿وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ ﴿وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وَإلى السَماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾
"عَيْنٌ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَيْنًا مَخْصُوصَةً ذُكِرَتْ عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها. ورَفْعُ السُرُرِ أشْرَفُ لَها، و"الأكْوابُ" أوانٍ كالأبارِيقِ لا عُرى لَها ولا آذانَ ولا خَراطِيمَ، وشَكْلُها عِنْدَ العَرَبِ مَعْرُوفٌ، و"مَوْضُوعَةٌ" مَعْناهُ: بِأشْرِبَتِها مُعَدَّةٌ و"النَمْرَقَةُ" الوِسادَةُ، ويُقالُ نِمْرِقَةٌ بِكَسْرِ النُونِ والراءِ، وقالَ زُهَيْرٌ:
؎ كُهُولًا وشُبّانًا حِسانًا وُجُوهُهم عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ
(p-٦٠١)وَ "الزَرابِيُّ" واحِدَتُها "زَرِبِيَّةٌ"، ويُقالُ بِفَتْحِ الزايِ، وهي كالطَنافِسِ لَها خَمْلٌ، قالَهُ الفَرّاءُ، وهي مُلَوِّناتٌ، و"مَبْثُوثَةٌ" مَعْناهُ: كَثِيرَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ.
ثُمَّ أقامَ تَعالى الحُجَّةَ عَلى مُنْكِرِي قُدْرَتِهِ عَلى بَعْثِ الأجْسادِ بِأنْ وقَّفَهم عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ في مَخْلُوقاتِهِ، و"الإبِلِ" في هَذِهِ الآيَةِ هي الجِمالُ المَعْرُوفَةُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وفي الجُمَلِ آياتٌ وعِبَرٌ لِمَن تَأْمَّلَ، لَيْسَ في الحَيَوانِ ما يَقُومُ مِنَ البُرُوكِ بِحَمْلِهِ سِواهُ، وهو عَلى قُوَّتِهِ غايَةٌ في الِانْقِيادِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ في بَعْضِ التَفاسِيرِ: إنَّ فَأْرَةً جَرَتْ بِزِمامِ ناقَةٍ فَتَبِعَتْها حَتّى دَخَلَتِ الجُحْرَ فَبَرَكَتِ الناقَةُ وأدْنَتْ رَأْسَها مِن فَمِ الحَجَرِ، وكانَ شُرَيْحٌ القاضِي يَقُولُ لِأصْحابِهِ: اخْرُجُوا بِنا إلى الكُناسَةِ حَتّى نَنْظُرَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: الإبِلُ هُنا: السَحابُ لِأنَّ العَرَبَ قَدْ تُسَمِّيها بِذَلِكَ إذْ تَأْتِي أرْسالًا كالإبِلِ، وتُزْجى كَما تُزْجى الإبِلُ، وهي في هَيْئَتِها أحْيانًا تُشْبِهُ الإبِلَ والنَعامَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كَأنَّ السَحابَ دُوَيْنَ السَما ∗∗∗ ءِ نَعامٌ تَعَلَّقَ بِالأرْجُلِ
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ- وعِيسى "الإبِلَّ" بِشَدِّ اللامِ وهي السَحابُ فِيما ذَكَرَ قَوْمٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ والنَقّاشُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خُلَقَتْ" بِفَتْحِ القافِ وضَمِّ الخاءِ، وقَرَأ
(p-٦٠٢)عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: "خَلَقْتُ" بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ القافِ، عَلى فِعْلِ التَكَلُّمِ، وكَذَلِكَ [رُفِعَتْ، ونُصِبَتْ، وسُطِحَتْ]، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "رُفِّعَتْ، ونُصِّبَتْ وسُطِّحَتْ" بِالتَشْدِيدِ فِيها. و"نُصِبَتْ" مَعْناهُ: أثْبَتَتْ قائِمَةً في الهَواءِ لا تَنْتَطِحُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُطِحَتْ"، بِتَخْفِيفِ الطاءِ وقَرَأ هارُونُ الرَشِيدُ: "سُطِّحَتْ" بِشَدِّ الطاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الأرْضَ سَطْحٌ لا كَرَةٌ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ، والقَوْلُ بِكُرَوِيَّتِها -وَإنْ كانَ لا يَنْقُصُ رُكْنًا مِن أرْكانِ الشَرْعِ- فَهو قَوْلٌ لا يُثْبِتُهُ عُلَماءُ الشَرْعِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالتَذْكِيرِ بِهَذِهِ الآياتِ ونَحْوِها. ثُمَّ نَفى تَعالى أنْ يَكُونَ مُسَيْطِرًا عَلى الناسِ، أيْ قاهِرًا مُخْبِرًا لَهم مَعَ تَكَبُّرٍ مُتَسَلِّطًا عَلَيْهِمْ، يُقالُ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا فُلانٌ، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "بِمُسَيْطِرٍ" بِالسِينِ وبَعْضُهم "بِمُصَيْطِرٍ" بِالصادِ، وقَرَأ هارُونُ "بِمُسَيْطَرٍ" بِفَتْحِ الطاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ عَلى هَذا البِناءِ غَيْرُ "مُسَيْطِرٍ، ومُبَيْطَرٍ، ومُبَيْقَرٍ، ومُهَيْمِنٍ"، وفي الأسْماءِ "مُدَيْبَرٍ، ومُجَيْمِرٍ"، وهو اسْمُ وادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذانَ مُصَغَّرَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ فَأنْتَ مُسَيْطِرٌ عَلَيْهِ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- لا نَسْخَ فِيها، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: الِاسْتِثْناءُ مُنْفَصِلٌ، والمَعْنى: "لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ" وتَمَّ الكَلامُ، وهي آيَةُ مُوادَعَةٍ مَنسُوخَةٍ بِالسَيْفِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾، وهَذا هو القَوْلُ الصَحِيحُ؛ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ، والقِتالُ إنَّما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، و"مَن" بِمَعْنى "الَّذِي". وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وقَتادَةُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: "ألا مَن تَوَلّى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَلى مَعْنى اسْتِفْتاحِ الكَلامِ، و"مَن" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- شَرْطِيَّةٌ. و"العَذابَ الأكْبَرَ" عَذابُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم قَدْ عُذِّبُوا في الدُنْيا بِالجُوعِ والقَتْلِ وغَيْرِهِما، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ اللهُ".
(p-٦٠٣)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "إيابَهُمْ"، مَصْدَرٌ مِن "آبَ يَؤُوبُ" إذا رَجَعَ، وهو الحَشْرُ والرَدُّ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "إَيّابَهُمْ" بِشَدِّ الياءِ، عَلى وزْنِ "فِعالٍ" بِكَسْرِ الفاءِ، أصْلُهُ "فَيْعالٍ"، مِن "أيَبَ" فِعْلٌ أصْلُهُ "فَيَعْلٌ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن "أوَبَ" فَيَجِيءُ "إيوابًا" وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ، وكانَ اللازِمُ في الإدْغامِ رَدَّها "إوّابًا"، لَكِنِ اسْتُحْسِنَتْ فِيهِ الياءُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الغاشِيَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
.
الغاشية 88:24
قوله عزّ وجلّ:
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ ﴿وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ ﴿وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وَإلى السَماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾
"عَيْنٌ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَيْنًا مَخْصُوصَةً ذُكِرَتْ عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها. ورَفْعُ السُرُرِ أشْرَفُ لَها، و"الأكْوابُ" أوانٍ كالأبارِيقِ لا عُرى لَها ولا آذانَ ولا خَراطِيمَ، وشَكْلُها عِنْدَ العَرَبِ مَعْرُوفٌ، و"مَوْضُوعَةٌ" مَعْناهُ: بِأشْرِبَتِها مُعَدَّةٌ و"النَمْرَقَةُ" الوِسادَةُ، ويُقالُ نِمْرِقَةٌ بِكَسْرِ النُونِ والراءِ، وقالَ زُهَيْرٌ:
؎ كُهُولًا وشُبّانًا حِسانًا وُجُوهُهم عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ
(p-٦٠١)وَ "الزَرابِيُّ" واحِدَتُها "زَرِبِيَّةٌ"، ويُقالُ بِفَتْحِ الزايِ، وهي كالطَنافِسِ لَها خَمْلٌ، قالَهُ الفَرّاءُ، وهي مُلَوِّناتٌ، و"مَبْثُوثَةٌ" مَعْناهُ: كَثِيرَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ.
