Lafzullah

Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — البلد 90:1 – الشمس 91:15

المؤلف / المصدر: Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah

المحتويات
  1. البلد 90:1
  2. البلد 90:2
  3. البلد 90:3
  4. البلد 90:4
  5. البلد 90:5
  6. البلد 90:6
  7. البلد 90:7
  8. البلد 90:8
  9. البلد 90:9
  10. البلد 90:10
  11. البلد 90:11
  12. البلد 90:12
  13. البلد 90:13
  14. البلد 90:14
  15. البلد 90:15
  16. البلد 90:16
  17. البلد 90:17
  18. البلد 90:18
  19. البلد 90:19
  20. البلد 90:20
  21. الشمس 91:1
  22. الشمس 91:2
  23. الشمس 91:3
  24. الشمس 91:4
  25. الشمس 91:5
  26. الشمس 91:6
  27. الشمس 91:7
  28. الشمس 91:8
  29. الشمس 91:9
  30. الشمس 91:10
  31. الشمس 91:11
  32. الشمس 91:12
  33. الشمس 91:13
  34. الشمس 91:14
  35. الشمس 91:15

البلد 90:1

(p-٦١٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ البَلَدِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَوْمٌ هي مَدَنِيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿وَلِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ ﴿وَهَدَيْناهُ النَجْدَيْنِ﴾ قَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "لِأُقْسِمُ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لا أُقْسِمُ"، واخْتَلَفُوا - فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: "لا" صِلَةَ زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، واسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى "أُقْسِمُ"، وقالَ مُجاهِدٌ: "لا" رَدَّ لِلْكَلامِ مُتَقَدِّمٌ لِلْكُفّارِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى، "أُقْسِمُ"، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "لا" نَفْيَ لِلْقَسَمِ بِالبَلَدِ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ لا يُقْسَمُ بِهِ. ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ البَلَدَ المَذْكُورَ هو مَكَّةُ. واخْتَلَفَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: وأنْتَ حَلّالٌ بِهَذا البَلَدِ يَحِلُّ لَكَ فِيهِ قَتْلُ مَن شِئْتَ، وكانَ هَذا يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، وعَلى هَذا يَتَرَتَّبُ قَوْلُ مَن قالَ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ عامَ الفَتْحِ، ويَتَرَتَّبُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُ مَن قالَ: "لا" نافِيَةَ، أيْ: إنَّ هَذا البَلَدَ لا يُقْسِمُ اللهُ تَعالى بِهِ، وقَدْ جاءَ أهْلُهُ بِأعْمالٍ تُوجِبُ إحْلالَ حُرْمِتِهِ، ويَتَّجِهُ أيْضًا أنْ تَكُونَ "لا" غَيْرَ نافِيَةٍ. وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ مَعْناهُ: حالٌ ساكِنٌ بِهَذا البَلَدِ، وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُ مَن قالَ: هي مَكِّيَّةٌ، والمَعْنى عَلى إيجابِ القَسَمِ بَيْنَ، وعَلى نَفْيِهِ أيْضًا يَتَّجِهُ عَلى مَعْنى: لا أُقْسِمُ بِبَلَدٍ أنْتَ ساكِنُهُ عَلى أذى هَؤُلاءِ القَوْمِ وكُفْرِهِمْ. وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عن شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ أنَّ مَعْنى ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ أيْ: قَدْ (p-٦١٩)جَعَلُوكَ حَلالًا مُسْتَحِلَّ الأذى والإخْراجِ والقَتْلُ لَكَ لَوْ قُدِّرُوا، وإعْرابُ البَلَدِ عَطْفُ بَيانٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ قَسَمٌ مُسْتَأْنِفٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ "لا" نافِيَةٌ، ومَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ "لا" غَيْرُ نافِيَةٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ - فَقالَ مُجاهِدٌ: هو آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ بَعْضُ رُواةِ التَفْسِيرِ: هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ أبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ: هو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما مَعْناهُ: أنَّ الوالِدَ والوَلَدَ هُنا عَلى العُمُومِ فَهي أسْماءُ جِنْسٍ يَدْخُلُ فِيها جَمِيعُ الحَيَوانِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ: ﴿وَوالِدٍ﴾ مَعْناهُ: كُلٌّ مِن ولَدَ وأنْسَلَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَما ولَدَ﴾، لَمْ يَبْقَ تَحْتَهُ إلّا العاقِرُ الَّذِي لَيْسَ بِوالِدٍ البَتَّةَ. والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾، واخْتَلَفَ الناسُ في " الكَبِد "، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: "الإنْسانُ" اسْمُ الجِنْسِ كُلِّهِ، والكَبَدُ: المَشَقَّةُ والمُكابَدَةُ، أيْ: يُكابِدُ أمْرَ الدُنْيا وأمْرَ الآخِرَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْل لَبِيدٍ: ؎ يا عَيْنُ هَلّا بَكَيْتِ أرْبَدَ إذْ ∗∗∗ قُمْنا وقامَ الخُصُومُ في كَبَدٍ وقَوْل ذِي الإصْبَعِ: ؎ لِي ابْنُ عَمٍّ لَوْ أنَّ الناسَ في كَبَدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ لَظَلَّ مُحْتَجِرًا بِالنُبْلِ يَرْمِينِي وبِالمَشَقَّةِ في أنْواعِ أحْوالِ الإنْسانِ فَسَّرَهُ الجُمْهُورُ، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَخْلُقِ اللهُ تَعالى (p-٦٢٠)خَلْقًا يُكابِدُ ما يُكابِدُ ابْنُ آدَمَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ شَدّادٍ، وأبُو صالِحٍ، والضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ مَعْناهُ: مُنْتَصَفُ القامَةِ واقِفًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الإنْسانُ": آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، "وَفِي كَبَدٍ" مَعْناهُ: في السَماءِ سَمّاها كَبَدًا، وهَذانَ قَوْلانِ قَدْ ضَعُفا، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الصَحِيحُ. ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ الآيَةِ وما بَعْدَها هو أبُو الأشَدَّيْنِ، رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ شَدِيدُ القُوَّةِ، واسْمُهُ أُسَيْدُ بْنُ كِلْدَةَ الجُمَحِيُّ، كانَ يَحْسَبُ أنَّ أحَدًا لا يَقْدَرُ عَلَيْهِ، ويُقالُ: بَلْ نَزَلَتْ في عَمْرِو بْنِ وُدٍّ، ذَكَرَهُ النَقّاشُ، وهو الَّذِي اقْتَحَمَ الخَنْدَقَ بِالمَدِينَةِ وقَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ خَلْفَ الخَنْدَقِ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ عامِرٍ بْنِ نَوْفَلَ، أذْنَبَ فاسْتَفْتى النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ فَأمَرَهُ بِالكَفّارَةِ، فَقالَ: لَقَدْ أهْلَكْتُ مالًا في الكَفّاراتِ والنَفَقاتِ مُذْ تَبِعْتُ مُحَمَّدًا، وكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم قَدِ ادَّعى أنَّهُ أنْفَقَ مالًا كَثِيرًا عَلى إفْسادِ أمْرِ النَبِيِّ ﷺ، أو في الكَفّاراتِ عَلى ما تَقَدَّمَ، فَوَقَفَ القُرْآنُ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِلْمَذْكُورِ، وعَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِاسْمِ الجِنْسِ كُلِّهِ. و﴿يَقْدِرَ﴾ نُصِبَ بِـ "لَنْ" و"أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، وكانَ قَوْلُ هَذا الكافِرِ: ﴿أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ كَذِبًا مِنهُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ أيْ أنَّهُ رُئِيَ وأُحْصِيَ فِعْلُهُ، فَما بالُهُ يَكْذِبُ، ومَن قالَ: "إنَّ المُرادَ اسْمُ الجِنْسِ غَيْرَ مُفْرَدٍ" جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ بِمَعْنى أيَظَنُّ الإنْسانُ أنْ لَيْسَ عَلَيْهِ حَفَظَةٌ يَرَوْنَ أعْمالَهُ ويُحْصُونَها إلى يَوْمِ الجَزاءِ؟ وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عن عُمْرِهِ فِيما أفْناهُ؟ وجِسْمِهِ فِيما أبْلاهُ؟ ومالِهِ مِن أيْنَ اكْتَسَبَهُ وأيْنَ أنْفَقَهُ؟".» واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ لَبَدا، فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لُبَدا" بِضَمِّ اللامِ وفَتْحِ (p-٦٢١)الباءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "لُبَدا" بِضَمِّهِما، وذَلِكَ جَمْعُ "لُبْدَةٍ" أو جَمْعُ "لَبُودٍ" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ: "لُبَّدًا" بِضَمِّ اللامِ وفَتْحِ الباءِ وشَدِّها، فَيَكُونُ مُفْرَدًا نَحْوُ "زُمَّلَ"، ويَكُونُ جَمْعُ "لا بُدَّ"، وقَدْ رُوِيَ عن أبِي جَعْفَرٍ "لَبْدًا" بِسُكُونِ الباءِ، والمَعْنى في هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها مالًا كَثِيرًا مُتَلَبِّدًا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ مِنَ التَكاثُفِ والكَثْرَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "لَمْ يَرْهُ" بِسُكُونِ الراءِ لِتَوالِي الحَرَكاتِ. ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى الإنْسانِ نِعَمَهُ الَّتِي بِها تَقُومُ الحُجَّةُ، وهي جَوارِحُهُ، وقَرَنَ تَعالى "الشَفَتَيْنِ" بِاللِسانِ لِأنَّ نِعْمَةَ العِبارَةِ والكَلامِ، لا تَصِحُّ إلّا بِالجَمِيعِ، وفي الحَدِيثِ: «يَقُولُ اللهُ تَعالى: "ابْنُ آدَمَ، إنْ نازَعَكَ لِسانُكَ إلى ما لا يَحِلُّ، فَقَدْ أعنتُكَ عَلَيْهِ بِشَفَتَيْنِ فَأطْبِقْ"،» واخْتَلَفَ الناسُ في "النَجْدَيْنِ"- فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والناسُ: طَرِيقا الخَيْرِ والشَرِّ، أيْ عَرَضْنا عَلَيْهِ طَرِيقَهُما، ولَيْسَتِ الهِدايَةُ هُنا بِمَعْنى الإرْشادِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَحّاكُ: النَجْدانِ: ثَدْيا الأُمِّ، وهَذا مِثالٌ، والنَجْدُ: الطَرِيقُ المُرْتَفِعُ، وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ: ؎ كَمِيشِ الإزارِ خارِجَ نِصْفِ ساقِهِ ∗∗∗ صَبُورٍ عَلى الأرْزاءِ طَلّاعُ أنْجَدُ

البلد 90:2

(p-٦١٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ البَلَدِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَوْمٌ هي مَدَنِيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿وَلِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ ﴿وَهَدَيْناهُ النَجْدَيْنِ﴾ قَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "لِأُقْسِمُ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لا أُقْسِمُ"، واخْتَلَفُوا - فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: "لا" صِلَةَ زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، واسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى "أُقْسِمُ"، وقالَ مُجاهِدٌ: "لا" رَدَّ لِلْكَلامِ مُتَقَدِّمٌ لِلْكُفّارِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى، "أُقْسِمُ"، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "لا" نَفْيَ لِلْقَسَمِ بِالبَلَدِ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ لا يُقْسَمُ بِهِ. ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ البَلَدَ المَذْكُورَ هو مَكَّةُ. واخْتَلَفَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: وأنْتَ حَلّالٌ بِهَذا البَلَدِ يَحِلُّ لَكَ فِيهِ قَتْلُ مَن شِئْتَ، وكانَ هَذا يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، وعَلى هَذا يَتَرَتَّبُ قَوْلُ مَن قالَ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ عامَ الفَتْحِ، ويَتَرَتَّبُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُ مَن قالَ: "لا" نافِيَةَ، أيْ: إنَّ هَذا البَلَدَ لا يُقْسِمُ اللهُ تَعالى بِهِ، وقَدْ جاءَ أهْلُهُ بِأعْمالٍ تُوجِبُ إحْلالَ حُرْمِتِهِ، ويَتَّجِهُ أيْضًا أنْ تَكُونَ "لا" غَيْرَ نافِيَةٍ. وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ مَعْناهُ: حالٌ ساكِنٌ بِهَذا البَلَدِ، وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُ مَن قالَ: هي مَكِّيَّةٌ، والمَعْنى عَلى إيجابِ القَسَمِ بَيْنَ، وعَلى نَفْيِهِ أيْضًا يَتَّجِهُ عَلى مَعْنى: لا أُقْسِمُ بِبَلَدٍ أنْتَ ساكِنُهُ عَلى أذى هَؤُلاءِ القَوْمِ وكُفْرِهِمْ. وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عن شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ أنَّ مَعْنى ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ أيْ: قَدْ (p-٦١٩)جَعَلُوكَ حَلالًا مُسْتَحِلَّ الأذى والإخْراجِ والقَتْلُ لَكَ لَوْ قُدِّرُوا، وإعْرابُ البَلَدِ عَطْفُ بَيانٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ قَسَمٌ مُسْتَأْنِفٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ "لا" نافِيَةٌ، ومَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ "لا" غَيْرُ نافِيَةٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ - فَقالَ مُجاهِدٌ: هو آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ بَعْضُ رُواةِ التَفْسِيرِ: هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ أبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ: هو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما مَعْناهُ: أنَّ الوالِدَ والوَلَدَ هُنا عَلى العُمُومِ فَهي أسْماءُ جِنْسٍ يَدْخُلُ فِيها جَمِيعُ الحَيَوانِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ: ﴿وَوالِدٍ﴾ مَعْناهُ: كُلٌّ مِن ولَدَ وأنْسَلَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَما ولَدَ﴾، لَمْ يَبْقَ تَحْتَهُ إلّا العاقِرُ الَّذِي لَيْسَ بِوالِدٍ البَتَّةَ. والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾، واخْتَلَفَ الناسُ في " الكَبِد "، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: "الإنْسانُ" اسْمُ الجِنْسِ كُلِّهِ، والكَبَدُ: المَشَقَّةُ والمُكابَدَةُ، أيْ: يُكابِدُ أمْرَ الدُنْيا وأمْرَ الآخِرَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْل لَبِيدٍ: ؎ يا عَيْنُ هَلّا بَكَيْتِ أرْبَدَ إذْ ∗∗∗ قُمْنا وقامَ الخُصُومُ في كَبَدٍ وقَوْل ذِي الإصْبَعِ: ؎ لِي ابْنُ عَمٍّ لَوْ أنَّ الناسَ في كَبَدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ لَظَلَّ مُحْتَجِرًا بِالنُبْلِ يَرْمِينِي وبِالمَشَقَّةِ في أنْواعِ أحْوالِ الإنْسانِ فَسَّرَهُ الجُمْهُورُ، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَخْلُقِ اللهُ تَعالى (p-٦٢٠)خَلْقًا يُكابِدُ ما يُكابِدُ ابْنُ آدَمَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ شَدّادٍ، وأبُو صالِحٍ، والضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ مَعْناهُ: مُنْتَصَفُ القامَةِ واقِفًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الإنْسانُ": آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، "وَفِي كَبَدٍ" مَعْناهُ: في السَماءِ سَمّاها كَبَدًا، وهَذانَ قَوْلانِ قَدْ ضَعُفا، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الصَحِيحُ. ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ الآيَةِ وما بَعْدَها هو أبُو الأشَدَّيْنِ، رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ شَدِيدُ القُوَّةِ، واسْمُهُ أُسَيْدُ بْنُ كِلْدَةَ الجُمَحِيُّ، كانَ يَحْسَبُ أنَّ أحَدًا لا يَقْدَرُ عَلَيْهِ، ويُقالُ: بَلْ نَزَلَتْ في عَمْرِو بْنِ وُدٍّ، ذَكَرَهُ النَقّاشُ، وهو الَّذِي اقْتَحَمَ الخَنْدَقَ بِالمَدِينَةِ وقَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ خَلْفَ الخَنْدَقِ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ عامِرٍ بْنِ نَوْفَلَ، أذْنَبَ فاسْتَفْتى النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ فَأمَرَهُ بِالكَفّارَةِ، فَقالَ: لَقَدْ أهْلَكْتُ مالًا في الكَفّاراتِ والنَفَقاتِ مُذْ تَبِعْتُ مُحَمَّدًا، وكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم قَدِ ادَّعى أنَّهُ أنْفَقَ مالًا كَثِيرًا عَلى إفْسادِ أمْرِ النَبِيِّ ﷺ، أو في الكَفّاراتِ عَلى ما تَقَدَّمَ، فَوَقَفَ القُرْآنُ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِلْمَذْكُورِ، وعَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِاسْمِ الجِنْسِ كُلِّهِ. و﴿يَقْدِرَ﴾ نُصِبَ بِـ "لَنْ" و"أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، وكانَ قَوْلُ هَذا الكافِرِ: ﴿أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ كَذِبًا مِنهُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ أيْ أنَّهُ رُئِيَ وأُحْصِيَ فِعْلُهُ، فَما بالُهُ يَكْذِبُ، ومَن قالَ: "إنَّ المُرادَ اسْمُ الجِنْسِ غَيْرَ مُفْرَدٍ" جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ بِمَعْنى أيَظَنُّ الإنْسانُ أنْ لَيْسَ عَلَيْهِ حَفَظَةٌ يَرَوْنَ أعْمالَهُ ويُحْصُونَها إلى يَوْمِ الجَزاءِ؟ وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عن عُمْرِهِ فِيما أفْناهُ؟ وجِسْمِهِ فِيما أبْلاهُ؟ ومالِهِ مِن أيْنَ اكْتَسَبَهُ وأيْنَ أنْفَقَهُ؟".» واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ لَبَدا، فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لُبَدا" بِضَمِّ اللامِ وفَتْحِ (p-٦٢١)الباءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "لُبَدا" بِضَمِّهِما، وذَلِكَ جَمْعُ "لُبْدَةٍ" أو جَمْعُ "لَبُودٍ" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ: "لُبَّدًا" بِضَمِّ اللامِ وفَتْحِ الباءِ وشَدِّها، فَيَكُونُ مُفْرَدًا نَحْوُ "زُمَّلَ"، ويَكُونُ جَمْعُ "لا بُدَّ"، وقَدْ رُوِيَ عن أبِي جَعْفَرٍ "لَبْدًا" بِسُكُونِ الباءِ، والمَعْنى في هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها مالًا كَثِيرًا مُتَلَبِّدًا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ مِنَ التَكاثُفِ والكَثْرَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "لَمْ يَرْهُ" بِسُكُونِ الراءِ لِتَوالِي الحَرَكاتِ. ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى الإنْسانِ نِعَمَهُ الَّتِي بِها تَقُومُ الحُجَّةُ، وهي جَوارِحُهُ، وقَرَنَ تَعالى "الشَفَتَيْنِ" بِاللِسانِ لِأنَّ نِعْمَةَ العِبارَةِ والكَلامِ، لا تَصِحُّ إلّا بِالجَمِيعِ، وفي الحَدِيثِ: «يَقُولُ اللهُ تَعالى: "ابْنُ آدَمَ، إنْ نازَعَكَ لِسانُكَ إلى ما لا يَحِلُّ، فَقَدْ أعنتُكَ عَلَيْهِ بِشَفَتَيْنِ فَأطْبِقْ"،» واخْتَلَفَ الناسُ في "النَجْدَيْنِ"- فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والناسُ: طَرِيقا الخَيْرِ والشَرِّ، أيْ عَرَضْنا عَلَيْهِ طَرِيقَهُما، ولَيْسَتِ الهِدايَةُ هُنا بِمَعْنى الإرْشادِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَحّاكُ: النَجْدانِ: ثَدْيا الأُمِّ، وهَذا مِثالٌ، والنَجْدُ: الطَرِيقُ المُرْتَفِعُ، وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ: ؎ كَمِيشِ الإزارِ خارِجَ نِصْفِ ساقِهِ ∗∗∗ صَبُورٍ عَلى الأرْزاءِ طَلّاعُ أنْجَدُ

البلد 90:3

(p-٦١٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ البَلَدِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَوْمٌ هي مَدَنِيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿وَلِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ ﴿وَهَدَيْناهُ النَجْدَيْنِ﴾ قَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "لِأُقْسِمُ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لا أُقْسِمُ"، واخْتَلَفُوا - فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: "لا" صِلَةَ زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، واسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى "أُقْسِمُ"، وقالَ مُجاهِدٌ: "لا" رَدَّ لِلْكَلامِ مُتَقَدِّمٌ لِلْكُفّارِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى، "أُقْسِمُ"، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "لا" نَفْيَ لِلْقَسَمِ بِالبَلَدِ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ لا يُقْسَمُ بِهِ. ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ البَلَدَ المَذْكُورَ هو مَكَّةُ. واخْتَلَفَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: وأنْتَ حَلّالٌ بِهَذا البَلَدِ يَحِلُّ لَكَ فِيهِ قَتْلُ مَن شِئْتَ، وكانَ هَذا يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، وعَلى هَذا يَتَرَتَّبُ قَوْلُ مَن قالَ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ عامَ الفَتْحِ، ويَتَرَتَّبُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُ مَن قالَ: "لا" نافِيَةَ، أيْ: إنَّ هَذا البَلَدَ لا يُقْسِمُ اللهُ تَعالى بِهِ، وقَدْ جاءَ أهْلُهُ بِأعْمالٍ تُوجِبُ إحْلالَ حُرْمِتِهِ، ويَتَّجِهُ أيْضًا أنْ تَكُونَ "لا" غَيْرَ نافِيَةٍ. وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ مَعْناهُ: حالٌ ساكِنٌ بِهَذا البَلَدِ، وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُ مَن قالَ: هي مَكِّيَّةٌ، والمَعْنى عَلى إيجابِ القَسَمِ بَيْنَ، وعَلى نَفْيِهِ أيْضًا يَتَّجِهُ عَلى مَعْنى: لا أُقْسِمُ بِبَلَدٍ أنْتَ ساكِنُهُ عَلى أذى هَؤُلاءِ القَوْمِ وكُفْرِهِمْ. وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عن شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ أنَّ مَعْنى ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ أيْ: قَدْ (p-٦١٩)جَعَلُوكَ حَلالًا مُسْتَحِلَّ الأذى والإخْراجِ والقَتْلُ لَكَ لَوْ قُدِّرُوا، وإعْرابُ البَلَدِ عَطْفُ بَيانٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ قَسَمٌ مُسْتَأْنِفٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ "لا" نافِيَةٌ، ومَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ "لا" غَيْرُ نافِيَةٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ - فَقالَ مُجاهِدٌ: هو آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ بَعْضُ رُواةِ التَفْسِيرِ: هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ أبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ: هو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما مَعْناهُ: أنَّ الوالِدَ والوَلَدَ هُنا عَلى العُمُومِ فَهي أسْماءُ جِنْسٍ يَدْخُلُ فِيها جَمِيعُ الحَيَوانِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ: ﴿وَوالِدٍ﴾ مَعْناهُ: كُلٌّ مِن ولَدَ وأنْسَلَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَما ولَدَ﴾، لَمْ يَبْقَ تَحْتَهُ إلّا العاقِرُ الَّذِي لَيْسَ بِوالِدٍ البَتَّةَ. والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾، واخْتَلَفَ الناسُ في " الكَبِد "، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: "الإنْسانُ" اسْمُ الجِنْسِ كُلِّهِ، والكَبَدُ: المَشَقَّةُ والمُكابَدَةُ، أيْ: يُكابِدُ أمْرَ الدُنْيا وأمْرَ الآخِرَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْل لَبِيدٍ: ؎ يا عَيْنُ هَلّا بَكَيْتِ أرْبَدَ إذْ ∗∗∗ قُمْنا وقامَ الخُصُومُ في كَبَدٍ وقَوْل ذِي الإصْبَعِ: ؎ لِي ابْنُ عَمٍّ لَوْ أنَّ الناسَ في كَبَدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ لَظَلَّ مُحْتَجِرًا بِالنُبْلِ يَرْمِينِي وبِالمَشَقَّةِ في أنْواعِ أحْوالِ الإنْسانِ فَسَّرَهُ الجُمْهُورُ، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَخْلُقِ اللهُ تَعالى (p-٦٢٠)خَلْقًا يُكابِدُ ما يُكابِدُ ابْنُ آدَمَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ شَدّادٍ، وأبُو صالِحٍ، والضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ مَعْناهُ: مُنْتَصَفُ القامَةِ واقِفًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الإنْسانُ": آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، "وَفِي كَبَدٍ" مَعْناهُ: في السَماءِ سَمّاها كَبَدًا، وهَذانَ قَوْلانِ قَدْ ضَعُفا، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الصَحِيحُ. ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ الآيَةِ وما بَعْدَها هو أبُو الأشَدَّيْنِ، رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ شَدِيدُ القُوَّةِ، واسْمُهُ أُسَيْدُ بْنُ كِلْدَةَ الجُمَحِيُّ، كانَ يَحْسَبُ أنَّ أحَدًا لا يَقْدَرُ عَلَيْهِ، ويُقالُ: بَلْ نَزَلَتْ في عَمْرِو بْنِ وُدٍّ، ذَكَرَهُ النَقّاشُ، وهو الَّذِي اقْتَحَمَ الخَنْدَقَ بِالمَدِينَةِ وقَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ خَلْفَ الخَنْدَقِ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ عامِرٍ بْنِ نَوْفَلَ، أذْنَبَ فاسْتَفْتى النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ فَأمَرَهُ بِالكَفّارَةِ، فَقالَ: لَقَدْ أهْلَكْتُ مالًا في الكَفّاراتِ والنَفَقاتِ مُذْ تَبِعْتُ مُحَمَّدًا، وكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم قَدِ ادَّعى أنَّهُ أنْفَقَ مالًا كَثِيرًا عَلى إفْسادِ أمْرِ النَبِيِّ ﷺ، أو في الكَفّاراتِ عَلى ما تَقَدَّمَ، فَوَقَفَ القُرْآنُ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِلْمَذْكُورِ، وعَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِاسْمِ الجِنْسِ كُلِّهِ. و﴿يَقْدِرَ﴾ نُصِبَ بِـ "لَنْ" و"أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، وكانَ قَوْلُ هَذا الكافِرِ: ﴿أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ كَذِبًا مِنهُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ أيْ أنَّهُ رُئِيَ وأُحْصِيَ فِعْلُهُ، فَما بالُهُ يَكْذِبُ، ومَن قالَ: "إنَّ المُرادَ اسْمُ الجِنْسِ غَيْرَ مُفْرَدٍ" جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ بِمَعْنى أيَظَنُّ الإنْسانُ أنْ لَيْسَ عَلَيْهِ حَفَظَةٌ يَرَوْنَ أعْمالَهُ ويُحْصُونَها إلى يَوْمِ الجَزاءِ؟ وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عن عُمْرِهِ فِيما أفْناهُ؟ وجِسْمِهِ فِيما أبْلاهُ؟ ومالِهِ مِن أيْنَ اكْتَسَبَهُ وأيْنَ أنْفَقَهُ؟".» واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ لَبَدا، فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لُبَدا" بِضَمِّ اللامِ وفَتْحِ (p-٦٢١)الباءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "لُبَدا" بِضَمِّهِما، وذَلِكَ جَمْعُ "لُبْدَةٍ" أو جَمْعُ "لَبُودٍ" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ: "لُبَّدًا" بِضَمِّ اللامِ وفَتْحِ الباءِ وشَدِّها، فَيَكُونُ مُفْرَدًا نَحْوُ "زُمَّلَ"، ويَكُونُ جَمْعُ "لا بُدَّ"، وقَدْ رُوِيَ عن أبِي جَعْفَرٍ "لَبْدًا" بِسُكُونِ الباءِ، والمَعْنى في هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها مالًا كَثِيرًا مُتَلَبِّدًا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ مِنَ التَكاثُفِ والكَثْرَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "لَمْ يَرْهُ" بِسُكُونِ الراءِ لِتَوالِي الحَرَكاتِ. ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى الإنْسانِ نِعَمَهُ الَّتِي بِها تَقُومُ الحُجَّةُ، وهي جَوارِحُهُ، وقَرَنَ تَعالى "الشَفَتَيْنِ" بِاللِسانِ لِأنَّ نِعْمَةَ العِبارَةِ والكَلامِ، لا تَصِحُّ إلّا بِالجَمِيعِ، وفي الحَدِيثِ: «يَقُولُ اللهُ تَعالى: "ابْنُ آدَمَ، إنْ نازَعَكَ لِسانُكَ إلى ما لا يَحِلُّ، فَقَدْ أعنتُكَ عَلَيْهِ بِشَفَتَيْنِ فَأطْبِقْ"،» واخْتَلَفَ الناسُ في "النَجْدَيْنِ"- فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والناسُ: طَرِيقا الخَيْرِ والشَرِّ، أيْ عَرَضْنا عَلَيْهِ طَرِيقَهُما، ولَيْسَتِ الهِدايَةُ هُنا بِمَعْنى الإرْشادِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَحّاكُ: النَجْدانِ: ثَدْيا الأُمِّ، وهَذا مِثالٌ، والنَجْدُ: الطَرِيقُ المُرْتَفِعُ، وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ: ؎ كَمِيشِ الإزارِ خارِجَ نِصْفِ ساقِهِ ∗∗∗ صَبُورٍ عَلى الأرْزاءِ طَلّاعُ أنْجَدُ

البلد 90:4

(p-٦١٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ البَلَدِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَوْمٌ هي مَدَنِيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿وَلِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ ﴿وَهَدَيْناهُ النَجْدَيْنِ﴾ قَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "لِأُقْسِمُ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لا أُقْسِمُ"، واخْتَلَفُوا - فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: "لا" صِلَةَ زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، واسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى "أُقْسِمُ"، وقالَ مُجاهِدٌ: "لا" رَدَّ لِلْكَلامِ مُتَقَدِّمٌ لِلْكُفّارِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى، "أُقْسِمُ"، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "لا" نَفْيَ لِلْقَسَمِ بِالبَلَدِ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ لا يُقْسَمُ بِهِ. ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ البَلَدَ المَذْكُورَ هو مَكَّةُ. واخْتَلَفَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: وأنْتَ حَلّالٌ بِهَذا البَلَدِ يَحِلُّ لَكَ فِيهِ قَتْلُ مَن شِئْتَ، وكانَ هَذا يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، وعَلى هَذا يَتَرَتَّبُ قَوْلُ مَن قالَ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ عامَ الفَتْحِ، ويَتَرَتَّبُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُ مَن قالَ: "لا" نافِيَةَ، أيْ: إنَّ هَذا البَلَدَ لا يُقْسِمُ اللهُ تَعالى بِهِ، وقَدْ جاءَ أهْلُهُ بِأعْمالٍ تُوجِبُ إحْلالَ حُرْمِتِهِ، ويَتَّجِهُ أيْضًا أنْ تَكُونَ "لا" غَيْرَ نافِيَةٍ. وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ مَعْناهُ: حالٌ ساكِنٌ بِهَذا البَلَدِ، وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُ مَن قالَ: هي مَكِّيَّةٌ، والمَعْنى عَلى إيجابِ القَسَمِ بَيْنَ، وعَلى نَفْيِهِ أيْضًا يَتَّجِهُ عَلى مَعْنى: لا أُقْسِمُ بِبَلَدٍ أنْتَ ساكِنُهُ عَلى أذى هَؤُلاءِ القَوْمِ وكُفْرِهِمْ. وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عن شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ أنَّ مَعْنى ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ أيْ: قَدْ (p-٦١٩)جَعَلُوكَ حَلالًا مُسْتَحِلَّ الأذى والإخْراجِ والقَتْلُ لَكَ لَوْ قُدِّرُوا، وإعْرابُ البَلَدِ عَطْفُ بَيانٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ قَسَمٌ مُسْتَأْنِفٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ "لا" نافِيَةٌ، ومَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ "لا" غَيْرُ نافِيَةٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ - فَقالَ مُجاهِدٌ: هو آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ بَعْضُ رُواةِ التَفْسِيرِ: هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ أبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ: هو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما مَعْناهُ: أنَّ الوالِدَ والوَلَدَ هُنا عَلى العُمُومِ فَهي أسْماءُ جِنْسٍ يَدْخُلُ فِيها جَمِيعُ الحَيَوانِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ: ﴿وَوالِدٍ﴾ مَعْناهُ: كُلٌّ مِن ولَدَ وأنْسَلَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَما ولَدَ﴾، لَمْ يَبْقَ تَحْتَهُ إلّا العاقِرُ الَّذِي لَيْسَ بِوالِدٍ البَتَّةَ. والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾، واخْتَلَفَ الناسُ في " الكَبِد "، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: "الإنْسانُ" اسْمُ الجِنْسِ كُلِّهِ، والكَبَدُ: المَشَقَّةُ والمُكابَدَةُ، أيْ: يُكابِدُ أمْرَ الدُنْيا وأمْرَ الآخِرَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْل لَبِيدٍ: ؎ يا عَيْنُ هَلّا بَكَيْتِ أرْبَدَ إذْ ∗∗∗ قُمْنا وقامَ الخُصُومُ في كَبَدٍ وقَوْل ذِي الإصْبَعِ: ؎ لِي ابْنُ عَمٍّ لَوْ أنَّ الناسَ في كَبَدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ لَظَلَّ مُحْتَجِرًا بِالنُبْلِ يَرْمِينِي وبِالمَشَقَّةِ في أنْواعِ أحْوالِ الإنْسانِ فَسَّرَهُ الجُمْهُورُ، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَخْلُقِ اللهُ تَعالى (p-٦٢٠)خَلْقًا يُكابِدُ ما يُكابِدُ ابْنُ آدَمَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ شَدّادٍ، وأبُو صالِحٍ، والضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ مَعْناهُ: مُنْتَصَفُ القامَةِ واقِفًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الإنْسانُ": آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، "وَفِي كَبَدٍ" مَعْناهُ: في السَماءِ سَمّاها كَبَدًا، وهَذانَ قَوْلانِ قَدْ ضَعُفا، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الصَحِيحُ. ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ الآيَةِ وما بَعْدَها هو أبُو الأشَدَّيْنِ، رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ شَدِيدُ القُوَّةِ، واسْمُهُ أُسَيْدُ بْنُ كِلْدَةَ الجُمَحِيُّ، كانَ يَحْسَبُ أنَّ أحَدًا لا يَقْدَرُ عَلَيْهِ، ويُقالُ: بَلْ نَزَلَتْ في عَمْرِو بْنِ وُدٍّ، ذَكَرَهُ النَقّاشُ، وهو الَّذِي اقْتَحَمَ الخَنْدَقَ بِالمَدِينَةِ وقَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ خَلْفَ الخَنْدَقِ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ عامِرٍ بْنِ نَوْفَلَ، أذْنَبَ فاسْتَفْتى النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ فَأمَرَهُ بِالكَفّارَةِ، فَقالَ: لَقَدْ أهْلَكْتُ مالًا في الكَفّاراتِ والنَفَقاتِ مُذْ تَبِعْتُ مُحَمَّدًا، وكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم قَدِ ادَّعى أنَّهُ أنْفَقَ مالًا كَثِيرًا عَلى إفْسادِ أمْرِ النَبِيِّ ﷺ، أو في الكَفّاراتِ عَلى ما تَقَدَّمَ، فَوَقَفَ القُرْآنُ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِلْمَذْكُورِ، وعَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِاسْمِ الجِنْسِ كُلِّهِ. و﴿يَقْدِرَ﴾ نُصِبَ بِـ "لَنْ" و"أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، وكانَ قَوْلُ هَذا الكافِرِ: ﴿أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ كَذِبًا مِنهُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ أيْ أنَّهُ رُئِيَ وأُحْصِيَ فِعْلُهُ، فَما بالُهُ يَكْذِبُ، ومَن قالَ: "إنَّ المُرادَ اسْمُ الجِنْسِ غَيْرَ مُفْرَدٍ" جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ بِمَعْنى أيَظَنُّ الإنْسانُ أنْ لَيْسَ عَلَيْهِ حَفَظَةٌ يَرَوْنَ أعْمالَهُ ويُحْصُونَها إلى يَوْمِ الجَزاءِ؟ وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عن عُمْرِهِ فِيما أفْناهُ؟ وجِسْمِهِ فِيما أبْلاهُ؟ ومالِهِ مِن أيْنَ اكْتَسَبَهُ وأيْنَ أنْفَقَهُ؟".» واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ لَبَدا، فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لُبَدا" بِضَمِّ اللامِ وفَتْحِ (p-٦٢١)الباءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "لُبَدا" بِضَمِّهِما، وذَلِكَ جَمْعُ "لُبْدَةٍ" أو جَمْعُ "لَبُودٍ" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ: "لُبَّدًا" بِضَمِّ اللامِ وفَتْحِ الباءِ وشَدِّها، فَيَكُونُ مُفْرَدًا نَحْوُ "زُمَّلَ"، ويَكُونُ جَمْعُ "لا بُدَّ"، وقَدْ رُوِيَ عن أبِي جَعْفَرٍ "لَبْدًا" بِسُكُونِ الباءِ، والمَعْنى في هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها مالًا كَثِيرًا مُتَلَبِّدًا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ مِنَ التَكاثُفِ والكَثْرَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "لَمْ يَرْهُ" بِسُكُونِ الراءِ لِتَوالِي الحَرَكاتِ. ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى الإنْسانِ نِعَمَهُ الَّتِي بِها تَقُومُ الحُجَّةُ، وهي جَوارِحُهُ، وقَرَنَ تَعالى "الشَفَتَيْنِ" بِاللِسانِ لِأنَّ نِعْمَةَ العِبارَةِ والكَلامِ، لا تَصِحُّ إلّا بِالجَمِيعِ، وفي الحَدِيثِ: «يَقُولُ اللهُ تَعالى: "ابْنُ آدَمَ، إنْ نازَعَكَ لِسانُكَ إلى ما لا يَحِلُّ، فَقَدْ أعنتُكَ عَلَيْهِ بِشَفَتَيْنِ فَأطْبِقْ"،» واخْتَلَفَ الناسُ في "النَجْدَيْنِ"- فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والناسُ: طَرِيقا الخَيْرِ والشَرِّ، أيْ عَرَضْنا عَلَيْهِ طَرِيقَهُما، ولَيْسَتِ الهِدايَةُ هُنا بِمَعْنى الإرْشادِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَحّاكُ: النَجْدانِ: ثَدْيا الأُمِّ، وهَذا مِثالٌ، والنَجْدُ: الطَرِيقُ المُرْتَفِعُ، وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ: ؎ كَمِيشِ الإزارِ خارِجَ نِصْفِ ساقِهِ ∗∗∗ صَبُورٍ عَلى الأرْزاءِ طَلّاعُ أنْجَدُ

البلد 90:5

(p-٦١٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ البَلَدِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَوْمٌ هي مَدَنِيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿وَلِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ ﴿وَهَدَيْناهُ النَجْدَيْنِ﴾ قَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "لِأُقْسِمُ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لا أُقْسِمُ"، واخْتَلَفُوا - فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: "لا" صِلَةَ زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، واسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى "أُقْسِمُ"، وقالَ مُجاهِدٌ: "لا" رَدَّ لِلْكَلامِ مُتَقَدِّمٌ لِلْكُفّارِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى، "أُقْسِمُ"، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "لا" نَفْيَ لِلْقَسَمِ بِالبَلَدِ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ لا يُقْسَمُ بِهِ. ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ البَلَدَ المَذْكُورَ هو مَكَّةُ. واخْتَلَفَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: وأنْتَ حَلّالٌ بِهَذا البَلَدِ يَحِلُّ لَكَ فِيهِ قَتْلُ مَن شِئْتَ، وكانَ هَذا يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، وعَلى هَذا يَتَرَتَّبُ قَوْلُ مَن قالَ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ عامَ الفَتْحِ، ويَتَرَتَّبُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُ مَن قالَ: "لا" نافِيَةَ، أيْ: إنَّ هَذا البَلَدَ لا يُقْسِمُ اللهُ تَعالى بِهِ، وقَدْ جاءَ أهْلُهُ بِأعْمالٍ تُوجِبُ إحْلالَ حُرْمِتِهِ، ويَتَّجِهُ أيْضًا أنْ تَكُونَ "لا" غَيْرَ نافِيَةٍ. وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ مَعْناهُ: حالٌ ساكِنٌ بِهَذا البَلَدِ، وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُ مَن قالَ: هي مَكِّيَّةٌ، والمَعْنى عَلى إيجابِ القَسَمِ بَيْنَ، وعَلى نَفْيِهِ أيْضًا يَتَّجِهُ عَلى مَعْنى: لا أُقْسِمُ بِبَلَدٍ أنْتَ ساكِنُهُ عَلى أذى هَؤُلاءِ القَوْمِ وكُفْرِهِمْ. وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عن شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ أنَّ مَعْنى ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ أيْ: قَدْ (p-٦١٩)جَعَلُوكَ حَلالًا مُسْتَحِلَّ الأذى والإخْراجِ والقَتْلُ لَكَ لَوْ قُدِّرُوا، وإعْرابُ البَلَدِ عَطْفُ بَيانٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ قَسَمٌ مُسْتَأْنِفٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ "لا" نافِيَةٌ، ومَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ "لا" غَيْرُ نافِيَةٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ - فَقالَ مُجاهِدٌ: هو آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ بَعْضُ رُواةِ التَفْسِيرِ: هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ أبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ: هو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما مَعْناهُ: أنَّ الوالِدَ والوَلَدَ هُنا عَلى العُمُومِ فَهي أسْماءُ جِنْسٍ يَدْخُلُ فِيها جَمِيعُ الحَيَوانِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ: ﴿وَوالِدٍ﴾ مَعْناهُ: كُلٌّ مِن ولَدَ وأنْسَلَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَما ولَدَ﴾، لَمْ يَبْقَ تَحْتَهُ إلّا العاقِرُ الَّذِي لَيْسَ بِوالِدٍ البَتَّةَ. والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾، واخْتَلَفَ الناسُ في " الكَبِد "، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: "الإنْسانُ" اسْمُ الجِنْسِ كُلِّهِ، والكَبَدُ: المَشَقَّةُ والمُكابَدَةُ، أيْ: يُكابِدُ أمْرَ الدُنْيا وأمْرَ الآخِرَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْل لَبِيدٍ: ؎ يا عَيْنُ هَلّا بَكَيْتِ أرْبَدَ إذْ ∗∗∗ قُمْنا وقامَ الخُصُومُ في كَبَدٍ وقَوْل ذِي الإصْبَعِ: ؎ لِي ابْنُ عَمٍّ لَوْ أنَّ الناسَ في كَبَدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ لَظَلَّ مُحْتَجِرًا بِالنُبْلِ يَرْمِينِي وبِالمَشَقَّةِ في أنْواعِ أحْوالِ الإنْسانِ فَسَّرَهُ الجُمْهُورُ، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَخْلُقِ اللهُ تَعالى (p-٦٢٠)خَلْقًا يُكابِدُ ما يُكابِدُ ابْنُ آدَمَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ شَدّادٍ، وأبُو صالِحٍ، والضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ مَعْناهُ: مُنْتَصَفُ القامَةِ واقِفًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الإنْسانُ": آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، "وَفِي كَبَدٍ" مَعْناهُ: في السَماءِ سَمّاها كَبَدًا، وهَذانَ قَوْلانِ قَدْ ضَعُفا، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الصَحِيحُ. ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ الآيَةِ وما بَعْدَها هو أبُو الأشَدَّيْنِ، رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ شَدِيدُ القُوَّةِ، واسْمُهُ أُسَيْدُ بْنُ كِلْدَةَ الجُمَحِيُّ، كانَ يَحْسَبُ أنَّ أحَدًا لا يَقْدَرُ عَلَيْهِ، ويُقالُ: بَلْ نَزَلَتْ في عَمْرِو بْنِ وُدٍّ، ذَكَرَهُ النَقّاشُ، وهو الَّذِي اقْتَحَمَ الخَنْدَقَ بِالمَدِينَةِ وقَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ خَلْفَ الخَنْدَقِ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ عامِرٍ بْنِ نَوْفَلَ، أذْنَبَ فاسْتَفْتى النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ فَأمَرَهُ بِالكَفّارَةِ، فَقالَ: لَقَدْ أهْلَكْتُ مالًا في الكَفّاراتِ والنَفَقاتِ مُذْ تَبِعْتُ مُحَمَّدًا، وكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم قَدِ ادَّعى أنَّهُ أنْفَقَ مالًا كَثِيرًا عَلى إفْسادِ أمْرِ النَبِيِّ ﷺ، أو في الكَفّاراتِ عَلى ما تَقَدَّمَ، فَوَقَفَ القُرْآنُ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِلْمَذْكُورِ، وعَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِاسْمِ الجِنْسِ كُلِّهِ. و﴿يَقْدِرَ﴾ نُصِبَ بِـ "لَنْ" و"أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، وكانَ قَوْلُ هَذا الكافِرِ: ﴿أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ كَذِبًا مِنهُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ أيْ أنَّهُ رُئِيَ وأُحْصِيَ فِعْلُهُ، فَما بالُهُ يَكْذِبُ، ومَن قالَ: "إنَّ المُرادَ اسْمُ الجِنْسِ غَيْرَ مُفْرَدٍ" جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ بِمَعْنى أيَظَنُّ الإنْسانُ أنْ لَيْسَ عَلَيْهِ حَفَظَةٌ يَرَوْنَ أعْمالَهُ ويُحْصُونَها إلى يَوْمِ الجَزاءِ؟ وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عن عُمْرِهِ فِيما أفْناهُ؟ وجِسْمِهِ فِيما أبْلاهُ؟ ومالِهِ مِن أيْنَ اكْتَسَبَهُ وأيْنَ أنْفَقَهُ؟".» واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ لَبَدا، فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لُبَدا" بِضَمِّ اللامِ وفَتْحِ (p-٦٢١)الباءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "لُبَدا" بِضَمِّهِما، وذَلِكَ جَمْعُ "لُبْدَةٍ" أو جَمْعُ "لَبُودٍ" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ: "لُبَّدًا" بِضَمِّ اللامِ وفَتْحِ الباءِ وشَدِّها، فَيَكُونُ مُفْرَدًا نَحْوُ "زُمَّلَ"، ويَكُونُ جَمْعُ "لا بُدَّ"، وقَدْ رُوِيَ عن أبِي جَعْفَرٍ "لَبْدًا" بِسُكُونِ الباءِ، والمَعْنى في هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها مالًا كَثِيرًا مُتَلَبِّدًا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ مِنَ التَكاثُفِ والكَثْرَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "لَمْ يَرْهُ" بِسُكُونِ الراءِ لِتَوالِي الحَرَكاتِ. ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى الإنْسانِ نِعَمَهُ الَّتِي بِها تَقُومُ الحُجَّةُ، وهي جَوارِحُهُ، وقَرَنَ تَعالى "الشَفَتَيْنِ" بِاللِسانِ لِأنَّ نِعْمَةَ العِبارَةِ والكَلامِ، لا تَصِحُّ إلّا بِالجَمِيعِ، وفي الحَدِيثِ: «يَقُولُ اللهُ تَعالى: "ابْنُ آدَمَ، إنْ نازَعَكَ لِسانُكَ إلى ما لا يَحِلُّ، فَقَدْ أعنتُكَ عَلَيْهِ بِشَفَتَيْنِ فَأطْبِقْ"،» واخْتَلَفَ الناسُ في "النَجْدَيْنِ"- فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والناسُ: طَرِيقا الخَيْرِ والشَرِّ، أيْ عَرَضْنا عَلَيْهِ طَرِيقَهُما، ولَيْسَتِ الهِدايَةُ هُنا بِمَعْنى الإرْشادِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَحّاكُ: النَجْدانِ: ثَدْيا الأُمِّ، وهَذا مِثالٌ، والنَجْدُ: الطَرِيقُ المُرْتَفِعُ، وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ: ؎ كَمِيشِ الإزارِ خارِجَ نِصْفِ ساقِهِ ∗∗∗ صَبُورٍ عَلى الأرْزاءِ طَلّاعُ أنْجَدُ

البلد 90:6

(p-٦١٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ البَلَدِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَوْمٌ هي مَدَنِيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿وَلِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ ﴿وَهَدَيْناهُ النَجْدَيْنِ﴾ قَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "لِأُقْسِمُ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لا أُقْسِمُ"، واخْتَلَفُوا - فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: "لا" صِلَةَ زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، واسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى "أُقْسِمُ"، وقالَ مُجاهِدٌ: "لا" رَدَّ لِلْكَلامِ مُتَقَدِّمٌ لِلْكُفّارِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى، "أُقْسِمُ"، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "لا" نَفْيَ لِلْقَسَمِ بِالبَلَدِ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ لا يُقْسَمُ بِهِ. ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ البَلَدَ المَذْكُورَ هو مَكَّةُ. واخْتَلَفَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: وأنْتَ حَلّالٌ بِهَذا البَلَدِ يَحِلُّ لَكَ فِيهِ قَتْلُ مَن شِئْتَ، وكانَ هَذا يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، وعَلى هَذا يَتَرَتَّبُ قَوْلُ مَن قالَ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ عامَ الفَتْحِ، ويَتَرَتَّبُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُ مَن قالَ: "لا" نافِيَةَ، أيْ: إنَّ هَذا البَلَدَ لا يُقْسِمُ اللهُ تَعالى بِهِ، وقَدْ جاءَ أهْلُهُ بِأعْمالٍ تُوجِبُ إحْلالَ حُرْمِتِهِ، ويَتَّجِهُ أيْضًا أنْ تَكُونَ "لا" غَيْرَ نافِيَةٍ. وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ مَعْناهُ: حالٌ ساكِنٌ بِهَذا البَلَدِ، وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُ مَن قالَ: هي مَكِّيَّةٌ، والمَعْنى عَلى إيجابِ القَسَمِ بَيْنَ، وعَلى نَفْيِهِ أيْضًا يَتَّجِهُ عَلى مَعْنى: لا أُقْسِمُ بِبَلَدٍ أنْتَ ساكِنُهُ عَلى أذى هَؤُلاءِ القَوْمِ وكُفْرِهِمْ. وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عن شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ أنَّ مَعْنى ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ أيْ: قَدْ (p-٦١٩)جَعَلُوكَ حَلالًا مُسْتَحِلَّ الأذى والإخْراجِ والقَتْلُ لَكَ لَوْ قُدِّرُوا، وإعْرابُ البَلَدِ عَطْفُ بَيانٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ قَسَمٌ مُسْتَأْنِفٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ "لا" نافِيَةٌ، ومَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ "لا" غَيْرُ نافِيَةٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ - فَقالَ مُجاهِدٌ: هو آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ بَعْضُ رُواةِ التَفْسِيرِ: هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ أبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ: هو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما مَعْناهُ: أنَّ الوالِدَ والوَلَدَ هُنا عَلى العُمُومِ فَهي أسْماءُ جِنْسٍ يَدْخُلُ فِيها جَمِيعُ الحَيَوانِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ: ﴿وَوالِدٍ﴾ مَعْناهُ: كُلٌّ مِن ولَدَ وأنْسَلَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَما ولَدَ﴾، لَمْ يَبْقَ تَحْتَهُ إلّا العاقِرُ الَّذِي لَيْسَ بِوالِدٍ البَتَّةَ. والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾، واخْتَلَفَ الناسُ في " الكَبِد "، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: "الإنْسانُ" اسْمُ الجِنْسِ كُلِّهِ، والكَبَدُ: المَشَقَّةُ والمُكابَدَةُ، أيْ: يُكابِدُ أمْرَ الدُنْيا وأمْرَ الآخِرَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْل لَبِيدٍ: ؎ يا عَيْنُ هَلّا بَكَيْتِ أرْبَدَ إذْ ∗∗∗ قُمْنا وقامَ الخُصُومُ في كَبَدٍ وقَوْل ذِي الإصْبَعِ: ؎ لِي ابْنُ عَمٍّ لَوْ أنَّ الناسَ في كَبَدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ لَظَلَّ مُحْتَجِرًا بِالنُبْلِ يَرْمِينِي وبِالمَشَقَّةِ في أنْواعِ أحْوالِ الإنْسانِ فَسَّرَهُ الجُمْهُورُ، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَخْلُقِ اللهُ تَعالى (p-٦٢٠)خَلْقًا يُكابِدُ ما يُكابِدُ ابْنُ آدَمَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ شَدّادٍ، وأبُو صالِحٍ، والضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ مَعْناهُ: مُنْتَصَفُ القامَةِ واقِفًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الإنْسانُ": آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، "وَفِي كَبَدٍ" مَعْناهُ: في السَماءِ سَمّاها كَبَدًا، وهَذانَ قَوْلانِ قَدْ ضَعُفا، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الصَحِيحُ. ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ الآيَةِ وما بَعْدَها هو أبُو الأشَدَّيْنِ، رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ شَدِيدُ القُوَّةِ، واسْمُهُ أُسَيْدُ بْنُ كِلْدَةَ الجُمَحِيُّ، كانَ يَحْسَبُ أنَّ أحَدًا لا يَقْدَرُ عَلَيْهِ، ويُقالُ: بَلْ نَزَلَتْ في عَمْرِو بْنِ وُدٍّ، ذَكَرَهُ النَقّاشُ، وهو الَّذِي اقْتَحَمَ الخَنْدَقَ بِالمَدِينَةِ وقَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ خَلْفَ الخَنْدَقِ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ عامِرٍ بْنِ نَوْفَلَ، أذْنَبَ فاسْتَفْتى النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ فَأمَرَهُ بِالكَفّارَةِ، فَقالَ: لَقَدْ أهْلَكْتُ مالًا في الكَفّاراتِ والنَفَقاتِ مُذْ تَبِعْتُ مُحَمَّدًا، وكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم قَدِ ادَّعى أنَّهُ أنْفَقَ مالًا كَثِيرًا عَلى إفْسادِ أمْرِ النَبِيِّ ﷺ، أو في الكَفّاراتِ عَلى ما تَقَدَّمَ، فَوَقَفَ القُرْآنُ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِلْمَذْكُورِ، وعَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِاسْمِ الجِنْسِ كُلِّهِ. و﴿يَقْدِرَ﴾ نُصِبَ بِـ "لَنْ" و"أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، وكانَ قَوْلُ هَذا الكافِرِ: ﴿أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ كَذِبًا مِنهُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ أيْ أنَّهُ رُئِيَ وأُحْصِيَ فِعْلُهُ، فَما بالُهُ يَكْذِبُ، ومَن قالَ: "إنَّ المُرادَ اسْمُ الجِنْسِ غَيْرَ مُفْرَدٍ" جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ بِمَعْنى أيَظَنُّ الإنْسانُ أنْ لَيْسَ عَلَيْهِ حَفَظَةٌ يَرَوْنَ أعْمالَهُ ويُحْصُونَها إلى يَوْمِ الجَزاءِ؟ وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عن عُمْرِهِ فِيما أفْناهُ؟ وجِسْمِهِ فِيما أبْلاهُ؟ ومالِهِ مِن أيْنَ اكْتَسَبَهُ وأيْنَ أنْفَقَهُ؟".» واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ لَبَدا، فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لُبَدا" بِضَمِّ اللامِ وفَتْحِ (p-٦٢١)الباءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "لُبَدا" بِضَمِّهِما، وذَلِكَ جَمْعُ "لُبْدَةٍ" أو جَمْعُ "لَبُودٍ" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ: "لُبَّدًا" بِضَمِّ اللامِ وفَتْحِ الباءِ وشَدِّها، فَيَكُونُ مُفْرَدًا نَحْوُ "زُمَّلَ"، ويَكُونُ جَمْعُ "لا بُدَّ"، وقَدْ رُوِيَ عن أبِي جَعْفَرٍ "لَبْدًا" بِسُكُونِ الباءِ، والمَعْنى في هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها مالًا كَثِيرًا مُتَلَبِّدًا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ مِنَ التَكاثُفِ والكَثْرَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "لَمْ يَرْهُ" بِسُكُونِ الراءِ لِتَوالِي الحَرَكاتِ. ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى الإنْسانِ نِعَمَهُ الَّتِي بِها تَقُومُ الحُجَّةُ، وهي جَوارِحُهُ، وقَرَنَ تَعالى "الشَفَتَيْنِ" بِاللِسانِ لِأنَّ نِعْمَةَ العِبارَةِ والكَلامِ، لا تَصِحُّ إلّا بِالجَمِيعِ، وفي الحَدِيثِ: «يَقُولُ اللهُ تَعالى: "ابْنُ آدَمَ، إنْ نازَعَكَ لِسانُكَ إلى ما لا يَحِلُّ، فَقَدْ أعنتُكَ عَلَيْهِ بِشَفَتَيْنِ فَأطْبِقْ"،» واخْتَلَفَ الناسُ في "النَجْدَيْنِ"- فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والناسُ: طَرِيقا الخَيْرِ والشَرِّ، أيْ عَرَضْنا عَلَيْهِ طَرِيقَهُما، ولَيْسَتِ الهِدايَةُ هُنا بِمَعْنى الإرْشادِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَحّاكُ: النَجْدانِ: ثَدْيا الأُمِّ، وهَذا مِثالٌ، والنَجْدُ: الطَرِيقُ المُرْتَفِعُ، وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ: ؎ كَمِيشِ الإزارِ خارِجَ نِصْفِ ساقِهِ ∗∗∗ صَبُورٍ عَلى الأرْزاءِ طَلّاعُ أنْجَدُ

البلد 90:7

(p-٦١٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ البَلَدِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَوْمٌ هي مَدَنِيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿وَلِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ ﴿وَهَدَيْناهُ النَجْدَيْنِ﴾ قَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "لِأُقْسِمُ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لا أُقْسِمُ"، واخْتَلَفُوا - فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: "لا" صِلَةَ زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، واسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى "أُقْسِمُ"، وقالَ مُجاهِدٌ: "لا" رَدَّ لِلْكَلامِ مُتَقَدِّمٌ لِلْكُفّارِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى، "أُقْسِمُ"، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "لا" نَفْيَ لِلْقَسَمِ بِالبَلَدِ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ لا يُقْسَمُ بِهِ. ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ البَلَدَ المَذْكُورَ هو مَكَّةُ. واخْتَلَفَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: وأنْتَ حَلّالٌ بِهَذا البَلَدِ يَحِلُّ لَكَ فِيهِ قَتْلُ مَن شِئْتَ، وكانَ هَذا يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، وعَلى هَذا يَتَرَتَّبُ قَوْلُ مَن قالَ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ عامَ الفَتْحِ، ويَتَرَتَّبُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُ مَن قالَ: "لا" نافِيَةَ، أيْ: إنَّ هَذا البَلَدَ لا يُقْسِمُ اللهُ تَعالى بِهِ، وقَدْ جاءَ أهْلُهُ بِأعْمالٍ تُوجِبُ إحْلالَ حُرْمِتِهِ، ويَتَّجِهُ أيْضًا أنْ تَكُونَ "لا" غَيْرَ نافِيَةٍ. وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ مَعْناهُ: حالٌ ساكِنٌ بِهَذا البَلَدِ، وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُ مَن قالَ: هي مَكِّيَّةٌ، والمَعْنى عَلى إيجابِ القَسَمِ بَيْنَ، وعَلى نَفْيِهِ أيْضًا يَتَّجِهُ عَلى مَعْنى: لا أُقْسِمُ بِبَلَدٍ أنْتَ ساكِنُهُ عَلى أذى هَؤُلاءِ القَوْمِ وكُفْرِهِمْ. وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عن شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ أنَّ مَعْنى ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ أيْ: قَدْ (p-٦١٩)جَعَلُوكَ حَلالًا مُسْتَحِلَّ الأذى والإخْراجِ والقَتْلُ لَكَ لَوْ قُدِّرُوا، وإعْرابُ البَلَدِ عَطْفُ بَيانٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ قَسَمٌ مُسْتَأْنِفٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ "لا" نافِيَةٌ، ومَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ "لا" غَيْرُ نافِيَةٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ - فَقالَ مُجاهِدٌ: هو آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ بَعْضُ رُواةِ التَفْسِيرِ: هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ أبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ: هو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما مَعْناهُ: أنَّ الوالِدَ والوَلَدَ هُنا عَلى العُمُومِ فَهي أسْماءُ جِنْسٍ يَدْخُلُ فِيها جَمِيعُ الحَيَوانِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ: ﴿وَوالِدٍ﴾ مَعْناهُ: كُلٌّ مِن ولَدَ وأنْسَلَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَما ولَدَ﴾، لَمْ يَبْقَ تَحْتَهُ إلّا العاقِرُ الَّذِي لَيْسَ بِوالِدٍ البَتَّةَ. والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾، واخْتَلَفَ الناسُ في " الكَبِد "، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: "الإنْسانُ" اسْمُ الجِنْسِ كُلِّهِ، والكَبَدُ: المَشَقَّةُ والمُكابَدَةُ، أيْ: يُكابِدُ أمْرَ الدُنْيا وأمْرَ الآخِرَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْل لَبِيدٍ: ؎ يا عَيْنُ هَلّا بَكَيْتِ أرْبَدَ إذْ ∗∗∗ قُمْنا وقامَ الخُصُومُ في كَبَدٍ وقَوْل ذِي الإصْبَعِ: ؎ لِي ابْنُ عَمٍّ لَوْ أنَّ الناسَ في كَبَدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ لَظَلَّ مُحْتَجِرًا بِالنُبْلِ يَرْمِينِي وبِالمَشَقَّةِ في أنْواعِ أحْوالِ الإنْسانِ فَسَّرَهُ الجُمْهُورُ، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَخْلُقِ اللهُ تَعالى (p-٦٢٠)خَلْقًا يُكابِدُ ما يُكابِدُ ابْنُ آدَمَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ شَدّادٍ، وأبُو صالِحٍ، والضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ مَعْناهُ: مُنْتَصَفُ القامَةِ واقِفًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الإنْسانُ": آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، "وَفِي كَبَدٍ" مَعْناهُ: في السَماءِ سَمّاها كَبَدًا، وهَذانَ قَوْلانِ قَدْ ضَعُفا، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الصَحِيحُ. ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ الآيَةِ وما بَعْدَها هو أبُو الأشَدَّيْنِ، رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ شَدِيدُ القُوَّةِ، واسْمُهُ أُسَيْدُ بْنُ كِلْدَةَ الجُمَحِيُّ، كانَ يَحْسَبُ أنَّ أحَدًا لا يَقْدَرُ عَلَيْهِ، ويُقالُ: بَلْ نَزَلَتْ في عَمْرِو بْنِ وُدٍّ، ذَكَرَهُ النَقّاشُ، وهو الَّذِي اقْتَحَمَ الخَنْدَقَ بِالمَدِينَةِ وقَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ خَلْفَ الخَنْدَقِ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ عامِرٍ بْنِ نَوْفَلَ، أذْنَبَ فاسْتَفْتى النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ فَأمَرَهُ بِالكَفّارَةِ، فَقالَ: لَقَدْ أهْلَكْتُ مالًا في الكَفّاراتِ والنَفَقاتِ مُذْ تَبِعْتُ مُحَمَّدًا، وكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم قَدِ ادَّعى أنَّهُ أنْفَقَ مالًا كَثِيرًا عَلى إفْسادِ أمْرِ النَبِيِّ ﷺ، أو في الكَفّاراتِ عَلى ما تَقَدَّمَ، فَوَقَفَ القُرْآنُ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِلْمَذْكُورِ، وعَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِاسْمِ الجِنْسِ كُلِّهِ. و﴿يَقْدِرَ﴾ نُصِبَ بِـ "لَنْ" و"أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، وكانَ قَوْلُ هَذا الكافِرِ: ﴿أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ كَذِبًا مِنهُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ أيْ أنَّهُ رُئِيَ وأُحْصِيَ فِعْلُهُ، فَما بالُهُ يَكْذِبُ، ومَن قالَ: "إنَّ المُرادَ اسْمُ الجِنْسِ غَيْرَ مُفْرَدٍ" جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ بِمَعْنى أيَظَنُّ الإنْسانُ أنْ لَيْسَ عَلَيْهِ حَفَظَةٌ يَرَوْنَ أعْمالَهُ ويُحْصُونَها إلى يَوْمِ الجَزاءِ؟ وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عن عُمْرِهِ فِيما أفْناهُ؟ وجِسْمِهِ فِيما أبْلاهُ؟ ومالِهِ مِن أيْنَ اكْتَسَبَهُ وأيْنَ أنْفَقَهُ؟".» واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ لَبَدا، فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لُبَدا" بِضَمِّ اللامِ وفَتْحِ (p-٦٢١)الباءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "لُبَدا" بِضَمِّهِما، وذَلِكَ جَمْعُ "لُبْدَةٍ" أو جَمْعُ "لَبُودٍ" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ: "لُبَّدًا" بِضَمِّ اللامِ وفَتْحِ الباءِ وشَدِّها، فَيَكُونُ مُفْرَدًا نَحْوُ "زُمَّلَ"، ويَكُونُ جَمْعُ "لا بُدَّ"، وقَدْ رُوِيَ عن أبِي جَعْفَرٍ "لَبْدًا" بِسُكُونِ الباءِ، والمَعْنى في هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها مالًا كَثِيرًا مُتَلَبِّدًا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ مِنَ التَكاثُفِ والكَثْرَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "لَمْ يَرْهُ" بِسُكُونِ الراءِ لِتَوالِي الحَرَكاتِ. ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى الإنْسانِ نِعَمَهُ الَّتِي بِها تَقُومُ الحُجَّةُ، وهي جَوارِحُهُ، وقَرَنَ تَعالى "الشَفَتَيْنِ" بِاللِسانِ لِأنَّ نِعْمَةَ العِبارَةِ والكَلامِ، لا تَصِحُّ إلّا بِالجَمِيعِ، وفي الحَدِيثِ: «يَقُولُ اللهُ تَعالى: "ابْنُ آدَمَ، إنْ نازَعَكَ لِسانُكَ إلى ما لا يَحِلُّ، فَقَدْ أعنتُكَ عَلَيْهِ بِشَفَتَيْنِ فَأطْبِقْ"،» واخْتَلَفَ الناسُ في "النَجْدَيْنِ"- فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والناسُ: طَرِيقا الخَيْرِ والشَرِّ، أيْ عَرَضْنا عَلَيْهِ طَرِيقَهُما، ولَيْسَتِ الهِدايَةُ هُنا بِمَعْنى الإرْشادِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَحّاكُ: النَجْدانِ: ثَدْيا الأُمِّ، وهَذا مِثالٌ، والنَجْدُ: الطَرِيقُ المُرْتَفِعُ، وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ: ؎ كَمِيشِ الإزارِ خارِجَ نِصْفِ ساقِهِ ∗∗∗ صَبُورٍ عَلى الأرْزاءِ طَلّاعُ أنْجَدُ

البلد 90:8

(p-٦١٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ البَلَدِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَوْمٌ هي مَدَنِيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿وَلِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ ﴿وَهَدَيْناهُ النَجْدَيْنِ﴾ قَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "لِأُقْسِمُ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لا أُقْسِمُ"، واخْتَلَفُوا - فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: "لا" صِلَةَ زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، واسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى "أُقْسِمُ"، وقالَ مُجاهِدٌ: "لا" رَدَّ لِلْكَلامِ مُتَقَدِّمٌ لِلْكُفّارِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى، "أُقْسِمُ"، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "لا" نَفْيَ لِلْقَسَمِ بِالبَلَدِ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ لا يُقْسَمُ بِهِ. ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ البَلَدَ المَذْكُورَ هو مَكَّةُ. واخْتَلَفَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: وأنْتَ حَلّالٌ بِهَذا البَلَدِ يَحِلُّ لَكَ فِيهِ قَتْلُ مَن شِئْتَ، وكانَ هَذا يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، وعَلى هَذا يَتَرَتَّبُ قَوْلُ مَن قالَ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ عامَ الفَتْحِ، ويَتَرَتَّبُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُ مَن قالَ: "لا" نافِيَةَ، أيْ: إنَّ هَذا البَلَدَ لا يُقْسِمُ اللهُ تَعالى بِهِ، وقَدْ جاءَ أهْلُهُ بِأعْمالٍ تُوجِبُ إحْلالَ حُرْمِتِهِ، ويَتَّجِهُ أيْضًا أنْ تَكُونَ "لا" غَيْرَ نافِيَةٍ. وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ مَعْناهُ: حالٌ ساكِنٌ بِهَذا البَلَدِ، وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُ مَن قالَ: هي مَكِّيَّةٌ، والمَعْنى عَلى إيجابِ القَسَمِ بَيْنَ، وعَلى نَفْيِهِ أيْضًا يَتَّجِهُ عَلى مَعْنى: لا أُقْسِمُ بِبَلَدٍ أنْتَ ساكِنُهُ عَلى أذى هَؤُلاءِ القَوْمِ وكُفْرِهِمْ. وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عن شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ أنَّ مَعْنى ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ أيْ: قَدْ (p-٦١٩)جَعَلُوكَ حَلالًا مُسْتَحِلَّ الأذى والإخْراجِ والقَتْلُ لَكَ لَوْ قُدِّرُوا، وإعْرابُ البَلَدِ عَطْفُ بَيانٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ قَسَمٌ مُسْتَأْنِفٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ "لا" نافِيَةٌ، ومَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ "لا" غَيْرُ نافِيَةٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ - فَقالَ مُجاهِدٌ: هو آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ بَعْضُ رُواةِ التَفْسِيرِ: هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ أبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ: هو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما مَعْناهُ: أنَّ الوالِدَ والوَلَدَ هُنا عَلى العُمُومِ فَهي أسْماءُ جِنْسٍ يَدْخُلُ فِيها جَمِيعُ الحَيَوانِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ: ﴿وَوالِدٍ﴾ مَعْناهُ: كُلٌّ مِن ولَدَ وأنْسَلَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَما ولَدَ﴾، لَمْ يَبْقَ تَحْتَهُ إلّا العاقِرُ الَّذِي لَيْسَ بِوالِدٍ البَتَّةَ. والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾، واخْتَلَفَ الناسُ في " الكَبِد "، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: "الإنْسانُ" اسْمُ الجِنْسِ كُلِّهِ، والكَبَدُ: المَشَقَّةُ والمُكابَدَةُ، أيْ: يُكابِدُ أمْرَ الدُنْيا وأمْرَ الآخِرَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْل لَبِيدٍ: ؎ يا عَيْنُ هَلّا بَكَيْتِ أرْبَدَ إذْ ∗∗∗ قُمْنا وقامَ الخُصُومُ في كَبَدٍ وقَوْل ذِي الإصْبَعِ: ؎ لِي ابْنُ عَمٍّ لَوْ أنَّ الناسَ في كَبَدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ لَظَلَّ مُحْتَجِرًا بِالنُبْلِ يَرْمِينِي وبِالمَشَقَّةِ في أنْواعِ أحْوالِ الإنْسانِ فَسَّرَهُ الجُمْهُورُ، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَخْلُقِ اللهُ تَعالى (p-٦٢٠)خَلْقًا يُكابِدُ ما يُكابِدُ ابْنُ آدَمَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ شَدّادٍ، وأبُو صالِحٍ، والضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ مَعْناهُ: مُنْتَصَفُ القامَةِ واقِفًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الإنْسانُ": آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، "وَفِي كَبَدٍ" مَعْناهُ: في السَماءِ سَمّاها كَبَدًا، وهَذانَ قَوْلانِ قَدْ ضَعُفا، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الصَحِيحُ. ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ الآيَةِ وما بَعْدَها هو أبُو الأشَدَّيْنِ، رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ شَدِيدُ القُوَّةِ، واسْمُهُ أُسَيْدُ بْنُ كِلْدَةَ الجُمَحِيُّ، كانَ يَحْسَبُ أنَّ أحَدًا لا يَقْدَرُ عَلَيْهِ، ويُقالُ: بَلْ نَزَلَتْ في عَمْرِو بْنِ وُدٍّ، ذَكَرَهُ النَقّاشُ، وهو الَّذِي اقْتَحَمَ الخَنْدَقَ بِالمَدِينَةِ وقَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ خَلْفَ الخَنْدَقِ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ عامِرٍ بْنِ نَوْفَلَ، أذْنَبَ فاسْتَفْتى النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ فَأمَرَهُ بِالكَفّارَةِ، فَقالَ: لَقَدْ أهْلَكْتُ مالًا في الكَفّاراتِ والنَفَقاتِ مُذْ تَبِعْتُ مُحَمَّدًا، وكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم قَدِ ادَّعى أنَّهُ أنْفَقَ مالًا كَثِيرًا عَلى إفْسادِ أمْرِ النَبِيِّ ﷺ، أو في الكَفّاراتِ عَلى ما تَقَدَّمَ، فَوَقَفَ القُرْآنُ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِلْمَذْكُورِ، وعَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِاسْمِ الجِنْسِ كُلِّهِ. و﴿يَقْدِرَ﴾ نُصِبَ بِـ "لَنْ" و"أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، وكانَ قَوْلُ هَذا الكافِرِ: ﴿أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ كَذِبًا مِنهُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ أيْ أنَّهُ رُئِيَ وأُحْصِيَ فِعْلُهُ، فَما بالُهُ يَكْذِبُ، ومَن قالَ: "إنَّ المُرادَ اسْمُ الجِنْسِ غَيْرَ مُفْرَدٍ" جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ بِمَعْنى أيَظَنُّ الإنْسانُ أنْ لَيْسَ عَلَيْهِ حَفَظَةٌ يَرَوْنَ أعْمالَهُ ويُحْصُونَها إلى يَوْمِ الجَزاءِ؟ وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عن عُمْرِهِ فِيما أفْناهُ؟ وجِسْمِهِ فِيما أبْلاهُ؟ ومالِهِ مِن أيْنَ اكْتَسَبَهُ وأيْنَ أنْفَقَهُ؟".» واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ لَبَدا، فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لُبَدا" بِضَمِّ اللامِ وفَتْحِ (p-٦٢١)الباءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "لُبَدا" بِضَمِّهِما، وذَلِكَ جَمْعُ "لُبْدَةٍ" أو جَمْعُ "لَبُودٍ" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ: "لُبَّدًا" بِضَمِّ اللامِ وفَتْحِ الباءِ وشَدِّها، فَيَكُونُ مُفْرَدًا نَحْوُ "زُمَّلَ"، ويَكُونُ جَمْعُ "لا بُدَّ"، وقَدْ رُوِيَ عن أبِي جَعْفَرٍ "لَبْدًا" بِسُكُونِ الباءِ، والمَعْنى في هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها مالًا كَثِيرًا مُتَلَبِّدًا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ مِنَ التَكاثُفِ والكَثْرَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "لَمْ يَرْهُ" بِسُكُونِ الراءِ لِتَوالِي الحَرَكاتِ. ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى الإنْسانِ نِعَمَهُ الَّتِي بِها تَقُومُ الحُجَّةُ، وهي جَوارِحُهُ، وقَرَنَ تَعالى "الشَفَتَيْنِ" بِاللِسانِ لِأنَّ نِعْمَةَ العِبارَةِ والكَلامِ، لا تَصِحُّ إلّا بِالجَمِيعِ، وفي الحَدِيثِ: «يَقُولُ اللهُ تَعالى: "ابْنُ آدَمَ، إنْ نازَعَكَ لِسانُكَ إلى ما لا يَحِلُّ، فَقَدْ أعنتُكَ عَلَيْهِ بِشَفَتَيْنِ فَأطْبِقْ"،» واخْتَلَفَ الناسُ في "النَجْدَيْنِ"- فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والناسُ: طَرِيقا الخَيْرِ والشَرِّ، أيْ عَرَضْنا عَلَيْهِ طَرِيقَهُما، ولَيْسَتِ الهِدايَةُ هُنا بِمَعْنى الإرْشادِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَحّاكُ: النَجْدانِ: ثَدْيا الأُمِّ، وهَذا مِثالٌ، والنَجْدُ: الطَرِيقُ المُرْتَفِعُ، وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ: ؎ كَمِيشِ الإزارِ خارِجَ نِصْفِ ساقِهِ ∗∗∗ صَبُورٍ عَلى الأرْزاءِ طَلّاعُ أنْجَدُ

البلد 90:9

(p-٦١٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ البَلَدِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَوْمٌ هي مَدَنِيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿وَلِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ ﴿وَهَدَيْناهُ النَجْدَيْنِ﴾ قَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "لِأُقْسِمُ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لا أُقْسِمُ"، واخْتَلَفُوا - فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: "لا" صِلَةَ زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، واسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى "أُقْسِمُ"، وقالَ مُجاهِدٌ: "لا" رَدَّ لِلْكَلامِ مُتَقَدِّمٌ لِلْكُفّارِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى، "أُقْسِمُ"، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "لا" نَفْيَ لِلْقَسَمِ بِالبَلَدِ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ لا يُقْسَمُ بِهِ. ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ البَلَدَ المَذْكُورَ هو مَكَّةُ. واخْتَلَفَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: وأنْتَ حَلّالٌ بِهَذا البَلَدِ يَحِلُّ لَكَ فِيهِ قَتْلُ مَن شِئْتَ، وكانَ هَذا يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، وعَلى هَذا يَتَرَتَّبُ قَوْلُ مَن قالَ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ عامَ الفَتْحِ، ويَتَرَتَّبُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُ مَن قالَ: "لا" نافِيَةَ، أيْ: إنَّ هَذا البَلَدَ لا يُقْسِمُ اللهُ تَعالى بِهِ، وقَدْ جاءَ أهْلُهُ بِأعْمالٍ تُوجِبُ إحْلالَ حُرْمِتِهِ، ويَتَّجِهُ أيْضًا أنْ تَكُونَ "لا" غَيْرَ نافِيَةٍ. وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ مَعْناهُ: حالٌ ساكِنٌ بِهَذا البَلَدِ، وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُ مَن قالَ: هي مَكِّيَّةٌ، والمَعْنى عَلى إيجابِ القَسَمِ بَيْنَ، وعَلى نَفْيِهِ أيْضًا يَتَّجِهُ عَلى مَعْنى: لا أُقْسِمُ بِبَلَدٍ أنْتَ ساكِنُهُ عَلى أذى هَؤُلاءِ القَوْمِ وكُفْرِهِمْ. وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عن شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ أنَّ مَعْنى ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ أيْ: قَدْ (p-٦١٩)جَعَلُوكَ حَلالًا مُسْتَحِلَّ الأذى والإخْراجِ والقَتْلُ لَكَ لَوْ قُدِّرُوا، وإعْرابُ البَلَدِ عَطْفُ بَيانٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ قَسَمٌ مُسْتَأْنِفٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ "لا" نافِيَةٌ، ومَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ "لا" غَيْرُ نافِيَةٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ - فَقالَ مُجاهِدٌ: هو آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ بَعْضُ رُواةِ التَفْسِيرِ: هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ أبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ: هو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما مَعْناهُ: أنَّ الوالِدَ والوَلَدَ هُنا عَلى العُمُومِ فَهي أسْماءُ جِنْسٍ يَدْخُلُ فِيها جَمِيعُ الحَيَوانِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ: ﴿وَوالِدٍ﴾ مَعْناهُ: كُلٌّ مِن ولَدَ وأنْسَلَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَما ولَدَ﴾، لَمْ يَبْقَ تَحْتَهُ إلّا العاقِرُ الَّذِي لَيْسَ بِوالِدٍ البَتَّةَ. والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾، واخْتَلَفَ الناسُ في " الكَبِد "، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: "الإنْسانُ" اسْمُ الجِنْسِ كُلِّهِ، والكَبَدُ: المَشَقَّةُ والمُكابَدَةُ، أيْ: يُكابِدُ أمْرَ الدُنْيا وأمْرَ الآخِرَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْل لَبِيدٍ: ؎ يا عَيْنُ هَلّا بَكَيْتِ أرْبَدَ إذْ ∗∗∗ قُمْنا وقامَ الخُصُومُ في كَبَدٍ وقَوْل ذِي الإصْبَعِ: ؎ لِي ابْنُ عَمٍّ لَوْ أنَّ الناسَ في كَبَدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ لَظَلَّ مُحْتَجِرًا بِالنُبْلِ يَرْمِينِي وبِالمَشَقَّةِ في أنْواعِ أحْوالِ الإنْسانِ فَسَّرَهُ الجُمْهُورُ، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَخْلُقِ اللهُ تَعالى (p-٦٢٠)خَلْقًا يُكابِدُ ما يُكابِدُ ابْنُ آدَمَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ شَدّادٍ، وأبُو صالِحٍ، والضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ مَعْناهُ: مُنْتَصَفُ القامَةِ واقِفًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الإنْسانُ": آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، "وَفِي كَبَدٍ" مَعْناهُ: في السَماءِ سَمّاها كَبَدًا، وهَذانَ قَوْلانِ قَدْ ضَعُفا، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الصَحِيحُ. ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ الآيَةِ وما بَعْدَها هو أبُو الأشَدَّيْنِ، رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ شَدِيدُ القُوَّةِ، واسْمُهُ أُسَيْدُ بْنُ كِلْدَةَ الجُمَحِيُّ، كانَ يَحْسَبُ أنَّ أحَدًا لا يَقْدَرُ عَلَيْهِ، ويُقالُ: بَلْ نَزَلَتْ في عَمْرِو بْنِ وُدٍّ، ذَكَرَهُ النَقّاشُ، وهو الَّذِي اقْتَحَمَ الخَنْدَقَ بِالمَدِينَةِ وقَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ خَلْفَ الخَنْدَقِ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ عامِرٍ بْنِ نَوْفَلَ، أذْنَبَ فاسْتَفْتى النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ فَأمَرَهُ بِالكَفّارَةِ، فَقالَ: لَقَدْ أهْلَكْتُ مالًا في الكَفّاراتِ والنَفَقاتِ مُذْ تَبِعْتُ مُحَمَّدًا، وكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم قَدِ ادَّعى أنَّهُ أنْفَقَ مالًا كَثِيرًا عَلى إفْسادِ أمْرِ النَبِيِّ ﷺ، أو في الكَفّاراتِ عَلى ما تَقَدَّمَ، فَوَقَفَ القُرْآنُ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِلْمَذْكُورِ، وعَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِاسْمِ الجِنْسِ كُلِّهِ. و﴿يَقْدِرَ﴾ نُصِبَ بِـ "لَنْ" و"أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، وكانَ قَوْلُ هَذا الكافِرِ: ﴿أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ كَذِبًا مِنهُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ أيْ أنَّهُ رُئِيَ وأُحْصِيَ فِعْلُهُ، فَما بالُهُ يَكْذِبُ، ومَن قالَ: "إنَّ المُرادَ اسْمُ الجِنْسِ غَيْرَ مُفْرَدٍ" جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ بِمَعْنى أيَظَنُّ الإنْسانُ أنْ لَيْسَ عَلَيْهِ حَفَظَةٌ يَرَوْنَ أعْمالَهُ ويُحْصُونَها إلى يَوْمِ الجَزاءِ؟ وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عن عُمْرِهِ فِيما أفْناهُ؟ وجِسْمِهِ فِيما أبْلاهُ؟ ومالِهِ مِن أيْنَ اكْتَسَبَهُ وأيْنَ أنْفَقَهُ؟".» واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ لَبَدا، فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لُبَدا" بِضَمِّ اللامِ وفَتْحِ (p-٦٢١)الباءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "لُبَدا" بِضَمِّهِما، وذَلِكَ جَمْعُ "لُبْدَةٍ" أو جَمْعُ "لَبُودٍ" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ: "لُبَّدًا" بِضَمِّ اللامِ وفَتْحِ الباءِ وشَدِّها، فَيَكُونُ مُفْرَدًا نَحْوُ "زُمَّلَ"، ويَكُونُ جَمْعُ "لا بُدَّ"، وقَدْ رُوِيَ عن أبِي جَعْفَرٍ "لَبْدًا" بِسُكُونِ الباءِ، والمَعْنى في هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها مالًا كَثِيرًا مُتَلَبِّدًا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ مِنَ التَكاثُفِ والكَثْرَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "لَمْ يَرْهُ" بِسُكُونِ الراءِ لِتَوالِي الحَرَكاتِ. ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى الإنْسانِ نِعَمَهُ الَّتِي بِها تَقُومُ الحُجَّةُ، وهي جَوارِحُهُ، وقَرَنَ تَعالى "الشَفَتَيْنِ" بِاللِسانِ لِأنَّ نِعْمَةَ العِبارَةِ والكَلامِ، لا تَصِحُّ إلّا بِالجَمِيعِ، وفي الحَدِيثِ: «يَقُولُ اللهُ تَعالى: "ابْنُ آدَمَ، إنْ نازَعَكَ لِسانُكَ إلى ما لا يَحِلُّ، فَقَدْ أعنتُكَ عَلَيْهِ بِشَفَتَيْنِ فَأطْبِقْ"،» واخْتَلَفَ الناسُ في "النَجْدَيْنِ"- فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والناسُ: طَرِيقا الخَيْرِ والشَرِّ، أيْ عَرَضْنا عَلَيْهِ طَرِيقَهُما، ولَيْسَتِ الهِدايَةُ هُنا بِمَعْنى الإرْشادِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَحّاكُ: النَجْدانِ: ثَدْيا الأُمِّ، وهَذا مِثالٌ، والنَجْدُ: الطَرِيقُ المُرْتَفِعُ، وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ: ؎ كَمِيشِ الإزارِ خارِجَ نِصْفِ ساقِهِ ∗∗∗ صَبُورٍ عَلى الأرْزاءِ طَلّاعُ أنْجَدُ

البلد 90:10

(p-٦١٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ البَلَدِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَوْمٌ هي مَدَنِيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿وَلِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ ﴿وَهَدَيْناهُ النَجْدَيْنِ﴾ قَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "لِأُقْسِمُ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لا أُقْسِمُ"، واخْتَلَفُوا - فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: "لا" صِلَةَ زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، واسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى "أُقْسِمُ"، وقالَ مُجاهِدٌ: "لا" رَدَّ لِلْكَلامِ مُتَقَدِّمٌ لِلْكُفّارِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى، "أُقْسِمُ"، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "لا" نَفْيَ لِلْقَسَمِ بِالبَلَدِ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ لا يُقْسَمُ بِهِ. ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ البَلَدَ المَذْكُورَ هو مَكَّةُ. واخْتَلَفَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: وأنْتَ حَلّالٌ بِهَذا البَلَدِ يَحِلُّ لَكَ فِيهِ قَتْلُ مَن شِئْتَ، وكانَ هَذا يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، وعَلى هَذا يَتَرَتَّبُ قَوْلُ مَن قالَ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ عامَ الفَتْحِ، ويَتَرَتَّبُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُ مَن قالَ: "لا" نافِيَةَ، أيْ: إنَّ هَذا البَلَدَ لا يُقْسِمُ اللهُ تَعالى بِهِ، وقَدْ جاءَ أهْلُهُ بِأعْمالٍ تُوجِبُ إحْلالَ حُرْمِتِهِ، ويَتَّجِهُ أيْضًا أنْ تَكُونَ "لا" غَيْرَ نافِيَةٍ. وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ مَعْناهُ: حالٌ ساكِنٌ بِهَذا البَلَدِ، وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُ مَن قالَ: هي مَكِّيَّةٌ، والمَعْنى عَلى إيجابِ القَسَمِ بَيْنَ، وعَلى نَفْيِهِ أيْضًا يَتَّجِهُ عَلى مَعْنى: لا أُقْسِمُ بِبَلَدٍ أنْتَ ساكِنُهُ عَلى أذى هَؤُلاءِ القَوْمِ وكُفْرِهِمْ. وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عن شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ أنَّ مَعْنى ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ أيْ: قَدْ (p-٦١٩)جَعَلُوكَ حَلالًا مُسْتَحِلَّ الأذى والإخْراجِ والقَتْلُ لَكَ لَوْ قُدِّرُوا، وإعْرابُ البَلَدِ عَطْفُ بَيانٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ قَسَمٌ مُسْتَأْنِفٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ "لا" نافِيَةٌ، ومَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ "لا" غَيْرُ نافِيَةٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾ - فَقالَ مُجاهِدٌ: هو آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ بَعْضُ رُواةِ التَفْسِيرِ: هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ أبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ: هو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما مَعْناهُ: أنَّ الوالِدَ والوَلَدَ هُنا عَلى العُمُومِ فَهي أسْماءُ جِنْسٍ يَدْخُلُ فِيها جَمِيعُ الحَيَوانِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ: ﴿وَوالِدٍ﴾ مَعْناهُ: كُلٌّ مِن ولَدَ وأنْسَلَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَما ولَدَ﴾، لَمْ يَبْقَ تَحْتَهُ إلّا العاقِرُ الَّذِي لَيْسَ بِوالِدٍ البَتَّةَ. والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾، واخْتَلَفَ الناسُ في " الكَبِد "، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: "الإنْسانُ" اسْمُ الجِنْسِ كُلِّهِ، والكَبَدُ: المَشَقَّةُ والمُكابَدَةُ، أيْ: يُكابِدُ أمْرَ الدُنْيا وأمْرَ الآخِرَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْل لَبِيدٍ: ؎ يا عَيْنُ هَلّا بَكَيْتِ أرْبَدَ إذْ ∗∗∗ قُمْنا وقامَ الخُصُومُ في كَبَدٍ وقَوْل ذِي الإصْبَعِ: ؎ لِي ابْنُ عَمٍّ لَوْ أنَّ الناسَ في كَبَدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ لَظَلَّ مُحْتَجِرًا بِالنُبْلِ يَرْمِينِي وبِالمَشَقَّةِ في أنْواعِ أحْوالِ الإنْسانِ فَسَّرَهُ الجُمْهُورُ، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَخْلُقِ اللهُ تَعالى (p-٦٢٠)خَلْقًا يُكابِدُ ما يُكابِدُ ابْنُ آدَمَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ شَدّادٍ، وأبُو صالِحٍ، والضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ مَعْناهُ: مُنْتَصَفُ القامَةِ واقِفًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الإنْسانُ": آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، "وَفِي كَبَدٍ" مَعْناهُ: في السَماءِ سَمّاها كَبَدًا، وهَذانَ قَوْلانِ قَدْ ضَعُفا، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الصَحِيحُ. ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ الآيَةِ وما بَعْدَها هو أبُو الأشَدَّيْنِ، رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ شَدِيدُ القُوَّةِ، واسْمُهُ أُسَيْدُ بْنُ كِلْدَةَ الجُمَحِيُّ، كانَ يَحْسَبُ أنَّ أحَدًا لا يَقْدَرُ عَلَيْهِ، ويُقالُ: بَلْ نَزَلَتْ في عَمْرِو بْنِ وُدٍّ، ذَكَرَهُ النَقّاشُ، وهو الَّذِي اقْتَحَمَ الخَنْدَقَ بِالمَدِينَةِ وقَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ خَلْفَ الخَنْدَقِ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ عامِرٍ بْنِ نَوْفَلَ، أذْنَبَ فاسْتَفْتى النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ فَأمَرَهُ بِالكَفّارَةِ، فَقالَ: لَقَدْ أهْلَكْتُ مالًا في الكَفّاراتِ والنَفَقاتِ مُذْ تَبِعْتُ مُحَمَّدًا، وكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم قَدِ ادَّعى أنَّهُ أنْفَقَ مالًا كَثِيرًا عَلى إفْسادِ أمْرِ النَبِيِّ ﷺ، أو في الكَفّاراتِ عَلى ما تَقَدَّمَ، فَوَقَفَ القُرْآنُ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِلْمَذْكُورِ، وعَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِاسْمِ الجِنْسِ كُلِّهِ. و﴿يَقْدِرَ﴾ نُصِبَ بِـ "لَنْ" و"أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، وكانَ قَوْلُ هَذا الكافِرِ: ﴿أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ كَذِبًا مِنهُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ أيْ أنَّهُ رُئِيَ وأُحْصِيَ فِعْلُهُ، فَما بالُهُ يَكْذِبُ، ومَن قالَ: "إنَّ المُرادَ اسْمُ الجِنْسِ غَيْرَ مُفْرَدٍ" جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ بِمَعْنى أيَظَنُّ الإنْسانُ أنْ لَيْسَ عَلَيْهِ حَفَظَةٌ يَرَوْنَ أعْمالَهُ ويُحْصُونَها إلى يَوْمِ الجَزاءِ؟ وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عن عُمْرِهِ فِيما أفْناهُ؟ وجِسْمِهِ فِيما أبْلاهُ؟ ومالِهِ مِن أيْنَ اكْتَسَبَهُ وأيْنَ أنْفَقَهُ؟".» واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ لَبَدا، فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لُبَدا" بِضَمِّ اللامِ وفَتْحِ (p-٦٢١)الباءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "لُبَدا" بِضَمِّهِما، وذَلِكَ جَمْعُ "لُبْدَةٍ" أو جَمْعُ "لَبُودٍ" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ: "لُبَّدًا" بِضَمِّ اللامِ وفَتْحِ الباءِ وشَدِّها، فَيَكُونُ مُفْرَدًا نَحْوُ "زُمَّلَ"، ويَكُونُ جَمْعُ "لا بُدَّ"، وقَدْ رُوِيَ عن أبِي جَعْفَرٍ "لَبْدًا" بِسُكُونِ الباءِ، والمَعْنى في هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها مالًا كَثِيرًا مُتَلَبِّدًا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ مِنَ التَكاثُفِ والكَثْرَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "لَمْ يَرْهُ" بِسُكُونِ الراءِ لِتَوالِي الحَرَكاتِ. ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى الإنْسانِ نِعَمَهُ الَّتِي بِها تَقُومُ الحُجَّةُ، وهي جَوارِحُهُ، وقَرَنَ تَعالى "الشَفَتَيْنِ" بِاللِسانِ لِأنَّ نِعْمَةَ العِبارَةِ والكَلامِ، لا تَصِحُّ إلّا بِالجَمِيعِ، وفي الحَدِيثِ: «يَقُولُ اللهُ تَعالى: "ابْنُ آدَمَ، إنْ نازَعَكَ لِسانُكَ إلى ما لا يَحِلُّ، فَقَدْ أعنتُكَ عَلَيْهِ بِشَفَتَيْنِ فَأطْبِقْ"،» واخْتَلَفَ الناسُ في "النَجْدَيْنِ"- فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والناسُ: طَرِيقا الخَيْرِ والشَرِّ، أيْ عَرَضْنا عَلَيْهِ طَرِيقَهُما، ولَيْسَتِ الهِدايَةُ هُنا بِمَعْنى الإرْشادِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَحّاكُ: النَجْدانِ: ثَدْيا الأُمِّ، وهَذا مِثالٌ، والنَجْدُ: الطَرِيقُ المُرْتَفِعُ، وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ: ؎ كَمِيشِ الإزارِ خارِجَ نِصْفِ ساقِهِ ∗∗∗ صَبُورٍ عَلى الأرْزاءِ طَلّاعُ أنْجَدُ

