Lafzullah

أحكام القرآن — الأنعام 6:52 – التوبة 9:123

المؤلف / المصدر: ابن الفرس (ت 597هـ) · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-27781)

المحتويات
  1. الأنعام 6:52
  2. الأنعام 6:66
  3. الأنعام 6:69
  4. الأنعام 6:70
  5. الأنعام 6:84
  6. الأنعام 6:103
  7. الأنعام 6:106
  8. الأنعام 6:107
  9. الأنعام 6:108
  10. الأنعام 6:112
  11. الأنعام 6:113
  12. الأنعام 6:114
  13. الأنعام 6:118
  14. الأنعام 6:119
  15. الأنعام 6:120
  16. الأنعام 6:121
  17. الأنعام 6:136
  18. الأنعام 6:137
  19. الأنعام 6:138
  20. الأنعام 6:139
  21. الأنعام 6:140
  22. الأنعام 6:141
  23. الأنعام 6:143
  24. الأنعام 6:144
  25. الأنعام 6:146
  26. الأنعام 6:151
  27. الأنعام 6:152
  28. الأنعام 6:159
  29. الأنعام 6:160
  30. الأنعام 6:162
  31. الأنعام 6:163
  32. الأنعام 6:164
  33. الأعراف 7:3
  34. الأعراف 7:12
  35. الأعراف 7:16
  36. الأعراف 7:20
  37. الأعراف 7:22
  38. الأعراف 7:26
  39. الأعراف 7:27
  40. الأعراف 7:29
  41. الأعراف 7:31
  42. الأعراف 7:32
  43. الأعراف 7:33
  44. الأعراف 7:55
  45. الأعراف 7:56
  46. الأعراف 7:80
  47. الأعراف 7:81
  48. الأعراف 7:82
  49. الأعراف 7:83
  50. الأعراف 7:84
  51. الأعراف 7:180
  52. الأعراف 7:199
  53. الأعراف 7:204
  54. الأعراف 7:205
  55. الأنفال 8:1
  56. الأنفال 8:15
  57. الأنفال 8:16
  58. الأنفال 8:17
  59. الأنفال 8:33
  60. الأنفال 8:34
  61. الأنفال 8:38
  62. الأنفال 8:39
  63. الأنفال 8:40
  64. الأنفال 8:41
  65. الأنفال 8:45
  66. الأنفال 8:57
  67. الأنفال 8:58
  68. الأنفال 8:60
  69. الأنفال 8:61
  70. الأنفال 8:65
  71. الأنفال 8:66
  72. الأنفال 8:67
  73. الأنفال 8:68
  74. الأنفال 8:69
  75. الأنفال 8:72
  76. الأنفال 8:75
  77. التوبة 9:1
  78. التوبة 9:2
  79. التوبة 9:3
  80. التوبة 9:4
  81. التوبة 9:5
  82. التوبة 9:6
  83. التوبة 9:7
  84. التوبة 9:9
  85. التوبة 9:12
  86. التوبة 9:28
  87. التوبة 9:29
  88. التوبة 9:34
  89. التوبة 9:36
  90. التوبة 9:37
  91. التوبة 9:38
  92. التوبة 9:39
  93. التوبة 9:41
  94. التوبة 9:43
  95. التوبة 9:44
  96. التوبة 9:45
  97. التوبة 9:51
  98. التوبة 9:53
  99. التوبة 9:60
  100. التوبة 9:73
  101. التوبة 9:75
  102. التوبة 9:76
  103. التوبة 9:77
  104. التوبة 9:80
  105. التوبة 9:84
  106. التوبة 9:91
  107. التوبة 9:103
  108. التوبة 9:108
  109. التوبة 9:113
  110. التوبة 9:114
  111. التوبة 9:119
  112. التوبة 9:120
  113. التوبة 9:122
  114. التوبة 9:123

الأنعام 6:52

٥٢ - قوله تعالى :﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ إلى قوله تعالى(١) :﴿فتكون من الظالمين﴾ : المراد بالدعاء هنا(٢) اختلف فيه : فقيل : الصلوات الخمس. وقيل : الدعاء. وقيل (٣) : ذكر الله، واللفظ على وجهه. وقيل : الاجتماع إليهم غدوة(٤) وعشيا. وقيل : هو قراءة القرآن وتعلمه. وقيل : هو العبادة(٥). وقوله :﴿بالغداة والعشي﴾ اختلف فيه. فقيل : هو (٦) عبارة عن استمرار الفعل وأن الزمن معمور به كما تقول : الحمد لله(٧). ويحتمل أن يريد بهما الوقتين المخصوصين(٨)، ولأجل هذا قال بعضهم : المراد بالغداة والعشي منها صلاة مكة التي كانت مرتين في اليوم بكرة وعشيا(٩). وسبب الآية ما كان من أشراف قريش من قولهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لو أزلت عنك الضعفاء وطردتهم لاتبعناك(١٠). وقد يؤخذ من هذه الآية(١١) ألا يمنع من يريد أن يذكر الناس بالله وبأمور الآخرة سواء كان في جامع أو صومعة أو طريق ونحو ذلك. وقد اختلف المتأخرون في المؤذن يؤذن بالأسحار ويبتهل بالدعاء ويردد ذلك إلى أن يصبح فشكاه الجيران. هل يمنع أم لا ؟ فذهب جماعة إلى أنه يمنع، واحتجوا بحديث تميم الداري(١٢) إذ قال لعمر : دعني أدعو الله تعالى وأقص وأذكر الله. فقال عمر : لا. فأعاد عليه. فقال : لا. أنت تريد أن يقال : هذا تميم الداري فاعرفوني. وقد قال مالك(١٣) : القصص بدعة. ومن حجتهم أيضا حديث سعيد بن المسيب(١٤) إذ قال لبرد(١٥) مولاه : اطرد عني هذا القارئ يعني عمر بن عبد العزيز(١٦) وذهب جماعة إلى أنه لا يمنع. واحتجوا أنه كان بالبصرة عروة بن أذينة يقوم الليل يصيح في الطريق ويخوفهم بقول الله تعالى :﴿أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون ( ٩٧ )﴾ (١٧) [الأعراف: ٩٧] الآيات، وبما جاء من أن الناس بالمدينة كانوا يتواعدون عند خروجهم لأسفارهم لقيام القرآن وكانوا يقرؤون بالأسحار فتسمع أصواتهم من كل منزل. واحتج بعضهم(١٨) أيضا بالآية التي نحن فيها :﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ الآية. ١ والآية كاملة هي: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداوة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين﴾.. ٢ في (و)، (ز): "ها هنا".. ٣ كلمة "وقيل" ساقطة في (ح).. ٤ في (ح): "غدوا".. ٥ ذكر نحوه في المحرر الوجيز ٦/ ٥٧، وكذلك في جامع البيان للطبري ١١/ ٣٨٥.. ٦ كلمة "هو" ساقطة في (ب)،(هـ).. ٧ "الحمد لله" ساقطة في (ح).. ٨ في جميع النسخ: "الوقتان المخصوصان". والصواب ما أثبتناه.. ٩ ذكر نحوه في المحرر الوجيز ٦/٥٧، وكذلك في جامع البيان ١١/ ٣٨٢.. ١٠ ذكره الواحدي في أسباب النزول: ص ١٦٢.. ١١ كلمة "الآية" ساقطة في (ج)،(ح)،(د)،(هـ).. ١٢ تميم الداري: هو تميم بن أوس بن خارجة بن سود بن جذيمة بن وداع (ويقال ذراع) بن عدي بن الدار بن هانئ بن حبيب بن نمارة بن لخم الداري. أسلم سنة تسع. توفي سنة ٤٠هـ/ ٦٦١ م. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر ١/ ٥١١.. ١٣ مالك: هو مالك بن أنس بن مالك. إمام دار الهجرة وصاحب المذهب المالكي. توفي سنة ١٧٩هـ/ ٧٩٥ م. انظر: الموطأ: المقدمة ص ٥- ٧.. ١٤ سعيد بن المسيب: المخزومي القرشي، أحد الفقهاء السبع. جمع بين الزهد والفقه والحديث. ولد سنة ١٣ هـ/ ٦٣٤م وتوفي سنة ٩٤ هـ/ ٧١٣ م. انظر: الأعلام للزركلي ٣/ ١٥٥، وكذلك وفيات الأعيان لابن خلكان ١/ ٢٠٦.. ١٥ برد: لعله برد بن سنان الشامي أبو العلاء الدمشقي مولى قريش. توفي سنة ١٣٥هـ/ ٧٥١م. انظر تهذيب التهذيب ١/ ٤٢٨.. ١٦ عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي المدني أمير المؤمنين وأحد خلفاء بني أمية والإمام العادل. توفي سنة ١٠١ هـ/ ٧١٦م. انظر إسعاف المبطأ ٢/ ٣٤٣.. ١٧ وبقية الآيات هي: ﴿أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون (٩٨) أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (٩٩)﴾.. ١٨ كلمة "بعضهم" ساقطة في (ج)،(ح)، (د)..

الأنعام 6:66

٦٦ قوله تعالى :﴿قل لست عليكم بوكيل﴾ : اختلف فيه(١) هل هو (٢)منسوخ أو محكم ؟ فقيل هو منسوخ نسخته آية السيف وهي قوله تعالى :﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥]. وهو قول ابن عباس وقيل : هو محكم ولا يجوز نسخه لأنه خبر(٣) ومعناه صحيح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ليس هو على من أرسل إليهم حفيظا إنما هو نذير، والعقاب مردود إلى الله تعالى عز وجل، فهي محكمة. وليس قول من ضعف النسخ بأنه خبر صحيحا، لأنه وإن كان خبرا فإنه(٤) يقتضي حكما. وما كان كذلك فالنسخ فيه (٥)جائز. ١ كلمة "فيه" ساقطة في (ب).. ٢ كلمة "هـ" ساقطة في (ح).. ٣ راجع الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي بن أبي طالب: ص ٢٤٢.. ٤ "وإن كان خبرا فإنه" ساقطة في (ز).. ٥ كلمة "فيه" ساقطة في (ح)..

الأنعام 6:69

٦٩ - قوله تعالى :﴿وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى﴾ : اختلف فيها هل هي منسوخة أم محكمة. فقيل هي منسوخة بآية النساء :﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾ [النساء: ١٤٠]. فأمروا أن لا يجلسوا معهم في هذه الحال بعد أن قال :﴿وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء﴾ فأباح لهم ذلك. وقيل هي محكمة لأنها خبر فلا يجوز نسخه (١) والمعنى/ ليس على من اتقى الله تعالى إذا نهى إنسانا(٢) عن منكر من حسابه من شيء. وإنما عليه أن ينهاه ولا يقعد معه راضيا بقوله(٣) وبفعله. وقيل : إن الآية لا تقتضي إباحة القعود معهم وإنما معناها النهي عن ذلك وأن النهي عن ذلك ليس على أن القاعد معهم ليس من حسابهم شيء لو قعد. وقوله تعالى :﴿ولكن ذكرى﴾ معناه : ولكن ذكرى لكم. وتحصيل هذا القول أنه ليس عليك من حسابهم شيء لو قعدت معهم ولكن هذه ذكرى لك أن لا تقعد معهم(٤). ١ راجح الإيضاح: ص ٢٤٣.. ٢ في (أ)، (ز): أناسا.. ٣ كلمة "بقوله" ساقطة في (ح).. ٤ ذكر نحوه ابن عطية في المحرر الوجيز ٦/ ٧٤..

الأنعام 6:70

٧٠ - قوله تعالى :﴿وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا﴾ : اختلف فيه هل هو منسوخ أو محكم. فقيل : هو منسوخ بقوله عز وجل :﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥] وهو قول قتادة(١). وقيل : هو محكم والمراد : التهديد والتوعد فهي كقوله تعالى :﴿ذرني ومن خلقت وحيدا ( ١١ )﴾ [المدثر: ١١] وهو قول مجاهد(٢). ١ قتادة: هو قتادة بن دعامة بن عرنين بن عمرو بن ربيعة الدسوسي البصري. أحد علماء التابعين. توفي سنة ١١٧ هـ/ ٧٣٥م. انظر طبقات المفسرين ٢/ ٤٣، ٤٤، وكذلك وفيات الأعيان ٤/ ٨٥.. ٢ راجع الإيضاح ص ٢٤٣. ومجاهد هو أبو الحجاج مجاهد بن جبر وقيل ابن خير المكي المخزومي. أحد التابعين. ولد في خلافة عمر بن الخطاب. توفي سنة ١٠٤ هـ/٧٢٣ م. انظر تهذيب التهذيب: ١٠/٤٢..

الأنعام 6:84

( ٨٤ ) - قوله تعالى :﴿ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس﴾ : اختلف الشيوخ المتأخرون في الذرية هل يدخل فيهم ولد البنات أم لا، مثل أن يحبس عليهم شيئا أو نحو ذلك. فذهب قوم إلى أنهم(١) لا يدخلون في ذلك كقولهم في الولد والعقب أيضا. وذهب آخرون إلى أنهم يدخلون في ذلك. واحتج بعض من ذهب إلى ذلك بهذه الآية لأنه تعالى جعل عيسى من ذرية إبراهيم أو نوح على الاختلاف في الضمير ﴿ومن ذريته﴾ على من يعود منهما وعيسى من أولاد البنات إذ لم يكن له أب وقد عده في الذرية. والذين ذهبوا إلى القول الأول ضعفوا(٢) هذا الاحتجاج بالآية من أجل عيسى عليه السلام لما لم يكن له أب قامت(٣) له الأم مقام الأب والأم فكان من ذرية جده للأم إبراهيم أو نوح. ١ في (ب)، (ج)، (ح): "أنه".. ٢ في (أ)، (ز): "ضعف".. ٣ في (ب)، (ج)، (ح): "أقامت"..

الأنعام 6:103

١٠٣ - وقوله تعالى :﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ : وقوع رؤية الباري تعالى مما (١) يستند فيه إلى الشرع فأما العقل فلا مجال له في ذلك لكنه يعطي إمكان الرؤية. فأما القطع بوقوعها فإنما ذلك يستند فيه إلى الشرع(٢). فلذلك لا تكون المسألة إلا فقهية. وقد اختلف في ذلك الناس. فأهل السنة يجيزون الرؤية عقلا إذ كل موجود يصح أن يرى، والمعتزلة يحيلونها عقلا ويرون أنه يلزم عليها أن يكون الباري تعالى في جهة، إلا أنهم اختلفوا هل يرى هو نفسه أم لا. فمنهم من أجاز ومنهم من منع. وأما وقوع الرؤية فأهل السنة متفقون(٣) على أنه تعالى يرى في الآخرة ومستندهم (٤) في ذلك إلى(٥) الإجماع من الأولين من ابتهالهم إلى الله تعالى في طلب لذة النظر إلى وجهه الكريم وإلى الكتاب العزيز. وأقوى ما يدل عليه فيه قول سيدنا موسى عليه السلام :﴿رب أرني أنظر إليك﴾ [الأعراف: ١٤٣]. وإلى السنة كقوله عليه الصلاة والسلام : " وإنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته ولا تضارون " (٦) الأحاديث في ذلك كثيرة لا تنحصر. وأما المعتزلة فأنكروا ذلك واستدلوا على امتناع الوقوع بقوله تعالى :﴿لن تراني﴾ [الأعراف: ١٤٣] وبقوله تعالى :﴿لا تدركه الأبصار﴾ وأجاب أهل السنة عن هذا بأن معنى قوله تعالى :﴿لن تراني﴾ أي لن تراني في الدنيا أي أن (٧) الرؤية إنما تكون في الآخرة. وقوله تعالى :﴿لا تدركه الأبصار﴾ (٨) معناه لا تدركه إدراك إحاطة به من جوانبه كما تحيط الرؤية بالأجسام. ويجوز أن يريد لا تدركه الأبصار في الدنيا، فهو عام أريد به الخصوص. وقد اختلف أهل السنة هل(٩) رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ربه تعالى بعيني رأسه أم لا ؟ وقد أنكرت عائشة رضي الله تعالى عنها وقالت لمن سألها عن ذلك : " قف شعري لما قلت " (١٠) وهذه الرؤية في الآخرة من أعظم ما ينعم الله تعالى به على عباده المؤمنين. فلا يجوز أن يراه الكفار. ولم يزل الناس مجمعين (١١) على ذلك حتى نشأ رجل يعرف بأبي الحسن بن هاشم البصري(١٢) وقال إن الكفار يرون ربهم يوم القيامة. وتبعه على ذلك قوم وهو خطأ صراح. فإن الله تعالى يقول في الكفار :﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ( ١٥ )﴾ [المطففين: ١٥] والنظر بقصد ذلك(١٣). ١ في (ب)، (ج)، (ح): "بما".. ٢ في (أ): "فإن مستنده إلى الشرع".. ٣ في (ج)، (هـ)، (ي): "مطبقون".. ٤ في (ب)، (ج)، (ح)، (د): "وسندهم".. ٥ كلمة "إلى" ساقطة في (و).. ٦ رواه البخاري عن قيس عن جرير في كتاب مواقيت الصلاة، باب: فضل صلاة العصر: ١/ ١٣٨، ١٣٩.. ٧ كلمة "أن" ساقطة في (أ)، (ب)، (ج)، (ح).. ٨ سقوط من قوله: "وأجاب أهل السنة... إلى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ في (أ)، (ز).".. ٩ كلمة "هل" ساقطة في (ج)، (ح)، (د).. ١٠ والحديث رواه مسلم عن مسروق حين سأل عائشة رضي الله تعالى عنها قائلا: هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه؟ فقالت: سبحان الله لقد قف شعري لما قلت.... الخ. انظر صحيح مسلم كتاب الإيمان، باب: معنى قوله تعالى: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى (١٣)﴾ ١/ ١١٠، ١١١.. ١١ في (أ)، (هـ)، (ز)، (و): "مجتمعين".. ١٢ أبو الحسن بن هاشم البصري: هو محمد بن محمد بن أحمد البصري، أبو الحسن. من آثاره: فهرس تصانيف المرتضى. توفي سنة ٤٤٣هـ/ ١٠٥١م. انظر معجم المؤلفين لكحالة ١١/ ١٨١.. ١٣ في (ب)، (هـ)، (و): "يعضد ذلك"..

الأنعام 6:106

١٠٦- قوله تعالى :﴿وأعرض عن المشركين﴾ إلى قوله تعالى :﴿كذلك زينا لكل أمة عملهم﴾ : اختلف في قوله :﴿وأعرض عن المشركين﴾. فقال ابن عباس هو منسوخ بقوله تعالى :﴿اقتلوا المشركين﴾. أو محكم، ومعناه أعرض عما يدعونك إليه من اتباع ما هم عليه. وقيل معناه أعرض عن مجادلتهم واتبع ما أوحي إليك(١). ١ راجع الإيضاح: ص ٢٤٧..

الأنعام 6:107

١٠٧- وقوله تعالى :﴿ولو شاء الله ما أشركوا﴾ : هذه الآية تتضمن أن الكفر والإيمان إنما هما من الله تعالى وأن الإنسان لا قدرة له على شيء من ذلك خلافا للمعتزلة الذين يرون أنه ليس لله تعالى لطف يؤمن به الكافر. - وقوله تعالى :﴿وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل﴾ : مما اختلف فيه أيضا هل هو منسوخ أم لا(١). ١ راجع م. س. ص ٢٤٢..

الأنعام 6:108

١٠٨- وقوله تعالى :﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم﴾ : خاطب(١) تعالى بها النبي صلى الله عليه وسلم وسائر المؤمنين. وسببها أن قريشا قالوا لأبي طالب ألا ينتهي محمد وأصحابه عن سب آلهتنا. إما أن يكف عنا وإما أن نسب إلهه ونهجوه. فنزلت الآية وحكمها أبدا محكم. فمتى خاف المسلم أن يسب دين الكفار وأن يسب الكافر الله عز وجل أو النبي صلى الله عليه وسلم أو الإسلام وأهله لم يجز له أن يسب دينهم ولا شيئا من صلبانهم ولا أن يتعرض إلى ما يدعو إلى ذلك. وفي هذه الآية ما يدل على القول بسد الذرائع وقد تقدم الكلام على نحو من هذا بما أغنى عن إعادته هنا. وقيل إنها منسوخة بالسيف(٢). ١ في (أ): "والآية خاطب بها".. ٢ راجع الإيضاح: ص ٢٦٧..

الأنعام 6:112

١١٢- قوله تعالى :﴿فذرهم وما يفترون﴾ إلى قوله :﴿حكما﴾ : قوله :﴿فذرهم وما يفترون﴾ آية من آيات الموادعة منسوخة بآية القتال. قال قتادة : كل ذر في كتاب الله منسوخ بالقتال(١). وقد ذكر بعضهم (٢) أن الأمر بالقتال نسخ مائة آية وأربعة عشرة آية مما يقتضي الموادعة وهي وإن لم تبلغ هذا العدد تحقيقا فإنها تقاربه. ١ راجع م. س. ص ٢٦٧.. ٢ ذكر هبة الله بن سلامة أنها نسخت مائة وأربع وعشرين آية. راجع الناسخ والمنسوخ لابن سلامة بهامش أسباب النزول للواحدي ص ١٦٩..

الأنعام 6:113

١١٢- قوله تعالى :﴿فذرهم وما يفترون﴾ إلى قوله :﴿حكما﴾ : قوله :﴿فذرهم وما يفترون﴾ آية من آيات الموادعة منسوخة بآية القتال. قال قتادة : كل ذر في كتاب الله منسوخ بالقتال(١). وقد ذكر بعضهم (٢) أن الأمر بالقتال نسخ مائة آية وأربعة عشرة آية مما يقتضي الموادعة وهي وإن لم تبلغ هذا العدد تحقيقا فإنها تقاربه. ١ راجع م. س. ص ٢٦٧.. ٢ ذكر هبة الله بن سلامة أنها نسخت مائة وأربع وعشرين آية. راجع الناسخ والمنسوخ لابن سلامة بهامش أسباب النزول للواحدي ص ١٦٩..

الأنعام 6:114

١١٤- وقوله تعالى :﴿أفغير الله أبتغي حكما﴾ : احتجت بهذه الآية الخوارج على علي رضي الله تعالى عنه في تكفيره بالتحكيم. وهذا لا حجة لهم فيه لأن من حكم إنسانا ليحكم بما أنزل الله فلم يبغ غير الله تعالى حكما. وقد حكم تعالى في(١) الصيد وبين الزوجين(٢). ١ كلمة "جزاء" مثبتة في (أ)، (ب)، (ج)، (ح).. ٢ ذكر نحوه ابن عطية في المحرر الوجيز ٦/١٣٥..

الأنعام 6:118

١١٨- قوله تعالى :﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه﴾ إلى قوله :﴿وإنه لفسق﴾ : قوله :{ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه }. ودليل خطابه النهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه. وفي القول بدليل الخطاب اختلاف. إلا أنه تعالى قد صرح بدليل من الخطاب بعد هذا فقال :﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ / فقوي ذلك الدليل. ولقائل أن يقول إن قوله تعالى :﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ يدل على فساد القول بدليل الخطاب لأنه لو كان دليلا قائما بنفسه لاكتفى به على التصريح به بعد ذلك. وقال عطاء(١) هذه الآية أمر بذكر الله تعالى على الشراب. والشراب وكل مطعوم. يريد عطاء أن الآية تقتضي(٢) أن ما يؤكل ينبغي أن يذكر اسم الله عليه. والشرب(٣) كالأكل في ذلك والذبح مثله أيضا لأنه إنما يراد من أجل الأكل. ١ عطاء: هو أبو محمد عطاء بن أبي رباح. تابعي، فقيه مكة. توفي سنة ١١٥ هـ/ ٧٣٣م. وقيل سنة ١١٤ هـ/ ٧٣٢م. انظر وفيات الأعيان ١/ ٣١٨، ٣١٩.. ٢ من قوله: "أمر بذكر الله.... إلى: أن الآية تقتضي". ساقطة في (ب)، (ج)، (ح).. ٣ كلمة "والشرب" ساقطة في (ب)، (هـ)..

الأنعام 6:119

وقوله تعالى :﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم﴾ : ويقرأ :﴿وقد فصل لكم﴾. معناه وقد بين لكم. ثم قال تعالى :﴿إلا ما اضطررتم﴾ قال بعضهم وهذا استثناء منقطع(١). والذي عندي فيه أنه متصل. وذلك أنه مستثنى من الضمير الذي في حرم. والضمير الذي في حرم هو المحرم. فاستثني منها الذي يضطره إليه منها أي حرمت أشياء إلا الذي اضطره إليه أي فلم يحرم. وقد يجوز أن يكون قوله :﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾ ظرفا ولا تكون ﴿ما﴾ بمعنى الذي أي حرم عليكم إلا مرة اضطراركم. ١ قاله ابن عطية في تفسيره ٦/ ١٣٨..

الأنعام 6:120

وقوله تعالى :﴿وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون﴾ : هو نهي لجميع الناس من الولاة وأهل التجارة وغيرهم. وخصص بعضهم هذا النهي. والأظهر تعميمه. قال السدي(١) : ظاهره الزنا(٢) التي كانت العرب تفعله وباطنه اتخاذ الأخدان. وقال ابن جبير(٣) : الظاهر ما نص الله تعالى على تحريمه من النساء بقوله :﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ الآية [النساء: ٢٣]. وقوله تعالى :﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ [النساء: ٢٢] والباطن الربا(٤). وقال ابن زيد(٥) : الظاهر التعري(٦) الذي كانت العرب تفعله في طوافها والباطن الزنا(٧). وقيل الظاهر الأعمال والباطن المعتقد. وهذا القول جار على العموم(٨). ١ السدي: هو إسماعيل بن عبد الرحمن السدي. تابعي، حجازي الأصل. انظر الأعلام ١/ ٣١٣. واللباب ١/ ٥٣٧.. ٢ في (ح): "الربا". وفي (د): "الرياء". والصواب ما أثبتناه نقلا عن ابن عطية في تفسيره ٦/ ١٣٩.. ٣ ابن جبير: هو أبو عبد الله وقيل أبو محمد سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الكوفي. أحد أعلام التابعين. قتله الحجاج سنة ٩٥ هـ/ ٧١٤ م انظر وفيات الأعيان ١/ ٢٠٤.. ٤ في (ب)، (ج)، (د)، (ح): "الزنا" والصواب ما أثبتناه.. ٥ ابن زيد: هو جابر بن زيد الأزدي البصري تابعي، فقيه. توفي سنة ٩٣ هـ/ ٧١٢م. انظر الأعلام ٢/ ٩١. وتهذيب التهذيب ٢/ ٣٨.. ٦ في (ح): "التعرف" وفي (التحري) وفي (ز): "التعدي". والصواب ما أثبتناه.. ٧ جملة "والباطن الزنا" ساقطة في (أ)، (ز)،. ٨ ذكر نحوه ابن عطية في المحرر الوجيز فراجعه: ٦/ ١٣٩..

الأنعام 6:121

وقوله تعالى :﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾ : هذه الآية نزلت على سبب وهو أن قوما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : أنأكل ما قتلنا ولا نأكل ما قتل الله. فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى قوله تعالى :﴿إنكم لمشركون﴾. ذكره الترمذي(١) في رواية ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم. والحديث مرسل فيحتمل أن تقصر الآية على سببها فيقتضي تحريم الميتة خاصة وذكر السبب في تحريمها وهو ترك ذكر اسم الله فتكون الآية محكمة باتفاق(٢). ويحتمل أن يحمل على العموم في كل ما لم يذكر اسم الله عليه فيدخل تحت ذلك سواء الميتة من ذبائح(٣) أهل الكتاب إذا لم يذكروا اسم الله عليها وإذا ذكروا عليها غير اسم الله. وذبائح المسلمين إذا لم يذكروا اسم الله عليها نسيانا أو عمدا ومن الناس من قصر الآية على ذبائح أهل الكتاب. وقيل هي منسوخة بقوله تعالى :﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥]. ومنهم من حملها على من ترك التسمية من المسلمين(٤). وهذان القولان مخصصان بالآية بغير دليل. ووجه القول فيها أن يقال(٥) هي عامة لكل ما لم يذكر اسم الله عليه أو(٦) يقال هي خاصة في الميتة. إلا أن العلة في تحرم الميتة مذكور في الآية وهو أنها لم يذكر اسم الله عليها فيلحق به(٧) كل ما لم يذكر اسم الله عليه كانت ذبيحة مسلم أو كتابي. وأما ما ذكر عليه أهل الكتاب غير اسم الله وذبحوه لكنائسهم أو لنبي من أنبيائهم فقد جمع أنهم لم يذكروا اسم الله عليه فهو منهي عنه بالعموم وأنهم إن(٨) ذكروا عليه غير اسم الله فيكون منهي عنه من باب أولى وأحرى أن/ يكون منهيا عنه(٩) مما لم يذكر عليه شيء جملة. لكن الذين قالوا هذا ورأوا ذبيحة الكتابي إذا لم يذكر اسم الله داخلة تحت النهي اختلفوا في ذلك. فمنهم من أجاز أكل هذه الذبيحة ومنهم من منع. فمن أجاز فالآية عنده مخصوصة بقوله تعالى :﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥] ومنهم من عبر عن هذا بأنه نسخ ومنهم من قال أن (١٠) الآية في ترك(١١) التسمية على الذبيحة عمدا. قال بعضهم أو نسيانا فلا يكون في الآية على هذا تعرض لذبائح أهل الكتاب. ومما يؤكد ترك ذبائحهم التي ذكروا عليها غير(١٢) اسم الله تعالى قوله تعالى :﴿وما أهل به لغير الله﴾ [البقرة: ١٧٣] وقد مر الكلام عليه. ولأجل ما قدمنا في ما تحتمله الآية اختلف في تارك التسمية على الذبيحة هل يحل له أكلها. فمنهم من قال الآية محكمة وهي(١٣) في تارك التسمية على الذبيحة(١٤) فلا تؤكل ذبيحته تركها عمدا أو نسيانا وهو قول الحسن(١٥) وابن سيرين(١٦) والشعبي(١٧). ومنهم من قال الآية ليس لها تعلق بتارك التسمية وترك التسمية لا يؤثر. ومنهم من قال هي في تارك التسمية عمدا لا نسيانا وأن ذبيحة الناسي تؤكل. وحكى بعضهم الإجماع على الناسي وهو غير صحيح. وقد احتج بعضهم على أن الناسي غير مراد بالآية بقوله تعالى فيها ﴿وإنه لفسق﴾ وبقوله بعد ذلك ﴿إنكم لمشركون﴾ قال وقد علمنا أن تارك التسمية نسيانا لا يوصف بأنه فاسق أو مشرك وقد مر الكلام على مذاهب الفقهاء في ذلك وقال بعضهم معنى التسمية في هذه الآية عند أكثر المفسرين النية لأن المجوس (١٨) لو سموا على ذبائحهم لم تؤكل(١٩). ١ الترمذي: هو محمد بن عيسى بن سوره الترمذي أحد الأئمة الحفاظ مشهور بالأمانة والعلم. توفي سنة ٢٧٩ هـ/ ٨٩٨ م. راجع تهذيب التهذيب ٩/٣٨٧.. ٢ وهو قول الحسن وابن سيرين والشعبي. انظر الإيضاح: ص ٦٤٨.. ٣ في (أ)، (ز): "من ذبائح".. ٤ راجع الإيضاح ص ٢٤٨، وكذلك المحرر الوجيز ٦/ ١٤٠.. ٥ في(أ)، (ز): "أن يقول".. ٦ كلمة "أو" ساقطة في "ح".. ٧ في (ب): "فيجعلون".. ٨ كلمة "أن" ساقطة في (أ)، (ب)، (ح).. ٩ كلمة "عنه" ساقطة في (ب)، (ح).. ١٠ كلمة "أن" ساقطة في (أ)، (ب)، (ح).. ١١ في (ح): "تارك".. ١٢ كلمة "غير" ساقطة قي (ب).. ١٣ من قوله: "في تارك التسمية.... إلى: محكمة": سقوط في (ب)، (هـ).. ١٤ "على الذبيحة" ساقطة في (أ)، (ب)، (ح).. ١٥ الحسن: هو الحسن بن أبي الحسن البصري: أحد أئمة الإسلام وهو من أعلام التابعين. توفي سنة ١١٠ هـ/ ٧٢٩م. انظر طبقات المفسرين للداودي ١/ ١٤٧، ووفيات الأعيان ٢/ ٦٩.. ١٦ ابن سيرين: هو محمد بن سيرين البصري الأنصاري. فقيه تابعي. توفي سنة ١١٠ هـ/ ٧٢٩م. انظر الأعلام ٧/ ٢٥، والوافي ٣/ ١٤٦.. ١٧ الشعبي: هو عامر بن شراحبيل بن عبد وقيل عامر بن عبد الله بن شراحيل الشعبي الحميري الكوفي فقيه تابعي. توفي سنة ١٠٣ هـ/ ٧٢٢م وقيل سنة ١١٠ هـ/ ٧٢٩م راجع تذكرة الحفاظ للذهبي ١/ ١٨٩.. ١٨ قوله: "النية لأن المجوس" ساقطة في (ح).. ١٩ راجع تفسير هذه الآية في المحرر الوجيز ٦/ ١٤٠..

الأنعام 6:136

وقوله تعالى :﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم﴾ إلى قوله :﴿قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله﴾ : هذه الآيات كلها في تفسيرها طول ومضمن جميعها أن هذه الأمور كانت الجاهلية تفعلها تشرعا فنهى الله تعالى عن ذلك. والآية محكمة باتفاق فلا يجوز شيء مما نهى الله تعالى عنه. وقد استدل مالك بقوله تعالى :﴿وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء﴾ [الأنعام: ١٣٩] على أنه لا يجوز إخراج البنات من التحبس(١) وهي مسألة اختلف فيها على أربعة أقوال : أحدها : أن الحبس يفسخ على كل حال وإن مات المحبس بعد أن جبر عليه الحبس وهو الظاهر من قول مالك وهو قول ابن القاسم(٢) أيضا وهو قول عمر بن عبد العزيز. والثاني : أنه يفسخ وإن جبر ما لم يمت المحبس. والثالث : أنه يفسخ ما لم يحز عنه وهو ظاهر قول ابن القاسم في سماعه من كتابه التخيير. والرابع أنه لا يفسخ ويمضي على الكراهة ويظهر من قول مالك أن بعض الناس يجيز ذلك واحتج مالك في العتبية للمنع بأن ذلك من فعل الجاهلية وهذه إشارة إلى الآية. وذكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها الاحتجاج بالآية أيضا على أنه لا يجوز ذلك. قال المازري(٣) : وقال بعض شيوخنا إن هذه الأقوال تجري في هبة بعض النبيين(٤) دون بعض فتدبر ذلك. ١ في (ز): "من الحبس".. ٢ ابن القاسم: هو أبو عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جلادة. أشهر تلاميذ مالك. توفي سنة ١٩١ هـ/ ٨٠٧م. انظر ترتيب المدارك للقاضي عياض ٣/ ٢٤٤، والديباج لابن فرحون ص ١٤٦.. ٣ المازري: هو أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري. فقيه مالكي عاش بين ٤٥٣هـ/ ١٠٦١م و ٥٣٦ هـ/ ١١٤١م. انظر الأعلام ٧/ ١٦٤، ووفيات الأعيان ١/٤٨٦.. ٤ كلمة "النبيين" ساقطة في (أ)، (ب)..

الأنعام 6:137

وقوله تعالى :﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم﴾ إلى قوله :﴿قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله﴾ : هذه الآيات كلها في تفسيرها طول ومضمن جميعها أن هذه الأمور كانت الجاهلية تفعلها تشرعا فنهى الله تعالى عن ذلك. والآية محكمة باتفاق فلا يجوز شيء مما نهى الله تعالى عنه. وقد استدل مالك بقوله تعالى :﴿وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء﴾ [الأنعام: ١٣٩] على أنه لا يجوز إخراج البنات من التحبس(١) وهي مسألة اختلف فيها على أربعة أقوال : أحدها : أن الحبس يفسخ على كل حال وإن مات المحبس بعد أن جبر عليه الحبس وهو الظاهر من قول مالك وهو قول ابن القاسم(٢) أيضا وهو قول عمر بن عبد العزيز. والثاني : أنه يفسخ وإن جبر ما لم يمت المحبس. والثالث : أنه يفسخ ما لم يحز عنه وهو ظاهر قول ابن القاسم في سماعه من كتابه التخيير. والرابع أنه لا يفسخ ويمضي على الكراهة ويظهر من قول مالك أن بعض الناس يجيز ذلك واحتج مالك في العتبية للمنع بأن ذلك من فعل الجاهلية وهذه إشارة إلى الآية. وذكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها الاحتجاج بالآية أيضا على أنه لا يجوز ذلك. قال المازري(٣) : وقال بعض شيوخنا إن هذه الأقوال تجري في هبة بعض النبيين(٤) دون بعض فتدبر ذلك. ١ في (ز): "من الحبس".. ٢ ابن القاسم: هو أبو عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جلادة. أشهر تلاميذ مالك. توفي سنة ١٩١ هـ/ ٨٠٧م. انظر ترتيب المدارك للقاضي عياض ٣/ ٢٤٤، والديباج لابن فرحون ص ١٤٦.. ٣ المازري: هو أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري. فقيه مالكي عاش بين ٤٥٣هـ/ ١٠٦١م و ٥٣٦ هـ/ ١١٤١م. انظر الأعلام ٧/ ١٦٤، ووفيات الأعيان ١/٤٨٦.. ٤ كلمة "النبيين" ساقطة في (أ)، (ب)..

الأنعام 6:138

وقوله تعالى :﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم﴾ إلى قوله :﴿قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله﴾ : هذه الآيات كلها في تفسيرها طول ومضمن جميعها أن هذه الأمور كانت الجاهلية تفعلها تشرعا فنهى الله تعالى عن ذلك. والآية محكمة باتفاق فلا يجوز شيء مما نهى الله تعالى عنه. وقد استدل مالك بقوله تعالى :﴿وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء﴾ [الأنعام: ١٣٩] على أنه لا يجوز إخراج البنات من التحبس(١) وهي مسألة اختلف فيها على أربعة أقوال : أحدها : أن الحبس يفسخ على كل حال وإن مات المحبس بعد أن جبر عليه الحبس وهو الظاهر من قول مالك وهو قول ابن القاسم(٢) أيضا وهو قول عمر بن عبد العزيز. والثاني : أنه يفسخ وإن جبر ما لم يمت المحبس. والثالث : أنه يفسخ ما لم يحز عنه وهو ظاهر قول ابن القاسم في سماعه من كتابه التخيير. والرابع أنه لا يفسخ ويمضي على الكراهة ويظهر من قول مالك أن بعض الناس يجيز ذلك واحتج مالك في العتبية للمنع بأن ذلك من فعل الجاهلية وهذه إشارة إلى الآية. وذكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها الاحتجاج بالآية أيضا على أنه لا يجوز ذلك. قال المازري(٣) : وقال بعض شيوخنا إن هذه الأقوال تجري في هبة بعض النبيين(٤) دون بعض فتدبر ذلك. ١ في (ز): "من الحبس".. ٢ ابن القاسم: هو أبو عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جلادة. أشهر تلاميذ مالك. توفي سنة ١٩١ هـ/ ٨٠٧م. انظر ترتيب المدارك للقاضي عياض ٣/ ٢٤٤، والديباج لابن فرحون ص ١٤٦.. ٣ المازري: هو أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري. فقيه مالكي عاش بين ٤٥٣هـ/ ١٠٦١م و ٥٣٦ هـ/ ١١٤١م. انظر الأعلام ٧/ ١٦٤، ووفيات الأعيان ١/٤٨٦.. ٤ كلمة "النبيين" ساقطة في (أ)، (ب)..

الأنعام 6:139

وقوله تعالى :﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم﴾ إلى قوله :﴿قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله﴾ : هذه الآيات كلها في تفسيرها طول ومضمن جميعها أن هذه الأمور كانت الجاهلية تفعلها تشرعا فنهى الله تعالى عن ذلك. والآية محكمة باتفاق فلا يجوز شيء مما نهى الله تعالى عنه. وقد استدل مالك بقوله تعالى :﴿وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء﴾ [الأنعام: ١٣٩] على أنه لا يجوز إخراج البنات من التحبس(١) وهي مسألة اختلف فيها على أربعة أقوال : أحدها : أن الحبس يفسخ على كل حال وإن مات المحبس بعد أن جبر عليه الحبس وهو الظاهر من قول مالك وهو قول ابن القاسم(٢) أيضا وهو قول عمر بن عبد العزيز. والثاني : أنه يفسخ وإن جبر ما لم يمت المحبس. والثالث : أنه يفسخ ما لم يحز عنه وهو ظاهر قول ابن القاسم في سماعه من كتابه التخيير. والرابع أنه لا يفسخ ويمضي على الكراهة ويظهر من قول مالك أن بعض الناس يجيز ذلك واحتج مالك في العتبية للمنع بأن ذلك من فعل الجاهلية وهذه إشارة إلى الآية. وذكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها الاحتجاج بالآية أيضا على أنه لا يجوز ذلك. قال المازري(٣) : وقال بعض شيوخنا إن هذه الأقوال تجري في هبة بعض النبيين(٤) دون بعض فتدبر ذلك. ١ في (ز): "من الحبس".. ٢ ابن القاسم: هو أبو عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جلادة. أشهر تلاميذ مالك. توفي سنة ١٩١ هـ/ ٨٠٧م. انظر ترتيب المدارك للقاضي عياض ٣/ ٢٤٤، والديباج لابن فرحون ص ١٤٦.. ٣ المازري: هو أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري. فقيه مالكي عاش بين ٤٥٣هـ/ ١٠٦١م و ٥٣٦ هـ/ ١١٤١م. انظر الأعلام ٧/ ١٦٤، ووفيات الأعيان ١/٤٨٦.. ٤ كلمة "النبيين" ساقطة في (أ)، (ب)..

الأنعام 6:140

وقوله تعالى :﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم﴾ إلى قوله :﴿قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله﴾ : هذه الآيات كلها في تفسيرها طول ومضمن جميعها أن هذه الأمور كانت الجاهلية تفعلها تشرعا فنهى الله تعالى عن ذلك. والآية محكمة باتفاق فلا يجوز شيء مما نهى الله تعالى عنه. وقد استدل مالك بقوله تعالى :﴿وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء﴾ [الأنعام: ١٣٩] على أنه لا يجوز إخراج البنات من التحبس(١) وهي مسألة اختلف فيها على أربعة أقوال : أحدها : أن الحبس يفسخ على كل حال وإن مات المحبس بعد أن جبر عليه الحبس وهو الظاهر من قول مالك وهو قول ابن القاسم(٢) أيضا وهو قول عمر بن عبد العزيز. والثاني : أنه يفسخ وإن جبر ما لم يمت المحبس. والثالث : أنه يفسخ ما لم يحز عنه وهو ظاهر قول ابن القاسم في سماعه من كتابه التخيير. والرابع أنه لا يفسخ ويمضي على الكراهة ويظهر من قول مالك أن بعض الناس يجيز ذلك واحتج مالك في العتبية للمنع بأن ذلك من فعل الجاهلية وهذه إشارة إلى الآية. وذكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها الاحتجاج بالآية أيضا على أنه لا يجوز ذلك. قال المازري(٣) : وقال بعض شيوخنا إن هذه الأقوال تجري في هبة بعض النبيين(٤) دون بعض فتدبر ذلك. ١ في (ز): "من الحبس".. ٢ ابن القاسم: هو أبو عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جلادة. أشهر تلاميذ مالك. توفي سنة ١٩١ هـ/ ٨٠٧م. انظر ترتيب المدارك للقاضي عياض ٣/ ٢٤٤، والديباج لابن فرحون ص ١٤٦.. ٣ المازري: هو أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري. فقيه مالكي عاش بين ٤٥٣هـ/ ١٠٦١م و ٥٣٦ هـ/ ١١٤١م. انظر الأعلام ٧/ ١٦٤، ووفيات الأعيان ١/٤٨٦.. ٤ كلمة "النبيين" ساقطة في (أ)، (ب)..

الأنعام 6:141

قوله تعالى :﴿وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات﴾ إلى آخر قوله تعالى :﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ : اختلف في قوله :﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ هل الآية منسوخة أم محكمة فقيل هي منسوخة/ وهي في حق كان على المسلمين قبل أن تفرض الصدقة فنسخها تعالى بالأمر بالزكاة المفروضة وهو قول ابن عباس وابن جبير وابن الحنفية(١) وإبراهيم النخعي(٢). وقال الضحاك (٣) نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن. وقيل هي منسوخة لكن نسختها السنة وهو ما أوجبه عليه الصلاة والسلام من العشر ونصف العشر. وذكر بعضهم هذا القول عن ابن عباس وابن الحنفية والسدي. وهو قول ضعيف. وقيل محكمة والمراد بها الزكاة المفروضة وهو قول أنس بن مالك وغيره(٤) وقول مالك وأحد قولي الشافعي. وروي أيضا عن ابن عباس وابن الحنفية والضحاك. ويضعف هذا القول لأشياء منها أن السورة مكية والزكاة إنما فرضت بالمدينة. والآية غير مستثناة منها على قول الجمهور وإن كان الزجاج(٥) قد حكى أن هذه الآية نزلت بالمدينة. ومنها أنه علق إيتاء الحق بيوم الحصاد وليس ذلك بلازم في الزكاة ولا يمكن ذلك إلا بعد تصفيته وتهذيبه. ومنها قوله تعالى :﴿ولا تسرفوا﴾ وهذا لا يؤمر به(٦) في الزكاة لأنها محدودة. وقيل هي محكمة والمراد بها شيء غير الزكاة وهو واجب على الناس لأمره تعالى بذلك وهو قول سعيد ومجاهد ومحمد بن كعب(٧) وأبي عبيد(٨). وقيل هي محكمة والمراد بها شيء غير الزكاة إلا أن الأمر بها أمر ندب. فندب الله تعالى للإنسان أن يعطي من زرعه عند الحصاد وعند الذرو(٩) وعند تهذيبه في البيدر. فإذا صفى وكمل وكيل أخرج من ذلك الزكاة. وقال الربيع بن أنس(١٠) :﴿حقه﴾ إباحة لقط السنبل وهذا هو الذي نسخ عند من قال بالنسخ(١١) والقول بالنسخ في هذه الآية ضعيف(١٢) لأنها وآية الزكاة قد يجمع بينهما فلا يتعارضان وإذا أمكن ذلك لم يرجع إلى النسخ(١٣). وإذا قلنا إن الآية في الزكاة المفروضة فهي آية مجملة لا يفهم المراد منها (١٤) من لفظها (١٥) فيحتاج إلى معرفة قدر الحق. فأما قدر الحق المأخوذ فهو العشر ونصف العشر بالإجماع. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال : " في ما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر وفي ما سقي بالنضج نصف العشر " (١٦). ولا خلاف أذكره في القول بأن هذا الحديث مبين للحق المأخوذ. وأما القدر المأخوذ منه ذلك العشر أو نصف العشر فقد قال عليه الصلاة والسلام : " ليس في ما دون خمسة أوسق صدقة " (١٧). واختلف في القول بتبيين هذا الحديث للآية. فرأى الجمهور أنه مبين فيكون الحق على هذا القول في الآية العشر أو نصف العشر من خمسة أوسق فما زاد. وذهب قوم – منهم أبو حنفية والنخعي – إلى أن هذا الحديث لا يبين وأن العشر ونصف العشر(١٨) واجب في كل شيء خمسة أوسق كان أو أقل أو أكثر. ورأى الذاهبون إلى هذا أن حديث الخمسة أوسق أنه خبر آحاد عارض عموم القرآن فكان العموم أولى. وهذا قول ضعيف، إذ الجمع بين القرآن والحديث ما أمكن أولى من حمله على التعارض واطراح أحدهما. وأما الشيء الذي يجب فيه إذا بلغ خمسة أوسق العشر أو نصف العشر فقد اختلف فيه وهي حبوب وثمار. وأما (١٩) الحبوب فلا خلاف بين العلماء في وجوب الزكاة في القمح والشعير لقوله تعالى :﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾. وقد ذكر الزرع قبل ذلك واختلفوا في ما عداهما. فمالك وأبو حنيفة والشافعي وغيرهم رحمهم الله تعالى قاسوا عليها سائر الحبوب المدخرة المقتاتة، ولم يقس غيرهم فلم ير (٢٠) زكاة في ما عداهما من الحبوب وهو قول سفيان الثوري(٢١) والحسن وابن سيرين والشعبي وإليه ذهب أبو عبيد(٢٢). وقد روي ذلك عن أبي موسى(٢٣) عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا. وقال الأوزاعي(٢٤) : أن الزكاة في القمح والشعير والسلت خاصة. وقال الليث(٢٥) : كل ما يختبز ففي حبه الصدقة. واختلف قول أصحاب مالك في العلس وزريعة الفجل وزريعة الكتان وزريعة القرطم(٢٦) هل فيها زكاة أم لا. وأما الثمار فالشافعي وابن وهب(٢٧)لا يريان الزكاة إلا في ثمار النخيل والأعناب التي لا خلاف بين العلماء في وجوب الزكاة فيها. ولعموم الآية ولما ورد من الأخبار فيها منها قوله عليه الصلاة والسلام : " ليس في ما دون خمسة أوسق صدقة " فدل أن الصدقة تجب في ما يوسق ويدخر قوتا من الأقوات. وفي بعض روايات هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري(٢٨) : ليس في ما دون خمسة أوسق من التمر صدقة. فخصص التمر والزبيب مقيس عليه وقال بعض العلماء ذكر التمر في حديث أبي سعيد الخدري محمول عند أهل العلم على أنه خرج على سؤال سائل فلا تعلق لأحد بظاهره في إسقاط الزكاة مما يوسق مما عدا التمر. ومالك يراها فيهما وفي الزيتون. وابن حبيب(٢٩) يراها فيهما وفي الرمان وفي جميع الثمار الثمانية كان مما يدخر أو لا يدخر وهو قول ابن الماجشون(٣٠) لظاهر قوله تعالى :﴿وهو الذي أنشأ جنات معروشات﴾ الآية. وقوله تعالى :﴿كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده﴾ بعد أن ذكر الرمان في ما ذكر. وأبو حنيفة يراها في كل ما أنبتت الأرض مما يؤكل بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " فيما سقت العيون والسماء العشر وفيما سقي بالنضج نصف العشر " وحجة الجمهور (٣١) من الاقتصار على إيجاب الزكاة في الثمار الثلاثة(٣٢) عمل أهل المدينة. وقوله عليه الصلاة والسلام : " ليس في الخضروات صدقة " (٣٣) ومن حجة من أوجب الزكاة فيما عدا ذلك أنه تعالى لما ذكر في الآية الجنات وهي تحتوي على جميع النبات وذكر مع ذلك الزرع والنخيل والزيتون والرمان ثم قال بعد ذلك :﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ أعاد(٣٤) ذلك على جميع ما تقدم. ومن حجة من لا يرى ذلك أن يقول(٣٥) الظاهر من قوله تعالى :﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ أن المراد الحبوب فإن الحصاد لا يطلق حقيقة إلا عليه. وإنما يطلق على ما دونه مجازا. وقد يمكن أن يراد بالحق في قوله تعالى :﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ الإنفاق من ذلك على نفسه وقرابته وصرفه في الوجوه (٣٦)الواجبة. فمن أين (٣٧) أن ذلك في العشر ونصف العشر. وإذا احتمل هذا لم يصح الاحتجاج بالآية في (٣٨) الزكاة. وقد اختلف فيما يأكله الرجل من ثمره أو زرعه قبل الجذاذ والحصاد هل يحسب عليه أم لا على قولين. المشهور من المذهب أنه يحسب وقال الليث والشافعي لا يحسب عليه (٣٩) ويترك له الخارص ما أكله أهله رطبا ولا يخرصه. قال الشافعي : قوله تعالى :﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ على العموم. أي آتوا جميع المأكول والباقي. والخلاف عندي في هذا (٤٠) يترتب على الذي يتعلق به قوله تعالى :﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ فمن علقه بآتوا رأى أنه لا يترك لهم شيء. ومن علقه بحق (٤١) رأى أنه يترك لهم. وإذا علقنا يوم حصاده بآتوا ففيه أن الزكاة ينبغي إخراجها (٤٢) عند الحصاد والجذاذ والأمر عند العلماء بذلك أمر ندب. وأما إيجابه فلا أذكره قولا لأحد. وقد استدل بعض الشيوخ بهذه الآية على إبطال قول أبي حنيفة في أن الأرض المكتراة للزراعة لا زكاة على المكتري فيما رفع من زرعها وإنما زكاة ذلك الزرع على صاحب الأرض المكري لها. وذلك قوله في أرض الخراج. قال الشيخ لأنه تعالى قال :﴿حقه﴾ فأضاف الثمن إلى الخراج من الأرض فاقتضى ذلك إجابة في المضاف إليه وهو الخارج من الأرض لا في الأرض. وقوله تعالى :﴿ولا تسرفوا﴾ من جعل الآية في الزكاة المفروضة جعل النهي على الإسراف إما للناس في المنع من أداء الزكاة وبه قال ابن المسيب، وإما للولاة في الاشتطاط على الناس والإذاء لهم وبه قال ابن زيد. وكلا الفعلين من الناس ومن الولاة إسراف في الفعل ومن جعل الآية على جهة (٤٣) الندب أو الإيجاب في حقوق غير الزكاة المفروضة (٤٤)فعلى أن (٤٥) النهي للناس عن الإسراف لما في ذلك من الإجحاف بالأموال والإتلاف لها. وروي أن الآية نزلت لأن ثابت بن قياس بن شماس (٤٦) صرم خمسمائة نخلة ثم قال : والله لا جاءني اليوم أحد (٤٧) إلا أطعمته. فأمسى وليس عنده تمر فنزلت. ومن قال إن الآية منسوخة رأى أن النهي كان في وقت حكم الآية. فهذه أربعة أقوال في الآية (٤٨). وقيل معناها لا تحرموا ما حرمت الجاهلية من الأنعام وهو قول مجاهد. وقيل معناها : لا تنفقوا أموالكم فيما لا يحل لكم لأنه قد أخبر عنهم أنهم قالوا هذا لشركائنا. ١ ابن الحنفية: هو أبو القاسم بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه المعروف بابن الحنفية. وأمه الحنفية هي خولة بنت جعفر بن قيس بن سلمي. كان كثير العلم والورع. توفي سنة ٨١ هـ/ ٧٠٠م. انظر وفيات الأعيان ١/ ٤٤٩.. ٢ النخعي: هو أبو عمران بن يزيد بن قيس النخعي. من كبار التابعين. توفي سنة ٩٥هـ/ ٧١٤م وقيل سنة ٩٦هـ/ ٧١٥م. انظر وفيات الأعيان ١/ ٢٥.. ٣ في (ح): "النخعي". والصواب ما أثبتناه، وهو الأجنب بن قيس المعروف بالضحاك. تابعي أدرك عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. انظر وفيات الأعيان ٢/ ٤٩٩.. ٤ وهم : الحسن وعطاء وجابر بن زيد وقتادة وزيد بن أسلم وابن المسيب. راجع الإيضاح ص ٢٤٤، وكذلك المحرر الوجيز ٦/١٦٤. . ٥ في (ح): "الزجاجي". والصواب ما أثبتناه. والزجاج هو أبو إسحاق إبراهيم بن السدي بن سهل الزجاج لغوي ومفسر. توفي سنة ٣١١ هـ/ ٩٢٣م. انظر معجم الأدباء لياقوت الحموي١ / ١٣٠.. ٦ في (أ): "وهذه لا يؤمر بها".. ٧ محمد بن كعب: القرظي. كان أبوه من سبي قريظة. تابعي ثقة عالم بالقرآن. من أفاضل أهل المدينة علما وورعا. اختلف في وفاته بين سنة ١٠٨ هـ/ ٧٢٦م وسنة ١٢٠هـ /٧٣٨م، انظر تهذيب التهذيب ٩/ ٤٢٢.. ٨ أبو عبيد القاسم بن سلام الإمام المجتهد صاحب كتاب الأموال. توفي سنة ٢٢٥هـ/ ٨٤٣م. انظر تهذيب التهذيب ٨/ ٣١٥.. ٩ في (أ)، (ب)، (د): "الزرع".. ١٠ الربيع ابن أنس: هو الربيع بن زياد بن أنس الحارثي. أمير فاتح أدرك عصر النبوة. توفي سنة ٥٣هـ/ ٦٧٣م. انظر الأعلام ٣/ ٣٨، والإصابة لابن حجر ١/ ٥٠٤.. ١١ في (أ) زيادة في هذه الآية.. ١٢ والقول بالنسخ في هذه الآية ضعيف: جملة ساقطة في (أ).. ١٣ راجع كل ذلك في المحرر الوجيز ٦/ ١٦٤. وفي الإيضاح: ص ٢٤٤- ٢٤٦.. ١٤ في (أ)، (ح): "بها".. ١٥ كلمة "لفظها" ساقطة في (ح).. ١٦ الحديث أخرجه البخاري عن سالم بن عبد الله عن أبيه. كتاب الزكاة، باب: العشر في ما يسقى من ماء السماء ٢/ ١٣٣، وأخرجه مسلم عن جابر. كتاب الزكاة، باب: ما فيه العشر أو نصف العشر ١/ ٦٧٥.. ١٧ أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله. كتاب الزكاة ١/ ٦٧٥.. ١٨ في (ب): " ثابت وواجب".. ١٩ في (أ): "فأما".. ٢٠ كلمة "ير" ساقطة في (ح).. ٢١ سفيان الثوري: هو سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن معد بن عدنان الثوري الكوفي. كان إماما في علم الحديث وغيره وهو أحد الأمة المجتهدين. توفي سنة ١٦١هـ/ ٧٨٠م. انظر وفيات الأعيان ١/٢١٠.. ٢٢ في (ح): "أبو عبيدة". والصواب ما أثبتناه.. ٢٣ أبو موسى الأشعري: هو عبد الله بن قيس الصحابي المشهور، بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وولاه عمر القضاء. توفي سنة ٤٤ هـ/ ٦٦٤م وقيل سنة ٤٢هـ/ ٦٦٢م. انظر الإصابة لابن حجر ٢/٣٠١، تذكرة الحفاظ للذهبي ١/ ٢٠.. ٢٤ الأوزاعي: هو عبد الرحمن بن عمرو. الإمام الفقيه الحافظ. نوفي سنة ١٥٧هـ/ ٧٧٦م.. ٢٥ الليث: ابن سعد بن عبد الرحمان المصري الإمام الثقة. قال فيه الشافعي: كان الليث أفقه من مالك ولكن ضيعه أصحابه. توفي سنة ١٧٥ هـ/ ٧٩١م. انظر تذكرة الحفاظ ١/ ٢٠٢.. ٢٦ في (أ)، (هـ)، (ز): "وحب الفجل وبذر الكتان والقرطم".. ٢٧ ابن وهب: هو عبد الله بن وهب بن مسلم. شيخ أهل مصر وفقيهها، من أصحاب مالك. جمع بين الفقه والرواية كان يسمى ديوان العلم. توفي سنة ١٩٧هـ/ ٨١٣م. انظر الديباج: ص ١٣٢.. ٢٨ أبوا سعيد الخدري: هو سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة الأنصاري كان حافظا للحديث. توفي سنة ٧٤هـ/ ٦٨٦م. انظر الإصابة ٥/ ١٦٥. والحديث أخرجه مسلم في كتاب الزكاة ١/ ٦٧٥.. ٢٩ ابن حبيب: هو أبو مروان عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون بن عباس القرطبي. من كبار فقهاء المالكية. توفي سنة ٢٨هـ/ ٨٥٢م. انظر طبقات الفقهاء للشيرازي، ص ١٦٢.. ٣٠ ابن الماجشون: هو عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن الماجشون صاحب مالك. توفي سنة ٢١٢هـ/ ٨٢٧م وقيل سنة ٢١٣هـ/ ٨٢٨م. انظر الأعلام ٤/ ٣٠٥، ووفيات الأعيان ١/ ٢٨٧.. ٣١ في (ب)، (ج)، (ح): "العشر".. ٣٢ في جميع النسخ زيادة (على) إلا في (ح).. ٣٣ الحديث أخرجه الترمذي في كتاب الزكاة، باب: ما جاء في زكاة الخضروات ٣/ ٣٠.. ٣٤ في (ح): "أعادوا.". ٣٥ "أن يقول" ساقطة في (أ)، (ز).. ٣٦ في (ب)، (ح): "الوجوب".. ٣٧ في (ح): "فمن أمن"، وفي (هـ): "فمن أقر".. ٣٨ في (ح): "من الزكاة" وفي (أ): "على الزكاة".. ٣٩ في (أ): "أنه لا يحسب".. ٤٠ في (أ)، (ح): "في من يترتب".. ٤١ في (أ)، (ز): "بمن".. ٤٢ في (أ)، (ز): "إخراجه".. ٤٣ كلمة "جهة" ساقطة في (ب).. ٤٤ كلمة "المفروضة" ساقطة في (ج).. ٤٥ كلمة "أن" ساقطة في (أ)، (ز).. ٤٦ ثابت بن قيس بن شماس بن زهير بن مالك بن امرئ القيس الأنصاري الخزرجي. أحد الصحابة المبشرين بالجنة استشهد باليمامة في خلافة أبي بكر الصديق سنة ١٢ هـ/ ٦٣٣م. انظر الإصابة ١/ ١٩٧، تهذيب التهذيب ٢/ ١٢.. ٤٧ في (ح): "واحد".. ٤٨ راجع المحرر الوجيز ٦/ ١٦٤، ١٦٥..

الأنعام 6:143

وقوله تعالى :﴿من الضأن اثنين ومن المعز اثنين﴾ : استدل بها ابن لبابة(١) على أن الضأن والمعز صنفان لا يجمعان في الزكاة لأنه تعالى قال بعد ذلك ﴿ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين﴾ قال فلو كان المعز من الضأن لكان البقر من الإبل إذ لا فرق بين ذلك في التلاوة، والجمهور على مخالفته في هذا ويقولون هي صنف واحد في الزكاة ولا يرون في الآية حجة. ١ ابن لبابة: هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن لبابة القرطبي. فقيه مالكي أندلسي. توفي سنة ٣١٤هـ/ ٩٢٦م. انظر الديباج ص ٢٤٥..

الأنعام 6:144

قوله تعالى :﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي﴾ إلى قوله تعالى :﴿فإن ربك غفور رحيم﴾ : هذه الآية نزلت يوم عرفة في حجة الوداع وقيل إنه (١) لم ينزل بعدها ناسخ لها. ووجه القول فيها إن قوله تعالى :﴿قل لا أجد﴾ الآية اقتضت أن المحرمات هي المذكورات فيها. واقتضت عند قوم تحليل ما عداها وهم الجمهور لأن دليل خطابها أقوى أدلة الخطاب. وزعم بعض المنكرين لدليل الخطاب أنها لا تقتضي تحليل ما عداها (٢) والذين ذهبوا إلى القول الأول لما رأوا أنه قد جاءت في القرآن والحديث محرمات أخرى كالمنخنقة والموقوذة والخمر والحمر الأهلية ولحم بني آدم أشكل تأويل الآية عليهم فاختلفوا في ذلك. فذهب قوم إلى أنها منسوخة بالسنة (٣) وذلك لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من تحريم أشياء كأكل الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع ونحو ذلك (٤) وهذا قول ضعيف لأوجه منها : نسخ القرآن بالسنة غير المتواترة منها كثير، ومنها أنه يمكن الجمع بين ما حرم النبي صلى الله عليه وسلم وما حرم الله تعالى في سائر القرآن وبين هذه الآية. وأي حاجة إلى النسخ مع إمكان الجمع. ومنها أنه خبر، والأخبار لا تنسخ(٥). وذهب الجمهور إلى أنها محكمة واختلفوا فيما تقتضيه. فرأى قوم أنها تقتضي الحصر وأن كل ما حرم الله تعالى محصور فيها وأن ما عدا ذلك إنما تحريمه تحريم كراهة وتنزيه (٦) كلحم الحمر لأنها كانت تأكل العذرة (٧) فكره أكلها لذلك. وكلحم السباع لأنها تقسي القلب ونحو ذلك. وإلى هذا ذهب سعيد بن جبير والشعبي(٨). ورأى قوم أنها خرجت على سبب لأنها جواب لقوم سألوا عن أشياء فأخبروا عنها فقد لا تقتضي، وما جاء من سائر المحرمات مضموم إليها. وإلى نحو هذا ذهب الشافعي(٩). ويحتمل أن يكون تعالى إنما أخبر بأنه لا يجد محرما في وقت ما غير ما ذكر. وأما الذين ذهبوا إلى أنها لا تقتضي التحليل فقالوا إن الآية مقتضاها نفي التحريم على ما عدا المستثنى منها بالتحريم وذلك يقضي في إثبات التحليل في غيره (١٠) وعندنا أن الأشياء قبل ورود الشرع غير محرمة وليس ذلك بتصريح بأنها محللة بل لغرض نفي الحكم والبقاء على الأصل قبل ورود الشرع. وبين الأصوليين في هذا نزاع وإلى هذا يذهب من يتغلغل في إنكار دليل الخطاب لأن دليل الخطاب في الآية تحليل ما عدا المذكور فيها. وقد قيل : المعنى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما مما كنتم تستبيحون وتناولون ولا (١١) تعدونه من الخبائث محرما إلا هذه الأمور(١٢). فعلى هذه التأويلات لا تقتضي الآية التحليل فيما عدا المذكور، وما ورد من سائر المحرمات مضاف إليها. وعلى ما ذكرناه من الاختلاف في تأويل الآية ينبني اختلاف العلماء في تحريم أشياء وتحليلها. فمن ذلك السباع اختلف فيها. فعندنا فيها روايتان : إحداهما الكراهة والثانية التحريم. وأبو حنفية يقول بالتحريم وذهب الشافعي إلى أن الضبع والثعلب حلال دون غيرهما. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت لا ترى بلحوم السباع والدم يكون في أعلى العروق بأسا. وقرأت هذه الآية ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما﴾ الآية (١٣). فالقول بالتحليل على القول بدليل خطاب الآية. ولكن مالكا ذهب إلى الكراهة إذ لم يقو عنده دليل الخطاب ورأى ما يعارضه. والقول بالتحريم (١٤) على ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع. وفي حديث الموطأ : " أكل كل ذي ناب من السباع حرام " (١٥). وفي هذا الحديث ضعف ومن قال بهذا رأى الآية إما منسوخة وإما مخصوصة بزمان وإما خارجة عن سبب وإما لم يقل بدليل خطابها. ومن ذلك كل ذي مخلب من الطير، اختلف فيه. فعندنا أن أكله حلال (١٦) وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنه حرام (١٧). وحجة القول الأول قوله تعالى :﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما﴾ الآية. فأما ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن أكل كل ذي مخلب من الطير فلعله نهي تنزيه إذ قد يصيد (١٨) من ذوات السموم ما يخشى منه على أكلها. وحجة القول بالتحريم قول الصحابة رضي الله تعالى عنهم : نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، ورأى من قال ذلك النهي على التحريم، وفيه خلاف بين الأصوليين هل هو على التحريم أو هو على الكراهة ما لم (١٩) يدل دليل. وتأولوا الآية على أحد الوجوه التي قدمناها وفي الاحتجاج أيضا بحديث النهي خلاف بين الأصوليين لأنه لم ينقل لفظ النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من قول الراوي. ومن ذلك الحمر الأهلية اختلف في أكلها. وفيها في المذهب روايتان : التحريم والكراهة المغلظة. والتحريم قول أبي حنيفة والشافعي وأجاز ابن عباس أكلها واحتج بقوله :﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما﴾ الآية. قال عمرو بن دينار (٢٠) : قلت لجابر بن زيد (٢١) : أنتم تزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تحريم الحمر الأهلية قال : قد كان يقول ذلك الحكم ابن عمر (٢٢) والغفاري(٢٣) عندنا عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن أبى ذلك البحر – يعني ابن عباس – وقرأ :﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما﴾ (٢٤) الآية. فوجه التحريم ما جاء في الحديث من أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية. وفي بعض الطرق حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الأهلية (٢٥) وهذا النهي (٢٦) مؤكد بظاهر القرآن في قوله عز وجل :﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ [النحل: ٨] فذكر المنافع التي فيها. ولو كان أكلها مباحا لنبه عليه وذكر وجه المنة به. والآية على هذا القول تتأول على أحد الوجوه التي ذكرنا. والقول بالكراهة وجه مراعاة ظاهر الآية ﴿قل لا أجد﴾ وما وقع بين الصحابة من الاضطراب في النهي عن لحوم الحمر الأهلية لأن منهم من رأى النهي عن ذلك نهي تحريم آت لا لسبب، ومنهم من رآه لأنها لم تكن خمست، ومنهم من رآه لأنها كانت حمولة الناس فخيف عليها الفناء وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام قيل له ذلك فنهى. ومنهم من رآه من أجل جوال القرية (٢٧). وخرج أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علل بذلك (٢٨). والبغال حكمها حكم الحمير على ما ذكرناه. ومن ذلك الخيل اختلف في أكلها. ففي المذهب الكراهة وعند أبي حنيفة والشافعي الإباحة (٢٩) وقال الحكم : حرم القرآن الخيل وتلا قوله تعالى :﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ [النحل: ٨]. وما خرج النسائي وأبو داود أنه عليه الصلاة والسلام قال : " لا يحل أكل لحوم الخيل والبغال والحمير " (٣٠) وقال النسائي فيه يشبه إن كان صحيحا أن يكون منسوخا لأن قوله أذن في لحوم الخيل دليل على ذلك. وتعلق من أباح بما جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن أكل (٣١) لحوم الحمر الأهلية وأذن في الخيل. وبقوله تعالى :﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما﴾ الآية ولما رأى أصحابنا اختلافا لهذه الأحاديث وما تحتمله الآي من التأويل. وكان حديث الإباحة أصح، مالوا إلى الكراهة. وقد اختلف في أشياء منها الأرنب. الجمهور على الجواز وابن أبي ليلى (٣٢) على الكراهة. والضب : الجمهور على الجواز وأبو حنيفة على الكراهة. والقنفذ واليربوع والفأرة اختلف أيضا فيهن (٣٣) ومن حجة من (٣٤) أجاز شيئا من ذلك قوله تعالى :﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما﴾ الآية وقد مر الكلام على سائر أحكام هذه الآية بما أغنى عن إعادته. ١ في (أ)، (د)، (هـ): "أنها".. ٢ في (أ)، (ز): "ما سواها".. ٣ انظر الإيضاح ص ٢٤٩.. ٤ قال عليه الصلاة والسلام: "كل ذي ناب من السباع حرام". حديث صحيح أخرجه مالك بلفظ: أكل كل ذي ناب من السباع حرام. وأخرجه الشيخان وأصحاب السنن الأربعة عن أبي ثعلبة.. ٥ في (أ)، (ز): "لا نسخ فيه".. ٦ في (ب)، (ح): "وتنزه".. ٧ في (ح)، (هـ): "القذرة".. ٨ انظر الإيضاح: ص ٢٤٩.. ٩ انظر أحكام القرآن للشافعي ٢/ ٨٨، وكذلك أحكام القرآن للجصاص ٤/ ١٨٧، وكذلك الإيضاح ص ٢٥٠.. ١٠ راجع أحكام القرآن للشافعي ٢/ ٨٨.. ١١ كلمة "لا" ساقطة في (هـ).. ١٢ راجع أحكام القرآن للجصاص ٤/ ١٨٥.. ١٣ راجع م. س٤. /١٨٦- ١٨٨.. ١٤ كلمة "بالتحريم" ساقطة في (أ)، (ز).. ١٥ والحديث أورده مالك في الموطأ وقال: وهو الأمر عندنا. راجع الموطأ. كتاب الصيد ١/ ٣٣٢.. ١٦ قال مالك: لا بأس بأكل الصرد والهدهد ولا أعلم شيئا من الطير يكره. راجع: المنتقى للباجي ٣/ ١٣٢.. ١٧ راجع أحكام القرآن للجصاص ٤/ ١٨٨.. ١٨ في (أ): "إذا هم بصيد من ذوات". وفي (د): "إذ قد يصاد".. ١٩ كلمة "ما لم" ساقطة في (أ)، (ح).. ٢٠ عمرو بن دينار: المكي أبو محمد الأثرم الجمحي التابعي. مفتي أهل مكة في زمانه توفي سنة ١٢٥هـ/ ٧٣٥م أو ١٢٦هـ/ ٧٣٦م. راجع طبقات الفقهاء ص ٧٠.. ٢١ جابر بن زيد: الأزدي اليحمدي البصري. روى عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما. توفي سنة ٩٣هـ وقيل سنة ١٠٣هـ وقيل ١٠٤هـ. انظر تهذيب التهذيب ٢/ ٣٨.. ٢٢ ابن عمر: هو عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن. شهد الخندق وبيعة الرضوان. توفي سنة ٧٣هـ/ ٧٨٦م. انظر الإصابة ٦/ ١٦٧.. ٢٣ الغفاري : هو جندب بن جناده بن قيس أبو ذر الغفاري من كبار الصحابة. عالم وزاهد ومجاهد توفي سنة ٣١هـ/٦٤٣ م، انظر الإصابة ١١/١١٨.. ٢٤ راجع أحكام القرآن للجصاص ٤/ ١٨٥.. ٢٥ راجع أحكام القرآن للجصاص ٤/ ١٨٦.. ٢٦ في (ب)، (د)، (و): "النص".. ٢٧ في (ح): "العربة".. ٢٨ ومن الأحاديث الناهية عن ذلك حديث الزهري عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما أنه سمع عليا بن أبي طالب يقول لابن عباس: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الحمر الأنسية وعن متعة النساء يوم خيبر. راجع أحكام القرآن للجصاص ٤/ ١٨٦. أبو داود هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق الأزدي صاحب السنن. توفي سنة ٢٧٥هـ/٨٧٦ م. انظر تهذيب التهذيب ٤/١٦٩.. ٢٩ انظر الأم للشافعي ٢/ ٢٥١.. ٣٠ أخرجه أبو داود عن خالد بن الوليد في كتاب الأطعمة، باب: في أكل لحوم الخيل ٤/ ١٤٩، ١٥٠، والنسائي في كتاب الصيد.. ٣١ كلمة "أكل" ساقطة في (ج)، (ح).. ٣٢ ابن أبي ليلى: هو محمد بن عبد الرحمن الأنصاري الكوفي، فقيه، قاضي الكوفة من أقران أبي حنيفة. توفي سنة ١٤٨هـ/ ٧٦٨م. انظر طبقات الفقهاء ص ٨٤.. ٣٣ راجع أيضا أحكام القرآن للجصاص ٤/ ١٨٩، ١٩٠.. ٣٤ كلمة "حجة" ساقطة في (ب)..

الأنعام 6:146

قوله تعالى :﴿ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا﴾ : بهذا يحتج الشافعي في أن من حلف أن لا يأكل (١) الشحم حنث بأكل ما على الظهور لاستثناء الله عز وجل ما على الظهور من جملة الشحم (٢). ١ في (ح): "لا يأكل".. ٢ راجع ذلك في أحكام القرآن للكيا الهراسي ٣/ ١٢٨، وكذلك في جامع الأحكام للقرطبي ٧/ ١٢٦..

الأنعام 6:151

قوله تعالى :﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ : الذي يوجب قتلها و هذا لفظ مجمل قد بينه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بثلاث : كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس " (١). وهذا الحديث يقتضي انحصار القتل في هذه الثلاثة الأشياء كما اقتضى قوله تعالى :﴿قل لا أجد﴾ انحصار التحريم فيما ذكره، والقول فيه كالقول في الآية. فلا ينكر أن يكون ثم وجه آخر للقتل غير ذلك. وما أتى من ذلك فهو زيادة بيان لا نسخ. قال بعض شيوخنا : وقد ذكر علماؤنا أن أسباب القتل عشرة منها ما هو (٢) متفق عليها ومنها ما هو (٣) مختلف فيها. فما زاد من ذلك على الثلاثة المذكورة في القرآن فهو بيان ومثل ذلك قتل المحارب هو مضاف إلى ما ورد في الحديث كذلك سائر ما يرد من أسباب القتل. إلا أنه قد يمكن أن يقال في المحارب أنه داخل تحت قوله عليه الصلاة والسلام : " وقتل نفس بغير نفس ". ١ رواه البخاري عن مسروق عن عبد الله في كتاب الديات، باب: قول الله تعالى: إن النفس بالنفس ٨/ ٣٨.. ٢ كلمة "ما هو" ساقطة في (أ)، (ح).. ٣ قوله: "ومنها ما هو " ساقط في (أ)، (ح)..