ثُمَّ أقامَ تَعالى الحُجَّةَ عَلى مُنْكِرِي قُدْرَتِهِ عَلى بَعْثِ الأجْسادِ بِأنْ وقَّفَهم عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ في مَخْلُوقاتِهِ، و"الإبِلِ" في هَذِهِ الآيَةِ هي الجِمالُ المَعْرُوفَةُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وفي الجُمَلِ آياتٌ وعِبَرٌ لِمَن تَأْمَّلَ، لَيْسَ في الحَيَوانِ ما يَقُومُ مِنَ البُرُوكِ بِحَمْلِهِ سِواهُ، وهو عَلى قُوَّتِهِ غايَةٌ في الِانْقِيادِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ في بَعْضِ التَفاسِيرِ: إنَّ فَأْرَةً جَرَتْ بِزِمامِ ناقَةٍ فَتَبِعَتْها حَتّى دَخَلَتِ الجُحْرَ فَبَرَكَتِ الناقَةُ وأدْنَتْ رَأْسَها مِن فَمِ الحَجَرِ، وكانَ شُرَيْحٌ القاضِي يَقُولُ لِأصْحابِهِ: اخْرُجُوا بِنا إلى الكُناسَةِ حَتّى نَنْظُرَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: الإبِلُ هُنا: السَحابُ لِأنَّ العَرَبَ قَدْ تُسَمِّيها بِذَلِكَ إذْ تَأْتِي أرْسالًا كالإبِلِ، وتُزْجى كَما تُزْجى الإبِلُ، وهي في هَيْئَتِها أحْيانًا تُشْبِهُ الإبِلَ والنَعامَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كَأنَّ السَحابَ دُوَيْنَ السَما ∗∗∗ ءِ نَعامٌ تَعَلَّقَ بِالأرْجُلِ
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ- وعِيسى "الإبِلَّ" بِشَدِّ اللامِ وهي السَحابُ فِيما ذَكَرَ قَوْمٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ والنَقّاشُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خُلَقَتْ" بِفَتْحِ القافِ وضَمِّ الخاءِ، وقَرَأ
(p-٦٠٢)عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: "خَلَقْتُ" بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ القافِ، عَلى فِعْلِ التَكَلُّمِ، وكَذَلِكَ [رُفِعَتْ، ونُصِبَتْ، وسُطِحَتْ]، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "رُفِّعَتْ، ونُصِّبَتْ وسُطِّحَتْ" بِالتَشْدِيدِ فِيها. و"نُصِبَتْ" مَعْناهُ: أثْبَتَتْ قائِمَةً في الهَواءِ لا تَنْتَطِحُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُطِحَتْ"، بِتَخْفِيفِ الطاءِ وقَرَأ هارُونُ الرَشِيدُ: "سُطِّحَتْ" بِشَدِّ الطاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الأرْضَ سَطْحٌ لا كَرَةٌ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ، والقَوْلُ بِكُرَوِيَّتِها -وَإنْ كانَ لا يَنْقُصُ رُكْنًا مِن أرْكانِ الشَرْعِ- فَهو قَوْلٌ لا يُثْبِتُهُ عُلَماءُ الشَرْعِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالتَذْكِيرِ بِهَذِهِ الآياتِ ونَحْوِها. ثُمَّ نَفى تَعالى أنْ يَكُونَ مُسَيْطِرًا عَلى الناسِ، أيْ قاهِرًا مُخْبِرًا لَهم مَعَ تَكَبُّرٍ مُتَسَلِّطًا عَلَيْهِمْ، يُقالُ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا فُلانٌ، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "بِمُسَيْطِرٍ" بِالسِينِ وبَعْضُهم "بِمُصَيْطِرٍ" بِالصادِ، وقَرَأ هارُونُ "بِمُسَيْطَرٍ" بِفَتْحِ الطاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ عَلى هَذا البِناءِ غَيْرُ "مُسَيْطِرٍ، ومُبَيْطَرٍ، ومُبَيْقَرٍ، ومُهَيْمِنٍ"، وفي الأسْماءِ "مُدَيْبَرٍ، ومُجَيْمِرٍ"، وهو اسْمُ وادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذانَ مُصَغَّرَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ فَأنْتَ مُسَيْطِرٌ عَلَيْهِ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- لا نَسْخَ فِيها، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: الِاسْتِثْناءُ مُنْفَصِلٌ، والمَعْنى: "لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ" وتَمَّ الكَلامُ، وهي آيَةُ مُوادَعَةٍ مَنسُوخَةٍ بِالسَيْفِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾، وهَذا هو القَوْلُ الصَحِيحُ؛ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ، والقِتالُ إنَّما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، و"مَن" بِمَعْنى "الَّذِي". وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وقَتادَةُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: "ألا مَن تَوَلّى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَلى مَعْنى اسْتِفْتاحِ الكَلامِ، و"مَن" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- شَرْطِيَّةٌ. و"العَذابَ الأكْبَرَ" عَذابُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم قَدْ عُذِّبُوا في الدُنْيا بِالجُوعِ والقَتْلِ وغَيْرِهِما، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ اللهُ".
(p-٦٠٣)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "إيابَهُمْ"، مَصْدَرٌ مِن "آبَ يَؤُوبُ" إذا رَجَعَ، وهو الحَشْرُ والرَدُّ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "إَيّابَهُمْ" بِشَدِّ الياءِ، عَلى وزْنِ "فِعالٍ" بِكَسْرِ الفاءِ، أصْلُهُ "فَيْعالٍ"، مِن "أيَبَ" فِعْلٌ أصْلُهُ "فَيَعْلٌ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن "أوَبَ" فَيَجِيءُ "إيوابًا" وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ، وكانَ اللازِمُ في الإدْغامِ رَدَّها "إوّابًا"، لَكِنِ اسْتُحْسِنَتْ فِيهِ الياءُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الغاشِيَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
.
الغاشية 88:25
قوله عزّ وجلّ:
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ ﴿وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ ﴿وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وَإلى السَماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾
"عَيْنٌ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَيْنًا مَخْصُوصَةً ذُكِرَتْ عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها. ورَفْعُ السُرُرِ أشْرَفُ لَها، و"الأكْوابُ" أوانٍ كالأبارِيقِ لا عُرى لَها ولا آذانَ ولا خَراطِيمَ، وشَكْلُها عِنْدَ العَرَبِ مَعْرُوفٌ، و"مَوْضُوعَةٌ" مَعْناهُ: بِأشْرِبَتِها مُعَدَّةٌ و"النَمْرَقَةُ" الوِسادَةُ، ويُقالُ نِمْرِقَةٌ بِكَسْرِ النُونِ والراءِ، وقالَ زُهَيْرٌ:
؎ كُهُولًا وشُبّانًا حِسانًا وُجُوهُهم عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ
(p-٦٠١)وَ "الزَرابِيُّ" واحِدَتُها "زَرِبِيَّةٌ"، ويُقالُ بِفَتْحِ الزايِ، وهي كالطَنافِسِ لَها خَمْلٌ، قالَهُ الفَرّاءُ، وهي مُلَوِّناتٌ، و"مَبْثُوثَةٌ" مَعْناهُ: كَثِيرَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ.