البلد 90:11

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أو إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أو مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وتَواصَوْا بِالصَبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ (p-٦٢٢)( العَقَبَة ) في هَذِهِ الآيَةِ -عَلى عُرْفِ كَلامِ العَرَبِ- اسْتِعارَةٌ لِهَذا العَمَلِ الشاقِّ عَلى النَفْسِ مِن حَيْثُ هو بَذْلُ مالٍ تَشْبِيهٌ بِعَقَبَةٍ مِنَ الجَبَلِ، وهي ما صَعُبَ مِنهُ وكانَ صُعُودًا، و﴿اقْتَحَمَ﴾ مَعْناهُ: دَخَلَها وجاوَزَها بِسُرْعَةٍ وضَغْطٍ وشِدَّةٍ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَرَأوا أنَّ ( العَقَبَةَ ) يُرادُ بِها جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، لا يُنْجِي مِنهُ إلّا هَذِهِ الأعْمالُ ونَحْوُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: العَقَبَةُ جَهَنَّمُ، قالَ هو وقَتادَةُ فاقْتَحِمُوها بِطاعَةِ اللهِ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اقْتِحامَها لِلْمُؤْمِنِ كَما بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إلى العَشاءِ"». واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ ( فَلا ) فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو تَحْضِيضٌ بِمَعْنى "فَأْلًا"، وقالَ آخَرُونَ وهو دُعاءٌ بِمَعْنى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ أنْ يُدْعى عَلَيْهِ بِألا يَفْعَلَ خَيْرًا، وقِيلَ: هو نَفْيٌ، أيْ فَما اقْتَحَمَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَجّاجُ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١]، فَهو نَفْيٌ مَحْضٌ كَأنَّهُ قالَ: وهَبْنا لَهُ الجَوارِحَ ودَلَلْناهُ عَلى السَبِيلِ فَما فَعَلَ خَيْرًا. ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ تَعالى أمْرَ العَقَبَةِ في النُفُوسِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى اقْتِحامَ العَقَبَةِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ "فَكُّ رَقَبَةٍ" بِالرَفْعِ عَلى المَصْدَرِ، وأمّا مَن قَرَأ "فَكَّ" عَلى الفِعْلِ، ونَصَبَ "الرَقَبَةَ"، فَلَيْسَ يَحْتاجُ أنْ يُقَدِّرَ: "وَما أدْراكَ ما اقْتِحامُ" بَلْ يَكُونُ التَعْظِيمُ لِلْعَقَبَةِ نَفْسِها، ويَجِيءُ "فَكَّ" بَدَلًا مِنِ "اقْتَحَمَ" ومُبِينًا. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أو إطْعامٌ﴾، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "فَكَّ رَقَبَةً أو أطْعَمَ"، وقَرَأ بَعْضُ التابِعِينَ "فَكِّ رَقَبَةٍ" بِالخَفْضِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو أيْضًا "فَكَّ رَقَبَةٍ" بِالنَصْبِ "أو إطْعامٌ"، وتَرْتِيبُ هَذِهِ القِراءاتِ ووُجُوهُها بَيِّنَةٌ. و"فَكُّ الرَقَبَةِ" مَعْناهُ: بِالعِتْقِ مِن رَقَبَةِ الأُسَرِ والرِقِّ، وفي الحَدِيثِ عَنِ (p-٦٢٣)النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أعْتَقَ نَسَمَةً مُؤْمِنَةً أعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنها عُضْوًا مِنهُ مِنَ النارِ"». «وَقالَ أعْرابِيٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ: دُلَّنِي عَلى عَمَلٍ أنْجُو بِهِ، فَقالَ: "لَئِنْ قَصَرْتَ القَوْلَ لَقَدْ عَرَضْتَ المَسْألَةَ، فُكَّ الرَقَبَةَ وأعْتِقِ النَسَمَةَ"، فَقالَ الأعْرابِيُّ: ألَيْسَ هَذا واحِدًا؟ فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "لا، عِتْقُ النَسَمَةِ أنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِها، وفَكُّ الرَقَبَةِ أنْ تُعِينَ في ثَمَنِها".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَذَلِكَ فَكُّ الأسِيرِ إنْ شاءَ اللهُ، وفِداؤُهُ أنْ يَنْفَرِدَ الفادِي. «ثُمَّ قالَ النَبِيُّ ﷺ لِلْأعْرابِيِّ: "وَأبْقِ عَلى ذِي الرَحِمِ الظالِمِ، فَإنْ لَمْ تُطِقْ هَذا كُلَّهُ، فَكُفَّ لِسانَكَ إلّا مِن خَيْرٍ".» و" المَسْغَبَة ": المَجاعَةُ، والساغِبُ: الجائِعُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ عَلى نَعْتِ "يَوْمٍ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: "ذا مَسْغَبَةٍ" عَلى أنْ يَعْمَلَ فِيها "أطْعَمَ" أو "إطْعامَ" عَلى القِراءَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وفي هَذا حَذْفُ المَوْصُوفِ وإقامَةُ الصِفَةِ مَقامَهُ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ إنْسانًا ذا مَسْغَبَةٍ و"يَتِيمًا" يَدُلُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَوْلِهِ تَعالى ذا مَسْغَبَة، ووَصَفَتِ الصِفَةُ لَمّا قامَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها المَحْذُوفِ فَأشْبَهَتِ الأسْماءَ، و"المَسْغَبَةُ": الجُوعُ العامُّ، وقَدْ يُقالُ في الخاصِّ: سَغَبَ الرَجُلُ إذا جاعَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذا مَقْرَبَةٍ﴾ مَعْناهُ: ذا مَقْرُبَةٍ لِتَجْتَمِعَ الصَدَقَةُ والصِلَةُ، وهَذا نَحْوُ ما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِزَيْنَبَ امْرَأةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: « "تَصَدَّقِي عَلى زَوْجِكِ فَهي لَكِ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ"»، و"أو" في قَوْلِهِ ﴿أو مِسْكِينًا﴾ فِيها مَعْنى الإباحَةِ ومَعْنى (p-٦٢٤)التَخْيِير؛ لِأنَّ الكَلامَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الحَضِّ والأمْرِ، وفِيها أيْضًا مَعْنى التَفْضِيلِ المُجَرَّدِ؛ لِأنَّ الكَلامَ يَجْرِي مَجْرى الخَبَرِ الَّذِي لا تَكُونُ أو فِيهِ إلّا مُفَصَّلَةً، وأمّا مَعْنى الشَكِّ أوِ الإبْهامِ فَلا مَدْخَلَ لَها في هَذِهِ الآيَةِ، والإبْهامُ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا أو إيّاكُمْ﴾ [سبإ: ٢٤]، وقَوْل أبِي الأُسُودِ: ؎ أُحِبُّ مُحَمَّدًا حُبًّا شَدِيدًا وعَبّاسًا وحَمْزَةَ أو عَلِيًّا و﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ مَعْناهُ: مُدْقِعًا قَدْ لَصِقَ بِالتُرابِ، وهَذا مِمّا يَنْحُو إلى أنَّ المِسْكِينَ أشَدُّ فاقَةً مِنَ الفَقِيرِ، قالَ سُفْيانُ: هُمُ المَطْرُوحُونَ عَلى ظَهْرِ الطَرِيقِ قُعُودًا عَلى التُرابِ لا بُيُوتَ لَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الَّذِي يَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ ثُمَّ يُقَلِّبُ وجْهَهُ إلى بَيْتِهِ مُسْتَيْقِنًا أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا التُرابُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْتَحَمَ﴾ ويُتَوَجَّهُ فِيهِ مَعانِي ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ المَذْكُورَةُ مِنَ النَفْيِ والتَحْضِيضِ والدُعاءِ، ورَجَّحَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ قِراءَتَهُ: "فَكُّ رَقَبَةٍ" بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ كانَ﴾، ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ كانَ﴾ أيْ كانَ وقْتَ (p-٦٢٥)اقْتِحامِهِ العَقَبَةَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ يَقْتَحِمُ ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاقْتِحامَ كانَ يَقَعُ مِن غَيْرِ مُؤْمِنٍ وذَلِكَ غَيْرُ نافِعٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَواصَوْا بِالصَبْرِ﴾ مَعْناهُ: عَلى طاعَةِ اللهِ تَعالى وبَلائِهِ وقَضائِهِ، وعَنِ الشَهَواتِ والمَعاصِي. والمَرْحَمَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كُلُّ ما يُؤَدِّي إلى رَحْمَةِ اللهِ تَعالى. وقالَ آخَرُونَ: هو التَراحُمُ وعَطْفُ بَعْضٍ مِنَ الناسِ عَلى بَعْضٍ، وفي ذَلِكَ قِوامُ الناسِ ولَوْ لَمْ يَتَراحَمُوا جُمْلَةً هَلَكُوا. والمَيْمَنَةِ مَفْعَلَةٌ، وهي -فِيما رُوِيَ- عن يَمِينِ العَرْشِ، وهو مَوْضِعُ الجَنَّةِ ومَكانُ المَرْحُومِينَ مِنَ الناسِ. والمَشْأمَةِ الجانِبُ الأشْأمُ، وهو الأيْسَرُ، وفِيهِ جَهَنَّمُ، وهو طَرِيقُ المُعَذَّبِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتُ الشِمالِ، وهَذا مَأْخُوذٌ مِنَ اليَمَنِ والشامِ، لِلْواقِفِ بِبابِ الكَعْبَةِ مُتَوَجِّهًا إلى مَطْلَعِ الشَمْسِ، واليَدُ الشُؤْمى هي اليُسْرى، وذَهَبَ الزَجّاجُ وقَوْمٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ اليُمْنِ والشُؤْمِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ "مُوصَدَةٌ" عَلى وزْنِ "مَوْعِدَةٌ" وكَذَلِكَ في سُورَةِ الهُمَزَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ، عن عاصِمٍ "مُؤْصَدَةٍ" بِالهَمْزِ في السُورَتَيْنِ، ومَعْناهُما جَمِيعًا، مُطْبَقَةً مُغْلَقَةً، يُقالُ: "أوصَدْتُ وآصَدْتُ" بِمَعْنى: أطْبَقْتُ وأغْلَقْتُ، فَمُوصَدَةٌ -دُونَ هَمْزٍ- مِن "أوصَدْتُ"، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَهْمِزَ مَن يَراها مِن "أوصَدْتُ" مِن حَيْثُ قِيلَ: الواوُ حَرْفٌ مَضْمُومٌ عَلى لُغَةِ مَن قَرَأ: "بِالسُوقِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ لِحَبِّ المُؤْقِدانِ إلَيَّ مُؤَسى ∗∗∗......................... (p-٦٢٦)بِالهَمْزِ فِيهِما، و"مُؤْصَدَةٌ" مِن "آصَدْتُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُسَهِّلَ الهَمْزَةَ فَيَجِيءُ "مُوصَدَةً" مِن "آصَدْتُ" ومِنَ اللَفْظَةِ "الوَصِيدُ"، وقالَ الشاعِرُ: ؎ قَوْمًا يُعالِجُ قُمَّلًا أبْناؤُهم ∗∗∗ ∗∗∗ وسَلاسِلًا حَلْقًا وبابًا مُوصَدًا كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ البَلَدِ والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

البلد 90:12

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أو إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أو مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وتَواصَوْا بِالصَبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ (p-٦٢٢)( العَقَبَة ) في هَذِهِ الآيَةِ -عَلى عُرْفِ كَلامِ العَرَبِ- اسْتِعارَةٌ لِهَذا العَمَلِ الشاقِّ عَلى النَفْسِ مِن حَيْثُ هو بَذْلُ مالٍ تَشْبِيهٌ بِعَقَبَةٍ مِنَ الجَبَلِ، وهي ما صَعُبَ مِنهُ وكانَ صُعُودًا، و﴿اقْتَحَمَ﴾ مَعْناهُ: دَخَلَها وجاوَزَها بِسُرْعَةٍ وضَغْطٍ وشِدَّةٍ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَرَأوا أنَّ ( العَقَبَةَ ) يُرادُ بِها جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، لا يُنْجِي مِنهُ إلّا هَذِهِ الأعْمالُ ونَحْوُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: العَقَبَةُ جَهَنَّمُ، قالَ هو وقَتادَةُ فاقْتَحِمُوها بِطاعَةِ اللهِ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اقْتِحامَها لِلْمُؤْمِنِ كَما بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إلى العَشاءِ"». واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ ( فَلا ) فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو تَحْضِيضٌ بِمَعْنى "فَأْلًا"، وقالَ آخَرُونَ وهو دُعاءٌ بِمَعْنى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ أنْ يُدْعى عَلَيْهِ بِألا يَفْعَلَ خَيْرًا، وقِيلَ: هو نَفْيٌ، أيْ فَما اقْتَحَمَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَجّاجُ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١]، فَهو نَفْيٌ مَحْضٌ كَأنَّهُ قالَ: وهَبْنا لَهُ الجَوارِحَ ودَلَلْناهُ عَلى السَبِيلِ فَما فَعَلَ خَيْرًا. ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ تَعالى أمْرَ العَقَبَةِ في النُفُوسِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى اقْتِحامَ العَقَبَةِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ "فَكُّ رَقَبَةٍ" بِالرَفْعِ عَلى المَصْدَرِ، وأمّا مَن قَرَأ "فَكَّ" عَلى الفِعْلِ، ونَصَبَ "الرَقَبَةَ"، فَلَيْسَ يَحْتاجُ أنْ يُقَدِّرَ: "وَما أدْراكَ ما اقْتِحامُ" بَلْ يَكُونُ التَعْظِيمُ لِلْعَقَبَةِ نَفْسِها، ويَجِيءُ "فَكَّ" بَدَلًا مِنِ "اقْتَحَمَ" ومُبِينًا. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أو إطْعامٌ﴾، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "فَكَّ رَقَبَةً أو أطْعَمَ"، وقَرَأ بَعْضُ التابِعِينَ "فَكِّ رَقَبَةٍ" بِالخَفْضِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو أيْضًا "فَكَّ رَقَبَةٍ" بِالنَصْبِ "أو إطْعامٌ"، وتَرْتِيبُ هَذِهِ القِراءاتِ ووُجُوهُها بَيِّنَةٌ. و"فَكُّ الرَقَبَةِ" مَعْناهُ: بِالعِتْقِ مِن رَقَبَةِ الأُسَرِ والرِقِّ، وفي الحَدِيثِ عَنِ (p-٦٢٣)النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أعْتَقَ نَسَمَةً مُؤْمِنَةً أعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنها عُضْوًا مِنهُ مِنَ النارِ"». «وَقالَ أعْرابِيٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ: دُلَّنِي عَلى عَمَلٍ أنْجُو بِهِ، فَقالَ: "لَئِنْ قَصَرْتَ القَوْلَ لَقَدْ عَرَضْتَ المَسْألَةَ، فُكَّ الرَقَبَةَ وأعْتِقِ النَسَمَةَ"، فَقالَ الأعْرابِيُّ: ألَيْسَ هَذا واحِدًا؟ فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "لا، عِتْقُ النَسَمَةِ أنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِها، وفَكُّ الرَقَبَةِ أنْ تُعِينَ في ثَمَنِها".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَذَلِكَ فَكُّ الأسِيرِ إنْ شاءَ اللهُ، وفِداؤُهُ أنْ يَنْفَرِدَ الفادِي. «ثُمَّ قالَ النَبِيُّ ﷺ لِلْأعْرابِيِّ: "وَأبْقِ عَلى ذِي الرَحِمِ الظالِمِ، فَإنْ لَمْ تُطِقْ هَذا كُلَّهُ، فَكُفَّ لِسانَكَ إلّا مِن خَيْرٍ".» و" المَسْغَبَة ": المَجاعَةُ، والساغِبُ: الجائِعُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ عَلى نَعْتِ "يَوْمٍ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: "ذا مَسْغَبَةٍ" عَلى أنْ يَعْمَلَ فِيها "أطْعَمَ" أو "إطْعامَ" عَلى القِراءَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وفي هَذا حَذْفُ المَوْصُوفِ وإقامَةُ الصِفَةِ مَقامَهُ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ إنْسانًا ذا مَسْغَبَةٍ و"يَتِيمًا" يَدُلُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَوْلِهِ تَعالى ذا مَسْغَبَة، ووَصَفَتِ الصِفَةُ لَمّا قامَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها المَحْذُوفِ فَأشْبَهَتِ الأسْماءَ، و"المَسْغَبَةُ": الجُوعُ العامُّ، وقَدْ يُقالُ في الخاصِّ: سَغَبَ الرَجُلُ إذا جاعَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذا مَقْرَبَةٍ﴾ مَعْناهُ: ذا مَقْرُبَةٍ لِتَجْتَمِعَ الصَدَقَةُ والصِلَةُ، وهَذا نَحْوُ ما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِزَيْنَبَ امْرَأةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: « "تَصَدَّقِي عَلى زَوْجِكِ فَهي لَكِ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ"»، و"أو" في قَوْلِهِ ﴿أو مِسْكِينًا﴾ فِيها مَعْنى الإباحَةِ ومَعْنى (p-٦٢٤)التَخْيِير؛ لِأنَّ الكَلامَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الحَضِّ والأمْرِ، وفِيها أيْضًا مَعْنى التَفْضِيلِ المُجَرَّدِ؛ لِأنَّ الكَلامَ يَجْرِي مَجْرى الخَبَرِ الَّذِي لا تَكُونُ أو فِيهِ إلّا مُفَصَّلَةً، وأمّا مَعْنى الشَكِّ أوِ الإبْهامِ فَلا مَدْخَلَ لَها في هَذِهِ الآيَةِ، والإبْهامُ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا أو إيّاكُمْ﴾ [سبإ: ٢٤]، وقَوْل أبِي الأُسُودِ: ؎ أُحِبُّ مُحَمَّدًا حُبًّا شَدِيدًا وعَبّاسًا وحَمْزَةَ أو عَلِيًّا و﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ مَعْناهُ: مُدْقِعًا قَدْ لَصِقَ بِالتُرابِ، وهَذا مِمّا يَنْحُو إلى أنَّ المِسْكِينَ أشَدُّ فاقَةً مِنَ الفَقِيرِ، قالَ سُفْيانُ: هُمُ المَطْرُوحُونَ عَلى ظَهْرِ الطَرِيقِ قُعُودًا عَلى التُرابِ لا بُيُوتَ لَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الَّذِي يَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ ثُمَّ يُقَلِّبُ وجْهَهُ إلى بَيْتِهِ مُسْتَيْقِنًا أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا التُرابُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْتَحَمَ﴾ ويُتَوَجَّهُ فِيهِ مَعانِي ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ المَذْكُورَةُ مِنَ النَفْيِ والتَحْضِيضِ والدُعاءِ، ورَجَّحَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ قِراءَتَهُ: "فَكُّ رَقَبَةٍ" بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ كانَ﴾، ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ كانَ﴾ أيْ كانَ وقْتَ (p-٦٢٥)اقْتِحامِهِ العَقَبَةَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ يَقْتَحِمُ ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاقْتِحامَ كانَ يَقَعُ مِن غَيْرِ مُؤْمِنٍ وذَلِكَ غَيْرُ نافِعٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَواصَوْا بِالصَبْرِ﴾ مَعْناهُ: عَلى طاعَةِ اللهِ تَعالى وبَلائِهِ وقَضائِهِ، وعَنِ الشَهَواتِ والمَعاصِي. والمَرْحَمَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كُلُّ ما يُؤَدِّي إلى رَحْمَةِ اللهِ تَعالى. وقالَ آخَرُونَ: هو التَراحُمُ وعَطْفُ بَعْضٍ مِنَ الناسِ عَلى بَعْضٍ، وفي ذَلِكَ قِوامُ الناسِ ولَوْ لَمْ يَتَراحَمُوا جُمْلَةً هَلَكُوا. والمَيْمَنَةِ مَفْعَلَةٌ، وهي -فِيما رُوِيَ- عن يَمِينِ العَرْشِ، وهو مَوْضِعُ الجَنَّةِ ومَكانُ المَرْحُومِينَ مِنَ الناسِ. والمَشْأمَةِ الجانِبُ الأشْأمُ، وهو الأيْسَرُ، وفِيهِ جَهَنَّمُ، وهو طَرِيقُ المُعَذَّبِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتُ الشِمالِ، وهَذا مَأْخُوذٌ مِنَ اليَمَنِ والشامِ، لِلْواقِفِ بِبابِ الكَعْبَةِ مُتَوَجِّهًا إلى مَطْلَعِ الشَمْسِ، واليَدُ الشُؤْمى هي اليُسْرى، وذَهَبَ الزَجّاجُ وقَوْمٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ اليُمْنِ والشُؤْمِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ "مُوصَدَةٌ" عَلى وزْنِ "مَوْعِدَةٌ" وكَذَلِكَ في سُورَةِ الهُمَزَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ، عن عاصِمٍ "مُؤْصَدَةٍ" بِالهَمْزِ في السُورَتَيْنِ، ومَعْناهُما جَمِيعًا، مُطْبَقَةً مُغْلَقَةً، يُقالُ: "أوصَدْتُ وآصَدْتُ" بِمَعْنى: أطْبَقْتُ وأغْلَقْتُ، فَمُوصَدَةٌ -دُونَ هَمْزٍ- مِن "أوصَدْتُ"، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَهْمِزَ مَن يَراها مِن "أوصَدْتُ" مِن حَيْثُ قِيلَ: الواوُ حَرْفٌ مَضْمُومٌ عَلى لُغَةِ مَن قَرَأ: "بِالسُوقِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ لِحَبِّ المُؤْقِدانِ إلَيَّ مُؤَسى ∗∗∗......................... (p-٦٢٦)بِالهَمْزِ فِيهِما، و"مُؤْصَدَةٌ" مِن "آصَدْتُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُسَهِّلَ الهَمْزَةَ فَيَجِيءُ "مُوصَدَةً" مِن "آصَدْتُ" ومِنَ اللَفْظَةِ "الوَصِيدُ"، وقالَ الشاعِرُ: ؎ قَوْمًا يُعالِجُ قُمَّلًا أبْناؤُهم ∗∗∗ ∗∗∗ وسَلاسِلًا حَلْقًا وبابًا مُوصَدًا كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ البَلَدِ والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

البلد 90:13

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أو إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أو مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وتَواصَوْا بِالصَبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ (p-٦٢٢)( العَقَبَة ) في هَذِهِ الآيَةِ -عَلى عُرْفِ كَلامِ العَرَبِ- اسْتِعارَةٌ لِهَذا العَمَلِ الشاقِّ عَلى النَفْسِ مِن حَيْثُ هو بَذْلُ مالٍ تَشْبِيهٌ بِعَقَبَةٍ مِنَ الجَبَلِ، وهي ما صَعُبَ مِنهُ وكانَ صُعُودًا، و﴿اقْتَحَمَ﴾ مَعْناهُ: دَخَلَها وجاوَزَها بِسُرْعَةٍ وضَغْطٍ وشِدَّةٍ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَرَأوا أنَّ ( العَقَبَةَ ) يُرادُ بِها جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، لا يُنْجِي مِنهُ إلّا هَذِهِ الأعْمالُ ونَحْوُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: العَقَبَةُ جَهَنَّمُ، قالَ هو وقَتادَةُ فاقْتَحِمُوها بِطاعَةِ اللهِ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اقْتِحامَها لِلْمُؤْمِنِ كَما بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إلى العَشاءِ"». واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ ( فَلا ) فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو تَحْضِيضٌ بِمَعْنى "فَأْلًا"، وقالَ آخَرُونَ وهو دُعاءٌ بِمَعْنى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ أنْ يُدْعى عَلَيْهِ بِألا يَفْعَلَ خَيْرًا، وقِيلَ: هو نَفْيٌ، أيْ فَما اقْتَحَمَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَجّاجُ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١]، فَهو نَفْيٌ مَحْضٌ كَأنَّهُ قالَ: وهَبْنا لَهُ الجَوارِحَ ودَلَلْناهُ عَلى السَبِيلِ فَما فَعَلَ خَيْرًا. ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ تَعالى أمْرَ العَقَبَةِ في النُفُوسِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى اقْتِحامَ العَقَبَةِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ "فَكُّ رَقَبَةٍ" بِالرَفْعِ عَلى المَصْدَرِ، وأمّا مَن قَرَأ "فَكَّ" عَلى الفِعْلِ، ونَصَبَ "الرَقَبَةَ"، فَلَيْسَ يَحْتاجُ أنْ يُقَدِّرَ: "وَما أدْراكَ ما اقْتِحامُ" بَلْ يَكُونُ التَعْظِيمُ لِلْعَقَبَةِ نَفْسِها، ويَجِيءُ "فَكَّ" بَدَلًا مِنِ "اقْتَحَمَ" ومُبِينًا. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أو إطْعامٌ﴾، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "فَكَّ رَقَبَةً أو أطْعَمَ"، وقَرَأ بَعْضُ التابِعِينَ "فَكِّ رَقَبَةٍ" بِالخَفْضِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو أيْضًا "فَكَّ رَقَبَةٍ" بِالنَصْبِ "أو إطْعامٌ"، وتَرْتِيبُ هَذِهِ القِراءاتِ ووُجُوهُها بَيِّنَةٌ. و"فَكُّ الرَقَبَةِ" مَعْناهُ: بِالعِتْقِ مِن رَقَبَةِ الأُسَرِ والرِقِّ، وفي الحَدِيثِ عَنِ (p-٦٢٣)النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أعْتَقَ نَسَمَةً مُؤْمِنَةً أعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنها عُضْوًا مِنهُ مِنَ النارِ"». «وَقالَ أعْرابِيٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ: دُلَّنِي عَلى عَمَلٍ أنْجُو بِهِ، فَقالَ: "لَئِنْ قَصَرْتَ القَوْلَ لَقَدْ عَرَضْتَ المَسْألَةَ، فُكَّ الرَقَبَةَ وأعْتِقِ النَسَمَةَ"، فَقالَ الأعْرابِيُّ: ألَيْسَ هَذا واحِدًا؟ فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "لا، عِتْقُ النَسَمَةِ أنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِها، وفَكُّ الرَقَبَةِ أنْ تُعِينَ في ثَمَنِها".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَذَلِكَ فَكُّ الأسِيرِ إنْ شاءَ اللهُ، وفِداؤُهُ أنْ يَنْفَرِدَ الفادِي. «ثُمَّ قالَ النَبِيُّ ﷺ لِلْأعْرابِيِّ: "وَأبْقِ عَلى ذِي الرَحِمِ الظالِمِ، فَإنْ لَمْ تُطِقْ هَذا كُلَّهُ، فَكُفَّ لِسانَكَ إلّا مِن خَيْرٍ".» و" المَسْغَبَة ": المَجاعَةُ، والساغِبُ: الجائِعُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ عَلى نَعْتِ "يَوْمٍ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: "ذا مَسْغَبَةٍ" عَلى أنْ يَعْمَلَ فِيها "أطْعَمَ" أو "إطْعامَ" عَلى القِراءَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وفي هَذا حَذْفُ المَوْصُوفِ وإقامَةُ الصِفَةِ مَقامَهُ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ إنْسانًا ذا مَسْغَبَةٍ و"يَتِيمًا" يَدُلُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَوْلِهِ تَعالى ذا مَسْغَبَة، ووَصَفَتِ الصِفَةُ لَمّا قامَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها المَحْذُوفِ فَأشْبَهَتِ الأسْماءَ، و"المَسْغَبَةُ": الجُوعُ العامُّ، وقَدْ يُقالُ في الخاصِّ: سَغَبَ الرَجُلُ إذا جاعَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذا مَقْرَبَةٍ﴾ مَعْناهُ: ذا مَقْرُبَةٍ لِتَجْتَمِعَ الصَدَقَةُ والصِلَةُ، وهَذا نَحْوُ ما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِزَيْنَبَ امْرَأةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: « "تَصَدَّقِي عَلى زَوْجِكِ فَهي لَكِ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ"»، و"أو" في قَوْلِهِ ﴿أو مِسْكِينًا﴾ فِيها مَعْنى الإباحَةِ ومَعْنى (p-٦٢٤)التَخْيِير؛ لِأنَّ الكَلامَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الحَضِّ والأمْرِ، وفِيها أيْضًا مَعْنى التَفْضِيلِ المُجَرَّدِ؛ لِأنَّ الكَلامَ يَجْرِي مَجْرى الخَبَرِ الَّذِي لا تَكُونُ أو فِيهِ إلّا مُفَصَّلَةً، وأمّا مَعْنى الشَكِّ أوِ الإبْهامِ فَلا مَدْخَلَ لَها في هَذِهِ الآيَةِ، والإبْهامُ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا أو إيّاكُمْ﴾ [سبإ: ٢٤]، وقَوْل أبِي الأُسُودِ: ؎ أُحِبُّ مُحَمَّدًا حُبًّا شَدِيدًا وعَبّاسًا وحَمْزَةَ أو عَلِيًّا و﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ مَعْناهُ: مُدْقِعًا قَدْ لَصِقَ بِالتُرابِ، وهَذا مِمّا يَنْحُو إلى أنَّ المِسْكِينَ أشَدُّ فاقَةً مِنَ الفَقِيرِ، قالَ سُفْيانُ: هُمُ المَطْرُوحُونَ عَلى ظَهْرِ الطَرِيقِ قُعُودًا عَلى التُرابِ لا بُيُوتَ لَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الَّذِي يَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ ثُمَّ يُقَلِّبُ وجْهَهُ إلى بَيْتِهِ مُسْتَيْقِنًا أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا التُرابُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْتَحَمَ﴾ ويُتَوَجَّهُ فِيهِ مَعانِي ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ المَذْكُورَةُ مِنَ النَفْيِ والتَحْضِيضِ والدُعاءِ، ورَجَّحَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ قِراءَتَهُ: "فَكُّ رَقَبَةٍ" بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ كانَ﴾، ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ كانَ﴾ أيْ كانَ وقْتَ (p-٦٢٥)اقْتِحامِهِ العَقَبَةَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ يَقْتَحِمُ ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاقْتِحامَ كانَ يَقَعُ مِن غَيْرِ مُؤْمِنٍ وذَلِكَ غَيْرُ نافِعٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَواصَوْا بِالصَبْرِ﴾ مَعْناهُ: عَلى طاعَةِ اللهِ تَعالى وبَلائِهِ وقَضائِهِ، وعَنِ الشَهَواتِ والمَعاصِي. والمَرْحَمَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كُلُّ ما يُؤَدِّي إلى رَحْمَةِ اللهِ تَعالى. وقالَ آخَرُونَ: هو التَراحُمُ وعَطْفُ بَعْضٍ مِنَ الناسِ عَلى بَعْضٍ، وفي ذَلِكَ قِوامُ الناسِ ولَوْ لَمْ يَتَراحَمُوا جُمْلَةً هَلَكُوا. والمَيْمَنَةِ مَفْعَلَةٌ، وهي -فِيما رُوِيَ- عن يَمِينِ العَرْشِ، وهو مَوْضِعُ الجَنَّةِ ومَكانُ المَرْحُومِينَ مِنَ الناسِ. والمَشْأمَةِ الجانِبُ الأشْأمُ، وهو الأيْسَرُ، وفِيهِ جَهَنَّمُ، وهو طَرِيقُ المُعَذَّبِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتُ الشِمالِ، وهَذا مَأْخُوذٌ مِنَ اليَمَنِ والشامِ، لِلْواقِفِ بِبابِ الكَعْبَةِ مُتَوَجِّهًا إلى مَطْلَعِ الشَمْسِ، واليَدُ الشُؤْمى هي اليُسْرى، وذَهَبَ الزَجّاجُ وقَوْمٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ اليُمْنِ والشُؤْمِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ "مُوصَدَةٌ" عَلى وزْنِ "مَوْعِدَةٌ" وكَذَلِكَ في سُورَةِ الهُمَزَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ، عن عاصِمٍ "مُؤْصَدَةٍ" بِالهَمْزِ في السُورَتَيْنِ، ومَعْناهُما جَمِيعًا، مُطْبَقَةً مُغْلَقَةً، يُقالُ: "أوصَدْتُ وآصَدْتُ" بِمَعْنى: أطْبَقْتُ وأغْلَقْتُ، فَمُوصَدَةٌ -دُونَ هَمْزٍ- مِن "أوصَدْتُ"، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَهْمِزَ مَن يَراها مِن "أوصَدْتُ" مِن حَيْثُ قِيلَ: الواوُ حَرْفٌ مَضْمُومٌ عَلى لُغَةِ مَن قَرَأ: "بِالسُوقِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ لِحَبِّ المُؤْقِدانِ إلَيَّ مُؤَسى ∗∗∗......................... (p-٦٢٦)بِالهَمْزِ فِيهِما، و"مُؤْصَدَةٌ" مِن "آصَدْتُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُسَهِّلَ الهَمْزَةَ فَيَجِيءُ "مُوصَدَةً" مِن "آصَدْتُ" ومِنَ اللَفْظَةِ "الوَصِيدُ"، وقالَ الشاعِرُ: ؎ قَوْمًا يُعالِجُ قُمَّلًا أبْناؤُهم ∗∗∗ ∗∗∗ وسَلاسِلًا حَلْقًا وبابًا مُوصَدًا كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ البَلَدِ والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

البلد 90:14

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أو إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أو مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وتَواصَوْا بِالصَبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ (p-٦٢٢)( العَقَبَة ) في هَذِهِ الآيَةِ -عَلى عُرْفِ كَلامِ العَرَبِ- اسْتِعارَةٌ لِهَذا العَمَلِ الشاقِّ عَلى النَفْسِ مِن حَيْثُ هو بَذْلُ مالٍ تَشْبِيهٌ بِعَقَبَةٍ مِنَ الجَبَلِ، وهي ما صَعُبَ مِنهُ وكانَ صُعُودًا، و﴿اقْتَحَمَ﴾ مَعْناهُ: دَخَلَها وجاوَزَها بِسُرْعَةٍ وضَغْطٍ وشِدَّةٍ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَرَأوا أنَّ ( العَقَبَةَ ) يُرادُ بِها جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، لا يُنْجِي مِنهُ إلّا هَذِهِ الأعْمالُ ونَحْوُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: العَقَبَةُ جَهَنَّمُ، قالَ هو وقَتادَةُ فاقْتَحِمُوها بِطاعَةِ اللهِ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اقْتِحامَها لِلْمُؤْمِنِ كَما بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إلى العَشاءِ"». واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ ( فَلا ) فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو تَحْضِيضٌ بِمَعْنى "فَأْلًا"، وقالَ آخَرُونَ وهو دُعاءٌ بِمَعْنى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ أنْ يُدْعى عَلَيْهِ بِألا يَفْعَلَ خَيْرًا، وقِيلَ: هو نَفْيٌ، أيْ فَما اقْتَحَمَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَجّاجُ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١]، فَهو نَفْيٌ مَحْضٌ كَأنَّهُ قالَ: وهَبْنا لَهُ الجَوارِحَ ودَلَلْناهُ عَلى السَبِيلِ فَما فَعَلَ خَيْرًا. ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ تَعالى أمْرَ العَقَبَةِ في النُفُوسِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى اقْتِحامَ العَقَبَةِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ "فَكُّ رَقَبَةٍ" بِالرَفْعِ عَلى المَصْدَرِ، وأمّا مَن قَرَأ "فَكَّ" عَلى الفِعْلِ، ونَصَبَ "الرَقَبَةَ"، فَلَيْسَ يَحْتاجُ أنْ يُقَدِّرَ: "وَما أدْراكَ ما اقْتِحامُ" بَلْ يَكُونُ التَعْظِيمُ لِلْعَقَبَةِ نَفْسِها، ويَجِيءُ "فَكَّ" بَدَلًا مِنِ "اقْتَحَمَ" ومُبِينًا. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أو إطْعامٌ﴾، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "فَكَّ رَقَبَةً أو أطْعَمَ"، وقَرَأ بَعْضُ التابِعِينَ "فَكِّ رَقَبَةٍ" بِالخَفْضِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو أيْضًا "فَكَّ رَقَبَةٍ" بِالنَصْبِ "أو إطْعامٌ"، وتَرْتِيبُ هَذِهِ القِراءاتِ ووُجُوهُها بَيِّنَةٌ. و"فَكُّ الرَقَبَةِ" مَعْناهُ: بِالعِتْقِ مِن رَقَبَةِ الأُسَرِ والرِقِّ، وفي الحَدِيثِ عَنِ (p-٦٢٣)النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أعْتَقَ نَسَمَةً مُؤْمِنَةً أعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنها عُضْوًا مِنهُ مِنَ النارِ"». «وَقالَ أعْرابِيٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ: دُلَّنِي عَلى عَمَلٍ أنْجُو بِهِ، فَقالَ: "لَئِنْ قَصَرْتَ القَوْلَ لَقَدْ عَرَضْتَ المَسْألَةَ، فُكَّ الرَقَبَةَ وأعْتِقِ النَسَمَةَ"، فَقالَ الأعْرابِيُّ: ألَيْسَ هَذا واحِدًا؟ فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "لا، عِتْقُ النَسَمَةِ أنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِها، وفَكُّ الرَقَبَةِ أنْ تُعِينَ في ثَمَنِها".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَذَلِكَ فَكُّ الأسِيرِ إنْ شاءَ اللهُ، وفِداؤُهُ أنْ يَنْفَرِدَ الفادِي. «ثُمَّ قالَ النَبِيُّ ﷺ لِلْأعْرابِيِّ: "وَأبْقِ عَلى ذِي الرَحِمِ الظالِمِ، فَإنْ لَمْ تُطِقْ هَذا كُلَّهُ، فَكُفَّ لِسانَكَ إلّا مِن خَيْرٍ".» و" المَسْغَبَة ": المَجاعَةُ، والساغِبُ: الجائِعُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ عَلى نَعْتِ "يَوْمٍ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: "ذا مَسْغَبَةٍ" عَلى أنْ يَعْمَلَ فِيها "أطْعَمَ" أو "إطْعامَ" عَلى القِراءَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وفي هَذا حَذْفُ المَوْصُوفِ وإقامَةُ الصِفَةِ مَقامَهُ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ إنْسانًا ذا مَسْغَبَةٍ و"يَتِيمًا" يَدُلُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَوْلِهِ تَعالى ذا مَسْغَبَة، ووَصَفَتِ الصِفَةُ لَمّا قامَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها المَحْذُوفِ فَأشْبَهَتِ الأسْماءَ، و"المَسْغَبَةُ": الجُوعُ العامُّ، وقَدْ يُقالُ في الخاصِّ: سَغَبَ الرَجُلُ إذا جاعَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذا مَقْرَبَةٍ﴾ مَعْناهُ: ذا مَقْرُبَةٍ لِتَجْتَمِعَ الصَدَقَةُ والصِلَةُ، وهَذا نَحْوُ ما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِزَيْنَبَ امْرَأةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: « "تَصَدَّقِي عَلى زَوْجِكِ فَهي لَكِ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ"»، و"أو" في قَوْلِهِ ﴿أو مِسْكِينًا﴾ فِيها مَعْنى الإباحَةِ ومَعْنى (p-٦٢٤)التَخْيِير؛ لِأنَّ الكَلامَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الحَضِّ والأمْرِ، وفِيها أيْضًا مَعْنى التَفْضِيلِ المُجَرَّدِ؛ لِأنَّ الكَلامَ يَجْرِي مَجْرى الخَبَرِ الَّذِي لا تَكُونُ أو فِيهِ إلّا مُفَصَّلَةً، وأمّا مَعْنى الشَكِّ أوِ الإبْهامِ فَلا مَدْخَلَ لَها في هَذِهِ الآيَةِ، والإبْهامُ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا أو إيّاكُمْ﴾ [سبإ: ٢٤]، وقَوْل أبِي الأُسُودِ: ؎ أُحِبُّ مُحَمَّدًا حُبًّا شَدِيدًا وعَبّاسًا وحَمْزَةَ أو عَلِيًّا و﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ مَعْناهُ: مُدْقِعًا قَدْ لَصِقَ بِالتُرابِ، وهَذا مِمّا يَنْحُو إلى أنَّ المِسْكِينَ أشَدُّ فاقَةً مِنَ الفَقِيرِ، قالَ سُفْيانُ: هُمُ المَطْرُوحُونَ عَلى ظَهْرِ الطَرِيقِ قُعُودًا عَلى التُرابِ لا بُيُوتَ لَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الَّذِي يَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ ثُمَّ يُقَلِّبُ وجْهَهُ إلى بَيْتِهِ مُسْتَيْقِنًا أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا التُرابُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْتَحَمَ﴾ ويُتَوَجَّهُ فِيهِ مَعانِي ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ المَذْكُورَةُ مِنَ النَفْيِ والتَحْضِيضِ والدُعاءِ، ورَجَّحَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ قِراءَتَهُ: "فَكُّ رَقَبَةٍ" بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ كانَ﴾، ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ كانَ﴾ أيْ كانَ وقْتَ (p-٦٢٥)اقْتِحامِهِ العَقَبَةَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ يَقْتَحِمُ ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاقْتِحامَ كانَ يَقَعُ مِن غَيْرِ مُؤْمِنٍ وذَلِكَ غَيْرُ نافِعٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَواصَوْا بِالصَبْرِ﴾ مَعْناهُ: عَلى طاعَةِ اللهِ تَعالى وبَلائِهِ وقَضائِهِ، وعَنِ الشَهَواتِ والمَعاصِي. والمَرْحَمَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كُلُّ ما يُؤَدِّي إلى رَحْمَةِ اللهِ تَعالى. وقالَ آخَرُونَ: هو التَراحُمُ وعَطْفُ بَعْضٍ مِنَ الناسِ عَلى بَعْضٍ، وفي ذَلِكَ قِوامُ الناسِ ولَوْ لَمْ يَتَراحَمُوا جُمْلَةً هَلَكُوا. والمَيْمَنَةِ مَفْعَلَةٌ، وهي -فِيما رُوِيَ- عن يَمِينِ العَرْشِ، وهو مَوْضِعُ الجَنَّةِ ومَكانُ المَرْحُومِينَ مِنَ الناسِ. والمَشْأمَةِ الجانِبُ الأشْأمُ، وهو الأيْسَرُ، وفِيهِ جَهَنَّمُ، وهو طَرِيقُ المُعَذَّبِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتُ الشِمالِ، وهَذا مَأْخُوذٌ مِنَ اليَمَنِ والشامِ، لِلْواقِفِ بِبابِ الكَعْبَةِ مُتَوَجِّهًا إلى مَطْلَعِ الشَمْسِ، واليَدُ الشُؤْمى هي اليُسْرى، وذَهَبَ الزَجّاجُ وقَوْمٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ اليُمْنِ والشُؤْمِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ "مُوصَدَةٌ" عَلى وزْنِ "مَوْعِدَةٌ" وكَذَلِكَ في سُورَةِ الهُمَزَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ، عن عاصِمٍ "مُؤْصَدَةٍ" بِالهَمْزِ في السُورَتَيْنِ، ومَعْناهُما جَمِيعًا، مُطْبَقَةً مُغْلَقَةً، يُقالُ: "أوصَدْتُ وآصَدْتُ" بِمَعْنى: أطْبَقْتُ وأغْلَقْتُ، فَمُوصَدَةٌ -دُونَ هَمْزٍ- مِن "أوصَدْتُ"، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَهْمِزَ مَن يَراها مِن "أوصَدْتُ" مِن حَيْثُ قِيلَ: الواوُ حَرْفٌ مَضْمُومٌ عَلى لُغَةِ مَن قَرَأ: "بِالسُوقِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ لِحَبِّ المُؤْقِدانِ إلَيَّ مُؤَسى ∗∗∗......................... (p-٦٢٦)بِالهَمْزِ فِيهِما، و"مُؤْصَدَةٌ" مِن "آصَدْتُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُسَهِّلَ الهَمْزَةَ فَيَجِيءُ "مُوصَدَةً" مِن "آصَدْتُ" ومِنَ اللَفْظَةِ "الوَصِيدُ"، وقالَ الشاعِرُ: ؎ قَوْمًا يُعالِجُ قُمَّلًا أبْناؤُهم ∗∗∗ ∗∗∗ وسَلاسِلًا حَلْقًا وبابًا مُوصَدًا كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ البَلَدِ والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

