Lafzullah

Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — القدر 97:1 – القارعة 101:11

المؤلف / المصدر: Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah

المحتويات
  1. القدر 97:1
  2. القدر 97:2
  3. القدر 97:3
  4. القدر 97:4
  5. القدر 97:5
  6. البينة 98:1
  7. البينة 98:2
  8. البينة 98:3
  9. البينة 98:4
  10. البينة 98:5
  11. البينة 98:6
  12. البينة 98:7
  13. البينة 98:8
  14. الزلزلة 99:1
  15. الزلزلة 99:2
  16. الزلزلة 99:3
  17. الزلزلة 99:4
  18. الزلزلة 99:5
  19. الزلزلة 99:6
  20. الزلزلة 99:7
  21. الزلزلة 99:8
  22. العاديات 100:1
  23. العاديات 100:2
  24. العاديات 100:3
  25. العاديات 100:4
  26. العاديات 100:5
  27. العاديات 100:6
  28. العاديات 100:7
  29. العاديات 100:8
  30. العاديات 100:9
  31. العاديات 100:10
  32. العاديات 100:11
  33. القارعة 101:1
  34. القارعة 101:2
  35. القارعة 101:3
  36. القارعة 101:4
  37. القارعة 101:5
  38. القارعة 101:6
  39. القارعة 101:7
  40. القارعة 101:8
  41. القارعة 101:9
  42. القارعة 101:10
  43. القارعة 101:11

القدر 97:1

(p-٦٥٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القَدْر اخْتَلَفَ الناسُ في مَوْضِعِ نُزُولِ هَذِهِ السُورَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: هى مَدَنِيَّةٌ، وقالَ قَتادَةُ: هي مَكِّيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ الضَمِيرُ في "أنْزَلْناهُ" لِلْقُرْآنِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: أنْزَلَهُ اللهُ تَعالى لَيْلَةَ القَدْرِ إلى السَماءِ الدُنْيا جُمْلَةً، ثُمَّ نَجَمَهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ في عِشْرِينَ سَنَةً، وقالَ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ: المَعْنى: إنّا ابْتَدَأْنا إنْزالَ هَذا القُرْآنِ إلَيْكَ لَيْلَةَ القَدْرِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ نُزُولَ المَلَكِ في حِراءٍ كانَ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ، فَيَسْتَقِيمُ هَذا التَأْوِيلُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ نُزُولَ المَلَكِ في الرابِعَ عَشَرَ مِن رَمَضانَ، فَلا يَسْتَقِيمُ هَذا التَأْوِيلُ إلّا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ تَسْتَدِيرُ الشَهْرَ كُلَّهُ ولا تَخْتَصُّ بِالعَشْرِ الأواخِر مِن رَمَضانَ، وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾: إنّا أنْزَلَنا هَذِهِ السُورَةَ في شَأْنِ لَيْلَةِ القَدْرِ وفي فَضْلِها، ولَمّا كانَتِ السُورَةُ مِنَ القُرْآنِ جاءَ الضَمِيرُ لِلْقُرْآنِ تَفْخِيمًا وتَحْسِينًا. وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي لَيْلَةِ" هو عَلى نَحْوِ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَقَدْ خَشِيتُ أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ لَيْلَةَ نُزُولِ سُورَةِ الفَتْحِ، ونَحْوُ قَوْلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها في حَدِيثِ الإفْكِ: لَأنا أحْقَرُ في نَفْسِي مِن أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ، ولَيْلَةُ القَدْرِ هي لَيْلَةُ خَصَّها اللهُ تَعالى بِفَضْلٍ عَظِيمٍ، وجَعَلَها أفْضَلَ مِن ألْفِ شَهْرٍ لا لَيْلَةَ قَدَرٍ فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، (p-٦٥٨)وَخُصَّتْ هَذِهِ الأُمَّةُ بِهَذِهِ الفَضِيلَةِ لَمّا رَأى مُحَمَّدٌ ﷺ أعْمارَ أُمَّتِهِ فَتَقاصَرَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ عِبارَةُ تَفْخِيمٍ لَها، ثُمَّ أدارَهُ تَعالى بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾، قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: ما كانَ في القُرْآنِ وما أدْراكَ فَقَدْ أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى، وما كانَ فِيهِ "وَما يُدْرِيكَ" فَإنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ. وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما أنَّها سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ لِأنَّ اللهَ تَعالى يُقَدِّرُ فِيها الآجالَ والأرْزاقَ وحَوادِثَ العالَمِ كُلَّها ويَدْفَعُ ذَلِكَ إلى المَلائِكَةِ لِتَمْتَثِلَهُ، وقَدْ رُوِيَ مِثْلُ هَذا في لَيْلَةِ النِصْفِ مِن شَعْبانَ، ولِهَذا ظَواهِرُ مِن كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]، وأمّا الصِحَّةُ المَقْطُوعُ بِها فَغَيْرُ مَوْجُودَةٍ، وقالَ الزُهْرِيُّ مَعْناهُ: لَيْلَةُ القَدْرِ العَظِيمِ والشَرَفِ وعِظَمُ الشَأْنِ، مِن قَوْلِكَ: رَجُلٌ لَهُ قَدْرٌ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ لِأنَّها تَكْسِبُ مَن أحْياها قَدْرًا عَظِيمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلُ، وتَرُدُّهُ عَظِيمًا عِنْدَ اللهِ تَعالى، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ العَمَلِ فِيها لَهُ قَدْرٌ خَطِيرٌ. ولَيْلَةُ القَدْرِ مُسْتَدِيرَةٌ في أوتارٍ، العَشْرُ الأواخِرُ مِن رَمَضانَ، هَذا هو الصَحِيحُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وهي في الأوتارِ بِحَسِبِ الكَمالِ والنُقْصانِ في الشَهْرِ، فَيَنْبَغِي لِمُرْتَقِبِها أنْ يَرْتَقِبَها مِن لَيْلَةِ عِشْرِينَ في كُلِّ لَيْلَةٍ إلى آخِرِ الشَهْرِ؛ لِأنَّ الأوتارَ مَعَ كَمالِ الشَهْرِ لَيْسَتِ الأوتارُ مَعَ نُقْصانِهِ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "لِثالِثَةٍ تَبْقى، لِخامِسَةٍ تَبْقى، لِسابِعَةٍ تَبْقى"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "التَمِسُوها في الثالِثَةِ والخامِسَةِ والسابِعَةِ (p-٦٥٩)والتاسِعَةِ"،» وقالَ مالِكٌ: يُرِيدُ بِالتاسِعَةِ لَيْلَةَ إحْدى وعِشْرِينَ، وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُرِيدُ مالِكَ: إذا كانَ الشَهْرُ ناقِصًا، فَظاهِرُ هَذا أنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ احْتاطَ في كَمالِ شَهْرٍ ونُقْصانِهِ، وهَذا لا تَتَحَصَّلُ مَعَهُ اللَيْلَةُ إلّا بِعِمارَةِ العَشْرِ كُلِّهِ، ورُوِيَ عن أبِي حَنِيفَةَ وقَوْمٍ أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ رُفِعَتْ، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ، وإنَّما رُفِعَ تَعْيِينُها، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَن يُقِمِ السُنَّةَ كُلَّها يُصِبْها، وقالَ أبُو رَزِينٍ: هي أوَّلُ لَيْلَةٍ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، وقالَ الحَسَنُ: هي لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ، وهي الَّتِي كانَتْ في صَبِيحَتِها وقْعَةُ بَدْرٍ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: هي لَيْلَةُ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ، وهي لَيْلَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أنِيسٍ الجُهَنِيِّ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ أيْضًا هو وجَماعَةٌ مِنَ الصَحابَةِ: هي لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ، واسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى قَوْلِهِ بِأنَّ الإنْسانَ خُلِقَ مِن سَبْعٍ، وجُعِلَ رِزْقُهُ في سَبْعٍ، واسْتَحْسَنَ ذَلِكَ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، أجْمَعِينَ، وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وبِلالٌ: هي لَيْلَةُ أرْبَعٍ وعِشْرِينَ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أخْفاها اللهُ تَعالى عن عِبادِهِ لِيَجِدُّوا في العَمَلِ ولا يَتَّكِلُوا عَلى فَضْلِها ويُقَصِّرُوا في غَيْرِها. ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ تَعالى أمْرَ لَيْلَةِ القَدْرِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣]، وغَيْرِ ذَلِكَ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّها أفْضَلُ لِمَن عَمِلَ فِيها عَمَلًا مِن ألْفِ شَهْرٍ، وهي ثَمانُونَ سَنَةً (p-٦٦٠)وَثَلاثَةُ أعْوامٍ وثُلْثُ عامٍ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ حِينَ عُوتِبَ في تَسْلِيمِهِ الأمْرَ لِمُعاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّ اللهَ تَعالى أرى نَبِيَّهُ ﷺ في المَنامِ بَنِي أُمَيَّةَ يَنْزُونَ عَلى مِنبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ، فاهْتَمَّ لِذَلِكَ، فَأعْطاهُ اللهُ تَعالى لَيْلَةَ القَدْرِ، وهي خَيْرٌ مِن مُدَّةِ مُلْكِ بَنِي أُمَيَّةَ، وأعْلَمَهُ أنَّهم يَمْلِكُونَ هَذا القَدْرَ مِنَ الزَمانِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ثُمَّ كَشَفَ الغَيْبَ أنْ كانَ مِن سُنَّةِ الجَماعَةِ إلى قَتْلِ مَرْوانَ الجَعْدِيِّ هَذا القَدْرَ مِنَ الزَمانِ بِعَيْنِهِ، مَعَ أنَّ القَوْلَ يُعارِضُهُ أنَّهُ قَدْ مَلَكَ بَنُو أُمَيَّةَ في غَرْبِ الأرْضِ مُدَّةً غَيْرَ هَذِهِ، وفي الصَحِيحِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ".» و"الرُوحُ" هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: هم صِنْفُ حَفَظَةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في - فَمَن قالَ "إنَّ في هَذِهِ اللَيْلَةِ تُقَدَّرُ الأُمُورُ لِلْمَلائِكَةِ" قالَ: إنَّ هَذا التَنَزُّلَ لِذَلِكَ، و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: نُزُولُهم مِن أجْلِ هَذِهِ الأُمُورِ المُقَدَّرَةِ وبِسَبَبِها، ويَجِيءُ "سَلْمٌ" خَبَرُ ابْتِداءٍ مُسْتَأْنَفًا، أيْ: سَلامٌ هَذِهِ اللَيْلَةَ إلى أوَّلِ يَوْمِها، وهَذا قَوْلُ نافِعٍ المَقْبَرِيِّ والفَرّاءُ وأبِي العالِيَةِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: "مِن" بِمَعْنى "الباءِ"، أيْ: بِكُلِّ أمْرٍ، ومَن لَمْ يَقُلْ "تُقَدَّرُ الأُمُورُ في تِلْكَ اللَيْلَةِ" قالَ: مَعْنى الآيَةِ: تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ بِالرَحْمَةِ والغُفْرانِ والفَواضِلِ، ثُمَّ جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: "مِن كُلِّ أمْرٍ" مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "سَلامٌ هِيَ"، أيْ مِن كُلِّ أمْرٍ مُخَوِّفٍ يَنْبَغِي أنْ يُسْلَمَ مِنهُ فَهي سَلامٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يُصِيبُ أحَدًا فِيها داءٌ، وقالَ الشَعْبِيُّ ومَنصُورٌ: "سَلامٌ" بِمَعْنى التَحِيَّةِ، أيْ تُسَلِّمُ المَلائِكَةُ عَلى (p-٦٦١)المُؤْمِنِينَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والكَلْبِيُّ: "مِن كُلِّ امْرِئٍ "، أيْ: يَسْلَمُ فِيها مِن كُلِّ امْرِئِ سَوْءٍ، فَهَذا عَلى أنَّ "سَلامٌ" بِمَعْنى "سَلامَةٌ"، ورُوِيَ عنهُ أنَّ "سَلامًا" بِمَعْنى "تَحِيَّةً"، "وَكُلُّ امْرِئٍ" يُرادُ بِهِمُ المَلائِكَةَ، أيْ: مِن كُلِّ مَلَكٍ تَحِيَّةً عَلى المُؤْمِنِينَ، وهَذا لِلْعامِلِينَ بِالعِبادَةِ فِيها، وذَهَبَ مَن يَقُولُ بِانْتِهاءِ الكَلامِ في قَوْلِهِ تَعالى: "سَلامٌ" إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "هِيَ" إنَّما هو إشارَةٌ إلى أنَّها لَيْلَةَ سَبْعٍ وعِشْرِينَ مِنَ الشَهْرِ؛ إذْ هَذِهِ الكَلِمَةُ هي السابِعَةُ والعِشْرُونَ مِن كَلِماتِ السُورَةِ، وذَكَرَ هَذا الغَرَضَ ابْنُ بِكِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ، والنَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "حَتّى مَطْلَعَ" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وطَلْحَةُ: "حَتّى مَطْلِعَ" بِكَسْرِ اللامِ، فَقِيلَ: هُما مَصْدَرانِ بِمَعْنًى واحِدٍ في لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ، وقِيلَ: بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ وبِالكَسْرِ مَوْضِعُ الطُلُوعِ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ، والقِراءَةُ بِالفَتْحِ أوجُهٌ عَلى هَذا القَوْلِ، والأُخْرى تَتَخَرَّجُ عَلى تَجَوُّزٍ، كَأنَّ الوَقْتَ يَنْحَصِرُ في ذَلِكَ المَوْضِعِ ويَتِمُّ فِيهِ، ويَتَّجِهُ الكَسْرُ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ قَدْ شَذَّ مِن هَذِهِ المَصادِرِ ما كَسَرَ، كالمُعْجِزَةِ وقَوْلُهُمْ: عَلاهُ المُكَبِّرُ -بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الباءِ- ومِنهُ المَحِيضُ، فَيَجْرِي "المَطْلَعُ" مَصْدَرًا مَجْرى ما شَذَّ. وفي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "سَلامٌ هي إلى مَطْلَعِ الفَجْرِ". كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [القَدْرِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

القدر 97:2

(p-٦٥٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القَدْر اخْتَلَفَ الناسُ في مَوْضِعِ نُزُولِ هَذِهِ السُورَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: هى مَدَنِيَّةٌ، وقالَ قَتادَةُ: هي مَكِّيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ الضَمِيرُ في "أنْزَلْناهُ" لِلْقُرْآنِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: أنْزَلَهُ اللهُ تَعالى لَيْلَةَ القَدْرِ إلى السَماءِ الدُنْيا جُمْلَةً، ثُمَّ نَجَمَهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ في عِشْرِينَ سَنَةً، وقالَ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ: المَعْنى: إنّا ابْتَدَأْنا إنْزالَ هَذا القُرْآنِ إلَيْكَ لَيْلَةَ القَدْرِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ نُزُولَ المَلَكِ في حِراءٍ كانَ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ، فَيَسْتَقِيمُ هَذا التَأْوِيلُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ نُزُولَ المَلَكِ في الرابِعَ عَشَرَ مِن رَمَضانَ، فَلا يَسْتَقِيمُ هَذا التَأْوِيلُ إلّا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ تَسْتَدِيرُ الشَهْرَ كُلَّهُ ولا تَخْتَصُّ بِالعَشْرِ الأواخِر مِن رَمَضانَ، وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾: إنّا أنْزَلَنا هَذِهِ السُورَةَ في شَأْنِ لَيْلَةِ القَدْرِ وفي فَضْلِها، ولَمّا كانَتِ السُورَةُ مِنَ القُرْآنِ جاءَ الضَمِيرُ لِلْقُرْآنِ تَفْخِيمًا وتَحْسِينًا. وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي لَيْلَةِ" هو عَلى نَحْوِ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَقَدْ خَشِيتُ أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ لَيْلَةَ نُزُولِ سُورَةِ الفَتْحِ، ونَحْوُ قَوْلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها في حَدِيثِ الإفْكِ: لَأنا أحْقَرُ في نَفْسِي مِن أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ، ولَيْلَةُ القَدْرِ هي لَيْلَةُ خَصَّها اللهُ تَعالى بِفَضْلٍ عَظِيمٍ، وجَعَلَها أفْضَلَ مِن ألْفِ شَهْرٍ لا لَيْلَةَ قَدَرٍ فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، (p-٦٥٨)وَخُصَّتْ هَذِهِ الأُمَّةُ بِهَذِهِ الفَضِيلَةِ لَمّا رَأى مُحَمَّدٌ ﷺ أعْمارَ أُمَّتِهِ فَتَقاصَرَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ عِبارَةُ تَفْخِيمٍ لَها، ثُمَّ أدارَهُ تَعالى بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾، قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: ما كانَ في القُرْآنِ وما أدْراكَ فَقَدْ أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى، وما كانَ فِيهِ "وَما يُدْرِيكَ" فَإنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ. وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما أنَّها سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ لِأنَّ اللهَ تَعالى يُقَدِّرُ فِيها الآجالَ والأرْزاقَ وحَوادِثَ العالَمِ كُلَّها ويَدْفَعُ ذَلِكَ إلى المَلائِكَةِ لِتَمْتَثِلَهُ، وقَدْ رُوِيَ مِثْلُ هَذا في لَيْلَةِ النِصْفِ مِن شَعْبانَ، ولِهَذا ظَواهِرُ مِن كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]، وأمّا الصِحَّةُ المَقْطُوعُ بِها فَغَيْرُ مَوْجُودَةٍ، وقالَ الزُهْرِيُّ مَعْناهُ: لَيْلَةُ القَدْرِ العَظِيمِ والشَرَفِ وعِظَمُ الشَأْنِ، مِن قَوْلِكَ: رَجُلٌ لَهُ قَدْرٌ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ لِأنَّها تَكْسِبُ مَن أحْياها قَدْرًا عَظِيمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلُ، وتَرُدُّهُ عَظِيمًا عِنْدَ اللهِ تَعالى، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ العَمَلِ فِيها لَهُ قَدْرٌ خَطِيرٌ. ولَيْلَةُ القَدْرِ مُسْتَدِيرَةٌ في أوتارٍ، العَشْرُ الأواخِرُ مِن رَمَضانَ، هَذا هو الصَحِيحُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وهي في الأوتارِ بِحَسِبِ الكَمالِ والنُقْصانِ في الشَهْرِ، فَيَنْبَغِي لِمُرْتَقِبِها أنْ يَرْتَقِبَها مِن لَيْلَةِ عِشْرِينَ في كُلِّ لَيْلَةٍ إلى آخِرِ الشَهْرِ؛ لِأنَّ الأوتارَ مَعَ كَمالِ الشَهْرِ لَيْسَتِ الأوتارُ مَعَ نُقْصانِهِ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "لِثالِثَةٍ تَبْقى، لِخامِسَةٍ تَبْقى، لِسابِعَةٍ تَبْقى"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "التَمِسُوها في الثالِثَةِ والخامِسَةِ والسابِعَةِ (p-٦٥٩)والتاسِعَةِ"،» وقالَ مالِكٌ: يُرِيدُ بِالتاسِعَةِ لَيْلَةَ إحْدى وعِشْرِينَ، وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُرِيدُ مالِكَ: إذا كانَ الشَهْرُ ناقِصًا، فَظاهِرُ هَذا أنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ احْتاطَ في كَمالِ شَهْرٍ ونُقْصانِهِ، وهَذا لا تَتَحَصَّلُ مَعَهُ اللَيْلَةُ إلّا بِعِمارَةِ العَشْرِ كُلِّهِ، ورُوِيَ عن أبِي حَنِيفَةَ وقَوْمٍ أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ رُفِعَتْ، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ، وإنَّما رُفِعَ تَعْيِينُها، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَن يُقِمِ السُنَّةَ كُلَّها يُصِبْها، وقالَ أبُو رَزِينٍ: هي أوَّلُ لَيْلَةٍ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، وقالَ الحَسَنُ: هي لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ، وهي الَّتِي كانَتْ في صَبِيحَتِها وقْعَةُ بَدْرٍ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: هي لَيْلَةُ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ، وهي لَيْلَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أنِيسٍ الجُهَنِيِّ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ أيْضًا هو وجَماعَةٌ مِنَ الصَحابَةِ: هي لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ، واسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى قَوْلِهِ بِأنَّ الإنْسانَ خُلِقَ مِن سَبْعٍ، وجُعِلَ رِزْقُهُ في سَبْعٍ، واسْتَحْسَنَ ذَلِكَ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، أجْمَعِينَ، وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وبِلالٌ: هي لَيْلَةُ أرْبَعٍ وعِشْرِينَ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أخْفاها اللهُ تَعالى عن عِبادِهِ لِيَجِدُّوا في العَمَلِ ولا يَتَّكِلُوا عَلى فَضْلِها ويُقَصِّرُوا في غَيْرِها. ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ تَعالى أمْرَ لَيْلَةِ القَدْرِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣]، وغَيْرِ ذَلِكَ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّها أفْضَلُ لِمَن عَمِلَ فِيها عَمَلًا مِن ألْفِ شَهْرٍ، وهي ثَمانُونَ سَنَةً (p-٦٦٠)وَثَلاثَةُ أعْوامٍ وثُلْثُ عامٍ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ حِينَ عُوتِبَ في تَسْلِيمِهِ الأمْرَ لِمُعاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّ اللهَ تَعالى أرى نَبِيَّهُ ﷺ في المَنامِ بَنِي أُمَيَّةَ يَنْزُونَ عَلى مِنبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ، فاهْتَمَّ لِذَلِكَ، فَأعْطاهُ اللهُ تَعالى لَيْلَةَ القَدْرِ، وهي خَيْرٌ مِن مُدَّةِ مُلْكِ بَنِي أُمَيَّةَ، وأعْلَمَهُ أنَّهم يَمْلِكُونَ هَذا القَدْرَ مِنَ الزَمانِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ثُمَّ كَشَفَ الغَيْبَ أنْ كانَ مِن سُنَّةِ الجَماعَةِ إلى قَتْلِ مَرْوانَ الجَعْدِيِّ هَذا القَدْرَ مِنَ الزَمانِ بِعَيْنِهِ، مَعَ أنَّ القَوْلَ يُعارِضُهُ أنَّهُ قَدْ مَلَكَ بَنُو أُمَيَّةَ في غَرْبِ الأرْضِ مُدَّةً غَيْرَ هَذِهِ، وفي الصَحِيحِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ".» و"الرُوحُ" هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: هم صِنْفُ حَفَظَةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في - فَمَن قالَ "إنَّ في هَذِهِ اللَيْلَةِ تُقَدَّرُ الأُمُورُ لِلْمَلائِكَةِ" قالَ: إنَّ هَذا التَنَزُّلَ لِذَلِكَ، و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: نُزُولُهم مِن أجْلِ هَذِهِ الأُمُورِ المُقَدَّرَةِ وبِسَبَبِها، ويَجِيءُ "سَلْمٌ" خَبَرُ ابْتِداءٍ مُسْتَأْنَفًا، أيْ: سَلامٌ هَذِهِ اللَيْلَةَ إلى أوَّلِ يَوْمِها، وهَذا قَوْلُ نافِعٍ المَقْبَرِيِّ والفَرّاءُ وأبِي العالِيَةِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: "مِن" بِمَعْنى "الباءِ"، أيْ: بِكُلِّ أمْرٍ، ومَن لَمْ يَقُلْ "تُقَدَّرُ الأُمُورُ في تِلْكَ اللَيْلَةِ" قالَ: مَعْنى الآيَةِ: تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ بِالرَحْمَةِ والغُفْرانِ والفَواضِلِ، ثُمَّ جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: "مِن كُلِّ أمْرٍ" مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "سَلامٌ هِيَ"، أيْ مِن كُلِّ أمْرٍ مُخَوِّفٍ يَنْبَغِي أنْ يُسْلَمَ مِنهُ فَهي سَلامٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يُصِيبُ أحَدًا فِيها داءٌ، وقالَ الشَعْبِيُّ ومَنصُورٌ: "سَلامٌ" بِمَعْنى التَحِيَّةِ، أيْ تُسَلِّمُ المَلائِكَةُ عَلى (p-٦٦١)المُؤْمِنِينَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والكَلْبِيُّ: "مِن كُلِّ امْرِئٍ "، أيْ: يَسْلَمُ فِيها مِن كُلِّ امْرِئِ سَوْءٍ، فَهَذا عَلى أنَّ "سَلامٌ" بِمَعْنى "سَلامَةٌ"، ورُوِيَ عنهُ أنَّ "سَلامًا" بِمَعْنى "تَحِيَّةً"، "وَكُلُّ امْرِئٍ" يُرادُ بِهِمُ المَلائِكَةَ، أيْ: مِن كُلِّ مَلَكٍ تَحِيَّةً عَلى المُؤْمِنِينَ، وهَذا لِلْعامِلِينَ بِالعِبادَةِ فِيها، وذَهَبَ مَن يَقُولُ بِانْتِهاءِ الكَلامِ في قَوْلِهِ تَعالى: "سَلامٌ" إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "هِيَ" إنَّما هو إشارَةٌ إلى أنَّها لَيْلَةَ سَبْعٍ وعِشْرِينَ مِنَ الشَهْرِ؛ إذْ هَذِهِ الكَلِمَةُ هي السابِعَةُ والعِشْرُونَ مِن كَلِماتِ السُورَةِ، وذَكَرَ هَذا الغَرَضَ ابْنُ بِكِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ، والنَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "حَتّى مَطْلَعَ" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وطَلْحَةُ: "حَتّى مَطْلِعَ" بِكَسْرِ اللامِ، فَقِيلَ: هُما مَصْدَرانِ بِمَعْنًى واحِدٍ في لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ، وقِيلَ: بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ وبِالكَسْرِ مَوْضِعُ الطُلُوعِ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ، والقِراءَةُ بِالفَتْحِ أوجُهٌ عَلى هَذا القَوْلِ، والأُخْرى تَتَخَرَّجُ عَلى تَجَوُّزٍ، كَأنَّ الوَقْتَ يَنْحَصِرُ في ذَلِكَ المَوْضِعِ ويَتِمُّ فِيهِ، ويَتَّجِهُ الكَسْرُ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ قَدْ شَذَّ مِن هَذِهِ المَصادِرِ ما كَسَرَ، كالمُعْجِزَةِ وقَوْلُهُمْ: عَلاهُ المُكَبِّرُ -بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الباءِ- ومِنهُ المَحِيضُ، فَيَجْرِي "المَطْلَعُ" مَصْدَرًا مَجْرى ما شَذَّ. وفي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "سَلامٌ هي إلى مَطْلَعِ الفَجْرِ". كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [القَدْرِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

القدر 97:3

(p-٦٥٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القَدْر اخْتَلَفَ الناسُ في مَوْضِعِ نُزُولِ هَذِهِ السُورَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: هى مَدَنِيَّةٌ، وقالَ قَتادَةُ: هي مَكِّيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ الضَمِيرُ في "أنْزَلْناهُ" لِلْقُرْآنِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: أنْزَلَهُ اللهُ تَعالى لَيْلَةَ القَدْرِ إلى السَماءِ الدُنْيا جُمْلَةً، ثُمَّ نَجَمَهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ في عِشْرِينَ سَنَةً، وقالَ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ: المَعْنى: إنّا ابْتَدَأْنا إنْزالَ هَذا القُرْآنِ إلَيْكَ لَيْلَةَ القَدْرِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ نُزُولَ المَلَكِ في حِراءٍ كانَ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ، فَيَسْتَقِيمُ هَذا التَأْوِيلُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ نُزُولَ المَلَكِ في الرابِعَ عَشَرَ مِن رَمَضانَ، فَلا يَسْتَقِيمُ هَذا التَأْوِيلُ إلّا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ تَسْتَدِيرُ الشَهْرَ كُلَّهُ ولا تَخْتَصُّ بِالعَشْرِ الأواخِر مِن رَمَضانَ، وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾: إنّا أنْزَلَنا هَذِهِ السُورَةَ في شَأْنِ لَيْلَةِ القَدْرِ وفي فَضْلِها، ولَمّا كانَتِ السُورَةُ مِنَ القُرْآنِ جاءَ الضَمِيرُ لِلْقُرْآنِ تَفْخِيمًا وتَحْسِينًا. وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي لَيْلَةِ" هو عَلى نَحْوِ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَقَدْ خَشِيتُ أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ لَيْلَةَ نُزُولِ سُورَةِ الفَتْحِ، ونَحْوُ قَوْلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها في حَدِيثِ الإفْكِ: لَأنا أحْقَرُ في نَفْسِي مِن أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ، ولَيْلَةُ القَدْرِ هي لَيْلَةُ خَصَّها اللهُ تَعالى بِفَضْلٍ عَظِيمٍ، وجَعَلَها أفْضَلَ مِن ألْفِ شَهْرٍ لا لَيْلَةَ قَدَرٍ فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، (p-٦٥٨)وَخُصَّتْ هَذِهِ الأُمَّةُ بِهَذِهِ الفَضِيلَةِ لَمّا رَأى مُحَمَّدٌ ﷺ أعْمارَ أُمَّتِهِ فَتَقاصَرَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ عِبارَةُ تَفْخِيمٍ لَها، ثُمَّ أدارَهُ تَعالى بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾، قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: ما كانَ في القُرْآنِ وما أدْراكَ فَقَدْ أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى، وما كانَ فِيهِ "وَما يُدْرِيكَ" فَإنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ. وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما أنَّها سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ لِأنَّ اللهَ تَعالى يُقَدِّرُ فِيها الآجالَ والأرْزاقَ وحَوادِثَ العالَمِ كُلَّها ويَدْفَعُ ذَلِكَ إلى المَلائِكَةِ لِتَمْتَثِلَهُ، وقَدْ رُوِيَ مِثْلُ هَذا في لَيْلَةِ النِصْفِ مِن شَعْبانَ، ولِهَذا ظَواهِرُ مِن كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]، وأمّا الصِحَّةُ المَقْطُوعُ بِها فَغَيْرُ مَوْجُودَةٍ، وقالَ الزُهْرِيُّ مَعْناهُ: لَيْلَةُ القَدْرِ العَظِيمِ والشَرَفِ وعِظَمُ الشَأْنِ، مِن قَوْلِكَ: رَجُلٌ لَهُ قَدْرٌ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ لِأنَّها تَكْسِبُ مَن أحْياها قَدْرًا عَظِيمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلُ، وتَرُدُّهُ عَظِيمًا عِنْدَ اللهِ تَعالى، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ العَمَلِ فِيها لَهُ قَدْرٌ خَطِيرٌ. ولَيْلَةُ القَدْرِ مُسْتَدِيرَةٌ في أوتارٍ، العَشْرُ الأواخِرُ مِن رَمَضانَ، هَذا هو الصَحِيحُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وهي في الأوتارِ بِحَسِبِ الكَمالِ والنُقْصانِ في الشَهْرِ، فَيَنْبَغِي لِمُرْتَقِبِها أنْ يَرْتَقِبَها مِن لَيْلَةِ عِشْرِينَ في كُلِّ لَيْلَةٍ إلى آخِرِ الشَهْرِ؛ لِأنَّ الأوتارَ مَعَ كَمالِ الشَهْرِ لَيْسَتِ الأوتارُ مَعَ نُقْصانِهِ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "لِثالِثَةٍ تَبْقى، لِخامِسَةٍ تَبْقى، لِسابِعَةٍ تَبْقى"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "التَمِسُوها في الثالِثَةِ والخامِسَةِ والسابِعَةِ (p-٦٥٩)والتاسِعَةِ"،» وقالَ مالِكٌ: يُرِيدُ بِالتاسِعَةِ لَيْلَةَ إحْدى وعِشْرِينَ، وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُرِيدُ مالِكَ: إذا كانَ الشَهْرُ ناقِصًا، فَظاهِرُ هَذا أنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ احْتاطَ في كَمالِ شَهْرٍ ونُقْصانِهِ، وهَذا لا تَتَحَصَّلُ مَعَهُ اللَيْلَةُ إلّا بِعِمارَةِ العَشْرِ كُلِّهِ، ورُوِيَ عن أبِي حَنِيفَةَ وقَوْمٍ أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ رُفِعَتْ، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ، وإنَّما رُفِعَ تَعْيِينُها، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَن يُقِمِ السُنَّةَ كُلَّها يُصِبْها، وقالَ أبُو رَزِينٍ: هي أوَّلُ لَيْلَةٍ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، وقالَ الحَسَنُ: هي لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ، وهي الَّتِي كانَتْ في صَبِيحَتِها وقْعَةُ بَدْرٍ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: هي لَيْلَةُ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ، وهي لَيْلَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أنِيسٍ الجُهَنِيِّ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ أيْضًا هو وجَماعَةٌ مِنَ الصَحابَةِ: هي لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ، واسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى قَوْلِهِ بِأنَّ الإنْسانَ خُلِقَ مِن سَبْعٍ، وجُعِلَ رِزْقُهُ في سَبْعٍ، واسْتَحْسَنَ ذَلِكَ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، أجْمَعِينَ، وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وبِلالٌ: هي لَيْلَةُ أرْبَعٍ وعِشْرِينَ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أخْفاها اللهُ تَعالى عن عِبادِهِ لِيَجِدُّوا في العَمَلِ ولا يَتَّكِلُوا عَلى فَضْلِها ويُقَصِّرُوا في غَيْرِها. ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ تَعالى أمْرَ لَيْلَةِ القَدْرِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣]، وغَيْرِ ذَلِكَ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّها أفْضَلُ لِمَن عَمِلَ فِيها عَمَلًا مِن ألْفِ شَهْرٍ، وهي ثَمانُونَ سَنَةً (p-٦٦٠)وَثَلاثَةُ أعْوامٍ وثُلْثُ عامٍ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ حِينَ عُوتِبَ في تَسْلِيمِهِ الأمْرَ لِمُعاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّ اللهَ تَعالى أرى نَبِيَّهُ ﷺ في المَنامِ بَنِي أُمَيَّةَ يَنْزُونَ عَلى مِنبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ، فاهْتَمَّ لِذَلِكَ، فَأعْطاهُ اللهُ تَعالى لَيْلَةَ القَدْرِ، وهي خَيْرٌ مِن مُدَّةِ مُلْكِ بَنِي أُمَيَّةَ، وأعْلَمَهُ أنَّهم يَمْلِكُونَ هَذا القَدْرَ مِنَ الزَمانِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ثُمَّ كَشَفَ الغَيْبَ أنْ كانَ مِن سُنَّةِ الجَماعَةِ إلى قَتْلِ مَرْوانَ الجَعْدِيِّ هَذا القَدْرَ مِنَ الزَمانِ بِعَيْنِهِ، مَعَ أنَّ القَوْلَ يُعارِضُهُ أنَّهُ قَدْ مَلَكَ بَنُو أُمَيَّةَ في غَرْبِ الأرْضِ مُدَّةً غَيْرَ هَذِهِ، وفي الصَحِيحِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ".» و"الرُوحُ" هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: هم صِنْفُ حَفَظَةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في - فَمَن قالَ "إنَّ في هَذِهِ اللَيْلَةِ تُقَدَّرُ الأُمُورُ لِلْمَلائِكَةِ" قالَ: إنَّ هَذا التَنَزُّلَ لِذَلِكَ، و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: نُزُولُهم مِن أجْلِ هَذِهِ الأُمُورِ المُقَدَّرَةِ وبِسَبَبِها، ويَجِيءُ "سَلْمٌ" خَبَرُ ابْتِداءٍ مُسْتَأْنَفًا، أيْ: سَلامٌ هَذِهِ اللَيْلَةَ إلى أوَّلِ يَوْمِها، وهَذا قَوْلُ نافِعٍ المَقْبَرِيِّ والفَرّاءُ وأبِي العالِيَةِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: "مِن" بِمَعْنى "الباءِ"، أيْ: بِكُلِّ أمْرٍ، ومَن لَمْ يَقُلْ "تُقَدَّرُ الأُمُورُ في تِلْكَ اللَيْلَةِ" قالَ: مَعْنى الآيَةِ: تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ بِالرَحْمَةِ والغُفْرانِ والفَواضِلِ، ثُمَّ جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: "مِن كُلِّ أمْرٍ" مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "سَلامٌ هِيَ"، أيْ مِن كُلِّ أمْرٍ مُخَوِّفٍ يَنْبَغِي أنْ يُسْلَمَ مِنهُ فَهي سَلامٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يُصِيبُ أحَدًا فِيها داءٌ، وقالَ الشَعْبِيُّ ومَنصُورٌ: "سَلامٌ" بِمَعْنى التَحِيَّةِ، أيْ تُسَلِّمُ المَلائِكَةُ عَلى (p-٦٦١)المُؤْمِنِينَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والكَلْبِيُّ: "مِن كُلِّ امْرِئٍ "، أيْ: يَسْلَمُ فِيها مِن كُلِّ امْرِئِ سَوْءٍ، فَهَذا عَلى أنَّ "سَلامٌ" بِمَعْنى "سَلامَةٌ"، ورُوِيَ عنهُ أنَّ "سَلامًا" بِمَعْنى "تَحِيَّةً"، "وَكُلُّ امْرِئٍ" يُرادُ بِهِمُ المَلائِكَةَ، أيْ: مِن كُلِّ مَلَكٍ تَحِيَّةً عَلى المُؤْمِنِينَ، وهَذا لِلْعامِلِينَ بِالعِبادَةِ فِيها، وذَهَبَ مَن يَقُولُ بِانْتِهاءِ الكَلامِ في قَوْلِهِ تَعالى: "سَلامٌ" إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "هِيَ" إنَّما هو إشارَةٌ إلى أنَّها لَيْلَةَ سَبْعٍ وعِشْرِينَ مِنَ الشَهْرِ؛ إذْ هَذِهِ الكَلِمَةُ هي السابِعَةُ والعِشْرُونَ مِن كَلِماتِ السُورَةِ، وذَكَرَ هَذا الغَرَضَ ابْنُ بِكِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ، والنَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "حَتّى مَطْلَعَ" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وطَلْحَةُ: "حَتّى مَطْلِعَ" بِكَسْرِ اللامِ، فَقِيلَ: هُما مَصْدَرانِ بِمَعْنًى واحِدٍ في لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ، وقِيلَ: بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ وبِالكَسْرِ مَوْضِعُ الطُلُوعِ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ، والقِراءَةُ بِالفَتْحِ أوجُهٌ عَلى هَذا القَوْلِ، والأُخْرى تَتَخَرَّجُ عَلى تَجَوُّزٍ، كَأنَّ الوَقْتَ يَنْحَصِرُ في ذَلِكَ المَوْضِعِ ويَتِمُّ فِيهِ، ويَتَّجِهُ الكَسْرُ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ قَدْ شَذَّ مِن هَذِهِ المَصادِرِ ما كَسَرَ، كالمُعْجِزَةِ وقَوْلُهُمْ: عَلاهُ المُكَبِّرُ -بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الباءِ- ومِنهُ المَحِيضُ، فَيَجْرِي "المَطْلَعُ" مَصْدَرًا مَجْرى ما شَذَّ. وفي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "سَلامٌ هي إلى مَطْلَعِ الفَجْرِ". كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [القَدْرِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

القدر 97:4

(p-٦٥٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القَدْر اخْتَلَفَ الناسُ في مَوْضِعِ نُزُولِ هَذِهِ السُورَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: هى مَدَنِيَّةٌ، وقالَ قَتادَةُ: هي مَكِّيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ الضَمِيرُ في "أنْزَلْناهُ" لِلْقُرْآنِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: أنْزَلَهُ اللهُ تَعالى لَيْلَةَ القَدْرِ إلى السَماءِ الدُنْيا جُمْلَةً، ثُمَّ نَجَمَهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ في عِشْرِينَ سَنَةً، وقالَ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ: المَعْنى: إنّا ابْتَدَأْنا إنْزالَ هَذا القُرْآنِ إلَيْكَ لَيْلَةَ القَدْرِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ نُزُولَ المَلَكِ في حِراءٍ كانَ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ، فَيَسْتَقِيمُ هَذا التَأْوِيلُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ نُزُولَ المَلَكِ في الرابِعَ عَشَرَ مِن رَمَضانَ، فَلا يَسْتَقِيمُ هَذا التَأْوِيلُ إلّا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ تَسْتَدِيرُ الشَهْرَ كُلَّهُ ولا تَخْتَصُّ بِالعَشْرِ الأواخِر مِن رَمَضانَ، وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾: إنّا أنْزَلَنا هَذِهِ السُورَةَ في شَأْنِ لَيْلَةِ القَدْرِ وفي فَضْلِها، ولَمّا كانَتِ السُورَةُ مِنَ القُرْآنِ جاءَ الضَمِيرُ لِلْقُرْآنِ تَفْخِيمًا وتَحْسِينًا. وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي لَيْلَةِ" هو عَلى نَحْوِ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَقَدْ خَشِيتُ أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ لَيْلَةَ نُزُولِ سُورَةِ الفَتْحِ، ونَحْوُ قَوْلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها في حَدِيثِ الإفْكِ: لَأنا أحْقَرُ في نَفْسِي مِن أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ، ولَيْلَةُ القَدْرِ هي لَيْلَةُ خَصَّها اللهُ تَعالى بِفَضْلٍ عَظِيمٍ، وجَعَلَها أفْضَلَ مِن ألْفِ شَهْرٍ لا لَيْلَةَ قَدَرٍ فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، (p-٦٥٨)وَخُصَّتْ هَذِهِ الأُمَّةُ بِهَذِهِ الفَضِيلَةِ لَمّا رَأى مُحَمَّدٌ ﷺ أعْمارَ أُمَّتِهِ فَتَقاصَرَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ عِبارَةُ تَفْخِيمٍ لَها، ثُمَّ أدارَهُ تَعالى بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾، قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: ما كانَ في القُرْآنِ وما أدْراكَ فَقَدْ أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى، وما كانَ فِيهِ "وَما يُدْرِيكَ" فَإنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ. وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما أنَّها سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ لِأنَّ اللهَ تَعالى يُقَدِّرُ فِيها الآجالَ والأرْزاقَ وحَوادِثَ العالَمِ كُلَّها ويَدْفَعُ ذَلِكَ إلى المَلائِكَةِ لِتَمْتَثِلَهُ، وقَدْ رُوِيَ مِثْلُ هَذا في لَيْلَةِ النِصْفِ مِن شَعْبانَ، ولِهَذا ظَواهِرُ مِن كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]، وأمّا الصِحَّةُ المَقْطُوعُ بِها فَغَيْرُ مَوْجُودَةٍ، وقالَ الزُهْرِيُّ مَعْناهُ: لَيْلَةُ القَدْرِ العَظِيمِ والشَرَفِ وعِظَمُ الشَأْنِ، مِن قَوْلِكَ: رَجُلٌ لَهُ قَدْرٌ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ لِأنَّها تَكْسِبُ مَن أحْياها قَدْرًا عَظِيمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلُ، وتَرُدُّهُ عَظِيمًا عِنْدَ اللهِ تَعالى، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ العَمَلِ فِيها لَهُ قَدْرٌ خَطِيرٌ. ولَيْلَةُ القَدْرِ مُسْتَدِيرَةٌ في أوتارٍ، العَشْرُ الأواخِرُ مِن رَمَضانَ، هَذا هو الصَحِيحُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وهي في الأوتارِ بِحَسِبِ الكَمالِ والنُقْصانِ في الشَهْرِ، فَيَنْبَغِي لِمُرْتَقِبِها أنْ يَرْتَقِبَها مِن لَيْلَةِ عِشْرِينَ في كُلِّ لَيْلَةٍ إلى آخِرِ الشَهْرِ؛ لِأنَّ الأوتارَ مَعَ كَمالِ الشَهْرِ لَيْسَتِ الأوتارُ مَعَ نُقْصانِهِ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "لِثالِثَةٍ تَبْقى، لِخامِسَةٍ تَبْقى، لِسابِعَةٍ تَبْقى"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "التَمِسُوها في الثالِثَةِ والخامِسَةِ والسابِعَةِ (p-٦٥٩)والتاسِعَةِ"،» وقالَ مالِكٌ: يُرِيدُ بِالتاسِعَةِ لَيْلَةَ إحْدى وعِشْرِينَ، وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُرِيدُ مالِكَ: إذا كانَ الشَهْرُ ناقِصًا، فَظاهِرُ هَذا أنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ احْتاطَ في كَمالِ شَهْرٍ ونُقْصانِهِ، وهَذا لا تَتَحَصَّلُ مَعَهُ اللَيْلَةُ إلّا بِعِمارَةِ العَشْرِ كُلِّهِ، ورُوِيَ عن أبِي حَنِيفَةَ وقَوْمٍ أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ رُفِعَتْ، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ، وإنَّما رُفِعَ تَعْيِينُها، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَن يُقِمِ السُنَّةَ كُلَّها يُصِبْها، وقالَ أبُو رَزِينٍ: هي أوَّلُ لَيْلَةٍ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، وقالَ الحَسَنُ: هي لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ، وهي الَّتِي كانَتْ في صَبِيحَتِها وقْعَةُ بَدْرٍ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: هي لَيْلَةُ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ، وهي لَيْلَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أنِيسٍ الجُهَنِيِّ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ أيْضًا هو وجَماعَةٌ مِنَ الصَحابَةِ: هي لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ، واسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى قَوْلِهِ بِأنَّ الإنْسانَ خُلِقَ مِن سَبْعٍ، وجُعِلَ رِزْقُهُ في سَبْعٍ، واسْتَحْسَنَ ذَلِكَ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، أجْمَعِينَ، وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وبِلالٌ: هي لَيْلَةُ أرْبَعٍ وعِشْرِينَ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أخْفاها اللهُ تَعالى عن عِبادِهِ لِيَجِدُّوا في العَمَلِ ولا يَتَّكِلُوا عَلى فَضْلِها ويُقَصِّرُوا في غَيْرِها. ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ تَعالى أمْرَ لَيْلَةِ القَدْرِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣]، وغَيْرِ ذَلِكَ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّها أفْضَلُ لِمَن عَمِلَ فِيها عَمَلًا مِن ألْفِ شَهْرٍ، وهي ثَمانُونَ سَنَةً (p-٦٦٠)وَثَلاثَةُ أعْوامٍ وثُلْثُ عامٍ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ حِينَ عُوتِبَ في تَسْلِيمِهِ الأمْرَ لِمُعاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّ اللهَ تَعالى أرى نَبِيَّهُ ﷺ في المَنامِ بَنِي أُمَيَّةَ يَنْزُونَ عَلى مِنبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ، فاهْتَمَّ لِذَلِكَ، فَأعْطاهُ اللهُ تَعالى لَيْلَةَ القَدْرِ، وهي خَيْرٌ مِن مُدَّةِ مُلْكِ بَنِي أُمَيَّةَ، وأعْلَمَهُ أنَّهم يَمْلِكُونَ هَذا القَدْرَ مِنَ الزَمانِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ثُمَّ كَشَفَ الغَيْبَ أنْ كانَ مِن سُنَّةِ الجَماعَةِ إلى قَتْلِ مَرْوانَ الجَعْدِيِّ هَذا القَدْرَ مِنَ الزَمانِ بِعَيْنِهِ، مَعَ أنَّ القَوْلَ يُعارِضُهُ أنَّهُ قَدْ مَلَكَ بَنُو أُمَيَّةَ في غَرْبِ الأرْضِ مُدَّةً غَيْرَ هَذِهِ، وفي الصَحِيحِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ".» و"الرُوحُ" هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: هم صِنْفُ حَفَظَةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في - فَمَن قالَ "إنَّ في هَذِهِ اللَيْلَةِ تُقَدَّرُ الأُمُورُ لِلْمَلائِكَةِ" قالَ: إنَّ هَذا التَنَزُّلَ لِذَلِكَ، و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: نُزُولُهم مِن أجْلِ هَذِهِ الأُمُورِ المُقَدَّرَةِ وبِسَبَبِها، ويَجِيءُ "سَلْمٌ" خَبَرُ ابْتِداءٍ مُسْتَأْنَفًا، أيْ: سَلامٌ هَذِهِ اللَيْلَةَ إلى أوَّلِ يَوْمِها، وهَذا قَوْلُ نافِعٍ المَقْبَرِيِّ والفَرّاءُ وأبِي العالِيَةِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: "مِن" بِمَعْنى "الباءِ"، أيْ: بِكُلِّ أمْرٍ، ومَن لَمْ يَقُلْ "تُقَدَّرُ الأُمُورُ في تِلْكَ اللَيْلَةِ" قالَ: مَعْنى الآيَةِ: تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ بِالرَحْمَةِ والغُفْرانِ والفَواضِلِ، ثُمَّ جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: "مِن كُلِّ أمْرٍ" مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "سَلامٌ هِيَ"، أيْ مِن كُلِّ أمْرٍ مُخَوِّفٍ يَنْبَغِي أنْ يُسْلَمَ مِنهُ فَهي سَلامٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يُصِيبُ أحَدًا فِيها داءٌ، وقالَ الشَعْبِيُّ ومَنصُورٌ: "سَلامٌ" بِمَعْنى التَحِيَّةِ، أيْ تُسَلِّمُ المَلائِكَةُ عَلى (p-٦٦١)المُؤْمِنِينَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والكَلْبِيُّ: "مِن كُلِّ امْرِئٍ "، أيْ: يَسْلَمُ فِيها مِن كُلِّ امْرِئِ سَوْءٍ، فَهَذا عَلى أنَّ "سَلامٌ" بِمَعْنى "سَلامَةٌ"، ورُوِيَ عنهُ أنَّ "سَلامًا" بِمَعْنى "تَحِيَّةً"، "وَكُلُّ امْرِئٍ" يُرادُ بِهِمُ المَلائِكَةَ، أيْ: مِن كُلِّ مَلَكٍ تَحِيَّةً عَلى المُؤْمِنِينَ، وهَذا لِلْعامِلِينَ بِالعِبادَةِ فِيها، وذَهَبَ مَن يَقُولُ بِانْتِهاءِ الكَلامِ في قَوْلِهِ تَعالى: "سَلامٌ" إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "هِيَ" إنَّما هو إشارَةٌ إلى أنَّها لَيْلَةَ سَبْعٍ وعِشْرِينَ مِنَ الشَهْرِ؛ إذْ هَذِهِ الكَلِمَةُ هي السابِعَةُ والعِشْرُونَ مِن كَلِماتِ السُورَةِ، وذَكَرَ هَذا الغَرَضَ ابْنُ بِكِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ، والنَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "حَتّى مَطْلَعَ" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وطَلْحَةُ: "حَتّى مَطْلِعَ" بِكَسْرِ اللامِ، فَقِيلَ: هُما مَصْدَرانِ بِمَعْنًى واحِدٍ في لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ، وقِيلَ: بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ وبِالكَسْرِ مَوْضِعُ الطُلُوعِ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ، والقِراءَةُ بِالفَتْحِ أوجُهٌ عَلى هَذا القَوْلِ، والأُخْرى تَتَخَرَّجُ عَلى تَجَوُّزٍ، كَأنَّ الوَقْتَ يَنْحَصِرُ في ذَلِكَ المَوْضِعِ ويَتِمُّ فِيهِ، ويَتَّجِهُ الكَسْرُ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ قَدْ شَذَّ مِن هَذِهِ المَصادِرِ ما كَسَرَ، كالمُعْجِزَةِ وقَوْلُهُمْ: عَلاهُ المُكَبِّرُ -بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الباءِ- ومِنهُ المَحِيضُ، فَيَجْرِي "المَطْلَعُ" مَصْدَرًا مَجْرى ما شَذَّ. وفي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "سَلامٌ هي إلى مَطْلَعِ الفَجْرِ". كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [القَدْرِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