الأنعام 6:152

قوله تعالى :﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده﴾ : قوله :﴿التي هي أحسن﴾ : قال الضحاك والسدي : أن يتجر فيه. قال بعضهم تدل هذه الآية على أنه يجوز للوصي أن يدفع مال اليتيم مضاربة. وقال ابن زيد : يأكل منه إن افتقر ولا يأكل إن استغنى (١) وقد قال بعضهم (٢) إن الآية منسوخة بقوله تعالى :﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾. وهو قول ضعيف لأن المخالطة المباحة في هذه الآية هي : التي هي أحسن في الآية الأخرى. ومن فقه هذه الآية (٣) أن لا يقرب مال اليتيم إلا بما يصلحه ويوفره ولا يستسلفه منه الوصي ولا يشتري منه شيئا. وأجاز مالك رحمه الله تعالى في اليسير، ولم يجزه في الكثير. واختلف في المراد بالأشد. فقيل بلوغ الحلم مع أن لا يثبت سفه. وقيل بلوغ الحلم وإيناس الرشد. والقولان في المذهب. وقال السدي : الأشد ثلاثون سنة، وقيل ثلاث وثلاثون سنة وروي أيضا عن السدي. وقيل الأشد من خمسة عشر إلى ثلاثين، كذا ساق المفسرون الخلاف في الأشد في هذا الموضع (٤). والذي يليق بلفظ الآية ههنا أن يكون الأشد أحد القولين الذين ذكرنا أولا. وقال بعضهم : بلوغ الأشد هو البلوغ وأن الأشد والكمال لا يعرف إلا به. وأبو حنيفة يقول : بلوغ الأشد بلوغ خمس وعشرين سنة (٥) وهذا تحكم منه لا وجه له ولا دليل عليه لا لغة ولا شرعا. وفي الكلام حذف. والمعنى فإذا بلغ أشده فادفعوا إليه ماله وهذا من أقوى درجات أدلة الخطاب، والمنكر له قليل. وقوله تعالى :﴿وأوفوا الكيل والميزان بالقسط﴾ : أمر بالاعتدال في العطاء والأخذ. والقسط : العدل. وقوله :﴿لا نكلف نفسا إلا وسعها﴾ يقتضي أن الأوامر المتقدمة إنما هي فيما يقع تحت الوسع من الحفظ لا أنه مطالب بغاية العدل في الشيء المتصرف. وفي هذا دليل على إبطال القول بتكليف ما لا يطاق. وقوله تعالى :﴿وإذا قلتم فاعدلوا﴾ قيل : معناه إذا توسطتم بين الناس. وقيل يعني به الشهادة(٦). والآية عندي متضمنة للقولين (٧). ﴿وبعهد الله أوفوا﴾. يريد (٨) ما عهد به تعالى إلى عباده. ويحتمل أن يريد العهد مطلقا كان بين الله وبين(٩) عباده(١٠) أو بين بعض الناس وبعض وإضافته إلى الله تعالى من حيث قد أمرنا بالوفاء به. ١ راجع تفسير الطبري ١٢/ ٢٢١ وكذلك المحرر الوجيز ٦/ ١٨٠.. ٢ ذكره مكي في الإيضاح ص ٢٥٠.. ٣ في (ح): "هذه الآيات لا يقرب".. ٤ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٦/ ١٨٠، ١٨١.. ٥ راجع تفسير الطبري ١٢/ ٢٢٣، وأحكام القرآن للجصاص ٤/ ١٩٦، وأحكام القرآن للكيا الهراسي ٣/ ١٢٨.. ٦ ذكره ابن عطية المحرر الوجيز ٦/ ١٨١، وكذلك الطبري في جامع البيان ١٢/ ٢٢٥.. ٧ في (أ)، (د): "للقول".. ٨ في (ب)، (هـ): "يعني".. ٩ كلمة "وبين" ساقطة في (أ)، (ب)، (ز).. ١٠ في (ح): "عبيده"..

الأنعام 6:159

قوله تعالى :﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ( ١٥٩ )﴾. اختلف في الذين فرقوا دينهم. فقيل اليهود والنصارى أي فرقوا دين إبراهيم الحنيفية إذ هو دين الله تعالى الذي ألزمه للعباد. فهو دين جميع الناس بهذا الوجه ووصفهم بهذا الشيع (١) إذ كل طائفة منهم على فرق. وبينهم اختلاف وهو قول ابن عباس (٢) والضحاك وقتادة. وقيل هم أهل البدع والأهواء والفتن ومن جرى مجراهم من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أي فرقوا دين الإسلام وهو قول أبي الأحوص (٣) وأم سلمة (٤). قوله تعالى :﴿لست منهم في شيء﴾ أي لا تشفع لهم ولا لك بهم تعلق (٥) وهذا في الكفار على التحقيق وفي العصاة على جهة المبالغة. وقوله تعالى :﴿إنما أمرهم إلى الله﴾. وعيد محض. واختلف في الآية هل هي منسوخة أو محكمة. فقال السدي منسوخة لأنه لم يؤمر فيها بقتال فهي منسوخة بالقتال. وروي نحوه عن ابن عباس. وقيل بل الآية محكمة لأنها خبر والأخبار لا تنسخ (٦). ١ "بهذا الشيع" ساقطة في (ح).. ٢ انظر تفسير ابن عباس ص ١٢٣.. ٣ أبي الأحوص: هو حكيم بن عمير بن الأحوص العنسي ويقال الهمداني أبو الأحوص الحمصي. روى عن عثمان وعمر وغيرهما. انظر تهذيب التهذيب ٢/ ٤٥٠.. ٤ أم سلمة: هي هند بنت أبي أمية حذيفة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم. توفيت سنة ٦٢ هـ/ ٦٧٢م. انظر الإصابة ١٣/ ١٦١، الأعلام ١/ ٣٠٠.. ٥ ذكره ابن عطية ونقله عنه ابن الفرس. راجع المحرر الوجيز ٦/ ١٨٩.. ٦ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٦/ ١٨٩ – ١٩٠..

الأنعام 6:160

وقوله تعالى :﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ : اختلف فيمن جاءت هذه الآية. فقيل فيمن آمن من الأعراب بعد الهجرة وضاعف لهم الله الحسنة بعشر أمثالها وكان المهاجرون قد ضوعفت (١) لهم الحسنة (٢) بسبعمائة ضعف. وقالت فرقة هذه الآية لجميع الناس ثم بعد هذا الذي شرط يزيد ما شاء وينقص ما شاء لمن شاء (٣). وهذا أظهر ما في الآية. واختلف في الحسنة والسيئة ما هما. فقيل الحسنة لا إله إلا الله، والسيئة الكفر. وقيل ذلك لفظ عام في جميع الحسنات والسيئات. وهذا هو الأظهر. والله تعالى الموفق للصواب (٤). ١ في (ح): "ضوعف".. ٢ كلمة "الحسنة" ساقطة في (هـ).. ٣ "لمن شاء" ساقطة في (ب)، (هـ).. ٤ راجع ذلك عند ابن عطية في المحرر الوجيز ٦/ ١٩٠، ١٩١ وعند الطبري في جامع البيان ١٢/ ٢٧٤ – ٢٨٠..

الأنعام 6:162

قوله تعالى :﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ( ١٦٢ ) لا شريك له﴾ : استدل به الشافعي على افتتاح الصلاة بهذا الذكر فإن الله تعالى أمر به نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزله في كتابه (١). وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا افتتح الصلاة قال : " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين " (٢). وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه ثم يقول : " سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك " (٣) وعن مالك رحمه الله تعالى في قول هذا بين التكبير والقراءة روايتان (٤). ١ راجع الأم للشافعي ١/ ١٠٦ وكذلك أحكام القرآن للكيا الهراسي ٣/ ١٢٩.. ٢ ذكر الجصاص أن عليا كرم الله وجهه قال: كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة قال: "وجهت وجهي......" الخ. انظر أحكام القرآن للجصاص ٣/ ١٩٩، وكذلك أحكام القرآن للكيا الهراسي ٣/ ١٢٩. والحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه ١/ ٥٣٤، ٥٣٥.. ٣ هذا الحديث أخرجه أحمد في مسنده ١/ ٢٨٨، ومسلم في كتاب الصلاة، باب: حجة من قال لا يجهر بالبسملة ١/ ٢٩٩.. ٤ راجع المدونة ١/ ٦٢..

الأنعام 6:163

قوله تعالى :﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ( ١٦٢ ) لا شريك له﴾ : استدل به الشافعي على افتتاح الصلاة بهذا الذكر فإن الله تعالى أمر به نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزله في كتابه (١). وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا افتتح الصلاة قال :" وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين " (٢). وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه ثم يقول :" سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك " (٣) وعن مالك رحمه الله تعالى في قول هذا بين التكبير والقراءة روايتان (٤). ١ راجع الأم للشافعي ١/ ١٠٦ وكذلك أحكام القرآن للكيا الهراسي ٣/ ١٢٩.. ٢ ذكر الجصاص أن عليا كرم الله وجهه قال: كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة قال: "وجهت وجهي......" الخ. انظر أحكام القرآن للجصاص ٣/ ١٩٩، وكذلك أحكام القرآن للكيا الهراسي ٣/ ١٢٩. والحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه ١/ ٥٣٤، ٥٣٥.. ٣ هذا الحديث أخرجه أحمد في مسنده ١/ ٢٨٨، ومسلم في كتاب الصلاة، باب: حجة من قال لا يجهر بالبسملة ١/ ٢٩٩.. ٤ راجع المدونة ١/ ٦٢..

الأنعام 6:164

قوله تعالى :﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ : جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه " (١) اختلف العلماء في تخريج هذا الحديث مع الآية. فقال قوم : معناه أن يوصي الميت به فيعذب حي بفعل نفسه ولا بفعل غيره. وهو قول أهل الظاهر وأنكروا قول عائشة رضي الله تعالى عنها في حملها الحديث على ظاهره وإنكارها على ابن عمر روايته حتى قالت : رحم الله أبا عبد الرحمن أما أنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ، الحديث(٢). وأخذوا بقول (٣) عمر وابن عمر (٤) إن الميت يعذب بما ينح عليه وتأولوه على ما ذكرناه. وقال قوم : معناه أن يمدح الميت بالبكاء عليه كما كان يمدح به في الجاهلية من الفتكات والغارات (٥) والغدرات (٦) وغير ذلك من الأفعال التي هي عند الله تعالى ذنوب فيعذب هو من أجلها. وقال قوم : معناه أن الميت يتعذب ويتحزن ببكاء أهله عليه ويسوؤه إتيانهم بما يكرهه ربه تعالى. فهذه النعوت على هذا القول إنما هو تعذيب من الباكي عليه لا من الله تعالى. وذهب قوم إلى حمل الحديث على ظاهره من أن الميت يعذب ببكاء الحي عليه وأنكروا روايته. وذهبوا إلى أنه لا يعذب أحد بفعل غيره وأن الميت لا يعذب ببكاء أهله عليه وهو قول ابن عباس وإليه ذهبت عائشة وأنكرت الحديث المروي في ذلك واحتجت بقوله تعالى :﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ وجاء عنها رضي الله تعالى عنها حديثان في إنكار ذلك أحدهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قال : " إن الله تعالى يزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه " والثاني أنها قالت : إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية يبكي عليها أهلها فقال : " إنهم ليبكون عليها وأنها لتعذب في قبرها " وفي حديث آخر إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنه لا يعذب بخطيئته وذنبه وأن أهله ليبكون عليه " (٧) ويبقى في الحدث الأول التي ذكرته عائشة رضي الله تعالى عنها الاعتراض الذي اعترضته هي في حديث ابن عمر بأن الكافر أيضا لم يعذب بفعل غيره والجواب عنه إنما يعذب باستجابه لذلك لا بذنب غيره. وإذا كان هذا التأويل في الكافر فكذلك يكون في المؤمن ولا ينكر الحديث. واختلف في الصلاة خلف الفاسق هل يجزئ أم لا. وحجة من أجاز قوله تعالى :﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ واختلف أيضا في ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام. أنكر بعضهم القول بالارتباط وقال إنه في غاية الفساد لأنه قول بلا دليل بل البرهان يبطله لقوله تعالى :﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾. وقد أجمعوا أن طهارة الإمام وقيامه وركوعه وسجوده لا ينوب عن نيته ولا نيته شيء من ذلك على المأموم فلا معنى للارتباط. والله تعالى أعلم (٨). ١ رواه البخاري عن عبد الله بن عمر في كتاب الجنائز، باب: يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه ٢/ ٨٠، ورواه مسلم عن عائشة في كتاب الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه ١/ ٦٤١.. ٢ الحديث أخرجه مسلم في كتاب الجنائز باب: يعذب الميت ببكاء أهله عليه ١/ ٦٤٣. وأبو عبد الرحمن هو عبد الله بن عمر سبقت ترجمته ص ٣١.. ٣ في (ح): "قول".. ٤ كلمة "ابن عمر" ساقطة في (د).. ٥ في (أ): "والعادات".. ٦ كلمة "والغدرات" ساقطة في (و).. ٧ هذه الأحاديث ذكرها الإمام مسلم في صحيحه. كتاب الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه ١/ ٦٤٣.. ٨ "والله تعالى أعلم" ساقطة في (أ)، (د)، (هـ)، (و)، (ز)..

الأعراف 7:3

قوله تعالى :﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم﴾ : استدل به بعضهم على أن المباح داخل تحت الأمر خلافا لمن لم ير ذلك. قال (١) : لأن المباحات من جملة ما أنزل الله تعالى وقد أمرنا باتباعه. ويحتمل أن يقال إن اعتقاد الإباحة في المباحات وتميزها عن الأوامر والنواهي واجب وذلك هو المعنى في اتباع ما أنزل إلينا. قال وكذلك ما أنزل إلينا فيشتمل على ما يتلى وهو القرآن وما لا يتلى وهو السنة (٢) والكل من عند الله تعالى فلا يحتمل على هذا نسخ القرآن بالسنة خلافا لمن منعه. ١ كلمة "قال" ساقطة في (أ).. ٢ راجع قول الجصاص في هذه الآية في تفسير أحكام القرآن ٤/ ٢٠١..

الأعراف 7:12

قوله تعالى :﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾ : استدل به (١) بعضهم على أن الأمر إذا تعرى (٢) عن القرائن محمول على الوجوب لأن الذم علق على ترك الأمر مطلقا وهو مذهب الفقهاء. ١ كلمة "به" ساقطة في (ب).. ٢ في (أ)، (ز): "إذا عري"..

الأعراف 7:16

قوله تعالى :﴿قال فبما أغويتني﴾ : ظاهره ما ذهب إليه أهل السنة وهو أن الله تعالى أضله وخلق فيه (١) الكفر خلافا للمعتزلة ويحتمل (٢) بأن يراد بقوله :﴿أغويتني﴾ حكمت بغوايتي، ويحتمل أن يريد أهلكتني. ١ كلمة "فيه" ساقطة في (أ)، (ز).. ٢ في(أ)، (ب)، (و)، (ز): "وقد يحتمل"..

الأعراف 7:20

قوله تعالى :﴿ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين﴾ : استدل بعض الناس بهذه الآية على أن الملائكة أفضل من الناس وهي مسألة قد تنازع الناس فيها وكل يتمسك من ذلك بظواهر من الآية. وقال ابن فورك (١) : لا حجة في هذه الآية لأنه يحتمل أن يريد بقوله : ملكين في أنه لا يكون لهما شهوة طعام (٢). ١ ابن فورك: هو محمد بن الحسن بن فورك الأنصاري الإصبهاني. عالم بالأصول والكلام وله مصنفات كثيرة في معاني القرآن وغيره. توفي سنة ٤٠٦هـ/ ١٠١٥م. انظر وفيات الأعيان ٤/ ٢٧٢، وكذلك طبقات الشافعية للسبكي ٣/ ٥٢.. ٢ راجع المحرر الوجيز ٧/ ٣١..

الأعراف 7:22

قوله تعالى :﴿فلما ذاقا الشجرة﴾ : استدل بعضهم بهذه الآية على أن من ذاق الخمر فهو عاص ورد بذلك على من زعم أنه إذا ذاقها فليس بعاص.

الأعراف 7:26

قوله تعالى :﴿يا بني آدم قد أنزلنا﴾ إلى قوله تعالى :﴿للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة﴾ (١) : خاطب الله تعالى بهذه الآية جميع الناس. والمراد من كان من العرب يتعرى عند الطواف بالبيت. وذكر بعضهم أن الذين كانوا يفعلون ذلك ثقيف وخزاعة وبنو عامر بن صعصعة وبنو مدلج وعامر أو الحارث ابنا عبد مناف. وهذه كانت عادة رجالهم ونسائهم. قال مجاهد ففيهم نزلت هذه الأربع آيات. وقيل إن الذين كانوا يطوفون عراة قريش. وقيل كان ذلك من عادة قبيلة من اليمن. وقيل كانت العرب تطوف عراة إلا الحمس ومن والاها وهذا أصح ما في الآية. لأن قريشا وسائر الحمس بعد عام الفيل سنوا سننا (٢) تعظيما لحرمتهم (٣) منها أن لا يطوفوا عراة. وكان غيرهم إما يعيره أحد من الحمس (٤) ثوبا يطوف به وإما أن يتعرى وإما أن يطوف في ثيابه ثم يلقيها وكان هذا الأمر عند العرب قربة. فكانت تقول : نطوف عراة كما خرجنا من بطون أمهاتنا ولا نطوف بثياب (٥) قد تدنسنا (٦) فيها بالذنوب. وقال بعضهم كانوا إذا حجوا نزعوا ثيابهم فرموا بها ثم طافوا عراة فإذا قضوا نسكهم لم يلبسوها وتركوها ملقاة تدوسها الأرجل حتى تبلى. وكانوا يقولون إنها ثياب قد قارفنا (٧) فيها الآثام فلا نعود فيها ويسمون تلك الثياب التي كانوا يلقونها عن ظهورهم اللقا (٨). قال الشاعر : كفى حزنا كرى عليه كأنه؍ لقي بين أيد الطائفين حريم (٩)؍ وكانت المرأة تطوف عريانة حتى إن إحداهن تقول : اليوم يبدو بعضه أو كله؍ فما بدا منه فلا أحله(١٠)؍ قيل والمرأة منهم كانت تتعرى وتشد في حقويها شيئا من سيور (١١) منطقة (١٢) تسمى العرب ذلك الرهط. وأنشد البيت المذكور كانت (١٣) تطوف وعليها رهط فنهى الله عز وجل عن ذلك. ونودي سنة تسع بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان " (١٤). – قوله تعالى :﴿لباسا﴾ : فيه تأويلان : أحدهما : أن يريد فأنزلنا خلقنا كقوله تعالى :﴿وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد﴾ [الحديد: ٢٥] لأن خلق الله تعالى (١٥) وأفعاله إنما هو في علو في القدر والمنزلة. والثاني : أن يريد أنزلنا ما يكون عنه (١٦) اللباس وهو المطر فتجاوز المطر (١٧) إلى اللباس فأوقع الإنزال عليه وهذا يسمى في كلام العرب التدريج ومثله قول الشاعر : الحمد لله العلي المنان؍ صار الثريد في رؤوس العيدان (١٨)؍ وقوله تعالى :﴿إني أراني أعصر خمرا﴾ [يوسف: ٣٦]. - وقوله تعالى :﴿وريشا﴾ : اختلف فيه فقيل هو المال (١٩) وقيل هو الجمال (٢٠) وقيل الأثاث (٢١). والأليق به أن يقال هو عبارة عن سعة الرزق والتمتع في العيش واتخاذ الملابس، وأصله من ريش الطائر. - وقوله تعالى :﴿ولباس التقوى﴾ : اختلف فيه أيضا فقيل (٢٢) العمل الصالح وقيل (٢٣) الإيمان وقيل (٢٤) السمت الحسن في الوجه وقيل (٢٥) الحياء وقيل (٢٦) الخشية لله تعالى وقيل (٢٧)هو لبس الصوف وخشن الثياب وكل ما فيه تواضع لله تعالى وقيل (٢٨) هو العفاف وقيل (٢٩)هو استشعار تقوى الله تعالى في ما أمر به ونهى عنه وقيل (٣٠)هو السلاح وآلة الجهاد وقيل (٣١)هو ستر العورة وقيل (٣٢)هو الورع والسمت الحسن في الدنيا. فهذه عشرة أقوال. وقوله :﴿ذلك خير﴾ أي لباس التقوى خير من الثياب. - قوله تعالى :﴿قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم﴾ : استدل به كثير من الفقهاء (٣٣) على وجوب ستر العورة. قالوا لأنه تعالى قال :﴿يواري سوءاتكم﴾ وذلك إشارة إلى وجوب الستر (٣٤) ورد غيرهم هذا الاستدلال وقال إنما ذكر الله تعالى هذا تنبيها لعباده على ما أنعم به عليهم من اللباس فقط. واحتج أيضا من أوجب الستر بقوله تعالى :﴿لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما﴾. وقال من رد هذا الاستدلال إنما ذكر الله تعالى ذلك على جهة التحذير من زوال النعم. قال : وأيضا فإنما جاء هذا في شرع آدم عليه السلام ولم يثبت أن شرعه لازم لنا (٣٥). وقوله :﴿سوءاتكم﴾ يحتمل أن العورة من الرجل سوءتان خاصة. وهي مسألة قد اختلف فيها فقيل العورة السوءتان فقط وهو قول داود (٣٦) ومن حجته ما قدمناه لأنه تعالى إنما ذكر مواراة السوءات خاصة فدل على أن ما عداهما لا تجب مواراته. ورأى أن إطلاق اللفظ إنما يقع على القبل والدبر، وأما المرأة فقصتها أخرى. وقد قال تعالى فيهن :﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ [النور: ٣١]. وقيل العورة منه السوءتان والفخذان وهو قول بعض أصحاب مالك. وقيل ما بين السرة والركبة هي العورة وهو المشهور في المذهب وبه يقول الشافعي وأبو حنيفة وقيل من (٣٧) الركبة إلى الفخذ مع السرة عورة. والحجة لما في المذهب ما جاء في الحديث المبين لكتاب الله تعالى من قوله عليه الصلاة والسلام : " ما بين السرة إلى الركبة عورة " (٣٨) وقوله عليه الصلاة والسلام لجرهد (٣٩) : " غط فخذك فإن الفخذ عورة " (٤٠) وإن كان قد جاء عنه عليه الصلاة والسلام ما يعارض ذلك ولكنه ضعيف(٤١). وأما عورة المرأة فسنتكلم عليها في سورة النور. ١ وهذه الآيات هي: الآيات ٢٦ – ٣٢ من سورة الأعراف.. ٢ في (ج)، (ح): "سنة".. ٣ في (أ)، (ح): "لحرمهم".. ٤ والحمس: أهل الحرم، ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكن الحل والحرم مثل الذي لهم. انظر سيرة ابن هشام ١/ ١٨٤.. ٥ في (ح): "في ثياب".. ٦ في (ب)، (ج)، (ح): "قد تدانسنا".. ٧ في (أ): "قارفنا" وفي (د): "فارقنا".. ٨ ذكر ذلك ابن عطية في المحرر الوجيز ٧/ ٤١، والواحدي في أسباب النزول ص ١٦٢.. ٩ البيت من البحر الطويل.. ١٠ البيت من البحر الرجز. قال القرطبي وهذه المرأة هي: ضباعة بنت عامر بن قرط. راجع الجامع لأحكام القرآن ٧/ ١٨٩.. ١١ في (هـ): "بسور".. ١٢ في (أ): "منعطفة".. ١٣ كلمة "كانت" ساقطة في (ب)، (ج)، (ح).. ١٤ وقد ذكر ابن عاشور أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر رضي الله تعالى عنه عام حجته سنة تسع أن ينادي: أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. انظر التحرير والتنوير ٨/ ٩٣.. ١٥ كلمة " الله تعالى " ساقطة في (أ).. ١٦ في (ج)، (ح): "عليه".. ١٧ "فتجاوز المطر" ساقط في (د)، (هـ).. ١٨ البيت من البحر السريع وقد ذكره المبرد في الكامل ٢/ ٩١.. ١٩ قاله ابن عباس. راجع تنوير المقباس: ص ١٢٥.. ٢٠ نسبه ابن عطية إلى ابن زيد. راجع المحرر الوجيز ٧/ ٣٨.. ٢١ قاله الطبري. راجع جامع البيان ١٢/ ٣٦٥.. ٢٢ قاله ابن عباس.. ٢٣ قاله قتادة والسدي وابن جريج.. ٢٤ قاله ابن عباس وعثمان بن عفان.. ٢٥ قاله معبد الجهني.. ٢٦ قاله عروة بن الزبير.. ٢٧ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٧/ ٣٩.. ٢٨ قاله بن عباس.. ٢٩ قاله الطبري.. ٣٠ قاله زيد بن علي.. ٣١ قاله ابن زيد.. ٣٢ قاله الحسن. راجع كل ذلك في المحرر الوجيز ٧/ ٣٩، جامع البيان ١٢/ ٣٦٥ – ٣٧٢. أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٢٠٣، ٢٠٤.. ٣٣ في (أ)، (ز): "العلماء".. ٣٤ نسبه الكيا الهراسي إلى علي بن موسى القمي وإلى أبي بكر الرازي. راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٣/ ١٣٤.. ٣٥ الرد هو للكيا الهراسي فراجعه في تفسيره أحكام القرآن ٣/ ١٣٤. وقد بين ابن عاشور أن هناك أربعة مذاهب في هذه المسألة: المذهب الأول: وهو مذهب مالك وأكثر أصحابه أن شريعة من قبلنا تكون أحكاما لنا. المذهب الثاني: وهو مذهب أكثر الشافعية والظاهرية أن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا. المذهب الثالث: إنما يلزم الاقتداء بشرع إبراهيم عليه السلام. وهذا المذهب لا يعرف صاحبه. المذهب الرابع: لا يلزم إلا اتباع مذهب عيسى عليه السلام لأنها آخر الشرائع نسخت ما قبلها. وهذا المذهب لا يعرف صاحبه أيضا. راجع التحرير والتنوير ٧/ ٣٥٩.. ٣٦ داود: هو داود الظاهري بن علي بن خلف الفقيه العلامة الإمام رأس المدرسة الظاهرية. توفي سنة ٢٠٧هـ/ ٨٨٤م. انظر تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/ ١٥٠، وكذلك وفيات الأعيان ٢/ ٢٥٥.. ٣٧ "من" ساقطة في (ح).. ٣٨ الحديث أخرجه أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص ٢/ ١٨٧.. ٣٩ كلمة جرهد ساقطة في (ز). وجرهد هو أبو عبد الرحمن الأسلمي روى عنه ابنه هذا الحديث. انظر إسعاف المبطأ ٢/ ٣٣٦.. ٤٠ الحديث أخرجه البخاري عن ابن عباس في كتاب الصلاة، باب: ما يذكر في الفخذ ١/ ٩٧ وكذلك أبو داود عن زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد في كتاب الحمام باب: النهي عن التعري ٤/ ٣٠٣.. ٤١ راجع حد العورة في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٧/ ١٨٢، ١٨٣..

الأعراف 7:27

وقوله تعالى :﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ : استدل بعضهم بهذه الآية على أن الجن لا يرون لقوله :﴿من حيث لا ترونهم﴾. قال ومن قال إنهم يرون فهو كافر. وقيل جائز أن يروا لأن الله تعالى إذا شاء أن يريهم كشف أجسامهم حتى ترى. وقد جاءت في رؤيتهم أخبار صحاح (١). ١ قال النحاس: ﴿من حيث لا ترونهم﴾: يدل على أن الجن لا يرون إلا في وقت نبي ليكون ذلك دلالة على نبوته لأن الله جل وعز خلقهم خلقا لا يرون فيه وأنا يرون إذا نقلوا عن صورهم وذلك من المعجزات التي لا تكون إلا في وقت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. راجع الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٧/ ١٨٦. ومن الأحاديث الصحيحة التي تثبت إمكانية رؤية الجن ما أورده ابن عاشور نقلا عن الصحيحين أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إن عفريتا من الجن تفلت علي الليلة في صلاتي فهممت أن أوثقه في سارية من المسجد...." الحديث. وكذلك حديث الذي جاء يسرق من زكاة الفطر عند أبي هريرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: "ذلك شيطان". راجع التحرير والتنوير ٨/ ٨٠..

الأعراف 7:29

وقوله تعالى :﴿وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد﴾ : اختلف في تأويله فقيل أراد التوجه إلى الكعبة. قاله مجاهد وغيره وقيل أراد إحضار النية إلى (١) الله تعالى في كل صلاة كما تقول وجهت وجهي لله قاله الربيع. فلا يكون (٢) الوجه هنا الجارحة بل المراد به المعتقد (٣). وقيل المراد بهذا اللفظ إباحة الصلاة في كل موضع من الأرض أي حيث كنتم فهو مسجد لكم تلزمكم عند الصلاة إقامة وجوهكم فيه. وقال قوم سببها أن قوما كانوا لا يصلون إلا في مساجدهم بين قبيلتهم (٤) فإذا حضرت الصلاة في غير ذلك من المساجد لم يصلوها فيها. ١ في (ج)، (د)، (هـ)، (و)، (ز): "لله".. ٢ " فلا" ساقطة في (أ).. ٣ "بل المراد به المعتقد" ساقطة في (أ).. ٤ في غير (ح): "في قبلتهم"..

الأعراف 7:31

وقوله تعالى :﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ : اختلف في الزينة هنا. فقيل : الثياب الساترة، قال مجاهد والسدي. وقال بعضهم : الزينة ما يتجمل به ويدخل فيها ما كان من أخذ (١) الطيب (٢) للجمعة والسواك وبدل الثياب وكل ما وجد استحسانه في الشريعة ولم يقصد به مستعمله الخيلاء (٣). وذكر بعضهم حديثا في أن معنى قوله تعالى :﴿خذوا زينتكم﴾ صلوا في النعال (٤). وإذا قلنا إن المراد بالزينة ما يتجمل به ففي ضمن الأمر بالزينة الأمر بالستر. وظاهر هذا أن أخذ الزينة عند كل مسجد إنما هو للفعل الذي يتعلق بالمسجد وللمسجد تعظيما لهما. والفعل الذي يتعلق بالمسجد(٥) الاعتكاف والصلاة والطواف(٦) وإذا صح أن (٧) الأمر بذلك للوجهين جميعا لم يدل ظاهر ذلك على وجوب ستر العورة في الصلاة مطلقا مع أن القدر الذي يستر العورة لا يسمى زينة وتجملا. وكثير من الفقهاء رأوا في ذلك دلالة على وجوب ستر العورة مطلقا ولم يشترطوا المسجد. قالوا لأن الأمر بذلك عند كل مسجد لم يكن لعين المسجد وإنما كان للفعل الواقع في المسجد وهو الاعتكاف والصلاة والطواف(٨). وإذا لم يجب الستر للمسجد وإنما وجب لأجل (٩)ما عظم له المسجد وهو الصلاة. فقد وجب الستر للصلاة وإذا وجب لها كان شرطا في صحتها إلا(١٠) أن الدليل قام على أن الزيادة على ستر العورة التي يقتضيها لفظ الزينة قد قام الدليل على أنها غير واجبة يبقي مقدار الستر واجبا. وقال بعضهم : عند كل مسجد يريد عند كل موضع سجود إشارة إلى الصلوات. وإذا قلنا إن الآية في الأمر بستر العورة للصلاة فقد اختلف هل سترها فرض من فروض الصلاة أم من سننها. فبين أصحاب مالك فيه خلاف(١١) واحتج من يرى ذلك فرضا بهذه الآية :﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ فأمر بالستر عند الصلاة وهذا مبني على الخلاف في الأمر هل هو على الوجوب أم لا. فأما أن ستر العورة فرض في الجملة فلا خلاف في ذلك. اختلف هل يجب على الإنسان ستر عورته في الخلاء(١٢) كما يجب في الملأ(١٣). فلم يوجبه الجمهور ورأوا أن المنع من الكشف إنما هو من أجل الناس وإذا لم يكونوا جاز. وذهب قوم إلى أنه يجب ومن حجتهم ما يقتضيه قوله تعالى :﴿يواري سوءاتكم﴾ وسائر الآيات التي نزلت بستر العورة وذلك على العموم حتى يدل دليل على التخصيص. وأيضا فإن قوله تعالى في أثناء الكلام في الشيطان أنه ﴿يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ دليل على ذلك. لأنه إن كانت العلة في(١٤) الستر خوف الرؤية ففي الخلاء رؤية الشيطان موجودة فينبغي أن لا ينكشف. واختلف في المرأة تصلي بغير قلادة أو قرطين. فلم يجزه جماعة من السلف لها وأجازه الأكثر وحجة من لم يجزه قوله تعالى :﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾. وقد احتج (١٥) مالك بالآية أيضا في كراهية الصلاة في مساجد القبائل بغير أردية (١٦). - وقوله تعالى :﴿وكلوا واشربوا﴾ : أمر تعالى بترك ما التزمته العرب من تحريم الودك واللحم في أيام المواسم. وقوله تعالى :﴿ولا تسرفوا﴾ قد خصصه بعض المفسرين بأشياء. والصواب أن يحمل على عمومه في المحظور والمباح فمن تلبس بشيء من الحرام (١٧) فهو مسرف بأول تلبسه. ومن تلبس بمباح فمن اقتصد (١٨) فحسن ومن(١٩) أفرط بزيادة أو نقصان فهو إسراف (٢٠) منهي (٢١) عنه. ولذلك وقف النبي صلى الله عليه وسلم بالموصى على الثلث (٢٢). وقد اختلف من هذا في مسألة وهي صدقة الرجل بجميع ماله هل تجوز أم لا ؟ فأجازه مالك ولم يجزه سحنون والحجة لمن لم يجزه قوله تعالى :﴿ولا تسرفوا﴾ وهذا إسراف وقوله تعالى :﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾ [الفرقان: ٦٧]. وهذا القول قد رجحه بعضهم لتعلقه بظاهر الآي. ١ كلمة " أخذ" ساقطة في (أ)، (و)، (ز).. ٢ في (د): "التطيب".. ٣ راجع المحرر الوجيز ٧/ ٤٥.. ٤ والحديث ذكره القرطبي برواية كرز بن وبرة عن عطي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذات يوم: " خذوا زينة الصلاة" قيل وما زينة الصلاة؟ قال: "البسوا نعالكم فصلوا فيها". راجع الجامع لأحكام القرآن ٧/ ١٩٠.. ٥ من قوله: "وللمسجد..... إلى: بالمسجد" ساقط في (ب)، (ج)، (ح).. ٦ في (أ)، (ب)، (ح): "الطوف".. ٧ كلمة "أن" ساقطة في (أ)، (ب)، (ح).. ٨ في (ب)، (ح): "والطوف".. ٩ في (ح): "لا عجل".. ١٠ "إلا" ساقط في (أ).. ١١ في (ب)، (ج)، (ح)، (د)، (هـ): "قولان".. ١٢ في (ب)، (ح): "الخلاف".. ١٣ "كما يجب في الملأ" ساقط في (أ)، (ز).. ١٤ "في" ساقط في (ح).. ١٥ في (أ)، (و)، (ز): "انتزع".. ١٦ راجع أحكام ذلك عند الكيا الهراسي في أحكام القرآن ٣/ ١٣٥ – ١٣٧، وكذلك عند القرطبي ٧/ ١٩٠، ١٩١.. ١٧ في (أ)، (ز):"من المباح".. ١٨ في (د): "فقد اقتصر".. ١٩ في (أ): "وإن أفرط".. ٢٠ في (ح): "مسرف".. ٢١ "منهي" ساقطة في (د).. ٢٢ في (أ)، (ز): "بالوطء على الثلث"..

الأعراف 7:32

وقوله تعالى :﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ : زينة الله تعالى هي ما سنته الشريعة. وفي قوله تعالى :﴿قل من حرم زينة الله﴾ دليل على جواز لباس كل ما يتزين به إلا ما خصصه الشرع. فمن ذلك لباس الحرير، وقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال : الجواز والمنع والجواز للنساء والمنع للرجال وهو المشهور. وإذا قلنا بمنعه للرجال فهل يباح له في الحرب أو للحكة فيه قولان. ومن ذلك لباس الخز وقد اختلف فيه أيضا فأجازه قوم وكرهه آخرون. وروي عن مالك جوازه/ وأنه كان يلبسه (١). ومن ذلك الثوب فيه على الحرير وقد اختلف فيه أيضا (٢). ومن ذلك الفرش المصورة والنمارق والستور ونحو ذلك وفيه خلاف. وبظاهر الآية يحتج من أجاز شيئا من ذلك. ﴿والطيبات﴾ اختلف فيها. فقيل المحللات وقيل المستلذات وهو قول الشافعي. وأن ما ساق الشافعي إلى هذا تحريم المستقذرات كالوزغ وغيره (٣) وشرط من قال بهذا في المستلذات أن تكون من الحلال. وقد تقدم الكلام على نحو هذا. ١ من قوله: " وكرهه.... إلى: يلبسه" ساقط في (و).. ٢ من قوله: "ومن ذلك.... إلى: أيضا" ساقط في (ح).. ٣ ذكر نحوه ابن عطية في المحرر الوجيز ٧/٤٦..

الأعراف 7:33

وقوله تعالى بعد هذا :﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي﴾ : والفواحش القبائح البينة القبح. لأن العرب تقول قبيح فاحش فهو لفظ عام عطف عليه بعض ما يدخل تحت لفظه. وأيضا فإن الإثم والبغي لفظان عامان قد يقعان على الفواحش فيحتمل أن يقال (١) إنما جيء بذلك على جهة التوكيد وإن كان المعنى واحدا كما قال تعالى :﴿وغرابيب سود﴾ [فاطر: ٢٧] وقال الشاعر : من دونها الناي والبعد ويحتمل أن يقال : الإثم الخمر، والبغي التطاول على الناس، وعطف الخاص على العام كما قال تعالى :﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان ( ٦٨ )﴾ [الرحمن: ٦٨] ويحتمل أن يقال أراد بالفواحش الزنا وبالإثم الخمر وبالبغي التطاول على الناس فتكون هذه الألفاظ كلها علاقة أريد بها شيء خاص. وقد قال ذلك بعض المفسرين (٢) وقال بعضهم الفواحش : الكبائر والإثم : الصغائر ثم عطف على الأمرين ما يدخل فيهما وهو البغي بغير الحق. والمراد به أن يتجاوز من طلب الأمر الذي يحسن طلبه فإذا تجاوز فهو مذموم. وقد مر الكلام على قول من زعم أن الإثم الخمر والقول به في هذه الآية ضعيف. فإن هذه السورة مكية ولم يأت التحريم للخمر إلا في المدينة بعد أحد. لأن جماعة من الصحابة اصطحبوها(٣) يوم أحد وماتوا شهداء وهي في أجوافهم، وأيضا إن تسمية الخمر إثما (٤) إنما هو ضعيف وبيت الشعر الذي أنشد في ذلك قد قيل إنه مصنوع وإن صح (٥) فهو على حذف مضاف(٦). ١ "أن يقال" ساقط في (ب)، (ح).. ٢ راجع ذلك عند الطبري في جامع البيان ١٢/ ٢١٨، ٣٧٧، ٤٠٢، ٤٠٣.. ٣ كلمة "اصطحبوها" ساقطة في (ب).. ٤ كلمة "إثما" ساقطة في (ب)، (ج)، (ح).. ٥ قوله: "وإن صح" ساقط في (ح).. ٦ قال القرطبي: والإثم. قال الحسن: الخمر. قال الشاعر: شربت الإثم حتى ضل عقلي؍ كذاك الإثم تذهب بالعقول؍ وقال آخر: نشرب الإثم بصواع جهارا؍ وترى المسك بيننا مستعارا؍ راجع الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٢٠٠، ٢٠١..