ثُمَّ أقامَ تَعالى الحُجَّةَ عَلى مُنْكِرِي قُدْرَتِهِ عَلى بَعْثِ الأجْسادِ بِأنْ وقَّفَهم عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ في مَخْلُوقاتِهِ، و"الإبِلِ" في هَذِهِ الآيَةِ هي الجِمالُ المَعْرُوفَةُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وفي الجُمَلِ آياتٌ وعِبَرٌ لِمَن تَأْمَّلَ، لَيْسَ في الحَيَوانِ ما يَقُومُ مِنَ البُرُوكِ بِحَمْلِهِ سِواهُ، وهو عَلى قُوَّتِهِ غايَةٌ في الِانْقِيادِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ في بَعْضِ التَفاسِيرِ: إنَّ فَأْرَةً جَرَتْ بِزِمامِ ناقَةٍ فَتَبِعَتْها حَتّى دَخَلَتِ الجُحْرَ فَبَرَكَتِ الناقَةُ وأدْنَتْ رَأْسَها مِن فَمِ الحَجَرِ، وكانَ شُرَيْحٌ القاضِي يَقُولُ لِأصْحابِهِ: اخْرُجُوا بِنا إلى الكُناسَةِ حَتّى نَنْظُرَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: الإبِلُ هُنا: السَحابُ لِأنَّ العَرَبَ قَدْ تُسَمِّيها بِذَلِكَ إذْ تَأْتِي أرْسالًا كالإبِلِ، وتُزْجى كَما تُزْجى الإبِلُ، وهي في هَيْئَتِها أحْيانًا تُشْبِهُ الإبِلَ والنَعامَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كَأنَّ السَحابَ دُوَيْنَ السَما ∗∗∗ ءِ نَعامٌ تَعَلَّقَ بِالأرْجُلِ
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ- وعِيسى "الإبِلَّ" بِشَدِّ اللامِ وهي السَحابُ فِيما ذَكَرَ قَوْمٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ والنَقّاشُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خُلَقَتْ" بِفَتْحِ القافِ وضَمِّ الخاءِ، وقَرَأ
(p-٦٠٢)عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: "خَلَقْتُ" بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ القافِ، عَلى فِعْلِ التَكَلُّمِ، وكَذَلِكَ [رُفِعَتْ، ونُصِبَتْ، وسُطِحَتْ]، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "رُفِّعَتْ، ونُصِّبَتْ وسُطِّحَتْ" بِالتَشْدِيدِ فِيها. و"نُصِبَتْ" مَعْناهُ: أثْبَتَتْ قائِمَةً في الهَواءِ لا تَنْتَطِحُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُطِحَتْ"، بِتَخْفِيفِ الطاءِ وقَرَأ هارُونُ الرَشِيدُ: "سُطِّحَتْ" بِشَدِّ الطاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الأرْضَ سَطْحٌ لا كَرَةٌ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ، والقَوْلُ بِكُرَوِيَّتِها -وَإنْ كانَ لا يَنْقُصُ رُكْنًا مِن أرْكانِ الشَرْعِ- فَهو قَوْلٌ لا يُثْبِتُهُ عُلَماءُ الشَرْعِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالتَذْكِيرِ بِهَذِهِ الآياتِ ونَحْوِها. ثُمَّ نَفى تَعالى أنْ يَكُونَ مُسَيْطِرًا عَلى الناسِ، أيْ قاهِرًا مُخْبِرًا لَهم مَعَ تَكَبُّرٍ مُتَسَلِّطًا عَلَيْهِمْ، يُقالُ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا فُلانٌ، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "بِمُسَيْطِرٍ" بِالسِينِ وبَعْضُهم "بِمُصَيْطِرٍ" بِالصادِ، وقَرَأ هارُونُ "بِمُسَيْطَرٍ" بِفَتْحِ الطاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ عَلى هَذا البِناءِ غَيْرُ "مُسَيْطِرٍ، ومُبَيْطَرٍ، ومُبَيْقَرٍ، ومُهَيْمِنٍ"، وفي الأسْماءِ "مُدَيْبَرٍ، ومُجَيْمِرٍ"، وهو اسْمُ وادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذانَ مُصَغَّرَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ فَأنْتَ مُسَيْطِرٌ عَلَيْهِ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- لا نَسْخَ فِيها، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: الِاسْتِثْناءُ مُنْفَصِلٌ، والمَعْنى: "لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ" وتَمَّ الكَلامُ، وهي آيَةُ مُوادَعَةٍ مَنسُوخَةٍ بِالسَيْفِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾، وهَذا هو القَوْلُ الصَحِيحُ؛ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ، والقِتالُ إنَّما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، و"مَن" بِمَعْنى "الَّذِي". وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وقَتادَةُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: "ألا مَن تَوَلّى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَلى مَعْنى اسْتِفْتاحِ الكَلامِ، و"مَن" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- شَرْطِيَّةٌ. و"العَذابَ الأكْبَرَ" عَذابُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم قَدْ عُذِّبُوا في الدُنْيا بِالجُوعِ والقَتْلِ وغَيْرِهِما، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ اللهُ".