القدر 97:5

(p-٦٥٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القَدْر اخْتَلَفَ الناسُ في مَوْضِعِ نُزُولِ هَذِهِ السُورَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: هى مَدَنِيَّةٌ، وقالَ قَتادَةُ: هي مَكِّيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ الضَمِيرُ في "أنْزَلْناهُ" لِلْقُرْآنِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: أنْزَلَهُ اللهُ تَعالى لَيْلَةَ القَدْرِ إلى السَماءِ الدُنْيا جُمْلَةً، ثُمَّ نَجَمَهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ في عِشْرِينَ سَنَةً، وقالَ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ: المَعْنى: إنّا ابْتَدَأْنا إنْزالَ هَذا القُرْآنِ إلَيْكَ لَيْلَةَ القَدْرِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ نُزُولَ المَلَكِ في حِراءٍ كانَ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ، فَيَسْتَقِيمُ هَذا التَأْوِيلُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ نُزُولَ المَلَكِ في الرابِعَ عَشَرَ مِن رَمَضانَ، فَلا يَسْتَقِيمُ هَذا التَأْوِيلُ إلّا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ تَسْتَدِيرُ الشَهْرَ كُلَّهُ ولا تَخْتَصُّ بِالعَشْرِ الأواخِر مِن رَمَضانَ، وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾: إنّا أنْزَلَنا هَذِهِ السُورَةَ في شَأْنِ لَيْلَةِ القَدْرِ وفي فَضْلِها، ولَمّا كانَتِ السُورَةُ مِنَ القُرْآنِ جاءَ الضَمِيرُ لِلْقُرْآنِ تَفْخِيمًا وتَحْسِينًا. وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي لَيْلَةِ" هو عَلى نَحْوِ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَقَدْ خَشِيتُ أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ لَيْلَةَ نُزُولِ سُورَةِ الفَتْحِ، ونَحْوُ قَوْلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها في حَدِيثِ الإفْكِ: لَأنا أحْقَرُ في نَفْسِي مِن أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ، ولَيْلَةُ القَدْرِ هي لَيْلَةُ خَصَّها اللهُ تَعالى بِفَضْلٍ عَظِيمٍ، وجَعَلَها أفْضَلَ مِن ألْفِ شَهْرٍ لا لَيْلَةَ قَدَرٍ فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، (p-٦٥٨)وَخُصَّتْ هَذِهِ الأُمَّةُ بِهَذِهِ الفَضِيلَةِ لَمّا رَأى مُحَمَّدٌ ﷺ أعْمارَ أُمَّتِهِ فَتَقاصَرَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ عِبارَةُ تَفْخِيمٍ لَها، ثُمَّ أدارَهُ تَعالى بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾، قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: ما كانَ في القُرْآنِ وما أدْراكَ فَقَدْ أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى، وما كانَ فِيهِ "وَما يُدْرِيكَ" فَإنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ. وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما أنَّها سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ لِأنَّ اللهَ تَعالى يُقَدِّرُ فِيها الآجالَ والأرْزاقَ وحَوادِثَ العالَمِ كُلَّها ويَدْفَعُ ذَلِكَ إلى المَلائِكَةِ لِتَمْتَثِلَهُ، وقَدْ رُوِيَ مِثْلُ هَذا في لَيْلَةِ النِصْفِ مِن شَعْبانَ، ولِهَذا ظَواهِرُ مِن كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]، وأمّا الصِحَّةُ المَقْطُوعُ بِها فَغَيْرُ مَوْجُودَةٍ، وقالَ الزُهْرِيُّ مَعْناهُ: لَيْلَةُ القَدْرِ العَظِيمِ والشَرَفِ وعِظَمُ الشَأْنِ، مِن قَوْلِكَ: رَجُلٌ لَهُ قَدْرٌ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ لِأنَّها تَكْسِبُ مَن أحْياها قَدْرًا عَظِيمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلُ، وتَرُدُّهُ عَظِيمًا عِنْدَ اللهِ تَعالى، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ العَمَلِ فِيها لَهُ قَدْرٌ خَطِيرٌ. ولَيْلَةُ القَدْرِ مُسْتَدِيرَةٌ في أوتارٍ، العَشْرُ الأواخِرُ مِن رَمَضانَ، هَذا هو الصَحِيحُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وهي في الأوتارِ بِحَسِبِ الكَمالِ والنُقْصانِ في الشَهْرِ، فَيَنْبَغِي لِمُرْتَقِبِها أنْ يَرْتَقِبَها مِن لَيْلَةِ عِشْرِينَ في كُلِّ لَيْلَةٍ إلى آخِرِ الشَهْرِ؛ لِأنَّ الأوتارَ مَعَ كَمالِ الشَهْرِ لَيْسَتِ الأوتارُ مَعَ نُقْصانِهِ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "لِثالِثَةٍ تَبْقى، لِخامِسَةٍ تَبْقى، لِسابِعَةٍ تَبْقى"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "التَمِسُوها في الثالِثَةِ والخامِسَةِ والسابِعَةِ (p-٦٥٩)والتاسِعَةِ"،» وقالَ مالِكٌ: يُرِيدُ بِالتاسِعَةِ لَيْلَةَ إحْدى وعِشْرِينَ، وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُرِيدُ مالِكَ: إذا كانَ الشَهْرُ ناقِصًا، فَظاهِرُ هَذا أنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ احْتاطَ في كَمالِ شَهْرٍ ونُقْصانِهِ، وهَذا لا تَتَحَصَّلُ مَعَهُ اللَيْلَةُ إلّا بِعِمارَةِ العَشْرِ كُلِّهِ، ورُوِيَ عن أبِي حَنِيفَةَ وقَوْمٍ أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ رُفِعَتْ، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ، وإنَّما رُفِعَ تَعْيِينُها، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَن يُقِمِ السُنَّةَ كُلَّها يُصِبْها، وقالَ أبُو رَزِينٍ: هي أوَّلُ لَيْلَةٍ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، وقالَ الحَسَنُ: هي لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ، وهي الَّتِي كانَتْ في صَبِيحَتِها وقْعَةُ بَدْرٍ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: هي لَيْلَةُ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ، وهي لَيْلَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أنِيسٍ الجُهَنِيِّ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ أيْضًا هو وجَماعَةٌ مِنَ الصَحابَةِ: هي لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ، واسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى قَوْلِهِ بِأنَّ الإنْسانَ خُلِقَ مِن سَبْعٍ، وجُعِلَ رِزْقُهُ في سَبْعٍ، واسْتَحْسَنَ ذَلِكَ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، أجْمَعِينَ، وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وبِلالٌ: هي لَيْلَةُ أرْبَعٍ وعِشْرِينَ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أخْفاها اللهُ تَعالى عن عِبادِهِ لِيَجِدُّوا في العَمَلِ ولا يَتَّكِلُوا عَلى فَضْلِها ويُقَصِّرُوا في غَيْرِها. ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ تَعالى أمْرَ لَيْلَةِ القَدْرِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣]، وغَيْرِ ذَلِكَ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّها أفْضَلُ لِمَن عَمِلَ فِيها عَمَلًا مِن ألْفِ شَهْرٍ، وهي ثَمانُونَ سَنَةً (p-٦٦٠)وَثَلاثَةُ أعْوامٍ وثُلْثُ عامٍ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ حِينَ عُوتِبَ في تَسْلِيمِهِ الأمْرَ لِمُعاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّ اللهَ تَعالى أرى نَبِيَّهُ ﷺ في المَنامِ بَنِي أُمَيَّةَ يَنْزُونَ عَلى مِنبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ، فاهْتَمَّ لِذَلِكَ، فَأعْطاهُ اللهُ تَعالى لَيْلَةَ القَدْرِ، وهي خَيْرٌ مِن مُدَّةِ مُلْكِ بَنِي أُمَيَّةَ، وأعْلَمَهُ أنَّهم يَمْلِكُونَ هَذا القَدْرَ مِنَ الزَمانِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ثُمَّ كَشَفَ الغَيْبَ أنْ كانَ مِن سُنَّةِ الجَماعَةِ إلى قَتْلِ مَرْوانَ الجَعْدِيِّ هَذا القَدْرَ مِنَ الزَمانِ بِعَيْنِهِ، مَعَ أنَّ القَوْلَ يُعارِضُهُ أنَّهُ قَدْ مَلَكَ بَنُو أُمَيَّةَ في غَرْبِ الأرْضِ مُدَّةً غَيْرَ هَذِهِ، وفي الصَحِيحِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ".» و"الرُوحُ" هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: هم صِنْفُ حَفَظَةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في - فَمَن قالَ "إنَّ في هَذِهِ اللَيْلَةِ تُقَدَّرُ الأُمُورُ لِلْمَلائِكَةِ" قالَ: إنَّ هَذا التَنَزُّلَ لِذَلِكَ، و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: نُزُولُهم مِن أجْلِ هَذِهِ الأُمُورِ المُقَدَّرَةِ وبِسَبَبِها، ويَجِيءُ "سَلْمٌ" خَبَرُ ابْتِداءٍ مُسْتَأْنَفًا، أيْ: سَلامٌ هَذِهِ اللَيْلَةَ إلى أوَّلِ يَوْمِها، وهَذا قَوْلُ نافِعٍ المَقْبَرِيِّ والفَرّاءُ وأبِي العالِيَةِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: "مِن" بِمَعْنى "الباءِ"، أيْ: بِكُلِّ أمْرٍ، ومَن لَمْ يَقُلْ "تُقَدَّرُ الأُمُورُ في تِلْكَ اللَيْلَةِ" قالَ: مَعْنى الآيَةِ: تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ بِالرَحْمَةِ والغُفْرانِ والفَواضِلِ، ثُمَّ جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: "مِن كُلِّ أمْرٍ" مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "سَلامٌ هِيَ"، أيْ مِن كُلِّ أمْرٍ مُخَوِّفٍ يَنْبَغِي أنْ يُسْلَمَ مِنهُ فَهي سَلامٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يُصِيبُ أحَدًا فِيها داءٌ، وقالَ الشَعْبِيُّ ومَنصُورٌ: "سَلامٌ" بِمَعْنى التَحِيَّةِ، أيْ تُسَلِّمُ المَلائِكَةُ عَلى (p-٦٦١)المُؤْمِنِينَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والكَلْبِيُّ: "مِن كُلِّ امْرِئٍ "، أيْ: يَسْلَمُ فِيها مِن كُلِّ امْرِئِ سَوْءٍ، فَهَذا عَلى أنَّ "سَلامٌ" بِمَعْنى "سَلامَةٌ"، ورُوِيَ عنهُ أنَّ "سَلامًا" بِمَعْنى "تَحِيَّةً"، "وَكُلُّ امْرِئٍ" يُرادُ بِهِمُ المَلائِكَةَ، أيْ: مِن كُلِّ مَلَكٍ تَحِيَّةً عَلى المُؤْمِنِينَ، وهَذا لِلْعامِلِينَ بِالعِبادَةِ فِيها، وذَهَبَ مَن يَقُولُ بِانْتِهاءِ الكَلامِ في قَوْلِهِ تَعالى: "سَلامٌ" إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "هِيَ" إنَّما هو إشارَةٌ إلى أنَّها لَيْلَةَ سَبْعٍ وعِشْرِينَ مِنَ الشَهْرِ؛ إذْ هَذِهِ الكَلِمَةُ هي السابِعَةُ والعِشْرُونَ مِن كَلِماتِ السُورَةِ، وذَكَرَ هَذا الغَرَضَ ابْنُ بِكِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ، والنَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "حَتّى مَطْلَعَ" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وطَلْحَةُ: "حَتّى مَطْلِعَ" بِكَسْرِ اللامِ، فَقِيلَ: هُما مَصْدَرانِ بِمَعْنًى واحِدٍ في لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ، وقِيلَ: بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ وبِالكَسْرِ مَوْضِعُ الطُلُوعِ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ، والقِراءَةُ بِالفَتْحِ أوجُهٌ عَلى هَذا القَوْلِ، والأُخْرى تَتَخَرَّجُ عَلى تَجَوُّزٍ، كَأنَّ الوَقْتَ يَنْحَصِرُ في ذَلِكَ المَوْضِعِ ويَتِمُّ فِيهِ، ويَتَّجِهُ الكَسْرُ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ قَدْ شَذَّ مِن هَذِهِ المَصادِرِ ما كَسَرَ، كالمُعْجِزَةِ وقَوْلُهُمْ: عَلاهُ المُكَبِّرُ -بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الباءِ- ومِنهُ المَحِيضُ، فَيَجْرِي "المَطْلَعُ" مَصْدَرًا مَجْرى ما شَذَّ. وفي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "سَلامٌ هي إلى مَطْلَعِ الفَجْرِ". كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [القَدْرِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

البينة 98:1

(p-٦٦٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ لَمْ يَكُنْ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ، والأوَّلُ أشْهَرُ. قوله عزّ وجلّ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿وَما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَلاةَ ويُؤْتُوا الزَكاةَ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ وفِي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "ما كانَ الَّذِينَ"، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: [لَمْ يَكُنِ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ مُنْفَكِّينَ]، وقَوْلُهُ تَعالى: "مُنْفَكِّينَ"، مَعْناهُ مُنْفَصِلِينَ مُتَفَرِّقِينَ، تَقُولُ: "انْفَكَّ الشَيْءُ عَنِ الشَيْءِ" إذا انْفَصَلَ عنهُ، و"ما انْفَكَّ" الَّتِي هي مِن أخَواتِ "كانَ" لا مَدْخَلَ بِها في هَذِهِ الآيَةِ، ونَفى في هَذِهِ الآيَةُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الصَنِيعَةُ مُنْفَكَّةً. واخْتَلَفَ الناسُ، عن ماذا؟ فَقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنِ الكُفْرِ والضَلالِ حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، وأُوقِعَ المُسْتَقْبَلُ مَوْضِعَ الماضِي في "تَأْتِيهِمْ" لِأنَّ باقِيَ الشَرِيعَةِ وعُظْمَها لَمْ يُرِدْهُ بَعْدُ. وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عن مَعْرِفَةِ صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ والتَوَكُّفُ لِأمْرِهِ، حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ فَتَفَرَّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ. وذَهَبَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ إلى هَذا النَفْيِ المُتَقَدِّمِ مَعَ "مُنْفَكِّينَ" يَجْعَلُها تِلْكَ الَّتِي هي مَعَ "كانَ"، ويَرى التَقْدِيرَ في خَبَرِها: عارِفِينَ لِأمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ أو نَحْوِ هَذا، ويَتَّجِهُ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ بارِعُ المَعْنى، وذَلِكَ أنْ يَكُونَ المُرادُ: لَمْ يَكُنْ هَؤُلاءِ القَوْمُ مُنْفَكِّينَ مِن أمْرِ اللهِ (p-٦٦٣)تَعالى وقُدْرَتِهُ ونَظَرِهِ لَهم حَتّى يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا مُنْذِرًا، تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةُ، وتَتِمُّ عَلى مَن آمَنَ النِعْمَةَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ما كانُوا لِيَتْرُكُوا سُدًى، ولِهَذا نَظائِرُ في كِتابِ اللهِ تَعالى. وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "والمُشْرِكُونَ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: [والمُشْرِكِينَ] بِالخَفْضِ، ومَعْناهُما بَيِّنٌ. و"البَيِّنَةُ" مَعْناهُ: القِصَّةُ البَيِّنَةُ والجَلِيَّةُ، والمُرادُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رَسُولٌ" بِالرَفْعِ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: [رَسُولًا] بِالنَصْبِ عَلى الحالِ. و"الصُحُفُ المُطَهَّرَةُ": القُرْآنُ في صُحُفِهِ، قالَهُ الضَحّاكُ وقَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: الصُحُفُ المُطَهَّرَةُ في السَماءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: فِيها أحْكامُ كُتُبٍ قَيِّمَةٍ، و"قَيِّمَةٌ" مَعْناهُ: قائِمَةٌ مُعْتَدِلَةٌ آخِذَةٌ لِلنّاسِ بِالعَدْلِ، وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ، فَإلى "قَيِّمَةٌ" هو ذِكْرُ مَن آمَنَ مِنَ الطائِفَتَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مَذَمَّةَ مَن لَمْ يُؤْمِن مِن أهْلِ الكِتابِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، مِن أنَّهم لَمْ يَتَفَرَّقُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلّا مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ الواضِحَةَ، وكانُوا مِن قَبْلُ مُصَفِّقِينَ عَلى نَبُّوتِهِ وصِفَتِهِ، فَلَمّا جاءَ مِنَ العَرَبِ حَسَدُوهُ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُخْلِصِينَ" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "مُخْلِصِينَ" بِفَتْحِ اللامِ، وكَأنَّ "الدِينَ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- مَنصُوبٌ بِـ "يعبُدُوا"، أو بِمَعْنًى يَدُلُّ عَلَيْهِ، عَلى أنَّهُ كالظَرْفِ أوِ الحالِ، وفي هَذا نَظَرٌ، وقِيلَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: مَنِ المُخْلِصُ لِلَّهِ تَعالى؟ قالَ: الَّذِي يَعْمَلُ العَمَلَ لِلَّهِ تَعالى ولا يُحِبُّ أنْ يَحْمَدَهُ الناسُ عَلَيْهِ. و"حُنَفاءَ" جَمْعُ "حَنِيفٍ"، وهو المُسْتَقِيمُ المائِلُ إلى طَرِيقِ الخَيْرِ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لا تُسَمِّي العَرَبَ حَنِيفًا إلّا مَن حَجَّ واخْتَتَنَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "حُنَفاءَ": حُجّاجًا مُسْلِمِينَ، و"حُنَفاءَ" نُصِبَ عَلى الحالِ، وكَوْنُ الزَكاةِ مَعَ الصَلاةِ في هَذِهِ الآيَةُ مَعَ ذِكْرِ بَنِي إسْرائِيلَ فِيها يُقَوِّي قَوْل مَن قالَ" السُورَة مَدَنِيَّة؛ لِأنَّ الزَكاةَ (p-٦٦٤)إنَّما فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ، ولِأنَّ النَبِيَّ ﷺ إنَّما دَفَعَ مُناقَضَةَ أهْلِ الكِتابِ بِالمَدِينَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ" عَلى مَعْنى: الجَماعَةِ القَيِّمَةِ، أوِ الفِرْقَةِ القَيِّمَةِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الأشْعَثِ الطالِقانِيُّ: "القِيمَةُ" هُنا: الكُتُبُ الَّتِي جَرى ذِكْرُها، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "وَذَلِكَ الدِينُ القَيِّمَةِ"، فالهاءُ في "القِيمَةِ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- بِناءُ مُبالِغَةٍ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، ويَتَّجِهُ ذَلِكَ أيْضًا عَلى أنْ تَجْعَلَ "الدِينَ" بِمَنزِلَةِ المِلَّةِ.

البينة 98:2

(p-٦٦٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ لَمْ يَكُنْ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ، والأوَّلُ أشْهَرُ. قوله عزّ وجلّ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿وَما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَلاةَ ويُؤْتُوا الزَكاةَ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ وفِي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "ما كانَ الَّذِينَ"، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: [لَمْ يَكُنِ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ مُنْفَكِّينَ]، وقَوْلُهُ تَعالى: "مُنْفَكِّينَ"، مَعْناهُ مُنْفَصِلِينَ مُتَفَرِّقِينَ، تَقُولُ: "انْفَكَّ الشَيْءُ عَنِ الشَيْءِ" إذا انْفَصَلَ عنهُ، و"ما انْفَكَّ" الَّتِي هي مِن أخَواتِ "كانَ" لا مَدْخَلَ بِها في هَذِهِ الآيَةِ، ونَفى في هَذِهِ الآيَةُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الصَنِيعَةُ مُنْفَكَّةً. واخْتَلَفَ الناسُ، عن ماذا؟ فَقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنِ الكُفْرِ والضَلالِ حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، وأُوقِعَ المُسْتَقْبَلُ مَوْضِعَ الماضِي في "تَأْتِيهِمْ" لِأنَّ باقِيَ الشَرِيعَةِ وعُظْمَها لَمْ يُرِدْهُ بَعْدُ. وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عن مَعْرِفَةِ صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ والتَوَكُّفُ لِأمْرِهِ، حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ فَتَفَرَّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ. وذَهَبَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ إلى هَذا النَفْيِ المُتَقَدِّمِ مَعَ "مُنْفَكِّينَ" يَجْعَلُها تِلْكَ الَّتِي هي مَعَ "كانَ"، ويَرى التَقْدِيرَ في خَبَرِها: عارِفِينَ لِأمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ أو نَحْوِ هَذا، ويَتَّجِهُ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ بارِعُ المَعْنى، وذَلِكَ أنْ يَكُونَ المُرادُ: لَمْ يَكُنْ هَؤُلاءِ القَوْمُ مُنْفَكِّينَ مِن أمْرِ اللهِ (p-٦٦٣)تَعالى وقُدْرَتِهُ ونَظَرِهِ لَهم حَتّى يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا مُنْذِرًا، تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةُ، وتَتِمُّ عَلى مَن آمَنَ النِعْمَةَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ما كانُوا لِيَتْرُكُوا سُدًى، ولِهَذا نَظائِرُ في كِتابِ اللهِ تَعالى. وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "والمُشْرِكُونَ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: [والمُشْرِكِينَ] بِالخَفْضِ، ومَعْناهُما بَيِّنٌ. و"البَيِّنَةُ" مَعْناهُ: القِصَّةُ البَيِّنَةُ والجَلِيَّةُ، والمُرادُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رَسُولٌ" بِالرَفْعِ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: [رَسُولًا] بِالنَصْبِ عَلى الحالِ. و"الصُحُفُ المُطَهَّرَةُ": القُرْآنُ في صُحُفِهِ، قالَهُ الضَحّاكُ وقَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: الصُحُفُ المُطَهَّرَةُ في السَماءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: فِيها أحْكامُ كُتُبٍ قَيِّمَةٍ، و"قَيِّمَةٌ" مَعْناهُ: قائِمَةٌ مُعْتَدِلَةٌ آخِذَةٌ لِلنّاسِ بِالعَدْلِ، وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ، فَإلى "قَيِّمَةٌ" هو ذِكْرُ مَن آمَنَ مِنَ الطائِفَتَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مَذَمَّةَ مَن لَمْ يُؤْمِن مِن أهْلِ الكِتابِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، مِن أنَّهم لَمْ يَتَفَرَّقُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلّا مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ الواضِحَةَ، وكانُوا مِن قَبْلُ مُصَفِّقِينَ عَلى نَبُّوتِهِ وصِفَتِهِ، فَلَمّا جاءَ مِنَ العَرَبِ حَسَدُوهُ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُخْلِصِينَ" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "مُخْلِصِينَ" بِفَتْحِ اللامِ، وكَأنَّ "الدِينَ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- مَنصُوبٌ بِـ "يعبُدُوا"، أو بِمَعْنًى يَدُلُّ عَلَيْهِ، عَلى أنَّهُ كالظَرْفِ أوِ الحالِ، وفي هَذا نَظَرٌ، وقِيلَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: مَنِ المُخْلِصُ لِلَّهِ تَعالى؟ قالَ: الَّذِي يَعْمَلُ العَمَلَ لِلَّهِ تَعالى ولا يُحِبُّ أنْ يَحْمَدَهُ الناسُ عَلَيْهِ. و"حُنَفاءَ" جَمْعُ "حَنِيفٍ"، وهو المُسْتَقِيمُ المائِلُ إلى طَرِيقِ الخَيْرِ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لا تُسَمِّي العَرَبَ حَنِيفًا إلّا مَن حَجَّ واخْتَتَنَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "حُنَفاءَ": حُجّاجًا مُسْلِمِينَ، و"حُنَفاءَ" نُصِبَ عَلى الحالِ، وكَوْنُ الزَكاةِ مَعَ الصَلاةِ في هَذِهِ الآيَةُ مَعَ ذِكْرِ بَنِي إسْرائِيلَ فِيها يُقَوِّي قَوْل مَن قالَ" السُورَة مَدَنِيَّة؛ لِأنَّ الزَكاةَ (p-٦٦٤)إنَّما فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ، ولِأنَّ النَبِيَّ ﷺ إنَّما دَفَعَ مُناقَضَةَ أهْلِ الكِتابِ بِالمَدِينَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ" عَلى مَعْنى: الجَماعَةِ القَيِّمَةِ، أوِ الفِرْقَةِ القَيِّمَةِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الأشْعَثِ الطالِقانِيُّ: "القِيمَةُ" هُنا: الكُتُبُ الَّتِي جَرى ذِكْرُها، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "وَذَلِكَ الدِينُ القَيِّمَةِ"، فالهاءُ في "القِيمَةِ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- بِناءُ مُبالِغَةٍ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، ويَتَّجِهُ ذَلِكَ أيْضًا عَلى أنْ تَجْعَلَ "الدِينَ" بِمَنزِلَةِ المِلَّةِ.

البينة 98:3

(p-٦٦٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ لَمْ يَكُنْ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ، والأوَّلُ أشْهَرُ. قوله عزّ وجلّ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿وَما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَلاةَ ويُؤْتُوا الزَكاةَ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ وفِي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "ما كانَ الَّذِينَ"، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: [لَمْ يَكُنِ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ مُنْفَكِّينَ]، وقَوْلُهُ تَعالى: "مُنْفَكِّينَ"، مَعْناهُ مُنْفَصِلِينَ مُتَفَرِّقِينَ، تَقُولُ: "انْفَكَّ الشَيْءُ عَنِ الشَيْءِ" إذا انْفَصَلَ عنهُ، و"ما انْفَكَّ" الَّتِي هي مِن أخَواتِ "كانَ" لا مَدْخَلَ بِها في هَذِهِ الآيَةِ، ونَفى في هَذِهِ الآيَةُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الصَنِيعَةُ مُنْفَكَّةً. واخْتَلَفَ الناسُ، عن ماذا؟ فَقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنِ الكُفْرِ والضَلالِ حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، وأُوقِعَ المُسْتَقْبَلُ مَوْضِعَ الماضِي في "تَأْتِيهِمْ" لِأنَّ باقِيَ الشَرِيعَةِ وعُظْمَها لَمْ يُرِدْهُ بَعْدُ. وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عن مَعْرِفَةِ صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ والتَوَكُّفُ لِأمْرِهِ، حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ فَتَفَرَّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ. وذَهَبَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ إلى هَذا النَفْيِ المُتَقَدِّمِ مَعَ "مُنْفَكِّينَ" يَجْعَلُها تِلْكَ الَّتِي هي مَعَ "كانَ"، ويَرى التَقْدِيرَ في خَبَرِها: عارِفِينَ لِأمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ أو نَحْوِ هَذا، ويَتَّجِهُ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ بارِعُ المَعْنى، وذَلِكَ أنْ يَكُونَ المُرادُ: لَمْ يَكُنْ هَؤُلاءِ القَوْمُ مُنْفَكِّينَ مِن أمْرِ اللهِ (p-٦٦٣)تَعالى وقُدْرَتِهُ ونَظَرِهِ لَهم حَتّى يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا مُنْذِرًا، تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةُ، وتَتِمُّ عَلى مَن آمَنَ النِعْمَةَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ما كانُوا لِيَتْرُكُوا سُدًى، ولِهَذا نَظائِرُ في كِتابِ اللهِ تَعالى. وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "والمُشْرِكُونَ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: [والمُشْرِكِينَ] بِالخَفْضِ، ومَعْناهُما بَيِّنٌ. و"البَيِّنَةُ" مَعْناهُ: القِصَّةُ البَيِّنَةُ والجَلِيَّةُ، والمُرادُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رَسُولٌ" بِالرَفْعِ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: [رَسُولًا] بِالنَصْبِ عَلى الحالِ. و"الصُحُفُ المُطَهَّرَةُ": القُرْآنُ في صُحُفِهِ، قالَهُ الضَحّاكُ وقَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: الصُحُفُ المُطَهَّرَةُ في السَماءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: فِيها أحْكامُ كُتُبٍ قَيِّمَةٍ، و"قَيِّمَةٌ" مَعْناهُ: قائِمَةٌ مُعْتَدِلَةٌ آخِذَةٌ لِلنّاسِ بِالعَدْلِ، وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ، فَإلى "قَيِّمَةٌ" هو ذِكْرُ مَن آمَنَ مِنَ الطائِفَتَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مَذَمَّةَ مَن لَمْ يُؤْمِن مِن أهْلِ الكِتابِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، مِن أنَّهم لَمْ يَتَفَرَّقُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلّا مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ الواضِحَةَ، وكانُوا مِن قَبْلُ مُصَفِّقِينَ عَلى نَبُّوتِهِ وصِفَتِهِ، فَلَمّا جاءَ مِنَ العَرَبِ حَسَدُوهُ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُخْلِصِينَ" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "مُخْلِصِينَ" بِفَتْحِ اللامِ، وكَأنَّ "الدِينَ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- مَنصُوبٌ بِـ "يعبُدُوا"، أو بِمَعْنًى يَدُلُّ عَلَيْهِ، عَلى أنَّهُ كالظَرْفِ أوِ الحالِ، وفي هَذا نَظَرٌ، وقِيلَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: مَنِ المُخْلِصُ لِلَّهِ تَعالى؟ قالَ: الَّذِي يَعْمَلُ العَمَلَ لِلَّهِ تَعالى ولا يُحِبُّ أنْ يَحْمَدَهُ الناسُ عَلَيْهِ. و"حُنَفاءَ" جَمْعُ "حَنِيفٍ"، وهو المُسْتَقِيمُ المائِلُ إلى طَرِيقِ الخَيْرِ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لا تُسَمِّي العَرَبَ حَنِيفًا إلّا مَن حَجَّ واخْتَتَنَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "حُنَفاءَ": حُجّاجًا مُسْلِمِينَ، و"حُنَفاءَ" نُصِبَ عَلى الحالِ، وكَوْنُ الزَكاةِ مَعَ الصَلاةِ في هَذِهِ الآيَةُ مَعَ ذِكْرِ بَنِي إسْرائِيلَ فِيها يُقَوِّي قَوْل مَن قالَ" السُورَة مَدَنِيَّة؛ لِأنَّ الزَكاةَ (p-٦٦٤)إنَّما فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ، ولِأنَّ النَبِيَّ ﷺ إنَّما دَفَعَ مُناقَضَةَ أهْلِ الكِتابِ بِالمَدِينَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ" عَلى مَعْنى: الجَماعَةِ القَيِّمَةِ، أوِ الفِرْقَةِ القَيِّمَةِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الأشْعَثِ الطالِقانِيُّ: "القِيمَةُ" هُنا: الكُتُبُ الَّتِي جَرى ذِكْرُها، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "وَذَلِكَ الدِينُ القَيِّمَةِ"، فالهاءُ في "القِيمَةِ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- بِناءُ مُبالِغَةٍ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، ويَتَّجِهُ ذَلِكَ أيْضًا عَلى أنْ تَجْعَلَ "الدِينَ" بِمَنزِلَةِ المِلَّةِ.

البينة 98:4

(p-٦٦٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ لَمْ يَكُنْ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ، والأوَّلُ أشْهَرُ. قوله عزّ وجلّ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿وَما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَلاةَ ويُؤْتُوا الزَكاةَ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ وفِي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "ما كانَ الَّذِينَ"، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: [لَمْ يَكُنِ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ مُنْفَكِّينَ]، وقَوْلُهُ تَعالى: "مُنْفَكِّينَ"، مَعْناهُ مُنْفَصِلِينَ مُتَفَرِّقِينَ، تَقُولُ: "انْفَكَّ الشَيْءُ عَنِ الشَيْءِ" إذا انْفَصَلَ عنهُ، و"ما انْفَكَّ" الَّتِي هي مِن أخَواتِ "كانَ" لا مَدْخَلَ بِها في هَذِهِ الآيَةِ، ونَفى في هَذِهِ الآيَةُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الصَنِيعَةُ مُنْفَكَّةً. واخْتَلَفَ الناسُ، عن ماذا؟ فَقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنِ الكُفْرِ والضَلالِ حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، وأُوقِعَ المُسْتَقْبَلُ مَوْضِعَ الماضِي في "تَأْتِيهِمْ" لِأنَّ باقِيَ الشَرِيعَةِ وعُظْمَها لَمْ يُرِدْهُ بَعْدُ. وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عن مَعْرِفَةِ صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ والتَوَكُّفُ لِأمْرِهِ، حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ فَتَفَرَّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ. وذَهَبَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ إلى هَذا النَفْيِ المُتَقَدِّمِ مَعَ "مُنْفَكِّينَ" يَجْعَلُها تِلْكَ الَّتِي هي مَعَ "كانَ"، ويَرى التَقْدِيرَ في خَبَرِها: عارِفِينَ لِأمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ أو نَحْوِ هَذا، ويَتَّجِهُ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ بارِعُ المَعْنى، وذَلِكَ أنْ يَكُونَ المُرادُ: لَمْ يَكُنْ هَؤُلاءِ القَوْمُ مُنْفَكِّينَ مِن أمْرِ اللهِ (p-٦٦٣)تَعالى وقُدْرَتِهُ ونَظَرِهِ لَهم حَتّى يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا مُنْذِرًا، تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةُ، وتَتِمُّ عَلى مَن آمَنَ النِعْمَةَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ما كانُوا لِيَتْرُكُوا سُدًى، ولِهَذا نَظائِرُ في كِتابِ اللهِ تَعالى. وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "والمُشْرِكُونَ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: [والمُشْرِكِينَ] بِالخَفْضِ، ومَعْناهُما بَيِّنٌ. و"البَيِّنَةُ" مَعْناهُ: القِصَّةُ البَيِّنَةُ والجَلِيَّةُ، والمُرادُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رَسُولٌ" بِالرَفْعِ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: [رَسُولًا] بِالنَصْبِ عَلى الحالِ. و"الصُحُفُ المُطَهَّرَةُ": القُرْآنُ في صُحُفِهِ، قالَهُ الضَحّاكُ وقَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: الصُحُفُ المُطَهَّرَةُ في السَماءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: فِيها أحْكامُ كُتُبٍ قَيِّمَةٍ، و"قَيِّمَةٌ" مَعْناهُ: قائِمَةٌ مُعْتَدِلَةٌ آخِذَةٌ لِلنّاسِ بِالعَدْلِ، وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ، فَإلى "قَيِّمَةٌ" هو ذِكْرُ مَن آمَنَ مِنَ الطائِفَتَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مَذَمَّةَ مَن لَمْ يُؤْمِن مِن أهْلِ الكِتابِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، مِن أنَّهم لَمْ يَتَفَرَّقُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلّا مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ الواضِحَةَ، وكانُوا مِن قَبْلُ مُصَفِّقِينَ عَلى نَبُّوتِهِ وصِفَتِهِ، فَلَمّا جاءَ مِنَ العَرَبِ حَسَدُوهُ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُخْلِصِينَ" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "مُخْلِصِينَ" بِفَتْحِ اللامِ، وكَأنَّ "الدِينَ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- مَنصُوبٌ بِـ "يعبُدُوا"، أو بِمَعْنًى يَدُلُّ عَلَيْهِ، عَلى أنَّهُ كالظَرْفِ أوِ الحالِ، وفي هَذا نَظَرٌ، وقِيلَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: مَنِ المُخْلِصُ لِلَّهِ تَعالى؟ قالَ: الَّذِي يَعْمَلُ العَمَلَ لِلَّهِ تَعالى ولا يُحِبُّ أنْ يَحْمَدَهُ الناسُ عَلَيْهِ. و"حُنَفاءَ" جَمْعُ "حَنِيفٍ"، وهو المُسْتَقِيمُ المائِلُ إلى طَرِيقِ الخَيْرِ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لا تُسَمِّي العَرَبَ حَنِيفًا إلّا مَن حَجَّ واخْتَتَنَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "حُنَفاءَ": حُجّاجًا مُسْلِمِينَ، و"حُنَفاءَ" نُصِبَ عَلى الحالِ، وكَوْنُ الزَكاةِ مَعَ الصَلاةِ في هَذِهِ الآيَةُ مَعَ ذِكْرِ بَنِي إسْرائِيلَ فِيها يُقَوِّي قَوْل مَن قالَ" السُورَة مَدَنِيَّة؛ لِأنَّ الزَكاةَ (p-٦٦٤)إنَّما فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ، ولِأنَّ النَبِيَّ ﷺ إنَّما دَفَعَ مُناقَضَةَ أهْلِ الكِتابِ بِالمَدِينَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ" عَلى مَعْنى: الجَماعَةِ القَيِّمَةِ، أوِ الفِرْقَةِ القَيِّمَةِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الأشْعَثِ الطالِقانِيُّ: "القِيمَةُ" هُنا: الكُتُبُ الَّتِي جَرى ذِكْرُها، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "وَذَلِكَ الدِينُ القَيِّمَةِ"، فالهاءُ في "القِيمَةِ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- بِناءُ مُبالِغَةٍ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، ويَتَّجِهُ ذَلِكَ أيْضًا عَلى أنْ تَجْعَلَ "الدِينَ" بِمَنزِلَةِ المِلَّةِ.

البينة 98:5

(p-٦٦٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ لَمْ يَكُنْ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ، والأوَّلُ أشْهَرُ. قوله عزّ وجلّ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿وَما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَلاةَ ويُؤْتُوا الزَكاةَ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ وفِي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "ما كانَ الَّذِينَ"، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: [لَمْ يَكُنِ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ مُنْفَكِّينَ]، وقَوْلُهُ تَعالى: "مُنْفَكِّينَ"، مَعْناهُ مُنْفَصِلِينَ مُتَفَرِّقِينَ، تَقُولُ: "انْفَكَّ الشَيْءُ عَنِ الشَيْءِ" إذا انْفَصَلَ عنهُ، و"ما انْفَكَّ" الَّتِي هي مِن أخَواتِ "كانَ" لا مَدْخَلَ بِها في هَذِهِ الآيَةِ، ونَفى في هَذِهِ الآيَةُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الصَنِيعَةُ مُنْفَكَّةً. واخْتَلَفَ الناسُ، عن ماذا؟ فَقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنِ الكُفْرِ والضَلالِ حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، وأُوقِعَ المُسْتَقْبَلُ مَوْضِعَ الماضِي في "تَأْتِيهِمْ" لِأنَّ باقِيَ الشَرِيعَةِ وعُظْمَها لَمْ يُرِدْهُ بَعْدُ. وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عن مَعْرِفَةِ صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ والتَوَكُّفُ لِأمْرِهِ، حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ فَتَفَرَّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ. وذَهَبَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ إلى هَذا النَفْيِ المُتَقَدِّمِ مَعَ "مُنْفَكِّينَ" يَجْعَلُها تِلْكَ الَّتِي هي مَعَ "كانَ"، ويَرى التَقْدِيرَ في خَبَرِها: عارِفِينَ لِأمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ أو نَحْوِ هَذا، ويَتَّجِهُ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ بارِعُ المَعْنى، وذَلِكَ أنْ يَكُونَ المُرادُ: لَمْ يَكُنْ هَؤُلاءِ القَوْمُ مُنْفَكِّينَ مِن أمْرِ اللهِ (p-٦٦٣)تَعالى وقُدْرَتِهُ ونَظَرِهِ لَهم حَتّى يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا مُنْذِرًا، تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةُ، وتَتِمُّ عَلى مَن آمَنَ النِعْمَةَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ما كانُوا لِيَتْرُكُوا سُدًى، ولِهَذا نَظائِرُ في كِتابِ اللهِ تَعالى. وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "والمُشْرِكُونَ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: [والمُشْرِكِينَ] بِالخَفْضِ، ومَعْناهُما بَيِّنٌ. و"البَيِّنَةُ" مَعْناهُ: القِصَّةُ البَيِّنَةُ والجَلِيَّةُ، والمُرادُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رَسُولٌ" بِالرَفْعِ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: [رَسُولًا] بِالنَصْبِ عَلى الحالِ. و"الصُحُفُ المُطَهَّرَةُ": القُرْآنُ في صُحُفِهِ، قالَهُ الضَحّاكُ وقَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: الصُحُفُ المُطَهَّرَةُ في السَماءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: فِيها أحْكامُ كُتُبٍ قَيِّمَةٍ، و"قَيِّمَةٌ" مَعْناهُ: قائِمَةٌ مُعْتَدِلَةٌ آخِذَةٌ لِلنّاسِ بِالعَدْلِ، وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ، فَإلى "قَيِّمَةٌ" هو ذِكْرُ مَن آمَنَ مِنَ الطائِفَتَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مَذَمَّةَ مَن لَمْ يُؤْمِن مِن أهْلِ الكِتابِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، مِن أنَّهم لَمْ يَتَفَرَّقُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلّا مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ الواضِحَةَ، وكانُوا مِن قَبْلُ مُصَفِّقِينَ عَلى نَبُّوتِهِ وصِفَتِهِ، فَلَمّا جاءَ مِنَ العَرَبِ حَسَدُوهُ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُخْلِصِينَ" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "مُخْلِصِينَ" بِفَتْحِ اللامِ، وكَأنَّ "الدِينَ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- مَنصُوبٌ بِـ "يعبُدُوا"، أو بِمَعْنًى يَدُلُّ عَلَيْهِ، عَلى أنَّهُ كالظَرْفِ أوِ الحالِ، وفي هَذا نَظَرٌ، وقِيلَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: مَنِ المُخْلِصُ لِلَّهِ تَعالى؟ قالَ: الَّذِي يَعْمَلُ العَمَلَ لِلَّهِ تَعالى ولا يُحِبُّ أنْ يَحْمَدَهُ الناسُ عَلَيْهِ. و"حُنَفاءَ" جَمْعُ "حَنِيفٍ"، وهو المُسْتَقِيمُ المائِلُ إلى طَرِيقِ الخَيْرِ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لا تُسَمِّي العَرَبَ حَنِيفًا إلّا مَن حَجَّ واخْتَتَنَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "حُنَفاءَ": حُجّاجًا مُسْلِمِينَ، و"حُنَفاءَ" نُصِبَ عَلى الحالِ، وكَوْنُ الزَكاةِ مَعَ الصَلاةِ في هَذِهِ الآيَةُ مَعَ ذِكْرِ بَنِي إسْرائِيلَ فِيها يُقَوِّي قَوْل مَن قالَ" السُورَة مَدَنِيَّة؛ لِأنَّ الزَكاةَ (p-٦٦٤)إنَّما فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ، ولِأنَّ النَبِيَّ ﷺ إنَّما دَفَعَ مُناقَضَةَ أهْلِ الكِتابِ بِالمَدِينَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ" عَلى مَعْنى: الجَماعَةِ القَيِّمَةِ، أوِ الفِرْقَةِ القَيِّمَةِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الأشْعَثِ الطالِقانِيُّ: "القِيمَةُ" هُنا: الكُتُبُ الَّتِي جَرى ذِكْرُها، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "وَذَلِكَ الدِينُ القَيِّمَةِ"، فالهاءُ في "القِيمَةِ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- بِناءُ مُبالِغَةٍ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، ويَتَّجِهُ ذَلِكَ أيْضًا عَلى أنْ تَجْعَلَ "الدِينَ" بِمَنزِلَةِ المِلَّةِ.