الأعراف 7:55

قوله تعالى :﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ( ٥٥ ) ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾ : أمر تعالى في هذه الآية بالدعاء ثم قرن بذلك صفات وهو قوله :﴿تضرعا﴾ وقوله :﴿وخفية﴾. فالتضرع يقتضي الجهر بالدعاء لأنه إنما هو مع (١) إعمال شيء (٢) من الجوارح في الطلب، والخفية أي في النفس خاصة. وقال بعض العلماء : التضرع والخفية في معنى السر جميعا(٣) وقد أثنى تعالى على ذلك فقال :﴿إذ نادى ربه نداء خفيا ( ٣ )﴾ [مريم: ٣] وقال عليه الصلاة والسلام : " خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي " (٤) وعلى الاختلاف في هذا التأويل اختلف السلف في الأفضل. فقيل الخفي هو الذي استحسن جماعة (٥) في الدعاء وكرهوا الجهر به فقالوا الذكر بالقلب أفضل. وروي عن عائشة : " لأن أذكر الله تعالى في نفسي أحب إلي من أن أذكره بلساني سبعين مرة ". وقال آخرون ذكر الله تعالى باللسان أفضل، روي ذلك عن ابن مسعود (٦). قال الطبري(٧) : والصواب أن إخفاء النوافل أفضل (٨) وقد استدل أصحاب أبي حنيفة على أن إخفاء التأمين في الصلاة أولى من الجهر بهذه الآية لأنه دعاء. والدليل عنه ما روي في تأويل قوله تعالى :﴿قد أجيبت دعوتكما﴾ [يونس: ٨٩] قال كان موسى يدعو وهارون يؤمن فسماهما الله تعالى داعين (٩). وقد يجاب عن هذا بأن إخفاء الدعاء في غير الصلاة أفضل لأنه أبعد عن الرياء. وأما ما يتعلق بصلاة الجماعة فإظهاره أولى لأنه إظهار شعائر وحق يندب إلى إظهاره، وهذا كله على القول بأن قوله تعالى :﴿ادعوا ربكم﴾ في الدعاء المعروف. وقد قيل معنى ادعوا : اعبدوا تضرعا وخفية أي باستغاثة واعتقاد وذلك في القلوب (١٠). وقوله تعالى :﴿إنه لا يحب المعتدين﴾ يريد في الدعاء، وإن كان اللفظ عاما. وأنواع الاعتداء بالدعاء كثيرة كالجهر الكثير المفرط. وقد قال صلى الله عليه وسلم لقوم : " ارفقوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصما ولا أعمى ولا غائبا " (١١) ومنها الدعاء في معصية أو الدعاء في محال ونحو ذلك. وهذا الأمر بالدعاء أمر ندب. وعبر بعضهم عنه بأنه واجب. وقد اختلف في الدعاء هل فيه منفعة أم لا على ثلاثة أقوال : قيل لا منفعة فيه جملة ولا يغني عن الإنسان شيئا وإنما هو عبادة تعبدنا الله تعالى وأوجبها علينا بقوله تعالى :﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية﴾ ونحو ذلك من الآي كما أمر بالصلاة ونحوها من العبادات. واحتجوا أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم : " جف القلم بما هو كائن " (١٢). وقيل الدعاء على الإنسان واجب وهو يرد القضاء واحتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام : " لا يرد على الإنسان واجب القضاء إلا إثر دعاء " (١٣) ومن حجتهم قوله تعالى :﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠]. وقيل هو واجب ولا يستجاب منه إلا ما وافق القدر (١٤). وضعف بعضهم هذا القول وقال إنه راجع إلى القول الأول. ورجحه أبو سليمان الخطابي (١٥) وقال هو الصحيح. وهو مذهب أهل السنة والجماعة وبه يجمع بين الأحاديث الواردة في الدعاء على اختلافها. والكلام في هذه المسألة كالكلام على سائر أعمال (١٦) الطاعات من صلاة وزكاة وصيام وغير ذلك وطلب الفائدة فيها مع القدر السابق بما هو كائن إلى يوم القيامة. وقد اختلف في رفع الأيدي في غير الصلاة، ففي المذهب قولان : الكراهة والجواز. فمن أجازه رآه من التضرع الذي أباحه الله تعالى والزيادة في الخشوع. ومن كرهه رآه من الاعتداء في الدعاء الذي نهى الله تعالى عنه. ورأى ابن عمر قوما رافعي جبل ما ازدادوا من الله قربا (١٧). وإلى هذا ذهب جبير بن مطعم (١٨) وابن المسيب. والذين أجازوا الرفع اختلفوا في الكيفية. فقيل ظهورهما مما (١٩) يلي الوجه وبطونهما مما يلي الأرض. وإلى هذا ذهب مالك في المشهور عنه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك حديث. وقيل بطونهما بما يلي الوجه. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا سألتم الله تعالى فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها " (٢٠) وقال بعضهم إن (٢١) كل ذلك واسع ومن حجتهم عموم قوله تعالى :﴿ادعوا ربكم﴾ ولم يخص صفة من صفة. اختلفوا في الرفع إلى أين. فقيل إلى الصدر وقيل إلى الوجه. وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرفع يديه في الدعاء حتى يرى (٢٢) بياض إبطيه. ولم يحد (٢٣) بعضهم في ذلك حدا ورأى الأمر واسعا ومن حجته عموم الآية. فأما مسح (٢٤) الوجه في الدعاء فيأتي على قول (٢٥) من لا يرى رفع (٢٦) اليدين أن لا يمسح. ويحتمل على قول من رأى رفع اليدين أن يقول (٢٧) يمسح على وجهه وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالمسح على الوجه فقال : " إذا سألتم الله عز وجل فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها وامسحوا بها وجوهكم " فهذا منه عليه الصلاة والسلام إشارة إلى أنه من التضرع الذي أمر الله تعالى به فقال :﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية﴾. ١ في (أ): "من أعمال".. ٢ في (هـ): "بشيء".. ٣ نسبه ابن عطية إلى الحسن بن أبي حسن. راجع المحرر الوجيز ٧/ ٧٨.. ٤ أخرجه أحمد وابن حبان والبيهقي في شعب الإيمان عن سعد راجع الجامع الصغير ٢/٨.. ٥ منهم ابن الجريج قال: إن من الدعاء اعتداء يكره رفع الصوت والنداء والصياح بالدعاء ويؤمر بالتضرع والاستكانة. ذكره الطبري في جامع البيان ١٢/ ٤٨٧.. ٦ ابن مسعود: هو عبد الله بن مسعود الهذلي، أحد السابقين للإسلام والقراء والفقهاء كان من رواد العلم. توفي سنة ٣٢ أو ٣٣ هـ/ ٦٤٢م، انظر طبقات الفقهاء: ص ٤٣.. ٧ الطبري: هو أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري أشهر المفسرين ولد سنة ٢٢٤هـ / ٨٣٤ م وتوفي سنة ٣١٠هـ / ٩١٢م.. انظر وفيات الأعيان ٣/ ٣٣٢، وطبقات المفسرين للداودي ٢/ ١١٠.. ٨ راجع التفسير الكبير ١٤/ ١٢٨ – ١٣١، والمحرر الوجيز ٧/ ٧٨، وجامع البيان ١٢/٤٨٧. ٩ راجع أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٢٠٨.. ١٠ راجع المحرر الوجيز ٧/ ٧٨، والتفسير الكبير ١٤/ ١٢٨.. ١١ أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: استحباب خفض الصوت بالذكر ٨/ ٧٣.. ١٢ أخرجه البخاري عن أبي هريرة في كتاب النكاح، باب: ما يكره من التبتل ٦/ ١١٩.. ١٣ الحديث رواه الترمذي في سننه، كتاب القدر، باب: ما جاء لا يرد القدر إلا الدعاء ٤/ ٤٤٨.. ١٤ راجع التفسير الكبير ١٤/ ١٢٨.. ١٥ أبو سليمان الخطابي: هو أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي. إمام قادر. له العديد من الكتب في الفقه والحديث. توفي سنة ٣٨٨هـ/ ١١٠٦م. انظر تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/ ٢٢٣.. ١٦ كلمة "أعمال" ساقطة في (أ).. ١٧ لم أعثر على هذا الأثر.. ١٨ جبير بن مطعم بن عدي ين نوفل بن عبد مناف القرشي. صحابي جليل من علماء قريش وساداتهم توفي بالمدينة سنة ٥٩هـ/ ٦٧٩م. انظر: إسعاف المبطأ ٢/ ٣٠٦.. ١٩ في (د): "بما".. ٢٠ رواه أبو داود عن مالك بن يسار. كتاب الصلاة، باب: الدعاء ٢/ ١٦٥.. ٢١ "أن" ساقط في (أ)، (ز).. ٢٢ في (أ(، (هـ)، (ز): "يستوي".. ٢٣ في (ح): "ولم يجد".. ٢٤ في (ح): "فامسح".. ٢٥ في (ح): "القول".. ٢٦ "رفع" ساقطة في (ب)، (ح)، (د).. ٢٧ كلمة "يقول" ساقطة في (أ)، (ب)..

الأعراف 7:56

وقوله تعالى :﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾ : فهي عامة لا ينبغي أن تخصص (١) بشيء من (٢) الإفساد دون شيء. وقد قال الضحاك هي مخصصة ومعناها لا تغوروا الماء المعين ولا تقطعوا الشجر المثمر ضررا. ولعل هذا منه على جهة المثال. وقد ورد أن قطع الدنانير والدراهم من الفساد في الأرض. وقيل تجارة الحكام من الفساد في الأرض (٣) وقال بعضهم المراد ولا تشركوا في الأرض بعد أن أصلحها الله تعالى ببعثة الرسل وتقرير الشرائع ووضوح ملة محمد (٤)صلى الله عليه وسلم(٥). ١ في (أ)، (ب)، (ح): "يخصص".. ٢ في (أ)، (ب)، (ح): "معنى".. ٣ في "الأرض" ساقطة في (ب)، (ج)، (ح).. ٤ في (أ)، (ز): "ملة الإسلام".. ٥ ذكر نحوه ابن عطية في المحرر الوجيز ٧/ ٧٩..

الأعراف 7:80

قوله تعالى :﴿ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ( ٨٠ )﴾ إلى قوله تعالى :﴿وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين ( ٨٤ )﴾ : الفاحشة هنا إتيان الرجال (١) في أدبارهم ولم يكن هذا قط إلا في قوم لوط. ويدل على ذلك قوله تعالى :﴿ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ وروي أنهم كانوا يأتون بعضهم بعضا. وروي (٢) أنهم كانوا يأتون الغرباء وحكي أن إبليسا كان أصل (٣) عملهم بأن دعاهم إلى نفسه (٤) وهذه الأمة التي يعزى إليها لوط عليه السلام كانت تسمي سدوم. ولا اختلاف بين الأمة في تحريم هذا (٥) الفعل (٦). واختلف في حد من فعله من الفاعل والمفعول به. فقال أبو حنيفة لا حد فيه وإنما فيه التعزير ويستودع السجن حتى يموت. وقال الشافعي حده حد الزاني ويعتبر فيه الإحصان من غير الإحصان (٧). وروي عن مالك مثله (٨). وقيل الحد فيه التحريق بالنار، وقد حرق أبو بكر رجلا يسمى الفجاءة (٩) حين عمل عمل قوم لوط. وذهب مالك رحمه الله في المشهور عنه إلى أنهما يرجمان أحصنا أو لم يحصنا. والحجة لمالك أنه تعالى عاقبهم بأن أمطر عليهم حجارة من سجيل وهو المراد بقوله في هذه السورة :﴿وأمطرنا عليهم مطرا﴾. إنما كان المطر حجارة ويؤيد هذا قوله في آية أخرى :﴿وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل﴾ [الحجر: ٧٤] فإذا كان الله تعالى عاقبهم بالرجم بالحجارة في ذلك الوقت ولم يكن بد من حد في ذلك كان العقاب الذي عاقب به تعالى في ذلك أولى من إحداث عقاب آخر. ويؤيد هذا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم : " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فارجموا الفاعل والمفعول (١٠) " فأما إن لاط الرجل بنفسه فأولج في دبره فعندنا أنه لا حد فيه وأنه يعزر. وقيل يقتل كما لو لاط بغيره وهو أحد أقوال الشافعي، وقيل هو كالزاني في الإحصان وغير الإحصان وهو أيضا أحد أقوال الشافعي(١١) والحجة لمالك أن الآية نزلت في قوم يفعلون ببعضهم بعضا فينبغي أن يقتصر بالعقوبة النازلة في ذلك على موضعها ولا يتعدى (١٢) إلى غيرها إلا أن يدل دليل. وأما وطء أدبار الزوجات فقد مر الكلام عليه في سورة البقرة (١٣) وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تحريم إيتاء النساء في أدبارهن بقوله تعالى :﴿إنهم أناس يتطهرون﴾ [الأعراف: ٨٢]. قال (١٤) لأن مأتى الذكر إنما هو موضع واحد فعاب (١٥) قوم لوط لوطا وآله (١٦) بأنهم يتنزهون عن ذلك الموضع. فإن قيل إن التطهر إنما هو واقع على اجتناب المحرم دون الموضع قيل له إنما لم يجر (١٧) للتحريم ذكر وإنما قال يتطهرون فهو إتيان الموضع، فيكون معنى يتطهرون على قول هذا القائل يتطهرون عن (١٨) الأدبار أي يتنزهون وهو قول مجاهد. وقيل معناه يتطهرون عن حالنا وعادتنا أي يتنزهون (١٩)وعلى هذا لا تكون فيه حجة. ١ في (أ)، (ز): "النساء".. ٢ رواه الحسن البصري ونقله ابن عطية في المحرر الوجيز ٧/ ١٠٥.. ٣ في (أ)، (ب)، (ح): "أضل".. ٤ حكاه النقاش وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٧/ ١٠٥.. ٥ "هذا" ساقط في (أ)، (هـ)، (و)، (ز).. ٦ في (هـ): "العمل".. ٧ "من غير الإحصان" ساقط في (أ).. ٨ راجع المنتقى للباجي ٧/ ١٤١.. ٩ الفجاءة: هو إياس بن عبد ياليل السلمي من بني سليم من كبار أهل الردة. أحرقه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بسبب ردته وقيل غير ذلك. راجع تاريخ الطبري ٣/ ٦٣٢.. ١٠ راجع الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٧/ ٢٤٣ – ٢٤٥. والحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي والدارقطني والنسائي.. ١١ من قوله: "وقيل.... إلى: أحد أقوال الشافعي" ساقط في (ب)، (ج)، (ح).. ١٢ في (ج) ولا تتعدى.. ١٣ راجع ذلك في أطروحة محمد الصغير بن يوسف: تحقيق وتقديم أحكام القرآن لابن الفرس. سورتي الفاتحة والبقرة. السفر الثالث ص ٤٧٧ لسنة ١٤٠٠هـ/ ١٩٨٠م.. ١٤ في (هـ): "قالوا".. ١٥ في (هـ): "يعاب".. ١٦ في (هـ): "وأهله".. ١٧ في (أ)، (ب)، (ح): "لم يجز".. ١٨ في (أ)، (ب)، (ح): "على".. ١٩ من قوله: "وهو قول مجاهد.... إلى: أي يتنزهون" ساقط في (ح)..

الأعراف 7:81

قوله تعالى :﴿ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ( ٨٠ )﴾ إلى قوله تعالى :﴿وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين ( ٨٤ )﴾ : الفاحشة هنا إتيان الرجال (١) في أدبارهم ولم يكن هذا قط إلا في قوم لوط. ويدل على ذلك قوله تعالى :﴿ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ وروي أنهم كانوا يأتون بعضهم بعضا. وروي (٢) أنهم كانوا يأتون الغرباء وحكي أن إبليسا كان أصل (٣) عملهم بأن دعاهم إلى نفسه (٤) وهذه الأمة التي يعزى إليها لوط عليه السلام كانت تسمي سدوم. ولا اختلاف بين الأمة في تحريم هذا (٥) الفعل (٦). واختلف في حد من فعله من الفاعل والمفعول به. فقال أبو حنيفة لا حد فيه وإنما فيه التعزير ويستودع السجن حتى يموت. وقال الشافعي حده حد الزاني ويعتبر فيه الإحصان من غير الإحصان (٧). وروي عن مالك مثله (٨). وقيل الحد فيه التحريق بالنار، وقد حرق أبو بكر رجلا يسمى الفجاءة (٩) حين عمل عمل قوم لوط. وذهب مالك رحمه الله في المشهور عنه إلى أنهما يرجمان أحصنا أو لم يحصنا. والحجة لمالك أنه تعالى عاقبهم بأن أمطر عليهم حجارة من سجيل وهو المراد بقوله في هذه السورة :﴿وأمطرنا عليهم مطرا﴾. إنما كان المطر حجارة ويؤيد هذا قوله في آية أخرى :﴿وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل﴾ [الحجر: ٧٤] فإذا كان الله تعالى عاقبهم بالرجم بالحجارة في ذلك الوقت ولم يكن بد من حد في ذلك كان العقاب الذي عاقب به تعالى في ذلك أولى من إحداث عقاب آخر. ويؤيد هذا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم :" من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فارجموا الفاعل والمفعول (١٠) " فأما إن لاط الرجل بنفسه فأولج في دبره فعندنا أنه لا حد فيه وأنه يعزر. وقيل يقتل كما لو لاط بغيره وهو أحد أقوال الشافعي، وقيل هو كالزاني في الإحصان وغير الإحصان وهو أيضا أحد أقوال الشافعي(١١) والحجة لمالك أن الآية نزلت في قوم يفعلون ببعضهم بعضا فينبغي أن يقتصر بالعقوبة النازلة في ذلك على موضعها ولا يتعدى (١٢) إلى غيرها إلا أن يدل دليل. وأما وطء أدبار الزوجات فقد مر الكلام عليه في سورة البقرة (١٣) وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تحريم إيتاء النساء في أدبارهن بقوله تعالى :﴿إنهم أناس يتطهرون﴾ [الأعراف: ٨٢]. قال (١٤) لأن مأتى الذكر إنما هو موضع واحد فعاب (١٥) قوم لوط لوطا وآله (١٦) بأنهم يتنزهون عن ذلك الموضع. فإن قيل إن التطهر إنما هو واقع على اجتناب المحرم دون الموضع قيل له إنما لم يجر (١٧) للتحريم ذكر وإنما قال يتطهرون فهو إتيان الموضع، فيكون معنى يتطهرون على قول هذا القائل يتطهرون عن (١٨) الأدبار أي يتنزهون وهو قول مجاهد. وقيل معناه يتطهرون عن حالنا وعادتنا أي يتنزهون (١٩)وعلى هذا لا تكون فيه حجة. ١ في (أ)، (ز): "النساء".. ٢ رواه الحسن البصري ونقله ابن عطية في المحرر الوجيز ٧/ ١٠٥.. ٣ في (أ)، (ب)، (ح): "أضل".. ٤ حكاه النقاش وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٧/ ١٠٥.. ٥ "هذا" ساقط في (أ)، (هـ)، (و)، (ز).. ٦ في (هـ): "العمل".. ٧ "من غير الإحصان" ساقط في (أ).. ٨ راجع المنتقى للباجي ٧/ ١٤١.. ٩ الفجاءة: هو إياس بن عبد ياليل السلمي من بني سليم من كبار أهل الردة. أحرقه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بسبب ردته وقيل غير ذلك. راجع تاريخ الطبري ٣/ ٦٣٢.. ١٠ راجع الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٧/ ٢٤٣ – ٢٤٥. والحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي والدارقطني والنسائي.. ١١ من قوله: "وقيل.... إلى: أحد أقوال الشافعي" ساقط في (ب)، (ج)، (ح).. ١٢ في (ج) ولا تتعدى.. ١٣ راجع ذلك في أطروحة محمد الصغير بن يوسف: تحقيق وتقديم أحكام القرآن لابن الفرس. سورتي الفاتحة والبقرة. السفر الثالث ص ٤٧٧ لسنة ١٤٠٠هـ/ ١٩٨٠م.. ١٤ في (هـ): "قالوا".. ١٥ في (هـ): "يعاب".. ١٦ في (هـ): "وأهله".. ١٧ في (أ)، (ب)، (ح): "لم يجز".. ١٨ في (أ)، (ب)، (ح): "على".. ١٩ من قوله: "وهو قول مجاهد.... إلى: أي يتنزهون" ساقط في (ح)..

الأعراف 7:82

قوله تعالى :﴿ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ( ٨٠ )﴾ إلى قوله تعالى :﴿وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين ( ٨٤ )﴾ : الفاحشة هنا إتيان الرجال (١) في أدبارهم ولم يكن هذا قط إلا في قوم لوط. ويدل على ذلك قوله تعالى :﴿ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ وروي أنهم كانوا يأتون بعضهم بعضا. وروي (٢) أنهم كانوا يأتون الغرباء وحكي أن إبليسا كان أصل (٣) عملهم بأن دعاهم إلى نفسه (٤) وهذه الأمة التي يعزى إليها لوط عليه السلام كانت تسمي سدوم. ولا اختلاف بين الأمة في تحريم هذا (٥) الفعل (٦). واختلف في حد من فعله من الفاعل والمفعول به. فقال أبو حنيفة لا حد فيه وإنما فيه التعزير ويستودع السجن حتى يموت. وقال الشافعي حده حد الزاني ويعتبر فيه الإحصان من غير الإحصان (٧). وروي عن مالك مثله (٨). وقيل الحد فيه التحريق بالنار، وقد حرق أبو بكر رجلا يسمى الفجاءة (٩) حين عمل عمل قوم لوط. وذهب مالك رحمه الله في المشهور عنه إلى أنهما يرجمان أحصنا أو لم يحصنا. والحجة لمالك أنه تعالى عاقبهم بأن أمطر عليهم حجارة من سجيل وهو المراد بقوله في هذه السورة :﴿وأمطرنا عليهم مطرا﴾. إنما كان المطر حجارة ويؤيد هذا قوله في آية أخرى :﴿وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل﴾ [الحجر: ٧٤] فإذا كان الله تعالى عاقبهم بالرجم بالحجارة في ذلك الوقت ولم يكن بد من حد في ذلك كان العقاب الذي عاقب به تعالى في ذلك أولى من إحداث عقاب آخر. ويؤيد هذا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم :" من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فارجموا الفاعل والمفعول (١٠) " فأما إن لاط الرجل بنفسه فأولج في دبره فعندنا أنه لا حد فيه وأنه يعزر. وقيل يقتل كما لو لاط بغيره وهو أحد أقوال الشافعي، وقيل هو كالزاني في الإحصان وغير الإحصان وهو أيضا أحد أقوال الشافعي(١١) والحجة لمالك أن الآية نزلت في قوم يفعلون ببعضهم بعضا فينبغي أن يقتصر بالعقوبة النازلة في ذلك على موضعها ولا يتعدى (١٢) إلى غيرها إلا أن يدل دليل. وأما وطء أدبار الزوجات فقد مر الكلام عليه في سورة البقرة (١٣) وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تحريم إيتاء النساء في أدبارهن بقوله تعالى :﴿إنهم أناس يتطهرون﴾ [الأعراف: ٨٢]. قال (١٤) لأن مأتى الذكر إنما هو موضع واحد فعاب (١٥) قوم لوط لوطا وآله (١٦) بأنهم يتنزهون عن ذلك الموضع. فإن قيل إن التطهر إنما هو واقع على اجتناب المحرم دون الموضع قيل له إنما لم يجر (١٧) للتحريم ذكر وإنما قال يتطهرون فهو إتيان الموضع، فيكون معنى يتطهرون على قول هذا القائل يتطهرون عن (١٨) الأدبار أي يتنزهون وهو قول مجاهد. وقيل معناه يتطهرون عن حالنا وعادتنا أي يتنزهون (١٩)وعلى هذا لا تكون فيه حجة. ١ في (أ)، (ز): "النساء".. ٢ رواه الحسن البصري ونقله ابن عطية في المحرر الوجيز ٧/ ١٠٥.. ٣ في (أ)، (ب)، (ح): "أضل".. ٤ حكاه النقاش وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٧/ ١٠٥.. ٥ "هذا" ساقط في (أ)، (هـ)، (و)، (ز).. ٦ في (هـ): "العمل".. ٧ "من غير الإحصان" ساقط في (أ).. ٨ راجع المنتقى للباجي ٧/ ١٤١.. ٩ الفجاءة: هو إياس بن عبد ياليل السلمي من بني سليم من كبار أهل الردة. أحرقه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بسبب ردته وقيل غير ذلك. راجع تاريخ الطبري ٣/ ٦٣٢.. ١٠ راجع الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٧/ ٢٤٣ – ٢٤٥. والحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي والدارقطني والنسائي.. ١١ من قوله: "وقيل.... إلى: أحد أقوال الشافعي" ساقط في (ب)، (ج)، (ح).. ١٢ في (ج) ولا تتعدى.. ١٣ راجع ذلك في أطروحة محمد الصغير بن يوسف: تحقيق وتقديم أحكام القرآن لابن الفرس. سورتي الفاتحة والبقرة. السفر الثالث ص ٤٧٧ لسنة ١٤٠٠هـ/ ١٩٨٠م.. ١٤ في (هـ): "قالوا".. ١٥ في (هـ): "يعاب".. ١٦ في (هـ): "وأهله".. ١٧ في (أ)، (ب)، (ح): "لم يجز".. ١٨ في (أ)، (ب)، (ح): "على".. ١٩ من قوله: "وهو قول مجاهد.... إلى: أي يتنزهون" ساقط في (ح)..

الأعراف 7:83

قوله تعالى :﴿ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ( ٨٠ )﴾ إلى قوله تعالى :﴿وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين ( ٨٤ )﴾ : الفاحشة هنا إتيان الرجال (١) في أدبارهم ولم يكن هذا قط إلا في قوم لوط. ويدل على ذلك قوله تعالى :﴿ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ وروي أنهم كانوا يأتون بعضهم بعضا. وروي (٢) أنهم كانوا يأتون الغرباء وحكي أن إبليسا كان أصل (٣) عملهم بأن دعاهم إلى نفسه (٤) وهذه الأمة التي يعزى إليها لوط عليه السلام كانت تسمي سدوم. ولا اختلاف بين الأمة في تحريم هذا (٥) الفعل (٦). واختلف في حد من فعله من الفاعل والمفعول به. فقال أبو حنيفة لا حد فيه وإنما فيه التعزير ويستودع السجن حتى يموت. وقال الشافعي حده حد الزاني ويعتبر فيه الإحصان من غير الإحصان (٧). وروي عن مالك مثله (٨). وقيل الحد فيه التحريق بالنار، وقد حرق أبو بكر رجلا يسمى الفجاءة (٩) حين عمل عمل قوم لوط. وذهب مالك رحمه الله في المشهور عنه إلى أنهما يرجمان أحصنا أو لم يحصنا. والحجة لمالك أنه تعالى عاقبهم بأن أمطر عليهم حجارة من سجيل وهو المراد بقوله في هذه السورة :﴿وأمطرنا عليهم مطرا﴾. إنما كان المطر حجارة ويؤيد هذا قوله في آية أخرى :﴿وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل﴾ [الحجر: ٧٤] فإذا كان الله تعالى عاقبهم بالرجم بالحجارة في ذلك الوقت ولم يكن بد من حد في ذلك كان العقاب الذي عاقب به تعالى في ذلك أولى من إحداث عقاب آخر. ويؤيد هذا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم :" من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فارجموا الفاعل والمفعول (١٠) " فأما إن لاط الرجل بنفسه فأولج في دبره فعندنا أنه لا حد فيه وأنه يعزر. وقيل يقتل كما لو لاط بغيره وهو أحد أقوال الشافعي، وقيل هو كالزاني في الإحصان وغير الإحصان وهو أيضا أحد أقوال الشافعي(١١) والحجة لمالك أن الآية نزلت في قوم يفعلون ببعضهم بعضا فينبغي أن يقتصر بالعقوبة النازلة في ذلك على موضعها ولا يتعدى (١٢) إلى غيرها إلا أن يدل دليل. وأما وطء أدبار الزوجات فقد مر الكلام عليه في سورة البقرة (١٣) وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تحريم إيتاء النساء في أدبارهن بقوله تعالى :﴿إنهم أناس يتطهرون﴾ [الأعراف: ٨٢]. قال (١٤) لأن مأتى الذكر إنما هو موضع واحد فعاب (١٥) قوم لوط لوطا وآله (١٦) بأنهم يتنزهون عن ذلك الموضع. فإن قيل إن التطهر إنما هو واقع على اجتناب المحرم دون الموضع قيل له إنما لم يجر (١٧) للتحريم ذكر وإنما قال يتطهرون فهو إتيان الموضع، فيكون معنى يتطهرون على قول هذا القائل يتطهرون عن (١٨) الأدبار أي يتنزهون وهو قول مجاهد. وقيل معناه يتطهرون عن حالنا وعادتنا أي يتنزهون (١٩)وعلى هذا لا تكون فيه حجة. ١ في (أ)، (ز): "النساء".. ٢ رواه الحسن البصري ونقله ابن عطية في المحرر الوجيز ٧/ ١٠٥.. ٣ في (أ)، (ب)، (ح): "أضل".. ٤ حكاه النقاش وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٧/ ١٠٥.. ٥ "هذا" ساقط في (أ)، (هـ)، (و)، (ز).. ٦ في (هـ): "العمل".. ٧ "من غير الإحصان" ساقط في (أ).. ٨ راجع المنتقى للباجي ٧/ ١٤١.. ٩ الفجاءة: هو إياس بن عبد ياليل السلمي من بني سليم من كبار أهل الردة. أحرقه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بسبب ردته وقيل غير ذلك. راجع تاريخ الطبري ٣/ ٦٣٢.. ١٠ راجع الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٧/ ٢٤٣ – ٢٤٥. والحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي والدارقطني والنسائي.. ١١ من قوله: "وقيل.... إلى: أحد أقوال الشافعي" ساقط في (ب)، (ج)، (ح).. ١٢ في (ج) ولا تتعدى.. ١٣ راجع ذلك في أطروحة محمد الصغير بن يوسف: تحقيق وتقديم أحكام القرآن لابن الفرس. سورتي الفاتحة والبقرة. السفر الثالث ص ٤٧٧ لسنة ١٤٠٠هـ/ ١٩٨٠م.. ١٤ في (هـ): "قالوا".. ١٥ في (هـ): "يعاب".. ١٦ في (هـ): "وأهله".. ١٧ في (أ)، (ب)، (ح): "لم يجز".. ١٨ في (أ)، (ب)، (ح): "على".. ١٩ من قوله: "وهو قول مجاهد.... إلى: أي يتنزهون" ساقط في (ح)..

الأعراف 7:84

قوله تعالى :﴿ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ( ٨٠ )﴾ إلى قوله تعالى :﴿وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين ( ٨٤ )﴾ : الفاحشة هنا إتيان الرجال (١) في أدبارهم ولم يكن هذا قط إلا في قوم لوط. ويدل على ذلك قوله تعالى :﴿ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ وروي أنهم كانوا يأتون بعضهم بعضا. وروي (٢) أنهم كانوا يأتون الغرباء وحكي أن إبليسا كان أصل (٣) عملهم بأن دعاهم إلى نفسه (٤) وهذه الأمة التي يعزى إليها لوط عليه السلام كانت تسمي سدوم. ولا اختلاف بين الأمة في تحريم هذا (٥) الفعل (٦). واختلف في حد من فعله من الفاعل والمفعول به. فقال أبو حنيفة لا حد فيه وإنما فيه التعزير ويستودع السجن حتى يموت. وقال الشافعي حده حد الزاني ويعتبر فيه الإحصان من غير الإحصان (٧). وروي عن مالك مثله (٨). وقيل الحد فيه التحريق بالنار، وقد حرق أبو بكر رجلا يسمى الفجاءة (٩) حين عمل عمل قوم لوط. وذهب مالك رحمه الله في المشهور عنه إلى أنهما يرجمان أحصنا أو لم يحصنا. والحجة لمالك أنه تعالى عاقبهم بأن أمطر عليهم حجارة من سجيل وهو المراد بقوله في هذه السورة :﴿وأمطرنا عليهم مطرا﴾. إنما كان المطر حجارة ويؤيد هذا قوله في آية أخرى :﴿وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل﴾ [الحجر: ٧٤] فإذا كان الله تعالى عاقبهم بالرجم بالحجارة في ذلك الوقت ولم يكن بد من حد في ذلك كان العقاب الذي عاقب به تعالى في ذلك أولى من إحداث عقاب آخر. ويؤيد هذا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم :" من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فارجموا الفاعل والمفعول (١٠) " فأما إن لاط الرجل بنفسه فأولج في دبره فعندنا أنه لا حد فيه وأنه يعزر. وقيل يقتل كما لو لاط بغيره وهو أحد أقوال الشافعي، وقيل هو كالزاني في الإحصان وغير الإحصان وهو أيضا أحد أقوال الشافعي(١١) والحجة لمالك أن الآية نزلت في قوم يفعلون ببعضهم بعضا فينبغي أن يقتصر بالعقوبة النازلة في ذلك على موضعها ولا يتعدى (١٢) إلى غيرها إلا أن يدل دليل. وأما وطء أدبار الزوجات فقد مر الكلام عليه في سورة البقرة (١٣) وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تحريم إيتاء النساء في أدبارهن بقوله تعالى :﴿إنهم أناس يتطهرون﴾ [الأعراف: ٨٢]. قال (١٤) لأن مأتى الذكر إنما هو موضع واحد فعاب (١٥) قوم لوط لوطا وآله (١٦) بأنهم يتنزهون عن ذلك الموضع. فإن قيل إن التطهر إنما هو واقع على اجتناب المحرم دون الموضع قيل له إنما لم يجر (١٧) للتحريم ذكر وإنما قال يتطهرون فهو إتيان الموضع، فيكون معنى يتطهرون على قول هذا القائل يتطهرون عن (١٨) الأدبار أي يتنزهون وهو قول مجاهد. وقيل معناه يتطهرون عن حالنا وعادتنا أي يتنزهون (١٩)وعلى هذا لا تكون فيه حجة. ١ في (أ)، (ز): "النساء".. ٢ رواه الحسن البصري ونقله ابن عطية في المحرر الوجيز ٧/ ١٠٥.. ٣ في (أ)، (ب)، (ح): "أضل".. ٤ حكاه النقاش وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٧/ ١٠٥.. ٥ "هذا" ساقط في (أ)، (هـ)، (و)، (ز).. ٦ في (هـ): "العمل".. ٧ "من غير الإحصان" ساقط في (أ).. ٨ راجع المنتقى للباجي ٧/ ١٤١.. ٩ الفجاءة: هو إياس بن عبد ياليل السلمي من بني سليم من كبار أهل الردة. أحرقه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بسبب ردته وقيل غير ذلك. راجع تاريخ الطبري ٣/ ٦٣٢.. ١٠ راجع الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٧/ ٢٤٣ – ٢٤٥. والحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي والدارقطني والنسائي.. ١١ من قوله: "وقيل.... إلى: أحد أقوال الشافعي" ساقط في (ب)، (ج)، (ح).. ١٢ في (ج) ولا تتعدى.. ١٣ راجع ذلك في أطروحة محمد الصغير بن يوسف: تحقيق وتقديم أحكام القرآن لابن الفرس. سورتي الفاتحة والبقرة. السفر الثالث ص ٤٧٧ لسنة ١٤٠٠هـ/ ١٩٨٠م.. ١٤ في (هـ): "قالوا".. ١٥ في (هـ): "يعاب".. ١٦ في (هـ): "وأهله".. ١٧ في (أ)، (ب)، (ح): "لم يجز".. ١٨ في (أ)، (ب)، (ح): "على".. ١٩ من قوله: "وهو قول مجاهد.... إلى: أي يتنزهون" ساقط في (ح)..

