Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — الليل 92:1 – الضحى 93:11
المحتويات
- الليل 92:1
- الليل 92:2
- الليل 92:3
- الليل 92:4
- الليل 92:5
- الليل 92:6
- الليل 92:7
- الليل 92:8
- الليل 92:9
- الليل 92:10
- الليل 92:11
- الليل 92:12
- الليل 92:13
- الليل 92:14
- الليل 92:15
- الليل 92:16
- الليل 92:17
- الليل 92:18
- الليل 92:19
- الليل 92:20
- الليل 92:21
- الضحى 93:1
- الضحى 93:2
- الضحى 93:3
- الضحى 93:4
- الضحى 93:5
- الضحى 93:6
- الضحى 93:7
- الضحى 93:8
- الضحى 93:9
- الضحى 93:10
- الضحى 93:11
الليل 92:1
(p-٦٣٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ اللَيْلِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ وقِيلَ هي مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ فِيها مَدَّنِيٌّ وعَدَدُها عِشْرُونَ آيَةً بِإجْماعٍ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿واللَيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَهارِ إذا تَجَلّى﴾ ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وَما يُغْنِي عنهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾
أقْسَمَ اللهُ بِاللَيْلِ إذا غَشى الأرْضَ وجَمِيعَ ما فِيها، وبِالنَهارِ إذا تَجَلّى أيْ ظَهَرَ وضَوى الآفاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَجَلّى السُرى مِن وجْهِهِ عن صَبِيحَةٍ عَلى السَيْرِ مِشْراقٌ كَرِيمٌ شُجُونُها
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" كَما قالَتِ العَرَبُ: "سُبْحانَ ما سَبَّحَ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: يَقُولُونَ لِلرَّعْدِ: (p-٦٣٣)"سُبْحانَ ما سَبَّحْتَ لَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، وهو مَذْهَبُ الزَجّاجِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الصَحابَةِ: "وَما خَلَقَ الذَكَرَ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وسَمِعَها مِنَ النَبِيِّ ﷺ- وعَلْقَمَةُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "والذَكَرِ والأُنْثى"، وسَقَطَ عِنْدَهم "وَما خَلَقَ"، وذَكَرَ ثَعْلَبٌ أنَّ مِنَ السَلَفِ مَن قَرَأ "وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى" بِخَفْضِ "الذَكَرِ" عَلى البَدَلِ مِن "ما" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وما خَلَقَ اللهُ وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمَن ذَكَرَ" تَشْهَدُ لِهَذِهِ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ هُنا بِالذَكَرَ والأُنْثى آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو عامٌّ.
و"السَعْيُ": العَمَلُ، فَأخْبَرَ تَعالى مُقْسِمًا أنَّ أعْمالَ العِبادِ شَتّى، أيْ مُفْتَرِقَةً جِدًّا، بَعْضُها في رِضى اللهِ تَعالى وبَعْضُها في سُخْطِهِ. ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الساعِينَ، فَذَكَرَ أنَّ مَن أعْطى -وَظاهِرُ ذَلِكَ إعْطاءُ المالِ، وهي أيْضًا تَتَناوَلُ إعْطاءَ الحَقِّ في كُلِّ شَيْءٍ، قَوْلٍ أو فِعْلٍ، وكَذَلِكَ البُخْلُ المَذْكُورُ بَعْدُ، يَكُونُ بِالإيمانِ وغَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي حَقُّ الشَرِيعَةِ أنْ لا يَبْخَلَ بِها.
ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُعْتِقُ ضَعْفَةَ العَبِيدِ الَّذِينَ أسْلَمُوا، وكانَ يُنْفِقُ في رِضى رَسُولِ اللهِ ﷺ مالَهُ، وكانَ الكَفّارُ بِضِدِّ (p-٦٣٤)ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ إنَّ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أوفى: هَذِهِ السُورَةُ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَرَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى أبِي سُفْيانَ وهو يُعَذِّبُ بِلالًا، فاشْتَراهُ مِنهُ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ أبِي الدَحْداحِ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ «أنَّ نَخْلَةً لِبَعْضِ المُنافِقِينَ كانَتْ مُطِلَّةً عَلى دارِ امْرَأةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَها أيْتامٌ، فَكانَ الثَمَرُ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ فَيَأْكُلُونَهُ فَمَنَعَهُمُ المُنافِقُ مِن ذَلِكَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِعْنِيها بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: لا أفْعَلُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا الدَحْداحِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ واشْتَرى مِنهُ النَخْلَةَ بِحائِطٍ لَهُ، وجاءَ إلى النَبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ أنا أشْتَرِي النَخْلَةَ في الجَنَّةِ بِهَذِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُرُّ عَلى الحائِطِ الَّذِي أعْطى أبُو الدَحْداحِ، وقَدْ تَعَلَّقَتْ أقْناؤُهُ ويَقُولُ: "وَكَمْ قِنْوٍ تَعَلَّقَ لِأبِي الدَحْداحِ في الجَنَّةِ،» وفي البُخارِيِّ أنَّ هَذا اللَفْظَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ في الأقْناءِ الَّتِي كانَ أبُو الدَحْداحِ يُعَلِّقُها في المَسْجِدِ صَدَقَةً، وهَذا كُلُّهُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: بَعْضُ السُورَةِ مَدَنِيٌّ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الحُسْنى" في هَذِهِ السُورَةِ- فَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ وغَيْرُهُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وجَماعَةٌ: هي الخَلَفُ الَّذِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ، وذَلِكَ نَصٌّ في حَدِيثِ المَلَكَيْنِ، إذْ يَقُولُ أحَدُهُما: «اللهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.» وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ: (p-٦٣٥)الحُسْنى: الجَنَّةُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الحُسْنى: الأجْرُ والثَوابُ مُجْمَلًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ مَعْناهُ: سَيَظْهَرُ تَيْسِيرُنا بِما يَتَدَرَّجُ فِيهِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، وخَتْمُ تَيْسِيرِهِ قَدْ كانَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أزَلًا، و"اليُسْرى": الحالُ الحَسَنَةُ المَرْضِيَّةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، و"العُسْرى" الحالُ السَيِّئَةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ ولا بُدَّ ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" في المالِ خاصَّةً جَعَلَ "اسْتَغْنى" في المالِ أيْضًا لِتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" عامًّا في جَمِيعِ ما يَنْبَغِي أنْ نَبْذُلَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ قالَ: "اسْتَغْنى" عَنِ اللهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ بِزَعْمِهِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مَوْضِعِ غَناءِ مالِهِ عنهُ وقْتَ تَرَدِّيهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإعْطاءَ والبُخْلَ المَذْكُورَيْنِ إنَّما هُما في المالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "تَرَدّى"- فَقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ: مَعْناهُ: تَرَدّى في جَهَنَّمَ، أيْ سَقَطَ مِن حافاتِها، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَرَدّى" مَعْناهُ: هَلَكَ مِنَ الرَدى، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: تَرَدّى بِأكْفانِهِ مِنَ الرِداءِ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ:
؎ وخُطّا بِأطْرافِ الأسِنَّةِ مَضْجَعِي ∗∗∗ ورُدّا عَلى عَيْنِي فَضْلُ رِدائِيا
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تُلْوى فِيهِما وحَنُوطُ
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَلَيْهِ هُدى الناسِ جَمِيعًا، أيْ تَعْرِيفُهم بِالسُبُلِ كُلِّها، ومَنحِهِمُ الإدْراكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ﴾ [النحل: ٩]، ثُمَّ كُلُّ أحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكَسَّبُ ما قُدِّرَ لَهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الهِدايَةُ بِالإرْشادِ إلى الإيمانِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ. ثُمَّ (p-٦٣٦)أخْبَرَ تَعالى أنَّ الآخِرَةَ والأُولى أيُّ الدارَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ إمّا مُخاطَبَةً مِنهُ سُبْحانَهُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "تَلَظّى" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِشَدِّ التاءِ وإدْغامِ الراءِ فِيها، وقَرَأها كَذَلِكَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا "تَتَلَظّى" بِتاءَيْنِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وطَلْحَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾، أيْ: لا يَصْلاها صُلِيَّ خُلُودٍ، ومِن هُنا ضَلَّتِ المُرْجِئَةُ لِأنَّها أخَذَتْ نَفْيَ الصُلِيِّ مُطْلَقًا في قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ. و"الأشْقى" هُنا-: الكافِرُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِي كَذَبَ"، والعَرَبُ تَجْعَلُ "أفْعَلُ" في مَوْضِعِ "فاعِلٍ" مُبالَغَةً، كَما قالَ طَرَفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوحَدِ
(p-٦٣٧)وَلَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ التَأْوِيلِ أنَّ المُرادَ بِـ "الأتْقى" إلى آخِرِ السُورَةِ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ في هَذِهِ الصِفاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "يَتَزَكّى" مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُ ويَتَنَمّى، وظاهِرُ هَذا الإتْيانِ أنَّهُ في المَندُوباتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ﴾ الآيَةُ...مَعْناهُ: ولَيْسَ إعْطاؤُهُ لِيَجْزِيَ نِعَمًا قَدْ أُنْزِلَتْ إلَيْهِ، بَلْ هو مُبْتَدِئٌ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ تَعالى.
ورُوِيَ في سَبَبِ هَذا أنَّ قُرَيْشًا قالُوا -لَمّا أعْتَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِلالًا - كانَتْ لِبِلالٍ يَدٌ عِنْدَهُ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى: ولَيْسَ يُعْطِي لِيُثابَ نِعَمًا يَجْزِي بِها يَوْمًا ويَنْتَظِرُ ثَوابَها، وحَوَّمَ في هَذا المَعْنى وحَلَّقَ بِتَطْوِيلٍ غَيْرِ مُغْنٍ، ويَتَّجِهُ المَعْنى الَّذِي أرادَ بِأيْسَرَ مِن قَوْلِهِ، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ إعْطاءٌ لِيَقَعَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ الأحَدِ جَزاءٌ بَعْدُ، هو لِمُجَرَّدِ ثَوابِ اللهِ تَعالى وجَزائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا ابْتِغاءَ" نُصِبَ بِالِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وفِيهِ نَظَرٌ، والِابْتِغاءُ: الطَلَبُ، ثُمَّ وعَدَهُ تَعالى بِالرِضا في الآخِرَةِ، وهَذِهِ عِدَةٌ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقَرَأ "يُرْضى" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وهَذِهِ الآيَةُ تُشْبِهُ الرِضا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] الآيَة.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [اللَيْلِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الليل 92:2
(p-٦٣٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ اللَيْلِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ وقِيلَ هي مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ فِيها مَدَّنِيٌّ وعَدَدُها عِشْرُونَ آيَةً بِإجْماعٍ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿واللَيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَهارِ إذا تَجَلّى﴾ ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وَما يُغْنِي عنهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾
أقْسَمَ اللهُ بِاللَيْلِ إذا غَشى الأرْضَ وجَمِيعَ ما فِيها، وبِالنَهارِ إذا تَجَلّى أيْ ظَهَرَ وضَوى الآفاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَجَلّى السُرى مِن وجْهِهِ عن صَبِيحَةٍ عَلى السَيْرِ مِشْراقٌ كَرِيمٌ شُجُونُها
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" كَما قالَتِ العَرَبُ: "سُبْحانَ ما سَبَّحَ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: يَقُولُونَ لِلرَّعْدِ: (p-٦٣٣)"سُبْحانَ ما سَبَّحْتَ لَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، وهو مَذْهَبُ الزَجّاجِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الصَحابَةِ: "وَما خَلَقَ الذَكَرَ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وسَمِعَها مِنَ النَبِيِّ ﷺ- وعَلْقَمَةُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "والذَكَرِ والأُنْثى"، وسَقَطَ عِنْدَهم "وَما خَلَقَ"، وذَكَرَ ثَعْلَبٌ أنَّ مِنَ السَلَفِ مَن قَرَأ "وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى" بِخَفْضِ "الذَكَرِ" عَلى البَدَلِ مِن "ما" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وما خَلَقَ اللهُ وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمَن ذَكَرَ" تَشْهَدُ لِهَذِهِ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ هُنا بِالذَكَرَ والأُنْثى آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو عامٌّ.
و"السَعْيُ": العَمَلُ، فَأخْبَرَ تَعالى مُقْسِمًا أنَّ أعْمالَ العِبادِ شَتّى، أيْ مُفْتَرِقَةً جِدًّا، بَعْضُها في رِضى اللهِ تَعالى وبَعْضُها في سُخْطِهِ. ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الساعِينَ، فَذَكَرَ أنَّ مَن أعْطى -وَظاهِرُ ذَلِكَ إعْطاءُ المالِ، وهي أيْضًا تَتَناوَلُ إعْطاءَ الحَقِّ في كُلِّ شَيْءٍ، قَوْلٍ أو فِعْلٍ، وكَذَلِكَ البُخْلُ المَذْكُورُ بَعْدُ، يَكُونُ بِالإيمانِ وغَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي حَقُّ الشَرِيعَةِ أنْ لا يَبْخَلَ بِها.
ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُعْتِقُ ضَعْفَةَ العَبِيدِ الَّذِينَ أسْلَمُوا، وكانَ يُنْفِقُ في رِضى رَسُولِ اللهِ ﷺ مالَهُ، وكانَ الكَفّارُ بِضِدِّ (p-٦٣٤)ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ إنَّ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أوفى: هَذِهِ السُورَةُ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَرَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى أبِي سُفْيانَ وهو يُعَذِّبُ بِلالًا، فاشْتَراهُ مِنهُ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ أبِي الدَحْداحِ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ «أنَّ نَخْلَةً لِبَعْضِ المُنافِقِينَ كانَتْ مُطِلَّةً عَلى دارِ امْرَأةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَها أيْتامٌ، فَكانَ الثَمَرُ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ فَيَأْكُلُونَهُ فَمَنَعَهُمُ المُنافِقُ مِن ذَلِكَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِعْنِيها بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: لا أفْعَلُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا الدَحْداحِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ واشْتَرى مِنهُ النَخْلَةَ بِحائِطٍ لَهُ، وجاءَ إلى النَبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ أنا أشْتَرِي النَخْلَةَ في الجَنَّةِ بِهَذِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُرُّ عَلى الحائِطِ الَّذِي أعْطى أبُو الدَحْداحِ، وقَدْ تَعَلَّقَتْ أقْناؤُهُ ويَقُولُ: "وَكَمْ قِنْوٍ تَعَلَّقَ لِأبِي الدَحْداحِ في الجَنَّةِ،» وفي البُخارِيِّ أنَّ هَذا اللَفْظَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ في الأقْناءِ الَّتِي كانَ أبُو الدَحْداحِ يُعَلِّقُها في المَسْجِدِ صَدَقَةً، وهَذا كُلُّهُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: بَعْضُ السُورَةِ مَدَنِيٌّ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الحُسْنى" في هَذِهِ السُورَةِ- فَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ وغَيْرُهُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وجَماعَةٌ: هي الخَلَفُ الَّذِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ، وذَلِكَ نَصٌّ في حَدِيثِ المَلَكَيْنِ، إذْ يَقُولُ أحَدُهُما: «اللهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.» وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ: (p-٦٣٥)الحُسْنى: الجَنَّةُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الحُسْنى: الأجْرُ والثَوابُ مُجْمَلًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ مَعْناهُ: سَيَظْهَرُ تَيْسِيرُنا بِما يَتَدَرَّجُ فِيهِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، وخَتْمُ تَيْسِيرِهِ قَدْ كانَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أزَلًا، و"اليُسْرى": الحالُ الحَسَنَةُ المَرْضِيَّةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، و"العُسْرى" الحالُ السَيِّئَةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ ولا بُدَّ ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" في المالِ خاصَّةً جَعَلَ "اسْتَغْنى" في المالِ أيْضًا لِتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" عامًّا في جَمِيعِ ما يَنْبَغِي أنْ نَبْذُلَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ قالَ: "اسْتَغْنى" عَنِ اللهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ بِزَعْمِهِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مَوْضِعِ غَناءِ مالِهِ عنهُ وقْتَ تَرَدِّيهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإعْطاءَ والبُخْلَ المَذْكُورَيْنِ إنَّما هُما في المالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "تَرَدّى"- فَقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ: مَعْناهُ: تَرَدّى في جَهَنَّمَ، أيْ سَقَطَ مِن حافاتِها، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَرَدّى" مَعْناهُ: هَلَكَ مِنَ الرَدى، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: تَرَدّى بِأكْفانِهِ مِنَ الرِداءِ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ:
؎ وخُطّا بِأطْرافِ الأسِنَّةِ مَضْجَعِي ∗∗∗ ورُدّا عَلى عَيْنِي فَضْلُ رِدائِيا
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تُلْوى فِيهِما وحَنُوطُ
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَلَيْهِ هُدى الناسِ جَمِيعًا، أيْ تَعْرِيفُهم بِالسُبُلِ كُلِّها، ومَنحِهِمُ الإدْراكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ﴾ [النحل: ٩]، ثُمَّ كُلُّ أحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكَسَّبُ ما قُدِّرَ لَهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الهِدايَةُ بِالإرْشادِ إلى الإيمانِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ. ثُمَّ (p-٦٣٦)أخْبَرَ تَعالى أنَّ الآخِرَةَ والأُولى أيُّ الدارَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ إمّا مُخاطَبَةً مِنهُ سُبْحانَهُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "تَلَظّى" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِشَدِّ التاءِ وإدْغامِ الراءِ فِيها، وقَرَأها كَذَلِكَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا "تَتَلَظّى" بِتاءَيْنِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وطَلْحَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾، أيْ: لا يَصْلاها صُلِيَّ خُلُودٍ، ومِن هُنا ضَلَّتِ المُرْجِئَةُ لِأنَّها أخَذَتْ نَفْيَ الصُلِيِّ مُطْلَقًا في قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ. و"الأشْقى" هُنا-: الكافِرُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِي كَذَبَ"، والعَرَبُ تَجْعَلُ "أفْعَلُ" في مَوْضِعِ "فاعِلٍ" مُبالَغَةً، كَما قالَ طَرَفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوحَدِ
(p-٦٣٧)وَلَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ التَأْوِيلِ أنَّ المُرادَ بِـ "الأتْقى" إلى آخِرِ السُورَةِ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ في هَذِهِ الصِفاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "يَتَزَكّى" مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُ ويَتَنَمّى، وظاهِرُ هَذا الإتْيانِ أنَّهُ في المَندُوباتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ﴾ الآيَةُ...مَعْناهُ: ولَيْسَ إعْطاؤُهُ لِيَجْزِيَ نِعَمًا قَدْ أُنْزِلَتْ إلَيْهِ، بَلْ هو مُبْتَدِئٌ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ تَعالى.
ورُوِيَ في سَبَبِ هَذا أنَّ قُرَيْشًا قالُوا -لَمّا أعْتَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِلالًا - كانَتْ لِبِلالٍ يَدٌ عِنْدَهُ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى: ولَيْسَ يُعْطِي لِيُثابَ نِعَمًا يَجْزِي بِها يَوْمًا ويَنْتَظِرُ ثَوابَها، وحَوَّمَ في هَذا المَعْنى وحَلَّقَ بِتَطْوِيلٍ غَيْرِ مُغْنٍ، ويَتَّجِهُ المَعْنى الَّذِي أرادَ بِأيْسَرَ مِن قَوْلِهِ، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ إعْطاءٌ لِيَقَعَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ الأحَدِ جَزاءٌ بَعْدُ، هو لِمُجَرَّدِ ثَوابِ اللهِ تَعالى وجَزائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا ابْتِغاءَ" نُصِبَ بِالِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وفِيهِ نَظَرٌ، والِابْتِغاءُ: الطَلَبُ، ثُمَّ وعَدَهُ تَعالى بِالرِضا في الآخِرَةِ، وهَذِهِ عِدَةٌ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقَرَأ "يُرْضى" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وهَذِهِ الآيَةُ تُشْبِهُ الرِضا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] الآيَة.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [اللَيْلِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الليل 92:3
(p-٦٣٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ اللَيْلِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ وقِيلَ هي مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ فِيها مَدَّنِيٌّ وعَدَدُها عِشْرُونَ آيَةً بِإجْماعٍ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿واللَيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَهارِ إذا تَجَلّى﴾ ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وَما يُغْنِي عنهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾
أقْسَمَ اللهُ بِاللَيْلِ إذا غَشى الأرْضَ وجَمِيعَ ما فِيها، وبِالنَهارِ إذا تَجَلّى أيْ ظَهَرَ وضَوى الآفاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَجَلّى السُرى مِن وجْهِهِ عن صَبِيحَةٍ عَلى السَيْرِ مِشْراقٌ كَرِيمٌ شُجُونُها
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" كَما قالَتِ العَرَبُ: "سُبْحانَ ما سَبَّحَ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: يَقُولُونَ لِلرَّعْدِ: (p-٦٣٣)"سُبْحانَ ما سَبَّحْتَ لَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، وهو مَذْهَبُ الزَجّاجِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الصَحابَةِ: "وَما خَلَقَ الذَكَرَ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وسَمِعَها مِنَ النَبِيِّ ﷺ- وعَلْقَمَةُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "والذَكَرِ والأُنْثى"، وسَقَطَ عِنْدَهم "وَما خَلَقَ"، وذَكَرَ ثَعْلَبٌ أنَّ مِنَ السَلَفِ مَن قَرَأ "وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى" بِخَفْضِ "الذَكَرِ" عَلى البَدَلِ مِن "ما" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وما خَلَقَ اللهُ وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمَن ذَكَرَ" تَشْهَدُ لِهَذِهِ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ هُنا بِالذَكَرَ والأُنْثى آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو عامٌّ.
و"السَعْيُ": العَمَلُ، فَأخْبَرَ تَعالى مُقْسِمًا أنَّ أعْمالَ العِبادِ شَتّى، أيْ مُفْتَرِقَةً جِدًّا، بَعْضُها في رِضى اللهِ تَعالى وبَعْضُها في سُخْطِهِ. ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الساعِينَ، فَذَكَرَ أنَّ مَن أعْطى -وَظاهِرُ ذَلِكَ إعْطاءُ المالِ، وهي أيْضًا تَتَناوَلُ إعْطاءَ الحَقِّ في كُلِّ شَيْءٍ، قَوْلٍ أو فِعْلٍ، وكَذَلِكَ البُخْلُ المَذْكُورُ بَعْدُ، يَكُونُ بِالإيمانِ وغَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي حَقُّ الشَرِيعَةِ أنْ لا يَبْخَلَ بِها.
ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُعْتِقُ ضَعْفَةَ العَبِيدِ الَّذِينَ أسْلَمُوا، وكانَ يُنْفِقُ في رِضى رَسُولِ اللهِ ﷺ مالَهُ، وكانَ الكَفّارُ بِضِدِّ (p-٦٣٤)ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ إنَّ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أوفى: هَذِهِ السُورَةُ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَرَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى أبِي سُفْيانَ وهو يُعَذِّبُ بِلالًا، فاشْتَراهُ مِنهُ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ أبِي الدَحْداحِ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ «أنَّ نَخْلَةً لِبَعْضِ المُنافِقِينَ كانَتْ مُطِلَّةً عَلى دارِ امْرَأةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَها أيْتامٌ، فَكانَ الثَمَرُ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ فَيَأْكُلُونَهُ فَمَنَعَهُمُ المُنافِقُ مِن ذَلِكَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِعْنِيها بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: لا أفْعَلُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا الدَحْداحِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ واشْتَرى مِنهُ النَخْلَةَ بِحائِطٍ لَهُ، وجاءَ إلى النَبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ أنا أشْتَرِي النَخْلَةَ في الجَنَّةِ بِهَذِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُرُّ عَلى الحائِطِ الَّذِي أعْطى أبُو الدَحْداحِ، وقَدْ تَعَلَّقَتْ أقْناؤُهُ ويَقُولُ: "وَكَمْ قِنْوٍ تَعَلَّقَ لِأبِي الدَحْداحِ في الجَنَّةِ،» وفي البُخارِيِّ أنَّ هَذا اللَفْظَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ في الأقْناءِ الَّتِي كانَ أبُو الدَحْداحِ يُعَلِّقُها في المَسْجِدِ صَدَقَةً، وهَذا كُلُّهُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: بَعْضُ السُورَةِ مَدَنِيٌّ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الحُسْنى" في هَذِهِ السُورَةِ- فَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ وغَيْرُهُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وجَماعَةٌ: هي الخَلَفُ الَّذِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ، وذَلِكَ نَصٌّ في حَدِيثِ المَلَكَيْنِ، إذْ يَقُولُ أحَدُهُما: «اللهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.» وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ: (p-٦٣٥)الحُسْنى: الجَنَّةُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الحُسْنى: الأجْرُ والثَوابُ مُجْمَلًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ مَعْناهُ: سَيَظْهَرُ تَيْسِيرُنا بِما يَتَدَرَّجُ فِيهِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، وخَتْمُ تَيْسِيرِهِ قَدْ كانَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أزَلًا، و"اليُسْرى": الحالُ الحَسَنَةُ المَرْضِيَّةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، و"العُسْرى" الحالُ السَيِّئَةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ ولا بُدَّ ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" في المالِ خاصَّةً جَعَلَ "اسْتَغْنى" في المالِ أيْضًا لِتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" عامًّا في جَمِيعِ ما يَنْبَغِي أنْ نَبْذُلَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ قالَ: "اسْتَغْنى" عَنِ اللهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ بِزَعْمِهِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مَوْضِعِ غَناءِ مالِهِ عنهُ وقْتَ تَرَدِّيهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإعْطاءَ والبُخْلَ المَذْكُورَيْنِ إنَّما هُما في المالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "تَرَدّى"- فَقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ: مَعْناهُ: تَرَدّى في جَهَنَّمَ، أيْ سَقَطَ مِن حافاتِها، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَرَدّى" مَعْناهُ: هَلَكَ مِنَ الرَدى، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: تَرَدّى بِأكْفانِهِ مِنَ الرِداءِ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ:
؎ وخُطّا بِأطْرافِ الأسِنَّةِ مَضْجَعِي ∗∗∗ ورُدّا عَلى عَيْنِي فَضْلُ رِدائِيا
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تُلْوى فِيهِما وحَنُوطُ
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَلَيْهِ هُدى الناسِ جَمِيعًا، أيْ تَعْرِيفُهم بِالسُبُلِ كُلِّها، ومَنحِهِمُ الإدْراكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ﴾ [النحل: ٩]، ثُمَّ كُلُّ أحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكَسَّبُ ما قُدِّرَ لَهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الهِدايَةُ بِالإرْشادِ إلى الإيمانِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ. ثُمَّ (p-٦٣٦)أخْبَرَ تَعالى أنَّ الآخِرَةَ والأُولى أيُّ الدارَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ إمّا مُخاطَبَةً مِنهُ سُبْحانَهُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "تَلَظّى" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِشَدِّ التاءِ وإدْغامِ الراءِ فِيها، وقَرَأها كَذَلِكَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا "تَتَلَظّى" بِتاءَيْنِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وطَلْحَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾، أيْ: لا يَصْلاها صُلِيَّ خُلُودٍ، ومِن هُنا ضَلَّتِ المُرْجِئَةُ لِأنَّها أخَذَتْ نَفْيَ الصُلِيِّ مُطْلَقًا في قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ. و"الأشْقى" هُنا-: الكافِرُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِي كَذَبَ"، والعَرَبُ تَجْعَلُ "أفْعَلُ" في مَوْضِعِ "فاعِلٍ" مُبالَغَةً، كَما قالَ طَرَفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوحَدِ
(p-٦٣٧)وَلَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ التَأْوِيلِ أنَّ المُرادَ بِـ "الأتْقى" إلى آخِرِ السُورَةِ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ في هَذِهِ الصِفاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "يَتَزَكّى" مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُ ويَتَنَمّى، وظاهِرُ هَذا الإتْيانِ أنَّهُ في المَندُوباتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ﴾ الآيَةُ...مَعْناهُ: ولَيْسَ إعْطاؤُهُ لِيَجْزِيَ نِعَمًا قَدْ أُنْزِلَتْ إلَيْهِ، بَلْ هو مُبْتَدِئٌ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ تَعالى.
ورُوِيَ في سَبَبِ هَذا أنَّ قُرَيْشًا قالُوا -لَمّا أعْتَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِلالًا - كانَتْ لِبِلالٍ يَدٌ عِنْدَهُ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى: ولَيْسَ يُعْطِي لِيُثابَ نِعَمًا يَجْزِي بِها يَوْمًا ويَنْتَظِرُ ثَوابَها، وحَوَّمَ في هَذا المَعْنى وحَلَّقَ بِتَطْوِيلٍ غَيْرِ مُغْنٍ، ويَتَّجِهُ المَعْنى الَّذِي أرادَ بِأيْسَرَ مِن قَوْلِهِ، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ إعْطاءٌ لِيَقَعَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ الأحَدِ جَزاءٌ بَعْدُ، هو لِمُجَرَّدِ ثَوابِ اللهِ تَعالى وجَزائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا ابْتِغاءَ" نُصِبَ بِالِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وفِيهِ نَظَرٌ، والِابْتِغاءُ: الطَلَبُ، ثُمَّ وعَدَهُ تَعالى بِالرِضا في الآخِرَةِ، وهَذِهِ عِدَةٌ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقَرَأ "يُرْضى" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وهَذِهِ الآيَةُ تُشْبِهُ الرِضا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] الآيَة.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [اللَيْلِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الليل 92:4
(p-٦٣٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ اللَيْلِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ وقِيلَ هي مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ فِيها مَدَّنِيٌّ وعَدَدُها عِشْرُونَ آيَةً بِإجْماعٍ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿واللَيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَهارِ إذا تَجَلّى﴾ ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وَما يُغْنِي عنهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾
أقْسَمَ اللهُ بِاللَيْلِ إذا غَشى الأرْضَ وجَمِيعَ ما فِيها، وبِالنَهارِ إذا تَجَلّى أيْ ظَهَرَ وضَوى الآفاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَجَلّى السُرى مِن وجْهِهِ عن صَبِيحَةٍ عَلى السَيْرِ مِشْراقٌ كَرِيمٌ شُجُونُها
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" كَما قالَتِ العَرَبُ: "سُبْحانَ ما سَبَّحَ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: يَقُولُونَ لِلرَّعْدِ: (p-٦٣٣)"سُبْحانَ ما سَبَّحْتَ لَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، وهو مَذْهَبُ الزَجّاجِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الصَحابَةِ: "وَما خَلَقَ الذَكَرَ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وسَمِعَها مِنَ النَبِيِّ ﷺ- وعَلْقَمَةُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "والذَكَرِ والأُنْثى"، وسَقَطَ عِنْدَهم "وَما خَلَقَ"، وذَكَرَ ثَعْلَبٌ أنَّ مِنَ السَلَفِ مَن قَرَأ "وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى" بِخَفْضِ "الذَكَرِ" عَلى البَدَلِ مِن "ما" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وما خَلَقَ اللهُ وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمَن ذَكَرَ" تَشْهَدُ لِهَذِهِ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ هُنا بِالذَكَرَ والأُنْثى آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو عامٌّ.
و"السَعْيُ": العَمَلُ، فَأخْبَرَ تَعالى مُقْسِمًا أنَّ أعْمالَ العِبادِ شَتّى، أيْ مُفْتَرِقَةً جِدًّا، بَعْضُها في رِضى اللهِ تَعالى وبَعْضُها في سُخْطِهِ. ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الساعِينَ، فَذَكَرَ أنَّ مَن أعْطى -وَظاهِرُ ذَلِكَ إعْطاءُ المالِ، وهي أيْضًا تَتَناوَلُ إعْطاءَ الحَقِّ في كُلِّ شَيْءٍ، قَوْلٍ أو فِعْلٍ، وكَذَلِكَ البُخْلُ المَذْكُورُ بَعْدُ، يَكُونُ بِالإيمانِ وغَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي حَقُّ الشَرِيعَةِ أنْ لا يَبْخَلَ بِها.
ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُعْتِقُ ضَعْفَةَ العَبِيدِ الَّذِينَ أسْلَمُوا، وكانَ يُنْفِقُ في رِضى رَسُولِ اللهِ ﷺ مالَهُ، وكانَ الكَفّارُ بِضِدِّ (p-٦٣٤)ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ إنَّ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أوفى: هَذِهِ السُورَةُ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَرَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى أبِي سُفْيانَ وهو يُعَذِّبُ بِلالًا، فاشْتَراهُ مِنهُ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ أبِي الدَحْداحِ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ «أنَّ نَخْلَةً لِبَعْضِ المُنافِقِينَ كانَتْ مُطِلَّةً عَلى دارِ امْرَأةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَها أيْتامٌ، فَكانَ الثَمَرُ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ فَيَأْكُلُونَهُ فَمَنَعَهُمُ المُنافِقُ مِن ذَلِكَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِعْنِيها بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: لا أفْعَلُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا الدَحْداحِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ واشْتَرى مِنهُ النَخْلَةَ بِحائِطٍ لَهُ، وجاءَ إلى النَبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ أنا أشْتَرِي النَخْلَةَ في الجَنَّةِ بِهَذِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُرُّ عَلى الحائِطِ الَّذِي أعْطى أبُو الدَحْداحِ، وقَدْ تَعَلَّقَتْ أقْناؤُهُ ويَقُولُ: "وَكَمْ قِنْوٍ تَعَلَّقَ لِأبِي الدَحْداحِ في الجَنَّةِ،» وفي البُخارِيِّ أنَّ هَذا اللَفْظَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ في الأقْناءِ الَّتِي كانَ أبُو الدَحْداحِ يُعَلِّقُها في المَسْجِدِ صَدَقَةً، وهَذا كُلُّهُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: بَعْضُ السُورَةِ مَدَنِيٌّ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الحُسْنى" في هَذِهِ السُورَةِ- فَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ وغَيْرُهُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وجَماعَةٌ: هي الخَلَفُ الَّذِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ، وذَلِكَ نَصٌّ في حَدِيثِ المَلَكَيْنِ، إذْ يَقُولُ أحَدُهُما: «اللهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.» وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ: (p-٦٣٥)الحُسْنى: الجَنَّةُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الحُسْنى: الأجْرُ والثَوابُ مُجْمَلًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ مَعْناهُ: سَيَظْهَرُ تَيْسِيرُنا بِما يَتَدَرَّجُ فِيهِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، وخَتْمُ تَيْسِيرِهِ قَدْ كانَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أزَلًا، و"اليُسْرى": الحالُ الحَسَنَةُ المَرْضِيَّةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، و"العُسْرى" الحالُ السَيِّئَةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ ولا بُدَّ ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" في المالِ خاصَّةً جَعَلَ "اسْتَغْنى" في المالِ أيْضًا لِتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" عامًّا في جَمِيعِ ما يَنْبَغِي أنْ نَبْذُلَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ قالَ: "اسْتَغْنى" عَنِ اللهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ بِزَعْمِهِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مَوْضِعِ غَناءِ مالِهِ عنهُ وقْتَ تَرَدِّيهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإعْطاءَ والبُخْلَ المَذْكُورَيْنِ إنَّما هُما في المالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "تَرَدّى"- فَقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ: مَعْناهُ: تَرَدّى في جَهَنَّمَ، أيْ سَقَطَ مِن حافاتِها، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَرَدّى" مَعْناهُ: هَلَكَ مِنَ الرَدى، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: تَرَدّى بِأكْفانِهِ مِنَ الرِداءِ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ:
؎ وخُطّا بِأطْرافِ الأسِنَّةِ مَضْجَعِي ∗∗∗ ورُدّا عَلى عَيْنِي فَضْلُ رِدائِيا
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تُلْوى فِيهِما وحَنُوطُ
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَلَيْهِ هُدى الناسِ جَمِيعًا، أيْ تَعْرِيفُهم بِالسُبُلِ كُلِّها، ومَنحِهِمُ الإدْراكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ﴾ [النحل: ٩]، ثُمَّ كُلُّ أحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكَسَّبُ ما قُدِّرَ لَهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الهِدايَةُ بِالإرْشادِ إلى الإيمانِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ. ثُمَّ (p-٦٣٦)أخْبَرَ تَعالى أنَّ الآخِرَةَ والأُولى أيُّ الدارَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ إمّا مُخاطَبَةً مِنهُ سُبْحانَهُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "تَلَظّى" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِشَدِّ التاءِ وإدْغامِ الراءِ فِيها، وقَرَأها كَذَلِكَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا "تَتَلَظّى" بِتاءَيْنِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وطَلْحَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾، أيْ: لا يَصْلاها صُلِيَّ خُلُودٍ، ومِن هُنا ضَلَّتِ المُرْجِئَةُ لِأنَّها أخَذَتْ نَفْيَ الصُلِيِّ مُطْلَقًا في قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ. و"الأشْقى" هُنا-: الكافِرُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِي كَذَبَ"، والعَرَبُ تَجْعَلُ "أفْعَلُ" في مَوْضِعِ "فاعِلٍ" مُبالَغَةً، كَما قالَ طَرَفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوحَدِ
(p-٦٣٧)وَلَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ التَأْوِيلِ أنَّ المُرادَ بِـ "الأتْقى" إلى آخِرِ السُورَةِ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ في هَذِهِ الصِفاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "يَتَزَكّى" مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُ ويَتَنَمّى، وظاهِرُ هَذا الإتْيانِ أنَّهُ في المَندُوباتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ﴾ الآيَةُ...مَعْناهُ: ولَيْسَ إعْطاؤُهُ لِيَجْزِيَ نِعَمًا قَدْ أُنْزِلَتْ إلَيْهِ، بَلْ هو مُبْتَدِئٌ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ تَعالى.
ورُوِيَ في سَبَبِ هَذا أنَّ قُرَيْشًا قالُوا -لَمّا أعْتَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِلالًا - كانَتْ لِبِلالٍ يَدٌ عِنْدَهُ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى: ولَيْسَ يُعْطِي لِيُثابَ نِعَمًا يَجْزِي بِها يَوْمًا ويَنْتَظِرُ ثَوابَها، وحَوَّمَ في هَذا المَعْنى وحَلَّقَ بِتَطْوِيلٍ غَيْرِ مُغْنٍ، ويَتَّجِهُ المَعْنى الَّذِي أرادَ بِأيْسَرَ مِن قَوْلِهِ، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ إعْطاءٌ لِيَقَعَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ الأحَدِ جَزاءٌ بَعْدُ، هو لِمُجَرَّدِ ثَوابِ اللهِ تَعالى وجَزائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا ابْتِغاءَ" نُصِبَ بِالِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وفِيهِ نَظَرٌ، والِابْتِغاءُ: الطَلَبُ، ثُمَّ وعَدَهُ تَعالى بِالرِضا في الآخِرَةِ، وهَذِهِ عِدَةٌ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقَرَأ "يُرْضى" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وهَذِهِ الآيَةُ تُشْبِهُ الرِضا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] الآيَة.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [اللَيْلِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الليل 92:5
(p-٦٣٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ اللَيْلِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ وقِيلَ هي مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ فِيها مَدَّنِيٌّ وعَدَدُها عِشْرُونَ آيَةً بِإجْماعٍ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿واللَيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَهارِ إذا تَجَلّى﴾ ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وَما يُغْنِي عنهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾
أقْسَمَ اللهُ بِاللَيْلِ إذا غَشى الأرْضَ وجَمِيعَ ما فِيها، وبِالنَهارِ إذا تَجَلّى أيْ ظَهَرَ وضَوى الآفاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَجَلّى السُرى مِن وجْهِهِ عن صَبِيحَةٍ عَلى السَيْرِ مِشْراقٌ كَرِيمٌ شُجُونُها
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" كَما قالَتِ العَرَبُ: "سُبْحانَ ما سَبَّحَ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: يَقُولُونَ لِلرَّعْدِ: (p-٦٣٣)"سُبْحانَ ما سَبَّحْتَ لَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، وهو مَذْهَبُ الزَجّاجِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الصَحابَةِ: "وَما خَلَقَ الذَكَرَ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وسَمِعَها مِنَ النَبِيِّ ﷺ- وعَلْقَمَةُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "والذَكَرِ والأُنْثى"، وسَقَطَ عِنْدَهم "وَما خَلَقَ"، وذَكَرَ ثَعْلَبٌ أنَّ مِنَ السَلَفِ مَن قَرَأ "وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى" بِخَفْضِ "الذَكَرِ" عَلى البَدَلِ مِن "ما" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وما خَلَقَ اللهُ وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمَن ذَكَرَ" تَشْهَدُ لِهَذِهِ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ هُنا بِالذَكَرَ والأُنْثى آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو عامٌّ.