البينة 98:6

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللهُ عنهم ورَضُوا عنهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ حُكْم اللهِ في هَذِهِ الآيَةُ بِتَخْلِيدِ الكافِرِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ -وَهم عَبَدَةُ الأوثانِ- في النارِ، وبِأنَّهم شَرُّ البَرِيَّةِ، و"البَريَّةُ" جَمِيعُ الخَلْقِ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى بَرَّأهُمْ، أيْ أوجَدَهم بَعْدَ العَدَمِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والأعْرَجُ: "البَرِيئَةُ" بِالهَمْزِ مَن "بَرَّأ"، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: "البَرِّيَّةُ" بِشَدِّ الياءِ بِغَيْرِ هَمْزٍ، عَلى التَسْهِيلِ، والقِياسُ الهَمْزُ إلّا أنَّ هَذا مِمّا تَرَكَ هَمَزَهُ كالنَبِيِّ والذُرِّيَّةِ، وقَرَأ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: البَرِّيَّةُ مَأْخُوذٌ مِنَ البَرى وهو التُرابُ، وهَذا الِاشْتِقاقُ يَجْعَلُ الهَمْزَ خَطَأً وغَلَطًا، غَيْرَ مَرْضى. و﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ شُرُوطٌ تَعُمُّ جَمِيعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ومَن آمَنَ بِنَبِيِّهِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "خَيْرٌ"، وقَرَأ بَعْضُ قُرّاءِ مَكَّةَ: "خِيارٌ" بِألِفٍ، ورُوِيَ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيئَةِ﴾ ثُمَّ قالَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ "أنْتَ يا عَلِيُّ وشِيعَتُكَ"،» ذَكَرُهُ الطَبَرِيُّ، وفّى الحَدِيثِ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يا خَيْرَ البَرِيَّةِ، فَقالَ لَهُ: "ذَلِكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ.» (p-٦٦٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: سُكْنى جَنّاتٍ، أو دُخُولُ جَنّاتٍ، و"العَدْنُ" الإقامَةُ والدَوامُ، عَدَنَ بِالمَوْضِعِ: أقامَ، ومِنهُ المَعْدِنُ لِأنَّهُ رَأسٌ ثابِتٌ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: جَنّاتُ عَدْنٍ: بُطْنانُ الجَنَّةِ، أيْ وسَطُها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضِيَ اللهُ عنهم ورَضُوا عنهُ﴾ قِيلَ: ذَلِكَ في الدُنْيا، فَرِضاهُ عنهم هو ما أظْهَرَ عَلَيْهِمْ مِن أماراتِ رَحْمَتِهِ وغُفْرانِهِ، ورِضاهم عنهُ هو رِضاهم بِجَمِيعِ ما قَسَّمَ لَهم مِن جَمِيعِ الأرْزاقِ والأقْدارِ، وقالَ بَعْضُ الصالِحِينَ: رِضى العِبادِ عَنِ اللهِ تَعالى رِضاهم بِما يَرُدُّ مِن أحْكامِهِ، ورِضاهُ عنهم أنَّ تَوْفِيقَهم لِلرِّضا عنهُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ بْنُ طاهِرٍ: الرِضا عَنِ اللهِ تَعالى خُرُوجُ الكَراهِيَةِ مِنَ القَلْبِ حَتّى لا يَكُونَ إلّا فَرَحٌ وسُرُورٌ، وقالَ سَرِيُّ السَقَطِيُّ: إذا كُنْتَ لا تَرْضى عَنِ اللهِ فَكَيْفَ تَطْلُبُ مِنهُ أنْ يَرْضى عنكَ؟ وقِيلَ: ذَلِكَ في الآخِرَةِ، فَرِضاهم عنهُ هو رِضاهم بِما مَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ النِعَمِ، ورِضاهُ عنهم هو ما رُوِيَ مِن «أنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: "هَلْ رَضِيتُمْ بِما أعْطَيْتُكُمْ؟" فَيَقُولُونَ نَعَمْ رَبَّنا، وكَيْفَ لا نَرْضى وقَدْ أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: "أفَلا أعْطَيْتُكم أفْضَلَ مِن كُلِّ ما أعْطَيْتُكُمْ؟ رِضْوانِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا"،» وخَصَّ تَعالى اللهَ بِالذِكْرِ أهْلَ الخَشْيَةِ لِأنَّها رَأْسُ كُلِّ بَرَكَةٍ، الناهِيَةُ عَنِ المَعاصِي، الآمِرَةُ بِالمَعْرُوفِ. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [لَمْ يَكُنْ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

البينة 98:7

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللهُ عنهم ورَضُوا عنهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ حُكْم اللهِ في هَذِهِ الآيَةُ بِتَخْلِيدِ الكافِرِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ -وَهم عَبَدَةُ الأوثانِ- في النارِ، وبِأنَّهم شَرُّ البَرِيَّةِ، و"البَريَّةُ" جَمِيعُ الخَلْقِ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى بَرَّأهُمْ، أيْ أوجَدَهم بَعْدَ العَدَمِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والأعْرَجُ: "البَرِيئَةُ" بِالهَمْزِ مَن "بَرَّأ"، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: "البَرِّيَّةُ" بِشَدِّ الياءِ بِغَيْرِ هَمْزٍ، عَلى التَسْهِيلِ، والقِياسُ الهَمْزُ إلّا أنَّ هَذا مِمّا تَرَكَ هَمَزَهُ كالنَبِيِّ والذُرِّيَّةِ، وقَرَأ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: البَرِّيَّةُ مَأْخُوذٌ مِنَ البَرى وهو التُرابُ، وهَذا الِاشْتِقاقُ يَجْعَلُ الهَمْزَ خَطَأً وغَلَطًا، غَيْرَ مَرْضى. و﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ شُرُوطٌ تَعُمُّ جَمِيعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ومَن آمَنَ بِنَبِيِّهِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "خَيْرٌ"، وقَرَأ بَعْضُ قُرّاءِ مَكَّةَ: "خِيارٌ" بِألِفٍ، ورُوِيَ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيئَةِ﴾ ثُمَّ قالَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ "أنْتَ يا عَلِيُّ وشِيعَتُكَ"،» ذَكَرُهُ الطَبَرِيُّ، وفّى الحَدِيثِ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يا خَيْرَ البَرِيَّةِ، فَقالَ لَهُ: "ذَلِكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ.» (p-٦٦٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: سُكْنى جَنّاتٍ، أو دُخُولُ جَنّاتٍ، و"العَدْنُ" الإقامَةُ والدَوامُ، عَدَنَ بِالمَوْضِعِ: أقامَ، ومِنهُ المَعْدِنُ لِأنَّهُ رَأسٌ ثابِتٌ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: جَنّاتُ عَدْنٍ: بُطْنانُ الجَنَّةِ، أيْ وسَطُها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضِيَ اللهُ عنهم ورَضُوا عنهُ﴾ قِيلَ: ذَلِكَ في الدُنْيا، فَرِضاهُ عنهم هو ما أظْهَرَ عَلَيْهِمْ مِن أماراتِ رَحْمَتِهِ وغُفْرانِهِ، ورِضاهم عنهُ هو رِضاهم بِجَمِيعِ ما قَسَّمَ لَهم مِن جَمِيعِ الأرْزاقِ والأقْدارِ، وقالَ بَعْضُ الصالِحِينَ: رِضى العِبادِ عَنِ اللهِ تَعالى رِضاهم بِما يَرُدُّ مِن أحْكامِهِ، ورِضاهُ عنهم أنَّ تَوْفِيقَهم لِلرِّضا عنهُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ بْنُ طاهِرٍ: الرِضا عَنِ اللهِ تَعالى خُرُوجُ الكَراهِيَةِ مِنَ القَلْبِ حَتّى لا يَكُونَ إلّا فَرَحٌ وسُرُورٌ، وقالَ سَرِيُّ السَقَطِيُّ: إذا كُنْتَ لا تَرْضى عَنِ اللهِ فَكَيْفَ تَطْلُبُ مِنهُ أنْ يَرْضى عنكَ؟ وقِيلَ: ذَلِكَ في الآخِرَةِ، فَرِضاهم عنهُ هو رِضاهم بِما مَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ النِعَمِ، ورِضاهُ عنهم هو ما رُوِيَ مِن «أنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: "هَلْ رَضِيتُمْ بِما أعْطَيْتُكُمْ؟" فَيَقُولُونَ نَعَمْ رَبَّنا، وكَيْفَ لا نَرْضى وقَدْ أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: "أفَلا أعْطَيْتُكم أفْضَلَ مِن كُلِّ ما أعْطَيْتُكُمْ؟ رِضْوانِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا"،» وخَصَّ تَعالى اللهَ بِالذِكْرِ أهْلَ الخَشْيَةِ لِأنَّها رَأْسُ كُلِّ بَرَكَةٍ، الناهِيَةُ عَنِ المَعاصِي، الآمِرَةُ بِالمَعْرُوفِ. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [لَمْ يَكُنْ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

البينة 98:8

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللهُ عنهم ورَضُوا عنهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ حُكْم اللهِ في هَذِهِ الآيَةُ بِتَخْلِيدِ الكافِرِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ -وَهم عَبَدَةُ الأوثانِ- في النارِ، وبِأنَّهم شَرُّ البَرِيَّةِ، و"البَريَّةُ" جَمِيعُ الخَلْقِ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى بَرَّأهُمْ، أيْ أوجَدَهم بَعْدَ العَدَمِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والأعْرَجُ: "البَرِيئَةُ" بِالهَمْزِ مَن "بَرَّأ"، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: "البَرِّيَّةُ" بِشَدِّ الياءِ بِغَيْرِ هَمْزٍ، عَلى التَسْهِيلِ، والقِياسُ الهَمْزُ إلّا أنَّ هَذا مِمّا تَرَكَ هَمَزَهُ كالنَبِيِّ والذُرِّيَّةِ، وقَرَأ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: البَرِّيَّةُ مَأْخُوذٌ مِنَ البَرى وهو التُرابُ، وهَذا الِاشْتِقاقُ يَجْعَلُ الهَمْزَ خَطَأً وغَلَطًا، غَيْرَ مَرْضى. و﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ شُرُوطٌ تَعُمُّ جَمِيعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ومَن آمَنَ بِنَبِيِّهِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "خَيْرٌ"، وقَرَأ بَعْضُ قُرّاءِ مَكَّةَ: "خِيارٌ" بِألِفٍ، ورُوِيَ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيئَةِ﴾ ثُمَّ قالَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ "أنْتَ يا عَلِيُّ وشِيعَتُكَ"،» ذَكَرُهُ الطَبَرِيُّ، وفّى الحَدِيثِ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يا خَيْرَ البَرِيَّةِ، فَقالَ لَهُ: "ذَلِكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ.» (p-٦٦٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: سُكْنى جَنّاتٍ، أو دُخُولُ جَنّاتٍ، و"العَدْنُ" الإقامَةُ والدَوامُ، عَدَنَ بِالمَوْضِعِ: أقامَ، ومِنهُ المَعْدِنُ لِأنَّهُ رَأسٌ ثابِتٌ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: جَنّاتُ عَدْنٍ: بُطْنانُ الجَنَّةِ، أيْ وسَطُها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضِيَ اللهُ عنهم ورَضُوا عنهُ﴾ قِيلَ: ذَلِكَ في الدُنْيا، فَرِضاهُ عنهم هو ما أظْهَرَ عَلَيْهِمْ مِن أماراتِ رَحْمَتِهِ وغُفْرانِهِ، ورِضاهم عنهُ هو رِضاهم بِجَمِيعِ ما قَسَّمَ لَهم مِن جَمِيعِ الأرْزاقِ والأقْدارِ، وقالَ بَعْضُ الصالِحِينَ: رِضى العِبادِ عَنِ اللهِ تَعالى رِضاهم بِما يَرُدُّ مِن أحْكامِهِ، ورِضاهُ عنهم أنَّ تَوْفِيقَهم لِلرِّضا عنهُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ بْنُ طاهِرٍ: الرِضا عَنِ اللهِ تَعالى خُرُوجُ الكَراهِيَةِ مِنَ القَلْبِ حَتّى لا يَكُونَ إلّا فَرَحٌ وسُرُورٌ، وقالَ سَرِيُّ السَقَطِيُّ: إذا كُنْتَ لا تَرْضى عَنِ اللهِ فَكَيْفَ تَطْلُبُ مِنهُ أنْ يَرْضى عنكَ؟ وقِيلَ: ذَلِكَ في الآخِرَةِ، فَرِضاهم عنهُ هو رِضاهم بِما مَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ النِعَمِ، ورِضاهُ عنهم هو ما رُوِيَ مِن «أنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: "هَلْ رَضِيتُمْ بِما أعْطَيْتُكُمْ؟" فَيَقُولُونَ نَعَمْ رَبَّنا، وكَيْفَ لا نَرْضى وقَدْ أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: "أفَلا أعْطَيْتُكم أفْضَلَ مِن كُلِّ ما أعْطَيْتُكُمْ؟ رِضْوانِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا"،» وخَصَّ تَعالى اللهَ بِالذِكْرِ أهْلَ الخَشْيَةِ لِأنَّها رَأْسُ كُلِّ بَرَكَةٍ، الناهِيَةُ عَنِ المَعاصِي، الآمِرَةُ بِالمَعْرُوفِ. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [لَمْ يَكُنْ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

الزلزلة 99:1

(p-٦٦٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الزَلْزَلَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: هي مَدَنِيَّةٌ لِأنَّ آخِرَها نَزَلَ بِسَبَبِ رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ ﴿وَقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ العامِلُ فِي: "إذا" عَلى قَوْلِ جُمْهُورِ النُحاةِ -وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ القِياسُ- فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَقْتَضِيهِ المَعْنى وتَقْدِيرُهُ: يُحْشَرُونَ إذا، أو تُجازُونَ، ونَحْوُ هَذا، ويَمْتَنِعُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "زُلْزِلَتِ" لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ لا يُفارِقُها، وقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظائِرُها في غَيْرِ سُورَةٍ. "وَزُلْزِلَتِ" مَعْناهُ: حُرِّكَتْ بِعُنْفٍ، ومِنهُ الزِلْزالُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "زِلْزالَها" أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: "زِلْزالًا" دُونَ إضافَةٍ إلَيْها، وذَلِكَ أنَّ المَصْدَرَ غَيْرُ مُضافٍ يَقَعُ عَلى كُلِّ قَدْرٍ مِنَ الزِلْزالِ وإنَّ قُلْ، وإذا أُضِيفَتْ إلَيْها وجَبَ أنْ يَكُونَ عَلى قَدْرِ ما يَسْتَحِقُّهُ ويَسْتَوْحِيهِ جُرْمُها وعِظَمُها، وهَكَذا كَما تَقُولُ: "أكْرَمْتُ زَيْدًا كَرامَةً"، فَذَلِكَ يَقَعُ عَلى كُلِّ كَرامَةٍ وإنْ (p-٦٦٧)قُلْتَ بِحَسَبِ زَيْدٍ"، فَإذا قُلْتَ: "كَرامَتُهُ" أوجَبَتْ أنَّكَ قَدْ وفَّيْتَهُ حَقَّهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زِلْزالَها" بِكَسْرِ الزايِ الأولى، وقَرَأ بِفَتْحِها عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وهو أيْضًا مَصْدَرٌ كالوَسْواسِ ونَحْوِهِ. و"الأثْقالُ": المَوْتى الَّذِينَ في بَطْنِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى البَعْثِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ -مِنهم مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ الزَجّاجُ والنَقّاشُ -: أخْرَجَتْ مَوادَّها وكُنُوزَها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَتِ القِيامَةُ بِمَوْطِنٍ لِإخْراجِ الكُنُوزِ، وإنَّما تَخْرُجُ كُنُوزُها وقْتَ الدَجّالِ. و"قَوْلُ الإنْسانِ: "ما لَها" هو قَوْلٌ عَلى مَعْنى التَعَجُّبِ مِن هَوْلِ ما يَرى، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الإنْسانُ هُنا يُرادُ بِهِ الكافِرُ، وهَذا مُتَمَكِّنٌ لِأنَّهُ يَرى ما لَمْ يَظُنَّ بِهِ قَطُّ ولا صِدْقُهُ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو عامٌّ في المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالكافِرُ عَلى ما قَدَّمْناهُ، والمُؤْمِنُ -وَإنْ كانَ قَدْ آمَنَ بِالبَعْثِ- فَإنَّهُ اسْتَهْوَلَ المَرْأى، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ".» و"إخْبارُ الأرْضِ" قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والثَوْرِيُّ وغَيْرُهُما: هو شَهادَتُها بِما عَمِلَ عَلَيْها مِن عَمَلٍ صالِحٍ وفاسِدٍ، فالتَحْدِيثُ -عَلى هَذا- حَقِيقَةٌ، وكَلامٌ بِإدْراكٍ وحَياةٍ يَخْلُقُها اللهُ تَعالى، وأضافَ تَعالى الأخْبارَ إلَيْها مِن حَيْثُ وعَتْها وحَصَّلَتْها، وانْتَزَعَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ أنَّ قَوْلَ المُحَدِّثِ: "حَدَّثَنا وأخْبَرَنا" سَواءٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ وقَوْمٌ: التَحْدِيثُ في الآيَةِ مَجازٌ، والمَعْنى أنَّ ما تَفْعَلُهُ بِأمْرِ اللهِ تَعالى مِن إخْراجِ أثْقالِها، وتَفَتُّتِ أجْزائِها، وسائِرِ أحْوالِها، هو بِمَنزِلَةِ التَحْدِيثِ بِأنْبائِها وأخْبارِها، ويُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "فَإنَّهُ لا يَسْمَعُ مَدى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا إنْسٌ ولا شَيْءٌ إلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ"» وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "تُنْبِئُ أخْبارَها"، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "تَبَيَّنَ". (p-٦٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها﴾ الباءُ باءُ السَبَبِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، والقُرْطُبِيُّ: المَعْنى: أوحى إلَيْها، وهَذا الوَحْيُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وحْيَ إلْهامٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وحْيًا بِرَسُولٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وقَدْ قالَ الشاعِرُ: ؎ أوحى لَها القَرارُ فاسْتَقَرَّتْ وشَدَّها بِالراسِياتِ الثَبْتِ والوَحْيُ في كَلامِ العَرَبِ: إلْقاءُ المَعْنى إلْقاءً خَفِيًّا. وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "أوحى لَها" مَعْناهُ: أوحى إلى مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ أنْ تَفْعَلَ في الأرْضِ تِلْكَ الأفْعالَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "لَها" بِمَعْنى: مِن أجْلِها، ومِن حَيْثُ الأفْعالُ فِيها فَهي لَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا﴾ بِمَعْنى: يَنْصَرِفُونَ مِن مَوْضِعِ وِرْدِهِمْ مُخْتَلِفِي الأحْوالِ. وواحِدُ "الأشْتاتِ" شَتٌّ، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: الوِرْدُ هو الكَوْنُ في الأرْضِ بِالمَوْتِ والدَفْنِ، والصَدْرُ هو القِيامُ لِلْبَعْثِ، و"أشْتاتًا" مَعْناهُ: قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ وقَوْمٌ كافِرُونَ وقَوْمٌ عُصاةٌ مُؤْمِنُونَ، والكُلُّ سائِرٌ إلى العَرْضِ لِيَرى عَمَلَهُ ويَقِفَ عَلَيْهِ، وقالَ النَقّاشُ: الوِرْدُ هو المَحْشَرُ، والصَدْرُ أشْتاتًا هو صَدْرُ قَوْمٍ إلى الجَنَّةِ وقَوْمٍ إلى النارِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: جَزاءَ أعْمالِهِمْ يَراهُ أهْلُ الجَنَّةِ بِالنَعِيمِ وأهْلُ النارِ بِالعَذابِ، وإمّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها﴾، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا﴾. (p-٦٦٩)اعْتِراضًا بَيْنَ أثْناءِ الكَلامِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِيُرَوْا" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ والزُهْرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ: "لِيَرَوْا" بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ مِن عَمِلَ عَمَلًا رَآهُ قَلِيلًا كانَ أو كَثِيرًا، فَخَرَجَتِ العِبارَةُ عن ذَلِكَ بِمِثالِ التَقْلِيلِ، وهَذا هو الَّذِي يُسَمِّيهِ أهْلُ الكَلامِ مَفْهُومُ الخِطابِ، وهو أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ والمَسْكُوتُ عنهُ في حُكْمٍ واحِدٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وهَذا كَثِيرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ: رُؤْيَةُ هَذِهِ الأعْمالِ هي في الآخِرَةِ، وذَلِكَ لازِمٌ مَن لَفْظِ السُورَةِ وسَرْدِها، فَيَرى الخَيْرَ كُلَّهُ مَن كانَ مُؤْمِنًا، والكافِرُ لا يَرى في الآخِرَةِ خَيْرًا، لِأنَّ خَيْرَهُ قَدْ عُجِّلَ لَهُ في الدُنْيا، وكَذَلِكَ المُؤْمِنُ أيْضًا تُعَجُّلُ لَهُ سَيِّئاتُهُ الصِغارُ في دُنْياهُ في المَصائِبِ والأمْراضِ ونَحْوِها فَيَجِيءُ مِن مَجْمُوعِ هَذا أنَّ مَن عَمِلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ رَآهُ، ويَخْرُجُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَرى الكافِرُ خَيْرًا في الآخِرَةِ. ومِنهُ حَدِيثُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، "قالَتْ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ: أرَأيْتَ ما كانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جُدْعانَ مِنَ البِرِّ وصِلَةِ الرَحِمِ وإطْعامِ الطَعامِ، ألَهُ في ذَلِكَ أجْرٌ؟ قالَ: لا، إنَّهُ لَمْ يَقُلْ قَطُّ رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِينِ"»«وَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، يُسَمِّي هَذِهِ الآيَةَ "الجامِعَةَ الفاذَّةَ"،» وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ حِينَ سُئِلَ عَنِ الحُمْرِ... الحَدِيثُ، وأعْطى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ سائِلًا ثَمَرَتَيْنِ (p-٦٧٠)فَقَبَضَ السائِلُ يَدَهُ، فَقالَ لَهُ سَعْدُ: ما هَذا؟ إنَّ اللهَ تَعالى قَبِلَ مِنّا مَثاقِيلَ الذَرِّ، وفَعَلَتْ نَحْوَ هَذا عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها في حَبَّةِ عِنَبٍ وسَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ صَعْصَعَةُ بْنُ عِقالٍ التَمِيمِيُّ عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ، فَقالَ: حَسْبِي، لا أُبالِي أنْ لا أسْمَعَ غَيْرَها، وسَمِعَها رَجُلٌ عِنْدَ الحَسَنِ فَقالَ: انْتَهَتِ المَوْعِظَةُ، فَقالَ الحَسَنُ: فَقِهَ الرَجُلُ. وقَرَأ هُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "يَرَهُ"، بِسُكُونِ الهاءِ في الأُولى والآخِرَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، ونافِعٌ -فِيما رَوى عنهُ ورْشٌ - والحَلْوانِيُّ عن قالُونَ عنهُ في الأُولى "يَرَهُ"، وأمّا الآخِرَةُ فَهو سُكُونُ وقْفٍ، وأمّا مَن أسْكَنَ الأُولى فَهي عَلى لُغَةِ مَن يُخَفِّفُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ........... ∗∗∗ ومُطْوايَ مُشْتاقانِ لَهُ أرِقانِ وهَذِهِ لُغَةٌ لَمْ يَحْكِها سِيبَوَيْهِ لَكِنْ حَكاها الأخْفَشُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ بِضَمِّ الهاءِ فِيها مُشَبَّعَتانِ، وقَرَأ أبانُ عن عاصِمٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وحُمَيْدُ بْنُ الرَبِيعِ عَنِ الكِسائِيُّ: "يَرَهُ" بِضَمِّ الياءِ، وهي رُؤْيَةُ بَصَرِهِ، بِمَعْنى: يَجْعَلُ يُدْرِكُهُ بِبَصَرِهِ، والمَعْنى: (p-٦٧١)يَرى ثَوابَهُ وجَزاءَهُ لِأنَّ الأعْمالَ الماضِيَةَ لا تُرى بِعَيْنٍ أبَدًا، وهَذا الفِعْلُ كُلُّهُ مِن "رَأيْتُ" بِمَعْنى أدْرَكْتُ بِبَصَرِي، فَتَعَدِّيهِ إنَّما هو إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "خَيْرًا يَراهُ" و"شَرًّا يَراهُ"، وقالَ النَقّاشُ: لَيْسَتْ بِرُؤْيَةِ بَصَرٍ؛ وإنَّما المَعْنى: يُصِيبُهُ ويَنالُهُ. ويُرْوى «أنَّ هَذِهِ السُورَةَ نَزَلَتْ وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَأْكُلُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَتَرَكَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ الأكْلَ وبَكى، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يا أبا بَكْرٍ، ما يُبْكِيكَ؟ قالَ: يا رَسُولَ اللهِ: أوَ أُسْألُ عن مَثاقِيلِ الذَرِّ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يا أبا بَكْرٍ، ما رَأيْتُ في الدُنْيا مِمّا تَكْرَهُ، فَمَثاقِيلُ ذَرِّ الشَرِّ، ويَدَّخِرُ اللهُ لَكَ مَثاقِيلَ ذَرِّ الخَيْرِ.» و"الذَرَّةُ" نَمْلَةٌ صَغِيرَةٌ حَمْراءُ رَقِيقَةٌ لا يُرَجَّحُ لَها مِيزانٌ، ويُقالُ: إنَّها تَجْرِي إذا مَضى لَها حَوْلٌ، وقَدْ تُؤُوِّلَ ذَلِكَ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ مِنَ القاصِراتِ الطَرْفِ لَوْ دَبَّ مُحَوِّلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَرا وحَكى النَقّاشُ أنَّهم قالُوا: كانَ بِالمَدِينَةِ رَجُلانِ أحَدُهُما لا يُبالِي عَنِ الصَغائِرِ يَرْتَكِبُها، وكانَ الآخَرُ يُرِيدُ أنْ يَتَصَدَّقَ فَلا يَجِدُ إلّا اليَسِيرَ فَيَسْتَحِي مِنَ الصَدَقَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِما، كَأنَّهُ يُقالُ لِأحَدِهِما: تَصَدَّقْ بِاليَسِيرِ فَإنَّ مِثْقالَ ذَرَّةِ الخَيْرِ تُرى، وقِيلَ لِلْآخَرِ: كُفَّ عَنِ الصَغائِرِ فَإنَّ مَقادِيرَ ذَرِّ الشَرِّ تُرى. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [ الزَلْزَلَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

الزلزلة 99:2

(p-٦٦٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الزَلْزَلَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: هي مَدَنِيَّةٌ لِأنَّ آخِرَها نَزَلَ بِسَبَبِ رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ ﴿وَقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ العامِلُ فِي: "إذا" عَلى قَوْلِ جُمْهُورِ النُحاةِ -وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ القِياسُ- فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَقْتَضِيهِ المَعْنى وتَقْدِيرُهُ: يُحْشَرُونَ إذا، أو تُجازُونَ، ونَحْوُ هَذا، ويَمْتَنِعُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "زُلْزِلَتِ" لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ لا يُفارِقُها، وقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظائِرُها في غَيْرِ سُورَةٍ. "وَزُلْزِلَتِ" مَعْناهُ: حُرِّكَتْ بِعُنْفٍ، ومِنهُ الزِلْزالُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "زِلْزالَها" أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: "زِلْزالًا" دُونَ إضافَةٍ إلَيْها، وذَلِكَ أنَّ المَصْدَرَ غَيْرُ مُضافٍ يَقَعُ عَلى كُلِّ قَدْرٍ مِنَ الزِلْزالِ وإنَّ قُلْ، وإذا أُضِيفَتْ إلَيْها وجَبَ أنْ يَكُونَ عَلى قَدْرِ ما يَسْتَحِقُّهُ ويَسْتَوْحِيهِ جُرْمُها وعِظَمُها، وهَكَذا كَما تَقُولُ: "أكْرَمْتُ زَيْدًا كَرامَةً"، فَذَلِكَ يَقَعُ عَلى كُلِّ كَرامَةٍ وإنْ (p-٦٦٧)قُلْتَ بِحَسَبِ زَيْدٍ"، فَإذا قُلْتَ: "كَرامَتُهُ" أوجَبَتْ أنَّكَ قَدْ وفَّيْتَهُ حَقَّهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زِلْزالَها" بِكَسْرِ الزايِ الأولى، وقَرَأ بِفَتْحِها عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وهو أيْضًا مَصْدَرٌ كالوَسْواسِ ونَحْوِهِ. و"الأثْقالُ": المَوْتى الَّذِينَ في بَطْنِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى البَعْثِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ -مِنهم مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ الزَجّاجُ والنَقّاشُ -: أخْرَجَتْ مَوادَّها وكُنُوزَها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَتِ القِيامَةُ بِمَوْطِنٍ لِإخْراجِ الكُنُوزِ، وإنَّما تَخْرُجُ كُنُوزُها وقْتَ الدَجّالِ. و"قَوْلُ الإنْسانِ: "ما لَها" هو قَوْلٌ عَلى مَعْنى التَعَجُّبِ مِن هَوْلِ ما يَرى، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الإنْسانُ هُنا يُرادُ بِهِ الكافِرُ، وهَذا مُتَمَكِّنٌ لِأنَّهُ يَرى ما لَمْ يَظُنَّ بِهِ قَطُّ ولا صِدْقُهُ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو عامٌّ في المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالكافِرُ عَلى ما قَدَّمْناهُ، والمُؤْمِنُ -وَإنْ كانَ قَدْ آمَنَ بِالبَعْثِ- فَإنَّهُ اسْتَهْوَلَ المَرْأى، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ".» و"إخْبارُ الأرْضِ" قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والثَوْرِيُّ وغَيْرُهُما: هو شَهادَتُها بِما عَمِلَ عَلَيْها مِن عَمَلٍ صالِحٍ وفاسِدٍ، فالتَحْدِيثُ -عَلى هَذا- حَقِيقَةٌ، وكَلامٌ بِإدْراكٍ وحَياةٍ يَخْلُقُها اللهُ تَعالى، وأضافَ تَعالى الأخْبارَ إلَيْها مِن حَيْثُ وعَتْها وحَصَّلَتْها، وانْتَزَعَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ أنَّ قَوْلَ المُحَدِّثِ: "حَدَّثَنا وأخْبَرَنا" سَواءٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ وقَوْمٌ: التَحْدِيثُ في الآيَةِ مَجازٌ، والمَعْنى أنَّ ما تَفْعَلُهُ بِأمْرِ اللهِ تَعالى مِن إخْراجِ أثْقالِها، وتَفَتُّتِ أجْزائِها، وسائِرِ أحْوالِها، هو بِمَنزِلَةِ التَحْدِيثِ بِأنْبائِها وأخْبارِها، ويُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "فَإنَّهُ لا يَسْمَعُ مَدى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا إنْسٌ ولا شَيْءٌ إلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ"» وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "تُنْبِئُ أخْبارَها"، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "تَبَيَّنَ". (p-٦٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها﴾ الباءُ باءُ السَبَبِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، والقُرْطُبِيُّ: المَعْنى: أوحى إلَيْها، وهَذا الوَحْيُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وحْيَ إلْهامٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وحْيًا بِرَسُولٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وقَدْ قالَ الشاعِرُ: ؎ أوحى لَها القَرارُ فاسْتَقَرَّتْ وشَدَّها بِالراسِياتِ الثَبْتِ والوَحْيُ في كَلامِ العَرَبِ: إلْقاءُ المَعْنى إلْقاءً خَفِيًّا. وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "أوحى لَها" مَعْناهُ: أوحى إلى مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ أنْ تَفْعَلَ في الأرْضِ تِلْكَ الأفْعالَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "لَها" بِمَعْنى: مِن أجْلِها، ومِن حَيْثُ الأفْعالُ فِيها فَهي لَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا﴾ بِمَعْنى: يَنْصَرِفُونَ مِن مَوْضِعِ وِرْدِهِمْ مُخْتَلِفِي الأحْوالِ. وواحِدُ "الأشْتاتِ" شَتٌّ، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: الوِرْدُ هو الكَوْنُ في الأرْضِ بِالمَوْتِ والدَفْنِ، والصَدْرُ هو القِيامُ لِلْبَعْثِ، و"أشْتاتًا" مَعْناهُ: قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ وقَوْمٌ كافِرُونَ وقَوْمٌ عُصاةٌ مُؤْمِنُونَ، والكُلُّ سائِرٌ إلى العَرْضِ لِيَرى عَمَلَهُ ويَقِفَ عَلَيْهِ، وقالَ النَقّاشُ: الوِرْدُ هو المَحْشَرُ، والصَدْرُ أشْتاتًا هو صَدْرُ قَوْمٍ إلى الجَنَّةِ وقَوْمٍ إلى النارِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: جَزاءَ أعْمالِهِمْ يَراهُ أهْلُ الجَنَّةِ بِالنَعِيمِ وأهْلُ النارِ بِالعَذابِ، وإمّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها﴾، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا﴾. (p-٦٦٩)اعْتِراضًا بَيْنَ أثْناءِ الكَلامِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِيُرَوْا" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ والزُهْرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ: "لِيَرَوْا" بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ مِن عَمِلَ عَمَلًا رَآهُ قَلِيلًا كانَ أو كَثِيرًا، فَخَرَجَتِ العِبارَةُ عن ذَلِكَ بِمِثالِ التَقْلِيلِ، وهَذا هو الَّذِي يُسَمِّيهِ أهْلُ الكَلامِ مَفْهُومُ الخِطابِ، وهو أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ والمَسْكُوتُ عنهُ في حُكْمٍ واحِدٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وهَذا كَثِيرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ: رُؤْيَةُ هَذِهِ الأعْمالِ هي في الآخِرَةِ، وذَلِكَ لازِمٌ مَن لَفْظِ السُورَةِ وسَرْدِها، فَيَرى الخَيْرَ كُلَّهُ مَن كانَ مُؤْمِنًا، والكافِرُ لا يَرى في الآخِرَةِ خَيْرًا، لِأنَّ خَيْرَهُ قَدْ عُجِّلَ لَهُ في الدُنْيا، وكَذَلِكَ المُؤْمِنُ أيْضًا تُعَجُّلُ لَهُ سَيِّئاتُهُ الصِغارُ في دُنْياهُ في المَصائِبِ والأمْراضِ ونَحْوِها فَيَجِيءُ مِن مَجْمُوعِ هَذا أنَّ مَن عَمِلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ رَآهُ، ويَخْرُجُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَرى الكافِرُ خَيْرًا في الآخِرَةِ. ومِنهُ حَدِيثُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، "قالَتْ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ: أرَأيْتَ ما كانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جُدْعانَ مِنَ البِرِّ وصِلَةِ الرَحِمِ وإطْعامِ الطَعامِ، ألَهُ في ذَلِكَ أجْرٌ؟ قالَ: لا، إنَّهُ لَمْ يَقُلْ قَطُّ رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِينِ"»«وَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، يُسَمِّي هَذِهِ الآيَةَ "الجامِعَةَ الفاذَّةَ"،» وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ حِينَ سُئِلَ عَنِ الحُمْرِ... الحَدِيثُ، وأعْطى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ سائِلًا ثَمَرَتَيْنِ (p-٦٧٠)فَقَبَضَ السائِلُ يَدَهُ، فَقالَ لَهُ سَعْدُ: ما هَذا؟ إنَّ اللهَ تَعالى قَبِلَ مِنّا مَثاقِيلَ الذَرِّ، وفَعَلَتْ نَحْوَ هَذا عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها في حَبَّةِ عِنَبٍ وسَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ صَعْصَعَةُ بْنُ عِقالٍ التَمِيمِيُّ عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ، فَقالَ: حَسْبِي، لا أُبالِي أنْ لا أسْمَعَ غَيْرَها، وسَمِعَها رَجُلٌ عِنْدَ الحَسَنِ فَقالَ: انْتَهَتِ المَوْعِظَةُ، فَقالَ الحَسَنُ: فَقِهَ الرَجُلُ. وقَرَأ هُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "يَرَهُ"، بِسُكُونِ الهاءِ في الأُولى والآخِرَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، ونافِعٌ -فِيما رَوى عنهُ ورْشٌ - والحَلْوانِيُّ عن قالُونَ عنهُ في الأُولى "يَرَهُ"، وأمّا الآخِرَةُ فَهو سُكُونُ وقْفٍ، وأمّا مَن أسْكَنَ الأُولى فَهي عَلى لُغَةِ مَن يُخَفِّفُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ........... ∗∗∗ ومُطْوايَ مُشْتاقانِ لَهُ أرِقانِ وهَذِهِ لُغَةٌ لَمْ يَحْكِها سِيبَوَيْهِ لَكِنْ حَكاها الأخْفَشُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ بِضَمِّ الهاءِ فِيها مُشَبَّعَتانِ، وقَرَأ أبانُ عن عاصِمٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وحُمَيْدُ بْنُ الرَبِيعِ عَنِ الكِسائِيُّ: "يَرَهُ" بِضَمِّ الياءِ، وهي رُؤْيَةُ بَصَرِهِ، بِمَعْنى: يَجْعَلُ يُدْرِكُهُ بِبَصَرِهِ، والمَعْنى: (p-٦٧١)يَرى ثَوابَهُ وجَزاءَهُ لِأنَّ الأعْمالَ الماضِيَةَ لا تُرى بِعَيْنٍ أبَدًا، وهَذا الفِعْلُ كُلُّهُ مِن "رَأيْتُ" بِمَعْنى أدْرَكْتُ بِبَصَرِي، فَتَعَدِّيهِ إنَّما هو إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "خَيْرًا يَراهُ" و"شَرًّا يَراهُ"، وقالَ النَقّاشُ: لَيْسَتْ بِرُؤْيَةِ بَصَرٍ؛ وإنَّما المَعْنى: يُصِيبُهُ ويَنالُهُ. ويُرْوى «أنَّ هَذِهِ السُورَةَ نَزَلَتْ وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَأْكُلُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَتَرَكَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ الأكْلَ وبَكى، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يا أبا بَكْرٍ، ما يُبْكِيكَ؟ قالَ: يا رَسُولَ اللهِ: أوَ أُسْألُ عن مَثاقِيلِ الذَرِّ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يا أبا بَكْرٍ، ما رَأيْتُ في الدُنْيا مِمّا تَكْرَهُ، فَمَثاقِيلُ ذَرِّ الشَرِّ، ويَدَّخِرُ اللهُ لَكَ مَثاقِيلَ ذَرِّ الخَيْرِ.» و"الذَرَّةُ" نَمْلَةٌ صَغِيرَةٌ حَمْراءُ رَقِيقَةٌ لا يُرَجَّحُ لَها مِيزانٌ، ويُقالُ: إنَّها تَجْرِي إذا مَضى لَها حَوْلٌ، وقَدْ تُؤُوِّلَ ذَلِكَ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ مِنَ القاصِراتِ الطَرْفِ لَوْ دَبَّ مُحَوِّلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَرا وحَكى النَقّاشُ أنَّهم قالُوا: كانَ بِالمَدِينَةِ رَجُلانِ أحَدُهُما لا يُبالِي عَنِ الصَغائِرِ يَرْتَكِبُها، وكانَ الآخَرُ يُرِيدُ أنْ يَتَصَدَّقَ فَلا يَجِدُ إلّا اليَسِيرَ فَيَسْتَحِي مِنَ الصَدَقَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِما، كَأنَّهُ يُقالُ لِأحَدِهِما: تَصَدَّقْ بِاليَسِيرِ فَإنَّ مِثْقالَ ذَرَّةِ الخَيْرِ تُرى، وقِيلَ لِلْآخَرِ: كُفَّ عَنِ الصَغائِرِ فَإنَّ مَقادِيرَ ذَرِّ الشَرِّ تُرى. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [ الزَلْزَلَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

الزلزلة 99:3

(p-٦٦٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الزَلْزَلَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: هي مَدَنِيَّةٌ لِأنَّ آخِرَها نَزَلَ بِسَبَبِ رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ ﴿وَقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ العامِلُ فِي: "إذا" عَلى قَوْلِ جُمْهُورِ النُحاةِ -وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ القِياسُ- فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَقْتَضِيهِ المَعْنى وتَقْدِيرُهُ: يُحْشَرُونَ إذا، أو تُجازُونَ، ونَحْوُ هَذا، ويَمْتَنِعُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "زُلْزِلَتِ" لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ لا يُفارِقُها، وقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظائِرُها في غَيْرِ سُورَةٍ. "وَزُلْزِلَتِ" مَعْناهُ: حُرِّكَتْ بِعُنْفٍ، ومِنهُ الزِلْزالُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "زِلْزالَها" أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: "زِلْزالًا" دُونَ إضافَةٍ إلَيْها، وذَلِكَ أنَّ المَصْدَرَ غَيْرُ مُضافٍ يَقَعُ عَلى كُلِّ قَدْرٍ مِنَ الزِلْزالِ وإنَّ قُلْ، وإذا أُضِيفَتْ إلَيْها وجَبَ أنْ يَكُونَ عَلى قَدْرِ ما يَسْتَحِقُّهُ ويَسْتَوْحِيهِ جُرْمُها وعِظَمُها، وهَكَذا كَما تَقُولُ: "أكْرَمْتُ زَيْدًا كَرامَةً"، فَذَلِكَ يَقَعُ عَلى كُلِّ كَرامَةٍ وإنْ (p-٦٦٧)قُلْتَ بِحَسَبِ زَيْدٍ"، فَإذا قُلْتَ: "كَرامَتُهُ" أوجَبَتْ أنَّكَ قَدْ وفَّيْتَهُ حَقَّهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زِلْزالَها" بِكَسْرِ الزايِ الأولى، وقَرَأ بِفَتْحِها عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وهو أيْضًا مَصْدَرٌ كالوَسْواسِ ونَحْوِهِ. و"الأثْقالُ": المَوْتى الَّذِينَ في بَطْنِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى البَعْثِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ -مِنهم مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ الزَجّاجُ والنَقّاشُ -: أخْرَجَتْ مَوادَّها وكُنُوزَها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَتِ القِيامَةُ بِمَوْطِنٍ لِإخْراجِ الكُنُوزِ، وإنَّما تَخْرُجُ كُنُوزُها وقْتَ الدَجّالِ. و"قَوْلُ الإنْسانِ: "ما لَها" هو قَوْلٌ عَلى مَعْنى التَعَجُّبِ مِن هَوْلِ ما يَرى، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الإنْسانُ هُنا يُرادُ بِهِ الكافِرُ، وهَذا مُتَمَكِّنٌ لِأنَّهُ يَرى ما لَمْ يَظُنَّ بِهِ قَطُّ ولا صِدْقُهُ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو عامٌّ في المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالكافِرُ عَلى ما قَدَّمْناهُ، والمُؤْمِنُ -وَإنْ كانَ قَدْ آمَنَ بِالبَعْثِ- فَإنَّهُ اسْتَهْوَلَ المَرْأى، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ".» و"إخْبارُ الأرْضِ" قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والثَوْرِيُّ وغَيْرُهُما: هو شَهادَتُها بِما عَمِلَ عَلَيْها مِن عَمَلٍ صالِحٍ وفاسِدٍ، فالتَحْدِيثُ -عَلى هَذا- حَقِيقَةٌ، وكَلامٌ بِإدْراكٍ وحَياةٍ يَخْلُقُها اللهُ تَعالى، وأضافَ تَعالى الأخْبارَ إلَيْها مِن حَيْثُ وعَتْها وحَصَّلَتْها، وانْتَزَعَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ أنَّ قَوْلَ المُحَدِّثِ: "حَدَّثَنا وأخْبَرَنا" سَواءٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ وقَوْمٌ: التَحْدِيثُ في الآيَةِ مَجازٌ، والمَعْنى أنَّ ما تَفْعَلُهُ بِأمْرِ اللهِ تَعالى مِن إخْراجِ أثْقالِها، وتَفَتُّتِ أجْزائِها، وسائِرِ أحْوالِها، هو بِمَنزِلَةِ التَحْدِيثِ بِأنْبائِها وأخْبارِها، ويُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "فَإنَّهُ لا يَسْمَعُ مَدى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا إنْسٌ ولا شَيْءٌ إلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ"» وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "تُنْبِئُ أخْبارَها"، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "تَبَيَّنَ". (p-٦٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها﴾ الباءُ باءُ السَبَبِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، والقُرْطُبِيُّ: المَعْنى: أوحى إلَيْها، وهَذا الوَحْيُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وحْيَ إلْهامٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وحْيًا بِرَسُولٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وقَدْ قالَ الشاعِرُ: ؎ أوحى لَها القَرارُ فاسْتَقَرَّتْ وشَدَّها بِالراسِياتِ الثَبْتِ والوَحْيُ في كَلامِ العَرَبِ: إلْقاءُ المَعْنى إلْقاءً خَفِيًّا. وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "أوحى لَها" مَعْناهُ: أوحى إلى مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ أنْ تَفْعَلَ في الأرْضِ تِلْكَ الأفْعالَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "لَها" بِمَعْنى: مِن أجْلِها، ومِن حَيْثُ الأفْعالُ فِيها فَهي لَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا﴾ بِمَعْنى: يَنْصَرِفُونَ مِن مَوْضِعِ وِرْدِهِمْ مُخْتَلِفِي الأحْوالِ. وواحِدُ "الأشْتاتِ" شَتٌّ، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: الوِرْدُ هو الكَوْنُ في الأرْضِ بِالمَوْتِ والدَفْنِ، والصَدْرُ هو القِيامُ لِلْبَعْثِ، و"أشْتاتًا" مَعْناهُ: قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ وقَوْمٌ كافِرُونَ وقَوْمٌ عُصاةٌ مُؤْمِنُونَ، والكُلُّ سائِرٌ إلى العَرْضِ لِيَرى عَمَلَهُ ويَقِفَ عَلَيْهِ، وقالَ النَقّاشُ: الوِرْدُ هو المَحْشَرُ، والصَدْرُ أشْتاتًا هو صَدْرُ قَوْمٍ إلى الجَنَّةِ وقَوْمٍ إلى النارِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: جَزاءَ أعْمالِهِمْ يَراهُ أهْلُ الجَنَّةِ بِالنَعِيمِ وأهْلُ النارِ بِالعَذابِ، وإمّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها﴾، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا﴾. (p-٦٦٩)اعْتِراضًا بَيْنَ أثْناءِ الكَلامِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِيُرَوْا" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ والزُهْرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ: "لِيَرَوْا" بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ مِن عَمِلَ عَمَلًا رَآهُ قَلِيلًا كانَ أو كَثِيرًا، فَخَرَجَتِ العِبارَةُ عن ذَلِكَ بِمِثالِ التَقْلِيلِ، وهَذا هو الَّذِي يُسَمِّيهِ أهْلُ الكَلامِ مَفْهُومُ الخِطابِ، وهو أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ والمَسْكُوتُ عنهُ في حُكْمٍ واحِدٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وهَذا كَثِيرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ: رُؤْيَةُ هَذِهِ الأعْمالِ هي في الآخِرَةِ، وذَلِكَ لازِمٌ مَن لَفْظِ السُورَةِ وسَرْدِها، فَيَرى الخَيْرَ كُلَّهُ مَن كانَ مُؤْمِنًا، والكافِرُ لا يَرى في الآخِرَةِ خَيْرًا، لِأنَّ خَيْرَهُ قَدْ عُجِّلَ لَهُ في الدُنْيا، وكَذَلِكَ المُؤْمِنُ أيْضًا تُعَجُّلُ لَهُ سَيِّئاتُهُ الصِغارُ في دُنْياهُ في المَصائِبِ والأمْراضِ ونَحْوِها فَيَجِيءُ مِن مَجْمُوعِ هَذا أنَّ مَن عَمِلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ رَآهُ، ويَخْرُجُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَرى الكافِرُ خَيْرًا في الآخِرَةِ. ومِنهُ حَدِيثُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، "قالَتْ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ: أرَأيْتَ ما كانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جُدْعانَ مِنَ البِرِّ وصِلَةِ الرَحِمِ وإطْعامِ الطَعامِ، ألَهُ في ذَلِكَ أجْرٌ؟ قالَ: لا، إنَّهُ لَمْ يَقُلْ قَطُّ رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِينِ"»«وَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، يُسَمِّي هَذِهِ الآيَةَ "الجامِعَةَ الفاذَّةَ"،» وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ حِينَ سُئِلَ عَنِ الحُمْرِ... الحَدِيثُ، وأعْطى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ سائِلًا ثَمَرَتَيْنِ (p-٦٧٠)فَقَبَضَ السائِلُ يَدَهُ، فَقالَ لَهُ سَعْدُ: ما هَذا؟ إنَّ اللهَ تَعالى قَبِلَ مِنّا مَثاقِيلَ الذَرِّ، وفَعَلَتْ نَحْوَ هَذا عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها في حَبَّةِ عِنَبٍ وسَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ صَعْصَعَةُ بْنُ عِقالٍ التَمِيمِيُّ عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ، فَقالَ: حَسْبِي، لا أُبالِي أنْ لا أسْمَعَ غَيْرَها، وسَمِعَها رَجُلٌ عِنْدَ الحَسَنِ فَقالَ: انْتَهَتِ المَوْعِظَةُ، فَقالَ الحَسَنُ: فَقِهَ الرَجُلُ. وقَرَأ هُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "يَرَهُ"، بِسُكُونِ الهاءِ في الأُولى والآخِرَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، ونافِعٌ -فِيما رَوى عنهُ ورْشٌ - والحَلْوانِيُّ عن قالُونَ عنهُ في الأُولى "يَرَهُ"، وأمّا الآخِرَةُ فَهو سُكُونُ وقْفٍ، وأمّا مَن أسْكَنَ الأُولى فَهي عَلى لُغَةِ مَن يُخَفِّفُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ........... ∗∗∗ ومُطْوايَ مُشْتاقانِ لَهُ أرِقانِ وهَذِهِ لُغَةٌ لَمْ يَحْكِها سِيبَوَيْهِ لَكِنْ حَكاها الأخْفَشُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ بِضَمِّ الهاءِ فِيها مُشَبَّعَتانِ، وقَرَأ أبانُ عن عاصِمٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وحُمَيْدُ بْنُ الرَبِيعِ عَنِ الكِسائِيُّ: "يَرَهُ" بِضَمِّ الياءِ، وهي رُؤْيَةُ بَصَرِهِ، بِمَعْنى: يَجْعَلُ يُدْرِكُهُ بِبَصَرِهِ، والمَعْنى: (p-٦٧١)يَرى ثَوابَهُ وجَزاءَهُ لِأنَّ الأعْمالَ الماضِيَةَ لا تُرى بِعَيْنٍ أبَدًا، وهَذا الفِعْلُ كُلُّهُ مِن "رَأيْتُ" بِمَعْنى أدْرَكْتُ بِبَصَرِي، فَتَعَدِّيهِ إنَّما هو إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "خَيْرًا يَراهُ" و"شَرًّا يَراهُ"، وقالَ النَقّاشُ: لَيْسَتْ بِرُؤْيَةِ بَصَرٍ؛ وإنَّما المَعْنى: يُصِيبُهُ ويَنالُهُ. ويُرْوى «أنَّ هَذِهِ السُورَةَ نَزَلَتْ وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَأْكُلُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَتَرَكَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ الأكْلَ وبَكى، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يا أبا بَكْرٍ، ما يُبْكِيكَ؟ قالَ: يا رَسُولَ اللهِ: أوَ أُسْألُ عن مَثاقِيلِ الذَرِّ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يا أبا بَكْرٍ، ما رَأيْتُ في الدُنْيا مِمّا تَكْرَهُ، فَمَثاقِيلُ ذَرِّ الشَرِّ، ويَدَّخِرُ اللهُ لَكَ مَثاقِيلَ ذَرِّ الخَيْرِ.» و"الذَرَّةُ" نَمْلَةٌ صَغِيرَةٌ حَمْراءُ رَقِيقَةٌ لا يُرَجَّحُ لَها مِيزانٌ، ويُقالُ: إنَّها تَجْرِي إذا مَضى لَها حَوْلٌ، وقَدْ تُؤُوِّلَ ذَلِكَ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ مِنَ القاصِراتِ الطَرْفِ لَوْ دَبَّ مُحَوِّلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَرا وحَكى النَقّاشُ أنَّهم قالُوا: كانَ بِالمَدِينَةِ رَجُلانِ أحَدُهُما لا يُبالِي عَنِ الصَغائِرِ يَرْتَكِبُها، وكانَ الآخَرُ يُرِيدُ أنْ يَتَصَدَّقَ فَلا يَجِدُ إلّا اليَسِيرَ فَيَسْتَحِي مِنَ الصَدَقَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِما، كَأنَّهُ يُقالُ لِأحَدِهِما: تَصَدَّقْ بِاليَسِيرِ فَإنَّ مِثْقالَ ذَرَّةِ الخَيْرِ تُرى، وقِيلَ لِلْآخَرِ: كُفَّ عَنِ الصَغائِرِ فَإنَّ مَقادِيرَ ذَرِّ الشَرِّ تُرى. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [ الزَلْزَلَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