(p-٦٠٣)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "إيابَهُمْ"، مَصْدَرٌ مِن "آبَ يَؤُوبُ" إذا رَجَعَ، وهو الحَشْرُ والرَدُّ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "إَيّابَهُمْ" بِشَدِّ الياءِ، عَلى وزْنِ "فِعالٍ" بِكَسْرِ الفاءِ، أصْلُهُ "فَيْعالٍ"، مِن "أيَبَ" فِعْلٌ أصْلُهُ "فَيَعْلٌ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن "أوَبَ" فَيَجِيءُ "إيوابًا" وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ، وكانَ اللازِمُ في الإدْغامِ رَدَّها "إوّابًا"، لَكِنِ اسْتُحْسِنَتْ فِيهِ الياءُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الغاشِيَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
.
الغاشية 88:26
قوله عزّ وجلّ:
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ ﴿وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ ﴿وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وَإلى السَماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ ﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾
"عَيْنٌ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَيْنًا مَخْصُوصَةً ذُكِرَتْ عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها. ورَفْعُ السُرُرِ أشْرَفُ لَها، و"الأكْوابُ" أوانٍ كالأبارِيقِ لا عُرى لَها ولا آذانَ ولا خَراطِيمَ، وشَكْلُها عِنْدَ العَرَبِ مَعْرُوفٌ، و"مَوْضُوعَةٌ" مَعْناهُ: بِأشْرِبَتِها مُعَدَّةٌ و"النَمْرَقَةُ" الوِسادَةُ، ويُقالُ نِمْرِقَةٌ بِكَسْرِ النُونِ والراءِ، وقالَ زُهَيْرٌ:
؎ كُهُولًا وشُبّانًا حِسانًا وُجُوهُهم عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ
(p-٦٠١)وَ "الزَرابِيُّ" واحِدَتُها "زَرِبِيَّةٌ"، ويُقالُ بِفَتْحِ الزايِ، وهي كالطَنافِسِ لَها خَمْلٌ، قالَهُ الفَرّاءُ، وهي مُلَوِّناتٌ، و"مَبْثُوثَةٌ" مَعْناهُ: كَثِيرَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ.
ثُمَّ أقامَ تَعالى الحُجَّةَ عَلى مُنْكِرِي قُدْرَتِهِ عَلى بَعْثِ الأجْسادِ بِأنْ وقَّفَهم عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ في مَخْلُوقاتِهِ، و"الإبِلِ" في هَذِهِ الآيَةِ هي الجِمالُ المَعْرُوفَةُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وفي الجُمَلِ آياتٌ وعِبَرٌ لِمَن تَأْمَّلَ، لَيْسَ في الحَيَوانِ ما يَقُومُ مِنَ البُرُوكِ بِحَمْلِهِ سِواهُ، وهو عَلى قُوَّتِهِ غايَةٌ في الِانْقِيادِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ في بَعْضِ التَفاسِيرِ: إنَّ فَأْرَةً جَرَتْ بِزِمامِ ناقَةٍ فَتَبِعَتْها حَتّى دَخَلَتِ الجُحْرَ فَبَرَكَتِ الناقَةُ وأدْنَتْ رَأْسَها مِن فَمِ الحَجَرِ، وكانَ شُرَيْحٌ القاضِي يَقُولُ لِأصْحابِهِ: اخْرُجُوا بِنا إلى الكُناسَةِ حَتّى نَنْظُرَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: الإبِلُ هُنا: السَحابُ لِأنَّ العَرَبَ قَدْ تُسَمِّيها بِذَلِكَ إذْ تَأْتِي أرْسالًا كالإبِلِ، وتُزْجى كَما تُزْجى الإبِلُ، وهي في هَيْئَتِها أحْيانًا تُشْبِهُ الإبِلَ والنَعامَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كَأنَّ السَحابَ دُوَيْنَ السَما ∗∗∗ ءِ نَعامٌ تَعَلَّقَ بِالأرْجُلِ
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ- وعِيسى "الإبِلَّ" بِشَدِّ اللامِ وهي السَحابُ فِيما ذَكَرَ قَوْمٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ والنَقّاشُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خُلَقَتْ" بِفَتْحِ القافِ وضَمِّ الخاءِ، وقَرَأ