البلد 90:15

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أو إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أو مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وتَواصَوْا بِالصَبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ (p-٦٢٢)( العَقَبَة ) في هَذِهِ الآيَةِ -عَلى عُرْفِ كَلامِ العَرَبِ- اسْتِعارَةٌ لِهَذا العَمَلِ الشاقِّ عَلى النَفْسِ مِن حَيْثُ هو بَذْلُ مالٍ تَشْبِيهٌ بِعَقَبَةٍ مِنَ الجَبَلِ، وهي ما صَعُبَ مِنهُ وكانَ صُعُودًا، و﴿اقْتَحَمَ﴾ مَعْناهُ: دَخَلَها وجاوَزَها بِسُرْعَةٍ وضَغْطٍ وشِدَّةٍ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَرَأوا أنَّ ( العَقَبَةَ ) يُرادُ بِها جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، لا يُنْجِي مِنهُ إلّا هَذِهِ الأعْمالُ ونَحْوُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: العَقَبَةُ جَهَنَّمُ، قالَ هو وقَتادَةُ فاقْتَحِمُوها بِطاعَةِ اللهِ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اقْتِحامَها لِلْمُؤْمِنِ كَما بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إلى العَشاءِ"». واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ ( فَلا ) فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو تَحْضِيضٌ بِمَعْنى "فَأْلًا"، وقالَ آخَرُونَ وهو دُعاءٌ بِمَعْنى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ أنْ يُدْعى عَلَيْهِ بِألا يَفْعَلَ خَيْرًا، وقِيلَ: هو نَفْيٌ، أيْ فَما اقْتَحَمَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَجّاجُ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١]، فَهو نَفْيٌ مَحْضٌ كَأنَّهُ قالَ: وهَبْنا لَهُ الجَوارِحَ ودَلَلْناهُ عَلى السَبِيلِ فَما فَعَلَ خَيْرًا. ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ تَعالى أمْرَ العَقَبَةِ في النُفُوسِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى اقْتِحامَ العَقَبَةِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ "فَكُّ رَقَبَةٍ" بِالرَفْعِ عَلى المَصْدَرِ، وأمّا مَن قَرَأ "فَكَّ" عَلى الفِعْلِ، ونَصَبَ "الرَقَبَةَ"، فَلَيْسَ يَحْتاجُ أنْ يُقَدِّرَ: "وَما أدْراكَ ما اقْتِحامُ" بَلْ يَكُونُ التَعْظِيمُ لِلْعَقَبَةِ نَفْسِها، ويَجِيءُ "فَكَّ" بَدَلًا مِنِ "اقْتَحَمَ" ومُبِينًا. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أو إطْعامٌ﴾، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "فَكَّ رَقَبَةً أو أطْعَمَ"، وقَرَأ بَعْضُ التابِعِينَ "فَكِّ رَقَبَةٍ" بِالخَفْضِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو أيْضًا "فَكَّ رَقَبَةٍ" بِالنَصْبِ "أو إطْعامٌ"، وتَرْتِيبُ هَذِهِ القِراءاتِ ووُجُوهُها بَيِّنَةٌ. و"فَكُّ الرَقَبَةِ" مَعْناهُ: بِالعِتْقِ مِن رَقَبَةِ الأُسَرِ والرِقِّ، وفي الحَدِيثِ عَنِ (p-٦٢٣)النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أعْتَقَ نَسَمَةً مُؤْمِنَةً أعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنها عُضْوًا مِنهُ مِنَ النارِ"». «وَقالَ أعْرابِيٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ: دُلَّنِي عَلى عَمَلٍ أنْجُو بِهِ، فَقالَ: "لَئِنْ قَصَرْتَ القَوْلَ لَقَدْ عَرَضْتَ المَسْألَةَ، فُكَّ الرَقَبَةَ وأعْتِقِ النَسَمَةَ"، فَقالَ الأعْرابِيُّ: ألَيْسَ هَذا واحِدًا؟ فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "لا، عِتْقُ النَسَمَةِ أنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِها، وفَكُّ الرَقَبَةِ أنْ تُعِينَ في ثَمَنِها".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَذَلِكَ فَكُّ الأسِيرِ إنْ شاءَ اللهُ، وفِداؤُهُ أنْ يَنْفَرِدَ الفادِي. «ثُمَّ قالَ النَبِيُّ ﷺ لِلْأعْرابِيِّ: "وَأبْقِ عَلى ذِي الرَحِمِ الظالِمِ، فَإنْ لَمْ تُطِقْ هَذا كُلَّهُ، فَكُفَّ لِسانَكَ إلّا مِن خَيْرٍ".» و" المَسْغَبَة ": المَجاعَةُ، والساغِبُ: الجائِعُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ عَلى نَعْتِ "يَوْمٍ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: "ذا مَسْغَبَةٍ" عَلى أنْ يَعْمَلَ فِيها "أطْعَمَ" أو "إطْعامَ" عَلى القِراءَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وفي هَذا حَذْفُ المَوْصُوفِ وإقامَةُ الصِفَةِ مَقامَهُ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ إنْسانًا ذا مَسْغَبَةٍ و"يَتِيمًا" يَدُلُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَوْلِهِ تَعالى ذا مَسْغَبَة، ووَصَفَتِ الصِفَةُ لَمّا قامَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها المَحْذُوفِ فَأشْبَهَتِ الأسْماءَ، و"المَسْغَبَةُ": الجُوعُ العامُّ، وقَدْ يُقالُ في الخاصِّ: سَغَبَ الرَجُلُ إذا جاعَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذا مَقْرَبَةٍ﴾ مَعْناهُ: ذا مَقْرُبَةٍ لِتَجْتَمِعَ الصَدَقَةُ والصِلَةُ، وهَذا نَحْوُ ما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِزَيْنَبَ امْرَأةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: « "تَصَدَّقِي عَلى زَوْجِكِ فَهي لَكِ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ"»، و"أو" في قَوْلِهِ ﴿أو مِسْكِينًا﴾ فِيها مَعْنى الإباحَةِ ومَعْنى (p-٦٢٤)التَخْيِير؛ لِأنَّ الكَلامَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الحَضِّ والأمْرِ، وفِيها أيْضًا مَعْنى التَفْضِيلِ المُجَرَّدِ؛ لِأنَّ الكَلامَ يَجْرِي مَجْرى الخَبَرِ الَّذِي لا تَكُونُ أو فِيهِ إلّا مُفَصَّلَةً، وأمّا مَعْنى الشَكِّ أوِ الإبْهامِ فَلا مَدْخَلَ لَها في هَذِهِ الآيَةِ، والإبْهامُ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا أو إيّاكُمْ﴾ [سبإ: ٢٤]، وقَوْل أبِي الأُسُودِ: ؎ أُحِبُّ مُحَمَّدًا حُبًّا شَدِيدًا وعَبّاسًا وحَمْزَةَ أو عَلِيًّا و﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ مَعْناهُ: مُدْقِعًا قَدْ لَصِقَ بِالتُرابِ، وهَذا مِمّا يَنْحُو إلى أنَّ المِسْكِينَ أشَدُّ فاقَةً مِنَ الفَقِيرِ، قالَ سُفْيانُ: هُمُ المَطْرُوحُونَ عَلى ظَهْرِ الطَرِيقِ قُعُودًا عَلى التُرابِ لا بُيُوتَ لَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الَّذِي يَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ ثُمَّ يُقَلِّبُ وجْهَهُ إلى بَيْتِهِ مُسْتَيْقِنًا أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا التُرابُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْتَحَمَ﴾ ويُتَوَجَّهُ فِيهِ مَعانِي ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ المَذْكُورَةُ مِنَ النَفْيِ والتَحْضِيضِ والدُعاءِ، ورَجَّحَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ قِراءَتَهُ: "فَكُّ رَقَبَةٍ" بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ كانَ﴾، ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ كانَ﴾ أيْ كانَ وقْتَ (p-٦٢٥)اقْتِحامِهِ العَقَبَةَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ يَقْتَحِمُ ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاقْتِحامَ كانَ يَقَعُ مِن غَيْرِ مُؤْمِنٍ وذَلِكَ غَيْرُ نافِعٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَواصَوْا بِالصَبْرِ﴾ مَعْناهُ: عَلى طاعَةِ اللهِ تَعالى وبَلائِهِ وقَضائِهِ، وعَنِ الشَهَواتِ والمَعاصِي. والمَرْحَمَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كُلُّ ما يُؤَدِّي إلى رَحْمَةِ اللهِ تَعالى. وقالَ آخَرُونَ: هو التَراحُمُ وعَطْفُ بَعْضٍ مِنَ الناسِ عَلى بَعْضٍ، وفي ذَلِكَ قِوامُ الناسِ ولَوْ لَمْ يَتَراحَمُوا جُمْلَةً هَلَكُوا. والمَيْمَنَةِ مَفْعَلَةٌ، وهي -فِيما رُوِيَ- عن يَمِينِ العَرْشِ، وهو مَوْضِعُ الجَنَّةِ ومَكانُ المَرْحُومِينَ مِنَ الناسِ. والمَشْأمَةِ الجانِبُ الأشْأمُ، وهو الأيْسَرُ، وفِيهِ جَهَنَّمُ، وهو طَرِيقُ المُعَذَّبِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتُ الشِمالِ، وهَذا مَأْخُوذٌ مِنَ اليَمَنِ والشامِ، لِلْواقِفِ بِبابِ الكَعْبَةِ مُتَوَجِّهًا إلى مَطْلَعِ الشَمْسِ، واليَدُ الشُؤْمى هي اليُسْرى، وذَهَبَ الزَجّاجُ وقَوْمٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ اليُمْنِ والشُؤْمِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ "مُوصَدَةٌ" عَلى وزْنِ "مَوْعِدَةٌ" وكَذَلِكَ في سُورَةِ الهُمَزَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ، عن عاصِمٍ "مُؤْصَدَةٍ" بِالهَمْزِ في السُورَتَيْنِ، ومَعْناهُما جَمِيعًا، مُطْبَقَةً مُغْلَقَةً، يُقالُ: "أوصَدْتُ وآصَدْتُ" بِمَعْنى: أطْبَقْتُ وأغْلَقْتُ، فَمُوصَدَةٌ -دُونَ هَمْزٍ- مِن "أوصَدْتُ"، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَهْمِزَ مَن يَراها مِن "أوصَدْتُ" مِن حَيْثُ قِيلَ: الواوُ حَرْفٌ مَضْمُومٌ عَلى لُغَةِ مَن قَرَأ: "بِالسُوقِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ لِحَبِّ المُؤْقِدانِ إلَيَّ مُؤَسى ∗∗∗......................... (p-٦٢٦)بِالهَمْزِ فِيهِما، و"مُؤْصَدَةٌ" مِن "آصَدْتُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُسَهِّلَ الهَمْزَةَ فَيَجِيءُ "مُوصَدَةً" مِن "آصَدْتُ" ومِنَ اللَفْظَةِ "الوَصِيدُ"، وقالَ الشاعِرُ: ؎ قَوْمًا يُعالِجُ قُمَّلًا أبْناؤُهم ∗∗∗ ∗∗∗ وسَلاسِلًا حَلْقًا وبابًا مُوصَدًا كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ البَلَدِ والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

البلد 90:16

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أو إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أو مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وتَواصَوْا بِالصَبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ (p-٦٢٢)( العَقَبَة ) في هَذِهِ الآيَةِ -عَلى عُرْفِ كَلامِ العَرَبِ- اسْتِعارَةٌ لِهَذا العَمَلِ الشاقِّ عَلى النَفْسِ مِن حَيْثُ هو بَذْلُ مالٍ تَشْبِيهٌ بِعَقَبَةٍ مِنَ الجَبَلِ، وهي ما صَعُبَ مِنهُ وكانَ صُعُودًا، و﴿اقْتَحَمَ﴾ مَعْناهُ: دَخَلَها وجاوَزَها بِسُرْعَةٍ وضَغْطٍ وشِدَّةٍ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَرَأوا أنَّ ( العَقَبَةَ ) يُرادُ بِها جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، لا يُنْجِي مِنهُ إلّا هَذِهِ الأعْمالُ ونَحْوُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: العَقَبَةُ جَهَنَّمُ، قالَ هو وقَتادَةُ فاقْتَحِمُوها بِطاعَةِ اللهِ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اقْتِحامَها لِلْمُؤْمِنِ كَما بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إلى العَشاءِ"». واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ ( فَلا ) فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو تَحْضِيضٌ بِمَعْنى "فَأْلًا"، وقالَ آخَرُونَ وهو دُعاءٌ بِمَعْنى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ أنْ يُدْعى عَلَيْهِ بِألا يَفْعَلَ خَيْرًا، وقِيلَ: هو نَفْيٌ، أيْ فَما اقْتَحَمَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَجّاجُ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١]، فَهو نَفْيٌ مَحْضٌ كَأنَّهُ قالَ: وهَبْنا لَهُ الجَوارِحَ ودَلَلْناهُ عَلى السَبِيلِ فَما فَعَلَ خَيْرًا. ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ تَعالى أمْرَ العَقَبَةِ في النُفُوسِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى اقْتِحامَ العَقَبَةِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ "فَكُّ رَقَبَةٍ" بِالرَفْعِ عَلى المَصْدَرِ، وأمّا مَن قَرَأ "فَكَّ" عَلى الفِعْلِ، ونَصَبَ "الرَقَبَةَ"، فَلَيْسَ يَحْتاجُ أنْ يُقَدِّرَ: "وَما أدْراكَ ما اقْتِحامُ" بَلْ يَكُونُ التَعْظِيمُ لِلْعَقَبَةِ نَفْسِها، ويَجِيءُ "فَكَّ" بَدَلًا مِنِ "اقْتَحَمَ" ومُبِينًا. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أو إطْعامٌ﴾، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "فَكَّ رَقَبَةً أو أطْعَمَ"، وقَرَأ بَعْضُ التابِعِينَ "فَكِّ رَقَبَةٍ" بِالخَفْضِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو أيْضًا "فَكَّ رَقَبَةٍ" بِالنَصْبِ "أو إطْعامٌ"، وتَرْتِيبُ هَذِهِ القِراءاتِ ووُجُوهُها بَيِّنَةٌ. و"فَكُّ الرَقَبَةِ" مَعْناهُ: بِالعِتْقِ مِن رَقَبَةِ الأُسَرِ والرِقِّ، وفي الحَدِيثِ عَنِ (p-٦٢٣)النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أعْتَقَ نَسَمَةً مُؤْمِنَةً أعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنها عُضْوًا مِنهُ مِنَ النارِ"». «وَقالَ أعْرابِيٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ: دُلَّنِي عَلى عَمَلٍ أنْجُو بِهِ، فَقالَ: "لَئِنْ قَصَرْتَ القَوْلَ لَقَدْ عَرَضْتَ المَسْألَةَ، فُكَّ الرَقَبَةَ وأعْتِقِ النَسَمَةَ"، فَقالَ الأعْرابِيُّ: ألَيْسَ هَذا واحِدًا؟ فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "لا، عِتْقُ النَسَمَةِ أنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِها، وفَكُّ الرَقَبَةِ أنْ تُعِينَ في ثَمَنِها".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَذَلِكَ فَكُّ الأسِيرِ إنْ شاءَ اللهُ، وفِداؤُهُ أنْ يَنْفَرِدَ الفادِي. «ثُمَّ قالَ النَبِيُّ ﷺ لِلْأعْرابِيِّ: "وَأبْقِ عَلى ذِي الرَحِمِ الظالِمِ، فَإنْ لَمْ تُطِقْ هَذا كُلَّهُ، فَكُفَّ لِسانَكَ إلّا مِن خَيْرٍ".» و" المَسْغَبَة ": المَجاعَةُ، والساغِبُ: الجائِعُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ عَلى نَعْتِ "يَوْمٍ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: "ذا مَسْغَبَةٍ" عَلى أنْ يَعْمَلَ فِيها "أطْعَمَ" أو "إطْعامَ" عَلى القِراءَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وفي هَذا حَذْفُ المَوْصُوفِ وإقامَةُ الصِفَةِ مَقامَهُ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ إنْسانًا ذا مَسْغَبَةٍ و"يَتِيمًا" يَدُلُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَوْلِهِ تَعالى ذا مَسْغَبَة، ووَصَفَتِ الصِفَةُ لَمّا قامَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها المَحْذُوفِ فَأشْبَهَتِ الأسْماءَ، و"المَسْغَبَةُ": الجُوعُ العامُّ، وقَدْ يُقالُ في الخاصِّ: سَغَبَ الرَجُلُ إذا جاعَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذا مَقْرَبَةٍ﴾ مَعْناهُ: ذا مَقْرُبَةٍ لِتَجْتَمِعَ الصَدَقَةُ والصِلَةُ، وهَذا نَحْوُ ما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِزَيْنَبَ امْرَأةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: « "تَصَدَّقِي عَلى زَوْجِكِ فَهي لَكِ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ"»، و"أو" في قَوْلِهِ ﴿أو مِسْكِينًا﴾ فِيها مَعْنى الإباحَةِ ومَعْنى (p-٦٢٤)التَخْيِير؛ لِأنَّ الكَلامَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الحَضِّ والأمْرِ، وفِيها أيْضًا مَعْنى التَفْضِيلِ المُجَرَّدِ؛ لِأنَّ الكَلامَ يَجْرِي مَجْرى الخَبَرِ الَّذِي لا تَكُونُ أو فِيهِ إلّا مُفَصَّلَةً، وأمّا مَعْنى الشَكِّ أوِ الإبْهامِ فَلا مَدْخَلَ لَها في هَذِهِ الآيَةِ، والإبْهامُ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا أو إيّاكُمْ﴾ [سبإ: ٢٤]، وقَوْل أبِي الأُسُودِ: ؎ أُحِبُّ مُحَمَّدًا حُبًّا شَدِيدًا وعَبّاسًا وحَمْزَةَ أو عَلِيًّا و﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ مَعْناهُ: مُدْقِعًا قَدْ لَصِقَ بِالتُرابِ، وهَذا مِمّا يَنْحُو إلى أنَّ المِسْكِينَ أشَدُّ فاقَةً مِنَ الفَقِيرِ، قالَ سُفْيانُ: هُمُ المَطْرُوحُونَ عَلى ظَهْرِ الطَرِيقِ قُعُودًا عَلى التُرابِ لا بُيُوتَ لَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الَّذِي يَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ ثُمَّ يُقَلِّبُ وجْهَهُ إلى بَيْتِهِ مُسْتَيْقِنًا أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا التُرابُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْتَحَمَ﴾ ويُتَوَجَّهُ فِيهِ مَعانِي ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ المَذْكُورَةُ مِنَ النَفْيِ والتَحْضِيضِ والدُعاءِ، ورَجَّحَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ قِراءَتَهُ: "فَكُّ رَقَبَةٍ" بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ كانَ﴾، ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ كانَ﴾ أيْ كانَ وقْتَ (p-٦٢٥)اقْتِحامِهِ العَقَبَةَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ يَقْتَحِمُ ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاقْتِحامَ كانَ يَقَعُ مِن غَيْرِ مُؤْمِنٍ وذَلِكَ غَيْرُ نافِعٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَواصَوْا بِالصَبْرِ﴾ مَعْناهُ: عَلى طاعَةِ اللهِ تَعالى وبَلائِهِ وقَضائِهِ، وعَنِ الشَهَواتِ والمَعاصِي. والمَرْحَمَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كُلُّ ما يُؤَدِّي إلى رَحْمَةِ اللهِ تَعالى. وقالَ آخَرُونَ: هو التَراحُمُ وعَطْفُ بَعْضٍ مِنَ الناسِ عَلى بَعْضٍ، وفي ذَلِكَ قِوامُ الناسِ ولَوْ لَمْ يَتَراحَمُوا جُمْلَةً هَلَكُوا. والمَيْمَنَةِ مَفْعَلَةٌ، وهي -فِيما رُوِيَ- عن يَمِينِ العَرْشِ، وهو مَوْضِعُ الجَنَّةِ ومَكانُ المَرْحُومِينَ مِنَ الناسِ. والمَشْأمَةِ الجانِبُ الأشْأمُ، وهو الأيْسَرُ، وفِيهِ جَهَنَّمُ، وهو طَرِيقُ المُعَذَّبِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتُ الشِمالِ، وهَذا مَأْخُوذٌ مِنَ اليَمَنِ والشامِ، لِلْواقِفِ بِبابِ الكَعْبَةِ مُتَوَجِّهًا إلى مَطْلَعِ الشَمْسِ، واليَدُ الشُؤْمى هي اليُسْرى، وذَهَبَ الزَجّاجُ وقَوْمٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ اليُمْنِ والشُؤْمِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ "مُوصَدَةٌ" عَلى وزْنِ "مَوْعِدَةٌ" وكَذَلِكَ في سُورَةِ الهُمَزَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ، عن عاصِمٍ "مُؤْصَدَةٍ" بِالهَمْزِ في السُورَتَيْنِ، ومَعْناهُما جَمِيعًا، مُطْبَقَةً مُغْلَقَةً، يُقالُ: "أوصَدْتُ وآصَدْتُ" بِمَعْنى: أطْبَقْتُ وأغْلَقْتُ، فَمُوصَدَةٌ -دُونَ هَمْزٍ- مِن "أوصَدْتُ"، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَهْمِزَ مَن يَراها مِن "أوصَدْتُ" مِن حَيْثُ قِيلَ: الواوُ حَرْفٌ مَضْمُومٌ عَلى لُغَةِ مَن قَرَأ: "بِالسُوقِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ لِحَبِّ المُؤْقِدانِ إلَيَّ مُؤَسى ∗∗∗......................... (p-٦٢٦)بِالهَمْزِ فِيهِما، و"مُؤْصَدَةٌ" مِن "آصَدْتُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُسَهِّلَ الهَمْزَةَ فَيَجِيءُ "مُوصَدَةً" مِن "آصَدْتُ" ومِنَ اللَفْظَةِ "الوَصِيدُ"، وقالَ الشاعِرُ: ؎ قَوْمًا يُعالِجُ قُمَّلًا أبْناؤُهم ∗∗∗ ∗∗∗ وسَلاسِلًا حَلْقًا وبابًا مُوصَدًا كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ البَلَدِ والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

البلد 90:17

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أو إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أو مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وتَواصَوْا بِالصَبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ (p-٦٢٢)( العَقَبَة ) في هَذِهِ الآيَةِ -عَلى عُرْفِ كَلامِ العَرَبِ- اسْتِعارَةٌ لِهَذا العَمَلِ الشاقِّ عَلى النَفْسِ مِن حَيْثُ هو بَذْلُ مالٍ تَشْبِيهٌ بِعَقَبَةٍ مِنَ الجَبَلِ، وهي ما صَعُبَ مِنهُ وكانَ صُعُودًا، و﴿اقْتَحَمَ﴾ مَعْناهُ: دَخَلَها وجاوَزَها بِسُرْعَةٍ وضَغْطٍ وشِدَّةٍ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَرَأوا أنَّ ( العَقَبَةَ ) يُرادُ بِها جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، لا يُنْجِي مِنهُ إلّا هَذِهِ الأعْمالُ ونَحْوُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: العَقَبَةُ جَهَنَّمُ، قالَ هو وقَتادَةُ فاقْتَحِمُوها بِطاعَةِ اللهِ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اقْتِحامَها لِلْمُؤْمِنِ كَما بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إلى العَشاءِ"». واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ ( فَلا ) فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو تَحْضِيضٌ بِمَعْنى "فَأْلًا"، وقالَ آخَرُونَ وهو دُعاءٌ بِمَعْنى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ أنْ يُدْعى عَلَيْهِ بِألا يَفْعَلَ خَيْرًا، وقِيلَ: هو نَفْيٌ، أيْ فَما اقْتَحَمَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَجّاجُ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١]، فَهو نَفْيٌ مَحْضٌ كَأنَّهُ قالَ: وهَبْنا لَهُ الجَوارِحَ ودَلَلْناهُ عَلى السَبِيلِ فَما فَعَلَ خَيْرًا. ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ تَعالى أمْرَ العَقَبَةِ في النُفُوسِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى اقْتِحامَ العَقَبَةِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ "فَكُّ رَقَبَةٍ" بِالرَفْعِ عَلى المَصْدَرِ، وأمّا مَن قَرَأ "فَكَّ" عَلى الفِعْلِ، ونَصَبَ "الرَقَبَةَ"، فَلَيْسَ يَحْتاجُ أنْ يُقَدِّرَ: "وَما أدْراكَ ما اقْتِحامُ" بَلْ يَكُونُ التَعْظِيمُ لِلْعَقَبَةِ نَفْسِها، ويَجِيءُ "فَكَّ" بَدَلًا مِنِ "اقْتَحَمَ" ومُبِينًا. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أو إطْعامٌ﴾، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "فَكَّ رَقَبَةً أو أطْعَمَ"، وقَرَأ بَعْضُ التابِعِينَ "فَكِّ رَقَبَةٍ" بِالخَفْضِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو أيْضًا "فَكَّ رَقَبَةٍ" بِالنَصْبِ "أو إطْعامٌ"، وتَرْتِيبُ هَذِهِ القِراءاتِ ووُجُوهُها بَيِّنَةٌ. و"فَكُّ الرَقَبَةِ" مَعْناهُ: بِالعِتْقِ مِن رَقَبَةِ الأُسَرِ والرِقِّ، وفي الحَدِيثِ عَنِ (p-٦٢٣)النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أعْتَقَ نَسَمَةً مُؤْمِنَةً أعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنها عُضْوًا مِنهُ مِنَ النارِ"». «وَقالَ أعْرابِيٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ: دُلَّنِي عَلى عَمَلٍ أنْجُو بِهِ، فَقالَ: "لَئِنْ قَصَرْتَ القَوْلَ لَقَدْ عَرَضْتَ المَسْألَةَ، فُكَّ الرَقَبَةَ وأعْتِقِ النَسَمَةَ"، فَقالَ الأعْرابِيُّ: ألَيْسَ هَذا واحِدًا؟ فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "لا، عِتْقُ النَسَمَةِ أنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِها، وفَكُّ الرَقَبَةِ أنْ تُعِينَ في ثَمَنِها".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَذَلِكَ فَكُّ الأسِيرِ إنْ شاءَ اللهُ، وفِداؤُهُ أنْ يَنْفَرِدَ الفادِي. «ثُمَّ قالَ النَبِيُّ ﷺ لِلْأعْرابِيِّ: "وَأبْقِ عَلى ذِي الرَحِمِ الظالِمِ، فَإنْ لَمْ تُطِقْ هَذا كُلَّهُ، فَكُفَّ لِسانَكَ إلّا مِن خَيْرٍ".» و" المَسْغَبَة ": المَجاعَةُ، والساغِبُ: الجائِعُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ عَلى نَعْتِ "يَوْمٍ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: "ذا مَسْغَبَةٍ" عَلى أنْ يَعْمَلَ فِيها "أطْعَمَ" أو "إطْعامَ" عَلى القِراءَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وفي هَذا حَذْفُ المَوْصُوفِ وإقامَةُ الصِفَةِ مَقامَهُ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ إنْسانًا ذا مَسْغَبَةٍ و"يَتِيمًا" يَدُلُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَوْلِهِ تَعالى ذا مَسْغَبَة، ووَصَفَتِ الصِفَةُ لَمّا قامَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها المَحْذُوفِ فَأشْبَهَتِ الأسْماءَ، و"المَسْغَبَةُ": الجُوعُ العامُّ، وقَدْ يُقالُ في الخاصِّ: سَغَبَ الرَجُلُ إذا جاعَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذا مَقْرَبَةٍ﴾ مَعْناهُ: ذا مَقْرُبَةٍ لِتَجْتَمِعَ الصَدَقَةُ والصِلَةُ، وهَذا نَحْوُ ما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِزَيْنَبَ امْرَأةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: « "تَصَدَّقِي عَلى زَوْجِكِ فَهي لَكِ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ"»، و"أو" في قَوْلِهِ ﴿أو مِسْكِينًا﴾ فِيها مَعْنى الإباحَةِ ومَعْنى (p-٦٢٤)التَخْيِير؛ لِأنَّ الكَلامَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الحَضِّ والأمْرِ، وفِيها أيْضًا مَعْنى التَفْضِيلِ المُجَرَّدِ؛ لِأنَّ الكَلامَ يَجْرِي مَجْرى الخَبَرِ الَّذِي لا تَكُونُ أو فِيهِ إلّا مُفَصَّلَةً، وأمّا مَعْنى الشَكِّ أوِ الإبْهامِ فَلا مَدْخَلَ لَها في هَذِهِ الآيَةِ، والإبْهامُ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا أو إيّاكُمْ﴾ [سبإ: ٢٤]، وقَوْل أبِي الأُسُودِ: ؎ أُحِبُّ مُحَمَّدًا حُبًّا شَدِيدًا وعَبّاسًا وحَمْزَةَ أو عَلِيًّا و﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ مَعْناهُ: مُدْقِعًا قَدْ لَصِقَ بِالتُرابِ، وهَذا مِمّا يَنْحُو إلى أنَّ المِسْكِينَ أشَدُّ فاقَةً مِنَ الفَقِيرِ، قالَ سُفْيانُ: هُمُ المَطْرُوحُونَ عَلى ظَهْرِ الطَرِيقِ قُعُودًا عَلى التُرابِ لا بُيُوتَ لَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الَّذِي يَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ ثُمَّ يُقَلِّبُ وجْهَهُ إلى بَيْتِهِ مُسْتَيْقِنًا أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا التُرابُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْتَحَمَ﴾ ويُتَوَجَّهُ فِيهِ مَعانِي ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ المَذْكُورَةُ مِنَ النَفْيِ والتَحْضِيضِ والدُعاءِ، ورَجَّحَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ قِراءَتَهُ: "فَكُّ رَقَبَةٍ" بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ كانَ﴾، ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ كانَ﴾ أيْ كانَ وقْتَ (p-٦٢٥)اقْتِحامِهِ العَقَبَةَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ يَقْتَحِمُ ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاقْتِحامَ كانَ يَقَعُ مِن غَيْرِ مُؤْمِنٍ وذَلِكَ غَيْرُ نافِعٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَواصَوْا بِالصَبْرِ﴾ مَعْناهُ: عَلى طاعَةِ اللهِ تَعالى وبَلائِهِ وقَضائِهِ، وعَنِ الشَهَواتِ والمَعاصِي. والمَرْحَمَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كُلُّ ما يُؤَدِّي إلى رَحْمَةِ اللهِ تَعالى. وقالَ آخَرُونَ: هو التَراحُمُ وعَطْفُ بَعْضٍ مِنَ الناسِ عَلى بَعْضٍ، وفي ذَلِكَ قِوامُ الناسِ ولَوْ لَمْ يَتَراحَمُوا جُمْلَةً هَلَكُوا. والمَيْمَنَةِ مَفْعَلَةٌ، وهي -فِيما رُوِيَ- عن يَمِينِ العَرْشِ، وهو مَوْضِعُ الجَنَّةِ ومَكانُ المَرْحُومِينَ مِنَ الناسِ. والمَشْأمَةِ الجانِبُ الأشْأمُ، وهو الأيْسَرُ، وفِيهِ جَهَنَّمُ، وهو طَرِيقُ المُعَذَّبِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتُ الشِمالِ، وهَذا مَأْخُوذٌ مِنَ اليَمَنِ والشامِ، لِلْواقِفِ بِبابِ الكَعْبَةِ مُتَوَجِّهًا إلى مَطْلَعِ الشَمْسِ، واليَدُ الشُؤْمى هي اليُسْرى، وذَهَبَ الزَجّاجُ وقَوْمٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ اليُمْنِ والشُؤْمِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ "مُوصَدَةٌ" عَلى وزْنِ "مَوْعِدَةٌ" وكَذَلِكَ في سُورَةِ الهُمَزَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ، عن عاصِمٍ "مُؤْصَدَةٍ" بِالهَمْزِ في السُورَتَيْنِ، ومَعْناهُما جَمِيعًا، مُطْبَقَةً مُغْلَقَةً، يُقالُ: "أوصَدْتُ وآصَدْتُ" بِمَعْنى: أطْبَقْتُ وأغْلَقْتُ، فَمُوصَدَةٌ -دُونَ هَمْزٍ- مِن "أوصَدْتُ"، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَهْمِزَ مَن يَراها مِن "أوصَدْتُ" مِن حَيْثُ قِيلَ: الواوُ حَرْفٌ مَضْمُومٌ عَلى لُغَةِ مَن قَرَأ: "بِالسُوقِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ لِحَبِّ المُؤْقِدانِ إلَيَّ مُؤَسى ∗∗∗......................... (p-٦٢٦)بِالهَمْزِ فِيهِما، و"مُؤْصَدَةٌ" مِن "آصَدْتُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُسَهِّلَ الهَمْزَةَ فَيَجِيءُ "مُوصَدَةً" مِن "آصَدْتُ" ومِنَ اللَفْظَةِ "الوَصِيدُ"، وقالَ الشاعِرُ: ؎ قَوْمًا يُعالِجُ قُمَّلًا أبْناؤُهم ∗∗∗ ∗∗∗ وسَلاسِلًا حَلْقًا وبابًا مُوصَدًا كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ البَلَدِ والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

البلد 90:18

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أو إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أو مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وتَواصَوْا بِالصَبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ (p-٦٢٢)( العَقَبَة ) في هَذِهِ الآيَةِ -عَلى عُرْفِ كَلامِ العَرَبِ- اسْتِعارَةٌ لِهَذا العَمَلِ الشاقِّ عَلى النَفْسِ مِن حَيْثُ هو بَذْلُ مالٍ تَشْبِيهٌ بِعَقَبَةٍ مِنَ الجَبَلِ، وهي ما صَعُبَ مِنهُ وكانَ صُعُودًا، و﴿اقْتَحَمَ﴾ مَعْناهُ: دَخَلَها وجاوَزَها بِسُرْعَةٍ وضَغْطٍ وشِدَّةٍ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَرَأوا أنَّ ( العَقَبَةَ ) يُرادُ بِها جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، لا يُنْجِي مِنهُ إلّا هَذِهِ الأعْمالُ ونَحْوُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: العَقَبَةُ جَهَنَّمُ، قالَ هو وقَتادَةُ فاقْتَحِمُوها بِطاعَةِ اللهِ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اقْتِحامَها لِلْمُؤْمِنِ كَما بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إلى العَشاءِ"». واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ ( فَلا ) فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو تَحْضِيضٌ بِمَعْنى "فَأْلًا"، وقالَ آخَرُونَ وهو دُعاءٌ بِمَعْنى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ أنْ يُدْعى عَلَيْهِ بِألا يَفْعَلَ خَيْرًا، وقِيلَ: هو نَفْيٌ، أيْ فَما اقْتَحَمَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَجّاجُ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١]، فَهو نَفْيٌ مَحْضٌ كَأنَّهُ قالَ: وهَبْنا لَهُ الجَوارِحَ ودَلَلْناهُ عَلى السَبِيلِ فَما فَعَلَ خَيْرًا. ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ تَعالى أمْرَ العَقَبَةِ في النُفُوسِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى اقْتِحامَ العَقَبَةِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ "فَكُّ رَقَبَةٍ" بِالرَفْعِ عَلى المَصْدَرِ، وأمّا مَن قَرَأ "فَكَّ" عَلى الفِعْلِ، ونَصَبَ "الرَقَبَةَ"، فَلَيْسَ يَحْتاجُ أنْ يُقَدِّرَ: "وَما أدْراكَ ما اقْتِحامُ" بَلْ يَكُونُ التَعْظِيمُ لِلْعَقَبَةِ نَفْسِها، ويَجِيءُ "فَكَّ" بَدَلًا مِنِ "اقْتَحَمَ" ومُبِينًا. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أو إطْعامٌ﴾، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "فَكَّ رَقَبَةً أو أطْعَمَ"، وقَرَأ بَعْضُ التابِعِينَ "فَكِّ رَقَبَةٍ" بِالخَفْضِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو أيْضًا "فَكَّ رَقَبَةٍ" بِالنَصْبِ "أو إطْعامٌ"، وتَرْتِيبُ هَذِهِ القِراءاتِ ووُجُوهُها بَيِّنَةٌ. و"فَكُّ الرَقَبَةِ" مَعْناهُ: بِالعِتْقِ مِن رَقَبَةِ الأُسَرِ والرِقِّ، وفي الحَدِيثِ عَنِ (p-٦٢٣)النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أعْتَقَ نَسَمَةً مُؤْمِنَةً أعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنها عُضْوًا مِنهُ مِنَ النارِ"». «وَقالَ أعْرابِيٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ: دُلَّنِي عَلى عَمَلٍ أنْجُو بِهِ، فَقالَ: "لَئِنْ قَصَرْتَ القَوْلَ لَقَدْ عَرَضْتَ المَسْألَةَ، فُكَّ الرَقَبَةَ وأعْتِقِ النَسَمَةَ"، فَقالَ الأعْرابِيُّ: ألَيْسَ هَذا واحِدًا؟ فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "لا، عِتْقُ النَسَمَةِ أنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِها، وفَكُّ الرَقَبَةِ أنْ تُعِينَ في ثَمَنِها".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَذَلِكَ فَكُّ الأسِيرِ إنْ شاءَ اللهُ، وفِداؤُهُ أنْ يَنْفَرِدَ الفادِي. «ثُمَّ قالَ النَبِيُّ ﷺ لِلْأعْرابِيِّ: "وَأبْقِ عَلى ذِي الرَحِمِ الظالِمِ، فَإنْ لَمْ تُطِقْ هَذا كُلَّهُ، فَكُفَّ لِسانَكَ إلّا مِن خَيْرٍ".» و" المَسْغَبَة ": المَجاعَةُ، والساغِبُ: الجائِعُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ عَلى نَعْتِ "يَوْمٍ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: "ذا مَسْغَبَةٍ" عَلى أنْ يَعْمَلَ فِيها "أطْعَمَ" أو "إطْعامَ" عَلى القِراءَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وفي هَذا حَذْفُ المَوْصُوفِ وإقامَةُ الصِفَةِ مَقامَهُ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ إنْسانًا ذا مَسْغَبَةٍ و"يَتِيمًا" يَدُلُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَوْلِهِ تَعالى ذا مَسْغَبَة، ووَصَفَتِ الصِفَةُ لَمّا قامَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها المَحْذُوفِ فَأشْبَهَتِ الأسْماءَ، و"المَسْغَبَةُ": الجُوعُ العامُّ، وقَدْ يُقالُ في الخاصِّ: سَغَبَ الرَجُلُ إذا جاعَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذا مَقْرَبَةٍ﴾ مَعْناهُ: ذا مَقْرُبَةٍ لِتَجْتَمِعَ الصَدَقَةُ والصِلَةُ، وهَذا نَحْوُ ما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِزَيْنَبَ امْرَأةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: « "تَصَدَّقِي عَلى زَوْجِكِ فَهي لَكِ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ"»، و"أو" في قَوْلِهِ ﴿أو مِسْكِينًا﴾ فِيها مَعْنى الإباحَةِ ومَعْنى (p-٦٢٤)التَخْيِير؛ لِأنَّ الكَلامَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الحَضِّ والأمْرِ، وفِيها أيْضًا مَعْنى التَفْضِيلِ المُجَرَّدِ؛ لِأنَّ الكَلامَ يَجْرِي مَجْرى الخَبَرِ الَّذِي لا تَكُونُ أو فِيهِ إلّا مُفَصَّلَةً، وأمّا مَعْنى الشَكِّ أوِ الإبْهامِ فَلا مَدْخَلَ لَها في هَذِهِ الآيَةِ، والإبْهامُ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا أو إيّاكُمْ﴾ [سبإ: ٢٤]، وقَوْل أبِي الأُسُودِ: ؎ أُحِبُّ مُحَمَّدًا حُبًّا شَدِيدًا وعَبّاسًا وحَمْزَةَ أو عَلِيًّا و﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ مَعْناهُ: مُدْقِعًا قَدْ لَصِقَ بِالتُرابِ، وهَذا مِمّا يَنْحُو إلى أنَّ المِسْكِينَ أشَدُّ فاقَةً مِنَ الفَقِيرِ، قالَ سُفْيانُ: هُمُ المَطْرُوحُونَ عَلى ظَهْرِ الطَرِيقِ قُعُودًا عَلى التُرابِ لا بُيُوتَ لَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الَّذِي يَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ ثُمَّ يُقَلِّبُ وجْهَهُ إلى بَيْتِهِ مُسْتَيْقِنًا أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا التُرابُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْتَحَمَ﴾ ويُتَوَجَّهُ فِيهِ مَعانِي ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ المَذْكُورَةُ مِنَ النَفْيِ والتَحْضِيضِ والدُعاءِ، ورَجَّحَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ قِراءَتَهُ: "فَكُّ رَقَبَةٍ" بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ كانَ﴾، ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ كانَ﴾ أيْ كانَ وقْتَ (p-٦٢٥)اقْتِحامِهِ العَقَبَةَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ يَقْتَحِمُ ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاقْتِحامَ كانَ يَقَعُ مِن غَيْرِ مُؤْمِنٍ وذَلِكَ غَيْرُ نافِعٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَواصَوْا بِالصَبْرِ﴾ مَعْناهُ: عَلى طاعَةِ اللهِ تَعالى وبَلائِهِ وقَضائِهِ، وعَنِ الشَهَواتِ والمَعاصِي. والمَرْحَمَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كُلُّ ما يُؤَدِّي إلى رَحْمَةِ اللهِ تَعالى. وقالَ آخَرُونَ: هو التَراحُمُ وعَطْفُ بَعْضٍ مِنَ الناسِ عَلى بَعْضٍ، وفي ذَلِكَ قِوامُ الناسِ ولَوْ لَمْ يَتَراحَمُوا جُمْلَةً هَلَكُوا. والمَيْمَنَةِ مَفْعَلَةٌ، وهي -فِيما رُوِيَ- عن يَمِينِ العَرْشِ، وهو مَوْضِعُ الجَنَّةِ ومَكانُ المَرْحُومِينَ مِنَ الناسِ. والمَشْأمَةِ الجانِبُ الأشْأمُ، وهو الأيْسَرُ، وفِيهِ جَهَنَّمُ، وهو طَرِيقُ المُعَذَّبِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتُ الشِمالِ، وهَذا مَأْخُوذٌ مِنَ اليَمَنِ والشامِ، لِلْواقِفِ بِبابِ الكَعْبَةِ مُتَوَجِّهًا إلى مَطْلَعِ الشَمْسِ، واليَدُ الشُؤْمى هي اليُسْرى، وذَهَبَ الزَجّاجُ وقَوْمٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ اليُمْنِ والشُؤْمِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ "مُوصَدَةٌ" عَلى وزْنِ "مَوْعِدَةٌ" وكَذَلِكَ في سُورَةِ الهُمَزَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ، عن عاصِمٍ "مُؤْصَدَةٍ" بِالهَمْزِ في السُورَتَيْنِ، ومَعْناهُما جَمِيعًا، مُطْبَقَةً مُغْلَقَةً، يُقالُ: "أوصَدْتُ وآصَدْتُ" بِمَعْنى: أطْبَقْتُ وأغْلَقْتُ، فَمُوصَدَةٌ -دُونَ هَمْزٍ- مِن "أوصَدْتُ"، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَهْمِزَ مَن يَراها مِن "أوصَدْتُ" مِن حَيْثُ قِيلَ: الواوُ حَرْفٌ مَضْمُومٌ عَلى لُغَةِ مَن قَرَأ: "بِالسُوقِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ لِحَبِّ المُؤْقِدانِ إلَيَّ مُؤَسى ∗∗∗......................... (p-٦٢٦)بِالهَمْزِ فِيهِما، و"مُؤْصَدَةٌ" مِن "آصَدْتُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُسَهِّلَ الهَمْزَةَ فَيَجِيءُ "مُوصَدَةً" مِن "آصَدْتُ" ومِنَ اللَفْظَةِ "الوَصِيدُ"، وقالَ الشاعِرُ: ؎ قَوْمًا يُعالِجُ قُمَّلًا أبْناؤُهم ∗∗∗ ∗∗∗ وسَلاسِلًا حَلْقًا وبابًا مُوصَدًا كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ البَلَدِ والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

البلد 90:19

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أو إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أو مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وتَواصَوْا بِالصَبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ (p-٦٢٢)( العَقَبَة ) في هَذِهِ الآيَةِ -عَلى عُرْفِ كَلامِ العَرَبِ- اسْتِعارَةٌ لِهَذا العَمَلِ الشاقِّ عَلى النَفْسِ مِن حَيْثُ هو بَذْلُ مالٍ تَشْبِيهٌ بِعَقَبَةٍ مِنَ الجَبَلِ، وهي ما صَعُبَ مِنهُ وكانَ صُعُودًا، و﴿اقْتَحَمَ﴾ مَعْناهُ: دَخَلَها وجاوَزَها بِسُرْعَةٍ وضَغْطٍ وشِدَّةٍ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَرَأوا أنَّ ( العَقَبَةَ ) يُرادُ بِها جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، لا يُنْجِي مِنهُ إلّا هَذِهِ الأعْمالُ ونَحْوُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: العَقَبَةُ جَهَنَّمُ، قالَ هو وقَتادَةُ فاقْتَحِمُوها بِطاعَةِ اللهِ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اقْتِحامَها لِلْمُؤْمِنِ كَما بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إلى العَشاءِ"». واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ ( فَلا ) فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو تَحْضِيضٌ بِمَعْنى "فَأْلًا"، وقالَ آخَرُونَ وهو دُعاءٌ بِمَعْنى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ أنْ يُدْعى عَلَيْهِ بِألا يَفْعَلَ خَيْرًا، وقِيلَ: هو نَفْيٌ، أيْ فَما اقْتَحَمَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَجّاجُ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١]، فَهو نَفْيٌ مَحْضٌ كَأنَّهُ قالَ: وهَبْنا لَهُ الجَوارِحَ ودَلَلْناهُ عَلى السَبِيلِ فَما فَعَلَ خَيْرًا. ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ تَعالى أمْرَ العَقَبَةِ في النُفُوسِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى اقْتِحامَ العَقَبَةِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ "فَكُّ رَقَبَةٍ" بِالرَفْعِ عَلى المَصْدَرِ، وأمّا مَن قَرَأ "فَكَّ" عَلى الفِعْلِ، ونَصَبَ "الرَقَبَةَ"، فَلَيْسَ يَحْتاجُ أنْ يُقَدِّرَ: "وَما أدْراكَ ما اقْتِحامُ" بَلْ يَكُونُ التَعْظِيمُ لِلْعَقَبَةِ نَفْسِها، ويَجِيءُ "فَكَّ" بَدَلًا مِنِ "اقْتَحَمَ" ومُبِينًا. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أو إطْعامٌ﴾، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "فَكَّ رَقَبَةً أو أطْعَمَ"، وقَرَأ بَعْضُ التابِعِينَ "فَكِّ رَقَبَةٍ" بِالخَفْضِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو أيْضًا "فَكَّ رَقَبَةٍ" بِالنَصْبِ "أو إطْعامٌ"، وتَرْتِيبُ هَذِهِ القِراءاتِ ووُجُوهُها بَيِّنَةٌ. و"فَكُّ الرَقَبَةِ" مَعْناهُ: بِالعِتْقِ مِن رَقَبَةِ الأُسَرِ والرِقِّ، وفي الحَدِيثِ عَنِ (p-٦٢٣)النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أعْتَقَ نَسَمَةً مُؤْمِنَةً أعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنها عُضْوًا مِنهُ مِنَ النارِ"». «وَقالَ أعْرابِيٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ: دُلَّنِي عَلى عَمَلٍ أنْجُو بِهِ، فَقالَ: "لَئِنْ قَصَرْتَ القَوْلَ لَقَدْ عَرَضْتَ المَسْألَةَ، فُكَّ الرَقَبَةَ وأعْتِقِ النَسَمَةَ"، فَقالَ الأعْرابِيُّ: ألَيْسَ هَذا واحِدًا؟ فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "لا، عِتْقُ النَسَمَةِ أنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِها، وفَكُّ الرَقَبَةِ أنْ تُعِينَ في ثَمَنِها".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَذَلِكَ فَكُّ الأسِيرِ إنْ شاءَ اللهُ، وفِداؤُهُ أنْ يَنْفَرِدَ الفادِي. «ثُمَّ قالَ النَبِيُّ ﷺ لِلْأعْرابِيِّ: "وَأبْقِ عَلى ذِي الرَحِمِ الظالِمِ، فَإنْ لَمْ تُطِقْ هَذا كُلَّهُ، فَكُفَّ لِسانَكَ إلّا مِن خَيْرٍ".» و" المَسْغَبَة ": المَجاعَةُ، والساغِبُ: الجائِعُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ عَلى نَعْتِ "يَوْمٍ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: "ذا مَسْغَبَةٍ" عَلى أنْ يَعْمَلَ فِيها "أطْعَمَ" أو "إطْعامَ" عَلى القِراءَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وفي هَذا حَذْفُ المَوْصُوفِ وإقامَةُ الصِفَةِ مَقامَهُ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ إنْسانًا ذا مَسْغَبَةٍ و"يَتِيمًا" يَدُلُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَوْلِهِ تَعالى ذا مَسْغَبَة، ووَصَفَتِ الصِفَةُ لَمّا قامَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها المَحْذُوفِ فَأشْبَهَتِ الأسْماءَ، و"المَسْغَبَةُ": الجُوعُ العامُّ، وقَدْ يُقالُ في الخاصِّ: سَغَبَ الرَجُلُ إذا جاعَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذا مَقْرَبَةٍ﴾ مَعْناهُ: ذا مَقْرُبَةٍ لِتَجْتَمِعَ الصَدَقَةُ والصِلَةُ، وهَذا نَحْوُ ما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِزَيْنَبَ امْرَأةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: « "تَصَدَّقِي عَلى زَوْجِكِ فَهي لَكِ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ"»، و"أو" في قَوْلِهِ ﴿أو مِسْكِينًا﴾ فِيها مَعْنى الإباحَةِ ومَعْنى (p-٦٢٤)التَخْيِير؛ لِأنَّ الكَلامَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الحَضِّ والأمْرِ، وفِيها أيْضًا مَعْنى التَفْضِيلِ المُجَرَّدِ؛ لِأنَّ الكَلامَ يَجْرِي مَجْرى الخَبَرِ الَّذِي لا تَكُونُ أو فِيهِ إلّا مُفَصَّلَةً، وأمّا مَعْنى الشَكِّ أوِ الإبْهامِ فَلا مَدْخَلَ لَها في هَذِهِ الآيَةِ، والإبْهامُ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا أو إيّاكُمْ﴾ [سبإ: ٢٤]، وقَوْل أبِي الأُسُودِ: ؎ أُحِبُّ مُحَمَّدًا حُبًّا شَدِيدًا وعَبّاسًا وحَمْزَةَ أو عَلِيًّا و﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ مَعْناهُ: مُدْقِعًا قَدْ لَصِقَ بِالتُرابِ، وهَذا مِمّا يَنْحُو إلى أنَّ المِسْكِينَ أشَدُّ فاقَةً مِنَ الفَقِيرِ، قالَ سُفْيانُ: هُمُ المَطْرُوحُونَ عَلى ظَهْرِ الطَرِيقِ قُعُودًا عَلى التُرابِ لا بُيُوتَ لَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الَّذِي يَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ ثُمَّ يُقَلِّبُ وجْهَهُ إلى بَيْتِهِ مُسْتَيْقِنًا أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا التُرابُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْتَحَمَ﴾ ويُتَوَجَّهُ فِيهِ مَعانِي ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ المَذْكُورَةُ مِنَ النَفْيِ والتَحْضِيضِ والدُعاءِ، ورَجَّحَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ قِراءَتَهُ: "فَكُّ رَقَبَةٍ" بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ كانَ﴾، ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ كانَ﴾ أيْ كانَ وقْتَ (p-٦٢٥)اقْتِحامِهِ العَقَبَةَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ يَقْتَحِمُ ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاقْتِحامَ كانَ يَقَعُ مِن غَيْرِ مُؤْمِنٍ وذَلِكَ غَيْرُ نافِعٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَواصَوْا بِالصَبْرِ﴾ مَعْناهُ: عَلى طاعَةِ اللهِ تَعالى وبَلائِهِ وقَضائِهِ، وعَنِ الشَهَواتِ والمَعاصِي. والمَرْحَمَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كُلُّ ما يُؤَدِّي إلى رَحْمَةِ اللهِ تَعالى. وقالَ آخَرُونَ: هو التَراحُمُ وعَطْفُ بَعْضٍ مِنَ الناسِ عَلى بَعْضٍ، وفي ذَلِكَ قِوامُ الناسِ ولَوْ لَمْ يَتَراحَمُوا جُمْلَةً هَلَكُوا. والمَيْمَنَةِ مَفْعَلَةٌ، وهي -فِيما رُوِيَ- عن يَمِينِ العَرْشِ، وهو مَوْضِعُ الجَنَّةِ ومَكانُ المَرْحُومِينَ مِنَ الناسِ. والمَشْأمَةِ الجانِبُ الأشْأمُ، وهو الأيْسَرُ، وفِيهِ جَهَنَّمُ، وهو طَرِيقُ المُعَذَّبِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتُ الشِمالِ، وهَذا مَأْخُوذٌ مِنَ اليَمَنِ والشامِ، لِلْواقِفِ بِبابِ الكَعْبَةِ مُتَوَجِّهًا إلى مَطْلَعِ الشَمْسِ، واليَدُ الشُؤْمى هي اليُسْرى، وذَهَبَ الزَجّاجُ وقَوْمٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ اليُمْنِ والشُؤْمِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ "مُوصَدَةٌ" عَلى وزْنِ "مَوْعِدَةٌ" وكَذَلِكَ في سُورَةِ الهُمَزَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ، عن عاصِمٍ "مُؤْصَدَةٍ" بِالهَمْزِ في السُورَتَيْنِ، ومَعْناهُما جَمِيعًا، مُطْبَقَةً مُغْلَقَةً، يُقالُ: "أوصَدْتُ وآصَدْتُ" بِمَعْنى: أطْبَقْتُ وأغْلَقْتُ، فَمُوصَدَةٌ -دُونَ هَمْزٍ- مِن "أوصَدْتُ"، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَهْمِزَ مَن يَراها مِن "أوصَدْتُ" مِن حَيْثُ قِيلَ: الواوُ حَرْفٌ مَضْمُومٌ عَلى لُغَةِ مَن قَرَأ: "بِالسُوقِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ لِحَبِّ المُؤْقِدانِ إلَيَّ مُؤَسى ∗∗∗......................... (p-٦٢٦)بِالهَمْزِ فِيهِما، و"مُؤْصَدَةٌ" مِن "آصَدْتُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُسَهِّلَ الهَمْزَةَ فَيَجِيءُ "مُوصَدَةً" مِن "آصَدْتُ" ومِنَ اللَفْظَةِ "الوَصِيدُ"، وقالَ الشاعِرُ: ؎ قَوْمًا يُعالِجُ قُمَّلًا أبْناؤُهم ∗∗∗ ∗∗∗ وسَلاسِلًا حَلْقًا وبابًا مُوصَدًا كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ البَلَدِ والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