الزلزلة 99:4

(p-٦٦٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الزَلْزَلَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: هي مَدَنِيَّةٌ لِأنَّ آخِرَها نَزَلَ بِسَبَبِ رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ ﴿وَقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ العامِلُ فِي: "إذا" عَلى قَوْلِ جُمْهُورِ النُحاةِ -وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ القِياسُ- فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَقْتَضِيهِ المَعْنى وتَقْدِيرُهُ: يُحْشَرُونَ إذا، أو تُجازُونَ، ونَحْوُ هَذا، ويَمْتَنِعُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "زُلْزِلَتِ" لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ لا يُفارِقُها، وقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظائِرُها في غَيْرِ سُورَةٍ. "وَزُلْزِلَتِ" مَعْناهُ: حُرِّكَتْ بِعُنْفٍ، ومِنهُ الزِلْزالُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "زِلْزالَها" أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: "زِلْزالًا" دُونَ إضافَةٍ إلَيْها، وذَلِكَ أنَّ المَصْدَرَ غَيْرُ مُضافٍ يَقَعُ عَلى كُلِّ قَدْرٍ مِنَ الزِلْزالِ وإنَّ قُلْ، وإذا أُضِيفَتْ إلَيْها وجَبَ أنْ يَكُونَ عَلى قَدْرِ ما يَسْتَحِقُّهُ ويَسْتَوْحِيهِ جُرْمُها وعِظَمُها، وهَكَذا كَما تَقُولُ: "أكْرَمْتُ زَيْدًا كَرامَةً"، فَذَلِكَ يَقَعُ عَلى كُلِّ كَرامَةٍ وإنْ (p-٦٦٧)قُلْتَ بِحَسَبِ زَيْدٍ"، فَإذا قُلْتَ: "كَرامَتُهُ" أوجَبَتْ أنَّكَ قَدْ وفَّيْتَهُ حَقَّهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زِلْزالَها" بِكَسْرِ الزايِ الأولى، وقَرَأ بِفَتْحِها عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وهو أيْضًا مَصْدَرٌ كالوَسْواسِ ونَحْوِهِ. و"الأثْقالُ": المَوْتى الَّذِينَ في بَطْنِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى البَعْثِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ -مِنهم مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ الزَجّاجُ والنَقّاشُ -: أخْرَجَتْ مَوادَّها وكُنُوزَها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَتِ القِيامَةُ بِمَوْطِنٍ لِإخْراجِ الكُنُوزِ، وإنَّما تَخْرُجُ كُنُوزُها وقْتَ الدَجّالِ. و"قَوْلُ الإنْسانِ: "ما لَها" هو قَوْلٌ عَلى مَعْنى التَعَجُّبِ مِن هَوْلِ ما يَرى، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الإنْسانُ هُنا يُرادُ بِهِ الكافِرُ، وهَذا مُتَمَكِّنٌ لِأنَّهُ يَرى ما لَمْ يَظُنَّ بِهِ قَطُّ ولا صِدْقُهُ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو عامٌّ في المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالكافِرُ عَلى ما قَدَّمْناهُ، والمُؤْمِنُ -وَإنْ كانَ قَدْ آمَنَ بِالبَعْثِ- فَإنَّهُ اسْتَهْوَلَ المَرْأى، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ".» و"إخْبارُ الأرْضِ" قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والثَوْرِيُّ وغَيْرُهُما: هو شَهادَتُها بِما عَمِلَ عَلَيْها مِن عَمَلٍ صالِحٍ وفاسِدٍ، فالتَحْدِيثُ -عَلى هَذا- حَقِيقَةٌ، وكَلامٌ بِإدْراكٍ وحَياةٍ يَخْلُقُها اللهُ تَعالى، وأضافَ تَعالى الأخْبارَ إلَيْها مِن حَيْثُ وعَتْها وحَصَّلَتْها، وانْتَزَعَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ أنَّ قَوْلَ المُحَدِّثِ: "حَدَّثَنا وأخْبَرَنا" سَواءٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ وقَوْمٌ: التَحْدِيثُ في الآيَةِ مَجازٌ، والمَعْنى أنَّ ما تَفْعَلُهُ بِأمْرِ اللهِ تَعالى مِن إخْراجِ أثْقالِها، وتَفَتُّتِ أجْزائِها، وسائِرِ أحْوالِها، هو بِمَنزِلَةِ التَحْدِيثِ بِأنْبائِها وأخْبارِها، ويُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "فَإنَّهُ لا يَسْمَعُ مَدى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا إنْسٌ ولا شَيْءٌ إلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ"» وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "تُنْبِئُ أخْبارَها"، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "تَبَيَّنَ". (p-٦٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها﴾ الباءُ باءُ السَبَبِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، والقُرْطُبِيُّ: المَعْنى: أوحى إلَيْها، وهَذا الوَحْيُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وحْيَ إلْهامٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وحْيًا بِرَسُولٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وقَدْ قالَ الشاعِرُ: ؎ أوحى لَها القَرارُ فاسْتَقَرَّتْ وشَدَّها بِالراسِياتِ الثَبْتِ والوَحْيُ في كَلامِ العَرَبِ: إلْقاءُ المَعْنى إلْقاءً خَفِيًّا. وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "أوحى لَها" مَعْناهُ: أوحى إلى مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ أنْ تَفْعَلَ في الأرْضِ تِلْكَ الأفْعالَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "لَها" بِمَعْنى: مِن أجْلِها، ومِن حَيْثُ الأفْعالُ فِيها فَهي لَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا﴾ بِمَعْنى: يَنْصَرِفُونَ مِن مَوْضِعِ وِرْدِهِمْ مُخْتَلِفِي الأحْوالِ. وواحِدُ "الأشْتاتِ" شَتٌّ، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: الوِرْدُ هو الكَوْنُ في الأرْضِ بِالمَوْتِ والدَفْنِ، والصَدْرُ هو القِيامُ لِلْبَعْثِ، و"أشْتاتًا" مَعْناهُ: قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ وقَوْمٌ كافِرُونَ وقَوْمٌ عُصاةٌ مُؤْمِنُونَ، والكُلُّ سائِرٌ إلى العَرْضِ لِيَرى عَمَلَهُ ويَقِفَ عَلَيْهِ، وقالَ النَقّاشُ: الوِرْدُ هو المَحْشَرُ، والصَدْرُ أشْتاتًا هو صَدْرُ قَوْمٍ إلى الجَنَّةِ وقَوْمٍ إلى النارِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: جَزاءَ أعْمالِهِمْ يَراهُ أهْلُ الجَنَّةِ بِالنَعِيمِ وأهْلُ النارِ بِالعَذابِ، وإمّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها﴾، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا﴾. (p-٦٦٩)اعْتِراضًا بَيْنَ أثْناءِ الكَلامِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِيُرَوْا" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ والزُهْرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ: "لِيَرَوْا" بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ مِن عَمِلَ عَمَلًا رَآهُ قَلِيلًا كانَ أو كَثِيرًا، فَخَرَجَتِ العِبارَةُ عن ذَلِكَ بِمِثالِ التَقْلِيلِ، وهَذا هو الَّذِي يُسَمِّيهِ أهْلُ الكَلامِ مَفْهُومُ الخِطابِ، وهو أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ والمَسْكُوتُ عنهُ في حُكْمٍ واحِدٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وهَذا كَثِيرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ: رُؤْيَةُ هَذِهِ الأعْمالِ هي في الآخِرَةِ، وذَلِكَ لازِمٌ مَن لَفْظِ السُورَةِ وسَرْدِها، فَيَرى الخَيْرَ كُلَّهُ مَن كانَ مُؤْمِنًا، والكافِرُ لا يَرى في الآخِرَةِ خَيْرًا، لِأنَّ خَيْرَهُ قَدْ عُجِّلَ لَهُ في الدُنْيا، وكَذَلِكَ المُؤْمِنُ أيْضًا تُعَجُّلُ لَهُ سَيِّئاتُهُ الصِغارُ في دُنْياهُ في المَصائِبِ والأمْراضِ ونَحْوِها فَيَجِيءُ مِن مَجْمُوعِ هَذا أنَّ مَن عَمِلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ رَآهُ، ويَخْرُجُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَرى الكافِرُ خَيْرًا في الآخِرَةِ. ومِنهُ حَدِيثُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، "قالَتْ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ: أرَأيْتَ ما كانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جُدْعانَ مِنَ البِرِّ وصِلَةِ الرَحِمِ وإطْعامِ الطَعامِ، ألَهُ في ذَلِكَ أجْرٌ؟ قالَ: لا، إنَّهُ لَمْ يَقُلْ قَطُّ رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِينِ"»«وَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، يُسَمِّي هَذِهِ الآيَةَ "الجامِعَةَ الفاذَّةَ"،» وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ حِينَ سُئِلَ عَنِ الحُمْرِ... الحَدِيثُ، وأعْطى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ سائِلًا ثَمَرَتَيْنِ (p-٦٧٠)فَقَبَضَ السائِلُ يَدَهُ، فَقالَ لَهُ سَعْدُ: ما هَذا؟ إنَّ اللهَ تَعالى قَبِلَ مِنّا مَثاقِيلَ الذَرِّ، وفَعَلَتْ نَحْوَ هَذا عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها في حَبَّةِ عِنَبٍ وسَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ صَعْصَعَةُ بْنُ عِقالٍ التَمِيمِيُّ عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ، فَقالَ: حَسْبِي، لا أُبالِي أنْ لا أسْمَعَ غَيْرَها، وسَمِعَها رَجُلٌ عِنْدَ الحَسَنِ فَقالَ: انْتَهَتِ المَوْعِظَةُ، فَقالَ الحَسَنُ: فَقِهَ الرَجُلُ. وقَرَأ هُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "يَرَهُ"، بِسُكُونِ الهاءِ في الأُولى والآخِرَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، ونافِعٌ -فِيما رَوى عنهُ ورْشٌ - والحَلْوانِيُّ عن قالُونَ عنهُ في الأُولى "يَرَهُ"، وأمّا الآخِرَةُ فَهو سُكُونُ وقْفٍ، وأمّا مَن أسْكَنَ الأُولى فَهي عَلى لُغَةِ مَن يُخَفِّفُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ........... ∗∗∗ ومُطْوايَ مُشْتاقانِ لَهُ أرِقانِ وهَذِهِ لُغَةٌ لَمْ يَحْكِها سِيبَوَيْهِ لَكِنْ حَكاها الأخْفَشُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ بِضَمِّ الهاءِ فِيها مُشَبَّعَتانِ، وقَرَأ أبانُ عن عاصِمٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وحُمَيْدُ بْنُ الرَبِيعِ عَنِ الكِسائِيُّ: "يَرَهُ" بِضَمِّ الياءِ، وهي رُؤْيَةُ بَصَرِهِ، بِمَعْنى: يَجْعَلُ يُدْرِكُهُ بِبَصَرِهِ، والمَعْنى: (p-٦٧١)يَرى ثَوابَهُ وجَزاءَهُ لِأنَّ الأعْمالَ الماضِيَةَ لا تُرى بِعَيْنٍ أبَدًا، وهَذا الفِعْلُ كُلُّهُ مِن "رَأيْتُ" بِمَعْنى أدْرَكْتُ بِبَصَرِي، فَتَعَدِّيهِ إنَّما هو إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "خَيْرًا يَراهُ" و"شَرًّا يَراهُ"، وقالَ النَقّاشُ: لَيْسَتْ بِرُؤْيَةِ بَصَرٍ؛ وإنَّما المَعْنى: يُصِيبُهُ ويَنالُهُ. ويُرْوى «أنَّ هَذِهِ السُورَةَ نَزَلَتْ وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَأْكُلُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَتَرَكَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ الأكْلَ وبَكى، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يا أبا بَكْرٍ، ما يُبْكِيكَ؟ قالَ: يا رَسُولَ اللهِ: أوَ أُسْألُ عن مَثاقِيلِ الذَرِّ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يا أبا بَكْرٍ، ما رَأيْتُ في الدُنْيا مِمّا تَكْرَهُ، فَمَثاقِيلُ ذَرِّ الشَرِّ، ويَدَّخِرُ اللهُ لَكَ مَثاقِيلَ ذَرِّ الخَيْرِ.» و"الذَرَّةُ" نَمْلَةٌ صَغِيرَةٌ حَمْراءُ رَقِيقَةٌ لا يُرَجَّحُ لَها مِيزانٌ، ويُقالُ: إنَّها تَجْرِي إذا مَضى لَها حَوْلٌ، وقَدْ تُؤُوِّلَ ذَلِكَ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ مِنَ القاصِراتِ الطَرْفِ لَوْ دَبَّ مُحَوِّلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَرا وحَكى النَقّاشُ أنَّهم قالُوا: كانَ بِالمَدِينَةِ رَجُلانِ أحَدُهُما لا يُبالِي عَنِ الصَغائِرِ يَرْتَكِبُها، وكانَ الآخَرُ يُرِيدُ أنْ يَتَصَدَّقَ فَلا يَجِدُ إلّا اليَسِيرَ فَيَسْتَحِي مِنَ الصَدَقَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِما، كَأنَّهُ يُقالُ لِأحَدِهِما: تَصَدَّقْ بِاليَسِيرِ فَإنَّ مِثْقالَ ذَرَّةِ الخَيْرِ تُرى، وقِيلَ لِلْآخَرِ: كُفَّ عَنِ الصَغائِرِ فَإنَّ مَقادِيرَ ذَرِّ الشَرِّ تُرى. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [ الزَلْزَلَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

الزلزلة 99:5

(p-٦٦٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الزَلْزَلَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: هي مَدَنِيَّةٌ لِأنَّ آخِرَها نَزَلَ بِسَبَبِ رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ ﴿وَقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ العامِلُ فِي: "إذا" عَلى قَوْلِ جُمْهُورِ النُحاةِ -وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ القِياسُ- فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَقْتَضِيهِ المَعْنى وتَقْدِيرُهُ: يُحْشَرُونَ إذا، أو تُجازُونَ، ونَحْوُ هَذا، ويَمْتَنِعُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "زُلْزِلَتِ" لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ لا يُفارِقُها، وقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظائِرُها في غَيْرِ سُورَةٍ. "وَزُلْزِلَتِ" مَعْناهُ: حُرِّكَتْ بِعُنْفٍ، ومِنهُ الزِلْزالُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "زِلْزالَها" أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: "زِلْزالًا" دُونَ إضافَةٍ إلَيْها، وذَلِكَ أنَّ المَصْدَرَ غَيْرُ مُضافٍ يَقَعُ عَلى كُلِّ قَدْرٍ مِنَ الزِلْزالِ وإنَّ قُلْ، وإذا أُضِيفَتْ إلَيْها وجَبَ أنْ يَكُونَ عَلى قَدْرِ ما يَسْتَحِقُّهُ ويَسْتَوْحِيهِ جُرْمُها وعِظَمُها، وهَكَذا كَما تَقُولُ: "أكْرَمْتُ زَيْدًا كَرامَةً"، فَذَلِكَ يَقَعُ عَلى كُلِّ كَرامَةٍ وإنْ (p-٦٦٧)قُلْتَ بِحَسَبِ زَيْدٍ"، فَإذا قُلْتَ: "كَرامَتُهُ" أوجَبَتْ أنَّكَ قَدْ وفَّيْتَهُ حَقَّهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زِلْزالَها" بِكَسْرِ الزايِ الأولى، وقَرَأ بِفَتْحِها عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وهو أيْضًا مَصْدَرٌ كالوَسْواسِ ونَحْوِهِ. و"الأثْقالُ": المَوْتى الَّذِينَ في بَطْنِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى البَعْثِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ -مِنهم مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ الزَجّاجُ والنَقّاشُ -: أخْرَجَتْ مَوادَّها وكُنُوزَها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَتِ القِيامَةُ بِمَوْطِنٍ لِإخْراجِ الكُنُوزِ، وإنَّما تَخْرُجُ كُنُوزُها وقْتَ الدَجّالِ. و"قَوْلُ الإنْسانِ: "ما لَها" هو قَوْلٌ عَلى مَعْنى التَعَجُّبِ مِن هَوْلِ ما يَرى، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الإنْسانُ هُنا يُرادُ بِهِ الكافِرُ، وهَذا مُتَمَكِّنٌ لِأنَّهُ يَرى ما لَمْ يَظُنَّ بِهِ قَطُّ ولا صِدْقُهُ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو عامٌّ في المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالكافِرُ عَلى ما قَدَّمْناهُ، والمُؤْمِنُ -وَإنْ كانَ قَدْ آمَنَ بِالبَعْثِ- فَإنَّهُ اسْتَهْوَلَ المَرْأى، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ".» و"إخْبارُ الأرْضِ" قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والثَوْرِيُّ وغَيْرُهُما: هو شَهادَتُها بِما عَمِلَ عَلَيْها مِن عَمَلٍ صالِحٍ وفاسِدٍ، فالتَحْدِيثُ -عَلى هَذا- حَقِيقَةٌ، وكَلامٌ بِإدْراكٍ وحَياةٍ يَخْلُقُها اللهُ تَعالى، وأضافَ تَعالى الأخْبارَ إلَيْها مِن حَيْثُ وعَتْها وحَصَّلَتْها، وانْتَزَعَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ أنَّ قَوْلَ المُحَدِّثِ: "حَدَّثَنا وأخْبَرَنا" سَواءٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ وقَوْمٌ: التَحْدِيثُ في الآيَةِ مَجازٌ، والمَعْنى أنَّ ما تَفْعَلُهُ بِأمْرِ اللهِ تَعالى مِن إخْراجِ أثْقالِها، وتَفَتُّتِ أجْزائِها، وسائِرِ أحْوالِها، هو بِمَنزِلَةِ التَحْدِيثِ بِأنْبائِها وأخْبارِها، ويُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "فَإنَّهُ لا يَسْمَعُ مَدى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا إنْسٌ ولا شَيْءٌ إلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ"» وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "تُنْبِئُ أخْبارَها"، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "تَبَيَّنَ". (p-٦٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها﴾ الباءُ باءُ السَبَبِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، والقُرْطُبِيُّ: المَعْنى: أوحى إلَيْها، وهَذا الوَحْيُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وحْيَ إلْهامٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وحْيًا بِرَسُولٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وقَدْ قالَ الشاعِرُ: ؎ أوحى لَها القَرارُ فاسْتَقَرَّتْ وشَدَّها بِالراسِياتِ الثَبْتِ والوَحْيُ في كَلامِ العَرَبِ: إلْقاءُ المَعْنى إلْقاءً خَفِيًّا. وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "أوحى لَها" مَعْناهُ: أوحى إلى مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ أنْ تَفْعَلَ في الأرْضِ تِلْكَ الأفْعالَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "لَها" بِمَعْنى: مِن أجْلِها، ومِن حَيْثُ الأفْعالُ فِيها فَهي لَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا﴾ بِمَعْنى: يَنْصَرِفُونَ مِن مَوْضِعِ وِرْدِهِمْ مُخْتَلِفِي الأحْوالِ. وواحِدُ "الأشْتاتِ" شَتٌّ، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: الوِرْدُ هو الكَوْنُ في الأرْضِ بِالمَوْتِ والدَفْنِ، والصَدْرُ هو القِيامُ لِلْبَعْثِ، و"أشْتاتًا" مَعْناهُ: قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ وقَوْمٌ كافِرُونَ وقَوْمٌ عُصاةٌ مُؤْمِنُونَ، والكُلُّ سائِرٌ إلى العَرْضِ لِيَرى عَمَلَهُ ويَقِفَ عَلَيْهِ، وقالَ النَقّاشُ: الوِرْدُ هو المَحْشَرُ، والصَدْرُ أشْتاتًا هو صَدْرُ قَوْمٍ إلى الجَنَّةِ وقَوْمٍ إلى النارِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: جَزاءَ أعْمالِهِمْ يَراهُ أهْلُ الجَنَّةِ بِالنَعِيمِ وأهْلُ النارِ بِالعَذابِ، وإمّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها﴾، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا﴾. (p-٦٦٩)اعْتِراضًا بَيْنَ أثْناءِ الكَلامِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِيُرَوْا" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ والزُهْرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ: "لِيَرَوْا" بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ مِن عَمِلَ عَمَلًا رَآهُ قَلِيلًا كانَ أو كَثِيرًا، فَخَرَجَتِ العِبارَةُ عن ذَلِكَ بِمِثالِ التَقْلِيلِ، وهَذا هو الَّذِي يُسَمِّيهِ أهْلُ الكَلامِ مَفْهُومُ الخِطابِ، وهو أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ والمَسْكُوتُ عنهُ في حُكْمٍ واحِدٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وهَذا كَثِيرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ: رُؤْيَةُ هَذِهِ الأعْمالِ هي في الآخِرَةِ، وذَلِكَ لازِمٌ مَن لَفْظِ السُورَةِ وسَرْدِها، فَيَرى الخَيْرَ كُلَّهُ مَن كانَ مُؤْمِنًا، والكافِرُ لا يَرى في الآخِرَةِ خَيْرًا، لِأنَّ خَيْرَهُ قَدْ عُجِّلَ لَهُ في الدُنْيا، وكَذَلِكَ المُؤْمِنُ أيْضًا تُعَجُّلُ لَهُ سَيِّئاتُهُ الصِغارُ في دُنْياهُ في المَصائِبِ والأمْراضِ ونَحْوِها فَيَجِيءُ مِن مَجْمُوعِ هَذا أنَّ مَن عَمِلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ رَآهُ، ويَخْرُجُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَرى الكافِرُ خَيْرًا في الآخِرَةِ. ومِنهُ حَدِيثُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، "قالَتْ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ: أرَأيْتَ ما كانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جُدْعانَ مِنَ البِرِّ وصِلَةِ الرَحِمِ وإطْعامِ الطَعامِ، ألَهُ في ذَلِكَ أجْرٌ؟ قالَ: لا، إنَّهُ لَمْ يَقُلْ قَطُّ رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِينِ"»«وَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، يُسَمِّي هَذِهِ الآيَةَ "الجامِعَةَ الفاذَّةَ"،» وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ حِينَ سُئِلَ عَنِ الحُمْرِ... الحَدِيثُ، وأعْطى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ سائِلًا ثَمَرَتَيْنِ (p-٦٧٠)فَقَبَضَ السائِلُ يَدَهُ، فَقالَ لَهُ سَعْدُ: ما هَذا؟ إنَّ اللهَ تَعالى قَبِلَ مِنّا مَثاقِيلَ الذَرِّ، وفَعَلَتْ نَحْوَ هَذا عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها في حَبَّةِ عِنَبٍ وسَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ صَعْصَعَةُ بْنُ عِقالٍ التَمِيمِيُّ عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ، فَقالَ: حَسْبِي، لا أُبالِي أنْ لا أسْمَعَ غَيْرَها، وسَمِعَها رَجُلٌ عِنْدَ الحَسَنِ فَقالَ: انْتَهَتِ المَوْعِظَةُ، فَقالَ الحَسَنُ: فَقِهَ الرَجُلُ. وقَرَأ هُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "يَرَهُ"، بِسُكُونِ الهاءِ في الأُولى والآخِرَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، ونافِعٌ -فِيما رَوى عنهُ ورْشٌ - والحَلْوانِيُّ عن قالُونَ عنهُ في الأُولى "يَرَهُ"، وأمّا الآخِرَةُ فَهو سُكُونُ وقْفٍ، وأمّا مَن أسْكَنَ الأُولى فَهي عَلى لُغَةِ مَن يُخَفِّفُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ........... ∗∗∗ ومُطْوايَ مُشْتاقانِ لَهُ أرِقانِ وهَذِهِ لُغَةٌ لَمْ يَحْكِها سِيبَوَيْهِ لَكِنْ حَكاها الأخْفَشُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ بِضَمِّ الهاءِ فِيها مُشَبَّعَتانِ، وقَرَأ أبانُ عن عاصِمٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وحُمَيْدُ بْنُ الرَبِيعِ عَنِ الكِسائِيُّ: "يَرَهُ" بِضَمِّ الياءِ، وهي رُؤْيَةُ بَصَرِهِ، بِمَعْنى: يَجْعَلُ يُدْرِكُهُ بِبَصَرِهِ، والمَعْنى: (p-٦٧١)يَرى ثَوابَهُ وجَزاءَهُ لِأنَّ الأعْمالَ الماضِيَةَ لا تُرى بِعَيْنٍ أبَدًا، وهَذا الفِعْلُ كُلُّهُ مِن "رَأيْتُ" بِمَعْنى أدْرَكْتُ بِبَصَرِي، فَتَعَدِّيهِ إنَّما هو إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "خَيْرًا يَراهُ" و"شَرًّا يَراهُ"، وقالَ النَقّاشُ: لَيْسَتْ بِرُؤْيَةِ بَصَرٍ؛ وإنَّما المَعْنى: يُصِيبُهُ ويَنالُهُ. ويُرْوى «أنَّ هَذِهِ السُورَةَ نَزَلَتْ وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَأْكُلُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَتَرَكَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ الأكْلَ وبَكى، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يا أبا بَكْرٍ، ما يُبْكِيكَ؟ قالَ: يا رَسُولَ اللهِ: أوَ أُسْألُ عن مَثاقِيلِ الذَرِّ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يا أبا بَكْرٍ، ما رَأيْتُ في الدُنْيا مِمّا تَكْرَهُ، فَمَثاقِيلُ ذَرِّ الشَرِّ، ويَدَّخِرُ اللهُ لَكَ مَثاقِيلَ ذَرِّ الخَيْرِ.» و"الذَرَّةُ" نَمْلَةٌ صَغِيرَةٌ حَمْراءُ رَقِيقَةٌ لا يُرَجَّحُ لَها مِيزانٌ، ويُقالُ: إنَّها تَجْرِي إذا مَضى لَها حَوْلٌ، وقَدْ تُؤُوِّلَ ذَلِكَ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ مِنَ القاصِراتِ الطَرْفِ لَوْ دَبَّ مُحَوِّلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَرا وحَكى النَقّاشُ أنَّهم قالُوا: كانَ بِالمَدِينَةِ رَجُلانِ أحَدُهُما لا يُبالِي عَنِ الصَغائِرِ يَرْتَكِبُها، وكانَ الآخَرُ يُرِيدُ أنْ يَتَصَدَّقَ فَلا يَجِدُ إلّا اليَسِيرَ فَيَسْتَحِي مِنَ الصَدَقَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِما، كَأنَّهُ يُقالُ لِأحَدِهِما: تَصَدَّقْ بِاليَسِيرِ فَإنَّ مِثْقالَ ذَرَّةِ الخَيْرِ تُرى، وقِيلَ لِلْآخَرِ: كُفَّ عَنِ الصَغائِرِ فَإنَّ مَقادِيرَ ذَرِّ الشَرِّ تُرى. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [ الزَلْزَلَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

الزلزلة 99:6

(p-٦٦٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الزَلْزَلَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: هي مَدَنِيَّةٌ لِأنَّ آخِرَها نَزَلَ بِسَبَبِ رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ ﴿وَقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ العامِلُ فِي: "إذا" عَلى قَوْلِ جُمْهُورِ النُحاةِ -وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ القِياسُ- فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَقْتَضِيهِ المَعْنى وتَقْدِيرُهُ: يُحْشَرُونَ إذا، أو تُجازُونَ، ونَحْوُ هَذا، ويَمْتَنِعُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "زُلْزِلَتِ" لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ لا يُفارِقُها، وقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظائِرُها في غَيْرِ سُورَةٍ. "وَزُلْزِلَتِ" مَعْناهُ: حُرِّكَتْ بِعُنْفٍ، ومِنهُ الزِلْزالُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "زِلْزالَها" أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: "زِلْزالًا" دُونَ إضافَةٍ إلَيْها، وذَلِكَ أنَّ المَصْدَرَ غَيْرُ مُضافٍ يَقَعُ عَلى كُلِّ قَدْرٍ مِنَ الزِلْزالِ وإنَّ قُلْ، وإذا أُضِيفَتْ إلَيْها وجَبَ أنْ يَكُونَ عَلى قَدْرِ ما يَسْتَحِقُّهُ ويَسْتَوْحِيهِ جُرْمُها وعِظَمُها، وهَكَذا كَما تَقُولُ: "أكْرَمْتُ زَيْدًا كَرامَةً"، فَذَلِكَ يَقَعُ عَلى كُلِّ كَرامَةٍ وإنْ (p-٦٦٧)قُلْتَ بِحَسَبِ زَيْدٍ"، فَإذا قُلْتَ: "كَرامَتُهُ" أوجَبَتْ أنَّكَ قَدْ وفَّيْتَهُ حَقَّهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زِلْزالَها" بِكَسْرِ الزايِ الأولى، وقَرَأ بِفَتْحِها عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وهو أيْضًا مَصْدَرٌ كالوَسْواسِ ونَحْوِهِ. و"الأثْقالُ": المَوْتى الَّذِينَ في بَطْنِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى البَعْثِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ -مِنهم مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ الزَجّاجُ والنَقّاشُ -: أخْرَجَتْ مَوادَّها وكُنُوزَها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَتِ القِيامَةُ بِمَوْطِنٍ لِإخْراجِ الكُنُوزِ، وإنَّما تَخْرُجُ كُنُوزُها وقْتَ الدَجّالِ. و"قَوْلُ الإنْسانِ: "ما لَها" هو قَوْلٌ عَلى مَعْنى التَعَجُّبِ مِن هَوْلِ ما يَرى، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الإنْسانُ هُنا يُرادُ بِهِ الكافِرُ، وهَذا مُتَمَكِّنٌ لِأنَّهُ يَرى ما لَمْ يَظُنَّ بِهِ قَطُّ ولا صِدْقُهُ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو عامٌّ في المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالكافِرُ عَلى ما قَدَّمْناهُ، والمُؤْمِنُ -وَإنْ كانَ قَدْ آمَنَ بِالبَعْثِ- فَإنَّهُ اسْتَهْوَلَ المَرْأى، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ".» و"إخْبارُ الأرْضِ" قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والثَوْرِيُّ وغَيْرُهُما: هو شَهادَتُها بِما عَمِلَ عَلَيْها مِن عَمَلٍ صالِحٍ وفاسِدٍ، فالتَحْدِيثُ -عَلى هَذا- حَقِيقَةٌ، وكَلامٌ بِإدْراكٍ وحَياةٍ يَخْلُقُها اللهُ تَعالى، وأضافَ تَعالى الأخْبارَ إلَيْها مِن حَيْثُ وعَتْها وحَصَّلَتْها، وانْتَزَعَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ أنَّ قَوْلَ المُحَدِّثِ: "حَدَّثَنا وأخْبَرَنا" سَواءٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ وقَوْمٌ: التَحْدِيثُ في الآيَةِ مَجازٌ، والمَعْنى أنَّ ما تَفْعَلُهُ بِأمْرِ اللهِ تَعالى مِن إخْراجِ أثْقالِها، وتَفَتُّتِ أجْزائِها، وسائِرِ أحْوالِها، هو بِمَنزِلَةِ التَحْدِيثِ بِأنْبائِها وأخْبارِها، ويُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "فَإنَّهُ لا يَسْمَعُ مَدى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا إنْسٌ ولا شَيْءٌ إلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ"» وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "تُنْبِئُ أخْبارَها"، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "تَبَيَّنَ". (p-٦٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها﴾ الباءُ باءُ السَبَبِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، والقُرْطُبِيُّ: المَعْنى: أوحى إلَيْها، وهَذا الوَحْيُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وحْيَ إلْهامٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وحْيًا بِرَسُولٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وقَدْ قالَ الشاعِرُ: ؎ أوحى لَها القَرارُ فاسْتَقَرَّتْ وشَدَّها بِالراسِياتِ الثَبْتِ والوَحْيُ في كَلامِ العَرَبِ: إلْقاءُ المَعْنى إلْقاءً خَفِيًّا. وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "أوحى لَها" مَعْناهُ: أوحى إلى مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ أنْ تَفْعَلَ في الأرْضِ تِلْكَ الأفْعالَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "لَها" بِمَعْنى: مِن أجْلِها، ومِن حَيْثُ الأفْعالُ فِيها فَهي لَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا﴾ بِمَعْنى: يَنْصَرِفُونَ مِن مَوْضِعِ وِرْدِهِمْ مُخْتَلِفِي الأحْوالِ. وواحِدُ "الأشْتاتِ" شَتٌّ، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: الوِرْدُ هو الكَوْنُ في الأرْضِ بِالمَوْتِ والدَفْنِ، والصَدْرُ هو القِيامُ لِلْبَعْثِ، و"أشْتاتًا" مَعْناهُ: قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ وقَوْمٌ كافِرُونَ وقَوْمٌ عُصاةٌ مُؤْمِنُونَ، والكُلُّ سائِرٌ إلى العَرْضِ لِيَرى عَمَلَهُ ويَقِفَ عَلَيْهِ، وقالَ النَقّاشُ: الوِرْدُ هو المَحْشَرُ، والصَدْرُ أشْتاتًا هو صَدْرُ قَوْمٍ إلى الجَنَّةِ وقَوْمٍ إلى النارِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: جَزاءَ أعْمالِهِمْ يَراهُ أهْلُ الجَنَّةِ بِالنَعِيمِ وأهْلُ النارِ بِالعَذابِ، وإمّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها﴾، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا﴾. (p-٦٦٩)اعْتِراضًا بَيْنَ أثْناءِ الكَلامِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِيُرَوْا" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ والزُهْرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ: "لِيَرَوْا" بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ مِن عَمِلَ عَمَلًا رَآهُ قَلِيلًا كانَ أو كَثِيرًا، فَخَرَجَتِ العِبارَةُ عن ذَلِكَ بِمِثالِ التَقْلِيلِ، وهَذا هو الَّذِي يُسَمِّيهِ أهْلُ الكَلامِ مَفْهُومُ الخِطابِ، وهو أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ والمَسْكُوتُ عنهُ في حُكْمٍ واحِدٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وهَذا كَثِيرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ: رُؤْيَةُ هَذِهِ الأعْمالِ هي في الآخِرَةِ، وذَلِكَ لازِمٌ مَن لَفْظِ السُورَةِ وسَرْدِها، فَيَرى الخَيْرَ كُلَّهُ مَن كانَ مُؤْمِنًا، والكافِرُ لا يَرى في الآخِرَةِ خَيْرًا، لِأنَّ خَيْرَهُ قَدْ عُجِّلَ لَهُ في الدُنْيا، وكَذَلِكَ المُؤْمِنُ أيْضًا تُعَجُّلُ لَهُ سَيِّئاتُهُ الصِغارُ في دُنْياهُ في المَصائِبِ والأمْراضِ ونَحْوِها فَيَجِيءُ مِن مَجْمُوعِ هَذا أنَّ مَن عَمِلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ رَآهُ، ويَخْرُجُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَرى الكافِرُ خَيْرًا في الآخِرَةِ. ومِنهُ حَدِيثُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، "قالَتْ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ: أرَأيْتَ ما كانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جُدْعانَ مِنَ البِرِّ وصِلَةِ الرَحِمِ وإطْعامِ الطَعامِ، ألَهُ في ذَلِكَ أجْرٌ؟ قالَ: لا، إنَّهُ لَمْ يَقُلْ قَطُّ رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِينِ"»«وَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، يُسَمِّي هَذِهِ الآيَةَ "الجامِعَةَ الفاذَّةَ"،» وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ حِينَ سُئِلَ عَنِ الحُمْرِ... الحَدِيثُ، وأعْطى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ سائِلًا ثَمَرَتَيْنِ (p-٦٧٠)فَقَبَضَ السائِلُ يَدَهُ، فَقالَ لَهُ سَعْدُ: ما هَذا؟ إنَّ اللهَ تَعالى قَبِلَ مِنّا مَثاقِيلَ الذَرِّ، وفَعَلَتْ نَحْوَ هَذا عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها في حَبَّةِ عِنَبٍ وسَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ صَعْصَعَةُ بْنُ عِقالٍ التَمِيمِيُّ عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ، فَقالَ: حَسْبِي، لا أُبالِي أنْ لا أسْمَعَ غَيْرَها، وسَمِعَها رَجُلٌ عِنْدَ الحَسَنِ فَقالَ: انْتَهَتِ المَوْعِظَةُ، فَقالَ الحَسَنُ: فَقِهَ الرَجُلُ. وقَرَأ هُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "يَرَهُ"، بِسُكُونِ الهاءِ في الأُولى والآخِرَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، ونافِعٌ -فِيما رَوى عنهُ ورْشٌ - والحَلْوانِيُّ عن قالُونَ عنهُ في الأُولى "يَرَهُ"، وأمّا الآخِرَةُ فَهو سُكُونُ وقْفٍ، وأمّا مَن أسْكَنَ الأُولى فَهي عَلى لُغَةِ مَن يُخَفِّفُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ........... ∗∗∗ ومُطْوايَ مُشْتاقانِ لَهُ أرِقانِ وهَذِهِ لُغَةٌ لَمْ يَحْكِها سِيبَوَيْهِ لَكِنْ حَكاها الأخْفَشُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ بِضَمِّ الهاءِ فِيها مُشَبَّعَتانِ، وقَرَأ أبانُ عن عاصِمٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وحُمَيْدُ بْنُ الرَبِيعِ عَنِ الكِسائِيُّ: "يَرَهُ" بِضَمِّ الياءِ، وهي رُؤْيَةُ بَصَرِهِ، بِمَعْنى: يَجْعَلُ يُدْرِكُهُ بِبَصَرِهِ، والمَعْنى: (p-٦٧١)يَرى ثَوابَهُ وجَزاءَهُ لِأنَّ الأعْمالَ الماضِيَةَ لا تُرى بِعَيْنٍ أبَدًا، وهَذا الفِعْلُ كُلُّهُ مِن "رَأيْتُ" بِمَعْنى أدْرَكْتُ بِبَصَرِي، فَتَعَدِّيهِ إنَّما هو إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "خَيْرًا يَراهُ" و"شَرًّا يَراهُ"، وقالَ النَقّاشُ: لَيْسَتْ بِرُؤْيَةِ بَصَرٍ؛ وإنَّما المَعْنى: يُصِيبُهُ ويَنالُهُ. ويُرْوى «أنَّ هَذِهِ السُورَةَ نَزَلَتْ وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَأْكُلُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَتَرَكَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ الأكْلَ وبَكى، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يا أبا بَكْرٍ، ما يُبْكِيكَ؟ قالَ: يا رَسُولَ اللهِ: أوَ أُسْألُ عن مَثاقِيلِ الذَرِّ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يا أبا بَكْرٍ، ما رَأيْتُ في الدُنْيا مِمّا تَكْرَهُ، فَمَثاقِيلُ ذَرِّ الشَرِّ، ويَدَّخِرُ اللهُ لَكَ مَثاقِيلَ ذَرِّ الخَيْرِ.» و"الذَرَّةُ" نَمْلَةٌ صَغِيرَةٌ حَمْراءُ رَقِيقَةٌ لا يُرَجَّحُ لَها مِيزانٌ، ويُقالُ: إنَّها تَجْرِي إذا مَضى لَها حَوْلٌ، وقَدْ تُؤُوِّلَ ذَلِكَ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ مِنَ القاصِراتِ الطَرْفِ لَوْ دَبَّ مُحَوِّلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَرا وحَكى النَقّاشُ أنَّهم قالُوا: كانَ بِالمَدِينَةِ رَجُلانِ أحَدُهُما لا يُبالِي عَنِ الصَغائِرِ يَرْتَكِبُها، وكانَ الآخَرُ يُرِيدُ أنْ يَتَصَدَّقَ فَلا يَجِدُ إلّا اليَسِيرَ فَيَسْتَحِي مِنَ الصَدَقَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِما، كَأنَّهُ يُقالُ لِأحَدِهِما: تَصَدَّقْ بِاليَسِيرِ فَإنَّ مِثْقالَ ذَرَّةِ الخَيْرِ تُرى، وقِيلَ لِلْآخَرِ: كُفَّ عَنِ الصَغائِرِ فَإنَّ مَقادِيرَ ذَرِّ الشَرِّ تُرى. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [ الزَلْزَلَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

الزلزلة 99:7

(p-٦٦٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الزَلْزَلَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: هي مَدَنِيَّةٌ لِأنَّ آخِرَها نَزَلَ بِسَبَبِ رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ ﴿وَقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ العامِلُ فِي: "إذا" عَلى قَوْلِ جُمْهُورِ النُحاةِ -وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ القِياسُ- فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَقْتَضِيهِ المَعْنى وتَقْدِيرُهُ: يُحْشَرُونَ إذا، أو تُجازُونَ، ونَحْوُ هَذا، ويَمْتَنِعُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "زُلْزِلَتِ" لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ لا يُفارِقُها، وقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظائِرُها في غَيْرِ سُورَةٍ. "وَزُلْزِلَتِ" مَعْناهُ: حُرِّكَتْ بِعُنْفٍ، ومِنهُ الزِلْزالُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "زِلْزالَها" أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: "زِلْزالًا" دُونَ إضافَةٍ إلَيْها، وذَلِكَ أنَّ المَصْدَرَ غَيْرُ مُضافٍ يَقَعُ عَلى كُلِّ قَدْرٍ مِنَ الزِلْزالِ وإنَّ قُلْ، وإذا أُضِيفَتْ إلَيْها وجَبَ أنْ يَكُونَ عَلى قَدْرِ ما يَسْتَحِقُّهُ ويَسْتَوْحِيهِ جُرْمُها وعِظَمُها، وهَكَذا كَما تَقُولُ: "أكْرَمْتُ زَيْدًا كَرامَةً"، فَذَلِكَ يَقَعُ عَلى كُلِّ كَرامَةٍ وإنْ (p-٦٦٧)قُلْتَ بِحَسَبِ زَيْدٍ"، فَإذا قُلْتَ: "كَرامَتُهُ" أوجَبَتْ أنَّكَ قَدْ وفَّيْتَهُ حَقَّهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زِلْزالَها" بِكَسْرِ الزايِ الأولى، وقَرَأ بِفَتْحِها عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وهو أيْضًا مَصْدَرٌ كالوَسْواسِ ونَحْوِهِ. و"الأثْقالُ": المَوْتى الَّذِينَ في بَطْنِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى البَعْثِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ -مِنهم مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ الزَجّاجُ والنَقّاشُ -: أخْرَجَتْ مَوادَّها وكُنُوزَها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَتِ القِيامَةُ بِمَوْطِنٍ لِإخْراجِ الكُنُوزِ، وإنَّما تَخْرُجُ كُنُوزُها وقْتَ الدَجّالِ. و"قَوْلُ الإنْسانِ: "ما لَها" هو قَوْلٌ عَلى مَعْنى التَعَجُّبِ مِن هَوْلِ ما يَرى، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الإنْسانُ هُنا يُرادُ بِهِ الكافِرُ، وهَذا مُتَمَكِّنٌ لِأنَّهُ يَرى ما لَمْ يَظُنَّ بِهِ قَطُّ ولا صِدْقُهُ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو عامٌّ في المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالكافِرُ عَلى ما قَدَّمْناهُ، والمُؤْمِنُ -وَإنْ كانَ قَدْ آمَنَ بِالبَعْثِ- فَإنَّهُ اسْتَهْوَلَ المَرْأى، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ".» و"إخْبارُ الأرْضِ" قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والثَوْرِيُّ وغَيْرُهُما: هو شَهادَتُها بِما عَمِلَ عَلَيْها مِن عَمَلٍ صالِحٍ وفاسِدٍ، فالتَحْدِيثُ -عَلى هَذا- حَقِيقَةٌ، وكَلامٌ بِإدْراكٍ وحَياةٍ يَخْلُقُها اللهُ تَعالى، وأضافَ تَعالى الأخْبارَ إلَيْها مِن حَيْثُ وعَتْها وحَصَّلَتْها، وانْتَزَعَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ أنَّ قَوْلَ المُحَدِّثِ: "حَدَّثَنا وأخْبَرَنا" سَواءٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ وقَوْمٌ: التَحْدِيثُ في الآيَةِ مَجازٌ، والمَعْنى أنَّ ما تَفْعَلُهُ بِأمْرِ اللهِ تَعالى مِن إخْراجِ أثْقالِها، وتَفَتُّتِ أجْزائِها، وسائِرِ أحْوالِها، هو بِمَنزِلَةِ التَحْدِيثِ بِأنْبائِها وأخْبارِها، ويُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "فَإنَّهُ لا يَسْمَعُ مَدى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا إنْسٌ ولا شَيْءٌ إلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ"» وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "تُنْبِئُ أخْبارَها"، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "تَبَيَّنَ". (p-٦٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها﴾ الباءُ باءُ السَبَبِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، والقُرْطُبِيُّ: المَعْنى: أوحى إلَيْها، وهَذا الوَحْيُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وحْيَ إلْهامٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وحْيًا بِرَسُولٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وقَدْ قالَ الشاعِرُ: ؎ أوحى لَها القَرارُ فاسْتَقَرَّتْ وشَدَّها بِالراسِياتِ الثَبْتِ والوَحْيُ في كَلامِ العَرَبِ: إلْقاءُ المَعْنى إلْقاءً خَفِيًّا. وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "أوحى لَها" مَعْناهُ: أوحى إلى مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ أنْ تَفْعَلَ في الأرْضِ تِلْكَ الأفْعالَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "لَها" بِمَعْنى: مِن أجْلِها، ومِن حَيْثُ الأفْعالُ فِيها فَهي لَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا﴾ بِمَعْنى: يَنْصَرِفُونَ مِن مَوْضِعِ وِرْدِهِمْ مُخْتَلِفِي الأحْوالِ. وواحِدُ "الأشْتاتِ" شَتٌّ، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: الوِرْدُ هو الكَوْنُ في الأرْضِ بِالمَوْتِ والدَفْنِ، والصَدْرُ هو القِيامُ لِلْبَعْثِ، و"أشْتاتًا" مَعْناهُ: قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ وقَوْمٌ كافِرُونَ وقَوْمٌ عُصاةٌ مُؤْمِنُونَ، والكُلُّ سائِرٌ إلى العَرْضِ لِيَرى عَمَلَهُ ويَقِفَ عَلَيْهِ، وقالَ النَقّاشُ: الوِرْدُ هو المَحْشَرُ، والصَدْرُ أشْتاتًا هو صَدْرُ قَوْمٍ إلى الجَنَّةِ وقَوْمٍ إلى النارِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: جَزاءَ أعْمالِهِمْ يَراهُ أهْلُ الجَنَّةِ بِالنَعِيمِ وأهْلُ النارِ بِالعَذابِ، وإمّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها﴾، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا﴾. (p-٦٦٩)اعْتِراضًا بَيْنَ أثْناءِ الكَلامِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِيُرَوْا" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ والزُهْرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ: "لِيَرَوْا" بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ مِن عَمِلَ عَمَلًا رَآهُ قَلِيلًا كانَ أو كَثِيرًا، فَخَرَجَتِ العِبارَةُ عن ذَلِكَ بِمِثالِ التَقْلِيلِ، وهَذا هو الَّذِي يُسَمِّيهِ أهْلُ الكَلامِ مَفْهُومُ الخِطابِ، وهو أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ والمَسْكُوتُ عنهُ في حُكْمٍ واحِدٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وهَذا كَثِيرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ: رُؤْيَةُ هَذِهِ الأعْمالِ هي في الآخِرَةِ، وذَلِكَ لازِمٌ مَن لَفْظِ السُورَةِ وسَرْدِها، فَيَرى الخَيْرَ كُلَّهُ مَن كانَ مُؤْمِنًا، والكافِرُ لا يَرى في الآخِرَةِ خَيْرًا، لِأنَّ خَيْرَهُ قَدْ عُجِّلَ لَهُ في الدُنْيا، وكَذَلِكَ المُؤْمِنُ أيْضًا تُعَجُّلُ لَهُ سَيِّئاتُهُ الصِغارُ في دُنْياهُ في المَصائِبِ والأمْراضِ ونَحْوِها فَيَجِيءُ مِن مَجْمُوعِ هَذا أنَّ مَن عَمِلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ رَآهُ، ويَخْرُجُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَرى الكافِرُ خَيْرًا في الآخِرَةِ. ومِنهُ حَدِيثُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، "قالَتْ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ: أرَأيْتَ ما كانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جُدْعانَ مِنَ البِرِّ وصِلَةِ الرَحِمِ وإطْعامِ الطَعامِ، ألَهُ في ذَلِكَ أجْرٌ؟ قالَ: لا، إنَّهُ لَمْ يَقُلْ قَطُّ رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِينِ"»«وَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، يُسَمِّي هَذِهِ الآيَةَ "الجامِعَةَ الفاذَّةَ"،» وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ حِينَ سُئِلَ عَنِ الحُمْرِ... الحَدِيثُ، وأعْطى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ سائِلًا ثَمَرَتَيْنِ (p-٦٧٠)فَقَبَضَ السائِلُ يَدَهُ، فَقالَ لَهُ سَعْدُ: ما هَذا؟ إنَّ اللهَ تَعالى قَبِلَ مِنّا مَثاقِيلَ الذَرِّ، وفَعَلَتْ نَحْوَ هَذا عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها في حَبَّةِ عِنَبٍ وسَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ صَعْصَعَةُ بْنُ عِقالٍ التَمِيمِيُّ عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ، فَقالَ: حَسْبِي، لا أُبالِي أنْ لا أسْمَعَ غَيْرَها، وسَمِعَها رَجُلٌ عِنْدَ الحَسَنِ فَقالَ: انْتَهَتِ المَوْعِظَةُ، فَقالَ الحَسَنُ: فَقِهَ الرَجُلُ. وقَرَأ هُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "يَرَهُ"، بِسُكُونِ الهاءِ في الأُولى والآخِرَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، ونافِعٌ -فِيما رَوى عنهُ ورْشٌ - والحَلْوانِيُّ عن قالُونَ عنهُ في الأُولى "يَرَهُ"، وأمّا الآخِرَةُ فَهو سُكُونُ وقْفٍ، وأمّا مَن أسْكَنَ الأُولى فَهي عَلى لُغَةِ مَن يُخَفِّفُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ........... ∗∗∗ ومُطْوايَ مُشْتاقانِ لَهُ أرِقانِ وهَذِهِ لُغَةٌ لَمْ يَحْكِها سِيبَوَيْهِ لَكِنْ حَكاها الأخْفَشُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ بِضَمِّ الهاءِ فِيها مُشَبَّعَتانِ، وقَرَأ أبانُ عن عاصِمٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وحُمَيْدُ بْنُ الرَبِيعِ عَنِ الكِسائِيُّ: "يَرَهُ" بِضَمِّ الياءِ، وهي رُؤْيَةُ بَصَرِهِ، بِمَعْنى: يَجْعَلُ يُدْرِكُهُ بِبَصَرِهِ، والمَعْنى: (p-٦٧١)يَرى ثَوابَهُ وجَزاءَهُ لِأنَّ الأعْمالَ الماضِيَةَ لا تُرى بِعَيْنٍ أبَدًا، وهَذا الفِعْلُ كُلُّهُ مِن "رَأيْتُ" بِمَعْنى أدْرَكْتُ بِبَصَرِي، فَتَعَدِّيهِ إنَّما هو إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "خَيْرًا يَراهُ" و"شَرًّا يَراهُ"، وقالَ النَقّاشُ: لَيْسَتْ بِرُؤْيَةِ بَصَرٍ؛ وإنَّما المَعْنى: يُصِيبُهُ ويَنالُهُ. ويُرْوى «أنَّ هَذِهِ السُورَةَ نَزَلَتْ وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَأْكُلُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَتَرَكَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ الأكْلَ وبَكى، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يا أبا بَكْرٍ، ما يُبْكِيكَ؟ قالَ: يا رَسُولَ اللهِ: أوَ أُسْألُ عن مَثاقِيلِ الذَرِّ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يا أبا بَكْرٍ، ما رَأيْتُ في الدُنْيا مِمّا تَكْرَهُ، فَمَثاقِيلُ ذَرِّ الشَرِّ، ويَدَّخِرُ اللهُ لَكَ مَثاقِيلَ ذَرِّ الخَيْرِ.» و"الذَرَّةُ" نَمْلَةٌ صَغِيرَةٌ حَمْراءُ رَقِيقَةٌ لا يُرَجَّحُ لَها مِيزانٌ، ويُقالُ: إنَّها تَجْرِي إذا مَضى لَها حَوْلٌ، وقَدْ تُؤُوِّلَ ذَلِكَ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ مِنَ القاصِراتِ الطَرْفِ لَوْ دَبَّ مُحَوِّلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَرا وحَكى النَقّاشُ أنَّهم قالُوا: كانَ بِالمَدِينَةِ رَجُلانِ أحَدُهُما لا يُبالِي عَنِ الصَغائِرِ يَرْتَكِبُها، وكانَ الآخَرُ يُرِيدُ أنْ يَتَصَدَّقَ فَلا يَجِدُ إلّا اليَسِيرَ فَيَسْتَحِي مِنَ الصَدَقَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِما، كَأنَّهُ يُقالُ لِأحَدِهِما: تَصَدَّقْ بِاليَسِيرِ فَإنَّ مِثْقالَ ذَرَّةِ الخَيْرِ تُرى، وقِيلَ لِلْآخَرِ: كُفَّ عَنِ الصَغائِرِ فَإنَّ مَقادِيرَ ذَرِّ الشَرِّ تُرى. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [ الزَلْزَلَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

