Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — الشرح 94:1 – العلق 96:19
المحتويات
- الشرح 94:1
- الشرح 94:2
- الشرح 94:3
- الشرح 94:4
- الشرح 94:5
- الشرح 94:6
- الشرح 94:7
- الشرح 94:8
- التين 95:1
- التين 95:2
- التين 95:3
- التين 95:4
- التين 95:5
- التين 95:6
- التين 95:7
- التين 95:8
- العلق 96:1
- العلق 96:2
- العلق 96:3
- العلق 96:4
- العلق 96:5
- العلق 96:6
- العلق 96:7
- العلق 96:8
- العلق 96:9
- العلق 96:10
- العلق 96:11
- العلق 96:12
- العلق 96:13
- العلق 96:14
- العلق 96:15
- العلق 96:16
- العلق 96:17
- العلق 96:18
- العلق 96:19
الشرح 94:1
(p-٦٤٣)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الشَرْحِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لا خِلافَ بَيْنَهم في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿وَوَضَعْنا عنكَ وِزْرَكَ﴾ ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ ﴿وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾
عَدَّدَ اللهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ نِعَمَهُ في أنْ شَرَحَ صَدْرَهُ لِلنُّبُوَّةِ وهَيَّأهُ لَها، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ شَرْحَ الصَدْرِ المَذْكُورِ هُوَ: تَنْوِيرُهُ بِالحِكْمَةِ وتَوْسِيعُهُ لِتَلَقِّي ما يُوحى إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وجَماعَةٌ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى شَرْحِهِ بِشَقِّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ عنهُ في وقْتِ صِغَرِهِ، وفي وقْتِ الإسْراءِ؛ إذِ التَشْرِيحُ شَقُّ اللَحْمِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ: "ألَمْ نَشْرَحْ" بِنَصْبِ الحاءِ عَلى نَحْوِ قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ أضْرِبْ عنكَ الهُمُومَ طارِقَها ضَرْبَكَ بِالسَيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
ومِثْلُهُ في نَوادِرِ أبِي زَيْدٍ:
؎ مِن أيِّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أفِرُّ ∗∗∗ أيْوَمٌ لَمْ يُقْدَرَ أمْ يَوْمُ قُدِرْ
كَأنَّهُ تَعالى قالَ: "ألَمْ نَشْرَحَنَّ"، ثُمَّ أبْدَلَ مِنَ النُونِ ألِفًا، ثُمَّ حَذَفَها تَخْفِيفًا، وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ.
(p-٦٤٤)وَ"الوِزْرُ" الَّذِي وضَعَهُ اللهُ عنهُ هو عِنْدَ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ الثِقَلُ الَّذِي كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وحِيرَتُهُ قَبْلَ المَبْعَثِ؛ إذْ كانَ يَرى سُوءَ ما قُرَيْشٌ فِيهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، وكانَ لَمْ يَتَّجِهْ لَهُ مِنَ اللهِ أمْرٌ واضِحٌ، فَوَضَعَ اللهُ تَعالى عنهُ ذَلِكَ الثِقْلَ بِنُبُوَّتِهِ وإرْسالِهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: المَعْنى: خَفَّفْنا عَلَيْكَ أثْقالَ النُبُوَّةِ، وأعَنّاكَ عَلى الناسِ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، وجُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الوِزْرُ هُنا: الذُنُوبُ، الثِقَلُ، فَشُبِّهَتِ الذُنُوبُ بِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ النُبُوَّةِ وِزْرُهُ صُحْبَةُ قَوْمِهِ، وأكْلُهُ مِن ذَبائِحِهِمْ، ونَحْوُ هَذا، وقالَ الضَحّاكُ، وفي كِتابِ النَقّاشِ: حُضُورُهُ مَعَ قَوْمِهِ المُشاهِدِ الَّتِي لا يُحِبُّها اللهُ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ كُلُّها جَرَّها المَنشَأُ، كَشُهُودِهِ حَرْبَ الفُجّارِ، يَنْبُلُ عَلى أعْمامِهِ وقَلْبِهِ في ذَلِكَ مُنِيبٌ إلى الصَوابِ، وأمّا عِبادَةُ الأصْنامِ فَلَمْ يَلْتَبِسْ بِها قَطُّ. وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: "وَحَطَطْنا عنكَ وِزْرَكَ"، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَحَلَلْنا عنكَ وِقْرَكَ"، وفي حِرَفِ أُبَيٍّ "وَحَطَطْنا عنكَ وِقْرَكَ"، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو أنَّ النَبِيَّ ﷺ صَوَّبَ جَمِيعَها. وقالَ المُحاسِبِيُّ: إنَّما وُصِفَتْ ذُنُوبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِالثِقَلِ وهي صَغائِرُ مَغْفُورَةٌ لِهَمِّهِمْ بِها وتَحَسُّرِهِمْ عَلَيْها.
(p-٦٤٥)وَ"أنْقَضَ" مَعْناهُ: جَعَلَهُ نَقْضًا، أيْ هَزِيلًا مَعِيبًا مِنَ الثِقْلِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أسْمَعُ لَهُ نَقِيضًا وهو الصَوْتُ، وهو مِثْلُ نَقِيضِ السُفُنِ، وكُلُّ ما حَمَّلْتَهُ ثِقَلًا فَإنَّهُ يُنْقَضُ تَحْتَهُ، وقالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ وأنْقَضَ ظَهْرِي ما تَطَوَّقْتُ مِنهم ∗∗∗ وكُنْتُ عَلَيْهِمْ مُشْفِقًا مُتَحَنِّنًا
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ مَعْناهُ: نَوَّهْنا بِاسْمِكَ، وذَهَبْنا بِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ في الأرْضِ، هَذا ورَسُولُ اللهِ بِمَكَّةَ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، أيْ: قَرَنّا اسْمَكَ بِاسْمِنا في الأذانِ والخُطَبِ، ورُوِيَ في هَذا حَدِيثُ "إنَّ اللهَ تَعالى قالَ: إذا ذُكِرْتُ ذْكِرْتَ مَعِي"، وهَذا مُتَّجِهٌ إلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ قَدِيمًا والأذانُ شُرِعَ بِالمَدِينَةِ، ورَفْعُ الذِكْرِ نِعْمَةٌ عَلى الرَسُولِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ، وكَذَلِكَ هو جَمِيلٌ حَسَنٌ لِلْقائِمِينَ بِأُمُورِ الناسِ، وخُمُولُ الذِكْرِ والِاسْمِ حَسَنٌ لِلْمُنْفَرِدِينَ لِلْعِبادَةِ، وقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعالى النِعَمَ أقْسامًا بِحَسَبِ ما يَصْلُحُ لِشَخْصٍ شَخَصَ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يُوقِفُ عَبْدًا يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِكَ كَذا وكَذا؟ يُعَدِّدُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ-، ويَقُولُ في جُمْلَتِها: ألَمْ أحْمِلْ أخْمَلَ ذِكْرَكَ في الناسِ"؟» والمَعْنى في هَذا التَعْدِيدِ الَّذِي عَلى النَبِيِّ ﷺ أيْ: يا مُحَمَّدُ قَدْ جَعَلْنا جَمِيعَ هَذا فَلا تَكْتَرِثُ بِأذى قُرَيْشٍ، فَإنَّ الَّذِي فَعَلَ بِكَ هَذِهِ النِعَمَ سَيُظْفِرُكَ بِهِمْ ويَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ قَوّى رَجاءَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾، أيْ ما تَراهُ مِنَ الأذى فَرَجٌ يَأْتِيكَ، وكَرَّرَ تَعالى ذَلِكَ مُبالَغَةً وتَبَيُّنًا لِلْخَيْرِ، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: المَعْنى: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا في الدُنْيا، وإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا في الآخِرَةِ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ إلى (p-٦٤٦)أنَّ مَعَ كُلِّ عُسْرٍ يُسْرَيْنِ بِهَذِهِ الآيَةِ، مِن حَيْثُ "العُسْرُ" مَعْرُوفٌ لِلْعَهْدِ، و"اليُسْرُ" مُنْكَرٌ، فالأوَّلُ غَيْرُ الثانِي، وقَدْ رُوِيَ في هَذا التَأْوِيلِ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ"،» وأمّا قَوْلُ عَمَرَ بِهِ فَنَصٌّ في المُوَطَّأِ في رِسالَتِهِ إلى أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ رَضِيَ اللهُ عنهُما. وقَرَأ عِيسى، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: "العُسْرُ، واليُسْرُ" بِضَمَّتَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا" واحِدَةٌ غَيْرُ مُكَرَّرَةٍ.
ثُمَّ أمِرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إذا فَرَغَ مِن شُغْلٍ مِن أشْغالِ النُبُوَّةِ والعِبادَةِ أنْ يَنْصِبَ في آخِرَ، والنَصْبُ: التَعَبُ، فالمَعْنى أنْ يَدْأبَ عَلى ما أُمِرَ بِهِ ولا يَفْتُرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: فَإذا فَرَغْتَ مِن فَرْضِكَ فانْصَبْ في التَنَفُّلِ عِبادَةً لِرَبِّكَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فانْصَبْ في قِيامِ اللَيْلِ، وعن مُجاهِدٍ فَإذا فَرَغْتَ مِن شَغْلِ دُنْياكَ فانْصَبْ في عِبادَةِ رَبِّكَ، وقِيلَ: المَعْنى: إذا فَرَغْتَ مِنَ الرَكَعاتِ فاجْلِسْ في التَشَهُّدِ وانْصَبْ في الدُعاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: مَعْنى الكَلامِ: فَإذا فَرَغْتَ مِنَ العِبادَةِ فانْصَبْ في الدُعاءِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الجِهادِ فانْصَبْ في العِبادَةِ، ويَعْتَرِضُ هَذا التَأْوِيلُ أنَّ الجِهادَ فُرِضَ بِالمَدِينَةِ. وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فَرِغَتْ" بِكَسْرِ الراءِ، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ قَوْمٌ "فانْصَبَّ" بِشَدِّ الباءِ وفَتْحِها، ومَعْناها: إذا فَرَغْتَ مِنَ الجِهادِ "فانْصَبَّ" إلى المَدِينَةِ، ذَكَرَها النَقّاشُ مُنَبِّهًا عَلى أنَّها خَطَأٌ، وقَرَأ آخَرُونَ الإمامِيَّةُ "فانْصِبَ" بِكَسْرِ الصادِ، بِمَعْنى إذا فَرَغْتَ مِن أمْرِ النُبُوَّةِ فانْصِبْ خَلِيفَةً، وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ ضَعِيفَةُ المَعْنى لَمْ تَثْبُتْ عن عالِمٍ، ومَرَّ شُرَيْحٌ عَلى رَجُلَيْنِ يَصْطَرِعانِ فَقالَ: لَيْسَ بِهَذا أمْرُ الفَراغِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ أمْرٌ بِالتَوَكُّلِ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وصَرْفُ وجْهِ الرَغَباتِ إلَيْهِ لا إلى سِواهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَرَغِّبْ" بِفَتْحِ الراءِ وشَدِّ الغَيْنِ مَكْسُورَةً.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الشَرْحِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الشرح 94:2
(p-٦٤٣)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الشَرْحِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لا خِلافَ بَيْنَهم في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿وَوَضَعْنا عنكَ وِزْرَكَ﴾ ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ ﴿وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾
عَدَّدَ اللهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ نِعَمَهُ في أنْ شَرَحَ صَدْرَهُ لِلنُّبُوَّةِ وهَيَّأهُ لَها، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ شَرْحَ الصَدْرِ المَذْكُورِ هُوَ: تَنْوِيرُهُ بِالحِكْمَةِ وتَوْسِيعُهُ لِتَلَقِّي ما يُوحى إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وجَماعَةٌ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى شَرْحِهِ بِشَقِّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ عنهُ في وقْتِ صِغَرِهِ، وفي وقْتِ الإسْراءِ؛ إذِ التَشْرِيحُ شَقُّ اللَحْمِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ: "ألَمْ نَشْرَحْ" بِنَصْبِ الحاءِ عَلى نَحْوِ قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ أضْرِبْ عنكَ الهُمُومَ طارِقَها ضَرْبَكَ بِالسَيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
ومِثْلُهُ في نَوادِرِ أبِي زَيْدٍ:
؎ مِن أيِّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أفِرُّ ∗∗∗ أيْوَمٌ لَمْ يُقْدَرَ أمْ يَوْمُ قُدِرْ
كَأنَّهُ تَعالى قالَ: "ألَمْ نَشْرَحَنَّ"، ثُمَّ أبْدَلَ مِنَ النُونِ ألِفًا، ثُمَّ حَذَفَها تَخْفِيفًا، وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ.
(p-٦٤٤)وَ"الوِزْرُ" الَّذِي وضَعَهُ اللهُ عنهُ هو عِنْدَ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ الثِقَلُ الَّذِي كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وحِيرَتُهُ قَبْلَ المَبْعَثِ؛ إذْ كانَ يَرى سُوءَ ما قُرَيْشٌ فِيهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، وكانَ لَمْ يَتَّجِهْ لَهُ مِنَ اللهِ أمْرٌ واضِحٌ، فَوَضَعَ اللهُ تَعالى عنهُ ذَلِكَ الثِقْلَ بِنُبُوَّتِهِ وإرْسالِهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: المَعْنى: خَفَّفْنا عَلَيْكَ أثْقالَ النُبُوَّةِ، وأعَنّاكَ عَلى الناسِ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، وجُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الوِزْرُ هُنا: الذُنُوبُ، الثِقَلُ، فَشُبِّهَتِ الذُنُوبُ بِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ النُبُوَّةِ وِزْرُهُ صُحْبَةُ قَوْمِهِ، وأكْلُهُ مِن ذَبائِحِهِمْ، ونَحْوُ هَذا، وقالَ الضَحّاكُ، وفي كِتابِ النَقّاشِ: حُضُورُهُ مَعَ قَوْمِهِ المُشاهِدِ الَّتِي لا يُحِبُّها اللهُ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ كُلُّها جَرَّها المَنشَأُ، كَشُهُودِهِ حَرْبَ الفُجّارِ، يَنْبُلُ عَلى أعْمامِهِ وقَلْبِهِ في ذَلِكَ مُنِيبٌ إلى الصَوابِ، وأمّا عِبادَةُ الأصْنامِ فَلَمْ يَلْتَبِسْ بِها قَطُّ. وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: "وَحَطَطْنا عنكَ وِزْرَكَ"، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَحَلَلْنا عنكَ وِقْرَكَ"، وفي حِرَفِ أُبَيٍّ "وَحَطَطْنا عنكَ وِقْرَكَ"، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو أنَّ النَبِيَّ ﷺ صَوَّبَ جَمِيعَها. وقالَ المُحاسِبِيُّ: إنَّما وُصِفَتْ ذُنُوبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِالثِقَلِ وهي صَغائِرُ مَغْفُورَةٌ لِهَمِّهِمْ بِها وتَحَسُّرِهِمْ عَلَيْها.
(p-٦٤٥)وَ"أنْقَضَ" مَعْناهُ: جَعَلَهُ نَقْضًا، أيْ هَزِيلًا مَعِيبًا مِنَ الثِقْلِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أسْمَعُ لَهُ نَقِيضًا وهو الصَوْتُ، وهو مِثْلُ نَقِيضِ السُفُنِ، وكُلُّ ما حَمَّلْتَهُ ثِقَلًا فَإنَّهُ يُنْقَضُ تَحْتَهُ، وقالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ وأنْقَضَ ظَهْرِي ما تَطَوَّقْتُ مِنهم ∗∗∗ وكُنْتُ عَلَيْهِمْ مُشْفِقًا مُتَحَنِّنًا
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ مَعْناهُ: نَوَّهْنا بِاسْمِكَ، وذَهَبْنا بِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ في الأرْضِ، هَذا ورَسُولُ اللهِ بِمَكَّةَ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، أيْ: قَرَنّا اسْمَكَ بِاسْمِنا في الأذانِ والخُطَبِ، ورُوِيَ في هَذا حَدِيثُ "إنَّ اللهَ تَعالى قالَ: إذا ذُكِرْتُ ذْكِرْتَ مَعِي"، وهَذا مُتَّجِهٌ إلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ قَدِيمًا والأذانُ شُرِعَ بِالمَدِينَةِ، ورَفْعُ الذِكْرِ نِعْمَةٌ عَلى الرَسُولِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ، وكَذَلِكَ هو جَمِيلٌ حَسَنٌ لِلْقائِمِينَ بِأُمُورِ الناسِ، وخُمُولُ الذِكْرِ والِاسْمِ حَسَنٌ لِلْمُنْفَرِدِينَ لِلْعِبادَةِ، وقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعالى النِعَمَ أقْسامًا بِحَسَبِ ما يَصْلُحُ لِشَخْصٍ شَخَصَ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يُوقِفُ عَبْدًا يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِكَ كَذا وكَذا؟ يُعَدِّدُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ-، ويَقُولُ في جُمْلَتِها: ألَمْ أحْمِلْ أخْمَلَ ذِكْرَكَ في الناسِ"؟» والمَعْنى في هَذا التَعْدِيدِ الَّذِي عَلى النَبِيِّ ﷺ أيْ: يا مُحَمَّدُ قَدْ جَعَلْنا جَمِيعَ هَذا فَلا تَكْتَرِثُ بِأذى قُرَيْشٍ، فَإنَّ الَّذِي فَعَلَ بِكَ هَذِهِ النِعَمَ سَيُظْفِرُكَ بِهِمْ ويَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ قَوّى رَجاءَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾، أيْ ما تَراهُ مِنَ الأذى فَرَجٌ يَأْتِيكَ، وكَرَّرَ تَعالى ذَلِكَ مُبالَغَةً وتَبَيُّنًا لِلْخَيْرِ، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: المَعْنى: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا في الدُنْيا، وإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا في الآخِرَةِ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ إلى (p-٦٤٦)أنَّ مَعَ كُلِّ عُسْرٍ يُسْرَيْنِ بِهَذِهِ الآيَةِ، مِن حَيْثُ "العُسْرُ" مَعْرُوفٌ لِلْعَهْدِ، و"اليُسْرُ" مُنْكَرٌ، فالأوَّلُ غَيْرُ الثانِي، وقَدْ رُوِيَ في هَذا التَأْوِيلِ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ"،» وأمّا قَوْلُ عَمَرَ بِهِ فَنَصٌّ في المُوَطَّأِ في رِسالَتِهِ إلى أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ رَضِيَ اللهُ عنهُما. وقَرَأ عِيسى، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: "العُسْرُ، واليُسْرُ" بِضَمَّتَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا" واحِدَةٌ غَيْرُ مُكَرَّرَةٍ.
ثُمَّ أمِرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إذا فَرَغَ مِن شُغْلٍ مِن أشْغالِ النُبُوَّةِ والعِبادَةِ أنْ يَنْصِبَ في آخِرَ، والنَصْبُ: التَعَبُ، فالمَعْنى أنْ يَدْأبَ عَلى ما أُمِرَ بِهِ ولا يَفْتُرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: فَإذا فَرَغْتَ مِن فَرْضِكَ فانْصَبْ في التَنَفُّلِ عِبادَةً لِرَبِّكَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فانْصَبْ في قِيامِ اللَيْلِ، وعن مُجاهِدٍ فَإذا فَرَغْتَ مِن شَغْلِ دُنْياكَ فانْصَبْ في عِبادَةِ رَبِّكَ، وقِيلَ: المَعْنى: إذا فَرَغْتَ مِنَ الرَكَعاتِ فاجْلِسْ في التَشَهُّدِ وانْصَبْ في الدُعاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: مَعْنى الكَلامِ: فَإذا فَرَغْتَ مِنَ العِبادَةِ فانْصَبْ في الدُعاءِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الجِهادِ فانْصَبْ في العِبادَةِ، ويَعْتَرِضُ هَذا التَأْوِيلُ أنَّ الجِهادَ فُرِضَ بِالمَدِينَةِ. وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فَرِغَتْ" بِكَسْرِ الراءِ، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ قَوْمٌ "فانْصَبَّ" بِشَدِّ الباءِ وفَتْحِها، ومَعْناها: إذا فَرَغْتَ مِنَ الجِهادِ "فانْصَبَّ" إلى المَدِينَةِ، ذَكَرَها النَقّاشُ مُنَبِّهًا عَلى أنَّها خَطَأٌ، وقَرَأ آخَرُونَ الإمامِيَّةُ "فانْصِبَ" بِكَسْرِ الصادِ، بِمَعْنى إذا فَرَغْتَ مِن أمْرِ النُبُوَّةِ فانْصِبْ خَلِيفَةً، وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ ضَعِيفَةُ المَعْنى لَمْ تَثْبُتْ عن عالِمٍ، ومَرَّ شُرَيْحٌ عَلى رَجُلَيْنِ يَصْطَرِعانِ فَقالَ: لَيْسَ بِهَذا أمْرُ الفَراغِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ أمْرٌ بِالتَوَكُّلِ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وصَرْفُ وجْهِ الرَغَباتِ إلَيْهِ لا إلى سِواهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَرَغِّبْ" بِفَتْحِ الراءِ وشَدِّ الغَيْنِ مَكْسُورَةً.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الشَرْحِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الشرح 94:3
(p-٦٤٣)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الشَرْحِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لا خِلافَ بَيْنَهم في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿وَوَضَعْنا عنكَ وِزْرَكَ﴾ ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ ﴿وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾
عَدَّدَ اللهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ نِعَمَهُ في أنْ شَرَحَ صَدْرَهُ لِلنُّبُوَّةِ وهَيَّأهُ لَها، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ شَرْحَ الصَدْرِ المَذْكُورِ هُوَ: تَنْوِيرُهُ بِالحِكْمَةِ وتَوْسِيعُهُ لِتَلَقِّي ما يُوحى إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وجَماعَةٌ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى شَرْحِهِ بِشَقِّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ عنهُ في وقْتِ صِغَرِهِ، وفي وقْتِ الإسْراءِ؛ إذِ التَشْرِيحُ شَقُّ اللَحْمِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ: "ألَمْ نَشْرَحْ" بِنَصْبِ الحاءِ عَلى نَحْوِ قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ أضْرِبْ عنكَ الهُمُومَ طارِقَها ضَرْبَكَ بِالسَيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
ومِثْلُهُ في نَوادِرِ أبِي زَيْدٍ:
؎ مِن أيِّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أفِرُّ ∗∗∗ أيْوَمٌ لَمْ يُقْدَرَ أمْ يَوْمُ قُدِرْ
كَأنَّهُ تَعالى قالَ: "ألَمْ نَشْرَحَنَّ"، ثُمَّ أبْدَلَ مِنَ النُونِ ألِفًا، ثُمَّ حَذَفَها تَخْفِيفًا، وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ.
(p-٦٤٤)وَ"الوِزْرُ" الَّذِي وضَعَهُ اللهُ عنهُ هو عِنْدَ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ الثِقَلُ الَّذِي كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وحِيرَتُهُ قَبْلَ المَبْعَثِ؛ إذْ كانَ يَرى سُوءَ ما قُرَيْشٌ فِيهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، وكانَ لَمْ يَتَّجِهْ لَهُ مِنَ اللهِ أمْرٌ واضِحٌ، فَوَضَعَ اللهُ تَعالى عنهُ ذَلِكَ الثِقْلَ بِنُبُوَّتِهِ وإرْسالِهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: المَعْنى: خَفَّفْنا عَلَيْكَ أثْقالَ النُبُوَّةِ، وأعَنّاكَ عَلى الناسِ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، وجُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الوِزْرُ هُنا: الذُنُوبُ، الثِقَلُ، فَشُبِّهَتِ الذُنُوبُ بِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ النُبُوَّةِ وِزْرُهُ صُحْبَةُ قَوْمِهِ، وأكْلُهُ مِن ذَبائِحِهِمْ، ونَحْوُ هَذا، وقالَ الضَحّاكُ، وفي كِتابِ النَقّاشِ: حُضُورُهُ مَعَ قَوْمِهِ المُشاهِدِ الَّتِي لا يُحِبُّها اللهُ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ كُلُّها جَرَّها المَنشَأُ، كَشُهُودِهِ حَرْبَ الفُجّارِ، يَنْبُلُ عَلى أعْمامِهِ وقَلْبِهِ في ذَلِكَ مُنِيبٌ إلى الصَوابِ، وأمّا عِبادَةُ الأصْنامِ فَلَمْ يَلْتَبِسْ بِها قَطُّ. وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: "وَحَطَطْنا عنكَ وِزْرَكَ"، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَحَلَلْنا عنكَ وِقْرَكَ"، وفي حِرَفِ أُبَيٍّ "وَحَطَطْنا عنكَ وِقْرَكَ"، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو أنَّ النَبِيَّ ﷺ صَوَّبَ جَمِيعَها. وقالَ المُحاسِبِيُّ: إنَّما وُصِفَتْ ذُنُوبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِالثِقَلِ وهي صَغائِرُ مَغْفُورَةٌ لِهَمِّهِمْ بِها وتَحَسُّرِهِمْ عَلَيْها.
(p-٦٤٥)وَ"أنْقَضَ" مَعْناهُ: جَعَلَهُ نَقْضًا، أيْ هَزِيلًا مَعِيبًا مِنَ الثِقْلِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أسْمَعُ لَهُ نَقِيضًا وهو الصَوْتُ، وهو مِثْلُ نَقِيضِ السُفُنِ، وكُلُّ ما حَمَّلْتَهُ ثِقَلًا فَإنَّهُ يُنْقَضُ تَحْتَهُ، وقالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ وأنْقَضَ ظَهْرِي ما تَطَوَّقْتُ مِنهم ∗∗∗ وكُنْتُ عَلَيْهِمْ مُشْفِقًا مُتَحَنِّنًا
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ مَعْناهُ: نَوَّهْنا بِاسْمِكَ، وذَهَبْنا بِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ في الأرْضِ، هَذا ورَسُولُ اللهِ بِمَكَّةَ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، أيْ: قَرَنّا اسْمَكَ بِاسْمِنا في الأذانِ والخُطَبِ، ورُوِيَ في هَذا حَدِيثُ "إنَّ اللهَ تَعالى قالَ: إذا ذُكِرْتُ ذْكِرْتَ مَعِي"، وهَذا مُتَّجِهٌ إلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ قَدِيمًا والأذانُ شُرِعَ بِالمَدِينَةِ، ورَفْعُ الذِكْرِ نِعْمَةٌ عَلى الرَسُولِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ، وكَذَلِكَ هو جَمِيلٌ حَسَنٌ لِلْقائِمِينَ بِأُمُورِ الناسِ، وخُمُولُ الذِكْرِ والِاسْمِ حَسَنٌ لِلْمُنْفَرِدِينَ لِلْعِبادَةِ، وقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعالى النِعَمَ أقْسامًا بِحَسَبِ ما يَصْلُحُ لِشَخْصٍ شَخَصَ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يُوقِفُ عَبْدًا يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِكَ كَذا وكَذا؟ يُعَدِّدُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ-، ويَقُولُ في جُمْلَتِها: ألَمْ أحْمِلْ أخْمَلَ ذِكْرَكَ في الناسِ"؟» والمَعْنى في هَذا التَعْدِيدِ الَّذِي عَلى النَبِيِّ ﷺ أيْ: يا مُحَمَّدُ قَدْ جَعَلْنا جَمِيعَ هَذا فَلا تَكْتَرِثُ بِأذى قُرَيْشٍ، فَإنَّ الَّذِي فَعَلَ بِكَ هَذِهِ النِعَمَ سَيُظْفِرُكَ بِهِمْ ويَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ قَوّى رَجاءَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾، أيْ ما تَراهُ مِنَ الأذى فَرَجٌ يَأْتِيكَ، وكَرَّرَ تَعالى ذَلِكَ مُبالَغَةً وتَبَيُّنًا لِلْخَيْرِ، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: المَعْنى: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا في الدُنْيا، وإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا في الآخِرَةِ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ إلى (p-٦٤٦)أنَّ مَعَ كُلِّ عُسْرٍ يُسْرَيْنِ بِهَذِهِ الآيَةِ، مِن حَيْثُ "العُسْرُ" مَعْرُوفٌ لِلْعَهْدِ، و"اليُسْرُ" مُنْكَرٌ، فالأوَّلُ غَيْرُ الثانِي، وقَدْ رُوِيَ في هَذا التَأْوِيلِ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ"،» وأمّا قَوْلُ عَمَرَ بِهِ فَنَصٌّ في المُوَطَّأِ في رِسالَتِهِ إلى أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ رَضِيَ اللهُ عنهُما. وقَرَأ عِيسى، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: "العُسْرُ، واليُسْرُ" بِضَمَّتَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا" واحِدَةٌ غَيْرُ مُكَرَّرَةٍ.
ثُمَّ أمِرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إذا فَرَغَ مِن شُغْلٍ مِن أشْغالِ النُبُوَّةِ والعِبادَةِ أنْ يَنْصِبَ في آخِرَ، والنَصْبُ: التَعَبُ، فالمَعْنى أنْ يَدْأبَ عَلى ما أُمِرَ بِهِ ولا يَفْتُرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: فَإذا فَرَغْتَ مِن فَرْضِكَ فانْصَبْ في التَنَفُّلِ عِبادَةً لِرَبِّكَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فانْصَبْ في قِيامِ اللَيْلِ، وعن مُجاهِدٍ فَإذا فَرَغْتَ مِن شَغْلِ دُنْياكَ فانْصَبْ في عِبادَةِ رَبِّكَ، وقِيلَ: المَعْنى: إذا فَرَغْتَ مِنَ الرَكَعاتِ فاجْلِسْ في التَشَهُّدِ وانْصَبْ في الدُعاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: مَعْنى الكَلامِ: فَإذا فَرَغْتَ مِنَ العِبادَةِ فانْصَبْ في الدُعاءِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الجِهادِ فانْصَبْ في العِبادَةِ، ويَعْتَرِضُ هَذا التَأْوِيلُ أنَّ الجِهادَ فُرِضَ بِالمَدِينَةِ. وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فَرِغَتْ" بِكَسْرِ الراءِ، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ قَوْمٌ "فانْصَبَّ" بِشَدِّ الباءِ وفَتْحِها، ومَعْناها: إذا فَرَغْتَ مِنَ الجِهادِ "فانْصَبَّ" إلى المَدِينَةِ، ذَكَرَها النَقّاشُ مُنَبِّهًا عَلى أنَّها خَطَأٌ، وقَرَأ آخَرُونَ الإمامِيَّةُ "فانْصِبَ" بِكَسْرِ الصادِ، بِمَعْنى إذا فَرَغْتَ مِن أمْرِ النُبُوَّةِ فانْصِبْ خَلِيفَةً، وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ ضَعِيفَةُ المَعْنى لَمْ تَثْبُتْ عن عالِمٍ، ومَرَّ شُرَيْحٌ عَلى رَجُلَيْنِ يَصْطَرِعانِ فَقالَ: لَيْسَ بِهَذا أمْرُ الفَراغِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ أمْرٌ بِالتَوَكُّلِ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وصَرْفُ وجْهِ الرَغَباتِ إلَيْهِ لا إلى سِواهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَرَغِّبْ" بِفَتْحِ الراءِ وشَدِّ الغَيْنِ مَكْسُورَةً.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الشَرْحِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الشرح 94:4
(p-٦٤٣)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الشَرْحِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لا خِلافَ بَيْنَهم في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿وَوَضَعْنا عنكَ وِزْرَكَ﴾ ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ ﴿وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾
عَدَّدَ اللهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ نِعَمَهُ في أنْ شَرَحَ صَدْرَهُ لِلنُّبُوَّةِ وهَيَّأهُ لَها، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ شَرْحَ الصَدْرِ المَذْكُورِ هُوَ: تَنْوِيرُهُ بِالحِكْمَةِ وتَوْسِيعُهُ لِتَلَقِّي ما يُوحى إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وجَماعَةٌ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى شَرْحِهِ بِشَقِّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ عنهُ في وقْتِ صِغَرِهِ، وفي وقْتِ الإسْراءِ؛ إذِ التَشْرِيحُ شَقُّ اللَحْمِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ: "ألَمْ نَشْرَحْ" بِنَصْبِ الحاءِ عَلى نَحْوِ قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ أضْرِبْ عنكَ الهُمُومَ طارِقَها ضَرْبَكَ بِالسَيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
ومِثْلُهُ في نَوادِرِ أبِي زَيْدٍ:
؎ مِن أيِّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أفِرُّ ∗∗∗ أيْوَمٌ لَمْ يُقْدَرَ أمْ يَوْمُ قُدِرْ
كَأنَّهُ تَعالى قالَ: "ألَمْ نَشْرَحَنَّ"، ثُمَّ أبْدَلَ مِنَ النُونِ ألِفًا، ثُمَّ حَذَفَها تَخْفِيفًا، وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ.
(p-٦٤٤)وَ"الوِزْرُ" الَّذِي وضَعَهُ اللهُ عنهُ هو عِنْدَ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ الثِقَلُ الَّذِي كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وحِيرَتُهُ قَبْلَ المَبْعَثِ؛ إذْ كانَ يَرى سُوءَ ما قُرَيْشٌ فِيهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، وكانَ لَمْ يَتَّجِهْ لَهُ مِنَ اللهِ أمْرٌ واضِحٌ، فَوَضَعَ اللهُ تَعالى عنهُ ذَلِكَ الثِقْلَ بِنُبُوَّتِهِ وإرْسالِهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: المَعْنى: خَفَّفْنا عَلَيْكَ أثْقالَ النُبُوَّةِ، وأعَنّاكَ عَلى الناسِ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، وجُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الوِزْرُ هُنا: الذُنُوبُ، الثِقَلُ، فَشُبِّهَتِ الذُنُوبُ بِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ النُبُوَّةِ وِزْرُهُ صُحْبَةُ قَوْمِهِ، وأكْلُهُ مِن ذَبائِحِهِمْ، ونَحْوُ هَذا، وقالَ الضَحّاكُ، وفي كِتابِ النَقّاشِ: حُضُورُهُ مَعَ قَوْمِهِ المُشاهِدِ الَّتِي لا يُحِبُّها اللهُ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ كُلُّها جَرَّها المَنشَأُ، كَشُهُودِهِ حَرْبَ الفُجّارِ، يَنْبُلُ عَلى أعْمامِهِ وقَلْبِهِ في ذَلِكَ مُنِيبٌ إلى الصَوابِ، وأمّا عِبادَةُ الأصْنامِ فَلَمْ يَلْتَبِسْ بِها قَطُّ. وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: "وَحَطَطْنا عنكَ وِزْرَكَ"، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَحَلَلْنا عنكَ وِقْرَكَ"، وفي حِرَفِ أُبَيٍّ "وَحَطَطْنا عنكَ وِقْرَكَ"، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو أنَّ النَبِيَّ ﷺ صَوَّبَ جَمِيعَها. وقالَ المُحاسِبِيُّ: إنَّما وُصِفَتْ ذُنُوبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِالثِقَلِ وهي صَغائِرُ مَغْفُورَةٌ لِهَمِّهِمْ بِها وتَحَسُّرِهِمْ عَلَيْها.
(p-٦٤٥)وَ"أنْقَضَ" مَعْناهُ: جَعَلَهُ نَقْضًا، أيْ هَزِيلًا مَعِيبًا مِنَ الثِقْلِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أسْمَعُ لَهُ نَقِيضًا وهو الصَوْتُ، وهو مِثْلُ نَقِيضِ السُفُنِ، وكُلُّ ما حَمَّلْتَهُ ثِقَلًا فَإنَّهُ يُنْقَضُ تَحْتَهُ، وقالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ وأنْقَضَ ظَهْرِي ما تَطَوَّقْتُ مِنهم ∗∗∗ وكُنْتُ عَلَيْهِمْ مُشْفِقًا مُتَحَنِّنًا
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ مَعْناهُ: نَوَّهْنا بِاسْمِكَ، وذَهَبْنا بِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ في الأرْضِ، هَذا ورَسُولُ اللهِ بِمَكَّةَ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، أيْ: قَرَنّا اسْمَكَ بِاسْمِنا في الأذانِ والخُطَبِ، ورُوِيَ في هَذا حَدِيثُ "إنَّ اللهَ تَعالى قالَ: إذا ذُكِرْتُ ذْكِرْتَ مَعِي"، وهَذا مُتَّجِهٌ إلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ قَدِيمًا والأذانُ شُرِعَ بِالمَدِينَةِ، ورَفْعُ الذِكْرِ نِعْمَةٌ عَلى الرَسُولِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ، وكَذَلِكَ هو جَمِيلٌ حَسَنٌ لِلْقائِمِينَ بِأُمُورِ الناسِ، وخُمُولُ الذِكْرِ والِاسْمِ حَسَنٌ لِلْمُنْفَرِدِينَ لِلْعِبادَةِ، وقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعالى النِعَمَ أقْسامًا بِحَسَبِ ما يَصْلُحُ لِشَخْصٍ شَخَصَ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يُوقِفُ عَبْدًا يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِكَ كَذا وكَذا؟ يُعَدِّدُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ-، ويَقُولُ في جُمْلَتِها: ألَمْ أحْمِلْ أخْمَلَ ذِكْرَكَ في الناسِ"؟» والمَعْنى في هَذا التَعْدِيدِ الَّذِي عَلى النَبِيِّ ﷺ أيْ: يا مُحَمَّدُ قَدْ جَعَلْنا جَمِيعَ هَذا فَلا تَكْتَرِثُ بِأذى قُرَيْشٍ، فَإنَّ الَّذِي فَعَلَ بِكَ هَذِهِ النِعَمَ سَيُظْفِرُكَ بِهِمْ ويَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ قَوّى رَجاءَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾، أيْ ما تَراهُ مِنَ الأذى فَرَجٌ يَأْتِيكَ، وكَرَّرَ تَعالى ذَلِكَ مُبالَغَةً وتَبَيُّنًا لِلْخَيْرِ، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: المَعْنى: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا في الدُنْيا، وإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا في الآخِرَةِ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ إلى (p-٦٤٦)أنَّ مَعَ كُلِّ عُسْرٍ يُسْرَيْنِ بِهَذِهِ الآيَةِ، مِن حَيْثُ "العُسْرُ" مَعْرُوفٌ لِلْعَهْدِ، و"اليُسْرُ" مُنْكَرٌ، فالأوَّلُ غَيْرُ الثانِي، وقَدْ رُوِيَ في هَذا التَأْوِيلِ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ"،» وأمّا قَوْلُ عَمَرَ بِهِ فَنَصٌّ في المُوَطَّأِ في رِسالَتِهِ إلى أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ رَضِيَ اللهُ عنهُما. وقَرَأ عِيسى، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: "العُسْرُ، واليُسْرُ" بِضَمَّتَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا" واحِدَةٌ غَيْرُ مُكَرَّرَةٍ.
ثُمَّ أمِرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إذا فَرَغَ مِن شُغْلٍ مِن أشْغالِ النُبُوَّةِ والعِبادَةِ أنْ يَنْصِبَ في آخِرَ، والنَصْبُ: التَعَبُ، فالمَعْنى أنْ يَدْأبَ عَلى ما أُمِرَ بِهِ ولا يَفْتُرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: فَإذا فَرَغْتَ مِن فَرْضِكَ فانْصَبْ في التَنَفُّلِ عِبادَةً لِرَبِّكَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فانْصَبْ في قِيامِ اللَيْلِ، وعن مُجاهِدٍ فَإذا فَرَغْتَ مِن شَغْلِ دُنْياكَ فانْصَبْ في عِبادَةِ رَبِّكَ، وقِيلَ: المَعْنى: إذا فَرَغْتَ مِنَ الرَكَعاتِ فاجْلِسْ في التَشَهُّدِ وانْصَبْ في الدُعاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: مَعْنى الكَلامِ: فَإذا فَرَغْتَ مِنَ العِبادَةِ فانْصَبْ في الدُعاءِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الجِهادِ فانْصَبْ في العِبادَةِ، ويَعْتَرِضُ هَذا التَأْوِيلُ أنَّ الجِهادَ فُرِضَ بِالمَدِينَةِ. وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فَرِغَتْ" بِكَسْرِ الراءِ، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ قَوْمٌ "فانْصَبَّ" بِشَدِّ الباءِ وفَتْحِها، ومَعْناها: إذا فَرَغْتَ مِنَ الجِهادِ "فانْصَبَّ" إلى المَدِينَةِ، ذَكَرَها النَقّاشُ مُنَبِّهًا عَلى أنَّها خَطَأٌ، وقَرَأ آخَرُونَ الإمامِيَّةُ "فانْصِبَ" بِكَسْرِ الصادِ، بِمَعْنى إذا فَرَغْتَ مِن أمْرِ النُبُوَّةِ فانْصِبْ خَلِيفَةً، وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ ضَعِيفَةُ المَعْنى لَمْ تَثْبُتْ عن عالِمٍ، ومَرَّ شُرَيْحٌ عَلى رَجُلَيْنِ يَصْطَرِعانِ فَقالَ: لَيْسَ بِهَذا أمْرُ الفَراغِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ أمْرٌ بِالتَوَكُّلِ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وصَرْفُ وجْهِ الرَغَباتِ إلَيْهِ لا إلى سِواهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَرَغِّبْ" بِفَتْحِ الراءِ وشَدِّ الغَيْنِ مَكْسُورَةً.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الشَرْحِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الشرح 94:5
(p-٦٤٣)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الشَرْحِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لا خِلافَ بَيْنَهم في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿وَوَضَعْنا عنكَ وِزْرَكَ﴾ ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ ﴿وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾
عَدَّدَ اللهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ نِعَمَهُ في أنْ شَرَحَ صَدْرَهُ لِلنُّبُوَّةِ وهَيَّأهُ لَها، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ شَرْحَ الصَدْرِ المَذْكُورِ هُوَ: تَنْوِيرُهُ بِالحِكْمَةِ وتَوْسِيعُهُ لِتَلَقِّي ما يُوحى إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وجَماعَةٌ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى شَرْحِهِ بِشَقِّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ عنهُ في وقْتِ صِغَرِهِ، وفي وقْتِ الإسْراءِ؛ إذِ التَشْرِيحُ شَقُّ اللَحْمِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ: "ألَمْ نَشْرَحْ" بِنَصْبِ الحاءِ عَلى نَحْوِ قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ أضْرِبْ عنكَ الهُمُومَ طارِقَها ضَرْبَكَ بِالسَيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
ومِثْلُهُ في نَوادِرِ أبِي زَيْدٍ:
؎ مِن أيِّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أفِرُّ ∗∗∗ أيْوَمٌ لَمْ يُقْدَرَ أمْ يَوْمُ قُدِرْ
كَأنَّهُ تَعالى قالَ: "ألَمْ نَشْرَحَنَّ"، ثُمَّ أبْدَلَ مِنَ النُونِ ألِفًا، ثُمَّ حَذَفَها تَخْفِيفًا، وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ.
(p-٦٤٤)وَ"الوِزْرُ" الَّذِي وضَعَهُ اللهُ عنهُ هو عِنْدَ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ الثِقَلُ الَّذِي كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وحِيرَتُهُ قَبْلَ المَبْعَثِ؛ إذْ كانَ يَرى سُوءَ ما قُرَيْشٌ فِيهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، وكانَ لَمْ يَتَّجِهْ لَهُ مِنَ اللهِ أمْرٌ واضِحٌ، فَوَضَعَ اللهُ تَعالى عنهُ ذَلِكَ الثِقْلَ بِنُبُوَّتِهِ وإرْسالِهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: المَعْنى: خَفَّفْنا عَلَيْكَ أثْقالَ النُبُوَّةِ، وأعَنّاكَ عَلى الناسِ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، وجُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الوِزْرُ هُنا: الذُنُوبُ، الثِقَلُ، فَشُبِّهَتِ الذُنُوبُ بِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ النُبُوَّةِ وِزْرُهُ صُحْبَةُ قَوْمِهِ، وأكْلُهُ مِن ذَبائِحِهِمْ، ونَحْوُ هَذا، وقالَ الضَحّاكُ، وفي كِتابِ النَقّاشِ: حُضُورُهُ مَعَ قَوْمِهِ المُشاهِدِ الَّتِي لا يُحِبُّها اللهُ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ كُلُّها جَرَّها المَنشَأُ، كَشُهُودِهِ حَرْبَ الفُجّارِ، يَنْبُلُ عَلى أعْمامِهِ وقَلْبِهِ في ذَلِكَ مُنِيبٌ إلى الصَوابِ، وأمّا عِبادَةُ الأصْنامِ فَلَمْ يَلْتَبِسْ بِها قَطُّ. وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: "وَحَطَطْنا عنكَ وِزْرَكَ"، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَحَلَلْنا عنكَ وِقْرَكَ"، وفي حِرَفِ أُبَيٍّ "وَحَطَطْنا عنكَ وِقْرَكَ"، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو أنَّ النَبِيَّ ﷺ صَوَّبَ جَمِيعَها. وقالَ المُحاسِبِيُّ: إنَّما وُصِفَتْ ذُنُوبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِالثِقَلِ وهي صَغائِرُ مَغْفُورَةٌ لِهَمِّهِمْ بِها وتَحَسُّرِهِمْ عَلَيْها.
(p-٦٤٥)وَ"أنْقَضَ" مَعْناهُ: جَعَلَهُ نَقْضًا، أيْ هَزِيلًا مَعِيبًا مِنَ الثِقْلِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أسْمَعُ لَهُ نَقِيضًا وهو الصَوْتُ، وهو مِثْلُ نَقِيضِ السُفُنِ، وكُلُّ ما حَمَّلْتَهُ ثِقَلًا فَإنَّهُ يُنْقَضُ تَحْتَهُ، وقالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ وأنْقَضَ ظَهْرِي ما تَطَوَّقْتُ مِنهم ∗∗∗ وكُنْتُ عَلَيْهِمْ مُشْفِقًا مُتَحَنِّنًا
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ مَعْناهُ: نَوَّهْنا بِاسْمِكَ، وذَهَبْنا بِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ في الأرْضِ، هَذا ورَسُولُ اللهِ بِمَكَّةَ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، أيْ: قَرَنّا اسْمَكَ بِاسْمِنا في الأذانِ والخُطَبِ، ورُوِيَ في هَذا حَدِيثُ "إنَّ اللهَ تَعالى قالَ: إذا ذُكِرْتُ ذْكِرْتَ مَعِي"، وهَذا مُتَّجِهٌ إلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ قَدِيمًا والأذانُ شُرِعَ بِالمَدِينَةِ، ورَفْعُ الذِكْرِ نِعْمَةٌ عَلى الرَسُولِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ، وكَذَلِكَ هو جَمِيلٌ حَسَنٌ لِلْقائِمِينَ بِأُمُورِ الناسِ، وخُمُولُ الذِكْرِ والِاسْمِ حَسَنٌ لِلْمُنْفَرِدِينَ لِلْعِبادَةِ، وقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعالى النِعَمَ أقْسامًا بِحَسَبِ ما يَصْلُحُ لِشَخْصٍ شَخَصَ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يُوقِفُ عَبْدًا يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِكَ كَذا وكَذا؟ يُعَدِّدُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ-، ويَقُولُ في جُمْلَتِها: ألَمْ أحْمِلْ أخْمَلَ ذِكْرَكَ في الناسِ"؟» والمَعْنى في هَذا التَعْدِيدِ الَّذِي عَلى النَبِيِّ ﷺ أيْ: يا مُحَمَّدُ قَدْ جَعَلْنا جَمِيعَ هَذا فَلا تَكْتَرِثُ بِأذى قُرَيْشٍ، فَإنَّ الَّذِي فَعَلَ بِكَ هَذِهِ النِعَمَ سَيُظْفِرُكَ بِهِمْ ويَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ قَوّى رَجاءَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾، أيْ ما تَراهُ مِنَ الأذى فَرَجٌ يَأْتِيكَ، وكَرَّرَ تَعالى ذَلِكَ مُبالَغَةً وتَبَيُّنًا لِلْخَيْرِ، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: المَعْنى: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا في الدُنْيا، وإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا في الآخِرَةِ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ إلى (p-٦٤٦)أنَّ مَعَ كُلِّ عُسْرٍ يُسْرَيْنِ بِهَذِهِ الآيَةِ، مِن حَيْثُ "العُسْرُ" مَعْرُوفٌ لِلْعَهْدِ، و"اليُسْرُ" مُنْكَرٌ، فالأوَّلُ غَيْرُ الثانِي، وقَدْ رُوِيَ في هَذا التَأْوِيلِ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ"،» وأمّا قَوْلُ عَمَرَ بِهِ فَنَصٌّ في المُوَطَّأِ في رِسالَتِهِ إلى أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ رَضِيَ اللهُ عنهُما. وقَرَأ عِيسى، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: "العُسْرُ، واليُسْرُ" بِضَمَّتَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا" واحِدَةٌ غَيْرُ مُكَرَّرَةٍ.