البلد 90:20

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أو إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أو مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وتَواصَوْا بِالصَبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ (p-٦٢٢)( العَقَبَة ) في هَذِهِ الآيَةِ -عَلى عُرْفِ كَلامِ العَرَبِ- اسْتِعارَةٌ لِهَذا العَمَلِ الشاقِّ عَلى النَفْسِ مِن حَيْثُ هو بَذْلُ مالٍ تَشْبِيهٌ بِعَقَبَةٍ مِنَ الجَبَلِ، وهي ما صَعُبَ مِنهُ وكانَ صُعُودًا، و﴿اقْتَحَمَ﴾ مَعْناهُ: دَخَلَها وجاوَزَها بِسُرْعَةٍ وضَغْطٍ وشِدَّةٍ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَرَأوا أنَّ ( العَقَبَةَ ) يُرادُ بِها جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، لا يُنْجِي مِنهُ إلّا هَذِهِ الأعْمالُ ونَحْوُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: العَقَبَةُ جَهَنَّمُ، قالَ هو وقَتادَةُ فاقْتَحِمُوها بِطاعَةِ اللهِ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اقْتِحامَها لِلْمُؤْمِنِ كَما بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إلى العَشاءِ"». واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ ( فَلا ) فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو تَحْضِيضٌ بِمَعْنى "فَأْلًا"، وقالَ آخَرُونَ وهو دُعاءٌ بِمَعْنى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ أنْ يُدْعى عَلَيْهِ بِألا يَفْعَلَ خَيْرًا، وقِيلَ: هو نَفْيٌ، أيْ فَما اقْتَحَمَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَجّاجُ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١]، فَهو نَفْيٌ مَحْضٌ كَأنَّهُ قالَ: وهَبْنا لَهُ الجَوارِحَ ودَلَلْناهُ عَلى السَبِيلِ فَما فَعَلَ خَيْرًا. ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ تَعالى أمْرَ العَقَبَةِ في النُفُوسِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى اقْتِحامَ العَقَبَةِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ "فَكُّ رَقَبَةٍ" بِالرَفْعِ عَلى المَصْدَرِ، وأمّا مَن قَرَأ "فَكَّ" عَلى الفِعْلِ، ونَصَبَ "الرَقَبَةَ"، فَلَيْسَ يَحْتاجُ أنْ يُقَدِّرَ: "وَما أدْراكَ ما اقْتِحامُ" بَلْ يَكُونُ التَعْظِيمُ لِلْعَقَبَةِ نَفْسِها، ويَجِيءُ "فَكَّ" بَدَلًا مِنِ "اقْتَحَمَ" ومُبِينًا. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أو إطْعامٌ﴾، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "فَكَّ رَقَبَةً أو أطْعَمَ"، وقَرَأ بَعْضُ التابِعِينَ "فَكِّ رَقَبَةٍ" بِالخَفْضِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو أيْضًا "فَكَّ رَقَبَةٍ" بِالنَصْبِ "أو إطْعامٌ"، وتَرْتِيبُ هَذِهِ القِراءاتِ ووُجُوهُها بَيِّنَةٌ. و"فَكُّ الرَقَبَةِ" مَعْناهُ: بِالعِتْقِ مِن رَقَبَةِ الأُسَرِ والرِقِّ، وفي الحَدِيثِ عَنِ (p-٦٢٣)النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أعْتَقَ نَسَمَةً مُؤْمِنَةً أعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنها عُضْوًا مِنهُ مِنَ النارِ"». «وَقالَ أعْرابِيٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ: دُلَّنِي عَلى عَمَلٍ أنْجُو بِهِ، فَقالَ: "لَئِنْ قَصَرْتَ القَوْلَ لَقَدْ عَرَضْتَ المَسْألَةَ، فُكَّ الرَقَبَةَ وأعْتِقِ النَسَمَةَ"، فَقالَ الأعْرابِيُّ: ألَيْسَ هَذا واحِدًا؟ فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "لا، عِتْقُ النَسَمَةِ أنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِها، وفَكُّ الرَقَبَةِ أنْ تُعِينَ في ثَمَنِها".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَذَلِكَ فَكُّ الأسِيرِ إنْ شاءَ اللهُ، وفِداؤُهُ أنْ يَنْفَرِدَ الفادِي. «ثُمَّ قالَ النَبِيُّ ﷺ لِلْأعْرابِيِّ: "وَأبْقِ عَلى ذِي الرَحِمِ الظالِمِ، فَإنْ لَمْ تُطِقْ هَذا كُلَّهُ، فَكُفَّ لِسانَكَ إلّا مِن خَيْرٍ".» و" المَسْغَبَة ": المَجاعَةُ، والساغِبُ: الجائِعُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ عَلى نَعْتِ "يَوْمٍ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: "ذا مَسْغَبَةٍ" عَلى أنْ يَعْمَلَ فِيها "أطْعَمَ" أو "إطْعامَ" عَلى القِراءَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وفي هَذا حَذْفُ المَوْصُوفِ وإقامَةُ الصِفَةِ مَقامَهُ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ إنْسانًا ذا مَسْغَبَةٍ و"يَتِيمًا" يَدُلُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَوْلِهِ تَعالى ذا مَسْغَبَة، ووَصَفَتِ الصِفَةُ لَمّا قامَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها المَحْذُوفِ فَأشْبَهَتِ الأسْماءَ، و"المَسْغَبَةُ": الجُوعُ العامُّ، وقَدْ يُقالُ في الخاصِّ: سَغَبَ الرَجُلُ إذا جاعَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذا مَقْرَبَةٍ﴾ مَعْناهُ: ذا مَقْرُبَةٍ لِتَجْتَمِعَ الصَدَقَةُ والصِلَةُ، وهَذا نَحْوُ ما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِزَيْنَبَ امْرَأةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: « "تَصَدَّقِي عَلى زَوْجِكِ فَهي لَكِ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ"»، و"أو" في قَوْلِهِ ﴿أو مِسْكِينًا﴾ فِيها مَعْنى الإباحَةِ ومَعْنى (p-٦٢٤)التَخْيِير؛ لِأنَّ الكَلامَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الحَضِّ والأمْرِ، وفِيها أيْضًا مَعْنى التَفْضِيلِ المُجَرَّدِ؛ لِأنَّ الكَلامَ يَجْرِي مَجْرى الخَبَرِ الَّذِي لا تَكُونُ أو فِيهِ إلّا مُفَصَّلَةً، وأمّا مَعْنى الشَكِّ أوِ الإبْهامِ فَلا مَدْخَلَ لَها في هَذِهِ الآيَةِ، والإبْهامُ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا أو إيّاكُمْ﴾ [سبإ: ٢٤]، وقَوْل أبِي الأُسُودِ: ؎ أُحِبُّ مُحَمَّدًا حُبًّا شَدِيدًا وعَبّاسًا وحَمْزَةَ أو عَلِيًّا و﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ مَعْناهُ: مُدْقِعًا قَدْ لَصِقَ بِالتُرابِ، وهَذا مِمّا يَنْحُو إلى أنَّ المِسْكِينَ أشَدُّ فاقَةً مِنَ الفَقِيرِ، قالَ سُفْيانُ: هُمُ المَطْرُوحُونَ عَلى ظَهْرِ الطَرِيقِ قُعُودًا عَلى التُرابِ لا بُيُوتَ لَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الَّذِي يَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ ثُمَّ يُقَلِّبُ وجْهَهُ إلى بَيْتِهِ مُسْتَيْقِنًا أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا التُرابُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْتَحَمَ﴾ ويُتَوَجَّهُ فِيهِ مَعانِي ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ المَذْكُورَةُ مِنَ النَفْيِ والتَحْضِيضِ والدُعاءِ، ورَجَّحَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ قِراءَتَهُ: "فَكُّ رَقَبَةٍ" بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ كانَ﴾، ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ كانَ﴾ أيْ كانَ وقْتَ (p-٦٢٥)اقْتِحامِهِ العَقَبَةَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ يَقْتَحِمُ ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاقْتِحامَ كانَ يَقَعُ مِن غَيْرِ مُؤْمِنٍ وذَلِكَ غَيْرُ نافِعٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَواصَوْا بِالصَبْرِ﴾ مَعْناهُ: عَلى طاعَةِ اللهِ تَعالى وبَلائِهِ وقَضائِهِ، وعَنِ الشَهَواتِ والمَعاصِي. والمَرْحَمَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كُلُّ ما يُؤَدِّي إلى رَحْمَةِ اللهِ تَعالى. وقالَ آخَرُونَ: هو التَراحُمُ وعَطْفُ بَعْضٍ مِنَ الناسِ عَلى بَعْضٍ، وفي ذَلِكَ قِوامُ الناسِ ولَوْ لَمْ يَتَراحَمُوا جُمْلَةً هَلَكُوا. والمَيْمَنَةِ مَفْعَلَةٌ، وهي -فِيما رُوِيَ- عن يَمِينِ العَرْشِ، وهو مَوْضِعُ الجَنَّةِ ومَكانُ المَرْحُومِينَ مِنَ الناسِ. والمَشْأمَةِ الجانِبُ الأشْأمُ، وهو الأيْسَرُ، وفِيهِ جَهَنَّمُ، وهو طَرِيقُ المُعَذَّبِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتُ الشِمالِ، وهَذا مَأْخُوذٌ مِنَ اليَمَنِ والشامِ، لِلْواقِفِ بِبابِ الكَعْبَةِ مُتَوَجِّهًا إلى مَطْلَعِ الشَمْسِ، واليَدُ الشُؤْمى هي اليُسْرى، وذَهَبَ الزَجّاجُ وقَوْمٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ اليُمْنِ والشُؤْمِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ "مُوصَدَةٌ" عَلى وزْنِ "مَوْعِدَةٌ" وكَذَلِكَ في سُورَةِ الهُمَزَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ، عن عاصِمٍ "مُؤْصَدَةٍ" بِالهَمْزِ في السُورَتَيْنِ، ومَعْناهُما جَمِيعًا، مُطْبَقَةً مُغْلَقَةً، يُقالُ: "أوصَدْتُ وآصَدْتُ" بِمَعْنى: أطْبَقْتُ وأغْلَقْتُ، فَمُوصَدَةٌ -دُونَ هَمْزٍ- مِن "أوصَدْتُ"، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَهْمِزَ مَن يَراها مِن "أوصَدْتُ" مِن حَيْثُ قِيلَ: الواوُ حَرْفٌ مَضْمُومٌ عَلى لُغَةِ مَن قَرَأ: "بِالسُوقِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ لِحَبِّ المُؤْقِدانِ إلَيَّ مُؤَسى ∗∗∗......................... (p-٦٢٦)بِالهَمْزِ فِيهِما، و"مُؤْصَدَةٌ" مِن "آصَدْتُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُسَهِّلَ الهَمْزَةَ فَيَجِيءُ "مُوصَدَةً" مِن "آصَدْتُ" ومِنَ اللَفْظَةِ "الوَصِيدُ"، وقالَ الشاعِرُ: ؎ قَوْمًا يُعالِجُ قُمَّلًا أبْناؤُهم ∗∗∗ ∗∗∗ وسَلاسِلًا حَلْقًا وبابًا مُوصَدًا كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ البَلَدِ والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

الشمس 91:1

(p-٦٢٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ الشَمْسِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والشَمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ ﴿والنَهارِ إذا جَلاها﴾ ﴿واللَيْلِ إذا يَغْشاها﴾ ﴿والسَماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالشَمْسِ إمّا عَلى التَنْبِيهِ مِنها وإمّا عَلى تَقْدِيرِ ورَبِّ الشَمْسِ، و"الضُحى" بِضَمِّ الضادِ والقَصْرُ: ارْتِفاعُ الضَوْءِ وكَمالُهُ، وبِهَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو النَهارُ كُلُّهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: ضُحاها: حَرُّها، كَقَوْلِهِ تَعالى في "طه" ﴿وَلا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩]، و"الضَحاء" بِفَتْحِ الضادِ والمَدِّ: ما فَوْقَ ذَلِكَ إلى الزَوالِ. والقَمَرُ يَتْلُو الشَمْسَ مِن أوَّلِ الشَهْرِ إلى نِصْفِهِ في الغُرُوبِ، تَغْرُبُ هي ثُمَّ يَغْرُبُ هُوَ، ويَتْلُوها في النِصْفِ الآخَرِ بِنَحْوٍ آخَرَ، وهي أنْ تَغْرُبَ هي فَيَطَّلِعُ هو. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تَلاها" مَعْناهُ: تَبِعَها دَأْبًا في كُلِّ وقْتٍ؛ لِأنَّهُ يَسْتَضِيءُ مِنها فَهو يَتْلُوها لِذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اتِّباعٌ لا يَخْتَصُّ بِنِصْفِ أوَّلٍ مَنِ الشَهْرِ ولا بِآخِرٍ، وقالَهُ الفَرّاءُ أيْضًا، وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: "تَلاها" مَعْناهُ: امْتَلَأ واسْتَدارَ، فَكانَ لَها تابِعًا في المَنزِلَةِ مِنَ الضِياءِ (p-٦٢٨)والقَدَرِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَواكِبِ شَيْءٌ يَتْلُو الشَمْسَ في هَذا المَعْنى غَيْرُ القَمَرِ، قالَ قَتادَةُ: وإنَّما ذَلِكَ لَيْلَةَ البَدْرِ تَغِيبُ هي فَيَطَّلِعُ هو. و"النَهارِ" في ظاهِرِ هَذِهِ السُورَةِ والَّتِي بَعْدَها أنَّهُ مِن طُلُوعِ الشَمْسِ، وكَذَلِكَ قالَ الزَجّاجُ في كِتابِ الأنْواءِ وغَيْرِهِ. واليَوْمُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ، ولا يَخْتَلِفُ أنَّ نِهايَتَهُما مَغِيبُ الشَمْسِ، والضَمِيرُ في ﴿جَلاها﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشَمْسِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الأرْضِ وعَلى الظُلْمَةِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجِئْ لِذَلِكَ ذِكْرٌ فالمَعْنى يَقْتَضِيهِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وجَلّى مَعْناهُ: كَشَفَ وضَوَّأ، والفاعِلُ لـ"جَلّى"-عَلى هَذِهِ التَأْوِيلاتِ- النَهارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ اللهُ تَعالى، كَأنَّهُ قالَ: والنَهارِ إذا جَلّى اللهُ الشَمْسَ، فَأقْسَمَ بِالنَهارِ في أكْمَلِ حالاتِهِ. ويُغْشى مَعْناهُ: يُغَطِّي، والضَمِيرُ لِلشَّمْسِ عَلى تَجَوُّزٍ في المَعْنى أو لِلْأرْضِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما بَناها﴾ وكُلُّ ما بَعْدَهُ مِن نَظائِرِهِ في السُورَةِ، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" فِيهِ بِمَعْنى "الَّذِي" قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، أيْ: ومَن بَناها، وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٌ ؛ لِأنَّ "ما" تَقَعُ عامَّةً لِمَن يَعْقِلُ ولِما لا يَعْقِلُ، فَيَجِيءُ القَسَمُ بِنَفْسِهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" في جَمِيعِ ذَلِكَ مَصْدَرِيَّةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ، والزَجّاجُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والسَماءُ وبُنْيانُها. و"طَحا" بِمَعْنى "دَحا" و"طَحا" أيْضًا في اللُغَةِ بِمَعْنى: ذَهَبَ كُلَّ مَذْهَبٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ: ؎ طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بَعِيدُ الشَبابِ عُمْرُ حانَ مَشِيبُ و"النَفْسُ" الَّتِي أقْسَمَ بِها اسْمُ الجِنْسِ، و"تَسْوِيَتُها" إكْمالُ عَقْلِها ونَظَرِها، ولِذَلِكَ رَبَطَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾... الآيَةُ، فالفاءُ تُعْطِي أنَّ التَسْوِيَةَ هي هَذا الإلْهامُ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾ أيٍ عُرْفُها طَرَقَ ذَلِكَ وجَعَلَ لَها (p-٦٢٩)قُوَّةً يَصِحُّ مَعَها اكْتِسابُ الفُجُورِ واكْتِسابُ التَقْوى، وجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾، والتَقْدِيرُ: لَقَدْ أفْلَحَ، والفاعِلُ بِـ "زَكّى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهَ تَعالى، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَتِ الفِرْقَةُ أوِ الطائِفَةُ الَّتِي زَكّاها اللهُ تَعالى، و"مَن": تَقَعُ عَلى جَمْعٍ وإفْرادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـ "زَكّى" الإنْسانُ وعَلَيْهِ تَقَعُ مَن، وقالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ، أيْ اكْتَسَبَ الزَكاةَ الَّذِي التى قَدْ خَلَقَها اللهُ تَعالى لَهُ، و﴿زَكّاها﴾ مَعْناهُ: طَهَّرَها ونَمّاها بِالخَيْراتِ، و﴿دَسّاها﴾ مَعْناهُ: أخْفاها وحَقَّرَها، أيْ احْتَقَرَ قَدْرَها بِالمَعاصِي والبُخْلِ بِما يَجِبُ، يُقالُ دَسا يَدْسُو، ودَسّى -بِشَدّ السِينِ- يُدَسِّي، وأصْلُهُ دَسَسَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ودَسَسْتُ عَمْرًا في التُرابِ فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ حَلائِلُهُ يَبْكِينَ لِلْفَقْدِ ضَعْفًا ويُرْوى «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها"»، وهَذا الحَدِيثُ يُقَوِّي أنَّ المُزَكِّيَ هو اللهُ تَعالى، وقالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنى الآيَةِ: وقَدْ خابَ مَن دَسّاها في أهْلِ الخَيْرِ بِالرِياءِ ولَيْسَ مِنهم في حَقِيقَتِهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى صِفَةَ مَن دَسّى، ذَكَرَ فِرْقَةً فَعَلَتْ ذَلِكَ لِيَعْتَبِرَ بِهِمْ ويَنْتَهِيَ عن مِثْلِ فِعْلِهِمْ، و"الطَغْوى" مَصْدَرٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وحَمّادُ بْنُ سُلَيْمانَ "بِطَغْواها" بِضَمِّ الطاءِ، مَصْدَرٌ كالعُقْبى والرُجْعى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الطَغْوى" هُنا العَذابُ، (p-٦٣٠)كَذَّبُوا بِهِ حَتّى نَزَلَ بِهِمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]، وقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ، والمَعْنى كَذَّبَتْ ثَمُودُ نَبِيَّها بِسَبَبِ طُغْيانِها وكُفْرِها، و"انْبَعَثَ" عِبارَةٌ عن خُرُوجِهِ إلى عُقْرِ الناقَةِ بِنَشاطٍ وحِرْصٍ، و"أشْقاها" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ وهو أحَدُ التِسْعَةِ الرَهْطِ المُفْسِدِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَقَعَ أشْقاها عَلى جَماعَةٍ حاوَلَتِ العُقْرَ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فِعْلَهُ بِالناقَةِ حَتّى مالَأهُ عَلَيَّ ذَلِكَ جَمِيعُ الحَيِّ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: فَعَقَرُوها لِكَوْنِهِمْ مُتَّفِقِينَ عَلى ذَلِكَ. و"رَسُولُ اللهِ" صالِحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ احْفَظُوا أو ذَرُوا أوِ احْذَرُوا عَلى مَعْنى: احْذَرُوا الإخْلالَ بِحَقِّ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أمْرُ الناقَةِ والسُقْيا في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ بِما أغْنى عن إعادَتِها، وقَدَّمَ تَعالى التَكْذِيبَ عَلى العُقْرِ لِأنَّهُ كانَ سَبَبَ العُقْرِ، ويُرْوى أنَّهم كانُوا قَدْ أسْلَمُوا قَبْلَ ذَلِكَ وتابَعُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ مُدَّةً ثُمَّ كَذَّبُوا وعَثَرُوا، والجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهم كانُوا عَلى كُفْرِهِمْ. و"دَمْدَمَ" مَعْناهُ: أنْزَلَ العِقابَ مُقْلِقًا لَهم مُكَرَّرًا ذَلِكَ وهي الدَمْدَمَةُ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ "فَدَهْدَمَ" وهي قِراءَةُ ابْنِ الزُبَيْرِ بِالهاءِ بَيْنَ الدالَيْنَ، وفي بَعْضِها "فَدَمَّرَ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَدَمْدَمَها عَلَيْهِمْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِذَنْبِهِمْ" أيْ بِسَبَبِ ذَنْبِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسَوّاها"، مَعْناهُ: فَسِوى القَبِيلَةَ في الهَلاكِ لَمْ يَنْجُ مِنهم أحَدٌ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وأهْلُ الحِجازِ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشامِ، وقَرَأ الباقُونَ "وَلا يَخافُ" بِالواوِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِهِمْ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قَرَأ: "وَلَمْ يَخَفْ عُقْباها"،» والفاعِلُ بـِ "يَخافُ" عَلى مَن قَرَأ "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهُ تَعالى، والمَعْنى فَلا دَرْكَ عَلى اللهِ تَعالى في فِعْلِهِ بِهِمْ لا يَسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، وفي هَذا المَعْنى احْتِقارٌ لِلْقَوْمِ وتَعْفِيَةٌ لِأثَرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ لا يَخافُ عُقْبى اللهِ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ بِهِمْ؛ إذْ كانَ قَدْ أنْذَرَهم وحَذَّرَهُمْ، (p-٦٣١)وَمَن قَرَأ "وَلا يَخافُ" بِالواو فَيُحْتَمَلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا، ويُحْتَمَلُ زائِدًا أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـِ "يَخافُ" أشْقاها المُنْبَعِثُ، قالَهُ الزَجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ، وهو قَوْلُ السُدِّيِّ والضَحّاكِ ومُقاتِلٍ، وتَكُونُ الواوُ واوَ الحالِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: انْبَعَثَ لِعَقْرِها وهو لا يَخافُ عُقْبى فِعْلِهِ لِكُفْرِهِ وطُغْيانِهِ، و"العُقْبى": جَزاءُ الشَيْءِ وخاتِمَتُهُ وما يَجِيءُ مِنَ الأُمُورِ بِعَقِبِهِ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ألِفاتِ هَذِهِ السُورَةِ واللَتَيْنِ بَعْدَها، فَفَتَحَها ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالاضْجاعِ، وقَرَأ نافِعٌ الكُلّ بَيْنَ الفَتْحِ والإمالَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "وَضُحاها" مَكْسُورَةً و"تَلاها" و"طَحاها" مَفْتُوحَتَيْنِ، وكَسَرَ ما عَدا ذَلِكَ، واخْتُلِفَ عن أبِي عَمْرٍو، فَمَرَّةً كَسَرَ الجَمِيعَ، ومَرَّةً كَقِراءَةِ نافِعٍ، قالَ الزَجّاجُ: سَمّى الناسُ الإمالَةَ كَسْرًا ولَيْسَ بِكَسْرٍ صَحِيحٍ، والخَلِيلُ وأبُو عَمْرٍو يَقُولانِ: إمالَةً. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الشَمْسِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

الشمس 91:2

(p-٦٢٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ الشَمْسِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والشَمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ ﴿والنَهارِ إذا جَلاها﴾ ﴿واللَيْلِ إذا يَغْشاها﴾ ﴿والسَماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالشَمْسِ إمّا عَلى التَنْبِيهِ مِنها وإمّا عَلى تَقْدِيرِ ورَبِّ الشَمْسِ، و"الضُحى" بِضَمِّ الضادِ والقَصْرُ: ارْتِفاعُ الضَوْءِ وكَمالُهُ، وبِهَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو النَهارُ كُلُّهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: ضُحاها: حَرُّها، كَقَوْلِهِ تَعالى في "طه" ﴿وَلا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩]، و"الضَحاء" بِفَتْحِ الضادِ والمَدِّ: ما فَوْقَ ذَلِكَ إلى الزَوالِ. والقَمَرُ يَتْلُو الشَمْسَ مِن أوَّلِ الشَهْرِ إلى نِصْفِهِ في الغُرُوبِ، تَغْرُبُ هي ثُمَّ يَغْرُبُ هُوَ، ويَتْلُوها في النِصْفِ الآخَرِ بِنَحْوٍ آخَرَ، وهي أنْ تَغْرُبَ هي فَيَطَّلِعُ هو. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تَلاها" مَعْناهُ: تَبِعَها دَأْبًا في كُلِّ وقْتٍ؛ لِأنَّهُ يَسْتَضِيءُ مِنها فَهو يَتْلُوها لِذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اتِّباعٌ لا يَخْتَصُّ بِنِصْفِ أوَّلٍ مَنِ الشَهْرِ ولا بِآخِرٍ، وقالَهُ الفَرّاءُ أيْضًا، وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: "تَلاها" مَعْناهُ: امْتَلَأ واسْتَدارَ، فَكانَ لَها تابِعًا في المَنزِلَةِ مِنَ الضِياءِ (p-٦٢٨)والقَدَرِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَواكِبِ شَيْءٌ يَتْلُو الشَمْسَ في هَذا المَعْنى غَيْرُ القَمَرِ، قالَ قَتادَةُ: وإنَّما ذَلِكَ لَيْلَةَ البَدْرِ تَغِيبُ هي فَيَطَّلِعُ هو. و"النَهارِ" في ظاهِرِ هَذِهِ السُورَةِ والَّتِي بَعْدَها أنَّهُ مِن طُلُوعِ الشَمْسِ، وكَذَلِكَ قالَ الزَجّاجُ في كِتابِ الأنْواءِ وغَيْرِهِ. واليَوْمُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ، ولا يَخْتَلِفُ أنَّ نِهايَتَهُما مَغِيبُ الشَمْسِ، والضَمِيرُ في ﴿جَلاها﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشَمْسِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الأرْضِ وعَلى الظُلْمَةِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجِئْ لِذَلِكَ ذِكْرٌ فالمَعْنى يَقْتَضِيهِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وجَلّى مَعْناهُ: كَشَفَ وضَوَّأ، والفاعِلُ لـ"جَلّى"-عَلى هَذِهِ التَأْوِيلاتِ- النَهارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ اللهُ تَعالى، كَأنَّهُ قالَ: والنَهارِ إذا جَلّى اللهُ الشَمْسَ، فَأقْسَمَ بِالنَهارِ في أكْمَلِ حالاتِهِ. ويُغْشى مَعْناهُ: يُغَطِّي، والضَمِيرُ لِلشَّمْسِ عَلى تَجَوُّزٍ في المَعْنى أو لِلْأرْضِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما بَناها﴾ وكُلُّ ما بَعْدَهُ مِن نَظائِرِهِ في السُورَةِ، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" فِيهِ بِمَعْنى "الَّذِي" قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، أيْ: ومَن بَناها، وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٌ ؛ لِأنَّ "ما" تَقَعُ عامَّةً لِمَن يَعْقِلُ ولِما لا يَعْقِلُ، فَيَجِيءُ القَسَمُ بِنَفْسِهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" في جَمِيعِ ذَلِكَ مَصْدَرِيَّةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ، والزَجّاجُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والسَماءُ وبُنْيانُها. و"طَحا" بِمَعْنى "دَحا" و"طَحا" أيْضًا في اللُغَةِ بِمَعْنى: ذَهَبَ كُلَّ مَذْهَبٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ: ؎ طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بَعِيدُ الشَبابِ عُمْرُ حانَ مَشِيبُ و"النَفْسُ" الَّتِي أقْسَمَ بِها اسْمُ الجِنْسِ، و"تَسْوِيَتُها" إكْمالُ عَقْلِها ونَظَرِها، ولِذَلِكَ رَبَطَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾... الآيَةُ، فالفاءُ تُعْطِي أنَّ التَسْوِيَةَ هي هَذا الإلْهامُ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾ أيٍ عُرْفُها طَرَقَ ذَلِكَ وجَعَلَ لَها (p-٦٢٩)قُوَّةً يَصِحُّ مَعَها اكْتِسابُ الفُجُورِ واكْتِسابُ التَقْوى، وجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾، والتَقْدِيرُ: لَقَدْ أفْلَحَ، والفاعِلُ بِـ "زَكّى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهَ تَعالى، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَتِ الفِرْقَةُ أوِ الطائِفَةُ الَّتِي زَكّاها اللهُ تَعالى، و"مَن": تَقَعُ عَلى جَمْعٍ وإفْرادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـ "زَكّى" الإنْسانُ وعَلَيْهِ تَقَعُ مَن، وقالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ، أيْ اكْتَسَبَ الزَكاةَ الَّذِي التى قَدْ خَلَقَها اللهُ تَعالى لَهُ، و﴿زَكّاها﴾ مَعْناهُ: طَهَّرَها ونَمّاها بِالخَيْراتِ، و﴿دَسّاها﴾ مَعْناهُ: أخْفاها وحَقَّرَها، أيْ احْتَقَرَ قَدْرَها بِالمَعاصِي والبُخْلِ بِما يَجِبُ، يُقالُ دَسا يَدْسُو، ودَسّى -بِشَدّ السِينِ- يُدَسِّي، وأصْلُهُ دَسَسَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ودَسَسْتُ عَمْرًا في التُرابِ فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ حَلائِلُهُ يَبْكِينَ لِلْفَقْدِ ضَعْفًا ويُرْوى «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها"»، وهَذا الحَدِيثُ يُقَوِّي أنَّ المُزَكِّيَ هو اللهُ تَعالى، وقالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنى الآيَةِ: وقَدْ خابَ مَن دَسّاها في أهْلِ الخَيْرِ بِالرِياءِ ولَيْسَ مِنهم في حَقِيقَتِهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى صِفَةَ مَن دَسّى، ذَكَرَ فِرْقَةً فَعَلَتْ ذَلِكَ لِيَعْتَبِرَ بِهِمْ ويَنْتَهِيَ عن مِثْلِ فِعْلِهِمْ، و"الطَغْوى" مَصْدَرٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وحَمّادُ بْنُ سُلَيْمانَ "بِطَغْواها" بِضَمِّ الطاءِ، مَصْدَرٌ كالعُقْبى والرُجْعى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الطَغْوى" هُنا العَذابُ، (p-٦٣٠)كَذَّبُوا بِهِ حَتّى نَزَلَ بِهِمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]، وقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ، والمَعْنى كَذَّبَتْ ثَمُودُ نَبِيَّها بِسَبَبِ طُغْيانِها وكُفْرِها، و"انْبَعَثَ" عِبارَةٌ عن خُرُوجِهِ إلى عُقْرِ الناقَةِ بِنَشاطٍ وحِرْصٍ، و"أشْقاها" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ وهو أحَدُ التِسْعَةِ الرَهْطِ المُفْسِدِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَقَعَ أشْقاها عَلى جَماعَةٍ حاوَلَتِ العُقْرَ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فِعْلَهُ بِالناقَةِ حَتّى مالَأهُ عَلَيَّ ذَلِكَ جَمِيعُ الحَيِّ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: فَعَقَرُوها لِكَوْنِهِمْ مُتَّفِقِينَ عَلى ذَلِكَ. و"رَسُولُ اللهِ" صالِحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ احْفَظُوا أو ذَرُوا أوِ احْذَرُوا عَلى مَعْنى: احْذَرُوا الإخْلالَ بِحَقِّ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أمْرُ الناقَةِ والسُقْيا في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ بِما أغْنى عن إعادَتِها، وقَدَّمَ تَعالى التَكْذِيبَ عَلى العُقْرِ لِأنَّهُ كانَ سَبَبَ العُقْرِ، ويُرْوى أنَّهم كانُوا قَدْ أسْلَمُوا قَبْلَ ذَلِكَ وتابَعُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ مُدَّةً ثُمَّ كَذَّبُوا وعَثَرُوا، والجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهم كانُوا عَلى كُفْرِهِمْ. و"دَمْدَمَ" مَعْناهُ: أنْزَلَ العِقابَ مُقْلِقًا لَهم مُكَرَّرًا ذَلِكَ وهي الدَمْدَمَةُ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ "فَدَهْدَمَ" وهي قِراءَةُ ابْنِ الزُبَيْرِ بِالهاءِ بَيْنَ الدالَيْنَ، وفي بَعْضِها "فَدَمَّرَ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَدَمْدَمَها عَلَيْهِمْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِذَنْبِهِمْ" أيْ بِسَبَبِ ذَنْبِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسَوّاها"، مَعْناهُ: فَسِوى القَبِيلَةَ في الهَلاكِ لَمْ يَنْجُ مِنهم أحَدٌ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وأهْلُ الحِجازِ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشامِ، وقَرَأ الباقُونَ "وَلا يَخافُ" بِالواوِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِهِمْ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قَرَأ: "وَلَمْ يَخَفْ عُقْباها"،» والفاعِلُ بـِ "يَخافُ" عَلى مَن قَرَأ "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهُ تَعالى، والمَعْنى فَلا دَرْكَ عَلى اللهِ تَعالى في فِعْلِهِ بِهِمْ لا يَسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، وفي هَذا المَعْنى احْتِقارٌ لِلْقَوْمِ وتَعْفِيَةٌ لِأثَرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ لا يَخافُ عُقْبى اللهِ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ بِهِمْ؛ إذْ كانَ قَدْ أنْذَرَهم وحَذَّرَهُمْ، (p-٦٣١)وَمَن قَرَأ "وَلا يَخافُ" بِالواو فَيُحْتَمَلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا، ويُحْتَمَلُ زائِدًا أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـِ "يَخافُ" أشْقاها المُنْبَعِثُ، قالَهُ الزَجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ، وهو قَوْلُ السُدِّيِّ والضَحّاكِ ومُقاتِلٍ، وتَكُونُ الواوُ واوَ الحالِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: انْبَعَثَ لِعَقْرِها وهو لا يَخافُ عُقْبى فِعْلِهِ لِكُفْرِهِ وطُغْيانِهِ، و"العُقْبى": جَزاءُ الشَيْءِ وخاتِمَتُهُ وما يَجِيءُ مِنَ الأُمُورِ بِعَقِبِهِ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ألِفاتِ هَذِهِ السُورَةِ واللَتَيْنِ بَعْدَها، فَفَتَحَها ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالاضْجاعِ، وقَرَأ نافِعٌ الكُلّ بَيْنَ الفَتْحِ والإمالَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "وَضُحاها" مَكْسُورَةً و"تَلاها" و"طَحاها" مَفْتُوحَتَيْنِ، وكَسَرَ ما عَدا ذَلِكَ، واخْتُلِفَ عن أبِي عَمْرٍو، فَمَرَّةً كَسَرَ الجَمِيعَ، ومَرَّةً كَقِراءَةِ نافِعٍ، قالَ الزَجّاجُ: سَمّى الناسُ الإمالَةَ كَسْرًا ولَيْسَ بِكَسْرٍ صَحِيحٍ، والخَلِيلُ وأبُو عَمْرٍو يَقُولانِ: إمالَةً. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الشَمْسِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

الشمس 91:3

(p-٦٢٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ الشَمْسِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والشَمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ ﴿والنَهارِ إذا جَلاها﴾ ﴿واللَيْلِ إذا يَغْشاها﴾ ﴿والسَماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالشَمْسِ إمّا عَلى التَنْبِيهِ مِنها وإمّا عَلى تَقْدِيرِ ورَبِّ الشَمْسِ، و"الضُحى" بِضَمِّ الضادِ والقَصْرُ: ارْتِفاعُ الضَوْءِ وكَمالُهُ، وبِهَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو النَهارُ كُلُّهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: ضُحاها: حَرُّها، كَقَوْلِهِ تَعالى في "طه" ﴿وَلا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩]، و"الضَحاء" بِفَتْحِ الضادِ والمَدِّ: ما فَوْقَ ذَلِكَ إلى الزَوالِ. والقَمَرُ يَتْلُو الشَمْسَ مِن أوَّلِ الشَهْرِ إلى نِصْفِهِ في الغُرُوبِ، تَغْرُبُ هي ثُمَّ يَغْرُبُ هُوَ، ويَتْلُوها في النِصْفِ الآخَرِ بِنَحْوٍ آخَرَ، وهي أنْ تَغْرُبَ هي فَيَطَّلِعُ هو. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تَلاها" مَعْناهُ: تَبِعَها دَأْبًا في كُلِّ وقْتٍ؛ لِأنَّهُ يَسْتَضِيءُ مِنها فَهو يَتْلُوها لِذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اتِّباعٌ لا يَخْتَصُّ بِنِصْفِ أوَّلٍ مَنِ الشَهْرِ ولا بِآخِرٍ، وقالَهُ الفَرّاءُ أيْضًا، وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: "تَلاها" مَعْناهُ: امْتَلَأ واسْتَدارَ، فَكانَ لَها تابِعًا في المَنزِلَةِ مِنَ الضِياءِ (p-٦٢٨)والقَدَرِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَواكِبِ شَيْءٌ يَتْلُو الشَمْسَ في هَذا المَعْنى غَيْرُ القَمَرِ، قالَ قَتادَةُ: وإنَّما ذَلِكَ لَيْلَةَ البَدْرِ تَغِيبُ هي فَيَطَّلِعُ هو. و"النَهارِ" في ظاهِرِ هَذِهِ السُورَةِ والَّتِي بَعْدَها أنَّهُ مِن طُلُوعِ الشَمْسِ، وكَذَلِكَ قالَ الزَجّاجُ في كِتابِ الأنْواءِ وغَيْرِهِ. واليَوْمُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ، ولا يَخْتَلِفُ أنَّ نِهايَتَهُما مَغِيبُ الشَمْسِ، والضَمِيرُ في ﴿جَلاها﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشَمْسِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الأرْضِ وعَلى الظُلْمَةِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجِئْ لِذَلِكَ ذِكْرٌ فالمَعْنى يَقْتَضِيهِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وجَلّى مَعْناهُ: كَشَفَ وضَوَّأ، والفاعِلُ لـ"جَلّى"-عَلى هَذِهِ التَأْوِيلاتِ- النَهارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ اللهُ تَعالى، كَأنَّهُ قالَ: والنَهارِ إذا جَلّى اللهُ الشَمْسَ، فَأقْسَمَ بِالنَهارِ في أكْمَلِ حالاتِهِ. ويُغْشى مَعْناهُ: يُغَطِّي، والضَمِيرُ لِلشَّمْسِ عَلى تَجَوُّزٍ في المَعْنى أو لِلْأرْضِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما بَناها﴾ وكُلُّ ما بَعْدَهُ مِن نَظائِرِهِ في السُورَةِ، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" فِيهِ بِمَعْنى "الَّذِي" قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، أيْ: ومَن بَناها، وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٌ ؛ لِأنَّ "ما" تَقَعُ عامَّةً لِمَن يَعْقِلُ ولِما لا يَعْقِلُ، فَيَجِيءُ القَسَمُ بِنَفْسِهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" في جَمِيعِ ذَلِكَ مَصْدَرِيَّةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ، والزَجّاجُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والسَماءُ وبُنْيانُها. و"طَحا" بِمَعْنى "دَحا" و"طَحا" أيْضًا في اللُغَةِ بِمَعْنى: ذَهَبَ كُلَّ مَذْهَبٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ: ؎ طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بَعِيدُ الشَبابِ عُمْرُ حانَ مَشِيبُ و"النَفْسُ" الَّتِي أقْسَمَ بِها اسْمُ الجِنْسِ، و"تَسْوِيَتُها" إكْمالُ عَقْلِها ونَظَرِها، ولِذَلِكَ رَبَطَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾... الآيَةُ، فالفاءُ تُعْطِي أنَّ التَسْوِيَةَ هي هَذا الإلْهامُ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾ أيٍ عُرْفُها طَرَقَ ذَلِكَ وجَعَلَ لَها (p-٦٢٩)قُوَّةً يَصِحُّ مَعَها اكْتِسابُ الفُجُورِ واكْتِسابُ التَقْوى، وجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾، والتَقْدِيرُ: لَقَدْ أفْلَحَ، والفاعِلُ بِـ "زَكّى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهَ تَعالى، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَتِ الفِرْقَةُ أوِ الطائِفَةُ الَّتِي زَكّاها اللهُ تَعالى، و"مَن": تَقَعُ عَلى جَمْعٍ وإفْرادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـ "زَكّى" الإنْسانُ وعَلَيْهِ تَقَعُ مَن، وقالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ، أيْ اكْتَسَبَ الزَكاةَ الَّذِي التى قَدْ خَلَقَها اللهُ تَعالى لَهُ، و﴿زَكّاها﴾ مَعْناهُ: طَهَّرَها ونَمّاها بِالخَيْراتِ، و﴿دَسّاها﴾ مَعْناهُ: أخْفاها وحَقَّرَها، أيْ احْتَقَرَ قَدْرَها بِالمَعاصِي والبُخْلِ بِما يَجِبُ، يُقالُ دَسا يَدْسُو، ودَسّى -بِشَدّ السِينِ- يُدَسِّي، وأصْلُهُ دَسَسَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ودَسَسْتُ عَمْرًا في التُرابِ فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ حَلائِلُهُ يَبْكِينَ لِلْفَقْدِ ضَعْفًا ويُرْوى «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها"»، وهَذا الحَدِيثُ يُقَوِّي أنَّ المُزَكِّيَ هو اللهُ تَعالى، وقالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنى الآيَةِ: وقَدْ خابَ مَن دَسّاها في أهْلِ الخَيْرِ بِالرِياءِ ولَيْسَ مِنهم في حَقِيقَتِهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى صِفَةَ مَن دَسّى، ذَكَرَ فِرْقَةً فَعَلَتْ ذَلِكَ لِيَعْتَبِرَ بِهِمْ ويَنْتَهِيَ عن مِثْلِ فِعْلِهِمْ، و"الطَغْوى" مَصْدَرٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وحَمّادُ بْنُ سُلَيْمانَ "بِطَغْواها" بِضَمِّ الطاءِ، مَصْدَرٌ كالعُقْبى والرُجْعى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الطَغْوى" هُنا العَذابُ، (p-٦٣٠)كَذَّبُوا بِهِ حَتّى نَزَلَ بِهِمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]، وقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ، والمَعْنى كَذَّبَتْ ثَمُودُ نَبِيَّها بِسَبَبِ طُغْيانِها وكُفْرِها، و"انْبَعَثَ" عِبارَةٌ عن خُرُوجِهِ إلى عُقْرِ الناقَةِ بِنَشاطٍ وحِرْصٍ، و"أشْقاها" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ وهو أحَدُ التِسْعَةِ الرَهْطِ المُفْسِدِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَقَعَ أشْقاها عَلى جَماعَةٍ حاوَلَتِ العُقْرَ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فِعْلَهُ بِالناقَةِ حَتّى مالَأهُ عَلَيَّ ذَلِكَ جَمِيعُ الحَيِّ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: فَعَقَرُوها لِكَوْنِهِمْ مُتَّفِقِينَ عَلى ذَلِكَ. و"رَسُولُ اللهِ" صالِحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ احْفَظُوا أو ذَرُوا أوِ احْذَرُوا عَلى مَعْنى: احْذَرُوا الإخْلالَ بِحَقِّ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أمْرُ الناقَةِ والسُقْيا في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ بِما أغْنى عن إعادَتِها، وقَدَّمَ تَعالى التَكْذِيبَ عَلى العُقْرِ لِأنَّهُ كانَ سَبَبَ العُقْرِ، ويُرْوى أنَّهم كانُوا قَدْ أسْلَمُوا قَبْلَ ذَلِكَ وتابَعُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ مُدَّةً ثُمَّ كَذَّبُوا وعَثَرُوا، والجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهم كانُوا عَلى كُفْرِهِمْ. و"دَمْدَمَ" مَعْناهُ: أنْزَلَ العِقابَ مُقْلِقًا لَهم مُكَرَّرًا ذَلِكَ وهي الدَمْدَمَةُ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ "فَدَهْدَمَ" وهي قِراءَةُ ابْنِ الزُبَيْرِ بِالهاءِ بَيْنَ الدالَيْنَ، وفي بَعْضِها "فَدَمَّرَ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَدَمْدَمَها عَلَيْهِمْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِذَنْبِهِمْ" أيْ بِسَبَبِ ذَنْبِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسَوّاها"، مَعْناهُ: فَسِوى القَبِيلَةَ في الهَلاكِ لَمْ يَنْجُ مِنهم أحَدٌ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وأهْلُ الحِجازِ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشامِ، وقَرَأ الباقُونَ "وَلا يَخافُ" بِالواوِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِهِمْ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قَرَأ: "وَلَمْ يَخَفْ عُقْباها"،» والفاعِلُ بـِ "يَخافُ" عَلى مَن قَرَأ "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهُ تَعالى، والمَعْنى فَلا دَرْكَ عَلى اللهِ تَعالى في فِعْلِهِ بِهِمْ لا يَسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، وفي هَذا المَعْنى احْتِقارٌ لِلْقَوْمِ وتَعْفِيَةٌ لِأثَرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ لا يَخافُ عُقْبى اللهِ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ بِهِمْ؛ إذْ كانَ قَدْ أنْذَرَهم وحَذَّرَهُمْ، (p-٦٣١)وَمَن قَرَأ "وَلا يَخافُ" بِالواو فَيُحْتَمَلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا، ويُحْتَمَلُ زائِدًا أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـِ "يَخافُ" أشْقاها المُنْبَعِثُ، قالَهُ الزَجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ، وهو قَوْلُ السُدِّيِّ والضَحّاكِ ومُقاتِلٍ، وتَكُونُ الواوُ واوَ الحالِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: انْبَعَثَ لِعَقْرِها وهو لا يَخافُ عُقْبى فِعْلِهِ لِكُفْرِهِ وطُغْيانِهِ، و"العُقْبى": جَزاءُ الشَيْءِ وخاتِمَتُهُ وما يَجِيءُ مِنَ الأُمُورِ بِعَقِبِهِ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ألِفاتِ هَذِهِ السُورَةِ واللَتَيْنِ بَعْدَها، فَفَتَحَها ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالاضْجاعِ، وقَرَأ نافِعٌ الكُلّ بَيْنَ الفَتْحِ والإمالَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "وَضُحاها" مَكْسُورَةً و"تَلاها" و"طَحاها" مَفْتُوحَتَيْنِ، وكَسَرَ ما عَدا ذَلِكَ، واخْتُلِفَ عن أبِي عَمْرٍو، فَمَرَّةً كَسَرَ الجَمِيعَ، ومَرَّةً كَقِراءَةِ نافِعٍ، قالَ الزَجّاجُ: سَمّى الناسُ الإمالَةَ كَسْرًا ولَيْسَ بِكَسْرٍ صَحِيحٍ، والخَلِيلُ وأبُو عَمْرٍو يَقُولانِ: إمالَةً. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الشَمْسِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