(p-٦٠٢)عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: "خَلَقْتُ" بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ القافِ، عَلى فِعْلِ التَكَلُّمِ، وكَذَلِكَ [رُفِعَتْ، ونُصِبَتْ، وسُطِحَتْ]، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "رُفِّعَتْ، ونُصِّبَتْ وسُطِّحَتْ" بِالتَشْدِيدِ فِيها. و"نُصِبَتْ" مَعْناهُ: أثْبَتَتْ قائِمَةً في الهَواءِ لا تَنْتَطِحُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُطِحَتْ"، بِتَخْفِيفِ الطاءِ وقَرَأ هارُونُ الرَشِيدُ: "سُطِّحَتْ" بِشَدِّ الطاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الأرْضَ سَطْحٌ لا كَرَةٌ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ، والقَوْلُ بِكُرَوِيَّتِها -وَإنْ كانَ لا يَنْقُصُ رُكْنًا مِن أرْكانِ الشَرْعِ- فَهو قَوْلٌ لا يُثْبِتُهُ عُلَماءُ الشَرْعِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالتَذْكِيرِ بِهَذِهِ الآياتِ ونَحْوِها. ثُمَّ نَفى تَعالى أنْ يَكُونَ مُسَيْطِرًا عَلى الناسِ، أيْ قاهِرًا مُخْبِرًا لَهم مَعَ تَكَبُّرٍ مُتَسَلِّطًا عَلَيْهِمْ، يُقالُ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا فُلانٌ، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "بِمُسَيْطِرٍ" بِالسِينِ وبَعْضُهم "بِمُصَيْطِرٍ" بِالصادِ، وقَرَأ هارُونُ "بِمُسَيْطَرٍ" بِفَتْحِ الطاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ عَلى هَذا البِناءِ غَيْرُ "مُسَيْطِرٍ، ومُبَيْطَرٍ، ومُبَيْقَرٍ، ومُهَيْمِنٍ"، وفي الأسْماءِ "مُدَيْبَرٍ، ومُجَيْمِرٍ"، وهو اسْمُ وادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذانَ مُصَغَّرَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ فَأنْتَ مُسَيْطِرٌ عَلَيْهِ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- لا نَسْخَ فِيها، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: الِاسْتِثْناءُ مُنْفَصِلٌ، والمَعْنى: "لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ" وتَمَّ الكَلامُ، وهي آيَةُ مُوادَعَةٍ مَنسُوخَةٍ بِالسَيْفِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾، وهَذا هو القَوْلُ الصَحِيحُ؛ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ، والقِتالُ إنَّما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، و"مَن" بِمَعْنى "الَّذِي". وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وقَتادَةُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: "ألا مَن تَوَلّى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَلى مَعْنى اسْتِفْتاحِ الكَلامِ، و"مَن" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- شَرْطِيَّةٌ. و"العَذابَ الأكْبَرَ" عَذابُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم قَدْ عُذِّبُوا في الدُنْيا بِالجُوعِ والقَتْلِ وغَيْرِهِما، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ اللهُ".
(p-٦٠٣)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "إيابَهُمْ"، مَصْدَرٌ مِن "آبَ يَؤُوبُ" إذا رَجَعَ، وهو الحَشْرُ والرَدُّ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "إَيّابَهُمْ" بِشَدِّ الياءِ، عَلى وزْنِ "فِعالٍ" بِكَسْرِ الفاءِ، أصْلُهُ "فَيْعالٍ"، مِن "أيَبَ" فِعْلٌ أصْلُهُ "فَيَعْلٌ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن "أوَبَ" فَيَجِيءُ "إيوابًا" وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ، وكانَ اللازِمُ في الإدْغامِ رَدَّها "إوّابًا"، لَكِنِ اسْتُحْسِنَتْ فِيهِ الياءُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الغاشِيَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
.