ثُمَّ أمِرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إذا فَرَغَ مِن شُغْلٍ مِن أشْغالِ النُبُوَّةِ والعِبادَةِ أنْ يَنْصِبَ في آخِرَ، والنَصْبُ: التَعَبُ، فالمَعْنى أنْ يَدْأبَ عَلى ما أُمِرَ بِهِ ولا يَفْتُرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: فَإذا فَرَغْتَ مِن فَرْضِكَ فانْصَبْ في التَنَفُّلِ عِبادَةً لِرَبِّكَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فانْصَبْ في قِيامِ اللَيْلِ، وعن مُجاهِدٍ فَإذا فَرَغْتَ مِن شَغْلِ دُنْياكَ فانْصَبْ في عِبادَةِ رَبِّكَ، وقِيلَ: المَعْنى: إذا فَرَغْتَ مِنَ الرَكَعاتِ فاجْلِسْ في التَشَهُّدِ وانْصَبْ في الدُعاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: مَعْنى الكَلامِ: فَإذا فَرَغْتَ مِنَ العِبادَةِ فانْصَبْ في الدُعاءِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الجِهادِ فانْصَبْ في العِبادَةِ، ويَعْتَرِضُ هَذا التَأْوِيلُ أنَّ الجِهادَ فُرِضَ بِالمَدِينَةِ. وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فَرِغَتْ" بِكَسْرِ الراءِ، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ قَوْمٌ "فانْصَبَّ" بِشَدِّ الباءِ وفَتْحِها، ومَعْناها: إذا فَرَغْتَ مِنَ الجِهادِ "فانْصَبَّ" إلى المَدِينَةِ، ذَكَرَها النَقّاشُ مُنَبِّهًا عَلى أنَّها خَطَأٌ، وقَرَأ آخَرُونَ الإمامِيَّةُ "فانْصِبَ" بِكَسْرِ الصادِ، بِمَعْنى إذا فَرَغْتَ مِن أمْرِ النُبُوَّةِ فانْصِبْ خَلِيفَةً، وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ ضَعِيفَةُ المَعْنى لَمْ تَثْبُتْ عن عالِمٍ، ومَرَّ شُرَيْحٌ عَلى رَجُلَيْنِ يَصْطَرِعانِ فَقالَ: لَيْسَ بِهَذا أمْرُ الفَراغِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ أمْرٌ بِالتَوَكُّلِ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وصَرْفُ وجْهِ الرَغَباتِ إلَيْهِ لا إلى سِواهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَرَغِّبْ" بِفَتْحِ الراءِ وشَدِّ الغَيْنِ مَكْسُورَةً.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الشَرْحِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الشرح 94:6
(p-٦٤٣)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الشَرْحِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لا خِلافَ بَيْنَهم في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿وَوَضَعْنا عنكَ وِزْرَكَ﴾ ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ ﴿وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾
عَدَّدَ اللهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ نِعَمَهُ في أنْ شَرَحَ صَدْرَهُ لِلنُّبُوَّةِ وهَيَّأهُ لَها، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ شَرْحَ الصَدْرِ المَذْكُورِ هُوَ: تَنْوِيرُهُ بِالحِكْمَةِ وتَوْسِيعُهُ لِتَلَقِّي ما يُوحى إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وجَماعَةٌ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى شَرْحِهِ بِشَقِّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ عنهُ في وقْتِ صِغَرِهِ، وفي وقْتِ الإسْراءِ؛ إذِ التَشْرِيحُ شَقُّ اللَحْمِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ: "ألَمْ نَشْرَحْ" بِنَصْبِ الحاءِ عَلى نَحْوِ قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ أضْرِبْ عنكَ الهُمُومَ طارِقَها ضَرْبَكَ بِالسَيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
ومِثْلُهُ في نَوادِرِ أبِي زَيْدٍ:
؎ مِن أيِّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أفِرُّ ∗∗∗ أيْوَمٌ لَمْ يُقْدَرَ أمْ يَوْمُ قُدِرْ
كَأنَّهُ تَعالى قالَ: "ألَمْ نَشْرَحَنَّ"، ثُمَّ أبْدَلَ مِنَ النُونِ ألِفًا، ثُمَّ حَذَفَها تَخْفِيفًا، وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ.
(p-٦٤٤)وَ"الوِزْرُ" الَّذِي وضَعَهُ اللهُ عنهُ هو عِنْدَ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ الثِقَلُ الَّذِي كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وحِيرَتُهُ قَبْلَ المَبْعَثِ؛ إذْ كانَ يَرى سُوءَ ما قُرَيْشٌ فِيهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، وكانَ لَمْ يَتَّجِهْ لَهُ مِنَ اللهِ أمْرٌ واضِحٌ، فَوَضَعَ اللهُ تَعالى عنهُ ذَلِكَ الثِقْلَ بِنُبُوَّتِهِ وإرْسالِهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: المَعْنى: خَفَّفْنا عَلَيْكَ أثْقالَ النُبُوَّةِ، وأعَنّاكَ عَلى الناسِ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، وجُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الوِزْرُ هُنا: الذُنُوبُ، الثِقَلُ، فَشُبِّهَتِ الذُنُوبُ بِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ النُبُوَّةِ وِزْرُهُ صُحْبَةُ قَوْمِهِ، وأكْلُهُ مِن ذَبائِحِهِمْ، ونَحْوُ هَذا، وقالَ الضَحّاكُ، وفي كِتابِ النَقّاشِ: حُضُورُهُ مَعَ قَوْمِهِ المُشاهِدِ الَّتِي لا يُحِبُّها اللهُ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ كُلُّها جَرَّها المَنشَأُ، كَشُهُودِهِ حَرْبَ الفُجّارِ، يَنْبُلُ عَلى أعْمامِهِ وقَلْبِهِ في ذَلِكَ مُنِيبٌ إلى الصَوابِ، وأمّا عِبادَةُ الأصْنامِ فَلَمْ يَلْتَبِسْ بِها قَطُّ. وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: "وَحَطَطْنا عنكَ وِزْرَكَ"، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَحَلَلْنا عنكَ وِقْرَكَ"، وفي حِرَفِ أُبَيٍّ "وَحَطَطْنا عنكَ وِقْرَكَ"، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو أنَّ النَبِيَّ ﷺ صَوَّبَ جَمِيعَها. وقالَ المُحاسِبِيُّ: إنَّما وُصِفَتْ ذُنُوبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِالثِقَلِ وهي صَغائِرُ مَغْفُورَةٌ لِهَمِّهِمْ بِها وتَحَسُّرِهِمْ عَلَيْها.
(p-٦٤٥)وَ"أنْقَضَ" مَعْناهُ: جَعَلَهُ نَقْضًا، أيْ هَزِيلًا مَعِيبًا مِنَ الثِقْلِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أسْمَعُ لَهُ نَقِيضًا وهو الصَوْتُ، وهو مِثْلُ نَقِيضِ السُفُنِ، وكُلُّ ما حَمَّلْتَهُ ثِقَلًا فَإنَّهُ يُنْقَضُ تَحْتَهُ، وقالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ وأنْقَضَ ظَهْرِي ما تَطَوَّقْتُ مِنهم ∗∗∗ وكُنْتُ عَلَيْهِمْ مُشْفِقًا مُتَحَنِّنًا
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ مَعْناهُ: نَوَّهْنا بِاسْمِكَ، وذَهَبْنا بِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ في الأرْضِ، هَذا ورَسُولُ اللهِ بِمَكَّةَ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، أيْ: قَرَنّا اسْمَكَ بِاسْمِنا في الأذانِ والخُطَبِ، ورُوِيَ في هَذا حَدِيثُ "إنَّ اللهَ تَعالى قالَ: إذا ذُكِرْتُ ذْكِرْتَ مَعِي"، وهَذا مُتَّجِهٌ إلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ قَدِيمًا والأذانُ شُرِعَ بِالمَدِينَةِ، ورَفْعُ الذِكْرِ نِعْمَةٌ عَلى الرَسُولِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ، وكَذَلِكَ هو جَمِيلٌ حَسَنٌ لِلْقائِمِينَ بِأُمُورِ الناسِ، وخُمُولُ الذِكْرِ والِاسْمِ حَسَنٌ لِلْمُنْفَرِدِينَ لِلْعِبادَةِ، وقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعالى النِعَمَ أقْسامًا بِحَسَبِ ما يَصْلُحُ لِشَخْصٍ شَخَصَ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يُوقِفُ عَبْدًا يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِكَ كَذا وكَذا؟ يُعَدِّدُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ-، ويَقُولُ في جُمْلَتِها: ألَمْ أحْمِلْ أخْمَلَ ذِكْرَكَ في الناسِ"؟» والمَعْنى في هَذا التَعْدِيدِ الَّذِي عَلى النَبِيِّ ﷺ أيْ: يا مُحَمَّدُ قَدْ جَعَلْنا جَمِيعَ هَذا فَلا تَكْتَرِثُ بِأذى قُرَيْشٍ، فَإنَّ الَّذِي فَعَلَ بِكَ هَذِهِ النِعَمَ سَيُظْفِرُكَ بِهِمْ ويَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ قَوّى رَجاءَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾، أيْ ما تَراهُ مِنَ الأذى فَرَجٌ يَأْتِيكَ، وكَرَّرَ تَعالى ذَلِكَ مُبالَغَةً وتَبَيُّنًا لِلْخَيْرِ، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: المَعْنى: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا في الدُنْيا، وإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا في الآخِرَةِ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ إلى (p-٦٤٦)أنَّ مَعَ كُلِّ عُسْرٍ يُسْرَيْنِ بِهَذِهِ الآيَةِ، مِن حَيْثُ "العُسْرُ" مَعْرُوفٌ لِلْعَهْدِ، و"اليُسْرُ" مُنْكَرٌ، فالأوَّلُ غَيْرُ الثانِي، وقَدْ رُوِيَ في هَذا التَأْوِيلِ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ"،» وأمّا قَوْلُ عَمَرَ بِهِ فَنَصٌّ في المُوَطَّأِ في رِسالَتِهِ إلى أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ رَضِيَ اللهُ عنهُما. وقَرَأ عِيسى، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: "العُسْرُ، واليُسْرُ" بِضَمَّتَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا" واحِدَةٌ غَيْرُ مُكَرَّرَةٍ.
ثُمَّ أمِرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إذا فَرَغَ مِن شُغْلٍ مِن أشْغالِ النُبُوَّةِ والعِبادَةِ أنْ يَنْصِبَ في آخِرَ، والنَصْبُ: التَعَبُ، فالمَعْنى أنْ يَدْأبَ عَلى ما أُمِرَ بِهِ ولا يَفْتُرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: فَإذا فَرَغْتَ مِن فَرْضِكَ فانْصَبْ في التَنَفُّلِ عِبادَةً لِرَبِّكَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فانْصَبْ في قِيامِ اللَيْلِ، وعن مُجاهِدٍ فَإذا فَرَغْتَ مِن شَغْلِ دُنْياكَ فانْصَبْ في عِبادَةِ رَبِّكَ، وقِيلَ: المَعْنى: إذا فَرَغْتَ مِنَ الرَكَعاتِ فاجْلِسْ في التَشَهُّدِ وانْصَبْ في الدُعاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: مَعْنى الكَلامِ: فَإذا فَرَغْتَ مِنَ العِبادَةِ فانْصَبْ في الدُعاءِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الجِهادِ فانْصَبْ في العِبادَةِ، ويَعْتَرِضُ هَذا التَأْوِيلُ أنَّ الجِهادَ فُرِضَ بِالمَدِينَةِ. وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فَرِغَتْ" بِكَسْرِ الراءِ، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ قَوْمٌ "فانْصَبَّ" بِشَدِّ الباءِ وفَتْحِها، ومَعْناها: إذا فَرَغْتَ مِنَ الجِهادِ "فانْصَبَّ" إلى المَدِينَةِ، ذَكَرَها النَقّاشُ مُنَبِّهًا عَلى أنَّها خَطَأٌ، وقَرَأ آخَرُونَ الإمامِيَّةُ "فانْصِبَ" بِكَسْرِ الصادِ، بِمَعْنى إذا فَرَغْتَ مِن أمْرِ النُبُوَّةِ فانْصِبْ خَلِيفَةً، وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ ضَعِيفَةُ المَعْنى لَمْ تَثْبُتْ عن عالِمٍ، ومَرَّ شُرَيْحٌ عَلى رَجُلَيْنِ يَصْطَرِعانِ فَقالَ: لَيْسَ بِهَذا أمْرُ الفَراغِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ أمْرٌ بِالتَوَكُّلِ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وصَرْفُ وجْهِ الرَغَباتِ إلَيْهِ لا إلى سِواهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَرَغِّبْ" بِفَتْحِ الراءِ وشَدِّ الغَيْنِ مَكْسُورَةً.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الشَرْحِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الشرح 94:7
(p-٦٤٣)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الشَرْحِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لا خِلافَ بَيْنَهم في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿وَوَضَعْنا عنكَ وِزْرَكَ﴾ ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ ﴿وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾
عَدَّدَ اللهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ نِعَمَهُ في أنْ شَرَحَ صَدْرَهُ لِلنُّبُوَّةِ وهَيَّأهُ لَها، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ شَرْحَ الصَدْرِ المَذْكُورِ هُوَ: تَنْوِيرُهُ بِالحِكْمَةِ وتَوْسِيعُهُ لِتَلَقِّي ما يُوحى إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وجَماعَةٌ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى شَرْحِهِ بِشَقِّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ عنهُ في وقْتِ صِغَرِهِ، وفي وقْتِ الإسْراءِ؛ إذِ التَشْرِيحُ شَقُّ اللَحْمِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ: "ألَمْ نَشْرَحْ" بِنَصْبِ الحاءِ عَلى نَحْوِ قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ أضْرِبْ عنكَ الهُمُومَ طارِقَها ضَرْبَكَ بِالسَيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
ومِثْلُهُ في نَوادِرِ أبِي زَيْدٍ:
؎ مِن أيِّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أفِرُّ ∗∗∗ أيْوَمٌ لَمْ يُقْدَرَ أمْ يَوْمُ قُدِرْ
كَأنَّهُ تَعالى قالَ: "ألَمْ نَشْرَحَنَّ"، ثُمَّ أبْدَلَ مِنَ النُونِ ألِفًا، ثُمَّ حَذَفَها تَخْفِيفًا، وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ.
(p-٦٤٤)وَ"الوِزْرُ" الَّذِي وضَعَهُ اللهُ عنهُ هو عِنْدَ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ الثِقَلُ الَّذِي كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وحِيرَتُهُ قَبْلَ المَبْعَثِ؛ إذْ كانَ يَرى سُوءَ ما قُرَيْشٌ فِيهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، وكانَ لَمْ يَتَّجِهْ لَهُ مِنَ اللهِ أمْرٌ واضِحٌ، فَوَضَعَ اللهُ تَعالى عنهُ ذَلِكَ الثِقْلَ بِنُبُوَّتِهِ وإرْسالِهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: المَعْنى: خَفَّفْنا عَلَيْكَ أثْقالَ النُبُوَّةِ، وأعَنّاكَ عَلى الناسِ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، وجُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الوِزْرُ هُنا: الذُنُوبُ، الثِقَلُ، فَشُبِّهَتِ الذُنُوبُ بِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ النُبُوَّةِ وِزْرُهُ صُحْبَةُ قَوْمِهِ، وأكْلُهُ مِن ذَبائِحِهِمْ، ونَحْوُ هَذا، وقالَ الضَحّاكُ، وفي كِتابِ النَقّاشِ: حُضُورُهُ مَعَ قَوْمِهِ المُشاهِدِ الَّتِي لا يُحِبُّها اللهُ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ كُلُّها جَرَّها المَنشَأُ، كَشُهُودِهِ حَرْبَ الفُجّارِ، يَنْبُلُ عَلى أعْمامِهِ وقَلْبِهِ في ذَلِكَ مُنِيبٌ إلى الصَوابِ، وأمّا عِبادَةُ الأصْنامِ فَلَمْ يَلْتَبِسْ بِها قَطُّ. وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: "وَحَطَطْنا عنكَ وِزْرَكَ"، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَحَلَلْنا عنكَ وِقْرَكَ"، وفي حِرَفِ أُبَيٍّ "وَحَطَطْنا عنكَ وِقْرَكَ"، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو أنَّ النَبِيَّ ﷺ صَوَّبَ جَمِيعَها. وقالَ المُحاسِبِيُّ: إنَّما وُصِفَتْ ذُنُوبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِالثِقَلِ وهي صَغائِرُ مَغْفُورَةٌ لِهَمِّهِمْ بِها وتَحَسُّرِهِمْ عَلَيْها.
(p-٦٤٥)وَ"أنْقَضَ" مَعْناهُ: جَعَلَهُ نَقْضًا، أيْ هَزِيلًا مَعِيبًا مِنَ الثِقْلِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أسْمَعُ لَهُ نَقِيضًا وهو الصَوْتُ، وهو مِثْلُ نَقِيضِ السُفُنِ، وكُلُّ ما حَمَّلْتَهُ ثِقَلًا فَإنَّهُ يُنْقَضُ تَحْتَهُ، وقالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ وأنْقَضَ ظَهْرِي ما تَطَوَّقْتُ مِنهم ∗∗∗ وكُنْتُ عَلَيْهِمْ مُشْفِقًا مُتَحَنِّنًا
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ مَعْناهُ: نَوَّهْنا بِاسْمِكَ، وذَهَبْنا بِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ في الأرْضِ، هَذا ورَسُولُ اللهِ بِمَكَّةَ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، أيْ: قَرَنّا اسْمَكَ بِاسْمِنا في الأذانِ والخُطَبِ، ورُوِيَ في هَذا حَدِيثُ "إنَّ اللهَ تَعالى قالَ: إذا ذُكِرْتُ ذْكِرْتَ مَعِي"، وهَذا مُتَّجِهٌ إلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ قَدِيمًا والأذانُ شُرِعَ بِالمَدِينَةِ، ورَفْعُ الذِكْرِ نِعْمَةٌ عَلى الرَسُولِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ، وكَذَلِكَ هو جَمِيلٌ حَسَنٌ لِلْقائِمِينَ بِأُمُورِ الناسِ، وخُمُولُ الذِكْرِ والِاسْمِ حَسَنٌ لِلْمُنْفَرِدِينَ لِلْعِبادَةِ، وقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعالى النِعَمَ أقْسامًا بِحَسَبِ ما يَصْلُحُ لِشَخْصٍ شَخَصَ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يُوقِفُ عَبْدًا يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِكَ كَذا وكَذا؟ يُعَدِّدُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ-، ويَقُولُ في جُمْلَتِها: ألَمْ أحْمِلْ أخْمَلَ ذِكْرَكَ في الناسِ"؟» والمَعْنى في هَذا التَعْدِيدِ الَّذِي عَلى النَبِيِّ ﷺ أيْ: يا مُحَمَّدُ قَدْ جَعَلْنا جَمِيعَ هَذا فَلا تَكْتَرِثُ بِأذى قُرَيْشٍ، فَإنَّ الَّذِي فَعَلَ بِكَ هَذِهِ النِعَمَ سَيُظْفِرُكَ بِهِمْ ويَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ قَوّى رَجاءَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾، أيْ ما تَراهُ مِنَ الأذى فَرَجٌ يَأْتِيكَ، وكَرَّرَ تَعالى ذَلِكَ مُبالَغَةً وتَبَيُّنًا لِلْخَيْرِ، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: المَعْنى: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا في الدُنْيا، وإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا في الآخِرَةِ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ إلى (p-٦٤٦)أنَّ مَعَ كُلِّ عُسْرٍ يُسْرَيْنِ بِهَذِهِ الآيَةِ، مِن حَيْثُ "العُسْرُ" مَعْرُوفٌ لِلْعَهْدِ، و"اليُسْرُ" مُنْكَرٌ، فالأوَّلُ غَيْرُ الثانِي، وقَدْ رُوِيَ في هَذا التَأْوِيلِ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ"،» وأمّا قَوْلُ عَمَرَ بِهِ فَنَصٌّ في المُوَطَّأِ في رِسالَتِهِ إلى أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ رَضِيَ اللهُ عنهُما. وقَرَأ عِيسى، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: "العُسْرُ، واليُسْرُ" بِضَمَّتَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا" واحِدَةٌ غَيْرُ مُكَرَّرَةٍ.
ثُمَّ أمِرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إذا فَرَغَ مِن شُغْلٍ مِن أشْغالِ النُبُوَّةِ والعِبادَةِ أنْ يَنْصِبَ في آخِرَ، والنَصْبُ: التَعَبُ، فالمَعْنى أنْ يَدْأبَ عَلى ما أُمِرَ بِهِ ولا يَفْتُرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: فَإذا فَرَغْتَ مِن فَرْضِكَ فانْصَبْ في التَنَفُّلِ عِبادَةً لِرَبِّكَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فانْصَبْ في قِيامِ اللَيْلِ، وعن مُجاهِدٍ فَإذا فَرَغْتَ مِن شَغْلِ دُنْياكَ فانْصَبْ في عِبادَةِ رَبِّكَ، وقِيلَ: المَعْنى: إذا فَرَغْتَ مِنَ الرَكَعاتِ فاجْلِسْ في التَشَهُّدِ وانْصَبْ في الدُعاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: مَعْنى الكَلامِ: فَإذا فَرَغْتَ مِنَ العِبادَةِ فانْصَبْ في الدُعاءِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الجِهادِ فانْصَبْ في العِبادَةِ، ويَعْتَرِضُ هَذا التَأْوِيلُ أنَّ الجِهادَ فُرِضَ بِالمَدِينَةِ. وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فَرِغَتْ" بِكَسْرِ الراءِ، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ قَوْمٌ "فانْصَبَّ" بِشَدِّ الباءِ وفَتْحِها، ومَعْناها: إذا فَرَغْتَ مِنَ الجِهادِ "فانْصَبَّ" إلى المَدِينَةِ، ذَكَرَها النَقّاشُ مُنَبِّهًا عَلى أنَّها خَطَأٌ، وقَرَأ آخَرُونَ الإمامِيَّةُ "فانْصِبَ" بِكَسْرِ الصادِ، بِمَعْنى إذا فَرَغْتَ مِن أمْرِ النُبُوَّةِ فانْصِبْ خَلِيفَةً، وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ ضَعِيفَةُ المَعْنى لَمْ تَثْبُتْ عن عالِمٍ، ومَرَّ شُرَيْحٌ عَلى رَجُلَيْنِ يَصْطَرِعانِ فَقالَ: لَيْسَ بِهَذا أمْرُ الفَراغِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ أمْرٌ بِالتَوَكُّلِ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وصَرْفُ وجْهِ الرَغَباتِ إلَيْهِ لا إلى سِواهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَرَغِّبْ" بِفَتْحِ الراءِ وشَدِّ الغَيْنِ مَكْسُورَةً.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الشَرْحِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الشرح 94:8
(p-٦٤٣)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الشَرْحِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لا خِلافَ بَيْنَهم في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿وَوَضَعْنا عنكَ وِزْرَكَ﴾ ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ ﴿وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾
عَدَّدَ اللهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ نِعَمَهُ في أنْ شَرَحَ صَدْرَهُ لِلنُّبُوَّةِ وهَيَّأهُ لَها، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ شَرْحَ الصَدْرِ المَذْكُورِ هُوَ: تَنْوِيرُهُ بِالحِكْمَةِ وتَوْسِيعُهُ لِتَلَقِّي ما يُوحى إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وجَماعَةٌ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى شَرْحِهِ بِشَقِّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ عنهُ في وقْتِ صِغَرِهِ، وفي وقْتِ الإسْراءِ؛ إذِ التَشْرِيحُ شَقُّ اللَحْمِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ: "ألَمْ نَشْرَحْ" بِنَصْبِ الحاءِ عَلى نَحْوِ قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ أضْرِبْ عنكَ الهُمُومَ طارِقَها ضَرْبَكَ بِالسَيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
ومِثْلُهُ في نَوادِرِ أبِي زَيْدٍ:
؎ مِن أيِّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أفِرُّ ∗∗∗ أيْوَمٌ لَمْ يُقْدَرَ أمْ يَوْمُ قُدِرْ
كَأنَّهُ تَعالى قالَ: "ألَمْ نَشْرَحَنَّ"، ثُمَّ أبْدَلَ مِنَ النُونِ ألِفًا، ثُمَّ حَذَفَها تَخْفِيفًا، وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ.
(p-٦٤٤)وَ"الوِزْرُ" الَّذِي وضَعَهُ اللهُ عنهُ هو عِنْدَ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ الثِقَلُ الَّذِي كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وحِيرَتُهُ قَبْلَ المَبْعَثِ؛ إذْ كانَ يَرى سُوءَ ما قُرَيْشٌ فِيهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، وكانَ لَمْ يَتَّجِهْ لَهُ مِنَ اللهِ أمْرٌ واضِحٌ، فَوَضَعَ اللهُ تَعالى عنهُ ذَلِكَ الثِقْلَ بِنُبُوَّتِهِ وإرْسالِهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: المَعْنى: خَفَّفْنا عَلَيْكَ أثْقالَ النُبُوَّةِ، وأعَنّاكَ عَلى الناسِ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، وجُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الوِزْرُ هُنا: الذُنُوبُ، الثِقَلُ، فَشُبِّهَتِ الذُنُوبُ بِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ النُبُوَّةِ وِزْرُهُ صُحْبَةُ قَوْمِهِ، وأكْلُهُ مِن ذَبائِحِهِمْ، ونَحْوُ هَذا، وقالَ الضَحّاكُ، وفي كِتابِ النَقّاشِ: حُضُورُهُ مَعَ قَوْمِهِ المُشاهِدِ الَّتِي لا يُحِبُّها اللهُ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ كُلُّها جَرَّها المَنشَأُ، كَشُهُودِهِ حَرْبَ الفُجّارِ، يَنْبُلُ عَلى أعْمامِهِ وقَلْبِهِ في ذَلِكَ مُنِيبٌ إلى الصَوابِ، وأمّا عِبادَةُ الأصْنامِ فَلَمْ يَلْتَبِسْ بِها قَطُّ. وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: "وَحَطَطْنا عنكَ وِزْرَكَ"، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَحَلَلْنا عنكَ وِقْرَكَ"، وفي حِرَفِ أُبَيٍّ "وَحَطَطْنا عنكَ وِقْرَكَ"، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو أنَّ النَبِيَّ ﷺ صَوَّبَ جَمِيعَها. وقالَ المُحاسِبِيُّ: إنَّما وُصِفَتْ ذُنُوبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِالثِقَلِ وهي صَغائِرُ مَغْفُورَةٌ لِهَمِّهِمْ بِها وتَحَسُّرِهِمْ عَلَيْها.
(p-٦٤٥)وَ"أنْقَضَ" مَعْناهُ: جَعَلَهُ نَقْضًا، أيْ هَزِيلًا مَعِيبًا مِنَ الثِقْلِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أسْمَعُ لَهُ نَقِيضًا وهو الصَوْتُ، وهو مِثْلُ نَقِيضِ السُفُنِ، وكُلُّ ما حَمَّلْتَهُ ثِقَلًا فَإنَّهُ يُنْقَضُ تَحْتَهُ، وقالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ وأنْقَضَ ظَهْرِي ما تَطَوَّقْتُ مِنهم ∗∗∗ وكُنْتُ عَلَيْهِمْ مُشْفِقًا مُتَحَنِّنًا
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ مَعْناهُ: نَوَّهْنا بِاسْمِكَ، وذَهَبْنا بِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ في الأرْضِ، هَذا ورَسُولُ اللهِ بِمَكَّةَ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، أيْ: قَرَنّا اسْمَكَ بِاسْمِنا في الأذانِ والخُطَبِ، ورُوِيَ في هَذا حَدِيثُ "إنَّ اللهَ تَعالى قالَ: إذا ذُكِرْتُ ذْكِرْتَ مَعِي"، وهَذا مُتَّجِهٌ إلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ قَدِيمًا والأذانُ شُرِعَ بِالمَدِينَةِ، ورَفْعُ الذِكْرِ نِعْمَةٌ عَلى الرَسُولِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ، وكَذَلِكَ هو جَمِيلٌ حَسَنٌ لِلْقائِمِينَ بِأُمُورِ الناسِ، وخُمُولُ الذِكْرِ والِاسْمِ حَسَنٌ لِلْمُنْفَرِدِينَ لِلْعِبادَةِ، وقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعالى النِعَمَ أقْسامًا بِحَسَبِ ما يَصْلُحُ لِشَخْصٍ شَخَصَ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يُوقِفُ عَبْدًا يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِكَ كَذا وكَذا؟ يُعَدِّدُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ-، ويَقُولُ في جُمْلَتِها: ألَمْ أحْمِلْ أخْمَلَ ذِكْرَكَ في الناسِ"؟» والمَعْنى في هَذا التَعْدِيدِ الَّذِي عَلى النَبِيِّ ﷺ أيْ: يا مُحَمَّدُ قَدْ جَعَلْنا جَمِيعَ هَذا فَلا تَكْتَرِثُ بِأذى قُرَيْشٍ، فَإنَّ الَّذِي فَعَلَ بِكَ هَذِهِ النِعَمَ سَيُظْفِرُكَ بِهِمْ ويَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ قَوّى رَجاءَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾، أيْ ما تَراهُ مِنَ الأذى فَرَجٌ يَأْتِيكَ، وكَرَّرَ تَعالى ذَلِكَ مُبالَغَةً وتَبَيُّنًا لِلْخَيْرِ، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: المَعْنى: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا في الدُنْيا، وإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا في الآخِرَةِ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ إلى (p-٦٤٦)أنَّ مَعَ كُلِّ عُسْرٍ يُسْرَيْنِ بِهَذِهِ الآيَةِ، مِن حَيْثُ "العُسْرُ" مَعْرُوفٌ لِلْعَهْدِ، و"اليُسْرُ" مُنْكَرٌ، فالأوَّلُ غَيْرُ الثانِي، وقَدْ رُوِيَ في هَذا التَأْوِيلِ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ"،» وأمّا قَوْلُ عَمَرَ بِهِ فَنَصٌّ في المُوَطَّأِ في رِسالَتِهِ إلى أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ رَضِيَ اللهُ عنهُما. وقَرَأ عِيسى، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: "العُسْرُ، واليُسْرُ" بِضَمَّتَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا" واحِدَةٌ غَيْرُ مُكَرَّرَةٍ.
ثُمَّ أمِرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إذا فَرَغَ مِن شُغْلٍ مِن أشْغالِ النُبُوَّةِ والعِبادَةِ أنْ يَنْصِبَ في آخِرَ، والنَصْبُ: التَعَبُ، فالمَعْنى أنْ يَدْأبَ عَلى ما أُمِرَ بِهِ ولا يَفْتُرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: فَإذا فَرَغْتَ مِن فَرْضِكَ فانْصَبْ في التَنَفُّلِ عِبادَةً لِرَبِّكَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فانْصَبْ في قِيامِ اللَيْلِ، وعن مُجاهِدٍ فَإذا فَرَغْتَ مِن شَغْلِ دُنْياكَ فانْصَبْ في عِبادَةِ رَبِّكَ، وقِيلَ: المَعْنى: إذا فَرَغْتَ مِنَ الرَكَعاتِ فاجْلِسْ في التَشَهُّدِ وانْصَبْ في الدُعاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: مَعْنى الكَلامِ: فَإذا فَرَغْتَ مِنَ العِبادَةِ فانْصَبْ في الدُعاءِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الجِهادِ فانْصَبْ في العِبادَةِ، ويَعْتَرِضُ هَذا التَأْوِيلُ أنَّ الجِهادَ فُرِضَ بِالمَدِينَةِ. وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فَرِغَتْ" بِكَسْرِ الراءِ، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ قَوْمٌ "فانْصَبَّ" بِشَدِّ الباءِ وفَتْحِها، ومَعْناها: إذا فَرَغْتَ مِنَ الجِهادِ "فانْصَبَّ" إلى المَدِينَةِ، ذَكَرَها النَقّاشُ مُنَبِّهًا عَلى أنَّها خَطَأٌ، وقَرَأ آخَرُونَ الإمامِيَّةُ "فانْصِبَ" بِكَسْرِ الصادِ، بِمَعْنى إذا فَرَغْتَ مِن أمْرِ النُبُوَّةِ فانْصِبْ خَلِيفَةً، وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ ضَعِيفَةُ المَعْنى لَمْ تَثْبُتْ عن عالِمٍ، ومَرَّ شُرَيْحٌ عَلى رَجُلَيْنِ يَصْطَرِعانِ فَقالَ: لَيْسَ بِهَذا أمْرُ الفَراغِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ أمْرٌ بِالتَوَكُّلِ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وصَرْفُ وجْهِ الرَغَباتِ إلَيْهِ لا إلى سِواهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَرَغِّبْ" بِفَتْحِ الراءِ وشَدِّ الغَيْنِ مَكْسُورَةً.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الشَرْحِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
التين 95:1
(p-٦٤٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ التِينِ.
وهى مَكِّيَّةٌ، لا أعْرِفُ في ذَلِكَ خِلافًا بَيْنَ المُفَسِّرِينَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والتِينِ والزَيْتُونِ﴾ ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ ﴿وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ﴾ ﴿ألَيْسَ اللهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "التِينِ والزَيْتُونِ" اللَذَيْنِ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِما، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وإبْراهِيمُ، وعَطاءٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ: هو التِينُ الَّذِي يُؤْكَلُ والزَيْتُونُ الَّذِي يَعْتَصِرُ، وأكْلُ النَبِيِّ ﷺ مَعَ أصْحابِهِ رَضِيَ اللهُ عنهم تِينًا أُهْدِيَ إلَيْهِ فَقالَ: "لَوْ قُلْتُ إنَّ فاكِهَةً أُنْزِلَتْ مِنَ الجَنَّةِ قُلْتُ هَذِهِ، لَأنَّ فاكِهَةَ الجَنَّةِ بِلا عَجَمٍ، فَكُلُوا فَإنَّهُ يَقْطَعُ البَواسِيرَ، ويَنْفَعُ مِنَ النَقْرَسِ"، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام: « "نِعْمَ السِواكُ سِواكُ الزَيْتُونِ مِنَ الشَجَرَةِ المُبارَكَةِ، هي سِواكِي وسِواكُ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِي".»
وقالَ كَعْبٌ وعِكْرِمَةُ: القَسَمُ بِمَنابِتِهِما، وذَلِكَ أنَّ التِينَ يَنْبُتُ كَثِيرًا بِدِمَشْقَ، والزَيْتُونُ يَنْبُتُ بِإيلاءَ، فَأقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالأرْضَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ: هُما جَبَلانِ بِالشامِ، عَلى أحَدِهِما دِمَشْقُ، وعَلى الآخَرِ بَيْتُ المَقْدِسِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التِينُ مَسْجِدُ نُوحٍ عَلَيْهِ (p-٦٤٨)السَلامُ عَلى الجُودِيِّ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: التِينُ مَسْجِدُ نُوحٍ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَلامُ، وقِيلَ: التِينِ والزَيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ ثَلاثَةُ مَساجِدَ بِالشامِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: التِينُ مَسْجِدُ أصْحابِ الكَهْفِ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ إيلِياءَ، وأمّا طُورُ سِينِينَ فَلَمْ يَخْتَلِفْ أنَّهُ جَبَلٌ بِالشامِ كَلَّمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى "سِينِينَ"، فَقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: حَسَنٌ مُبارَكٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ذُو الشَجَرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سِينِينَ" وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو رَجاءٍ: "سَيْنِينَ" بِفَتْحِ السِينِ، وهى لُغَةُ بَكْرٍ وتَمِيمٍ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ وابْنُ مَسْعُودٍ: "سِينًا" بِسِينٍ مَكْسُورَةٍ وألِفٍ، وقَرَأ أيْضًا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِفَتْحِها.
و"البَلَدِ الأمِينِ" مَكَّةُ بِلا خِلافٍ، وقِيلَ: مَعْنى "سِينِينَ": المُبارَكُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: شَجَرٌ، واحِدُها سِينِيَّةٌ، قالَهُ الأخْفَشُ، وسَعِيدُ بْنُ مِسْعِدَةَ و"أمِينٌ" فَعِيلٌ مِنَ الأمْنِ، بِمَعْنى: آمَنَ أيْ: آمَنَ مَن فِيهِ ومَن دَخَلَهُ، وما فِيهِ مِن طَيْرٍ وحَيَوانٍ.
والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، ولا يَدْفَعُ هَذا أنْ يَكُونَ غَيْرَهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ -كالشَمْسِ وغَيْرِها- أحْسَنُ تَقْوِيمًا، مِنهُ بِالمُناسَبَةِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ بِالعُمُومِ أيِ "الإنْسانِ" أحْسَنُ المَخْلُوقاتِ تَقْوِيمًا، ولَمْ يَرَ قَوْمٌ الحِنْثَ عَلى مَن حَلَفَ بِالطَلاقِ أنَّ زَوْجَتَهُ أحْسَنُ مِنَ الشَمْسِ، واحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ. واخْتَلَفَ الناسُ في تَقْوِيمِ الإنْسانِ ما هُوَ؟ فَقالَ النَخْعِيُّ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: حَسَنٌ صُورَتُهُ وحَواسُّهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو انْتِصابُ قامَتِهِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ بْنُ طاهِرٍ - في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: هو عَقْلُهُ وإدْراكُهُ اللَذانِ زَيَّناهُ بِالتَمَيُّزِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الشَبابُ والقُوَّةُ، والصَوابُ أنَّ جَمِيعَ هَذا هو حَسَنُ التَقْوِيمِ، إلّا قَوْلُ عِكْرِمَةَ إذْ قَوْلُهُ يُفَضَّلُ فِيهِ بَعْضُ الحَيَوانِ، و"الإنْسانُ" هُنا اسْمُ الجِنْسِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: في تَقْوِيمٍ أحْسَنِ تَقْوِيمٍ؛ لِأنَّ أحْسَنَ صِفَةٌ لا بُدَّ أنْ تَجْرِيَ عَلى مَوْصُوفٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾، فَقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ، والنَخْعِيُّ: مَعْناهُ: بِالهَرَمِ وذُهُولِ العَقْلِ وتَغَلُّبِ الكِبَرِ حَتّى يَصِيرَ لا يَعْلَمُ شَيْئًا، أمّا إنَّ المُؤْمِنَ مَرْفُوعٌ عنهُ القَلَمُ، والِاسْتِثْناءُ -عَلى هَذا- مُنْقَطِعٌ. وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ كُلَّ إنْسانٍ يَعْتَرِيهِ هَذا، بَلْ في الجِنْسِ مَن يَعْتَرِيه ذَلِكَ، وهَذِهِ عِبْرَةٌ مَنصُوبَةٌ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "السافِلِينَ" بِالألِفِ واللامِ.
(p-٦٤٩)ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ -وَإنْ نالَ بَعْضُهم هَذا في الدُنْيا- فَلَهم في الآخِرَةِ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ، وقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو العالِيَةِ: المَعْنى: رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ في النارِ عَلى كُفْرِهِ، ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى الَّذِينَ آمَنُوا اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، فَهم -عَلى هَذا- لَيْسَ فِيهِمْ مَن يُرَدُّ أسْفَلَ سافِلِينَ، وفي حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "إذا بَلَغَ المُؤْمِنُ خَمْسِينَ سَنَةً خَفَّفَ اللهُ تَعالى حِسابُهُ، وإذا بَلَغَ السِتِّينَ رَزَقَهُ اللهُ الإنابَةَ إلَيْهِ، فَإذا بَلَغَ السَبْعِينَ أحَبَّهُ أهْلُ السَماءِ، فَإذا بَلَغَ ثَمانِينَ كُتِبَتْ حَسَناتُهُ، وتَجاوَزَ اللهُ عن سَيِّئاتِهِ، فَإذا بَلَغَ تِسْعِينَ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ، وشَفَعَ في أهْلِ بَيْتِهِ، وكانَ أسِيرَ اللهِ في أرْضِهِ، فَإذا بَلَغَ مِائَةً -وَلَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا - كَتَبَ لَهُ مِثْلَ ما كانَ يَعْمَلُ في صِحَّتِهِ، ولَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ"،» وفي حَدِيثِ « "إنَّ المُؤْمِنَ إذا رُدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، كُتِبَ لَهُ خَيْرُ ما كانَ يَعْمَلُ في قَوْمِهِ، وذَلِكَ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"،» و"مَمْنُونٍ" مَعْناهُ: مَحْسُوبٌ مُصَرِّدُ يُمْنٍ عَلَيْهِمْ بِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: مَقْطُوعٌ، مِن قَوْلِهِمْ "حَبْلٌ مَنِينٌ" أيْ ضَعِيفٌ مُنْقَطِعٍ.
واخْتَلَفَ في المُخاطَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ﴾ -فَقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والأخْفَشُ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، قالَ اللهُ لَهُ: فَما الَّذِي يُكَذِّبُكَ فِيما تُخْبِرُ بِهِ مِنَ الجَزاءِ والبَعْثِ -وَهُوَ الدِينُ- بَعْدَ هَذِهِ العِبْرَةِ الَّتِي يُوجِبُ النَظَرُ فِيها صِحَّةَ ما قُلْتَ؟ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الدِينُ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- جَمِيعَ دِينِهِ وشَرْعِهِ. وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المُخاطَبُ الإنْسانُ الكافِرُ، أيْ: ما الَّذِي يَجْعَلُكَ كَذّابًا بِالدِينِ، تَجْعَلُ لِلَّهِ تَعالى أنْدادًا، وتَزْعُمُ ألّا بَعْثَ بَعْدَ هَذِهِ الدَلائِلِ؟ قالَ مَنصُورٌ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ﴾ يُرادُ بِهِ النَبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ؟ فَقالَ: مَعاذَ اللهِ، يَعْنِي بِهِ الشاكَّ.
(p-٦٥٠)ثُمَّ وقَفَ تَعالى جَمِيعَ خَلْقِهِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ، عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، ورُوِيَ عن قَتادَةَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ السُورَةَ قالَ: "بَلى، وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشاهِدِينَ".»
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التِينِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
التين 95:2
(p-٦٤٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ التِينِ.
وهى مَكِّيَّةٌ، لا أعْرِفُ في ذَلِكَ خِلافًا بَيْنَ المُفَسِّرِينَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والتِينِ والزَيْتُونِ﴾ ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ ﴿وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ﴾ ﴿ألَيْسَ اللهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "التِينِ والزَيْتُونِ" اللَذَيْنِ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِما، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وإبْراهِيمُ، وعَطاءٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ: هو التِينُ الَّذِي يُؤْكَلُ والزَيْتُونُ الَّذِي يَعْتَصِرُ، وأكْلُ النَبِيِّ ﷺ مَعَ أصْحابِهِ رَضِيَ اللهُ عنهم تِينًا أُهْدِيَ إلَيْهِ فَقالَ: "لَوْ قُلْتُ إنَّ فاكِهَةً أُنْزِلَتْ مِنَ الجَنَّةِ قُلْتُ هَذِهِ، لَأنَّ فاكِهَةَ الجَنَّةِ بِلا عَجَمٍ، فَكُلُوا فَإنَّهُ يَقْطَعُ البَواسِيرَ، ويَنْفَعُ مِنَ النَقْرَسِ"، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام: « "نِعْمَ السِواكُ سِواكُ الزَيْتُونِ مِنَ الشَجَرَةِ المُبارَكَةِ، هي سِواكِي وسِواكُ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِي".»
وقالَ كَعْبٌ وعِكْرِمَةُ: القَسَمُ بِمَنابِتِهِما، وذَلِكَ أنَّ التِينَ يَنْبُتُ كَثِيرًا بِدِمَشْقَ، والزَيْتُونُ يَنْبُتُ بِإيلاءَ، فَأقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالأرْضَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ: هُما جَبَلانِ بِالشامِ، عَلى أحَدِهِما دِمَشْقُ، وعَلى الآخَرِ بَيْتُ المَقْدِسِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التِينُ مَسْجِدُ نُوحٍ عَلَيْهِ (p-٦٤٨)السَلامُ عَلى الجُودِيِّ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: التِينُ مَسْجِدُ نُوحٍ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَلامُ، وقِيلَ: التِينِ والزَيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ ثَلاثَةُ مَساجِدَ بِالشامِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: التِينُ مَسْجِدُ أصْحابِ الكَهْفِ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ إيلِياءَ، وأمّا طُورُ سِينِينَ فَلَمْ يَخْتَلِفْ أنَّهُ جَبَلٌ بِالشامِ كَلَّمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى "سِينِينَ"، فَقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: حَسَنٌ مُبارَكٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ذُو الشَجَرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سِينِينَ" وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو رَجاءٍ: "سَيْنِينَ" بِفَتْحِ السِينِ، وهى لُغَةُ بَكْرٍ وتَمِيمٍ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ وابْنُ مَسْعُودٍ: "سِينًا" بِسِينٍ مَكْسُورَةٍ وألِفٍ، وقَرَأ أيْضًا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِفَتْحِها.
و"البَلَدِ الأمِينِ" مَكَّةُ بِلا خِلافٍ، وقِيلَ: مَعْنى "سِينِينَ": المُبارَكُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: شَجَرٌ، واحِدُها سِينِيَّةٌ، قالَهُ الأخْفَشُ، وسَعِيدُ بْنُ مِسْعِدَةَ و"أمِينٌ" فَعِيلٌ مِنَ الأمْنِ، بِمَعْنى: آمَنَ أيْ: آمَنَ مَن فِيهِ ومَن دَخَلَهُ، وما فِيهِ مِن طَيْرٍ وحَيَوانٍ.
والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، ولا يَدْفَعُ هَذا أنْ يَكُونَ غَيْرَهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ -كالشَمْسِ وغَيْرِها- أحْسَنُ تَقْوِيمًا، مِنهُ بِالمُناسَبَةِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ بِالعُمُومِ أيِ "الإنْسانِ" أحْسَنُ المَخْلُوقاتِ تَقْوِيمًا، ولَمْ يَرَ قَوْمٌ الحِنْثَ عَلى مَن حَلَفَ بِالطَلاقِ أنَّ زَوْجَتَهُ أحْسَنُ مِنَ الشَمْسِ، واحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ. واخْتَلَفَ الناسُ في تَقْوِيمِ الإنْسانِ ما هُوَ؟ فَقالَ النَخْعِيُّ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: حَسَنٌ صُورَتُهُ وحَواسُّهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو انْتِصابُ قامَتِهِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ بْنُ طاهِرٍ - في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: هو عَقْلُهُ وإدْراكُهُ اللَذانِ زَيَّناهُ بِالتَمَيُّزِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الشَبابُ والقُوَّةُ، والصَوابُ أنَّ جَمِيعَ هَذا هو حَسَنُ التَقْوِيمِ، إلّا قَوْلُ عِكْرِمَةَ إذْ قَوْلُهُ يُفَضَّلُ فِيهِ بَعْضُ الحَيَوانِ، و"الإنْسانُ" هُنا اسْمُ الجِنْسِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: في تَقْوِيمٍ أحْسَنِ تَقْوِيمٍ؛ لِأنَّ أحْسَنَ صِفَةٌ لا بُدَّ أنْ تَجْرِيَ عَلى مَوْصُوفٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾، فَقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ، والنَخْعِيُّ: مَعْناهُ: بِالهَرَمِ وذُهُولِ العَقْلِ وتَغَلُّبِ الكِبَرِ حَتّى يَصِيرَ لا يَعْلَمُ شَيْئًا، أمّا إنَّ المُؤْمِنَ مَرْفُوعٌ عنهُ القَلَمُ، والِاسْتِثْناءُ -عَلى هَذا- مُنْقَطِعٌ. وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ كُلَّ إنْسانٍ يَعْتَرِيهِ هَذا، بَلْ في الجِنْسِ مَن يَعْتَرِيه ذَلِكَ، وهَذِهِ عِبْرَةٌ مَنصُوبَةٌ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "السافِلِينَ" بِالألِفِ واللامِ.
(p-٦٤٩)ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ -وَإنْ نالَ بَعْضُهم هَذا في الدُنْيا- فَلَهم في الآخِرَةِ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ، وقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو العالِيَةِ: المَعْنى: رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ في النارِ عَلى كُفْرِهِ، ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى الَّذِينَ آمَنُوا اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، فَهم -عَلى هَذا- لَيْسَ فِيهِمْ مَن يُرَدُّ أسْفَلَ سافِلِينَ، وفي حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "إذا بَلَغَ المُؤْمِنُ خَمْسِينَ سَنَةً خَفَّفَ اللهُ تَعالى حِسابُهُ، وإذا بَلَغَ السِتِّينَ رَزَقَهُ اللهُ الإنابَةَ إلَيْهِ، فَإذا بَلَغَ السَبْعِينَ أحَبَّهُ أهْلُ السَماءِ، فَإذا بَلَغَ ثَمانِينَ كُتِبَتْ حَسَناتُهُ، وتَجاوَزَ اللهُ عن سَيِّئاتِهِ، فَإذا بَلَغَ تِسْعِينَ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ، وشَفَعَ في أهْلِ بَيْتِهِ، وكانَ أسِيرَ اللهِ في أرْضِهِ، فَإذا بَلَغَ مِائَةً -وَلَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا - كَتَبَ لَهُ مِثْلَ ما كانَ يَعْمَلُ في صِحَّتِهِ، ولَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ"،» وفي حَدِيثِ « "إنَّ المُؤْمِنَ إذا رُدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، كُتِبَ لَهُ خَيْرُ ما كانَ يَعْمَلُ في قَوْمِهِ، وذَلِكَ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"،» و"مَمْنُونٍ" مَعْناهُ: مَحْسُوبٌ مُصَرِّدُ يُمْنٍ عَلَيْهِمْ بِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: مَقْطُوعٌ، مِن قَوْلِهِمْ "حَبْلٌ مَنِينٌ" أيْ ضَعِيفٌ مُنْقَطِعٍ.