الشمس 91:4

(p-٦٢٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ الشَمْسِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والشَمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ ﴿والنَهارِ إذا جَلاها﴾ ﴿واللَيْلِ إذا يَغْشاها﴾ ﴿والسَماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالشَمْسِ إمّا عَلى التَنْبِيهِ مِنها وإمّا عَلى تَقْدِيرِ ورَبِّ الشَمْسِ، و"الضُحى" بِضَمِّ الضادِ والقَصْرُ: ارْتِفاعُ الضَوْءِ وكَمالُهُ، وبِهَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو النَهارُ كُلُّهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: ضُحاها: حَرُّها، كَقَوْلِهِ تَعالى في "طه" ﴿وَلا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩]، و"الضَحاء" بِفَتْحِ الضادِ والمَدِّ: ما فَوْقَ ذَلِكَ إلى الزَوالِ. والقَمَرُ يَتْلُو الشَمْسَ مِن أوَّلِ الشَهْرِ إلى نِصْفِهِ في الغُرُوبِ، تَغْرُبُ هي ثُمَّ يَغْرُبُ هُوَ، ويَتْلُوها في النِصْفِ الآخَرِ بِنَحْوٍ آخَرَ، وهي أنْ تَغْرُبَ هي فَيَطَّلِعُ هو. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تَلاها" مَعْناهُ: تَبِعَها دَأْبًا في كُلِّ وقْتٍ؛ لِأنَّهُ يَسْتَضِيءُ مِنها فَهو يَتْلُوها لِذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اتِّباعٌ لا يَخْتَصُّ بِنِصْفِ أوَّلٍ مَنِ الشَهْرِ ولا بِآخِرٍ، وقالَهُ الفَرّاءُ أيْضًا، وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: "تَلاها" مَعْناهُ: امْتَلَأ واسْتَدارَ، فَكانَ لَها تابِعًا في المَنزِلَةِ مِنَ الضِياءِ (p-٦٢٨)والقَدَرِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَواكِبِ شَيْءٌ يَتْلُو الشَمْسَ في هَذا المَعْنى غَيْرُ القَمَرِ، قالَ قَتادَةُ: وإنَّما ذَلِكَ لَيْلَةَ البَدْرِ تَغِيبُ هي فَيَطَّلِعُ هو. و"النَهارِ" في ظاهِرِ هَذِهِ السُورَةِ والَّتِي بَعْدَها أنَّهُ مِن طُلُوعِ الشَمْسِ، وكَذَلِكَ قالَ الزَجّاجُ في كِتابِ الأنْواءِ وغَيْرِهِ. واليَوْمُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ، ولا يَخْتَلِفُ أنَّ نِهايَتَهُما مَغِيبُ الشَمْسِ، والضَمِيرُ في ﴿جَلاها﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشَمْسِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الأرْضِ وعَلى الظُلْمَةِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجِئْ لِذَلِكَ ذِكْرٌ فالمَعْنى يَقْتَضِيهِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وجَلّى مَعْناهُ: كَشَفَ وضَوَّأ، والفاعِلُ لـ"جَلّى"-عَلى هَذِهِ التَأْوِيلاتِ- النَهارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ اللهُ تَعالى، كَأنَّهُ قالَ: والنَهارِ إذا جَلّى اللهُ الشَمْسَ، فَأقْسَمَ بِالنَهارِ في أكْمَلِ حالاتِهِ. ويُغْشى مَعْناهُ: يُغَطِّي، والضَمِيرُ لِلشَّمْسِ عَلى تَجَوُّزٍ في المَعْنى أو لِلْأرْضِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما بَناها﴾ وكُلُّ ما بَعْدَهُ مِن نَظائِرِهِ في السُورَةِ، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" فِيهِ بِمَعْنى "الَّذِي" قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، أيْ: ومَن بَناها، وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٌ ؛ لِأنَّ "ما" تَقَعُ عامَّةً لِمَن يَعْقِلُ ولِما لا يَعْقِلُ، فَيَجِيءُ القَسَمُ بِنَفْسِهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" في جَمِيعِ ذَلِكَ مَصْدَرِيَّةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ، والزَجّاجُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والسَماءُ وبُنْيانُها. و"طَحا" بِمَعْنى "دَحا" و"طَحا" أيْضًا في اللُغَةِ بِمَعْنى: ذَهَبَ كُلَّ مَذْهَبٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ: ؎ طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بَعِيدُ الشَبابِ عُمْرُ حانَ مَشِيبُ و"النَفْسُ" الَّتِي أقْسَمَ بِها اسْمُ الجِنْسِ، و"تَسْوِيَتُها" إكْمالُ عَقْلِها ونَظَرِها، ولِذَلِكَ رَبَطَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾... الآيَةُ، فالفاءُ تُعْطِي أنَّ التَسْوِيَةَ هي هَذا الإلْهامُ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾ أيٍ عُرْفُها طَرَقَ ذَلِكَ وجَعَلَ لَها (p-٦٢٩)قُوَّةً يَصِحُّ مَعَها اكْتِسابُ الفُجُورِ واكْتِسابُ التَقْوى، وجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾، والتَقْدِيرُ: لَقَدْ أفْلَحَ، والفاعِلُ بِـ "زَكّى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهَ تَعالى، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَتِ الفِرْقَةُ أوِ الطائِفَةُ الَّتِي زَكّاها اللهُ تَعالى، و"مَن": تَقَعُ عَلى جَمْعٍ وإفْرادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـ "زَكّى" الإنْسانُ وعَلَيْهِ تَقَعُ مَن، وقالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ، أيْ اكْتَسَبَ الزَكاةَ الَّذِي التى قَدْ خَلَقَها اللهُ تَعالى لَهُ، و﴿زَكّاها﴾ مَعْناهُ: طَهَّرَها ونَمّاها بِالخَيْراتِ، و﴿دَسّاها﴾ مَعْناهُ: أخْفاها وحَقَّرَها، أيْ احْتَقَرَ قَدْرَها بِالمَعاصِي والبُخْلِ بِما يَجِبُ، يُقالُ دَسا يَدْسُو، ودَسّى -بِشَدّ السِينِ- يُدَسِّي، وأصْلُهُ دَسَسَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ودَسَسْتُ عَمْرًا في التُرابِ فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ حَلائِلُهُ يَبْكِينَ لِلْفَقْدِ ضَعْفًا ويُرْوى «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها"»، وهَذا الحَدِيثُ يُقَوِّي أنَّ المُزَكِّيَ هو اللهُ تَعالى، وقالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنى الآيَةِ: وقَدْ خابَ مَن دَسّاها في أهْلِ الخَيْرِ بِالرِياءِ ولَيْسَ مِنهم في حَقِيقَتِهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى صِفَةَ مَن دَسّى، ذَكَرَ فِرْقَةً فَعَلَتْ ذَلِكَ لِيَعْتَبِرَ بِهِمْ ويَنْتَهِيَ عن مِثْلِ فِعْلِهِمْ، و"الطَغْوى" مَصْدَرٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وحَمّادُ بْنُ سُلَيْمانَ "بِطَغْواها" بِضَمِّ الطاءِ، مَصْدَرٌ كالعُقْبى والرُجْعى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الطَغْوى" هُنا العَذابُ، (p-٦٣٠)كَذَّبُوا بِهِ حَتّى نَزَلَ بِهِمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]، وقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ، والمَعْنى كَذَّبَتْ ثَمُودُ نَبِيَّها بِسَبَبِ طُغْيانِها وكُفْرِها، و"انْبَعَثَ" عِبارَةٌ عن خُرُوجِهِ إلى عُقْرِ الناقَةِ بِنَشاطٍ وحِرْصٍ، و"أشْقاها" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ وهو أحَدُ التِسْعَةِ الرَهْطِ المُفْسِدِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَقَعَ أشْقاها عَلى جَماعَةٍ حاوَلَتِ العُقْرَ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فِعْلَهُ بِالناقَةِ حَتّى مالَأهُ عَلَيَّ ذَلِكَ جَمِيعُ الحَيِّ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: فَعَقَرُوها لِكَوْنِهِمْ مُتَّفِقِينَ عَلى ذَلِكَ. و"رَسُولُ اللهِ" صالِحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ احْفَظُوا أو ذَرُوا أوِ احْذَرُوا عَلى مَعْنى: احْذَرُوا الإخْلالَ بِحَقِّ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أمْرُ الناقَةِ والسُقْيا في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ بِما أغْنى عن إعادَتِها، وقَدَّمَ تَعالى التَكْذِيبَ عَلى العُقْرِ لِأنَّهُ كانَ سَبَبَ العُقْرِ، ويُرْوى أنَّهم كانُوا قَدْ أسْلَمُوا قَبْلَ ذَلِكَ وتابَعُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ مُدَّةً ثُمَّ كَذَّبُوا وعَثَرُوا، والجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهم كانُوا عَلى كُفْرِهِمْ. و"دَمْدَمَ" مَعْناهُ: أنْزَلَ العِقابَ مُقْلِقًا لَهم مُكَرَّرًا ذَلِكَ وهي الدَمْدَمَةُ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ "فَدَهْدَمَ" وهي قِراءَةُ ابْنِ الزُبَيْرِ بِالهاءِ بَيْنَ الدالَيْنَ، وفي بَعْضِها "فَدَمَّرَ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَدَمْدَمَها عَلَيْهِمْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِذَنْبِهِمْ" أيْ بِسَبَبِ ذَنْبِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسَوّاها"، مَعْناهُ: فَسِوى القَبِيلَةَ في الهَلاكِ لَمْ يَنْجُ مِنهم أحَدٌ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وأهْلُ الحِجازِ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشامِ، وقَرَأ الباقُونَ "وَلا يَخافُ" بِالواوِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِهِمْ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قَرَأ: "وَلَمْ يَخَفْ عُقْباها"،» والفاعِلُ بـِ "يَخافُ" عَلى مَن قَرَأ "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهُ تَعالى، والمَعْنى فَلا دَرْكَ عَلى اللهِ تَعالى في فِعْلِهِ بِهِمْ لا يَسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، وفي هَذا المَعْنى احْتِقارٌ لِلْقَوْمِ وتَعْفِيَةٌ لِأثَرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ لا يَخافُ عُقْبى اللهِ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ بِهِمْ؛ إذْ كانَ قَدْ أنْذَرَهم وحَذَّرَهُمْ، (p-٦٣١)وَمَن قَرَأ "وَلا يَخافُ" بِالواو فَيُحْتَمَلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا، ويُحْتَمَلُ زائِدًا أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـِ "يَخافُ" أشْقاها المُنْبَعِثُ، قالَهُ الزَجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ، وهو قَوْلُ السُدِّيِّ والضَحّاكِ ومُقاتِلٍ، وتَكُونُ الواوُ واوَ الحالِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: انْبَعَثَ لِعَقْرِها وهو لا يَخافُ عُقْبى فِعْلِهِ لِكُفْرِهِ وطُغْيانِهِ، و"العُقْبى": جَزاءُ الشَيْءِ وخاتِمَتُهُ وما يَجِيءُ مِنَ الأُمُورِ بِعَقِبِهِ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ألِفاتِ هَذِهِ السُورَةِ واللَتَيْنِ بَعْدَها، فَفَتَحَها ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالاضْجاعِ، وقَرَأ نافِعٌ الكُلّ بَيْنَ الفَتْحِ والإمالَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "وَضُحاها" مَكْسُورَةً و"تَلاها" و"طَحاها" مَفْتُوحَتَيْنِ، وكَسَرَ ما عَدا ذَلِكَ، واخْتُلِفَ عن أبِي عَمْرٍو، فَمَرَّةً كَسَرَ الجَمِيعَ، ومَرَّةً كَقِراءَةِ نافِعٍ، قالَ الزَجّاجُ: سَمّى الناسُ الإمالَةَ كَسْرًا ولَيْسَ بِكَسْرٍ صَحِيحٍ، والخَلِيلُ وأبُو عَمْرٍو يَقُولانِ: إمالَةً. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الشَمْسِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

الشمس 91:5

(p-٦٢٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ الشَمْسِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والشَمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ ﴿والنَهارِ إذا جَلاها﴾ ﴿واللَيْلِ إذا يَغْشاها﴾ ﴿والسَماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالشَمْسِ إمّا عَلى التَنْبِيهِ مِنها وإمّا عَلى تَقْدِيرِ ورَبِّ الشَمْسِ، و"الضُحى" بِضَمِّ الضادِ والقَصْرُ: ارْتِفاعُ الضَوْءِ وكَمالُهُ، وبِهَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو النَهارُ كُلُّهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: ضُحاها: حَرُّها، كَقَوْلِهِ تَعالى في "طه" ﴿وَلا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩]، و"الضَحاء" بِفَتْحِ الضادِ والمَدِّ: ما فَوْقَ ذَلِكَ إلى الزَوالِ. والقَمَرُ يَتْلُو الشَمْسَ مِن أوَّلِ الشَهْرِ إلى نِصْفِهِ في الغُرُوبِ، تَغْرُبُ هي ثُمَّ يَغْرُبُ هُوَ، ويَتْلُوها في النِصْفِ الآخَرِ بِنَحْوٍ آخَرَ، وهي أنْ تَغْرُبَ هي فَيَطَّلِعُ هو. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تَلاها" مَعْناهُ: تَبِعَها دَأْبًا في كُلِّ وقْتٍ؛ لِأنَّهُ يَسْتَضِيءُ مِنها فَهو يَتْلُوها لِذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اتِّباعٌ لا يَخْتَصُّ بِنِصْفِ أوَّلٍ مَنِ الشَهْرِ ولا بِآخِرٍ، وقالَهُ الفَرّاءُ أيْضًا، وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: "تَلاها" مَعْناهُ: امْتَلَأ واسْتَدارَ، فَكانَ لَها تابِعًا في المَنزِلَةِ مِنَ الضِياءِ (p-٦٢٨)والقَدَرِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَواكِبِ شَيْءٌ يَتْلُو الشَمْسَ في هَذا المَعْنى غَيْرُ القَمَرِ، قالَ قَتادَةُ: وإنَّما ذَلِكَ لَيْلَةَ البَدْرِ تَغِيبُ هي فَيَطَّلِعُ هو. و"النَهارِ" في ظاهِرِ هَذِهِ السُورَةِ والَّتِي بَعْدَها أنَّهُ مِن طُلُوعِ الشَمْسِ، وكَذَلِكَ قالَ الزَجّاجُ في كِتابِ الأنْواءِ وغَيْرِهِ. واليَوْمُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ، ولا يَخْتَلِفُ أنَّ نِهايَتَهُما مَغِيبُ الشَمْسِ، والضَمِيرُ في ﴿جَلاها﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشَمْسِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الأرْضِ وعَلى الظُلْمَةِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجِئْ لِذَلِكَ ذِكْرٌ فالمَعْنى يَقْتَضِيهِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وجَلّى مَعْناهُ: كَشَفَ وضَوَّأ، والفاعِلُ لـ"جَلّى"-عَلى هَذِهِ التَأْوِيلاتِ- النَهارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ اللهُ تَعالى، كَأنَّهُ قالَ: والنَهارِ إذا جَلّى اللهُ الشَمْسَ، فَأقْسَمَ بِالنَهارِ في أكْمَلِ حالاتِهِ. ويُغْشى مَعْناهُ: يُغَطِّي، والضَمِيرُ لِلشَّمْسِ عَلى تَجَوُّزٍ في المَعْنى أو لِلْأرْضِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما بَناها﴾ وكُلُّ ما بَعْدَهُ مِن نَظائِرِهِ في السُورَةِ، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" فِيهِ بِمَعْنى "الَّذِي" قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، أيْ: ومَن بَناها، وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٌ ؛ لِأنَّ "ما" تَقَعُ عامَّةً لِمَن يَعْقِلُ ولِما لا يَعْقِلُ، فَيَجِيءُ القَسَمُ بِنَفْسِهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" في جَمِيعِ ذَلِكَ مَصْدَرِيَّةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ، والزَجّاجُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والسَماءُ وبُنْيانُها. و"طَحا" بِمَعْنى "دَحا" و"طَحا" أيْضًا في اللُغَةِ بِمَعْنى: ذَهَبَ كُلَّ مَذْهَبٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ: ؎ طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بَعِيدُ الشَبابِ عُمْرُ حانَ مَشِيبُ و"النَفْسُ" الَّتِي أقْسَمَ بِها اسْمُ الجِنْسِ، و"تَسْوِيَتُها" إكْمالُ عَقْلِها ونَظَرِها، ولِذَلِكَ رَبَطَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾... الآيَةُ، فالفاءُ تُعْطِي أنَّ التَسْوِيَةَ هي هَذا الإلْهامُ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾ أيٍ عُرْفُها طَرَقَ ذَلِكَ وجَعَلَ لَها (p-٦٢٩)قُوَّةً يَصِحُّ مَعَها اكْتِسابُ الفُجُورِ واكْتِسابُ التَقْوى، وجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾، والتَقْدِيرُ: لَقَدْ أفْلَحَ، والفاعِلُ بِـ "زَكّى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهَ تَعالى، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَتِ الفِرْقَةُ أوِ الطائِفَةُ الَّتِي زَكّاها اللهُ تَعالى، و"مَن": تَقَعُ عَلى جَمْعٍ وإفْرادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـ "زَكّى" الإنْسانُ وعَلَيْهِ تَقَعُ مَن، وقالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ، أيْ اكْتَسَبَ الزَكاةَ الَّذِي التى قَدْ خَلَقَها اللهُ تَعالى لَهُ، و﴿زَكّاها﴾ مَعْناهُ: طَهَّرَها ونَمّاها بِالخَيْراتِ، و﴿دَسّاها﴾ مَعْناهُ: أخْفاها وحَقَّرَها، أيْ احْتَقَرَ قَدْرَها بِالمَعاصِي والبُخْلِ بِما يَجِبُ، يُقالُ دَسا يَدْسُو، ودَسّى -بِشَدّ السِينِ- يُدَسِّي، وأصْلُهُ دَسَسَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ودَسَسْتُ عَمْرًا في التُرابِ فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ حَلائِلُهُ يَبْكِينَ لِلْفَقْدِ ضَعْفًا ويُرْوى «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها"»، وهَذا الحَدِيثُ يُقَوِّي أنَّ المُزَكِّيَ هو اللهُ تَعالى، وقالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنى الآيَةِ: وقَدْ خابَ مَن دَسّاها في أهْلِ الخَيْرِ بِالرِياءِ ولَيْسَ مِنهم في حَقِيقَتِهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى صِفَةَ مَن دَسّى، ذَكَرَ فِرْقَةً فَعَلَتْ ذَلِكَ لِيَعْتَبِرَ بِهِمْ ويَنْتَهِيَ عن مِثْلِ فِعْلِهِمْ، و"الطَغْوى" مَصْدَرٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وحَمّادُ بْنُ سُلَيْمانَ "بِطَغْواها" بِضَمِّ الطاءِ، مَصْدَرٌ كالعُقْبى والرُجْعى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الطَغْوى" هُنا العَذابُ، (p-٦٣٠)كَذَّبُوا بِهِ حَتّى نَزَلَ بِهِمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]، وقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ، والمَعْنى كَذَّبَتْ ثَمُودُ نَبِيَّها بِسَبَبِ طُغْيانِها وكُفْرِها، و"انْبَعَثَ" عِبارَةٌ عن خُرُوجِهِ إلى عُقْرِ الناقَةِ بِنَشاطٍ وحِرْصٍ، و"أشْقاها" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ وهو أحَدُ التِسْعَةِ الرَهْطِ المُفْسِدِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَقَعَ أشْقاها عَلى جَماعَةٍ حاوَلَتِ العُقْرَ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فِعْلَهُ بِالناقَةِ حَتّى مالَأهُ عَلَيَّ ذَلِكَ جَمِيعُ الحَيِّ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: فَعَقَرُوها لِكَوْنِهِمْ مُتَّفِقِينَ عَلى ذَلِكَ. و"رَسُولُ اللهِ" صالِحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ احْفَظُوا أو ذَرُوا أوِ احْذَرُوا عَلى مَعْنى: احْذَرُوا الإخْلالَ بِحَقِّ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أمْرُ الناقَةِ والسُقْيا في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ بِما أغْنى عن إعادَتِها، وقَدَّمَ تَعالى التَكْذِيبَ عَلى العُقْرِ لِأنَّهُ كانَ سَبَبَ العُقْرِ، ويُرْوى أنَّهم كانُوا قَدْ أسْلَمُوا قَبْلَ ذَلِكَ وتابَعُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ مُدَّةً ثُمَّ كَذَّبُوا وعَثَرُوا، والجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهم كانُوا عَلى كُفْرِهِمْ. و"دَمْدَمَ" مَعْناهُ: أنْزَلَ العِقابَ مُقْلِقًا لَهم مُكَرَّرًا ذَلِكَ وهي الدَمْدَمَةُ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ "فَدَهْدَمَ" وهي قِراءَةُ ابْنِ الزُبَيْرِ بِالهاءِ بَيْنَ الدالَيْنَ، وفي بَعْضِها "فَدَمَّرَ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَدَمْدَمَها عَلَيْهِمْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِذَنْبِهِمْ" أيْ بِسَبَبِ ذَنْبِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسَوّاها"، مَعْناهُ: فَسِوى القَبِيلَةَ في الهَلاكِ لَمْ يَنْجُ مِنهم أحَدٌ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وأهْلُ الحِجازِ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشامِ، وقَرَأ الباقُونَ "وَلا يَخافُ" بِالواوِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِهِمْ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قَرَأ: "وَلَمْ يَخَفْ عُقْباها"،» والفاعِلُ بـِ "يَخافُ" عَلى مَن قَرَأ "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهُ تَعالى، والمَعْنى فَلا دَرْكَ عَلى اللهِ تَعالى في فِعْلِهِ بِهِمْ لا يَسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، وفي هَذا المَعْنى احْتِقارٌ لِلْقَوْمِ وتَعْفِيَةٌ لِأثَرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ لا يَخافُ عُقْبى اللهِ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ بِهِمْ؛ إذْ كانَ قَدْ أنْذَرَهم وحَذَّرَهُمْ، (p-٦٣١)وَمَن قَرَأ "وَلا يَخافُ" بِالواو فَيُحْتَمَلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا، ويُحْتَمَلُ زائِدًا أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـِ "يَخافُ" أشْقاها المُنْبَعِثُ، قالَهُ الزَجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ، وهو قَوْلُ السُدِّيِّ والضَحّاكِ ومُقاتِلٍ، وتَكُونُ الواوُ واوَ الحالِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: انْبَعَثَ لِعَقْرِها وهو لا يَخافُ عُقْبى فِعْلِهِ لِكُفْرِهِ وطُغْيانِهِ، و"العُقْبى": جَزاءُ الشَيْءِ وخاتِمَتُهُ وما يَجِيءُ مِنَ الأُمُورِ بِعَقِبِهِ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ألِفاتِ هَذِهِ السُورَةِ واللَتَيْنِ بَعْدَها، فَفَتَحَها ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالاضْجاعِ، وقَرَأ نافِعٌ الكُلّ بَيْنَ الفَتْحِ والإمالَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "وَضُحاها" مَكْسُورَةً و"تَلاها" و"طَحاها" مَفْتُوحَتَيْنِ، وكَسَرَ ما عَدا ذَلِكَ، واخْتُلِفَ عن أبِي عَمْرٍو، فَمَرَّةً كَسَرَ الجَمِيعَ، ومَرَّةً كَقِراءَةِ نافِعٍ، قالَ الزَجّاجُ: سَمّى الناسُ الإمالَةَ كَسْرًا ولَيْسَ بِكَسْرٍ صَحِيحٍ، والخَلِيلُ وأبُو عَمْرٍو يَقُولانِ: إمالَةً. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الشَمْسِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

الشمس 91:6

(p-٦٢٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ الشَمْسِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والشَمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ ﴿والنَهارِ إذا جَلاها﴾ ﴿واللَيْلِ إذا يَغْشاها﴾ ﴿والسَماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالشَمْسِ إمّا عَلى التَنْبِيهِ مِنها وإمّا عَلى تَقْدِيرِ ورَبِّ الشَمْسِ، و"الضُحى" بِضَمِّ الضادِ والقَصْرُ: ارْتِفاعُ الضَوْءِ وكَمالُهُ، وبِهَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو النَهارُ كُلُّهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: ضُحاها: حَرُّها، كَقَوْلِهِ تَعالى في "طه" ﴿وَلا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩]، و"الضَحاء" بِفَتْحِ الضادِ والمَدِّ: ما فَوْقَ ذَلِكَ إلى الزَوالِ. والقَمَرُ يَتْلُو الشَمْسَ مِن أوَّلِ الشَهْرِ إلى نِصْفِهِ في الغُرُوبِ، تَغْرُبُ هي ثُمَّ يَغْرُبُ هُوَ، ويَتْلُوها في النِصْفِ الآخَرِ بِنَحْوٍ آخَرَ، وهي أنْ تَغْرُبَ هي فَيَطَّلِعُ هو. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تَلاها" مَعْناهُ: تَبِعَها دَأْبًا في كُلِّ وقْتٍ؛ لِأنَّهُ يَسْتَضِيءُ مِنها فَهو يَتْلُوها لِذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اتِّباعٌ لا يَخْتَصُّ بِنِصْفِ أوَّلٍ مَنِ الشَهْرِ ولا بِآخِرٍ، وقالَهُ الفَرّاءُ أيْضًا، وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: "تَلاها" مَعْناهُ: امْتَلَأ واسْتَدارَ، فَكانَ لَها تابِعًا في المَنزِلَةِ مِنَ الضِياءِ (p-٦٢٨)والقَدَرِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَواكِبِ شَيْءٌ يَتْلُو الشَمْسَ في هَذا المَعْنى غَيْرُ القَمَرِ، قالَ قَتادَةُ: وإنَّما ذَلِكَ لَيْلَةَ البَدْرِ تَغِيبُ هي فَيَطَّلِعُ هو. و"النَهارِ" في ظاهِرِ هَذِهِ السُورَةِ والَّتِي بَعْدَها أنَّهُ مِن طُلُوعِ الشَمْسِ، وكَذَلِكَ قالَ الزَجّاجُ في كِتابِ الأنْواءِ وغَيْرِهِ. واليَوْمُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ، ولا يَخْتَلِفُ أنَّ نِهايَتَهُما مَغِيبُ الشَمْسِ، والضَمِيرُ في ﴿جَلاها﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشَمْسِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الأرْضِ وعَلى الظُلْمَةِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجِئْ لِذَلِكَ ذِكْرٌ فالمَعْنى يَقْتَضِيهِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وجَلّى مَعْناهُ: كَشَفَ وضَوَّأ، والفاعِلُ لـ"جَلّى"-عَلى هَذِهِ التَأْوِيلاتِ- النَهارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ اللهُ تَعالى، كَأنَّهُ قالَ: والنَهارِ إذا جَلّى اللهُ الشَمْسَ، فَأقْسَمَ بِالنَهارِ في أكْمَلِ حالاتِهِ. ويُغْشى مَعْناهُ: يُغَطِّي، والضَمِيرُ لِلشَّمْسِ عَلى تَجَوُّزٍ في المَعْنى أو لِلْأرْضِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما بَناها﴾ وكُلُّ ما بَعْدَهُ مِن نَظائِرِهِ في السُورَةِ، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" فِيهِ بِمَعْنى "الَّذِي" قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، أيْ: ومَن بَناها، وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٌ ؛ لِأنَّ "ما" تَقَعُ عامَّةً لِمَن يَعْقِلُ ولِما لا يَعْقِلُ، فَيَجِيءُ القَسَمُ بِنَفْسِهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" في جَمِيعِ ذَلِكَ مَصْدَرِيَّةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ، والزَجّاجُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والسَماءُ وبُنْيانُها. و"طَحا" بِمَعْنى "دَحا" و"طَحا" أيْضًا في اللُغَةِ بِمَعْنى: ذَهَبَ كُلَّ مَذْهَبٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ: ؎ طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بَعِيدُ الشَبابِ عُمْرُ حانَ مَشِيبُ و"النَفْسُ" الَّتِي أقْسَمَ بِها اسْمُ الجِنْسِ، و"تَسْوِيَتُها" إكْمالُ عَقْلِها ونَظَرِها، ولِذَلِكَ رَبَطَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾... الآيَةُ، فالفاءُ تُعْطِي أنَّ التَسْوِيَةَ هي هَذا الإلْهامُ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾ أيٍ عُرْفُها طَرَقَ ذَلِكَ وجَعَلَ لَها (p-٦٢٩)قُوَّةً يَصِحُّ مَعَها اكْتِسابُ الفُجُورِ واكْتِسابُ التَقْوى، وجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾، والتَقْدِيرُ: لَقَدْ أفْلَحَ، والفاعِلُ بِـ "زَكّى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهَ تَعالى، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَتِ الفِرْقَةُ أوِ الطائِفَةُ الَّتِي زَكّاها اللهُ تَعالى، و"مَن": تَقَعُ عَلى جَمْعٍ وإفْرادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـ "زَكّى" الإنْسانُ وعَلَيْهِ تَقَعُ مَن، وقالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ، أيْ اكْتَسَبَ الزَكاةَ الَّذِي التى قَدْ خَلَقَها اللهُ تَعالى لَهُ، و﴿زَكّاها﴾ مَعْناهُ: طَهَّرَها ونَمّاها بِالخَيْراتِ، و﴿دَسّاها﴾ مَعْناهُ: أخْفاها وحَقَّرَها، أيْ احْتَقَرَ قَدْرَها بِالمَعاصِي والبُخْلِ بِما يَجِبُ، يُقالُ دَسا يَدْسُو، ودَسّى -بِشَدّ السِينِ- يُدَسِّي، وأصْلُهُ دَسَسَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ودَسَسْتُ عَمْرًا في التُرابِ فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ حَلائِلُهُ يَبْكِينَ لِلْفَقْدِ ضَعْفًا ويُرْوى «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها"»، وهَذا الحَدِيثُ يُقَوِّي أنَّ المُزَكِّيَ هو اللهُ تَعالى، وقالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنى الآيَةِ: وقَدْ خابَ مَن دَسّاها في أهْلِ الخَيْرِ بِالرِياءِ ولَيْسَ مِنهم في حَقِيقَتِهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى صِفَةَ مَن دَسّى، ذَكَرَ فِرْقَةً فَعَلَتْ ذَلِكَ لِيَعْتَبِرَ بِهِمْ ويَنْتَهِيَ عن مِثْلِ فِعْلِهِمْ، و"الطَغْوى" مَصْدَرٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وحَمّادُ بْنُ سُلَيْمانَ "بِطَغْواها" بِضَمِّ الطاءِ، مَصْدَرٌ كالعُقْبى والرُجْعى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الطَغْوى" هُنا العَذابُ، (p-٦٣٠)كَذَّبُوا بِهِ حَتّى نَزَلَ بِهِمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]، وقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ، والمَعْنى كَذَّبَتْ ثَمُودُ نَبِيَّها بِسَبَبِ طُغْيانِها وكُفْرِها، و"انْبَعَثَ" عِبارَةٌ عن خُرُوجِهِ إلى عُقْرِ الناقَةِ بِنَشاطٍ وحِرْصٍ، و"أشْقاها" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ وهو أحَدُ التِسْعَةِ الرَهْطِ المُفْسِدِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَقَعَ أشْقاها عَلى جَماعَةٍ حاوَلَتِ العُقْرَ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فِعْلَهُ بِالناقَةِ حَتّى مالَأهُ عَلَيَّ ذَلِكَ جَمِيعُ الحَيِّ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: فَعَقَرُوها لِكَوْنِهِمْ مُتَّفِقِينَ عَلى ذَلِكَ. و"رَسُولُ اللهِ" صالِحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ احْفَظُوا أو ذَرُوا أوِ احْذَرُوا عَلى مَعْنى: احْذَرُوا الإخْلالَ بِحَقِّ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أمْرُ الناقَةِ والسُقْيا في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ بِما أغْنى عن إعادَتِها، وقَدَّمَ تَعالى التَكْذِيبَ عَلى العُقْرِ لِأنَّهُ كانَ سَبَبَ العُقْرِ، ويُرْوى أنَّهم كانُوا قَدْ أسْلَمُوا قَبْلَ ذَلِكَ وتابَعُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ مُدَّةً ثُمَّ كَذَّبُوا وعَثَرُوا، والجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهم كانُوا عَلى كُفْرِهِمْ. و"دَمْدَمَ" مَعْناهُ: أنْزَلَ العِقابَ مُقْلِقًا لَهم مُكَرَّرًا ذَلِكَ وهي الدَمْدَمَةُ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ "فَدَهْدَمَ" وهي قِراءَةُ ابْنِ الزُبَيْرِ بِالهاءِ بَيْنَ الدالَيْنَ، وفي بَعْضِها "فَدَمَّرَ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَدَمْدَمَها عَلَيْهِمْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِذَنْبِهِمْ" أيْ بِسَبَبِ ذَنْبِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسَوّاها"، مَعْناهُ: فَسِوى القَبِيلَةَ في الهَلاكِ لَمْ يَنْجُ مِنهم أحَدٌ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وأهْلُ الحِجازِ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشامِ، وقَرَأ الباقُونَ "وَلا يَخافُ" بِالواوِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِهِمْ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قَرَأ: "وَلَمْ يَخَفْ عُقْباها"،» والفاعِلُ بـِ "يَخافُ" عَلى مَن قَرَأ "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهُ تَعالى، والمَعْنى فَلا دَرْكَ عَلى اللهِ تَعالى في فِعْلِهِ بِهِمْ لا يَسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، وفي هَذا المَعْنى احْتِقارٌ لِلْقَوْمِ وتَعْفِيَةٌ لِأثَرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ لا يَخافُ عُقْبى اللهِ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ بِهِمْ؛ إذْ كانَ قَدْ أنْذَرَهم وحَذَّرَهُمْ، (p-٦٣١)وَمَن قَرَأ "وَلا يَخافُ" بِالواو فَيُحْتَمَلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا، ويُحْتَمَلُ زائِدًا أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـِ "يَخافُ" أشْقاها المُنْبَعِثُ، قالَهُ الزَجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ، وهو قَوْلُ السُدِّيِّ والضَحّاكِ ومُقاتِلٍ، وتَكُونُ الواوُ واوَ الحالِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: انْبَعَثَ لِعَقْرِها وهو لا يَخافُ عُقْبى فِعْلِهِ لِكُفْرِهِ وطُغْيانِهِ، و"العُقْبى": جَزاءُ الشَيْءِ وخاتِمَتُهُ وما يَجِيءُ مِنَ الأُمُورِ بِعَقِبِهِ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ألِفاتِ هَذِهِ السُورَةِ واللَتَيْنِ بَعْدَها، فَفَتَحَها ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالاضْجاعِ، وقَرَأ نافِعٌ الكُلّ بَيْنَ الفَتْحِ والإمالَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "وَضُحاها" مَكْسُورَةً و"تَلاها" و"طَحاها" مَفْتُوحَتَيْنِ، وكَسَرَ ما عَدا ذَلِكَ، واخْتُلِفَ عن أبِي عَمْرٍو، فَمَرَّةً كَسَرَ الجَمِيعَ، ومَرَّةً كَقِراءَةِ نافِعٍ، قالَ الزَجّاجُ: سَمّى الناسُ الإمالَةَ كَسْرًا ولَيْسَ بِكَسْرٍ صَحِيحٍ، والخَلِيلُ وأبُو عَمْرٍو يَقُولانِ: إمالَةً. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الشَمْسِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

الشمس 91:7

(p-٦٢٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ الشَمْسِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والشَمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ ﴿والنَهارِ إذا جَلاها﴾ ﴿واللَيْلِ إذا يَغْشاها﴾ ﴿والسَماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالشَمْسِ إمّا عَلى التَنْبِيهِ مِنها وإمّا عَلى تَقْدِيرِ ورَبِّ الشَمْسِ، و"الضُحى" بِضَمِّ الضادِ والقَصْرُ: ارْتِفاعُ الضَوْءِ وكَمالُهُ، وبِهَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو النَهارُ كُلُّهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: ضُحاها: حَرُّها، كَقَوْلِهِ تَعالى في "طه" ﴿وَلا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩]، و"الضَحاء" بِفَتْحِ الضادِ والمَدِّ: ما فَوْقَ ذَلِكَ إلى الزَوالِ. والقَمَرُ يَتْلُو الشَمْسَ مِن أوَّلِ الشَهْرِ إلى نِصْفِهِ في الغُرُوبِ، تَغْرُبُ هي ثُمَّ يَغْرُبُ هُوَ، ويَتْلُوها في النِصْفِ الآخَرِ بِنَحْوٍ آخَرَ، وهي أنْ تَغْرُبَ هي فَيَطَّلِعُ هو. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تَلاها" مَعْناهُ: تَبِعَها دَأْبًا في كُلِّ وقْتٍ؛ لِأنَّهُ يَسْتَضِيءُ مِنها فَهو يَتْلُوها لِذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اتِّباعٌ لا يَخْتَصُّ بِنِصْفِ أوَّلٍ مَنِ الشَهْرِ ولا بِآخِرٍ، وقالَهُ الفَرّاءُ أيْضًا، وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: "تَلاها" مَعْناهُ: امْتَلَأ واسْتَدارَ، فَكانَ لَها تابِعًا في المَنزِلَةِ مِنَ الضِياءِ (p-٦٢٨)والقَدَرِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَواكِبِ شَيْءٌ يَتْلُو الشَمْسَ في هَذا المَعْنى غَيْرُ القَمَرِ، قالَ قَتادَةُ: وإنَّما ذَلِكَ لَيْلَةَ البَدْرِ تَغِيبُ هي فَيَطَّلِعُ هو. و"النَهارِ" في ظاهِرِ هَذِهِ السُورَةِ والَّتِي بَعْدَها أنَّهُ مِن طُلُوعِ الشَمْسِ، وكَذَلِكَ قالَ الزَجّاجُ في كِتابِ الأنْواءِ وغَيْرِهِ. واليَوْمُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ، ولا يَخْتَلِفُ أنَّ نِهايَتَهُما مَغِيبُ الشَمْسِ، والضَمِيرُ في ﴿جَلاها﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشَمْسِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الأرْضِ وعَلى الظُلْمَةِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجِئْ لِذَلِكَ ذِكْرٌ فالمَعْنى يَقْتَضِيهِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وجَلّى مَعْناهُ: كَشَفَ وضَوَّأ، والفاعِلُ لـ"جَلّى"-عَلى هَذِهِ التَأْوِيلاتِ- النَهارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ اللهُ تَعالى، كَأنَّهُ قالَ: والنَهارِ إذا جَلّى اللهُ الشَمْسَ، فَأقْسَمَ بِالنَهارِ في أكْمَلِ حالاتِهِ. ويُغْشى مَعْناهُ: يُغَطِّي، والضَمِيرُ لِلشَّمْسِ عَلى تَجَوُّزٍ في المَعْنى أو لِلْأرْضِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما بَناها﴾ وكُلُّ ما بَعْدَهُ مِن نَظائِرِهِ في السُورَةِ، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" فِيهِ بِمَعْنى "الَّذِي" قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، أيْ: ومَن بَناها، وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٌ ؛ لِأنَّ "ما" تَقَعُ عامَّةً لِمَن يَعْقِلُ ولِما لا يَعْقِلُ، فَيَجِيءُ القَسَمُ بِنَفْسِهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" في جَمِيعِ ذَلِكَ مَصْدَرِيَّةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ، والزَجّاجُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والسَماءُ وبُنْيانُها. و"طَحا" بِمَعْنى "دَحا" و"طَحا" أيْضًا في اللُغَةِ بِمَعْنى: ذَهَبَ كُلَّ مَذْهَبٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ: ؎ طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بَعِيدُ الشَبابِ عُمْرُ حانَ مَشِيبُ و"النَفْسُ" الَّتِي أقْسَمَ بِها اسْمُ الجِنْسِ، و"تَسْوِيَتُها" إكْمالُ عَقْلِها ونَظَرِها، ولِذَلِكَ رَبَطَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾... الآيَةُ، فالفاءُ تُعْطِي أنَّ التَسْوِيَةَ هي هَذا الإلْهامُ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾ أيٍ عُرْفُها طَرَقَ ذَلِكَ وجَعَلَ لَها (p-٦٢٩)قُوَّةً يَصِحُّ مَعَها اكْتِسابُ الفُجُورِ واكْتِسابُ التَقْوى، وجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾، والتَقْدِيرُ: لَقَدْ أفْلَحَ، والفاعِلُ بِـ "زَكّى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهَ تَعالى، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَتِ الفِرْقَةُ أوِ الطائِفَةُ الَّتِي زَكّاها اللهُ تَعالى، و"مَن": تَقَعُ عَلى جَمْعٍ وإفْرادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـ "زَكّى" الإنْسانُ وعَلَيْهِ تَقَعُ مَن، وقالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ، أيْ اكْتَسَبَ الزَكاةَ الَّذِي التى قَدْ خَلَقَها اللهُ تَعالى لَهُ، و﴿زَكّاها﴾ مَعْناهُ: طَهَّرَها ونَمّاها بِالخَيْراتِ، و﴿دَسّاها﴾ مَعْناهُ: أخْفاها وحَقَّرَها، أيْ احْتَقَرَ قَدْرَها بِالمَعاصِي والبُخْلِ بِما يَجِبُ، يُقالُ دَسا يَدْسُو، ودَسّى -بِشَدّ السِينِ- يُدَسِّي، وأصْلُهُ دَسَسَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ودَسَسْتُ عَمْرًا في التُرابِ فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ حَلائِلُهُ يَبْكِينَ لِلْفَقْدِ ضَعْفًا ويُرْوى «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها"»، وهَذا الحَدِيثُ يُقَوِّي أنَّ المُزَكِّيَ هو اللهُ تَعالى، وقالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنى الآيَةِ: وقَدْ خابَ مَن دَسّاها في أهْلِ الخَيْرِ بِالرِياءِ ولَيْسَ مِنهم في حَقِيقَتِهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى صِفَةَ مَن دَسّى، ذَكَرَ فِرْقَةً فَعَلَتْ ذَلِكَ لِيَعْتَبِرَ بِهِمْ ويَنْتَهِيَ عن مِثْلِ فِعْلِهِمْ، و"الطَغْوى" مَصْدَرٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وحَمّادُ بْنُ سُلَيْمانَ "بِطَغْواها" بِضَمِّ الطاءِ، مَصْدَرٌ كالعُقْبى والرُجْعى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الطَغْوى" هُنا العَذابُ، (p-٦٣٠)كَذَّبُوا بِهِ حَتّى نَزَلَ بِهِمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]، وقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ، والمَعْنى كَذَّبَتْ ثَمُودُ نَبِيَّها بِسَبَبِ طُغْيانِها وكُفْرِها، و"انْبَعَثَ" عِبارَةٌ عن خُرُوجِهِ إلى عُقْرِ الناقَةِ بِنَشاطٍ وحِرْصٍ، و"أشْقاها" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ وهو أحَدُ التِسْعَةِ الرَهْطِ المُفْسِدِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَقَعَ أشْقاها عَلى جَماعَةٍ حاوَلَتِ العُقْرَ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فِعْلَهُ بِالناقَةِ حَتّى مالَأهُ عَلَيَّ ذَلِكَ جَمِيعُ الحَيِّ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: فَعَقَرُوها لِكَوْنِهِمْ مُتَّفِقِينَ عَلى ذَلِكَ. و"رَسُولُ اللهِ" صالِحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ احْفَظُوا أو ذَرُوا أوِ احْذَرُوا عَلى مَعْنى: احْذَرُوا الإخْلالَ بِحَقِّ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أمْرُ الناقَةِ والسُقْيا في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ بِما أغْنى عن إعادَتِها، وقَدَّمَ تَعالى التَكْذِيبَ عَلى العُقْرِ لِأنَّهُ كانَ سَبَبَ العُقْرِ، ويُرْوى أنَّهم كانُوا قَدْ أسْلَمُوا قَبْلَ ذَلِكَ وتابَعُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ مُدَّةً ثُمَّ كَذَّبُوا وعَثَرُوا، والجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهم كانُوا عَلى كُفْرِهِمْ. و"دَمْدَمَ" مَعْناهُ: أنْزَلَ العِقابَ مُقْلِقًا لَهم مُكَرَّرًا ذَلِكَ وهي الدَمْدَمَةُ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ "فَدَهْدَمَ" وهي قِراءَةُ ابْنِ الزُبَيْرِ بِالهاءِ بَيْنَ الدالَيْنَ، وفي بَعْضِها "فَدَمَّرَ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَدَمْدَمَها عَلَيْهِمْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِذَنْبِهِمْ" أيْ بِسَبَبِ ذَنْبِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسَوّاها"، مَعْناهُ: فَسِوى القَبِيلَةَ في الهَلاكِ لَمْ يَنْجُ مِنهم أحَدٌ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وأهْلُ الحِجازِ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشامِ، وقَرَأ الباقُونَ "وَلا يَخافُ" بِالواوِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِهِمْ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قَرَأ: "وَلَمْ يَخَفْ عُقْباها"،» والفاعِلُ بـِ "يَخافُ" عَلى مَن قَرَأ "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهُ تَعالى، والمَعْنى فَلا دَرْكَ عَلى اللهِ تَعالى في فِعْلِهِ بِهِمْ لا يَسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، وفي هَذا المَعْنى احْتِقارٌ لِلْقَوْمِ وتَعْفِيَةٌ لِأثَرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ لا يَخافُ عُقْبى اللهِ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ بِهِمْ؛ إذْ كانَ قَدْ أنْذَرَهم وحَذَّرَهُمْ، (p-٦٣١)وَمَن قَرَأ "وَلا يَخافُ" بِالواو فَيُحْتَمَلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا، ويُحْتَمَلُ زائِدًا أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـِ "يَخافُ" أشْقاها المُنْبَعِثُ، قالَهُ الزَجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ، وهو قَوْلُ السُدِّيِّ والضَحّاكِ ومُقاتِلٍ، وتَكُونُ الواوُ واوَ الحالِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: انْبَعَثَ لِعَقْرِها وهو لا يَخافُ عُقْبى فِعْلِهِ لِكُفْرِهِ وطُغْيانِهِ، و"العُقْبى": جَزاءُ الشَيْءِ وخاتِمَتُهُ وما يَجِيءُ مِنَ الأُمُورِ بِعَقِبِهِ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ألِفاتِ هَذِهِ السُورَةِ واللَتَيْنِ بَعْدَها، فَفَتَحَها ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالاضْجاعِ، وقَرَأ نافِعٌ الكُلّ بَيْنَ الفَتْحِ والإمالَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "وَضُحاها" مَكْسُورَةً و"تَلاها" و"طَحاها" مَفْتُوحَتَيْنِ، وكَسَرَ ما عَدا ذَلِكَ، واخْتُلِفَ عن أبِي عَمْرٍو، فَمَرَّةً كَسَرَ الجَمِيعَ، ومَرَّةً كَقِراءَةِ نافِعٍ، قالَ الزَجّاجُ: سَمّى الناسُ الإمالَةَ كَسْرًا ولَيْسَ بِكَسْرٍ صَحِيحٍ، والخَلِيلُ وأبُو عَمْرٍو يَقُولانِ: إمالَةً. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الشَمْسِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