الزلزلة 99:8

(p-٦٦٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الزَلْزَلَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: هي مَدَنِيَّةٌ لِأنَّ آخِرَها نَزَلَ بِسَبَبِ رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ ﴿وَقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ العامِلُ فِي: "إذا" عَلى قَوْلِ جُمْهُورِ النُحاةِ -وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ القِياسُ- فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَقْتَضِيهِ المَعْنى وتَقْدِيرُهُ: يُحْشَرُونَ إذا، أو تُجازُونَ، ونَحْوُ هَذا، ويَمْتَنِعُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "زُلْزِلَتِ" لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ لا يُفارِقُها، وقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظائِرُها في غَيْرِ سُورَةٍ. "وَزُلْزِلَتِ" مَعْناهُ: حُرِّكَتْ بِعُنْفٍ، ومِنهُ الزِلْزالُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "زِلْزالَها" أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: "زِلْزالًا" دُونَ إضافَةٍ إلَيْها، وذَلِكَ أنَّ المَصْدَرَ غَيْرُ مُضافٍ يَقَعُ عَلى كُلِّ قَدْرٍ مِنَ الزِلْزالِ وإنَّ قُلْ، وإذا أُضِيفَتْ إلَيْها وجَبَ أنْ يَكُونَ عَلى قَدْرِ ما يَسْتَحِقُّهُ ويَسْتَوْحِيهِ جُرْمُها وعِظَمُها، وهَكَذا كَما تَقُولُ: "أكْرَمْتُ زَيْدًا كَرامَةً"، فَذَلِكَ يَقَعُ عَلى كُلِّ كَرامَةٍ وإنْ (p-٦٦٧)قُلْتَ بِحَسَبِ زَيْدٍ"، فَإذا قُلْتَ: "كَرامَتُهُ" أوجَبَتْ أنَّكَ قَدْ وفَّيْتَهُ حَقَّهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زِلْزالَها" بِكَسْرِ الزايِ الأولى، وقَرَأ بِفَتْحِها عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وهو أيْضًا مَصْدَرٌ كالوَسْواسِ ونَحْوِهِ. و"الأثْقالُ": المَوْتى الَّذِينَ في بَطْنِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى البَعْثِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ -مِنهم مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ الزَجّاجُ والنَقّاشُ -: أخْرَجَتْ مَوادَّها وكُنُوزَها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَتِ القِيامَةُ بِمَوْطِنٍ لِإخْراجِ الكُنُوزِ، وإنَّما تَخْرُجُ كُنُوزُها وقْتَ الدَجّالِ. و"قَوْلُ الإنْسانِ: "ما لَها" هو قَوْلٌ عَلى مَعْنى التَعَجُّبِ مِن هَوْلِ ما يَرى، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الإنْسانُ هُنا يُرادُ بِهِ الكافِرُ، وهَذا مُتَمَكِّنٌ لِأنَّهُ يَرى ما لَمْ يَظُنَّ بِهِ قَطُّ ولا صِدْقُهُ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو عامٌّ في المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالكافِرُ عَلى ما قَدَّمْناهُ، والمُؤْمِنُ -وَإنْ كانَ قَدْ آمَنَ بِالبَعْثِ- فَإنَّهُ اسْتَهْوَلَ المَرْأى، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ".» و"إخْبارُ الأرْضِ" قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والثَوْرِيُّ وغَيْرُهُما: هو شَهادَتُها بِما عَمِلَ عَلَيْها مِن عَمَلٍ صالِحٍ وفاسِدٍ، فالتَحْدِيثُ -عَلى هَذا- حَقِيقَةٌ، وكَلامٌ بِإدْراكٍ وحَياةٍ يَخْلُقُها اللهُ تَعالى، وأضافَ تَعالى الأخْبارَ إلَيْها مِن حَيْثُ وعَتْها وحَصَّلَتْها، وانْتَزَعَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ أنَّ قَوْلَ المُحَدِّثِ: "حَدَّثَنا وأخْبَرَنا" سَواءٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ وقَوْمٌ: التَحْدِيثُ في الآيَةِ مَجازٌ، والمَعْنى أنَّ ما تَفْعَلُهُ بِأمْرِ اللهِ تَعالى مِن إخْراجِ أثْقالِها، وتَفَتُّتِ أجْزائِها، وسائِرِ أحْوالِها، هو بِمَنزِلَةِ التَحْدِيثِ بِأنْبائِها وأخْبارِها، ويُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "فَإنَّهُ لا يَسْمَعُ مَدى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا إنْسٌ ولا شَيْءٌ إلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ"» وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "تُنْبِئُ أخْبارَها"، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "تَبَيَّنَ". (p-٦٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها﴾ الباءُ باءُ السَبَبِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، والقُرْطُبِيُّ: المَعْنى: أوحى إلَيْها، وهَذا الوَحْيُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وحْيَ إلْهامٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وحْيًا بِرَسُولٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وقَدْ قالَ الشاعِرُ: ؎ أوحى لَها القَرارُ فاسْتَقَرَّتْ وشَدَّها بِالراسِياتِ الثَبْتِ والوَحْيُ في كَلامِ العَرَبِ: إلْقاءُ المَعْنى إلْقاءً خَفِيًّا. وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "أوحى لَها" مَعْناهُ: أوحى إلى مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ أنْ تَفْعَلَ في الأرْضِ تِلْكَ الأفْعالَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "لَها" بِمَعْنى: مِن أجْلِها، ومِن حَيْثُ الأفْعالُ فِيها فَهي لَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا﴾ بِمَعْنى: يَنْصَرِفُونَ مِن مَوْضِعِ وِرْدِهِمْ مُخْتَلِفِي الأحْوالِ. وواحِدُ "الأشْتاتِ" شَتٌّ، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: الوِرْدُ هو الكَوْنُ في الأرْضِ بِالمَوْتِ والدَفْنِ، والصَدْرُ هو القِيامُ لِلْبَعْثِ، و"أشْتاتًا" مَعْناهُ: قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ وقَوْمٌ كافِرُونَ وقَوْمٌ عُصاةٌ مُؤْمِنُونَ، والكُلُّ سائِرٌ إلى العَرْضِ لِيَرى عَمَلَهُ ويَقِفَ عَلَيْهِ، وقالَ النَقّاشُ: الوِرْدُ هو المَحْشَرُ، والصَدْرُ أشْتاتًا هو صَدْرُ قَوْمٍ إلى الجَنَّةِ وقَوْمٍ إلى النارِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: جَزاءَ أعْمالِهِمْ يَراهُ أهْلُ الجَنَّةِ بِالنَعِيمِ وأهْلُ النارِ بِالعَذابِ، وإمّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها﴾، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا﴾. (p-٦٦٩)اعْتِراضًا بَيْنَ أثْناءِ الكَلامِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِيُرَوْا" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ والزُهْرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ: "لِيَرَوْا" بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ مِن عَمِلَ عَمَلًا رَآهُ قَلِيلًا كانَ أو كَثِيرًا، فَخَرَجَتِ العِبارَةُ عن ذَلِكَ بِمِثالِ التَقْلِيلِ، وهَذا هو الَّذِي يُسَمِّيهِ أهْلُ الكَلامِ مَفْهُومُ الخِطابِ، وهو أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ والمَسْكُوتُ عنهُ في حُكْمٍ واحِدٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وهَذا كَثِيرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ: رُؤْيَةُ هَذِهِ الأعْمالِ هي في الآخِرَةِ، وذَلِكَ لازِمٌ مَن لَفْظِ السُورَةِ وسَرْدِها، فَيَرى الخَيْرَ كُلَّهُ مَن كانَ مُؤْمِنًا، والكافِرُ لا يَرى في الآخِرَةِ خَيْرًا، لِأنَّ خَيْرَهُ قَدْ عُجِّلَ لَهُ في الدُنْيا، وكَذَلِكَ المُؤْمِنُ أيْضًا تُعَجُّلُ لَهُ سَيِّئاتُهُ الصِغارُ في دُنْياهُ في المَصائِبِ والأمْراضِ ونَحْوِها فَيَجِيءُ مِن مَجْمُوعِ هَذا أنَّ مَن عَمِلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ رَآهُ، ويَخْرُجُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَرى الكافِرُ خَيْرًا في الآخِرَةِ. ومِنهُ حَدِيثُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، "قالَتْ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ: أرَأيْتَ ما كانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جُدْعانَ مِنَ البِرِّ وصِلَةِ الرَحِمِ وإطْعامِ الطَعامِ، ألَهُ في ذَلِكَ أجْرٌ؟ قالَ: لا، إنَّهُ لَمْ يَقُلْ قَطُّ رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِينِ"»«وَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، يُسَمِّي هَذِهِ الآيَةَ "الجامِعَةَ الفاذَّةَ"،» وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ حِينَ سُئِلَ عَنِ الحُمْرِ... الحَدِيثُ، وأعْطى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ سائِلًا ثَمَرَتَيْنِ (p-٦٧٠)فَقَبَضَ السائِلُ يَدَهُ، فَقالَ لَهُ سَعْدُ: ما هَذا؟ إنَّ اللهَ تَعالى قَبِلَ مِنّا مَثاقِيلَ الذَرِّ، وفَعَلَتْ نَحْوَ هَذا عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها في حَبَّةِ عِنَبٍ وسَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ صَعْصَعَةُ بْنُ عِقالٍ التَمِيمِيُّ عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ، فَقالَ: حَسْبِي، لا أُبالِي أنْ لا أسْمَعَ غَيْرَها، وسَمِعَها رَجُلٌ عِنْدَ الحَسَنِ فَقالَ: انْتَهَتِ المَوْعِظَةُ، فَقالَ الحَسَنُ: فَقِهَ الرَجُلُ. وقَرَأ هُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "يَرَهُ"، بِسُكُونِ الهاءِ في الأُولى والآخِرَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، ونافِعٌ -فِيما رَوى عنهُ ورْشٌ - والحَلْوانِيُّ عن قالُونَ عنهُ في الأُولى "يَرَهُ"، وأمّا الآخِرَةُ فَهو سُكُونُ وقْفٍ، وأمّا مَن أسْكَنَ الأُولى فَهي عَلى لُغَةِ مَن يُخَفِّفُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ........... ∗∗∗ ومُطْوايَ مُشْتاقانِ لَهُ أرِقانِ وهَذِهِ لُغَةٌ لَمْ يَحْكِها سِيبَوَيْهِ لَكِنْ حَكاها الأخْفَشُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ بِضَمِّ الهاءِ فِيها مُشَبَّعَتانِ، وقَرَأ أبانُ عن عاصِمٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وحُمَيْدُ بْنُ الرَبِيعِ عَنِ الكِسائِيُّ: "يَرَهُ" بِضَمِّ الياءِ، وهي رُؤْيَةُ بَصَرِهِ، بِمَعْنى: يَجْعَلُ يُدْرِكُهُ بِبَصَرِهِ، والمَعْنى: (p-٦٧١)يَرى ثَوابَهُ وجَزاءَهُ لِأنَّ الأعْمالَ الماضِيَةَ لا تُرى بِعَيْنٍ أبَدًا، وهَذا الفِعْلُ كُلُّهُ مِن "رَأيْتُ" بِمَعْنى أدْرَكْتُ بِبَصَرِي، فَتَعَدِّيهِ إنَّما هو إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "خَيْرًا يَراهُ" و"شَرًّا يَراهُ"، وقالَ النَقّاشُ: لَيْسَتْ بِرُؤْيَةِ بَصَرٍ؛ وإنَّما المَعْنى: يُصِيبُهُ ويَنالُهُ. ويُرْوى «أنَّ هَذِهِ السُورَةَ نَزَلَتْ وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَأْكُلُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَتَرَكَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ الأكْلَ وبَكى، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يا أبا بَكْرٍ، ما يُبْكِيكَ؟ قالَ: يا رَسُولَ اللهِ: أوَ أُسْألُ عن مَثاقِيلِ الذَرِّ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يا أبا بَكْرٍ، ما رَأيْتُ في الدُنْيا مِمّا تَكْرَهُ، فَمَثاقِيلُ ذَرِّ الشَرِّ، ويَدَّخِرُ اللهُ لَكَ مَثاقِيلَ ذَرِّ الخَيْرِ.» و"الذَرَّةُ" نَمْلَةٌ صَغِيرَةٌ حَمْراءُ رَقِيقَةٌ لا يُرَجَّحُ لَها مِيزانٌ، ويُقالُ: إنَّها تَجْرِي إذا مَضى لَها حَوْلٌ، وقَدْ تُؤُوِّلَ ذَلِكَ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ مِنَ القاصِراتِ الطَرْفِ لَوْ دَبَّ مُحَوِّلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَرا وحَكى النَقّاشُ أنَّهم قالُوا: كانَ بِالمَدِينَةِ رَجُلانِ أحَدُهُما لا يُبالِي عَنِ الصَغائِرِ يَرْتَكِبُها، وكانَ الآخَرُ يُرِيدُ أنْ يَتَصَدَّقَ فَلا يَجِدُ إلّا اليَسِيرَ فَيَسْتَحِي مِنَ الصَدَقَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِما، كَأنَّهُ يُقالُ لِأحَدِهِما: تَصَدَّقْ بِاليَسِيرِ فَإنَّ مِثْقالَ ذَرَّةِ الخَيْرِ تُرى، وقِيلَ لِلْآخَرِ: كُفَّ عَنِ الصَغائِرِ فَإنَّ مَقادِيرَ ذَرِّ الشَرِّ تُرى. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [ الزَلْزَلَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

العاديات 100:1

(p-٦٧٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ العادِيّاتِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ: هي مَدَنِيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالعادِياتِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: أرادَ الخَيْلَ لِأنَّها تَعْدُو بِالفُرْسانِ وتَضْبَحُ بِأصْواتِها، قالَ بَعْضُهُمْ: وسَبَبُها «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا إلى بَنِي كِنانَةَ سَرِيَّةً فَأبْطَأ أمْرُها عَلَيْهِ حَتّى أرْجَفَ بَعْضُ المُنافِقِينَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» مُعْلِمَةُ أنَّ خَيْلَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قَدْ فَعَلَتْ جَمِيعَ ما في الآياتِ. وقالَ آخَرُونَ: القَسَمُ هو بِالخَيْلِ جُمْلَةٌ لِأنَّها تَعْدُو ضابِحَةً قَدِيمًا وحَدِيثًا، وهي حاصِرَةُ البِلادِ وهادِمَةُ المَمالِكِ وفي نَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمُ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: العادِياتُ في هَذِهِ الآيَةِ الإبِلُ لِأنَّها تَضْبَحُ في عَدْوِها، وقالَ عَلَيٌّ: والقَسَمُ بِالإبِلِ العادِياتِ مِن عَرَفَةَ ومِن مُزْدَلِفَةَ إذا دَفَعَ الحاجُّ، وبِإبِلِ غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الغَزْوَةِ غَيْرُ فَرَسَيْنِ، فَرَسُ المِقْدادِ وفَرَسُ الزُبَيْرِ. و"الضِبْحُ" تَصْوِيتُ جَهِيرٌ عِنْدَ العَدْوِ الشَدِيدِ، لَيْسَ بِصَهِيلٍ ولا رُغاءٍ ولا نُباحٍ، بَلْ هو غَيْرُ المُعْتادِ مِن صَوْتِ الحَيَوانِ الَّذِي يَضْبَحُ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَيْسَ يُضْبَحُ مِنَ الحَيَوانِ غَيْرُ الخَيْلِ والكِلابِ، وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، (p-٦٧٣)وَذَلِكَ أنَّ الإبِلَ تُضْبَحُ، والأُسُودُ مِنَ الحَيّاتِ، والبُومُ والصَدى والأرْنَبُ والثَعْلَبُ والفَرَسُ، هَذِهِ كُلُّها قَدِ اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ لَها الضَبْحَ، وأنْشَدَ أبُو حَنِيفَةَ في صِفَةِ قَوْسٍ: ؎ حَنّانَة مَن نَشَمٍ أو تَأْلَبِ تَضْبَحُ في الكَفِّ ضِباحَ الثَعْلَبِ والظاهِرُ في الآيَةِ أنَّ القَسَمَ بِالخَيْلِ أو بِالإبِلِ أو بِهِما. قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُورِياتِ قَدْحًا"، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الإبِلُ، وذَلِكَ أنَّها في عَدْوِها تَرْجُمُ الحَصى بِالحَصى فَتَتَطايَرُ مِنهُ النارُ، فَذَلِكَ القَدَحُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الخَيْلُ، وذَلِكَ بِحَوافِرِها في الحِجارَةِ، وذَلِكَ مَعْرُوفٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المُوِرِياتُ قَدْحًا هي الألْسُنُ، فَهَذا عَلى الِاسْتِعارَةِ، أيْ أنَّها بِبَيانِها تَقْدَحُ الحُجَجَ وتُظْهِرُها، وقالَ مُجاهِدٌ: المُورِياتُ قَدْحًا يُرادُ بِهِ مَكْرُ الرِجالِ، وقالَ قَتادَةُ: المُورِياتُ الخَيْلُ تُشْعِلُ الحَرْبَ، فَهي أيْضًا عَلى الِاسْتِعارَةِ البَيِّنَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: الكَلامُ عامٌّ يَدْخُلُ في القَسَمِ كُلُّ مَن يَظْهَرُ بِقَدْحِهِ نارًا، وذَلِكَ شائِعٌ في الأُمَمِ طُولَ الدَهْرِ، وهو نَفْعٌ عَظِيمٌ مِنَ اللهِ تَعالى وقَدْ وقَفَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١]، ومَعْناهُ: تَظْهَرُونَ بِالقَدَحِ، قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: فَقَدَحْنا زِنادَنا ووَرَيْنا فَوْقَ جُرْثُومَةٍ مِنَ الأرْضِ نارًا (p-٦٧٤)قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُغِيراتِ صُبْحًا"، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الإبِلُ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنى، أو في بَدْرٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أغارُ" إذا عَدا حَرْبًا، ونَحْوَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ: هي الخَيْلُ، واللَفْظَةُ مِنَ الغارَةِ في سَبِيلِ اللهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن سَيْرِ الأُمَمِ، وعُرْفُ الغاراتِ أنَّها مَعَ الصَباحِ لِأنَّها تَسْرِي لَيْلَةَ الغارَةِ. و"النَقْعُ": الغُبارُ الساطِعُ المُثارُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فَأثَّرْنَ" بِشَدِّ الثاءِ، والضَمِيرُ في "بِهِ" ظاهِرٌ أنَّهُ لِلصُّبْحِ المَذْكُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمَكانِ والمَوْضِعِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى وإنْ كانَ لَمْ يَجِرْ لَهُ ذِكْرٌ، ولِهَذا أمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ، ومَشْهُورَةٌ "إثارَةُ النَقْعِ" هو لِلْخَيْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ يُخْرِجْنَ مِن فُرُجاتِ النَقْعِ دامِيَةً ∗∗∗ كَأنَّ آذانَها أطْرافُ أقْلامِ وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو هُنا لِلْإبِلِ تُثِيرُ النَقْعَ بِأخْفافِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبى طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي الإبِلُ، و"جَمْعٌ" هي المُزْدَلِفَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: هي الخَيْلُ، والمُرادُ جَمْعٌ مِنَ الناسِ هُمُ المَغْزُوُّونَ، وقَرَأ عَلَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: "فَوَسَّطْنَ" بِشَدِّ السِينِ، وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي خازِمٍ: ؎ فَوَسَّطْنَ جَمْعُهم وأفْلَتَ حاجِبٌ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبارِ الأقْتَمِ (p-٦٧٥)وَذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ تَفْسِيرَ هَذِهِ الألْفاظِ ويَقُولُ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ والأُمَّةِ مُفَسِّرُونَ لَها كَما ذَكَرْنا. والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، ورُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "أتُدْرُونَ ما الكَنُودُ"؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "الكَنُودُ الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رَفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ"،» وقَدْ يَكُونُ في المُؤْمِنِينَ الكَفُورُ بِالنِعْمَةِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: إنَّ الإنْسانَ لِنِعْمَةِ رَبِّهِ لِكَنُودٌ، و"أرْضٌ كَنُودٌ": لا تُنْبِتُ شَيْئًا، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الكَنُودُ: اللائِمُ لِرَبِّهِ سُبْحانَهُ، الَّذِي يَعُدُّ السَيِّئاتِ ويَنْسى الحَسَناتِ، والكَنُودُ: العاصِي بِلُغَةِ كِنْدَةَ، ويُقالُ لِلْخَيْلِ: كَنُودٌ، وقالَ أبُو زُبَيْدٍ: ؎ إنْ تَفْتِنِي فَلَمْ أطِبْ عنكَ نَفْسًا ∗∗∗ غَيْرَ أنِّي أمْنى بِدَهْرٍ كَنُودٍ وقالَ الفُضَيْلُ: الكَنُودُ هو الَّذِي تُنْسِيهِ سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ حَسَناتٍ كَثِيرَةٍ، ويُعامِلُ اللهُ عَلى عَقْدِ عِوَضٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ يَحْتَمِلُ الضَمِيرُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، وقالَهُ قَتادَةُ، أيْ: ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ، ونَفْسُ هَذا الخَبَرِ يَقْتَضِي الشَهادَةَ بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الإنْسانِ أيْ: أفْعالُهُ وأقْوالُهُ وحالُهُ المَعْلُومَةُ مِن هَذِهِ الأخْلاقِ تَشْهَدُ عَلَيْهِ، فَهو شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، عائِدٌ عَلى الإنْسانِ لا غَيْرُ والمَعْنى: مِن أجْلِ حُبِّ الخَيْرِ لِشَدِيدٌ، أيْ: بَخِيلٌ بِالمالِ ضابِطٌ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٦٧٦) ؎ أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفُّ ∗∗∗ عَقَيْلَةَ مالَ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ و"الخَيْرُ" المالُ عَلى عُرْفِ ذَلِكَ في كِتابِ اللهِ تَعالى، قالَ عِكْرِمَةُ: الخَيْرُ حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ فَهو المالُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ هُنا الخَيْرَ الدُنْيَوِيَّ مِن مالٍ وصِحَّةٍ وجاهٍ عِنْدَ المُلُوكِ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأمّا المُحِبُّ في خَيْرِ الآخِرَةِ فَمَمْدُوحٌ مَرْجُوٌّ لَهُ الفَوْزُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَلا يَعْلَمُ" تَوْقِيفٌ عَلى المَآلِ والمَصِيرِ، أيْ: أفَلا يَعْلَمُ مَآلَهُ ومَصِيرَهُ فَيَسْتَعِدُّ لَهُ؟ و"بَعْثَرَةُ ما في القُبُورِ"، نَقْضُهُ مِمّا يَسْتُرُهُ والبَحْثُ عنهُ، وهى عِبارَةٌ عَنِ البَعْثِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بَحْثُ ما في القُبُورِ"، وفي حِرْفِ أُبَيٍّ "وَبَحْثَرَتِ القُبُورُ". و"تَحْصِيلُ ما في الصُدُورِ": تَمْيِيزُهُ وكَشْفُهُ لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلَيْهِ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ ونِيَّةٍ، ويُفَسِّرُهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَيُبْعَثُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ"،» وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِفَتْحِ الحاءِ والصادِ. ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الخَبَرُ الصادِقُ الجَزْمُ بِأنَّ اللهَ تَعالى خَبِيرٌ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ، وهو تَعالى خَبِيرٌ دائِمًا، لَكِنْ خَصَّصَ يَوْمَئِذٍ لِأنَّهُ يَوْمُ المُجازاةِ، فَإلَيْهِ طَمَحَتِ النُفُوسُ، وفى هَذا وعِيدٌ مُصَرَّحٌ. كَمُلَ تَفْسِيرُ "العادِيّات" والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

العاديات 100:2

(p-٦٧٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ العادِيّاتِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ: هي مَدَنِيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالعادِياتِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: أرادَ الخَيْلَ لِأنَّها تَعْدُو بِالفُرْسانِ وتَضْبَحُ بِأصْواتِها، قالَ بَعْضُهُمْ: وسَبَبُها «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا إلى بَنِي كِنانَةَ سَرِيَّةً فَأبْطَأ أمْرُها عَلَيْهِ حَتّى أرْجَفَ بَعْضُ المُنافِقِينَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» مُعْلِمَةُ أنَّ خَيْلَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قَدْ فَعَلَتْ جَمِيعَ ما في الآياتِ. وقالَ آخَرُونَ: القَسَمُ هو بِالخَيْلِ جُمْلَةٌ لِأنَّها تَعْدُو ضابِحَةً قَدِيمًا وحَدِيثًا، وهي حاصِرَةُ البِلادِ وهادِمَةُ المَمالِكِ وفي نَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمُ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: العادِياتُ في هَذِهِ الآيَةِ الإبِلُ لِأنَّها تَضْبَحُ في عَدْوِها، وقالَ عَلَيٌّ: والقَسَمُ بِالإبِلِ العادِياتِ مِن عَرَفَةَ ومِن مُزْدَلِفَةَ إذا دَفَعَ الحاجُّ، وبِإبِلِ غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الغَزْوَةِ غَيْرُ فَرَسَيْنِ، فَرَسُ المِقْدادِ وفَرَسُ الزُبَيْرِ. و"الضِبْحُ" تَصْوِيتُ جَهِيرٌ عِنْدَ العَدْوِ الشَدِيدِ، لَيْسَ بِصَهِيلٍ ولا رُغاءٍ ولا نُباحٍ، بَلْ هو غَيْرُ المُعْتادِ مِن صَوْتِ الحَيَوانِ الَّذِي يَضْبَحُ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَيْسَ يُضْبَحُ مِنَ الحَيَوانِ غَيْرُ الخَيْلِ والكِلابِ، وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، (p-٦٧٣)وَذَلِكَ أنَّ الإبِلَ تُضْبَحُ، والأُسُودُ مِنَ الحَيّاتِ، والبُومُ والصَدى والأرْنَبُ والثَعْلَبُ والفَرَسُ، هَذِهِ كُلُّها قَدِ اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ لَها الضَبْحَ، وأنْشَدَ أبُو حَنِيفَةَ في صِفَةِ قَوْسٍ: ؎ حَنّانَة مَن نَشَمٍ أو تَأْلَبِ تَضْبَحُ في الكَفِّ ضِباحَ الثَعْلَبِ والظاهِرُ في الآيَةِ أنَّ القَسَمَ بِالخَيْلِ أو بِالإبِلِ أو بِهِما. قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُورِياتِ قَدْحًا"، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الإبِلُ، وذَلِكَ أنَّها في عَدْوِها تَرْجُمُ الحَصى بِالحَصى فَتَتَطايَرُ مِنهُ النارُ، فَذَلِكَ القَدَحُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الخَيْلُ، وذَلِكَ بِحَوافِرِها في الحِجارَةِ، وذَلِكَ مَعْرُوفٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المُوِرِياتُ قَدْحًا هي الألْسُنُ، فَهَذا عَلى الِاسْتِعارَةِ، أيْ أنَّها بِبَيانِها تَقْدَحُ الحُجَجَ وتُظْهِرُها، وقالَ مُجاهِدٌ: المُورِياتُ قَدْحًا يُرادُ بِهِ مَكْرُ الرِجالِ، وقالَ قَتادَةُ: المُورِياتُ الخَيْلُ تُشْعِلُ الحَرْبَ، فَهي أيْضًا عَلى الِاسْتِعارَةِ البَيِّنَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: الكَلامُ عامٌّ يَدْخُلُ في القَسَمِ كُلُّ مَن يَظْهَرُ بِقَدْحِهِ نارًا، وذَلِكَ شائِعٌ في الأُمَمِ طُولَ الدَهْرِ، وهو نَفْعٌ عَظِيمٌ مِنَ اللهِ تَعالى وقَدْ وقَفَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١]، ومَعْناهُ: تَظْهَرُونَ بِالقَدَحِ، قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: فَقَدَحْنا زِنادَنا ووَرَيْنا فَوْقَ جُرْثُومَةٍ مِنَ الأرْضِ نارًا (p-٦٧٤)قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُغِيراتِ صُبْحًا"، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الإبِلُ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنى، أو في بَدْرٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أغارُ" إذا عَدا حَرْبًا، ونَحْوَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ: هي الخَيْلُ، واللَفْظَةُ مِنَ الغارَةِ في سَبِيلِ اللهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن سَيْرِ الأُمَمِ، وعُرْفُ الغاراتِ أنَّها مَعَ الصَباحِ لِأنَّها تَسْرِي لَيْلَةَ الغارَةِ. و"النَقْعُ": الغُبارُ الساطِعُ المُثارُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فَأثَّرْنَ" بِشَدِّ الثاءِ، والضَمِيرُ في "بِهِ" ظاهِرٌ أنَّهُ لِلصُّبْحِ المَذْكُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمَكانِ والمَوْضِعِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى وإنْ كانَ لَمْ يَجِرْ لَهُ ذِكْرٌ، ولِهَذا أمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ، ومَشْهُورَةٌ "إثارَةُ النَقْعِ" هو لِلْخَيْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ يُخْرِجْنَ مِن فُرُجاتِ النَقْعِ دامِيَةً ∗∗∗ كَأنَّ آذانَها أطْرافُ أقْلامِ وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو هُنا لِلْإبِلِ تُثِيرُ النَقْعَ بِأخْفافِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبى طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي الإبِلُ، و"جَمْعٌ" هي المُزْدَلِفَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: هي الخَيْلُ، والمُرادُ جَمْعٌ مِنَ الناسِ هُمُ المَغْزُوُّونَ، وقَرَأ عَلَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: "فَوَسَّطْنَ" بِشَدِّ السِينِ، وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي خازِمٍ: ؎ فَوَسَّطْنَ جَمْعُهم وأفْلَتَ حاجِبٌ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبارِ الأقْتَمِ (p-٦٧٥)وَذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ تَفْسِيرَ هَذِهِ الألْفاظِ ويَقُولُ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ والأُمَّةِ مُفَسِّرُونَ لَها كَما ذَكَرْنا. والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، ورُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "أتُدْرُونَ ما الكَنُودُ"؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "الكَنُودُ الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رَفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ"،» وقَدْ يَكُونُ في المُؤْمِنِينَ الكَفُورُ بِالنِعْمَةِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: إنَّ الإنْسانَ لِنِعْمَةِ رَبِّهِ لِكَنُودٌ، و"أرْضٌ كَنُودٌ": لا تُنْبِتُ شَيْئًا، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الكَنُودُ: اللائِمُ لِرَبِّهِ سُبْحانَهُ، الَّذِي يَعُدُّ السَيِّئاتِ ويَنْسى الحَسَناتِ، والكَنُودُ: العاصِي بِلُغَةِ كِنْدَةَ، ويُقالُ لِلْخَيْلِ: كَنُودٌ، وقالَ أبُو زُبَيْدٍ: ؎ إنْ تَفْتِنِي فَلَمْ أطِبْ عنكَ نَفْسًا ∗∗∗ غَيْرَ أنِّي أمْنى بِدَهْرٍ كَنُودٍ وقالَ الفُضَيْلُ: الكَنُودُ هو الَّذِي تُنْسِيهِ سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ حَسَناتٍ كَثِيرَةٍ، ويُعامِلُ اللهُ عَلى عَقْدِ عِوَضٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ يَحْتَمِلُ الضَمِيرُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، وقالَهُ قَتادَةُ، أيْ: ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ، ونَفْسُ هَذا الخَبَرِ يَقْتَضِي الشَهادَةَ بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الإنْسانِ أيْ: أفْعالُهُ وأقْوالُهُ وحالُهُ المَعْلُومَةُ مِن هَذِهِ الأخْلاقِ تَشْهَدُ عَلَيْهِ، فَهو شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، عائِدٌ عَلى الإنْسانِ لا غَيْرُ والمَعْنى: مِن أجْلِ حُبِّ الخَيْرِ لِشَدِيدٌ، أيْ: بَخِيلٌ بِالمالِ ضابِطٌ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٦٧٦) ؎ أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفُّ ∗∗∗ عَقَيْلَةَ مالَ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ و"الخَيْرُ" المالُ عَلى عُرْفِ ذَلِكَ في كِتابِ اللهِ تَعالى، قالَ عِكْرِمَةُ: الخَيْرُ حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ فَهو المالُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ هُنا الخَيْرَ الدُنْيَوِيَّ مِن مالٍ وصِحَّةٍ وجاهٍ عِنْدَ المُلُوكِ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأمّا المُحِبُّ في خَيْرِ الآخِرَةِ فَمَمْدُوحٌ مَرْجُوٌّ لَهُ الفَوْزُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَلا يَعْلَمُ" تَوْقِيفٌ عَلى المَآلِ والمَصِيرِ، أيْ: أفَلا يَعْلَمُ مَآلَهُ ومَصِيرَهُ فَيَسْتَعِدُّ لَهُ؟ و"بَعْثَرَةُ ما في القُبُورِ"، نَقْضُهُ مِمّا يَسْتُرُهُ والبَحْثُ عنهُ، وهى عِبارَةٌ عَنِ البَعْثِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بَحْثُ ما في القُبُورِ"، وفي حِرْفِ أُبَيٍّ "وَبَحْثَرَتِ القُبُورُ". و"تَحْصِيلُ ما في الصُدُورِ": تَمْيِيزُهُ وكَشْفُهُ لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلَيْهِ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ ونِيَّةٍ، ويُفَسِّرُهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَيُبْعَثُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ"،» وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِفَتْحِ الحاءِ والصادِ. ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الخَبَرُ الصادِقُ الجَزْمُ بِأنَّ اللهَ تَعالى خَبِيرٌ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ، وهو تَعالى خَبِيرٌ دائِمًا، لَكِنْ خَصَّصَ يَوْمَئِذٍ لِأنَّهُ يَوْمُ المُجازاةِ، فَإلَيْهِ طَمَحَتِ النُفُوسُ، وفى هَذا وعِيدٌ مُصَرَّحٌ. كَمُلَ تَفْسِيرُ "العادِيّات" والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

العاديات 100:3

(p-٦٧٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ العادِيّاتِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ: هي مَدَنِيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالعادِياتِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: أرادَ الخَيْلَ لِأنَّها تَعْدُو بِالفُرْسانِ وتَضْبَحُ بِأصْواتِها، قالَ بَعْضُهُمْ: وسَبَبُها «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا إلى بَنِي كِنانَةَ سَرِيَّةً فَأبْطَأ أمْرُها عَلَيْهِ حَتّى أرْجَفَ بَعْضُ المُنافِقِينَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» مُعْلِمَةُ أنَّ خَيْلَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قَدْ فَعَلَتْ جَمِيعَ ما في الآياتِ. وقالَ آخَرُونَ: القَسَمُ هو بِالخَيْلِ جُمْلَةٌ لِأنَّها تَعْدُو ضابِحَةً قَدِيمًا وحَدِيثًا، وهي حاصِرَةُ البِلادِ وهادِمَةُ المَمالِكِ وفي نَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمُ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: العادِياتُ في هَذِهِ الآيَةِ الإبِلُ لِأنَّها تَضْبَحُ في عَدْوِها، وقالَ عَلَيٌّ: والقَسَمُ بِالإبِلِ العادِياتِ مِن عَرَفَةَ ومِن مُزْدَلِفَةَ إذا دَفَعَ الحاجُّ، وبِإبِلِ غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الغَزْوَةِ غَيْرُ فَرَسَيْنِ، فَرَسُ المِقْدادِ وفَرَسُ الزُبَيْرِ. و"الضِبْحُ" تَصْوِيتُ جَهِيرٌ عِنْدَ العَدْوِ الشَدِيدِ، لَيْسَ بِصَهِيلٍ ولا رُغاءٍ ولا نُباحٍ، بَلْ هو غَيْرُ المُعْتادِ مِن صَوْتِ الحَيَوانِ الَّذِي يَضْبَحُ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَيْسَ يُضْبَحُ مِنَ الحَيَوانِ غَيْرُ الخَيْلِ والكِلابِ، وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، (p-٦٧٣)وَذَلِكَ أنَّ الإبِلَ تُضْبَحُ، والأُسُودُ مِنَ الحَيّاتِ، والبُومُ والصَدى والأرْنَبُ والثَعْلَبُ والفَرَسُ، هَذِهِ كُلُّها قَدِ اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ لَها الضَبْحَ، وأنْشَدَ أبُو حَنِيفَةَ في صِفَةِ قَوْسٍ: ؎ حَنّانَة مَن نَشَمٍ أو تَأْلَبِ تَضْبَحُ في الكَفِّ ضِباحَ الثَعْلَبِ والظاهِرُ في الآيَةِ أنَّ القَسَمَ بِالخَيْلِ أو بِالإبِلِ أو بِهِما. قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُورِياتِ قَدْحًا"، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الإبِلُ، وذَلِكَ أنَّها في عَدْوِها تَرْجُمُ الحَصى بِالحَصى فَتَتَطايَرُ مِنهُ النارُ، فَذَلِكَ القَدَحُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الخَيْلُ، وذَلِكَ بِحَوافِرِها في الحِجارَةِ، وذَلِكَ مَعْرُوفٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المُوِرِياتُ قَدْحًا هي الألْسُنُ، فَهَذا عَلى الِاسْتِعارَةِ، أيْ أنَّها بِبَيانِها تَقْدَحُ الحُجَجَ وتُظْهِرُها، وقالَ مُجاهِدٌ: المُورِياتُ قَدْحًا يُرادُ بِهِ مَكْرُ الرِجالِ، وقالَ قَتادَةُ: المُورِياتُ الخَيْلُ تُشْعِلُ الحَرْبَ، فَهي أيْضًا عَلى الِاسْتِعارَةِ البَيِّنَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: الكَلامُ عامٌّ يَدْخُلُ في القَسَمِ كُلُّ مَن يَظْهَرُ بِقَدْحِهِ نارًا، وذَلِكَ شائِعٌ في الأُمَمِ طُولَ الدَهْرِ، وهو نَفْعٌ عَظِيمٌ مِنَ اللهِ تَعالى وقَدْ وقَفَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١]، ومَعْناهُ: تَظْهَرُونَ بِالقَدَحِ، قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: فَقَدَحْنا زِنادَنا ووَرَيْنا فَوْقَ جُرْثُومَةٍ مِنَ الأرْضِ نارًا (p-٦٧٤)قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُغِيراتِ صُبْحًا"، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الإبِلُ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنى، أو في بَدْرٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أغارُ" إذا عَدا حَرْبًا، ونَحْوَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ: هي الخَيْلُ، واللَفْظَةُ مِنَ الغارَةِ في سَبِيلِ اللهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن سَيْرِ الأُمَمِ، وعُرْفُ الغاراتِ أنَّها مَعَ الصَباحِ لِأنَّها تَسْرِي لَيْلَةَ الغارَةِ. و"النَقْعُ": الغُبارُ الساطِعُ المُثارُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فَأثَّرْنَ" بِشَدِّ الثاءِ، والضَمِيرُ في "بِهِ" ظاهِرٌ أنَّهُ لِلصُّبْحِ المَذْكُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمَكانِ والمَوْضِعِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى وإنْ كانَ لَمْ يَجِرْ لَهُ ذِكْرٌ، ولِهَذا أمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ، ومَشْهُورَةٌ "إثارَةُ النَقْعِ" هو لِلْخَيْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ يُخْرِجْنَ مِن فُرُجاتِ النَقْعِ دامِيَةً ∗∗∗ كَأنَّ آذانَها أطْرافُ أقْلامِ وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو هُنا لِلْإبِلِ تُثِيرُ النَقْعَ بِأخْفافِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبى طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي الإبِلُ، و"جَمْعٌ" هي المُزْدَلِفَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: هي الخَيْلُ، والمُرادُ جَمْعٌ مِنَ الناسِ هُمُ المَغْزُوُّونَ، وقَرَأ عَلَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: "فَوَسَّطْنَ" بِشَدِّ السِينِ، وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي خازِمٍ: ؎ فَوَسَّطْنَ جَمْعُهم وأفْلَتَ حاجِبٌ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبارِ الأقْتَمِ (p-٦٧٥)وَذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ تَفْسِيرَ هَذِهِ الألْفاظِ ويَقُولُ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ والأُمَّةِ مُفَسِّرُونَ لَها كَما ذَكَرْنا. والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، ورُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "أتُدْرُونَ ما الكَنُودُ"؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "الكَنُودُ الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رَفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ"،» وقَدْ يَكُونُ في المُؤْمِنِينَ الكَفُورُ بِالنِعْمَةِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: إنَّ الإنْسانَ لِنِعْمَةِ رَبِّهِ لِكَنُودٌ، و"أرْضٌ كَنُودٌ": لا تُنْبِتُ شَيْئًا، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الكَنُودُ: اللائِمُ لِرَبِّهِ سُبْحانَهُ، الَّذِي يَعُدُّ السَيِّئاتِ ويَنْسى الحَسَناتِ، والكَنُودُ: العاصِي بِلُغَةِ كِنْدَةَ، ويُقالُ لِلْخَيْلِ: كَنُودٌ، وقالَ أبُو زُبَيْدٍ: ؎ إنْ تَفْتِنِي فَلَمْ أطِبْ عنكَ نَفْسًا ∗∗∗ غَيْرَ أنِّي أمْنى بِدَهْرٍ كَنُودٍ وقالَ الفُضَيْلُ: الكَنُودُ هو الَّذِي تُنْسِيهِ سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ حَسَناتٍ كَثِيرَةٍ، ويُعامِلُ اللهُ عَلى عَقْدِ عِوَضٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ يَحْتَمِلُ الضَمِيرُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، وقالَهُ قَتادَةُ، أيْ: ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ، ونَفْسُ هَذا الخَبَرِ يَقْتَضِي الشَهادَةَ بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الإنْسانِ أيْ: أفْعالُهُ وأقْوالُهُ وحالُهُ المَعْلُومَةُ مِن هَذِهِ الأخْلاقِ تَشْهَدُ عَلَيْهِ، فَهو شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، عائِدٌ عَلى الإنْسانِ لا غَيْرُ والمَعْنى: مِن أجْلِ حُبِّ الخَيْرِ لِشَدِيدٌ، أيْ: بَخِيلٌ بِالمالِ ضابِطٌ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٦٧٦) ؎ أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفُّ ∗∗∗ عَقَيْلَةَ مالَ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ و"الخَيْرُ" المالُ عَلى عُرْفِ ذَلِكَ في كِتابِ اللهِ تَعالى، قالَ عِكْرِمَةُ: الخَيْرُ حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ فَهو المالُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ هُنا الخَيْرَ الدُنْيَوِيَّ مِن مالٍ وصِحَّةٍ وجاهٍ عِنْدَ المُلُوكِ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأمّا المُحِبُّ في خَيْرِ الآخِرَةِ فَمَمْدُوحٌ مَرْجُوٌّ لَهُ الفَوْزُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَلا يَعْلَمُ" تَوْقِيفٌ عَلى المَآلِ والمَصِيرِ، أيْ: أفَلا يَعْلَمُ مَآلَهُ ومَصِيرَهُ فَيَسْتَعِدُّ لَهُ؟ و"بَعْثَرَةُ ما في القُبُورِ"، نَقْضُهُ مِمّا يَسْتُرُهُ والبَحْثُ عنهُ، وهى عِبارَةٌ عَنِ البَعْثِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بَحْثُ ما في القُبُورِ"، وفي حِرْفِ أُبَيٍّ "وَبَحْثَرَتِ القُبُورُ". و"تَحْصِيلُ ما في الصُدُورِ": تَمْيِيزُهُ وكَشْفُهُ لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلَيْهِ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ ونِيَّةٍ، ويُفَسِّرُهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَيُبْعَثُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ"،» وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِفَتْحِ الحاءِ والصادِ. ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الخَبَرُ الصادِقُ الجَزْمُ بِأنَّ اللهَ تَعالى خَبِيرٌ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ، وهو تَعالى خَبِيرٌ دائِمًا، لَكِنْ خَصَّصَ يَوْمَئِذٍ لِأنَّهُ يَوْمُ المُجازاةِ، فَإلَيْهِ طَمَحَتِ النُفُوسُ، وفى هَذا وعِيدٌ مُصَرَّحٌ. كَمُلَ تَفْسِيرُ "العادِيّات" والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