واخْتَلَفَ في المُخاطَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ﴾ -فَقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والأخْفَشُ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، قالَ اللهُ لَهُ: فَما الَّذِي يُكَذِّبُكَ فِيما تُخْبِرُ بِهِ مِنَ الجَزاءِ والبَعْثِ -وَهُوَ الدِينُ- بَعْدَ هَذِهِ العِبْرَةِ الَّتِي يُوجِبُ النَظَرُ فِيها صِحَّةَ ما قُلْتَ؟ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الدِينُ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- جَمِيعَ دِينِهِ وشَرْعِهِ. وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المُخاطَبُ الإنْسانُ الكافِرُ، أيْ: ما الَّذِي يَجْعَلُكَ كَذّابًا بِالدِينِ، تَجْعَلُ لِلَّهِ تَعالى أنْدادًا، وتَزْعُمُ ألّا بَعْثَ بَعْدَ هَذِهِ الدَلائِلِ؟ قالَ مَنصُورٌ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ﴾ يُرادُ بِهِ النَبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ؟ فَقالَ: مَعاذَ اللهِ، يَعْنِي بِهِ الشاكَّ.
(p-٦٥٠)ثُمَّ وقَفَ تَعالى جَمِيعَ خَلْقِهِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ، عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، ورُوِيَ عن قَتادَةَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ السُورَةَ قالَ: "بَلى، وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشاهِدِينَ".»
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التِينِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
التين 95:3
(p-٦٤٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ التِينِ.
وهى مَكِّيَّةٌ، لا أعْرِفُ في ذَلِكَ خِلافًا بَيْنَ المُفَسِّرِينَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والتِينِ والزَيْتُونِ﴾ ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ ﴿وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ﴾ ﴿ألَيْسَ اللهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "التِينِ والزَيْتُونِ" اللَذَيْنِ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِما، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وإبْراهِيمُ، وعَطاءٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ: هو التِينُ الَّذِي يُؤْكَلُ والزَيْتُونُ الَّذِي يَعْتَصِرُ، وأكْلُ النَبِيِّ ﷺ مَعَ أصْحابِهِ رَضِيَ اللهُ عنهم تِينًا أُهْدِيَ إلَيْهِ فَقالَ: "لَوْ قُلْتُ إنَّ فاكِهَةً أُنْزِلَتْ مِنَ الجَنَّةِ قُلْتُ هَذِهِ، لَأنَّ فاكِهَةَ الجَنَّةِ بِلا عَجَمٍ، فَكُلُوا فَإنَّهُ يَقْطَعُ البَواسِيرَ، ويَنْفَعُ مِنَ النَقْرَسِ"، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام: « "نِعْمَ السِواكُ سِواكُ الزَيْتُونِ مِنَ الشَجَرَةِ المُبارَكَةِ، هي سِواكِي وسِواكُ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِي".»
وقالَ كَعْبٌ وعِكْرِمَةُ: القَسَمُ بِمَنابِتِهِما، وذَلِكَ أنَّ التِينَ يَنْبُتُ كَثِيرًا بِدِمَشْقَ، والزَيْتُونُ يَنْبُتُ بِإيلاءَ، فَأقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالأرْضَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ: هُما جَبَلانِ بِالشامِ، عَلى أحَدِهِما دِمَشْقُ، وعَلى الآخَرِ بَيْتُ المَقْدِسِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التِينُ مَسْجِدُ نُوحٍ عَلَيْهِ (p-٦٤٨)السَلامُ عَلى الجُودِيِّ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: التِينُ مَسْجِدُ نُوحٍ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَلامُ، وقِيلَ: التِينِ والزَيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ ثَلاثَةُ مَساجِدَ بِالشامِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: التِينُ مَسْجِدُ أصْحابِ الكَهْفِ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ إيلِياءَ، وأمّا طُورُ سِينِينَ فَلَمْ يَخْتَلِفْ أنَّهُ جَبَلٌ بِالشامِ كَلَّمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى "سِينِينَ"، فَقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: حَسَنٌ مُبارَكٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ذُو الشَجَرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سِينِينَ" وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو رَجاءٍ: "سَيْنِينَ" بِفَتْحِ السِينِ، وهى لُغَةُ بَكْرٍ وتَمِيمٍ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ وابْنُ مَسْعُودٍ: "سِينًا" بِسِينٍ مَكْسُورَةٍ وألِفٍ، وقَرَأ أيْضًا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِفَتْحِها.
و"البَلَدِ الأمِينِ" مَكَّةُ بِلا خِلافٍ، وقِيلَ: مَعْنى "سِينِينَ": المُبارَكُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: شَجَرٌ، واحِدُها سِينِيَّةٌ، قالَهُ الأخْفَشُ، وسَعِيدُ بْنُ مِسْعِدَةَ و"أمِينٌ" فَعِيلٌ مِنَ الأمْنِ، بِمَعْنى: آمَنَ أيْ: آمَنَ مَن فِيهِ ومَن دَخَلَهُ، وما فِيهِ مِن طَيْرٍ وحَيَوانٍ.
والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، ولا يَدْفَعُ هَذا أنْ يَكُونَ غَيْرَهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ -كالشَمْسِ وغَيْرِها- أحْسَنُ تَقْوِيمًا، مِنهُ بِالمُناسَبَةِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ بِالعُمُومِ أيِ "الإنْسانِ" أحْسَنُ المَخْلُوقاتِ تَقْوِيمًا، ولَمْ يَرَ قَوْمٌ الحِنْثَ عَلى مَن حَلَفَ بِالطَلاقِ أنَّ زَوْجَتَهُ أحْسَنُ مِنَ الشَمْسِ، واحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ. واخْتَلَفَ الناسُ في تَقْوِيمِ الإنْسانِ ما هُوَ؟ فَقالَ النَخْعِيُّ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: حَسَنٌ صُورَتُهُ وحَواسُّهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو انْتِصابُ قامَتِهِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ بْنُ طاهِرٍ - في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: هو عَقْلُهُ وإدْراكُهُ اللَذانِ زَيَّناهُ بِالتَمَيُّزِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الشَبابُ والقُوَّةُ، والصَوابُ أنَّ جَمِيعَ هَذا هو حَسَنُ التَقْوِيمِ، إلّا قَوْلُ عِكْرِمَةَ إذْ قَوْلُهُ يُفَضَّلُ فِيهِ بَعْضُ الحَيَوانِ، و"الإنْسانُ" هُنا اسْمُ الجِنْسِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: في تَقْوِيمٍ أحْسَنِ تَقْوِيمٍ؛ لِأنَّ أحْسَنَ صِفَةٌ لا بُدَّ أنْ تَجْرِيَ عَلى مَوْصُوفٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾، فَقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ، والنَخْعِيُّ: مَعْناهُ: بِالهَرَمِ وذُهُولِ العَقْلِ وتَغَلُّبِ الكِبَرِ حَتّى يَصِيرَ لا يَعْلَمُ شَيْئًا، أمّا إنَّ المُؤْمِنَ مَرْفُوعٌ عنهُ القَلَمُ، والِاسْتِثْناءُ -عَلى هَذا- مُنْقَطِعٌ. وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ كُلَّ إنْسانٍ يَعْتَرِيهِ هَذا، بَلْ في الجِنْسِ مَن يَعْتَرِيه ذَلِكَ، وهَذِهِ عِبْرَةٌ مَنصُوبَةٌ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "السافِلِينَ" بِالألِفِ واللامِ.
(p-٦٤٩)ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ -وَإنْ نالَ بَعْضُهم هَذا في الدُنْيا- فَلَهم في الآخِرَةِ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ، وقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو العالِيَةِ: المَعْنى: رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ في النارِ عَلى كُفْرِهِ، ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى الَّذِينَ آمَنُوا اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، فَهم -عَلى هَذا- لَيْسَ فِيهِمْ مَن يُرَدُّ أسْفَلَ سافِلِينَ، وفي حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "إذا بَلَغَ المُؤْمِنُ خَمْسِينَ سَنَةً خَفَّفَ اللهُ تَعالى حِسابُهُ، وإذا بَلَغَ السِتِّينَ رَزَقَهُ اللهُ الإنابَةَ إلَيْهِ، فَإذا بَلَغَ السَبْعِينَ أحَبَّهُ أهْلُ السَماءِ، فَإذا بَلَغَ ثَمانِينَ كُتِبَتْ حَسَناتُهُ، وتَجاوَزَ اللهُ عن سَيِّئاتِهِ، فَإذا بَلَغَ تِسْعِينَ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ، وشَفَعَ في أهْلِ بَيْتِهِ، وكانَ أسِيرَ اللهِ في أرْضِهِ، فَإذا بَلَغَ مِائَةً -وَلَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا - كَتَبَ لَهُ مِثْلَ ما كانَ يَعْمَلُ في صِحَّتِهِ، ولَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ"،» وفي حَدِيثِ « "إنَّ المُؤْمِنَ إذا رُدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، كُتِبَ لَهُ خَيْرُ ما كانَ يَعْمَلُ في قَوْمِهِ، وذَلِكَ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"،» و"مَمْنُونٍ" مَعْناهُ: مَحْسُوبٌ مُصَرِّدُ يُمْنٍ عَلَيْهِمْ بِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: مَقْطُوعٌ، مِن قَوْلِهِمْ "حَبْلٌ مَنِينٌ" أيْ ضَعِيفٌ مُنْقَطِعٍ.
واخْتَلَفَ في المُخاطَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ﴾ -فَقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والأخْفَشُ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، قالَ اللهُ لَهُ: فَما الَّذِي يُكَذِّبُكَ فِيما تُخْبِرُ بِهِ مِنَ الجَزاءِ والبَعْثِ -وَهُوَ الدِينُ- بَعْدَ هَذِهِ العِبْرَةِ الَّتِي يُوجِبُ النَظَرُ فِيها صِحَّةَ ما قُلْتَ؟ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الدِينُ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- جَمِيعَ دِينِهِ وشَرْعِهِ. وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المُخاطَبُ الإنْسانُ الكافِرُ، أيْ: ما الَّذِي يَجْعَلُكَ كَذّابًا بِالدِينِ، تَجْعَلُ لِلَّهِ تَعالى أنْدادًا، وتَزْعُمُ ألّا بَعْثَ بَعْدَ هَذِهِ الدَلائِلِ؟ قالَ مَنصُورٌ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ﴾ يُرادُ بِهِ النَبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ؟ فَقالَ: مَعاذَ اللهِ، يَعْنِي بِهِ الشاكَّ.
(p-٦٥٠)ثُمَّ وقَفَ تَعالى جَمِيعَ خَلْقِهِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ، عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، ورُوِيَ عن قَتادَةَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ السُورَةَ قالَ: "بَلى، وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشاهِدِينَ".»
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التِينِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
التين 95:4
(p-٦٤٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ التِينِ.
وهى مَكِّيَّةٌ، لا أعْرِفُ في ذَلِكَ خِلافًا بَيْنَ المُفَسِّرِينَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والتِينِ والزَيْتُونِ﴾ ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ ﴿وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ﴾ ﴿ألَيْسَ اللهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "التِينِ والزَيْتُونِ" اللَذَيْنِ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِما، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وإبْراهِيمُ، وعَطاءٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ: هو التِينُ الَّذِي يُؤْكَلُ والزَيْتُونُ الَّذِي يَعْتَصِرُ، وأكْلُ النَبِيِّ ﷺ مَعَ أصْحابِهِ رَضِيَ اللهُ عنهم تِينًا أُهْدِيَ إلَيْهِ فَقالَ: "لَوْ قُلْتُ إنَّ فاكِهَةً أُنْزِلَتْ مِنَ الجَنَّةِ قُلْتُ هَذِهِ، لَأنَّ فاكِهَةَ الجَنَّةِ بِلا عَجَمٍ، فَكُلُوا فَإنَّهُ يَقْطَعُ البَواسِيرَ، ويَنْفَعُ مِنَ النَقْرَسِ"، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام: « "نِعْمَ السِواكُ سِواكُ الزَيْتُونِ مِنَ الشَجَرَةِ المُبارَكَةِ، هي سِواكِي وسِواكُ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِي".»
وقالَ كَعْبٌ وعِكْرِمَةُ: القَسَمُ بِمَنابِتِهِما، وذَلِكَ أنَّ التِينَ يَنْبُتُ كَثِيرًا بِدِمَشْقَ، والزَيْتُونُ يَنْبُتُ بِإيلاءَ، فَأقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالأرْضَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ: هُما جَبَلانِ بِالشامِ، عَلى أحَدِهِما دِمَشْقُ، وعَلى الآخَرِ بَيْتُ المَقْدِسِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التِينُ مَسْجِدُ نُوحٍ عَلَيْهِ (p-٦٤٨)السَلامُ عَلى الجُودِيِّ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: التِينُ مَسْجِدُ نُوحٍ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَلامُ، وقِيلَ: التِينِ والزَيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ ثَلاثَةُ مَساجِدَ بِالشامِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: التِينُ مَسْجِدُ أصْحابِ الكَهْفِ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ إيلِياءَ، وأمّا طُورُ سِينِينَ فَلَمْ يَخْتَلِفْ أنَّهُ جَبَلٌ بِالشامِ كَلَّمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى "سِينِينَ"، فَقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: حَسَنٌ مُبارَكٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ذُو الشَجَرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سِينِينَ" وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو رَجاءٍ: "سَيْنِينَ" بِفَتْحِ السِينِ، وهى لُغَةُ بَكْرٍ وتَمِيمٍ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ وابْنُ مَسْعُودٍ: "سِينًا" بِسِينٍ مَكْسُورَةٍ وألِفٍ، وقَرَأ أيْضًا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِفَتْحِها.
و"البَلَدِ الأمِينِ" مَكَّةُ بِلا خِلافٍ، وقِيلَ: مَعْنى "سِينِينَ": المُبارَكُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: شَجَرٌ، واحِدُها سِينِيَّةٌ، قالَهُ الأخْفَشُ، وسَعِيدُ بْنُ مِسْعِدَةَ و"أمِينٌ" فَعِيلٌ مِنَ الأمْنِ، بِمَعْنى: آمَنَ أيْ: آمَنَ مَن فِيهِ ومَن دَخَلَهُ، وما فِيهِ مِن طَيْرٍ وحَيَوانٍ.
والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، ولا يَدْفَعُ هَذا أنْ يَكُونَ غَيْرَهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ -كالشَمْسِ وغَيْرِها- أحْسَنُ تَقْوِيمًا، مِنهُ بِالمُناسَبَةِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ بِالعُمُومِ أيِ "الإنْسانِ" أحْسَنُ المَخْلُوقاتِ تَقْوِيمًا، ولَمْ يَرَ قَوْمٌ الحِنْثَ عَلى مَن حَلَفَ بِالطَلاقِ أنَّ زَوْجَتَهُ أحْسَنُ مِنَ الشَمْسِ، واحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ. واخْتَلَفَ الناسُ في تَقْوِيمِ الإنْسانِ ما هُوَ؟ فَقالَ النَخْعِيُّ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: حَسَنٌ صُورَتُهُ وحَواسُّهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو انْتِصابُ قامَتِهِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ بْنُ طاهِرٍ - في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: هو عَقْلُهُ وإدْراكُهُ اللَذانِ زَيَّناهُ بِالتَمَيُّزِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الشَبابُ والقُوَّةُ، والصَوابُ أنَّ جَمِيعَ هَذا هو حَسَنُ التَقْوِيمِ، إلّا قَوْلُ عِكْرِمَةَ إذْ قَوْلُهُ يُفَضَّلُ فِيهِ بَعْضُ الحَيَوانِ، و"الإنْسانُ" هُنا اسْمُ الجِنْسِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: في تَقْوِيمٍ أحْسَنِ تَقْوِيمٍ؛ لِأنَّ أحْسَنَ صِفَةٌ لا بُدَّ أنْ تَجْرِيَ عَلى مَوْصُوفٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾، فَقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ، والنَخْعِيُّ: مَعْناهُ: بِالهَرَمِ وذُهُولِ العَقْلِ وتَغَلُّبِ الكِبَرِ حَتّى يَصِيرَ لا يَعْلَمُ شَيْئًا، أمّا إنَّ المُؤْمِنَ مَرْفُوعٌ عنهُ القَلَمُ، والِاسْتِثْناءُ -عَلى هَذا- مُنْقَطِعٌ. وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ كُلَّ إنْسانٍ يَعْتَرِيهِ هَذا، بَلْ في الجِنْسِ مَن يَعْتَرِيه ذَلِكَ، وهَذِهِ عِبْرَةٌ مَنصُوبَةٌ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "السافِلِينَ" بِالألِفِ واللامِ.
(p-٦٤٩)ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ -وَإنْ نالَ بَعْضُهم هَذا في الدُنْيا- فَلَهم في الآخِرَةِ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ، وقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو العالِيَةِ: المَعْنى: رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ في النارِ عَلى كُفْرِهِ، ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى الَّذِينَ آمَنُوا اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، فَهم -عَلى هَذا- لَيْسَ فِيهِمْ مَن يُرَدُّ أسْفَلَ سافِلِينَ، وفي حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "إذا بَلَغَ المُؤْمِنُ خَمْسِينَ سَنَةً خَفَّفَ اللهُ تَعالى حِسابُهُ، وإذا بَلَغَ السِتِّينَ رَزَقَهُ اللهُ الإنابَةَ إلَيْهِ، فَإذا بَلَغَ السَبْعِينَ أحَبَّهُ أهْلُ السَماءِ، فَإذا بَلَغَ ثَمانِينَ كُتِبَتْ حَسَناتُهُ، وتَجاوَزَ اللهُ عن سَيِّئاتِهِ، فَإذا بَلَغَ تِسْعِينَ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ، وشَفَعَ في أهْلِ بَيْتِهِ، وكانَ أسِيرَ اللهِ في أرْضِهِ، فَإذا بَلَغَ مِائَةً -وَلَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا - كَتَبَ لَهُ مِثْلَ ما كانَ يَعْمَلُ في صِحَّتِهِ، ولَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ"،» وفي حَدِيثِ « "إنَّ المُؤْمِنَ إذا رُدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، كُتِبَ لَهُ خَيْرُ ما كانَ يَعْمَلُ في قَوْمِهِ، وذَلِكَ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"،» و"مَمْنُونٍ" مَعْناهُ: مَحْسُوبٌ مُصَرِّدُ يُمْنٍ عَلَيْهِمْ بِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: مَقْطُوعٌ، مِن قَوْلِهِمْ "حَبْلٌ مَنِينٌ" أيْ ضَعِيفٌ مُنْقَطِعٍ.
واخْتَلَفَ في المُخاطَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ﴾ -فَقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والأخْفَشُ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، قالَ اللهُ لَهُ: فَما الَّذِي يُكَذِّبُكَ فِيما تُخْبِرُ بِهِ مِنَ الجَزاءِ والبَعْثِ -وَهُوَ الدِينُ- بَعْدَ هَذِهِ العِبْرَةِ الَّتِي يُوجِبُ النَظَرُ فِيها صِحَّةَ ما قُلْتَ؟ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الدِينُ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- جَمِيعَ دِينِهِ وشَرْعِهِ. وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المُخاطَبُ الإنْسانُ الكافِرُ، أيْ: ما الَّذِي يَجْعَلُكَ كَذّابًا بِالدِينِ، تَجْعَلُ لِلَّهِ تَعالى أنْدادًا، وتَزْعُمُ ألّا بَعْثَ بَعْدَ هَذِهِ الدَلائِلِ؟ قالَ مَنصُورٌ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ﴾ يُرادُ بِهِ النَبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ؟ فَقالَ: مَعاذَ اللهِ، يَعْنِي بِهِ الشاكَّ.
(p-٦٥٠)ثُمَّ وقَفَ تَعالى جَمِيعَ خَلْقِهِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ، عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، ورُوِيَ عن قَتادَةَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ السُورَةَ قالَ: "بَلى، وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشاهِدِينَ".»
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التِينِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
التين 95:5
(p-٦٤٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ التِينِ.
وهى مَكِّيَّةٌ، لا أعْرِفُ في ذَلِكَ خِلافًا بَيْنَ المُفَسِّرِينَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والتِينِ والزَيْتُونِ﴾ ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ ﴿وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ﴾ ﴿ألَيْسَ اللهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "التِينِ والزَيْتُونِ" اللَذَيْنِ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِما، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وإبْراهِيمُ، وعَطاءٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ: هو التِينُ الَّذِي يُؤْكَلُ والزَيْتُونُ الَّذِي يَعْتَصِرُ، وأكْلُ النَبِيِّ ﷺ مَعَ أصْحابِهِ رَضِيَ اللهُ عنهم تِينًا أُهْدِيَ إلَيْهِ فَقالَ: "لَوْ قُلْتُ إنَّ فاكِهَةً أُنْزِلَتْ مِنَ الجَنَّةِ قُلْتُ هَذِهِ، لَأنَّ فاكِهَةَ الجَنَّةِ بِلا عَجَمٍ، فَكُلُوا فَإنَّهُ يَقْطَعُ البَواسِيرَ، ويَنْفَعُ مِنَ النَقْرَسِ"، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام: « "نِعْمَ السِواكُ سِواكُ الزَيْتُونِ مِنَ الشَجَرَةِ المُبارَكَةِ، هي سِواكِي وسِواكُ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِي".»
وقالَ كَعْبٌ وعِكْرِمَةُ: القَسَمُ بِمَنابِتِهِما، وذَلِكَ أنَّ التِينَ يَنْبُتُ كَثِيرًا بِدِمَشْقَ، والزَيْتُونُ يَنْبُتُ بِإيلاءَ، فَأقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالأرْضَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ: هُما جَبَلانِ بِالشامِ، عَلى أحَدِهِما دِمَشْقُ، وعَلى الآخَرِ بَيْتُ المَقْدِسِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التِينُ مَسْجِدُ نُوحٍ عَلَيْهِ (p-٦٤٨)السَلامُ عَلى الجُودِيِّ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: التِينُ مَسْجِدُ نُوحٍ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَلامُ، وقِيلَ: التِينِ والزَيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ ثَلاثَةُ مَساجِدَ بِالشامِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: التِينُ مَسْجِدُ أصْحابِ الكَهْفِ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ إيلِياءَ، وأمّا طُورُ سِينِينَ فَلَمْ يَخْتَلِفْ أنَّهُ جَبَلٌ بِالشامِ كَلَّمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى "سِينِينَ"، فَقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: حَسَنٌ مُبارَكٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ذُو الشَجَرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سِينِينَ" وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو رَجاءٍ: "سَيْنِينَ" بِفَتْحِ السِينِ، وهى لُغَةُ بَكْرٍ وتَمِيمٍ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ وابْنُ مَسْعُودٍ: "سِينًا" بِسِينٍ مَكْسُورَةٍ وألِفٍ، وقَرَأ أيْضًا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِفَتْحِها.
و"البَلَدِ الأمِينِ" مَكَّةُ بِلا خِلافٍ، وقِيلَ: مَعْنى "سِينِينَ": المُبارَكُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: شَجَرٌ، واحِدُها سِينِيَّةٌ، قالَهُ الأخْفَشُ، وسَعِيدُ بْنُ مِسْعِدَةَ و"أمِينٌ" فَعِيلٌ مِنَ الأمْنِ، بِمَعْنى: آمَنَ أيْ: آمَنَ مَن فِيهِ ومَن دَخَلَهُ، وما فِيهِ مِن طَيْرٍ وحَيَوانٍ.
والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، ولا يَدْفَعُ هَذا أنْ يَكُونَ غَيْرَهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ -كالشَمْسِ وغَيْرِها- أحْسَنُ تَقْوِيمًا، مِنهُ بِالمُناسَبَةِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ بِالعُمُومِ أيِ "الإنْسانِ" أحْسَنُ المَخْلُوقاتِ تَقْوِيمًا، ولَمْ يَرَ قَوْمٌ الحِنْثَ عَلى مَن حَلَفَ بِالطَلاقِ أنَّ زَوْجَتَهُ أحْسَنُ مِنَ الشَمْسِ، واحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ. واخْتَلَفَ الناسُ في تَقْوِيمِ الإنْسانِ ما هُوَ؟ فَقالَ النَخْعِيُّ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: حَسَنٌ صُورَتُهُ وحَواسُّهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو انْتِصابُ قامَتِهِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ بْنُ طاهِرٍ - في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: هو عَقْلُهُ وإدْراكُهُ اللَذانِ زَيَّناهُ بِالتَمَيُّزِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الشَبابُ والقُوَّةُ، والصَوابُ أنَّ جَمِيعَ هَذا هو حَسَنُ التَقْوِيمِ، إلّا قَوْلُ عِكْرِمَةَ إذْ قَوْلُهُ يُفَضَّلُ فِيهِ بَعْضُ الحَيَوانِ، و"الإنْسانُ" هُنا اسْمُ الجِنْسِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: في تَقْوِيمٍ أحْسَنِ تَقْوِيمٍ؛ لِأنَّ أحْسَنَ صِفَةٌ لا بُدَّ أنْ تَجْرِيَ عَلى مَوْصُوفٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾، فَقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ، والنَخْعِيُّ: مَعْناهُ: بِالهَرَمِ وذُهُولِ العَقْلِ وتَغَلُّبِ الكِبَرِ حَتّى يَصِيرَ لا يَعْلَمُ شَيْئًا، أمّا إنَّ المُؤْمِنَ مَرْفُوعٌ عنهُ القَلَمُ، والِاسْتِثْناءُ -عَلى هَذا- مُنْقَطِعٌ. وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ كُلَّ إنْسانٍ يَعْتَرِيهِ هَذا، بَلْ في الجِنْسِ مَن يَعْتَرِيه ذَلِكَ، وهَذِهِ عِبْرَةٌ مَنصُوبَةٌ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "السافِلِينَ" بِالألِفِ واللامِ.
(p-٦٤٩)ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ -وَإنْ نالَ بَعْضُهم هَذا في الدُنْيا- فَلَهم في الآخِرَةِ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ، وقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو العالِيَةِ: المَعْنى: رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ في النارِ عَلى كُفْرِهِ، ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى الَّذِينَ آمَنُوا اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، فَهم -عَلى هَذا- لَيْسَ فِيهِمْ مَن يُرَدُّ أسْفَلَ سافِلِينَ، وفي حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "إذا بَلَغَ المُؤْمِنُ خَمْسِينَ سَنَةً خَفَّفَ اللهُ تَعالى حِسابُهُ، وإذا بَلَغَ السِتِّينَ رَزَقَهُ اللهُ الإنابَةَ إلَيْهِ، فَإذا بَلَغَ السَبْعِينَ أحَبَّهُ أهْلُ السَماءِ، فَإذا بَلَغَ ثَمانِينَ كُتِبَتْ حَسَناتُهُ، وتَجاوَزَ اللهُ عن سَيِّئاتِهِ، فَإذا بَلَغَ تِسْعِينَ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ، وشَفَعَ في أهْلِ بَيْتِهِ، وكانَ أسِيرَ اللهِ في أرْضِهِ، فَإذا بَلَغَ مِائَةً -وَلَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا - كَتَبَ لَهُ مِثْلَ ما كانَ يَعْمَلُ في صِحَّتِهِ، ولَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ"،» وفي حَدِيثِ « "إنَّ المُؤْمِنَ إذا رُدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، كُتِبَ لَهُ خَيْرُ ما كانَ يَعْمَلُ في قَوْمِهِ، وذَلِكَ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"،» و"مَمْنُونٍ" مَعْناهُ: مَحْسُوبٌ مُصَرِّدُ يُمْنٍ عَلَيْهِمْ بِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: مَقْطُوعٌ، مِن قَوْلِهِمْ "حَبْلٌ مَنِينٌ" أيْ ضَعِيفٌ مُنْقَطِعٍ.
واخْتَلَفَ في المُخاطَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ﴾ -فَقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والأخْفَشُ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، قالَ اللهُ لَهُ: فَما الَّذِي يُكَذِّبُكَ فِيما تُخْبِرُ بِهِ مِنَ الجَزاءِ والبَعْثِ -وَهُوَ الدِينُ- بَعْدَ هَذِهِ العِبْرَةِ الَّتِي يُوجِبُ النَظَرُ فِيها صِحَّةَ ما قُلْتَ؟ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الدِينُ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- جَمِيعَ دِينِهِ وشَرْعِهِ. وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المُخاطَبُ الإنْسانُ الكافِرُ، أيْ: ما الَّذِي يَجْعَلُكَ كَذّابًا بِالدِينِ، تَجْعَلُ لِلَّهِ تَعالى أنْدادًا، وتَزْعُمُ ألّا بَعْثَ بَعْدَ هَذِهِ الدَلائِلِ؟ قالَ مَنصُورٌ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ﴾ يُرادُ بِهِ النَبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ؟ فَقالَ: مَعاذَ اللهِ، يَعْنِي بِهِ الشاكَّ.
(p-٦٥٠)ثُمَّ وقَفَ تَعالى جَمِيعَ خَلْقِهِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ، عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، ورُوِيَ عن قَتادَةَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ السُورَةَ قالَ: "بَلى، وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشاهِدِينَ".»
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التِينِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
التين 95:6
(p-٦٤٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ التِينِ.
وهى مَكِّيَّةٌ، لا أعْرِفُ في ذَلِكَ خِلافًا بَيْنَ المُفَسِّرِينَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والتِينِ والزَيْتُونِ﴾ ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ ﴿وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ﴾ ﴿ألَيْسَ اللهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "التِينِ والزَيْتُونِ" اللَذَيْنِ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِما، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وإبْراهِيمُ، وعَطاءٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ: هو التِينُ الَّذِي يُؤْكَلُ والزَيْتُونُ الَّذِي يَعْتَصِرُ، وأكْلُ النَبِيِّ ﷺ مَعَ أصْحابِهِ رَضِيَ اللهُ عنهم تِينًا أُهْدِيَ إلَيْهِ فَقالَ: "لَوْ قُلْتُ إنَّ فاكِهَةً أُنْزِلَتْ مِنَ الجَنَّةِ قُلْتُ هَذِهِ، لَأنَّ فاكِهَةَ الجَنَّةِ بِلا عَجَمٍ، فَكُلُوا فَإنَّهُ يَقْطَعُ البَواسِيرَ، ويَنْفَعُ مِنَ النَقْرَسِ"، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام: « "نِعْمَ السِواكُ سِواكُ الزَيْتُونِ مِنَ الشَجَرَةِ المُبارَكَةِ، هي سِواكِي وسِواكُ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِي".»
وقالَ كَعْبٌ وعِكْرِمَةُ: القَسَمُ بِمَنابِتِهِما، وذَلِكَ أنَّ التِينَ يَنْبُتُ كَثِيرًا بِدِمَشْقَ، والزَيْتُونُ يَنْبُتُ بِإيلاءَ، فَأقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالأرْضَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ: هُما جَبَلانِ بِالشامِ، عَلى أحَدِهِما دِمَشْقُ، وعَلى الآخَرِ بَيْتُ المَقْدِسِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التِينُ مَسْجِدُ نُوحٍ عَلَيْهِ (p-٦٤٨)السَلامُ عَلى الجُودِيِّ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: التِينُ مَسْجِدُ نُوحٍ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَلامُ، وقِيلَ: التِينِ والزَيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ ثَلاثَةُ مَساجِدَ بِالشامِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: التِينُ مَسْجِدُ أصْحابِ الكَهْفِ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ إيلِياءَ، وأمّا طُورُ سِينِينَ فَلَمْ يَخْتَلِفْ أنَّهُ جَبَلٌ بِالشامِ كَلَّمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى "سِينِينَ"، فَقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: حَسَنٌ مُبارَكٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ذُو الشَجَرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سِينِينَ" وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو رَجاءٍ: "سَيْنِينَ" بِفَتْحِ السِينِ، وهى لُغَةُ بَكْرٍ وتَمِيمٍ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ وابْنُ مَسْعُودٍ: "سِينًا" بِسِينٍ مَكْسُورَةٍ وألِفٍ، وقَرَأ أيْضًا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِفَتْحِها.
و"البَلَدِ الأمِينِ" مَكَّةُ بِلا خِلافٍ، وقِيلَ: مَعْنى "سِينِينَ": المُبارَكُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: شَجَرٌ، واحِدُها سِينِيَّةٌ، قالَهُ الأخْفَشُ، وسَعِيدُ بْنُ مِسْعِدَةَ و"أمِينٌ" فَعِيلٌ مِنَ الأمْنِ، بِمَعْنى: آمَنَ أيْ: آمَنَ مَن فِيهِ ومَن دَخَلَهُ، وما فِيهِ مِن طَيْرٍ وحَيَوانٍ.
والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، ولا يَدْفَعُ هَذا أنْ يَكُونَ غَيْرَهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ -كالشَمْسِ وغَيْرِها- أحْسَنُ تَقْوِيمًا، مِنهُ بِالمُناسَبَةِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ بِالعُمُومِ أيِ "الإنْسانِ" أحْسَنُ المَخْلُوقاتِ تَقْوِيمًا، ولَمْ يَرَ قَوْمٌ الحِنْثَ عَلى مَن حَلَفَ بِالطَلاقِ أنَّ زَوْجَتَهُ أحْسَنُ مِنَ الشَمْسِ، واحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ. واخْتَلَفَ الناسُ في تَقْوِيمِ الإنْسانِ ما هُوَ؟ فَقالَ النَخْعِيُّ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: حَسَنٌ صُورَتُهُ وحَواسُّهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو انْتِصابُ قامَتِهِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ بْنُ طاهِرٍ - في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: هو عَقْلُهُ وإدْراكُهُ اللَذانِ زَيَّناهُ بِالتَمَيُّزِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الشَبابُ والقُوَّةُ، والصَوابُ أنَّ جَمِيعَ هَذا هو حَسَنُ التَقْوِيمِ، إلّا قَوْلُ عِكْرِمَةَ إذْ قَوْلُهُ يُفَضَّلُ فِيهِ بَعْضُ الحَيَوانِ، و"الإنْسانُ" هُنا اسْمُ الجِنْسِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: في تَقْوِيمٍ أحْسَنِ تَقْوِيمٍ؛ لِأنَّ أحْسَنَ صِفَةٌ لا بُدَّ أنْ تَجْرِيَ عَلى مَوْصُوفٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾، فَقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ، والنَخْعِيُّ: مَعْناهُ: بِالهَرَمِ وذُهُولِ العَقْلِ وتَغَلُّبِ الكِبَرِ حَتّى يَصِيرَ لا يَعْلَمُ شَيْئًا، أمّا إنَّ المُؤْمِنَ مَرْفُوعٌ عنهُ القَلَمُ، والِاسْتِثْناءُ -عَلى هَذا- مُنْقَطِعٌ. وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ كُلَّ إنْسانٍ يَعْتَرِيهِ هَذا، بَلْ في الجِنْسِ مَن يَعْتَرِيه ذَلِكَ، وهَذِهِ عِبْرَةٌ مَنصُوبَةٌ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "السافِلِينَ" بِالألِفِ واللامِ.
(p-٦٤٩)ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ -وَإنْ نالَ بَعْضُهم هَذا في الدُنْيا- فَلَهم في الآخِرَةِ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ، وقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو العالِيَةِ: المَعْنى: رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ في النارِ عَلى كُفْرِهِ، ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى الَّذِينَ آمَنُوا اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، فَهم -عَلى هَذا- لَيْسَ فِيهِمْ مَن يُرَدُّ أسْفَلَ سافِلِينَ، وفي حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "إذا بَلَغَ المُؤْمِنُ خَمْسِينَ سَنَةً خَفَّفَ اللهُ تَعالى حِسابُهُ، وإذا بَلَغَ السِتِّينَ رَزَقَهُ اللهُ الإنابَةَ إلَيْهِ، فَإذا بَلَغَ السَبْعِينَ أحَبَّهُ أهْلُ السَماءِ، فَإذا بَلَغَ ثَمانِينَ كُتِبَتْ حَسَناتُهُ، وتَجاوَزَ اللهُ عن سَيِّئاتِهِ، فَإذا بَلَغَ تِسْعِينَ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ، وشَفَعَ في أهْلِ بَيْتِهِ، وكانَ أسِيرَ اللهِ في أرْضِهِ، فَإذا بَلَغَ مِائَةً -وَلَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا - كَتَبَ لَهُ مِثْلَ ما كانَ يَعْمَلُ في صِحَّتِهِ، ولَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ"،» وفي حَدِيثِ « "إنَّ المُؤْمِنَ إذا رُدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، كُتِبَ لَهُ خَيْرُ ما كانَ يَعْمَلُ في قَوْمِهِ، وذَلِكَ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"،» و"مَمْنُونٍ" مَعْناهُ: مَحْسُوبٌ مُصَرِّدُ يُمْنٍ عَلَيْهِمْ بِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: مَقْطُوعٌ، مِن قَوْلِهِمْ "حَبْلٌ مَنِينٌ" أيْ ضَعِيفٌ مُنْقَطِعٍ.
واخْتَلَفَ في المُخاطَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ﴾ -فَقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والأخْفَشُ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، قالَ اللهُ لَهُ: فَما الَّذِي يُكَذِّبُكَ فِيما تُخْبِرُ بِهِ مِنَ الجَزاءِ والبَعْثِ -وَهُوَ الدِينُ- بَعْدَ هَذِهِ العِبْرَةِ الَّتِي يُوجِبُ النَظَرُ فِيها صِحَّةَ ما قُلْتَ؟ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الدِينُ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- جَمِيعَ دِينِهِ وشَرْعِهِ. وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المُخاطَبُ الإنْسانُ الكافِرُ، أيْ: ما الَّذِي يَجْعَلُكَ كَذّابًا بِالدِينِ، تَجْعَلُ لِلَّهِ تَعالى أنْدادًا، وتَزْعُمُ ألّا بَعْثَ بَعْدَ هَذِهِ الدَلائِلِ؟ قالَ مَنصُورٌ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ﴾ يُرادُ بِهِ النَبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ؟ فَقالَ: مَعاذَ اللهِ، يَعْنِي بِهِ الشاكَّ.
(p-٦٥٠)ثُمَّ وقَفَ تَعالى جَمِيعَ خَلْقِهِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ، عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، ورُوِيَ عن قَتادَةَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ السُورَةَ قالَ: "بَلى، وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشاهِدِينَ".»
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التِينِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
التين 95:7
(p-٦٤٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ التِينِ.
وهى مَكِّيَّةٌ، لا أعْرِفُ في ذَلِكَ خِلافًا بَيْنَ المُفَسِّرِينَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والتِينِ والزَيْتُونِ﴾ ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ ﴿وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ﴾ ﴿ألَيْسَ اللهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "التِينِ والزَيْتُونِ" اللَذَيْنِ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِما، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وإبْراهِيمُ، وعَطاءٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ: هو التِينُ الَّذِي يُؤْكَلُ والزَيْتُونُ الَّذِي يَعْتَصِرُ، وأكْلُ النَبِيِّ ﷺ مَعَ أصْحابِهِ رَضِيَ اللهُ عنهم تِينًا أُهْدِيَ إلَيْهِ فَقالَ: "لَوْ قُلْتُ إنَّ فاكِهَةً أُنْزِلَتْ مِنَ الجَنَّةِ قُلْتُ هَذِهِ، لَأنَّ فاكِهَةَ الجَنَّةِ بِلا عَجَمٍ، فَكُلُوا فَإنَّهُ يَقْطَعُ البَواسِيرَ، ويَنْفَعُ مِنَ النَقْرَسِ"، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام: « "نِعْمَ السِواكُ سِواكُ الزَيْتُونِ مِنَ الشَجَرَةِ المُبارَكَةِ، هي سِواكِي وسِواكُ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِي".»
وقالَ كَعْبٌ وعِكْرِمَةُ: القَسَمُ بِمَنابِتِهِما، وذَلِكَ أنَّ التِينَ يَنْبُتُ كَثِيرًا بِدِمَشْقَ، والزَيْتُونُ يَنْبُتُ بِإيلاءَ، فَأقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالأرْضَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ: هُما جَبَلانِ بِالشامِ، عَلى أحَدِهِما دِمَشْقُ، وعَلى الآخَرِ بَيْتُ المَقْدِسِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التِينُ مَسْجِدُ نُوحٍ عَلَيْهِ (p-٦٤٨)السَلامُ عَلى الجُودِيِّ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: التِينُ مَسْجِدُ نُوحٍ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَلامُ، وقِيلَ: التِينِ والزَيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ ثَلاثَةُ مَساجِدَ بِالشامِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: التِينُ مَسْجِدُ أصْحابِ الكَهْفِ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ إيلِياءَ، وأمّا طُورُ سِينِينَ فَلَمْ يَخْتَلِفْ أنَّهُ جَبَلٌ بِالشامِ كَلَّمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى "سِينِينَ"، فَقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: حَسَنٌ مُبارَكٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ذُو الشَجَرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سِينِينَ" وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو رَجاءٍ: "سَيْنِينَ" بِفَتْحِ السِينِ، وهى لُغَةُ بَكْرٍ وتَمِيمٍ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ وابْنُ مَسْعُودٍ: "سِينًا" بِسِينٍ مَكْسُورَةٍ وألِفٍ، وقَرَأ أيْضًا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِفَتْحِها.
و"البَلَدِ الأمِينِ" مَكَّةُ بِلا خِلافٍ، وقِيلَ: مَعْنى "سِينِينَ": المُبارَكُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: شَجَرٌ، واحِدُها سِينِيَّةٌ، قالَهُ الأخْفَشُ، وسَعِيدُ بْنُ مِسْعِدَةَ و"أمِينٌ" فَعِيلٌ مِنَ الأمْنِ، بِمَعْنى: آمَنَ أيْ: آمَنَ مَن فِيهِ ومَن دَخَلَهُ، وما فِيهِ مِن طَيْرٍ وحَيَوانٍ.
والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، ولا يَدْفَعُ هَذا أنْ يَكُونَ غَيْرَهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ -كالشَمْسِ وغَيْرِها- أحْسَنُ تَقْوِيمًا، مِنهُ بِالمُناسَبَةِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ بِالعُمُومِ أيِ "الإنْسانِ" أحْسَنُ المَخْلُوقاتِ تَقْوِيمًا، ولَمْ يَرَ قَوْمٌ الحِنْثَ عَلى مَن حَلَفَ بِالطَلاقِ أنَّ زَوْجَتَهُ أحْسَنُ مِنَ الشَمْسِ، واحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ. واخْتَلَفَ الناسُ في تَقْوِيمِ الإنْسانِ ما هُوَ؟ فَقالَ النَخْعِيُّ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: حَسَنٌ صُورَتُهُ وحَواسُّهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو انْتِصابُ قامَتِهِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ بْنُ طاهِرٍ - في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: هو عَقْلُهُ وإدْراكُهُ اللَذانِ زَيَّناهُ بِالتَمَيُّزِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الشَبابُ والقُوَّةُ، والصَوابُ أنَّ جَمِيعَ هَذا هو حَسَنُ التَقْوِيمِ، إلّا قَوْلُ عِكْرِمَةَ إذْ قَوْلُهُ يُفَضَّلُ فِيهِ بَعْضُ الحَيَوانِ، و"الإنْسانُ" هُنا اسْمُ الجِنْسِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: في تَقْوِيمٍ أحْسَنِ تَقْوِيمٍ؛ لِأنَّ أحْسَنَ صِفَةٌ لا بُدَّ أنْ تَجْرِيَ عَلى مَوْصُوفٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾، فَقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ، والنَخْعِيُّ: مَعْناهُ: بِالهَرَمِ وذُهُولِ العَقْلِ وتَغَلُّبِ الكِبَرِ حَتّى يَصِيرَ لا يَعْلَمُ شَيْئًا، أمّا إنَّ المُؤْمِنَ مَرْفُوعٌ عنهُ القَلَمُ، والِاسْتِثْناءُ -عَلى هَذا- مُنْقَطِعٌ. وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ كُلَّ إنْسانٍ يَعْتَرِيهِ هَذا، بَلْ في الجِنْسِ مَن يَعْتَرِيه ذَلِكَ، وهَذِهِ عِبْرَةٌ مَنصُوبَةٌ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "السافِلِينَ" بِالألِفِ واللامِ.
(p-٦٤٩)ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ -وَإنْ نالَ بَعْضُهم هَذا في الدُنْيا- فَلَهم في الآخِرَةِ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ، وقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو العالِيَةِ: المَعْنى: رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ في النارِ عَلى كُفْرِهِ، ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى الَّذِينَ آمَنُوا اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، فَهم -عَلى هَذا- لَيْسَ فِيهِمْ مَن يُرَدُّ أسْفَلَ سافِلِينَ، وفي حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "إذا بَلَغَ المُؤْمِنُ خَمْسِينَ سَنَةً خَفَّفَ اللهُ تَعالى حِسابُهُ، وإذا بَلَغَ السِتِّينَ رَزَقَهُ اللهُ الإنابَةَ إلَيْهِ، فَإذا بَلَغَ السَبْعِينَ أحَبَّهُ أهْلُ السَماءِ، فَإذا بَلَغَ ثَمانِينَ كُتِبَتْ حَسَناتُهُ، وتَجاوَزَ اللهُ عن سَيِّئاتِهِ، فَإذا بَلَغَ تِسْعِينَ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ، وشَفَعَ في أهْلِ بَيْتِهِ، وكانَ أسِيرَ اللهِ في أرْضِهِ، فَإذا بَلَغَ مِائَةً -وَلَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا - كَتَبَ لَهُ مِثْلَ ما كانَ يَعْمَلُ في صِحَّتِهِ، ولَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ"،» وفي حَدِيثِ « "إنَّ المُؤْمِنَ إذا رُدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، كُتِبَ لَهُ خَيْرُ ما كانَ يَعْمَلُ في قَوْمِهِ، وذَلِكَ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"،» و"مَمْنُونٍ" مَعْناهُ: مَحْسُوبٌ مُصَرِّدُ يُمْنٍ عَلَيْهِمْ بِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: مَقْطُوعٌ، مِن قَوْلِهِمْ "حَبْلٌ مَنِينٌ" أيْ ضَعِيفٌ مُنْقَطِعٍ.
واخْتَلَفَ في المُخاطَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ﴾ -فَقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والأخْفَشُ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، قالَ اللهُ لَهُ: فَما الَّذِي يُكَذِّبُكَ فِيما تُخْبِرُ بِهِ مِنَ الجَزاءِ والبَعْثِ -وَهُوَ الدِينُ- بَعْدَ هَذِهِ العِبْرَةِ الَّتِي يُوجِبُ النَظَرُ فِيها صِحَّةَ ما قُلْتَ؟ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الدِينُ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- جَمِيعَ دِينِهِ وشَرْعِهِ. وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المُخاطَبُ الإنْسانُ الكافِرُ، أيْ: ما الَّذِي يَجْعَلُكَ كَذّابًا بِالدِينِ، تَجْعَلُ لِلَّهِ تَعالى أنْدادًا، وتَزْعُمُ ألّا بَعْثَ بَعْدَ هَذِهِ الدَلائِلِ؟ قالَ مَنصُورٌ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ﴾ يُرادُ بِهِ النَبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ؟ فَقالَ: مَعاذَ اللهِ، يَعْنِي بِهِ الشاكَّ.
(p-٦٥٠)ثُمَّ وقَفَ تَعالى جَمِيعَ خَلْقِهِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ، عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، ورُوِيَ عن قَتادَةَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ السُورَةَ قالَ: "بَلى، وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشاهِدِينَ".»
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التِينِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
التين 95:8
(p-٦٤٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ التِينِ.
وهى مَكِّيَّةٌ، لا أعْرِفُ في ذَلِكَ خِلافًا بَيْنَ المُفَسِّرِينَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والتِينِ والزَيْتُونِ﴾ ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ ﴿وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ﴾ ﴿ألَيْسَ اللهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "التِينِ والزَيْتُونِ" اللَذَيْنِ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِما، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وإبْراهِيمُ، وعَطاءٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ: هو التِينُ الَّذِي يُؤْكَلُ والزَيْتُونُ الَّذِي يَعْتَصِرُ، وأكْلُ النَبِيِّ ﷺ مَعَ أصْحابِهِ رَضِيَ اللهُ عنهم تِينًا أُهْدِيَ إلَيْهِ فَقالَ: "لَوْ قُلْتُ إنَّ فاكِهَةً أُنْزِلَتْ مِنَ الجَنَّةِ قُلْتُ هَذِهِ، لَأنَّ فاكِهَةَ الجَنَّةِ بِلا عَجَمٍ، فَكُلُوا فَإنَّهُ يَقْطَعُ البَواسِيرَ، ويَنْفَعُ مِنَ النَقْرَسِ"، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام: « "نِعْمَ السِواكُ سِواكُ الزَيْتُونِ مِنَ الشَجَرَةِ المُبارَكَةِ، هي سِواكِي وسِواكُ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِي".»
وقالَ كَعْبٌ وعِكْرِمَةُ: القَسَمُ بِمَنابِتِهِما، وذَلِكَ أنَّ التِينَ يَنْبُتُ كَثِيرًا بِدِمَشْقَ، والزَيْتُونُ يَنْبُتُ بِإيلاءَ، فَأقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالأرْضَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ: هُما جَبَلانِ بِالشامِ، عَلى أحَدِهِما دِمَشْقُ، وعَلى الآخَرِ بَيْتُ المَقْدِسِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التِينُ مَسْجِدُ نُوحٍ عَلَيْهِ (p-٦٤٨)السَلامُ عَلى الجُودِيِّ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: التِينُ مَسْجِدُ نُوحٍ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَلامُ، وقِيلَ: التِينِ والزَيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ ثَلاثَةُ مَساجِدَ بِالشامِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: التِينُ مَسْجِدُ أصْحابِ الكَهْفِ، والزَيْتُونُ مَسْجِدُ إيلِياءَ، وأمّا طُورُ سِينِينَ فَلَمْ يَخْتَلِفْ أنَّهُ جَبَلٌ بِالشامِ كَلَّمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى "سِينِينَ"، فَقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: حَسَنٌ مُبارَكٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ذُو الشَجَرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سِينِينَ" وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو رَجاءٍ: "سَيْنِينَ" بِفَتْحِ السِينِ، وهى لُغَةُ بَكْرٍ وتَمِيمٍ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ وابْنُ مَسْعُودٍ: "سِينًا" بِسِينٍ مَكْسُورَةٍ وألِفٍ، وقَرَأ أيْضًا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِفَتْحِها.