الأعراف 7:180

قوله تعالى :﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾ : السبب فيها أن أبا جهل (١) سمع بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ (٢) ويذكر الله تعالى في قراءته ومرة يذكر الرحمان ونحو ذلك فقال : محمد يزعم أن إلهه واحد وهو إنما يعبد آلهة كثيرة. فنزلت هذه الآية (٣) والأسماء هنا بمعنى المسميات بلا خلاف، ووصف تعالى أسماءه بالحسنى ومعناه الحسنة فيحتمل أن يريد بالحسنة ما أطلقه الشرع عليه خاصة، ويحتمل أن يريد ما يحسن أن يسمى به جاء به شرع أو لم يجئ. وبحسب هذا اختلف العلماء فيه. فذهب الجمهور إلى أنه لا يسمى إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجمعت (٤) الأمة عليه. قال الشيخ أبو الحسن الأشعري(٥) : أو على معناه وأما ما لم يكن فيه شيء من ذلك فلا يجوز عند هؤلاء أن يسمى به. وذهب قوم إلى أنه ما لم يستحل أن يكون من أوصافه تعالى ولم يرد به منع في الشريعة فجائز أن يطلق عليه كما يطلق عليه (٦) ما أذن الشرع فيه وهو قول أبي بكر الباقلاني (٧). قال بعضهم والحجة للقول الأول قوله تعالى :﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ فأثبت كون أسماءه (٨) حسنى ولا حسن إلا ما ورد الشرع به. والآية محتملة كما قدمناه فلا وجه ينفي الاحتمال عنها. وبين متأخري الأصوليين الذين لا يطلقون على الله تعالى من الأسماء (٩) إلا ما أطلقه الشرع. واختلفوا في ما ورد من طريق الآحاد من أسماء الله عز وجل عن النبي صلى الله عليه وسلم هل يطلق عليه أم لا. والذي اختاره الحذاق إطلاقه وهو الصحيح، لأنا إذا جعلنا خبر الواحد شرعا يجب قبوله وهو الذي عليه الجمهور فيجوز إطلاقه لأنه مما ورد به الشرع وقد قال تعالى :﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ وهذا من الأسماء الحسنى فيجوز إطلاقه. واختلف في ما جاء في القرآن أيضا من نسبة أفعال إلى الله تعالى مثل قوله تعالى :﴿ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين﴾ [آل عمران: ٥٤] ونحو ذلك هل يجوز أن يشتق منها اسم فاعل لله تعالى أم لا. فذهب الجمهور إلى أنه لا يتعدى ذلك ولا يسمى إلا بما سمى الله تعالى به نفسه وهو لم يسم نفسه بذلك وكذا يقول الباقلاني فيما يستحيل من صفته (١٠) من ذلك أنه لا يجوز أن يطلق عليه لقوله تعالى :﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ وما يستحيل في صفته فليست من الحسنى (١١). وذهب قوم إلى جواز إطلاق ذلك مقيدا بسببه. فيقال الله مستهزئ بالكافرين وماكر بالماكرين. وأما إطلاق ذلك دون تقييد فممنوع باتفاق وكان هؤلاء لما رأوا في (١٢) كلام العرب أن الفعل إذا نسب إلى أحد فاسم الفاعل منه مضمون قياسا مطردا في كلامهم ورأوا (١٣) أن هذا لم ينسبه تعالى إلى نفسه إلا وقد أباح أن يستعمل منه اسم الفاعل في الشيء الذي ذكره. وقوله تعال :﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ ليس يقتضي انحصار أسماء الله تعالى إلى عدد بل إطلاقه كذلك يقتضي أنها غير محصورة. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحد من أحصاها دخل الجنة " (١٤). وفي حديث آخر : " لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر " (١٥). واختلف في هذا الحصر، فذهب قوم إلى أنه لا اسم (١٦) لله تعالى أكثر مما جاء في هذا الحديث إذ لو كان له غيرها لم يكن لتخصيصه هذا العدد فائدة، وحملوا قوله تعالى :﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ أن المراد بها تلك الأسماء وخرجها كلها بعضهم من القرآن ولم يسلم له بعضهم ذلك وذهب آخرون (١٧) إلى أن أسماء الله تعالى لا تنحصر (١٨) في عدد واختلفوا في توجيه(١٩) الحديث. فقال بعضهم معنى الحديث أن الأسماء التي شرع الدعاء بها هي التسعة والتسعون وأما غيرها فلم يشرع بها دعاء، قالوا لأن الحديث مبني على قوله تعالى :﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ وهو قول أبي الحسن الأشعري وجماعة من أهل العلم (٢٠). وقال ابن الطيب (٢١) ليس بالحديث دليل على أن ليس (٢٢) لله تعالى أكثر من تسعة وتسعين اسما على وجه التعظيم لله تعالى (٢٣) لكن ظاهر الحديث يقتضي أن من أحصى تلك التسعة والتسعين اسما على وجه التعظيم لله تعالى دخل الجنة وإن كانت له أسماء أخرى (٢٤) وتكون الآية على هذا القول على عمومها أعني قوله تعالى :﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ وقوله تعالى :﴿فادعوه بها﴾ أمر معناه الإباحة. وقوله :﴿وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾ : اختلف فيه هل هو منسوخ أو محكم. فقال ابن زيد معناه اتركوهم ولا تحاجوهم ولا تعرضوا لهم، فالآية منسوخة بالقتال. وقيل الآية على وجه الوعيد والتهديد كقوله :﴿ذرني ومن خلقت وحيدا ( ١١ )﴾ وقوله تعالى :﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا﴾ [الحجر: ٣] فهي محكمة(٢٥). ١ أبا جهل: هو عمرو بن هشام بن المغيرة. توفي سنة ٢هـ/ ٦٢٤م. انظر أسد الغابة لابن الأثير ١/ ٢٣.. ٢ كلمة "يقرأ" ساقطة في (ب)، (ح).. ٣ ذكره هبة الله بن سلامة في الناسخ والمنسوخ صفحة ٢١٥.. ٤ في (ب)، (د): "اجتمعت".. ٥ أبو الحسن الأشعري: هو علي بن إسماعيل الأشعري كان ينتمي إلى المعتزلة ثم انفصل عنهم وهو رائد الأشعرية. توفي سنة ٣٣٠هـ/ ٩٤٢م. انظر معجم المؤلفين ٧/ ٣٥.. ٦ "كما يطلق عليه" ساقط في (ب)، (د)، (هـ).. ٧ أبو بكر الباقلاني هو القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد المعروف بالباقلاني صاحب إعجاز القرآن. توفي سنة ٤٠٣هـ/ ١٠١٣م. انظر الديباج لابن فرحون ص ٢٦٧.. ٨ في (ح): "الأسماءه".. ٩ "من الأسماء" ساقط في (أ).. ١٠ في (ب)، (ح): "في صفته".. ١١ في (ح): "بالحسنى".. ١٢ "في" ساقط في (أ).. ١٣ في (ز) زيادة: "أيضا".. ١٤ الحديث رواه البخاري عن أبي هريرة. كتاب الدعوات، باب: لله عز وجل مائة اسم غير واحد. ٧/ ١٦٩.. ١٥ الحديث رواه مسلم عن أبي هريرة في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها ٨/ ٦٣.. ١٦ في (ج): "لا أسماء".. ١٧ في (هـ): "بعضهم".. ١٨ "لا تنحصر" ساقطة في (ج)، وفي (و): "لا تحصر".. ١٩ في (ج) : "هذا الحديث".. ٢٠ "وجماعة من أهل العلم" ساقط في (ب).. ٢١ ابن الطيب وهو أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني سبقت ترجمته ص ٥٨.. ٢٢ "ليس" ساقط في (أ)، (ح).. ٢٣ "على وجه التعظيم لله تعالى" ساقط في (أ).. ٢٤ راجع كل ذلك عند ابن عطية في المحرر الوجيز ٧/ ٢١٣، وفي الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٧/ ٢٢٣ و ٣٢٧.. ٢٥ ذكره مكي في الإيضاح ص ٢٥٢..

الأعراف 7:199

قوله تعالى :﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ( ١٩٩ )﴾ : اختلف هل هو منسوخ أو محكم. والذين ذهبوا إلى أنه (١) منسوخ اختلفوا في الناسخ. فقيل هو منسوخ بالزكاة وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أمر أولا قبل نزول الزكاة أن يأخذ ما عفا أي ما أتي به وهو قول ابن عباس والضحاك. قال الضحاك نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن. وقيل هي منسوخة بالأمر (٢) بالقتال والغلظة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة عشر سنين لا يقاتل أحدا ثم أمر بالقتال والغلظة فنسخ العفو وهو قول ابن زيد. والذين ذهبوا إلى أنه محكم اختلفوا في التأويل. فقيل المراد (٣) بالعفو هنا الزكاة المفروضة(٤) وسميت عفوا لأنها قليل من كثير وهو قول مجاهد. وقيل المراد بها شيء من فضل المال عن ظهر غنى يعطى سوى (٥) الزكاة وهو قول القاسم (٦) وسالم (٧). وقيل المراد بها خذ العفو من أخلاق الناس ليس المراد بها المال وهو قول عبد الله (٨) وعروة (٩) ابني الزبير وروي عن ابن الزبير وروي عن مجاهد (١٠). ومن هذا قول حاتم الطائي : خذي العفو مني تستديمي خليقتي؍ ولا تنطقي في صورتي حين أغضب(١١)؍ وقوله تعالى :﴿وأمر بالعرف﴾ المعنى واقض فيه بكل ما عرفته النفوس مما لا يرده الشرع، وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لجبريل : " ما هذا العرف الذي أمر الله تعالى به، فقال : لا أدري حتى أسأل العالم فرجع إلى ربه فسأله ثم جاءه فقال له : يا محمد : أن تعطي من حرمك وتصل من قطعك وتعفو عمن ظلمك " (١٢) وهذه الأشياء التي جاءت في الحديث غايات والمعنى هذه فما دونها من أفعال الخير، فالعرف متردد بين أن يراد به أفعال الخير وبين أن يراد به(١٣) العوائد الجارية بين الناس مما لا يردها الشرع. واللفظ مشترك بينهما (١٤). والقول (١٥)بالعرف الجاري بين الناس في التنازع أصل مختلف فيه. وأصحاب مالك رحمه الله تعالى يحتجون بهذه الآية كثيرا في إثباته فمن ذلك مسألة النقد إذا ادعى الزوج بعد الدخول أنه دفعه وأنكرت الزوجة. فذهب مالك إلى أن القول قول الزوج لأن العرف بذلك كان جاريا بالمدينة. وكذلك حيث ما جرى ذلك العرف. وقال الشافعي وأبو حنيفة لا يراعى العرف في ذلك والقول قولهما. وقالت جماعة كل امرأة دخلت على زوجها فذلك قطع لصداقها إلا أن يكون لها عليه بعد الدخول بينة أو كتاب وإلا فبيمينه (١٦) وورثتهما بمنزلتهما في الاختلاف. واحتج أصحاب مالك على مذهبنا(١٧) بالآية المتقدمة. ومنها مسألة متاع البيت إذا اختلف فيه الزوج والزوجة فإن كان مما يصلح لهما جميعا فعندنا أنه للرجل مع يمينه وقد قيل هو بينهما (١٨) بعد (١٩) أيمانهما وهو قول المغيرة (٢٠) وابن وهب. وروي عن ابن القاسم. وقيل إن كان الرجل حيا فهو له وإن كان ميتا فهو للمرأة وهو قول أبي حنيفة. وقيل هو للمرأة على كل حال وهو قول ابن عبد الحكم (٢١). وقيل تعطى جهاز مثلها (٢٢) ومما بقي فهو للرجل وهو قول أبي يوسف (٢٣). واحتج أصحابنا لقولهم بأنه لما (٢٤) كان لكل واحد منهما يد في الدار نظرنا لمن يشهد له العرف بقوة دعواه فيكون أحق لقوله تعالى :﴿وأمر بالعرف﴾، وقوله في قصة يوسف عليه السلام :﴿إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين ( ٢٦ ) وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين ( ٢٧ )﴾ [يوسف: ٢٦، ٢٧]. وأما ما كان يصلح للرجل خاصة وللمرأة خاصة فعندنا أنه يكون لمن يصلح له، وفي اليمين قولان. وقيل جميع متاع البيت بينهما نصفين وهو قول زفر (٢٥) والشافعي ووقع لابن حبيب في المبسوطة وقيل متاع البيت كله للرجل إلا الدرع والخمار وشبيهه وهو قول ابن أبي ليلى. وقيل ما أغلقت عليه بابها فهو لها إلا الطيلسان والقميص ونحوه وهو قول الحسن. وقيل ثياب الرجل له وثياب المرأة لها وما تناكرا فيه فهو للذي في يده وهو قول حماد (٢٦). وقيل ما سوى ثياب الرجل والمرأة فهو بينهما وهو قول ابن حنبل (٢٧). وقيل جميع متاع البيت للرجل مع يمينه وهو قول المخزومي (٢٨) في المبسوطة. وذكر بعضهم عن الحسن وما جرى عليه أصحابنا في المسألة العرف ويحتجون بالآية. ومنها مسألة الحيازة فعندنا أنه من حاز شيئا عشر سنين فهو له كما جاء في الحديث ولا ينتفع القائم إذا كان حاضرا لتلك الحيازة بإثبات الشيء المحوز له، خلافا للشافعي في قبول بينة المدعى وإبطاله الحيازة. وحجتنا أن كل دعوى يبطلها العرف فهي غير مقبولة بقوله سبحانه :﴿وأمر بالعرف﴾. ومنها مسألة (٢٩) السقف إذا تنازعا فيه صاحب العلو والسفل. فعندنا أنه لصاحب السفل وقال الشافعي هو بينهما. ودليلنا العرف والاحتجاج عليه. ومنها إذا تنازع اثنان في حائط بين دارين. ففي المذهب أنه يحكم به لمن يشهد له العرف مثل أن يكون قد فعل فيه ما يفعل الملاك في أملاكهم من الرباط والمعاقل (٣٠) والقمط ووجوه الآجر واللبن (٣١) وما أشبه ذلك. وقال الشافعي لا يحكم بذلك بل يكون بينهما وقاله أبو ثور (٣٢) وزاد بعد أيمانهما. ودليلنا قوله تعالى :﴿وأمر بالعرف﴾. وقد حكم(٣٣) النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذه المسألة بما ذكرنا أنه مذهبنا. وكذلك إذا كان لأحدهما على الحائط جذوع والآخر لا جذوع له عليه حكم به عندنا لصاحب الجذوع قليلة كانت أو كثيرة. وقال أبو حنيفة إن كانت عدة جذوع حكم له به، فأما الجذع والجذعان فلا يعتبر بهما. وقال الشافعي لا يعتبر بالجذوع. ودليلنا قوله تعالى :﴿وأمر بالعرف﴾ والعرف (٣٤) يقتضي (٣٥) أن الإنسان لا يتصرف إلا في ملكه كما لو بنى. ومن ذلك إذا تنازع رجلان في بيع أو إجارة ونحوهما وادعى أحدهما الصحة (٣٦) وادعى(٣٧) الآخر فسادا وكان الفساد الذي ادعاه عرفا (٣٨) جاريا بين الناس. فالمشهور من القول أن القول قول مدعي الصحة. ومن أصحاب مالك من قال يكون القول قول(٣٩) مدعي (٤٠) عرف (٤١)الفساد وتفسخ المعاملات. ومسائل العرف كثيرة لا تحصى كمسألة الاختلاف في النقد في البيوع ونحوها وإنما نأتي من المسائل بطرف ليستدل به على ما بقي. - قوله تعالى :﴿وأعرض عن الجاهلين﴾ : اختلف فيه فقيل هو محكم ومن ذلك حديث الحر بن قيس (٤٢) حين أدخل عمه عيينة بن حصن (٤٣) على (٤٤) عمر فجهل عليه فاحتج بالآية الحر على عمر فوقف عندها. وبدليل قوله تعالى :﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ﴾ [ الأعراف : ٢٠٠، فصلت : ٣٦ ] أي في احتمالك وصبرك فاستعذ بالله. وقيل هو منسوخ، قال ابن زيد : قوله تعالى :﴿خذ العفو﴾ إلى قوله :﴿الجاهلين﴾ إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك مداراة لكفار قريش ثم نسخ ذلك بآية القتال (٤٥). ١ في (ب)، (ح): "أنهم".. ٢ "بالأمر" ساقطة في (أ)، (ز).. ٣ كلمة "المراد" ساقطة في (أ)، (ز).. ٤ كلمة "المفروضة" ساقطة في (ج)، (هـ)، (د).. ٥ كلمة "سوى" ساقطة في (د)، (هـ).. ٦ القاسم: هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق. روى عن أبيه وعمته عائشة وغيرهما. كان ثقة فقيها. اختلف في تاريخ وفاته. راجع تهذيب التهذيب لابن حجر ٨/ ٣٣٥.. ٧ سالم: وهو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي أبو عمر، ويقال أبو عبد الله المدني، الفقيه، تابعي، ثقة. توفي سنة ١٠٦هـ/ ٧٢٩م.. ٨ عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد المكي. أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق هاجرت به حملا فولدته بعد الهجرة بعشرين يوما وهو أول مولود ولد بالمدينة بعد الهجرة. توفي سنة ٧٣هـ/ ٧٠٠م. انظر الإصابة ٦/ ٨٢.. ٩ عروة بن الزبير بن العوام الأسدي المدني أحد فقهاء المدينة السبع وأحد علماء التابعين. اختلف في وفاته بين سنة ٩١هـ إلى ١٠١هـ/ ٧٢٥م. انظر طبقات الفقهاء للشيرازي ص٥٨.. ١٠ راجع ذلك في الإيضاح صفحة ٢٥٢، ٢٥٣.. ١١ البيت من البحر الطويل.. ١٢ والحديث ذكر في المحرر الوجيز ٧/ ٢٣٣ وقد أخرجه ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الشعبي.. ١٣ "أفعال الخير وبين أن يراد به" ساقط في (ب)، (ح)، (هـ).. ١٤ في (أ)، (د)، (ز): "فيهما".. ١٥ "والقول" ساقط في (أ)، (ز).. ١٦ في (ج): "فيمينه".. ١٧ في (أ)، (هـ)، (ز): "مذهبهم". وفي (د)، (و): "مذهبهما".. ١٨ في (هـ): "هو لهما".. ١٩ في (أ): "مع".. ٢٠ المغيرة: هو المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش المخزومي. فقيه أهل المدينة بعد مالك بن أنس. عرض عليه الرشيد القضاء بها فامتنع. توفي سنة ١٨٦هـ/ ٧٩٨م راجع الانتقاء لابن عبد البر ص ٥٣.. ٢١ ابن عبد الحكم: هو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم. سمع من أصحاب مالك له تصانيف منها أحكام القرآن. توفي سنة ٢٦٨هـ/ ٨٨٢م. انظر طبقات المفسرين للداودي ٢/ ١٧٨.. ٢٢ في (ح): "مثلا".. ٢٣ أبي يوسف: هو يعقوب بن إبراهيم، الإمام المجتهد صاحب أبي حنيفة وقاضي القضاة. توفي سنة ١٨٢هـ/ ٧٩٦م. انظر طبقات الفقهاء للشيرازي ص ١٣٤.. ٢٤ في (ج): "لو".. ٢٥ زفر: ابن الهذيل بن قيس العنبري، أحد الفقهاء والعباد من أصحاب أبي حنيفة الذي قال فيه هو أقيس أصحابي. توفي سنة ١٥٨هـ/ ٧٧٥م. انظر الأعلام ٣/ ٧٨.. ٢٦ حماد: هو أبو إسماعيل حماد بن أبي سليمان الكوفي الفقيه شيخ أبي حنيفة وأفقه أصحاب إبراهيم أخرج له البخاري ومسلم. توفي سنة ١١٩هـ/ وقيل سنة ١٢٠هـ/ ٧٣٥م. انظر طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٨٣.. ٢٧ ابن حنبل: هو أحمد بن حنبل الشيباني المروزي إمام المحدثين وهو أحد الأئمة الأربعة وإليه ينسب المذهب الحنبلي. توفي سنة ٢٤١هـ/ ٨٥٧م. انظر وفيات الأعيان ١/ ٦٣.. ٢٨ المخزومي: هو أبو هاشم المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي. مات بعد مالك بسبع سنين وهو من فقهاء المالكية. توفي سنة ١٨٦هـ/ ٧٩٨م. راجع الانتقاء لابن عبد البر ص ٥٣.. ٢٩ كلمة "مسألة" ساقطة في (ح)، (و).. ٣٠ في (و)، (د): "المعاقد".. ٣١ كلمة "واللبن" ساقطة في (ب)، (د)، (هـ).. ٣٢ أبو ثور: هو إبراهيم بن خالد الكلبي المشهور بأبي ثور، الفقيه المجتهد صاحب الشافعي. توفي سنة ٢٤٠هـ وقيل سنة ٢٤٦هـ/ ٨٦٠م. انظر وفيات الأعيان ١/ ٢٦.. ٣٣ في (ح): "حكى".. ٣٤ كلمة "والعرف" ساقطة في (و).. ٣٥ كلمة "يقتضي" ساقطة في (ب)، (ج)، (ح)، (د).. ٣٦ في (ج): "صحة".. ٣٧ كلمة "وادعى" ساقطة في (أ)، (د)، (هـ)، (ز).. ٣٨ كلمة "عرفا" ساقطة في (أ).. ٣٩ كلمة "قول" ساقطة في (أ)، (ز).. ٤٠ في (أ)، (ز): "المدعي".. ٤١ كلمة "عرف" ساقطة في (ز).. ٤٢ الحر بن قيس الفزاري، ابن أخ عيينة بن حصن. يقال له صحبة. انظر المشتبه في الرجال للذهبي ١/ ١٥٤.. ٤٣ عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري أسلم قيل الفتح وهو من المؤلفة قلوبهم. شهد حنين والطائف. انظر الإصابة ٧/ ١٩٥.. ٤٤ "على" ساقط في (أ)، (ب)، (ح).. ٤٥ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٧/ ٢٣٣..

الأعراف 7:204

قوله تعالى :﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ( ٢٠٤ ) واذكر ربك في نفسك﴾ إلى قوله تعالى :﴿ولا تكن من الغافلين﴾ : اختلف في سبب نزول هذه الآية. فقيل إنها نزلت بسبب فتى من الأنصار كان يقرأ في الصلاة والنبي عليه الصلاة والسلام يقرأ فأمروا بترك القراءة معه في الصلاة. وقيل إنها نزلت في الخطبة فأمروا بالإنصات لها(١) ويضعف هذا القول لأن (٢) الآية مكية والخطبة لم تكن إلا بالمدينة. وبمثل هذا الوجه أيضا يضعف القول الأول. وقيل إنها نزلت من أجل أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يتكلمون في المكتوبة بحوائجهم (٣) ويضجون (٤) عند آية الرحمة والعذاب ويجيب أحدهم إذا سئل ونحو هذا. فنزلت الآية أمرا بالاستماع والإنصات في الصلاة. وقيل (٥) كان أناس (٦) يكثرون اللغط والشغب (٧) عند قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمنعون غيرهم من سماعها تعنيتا وعنادا على ما حكى الله تعالى عن (٨) الكفار :﴿وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون﴾ [فصلت: ٢٦]. فأمر الله تعالى المسلمين بأن يكونوا عند نزول الوحي بخلاف هذه الحالة وأن يستمعوا(٩) ومدح الله تعالى الجن على ذلك فقال :﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا﴾ الآية [الأحقاف: ٢٩]. وهذه الآية وإن كانت وردت على سبب مخصوص ففيها نظر هل (١٠) يقتصر (١١) على سببها أو يحمل (١٢) على كل ما يقتضيه لفظها إلا ما دل دليل على تخصيصه. وإلى تعميمها ذهب كثير من العلماء فاحتجوا بها في مسائل متفرقة منها ترك الكلام في الصلاة (١٣) وقد استدل بها بعضهم على وجوبه، وقد تقدم الخلاف فيه هل هو فرض أم سنة عند قوله تعالى :﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] وبينا المذاهب فيه فلا معنى لإعادة (١٤) الكلام عليه (١٥) وقد اختلف في القراءة هل هي واجبة في الصلاة أم لا. فذهب قوم إلى أن القراءة ليست بواجبة منهم ربيعة والحسن وعبد العزيز بن أبي سلمة (١٦) واحتجوا بما روي عن علي بن أبي طالب من أنه لا إعادة على من ترك القراءة في الصلاة إذا كان الركوع والسجود حسنا. وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه من أنه صلى بالناس المغرب فلم يقرأ فيها فلما انصرف قيل له : ما قرأت. قال : وكيف (١٧) الركوع والسجود ؟ قالوا : حسن. قال : فلا إذا. وقد أنكر مالك رضي الله عنه ذلك عن عمر (١٨). وروي أنه أعاد. وذهب الجمهور إلى أن القراءة في الصلاة واجبة واحتجوا بقوله تعالى :﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ قالوا (١٩) لأن معناه في الصلاة. وأما الإنصات في الخطبة فاختلف فيه. فعندنا أنه واجب وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أنه ليس بواجب. وذكر ابن المنذر(٢٠) عن جماعة من التابعين أنهم كانوا يتكلمون والإمام يخطب. وذهب الطبري إلى أنه واجب إلا في خطبة العيدين. واحتج من ذهب إلى القول الأول بقوله تعال :﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾، وبما جاء من أنها نزلت في الخطبة. وعلى هذا تأول الآية سعيد بن جبير فقال فيها : الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجعة وفيما (٢١) يجهر به الإمام في الصلاة (٢٢). ومما(٢٣) يعضد هذا التأويل في الآية قوله عليه الصلاة والسلام : " إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت " (٢٤). وأما القراءة مع الإمام في الصلاة فاختلف فيها على أقوال : فذهب قوم إلى أنه لا يقرأ المأموم جملة أسر الإمام أو جهر وأنه يعصي بالقراءة وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال : من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة (٢٥) وعن زيد بن ثابت (٢٦) أنه قال من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له وهو قول أبي حنيفة في ترك القراءة (٢٧). وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أنه تلزمه القراءة أسر الإمام أو جهر فيقرأ معه في الإسرار بأم القرآن والسورة (٢٨)، وفي الجهر (٢٩) بأم القرآن خاصة لقوله عليه الصلاة والسلام : " لا صلاة لمن لم يقرأ فاتحة الكتاب " (٣٠). وذهب مالك ومن تابعه إلى أنه لا يقرأ مع الإمام في الجهر بوجه. قال بعضهم ولو قرأ ما أثمناه. ويقرأ في السر على جهة (٣١) الاستحباب. وروي عن الشافعي مثله. وعند ابن وهب وأصبغ (٣٢) أن القراءة معه في السر غير مستحبة وهو قول ثالث(٣٣) للشافعي. وقيل إن المأموم يقرأ بفاتحة الكتاب (٣٤) خاصة أسر الإمام أو جهر وقيل يقرأ معه في الجهر والسر إلا أنه لا يجهر مثله (٣٥) بالقراءة. وقد (٣٦) ذهب بعضهم إلى أن المأموم يتحرى وقت سكوت الإمام فيقرأ. وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سكتتان (٣٧) في صلاته : سكتة بعد التكبير وسكتة بعد قراءة الفاتحة، وهذا قول بعض (٣٨) من يذهب إلى الجمع بين الآية والحديث والذي يحتج به من يرى سقوط فرض القراءة على المأموم وهو مذهبنا ومذهب أبي حنيفة هذه الآية :﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ قالوا(٣٩) فوجب الاستماع والإنصات إلا ما استثني من ذلك. وقد نصر بعض أهل العلم الحجة بظاهر هذه الآية واعتقد بعضهم أنها نص في الفرض قالوا ولا سبيل إلى ترك النص بأخبار الآحاد الدالة على القراءة. وضعف ذلك بعضهم ولم ير للآية تعلقا بشيء من ذلك وحملها على الإنصات والاستماع لما نزل من الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم حسب القول الذي قدمناه في ذلك ورأوا (٤٠) أن المأموم يقرأ إلا أنه يندب له (٤١) أن(٤٢) لا يجهر بالقراءة خلف الإمام إذا جهر حتى لا يشغل عليه القراءة. والذين رأوا الآية حجة عارضوا بينها وبين قوله عليه الصلاة والسلام : " لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب " وبغير ذلك من الأحاديث الواردة من قراءة المأموم. وبحسب ذلك اضطربت أقوالهم إلا أنه يعترض على من يقول لا يقرأ المأموم في صلاة السر بأن (٤٣) المأموم إذا لم يسمع ما يقرأه الإمام لأجل إسراره فمن أين يلزمه الاستماع والإنصات وإنما يجب الامتناع إذا وجب الاستماع. وقد أجاب عن ذلك بعضهم أن قال : الأصل في القراءة في الصلاة الجهر ليتدبر المستمع في آيات القرآن ويتعظ بها. وإنما السر (٤٤) لعارض وهو أن المنافقين كانوا يلغطون في قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكثرون القول ليلبسوا (٤٥) عليه وعلى من خلفه. وقد أخبر (٤٦) الله تعالى بذلك حيث قال :﴿وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون﴾ [فصلت: ٢٦]. وإن كان الأصل في (٤٧) الجهر للتدبر (٤٨) والاتعاظ فلا بعد في زوال العلة وبقاء الحكم. وهذا الجواب ليس بشيء فإنه لو كان كذلك لما أسر في بعض الصلوات وجهر في بعضها (٤٩) فإن قيل كان الكفار ينتشرون في صلاة (٥٠) النهار فلذلك أسر فيها، قيل يبطل هذا بصلاة الجمعة وصلاة العيدين. ثم إن صلاة الليل منها ما يسر فيها على ما لا خفاء فيه (٥١)، فبان بهذا أن الجهر والإسرار سنة لا للعلة التي ذكروها وقد قال قوم (٥٢) إن معنى الإنصات المأمور به في الآية أن لا يجهر بالقراءة منازعا الإمام وإذا أخفى ذلك لم يخرج عن الإنصات. وقيل بل المراد به السكوت حتى لا يقرأ البتة إلا عند فراغ الإمام (٥٣). – قوله تعالى :﴿فاستمعوا له وأنصتوا﴾ : محمل هذه الآية (٥٤) عند الأكثر على ظاهر اللفظ ولذلك يحتج به العلماء في المسائل المتقدمة ونحوها. وقال الزجاج : يجوز أن يكون فاستمعوا وأنصتوا بمعنى اعملوا بما فيه ولا تجاوزوه (٥٥). وإذا كان على ما قاله الزجاج فلا حجة فيه لشيء من المسائل المتقدمة والأظهر حمل اللفظ على حقيقته (٥٦). ١ راجع أسباب النزول للواحدي ص ١٧٢.. ٢ في (أ)، (هـ)، (ز): "بأن".. ٣ كلمة "بحوائجهم" ساقطة في (أ).. ٤ في (ب): "يضحكون" وفي (د): "يضحون".. ٥ "قيل" ساقطة في (ب)، (هـ).. ٦ في (أ)، (ب)، (ج)، (ح): "ناس".. ٧ في (هـ)، (و): "والتشغب".. ٨ في (ب)، (ح): "على".. ٩ ذكره نحوه الطبري في جامع البيان: ٩/١١٠، ١١١، وابن عطية في المحرر الوجيز ٧/ ٢٣٨، والجصاص في أحكام القرآن ٤/٢١٥ – ٢٢٢، وابن العربي في أحكام القرآن ٢/٨١٥ – ٨١٧.. ١٠ "هل" ساقط في (أ).. ١١ في (ج): "تقصر".. ١٢ في (أ): "أن تحمل" وفي (ح): "أو يعمل" وفي (و): "أو يحتمل".. ١٣ في (أ)، (ز): "منها الكلام في ترك الصلاة".. ١٤ في (أ)، (ز): "لإعادته".. ١٥ راجع أطروحة ابن يوسف ٣/ ٥٨٢ – ٥٨٨.. ١٦ عبد العزيز بن أبي سلمة: هو عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون فقيه وعالم. توفي سنة ١٦٤هـ/ ٧٨١م. انظر تذكرة الحفاظ للذهبي ١/٢٢٢، وطبقات الفقهاء للشيرازي ص ٦٧.. ١٧ في (أ)، (ز): "فكيف".. ١٨ راجع المدونة ١/٦٥.. ١٩ في (أ)، (ب)، (ج): "قال".. ٢٠ كلمة "المنذر" ساقطة في (أ)، (ب) والصواب ما أثبتناه. وابن المنذر هو محمد ابن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، أبو بكر، شيخ الحرم وصاحب المصنفات العديدة منها: الإشراف في معرفة الخلاف، المبسوط، الإجماع..... مات بمكة سنة ٣١٨هـ/ ٩٧٤م. انظر طبقات المفسرين للداودي ٢/٥٥.. ٢١ في (أ): "وفيها".. ٢٢ راجع جامع البيان ٩١٢ وكذلك المحرر الوجيز ٧/٢٣٩.. ٢٣ في (أ) : "وما يعضد".. ٢٤ رواه مسلم عن أبي هريرة. كتاب الجمعة، باب: الإنصات يوم الجمعة في الخطبة ١/٥٨٣.. ٢٥ من قوله: "وروي عن علي.... إلى: أخطأ الفطرة" ساقط في (ح) والحديث ذكره الجصاص في أحكام القرآن باب: القراءة خلف الإمام ٤/٢١٩.. ٢٦ زيد بن ثابت الأنصاري. كاتب الوحي وجامع القرآن وأحد الصحابة الراسخين في العلم. توفي سنة ٤٥هـ/ ٦٦٧م. انظر طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٤٦.. ٢٧ في (ح): "في ترك الصلاة".. ٢٨ في غير (أ)، (ز): "وسورة".. ٢٩ في (أ)، (ز): "وبالجهر".. ٣٠ رواه أحمد عن أبي هريرة ٢/٢٤١.. ٣١ كلمة "جهة" ساقطة في (أ)، (ز).. ٣٢ أصبغ: هو أبو عبد الله أصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع له كتاب الأول، وغريب الموطأ. توفي سنة ٢٢٥هـ/ ٨٤٠م. انظر الديباج ص ٩٧، ووفيات الأعيان ١/٢٤٠.. ٣٣ في (ح): "ثابت".. ٣٤ كلمة "الكتاب" ساقطة في (ج)، (ح)، (د)، (و).. ٣٥ كلمة "مثله" ساقطة في (أ)، (ج)، (ح). وفي (هـ): "لا يجهر معه في القراءة".. ٣٦ "قد" ساقط في (أ).. ٣٧ في (أ)، (ز): "سكتات".. ٣٨ كلمة "بعض" ساقطة في (ج).. ٣٩ في (ب)، (ج)، (ح)، (د): "قال".. ٤٠ في (أ)، (ب)، (ح): "وروي".. ٤١ "له" ساقط في (أ)، (ب)،(د)، (ح).. ٤٢ في (أ)، (ب)، (ح)، (ز): "إلى".. ٤٣ في غير (ج)، (هـ): "فإن".. ٤٤ في غير (ج)، (هـ): "وإنما أسر".. ٤٥ في (ج): "ليلبسون".. ٤٦ في (أ): "أوحى".. ٤٧ "في" ساقطة في (ز).. ٤٨ في (ج): "التدبر".. ٤٩ من قوله: "فإنه... إلى: بعضها" ساقط في (أ)، (ب)، (ح).. ٥٠ في (ج): "في قراءة".. ٥١ في (ز): "به".. ٥٢ في (أ)، (ز): "وقد قيل".. ٥٣ راجع كل ذلك مفصلا في أحكام القرآن للجصاص باب: القراءة خلف الإمام ٤/٢١٥ – ٢٢٢.. ٥٤ في (أ)، (ز): "محمول في هذه الآية".. ٥٥ راجع ذلك في المحرر الوجيز ٧/٢٣٩.. ٥٦ "والأظهر حمل اللفظ على حقيقته" ساقط في (أ)، (ز)..

الأعراف 7:205

قوله تعالى :﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول﴾ : وقد تقدم الكلام على نحوه في هذه السورة وذكرنا الاختلاف في الذكر هل يكون دون حركة اللسان أم لا. ويدل على أنه لا يراع إلا بحركة اللسان قوله تعالى في هذه الآية :﴿ودون الجهر من القول﴾. وقوله :﴿بالغدو والآصال﴾ : اختلف فيه. فقيل معناه : دأبا في كل يوم وفي أطراف النهار وقيل هذه الآية كانت (١) في صلاة المسلمين قبل فرض الصلوات الخمس. وقيل بالغدو : صلاة الصبح، والآصال صلاة العصر (٢). ١ "كانت " ساقطة في (ب)، (د)، (هـ).. ٢ راجع المحرر الوجيز ٧/٢٤٠..