و"السَعْيُ": العَمَلُ، فَأخْبَرَ تَعالى مُقْسِمًا أنَّ أعْمالَ العِبادِ شَتّى، أيْ مُفْتَرِقَةً جِدًّا، بَعْضُها في رِضى اللهِ تَعالى وبَعْضُها في سُخْطِهِ. ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الساعِينَ، فَذَكَرَ أنَّ مَن أعْطى -وَظاهِرُ ذَلِكَ إعْطاءُ المالِ، وهي أيْضًا تَتَناوَلُ إعْطاءَ الحَقِّ في كُلِّ شَيْءٍ، قَوْلٍ أو فِعْلٍ، وكَذَلِكَ البُخْلُ المَذْكُورُ بَعْدُ، يَكُونُ بِالإيمانِ وغَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي حَقُّ الشَرِيعَةِ أنْ لا يَبْخَلَ بِها.
ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُعْتِقُ ضَعْفَةَ العَبِيدِ الَّذِينَ أسْلَمُوا، وكانَ يُنْفِقُ في رِضى رَسُولِ اللهِ ﷺ مالَهُ، وكانَ الكَفّارُ بِضِدِّ (p-٦٣٤)ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ إنَّ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أوفى: هَذِهِ السُورَةُ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَرَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى أبِي سُفْيانَ وهو يُعَذِّبُ بِلالًا، فاشْتَراهُ مِنهُ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ أبِي الدَحْداحِ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ «أنَّ نَخْلَةً لِبَعْضِ المُنافِقِينَ كانَتْ مُطِلَّةً عَلى دارِ امْرَأةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَها أيْتامٌ، فَكانَ الثَمَرُ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ فَيَأْكُلُونَهُ فَمَنَعَهُمُ المُنافِقُ مِن ذَلِكَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِعْنِيها بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: لا أفْعَلُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا الدَحْداحِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ واشْتَرى مِنهُ النَخْلَةَ بِحائِطٍ لَهُ، وجاءَ إلى النَبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ أنا أشْتَرِي النَخْلَةَ في الجَنَّةِ بِهَذِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُرُّ عَلى الحائِطِ الَّذِي أعْطى أبُو الدَحْداحِ، وقَدْ تَعَلَّقَتْ أقْناؤُهُ ويَقُولُ: "وَكَمْ قِنْوٍ تَعَلَّقَ لِأبِي الدَحْداحِ في الجَنَّةِ،» وفي البُخارِيِّ أنَّ هَذا اللَفْظَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ في الأقْناءِ الَّتِي كانَ أبُو الدَحْداحِ يُعَلِّقُها في المَسْجِدِ صَدَقَةً، وهَذا كُلُّهُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: بَعْضُ السُورَةِ مَدَنِيٌّ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الحُسْنى" في هَذِهِ السُورَةِ- فَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ وغَيْرُهُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وجَماعَةٌ: هي الخَلَفُ الَّذِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ، وذَلِكَ نَصٌّ في حَدِيثِ المَلَكَيْنِ، إذْ يَقُولُ أحَدُهُما: «اللهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.» وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ: (p-٦٣٥)الحُسْنى: الجَنَّةُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الحُسْنى: الأجْرُ والثَوابُ مُجْمَلًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ مَعْناهُ: سَيَظْهَرُ تَيْسِيرُنا بِما يَتَدَرَّجُ فِيهِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، وخَتْمُ تَيْسِيرِهِ قَدْ كانَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أزَلًا، و"اليُسْرى": الحالُ الحَسَنَةُ المَرْضِيَّةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، و"العُسْرى" الحالُ السَيِّئَةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ ولا بُدَّ ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" في المالِ خاصَّةً جَعَلَ "اسْتَغْنى" في المالِ أيْضًا لِتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" عامًّا في جَمِيعِ ما يَنْبَغِي أنْ نَبْذُلَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ قالَ: "اسْتَغْنى" عَنِ اللهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ بِزَعْمِهِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مَوْضِعِ غَناءِ مالِهِ عنهُ وقْتَ تَرَدِّيهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإعْطاءَ والبُخْلَ المَذْكُورَيْنِ إنَّما هُما في المالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "تَرَدّى"- فَقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ: مَعْناهُ: تَرَدّى في جَهَنَّمَ، أيْ سَقَطَ مِن حافاتِها، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَرَدّى" مَعْناهُ: هَلَكَ مِنَ الرَدى، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: تَرَدّى بِأكْفانِهِ مِنَ الرِداءِ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ:
؎ وخُطّا بِأطْرافِ الأسِنَّةِ مَضْجَعِي ∗∗∗ ورُدّا عَلى عَيْنِي فَضْلُ رِدائِيا
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تُلْوى فِيهِما وحَنُوطُ
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَلَيْهِ هُدى الناسِ جَمِيعًا، أيْ تَعْرِيفُهم بِالسُبُلِ كُلِّها، ومَنحِهِمُ الإدْراكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ﴾ [النحل: ٩]، ثُمَّ كُلُّ أحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكَسَّبُ ما قُدِّرَ لَهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الهِدايَةُ بِالإرْشادِ إلى الإيمانِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ. ثُمَّ (p-٦٣٦)أخْبَرَ تَعالى أنَّ الآخِرَةَ والأُولى أيُّ الدارَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ إمّا مُخاطَبَةً مِنهُ سُبْحانَهُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "تَلَظّى" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِشَدِّ التاءِ وإدْغامِ الراءِ فِيها، وقَرَأها كَذَلِكَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا "تَتَلَظّى" بِتاءَيْنِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وطَلْحَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾، أيْ: لا يَصْلاها صُلِيَّ خُلُودٍ، ومِن هُنا ضَلَّتِ المُرْجِئَةُ لِأنَّها أخَذَتْ نَفْيَ الصُلِيِّ مُطْلَقًا في قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ. و"الأشْقى" هُنا-: الكافِرُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِي كَذَبَ"، والعَرَبُ تَجْعَلُ "أفْعَلُ" في مَوْضِعِ "فاعِلٍ" مُبالَغَةً، كَما قالَ طَرَفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوحَدِ
(p-٦٣٧)وَلَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ التَأْوِيلِ أنَّ المُرادَ بِـ "الأتْقى" إلى آخِرِ السُورَةِ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ في هَذِهِ الصِفاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "يَتَزَكّى" مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُ ويَتَنَمّى، وظاهِرُ هَذا الإتْيانِ أنَّهُ في المَندُوباتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ﴾ الآيَةُ...مَعْناهُ: ولَيْسَ إعْطاؤُهُ لِيَجْزِيَ نِعَمًا قَدْ أُنْزِلَتْ إلَيْهِ، بَلْ هو مُبْتَدِئٌ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ تَعالى.
ورُوِيَ في سَبَبِ هَذا أنَّ قُرَيْشًا قالُوا -لَمّا أعْتَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِلالًا - كانَتْ لِبِلالٍ يَدٌ عِنْدَهُ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى: ولَيْسَ يُعْطِي لِيُثابَ نِعَمًا يَجْزِي بِها يَوْمًا ويَنْتَظِرُ ثَوابَها، وحَوَّمَ في هَذا المَعْنى وحَلَّقَ بِتَطْوِيلٍ غَيْرِ مُغْنٍ، ويَتَّجِهُ المَعْنى الَّذِي أرادَ بِأيْسَرَ مِن قَوْلِهِ، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ إعْطاءٌ لِيَقَعَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ الأحَدِ جَزاءٌ بَعْدُ، هو لِمُجَرَّدِ ثَوابِ اللهِ تَعالى وجَزائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا ابْتِغاءَ" نُصِبَ بِالِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وفِيهِ نَظَرٌ، والِابْتِغاءُ: الطَلَبُ، ثُمَّ وعَدَهُ تَعالى بِالرِضا في الآخِرَةِ، وهَذِهِ عِدَةٌ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقَرَأ "يُرْضى" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وهَذِهِ الآيَةُ تُشْبِهُ الرِضا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] الآيَة.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [اللَيْلِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الليل 92:6
(p-٦٣٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ اللَيْلِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ وقِيلَ هي مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ فِيها مَدَّنِيٌّ وعَدَدُها عِشْرُونَ آيَةً بِإجْماعٍ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿واللَيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَهارِ إذا تَجَلّى﴾ ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وَما يُغْنِي عنهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾
أقْسَمَ اللهُ بِاللَيْلِ إذا غَشى الأرْضَ وجَمِيعَ ما فِيها، وبِالنَهارِ إذا تَجَلّى أيْ ظَهَرَ وضَوى الآفاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَجَلّى السُرى مِن وجْهِهِ عن صَبِيحَةٍ عَلى السَيْرِ مِشْراقٌ كَرِيمٌ شُجُونُها
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" كَما قالَتِ العَرَبُ: "سُبْحانَ ما سَبَّحَ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: يَقُولُونَ لِلرَّعْدِ: (p-٦٣٣)"سُبْحانَ ما سَبَّحْتَ لَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، وهو مَذْهَبُ الزَجّاجِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الصَحابَةِ: "وَما خَلَقَ الذَكَرَ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وسَمِعَها مِنَ النَبِيِّ ﷺ- وعَلْقَمَةُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "والذَكَرِ والأُنْثى"، وسَقَطَ عِنْدَهم "وَما خَلَقَ"، وذَكَرَ ثَعْلَبٌ أنَّ مِنَ السَلَفِ مَن قَرَأ "وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى" بِخَفْضِ "الذَكَرِ" عَلى البَدَلِ مِن "ما" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وما خَلَقَ اللهُ وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمَن ذَكَرَ" تَشْهَدُ لِهَذِهِ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ هُنا بِالذَكَرَ والأُنْثى آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو عامٌّ.
و"السَعْيُ": العَمَلُ، فَأخْبَرَ تَعالى مُقْسِمًا أنَّ أعْمالَ العِبادِ شَتّى، أيْ مُفْتَرِقَةً جِدًّا، بَعْضُها في رِضى اللهِ تَعالى وبَعْضُها في سُخْطِهِ. ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الساعِينَ، فَذَكَرَ أنَّ مَن أعْطى -وَظاهِرُ ذَلِكَ إعْطاءُ المالِ، وهي أيْضًا تَتَناوَلُ إعْطاءَ الحَقِّ في كُلِّ شَيْءٍ، قَوْلٍ أو فِعْلٍ، وكَذَلِكَ البُخْلُ المَذْكُورُ بَعْدُ، يَكُونُ بِالإيمانِ وغَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي حَقُّ الشَرِيعَةِ أنْ لا يَبْخَلَ بِها.
ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُعْتِقُ ضَعْفَةَ العَبِيدِ الَّذِينَ أسْلَمُوا، وكانَ يُنْفِقُ في رِضى رَسُولِ اللهِ ﷺ مالَهُ، وكانَ الكَفّارُ بِضِدِّ (p-٦٣٤)ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ إنَّ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أوفى: هَذِهِ السُورَةُ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَرَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى أبِي سُفْيانَ وهو يُعَذِّبُ بِلالًا، فاشْتَراهُ مِنهُ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ أبِي الدَحْداحِ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ «أنَّ نَخْلَةً لِبَعْضِ المُنافِقِينَ كانَتْ مُطِلَّةً عَلى دارِ امْرَأةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَها أيْتامٌ، فَكانَ الثَمَرُ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ فَيَأْكُلُونَهُ فَمَنَعَهُمُ المُنافِقُ مِن ذَلِكَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِعْنِيها بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: لا أفْعَلُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا الدَحْداحِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ واشْتَرى مِنهُ النَخْلَةَ بِحائِطٍ لَهُ، وجاءَ إلى النَبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ أنا أشْتَرِي النَخْلَةَ في الجَنَّةِ بِهَذِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُرُّ عَلى الحائِطِ الَّذِي أعْطى أبُو الدَحْداحِ، وقَدْ تَعَلَّقَتْ أقْناؤُهُ ويَقُولُ: "وَكَمْ قِنْوٍ تَعَلَّقَ لِأبِي الدَحْداحِ في الجَنَّةِ،» وفي البُخارِيِّ أنَّ هَذا اللَفْظَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ في الأقْناءِ الَّتِي كانَ أبُو الدَحْداحِ يُعَلِّقُها في المَسْجِدِ صَدَقَةً، وهَذا كُلُّهُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: بَعْضُ السُورَةِ مَدَنِيٌّ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الحُسْنى" في هَذِهِ السُورَةِ- فَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ وغَيْرُهُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وجَماعَةٌ: هي الخَلَفُ الَّذِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ، وذَلِكَ نَصٌّ في حَدِيثِ المَلَكَيْنِ، إذْ يَقُولُ أحَدُهُما: «اللهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.» وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ: (p-٦٣٥)الحُسْنى: الجَنَّةُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الحُسْنى: الأجْرُ والثَوابُ مُجْمَلًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ مَعْناهُ: سَيَظْهَرُ تَيْسِيرُنا بِما يَتَدَرَّجُ فِيهِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، وخَتْمُ تَيْسِيرِهِ قَدْ كانَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أزَلًا، و"اليُسْرى": الحالُ الحَسَنَةُ المَرْضِيَّةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، و"العُسْرى" الحالُ السَيِّئَةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ ولا بُدَّ ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" في المالِ خاصَّةً جَعَلَ "اسْتَغْنى" في المالِ أيْضًا لِتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" عامًّا في جَمِيعِ ما يَنْبَغِي أنْ نَبْذُلَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ قالَ: "اسْتَغْنى" عَنِ اللهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ بِزَعْمِهِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مَوْضِعِ غَناءِ مالِهِ عنهُ وقْتَ تَرَدِّيهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإعْطاءَ والبُخْلَ المَذْكُورَيْنِ إنَّما هُما في المالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "تَرَدّى"- فَقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ: مَعْناهُ: تَرَدّى في جَهَنَّمَ، أيْ سَقَطَ مِن حافاتِها، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَرَدّى" مَعْناهُ: هَلَكَ مِنَ الرَدى، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: تَرَدّى بِأكْفانِهِ مِنَ الرِداءِ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ:
؎ وخُطّا بِأطْرافِ الأسِنَّةِ مَضْجَعِي ∗∗∗ ورُدّا عَلى عَيْنِي فَضْلُ رِدائِيا
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تُلْوى فِيهِما وحَنُوطُ
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَلَيْهِ هُدى الناسِ جَمِيعًا، أيْ تَعْرِيفُهم بِالسُبُلِ كُلِّها، ومَنحِهِمُ الإدْراكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ﴾ [النحل: ٩]، ثُمَّ كُلُّ أحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكَسَّبُ ما قُدِّرَ لَهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الهِدايَةُ بِالإرْشادِ إلى الإيمانِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ. ثُمَّ (p-٦٣٦)أخْبَرَ تَعالى أنَّ الآخِرَةَ والأُولى أيُّ الدارَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ إمّا مُخاطَبَةً مِنهُ سُبْحانَهُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "تَلَظّى" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِشَدِّ التاءِ وإدْغامِ الراءِ فِيها، وقَرَأها كَذَلِكَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا "تَتَلَظّى" بِتاءَيْنِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وطَلْحَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾، أيْ: لا يَصْلاها صُلِيَّ خُلُودٍ، ومِن هُنا ضَلَّتِ المُرْجِئَةُ لِأنَّها أخَذَتْ نَفْيَ الصُلِيِّ مُطْلَقًا في قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ. و"الأشْقى" هُنا-: الكافِرُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِي كَذَبَ"، والعَرَبُ تَجْعَلُ "أفْعَلُ" في مَوْضِعِ "فاعِلٍ" مُبالَغَةً، كَما قالَ طَرَفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوحَدِ
(p-٦٣٧)وَلَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ التَأْوِيلِ أنَّ المُرادَ بِـ "الأتْقى" إلى آخِرِ السُورَةِ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ في هَذِهِ الصِفاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "يَتَزَكّى" مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُ ويَتَنَمّى، وظاهِرُ هَذا الإتْيانِ أنَّهُ في المَندُوباتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ﴾ الآيَةُ...مَعْناهُ: ولَيْسَ إعْطاؤُهُ لِيَجْزِيَ نِعَمًا قَدْ أُنْزِلَتْ إلَيْهِ، بَلْ هو مُبْتَدِئٌ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ تَعالى.
ورُوِيَ في سَبَبِ هَذا أنَّ قُرَيْشًا قالُوا -لَمّا أعْتَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِلالًا - كانَتْ لِبِلالٍ يَدٌ عِنْدَهُ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى: ولَيْسَ يُعْطِي لِيُثابَ نِعَمًا يَجْزِي بِها يَوْمًا ويَنْتَظِرُ ثَوابَها، وحَوَّمَ في هَذا المَعْنى وحَلَّقَ بِتَطْوِيلٍ غَيْرِ مُغْنٍ، ويَتَّجِهُ المَعْنى الَّذِي أرادَ بِأيْسَرَ مِن قَوْلِهِ، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ إعْطاءٌ لِيَقَعَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ الأحَدِ جَزاءٌ بَعْدُ، هو لِمُجَرَّدِ ثَوابِ اللهِ تَعالى وجَزائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا ابْتِغاءَ" نُصِبَ بِالِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وفِيهِ نَظَرٌ، والِابْتِغاءُ: الطَلَبُ، ثُمَّ وعَدَهُ تَعالى بِالرِضا في الآخِرَةِ، وهَذِهِ عِدَةٌ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقَرَأ "يُرْضى" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وهَذِهِ الآيَةُ تُشْبِهُ الرِضا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] الآيَة.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [اللَيْلِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الليل 92:7
(p-٦٣٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ اللَيْلِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ وقِيلَ هي مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ فِيها مَدَّنِيٌّ وعَدَدُها عِشْرُونَ آيَةً بِإجْماعٍ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿واللَيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَهارِ إذا تَجَلّى﴾ ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وَما يُغْنِي عنهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾
أقْسَمَ اللهُ بِاللَيْلِ إذا غَشى الأرْضَ وجَمِيعَ ما فِيها، وبِالنَهارِ إذا تَجَلّى أيْ ظَهَرَ وضَوى الآفاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَجَلّى السُرى مِن وجْهِهِ عن صَبِيحَةٍ عَلى السَيْرِ مِشْراقٌ كَرِيمٌ شُجُونُها
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" كَما قالَتِ العَرَبُ: "سُبْحانَ ما سَبَّحَ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: يَقُولُونَ لِلرَّعْدِ: (p-٦٣٣)"سُبْحانَ ما سَبَّحْتَ لَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، وهو مَذْهَبُ الزَجّاجِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الصَحابَةِ: "وَما خَلَقَ الذَكَرَ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وسَمِعَها مِنَ النَبِيِّ ﷺ- وعَلْقَمَةُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "والذَكَرِ والأُنْثى"، وسَقَطَ عِنْدَهم "وَما خَلَقَ"، وذَكَرَ ثَعْلَبٌ أنَّ مِنَ السَلَفِ مَن قَرَأ "وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى" بِخَفْضِ "الذَكَرِ" عَلى البَدَلِ مِن "ما" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وما خَلَقَ اللهُ وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمَن ذَكَرَ" تَشْهَدُ لِهَذِهِ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ هُنا بِالذَكَرَ والأُنْثى آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو عامٌّ.
و"السَعْيُ": العَمَلُ، فَأخْبَرَ تَعالى مُقْسِمًا أنَّ أعْمالَ العِبادِ شَتّى، أيْ مُفْتَرِقَةً جِدًّا، بَعْضُها في رِضى اللهِ تَعالى وبَعْضُها في سُخْطِهِ. ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الساعِينَ، فَذَكَرَ أنَّ مَن أعْطى -وَظاهِرُ ذَلِكَ إعْطاءُ المالِ، وهي أيْضًا تَتَناوَلُ إعْطاءَ الحَقِّ في كُلِّ شَيْءٍ، قَوْلٍ أو فِعْلٍ، وكَذَلِكَ البُخْلُ المَذْكُورُ بَعْدُ، يَكُونُ بِالإيمانِ وغَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي حَقُّ الشَرِيعَةِ أنْ لا يَبْخَلَ بِها.
ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُعْتِقُ ضَعْفَةَ العَبِيدِ الَّذِينَ أسْلَمُوا، وكانَ يُنْفِقُ في رِضى رَسُولِ اللهِ ﷺ مالَهُ، وكانَ الكَفّارُ بِضِدِّ (p-٦٣٤)ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ إنَّ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أوفى: هَذِهِ السُورَةُ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَرَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى أبِي سُفْيانَ وهو يُعَذِّبُ بِلالًا، فاشْتَراهُ مِنهُ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ أبِي الدَحْداحِ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ «أنَّ نَخْلَةً لِبَعْضِ المُنافِقِينَ كانَتْ مُطِلَّةً عَلى دارِ امْرَأةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَها أيْتامٌ، فَكانَ الثَمَرُ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ فَيَأْكُلُونَهُ فَمَنَعَهُمُ المُنافِقُ مِن ذَلِكَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِعْنِيها بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: لا أفْعَلُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا الدَحْداحِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ واشْتَرى مِنهُ النَخْلَةَ بِحائِطٍ لَهُ، وجاءَ إلى النَبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ أنا أشْتَرِي النَخْلَةَ في الجَنَّةِ بِهَذِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُرُّ عَلى الحائِطِ الَّذِي أعْطى أبُو الدَحْداحِ، وقَدْ تَعَلَّقَتْ أقْناؤُهُ ويَقُولُ: "وَكَمْ قِنْوٍ تَعَلَّقَ لِأبِي الدَحْداحِ في الجَنَّةِ،» وفي البُخارِيِّ أنَّ هَذا اللَفْظَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ في الأقْناءِ الَّتِي كانَ أبُو الدَحْداحِ يُعَلِّقُها في المَسْجِدِ صَدَقَةً، وهَذا كُلُّهُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: بَعْضُ السُورَةِ مَدَنِيٌّ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الحُسْنى" في هَذِهِ السُورَةِ- فَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ وغَيْرُهُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وجَماعَةٌ: هي الخَلَفُ الَّذِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ، وذَلِكَ نَصٌّ في حَدِيثِ المَلَكَيْنِ، إذْ يَقُولُ أحَدُهُما: «اللهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.» وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ: (p-٦٣٥)الحُسْنى: الجَنَّةُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الحُسْنى: الأجْرُ والثَوابُ مُجْمَلًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ مَعْناهُ: سَيَظْهَرُ تَيْسِيرُنا بِما يَتَدَرَّجُ فِيهِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، وخَتْمُ تَيْسِيرِهِ قَدْ كانَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أزَلًا، و"اليُسْرى": الحالُ الحَسَنَةُ المَرْضِيَّةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، و"العُسْرى" الحالُ السَيِّئَةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ ولا بُدَّ ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" في المالِ خاصَّةً جَعَلَ "اسْتَغْنى" في المالِ أيْضًا لِتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" عامًّا في جَمِيعِ ما يَنْبَغِي أنْ نَبْذُلَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ قالَ: "اسْتَغْنى" عَنِ اللهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ بِزَعْمِهِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مَوْضِعِ غَناءِ مالِهِ عنهُ وقْتَ تَرَدِّيهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإعْطاءَ والبُخْلَ المَذْكُورَيْنِ إنَّما هُما في المالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "تَرَدّى"- فَقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ: مَعْناهُ: تَرَدّى في جَهَنَّمَ، أيْ سَقَطَ مِن حافاتِها، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَرَدّى" مَعْناهُ: هَلَكَ مِنَ الرَدى، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: تَرَدّى بِأكْفانِهِ مِنَ الرِداءِ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ:
؎ وخُطّا بِأطْرافِ الأسِنَّةِ مَضْجَعِي ∗∗∗ ورُدّا عَلى عَيْنِي فَضْلُ رِدائِيا
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تُلْوى فِيهِما وحَنُوطُ
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَلَيْهِ هُدى الناسِ جَمِيعًا، أيْ تَعْرِيفُهم بِالسُبُلِ كُلِّها، ومَنحِهِمُ الإدْراكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ﴾ [النحل: ٩]، ثُمَّ كُلُّ أحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكَسَّبُ ما قُدِّرَ لَهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الهِدايَةُ بِالإرْشادِ إلى الإيمانِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ. ثُمَّ (p-٦٣٦)أخْبَرَ تَعالى أنَّ الآخِرَةَ والأُولى أيُّ الدارَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ إمّا مُخاطَبَةً مِنهُ سُبْحانَهُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "تَلَظّى" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِشَدِّ التاءِ وإدْغامِ الراءِ فِيها، وقَرَأها كَذَلِكَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا "تَتَلَظّى" بِتاءَيْنِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وطَلْحَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾، أيْ: لا يَصْلاها صُلِيَّ خُلُودٍ، ومِن هُنا ضَلَّتِ المُرْجِئَةُ لِأنَّها أخَذَتْ نَفْيَ الصُلِيِّ مُطْلَقًا في قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ. و"الأشْقى" هُنا-: الكافِرُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِي كَذَبَ"، والعَرَبُ تَجْعَلُ "أفْعَلُ" في مَوْضِعِ "فاعِلٍ" مُبالَغَةً، كَما قالَ طَرَفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوحَدِ
(p-٦٣٧)وَلَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ التَأْوِيلِ أنَّ المُرادَ بِـ "الأتْقى" إلى آخِرِ السُورَةِ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ في هَذِهِ الصِفاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "يَتَزَكّى" مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُ ويَتَنَمّى، وظاهِرُ هَذا الإتْيانِ أنَّهُ في المَندُوباتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ﴾ الآيَةُ...مَعْناهُ: ولَيْسَ إعْطاؤُهُ لِيَجْزِيَ نِعَمًا قَدْ أُنْزِلَتْ إلَيْهِ، بَلْ هو مُبْتَدِئٌ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ تَعالى.
ورُوِيَ في سَبَبِ هَذا أنَّ قُرَيْشًا قالُوا -لَمّا أعْتَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِلالًا - كانَتْ لِبِلالٍ يَدٌ عِنْدَهُ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى: ولَيْسَ يُعْطِي لِيُثابَ نِعَمًا يَجْزِي بِها يَوْمًا ويَنْتَظِرُ ثَوابَها، وحَوَّمَ في هَذا المَعْنى وحَلَّقَ بِتَطْوِيلٍ غَيْرِ مُغْنٍ، ويَتَّجِهُ المَعْنى الَّذِي أرادَ بِأيْسَرَ مِن قَوْلِهِ، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ إعْطاءٌ لِيَقَعَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ الأحَدِ جَزاءٌ بَعْدُ، هو لِمُجَرَّدِ ثَوابِ اللهِ تَعالى وجَزائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا ابْتِغاءَ" نُصِبَ بِالِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وفِيهِ نَظَرٌ، والِابْتِغاءُ: الطَلَبُ، ثُمَّ وعَدَهُ تَعالى بِالرِضا في الآخِرَةِ، وهَذِهِ عِدَةٌ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقَرَأ "يُرْضى" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وهَذِهِ الآيَةُ تُشْبِهُ الرِضا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] الآيَة.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [اللَيْلِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الليل 92:8
(p-٦٣٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ اللَيْلِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ وقِيلَ هي مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ فِيها مَدَّنِيٌّ وعَدَدُها عِشْرُونَ آيَةً بِإجْماعٍ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿واللَيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَهارِ إذا تَجَلّى﴾ ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وَما يُغْنِي عنهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾
أقْسَمَ اللهُ بِاللَيْلِ إذا غَشى الأرْضَ وجَمِيعَ ما فِيها، وبِالنَهارِ إذا تَجَلّى أيْ ظَهَرَ وضَوى الآفاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَجَلّى السُرى مِن وجْهِهِ عن صَبِيحَةٍ عَلى السَيْرِ مِشْراقٌ كَرِيمٌ شُجُونُها
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" كَما قالَتِ العَرَبُ: "سُبْحانَ ما سَبَّحَ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: يَقُولُونَ لِلرَّعْدِ: (p-٦٣٣)"سُبْحانَ ما سَبَّحْتَ لَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، وهو مَذْهَبُ الزَجّاجِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الصَحابَةِ: "وَما خَلَقَ الذَكَرَ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وسَمِعَها مِنَ النَبِيِّ ﷺ- وعَلْقَمَةُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "والذَكَرِ والأُنْثى"، وسَقَطَ عِنْدَهم "وَما خَلَقَ"، وذَكَرَ ثَعْلَبٌ أنَّ مِنَ السَلَفِ مَن قَرَأ "وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى" بِخَفْضِ "الذَكَرِ" عَلى البَدَلِ مِن "ما" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وما خَلَقَ اللهُ وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمَن ذَكَرَ" تَشْهَدُ لِهَذِهِ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ هُنا بِالذَكَرَ والأُنْثى آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو عامٌّ.
و"السَعْيُ": العَمَلُ، فَأخْبَرَ تَعالى مُقْسِمًا أنَّ أعْمالَ العِبادِ شَتّى، أيْ مُفْتَرِقَةً جِدًّا، بَعْضُها في رِضى اللهِ تَعالى وبَعْضُها في سُخْطِهِ. ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الساعِينَ، فَذَكَرَ أنَّ مَن أعْطى -وَظاهِرُ ذَلِكَ إعْطاءُ المالِ، وهي أيْضًا تَتَناوَلُ إعْطاءَ الحَقِّ في كُلِّ شَيْءٍ، قَوْلٍ أو فِعْلٍ، وكَذَلِكَ البُخْلُ المَذْكُورُ بَعْدُ، يَكُونُ بِالإيمانِ وغَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي حَقُّ الشَرِيعَةِ أنْ لا يَبْخَلَ بِها.
ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُعْتِقُ ضَعْفَةَ العَبِيدِ الَّذِينَ أسْلَمُوا، وكانَ يُنْفِقُ في رِضى رَسُولِ اللهِ ﷺ مالَهُ، وكانَ الكَفّارُ بِضِدِّ (p-٦٣٤)ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ إنَّ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أوفى: هَذِهِ السُورَةُ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَرَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى أبِي سُفْيانَ وهو يُعَذِّبُ بِلالًا، فاشْتَراهُ مِنهُ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ أبِي الدَحْداحِ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ «أنَّ نَخْلَةً لِبَعْضِ المُنافِقِينَ كانَتْ مُطِلَّةً عَلى دارِ امْرَأةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَها أيْتامٌ، فَكانَ الثَمَرُ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ فَيَأْكُلُونَهُ فَمَنَعَهُمُ المُنافِقُ مِن ذَلِكَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِعْنِيها بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: لا أفْعَلُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا الدَحْداحِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ واشْتَرى مِنهُ النَخْلَةَ بِحائِطٍ لَهُ، وجاءَ إلى النَبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ أنا أشْتَرِي النَخْلَةَ في الجَنَّةِ بِهَذِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُرُّ عَلى الحائِطِ الَّذِي أعْطى أبُو الدَحْداحِ، وقَدْ تَعَلَّقَتْ أقْناؤُهُ ويَقُولُ: "وَكَمْ قِنْوٍ تَعَلَّقَ لِأبِي الدَحْداحِ في الجَنَّةِ،» وفي البُخارِيِّ أنَّ هَذا اللَفْظَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ في الأقْناءِ الَّتِي كانَ أبُو الدَحْداحِ يُعَلِّقُها في المَسْجِدِ صَدَقَةً، وهَذا كُلُّهُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: بَعْضُ السُورَةِ مَدَنِيٌّ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الحُسْنى" في هَذِهِ السُورَةِ- فَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ وغَيْرُهُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وجَماعَةٌ: هي الخَلَفُ الَّذِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ، وذَلِكَ نَصٌّ في حَدِيثِ المَلَكَيْنِ، إذْ يَقُولُ أحَدُهُما: «اللهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.» وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ: (p-٦٣٥)الحُسْنى: الجَنَّةُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الحُسْنى: الأجْرُ والثَوابُ مُجْمَلًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ مَعْناهُ: سَيَظْهَرُ تَيْسِيرُنا بِما يَتَدَرَّجُ فِيهِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، وخَتْمُ تَيْسِيرِهِ قَدْ كانَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أزَلًا، و"اليُسْرى": الحالُ الحَسَنَةُ المَرْضِيَّةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، و"العُسْرى" الحالُ السَيِّئَةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ ولا بُدَّ ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" في المالِ خاصَّةً جَعَلَ "اسْتَغْنى" في المالِ أيْضًا لِتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" عامًّا في جَمِيعِ ما يَنْبَغِي أنْ نَبْذُلَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ قالَ: "اسْتَغْنى" عَنِ اللهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ بِزَعْمِهِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مَوْضِعِ غَناءِ مالِهِ عنهُ وقْتَ تَرَدِّيهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإعْطاءَ والبُخْلَ المَذْكُورَيْنِ إنَّما هُما في المالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "تَرَدّى"- فَقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ: مَعْناهُ: تَرَدّى في جَهَنَّمَ، أيْ سَقَطَ مِن حافاتِها، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَرَدّى" مَعْناهُ: هَلَكَ مِنَ الرَدى، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: تَرَدّى بِأكْفانِهِ مِنَ الرِداءِ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ:
؎ وخُطّا بِأطْرافِ الأسِنَّةِ مَضْجَعِي ∗∗∗ ورُدّا عَلى عَيْنِي فَضْلُ رِدائِيا
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تُلْوى فِيهِما وحَنُوطُ
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَلَيْهِ هُدى الناسِ جَمِيعًا، أيْ تَعْرِيفُهم بِالسُبُلِ كُلِّها، ومَنحِهِمُ الإدْراكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ﴾ [النحل: ٩]، ثُمَّ كُلُّ أحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكَسَّبُ ما قُدِّرَ لَهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الهِدايَةُ بِالإرْشادِ إلى الإيمانِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ. ثُمَّ (p-٦٣٦)أخْبَرَ تَعالى أنَّ الآخِرَةَ والأُولى أيُّ الدارَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ إمّا مُخاطَبَةً مِنهُ سُبْحانَهُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "تَلَظّى" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِشَدِّ التاءِ وإدْغامِ الراءِ فِيها، وقَرَأها كَذَلِكَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا "تَتَلَظّى" بِتاءَيْنِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وطَلْحَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾، أيْ: لا يَصْلاها صُلِيَّ خُلُودٍ، ومِن هُنا ضَلَّتِ المُرْجِئَةُ لِأنَّها أخَذَتْ نَفْيَ الصُلِيِّ مُطْلَقًا في قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ. و"الأشْقى" هُنا-: الكافِرُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِي كَذَبَ"، والعَرَبُ تَجْعَلُ "أفْعَلُ" في مَوْضِعِ "فاعِلٍ" مُبالَغَةً، كَما قالَ طَرَفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوحَدِ
(p-٦٣٧)وَلَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ التَأْوِيلِ أنَّ المُرادَ بِـ "الأتْقى" إلى آخِرِ السُورَةِ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ في هَذِهِ الصِفاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "يَتَزَكّى" مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُ ويَتَنَمّى، وظاهِرُ هَذا الإتْيانِ أنَّهُ في المَندُوباتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ﴾ الآيَةُ...مَعْناهُ: ولَيْسَ إعْطاؤُهُ لِيَجْزِيَ نِعَمًا قَدْ أُنْزِلَتْ إلَيْهِ، بَلْ هو مُبْتَدِئٌ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ تَعالى.
ورُوِيَ في سَبَبِ هَذا أنَّ قُرَيْشًا قالُوا -لَمّا أعْتَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِلالًا - كانَتْ لِبِلالٍ يَدٌ عِنْدَهُ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى: ولَيْسَ يُعْطِي لِيُثابَ نِعَمًا يَجْزِي بِها يَوْمًا ويَنْتَظِرُ ثَوابَها، وحَوَّمَ في هَذا المَعْنى وحَلَّقَ بِتَطْوِيلٍ غَيْرِ مُغْنٍ، ويَتَّجِهُ المَعْنى الَّذِي أرادَ بِأيْسَرَ مِن قَوْلِهِ، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ إعْطاءٌ لِيَقَعَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ الأحَدِ جَزاءٌ بَعْدُ، هو لِمُجَرَّدِ ثَوابِ اللهِ تَعالى وجَزائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا ابْتِغاءَ" نُصِبَ بِالِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وفِيهِ نَظَرٌ، والِابْتِغاءُ: الطَلَبُ، ثُمَّ وعَدَهُ تَعالى بِالرِضا في الآخِرَةِ، وهَذِهِ عِدَةٌ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقَرَأ "يُرْضى" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وهَذِهِ الآيَةُ تُشْبِهُ الرِضا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] الآيَة.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [اللَيْلِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الليل 92:9
(p-٦٣٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ اللَيْلِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ وقِيلَ هي مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ فِيها مَدَّنِيٌّ وعَدَدُها عِشْرُونَ آيَةً بِإجْماعٍ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿واللَيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَهارِ إذا تَجَلّى﴾ ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وَما يُغْنِي عنهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾
أقْسَمَ اللهُ بِاللَيْلِ إذا غَشى الأرْضَ وجَمِيعَ ما فِيها، وبِالنَهارِ إذا تَجَلّى أيْ ظَهَرَ وضَوى الآفاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَجَلّى السُرى مِن وجْهِهِ عن صَبِيحَةٍ عَلى السَيْرِ مِشْراقٌ كَرِيمٌ شُجُونُها
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" كَما قالَتِ العَرَبُ: "سُبْحانَ ما سَبَّحَ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: يَقُولُونَ لِلرَّعْدِ: (p-٦٣٣)"سُبْحانَ ما سَبَّحْتَ لَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، وهو مَذْهَبُ الزَجّاجِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الصَحابَةِ: "وَما خَلَقَ الذَكَرَ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وسَمِعَها مِنَ النَبِيِّ ﷺ- وعَلْقَمَةُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "والذَكَرِ والأُنْثى"، وسَقَطَ عِنْدَهم "وَما خَلَقَ"، وذَكَرَ ثَعْلَبٌ أنَّ مِنَ السَلَفِ مَن قَرَأ "وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى" بِخَفْضِ "الذَكَرِ" عَلى البَدَلِ مِن "ما" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وما خَلَقَ اللهُ وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمَن ذَكَرَ" تَشْهَدُ لِهَذِهِ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ هُنا بِالذَكَرَ والأُنْثى آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو عامٌّ.
و"السَعْيُ": العَمَلُ، فَأخْبَرَ تَعالى مُقْسِمًا أنَّ أعْمالَ العِبادِ شَتّى، أيْ مُفْتَرِقَةً جِدًّا، بَعْضُها في رِضى اللهِ تَعالى وبَعْضُها في سُخْطِهِ. ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الساعِينَ، فَذَكَرَ أنَّ مَن أعْطى -وَظاهِرُ ذَلِكَ إعْطاءُ المالِ، وهي أيْضًا تَتَناوَلُ إعْطاءَ الحَقِّ في كُلِّ شَيْءٍ، قَوْلٍ أو فِعْلٍ، وكَذَلِكَ البُخْلُ المَذْكُورُ بَعْدُ، يَكُونُ بِالإيمانِ وغَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي حَقُّ الشَرِيعَةِ أنْ لا يَبْخَلَ بِها.
ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُعْتِقُ ضَعْفَةَ العَبِيدِ الَّذِينَ أسْلَمُوا، وكانَ يُنْفِقُ في رِضى رَسُولِ اللهِ ﷺ مالَهُ، وكانَ الكَفّارُ بِضِدِّ (p-٦٣٤)ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ إنَّ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أوفى: هَذِهِ السُورَةُ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَرَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى أبِي سُفْيانَ وهو يُعَذِّبُ بِلالًا، فاشْتَراهُ مِنهُ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ أبِي الدَحْداحِ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ «أنَّ نَخْلَةً لِبَعْضِ المُنافِقِينَ كانَتْ مُطِلَّةً عَلى دارِ امْرَأةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَها أيْتامٌ، فَكانَ الثَمَرُ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ فَيَأْكُلُونَهُ فَمَنَعَهُمُ المُنافِقُ مِن ذَلِكَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِعْنِيها بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: لا أفْعَلُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا الدَحْداحِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ واشْتَرى مِنهُ النَخْلَةَ بِحائِطٍ لَهُ، وجاءَ إلى النَبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ أنا أشْتَرِي النَخْلَةَ في الجَنَّةِ بِهَذِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُرُّ عَلى الحائِطِ الَّذِي أعْطى أبُو الدَحْداحِ، وقَدْ تَعَلَّقَتْ أقْناؤُهُ ويَقُولُ: "وَكَمْ قِنْوٍ تَعَلَّقَ لِأبِي الدَحْداحِ في الجَنَّةِ،» وفي البُخارِيِّ أنَّ هَذا اللَفْظَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ في الأقْناءِ الَّتِي كانَ أبُو الدَحْداحِ يُعَلِّقُها في المَسْجِدِ صَدَقَةً، وهَذا كُلُّهُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: بَعْضُ السُورَةِ مَدَنِيٌّ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الحُسْنى" في هَذِهِ السُورَةِ- فَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ وغَيْرُهُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وجَماعَةٌ: هي الخَلَفُ الَّذِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ، وذَلِكَ نَصٌّ في حَدِيثِ المَلَكَيْنِ، إذْ يَقُولُ أحَدُهُما: «اللهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.» وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ: (p-٦٣٥)الحُسْنى: الجَنَّةُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الحُسْنى: الأجْرُ والثَوابُ مُجْمَلًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ مَعْناهُ: سَيَظْهَرُ تَيْسِيرُنا بِما يَتَدَرَّجُ فِيهِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، وخَتْمُ تَيْسِيرِهِ قَدْ كانَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أزَلًا، و"اليُسْرى": الحالُ الحَسَنَةُ المَرْضِيَّةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، و"العُسْرى" الحالُ السَيِّئَةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ ولا بُدَّ ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" في المالِ خاصَّةً جَعَلَ "اسْتَغْنى" في المالِ أيْضًا لِتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" عامًّا في جَمِيعِ ما يَنْبَغِي أنْ نَبْذُلَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ قالَ: "اسْتَغْنى" عَنِ اللهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ بِزَعْمِهِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مَوْضِعِ غَناءِ مالِهِ عنهُ وقْتَ تَرَدِّيهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإعْطاءَ والبُخْلَ المَذْكُورَيْنِ إنَّما هُما في المالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "تَرَدّى"- فَقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ: مَعْناهُ: تَرَدّى في جَهَنَّمَ، أيْ سَقَطَ مِن حافاتِها، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَرَدّى" مَعْناهُ: هَلَكَ مِنَ الرَدى، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: تَرَدّى بِأكْفانِهِ مِنَ الرِداءِ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ:
؎ وخُطّا بِأطْرافِ الأسِنَّةِ مَضْجَعِي ∗∗∗ ورُدّا عَلى عَيْنِي فَضْلُ رِدائِيا
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تُلْوى فِيهِما وحَنُوطُ
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَلَيْهِ هُدى الناسِ جَمِيعًا، أيْ تَعْرِيفُهم بِالسُبُلِ كُلِّها، ومَنحِهِمُ الإدْراكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ﴾ [النحل: ٩]، ثُمَّ كُلُّ أحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكَسَّبُ ما قُدِّرَ لَهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الهِدايَةُ بِالإرْشادِ إلى الإيمانِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ. ثُمَّ (p-٦٣٦)أخْبَرَ تَعالى أنَّ الآخِرَةَ والأُولى أيُّ الدارَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ إمّا مُخاطَبَةً مِنهُ سُبْحانَهُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "تَلَظّى" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِشَدِّ التاءِ وإدْغامِ الراءِ فِيها، وقَرَأها كَذَلِكَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا "تَتَلَظّى" بِتاءَيْنِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وطَلْحَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾، أيْ: لا يَصْلاها صُلِيَّ خُلُودٍ، ومِن هُنا ضَلَّتِ المُرْجِئَةُ لِأنَّها أخَذَتْ نَفْيَ الصُلِيِّ مُطْلَقًا في قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ. و"الأشْقى" هُنا-: الكافِرُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِي كَذَبَ"، والعَرَبُ تَجْعَلُ "أفْعَلُ" في مَوْضِعِ "فاعِلٍ" مُبالَغَةً، كَما قالَ طَرَفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوحَدِ
(p-٦٣٧)وَلَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ التَأْوِيلِ أنَّ المُرادَ بِـ "الأتْقى" إلى آخِرِ السُورَةِ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ في هَذِهِ الصِفاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "يَتَزَكّى" مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُ ويَتَنَمّى، وظاهِرُ هَذا الإتْيانِ أنَّهُ في المَندُوباتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ﴾ الآيَةُ...مَعْناهُ: ولَيْسَ إعْطاؤُهُ لِيَجْزِيَ نِعَمًا قَدْ أُنْزِلَتْ إلَيْهِ، بَلْ هو مُبْتَدِئٌ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ تَعالى.
ورُوِيَ في سَبَبِ هَذا أنَّ قُرَيْشًا قالُوا -لَمّا أعْتَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِلالًا - كانَتْ لِبِلالٍ يَدٌ عِنْدَهُ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى: ولَيْسَ يُعْطِي لِيُثابَ نِعَمًا يَجْزِي بِها يَوْمًا ويَنْتَظِرُ ثَوابَها، وحَوَّمَ في هَذا المَعْنى وحَلَّقَ بِتَطْوِيلٍ غَيْرِ مُغْنٍ، ويَتَّجِهُ المَعْنى الَّذِي أرادَ بِأيْسَرَ مِن قَوْلِهِ، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ إعْطاءٌ لِيَقَعَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ الأحَدِ جَزاءٌ بَعْدُ، هو لِمُجَرَّدِ ثَوابِ اللهِ تَعالى وجَزائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا ابْتِغاءَ" نُصِبَ بِالِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وفِيهِ نَظَرٌ، والِابْتِغاءُ: الطَلَبُ، ثُمَّ وعَدَهُ تَعالى بِالرِضا في الآخِرَةِ، وهَذِهِ عِدَةٌ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقَرَأ "يُرْضى" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وهَذِهِ الآيَةُ تُشْبِهُ الرِضا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] الآيَة.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [اللَيْلِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الليل 92:10
(p-٦٣٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ اللَيْلِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ وقِيلَ هي مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ فِيها مَدَّنِيٌّ وعَدَدُها عِشْرُونَ آيَةً بِإجْماعٍ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿واللَيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَهارِ إذا تَجَلّى﴾ ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وَما يُغْنِي عنهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾
أقْسَمَ اللهُ بِاللَيْلِ إذا غَشى الأرْضَ وجَمِيعَ ما فِيها، وبِالنَهارِ إذا تَجَلّى أيْ ظَهَرَ وضَوى الآفاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَجَلّى السُرى مِن وجْهِهِ عن صَبِيحَةٍ عَلى السَيْرِ مِشْراقٌ كَرِيمٌ شُجُونُها
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" كَما قالَتِ العَرَبُ: "سُبْحانَ ما سَبَّحَ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: يَقُولُونَ لِلرَّعْدِ: (p-٦٣٣)"سُبْحانَ ما سَبَّحْتَ لَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، وهو مَذْهَبُ الزَجّاجِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الصَحابَةِ: "وَما خَلَقَ الذَكَرَ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وسَمِعَها مِنَ النَبِيِّ ﷺ- وعَلْقَمَةُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "والذَكَرِ والأُنْثى"، وسَقَطَ عِنْدَهم "وَما خَلَقَ"، وذَكَرَ ثَعْلَبٌ أنَّ مِنَ السَلَفِ مَن قَرَأ "وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى" بِخَفْضِ "الذَكَرِ" عَلى البَدَلِ مِن "ما" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وما خَلَقَ اللهُ وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمَن ذَكَرَ" تَشْهَدُ لِهَذِهِ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ هُنا بِالذَكَرَ والأُنْثى آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو عامٌّ.
و"السَعْيُ": العَمَلُ، فَأخْبَرَ تَعالى مُقْسِمًا أنَّ أعْمالَ العِبادِ شَتّى، أيْ مُفْتَرِقَةً جِدًّا، بَعْضُها في رِضى اللهِ تَعالى وبَعْضُها في سُخْطِهِ. ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الساعِينَ، فَذَكَرَ أنَّ مَن أعْطى -وَظاهِرُ ذَلِكَ إعْطاءُ المالِ، وهي أيْضًا تَتَناوَلُ إعْطاءَ الحَقِّ في كُلِّ شَيْءٍ، قَوْلٍ أو فِعْلٍ، وكَذَلِكَ البُخْلُ المَذْكُورُ بَعْدُ، يَكُونُ بِالإيمانِ وغَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي حَقُّ الشَرِيعَةِ أنْ لا يَبْخَلَ بِها.
ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُعْتِقُ ضَعْفَةَ العَبِيدِ الَّذِينَ أسْلَمُوا، وكانَ يُنْفِقُ في رِضى رَسُولِ اللهِ ﷺ مالَهُ، وكانَ الكَفّارُ بِضِدِّ (p-٦٣٤)ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ إنَّ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أوفى: هَذِهِ السُورَةُ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَرَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى أبِي سُفْيانَ وهو يُعَذِّبُ بِلالًا، فاشْتَراهُ مِنهُ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ أبِي الدَحْداحِ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ «أنَّ نَخْلَةً لِبَعْضِ المُنافِقِينَ كانَتْ مُطِلَّةً عَلى دارِ امْرَأةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَها أيْتامٌ، فَكانَ الثَمَرُ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ فَيَأْكُلُونَهُ فَمَنَعَهُمُ المُنافِقُ مِن ذَلِكَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِعْنِيها بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: لا أفْعَلُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا الدَحْداحِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ واشْتَرى مِنهُ النَخْلَةَ بِحائِطٍ لَهُ، وجاءَ إلى النَبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ أنا أشْتَرِي النَخْلَةَ في الجَنَّةِ بِهَذِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُرُّ عَلى الحائِطِ الَّذِي أعْطى أبُو الدَحْداحِ، وقَدْ تَعَلَّقَتْ أقْناؤُهُ ويَقُولُ: "وَكَمْ قِنْوٍ تَعَلَّقَ لِأبِي الدَحْداحِ في الجَنَّةِ،» وفي البُخارِيِّ أنَّ هَذا اللَفْظَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ في الأقْناءِ الَّتِي كانَ أبُو الدَحْداحِ يُعَلِّقُها في المَسْجِدِ صَدَقَةً، وهَذا كُلُّهُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: بَعْضُ السُورَةِ مَدَنِيٌّ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الحُسْنى" في هَذِهِ السُورَةِ- فَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ وغَيْرُهُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وجَماعَةٌ: هي الخَلَفُ الَّذِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ، وذَلِكَ نَصٌّ في حَدِيثِ المَلَكَيْنِ، إذْ يَقُولُ أحَدُهُما: «اللهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.» وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ: (p-٦٣٥)الحُسْنى: الجَنَّةُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الحُسْنى: الأجْرُ والثَوابُ مُجْمَلًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ مَعْناهُ: سَيَظْهَرُ تَيْسِيرُنا بِما يَتَدَرَّجُ فِيهِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، وخَتْمُ تَيْسِيرِهِ قَدْ كانَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أزَلًا، و"اليُسْرى": الحالُ الحَسَنَةُ المَرْضِيَّةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، و"العُسْرى" الحالُ السَيِّئَةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ ولا بُدَّ ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" في المالِ خاصَّةً جَعَلَ "اسْتَغْنى" في المالِ أيْضًا لِتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" عامًّا في جَمِيعِ ما يَنْبَغِي أنْ نَبْذُلَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ قالَ: "اسْتَغْنى" عَنِ اللهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ بِزَعْمِهِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مَوْضِعِ غَناءِ مالِهِ عنهُ وقْتَ تَرَدِّيهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإعْطاءَ والبُخْلَ المَذْكُورَيْنِ إنَّما هُما في المالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "تَرَدّى"- فَقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ: مَعْناهُ: تَرَدّى في جَهَنَّمَ، أيْ سَقَطَ مِن حافاتِها، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَرَدّى" مَعْناهُ: هَلَكَ مِنَ الرَدى، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: تَرَدّى بِأكْفانِهِ مِنَ الرِداءِ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ:
؎ وخُطّا بِأطْرافِ الأسِنَّةِ مَضْجَعِي ∗∗∗ ورُدّا عَلى عَيْنِي فَضْلُ رِدائِيا
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تُلْوى فِيهِما وحَنُوطُ
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَلَيْهِ هُدى الناسِ جَمِيعًا، أيْ تَعْرِيفُهم بِالسُبُلِ كُلِّها، ومَنحِهِمُ الإدْراكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ﴾ [النحل: ٩]، ثُمَّ كُلُّ أحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكَسَّبُ ما قُدِّرَ لَهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الهِدايَةُ بِالإرْشادِ إلى الإيمانِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ. ثُمَّ (p-٦٣٦)أخْبَرَ تَعالى أنَّ الآخِرَةَ والأُولى أيُّ الدارَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ إمّا مُخاطَبَةً مِنهُ سُبْحانَهُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "تَلَظّى" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِشَدِّ التاءِ وإدْغامِ الراءِ فِيها، وقَرَأها كَذَلِكَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا "تَتَلَظّى" بِتاءَيْنِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وطَلْحَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾، أيْ: لا يَصْلاها صُلِيَّ خُلُودٍ، ومِن هُنا ضَلَّتِ المُرْجِئَةُ لِأنَّها أخَذَتْ نَفْيَ الصُلِيِّ مُطْلَقًا في قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ. و"الأشْقى" هُنا-: الكافِرُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِي كَذَبَ"، والعَرَبُ تَجْعَلُ "أفْعَلُ" في مَوْضِعِ "فاعِلٍ" مُبالَغَةً، كَما قالَ طَرَفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوحَدِ
(p-٦٣٧)وَلَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ التَأْوِيلِ أنَّ المُرادَ بِـ "الأتْقى" إلى آخِرِ السُورَةِ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ في هَذِهِ الصِفاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "يَتَزَكّى" مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُ ويَتَنَمّى، وظاهِرُ هَذا الإتْيانِ أنَّهُ في المَندُوباتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ﴾ الآيَةُ...مَعْناهُ: ولَيْسَ إعْطاؤُهُ لِيَجْزِيَ نِعَمًا قَدْ أُنْزِلَتْ إلَيْهِ، بَلْ هو مُبْتَدِئٌ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ تَعالى.
ورُوِيَ في سَبَبِ هَذا أنَّ قُرَيْشًا قالُوا -لَمّا أعْتَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِلالًا - كانَتْ لِبِلالٍ يَدٌ عِنْدَهُ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى: ولَيْسَ يُعْطِي لِيُثابَ نِعَمًا يَجْزِي بِها يَوْمًا ويَنْتَظِرُ ثَوابَها، وحَوَّمَ في هَذا المَعْنى وحَلَّقَ بِتَطْوِيلٍ غَيْرِ مُغْنٍ، ويَتَّجِهُ المَعْنى الَّذِي أرادَ بِأيْسَرَ مِن قَوْلِهِ، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ إعْطاءٌ لِيَقَعَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ الأحَدِ جَزاءٌ بَعْدُ، هو لِمُجَرَّدِ ثَوابِ اللهِ تَعالى وجَزائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا ابْتِغاءَ" نُصِبَ بِالِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وفِيهِ نَظَرٌ، والِابْتِغاءُ: الطَلَبُ، ثُمَّ وعَدَهُ تَعالى بِالرِضا في الآخِرَةِ، وهَذِهِ عِدَةٌ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقَرَأ "يُرْضى" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وهَذِهِ الآيَةُ تُشْبِهُ الرِضا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] الآيَة.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [اللَيْلِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الليل 92:11
(p-٦٣٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ اللَيْلِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ وقِيلَ هي مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ فِيها مَدَّنِيٌّ وعَدَدُها عِشْرُونَ آيَةً بِإجْماعٍ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿واللَيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَهارِ إذا تَجَلّى﴾ ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وَما يُغْنِي عنهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾
أقْسَمَ اللهُ بِاللَيْلِ إذا غَشى الأرْضَ وجَمِيعَ ما فِيها، وبِالنَهارِ إذا تَجَلّى أيْ ظَهَرَ وضَوى الآفاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَجَلّى السُرى مِن وجْهِهِ عن صَبِيحَةٍ عَلى السَيْرِ مِشْراقٌ كَرِيمٌ شُجُونُها
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" كَما قالَتِ العَرَبُ: "سُبْحانَ ما سَبَّحَ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: يَقُولُونَ لِلرَّعْدِ: (p-٦٣٣)"سُبْحانَ ما سَبَّحْتَ لَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، وهو مَذْهَبُ الزَجّاجِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الصَحابَةِ: "وَما خَلَقَ الذَكَرَ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وسَمِعَها مِنَ النَبِيِّ ﷺ- وعَلْقَمَةُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "والذَكَرِ والأُنْثى"، وسَقَطَ عِنْدَهم "وَما خَلَقَ"، وذَكَرَ ثَعْلَبٌ أنَّ مِنَ السَلَفِ مَن قَرَأ "وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى" بِخَفْضِ "الذَكَرِ" عَلى البَدَلِ مِن "ما" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وما خَلَقَ اللهُ وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمَن ذَكَرَ" تَشْهَدُ لِهَذِهِ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ هُنا بِالذَكَرَ والأُنْثى آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو عامٌّ.
و"السَعْيُ": العَمَلُ، فَأخْبَرَ تَعالى مُقْسِمًا أنَّ أعْمالَ العِبادِ شَتّى، أيْ مُفْتَرِقَةً جِدًّا، بَعْضُها في رِضى اللهِ تَعالى وبَعْضُها في سُخْطِهِ. ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الساعِينَ، فَذَكَرَ أنَّ مَن أعْطى -وَظاهِرُ ذَلِكَ إعْطاءُ المالِ، وهي أيْضًا تَتَناوَلُ إعْطاءَ الحَقِّ في كُلِّ شَيْءٍ، قَوْلٍ أو فِعْلٍ، وكَذَلِكَ البُخْلُ المَذْكُورُ بَعْدُ، يَكُونُ بِالإيمانِ وغَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي حَقُّ الشَرِيعَةِ أنْ لا يَبْخَلَ بِها.
ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُعْتِقُ ضَعْفَةَ العَبِيدِ الَّذِينَ أسْلَمُوا، وكانَ يُنْفِقُ في رِضى رَسُولِ اللهِ ﷺ مالَهُ، وكانَ الكَفّارُ بِضِدِّ (p-٦٣٤)ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ إنَّ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أوفى: هَذِهِ السُورَةُ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَرَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى أبِي سُفْيانَ وهو يُعَذِّبُ بِلالًا، فاشْتَراهُ مِنهُ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ أبِي الدَحْداحِ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ «أنَّ نَخْلَةً لِبَعْضِ المُنافِقِينَ كانَتْ مُطِلَّةً عَلى دارِ امْرَأةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَها أيْتامٌ، فَكانَ الثَمَرُ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ فَيَأْكُلُونَهُ فَمَنَعَهُمُ المُنافِقُ مِن ذَلِكَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِعْنِيها بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: لا أفْعَلُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا الدَحْداحِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ واشْتَرى مِنهُ النَخْلَةَ بِحائِطٍ لَهُ، وجاءَ إلى النَبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ أنا أشْتَرِي النَخْلَةَ في الجَنَّةِ بِهَذِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُرُّ عَلى الحائِطِ الَّذِي أعْطى أبُو الدَحْداحِ، وقَدْ تَعَلَّقَتْ أقْناؤُهُ ويَقُولُ: "وَكَمْ قِنْوٍ تَعَلَّقَ لِأبِي الدَحْداحِ في الجَنَّةِ،» وفي البُخارِيِّ أنَّ هَذا اللَفْظَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ في الأقْناءِ الَّتِي كانَ أبُو الدَحْداحِ يُعَلِّقُها في المَسْجِدِ صَدَقَةً، وهَذا كُلُّهُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: بَعْضُ السُورَةِ مَدَنِيٌّ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الحُسْنى" في هَذِهِ السُورَةِ- فَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ وغَيْرُهُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وجَماعَةٌ: هي الخَلَفُ الَّذِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ، وذَلِكَ نَصٌّ في حَدِيثِ المَلَكَيْنِ، إذْ يَقُولُ أحَدُهُما: «اللهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.» وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ: (p-٦٣٥)الحُسْنى: الجَنَّةُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الحُسْنى: الأجْرُ والثَوابُ مُجْمَلًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ مَعْناهُ: سَيَظْهَرُ تَيْسِيرُنا بِما يَتَدَرَّجُ فِيهِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، وخَتْمُ تَيْسِيرِهِ قَدْ كانَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أزَلًا، و"اليُسْرى": الحالُ الحَسَنَةُ المَرْضِيَّةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، و"العُسْرى" الحالُ السَيِّئَةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ ولا بُدَّ ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" في المالِ خاصَّةً جَعَلَ "اسْتَغْنى" في المالِ أيْضًا لِتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" عامًّا في جَمِيعِ ما يَنْبَغِي أنْ نَبْذُلَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ قالَ: "اسْتَغْنى" عَنِ اللهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ بِزَعْمِهِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مَوْضِعِ غَناءِ مالِهِ عنهُ وقْتَ تَرَدِّيهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإعْطاءَ والبُخْلَ المَذْكُورَيْنِ إنَّما هُما في المالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "تَرَدّى"- فَقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ: مَعْناهُ: تَرَدّى في جَهَنَّمَ، أيْ سَقَطَ مِن حافاتِها، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَرَدّى" مَعْناهُ: هَلَكَ مِنَ الرَدى، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: تَرَدّى بِأكْفانِهِ مِنَ الرِداءِ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ:
؎ وخُطّا بِأطْرافِ الأسِنَّةِ مَضْجَعِي ∗∗∗ ورُدّا عَلى عَيْنِي فَضْلُ رِدائِيا
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تُلْوى فِيهِما وحَنُوطُ
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَلَيْهِ هُدى الناسِ جَمِيعًا، أيْ تَعْرِيفُهم بِالسُبُلِ كُلِّها، ومَنحِهِمُ الإدْراكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ﴾ [النحل: ٩]، ثُمَّ كُلُّ أحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكَسَّبُ ما قُدِّرَ لَهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الهِدايَةُ بِالإرْشادِ إلى الإيمانِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ. ثُمَّ (p-٦٣٦)أخْبَرَ تَعالى أنَّ الآخِرَةَ والأُولى أيُّ الدارَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ إمّا مُخاطَبَةً مِنهُ سُبْحانَهُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "تَلَظّى" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِشَدِّ التاءِ وإدْغامِ الراءِ فِيها، وقَرَأها كَذَلِكَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا "تَتَلَظّى" بِتاءَيْنِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وطَلْحَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾، أيْ: لا يَصْلاها صُلِيَّ خُلُودٍ، ومِن هُنا ضَلَّتِ المُرْجِئَةُ لِأنَّها أخَذَتْ نَفْيَ الصُلِيِّ مُطْلَقًا في قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ. و"الأشْقى" هُنا-: الكافِرُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِي كَذَبَ"، والعَرَبُ تَجْعَلُ "أفْعَلُ" في مَوْضِعِ "فاعِلٍ" مُبالَغَةً، كَما قالَ طَرَفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوحَدِ
(p-٦٣٧)وَلَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ التَأْوِيلِ أنَّ المُرادَ بِـ "الأتْقى" إلى آخِرِ السُورَةِ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ في هَذِهِ الصِفاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "يَتَزَكّى" مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُ ويَتَنَمّى، وظاهِرُ هَذا الإتْيانِ أنَّهُ في المَندُوباتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ﴾ الآيَةُ...مَعْناهُ: ولَيْسَ إعْطاؤُهُ لِيَجْزِيَ نِعَمًا قَدْ أُنْزِلَتْ إلَيْهِ، بَلْ هو مُبْتَدِئٌ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ تَعالى.
ورُوِيَ في سَبَبِ هَذا أنَّ قُرَيْشًا قالُوا -لَمّا أعْتَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِلالًا - كانَتْ لِبِلالٍ يَدٌ عِنْدَهُ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى: ولَيْسَ يُعْطِي لِيُثابَ نِعَمًا يَجْزِي بِها يَوْمًا ويَنْتَظِرُ ثَوابَها، وحَوَّمَ في هَذا المَعْنى وحَلَّقَ بِتَطْوِيلٍ غَيْرِ مُغْنٍ، ويَتَّجِهُ المَعْنى الَّذِي أرادَ بِأيْسَرَ مِن قَوْلِهِ، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ إعْطاءٌ لِيَقَعَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ الأحَدِ جَزاءٌ بَعْدُ، هو لِمُجَرَّدِ ثَوابِ اللهِ تَعالى وجَزائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا ابْتِغاءَ" نُصِبَ بِالِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وفِيهِ نَظَرٌ، والِابْتِغاءُ: الطَلَبُ، ثُمَّ وعَدَهُ تَعالى بِالرِضا في الآخِرَةِ، وهَذِهِ عِدَةٌ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقَرَأ "يُرْضى" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وهَذِهِ الآيَةُ تُشْبِهُ الرِضا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] الآيَة.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [اللَيْلِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الليل 92:12
(p-٦٣٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ اللَيْلِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ وقِيلَ هي مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ فِيها مَدَّنِيٌّ وعَدَدُها عِشْرُونَ آيَةً بِإجْماعٍ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿واللَيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَهارِ إذا تَجَلّى﴾ ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وَما يُغْنِي عنهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾
أقْسَمَ اللهُ بِاللَيْلِ إذا غَشى الأرْضَ وجَمِيعَ ما فِيها، وبِالنَهارِ إذا تَجَلّى أيْ ظَهَرَ وضَوى الآفاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَجَلّى السُرى مِن وجْهِهِ عن صَبِيحَةٍ عَلى السَيْرِ مِشْراقٌ كَرِيمٌ شُجُونُها
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" كَما قالَتِ العَرَبُ: "سُبْحانَ ما سَبَّحَ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: يَقُولُونَ لِلرَّعْدِ: (p-٦٣٣)"سُبْحانَ ما سَبَّحْتَ لَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، وهو مَذْهَبُ الزَجّاجِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الصَحابَةِ: "وَما خَلَقَ الذَكَرَ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وسَمِعَها مِنَ النَبِيِّ ﷺ- وعَلْقَمَةُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "والذَكَرِ والأُنْثى"، وسَقَطَ عِنْدَهم "وَما خَلَقَ"، وذَكَرَ ثَعْلَبٌ أنَّ مِنَ السَلَفِ مَن قَرَأ "وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى" بِخَفْضِ "الذَكَرِ" عَلى البَدَلِ مِن "ما" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وما خَلَقَ اللهُ وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمَن ذَكَرَ" تَشْهَدُ لِهَذِهِ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ هُنا بِالذَكَرَ والأُنْثى آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو عامٌّ.
و"السَعْيُ": العَمَلُ، فَأخْبَرَ تَعالى مُقْسِمًا أنَّ أعْمالَ العِبادِ شَتّى، أيْ مُفْتَرِقَةً جِدًّا، بَعْضُها في رِضى اللهِ تَعالى وبَعْضُها في سُخْطِهِ. ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الساعِينَ، فَذَكَرَ أنَّ مَن أعْطى -وَظاهِرُ ذَلِكَ إعْطاءُ المالِ، وهي أيْضًا تَتَناوَلُ إعْطاءَ الحَقِّ في كُلِّ شَيْءٍ، قَوْلٍ أو فِعْلٍ، وكَذَلِكَ البُخْلُ المَذْكُورُ بَعْدُ، يَكُونُ بِالإيمانِ وغَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي حَقُّ الشَرِيعَةِ أنْ لا يَبْخَلَ بِها.
ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُعْتِقُ ضَعْفَةَ العَبِيدِ الَّذِينَ أسْلَمُوا، وكانَ يُنْفِقُ في رِضى رَسُولِ اللهِ ﷺ مالَهُ، وكانَ الكَفّارُ بِضِدِّ (p-٦٣٤)ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ إنَّ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أوفى: هَذِهِ السُورَةُ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَرَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى أبِي سُفْيانَ وهو يُعَذِّبُ بِلالًا، فاشْتَراهُ مِنهُ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ أبِي الدَحْداحِ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ «أنَّ نَخْلَةً لِبَعْضِ المُنافِقِينَ كانَتْ مُطِلَّةً عَلى دارِ امْرَأةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَها أيْتامٌ، فَكانَ الثَمَرُ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ فَيَأْكُلُونَهُ فَمَنَعَهُمُ المُنافِقُ مِن ذَلِكَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِعْنِيها بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: لا أفْعَلُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا الدَحْداحِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ واشْتَرى مِنهُ النَخْلَةَ بِحائِطٍ لَهُ، وجاءَ إلى النَبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ أنا أشْتَرِي النَخْلَةَ في الجَنَّةِ بِهَذِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُرُّ عَلى الحائِطِ الَّذِي أعْطى أبُو الدَحْداحِ، وقَدْ تَعَلَّقَتْ أقْناؤُهُ ويَقُولُ: "وَكَمْ قِنْوٍ تَعَلَّقَ لِأبِي الدَحْداحِ في الجَنَّةِ،» وفي البُخارِيِّ أنَّ هَذا اللَفْظَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ في الأقْناءِ الَّتِي كانَ أبُو الدَحْداحِ يُعَلِّقُها في المَسْجِدِ صَدَقَةً، وهَذا كُلُّهُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: بَعْضُ السُورَةِ مَدَنِيٌّ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الحُسْنى" في هَذِهِ السُورَةِ- فَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ وغَيْرُهُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وجَماعَةٌ: هي الخَلَفُ الَّذِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ، وذَلِكَ نَصٌّ في حَدِيثِ المَلَكَيْنِ، إذْ يَقُولُ أحَدُهُما: «اللهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.» وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ: (p-٦٣٥)الحُسْنى: الجَنَّةُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الحُسْنى: الأجْرُ والثَوابُ مُجْمَلًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ مَعْناهُ: سَيَظْهَرُ تَيْسِيرُنا بِما يَتَدَرَّجُ فِيهِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، وخَتْمُ تَيْسِيرِهِ قَدْ كانَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أزَلًا، و"اليُسْرى": الحالُ الحَسَنَةُ المَرْضِيَّةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، و"العُسْرى" الحالُ السَيِّئَةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ ولا بُدَّ ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" في المالِ خاصَّةً جَعَلَ "اسْتَغْنى" في المالِ أيْضًا لِتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" عامًّا في جَمِيعِ ما يَنْبَغِي أنْ نَبْذُلَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ قالَ: "اسْتَغْنى" عَنِ اللهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ بِزَعْمِهِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مَوْضِعِ غَناءِ مالِهِ عنهُ وقْتَ تَرَدِّيهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإعْطاءَ والبُخْلَ المَذْكُورَيْنِ إنَّما هُما في المالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "تَرَدّى"- فَقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ: مَعْناهُ: تَرَدّى في جَهَنَّمَ، أيْ سَقَطَ مِن حافاتِها، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَرَدّى" مَعْناهُ: هَلَكَ مِنَ الرَدى، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: تَرَدّى بِأكْفانِهِ مِنَ الرِداءِ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ:
؎ وخُطّا بِأطْرافِ الأسِنَّةِ مَضْجَعِي ∗∗∗ ورُدّا عَلى عَيْنِي فَضْلُ رِدائِيا
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تُلْوى فِيهِما وحَنُوطُ
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَلَيْهِ هُدى الناسِ جَمِيعًا، أيْ تَعْرِيفُهم بِالسُبُلِ كُلِّها، ومَنحِهِمُ الإدْراكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ﴾ [النحل: ٩]، ثُمَّ كُلُّ أحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكَسَّبُ ما قُدِّرَ لَهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الهِدايَةُ بِالإرْشادِ إلى الإيمانِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ. ثُمَّ (p-٦٣٦)أخْبَرَ تَعالى أنَّ الآخِرَةَ والأُولى أيُّ الدارَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ إمّا مُخاطَبَةً مِنهُ سُبْحانَهُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "تَلَظّى" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِشَدِّ التاءِ وإدْغامِ الراءِ فِيها، وقَرَأها كَذَلِكَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا "تَتَلَظّى" بِتاءَيْنِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وطَلْحَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾، أيْ: لا يَصْلاها صُلِيَّ خُلُودٍ، ومِن هُنا ضَلَّتِ المُرْجِئَةُ لِأنَّها أخَذَتْ نَفْيَ الصُلِيِّ مُطْلَقًا في قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ. و"الأشْقى" هُنا-: الكافِرُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِي كَذَبَ"، والعَرَبُ تَجْعَلُ "أفْعَلُ" في مَوْضِعِ "فاعِلٍ" مُبالَغَةً، كَما قالَ طَرَفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوحَدِ
(p-٦٣٧)وَلَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ التَأْوِيلِ أنَّ المُرادَ بِـ "الأتْقى" إلى آخِرِ السُورَةِ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ في هَذِهِ الصِفاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "يَتَزَكّى" مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُ ويَتَنَمّى، وظاهِرُ هَذا الإتْيانِ أنَّهُ في المَندُوباتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ﴾ الآيَةُ...مَعْناهُ: ولَيْسَ إعْطاؤُهُ لِيَجْزِيَ نِعَمًا قَدْ أُنْزِلَتْ إلَيْهِ، بَلْ هو مُبْتَدِئٌ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ تَعالى.
ورُوِيَ في سَبَبِ هَذا أنَّ قُرَيْشًا قالُوا -لَمّا أعْتَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِلالًا - كانَتْ لِبِلالٍ يَدٌ عِنْدَهُ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى: ولَيْسَ يُعْطِي لِيُثابَ نِعَمًا يَجْزِي بِها يَوْمًا ويَنْتَظِرُ ثَوابَها، وحَوَّمَ في هَذا المَعْنى وحَلَّقَ بِتَطْوِيلٍ غَيْرِ مُغْنٍ، ويَتَّجِهُ المَعْنى الَّذِي أرادَ بِأيْسَرَ مِن قَوْلِهِ، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ إعْطاءٌ لِيَقَعَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ الأحَدِ جَزاءٌ بَعْدُ، هو لِمُجَرَّدِ ثَوابِ اللهِ تَعالى وجَزائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا ابْتِغاءَ" نُصِبَ بِالِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وفِيهِ نَظَرٌ، والِابْتِغاءُ: الطَلَبُ، ثُمَّ وعَدَهُ تَعالى بِالرِضا في الآخِرَةِ، وهَذِهِ عِدَةٌ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقَرَأ "يُرْضى" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وهَذِهِ الآيَةُ تُشْبِهُ الرِضا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] الآيَة.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [اللَيْلِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الليل 92:13
(p-٦٣٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ اللَيْلِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ وقِيلَ هي مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ فِيها مَدَّنِيٌّ وعَدَدُها عِشْرُونَ آيَةً بِإجْماعٍ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿واللَيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَهارِ إذا تَجَلّى﴾ ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وَما يُغْنِي عنهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾
أقْسَمَ اللهُ بِاللَيْلِ إذا غَشى الأرْضَ وجَمِيعَ ما فِيها، وبِالنَهارِ إذا تَجَلّى أيْ ظَهَرَ وضَوى الآفاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَجَلّى السُرى مِن وجْهِهِ عن صَبِيحَةٍ عَلى السَيْرِ مِشْراقٌ كَرِيمٌ شُجُونُها
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" كَما قالَتِ العَرَبُ: "سُبْحانَ ما سَبَّحَ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: يَقُولُونَ لِلرَّعْدِ: (p-٦٣٣)"سُبْحانَ ما سَبَّحْتَ لَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، وهو مَذْهَبُ الزَجّاجِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الصَحابَةِ: "وَما خَلَقَ الذَكَرَ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وسَمِعَها مِنَ النَبِيِّ ﷺ- وعَلْقَمَةُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "والذَكَرِ والأُنْثى"، وسَقَطَ عِنْدَهم "وَما خَلَقَ"، وذَكَرَ ثَعْلَبٌ أنَّ مِنَ السَلَفِ مَن قَرَأ "وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى" بِخَفْضِ "الذَكَرِ" عَلى البَدَلِ مِن "ما" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وما خَلَقَ اللهُ وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمَن ذَكَرَ" تَشْهَدُ لِهَذِهِ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ هُنا بِالذَكَرَ والأُنْثى آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو عامٌّ.
و"السَعْيُ": العَمَلُ، فَأخْبَرَ تَعالى مُقْسِمًا أنَّ أعْمالَ العِبادِ شَتّى، أيْ مُفْتَرِقَةً جِدًّا، بَعْضُها في رِضى اللهِ تَعالى وبَعْضُها في سُخْطِهِ. ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الساعِينَ، فَذَكَرَ أنَّ مَن أعْطى -وَظاهِرُ ذَلِكَ إعْطاءُ المالِ، وهي أيْضًا تَتَناوَلُ إعْطاءَ الحَقِّ في كُلِّ شَيْءٍ، قَوْلٍ أو فِعْلٍ، وكَذَلِكَ البُخْلُ المَذْكُورُ بَعْدُ، يَكُونُ بِالإيمانِ وغَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي حَقُّ الشَرِيعَةِ أنْ لا يَبْخَلَ بِها.
ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُعْتِقُ ضَعْفَةَ العَبِيدِ الَّذِينَ أسْلَمُوا، وكانَ يُنْفِقُ في رِضى رَسُولِ اللهِ ﷺ مالَهُ، وكانَ الكَفّارُ بِضِدِّ (p-٦٣٤)ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ إنَّ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أوفى: هَذِهِ السُورَةُ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَرَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى أبِي سُفْيانَ وهو يُعَذِّبُ بِلالًا، فاشْتَراهُ مِنهُ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ أبِي الدَحْداحِ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ «أنَّ نَخْلَةً لِبَعْضِ المُنافِقِينَ كانَتْ مُطِلَّةً عَلى دارِ امْرَأةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَها أيْتامٌ، فَكانَ الثَمَرُ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ فَيَأْكُلُونَهُ فَمَنَعَهُمُ المُنافِقُ مِن ذَلِكَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِعْنِيها بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: لا أفْعَلُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا الدَحْداحِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ واشْتَرى مِنهُ النَخْلَةَ بِحائِطٍ لَهُ، وجاءَ إلى النَبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ أنا أشْتَرِي النَخْلَةَ في الجَنَّةِ بِهَذِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُرُّ عَلى الحائِطِ الَّذِي أعْطى أبُو الدَحْداحِ، وقَدْ تَعَلَّقَتْ أقْناؤُهُ ويَقُولُ: "وَكَمْ قِنْوٍ تَعَلَّقَ لِأبِي الدَحْداحِ في الجَنَّةِ،» وفي البُخارِيِّ أنَّ هَذا اللَفْظَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ في الأقْناءِ الَّتِي كانَ أبُو الدَحْداحِ يُعَلِّقُها في المَسْجِدِ صَدَقَةً، وهَذا كُلُّهُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: بَعْضُ السُورَةِ مَدَنِيٌّ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الحُسْنى" في هَذِهِ السُورَةِ- فَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ وغَيْرُهُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وجَماعَةٌ: هي الخَلَفُ الَّذِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ، وذَلِكَ نَصٌّ في حَدِيثِ المَلَكَيْنِ، إذْ يَقُولُ أحَدُهُما: «اللهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.» وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ: (p-٦٣٥)الحُسْنى: الجَنَّةُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الحُسْنى: الأجْرُ والثَوابُ مُجْمَلًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ مَعْناهُ: سَيَظْهَرُ تَيْسِيرُنا بِما يَتَدَرَّجُ فِيهِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، وخَتْمُ تَيْسِيرِهِ قَدْ كانَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أزَلًا، و"اليُسْرى": الحالُ الحَسَنَةُ المَرْضِيَّةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، و"العُسْرى" الحالُ السَيِّئَةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ ولا بُدَّ ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" في المالِ خاصَّةً جَعَلَ "اسْتَغْنى" في المالِ أيْضًا لِتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" عامًّا في جَمِيعِ ما يَنْبَغِي أنْ نَبْذُلَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ قالَ: "اسْتَغْنى" عَنِ اللهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ بِزَعْمِهِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مَوْضِعِ غَناءِ مالِهِ عنهُ وقْتَ تَرَدِّيهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإعْطاءَ والبُخْلَ المَذْكُورَيْنِ إنَّما هُما في المالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "تَرَدّى"- فَقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ: مَعْناهُ: تَرَدّى في جَهَنَّمَ، أيْ سَقَطَ مِن حافاتِها، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَرَدّى" مَعْناهُ: هَلَكَ مِنَ الرَدى، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: تَرَدّى بِأكْفانِهِ مِنَ الرِداءِ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ:
؎ وخُطّا بِأطْرافِ الأسِنَّةِ مَضْجَعِي ∗∗∗ ورُدّا عَلى عَيْنِي فَضْلُ رِدائِيا
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تُلْوى فِيهِما وحَنُوطُ
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَلَيْهِ هُدى الناسِ جَمِيعًا، أيْ تَعْرِيفُهم بِالسُبُلِ كُلِّها، ومَنحِهِمُ الإدْراكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ﴾ [النحل: ٩]، ثُمَّ كُلُّ أحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكَسَّبُ ما قُدِّرَ لَهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الهِدايَةُ بِالإرْشادِ إلى الإيمانِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ. ثُمَّ (p-٦٣٦)أخْبَرَ تَعالى أنَّ الآخِرَةَ والأُولى أيُّ الدارَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ إمّا مُخاطَبَةً مِنهُ سُبْحانَهُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "تَلَظّى" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِشَدِّ التاءِ وإدْغامِ الراءِ فِيها، وقَرَأها كَذَلِكَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا "تَتَلَظّى" بِتاءَيْنِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وطَلْحَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾، أيْ: لا يَصْلاها صُلِيَّ خُلُودٍ، ومِن هُنا ضَلَّتِ المُرْجِئَةُ لِأنَّها أخَذَتْ نَفْيَ الصُلِيِّ مُطْلَقًا في قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ. و"الأشْقى" هُنا-: الكافِرُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِي كَذَبَ"، والعَرَبُ تَجْعَلُ "أفْعَلُ" في مَوْضِعِ "فاعِلٍ" مُبالَغَةً، كَما قالَ طَرَفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوحَدِ
(p-٦٣٧)وَلَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ التَأْوِيلِ أنَّ المُرادَ بِـ "الأتْقى" إلى آخِرِ السُورَةِ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ في هَذِهِ الصِفاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "يَتَزَكّى" مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُ ويَتَنَمّى، وظاهِرُ هَذا الإتْيانِ أنَّهُ في المَندُوباتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ﴾ الآيَةُ...مَعْناهُ: ولَيْسَ إعْطاؤُهُ لِيَجْزِيَ نِعَمًا قَدْ أُنْزِلَتْ إلَيْهِ، بَلْ هو مُبْتَدِئٌ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ تَعالى.
ورُوِيَ في سَبَبِ هَذا أنَّ قُرَيْشًا قالُوا -لَمّا أعْتَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِلالًا - كانَتْ لِبِلالٍ يَدٌ عِنْدَهُ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى: ولَيْسَ يُعْطِي لِيُثابَ نِعَمًا يَجْزِي بِها يَوْمًا ويَنْتَظِرُ ثَوابَها، وحَوَّمَ في هَذا المَعْنى وحَلَّقَ بِتَطْوِيلٍ غَيْرِ مُغْنٍ، ويَتَّجِهُ المَعْنى الَّذِي أرادَ بِأيْسَرَ مِن قَوْلِهِ، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ إعْطاءٌ لِيَقَعَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ الأحَدِ جَزاءٌ بَعْدُ، هو لِمُجَرَّدِ ثَوابِ اللهِ تَعالى وجَزائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا ابْتِغاءَ" نُصِبَ بِالِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وفِيهِ نَظَرٌ، والِابْتِغاءُ: الطَلَبُ، ثُمَّ وعَدَهُ تَعالى بِالرِضا في الآخِرَةِ، وهَذِهِ عِدَةٌ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقَرَأ "يُرْضى" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وهَذِهِ الآيَةُ تُشْبِهُ الرِضا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] الآيَة.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [اللَيْلِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الليل 92:14
(p-٦٣٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ اللَيْلِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ وقِيلَ هي مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ فِيها مَدَّنِيٌّ وعَدَدُها عِشْرُونَ آيَةً بِإجْماعٍ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿واللَيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَهارِ إذا تَجَلّى﴾ ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وَما يُغْنِي عنهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾
أقْسَمَ اللهُ بِاللَيْلِ إذا غَشى الأرْضَ وجَمِيعَ ما فِيها، وبِالنَهارِ إذا تَجَلّى أيْ ظَهَرَ وضَوى الآفاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَجَلّى السُرى مِن وجْهِهِ عن صَبِيحَةٍ عَلى السَيْرِ مِشْراقٌ كَرِيمٌ شُجُونُها
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" كَما قالَتِ العَرَبُ: "سُبْحانَ ما سَبَّحَ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: يَقُولُونَ لِلرَّعْدِ: (p-٦٣٣)"سُبْحانَ ما سَبَّحْتَ لَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، وهو مَذْهَبُ الزَجّاجِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الصَحابَةِ: "وَما خَلَقَ الذَكَرَ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وسَمِعَها مِنَ النَبِيِّ ﷺ- وعَلْقَمَةُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "والذَكَرِ والأُنْثى"، وسَقَطَ عِنْدَهم "وَما خَلَقَ"، وذَكَرَ ثَعْلَبٌ أنَّ مِنَ السَلَفِ مَن قَرَأ "وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى" بِخَفْضِ "الذَكَرِ" عَلى البَدَلِ مِن "ما" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وما خَلَقَ اللهُ وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمَن ذَكَرَ" تَشْهَدُ لِهَذِهِ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ هُنا بِالذَكَرَ والأُنْثى آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو عامٌّ.
و"السَعْيُ": العَمَلُ، فَأخْبَرَ تَعالى مُقْسِمًا أنَّ أعْمالَ العِبادِ شَتّى، أيْ مُفْتَرِقَةً جِدًّا، بَعْضُها في رِضى اللهِ تَعالى وبَعْضُها في سُخْطِهِ. ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الساعِينَ، فَذَكَرَ أنَّ مَن أعْطى -وَظاهِرُ ذَلِكَ إعْطاءُ المالِ، وهي أيْضًا تَتَناوَلُ إعْطاءَ الحَقِّ في كُلِّ شَيْءٍ، قَوْلٍ أو فِعْلٍ، وكَذَلِكَ البُخْلُ المَذْكُورُ بَعْدُ، يَكُونُ بِالإيمانِ وغَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي حَقُّ الشَرِيعَةِ أنْ لا يَبْخَلَ بِها.
ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُعْتِقُ ضَعْفَةَ العَبِيدِ الَّذِينَ أسْلَمُوا، وكانَ يُنْفِقُ في رِضى رَسُولِ اللهِ ﷺ مالَهُ، وكانَ الكَفّارُ بِضِدِّ (p-٦٣٤)ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ إنَّ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أوفى: هَذِهِ السُورَةُ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَرَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى أبِي سُفْيانَ وهو يُعَذِّبُ بِلالًا، فاشْتَراهُ مِنهُ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ أبِي الدَحْداحِ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ «أنَّ نَخْلَةً لِبَعْضِ المُنافِقِينَ كانَتْ مُطِلَّةً عَلى دارِ امْرَأةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَها أيْتامٌ، فَكانَ الثَمَرُ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ فَيَأْكُلُونَهُ فَمَنَعَهُمُ المُنافِقُ مِن ذَلِكَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِعْنِيها بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: لا أفْعَلُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا الدَحْداحِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ واشْتَرى مِنهُ النَخْلَةَ بِحائِطٍ لَهُ، وجاءَ إلى النَبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ أنا أشْتَرِي النَخْلَةَ في الجَنَّةِ بِهَذِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُرُّ عَلى الحائِطِ الَّذِي أعْطى أبُو الدَحْداحِ، وقَدْ تَعَلَّقَتْ أقْناؤُهُ ويَقُولُ: "وَكَمْ قِنْوٍ تَعَلَّقَ لِأبِي الدَحْداحِ في الجَنَّةِ،» وفي البُخارِيِّ أنَّ هَذا اللَفْظَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ في الأقْناءِ الَّتِي كانَ أبُو الدَحْداحِ يُعَلِّقُها في المَسْجِدِ صَدَقَةً، وهَذا كُلُّهُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: بَعْضُ السُورَةِ مَدَنِيٌّ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الحُسْنى" في هَذِهِ السُورَةِ- فَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ وغَيْرُهُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وجَماعَةٌ: هي الخَلَفُ الَّذِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ، وذَلِكَ نَصٌّ في حَدِيثِ المَلَكَيْنِ، إذْ يَقُولُ أحَدُهُما: «اللهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.» وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ: (p-٦٣٥)الحُسْنى: الجَنَّةُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الحُسْنى: الأجْرُ والثَوابُ مُجْمَلًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ مَعْناهُ: سَيَظْهَرُ تَيْسِيرُنا بِما يَتَدَرَّجُ فِيهِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، وخَتْمُ تَيْسِيرِهِ قَدْ كانَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أزَلًا، و"اليُسْرى": الحالُ الحَسَنَةُ المَرْضِيَّةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، و"العُسْرى" الحالُ السَيِّئَةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ ولا بُدَّ ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" في المالِ خاصَّةً جَعَلَ "اسْتَغْنى" في المالِ أيْضًا لِتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" عامًّا في جَمِيعِ ما يَنْبَغِي أنْ نَبْذُلَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ قالَ: "اسْتَغْنى" عَنِ اللهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ بِزَعْمِهِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مَوْضِعِ غَناءِ مالِهِ عنهُ وقْتَ تَرَدِّيهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإعْطاءَ والبُخْلَ المَذْكُورَيْنِ إنَّما هُما في المالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "تَرَدّى"- فَقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ: مَعْناهُ: تَرَدّى في جَهَنَّمَ، أيْ سَقَطَ مِن حافاتِها، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَرَدّى" مَعْناهُ: هَلَكَ مِنَ الرَدى، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: تَرَدّى بِأكْفانِهِ مِنَ الرِداءِ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ:
؎ وخُطّا بِأطْرافِ الأسِنَّةِ مَضْجَعِي ∗∗∗ ورُدّا عَلى عَيْنِي فَضْلُ رِدائِيا
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تُلْوى فِيهِما وحَنُوطُ
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَلَيْهِ هُدى الناسِ جَمِيعًا، أيْ تَعْرِيفُهم بِالسُبُلِ كُلِّها، ومَنحِهِمُ الإدْراكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ﴾ [النحل: ٩]، ثُمَّ كُلُّ أحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكَسَّبُ ما قُدِّرَ لَهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الهِدايَةُ بِالإرْشادِ إلى الإيمانِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ. ثُمَّ (p-٦٣٦)أخْبَرَ تَعالى أنَّ الآخِرَةَ والأُولى أيُّ الدارَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ إمّا مُخاطَبَةً مِنهُ سُبْحانَهُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "تَلَظّى" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِشَدِّ التاءِ وإدْغامِ الراءِ فِيها، وقَرَأها كَذَلِكَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا "تَتَلَظّى" بِتاءَيْنِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وطَلْحَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾، أيْ: لا يَصْلاها صُلِيَّ خُلُودٍ، ومِن هُنا ضَلَّتِ المُرْجِئَةُ لِأنَّها أخَذَتْ نَفْيَ الصُلِيِّ مُطْلَقًا في قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ. و"الأشْقى" هُنا-: الكافِرُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِي كَذَبَ"، والعَرَبُ تَجْعَلُ "أفْعَلُ" في مَوْضِعِ "فاعِلٍ" مُبالَغَةً، كَما قالَ طَرَفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوحَدِ
(p-٦٣٧)وَلَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ التَأْوِيلِ أنَّ المُرادَ بِـ "الأتْقى" إلى آخِرِ السُورَةِ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ في هَذِهِ الصِفاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "يَتَزَكّى" مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُ ويَتَنَمّى، وظاهِرُ هَذا الإتْيانِ أنَّهُ في المَندُوباتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ﴾ الآيَةُ...مَعْناهُ: ولَيْسَ إعْطاؤُهُ لِيَجْزِيَ نِعَمًا قَدْ أُنْزِلَتْ إلَيْهِ، بَلْ هو مُبْتَدِئٌ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ تَعالى.
ورُوِيَ في سَبَبِ هَذا أنَّ قُرَيْشًا قالُوا -لَمّا أعْتَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِلالًا - كانَتْ لِبِلالٍ يَدٌ عِنْدَهُ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى: ولَيْسَ يُعْطِي لِيُثابَ نِعَمًا يَجْزِي بِها يَوْمًا ويَنْتَظِرُ ثَوابَها، وحَوَّمَ في هَذا المَعْنى وحَلَّقَ بِتَطْوِيلٍ غَيْرِ مُغْنٍ، ويَتَّجِهُ المَعْنى الَّذِي أرادَ بِأيْسَرَ مِن قَوْلِهِ، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ إعْطاءٌ لِيَقَعَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ الأحَدِ جَزاءٌ بَعْدُ، هو لِمُجَرَّدِ ثَوابِ اللهِ تَعالى وجَزائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا ابْتِغاءَ" نُصِبَ بِالِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وفِيهِ نَظَرٌ، والِابْتِغاءُ: الطَلَبُ، ثُمَّ وعَدَهُ تَعالى بِالرِضا في الآخِرَةِ، وهَذِهِ عِدَةٌ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقَرَأ "يُرْضى" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وهَذِهِ الآيَةُ تُشْبِهُ الرِضا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] الآيَة.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [اللَيْلِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الليل 92:15
(p-٦٣٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ اللَيْلِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ وقِيلَ هي مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ فِيها مَدَّنِيٌّ وعَدَدُها عِشْرُونَ آيَةً بِإجْماعٍ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿واللَيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَهارِ إذا تَجَلّى﴾ ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وَما يُغْنِي عنهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾
أقْسَمَ اللهُ بِاللَيْلِ إذا غَشى الأرْضَ وجَمِيعَ ما فِيها، وبِالنَهارِ إذا تَجَلّى أيْ ظَهَرَ وضَوى الآفاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَجَلّى السُرى مِن وجْهِهِ عن صَبِيحَةٍ عَلى السَيْرِ مِشْراقٌ كَرِيمٌ شُجُونُها
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" كَما قالَتِ العَرَبُ: "سُبْحانَ ما سَبَّحَ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: يَقُولُونَ لِلرَّعْدِ: (p-٦٣٣)"سُبْحانَ ما سَبَّحْتَ لَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، وهو مَذْهَبُ الزَجّاجِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الصَحابَةِ: "وَما خَلَقَ الذَكَرَ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وسَمِعَها مِنَ النَبِيِّ ﷺ- وعَلْقَمَةُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "والذَكَرِ والأُنْثى"، وسَقَطَ عِنْدَهم "وَما خَلَقَ"، وذَكَرَ ثَعْلَبٌ أنَّ مِنَ السَلَفِ مَن قَرَأ "وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى" بِخَفْضِ "الذَكَرِ" عَلى البَدَلِ مِن "ما" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وما خَلَقَ اللهُ وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمَن ذَكَرَ" تَشْهَدُ لِهَذِهِ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ هُنا بِالذَكَرَ والأُنْثى آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو عامٌّ.
و"السَعْيُ": العَمَلُ، فَأخْبَرَ تَعالى مُقْسِمًا أنَّ أعْمالَ العِبادِ شَتّى، أيْ مُفْتَرِقَةً جِدًّا، بَعْضُها في رِضى اللهِ تَعالى وبَعْضُها في سُخْطِهِ. ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الساعِينَ، فَذَكَرَ أنَّ مَن أعْطى -وَظاهِرُ ذَلِكَ إعْطاءُ المالِ، وهي أيْضًا تَتَناوَلُ إعْطاءَ الحَقِّ في كُلِّ شَيْءٍ، قَوْلٍ أو فِعْلٍ، وكَذَلِكَ البُخْلُ المَذْكُورُ بَعْدُ، يَكُونُ بِالإيمانِ وغَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي حَقُّ الشَرِيعَةِ أنْ لا يَبْخَلَ بِها.
ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُعْتِقُ ضَعْفَةَ العَبِيدِ الَّذِينَ أسْلَمُوا، وكانَ يُنْفِقُ في رِضى رَسُولِ اللهِ ﷺ مالَهُ، وكانَ الكَفّارُ بِضِدِّ (p-٦٣٤)ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ إنَّ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أوفى: هَذِهِ السُورَةُ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَرَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى أبِي سُفْيانَ وهو يُعَذِّبُ بِلالًا، فاشْتَراهُ مِنهُ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ أبِي الدَحْداحِ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ «أنَّ نَخْلَةً لِبَعْضِ المُنافِقِينَ كانَتْ مُطِلَّةً عَلى دارِ امْرَأةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَها أيْتامٌ، فَكانَ الثَمَرُ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ فَيَأْكُلُونَهُ فَمَنَعَهُمُ المُنافِقُ مِن ذَلِكَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِعْنِيها بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: لا أفْعَلُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا الدَحْداحِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ واشْتَرى مِنهُ النَخْلَةَ بِحائِطٍ لَهُ، وجاءَ إلى النَبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ أنا أشْتَرِي النَخْلَةَ في الجَنَّةِ بِهَذِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُرُّ عَلى الحائِطِ الَّذِي أعْطى أبُو الدَحْداحِ، وقَدْ تَعَلَّقَتْ أقْناؤُهُ ويَقُولُ: "وَكَمْ قِنْوٍ تَعَلَّقَ لِأبِي الدَحْداحِ في الجَنَّةِ،» وفي البُخارِيِّ أنَّ هَذا اللَفْظَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ في الأقْناءِ الَّتِي كانَ أبُو الدَحْداحِ يُعَلِّقُها في المَسْجِدِ صَدَقَةً، وهَذا كُلُّهُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: بَعْضُ السُورَةِ مَدَنِيٌّ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الحُسْنى" في هَذِهِ السُورَةِ- فَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ وغَيْرُهُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وجَماعَةٌ: هي الخَلَفُ الَّذِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ، وذَلِكَ نَصٌّ في حَدِيثِ المَلَكَيْنِ، إذْ يَقُولُ أحَدُهُما: «اللهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.» وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ: (p-٦٣٥)الحُسْنى: الجَنَّةُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الحُسْنى: الأجْرُ والثَوابُ مُجْمَلًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ مَعْناهُ: سَيَظْهَرُ تَيْسِيرُنا بِما يَتَدَرَّجُ فِيهِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، وخَتْمُ تَيْسِيرِهِ قَدْ كانَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أزَلًا، و"اليُسْرى": الحالُ الحَسَنَةُ المَرْضِيَّةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، و"العُسْرى" الحالُ السَيِّئَةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ ولا بُدَّ ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" في المالِ خاصَّةً جَعَلَ "اسْتَغْنى" في المالِ أيْضًا لِتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" عامًّا في جَمِيعِ ما يَنْبَغِي أنْ نَبْذُلَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ قالَ: "اسْتَغْنى" عَنِ اللهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ بِزَعْمِهِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مَوْضِعِ غَناءِ مالِهِ عنهُ وقْتَ تَرَدِّيهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإعْطاءَ والبُخْلَ المَذْكُورَيْنِ إنَّما هُما في المالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "تَرَدّى"- فَقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ: مَعْناهُ: تَرَدّى في جَهَنَّمَ، أيْ سَقَطَ مِن حافاتِها، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَرَدّى" مَعْناهُ: هَلَكَ مِنَ الرَدى، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: تَرَدّى بِأكْفانِهِ مِنَ الرِداءِ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ:
؎ وخُطّا بِأطْرافِ الأسِنَّةِ مَضْجَعِي ∗∗∗ ورُدّا عَلى عَيْنِي فَضْلُ رِدائِيا
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تُلْوى فِيهِما وحَنُوطُ
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَلَيْهِ هُدى الناسِ جَمِيعًا، أيْ تَعْرِيفُهم بِالسُبُلِ كُلِّها، ومَنحِهِمُ الإدْراكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ﴾ [النحل: ٩]، ثُمَّ كُلُّ أحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكَسَّبُ ما قُدِّرَ لَهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الهِدايَةُ بِالإرْشادِ إلى الإيمانِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ. ثُمَّ (p-٦٣٦)أخْبَرَ تَعالى أنَّ الآخِرَةَ والأُولى أيُّ الدارَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ إمّا مُخاطَبَةً مِنهُ سُبْحانَهُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "تَلَظّى" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِشَدِّ التاءِ وإدْغامِ الراءِ فِيها، وقَرَأها كَذَلِكَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا "تَتَلَظّى" بِتاءَيْنِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وطَلْحَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾، أيْ: لا يَصْلاها صُلِيَّ خُلُودٍ، ومِن هُنا ضَلَّتِ المُرْجِئَةُ لِأنَّها أخَذَتْ نَفْيَ الصُلِيِّ مُطْلَقًا في قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ. و"الأشْقى" هُنا-: الكافِرُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِي كَذَبَ"، والعَرَبُ تَجْعَلُ "أفْعَلُ" في مَوْضِعِ "فاعِلٍ" مُبالَغَةً، كَما قالَ طَرَفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوحَدِ
(p-٦٣٧)وَلَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ التَأْوِيلِ أنَّ المُرادَ بِـ "الأتْقى" إلى آخِرِ السُورَةِ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ في هَذِهِ الصِفاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "يَتَزَكّى" مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُ ويَتَنَمّى، وظاهِرُ هَذا الإتْيانِ أنَّهُ في المَندُوباتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ﴾ الآيَةُ...مَعْناهُ: ولَيْسَ إعْطاؤُهُ لِيَجْزِيَ نِعَمًا قَدْ أُنْزِلَتْ إلَيْهِ، بَلْ هو مُبْتَدِئٌ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ تَعالى.
ورُوِيَ في سَبَبِ هَذا أنَّ قُرَيْشًا قالُوا -لَمّا أعْتَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِلالًا - كانَتْ لِبِلالٍ يَدٌ عِنْدَهُ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى: ولَيْسَ يُعْطِي لِيُثابَ نِعَمًا يَجْزِي بِها يَوْمًا ويَنْتَظِرُ ثَوابَها، وحَوَّمَ في هَذا المَعْنى وحَلَّقَ بِتَطْوِيلٍ غَيْرِ مُغْنٍ، ويَتَّجِهُ المَعْنى الَّذِي أرادَ بِأيْسَرَ مِن قَوْلِهِ، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ إعْطاءٌ لِيَقَعَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ الأحَدِ جَزاءٌ بَعْدُ، هو لِمُجَرَّدِ ثَوابِ اللهِ تَعالى وجَزائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا ابْتِغاءَ" نُصِبَ بِالِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وفِيهِ نَظَرٌ، والِابْتِغاءُ: الطَلَبُ، ثُمَّ وعَدَهُ تَعالى بِالرِضا في الآخِرَةِ، وهَذِهِ عِدَةٌ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقَرَأ "يُرْضى" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وهَذِهِ الآيَةُ تُشْبِهُ الرِضا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] الآيَة.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [اللَيْلِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الليل 92:16
(p-٦٣٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ اللَيْلِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ وقِيلَ هي مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ فِيها مَدَّنِيٌّ وعَدَدُها عِشْرُونَ آيَةً بِإجْماعٍ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿واللَيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَهارِ إذا تَجَلّى﴾ ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وَما يُغْنِي عنهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾
أقْسَمَ اللهُ بِاللَيْلِ إذا غَشى الأرْضَ وجَمِيعَ ما فِيها، وبِالنَهارِ إذا تَجَلّى أيْ ظَهَرَ وضَوى الآفاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَجَلّى السُرى مِن وجْهِهِ عن صَبِيحَةٍ عَلى السَيْرِ مِشْراقٌ كَرِيمٌ شُجُونُها
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" كَما قالَتِ العَرَبُ: "سُبْحانَ ما سَبَّحَ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: يَقُولُونَ لِلرَّعْدِ: (p-٦٣٣)"سُبْحانَ ما سَبَّحْتَ لَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، وهو مَذْهَبُ الزَجّاجِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الصَحابَةِ: "وَما خَلَقَ الذَكَرَ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وسَمِعَها مِنَ النَبِيِّ ﷺ- وعَلْقَمَةُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "والذَكَرِ والأُنْثى"، وسَقَطَ عِنْدَهم "وَما خَلَقَ"، وذَكَرَ ثَعْلَبٌ أنَّ مِنَ السَلَفِ مَن قَرَأ "وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى" بِخَفْضِ "الذَكَرِ" عَلى البَدَلِ مِن "ما" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وما خَلَقَ اللهُ وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمَن ذَكَرَ" تَشْهَدُ لِهَذِهِ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ هُنا بِالذَكَرَ والأُنْثى آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو عامٌّ.
و"السَعْيُ": العَمَلُ، فَأخْبَرَ تَعالى مُقْسِمًا أنَّ أعْمالَ العِبادِ شَتّى، أيْ مُفْتَرِقَةً جِدًّا، بَعْضُها في رِضى اللهِ تَعالى وبَعْضُها في سُخْطِهِ. ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الساعِينَ، فَذَكَرَ أنَّ مَن أعْطى -وَظاهِرُ ذَلِكَ إعْطاءُ المالِ، وهي أيْضًا تَتَناوَلُ إعْطاءَ الحَقِّ في كُلِّ شَيْءٍ، قَوْلٍ أو فِعْلٍ، وكَذَلِكَ البُخْلُ المَذْكُورُ بَعْدُ، يَكُونُ بِالإيمانِ وغَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي حَقُّ الشَرِيعَةِ أنْ لا يَبْخَلَ بِها.
ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُعْتِقُ ضَعْفَةَ العَبِيدِ الَّذِينَ أسْلَمُوا، وكانَ يُنْفِقُ في رِضى رَسُولِ اللهِ ﷺ مالَهُ، وكانَ الكَفّارُ بِضِدِّ (p-٦٣٤)ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ إنَّ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أوفى: هَذِهِ السُورَةُ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَرَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى أبِي سُفْيانَ وهو يُعَذِّبُ بِلالًا، فاشْتَراهُ مِنهُ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ أبِي الدَحْداحِ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ «أنَّ نَخْلَةً لِبَعْضِ المُنافِقِينَ كانَتْ مُطِلَّةً عَلى دارِ امْرَأةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَها أيْتامٌ، فَكانَ الثَمَرُ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ فَيَأْكُلُونَهُ فَمَنَعَهُمُ المُنافِقُ مِن ذَلِكَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِعْنِيها بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: لا أفْعَلُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا الدَحْداحِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ واشْتَرى مِنهُ النَخْلَةَ بِحائِطٍ لَهُ، وجاءَ إلى النَبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ أنا أشْتَرِي النَخْلَةَ في الجَنَّةِ بِهَذِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُرُّ عَلى الحائِطِ الَّذِي أعْطى أبُو الدَحْداحِ، وقَدْ تَعَلَّقَتْ أقْناؤُهُ ويَقُولُ: "وَكَمْ قِنْوٍ تَعَلَّقَ لِأبِي الدَحْداحِ في الجَنَّةِ،» وفي البُخارِيِّ أنَّ هَذا اللَفْظَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ في الأقْناءِ الَّتِي كانَ أبُو الدَحْداحِ يُعَلِّقُها في المَسْجِدِ صَدَقَةً، وهَذا كُلُّهُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: بَعْضُ السُورَةِ مَدَنِيٌّ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الحُسْنى" في هَذِهِ السُورَةِ- فَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ وغَيْرُهُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وجَماعَةٌ: هي الخَلَفُ الَّذِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ، وذَلِكَ نَصٌّ في حَدِيثِ المَلَكَيْنِ، إذْ يَقُولُ أحَدُهُما: «اللهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.» وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ: (p-٦٣٥)الحُسْنى: الجَنَّةُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الحُسْنى: الأجْرُ والثَوابُ مُجْمَلًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ مَعْناهُ: سَيَظْهَرُ تَيْسِيرُنا بِما يَتَدَرَّجُ فِيهِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، وخَتْمُ تَيْسِيرِهِ قَدْ كانَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أزَلًا، و"اليُسْرى": الحالُ الحَسَنَةُ المَرْضِيَّةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، و"العُسْرى" الحالُ السَيِّئَةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ ولا بُدَّ ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" في المالِ خاصَّةً جَعَلَ "اسْتَغْنى" في المالِ أيْضًا لِتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" عامًّا في جَمِيعِ ما يَنْبَغِي أنْ نَبْذُلَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ قالَ: "اسْتَغْنى" عَنِ اللهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ بِزَعْمِهِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مَوْضِعِ غَناءِ مالِهِ عنهُ وقْتَ تَرَدِّيهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإعْطاءَ والبُخْلَ المَذْكُورَيْنِ إنَّما هُما في المالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "تَرَدّى"- فَقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ: مَعْناهُ: تَرَدّى في جَهَنَّمَ، أيْ سَقَطَ مِن حافاتِها، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَرَدّى" مَعْناهُ: هَلَكَ مِنَ الرَدى، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: تَرَدّى بِأكْفانِهِ مِنَ الرِداءِ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ:
؎ وخُطّا بِأطْرافِ الأسِنَّةِ مَضْجَعِي ∗∗∗ ورُدّا عَلى عَيْنِي فَضْلُ رِدائِيا
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تُلْوى فِيهِما وحَنُوطُ
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَلَيْهِ هُدى الناسِ جَمِيعًا، أيْ تَعْرِيفُهم بِالسُبُلِ كُلِّها، ومَنحِهِمُ الإدْراكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ﴾ [النحل: ٩]، ثُمَّ كُلُّ أحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكَسَّبُ ما قُدِّرَ لَهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الهِدايَةُ بِالإرْشادِ إلى الإيمانِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ. ثُمَّ (p-٦٣٦)أخْبَرَ تَعالى أنَّ الآخِرَةَ والأُولى أيُّ الدارَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ إمّا مُخاطَبَةً مِنهُ سُبْحانَهُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "تَلَظّى" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِشَدِّ التاءِ وإدْغامِ الراءِ فِيها، وقَرَأها كَذَلِكَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا "تَتَلَظّى" بِتاءَيْنِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وطَلْحَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾، أيْ: لا يَصْلاها صُلِيَّ خُلُودٍ، ومِن هُنا ضَلَّتِ المُرْجِئَةُ لِأنَّها أخَذَتْ نَفْيَ الصُلِيِّ مُطْلَقًا في قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ. و"الأشْقى" هُنا-: الكافِرُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِي كَذَبَ"، والعَرَبُ تَجْعَلُ "أفْعَلُ" في مَوْضِعِ "فاعِلٍ" مُبالَغَةً، كَما قالَ طَرَفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوحَدِ
(p-٦٣٧)وَلَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ التَأْوِيلِ أنَّ المُرادَ بِـ "الأتْقى" إلى آخِرِ السُورَةِ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ في هَذِهِ الصِفاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "يَتَزَكّى" مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُ ويَتَنَمّى، وظاهِرُ هَذا الإتْيانِ أنَّهُ في المَندُوباتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ﴾ الآيَةُ...مَعْناهُ: ولَيْسَ إعْطاؤُهُ لِيَجْزِيَ نِعَمًا قَدْ أُنْزِلَتْ إلَيْهِ، بَلْ هو مُبْتَدِئٌ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ تَعالى.
ورُوِيَ في سَبَبِ هَذا أنَّ قُرَيْشًا قالُوا -لَمّا أعْتَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِلالًا - كانَتْ لِبِلالٍ يَدٌ عِنْدَهُ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى: ولَيْسَ يُعْطِي لِيُثابَ نِعَمًا يَجْزِي بِها يَوْمًا ويَنْتَظِرُ ثَوابَها، وحَوَّمَ في هَذا المَعْنى وحَلَّقَ بِتَطْوِيلٍ غَيْرِ مُغْنٍ، ويَتَّجِهُ المَعْنى الَّذِي أرادَ بِأيْسَرَ مِن قَوْلِهِ، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ إعْطاءٌ لِيَقَعَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ الأحَدِ جَزاءٌ بَعْدُ، هو لِمُجَرَّدِ ثَوابِ اللهِ تَعالى وجَزائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا ابْتِغاءَ" نُصِبَ بِالِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وفِيهِ نَظَرٌ، والِابْتِغاءُ: الطَلَبُ، ثُمَّ وعَدَهُ تَعالى بِالرِضا في الآخِرَةِ، وهَذِهِ عِدَةٌ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقَرَأ "يُرْضى" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وهَذِهِ الآيَةُ تُشْبِهُ الرِضا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] الآيَة.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [اللَيْلِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الليل 92:17
(p-٦٣٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ اللَيْلِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ وقِيلَ هي مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ فِيها مَدَّنِيٌّ وعَدَدُها عِشْرُونَ آيَةً بِإجْماعٍ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿واللَيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَهارِ إذا تَجَلّى﴾ ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وَما يُغْنِي عنهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾
أقْسَمَ اللهُ بِاللَيْلِ إذا غَشى الأرْضَ وجَمِيعَ ما فِيها، وبِالنَهارِ إذا تَجَلّى أيْ ظَهَرَ وضَوى الآفاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَجَلّى السُرى مِن وجْهِهِ عن صَبِيحَةٍ عَلى السَيْرِ مِشْراقٌ كَرِيمٌ شُجُونُها
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" كَما قالَتِ العَرَبُ: "سُبْحانَ ما سَبَّحَ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: يَقُولُونَ لِلرَّعْدِ: (p-٦٣٣)"سُبْحانَ ما سَبَّحْتَ لَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، وهو مَذْهَبُ الزَجّاجِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الصَحابَةِ: "وَما خَلَقَ الذَكَرَ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وسَمِعَها مِنَ النَبِيِّ ﷺ- وعَلْقَمَةُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "والذَكَرِ والأُنْثى"، وسَقَطَ عِنْدَهم "وَما خَلَقَ"، وذَكَرَ ثَعْلَبٌ أنَّ مِنَ السَلَفِ مَن قَرَأ "وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى" بِخَفْضِ "الذَكَرِ" عَلى البَدَلِ مِن "ما" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وما خَلَقَ اللهُ وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمَن ذَكَرَ" تَشْهَدُ لِهَذِهِ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ هُنا بِالذَكَرَ والأُنْثى آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو عامٌّ.
و"السَعْيُ": العَمَلُ، فَأخْبَرَ تَعالى مُقْسِمًا أنَّ أعْمالَ العِبادِ شَتّى، أيْ مُفْتَرِقَةً جِدًّا، بَعْضُها في رِضى اللهِ تَعالى وبَعْضُها في سُخْطِهِ. ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الساعِينَ، فَذَكَرَ أنَّ مَن أعْطى -وَظاهِرُ ذَلِكَ إعْطاءُ المالِ، وهي أيْضًا تَتَناوَلُ إعْطاءَ الحَقِّ في كُلِّ شَيْءٍ، قَوْلٍ أو فِعْلٍ، وكَذَلِكَ البُخْلُ المَذْكُورُ بَعْدُ، يَكُونُ بِالإيمانِ وغَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي حَقُّ الشَرِيعَةِ أنْ لا يَبْخَلَ بِها.
ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُعْتِقُ ضَعْفَةَ العَبِيدِ الَّذِينَ أسْلَمُوا، وكانَ يُنْفِقُ في رِضى رَسُولِ اللهِ ﷺ مالَهُ، وكانَ الكَفّارُ بِضِدِّ (p-٦٣٤)ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ إنَّ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أوفى: هَذِهِ السُورَةُ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَرَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى أبِي سُفْيانَ وهو يُعَذِّبُ بِلالًا، فاشْتَراهُ مِنهُ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ أبِي الدَحْداحِ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ «أنَّ نَخْلَةً لِبَعْضِ المُنافِقِينَ كانَتْ مُطِلَّةً عَلى دارِ امْرَأةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَها أيْتامٌ، فَكانَ الثَمَرُ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ فَيَأْكُلُونَهُ فَمَنَعَهُمُ المُنافِقُ مِن ذَلِكَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِعْنِيها بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: لا أفْعَلُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا الدَحْداحِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ واشْتَرى مِنهُ النَخْلَةَ بِحائِطٍ لَهُ، وجاءَ إلى النَبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ أنا أشْتَرِي النَخْلَةَ في الجَنَّةِ بِهَذِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُرُّ عَلى الحائِطِ الَّذِي أعْطى أبُو الدَحْداحِ، وقَدْ تَعَلَّقَتْ أقْناؤُهُ ويَقُولُ: "وَكَمْ قِنْوٍ تَعَلَّقَ لِأبِي الدَحْداحِ في الجَنَّةِ،» وفي البُخارِيِّ أنَّ هَذا اللَفْظَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ في الأقْناءِ الَّتِي كانَ أبُو الدَحْداحِ يُعَلِّقُها في المَسْجِدِ صَدَقَةً، وهَذا كُلُّهُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: بَعْضُ السُورَةِ مَدَنِيٌّ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الحُسْنى" في هَذِهِ السُورَةِ- فَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ وغَيْرُهُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وجَماعَةٌ: هي الخَلَفُ الَّذِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ، وذَلِكَ نَصٌّ في حَدِيثِ المَلَكَيْنِ، إذْ يَقُولُ أحَدُهُما: «اللهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.» وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ: (p-٦٣٥)الحُسْنى: الجَنَّةُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الحُسْنى: الأجْرُ والثَوابُ مُجْمَلًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ مَعْناهُ: سَيَظْهَرُ تَيْسِيرُنا بِما يَتَدَرَّجُ فِيهِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، وخَتْمُ تَيْسِيرِهِ قَدْ كانَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أزَلًا، و"اليُسْرى": الحالُ الحَسَنَةُ المَرْضِيَّةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، و"العُسْرى" الحالُ السَيِّئَةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ ولا بُدَّ ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" في المالِ خاصَّةً جَعَلَ "اسْتَغْنى" في المالِ أيْضًا لِتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" عامًّا في جَمِيعِ ما يَنْبَغِي أنْ نَبْذُلَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ قالَ: "اسْتَغْنى" عَنِ اللهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ بِزَعْمِهِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مَوْضِعِ غَناءِ مالِهِ عنهُ وقْتَ تَرَدِّيهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإعْطاءَ والبُخْلَ المَذْكُورَيْنِ إنَّما هُما في المالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "تَرَدّى"- فَقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ: مَعْناهُ: تَرَدّى في جَهَنَّمَ، أيْ سَقَطَ مِن حافاتِها، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَرَدّى" مَعْناهُ: هَلَكَ مِنَ الرَدى، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: تَرَدّى بِأكْفانِهِ مِنَ الرِداءِ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ:
؎ وخُطّا بِأطْرافِ الأسِنَّةِ مَضْجَعِي ∗∗∗ ورُدّا عَلى عَيْنِي فَضْلُ رِدائِيا
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تُلْوى فِيهِما وحَنُوطُ
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَلَيْهِ هُدى الناسِ جَمِيعًا، أيْ تَعْرِيفُهم بِالسُبُلِ كُلِّها، ومَنحِهِمُ الإدْراكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ﴾ [النحل: ٩]، ثُمَّ كُلُّ أحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكَسَّبُ ما قُدِّرَ لَهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الهِدايَةُ بِالإرْشادِ إلى الإيمانِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ. ثُمَّ (p-٦٣٦)أخْبَرَ تَعالى أنَّ الآخِرَةَ والأُولى أيُّ الدارَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ إمّا مُخاطَبَةً مِنهُ سُبْحانَهُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "تَلَظّى" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِشَدِّ التاءِ وإدْغامِ الراءِ فِيها، وقَرَأها كَذَلِكَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا "تَتَلَظّى" بِتاءَيْنِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وطَلْحَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾، أيْ: لا يَصْلاها صُلِيَّ خُلُودٍ، ومِن هُنا ضَلَّتِ المُرْجِئَةُ لِأنَّها أخَذَتْ نَفْيَ الصُلِيِّ مُطْلَقًا في قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ. و"الأشْقى" هُنا-: الكافِرُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِي كَذَبَ"، والعَرَبُ تَجْعَلُ "أفْعَلُ" في مَوْضِعِ "فاعِلٍ" مُبالَغَةً، كَما قالَ طَرَفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوحَدِ
(p-٦٣٧)وَلَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ التَأْوِيلِ أنَّ المُرادَ بِـ "الأتْقى" إلى آخِرِ السُورَةِ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ في هَذِهِ الصِفاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "يَتَزَكّى" مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُ ويَتَنَمّى، وظاهِرُ هَذا الإتْيانِ أنَّهُ في المَندُوباتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ﴾ الآيَةُ...مَعْناهُ: ولَيْسَ إعْطاؤُهُ لِيَجْزِيَ نِعَمًا قَدْ أُنْزِلَتْ إلَيْهِ، بَلْ هو مُبْتَدِئٌ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ تَعالى.