و"البَلَدِ الأمِينِ" مَكَّةُ بِلا خِلافٍ، وقِيلَ: مَعْنى "سِينِينَ": المُبارَكُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: شَجَرٌ، واحِدُها سِينِيَّةٌ، قالَهُ الأخْفَشُ، وسَعِيدُ بْنُ مِسْعِدَةَ و"أمِينٌ" فَعِيلٌ مِنَ الأمْنِ، بِمَعْنى: آمَنَ أيْ: آمَنَ مَن فِيهِ ومَن دَخَلَهُ، وما فِيهِ مِن طَيْرٍ وحَيَوانٍ.
والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، ولا يَدْفَعُ هَذا أنْ يَكُونَ غَيْرَهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ -كالشَمْسِ وغَيْرِها- أحْسَنُ تَقْوِيمًا، مِنهُ بِالمُناسَبَةِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ بِالعُمُومِ أيِ "الإنْسانِ" أحْسَنُ المَخْلُوقاتِ تَقْوِيمًا، ولَمْ يَرَ قَوْمٌ الحِنْثَ عَلى مَن حَلَفَ بِالطَلاقِ أنَّ زَوْجَتَهُ أحْسَنُ مِنَ الشَمْسِ، واحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ. واخْتَلَفَ الناسُ في تَقْوِيمِ الإنْسانِ ما هُوَ؟ فَقالَ النَخْعِيُّ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: حَسَنٌ صُورَتُهُ وحَواسُّهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو انْتِصابُ قامَتِهِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ بْنُ طاهِرٍ - في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: هو عَقْلُهُ وإدْراكُهُ اللَذانِ زَيَّناهُ بِالتَمَيُّزِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الشَبابُ والقُوَّةُ، والصَوابُ أنَّ جَمِيعَ هَذا هو حَسَنُ التَقْوِيمِ، إلّا قَوْلُ عِكْرِمَةَ إذْ قَوْلُهُ يُفَضَّلُ فِيهِ بَعْضُ الحَيَوانِ، و"الإنْسانُ" هُنا اسْمُ الجِنْسِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: في تَقْوِيمٍ أحْسَنِ تَقْوِيمٍ؛ لِأنَّ أحْسَنَ صِفَةٌ لا بُدَّ أنْ تَجْرِيَ عَلى مَوْصُوفٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾، فَقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ، والنَخْعِيُّ: مَعْناهُ: بِالهَرَمِ وذُهُولِ العَقْلِ وتَغَلُّبِ الكِبَرِ حَتّى يَصِيرَ لا يَعْلَمُ شَيْئًا، أمّا إنَّ المُؤْمِنَ مَرْفُوعٌ عنهُ القَلَمُ، والِاسْتِثْناءُ -عَلى هَذا- مُنْقَطِعٌ. وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ كُلَّ إنْسانٍ يَعْتَرِيهِ هَذا، بَلْ في الجِنْسِ مَن يَعْتَرِيه ذَلِكَ، وهَذِهِ عِبْرَةٌ مَنصُوبَةٌ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "السافِلِينَ" بِالألِفِ واللامِ.
(p-٦٤٩)ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ -وَإنْ نالَ بَعْضُهم هَذا في الدُنْيا- فَلَهم في الآخِرَةِ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ، وقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو العالِيَةِ: المَعْنى: رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ في النارِ عَلى كُفْرِهِ، ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى الَّذِينَ آمَنُوا اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، فَهم -عَلى هَذا- لَيْسَ فِيهِمْ مَن يُرَدُّ أسْفَلَ سافِلِينَ، وفي حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "إذا بَلَغَ المُؤْمِنُ خَمْسِينَ سَنَةً خَفَّفَ اللهُ تَعالى حِسابُهُ، وإذا بَلَغَ السِتِّينَ رَزَقَهُ اللهُ الإنابَةَ إلَيْهِ، فَإذا بَلَغَ السَبْعِينَ أحَبَّهُ أهْلُ السَماءِ، فَإذا بَلَغَ ثَمانِينَ كُتِبَتْ حَسَناتُهُ، وتَجاوَزَ اللهُ عن سَيِّئاتِهِ، فَإذا بَلَغَ تِسْعِينَ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ، وشَفَعَ في أهْلِ بَيْتِهِ، وكانَ أسِيرَ اللهِ في أرْضِهِ، فَإذا بَلَغَ مِائَةً -وَلَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا - كَتَبَ لَهُ مِثْلَ ما كانَ يَعْمَلُ في صِحَّتِهِ، ولَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ"،» وفي حَدِيثِ « "إنَّ المُؤْمِنَ إذا رُدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، كُتِبَ لَهُ خَيْرُ ما كانَ يَعْمَلُ في قَوْمِهِ، وذَلِكَ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"،» و"مَمْنُونٍ" مَعْناهُ: مَحْسُوبٌ مُصَرِّدُ يُمْنٍ عَلَيْهِمْ بِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: مَقْطُوعٌ، مِن قَوْلِهِمْ "حَبْلٌ مَنِينٌ" أيْ ضَعِيفٌ مُنْقَطِعٍ.
واخْتَلَفَ في المُخاطَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ﴾ -فَقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والأخْفَشُ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، قالَ اللهُ لَهُ: فَما الَّذِي يُكَذِّبُكَ فِيما تُخْبِرُ بِهِ مِنَ الجَزاءِ والبَعْثِ -وَهُوَ الدِينُ- بَعْدَ هَذِهِ العِبْرَةِ الَّتِي يُوجِبُ النَظَرُ فِيها صِحَّةَ ما قُلْتَ؟ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الدِينُ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- جَمِيعَ دِينِهِ وشَرْعِهِ. وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المُخاطَبُ الإنْسانُ الكافِرُ، أيْ: ما الَّذِي يَجْعَلُكَ كَذّابًا بِالدِينِ، تَجْعَلُ لِلَّهِ تَعالى أنْدادًا، وتَزْعُمُ ألّا بَعْثَ بَعْدَ هَذِهِ الدَلائِلِ؟ قالَ مَنصُورٌ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ﴾ يُرادُ بِهِ النَبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ؟ فَقالَ: مَعاذَ اللهِ، يَعْنِي بِهِ الشاكَّ.
(p-٦٥٠)ثُمَّ وقَفَ تَعالى جَمِيعَ خَلْقِهِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ، عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، ورُوِيَ عن قَتادَةَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ السُورَةَ قالَ: "بَلى، وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشاهِدِينَ".»
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التِينِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
العلق 96:1
(p-٦٥١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ [سُورَةِ العَلَقِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، نَزَلَ صَدْرُها في غارِ حِراءٍ حَسَبَما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وغَيْرِهِ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ: "يا أيُّها المُدَّثِرُ"،» وقالَ أبُو مَيْسَرَةَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ فاتِحَةُ الكِتابِ والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، والتَرْتِيبُ في أخْبارِ النَبِيِّ ﷺ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أو أمَرَ بِالتَقْوى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ ﴿كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالناصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ﴾ ﴿كَلا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾
فِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: « "أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ (p-٦٥٢)رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُؤْيا الصالِحَةُ، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ التَحَنُّثُ في غارِ حِراءٍ، فَكانَ يَخْلُو فِيهِ يَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ حَتّى جاءَهُ المَلَكُ وهو في غارِ حِراءٍ، فَقالَ لَهُ: اقْرَأْ، فَقالَ: ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطِّنِي ثُمَّ كَذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ لَهُ في الثالِثَةِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ،﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ،﴾ قالَ فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهَ عَيْه وسَلَّمَ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ"» الحَدِيثُ بِطُولِهِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، اقْرَأْ هَذا القُرْآنَ بِاسْمِ رَبِّكَ، أيِ ابْدَأْ فِعْلَكَ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ﴾ [هود: ٤١] هَذا وجْهٌ. ووَجْهٌ آخَرُ في "كِتابِ الثَعْلَبِيِّ " أنْ يَكُونَ المَقْرُوءُ الَّذِي أمَرَ بِقِراءَتِهِ هو بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: اقْرَأْ هَذِه اللَفْظَةَ، ولَمّا ذَكَرَ "الرَبُّ" وكانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تُسَمِّي الأصْنامَ أرْبابًا جاءَ بِالصِفَةِ الَّتِي لا شَرِكَةَ لِلْأصْنامِ فِيها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: "الَّذِي خَلَقَ"، ثُمَّ مَثَّلَ لَهم مِنَ المَخْلُوقاتِ ما لا مُدافَعَةَ فِيهِ، وما يَجِدُهُ كُلُّ مَفْطُورٍ في نَفْسِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾، وخِلْقَةُ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ العِبَرِ حَتّى أنَّهُ لَيْسَ في المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَدَيْنا أكْثَرَ عِبَرًا مِنهُ في عَقْلِهِ وإدْراكِهِ ورِباطاتِ بَدَنِهِ وعِظامِهِ، والعَلَقُ جَمْعُ عَلَقَةٍ، وهي القِطْعَةُ اليَسِيرَةُ مِنَ الدَمِ، و"الإنْسانُ" - هُنا - اسْمُ الجِنْسِ، ويَمْشِي الذِهْنُ مَعَهُ إلى جَمِيعِ الحَيَوانِ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن طِينٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَرَّرًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَلِذَلِكَ تَرَكَ أصْلَ الخِلْقَةِ وسِيقَ لَهُمُ الفَرْعُ الَّذِي هم بِهِ مُقِرُّونَ تَقْرِيبًا لِأفْهامِهِمْ.
(p-٦٥٣)ثُمَّ قالَ تَعالى لَهُ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ عَلى جِهَةِ التَأْنِيسِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: امْضِ لِما أُمِرْتَ بِهِ، ورَبُّكَ لَيْسَ كَهَذِهِ الأرْبابِ، بَلْ هو الأكْرَمُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ، فَهو يَنْصُرُكَ ويَظْهَرُكَ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى نِعْمَةَ الكِتابِ بِالقَلَمِ عَلى الناسِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ وأعْظَمُ مَنفَعَةً في المُخاطَباتِ وتَخْلِيدِ المَعارِفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾، قِيلَ: المُرادُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقِيلَ: اسْمُ الجِنْسِ، وهو الأظْهَرُ، وعَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ اكْتِسابَ المَعارِفِ بَعْدَ جَهْلِهِ بِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ﴾ الآيَةُ.. نَزَلَ بَعْدَ مُدَّةٍ مِن شَأْنِ أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ طَغى لِغِناهُ، ولِكَثْرَةِ مَن يُغْشى نادِيَهُ مِنَ الناسِ، فَناصَبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ العَداوَةَ، ونَهاهُ عَنِ الصَلاةِ في المَسْجِدِ، ويُرْوى أنَّهُ قالَ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يَسْجُدُ عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ، فَيُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَدَّ عَلَيْهِ القَوْلَ وانْتَهَرَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أيَتَوَعَّدُنِي مُحَمَّدٌ واللهِ ما بِالوادِي أعْظَمُ نَدِيًّا مِنِّي؟ ورَوى أيْضًا أنَّهُ جاءَ والنَبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، وهَمَّ بِأنْ يَصِلَ إلَيْهِ ويَمْنَعَهُ مِنَ الصَلاةِ، ثُمَّ كَعَّ عنهُ وانْصَرَفَ، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا؟ فَقالَ: لَقَدِ اعْتَرَضَ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقٌ مِن نارٍ وهَوْلٌ وأجْنِحَةٌ ويُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لَوْ دَنا مِنِّي لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عَيانًا"،» فَهَذِهِ السُورَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كَلّا" إلى آخِرِها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ. و"كَلّا" هي رَدٌّ عَلى أقْوالِ أبِي جَهْلٍ وأفْعالِهِ، ويَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "حَقًّا"، فَهي تَثْبِيتٌ لِما بَعْدَها مِنَ القَوْلِ. و"الطُغْيانُ" تَجاوُزُ الحُدُودِ الجَمِيلَةِ، و"الغِنى" مُطْغٍ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ تَعالى، و"الضَمِيرُ في "رَآهُ" (p-٦٥٤)لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قالَ: أنْ رَأى نَفْسَهُ غَنِيًّا، وهي رُؤْيَةُ قَلْبٍ تُقَرِّبُ مِنَ العِلْمِ، وكَذَلِكَ جازَ أنْ يَعْمَلَ فِعْلُ الفاعِلِ في نَفْسِهِ، كَما تَقُولُ: وجَدْتُنِي وظَنَنْتُنِي، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتُنِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْ رَآهُ" بِالمَدِّ عَلى وزْنِ "رَعاهُ"، واخْتَلَفُوا في الإمالَةِ وتَرْكِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -مِن طَرِيقِ قُنْبُلٍ -: "أنْ رَأهُ"، دُونَ مَدٍّ، عَلى وزْنِ "رَعَهُ"، عَلى حَذْفِ لامِ الفِعْلِ، وذَلِكَ تَخْفِيفٌ.
ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى غِنى هَذا الإنْسانِ وحالَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾، أيِ الحَشْرُ والبَعْثُ يَوْمُ القِيامَةِ، و"الرُجْعى" مَصْدَرٌ كالرُجُوعِ، وهو عَلى وزْنِ العُقْبى ونَحْوِهِ، وفي هَذا الخَبَرِ وعِيدٌ لِلطّاغِينَ مِنَ الناسِ.
الناهِي أبُو جَهْلٍ، وأنَّ العَبْدَ المُصَلِّيَ مُحَمَّدٌ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أرَأيْتَ" تَوْقِيفٌ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ عَلى حَدِّ الرُؤْيَةِ مِنَ العِلْمِ، بَلْ يَقْتَصِرُ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ إكْمالٌ لِلتَّوْبِيخِ والوَعِيدِ بِحَسَبِ التَوْقِيفاتِ الثَلاثَةِ يَصْلُحُ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَجاءَ بِها في نَسَقٍ، ثُمَّ جاءَ بِالوَعِيدِ الكافِي لِجَمِيعِها اخْتِصارًا واقْتِضابًا، ومَعَ كُلِّ تَقْرِيرٍ مِنَ الثَلاثَةِ تَكْمِلَةٌ مَقَدَّرَةٌ تَتَّسِعُ العَبّاراتُ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: "ألَمْ يَعْلَمْ" دالٌّ عَلَيْها مُغْنٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنْ كانَ" يَعْنِي العَبْدَ المُصَلِّي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي الإنْسانَ الَّذِي يَنْهى، ونَسَبَ تَعالى الرُؤْيَةَ إلى اللهِ تَعالى بِمَعْنى: يُدْرِكُ أعْمالَ الجَمِيعِ بِإدْراكٍ سَمّاهُ رُؤْيَةً، واللهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُماثَلَةِ المُحْدَثاتِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهُ تَعالى -إنْ لَمْ يَنْتَهِ- بِأنْ يُؤْخَذَ بِناصِيَتِهِ فَيُجَرَّ إلى جَهَنَّمَ ذَلِيلًا، تَقُولُ العَرَبُ: "سَفَعْتُ بِيَدِي ناصِيَةَ الفَرَسِ، والرِجْلِ" إذا جَذَبْتَها مُذَلِّلًا لَهُ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ قَوْمٌ إذا سَمِعُوا الصِياحَ رَأيْتَهم ما بَيْنَ مُلْجِمٍ مُهْرَهُ أو سافِعُ
(p-٦٥٥)فالآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١]. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: بِالتَفْسِيرِ "لَنَسْفَعًا" مَعْناهُ: لِنَحْرِقَنَّ، مِن قَوْلِهِمْ: "سَفْعَتْهُ النارُ" إذا أحْرَقَتْهُ، واكْتَفى بِذِكْرِ الناصِيَةِ لِدَلالَتِها عَلى الوَجْهِ والرَأْسِ. وجاءَ "لَنَسْفَعًا" في خَطِّ المُصْحَفِ بِألِفٍ بَدَلَ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ هارُونَ-: "لَنَسْفَعَنَّ" مُثْقَلَةَ النُونِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "لَأسْفَعَنَّ بِالناصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ فاجِرَةٍ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: [ناصِيَةً كاذِبَةً خاطِئَةً] بِالنَصْبِ في الثَلاثَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ بِالرَفْعِ فِيها كُلَّها. و"الناصِيَةُ" مُقَدَّمُ شَعْرِ الرَأْسِ، ثُمَّ أبْدَلَ تَعالى النَكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾، ووَصَفَها بِالكَذِبِ والخَطَأِ مِن حَيْثُ صِفَةً لِصاحِبِها، كَما تَقُولُ: يَدٌ سارِقَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: "وَما بِالوادِي أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي"، والنادِيَ والنَدى: المَجْلِسُ، ومِنهُ: دارُ النَدْوَةِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ وفِيهِمْ مَقاماتُ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: "سَيِّدُ نادِيهِ، وثِمالُ عافِيهِ".
و"الزَبانِيَةُ" مَلائِكَةُ العَذابِ، واحِدُهم "زَبَنِيَةٌ"، وقالَ الكِسائِيُّ: "زِبْنِي"، وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ الأخْفَشُ: "زابِنٌ"، وهُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الناسَ في النارِ، والزَبْنُ: الدَفْعُ، ومِنهُ "حَرْبٌ زَبُونٌ"، أيْ: تَدْفَعُ الناسَ في نَفْسِها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ومُسْتَعْجِبٍ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ∗∗∗ ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمُ
(p-٦٥٦)وَمِنهُ قَوْلُ عُتْبَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ: "وَقَدْ زَبَتْنا الحَرْبُ وزَبْنّاها، فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ عَدَتْنِي عن زِيارَتِكَ العَوادِي ∗∗∗ وحالَتْ بَيْنَنا حَرْبٌ زَبُونُ
وحُذِفَ الواوُ مِن "سَنَدْعُ" في خَطِّ المُصْحَفِ اخْتِصارًا وتَخْفِيفًا، والمَعْنى: سَنَدْعُو الزَبانِيَةَ لِعَذابِ هَذا الَّذِي يَدْعُو نادِيَهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلْيَدْعُ إلى نادِيهِ".
ثُمَّ قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ "كَلّا" رَدًّا عَلى قَوْلِ هَذا الكافِرِ وأفْعالِهِ، "لا تُطِعْهُ"، أيْ: لا تَلْتَفِتٍ إلى نَهْيِهِ وكَلامِهِ، "واسْجُدْ" لِرَبِّكَ، ﴿واقْتَرِبْ﴾ إلَيْهِ بِسُجُودِكَ وبِالطاعَةِ وبِالأعْمالِ الصالِحَةِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ إذا سَجَدَ، فَأكْثِرُوا مِنَ الدُعاءِ في السُجُودِ، فَقُمْنَ أنْ يُسْتَجابَ لَكُمْ".» وقالَ مُجاهِدٌ، قالَ: ألَمْ تَسْمَعُوا "واسْجُدْ واقْتَرِبْ"، ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "واسْجُدْ" خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّ "اقْتَرِبْ" خِطابٌ لِأبِي جَهْلٍ، أيْ إنْ كُنْتَ تَجْتَرِئُ حَتّى تَرى كَيْفَ تَهْلَكُ.
وهَذِهِ السُورَةُ فِيها سَجْدَةٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ ابْنُ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ[القَلَمِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
العلق 96:2
(p-٦٥١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ [سُورَةِ العَلَقِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، نَزَلَ صَدْرُها في غارِ حِراءٍ حَسَبَما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وغَيْرِهِ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ: "يا أيُّها المُدَّثِرُ"،» وقالَ أبُو مَيْسَرَةَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ فاتِحَةُ الكِتابِ والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، والتَرْتِيبُ في أخْبارِ النَبِيِّ ﷺ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أو أمَرَ بِالتَقْوى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ ﴿كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالناصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ﴾ ﴿كَلا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾
فِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: « "أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ (p-٦٥٢)رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُؤْيا الصالِحَةُ، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ التَحَنُّثُ في غارِ حِراءٍ، فَكانَ يَخْلُو فِيهِ يَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ حَتّى جاءَهُ المَلَكُ وهو في غارِ حِراءٍ، فَقالَ لَهُ: اقْرَأْ، فَقالَ: ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطِّنِي ثُمَّ كَذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ لَهُ في الثالِثَةِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ،﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ،﴾ قالَ فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهَ عَيْه وسَلَّمَ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ"» الحَدِيثُ بِطُولِهِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، اقْرَأْ هَذا القُرْآنَ بِاسْمِ رَبِّكَ، أيِ ابْدَأْ فِعْلَكَ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ﴾ [هود: ٤١] هَذا وجْهٌ. ووَجْهٌ آخَرُ في "كِتابِ الثَعْلَبِيِّ " أنْ يَكُونَ المَقْرُوءُ الَّذِي أمَرَ بِقِراءَتِهِ هو بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: اقْرَأْ هَذِه اللَفْظَةَ، ولَمّا ذَكَرَ "الرَبُّ" وكانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تُسَمِّي الأصْنامَ أرْبابًا جاءَ بِالصِفَةِ الَّتِي لا شَرِكَةَ لِلْأصْنامِ فِيها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: "الَّذِي خَلَقَ"، ثُمَّ مَثَّلَ لَهم مِنَ المَخْلُوقاتِ ما لا مُدافَعَةَ فِيهِ، وما يَجِدُهُ كُلُّ مَفْطُورٍ في نَفْسِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾، وخِلْقَةُ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ العِبَرِ حَتّى أنَّهُ لَيْسَ في المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَدَيْنا أكْثَرَ عِبَرًا مِنهُ في عَقْلِهِ وإدْراكِهِ ورِباطاتِ بَدَنِهِ وعِظامِهِ، والعَلَقُ جَمْعُ عَلَقَةٍ، وهي القِطْعَةُ اليَسِيرَةُ مِنَ الدَمِ، و"الإنْسانُ" - هُنا - اسْمُ الجِنْسِ، ويَمْشِي الذِهْنُ مَعَهُ إلى جَمِيعِ الحَيَوانِ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن طِينٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَرَّرًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَلِذَلِكَ تَرَكَ أصْلَ الخِلْقَةِ وسِيقَ لَهُمُ الفَرْعُ الَّذِي هم بِهِ مُقِرُّونَ تَقْرِيبًا لِأفْهامِهِمْ.
(p-٦٥٣)ثُمَّ قالَ تَعالى لَهُ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ عَلى جِهَةِ التَأْنِيسِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: امْضِ لِما أُمِرْتَ بِهِ، ورَبُّكَ لَيْسَ كَهَذِهِ الأرْبابِ، بَلْ هو الأكْرَمُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ، فَهو يَنْصُرُكَ ويَظْهَرُكَ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى نِعْمَةَ الكِتابِ بِالقَلَمِ عَلى الناسِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ وأعْظَمُ مَنفَعَةً في المُخاطَباتِ وتَخْلِيدِ المَعارِفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾، قِيلَ: المُرادُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقِيلَ: اسْمُ الجِنْسِ، وهو الأظْهَرُ، وعَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ اكْتِسابَ المَعارِفِ بَعْدَ جَهْلِهِ بِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ﴾ الآيَةُ.. نَزَلَ بَعْدَ مُدَّةٍ مِن شَأْنِ أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ طَغى لِغِناهُ، ولِكَثْرَةِ مَن يُغْشى نادِيَهُ مِنَ الناسِ، فَناصَبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ العَداوَةَ، ونَهاهُ عَنِ الصَلاةِ في المَسْجِدِ، ويُرْوى أنَّهُ قالَ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يَسْجُدُ عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ، فَيُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَدَّ عَلَيْهِ القَوْلَ وانْتَهَرَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أيَتَوَعَّدُنِي مُحَمَّدٌ واللهِ ما بِالوادِي أعْظَمُ نَدِيًّا مِنِّي؟ ورَوى أيْضًا أنَّهُ جاءَ والنَبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، وهَمَّ بِأنْ يَصِلَ إلَيْهِ ويَمْنَعَهُ مِنَ الصَلاةِ، ثُمَّ كَعَّ عنهُ وانْصَرَفَ، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا؟ فَقالَ: لَقَدِ اعْتَرَضَ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقٌ مِن نارٍ وهَوْلٌ وأجْنِحَةٌ ويُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لَوْ دَنا مِنِّي لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عَيانًا"،» فَهَذِهِ السُورَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كَلّا" إلى آخِرِها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ. و"كَلّا" هي رَدٌّ عَلى أقْوالِ أبِي جَهْلٍ وأفْعالِهِ، ويَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "حَقًّا"، فَهي تَثْبِيتٌ لِما بَعْدَها مِنَ القَوْلِ. و"الطُغْيانُ" تَجاوُزُ الحُدُودِ الجَمِيلَةِ، و"الغِنى" مُطْغٍ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ تَعالى، و"الضَمِيرُ في "رَآهُ" (p-٦٥٤)لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قالَ: أنْ رَأى نَفْسَهُ غَنِيًّا، وهي رُؤْيَةُ قَلْبٍ تُقَرِّبُ مِنَ العِلْمِ، وكَذَلِكَ جازَ أنْ يَعْمَلَ فِعْلُ الفاعِلِ في نَفْسِهِ، كَما تَقُولُ: وجَدْتُنِي وظَنَنْتُنِي، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتُنِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْ رَآهُ" بِالمَدِّ عَلى وزْنِ "رَعاهُ"، واخْتَلَفُوا في الإمالَةِ وتَرْكِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -مِن طَرِيقِ قُنْبُلٍ -: "أنْ رَأهُ"، دُونَ مَدٍّ، عَلى وزْنِ "رَعَهُ"، عَلى حَذْفِ لامِ الفِعْلِ، وذَلِكَ تَخْفِيفٌ.
ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى غِنى هَذا الإنْسانِ وحالَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾، أيِ الحَشْرُ والبَعْثُ يَوْمُ القِيامَةِ، و"الرُجْعى" مَصْدَرٌ كالرُجُوعِ، وهو عَلى وزْنِ العُقْبى ونَحْوِهِ، وفي هَذا الخَبَرِ وعِيدٌ لِلطّاغِينَ مِنَ الناسِ.
الناهِي أبُو جَهْلٍ، وأنَّ العَبْدَ المُصَلِّيَ مُحَمَّدٌ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أرَأيْتَ" تَوْقِيفٌ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ عَلى حَدِّ الرُؤْيَةِ مِنَ العِلْمِ، بَلْ يَقْتَصِرُ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ إكْمالٌ لِلتَّوْبِيخِ والوَعِيدِ بِحَسَبِ التَوْقِيفاتِ الثَلاثَةِ يَصْلُحُ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَجاءَ بِها في نَسَقٍ، ثُمَّ جاءَ بِالوَعِيدِ الكافِي لِجَمِيعِها اخْتِصارًا واقْتِضابًا، ومَعَ كُلِّ تَقْرِيرٍ مِنَ الثَلاثَةِ تَكْمِلَةٌ مَقَدَّرَةٌ تَتَّسِعُ العَبّاراتُ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: "ألَمْ يَعْلَمْ" دالٌّ عَلَيْها مُغْنٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنْ كانَ" يَعْنِي العَبْدَ المُصَلِّي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي الإنْسانَ الَّذِي يَنْهى، ونَسَبَ تَعالى الرُؤْيَةَ إلى اللهِ تَعالى بِمَعْنى: يُدْرِكُ أعْمالَ الجَمِيعِ بِإدْراكٍ سَمّاهُ رُؤْيَةً، واللهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُماثَلَةِ المُحْدَثاتِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهُ تَعالى -إنْ لَمْ يَنْتَهِ- بِأنْ يُؤْخَذَ بِناصِيَتِهِ فَيُجَرَّ إلى جَهَنَّمَ ذَلِيلًا، تَقُولُ العَرَبُ: "سَفَعْتُ بِيَدِي ناصِيَةَ الفَرَسِ، والرِجْلِ" إذا جَذَبْتَها مُذَلِّلًا لَهُ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ قَوْمٌ إذا سَمِعُوا الصِياحَ رَأيْتَهم ما بَيْنَ مُلْجِمٍ مُهْرَهُ أو سافِعُ
(p-٦٥٥)فالآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١]. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: بِالتَفْسِيرِ "لَنَسْفَعًا" مَعْناهُ: لِنَحْرِقَنَّ، مِن قَوْلِهِمْ: "سَفْعَتْهُ النارُ" إذا أحْرَقَتْهُ، واكْتَفى بِذِكْرِ الناصِيَةِ لِدَلالَتِها عَلى الوَجْهِ والرَأْسِ. وجاءَ "لَنَسْفَعًا" في خَطِّ المُصْحَفِ بِألِفٍ بَدَلَ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ هارُونَ-: "لَنَسْفَعَنَّ" مُثْقَلَةَ النُونِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "لَأسْفَعَنَّ بِالناصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ فاجِرَةٍ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: [ناصِيَةً كاذِبَةً خاطِئَةً] بِالنَصْبِ في الثَلاثَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ بِالرَفْعِ فِيها كُلَّها. و"الناصِيَةُ" مُقَدَّمُ شَعْرِ الرَأْسِ، ثُمَّ أبْدَلَ تَعالى النَكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾، ووَصَفَها بِالكَذِبِ والخَطَأِ مِن حَيْثُ صِفَةً لِصاحِبِها، كَما تَقُولُ: يَدٌ سارِقَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: "وَما بِالوادِي أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي"، والنادِيَ والنَدى: المَجْلِسُ، ومِنهُ: دارُ النَدْوَةِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ وفِيهِمْ مَقاماتُ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: "سَيِّدُ نادِيهِ، وثِمالُ عافِيهِ".
و"الزَبانِيَةُ" مَلائِكَةُ العَذابِ، واحِدُهم "زَبَنِيَةٌ"، وقالَ الكِسائِيُّ: "زِبْنِي"، وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ الأخْفَشُ: "زابِنٌ"، وهُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الناسَ في النارِ، والزَبْنُ: الدَفْعُ، ومِنهُ "حَرْبٌ زَبُونٌ"، أيْ: تَدْفَعُ الناسَ في نَفْسِها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ومُسْتَعْجِبٍ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ∗∗∗ ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمُ
(p-٦٥٦)وَمِنهُ قَوْلُ عُتْبَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ: "وَقَدْ زَبَتْنا الحَرْبُ وزَبْنّاها، فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ عَدَتْنِي عن زِيارَتِكَ العَوادِي ∗∗∗ وحالَتْ بَيْنَنا حَرْبٌ زَبُونُ
وحُذِفَ الواوُ مِن "سَنَدْعُ" في خَطِّ المُصْحَفِ اخْتِصارًا وتَخْفِيفًا، والمَعْنى: سَنَدْعُو الزَبانِيَةَ لِعَذابِ هَذا الَّذِي يَدْعُو نادِيَهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلْيَدْعُ إلى نادِيهِ".
ثُمَّ قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ "كَلّا" رَدًّا عَلى قَوْلِ هَذا الكافِرِ وأفْعالِهِ، "لا تُطِعْهُ"، أيْ: لا تَلْتَفِتٍ إلى نَهْيِهِ وكَلامِهِ، "واسْجُدْ" لِرَبِّكَ، ﴿واقْتَرِبْ﴾ إلَيْهِ بِسُجُودِكَ وبِالطاعَةِ وبِالأعْمالِ الصالِحَةِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ إذا سَجَدَ، فَأكْثِرُوا مِنَ الدُعاءِ في السُجُودِ، فَقُمْنَ أنْ يُسْتَجابَ لَكُمْ".» وقالَ مُجاهِدٌ، قالَ: ألَمْ تَسْمَعُوا "واسْجُدْ واقْتَرِبْ"، ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "واسْجُدْ" خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّ "اقْتَرِبْ" خِطابٌ لِأبِي جَهْلٍ، أيْ إنْ كُنْتَ تَجْتَرِئُ حَتّى تَرى كَيْفَ تَهْلَكُ.
وهَذِهِ السُورَةُ فِيها سَجْدَةٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ ابْنُ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ[القَلَمِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
العلق 96:3
(p-٦٥١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ [سُورَةِ العَلَقِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، نَزَلَ صَدْرُها في غارِ حِراءٍ حَسَبَما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وغَيْرِهِ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ: "يا أيُّها المُدَّثِرُ"،» وقالَ أبُو مَيْسَرَةَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ فاتِحَةُ الكِتابِ والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، والتَرْتِيبُ في أخْبارِ النَبِيِّ ﷺ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أو أمَرَ بِالتَقْوى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ ﴿كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالناصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ﴾ ﴿كَلا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾
فِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: « "أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ (p-٦٥٢)رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُؤْيا الصالِحَةُ، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ التَحَنُّثُ في غارِ حِراءٍ، فَكانَ يَخْلُو فِيهِ يَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ حَتّى جاءَهُ المَلَكُ وهو في غارِ حِراءٍ، فَقالَ لَهُ: اقْرَأْ، فَقالَ: ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطِّنِي ثُمَّ كَذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ لَهُ في الثالِثَةِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ،﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ،﴾ قالَ فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهَ عَيْه وسَلَّمَ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ"» الحَدِيثُ بِطُولِهِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، اقْرَأْ هَذا القُرْآنَ بِاسْمِ رَبِّكَ، أيِ ابْدَأْ فِعْلَكَ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ﴾ [هود: ٤١] هَذا وجْهٌ. ووَجْهٌ آخَرُ في "كِتابِ الثَعْلَبِيِّ " أنْ يَكُونَ المَقْرُوءُ الَّذِي أمَرَ بِقِراءَتِهِ هو بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: اقْرَأْ هَذِه اللَفْظَةَ، ولَمّا ذَكَرَ "الرَبُّ" وكانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تُسَمِّي الأصْنامَ أرْبابًا جاءَ بِالصِفَةِ الَّتِي لا شَرِكَةَ لِلْأصْنامِ فِيها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: "الَّذِي خَلَقَ"، ثُمَّ مَثَّلَ لَهم مِنَ المَخْلُوقاتِ ما لا مُدافَعَةَ فِيهِ، وما يَجِدُهُ كُلُّ مَفْطُورٍ في نَفْسِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾، وخِلْقَةُ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ العِبَرِ حَتّى أنَّهُ لَيْسَ في المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَدَيْنا أكْثَرَ عِبَرًا مِنهُ في عَقْلِهِ وإدْراكِهِ ورِباطاتِ بَدَنِهِ وعِظامِهِ، والعَلَقُ جَمْعُ عَلَقَةٍ، وهي القِطْعَةُ اليَسِيرَةُ مِنَ الدَمِ، و"الإنْسانُ" - هُنا - اسْمُ الجِنْسِ، ويَمْشِي الذِهْنُ مَعَهُ إلى جَمِيعِ الحَيَوانِ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن طِينٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَرَّرًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَلِذَلِكَ تَرَكَ أصْلَ الخِلْقَةِ وسِيقَ لَهُمُ الفَرْعُ الَّذِي هم بِهِ مُقِرُّونَ تَقْرِيبًا لِأفْهامِهِمْ.
(p-٦٥٣)ثُمَّ قالَ تَعالى لَهُ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ عَلى جِهَةِ التَأْنِيسِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: امْضِ لِما أُمِرْتَ بِهِ، ورَبُّكَ لَيْسَ كَهَذِهِ الأرْبابِ، بَلْ هو الأكْرَمُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ، فَهو يَنْصُرُكَ ويَظْهَرُكَ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى نِعْمَةَ الكِتابِ بِالقَلَمِ عَلى الناسِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ وأعْظَمُ مَنفَعَةً في المُخاطَباتِ وتَخْلِيدِ المَعارِفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾، قِيلَ: المُرادُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقِيلَ: اسْمُ الجِنْسِ، وهو الأظْهَرُ، وعَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ اكْتِسابَ المَعارِفِ بَعْدَ جَهْلِهِ بِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ﴾ الآيَةُ.. نَزَلَ بَعْدَ مُدَّةٍ مِن شَأْنِ أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ طَغى لِغِناهُ، ولِكَثْرَةِ مَن يُغْشى نادِيَهُ مِنَ الناسِ، فَناصَبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ العَداوَةَ، ونَهاهُ عَنِ الصَلاةِ في المَسْجِدِ، ويُرْوى أنَّهُ قالَ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يَسْجُدُ عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ، فَيُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَدَّ عَلَيْهِ القَوْلَ وانْتَهَرَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أيَتَوَعَّدُنِي مُحَمَّدٌ واللهِ ما بِالوادِي أعْظَمُ نَدِيًّا مِنِّي؟ ورَوى أيْضًا أنَّهُ جاءَ والنَبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، وهَمَّ بِأنْ يَصِلَ إلَيْهِ ويَمْنَعَهُ مِنَ الصَلاةِ، ثُمَّ كَعَّ عنهُ وانْصَرَفَ، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا؟ فَقالَ: لَقَدِ اعْتَرَضَ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقٌ مِن نارٍ وهَوْلٌ وأجْنِحَةٌ ويُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لَوْ دَنا مِنِّي لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عَيانًا"،» فَهَذِهِ السُورَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كَلّا" إلى آخِرِها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ. و"كَلّا" هي رَدٌّ عَلى أقْوالِ أبِي جَهْلٍ وأفْعالِهِ، ويَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "حَقًّا"، فَهي تَثْبِيتٌ لِما بَعْدَها مِنَ القَوْلِ. و"الطُغْيانُ" تَجاوُزُ الحُدُودِ الجَمِيلَةِ، و"الغِنى" مُطْغٍ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ تَعالى، و"الضَمِيرُ في "رَآهُ" (p-٦٥٤)لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قالَ: أنْ رَأى نَفْسَهُ غَنِيًّا، وهي رُؤْيَةُ قَلْبٍ تُقَرِّبُ مِنَ العِلْمِ، وكَذَلِكَ جازَ أنْ يَعْمَلَ فِعْلُ الفاعِلِ في نَفْسِهِ، كَما تَقُولُ: وجَدْتُنِي وظَنَنْتُنِي، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتُنِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْ رَآهُ" بِالمَدِّ عَلى وزْنِ "رَعاهُ"، واخْتَلَفُوا في الإمالَةِ وتَرْكِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -مِن طَرِيقِ قُنْبُلٍ -: "أنْ رَأهُ"، دُونَ مَدٍّ، عَلى وزْنِ "رَعَهُ"، عَلى حَذْفِ لامِ الفِعْلِ، وذَلِكَ تَخْفِيفٌ.
ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى غِنى هَذا الإنْسانِ وحالَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾، أيِ الحَشْرُ والبَعْثُ يَوْمُ القِيامَةِ، و"الرُجْعى" مَصْدَرٌ كالرُجُوعِ، وهو عَلى وزْنِ العُقْبى ونَحْوِهِ، وفي هَذا الخَبَرِ وعِيدٌ لِلطّاغِينَ مِنَ الناسِ.
الناهِي أبُو جَهْلٍ، وأنَّ العَبْدَ المُصَلِّيَ مُحَمَّدٌ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أرَأيْتَ" تَوْقِيفٌ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ عَلى حَدِّ الرُؤْيَةِ مِنَ العِلْمِ، بَلْ يَقْتَصِرُ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ إكْمالٌ لِلتَّوْبِيخِ والوَعِيدِ بِحَسَبِ التَوْقِيفاتِ الثَلاثَةِ يَصْلُحُ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَجاءَ بِها في نَسَقٍ، ثُمَّ جاءَ بِالوَعِيدِ الكافِي لِجَمِيعِها اخْتِصارًا واقْتِضابًا، ومَعَ كُلِّ تَقْرِيرٍ مِنَ الثَلاثَةِ تَكْمِلَةٌ مَقَدَّرَةٌ تَتَّسِعُ العَبّاراتُ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: "ألَمْ يَعْلَمْ" دالٌّ عَلَيْها مُغْنٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنْ كانَ" يَعْنِي العَبْدَ المُصَلِّي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي الإنْسانَ الَّذِي يَنْهى، ونَسَبَ تَعالى الرُؤْيَةَ إلى اللهِ تَعالى بِمَعْنى: يُدْرِكُ أعْمالَ الجَمِيعِ بِإدْراكٍ سَمّاهُ رُؤْيَةً، واللهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُماثَلَةِ المُحْدَثاتِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهُ تَعالى -إنْ لَمْ يَنْتَهِ- بِأنْ يُؤْخَذَ بِناصِيَتِهِ فَيُجَرَّ إلى جَهَنَّمَ ذَلِيلًا، تَقُولُ العَرَبُ: "سَفَعْتُ بِيَدِي ناصِيَةَ الفَرَسِ، والرِجْلِ" إذا جَذَبْتَها مُذَلِّلًا لَهُ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ قَوْمٌ إذا سَمِعُوا الصِياحَ رَأيْتَهم ما بَيْنَ مُلْجِمٍ مُهْرَهُ أو سافِعُ
(p-٦٥٥)فالآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١]. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: بِالتَفْسِيرِ "لَنَسْفَعًا" مَعْناهُ: لِنَحْرِقَنَّ، مِن قَوْلِهِمْ: "سَفْعَتْهُ النارُ" إذا أحْرَقَتْهُ، واكْتَفى بِذِكْرِ الناصِيَةِ لِدَلالَتِها عَلى الوَجْهِ والرَأْسِ. وجاءَ "لَنَسْفَعًا" في خَطِّ المُصْحَفِ بِألِفٍ بَدَلَ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ هارُونَ-: "لَنَسْفَعَنَّ" مُثْقَلَةَ النُونِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "لَأسْفَعَنَّ بِالناصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ فاجِرَةٍ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: [ناصِيَةً كاذِبَةً خاطِئَةً] بِالنَصْبِ في الثَلاثَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ بِالرَفْعِ فِيها كُلَّها. و"الناصِيَةُ" مُقَدَّمُ شَعْرِ الرَأْسِ، ثُمَّ أبْدَلَ تَعالى النَكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾، ووَصَفَها بِالكَذِبِ والخَطَأِ مِن حَيْثُ صِفَةً لِصاحِبِها، كَما تَقُولُ: يَدٌ سارِقَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: "وَما بِالوادِي أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي"، والنادِيَ والنَدى: المَجْلِسُ، ومِنهُ: دارُ النَدْوَةِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ وفِيهِمْ مَقاماتُ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: "سَيِّدُ نادِيهِ، وثِمالُ عافِيهِ".
و"الزَبانِيَةُ" مَلائِكَةُ العَذابِ، واحِدُهم "زَبَنِيَةٌ"، وقالَ الكِسائِيُّ: "زِبْنِي"، وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ الأخْفَشُ: "زابِنٌ"، وهُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الناسَ في النارِ، والزَبْنُ: الدَفْعُ، ومِنهُ "حَرْبٌ زَبُونٌ"، أيْ: تَدْفَعُ الناسَ في نَفْسِها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ومُسْتَعْجِبٍ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ∗∗∗ ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمُ
(p-٦٥٦)وَمِنهُ قَوْلُ عُتْبَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ: "وَقَدْ زَبَتْنا الحَرْبُ وزَبْنّاها، فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ عَدَتْنِي عن زِيارَتِكَ العَوادِي ∗∗∗ وحالَتْ بَيْنَنا حَرْبٌ زَبُونُ
وحُذِفَ الواوُ مِن "سَنَدْعُ" في خَطِّ المُصْحَفِ اخْتِصارًا وتَخْفِيفًا، والمَعْنى: سَنَدْعُو الزَبانِيَةَ لِعَذابِ هَذا الَّذِي يَدْعُو نادِيَهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلْيَدْعُ إلى نادِيهِ".
ثُمَّ قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ "كَلّا" رَدًّا عَلى قَوْلِ هَذا الكافِرِ وأفْعالِهِ، "لا تُطِعْهُ"، أيْ: لا تَلْتَفِتٍ إلى نَهْيِهِ وكَلامِهِ، "واسْجُدْ" لِرَبِّكَ، ﴿واقْتَرِبْ﴾ إلَيْهِ بِسُجُودِكَ وبِالطاعَةِ وبِالأعْمالِ الصالِحَةِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ إذا سَجَدَ، فَأكْثِرُوا مِنَ الدُعاءِ في السُجُودِ، فَقُمْنَ أنْ يُسْتَجابَ لَكُمْ".» وقالَ مُجاهِدٌ، قالَ: ألَمْ تَسْمَعُوا "واسْجُدْ واقْتَرِبْ"، ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "واسْجُدْ" خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّ "اقْتَرِبْ" خِطابٌ لِأبِي جَهْلٍ، أيْ إنْ كُنْتَ تَجْتَرِئُ حَتّى تَرى كَيْفَ تَهْلَكُ.
وهَذِهِ السُورَةُ فِيها سَجْدَةٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ ابْنُ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ[القَلَمِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
العلق 96:4
(p-٦٥١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ [سُورَةِ العَلَقِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، نَزَلَ صَدْرُها في غارِ حِراءٍ حَسَبَما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وغَيْرِهِ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ: "يا أيُّها المُدَّثِرُ"،» وقالَ أبُو مَيْسَرَةَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ فاتِحَةُ الكِتابِ والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، والتَرْتِيبُ في أخْبارِ النَبِيِّ ﷺ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أو أمَرَ بِالتَقْوى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ ﴿كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالناصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ﴾ ﴿كَلا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾
فِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: « "أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ (p-٦٥٢)رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُؤْيا الصالِحَةُ، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ التَحَنُّثُ في غارِ حِراءٍ، فَكانَ يَخْلُو فِيهِ يَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ حَتّى جاءَهُ المَلَكُ وهو في غارِ حِراءٍ، فَقالَ لَهُ: اقْرَأْ، فَقالَ: ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطِّنِي ثُمَّ كَذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ لَهُ في الثالِثَةِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ،﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ،﴾ قالَ فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهَ عَيْه وسَلَّمَ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ"» الحَدِيثُ بِطُولِهِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، اقْرَأْ هَذا القُرْآنَ بِاسْمِ رَبِّكَ، أيِ ابْدَأْ فِعْلَكَ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ﴾ [هود: ٤١] هَذا وجْهٌ. ووَجْهٌ آخَرُ في "كِتابِ الثَعْلَبِيِّ " أنْ يَكُونَ المَقْرُوءُ الَّذِي أمَرَ بِقِراءَتِهِ هو بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: اقْرَأْ هَذِه اللَفْظَةَ، ولَمّا ذَكَرَ "الرَبُّ" وكانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تُسَمِّي الأصْنامَ أرْبابًا جاءَ بِالصِفَةِ الَّتِي لا شَرِكَةَ لِلْأصْنامِ فِيها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: "الَّذِي خَلَقَ"، ثُمَّ مَثَّلَ لَهم مِنَ المَخْلُوقاتِ ما لا مُدافَعَةَ فِيهِ، وما يَجِدُهُ كُلُّ مَفْطُورٍ في نَفْسِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾، وخِلْقَةُ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ العِبَرِ حَتّى أنَّهُ لَيْسَ في المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَدَيْنا أكْثَرَ عِبَرًا مِنهُ في عَقْلِهِ وإدْراكِهِ ورِباطاتِ بَدَنِهِ وعِظامِهِ، والعَلَقُ جَمْعُ عَلَقَةٍ، وهي القِطْعَةُ اليَسِيرَةُ مِنَ الدَمِ، و"الإنْسانُ" - هُنا - اسْمُ الجِنْسِ، ويَمْشِي الذِهْنُ مَعَهُ إلى جَمِيعِ الحَيَوانِ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن طِينٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَرَّرًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَلِذَلِكَ تَرَكَ أصْلَ الخِلْقَةِ وسِيقَ لَهُمُ الفَرْعُ الَّذِي هم بِهِ مُقِرُّونَ تَقْرِيبًا لِأفْهامِهِمْ.
(p-٦٥٣)ثُمَّ قالَ تَعالى لَهُ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ عَلى جِهَةِ التَأْنِيسِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: امْضِ لِما أُمِرْتَ بِهِ، ورَبُّكَ لَيْسَ كَهَذِهِ الأرْبابِ، بَلْ هو الأكْرَمُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ، فَهو يَنْصُرُكَ ويَظْهَرُكَ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى نِعْمَةَ الكِتابِ بِالقَلَمِ عَلى الناسِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ وأعْظَمُ مَنفَعَةً في المُخاطَباتِ وتَخْلِيدِ المَعارِفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾، قِيلَ: المُرادُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقِيلَ: اسْمُ الجِنْسِ، وهو الأظْهَرُ، وعَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ اكْتِسابَ المَعارِفِ بَعْدَ جَهْلِهِ بِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ﴾ الآيَةُ.. نَزَلَ بَعْدَ مُدَّةٍ مِن شَأْنِ أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ طَغى لِغِناهُ، ولِكَثْرَةِ مَن يُغْشى نادِيَهُ مِنَ الناسِ، فَناصَبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ العَداوَةَ، ونَهاهُ عَنِ الصَلاةِ في المَسْجِدِ، ويُرْوى أنَّهُ قالَ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يَسْجُدُ عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ، فَيُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَدَّ عَلَيْهِ القَوْلَ وانْتَهَرَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أيَتَوَعَّدُنِي مُحَمَّدٌ واللهِ ما بِالوادِي أعْظَمُ نَدِيًّا مِنِّي؟ ورَوى أيْضًا أنَّهُ جاءَ والنَبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، وهَمَّ بِأنْ يَصِلَ إلَيْهِ ويَمْنَعَهُ مِنَ الصَلاةِ، ثُمَّ كَعَّ عنهُ وانْصَرَفَ، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا؟ فَقالَ: لَقَدِ اعْتَرَضَ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقٌ مِن نارٍ وهَوْلٌ وأجْنِحَةٌ ويُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لَوْ دَنا مِنِّي لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عَيانًا"،» فَهَذِهِ السُورَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كَلّا" إلى آخِرِها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ. و"كَلّا" هي رَدٌّ عَلى أقْوالِ أبِي جَهْلٍ وأفْعالِهِ، ويَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "حَقًّا"، فَهي تَثْبِيتٌ لِما بَعْدَها مِنَ القَوْلِ. و"الطُغْيانُ" تَجاوُزُ الحُدُودِ الجَمِيلَةِ، و"الغِنى" مُطْغٍ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ تَعالى، و"الضَمِيرُ في "رَآهُ" (p-٦٥٤)لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قالَ: أنْ رَأى نَفْسَهُ غَنِيًّا، وهي رُؤْيَةُ قَلْبٍ تُقَرِّبُ مِنَ العِلْمِ، وكَذَلِكَ جازَ أنْ يَعْمَلَ فِعْلُ الفاعِلِ في نَفْسِهِ، كَما تَقُولُ: وجَدْتُنِي وظَنَنْتُنِي، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتُنِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْ رَآهُ" بِالمَدِّ عَلى وزْنِ "رَعاهُ"، واخْتَلَفُوا في الإمالَةِ وتَرْكِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -مِن طَرِيقِ قُنْبُلٍ -: "أنْ رَأهُ"، دُونَ مَدٍّ، عَلى وزْنِ "رَعَهُ"، عَلى حَذْفِ لامِ الفِعْلِ، وذَلِكَ تَخْفِيفٌ.
ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى غِنى هَذا الإنْسانِ وحالَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾، أيِ الحَشْرُ والبَعْثُ يَوْمُ القِيامَةِ، و"الرُجْعى" مَصْدَرٌ كالرُجُوعِ، وهو عَلى وزْنِ العُقْبى ونَحْوِهِ، وفي هَذا الخَبَرِ وعِيدٌ لِلطّاغِينَ مِنَ الناسِ.
الناهِي أبُو جَهْلٍ، وأنَّ العَبْدَ المُصَلِّيَ مُحَمَّدٌ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أرَأيْتَ" تَوْقِيفٌ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ عَلى حَدِّ الرُؤْيَةِ مِنَ العِلْمِ، بَلْ يَقْتَصِرُ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ إكْمالٌ لِلتَّوْبِيخِ والوَعِيدِ بِحَسَبِ التَوْقِيفاتِ الثَلاثَةِ يَصْلُحُ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَجاءَ بِها في نَسَقٍ، ثُمَّ جاءَ بِالوَعِيدِ الكافِي لِجَمِيعِها اخْتِصارًا واقْتِضابًا، ومَعَ كُلِّ تَقْرِيرٍ مِنَ الثَلاثَةِ تَكْمِلَةٌ مَقَدَّرَةٌ تَتَّسِعُ العَبّاراتُ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: "ألَمْ يَعْلَمْ" دالٌّ عَلَيْها مُغْنٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنْ كانَ" يَعْنِي العَبْدَ المُصَلِّي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي الإنْسانَ الَّذِي يَنْهى، ونَسَبَ تَعالى الرُؤْيَةَ إلى اللهِ تَعالى بِمَعْنى: يُدْرِكُ أعْمالَ الجَمِيعِ بِإدْراكٍ سَمّاهُ رُؤْيَةً، واللهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُماثَلَةِ المُحْدَثاتِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهُ تَعالى -إنْ لَمْ يَنْتَهِ- بِأنْ يُؤْخَذَ بِناصِيَتِهِ فَيُجَرَّ إلى جَهَنَّمَ ذَلِيلًا، تَقُولُ العَرَبُ: "سَفَعْتُ بِيَدِي ناصِيَةَ الفَرَسِ، والرِجْلِ" إذا جَذَبْتَها مُذَلِّلًا لَهُ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ قَوْمٌ إذا سَمِعُوا الصِياحَ رَأيْتَهم ما بَيْنَ مُلْجِمٍ مُهْرَهُ أو سافِعُ
(p-٦٥٥)فالآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١]. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: بِالتَفْسِيرِ "لَنَسْفَعًا" مَعْناهُ: لِنَحْرِقَنَّ، مِن قَوْلِهِمْ: "سَفْعَتْهُ النارُ" إذا أحْرَقَتْهُ، واكْتَفى بِذِكْرِ الناصِيَةِ لِدَلالَتِها عَلى الوَجْهِ والرَأْسِ. وجاءَ "لَنَسْفَعًا" في خَطِّ المُصْحَفِ بِألِفٍ بَدَلَ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ هارُونَ-: "لَنَسْفَعَنَّ" مُثْقَلَةَ النُونِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "لَأسْفَعَنَّ بِالناصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ فاجِرَةٍ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: [ناصِيَةً كاذِبَةً خاطِئَةً] بِالنَصْبِ في الثَلاثَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ بِالرَفْعِ فِيها كُلَّها. و"الناصِيَةُ" مُقَدَّمُ شَعْرِ الرَأْسِ، ثُمَّ أبْدَلَ تَعالى النَكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾، ووَصَفَها بِالكَذِبِ والخَطَأِ مِن حَيْثُ صِفَةً لِصاحِبِها، كَما تَقُولُ: يَدٌ سارِقَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: "وَما بِالوادِي أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي"، والنادِيَ والنَدى: المَجْلِسُ، ومِنهُ: دارُ النَدْوَةِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ وفِيهِمْ مَقاماتُ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: "سَيِّدُ نادِيهِ، وثِمالُ عافِيهِ".
و"الزَبانِيَةُ" مَلائِكَةُ العَذابِ، واحِدُهم "زَبَنِيَةٌ"، وقالَ الكِسائِيُّ: "زِبْنِي"، وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ الأخْفَشُ: "زابِنٌ"، وهُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الناسَ في النارِ، والزَبْنُ: الدَفْعُ، ومِنهُ "حَرْبٌ زَبُونٌ"، أيْ: تَدْفَعُ الناسَ في نَفْسِها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ومُسْتَعْجِبٍ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ∗∗∗ ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمُ
(p-٦٥٦)وَمِنهُ قَوْلُ عُتْبَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ: "وَقَدْ زَبَتْنا الحَرْبُ وزَبْنّاها، فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ عَدَتْنِي عن زِيارَتِكَ العَوادِي ∗∗∗ وحالَتْ بَيْنَنا حَرْبٌ زَبُونُ
وحُذِفَ الواوُ مِن "سَنَدْعُ" في خَطِّ المُصْحَفِ اخْتِصارًا وتَخْفِيفًا، والمَعْنى: سَنَدْعُو الزَبانِيَةَ لِعَذابِ هَذا الَّذِي يَدْعُو نادِيَهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلْيَدْعُ إلى نادِيهِ".
ثُمَّ قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ "كَلّا" رَدًّا عَلى قَوْلِ هَذا الكافِرِ وأفْعالِهِ، "لا تُطِعْهُ"، أيْ: لا تَلْتَفِتٍ إلى نَهْيِهِ وكَلامِهِ، "واسْجُدْ" لِرَبِّكَ، ﴿واقْتَرِبْ﴾ إلَيْهِ بِسُجُودِكَ وبِالطاعَةِ وبِالأعْمالِ الصالِحَةِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ إذا سَجَدَ، فَأكْثِرُوا مِنَ الدُعاءِ في السُجُودِ، فَقُمْنَ أنْ يُسْتَجابَ لَكُمْ".» وقالَ مُجاهِدٌ، قالَ: ألَمْ تَسْمَعُوا "واسْجُدْ واقْتَرِبْ"، ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "واسْجُدْ" خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّ "اقْتَرِبْ" خِطابٌ لِأبِي جَهْلٍ، أيْ إنْ كُنْتَ تَجْتَرِئُ حَتّى تَرى كَيْفَ تَهْلَكُ.
وهَذِهِ السُورَةُ فِيها سَجْدَةٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ ابْنُ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ[القَلَمِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
العلق 96:5
(p-٦٥١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ [سُورَةِ العَلَقِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، نَزَلَ صَدْرُها في غارِ حِراءٍ حَسَبَما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وغَيْرِهِ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ: "يا أيُّها المُدَّثِرُ"،» وقالَ أبُو مَيْسَرَةَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ فاتِحَةُ الكِتابِ والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، والتَرْتِيبُ في أخْبارِ النَبِيِّ ﷺ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أو أمَرَ بِالتَقْوى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ ﴿كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالناصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ﴾ ﴿كَلا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾
فِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: « "أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ (p-٦٥٢)رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُؤْيا الصالِحَةُ، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ التَحَنُّثُ في غارِ حِراءٍ، فَكانَ يَخْلُو فِيهِ يَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ حَتّى جاءَهُ المَلَكُ وهو في غارِ حِراءٍ، فَقالَ لَهُ: اقْرَأْ، فَقالَ: ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطِّنِي ثُمَّ كَذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ لَهُ في الثالِثَةِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ،﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ،﴾ قالَ فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهَ عَيْه وسَلَّمَ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ"» الحَدِيثُ بِطُولِهِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، اقْرَأْ هَذا القُرْآنَ بِاسْمِ رَبِّكَ، أيِ ابْدَأْ فِعْلَكَ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ﴾ [هود: ٤١] هَذا وجْهٌ. ووَجْهٌ آخَرُ في "كِتابِ الثَعْلَبِيِّ " أنْ يَكُونَ المَقْرُوءُ الَّذِي أمَرَ بِقِراءَتِهِ هو بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: اقْرَأْ هَذِه اللَفْظَةَ، ولَمّا ذَكَرَ "الرَبُّ" وكانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تُسَمِّي الأصْنامَ أرْبابًا جاءَ بِالصِفَةِ الَّتِي لا شَرِكَةَ لِلْأصْنامِ فِيها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: "الَّذِي خَلَقَ"، ثُمَّ مَثَّلَ لَهم مِنَ المَخْلُوقاتِ ما لا مُدافَعَةَ فِيهِ، وما يَجِدُهُ كُلُّ مَفْطُورٍ في نَفْسِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾، وخِلْقَةُ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ العِبَرِ حَتّى أنَّهُ لَيْسَ في المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَدَيْنا أكْثَرَ عِبَرًا مِنهُ في عَقْلِهِ وإدْراكِهِ ورِباطاتِ بَدَنِهِ وعِظامِهِ، والعَلَقُ جَمْعُ عَلَقَةٍ، وهي القِطْعَةُ اليَسِيرَةُ مِنَ الدَمِ، و"الإنْسانُ" - هُنا - اسْمُ الجِنْسِ، ويَمْشِي الذِهْنُ مَعَهُ إلى جَمِيعِ الحَيَوانِ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن طِينٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَرَّرًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَلِذَلِكَ تَرَكَ أصْلَ الخِلْقَةِ وسِيقَ لَهُمُ الفَرْعُ الَّذِي هم بِهِ مُقِرُّونَ تَقْرِيبًا لِأفْهامِهِمْ.
(p-٦٥٣)ثُمَّ قالَ تَعالى لَهُ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ عَلى جِهَةِ التَأْنِيسِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: امْضِ لِما أُمِرْتَ بِهِ، ورَبُّكَ لَيْسَ كَهَذِهِ الأرْبابِ، بَلْ هو الأكْرَمُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ، فَهو يَنْصُرُكَ ويَظْهَرُكَ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى نِعْمَةَ الكِتابِ بِالقَلَمِ عَلى الناسِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ وأعْظَمُ مَنفَعَةً في المُخاطَباتِ وتَخْلِيدِ المَعارِفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾، قِيلَ: المُرادُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقِيلَ: اسْمُ الجِنْسِ، وهو الأظْهَرُ، وعَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ اكْتِسابَ المَعارِفِ بَعْدَ جَهْلِهِ بِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ﴾ الآيَةُ.. نَزَلَ بَعْدَ مُدَّةٍ مِن شَأْنِ أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ طَغى لِغِناهُ، ولِكَثْرَةِ مَن يُغْشى نادِيَهُ مِنَ الناسِ، فَناصَبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ العَداوَةَ، ونَهاهُ عَنِ الصَلاةِ في المَسْجِدِ، ويُرْوى أنَّهُ قالَ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يَسْجُدُ عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ، فَيُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَدَّ عَلَيْهِ القَوْلَ وانْتَهَرَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أيَتَوَعَّدُنِي مُحَمَّدٌ واللهِ ما بِالوادِي أعْظَمُ نَدِيًّا مِنِّي؟ ورَوى أيْضًا أنَّهُ جاءَ والنَبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، وهَمَّ بِأنْ يَصِلَ إلَيْهِ ويَمْنَعَهُ مِنَ الصَلاةِ، ثُمَّ كَعَّ عنهُ وانْصَرَفَ، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا؟ فَقالَ: لَقَدِ اعْتَرَضَ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقٌ مِن نارٍ وهَوْلٌ وأجْنِحَةٌ ويُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لَوْ دَنا مِنِّي لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عَيانًا"،» فَهَذِهِ السُورَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كَلّا" إلى آخِرِها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ. و"كَلّا" هي رَدٌّ عَلى أقْوالِ أبِي جَهْلٍ وأفْعالِهِ، ويَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "حَقًّا"، فَهي تَثْبِيتٌ لِما بَعْدَها مِنَ القَوْلِ. و"الطُغْيانُ" تَجاوُزُ الحُدُودِ الجَمِيلَةِ، و"الغِنى" مُطْغٍ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ تَعالى، و"الضَمِيرُ في "رَآهُ" (p-٦٥٤)لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قالَ: أنْ رَأى نَفْسَهُ غَنِيًّا، وهي رُؤْيَةُ قَلْبٍ تُقَرِّبُ مِنَ العِلْمِ، وكَذَلِكَ جازَ أنْ يَعْمَلَ فِعْلُ الفاعِلِ في نَفْسِهِ، كَما تَقُولُ: وجَدْتُنِي وظَنَنْتُنِي، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتُنِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْ رَآهُ" بِالمَدِّ عَلى وزْنِ "رَعاهُ"، واخْتَلَفُوا في الإمالَةِ وتَرْكِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -مِن طَرِيقِ قُنْبُلٍ -: "أنْ رَأهُ"، دُونَ مَدٍّ، عَلى وزْنِ "رَعَهُ"، عَلى حَذْفِ لامِ الفِعْلِ، وذَلِكَ تَخْفِيفٌ.
ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى غِنى هَذا الإنْسانِ وحالَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾، أيِ الحَشْرُ والبَعْثُ يَوْمُ القِيامَةِ، و"الرُجْعى" مَصْدَرٌ كالرُجُوعِ، وهو عَلى وزْنِ العُقْبى ونَحْوِهِ، وفي هَذا الخَبَرِ وعِيدٌ لِلطّاغِينَ مِنَ الناسِ.
الناهِي أبُو جَهْلٍ، وأنَّ العَبْدَ المُصَلِّيَ مُحَمَّدٌ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أرَأيْتَ" تَوْقِيفٌ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ عَلى حَدِّ الرُؤْيَةِ مِنَ العِلْمِ، بَلْ يَقْتَصِرُ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ إكْمالٌ لِلتَّوْبِيخِ والوَعِيدِ بِحَسَبِ التَوْقِيفاتِ الثَلاثَةِ يَصْلُحُ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَجاءَ بِها في نَسَقٍ، ثُمَّ جاءَ بِالوَعِيدِ الكافِي لِجَمِيعِها اخْتِصارًا واقْتِضابًا، ومَعَ كُلِّ تَقْرِيرٍ مِنَ الثَلاثَةِ تَكْمِلَةٌ مَقَدَّرَةٌ تَتَّسِعُ العَبّاراتُ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: "ألَمْ يَعْلَمْ" دالٌّ عَلَيْها مُغْنٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنْ كانَ" يَعْنِي العَبْدَ المُصَلِّي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي الإنْسانَ الَّذِي يَنْهى، ونَسَبَ تَعالى الرُؤْيَةَ إلى اللهِ تَعالى بِمَعْنى: يُدْرِكُ أعْمالَ الجَمِيعِ بِإدْراكٍ سَمّاهُ رُؤْيَةً، واللهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُماثَلَةِ المُحْدَثاتِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهُ تَعالى -إنْ لَمْ يَنْتَهِ- بِأنْ يُؤْخَذَ بِناصِيَتِهِ فَيُجَرَّ إلى جَهَنَّمَ ذَلِيلًا، تَقُولُ العَرَبُ: "سَفَعْتُ بِيَدِي ناصِيَةَ الفَرَسِ، والرِجْلِ" إذا جَذَبْتَها مُذَلِّلًا لَهُ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ قَوْمٌ إذا سَمِعُوا الصِياحَ رَأيْتَهم ما بَيْنَ مُلْجِمٍ مُهْرَهُ أو سافِعُ
(p-٦٥٥)فالآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١]. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: بِالتَفْسِيرِ "لَنَسْفَعًا" مَعْناهُ: لِنَحْرِقَنَّ، مِن قَوْلِهِمْ: "سَفْعَتْهُ النارُ" إذا أحْرَقَتْهُ، واكْتَفى بِذِكْرِ الناصِيَةِ لِدَلالَتِها عَلى الوَجْهِ والرَأْسِ. وجاءَ "لَنَسْفَعًا" في خَطِّ المُصْحَفِ بِألِفٍ بَدَلَ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ هارُونَ-: "لَنَسْفَعَنَّ" مُثْقَلَةَ النُونِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "لَأسْفَعَنَّ بِالناصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ فاجِرَةٍ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: [ناصِيَةً كاذِبَةً خاطِئَةً] بِالنَصْبِ في الثَلاثَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ بِالرَفْعِ فِيها كُلَّها. و"الناصِيَةُ" مُقَدَّمُ شَعْرِ الرَأْسِ، ثُمَّ أبْدَلَ تَعالى النَكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾، ووَصَفَها بِالكَذِبِ والخَطَأِ مِن حَيْثُ صِفَةً لِصاحِبِها، كَما تَقُولُ: يَدٌ سارِقَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: "وَما بِالوادِي أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي"، والنادِيَ والنَدى: المَجْلِسُ، ومِنهُ: دارُ النَدْوَةِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ وفِيهِمْ مَقاماتُ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: "سَيِّدُ نادِيهِ، وثِمالُ عافِيهِ".
و"الزَبانِيَةُ" مَلائِكَةُ العَذابِ، واحِدُهم "زَبَنِيَةٌ"، وقالَ الكِسائِيُّ: "زِبْنِي"، وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ الأخْفَشُ: "زابِنٌ"، وهُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الناسَ في النارِ، والزَبْنُ: الدَفْعُ، ومِنهُ "حَرْبٌ زَبُونٌ"، أيْ: تَدْفَعُ الناسَ في نَفْسِها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ومُسْتَعْجِبٍ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ∗∗∗ ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمُ
(p-٦٥٦)وَمِنهُ قَوْلُ عُتْبَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ: "وَقَدْ زَبَتْنا الحَرْبُ وزَبْنّاها، فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ عَدَتْنِي عن زِيارَتِكَ العَوادِي ∗∗∗ وحالَتْ بَيْنَنا حَرْبٌ زَبُونُ
وحُذِفَ الواوُ مِن "سَنَدْعُ" في خَطِّ المُصْحَفِ اخْتِصارًا وتَخْفِيفًا، والمَعْنى: سَنَدْعُو الزَبانِيَةَ لِعَذابِ هَذا الَّذِي يَدْعُو نادِيَهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلْيَدْعُ إلى نادِيهِ".
ثُمَّ قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ "كَلّا" رَدًّا عَلى قَوْلِ هَذا الكافِرِ وأفْعالِهِ، "لا تُطِعْهُ"، أيْ: لا تَلْتَفِتٍ إلى نَهْيِهِ وكَلامِهِ، "واسْجُدْ" لِرَبِّكَ، ﴿واقْتَرِبْ﴾ إلَيْهِ بِسُجُودِكَ وبِالطاعَةِ وبِالأعْمالِ الصالِحَةِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ إذا سَجَدَ، فَأكْثِرُوا مِنَ الدُعاءِ في السُجُودِ، فَقُمْنَ أنْ يُسْتَجابَ لَكُمْ".» وقالَ مُجاهِدٌ، قالَ: ألَمْ تَسْمَعُوا "واسْجُدْ واقْتَرِبْ"، ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "واسْجُدْ" خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّ "اقْتَرِبْ" خِطابٌ لِأبِي جَهْلٍ، أيْ إنْ كُنْتَ تَجْتَرِئُ حَتّى تَرى كَيْفَ تَهْلَكُ.
وهَذِهِ السُورَةُ فِيها سَجْدَةٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ ابْنُ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ[القَلَمِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
العلق 96:6
(p-٦٥١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ [سُورَةِ العَلَقِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، نَزَلَ صَدْرُها في غارِ حِراءٍ حَسَبَما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وغَيْرِهِ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ: "يا أيُّها المُدَّثِرُ"،» وقالَ أبُو مَيْسَرَةَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ فاتِحَةُ الكِتابِ والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، والتَرْتِيبُ في أخْبارِ النَبِيِّ ﷺ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أو أمَرَ بِالتَقْوى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ ﴿كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالناصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ﴾ ﴿كَلا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾
فِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: « "أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ (p-٦٥٢)رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُؤْيا الصالِحَةُ، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ التَحَنُّثُ في غارِ حِراءٍ، فَكانَ يَخْلُو فِيهِ يَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ حَتّى جاءَهُ المَلَكُ وهو في غارِ حِراءٍ، فَقالَ لَهُ: اقْرَأْ، فَقالَ: ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطِّنِي ثُمَّ كَذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ لَهُ في الثالِثَةِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ،﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ،﴾ قالَ فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهَ عَيْه وسَلَّمَ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ"» الحَدِيثُ بِطُولِهِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، اقْرَأْ هَذا القُرْآنَ بِاسْمِ رَبِّكَ، أيِ ابْدَأْ فِعْلَكَ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ﴾ [هود: ٤١] هَذا وجْهٌ. ووَجْهٌ آخَرُ في "كِتابِ الثَعْلَبِيِّ " أنْ يَكُونَ المَقْرُوءُ الَّذِي أمَرَ بِقِراءَتِهِ هو بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: اقْرَأْ هَذِه اللَفْظَةَ، ولَمّا ذَكَرَ "الرَبُّ" وكانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تُسَمِّي الأصْنامَ أرْبابًا جاءَ بِالصِفَةِ الَّتِي لا شَرِكَةَ لِلْأصْنامِ فِيها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: "الَّذِي خَلَقَ"، ثُمَّ مَثَّلَ لَهم مِنَ المَخْلُوقاتِ ما لا مُدافَعَةَ فِيهِ، وما يَجِدُهُ كُلُّ مَفْطُورٍ في نَفْسِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾، وخِلْقَةُ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ العِبَرِ حَتّى أنَّهُ لَيْسَ في المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَدَيْنا أكْثَرَ عِبَرًا مِنهُ في عَقْلِهِ وإدْراكِهِ ورِباطاتِ بَدَنِهِ وعِظامِهِ، والعَلَقُ جَمْعُ عَلَقَةٍ، وهي القِطْعَةُ اليَسِيرَةُ مِنَ الدَمِ، و"الإنْسانُ" - هُنا - اسْمُ الجِنْسِ، ويَمْشِي الذِهْنُ مَعَهُ إلى جَمِيعِ الحَيَوانِ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن طِينٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَرَّرًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَلِذَلِكَ تَرَكَ أصْلَ الخِلْقَةِ وسِيقَ لَهُمُ الفَرْعُ الَّذِي هم بِهِ مُقِرُّونَ تَقْرِيبًا لِأفْهامِهِمْ.
(p-٦٥٣)ثُمَّ قالَ تَعالى لَهُ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ عَلى جِهَةِ التَأْنِيسِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: امْضِ لِما أُمِرْتَ بِهِ، ورَبُّكَ لَيْسَ كَهَذِهِ الأرْبابِ، بَلْ هو الأكْرَمُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ، فَهو يَنْصُرُكَ ويَظْهَرُكَ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى نِعْمَةَ الكِتابِ بِالقَلَمِ عَلى الناسِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ وأعْظَمُ مَنفَعَةً في المُخاطَباتِ وتَخْلِيدِ المَعارِفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾، قِيلَ: المُرادُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقِيلَ: اسْمُ الجِنْسِ، وهو الأظْهَرُ، وعَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ اكْتِسابَ المَعارِفِ بَعْدَ جَهْلِهِ بِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ﴾ الآيَةُ.. نَزَلَ بَعْدَ مُدَّةٍ مِن شَأْنِ أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ طَغى لِغِناهُ، ولِكَثْرَةِ مَن يُغْشى نادِيَهُ مِنَ الناسِ، فَناصَبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ العَداوَةَ، ونَهاهُ عَنِ الصَلاةِ في المَسْجِدِ، ويُرْوى أنَّهُ قالَ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يَسْجُدُ عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ، فَيُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَدَّ عَلَيْهِ القَوْلَ وانْتَهَرَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أيَتَوَعَّدُنِي مُحَمَّدٌ واللهِ ما بِالوادِي أعْظَمُ نَدِيًّا مِنِّي؟ ورَوى أيْضًا أنَّهُ جاءَ والنَبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، وهَمَّ بِأنْ يَصِلَ إلَيْهِ ويَمْنَعَهُ مِنَ الصَلاةِ، ثُمَّ كَعَّ عنهُ وانْصَرَفَ، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا؟ فَقالَ: لَقَدِ اعْتَرَضَ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقٌ مِن نارٍ وهَوْلٌ وأجْنِحَةٌ ويُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لَوْ دَنا مِنِّي لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عَيانًا"،» فَهَذِهِ السُورَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كَلّا" إلى آخِرِها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ. و"كَلّا" هي رَدٌّ عَلى أقْوالِ أبِي جَهْلٍ وأفْعالِهِ، ويَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "حَقًّا"، فَهي تَثْبِيتٌ لِما بَعْدَها مِنَ القَوْلِ. و"الطُغْيانُ" تَجاوُزُ الحُدُودِ الجَمِيلَةِ، و"الغِنى" مُطْغٍ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ تَعالى، و"الضَمِيرُ في "رَآهُ" (p-٦٥٤)لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قالَ: أنْ رَأى نَفْسَهُ غَنِيًّا، وهي رُؤْيَةُ قَلْبٍ تُقَرِّبُ مِنَ العِلْمِ، وكَذَلِكَ جازَ أنْ يَعْمَلَ فِعْلُ الفاعِلِ في نَفْسِهِ، كَما تَقُولُ: وجَدْتُنِي وظَنَنْتُنِي، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتُنِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْ رَآهُ" بِالمَدِّ عَلى وزْنِ "رَعاهُ"، واخْتَلَفُوا في الإمالَةِ وتَرْكِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -مِن طَرِيقِ قُنْبُلٍ -: "أنْ رَأهُ"، دُونَ مَدٍّ، عَلى وزْنِ "رَعَهُ"، عَلى حَذْفِ لامِ الفِعْلِ، وذَلِكَ تَخْفِيفٌ.
ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى غِنى هَذا الإنْسانِ وحالَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾، أيِ الحَشْرُ والبَعْثُ يَوْمُ القِيامَةِ، و"الرُجْعى" مَصْدَرٌ كالرُجُوعِ، وهو عَلى وزْنِ العُقْبى ونَحْوِهِ، وفي هَذا الخَبَرِ وعِيدٌ لِلطّاغِينَ مِنَ الناسِ.
الناهِي أبُو جَهْلٍ، وأنَّ العَبْدَ المُصَلِّيَ مُحَمَّدٌ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أرَأيْتَ" تَوْقِيفٌ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ عَلى حَدِّ الرُؤْيَةِ مِنَ العِلْمِ، بَلْ يَقْتَصِرُ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ إكْمالٌ لِلتَّوْبِيخِ والوَعِيدِ بِحَسَبِ التَوْقِيفاتِ الثَلاثَةِ يَصْلُحُ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَجاءَ بِها في نَسَقٍ، ثُمَّ جاءَ بِالوَعِيدِ الكافِي لِجَمِيعِها اخْتِصارًا واقْتِضابًا، ومَعَ كُلِّ تَقْرِيرٍ مِنَ الثَلاثَةِ تَكْمِلَةٌ مَقَدَّرَةٌ تَتَّسِعُ العَبّاراتُ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: "ألَمْ يَعْلَمْ" دالٌّ عَلَيْها مُغْنٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنْ كانَ" يَعْنِي العَبْدَ المُصَلِّي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي الإنْسانَ الَّذِي يَنْهى، ونَسَبَ تَعالى الرُؤْيَةَ إلى اللهِ تَعالى بِمَعْنى: يُدْرِكُ أعْمالَ الجَمِيعِ بِإدْراكٍ سَمّاهُ رُؤْيَةً، واللهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُماثَلَةِ المُحْدَثاتِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهُ تَعالى -إنْ لَمْ يَنْتَهِ- بِأنْ يُؤْخَذَ بِناصِيَتِهِ فَيُجَرَّ إلى جَهَنَّمَ ذَلِيلًا، تَقُولُ العَرَبُ: "سَفَعْتُ بِيَدِي ناصِيَةَ الفَرَسِ، والرِجْلِ" إذا جَذَبْتَها مُذَلِّلًا لَهُ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ قَوْمٌ إذا سَمِعُوا الصِياحَ رَأيْتَهم ما بَيْنَ مُلْجِمٍ مُهْرَهُ أو سافِعُ
(p-٦٥٥)فالآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١]. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: بِالتَفْسِيرِ "لَنَسْفَعًا" مَعْناهُ: لِنَحْرِقَنَّ، مِن قَوْلِهِمْ: "سَفْعَتْهُ النارُ" إذا أحْرَقَتْهُ، واكْتَفى بِذِكْرِ الناصِيَةِ لِدَلالَتِها عَلى الوَجْهِ والرَأْسِ. وجاءَ "لَنَسْفَعًا" في خَطِّ المُصْحَفِ بِألِفٍ بَدَلَ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ هارُونَ-: "لَنَسْفَعَنَّ" مُثْقَلَةَ النُونِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "لَأسْفَعَنَّ بِالناصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ فاجِرَةٍ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: [ناصِيَةً كاذِبَةً خاطِئَةً] بِالنَصْبِ في الثَلاثَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ بِالرَفْعِ فِيها كُلَّها. و"الناصِيَةُ" مُقَدَّمُ شَعْرِ الرَأْسِ، ثُمَّ أبْدَلَ تَعالى النَكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾، ووَصَفَها بِالكَذِبِ والخَطَأِ مِن حَيْثُ صِفَةً لِصاحِبِها، كَما تَقُولُ: يَدٌ سارِقَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: "وَما بِالوادِي أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي"، والنادِيَ والنَدى: المَجْلِسُ، ومِنهُ: دارُ النَدْوَةِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ وفِيهِمْ مَقاماتُ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: "سَيِّدُ نادِيهِ، وثِمالُ عافِيهِ".
و"الزَبانِيَةُ" مَلائِكَةُ العَذابِ، واحِدُهم "زَبَنِيَةٌ"، وقالَ الكِسائِيُّ: "زِبْنِي"، وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ الأخْفَشُ: "زابِنٌ"، وهُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الناسَ في النارِ، والزَبْنُ: الدَفْعُ، ومِنهُ "حَرْبٌ زَبُونٌ"، أيْ: تَدْفَعُ الناسَ في نَفْسِها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ومُسْتَعْجِبٍ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ∗∗∗ ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمُ
(p-٦٥٦)وَمِنهُ قَوْلُ عُتْبَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ: "وَقَدْ زَبَتْنا الحَرْبُ وزَبْنّاها، فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ عَدَتْنِي عن زِيارَتِكَ العَوادِي ∗∗∗ وحالَتْ بَيْنَنا حَرْبٌ زَبُونُ
وحُذِفَ الواوُ مِن "سَنَدْعُ" في خَطِّ المُصْحَفِ اخْتِصارًا وتَخْفِيفًا، والمَعْنى: سَنَدْعُو الزَبانِيَةَ لِعَذابِ هَذا الَّذِي يَدْعُو نادِيَهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلْيَدْعُ إلى نادِيهِ".
ثُمَّ قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ "كَلّا" رَدًّا عَلى قَوْلِ هَذا الكافِرِ وأفْعالِهِ، "لا تُطِعْهُ"، أيْ: لا تَلْتَفِتٍ إلى نَهْيِهِ وكَلامِهِ، "واسْجُدْ" لِرَبِّكَ، ﴿واقْتَرِبْ﴾ إلَيْهِ بِسُجُودِكَ وبِالطاعَةِ وبِالأعْمالِ الصالِحَةِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ إذا سَجَدَ، فَأكْثِرُوا مِنَ الدُعاءِ في السُجُودِ، فَقُمْنَ أنْ يُسْتَجابَ لَكُمْ".» وقالَ مُجاهِدٌ، قالَ: ألَمْ تَسْمَعُوا "واسْجُدْ واقْتَرِبْ"، ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "واسْجُدْ" خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّ "اقْتَرِبْ" خِطابٌ لِأبِي جَهْلٍ، أيْ إنْ كُنْتَ تَجْتَرِئُ حَتّى تَرى كَيْفَ تَهْلَكُ.
وهَذِهِ السُورَةُ فِيها سَجْدَةٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ ابْنُ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ[القَلَمِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
العلق 96:7
(p-٦٥١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ [سُورَةِ العَلَقِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، نَزَلَ صَدْرُها في غارِ حِراءٍ حَسَبَما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وغَيْرِهِ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ: "يا أيُّها المُدَّثِرُ"،» وقالَ أبُو مَيْسَرَةَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ فاتِحَةُ الكِتابِ والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، والتَرْتِيبُ في أخْبارِ النَبِيِّ ﷺ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أو أمَرَ بِالتَقْوى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ ﴿كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالناصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ﴾ ﴿كَلا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾
فِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: « "أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ (p-٦٥٢)رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُؤْيا الصالِحَةُ، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ التَحَنُّثُ في غارِ حِراءٍ، فَكانَ يَخْلُو فِيهِ يَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ حَتّى جاءَهُ المَلَكُ وهو في غارِ حِراءٍ، فَقالَ لَهُ: اقْرَأْ، فَقالَ: ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطِّنِي ثُمَّ كَذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ لَهُ في الثالِثَةِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ،﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ،﴾ قالَ فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهَ عَيْه وسَلَّمَ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ"» الحَدِيثُ بِطُولِهِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، اقْرَأْ هَذا القُرْآنَ بِاسْمِ رَبِّكَ، أيِ ابْدَأْ فِعْلَكَ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ﴾ [هود: ٤١] هَذا وجْهٌ. ووَجْهٌ آخَرُ في "كِتابِ الثَعْلَبِيِّ " أنْ يَكُونَ المَقْرُوءُ الَّذِي أمَرَ بِقِراءَتِهِ هو بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: اقْرَأْ هَذِه اللَفْظَةَ، ولَمّا ذَكَرَ "الرَبُّ" وكانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تُسَمِّي الأصْنامَ أرْبابًا جاءَ بِالصِفَةِ الَّتِي لا شَرِكَةَ لِلْأصْنامِ فِيها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: "الَّذِي خَلَقَ"، ثُمَّ مَثَّلَ لَهم مِنَ المَخْلُوقاتِ ما لا مُدافَعَةَ فِيهِ، وما يَجِدُهُ كُلُّ مَفْطُورٍ في نَفْسِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾، وخِلْقَةُ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ العِبَرِ حَتّى أنَّهُ لَيْسَ في المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَدَيْنا أكْثَرَ عِبَرًا مِنهُ في عَقْلِهِ وإدْراكِهِ ورِباطاتِ بَدَنِهِ وعِظامِهِ، والعَلَقُ جَمْعُ عَلَقَةٍ، وهي القِطْعَةُ اليَسِيرَةُ مِنَ الدَمِ، و"الإنْسانُ" - هُنا - اسْمُ الجِنْسِ، ويَمْشِي الذِهْنُ مَعَهُ إلى جَمِيعِ الحَيَوانِ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن طِينٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَرَّرًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَلِذَلِكَ تَرَكَ أصْلَ الخِلْقَةِ وسِيقَ لَهُمُ الفَرْعُ الَّذِي هم بِهِ مُقِرُّونَ تَقْرِيبًا لِأفْهامِهِمْ.
(p-٦٥٣)ثُمَّ قالَ تَعالى لَهُ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ عَلى جِهَةِ التَأْنِيسِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: امْضِ لِما أُمِرْتَ بِهِ، ورَبُّكَ لَيْسَ كَهَذِهِ الأرْبابِ، بَلْ هو الأكْرَمُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ، فَهو يَنْصُرُكَ ويَظْهَرُكَ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى نِعْمَةَ الكِتابِ بِالقَلَمِ عَلى الناسِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ وأعْظَمُ مَنفَعَةً في المُخاطَباتِ وتَخْلِيدِ المَعارِفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾، قِيلَ: المُرادُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقِيلَ: اسْمُ الجِنْسِ، وهو الأظْهَرُ، وعَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ اكْتِسابَ المَعارِفِ بَعْدَ جَهْلِهِ بِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ﴾ الآيَةُ.. نَزَلَ بَعْدَ مُدَّةٍ مِن شَأْنِ أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ طَغى لِغِناهُ، ولِكَثْرَةِ مَن يُغْشى نادِيَهُ مِنَ الناسِ، فَناصَبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ العَداوَةَ، ونَهاهُ عَنِ الصَلاةِ في المَسْجِدِ، ويُرْوى أنَّهُ قالَ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يَسْجُدُ عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ، فَيُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَدَّ عَلَيْهِ القَوْلَ وانْتَهَرَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أيَتَوَعَّدُنِي مُحَمَّدٌ واللهِ ما بِالوادِي أعْظَمُ نَدِيًّا مِنِّي؟ ورَوى أيْضًا أنَّهُ جاءَ والنَبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، وهَمَّ بِأنْ يَصِلَ إلَيْهِ ويَمْنَعَهُ مِنَ الصَلاةِ، ثُمَّ كَعَّ عنهُ وانْصَرَفَ، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا؟ فَقالَ: لَقَدِ اعْتَرَضَ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقٌ مِن نارٍ وهَوْلٌ وأجْنِحَةٌ ويُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لَوْ دَنا مِنِّي لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عَيانًا"،» فَهَذِهِ السُورَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كَلّا" إلى آخِرِها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ. و"كَلّا" هي رَدٌّ عَلى أقْوالِ أبِي جَهْلٍ وأفْعالِهِ، ويَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "حَقًّا"، فَهي تَثْبِيتٌ لِما بَعْدَها مِنَ القَوْلِ. و"الطُغْيانُ" تَجاوُزُ الحُدُودِ الجَمِيلَةِ، و"الغِنى" مُطْغٍ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ تَعالى، و"الضَمِيرُ في "رَآهُ" (p-٦٥٤)لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قالَ: أنْ رَأى نَفْسَهُ غَنِيًّا، وهي رُؤْيَةُ قَلْبٍ تُقَرِّبُ مِنَ العِلْمِ، وكَذَلِكَ جازَ أنْ يَعْمَلَ فِعْلُ الفاعِلِ في نَفْسِهِ، كَما تَقُولُ: وجَدْتُنِي وظَنَنْتُنِي، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتُنِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْ رَآهُ" بِالمَدِّ عَلى وزْنِ "رَعاهُ"، واخْتَلَفُوا في الإمالَةِ وتَرْكِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -مِن طَرِيقِ قُنْبُلٍ -: "أنْ رَأهُ"، دُونَ مَدٍّ، عَلى وزْنِ "رَعَهُ"، عَلى حَذْفِ لامِ الفِعْلِ، وذَلِكَ تَخْفِيفٌ.
ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى غِنى هَذا الإنْسانِ وحالَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾، أيِ الحَشْرُ والبَعْثُ يَوْمُ القِيامَةِ، و"الرُجْعى" مَصْدَرٌ كالرُجُوعِ، وهو عَلى وزْنِ العُقْبى ونَحْوِهِ، وفي هَذا الخَبَرِ وعِيدٌ لِلطّاغِينَ مِنَ الناسِ.
الناهِي أبُو جَهْلٍ، وأنَّ العَبْدَ المُصَلِّيَ مُحَمَّدٌ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أرَأيْتَ" تَوْقِيفٌ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ عَلى حَدِّ الرُؤْيَةِ مِنَ العِلْمِ، بَلْ يَقْتَصِرُ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ إكْمالٌ لِلتَّوْبِيخِ والوَعِيدِ بِحَسَبِ التَوْقِيفاتِ الثَلاثَةِ يَصْلُحُ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَجاءَ بِها في نَسَقٍ، ثُمَّ جاءَ بِالوَعِيدِ الكافِي لِجَمِيعِها اخْتِصارًا واقْتِضابًا، ومَعَ كُلِّ تَقْرِيرٍ مِنَ الثَلاثَةِ تَكْمِلَةٌ مَقَدَّرَةٌ تَتَّسِعُ العَبّاراتُ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: "ألَمْ يَعْلَمْ" دالٌّ عَلَيْها مُغْنٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنْ كانَ" يَعْنِي العَبْدَ المُصَلِّي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي الإنْسانَ الَّذِي يَنْهى، ونَسَبَ تَعالى الرُؤْيَةَ إلى اللهِ تَعالى بِمَعْنى: يُدْرِكُ أعْمالَ الجَمِيعِ بِإدْراكٍ سَمّاهُ رُؤْيَةً، واللهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُماثَلَةِ المُحْدَثاتِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهُ تَعالى -إنْ لَمْ يَنْتَهِ- بِأنْ يُؤْخَذَ بِناصِيَتِهِ فَيُجَرَّ إلى جَهَنَّمَ ذَلِيلًا، تَقُولُ العَرَبُ: "سَفَعْتُ بِيَدِي ناصِيَةَ الفَرَسِ، والرِجْلِ" إذا جَذَبْتَها مُذَلِّلًا لَهُ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ قَوْمٌ إذا سَمِعُوا الصِياحَ رَأيْتَهم ما بَيْنَ مُلْجِمٍ مُهْرَهُ أو سافِعُ
(p-٦٥٥)فالآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١]. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: بِالتَفْسِيرِ "لَنَسْفَعًا" مَعْناهُ: لِنَحْرِقَنَّ، مِن قَوْلِهِمْ: "سَفْعَتْهُ النارُ" إذا أحْرَقَتْهُ، واكْتَفى بِذِكْرِ الناصِيَةِ لِدَلالَتِها عَلى الوَجْهِ والرَأْسِ. وجاءَ "لَنَسْفَعًا" في خَطِّ المُصْحَفِ بِألِفٍ بَدَلَ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ هارُونَ-: "لَنَسْفَعَنَّ" مُثْقَلَةَ النُونِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "لَأسْفَعَنَّ بِالناصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ فاجِرَةٍ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: [ناصِيَةً كاذِبَةً خاطِئَةً] بِالنَصْبِ في الثَلاثَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ بِالرَفْعِ فِيها كُلَّها. و"الناصِيَةُ" مُقَدَّمُ شَعْرِ الرَأْسِ، ثُمَّ أبْدَلَ تَعالى النَكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾، ووَصَفَها بِالكَذِبِ والخَطَأِ مِن حَيْثُ صِفَةً لِصاحِبِها، كَما تَقُولُ: يَدٌ سارِقَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: "وَما بِالوادِي أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي"، والنادِيَ والنَدى: المَجْلِسُ، ومِنهُ: دارُ النَدْوَةِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ وفِيهِمْ مَقاماتُ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: "سَيِّدُ نادِيهِ، وثِمالُ عافِيهِ".
و"الزَبانِيَةُ" مَلائِكَةُ العَذابِ، واحِدُهم "زَبَنِيَةٌ"، وقالَ الكِسائِيُّ: "زِبْنِي"، وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ الأخْفَشُ: "زابِنٌ"، وهُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الناسَ في النارِ، والزَبْنُ: الدَفْعُ، ومِنهُ "حَرْبٌ زَبُونٌ"، أيْ: تَدْفَعُ الناسَ في نَفْسِها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ومُسْتَعْجِبٍ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ∗∗∗ ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمُ
(p-٦٥٦)وَمِنهُ قَوْلُ عُتْبَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ: "وَقَدْ زَبَتْنا الحَرْبُ وزَبْنّاها، فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ عَدَتْنِي عن زِيارَتِكَ العَوادِي ∗∗∗ وحالَتْ بَيْنَنا حَرْبٌ زَبُونُ
وحُذِفَ الواوُ مِن "سَنَدْعُ" في خَطِّ المُصْحَفِ اخْتِصارًا وتَخْفِيفًا، والمَعْنى: سَنَدْعُو الزَبانِيَةَ لِعَذابِ هَذا الَّذِي يَدْعُو نادِيَهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلْيَدْعُ إلى نادِيهِ".
ثُمَّ قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ "كَلّا" رَدًّا عَلى قَوْلِ هَذا الكافِرِ وأفْعالِهِ، "لا تُطِعْهُ"، أيْ: لا تَلْتَفِتٍ إلى نَهْيِهِ وكَلامِهِ، "واسْجُدْ" لِرَبِّكَ، ﴿واقْتَرِبْ﴾ إلَيْهِ بِسُجُودِكَ وبِالطاعَةِ وبِالأعْمالِ الصالِحَةِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ إذا سَجَدَ، فَأكْثِرُوا مِنَ الدُعاءِ في السُجُودِ، فَقُمْنَ أنْ يُسْتَجابَ لَكُمْ".» وقالَ مُجاهِدٌ، قالَ: ألَمْ تَسْمَعُوا "واسْجُدْ واقْتَرِبْ"، ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "واسْجُدْ" خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّ "اقْتَرِبْ" خِطابٌ لِأبِي جَهْلٍ، أيْ إنْ كُنْتَ تَجْتَرِئُ حَتّى تَرى كَيْفَ تَهْلَكُ.
وهَذِهِ السُورَةُ فِيها سَجْدَةٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ ابْنُ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ[القَلَمِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
العلق 96:8
(p-٦٥١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ [سُورَةِ العَلَقِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، نَزَلَ صَدْرُها في غارِ حِراءٍ حَسَبَما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وغَيْرِهِ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ: "يا أيُّها المُدَّثِرُ"،» وقالَ أبُو مَيْسَرَةَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ فاتِحَةُ الكِتابِ والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، والتَرْتِيبُ في أخْبارِ النَبِيِّ ﷺ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أو أمَرَ بِالتَقْوى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ ﴿كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالناصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ﴾ ﴿كَلا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾
فِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: « "أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ (p-٦٥٢)رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُؤْيا الصالِحَةُ، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ التَحَنُّثُ في غارِ حِراءٍ، فَكانَ يَخْلُو فِيهِ يَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ حَتّى جاءَهُ المَلَكُ وهو في غارِ حِراءٍ، فَقالَ لَهُ: اقْرَأْ، فَقالَ: ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطِّنِي ثُمَّ كَذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ لَهُ في الثالِثَةِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ،﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ،﴾ قالَ فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهَ عَيْه وسَلَّمَ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ"» الحَدِيثُ بِطُولِهِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، اقْرَأْ هَذا القُرْآنَ بِاسْمِ رَبِّكَ، أيِ ابْدَأْ فِعْلَكَ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ﴾ [هود: ٤١] هَذا وجْهٌ. ووَجْهٌ آخَرُ في "كِتابِ الثَعْلَبِيِّ " أنْ يَكُونَ المَقْرُوءُ الَّذِي أمَرَ بِقِراءَتِهِ هو بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: اقْرَأْ هَذِه اللَفْظَةَ، ولَمّا ذَكَرَ "الرَبُّ" وكانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تُسَمِّي الأصْنامَ أرْبابًا جاءَ بِالصِفَةِ الَّتِي لا شَرِكَةَ لِلْأصْنامِ فِيها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: "الَّذِي خَلَقَ"، ثُمَّ مَثَّلَ لَهم مِنَ المَخْلُوقاتِ ما لا مُدافَعَةَ فِيهِ، وما يَجِدُهُ كُلُّ مَفْطُورٍ في نَفْسِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾، وخِلْقَةُ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ العِبَرِ حَتّى أنَّهُ لَيْسَ في المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَدَيْنا أكْثَرَ عِبَرًا مِنهُ في عَقْلِهِ وإدْراكِهِ ورِباطاتِ بَدَنِهِ وعِظامِهِ، والعَلَقُ جَمْعُ عَلَقَةٍ، وهي القِطْعَةُ اليَسِيرَةُ مِنَ الدَمِ، و"الإنْسانُ" - هُنا - اسْمُ الجِنْسِ، ويَمْشِي الذِهْنُ مَعَهُ إلى جَمِيعِ الحَيَوانِ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن طِينٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَرَّرًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَلِذَلِكَ تَرَكَ أصْلَ الخِلْقَةِ وسِيقَ لَهُمُ الفَرْعُ الَّذِي هم بِهِ مُقِرُّونَ تَقْرِيبًا لِأفْهامِهِمْ.