العاديات 100:4

(p-٦٧٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ العادِيّاتِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ: هي مَدَنِيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالعادِياتِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: أرادَ الخَيْلَ لِأنَّها تَعْدُو بِالفُرْسانِ وتَضْبَحُ بِأصْواتِها، قالَ بَعْضُهُمْ: وسَبَبُها «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا إلى بَنِي كِنانَةَ سَرِيَّةً فَأبْطَأ أمْرُها عَلَيْهِ حَتّى أرْجَفَ بَعْضُ المُنافِقِينَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» مُعْلِمَةُ أنَّ خَيْلَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قَدْ فَعَلَتْ جَمِيعَ ما في الآياتِ. وقالَ آخَرُونَ: القَسَمُ هو بِالخَيْلِ جُمْلَةٌ لِأنَّها تَعْدُو ضابِحَةً قَدِيمًا وحَدِيثًا، وهي حاصِرَةُ البِلادِ وهادِمَةُ المَمالِكِ وفي نَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمُ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: العادِياتُ في هَذِهِ الآيَةِ الإبِلُ لِأنَّها تَضْبَحُ في عَدْوِها، وقالَ عَلَيٌّ: والقَسَمُ بِالإبِلِ العادِياتِ مِن عَرَفَةَ ومِن مُزْدَلِفَةَ إذا دَفَعَ الحاجُّ، وبِإبِلِ غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الغَزْوَةِ غَيْرُ فَرَسَيْنِ، فَرَسُ المِقْدادِ وفَرَسُ الزُبَيْرِ. و"الضِبْحُ" تَصْوِيتُ جَهِيرٌ عِنْدَ العَدْوِ الشَدِيدِ، لَيْسَ بِصَهِيلٍ ولا رُغاءٍ ولا نُباحٍ، بَلْ هو غَيْرُ المُعْتادِ مِن صَوْتِ الحَيَوانِ الَّذِي يَضْبَحُ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَيْسَ يُضْبَحُ مِنَ الحَيَوانِ غَيْرُ الخَيْلِ والكِلابِ، وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، (p-٦٧٣)وَذَلِكَ أنَّ الإبِلَ تُضْبَحُ، والأُسُودُ مِنَ الحَيّاتِ، والبُومُ والصَدى والأرْنَبُ والثَعْلَبُ والفَرَسُ، هَذِهِ كُلُّها قَدِ اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ لَها الضَبْحَ، وأنْشَدَ أبُو حَنِيفَةَ في صِفَةِ قَوْسٍ: ؎ حَنّانَة مَن نَشَمٍ أو تَأْلَبِ تَضْبَحُ في الكَفِّ ضِباحَ الثَعْلَبِ والظاهِرُ في الآيَةِ أنَّ القَسَمَ بِالخَيْلِ أو بِالإبِلِ أو بِهِما. قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُورِياتِ قَدْحًا"، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الإبِلُ، وذَلِكَ أنَّها في عَدْوِها تَرْجُمُ الحَصى بِالحَصى فَتَتَطايَرُ مِنهُ النارُ، فَذَلِكَ القَدَحُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الخَيْلُ، وذَلِكَ بِحَوافِرِها في الحِجارَةِ، وذَلِكَ مَعْرُوفٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المُوِرِياتُ قَدْحًا هي الألْسُنُ، فَهَذا عَلى الِاسْتِعارَةِ، أيْ أنَّها بِبَيانِها تَقْدَحُ الحُجَجَ وتُظْهِرُها، وقالَ مُجاهِدٌ: المُورِياتُ قَدْحًا يُرادُ بِهِ مَكْرُ الرِجالِ، وقالَ قَتادَةُ: المُورِياتُ الخَيْلُ تُشْعِلُ الحَرْبَ، فَهي أيْضًا عَلى الِاسْتِعارَةِ البَيِّنَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: الكَلامُ عامٌّ يَدْخُلُ في القَسَمِ كُلُّ مَن يَظْهَرُ بِقَدْحِهِ نارًا، وذَلِكَ شائِعٌ في الأُمَمِ طُولَ الدَهْرِ، وهو نَفْعٌ عَظِيمٌ مِنَ اللهِ تَعالى وقَدْ وقَفَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١]، ومَعْناهُ: تَظْهَرُونَ بِالقَدَحِ، قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: فَقَدَحْنا زِنادَنا ووَرَيْنا فَوْقَ جُرْثُومَةٍ مِنَ الأرْضِ نارًا (p-٦٧٤)قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُغِيراتِ صُبْحًا"، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الإبِلُ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنى، أو في بَدْرٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أغارُ" إذا عَدا حَرْبًا، ونَحْوَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ: هي الخَيْلُ، واللَفْظَةُ مِنَ الغارَةِ في سَبِيلِ اللهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن سَيْرِ الأُمَمِ، وعُرْفُ الغاراتِ أنَّها مَعَ الصَباحِ لِأنَّها تَسْرِي لَيْلَةَ الغارَةِ. و"النَقْعُ": الغُبارُ الساطِعُ المُثارُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فَأثَّرْنَ" بِشَدِّ الثاءِ، والضَمِيرُ في "بِهِ" ظاهِرٌ أنَّهُ لِلصُّبْحِ المَذْكُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمَكانِ والمَوْضِعِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى وإنْ كانَ لَمْ يَجِرْ لَهُ ذِكْرٌ، ولِهَذا أمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ، ومَشْهُورَةٌ "إثارَةُ النَقْعِ" هو لِلْخَيْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ يُخْرِجْنَ مِن فُرُجاتِ النَقْعِ دامِيَةً ∗∗∗ كَأنَّ آذانَها أطْرافُ أقْلامِ وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو هُنا لِلْإبِلِ تُثِيرُ النَقْعَ بِأخْفافِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبى طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي الإبِلُ، و"جَمْعٌ" هي المُزْدَلِفَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: هي الخَيْلُ، والمُرادُ جَمْعٌ مِنَ الناسِ هُمُ المَغْزُوُّونَ، وقَرَأ عَلَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: "فَوَسَّطْنَ" بِشَدِّ السِينِ، وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي خازِمٍ: ؎ فَوَسَّطْنَ جَمْعُهم وأفْلَتَ حاجِبٌ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبارِ الأقْتَمِ (p-٦٧٥)وَذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ تَفْسِيرَ هَذِهِ الألْفاظِ ويَقُولُ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ والأُمَّةِ مُفَسِّرُونَ لَها كَما ذَكَرْنا. والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، ورُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "أتُدْرُونَ ما الكَنُودُ"؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "الكَنُودُ الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رَفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ"،» وقَدْ يَكُونُ في المُؤْمِنِينَ الكَفُورُ بِالنِعْمَةِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: إنَّ الإنْسانَ لِنِعْمَةِ رَبِّهِ لِكَنُودٌ، و"أرْضٌ كَنُودٌ": لا تُنْبِتُ شَيْئًا، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الكَنُودُ: اللائِمُ لِرَبِّهِ سُبْحانَهُ، الَّذِي يَعُدُّ السَيِّئاتِ ويَنْسى الحَسَناتِ، والكَنُودُ: العاصِي بِلُغَةِ كِنْدَةَ، ويُقالُ لِلْخَيْلِ: كَنُودٌ، وقالَ أبُو زُبَيْدٍ: ؎ إنْ تَفْتِنِي فَلَمْ أطِبْ عنكَ نَفْسًا ∗∗∗ غَيْرَ أنِّي أمْنى بِدَهْرٍ كَنُودٍ وقالَ الفُضَيْلُ: الكَنُودُ هو الَّذِي تُنْسِيهِ سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ حَسَناتٍ كَثِيرَةٍ، ويُعامِلُ اللهُ عَلى عَقْدِ عِوَضٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ يَحْتَمِلُ الضَمِيرُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، وقالَهُ قَتادَةُ، أيْ: ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ، ونَفْسُ هَذا الخَبَرِ يَقْتَضِي الشَهادَةَ بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الإنْسانِ أيْ: أفْعالُهُ وأقْوالُهُ وحالُهُ المَعْلُومَةُ مِن هَذِهِ الأخْلاقِ تَشْهَدُ عَلَيْهِ، فَهو شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، عائِدٌ عَلى الإنْسانِ لا غَيْرُ والمَعْنى: مِن أجْلِ حُبِّ الخَيْرِ لِشَدِيدٌ، أيْ: بَخِيلٌ بِالمالِ ضابِطٌ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٦٧٦) ؎ أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفُّ ∗∗∗ عَقَيْلَةَ مالَ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ و"الخَيْرُ" المالُ عَلى عُرْفِ ذَلِكَ في كِتابِ اللهِ تَعالى، قالَ عِكْرِمَةُ: الخَيْرُ حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ فَهو المالُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ هُنا الخَيْرَ الدُنْيَوِيَّ مِن مالٍ وصِحَّةٍ وجاهٍ عِنْدَ المُلُوكِ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأمّا المُحِبُّ في خَيْرِ الآخِرَةِ فَمَمْدُوحٌ مَرْجُوٌّ لَهُ الفَوْزُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَلا يَعْلَمُ" تَوْقِيفٌ عَلى المَآلِ والمَصِيرِ، أيْ: أفَلا يَعْلَمُ مَآلَهُ ومَصِيرَهُ فَيَسْتَعِدُّ لَهُ؟ و"بَعْثَرَةُ ما في القُبُورِ"، نَقْضُهُ مِمّا يَسْتُرُهُ والبَحْثُ عنهُ، وهى عِبارَةٌ عَنِ البَعْثِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بَحْثُ ما في القُبُورِ"، وفي حِرْفِ أُبَيٍّ "وَبَحْثَرَتِ القُبُورُ". و"تَحْصِيلُ ما في الصُدُورِ": تَمْيِيزُهُ وكَشْفُهُ لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلَيْهِ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ ونِيَّةٍ، ويُفَسِّرُهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَيُبْعَثُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ"،» وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِفَتْحِ الحاءِ والصادِ. ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الخَبَرُ الصادِقُ الجَزْمُ بِأنَّ اللهَ تَعالى خَبِيرٌ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ، وهو تَعالى خَبِيرٌ دائِمًا، لَكِنْ خَصَّصَ يَوْمَئِذٍ لِأنَّهُ يَوْمُ المُجازاةِ، فَإلَيْهِ طَمَحَتِ النُفُوسُ، وفى هَذا وعِيدٌ مُصَرَّحٌ. كَمُلَ تَفْسِيرُ "العادِيّات" والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

العاديات 100:5

(p-٦٧٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ العادِيّاتِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ: هي مَدَنِيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالعادِياتِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: أرادَ الخَيْلَ لِأنَّها تَعْدُو بِالفُرْسانِ وتَضْبَحُ بِأصْواتِها، قالَ بَعْضُهُمْ: وسَبَبُها «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا إلى بَنِي كِنانَةَ سَرِيَّةً فَأبْطَأ أمْرُها عَلَيْهِ حَتّى أرْجَفَ بَعْضُ المُنافِقِينَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» مُعْلِمَةُ أنَّ خَيْلَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قَدْ فَعَلَتْ جَمِيعَ ما في الآياتِ. وقالَ آخَرُونَ: القَسَمُ هو بِالخَيْلِ جُمْلَةٌ لِأنَّها تَعْدُو ضابِحَةً قَدِيمًا وحَدِيثًا، وهي حاصِرَةُ البِلادِ وهادِمَةُ المَمالِكِ وفي نَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمُ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: العادِياتُ في هَذِهِ الآيَةِ الإبِلُ لِأنَّها تَضْبَحُ في عَدْوِها، وقالَ عَلَيٌّ: والقَسَمُ بِالإبِلِ العادِياتِ مِن عَرَفَةَ ومِن مُزْدَلِفَةَ إذا دَفَعَ الحاجُّ، وبِإبِلِ غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الغَزْوَةِ غَيْرُ فَرَسَيْنِ، فَرَسُ المِقْدادِ وفَرَسُ الزُبَيْرِ. و"الضِبْحُ" تَصْوِيتُ جَهِيرٌ عِنْدَ العَدْوِ الشَدِيدِ، لَيْسَ بِصَهِيلٍ ولا رُغاءٍ ولا نُباحٍ، بَلْ هو غَيْرُ المُعْتادِ مِن صَوْتِ الحَيَوانِ الَّذِي يَضْبَحُ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَيْسَ يُضْبَحُ مِنَ الحَيَوانِ غَيْرُ الخَيْلِ والكِلابِ، وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، (p-٦٧٣)وَذَلِكَ أنَّ الإبِلَ تُضْبَحُ، والأُسُودُ مِنَ الحَيّاتِ، والبُومُ والصَدى والأرْنَبُ والثَعْلَبُ والفَرَسُ، هَذِهِ كُلُّها قَدِ اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ لَها الضَبْحَ، وأنْشَدَ أبُو حَنِيفَةَ في صِفَةِ قَوْسٍ: ؎ حَنّانَة مَن نَشَمٍ أو تَأْلَبِ تَضْبَحُ في الكَفِّ ضِباحَ الثَعْلَبِ والظاهِرُ في الآيَةِ أنَّ القَسَمَ بِالخَيْلِ أو بِالإبِلِ أو بِهِما. قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُورِياتِ قَدْحًا"، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الإبِلُ، وذَلِكَ أنَّها في عَدْوِها تَرْجُمُ الحَصى بِالحَصى فَتَتَطايَرُ مِنهُ النارُ، فَذَلِكَ القَدَحُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الخَيْلُ، وذَلِكَ بِحَوافِرِها في الحِجارَةِ، وذَلِكَ مَعْرُوفٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المُوِرِياتُ قَدْحًا هي الألْسُنُ، فَهَذا عَلى الِاسْتِعارَةِ، أيْ أنَّها بِبَيانِها تَقْدَحُ الحُجَجَ وتُظْهِرُها، وقالَ مُجاهِدٌ: المُورِياتُ قَدْحًا يُرادُ بِهِ مَكْرُ الرِجالِ، وقالَ قَتادَةُ: المُورِياتُ الخَيْلُ تُشْعِلُ الحَرْبَ، فَهي أيْضًا عَلى الِاسْتِعارَةِ البَيِّنَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: الكَلامُ عامٌّ يَدْخُلُ في القَسَمِ كُلُّ مَن يَظْهَرُ بِقَدْحِهِ نارًا، وذَلِكَ شائِعٌ في الأُمَمِ طُولَ الدَهْرِ، وهو نَفْعٌ عَظِيمٌ مِنَ اللهِ تَعالى وقَدْ وقَفَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١]، ومَعْناهُ: تَظْهَرُونَ بِالقَدَحِ، قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: فَقَدَحْنا زِنادَنا ووَرَيْنا فَوْقَ جُرْثُومَةٍ مِنَ الأرْضِ نارًا (p-٦٧٤)قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُغِيراتِ صُبْحًا"، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الإبِلُ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنى، أو في بَدْرٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أغارُ" إذا عَدا حَرْبًا، ونَحْوَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ: هي الخَيْلُ، واللَفْظَةُ مِنَ الغارَةِ في سَبِيلِ اللهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن سَيْرِ الأُمَمِ، وعُرْفُ الغاراتِ أنَّها مَعَ الصَباحِ لِأنَّها تَسْرِي لَيْلَةَ الغارَةِ. و"النَقْعُ": الغُبارُ الساطِعُ المُثارُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فَأثَّرْنَ" بِشَدِّ الثاءِ، والضَمِيرُ في "بِهِ" ظاهِرٌ أنَّهُ لِلصُّبْحِ المَذْكُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمَكانِ والمَوْضِعِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى وإنْ كانَ لَمْ يَجِرْ لَهُ ذِكْرٌ، ولِهَذا أمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ، ومَشْهُورَةٌ "إثارَةُ النَقْعِ" هو لِلْخَيْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ يُخْرِجْنَ مِن فُرُجاتِ النَقْعِ دامِيَةً ∗∗∗ كَأنَّ آذانَها أطْرافُ أقْلامِ وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو هُنا لِلْإبِلِ تُثِيرُ النَقْعَ بِأخْفافِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبى طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي الإبِلُ، و"جَمْعٌ" هي المُزْدَلِفَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: هي الخَيْلُ، والمُرادُ جَمْعٌ مِنَ الناسِ هُمُ المَغْزُوُّونَ، وقَرَأ عَلَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: "فَوَسَّطْنَ" بِشَدِّ السِينِ، وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي خازِمٍ: ؎ فَوَسَّطْنَ جَمْعُهم وأفْلَتَ حاجِبٌ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبارِ الأقْتَمِ (p-٦٧٥)وَذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ تَفْسِيرَ هَذِهِ الألْفاظِ ويَقُولُ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ والأُمَّةِ مُفَسِّرُونَ لَها كَما ذَكَرْنا. والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، ورُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "أتُدْرُونَ ما الكَنُودُ"؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "الكَنُودُ الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رَفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ"،» وقَدْ يَكُونُ في المُؤْمِنِينَ الكَفُورُ بِالنِعْمَةِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: إنَّ الإنْسانَ لِنِعْمَةِ رَبِّهِ لِكَنُودٌ، و"أرْضٌ كَنُودٌ": لا تُنْبِتُ شَيْئًا، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الكَنُودُ: اللائِمُ لِرَبِّهِ سُبْحانَهُ، الَّذِي يَعُدُّ السَيِّئاتِ ويَنْسى الحَسَناتِ، والكَنُودُ: العاصِي بِلُغَةِ كِنْدَةَ، ويُقالُ لِلْخَيْلِ: كَنُودٌ، وقالَ أبُو زُبَيْدٍ: ؎ إنْ تَفْتِنِي فَلَمْ أطِبْ عنكَ نَفْسًا ∗∗∗ غَيْرَ أنِّي أمْنى بِدَهْرٍ كَنُودٍ وقالَ الفُضَيْلُ: الكَنُودُ هو الَّذِي تُنْسِيهِ سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ حَسَناتٍ كَثِيرَةٍ، ويُعامِلُ اللهُ عَلى عَقْدِ عِوَضٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ يَحْتَمِلُ الضَمِيرُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، وقالَهُ قَتادَةُ، أيْ: ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ، ونَفْسُ هَذا الخَبَرِ يَقْتَضِي الشَهادَةَ بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الإنْسانِ أيْ: أفْعالُهُ وأقْوالُهُ وحالُهُ المَعْلُومَةُ مِن هَذِهِ الأخْلاقِ تَشْهَدُ عَلَيْهِ، فَهو شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، عائِدٌ عَلى الإنْسانِ لا غَيْرُ والمَعْنى: مِن أجْلِ حُبِّ الخَيْرِ لِشَدِيدٌ، أيْ: بَخِيلٌ بِالمالِ ضابِطٌ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٦٧٦) ؎ أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفُّ ∗∗∗ عَقَيْلَةَ مالَ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ و"الخَيْرُ" المالُ عَلى عُرْفِ ذَلِكَ في كِتابِ اللهِ تَعالى، قالَ عِكْرِمَةُ: الخَيْرُ حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ فَهو المالُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ هُنا الخَيْرَ الدُنْيَوِيَّ مِن مالٍ وصِحَّةٍ وجاهٍ عِنْدَ المُلُوكِ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأمّا المُحِبُّ في خَيْرِ الآخِرَةِ فَمَمْدُوحٌ مَرْجُوٌّ لَهُ الفَوْزُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَلا يَعْلَمُ" تَوْقِيفٌ عَلى المَآلِ والمَصِيرِ، أيْ: أفَلا يَعْلَمُ مَآلَهُ ومَصِيرَهُ فَيَسْتَعِدُّ لَهُ؟ و"بَعْثَرَةُ ما في القُبُورِ"، نَقْضُهُ مِمّا يَسْتُرُهُ والبَحْثُ عنهُ، وهى عِبارَةٌ عَنِ البَعْثِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بَحْثُ ما في القُبُورِ"، وفي حِرْفِ أُبَيٍّ "وَبَحْثَرَتِ القُبُورُ". و"تَحْصِيلُ ما في الصُدُورِ": تَمْيِيزُهُ وكَشْفُهُ لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلَيْهِ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ ونِيَّةٍ، ويُفَسِّرُهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَيُبْعَثُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ"،» وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِفَتْحِ الحاءِ والصادِ. ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الخَبَرُ الصادِقُ الجَزْمُ بِأنَّ اللهَ تَعالى خَبِيرٌ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ، وهو تَعالى خَبِيرٌ دائِمًا، لَكِنْ خَصَّصَ يَوْمَئِذٍ لِأنَّهُ يَوْمُ المُجازاةِ، فَإلَيْهِ طَمَحَتِ النُفُوسُ، وفى هَذا وعِيدٌ مُصَرَّحٌ. كَمُلَ تَفْسِيرُ "العادِيّات" والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

العاديات 100:6

(p-٦٧٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ العادِيّاتِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ: هي مَدَنِيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالعادِياتِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: أرادَ الخَيْلَ لِأنَّها تَعْدُو بِالفُرْسانِ وتَضْبَحُ بِأصْواتِها، قالَ بَعْضُهُمْ: وسَبَبُها «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا إلى بَنِي كِنانَةَ سَرِيَّةً فَأبْطَأ أمْرُها عَلَيْهِ حَتّى أرْجَفَ بَعْضُ المُنافِقِينَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» مُعْلِمَةُ أنَّ خَيْلَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قَدْ فَعَلَتْ جَمِيعَ ما في الآياتِ. وقالَ آخَرُونَ: القَسَمُ هو بِالخَيْلِ جُمْلَةٌ لِأنَّها تَعْدُو ضابِحَةً قَدِيمًا وحَدِيثًا، وهي حاصِرَةُ البِلادِ وهادِمَةُ المَمالِكِ وفي نَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمُ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: العادِياتُ في هَذِهِ الآيَةِ الإبِلُ لِأنَّها تَضْبَحُ في عَدْوِها، وقالَ عَلَيٌّ: والقَسَمُ بِالإبِلِ العادِياتِ مِن عَرَفَةَ ومِن مُزْدَلِفَةَ إذا دَفَعَ الحاجُّ، وبِإبِلِ غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الغَزْوَةِ غَيْرُ فَرَسَيْنِ، فَرَسُ المِقْدادِ وفَرَسُ الزُبَيْرِ. و"الضِبْحُ" تَصْوِيتُ جَهِيرٌ عِنْدَ العَدْوِ الشَدِيدِ، لَيْسَ بِصَهِيلٍ ولا رُغاءٍ ولا نُباحٍ، بَلْ هو غَيْرُ المُعْتادِ مِن صَوْتِ الحَيَوانِ الَّذِي يَضْبَحُ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَيْسَ يُضْبَحُ مِنَ الحَيَوانِ غَيْرُ الخَيْلِ والكِلابِ، وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، (p-٦٧٣)وَذَلِكَ أنَّ الإبِلَ تُضْبَحُ، والأُسُودُ مِنَ الحَيّاتِ، والبُومُ والصَدى والأرْنَبُ والثَعْلَبُ والفَرَسُ، هَذِهِ كُلُّها قَدِ اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ لَها الضَبْحَ، وأنْشَدَ أبُو حَنِيفَةَ في صِفَةِ قَوْسٍ: ؎ حَنّانَة مَن نَشَمٍ أو تَأْلَبِ تَضْبَحُ في الكَفِّ ضِباحَ الثَعْلَبِ والظاهِرُ في الآيَةِ أنَّ القَسَمَ بِالخَيْلِ أو بِالإبِلِ أو بِهِما. قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُورِياتِ قَدْحًا"، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الإبِلُ، وذَلِكَ أنَّها في عَدْوِها تَرْجُمُ الحَصى بِالحَصى فَتَتَطايَرُ مِنهُ النارُ، فَذَلِكَ القَدَحُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الخَيْلُ، وذَلِكَ بِحَوافِرِها في الحِجارَةِ، وذَلِكَ مَعْرُوفٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المُوِرِياتُ قَدْحًا هي الألْسُنُ، فَهَذا عَلى الِاسْتِعارَةِ، أيْ أنَّها بِبَيانِها تَقْدَحُ الحُجَجَ وتُظْهِرُها، وقالَ مُجاهِدٌ: المُورِياتُ قَدْحًا يُرادُ بِهِ مَكْرُ الرِجالِ، وقالَ قَتادَةُ: المُورِياتُ الخَيْلُ تُشْعِلُ الحَرْبَ، فَهي أيْضًا عَلى الِاسْتِعارَةِ البَيِّنَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: الكَلامُ عامٌّ يَدْخُلُ في القَسَمِ كُلُّ مَن يَظْهَرُ بِقَدْحِهِ نارًا، وذَلِكَ شائِعٌ في الأُمَمِ طُولَ الدَهْرِ، وهو نَفْعٌ عَظِيمٌ مِنَ اللهِ تَعالى وقَدْ وقَفَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١]، ومَعْناهُ: تَظْهَرُونَ بِالقَدَحِ، قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: فَقَدَحْنا زِنادَنا ووَرَيْنا فَوْقَ جُرْثُومَةٍ مِنَ الأرْضِ نارًا (p-٦٧٤)قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُغِيراتِ صُبْحًا"، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الإبِلُ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنى، أو في بَدْرٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أغارُ" إذا عَدا حَرْبًا، ونَحْوَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ: هي الخَيْلُ، واللَفْظَةُ مِنَ الغارَةِ في سَبِيلِ اللهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن سَيْرِ الأُمَمِ، وعُرْفُ الغاراتِ أنَّها مَعَ الصَباحِ لِأنَّها تَسْرِي لَيْلَةَ الغارَةِ. و"النَقْعُ": الغُبارُ الساطِعُ المُثارُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فَأثَّرْنَ" بِشَدِّ الثاءِ، والضَمِيرُ في "بِهِ" ظاهِرٌ أنَّهُ لِلصُّبْحِ المَذْكُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمَكانِ والمَوْضِعِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى وإنْ كانَ لَمْ يَجِرْ لَهُ ذِكْرٌ، ولِهَذا أمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ، ومَشْهُورَةٌ "إثارَةُ النَقْعِ" هو لِلْخَيْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ يُخْرِجْنَ مِن فُرُجاتِ النَقْعِ دامِيَةً ∗∗∗ كَأنَّ آذانَها أطْرافُ أقْلامِ وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو هُنا لِلْإبِلِ تُثِيرُ النَقْعَ بِأخْفافِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبى طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي الإبِلُ، و"جَمْعٌ" هي المُزْدَلِفَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: هي الخَيْلُ، والمُرادُ جَمْعٌ مِنَ الناسِ هُمُ المَغْزُوُّونَ، وقَرَأ عَلَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: "فَوَسَّطْنَ" بِشَدِّ السِينِ، وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي خازِمٍ: ؎ فَوَسَّطْنَ جَمْعُهم وأفْلَتَ حاجِبٌ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبارِ الأقْتَمِ (p-٦٧٥)وَذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ تَفْسِيرَ هَذِهِ الألْفاظِ ويَقُولُ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ والأُمَّةِ مُفَسِّرُونَ لَها كَما ذَكَرْنا. والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، ورُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "أتُدْرُونَ ما الكَنُودُ"؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "الكَنُودُ الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رَفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ"،» وقَدْ يَكُونُ في المُؤْمِنِينَ الكَفُورُ بِالنِعْمَةِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: إنَّ الإنْسانَ لِنِعْمَةِ رَبِّهِ لِكَنُودٌ، و"أرْضٌ كَنُودٌ": لا تُنْبِتُ شَيْئًا، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الكَنُودُ: اللائِمُ لِرَبِّهِ سُبْحانَهُ، الَّذِي يَعُدُّ السَيِّئاتِ ويَنْسى الحَسَناتِ، والكَنُودُ: العاصِي بِلُغَةِ كِنْدَةَ، ويُقالُ لِلْخَيْلِ: كَنُودٌ، وقالَ أبُو زُبَيْدٍ: ؎ إنْ تَفْتِنِي فَلَمْ أطِبْ عنكَ نَفْسًا ∗∗∗ غَيْرَ أنِّي أمْنى بِدَهْرٍ كَنُودٍ وقالَ الفُضَيْلُ: الكَنُودُ هو الَّذِي تُنْسِيهِ سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ حَسَناتٍ كَثِيرَةٍ، ويُعامِلُ اللهُ عَلى عَقْدِ عِوَضٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ يَحْتَمِلُ الضَمِيرُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، وقالَهُ قَتادَةُ، أيْ: ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ، ونَفْسُ هَذا الخَبَرِ يَقْتَضِي الشَهادَةَ بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الإنْسانِ أيْ: أفْعالُهُ وأقْوالُهُ وحالُهُ المَعْلُومَةُ مِن هَذِهِ الأخْلاقِ تَشْهَدُ عَلَيْهِ، فَهو شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، عائِدٌ عَلى الإنْسانِ لا غَيْرُ والمَعْنى: مِن أجْلِ حُبِّ الخَيْرِ لِشَدِيدٌ، أيْ: بَخِيلٌ بِالمالِ ضابِطٌ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٦٧٦) ؎ أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفُّ ∗∗∗ عَقَيْلَةَ مالَ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ و"الخَيْرُ" المالُ عَلى عُرْفِ ذَلِكَ في كِتابِ اللهِ تَعالى، قالَ عِكْرِمَةُ: الخَيْرُ حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ فَهو المالُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ هُنا الخَيْرَ الدُنْيَوِيَّ مِن مالٍ وصِحَّةٍ وجاهٍ عِنْدَ المُلُوكِ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأمّا المُحِبُّ في خَيْرِ الآخِرَةِ فَمَمْدُوحٌ مَرْجُوٌّ لَهُ الفَوْزُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَلا يَعْلَمُ" تَوْقِيفٌ عَلى المَآلِ والمَصِيرِ، أيْ: أفَلا يَعْلَمُ مَآلَهُ ومَصِيرَهُ فَيَسْتَعِدُّ لَهُ؟ و"بَعْثَرَةُ ما في القُبُورِ"، نَقْضُهُ مِمّا يَسْتُرُهُ والبَحْثُ عنهُ، وهى عِبارَةٌ عَنِ البَعْثِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بَحْثُ ما في القُبُورِ"، وفي حِرْفِ أُبَيٍّ "وَبَحْثَرَتِ القُبُورُ". و"تَحْصِيلُ ما في الصُدُورِ": تَمْيِيزُهُ وكَشْفُهُ لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلَيْهِ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ ونِيَّةٍ، ويُفَسِّرُهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَيُبْعَثُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ"،» وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِفَتْحِ الحاءِ والصادِ. ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الخَبَرُ الصادِقُ الجَزْمُ بِأنَّ اللهَ تَعالى خَبِيرٌ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ، وهو تَعالى خَبِيرٌ دائِمًا، لَكِنْ خَصَّصَ يَوْمَئِذٍ لِأنَّهُ يَوْمُ المُجازاةِ، فَإلَيْهِ طَمَحَتِ النُفُوسُ، وفى هَذا وعِيدٌ مُصَرَّحٌ. كَمُلَ تَفْسِيرُ "العادِيّات" والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

العاديات 100:7

(p-٦٧٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ العادِيّاتِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ: هي مَدَنِيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالعادِياتِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: أرادَ الخَيْلَ لِأنَّها تَعْدُو بِالفُرْسانِ وتَضْبَحُ بِأصْواتِها، قالَ بَعْضُهُمْ: وسَبَبُها «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا إلى بَنِي كِنانَةَ سَرِيَّةً فَأبْطَأ أمْرُها عَلَيْهِ حَتّى أرْجَفَ بَعْضُ المُنافِقِينَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» مُعْلِمَةُ أنَّ خَيْلَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قَدْ فَعَلَتْ جَمِيعَ ما في الآياتِ. وقالَ آخَرُونَ: القَسَمُ هو بِالخَيْلِ جُمْلَةٌ لِأنَّها تَعْدُو ضابِحَةً قَدِيمًا وحَدِيثًا، وهي حاصِرَةُ البِلادِ وهادِمَةُ المَمالِكِ وفي نَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمُ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: العادِياتُ في هَذِهِ الآيَةِ الإبِلُ لِأنَّها تَضْبَحُ في عَدْوِها، وقالَ عَلَيٌّ: والقَسَمُ بِالإبِلِ العادِياتِ مِن عَرَفَةَ ومِن مُزْدَلِفَةَ إذا دَفَعَ الحاجُّ، وبِإبِلِ غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الغَزْوَةِ غَيْرُ فَرَسَيْنِ، فَرَسُ المِقْدادِ وفَرَسُ الزُبَيْرِ. و"الضِبْحُ" تَصْوِيتُ جَهِيرٌ عِنْدَ العَدْوِ الشَدِيدِ، لَيْسَ بِصَهِيلٍ ولا رُغاءٍ ولا نُباحٍ، بَلْ هو غَيْرُ المُعْتادِ مِن صَوْتِ الحَيَوانِ الَّذِي يَضْبَحُ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَيْسَ يُضْبَحُ مِنَ الحَيَوانِ غَيْرُ الخَيْلِ والكِلابِ، وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، (p-٦٧٣)وَذَلِكَ أنَّ الإبِلَ تُضْبَحُ، والأُسُودُ مِنَ الحَيّاتِ، والبُومُ والصَدى والأرْنَبُ والثَعْلَبُ والفَرَسُ، هَذِهِ كُلُّها قَدِ اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ لَها الضَبْحَ، وأنْشَدَ أبُو حَنِيفَةَ في صِفَةِ قَوْسٍ: ؎ حَنّانَة مَن نَشَمٍ أو تَأْلَبِ تَضْبَحُ في الكَفِّ ضِباحَ الثَعْلَبِ والظاهِرُ في الآيَةِ أنَّ القَسَمَ بِالخَيْلِ أو بِالإبِلِ أو بِهِما. قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُورِياتِ قَدْحًا"، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الإبِلُ، وذَلِكَ أنَّها في عَدْوِها تَرْجُمُ الحَصى بِالحَصى فَتَتَطايَرُ مِنهُ النارُ، فَذَلِكَ القَدَحُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الخَيْلُ، وذَلِكَ بِحَوافِرِها في الحِجارَةِ، وذَلِكَ مَعْرُوفٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المُوِرِياتُ قَدْحًا هي الألْسُنُ، فَهَذا عَلى الِاسْتِعارَةِ، أيْ أنَّها بِبَيانِها تَقْدَحُ الحُجَجَ وتُظْهِرُها، وقالَ مُجاهِدٌ: المُورِياتُ قَدْحًا يُرادُ بِهِ مَكْرُ الرِجالِ، وقالَ قَتادَةُ: المُورِياتُ الخَيْلُ تُشْعِلُ الحَرْبَ، فَهي أيْضًا عَلى الِاسْتِعارَةِ البَيِّنَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: الكَلامُ عامٌّ يَدْخُلُ في القَسَمِ كُلُّ مَن يَظْهَرُ بِقَدْحِهِ نارًا، وذَلِكَ شائِعٌ في الأُمَمِ طُولَ الدَهْرِ، وهو نَفْعٌ عَظِيمٌ مِنَ اللهِ تَعالى وقَدْ وقَفَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١]، ومَعْناهُ: تَظْهَرُونَ بِالقَدَحِ، قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: فَقَدَحْنا زِنادَنا ووَرَيْنا فَوْقَ جُرْثُومَةٍ مِنَ الأرْضِ نارًا (p-٦٧٤)قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُغِيراتِ صُبْحًا"، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الإبِلُ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنى، أو في بَدْرٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أغارُ" إذا عَدا حَرْبًا، ونَحْوَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ: هي الخَيْلُ، واللَفْظَةُ مِنَ الغارَةِ في سَبِيلِ اللهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن سَيْرِ الأُمَمِ، وعُرْفُ الغاراتِ أنَّها مَعَ الصَباحِ لِأنَّها تَسْرِي لَيْلَةَ الغارَةِ. و"النَقْعُ": الغُبارُ الساطِعُ المُثارُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فَأثَّرْنَ" بِشَدِّ الثاءِ، والضَمِيرُ في "بِهِ" ظاهِرٌ أنَّهُ لِلصُّبْحِ المَذْكُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمَكانِ والمَوْضِعِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى وإنْ كانَ لَمْ يَجِرْ لَهُ ذِكْرٌ، ولِهَذا أمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ، ومَشْهُورَةٌ "إثارَةُ النَقْعِ" هو لِلْخَيْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ يُخْرِجْنَ مِن فُرُجاتِ النَقْعِ دامِيَةً ∗∗∗ كَأنَّ آذانَها أطْرافُ أقْلامِ وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو هُنا لِلْإبِلِ تُثِيرُ النَقْعَ بِأخْفافِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبى طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي الإبِلُ، و"جَمْعٌ" هي المُزْدَلِفَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: هي الخَيْلُ، والمُرادُ جَمْعٌ مِنَ الناسِ هُمُ المَغْزُوُّونَ، وقَرَأ عَلَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: "فَوَسَّطْنَ" بِشَدِّ السِينِ، وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي خازِمٍ: ؎ فَوَسَّطْنَ جَمْعُهم وأفْلَتَ حاجِبٌ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبارِ الأقْتَمِ (p-٦٧٥)وَذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ تَفْسِيرَ هَذِهِ الألْفاظِ ويَقُولُ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ والأُمَّةِ مُفَسِّرُونَ لَها كَما ذَكَرْنا. والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، ورُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "أتُدْرُونَ ما الكَنُودُ"؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "الكَنُودُ الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رَفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ"،» وقَدْ يَكُونُ في المُؤْمِنِينَ الكَفُورُ بِالنِعْمَةِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: إنَّ الإنْسانَ لِنِعْمَةِ رَبِّهِ لِكَنُودٌ، و"أرْضٌ كَنُودٌ": لا تُنْبِتُ شَيْئًا، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الكَنُودُ: اللائِمُ لِرَبِّهِ سُبْحانَهُ، الَّذِي يَعُدُّ السَيِّئاتِ ويَنْسى الحَسَناتِ، والكَنُودُ: العاصِي بِلُغَةِ كِنْدَةَ، ويُقالُ لِلْخَيْلِ: كَنُودٌ، وقالَ أبُو زُبَيْدٍ: ؎ إنْ تَفْتِنِي فَلَمْ أطِبْ عنكَ نَفْسًا ∗∗∗ غَيْرَ أنِّي أمْنى بِدَهْرٍ كَنُودٍ وقالَ الفُضَيْلُ: الكَنُودُ هو الَّذِي تُنْسِيهِ سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ حَسَناتٍ كَثِيرَةٍ، ويُعامِلُ اللهُ عَلى عَقْدِ عِوَضٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ يَحْتَمِلُ الضَمِيرُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، وقالَهُ قَتادَةُ، أيْ: ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ، ونَفْسُ هَذا الخَبَرِ يَقْتَضِي الشَهادَةَ بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الإنْسانِ أيْ: أفْعالُهُ وأقْوالُهُ وحالُهُ المَعْلُومَةُ مِن هَذِهِ الأخْلاقِ تَشْهَدُ عَلَيْهِ، فَهو شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، عائِدٌ عَلى الإنْسانِ لا غَيْرُ والمَعْنى: مِن أجْلِ حُبِّ الخَيْرِ لِشَدِيدٌ، أيْ: بَخِيلٌ بِالمالِ ضابِطٌ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٦٧٦) ؎ أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفُّ ∗∗∗ عَقَيْلَةَ مالَ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ و"الخَيْرُ" المالُ عَلى عُرْفِ ذَلِكَ في كِتابِ اللهِ تَعالى، قالَ عِكْرِمَةُ: الخَيْرُ حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ فَهو المالُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ هُنا الخَيْرَ الدُنْيَوِيَّ مِن مالٍ وصِحَّةٍ وجاهٍ عِنْدَ المُلُوكِ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأمّا المُحِبُّ في خَيْرِ الآخِرَةِ فَمَمْدُوحٌ مَرْجُوٌّ لَهُ الفَوْزُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَلا يَعْلَمُ" تَوْقِيفٌ عَلى المَآلِ والمَصِيرِ، أيْ: أفَلا يَعْلَمُ مَآلَهُ ومَصِيرَهُ فَيَسْتَعِدُّ لَهُ؟ و"بَعْثَرَةُ ما في القُبُورِ"، نَقْضُهُ مِمّا يَسْتُرُهُ والبَحْثُ عنهُ، وهى عِبارَةٌ عَنِ البَعْثِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بَحْثُ ما في القُبُورِ"، وفي حِرْفِ أُبَيٍّ "وَبَحْثَرَتِ القُبُورُ". و"تَحْصِيلُ ما في الصُدُورِ": تَمْيِيزُهُ وكَشْفُهُ لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلَيْهِ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ ونِيَّةٍ، ويُفَسِّرُهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَيُبْعَثُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ"،» وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِفَتْحِ الحاءِ والصادِ. ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الخَبَرُ الصادِقُ الجَزْمُ بِأنَّ اللهَ تَعالى خَبِيرٌ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ، وهو تَعالى خَبِيرٌ دائِمًا، لَكِنْ خَصَّصَ يَوْمَئِذٍ لِأنَّهُ يَوْمُ المُجازاةِ، فَإلَيْهِ طَمَحَتِ النُفُوسُ، وفى هَذا وعِيدٌ مُصَرَّحٌ. كَمُلَ تَفْسِيرُ "العادِيّات" والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

العاديات 100:8

(p-٦٧٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ العادِيّاتِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ: هي مَدَنِيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالعادِياتِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: أرادَ الخَيْلَ لِأنَّها تَعْدُو بِالفُرْسانِ وتَضْبَحُ بِأصْواتِها، قالَ بَعْضُهُمْ: وسَبَبُها «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا إلى بَنِي كِنانَةَ سَرِيَّةً فَأبْطَأ أمْرُها عَلَيْهِ حَتّى أرْجَفَ بَعْضُ المُنافِقِينَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» مُعْلِمَةُ أنَّ خَيْلَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قَدْ فَعَلَتْ جَمِيعَ ما في الآياتِ. وقالَ آخَرُونَ: القَسَمُ هو بِالخَيْلِ جُمْلَةٌ لِأنَّها تَعْدُو ضابِحَةً قَدِيمًا وحَدِيثًا، وهي حاصِرَةُ البِلادِ وهادِمَةُ المَمالِكِ وفي نَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمُ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: العادِياتُ في هَذِهِ الآيَةِ الإبِلُ لِأنَّها تَضْبَحُ في عَدْوِها، وقالَ عَلَيٌّ: والقَسَمُ بِالإبِلِ العادِياتِ مِن عَرَفَةَ ومِن مُزْدَلِفَةَ إذا دَفَعَ الحاجُّ، وبِإبِلِ غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الغَزْوَةِ غَيْرُ فَرَسَيْنِ، فَرَسُ المِقْدادِ وفَرَسُ الزُبَيْرِ. و"الضِبْحُ" تَصْوِيتُ جَهِيرٌ عِنْدَ العَدْوِ الشَدِيدِ، لَيْسَ بِصَهِيلٍ ولا رُغاءٍ ولا نُباحٍ، بَلْ هو غَيْرُ المُعْتادِ مِن صَوْتِ الحَيَوانِ الَّذِي يَضْبَحُ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَيْسَ يُضْبَحُ مِنَ الحَيَوانِ غَيْرُ الخَيْلِ والكِلابِ، وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، (p-٦٧٣)وَذَلِكَ أنَّ الإبِلَ تُضْبَحُ، والأُسُودُ مِنَ الحَيّاتِ، والبُومُ والصَدى والأرْنَبُ والثَعْلَبُ والفَرَسُ، هَذِهِ كُلُّها قَدِ اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ لَها الضَبْحَ، وأنْشَدَ أبُو حَنِيفَةَ في صِفَةِ قَوْسٍ: ؎ حَنّانَة مَن نَشَمٍ أو تَأْلَبِ تَضْبَحُ في الكَفِّ ضِباحَ الثَعْلَبِ والظاهِرُ في الآيَةِ أنَّ القَسَمَ بِالخَيْلِ أو بِالإبِلِ أو بِهِما. قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُورِياتِ قَدْحًا"، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الإبِلُ، وذَلِكَ أنَّها في عَدْوِها تَرْجُمُ الحَصى بِالحَصى فَتَتَطايَرُ مِنهُ النارُ، فَذَلِكَ القَدَحُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الخَيْلُ، وذَلِكَ بِحَوافِرِها في الحِجارَةِ، وذَلِكَ مَعْرُوفٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المُوِرِياتُ قَدْحًا هي الألْسُنُ، فَهَذا عَلى الِاسْتِعارَةِ، أيْ أنَّها بِبَيانِها تَقْدَحُ الحُجَجَ وتُظْهِرُها، وقالَ مُجاهِدٌ: المُورِياتُ قَدْحًا يُرادُ بِهِ مَكْرُ الرِجالِ، وقالَ قَتادَةُ: المُورِياتُ الخَيْلُ تُشْعِلُ الحَرْبَ، فَهي أيْضًا عَلى الِاسْتِعارَةِ البَيِّنَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: الكَلامُ عامٌّ يَدْخُلُ في القَسَمِ كُلُّ مَن يَظْهَرُ بِقَدْحِهِ نارًا، وذَلِكَ شائِعٌ في الأُمَمِ طُولَ الدَهْرِ، وهو نَفْعٌ عَظِيمٌ مِنَ اللهِ تَعالى وقَدْ وقَفَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١]، ومَعْناهُ: تَظْهَرُونَ بِالقَدَحِ، قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: فَقَدَحْنا زِنادَنا ووَرَيْنا فَوْقَ جُرْثُومَةٍ مِنَ الأرْضِ نارًا (p-٦٧٤)قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُغِيراتِ صُبْحًا"، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الإبِلُ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنى، أو في بَدْرٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أغارُ" إذا عَدا حَرْبًا، ونَحْوَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ: هي الخَيْلُ، واللَفْظَةُ مِنَ الغارَةِ في سَبِيلِ اللهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن سَيْرِ الأُمَمِ، وعُرْفُ الغاراتِ أنَّها مَعَ الصَباحِ لِأنَّها تَسْرِي لَيْلَةَ الغارَةِ. و"النَقْعُ": الغُبارُ الساطِعُ المُثارُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فَأثَّرْنَ" بِشَدِّ الثاءِ، والضَمِيرُ في "بِهِ" ظاهِرٌ أنَّهُ لِلصُّبْحِ المَذْكُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمَكانِ والمَوْضِعِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى وإنْ كانَ لَمْ يَجِرْ لَهُ ذِكْرٌ، ولِهَذا أمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ، ومَشْهُورَةٌ "إثارَةُ النَقْعِ" هو لِلْخَيْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ يُخْرِجْنَ مِن فُرُجاتِ النَقْعِ دامِيَةً ∗∗∗ كَأنَّ آذانَها أطْرافُ أقْلامِ وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو هُنا لِلْإبِلِ تُثِيرُ النَقْعَ بِأخْفافِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبى طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي الإبِلُ، و"جَمْعٌ" هي المُزْدَلِفَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: هي الخَيْلُ، والمُرادُ جَمْعٌ مِنَ الناسِ هُمُ المَغْزُوُّونَ، وقَرَأ عَلَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: "فَوَسَّطْنَ" بِشَدِّ السِينِ، وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي خازِمٍ: ؎ فَوَسَّطْنَ جَمْعُهم وأفْلَتَ حاجِبٌ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبارِ الأقْتَمِ (p-٦٧٥)وَذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ تَفْسِيرَ هَذِهِ الألْفاظِ ويَقُولُ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ والأُمَّةِ مُفَسِّرُونَ لَها كَما ذَكَرْنا. والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، ورُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "أتُدْرُونَ ما الكَنُودُ"؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "الكَنُودُ الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رَفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ"،» وقَدْ يَكُونُ في المُؤْمِنِينَ الكَفُورُ بِالنِعْمَةِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: إنَّ الإنْسانَ لِنِعْمَةِ رَبِّهِ لِكَنُودٌ، و"أرْضٌ كَنُودٌ": لا تُنْبِتُ شَيْئًا، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الكَنُودُ: اللائِمُ لِرَبِّهِ سُبْحانَهُ، الَّذِي يَعُدُّ السَيِّئاتِ ويَنْسى الحَسَناتِ، والكَنُودُ: العاصِي بِلُغَةِ كِنْدَةَ، ويُقالُ لِلْخَيْلِ: كَنُودٌ، وقالَ أبُو زُبَيْدٍ: ؎ إنْ تَفْتِنِي فَلَمْ أطِبْ عنكَ نَفْسًا ∗∗∗ غَيْرَ أنِّي أمْنى بِدَهْرٍ كَنُودٍ وقالَ الفُضَيْلُ: الكَنُودُ هو الَّذِي تُنْسِيهِ سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ حَسَناتٍ كَثِيرَةٍ، ويُعامِلُ اللهُ عَلى عَقْدِ عِوَضٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ يَحْتَمِلُ الضَمِيرُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، وقالَهُ قَتادَةُ، أيْ: ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ، ونَفْسُ هَذا الخَبَرِ يَقْتَضِي الشَهادَةَ بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الإنْسانِ أيْ: أفْعالُهُ وأقْوالُهُ وحالُهُ المَعْلُومَةُ مِن هَذِهِ الأخْلاقِ تَشْهَدُ عَلَيْهِ، فَهو شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، عائِدٌ عَلى الإنْسانِ لا غَيْرُ والمَعْنى: مِن أجْلِ حُبِّ الخَيْرِ لِشَدِيدٌ، أيْ: بَخِيلٌ بِالمالِ ضابِطٌ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٦٧٦) ؎ أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفُّ ∗∗∗ عَقَيْلَةَ مالَ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ و"الخَيْرُ" المالُ عَلى عُرْفِ ذَلِكَ في كِتابِ اللهِ تَعالى، قالَ عِكْرِمَةُ: الخَيْرُ حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ فَهو المالُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ هُنا الخَيْرَ الدُنْيَوِيَّ مِن مالٍ وصِحَّةٍ وجاهٍ عِنْدَ المُلُوكِ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأمّا المُحِبُّ في خَيْرِ الآخِرَةِ فَمَمْدُوحٌ مَرْجُوٌّ لَهُ الفَوْزُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَلا يَعْلَمُ" تَوْقِيفٌ عَلى المَآلِ والمَصِيرِ، أيْ: أفَلا يَعْلَمُ مَآلَهُ ومَصِيرَهُ فَيَسْتَعِدُّ لَهُ؟ و"بَعْثَرَةُ ما في القُبُورِ"، نَقْضُهُ مِمّا يَسْتُرُهُ والبَحْثُ عنهُ، وهى عِبارَةٌ عَنِ البَعْثِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بَحْثُ ما في القُبُورِ"، وفي حِرْفِ أُبَيٍّ "وَبَحْثَرَتِ القُبُورُ". و"تَحْصِيلُ ما في الصُدُورِ": تَمْيِيزُهُ وكَشْفُهُ لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلَيْهِ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ ونِيَّةٍ، ويُفَسِّرُهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَيُبْعَثُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ"،» وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِفَتْحِ الحاءِ والصادِ. ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الخَبَرُ الصادِقُ الجَزْمُ بِأنَّ اللهَ تَعالى خَبِيرٌ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ، وهو تَعالى خَبِيرٌ دائِمًا، لَكِنْ خَصَّصَ يَوْمَئِذٍ لِأنَّهُ يَوْمُ المُجازاةِ، فَإلَيْهِ طَمَحَتِ النُفُوسُ، وفى هَذا وعِيدٌ مُصَرَّحٌ. كَمُلَ تَفْسِيرُ "العادِيّات" والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