الأنفال 8:1

قوله تعالى :﴿يسألونك عن الأنفال﴾ : اختلف في السؤال عما هو، فقيل عن حكم الأنفال، وقيل إنما سألوه الأنفال نفسها أن يعطيهم إياها واحتجوا بما قرأه جماعة من الصحابة والتابعين (١) ﴿يسألونك عن الأنفال﴾. وقالوا : " عن " في القراءة المشهورة بمعنى " من ". واختلفوا أيضا في المراد بالأنفال فقيل الغنائم مجملة وهو قول ابن عباس (٢) وغيره وذلك أن سبب الآية ما جرى يوم بدر من اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أنهم افترقوا ثلاث فرق. ففرقة أقامت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش الذي صنع له وحمته وآنسته(٣). وفرقة أحاطت بعسكر العدو وأسلابهم لما انكشفوا. وفرقة اتبعت العدو فقتلت وأسرت. فلما اجتمع الناس رأت كل فرقة أنها أولى (٤) بالمغنم وساءت أخلاقهم في ذلك فنزلت الآية بأن الغنائم لله ولرسوله فكفوا فقسموها (٥) حينئذ بالسواء. وذكر ابن عباس أيضا في سبب الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد قال (٦) قبل ذلك : " من قتل قتيلا أو أسر أسيرا فله كذا " فسارع الشباب وبقي الشيوخ عند الرايات، فلما انجلت الحرب جاء الشباب يطلبون ما جعل لهم و نازعهم الشيوخ فنزلت الآية (٧). ويحتمل عندي على هذا القول إما (٨) أن تكون الأنفال الغنائم جملة أو ما ينفله الإمام منها خاصة. ولكن المفسرين ساقوه على أن المراد بالأنفال الغنائم (٩). وقيل الأنفال في الآية ما يعطيه الإمام لمن رآه من سيف أو فرس أو نحوه، ويروى هذا القول عن ابن عباس أيضا. ويروى عن عبادة بن الصامت (١٠) أن النبي صلى الله عليه وسلم نفل أقواما يوم بدر ولم ينفل آخرين فاختلفوا بعد انقضاء الحرب، فنزلت الآية. وقال ابن وهب نزلت في رجلين أصابا سيفا فاختصما فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهما : " هو لي وليس لكما ". ويحتمل على هذين السببين أن تكون الأنفال في الآية ما ينفله الإمام أو جملة الغنائم. وقيل الأنفال ما يجيء به السرايا خاصة. وقيل الأنفال في الآية الخمس. قال مهاجرون (١١) لن (١٢) يخرج منا هذا الخمس فقال الله تعالى هو :﴿لله وللرسول﴾. وقيل الأنفال في الآية ما شرد (١٣) من أموال المشركين إلى المسلمين كالفرس العابر والعبد الابن ونحو ذلك (١٤) هو للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع ما شاء وكذلك الإمام يصنع به ما شاء (١٥) وروي عن ابن عباس أيضا. وقيل الأنفال في الآية ما أصيب من أموال المشركين بعد قسمة الغنيمة هو لله ولرسوله وروي هذا عن ابن عباس أيضا. وقيل الأنفال الأسارى (١٦). والذين ذهبوا إلى أن الأنفال الغنائم اختلفوا في الآية (١٧) هل هي (١٨) منسوخة أو محكمة. فذهب قوم إلى أنها منسوخة وأن الغنائم إنما كانت للرسول خاصة فعلى هذا فقوله تعالى :﴿لله﴾ إنما جاء على جهة استفتاح الكلام. واللام في قوله :﴿للرسول﴾ يحتمل أن تكون (١٩) ملكا له يصنع فيها ما يشاء ويحتمل أن لا يكون لام الملك وإنما (٢٠) يريد أنه متوليها حتى يضعها حيث يشاء. قال بعضهم وأراد الله تعالى بجعله ذلك إليه (٢١) صلى الله عليه وسلم ثم نسخ بقوله :﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ الآية [الأنفال: ٤١] وهو قول ابن عباس وغيره (٢٢). وذهب قوم إلى أنها محكمة وإنما أخبر الله تعالى أن الغنائم لله من حيث هي رزقه وملكه، وللرسول من حيث هو المبين حكم الله فيها. ولا شك في أن جميع الأشياء لله وللرسول. ونزل حكم القسمة خلاف (٢٣) ذلك فلا نسخ في الآية (٢٤) والنفل في لسان العرب هو الزيادة على الواجب كذا قال بعضهم (٢٥). وقيل النفل العطية ومنه قول الشاعر : إن تقوى ربنا خير نفل(٢٦)........................ والأظهر من الأنفال على هذا أنها ما يعطي الإمام للرجل من الغنيمة تحريضا له على الجهاد أو جزاء على فعل فعله ويحتمل أن تسمى الغنيمة أيضا نفلا لأن الغنائم لم تكن مباحة من قبل فكانت كأنها عطية زائدة من الله تعالى. وقد روى أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لم تحل الغنيمة لقوم سود الرؤوس من قبلكم كانت تنزل نار من السماء فتأكلها فلما كان يوم بدر أسرع الناس في الغنائم فأنزل الله تعالى :﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ( ٦٨ ) فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا﴾ " (٢٧). وقد اختلف هل للإمام أن ينفل شيئا من الغنيمة لمن رآه أهلا لذلك أم لا. فقالت فرقة لا نفل بعد النبي وكأنهم يرون قوله تعالى :﴿قل الأنفال لله والرسول﴾ على القول بأن الأنفال ما ينفله الإمام على ظاهره أي إنما ذلك لله وللرسول خاصة ليس لغيرهما. والجمهور على أن النفل باق إلى يوم القيامة وأن الأئمة كالرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك وأن الله تعالى لم يرد قصرها على ذلك التأويل على الرسول خاصة (٢٨) بل ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم (٢٩) ولكل إمام. ثم اختلفوا، فقيل لا ينفل إلا من الخمس لأنه هو المصروف إلى اجتهاد الإمام والأربعة الأخماس إنما هي للغانمين وهو مذهب مالك. وقيل إنه(٣٠) لا ينفل إلا بعد الخمس من الأربعة الأخماس لأن الله تعالى قد صرف (٣١) الخمس إلى المذكورين في الآية بعد فلا يخرج عنهم منه شيء وهو قول الأوزاعي وغيره. وقيل ينفل من جملة الغنيمة قبل الخمس وهو قول الشافعي وابن حنبل. وقيل ينفل الإمام متى شاء قبل الخمس أو بعده وهو قول النخعي. ومن حجة هذين القولين قوله تعالى :﴿قل الأنفال لله والرسول﴾ ولم يخصص قبل خمس أو بعد خمس (٣٢). وقيل (٣٣) لا ينفل الإمام إلا من خمس الخمس وهو قول ضعيف. واختلفوا هل يكون النفل قبل الغنيمة فكرهه مالك رحمه الله تعالى، وقالت فرقة إنما ينفل الإمام قبل الغنيمة وأما إذا جمعت (٣٤) الغنائم فلا نفل. وتصوير النفل قبل الغنيمة أن يقول الإمام من فعل كذا فله كذا، ومن قتل قتيلا فله سلبه، ويقول لسرية إن وصلتم إلى موضع كذا فلكم كذا ومن حجة من لم يكره (٣٥) ذلك عموم قوله تعالى :﴿قل الأنفال لله والرسول﴾ على (٣٦) التأويل الذي ذكرناه. وحجة مالك أنه لا يسمى أنفالا إلا ما قد تعين ونفل. وإذا لم يتعين بعد فليس بنفل مع المخافة (٣٧) على فساد النيات وقد قال تعالى :﴿تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾ [الأنفال: ٦٧] وقال تعالى :﴿منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾ [آل عمران: ١٥٢] واختلفوا في الذي ينفله الإمام ذهبا أو فضة أو لؤلؤا ونحو ذلك (٣٨). ١ وهم: سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وعلي بن الحسين وأبو جعفر محمد بن علي وزيد بن علي وجعفر بن محمد وطلحة بن مصرف وعكرمة والضحاك وعطاء. راجع المحرر الوجيز ٨/٤.. ٢ راجع تنوير المقباس صفحة ١٤٥.. ٣ في (أ)، (ب)، (ح): "واتسته".. ٤ في (أ)، (ز): "أحق".. ٥ في (أ)، (ج)، (ح)، (و)، (ز): "فقسمها".. ٦ "قال" ساقطة في (أ)، (ح).. ٧ راجع أسباب النزول للواحدي، ص ١٧٢.. ٨ "أما" ساقط في (ب)، (ج)، (هـ)، (و).. ٩ من قوله: "جملة.... إلى: الغنائم" ساقط في (ب)، (د)، (هـ). وقد جاء في تنوير المقباس أن الأنفال: غنائم يوم بدر. راجع تنوير المقباس ص ١٤٥.. ١٠ عبادة بن الصامت: هو أبو الوليد عبادة بن الصامت الأنصاري الخزرجي المدني أحد النقباء ليلة العقبة وأحد من جمع القرآن في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم. توفي سنة ٣٤هـ/ ٦٥٤م. انظر طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٥٢.. ١١ في (و): "المتأخرون".. ١٢ في (ب)، (ج): "لمن".. ١٣ في غير (ح): "ما شذ".. ١٤ "ونحو ذلك" ساقط في (ح).. ١٥ "كذلك الإمام يصنع به ما شاء" ساقط في (أ)، (ز).. ١٦ راجع كل ذلك في جامع البيان ٩/ ١١٤ – ١١٨ وفي المحرر الوجيز ٨/ ٤، ٥.. ١٧ "في الآية" ساقط في (أ)، (ز).. ١٨ "هي" ساقطة في (أ).. ١٩ في (ب)، (هـ): "أن يريد".. ٢٠ من قوله: "ملكا له... إلى: وإنما" ساقط في (أ)، (د)، (ز).. ٢١ "إليه" ساقط في (ب)، (د)، (هـ).. ٢٢ حكاه ابن عطية ونسبه إلى عكرمة ومجاهد. راجع المحرر الوجيز ٨/٦.. ٢٣ في (ج)، (د)، (هـ)، (ز): "خلال".. ٢٤ نسبه ابن عطية إلى ابن زيد. راجع المحرر الوجيز ٨/٦.. ٢٥ قاله ابن عطية. راجع: م. س: ٨/٤.. ٢٦ والبيت كاملا: إن تقوى الله خير نفل وبإذن الله ريثي والعجل وقد نسبه ابن عطية إلى الشاعر لبيد. راجع: م. س: ٨/٤.. ٢٧ الحديث ذكره الكيا الهراسي عن أبي صالح عن أبي هريرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم. راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٣/١٥٥، ١٥٦.. ٢٨ من قوله: "ليس لغيرهما... إلى: خاصة" ساقط في (و).. ٢٩ في غير (ج): "لله تعالى".. ٣٠ "إنه" ساقط في (ج).. ٣١ في (ب)، (د): "ضرب".. ٣٢ في (أ)، (هـ): "ولا بعد خمس".. ٣٣ نسبه ابن عطية إلى ابن المسيب. راجع المحرر الوجيز ٨/٨. وكذلك مكي بن أبي طالب وقال: وهو قول الشافعي. راجع الإيضاح ص ٢٥٥.. ٣٤ في (أ): "إذا اجتمعت".. ٣٥ في (أ)، (ز): "من لم ير".. ٣٦ في (أ) زيادة: "هذا".. ٣٧ في (ب): "مخالفة" وفي (هـ): "المخالفة" وفي (ز): "مخافة".. ٣٨ راجع كل ذلك في المحرر الوجيز ٨/٨، ٩..

الأنفال 8:15

قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا﴾ الآية إلى قوله تعالى :﴿وبئس المصير﴾ : هذه الآية تقتضي ألا يفر المسلمون من الكفار قل عددهم أو كثر دون مراعاة ضعف. وأن الفرار محظور لأنه تعالى قد نهى عنه ثم توعد عليه ولا معنى للمحظور إلا ذلك. ثم إن الله تعالى أراد أن (١) يخفف عن عباده فحد (٢) في قدر العدد الذي لا يجوز لهم الفرار منه حدا. فقال تعالى :﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا﴾ [الأنفال: ٦٥] فجعل لهم أن لا يفروا من عشرة أمثالهم. واختلف العلماء في هذا هل هو نسخ أو تخصيص عموم. فقيل هو منسوخ وقد كان أولا واجبا أن لا يفر أحد عن العدو ثم نسخ بهذا (٣). وقال قوم لم يكن قط واجبا أن يثبت المسلمون لأكثر من عشرة أمثالهم وإنما خرجت الآية مخرج العموم فخصصت بهذه الآية ثم خفف الله تعالى تخفيفا آخر فقال :﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله﴾ [الأنفال: ٦٦]. واختلف أيضا في هذا هل هو نسخ أم لا. فقال ابن عباس هو نسخ. وروي عنه أيضا أنه قال : فرض على المسلمين أن يقاتل الرجل منهم (٤) العشرة من المشركين فشق ذلك عليهم فأنزل الله تعالى التخفيف. قال بعضهم فهو تخفيف على هذا لا نسخ، ونظير هذا إفطار الصائم في السفر (٥) وإذا قلنا إنه نسخ فوجهه أنه تعالى قد حرم بقوله :﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ الآية الفرار من العشرة أضعاف ثم قال تعالى :﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ فأحل الفرار من ذلك القدر. هذا وإن لم تعطه الآية بنصها فإن مقتضاها يعطي ذلك ومقتضى هذه الآية الثانية أنه تعالى لم يبح الفرار من الضعف. ولا خلاف أن هذا الحكم كان ثابتا يوم بدر وإنما اختلفوا في تحريم الفرار بعد يوم بدر. فقيل كان ذلك خاصا بيوم بدر (٦) كان فيه الفرار من الكبائر فأما ما عدا ذلك(٧) اليوم فالفرار منه غير محرم وليس من الكبائر. وقد فر الناس يوم أحد فعفا الله تعالى عنهم وقال فيهم يوم حنين :﴿ثم وليتم مدبرين﴾ [التوبة: ٢٥] ولم يقع على ذلك تعنيف. وعلى هذا القول تكون الإشارة بقوله تعالى : " يومئذ " إلى " يوم بدر " وهو قول الحسن وقتادة والضحاك (٨) وذهب الجمهور إلى أن ذلك المعنى من الآية محكم باق إلى يوم القيامة وأن الفرار من الزحف من الكبائر، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم ما يؤيد هذا فقال : " اتقوا السبع الموبقات " (٩) وعد فيها الفرار من الزحف. وإلى هذا يذهب مالك وجميع أصحابه وقد (١٠) قال ابن القاسم (١١) لا تجوز شهادة من فر يوم الزحف. وتكون الإشارة بقوله " يومئذ " (١٢) إلى يوم اللقاء الذي يتضمنه قوله تعالى ﴿إذا لقيتم﴾ وهذا الاختلاف الذي ذكرناه في الفرار من الزحف هل هو كبيرة أم لا إنما هو في الفرار من الضعف. فأما الفرار مما زاد عن الضعف فغير كبيرة باتفاق وقد قال قوم إن قوله تعالى :﴿فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره﴾ الآية عام محكم في الأزمان لا يختص بيوم بدر ولا غيره. وفي العدد لا يختص بعدد دون عدد وذكره النحاس (١٣) عن عطاء بن أبي رباح. وقال أبو بكر بن العربي (١٤) رحمه الله تعالى هو الصحيح لأنه ظاهر القرآن والحديث(١٥) وقال بعض من قال باعتبار العدد في ثبوت الواحد للإثنين خاصة هذا ما لم يبلغ عدد المسلمين اثنتي عشر ألفا. فأما إذا بلغوا اثنتي عشر ألفا فلا يجوز لهم الفرار وإن زاد عدد المشركين على الضعف لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لن يغلب اثني عشر ألفا من قلة " فخصص هذا العدد بهذا الحديث من عموم الآية وينسب هذا القول لمحمد بن الحسن (١٦) وروي عن مالك ما يدل على ذلك في مذهبه وهو قوله للعمري العابد إذ سأله هل له سعة (١٧) في ترك مجاهدة من غيًّر الأحكام(١٨) : إن كان معك اثنا عشر ألفا فليس لك ذلك (١٩). وهذا الاستدلال ضعيف إذ ليس في الحديث ما يدل على أنه لا يجوز الفرار من أكثر من الضعف لأن الحديث لا يعطي(٢٠) بيان حكم شرعي وإنما هو بيان لحكم العرف(٢١). وإذا لم يكن ذلك فكيف يخصص به عموم الآية. وقد اختلف العلماء في تأويل الضعف الذي ذكره الله تعالى فقيل : هو في العدد، فيلزم المسلمين أن يثبتوا لمثلي عددهم وإن كانوا أشد منهم سلاحا وأظهر قوة وهو قول لجمهور العلماء. وقيل : هو في الجلد والقوة ويلزم المسلمين أن يثبتوا لأكثر من الضعف إذا كان (٢٢) المسلمون أشد منهم سلاحا وأكثر منهم قوة ولا يلزمهم أن يثبتوا لهم. وإن كانوا أقل من الضعف إذا كان المشركون أشد منهم سلاحا وأكثر منهم قوة (٢٣) وهو قول ابن الماجشون وروايته عن مالك(٢٤). والقول الأول أظهر لأن الله تعالى إنما ذكر الضعف في العدد فمن أراد أن يتأوله على القوة كان مخرجا للآية عن ظاهرها بغير دليل. والتحرف للقتال أن يظهر هربا وهو منه مكيدة ليكر ونحو ذلك. والتحيز إلى فئة اتفقوا على أنها الجماعة من الناس الحاضرة في الحرب. واختلفوا في المدينة والإمام والجماعة إذا لم يكن شيء من ذلك حاضرا في الحرب هل التحيز إليه تحيزا إلى فئة أم لا. ويروى عن عمر رضي الله عنه إباحة ذلك وأنه تحيز إلى فئة والظاهر أن ذلك ليس بتحيز إلى فئة، بل هو فرار تام ولا يجوز الفرار وإن فر الإمام لقوله تعالى :﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال﴾ فعم ولم يخص. واختلف في الرجل يكون في صف المسلمين يريد أن يحمل على الجيش والعدو وحده محتسبا بنفسه. فمنهم من أجازه واستحسنه ومنهم من كرهه ويروى عن عمرو بن العاص وإليه ذهب مالك في ظاهر قوله واحتج بقوله تعالى :﴿الآن خفف الله عنكم﴾ وبقوله تعالى :﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ (٢٥) وقد قاس ابن شبرمة (٢٦) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن الآية فجعل تغيير المعاصي كتغيير الكفر وقال : لا يحل للرجل أن يفر من اثنين إذا كانا على منكر وله أن يفر من أكثر منهما وإن أدى تغيير المنكر إلى أن يتقابل الصفان. فقد اختلف العلماء فيه، فمنهم من قال : لا بد من إذن الإمام، وقال آخرون : لا يحتاج إلى استئذان الإمام لأنه يخاف فوات التغيير هذا إذا كان المنكر من آحاد الناس. وأما إن كان من الوالي فلا يجوز تغييره بالقتال والخروج، والصبر عليه جائز لما في ذلك من إثارة الفتن. ١ "أن " ساقط في (ح).. ٢ في (أ)، (ب)، (ح): "فحولهم".. ٣ نسبه مكي إلى عطاء. راجع الإيضاح ص ٥٦.. ٤ في (ب)، (ح)، (د)، (و): "منكم".. ٥ نسبه ابن عطية إلى مكي. راجع المحرر الوجيز ٨/ ١٠٩. وكذلك أحكام القرآن للجصاص. فصل: الكلام في الفرار من الزحف ٤/٢٢٦ - ٢٢٩.. ٦ في غير (ب)، (ز): "خاصة في يوم بدر".. ٧ في (ح): "فأما عن ذلك".. ٨ ذكره ابن العربي في أحكام القرآن ٢/ ٨٣٢.. ٩ والحديث رواه مسلم عن أبي هريرة. كتاب الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها ١/ ٩٢.. ١٠ "قد" ساقط في (ب)، (د)، (هـ).. ١١ في (ب)، (هـ): "قال مالك وابن القاسم".. ١٢ في (أ)، (ح)، (و)، (ز): "بيومئذ".. ١٣ النحاس: هو أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحاس. كان واسع العلم غزير الرواية له عدة تصانيف منها إعراب القرآن، معاني القرآن. توفي سنة ٣٣٧هـ وقيل سنة ٣٣٧هـ/ ٩٩٠م. انظر طبقات المفسرين للداودي ١/٦٨.. ١٤ ابن العربي: هو محمد بن عبد الله بن محمد المعافري القاضي أبو بكر المالكي المجتهد الإمام. توفي سنة ٥٤٣هـ/ ١١٩٣م. انظر طبقات المفسرين للداودي ٢/ ١٦٧.. ١٥ "والحديث" ساقطة في (أ)، (ز).. ١٦ ذكره الجصاص في أحكام القرآن باب: الكلام في الفرار من الزحف ٤/ ٢٢٨، ومحمد بن الحسن الشيباني الإمام الفقيه صاحب أبي حنيفة. توفي سنة ١٨٧هـ/ ٨٣٣م. انظر طبقات الفقهاء للشيراني ص ١٣٥.. ١٧ في (أ)، (ب)، (ح): "متعة".. ١٨ نسبه الجصاص إلى الطحاوي وكان السائل عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر. راجع أحكام القرآن للجصاص باب: الكلام في الفرار من الزحف ٤/٢٢٨.. ١٩ في غير (ج): "فلا له في ذلك".. ٢٠ "لا يعطي" ساقط في (د).. ٢١ في (ب)، (د): "حكم العرب".. ٢٢ في(ب)، (ح): "إذ لو كان".. ٢٣ من قوله: "ولا يلزمهم.... إلى: قوة" ساقط في (أ)، (ز).. ٢٤ قال ابن عطية: وقالت فرقة منهم ابن الماجشون في الواضحة راع أيضا الضعف والقوة والعدة. راجع المحرر الوجيز ٨/٣١.. ٢٥ البقرة: ١٩٥.. ٢٦ ابن شبرمة: هو عبد الله بن شبرمة بن حسان بن المنذر بن ضرار. فقيه ومحدث ت ١٤٤هـ/ ٧٦١م. انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر ٥/ ٢٥٠..

الأنفال 8:16

قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا﴾ الآية إلى قوله تعالى :﴿وبئس المصير﴾ : هذه الآية تقتضي ألا يفر المسلمون من الكفار قل عددهم أو كثر دون مراعاة ضعف. وأن الفرار محظور لأنه تعالى قد نهى عنه ثم توعد عليه ولا معنى للمحظور إلا ذلك. ثم إن الله تعالى أراد أن (١) يخفف عن عباده فحد (٢) في قدر العدد الذي لا يجوز لهم الفرار منه حدا. فقال تعالى :﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا﴾ [الأنفال: ٦٥] فجعل لهم أن لا يفروا من عشرة أمثالهم. واختلف العلماء في هذا هل هو نسخ أو تخصيص عموم. فقيل هو منسوخ وقد كان أولا واجبا أن لا يفر أحد عن العدو ثم نسخ بهذا (٣). وقال قوم لم يكن قط واجبا أن يثبت المسلمون لأكثر من عشرة أمثالهم وإنما خرجت الآية مخرج العموم فخصصت بهذه الآية ثم خفف الله تعالى تخفيفا آخر فقال :﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله﴾ [الأنفال: ٦٦]. واختلف أيضا في هذا هل هو نسخ أم لا. فقال ابن عباس هو نسخ. وروي عنه أيضا أنه قال : فرض على المسلمين أن يقاتل الرجل منهم (٤) العشرة من المشركين فشق ذلك عليهم فأنزل الله تعالى التخفيف. قال بعضهم فهو تخفيف على هذا لا نسخ، ونظير هذا إفطار الصائم في السفر (٥) وإذا قلنا إنه نسخ فوجهه أنه تعالى قد حرم بقوله :﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ الآية الفرار من العشرة أضعاف ثم قال تعالى :﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ فأحل الفرار من ذلك القدر. هذا وإن لم تعطه الآية بنصها فإن مقتضاها يعطي ذلك ومقتضى هذه الآية الثانية أنه تعالى لم يبح الفرار من الضعف. ولا خلاف أن هذا الحكم كان ثابتا يوم بدر وإنما اختلفوا في تحريم الفرار بعد يوم بدر. فقيل كان ذلك خاصا بيوم بدر (٦) كان فيه الفرار من الكبائر فأما ما عدا ذلك(٧) اليوم فالفرار منه غير محرم وليس من الكبائر. وقد فر الناس يوم أحد فعفا الله تعالى عنهم وقال فيهم يوم حنين :﴿ثم وليتم مدبرين﴾ [التوبة: ٢٥] ولم يقع على ذلك تعنيف. وعلى هذا القول تكون الإشارة بقوله تعالى :" يومئذ " إلى " يوم بدر " وهو قول الحسن وقتادة والضحاك (٨) وذهب الجمهور إلى أن ذلك المعنى من الآية محكم باق إلى يوم القيامة وأن الفرار من الزحف من الكبائر، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم ما يؤيد هذا فقال :" اتقوا السبع الموبقات " (٩) وعد فيها الفرار من الزحف. وإلى هذا يذهب مالك وجميع أصحابه وقد (١٠) قال ابن القاسم (١١) لا تجوز شهادة من فر يوم الزحف. وتكون الإشارة بقوله " يومئذ " (١٢) إلى يوم اللقاء الذي يتضمنه قوله تعالى ﴿إذا لقيتم﴾ وهذا الاختلاف الذي ذكرناه في الفرار من الزحف هل هو كبيرة أم لا إنما هو في الفرار من الضعف. فأما الفرار مما زاد عن الضعف فغير كبيرة باتفاق وقد قال قوم إن قوله تعالى :﴿فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره﴾ الآية عام محكم في الأزمان لا يختص بيوم بدر ولا غيره. وفي العدد لا يختص بعدد دون عدد وذكره النحاس (١٣) عن عطاء بن أبي رباح. وقال أبو بكر بن العربي (١٤) رحمه الله تعالى هو الصحيح لأنه ظاهر القرآن والحديث(١٥) وقال بعض من قال باعتبار العدد في ثبوت الواحد للإثنين خاصة هذا ما لم يبلغ عدد المسلمين اثنتي عشر ألفا. فأما إذا بلغوا اثنتي عشر ألفا فلا يجوز لهم الفرار وإن زاد عدد المشركين على الضعف لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لن يغلب اثني عشر ألفا من قلة " فخصص هذا العدد بهذا الحديث من عموم الآية وينسب هذا القول لمحمد بن الحسن (١٦) وروي عن مالك ما يدل على ذلك في مذهبه وهو قوله للعمري العابد إذ سأله هل له سعة (١٧) في ترك مجاهدة من غيًّر الأحكام(١٨) : إن كان معك اثنا عشر ألفا فليس لك ذلك (١٩). وهذا الاستدلال ضعيف إذ ليس في الحديث ما يدل على أنه لا يجوز الفرار من أكثر من الضعف لأن الحديث لا يعطي(٢٠) بيان حكم شرعي وإنما هو بيان لحكم العرف(٢١). وإذا لم يكن ذلك فكيف يخصص به عموم الآية. وقد اختلف العلماء في تأويل الضعف الذي ذكره الله تعالى فقيل : هو في العدد، فيلزم المسلمين أن يثبتوا لمثلي عددهم وإن كانوا أشد منهم سلاحا وأظهر قوة وهو قول لجمهور العلماء. وقيل : هو في الجلد والقوة ويلزم المسلمين أن يثبتوا لأكثر من الضعف إذا كان (٢٢) المسلمون أشد منهم سلاحا وأكثر منهم قوة ولا يلزمهم أن يثبتوا لهم. وإن كانوا أقل من الضعف إذا كان المشركون أشد منهم سلاحا وأكثر منهم قوة (٢٣) وهو قول ابن الماجشون وروايته عن مالك(٢٤). والقول الأول أظهر لأن الله تعالى إنما ذكر الضعف في العدد فمن أراد أن يتأوله على القوة كان مخرجا للآية عن ظاهرها بغير دليل. والتحرف للقتال أن يظهر هربا وهو منه مكيدة ليكر ونحو ذلك. والتحيز إلى فئة اتفقوا على أنها الجماعة من الناس الحاضرة في الحرب. واختلفوا في المدينة والإمام والجماعة إذا لم يكن شيء من ذلك حاضرا في الحرب هل التحيز إليه تحيزا إلى فئة أم لا. ويروى عن عمر رضي الله عنه إباحة ذلك وأنه تحيز إلى فئة والظاهر أن ذلك ليس بتحيز إلى فئة، بل هو فرار تام ولا يجوز الفرار وإن فر الإمام لقوله تعالى :﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال﴾ فعم ولم يخص. واختلف في الرجل يكون في صف المسلمين يريد أن يحمل على الجيش والعدو وحده محتسبا بنفسه. فمنهم من أجازه واستحسنه ومنهم من كرهه ويروى عن عمرو بن العاص وإليه ذهب مالك في ظاهر قوله واحتج بقوله تعالى :﴿الآن خفف الله عنكم﴾ وبقوله تعالى :﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ (٢٥) وقد قاس ابن شبرمة (٢٦) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن الآية فجعل تغيير المعاصي كتغيير الكفر وقال : لا يحل للرجل أن يفر من اثنين إذا كانا على منكر وله أن يفر من أكثر منهما وإن أدى تغيير المنكر إلى أن يتقابل الصفان. فقد اختلف العلماء فيه، فمنهم من قال : لا بد من إذن الإمام، وقال آخرون : لا يحتاج إلى استئذان الإمام لأنه يخاف فوات التغيير هذا إذا كان المنكر من آحاد الناس. وأما إن كان من الوالي فلا يجوز تغييره بالقتال والخروج، والصبر عليه جائز لما في ذلك من إثارة الفتن. ١ "أن " ساقط في (ح).. ٢ في (أ)، (ب)، (ح): "فحولهم".. ٣ نسبه مكي إلى عطاء. راجع الإيضاح ص ٥٦.. ٤ في (ب)، (ح)، (د)، (و): "منكم".. ٥ نسبه ابن عطية إلى مكي. راجع المحرر الوجيز ٨/ ١٠٩. وكذلك أحكام القرآن للجصاص. فصل: الكلام في الفرار من الزحف ٤/٢٢٦ - ٢٢٩.. ٦ في غير (ب)، (ز): "خاصة في يوم بدر".. ٧ في (ح): "فأما عن ذلك".. ٨ ذكره ابن العربي في أحكام القرآن ٢/ ٨٣٢.. ٩ والحديث رواه مسلم عن أبي هريرة. كتاب الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها ١/ ٩٢.. ١٠ "قد" ساقط في (ب)، (د)، (هـ).. ١١ في (ب)، (هـ): "قال مالك وابن القاسم".. ١٢ في (أ)، (ح)، (و)، (ز): "بيومئذ".. ١٣ النحاس: هو أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحاس. كان واسع العلم غزير الرواية له عدة تصانيف منها إعراب القرآن، معاني القرآن. توفي سنة ٣٣٧هـ وقيل سنة ٣٣٧هـ/ ٩٩٠م. انظر طبقات المفسرين للداودي ١/٦٨.. ١٤ ابن العربي: هو محمد بن عبد الله بن محمد المعافري القاضي أبو بكر المالكي المجتهد الإمام. توفي سنة ٥٤٣هـ/ ١١٩٣م. انظر طبقات المفسرين للداودي ٢/ ١٦٧.. ١٥ "والحديث" ساقطة في (أ)، (ز).. ١٦ ذكره الجصاص في أحكام القرآن باب: الكلام في الفرار من الزحف ٤/ ٢٢٨، ومحمد بن الحسن الشيباني الإمام الفقيه صاحب أبي حنيفة. توفي سنة ١٨٧هـ/ ٨٣٣م. انظر طبقات الفقهاء للشيراني ص ١٣٥.. ١٧ في (أ)، (ب)، (ح): "متعة".. ١٨ نسبه الجصاص إلى الطحاوي وكان السائل عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر. راجع أحكام القرآن للجصاص باب: الكلام في الفرار من الزحف ٤/٢٢٨.. ١٩ في غير (ج): "فلا له في ذلك".. ٢٠ "لا يعطي" ساقط في (د).. ٢١ في (ب)، (د): "حكم العرب".. ٢٢ في(ب)، (ح): "إذ لو كان".. ٢٣ من قوله: "ولا يلزمهم.... إلى: قوة" ساقط في (أ)، (ز).. ٢٤ قال ابن عطية: وقالت فرقة منهم ابن الماجشون في الواضحة راع أيضا الضعف والقوة والعدة. راجع المحرر الوجيز ٨/٣١.. ٢٥ البقرة: ١٩٥.. ٢٦ ابن شبرمة: هو عبد الله بن شبرمة بن حسان بن المنذر بن ضرار. فقيه ومحدث ت ١٤٤هـ/ ٧٦١م. انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر ٥/ ٢٥٠..

الأنفال 8:17

وقوله تعالى :﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ : فيه رد على من يقول إن أفعال العباد مخلوقة لهم. وسبب الآية أن الناس لما انصرفوا يوم بدر وجعل كل واحد (١) منهم يعد ما فعل فيقول قتلت كذا وفعلت كذا فجاء من ذلك تفاخر ونحو ذلك فنزلت الآية (٢). وقوله تعالى :﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ يريد ما (٣) كان النبي فعله يومئذ وذلك أنه أخذ ثلاث قبضات من تراب فرمى بها في وجوه القوم فانهزموا عند آخر رمية. ١ "واحد" ساقطة في (ب)، (هـ).. ٢ "فنزلت الآية" ساقطة في (ز).. ٣ في (ب)، (ح): "وما"..

الأنفال 8:33

قوله تعالى :﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ( ٣٣ )﴾ إلى قوله تعالى :﴿لا يعلمون﴾ (١) : اختلف في نزول هذه الآية فقيل بمكة بعد وقعة بدر حكاية عما مضى. وقيل نزل قوله تعال :﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ بمكة إلى قوله تعالى :﴿أو ائتنا بعذاب أليم﴾ ونزل قوله :﴿وما لهم﴾ إلى آخر الآية بعد بدر عند ظهور العذاب الأليم. ومعنى قوله :﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ أن الله تعالى لم يكن ليعذب هذه الأمة وهو فيهم كما لم يعذب قط أمة ونبيها بين أظهرها. ولا خلاف في هذا بين المفسرين. واختلفوا في قوله تعالى :﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ هل هو محكم أو منسوخ. فالذين ذهبوا إلى أنها منسوخة قالوا الآية في المشركين أي أنهم لا يعذبون ما استغفروا ثم نسخت بقوله تعالى :﴿وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾ [الأنفال: ٣٤] وهو قول عكرمة والحسن(٢) وضعف بعضهم النسخ في هذا لأنه خبر (٣). والذين ذهبوا إلى أنه محكم اختلفوا في تأويلها اختلافا كثيرا. فقيل المعنى ما كان الله ليعذب الكفار يعني أهل مكة، والمؤمنون بينهم يستغفرون. فالضمير في قوله :﴿ليعذبهم﴾ عائد على الكفار. وقوله :﴿وهم﴾ عائد على المؤمنين وأضمرهم ولم يجد لهم ذكر ففيه ضعف وهو قول الضحاك وابن عباس. وقيل المعنى (٤) ما كان الله ليعذب الكفار وهم بحالة توبة واستغفار من كفرهم إذًا لو وقع ذلك منهم وهو قول قتادة واختاره الطبري. وقيل المعنى ما كان الله ليعذب الكفار وقد علم أن فيهم من يسلم وما لهم ألا يعذبهم إذا أسلم من سبق له الإيمان (٥) ويروى هذا عن ابن عباس أيضا. وقيل المراد بقوله :﴿وهم يستغفرون﴾ ذرية المشركين يومئذ الذين سبق علم الله تعالى أن يكونوا مؤمنين. فالمعنى وما كان الله ليعذبهم وذريتهم يستغفرون ويؤمنون. فنسب الاستغفار إليهم إذ ذريتهم منهم، ويروى عن مجاهد. وقيل المعنى يستغفرون يسلمون، ويروى أيضا عن مجاهد. وقيل معنى يستغفرون يصلون. وقيل إنهم كانوا يقولون في دعائهم : غفرانك ويقولون لبيك لا شريك لك ونحو هذا مما هو دعاء واستغفار فجعله الله تعالى أمنا من عذاب الدنيا فالمعنى أن الله لا يعذبهم في الدنيا وهم يستغفرون وهو المشهور من قول ابن عباس وعلى هذا تركب قول أبي موسى (٦) وابن عباس أن الله تعالى جعل من عذاب الدنيا أمنين كون الرسول صلى الله عليه وسلم مع الناس والاستغفار، فارتفعت الواحدة وبقي الاستغفار إلى يوم القيامة. والضميران في ما عدا القول الأول عائدان جميعا على الكفار فهذه سبعة أقوال في الآية (٧). ١ والآية كاملة: ﴿وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾.. ٢ راجع الإيضاح ص ٢٥٧.. ٣ راجع م. س، وكذلك المحرر الوجيز ٨/٥٥.. ٤ في (أ)، (ج)، (ح)، (د) زيادة: "أنه".. ٥ في (أ)، (ب)، (ح)، (و): "الإسلام".. ٦ في (أ)، (ز): "أبي حنيفة" وعند ابن عطية: "أبي موسى الأشعري" راجع المحرر الوجيز ٨/٥٤.. ٧ راجعها أيضا عند الطبري في جامع البيان ٩/١٥٣ – ١٥٦ وعند ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/٥٣ – ٥٥..

الأنفال 8:34

قوله تعالى :﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ( ٣٣ )﴾ إلى قوله تعالى :﴿لا يعلمون﴾ (١) : اختلف في نزول هذه الآية فقيل بمكة بعد وقعة بدر حكاية عما مضى. وقيل نزل قوله تعال :﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ بمكة إلى قوله تعالى :﴿أو ائتنا بعذاب أليم﴾ ونزل قوله :﴿وما لهم﴾ إلى آخر الآية بعد بدر عند ظهور العذاب الأليم. ومعنى قوله :﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ أن الله تعالى لم يكن ليعذب هذه الأمة وهو فيهم كما لم يعذب قط أمة ونبيها بين أظهرها. ولا خلاف في هذا بين المفسرين. واختلفوا في قوله تعالى :﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ هل هو محكم أو منسوخ. فالذين ذهبوا إلى أنها منسوخة قالوا الآية في المشركين أي أنهم لا يعذبون ما استغفروا ثم نسخت بقوله تعالى :﴿وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾ [الأنفال: ٣٤] وهو قول عكرمة والحسن(٢) وضعف بعضهم النسخ في هذا لأنه خبر (٣). والذين ذهبوا إلى أنه محكم اختلفوا في تأويلها اختلافا كثيرا. فقيل المعنى ما كان الله ليعذب الكفار يعني أهل مكة، والمؤمنون بينهم يستغفرون. فالضمير في قوله :﴿ليعذبهم﴾ عائد على الكفار. وقوله :﴿وهم﴾ عائد على المؤمنين وأضمرهم ولم يجد لهم ذكر ففيه ضعف وهو قول الضحاك وابن عباس. وقيل المعنى (٤) ما كان الله ليعذب الكفار وهم بحالة توبة واستغفار من كفرهم إذًا لو وقع ذلك منهم وهو قول قتادة واختاره الطبري. وقيل المعنى ما كان الله ليعذب الكفار وقد علم أن فيهم من يسلم وما لهم ألا يعذبهم إذا أسلم من سبق له الإيمان (٥) ويروى هذا عن ابن عباس أيضا. وقيل المراد بقوله :﴿وهم يستغفرون﴾ ذرية المشركين يومئذ الذين سبق علم الله تعالى أن يكونوا مؤمنين. فالمعنى وما كان الله ليعذبهم وذريتهم يستغفرون ويؤمنون. فنسب الاستغفار إليهم إذ ذريتهم منهم، ويروى عن مجاهد. وقيل المعنى يستغفرون يسلمون، ويروى أيضا عن مجاهد. وقيل معنى يستغفرون يصلون. وقيل إنهم كانوا يقولون في دعائهم : غفرانك ويقولون لبيك لا شريك لك ونحو هذا مما هو دعاء واستغفار فجعله الله تعالى أمنا من عذاب الدنيا فالمعنى أن الله لا يعذبهم في الدنيا وهم يستغفرون وهو المشهور من قول ابن عباس وعلى هذا تركب قول أبي موسى (٦) وابن عباس أن الله تعالى جعل من عذاب الدنيا أمنين كون الرسول صلى الله عليه وسلم مع الناس والاستغفار، فارتفعت الواحدة وبقي الاستغفار إلى يوم القيامة. والضميران في ما عدا القول الأول عائدان جميعا على الكفار فهذه سبعة أقوال في الآية (٧). ١ والآية كاملة: ﴿وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾.. ٢ راجع الإيضاح ص ٢٥٧.. ٣ راجع م. س، وكذلك المحرر الوجيز ٨/٥٥.. ٤ في (أ)، (ج)، (ح)، (د) زيادة: "أنه".. ٥ في (أ)، (ب)، (ح)، (و): "الإسلام".. ٦ في (أ)، (ز): "أبي حنيفة" وعند ابن عطية: "أبي موسى الأشعري" راجع المحرر الوجيز ٨/٥٤.. ٧ راجعها أيضا عند الطبري في جامع البيان ٩/١٥٣ – ١٥٦ وعند ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/٥٣ – ٥٥..

الأنفال 8:38

قوله تعالى :﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين﴾ إلى قوله :﴿ونعم النصير﴾ : اختلف في المرتد إذا تاب هل يسقط عنه قضاء ما ترك من الصلاة في ردته أم لا. فعندنا أنه يسقط وقال الشافعي لا يسقط وحجتنا عليه قوله تعالى :﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ فعم (١). واختلف أيضا في المرتدين إذا نصبوا للحرب راية فقتلوا وأتلفوا(٢) أموالا ثم تابوا هل يؤاخذون بشيء من ذلك (٣). وقال الشافعي في أحد قوليه إنهم يؤاخذون، حجتنا عليه قوله تعالى :﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ ولم يفرق فيها (٤) بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين. وأن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لم يضمن أحدا من أهل الردة. واختلف في الكافر يسلم بعد وجوب الجزية عليه هل يسقط عنه ما قد وجب عليه منها أم لا ؟ فذهب الشافعي إلى أنه لا يسقط (٥) ويؤخذ به بعد إسلامه. وذهب مالك وجميع أصحابه إلى أنه يسقط عنه (٦) بعد إسلامه ودليل هذا القول (٧) قوله تعالى :﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ وقوله عليه الصلاة والسلام : " الإسلام يجب ما قبله " (٨). وقوله تعالى :﴿وإن يعودوا﴾ معناه إلى القتال لا إلى الكفر لأنهم لم يزالوا عليه فكيف يعودون إليه. ١ راجع حكم المرتد عند القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٤٠٣.. ٢ في (ج): "وأخذوا" وفي (د): "واتبعوا".. ٣ من قوله: "فعم.... إلى: من ذلك": ساقط في (أ).. ٤ "فيها" ساقط في غير (أ)، (ز).. ٥ في (أ)، (ب)، (ح): "أنها لا تسقط".. ٦ في (ب)، (ح): "أنها تسقط عليه".. ٧ "هذا القول" ساقط في (أ)، (ز).. ٨ الحديث رواه أحمد عن عمرو بن العاص ٤/٢٠٤..