الشمس 91:8

(p-٦٢٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ الشَمْسِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والشَمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ ﴿والنَهارِ إذا جَلاها﴾ ﴿واللَيْلِ إذا يَغْشاها﴾ ﴿والسَماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالشَمْسِ إمّا عَلى التَنْبِيهِ مِنها وإمّا عَلى تَقْدِيرِ ورَبِّ الشَمْسِ، و"الضُحى" بِضَمِّ الضادِ والقَصْرُ: ارْتِفاعُ الضَوْءِ وكَمالُهُ، وبِهَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو النَهارُ كُلُّهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: ضُحاها: حَرُّها، كَقَوْلِهِ تَعالى في "طه" ﴿وَلا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩]، و"الضَحاء" بِفَتْحِ الضادِ والمَدِّ: ما فَوْقَ ذَلِكَ إلى الزَوالِ. والقَمَرُ يَتْلُو الشَمْسَ مِن أوَّلِ الشَهْرِ إلى نِصْفِهِ في الغُرُوبِ، تَغْرُبُ هي ثُمَّ يَغْرُبُ هُوَ، ويَتْلُوها في النِصْفِ الآخَرِ بِنَحْوٍ آخَرَ، وهي أنْ تَغْرُبَ هي فَيَطَّلِعُ هو. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تَلاها" مَعْناهُ: تَبِعَها دَأْبًا في كُلِّ وقْتٍ؛ لِأنَّهُ يَسْتَضِيءُ مِنها فَهو يَتْلُوها لِذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اتِّباعٌ لا يَخْتَصُّ بِنِصْفِ أوَّلٍ مَنِ الشَهْرِ ولا بِآخِرٍ، وقالَهُ الفَرّاءُ أيْضًا، وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: "تَلاها" مَعْناهُ: امْتَلَأ واسْتَدارَ، فَكانَ لَها تابِعًا في المَنزِلَةِ مِنَ الضِياءِ (p-٦٢٨)والقَدَرِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَواكِبِ شَيْءٌ يَتْلُو الشَمْسَ في هَذا المَعْنى غَيْرُ القَمَرِ، قالَ قَتادَةُ: وإنَّما ذَلِكَ لَيْلَةَ البَدْرِ تَغِيبُ هي فَيَطَّلِعُ هو. و"النَهارِ" في ظاهِرِ هَذِهِ السُورَةِ والَّتِي بَعْدَها أنَّهُ مِن طُلُوعِ الشَمْسِ، وكَذَلِكَ قالَ الزَجّاجُ في كِتابِ الأنْواءِ وغَيْرِهِ. واليَوْمُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ، ولا يَخْتَلِفُ أنَّ نِهايَتَهُما مَغِيبُ الشَمْسِ، والضَمِيرُ في ﴿جَلاها﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشَمْسِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الأرْضِ وعَلى الظُلْمَةِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجِئْ لِذَلِكَ ذِكْرٌ فالمَعْنى يَقْتَضِيهِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وجَلّى مَعْناهُ: كَشَفَ وضَوَّأ، والفاعِلُ لـ"جَلّى"-عَلى هَذِهِ التَأْوِيلاتِ- النَهارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ اللهُ تَعالى، كَأنَّهُ قالَ: والنَهارِ إذا جَلّى اللهُ الشَمْسَ، فَأقْسَمَ بِالنَهارِ في أكْمَلِ حالاتِهِ. ويُغْشى مَعْناهُ: يُغَطِّي، والضَمِيرُ لِلشَّمْسِ عَلى تَجَوُّزٍ في المَعْنى أو لِلْأرْضِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما بَناها﴾ وكُلُّ ما بَعْدَهُ مِن نَظائِرِهِ في السُورَةِ، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" فِيهِ بِمَعْنى "الَّذِي" قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، أيْ: ومَن بَناها، وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٌ ؛ لِأنَّ "ما" تَقَعُ عامَّةً لِمَن يَعْقِلُ ولِما لا يَعْقِلُ، فَيَجِيءُ القَسَمُ بِنَفْسِهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" في جَمِيعِ ذَلِكَ مَصْدَرِيَّةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ، والزَجّاجُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والسَماءُ وبُنْيانُها. و"طَحا" بِمَعْنى "دَحا" و"طَحا" أيْضًا في اللُغَةِ بِمَعْنى: ذَهَبَ كُلَّ مَذْهَبٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ: ؎ طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بَعِيدُ الشَبابِ عُمْرُ حانَ مَشِيبُ و"النَفْسُ" الَّتِي أقْسَمَ بِها اسْمُ الجِنْسِ، و"تَسْوِيَتُها" إكْمالُ عَقْلِها ونَظَرِها، ولِذَلِكَ رَبَطَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾... الآيَةُ، فالفاءُ تُعْطِي أنَّ التَسْوِيَةَ هي هَذا الإلْهامُ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾ أيٍ عُرْفُها طَرَقَ ذَلِكَ وجَعَلَ لَها (p-٦٢٩)قُوَّةً يَصِحُّ مَعَها اكْتِسابُ الفُجُورِ واكْتِسابُ التَقْوى، وجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾، والتَقْدِيرُ: لَقَدْ أفْلَحَ، والفاعِلُ بِـ "زَكّى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهَ تَعالى، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَتِ الفِرْقَةُ أوِ الطائِفَةُ الَّتِي زَكّاها اللهُ تَعالى، و"مَن": تَقَعُ عَلى جَمْعٍ وإفْرادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـ "زَكّى" الإنْسانُ وعَلَيْهِ تَقَعُ مَن، وقالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ، أيْ اكْتَسَبَ الزَكاةَ الَّذِي التى قَدْ خَلَقَها اللهُ تَعالى لَهُ، و﴿زَكّاها﴾ مَعْناهُ: طَهَّرَها ونَمّاها بِالخَيْراتِ، و﴿دَسّاها﴾ مَعْناهُ: أخْفاها وحَقَّرَها، أيْ احْتَقَرَ قَدْرَها بِالمَعاصِي والبُخْلِ بِما يَجِبُ، يُقالُ دَسا يَدْسُو، ودَسّى -بِشَدّ السِينِ- يُدَسِّي، وأصْلُهُ دَسَسَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ودَسَسْتُ عَمْرًا في التُرابِ فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ حَلائِلُهُ يَبْكِينَ لِلْفَقْدِ ضَعْفًا ويُرْوى «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها"»، وهَذا الحَدِيثُ يُقَوِّي أنَّ المُزَكِّيَ هو اللهُ تَعالى، وقالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنى الآيَةِ: وقَدْ خابَ مَن دَسّاها في أهْلِ الخَيْرِ بِالرِياءِ ولَيْسَ مِنهم في حَقِيقَتِهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى صِفَةَ مَن دَسّى، ذَكَرَ فِرْقَةً فَعَلَتْ ذَلِكَ لِيَعْتَبِرَ بِهِمْ ويَنْتَهِيَ عن مِثْلِ فِعْلِهِمْ، و"الطَغْوى" مَصْدَرٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وحَمّادُ بْنُ سُلَيْمانَ "بِطَغْواها" بِضَمِّ الطاءِ، مَصْدَرٌ كالعُقْبى والرُجْعى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الطَغْوى" هُنا العَذابُ، (p-٦٣٠)كَذَّبُوا بِهِ حَتّى نَزَلَ بِهِمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]، وقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ، والمَعْنى كَذَّبَتْ ثَمُودُ نَبِيَّها بِسَبَبِ طُغْيانِها وكُفْرِها، و"انْبَعَثَ" عِبارَةٌ عن خُرُوجِهِ إلى عُقْرِ الناقَةِ بِنَشاطٍ وحِرْصٍ، و"أشْقاها" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ وهو أحَدُ التِسْعَةِ الرَهْطِ المُفْسِدِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَقَعَ أشْقاها عَلى جَماعَةٍ حاوَلَتِ العُقْرَ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فِعْلَهُ بِالناقَةِ حَتّى مالَأهُ عَلَيَّ ذَلِكَ جَمِيعُ الحَيِّ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: فَعَقَرُوها لِكَوْنِهِمْ مُتَّفِقِينَ عَلى ذَلِكَ. و"رَسُولُ اللهِ" صالِحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ احْفَظُوا أو ذَرُوا أوِ احْذَرُوا عَلى مَعْنى: احْذَرُوا الإخْلالَ بِحَقِّ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أمْرُ الناقَةِ والسُقْيا في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ بِما أغْنى عن إعادَتِها، وقَدَّمَ تَعالى التَكْذِيبَ عَلى العُقْرِ لِأنَّهُ كانَ سَبَبَ العُقْرِ، ويُرْوى أنَّهم كانُوا قَدْ أسْلَمُوا قَبْلَ ذَلِكَ وتابَعُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ مُدَّةً ثُمَّ كَذَّبُوا وعَثَرُوا، والجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهم كانُوا عَلى كُفْرِهِمْ. و"دَمْدَمَ" مَعْناهُ: أنْزَلَ العِقابَ مُقْلِقًا لَهم مُكَرَّرًا ذَلِكَ وهي الدَمْدَمَةُ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ "فَدَهْدَمَ" وهي قِراءَةُ ابْنِ الزُبَيْرِ بِالهاءِ بَيْنَ الدالَيْنَ، وفي بَعْضِها "فَدَمَّرَ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَدَمْدَمَها عَلَيْهِمْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِذَنْبِهِمْ" أيْ بِسَبَبِ ذَنْبِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسَوّاها"، مَعْناهُ: فَسِوى القَبِيلَةَ في الهَلاكِ لَمْ يَنْجُ مِنهم أحَدٌ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وأهْلُ الحِجازِ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشامِ، وقَرَأ الباقُونَ "وَلا يَخافُ" بِالواوِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِهِمْ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قَرَأ: "وَلَمْ يَخَفْ عُقْباها"،» والفاعِلُ بـِ "يَخافُ" عَلى مَن قَرَأ "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهُ تَعالى، والمَعْنى فَلا دَرْكَ عَلى اللهِ تَعالى في فِعْلِهِ بِهِمْ لا يَسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، وفي هَذا المَعْنى احْتِقارٌ لِلْقَوْمِ وتَعْفِيَةٌ لِأثَرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ لا يَخافُ عُقْبى اللهِ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ بِهِمْ؛ إذْ كانَ قَدْ أنْذَرَهم وحَذَّرَهُمْ، (p-٦٣١)وَمَن قَرَأ "وَلا يَخافُ" بِالواو فَيُحْتَمَلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا، ويُحْتَمَلُ زائِدًا أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـِ "يَخافُ" أشْقاها المُنْبَعِثُ، قالَهُ الزَجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ، وهو قَوْلُ السُدِّيِّ والضَحّاكِ ومُقاتِلٍ، وتَكُونُ الواوُ واوَ الحالِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: انْبَعَثَ لِعَقْرِها وهو لا يَخافُ عُقْبى فِعْلِهِ لِكُفْرِهِ وطُغْيانِهِ، و"العُقْبى": جَزاءُ الشَيْءِ وخاتِمَتُهُ وما يَجِيءُ مِنَ الأُمُورِ بِعَقِبِهِ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ألِفاتِ هَذِهِ السُورَةِ واللَتَيْنِ بَعْدَها، فَفَتَحَها ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالاضْجاعِ، وقَرَأ نافِعٌ الكُلّ بَيْنَ الفَتْحِ والإمالَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "وَضُحاها" مَكْسُورَةً و"تَلاها" و"طَحاها" مَفْتُوحَتَيْنِ، وكَسَرَ ما عَدا ذَلِكَ، واخْتُلِفَ عن أبِي عَمْرٍو، فَمَرَّةً كَسَرَ الجَمِيعَ، ومَرَّةً كَقِراءَةِ نافِعٍ، قالَ الزَجّاجُ: سَمّى الناسُ الإمالَةَ كَسْرًا ولَيْسَ بِكَسْرٍ صَحِيحٍ، والخَلِيلُ وأبُو عَمْرٍو يَقُولانِ: إمالَةً. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الشَمْسِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

الشمس 91:9

(p-٦٢٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ الشَمْسِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والشَمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ ﴿والنَهارِ إذا جَلاها﴾ ﴿واللَيْلِ إذا يَغْشاها﴾ ﴿والسَماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالشَمْسِ إمّا عَلى التَنْبِيهِ مِنها وإمّا عَلى تَقْدِيرِ ورَبِّ الشَمْسِ، و"الضُحى" بِضَمِّ الضادِ والقَصْرُ: ارْتِفاعُ الضَوْءِ وكَمالُهُ، وبِهَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو النَهارُ كُلُّهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: ضُحاها: حَرُّها، كَقَوْلِهِ تَعالى في "طه" ﴿وَلا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩]، و"الضَحاء" بِفَتْحِ الضادِ والمَدِّ: ما فَوْقَ ذَلِكَ إلى الزَوالِ. والقَمَرُ يَتْلُو الشَمْسَ مِن أوَّلِ الشَهْرِ إلى نِصْفِهِ في الغُرُوبِ، تَغْرُبُ هي ثُمَّ يَغْرُبُ هُوَ، ويَتْلُوها في النِصْفِ الآخَرِ بِنَحْوٍ آخَرَ، وهي أنْ تَغْرُبَ هي فَيَطَّلِعُ هو. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تَلاها" مَعْناهُ: تَبِعَها دَأْبًا في كُلِّ وقْتٍ؛ لِأنَّهُ يَسْتَضِيءُ مِنها فَهو يَتْلُوها لِذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اتِّباعٌ لا يَخْتَصُّ بِنِصْفِ أوَّلٍ مَنِ الشَهْرِ ولا بِآخِرٍ، وقالَهُ الفَرّاءُ أيْضًا، وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: "تَلاها" مَعْناهُ: امْتَلَأ واسْتَدارَ، فَكانَ لَها تابِعًا في المَنزِلَةِ مِنَ الضِياءِ (p-٦٢٨)والقَدَرِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَواكِبِ شَيْءٌ يَتْلُو الشَمْسَ في هَذا المَعْنى غَيْرُ القَمَرِ، قالَ قَتادَةُ: وإنَّما ذَلِكَ لَيْلَةَ البَدْرِ تَغِيبُ هي فَيَطَّلِعُ هو. و"النَهارِ" في ظاهِرِ هَذِهِ السُورَةِ والَّتِي بَعْدَها أنَّهُ مِن طُلُوعِ الشَمْسِ، وكَذَلِكَ قالَ الزَجّاجُ في كِتابِ الأنْواءِ وغَيْرِهِ. واليَوْمُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ، ولا يَخْتَلِفُ أنَّ نِهايَتَهُما مَغِيبُ الشَمْسِ، والضَمِيرُ في ﴿جَلاها﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشَمْسِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الأرْضِ وعَلى الظُلْمَةِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجِئْ لِذَلِكَ ذِكْرٌ فالمَعْنى يَقْتَضِيهِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وجَلّى مَعْناهُ: كَشَفَ وضَوَّأ، والفاعِلُ لـ"جَلّى"-عَلى هَذِهِ التَأْوِيلاتِ- النَهارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ اللهُ تَعالى، كَأنَّهُ قالَ: والنَهارِ إذا جَلّى اللهُ الشَمْسَ، فَأقْسَمَ بِالنَهارِ في أكْمَلِ حالاتِهِ. ويُغْشى مَعْناهُ: يُغَطِّي، والضَمِيرُ لِلشَّمْسِ عَلى تَجَوُّزٍ في المَعْنى أو لِلْأرْضِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما بَناها﴾ وكُلُّ ما بَعْدَهُ مِن نَظائِرِهِ في السُورَةِ، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" فِيهِ بِمَعْنى "الَّذِي" قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، أيْ: ومَن بَناها، وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٌ ؛ لِأنَّ "ما" تَقَعُ عامَّةً لِمَن يَعْقِلُ ولِما لا يَعْقِلُ، فَيَجِيءُ القَسَمُ بِنَفْسِهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" في جَمِيعِ ذَلِكَ مَصْدَرِيَّةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ، والزَجّاجُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والسَماءُ وبُنْيانُها. و"طَحا" بِمَعْنى "دَحا" و"طَحا" أيْضًا في اللُغَةِ بِمَعْنى: ذَهَبَ كُلَّ مَذْهَبٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ: ؎ طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بَعِيدُ الشَبابِ عُمْرُ حانَ مَشِيبُ و"النَفْسُ" الَّتِي أقْسَمَ بِها اسْمُ الجِنْسِ، و"تَسْوِيَتُها" إكْمالُ عَقْلِها ونَظَرِها، ولِذَلِكَ رَبَطَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾... الآيَةُ، فالفاءُ تُعْطِي أنَّ التَسْوِيَةَ هي هَذا الإلْهامُ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾ أيٍ عُرْفُها طَرَقَ ذَلِكَ وجَعَلَ لَها (p-٦٢٩)قُوَّةً يَصِحُّ مَعَها اكْتِسابُ الفُجُورِ واكْتِسابُ التَقْوى، وجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾، والتَقْدِيرُ: لَقَدْ أفْلَحَ، والفاعِلُ بِـ "زَكّى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهَ تَعالى، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَتِ الفِرْقَةُ أوِ الطائِفَةُ الَّتِي زَكّاها اللهُ تَعالى، و"مَن": تَقَعُ عَلى جَمْعٍ وإفْرادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـ "زَكّى" الإنْسانُ وعَلَيْهِ تَقَعُ مَن، وقالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ، أيْ اكْتَسَبَ الزَكاةَ الَّذِي التى قَدْ خَلَقَها اللهُ تَعالى لَهُ، و﴿زَكّاها﴾ مَعْناهُ: طَهَّرَها ونَمّاها بِالخَيْراتِ، و﴿دَسّاها﴾ مَعْناهُ: أخْفاها وحَقَّرَها، أيْ احْتَقَرَ قَدْرَها بِالمَعاصِي والبُخْلِ بِما يَجِبُ، يُقالُ دَسا يَدْسُو، ودَسّى -بِشَدّ السِينِ- يُدَسِّي، وأصْلُهُ دَسَسَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ودَسَسْتُ عَمْرًا في التُرابِ فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ حَلائِلُهُ يَبْكِينَ لِلْفَقْدِ ضَعْفًا ويُرْوى «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها"»، وهَذا الحَدِيثُ يُقَوِّي أنَّ المُزَكِّيَ هو اللهُ تَعالى، وقالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنى الآيَةِ: وقَدْ خابَ مَن دَسّاها في أهْلِ الخَيْرِ بِالرِياءِ ولَيْسَ مِنهم في حَقِيقَتِهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى صِفَةَ مَن دَسّى، ذَكَرَ فِرْقَةً فَعَلَتْ ذَلِكَ لِيَعْتَبِرَ بِهِمْ ويَنْتَهِيَ عن مِثْلِ فِعْلِهِمْ، و"الطَغْوى" مَصْدَرٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وحَمّادُ بْنُ سُلَيْمانَ "بِطَغْواها" بِضَمِّ الطاءِ، مَصْدَرٌ كالعُقْبى والرُجْعى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الطَغْوى" هُنا العَذابُ، (p-٦٣٠)كَذَّبُوا بِهِ حَتّى نَزَلَ بِهِمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]، وقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ، والمَعْنى كَذَّبَتْ ثَمُودُ نَبِيَّها بِسَبَبِ طُغْيانِها وكُفْرِها، و"انْبَعَثَ" عِبارَةٌ عن خُرُوجِهِ إلى عُقْرِ الناقَةِ بِنَشاطٍ وحِرْصٍ، و"أشْقاها" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ وهو أحَدُ التِسْعَةِ الرَهْطِ المُفْسِدِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَقَعَ أشْقاها عَلى جَماعَةٍ حاوَلَتِ العُقْرَ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فِعْلَهُ بِالناقَةِ حَتّى مالَأهُ عَلَيَّ ذَلِكَ جَمِيعُ الحَيِّ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: فَعَقَرُوها لِكَوْنِهِمْ مُتَّفِقِينَ عَلى ذَلِكَ. و"رَسُولُ اللهِ" صالِحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ احْفَظُوا أو ذَرُوا أوِ احْذَرُوا عَلى مَعْنى: احْذَرُوا الإخْلالَ بِحَقِّ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أمْرُ الناقَةِ والسُقْيا في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ بِما أغْنى عن إعادَتِها، وقَدَّمَ تَعالى التَكْذِيبَ عَلى العُقْرِ لِأنَّهُ كانَ سَبَبَ العُقْرِ، ويُرْوى أنَّهم كانُوا قَدْ أسْلَمُوا قَبْلَ ذَلِكَ وتابَعُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ مُدَّةً ثُمَّ كَذَّبُوا وعَثَرُوا، والجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهم كانُوا عَلى كُفْرِهِمْ. و"دَمْدَمَ" مَعْناهُ: أنْزَلَ العِقابَ مُقْلِقًا لَهم مُكَرَّرًا ذَلِكَ وهي الدَمْدَمَةُ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ "فَدَهْدَمَ" وهي قِراءَةُ ابْنِ الزُبَيْرِ بِالهاءِ بَيْنَ الدالَيْنَ، وفي بَعْضِها "فَدَمَّرَ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَدَمْدَمَها عَلَيْهِمْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِذَنْبِهِمْ" أيْ بِسَبَبِ ذَنْبِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسَوّاها"، مَعْناهُ: فَسِوى القَبِيلَةَ في الهَلاكِ لَمْ يَنْجُ مِنهم أحَدٌ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وأهْلُ الحِجازِ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشامِ، وقَرَأ الباقُونَ "وَلا يَخافُ" بِالواوِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِهِمْ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قَرَأ: "وَلَمْ يَخَفْ عُقْباها"،» والفاعِلُ بـِ "يَخافُ" عَلى مَن قَرَأ "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهُ تَعالى، والمَعْنى فَلا دَرْكَ عَلى اللهِ تَعالى في فِعْلِهِ بِهِمْ لا يَسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، وفي هَذا المَعْنى احْتِقارٌ لِلْقَوْمِ وتَعْفِيَةٌ لِأثَرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ لا يَخافُ عُقْبى اللهِ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ بِهِمْ؛ إذْ كانَ قَدْ أنْذَرَهم وحَذَّرَهُمْ، (p-٦٣١)وَمَن قَرَأ "وَلا يَخافُ" بِالواو فَيُحْتَمَلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا، ويُحْتَمَلُ زائِدًا أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـِ "يَخافُ" أشْقاها المُنْبَعِثُ، قالَهُ الزَجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ، وهو قَوْلُ السُدِّيِّ والضَحّاكِ ومُقاتِلٍ، وتَكُونُ الواوُ واوَ الحالِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: انْبَعَثَ لِعَقْرِها وهو لا يَخافُ عُقْبى فِعْلِهِ لِكُفْرِهِ وطُغْيانِهِ، و"العُقْبى": جَزاءُ الشَيْءِ وخاتِمَتُهُ وما يَجِيءُ مِنَ الأُمُورِ بِعَقِبِهِ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ألِفاتِ هَذِهِ السُورَةِ واللَتَيْنِ بَعْدَها، فَفَتَحَها ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالاضْجاعِ، وقَرَأ نافِعٌ الكُلّ بَيْنَ الفَتْحِ والإمالَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "وَضُحاها" مَكْسُورَةً و"تَلاها" و"طَحاها" مَفْتُوحَتَيْنِ، وكَسَرَ ما عَدا ذَلِكَ، واخْتُلِفَ عن أبِي عَمْرٍو، فَمَرَّةً كَسَرَ الجَمِيعَ، ومَرَّةً كَقِراءَةِ نافِعٍ، قالَ الزَجّاجُ: سَمّى الناسُ الإمالَةَ كَسْرًا ولَيْسَ بِكَسْرٍ صَحِيحٍ، والخَلِيلُ وأبُو عَمْرٍو يَقُولانِ: إمالَةً. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الشَمْسِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

الشمس 91:10

(p-٦٢٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ الشَمْسِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والشَمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ ﴿والنَهارِ إذا جَلاها﴾ ﴿واللَيْلِ إذا يَغْشاها﴾ ﴿والسَماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالشَمْسِ إمّا عَلى التَنْبِيهِ مِنها وإمّا عَلى تَقْدِيرِ ورَبِّ الشَمْسِ، و"الضُحى" بِضَمِّ الضادِ والقَصْرُ: ارْتِفاعُ الضَوْءِ وكَمالُهُ، وبِهَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو النَهارُ كُلُّهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: ضُحاها: حَرُّها، كَقَوْلِهِ تَعالى في "طه" ﴿وَلا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩]، و"الضَحاء" بِفَتْحِ الضادِ والمَدِّ: ما فَوْقَ ذَلِكَ إلى الزَوالِ. والقَمَرُ يَتْلُو الشَمْسَ مِن أوَّلِ الشَهْرِ إلى نِصْفِهِ في الغُرُوبِ، تَغْرُبُ هي ثُمَّ يَغْرُبُ هُوَ، ويَتْلُوها في النِصْفِ الآخَرِ بِنَحْوٍ آخَرَ، وهي أنْ تَغْرُبَ هي فَيَطَّلِعُ هو. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تَلاها" مَعْناهُ: تَبِعَها دَأْبًا في كُلِّ وقْتٍ؛ لِأنَّهُ يَسْتَضِيءُ مِنها فَهو يَتْلُوها لِذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اتِّباعٌ لا يَخْتَصُّ بِنِصْفِ أوَّلٍ مَنِ الشَهْرِ ولا بِآخِرٍ، وقالَهُ الفَرّاءُ أيْضًا، وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: "تَلاها" مَعْناهُ: امْتَلَأ واسْتَدارَ، فَكانَ لَها تابِعًا في المَنزِلَةِ مِنَ الضِياءِ (p-٦٢٨)والقَدَرِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَواكِبِ شَيْءٌ يَتْلُو الشَمْسَ في هَذا المَعْنى غَيْرُ القَمَرِ، قالَ قَتادَةُ: وإنَّما ذَلِكَ لَيْلَةَ البَدْرِ تَغِيبُ هي فَيَطَّلِعُ هو. و"النَهارِ" في ظاهِرِ هَذِهِ السُورَةِ والَّتِي بَعْدَها أنَّهُ مِن طُلُوعِ الشَمْسِ، وكَذَلِكَ قالَ الزَجّاجُ في كِتابِ الأنْواءِ وغَيْرِهِ. واليَوْمُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ، ولا يَخْتَلِفُ أنَّ نِهايَتَهُما مَغِيبُ الشَمْسِ، والضَمِيرُ في ﴿جَلاها﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشَمْسِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الأرْضِ وعَلى الظُلْمَةِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجِئْ لِذَلِكَ ذِكْرٌ فالمَعْنى يَقْتَضِيهِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وجَلّى مَعْناهُ: كَشَفَ وضَوَّأ، والفاعِلُ لـ"جَلّى"-عَلى هَذِهِ التَأْوِيلاتِ- النَهارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ اللهُ تَعالى، كَأنَّهُ قالَ: والنَهارِ إذا جَلّى اللهُ الشَمْسَ، فَأقْسَمَ بِالنَهارِ في أكْمَلِ حالاتِهِ. ويُغْشى مَعْناهُ: يُغَطِّي، والضَمِيرُ لِلشَّمْسِ عَلى تَجَوُّزٍ في المَعْنى أو لِلْأرْضِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما بَناها﴾ وكُلُّ ما بَعْدَهُ مِن نَظائِرِهِ في السُورَةِ، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" فِيهِ بِمَعْنى "الَّذِي" قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، أيْ: ومَن بَناها، وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٌ ؛ لِأنَّ "ما" تَقَعُ عامَّةً لِمَن يَعْقِلُ ولِما لا يَعْقِلُ، فَيَجِيءُ القَسَمُ بِنَفْسِهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" في جَمِيعِ ذَلِكَ مَصْدَرِيَّةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ، والزَجّاجُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والسَماءُ وبُنْيانُها. و"طَحا" بِمَعْنى "دَحا" و"طَحا" أيْضًا في اللُغَةِ بِمَعْنى: ذَهَبَ كُلَّ مَذْهَبٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ: ؎ طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بَعِيدُ الشَبابِ عُمْرُ حانَ مَشِيبُ و"النَفْسُ" الَّتِي أقْسَمَ بِها اسْمُ الجِنْسِ، و"تَسْوِيَتُها" إكْمالُ عَقْلِها ونَظَرِها، ولِذَلِكَ رَبَطَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾... الآيَةُ، فالفاءُ تُعْطِي أنَّ التَسْوِيَةَ هي هَذا الإلْهامُ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾ أيٍ عُرْفُها طَرَقَ ذَلِكَ وجَعَلَ لَها (p-٦٢٩)قُوَّةً يَصِحُّ مَعَها اكْتِسابُ الفُجُورِ واكْتِسابُ التَقْوى، وجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾، والتَقْدِيرُ: لَقَدْ أفْلَحَ، والفاعِلُ بِـ "زَكّى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهَ تَعالى، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَتِ الفِرْقَةُ أوِ الطائِفَةُ الَّتِي زَكّاها اللهُ تَعالى، و"مَن": تَقَعُ عَلى جَمْعٍ وإفْرادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـ "زَكّى" الإنْسانُ وعَلَيْهِ تَقَعُ مَن، وقالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ، أيْ اكْتَسَبَ الزَكاةَ الَّذِي التى قَدْ خَلَقَها اللهُ تَعالى لَهُ، و﴿زَكّاها﴾ مَعْناهُ: طَهَّرَها ونَمّاها بِالخَيْراتِ، و﴿دَسّاها﴾ مَعْناهُ: أخْفاها وحَقَّرَها، أيْ احْتَقَرَ قَدْرَها بِالمَعاصِي والبُخْلِ بِما يَجِبُ، يُقالُ دَسا يَدْسُو، ودَسّى -بِشَدّ السِينِ- يُدَسِّي، وأصْلُهُ دَسَسَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ودَسَسْتُ عَمْرًا في التُرابِ فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ حَلائِلُهُ يَبْكِينَ لِلْفَقْدِ ضَعْفًا ويُرْوى «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها"»، وهَذا الحَدِيثُ يُقَوِّي أنَّ المُزَكِّيَ هو اللهُ تَعالى، وقالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنى الآيَةِ: وقَدْ خابَ مَن دَسّاها في أهْلِ الخَيْرِ بِالرِياءِ ولَيْسَ مِنهم في حَقِيقَتِهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى صِفَةَ مَن دَسّى، ذَكَرَ فِرْقَةً فَعَلَتْ ذَلِكَ لِيَعْتَبِرَ بِهِمْ ويَنْتَهِيَ عن مِثْلِ فِعْلِهِمْ، و"الطَغْوى" مَصْدَرٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وحَمّادُ بْنُ سُلَيْمانَ "بِطَغْواها" بِضَمِّ الطاءِ، مَصْدَرٌ كالعُقْبى والرُجْعى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الطَغْوى" هُنا العَذابُ، (p-٦٣٠)كَذَّبُوا بِهِ حَتّى نَزَلَ بِهِمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]، وقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ، والمَعْنى كَذَّبَتْ ثَمُودُ نَبِيَّها بِسَبَبِ طُغْيانِها وكُفْرِها، و"انْبَعَثَ" عِبارَةٌ عن خُرُوجِهِ إلى عُقْرِ الناقَةِ بِنَشاطٍ وحِرْصٍ، و"أشْقاها" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ وهو أحَدُ التِسْعَةِ الرَهْطِ المُفْسِدِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَقَعَ أشْقاها عَلى جَماعَةٍ حاوَلَتِ العُقْرَ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فِعْلَهُ بِالناقَةِ حَتّى مالَأهُ عَلَيَّ ذَلِكَ جَمِيعُ الحَيِّ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: فَعَقَرُوها لِكَوْنِهِمْ مُتَّفِقِينَ عَلى ذَلِكَ. و"رَسُولُ اللهِ" صالِحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ احْفَظُوا أو ذَرُوا أوِ احْذَرُوا عَلى مَعْنى: احْذَرُوا الإخْلالَ بِحَقِّ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أمْرُ الناقَةِ والسُقْيا في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ بِما أغْنى عن إعادَتِها، وقَدَّمَ تَعالى التَكْذِيبَ عَلى العُقْرِ لِأنَّهُ كانَ سَبَبَ العُقْرِ، ويُرْوى أنَّهم كانُوا قَدْ أسْلَمُوا قَبْلَ ذَلِكَ وتابَعُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ مُدَّةً ثُمَّ كَذَّبُوا وعَثَرُوا، والجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهم كانُوا عَلى كُفْرِهِمْ. و"دَمْدَمَ" مَعْناهُ: أنْزَلَ العِقابَ مُقْلِقًا لَهم مُكَرَّرًا ذَلِكَ وهي الدَمْدَمَةُ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ "فَدَهْدَمَ" وهي قِراءَةُ ابْنِ الزُبَيْرِ بِالهاءِ بَيْنَ الدالَيْنَ، وفي بَعْضِها "فَدَمَّرَ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَدَمْدَمَها عَلَيْهِمْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِذَنْبِهِمْ" أيْ بِسَبَبِ ذَنْبِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسَوّاها"، مَعْناهُ: فَسِوى القَبِيلَةَ في الهَلاكِ لَمْ يَنْجُ مِنهم أحَدٌ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وأهْلُ الحِجازِ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشامِ، وقَرَأ الباقُونَ "وَلا يَخافُ" بِالواوِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِهِمْ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قَرَأ: "وَلَمْ يَخَفْ عُقْباها"،» والفاعِلُ بـِ "يَخافُ" عَلى مَن قَرَأ "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهُ تَعالى، والمَعْنى فَلا دَرْكَ عَلى اللهِ تَعالى في فِعْلِهِ بِهِمْ لا يَسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، وفي هَذا المَعْنى احْتِقارٌ لِلْقَوْمِ وتَعْفِيَةٌ لِأثَرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ لا يَخافُ عُقْبى اللهِ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ بِهِمْ؛ إذْ كانَ قَدْ أنْذَرَهم وحَذَّرَهُمْ، (p-٦٣١)وَمَن قَرَأ "وَلا يَخافُ" بِالواو فَيُحْتَمَلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا، ويُحْتَمَلُ زائِدًا أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـِ "يَخافُ" أشْقاها المُنْبَعِثُ، قالَهُ الزَجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ، وهو قَوْلُ السُدِّيِّ والضَحّاكِ ومُقاتِلٍ، وتَكُونُ الواوُ واوَ الحالِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: انْبَعَثَ لِعَقْرِها وهو لا يَخافُ عُقْبى فِعْلِهِ لِكُفْرِهِ وطُغْيانِهِ، و"العُقْبى": جَزاءُ الشَيْءِ وخاتِمَتُهُ وما يَجِيءُ مِنَ الأُمُورِ بِعَقِبِهِ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ألِفاتِ هَذِهِ السُورَةِ واللَتَيْنِ بَعْدَها، فَفَتَحَها ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالاضْجاعِ، وقَرَأ نافِعٌ الكُلّ بَيْنَ الفَتْحِ والإمالَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "وَضُحاها" مَكْسُورَةً و"تَلاها" و"طَحاها" مَفْتُوحَتَيْنِ، وكَسَرَ ما عَدا ذَلِكَ، واخْتُلِفَ عن أبِي عَمْرٍو، فَمَرَّةً كَسَرَ الجَمِيعَ، ومَرَّةً كَقِراءَةِ نافِعٍ، قالَ الزَجّاجُ: سَمّى الناسُ الإمالَةَ كَسْرًا ولَيْسَ بِكَسْرٍ صَحِيحٍ، والخَلِيلُ وأبُو عَمْرٍو يَقُولانِ: إمالَةً. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الشَمْسِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

الشمس 91:11

(p-٦٢٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ الشَمْسِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والشَمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ ﴿والنَهارِ إذا جَلاها﴾ ﴿واللَيْلِ إذا يَغْشاها﴾ ﴿والسَماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالشَمْسِ إمّا عَلى التَنْبِيهِ مِنها وإمّا عَلى تَقْدِيرِ ورَبِّ الشَمْسِ، و"الضُحى" بِضَمِّ الضادِ والقَصْرُ: ارْتِفاعُ الضَوْءِ وكَمالُهُ، وبِهَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو النَهارُ كُلُّهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: ضُحاها: حَرُّها، كَقَوْلِهِ تَعالى في "طه" ﴿وَلا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩]، و"الضَحاء" بِفَتْحِ الضادِ والمَدِّ: ما فَوْقَ ذَلِكَ إلى الزَوالِ. والقَمَرُ يَتْلُو الشَمْسَ مِن أوَّلِ الشَهْرِ إلى نِصْفِهِ في الغُرُوبِ، تَغْرُبُ هي ثُمَّ يَغْرُبُ هُوَ، ويَتْلُوها في النِصْفِ الآخَرِ بِنَحْوٍ آخَرَ، وهي أنْ تَغْرُبَ هي فَيَطَّلِعُ هو. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تَلاها" مَعْناهُ: تَبِعَها دَأْبًا في كُلِّ وقْتٍ؛ لِأنَّهُ يَسْتَضِيءُ مِنها فَهو يَتْلُوها لِذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اتِّباعٌ لا يَخْتَصُّ بِنِصْفِ أوَّلٍ مَنِ الشَهْرِ ولا بِآخِرٍ، وقالَهُ الفَرّاءُ أيْضًا، وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: "تَلاها" مَعْناهُ: امْتَلَأ واسْتَدارَ، فَكانَ لَها تابِعًا في المَنزِلَةِ مِنَ الضِياءِ (p-٦٢٨)والقَدَرِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَواكِبِ شَيْءٌ يَتْلُو الشَمْسَ في هَذا المَعْنى غَيْرُ القَمَرِ، قالَ قَتادَةُ: وإنَّما ذَلِكَ لَيْلَةَ البَدْرِ تَغِيبُ هي فَيَطَّلِعُ هو. و"النَهارِ" في ظاهِرِ هَذِهِ السُورَةِ والَّتِي بَعْدَها أنَّهُ مِن طُلُوعِ الشَمْسِ، وكَذَلِكَ قالَ الزَجّاجُ في كِتابِ الأنْواءِ وغَيْرِهِ. واليَوْمُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ، ولا يَخْتَلِفُ أنَّ نِهايَتَهُما مَغِيبُ الشَمْسِ، والضَمِيرُ في ﴿جَلاها﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشَمْسِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الأرْضِ وعَلى الظُلْمَةِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجِئْ لِذَلِكَ ذِكْرٌ فالمَعْنى يَقْتَضِيهِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وجَلّى مَعْناهُ: كَشَفَ وضَوَّأ، والفاعِلُ لـ"جَلّى"-عَلى هَذِهِ التَأْوِيلاتِ- النَهارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ اللهُ تَعالى، كَأنَّهُ قالَ: والنَهارِ إذا جَلّى اللهُ الشَمْسَ، فَأقْسَمَ بِالنَهارِ في أكْمَلِ حالاتِهِ. ويُغْشى مَعْناهُ: يُغَطِّي، والضَمِيرُ لِلشَّمْسِ عَلى تَجَوُّزٍ في المَعْنى أو لِلْأرْضِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما بَناها﴾ وكُلُّ ما بَعْدَهُ مِن نَظائِرِهِ في السُورَةِ، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" فِيهِ بِمَعْنى "الَّذِي" قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، أيْ: ومَن بَناها، وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٌ ؛ لِأنَّ "ما" تَقَعُ عامَّةً لِمَن يَعْقِلُ ولِما لا يَعْقِلُ، فَيَجِيءُ القَسَمُ بِنَفْسِهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" في جَمِيعِ ذَلِكَ مَصْدَرِيَّةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ، والزَجّاجُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والسَماءُ وبُنْيانُها. و"طَحا" بِمَعْنى "دَحا" و"طَحا" أيْضًا في اللُغَةِ بِمَعْنى: ذَهَبَ كُلَّ مَذْهَبٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ: ؎ طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بَعِيدُ الشَبابِ عُمْرُ حانَ مَشِيبُ و"النَفْسُ" الَّتِي أقْسَمَ بِها اسْمُ الجِنْسِ، و"تَسْوِيَتُها" إكْمالُ عَقْلِها ونَظَرِها، ولِذَلِكَ رَبَطَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾... الآيَةُ، فالفاءُ تُعْطِي أنَّ التَسْوِيَةَ هي هَذا الإلْهامُ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾ أيٍ عُرْفُها طَرَقَ ذَلِكَ وجَعَلَ لَها (p-٦٢٩)قُوَّةً يَصِحُّ مَعَها اكْتِسابُ الفُجُورِ واكْتِسابُ التَقْوى، وجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾، والتَقْدِيرُ: لَقَدْ أفْلَحَ، والفاعِلُ بِـ "زَكّى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهَ تَعالى، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَتِ الفِرْقَةُ أوِ الطائِفَةُ الَّتِي زَكّاها اللهُ تَعالى، و"مَن": تَقَعُ عَلى جَمْعٍ وإفْرادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـ "زَكّى" الإنْسانُ وعَلَيْهِ تَقَعُ مَن، وقالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ، أيْ اكْتَسَبَ الزَكاةَ الَّذِي التى قَدْ خَلَقَها اللهُ تَعالى لَهُ، و﴿زَكّاها﴾ مَعْناهُ: طَهَّرَها ونَمّاها بِالخَيْراتِ، و﴿دَسّاها﴾ مَعْناهُ: أخْفاها وحَقَّرَها، أيْ احْتَقَرَ قَدْرَها بِالمَعاصِي والبُخْلِ بِما يَجِبُ، يُقالُ دَسا يَدْسُو، ودَسّى -بِشَدّ السِينِ- يُدَسِّي، وأصْلُهُ دَسَسَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ودَسَسْتُ عَمْرًا في التُرابِ فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ حَلائِلُهُ يَبْكِينَ لِلْفَقْدِ ضَعْفًا ويُرْوى «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها"»، وهَذا الحَدِيثُ يُقَوِّي أنَّ المُزَكِّيَ هو اللهُ تَعالى، وقالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنى الآيَةِ: وقَدْ خابَ مَن دَسّاها في أهْلِ الخَيْرِ بِالرِياءِ ولَيْسَ مِنهم في حَقِيقَتِهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى صِفَةَ مَن دَسّى، ذَكَرَ فِرْقَةً فَعَلَتْ ذَلِكَ لِيَعْتَبِرَ بِهِمْ ويَنْتَهِيَ عن مِثْلِ فِعْلِهِمْ، و"الطَغْوى" مَصْدَرٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وحَمّادُ بْنُ سُلَيْمانَ "بِطَغْواها" بِضَمِّ الطاءِ، مَصْدَرٌ كالعُقْبى والرُجْعى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الطَغْوى" هُنا العَذابُ، (p-٦٣٠)كَذَّبُوا بِهِ حَتّى نَزَلَ بِهِمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]، وقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ، والمَعْنى كَذَّبَتْ ثَمُودُ نَبِيَّها بِسَبَبِ طُغْيانِها وكُفْرِها، و"انْبَعَثَ" عِبارَةٌ عن خُرُوجِهِ إلى عُقْرِ الناقَةِ بِنَشاطٍ وحِرْصٍ، و"أشْقاها" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ وهو أحَدُ التِسْعَةِ الرَهْطِ المُفْسِدِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَقَعَ أشْقاها عَلى جَماعَةٍ حاوَلَتِ العُقْرَ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فِعْلَهُ بِالناقَةِ حَتّى مالَأهُ عَلَيَّ ذَلِكَ جَمِيعُ الحَيِّ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: فَعَقَرُوها لِكَوْنِهِمْ مُتَّفِقِينَ عَلى ذَلِكَ. و"رَسُولُ اللهِ" صالِحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ احْفَظُوا أو ذَرُوا أوِ احْذَرُوا عَلى مَعْنى: احْذَرُوا الإخْلالَ بِحَقِّ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أمْرُ الناقَةِ والسُقْيا في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ بِما أغْنى عن إعادَتِها، وقَدَّمَ تَعالى التَكْذِيبَ عَلى العُقْرِ لِأنَّهُ كانَ سَبَبَ العُقْرِ، ويُرْوى أنَّهم كانُوا قَدْ أسْلَمُوا قَبْلَ ذَلِكَ وتابَعُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ مُدَّةً ثُمَّ كَذَّبُوا وعَثَرُوا، والجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهم كانُوا عَلى كُفْرِهِمْ. و"دَمْدَمَ" مَعْناهُ: أنْزَلَ العِقابَ مُقْلِقًا لَهم مُكَرَّرًا ذَلِكَ وهي الدَمْدَمَةُ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ "فَدَهْدَمَ" وهي قِراءَةُ ابْنِ الزُبَيْرِ بِالهاءِ بَيْنَ الدالَيْنَ، وفي بَعْضِها "فَدَمَّرَ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَدَمْدَمَها عَلَيْهِمْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِذَنْبِهِمْ" أيْ بِسَبَبِ ذَنْبِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسَوّاها"، مَعْناهُ: فَسِوى القَبِيلَةَ في الهَلاكِ لَمْ يَنْجُ مِنهم أحَدٌ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وأهْلُ الحِجازِ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشامِ، وقَرَأ الباقُونَ "وَلا يَخافُ" بِالواوِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِهِمْ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قَرَأ: "وَلَمْ يَخَفْ عُقْباها"،» والفاعِلُ بـِ "يَخافُ" عَلى مَن قَرَأ "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهُ تَعالى، والمَعْنى فَلا دَرْكَ عَلى اللهِ تَعالى في فِعْلِهِ بِهِمْ لا يَسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، وفي هَذا المَعْنى احْتِقارٌ لِلْقَوْمِ وتَعْفِيَةٌ لِأثَرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ لا يَخافُ عُقْبى اللهِ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ بِهِمْ؛ إذْ كانَ قَدْ أنْذَرَهم وحَذَّرَهُمْ، (p-٦٣١)وَمَن قَرَأ "وَلا يَخافُ" بِالواو فَيُحْتَمَلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا، ويُحْتَمَلُ زائِدًا أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـِ "يَخافُ" أشْقاها المُنْبَعِثُ، قالَهُ الزَجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ، وهو قَوْلُ السُدِّيِّ والضَحّاكِ ومُقاتِلٍ، وتَكُونُ الواوُ واوَ الحالِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: انْبَعَثَ لِعَقْرِها وهو لا يَخافُ عُقْبى فِعْلِهِ لِكُفْرِهِ وطُغْيانِهِ، و"العُقْبى": جَزاءُ الشَيْءِ وخاتِمَتُهُ وما يَجِيءُ مِنَ الأُمُورِ بِعَقِبِهِ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ألِفاتِ هَذِهِ السُورَةِ واللَتَيْنِ بَعْدَها، فَفَتَحَها ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالاضْجاعِ، وقَرَأ نافِعٌ الكُلّ بَيْنَ الفَتْحِ والإمالَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "وَضُحاها" مَكْسُورَةً و"تَلاها" و"طَحاها" مَفْتُوحَتَيْنِ، وكَسَرَ ما عَدا ذَلِكَ، واخْتُلِفَ عن أبِي عَمْرٍو، فَمَرَّةً كَسَرَ الجَمِيعَ، ومَرَّةً كَقِراءَةِ نافِعٍ، قالَ الزَجّاجُ: سَمّى الناسُ الإمالَةَ كَسْرًا ولَيْسَ بِكَسْرٍ صَحِيحٍ، والخَلِيلُ وأبُو عَمْرٍو يَقُولانِ: إمالَةً. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الشَمْسِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