العاديات 100:9

(p-٦٧٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ العادِيّاتِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ: هي مَدَنِيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالعادِياتِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: أرادَ الخَيْلَ لِأنَّها تَعْدُو بِالفُرْسانِ وتَضْبَحُ بِأصْواتِها، قالَ بَعْضُهُمْ: وسَبَبُها «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا إلى بَنِي كِنانَةَ سَرِيَّةً فَأبْطَأ أمْرُها عَلَيْهِ حَتّى أرْجَفَ بَعْضُ المُنافِقِينَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» مُعْلِمَةُ أنَّ خَيْلَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قَدْ فَعَلَتْ جَمِيعَ ما في الآياتِ. وقالَ آخَرُونَ: القَسَمُ هو بِالخَيْلِ جُمْلَةٌ لِأنَّها تَعْدُو ضابِحَةً قَدِيمًا وحَدِيثًا، وهي حاصِرَةُ البِلادِ وهادِمَةُ المَمالِكِ وفي نَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمُ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: العادِياتُ في هَذِهِ الآيَةِ الإبِلُ لِأنَّها تَضْبَحُ في عَدْوِها، وقالَ عَلَيٌّ: والقَسَمُ بِالإبِلِ العادِياتِ مِن عَرَفَةَ ومِن مُزْدَلِفَةَ إذا دَفَعَ الحاجُّ، وبِإبِلِ غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الغَزْوَةِ غَيْرُ فَرَسَيْنِ، فَرَسُ المِقْدادِ وفَرَسُ الزُبَيْرِ. و"الضِبْحُ" تَصْوِيتُ جَهِيرٌ عِنْدَ العَدْوِ الشَدِيدِ، لَيْسَ بِصَهِيلٍ ولا رُغاءٍ ولا نُباحٍ، بَلْ هو غَيْرُ المُعْتادِ مِن صَوْتِ الحَيَوانِ الَّذِي يَضْبَحُ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَيْسَ يُضْبَحُ مِنَ الحَيَوانِ غَيْرُ الخَيْلِ والكِلابِ، وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، (p-٦٧٣)وَذَلِكَ أنَّ الإبِلَ تُضْبَحُ، والأُسُودُ مِنَ الحَيّاتِ، والبُومُ والصَدى والأرْنَبُ والثَعْلَبُ والفَرَسُ، هَذِهِ كُلُّها قَدِ اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ لَها الضَبْحَ، وأنْشَدَ أبُو حَنِيفَةَ في صِفَةِ قَوْسٍ: ؎ حَنّانَة مَن نَشَمٍ أو تَأْلَبِ تَضْبَحُ في الكَفِّ ضِباحَ الثَعْلَبِ والظاهِرُ في الآيَةِ أنَّ القَسَمَ بِالخَيْلِ أو بِالإبِلِ أو بِهِما. قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُورِياتِ قَدْحًا"، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الإبِلُ، وذَلِكَ أنَّها في عَدْوِها تَرْجُمُ الحَصى بِالحَصى فَتَتَطايَرُ مِنهُ النارُ، فَذَلِكَ القَدَحُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الخَيْلُ، وذَلِكَ بِحَوافِرِها في الحِجارَةِ، وذَلِكَ مَعْرُوفٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المُوِرِياتُ قَدْحًا هي الألْسُنُ، فَهَذا عَلى الِاسْتِعارَةِ، أيْ أنَّها بِبَيانِها تَقْدَحُ الحُجَجَ وتُظْهِرُها، وقالَ مُجاهِدٌ: المُورِياتُ قَدْحًا يُرادُ بِهِ مَكْرُ الرِجالِ، وقالَ قَتادَةُ: المُورِياتُ الخَيْلُ تُشْعِلُ الحَرْبَ، فَهي أيْضًا عَلى الِاسْتِعارَةِ البَيِّنَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: الكَلامُ عامٌّ يَدْخُلُ في القَسَمِ كُلُّ مَن يَظْهَرُ بِقَدْحِهِ نارًا، وذَلِكَ شائِعٌ في الأُمَمِ طُولَ الدَهْرِ، وهو نَفْعٌ عَظِيمٌ مِنَ اللهِ تَعالى وقَدْ وقَفَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١]، ومَعْناهُ: تَظْهَرُونَ بِالقَدَحِ، قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: فَقَدَحْنا زِنادَنا ووَرَيْنا فَوْقَ جُرْثُومَةٍ مِنَ الأرْضِ نارًا (p-٦٧٤)قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُغِيراتِ صُبْحًا"، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الإبِلُ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنى، أو في بَدْرٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أغارُ" إذا عَدا حَرْبًا، ونَحْوَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ: هي الخَيْلُ، واللَفْظَةُ مِنَ الغارَةِ في سَبِيلِ اللهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن سَيْرِ الأُمَمِ، وعُرْفُ الغاراتِ أنَّها مَعَ الصَباحِ لِأنَّها تَسْرِي لَيْلَةَ الغارَةِ. و"النَقْعُ": الغُبارُ الساطِعُ المُثارُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فَأثَّرْنَ" بِشَدِّ الثاءِ، والضَمِيرُ في "بِهِ" ظاهِرٌ أنَّهُ لِلصُّبْحِ المَذْكُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمَكانِ والمَوْضِعِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى وإنْ كانَ لَمْ يَجِرْ لَهُ ذِكْرٌ، ولِهَذا أمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ، ومَشْهُورَةٌ "إثارَةُ النَقْعِ" هو لِلْخَيْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ يُخْرِجْنَ مِن فُرُجاتِ النَقْعِ دامِيَةً ∗∗∗ كَأنَّ آذانَها أطْرافُ أقْلامِ وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو هُنا لِلْإبِلِ تُثِيرُ النَقْعَ بِأخْفافِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبى طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي الإبِلُ، و"جَمْعٌ" هي المُزْدَلِفَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: هي الخَيْلُ، والمُرادُ جَمْعٌ مِنَ الناسِ هُمُ المَغْزُوُّونَ، وقَرَأ عَلَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: "فَوَسَّطْنَ" بِشَدِّ السِينِ، وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي خازِمٍ: ؎ فَوَسَّطْنَ جَمْعُهم وأفْلَتَ حاجِبٌ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبارِ الأقْتَمِ (p-٦٧٥)وَذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ تَفْسِيرَ هَذِهِ الألْفاظِ ويَقُولُ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ والأُمَّةِ مُفَسِّرُونَ لَها كَما ذَكَرْنا. والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، ورُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "أتُدْرُونَ ما الكَنُودُ"؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "الكَنُودُ الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رَفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ"،» وقَدْ يَكُونُ في المُؤْمِنِينَ الكَفُورُ بِالنِعْمَةِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: إنَّ الإنْسانَ لِنِعْمَةِ رَبِّهِ لِكَنُودٌ، و"أرْضٌ كَنُودٌ": لا تُنْبِتُ شَيْئًا، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الكَنُودُ: اللائِمُ لِرَبِّهِ سُبْحانَهُ، الَّذِي يَعُدُّ السَيِّئاتِ ويَنْسى الحَسَناتِ، والكَنُودُ: العاصِي بِلُغَةِ كِنْدَةَ، ويُقالُ لِلْخَيْلِ: كَنُودٌ، وقالَ أبُو زُبَيْدٍ: ؎ إنْ تَفْتِنِي فَلَمْ أطِبْ عنكَ نَفْسًا ∗∗∗ غَيْرَ أنِّي أمْنى بِدَهْرٍ كَنُودٍ وقالَ الفُضَيْلُ: الكَنُودُ هو الَّذِي تُنْسِيهِ سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ حَسَناتٍ كَثِيرَةٍ، ويُعامِلُ اللهُ عَلى عَقْدِ عِوَضٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ يَحْتَمِلُ الضَمِيرُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، وقالَهُ قَتادَةُ، أيْ: ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ، ونَفْسُ هَذا الخَبَرِ يَقْتَضِي الشَهادَةَ بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الإنْسانِ أيْ: أفْعالُهُ وأقْوالُهُ وحالُهُ المَعْلُومَةُ مِن هَذِهِ الأخْلاقِ تَشْهَدُ عَلَيْهِ، فَهو شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، عائِدٌ عَلى الإنْسانِ لا غَيْرُ والمَعْنى: مِن أجْلِ حُبِّ الخَيْرِ لِشَدِيدٌ، أيْ: بَخِيلٌ بِالمالِ ضابِطٌ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٦٧٦) ؎ أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفُّ ∗∗∗ عَقَيْلَةَ مالَ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ و"الخَيْرُ" المالُ عَلى عُرْفِ ذَلِكَ في كِتابِ اللهِ تَعالى، قالَ عِكْرِمَةُ: الخَيْرُ حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ فَهو المالُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ هُنا الخَيْرَ الدُنْيَوِيَّ مِن مالٍ وصِحَّةٍ وجاهٍ عِنْدَ المُلُوكِ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأمّا المُحِبُّ في خَيْرِ الآخِرَةِ فَمَمْدُوحٌ مَرْجُوٌّ لَهُ الفَوْزُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَلا يَعْلَمُ" تَوْقِيفٌ عَلى المَآلِ والمَصِيرِ، أيْ: أفَلا يَعْلَمُ مَآلَهُ ومَصِيرَهُ فَيَسْتَعِدُّ لَهُ؟ و"بَعْثَرَةُ ما في القُبُورِ"، نَقْضُهُ مِمّا يَسْتُرُهُ والبَحْثُ عنهُ، وهى عِبارَةٌ عَنِ البَعْثِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بَحْثُ ما في القُبُورِ"، وفي حِرْفِ أُبَيٍّ "وَبَحْثَرَتِ القُبُورُ". و"تَحْصِيلُ ما في الصُدُورِ": تَمْيِيزُهُ وكَشْفُهُ لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلَيْهِ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ ونِيَّةٍ، ويُفَسِّرُهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَيُبْعَثُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ"،» وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِفَتْحِ الحاءِ والصادِ. ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الخَبَرُ الصادِقُ الجَزْمُ بِأنَّ اللهَ تَعالى خَبِيرٌ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ، وهو تَعالى خَبِيرٌ دائِمًا، لَكِنْ خَصَّصَ يَوْمَئِذٍ لِأنَّهُ يَوْمُ المُجازاةِ، فَإلَيْهِ طَمَحَتِ النُفُوسُ، وفى هَذا وعِيدٌ مُصَرَّحٌ. كَمُلَ تَفْسِيرُ "العادِيّات" والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

العاديات 100:10

(p-٦٧٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ العادِيّاتِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ: هي مَدَنِيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالعادِياتِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: أرادَ الخَيْلَ لِأنَّها تَعْدُو بِالفُرْسانِ وتَضْبَحُ بِأصْواتِها، قالَ بَعْضُهُمْ: وسَبَبُها «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا إلى بَنِي كِنانَةَ سَرِيَّةً فَأبْطَأ أمْرُها عَلَيْهِ حَتّى أرْجَفَ بَعْضُ المُنافِقِينَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» مُعْلِمَةُ أنَّ خَيْلَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قَدْ فَعَلَتْ جَمِيعَ ما في الآياتِ. وقالَ آخَرُونَ: القَسَمُ هو بِالخَيْلِ جُمْلَةٌ لِأنَّها تَعْدُو ضابِحَةً قَدِيمًا وحَدِيثًا، وهي حاصِرَةُ البِلادِ وهادِمَةُ المَمالِكِ وفي نَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمُ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: العادِياتُ في هَذِهِ الآيَةِ الإبِلُ لِأنَّها تَضْبَحُ في عَدْوِها، وقالَ عَلَيٌّ: والقَسَمُ بِالإبِلِ العادِياتِ مِن عَرَفَةَ ومِن مُزْدَلِفَةَ إذا دَفَعَ الحاجُّ، وبِإبِلِ غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الغَزْوَةِ غَيْرُ فَرَسَيْنِ، فَرَسُ المِقْدادِ وفَرَسُ الزُبَيْرِ. و"الضِبْحُ" تَصْوِيتُ جَهِيرٌ عِنْدَ العَدْوِ الشَدِيدِ، لَيْسَ بِصَهِيلٍ ولا رُغاءٍ ولا نُباحٍ، بَلْ هو غَيْرُ المُعْتادِ مِن صَوْتِ الحَيَوانِ الَّذِي يَضْبَحُ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَيْسَ يُضْبَحُ مِنَ الحَيَوانِ غَيْرُ الخَيْلِ والكِلابِ، وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، (p-٦٧٣)وَذَلِكَ أنَّ الإبِلَ تُضْبَحُ، والأُسُودُ مِنَ الحَيّاتِ، والبُومُ والصَدى والأرْنَبُ والثَعْلَبُ والفَرَسُ، هَذِهِ كُلُّها قَدِ اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ لَها الضَبْحَ، وأنْشَدَ أبُو حَنِيفَةَ في صِفَةِ قَوْسٍ: ؎ حَنّانَة مَن نَشَمٍ أو تَأْلَبِ تَضْبَحُ في الكَفِّ ضِباحَ الثَعْلَبِ والظاهِرُ في الآيَةِ أنَّ القَسَمَ بِالخَيْلِ أو بِالإبِلِ أو بِهِما. قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُورِياتِ قَدْحًا"، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الإبِلُ، وذَلِكَ أنَّها في عَدْوِها تَرْجُمُ الحَصى بِالحَصى فَتَتَطايَرُ مِنهُ النارُ، فَذَلِكَ القَدَحُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الخَيْلُ، وذَلِكَ بِحَوافِرِها في الحِجارَةِ، وذَلِكَ مَعْرُوفٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المُوِرِياتُ قَدْحًا هي الألْسُنُ، فَهَذا عَلى الِاسْتِعارَةِ، أيْ أنَّها بِبَيانِها تَقْدَحُ الحُجَجَ وتُظْهِرُها، وقالَ مُجاهِدٌ: المُورِياتُ قَدْحًا يُرادُ بِهِ مَكْرُ الرِجالِ، وقالَ قَتادَةُ: المُورِياتُ الخَيْلُ تُشْعِلُ الحَرْبَ، فَهي أيْضًا عَلى الِاسْتِعارَةِ البَيِّنَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: الكَلامُ عامٌّ يَدْخُلُ في القَسَمِ كُلُّ مَن يَظْهَرُ بِقَدْحِهِ نارًا، وذَلِكَ شائِعٌ في الأُمَمِ طُولَ الدَهْرِ، وهو نَفْعٌ عَظِيمٌ مِنَ اللهِ تَعالى وقَدْ وقَفَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١]، ومَعْناهُ: تَظْهَرُونَ بِالقَدَحِ، قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: فَقَدَحْنا زِنادَنا ووَرَيْنا فَوْقَ جُرْثُومَةٍ مِنَ الأرْضِ نارًا (p-٦٧٤)قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُغِيراتِ صُبْحًا"، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الإبِلُ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنى، أو في بَدْرٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أغارُ" إذا عَدا حَرْبًا، ونَحْوَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ: هي الخَيْلُ، واللَفْظَةُ مِنَ الغارَةِ في سَبِيلِ اللهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن سَيْرِ الأُمَمِ، وعُرْفُ الغاراتِ أنَّها مَعَ الصَباحِ لِأنَّها تَسْرِي لَيْلَةَ الغارَةِ. و"النَقْعُ": الغُبارُ الساطِعُ المُثارُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فَأثَّرْنَ" بِشَدِّ الثاءِ، والضَمِيرُ في "بِهِ" ظاهِرٌ أنَّهُ لِلصُّبْحِ المَذْكُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمَكانِ والمَوْضِعِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى وإنْ كانَ لَمْ يَجِرْ لَهُ ذِكْرٌ، ولِهَذا أمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ، ومَشْهُورَةٌ "إثارَةُ النَقْعِ" هو لِلْخَيْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ يُخْرِجْنَ مِن فُرُجاتِ النَقْعِ دامِيَةً ∗∗∗ كَأنَّ آذانَها أطْرافُ أقْلامِ وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو هُنا لِلْإبِلِ تُثِيرُ النَقْعَ بِأخْفافِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبى طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي الإبِلُ، و"جَمْعٌ" هي المُزْدَلِفَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: هي الخَيْلُ، والمُرادُ جَمْعٌ مِنَ الناسِ هُمُ المَغْزُوُّونَ، وقَرَأ عَلَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: "فَوَسَّطْنَ" بِشَدِّ السِينِ، وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي خازِمٍ: ؎ فَوَسَّطْنَ جَمْعُهم وأفْلَتَ حاجِبٌ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبارِ الأقْتَمِ (p-٦٧٥)وَذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ تَفْسِيرَ هَذِهِ الألْفاظِ ويَقُولُ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ والأُمَّةِ مُفَسِّرُونَ لَها كَما ذَكَرْنا. والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، ورُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "أتُدْرُونَ ما الكَنُودُ"؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "الكَنُودُ الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رَفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ"،» وقَدْ يَكُونُ في المُؤْمِنِينَ الكَفُورُ بِالنِعْمَةِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: إنَّ الإنْسانَ لِنِعْمَةِ رَبِّهِ لِكَنُودٌ، و"أرْضٌ كَنُودٌ": لا تُنْبِتُ شَيْئًا، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الكَنُودُ: اللائِمُ لِرَبِّهِ سُبْحانَهُ، الَّذِي يَعُدُّ السَيِّئاتِ ويَنْسى الحَسَناتِ، والكَنُودُ: العاصِي بِلُغَةِ كِنْدَةَ، ويُقالُ لِلْخَيْلِ: كَنُودٌ، وقالَ أبُو زُبَيْدٍ: ؎ إنْ تَفْتِنِي فَلَمْ أطِبْ عنكَ نَفْسًا ∗∗∗ غَيْرَ أنِّي أمْنى بِدَهْرٍ كَنُودٍ وقالَ الفُضَيْلُ: الكَنُودُ هو الَّذِي تُنْسِيهِ سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ حَسَناتٍ كَثِيرَةٍ، ويُعامِلُ اللهُ عَلى عَقْدِ عِوَضٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ يَحْتَمِلُ الضَمِيرُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، وقالَهُ قَتادَةُ، أيْ: ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ، ونَفْسُ هَذا الخَبَرِ يَقْتَضِي الشَهادَةَ بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الإنْسانِ أيْ: أفْعالُهُ وأقْوالُهُ وحالُهُ المَعْلُومَةُ مِن هَذِهِ الأخْلاقِ تَشْهَدُ عَلَيْهِ، فَهو شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، عائِدٌ عَلى الإنْسانِ لا غَيْرُ والمَعْنى: مِن أجْلِ حُبِّ الخَيْرِ لِشَدِيدٌ، أيْ: بَخِيلٌ بِالمالِ ضابِطٌ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٦٧٦) ؎ أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفُّ ∗∗∗ عَقَيْلَةَ مالَ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ و"الخَيْرُ" المالُ عَلى عُرْفِ ذَلِكَ في كِتابِ اللهِ تَعالى، قالَ عِكْرِمَةُ: الخَيْرُ حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ فَهو المالُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ هُنا الخَيْرَ الدُنْيَوِيَّ مِن مالٍ وصِحَّةٍ وجاهٍ عِنْدَ المُلُوكِ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأمّا المُحِبُّ في خَيْرِ الآخِرَةِ فَمَمْدُوحٌ مَرْجُوٌّ لَهُ الفَوْزُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَلا يَعْلَمُ" تَوْقِيفٌ عَلى المَآلِ والمَصِيرِ، أيْ: أفَلا يَعْلَمُ مَآلَهُ ومَصِيرَهُ فَيَسْتَعِدُّ لَهُ؟ و"بَعْثَرَةُ ما في القُبُورِ"، نَقْضُهُ مِمّا يَسْتُرُهُ والبَحْثُ عنهُ، وهى عِبارَةٌ عَنِ البَعْثِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بَحْثُ ما في القُبُورِ"، وفي حِرْفِ أُبَيٍّ "وَبَحْثَرَتِ القُبُورُ". و"تَحْصِيلُ ما في الصُدُورِ": تَمْيِيزُهُ وكَشْفُهُ لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلَيْهِ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ ونِيَّةٍ، ويُفَسِّرُهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَيُبْعَثُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ"،» وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِفَتْحِ الحاءِ والصادِ. ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الخَبَرُ الصادِقُ الجَزْمُ بِأنَّ اللهَ تَعالى خَبِيرٌ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ، وهو تَعالى خَبِيرٌ دائِمًا، لَكِنْ خَصَّصَ يَوْمَئِذٍ لِأنَّهُ يَوْمُ المُجازاةِ، فَإلَيْهِ طَمَحَتِ النُفُوسُ، وفى هَذا وعِيدٌ مُصَرَّحٌ. كَمُلَ تَفْسِيرُ "العادِيّات" والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

العاديات 100:11

(p-٦٧٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ العادِيّاتِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ: هي مَدَنِيَّةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالعادِياتِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: أرادَ الخَيْلَ لِأنَّها تَعْدُو بِالفُرْسانِ وتَضْبَحُ بِأصْواتِها، قالَ بَعْضُهُمْ: وسَبَبُها «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا إلى بَنِي كِنانَةَ سَرِيَّةً فَأبْطَأ أمْرُها عَلَيْهِ حَتّى أرْجَفَ بَعْضُ المُنافِقِينَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» مُعْلِمَةُ أنَّ خَيْلَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قَدْ فَعَلَتْ جَمِيعَ ما في الآياتِ. وقالَ آخَرُونَ: القَسَمُ هو بِالخَيْلِ جُمْلَةٌ لِأنَّها تَعْدُو ضابِحَةً قَدِيمًا وحَدِيثًا، وهي حاصِرَةُ البِلادِ وهادِمَةُ المَمالِكِ وفي نَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمُ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: العادِياتُ في هَذِهِ الآيَةِ الإبِلُ لِأنَّها تَضْبَحُ في عَدْوِها، وقالَ عَلَيٌّ: والقَسَمُ بِالإبِلِ العادِياتِ مِن عَرَفَةَ ومِن مُزْدَلِفَةَ إذا دَفَعَ الحاجُّ، وبِإبِلِ غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الغَزْوَةِ غَيْرُ فَرَسَيْنِ، فَرَسُ المِقْدادِ وفَرَسُ الزُبَيْرِ. و"الضِبْحُ" تَصْوِيتُ جَهِيرٌ عِنْدَ العَدْوِ الشَدِيدِ، لَيْسَ بِصَهِيلٍ ولا رُغاءٍ ولا نُباحٍ، بَلْ هو غَيْرُ المُعْتادِ مِن صَوْتِ الحَيَوانِ الَّذِي يَضْبَحُ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَيْسَ يُضْبَحُ مِنَ الحَيَوانِ غَيْرُ الخَيْلِ والكِلابِ، وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، (p-٦٧٣)وَذَلِكَ أنَّ الإبِلَ تُضْبَحُ، والأُسُودُ مِنَ الحَيّاتِ، والبُومُ والصَدى والأرْنَبُ والثَعْلَبُ والفَرَسُ، هَذِهِ كُلُّها قَدِ اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ لَها الضَبْحَ، وأنْشَدَ أبُو حَنِيفَةَ في صِفَةِ قَوْسٍ: ؎ حَنّانَة مَن نَشَمٍ أو تَأْلَبِ تَضْبَحُ في الكَفِّ ضِباحَ الثَعْلَبِ والظاهِرُ في الآيَةِ أنَّ القَسَمَ بِالخَيْلِ أو بِالإبِلِ أو بِهِما. قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُورِياتِ قَدْحًا"، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الإبِلُ، وذَلِكَ أنَّها في عَدْوِها تَرْجُمُ الحَصى بِالحَصى فَتَتَطايَرُ مِنهُ النارُ، فَذَلِكَ القَدَحُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الخَيْلُ، وذَلِكَ بِحَوافِرِها في الحِجارَةِ، وذَلِكَ مَعْرُوفٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المُوِرِياتُ قَدْحًا هي الألْسُنُ، فَهَذا عَلى الِاسْتِعارَةِ، أيْ أنَّها بِبَيانِها تَقْدَحُ الحُجَجَ وتُظْهِرُها، وقالَ مُجاهِدٌ: المُورِياتُ قَدْحًا يُرادُ بِهِ مَكْرُ الرِجالِ، وقالَ قَتادَةُ: المُورِياتُ الخَيْلُ تُشْعِلُ الحَرْبَ، فَهي أيْضًا عَلى الِاسْتِعارَةِ البَيِّنَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: الكَلامُ عامٌّ يَدْخُلُ في القَسَمِ كُلُّ مَن يَظْهَرُ بِقَدْحِهِ نارًا، وذَلِكَ شائِعٌ في الأُمَمِ طُولَ الدَهْرِ، وهو نَفْعٌ عَظِيمٌ مِنَ اللهِ تَعالى وقَدْ وقَفَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١]، ومَعْناهُ: تَظْهَرُونَ بِالقَدَحِ، قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: فَقَدَحْنا زِنادَنا ووَرَيْنا فَوْقَ جُرْثُومَةٍ مِنَ الأرْضِ نارًا (p-٦٧٤)قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُغِيراتِ صُبْحًا"، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الإبِلُ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنى، أو في بَدْرٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أغارُ" إذا عَدا حَرْبًا، ونَحْوَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ: هي الخَيْلُ، واللَفْظَةُ مِنَ الغارَةِ في سَبِيلِ اللهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن سَيْرِ الأُمَمِ، وعُرْفُ الغاراتِ أنَّها مَعَ الصَباحِ لِأنَّها تَسْرِي لَيْلَةَ الغارَةِ. و"النَقْعُ": الغُبارُ الساطِعُ المُثارُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فَأثَّرْنَ" بِشَدِّ الثاءِ، والضَمِيرُ في "بِهِ" ظاهِرٌ أنَّهُ لِلصُّبْحِ المَذْكُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمَكانِ والمَوْضِعِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى وإنْ كانَ لَمْ يَجِرْ لَهُ ذِكْرٌ، ولِهَذا أمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ، ومَشْهُورَةٌ "إثارَةُ النَقْعِ" هو لِلْخَيْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ يُخْرِجْنَ مِن فُرُجاتِ النَقْعِ دامِيَةً ∗∗∗ كَأنَّ آذانَها أطْرافُ أقْلامِ وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو هُنا لِلْإبِلِ تُثِيرُ النَقْعَ بِأخْفافِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبى طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي الإبِلُ، و"جَمْعٌ" هي المُزْدَلِفَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: هي الخَيْلُ، والمُرادُ جَمْعٌ مِنَ الناسِ هُمُ المَغْزُوُّونَ، وقَرَأ عَلَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: "فَوَسَّطْنَ" بِشَدِّ السِينِ، وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي خازِمٍ: ؎ فَوَسَّطْنَ جَمْعُهم وأفْلَتَ حاجِبٌ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبارِ الأقْتَمِ (p-٦٧٥)وَذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ تَفْسِيرَ هَذِهِ الألْفاظِ ويَقُولُ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ والأُمَّةِ مُفَسِّرُونَ لَها كَما ذَكَرْنا. والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، ورُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "أتُدْرُونَ ما الكَنُودُ"؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "الكَنُودُ الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رَفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ"،» وقَدْ يَكُونُ في المُؤْمِنِينَ الكَفُورُ بِالنِعْمَةِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: إنَّ الإنْسانَ لِنِعْمَةِ رَبِّهِ لِكَنُودٌ، و"أرْضٌ كَنُودٌ": لا تُنْبِتُ شَيْئًا، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الكَنُودُ: اللائِمُ لِرَبِّهِ سُبْحانَهُ، الَّذِي يَعُدُّ السَيِّئاتِ ويَنْسى الحَسَناتِ، والكَنُودُ: العاصِي بِلُغَةِ كِنْدَةَ، ويُقالُ لِلْخَيْلِ: كَنُودٌ، وقالَ أبُو زُبَيْدٍ: ؎ إنْ تَفْتِنِي فَلَمْ أطِبْ عنكَ نَفْسًا ∗∗∗ غَيْرَ أنِّي أمْنى بِدَهْرٍ كَنُودٍ وقالَ الفُضَيْلُ: الكَنُودُ هو الَّذِي تُنْسِيهِ سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ حَسَناتٍ كَثِيرَةٍ، ويُعامِلُ اللهُ عَلى عَقْدِ عِوَضٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ يَحْتَمِلُ الضَمِيرُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، وقالَهُ قَتادَةُ، أيْ: ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ، ونَفْسُ هَذا الخَبَرِ يَقْتَضِي الشَهادَةَ بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الإنْسانِ أيْ: أفْعالُهُ وأقْوالُهُ وحالُهُ المَعْلُومَةُ مِن هَذِهِ الأخْلاقِ تَشْهَدُ عَلَيْهِ، فَهو شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، عائِدٌ عَلى الإنْسانِ لا غَيْرُ والمَعْنى: مِن أجْلِ حُبِّ الخَيْرِ لِشَدِيدٌ، أيْ: بَخِيلٌ بِالمالِ ضابِطٌ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٦٧٦) ؎ أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفُّ ∗∗∗ عَقَيْلَةَ مالَ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ و"الخَيْرُ" المالُ عَلى عُرْفِ ذَلِكَ في كِتابِ اللهِ تَعالى، قالَ عِكْرِمَةُ: الخَيْرُ حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ فَهو المالُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ هُنا الخَيْرَ الدُنْيَوِيَّ مِن مالٍ وصِحَّةٍ وجاهٍ عِنْدَ المُلُوكِ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأمّا المُحِبُّ في خَيْرِ الآخِرَةِ فَمَمْدُوحٌ مَرْجُوٌّ لَهُ الفَوْزُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَلا يَعْلَمُ" تَوْقِيفٌ عَلى المَآلِ والمَصِيرِ، أيْ: أفَلا يَعْلَمُ مَآلَهُ ومَصِيرَهُ فَيَسْتَعِدُّ لَهُ؟ و"بَعْثَرَةُ ما في القُبُورِ"، نَقْضُهُ مِمّا يَسْتُرُهُ والبَحْثُ عنهُ، وهى عِبارَةٌ عَنِ البَعْثِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بَحْثُ ما في القُبُورِ"، وفي حِرْفِ أُبَيٍّ "وَبَحْثَرَتِ القُبُورُ". و"تَحْصِيلُ ما في الصُدُورِ": تَمْيِيزُهُ وكَشْفُهُ لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلَيْهِ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ ونِيَّةٍ، ويُفَسِّرُهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَيُبْعَثُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ"،» وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِفَتْحِ الحاءِ والصادِ. ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الخَبَرُ الصادِقُ الجَزْمُ بِأنَّ اللهَ تَعالى خَبِيرٌ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ، وهو تَعالى خَبِيرٌ دائِمًا، لَكِنْ خَصَّصَ يَوْمَئِذٍ لِأنَّهُ يَوْمُ المُجازاةِ، فَإلَيْهِ طَمَحَتِ النُفُوسُ، وفى هَذا وعِيدٌ مُصَرَّحٌ. كَمُلَ تَفْسِيرُ "العادِيّات" والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

القارعة 101:1

(p-٦٧٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القارِعَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ. قوله عزّ وجلّ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ الناسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ قَرَأ: "القارِعَةُ، ما القارِعَةُ" بِالنَصْبِ عِيسى، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: القارِعَةُ: القِيامَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِهَوْلِها، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القارِعَةُ: صَيْحَةُ النَفْخَةِ في الصُورِ؛ لِأنَّها تَقْرَعُ الأسْماعَ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ القُلُوبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ﴾ تَعْظِيمٌ لِأمْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلَهُ. و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "القارِعَةُ". وأمالَ أبُو عَمْرٍو "القارِعَةَ"، و"الفَرّاشُ" طَيْرٌ دَقِيقٌ يَتَساقَطُ في النارِ ويَقْصِدُها ولا يَزالُ يَتَقَحَّمُ عَلى المِصْباحِ ونَحْوِهِ حَتّى يَحْتَرِقَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "وَأنا آخِذٌ بِحُجُزِكم عَنِ النارِ وأنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيها تَقاحُمَ الفَراشِ والجَنادِبِ"،» وقالَ الفَرّاءُ: الفِراشُ في الآيَةِ غَوْغاءُ الجَرادِ، وهو صَغِيرُهُ الَّذِي يَنْتَشِرُ (p-٦٧٨)فِي الأرْضِ والهَواءِ، و"المَبْثُوثِ" هُنا مَعْناهُ: المُتَفَرِّقُ جَمْعُهُ وجُمْلَتُهُ مَوْجُودَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الناسُ أوَّلُ قِيامِهِمْ مِنَ القُبُورِ كالفَراشِ المَبْثُوثِ؛ لِأنَّهم يَجِيئُونَ ويَذْهَبُونَ عَلى غَيْرِ نِظامٍ، ثُمَّ يَدْعُوهُمُ الداعِي فَيَتَوَجَّهُونَ إلى ناحِيَةِ المَحْشَرِ، فَهم حِينَئِذٍ كالجَرادِ المُنْتَشِرِ؛ لِأنَّ الجَرادَ إنَّما تُوَجِّهُهُ أبَدًا إلى ناحِيَةٍ مَقْصُودَةٍ. واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ فِي: "العِهْنِ"، فَقِيلَ: هو الصُوفُ عامًّا، وقِيلَ: هو الصُوفُ الأحْمَرُ، وقِيلَ: هو الصُوفُ المُلَوَّنُ ألْوانًا، واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِقَوْلِ زُهَيْرٍ: ؎ كَأنَّ فُتاتَ العِهْنِ في كُلِّ مَنزِلٍ نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الفَنا لَمْ يُحَطَّمِ والفَنا: عِنَبُ الثَعْلَبِ، وحَبُّهُ قَبْلَ التَحَطُّمِ مِنهُ الأخْضَرُ والأحْمَرُ والأصْفَرُ، وكَذَلِكَ الجِبالُ جُدَدٌ بِيضٍ وحُمْرٌ وصُفْرٌ وسُودٌ، فَجاءَ التَشْبِيهُ مُلائِمًا، وكَوْنُ الجِبالِ كالعِهْنِ إنَّما هو قَبْلَ وقْتِ التَفْتِيتِ قَبْلَ النَسْفِ ومَصِيرُها هُنا، وهي دَرَجاتٌ. و"النَفْشُ": خَلْخَلَةُ الأجْزاءِ وتَفْرِيقُها عن تَراصِّها، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ: "كالصُوفِ المَنفُوشِ". و"المَوازِينُ" هي الَّتِي في القِيامَةِ، قالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ والفُقَهاءِ والمُحَدِّثِينَ: مِيزانُ القِيامَةِ بِعَمُودٍ وكِفَّتَيْنِ لِيُبَيِّنَ اللهُ تَعالى أمْرَ العِبادِ بِما عَهِدُوهُ وتَيَقَّنُوهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: لَيْسَ ثَمَّ مِيزانٌ، إنَّما هو العَدْلُ مَثَلٌ ذَكَرَهُ بِالمِيزانِ؛ إذْ هو أعْدَلُ ما يَدْرِي الناسُ، وجُمِعَتِ المُوازِينُ لِلْإنْسانِ لَمّا كانَتْ لَهُ مَوْزُوناتٌ كَثِيرَةٌ مُتَغايِرَةٌ، وثِقَلُ هَذا المِيزانِ هو بِالإيمانِ والأعْمالِ، وخِفَّتُهُ بِعَدَمِها وقِلَّتِها، ولَنْ يَخِفَّ خِفَّةً مُوبِقَةً مِيزانُ مُؤْمِنٍ. و"عِيشَةٍ راضِيَةٍ" مَعْناهُ: ذاتُ رِضًى، عَلى النَسَبِ، هَذا قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾، قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالأُمِّ نَفْسُ الهاوِيَةِ، وهي دَرْكُ مَن أدْراكَ النارَ، وهَذا كَما يُقالُ لِلْأرْضِ: "أُمُّ الناسِ" لِأنَّها تُؤْوِيهِمْ، وكَما (p-٦٧٩)قالَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ في الحَرْبِ: "فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا" فَجَعَلَ اللهُ تَعالى الهاوِيَةَ أُمُّ الكافِرِ لَمّا كانَتْ مَأْواهُ، وقالَ آخَرُونَ: هو تَفاؤُلٌ بِشَرٍّ فِيهِ تَجَوُّزٌ، كَما قالُوا: "أُمُّهُ ثاكِلٌ" و"هَوى نَجْمُهُ"، وقالَ أبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: المُرادُ أُمُّ رَأْسِهِ لِأنَّهم يَهْوُونَ عَلى رُؤُوسِهِمْ. وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَأُمُّهُ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وضَمِّ المِيمِ مُشَدَّدَةً. ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ عَلى دِرايَةِ أمْرِها وتَعْظِيمِهِ، ثُمَّ أخْبَرَهُ أنَّها نارٌ حامِيَةٌ، وقَرَأ: "ما هِيَ" بِطَرْحِ الهاءِ في الوَصْلِ ابْنُ إسْحاقَ والأعْمَشُ، ورَوى المُبَرِّدُ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِرَجُلٍ: "لا أُمَّ لَكَ"، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، تَدْعُونِي إلى الهُدى وتَقُولُ: لا أُمَّ لَكَ؟ فَقالَ: إنَّما أُرِيدُ لا نارَ لَكَ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾.» كَمُلَ تَفْسِيرُ [القارِعَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

القارعة 101:2

(p-٦٧٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القارِعَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ. قوله عزّ وجلّ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ الناسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ قَرَأ: "القارِعَةُ، ما القارِعَةُ" بِالنَصْبِ عِيسى، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: القارِعَةُ: القِيامَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِهَوْلِها، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القارِعَةُ: صَيْحَةُ النَفْخَةِ في الصُورِ؛ لِأنَّها تَقْرَعُ الأسْماعَ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ القُلُوبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ﴾ تَعْظِيمٌ لِأمْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلَهُ. و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "القارِعَةُ". وأمالَ أبُو عَمْرٍو "القارِعَةَ"، و"الفَرّاشُ" طَيْرٌ دَقِيقٌ يَتَساقَطُ في النارِ ويَقْصِدُها ولا يَزالُ يَتَقَحَّمُ عَلى المِصْباحِ ونَحْوِهِ حَتّى يَحْتَرِقَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "وَأنا آخِذٌ بِحُجُزِكم عَنِ النارِ وأنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيها تَقاحُمَ الفَراشِ والجَنادِبِ"،» وقالَ الفَرّاءُ: الفِراشُ في الآيَةِ غَوْغاءُ الجَرادِ، وهو صَغِيرُهُ الَّذِي يَنْتَشِرُ (p-٦٧٨)فِي الأرْضِ والهَواءِ، و"المَبْثُوثِ" هُنا مَعْناهُ: المُتَفَرِّقُ جَمْعُهُ وجُمْلَتُهُ مَوْجُودَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الناسُ أوَّلُ قِيامِهِمْ مِنَ القُبُورِ كالفَراشِ المَبْثُوثِ؛ لِأنَّهم يَجِيئُونَ ويَذْهَبُونَ عَلى غَيْرِ نِظامٍ، ثُمَّ يَدْعُوهُمُ الداعِي فَيَتَوَجَّهُونَ إلى ناحِيَةِ المَحْشَرِ، فَهم حِينَئِذٍ كالجَرادِ المُنْتَشِرِ؛ لِأنَّ الجَرادَ إنَّما تُوَجِّهُهُ أبَدًا إلى ناحِيَةٍ مَقْصُودَةٍ. واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ فِي: "العِهْنِ"، فَقِيلَ: هو الصُوفُ عامًّا، وقِيلَ: هو الصُوفُ الأحْمَرُ، وقِيلَ: هو الصُوفُ المُلَوَّنُ ألْوانًا، واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِقَوْلِ زُهَيْرٍ: ؎ كَأنَّ فُتاتَ العِهْنِ في كُلِّ مَنزِلٍ نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الفَنا لَمْ يُحَطَّمِ والفَنا: عِنَبُ الثَعْلَبِ، وحَبُّهُ قَبْلَ التَحَطُّمِ مِنهُ الأخْضَرُ والأحْمَرُ والأصْفَرُ، وكَذَلِكَ الجِبالُ جُدَدٌ بِيضٍ وحُمْرٌ وصُفْرٌ وسُودٌ، فَجاءَ التَشْبِيهُ مُلائِمًا، وكَوْنُ الجِبالِ كالعِهْنِ إنَّما هو قَبْلَ وقْتِ التَفْتِيتِ قَبْلَ النَسْفِ ومَصِيرُها هُنا، وهي دَرَجاتٌ. و"النَفْشُ": خَلْخَلَةُ الأجْزاءِ وتَفْرِيقُها عن تَراصِّها، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ: "كالصُوفِ المَنفُوشِ". و"المَوازِينُ" هي الَّتِي في القِيامَةِ، قالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ والفُقَهاءِ والمُحَدِّثِينَ: مِيزانُ القِيامَةِ بِعَمُودٍ وكِفَّتَيْنِ لِيُبَيِّنَ اللهُ تَعالى أمْرَ العِبادِ بِما عَهِدُوهُ وتَيَقَّنُوهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: لَيْسَ ثَمَّ مِيزانٌ، إنَّما هو العَدْلُ مَثَلٌ ذَكَرَهُ بِالمِيزانِ؛ إذْ هو أعْدَلُ ما يَدْرِي الناسُ، وجُمِعَتِ المُوازِينُ لِلْإنْسانِ لَمّا كانَتْ لَهُ مَوْزُوناتٌ كَثِيرَةٌ مُتَغايِرَةٌ، وثِقَلُ هَذا المِيزانِ هو بِالإيمانِ والأعْمالِ، وخِفَّتُهُ بِعَدَمِها وقِلَّتِها، ولَنْ يَخِفَّ خِفَّةً مُوبِقَةً مِيزانُ مُؤْمِنٍ. و"عِيشَةٍ راضِيَةٍ" مَعْناهُ: ذاتُ رِضًى، عَلى النَسَبِ، هَذا قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾، قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالأُمِّ نَفْسُ الهاوِيَةِ، وهي دَرْكُ مَن أدْراكَ النارَ، وهَذا كَما يُقالُ لِلْأرْضِ: "أُمُّ الناسِ" لِأنَّها تُؤْوِيهِمْ، وكَما (p-٦٧٩)قالَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ في الحَرْبِ: "فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا" فَجَعَلَ اللهُ تَعالى الهاوِيَةَ أُمُّ الكافِرِ لَمّا كانَتْ مَأْواهُ، وقالَ آخَرُونَ: هو تَفاؤُلٌ بِشَرٍّ فِيهِ تَجَوُّزٌ، كَما قالُوا: "أُمُّهُ ثاكِلٌ" و"هَوى نَجْمُهُ"، وقالَ أبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: المُرادُ أُمُّ رَأْسِهِ لِأنَّهم يَهْوُونَ عَلى رُؤُوسِهِمْ. وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَأُمُّهُ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وضَمِّ المِيمِ مُشَدَّدَةً. ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ عَلى دِرايَةِ أمْرِها وتَعْظِيمِهِ، ثُمَّ أخْبَرَهُ أنَّها نارٌ حامِيَةٌ، وقَرَأ: "ما هِيَ" بِطَرْحِ الهاءِ في الوَصْلِ ابْنُ إسْحاقَ والأعْمَشُ، ورَوى المُبَرِّدُ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِرَجُلٍ: "لا أُمَّ لَكَ"، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، تَدْعُونِي إلى الهُدى وتَقُولُ: لا أُمَّ لَكَ؟ فَقالَ: إنَّما أُرِيدُ لا نارَ لَكَ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾.» كَمُلَ تَفْسِيرُ [القارِعَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

القارعة 101:3

(p-٦٧٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القارِعَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ. قوله عزّ وجلّ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ الناسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ قَرَأ: "القارِعَةُ، ما القارِعَةُ" بِالنَصْبِ عِيسى، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: القارِعَةُ: القِيامَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِهَوْلِها، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القارِعَةُ: صَيْحَةُ النَفْخَةِ في الصُورِ؛ لِأنَّها تَقْرَعُ الأسْماعَ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ القُلُوبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ﴾ تَعْظِيمٌ لِأمْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلَهُ. و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "القارِعَةُ". وأمالَ أبُو عَمْرٍو "القارِعَةَ"، و"الفَرّاشُ" طَيْرٌ دَقِيقٌ يَتَساقَطُ في النارِ ويَقْصِدُها ولا يَزالُ يَتَقَحَّمُ عَلى المِصْباحِ ونَحْوِهِ حَتّى يَحْتَرِقَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "وَأنا آخِذٌ بِحُجُزِكم عَنِ النارِ وأنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيها تَقاحُمَ الفَراشِ والجَنادِبِ"،» وقالَ الفَرّاءُ: الفِراشُ في الآيَةِ غَوْغاءُ الجَرادِ، وهو صَغِيرُهُ الَّذِي يَنْتَشِرُ (p-٦٧٨)فِي الأرْضِ والهَواءِ، و"المَبْثُوثِ" هُنا مَعْناهُ: المُتَفَرِّقُ جَمْعُهُ وجُمْلَتُهُ مَوْجُودَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الناسُ أوَّلُ قِيامِهِمْ مِنَ القُبُورِ كالفَراشِ المَبْثُوثِ؛ لِأنَّهم يَجِيئُونَ ويَذْهَبُونَ عَلى غَيْرِ نِظامٍ، ثُمَّ يَدْعُوهُمُ الداعِي فَيَتَوَجَّهُونَ إلى ناحِيَةِ المَحْشَرِ، فَهم حِينَئِذٍ كالجَرادِ المُنْتَشِرِ؛ لِأنَّ الجَرادَ إنَّما تُوَجِّهُهُ أبَدًا إلى ناحِيَةٍ مَقْصُودَةٍ. واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ فِي: "العِهْنِ"، فَقِيلَ: هو الصُوفُ عامًّا، وقِيلَ: هو الصُوفُ الأحْمَرُ، وقِيلَ: هو الصُوفُ المُلَوَّنُ ألْوانًا، واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِقَوْلِ زُهَيْرٍ: ؎ كَأنَّ فُتاتَ العِهْنِ في كُلِّ مَنزِلٍ نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الفَنا لَمْ يُحَطَّمِ والفَنا: عِنَبُ الثَعْلَبِ، وحَبُّهُ قَبْلَ التَحَطُّمِ مِنهُ الأخْضَرُ والأحْمَرُ والأصْفَرُ، وكَذَلِكَ الجِبالُ جُدَدٌ بِيضٍ وحُمْرٌ وصُفْرٌ وسُودٌ، فَجاءَ التَشْبِيهُ مُلائِمًا، وكَوْنُ الجِبالِ كالعِهْنِ إنَّما هو قَبْلَ وقْتِ التَفْتِيتِ قَبْلَ النَسْفِ ومَصِيرُها هُنا، وهي دَرَجاتٌ. و"النَفْشُ": خَلْخَلَةُ الأجْزاءِ وتَفْرِيقُها عن تَراصِّها، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ: "كالصُوفِ المَنفُوشِ". و"المَوازِينُ" هي الَّتِي في القِيامَةِ، قالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ والفُقَهاءِ والمُحَدِّثِينَ: مِيزانُ القِيامَةِ بِعَمُودٍ وكِفَّتَيْنِ لِيُبَيِّنَ اللهُ تَعالى أمْرَ العِبادِ بِما عَهِدُوهُ وتَيَقَّنُوهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: لَيْسَ ثَمَّ مِيزانٌ، إنَّما هو العَدْلُ مَثَلٌ ذَكَرَهُ بِالمِيزانِ؛ إذْ هو أعْدَلُ ما يَدْرِي الناسُ، وجُمِعَتِ المُوازِينُ لِلْإنْسانِ لَمّا كانَتْ لَهُ مَوْزُوناتٌ كَثِيرَةٌ مُتَغايِرَةٌ، وثِقَلُ هَذا المِيزانِ هو بِالإيمانِ والأعْمالِ، وخِفَّتُهُ بِعَدَمِها وقِلَّتِها، ولَنْ يَخِفَّ خِفَّةً مُوبِقَةً مِيزانُ مُؤْمِنٍ. و"عِيشَةٍ راضِيَةٍ" مَعْناهُ: ذاتُ رِضًى، عَلى النَسَبِ، هَذا قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾، قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالأُمِّ نَفْسُ الهاوِيَةِ، وهي دَرْكُ مَن أدْراكَ النارَ، وهَذا كَما يُقالُ لِلْأرْضِ: "أُمُّ الناسِ" لِأنَّها تُؤْوِيهِمْ، وكَما (p-٦٧٩)قالَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ في الحَرْبِ: "فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا" فَجَعَلَ اللهُ تَعالى الهاوِيَةَ أُمُّ الكافِرِ لَمّا كانَتْ مَأْواهُ، وقالَ آخَرُونَ: هو تَفاؤُلٌ بِشَرٍّ فِيهِ تَجَوُّزٌ، كَما قالُوا: "أُمُّهُ ثاكِلٌ" و"هَوى نَجْمُهُ"، وقالَ أبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: المُرادُ أُمُّ رَأْسِهِ لِأنَّهم يَهْوُونَ عَلى رُؤُوسِهِمْ. وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَأُمُّهُ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وضَمِّ المِيمِ مُشَدَّدَةً. ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ عَلى دِرايَةِ أمْرِها وتَعْظِيمِهِ، ثُمَّ أخْبَرَهُ أنَّها نارٌ حامِيَةٌ، وقَرَأ: "ما هِيَ" بِطَرْحِ الهاءِ في الوَصْلِ ابْنُ إسْحاقَ والأعْمَشُ، ورَوى المُبَرِّدُ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِرَجُلٍ: "لا أُمَّ لَكَ"، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، تَدْعُونِي إلى الهُدى وتَقُولُ: لا أُمَّ لَكَ؟ فَقالَ: إنَّما أُرِيدُ لا نارَ لَكَ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾.» كَمُلَ تَفْسِيرُ [القارِعَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