الأنفال 8:39

قوله تعالى :﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين﴾ إلى قوله :﴿ونعم النصير﴾ : اختلف في المرتد إذا تاب هل يسقط عنه قضاء ما ترك من الصلاة في ردته أم لا. فعندنا أنه يسقط وقال الشافعي لا يسقط وحجتنا عليه قوله تعالى :﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ فعم (١). واختلف أيضا في المرتدين إذا نصبوا للحرب راية فقتلوا وأتلفوا(٢) أموالا ثم تابوا هل يؤاخذون بشيء من ذلك (٣). وقال الشافعي في أحد قوليه إنهم يؤاخذون، حجتنا عليه قوله تعالى :﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ ولم يفرق فيها (٤) بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين. وأن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لم يضمن أحدا من أهل الردة. واختلف في الكافر يسلم بعد وجوب الجزية عليه هل يسقط عنه ما قد وجب عليه منها أم لا ؟ فذهب الشافعي إلى أنه لا يسقط (٥) ويؤخذ به بعد إسلامه. وذهب مالك وجميع أصحابه إلى أنه يسقط عنه (٦) بعد إسلامه ودليل هذا القول (٧) قوله تعالى :﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ وقوله عليه الصلاة والسلام :" الإسلام يجب ما قبله " (٨). وقوله تعالى :﴿وإن يعودوا﴾ معناه إلى القتال لا إلى الكفر لأنهم لم يزالوا عليه فكيف يعودون إليه. ١ راجع حكم المرتد عند القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٤٠٣.. ٢ في (ج): "وأخذوا" وفي (د): "واتبعوا".. ٣ من قوله: "فعم.... إلى: من ذلك": ساقط في (أ).. ٤ "فيها" ساقط في غير (أ)، (ز).. ٥ في (أ)، (ب)، (ح): "أنها لا تسقط".. ٦ في (ب)، (ح): "أنها تسقط عليه".. ٧ "هذا القول" ساقط في (أ)، (ز).. ٨ الحديث رواه أحمد عن عمرو بن العاص ٤/٢٠٤.. وقوله تعالى :﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ : فرض الله تعالى بهذا الآية على المؤمنين قتال الكفار. واختلف في الفتنة ما هي. فقيل الشرك (١) وقيل البلاء (٢) وهذا يلزم عليه القتال في فتن المسلمين للفئة الباغية. وعلى القول الآخر يكون مقتول الفتن في فسحة. ومن قال إنها الشرك فالآية عنده يراد بها الخصوص في من لا تقبل منه جزية. قال ابن سلام وهي في مشركي العرب (٣). ١ قاله ابن عباس. راجع تنوير المقباس صفحة ١٤٨.. ٢ قاله الحسن. راجع المحرر الوجيز ٨/٦٥.. ٣ نسبه إليه أيضا ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/٦٦. ابن سلام: هو يحيى بن سلام بن ثعلب أبو زكرياء البصري. نزل المغرب وسكن إفريقية دهرا له كتاب في تفسير القرآن ليس لأحد مثله. توفي سنة ٢٠٠هـ/ ٨٥٠م. انظر طبقات المفسرين للداودي ٢/٣٧١..

الأنفال 8:40

قوله تعالى :﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين﴾ إلى قوله :﴿ونعم النصير﴾ : اختلف في المرتد إذا تاب هل يسقط عنه قضاء ما ترك من الصلاة في ردته أم لا. فعندنا أنه يسقط وقال الشافعي لا يسقط وحجتنا عليه قوله تعالى :﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ فعم (١). واختلف أيضا في المرتدين إذا نصبوا للحرب راية فقتلوا وأتلفوا(٢) أموالا ثم تابوا هل يؤاخذون بشيء من ذلك (٣). وقال الشافعي في أحد قوليه إنهم يؤاخذون، حجتنا عليه قوله تعالى :﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ ولم يفرق فيها (٤) بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين. وأن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لم يضمن أحدا من أهل الردة. واختلف في الكافر يسلم بعد وجوب الجزية عليه هل يسقط عنه ما قد وجب عليه منها أم لا ؟ فذهب الشافعي إلى أنه لا يسقط (٥) ويؤخذ به بعد إسلامه. وذهب مالك وجميع أصحابه إلى أنه يسقط عنه (٦) بعد إسلامه ودليل هذا القول (٧) قوله تعالى :﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ وقوله عليه الصلاة والسلام :" الإسلام يجب ما قبله " (٨). وقوله تعالى :﴿وإن يعودوا﴾ معناه إلى القتال لا إلى الكفر لأنهم لم يزالوا عليه فكيف يعودون إليه. ١ راجع حكم المرتد عند القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٤٠٣.. ٢ في (ج): "وأخذوا" وفي (د): "واتبعوا".. ٣ من قوله: "فعم.... إلى: من ذلك": ساقط في (أ).. ٤ "فيها" ساقط في غير (أ)، (ز).. ٥ في (أ)، (ب)، (ح): "أنها لا تسقط".. ٦ في (ب)، (ح): "أنها تسقط عليه".. ٧ "هذا القول" ساقط في (أ)، (ز).. ٨ الحديث رواه أحمد عن عمرو بن العاص ٤/٢٠٤..

الأنفال 8:41

وقوله تعالى :﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ : وقال في سورة الحشر (١) :﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾ [الحشر: ٦] ثم قال تعالى بعد ذلك :﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله﴾ [الحشر: ٧] فتضمنت هذه الآية حكم أموال الكفار المأخوذة منهم إلا أنه تعالى ذكرها في سورة الأنفال باسم الغنيمة وذكرها في سورة الحشر باسم الفيء وهي قد تؤخذ منهم بقتال وقد تؤخذ بغير قتال وكلا الاسمين (٢) قد يجوز أن يطلق في الاستعمال على كل واحد من الوجهين. وقد اضطربت أقوال المفسرين في ذلك اضطرابا كثيرا، وتأصيلها أن منهم من قال إن الاسمين جميعا لمعنى واحد (٣) وأن الآيات جاءت في حكم ما أخذ من الكفار بالقتال ثم اختلف هؤلاء. فقال قوم إن ما في سورة الحشر اقتضى أن يقسم المأخوذ بالقتال على الأصناف المذكورين في السورة دون إخراج الخمس (٤) وأن ذلك منسوخ بآية الأنفال وأن الخمس في ذلك هو المقسوم على الأصناف المذكورة خاصة والأربعة الأخماس للغانمين ولم يفرقوا بين الأرض وغيرها (٥) وضعف بعضهم هذا القول بالنسخ بأن آية (٦) الأنفال نزلت قبل (٧) آية الحشر ولا يصح النسخ مع ذلك (٨) ومنهم من قال إن ما في الحشر مخصوص في الأرض المغنومة عنوة من الكفار فاقتضى ذلك أنها لا تخمس وأن النظر فيها للإمام ولا يقسم بين الغانمين وأن ما في الأنفال عام في الأرض وغيرها من أموالهم وأن ذلك اقتضى أنها تخمس ويقسم ما بقي بين الغانمين (٩) ثم اختلف الذاهبون إلى هذا (١٠) فقال بعضهم : إن هذا (١١) يقتضي تخيير الإمام في إبقاء هذه الأرض وقسمتها بين الغانمين (١٢) قالوا : وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض خيبر بسبب عموم آية الأنفال. وترك عمر رضي الله تعالى عنه أرض العراق ومصر فلم يقسمها وأنه تأول في ذلك آية الحشر وقوله تعالى :﴿والذين جاؤوا من بعدهم﴾ [الحشر: ١٠] الآية وإلى هذا ذهب أبو عبيد (١٣) ومنهم من ذهب إلى أن الحشر نسخت آية الأنفال في حكم الأرض خاصة لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين بفعله في أرض خبير أنها على عمومها في الأرض وغيرها فنسخت آية الحشر من ذلك الأرض خاصة فلا تقسم على حال وإلى هذا ذهب إسماعيل القاضي (١٤) ومنهم من قال إن آية الحشر مبينة أن (١٥) المراد بآية الأنفال ما عدا الأرض من الغنائم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قسم أرض خبير لأن الله عز وجل وعد بها أهل بيعة الرضوان فقال : وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه. فأرض خبير كانت مخصوصة بهذا الحكم دون سائر الأرض المغنومة فلا تقسم الأرض. ومنهم من قال إن آية الأنفال هي الناسخة لآية الحشر فيما اقتضته آية الحشر مع منع القسمة في الأرض فيقسم ولا بد. فتحصل من هذا في الأرض المغنومة بالقتال ثلاثة أقوال : أحدها : أنها تقسم كسائر الغنائم وهو قول الشافعي(١٦). والثاني : أنها لا تقسم كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه وتبقى لأرزاق المسلمين ومصالحهم. والثالث : أن الإمام مخير (١٧) فيها بين القسمة والإبقاء وهذان القولان عن مالك رحمه الله تعالى (١٨). والذين ذهبوا إلى أنها تقسم على مقتضى آية الأنفال تأولوا فعل عمر رضي الله تعالى عنه من إبقاء سواد العراق على أنه استطاب أنفس الغانمين وأرضاهم عن ذلك(١٩). ومنهم من قال إن آية الحشر نزلت في حكم الخمس خاصة ولم يذكر فيها الخمس فهو(٢٠) المراد بها وأن آية الأنفال موافقة لها إلا أنه صرح فيها بذكر الخمس ولم يصرح في آية الحشر، فهو لفظ عام أريد به شيء خاص. فليس في كتاب الله تعالى على هذه الأقوال حكم لما أخذ من الكفار بغير قتال وإنما يتلقى ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم. وذهب قوم إلى أن (٢١) الاسمين أيضا (٢٢) بمعنى واحد وأن اللغة تقتضي ذلك وأن الآيتين جاءتا في حكم ما أخذ من الكفار بقتال وبغير قتال وأن المالين (٢٣) في الحكم سواء يؤخذ منهما الخمس حتى من حزمة الجماجم وخراج الأرض وهو الذي يأتي على قول الشافعي، فإن ذلك كله يخمس. والنظر في آية الأنفال وآية الحشر على هذا هو النظر المتقدم إما بالنسخ وإما بالبيان ويكون على هذا حكم المالين متلقى من القرآن (٢٤). وذهب قوم إلى أن الغنيمة والفيء اسمان لمعنيين (٢٥) وأن الغنيمة ما أخذ من الكفار بقتال والفيء ما أخذ منهم بغير قتال وأن الحكم فيهما مختلف على ظاهر الآيتين (٢٦). فالغنيمة تخمس على نص آية الأنفال والفيء لا يخمس على ظاهر آية الحشر فلا تعارض على هذا بين الآيتين ولا يفرض فيها نسخ ولا بيان ولا يكون على هذا فيما أخذ من أموال الكفار بغير قتال خمس كان (٢٧) مما جلوا عنه أو جزية أو خراج أرض أو نحو ذلك وهو قول الجمهور وبه قال مالك وجميع أصحابه وهو أظهر الأقوال. وذهب قوم – على ما ذكر بعض المتأخرين – إلى عكس هذا القول فزعم أن الغنيمة ما أخذ من الكفار بغير قتال، والفيء ما أخذ منهم بالقتال، قال وهو محتمل في اللسان. وذهب قوم إلى أن آية الحشر وردت في شيء مخصوص بعينه فلا تعارض بينها (٢٨) وبين آية الأنفال وذلك في أموال بني النضير التي أجلوا عنها فجعلها الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم يفعل فيها ما يراه (٢٩). وروي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أحبس جميعها لنفسه ومصالح المسلمين ولم يقسمها، فتكلم في ذلك قوم فأنزل الله تعالى الآية. وقال ابن زيد لما خص (٣٠) رسول الله صلى الله عليه وسلم بأموال بني النضير المهاجرين تكلم في ذلك بعض الأنصار فنزلت الآية. وذهب قوم إلى (٣١) أن في (٣٢) آية الحشر حكمين فقوله تعالى :﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم﴾ [الحشر: ٦] الآية نزلت في مال بني النضير الذي هو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى :﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾ الآية [الحشر: ٧] هو في حكم الجزية والخراج بهما للأصناف المذكورين في الآية وروي ذلك عن معمر (٣٣). وقد اختلف في هذه الآية هل هي ناسخة لقوله تعالى :﴿قل الأنفال لله والرسول﴾ [الأنفال: ١] أم لا. وقد مر الكلام على ذلك. والقول بأنها ناسخة هو قول مجاهد وابن عباس وذلك أن قوله تعالى :﴿قل الأنفال لله والرسول﴾ عنهما اقتضى أنه جعل به للنبي صلى الله عليه وسلم أن ينفل ما أحرزه (٣٤) بالقتال لمن يشاء (٣٥) ولم يكن فيه حق لأحد إلا لمن جعله الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك يوم بدر. ويبين ذلك حديث سعد في قصة السيف الذي استوهبه من النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر. فقال : " إنك سألتني هذا السيف وليس هو لي ولا لك وقد جعله الله تعالى لي وجعلته لك " (٣٦) وكذلك قوله تعالى :﴿فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا﴾ [الأنفال: ٦٩] يقتضي أن تكون الغنيمة للغانمين فينزلون فيها على السواء دون إخراج خمس ولا غيره. إلا أن قوله في هذه الآية ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾ يبين (٣٧) أن ذلك بعد إخراج الخمس وصرفه في الوجوه المذكورة، ففي هذا بيان الأربعة الأخماس للغانمين. وقال بعضهم هذا مثل قوله تعالى :﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾ [النساء: ١١] فلما ذكر تعالى أن المحيطين بالميراث الأبوان ثم ذكر أن للأم الثلث دل ذلك على أن الثلثين للأب دلالة قطعية (٣٨). وهذا النوع من الدلالة يسميه الأصوليون مقتضى الخطاب. وكذلك هذه الآية لما ذكر تعالى الغانمين للغنيمة وخاطبهم ثم أخرج من الغنيمة الخمس للأصناف المذكورين دل ذلك على (٣٩) البقية (٤٠) للغانمين. وهذا(٤١) الحكم في الغنيمة يجري (٤٢) في كل مغنوم إلا ما خصه الدليل مثل المأكول من الغنيمة فإنه مباح للغانمين أكله إذا احتاجوا إليه في الغزو دون أن يشترط فيه إخراج خمس. ومن ذلك أموال الرهبان اختلف فيها (٤٣). فذهب جماعة إلى أنها على حكم الغنائم إلا أنه استحب مالك رحمه الله تعالى أن يترك لهم قدر ما يعيشون به. وذهب غيره إلى أنها شرك لهم ولا تكون مغنومة والحجة على ما قال تلك الآية، والآية أيضا عامة في الغانمين إلا ما خصه الدليل. وقد اختلف فيما غنمه النساء والصبيان إذا انفردوا بالغنيمة هل تخمس أم لا، وكذلك اختلف في العبيد إذا غنموا كان معهم حر أم لا هل يخمس ما أصابوه من الغنيمة أم لا. وحجة من يرى التخميس في (٤٤) ذلك عموم الآية. وحجة من لا يرى (٤٥) التخميس في ذلك كله أنه يراهم غير داخلين في الخطاب إلا بدليل، وفي هذا خلاف بين الأصوليين (٤٦). واختلف في الذميين هل يخمس ما غنموه أم لا ؟. ففي المذهب أنه يخمس خرجوا بغير إذن الإمام أو بإذنه. وقال بعض أصحاب مالك إن خرجوا (٤٧) بإذن الإمام فلا خمس (٤٨) وإن خرجوا (٤٩) بغير إذنه ففي ما غنموه الخمس. وقال أبو حنيفة لا خمس في ما غنموه جملة حتى يكونوا جماعة لهم منعة ويأذن لهم الإمام. وقال أبو يوسف إذا كانوا تسعة ففيه الخمس (٥٠). ودليل من رأى الخمس كله في ذلك عموم الآية. واختلف أيضا في الطائفة تخرج من البلد فتغنم. ففي المذهب أن ما غنمت يخمس، وقال أبو حنيفة لا يخمس. ودليل المذهب عموم الآية، ودليل أبي حنيفة أنهم غزوا بأنفسهم فأشبهوا المتفرد بالقتال على القول بأنه يستحق السلب فلا يخمس (٥١) وقال بعضهم المأخوذ من الكفار على جهة التلصص اتفق العلماء على أنه لا يخمس. وظاهر القرآن يقتضي تخميس كل مغنوم. وكذلك اختلف في سلب القتيل هل يخمس أم لا. فقيل هو كسائر الغنيمة يخمس ولا ينفرد به القاتل إلا أن يرى الإمام أن يخص به بوجه اجتهاد فله ذلك، ولا يكون إلا من الخمس وهو قول مالك. وقيل السلب للقائل وهو أحد قولي الشافعي (٥٢) وقيل إن كان السلب يسيرا فهو للقاتل وإن كان كثيرا خمس (٥٣) وفعله عمر بن الخطاب مع البراء بن مالك (٥٤) حين بارز المرزبان فقتله وكانت قيمة منطقته وسواريه ثلاثين ألفا فخمس ذلك وروي في ذلك حديث (٥٥) عن النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه أبو داود. وقيل السلب للقاتل ولكنه يخمس (٥٦) وروي نحوه عن عمر بن الخطاب. وروى ابن خويز منداد (٥٧) هذا عن مالك أن الإمام مخير فيه إن شاء خمسه على الاجتهاد كما عمل عمر في حديث البراء وإن شاء لم يخمسه واختاره إسماعيل بن إسحاق (٥٨). وحجة الجمهور عن مالك ظاهر الآية وإذا قلنا بمقتضى الآية في أن الأربعة أخماس للغانمين فهل المرأة المقاتلة داخلة في هذا الحكم فيسهم لها أم لا. ذهب الأوزاعي إلى أنه يسهم لها. قال : وقد أسهم لها الرسول صلى الله عليه وسلم بخيبر وأخذ المسلمون بذلك. وذهب مالك والليث والشافعي والثوري والكوفيون إلى أنه لا يسهم لها ولكن يرضخ لها واحتجوا بكتاب ابن عباس إلى نجدة (٥٩) وقوله : إن النساء كن يحضرن القتال فيداوين المرضى ويجنين (٦٠) من الغنيمة ولم يضرب (٦١) لهن بسهم. وروى ابن وهب عن مالك أنه لا يسهم لهن (٦٢) ولا يرضخ. هذا أصح لأنهن لسن فيمن أمر بالقتال ولا لهن فيه عناء مذكور فلم يدخلن في الخطاب بقوله تعالى :﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾. وكذلك اختلف في العبيد والصبيان إذا قاتلوا. فقيل يسهم لهم وقيل يرضخ وقيل لا يرضخ ولا يسهم(٦٣) والحجة لمن لا يرى (٦٤) لهم شيئا أنهم عنده لا يدخلون في الخطاب في الآية. وظاهر الآية(٦٥) أيضا يقتضي الاشتراك في الغنيمة قليلها وكثيرها فلا يجوز إخراج شيء منها قبل القسمة إلا أن يدل عليه دليل من ال ١ في (ح): "آية الحشر".. ٢ في (ج): "القسمين".. ٣ قاله قتادة: راجع المحرر الوجيز ٨/٦٧.. ٤ "الخمس" ساقطة في (ب).. ٥ نسبه مكي إلى قتادة. راجع الإيضاح ص ٣٧٠.. ٦ في (هـ) زيادة: "التي في الأنفال".. ٧ في (أ)، (ح): "فقيل".. ٨ راجع ذلك عند ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/٦٨.. ٩ راجع ذلك في م. س.. ١٠ "إلى هذا" ساقط في (أ)، (د)، (هـ)، (ز).. ١١ "إن هذا" ساقط في (أ)، (ح)، (ز).. ١٢ نسبه ابن عطية إلى الإمام مالك. راجع المحرر الوجيز ٨/٦٨.. ١٣ نسبه إليه أيضا ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/٦٨.. ١٤ إسماعيل القاضي: هو القاضي أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق الأسدي البصري ألف كتبا كثيرة منها أحكام القرآن، معاني القرآن. توفي سنة ٢٨٢هـ/ ٨٩٥م. انظر الديباج ص ٩٢.. ١٥ في (أ)، (ح): "على أن".. ١٦ راجع أحكام القرآن للشافعي ١/١٥٨ و٢ / ٣٦ - ٣٨.. ١٧ في غير (ج)، (ز): "يخير".. ١٨ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/٦٨، ٦٩.. ١٩ قال القرطبي: وكذلك روى جرير أن عمر استطاب أنفس أهلها. راجع الجامع لأحكام القرآن ٨/٥.. ٢٠ في (ج): "وهو".. ٢١ "إلى أن" ساقط في (د)، (هـ).. ٢٢ "أيضا" ساقطة في (ب)، (ح)، (ز).. ٢٣ في (ب)، (د)، (هـ): "وأن الآيتين".. ٢٤ راجع أحكام القرآن للشافعي ١/١٥٣، ١٥٤، والأم للشافعي أيضا كتاب قسم الفيء ٤/ ٤٥٢.. ٢٥ في (أ)، (ز): "لمعنى".. ٢٦ قاله سفيان الثوري: راجع الإيضاح ص ٣٧٠.. ٢٧ في (أ)، (ج)، (ز): "كانوا".. ٢٨ في (أ)، (ب)، (ح): "بينهما".. ٢٩ في (ب)، (ج)، (ح): "ما رآه". وفي (د): "ما أراه".. ٣٠ في (ب)، (د)، (هـ): "أخص".. ٣١ "إلى" ساقط في (أ)، (ز).. ٣٢ "في" ساقط في (أ)، (ز).. ٣٣ ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ١٢. معمر: هو معمر بن راشد بن أبي عمرو الأزدي. فقيه حافظ من أهل البصرة. توفي سنة ١٥٣هـ/ ٧٧٠م. انظر ميزان الاعتدال للذهبي ٣/ ١٨٨.. ٣٤ في (هـ): "ما أخذه".. ٣٥ في (أ)، (د)، (هـ)، (و)، (ز): "شاء".. ٣٦ راجع أسباب النزول للواحدي ص ١٧٢، وكذلك أحكام القرآن للكيا الهراسي ٣/ ١٥٥.. ٣٧ في (ز): "بين" وفي (ح): "تبين".. ٣٨ نسبه القرطبي إلى ابن العربي وابن المنذر وابن عبد البر والدارمي والمازري والقاضي عياض. راجع الجامع لأحكام القرآن ٨/٣.. ٣٩ "على" ساقط في (ز).. ٤٠ في (هـ): "الغنيمة" وفي (و): "البينة".. ٤١ في (ج)، (ح): "ومثل".. ٤٢ "يجري" ساقطة في (أ)، (ب)، (ح).. ٤٣ في (أ): "فيه".. ٤٤ "في" ساقط في غير (ز).. ٤٥ "يرى" ساقطة في (أ)، (ب)، (ح)، (د).. ٤٦ راجع تفصيل ذلك في الجامع لأحكام القرآن ٨/ ١٧.. ٤٧ في (ب)، (د)، (هـ)، (و): "دخلوا".. ٤٨ في (هـ): "فلا يخمس".. ٤٩ في (و): "وإن دخلوا".. ٥٠ راجع أحكام القرآن للجصاص، باب: القول في السلب والغنيمة ٤/ ٢٣٧.. ٥١ راجع" م. س.. ٥٢ قال الجصاص: وقال الشافعي: يخمس ما أصابه إلا سلب المقتول. وقال أيضا: وقد قال الشافعي: إن القاتل لا يستحق السلب في الإدبار وإنما يستحقه في الإقبال. راجع أحكام القرآن للجصاص: باب القول في سلب القتيل ٤/ ٢٣٦.. ٥٣ نسب القرطبي هذا القول إلى إسحاق راجع الجامع لأحكام القرآن ٨/٨.. ٥٤ البراء بن مالك: هو البراء بن مالك بن النضر بن ضمضم الخزرجي. صحابي. شهد أحدا وما بعدها. توفي سنة ٢٠ هـ/ ٦٤١م. انظر حلية الأولياء للأصفهاني ١/٣٥٠.. ٥٥ في (ب)، (ح): "في حديث ذلك".. ٥٦ قاله الأوزاعي ومكحول. راجع الجامع لأحكام القرآن٨/٨.. ٥٧ ابن خويز منداد: هو محمد بن أحمد بن عبد الله أبو بكر بن خويز منداد. ويقال خواز منداد. عنده شواذ عن مالك. تفقه على الأبهري، له كتاب كبير في الخلاف وآخر في أصول الفقه وآخر في أحكام القرآن. انظر طبقات المفسرين للداودي ٢/ ٧٢.. ٥٨ إسماعيل بن إسحاق: هو إسماعيل القاضي الأسدي البصري. سبقت ترجمته بالصفحة ٨٧.. ٥٩ "نجده" ساقطة في (أ)، (ز). وأما في (هـ): "الحرة" والصواب ما ذكره القرطبي برواية مسلم أنه نجدة وهو نجدة بن عامر الحنفي من رؤساء الخوارج.. ٦٠ في (أ): "ويحرزن".. ٦١ في (أ)، (ح): "يضربن".. ٦٢ في (أ)، (ح): "لها".. ٦٣ راجع الجامع لأحكام القرآن ٨/ ١٧، ١٨.. ٦٤ في (ج): "لمن لم يره".. ٦٥ في (ب)، (ج)، (ح) زيادة: "أنها"..

الأنفال 8:45

قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا﴾ : في هذه الآية الأمر بالثبات والصبر والذكر لله. قال قتادة افترض الله تعالى ذكره عند الضراب (١) بالسيوف (٢). وظاهر الآية أن يذكر الله تعالى في تلك المواطن سرا وعلانية، إلا أنه قد جاء في رفع الصوت هنالك الكراهية. قال قيس بن عبادة (٣) : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون الصوت عند ثلاث : عند قراءة القرآن وعند الجنازة وعند القتال (٤)، وهذا والله أعلم إنما كره لأنه يدل على الفشل والخور، فأما إذا شد المسلمون على المشركين شدة واحدة فلا بأس أن يرفعوا أصواتهم لأن ذلك يشد أعضاد المسلمين، وإنما يكره قبل ذلك كما قد جاء عن ابن عباس أنه يكره التلثم عند القتال. ١ في (أ)، (ز): "الضرب".. ٢ نسبه إليه أيضا ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/ ٨٢. وكذلك القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٢٤.. ٣ قيس بن عبادة: هو قيس بن عبادة الضبعي من ثقات التابعين. قتله الحجاج سنة ٨٥هـ/ ٧٠٤م. راجع الإصابة لابن حجر ٣/ ٢٤٤.. ٤ والحديث ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/ ٨٢..

الأنفال 8:57

قوله تعالى :{ فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون ( ٥٧ ) اختلفوا في قوله تعالى :﴿فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم﴾ هل هو منسوخ أو محكم. فذهب قوم إلى أنه يقتضي قتل الأسارى وأنه لا يجوز استحياؤهم. قال وهو منسوخ بقوله تعالى :﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ [محمد: ٤]. وقال قوم آخرون (١) إنه يقتضي ذلك وهو محكم وأنه (٢) ناسخ لقوله تعالى :﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾. وقال آخرون هو محكم وليس بناسخ وهو عام يخصصه قوله تعالى :﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب﴾ الآية [محمد: ٤]، وسيأتي الكلام على هذا بالشبع منه. وقال الشيخ أبو الحسن المقصود بهذا التنكيل بأهل الردة وإحراق بعضهم بالنيران ورمي بعضهم من رؤوس الجبال وطرحهم في الآبار (٣). ١ "آخرون" ساقطة في (أ)، (و)، (ز).. ٢ "وأنه" ساقط في (و)، (ز).. ٣ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٣/ ١٦٢..

الأنفال 8:58

٥٨ – قوله تعالى : وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء } فأما قوله تعالى :﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء﴾، فقيل هي عامة في كل من يخاف منه خيانة إلى آخر الأبد (١). وقال أكثر المفسرين إن هذه الآية في بني قريظة، وذهب بعض المتأخرين إلى أنها في ما عدا بني قريظة (٢) فيما يستأنف وهو قول (٣) ظاهر الفساد. واختلف المفسرون في معنى : تخافن، هنا. فقيل معناه أن تكون الخيانة متوقعة غير متيقنة، فالخوف على بابه. وقال بعضهم تخاف في هذه الآية بمعنى تعلم (٤). فأمر الله تعالى في هذه الآية نبيه عليه الصلاة والسلام إذا شعر (٥) من قوم خيانة أن ينبذ إليهم عهدهم (٦) أي يلغيه (٧) ويحاربهم إذ لم يلتزموا العهد. وقوله تعالى :﴿على سواء﴾ : اختلف فيه فقيل أي حتى يكونوا في استشعار المحاربة سواء وقيل أي على معدلة، وقال الوليد بن مسلم (٨) معناه على مهل كما قال تعالى :﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ( ١ ) فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ الآية [التوبة: ١، ٢]. وقال الفراء (٩) المعنى (١٠) فانبذ إليهم على اعتدال أي بين لهم على قدر ما ظهر منهم لا تفرط ولا تعجل بحرب بل افعل بهم مثل ما فعلوا (١١) فإن قيل قد غزا النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة قبل أن ينبذ إليهم عهدهم الذي كان بينه وبينهم، فالجواب أنه عليه الصلاة والسلام لم ينبذ إليهم عهودهم (١٢) بل غزاهم ابتداء (١٣) لأنهم كانوا قد نقضوا العهد بمعاونة هذيل على جرأتهم على حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك جاء أبو سفيان (١٤) إلى المدينة يسأل تجديد العهد بينه وبين قريش فلم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك (١٥) فمن أجل ذلك لم يحتج إلى النبذ (١٦) إليهم إذ كانوا قد أظهروا نقض العهد بنصب الحرب لحلفاء النبي صلى الله عليه وسلم. ١ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/ ٩٥.. ٢ من قوله: "وذهب.... إلى: بني قريظة" ساقط في (ب)، (د)، (هـ).. ٣ "وهو قول" ساقط في (ح).. ٤ في (ح): "الخوف في هذه الآية بمعنى العلم". وقد نسب ابن عطية هذا الكلام إلى يحيى بن سلام. راجع المحرر الوجيز ٨/ ٩٥.. ٥ "شعر" ساقطة في (ب)، (ح).. ٦ في (ح): "عندهم" وفي (د): "عهده".. ٧ "أي يلغيه" ساقط في (أ)، (ز).. ٨ الوليد بن مسلم: هو أبو العباس الوليد بن مسلم الأموي الدمشقي. عالم الشام في عصره من حفاظ الحديث. توفي سنة ١٩٥هـ/ ٨١٠م. انظر تذكرة الحفاظ للذهبي ١/ ٢٧٨.. ٩ الفراء: هو أبو زكرياء يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الأسلمي المعروف بالفراء الديلمي الكوفي. له مؤلفات عديدة منها المصادر في القرآن. توفي سنة ٢٠٧هـ/ ٨٢٢م. انظر وفيات الأعيان ٢/٢٢٨.. ١٠ "المعنى" ساقطة في (أ)، (ز).. ١١ نسبه إليه أيضا ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/ ٩٦.. ١٢ في (ز): "عهدهم".. ١٣ "ابتداء" ساقطة في غير (و)، (ز).. ١٤ أبو سفيان: هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد مناف، القرشي الأموي. أسلم يوم فتح مكة وشهد حنينا. توفي سنة ٣٠هـ/ ٦٥٠م. انظر الإصابة ٥/ ١٢٧.. ١٥ من قوله: "على حلفاء... إلى: إلى ذلك" ساقط في (أ).. ١٦ في (أ): "التبين"..

الأنفال 8:60

وقوله تعالى :﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل﴾ : اختلف في تفسيره فقيل القوة ذكور الخيل والرباط إناثها وهو قول عكرمة (١). وقيل القوة الرمي، ومن حجتهم حديث عقبة بن عامر (٢) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن القوة الرمي ثلاثا " (٣). وقيل القوة السلاح (٤). وقيل القوة كل ما يتقوى به في الحرب فحمل على عمومه، ورباط الخيل على ما عدا القول الأول وربطها اعتدادها للحرب ذكورا كانت أو إناثا (٥). والخطاب في هذه الآية عام في الإعداد لمن هو في الثغور (٦). وهذا يجوز ارتباط الخيل في غير الثغور. – وقوله تعالى :﴿وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم﴾ : اختلف في تفسيره فقيل الإشارة إلى بني قريظة (٧) وقيل إلى فارس (٨) وقيل إلى المنافقين(٩) وقيل بل إلى كل عدو للمسلمين (١٠) غير الفرقة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرد بهم من خلفهم. وقيل الإشارة إلى الجن، ورجح الطبري هذا وأسند فيه إلى ما روي أن صهيل الخيل ينفر الجن وأن الشياطين لا تدخل دارا فيه لجام للجهاد ونحو هذا. ١ عكرمة: هو أبو عبد الله عكرمة بن عبد الله مولى عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه أحد فقهاء مكة. توفي سنة ١٠٧هـ/ ٧٢٥م. انظر طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٧٠.. ٢ عقبة بن عامر: هو عقبة بن عامر بن عبس بن مالك الجهني. شهد صفين مع معاوية كان شجاعا فقيها. توفي سنة ٥٨هـ/ ٦٧٨م. انظر الإصابة لابن حجر ٢/ ٤٨٢.. ٣ الحديث رواه مسلم عن عقبة بن عامر. كتاب الإمارة، باب: فضل الرمي والحث عليه ٢/ ١٥٢٢.. ٤ نسبه ابن عطية إلى السدي. فراجعه في المحرر الوجيز ٨/ ١٠٠.. ٥ نسبه ابن عطية إلى الطبري. فراجعه في م. س.. ٦ في (أ)، (ب)، (ح): "في الثغر".. ٧ نسبه ابن عطية إلى مجاهد. راجع: م. س.. ٨ نسبه ابن عطية إلى السدي. راجع م. س.. ٩ نسبه ابن عطية إلى ابن زيد. راجع م. س.. ١٠ في (ب)، (ج)، (ح): "إلى المسلمين"..

الأنفال 8:61

قوله تعالى :﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ : اختلف هل هو منسوخ أم محكم، والذين ذهبوا إلى أنه منسوخ (١) اختلفوا في ناسخه وقال ابن زيد وغيره (٢) نسخها آية القتال من قوله تعالى :﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥]، قالوا ونسخت براءة كل موادعة حتى يقول لا إله إلا الله. وقال ابن عباس نسخها قوله تعالى :﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون﴾ [محمد: ٣٥]. والذين ذهبوا إلى أنها غير منسوخة قالوا : أما آية القتال فليست بناسخة وإنما يعني بها من لا تجوز مصالحته مثل مشركي قريش ويعني بقوله تعالى :﴿وإن جنحوا للسلم﴾ من تجوز مصالحته وإن كان قوله تعالى :﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ عاما في مشركي العرب وغيرهم بآية براءة مخصصة له ولا معنى لدخول النسخ في هذا. وأما قول ابن عباس فضعيف لأن الآيتين ليس بينهما تعارض (٣). وعلى الاختلاف في هذه الآية اختلفوا في جواز مهادنة الكفار. فلم يجز ذلك طائفة ورأوا الآية منسوخة، وقالوا إنما هو القتال أو الإسلام أو الجزية. وأجازته طائفة أخرى وإن كان على ما يؤديه المسلمون إليهم واحتجوا بالآية ولم يروها منسوخة، وبما روي أنه عليه الصلاة والسلام قد كان (٤) صالح عيينة بن حصن وغيره يوم الأحزاب على نصف ثمار المدينة حتى لما شاور الأنصار قالوا : يا رسول الله أهو أمر أمرك الله تعالى به أم الرأي والمكيدة. قال : " لا بل هو رأي لما رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة فأردت أن أدفعه عنكم إلى يوم ". فقال السعدان : سعد بن عبادة (٥) وسعد بن معاذ (٦) : والله يا رسول الله إنهم لم يطمعوا فيها منا إلا بشراء أو قرى ونحن كفار فكيف وقد أعزنا الله تعالى بالإسلام ولا نعطيهم إلا بالسيف، وشق الصحيفة (٧) وأجازته طائفة على غير مال يؤديه المسلمون إليهم وأما بمال فلا يجوز، وهو أحد أقوال الشافعي وبه يقول الأوزاعي. وهذا الخلاف عندي إنما هو ما لم يخف على المسلمين أن يصطلحوا. فأما إذا خيف ذلك فجائز مصالحتهم على مال وعلى غير مال. فأما على أن يؤخذ من الكفار فلا خلاف في جوازه وسيأتي الكلام عليه. وإنما الخلاف إذا كان على أن لا يأخذ منهم شيئا أو على أن يعطيهم شيئا، وهذا كله مع الذين يجوزون أخذ الجزية منهم. فأما من لا يجوز أخذ الجزية منهم باتفاق ككفار قريش فلا خلاف أنه لا تجوز مصالحتهم كيف كانت والذين ذهبوا إلى جواز الصلح في المسألة التي ذكرناها اختلفوا في المدة التي تجوز مصالحتهم إليها. فقيل لا يجوز أن يصالحوا أكثر من عشر سنين وما وراء هذا محظور، وهو قول الشافعي. قيل لا يجوز أكثر من أربع سنين(٨). وقيل لا يجوز أكثر من ثلاث سنين (٩) وهذه الثلاثة الأقوال مبنية على الاختلاف في المدة التي هادن عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية. وقيل تجوز مهادنتهم إلى مدة قصيرة أو طويلة على حسب ما يعطيه الاجتهاد والنظر في مصلحة المسلمين، ونحو هذا حكى ابن حبيب عن مالك فقال تجوز مهادنتهم السنة والسنتين والثلاث وإلى غير مدة (١٠). وهذا القول أليق بظاهر الآية إذا قلنا بأنها محكمة. واختلفوا هل يعقد الهدنة غير الإمام أم لا يعقدها إلا الإمام. والجمهور على أنه لا يعقدها إلا الإمام. وذهب الطبري إلى أنه يجوز أن يعقد بغير إذن الإمام. والدليل على فساد هذا القول أن هذا من مصالح المسلمين فلا بد من نظر الإمام فيه وقد قال تعالى :﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ الآية، فلم يخاطب بذلك إلا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقصر تعالى الخطاب عليه إلا من أجل أن ذلك ليس لغيره وأن يعلم أن النظر في ذلك إنما هو للأئمة. ١ "والذين ذهبوا إلى أنه منسوخ" ساقط في (ب).. ٢ نسبه ابن عطية إلى ابن زيد وقتادة والحسن بن أبي الحسن وعكرمة. راجع المحرر الوجيز ٨/١٠٤.. ٣ قاله ابن عطية وقال: وإلى هذا ذهب الطبري. راجع المحرر الوجيز ٨/ ١٠٥.. ٤ "كان" ساقط في (أ)، (ز).. ٥ سعد بن عبادة: هو أبو ثابت سعد بن عبادة بن حارثة الخزرجي. صاحبي من أهل المدينة، أحد النقباء الإثني عشر. توفي سنة ١٤هـ/ ٦٣٥م. انظر الإصابة لابن حجر ٢/ ٢٧.. ٦ سعد بن معاذ بن النعمان بن امرؤ القيس بن أوس الأنصاري. توفي سنة ٥هـ/ ٦٢٥م. انظر الإصابة ٤/١٧١.. ٧ وقد ذكر ذلك ابن هشام في سيرته بلفظ: فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فذكر لهما واستشارهما فيه فقالا له يا رسول الله: أمر نحبه فنصنعه أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به أم شيئا تصنعه لنا. قال: "بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما". فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا، والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا بالسيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأنت وذاك". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ثم قال: ليجهدوا علينا. راجع سيرة ابن هشام ٣/ ١٣٣، ١٣٤.. ٨ نسبه القرطبي إلى عروة. راجع الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٤٠.. ٩ نسبه القرطبي إلى ابن جريج. راجع م. س.. ١٠ ذكره أيضا القرطبي عن ابن حبيب. راجع م. س.: ٨/ ٤١..