(p-٦٥٣)ثُمَّ قالَ تَعالى لَهُ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ عَلى جِهَةِ التَأْنِيسِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: امْضِ لِما أُمِرْتَ بِهِ، ورَبُّكَ لَيْسَ كَهَذِهِ الأرْبابِ، بَلْ هو الأكْرَمُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ، فَهو يَنْصُرُكَ ويَظْهَرُكَ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى نِعْمَةَ الكِتابِ بِالقَلَمِ عَلى الناسِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ وأعْظَمُ مَنفَعَةً في المُخاطَباتِ وتَخْلِيدِ المَعارِفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾، قِيلَ: المُرادُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقِيلَ: اسْمُ الجِنْسِ، وهو الأظْهَرُ، وعَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ اكْتِسابَ المَعارِفِ بَعْدَ جَهْلِهِ بِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ﴾ الآيَةُ.. نَزَلَ بَعْدَ مُدَّةٍ مِن شَأْنِ أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ طَغى لِغِناهُ، ولِكَثْرَةِ مَن يُغْشى نادِيَهُ مِنَ الناسِ، فَناصَبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ العَداوَةَ، ونَهاهُ عَنِ الصَلاةِ في المَسْجِدِ، ويُرْوى أنَّهُ قالَ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يَسْجُدُ عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ، فَيُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَدَّ عَلَيْهِ القَوْلَ وانْتَهَرَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أيَتَوَعَّدُنِي مُحَمَّدٌ واللهِ ما بِالوادِي أعْظَمُ نَدِيًّا مِنِّي؟ ورَوى أيْضًا أنَّهُ جاءَ والنَبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، وهَمَّ بِأنْ يَصِلَ إلَيْهِ ويَمْنَعَهُ مِنَ الصَلاةِ، ثُمَّ كَعَّ عنهُ وانْصَرَفَ، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا؟ فَقالَ: لَقَدِ اعْتَرَضَ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقٌ مِن نارٍ وهَوْلٌ وأجْنِحَةٌ ويُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لَوْ دَنا مِنِّي لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عَيانًا"،» فَهَذِهِ السُورَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كَلّا" إلى آخِرِها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ. و"كَلّا" هي رَدٌّ عَلى أقْوالِ أبِي جَهْلٍ وأفْعالِهِ، ويَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "حَقًّا"، فَهي تَثْبِيتٌ لِما بَعْدَها مِنَ القَوْلِ. و"الطُغْيانُ" تَجاوُزُ الحُدُودِ الجَمِيلَةِ، و"الغِنى" مُطْغٍ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ تَعالى، و"الضَمِيرُ في "رَآهُ" (p-٦٥٤)لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قالَ: أنْ رَأى نَفْسَهُ غَنِيًّا، وهي رُؤْيَةُ قَلْبٍ تُقَرِّبُ مِنَ العِلْمِ، وكَذَلِكَ جازَ أنْ يَعْمَلَ فِعْلُ الفاعِلِ في نَفْسِهِ، كَما تَقُولُ: وجَدْتُنِي وظَنَنْتُنِي، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتُنِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْ رَآهُ" بِالمَدِّ عَلى وزْنِ "رَعاهُ"، واخْتَلَفُوا في الإمالَةِ وتَرْكِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -مِن طَرِيقِ قُنْبُلٍ -: "أنْ رَأهُ"، دُونَ مَدٍّ، عَلى وزْنِ "رَعَهُ"، عَلى حَذْفِ لامِ الفِعْلِ، وذَلِكَ تَخْفِيفٌ.
ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى غِنى هَذا الإنْسانِ وحالَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾، أيِ الحَشْرُ والبَعْثُ يَوْمُ القِيامَةِ، و"الرُجْعى" مَصْدَرٌ كالرُجُوعِ، وهو عَلى وزْنِ العُقْبى ونَحْوِهِ، وفي هَذا الخَبَرِ وعِيدٌ لِلطّاغِينَ مِنَ الناسِ.
الناهِي أبُو جَهْلٍ، وأنَّ العَبْدَ المُصَلِّيَ مُحَمَّدٌ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أرَأيْتَ" تَوْقِيفٌ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ عَلى حَدِّ الرُؤْيَةِ مِنَ العِلْمِ، بَلْ يَقْتَصِرُ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ إكْمالٌ لِلتَّوْبِيخِ والوَعِيدِ بِحَسَبِ التَوْقِيفاتِ الثَلاثَةِ يَصْلُحُ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَجاءَ بِها في نَسَقٍ، ثُمَّ جاءَ بِالوَعِيدِ الكافِي لِجَمِيعِها اخْتِصارًا واقْتِضابًا، ومَعَ كُلِّ تَقْرِيرٍ مِنَ الثَلاثَةِ تَكْمِلَةٌ مَقَدَّرَةٌ تَتَّسِعُ العَبّاراتُ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: "ألَمْ يَعْلَمْ" دالٌّ عَلَيْها مُغْنٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنْ كانَ" يَعْنِي العَبْدَ المُصَلِّي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي الإنْسانَ الَّذِي يَنْهى، ونَسَبَ تَعالى الرُؤْيَةَ إلى اللهِ تَعالى بِمَعْنى: يُدْرِكُ أعْمالَ الجَمِيعِ بِإدْراكٍ سَمّاهُ رُؤْيَةً، واللهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُماثَلَةِ المُحْدَثاتِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهُ تَعالى -إنْ لَمْ يَنْتَهِ- بِأنْ يُؤْخَذَ بِناصِيَتِهِ فَيُجَرَّ إلى جَهَنَّمَ ذَلِيلًا، تَقُولُ العَرَبُ: "سَفَعْتُ بِيَدِي ناصِيَةَ الفَرَسِ، والرِجْلِ" إذا جَذَبْتَها مُذَلِّلًا لَهُ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ قَوْمٌ إذا سَمِعُوا الصِياحَ رَأيْتَهم ما بَيْنَ مُلْجِمٍ مُهْرَهُ أو سافِعُ
(p-٦٥٥)فالآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١]. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: بِالتَفْسِيرِ "لَنَسْفَعًا" مَعْناهُ: لِنَحْرِقَنَّ، مِن قَوْلِهِمْ: "سَفْعَتْهُ النارُ" إذا أحْرَقَتْهُ، واكْتَفى بِذِكْرِ الناصِيَةِ لِدَلالَتِها عَلى الوَجْهِ والرَأْسِ. وجاءَ "لَنَسْفَعًا" في خَطِّ المُصْحَفِ بِألِفٍ بَدَلَ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ هارُونَ-: "لَنَسْفَعَنَّ" مُثْقَلَةَ النُونِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "لَأسْفَعَنَّ بِالناصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ فاجِرَةٍ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: [ناصِيَةً كاذِبَةً خاطِئَةً] بِالنَصْبِ في الثَلاثَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ بِالرَفْعِ فِيها كُلَّها. و"الناصِيَةُ" مُقَدَّمُ شَعْرِ الرَأْسِ، ثُمَّ أبْدَلَ تَعالى النَكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾، ووَصَفَها بِالكَذِبِ والخَطَأِ مِن حَيْثُ صِفَةً لِصاحِبِها، كَما تَقُولُ: يَدٌ سارِقَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: "وَما بِالوادِي أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي"، والنادِيَ والنَدى: المَجْلِسُ، ومِنهُ: دارُ النَدْوَةِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ وفِيهِمْ مَقاماتُ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: "سَيِّدُ نادِيهِ، وثِمالُ عافِيهِ".
و"الزَبانِيَةُ" مَلائِكَةُ العَذابِ، واحِدُهم "زَبَنِيَةٌ"، وقالَ الكِسائِيُّ: "زِبْنِي"، وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ الأخْفَشُ: "زابِنٌ"، وهُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الناسَ في النارِ، والزَبْنُ: الدَفْعُ، ومِنهُ "حَرْبٌ زَبُونٌ"، أيْ: تَدْفَعُ الناسَ في نَفْسِها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ومُسْتَعْجِبٍ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ∗∗∗ ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمُ
(p-٦٥٦)وَمِنهُ قَوْلُ عُتْبَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ: "وَقَدْ زَبَتْنا الحَرْبُ وزَبْنّاها، فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ عَدَتْنِي عن زِيارَتِكَ العَوادِي ∗∗∗ وحالَتْ بَيْنَنا حَرْبٌ زَبُونُ
وحُذِفَ الواوُ مِن "سَنَدْعُ" في خَطِّ المُصْحَفِ اخْتِصارًا وتَخْفِيفًا، والمَعْنى: سَنَدْعُو الزَبانِيَةَ لِعَذابِ هَذا الَّذِي يَدْعُو نادِيَهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلْيَدْعُ إلى نادِيهِ".
ثُمَّ قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ "كَلّا" رَدًّا عَلى قَوْلِ هَذا الكافِرِ وأفْعالِهِ، "لا تُطِعْهُ"، أيْ: لا تَلْتَفِتٍ إلى نَهْيِهِ وكَلامِهِ، "واسْجُدْ" لِرَبِّكَ، ﴿واقْتَرِبْ﴾ إلَيْهِ بِسُجُودِكَ وبِالطاعَةِ وبِالأعْمالِ الصالِحَةِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ إذا سَجَدَ، فَأكْثِرُوا مِنَ الدُعاءِ في السُجُودِ، فَقُمْنَ أنْ يُسْتَجابَ لَكُمْ".» وقالَ مُجاهِدٌ، قالَ: ألَمْ تَسْمَعُوا "واسْجُدْ واقْتَرِبْ"، ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "واسْجُدْ" خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّ "اقْتَرِبْ" خِطابٌ لِأبِي جَهْلٍ، أيْ إنْ كُنْتَ تَجْتَرِئُ حَتّى تَرى كَيْفَ تَهْلَكُ.
وهَذِهِ السُورَةُ فِيها سَجْدَةٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ ابْنُ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ[القَلَمِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
العلق 96:9
(p-٦٥١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ [سُورَةِ العَلَقِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، نَزَلَ صَدْرُها في غارِ حِراءٍ حَسَبَما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وغَيْرِهِ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ: "يا أيُّها المُدَّثِرُ"،» وقالَ أبُو مَيْسَرَةَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ فاتِحَةُ الكِتابِ والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، والتَرْتِيبُ في أخْبارِ النَبِيِّ ﷺ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أو أمَرَ بِالتَقْوى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ ﴿كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالناصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ﴾ ﴿كَلا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾
فِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: « "أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ (p-٦٥٢)رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُؤْيا الصالِحَةُ، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ التَحَنُّثُ في غارِ حِراءٍ، فَكانَ يَخْلُو فِيهِ يَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ حَتّى جاءَهُ المَلَكُ وهو في غارِ حِراءٍ، فَقالَ لَهُ: اقْرَأْ، فَقالَ: ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطِّنِي ثُمَّ كَذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ لَهُ في الثالِثَةِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ،﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ،﴾ قالَ فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهَ عَيْه وسَلَّمَ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ"» الحَدِيثُ بِطُولِهِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، اقْرَأْ هَذا القُرْآنَ بِاسْمِ رَبِّكَ، أيِ ابْدَأْ فِعْلَكَ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ﴾ [هود: ٤١] هَذا وجْهٌ. ووَجْهٌ آخَرُ في "كِتابِ الثَعْلَبِيِّ " أنْ يَكُونَ المَقْرُوءُ الَّذِي أمَرَ بِقِراءَتِهِ هو بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: اقْرَأْ هَذِه اللَفْظَةَ، ولَمّا ذَكَرَ "الرَبُّ" وكانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تُسَمِّي الأصْنامَ أرْبابًا جاءَ بِالصِفَةِ الَّتِي لا شَرِكَةَ لِلْأصْنامِ فِيها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: "الَّذِي خَلَقَ"، ثُمَّ مَثَّلَ لَهم مِنَ المَخْلُوقاتِ ما لا مُدافَعَةَ فِيهِ، وما يَجِدُهُ كُلُّ مَفْطُورٍ في نَفْسِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾، وخِلْقَةُ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ العِبَرِ حَتّى أنَّهُ لَيْسَ في المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَدَيْنا أكْثَرَ عِبَرًا مِنهُ في عَقْلِهِ وإدْراكِهِ ورِباطاتِ بَدَنِهِ وعِظامِهِ، والعَلَقُ جَمْعُ عَلَقَةٍ، وهي القِطْعَةُ اليَسِيرَةُ مِنَ الدَمِ، و"الإنْسانُ" - هُنا - اسْمُ الجِنْسِ، ويَمْشِي الذِهْنُ مَعَهُ إلى جَمِيعِ الحَيَوانِ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن طِينٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَرَّرًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَلِذَلِكَ تَرَكَ أصْلَ الخِلْقَةِ وسِيقَ لَهُمُ الفَرْعُ الَّذِي هم بِهِ مُقِرُّونَ تَقْرِيبًا لِأفْهامِهِمْ.
(p-٦٥٣)ثُمَّ قالَ تَعالى لَهُ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ عَلى جِهَةِ التَأْنِيسِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: امْضِ لِما أُمِرْتَ بِهِ، ورَبُّكَ لَيْسَ كَهَذِهِ الأرْبابِ، بَلْ هو الأكْرَمُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ، فَهو يَنْصُرُكَ ويَظْهَرُكَ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى نِعْمَةَ الكِتابِ بِالقَلَمِ عَلى الناسِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ وأعْظَمُ مَنفَعَةً في المُخاطَباتِ وتَخْلِيدِ المَعارِفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾، قِيلَ: المُرادُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقِيلَ: اسْمُ الجِنْسِ، وهو الأظْهَرُ، وعَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ اكْتِسابَ المَعارِفِ بَعْدَ جَهْلِهِ بِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ﴾ الآيَةُ.. نَزَلَ بَعْدَ مُدَّةٍ مِن شَأْنِ أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ طَغى لِغِناهُ، ولِكَثْرَةِ مَن يُغْشى نادِيَهُ مِنَ الناسِ، فَناصَبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ العَداوَةَ، ونَهاهُ عَنِ الصَلاةِ في المَسْجِدِ، ويُرْوى أنَّهُ قالَ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يَسْجُدُ عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ، فَيُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَدَّ عَلَيْهِ القَوْلَ وانْتَهَرَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أيَتَوَعَّدُنِي مُحَمَّدٌ واللهِ ما بِالوادِي أعْظَمُ نَدِيًّا مِنِّي؟ ورَوى أيْضًا أنَّهُ جاءَ والنَبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، وهَمَّ بِأنْ يَصِلَ إلَيْهِ ويَمْنَعَهُ مِنَ الصَلاةِ، ثُمَّ كَعَّ عنهُ وانْصَرَفَ، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا؟ فَقالَ: لَقَدِ اعْتَرَضَ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقٌ مِن نارٍ وهَوْلٌ وأجْنِحَةٌ ويُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لَوْ دَنا مِنِّي لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عَيانًا"،» فَهَذِهِ السُورَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كَلّا" إلى آخِرِها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ. و"كَلّا" هي رَدٌّ عَلى أقْوالِ أبِي جَهْلٍ وأفْعالِهِ، ويَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "حَقًّا"، فَهي تَثْبِيتٌ لِما بَعْدَها مِنَ القَوْلِ. و"الطُغْيانُ" تَجاوُزُ الحُدُودِ الجَمِيلَةِ، و"الغِنى" مُطْغٍ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ تَعالى، و"الضَمِيرُ في "رَآهُ" (p-٦٥٤)لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قالَ: أنْ رَأى نَفْسَهُ غَنِيًّا، وهي رُؤْيَةُ قَلْبٍ تُقَرِّبُ مِنَ العِلْمِ، وكَذَلِكَ جازَ أنْ يَعْمَلَ فِعْلُ الفاعِلِ في نَفْسِهِ، كَما تَقُولُ: وجَدْتُنِي وظَنَنْتُنِي، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتُنِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْ رَآهُ" بِالمَدِّ عَلى وزْنِ "رَعاهُ"، واخْتَلَفُوا في الإمالَةِ وتَرْكِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -مِن طَرِيقِ قُنْبُلٍ -: "أنْ رَأهُ"، دُونَ مَدٍّ، عَلى وزْنِ "رَعَهُ"، عَلى حَذْفِ لامِ الفِعْلِ، وذَلِكَ تَخْفِيفٌ.
ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى غِنى هَذا الإنْسانِ وحالَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾، أيِ الحَشْرُ والبَعْثُ يَوْمُ القِيامَةِ، و"الرُجْعى" مَصْدَرٌ كالرُجُوعِ، وهو عَلى وزْنِ العُقْبى ونَحْوِهِ، وفي هَذا الخَبَرِ وعِيدٌ لِلطّاغِينَ مِنَ الناسِ.
الناهِي أبُو جَهْلٍ، وأنَّ العَبْدَ المُصَلِّيَ مُحَمَّدٌ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أرَأيْتَ" تَوْقِيفٌ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ عَلى حَدِّ الرُؤْيَةِ مِنَ العِلْمِ، بَلْ يَقْتَصِرُ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ إكْمالٌ لِلتَّوْبِيخِ والوَعِيدِ بِحَسَبِ التَوْقِيفاتِ الثَلاثَةِ يَصْلُحُ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَجاءَ بِها في نَسَقٍ، ثُمَّ جاءَ بِالوَعِيدِ الكافِي لِجَمِيعِها اخْتِصارًا واقْتِضابًا، ومَعَ كُلِّ تَقْرِيرٍ مِنَ الثَلاثَةِ تَكْمِلَةٌ مَقَدَّرَةٌ تَتَّسِعُ العَبّاراتُ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: "ألَمْ يَعْلَمْ" دالٌّ عَلَيْها مُغْنٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنْ كانَ" يَعْنِي العَبْدَ المُصَلِّي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي الإنْسانَ الَّذِي يَنْهى، ونَسَبَ تَعالى الرُؤْيَةَ إلى اللهِ تَعالى بِمَعْنى: يُدْرِكُ أعْمالَ الجَمِيعِ بِإدْراكٍ سَمّاهُ رُؤْيَةً، واللهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُماثَلَةِ المُحْدَثاتِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهُ تَعالى -إنْ لَمْ يَنْتَهِ- بِأنْ يُؤْخَذَ بِناصِيَتِهِ فَيُجَرَّ إلى جَهَنَّمَ ذَلِيلًا، تَقُولُ العَرَبُ: "سَفَعْتُ بِيَدِي ناصِيَةَ الفَرَسِ، والرِجْلِ" إذا جَذَبْتَها مُذَلِّلًا لَهُ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ قَوْمٌ إذا سَمِعُوا الصِياحَ رَأيْتَهم ما بَيْنَ مُلْجِمٍ مُهْرَهُ أو سافِعُ
(p-٦٥٥)فالآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١]. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: بِالتَفْسِيرِ "لَنَسْفَعًا" مَعْناهُ: لِنَحْرِقَنَّ، مِن قَوْلِهِمْ: "سَفْعَتْهُ النارُ" إذا أحْرَقَتْهُ، واكْتَفى بِذِكْرِ الناصِيَةِ لِدَلالَتِها عَلى الوَجْهِ والرَأْسِ. وجاءَ "لَنَسْفَعًا" في خَطِّ المُصْحَفِ بِألِفٍ بَدَلَ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ هارُونَ-: "لَنَسْفَعَنَّ" مُثْقَلَةَ النُونِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "لَأسْفَعَنَّ بِالناصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ فاجِرَةٍ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: [ناصِيَةً كاذِبَةً خاطِئَةً] بِالنَصْبِ في الثَلاثَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ بِالرَفْعِ فِيها كُلَّها. و"الناصِيَةُ" مُقَدَّمُ شَعْرِ الرَأْسِ، ثُمَّ أبْدَلَ تَعالى النَكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾، ووَصَفَها بِالكَذِبِ والخَطَأِ مِن حَيْثُ صِفَةً لِصاحِبِها، كَما تَقُولُ: يَدٌ سارِقَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: "وَما بِالوادِي أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي"، والنادِيَ والنَدى: المَجْلِسُ، ومِنهُ: دارُ النَدْوَةِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ وفِيهِمْ مَقاماتُ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: "سَيِّدُ نادِيهِ، وثِمالُ عافِيهِ".
و"الزَبانِيَةُ" مَلائِكَةُ العَذابِ، واحِدُهم "زَبَنِيَةٌ"، وقالَ الكِسائِيُّ: "زِبْنِي"، وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ الأخْفَشُ: "زابِنٌ"، وهُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الناسَ في النارِ، والزَبْنُ: الدَفْعُ، ومِنهُ "حَرْبٌ زَبُونٌ"، أيْ: تَدْفَعُ الناسَ في نَفْسِها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ومُسْتَعْجِبٍ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ∗∗∗ ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمُ
(p-٦٥٦)وَمِنهُ قَوْلُ عُتْبَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ: "وَقَدْ زَبَتْنا الحَرْبُ وزَبْنّاها، فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ عَدَتْنِي عن زِيارَتِكَ العَوادِي ∗∗∗ وحالَتْ بَيْنَنا حَرْبٌ زَبُونُ
وحُذِفَ الواوُ مِن "سَنَدْعُ" في خَطِّ المُصْحَفِ اخْتِصارًا وتَخْفِيفًا، والمَعْنى: سَنَدْعُو الزَبانِيَةَ لِعَذابِ هَذا الَّذِي يَدْعُو نادِيَهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلْيَدْعُ إلى نادِيهِ".
ثُمَّ قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ "كَلّا" رَدًّا عَلى قَوْلِ هَذا الكافِرِ وأفْعالِهِ، "لا تُطِعْهُ"، أيْ: لا تَلْتَفِتٍ إلى نَهْيِهِ وكَلامِهِ، "واسْجُدْ" لِرَبِّكَ، ﴿واقْتَرِبْ﴾ إلَيْهِ بِسُجُودِكَ وبِالطاعَةِ وبِالأعْمالِ الصالِحَةِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ إذا سَجَدَ، فَأكْثِرُوا مِنَ الدُعاءِ في السُجُودِ، فَقُمْنَ أنْ يُسْتَجابَ لَكُمْ".» وقالَ مُجاهِدٌ، قالَ: ألَمْ تَسْمَعُوا "واسْجُدْ واقْتَرِبْ"، ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "واسْجُدْ" خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّ "اقْتَرِبْ" خِطابٌ لِأبِي جَهْلٍ، أيْ إنْ كُنْتَ تَجْتَرِئُ حَتّى تَرى كَيْفَ تَهْلَكُ.
وهَذِهِ السُورَةُ فِيها سَجْدَةٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ ابْنُ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ[القَلَمِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
العلق 96:10
(p-٦٥١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ [سُورَةِ العَلَقِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، نَزَلَ صَدْرُها في غارِ حِراءٍ حَسَبَما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وغَيْرِهِ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ: "يا أيُّها المُدَّثِرُ"،» وقالَ أبُو مَيْسَرَةَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ فاتِحَةُ الكِتابِ والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، والتَرْتِيبُ في أخْبارِ النَبِيِّ ﷺ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أو أمَرَ بِالتَقْوى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ ﴿كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالناصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ﴾ ﴿كَلا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾
فِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: « "أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ (p-٦٥٢)رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُؤْيا الصالِحَةُ، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ التَحَنُّثُ في غارِ حِراءٍ، فَكانَ يَخْلُو فِيهِ يَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ حَتّى جاءَهُ المَلَكُ وهو في غارِ حِراءٍ، فَقالَ لَهُ: اقْرَأْ، فَقالَ: ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطِّنِي ثُمَّ كَذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ لَهُ في الثالِثَةِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ،﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ،﴾ قالَ فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهَ عَيْه وسَلَّمَ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ"» الحَدِيثُ بِطُولِهِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، اقْرَأْ هَذا القُرْآنَ بِاسْمِ رَبِّكَ، أيِ ابْدَأْ فِعْلَكَ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ﴾ [هود: ٤١] هَذا وجْهٌ. ووَجْهٌ آخَرُ في "كِتابِ الثَعْلَبِيِّ " أنْ يَكُونَ المَقْرُوءُ الَّذِي أمَرَ بِقِراءَتِهِ هو بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: اقْرَأْ هَذِه اللَفْظَةَ، ولَمّا ذَكَرَ "الرَبُّ" وكانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تُسَمِّي الأصْنامَ أرْبابًا جاءَ بِالصِفَةِ الَّتِي لا شَرِكَةَ لِلْأصْنامِ فِيها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: "الَّذِي خَلَقَ"، ثُمَّ مَثَّلَ لَهم مِنَ المَخْلُوقاتِ ما لا مُدافَعَةَ فِيهِ، وما يَجِدُهُ كُلُّ مَفْطُورٍ في نَفْسِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾، وخِلْقَةُ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ العِبَرِ حَتّى أنَّهُ لَيْسَ في المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَدَيْنا أكْثَرَ عِبَرًا مِنهُ في عَقْلِهِ وإدْراكِهِ ورِباطاتِ بَدَنِهِ وعِظامِهِ، والعَلَقُ جَمْعُ عَلَقَةٍ، وهي القِطْعَةُ اليَسِيرَةُ مِنَ الدَمِ، و"الإنْسانُ" - هُنا - اسْمُ الجِنْسِ، ويَمْشِي الذِهْنُ مَعَهُ إلى جَمِيعِ الحَيَوانِ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن طِينٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَرَّرًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَلِذَلِكَ تَرَكَ أصْلَ الخِلْقَةِ وسِيقَ لَهُمُ الفَرْعُ الَّذِي هم بِهِ مُقِرُّونَ تَقْرِيبًا لِأفْهامِهِمْ.
(p-٦٥٣)ثُمَّ قالَ تَعالى لَهُ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ عَلى جِهَةِ التَأْنِيسِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: امْضِ لِما أُمِرْتَ بِهِ، ورَبُّكَ لَيْسَ كَهَذِهِ الأرْبابِ، بَلْ هو الأكْرَمُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ، فَهو يَنْصُرُكَ ويَظْهَرُكَ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى نِعْمَةَ الكِتابِ بِالقَلَمِ عَلى الناسِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ وأعْظَمُ مَنفَعَةً في المُخاطَباتِ وتَخْلِيدِ المَعارِفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾، قِيلَ: المُرادُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقِيلَ: اسْمُ الجِنْسِ، وهو الأظْهَرُ، وعَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ اكْتِسابَ المَعارِفِ بَعْدَ جَهْلِهِ بِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ﴾ الآيَةُ.. نَزَلَ بَعْدَ مُدَّةٍ مِن شَأْنِ أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ طَغى لِغِناهُ، ولِكَثْرَةِ مَن يُغْشى نادِيَهُ مِنَ الناسِ، فَناصَبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ العَداوَةَ، ونَهاهُ عَنِ الصَلاةِ في المَسْجِدِ، ويُرْوى أنَّهُ قالَ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يَسْجُدُ عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ، فَيُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَدَّ عَلَيْهِ القَوْلَ وانْتَهَرَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أيَتَوَعَّدُنِي مُحَمَّدٌ واللهِ ما بِالوادِي أعْظَمُ نَدِيًّا مِنِّي؟ ورَوى أيْضًا أنَّهُ جاءَ والنَبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، وهَمَّ بِأنْ يَصِلَ إلَيْهِ ويَمْنَعَهُ مِنَ الصَلاةِ، ثُمَّ كَعَّ عنهُ وانْصَرَفَ، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا؟ فَقالَ: لَقَدِ اعْتَرَضَ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقٌ مِن نارٍ وهَوْلٌ وأجْنِحَةٌ ويُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لَوْ دَنا مِنِّي لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عَيانًا"،» فَهَذِهِ السُورَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كَلّا" إلى آخِرِها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ. و"كَلّا" هي رَدٌّ عَلى أقْوالِ أبِي جَهْلٍ وأفْعالِهِ، ويَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "حَقًّا"، فَهي تَثْبِيتٌ لِما بَعْدَها مِنَ القَوْلِ. و"الطُغْيانُ" تَجاوُزُ الحُدُودِ الجَمِيلَةِ، و"الغِنى" مُطْغٍ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ تَعالى، و"الضَمِيرُ في "رَآهُ" (p-٦٥٤)لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قالَ: أنْ رَأى نَفْسَهُ غَنِيًّا، وهي رُؤْيَةُ قَلْبٍ تُقَرِّبُ مِنَ العِلْمِ، وكَذَلِكَ جازَ أنْ يَعْمَلَ فِعْلُ الفاعِلِ في نَفْسِهِ، كَما تَقُولُ: وجَدْتُنِي وظَنَنْتُنِي، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتُنِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْ رَآهُ" بِالمَدِّ عَلى وزْنِ "رَعاهُ"، واخْتَلَفُوا في الإمالَةِ وتَرْكِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -مِن طَرِيقِ قُنْبُلٍ -: "أنْ رَأهُ"، دُونَ مَدٍّ، عَلى وزْنِ "رَعَهُ"، عَلى حَذْفِ لامِ الفِعْلِ، وذَلِكَ تَخْفِيفٌ.
ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى غِنى هَذا الإنْسانِ وحالَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾، أيِ الحَشْرُ والبَعْثُ يَوْمُ القِيامَةِ، و"الرُجْعى" مَصْدَرٌ كالرُجُوعِ، وهو عَلى وزْنِ العُقْبى ونَحْوِهِ، وفي هَذا الخَبَرِ وعِيدٌ لِلطّاغِينَ مِنَ الناسِ.
الناهِي أبُو جَهْلٍ، وأنَّ العَبْدَ المُصَلِّيَ مُحَمَّدٌ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أرَأيْتَ" تَوْقِيفٌ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ عَلى حَدِّ الرُؤْيَةِ مِنَ العِلْمِ، بَلْ يَقْتَصِرُ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ إكْمالٌ لِلتَّوْبِيخِ والوَعِيدِ بِحَسَبِ التَوْقِيفاتِ الثَلاثَةِ يَصْلُحُ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَجاءَ بِها في نَسَقٍ، ثُمَّ جاءَ بِالوَعِيدِ الكافِي لِجَمِيعِها اخْتِصارًا واقْتِضابًا، ومَعَ كُلِّ تَقْرِيرٍ مِنَ الثَلاثَةِ تَكْمِلَةٌ مَقَدَّرَةٌ تَتَّسِعُ العَبّاراتُ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: "ألَمْ يَعْلَمْ" دالٌّ عَلَيْها مُغْنٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنْ كانَ" يَعْنِي العَبْدَ المُصَلِّي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي الإنْسانَ الَّذِي يَنْهى، ونَسَبَ تَعالى الرُؤْيَةَ إلى اللهِ تَعالى بِمَعْنى: يُدْرِكُ أعْمالَ الجَمِيعِ بِإدْراكٍ سَمّاهُ رُؤْيَةً، واللهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُماثَلَةِ المُحْدَثاتِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهُ تَعالى -إنْ لَمْ يَنْتَهِ- بِأنْ يُؤْخَذَ بِناصِيَتِهِ فَيُجَرَّ إلى جَهَنَّمَ ذَلِيلًا، تَقُولُ العَرَبُ: "سَفَعْتُ بِيَدِي ناصِيَةَ الفَرَسِ، والرِجْلِ" إذا جَذَبْتَها مُذَلِّلًا لَهُ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ قَوْمٌ إذا سَمِعُوا الصِياحَ رَأيْتَهم ما بَيْنَ مُلْجِمٍ مُهْرَهُ أو سافِعُ
(p-٦٥٥)فالآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١]. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: بِالتَفْسِيرِ "لَنَسْفَعًا" مَعْناهُ: لِنَحْرِقَنَّ، مِن قَوْلِهِمْ: "سَفْعَتْهُ النارُ" إذا أحْرَقَتْهُ، واكْتَفى بِذِكْرِ الناصِيَةِ لِدَلالَتِها عَلى الوَجْهِ والرَأْسِ. وجاءَ "لَنَسْفَعًا" في خَطِّ المُصْحَفِ بِألِفٍ بَدَلَ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ هارُونَ-: "لَنَسْفَعَنَّ" مُثْقَلَةَ النُونِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "لَأسْفَعَنَّ بِالناصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ فاجِرَةٍ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: [ناصِيَةً كاذِبَةً خاطِئَةً] بِالنَصْبِ في الثَلاثَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ بِالرَفْعِ فِيها كُلَّها. و"الناصِيَةُ" مُقَدَّمُ شَعْرِ الرَأْسِ، ثُمَّ أبْدَلَ تَعالى النَكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾، ووَصَفَها بِالكَذِبِ والخَطَأِ مِن حَيْثُ صِفَةً لِصاحِبِها، كَما تَقُولُ: يَدٌ سارِقَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: "وَما بِالوادِي أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي"، والنادِيَ والنَدى: المَجْلِسُ، ومِنهُ: دارُ النَدْوَةِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ وفِيهِمْ مَقاماتُ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: "سَيِّدُ نادِيهِ، وثِمالُ عافِيهِ".
و"الزَبانِيَةُ" مَلائِكَةُ العَذابِ، واحِدُهم "زَبَنِيَةٌ"، وقالَ الكِسائِيُّ: "زِبْنِي"، وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ الأخْفَشُ: "زابِنٌ"، وهُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الناسَ في النارِ، والزَبْنُ: الدَفْعُ، ومِنهُ "حَرْبٌ زَبُونٌ"، أيْ: تَدْفَعُ الناسَ في نَفْسِها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ومُسْتَعْجِبٍ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ∗∗∗ ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمُ
(p-٦٥٦)وَمِنهُ قَوْلُ عُتْبَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ: "وَقَدْ زَبَتْنا الحَرْبُ وزَبْنّاها، فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ عَدَتْنِي عن زِيارَتِكَ العَوادِي ∗∗∗ وحالَتْ بَيْنَنا حَرْبٌ زَبُونُ
وحُذِفَ الواوُ مِن "سَنَدْعُ" في خَطِّ المُصْحَفِ اخْتِصارًا وتَخْفِيفًا، والمَعْنى: سَنَدْعُو الزَبانِيَةَ لِعَذابِ هَذا الَّذِي يَدْعُو نادِيَهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلْيَدْعُ إلى نادِيهِ".
ثُمَّ قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ "كَلّا" رَدًّا عَلى قَوْلِ هَذا الكافِرِ وأفْعالِهِ، "لا تُطِعْهُ"، أيْ: لا تَلْتَفِتٍ إلى نَهْيِهِ وكَلامِهِ، "واسْجُدْ" لِرَبِّكَ، ﴿واقْتَرِبْ﴾ إلَيْهِ بِسُجُودِكَ وبِالطاعَةِ وبِالأعْمالِ الصالِحَةِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ إذا سَجَدَ، فَأكْثِرُوا مِنَ الدُعاءِ في السُجُودِ، فَقُمْنَ أنْ يُسْتَجابَ لَكُمْ".» وقالَ مُجاهِدٌ، قالَ: ألَمْ تَسْمَعُوا "واسْجُدْ واقْتَرِبْ"، ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "واسْجُدْ" خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّ "اقْتَرِبْ" خِطابٌ لِأبِي جَهْلٍ، أيْ إنْ كُنْتَ تَجْتَرِئُ حَتّى تَرى كَيْفَ تَهْلَكُ.
وهَذِهِ السُورَةُ فِيها سَجْدَةٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ ابْنُ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ[القَلَمِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
العلق 96:11
(p-٦٥١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ [سُورَةِ العَلَقِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، نَزَلَ صَدْرُها في غارِ حِراءٍ حَسَبَما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وغَيْرِهِ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ: "يا أيُّها المُدَّثِرُ"،» وقالَ أبُو مَيْسَرَةَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ فاتِحَةُ الكِتابِ والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، والتَرْتِيبُ في أخْبارِ النَبِيِّ ﷺ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أو أمَرَ بِالتَقْوى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ ﴿كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالناصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ﴾ ﴿كَلا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾
فِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: « "أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ (p-٦٥٢)رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُؤْيا الصالِحَةُ، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ التَحَنُّثُ في غارِ حِراءٍ، فَكانَ يَخْلُو فِيهِ يَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ حَتّى جاءَهُ المَلَكُ وهو في غارِ حِراءٍ، فَقالَ لَهُ: اقْرَأْ، فَقالَ: ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطِّنِي ثُمَّ كَذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ لَهُ في الثالِثَةِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ،﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ،﴾ قالَ فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهَ عَيْه وسَلَّمَ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ"» الحَدِيثُ بِطُولِهِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، اقْرَأْ هَذا القُرْآنَ بِاسْمِ رَبِّكَ، أيِ ابْدَأْ فِعْلَكَ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ﴾ [هود: ٤١] هَذا وجْهٌ. ووَجْهٌ آخَرُ في "كِتابِ الثَعْلَبِيِّ " أنْ يَكُونَ المَقْرُوءُ الَّذِي أمَرَ بِقِراءَتِهِ هو بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: اقْرَأْ هَذِه اللَفْظَةَ، ولَمّا ذَكَرَ "الرَبُّ" وكانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تُسَمِّي الأصْنامَ أرْبابًا جاءَ بِالصِفَةِ الَّتِي لا شَرِكَةَ لِلْأصْنامِ فِيها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: "الَّذِي خَلَقَ"، ثُمَّ مَثَّلَ لَهم مِنَ المَخْلُوقاتِ ما لا مُدافَعَةَ فِيهِ، وما يَجِدُهُ كُلُّ مَفْطُورٍ في نَفْسِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾، وخِلْقَةُ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ العِبَرِ حَتّى أنَّهُ لَيْسَ في المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَدَيْنا أكْثَرَ عِبَرًا مِنهُ في عَقْلِهِ وإدْراكِهِ ورِباطاتِ بَدَنِهِ وعِظامِهِ، والعَلَقُ جَمْعُ عَلَقَةٍ، وهي القِطْعَةُ اليَسِيرَةُ مِنَ الدَمِ، و"الإنْسانُ" - هُنا - اسْمُ الجِنْسِ، ويَمْشِي الذِهْنُ مَعَهُ إلى جَمِيعِ الحَيَوانِ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن طِينٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَرَّرًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَلِذَلِكَ تَرَكَ أصْلَ الخِلْقَةِ وسِيقَ لَهُمُ الفَرْعُ الَّذِي هم بِهِ مُقِرُّونَ تَقْرِيبًا لِأفْهامِهِمْ.
(p-٦٥٣)ثُمَّ قالَ تَعالى لَهُ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ عَلى جِهَةِ التَأْنِيسِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: امْضِ لِما أُمِرْتَ بِهِ، ورَبُّكَ لَيْسَ كَهَذِهِ الأرْبابِ، بَلْ هو الأكْرَمُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ، فَهو يَنْصُرُكَ ويَظْهَرُكَ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى نِعْمَةَ الكِتابِ بِالقَلَمِ عَلى الناسِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ وأعْظَمُ مَنفَعَةً في المُخاطَباتِ وتَخْلِيدِ المَعارِفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾، قِيلَ: المُرادُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقِيلَ: اسْمُ الجِنْسِ، وهو الأظْهَرُ، وعَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ اكْتِسابَ المَعارِفِ بَعْدَ جَهْلِهِ بِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ﴾ الآيَةُ.. نَزَلَ بَعْدَ مُدَّةٍ مِن شَأْنِ أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ طَغى لِغِناهُ، ولِكَثْرَةِ مَن يُغْشى نادِيَهُ مِنَ الناسِ، فَناصَبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ العَداوَةَ، ونَهاهُ عَنِ الصَلاةِ في المَسْجِدِ، ويُرْوى أنَّهُ قالَ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يَسْجُدُ عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ، فَيُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَدَّ عَلَيْهِ القَوْلَ وانْتَهَرَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أيَتَوَعَّدُنِي مُحَمَّدٌ واللهِ ما بِالوادِي أعْظَمُ نَدِيًّا مِنِّي؟ ورَوى أيْضًا أنَّهُ جاءَ والنَبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، وهَمَّ بِأنْ يَصِلَ إلَيْهِ ويَمْنَعَهُ مِنَ الصَلاةِ، ثُمَّ كَعَّ عنهُ وانْصَرَفَ، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا؟ فَقالَ: لَقَدِ اعْتَرَضَ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقٌ مِن نارٍ وهَوْلٌ وأجْنِحَةٌ ويُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لَوْ دَنا مِنِّي لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عَيانًا"،» فَهَذِهِ السُورَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كَلّا" إلى آخِرِها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ. و"كَلّا" هي رَدٌّ عَلى أقْوالِ أبِي جَهْلٍ وأفْعالِهِ، ويَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "حَقًّا"، فَهي تَثْبِيتٌ لِما بَعْدَها مِنَ القَوْلِ. و"الطُغْيانُ" تَجاوُزُ الحُدُودِ الجَمِيلَةِ، و"الغِنى" مُطْغٍ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ تَعالى، و"الضَمِيرُ في "رَآهُ" (p-٦٥٤)لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قالَ: أنْ رَأى نَفْسَهُ غَنِيًّا، وهي رُؤْيَةُ قَلْبٍ تُقَرِّبُ مِنَ العِلْمِ، وكَذَلِكَ جازَ أنْ يَعْمَلَ فِعْلُ الفاعِلِ في نَفْسِهِ، كَما تَقُولُ: وجَدْتُنِي وظَنَنْتُنِي، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتُنِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْ رَآهُ" بِالمَدِّ عَلى وزْنِ "رَعاهُ"، واخْتَلَفُوا في الإمالَةِ وتَرْكِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -مِن طَرِيقِ قُنْبُلٍ -: "أنْ رَأهُ"، دُونَ مَدٍّ، عَلى وزْنِ "رَعَهُ"، عَلى حَذْفِ لامِ الفِعْلِ، وذَلِكَ تَخْفِيفٌ.
ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى غِنى هَذا الإنْسانِ وحالَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾، أيِ الحَشْرُ والبَعْثُ يَوْمُ القِيامَةِ، و"الرُجْعى" مَصْدَرٌ كالرُجُوعِ، وهو عَلى وزْنِ العُقْبى ونَحْوِهِ، وفي هَذا الخَبَرِ وعِيدٌ لِلطّاغِينَ مِنَ الناسِ.
الناهِي أبُو جَهْلٍ، وأنَّ العَبْدَ المُصَلِّيَ مُحَمَّدٌ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أرَأيْتَ" تَوْقِيفٌ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ عَلى حَدِّ الرُؤْيَةِ مِنَ العِلْمِ، بَلْ يَقْتَصِرُ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ إكْمالٌ لِلتَّوْبِيخِ والوَعِيدِ بِحَسَبِ التَوْقِيفاتِ الثَلاثَةِ يَصْلُحُ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَجاءَ بِها في نَسَقٍ، ثُمَّ جاءَ بِالوَعِيدِ الكافِي لِجَمِيعِها اخْتِصارًا واقْتِضابًا، ومَعَ كُلِّ تَقْرِيرٍ مِنَ الثَلاثَةِ تَكْمِلَةٌ مَقَدَّرَةٌ تَتَّسِعُ العَبّاراتُ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: "ألَمْ يَعْلَمْ" دالٌّ عَلَيْها مُغْنٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنْ كانَ" يَعْنِي العَبْدَ المُصَلِّي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي الإنْسانَ الَّذِي يَنْهى، ونَسَبَ تَعالى الرُؤْيَةَ إلى اللهِ تَعالى بِمَعْنى: يُدْرِكُ أعْمالَ الجَمِيعِ بِإدْراكٍ سَمّاهُ رُؤْيَةً، واللهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُماثَلَةِ المُحْدَثاتِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهُ تَعالى -إنْ لَمْ يَنْتَهِ- بِأنْ يُؤْخَذَ بِناصِيَتِهِ فَيُجَرَّ إلى جَهَنَّمَ ذَلِيلًا، تَقُولُ العَرَبُ: "سَفَعْتُ بِيَدِي ناصِيَةَ الفَرَسِ، والرِجْلِ" إذا جَذَبْتَها مُذَلِّلًا لَهُ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ قَوْمٌ إذا سَمِعُوا الصِياحَ رَأيْتَهم ما بَيْنَ مُلْجِمٍ مُهْرَهُ أو سافِعُ
(p-٦٥٥)فالآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١]. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: بِالتَفْسِيرِ "لَنَسْفَعًا" مَعْناهُ: لِنَحْرِقَنَّ، مِن قَوْلِهِمْ: "سَفْعَتْهُ النارُ" إذا أحْرَقَتْهُ، واكْتَفى بِذِكْرِ الناصِيَةِ لِدَلالَتِها عَلى الوَجْهِ والرَأْسِ. وجاءَ "لَنَسْفَعًا" في خَطِّ المُصْحَفِ بِألِفٍ بَدَلَ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ هارُونَ-: "لَنَسْفَعَنَّ" مُثْقَلَةَ النُونِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "لَأسْفَعَنَّ بِالناصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ فاجِرَةٍ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: [ناصِيَةً كاذِبَةً خاطِئَةً] بِالنَصْبِ في الثَلاثَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ بِالرَفْعِ فِيها كُلَّها. و"الناصِيَةُ" مُقَدَّمُ شَعْرِ الرَأْسِ، ثُمَّ أبْدَلَ تَعالى النَكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾، ووَصَفَها بِالكَذِبِ والخَطَأِ مِن حَيْثُ صِفَةً لِصاحِبِها، كَما تَقُولُ: يَدٌ سارِقَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: "وَما بِالوادِي أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي"، والنادِيَ والنَدى: المَجْلِسُ، ومِنهُ: دارُ النَدْوَةِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ وفِيهِمْ مَقاماتُ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: "سَيِّدُ نادِيهِ، وثِمالُ عافِيهِ".
و"الزَبانِيَةُ" مَلائِكَةُ العَذابِ، واحِدُهم "زَبَنِيَةٌ"، وقالَ الكِسائِيُّ: "زِبْنِي"، وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ الأخْفَشُ: "زابِنٌ"، وهُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الناسَ في النارِ، والزَبْنُ: الدَفْعُ، ومِنهُ "حَرْبٌ زَبُونٌ"، أيْ: تَدْفَعُ الناسَ في نَفْسِها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ومُسْتَعْجِبٍ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ∗∗∗ ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمُ
(p-٦٥٦)وَمِنهُ قَوْلُ عُتْبَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ: "وَقَدْ زَبَتْنا الحَرْبُ وزَبْنّاها، فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ عَدَتْنِي عن زِيارَتِكَ العَوادِي ∗∗∗ وحالَتْ بَيْنَنا حَرْبٌ زَبُونُ
وحُذِفَ الواوُ مِن "سَنَدْعُ" في خَطِّ المُصْحَفِ اخْتِصارًا وتَخْفِيفًا، والمَعْنى: سَنَدْعُو الزَبانِيَةَ لِعَذابِ هَذا الَّذِي يَدْعُو نادِيَهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلْيَدْعُ إلى نادِيهِ".
ثُمَّ قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ "كَلّا" رَدًّا عَلى قَوْلِ هَذا الكافِرِ وأفْعالِهِ، "لا تُطِعْهُ"، أيْ: لا تَلْتَفِتٍ إلى نَهْيِهِ وكَلامِهِ، "واسْجُدْ" لِرَبِّكَ، ﴿واقْتَرِبْ﴾ إلَيْهِ بِسُجُودِكَ وبِالطاعَةِ وبِالأعْمالِ الصالِحَةِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ إذا سَجَدَ، فَأكْثِرُوا مِنَ الدُعاءِ في السُجُودِ، فَقُمْنَ أنْ يُسْتَجابَ لَكُمْ".» وقالَ مُجاهِدٌ، قالَ: ألَمْ تَسْمَعُوا "واسْجُدْ واقْتَرِبْ"، ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "واسْجُدْ" خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّ "اقْتَرِبْ" خِطابٌ لِأبِي جَهْلٍ، أيْ إنْ كُنْتَ تَجْتَرِئُ حَتّى تَرى كَيْفَ تَهْلَكُ.
وهَذِهِ السُورَةُ فِيها سَجْدَةٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ ابْنُ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ[القَلَمِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
العلق 96:12
(p-٦٥١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ [سُورَةِ العَلَقِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، نَزَلَ صَدْرُها في غارِ حِراءٍ حَسَبَما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وغَيْرِهِ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ: "يا أيُّها المُدَّثِرُ"،» وقالَ أبُو مَيْسَرَةَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ فاتِحَةُ الكِتابِ والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، والتَرْتِيبُ في أخْبارِ النَبِيِّ ﷺ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أو أمَرَ بِالتَقْوى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ ﴿كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالناصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ﴾ ﴿كَلا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾
فِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: « "أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ (p-٦٥٢)رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُؤْيا الصالِحَةُ، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ التَحَنُّثُ في غارِ حِراءٍ، فَكانَ يَخْلُو فِيهِ يَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ حَتّى جاءَهُ المَلَكُ وهو في غارِ حِراءٍ، فَقالَ لَهُ: اقْرَأْ، فَقالَ: ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطِّنِي ثُمَّ كَذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ لَهُ في الثالِثَةِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ،﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ،﴾ قالَ فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهَ عَيْه وسَلَّمَ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ"» الحَدِيثُ بِطُولِهِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، اقْرَأْ هَذا القُرْآنَ بِاسْمِ رَبِّكَ، أيِ ابْدَأْ فِعْلَكَ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ﴾ [هود: ٤١] هَذا وجْهٌ. ووَجْهٌ آخَرُ في "كِتابِ الثَعْلَبِيِّ " أنْ يَكُونَ المَقْرُوءُ الَّذِي أمَرَ بِقِراءَتِهِ هو بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: اقْرَأْ هَذِه اللَفْظَةَ، ولَمّا ذَكَرَ "الرَبُّ" وكانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تُسَمِّي الأصْنامَ أرْبابًا جاءَ بِالصِفَةِ الَّتِي لا شَرِكَةَ لِلْأصْنامِ فِيها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: "الَّذِي خَلَقَ"، ثُمَّ مَثَّلَ لَهم مِنَ المَخْلُوقاتِ ما لا مُدافَعَةَ فِيهِ، وما يَجِدُهُ كُلُّ مَفْطُورٍ في نَفْسِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾، وخِلْقَةُ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ العِبَرِ حَتّى أنَّهُ لَيْسَ في المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَدَيْنا أكْثَرَ عِبَرًا مِنهُ في عَقْلِهِ وإدْراكِهِ ورِباطاتِ بَدَنِهِ وعِظامِهِ، والعَلَقُ جَمْعُ عَلَقَةٍ، وهي القِطْعَةُ اليَسِيرَةُ مِنَ الدَمِ، و"الإنْسانُ" - هُنا - اسْمُ الجِنْسِ، ويَمْشِي الذِهْنُ مَعَهُ إلى جَمِيعِ الحَيَوانِ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن طِينٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَرَّرًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَلِذَلِكَ تَرَكَ أصْلَ الخِلْقَةِ وسِيقَ لَهُمُ الفَرْعُ الَّذِي هم بِهِ مُقِرُّونَ تَقْرِيبًا لِأفْهامِهِمْ.