الشمس 91:12

(p-٦٢٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ الشَمْسِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والشَمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ ﴿والنَهارِ إذا جَلاها﴾ ﴿واللَيْلِ إذا يَغْشاها﴾ ﴿والسَماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالشَمْسِ إمّا عَلى التَنْبِيهِ مِنها وإمّا عَلى تَقْدِيرِ ورَبِّ الشَمْسِ، و"الضُحى" بِضَمِّ الضادِ والقَصْرُ: ارْتِفاعُ الضَوْءِ وكَمالُهُ، وبِهَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو النَهارُ كُلُّهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: ضُحاها: حَرُّها، كَقَوْلِهِ تَعالى في "طه" ﴿وَلا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩]، و"الضَحاء" بِفَتْحِ الضادِ والمَدِّ: ما فَوْقَ ذَلِكَ إلى الزَوالِ. والقَمَرُ يَتْلُو الشَمْسَ مِن أوَّلِ الشَهْرِ إلى نِصْفِهِ في الغُرُوبِ، تَغْرُبُ هي ثُمَّ يَغْرُبُ هُوَ، ويَتْلُوها في النِصْفِ الآخَرِ بِنَحْوٍ آخَرَ، وهي أنْ تَغْرُبَ هي فَيَطَّلِعُ هو. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تَلاها" مَعْناهُ: تَبِعَها دَأْبًا في كُلِّ وقْتٍ؛ لِأنَّهُ يَسْتَضِيءُ مِنها فَهو يَتْلُوها لِذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اتِّباعٌ لا يَخْتَصُّ بِنِصْفِ أوَّلٍ مَنِ الشَهْرِ ولا بِآخِرٍ، وقالَهُ الفَرّاءُ أيْضًا، وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: "تَلاها" مَعْناهُ: امْتَلَأ واسْتَدارَ، فَكانَ لَها تابِعًا في المَنزِلَةِ مِنَ الضِياءِ (p-٦٢٨)والقَدَرِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَواكِبِ شَيْءٌ يَتْلُو الشَمْسَ في هَذا المَعْنى غَيْرُ القَمَرِ، قالَ قَتادَةُ: وإنَّما ذَلِكَ لَيْلَةَ البَدْرِ تَغِيبُ هي فَيَطَّلِعُ هو. و"النَهارِ" في ظاهِرِ هَذِهِ السُورَةِ والَّتِي بَعْدَها أنَّهُ مِن طُلُوعِ الشَمْسِ، وكَذَلِكَ قالَ الزَجّاجُ في كِتابِ الأنْواءِ وغَيْرِهِ. واليَوْمُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ، ولا يَخْتَلِفُ أنَّ نِهايَتَهُما مَغِيبُ الشَمْسِ، والضَمِيرُ في ﴿جَلاها﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشَمْسِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الأرْضِ وعَلى الظُلْمَةِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجِئْ لِذَلِكَ ذِكْرٌ فالمَعْنى يَقْتَضِيهِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وجَلّى مَعْناهُ: كَشَفَ وضَوَّأ، والفاعِلُ لـ"جَلّى"-عَلى هَذِهِ التَأْوِيلاتِ- النَهارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ اللهُ تَعالى، كَأنَّهُ قالَ: والنَهارِ إذا جَلّى اللهُ الشَمْسَ، فَأقْسَمَ بِالنَهارِ في أكْمَلِ حالاتِهِ. ويُغْشى مَعْناهُ: يُغَطِّي، والضَمِيرُ لِلشَّمْسِ عَلى تَجَوُّزٍ في المَعْنى أو لِلْأرْضِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما بَناها﴾ وكُلُّ ما بَعْدَهُ مِن نَظائِرِهِ في السُورَةِ، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" فِيهِ بِمَعْنى "الَّذِي" قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، أيْ: ومَن بَناها، وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٌ ؛ لِأنَّ "ما" تَقَعُ عامَّةً لِمَن يَعْقِلُ ولِما لا يَعْقِلُ، فَيَجِيءُ القَسَمُ بِنَفْسِهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" في جَمِيعِ ذَلِكَ مَصْدَرِيَّةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ، والزَجّاجُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والسَماءُ وبُنْيانُها. و"طَحا" بِمَعْنى "دَحا" و"طَحا" أيْضًا في اللُغَةِ بِمَعْنى: ذَهَبَ كُلَّ مَذْهَبٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ: ؎ طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بَعِيدُ الشَبابِ عُمْرُ حانَ مَشِيبُ و"النَفْسُ" الَّتِي أقْسَمَ بِها اسْمُ الجِنْسِ، و"تَسْوِيَتُها" إكْمالُ عَقْلِها ونَظَرِها، ولِذَلِكَ رَبَطَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾... الآيَةُ، فالفاءُ تُعْطِي أنَّ التَسْوِيَةَ هي هَذا الإلْهامُ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾ أيٍ عُرْفُها طَرَقَ ذَلِكَ وجَعَلَ لَها (p-٦٢٩)قُوَّةً يَصِحُّ مَعَها اكْتِسابُ الفُجُورِ واكْتِسابُ التَقْوى، وجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾، والتَقْدِيرُ: لَقَدْ أفْلَحَ، والفاعِلُ بِـ "زَكّى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهَ تَعالى، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَتِ الفِرْقَةُ أوِ الطائِفَةُ الَّتِي زَكّاها اللهُ تَعالى، و"مَن": تَقَعُ عَلى جَمْعٍ وإفْرادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـ "زَكّى" الإنْسانُ وعَلَيْهِ تَقَعُ مَن، وقالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ، أيْ اكْتَسَبَ الزَكاةَ الَّذِي التى قَدْ خَلَقَها اللهُ تَعالى لَهُ، و﴿زَكّاها﴾ مَعْناهُ: طَهَّرَها ونَمّاها بِالخَيْراتِ، و﴿دَسّاها﴾ مَعْناهُ: أخْفاها وحَقَّرَها، أيْ احْتَقَرَ قَدْرَها بِالمَعاصِي والبُخْلِ بِما يَجِبُ، يُقالُ دَسا يَدْسُو، ودَسّى -بِشَدّ السِينِ- يُدَسِّي، وأصْلُهُ دَسَسَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ودَسَسْتُ عَمْرًا في التُرابِ فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ حَلائِلُهُ يَبْكِينَ لِلْفَقْدِ ضَعْفًا ويُرْوى «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها"»، وهَذا الحَدِيثُ يُقَوِّي أنَّ المُزَكِّيَ هو اللهُ تَعالى، وقالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنى الآيَةِ: وقَدْ خابَ مَن دَسّاها في أهْلِ الخَيْرِ بِالرِياءِ ولَيْسَ مِنهم في حَقِيقَتِهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى صِفَةَ مَن دَسّى، ذَكَرَ فِرْقَةً فَعَلَتْ ذَلِكَ لِيَعْتَبِرَ بِهِمْ ويَنْتَهِيَ عن مِثْلِ فِعْلِهِمْ، و"الطَغْوى" مَصْدَرٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وحَمّادُ بْنُ سُلَيْمانَ "بِطَغْواها" بِضَمِّ الطاءِ، مَصْدَرٌ كالعُقْبى والرُجْعى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الطَغْوى" هُنا العَذابُ، (p-٦٣٠)كَذَّبُوا بِهِ حَتّى نَزَلَ بِهِمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]، وقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ، والمَعْنى كَذَّبَتْ ثَمُودُ نَبِيَّها بِسَبَبِ طُغْيانِها وكُفْرِها، و"انْبَعَثَ" عِبارَةٌ عن خُرُوجِهِ إلى عُقْرِ الناقَةِ بِنَشاطٍ وحِرْصٍ، و"أشْقاها" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ وهو أحَدُ التِسْعَةِ الرَهْطِ المُفْسِدِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَقَعَ أشْقاها عَلى جَماعَةٍ حاوَلَتِ العُقْرَ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فِعْلَهُ بِالناقَةِ حَتّى مالَأهُ عَلَيَّ ذَلِكَ جَمِيعُ الحَيِّ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: فَعَقَرُوها لِكَوْنِهِمْ مُتَّفِقِينَ عَلى ذَلِكَ. و"رَسُولُ اللهِ" صالِحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ احْفَظُوا أو ذَرُوا أوِ احْذَرُوا عَلى مَعْنى: احْذَرُوا الإخْلالَ بِحَقِّ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أمْرُ الناقَةِ والسُقْيا في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ بِما أغْنى عن إعادَتِها، وقَدَّمَ تَعالى التَكْذِيبَ عَلى العُقْرِ لِأنَّهُ كانَ سَبَبَ العُقْرِ، ويُرْوى أنَّهم كانُوا قَدْ أسْلَمُوا قَبْلَ ذَلِكَ وتابَعُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ مُدَّةً ثُمَّ كَذَّبُوا وعَثَرُوا، والجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهم كانُوا عَلى كُفْرِهِمْ. و"دَمْدَمَ" مَعْناهُ: أنْزَلَ العِقابَ مُقْلِقًا لَهم مُكَرَّرًا ذَلِكَ وهي الدَمْدَمَةُ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ "فَدَهْدَمَ" وهي قِراءَةُ ابْنِ الزُبَيْرِ بِالهاءِ بَيْنَ الدالَيْنَ، وفي بَعْضِها "فَدَمَّرَ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَدَمْدَمَها عَلَيْهِمْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِذَنْبِهِمْ" أيْ بِسَبَبِ ذَنْبِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسَوّاها"، مَعْناهُ: فَسِوى القَبِيلَةَ في الهَلاكِ لَمْ يَنْجُ مِنهم أحَدٌ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وأهْلُ الحِجازِ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشامِ، وقَرَأ الباقُونَ "وَلا يَخافُ" بِالواوِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِهِمْ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قَرَأ: "وَلَمْ يَخَفْ عُقْباها"،» والفاعِلُ بـِ "يَخافُ" عَلى مَن قَرَأ "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهُ تَعالى، والمَعْنى فَلا دَرْكَ عَلى اللهِ تَعالى في فِعْلِهِ بِهِمْ لا يَسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، وفي هَذا المَعْنى احْتِقارٌ لِلْقَوْمِ وتَعْفِيَةٌ لِأثَرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ لا يَخافُ عُقْبى اللهِ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ بِهِمْ؛ إذْ كانَ قَدْ أنْذَرَهم وحَذَّرَهُمْ، (p-٦٣١)وَمَن قَرَأ "وَلا يَخافُ" بِالواو فَيُحْتَمَلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا، ويُحْتَمَلُ زائِدًا أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـِ "يَخافُ" أشْقاها المُنْبَعِثُ، قالَهُ الزَجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ، وهو قَوْلُ السُدِّيِّ والضَحّاكِ ومُقاتِلٍ، وتَكُونُ الواوُ واوَ الحالِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: انْبَعَثَ لِعَقْرِها وهو لا يَخافُ عُقْبى فِعْلِهِ لِكُفْرِهِ وطُغْيانِهِ، و"العُقْبى": جَزاءُ الشَيْءِ وخاتِمَتُهُ وما يَجِيءُ مِنَ الأُمُورِ بِعَقِبِهِ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ألِفاتِ هَذِهِ السُورَةِ واللَتَيْنِ بَعْدَها، فَفَتَحَها ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالاضْجاعِ، وقَرَأ نافِعٌ الكُلّ بَيْنَ الفَتْحِ والإمالَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "وَضُحاها" مَكْسُورَةً و"تَلاها" و"طَحاها" مَفْتُوحَتَيْنِ، وكَسَرَ ما عَدا ذَلِكَ، واخْتُلِفَ عن أبِي عَمْرٍو، فَمَرَّةً كَسَرَ الجَمِيعَ، ومَرَّةً كَقِراءَةِ نافِعٍ، قالَ الزَجّاجُ: سَمّى الناسُ الإمالَةَ كَسْرًا ولَيْسَ بِكَسْرٍ صَحِيحٍ، والخَلِيلُ وأبُو عَمْرٍو يَقُولانِ: إمالَةً. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الشَمْسِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

الشمس 91:13

(p-٦٢٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ الشَمْسِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والشَمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ ﴿والنَهارِ إذا جَلاها﴾ ﴿واللَيْلِ إذا يَغْشاها﴾ ﴿والسَماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالشَمْسِ إمّا عَلى التَنْبِيهِ مِنها وإمّا عَلى تَقْدِيرِ ورَبِّ الشَمْسِ، و"الضُحى" بِضَمِّ الضادِ والقَصْرُ: ارْتِفاعُ الضَوْءِ وكَمالُهُ، وبِهَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو النَهارُ كُلُّهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: ضُحاها: حَرُّها، كَقَوْلِهِ تَعالى في "طه" ﴿وَلا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩]، و"الضَحاء" بِفَتْحِ الضادِ والمَدِّ: ما فَوْقَ ذَلِكَ إلى الزَوالِ. والقَمَرُ يَتْلُو الشَمْسَ مِن أوَّلِ الشَهْرِ إلى نِصْفِهِ في الغُرُوبِ، تَغْرُبُ هي ثُمَّ يَغْرُبُ هُوَ، ويَتْلُوها في النِصْفِ الآخَرِ بِنَحْوٍ آخَرَ، وهي أنْ تَغْرُبَ هي فَيَطَّلِعُ هو. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تَلاها" مَعْناهُ: تَبِعَها دَأْبًا في كُلِّ وقْتٍ؛ لِأنَّهُ يَسْتَضِيءُ مِنها فَهو يَتْلُوها لِذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اتِّباعٌ لا يَخْتَصُّ بِنِصْفِ أوَّلٍ مَنِ الشَهْرِ ولا بِآخِرٍ، وقالَهُ الفَرّاءُ أيْضًا، وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: "تَلاها" مَعْناهُ: امْتَلَأ واسْتَدارَ، فَكانَ لَها تابِعًا في المَنزِلَةِ مِنَ الضِياءِ (p-٦٢٨)والقَدَرِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَواكِبِ شَيْءٌ يَتْلُو الشَمْسَ في هَذا المَعْنى غَيْرُ القَمَرِ، قالَ قَتادَةُ: وإنَّما ذَلِكَ لَيْلَةَ البَدْرِ تَغِيبُ هي فَيَطَّلِعُ هو. و"النَهارِ" في ظاهِرِ هَذِهِ السُورَةِ والَّتِي بَعْدَها أنَّهُ مِن طُلُوعِ الشَمْسِ، وكَذَلِكَ قالَ الزَجّاجُ في كِتابِ الأنْواءِ وغَيْرِهِ. واليَوْمُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ، ولا يَخْتَلِفُ أنَّ نِهايَتَهُما مَغِيبُ الشَمْسِ، والضَمِيرُ في ﴿جَلاها﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشَمْسِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الأرْضِ وعَلى الظُلْمَةِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجِئْ لِذَلِكَ ذِكْرٌ فالمَعْنى يَقْتَضِيهِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وجَلّى مَعْناهُ: كَشَفَ وضَوَّأ، والفاعِلُ لـ"جَلّى"-عَلى هَذِهِ التَأْوِيلاتِ- النَهارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ اللهُ تَعالى، كَأنَّهُ قالَ: والنَهارِ إذا جَلّى اللهُ الشَمْسَ، فَأقْسَمَ بِالنَهارِ في أكْمَلِ حالاتِهِ. ويُغْشى مَعْناهُ: يُغَطِّي، والضَمِيرُ لِلشَّمْسِ عَلى تَجَوُّزٍ في المَعْنى أو لِلْأرْضِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما بَناها﴾ وكُلُّ ما بَعْدَهُ مِن نَظائِرِهِ في السُورَةِ، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" فِيهِ بِمَعْنى "الَّذِي" قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، أيْ: ومَن بَناها، وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٌ ؛ لِأنَّ "ما" تَقَعُ عامَّةً لِمَن يَعْقِلُ ولِما لا يَعْقِلُ، فَيَجِيءُ القَسَمُ بِنَفْسِهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" في جَمِيعِ ذَلِكَ مَصْدَرِيَّةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ، والزَجّاجُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والسَماءُ وبُنْيانُها. و"طَحا" بِمَعْنى "دَحا" و"طَحا" أيْضًا في اللُغَةِ بِمَعْنى: ذَهَبَ كُلَّ مَذْهَبٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ: ؎ طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بَعِيدُ الشَبابِ عُمْرُ حانَ مَشِيبُ و"النَفْسُ" الَّتِي أقْسَمَ بِها اسْمُ الجِنْسِ، و"تَسْوِيَتُها" إكْمالُ عَقْلِها ونَظَرِها، ولِذَلِكَ رَبَطَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾... الآيَةُ، فالفاءُ تُعْطِي أنَّ التَسْوِيَةَ هي هَذا الإلْهامُ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾ أيٍ عُرْفُها طَرَقَ ذَلِكَ وجَعَلَ لَها (p-٦٢٩)قُوَّةً يَصِحُّ مَعَها اكْتِسابُ الفُجُورِ واكْتِسابُ التَقْوى، وجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾، والتَقْدِيرُ: لَقَدْ أفْلَحَ، والفاعِلُ بِـ "زَكّى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهَ تَعالى، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَتِ الفِرْقَةُ أوِ الطائِفَةُ الَّتِي زَكّاها اللهُ تَعالى، و"مَن": تَقَعُ عَلى جَمْعٍ وإفْرادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـ "زَكّى" الإنْسانُ وعَلَيْهِ تَقَعُ مَن، وقالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ، أيْ اكْتَسَبَ الزَكاةَ الَّذِي التى قَدْ خَلَقَها اللهُ تَعالى لَهُ، و﴿زَكّاها﴾ مَعْناهُ: طَهَّرَها ونَمّاها بِالخَيْراتِ، و﴿دَسّاها﴾ مَعْناهُ: أخْفاها وحَقَّرَها، أيْ احْتَقَرَ قَدْرَها بِالمَعاصِي والبُخْلِ بِما يَجِبُ، يُقالُ دَسا يَدْسُو، ودَسّى -بِشَدّ السِينِ- يُدَسِّي، وأصْلُهُ دَسَسَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ودَسَسْتُ عَمْرًا في التُرابِ فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ حَلائِلُهُ يَبْكِينَ لِلْفَقْدِ ضَعْفًا ويُرْوى «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها"»، وهَذا الحَدِيثُ يُقَوِّي أنَّ المُزَكِّيَ هو اللهُ تَعالى، وقالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنى الآيَةِ: وقَدْ خابَ مَن دَسّاها في أهْلِ الخَيْرِ بِالرِياءِ ولَيْسَ مِنهم في حَقِيقَتِهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى صِفَةَ مَن دَسّى، ذَكَرَ فِرْقَةً فَعَلَتْ ذَلِكَ لِيَعْتَبِرَ بِهِمْ ويَنْتَهِيَ عن مِثْلِ فِعْلِهِمْ، و"الطَغْوى" مَصْدَرٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وحَمّادُ بْنُ سُلَيْمانَ "بِطَغْواها" بِضَمِّ الطاءِ، مَصْدَرٌ كالعُقْبى والرُجْعى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الطَغْوى" هُنا العَذابُ، (p-٦٣٠)كَذَّبُوا بِهِ حَتّى نَزَلَ بِهِمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]، وقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ، والمَعْنى كَذَّبَتْ ثَمُودُ نَبِيَّها بِسَبَبِ طُغْيانِها وكُفْرِها، و"انْبَعَثَ" عِبارَةٌ عن خُرُوجِهِ إلى عُقْرِ الناقَةِ بِنَشاطٍ وحِرْصٍ، و"أشْقاها" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ وهو أحَدُ التِسْعَةِ الرَهْطِ المُفْسِدِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَقَعَ أشْقاها عَلى جَماعَةٍ حاوَلَتِ العُقْرَ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فِعْلَهُ بِالناقَةِ حَتّى مالَأهُ عَلَيَّ ذَلِكَ جَمِيعُ الحَيِّ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: فَعَقَرُوها لِكَوْنِهِمْ مُتَّفِقِينَ عَلى ذَلِكَ. و"رَسُولُ اللهِ" صالِحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ احْفَظُوا أو ذَرُوا أوِ احْذَرُوا عَلى مَعْنى: احْذَرُوا الإخْلالَ بِحَقِّ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أمْرُ الناقَةِ والسُقْيا في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ بِما أغْنى عن إعادَتِها، وقَدَّمَ تَعالى التَكْذِيبَ عَلى العُقْرِ لِأنَّهُ كانَ سَبَبَ العُقْرِ، ويُرْوى أنَّهم كانُوا قَدْ أسْلَمُوا قَبْلَ ذَلِكَ وتابَعُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ مُدَّةً ثُمَّ كَذَّبُوا وعَثَرُوا، والجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهم كانُوا عَلى كُفْرِهِمْ. و"دَمْدَمَ" مَعْناهُ: أنْزَلَ العِقابَ مُقْلِقًا لَهم مُكَرَّرًا ذَلِكَ وهي الدَمْدَمَةُ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ "فَدَهْدَمَ" وهي قِراءَةُ ابْنِ الزُبَيْرِ بِالهاءِ بَيْنَ الدالَيْنَ، وفي بَعْضِها "فَدَمَّرَ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَدَمْدَمَها عَلَيْهِمْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِذَنْبِهِمْ" أيْ بِسَبَبِ ذَنْبِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسَوّاها"، مَعْناهُ: فَسِوى القَبِيلَةَ في الهَلاكِ لَمْ يَنْجُ مِنهم أحَدٌ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وأهْلُ الحِجازِ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشامِ، وقَرَأ الباقُونَ "وَلا يَخافُ" بِالواوِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِهِمْ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قَرَأ: "وَلَمْ يَخَفْ عُقْباها"،» والفاعِلُ بـِ "يَخافُ" عَلى مَن قَرَأ "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهُ تَعالى، والمَعْنى فَلا دَرْكَ عَلى اللهِ تَعالى في فِعْلِهِ بِهِمْ لا يَسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، وفي هَذا المَعْنى احْتِقارٌ لِلْقَوْمِ وتَعْفِيَةٌ لِأثَرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ لا يَخافُ عُقْبى اللهِ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ بِهِمْ؛ إذْ كانَ قَدْ أنْذَرَهم وحَذَّرَهُمْ، (p-٦٣١)وَمَن قَرَأ "وَلا يَخافُ" بِالواو فَيُحْتَمَلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا، ويُحْتَمَلُ زائِدًا أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـِ "يَخافُ" أشْقاها المُنْبَعِثُ، قالَهُ الزَجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ، وهو قَوْلُ السُدِّيِّ والضَحّاكِ ومُقاتِلٍ، وتَكُونُ الواوُ واوَ الحالِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: انْبَعَثَ لِعَقْرِها وهو لا يَخافُ عُقْبى فِعْلِهِ لِكُفْرِهِ وطُغْيانِهِ، و"العُقْبى": جَزاءُ الشَيْءِ وخاتِمَتُهُ وما يَجِيءُ مِنَ الأُمُورِ بِعَقِبِهِ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ألِفاتِ هَذِهِ السُورَةِ واللَتَيْنِ بَعْدَها، فَفَتَحَها ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالاضْجاعِ، وقَرَأ نافِعٌ الكُلّ بَيْنَ الفَتْحِ والإمالَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "وَضُحاها" مَكْسُورَةً و"تَلاها" و"طَحاها" مَفْتُوحَتَيْنِ، وكَسَرَ ما عَدا ذَلِكَ، واخْتُلِفَ عن أبِي عَمْرٍو، فَمَرَّةً كَسَرَ الجَمِيعَ، ومَرَّةً كَقِراءَةِ نافِعٍ، قالَ الزَجّاجُ: سَمّى الناسُ الإمالَةَ كَسْرًا ولَيْسَ بِكَسْرٍ صَحِيحٍ، والخَلِيلُ وأبُو عَمْرٍو يَقُولانِ: إمالَةً. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الشَمْسِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

الشمس 91:14

(p-٦٢٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ الشَمْسِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والشَمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ ﴿والنَهارِ إذا جَلاها﴾ ﴿واللَيْلِ إذا يَغْشاها﴾ ﴿والسَماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالشَمْسِ إمّا عَلى التَنْبِيهِ مِنها وإمّا عَلى تَقْدِيرِ ورَبِّ الشَمْسِ، و"الضُحى" بِضَمِّ الضادِ والقَصْرُ: ارْتِفاعُ الضَوْءِ وكَمالُهُ، وبِهَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو النَهارُ كُلُّهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: ضُحاها: حَرُّها، كَقَوْلِهِ تَعالى في "طه" ﴿وَلا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩]، و"الضَحاء" بِفَتْحِ الضادِ والمَدِّ: ما فَوْقَ ذَلِكَ إلى الزَوالِ. والقَمَرُ يَتْلُو الشَمْسَ مِن أوَّلِ الشَهْرِ إلى نِصْفِهِ في الغُرُوبِ، تَغْرُبُ هي ثُمَّ يَغْرُبُ هُوَ، ويَتْلُوها في النِصْفِ الآخَرِ بِنَحْوٍ آخَرَ، وهي أنْ تَغْرُبَ هي فَيَطَّلِعُ هو. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تَلاها" مَعْناهُ: تَبِعَها دَأْبًا في كُلِّ وقْتٍ؛ لِأنَّهُ يَسْتَضِيءُ مِنها فَهو يَتْلُوها لِذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اتِّباعٌ لا يَخْتَصُّ بِنِصْفِ أوَّلٍ مَنِ الشَهْرِ ولا بِآخِرٍ، وقالَهُ الفَرّاءُ أيْضًا، وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: "تَلاها" مَعْناهُ: امْتَلَأ واسْتَدارَ، فَكانَ لَها تابِعًا في المَنزِلَةِ مِنَ الضِياءِ (p-٦٢٨)والقَدَرِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَواكِبِ شَيْءٌ يَتْلُو الشَمْسَ في هَذا المَعْنى غَيْرُ القَمَرِ، قالَ قَتادَةُ: وإنَّما ذَلِكَ لَيْلَةَ البَدْرِ تَغِيبُ هي فَيَطَّلِعُ هو. و"النَهارِ" في ظاهِرِ هَذِهِ السُورَةِ والَّتِي بَعْدَها أنَّهُ مِن طُلُوعِ الشَمْسِ، وكَذَلِكَ قالَ الزَجّاجُ في كِتابِ الأنْواءِ وغَيْرِهِ. واليَوْمُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ، ولا يَخْتَلِفُ أنَّ نِهايَتَهُما مَغِيبُ الشَمْسِ، والضَمِيرُ في ﴿جَلاها﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشَمْسِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الأرْضِ وعَلى الظُلْمَةِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجِئْ لِذَلِكَ ذِكْرٌ فالمَعْنى يَقْتَضِيهِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وجَلّى مَعْناهُ: كَشَفَ وضَوَّأ، والفاعِلُ لـ"جَلّى"-عَلى هَذِهِ التَأْوِيلاتِ- النَهارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ اللهُ تَعالى، كَأنَّهُ قالَ: والنَهارِ إذا جَلّى اللهُ الشَمْسَ، فَأقْسَمَ بِالنَهارِ في أكْمَلِ حالاتِهِ. ويُغْشى مَعْناهُ: يُغَطِّي، والضَمِيرُ لِلشَّمْسِ عَلى تَجَوُّزٍ في المَعْنى أو لِلْأرْضِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما بَناها﴾ وكُلُّ ما بَعْدَهُ مِن نَظائِرِهِ في السُورَةِ، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" فِيهِ بِمَعْنى "الَّذِي" قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، أيْ: ومَن بَناها، وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٌ ؛ لِأنَّ "ما" تَقَعُ عامَّةً لِمَن يَعْقِلُ ولِما لا يَعْقِلُ، فَيَجِيءُ القَسَمُ بِنَفْسِهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" في جَمِيعِ ذَلِكَ مَصْدَرِيَّةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ، والزَجّاجُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والسَماءُ وبُنْيانُها. و"طَحا" بِمَعْنى "دَحا" و"طَحا" أيْضًا في اللُغَةِ بِمَعْنى: ذَهَبَ كُلَّ مَذْهَبٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ: ؎ طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بَعِيدُ الشَبابِ عُمْرُ حانَ مَشِيبُ و"النَفْسُ" الَّتِي أقْسَمَ بِها اسْمُ الجِنْسِ، و"تَسْوِيَتُها" إكْمالُ عَقْلِها ونَظَرِها، ولِذَلِكَ رَبَطَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾... الآيَةُ، فالفاءُ تُعْطِي أنَّ التَسْوِيَةَ هي هَذا الإلْهامُ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾ أيٍ عُرْفُها طَرَقَ ذَلِكَ وجَعَلَ لَها (p-٦٢٩)قُوَّةً يَصِحُّ مَعَها اكْتِسابُ الفُجُورِ واكْتِسابُ التَقْوى، وجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾، والتَقْدِيرُ: لَقَدْ أفْلَحَ، والفاعِلُ بِـ "زَكّى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهَ تَعالى، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَتِ الفِرْقَةُ أوِ الطائِفَةُ الَّتِي زَكّاها اللهُ تَعالى، و"مَن": تَقَعُ عَلى جَمْعٍ وإفْرادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـ "زَكّى" الإنْسانُ وعَلَيْهِ تَقَعُ مَن، وقالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ، أيْ اكْتَسَبَ الزَكاةَ الَّذِي التى قَدْ خَلَقَها اللهُ تَعالى لَهُ، و﴿زَكّاها﴾ مَعْناهُ: طَهَّرَها ونَمّاها بِالخَيْراتِ، و﴿دَسّاها﴾ مَعْناهُ: أخْفاها وحَقَّرَها، أيْ احْتَقَرَ قَدْرَها بِالمَعاصِي والبُخْلِ بِما يَجِبُ، يُقالُ دَسا يَدْسُو، ودَسّى -بِشَدّ السِينِ- يُدَسِّي، وأصْلُهُ دَسَسَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ودَسَسْتُ عَمْرًا في التُرابِ فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ حَلائِلُهُ يَبْكِينَ لِلْفَقْدِ ضَعْفًا ويُرْوى «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها"»، وهَذا الحَدِيثُ يُقَوِّي أنَّ المُزَكِّيَ هو اللهُ تَعالى، وقالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنى الآيَةِ: وقَدْ خابَ مَن دَسّاها في أهْلِ الخَيْرِ بِالرِياءِ ولَيْسَ مِنهم في حَقِيقَتِهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى صِفَةَ مَن دَسّى، ذَكَرَ فِرْقَةً فَعَلَتْ ذَلِكَ لِيَعْتَبِرَ بِهِمْ ويَنْتَهِيَ عن مِثْلِ فِعْلِهِمْ، و"الطَغْوى" مَصْدَرٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وحَمّادُ بْنُ سُلَيْمانَ "بِطَغْواها" بِضَمِّ الطاءِ، مَصْدَرٌ كالعُقْبى والرُجْعى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الطَغْوى" هُنا العَذابُ، (p-٦٣٠)كَذَّبُوا بِهِ حَتّى نَزَلَ بِهِمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]، وقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ، والمَعْنى كَذَّبَتْ ثَمُودُ نَبِيَّها بِسَبَبِ طُغْيانِها وكُفْرِها، و"انْبَعَثَ" عِبارَةٌ عن خُرُوجِهِ إلى عُقْرِ الناقَةِ بِنَشاطٍ وحِرْصٍ، و"أشْقاها" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ وهو أحَدُ التِسْعَةِ الرَهْطِ المُفْسِدِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَقَعَ أشْقاها عَلى جَماعَةٍ حاوَلَتِ العُقْرَ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فِعْلَهُ بِالناقَةِ حَتّى مالَأهُ عَلَيَّ ذَلِكَ جَمِيعُ الحَيِّ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: فَعَقَرُوها لِكَوْنِهِمْ مُتَّفِقِينَ عَلى ذَلِكَ. و"رَسُولُ اللهِ" صالِحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ احْفَظُوا أو ذَرُوا أوِ احْذَرُوا عَلى مَعْنى: احْذَرُوا الإخْلالَ بِحَقِّ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أمْرُ الناقَةِ والسُقْيا في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ بِما أغْنى عن إعادَتِها، وقَدَّمَ تَعالى التَكْذِيبَ عَلى العُقْرِ لِأنَّهُ كانَ سَبَبَ العُقْرِ، ويُرْوى أنَّهم كانُوا قَدْ أسْلَمُوا قَبْلَ ذَلِكَ وتابَعُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ مُدَّةً ثُمَّ كَذَّبُوا وعَثَرُوا، والجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهم كانُوا عَلى كُفْرِهِمْ. و"دَمْدَمَ" مَعْناهُ: أنْزَلَ العِقابَ مُقْلِقًا لَهم مُكَرَّرًا ذَلِكَ وهي الدَمْدَمَةُ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ "فَدَهْدَمَ" وهي قِراءَةُ ابْنِ الزُبَيْرِ بِالهاءِ بَيْنَ الدالَيْنَ، وفي بَعْضِها "فَدَمَّرَ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَدَمْدَمَها عَلَيْهِمْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِذَنْبِهِمْ" أيْ بِسَبَبِ ذَنْبِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسَوّاها"، مَعْناهُ: فَسِوى القَبِيلَةَ في الهَلاكِ لَمْ يَنْجُ مِنهم أحَدٌ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وأهْلُ الحِجازِ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشامِ، وقَرَأ الباقُونَ "وَلا يَخافُ" بِالواوِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِهِمْ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قَرَأ: "وَلَمْ يَخَفْ عُقْباها"،» والفاعِلُ بـِ "يَخافُ" عَلى مَن قَرَأ "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهُ تَعالى، والمَعْنى فَلا دَرْكَ عَلى اللهِ تَعالى في فِعْلِهِ بِهِمْ لا يَسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، وفي هَذا المَعْنى احْتِقارٌ لِلْقَوْمِ وتَعْفِيَةٌ لِأثَرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ لا يَخافُ عُقْبى اللهِ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ بِهِمْ؛ إذْ كانَ قَدْ أنْذَرَهم وحَذَّرَهُمْ، (p-٦٣١)وَمَن قَرَأ "وَلا يَخافُ" بِالواو فَيُحْتَمَلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا، ويُحْتَمَلُ زائِدًا أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـِ "يَخافُ" أشْقاها المُنْبَعِثُ، قالَهُ الزَجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ، وهو قَوْلُ السُدِّيِّ والضَحّاكِ ومُقاتِلٍ، وتَكُونُ الواوُ واوَ الحالِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: انْبَعَثَ لِعَقْرِها وهو لا يَخافُ عُقْبى فِعْلِهِ لِكُفْرِهِ وطُغْيانِهِ، و"العُقْبى": جَزاءُ الشَيْءِ وخاتِمَتُهُ وما يَجِيءُ مِنَ الأُمُورِ بِعَقِبِهِ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ألِفاتِ هَذِهِ السُورَةِ واللَتَيْنِ بَعْدَها، فَفَتَحَها ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالاضْجاعِ، وقَرَأ نافِعٌ الكُلّ بَيْنَ الفَتْحِ والإمالَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "وَضُحاها" مَكْسُورَةً و"تَلاها" و"طَحاها" مَفْتُوحَتَيْنِ، وكَسَرَ ما عَدا ذَلِكَ، واخْتُلِفَ عن أبِي عَمْرٍو، فَمَرَّةً كَسَرَ الجَمِيعَ، ومَرَّةً كَقِراءَةِ نافِعٍ، قالَ الزَجّاجُ: سَمّى الناسُ الإمالَةَ كَسْرًا ولَيْسَ بِكَسْرٍ صَحِيحٍ، والخَلِيلُ وأبُو عَمْرٍو يَقُولانِ: إمالَةً. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الشَمْسِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

الشمس 91:15

(p-٦٢٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ الشَمْسِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والشَمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ ﴿والنَهارِ إذا جَلاها﴾ ﴿واللَيْلِ إذا يَغْشاها﴾ ﴿والسَماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالشَمْسِ إمّا عَلى التَنْبِيهِ مِنها وإمّا عَلى تَقْدِيرِ ورَبِّ الشَمْسِ، و"الضُحى" بِضَمِّ الضادِ والقَصْرُ: ارْتِفاعُ الضَوْءِ وكَمالُهُ، وبِهَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو النَهارُ كُلُّهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: ضُحاها: حَرُّها، كَقَوْلِهِ تَعالى في "طه" ﴿وَلا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩]، و"الضَحاء" بِفَتْحِ الضادِ والمَدِّ: ما فَوْقَ ذَلِكَ إلى الزَوالِ. والقَمَرُ يَتْلُو الشَمْسَ مِن أوَّلِ الشَهْرِ إلى نِصْفِهِ في الغُرُوبِ، تَغْرُبُ هي ثُمَّ يَغْرُبُ هُوَ، ويَتْلُوها في النِصْفِ الآخَرِ بِنَحْوٍ آخَرَ، وهي أنْ تَغْرُبَ هي فَيَطَّلِعُ هو. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تَلاها" مَعْناهُ: تَبِعَها دَأْبًا في كُلِّ وقْتٍ؛ لِأنَّهُ يَسْتَضِيءُ مِنها فَهو يَتْلُوها لِذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اتِّباعٌ لا يَخْتَصُّ بِنِصْفِ أوَّلٍ مَنِ الشَهْرِ ولا بِآخِرٍ، وقالَهُ الفَرّاءُ أيْضًا، وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: "تَلاها" مَعْناهُ: امْتَلَأ واسْتَدارَ، فَكانَ لَها تابِعًا في المَنزِلَةِ مِنَ الضِياءِ (p-٦٢٨)والقَدَرِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَواكِبِ شَيْءٌ يَتْلُو الشَمْسَ في هَذا المَعْنى غَيْرُ القَمَرِ، قالَ قَتادَةُ: وإنَّما ذَلِكَ لَيْلَةَ البَدْرِ تَغِيبُ هي فَيَطَّلِعُ هو. و"النَهارِ" في ظاهِرِ هَذِهِ السُورَةِ والَّتِي بَعْدَها أنَّهُ مِن طُلُوعِ الشَمْسِ، وكَذَلِكَ قالَ الزَجّاجُ في كِتابِ الأنْواءِ وغَيْرِهِ. واليَوْمُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ، ولا يَخْتَلِفُ أنَّ نِهايَتَهُما مَغِيبُ الشَمْسِ، والضَمِيرُ في ﴿جَلاها﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشَمْسِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الأرْضِ وعَلى الظُلْمَةِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجِئْ لِذَلِكَ ذِكْرٌ فالمَعْنى يَقْتَضِيهِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وجَلّى مَعْناهُ: كَشَفَ وضَوَّأ، والفاعِلُ لـ"جَلّى"-عَلى هَذِهِ التَأْوِيلاتِ- النَهارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ اللهُ تَعالى، كَأنَّهُ قالَ: والنَهارِ إذا جَلّى اللهُ الشَمْسَ، فَأقْسَمَ بِالنَهارِ في أكْمَلِ حالاتِهِ. ويُغْشى مَعْناهُ: يُغَطِّي، والضَمِيرُ لِلشَّمْسِ عَلى تَجَوُّزٍ في المَعْنى أو لِلْأرْضِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما بَناها﴾ وكُلُّ ما بَعْدَهُ مِن نَظائِرِهِ في السُورَةِ، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" فِيهِ بِمَعْنى "الَّذِي" قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، أيْ: ومَن بَناها، وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٌ ؛ لِأنَّ "ما" تَقَعُ عامَّةً لِمَن يَعْقِلُ ولِما لا يَعْقِلُ، فَيَجِيءُ القَسَمُ بِنَفْسِهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" في جَمِيعِ ذَلِكَ مَصْدَرِيَّةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ، والزَجّاجُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والسَماءُ وبُنْيانُها. و"طَحا" بِمَعْنى "دَحا" و"طَحا" أيْضًا في اللُغَةِ بِمَعْنى: ذَهَبَ كُلَّ مَذْهَبٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ: ؎ طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بَعِيدُ الشَبابِ عُمْرُ حانَ مَشِيبُ و"النَفْسُ" الَّتِي أقْسَمَ بِها اسْمُ الجِنْسِ، و"تَسْوِيَتُها" إكْمالُ عَقْلِها ونَظَرِها، ولِذَلِكَ رَبَطَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾... الآيَةُ، فالفاءُ تُعْطِي أنَّ التَسْوِيَةَ هي هَذا الإلْهامُ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها﴾ أيٍ عُرْفُها طَرَقَ ذَلِكَ وجَعَلَ لَها (p-٦٢٩)قُوَّةً يَصِحُّ مَعَها اكْتِسابُ الفُجُورِ واكْتِسابُ التَقْوى، وجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾، والتَقْدِيرُ: لَقَدْ أفْلَحَ، والفاعِلُ بِـ "زَكّى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهَ تَعالى، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَتِ الفِرْقَةُ أوِ الطائِفَةُ الَّتِي زَكّاها اللهُ تَعالى، و"مَن": تَقَعُ عَلى جَمْعٍ وإفْرادٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـ "زَكّى" الإنْسانُ وعَلَيْهِ تَقَعُ مَن، وقالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ، أيْ اكْتَسَبَ الزَكاةَ الَّذِي التى قَدْ خَلَقَها اللهُ تَعالى لَهُ، و﴿زَكّاها﴾ مَعْناهُ: طَهَّرَها ونَمّاها بِالخَيْراتِ، و﴿دَسّاها﴾ مَعْناهُ: أخْفاها وحَقَّرَها، أيْ احْتَقَرَ قَدْرَها بِالمَعاصِي والبُخْلِ بِما يَجِبُ، يُقالُ دَسا يَدْسُو، ودَسّى -بِشَدّ السِينِ- يُدَسِّي، وأصْلُهُ دَسَسَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ودَسَسْتُ عَمْرًا في التُرابِ فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ حَلائِلُهُ يَبْكِينَ لِلْفَقْدِ ضَعْفًا ويُرْوى «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها"»، وهَذا الحَدِيثُ يُقَوِّي أنَّ المُزَكِّيَ هو اللهُ تَعالى، وقالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنى الآيَةِ: وقَدْ خابَ مَن دَسّاها في أهْلِ الخَيْرِ بِالرِياءِ ولَيْسَ مِنهم في حَقِيقَتِهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى صِفَةَ مَن دَسّى، ذَكَرَ فِرْقَةً فَعَلَتْ ذَلِكَ لِيَعْتَبِرَ بِهِمْ ويَنْتَهِيَ عن مِثْلِ فِعْلِهِمْ، و"الطَغْوى" مَصْدَرٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وحَمّادُ بْنُ سُلَيْمانَ "بِطَغْواها" بِضَمِّ الطاءِ، مَصْدَرٌ كالعُقْبى والرُجْعى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الطَغْوى" هُنا العَذابُ، (p-٦٣٠)كَذَّبُوا بِهِ حَتّى نَزَلَ بِهِمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]، وقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ، والمَعْنى كَذَّبَتْ ثَمُودُ نَبِيَّها بِسَبَبِ طُغْيانِها وكُفْرِها، و"انْبَعَثَ" عِبارَةٌ عن خُرُوجِهِ إلى عُقْرِ الناقَةِ بِنَشاطٍ وحِرْصٍ، و"أشْقاها" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ وهو أحَدُ التِسْعَةِ الرَهْطِ المُفْسِدِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَقَعَ أشْقاها عَلى جَماعَةٍ حاوَلَتِ العُقْرَ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فِعْلَهُ بِالناقَةِ حَتّى مالَأهُ عَلَيَّ ذَلِكَ جَمِيعُ الحَيِّ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: فَعَقَرُوها لِكَوْنِهِمْ مُتَّفِقِينَ عَلى ذَلِكَ. و"رَسُولُ اللهِ" صالِحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ناقَةَ اللهِ وسُقْياها﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ احْفَظُوا أو ذَرُوا أوِ احْذَرُوا عَلى مَعْنى: احْذَرُوا الإخْلالَ بِحَقِّ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أمْرُ الناقَةِ والسُقْيا في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ بِما أغْنى عن إعادَتِها، وقَدَّمَ تَعالى التَكْذِيبَ عَلى العُقْرِ لِأنَّهُ كانَ سَبَبَ العُقْرِ، ويُرْوى أنَّهم كانُوا قَدْ أسْلَمُوا قَبْلَ ذَلِكَ وتابَعُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ مُدَّةً ثُمَّ كَذَّبُوا وعَثَرُوا، والجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهم كانُوا عَلى كُفْرِهِمْ. و"دَمْدَمَ" مَعْناهُ: أنْزَلَ العِقابَ مُقْلِقًا لَهم مُكَرَّرًا ذَلِكَ وهي الدَمْدَمَةُ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ "فَدَهْدَمَ" وهي قِراءَةُ ابْنِ الزُبَيْرِ بِالهاءِ بَيْنَ الدالَيْنَ، وفي بَعْضِها "فَدَمَّرَ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَدَمْدَمَها عَلَيْهِمْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِذَنْبِهِمْ" أيْ بِسَبَبِ ذَنْبِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسَوّاها"، مَعْناهُ: فَسِوى القَبِيلَةَ في الهَلاكِ لَمْ يَنْجُ مِنهم أحَدٌ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وأهْلُ الحِجازِ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشامِ، وقَرَأ الباقُونَ "وَلا يَخافُ" بِالواوِ وكَذَلِكَ في مَصاحِفِهِمْ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قَرَأ: "وَلَمْ يَخَفْ عُقْباها"،» والفاعِلُ بـِ "يَخافُ" عَلى مَن قَرَأ "فَلا يَخافُ" بِالفاءِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهُ تَعالى، والمَعْنى فَلا دَرْكَ عَلى اللهِ تَعالى في فِعْلِهِ بِهِمْ لا يَسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، وفي هَذا المَعْنى احْتِقارٌ لِلْقَوْمِ وتَعْفِيَةٌ لِأثَرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ لا يَخافُ عُقْبى اللهِ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ بِهِمْ؛ إذْ كانَ قَدْ أنْذَرَهم وحَذَّرَهُمْ، (p-٦٣١)وَمَن قَرَأ "وَلا يَخافُ" بِالواو فَيُحْتَمَلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا، ويُحْتَمَلُ زائِدًا أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـِ "يَخافُ" أشْقاها المُنْبَعِثُ، قالَهُ الزَجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ، وهو قَوْلُ السُدِّيِّ والضَحّاكِ ومُقاتِلٍ، وتَكُونُ الواوُ واوَ الحالِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: انْبَعَثَ لِعَقْرِها وهو لا يَخافُ عُقْبى فِعْلِهِ لِكُفْرِهِ وطُغْيانِهِ، و"العُقْبى": جَزاءُ الشَيْءِ وخاتِمَتُهُ وما يَجِيءُ مِنَ الأُمُورِ بِعَقِبِهِ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ألِفاتِ هَذِهِ السُورَةِ واللَتَيْنِ بَعْدَها، فَفَتَحَها ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالاضْجاعِ، وقَرَأ نافِعٌ الكُلّ بَيْنَ الفَتْحِ والإمالَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "وَضُحاها" مَكْسُورَةً و"تَلاها" و"طَحاها" مَفْتُوحَتَيْنِ، وكَسَرَ ما عَدا ذَلِكَ، واخْتُلِفَ عن أبِي عَمْرٍو، فَمَرَّةً كَسَرَ الجَمِيعَ، ومَرَّةً كَقِراءَةِ نافِعٍ، قالَ الزَجّاجُ: سَمّى الناسُ الإمالَةَ كَسْرًا ولَيْسَ بِكَسْرٍ صَحِيحٍ، والخَلِيلُ وأبُو عَمْرٍو يَقُولانِ: إمالَةً. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الشَمْسِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