ورُوِيَ في سَبَبِ هَذا أنَّ قُرَيْشًا قالُوا -لَمّا أعْتَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِلالًا - كانَتْ لِبِلالٍ يَدٌ عِنْدَهُ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى: ولَيْسَ يُعْطِي لِيُثابَ نِعَمًا يَجْزِي بِها يَوْمًا ويَنْتَظِرُ ثَوابَها، وحَوَّمَ في هَذا المَعْنى وحَلَّقَ بِتَطْوِيلٍ غَيْرِ مُغْنٍ، ويَتَّجِهُ المَعْنى الَّذِي أرادَ بِأيْسَرَ مِن قَوْلِهِ، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ إعْطاءٌ لِيَقَعَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ الأحَدِ جَزاءٌ بَعْدُ، هو لِمُجَرَّدِ ثَوابِ اللهِ تَعالى وجَزائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا ابْتِغاءَ" نُصِبَ بِالِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وفِيهِ نَظَرٌ، والِابْتِغاءُ: الطَلَبُ، ثُمَّ وعَدَهُ تَعالى بِالرِضا في الآخِرَةِ، وهَذِهِ عِدَةٌ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقَرَأ "يُرْضى" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وهَذِهِ الآيَةُ تُشْبِهُ الرِضا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] الآيَة.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [اللَيْلِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الليل 92:18
(p-٦٣٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ اللَيْلِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ وقِيلَ هي مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ فِيها مَدَّنِيٌّ وعَدَدُها عِشْرُونَ آيَةً بِإجْماعٍ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿واللَيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَهارِ إذا تَجَلّى﴾ ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وَما يُغْنِي عنهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾
أقْسَمَ اللهُ بِاللَيْلِ إذا غَشى الأرْضَ وجَمِيعَ ما فِيها، وبِالنَهارِ إذا تَجَلّى أيْ ظَهَرَ وضَوى الآفاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَجَلّى السُرى مِن وجْهِهِ عن صَبِيحَةٍ عَلى السَيْرِ مِشْراقٌ كَرِيمٌ شُجُونُها
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" كَما قالَتِ العَرَبُ: "سُبْحانَ ما سَبَّحَ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: يَقُولُونَ لِلرَّعْدِ: (p-٦٣٣)"سُبْحانَ ما سَبَّحْتَ لَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، وهو مَذْهَبُ الزَجّاجِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الصَحابَةِ: "وَما خَلَقَ الذَكَرَ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وسَمِعَها مِنَ النَبِيِّ ﷺ- وعَلْقَمَةُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "والذَكَرِ والأُنْثى"، وسَقَطَ عِنْدَهم "وَما خَلَقَ"، وذَكَرَ ثَعْلَبٌ أنَّ مِنَ السَلَفِ مَن قَرَأ "وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى" بِخَفْضِ "الذَكَرِ" عَلى البَدَلِ مِن "ما" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وما خَلَقَ اللهُ وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمَن ذَكَرَ" تَشْهَدُ لِهَذِهِ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ هُنا بِالذَكَرَ والأُنْثى آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو عامٌّ.
و"السَعْيُ": العَمَلُ، فَأخْبَرَ تَعالى مُقْسِمًا أنَّ أعْمالَ العِبادِ شَتّى، أيْ مُفْتَرِقَةً جِدًّا، بَعْضُها في رِضى اللهِ تَعالى وبَعْضُها في سُخْطِهِ. ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الساعِينَ، فَذَكَرَ أنَّ مَن أعْطى -وَظاهِرُ ذَلِكَ إعْطاءُ المالِ، وهي أيْضًا تَتَناوَلُ إعْطاءَ الحَقِّ في كُلِّ شَيْءٍ، قَوْلٍ أو فِعْلٍ، وكَذَلِكَ البُخْلُ المَذْكُورُ بَعْدُ، يَكُونُ بِالإيمانِ وغَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي حَقُّ الشَرِيعَةِ أنْ لا يَبْخَلَ بِها.
ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُعْتِقُ ضَعْفَةَ العَبِيدِ الَّذِينَ أسْلَمُوا، وكانَ يُنْفِقُ في رِضى رَسُولِ اللهِ ﷺ مالَهُ، وكانَ الكَفّارُ بِضِدِّ (p-٦٣٤)ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ إنَّ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أوفى: هَذِهِ السُورَةُ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَرَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى أبِي سُفْيانَ وهو يُعَذِّبُ بِلالًا، فاشْتَراهُ مِنهُ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ أبِي الدَحْداحِ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ «أنَّ نَخْلَةً لِبَعْضِ المُنافِقِينَ كانَتْ مُطِلَّةً عَلى دارِ امْرَأةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَها أيْتامٌ، فَكانَ الثَمَرُ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ فَيَأْكُلُونَهُ فَمَنَعَهُمُ المُنافِقُ مِن ذَلِكَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِعْنِيها بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: لا أفْعَلُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا الدَحْداحِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ واشْتَرى مِنهُ النَخْلَةَ بِحائِطٍ لَهُ، وجاءَ إلى النَبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ أنا أشْتَرِي النَخْلَةَ في الجَنَّةِ بِهَذِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُرُّ عَلى الحائِطِ الَّذِي أعْطى أبُو الدَحْداحِ، وقَدْ تَعَلَّقَتْ أقْناؤُهُ ويَقُولُ: "وَكَمْ قِنْوٍ تَعَلَّقَ لِأبِي الدَحْداحِ في الجَنَّةِ،» وفي البُخارِيِّ أنَّ هَذا اللَفْظَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ في الأقْناءِ الَّتِي كانَ أبُو الدَحْداحِ يُعَلِّقُها في المَسْجِدِ صَدَقَةً، وهَذا كُلُّهُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: بَعْضُ السُورَةِ مَدَنِيٌّ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الحُسْنى" في هَذِهِ السُورَةِ- فَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ وغَيْرُهُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وجَماعَةٌ: هي الخَلَفُ الَّذِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ، وذَلِكَ نَصٌّ في حَدِيثِ المَلَكَيْنِ، إذْ يَقُولُ أحَدُهُما: «اللهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.» وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ: (p-٦٣٥)الحُسْنى: الجَنَّةُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الحُسْنى: الأجْرُ والثَوابُ مُجْمَلًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ مَعْناهُ: سَيَظْهَرُ تَيْسِيرُنا بِما يَتَدَرَّجُ فِيهِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، وخَتْمُ تَيْسِيرِهِ قَدْ كانَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أزَلًا، و"اليُسْرى": الحالُ الحَسَنَةُ المَرْضِيَّةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، و"العُسْرى" الحالُ السَيِّئَةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ ولا بُدَّ ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" في المالِ خاصَّةً جَعَلَ "اسْتَغْنى" في المالِ أيْضًا لِتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" عامًّا في جَمِيعِ ما يَنْبَغِي أنْ نَبْذُلَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ قالَ: "اسْتَغْنى" عَنِ اللهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ بِزَعْمِهِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مَوْضِعِ غَناءِ مالِهِ عنهُ وقْتَ تَرَدِّيهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإعْطاءَ والبُخْلَ المَذْكُورَيْنِ إنَّما هُما في المالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "تَرَدّى"- فَقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ: مَعْناهُ: تَرَدّى في جَهَنَّمَ، أيْ سَقَطَ مِن حافاتِها، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَرَدّى" مَعْناهُ: هَلَكَ مِنَ الرَدى، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: تَرَدّى بِأكْفانِهِ مِنَ الرِداءِ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ:
؎ وخُطّا بِأطْرافِ الأسِنَّةِ مَضْجَعِي ∗∗∗ ورُدّا عَلى عَيْنِي فَضْلُ رِدائِيا
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تُلْوى فِيهِما وحَنُوطُ
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَلَيْهِ هُدى الناسِ جَمِيعًا، أيْ تَعْرِيفُهم بِالسُبُلِ كُلِّها، ومَنحِهِمُ الإدْراكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ﴾ [النحل: ٩]، ثُمَّ كُلُّ أحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكَسَّبُ ما قُدِّرَ لَهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الهِدايَةُ بِالإرْشادِ إلى الإيمانِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ. ثُمَّ (p-٦٣٦)أخْبَرَ تَعالى أنَّ الآخِرَةَ والأُولى أيُّ الدارَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ إمّا مُخاطَبَةً مِنهُ سُبْحانَهُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "تَلَظّى" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِشَدِّ التاءِ وإدْغامِ الراءِ فِيها، وقَرَأها كَذَلِكَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا "تَتَلَظّى" بِتاءَيْنِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وطَلْحَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾، أيْ: لا يَصْلاها صُلِيَّ خُلُودٍ، ومِن هُنا ضَلَّتِ المُرْجِئَةُ لِأنَّها أخَذَتْ نَفْيَ الصُلِيِّ مُطْلَقًا في قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ. و"الأشْقى" هُنا-: الكافِرُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِي كَذَبَ"، والعَرَبُ تَجْعَلُ "أفْعَلُ" في مَوْضِعِ "فاعِلٍ" مُبالَغَةً، كَما قالَ طَرَفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوحَدِ
(p-٦٣٧)وَلَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ التَأْوِيلِ أنَّ المُرادَ بِـ "الأتْقى" إلى آخِرِ السُورَةِ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ في هَذِهِ الصِفاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "يَتَزَكّى" مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُ ويَتَنَمّى، وظاهِرُ هَذا الإتْيانِ أنَّهُ في المَندُوباتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ﴾ الآيَةُ...مَعْناهُ: ولَيْسَ إعْطاؤُهُ لِيَجْزِيَ نِعَمًا قَدْ أُنْزِلَتْ إلَيْهِ، بَلْ هو مُبْتَدِئٌ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ تَعالى.
ورُوِيَ في سَبَبِ هَذا أنَّ قُرَيْشًا قالُوا -لَمّا أعْتَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِلالًا - كانَتْ لِبِلالٍ يَدٌ عِنْدَهُ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى: ولَيْسَ يُعْطِي لِيُثابَ نِعَمًا يَجْزِي بِها يَوْمًا ويَنْتَظِرُ ثَوابَها، وحَوَّمَ في هَذا المَعْنى وحَلَّقَ بِتَطْوِيلٍ غَيْرِ مُغْنٍ، ويَتَّجِهُ المَعْنى الَّذِي أرادَ بِأيْسَرَ مِن قَوْلِهِ، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ إعْطاءٌ لِيَقَعَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ الأحَدِ جَزاءٌ بَعْدُ، هو لِمُجَرَّدِ ثَوابِ اللهِ تَعالى وجَزائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا ابْتِغاءَ" نُصِبَ بِالِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وفِيهِ نَظَرٌ، والِابْتِغاءُ: الطَلَبُ، ثُمَّ وعَدَهُ تَعالى بِالرِضا في الآخِرَةِ، وهَذِهِ عِدَةٌ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقَرَأ "يُرْضى" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وهَذِهِ الآيَةُ تُشْبِهُ الرِضا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] الآيَة.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [اللَيْلِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الليل 92:19
(p-٦٣٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ اللَيْلِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ وقِيلَ هي مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ فِيها مَدَّنِيٌّ وعَدَدُها عِشْرُونَ آيَةً بِإجْماعٍ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿واللَيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَهارِ إذا تَجَلّى﴾ ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وَما يُغْنِي عنهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾
أقْسَمَ اللهُ بِاللَيْلِ إذا غَشى الأرْضَ وجَمِيعَ ما فِيها، وبِالنَهارِ إذا تَجَلّى أيْ ظَهَرَ وضَوى الآفاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَجَلّى السُرى مِن وجْهِهِ عن صَبِيحَةٍ عَلى السَيْرِ مِشْراقٌ كَرِيمٌ شُجُونُها
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" كَما قالَتِ العَرَبُ: "سُبْحانَ ما سَبَّحَ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: يَقُولُونَ لِلرَّعْدِ: (p-٦٣٣)"سُبْحانَ ما سَبَّحْتَ لَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، وهو مَذْهَبُ الزَجّاجِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الصَحابَةِ: "وَما خَلَقَ الذَكَرَ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وسَمِعَها مِنَ النَبِيِّ ﷺ- وعَلْقَمَةُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "والذَكَرِ والأُنْثى"، وسَقَطَ عِنْدَهم "وَما خَلَقَ"، وذَكَرَ ثَعْلَبٌ أنَّ مِنَ السَلَفِ مَن قَرَأ "وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى" بِخَفْضِ "الذَكَرِ" عَلى البَدَلِ مِن "ما" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وما خَلَقَ اللهُ وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمَن ذَكَرَ" تَشْهَدُ لِهَذِهِ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ هُنا بِالذَكَرَ والأُنْثى آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو عامٌّ.
و"السَعْيُ": العَمَلُ، فَأخْبَرَ تَعالى مُقْسِمًا أنَّ أعْمالَ العِبادِ شَتّى، أيْ مُفْتَرِقَةً جِدًّا، بَعْضُها في رِضى اللهِ تَعالى وبَعْضُها في سُخْطِهِ. ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الساعِينَ، فَذَكَرَ أنَّ مَن أعْطى -وَظاهِرُ ذَلِكَ إعْطاءُ المالِ، وهي أيْضًا تَتَناوَلُ إعْطاءَ الحَقِّ في كُلِّ شَيْءٍ، قَوْلٍ أو فِعْلٍ، وكَذَلِكَ البُخْلُ المَذْكُورُ بَعْدُ، يَكُونُ بِالإيمانِ وغَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي حَقُّ الشَرِيعَةِ أنْ لا يَبْخَلَ بِها.
ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُعْتِقُ ضَعْفَةَ العَبِيدِ الَّذِينَ أسْلَمُوا، وكانَ يُنْفِقُ في رِضى رَسُولِ اللهِ ﷺ مالَهُ، وكانَ الكَفّارُ بِضِدِّ (p-٦٣٤)ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ إنَّ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أوفى: هَذِهِ السُورَةُ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَرَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى أبِي سُفْيانَ وهو يُعَذِّبُ بِلالًا، فاشْتَراهُ مِنهُ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ أبِي الدَحْداحِ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ «أنَّ نَخْلَةً لِبَعْضِ المُنافِقِينَ كانَتْ مُطِلَّةً عَلى دارِ امْرَأةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَها أيْتامٌ، فَكانَ الثَمَرُ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ فَيَأْكُلُونَهُ فَمَنَعَهُمُ المُنافِقُ مِن ذَلِكَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِعْنِيها بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: لا أفْعَلُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا الدَحْداحِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ واشْتَرى مِنهُ النَخْلَةَ بِحائِطٍ لَهُ، وجاءَ إلى النَبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ أنا أشْتَرِي النَخْلَةَ في الجَنَّةِ بِهَذِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُرُّ عَلى الحائِطِ الَّذِي أعْطى أبُو الدَحْداحِ، وقَدْ تَعَلَّقَتْ أقْناؤُهُ ويَقُولُ: "وَكَمْ قِنْوٍ تَعَلَّقَ لِأبِي الدَحْداحِ في الجَنَّةِ،» وفي البُخارِيِّ أنَّ هَذا اللَفْظَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ في الأقْناءِ الَّتِي كانَ أبُو الدَحْداحِ يُعَلِّقُها في المَسْجِدِ صَدَقَةً، وهَذا كُلُّهُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: بَعْضُ السُورَةِ مَدَنِيٌّ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الحُسْنى" في هَذِهِ السُورَةِ- فَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ وغَيْرُهُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وجَماعَةٌ: هي الخَلَفُ الَّذِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ، وذَلِكَ نَصٌّ في حَدِيثِ المَلَكَيْنِ، إذْ يَقُولُ أحَدُهُما: «اللهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.» وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ: (p-٦٣٥)الحُسْنى: الجَنَّةُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الحُسْنى: الأجْرُ والثَوابُ مُجْمَلًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ مَعْناهُ: سَيَظْهَرُ تَيْسِيرُنا بِما يَتَدَرَّجُ فِيهِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، وخَتْمُ تَيْسِيرِهِ قَدْ كانَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أزَلًا، و"اليُسْرى": الحالُ الحَسَنَةُ المَرْضِيَّةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، و"العُسْرى" الحالُ السَيِّئَةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ ولا بُدَّ ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" في المالِ خاصَّةً جَعَلَ "اسْتَغْنى" في المالِ أيْضًا لِتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" عامًّا في جَمِيعِ ما يَنْبَغِي أنْ نَبْذُلَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ قالَ: "اسْتَغْنى" عَنِ اللهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ بِزَعْمِهِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مَوْضِعِ غَناءِ مالِهِ عنهُ وقْتَ تَرَدِّيهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإعْطاءَ والبُخْلَ المَذْكُورَيْنِ إنَّما هُما في المالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "تَرَدّى"- فَقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ: مَعْناهُ: تَرَدّى في جَهَنَّمَ، أيْ سَقَطَ مِن حافاتِها، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَرَدّى" مَعْناهُ: هَلَكَ مِنَ الرَدى، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: تَرَدّى بِأكْفانِهِ مِنَ الرِداءِ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ:
؎ وخُطّا بِأطْرافِ الأسِنَّةِ مَضْجَعِي ∗∗∗ ورُدّا عَلى عَيْنِي فَضْلُ رِدائِيا
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تُلْوى فِيهِما وحَنُوطُ
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَلَيْهِ هُدى الناسِ جَمِيعًا، أيْ تَعْرِيفُهم بِالسُبُلِ كُلِّها، ومَنحِهِمُ الإدْراكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ﴾ [النحل: ٩]، ثُمَّ كُلُّ أحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكَسَّبُ ما قُدِّرَ لَهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الهِدايَةُ بِالإرْشادِ إلى الإيمانِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ. ثُمَّ (p-٦٣٦)أخْبَرَ تَعالى أنَّ الآخِرَةَ والأُولى أيُّ الدارَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ إمّا مُخاطَبَةً مِنهُ سُبْحانَهُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "تَلَظّى" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِشَدِّ التاءِ وإدْغامِ الراءِ فِيها، وقَرَأها كَذَلِكَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا "تَتَلَظّى" بِتاءَيْنِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وطَلْحَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾، أيْ: لا يَصْلاها صُلِيَّ خُلُودٍ، ومِن هُنا ضَلَّتِ المُرْجِئَةُ لِأنَّها أخَذَتْ نَفْيَ الصُلِيِّ مُطْلَقًا في قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ. و"الأشْقى" هُنا-: الكافِرُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِي كَذَبَ"، والعَرَبُ تَجْعَلُ "أفْعَلُ" في مَوْضِعِ "فاعِلٍ" مُبالَغَةً، كَما قالَ طَرَفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوحَدِ
(p-٦٣٧)وَلَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ التَأْوِيلِ أنَّ المُرادَ بِـ "الأتْقى" إلى آخِرِ السُورَةِ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ في هَذِهِ الصِفاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "يَتَزَكّى" مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُ ويَتَنَمّى، وظاهِرُ هَذا الإتْيانِ أنَّهُ في المَندُوباتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ﴾ الآيَةُ...مَعْناهُ: ولَيْسَ إعْطاؤُهُ لِيَجْزِيَ نِعَمًا قَدْ أُنْزِلَتْ إلَيْهِ، بَلْ هو مُبْتَدِئٌ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ تَعالى.
ورُوِيَ في سَبَبِ هَذا أنَّ قُرَيْشًا قالُوا -لَمّا أعْتَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِلالًا - كانَتْ لِبِلالٍ يَدٌ عِنْدَهُ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى: ولَيْسَ يُعْطِي لِيُثابَ نِعَمًا يَجْزِي بِها يَوْمًا ويَنْتَظِرُ ثَوابَها، وحَوَّمَ في هَذا المَعْنى وحَلَّقَ بِتَطْوِيلٍ غَيْرِ مُغْنٍ، ويَتَّجِهُ المَعْنى الَّذِي أرادَ بِأيْسَرَ مِن قَوْلِهِ، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ إعْطاءٌ لِيَقَعَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ الأحَدِ جَزاءٌ بَعْدُ، هو لِمُجَرَّدِ ثَوابِ اللهِ تَعالى وجَزائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا ابْتِغاءَ" نُصِبَ بِالِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وفِيهِ نَظَرٌ، والِابْتِغاءُ: الطَلَبُ، ثُمَّ وعَدَهُ تَعالى بِالرِضا في الآخِرَةِ، وهَذِهِ عِدَةٌ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقَرَأ "يُرْضى" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وهَذِهِ الآيَةُ تُشْبِهُ الرِضا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] الآيَة.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [اللَيْلِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الليل 92:20
(p-٦٣٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ اللَيْلِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ وقِيلَ هي مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ فِيها مَدَّنِيٌّ وعَدَدُها عِشْرُونَ آيَةً بِإجْماعٍ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿واللَيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَهارِ إذا تَجَلّى﴾ ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وَما يُغْنِي عنهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾
أقْسَمَ اللهُ بِاللَيْلِ إذا غَشى الأرْضَ وجَمِيعَ ما فِيها، وبِالنَهارِ إذا تَجَلّى أيْ ظَهَرَ وضَوى الآفاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَجَلّى السُرى مِن وجْهِهِ عن صَبِيحَةٍ عَلى السَيْرِ مِشْراقٌ كَرِيمٌ شُجُونُها
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" كَما قالَتِ العَرَبُ: "سُبْحانَ ما سَبَّحَ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: يَقُولُونَ لِلرَّعْدِ: (p-٦٣٣)"سُبْحانَ ما سَبَّحْتَ لَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، وهو مَذْهَبُ الزَجّاجِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الصَحابَةِ: "وَما خَلَقَ الذَكَرَ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وسَمِعَها مِنَ النَبِيِّ ﷺ- وعَلْقَمَةُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "والذَكَرِ والأُنْثى"، وسَقَطَ عِنْدَهم "وَما خَلَقَ"، وذَكَرَ ثَعْلَبٌ أنَّ مِنَ السَلَفِ مَن قَرَأ "وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى" بِخَفْضِ "الذَكَرِ" عَلى البَدَلِ مِن "ما" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وما خَلَقَ اللهُ وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمَن ذَكَرَ" تَشْهَدُ لِهَذِهِ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ هُنا بِالذَكَرَ والأُنْثى آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو عامٌّ.
و"السَعْيُ": العَمَلُ، فَأخْبَرَ تَعالى مُقْسِمًا أنَّ أعْمالَ العِبادِ شَتّى، أيْ مُفْتَرِقَةً جِدًّا، بَعْضُها في رِضى اللهِ تَعالى وبَعْضُها في سُخْطِهِ. ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الساعِينَ، فَذَكَرَ أنَّ مَن أعْطى -وَظاهِرُ ذَلِكَ إعْطاءُ المالِ، وهي أيْضًا تَتَناوَلُ إعْطاءَ الحَقِّ في كُلِّ شَيْءٍ، قَوْلٍ أو فِعْلٍ، وكَذَلِكَ البُخْلُ المَذْكُورُ بَعْدُ، يَكُونُ بِالإيمانِ وغَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي حَقُّ الشَرِيعَةِ أنْ لا يَبْخَلَ بِها.
ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُعْتِقُ ضَعْفَةَ العَبِيدِ الَّذِينَ أسْلَمُوا، وكانَ يُنْفِقُ في رِضى رَسُولِ اللهِ ﷺ مالَهُ، وكانَ الكَفّارُ بِضِدِّ (p-٦٣٤)ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ إنَّ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أوفى: هَذِهِ السُورَةُ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَرَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى أبِي سُفْيانَ وهو يُعَذِّبُ بِلالًا، فاشْتَراهُ مِنهُ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ أبِي الدَحْداحِ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ «أنَّ نَخْلَةً لِبَعْضِ المُنافِقِينَ كانَتْ مُطِلَّةً عَلى دارِ امْرَأةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَها أيْتامٌ، فَكانَ الثَمَرُ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ فَيَأْكُلُونَهُ فَمَنَعَهُمُ المُنافِقُ مِن ذَلِكَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِعْنِيها بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: لا أفْعَلُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا الدَحْداحِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ واشْتَرى مِنهُ النَخْلَةَ بِحائِطٍ لَهُ، وجاءَ إلى النَبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ أنا أشْتَرِي النَخْلَةَ في الجَنَّةِ بِهَذِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُرُّ عَلى الحائِطِ الَّذِي أعْطى أبُو الدَحْداحِ، وقَدْ تَعَلَّقَتْ أقْناؤُهُ ويَقُولُ: "وَكَمْ قِنْوٍ تَعَلَّقَ لِأبِي الدَحْداحِ في الجَنَّةِ،» وفي البُخارِيِّ أنَّ هَذا اللَفْظَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ في الأقْناءِ الَّتِي كانَ أبُو الدَحْداحِ يُعَلِّقُها في المَسْجِدِ صَدَقَةً، وهَذا كُلُّهُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: بَعْضُ السُورَةِ مَدَنِيٌّ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الحُسْنى" في هَذِهِ السُورَةِ- فَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ وغَيْرُهُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وجَماعَةٌ: هي الخَلَفُ الَّذِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ، وذَلِكَ نَصٌّ في حَدِيثِ المَلَكَيْنِ، إذْ يَقُولُ أحَدُهُما: «اللهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.» وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ: (p-٦٣٥)الحُسْنى: الجَنَّةُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الحُسْنى: الأجْرُ والثَوابُ مُجْمَلًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ مَعْناهُ: سَيَظْهَرُ تَيْسِيرُنا بِما يَتَدَرَّجُ فِيهِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، وخَتْمُ تَيْسِيرِهِ قَدْ كانَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أزَلًا، و"اليُسْرى": الحالُ الحَسَنَةُ المَرْضِيَّةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، و"العُسْرى" الحالُ السَيِّئَةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ ولا بُدَّ ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" في المالِ خاصَّةً جَعَلَ "اسْتَغْنى" في المالِ أيْضًا لِتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" عامًّا في جَمِيعِ ما يَنْبَغِي أنْ نَبْذُلَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ قالَ: "اسْتَغْنى" عَنِ اللهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ بِزَعْمِهِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مَوْضِعِ غَناءِ مالِهِ عنهُ وقْتَ تَرَدِّيهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإعْطاءَ والبُخْلَ المَذْكُورَيْنِ إنَّما هُما في المالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "تَرَدّى"- فَقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ: مَعْناهُ: تَرَدّى في جَهَنَّمَ، أيْ سَقَطَ مِن حافاتِها، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَرَدّى" مَعْناهُ: هَلَكَ مِنَ الرَدى، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: تَرَدّى بِأكْفانِهِ مِنَ الرِداءِ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ:
؎ وخُطّا بِأطْرافِ الأسِنَّةِ مَضْجَعِي ∗∗∗ ورُدّا عَلى عَيْنِي فَضْلُ رِدائِيا
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تُلْوى فِيهِما وحَنُوطُ
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَلَيْهِ هُدى الناسِ جَمِيعًا، أيْ تَعْرِيفُهم بِالسُبُلِ كُلِّها، ومَنحِهِمُ الإدْراكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ﴾ [النحل: ٩]، ثُمَّ كُلُّ أحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكَسَّبُ ما قُدِّرَ لَهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الهِدايَةُ بِالإرْشادِ إلى الإيمانِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ. ثُمَّ (p-٦٣٦)أخْبَرَ تَعالى أنَّ الآخِرَةَ والأُولى أيُّ الدارَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ إمّا مُخاطَبَةً مِنهُ سُبْحانَهُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "تَلَظّى" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِشَدِّ التاءِ وإدْغامِ الراءِ فِيها، وقَرَأها كَذَلِكَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا "تَتَلَظّى" بِتاءَيْنِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وطَلْحَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾، أيْ: لا يَصْلاها صُلِيَّ خُلُودٍ، ومِن هُنا ضَلَّتِ المُرْجِئَةُ لِأنَّها أخَذَتْ نَفْيَ الصُلِيِّ مُطْلَقًا في قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ. و"الأشْقى" هُنا-: الكافِرُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِي كَذَبَ"، والعَرَبُ تَجْعَلُ "أفْعَلُ" في مَوْضِعِ "فاعِلٍ" مُبالَغَةً، كَما قالَ طَرَفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوحَدِ
(p-٦٣٧)وَلَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ التَأْوِيلِ أنَّ المُرادَ بِـ "الأتْقى" إلى آخِرِ السُورَةِ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ في هَذِهِ الصِفاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "يَتَزَكّى" مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُ ويَتَنَمّى، وظاهِرُ هَذا الإتْيانِ أنَّهُ في المَندُوباتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ﴾ الآيَةُ...مَعْناهُ: ولَيْسَ إعْطاؤُهُ لِيَجْزِيَ نِعَمًا قَدْ أُنْزِلَتْ إلَيْهِ، بَلْ هو مُبْتَدِئٌ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ تَعالى.
ورُوِيَ في سَبَبِ هَذا أنَّ قُرَيْشًا قالُوا -لَمّا أعْتَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِلالًا - كانَتْ لِبِلالٍ يَدٌ عِنْدَهُ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى: ولَيْسَ يُعْطِي لِيُثابَ نِعَمًا يَجْزِي بِها يَوْمًا ويَنْتَظِرُ ثَوابَها، وحَوَّمَ في هَذا المَعْنى وحَلَّقَ بِتَطْوِيلٍ غَيْرِ مُغْنٍ، ويَتَّجِهُ المَعْنى الَّذِي أرادَ بِأيْسَرَ مِن قَوْلِهِ، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ إعْطاءٌ لِيَقَعَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ الأحَدِ جَزاءٌ بَعْدُ، هو لِمُجَرَّدِ ثَوابِ اللهِ تَعالى وجَزائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا ابْتِغاءَ" نُصِبَ بِالِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وفِيهِ نَظَرٌ، والِابْتِغاءُ: الطَلَبُ، ثُمَّ وعَدَهُ تَعالى بِالرِضا في الآخِرَةِ، وهَذِهِ عِدَةٌ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقَرَأ "يُرْضى" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وهَذِهِ الآيَةُ تُشْبِهُ الرِضا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] الآيَة.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [اللَيْلِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الليل 92:21
(p-٦٣٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ اللَيْلِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ وقِيلَ هي مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ فِيها مَدَّنِيٌّ وعَدَدُها عِشْرُونَ آيَةً بِإجْماعٍ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿واللَيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَهارِ إذا تَجَلّى﴾ ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وَما يُغْنِي عنهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾
أقْسَمَ اللهُ بِاللَيْلِ إذا غَشى الأرْضَ وجَمِيعَ ما فِيها، وبِالنَهارِ إذا تَجَلّى أيْ ظَهَرَ وضَوى الآفاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَجَلّى السُرى مِن وجْهِهِ عن صَبِيحَةٍ عَلى السَيْرِ مِشْراقٌ كَرِيمٌ شُجُونُها
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" كَما قالَتِ العَرَبُ: "سُبْحانَ ما سَبَّحَ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: يَقُولُونَ لِلرَّعْدِ: (p-٦٣٣)"سُبْحانَ ما سَبَّحْتَ لَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، وهو مَذْهَبُ الزَجّاجِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الصَحابَةِ: "وَما خَلَقَ الذَكَرَ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وسَمِعَها مِنَ النَبِيِّ ﷺ- وعَلْقَمَةُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "والذَكَرِ والأُنْثى"، وسَقَطَ عِنْدَهم "وَما خَلَقَ"، وذَكَرَ ثَعْلَبٌ أنَّ مِنَ السَلَفِ مَن قَرَأ "وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى" بِخَفْضِ "الذَكَرِ" عَلى البَدَلِ مِن "ما" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وما خَلَقَ اللهُ وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمَن ذَكَرَ" تَشْهَدُ لِهَذِهِ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ هُنا بِالذَكَرَ والأُنْثى آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو عامٌّ.
و"السَعْيُ": العَمَلُ، فَأخْبَرَ تَعالى مُقْسِمًا أنَّ أعْمالَ العِبادِ شَتّى، أيْ مُفْتَرِقَةً جِدًّا، بَعْضُها في رِضى اللهِ تَعالى وبَعْضُها في سُخْطِهِ. ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الساعِينَ، فَذَكَرَ أنَّ مَن أعْطى -وَظاهِرُ ذَلِكَ إعْطاءُ المالِ، وهي أيْضًا تَتَناوَلُ إعْطاءَ الحَقِّ في كُلِّ شَيْءٍ، قَوْلٍ أو فِعْلٍ، وكَذَلِكَ البُخْلُ المَذْكُورُ بَعْدُ، يَكُونُ بِالإيمانِ وغَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي حَقُّ الشَرِيعَةِ أنْ لا يَبْخَلَ بِها.
ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُعْتِقُ ضَعْفَةَ العَبِيدِ الَّذِينَ أسْلَمُوا، وكانَ يُنْفِقُ في رِضى رَسُولِ اللهِ ﷺ مالَهُ، وكانَ الكَفّارُ بِضِدِّ (p-٦٣٤)ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ إنَّ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أوفى: هَذِهِ السُورَةُ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَرَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى أبِي سُفْيانَ وهو يُعَذِّبُ بِلالًا، فاشْتَراهُ مِنهُ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ أبِي الدَحْداحِ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ «أنَّ نَخْلَةً لِبَعْضِ المُنافِقِينَ كانَتْ مُطِلَّةً عَلى دارِ امْرَأةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَها أيْتامٌ، فَكانَ الثَمَرُ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ فَيَأْكُلُونَهُ فَمَنَعَهُمُ المُنافِقُ مِن ذَلِكَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِعْنِيها بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: لا أفْعَلُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا الدَحْداحِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ واشْتَرى مِنهُ النَخْلَةَ بِحائِطٍ لَهُ، وجاءَ إلى النَبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ أنا أشْتَرِي النَخْلَةَ في الجَنَّةِ بِهَذِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُرُّ عَلى الحائِطِ الَّذِي أعْطى أبُو الدَحْداحِ، وقَدْ تَعَلَّقَتْ أقْناؤُهُ ويَقُولُ: "وَكَمْ قِنْوٍ تَعَلَّقَ لِأبِي الدَحْداحِ في الجَنَّةِ،» وفي البُخارِيِّ أنَّ هَذا اللَفْظَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ في الأقْناءِ الَّتِي كانَ أبُو الدَحْداحِ يُعَلِّقُها في المَسْجِدِ صَدَقَةً، وهَذا كُلُّهُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: بَعْضُ السُورَةِ مَدَنِيٌّ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الحُسْنى" في هَذِهِ السُورَةِ- فَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ وغَيْرُهُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وجَماعَةٌ: هي الخَلَفُ الَّذِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ، وذَلِكَ نَصٌّ في حَدِيثِ المَلَكَيْنِ، إذْ يَقُولُ أحَدُهُما: «اللهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.» وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ: (p-٦٣٥)الحُسْنى: الجَنَّةُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الحُسْنى: الأجْرُ والثَوابُ مُجْمَلًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ مَعْناهُ: سَيَظْهَرُ تَيْسِيرُنا بِما يَتَدَرَّجُ فِيهِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، وخَتْمُ تَيْسِيرِهِ قَدْ كانَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أزَلًا، و"اليُسْرى": الحالُ الحَسَنَةُ المَرْضِيَّةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، و"العُسْرى" الحالُ السَيِّئَةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ ولا بُدَّ ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" في المالِ خاصَّةً جَعَلَ "اسْتَغْنى" في المالِ أيْضًا لِتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" عامًّا في جَمِيعِ ما يَنْبَغِي أنْ نَبْذُلَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ قالَ: "اسْتَغْنى" عَنِ اللهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ بِزَعْمِهِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مَوْضِعِ غَناءِ مالِهِ عنهُ وقْتَ تَرَدِّيهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإعْطاءَ والبُخْلَ المَذْكُورَيْنِ إنَّما هُما في المالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "تَرَدّى"- فَقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ: مَعْناهُ: تَرَدّى في جَهَنَّمَ، أيْ سَقَطَ مِن حافاتِها، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَرَدّى" مَعْناهُ: هَلَكَ مِنَ الرَدى، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: تَرَدّى بِأكْفانِهِ مِنَ الرِداءِ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ:
؎ وخُطّا بِأطْرافِ الأسِنَّةِ مَضْجَعِي ∗∗∗ ورُدّا عَلى عَيْنِي فَضْلُ رِدائِيا
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تُلْوى فِيهِما وحَنُوطُ
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَلَيْهِ هُدى الناسِ جَمِيعًا، أيْ تَعْرِيفُهم بِالسُبُلِ كُلِّها، ومَنحِهِمُ الإدْراكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ﴾ [النحل: ٩]، ثُمَّ كُلُّ أحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكَسَّبُ ما قُدِّرَ لَهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الهِدايَةُ بِالإرْشادِ إلى الإيمانِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ. ثُمَّ (p-٦٣٦)أخْبَرَ تَعالى أنَّ الآخِرَةَ والأُولى أيُّ الدارَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ إمّا مُخاطَبَةً مِنهُ سُبْحانَهُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "تَلَظّى" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِشَدِّ التاءِ وإدْغامِ الراءِ فِيها، وقَرَأها كَذَلِكَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا "تَتَلَظّى" بِتاءَيْنِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وطَلْحَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾، أيْ: لا يَصْلاها صُلِيَّ خُلُودٍ، ومِن هُنا ضَلَّتِ المُرْجِئَةُ لِأنَّها أخَذَتْ نَفْيَ الصُلِيِّ مُطْلَقًا في قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ. و"الأشْقى" هُنا-: الكافِرُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِي كَذَبَ"، والعَرَبُ تَجْعَلُ "أفْعَلُ" في مَوْضِعِ "فاعِلٍ" مُبالَغَةً، كَما قالَ طَرَفَةُ:
؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوحَدِ
(p-٦٣٧)وَلَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ التَأْوِيلِ أنَّ المُرادَ بِـ "الأتْقى" إلى آخِرِ السُورَةِ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ في هَذِهِ الصِفاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "يَتَزَكّى" مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُ ويَتَنَمّى، وظاهِرُ هَذا الإتْيانِ أنَّهُ في المَندُوباتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ﴾ الآيَةُ...مَعْناهُ: ولَيْسَ إعْطاؤُهُ لِيَجْزِيَ نِعَمًا قَدْ أُنْزِلَتْ إلَيْهِ، بَلْ هو مُبْتَدِئٌ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ تَعالى.