القارعة 101:4

(p-٦٧٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القارِعَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ. قوله عزّ وجلّ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ الناسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ قَرَأ: "القارِعَةُ، ما القارِعَةُ" بِالنَصْبِ عِيسى، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: القارِعَةُ: القِيامَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِهَوْلِها، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القارِعَةُ: صَيْحَةُ النَفْخَةِ في الصُورِ؛ لِأنَّها تَقْرَعُ الأسْماعَ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ القُلُوبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ﴾ تَعْظِيمٌ لِأمْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلَهُ. و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "القارِعَةُ". وأمالَ أبُو عَمْرٍو "القارِعَةَ"، و"الفَرّاشُ" طَيْرٌ دَقِيقٌ يَتَساقَطُ في النارِ ويَقْصِدُها ولا يَزالُ يَتَقَحَّمُ عَلى المِصْباحِ ونَحْوِهِ حَتّى يَحْتَرِقَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "وَأنا آخِذٌ بِحُجُزِكم عَنِ النارِ وأنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيها تَقاحُمَ الفَراشِ والجَنادِبِ"،» وقالَ الفَرّاءُ: الفِراشُ في الآيَةِ غَوْغاءُ الجَرادِ، وهو صَغِيرُهُ الَّذِي يَنْتَشِرُ (p-٦٧٨)فِي الأرْضِ والهَواءِ، و"المَبْثُوثِ" هُنا مَعْناهُ: المُتَفَرِّقُ جَمْعُهُ وجُمْلَتُهُ مَوْجُودَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الناسُ أوَّلُ قِيامِهِمْ مِنَ القُبُورِ كالفَراشِ المَبْثُوثِ؛ لِأنَّهم يَجِيئُونَ ويَذْهَبُونَ عَلى غَيْرِ نِظامٍ، ثُمَّ يَدْعُوهُمُ الداعِي فَيَتَوَجَّهُونَ إلى ناحِيَةِ المَحْشَرِ، فَهم حِينَئِذٍ كالجَرادِ المُنْتَشِرِ؛ لِأنَّ الجَرادَ إنَّما تُوَجِّهُهُ أبَدًا إلى ناحِيَةٍ مَقْصُودَةٍ. واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ فِي: "العِهْنِ"، فَقِيلَ: هو الصُوفُ عامًّا، وقِيلَ: هو الصُوفُ الأحْمَرُ، وقِيلَ: هو الصُوفُ المُلَوَّنُ ألْوانًا، واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِقَوْلِ زُهَيْرٍ: ؎ كَأنَّ فُتاتَ العِهْنِ في كُلِّ مَنزِلٍ نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الفَنا لَمْ يُحَطَّمِ والفَنا: عِنَبُ الثَعْلَبِ، وحَبُّهُ قَبْلَ التَحَطُّمِ مِنهُ الأخْضَرُ والأحْمَرُ والأصْفَرُ، وكَذَلِكَ الجِبالُ جُدَدٌ بِيضٍ وحُمْرٌ وصُفْرٌ وسُودٌ، فَجاءَ التَشْبِيهُ مُلائِمًا، وكَوْنُ الجِبالِ كالعِهْنِ إنَّما هو قَبْلَ وقْتِ التَفْتِيتِ قَبْلَ النَسْفِ ومَصِيرُها هُنا، وهي دَرَجاتٌ. و"النَفْشُ": خَلْخَلَةُ الأجْزاءِ وتَفْرِيقُها عن تَراصِّها، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ: "كالصُوفِ المَنفُوشِ". و"المَوازِينُ" هي الَّتِي في القِيامَةِ، قالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ والفُقَهاءِ والمُحَدِّثِينَ: مِيزانُ القِيامَةِ بِعَمُودٍ وكِفَّتَيْنِ لِيُبَيِّنَ اللهُ تَعالى أمْرَ العِبادِ بِما عَهِدُوهُ وتَيَقَّنُوهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: لَيْسَ ثَمَّ مِيزانٌ، إنَّما هو العَدْلُ مَثَلٌ ذَكَرَهُ بِالمِيزانِ؛ إذْ هو أعْدَلُ ما يَدْرِي الناسُ، وجُمِعَتِ المُوازِينُ لِلْإنْسانِ لَمّا كانَتْ لَهُ مَوْزُوناتٌ كَثِيرَةٌ مُتَغايِرَةٌ، وثِقَلُ هَذا المِيزانِ هو بِالإيمانِ والأعْمالِ، وخِفَّتُهُ بِعَدَمِها وقِلَّتِها، ولَنْ يَخِفَّ خِفَّةً مُوبِقَةً مِيزانُ مُؤْمِنٍ. و"عِيشَةٍ راضِيَةٍ" مَعْناهُ: ذاتُ رِضًى، عَلى النَسَبِ، هَذا قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾، قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالأُمِّ نَفْسُ الهاوِيَةِ، وهي دَرْكُ مَن أدْراكَ النارَ، وهَذا كَما يُقالُ لِلْأرْضِ: "أُمُّ الناسِ" لِأنَّها تُؤْوِيهِمْ، وكَما (p-٦٧٩)قالَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ في الحَرْبِ: "فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا" فَجَعَلَ اللهُ تَعالى الهاوِيَةَ أُمُّ الكافِرِ لَمّا كانَتْ مَأْواهُ، وقالَ آخَرُونَ: هو تَفاؤُلٌ بِشَرٍّ فِيهِ تَجَوُّزٌ، كَما قالُوا: "أُمُّهُ ثاكِلٌ" و"هَوى نَجْمُهُ"، وقالَ أبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: المُرادُ أُمُّ رَأْسِهِ لِأنَّهم يَهْوُونَ عَلى رُؤُوسِهِمْ. وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَأُمُّهُ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وضَمِّ المِيمِ مُشَدَّدَةً. ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ عَلى دِرايَةِ أمْرِها وتَعْظِيمِهِ، ثُمَّ أخْبَرَهُ أنَّها نارٌ حامِيَةٌ، وقَرَأ: "ما هِيَ" بِطَرْحِ الهاءِ في الوَصْلِ ابْنُ إسْحاقَ والأعْمَشُ، ورَوى المُبَرِّدُ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِرَجُلٍ: "لا أُمَّ لَكَ"، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، تَدْعُونِي إلى الهُدى وتَقُولُ: لا أُمَّ لَكَ؟ فَقالَ: إنَّما أُرِيدُ لا نارَ لَكَ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾.» كَمُلَ تَفْسِيرُ [القارِعَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

القارعة 101:5

(p-٦٧٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القارِعَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ. قوله عزّ وجلّ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ الناسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ قَرَأ: "القارِعَةُ، ما القارِعَةُ" بِالنَصْبِ عِيسى، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: القارِعَةُ: القِيامَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِهَوْلِها، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القارِعَةُ: صَيْحَةُ النَفْخَةِ في الصُورِ؛ لِأنَّها تَقْرَعُ الأسْماعَ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ القُلُوبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ﴾ تَعْظِيمٌ لِأمْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلَهُ. و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "القارِعَةُ". وأمالَ أبُو عَمْرٍو "القارِعَةَ"، و"الفَرّاشُ" طَيْرٌ دَقِيقٌ يَتَساقَطُ في النارِ ويَقْصِدُها ولا يَزالُ يَتَقَحَّمُ عَلى المِصْباحِ ونَحْوِهِ حَتّى يَحْتَرِقَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "وَأنا آخِذٌ بِحُجُزِكم عَنِ النارِ وأنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيها تَقاحُمَ الفَراشِ والجَنادِبِ"،» وقالَ الفَرّاءُ: الفِراشُ في الآيَةِ غَوْغاءُ الجَرادِ، وهو صَغِيرُهُ الَّذِي يَنْتَشِرُ (p-٦٧٨)فِي الأرْضِ والهَواءِ، و"المَبْثُوثِ" هُنا مَعْناهُ: المُتَفَرِّقُ جَمْعُهُ وجُمْلَتُهُ مَوْجُودَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الناسُ أوَّلُ قِيامِهِمْ مِنَ القُبُورِ كالفَراشِ المَبْثُوثِ؛ لِأنَّهم يَجِيئُونَ ويَذْهَبُونَ عَلى غَيْرِ نِظامٍ، ثُمَّ يَدْعُوهُمُ الداعِي فَيَتَوَجَّهُونَ إلى ناحِيَةِ المَحْشَرِ، فَهم حِينَئِذٍ كالجَرادِ المُنْتَشِرِ؛ لِأنَّ الجَرادَ إنَّما تُوَجِّهُهُ أبَدًا إلى ناحِيَةٍ مَقْصُودَةٍ. واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ فِي: "العِهْنِ"، فَقِيلَ: هو الصُوفُ عامًّا، وقِيلَ: هو الصُوفُ الأحْمَرُ، وقِيلَ: هو الصُوفُ المُلَوَّنُ ألْوانًا، واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِقَوْلِ زُهَيْرٍ: ؎ كَأنَّ فُتاتَ العِهْنِ في كُلِّ مَنزِلٍ نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الفَنا لَمْ يُحَطَّمِ والفَنا: عِنَبُ الثَعْلَبِ، وحَبُّهُ قَبْلَ التَحَطُّمِ مِنهُ الأخْضَرُ والأحْمَرُ والأصْفَرُ، وكَذَلِكَ الجِبالُ جُدَدٌ بِيضٍ وحُمْرٌ وصُفْرٌ وسُودٌ، فَجاءَ التَشْبِيهُ مُلائِمًا، وكَوْنُ الجِبالِ كالعِهْنِ إنَّما هو قَبْلَ وقْتِ التَفْتِيتِ قَبْلَ النَسْفِ ومَصِيرُها هُنا، وهي دَرَجاتٌ. و"النَفْشُ": خَلْخَلَةُ الأجْزاءِ وتَفْرِيقُها عن تَراصِّها، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ: "كالصُوفِ المَنفُوشِ". و"المَوازِينُ" هي الَّتِي في القِيامَةِ، قالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ والفُقَهاءِ والمُحَدِّثِينَ: مِيزانُ القِيامَةِ بِعَمُودٍ وكِفَّتَيْنِ لِيُبَيِّنَ اللهُ تَعالى أمْرَ العِبادِ بِما عَهِدُوهُ وتَيَقَّنُوهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: لَيْسَ ثَمَّ مِيزانٌ، إنَّما هو العَدْلُ مَثَلٌ ذَكَرَهُ بِالمِيزانِ؛ إذْ هو أعْدَلُ ما يَدْرِي الناسُ، وجُمِعَتِ المُوازِينُ لِلْإنْسانِ لَمّا كانَتْ لَهُ مَوْزُوناتٌ كَثِيرَةٌ مُتَغايِرَةٌ، وثِقَلُ هَذا المِيزانِ هو بِالإيمانِ والأعْمالِ، وخِفَّتُهُ بِعَدَمِها وقِلَّتِها، ولَنْ يَخِفَّ خِفَّةً مُوبِقَةً مِيزانُ مُؤْمِنٍ. و"عِيشَةٍ راضِيَةٍ" مَعْناهُ: ذاتُ رِضًى، عَلى النَسَبِ، هَذا قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾، قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالأُمِّ نَفْسُ الهاوِيَةِ، وهي دَرْكُ مَن أدْراكَ النارَ، وهَذا كَما يُقالُ لِلْأرْضِ: "أُمُّ الناسِ" لِأنَّها تُؤْوِيهِمْ، وكَما (p-٦٧٩)قالَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ في الحَرْبِ: "فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا" فَجَعَلَ اللهُ تَعالى الهاوِيَةَ أُمُّ الكافِرِ لَمّا كانَتْ مَأْواهُ، وقالَ آخَرُونَ: هو تَفاؤُلٌ بِشَرٍّ فِيهِ تَجَوُّزٌ، كَما قالُوا: "أُمُّهُ ثاكِلٌ" و"هَوى نَجْمُهُ"، وقالَ أبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: المُرادُ أُمُّ رَأْسِهِ لِأنَّهم يَهْوُونَ عَلى رُؤُوسِهِمْ. وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَأُمُّهُ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وضَمِّ المِيمِ مُشَدَّدَةً. ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ عَلى دِرايَةِ أمْرِها وتَعْظِيمِهِ، ثُمَّ أخْبَرَهُ أنَّها نارٌ حامِيَةٌ، وقَرَأ: "ما هِيَ" بِطَرْحِ الهاءِ في الوَصْلِ ابْنُ إسْحاقَ والأعْمَشُ، ورَوى المُبَرِّدُ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِرَجُلٍ: "لا أُمَّ لَكَ"، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، تَدْعُونِي إلى الهُدى وتَقُولُ: لا أُمَّ لَكَ؟ فَقالَ: إنَّما أُرِيدُ لا نارَ لَكَ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾.» كَمُلَ تَفْسِيرُ [القارِعَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

القارعة 101:6

(p-٦٧٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القارِعَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ. قوله عزّ وجلّ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ الناسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ قَرَأ: "القارِعَةُ، ما القارِعَةُ" بِالنَصْبِ عِيسى، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: القارِعَةُ: القِيامَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِهَوْلِها، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القارِعَةُ: صَيْحَةُ النَفْخَةِ في الصُورِ؛ لِأنَّها تَقْرَعُ الأسْماعَ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ القُلُوبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ﴾ تَعْظِيمٌ لِأمْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلَهُ. و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "القارِعَةُ". وأمالَ أبُو عَمْرٍو "القارِعَةَ"، و"الفَرّاشُ" طَيْرٌ دَقِيقٌ يَتَساقَطُ في النارِ ويَقْصِدُها ولا يَزالُ يَتَقَحَّمُ عَلى المِصْباحِ ونَحْوِهِ حَتّى يَحْتَرِقَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "وَأنا آخِذٌ بِحُجُزِكم عَنِ النارِ وأنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيها تَقاحُمَ الفَراشِ والجَنادِبِ"،» وقالَ الفَرّاءُ: الفِراشُ في الآيَةِ غَوْغاءُ الجَرادِ، وهو صَغِيرُهُ الَّذِي يَنْتَشِرُ (p-٦٧٨)فِي الأرْضِ والهَواءِ، و"المَبْثُوثِ" هُنا مَعْناهُ: المُتَفَرِّقُ جَمْعُهُ وجُمْلَتُهُ مَوْجُودَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الناسُ أوَّلُ قِيامِهِمْ مِنَ القُبُورِ كالفَراشِ المَبْثُوثِ؛ لِأنَّهم يَجِيئُونَ ويَذْهَبُونَ عَلى غَيْرِ نِظامٍ، ثُمَّ يَدْعُوهُمُ الداعِي فَيَتَوَجَّهُونَ إلى ناحِيَةِ المَحْشَرِ، فَهم حِينَئِذٍ كالجَرادِ المُنْتَشِرِ؛ لِأنَّ الجَرادَ إنَّما تُوَجِّهُهُ أبَدًا إلى ناحِيَةٍ مَقْصُودَةٍ. واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ فِي: "العِهْنِ"، فَقِيلَ: هو الصُوفُ عامًّا، وقِيلَ: هو الصُوفُ الأحْمَرُ، وقِيلَ: هو الصُوفُ المُلَوَّنُ ألْوانًا، واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِقَوْلِ زُهَيْرٍ: ؎ كَأنَّ فُتاتَ العِهْنِ في كُلِّ مَنزِلٍ نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الفَنا لَمْ يُحَطَّمِ والفَنا: عِنَبُ الثَعْلَبِ، وحَبُّهُ قَبْلَ التَحَطُّمِ مِنهُ الأخْضَرُ والأحْمَرُ والأصْفَرُ، وكَذَلِكَ الجِبالُ جُدَدٌ بِيضٍ وحُمْرٌ وصُفْرٌ وسُودٌ، فَجاءَ التَشْبِيهُ مُلائِمًا، وكَوْنُ الجِبالِ كالعِهْنِ إنَّما هو قَبْلَ وقْتِ التَفْتِيتِ قَبْلَ النَسْفِ ومَصِيرُها هُنا، وهي دَرَجاتٌ. و"النَفْشُ": خَلْخَلَةُ الأجْزاءِ وتَفْرِيقُها عن تَراصِّها، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ: "كالصُوفِ المَنفُوشِ". و"المَوازِينُ" هي الَّتِي في القِيامَةِ، قالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ والفُقَهاءِ والمُحَدِّثِينَ: مِيزانُ القِيامَةِ بِعَمُودٍ وكِفَّتَيْنِ لِيُبَيِّنَ اللهُ تَعالى أمْرَ العِبادِ بِما عَهِدُوهُ وتَيَقَّنُوهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: لَيْسَ ثَمَّ مِيزانٌ، إنَّما هو العَدْلُ مَثَلٌ ذَكَرَهُ بِالمِيزانِ؛ إذْ هو أعْدَلُ ما يَدْرِي الناسُ، وجُمِعَتِ المُوازِينُ لِلْإنْسانِ لَمّا كانَتْ لَهُ مَوْزُوناتٌ كَثِيرَةٌ مُتَغايِرَةٌ، وثِقَلُ هَذا المِيزانِ هو بِالإيمانِ والأعْمالِ، وخِفَّتُهُ بِعَدَمِها وقِلَّتِها، ولَنْ يَخِفَّ خِفَّةً مُوبِقَةً مِيزانُ مُؤْمِنٍ. و"عِيشَةٍ راضِيَةٍ" مَعْناهُ: ذاتُ رِضًى، عَلى النَسَبِ، هَذا قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾، قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالأُمِّ نَفْسُ الهاوِيَةِ، وهي دَرْكُ مَن أدْراكَ النارَ، وهَذا كَما يُقالُ لِلْأرْضِ: "أُمُّ الناسِ" لِأنَّها تُؤْوِيهِمْ، وكَما (p-٦٧٩)قالَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ في الحَرْبِ: "فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا" فَجَعَلَ اللهُ تَعالى الهاوِيَةَ أُمُّ الكافِرِ لَمّا كانَتْ مَأْواهُ، وقالَ آخَرُونَ: هو تَفاؤُلٌ بِشَرٍّ فِيهِ تَجَوُّزٌ، كَما قالُوا: "أُمُّهُ ثاكِلٌ" و"هَوى نَجْمُهُ"، وقالَ أبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: المُرادُ أُمُّ رَأْسِهِ لِأنَّهم يَهْوُونَ عَلى رُؤُوسِهِمْ. وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَأُمُّهُ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وضَمِّ المِيمِ مُشَدَّدَةً. ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ عَلى دِرايَةِ أمْرِها وتَعْظِيمِهِ، ثُمَّ أخْبَرَهُ أنَّها نارٌ حامِيَةٌ، وقَرَأ: "ما هِيَ" بِطَرْحِ الهاءِ في الوَصْلِ ابْنُ إسْحاقَ والأعْمَشُ، ورَوى المُبَرِّدُ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِرَجُلٍ: "لا أُمَّ لَكَ"، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، تَدْعُونِي إلى الهُدى وتَقُولُ: لا أُمَّ لَكَ؟ فَقالَ: إنَّما أُرِيدُ لا نارَ لَكَ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾.» كَمُلَ تَفْسِيرُ [القارِعَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

القارعة 101:7

(p-٦٧٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القارِعَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ. قوله عزّ وجلّ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ الناسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ قَرَأ: "القارِعَةُ، ما القارِعَةُ" بِالنَصْبِ عِيسى، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: القارِعَةُ: القِيامَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِهَوْلِها، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القارِعَةُ: صَيْحَةُ النَفْخَةِ في الصُورِ؛ لِأنَّها تَقْرَعُ الأسْماعَ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ القُلُوبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ﴾ تَعْظِيمٌ لِأمْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلَهُ. و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "القارِعَةُ". وأمالَ أبُو عَمْرٍو "القارِعَةَ"، و"الفَرّاشُ" طَيْرٌ دَقِيقٌ يَتَساقَطُ في النارِ ويَقْصِدُها ولا يَزالُ يَتَقَحَّمُ عَلى المِصْباحِ ونَحْوِهِ حَتّى يَحْتَرِقَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "وَأنا آخِذٌ بِحُجُزِكم عَنِ النارِ وأنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيها تَقاحُمَ الفَراشِ والجَنادِبِ"،» وقالَ الفَرّاءُ: الفِراشُ في الآيَةِ غَوْغاءُ الجَرادِ، وهو صَغِيرُهُ الَّذِي يَنْتَشِرُ (p-٦٧٨)فِي الأرْضِ والهَواءِ، و"المَبْثُوثِ" هُنا مَعْناهُ: المُتَفَرِّقُ جَمْعُهُ وجُمْلَتُهُ مَوْجُودَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الناسُ أوَّلُ قِيامِهِمْ مِنَ القُبُورِ كالفَراشِ المَبْثُوثِ؛ لِأنَّهم يَجِيئُونَ ويَذْهَبُونَ عَلى غَيْرِ نِظامٍ، ثُمَّ يَدْعُوهُمُ الداعِي فَيَتَوَجَّهُونَ إلى ناحِيَةِ المَحْشَرِ، فَهم حِينَئِذٍ كالجَرادِ المُنْتَشِرِ؛ لِأنَّ الجَرادَ إنَّما تُوَجِّهُهُ أبَدًا إلى ناحِيَةٍ مَقْصُودَةٍ. واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ فِي: "العِهْنِ"، فَقِيلَ: هو الصُوفُ عامًّا، وقِيلَ: هو الصُوفُ الأحْمَرُ، وقِيلَ: هو الصُوفُ المُلَوَّنُ ألْوانًا، واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِقَوْلِ زُهَيْرٍ: ؎ كَأنَّ فُتاتَ العِهْنِ في كُلِّ مَنزِلٍ نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الفَنا لَمْ يُحَطَّمِ والفَنا: عِنَبُ الثَعْلَبِ، وحَبُّهُ قَبْلَ التَحَطُّمِ مِنهُ الأخْضَرُ والأحْمَرُ والأصْفَرُ، وكَذَلِكَ الجِبالُ جُدَدٌ بِيضٍ وحُمْرٌ وصُفْرٌ وسُودٌ، فَجاءَ التَشْبِيهُ مُلائِمًا، وكَوْنُ الجِبالِ كالعِهْنِ إنَّما هو قَبْلَ وقْتِ التَفْتِيتِ قَبْلَ النَسْفِ ومَصِيرُها هُنا، وهي دَرَجاتٌ. و"النَفْشُ": خَلْخَلَةُ الأجْزاءِ وتَفْرِيقُها عن تَراصِّها، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ: "كالصُوفِ المَنفُوشِ". و"المَوازِينُ" هي الَّتِي في القِيامَةِ، قالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ والفُقَهاءِ والمُحَدِّثِينَ: مِيزانُ القِيامَةِ بِعَمُودٍ وكِفَّتَيْنِ لِيُبَيِّنَ اللهُ تَعالى أمْرَ العِبادِ بِما عَهِدُوهُ وتَيَقَّنُوهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: لَيْسَ ثَمَّ مِيزانٌ، إنَّما هو العَدْلُ مَثَلٌ ذَكَرَهُ بِالمِيزانِ؛ إذْ هو أعْدَلُ ما يَدْرِي الناسُ، وجُمِعَتِ المُوازِينُ لِلْإنْسانِ لَمّا كانَتْ لَهُ مَوْزُوناتٌ كَثِيرَةٌ مُتَغايِرَةٌ، وثِقَلُ هَذا المِيزانِ هو بِالإيمانِ والأعْمالِ، وخِفَّتُهُ بِعَدَمِها وقِلَّتِها، ولَنْ يَخِفَّ خِفَّةً مُوبِقَةً مِيزانُ مُؤْمِنٍ. و"عِيشَةٍ راضِيَةٍ" مَعْناهُ: ذاتُ رِضًى، عَلى النَسَبِ، هَذا قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾، قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالأُمِّ نَفْسُ الهاوِيَةِ، وهي دَرْكُ مَن أدْراكَ النارَ، وهَذا كَما يُقالُ لِلْأرْضِ: "أُمُّ الناسِ" لِأنَّها تُؤْوِيهِمْ، وكَما (p-٦٧٩)قالَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ في الحَرْبِ: "فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا" فَجَعَلَ اللهُ تَعالى الهاوِيَةَ أُمُّ الكافِرِ لَمّا كانَتْ مَأْواهُ، وقالَ آخَرُونَ: هو تَفاؤُلٌ بِشَرٍّ فِيهِ تَجَوُّزٌ، كَما قالُوا: "أُمُّهُ ثاكِلٌ" و"هَوى نَجْمُهُ"، وقالَ أبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: المُرادُ أُمُّ رَأْسِهِ لِأنَّهم يَهْوُونَ عَلى رُؤُوسِهِمْ. وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَأُمُّهُ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وضَمِّ المِيمِ مُشَدَّدَةً. ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ عَلى دِرايَةِ أمْرِها وتَعْظِيمِهِ، ثُمَّ أخْبَرَهُ أنَّها نارٌ حامِيَةٌ، وقَرَأ: "ما هِيَ" بِطَرْحِ الهاءِ في الوَصْلِ ابْنُ إسْحاقَ والأعْمَشُ، ورَوى المُبَرِّدُ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِرَجُلٍ: "لا أُمَّ لَكَ"، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، تَدْعُونِي إلى الهُدى وتَقُولُ: لا أُمَّ لَكَ؟ فَقالَ: إنَّما أُرِيدُ لا نارَ لَكَ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾.» كَمُلَ تَفْسِيرُ [القارِعَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

القارعة 101:8

(p-٦٧٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القارِعَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ. قوله عزّ وجلّ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ الناسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ قَرَأ: "القارِعَةُ، ما القارِعَةُ" بِالنَصْبِ عِيسى، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: القارِعَةُ: القِيامَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِهَوْلِها، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القارِعَةُ: صَيْحَةُ النَفْخَةِ في الصُورِ؛ لِأنَّها تَقْرَعُ الأسْماعَ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ القُلُوبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ﴾ تَعْظِيمٌ لِأمْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلَهُ. و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "القارِعَةُ". وأمالَ أبُو عَمْرٍو "القارِعَةَ"، و"الفَرّاشُ" طَيْرٌ دَقِيقٌ يَتَساقَطُ في النارِ ويَقْصِدُها ولا يَزالُ يَتَقَحَّمُ عَلى المِصْباحِ ونَحْوِهِ حَتّى يَحْتَرِقَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "وَأنا آخِذٌ بِحُجُزِكم عَنِ النارِ وأنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيها تَقاحُمَ الفَراشِ والجَنادِبِ"،» وقالَ الفَرّاءُ: الفِراشُ في الآيَةِ غَوْغاءُ الجَرادِ، وهو صَغِيرُهُ الَّذِي يَنْتَشِرُ (p-٦٧٨)فِي الأرْضِ والهَواءِ، و"المَبْثُوثِ" هُنا مَعْناهُ: المُتَفَرِّقُ جَمْعُهُ وجُمْلَتُهُ مَوْجُودَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الناسُ أوَّلُ قِيامِهِمْ مِنَ القُبُورِ كالفَراشِ المَبْثُوثِ؛ لِأنَّهم يَجِيئُونَ ويَذْهَبُونَ عَلى غَيْرِ نِظامٍ، ثُمَّ يَدْعُوهُمُ الداعِي فَيَتَوَجَّهُونَ إلى ناحِيَةِ المَحْشَرِ، فَهم حِينَئِذٍ كالجَرادِ المُنْتَشِرِ؛ لِأنَّ الجَرادَ إنَّما تُوَجِّهُهُ أبَدًا إلى ناحِيَةٍ مَقْصُودَةٍ. واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ فِي: "العِهْنِ"، فَقِيلَ: هو الصُوفُ عامًّا، وقِيلَ: هو الصُوفُ الأحْمَرُ، وقِيلَ: هو الصُوفُ المُلَوَّنُ ألْوانًا، واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِقَوْلِ زُهَيْرٍ: ؎ كَأنَّ فُتاتَ العِهْنِ في كُلِّ مَنزِلٍ نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الفَنا لَمْ يُحَطَّمِ والفَنا: عِنَبُ الثَعْلَبِ، وحَبُّهُ قَبْلَ التَحَطُّمِ مِنهُ الأخْضَرُ والأحْمَرُ والأصْفَرُ، وكَذَلِكَ الجِبالُ جُدَدٌ بِيضٍ وحُمْرٌ وصُفْرٌ وسُودٌ، فَجاءَ التَشْبِيهُ مُلائِمًا، وكَوْنُ الجِبالِ كالعِهْنِ إنَّما هو قَبْلَ وقْتِ التَفْتِيتِ قَبْلَ النَسْفِ ومَصِيرُها هُنا، وهي دَرَجاتٌ. و"النَفْشُ": خَلْخَلَةُ الأجْزاءِ وتَفْرِيقُها عن تَراصِّها، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ: "كالصُوفِ المَنفُوشِ". و"المَوازِينُ" هي الَّتِي في القِيامَةِ، قالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ والفُقَهاءِ والمُحَدِّثِينَ: مِيزانُ القِيامَةِ بِعَمُودٍ وكِفَّتَيْنِ لِيُبَيِّنَ اللهُ تَعالى أمْرَ العِبادِ بِما عَهِدُوهُ وتَيَقَّنُوهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: لَيْسَ ثَمَّ مِيزانٌ، إنَّما هو العَدْلُ مَثَلٌ ذَكَرَهُ بِالمِيزانِ؛ إذْ هو أعْدَلُ ما يَدْرِي الناسُ، وجُمِعَتِ المُوازِينُ لِلْإنْسانِ لَمّا كانَتْ لَهُ مَوْزُوناتٌ كَثِيرَةٌ مُتَغايِرَةٌ، وثِقَلُ هَذا المِيزانِ هو بِالإيمانِ والأعْمالِ، وخِفَّتُهُ بِعَدَمِها وقِلَّتِها، ولَنْ يَخِفَّ خِفَّةً مُوبِقَةً مِيزانُ مُؤْمِنٍ. و"عِيشَةٍ راضِيَةٍ" مَعْناهُ: ذاتُ رِضًى، عَلى النَسَبِ، هَذا قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾، قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالأُمِّ نَفْسُ الهاوِيَةِ، وهي دَرْكُ مَن أدْراكَ النارَ، وهَذا كَما يُقالُ لِلْأرْضِ: "أُمُّ الناسِ" لِأنَّها تُؤْوِيهِمْ، وكَما (p-٦٧٩)قالَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ في الحَرْبِ: "فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا" فَجَعَلَ اللهُ تَعالى الهاوِيَةَ أُمُّ الكافِرِ لَمّا كانَتْ مَأْواهُ، وقالَ آخَرُونَ: هو تَفاؤُلٌ بِشَرٍّ فِيهِ تَجَوُّزٌ، كَما قالُوا: "أُمُّهُ ثاكِلٌ" و"هَوى نَجْمُهُ"، وقالَ أبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: المُرادُ أُمُّ رَأْسِهِ لِأنَّهم يَهْوُونَ عَلى رُؤُوسِهِمْ. وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَأُمُّهُ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وضَمِّ المِيمِ مُشَدَّدَةً. ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ عَلى دِرايَةِ أمْرِها وتَعْظِيمِهِ، ثُمَّ أخْبَرَهُ أنَّها نارٌ حامِيَةٌ، وقَرَأ: "ما هِيَ" بِطَرْحِ الهاءِ في الوَصْلِ ابْنُ إسْحاقَ والأعْمَشُ، ورَوى المُبَرِّدُ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِرَجُلٍ: "لا أُمَّ لَكَ"، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، تَدْعُونِي إلى الهُدى وتَقُولُ: لا أُمَّ لَكَ؟ فَقالَ: إنَّما أُرِيدُ لا نارَ لَكَ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾.» كَمُلَ تَفْسِيرُ [القارِعَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

القارعة 101:9

(p-٦٧٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القارِعَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ. قوله عزّ وجلّ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ الناسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ قَرَأ: "القارِعَةُ، ما القارِعَةُ" بِالنَصْبِ عِيسى، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: القارِعَةُ: القِيامَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِهَوْلِها، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القارِعَةُ: صَيْحَةُ النَفْخَةِ في الصُورِ؛ لِأنَّها تَقْرَعُ الأسْماعَ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ القُلُوبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ﴾ تَعْظِيمٌ لِأمْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلَهُ. و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "القارِعَةُ". وأمالَ أبُو عَمْرٍو "القارِعَةَ"، و"الفَرّاشُ" طَيْرٌ دَقِيقٌ يَتَساقَطُ في النارِ ويَقْصِدُها ولا يَزالُ يَتَقَحَّمُ عَلى المِصْباحِ ونَحْوِهِ حَتّى يَحْتَرِقَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "وَأنا آخِذٌ بِحُجُزِكم عَنِ النارِ وأنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيها تَقاحُمَ الفَراشِ والجَنادِبِ"،» وقالَ الفَرّاءُ: الفِراشُ في الآيَةِ غَوْغاءُ الجَرادِ، وهو صَغِيرُهُ الَّذِي يَنْتَشِرُ (p-٦٧٨)فِي الأرْضِ والهَواءِ، و"المَبْثُوثِ" هُنا مَعْناهُ: المُتَفَرِّقُ جَمْعُهُ وجُمْلَتُهُ مَوْجُودَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الناسُ أوَّلُ قِيامِهِمْ مِنَ القُبُورِ كالفَراشِ المَبْثُوثِ؛ لِأنَّهم يَجِيئُونَ ويَذْهَبُونَ عَلى غَيْرِ نِظامٍ، ثُمَّ يَدْعُوهُمُ الداعِي فَيَتَوَجَّهُونَ إلى ناحِيَةِ المَحْشَرِ، فَهم حِينَئِذٍ كالجَرادِ المُنْتَشِرِ؛ لِأنَّ الجَرادَ إنَّما تُوَجِّهُهُ أبَدًا إلى ناحِيَةٍ مَقْصُودَةٍ. واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ فِي: "العِهْنِ"، فَقِيلَ: هو الصُوفُ عامًّا، وقِيلَ: هو الصُوفُ الأحْمَرُ، وقِيلَ: هو الصُوفُ المُلَوَّنُ ألْوانًا، واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِقَوْلِ زُهَيْرٍ: ؎ كَأنَّ فُتاتَ العِهْنِ في كُلِّ مَنزِلٍ نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الفَنا لَمْ يُحَطَّمِ والفَنا: عِنَبُ الثَعْلَبِ، وحَبُّهُ قَبْلَ التَحَطُّمِ مِنهُ الأخْضَرُ والأحْمَرُ والأصْفَرُ، وكَذَلِكَ الجِبالُ جُدَدٌ بِيضٍ وحُمْرٌ وصُفْرٌ وسُودٌ، فَجاءَ التَشْبِيهُ مُلائِمًا، وكَوْنُ الجِبالِ كالعِهْنِ إنَّما هو قَبْلَ وقْتِ التَفْتِيتِ قَبْلَ النَسْفِ ومَصِيرُها هُنا، وهي دَرَجاتٌ. و"النَفْشُ": خَلْخَلَةُ الأجْزاءِ وتَفْرِيقُها عن تَراصِّها، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ: "كالصُوفِ المَنفُوشِ". و"المَوازِينُ" هي الَّتِي في القِيامَةِ، قالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ والفُقَهاءِ والمُحَدِّثِينَ: مِيزانُ القِيامَةِ بِعَمُودٍ وكِفَّتَيْنِ لِيُبَيِّنَ اللهُ تَعالى أمْرَ العِبادِ بِما عَهِدُوهُ وتَيَقَّنُوهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: لَيْسَ ثَمَّ مِيزانٌ، إنَّما هو العَدْلُ مَثَلٌ ذَكَرَهُ بِالمِيزانِ؛ إذْ هو أعْدَلُ ما يَدْرِي الناسُ، وجُمِعَتِ المُوازِينُ لِلْإنْسانِ لَمّا كانَتْ لَهُ مَوْزُوناتٌ كَثِيرَةٌ مُتَغايِرَةٌ، وثِقَلُ هَذا المِيزانِ هو بِالإيمانِ والأعْمالِ، وخِفَّتُهُ بِعَدَمِها وقِلَّتِها، ولَنْ يَخِفَّ خِفَّةً مُوبِقَةً مِيزانُ مُؤْمِنٍ. و"عِيشَةٍ راضِيَةٍ" مَعْناهُ: ذاتُ رِضًى، عَلى النَسَبِ، هَذا قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾، قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالأُمِّ نَفْسُ الهاوِيَةِ، وهي دَرْكُ مَن أدْراكَ النارَ، وهَذا كَما يُقالُ لِلْأرْضِ: "أُمُّ الناسِ" لِأنَّها تُؤْوِيهِمْ، وكَما (p-٦٧٩)قالَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ في الحَرْبِ: "فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا" فَجَعَلَ اللهُ تَعالى الهاوِيَةَ أُمُّ الكافِرِ لَمّا كانَتْ مَأْواهُ، وقالَ آخَرُونَ: هو تَفاؤُلٌ بِشَرٍّ فِيهِ تَجَوُّزٌ، كَما قالُوا: "أُمُّهُ ثاكِلٌ" و"هَوى نَجْمُهُ"، وقالَ أبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: المُرادُ أُمُّ رَأْسِهِ لِأنَّهم يَهْوُونَ عَلى رُؤُوسِهِمْ. وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَأُمُّهُ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وضَمِّ المِيمِ مُشَدَّدَةً. ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ عَلى دِرايَةِ أمْرِها وتَعْظِيمِهِ، ثُمَّ أخْبَرَهُ أنَّها نارٌ حامِيَةٌ، وقَرَأ: "ما هِيَ" بِطَرْحِ الهاءِ في الوَصْلِ ابْنُ إسْحاقَ والأعْمَشُ، ورَوى المُبَرِّدُ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِرَجُلٍ: "لا أُمَّ لَكَ"، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، تَدْعُونِي إلى الهُدى وتَقُولُ: لا أُمَّ لَكَ؟ فَقالَ: إنَّما أُرِيدُ لا نارَ لَكَ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾.» كَمُلَ تَفْسِيرُ [القارِعَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

القارعة 101:10

(p-٦٧٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القارِعَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ. قوله عزّ وجلّ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ الناسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ قَرَأ: "القارِعَةُ، ما القارِعَةُ" بِالنَصْبِ عِيسى، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: القارِعَةُ: القِيامَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِهَوْلِها، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القارِعَةُ: صَيْحَةُ النَفْخَةِ في الصُورِ؛ لِأنَّها تَقْرَعُ الأسْماعَ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ القُلُوبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ﴾ تَعْظِيمٌ لِأمْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلَهُ. و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "القارِعَةُ". وأمالَ أبُو عَمْرٍو "القارِعَةَ"، و"الفَرّاشُ" طَيْرٌ دَقِيقٌ يَتَساقَطُ في النارِ ويَقْصِدُها ولا يَزالُ يَتَقَحَّمُ عَلى المِصْباحِ ونَحْوِهِ حَتّى يَحْتَرِقَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "وَأنا آخِذٌ بِحُجُزِكم عَنِ النارِ وأنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيها تَقاحُمَ الفَراشِ والجَنادِبِ"،» وقالَ الفَرّاءُ: الفِراشُ في الآيَةِ غَوْغاءُ الجَرادِ، وهو صَغِيرُهُ الَّذِي يَنْتَشِرُ (p-٦٧٨)فِي الأرْضِ والهَواءِ، و"المَبْثُوثِ" هُنا مَعْناهُ: المُتَفَرِّقُ جَمْعُهُ وجُمْلَتُهُ مَوْجُودَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الناسُ أوَّلُ قِيامِهِمْ مِنَ القُبُورِ كالفَراشِ المَبْثُوثِ؛ لِأنَّهم يَجِيئُونَ ويَذْهَبُونَ عَلى غَيْرِ نِظامٍ، ثُمَّ يَدْعُوهُمُ الداعِي فَيَتَوَجَّهُونَ إلى ناحِيَةِ المَحْشَرِ، فَهم حِينَئِذٍ كالجَرادِ المُنْتَشِرِ؛ لِأنَّ الجَرادَ إنَّما تُوَجِّهُهُ أبَدًا إلى ناحِيَةٍ مَقْصُودَةٍ. واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ فِي: "العِهْنِ"، فَقِيلَ: هو الصُوفُ عامًّا، وقِيلَ: هو الصُوفُ الأحْمَرُ، وقِيلَ: هو الصُوفُ المُلَوَّنُ ألْوانًا، واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِقَوْلِ زُهَيْرٍ: ؎ كَأنَّ فُتاتَ العِهْنِ في كُلِّ مَنزِلٍ نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الفَنا لَمْ يُحَطَّمِ والفَنا: عِنَبُ الثَعْلَبِ، وحَبُّهُ قَبْلَ التَحَطُّمِ مِنهُ الأخْضَرُ والأحْمَرُ والأصْفَرُ، وكَذَلِكَ الجِبالُ جُدَدٌ بِيضٍ وحُمْرٌ وصُفْرٌ وسُودٌ، فَجاءَ التَشْبِيهُ مُلائِمًا، وكَوْنُ الجِبالِ كالعِهْنِ إنَّما هو قَبْلَ وقْتِ التَفْتِيتِ قَبْلَ النَسْفِ ومَصِيرُها هُنا، وهي دَرَجاتٌ. و"النَفْشُ": خَلْخَلَةُ الأجْزاءِ وتَفْرِيقُها عن تَراصِّها، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ: "كالصُوفِ المَنفُوشِ". و"المَوازِينُ" هي الَّتِي في القِيامَةِ، قالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ والفُقَهاءِ والمُحَدِّثِينَ: مِيزانُ القِيامَةِ بِعَمُودٍ وكِفَّتَيْنِ لِيُبَيِّنَ اللهُ تَعالى أمْرَ العِبادِ بِما عَهِدُوهُ وتَيَقَّنُوهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: لَيْسَ ثَمَّ مِيزانٌ، إنَّما هو العَدْلُ مَثَلٌ ذَكَرَهُ بِالمِيزانِ؛ إذْ هو أعْدَلُ ما يَدْرِي الناسُ، وجُمِعَتِ المُوازِينُ لِلْإنْسانِ لَمّا كانَتْ لَهُ مَوْزُوناتٌ كَثِيرَةٌ مُتَغايِرَةٌ، وثِقَلُ هَذا المِيزانِ هو بِالإيمانِ والأعْمالِ، وخِفَّتُهُ بِعَدَمِها وقِلَّتِها، ولَنْ يَخِفَّ خِفَّةً مُوبِقَةً مِيزانُ مُؤْمِنٍ. و"عِيشَةٍ راضِيَةٍ" مَعْناهُ: ذاتُ رِضًى، عَلى النَسَبِ، هَذا قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾، قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالأُمِّ نَفْسُ الهاوِيَةِ، وهي دَرْكُ مَن أدْراكَ النارَ، وهَذا كَما يُقالُ لِلْأرْضِ: "أُمُّ الناسِ" لِأنَّها تُؤْوِيهِمْ، وكَما (p-٦٧٩)قالَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ في الحَرْبِ: "فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا" فَجَعَلَ اللهُ تَعالى الهاوِيَةَ أُمُّ الكافِرِ لَمّا كانَتْ مَأْواهُ، وقالَ آخَرُونَ: هو تَفاؤُلٌ بِشَرٍّ فِيهِ تَجَوُّزٌ، كَما قالُوا: "أُمُّهُ ثاكِلٌ" و"هَوى نَجْمُهُ"، وقالَ أبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: المُرادُ أُمُّ رَأْسِهِ لِأنَّهم يَهْوُونَ عَلى رُؤُوسِهِمْ. وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَأُمُّهُ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وضَمِّ المِيمِ مُشَدَّدَةً. ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ عَلى دِرايَةِ أمْرِها وتَعْظِيمِهِ، ثُمَّ أخْبَرَهُ أنَّها نارٌ حامِيَةٌ، وقَرَأ: "ما هِيَ" بِطَرْحِ الهاءِ في الوَصْلِ ابْنُ إسْحاقَ والأعْمَشُ، ورَوى المُبَرِّدُ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِرَجُلٍ: "لا أُمَّ لَكَ"، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، تَدْعُونِي إلى الهُدى وتَقُولُ: لا أُمَّ لَكَ؟ فَقالَ: إنَّما أُرِيدُ لا نارَ لَكَ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾.» كَمُلَ تَفْسِيرُ [القارِعَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

القارعة 101:11

(p-٦٧٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القارِعَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ. قوله عزّ وجلّ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ الناسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ قَرَأ: "القارِعَةُ، ما القارِعَةُ" بِالنَصْبِ عِيسى، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: القارِعَةُ: القِيامَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِهَوْلِها، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القارِعَةُ: صَيْحَةُ النَفْخَةِ في الصُورِ؛ لِأنَّها تَقْرَعُ الأسْماعَ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ القُلُوبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ﴾ تَعْظِيمٌ لِأمْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلَهُ. و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "القارِعَةُ". وأمالَ أبُو عَمْرٍو "القارِعَةَ"، و"الفَرّاشُ" طَيْرٌ دَقِيقٌ يَتَساقَطُ في النارِ ويَقْصِدُها ولا يَزالُ يَتَقَحَّمُ عَلى المِصْباحِ ونَحْوِهِ حَتّى يَحْتَرِقَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "وَأنا آخِذٌ بِحُجُزِكم عَنِ النارِ وأنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيها تَقاحُمَ الفَراشِ والجَنادِبِ"،» وقالَ الفَرّاءُ: الفِراشُ في الآيَةِ غَوْغاءُ الجَرادِ، وهو صَغِيرُهُ الَّذِي يَنْتَشِرُ (p-٦٧٨)فِي الأرْضِ والهَواءِ، و"المَبْثُوثِ" هُنا مَعْناهُ: المُتَفَرِّقُ جَمْعُهُ وجُمْلَتُهُ مَوْجُودَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الناسُ أوَّلُ قِيامِهِمْ مِنَ القُبُورِ كالفَراشِ المَبْثُوثِ؛ لِأنَّهم يَجِيئُونَ ويَذْهَبُونَ عَلى غَيْرِ نِظامٍ، ثُمَّ يَدْعُوهُمُ الداعِي فَيَتَوَجَّهُونَ إلى ناحِيَةِ المَحْشَرِ، فَهم حِينَئِذٍ كالجَرادِ المُنْتَشِرِ؛ لِأنَّ الجَرادَ إنَّما تُوَجِّهُهُ أبَدًا إلى ناحِيَةٍ مَقْصُودَةٍ. واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ فِي: "العِهْنِ"، فَقِيلَ: هو الصُوفُ عامًّا، وقِيلَ: هو الصُوفُ الأحْمَرُ، وقِيلَ: هو الصُوفُ المُلَوَّنُ ألْوانًا، واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِقَوْلِ زُهَيْرٍ: ؎ كَأنَّ فُتاتَ العِهْنِ في كُلِّ مَنزِلٍ نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الفَنا لَمْ يُحَطَّمِ والفَنا: عِنَبُ الثَعْلَبِ، وحَبُّهُ قَبْلَ التَحَطُّمِ مِنهُ الأخْضَرُ والأحْمَرُ والأصْفَرُ، وكَذَلِكَ الجِبالُ جُدَدٌ بِيضٍ وحُمْرٌ وصُفْرٌ وسُودٌ، فَجاءَ التَشْبِيهُ مُلائِمًا، وكَوْنُ الجِبالِ كالعِهْنِ إنَّما هو قَبْلَ وقْتِ التَفْتِيتِ قَبْلَ النَسْفِ ومَصِيرُها هُنا، وهي دَرَجاتٌ. و"النَفْشُ": خَلْخَلَةُ الأجْزاءِ وتَفْرِيقُها عن تَراصِّها، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ: "كالصُوفِ المَنفُوشِ". و"المَوازِينُ" هي الَّتِي في القِيامَةِ، قالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ والفُقَهاءِ والمُحَدِّثِينَ: مِيزانُ القِيامَةِ بِعَمُودٍ وكِفَّتَيْنِ لِيُبَيِّنَ اللهُ تَعالى أمْرَ العِبادِ بِما عَهِدُوهُ وتَيَقَّنُوهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: لَيْسَ ثَمَّ مِيزانٌ، إنَّما هو العَدْلُ مَثَلٌ ذَكَرَهُ بِالمِيزانِ؛ إذْ هو أعْدَلُ ما يَدْرِي الناسُ، وجُمِعَتِ المُوازِينُ لِلْإنْسانِ لَمّا كانَتْ لَهُ مَوْزُوناتٌ كَثِيرَةٌ مُتَغايِرَةٌ، وثِقَلُ هَذا المِيزانِ هو بِالإيمانِ والأعْمالِ، وخِفَّتُهُ بِعَدَمِها وقِلَّتِها، ولَنْ يَخِفَّ خِفَّةً مُوبِقَةً مِيزانُ مُؤْمِنٍ. و"عِيشَةٍ راضِيَةٍ" مَعْناهُ: ذاتُ رِضًى، عَلى النَسَبِ، هَذا قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾، قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالأُمِّ نَفْسُ الهاوِيَةِ، وهي دَرْكُ مَن أدْراكَ النارَ، وهَذا كَما يُقالُ لِلْأرْضِ: "أُمُّ الناسِ" لِأنَّها تُؤْوِيهِمْ، وكَما (p-٦٧٩)قالَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ في الحَرْبِ: "فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا" فَجَعَلَ اللهُ تَعالى الهاوِيَةَ أُمُّ الكافِرِ لَمّا كانَتْ مَأْواهُ، وقالَ آخَرُونَ: هو تَفاؤُلٌ بِشَرٍّ فِيهِ تَجَوُّزٌ، كَما قالُوا: "أُمُّهُ ثاكِلٌ" و"هَوى نَجْمُهُ"، وقالَ أبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: المُرادُ أُمُّ رَأْسِهِ لِأنَّهم يَهْوُونَ عَلى رُؤُوسِهِمْ. وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَأُمُّهُ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وضَمِّ المِيمِ مُشَدَّدَةً. ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ عَلى دِرايَةِ أمْرِها وتَعْظِيمِهِ، ثُمَّ أخْبَرَهُ أنَّها نارٌ حامِيَةٌ، وقَرَأ: "ما هِيَ" بِطَرْحِ الهاءِ في الوَصْلِ ابْنُ إسْحاقَ والأعْمَشُ، ورَوى المُبَرِّدُ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِرَجُلٍ: "لا أُمَّ لَكَ"، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، تَدْعُونِي إلى الهُدى وتَقُولُ: لا أُمَّ لَكَ؟ فَقالَ: إنَّما أُرِيدُ لا نارَ لَكَ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾.» كَمُلَ تَفْسِيرُ [القارِعَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