(p-٦٥٣)ثُمَّ قالَ تَعالى لَهُ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ عَلى جِهَةِ التَأْنِيسِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: امْضِ لِما أُمِرْتَ بِهِ، ورَبُّكَ لَيْسَ كَهَذِهِ الأرْبابِ، بَلْ هو الأكْرَمُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ، فَهو يَنْصُرُكَ ويَظْهَرُكَ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى نِعْمَةَ الكِتابِ بِالقَلَمِ عَلى الناسِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ وأعْظَمُ مَنفَعَةً في المُخاطَباتِ وتَخْلِيدِ المَعارِفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾، قِيلَ: المُرادُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقِيلَ: اسْمُ الجِنْسِ، وهو الأظْهَرُ، وعَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ اكْتِسابَ المَعارِفِ بَعْدَ جَهْلِهِ بِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ﴾ الآيَةُ.. نَزَلَ بَعْدَ مُدَّةٍ مِن شَأْنِ أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ طَغى لِغِناهُ، ولِكَثْرَةِ مَن يُغْشى نادِيَهُ مِنَ الناسِ، فَناصَبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ العَداوَةَ، ونَهاهُ عَنِ الصَلاةِ في المَسْجِدِ، ويُرْوى أنَّهُ قالَ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يَسْجُدُ عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ، فَيُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَدَّ عَلَيْهِ القَوْلَ وانْتَهَرَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أيَتَوَعَّدُنِي مُحَمَّدٌ واللهِ ما بِالوادِي أعْظَمُ نَدِيًّا مِنِّي؟ ورَوى أيْضًا أنَّهُ جاءَ والنَبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، وهَمَّ بِأنْ يَصِلَ إلَيْهِ ويَمْنَعَهُ مِنَ الصَلاةِ، ثُمَّ كَعَّ عنهُ وانْصَرَفَ، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا؟ فَقالَ: لَقَدِ اعْتَرَضَ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقٌ مِن نارٍ وهَوْلٌ وأجْنِحَةٌ ويُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لَوْ دَنا مِنِّي لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عَيانًا"،» فَهَذِهِ السُورَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كَلّا" إلى آخِرِها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ. و"كَلّا" هي رَدٌّ عَلى أقْوالِ أبِي جَهْلٍ وأفْعالِهِ، ويَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "حَقًّا"، فَهي تَثْبِيتٌ لِما بَعْدَها مِنَ القَوْلِ. و"الطُغْيانُ" تَجاوُزُ الحُدُودِ الجَمِيلَةِ، و"الغِنى" مُطْغٍ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ تَعالى، و"الضَمِيرُ في "رَآهُ" (p-٦٥٤)لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قالَ: أنْ رَأى نَفْسَهُ غَنِيًّا، وهي رُؤْيَةُ قَلْبٍ تُقَرِّبُ مِنَ العِلْمِ، وكَذَلِكَ جازَ أنْ يَعْمَلَ فِعْلُ الفاعِلِ في نَفْسِهِ، كَما تَقُولُ: وجَدْتُنِي وظَنَنْتُنِي، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتُنِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْ رَآهُ" بِالمَدِّ عَلى وزْنِ "رَعاهُ"، واخْتَلَفُوا في الإمالَةِ وتَرْكِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -مِن طَرِيقِ قُنْبُلٍ -: "أنْ رَأهُ"، دُونَ مَدٍّ، عَلى وزْنِ "رَعَهُ"، عَلى حَذْفِ لامِ الفِعْلِ، وذَلِكَ تَخْفِيفٌ.
ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى غِنى هَذا الإنْسانِ وحالَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾، أيِ الحَشْرُ والبَعْثُ يَوْمُ القِيامَةِ، و"الرُجْعى" مَصْدَرٌ كالرُجُوعِ، وهو عَلى وزْنِ العُقْبى ونَحْوِهِ، وفي هَذا الخَبَرِ وعِيدٌ لِلطّاغِينَ مِنَ الناسِ.
الناهِي أبُو جَهْلٍ، وأنَّ العَبْدَ المُصَلِّيَ مُحَمَّدٌ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أرَأيْتَ" تَوْقِيفٌ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ عَلى حَدِّ الرُؤْيَةِ مِنَ العِلْمِ، بَلْ يَقْتَصِرُ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ إكْمالٌ لِلتَّوْبِيخِ والوَعِيدِ بِحَسَبِ التَوْقِيفاتِ الثَلاثَةِ يَصْلُحُ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَجاءَ بِها في نَسَقٍ، ثُمَّ جاءَ بِالوَعِيدِ الكافِي لِجَمِيعِها اخْتِصارًا واقْتِضابًا، ومَعَ كُلِّ تَقْرِيرٍ مِنَ الثَلاثَةِ تَكْمِلَةٌ مَقَدَّرَةٌ تَتَّسِعُ العَبّاراتُ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: "ألَمْ يَعْلَمْ" دالٌّ عَلَيْها مُغْنٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنْ كانَ" يَعْنِي العَبْدَ المُصَلِّي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي الإنْسانَ الَّذِي يَنْهى، ونَسَبَ تَعالى الرُؤْيَةَ إلى اللهِ تَعالى بِمَعْنى: يُدْرِكُ أعْمالَ الجَمِيعِ بِإدْراكٍ سَمّاهُ رُؤْيَةً، واللهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُماثَلَةِ المُحْدَثاتِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهُ تَعالى -إنْ لَمْ يَنْتَهِ- بِأنْ يُؤْخَذَ بِناصِيَتِهِ فَيُجَرَّ إلى جَهَنَّمَ ذَلِيلًا، تَقُولُ العَرَبُ: "سَفَعْتُ بِيَدِي ناصِيَةَ الفَرَسِ، والرِجْلِ" إذا جَذَبْتَها مُذَلِّلًا لَهُ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ قَوْمٌ إذا سَمِعُوا الصِياحَ رَأيْتَهم ما بَيْنَ مُلْجِمٍ مُهْرَهُ أو سافِعُ
(p-٦٥٥)فالآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١]. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: بِالتَفْسِيرِ "لَنَسْفَعًا" مَعْناهُ: لِنَحْرِقَنَّ، مِن قَوْلِهِمْ: "سَفْعَتْهُ النارُ" إذا أحْرَقَتْهُ، واكْتَفى بِذِكْرِ الناصِيَةِ لِدَلالَتِها عَلى الوَجْهِ والرَأْسِ. وجاءَ "لَنَسْفَعًا" في خَطِّ المُصْحَفِ بِألِفٍ بَدَلَ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ هارُونَ-: "لَنَسْفَعَنَّ" مُثْقَلَةَ النُونِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "لَأسْفَعَنَّ بِالناصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ فاجِرَةٍ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: [ناصِيَةً كاذِبَةً خاطِئَةً] بِالنَصْبِ في الثَلاثَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ بِالرَفْعِ فِيها كُلَّها. و"الناصِيَةُ" مُقَدَّمُ شَعْرِ الرَأْسِ، ثُمَّ أبْدَلَ تَعالى النَكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾، ووَصَفَها بِالكَذِبِ والخَطَأِ مِن حَيْثُ صِفَةً لِصاحِبِها، كَما تَقُولُ: يَدٌ سارِقَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: "وَما بِالوادِي أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي"، والنادِيَ والنَدى: المَجْلِسُ، ومِنهُ: دارُ النَدْوَةِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ وفِيهِمْ مَقاماتُ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: "سَيِّدُ نادِيهِ، وثِمالُ عافِيهِ".
و"الزَبانِيَةُ" مَلائِكَةُ العَذابِ، واحِدُهم "زَبَنِيَةٌ"، وقالَ الكِسائِيُّ: "زِبْنِي"، وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ الأخْفَشُ: "زابِنٌ"، وهُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الناسَ في النارِ، والزَبْنُ: الدَفْعُ، ومِنهُ "حَرْبٌ زَبُونٌ"، أيْ: تَدْفَعُ الناسَ في نَفْسِها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ومُسْتَعْجِبٍ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ∗∗∗ ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمُ
(p-٦٥٦)وَمِنهُ قَوْلُ عُتْبَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ: "وَقَدْ زَبَتْنا الحَرْبُ وزَبْنّاها، فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ عَدَتْنِي عن زِيارَتِكَ العَوادِي ∗∗∗ وحالَتْ بَيْنَنا حَرْبٌ زَبُونُ
وحُذِفَ الواوُ مِن "سَنَدْعُ" في خَطِّ المُصْحَفِ اخْتِصارًا وتَخْفِيفًا، والمَعْنى: سَنَدْعُو الزَبانِيَةَ لِعَذابِ هَذا الَّذِي يَدْعُو نادِيَهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلْيَدْعُ إلى نادِيهِ".
ثُمَّ قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ "كَلّا" رَدًّا عَلى قَوْلِ هَذا الكافِرِ وأفْعالِهِ، "لا تُطِعْهُ"، أيْ: لا تَلْتَفِتٍ إلى نَهْيِهِ وكَلامِهِ، "واسْجُدْ" لِرَبِّكَ، ﴿واقْتَرِبْ﴾ إلَيْهِ بِسُجُودِكَ وبِالطاعَةِ وبِالأعْمالِ الصالِحَةِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ إذا سَجَدَ، فَأكْثِرُوا مِنَ الدُعاءِ في السُجُودِ، فَقُمْنَ أنْ يُسْتَجابَ لَكُمْ".» وقالَ مُجاهِدٌ، قالَ: ألَمْ تَسْمَعُوا "واسْجُدْ واقْتَرِبْ"، ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "واسْجُدْ" خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّ "اقْتَرِبْ" خِطابٌ لِأبِي جَهْلٍ، أيْ إنْ كُنْتَ تَجْتَرِئُ حَتّى تَرى كَيْفَ تَهْلَكُ.
وهَذِهِ السُورَةُ فِيها سَجْدَةٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ ابْنُ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ[القَلَمِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
العلق 96:13
(p-٦٥١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ [سُورَةِ العَلَقِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، نَزَلَ صَدْرُها في غارِ حِراءٍ حَسَبَما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وغَيْرِهِ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ: "يا أيُّها المُدَّثِرُ"،» وقالَ أبُو مَيْسَرَةَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ فاتِحَةُ الكِتابِ والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، والتَرْتِيبُ في أخْبارِ النَبِيِّ ﷺ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أو أمَرَ بِالتَقْوى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ ﴿كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالناصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ﴾ ﴿كَلا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾
فِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: « "أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ (p-٦٥٢)رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُؤْيا الصالِحَةُ، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ التَحَنُّثُ في غارِ حِراءٍ، فَكانَ يَخْلُو فِيهِ يَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ حَتّى جاءَهُ المَلَكُ وهو في غارِ حِراءٍ، فَقالَ لَهُ: اقْرَأْ، فَقالَ: ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطِّنِي ثُمَّ كَذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ لَهُ في الثالِثَةِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ،﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ،﴾ قالَ فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهَ عَيْه وسَلَّمَ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ"» الحَدِيثُ بِطُولِهِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، اقْرَأْ هَذا القُرْآنَ بِاسْمِ رَبِّكَ، أيِ ابْدَأْ فِعْلَكَ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ﴾ [هود: ٤١] هَذا وجْهٌ. ووَجْهٌ آخَرُ في "كِتابِ الثَعْلَبِيِّ " أنْ يَكُونَ المَقْرُوءُ الَّذِي أمَرَ بِقِراءَتِهِ هو بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: اقْرَأْ هَذِه اللَفْظَةَ، ولَمّا ذَكَرَ "الرَبُّ" وكانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تُسَمِّي الأصْنامَ أرْبابًا جاءَ بِالصِفَةِ الَّتِي لا شَرِكَةَ لِلْأصْنامِ فِيها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: "الَّذِي خَلَقَ"، ثُمَّ مَثَّلَ لَهم مِنَ المَخْلُوقاتِ ما لا مُدافَعَةَ فِيهِ، وما يَجِدُهُ كُلُّ مَفْطُورٍ في نَفْسِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾، وخِلْقَةُ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ العِبَرِ حَتّى أنَّهُ لَيْسَ في المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَدَيْنا أكْثَرَ عِبَرًا مِنهُ في عَقْلِهِ وإدْراكِهِ ورِباطاتِ بَدَنِهِ وعِظامِهِ، والعَلَقُ جَمْعُ عَلَقَةٍ، وهي القِطْعَةُ اليَسِيرَةُ مِنَ الدَمِ، و"الإنْسانُ" - هُنا - اسْمُ الجِنْسِ، ويَمْشِي الذِهْنُ مَعَهُ إلى جَمِيعِ الحَيَوانِ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن طِينٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَرَّرًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَلِذَلِكَ تَرَكَ أصْلَ الخِلْقَةِ وسِيقَ لَهُمُ الفَرْعُ الَّذِي هم بِهِ مُقِرُّونَ تَقْرِيبًا لِأفْهامِهِمْ.
(p-٦٥٣)ثُمَّ قالَ تَعالى لَهُ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ عَلى جِهَةِ التَأْنِيسِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: امْضِ لِما أُمِرْتَ بِهِ، ورَبُّكَ لَيْسَ كَهَذِهِ الأرْبابِ، بَلْ هو الأكْرَمُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ، فَهو يَنْصُرُكَ ويَظْهَرُكَ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى نِعْمَةَ الكِتابِ بِالقَلَمِ عَلى الناسِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ وأعْظَمُ مَنفَعَةً في المُخاطَباتِ وتَخْلِيدِ المَعارِفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾، قِيلَ: المُرادُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقِيلَ: اسْمُ الجِنْسِ، وهو الأظْهَرُ، وعَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ اكْتِسابَ المَعارِفِ بَعْدَ جَهْلِهِ بِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ﴾ الآيَةُ.. نَزَلَ بَعْدَ مُدَّةٍ مِن شَأْنِ أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ طَغى لِغِناهُ، ولِكَثْرَةِ مَن يُغْشى نادِيَهُ مِنَ الناسِ، فَناصَبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ العَداوَةَ، ونَهاهُ عَنِ الصَلاةِ في المَسْجِدِ، ويُرْوى أنَّهُ قالَ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يَسْجُدُ عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ، فَيُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَدَّ عَلَيْهِ القَوْلَ وانْتَهَرَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أيَتَوَعَّدُنِي مُحَمَّدٌ واللهِ ما بِالوادِي أعْظَمُ نَدِيًّا مِنِّي؟ ورَوى أيْضًا أنَّهُ جاءَ والنَبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، وهَمَّ بِأنْ يَصِلَ إلَيْهِ ويَمْنَعَهُ مِنَ الصَلاةِ، ثُمَّ كَعَّ عنهُ وانْصَرَفَ، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا؟ فَقالَ: لَقَدِ اعْتَرَضَ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقٌ مِن نارٍ وهَوْلٌ وأجْنِحَةٌ ويُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لَوْ دَنا مِنِّي لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عَيانًا"،» فَهَذِهِ السُورَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كَلّا" إلى آخِرِها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ. و"كَلّا" هي رَدٌّ عَلى أقْوالِ أبِي جَهْلٍ وأفْعالِهِ، ويَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "حَقًّا"، فَهي تَثْبِيتٌ لِما بَعْدَها مِنَ القَوْلِ. و"الطُغْيانُ" تَجاوُزُ الحُدُودِ الجَمِيلَةِ، و"الغِنى" مُطْغٍ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ تَعالى، و"الضَمِيرُ في "رَآهُ" (p-٦٥٤)لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قالَ: أنْ رَأى نَفْسَهُ غَنِيًّا، وهي رُؤْيَةُ قَلْبٍ تُقَرِّبُ مِنَ العِلْمِ، وكَذَلِكَ جازَ أنْ يَعْمَلَ فِعْلُ الفاعِلِ في نَفْسِهِ، كَما تَقُولُ: وجَدْتُنِي وظَنَنْتُنِي، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتُنِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْ رَآهُ" بِالمَدِّ عَلى وزْنِ "رَعاهُ"، واخْتَلَفُوا في الإمالَةِ وتَرْكِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -مِن طَرِيقِ قُنْبُلٍ -: "أنْ رَأهُ"، دُونَ مَدٍّ، عَلى وزْنِ "رَعَهُ"، عَلى حَذْفِ لامِ الفِعْلِ، وذَلِكَ تَخْفِيفٌ.
ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى غِنى هَذا الإنْسانِ وحالَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾، أيِ الحَشْرُ والبَعْثُ يَوْمُ القِيامَةِ، و"الرُجْعى" مَصْدَرٌ كالرُجُوعِ، وهو عَلى وزْنِ العُقْبى ونَحْوِهِ، وفي هَذا الخَبَرِ وعِيدٌ لِلطّاغِينَ مِنَ الناسِ.
الناهِي أبُو جَهْلٍ، وأنَّ العَبْدَ المُصَلِّيَ مُحَمَّدٌ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أرَأيْتَ" تَوْقِيفٌ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ عَلى حَدِّ الرُؤْيَةِ مِنَ العِلْمِ، بَلْ يَقْتَصِرُ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ إكْمالٌ لِلتَّوْبِيخِ والوَعِيدِ بِحَسَبِ التَوْقِيفاتِ الثَلاثَةِ يَصْلُحُ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَجاءَ بِها في نَسَقٍ، ثُمَّ جاءَ بِالوَعِيدِ الكافِي لِجَمِيعِها اخْتِصارًا واقْتِضابًا، ومَعَ كُلِّ تَقْرِيرٍ مِنَ الثَلاثَةِ تَكْمِلَةٌ مَقَدَّرَةٌ تَتَّسِعُ العَبّاراتُ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: "ألَمْ يَعْلَمْ" دالٌّ عَلَيْها مُغْنٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنْ كانَ" يَعْنِي العَبْدَ المُصَلِّي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي الإنْسانَ الَّذِي يَنْهى، ونَسَبَ تَعالى الرُؤْيَةَ إلى اللهِ تَعالى بِمَعْنى: يُدْرِكُ أعْمالَ الجَمِيعِ بِإدْراكٍ سَمّاهُ رُؤْيَةً، واللهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُماثَلَةِ المُحْدَثاتِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهُ تَعالى -إنْ لَمْ يَنْتَهِ- بِأنْ يُؤْخَذَ بِناصِيَتِهِ فَيُجَرَّ إلى جَهَنَّمَ ذَلِيلًا، تَقُولُ العَرَبُ: "سَفَعْتُ بِيَدِي ناصِيَةَ الفَرَسِ، والرِجْلِ" إذا جَذَبْتَها مُذَلِّلًا لَهُ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ قَوْمٌ إذا سَمِعُوا الصِياحَ رَأيْتَهم ما بَيْنَ مُلْجِمٍ مُهْرَهُ أو سافِعُ
(p-٦٥٥)فالآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١]. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: بِالتَفْسِيرِ "لَنَسْفَعًا" مَعْناهُ: لِنَحْرِقَنَّ، مِن قَوْلِهِمْ: "سَفْعَتْهُ النارُ" إذا أحْرَقَتْهُ، واكْتَفى بِذِكْرِ الناصِيَةِ لِدَلالَتِها عَلى الوَجْهِ والرَأْسِ. وجاءَ "لَنَسْفَعًا" في خَطِّ المُصْحَفِ بِألِفٍ بَدَلَ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ هارُونَ-: "لَنَسْفَعَنَّ" مُثْقَلَةَ النُونِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "لَأسْفَعَنَّ بِالناصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ فاجِرَةٍ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: [ناصِيَةً كاذِبَةً خاطِئَةً] بِالنَصْبِ في الثَلاثَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ بِالرَفْعِ فِيها كُلَّها. و"الناصِيَةُ" مُقَدَّمُ شَعْرِ الرَأْسِ، ثُمَّ أبْدَلَ تَعالى النَكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾، ووَصَفَها بِالكَذِبِ والخَطَأِ مِن حَيْثُ صِفَةً لِصاحِبِها، كَما تَقُولُ: يَدٌ سارِقَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: "وَما بِالوادِي أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي"، والنادِيَ والنَدى: المَجْلِسُ، ومِنهُ: دارُ النَدْوَةِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ وفِيهِمْ مَقاماتُ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: "سَيِّدُ نادِيهِ، وثِمالُ عافِيهِ".
و"الزَبانِيَةُ" مَلائِكَةُ العَذابِ، واحِدُهم "زَبَنِيَةٌ"، وقالَ الكِسائِيُّ: "زِبْنِي"، وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ الأخْفَشُ: "زابِنٌ"، وهُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الناسَ في النارِ، والزَبْنُ: الدَفْعُ، ومِنهُ "حَرْبٌ زَبُونٌ"، أيْ: تَدْفَعُ الناسَ في نَفْسِها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ومُسْتَعْجِبٍ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ∗∗∗ ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمُ
(p-٦٥٦)وَمِنهُ قَوْلُ عُتْبَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ: "وَقَدْ زَبَتْنا الحَرْبُ وزَبْنّاها، فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ عَدَتْنِي عن زِيارَتِكَ العَوادِي ∗∗∗ وحالَتْ بَيْنَنا حَرْبٌ زَبُونُ
وحُذِفَ الواوُ مِن "سَنَدْعُ" في خَطِّ المُصْحَفِ اخْتِصارًا وتَخْفِيفًا، والمَعْنى: سَنَدْعُو الزَبانِيَةَ لِعَذابِ هَذا الَّذِي يَدْعُو نادِيَهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلْيَدْعُ إلى نادِيهِ".
ثُمَّ قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ "كَلّا" رَدًّا عَلى قَوْلِ هَذا الكافِرِ وأفْعالِهِ، "لا تُطِعْهُ"، أيْ: لا تَلْتَفِتٍ إلى نَهْيِهِ وكَلامِهِ، "واسْجُدْ" لِرَبِّكَ، ﴿واقْتَرِبْ﴾ إلَيْهِ بِسُجُودِكَ وبِالطاعَةِ وبِالأعْمالِ الصالِحَةِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ إذا سَجَدَ، فَأكْثِرُوا مِنَ الدُعاءِ في السُجُودِ، فَقُمْنَ أنْ يُسْتَجابَ لَكُمْ".» وقالَ مُجاهِدٌ، قالَ: ألَمْ تَسْمَعُوا "واسْجُدْ واقْتَرِبْ"، ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "واسْجُدْ" خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّ "اقْتَرِبْ" خِطابٌ لِأبِي جَهْلٍ، أيْ إنْ كُنْتَ تَجْتَرِئُ حَتّى تَرى كَيْفَ تَهْلَكُ.
وهَذِهِ السُورَةُ فِيها سَجْدَةٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ ابْنُ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ[القَلَمِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
العلق 96:14
(p-٦٥١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ [سُورَةِ العَلَقِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، نَزَلَ صَدْرُها في غارِ حِراءٍ حَسَبَما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وغَيْرِهِ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ: "يا أيُّها المُدَّثِرُ"،» وقالَ أبُو مَيْسَرَةَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ فاتِحَةُ الكِتابِ والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، والتَرْتِيبُ في أخْبارِ النَبِيِّ ﷺ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أو أمَرَ بِالتَقْوى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ ﴿كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالناصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ﴾ ﴿كَلا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾
فِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: « "أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ (p-٦٥٢)رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُؤْيا الصالِحَةُ، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ التَحَنُّثُ في غارِ حِراءٍ، فَكانَ يَخْلُو فِيهِ يَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ حَتّى جاءَهُ المَلَكُ وهو في غارِ حِراءٍ، فَقالَ لَهُ: اقْرَأْ، فَقالَ: ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطِّنِي ثُمَّ كَذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ لَهُ في الثالِثَةِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ،﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ،﴾ قالَ فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهَ عَيْه وسَلَّمَ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ"» الحَدِيثُ بِطُولِهِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، اقْرَأْ هَذا القُرْآنَ بِاسْمِ رَبِّكَ، أيِ ابْدَأْ فِعْلَكَ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ﴾ [هود: ٤١] هَذا وجْهٌ. ووَجْهٌ آخَرُ في "كِتابِ الثَعْلَبِيِّ " أنْ يَكُونَ المَقْرُوءُ الَّذِي أمَرَ بِقِراءَتِهِ هو بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: اقْرَأْ هَذِه اللَفْظَةَ، ولَمّا ذَكَرَ "الرَبُّ" وكانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تُسَمِّي الأصْنامَ أرْبابًا جاءَ بِالصِفَةِ الَّتِي لا شَرِكَةَ لِلْأصْنامِ فِيها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: "الَّذِي خَلَقَ"، ثُمَّ مَثَّلَ لَهم مِنَ المَخْلُوقاتِ ما لا مُدافَعَةَ فِيهِ، وما يَجِدُهُ كُلُّ مَفْطُورٍ في نَفْسِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾، وخِلْقَةُ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ العِبَرِ حَتّى أنَّهُ لَيْسَ في المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَدَيْنا أكْثَرَ عِبَرًا مِنهُ في عَقْلِهِ وإدْراكِهِ ورِباطاتِ بَدَنِهِ وعِظامِهِ، والعَلَقُ جَمْعُ عَلَقَةٍ، وهي القِطْعَةُ اليَسِيرَةُ مِنَ الدَمِ، و"الإنْسانُ" - هُنا - اسْمُ الجِنْسِ، ويَمْشِي الذِهْنُ مَعَهُ إلى جَمِيعِ الحَيَوانِ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن طِينٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَرَّرًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَلِذَلِكَ تَرَكَ أصْلَ الخِلْقَةِ وسِيقَ لَهُمُ الفَرْعُ الَّذِي هم بِهِ مُقِرُّونَ تَقْرِيبًا لِأفْهامِهِمْ.
(p-٦٥٣)ثُمَّ قالَ تَعالى لَهُ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ عَلى جِهَةِ التَأْنِيسِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: امْضِ لِما أُمِرْتَ بِهِ، ورَبُّكَ لَيْسَ كَهَذِهِ الأرْبابِ، بَلْ هو الأكْرَمُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ، فَهو يَنْصُرُكَ ويَظْهَرُكَ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى نِعْمَةَ الكِتابِ بِالقَلَمِ عَلى الناسِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ وأعْظَمُ مَنفَعَةً في المُخاطَباتِ وتَخْلِيدِ المَعارِفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾، قِيلَ: المُرادُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقِيلَ: اسْمُ الجِنْسِ، وهو الأظْهَرُ، وعَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ اكْتِسابَ المَعارِفِ بَعْدَ جَهْلِهِ بِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ﴾ الآيَةُ.. نَزَلَ بَعْدَ مُدَّةٍ مِن شَأْنِ أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ طَغى لِغِناهُ، ولِكَثْرَةِ مَن يُغْشى نادِيَهُ مِنَ الناسِ، فَناصَبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ العَداوَةَ، ونَهاهُ عَنِ الصَلاةِ في المَسْجِدِ، ويُرْوى أنَّهُ قالَ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يَسْجُدُ عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ، فَيُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَدَّ عَلَيْهِ القَوْلَ وانْتَهَرَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أيَتَوَعَّدُنِي مُحَمَّدٌ واللهِ ما بِالوادِي أعْظَمُ نَدِيًّا مِنِّي؟ ورَوى أيْضًا أنَّهُ جاءَ والنَبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، وهَمَّ بِأنْ يَصِلَ إلَيْهِ ويَمْنَعَهُ مِنَ الصَلاةِ، ثُمَّ كَعَّ عنهُ وانْصَرَفَ، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا؟ فَقالَ: لَقَدِ اعْتَرَضَ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقٌ مِن نارٍ وهَوْلٌ وأجْنِحَةٌ ويُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لَوْ دَنا مِنِّي لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عَيانًا"،» فَهَذِهِ السُورَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كَلّا" إلى آخِرِها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ. و"كَلّا" هي رَدٌّ عَلى أقْوالِ أبِي جَهْلٍ وأفْعالِهِ، ويَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "حَقًّا"، فَهي تَثْبِيتٌ لِما بَعْدَها مِنَ القَوْلِ. و"الطُغْيانُ" تَجاوُزُ الحُدُودِ الجَمِيلَةِ، و"الغِنى" مُطْغٍ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ تَعالى، و"الضَمِيرُ في "رَآهُ" (p-٦٥٤)لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قالَ: أنْ رَأى نَفْسَهُ غَنِيًّا، وهي رُؤْيَةُ قَلْبٍ تُقَرِّبُ مِنَ العِلْمِ، وكَذَلِكَ جازَ أنْ يَعْمَلَ فِعْلُ الفاعِلِ في نَفْسِهِ، كَما تَقُولُ: وجَدْتُنِي وظَنَنْتُنِي، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتُنِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْ رَآهُ" بِالمَدِّ عَلى وزْنِ "رَعاهُ"، واخْتَلَفُوا في الإمالَةِ وتَرْكِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -مِن طَرِيقِ قُنْبُلٍ -: "أنْ رَأهُ"، دُونَ مَدٍّ، عَلى وزْنِ "رَعَهُ"، عَلى حَذْفِ لامِ الفِعْلِ، وذَلِكَ تَخْفِيفٌ.
ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى غِنى هَذا الإنْسانِ وحالَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾، أيِ الحَشْرُ والبَعْثُ يَوْمُ القِيامَةِ، و"الرُجْعى" مَصْدَرٌ كالرُجُوعِ، وهو عَلى وزْنِ العُقْبى ونَحْوِهِ، وفي هَذا الخَبَرِ وعِيدٌ لِلطّاغِينَ مِنَ الناسِ.
الناهِي أبُو جَهْلٍ، وأنَّ العَبْدَ المُصَلِّيَ مُحَمَّدٌ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أرَأيْتَ" تَوْقِيفٌ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ عَلى حَدِّ الرُؤْيَةِ مِنَ العِلْمِ، بَلْ يَقْتَصِرُ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ إكْمالٌ لِلتَّوْبِيخِ والوَعِيدِ بِحَسَبِ التَوْقِيفاتِ الثَلاثَةِ يَصْلُحُ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَجاءَ بِها في نَسَقٍ، ثُمَّ جاءَ بِالوَعِيدِ الكافِي لِجَمِيعِها اخْتِصارًا واقْتِضابًا، ومَعَ كُلِّ تَقْرِيرٍ مِنَ الثَلاثَةِ تَكْمِلَةٌ مَقَدَّرَةٌ تَتَّسِعُ العَبّاراتُ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: "ألَمْ يَعْلَمْ" دالٌّ عَلَيْها مُغْنٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنْ كانَ" يَعْنِي العَبْدَ المُصَلِّي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي الإنْسانَ الَّذِي يَنْهى، ونَسَبَ تَعالى الرُؤْيَةَ إلى اللهِ تَعالى بِمَعْنى: يُدْرِكُ أعْمالَ الجَمِيعِ بِإدْراكٍ سَمّاهُ رُؤْيَةً، واللهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُماثَلَةِ المُحْدَثاتِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهُ تَعالى -إنْ لَمْ يَنْتَهِ- بِأنْ يُؤْخَذَ بِناصِيَتِهِ فَيُجَرَّ إلى جَهَنَّمَ ذَلِيلًا، تَقُولُ العَرَبُ: "سَفَعْتُ بِيَدِي ناصِيَةَ الفَرَسِ، والرِجْلِ" إذا جَذَبْتَها مُذَلِّلًا لَهُ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ قَوْمٌ إذا سَمِعُوا الصِياحَ رَأيْتَهم ما بَيْنَ مُلْجِمٍ مُهْرَهُ أو سافِعُ
(p-٦٥٥)فالآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١]. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: بِالتَفْسِيرِ "لَنَسْفَعًا" مَعْناهُ: لِنَحْرِقَنَّ، مِن قَوْلِهِمْ: "سَفْعَتْهُ النارُ" إذا أحْرَقَتْهُ، واكْتَفى بِذِكْرِ الناصِيَةِ لِدَلالَتِها عَلى الوَجْهِ والرَأْسِ. وجاءَ "لَنَسْفَعًا" في خَطِّ المُصْحَفِ بِألِفٍ بَدَلَ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ هارُونَ-: "لَنَسْفَعَنَّ" مُثْقَلَةَ النُونِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "لَأسْفَعَنَّ بِالناصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ فاجِرَةٍ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: [ناصِيَةً كاذِبَةً خاطِئَةً] بِالنَصْبِ في الثَلاثَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ بِالرَفْعِ فِيها كُلَّها. و"الناصِيَةُ" مُقَدَّمُ شَعْرِ الرَأْسِ، ثُمَّ أبْدَلَ تَعالى النَكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾، ووَصَفَها بِالكَذِبِ والخَطَأِ مِن حَيْثُ صِفَةً لِصاحِبِها، كَما تَقُولُ: يَدٌ سارِقَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: "وَما بِالوادِي أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي"، والنادِيَ والنَدى: المَجْلِسُ، ومِنهُ: دارُ النَدْوَةِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ وفِيهِمْ مَقاماتُ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: "سَيِّدُ نادِيهِ، وثِمالُ عافِيهِ".
و"الزَبانِيَةُ" مَلائِكَةُ العَذابِ، واحِدُهم "زَبَنِيَةٌ"، وقالَ الكِسائِيُّ: "زِبْنِي"، وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ الأخْفَشُ: "زابِنٌ"، وهُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الناسَ في النارِ، والزَبْنُ: الدَفْعُ، ومِنهُ "حَرْبٌ زَبُونٌ"، أيْ: تَدْفَعُ الناسَ في نَفْسِها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ومُسْتَعْجِبٍ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ∗∗∗ ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمُ
(p-٦٥٦)وَمِنهُ قَوْلُ عُتْبَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ: "وَقَدْ زَبَتْنا الحَرْبُ وزَبْنّاها، فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ عَدَتْنِي عن زِيارَتِكَ العَوادِي ∗∗∗ وحالَتْ بَيْنَنا حَرْبٌ زَبُونُ
وحُذِفَ الواوُ مِن "سَنَدْعُ" في خَطِّ المُصْحَفِ اخْتِصارًا وتَخْفِيفًا، والمَعْنى: سَنَدْعُو الزَبانِيَةَ لِعَذابِ هَذا الَّذِي يَدْعُو نادِيَهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلْيَدْعُ إلى نادِيهِ".
ثُمَّ قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ "كَلّا" رَدًّا عَلى قَوْلِ هَذا الكافِرِ وأفْعالِهِ، "لا تُطِعْهُ"، أيْ: لا تَلْتَفِتٍ إلى نَهْيِهِ وكَلامِهِ، "واسْجُدْ" لِرَبِّكَ، ﴿واقْتَرِبْ﴾ إلَيْهِ بِسُجُودِكَ وبِالطاعَةِ وبِالأعْمالِ الصالِحَةِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ إذا سَجَدَ، فَأكْثِرُوا مِنَ الدُعاءِ في السُجُودِ، فَقُمْنَ أنْ يُسْتَجابَ لَكُمْ".» وقالَ مُجاهِدٌ، قالَ: ألَمْ تَسْمَعُوا "واسْجُدْ واقْتَرِبْ"، ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "واسْجُدْ" خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّ "اقْتَرِبْ" خِطابٌ لِأبِي جَهْلٍ، أيْ إنْ كُنْتَ تَجْتَرِئُ حَتّى تَرى كَيْفَ تَهْلَكُ.
وهَذِهِ السُورَةُ فِيها سَجْدَةٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ ابْنُ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ[القَلَمِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
العلق 96:15
(p-٦٥١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ [سُورَةِ العَلَقِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، نَزَلَ صَدْرُها في غارِ حِراءٍ حَسَبَما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وغَيْرِهِ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ: "يا أيُّها المُدَّثِرُ"،» وقالَ أبُو مَيْسَرَةَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ فاتِحَةُ الكِتابِ والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، والتَرْتِيبُ في أخْبارِ النَبِيِّ ﷺ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أو أمَرَ بِالتَقْوى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ ﴿كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالناصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ﴾ ﴿كَلا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾
فِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: « "أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ (p-٦٥٢)رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُؤْيا الصالِحَةُ، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ التَحَنُّثُ في غارِ حِراءٍ، فَكانَ يَخْلُو فِيهِ يَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ حَتّى جاءَهُ المَلَكُ وهو في غارِ حِراءٍ، فَقالَ لَهُ: اقْرَأْ، فَقالَ: ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطِّنِي ثُمَّ كَذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ لَهُ في الثالِثَةِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ،﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ،﴾ قالَ فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهَ عَيْه وسَلَّمَ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ"» الحَدِيثُ بِطُولِهِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، اقْرَأْ هَذا القُرْآنَ بِاسْمِ رَبِّكَ، أيِ ابْدَأْ فِعْلَكَ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ﴾ [هود: ٤١] هَذا وجْهٌ. ووَجْهٌ آخَرُ في "كِتابِ الثَعْلَبِيِّ " أنْ يَكُونَ المَقْرُوءُ الَّذِي أمَرَ بِقِراءَتِهِ هو بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: اقْرَأْ هَذِه اللَفْظَةَ، ولَمّا ذَكَرَ "الرَبُّ" وكانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تُسَمِّي الأصْنامَ أرْبابًا جاءَ بِالصِفَةِ الَّتِي لا شَرِكَةَ لِلْأصْنامِ فِيها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: "الَّذِي خَلَقَ"، ثُمَّ مَثَّلَ لَهم مِنَ المَخْلُوقاتِ ما لا مُدافَعَةَ فِيهِ، وما يَجِدُهُ كُلُّ مَفْطُورٍ في نَفْسِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾، وخِلْقَةُ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ العِبَرِ حَتّى أنَّهُ لَيْسَ في المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَدَيْنا أكْثَرَ عِبَرًا مِنهُ في عَقْلِهِ وإدْراكِهِ ورِباطاتِ بَدَنِهِ وعِظامِهِ، والعَلَقُ جَمْعُ عَلَقَةٍ، وهي القِطْعَةُ اليَسِيرَةُ مِنَ الدَمِ، و"الإنْسانُ" - هُنا - اسْمُ الجِنْسِ، ويَمْشِي الذِهْنُ مَعَهُ إلى جَمِيعِ الحَيَوانِ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن طِينٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَرَّرًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَلِذَلِكَ تَرَكَ أصْلَ الخِلْقَةِ وسِيقَ لَهُمُ الفَرْعُ الَّذِي هم بِهِ مُقِرُّونَ تَقْرِيبًا لِأفْهامِهِمْ.
(p-٦٥٣)ثُمَّ قالَ تَعالى لَهُ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ عَلى جِهَةِ التَأْنِيسِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: امْضِ لِما أُمِرْتَ بِهِ، ورَبُّكَ لَيْسَ كَهَذِهِ الأرْبابِ، بَلْ هو الأكْرَمُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ، فَهو يَنْصُرُكَ ويَظْهَرُكَ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى نِعْمَةَ الكِتابِ بِالقَلَمِ عَلى الناسِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ وأعْظَمُ مَنفَعَةً في المُخاطَباتِ وتَخْلِيدِ المَعارِفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾، قِيلَ: المُرادُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقِيلَ: اسْمُ الجِنْسِ، وهو الأظْهَرُ، وعَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ اكْتِسابَ المَعارِفِ بَعْدَ جَهْلِهِ بِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ﴾ الآيَةُ.. نَزَلَ بَعْدَ مُدَّةٍ مِن شَأْنِ أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ طَغى لِغِناهُ، ولِكَثْرَةِ مَن يُغْشى نادِيَهُ مِنَ الناسِ، فَناصَبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ العَداوَةَ، ونَهاهُ عَنِ الصَلاةِ في المَسْجِدِ، ويُرْوى أنَّهُ قالَ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يَسْجُدُ عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ، فَيُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَدَّ عَلَيْهِ القَوْلَ وانْتَهَرَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أيَتَوَعَّدُنِي مُحَمَّدٌ واللهِ ما بِالوادِي أعْظَمُ نَدِيًّا مِنِّي؟ ورَوى أيْضًا أنَّهُ جاءَ والنَبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، وهَمَّ بِأنْ يَصِلَ إلَيْهِ ويَمْنَعَهُ مِنَ الصَلاةِ، ثُمَّ كَعَّ عنهُ وانْصَرَفَ، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا؟ فَقالَ: لَقَدِ اعْتَرَضَ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقٌ مِن نارٍ وهَوْلٌ وأجْنِحَةٌ ويُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لَوْ دَنا مِنِّي لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عَيانًا"،» فَهَذِهِ السُورَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كَلّا" إلى آخِرِها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ. و"كَلّا" هي رَدٌّ عَلى أقْوالِ أبِي جَهْلٍ وأفْعالِهِ، ويَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "حَقًّا"، فَهي تَثْبِيتٌ لِما بَعْدَها مِنَ القَوْلِ. و"الطُغْيانُ" تَجاوُزُ الحُدُودِ الجَمِيلَةِ، و"الغِنى" مُطْغٍ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ تَعالى، و"الضَمِيرُ في "رَآهُ" (p-٦٥٤)لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قالَ: أنْ رَأى نَفْسَهُ غَنِيًّا، وهي رُؤْيَةُ قَلْبٍ تُقَرِّبُ مِنَ العِلْمِ، وكَذَلِكَ جازَ أنْ يَعْمَلَ فِعْلُ الفاعِلِ في نَفْسِهِ، كَما تَقُولُ: وجَدْتُنِي وظَنَنْتُنِي، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتُنِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْ رَآهُ" بِالمَدِّ عَلى وزْنِ "رَعاهُ"، واخْتَلَفُوا في الإمالَةِ وتَرْكِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -مِن طَرِيقِ قُنْبُلٍ -: "أنْ رَأهُ"، دُونَ مَدٍّ، عَلى وزْنِ "رَعَهُ"، عَلى حَذْفِ لامِ الفِعْلِ، وذَلِكَ تَخْفِيفٌ.
ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى غِنى هَذا الإنْسانِ وحالَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾، أيِ الحَشْرُ والبَعْثُ يَوْمُ القِيامَةِ، و"الرُجْعى" مَصْدَرٌ كالرُجُوعِ، وهو عَلى وزْنِ العُقْبى ونَحْوِهِ، وفي هَذا الخَبَرِ وعِيدٌ لِلطّاغِينَ مِنَ الناسِ.
الناهِي أبُو جَهْلٍ، وأنَّ العَبْدَ المُصَلِّيَ مُحَمَّدٌ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أرَأيْتَ" تَوْقِيفٌ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ عَلى حَدِّ الرُؤْيَةِ مِنَ العِلْمِ، بَلْ يَقْتَصِرُ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ إكْمالٌ لِلتَّوْبِيخِ والوَعِيدِ بِحَسَبِ التَوْقِيفاتِ الثَلاثَةِ يَصْلُحُ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَجاءَ بِها في نَسَقٍ، ثُمَّ جاءَ بِالوَعِيدِ الكافِي لِجَمِيعِها اخْتِصارًا واقْتِضابًا، ومَعَ كُلِّ تَقْرِيرٍ مِنَ الثَلاثَةِ تَكْمِلَةٌ مَقَدَّرَةٌ تَتَّسِعُ العَبّاراتُ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: "ألَمْ يَعْلَمْ" دالٌّ عَلَيْها مُغْنٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنْ كانَ" يَعْنِي العَبْدَ المُصَلِّي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي الإنْسانَ الَّذِي يَنْهى، ونَسَبَ تَعالى الرُؤْيَةَ إلى اللهِ تَعالى بِمَعْنى: يُدْرِكُ أعْمالَ الجَمِيعِ بِإدْراكٍ سَمّاهُ رُؤْيَةً، واللهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُماثَلَةِ المُحْدَثاتِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهُ تَعالى -إنْ لَمْ يَنْتَهِ- بِأنْ يُؤْخَذَ بِناصِيَتِهِ فَيُجَرَّ إلى جَهَنَّمَ ذَلِيلًا، تَقُولُ العَرَبُ: "سَفَعْتُ بِيَدِي ناصِيَةَ الفَرَسِ، والرِجْلِ" إذا جَذَبْتَها مُذَلِّلًا لَهُ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ قَوْمٌ إذا سَمِعُوا الصِياحَ رَأيْتَهم ما بَيْنَ مُلْجِمٍ مُهْرَهُ أو سافِعُ
(p-٦٥٥)فالآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١]. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: بِالتَفْسِيرِ "لَنَسْفَعًا" مَعْناهُ: لِنَحْرِقَنَّ، مِن قَوْلِهِمْ: "سَفْعَتْهُ النارُ" إذا أحْرَقَتْهُ، واكْتَفى بِذِكْرِ الناصِيَةِ لِدَلالَتِها عَلى الوَجْهِ والرَأْسِ. وجاءَ "لَنَسْفَعًا" في خَطِّ المُصْحَفِ بِألِفٍ بَدَلَ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ هارُونَ-: "لَنَسْفَعَنَّ" مُثْقَلَةَ النُونِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "لَأسْفَعَنَّ بِالناصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ فاجِرَةٍ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: [ناصِيَةً كاذِبَةً خاطِئَةً] بِالنَصْبِ في الثَلاثَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ بِالرَفْعِ فِيها كُلَّها. و"الناصِيَةُ" مُقَدَّمُ شَعْرِ الرَأْسِ، ثُمَّ أبْدَلَ تَعالى النَكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾، ووَصَفَها بِالكَذِبِ والخَطَأِ مِن حَيْثُ صِفَةً لِصاحِبِها، كَما تَقُولُ: يَدٌ سارِقَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: "وَما بِالوادِي أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي"، والنادِيَ والنَدى: المَجْلِسُ، ومِنهُ: دارُ النَدْوَةِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ وفِيهِمْ مَقاماتُ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: "سَيِّدُ نادِيهِ، وثِمالُ عافِيهِ".
و"الزَبانِيَةُ" مَلائِكَةُ العَذابِ، واحِدُهم "زَبَنِيَةٌ"، وقالَ الكِسائِيُّ: "زِبْنِي"، وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ الأخْفَشُ: "زابِنٌ"، وهُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الناسَ في النارِ، والزَبْنُ: الدَفْعُ، ومِنهُ "حَرْبٌ زَبُونٌ"، أيْ: تَدْفَعُ الناسَ في نَفْسِها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ومُسْتَعْجِبٍ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ∗∗∗ ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمُ
(p-٦٥٦)وَمِنهُ قَوْلُ عُتْبَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ: "وَقَدْ زَبَتْنا الحَرْبُ وزَبْنّاها، فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ عَدَتْنِي عن زِيارَتِكَ العَوادِي ∗∗∗ وحالَتْ بَيْنَنا حَرْبٌ زَبُونُ
وحُذِفَ الواوُ مِن "سَنَدْعُ" في خَطِّ المُصْحَفِ اخْتِصارًا وتَخْفِيفًا، والمَعْنى: سَنَدْعُو الزَبانِيَةَ لِعَذابِ هَذا الَّذِي يَدْعُو نادِيَهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلْيَدْعُ إلى نادِيهِ".
ثُمَّ قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ "كَلّا" رَدًّا عَلى قَوْلِ هَذا الكافِرِ وأفْعالِهِ، "لا تُطِعْهُ"، أيْ: لا تَلْتَفِتٍ إلى نَهْيِهِ وكَلامِهِ، "واسْجُدْ" لِرَبِّكَ، ﴿واقْتَرِبْ﴾ إلَيْهِ بِسُجُودِكَ وبِالطاعَةِ وبِالأعْمالِ الصالِحَةِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ إذا سَجَدَ، فَأكْثِرُوا مِنَ الدُعاءِ في السُجُودِ، فَقُمْنَ أنْ يُسْتَجابَ لَكُمْ".» وقالَ مُجاهِدٌ، قالَ: ألَمْ تَسْمَعُوا "واسْجُدْ واقْتَرِبْ"، ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "واسْجُدْ" خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّ "اقْتَرِبْ" خِطابٌ لِأبِي جَهْلٍ، أيْ إنْ كُنْتَ تَجْتَرِئُ حَتّى تَرى كَيْفَ تَهْلَكُ.