ورُوِيَ في سَبَبِ هَذا أنَّ قُرَيْشًا قالُوا -لَمّا أعْتَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِلالًا - كانَتْ لِبِلالٍ يَدٌ عِنْدَهُ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى: ولَيْسَ يُعْطِي لِيُثابَ نِعَمًا يَجْزِي بِها يَوْمًا ويَنْتَظِرُ ثَوابَها، وحَوَّمَ في هَذا المَعْنى وحَلَّقَ بِتَطْوِيلٍ غَيْرِ مُغْنٍ، ويَتَّجِهُ المَعْنى الَّذِي أرادَ بِأيْسَرَ مِن قَوْلِهِ، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ إعْطاءٌ لِيَقَعَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ الأحَدِ جَزاءٌ بَعْدُ، هو لِمُجَرَّدِ ثَوابِ اللهِ تَعالى وجَزائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا ابْتِغاءَ" نُصِبَ بِالِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وفِيهِ نَظَرٌ، والِابْتِغاءُ: الطَلَبُ، ثُمَّ وعَدَهُ تَعالى بِالرِضا في الآخِرَةِ، وهَذِهِ عِدَةٌ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقَرَأ "يُرْضى" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وهَذِهِ الآيَةُ تُشْبِهُ الرِضا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] الآيَة.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [اللَيْلِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الضحى 93:1
(p-٦٣٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الضُحى
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ الرُواةِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والضُحى﴾ ﴿واللَيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا السائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾
تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "الضُحى" بِأنَّهُ سُطُوعُ الضَوْءِ وعِظَمُهُ، وقالَ قَتادَةُ: الضُحى هُنا، النَهارُ كُلُّهُ، و"سَجى" مَعْناهُ سَكَنَ واسْتَقَرَّ لَيْلًا تامًّا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ "سَجى" مَعْناهُ أقْبَلَ، وقالَ آخَرُونَ:
مَعْناهُ أدْبَرَ والأوَّلُ أصَحُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَيْلُ الساجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَسّاجْ
ويُقالُ "بَحْرٌ ساجٍ" أيْ ساكِنٌ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ وما ذَنْبُنا إنْ جاشَ بِحْرُ ابْنُ عَمِّكم ∗∗∗ وبَحْرُكَ ساجٍ لا يُوارِي الدَعامِصا
(p-٦٣٩)"وَطَرَفٌ ساجٍ" إذا كانَ ساكِنًا غَيْرَ مُضْطَرِبِ النَظَرِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَدَّعَكَ" بِشَدِّ الدالِ، مِنَ التَوْدِيعِ، وقَرَأ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ وابْنُهُ هِشامٌ: "وَدَعَكَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، بِمَعْنى تَرْكَكَ و"قَلى" مَعْناهُ أبْغَضَ واخْتُلِفَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: «أبْطَأ الوَحْيُ مَرَّةً عن رَسُولِ اللهِ ﷺ وهو بِمَكَّةَ -اخْتَلَفَتْ في حَدِّها الرِواياتُ- حَتّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَجاءَتِ امْرَأةٌ مِنَ الكُفّارِ، وهي أُمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ، فَقالَتْ: يا مُحَمَّدُ، ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ تَرَكَكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.»
وقالَ ابْنٌ وهْبٍ عن رِجالٍ عن عُرْوَةَ بْنِ الزُبَيْرِ «أنَّ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: لَهُ ما أرى اللهَ إلّا قَدْ خَلّاكَ لِإفْراطِ جَزَعِكَ لِبُطْءِ الوَحْيِ عنكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ،» وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إنَّما احْتَبَسَ عنهُ جِبْرِيلُ لِجَرْوِ كَلْبٍ كانَ في بَيْتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الدارَيْنِ: الدُنْيا والآخِرَةُ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ حالَيْهِ في الدُنْيا قَبْلَ نُزُولِ السُورَةِ وبَعْدَها، فَوَعَدَهُ اللهُ تَعالى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِالنَصْرِ والظُهُورِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾، قالَ جُمْهُورُ الناسِ: ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ البَيْتِ هَذِهِ أرْجى آيَةً في القُرْآنِ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لا يَرْضى وواحِدٌ مِن أُمَّتِهِ في النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رِضاهُ أنْ لا يَدْخُلُ أحَدٌ مِن أهْلِ بَيْتِهِ في النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: رِضاهُ أنَّ اللهَ تَعالى وعَدَهُ بِألْفِ قَصْرٍ في الجَنَّةِ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ النِعَمِ والخَدَمِ، وقالَ (p-٦٤٠)بَعْضُ العُلَماءِ: رِضاهُ في الدُنْيا بِفَتْحِ مَكَّةَ وغَيْرِهِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَسَيُعْطِيكَ".
ثُمَّ وقَّفَهُ تَعالى عَلى المَراتِبِ الَّتِي دَرَجَهُ فِيها بِإنْعامِهِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ والمَعْنى: ألَمْ يَجِدْكَ تَحَفِّي اللهُ وإنْعامُهُ، ويُتْمُهُ كانَ فَقْدَ أبِيهِ وكَوْنُهُ في كَنَفِ عَمِّهِ أبِي طالِبٍ، وقِيلَ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصادِقِ: لَمْ يُتِمَّ النَبِيُّ ﷺ مِن أبَوَيْهِ؟ قالَ: لِئَلّا يَكُونُ عَلَيْهِ حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ. وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: "فَأوى" بِالقَصْرِ بِمَعْنى: رَحِمَ، يُقالُ: أوَيْتُ لِفُلانٍ، أيْ رَحِمْتُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا﴾ أيْ: وجَدَكَ إنْعامَهُ بِالنُبُوَّةِ والرِسالَةِ عَلى غَيْرِ الطَرِيقِ الَّتِي أنْتَ عَلَيْها في نُبُوَّتِكَ، فَهَدى، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ والضَحّاكِ وفِرْقَةٌ.
و"الضَلالُ" مُخْتَلِفٌ، فَمِنهُ البَعِيدُ ومِنهُ القَرِيبُ، فالبَعِيدُ ضَلالُ الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ويَحْتَجُّونَ لِذَلِكَ ويَغْتَبِطُونَ بِهِ، وكانَ هَذا الضَلالُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ أقْرَبَ ضَلالٍ، وهو الكَوْنُ واقِفًا لا يُمَيِّزُ المَهِيعَ، لا أنَّهُ تَمَسَّكَ بِطَرِيقِ أحَدٍ، بَلْ كانَ يَرْتادُ ويَنْظُرُ. وقالَ السُدِّيُّ: أقامَ عَلى أمْرِ قَوْمِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: مَعْنى "وَوَجَدَكَ ضالًّا": تُنْسَبُ إلى الضَلالِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ووَجَدَكَ في قَوْمِ ضَلالٍ، فَكَأنَّكَ واحِدٌ مِنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ورَسُولُ اللهِ ﷺ لَمْ يَعْبُدْ صَنَمًا قَطُّ، ولَكِنَّهُ أكَلَ ذَبائِحَهم حَسَبَ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو في أسْفَلِ بَلْدَحٍ، وجَرى عَلى يَسِيرٍ مِن أمْرِهِمْ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَنْظُرُ خَطَأ ما هم عَلَيْهِ، ودَفَعَ مِن عَرَفاتٍ وخالَفَهم في أشْياءَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو ضَلالُهُ وهو صَغِيرٌ في شِعابِ مَكَّةَ، ثُمَّ رَدَّهُ اللهُ تَعالى إلى جَدِّهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وقِيلَ: هو ضَلالُهُ مِن حَلِيمَةَ مُرْضِعَتِهِ، وقالَ التِرْمِذِيُّ، وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى: "ضالًا" خامِلَ الذِكْرِ لا يَعْرِفُكَ الناسُ، فَهُداهم إلَيْكَ رَبُّكَ، والصَوابُ أنَّهُ ضَلالٌ مِن تَوَقُّفٍ لا يَدْرِي، كَما (p-٦٤١)قالَ عَزَّ وجَلَّ: و﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢]. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ هو تَزْوِيجُهُ عَلَيْهِ السَلامُ بِنْتَهُ في الجاهِلِيَّةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
و"العائِلُ": الفَقِيرُ، وقَرَأ اليَمانِيُّ "عَيِّلًا" بِشَدِّ الياءِ المَكْسُورَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يُعِيلُ
وأعالَ: كَثُرَ عِيالُهُ، وعالَ: افْتَقَرَ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: ٢٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَأغْنى"﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ: رِضاكَ بِما أعْطاكَ مِنَ الرِزْقِ، وقِيلَ: فَقِيرًا إلَيْهِ فَأغْناكَ بِهِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ فَقْرُ المالِ وغِناهُ، والمَعْنى في النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ أغْنى الأغْنِياءِ بِالصَبْرِ والقَناعَةِ وقَدْ حُبِّبا وقِيلَ أُغْنِيَ بِالكَفافِ لِتَصَرّفِهِ في مالِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، ولَمْ يَكُنِ النَبِيُّ ﷺ قَطُّ كَثِيرَ المالِ، رَفَعَهُ اللهُ عن ذَلِكَ، وقالَ: « "لَيْسَ الغِنى عن كَثْرَةِ العَرَضِ، ولَكِنَّ الغِنى غِنى النَفْسِ".»
ولَمّا عَدَّدَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ هَذِهِ النِعَمَ الثَلاثَ وصّاهُ بِثَلاثِ وصايا، في كُلِّ نِعْمَةٍ وصِيَّةٌ مُناسِبَةٌ لَها، فَبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾، وبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأمّا السائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾، هَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ السائِلَ هُنا هو السائِلُ عَنِ العِلْمِ والدِينِ، ولَيْسَ بِسائِلِ المالِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وأبِي الدَرْداءِ وغَيْرِهِما، وبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، وأمّا مَن قالَ إنَّ السائِلَ سائِلُ المالِ المُحْتاجِ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ وجَماعَةٌ فَقَدْ جَعَلَها بِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا (p-٦٤٢)فَأغْنى﴾، وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ بِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾. وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: نِعْمَ القَوْمُ السُؤّالُ، يَحْمِلُونَ زادَنا إلى الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلا تَنْهَرْ" مَعْناهُ: رَدَّ رَدًّا جَمِيلًا، إمّا بِعَطاءٍ وإمّا بِقَوْلٍ حَسَنٍ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَوَجَدَكَ عَدِيمًا فَأغْنى"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والشَعْبِيُّ، وإبْراهِيمُ التَيْمِيُّ: "فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَكْهَرْ" بِالكافِ، قالَ الأخْفَشُ: هي بِمَعْنى القَهْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَقاكُمُ اللهُ سَطْوَةَ القادِرِ ومَلَكَةَ الكاهِرِ" وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا أظُنُّها بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ قَدْ قالَ الأعْرابِيُّ الَّذِي بالَ في المَسْجِدِ: "فَما كَهَرَنِي النَبِيُّ ﷺ، فَإنَّما هي بِمَعْنى الِانْتِهارِ.
وأمَرَهُ الله تَعالى بِالتَحَدُّثِ بِنِعْمَتِهِ، فَقالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: مَعْناهُ: بِثَّ القُرْآنَ وبَلِّغْ ما أُرْسِلْتَ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو عُمُومٌ في جَمِيعِ النِعَمِ، وكانَ بَعْضُ الصالِحِينَ يَقُولُ: لَقَدْ أعْطانِي اللهُ كَذا وكَذا، ولَقَدْ صَلَّيْتُ البارِحَةَ كَذا وكَذا، وذَكَرْتُ اللهَ تَعالى كَذا، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ مِثْلَكَ لا يَقُولُ هَذا، فَقالَ إنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ وأنْتُمْ تَقُولُونَ لا تُحَدِّثْ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "التَحَدُّثُ بِالنِعَمِ شُكْرٌ"،» ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أسْدَيْتُ إلَيْهِ نِعْمَةً فَذَكَرَها فَقَدْ شَكَرَها، ومَن سَتَرَها فَقَدْ كَفَرَها"،» ونَصَبَ "اليَتِيمَ" بِـ "تَقْهَرُ"، والتَقْدِيرُ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَلا تَقْهَرِ اليَتِيمَ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الضُحى] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الضحى 93:2
(p-٦٣٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الضُحى
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ الرُواةِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والضُحى﴾ ﴿واللَيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا السائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾
تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "الضُحى" بِأنَّهُ سُطُوعُ الضَوْءِ وعِظَمُهُ، وقالَ قَتادَةُ: الضُحى هُنا، النَهارُ كُلُّهُ، و"سَجى" مَعْناهُ سَكَنَ واسْتَقَرَّ لَيْلًا تامًّا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ "سَجى" مَعْناهُ أقْبَلَ، وقالَ آخَرُونَ:
مَعْناهُ أدْبَرَ والأوَّلُ أصَحُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَيْلُ الساجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَسّاجْ
ويُقالُ "بَحْرٌ ساجٍ" أيْ ساكِنٌ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ وما ذَنْبُنا إنْ جاشَ بِحْرُ ابْنُ عَمِّكم ∗∗∗ وبَحْرُكَ ساجٍ لا يُوارِي الدَعامِصا
(p-٦٣٩)"وَطَرَفٌ ساجٍ" إذا كانَ ساكِنًا غَيْرَ مُضْطَرِبِ النَظَرِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَدَّعَكَ" بِشَدِّ الدالِ، مِنَ التَوْدِيعِ، وقَرَأ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ وابْنُهُ هِشامٌ: "وَدَعَكَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، بِمَعْنى تَرْكَكَ و"قَلى" مَعْناهُ أبْغَضَ واخْتُلِفَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: «أبْطَأ الوَحْيُ مَرَّةً عن رَسُولِ اللهِ ﷺ وهو بِمَكَّةَ -اخْتَلَفَتْ في حَدِّها الرِواياتُ- حَتّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَجاءَتِ امْرَأةٌ مِنَ الكُفّارِ، وهي أُمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ، فَقالَتْ: يا مُحَمَّدُ، ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ تَرَكَكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.»
وقالَ ابْنٌ وهْبٍ عن رِجالٍ عن عُرْوَةَ بْنِ الزُبَيْرِ «أنَّ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: لَهُ ما أرى اللهَ إلّا قَدْ خَلّاكَ لِإفْراطِ جَزَعِكَ لِبُطْءِ الوَحْيِ عنكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ،» وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إنَّما احْتَبَسَ عنهُ جِبْرِيلُ لِجَرْوِ كَلْبٍ كانَ في بَيْتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الدارَيْنِ: الدُنْيا والآخِرَةُ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ حالَيْهِ في الدُنْيا قَبْلَ نُزُولِ السُورَةِ وبَعْدَها، فَوَعَدَهُ اللهُ تَعالى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِالنَصْرِ والظُهُورِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾، قالَ جُمْهُورُ الناسِ: ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ البَيْتِ هَذِهِ أرْجى آيَةً في القُرْآنِ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لا يَرْضى وواحِدٌ مِن أُمَّتِهِ في النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رِضاهُ أنْ لا يَدْخُلُ أحَدٌ مِن أهْلِ بَيْتِهِ في النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: رِضاهُ أنَّ اللهَ تَعالى وعَدَهُ بِألْفِ قَصْرٍ في الجَنَّةِ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ النِعَمِ والخَدَمِ، وقالَ (p-٦٤٠)بَعْضُ العُلَماءِ: رِضاهُ في الدُنْيا بِفَتْحِ مَكَّةَ وغَيْرِهِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَسَيُعْطِيكَ".
ثُمَّ وقَّفَهُ تَعالى عَلى المَراتِبِ الَّتِي دَرَجَهُ فِيها بِإنْعامِهِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ والمَعْنى: ألَمْ يَجِدْكَ تَحَفِّي اللهُ وإنْعامُهُ، ويُتْمُهُ كانَ فَقْدَ أبِيهِ وكَوْنُهُ في كَنَفِ عَمِّهِ أبِي طالِبٍ، وقِيلَ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصادِقِ: لَمْ يُتِمَّ النَبِيُّ ﷺ مِن أبَوَيْهِ؟ قالَ: لِئَلّا يَكُونُ عَلَيْهِ حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ. وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: "فَأوى" بِالقَصْرِ بِمَعْنى: رَحِمَ، يُقالُ: أوَيْتُ لِفُلانٍ، أيْ رَحِمْتُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا﴾ أيْ: وجَدَكَ إنْعامَهُ بِالنُبُوَّةِ والرِسالَةِ عَلى غَيْرِ الطَرِيقِ الَّتِي أنْتَ عَلَيْها في نُبُوَّتِكَ، فَهَدى، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ والضَحّاكِ وفِرْقَةٌ.
و"الضَلالُ" مُخْتَلِفٌ، فَمِنهُ البَعِيدُ ومِنهُ القَرِيبُ، فالبَعِيدُ ضَلالُ الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ويَحْتَجُّونَ لِذَلِكَ ويَغْتَبِطُونَ بِهِ، وكانَ هَذا الضَلالُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ أقْرَبَ ضَلالٍ، وهو الكَوْنُ واقِفًا لا يُمَيِّزُ المَهِيعَ، لا أنَّهُ تَمَسَّكَ بِطَرِيقِ أحَدٍ، بَلْ كانَ يَرْتادُ ويَنْظُرُ. وقالَ السُدِّيُّ: أقامَ عَلى أمْرِ قَوْمِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: مَعْنى "وَوَجَدَكَ ضالًّا": تُنْسَبُ إلى الضَلالِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ووَجَدَكَ في قَوْمِ ضَلالٍ، فَكَأنَّكَ واحِدٌ مِنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ورَسُولُ اللهِ ﷺ لَمْ يَعْبُدْ صَنَمًا قَطُّ، ولَكِنَّهُ أكَلَ ذَبائِحَهم حَسَبَ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو في أسْفَلِ بَلْدَحٍ، وجَرى عَلى يَسِيرٍ مِن أمْرِهِمْ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَنْظُرُ خَطَأ ما هم عَلَيْهِ، ودَفَعَ مِن عَرَفاتٍ وخالَفَهم في أشْياءَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو ضَلالُهُ وهو صَغِيرٌ في شِعابِ مَكَّةَ، ثُمَّ رَدَّهُ اللهُ تَعالى إلى جَدِّهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وقِيلَ: هو ضَلالُهُ مِن حَلِيمَةَ مُرْضِعَتِهِ، وقالَ التِرْمِذِيُّ، وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى: "ضالًا" خامِلَ الذِكْرِ لا يَعْرِفُكَ الناسُ، فَهُداهم إلَيْكَ رَبُّكَ، والصَوابُ أنَّهُ ضَلالٌ مِن تَوَقُّفٍ لا يَدْرِي، كَما (p-٦٤١)قالَ عَزَّ وجَلَّ: و﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢]. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ هو تَزْوِيجُهُ عَلَيْهِ السَلامُ بِنْتَهُ في الجاهِلِيَّةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
و"العائِلُ": الفَقِيرُ، وقَرَأ اليَمانِيُّ "عَيِّلًا" بِشَدِّ الياءِ المَكْسُورَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يُعِيلُ
وأعالَ: كَثُرَ عِيالُهُ، وعالَ: افْتَقَرَ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: ٢٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَأغْنى"﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ: رِضاكَ بِما أعْطاكَ مِنَ الرِزْقِ، وقِيلَ: فَقِيرًا إلَيْهِ فَأغْناكَ بِهِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ فَقْرُ المالِ وغِناهُ، والمَعْنى في النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ أغْنى الأغْنِياءِ بِالصَبْرِ والقَناعَةِ وقَدْ حُبِّبا وقِيلَ أُغْنِيَ بِالكَفافِ لِتَصَرّفِهِ في مالِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، ولَمْ يَكُنِ النَبِيُّ ﷺ قَطُّ كَثِيرَ المالِ، رَفَعَهُ اللهُ عن ذَلِكَ، وقالَ: « "لَيْسَ الغِنى عن كَثْرَةِ العَرَضِ، ولَكِنَّ الغِنى غِنى النَفْسِ".»
ولَمّا عَدَّدَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ هَذِهِ النِعَمَ الثَلاثَ وصّاهُ بِثَلاثِ وصايا، في كُلِّ نِعْمَةٍ وصِيَّةٌ مُناسِبَةٌ لَها، فَبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾، وبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأمّا السائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾، هَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ السائِلَ هُنا هو السائِلُ عَنِ العِلْمِ والدِينِ، ولَيْسَ بِسائِلِ المالِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وأبِي الدَرْداءِ وغَيْرِهِما، وبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، وأمّا مَن قالَ إنَّ السائِلَ سائِلُ المالِ المُحْتاجِ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ وجَماعَةٌ فَقَدْ جَعَلَها بِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا (p-٦٤٢)فَأغْنى﴾، وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ بِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾. وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: نِعْمَ القَوْمُ السُؤّالُ، يَحْمِلُونَ زادَنا إلى الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلا تَنْهَرْ" مَعْناهُ: رَدَّ رَدًّا جَمِيلًا، إمّا بِعَطاءٍ وإمّا بِقَوْلٍ حَسَنٍ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَوَجَدَكَ عَدِيمًا فَأغْنى"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والشَعْبِيُّ، وإبْراهِيمُ التَيْمِيُّ: "فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَكْهَرْ" بِالكافِ، قالَ الأخْفَشُ: هي بِمَعْنى القَهْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَقاكُمُ اللهُ سَطْوَةَ القادِرِ ومَلَكَةَ الكاهِرِ" وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا أظُنُّها بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ قَدْ قالَ الأعْرابِيُّ الَّذِي بالَ في المَسْجِدِ: "فَما كَهَرَنِي النَبِيُّ ﷺ، فَإنَّما هي بِمَعْنى الِانْتِهارِ.
وأمَرَهُ الله تَعالى بِالتَحَدُّثِ بِنِعْمَتِهِ، فَقالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: مَعْناهُ: بِثَّ القُرْآنَ وبَلِّغْ ما أُرْسِلْتَ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو عُمُومٌ في جَمِيعِ النِعَمِ، وكانَ بَعْضُ الصالِحِينَ يَقُولُ: لَقَدْ أعْطانِي اللهُ كَذا وكَذا، ولَقَدْ صَلَّيْتُ البارِحَةَ كَذا وكَذا، وذَكَرْتُ اللهَ تَعالى كَذا، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ مِثْلَكَ لا يَقُولُ هَذا، فَقالَ إنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ وأنْتُمْ تَقُولُونَ لا تُحَدِّثْ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "التَحَدُّثُ بِالنِعَمِ شُكْرٌ"،» ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أسْدَيْتُ إلَيْهِ نِعْمَةً فَذَكَرَها فَقَدْ شَكَرَها، ومَن سَتَرَها فَقَدْ كَفَرَها"،» ونَصَبَ "اليَتِيمَ" بِـ "تَقْهَرُ"، والتَقْدِيرُ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَلا تَقْهَرِ اليَتِيمَ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الضُحى] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الضحى 93:3
(p-٦٣٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الضُحى
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ الرُواةِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والضُحى﴾ ﴿واللَيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا السائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾
تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "الضُحى" بِأنَّهُ سُطُوعُ الضَوْءِ وعِظَمُهُ، وقالَ قَتادَةُ: الضُحى هُنا، النَهارُ كُلُّهُ، و"سَجى" مَعْناهُ سَكَنَ واسْتَقَرَّ لَيْلًا تامًّا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ "سَجى" مَعْناهُ أقْبَلَ، وقالَ آخَرُونَ:
مَعْناهُ أدْبَرَ والأوَّلُ أصَحُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَيْلُ الساجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَسّاجْ
ويُقالُ "بَحْرٌ ساجٍ" أيْ ساكِنٌ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ وما ذَنْبُنا إنْ جاشَ بِحْرُ ابْنُ عَمِّكم ∗∗∗ وبَحْرُكَ ساجٍ لا يُوارِي الدَعامِصا
(p-٦٣٩)"وَطَرَفٌ ساجٍ" إذا كانَ ساكِنًا غَيْرَ مُضْطَرِبِ النَظَرِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَدَّعَكَ" بِشَدِّ الدالِ، مِنَ التَوْدِيعِ، وقَرَأ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ وابْنُهُ هِشامٌ: "وَدَعَكَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، بِمَعْنى تَرْكَكَ و"قَلى" مَعْناهُ أبْغَضَ واخْتُلِفَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: «أبْطَأ الوَحْيُ مَرَّةً عن رَسُولِ اللهِ ﷺ وهو بِمَكَّةَ -اخْتَلَفَتْ في حَدِّها الرِواياتُ- حَتّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَجاءَتِ امْرَأةٌ مِنَ الكُفّارِ، وهي أُمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ، فَقالَتْ: يا مُحَمَّدُ، ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ تَرَكَكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.»
وقالَ ابْنٌ وهْبٍ عن رِجالٍ عن عُرْوَةَ بْنِ الزُبَيْرِ «أنَّ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: لَهُ ما أرى اللهَ إلّا قَدْ خَلّاكَ لِإفْراطِ جَزَعِكَ لِبُطْءِ الوَحْيِ عنكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ،» وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إنَّما احْتَبَسَ عنهُ جِبْرِيلُ لِجَرْوِ كَلْبٍ كانَ في بَيْتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الدارَيْنِ: الدُنْيا والآخِرَةُ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ حالَيْهِ في الدُنْيا قَبْلَ نُزُولِ السُورَةِ وبَعْدَها، فَوَعَدَهُ اللهُ تَعالى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِالنَصْرِ والظُهُورِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾، قالَ جُمْهُورُ الناسِ: ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ البَيْتِ هَذِهِ أرْجى آيَةً في القُرْآنِ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لا يَرْضى وواحِدٌ مِن أُمَّتِهِ في النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رِضاهُ أنْ لا يَدْخُلُ أحَدٌ مِن أهْلِ بَيْتِهِ في النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: رِضاهُ أنَّ اللهَ تَعالى وعَدَهُ بِألْفِ قَصْرٍ في الجَنَّةِ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ النِعَمِ والخَدَمِ، وقالَ (p-٦٤٠)بَعْضُ العُلَماءِ: رِضاهُ في الدُنْيا بِفَتْحِ مَكَّةَ وغَيْرِهِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَسَيُعْطِيكَ".
ثُمَّ وقَّفَهُ تَعالى عَلى المَراتِبِ الَّتِي دَرَجَهُ فِيها بِإنْعامِهِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ والمَعْنى: ألَمْ يَجِدْكَ تَحَفِّي اللهُ وإنْعامُهُ، ويُتْمُهُ كانَ فَقْدَ أبِيهِ وكَوْنُهُ في كَنَفِ عَمِّهِ أبِي طالِبٍ، وقِيلَ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصادِقِ: لَمْ يُتِمَّ النَبِيُّ ﷺ مِن أبَوَيْهِ؟ قالَ: لِئَلّا يَكُونُ عَلَيْهِ حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ. وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: "فَأوى" بِالقَصْرِ بِمَعْنى: رَحِمَ، يُقالُ: أوَيْتُ لِفُلانٍ، أيْ رَحِمْتُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا﴾ أيْ: وجَدَكَ إنْعامَهُ بِالنُبُوَّةِ والرِسالَةِ عَلى غَيْرِ الطَرِيقِ الَّتِي أنْتَ عَلَيْها في نُبُوَّتِكَ، فَهَدى، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ والضَحّاكِ وفِرْقَةٌ.
و"الضَلالُ" مُخْتَلِفٌ، فَمِنهُ البَعِيدُ ومِنهُ القَرِيبُ، فالبَعِيدُ ضَلالُ الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ويَحْتَجُّونَ لِذَلِكَ ويَغْتَبِطُونَ بِهِ، وكانَ هَذا الضَلالُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ أقْرَبَ ضَلالٍ، وهو الكَوْنُ واقِفًا لا يُمَيِّزُ المَهِيعَ، لا أنَّهُ تَمَسَّكَ بِطَرِيقِ أحَدٍ، بَلْ كانَ يَرْتادُ ويَنْظُرُ. وقالَ السُدِّيُّ: أقامَ عَلى أمْرِ قَوْمِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: مَعْنى "وَوَجَدَكَ ضالًّا": تُنْسَبُ إلى الضَلالِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ووَجَدَكَ في قَوْمِ ضَلالٍ، فَكَأنَّكَ واحِدٌ مِنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ورَسُولُ اللهِ ﷺ لَمْ يَعْبُدْ صَنَمًا قَطُّ، ولَكِنَّهُ أكَلَ ذَبائِحَهم حَسَبَ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو في أسْفَلِ بَلْدَحٍ، وجَرى عَلى يَسِيرٍ مِن أمْرِهِمْ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَنْظُرُ خَطَأ ما هم عَلَيْهِ، ودَفَعَ مِن عَرَفاتٍ وخالَفَهم في أشْياءَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو ضَلالُهُ وهو صَغِيرٌ في شِعابِ مَكَّةَ، ثُمَّ رَدَّهُ اللهُ تَعالى إلى جَدِّهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وقِيلَ: هو ضَلالُهُ مِن حَلِيمَةَ مُرْضِعَتِهِ، وقالَ التِرْمِذِيُّ، وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى: "ضالًا" خامِلَ الذِكْرِ لا يَعْرِفُكَ الناسُ، فَهُداهم إلَيْكَ رَبُّكَ، والصَوابُ أنَّهُ ضَلالٌ مِن تَوَقُّفٍ لا يَدْرِي، كَما (p-٦٤١)قالَ عَزَّ وجَلَّ: و﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢]. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ هو تَزْوِيجُهُ عَلَيْهِ السَلامُ بِنْتَهُ في الجاهِلِيَّةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
و"العائِلُ": الفَقِيرُ، وقَرَأ اليَمانِيُّ "عَيِّلًا" بِشَدِّ الياءِ المَكْسُورَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يُعِيلُ
وأعالَ: كَثُرَ عِيالُهُ، وعالَ: افْتَقَرَ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: ٢٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَأغْنى"﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ: رِضاكَ بِما أعْطاكَ مِنَ الرِزْقِ، وقِيلَ: فَقِيرًا إلَيْهِ فَأغْناكَ بِهِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ فَقْرُ المالِ وغِناهُ، والمَعْنى في النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ أغْنى الأغْنِياءِ بِالصَبْرِ والقَناعَةِ وقَدْ حُبِّبا وقِيلَ أُغْنِيَ بِالكَفافِ لِتَصَرّفِهِ في مالِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، ولَمْ يَكُنِ النَبِيُّ ﷺ قَطُّ كَثِيرَ المالِ، رَفَعَهُ اللهُ عن ذَلِكَ، وقالَ: « "لَيْسَ الغِنى عن كَثْرَةِ العَرَضِ، ولَكِنَّ الغِنى غِنى النَفْسِ".»
ولَمّا عَدَّدَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ هَذِهِ النِعَمَ الثَلاثَ وصّاهُ بِثَلاثِ وصايا، في كُلِّ نِعْمَةٍ وصِيَّةٌ مُناسِبَةٌ لَها، فَبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾، وبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأمّا السائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾، هَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ السائِلَ هُنا هو السائِلُ عَنِ العِلْمِ والدِينِ، ولَيْسَ بِسائِلِ المالِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وأبِي الدَرْداءِ وغَيْرِهِما، وبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، وأمّا مَن قالَ إنَّ السائِلَ سائِلُ المالِ المُحْتاجِ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ وجَماعَةٌ فَقَدْ جَعَلَها بِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا (p-٦٤٢)فَأغْنى﴾، وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ بِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾. وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: نِعْمَ القَوْمُ السُؤّالُ، يَحْمِلُونَ زادَنا إلى الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلا تَنْهَرْ" مَعْناهُ: رَدَّ رَدًّا جَمِيلًا، إمّا بِعَطاءٍ وإمّا بِقَوْلٍ حَسَنٍ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَوَجَدَكَ عَدِيمًا فَأغْنى"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والشَعْبِيُّ، وإبْراهِيمُ التَيْمِيُّ: "فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَكْهَرْ" بِالكافِ، قالَ الأخْفَشُ: هي بِمَعْنى القَهْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَقاكُمُ اللهُ سَطْوَةَ القادِرِ ومَلَكَةَ الكاهِرِ" وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا أظُنُّها بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ قَدْ قالَ الأعْرابِيُّ الَّذِي بالَ في المَسْجِدِ: "فَما كَهَرَنِي النَبِيُّ ﷺ، فَإنَّما هي بِمَعْنى الِانْتِهارِ.
وأمَرَهُ الله تَعالى بِالتَحَدُّثِ بِنِعْمَتِهِ، فَقالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: مَعْناهُ: بِثَّ القُرْآنَ وبَلِّغْ ما أُرْسِلْتَ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو عُمُومٌ في جَمِيعِ النِعَمِ، وكانَ بَعْضُ الصالِحِينَ يَقُولُ: لَقَدْ أعْطانِي اللهُ كَذا وكَذا، ولَقَدْ صَلَّيْتُ البارِحَةَ كَذا وكَذا، وذَكَرْتُ اللهَ تَعالى كَذا، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ مِثْلَكَ لا يَقُولُ هَذا، فَقالَ إنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ وأنْتُمْ تَقُولُونَ لا تُحَدِّثْ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "التَحَدُّثُ بِالنِعَمِ شُكْرٌ"،» ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أسْدَيْتُ إلَيْهِ نِعْمَةً فَذَكَرَها فَقَدْ شَكَرَها، ومَن سَتَرَها فَقَدْ كَفَرَها"،» ونَصَبَ "اليَتِيمَ" بِـ "تَقْهَرُ"، والتَقْدِيرُ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَلا تَقْهَرِ اليَتِيمَ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الضُحى] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الضحى 93:4
(p-٦٣٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الضُحى
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ الرُواةِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والضُحى﴾ ﴿واللَيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا السائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾
تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "الضُحى" بِأنَّهُ سُطُوعُ الضَوْءِ وعِظَمُهُ، وقالَ قَتادَةُ: الضُحى هُنا، النَهارُ كُلُّهُ، و"سَجى" مَعْناهُ سَكَنَ واسْتَقَرَّ لَيْلًا تامًّا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ "سَجى" مَعْناهُ أقْبَلَ، وقالَ آخَرُونَ:
مَعْناهُ أدْبَرَ والأوَّلُ أصَحُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَيْلُ الساجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَسّاجْ
ويُقالُ "بَحْرٌ ساجٍ" أيْ ساكِنٌ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ وما ذَنْبُنا إنْ جاشَ بِحْرُ ابْنُ عَمِّكم ∗∗∗ وبَحْرُكَ ساجٍ لا يُوارِي الدَعامِصا
(p-٦٣٩)"وَطَرَفٌ ساجٍ" إذا كانَ ساكِنًا غَيْرَ مُضْطَرِبِ النَظَرِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَدَّعَكَ" بِشَدِّ الدالِ، مِنَ التَوْدِيعِ، وقَرَأ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ وابْنُهُ هِشامٌ: "وَدَعَكَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، بِمَعْنى تَرْكَكَ و"قَلى" مَعْناهُ أبْغَضَ واخْتُلِفَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: «أبْطَأ الوَحْيُ مَرَّةً عن رَسُولِ اللهِ ﷺ وهو بِمَكَّةَ -اخْتَلَفَتْ في حَدِّها الرِواياتُ- حَتّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَجاءَتِ امْرَأةٌ مِنَ الكُفّارِ، وهي أُمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ، فَقالَتْ: يا مُحَمَّدُ، ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ تَرَكَكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.»
وقالَ ابْنٌ وهْبٍ عن رِجالٍ عن عُرْوَةَ بْنِ الزُبَيْرِ «أنَّ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: لَهُ ما أرى اللهَ إلّا قَدْ خَلّاكَ لِإفْراطِ جَزَعِكَ لِبُطْءِ الوَحْيِ عنكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ،» وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إنَّما احْتَبَسَ عنهُ جِبْرِيلُ لِجَرْوِ كَلْبٍ كانَ في بَيْتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الدارَيْنِ: الدُنْيا والآخِرَةُ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ حالَيْهِ في الدُنْيا قَبْلَ نُزُولِ السُورَةِ وبَعْدَها، فَوَعَدَهُ اللهُ تَعالى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِالنَصْرِ والظُهُورِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾، قالَ جُمْهُورُ الناسِ: ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ البَيْتِ هَذِهِ أرْجى آيَةً في القُرْآنِ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لا يَرْضى وواحِدٌ مِن أُمَّتِهِ في النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رِضاهُ أنْ لا يَدْخُلُ أحَدٌ مِن أهْلِ بَيْتِهِ في النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: رِضاهُ أنَّ اللهَ تَعالى وعَدَهُ بِألْفِ قَصْرٍ في الجَنَّةِ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ النِعَمِ والخَدَمِ، وقالَ (p-٦٤٠)بَعْضُ العُلَماءِ: رِضاهُ في الدُنْيا بِفَتْحِ مَكَّةَ وغَيْرِهِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَسَيُعْطِيكَ".
ثُمَّ وقَّفَهُ تَعالى عَلى المَراتِبِ الَّتِي دَرَجَهُ فِيها بِإنْعامِهِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ والمَعْنى: ألَمْ يَجِدْكَ تَحَفِّي اللهُ وإنْعامُهُ، ويُتْمُهُ كانَ فَقْدَ أبِيهِ وكَوْنُهُ في كَنَفِ عَمِّهِ أبِي طالِبٍ، وقِيلَ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصادِقِ: لَمْ يُتِمَّ النَبِيُّ ﷺ مِن أبَوَيْهِ؟ قالَ: لِئَلّا يَكُونُ عَلَيْهِ حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ. وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: "فَأوى" بِالقَصْرِ بِمَعْنى: رَحِمَ، يُقالُ: أوَيْتُ لِفُلانٍ، أيْ رَحِمْتُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا﴾ أيْ: وجَدَكَ إنْعامَهُ بِالنُبُوَّةِ والرِسالَةِ عَلى غَيْرِ الطَرِيقِ الَّتِي أنْتَ عَلَيْها في نُبُوَّتِكَ، فَهَدى، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ والضَحّاكِ وفِرْقَةٌ.