وهَذِهِ السُورَةُ فِيها سَجْدَةٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ ابْنُ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ[القَلَمِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
العلق 96:16
(p-٦٥١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ [سُورَةِ العَلَقِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، نَزَلَ صَدْرُها في غارِ حِراءٍ حَسَبَما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وغَيْرِهِ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ: "يا أيُّها المُدَّثِرُ"،» وقالَ أبُو مَيْسَرَةَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ فاتِحَةُ الكِتابِ والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، والتَرْتِيبُ في أخْبارِ النَبِيِّ ﷺ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أو أمَرَ بِالتَقْوى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ ﴿كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالناصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ﴾ ﴿كَلا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾
فِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: « "أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ (p-٦٥٢)رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُؤْيا الصالِحَةُ، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ التَحَنُّثُ في غارِ حِراءٍ، فَكانَ يَخْلُو فِيهِ يَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ حَتّى جاءَهُ المَلَكُ وهو في غارِ حِراءٍ، فَقالَ لَهُ: اقْرَأْ، فَقالَ: ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطِّنِي ثُمَّ كَذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ لَهُ في الثالِثَةِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ،﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ،﴾ قالَ فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهَ عَيْه وسَلَّمَ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ"» الحَدِيثُ بِطُولِهِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، اقْرَأْ هَذا القُرْآنَ بِاسْمِ رَبِّكَ، أيِ ابْدَأْ فِعْلَكَ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ﴾ [هود: ٤١] هَذا وجْهٌ. ووَجْهٌ آخَرُ في "كِتابِ الثَعْلَبِيِّ " أنْ يَكُونَ المَقْرُوءُ الَّذِي أمَرَ بِقِراءَتِهِ هو بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: اقْرَأْ هَذِه اللَفْظَةَ، ولَمّا ذَكَرَ "الرَبُّ" وكانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تُسَمِّي الأصْنامَ أرْبابًا جاءَ بِالصِفَةِ الَّتِي لا شَرِكَةَ لِلْأصْنامِ فِيها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: "الَّذِي خَلَقَ"، ثُمَّ مَثَّلَ لَهم مِنَ المَخْلُوقاتِ ما لا مُدافَعَةَ فِيهِ، وما يَجِدُهُ كُلُّ مَفْطُورٍ في نَفْسِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾، وخِلْقَةُ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ العِبَرِ حَتّى أنَّهُ لَيْسَ في المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَدَيْنا أكْثَرَ عِبَرًا مِنهُ في عَقْلِهِ وإدْراكِهِ ورِباطاتِ بَدَنِهِ وعِظامِهِ، والعَلَقُ جَمْعُ عَلَقَةٍ، وهي القِطْعَةُ اليَسِيرَةُ مِنَ الدَمِ، و"الإنْسانُ" - هُنا - اسْمُ الجِنْسِ، ويَمْشِي الذِهْنُ مَعَهُ إلى جَمِيعِ الحَيَوانِ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن طِينٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَرَّرًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَلِذَلِكَ تَرَكَ أصْلَ الخِلْقَةِ وسِيقَ لَهُمُ الفَرْعُ الَّذِي هم بِهِ مُقِرُّونَ تَقْرِيبًا لِأفْهامِهِمْ.
(p-٦٥٣)ثُمَّ قالَ تَعالى لَهُ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ عَلى جِهَةِ التَأْنِيسِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: امْضِ لِما أُمِرْتَ بِهِ، ورَبُّكَ لَيْسَ كَهَذِهِ الأرْبابِ، بَلْ هو الأكْرَمُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ، فَهو يَنْصُرُكَ ويَظْهَرُكَ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى نِعْمَةَ الكِتابِ بِالقَلَمِ عَلى الناسِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ وأعْظَمُ مَنفَعَةً في المُخاطَباتِ وتَخْلِيدِ المَعارِفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾، قِيلَ: المُرادُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقِيلَ: اسْمُ الجِنْسِ، وهو الأظْهَرُ، وعَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ اكْتِسابَ المَعارِفِ بَعْدَ جَهْلِهِ بِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ﴾ الآيَةُ.. نَزَلَ بَعْدَ مُدَّةٍ مِن شَأْنِ أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ طَغى لِغِناهُ، ولِكَثْرَةِ مَن يُغْشى نادِيَهُ مِنَ الناسِ، فَناصَبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ العَداوَةَ، ونَهاهُ عَنِ الصَلاةِ في المَسْجِدِ، ويُرْوى أنَّهُ قالَ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يَسْجُدُ عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ، فَيُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَدَّ عَلَيْهِ القَوْلَ وانْتَهَرَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أيَتَوَعَّدُنِي مُحَمَّدٌ واللهِ ما بِالوادِي أعْظَمُ نَدِيًّا مِنِّي؟ ورَوى أيْضًا أنَّهُ جاءَ والنَبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، وهَمَّ بِأنْ يَصِلَ إلَيْهِ ويَمْنَعَهُ مِنَ الصَلاةِ، ثُمَّ كَعَّ عنهُ وانْصَرَفَ، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا؟ فَقالَ: لَقَدِ اعْتَرَضَ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقٌ مِن نارٍ وهَوْلٌ وأجْنِحَةٌ ويُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لَوْ دَنا مِنِّي لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عَيانًا"،» فَهَذِهِ السُورَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كَلّا" إلى آخِرِها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ. و"كَلّا" هي رَدٌّ عَلى أقْوالِ أبِي جَهْلٍ وأفْعالِهِ، ويَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "حَقًّا"، فَهي تَثْبِيتٌ لِما بَعْدَها مِنَ القَوْلِ. و"الطُغْيانُ" تَجاوُزُ الحُدُودِ الجَمِيلَةِ، و"الغِنى" مُطْغٍ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ تَعالى، و"الضَمِيرُ في "رَآهُ" (p-٦٥٤)لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قالَ: أنْ رَأى نَفْسَهُ غَنِيًّا، وهي رُؤْيَةُ قَلْبٍ تُقَرِّبُ مِنَ العِلْمِ، وكَذَلِكَ جازَ أنْ يَعْمَلَ فِعْلُ الفاعِلِ في نَفْسِهِ، كَما تَقُولُ: وجَدْتُنِي وظَنَنْتُنِي، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتُنِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْ رَآهُ" بِالمَدِّ عَلى وزْنِ "رَعاهُ"، واخْتَلَفُوا في الإمالَةِ وتَرْكِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -مِن طَرِيقِ قُنْبُلٍ -: "أنْ رَأهُ"، دُونَ مَدٍّ، عَلى وزْنِ "رَعَهُ"، عَلى حَذْفِ لامِ الفِعْلِ، وذَلِكَ تَخْفِيفٌ.
ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى غِنى هَذا الإنْسانِ وحالَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾، أيِ الحَشْرُ والبَعْثُ يَوْمُ القِيامَةِ، و"الرُجْعى" مَصْدَرٌ كالرُجُوعِ، وهو عَلى وزْنِ العُقْبى ونَحْوِهِ، وفي هَذا الخَبَرِ وعِيدٌ لِلطّاغِينَ مِنَ الناسِ.
الناهِي أبُو جَهْلٍ، وأنَّ العَبْدَ المُصَلِّيَ مُحَمَّدٌ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أرَأيْتَ" تَوْقِيفٌ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ عَلى حَدِّ الرُؤْيَةِ مِنَ العِلْمِ، بَلْ يَقْتَصِرُ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ إكْمالٌ لِلتَّوْبِيخِ والوَعِيدِ بِحَسَبِ التَوْقِيفاتِ الثَلاثَةِ يَصْلُحُ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَجاءَ بِها في نَسَقٍ، ثُمَّ جاءَ بِالوَعِيدِ الكافِي لِجَمِيعِها اخْتِصارًا واقْتِضابًا، ومَعَ كُلِّ تَقْرِيرٍ مِنَ الثَلاثَةِ تَكْمِلَةٌ مَقَدَّرَةٌ تَتَّسِعُ العَبّاراتُ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: "ألَمْ يَعْلَمْ" دالٌّ عَلَيْها مُغْنٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنْ كانَ" يَعْنِي العَبْدَ المُصَلِّي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي الإنْسانَ الَّذِي يَنْهى، ونَسَبَ تَعالى الرُؤْيَةَ إلى اللهِ تَعالى بِمَعْنى: يُدْرِكُ أعْمالَ الجَمِيعِ بِإدْراكٍ سَمّاهُ رُؤْيَةً، واللهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُماثَلَةِ المُحْدَثاتِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهُ تَعالى -إنْ لَمْ يَنْتَهِ- بِأنْ يُؤْخَذَ بِناصِيَتِهِ فَيُجَرَّ إلى جَهَنَّمَ ذَلِيلًا، تَقُولُ العَرَبُ: "سَفَعْتُ بِيَدِي ناصِيَةَ الفَرَسِ، والرِجْلِ" إذا جَذَبْتَها مُذَلِّلًا لَهُ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ قَوْمٌ إذا سَمِعُوا الصِياحَ رَأيْتَهم ما بَيْنَ مُلْجِمٍ مُهْرَهُ أو سافِعُ
(p-٦٥٥)فالآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١]. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: بِالتَفْسِيرِ "لَنَسْفَعًا" مَعْناهُ: لِنَحْرِقَنَّ، مِن قَوْلِهِمْ: "سَفْعَتْهُ النارُ" إذا أحْرَقَتْهُ، واكْتَفى بِذِكْرِ الناصِيَةِ لِدَلالَتِها عَلى الوَجْهِ والرَأْسِ. وجاءَ "لَنَسْفَعًا" في خَطِّ المُصْحَفِ بِألِفٍ بَدَلَ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ هارُونَ-: "لَنَسْفَعَنَّ" مُثْقَلَةَ النُونِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "لَأسْفَعَنَّ بِالناصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ فاجِرَةٍ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: [ناصِيَةً كاذِبَةً خاطِئَةً] بِالنَصْبِ في الثَلاثَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ بِالرَفْعِ فِيها كُلَّها. و"الناصِيَةُ" مُقَدَّمُ شَعْرِ الرَأْسِ، ثُمَّ أبْدَلَ تَعالى النَكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾، ووَصَفَها بِالكَذِبِ والخَطَأِ مِن حَيْثُ صِفَةً لِصاحِبِها، كَما تَقُولُ: يَدٌ سارِقَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: "وَما بِالوادِي أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي"، والنادِيَ والنَدى: المَجْلِسُ، ومِنهُ: دارُ النَدْوَةِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ وفِيهِمْ مَقاماتُ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: "سَيِّدُ نادِيهِ، وثِمالُ عافِيهِ".
و"الزَبانِيَةُ" مَلائِكَةُ العَذابِ، واحِدُهم "زَبَنِيَةٌ"، وقالَ الكِسائِيُّ: "زِبْنِي"، وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ الأخْفَشُ: "زابِنٌ"، وهُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الناسَ في النارِ، والزَبْنُ: الدَفْعُ، ومِنهُ "حَرْبٌ زَبُونٌ"، أيْ: تَدْفَعُ الناسَ في نَفْسِها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ومُسْتَعْجِبٍ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ∗∗∗ ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمُ
(p-٦٥٦)وَمِنهُ قَوْلُ عُتْبَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ: "وَقَدْ زَبَتْنا الحَرْبُ وزَبْنّاها، فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ عَدَتْنِي عن زِيارَتِكَ العَوادِي ∗∗∗ وحالَتْ بَيْنَنا حَرْبٌ زَبُونُ
وحُذِفَ الواوُ مِن "سَنَدْعُ" في خَطِّ المُصْحَفِ اخْتِصارًا وتَخْفِيفًا، والمَعْنى: سَنَدْعُو الزَبانِيَةَ لِعَذابِ هَذا الَّذِي يَدْعُو نادِيَهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلْيَدْعُ إلى نادِيهِ".
ثُمَّ قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ "كَلّا" رَدًّا عَلى قَوْلِ هَذا الكافِرِ وأفْعالِهِ، "لا تُطِعْهُ"، أيْ: لا تَلْتَفِتٍ إلى نَهْيِهِ وكَلامِهِ، "واسْجُدْ" لِرَبِّكَ، ﴿واقْتَرِبْ﴾ إلَيْهِ بِسُجُودِكَ وبِالطاعَةِ وبِالأعْمالِ الصالِحَةِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ إذا سَجَدَ، فَأكْثِرُوا مِنَ الدُعاءِ في السُجُودِ، فَقُمْنَ أنْ يُسْتَجابَ لَكُمْ".» وقالَ مُجاهِدٌ، قالَ: ألَمْ تَسْمَعُوا "واسْجُدْ واقْتَرِبْ"، ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "واسْجُدْ" خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّ "اقْتَرِبْ" خِطابٌ لِأبِي جَهْلٍ، أيْ إنْ كُنْتَ تَجْتَرِئُ حَتّى تَرى كَيْفَ تَهْلَكُ.
وهَذِهِ السُورَةُ فِيها سَجْدَةٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ ابْنُ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ[القَلَمِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
العلق 96:17
(p-٦٥١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ [سُورَةِ العَلَقِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، نَزَلَ صَدْرُها في غارِ حِراءٍ حَسَبَما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وغَيْرِهِ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ: "يا أيُّها المُدَّثِرُ"،» وقالَ أبُو مَيْسَرَةَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ فاتِحَةُ الكِتابِ والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، والتَرْتِيبُ في أخْبارِ النَبِيِّ ﷺ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أو أمَرَ بِالتَقْوى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ ﴿كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالناصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ﴾ ﴿كَلا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾
فِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: « "أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ (p-٦٥٢)رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُؤْيا الصالِحَةُ، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ التَحَنُّثُ في غارِ حِراءٍ، فَكانَ يَخْلُو فِيهِ يَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ حَتّى جاءَهُ المَلَكُ وهو في غارِ حِراءٍ، فَقالَ لَهُ: اقْرَأْ، فَقالَ: ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطِّنِي ثُمَّ كَذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ لَهُ في الثالِثَةِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ،﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ،﴾ قالَ فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهَ عَيْه وسَلَّمَ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ"» الحَدِيثُ بِطُولِهِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، اقْرَأْ هَذا القُرْآنَ بِاسْمِ رَبِّكَ، أيِ ابْدَأْ فِعْلَكَ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ﴾ [هود: ٤١] هَذا وجْهٌ. ووَجْهٌ آخَرُ في "كِتابِ الثَعْلَبِيِّ " أنْ يَكُونَ المَقْرُوءُ الَّذِي أمَرَ بِقِراءَتِهِ هو بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: اقْرَأْ هَذِه اللَفْظَةَ، ولَمّا ذَكَرَ "الرَبُّ" وكانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تُسَمِّي الأصْنامَ أرْبابًا جاءَ بِالصِفَةِ الَّتِي لا شَرِكَةَ لِلْأصْنامِ فِيها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: "الَّذِي خَلَقَ"، ثُمَّ مَثَّلَ لَهم مِنَ المَخْلُوقاتِ ما لا مُدافَعَةَ فِيهِ، وما يَجِدُهُ كُلُّ مَفْطُورٍ في نَفْسِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾، وخِلْقَةُ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ العِبَرِ حَتّى أنَّهُ لَيْسَ في المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَدَيْنا أكْثَرَ عِبَرًا مِنهُ في عَقْلِهِ وإدْراكِهِ ورِباطاتِ بَدَنِهِ وعِظامِهِ، والعَلَقُ جَمْعُ عَلَقَةٍ، وهي القِطْعَةُ اليَسِيرَةُ مِنَ الدَمِ، و"الإنْسانُ" - هُنا - اسْمُ الجِنْسِ، ويَمْشِي الذِهْنُ مَعَهُ إلى جَمِيعِ الحَيَوانِ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن طِينٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَرَّرًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَلِذَلِكَ تَرَكَ أصْلَ الخِلْقَةِ وسِيقَ لَهُمُ الفَرْعُ الَّذِي هم بِهِ مُقِرُّونَ تَقْرِيبًا لِأفْهامِهِمْ.
(p-٦٥٣)ثُمَّ قالَ تَعالى لَهُ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ عَلى جِهَةِ التَأْنِيسِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: امْضِ لِما أُمِرْتَ بِهِ، ورَبُّكَ لَيْسَ كَهَذِهِ الأرْبابِ، بَلْ هو الأكْرَمُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ، فَهو يَنْصُرُكَ ويَظْهَرُكَ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى نِعْمَةَ الكِتابِ بِالقَلَمِ عَلى الناسِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ وأعْظَمُ مَنفَعَةً في المُخاطَباتِ وتَخْلِيدِ المَعارِفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾، قِيلَ: المُرادُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقِيلَ: اسْمُ الجِنْسِ، وهو الأظْهَرُ، وعَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ اكْتِسابَ المَعارِفِ بَعْدَ جَهْلِهِ بِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ﴾ الآيَةُ.. نَزَلَ بَعْدَ مُدَّةٍ مِن شَأْنِ أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ طَغى لِغِناهُ، ولِكَثْرَةِ مَن يُغْشى نادِيَهُ مِنَ الناسِ، فَناصَبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ العَداوَةَ، ونَهاهُ عَنِ الصَلاةِ في المَسْجِدِ، ويُرْوى أنَّهُ قالَ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يَسْجُدُ عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ، فَيُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَدَّ عَلَيْهِ القَوْلَ وانْتَهَرَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أيَتَوَعَّدُنِي مُحَمَّدٌ واللهِ ما بِالوادِي أعْظَمُ نَدِيًّا مِنِّي؟ ورَوى أيْضًا أنَّهُ جاءَ والنَبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، وهَمَّ بِأنْ يَصِلَ إلَيْهِ ويَمْنَعَهُ مِنَ الصَلاةِ، ثُمَّ كَعَّ عنهُ وانْصَرَفَ، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا؟ فَقالَ: لَقَدِ اعْتَرَضَ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقٌ مِن نارٍ وهَوْلٌ وأجْنِحَةٌ ويُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لَوْ دَنا مِنِّي لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عَيانًا"،» فَهَذِهِ السُورَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كَلّا" إلى آخِرِها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ. و"كَلّا" هي رَدٌّ عَلى أقْوالِ أبِي جَهْلٍ وأفْعالِهِ، ويَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "حَقًّا"، فَهي تَثْبِيتٌ لِما بَعْدَها مِنَ القَوْلِ. و"الطُغْيانُ" تَجاوُزُ الحُدُودِ الجَمِيلَةِ، و"الغِنى" مُطْغٍ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ تَعالى، و"الضَمِيرُ في "رَآهُ" (p-٦٥٤)لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قالَ: أنْ رَأى نَفْسَهُ غَنِيًّا، وهي رُؤْيَةُ قَلْبٍ تُقَرِّبُ مِنَ العِلْمِ، وكَذَلِكَ جازَ أنْ يَعْمَلَ فِعْلُ الفاعِلِ في نَفْسِهِ، كَما تَقُولُ: وجَدْتُنِي وظَنَنْتُنِي، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتُنِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْ رَآهُ" بِالمَدِّ عَلى وزْنِ "رَعاهُ"، واخْتَلَفُوا في الإمالَةِ وتَرْكِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -مِن طَرِيقِ قُنْبُلٍ -: "أنْ رَأهُ"، دُونَ مَدٍّ، عَلى وزْنِ "رَعَهُ"، عَلى حَذْفِ لامِ الفِعْلِ، وذَلِكَ تَخْفِيفٌ.
ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى غِنى هَذا الإنْسانِ وحالَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾، أيِ الحَشْرُ والبَعْثُ يَوْمُ القِيامَةِ، و"الرُجْعى" مَصْدَرٌ كالرُجُوعِ، وهو عَلى وزْنِ العُقْبى ونَحْوِهِ، وفي هَذا الخَبَرِ وعِيدٌ لِلطّاغِينَ مِنَ الناسِ.
الناهِي أبُو جَهْلٍ، وأنَّ العَبْدَ المُصَلِّيَ مُحَمَّدٌ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أرَأيْتَ" تَوْقِيفٌ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ عَلى حَدِّ الرُؤْيَةِ مِنَ العِلْمِ، بَلْ يَقْتَصِرُ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ إكْمالٌ لِلتَّوْبِيخِ والوَعِيدِ بِحَسَبِ التَوْقِيفاتِ الثَلاثَةِ يَصْلُحُ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَجاءَ بِها في نَسَقٍ، ثُمَّ جاءَ بِالوَعِيدِ الكافِي لِجَمِيعِها اخْتِصارًا واقْتِضابًا، ومَعَ كُلِّ تَقْرِيرٍ مِنَ الثَلاثَةِ تَكْمِلَةٌ مَقَدَّرَةٌ تَتَّسِعُ العَبّاراتُ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: "ألَمْ يَعْلَمْ" دالٌّ عَلَيْها مُغْنٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنْ كانَ" يَعْنِي العَبْدَ المُصَلِّي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي الإنْسانَ الَّذِي يَنْهى، ونَسَبَ تَعالى الرُؤْيَةَ إلى اللهِ تَعالى بِمَعْنى: يُدْرِكُ أعْمالَ الجَمِيعِ بِإدْراكٍ سَمّاهُ رُؤْيَةً، واللهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُماثَلَةِ المُحْدَثاتِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهُ تَعالى -إنْ لَمْ يَنْتَهِ- بِأنْ يُؤْخَذَ بِناصِيَتِهِ فَيُجَرَّ إلى جَهَنَّمَ ذَلِيلًا، تَقُولُ العَرَبُ: "سَفَعْتُ بِيَدِي ناصِيَةَ الفَرَسِ، والرِجْلِ" إذا جَذَبْتَها مُذَلِّلًا لَهُ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ قَوْمٌ إذا سَمِعُوا الصِياحَ رَأيْتَهم ما بَيْنَ مُلْجِمٍ مُهْرَهُ أو سافِعُ
(p-٦٥٥)فالآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١]. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: بِالتَفْسِيرِ "لَنَسْفَعًا" مَعْناهُ: لِنَحْرِقَنَّ، مِن قَوْلِهِمْ: "سَفْعَتْهُ النارُ" إذا أحْرَقَتْهُ، واكْتَفى بِذِكْرِ الناصِيَةِ لِدَلالَتِها عَلى الوَجْهِ والرَأْسِ. وجاءَ "لَنَسْفَعًا" في خَطِّ المُصْحَفِ بِألِفٍ بَدَلَ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ هارُونَ-: "لَنَسْفَعَنَّ" مُثْقَلَةَ النُونِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "لَأسْفَعَنَّ بِالناصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ فاجِرَةٍ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: [ناصِيَةً كاذِبَةً خاطِئَةً] بِالنَصْبِ في الثَلاثَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ بِالرَفْعِ فِيها كُلَّها. و"الناصِيَةُ" مُقَدَّمُ شَعْرِ الرَأْسِ، ثُمَّ أبْدَلَ تَعالى النَكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾، ووَصَفَها بِالكَذِبِ والخَطَأِ مِن حَيْثُ صِفَةً لِصاحِبِها، كَما تَقُولُ: يَدٌ سارِقَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: "وَما بِالوادِي أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي"، والنادِيَ والنَدى: المَجْلِسُ، ومِنهُ: دارُ النَدْوَةِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ وفِيهِمْ مَقاماتُ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: "سَيِّدُ نادِيهِ، وثِمالُ عافِيهِ".
و"الزَبانِيَةُ" مَلائِكَةُ العَذابِ، واحِدُهم "زَبَنِيَةٌ"، وقالَ الكِسائِيُّ: "زِبْنِي"، وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ الأخْفَشُ: "زابِنٌ"، وهُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الناسَ في النارِ، والزَبْنُ: الدَفْعُ، ومِنهُ "حَرْبٌ زَبُونٌ"، أيْ: تَدْفَعُ الناسَ في نَفْسِها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ومُسْتَعْجِبٍ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ∗∗∗ ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمُ
(p-٦٥٦)وَمِنهُ قَوْلُ عُتْبَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ: "وَقَدْ زَبَتْنا الحَرْبُ وزَبْنّاها، فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ عَدَتْنِي عن زِيارَتِكَ العَوادِي ∗∗∗ وحالَتْ بَيْنَنا حَرْبٌ زَبُونُ
وحُذِفَ الواوُ مِن "سَنَدْعُ" في خَطِّ المُصْحَفِ اخْتِصارًا وتَخْفِيفًا، والمَعْنى: سَنَدْعُو الزَبانِيَةَ لِعَذابِ هَذا الَّذِي يَدْعُو نادِيَهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلْيَدْعُ إلى نادِيهِ".
ثُمَّ قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ "كَلّا" رَدًّا عَلى قَوْلِ هَذا الكافِرِ وأفْعالِهِ، "لا تُطِعْهُ"، أيْ: لا تَلْتَفِتٍ إلى نَهْيِهِ وكَلامِهِ، "واسْجُدْ" لِرَبِّكَ، ﴿واقْتَرِبْ﴾ إلَيْهِ بِسُجُودِكَ وبِالطاعَةِ وبِالأعْمالِ الصالِحَةِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ إذا سَجَدَ، فَأكْثِرُوا مِنَ الدُعاءِ في السُجُودِ، فَقُمْنَ أنْ يُسْتَجابَ لَكُمْ".» وقالَ مُجاهِدٌ، قالَ: ألَمْ تَسْمَعُوا "واسْجُدْ واقْتَرِبْ"، ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "واسْجُدْ" خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّ "اقْتَرِبْ" خِطابٌ لِأبِي جَهْلٍ، أيْ إنْ كُنْتَ تَجْتَرِئُ حَتّى تَرى كَيْفَ تَهْلَكُ.
وهَذِهِ السُورَةُ فِيها سَجْدَةٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ ابْنُ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ[القَلَمِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
العلق 96:18
(p-٦٥١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ [سُورَةِ العَلَقِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، نَزَلَ صَدْرُها في غارِ حِراءٍ حَسَبَما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وغَيْرِهِ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ: "يا أيُّها المُدَّثِرُ"،» وقالَ أبُو مَيْسَرَةَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ فاتِحَةُ الكِتابِ والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، والتَرْتِيبُ في أخْبارِ النَبِيِّ ﷺ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أو أمَرَ بِالتَقْوى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ ﴿كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالناصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ﴾ ﴿كَلا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾
فِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: « "أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ (p-٦٥٢)رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُؤْيا الصالِحَةُ، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ التَحَنُّثُ في غارِ حِراءٍ، فَكانَ يَخْلُو فِيهِ يَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ حَتّى جاءَهُ المَلَكُ وهو في غارِ حِراءٍ، فَقالَ لَهُ: اقْرَأْ، فَقالَ: ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطِّنِي ثُمَّ كَذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ لَهُ في الثالِثَةِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ،﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ،﴾ قالَ فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهَ عَيْه وسَلَّمَ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ"» الحَدِيثُ بِطُولِهِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، اقْرَأْ هَذا القُرْآنَ بِاسْمِ رَبِّكَ، أيِ ابْدَأْ فِعْلَكَ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ﴾ [هود: ٤١] هَذا وجْهٌ. ووَجْهٌ آخَرُ في "كِتابِ الثَعْلَبِيِّ " أنْ يَكُونَ المَقْرُوءُ الَّذِي أمَرَ بِقِراءَتِهِ هو بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: اقْرَأْ هَذِه اللَفْظَةَ، ولَمّا ذَكَرَ "الرَبُّ" وكانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تُسَمِّي الأصْنامَ أرْبابًا جاءَ بِالصِفَةِ الَّتِي لا شَرِكَةَ لِلْأصْنامِ فِيها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: "الَّذِي خَلَقَ"، ثُمَّ مَثَّلَ لَهم مِنَ المَخْلُوقاتِ ما لا مُدافَعَةَ فِيهِ، وما يَجِدُهُ كُلُّ مَفْطُورٍ في نَفْسِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾، وخِلْقَةُ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ العِبَرِ حَتّى أنَّهُ لَيْسَ في المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَدَيْنا أكْثَرَ عِبَرًا مِنهُ في عَقْلِهِ وإدْراكِهِ ورِباطاتِ بَدَنِهِ وعِظامِهِ، والعَلَقُ جَمْعُ عَلَقَةٍ، وهي القِطْعَةُ اليَسِيرَةُ مِنَ الدَمِ، و"الإنْسانُ" - هُنا - اسْمُ الجِنْسِ، ويَمْشِي الذِهْنُ مَعَهُ إلى جَمِيعِ الحَيَوانِ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن طِينٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَرَّرًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَلِذَلِكَ تَرَكَ أصْلَ الخِلْقَةِ وسِيقَ لَهُمُ الفَرْعُ الَّذِي هم بِهِ مُقِرُّونَ تَقْرِيبًا لِأفْهامِهِمْ.
(p-٦٥٣)ثُمَّ قالَ تَعالى لَهُ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ عَلى جِهَةِ التَأْنِيسِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: امْضِ لِما أُمِرْتَ بِهِ، ورَبُّكَ لَيْسَ كَهَذِهِ الأرْبابِ، بَلْ هو الأكْرَمُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ، فَهو يَنْصُرُكَ ويَظْهَرُكَ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى نِعْمَةَ الكِتابِ بِالقَلَمِ عَلى الناسِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ وأعْظَمُ مَنفَعَةً في المُخاطَباتِ وتَخْلِيدِ المَعارِفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾، قِيلَ: المُرادُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقِيلَ: اسْمُ الجِنْسِ، وهو الأظْهَرُ، وعَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ اكْتِسابَ المَعارِفِ بَعْدَ جَهْلِهِ بِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ﴾ الآيَةُ.. نَزَلَ بَعْدَ مُدَّةٍ مِن شَأْنِ أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ طَغى لِغِناهُ، ولِكَثْرَةِ مَن يُغْشى نادِيَهُ مِنَ الناسِ، فَناصَبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ العَداوَةَ، ونَهاهُ عَنِ الصَلاةِ في المَسْجِدِ، ويُرْوى أنَّهُ قالَ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يَسْجُدُ عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ، فَيُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَدَّ عَلَيْهِ القَوْلَ وانْتَهَرَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أيَتَوَعَّدُنِي مُحَمَّدٌ واللهِ ما بِالوادِي أعْظَمُ نَدِيًّا مِنِّي؟ ورَوى أيْضًا أنَّهُ جاءَ والنَبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، وهَمَّ بِأنْ يَصِلَ إلَيْهِ ويَمْنَعَهُ مِنَ الصَلاةِ، ثُمَّ كَعَّ عنهُ وانْصَرَفَ، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا؟ فَقالَ: لَقَدِ اعْتَرَضَ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقٌ مِن نارٍ وهَوْلٌ وأجْنِحَةٌ ويُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لَوْ دَنا مِنِّي لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عَيانًا"،» فَهَذِهِ السُورَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كَلّا" إلى آخِرِها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ. و"كَلّا" هي رَدٌّ عَلى أقْوالِ أبِي جَهْلٍ وأفْعالِهِ، ويَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "حَقًّا"، فَهي تَثْبِيتٌ لِما بَعْدَها مِنَ القَوْلِ. و"الطُغْيانُ" تَجاوُزُ الحُدُودِ الجَمِيلَةِ، و"الغِنى" مُطْغٍ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ تَعالى، و"الضَمِيرُ في "رَآهُ" (p-٦٥٤)لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قالَ: أنْ رَأى نَفْسَهُ غَنِيًّا، وهي رُؤْيَةُ قَلْبٍ تُقَرِّبُ مِنَ العِلْمِ، وكَذَلِكَ جازَ أنْ يَعْمَلَ فِعْلُ الفاعِلِ في نَفْسِهِ، كَما تَقُولُ: وجَدْتُنِي وظَنَنْتُنِي، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتُنِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْ رَآهُ" بِالمَدِّ عَلى وزْنِ "رَعاهُ"، واخْتَلَفُوا في الإمالَةِ وتَرْكِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -مِن طَرِيقِ قُنْبُلٍ -: "أنْ رَأهُ"، دُونَ مَدٍّ، عَلى وزْنِ "رَعَهُ"، عَلى حَذْفِ لامِ الفِعْلِ، وذَلِكَ تَخْفِيفٌ.
ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى غِنى هَذا الإنْسانِ وحالَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾، أيِ الحَشْرُ والبَعْثُ يَوْمُ القِيامَةِ، و"الرُجْعى" مَصْدَرٌ كالرُجُوعِ، وهو عَلى وزْنِ العُقْبى ونَحْوِهِ، وفي هَذا الخَبَرِ وعِيدٌ لِلطّاغِينَ مِنَ الناسِ.
الناهِي أبُو جَهْلٍ، وأنَّ العَبْدَ المُصَلِّيَ مُحَمَّدٌ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أرَأيْتَ" تَوْقِيفٌ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ عَلى حَدِّ الرُؤْيَةِ مِنَ العِلْمِ، بَلْ يَقْتَصِرُ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ إكْمالٌ لِلتَّوْبِيخِ والوَعِيدِ بِحَسَبِ التَوْقِيفاتِ الثَلاثَةِ يَصْلُحُ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَجاءَ بِها في نَسَقٍ، ثُمَّ جاءَ بِالوَعِيدِ الكافِي لِجَمِيعِها اخْتِصارًا واقْتِضابًا، ومَعَ كُلِّ تَقْرِيرٍ مِنَ الثَلاثَةِ تَكْمِلَةٌ مَقَدَّرَةٌ تَتَّسِعُ العَبّاراتُ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: "ألَمْ يَعْلَمْ" دالٌّ عَلَيْها مُغْنٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنْ كانَ" يَعْنِي العَبْدَ المُصَلِّي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي الإنْسانَ الَّذِي يَنْهى، ونَسَبَ تَعالى الرُؤْيَةَ إلى اللهِ تَعالى بِمَعْنى: يُدْرِكُ أعْمالَ الجَمِيعِ بِإدْراكٍ سَمّاهُ رُؤْيَةً، واللهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُماثَلَةِ المُحْدَثاتِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهُ تَعالى -إنْ لَمْ يَنْتَهِ- بِأنْ يُؤْخَذَ بِناصِيَتِهِ فَيُجَرَّ إلى جَهَنَّمَ ذَلِيلًا، تَقُولُ العَرَبُ: "سَفَعْتُ بِيَدِي ناصِيَةَ الفَرَسِ، والرِجْلِ" إذا جَذَبْتَها مُذَلِّلًا لَهُ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ قَوْمٌ إذا سَمِعُوا الصِياحَ رَأيْتَهم ما بَيْنَ مُلْجِمٍ مُهْرَهُ أو سافِعُ
(p-٦٥٥)فالآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١]. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: بِالتَفْسِيرِ "لَنَسْفَعًا" مَعْناهُ: لِنَحْرِقَنَّ، مِن قَوْلِهِمْ: "سَفْعَتْهُ النارُ" إذا أحْرَقَتْهُ، واكْتَفى بِذِكْرِ الناصِيَةِ لِدَلالَتِها عَلى الوَجْهِ والرَأْسِ. وجاءَ "لَنَسْفَعًا" في خَطِّ المُصْحَفِ بِألِفٍ بَدَلَ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ هارُونَ-: "لَنَسْفَعَنَّ" مُثْقَلَةَ النُونِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "لَأسْفَعَنَّ بِالناصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ فاجِرَةٍ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: [ناصِيَةً كاذِبَةً خاطِئَةً] بِالنَصْبِ في الثَلاثَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ بِالرَفْعِ فِيها كُلَّها. و"الناصِيَةُ" مُقَدَّمُ شَعْرِ الرَأْسِ، ثُمَّ أبْدَلَ تَعالى النَكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾، ووَصَفَها بِالكَذِبِ والخَطَأِ مِن حَيْثُ صِفَةً لِصاحِبِها، كَما تَقُولُ: يَدٌ سارِقَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: "وَما بِالوادِي أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي"، والنادِيَ والنَدى: المَجْلِسُ، ومِنهُ: دارُ النَدْوَةِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ وفِيهِمْ مَقاماتُ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: "سَيِّدُ نادِيهِ، وثِمالُ عافِيهِ".
و"الزَبانِيَةُ" مَلائِكَةُ العَذابِ، واحِدُهم "زَبَنِيَةٌ"، وقالَ الكِسائِيُّ: "زِبْنِي"، وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ الأخْفَشُ: "زابِنٌ"، وهُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الناسَ في النارِ، والزَبْنُ: الدَفْعُ، ومِنهُ "حَرْبٌ زَبُونٌ"، أيْ: تَدْفَعُ الناسَ في نَفْسِها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ومُسْتَعْجِبٍ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ∗∗∗ ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمُ
(p-٦٥٦)وَمِنهُ قَوْلُ عُتْبَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ: "وَقَدْ زَبَتْنا الحَرْبُ وزَبْنّاها، فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ عَدَتْنِي عن زِيارَتِكَ العَوادِي ∗∗∗ وحالَتْ بَيْنَنا حَرْبٌ زَبُونُ
وحُذِفَ الواوُ مِن "سَنَدْعُ" في خَطِّ المُصْحَفِ اخْتِصارًا وتَخْفِيفًا، والمَعْنى: سَنَدْعُو الزَبانِيَةَ لِعَذابِ هَذا الَّذِي يَدْعُو نادِيَهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلْيَدْعُ إلى نادِيهِ".
ثُمَّ قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ "كَلّا" رَدًّا عَلى قَوْلِ هَذا الكافِرِ وأفْعالِهِ، "لا تُطِعْهُ"، أيْ: لا تَلْتَفِتٍ إلى نَهْيِهِ وكَلامِهِ، "واسْجُدْ" لِرَبِّكَ، ﴿واقْتَرِبْ﴾ إلَيْهِ بِسُجُودِكَ وبِالطاعَةِ وبِالأعْمالِ الصالِحَةِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ إذا سَجَدَ، فَأكْثِرُوا مِنَ الدُعاءِ في السُجُودِ، فَقُمْنَ أنْ يُسْتَجابَ لَكُمْ".» وقالَ مُجاهِدٌ، قالَ: ألَمْ تَسْمَعُوا "واسْجُدْ واقْتَرِبْ"، ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "واسْجُدْ" خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّ "اقْتَرِبْ" خِطابٌ لِأبِي جَهْلٍ، أيْ إنْ كُنْتَ تَجْتَرِئُ حَتّى تَرى كَيْفَ تَهْلَكُ.
وهَذِهِ السُورَةُ فِيها سَجْدَةٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ ابْنُ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ[القَلَمِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
العلق 96:19
(p-٦٥١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ [سُورَةِ العَلَقِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، نَزَلَ صَدْرُها في غارِ حِراءٍ حَسَبَما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وغَيْرِهِ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ: "يا أيُّها المُدَّثِرُ"،» وقالَ أبُو مَيْسَرَةَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ فاتِحَةُ الكِتابِ والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، والتَرْتِيبُ في أخْبارِ النَبِيِّ ﷺ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أو أمَرَ بِالتَقْوى﴾ ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ ﴿كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالناصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ﴾ ﴿كَلا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾
فِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: « "أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ (p-٦٥٢)رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُؤْيا الصالِحَةُ، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ التَحَنُّثُ في غارِ حِراءٍ، فَكانَ يَخْلُو فِيهِ يَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ حَتّى جاءَهُ المَلَكُ وهو في غارِ حِراءٍ، فَقالَ لَهُ: اقْرَأْ، فَقالَ: ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطِّنِي ثُمَّ كَذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ لَهُ في الثالِثَةِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ،﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ،﴾ قالَ فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهَ عَيْه وسَلَّمَ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ"» الحَدِيثُ بِطُولِهِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، اقْرَأْ هَذا القُرْآنَ بِاسْمِ رَبِّكَ، أيِ ابْدَأْ فِعْلَكَ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ﴾ [هود: ٤١] هَذا وجْهٌ. ووَجْهٌ آخَرُ في "كِتابِ الثَعْلَبِيِّ " أنْ يَكُونَ المَقْرُوءُ الَّذِي أمَرَ بِقِراءَتِهِ هو بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: اقْرَأْ هَذِه اللَفْظَةَ، ولَمّا ذَكَرَ "الرَبُّ" وكانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تُسَمِّي الأصْنامَ أرْبابًا جاءَ بِالصِفَةِ الَّتِي لا شَرِكَةَ لِلْأصْنامِ فِيها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: "الَّذِي خَلَقَ"، ثُمَّ مَثَّلَ لَهم مِنَ المَخْلُوقاتِ ما لا مُدافَعَةَ فِيهِ، وما يَجِدُهُ كُلُّ مَفْطُورٍ في نَفْسِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾، وخِلْقَةُ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ العِبَرِ حَتّى أنَّهُ لَيْسَ في المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَدَيْنا أكْثَرَ عِبَرًا مِنهُ في عَقْلِهِ وإدْراكِهِ ورِباطاتِ بَدَنِهِ وعِظامِهِ، والعَلَقُ جَمْعُ عَلَقَةٍ، وهي القِطْعَةُ اليَسِيرَةُ مِنَ الدَمِ، و"الإنْسانُ" - هُنا - اسْمُ الجِنْسِ، ويَمْشِي الذِهْنُ مَعَهُ إلى جَمِيعِ الحَيَوانِ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن طِينٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَرَّرًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَلِذَلِكَ تَرَكَ أصْلَ الخِلْقَةِ وسِيقَ لَهُمُ الفَرْعُ الَّذِي هم بِهِ مُقِرُّونَ تَقْرِيبًا لِأفْهامِهِمْ.
(p-٦٥٣)ثُمَّ قالَ تَعالى لَهُ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ عَلى جِهَةِ التَأْنِيسِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: امْضِ لِما أُمِرْتَ بِهِ، ورَبُّكَ لَيْسَ كَهَذِهِ الأرْبابِ، بَلْ هو الأكْرَمُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ، فَهو يَنْصُرُكَ ويَظْهَرُكَ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى نِعْمَةَ الكِتابِ بِالقَلَمِ عَلى الناسِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ وأعْظَمُ مَنفَعَةً في المُخاطَباتِ وتَخْلِيدِ المَعارِفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾، قِيلَ: المُرادُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقِيلَ: اسْمُ الجِنْسِ، وهو الأظْهَرُ، وعَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ اكْتِسابَ المَعارِفِ بَعْدَ جَهْلِهِ بِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ﴾ الآيَةُ.. نَزَلَ بَعْدَ مُدَّةٍ مِن شَأْنِ أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ طَغى لِغِناهُ، ولِكَثْرَةِ مَن يُغْشى نادِيَهُ مِنَ الناسِ، فَناصَبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ العَداوَةَ، ونَهاهُ عَنِ الصَلاةِ في المَسْجِدِ، ويُرْوى أنَّهُ قالَ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يَسْجُدُ عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ، فَيُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَدَّ عَلَيْهِ القَوْلَ وانْتَهَرَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أيَتَوَعَّدُنِي مُحَمَّدٌ واللهِ ما بِالوادِي أعْظَمُ نَدِيًّا مِنِّي؟ ورَوى أيْضًا أنَّهُ جاءَ والنَبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، وهَمَّ بِأنْ يَصِلَ إلَيْهِ ويَمْنَعَهُ مِنَ الصَلاةِ، ثُمَّ كَعَّ عنهُ وانْصَرَفَ، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا؟ فَقالَ: لَقَدِ اعْتَرَضَ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقٌ مِن نارٍ وهَوْلٌ وأجْنِحَةٌ ويُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لَوْ دَنا مِنِّي لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عَيانًا"،» فَهَذِهِ السُورَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كَلّا" إلى آخِرِها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ. و"كَلّا" هي رَدٌّ عَلى أقْوالِ أبِي جَهْلٍ وأفْعالِهِ، ويَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "حَقًّا"، فَهي تَثْبِيتٌ لِما بَعْدَها مِنَ القَوْلِ. و"الطُغْيانُ" تَجاوُزُ الحُدُودِ الجَمِيلَةِ، و"الغِنى" مُطْغٍ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ تَعالى، و"الضَمِيرُ في "رَآهُ" (p-٦٥٤)لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قالَ: أنْ رَأى نَفْسَهُ غَنِيًّا، وهي رُؤْيَةُ قَلْبٍ تُقَرِّبُ مِنَ العِلْمِ، وكَذَلِكَ جازَ أنْ يَعْمَلَ فِعْلُ الفاعِلِ في نَفْسِهِ، كَما تَقُولُ: وجَدْتُنِي وظَنَنْتُنِي، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتُنِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْ رَآهُ" بِالمَدِّ عَلى وزْنِ "رَعاهُ"، واخْتَلَفُوا في الإمالَةِ وتَرْكِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -مِن طَرِيقِ قُنْبُلٍ -: "أنْ رَأهُ"، دُونَ مَدٍّ، عَلى وزْنِ "رَعَهُ"، عَلى حَذْفِ لامِ الفِعْلِ، وذَلِكَ تَخْفِيفٌ.
ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى غِنى هَذا الإنْسانِ وحالَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾، أيِ الحَشْرُ والبَعْثُ يَوْمُ القِيامَةِ، و"الرُجْعى" مَصْدَرٌ كالرُجُوعِ، وهو عَلى وزْنِ العُقْبى ونَحْوِهِ، وفي هَذا الخَبَرِ وعِيدٌ لِلطّاغِينَ مِنَ الناسِ.
الناهِي أبُو جَهْلٍ، وأنَّ العَبْدَ المُصَلِّيَ مُحَمَّدٌ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أرَأيْتَ" تَوْقِيفٌ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ عَلى حَدِّ الرُؤْيَةِ مِنَ العِلْمِ، بَلْ يَقْتَصِرُ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾ إكْمالٌ لِلتَّوْبِيخِ والوَعِيدِ بِحَسَبِ التَوْقِيفاتِ الثَلاثَةِ يَصْلُحُ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَجاءَ بِها في نَسَقٍ، ثُمَّ جاءَ بِالوَعِيدِ الكافِي لِجَمِيعِها اخْتِصارًا واقْتِضابًا، ومَعَ كُلِّ تَقْرِيرٍ مِنَ الثَلاثَةِ تَكْمِلَةٌ مَقَدَّرَةٌ تَتَّسِعُ العَبّاراتُ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: "ألَمْ يَعْلَمْ" دالٌّ عَلَيْها مُغْنٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنْ كانَ" يَعْنِي العَبْدَ المُصَلِّي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي الإنْسانَ الَّذِي يَنْهى، ونَسَبَ تَعالى الرُؤْيَةَ إلى اللهِ تَعالى بِمَعْنى: يُدْرِكُ أعْمالَ الجَمِيعِ بِإدْراكٍ سَمّاهُ رُؤْيَةً، واللهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُماثَلَةِ المُحْدَثاتِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهُ تَعالى -إنْ لَمْ يَنْتَهِ- بِأنْ يُؤْخَذَ بِناصِيَتِهِ فَيُجَرَّ إلى جَهَنَّمَ ذَلِيلًا، تَقُولُ العَرَبُ: "سَفَعْتُ بِيَدِي ناصِيَةَ الفَرَسِ، والرِجْلِ" إذا جَذَبْتَها مُذَلِّلًا لَهُ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ:
؎ قَوْمٌ إذا سَمِعُوا الصِياحَ رَأيْتَهم ما بَيْنَ مُلْجِمٍ مُهْرَهُ أو سافِعُ
(p-٦٥٥)فالآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١]. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: بِالتَفْسِيرِ "لَنَسْفَعًا" مَعْناهُ: لِنَحْرِقَنَّ، مِن قَوْلِهِمْ: "سَفْعَتْهُ النارُ" إذا أحْرَقَتْهُ، واكْتَفى بِذِكْرِ الناصِيَةِ لِدَلالَتِها عَلى الوَجْهِ والرَأْسِ. وجاءَ "لَنَسْفَعًا" في خَطِّ المُصْحَفِ بِألِفٍ بَدَلَ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ هارُونَ-: "لَنَسْفَعَنَّ" مُثْقَلَةَ النُونِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "لَأسْفَعَنَّ بِالناصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ فاجِرَةٍ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: [ناصِيَةً كاذِبَةً خاطِئَةً] بِالنَصْبِ في الثَلاثَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ بِالرَفْعِ فِيها كُلَّها. و"الناصِيَةُ" مُقَدَّمُ شَعْرِ الرَأْسِ، ثُمَّ أبْدَلَ تَعالى النَكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾، ووَصَفَها بِالكَذِبِ والخَطَأِ مِن حَيْثُ صِفَةً لِصاحِبِها، كَما تَقُولُ: يَدٌ سارِقَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: "وَما بِالوادِي أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي"، والنادِيَ والنَدى: المَجْلِسُ، ومِنهُ: دارُ النَدْوَةِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ وفِيهِمْ مَقاماتُ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: "سَيِّدُ نادِيهِ، وثِمالُ عافِيهِ".
و"الزَبانِيَةُ" مَلائِكَةُ العَذابِ، واحِدُهم "زَبَنِيَةٌ"، وقالَ الكِسائِيُّ: "زِبْنِي"، وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ الأخْفَشُ: "زابِنٌ"، وهُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الناسَ في النارِ، والزَبْنُ: الدَفْعُ، ومِنهُ "حَرْبٌ زَبُونٌ"، أيْ: تَدْفَعُ الناسَ في نَفْسِها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ومُسْتَعْجِبٍ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ∗∗∗ ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمُ
(p-٦٥٦)وَمِنهُ قَوْلُ عُتْبَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ: "وَقَدْ زَبَتْنا الحَرْبُ وزَبْنّاها، فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ عَدَتْنِي عن زِيارَتِكَ العَوادِي ∗∗∗ وحالَتْ بَيْنَنا حَرْبٌ زَبُونُ
وحُذِفَ الواوُ مِن "سَنَدْعُ" في خَطِّ المُصْحَفِ اخْتِصارًا وتَخْفِيفًا، والمَعْنى: سَنَدْعُو الزَبانِيَةَ لِعَذابِ هَذا الَّذِي يَدْعُو نادِيَهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلْيَدْعُ إلى نادِيهِ".
ثُمَّ قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ "كَلّا" رَدًّا عَلى قَوْلِ هَذا الكافِرِ وأفْعالِهِ، "لا تُطِعْهُ"، أيْ: لا تَلْتَفِتٍ إلى نَهْيِهِ وكَلامِهِ، "واسْجُدْ" لِرَبِّكَ، ﴿واقْتَرِبْ﴾ إلَيْهِ بِسُجُودِكَ وبِالطاعَةِ وبِالأعْمالِ الصالِحَةِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ إذا سَجَدَ، فَأكْثِرُوا مِنَ الدُعاءِ في السُجُودِ، فَقُمْنَ أنْ يُسْتَجابَ لَكُمْ".» وقالَ مُجاهِدٌ، قالَ: ألَمْ تَسْمَعُوا "واسْجُدْ واقْتَرِبْ"، ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "واسْجُدْ" خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّ "اقْتَرِبْ" خِطابٌ لِأبِي جَهْلٍ، أيْ إنْ كُنْتَ تَجْتَرِئُ حَتّى تَرى كَيْفَ تَهْلَكُ.
وهَذِهِ السُورَةُ فِيها سَجْدَةٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ ابْنُ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ[القَلَمِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.