و"الضَلالُ" مُخْتَلِفٌ، فَمِنهُ البَعِيدُ ومِنهُ القَرِيبُ، فالبَعِيدُ ضَلالُ الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ويَحْتَجُّونَ لِذَلِكَ ويَغْتَبِطُونَ بِهِ، وكانَ هَذا الضَلالُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ أقْرَبَ ضَلالٍ، وهو الكَوْنُ واقِفًا لا يُمَيِّزُ المَهِيعَ، لا أنَّهُ تَمَسَّكَ بِطَرِيقِ أحَدٍ، بَلْ كانَ يَرْتادُ ويَنْظُرُ. وقالَ السُدِّيُّ: أقامَ عَلى أمْرِ قَوْمِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: مَعْنى "وَوَجَدَكَ ضالًّا": تُنْسَبُ إلى الضَلالِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ووَجَدَكَ في قَوْمِ ضَلالٍ، فَكَأنَّكَ واحِدٌ مِنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ورَسُولُ اللهِ ﷺ لَمْ يَعْبُدْ صَنَمًا قَطُّ، ولَكِنَّهُ أكَلَ ذَبائِحَهم حَسَبَ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو في أسْفَلِ بَلْدَحٍ، وجَرى عَلى يَسِيرٍ مِن أمْرِهِمْ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَنْظُرُ خَطَأ ما هم عَلَيْهِ، ودَفَعَ مِن عَرَفاتٍ وخالَفَهم في أشْياءَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو ضَلالُهُ وهو صَغِيرٌ في شِعابِ مَكَّةَ، ثُمَّ رَدَّهُ اللهُ تَعالى إلى جَدِّهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وقِيلَ: هو ضَلالُهُ مِن حَلِيمَةَ مُرْضِعَتِهِ، وقالَ التِرْمِذِيُّ، وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى: "ضالًا" خامِلَ الذِكْرِ لا يَعْرِفُكَ الناسُ، فَهُداهم إلَيْكَ رَبُّكَ، والصَوابُ أنَّهُ ضَلالٌ مِن تَوَقُّفٍ لا يَدْرِي، كَما (p-٦٤١)قالَ عَزَّ وجَلَّ: و﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢]. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ هو تَزْوِيجُهُ عَلَيْهِ السَلامُ بِنْتَهُ في الجاهِلِيَّةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
و"العائِلُ": الفَقِيرُ، وقَرَأ اليَمانِيُّ "عَيِّلًا" بِشَدِّ الياءِ المَكْسُورَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يُعِيلُ
وأعالَ: كَثُرَ عِيالُهُ، وعالَ: افْتَقَرَ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: ٢٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَأغْنى"﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ: رِضاكَ بِما أعْطاكَ مِنَ الرِزْقِ، وقِيلَ: فَقِيرًا إلَيْهِ فَأغْناكَ بِهِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ فَقْرُ المالِ وغِناهُ، والمَعْنى في النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ أغْنى الأغْنِياءِ بِالصَبْرِ والقَناعَةِ وقَدْ حُبِّبا وقِيلَ أُغْنِيَ بِالكَفافِ لِتَصَرّفِهِ في مالِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، ولَمْ يَكُنِ النَبِيُّ ﷺ قَطُّ كَثِيرَ المالِ، رَفَعَهُ اللهُ عن ذَلِكَ، وقالَ: « "لَيْسَ الغِنى عن كَثْرَةِ العَرَضِ، ولَكِنَّ الغِنى غِنى النَفْسِ".»
ولَمّا عَدَّدَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ هَذِهِ النِعَمَ الثَلاثَ وصّاهُ بِثَلاثِ وصايا، في كُلِّ نِعْمَةٍ وصِيَّةٌ مُناسِبَةٌ لَها، فَبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾، وبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأمّا السائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾، هَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ السائِلَ هُنا هو السائِلُ عَنِ العِلْمِ والدِينِ، ولَيْسَ بِسائِلِ المالِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وأبِي الدَرْداءِ وغَيْرِهِما، وبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، وأمّا مَن قالَ إنَّ السائِلَ سائِلُ المالِ المُحْتاجِ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ وجَماعَةٌ فَقَدْ جَعَلَها بِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا (p-٦٤٢)فَأغْنى﴾، وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ بِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾. وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: نِعْمَ القَوْمُ السُؤّالُ، يَحْمِلُونَ زادَنا إلى الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلا تَنْهَرْ" مَعْناهُ: رَدَّ رَدًّا جَمِيلًا، إمّا بِعَطاءٍ وإمّا بِقَوْلٍ حَسَنٍ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَوَجَدَكَ عَدِيمًا فَأغْنى"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والشَعْبِيُّ، وإبْراهِيمُ التَيْمِيُّ: "فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَكْهَرْ" بِالكافِ، قالَ الأخْفَشُ: هي بِمَعْنى القَهْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَقاكُمُ اللهُ سَطْوَةَ القادِرِ ومَلَكَةَ الكاهِرِ" وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا أظُنُّها بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ قَدْ قالَ الأعْرابِيُّ الَّذِي بالَ في المَسْجِدِ: "فَما كَهَرَنِي النَبِيُّ ﷺ، فَإنَّما هي بِمَعْنى الِانْتِهارِ.
وأمَرَهُ الله تَعالى بِالتَحَدُّثِ بِنِعْمَتِهِ، فَقالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: مَعْناهُ: بِثَّ القُرْآنَ وبَلِّغْ ما أُرْسِلْتَ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو عُمُومٌ في جَمِيعِ النِعَمِ، وكانَ بَعْضُ الصالِحِينَ يَقُولُ: لَقَدْ أعْطانِي اللهُ كَذا وكَذا، ولَقَدْ صَلَّيْتُ البارِحَةَ كَذا وكَذا، وذَكَرْتُ اللهَ تَعالى كَذا، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ مِثْلَكَ لا يَقُولُ هَذا، فَقالَ إنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ وأنْتُمْ تَقُولُونَ لا تُحَدِّثْ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "التَحَدُّثُ بِالنِعَمِ شُكْرٌ"،» ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أسْدَيْتُ إلَيْهِ نِعْمَةً فَذَكَرَها فَقَدْ شَكَرَها، ومَن سَتَرَها فَقَدْ كَفَرَها"،» ونَصَبَ "اليَتِيمَ" بِـ "تَقْهَرُ"، والتَقْدِيرُ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَلا تَقْهَرِ اليَتِيمَ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الضُحى] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الضحى 93:5
(p-٦٣٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الضُحى
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ الرُواةِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والضُحى﴾ ﴿واللَيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا السائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾
تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "الضُحى" بِأنَّهُ سُطُوعُ الضَوْءِ وعِظَمُهُ، وقالَ قَتادَةُ: الضُحى هُنا، النَهارُ كُلُّهُ، و"سَجى" مَعْناهُ سَكَنَ واسْتَقَرَّ لَيْلًا تامًّا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ "سَجى" مَعْناهُ أقْبَلَ، وقالَ آخَرُونَ:
مَعْناهُ أدْبَرَ والأوَّلُ أصَحُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَيْلُ الساجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَسّاجْ
ويُقالُ "بَحْرٌ ساجٍ" أيْ ساكِنٌ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ وما ذَنْبُنا إنْ جاشَ بِحْرُ ابْنُ عَمِّكم ∗∗∗ وبَحْرُكَ ساجٍ لا يُوارِي الدَعامِصا
(p-٦٣٩)"وَطَرَفٌ ساجٍ" إذا كانَ ساكِنًا غَيْرَ مُضْطَرِبِ النَظَرِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَدَّعَكَ" بِشَدِّ الدالِ، مِنَ التَوْدِيعِ، وقَرَأ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ وابْنُهُ هِشامٌ: "وَدَعَكَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، بِمَعْنى تَرْكَكَ و"قَلى" مَعْناهُ أبْغَضَ واخْتُلِفَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: «أبْطَأ الوَحْيُ مَرَّةً عن رَسُولِ اللهِ ﷺ وهو بِمَكَّةَ -اخْتَلَفَتْ في حَدِّها الرِواياتُ- حَتّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَجاءَتِ امْرَأةٌ مِنَ الكُفّارِ، وهي أُمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ، فَقالَتْ: يا مُحَمَّدُ، ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ تَرَكَكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.»
وقالَ ابْنٌ وهْبٍ عن رِجالٍ عن عُرْوَةَ بْنِ الزُبَيْرِ «أنَّ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: لَهُ ما أرى اللهَ إلّا قَدْ خَلّاكَ لِإفْراطِ جَزَعِكَ لِبُطْءِ الوَحْيِ عنكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ،» وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إنَّما احْتَبَسَ عنهُ جِبْرِيلُ لِجَرْوِ كَلْبٍ كانَ في بَيْتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الدارَيْنِ: الدُنْيا والآخِرَةُ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ حالَيْهِ في الدُنْيا قَبْلَ نُزُولِ السُورَةِ وبَعْدَها، فَوَعَدَهُ اللهُ تَعالى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِالنَصْرِ والظُهُورِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾، قالَ جُمْهُورُ الناسِ: ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ البَيْتِ هَذِهِ أرْجى آيَةً في القُرْآنِ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لا يَرْضى وواحِدٌ مِن أُمَّتِهِ في النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رِضاهُ أنْ لا يَدْخُلُ أحَدٌ مِن أهْلِ بَيْتِهِ في النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: رِضاهُ أنَّ اللهَ تَعالى وعَدَهُ بِألْفِ قَصْرٍ في الجَنَّةِ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ النِعَمِ والخَدَمِ، وقالَ (p-٦٤٠)بَعْضُ العُلَماءِ: رِضاهُ في الدُنْيا بِفَتْحِ مَكَّةَ وغَيْرِهِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَسَيُعْطِيكَ".
ثُمَّ وقَّفَهُ تَعالى عَلى المَراتِبِ الَّتِي دَرَجَهُ فِيها بِإنْعامِهِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ والمَعْنى: ألَمْ يَجِدْكَ تَحَفِّي اللهُ وإنْعامُهُ، ويُتْمُهُ كانَ فَقْدَ أبِيهِ وكَوْنُهُ في كَنَفِ عَمِّهِ أبِي طالِبٍ، وقِيلَ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصادِقِ: لَمْ يُتِمَّ النَبِيُّ ﷺ مِن أبَوَيْهِ؟ قالَ: لِئَلّا يَكُونُ عَلَيْهِ حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ. وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: "فَأوى" بِالقَصْرِ بِمَعْنى: رَحِمَ، يُقالُ: أوَيْتُ لِفُلانٍ، أيْ رَحِمْتُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا﴾ أيْ: وجَدَكَ إنْعامَهُ بِالنُبُوَّةِ والرِسالَةِ عَلى غَيْرِ الطَرِيقِ الَّتِي أنْتَ عَلَيْها في نُبُوَّتِكَ، فَهَدى، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ والضَحّاكِ وفِرْقَةٌ.
و"الضَلالُ" مُخْتَلِفٌ، فَمِنهُ البَعِيدُ ومِنهُ القَرِيبُ، فالبَعِيدُ ضَلالُ الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ويَحْتَجُّونَ لِذَلِكَ ويَغْتَبِطُونَ بِهِ، وكانَ هَذا الضَلالُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ أقْرَبَ ضَلالٍ، وهو الكَوْنُ واقِفًا لا يُمَيِّزُ المَهِيعَ، لا أنَّهُ تَمَسَّكَ بِطَرِيقِ أحَدٍ، بَلْ كانَ يَرْتادُ ويَنْظُرُ. وقالَ السُدِّيُّ: أقامَ عَلى أمْرِ قَوْمِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: مَعْنى "وَوَجَدَكَ ضالًّا": تُنْسَبُ إلى الضَلالِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ووَجَدَكَ في قَوْمِ ضَلالٍ، فَكَأنَّكَ واحِدٌ مِنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ورَسُولُ اللهِ ﷺ لَمْ يَعْبُدْ صَنَمًا قَطُّ، ولَكِنَّهُ أكَلَ ذَبائِحَهم حَسَبَ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو في أسْفَلِ بَلْدَحٍ، وجَرى عَلى يَسِيرٍ مِن أمْرِهِمْ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَنْظُرُ خَطَأ ما هم عَلَيْهِ، ودَفَعَ مِن عَرَفاتٍ وخالَفَهم في أشْياءَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو ضَلالُهُ وهو صَغِيرٌ في شِعابِ مَكَّةَ، ثُمَّ رَدَّهُ اللهُ تَعالى إلى جَدِّهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وقِيلَ: هو ضَلالُهُ مِن حَلِيمَةَ مُرْضِعَتِهِ، وقالَ التِرْمِذِيُّ، وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى: "ضالًا" خامِلَ الذِكْرِ لا يَعْرِفُكَ الناسُ، فَهُداهم إلَيْكَ رَبُّكَ، والصَوابُ أنَّهُ ضَلالٌ مِن تَوَقُّفٍ لا يَدْرِي، كَما (p-٦٤١)قالَ عَزَّ وجَلَّ: و﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢]. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ هو تَزْوِيجُهُ عَلَيْهِ السَلامُ بِنْتَهُ في الجاهِلِيَّةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
و"العائِلُ": الفَقِيرُ، وقَرَأ اليَمانِيُّ "عَيِّلًا" بِشَدِّ الياءِ المَكْسُورَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يُعِيلُ
وأعالَ: كَثُرَ عِيالُهُ، وعالَ: افْتَقَرَ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: ٢٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَأغْنى"﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ: رِضاكَ بِما أعْطاكَ مِنَ الرِزْقِ، وقِيلَ: فَقِيرًا إلَيْهِ فَأغْناكَ بِهِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ فَقْرُ المالِ وغِناهُ، والمَعْنى في النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ أغْنى الأغْنِياءِ بِالصَبْرِ والقَناعَةِ وقَدْ حُبِّبا وقِيلَ أُغْنِيَ بِالكَفافِ لِتَصَرّفِهِ في مالِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، ولَمْ يَكُنِ النَبِيُّ ﷺ قَطُّ كَثِيرَ المالِ، رَفَعَهُ اللهُ عن ذَلِكَ، وقالَ: « "لَيْسَ الغِنى عن كَثْرَةِ العَرَضِ، ولَكِنَّ الغِنى غِنى النَفْسِ".»
ولَمّا عَدَّدَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ هَذِهِ النِعَمَ الثَلاثَ وصّاهُ بِثَلاثِ وصايا، في كُلِّ نِعْمَةٍ وصِيَّةٌ مُناسِبَةٌ لَها، فَبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾، وبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأمّا السائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾، هَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ السائِلَ هُنا هو السائِلُ عَنِ العِلْمِ والدِينِ، ولَيْسَ بِسائِلِ المالِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وأبِي الدَرْداءِ وغَيْرِهِما، وبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، وأمّا مَن قالَ إنَّ السائِلَ سائِلُ المالِ المُحْتاجِ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ وجَماعَةٌ فَقَدْ جَعَلَها بِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا (p-٦٤٢)فَأغْنى﴾، وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ بِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾. وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: نِعْمَ القَوْمُ السُؤّالُ، يَحْمِلُونَ زادَنا إلى الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلا تَنْهَرْ" مَعْناهُ: رَدَّ رَدًّا جَمِيلًا، إمّا بِعَطاءٍ وإمّا بِقَوْلٍ حَسَنٍ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَوَجَدَكَ عَدِيمًا فَأغْنى"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والشَعْبِيُّ، وإبْراهِيمُ التَيْمِيُّ: "فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَكْهَرْ" بِالكافِ، قالَ الأخْفَشُ: هي بِمَعْنى القَهْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَقاكُمُ اللهُ سَطْوَةَ القادِرِ ومَلَكَةَ الكاهِرِ" وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا أظُنُّها بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ قَدْ قالَ الأعْرابِيُّ الَّذِي بالَ في المَسْجِدِ: "فَما كَهَرَنِي النَبِيُّ ﷺ، فَإنَّما هي بِمَعْنى الِانْتِهارِ.
وأمَرَهُ الله تَعالى بِالتَحَدُّثِ بِنِعْمَتِهِ، فَقالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: مَعْناهُ: بِثَّ القُرْآنَ وبَلِّغْ ما أُرْسِلْتَ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو عُمُومٌ في جَمِيعِ النِعَمِ، وكانَ بَعْضُ الصالِحِينَ يَقُولُ: لَقَدْ أعْطانِي اللهُ كَذا وكَذا، ولَقَدْ صَلَّيْتُ البارِحَةَ كَذا وكَذا، وذَكَرْتُ اللهَ تَعالى كَذا، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ مِثْلَكَ لا يَقُولُ هَذا، فَقالَ إنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ وأنْتُمْ تَقُولُونَ لا تُحَدِّثْ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "التَحَدُّثُ بِالنِعَمِ شُكْرٌ"،» ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أسْدَيْتُ إلَيْهِ نِعْمَةً فَذَكَرَها فَقَدْ شَكَرَها، ومَن سَتَرَها فَقَدْ كَفَرَها"،» ونَصَبَ "اليَتِيمَ" بِـ "تَقْهَرُ"، والتَقْدِيرُ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَلا تَقْهَرِ اليَتِيمَ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الضُحى] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الضحى 93:6
(p-٦٣٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الضُحى
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ الرُواةِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والضُحى﴾ ﴿واللَيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا السائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾
تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "الضُحى" بِأنَّهُ سُطُوعُ الضَوْءِ وعِظَمُهُ، وقالَ قَتادَةُ: الضُحى هُنا، النَهارُ كُلُّهُ، و"سَجى" مَعْناهُ سَكَنَ واسْتَقَرَّ لَيْلًا تامًّا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ "سَجى" مَعْناهُ أقْبَلَ، وقالَ آخَرُونَ:
مَعْناهُ أدْبَرَ والأوَّلُ أصَحُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَيْلُ الساجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَسّاجْ
ويُقالُ "بَحْرٌ ساجٍ" أيْ ساكِنٌ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ وما ذَنْبُنا إنْ جاشَ بِحْرُ ابْنُ عَمِّكم ∗∗∗ وبَحْرُكَ ساجٍ لا يُوارِي الدَعامِصا
(p-٦٣٩)"وَطَرَفٌ ساجٍ" إذا كانَ ساكِنًا غَيْرَ مُضْطَرِبِ النَظَرِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَدَّعَكَ" بِشَدِّ الدالِ، مِنَ التَوْدِيعِ، وقَرَأ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ وابْنُهُ هِشامٌ: "وَدَعَكَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، بِمَعْنى تَرْكَكَ و"قَلى" مَعْناهُ أبْغَضَ واخْتُلِفَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: «أبْطَأ الوَحْيُ مَرَّةً عن رَسُولِ اللهِ ﷺ وهو بِمَكَّةَ -اخْتَلَفَتْ في حَدِّها الرِواياتُ- حَتّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَجاءَتِ امْرَأةٌ مِنَ الكُفّارِ، وهي أُمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ، فَقالَتْ: يا مُحَمَّدُ، ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ تَرَكَكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.»
وقالَ ابْنٌ وهْبٍ عن رِجالٍ عن عُرْوَةَ بْنِ الزُبَيْرِ «أنَّ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: لَهُ ما أرى اللهَ إلّا قَدْ خَلّاكَ لِإفْراطِ جَزَعِكَ لِبُطْءِ الوَحْيِ عنكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ،» وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إنَّما احْتَبَسَ عنهُ جِبْرِيلُ لِجَرْوِ كَلْبٍ كانَ في بَيْتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الدارَيْنِ: الدُنْيا والآخِرَةُ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ حالَيْهِ في الدُنْيا قَبْلَ نُزُولِ السُورَةِ وبَعْدَها، فَوَعَدَهُ اللهُ تَعالى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِالنَصْرِ والظُهُورِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾، قالَ جُمْهُورُ الناسِ: ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ البَيْتِ هَذِهِ أرْجى آيَةً في القُرْآنِ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لا يَرْضى وواحِدٌ مِن أُمَّتِهِ في النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رِضاهُ أنْ لا يَدْخُلُ أحَدٌ مِن أهْلِ بَيْتِهِ في النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: رِضاهُ أنَّ اللهَ تَعالى وعَدَهُ بِألْفِ قَصْرٍ في الجَنَّةِ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ النِعَمِ والخَدَمِ، وقالَ (p-٦٤٠)بَعْضُ العُلَماءِ: رِضاهُ في الدُنْيا بِفَتْحِ مَكَّةَ وغَيْرِهِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَسَيُعْطِيكَ".
ثُمَّ وقَّفَهُ تَعالى عَلى المَراتِبِ الَّتِي دَرَجَهُ فِيها بِإنْعامِهِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ والمَعْنى: ألَمْ يَجِدْكَ تَحَفِّي اللهُ وإنْعامُهُ، ويُتْمُهُ كانَ فَقْدَ أبِيهِ وكَوْنُهُ في كَنَفِ عَمِّهِ أبِي طالِبٍ، وقِيلَ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصادِقِ: لَمْ يُتِمَّ النَبِيُّ ﷺ مِن أبَوَيْهِ؟ قالَ: لِئَلّا يَكُونُ عَلَيْهِ حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ. وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: "فَأوى" بِالقَصْرِ بِمَعْنى: رَحِمَ، يُقالُ: أوَيْتُ لِفُلانٍ، أيْ رَحِمْتُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا﴾ أيْ: وجَدَكَ إنْعامَهُ بِالنُبُوَّةِ والرِسالَةِ عَلى غَيْرِ الطَرِيقِ الَّتِي أنْتَ عَلَيْها في نُبُوَّتِكَ، فَهَدى، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ والضَحّاكِ وفِرْقَةٌ.
و"الضَلالُ" مُخْتَلِفٌ، فَمِنهُ البَعِيدُ ومِنهُ القَرِيبُ، فالبَعِيدُ ضَلالُ الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ويَحْتَجُّونَ لِذَلِكَ ويَغْتَبِطُونَ بِهِ، وكانَ هَذا الضَلالُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ أقْرَبَ ضَلالٍ، وهو الكَوْنُ واقِفًا لا يُمَيِّزُ المَهِيعَ، لا أنَّهُ تَمَسَّكَ بِطَرِيقِ أحَدٍ، بَلْ كانَ يَرْتادُ ويَنْظُرُ. وقالَ السُدِّيُّ: أقامَ عَلى أمْرِ قَوْمِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: مَعْنى "وَوَجَدَكَ ضالًّا": تُنْسَبُ إلى الضَلالِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ووَجَدَكَ في قَوْمِ ضَلالٍ، فَكَأنَّكَ واحِدٌ مِنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ورَسُولُ اللهِ ﷺ لَمْ يَعْبُدْ صَنَمًا قَطُّ، ولَكِنَّهُ أكَلَ ذَبائِحَهم حَسَبَ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو في أسْفَلِ بَلْدَحٍ، وجَرى عَلى يَسِيرٍ مِن أمْرِهِمْ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَنْظُرُ خَطَأ ما هم عَلَيْهِ، ودَفَعَ مِن عَرَفاتٍ وخالَفَهم في أشْياءَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو ضَلالُهُ وهو صَغِيرٌ في شِعابِ مَكَّةَ، ثُمَّ رَدَّهُ اللهُ تَعالى إلى جَدِّهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وقِيلَ: هو ضَلالُهُ مِن حَلِيمَةَ مُرْضِعَتِهِ، وقالَ التِرْمِذِيُّ، وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى: "ضالًا" خامِلَ الذِكْرِ لا يَعْرِفُكَ الناسُ، فَهُداهم إلَيْكَ رَبُّكَ، والصَوابُ أنَّهُ ضَلالٌ مِن تَوَقُّفٍ لا يَدْرِي، كَما (p-٦٤١)قالَ عَزَّ وجَلَّ: و﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢]. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ هو تَزْوِيجُهُ عَلَيْهِ السَلامُ بِنْتَهُ في الجاهِلِيَّةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
و"العائِلُ": الفَقِيرُ، وقَرَأ اليَمانِيُّ "عَيِّلًا" بِشَدِّ الياءِ المَكْسُورَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يُعِيلُ
وأعالَ: كَثُرَ عِيالُهُ، وعالَ: افْتَقَرَ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: ٢٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَأغْنى"﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ: رِضاكَ بِما أعْطاكَ مِنَ الرِزْقِ، وقِيلَ: فَقِيرًا إلَيْهِ فَأغْناكَ بِهِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ فَقْرُ المالِ وغِناهُ، والمَعْنى في النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ أغْنى الأغْنِياءِ بِالصَبْرِ والقَناعَةِ وقَدْ حُبِّبا وقِيلَ أُغْنِيَ بِالكَفافِ لِتَصَرّفِهِ في مالِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، ولَمْ يَكُنِ النَبِيُّ ﷺ قَطُّ كَثِيرَ المالِ، رَفَعَهُ اللهُ عن ذَلِكَ، وقالَ: « "لَيْسَ الغِنى عن كَثْرَةِ العَرَضِ، ولَكِنَّ الغِنى غِنى النَفْسِ".»
ولَمّا عَدَّدَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ هَذِهِ النِعَمَ الثَلاثَ وصّاهُ بِثَلاثِ وصايا، في كُلِّ نِعْمَةٍ وصِيَّةٌ مُناسِبَةٌ لَها، فَبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾، وبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأمّا السائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾، هَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ السائِلَ هُنا هو السائِلُ عَنِ العِلْمِ والدِينِ، ولَيْسَ بِسائِلِ المالِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وأبِي الدَرْداءِ وغَيْرِهِما، وبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، وأمّا مَن قالَ إنَّ السائِلَ سائِلُ المالِ المُحْتاجِ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ وجَماعَةٌ فَقَدْ جَعَلَها بِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا (p-٦٤٢)فَأغْنى﴾، وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ بِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾. وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: نِعْمَ القَوْمُ السُؤّالُ، يَحْمِلُونَ زادَنا إلى الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلا تَنْهَرْ" مَعْناهُ: رَدَّ رَدًّا جَمِيلًا، إمّا بِعَطاءٍ وإمّا بِقَوْلٍ حَسَنٍ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَوَجَدَكَ عَدِيمًا فَأغْنى"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والشَعْبِيُّ، وإبْراهِيمُ التَيْمِيُّ: "فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَكْهَرْ" بِالكافِ، قالَ الأخْفَشُ: هي بِمَعْنى القَهْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَقاكُمُ اللهُ سَطْوَةَ القادِرِ ومَلَكَةَ الكاهِرِ" وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا أظُنُّها بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ قَدْ قالَ الأعْرابِيُّ الَّذِي بالَ في المَسْجِدِ: "فَما كَهَرَنِي النَبِيُّ ﷺ، فَإنَّما هي بِمَعْنى الِانْتِهارِ.
وأمَرَهُ الله تَعالى بِالتَحَدُّثِ بِنِعْمَتِهِ، فَقالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: مَعْناهُ: بِثَّ القُرْآنَ وبَلِّغْ ما أُرْسِلْتَ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو عُمُومٌ في جَمِيعِ النِعَمِ، وكانَ بَعْضُ الصالِحِينَ يَقُولُ: لَقَدْ أعْطانِي اللهُ كَذا وكَذا، ولَقَدْ صَلَّيْتُ البارِحَةَ كَذا وكَذا، وذَكَرْتُ اللهَ تَعالى كَذا، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ مِثْلَكَ لا يَقُولُ هَذا، فَقالَ إنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ وأنْتُمْ تَقُولُونَ لا تُحَدِّثْ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "التَحَدُّثُ بِالنِعَمِ شُكْرٌ"،» ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أسْدَيْتُ إلَيْهِ نِعْمَةً فَذَكَرَها فَقَدْ شَكَرَها، ومَن سَتَرَها فَقَدْ كَفَرَها"،» ونَصَبَ "اليَتِيمَ" بِـ "تَقْهَرُ"، والتَقْدِيرُ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَلا تَقْهَرِ اليَتِيمَ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الضُحى] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الضحى 93:7
(p-٦٣٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الضُحى
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ الرُواةِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والضُحى﴾ ﴿واللَيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا السائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾
تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "الضُحى" بِأنَّهُ سُطُوعُ الضَوْءِ وعِظَمُهُ، وقالَ قَتادَةُ: الضُحى هُنا، النَهارُ كُلُّهُ، و"سَجى" مَعْناهُ سَكَنَ واسْتَقَرَّ لَيْلًا تامًّا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ "سَجى" مَعْناهُ أقْبَلَ، وقالَ آخَرُونَ:
مَعْناهُ أدْبَرَ والأوَّلُ أصَحُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَيْلُ الساجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَسّاجْ
ويُقالُ "بَحْرٌ ساجٍ" أيْ ساكِنٌ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ وما ذَنْبُنا إنْ جاشَ بِحْرُ ابْنُ عَمِّكم ∗∗∗ وبَحْرُكَ ساجٍ لا يُوارِي الدَعامِصا
(p-٦٣٩)"وَطَرَفٌ ساجٍ" إذا كانَ ساكِنًا غَيْرَ مُضْطَرِبِ النَظَرِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَدَّعَكَ" بِشَدِّ الدالِ، مِنَ التَوْدِيعِ، وقَرَأ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ وابْنُهُ هِشامٌ: "وَدَعَكَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، بِمَعْنى تَرْكَكَ و"قَلى" مَعْناهُ أبْغَضَ واخْتُلِفَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: «أبْطَأ الوَحْيُ مَرَّةً عن رَسُولِ اللهِ ﷺ وهو بِمَكَّةَ -اخْتَلَفَتْ في حَدِّها الرِواياتُ- حَتّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَجاءَتِ امْرَأةٌ مِنَ الكُفّارِ، وهي أُمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ، فَقالَتْ: يا مُحَمَّدُ، ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ تَرَكَكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.»
وقالَ ابْنٌ وهْبٍ عن رِجالٍ عن عُرْوَةَ بْنِ الزُبَيْرِ «أنَّ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: لَهُ ما أرى اللهَ إلّا قَدْ خَلّاكَ لِإفْراطِ جَزَعِكَ لِبُطْءِ الوَحْيِ عنكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ،» وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إنَّما احْتَبَسَ عنهُ جِبْرِيلُ لِجَرْوِ كَلْبٍ كانَ في بَيْتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الدارَيْنِ: الدُنْيا والآخِرَةُ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ حالَيْهِ في الدُنْيا قَبْلَ نُزُولِ السُورَةِ وبَعْدَها، فَوَعَدَهُ اللهُ تَعالى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِالنَصْرِ والظُهُورِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾، قالَ جُمْهُورُ الناسِ: ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ البَيْتِ هَذِهِ أرْجى آيَةً في القُرْآنِ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لا يَرْضى وواحِدٌ مِن أُمَّتِهِ في النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رِضاهُ أنْ لا يَدْخُلُ أحَدٌ مِن أهْلِ بَيْتِهِ في النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: رِضاهُ أنَّ اللهَ تَعالى وعَدَهُ بِألْفِ قَصْرٍ في الجَنَّةِ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ النِعَمِ والخَدَمِ، وقالَ (p-٦٤٠)بَعْضُ العُلَماءِ: رِضاهُ في الدُنْيا بِفَتْحِ مَكَّةَ وغَيْرِهِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَسَيُعْطِيكَ".
ثُمَّ وقَّفَهُ تَعالى عَلى المَراتِبِ الَّتِي دَرَجَهُ فِيها بِإنْعامِهِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ والمَعْنى: ألَمْ يَجِدْكَ تَحَفِّي اللهُ وإنْعامُهُ، ويُتْمُهُ كانَ فَقْدَ أبِيهِ وكَوْنُهُ في كَنَفِ عَمِّهِ أبِي طالِبٍ، وقِيلَ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصادِقِ: لَمْ يُتِمَّ النَبِيُّ ﷺ مِن أبَوَيْهِ؟ قالَ: لِئَلّا يَكُونُ عَلَيْهِ حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ. وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: "فَأوى" بِالقَصْرِ بِمَعْنى: رَحِمَ، يُقالُ: أوَيْتُ لِفُلانٍ، أيْ رَحِمْتُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا﴾ أيْ: وجَدَكَ إنْعامَهُ بِالنُبُوَّةِ والرِسالَةِ عَلى غَيْرِ الطَرِيقِ الَّتِي أنْتَ عَلَيْها في نُبُوَّتِكَ، فَهَدى، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ والضَحّاكِ وفِرْقَةٌ.
و"الضَلالُ" مُخْتَلِفٌ، فَمِنهُ البَعِيدُ ومِنهُ القَرِيبُ، فالبَعِيدُ ضَلالُ الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ويَحْتَجُّونَ لِذَلِكَ ويَغْتَبِطُونَ بِهِ، وكانَ هَذا الضَلالُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ أقْرَبَ ضَلالٍ، وهو الكَوْنُ واقِفًا لا يُمَيِّزُ المَهِيعَ، لا أنَّهُ تَمَسَّكَ بِطَرِيقِ أحَدٍ، بَلْ كانَ يَرْتادُ ويَنْظُرُ. وقالَ السُدِّيُّ: أقامَ عَلى أمْرِ قَوْمِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: مَعْنى "وَوَجَدَكَ ضالًّا": تُنْسَبُ إلى الضَلالِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ووَجَدَكَ في قَوْمِ ضَلالٍ، فَكَأنَّكَ واحِدٌ مِنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ورَسُولُ اللهِ ﷺ لَمْ يَعْبُدْ صَنَمًا قَطُّ، ولَكِنَّهُ أكَلَ ذَبائِحَهم حَسَبَ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو في أسْفَلِ بَلْدَحٍ، وجَرى عَلى يَسِيرٍ مِن أمْرِهِمْ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَنْظُرُ خَطَأ ما هم عَلَيْهِ، ودَفَعَ مِن عَرَفاتٍ وخالَفَهم في أشْياءَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو ضَلالُهُ وهو صَغِيرٌ في شِعابِ مَكَّةَ، ثُمَّ رَدَّهُ اللهُ تَعالى إلى جَدِّهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وقِيلَ: هو ضَلالُهُ مِن حَلِيمَةَ مُرْضِعَتِهِ، وقالَ التِرْمِذِيُّ، وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى: "ضالًا" خامِلَ الذِكْرِ لا يَعْرِفُكَ الناسُ، فَهُداهم إلَيْكَ رَبُّكَ، والصَوابُ أنَّهُ ضَلالٌ مِن تَوَقُّفٍ لا يَدْرِي، كَما (p-٦٤١)قالَ عَزَّ وجَلَّ: و﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢]. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ هو تَزْوِيجُهُ عَلَيْهِ السَلامُ بِنْتَهُ في الجاهِلِيَّةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
و"العائِلُ": الفَقِيرُ، وقَرَأ اليَمانِيُّ "عَيِّلًا" بِشَدِّ الياءِ المَكْسُورَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يُعِيلُ
وأعالَ: كَثُرَ عِيالُهُ، وعالَ: افْتَقَرَ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: ٢٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَأغْنى"﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ: رِضاكَ بِما أعْطاكَ مِنَ الرِزْقِ، وقِيلَ: فَقِيرًا إلَيْهِ فَأغْناكَ بِهِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ فَقْرُ المالِ وغِناهُ، والمَعْنى في النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ أغْنى الأغْنِياءِ بِالصَبْرِ والقَناعَةِ وقَدْ حُبِّبا وقِيلَ أُغْنِيَ بِالكَفافِ لِتَصَرّفِهِ في مالِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، ولَمْ يَكُنِ النَبِيُّ ﷺ قَطُّ كَثِيرَ المالِ، رَفَعَهُ اللهُ عن ذَلِكَ، وقالَ: « "لَيْسَ الغِنى عن كَثْرَةِ العَرَضِ، ولَكِنَّ الغِنى غِنى النَفْسِ".»
ولَمّا عَدَّدَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ هَذِهِ النِعَمَ الثَلاثَ وصّاهُ بِثَلاثِ وصايا، في كُلِّ نِعْمَةٍ وصِيَّةٌ مُناسِبَةٌ لَها، فَبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾، وبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأمّا السائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾، هَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ السائِلَ هُنا هو السائِلُ عَنِ العِلْمِ والدِينِ، ولَيْسَ بِسائِلِ المالِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وأبِي الدَرْداءِ وغَيْرِهِما، وبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، وأمّا مَن قالَ إنَّ السائِلَ سائِلُ المالِ المُحْتاجِ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ وجَماعَةٌ فَقَدْ جَعَلَها بِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا (p-٦٤٢)فَأغْنى﴾، وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ بِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾. وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: نِعْمَ القَوْمُ السُؤّالُ، يَحْمِلُونَ زادَنا إلى الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلا تَنْهَرْ" مَعْناهُ: رَدَّ رَدًّا جَمِيلًا، إمّا بِعَطاءٍ وإمّا بِقَوْلٍ حَسَنٍ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَوَجَدَكَ عَدِيمًا فَأغْنى"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والشَعْبِيُّ، وإبْراهِيمُ التَيْمِيُّ: "فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَكْهَرْ" بِالكافِ، قالَ الأخْفَشُ: هي بِمَعْنى القَهْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَقاكُمُ اللهُ سَطْوَةَ القادِرِ ومَلَكَةَ الكاهِرِ" وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا أظُنُّها بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ قَدْ قالَ الأعْرابِيُّ الَّذِي بالَ في المَسْجِدِ: "فَما كَهَرَنِي النَبِيُّ ﷺ، فَإنَّما هي بِمَعْنى الِانْتِهارِ.
وأمَرَهُ الله تَعالى بِالتَحَدُّثِ بِنِعْمَتِهِ، فَقالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: مَعْناهُ: بِثَّ القُرْآنَ وبَلِّغْ ما أُرْسِلْتَ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو عُمُومٌ في جَمِيعِ النِعَمِ، وكانَ بَعْضُ الصالِحِينَ يَقُولُ: لَقَدْ أعْطانِي اللهُ كَذا وكَذا، ولَقَدْ صَلَّيْتُ البارِحَةَ كَذا وكَذا، وذَكَرْتُ اللهَ تَعالى كَذا، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ مِثْلَكَ لا يَقُولُ هَذا، فَقالَ إنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ وأنْتُمْ تَقُولُونَ لا تُحَدِّثْ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "التَحَدُّثُ بِالنِعَمِ شُكْرٌ"،» ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أسْدَيْتُ إلَيْهِ نِعْمَةً فَذَكَرَها فَقَدْ شَكَرَها، ومَن سَتَرَها فَقَدْ كَفَرَها"،» ونَصَبَ "اليَتِيمَ" بِـ "تَقْهَرُ"، والتَقْدِيرُ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَلا تَقْهَرِ اليَتِيمَ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الضُحى] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الضحى 93:8
(p-٦٣٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الضُحى
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ الرُواةِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والضُحى﴾ ﴿واللَيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا السائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾
تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "الضُحى" بِأنَّهُ سُطُوعُ الضَوْءِ وعِظَمُهُ، وقالَ قَتادَةُ: الضُحى هُنا، النَهارُ كُلُّهُ، و"سَجى" مَعْناهُ سَكَنَ واسْتَقَرَّ لَيْلًا تامًّا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ "سَجى" مَعْناهُ أقْبَلَ، وقالَ آخَرُونَ:
مَعْناهُ أدْبَرَ والأوَّلُ أصَحُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَيْلُ الساجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَسّاجْ
ويُقالُ "بَحْرٌ ساجٍ" أيْ ساكِنٌ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ وما ذَنْبُنا إنْ جاشَ بِحْرُ ابْنُ عَمِّكم ∗∗∗ وبَحْرُكَ ساجٍ لا يُوارِي الدَعامِصا
(p-٦٣٩)"وَطَرَفٌ ساجٍ" إذا كانَ ساكِنًا غَيْرَ مُضْطَرِبِ النَظَرِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَدَّعَكَ" بِشَدِّ الدالِ، مِنَ التَوْدِيعِ، وقَرَأ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ وابْنُهُ هِشامٌ: "وَدَعَكَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، بِمَعْنى تَرْكَكَ و"قَلى" مَعْناهُ أبْغَضَ واخْتُلِفَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: «أبْطَأ الوَحْيُ مَرَّةً عن رَسُولِ اللهِ ﷺ وهو بِمَكَّةَ -اخْتَلَفَتْ في حَدِّها الرِواياتُ- حَتّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَجاءَتِ امْرَأةٌ مِنَ الكُفّارِ، وهي أُمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ، فَقالَتْ: يا مُحَمَّدُ، ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ تَرَكَكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.»
وقالَ ابْنٌ وهْبٍ عن رِجالٍ عن عُرْوَةَ بْنِ الزُبَيْرِ «أنَّ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: لَهُ ما أرى اللهَ إلّا قَدْ خَلّاكَ لِإفْراطِ جَزَعِكَ لِبُطْءِ الوَحْيِ عنكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ،» وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إنَّما احْتَبَسَ عنهُ جِبْرِيلُ لِجَرْوِ كَلْبٍ كانَ في بَيْتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الدارَيْنِ: الدُنْيا والآخِرَةُ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ حالَيْهِ في الدُنْيا قَبْلَ نُزُولِ السُورَةِ وبَعْدَها، فَوَعَدَهُ اللهُ تَعالى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِالنَصْرِ والظُهُورِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾، قالَ جُمْهُورُ الناسِ: ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ البَيْتِ هَذِهِ أرْجى آيَةً في القُرْآنِ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لا يَرْضى وواحِدٌ مِن أُمَّتِهِ في النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رِضاهُ أنْ لا يَدْخُلُ أحَدٌ مِن أهْلِ بَيْتِهِ في النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: رِضاهُ أنَّ اللهَ تَعالى وعَدَهُ بِألْفِ قَصْرٍ في الجَنَّةِ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ النِعَمِ والخَدَمِ، وقالَ (p-٦٤٠)بَعْضُ العُلَماءِ: رِضاهُ في الدُنْيا بِفَتْحِ مَكَّةَ وغَيْرِهِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَسَيُعْطِيكَ".
ثُمَّ وقَّفَهُ تَعالى عَلى المَراتِبِ الَّتِي دَرَجَهُ فِيها بِإنْعامِهِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ والمَعْنى: ألَمْ يَجِدْكَ تَحَفِّي اللهُ وإنْعامُهُ، ويُتْمُهُ كانَ فَقْدَ أبِيهِ وكَوْنُهُ في كَنَفِ عَمِّهِ أبِي طالِبٍ، وقِيلَ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصادِقِ: لَمْ يُتِمَّ النَبِيُّ ﷺ مِن أبَوَيْهِ؟ قالَ: لِئَلّا يَكُونُ عَلَيْهِ حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ. وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: "فَأوى" بِالقَصْرِ بِمَعْنى: رَحِمَ، يُقالُ: أوَيْتُ لِفُلانٍ، أيْ رَحِمْتُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا﴾ أيْ: وجَدَكَ إنْعامَهُ بِالنُبُوَّةِ والرِسالَةِ عَلى غَيْرِ الطَرِيقِ الَّتِي أنْتَ عَلَيْها في نُبُوَّتِكَ، فَهَدى، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ والضَحّاكِ وفِرْقَةٌ.
و"الضَلالُ" مُخْتَلِفٌ، فَمِنهُ البَعِيدُ ومِنهُ القَرِيبُ، فالبَعِيدُ ضَلالُ الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ويَحْتَجُّونَ لِذَلِكَ ويَغْتَبِطُونَ بِهِ، وكانَ هَذا الضَلالُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ أقْرَبَ ضَلالٍ، وهو الكَوْنُ واقِفًا لا يُمَيِّزُ المَهِيعَ، لا أنَّهُ تَمَسَّكَ بِطَرِيقِ أحَدٍ، بَلْ كانَ يَرْتادُ ويَنْظُرُ. وقالَ السُدِّيُّ: أقامَ عَلى أمْرِ قَوْمِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: مَعْنى "وَوَجَدَكَ ضالًّا": تُنْسَبُ إلى الضَلالِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ووَجَدَكَ في قَوْمِ ضَلالٍ، فَكَأنَّكَ واحِدٌ مِنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ورَسُولُ اللهِ ﷺ لَمْ يَعْبُدْ صَنَمًا قَطُّ، ولَكِنَّهُ أكَلَ ذَبائِحَهم حَسَبَ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو في أسْفَلِ بَلْدَحٍ، وجَرى عَلى يَسِيرٍ مِن أمْرِهِمْ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَنْظُرُ خَطَأ ما هم عَلَيْهِ، ودَفَعَ مِن عَرَفاتٍ وخالَفَهم في أشْياءَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو ضَلالُهُ وهو صَغِيرٌ في شِعابِ مَكَّةَ، ثُمَّ رَدَّهُ اللهُ تَعالى إلى جَدِّهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وقِيلَ: هو ضَلالُهُ مِن حَلِيمَةَ مُرْضِعَتِهِ، وقالَ التِرْمِذِيُّ، وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى: "ضالًا" خامِلَ الذِكْرِ لا يَعْرِفُكَ الناسُ، فَهُداهم إلَيْكَ رَبُّكَ، والصَوابُ أنَّهُ ضَلالٌ مِن تَوَقُّفٍ لا يَدْرِي، كَما (p-٦٤١)قالَ عَزَّ وجَلَّ: و﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢]. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ هو تَزْوِيجُهُ عَلَيْهِ السَلامُ بِنْتَهُ في الجاهِلِيَّةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
و"العائِلُ": الفَقِيرُ، وقَرَأ اليَمانِيُّ "عَيِّلًا" بِشَدِّ الياءِ المَكْسُورَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يُعِيلُ
وأعالَ: كَثُرَ عِيالُهُ، وعالَ: افْتَقَرَ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: ٢٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَأغْنى"﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ: رِضاكَ بِما أعْطاكَ مِنَ الرِزْقِ، وقِيلَ: فَقِيرًا إلَيْهِ فَأغْناكَ بِهِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ فَقْرُ المالِ وغِناهُ، والمَعْنى في النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ أغْنى الأغْنِياءِ بِالصَبْرِ والقَناعَةِ وقَدْ حُبِّبا وقِيلَ أُغْنِيَ بِالكَفافِ لِتَصَرّفِهِ في مالِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، ولَمْ يَكُنِ النَبِيُّ ﷺ قَطُّ كَثِيرَ المالِ، رَفَعَهُ اللهُ عن ذَلِكَ، وقالَ: « "لَيْسَ الغِنى عن كَثْرَةِ العَرَضِ، ولَكِنَّ الغِنى غِنى النَفْسِ".»
ولَمّا عَدَّدَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ هَذِهِ النِعَمَ الثَلاثَ وصّاهُ بِثَلاثِ وصايا، في كُلِّ نِعْمَةٍ وصِيَّةٌ مُناسِبَةٌ لَها، فَبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾، وبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأمّا السائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾، هَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ السائِلَ هُنا هو السائِلُ عَنِ العِلْمِ والدِينِ، ولَيْسَ بِسائِلِ المالِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وأبِي الدَرْداءِ وغَيْرِهِما، وبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، وأمّا مَن قالَ إنَّ السائِلَ سائِلُ المالِ المُحْتاجِ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ وجَماعَةٌ فَقَدْ جَعَلَها بِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا (p-٦٤٢)فَأغْنى﴾، وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ بِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾. وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: نِعْمَ القَوْمُ السُؤّالُ، يَحْمِلُونَ زادَنا إلى الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلا تَنْهَرْ" مَعْناهُ: رَدَّ رَدًّا جَمِيلًا، إمّا بِعَطاءٍ وإمّا بِقَوْلٍ حَسَنٍ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَوَجَدَكَ عَدِيمًا فَأغْنى"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والشَعْبِيُّ، وإبْراهِيمُ التَيْمِيُّ: "فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَكْهَرْ" بِالكافِ، قالَ الأخْفَشُ: هي بِمَعْنى القَهْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَقاكُمُ اللهُ سَطْوَةَ القادِرِ ومَلَكَةَ الكاهِرِ" وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا أظُنُّها بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ قَدْ قالَ الأعْرابِيُّ الَّذِي بالَ في المَسْجِدِ: "فَما كَهَرَنِي النَبِيُّ ﷺ، فَإنَّما هي بِمَعْنى الِانْتِهارِ.
وأمَرَهُ الله تَعالى بِالتَحَدُّثِ بِنِعْمَتِهِ، فَقالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: مَعْناهُ: بِثَّ القُرْآنَ وبَلِّغْ ما أُرْسِلْتَ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو عُمُومٌ في جَمِيعِ النِعَمِ، وكانَ بَعْضُ الصالِحِينَ يَقُولُ: لَقَدْ أعْطانِي اللهُ كَذا وكَذا، ولَقَدْ صَلَّيْتُ البارِحَةَ كَذا وكَذا، وذَكَرْتُ اللهَ تَعالى كَذا، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ مِثْلَكَ لا يَقُولُ هَذا، فَقالَ إنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ وأنْتُمْ تَقُولُونَ لا تُحَدِّثْ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "التَحَدُّثُ بِالنِعَمِ شُكْرٌ"،» ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أسْدَيْتُ إلَيْهِ نِعْمَةً فَذَكَرَها فَقَدْ شَكَرَها، ومَن سَتَرَها فَقَدْ كَفَرَها"،» ونَصَبَ "اليَتِيمَ" بِـ "تَقْهَرُ"، والتَقْدِيرُ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَلا تَقْهَرِ اليَتِيمَ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الضُحى] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الضحى 93:9
(p-٦٣٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الضُحى
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ الرُواةِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والضُحى﴾ ﴿واللَيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا السائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾
تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "الضُحى" بِأنَّهُ سُطُوعُ الضَوْءِ وعِظَمُهُ، وقالَ قَتادَةُ: الضُحى هُنا، النَهارُ كُلُّهُ، و"سَجى" مَعْناهُ سَكَنَ واسْتَقَرَّ لَيْلًا تامًّا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ "سَجى" مَعْناهُ أقْبَلَ، وقالَ آخَرُونَ:
مَعْناهُ أدْبَرَ والأوَّلُ أصَحُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَيْلُ الساجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَسّاجْ
ويُقالُ "بَحْرٌ ساجٍ" أيْ ساكِنٌ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ وما ذَنْبُنا إنْ جاشَ بِحْرُ ابْنُ عَمِّكم ∗∗∗ وبَحْرُكَ ساجٍ لا يُوارِي الدَعامِصا
(p-٦٣٩)"وَطَرَفٌ ساجٍ" إذا كانَ ساكِنًا غَيْرَ مُضْطَرِبِ النَظَرِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَدَّعَكَ" بِشَدِّ الدالِ، مِنَ التَوْدِيعِ، وقَرَأ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ وابْنُهُ هِشامٌ: "وَدَعَكَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، بِمَعْنى تَرْكَكَ و"قَلى" مَعْناهُ أبْغَضَ واخْتُلِفَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: «أبْطَأ الوَحْيُ مَرَّةً عن رَسُولِ اللهِ ﷺ وهو بِمَكَّةَ -اخْتَلَفَتْ في حَدِّها الرِواياتُ- حَتّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَجاءَتِ امْرَأةٌ مِنَ الكُفّارِ، وهي أُمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ، فَقالَتْ: يا مُحَمَّدُ، ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ تَرَكَكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.»
وقالَ ابْنٌ وهْبٍ عن رِجالٍ عن عُرْوَةَ بْنِ الزُبَيْرِ «أنَّ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: لَهُ ما أرى اللهَ إلّا قَدْ خَلّاكَ لِإفْراطِ جَزَعِكَ لِبُطْءِ الوَحْيِ عنكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ،» وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إنَّما احْتَبَسَ عنهُ جِبْرِيلُ لِجَرْوِ كَلْبٍ كانَ في بَيْتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الدارَيْنِ: الدُنْيا والآخِرَةُ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ حالَيْهِ في الدُنْيا قَبْلَ نُزُولِ السُورَةِ وبَعْدَها، فَوَعَدَهُ اللهُ تَعالى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِالنَصْرِ والظُهُورِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾، قالَ جُمْهُورُ الناسِ: ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ البَيْتِ هَذِهِ أرْجى آيَةً في القُرْآنِ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لا يَرْضى وواحِدٌ مِن أُمَّتِهِ في النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رِضاهُ أنْ لا يَدْخُلُ أحَدٌ مِن أهْلِ بَيْتِهِ في النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: رِضاهُ أنَّ اللهَ تَعالى وعَدَهُ بِألْفِ قَصْرٍ في الجَنَّةِ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ النِعَمِ والخَدَمِ، وقالَ (p-٦٤٠)بَعْضُ العُلَماءِ: رِضاهُ في الدُنْيا بِفَتْحِ مَكَّةَ وغَيْرِهِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَسَيُعْطِيكَ".
ثُمَّ وقَّفَهُ تَعالى عَلى المَراتِبِ الَّتِي دَرَجَهُ فِيها بِإنْعامِهِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ والمَعْنى: ألَمْ يَجِدْكَ تَحَفِّي اللهُ وإنْعامُهُ، ويُتْمُهُ كانَ فَقْدَ أبِيهِ وكَوْنُهُ في كَنَفِ عَمِّهِ أبِي طالِبٍ، وقِيلَ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصادِقِ: لَمْ يُتِمَّ النَبِيُّ ﷺ مِن أبَوَيْهِ؟ قالَ: لِئَلّا يَكُونُ عَلَيْهِ حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ. وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: "فَأوى" بِالقَصْرِ بِمَعْنى: رَحِمَ، يُقالُ: أوَيْتُ لِفُلانٍ، أيْ رَحِمْتُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا﴾ أيْ: وجَدَكَ إنْعامَهُ بِالنُبُوَّةِ والرِسالَةِ عَلى غَيْرِ الطَرِيقِ الَّتِي أنْتَ عَلَيْها في نُبُوَّتِكَ، فَهَدى، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ والضَحّاكِ وفِرْقَةٌ.
و"الضَلالُ" مُخْتَلِفٌ، فَمِنهُ البَعِيدُ ومِنهُ القَرِيبُ، فالبَعِيدُ ضَلالُ الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ويَحْتَجُّونَ لِذَلِكَ ويَغْتَبِطُونَ بِهِ، وكانَ هَذا الضَلالُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ أقْرَبَ ضَلالٍ، وهو الكَوْنُ واقِفًا لا يُمَيِّزُ المَهِيعَ، لا أنَّهُ تَمَسَّكَ بِطَرِيقِ أحَدٍ، بَلْ كانَ يَرْتادُ ويَنْظُرُ. وقالَ السُدِّيُّ: أقامَ عَلى أمْرِ قَوْمِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: مَعْنى "وَوَجَدَكَ ضالًّا": تُنْسَبُ إلى الضَلالِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ووَجَدَكَ في قَوْمِ ضَلالٍ، فَكَأنَّكَ واحِدٌ مِنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ورَسُولُ اللهِ ﷺ لَمْ يَعْبُدْ صَنَمًا قَطُّ، ولَكِنَّهُ أكَلَ ذَبائِحَهم حَسَبَ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو في أسْفَلِ بَلْدَحٍ، وجَرى عَلى يَسِيرٍ مِن أمْرِهِمْ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَنْظُرُ خَطَأ ما هم عَلَيْهِ، ودَفَعَ مِن عَرَفاتٍ وخالَفَهم في أشْياءَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو ضَلالُهُ وهو صَغِيرٌ في شِعابِ مَكَّةَ، ثُمَّ رَدَّهُ اللهُ تَعالى إلى جَدِّهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وقِيلَ: هو ضَلالُهُ مِن حَلِيمَةَ مُرْضِعَتِهِ، وقالَ التِرْمِذِيُّ، وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى: "ضالًا" خامِلَ الذِكْرِ لا يَعْرِفُكَ الناسُ، فَهُداهم إلَيْكَ رَبُّكَ، والصَوابُ أنَّهُ ضَلالٌ مِن تَوَقُّفٍ لا يَدْرِي، كَما (p-٦٤١)قالَ عَزَّ وجَلَّ: و﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢]. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ هو تَزْوِيجُهُ عَلَيْهِ السَلامُ بِنْتَهُ في الجاهِلِيَّةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
و"العائِلُ": الفَقِيرُ، وقَرَأ اليَمانِيُّ "عَيِّلًا" بِشَدِّ الياءِ المَكْسُورَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يُعِيلُ
وأعالَ: كَثُرَ عِيالُهُ، وعالَ: افْتَقَرَ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: ٢٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَأغْنى"﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ: رِضاكَ بِما أعْطاكَ مِنَ الرِزْقِ، وقِيلَ: فَقِيرًا إلَيْهِ فَأغْناكَ بِهِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ فَقْرُ المالِ وغِناهُ، والمَعْنى في النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ أغْنى الأغْنِياءِ بِالصَبْرِ والقَناعَةِ وقَدْ حُبِّبا وقِيلَ أُغْنِيَ بِالكَفافِ لِتَصَرّفِهِ في مالِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، ولَمْ يَكُنِ النَبِيُّ ﷺ قَطُّ كَثِيرَ المالِ، رَفَعَهُ اللهُ عن ذَلِكَ، وقالَ: « "لَيْسَ الغِنى عن كَثْرَةِ العَرَضِ، ولَكِنَّ الغِنى غِنى النَفْسِ".»
ولَمّا عَدَّدَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ هَذِهِ النِعَمَ الثَلاثَ وصّاهُ بِثَلاثِ وصايا، في كُلِّ نِعْمَةٍ وصِيَّةٌ مُناسِبَةٌ لَها، فَبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾، وبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأمّا السائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾، هَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ السائِلَ هُنا هو السائِلُ عَنِ العِلْمِ والدِينِ، ولَيْسَ بِسائِلِ المالِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وأبِي الدَرْداءِ وغَيْرِهِما، وبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، وأمّا مَن قالَ إنَّ السائِلَ سائِلُ المالِ المُحْتاجِ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ وجَماعَةٌ فَقَدْ جَعَلَها بِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا (p-٦٤٢)فَأغْنى﴾، وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ بِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾. وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: نِعْمَ القَوْمُ السُؤّالُ، يَحْمِلُونَ زادَنا إلى الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلا تَنْهَرْ" مَعْناهُ: رَدَّ رَدًّا جَمِيلًا، إمّا بِعَطاءٍ وإمّا بِقَوْلٍ حَسَنٍ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَوَجَدَكَ عَدِيمًا فَأغْنى"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والشَعْبِيُّ، وإبْراهِيمُ التَيْمِيُّ: "فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَكْهَرْ" بِالكافِ، قالَ الأخْفَشُ: هي بِمَعْنى القَهْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَقاكُمُ اللهُ سَطْوَةَ القادِرِ ومَلَكَةَ الكاهِرِ" وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا أظُنُّها بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ قَدْ قالَ الأعْرابِيُّ الَّذِي بالَ في المَسْجِدِ: "فَما كَهَرَنِي النَبِيُّ ﷺ، فَإنَّما هي بِمَعْنى الِانْتِهارِ.
وأمَرَهُ الله تَعالى بِالتَحَدُّثِ بِنِعْمَتِهِ، فَقالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: مَعْناهُ: بِثَّ القُرْآنَ وبَلِّغْ ما أُرْسِلْتَ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو عُمُومٌ في جَمِيعِ النِعَمِ، وكانَ بَعْضُ الصالِحِينَ يَقُولُ: لَقَدْ أعْطانِي اللهُ كَذا وكَذا، ولَقَدْ صَلَّيْتُ البارِحَةَ كَذا وكَذا، وذَكَرْتُ اللهَ تَعالى كَذا، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ مِثْلَكَ لا يَقُولُ هَذا، فَقالَ إنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ وأنْتُمْ تَقُولُونَ لا تُحَدِّثْ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "التَحَدُّثُ بِالنِعَمِ شُكْرٌ"،» ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أسْدَيْتُ إلَيْهِ نِعْمَةً فَذَكَرَها فَقَدْ شَكَرَها، ومَن سَتَرَها فَقَدْ كَفَرَها"،» ونَصَبَ "اليَتِيمَ" بِـ "تَقْهَرُ"، والتَقْدِيرُ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَلا تَقْهَرِ اليَتِيمَ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الضُحى] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الضحى 93:10
(p-٦٣٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الضُحى
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ الرُواةِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والضُحى﴾ ﴿واللَيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا السائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾
تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "الضُحى" بِأنَّهُ سُطُوعُ الضَوْءِ وعِظَمُهُ، وقالَ قَتادَةُ: الضُحى هُنا، النَهارُ كُلُّهُ، و"سَجى" مَعْناهُ سَكَنَ واسْتَقَرَّ لَيْلًا تامًّا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ "سَجى" مَعْناهُ أقْبَلَ، وقالَ آخَرُونَ:
مَعْناهُ أدْبَرَ والأوَّلُ أصَحُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَيْلُ الساجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَسّاجْ
ويُقالُ "بَحْرٌ ساجٍ" أيْ ساكِنٌ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ وما ذَنْبُنا إنْ جاشَ بِحْرُ ابْنُ عَمِّكم ∗∗∗ وبَحْرُكَ ساجٍ لا يُوارِي الدَعامِصا
(p-٦٣٩)"وَطَرَفٌ ساجٍ" إذا كانَ ساكِنًا غَيْرَ مُضْطَرِبِ النَظَرِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَدَّعَكَ" بِشَدِّ الدالِ، مِنَ التَوْدِيعِ، وقَرَأ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ وابْنُهُ هِشامٌ: "وَدَعَكَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، بِمَعْنى تَرْكَكَ و"قَلى" مَعْناهُ أبْغَضَ واخْتُلِفَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: «أبْطَأ الوَحْيُ مَرَّةً عن رَسُولِ اللهِ ﷺ وهو بِمَكَّةَ -اخْتَلَفَتْ في حَدِّها الرِواياتُ- حَتّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَجاءَتِ امْرَأةٌ مِنَ الكُفّارِ، وهي أُمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ، فَقالَتْ: يا مُحَمَّدُ، ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ تَرَكَكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.»
وقالَ ابْنٌ وهْبٍ عن رِجالٍ عن عُرْوَةَ بْنِ الزُبَيْرِ «أنَّ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: لَهُ ما أرى اللهَ إلّا قَدْ خَلّاكَ لِإفْراطِ جَزَعِكَ لِبُطْءِ الوَحْيِ عنكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ،» وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إنَّما احْتَبَسَ عنهُ جِبْرِيلُ لِجَرْوِ كَلْبٍ كانَ في بَيْتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الدارَيْنِ: الدُنْيا والآخِرَةُ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ حالَيْهِ في الدُنْيا قَبْلَ نُزُولِ السُورَةِ وبَعْدَها، فَوَعَدَهُ اللهُ تَعالى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِالنَصْرِ والظُهُورِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾، قالَ جُمْهُورُ الناسِ: ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ البَيْتِ هَذِهِ أرْجى آيَةً في القُرْآنِ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لا يَرْضى وواحِدٌ مِن أُمَّتِهِ في النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رِضاهُ أنْ لا يَدْخُلُ أحَدٌ مِن أهْلِ بَيْتِهِ في النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: رِضاهُ أنَّ اللهَ تَعالى وعَدَهُ بِألْفِ قَصْرٍ في الجَنَّةِ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ النِعَمِ والخَدَمِ، وقالَ (p-٦٤٠)بَعْضُ العُلَماءِ: رِضاهُ في الدُنْيا بِفَتْحِ مَكَّةَ وغَيْرِهِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَسَيُعْطِيكَ".
ثُمَّ وقَّفَهُ تَعالى عَلى المَراتِبِ الَّتِي دَرَجَهُ فِيها بِإنْعامِهِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ والمَعْنى: ألَمْ يَجِدْكَ تَحَفِّي اللهُ وإنْعامُهُ، ويُتْمُهُ كانَ فَقْدَ أبِيهِ وكَوْنُهُ في كَنَفِ عَمِّهِ أبِي طالِبٍ، وقِيلَ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصادِقِ: لَمْ يُتِمَّ النَبِيُّ ﷺ مِن أبَوَيْهِ؟ قالَ: لِئَلّا يَكُونُ عَلَيْهِ حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ. وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: "فَأوى" بِالقَصْرِ بِمَعْنى: رَحِمَ، يُقالُ: أوَيْتُ لِفُلانٍ، أيْ رَحِمْتُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا﴾ أيْ: وجَدَكَ إنْعامَهُ بِالنُبُوَّةِ والرِسالَةِ عَلى غَيْرِ الطَرِيقِ الَّتِي أنْتَ عَلَيْها في نُبُوَّتِكَ، فَهَدى، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ والضَحّاكِ وفِرْقَةٌ.
و"الضَلالُ" مُخْتَلِفٌ، فَمِنهُ البَعِيدُ ومِنهُ القَرِيبُ، فالبَعِيدُ ضَلالُ الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ويَحْتَجُّونَ لِذَلِكَ ويَغْتَبِطُونَ بِهِ، وكانَ هَذا الضَلالُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ أقْرَبَ ضَلالٍ، وهو الكَوْنُ واقِفًا لا يُمَيِّزُ المَهِيعَ، لا أنَّهُ تَمَسَّكَ بِطَرِيقِ أحَدٍ، بَلْ كانَ يَرْتادُ ويَنْظُرُ. وقالَ السُدِّيُّ: أقامَ عَلى أمْرِ قَوْمِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: مَعْنى "وَوَجَدَكَ ضالًّا": تُنْسَبُ إلى الضَلالِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ووَجَدَكَ في قَوْمِ ضَلالٍ، فَكَأنَّكَ واحِدٌ مِنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ورَسُولُ اللهِ ﷺ لَمْ يَعْبُدْ صَنَمًا قَطُّ، ولَكِنَّهُ أكَلَ ذَبائِحَهم حَسَبَ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو في أسْفَلِ بَلْدَحٍ، وجَرى عَلى يَسِيرٍ مِن أمْرِهِمْ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَنْظُرُ خَطَأ ما هم عَلَيْهِ، ودَفَعَ مِن عَرَفاتٍ وخالَفَهم في أشْياءَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو ضَلالُهُ وهو صَغِيرٌ في شِعابِ مَكَّةَ، ثُمَّ رَدَّهُ اللهُ تَعالى إلى جَدِّهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وقِيلَ: هو ضَلالُهُ مِن حَلِيمَةَ مُرْضِعَتِهِ، وقالَ التِرْمِذِيُّ، وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى: "ضالًا" خامِلَ الذِكْرِ لا يَعْرِفُكَ الناسُ، فَهُداهم إلَيْكَ رَبُّكَ، والصَوابُ أنَّهُ ضَلالٌ مِن تَوَقُّفٍ لا يَدْرِي، كَما (p-٦٤١)قالَ عَزَّ وجَلَّ: و﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢]. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ هو تَزْوِيجُهُ عَلَيْهِ السَلامُ بِنْتَهُ في الجاهِلِيَّةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
و"العائِلُ": الفَقِيرُ، وقَرَأ اليَمانِيُّ "عَيِّلًا" بِشَدِّ الياءِ المَكْسُورَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يُعِيلُ
وأعالَ: كَثُرَ عِيالُهُ، وعالَ: افْتَقَرَ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: ٢٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَأغْنى"﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ: رِضاكَ بِما أعْطاكَ مِنَ الرِزْقِ، وقِيلَ: فَقِيرًا إلَيْهِ فَأغْناكَ بِهِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ فَقْرُ المالِ وغِناهُ، والمَعْنى في النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ أغْنى الأغْنِياءِ بِالصَبْرِ والقَناعَةِ وقَدْ حُبِّبا وقِيلَ أُغْنِيَ بِالكَفافِ لِتَصَرّفِهِ في مالِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، ولَمْ يَكُنِ النَبِيُّ ﷺ قَطُّ كَثِيرَ المالِ، رَفَعَهُ اللهُ عن ذَلِكَ، وقالَ: « "لَيْسَ الغِنى عن كَثْرَةِ العَرَضِ، ولَكِنَّ الغِنى غِنى النَفْسِ".»
ولَمّا عَدَّدَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ هَذِهِ النِعَمَ الثَلاثَ وصّاهُ بِثَلاثِ وصايا، في كُلِّ نِعْمَةٍ وصِيَّةٌ مُناسِبَةٌ لَها، فَبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾، وبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأمّا السائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾، هَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ السائِلَ هُنا هو السائِلُ عَنِ العِلْمِ والدِينِ، ولَيْسَ بِسائِلِ المالِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وأبِي الدَرْداءِ وغَيْرِهِما، وبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، وأمّا مَن قالَ إنَّ السائِلَ سائِلُ المالِ المُحْتاجِ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ وجَماعَةٌ فَقَدْ جَعَلَها بِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا (p-٦٤٢)فَأغْنى﴾، وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ بِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾. وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: نِعْمَ القَوْمُ السُؤّالُ، يَحْمِلُونَ زادَنا إلى الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلا تَنْهَرْ" مَعْناهُ: رَدَّ رَدًّا جَمِيلًا، إمّا بِعَطاءٍ وإمّا بِقَوْلٍ حَسَنٍ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَوَجَدَكَ عَدِيمًا فَأغْنى"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والشَعْبِيُّ، وإبْراهِيمُ التَيْمِيُّ: "فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَكْهَرْ" بِالكافِ، قالَ الأخْفَشُ: هي بِمَعْنى القَهْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَقاكُمُ اللهُ سَطْوَةَ القادِرِ ومَلَكَةَ الكاهِرِ" وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا أظُنُّها بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ قَدْ قالَ الأعْرابِيُّ الَّذِي بالَ في المَسْجِدِ: "فَما كَهَرَنِي النَبِيُّ ﷺ، فَإنَّما هي بِمَعْنى الِانْتِهارِ.
وأمَرَهُ الله تَعالى بِالتَحَدُّثِ بِنِعْمَتِهِ، فَقالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: مَعْناهُ: بِثَّ القُرْآنَ وبَلِّغْ ما أُرْسِلْتَ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو عُمُومٌ في جَمِيعِ النِعَمِ، وكانَ بَعْضُ الصالِحِينَ يَقُولُ: لَقَدْ أعْطانِي اللهُ كَذا وكَذا، ولَقَدْ صَلَّيْتُ البارِحَةَ كَذا وكَذا، وذَكَرْتُ اللهَ تَعالى كَذا، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ مِثْلَكَ لا يَقُولُ هَذا، فَقالَ إنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ وأنْتُمْ تَقُولُونَ لا تُحَدِّثْ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "التَحَدُّثُ بِالنِعَمِ شُكْرٌ"،» ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أسْدَيْتُ إلَيْهِ نِعْمَةً فَذَكَرَها فَقَدْ شَكَرَها، ومَن سَتَرَها فَقَدْ كَفَرَها"،» ونَصَبَ "اليَتِيمَ" بِـ "تَقْهَرُ"، والتَقْدِيرُ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَلا تَقْهَرِ اليَتِيمَ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الضُحى] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الضحى 93:11
(p-٦٣٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الضُحى
وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ الرُواةِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والضُحى﴾ ﴿واللَيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا السائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾
تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "الضُحى" بِأنَّهُ سُطُوعُ الضَوْءِ وعِظَمُهُ، وقالَ قَتادَةُ: الضُحى هُنا، النَهارُ كُلُّهُ، و"سَجى" مَعْناهُ سَكَنَ واسْتَقَرَّ لَيْلًا تامًّا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ "سَجى" مَعْناهُ أقْبَلَ، وقالَ آخَرُونَ:
مَعْناهُ أدْبَرَ والأوَّلُ أصَحُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَيْلُ الساجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَسّاجْ
ويُقالُ "بَحْرٌ ساجٍ" أيْ ساكِنٌ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ وما ذَنْبُنا إنْ جاشَ بِحْرُ ابْنُ عَمِّكم ∗∗∗ وبَحْرُكَ ساجٍ لا يُوارِي الدَعامِصا
(p-٦٣٩)"وَطَرَفٌ ساجٍ" إذا كانَ ساكِنًا غَيْرَ مُضْطَرِبِ النَظَرِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَدَّعَكَ" بِشَدِّ الدالِ، مِنَ التَوْدِيعِ، وقَرَأ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ وابْنُهُ هِشامٌ: "وَدَعَكَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، بِمَعْنى تَرْكَكَ و"قَلى" مَعْناهُ أبْغَضَ واخْتُلِفَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: «أبْطَأ الوَحْيُ مَرَّةً عن رَسُولِ اللهِ ﷺ وهو بِمَكَّةَ -اخْتَلَفَتْ في حَدِّها الرِواياتُ- حَتّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَجاءَتِ امْرَأةٌ مِنَ الكُفّارِ، وهي أُمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ، فَقالَتْ: يا مُحَمَّدُ، ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ تَرَكَكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.»
وقالَ ابْنٌ وهْبٍ عن رِجالٍ عن عُرْوَةَ بْنِ الزُبَيْرِ «أنَّ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: لَهُ ما أرى اللهَ إلّا قَدْ خَلّاكَ لِإفْراطِ جَزَعِكَ لِبُطْءِ الوَحْيِ عنكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ،» وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إنَّما احْتَبَسَ عنهُ جِبْرِيلُ لِجَرْوِ كَلْبٍ كانَ في بَيْتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الدارَيْنِ: الدُنْيا والآخِرَةُ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ حالَيْهِ في الدُنْيا قَبْلَ نُزُولِ السُورَةِ وبَعْدَها، فَوَعَدَهُ اللهُ تَعالى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِالنَصْرِ والظُهُورِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾، قالَ جُمْهُورُ الناسِ: ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ البَيْتِ هَذِهِ أرْجى آيَةً في القُرْآنِ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لا يَرْضى وواحِدٌ مِن أُمَّتِهِ في النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رِضاهُ أنْ لا يَدْخُلُ أحَدٌ مِن أهْلِ بَيْتِهِ في النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: رِضاهُ أنَّ اللهَ تَعالى وعَدَهُ بِألْفِ قَصْرٍ في الجَنَّةِ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ النِعَمِ والخَدَمِ، وقالَ (p-٦٤٠)بَعْضُ العُلَماءِ: رِضاهُ في الدُنْيا بِفَتْحِ مَكَّةَ وغَيْرِهِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَسَيُعْطِيكَ".
ثُمَّ وقَّفَهُ تَعالى عَلى المَراتِبِ الَّتِي دَرَجَهُ فِيها بِإنْعامِهِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ والمَعْنى: ألَمْ يَجِدْكَ تَحَفِّي اللهُ وإنْعامُهُ، ويُتْمُهُ كانَ فَقْدَ أبِيهِ وكَوْنُهُ في كَنَفِ عَمِّهِ أبِي طالِبٍ، وقِيلَ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصادِقِ: لَمْ يُتِمَّ النَبِيُّ ﷺ مِن أبَوَيْهِ؟ قالَ: لِئَلّا يَكُونُ عَلَيْهِ حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ. وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: "فَأوى" بِالقَصْرِ بِمَعْنى: رَحِمَ، يُقالُ: أوَيْتُ لِفُلانٍ، أيْ رَحِمْتُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا﴾ أيْ: وجَدَكَ إنْعامَهُ بِالنُبُوَّةِ والرِسالَةِ عَلى غَيْرِ الطَرِيقِ الَّتِي أنْتَ عَلَيْها في نُبُوَّتِكَ، فَهَدى، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ والضَحّاكِ وفِرْقَةٌ.
و"الضَلالُ" مُخْتَلِفٌ، فَمِنهُ البَعِيدُ ومِنهُ القَرِيبُ، فالبَعِيدُ ضَلالُ الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ويَحْتَجُّونَ لِذَلِكَ ويَغْتَبِطُونَ بِهِ، وكانَ هَذا الضَلالُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ أقْرَبَ ضَلالٍ، وهو الكَوْنُ واقِفًا لا يُمَيِّزُ المَهِيعَ، لا أنَّهُ تَمَسَّكَ بِطَرِيقِ أحَدٍ، بَلْ كانَ يَرْتادُ ويَنْظُرُ. وقالَ السُدِّيُّ: أقامَ عَلى أمْرِ قَوْمِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: مَعْنى "وَوَجَدَكَ ضالًّا": تُنْسَبُ إلى الضَلالِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ووَجَدَكَ في قَوْمِ ضَلالٍ، فَكَأنَّكَ واحِدٌ مِنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ورَسُولُ اللهِ ﷺ لَمْ يَعْبُدْ صَنَمًا قَطُّ، ولَكِنَّهُ أكَلَ ذَبائِحَهم حَسَبَ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو في أسْفَلِ بَلْدَحٍ، وجَرى عَلى يَسِيرٍ مِن أمْرِهِمْ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَنْظُرُ خَطَأ ما هم عَلَيْهِ، ودَفَعَ مِن عَرَفاتٍ وخالَفَهم في أشْياءَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو ضَلالُهُ وهو صَغِيرٌ في شِعابِ مَكَّةَ، ثُمَّ رَدَّهُ اللهُ تَعالى إلى جَدِّهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وقِيلَ: هو ضَلالُهُ مِن حَلِيمَةَ مُرْضِعَتِهِ، وقالَ التِرْمِذِيُّ، وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى: "ضالًا" خامِلَ الذِكْرِ لا يَعْرِفُكَ الناسُ، فَهُداهم إلَيْكَ رَبُّكَ، والصَوابُ أنَّهُ ضَلالٌ مِن تَوَقُّفٍ لا يَدْرِي، كَما (p-٦٤١)قالَ عَزَّ وجَلَّ: و﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢]. وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ هو تَزْوِيجُهُ عَلَيْهِ السَلامُ بِنْتَهُ في الجاهِلِيَّةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
و"العائِلُ": الفَقِيرُ، وقَرَأ اليَمانِيُّ "عَيِّلًا" بِشَدِّ الياءِ المَكْسُورَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يُعِيلُ
وأعالَ: كَثُرَ عِيالُهُ، وعالَ: افْتَقَرَ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: ٢٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَأغْنى"﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ: رِضاكَ بِما أعْطاكَ مِنَ الرِزْقِ، وقِيلَ: فَقِيرًا إلَيْهِ فَأغْناكَ بِهِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ فَقْرُ المالِ وغِناهُ، والمَعْنى في النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ أغْنى الأغْنِياءِ بِالصَبْرِ والقَناعَةِ وقَدْ حُبِّبا وقِيلَ أُغْنِيَ بِالكَفافِ لِتَصَرّفِهِ في مالِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، ولَمْ يَكُنِ النَبِيُّ ﷺ قَطُّ كَثِيرَ المالِ، رَفَعَهُ اللهُ عن ذَلِكَ، وقالَ: « "لَيْسَ الغِنى عن كَثْرَةِ العَرَضِ، ولَكِنَّ الغِنى غِنى النَفْسِ".»
ولَمّا عَدَّدَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ هَذِهِ النِعَمَ الثَلاثَ وصّاهُ بِثَلاثِ وصايا، في كُلِّ نِعْمَةٍ وصِيَّةٌ مُناسِبَةٌ لَها، فَبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾، وبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأمّا السائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾، هَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ السائِلَ هُنا هو السائِلُ عَنِ العِلْمِ والدِينِ، ولَيْسَ بِسائِلِ المالِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وأبِي الدَرْداءِ وغَيْرِهِما، وبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، وأمّا مَن قالَ إنَّ السائِلَ سائِلُ المالِ المُحْتاجِ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ وجَماعَةٌ فَقَدْ جَعَلَها بِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلا (p-٦٤٢)فَأغْنى﴾، وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ بِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾. وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: نِعْمَ القَوْمُ السُؤّالُ، يَحْمِلُونَ زادَنا إلى الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلا تَنْهَرْ" مَعْناهُ: رَدَّ رَدًّا جَمِيلًا، إمّا بِعَطاءٍ وإمّا بِقَوْلٍ حَسَنٍ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَوَجَدَكَ عَدِيمًا فَأغْنى"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والشَعْبِيُّ، وإبْراهِيمُ التَيْمِيُّ: "فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَكْهَرْ" بِالكافِ، قالَ الأخْفَشُ: هي بِمَعْنى القَهْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَقاكُمُ اللهُ سَطْوَةَ القادِرِ ومَلَكَةَ الكاهِرِ" وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا أظُنُّها بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ قَدْ قالَ الأعْرابِيُّ الَّذِي بالَ في المَسْجِدِ: "فَما كَهَرَنِي النَبِيُّ ﷺ، فَإنَّما هي بِمَعْنى الِانْتِهارِ.
وأمَرَهُ الله تَعالى بِالتَحَدُّثِ بِنِعْمَتِهِ، فَقالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: مَعْناهُ: بِثَّ القُرْآنَ وبَلِّغْ ما أُرْسِلْتَ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو عُمُومٌ في جَمِيعِ النِعَمِ، وكانَ بَعْضُ الصالِحِينَ يَقُولُ: لَقَدْ أعْطانِي اللهُ كَذا وكَذا، ولَقَدْ صَلَّيْتُ البارِحَةَ كَذا وكَذا، وذَكَرْتُ اللهَ تَعالى كَذا، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ مِثْلَكَ لا يَقُولُ هَذا، فَقالَ إنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ وأنْتُمْ تَقُولُونَ لا تُحَدِّثْ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "التَحَدُّثُ بِالنِعَمِ شُكْرٌ"،» ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أسْدَيْتُ إلَيْهِ نِعْمَةً فَذَكَرَها فَقَدْ شَكَرَها، ومَن سَتَرَها فَقَدْ كَفَرَها"،» ونَصَبَ "اليَتِيمَ" بِـ "تَقْهَرُ"، والتَقْدِيرُ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَلا تَقْهَرِ اليَتِيمَ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الضُحى] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.