الأنفال 8:65

قوله تعالى :﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال﴾ إلى قوله تعالى :﴿ما كان لنبي﴾ : اختلف في قوله تعالى :﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ هل هو منسوخ أم محكم. فذهب الجمهور إلى أنه منسوخ وقالوا قد كان واجبا به ألا (١) يفر المسلمون عن عشرة أمثالهم ثم نسخ بقوله تعالى :﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾ فأجاز للمسلمين أن يفروا عن أكثر من ضعفهم. وذهب قوم إلى أن هذا ليس بنسخ وقالوا لم يكن قط واجبا أن لا (٢) يفر المسلمون من عشرة أمثالهم وإنما ذكر الله تعالى ذلك على جهة الندب للمسلمين أن يفعلوه ثم بين تعالى بالآي بعدها الواجب في ذلك، والآية الأولى إلى آخر الأبد مندوب إلى حكمها والقولان مرويان عن ابن عباس وقد اختلف الأصوليون هل يجوز نسخ الأثقل بالأخف أم لا (٣). وهذه الآية حجة لمن أجازه على القول بالنسخ فيها. ١ في (ب)، (ح): "من كان واجبا به أن لا يفر".. ٢ "لا" ساقط في غير (ج).. ٣ راجع ذلك عند ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/ ١٠٩..

الأنفال 8:66

قوله تعالى :﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال﴾ إلى قوله تعالى :﴿ما كان لنبي﴾ : اختلف في قوله تعالى :﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ هل هو منسوخ أم محكم. فذهب الجمهور إلى أنه منسوخ وقالوا قد كان واجبا به ألا (١) يفر المسلمون عن عشرة أمثالهم ثم نسخ بقوله تعالى :﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾ فأجاز للمسلمين أن يفروا عن أكثر من ضعفهم. وذهب قوم إلى أن هذا ليس بنسخ وقالوا لم يكن قط واجبا أن لا (٢) يفر المسلمون من عشرة أمثالهم وإنما ذكر الله تعالى ذلك على جهة الندب للمسلمين أن يفعلوه ثم بين تعالى بالآي بعدها الواجب في ذلك، والآية الأولى إلى آخر الأبد مندوب إلى حكمها والقولان مرويان عن ابن عباس وقد اختلف الأصوليون هل يجوز نسخ الأثقل بالأخف أم لا (٣). وهذه الآية حجة لمن أجازه على القول بالنسخ فيها. ١ في (ب)، (ح): "من كان واجبا به أن لا يفر".. ٢ "لا" ساقط في غير (ج).. ٣ راجع ذلك عند ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/ ١٠٩..

الأنفال 8:67

قوله تعالى :﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾ : اختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة، والذين ذهبوا إلى أنها منسوخة قالوا إنها نزلت والمسلمون قليل فأمر الله فيها بالقتل وعاتب على الأسر وترك القتل، فلما كثر المسلمون واشتدت شوكتهم أنزل الله تعالى التخيير فقال :﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ [محمد: ٤] وروي عن ابن عباس. وقال بعضهم كان الله تعالى قد أمر بإكثار القتل بقوله :﴿فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾ [الأنفال: ١٢] فأبى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر إلا أسر بعضهم رغبة في الفداء فصار ذلك معصية منهم ومخالفة فنزلت الآية (١). والذين ذهبوا إلى أنها محكمة اختلفوا فقالت جماعة الآية خبر، أخبر الله تعالى فيها أنه لا يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض، فلما أثخن في الأرض كان له أسرى، والأخبار لا تنسخ. وقيل إن سبب هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جمع أسارى (٢) بدر استشار فيهم أصحابه. فقال أبو بكر : يا رسول الله هم قرابتك ولعل الله تعالى أن يهديهم بعد للإسلام ففادهم واستبقهم ويتقوى المسلمون بأموالهم. وقال عمر بن الخطاب : لا يا رسول الله بل تضرب أعناقهم فإنهم أئمة الكفر. وقال عبد الله بن رواحة (٣) بل نجعلهم في واد كثير الحطب ثم نضرم عليهم نارا. وقد كان سعد بن معاذ قال وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش وقد رأى الأسارى قد كان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال. فأخذ بقول أبي بكر فنزلت الآية تخبر أن الأولى والأهيب على سائر الكفار القتل (٤). ١ ذكر ذلك ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/ ١١٤.. ٢ "لما جمع أسارى" ساقط في (ب)، (ح).. ٣ عبد الله بن رواحة: هو أبو محمد عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي صحابي جليل. توفي سنة ٨هـ/ ٦٢٩م. انظر الإصابة لابن حجر ٢/ ٣٠٦.. ٤ راجع أسباب النزول للواحدي ص ١٧٨..

الأنفال 8:68

وقوله تعالى :﴿لولا كتاب من الله﴾ : يحتمل أن يكون هذا الوعيد على ما فعلوه من المفاداة وترك القتل. وروي أنهم لما أسرعوا إلى الغنائم أنزلها الله تعالى. واختلف المفسرون في معنى كتاب من الله، فقيل المعنى لولا أن القرآن الذي صدقتم لما مسكم العذاب لأخذكم هذا الفداء. وقيل الكتاب السابق هو المغفرة لأهل بدر ما تقدم أو تأخر من ذنوبهم (١). وقيل هو ما كان الله تعالى قضاه في الأزل من إحلال الغنائم والفداء لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وكانت في سائر الأمم محرمة (٢). وقيل هو أن الله تعالى قضى أن لا يعاقب أحد على ذنب أتاه بجهالة، وهذا قول ضعيف. وقيل هو أن لا يعذب أحد بذنب قبل النهي عنه. وقيل هو ما قضاه الله تعالى من محو الصغائر لا باجتناب الكبائر، وذهب الطبري إلى دخول هذه المعاني كلها تحت اللفظ ولم يخصصه بمعنى دون معنى. ١ نسبه ابن عطية إلى سعيد بن جبير ومجاهد والحسن وابن زيد. راجع المحرر الوجيز ٨/ ١١٥.. ٢ نسبه ابن عطية إلى الحسن وابن عباس وأبي هريرة. راجع م. س..

الأنفال 8:69

وقوله تعالى :﴿فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا﴾ : قال المفسرون أحل الله بهذه الآية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ما كان محظورا على غيرهم من الغنائم لأنها لم تحل لأحد قبل أمة محمد صلى الله عليه وسلم وإنما كانت تنزل نار من السماء فتأكلها بدليل قوله عليه الصلاة والسلام : " لم تحل لأحد قبلنا " (١) ويعترض هذا القول في الآية بأن يقال قد كان حكم تحليل الغنم قبل وقعة بدر في السرية التي قتل فيها عمرو بن الحضرمي (٢)، فالأحسن أن يقال في الآية أنه إنما أراد فيها إلحاق ما يؤخذ من الأسارى بالغنائم التي تقدم تحليلها وسيأتي الكلام على حكم الأسارى في سورة القتال. وفي الآية دليل على جواز الأكل من الغنيمة قبل القسمة لأن إباحة الأكل منها (٣) مطلقة لم يخص قبل القسمة أو بعدها. ١ الحديث رواه مسلم عن أبي هريرة. كتاب الجهاد، باب: تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة ٥/ ١٤٥.. ٢ عمرو بن الحضرمي: هو عمرو بن عبد الله الحضرمي بن عبادة. قتل قبل بدر. انظر الإصابة لابن حجر ٣/ ٤.. ٣ في (ج): "فيها"..

الأنفال 8:72

قوله تعالى :﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء﴾ إلى قوله :﴿إن الله بكل شيء عليم﴾ : حكم الله تعالى بهاتين في المهاجرين والأنصار، فإن بعضهم أولياء بعض، فاختلف في مقتضى هذه الآية. فقيل في المؤازرة والمعونة واتصال الأيدي (١). والآية على هذا القول محكمة. وقيل هي في الميراث وذلك أن المسلمين كانوا يتوارثون بالهجرة فكان الرجل إذا أسلم ولم يهاجر لم يرث أخاه المهاجر (٢). وروي عن (٣) ابن عباس أنه قال : آخى (٤) النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه فكانوا يتوارثون بذلك. وقال عكرمة أقام الناس زمانا لا يرث الأعرابي المهاجر ولا المهاجر الأعرابي. والآية على هذه الأقوال منسوخة نسخها قوله تعالى :﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ على القول بأنها في الميراث أيضا. وقد اختلف فيها على حسب الاختلاف في الآية المتقدمة. قيل هي من ولاية المؤازرة والمعاونة فليست بناسخة ولا منسوخة، وإليه ذهب مالك رحمه الله تعالى. وقيل هي في ولاية المؤازرة وهي ناسخة كما تقدم. والذين ذهبوا إلى هذا اختلفوا هل هي منسوخة أو محكمة. فذهب قوم إلى أنها منسوخة لأنها اقتضت توريث جميع القرابات فنسخت بآية المواريث المبينة في سورة النساء. وذهب قوم إلى أنها محكمة وأنها في من يرث ممن جاءه ميراث في كتاب أو سنة وأنها آية مجملة مبينة بغيرها. وذهب أيضا قوم إلى أنها محكمة عامة في جميع القرابات وعلى هذا ينبني اختلاف العلماء في توريث من لا سهم له في كتاب ولا سنة من ذوي الأرحام وليس بعصبة كأولاد البنات وبني الأخوات وبنات الإخوة والعمة والخالة وعمة الأب والعم أخي الأب للأم والجد أبي الأم والجدة أم أبي الأم ومن أدلى بهم. فقالت طائفة إذا لم يكن للميت وارث له فرض مسمى فماله للموالي المعتقين (٥) فإن لم يكونوا فلبيت المال ولا يرث أحد من ذوي الأرحام المذكورين، وهو قول أبي بكر وعلي وغيرهم من أهل العلم وأهل المدينة والشافعي. وذهب قوم إلى أنهم يرثون ولا يرث بيت المال مع الرحم شيئا وهو قول الكوفيين والثوري (٦) وأحمد وغيرهم. وروي عن علي رضي الله تعالى عنه. واحتج من ذهب إلى هذا بقوله عز وجل :﴿وأولوا الأرحام﴾ الآية فحملوا الآية على عمومها وهو قول ضعيف بل الآية مجملة (٧) والمفسر يقضي عليها فينبغي أن يعتمد عليه. واختلف فيمن أولى بالصلاة على الميت الوالي أو الولي. فذهب مالك وأبو حنيفة وغيرهم إلى أن الوالي أولى. إلا أن مالكا قال في الوالي إن كانت إليه الصلاة. وقيل إنما ذلك للوالي الأكبر الذي تؤدى إليه الطاعة فأما غيره من الولاة فلا وإن كانت إليه الصلاة وهو قول مطرف (٨) وأصبغ وابن عبد الحكم. وحجة القول الأول أن الحسين بن علي (٩) قدم سعيد بن العاص (١٠) يوم مات أخوه الحسن (١١) وقال (١٢) لولا السنة ما قدمتك، وسعيد يومئذ أمير المدينة. وقيل الولي أحق من الوالي جملة وهو قول الشافعي وأبي يوسف واحتج أصحاب الشافعي بعموم قوله تعالى :﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾. ١ نسبه ابن عطية إلى الطبري. راجع المحرر الوجيز ٨/ ١١٩.. ٢ نسبه ابن عطية إلى ابن عباس وقتادة ومجاهد. راجع المحرر الوجيز ٨/ ١١٩.. ٣ "عن" ساقط في (أ)، (ج)، (ح)، (ز).. ٤ "آخى" ساقط في (ب).. ٥ "المعتقين" ساقطة في (ب).. ٦ "والثوري" ساقطة في (أ)، (ح).. ٧ في (ب)، (ج)، (ح): "محتملة".. ٨ مطرف: هو أبو عبد الله مطرف بن عبد الله بن الشخير العامري، بصري تابعي ثقة. توفي سنة ٩٥هـ/ ٧١٢م وقيل غير ذلك. نظر تهذيب التهذيب ١٠/ ١٧٣.. ٩ الحسين بن علي: هو الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله المدني، سبط الرسول صلى الله عليه وسلم أحد شباب الجنة روى عن جده وأبيه توفي سنة ٦١ هـ/ ٦٨١م. وقيل غير ذلك. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر ٢/ ٣٤٥.. ١٠ سعيد بن العاص بن أمية. اختلف في قاتله أهو علي بن أبي طالب أم سعد بن أبي وقاص. انظر الروض الأنف ٢/ ١٠٢.. ١١ الحسن: هو أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم. توفي سنة ٤٩ هـ/ ٦٧٣م. انظر الإصابة ٢/ ٢٤٢.. ١٢ في (ب)، (ج)، (ح): "وقالوا"..

الأنفال 8:75

قوله تعالى :﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء﴾ إلى قوله :﴿إن الله بكل شيء عليم﴾ : حكم الله تعالى بهاتين في المهاجرين والأنصار، فإن بعضهم أولياء بعض، فاختلف في مقتضى هذه الآية. فقيل في المؤازرة والمعونة واتصال الأيدي (١). والآية على هذا القول محكمة. وقيل هي في الميراث وذلك أن المسلمين كانوا يتوارثون بالهجرة فكان الرجل إذا أسلم ولم يهاجر لم يرث أخاه المهاجر (٢). وروي عن (٣) ابن عباس أنه قال : آخى (٤) النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه فكانوا يتوارثون بذلك. وقال عكرمة أقام الناس زمانا لا يرث الأعرابي المهاجر ولا المهاجر الأعرابي. والآية على هذه الأقوال منسوخة نسخها قوله تعالى :﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ على القول بأنها في الميراث أيضا. وقد اختلف فيها على حسب الاختلاف في الآية المتقدمة. قيل هي من ولاية المؤازرة والمعاونة فليست بناسخة ولا منسوخة، وإليه ذهب مالك رحمه الله تعالى. وقيل هي في ولاية المؤازرة وهي ناسخة كما تقدم. والذين ذهبوا إلى هذا اختلفوا هل هي منسوخة أو محكمة. فذهب قوم إلى أنها منسوخة لأنها اقتضت توريث جميع القرابات فنسخت بآية المواريث المبينة في سورة النساء. وذهب قوم إلى أنها محكمة وأنها في من يرث ممن جاءه ميراث في كتاب أو سنة وأنها آية مجملة مبينة بغيرها. وذهب أيضا قوم إلى أنها محكمة عامة في جميع القرابات وعلى هذا ينبني اختلاف العلماء في توريث من لا سهم له في كتاب ولا سنة من ذوي الأرحام وليس بعصبة كأولاد البنات وبني الأخوات وبنات الإخوة والعمة والخالة وعمة الأب والعم أخي الأب للأم والجد أبي الأم والجدة أم أبي الأم ومن أدلى بهم. فقالت طائفة إذا لم يكن للميت وارث له فرض مسمى فماله للموالي المعتقين (٥) فإن لم يكونوا فلبيت المال ولا يرث أحد من ذوي الأرحام المذكورين، وهو قول أبي بكر وعلي وغيرهم من أهل العلم وأهل المدينة والشافعي. وذهب قوم إلى أنهم يرثون ولا يرث بيت المال مع الرحم شيئا وهو قول الكوفيين والثوري (٦) وأحمد وغيرهم. وروي عن علي رضي الله تعالى عنه. واحتج من ذهب إلى هذا بقوله عز وجل :﴿وأولوا الأرحام﴾ الآية فحملوا الآية على عمومها وهو قول ضعيف بل الآية مجملة (٧) والمفسر يقضي عليها فينبغي أن يعتمد عليه. واختلف فيمن أولى بالصلاة على الميت الوالي أو الولي. فذهب مالك وأبو حنيفة وغيرهم إلى أن الوالي أولى. إلا أن مالكا قال في الوالي إن كانت إليه الصلاة. وقيل إنما ذلك للوالي الأكبر الذي تؤدى إليه الطاعة فأما غيره من الولاة فلا وإن كانت إليه الصلاة وهو قول مطرف (٨) وأصبغ وابن عبد الحكم. وحجة القول الأول أن الحسين بن علي (٩) قدم سعيد بن العاص (١٠) يوم مات أخوه الحسن (١١) وقال (١٢) لولا السنة ما قدمتك، وسعيد يومئذ أمير المدينة. وقيل الولي أحق من الوالي جملة وهو قول الشافعي وأبي يوسف واحتج أصحاب الشافعي بعموم قوله تعالى :﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾. ١ نسبه ابن عطية إلى الطبري. راجع المحرر الوجيز ٨/ ١١٩.. ٢ نسبه ابن عطية إلى ابن عباس وقتادة ومجاهد. راجع المحرر الوجيز ٨/ ١١٩.. ٣ "عن" ساقط في (أ)، (ج)، (ح)، (ز).. ٤ "آخى" ساقط في (ب).. ٥ "المعتقين" ساقطة في (ب).. ٦ "والثوري" ساقطة في (أ)، (ح).. ٧ في (ب)، (ج)، (ح): "محتملة".. ٨ مطرف: هو أبو عبد الله مطرف بن عبد الله بن الشخير العامري، بصري تابعي ثقة. توفي سنة ٩٥هـ/ ٧١٢م وقيل غير ذلك. نظر تهذيب التهذيب ١٠/ ١٧٣.. ٩ الحسين بن علي: هو الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله المدني، سبط الرسول صلى الله عليه وسلم أحد شباب الجنة روى عن جده وأبيه توفي سنة ٦١ هـ/ ٦٨١م. وقيل غير ذلك. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر ٢/ ٣٤٥.. ١٠ سعيد بن العاص بن أمية. اختلف في قاتله أهو علي بن أبي طالب أم سعد بن أبي وقاص. انظر الروض الأنف ٢/ ١٠٢.. ١١ الحسن: هو أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم. توفي سنة ٤٩ هـ/ ٦٧٣م. انظر الإصابة ٢/ ٢٤٢.. ١٢ في (ب)، (ج)، (ح): "وقالوا"..

التوبة 9:1

قوله تعالى :﴿براءة من الله ورسوله﴾ الآية : هذه الآية اقتضت تقدم عهد بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين أن النبي صلى الله عليه وسلم نقضه، إلا أنه اختلف في سبب النقض. والجمهور على أنه ما أراده المشركون من النقض. وقال بعضهم سببه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يحج لقابل لقرب أجله وكان المشركون يطوفون بالبيت عراة، والتعري محض شرك وكفر، فاقتضى ذلك نقض العهد. وهذا باطل لأنه لا يجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم نقض العهد لهذه العلة فإن من التمكن أن يخلي البيت ساعة طوافه ولا يمكن المشركين من الطواف فيما له استحالة كما طاف في عمرة القضاء وأخلى المشركون له البيت. وقوله تعالى :﴿ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا﴾ : يدل على أن الذين تقدم ذكرهم ووقع منهم مظاهرة أو مخاتلة خداع تقتضي نقض العهد والإخلال به. ولذلك قال :﴿كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله﴾ الآية [براءة: ٧] فإن قيل فإذا نقض العهد فلم أجلوا أربعة أشهر ؟ فالجواب أنه جاز الإمهال تلك المدة لما فيه من المصلحة من تدبر من أمهل وعاقبة أمره وعسى أن يكون ذلك داعية إلى الإسلام وإذا صح هذا فقد اتفق المفسرون لهذه الآية أن هذا التأجيل الأربعة أشهر دخل/ فيه من كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد وظهر منه أو تحسس من جهته نقض وكان مدة عهده ينصدم عند انقضاء الأربعة أشهر أو قبلها. واختلف في من كان من هؤلاء عهده يتمادى بعد الأربعة أشهر. فقيل – وهو قول الجمهور – إنه داخل فيمن ضرب له الأربعة أشهر. وقيل من كان عهده يتمادى بعد الأربعة أشهر (١) فهم الذين أمر الله تعالى أن يوفى لهم (٢). والأول أصح على ظاهر الآية. وأما من كان له عهد ولم يخف منه نقض فاتفقوا على أنه لم يدخل في التأجيل وأنه كان باقيا إلى أجله إن كان أجله أطول من الأربعة أشهر لاستثناء الله تعالى إياهم فيما بعد (٣). واختلفوا فيمن لم يكن له عهد من النبي صلى الله عليه وسلم هل هو داخل في هذا التأجيل أم لا. فذهب أكثرهم – منهم الضحاك – إلى أنه لم يدخل في ذلك. وذهب بعضهم – منهم السدي – إلى أنهم دخلوا فيه(٤) والأول أظهر لقوله تعالى :﴿إلا الذين عاهدتم﴾ [براءة: ٤] فإنما ذكر من عوهد بدليل هذا أن من لم يعاهد ليس كذلك. وقال موسى بن عقبة (٥) : كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول هذه الآية يكف عن قتال من لم يقاتله لقوله تعالى :﴿وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا﴾ [النساء: ٩٠] ثم نسخ ذلك بقوله تعالى :﴿براءة من الله ورسوله﴾ إلى قوله تعالى :﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم﴾ الآيات [براءة: ١ - ٥]. ١ في (ح) زيادة: "وهو قول الجمهور".. ٢ في (أ)، (ز): "إليهم".. ٣ راجع المحرر الوجيز ٨/ ١٢٦، ١٢٧ وكذلك أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٢٦٤ – ٢٦٦.. ٤ قال الكيا الهراسي: ومن لم يكن له عهد أمر أن يجعل له خمسين ليلة من يوم النحر إلى انسلاخ المحرم إلا حي من بني كنانة كان قد بقي من عهدهم تسعة أشهر فأمر الله تعالى أن يتم عهدهم إلى مدتهم وهو معنى قوله تعالى: ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين...﴾ إلى قوله: ﴿فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم﴾ [براءة: ٤]. راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ١٧٢، ١٧٣.. ٥ موسى بن عقبة: هو أبو محمد موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي. عالم بالسيرة له كتاب المغازي. توفي سنة ١٤١هـ/ ٧٥٨م. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر ١٠/ ٣٦٠..

التوبة 9:2

وقوله تعالى :﴿فسيحوا﴾ : معناه فقل لهم يا محمد (١) سيحوا في الأرض أي امشوا فيها آمنين هذه المدة. واختلفوا في أول هذه الأربعة الأشهر التي ذكرها الله تعالى. فقال ابن عباس وغيره أولها شوال، وحينئذ نزلت الآية وانقضاءها عند انسلاخ الأشهر الحرم، وانقضاء المحرم بعد يوم الأذان بخمسين يوما. قالوا فكان أجل من له عهد أربعة أشهر من يوم نزول الآية وأجل سائر المشركين خمسون ليلة من يوم الأذان. وهذا قول ضعيف لأن الأجل لا يلزم إلا من يوم سمع إلا أن يكون سمعت براءة أول شوال ثم كرر إشهارها مع الأذان (٢) يوم الحج الأكبر (٣). وقال السدي وغيره بل أولها يوم الأذان وآخرها العشر من ربيع الآخر وهي الحرم استعير لها هذا الاسم لهذه الحرمة وإلا من الخاص الذي رسمه الله تعالى وألزمه فيها (٤). والقول الأول أظهر في لفظ الآية لقوله تعالى :﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم﴾ [براءة: ٥] فدل أن بتمام الأشهر الحرم يتم العهد. ويقول (٥) أهل القول الثاني أن المعنى في ذلك اقتلوا المشركين الذين لا عهد لهم ألبتة، فكان على هذا أجل من لا عهد له خمسين يوما (٦) وهو مذهب أبي حنيفة (٧). ١ "معناه فقل لهم يا محمد" ساقط في (أ).. ٢ "وهذا قول.... إلى: مع الأذان" ساقط في (أ)، (ز).. ٣ في (أ): "يوم الحج الأخير".. ٤ راجع المحرر الوجيز ٨/ ١٢٦.. ٥ في (أ)، (ز): "يقول".. ٦ في (أ)، (ز): "خمسون ليلة".. ٧ في (أ)، (ز): "وهو قول أبي حنيفة"..

التوبة 9:3

وقوله تعالى :﴿وأذان من الله﴾ : أي إعلام منه. وقوله تعالى :﴿يوم الحج الأكبر﴾ [براءة: ٣] اختلف الناس فيه فقال عمر وابنه وغيرهما (١) هو يوم عرفة، وقيل هو يوم النحر وهو قول أبي هريرة، والقولان عن علي مرويان. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يوم النحر وبهذا يقول مالك. وقال سفيان بن عيينة المراد بقوله الحج الأكبر ها هنا أيام الحج كلها كما تقول يوم صفين ويوم الجمل. وقال مجاهد هي أيام منى كلها (٢). والذي تظاهر به الأحاديث أن عليا أذن بتلك الآية يوم عرفة إثر خطبة أبي بكر ثم رأى أنه لم يعم الناس بالإسماع فتتبعهم بالأذان بها يوم النحر وفي ذلك اليوم بعث معه أبو بكر من يعينه في الأذان بها كأبي هريرة وغيره، وتتبعوا أيضا أسواق العرب كذي المجاز وغيره (٣). فبسبب هذا اختلف الناس. واختلف أيضا لم وصف بالأكبر، فقيل لأنه حج ذلك العام المسلمون والمشركون وصادف/ أيضا عيد اليهود والنصارى (٤) وقيل لأنه حج فيه أبو بكر ونبذت فيه العهود وقيل الحج الأكبر بالإضافة إلى الحج الأصغر وهو العمرة (٥). وقال الشعبي بالإضافة إلى العمرة في رمضان فإنه الحج الأصغر، وقال مجاهد الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد، وقيل الحج الأكبر يوم النحر والأصغر يوم عرفة وهو قول منذر بن سعيد (٦) قال لأن الناس كانوا يقفون يوم عرفة بعرفة إذا كانت الحمس تقف بالمزدلفة وكان الجمع يوم النحر بمنى فلذلك كانوا يسمونه الحج الأكبر وذكر بعضهم أن هذا خطأ لأنه لم يقف أحد في حجة أبي بكر بالمزدلفة (٧). وليس كما قال. وقد حكى قوم من المفسرين (٨) أن الحمس ومن تبعها وقفوا بالمزدلفة في حجة أبي بكر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد افتتح مكة سنة ثمان واستعمل عليها عتاب بن أسيد (٩) ثم غزا غزوتين : حنينا والطائف ثم رجع إلى المدينة ثم خرج إلى تبوك ثم رجع في رمضان سنة تسع فأراد الحج (١٠) ولم يرد أن يحج والمشركون يحجون ويطوفون عراة فأمر أبا بكر أن يحج بالناس وأنفذه، ثم أتبعه عليا على العضباء لينادي (١١) في الناس بأربعة أشياء : ألا يحج بعد العام مشرك ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته. وفي بعض الروايات ومن كان بينه وبينه عهد فأجله أربعة أشهر يسيح فيها فإذا انقضت فإن الله بريء من المشركين ورسوله وهذه الرواية فيمن يتحسس منه نقض والأول فيمن لم يتحسس منه نقض. وذكر أن العرب قالت يومئذ نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطغى والرضا فلام بعضهم بعضا وقالوا ما تصنعون. وقد أسلمت قريش فأسلموا كلهم ولم يسح أحد. وحينئذ دخل الناس في دين الله أفواجا وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر عليا أن يقرأ على الناس من أول براءة. قيل أربعين آية وقيل ثلاثين وقيل عشرين وقيل عشر آيات وقيل تسع آيات (١٢) وقيل ثمان وعشرون آية (١٣). ١ وابن المسيب وعلي وابن عباس وعطاء ومجاهد. راجع المحرر الوجيز ٨/ ١٢٧.. ٢ راجع ذلك عند الجصاص أيضا في أحكام القرآن ٤/ ٢٦٨، ٢٦٩.. ٣ أورده ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/ ١٢٨.. ٤ نسبه ابن عطية إلى الحسن بن أبي الحسن وإلى عبد الله بن الحارث راجع المحرر الوجيز ٨/ ١٢٩. ونسبه الجصاص إلى ابن سيرين راجع أحكام القرآن ٤/ ٢٦٨.. ٥ نسبه ابن عطية إلى عطاء بن أبي رباح. راجع المحرر الوجيز ٨/ ١٢٩.. ٦ منذر بن سعيد: هو منذر بن سعيد بن عبد الله بن عبد الرحمن البلوطي الأندلسي صاحب أحكام القرآن. توفي سنة ٣٥٥هـ/ ٩٦٦م. انظر طبقات المفسرين للداودي ٢/ ٣٣٦.. ٧ وهو رأي ابن عطية فراجعه مع بقية الأقوال في المحرر الوجيز ٨/ ١٢٨.. ٨ نسبه ابن عطية إلى المهدوي راجع م. س.. ٩ عتاب بن أسيد: هو أبو عبد الرحمن عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس صحابي. توفي سنة ١٣هـ/ ٦٣٤م. انظر الإصابة لابن حجر ٢/ ٤٤٤.. ١٠ في (ج)، (ح): "أراد أن يحج".. ١١ "العضباء" كلمة ساقطة في (ب)، وفي (ح): "ليناهي".. ١٢ نسبه ابن عطية إلى النقاش. راجع المحرر الوجيز ٨/ ١٣٠، ١٣١.. ١٣ نسبه ابن عطية إلى سليمان بن موسى الشامي. راجع م. س..

التوبة 9:4

وقوله تعالى :﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا﴾ : استثني بهذه الآية من لم ينقض عهدا من المشركين وهم الذين بقي من عهدهم تسعة أشهر أي أنهم يتركون على عهدهم لا يكونون كمن نقض العهد فيضرب له أربعة أشهر. وقال قتادة هم قريش الذين عوهدوا من الحديبية، وهذا فاسد لأن قريشا كانت قد أسلمت يوم الفتح قبل أمر الله تعالى بالأذان بهذه الأشياء. ثم قال تعالى :﴿فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم﴾ فاختلف المفسرون على من يعود هذا الضمير ﴿إليهم عهدهم إلى مدتهم﴾ فقيل على (١) من ضرب له أربعة أشهر أي أتموا العهد الذي لهم إلى أربعة أشهر وهو قول ابن عباس. وقيل يعود على قوله :﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا﴾ وهذا مبني على الاختلاف في الضمير إذا تعقب شيئين. ويحتمل أن يعود على الأبعد منهما ويحتمل أن يعود(٢) على (٣) الأقرب منهما. فمنهم من يحمله على الأقرب وهو الأحسن ومنهم من يحمله على الأبعد، والأحسن في هذه الآية أن يعود على المستثنين. والذي يتحصل من الأحكام في هذه الآية أنه لا يجوز نقض عهد/ الكفار إلا بنقض ظاهر منهم أو توقع نقض أو إيهام من مدة العهد مثل أن يقول أقركم ما أقركم الله كما عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر ثم أجلاهم عمر رضي الله عنه ولا يجوز النقض بالاغتيال بل بإظهار نقض العهد إليهم. ويؤخذ من قوله تعالى :﴿ولم يظاهروا عليكم أحدا﴾ أن أهل العهد من الكفار إذا ظاهروا قوما من الأعداء فهو نقض سواء ظاهروا سرا أو جهرا. ويؤخذ من قوله تعالى :﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ أن هذه المدة غاية الآجال في استيفاء الحقوق. وقوله تعالى :﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ( ١ )﴾ يقتضي أن لا يبقى مشرك له عهد إلا وقد برئ الله منه بالعموم الظاهر. ولا يدخل في (٤) هذا العموم اليهود لأنه تعالى إنما برئ من عهد (٥) من كان على موادعة في الحرب وكف عن القتال وهو عهد المشركين من العرب. وأما عهد اليهود فليس كذلك لأنه إنما كان عهد قهر وغلبة وصغار فتخصص بهذا المعنى. ويجوز أن يكون لفظ المشركين مختص بغير أهل الكتاب ويقتضي ذلك منع أخذ الجزية منهم. ١ في (أ)، (ز): "عن".. ٢ "منهما ويحتمل أن يعود" ساقط في (أ)، (ز).. ٣ في (أ)، (ز): "وعلى".. ٤ "في" ساقطة في (ح).. ٥ "من عهد" ساقط في (أ)..

التوبة 9:5

وقوله تعالى :﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ : هذه الآية هي ناسخة لكل آية مهادنة أو ما جرى مجراها من القرآن. وقد ذكر بعضهم أن آيات المهادنة والموادعة المنسوخة بهذه الآية مائة آية وأربعة عشر آية (١) وقد اختلف في هذه الأشهر على أربعة أقوال : أحدها : أنها الأشهر (٢) المعلومة : رجب الفرد والثلاثة السرد : ذو القعدة والحجة والمحرم (٣). والثاني : شوال من سنة تسع إلى المحرم من سنة عشر. والثالث : أنها أربعة أشهر من يوم النحر من سنة تسع. والرابع : أنها تمام تسعة أشهر كانت بقيت من عهدهم. فأما الأول ففاسد لأن ترك القتال فيها منسوخ بالإجماع. والثاني باطل لأن الأجل إنما يكون من يوم الإعلام والإنزال. والرابع باطل أيضا لأن الله تعالى يقول : أربعة أشهر، وهذا يقول تسعة أشهر. والثالث هو الصحيح لأنه قال :﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ فاقتضى ذلك أن تكون المدة عقب الإعلام. وقال بعض من زعم أن الأشهر المذكورة في الآية هي المعلومة (٤) التي هي ثلاثة سرد وواحد فرد إنما علق الله تعالى قتال المشركين بانقضائها لأن آخرها الذي هو المحرم كان بانقضائه تنقضي الأربعة أشهر، وهذا قول حسن. وفي الآية أخبار كثيرة بين العلماء. وقد قال الأصم (٥) في هذه الآية : أريد بها من لا عهد له من المشركين فوجب أن يمسك عن قتالهم حتى ينسلخ الحرم وهو مدة (٦) خمسين يوما على ما ذكر ابن عباس (٧) واقتضت هذه الآية أيضا أن (٨) قتل (٩) المشركين بعد الأشهر المذكورة. واختلف في هذه الآية لأجل ذلك هل هي محكمة أم منسوخة. فقال قوم هي منسوخة بقوله تعالى :﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ [محمد: ٤] قالوا ولا يحل قتال أسير صبرا فإما أن يمن عليه وإما أن يفادى (١٠) وهو قول الضحاك وعطاء والسدي والحسن وغيرهم. وقيل بل هي محكمة. واختلف الذين ذهبوا إلى هذا هل هي ناسخة لقوله تعالى :﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ [محمد: ٤]. فذهب قوم إلى أنها ناسخة له وأنه لا يجوز في الأسير إلا أن يقتل ولا يجوز أن يمن عليه(١١) بالعتق ولا أن يفادى به، وهو قول مجاهد وقتادة وغيرهما. وذهب قوم بأنها ليست بناسخة لتلك وأن الآيتين محكمتان وهو قول ابن زيد (١٢). ثم اختلف على هذا القول(١٣) في ترتيب الآيتين، فقيل (١٤) آية براءة في عباد الأوثان فليس فيهم إلا القتل وآية سورة القتال في أهل الكتاب فقط ففيهم المن والفداء. قوله تعالى :﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم﴾ معناه وخذوهم أسرى للقتل (١٥) أو للمن أو للفداء (١٦) ثم بين ذلك قوله تعالى :﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ [محمد: ٤] وقد نسب جماعة هذا التأويل إلى ابن زيد. فهذه أربعة أقوال في حكم الأسير. أحدها القتل (١٧) خاصة وقيل المن والفداء خاصة وهو قول (١٨)، وقيل هو مخير في ذلك، وقيل أما ما (١٩) في عبدة(٢٠) الأوثان فالقتل خاصة وأما أهل الكتاب فالمن أو الفداء (٢١). وفي المسألة قول خامس أنه لا يجوز إلا المن والفداء بالمسلمين فأما بالمال فلا يجوز لأن ذلك تقوية لهم وهو أضعف الأقوال لعموم الآية لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فعل الوجهين جميعا ومذهب مالك أن الإمام مخير بين خمس (٢٢) خصال : إما أن يقتل وإما أن يمن فيستعبد أو يعتق أو تعقد له(٢٣) الذمة وتضرب (٢٤) عليه الجزية وإما أن يفادى. وهذان القولان (٢٥) أيضا على أن الآيتين محكمتان (٢٦). وذهب بعض المفسرين في ترتيب الآيتين إلى غير هذا وزعم أنه لم يأت عن ابن زيد أكثر من الآيتين محكمتين (٢٧) بل ذكره مكي والمهدوي (٢٨) عن ابن زيد، فقال هذا الزاعم (٢٩) قوله :﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم﴾ إنما هو في المشرك المحارب الذي لم يتمكن منه وليس للأسير فيها ذكر ولا حكم وإنما حكمه في الآية الأخرى وتلك الآية لا مدخل فيها لغير الأسير. وهو قول ضعيف لعموم آية السيف إذ لم يخص محاربا من غير محارب (٣٠)، وآية السيف هي قوله تعالى :﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ والأظهر في الآيتين الإحكام وإليه يذهب مالك وقد قرره رسول الله صلى الله عليه وسلم بفعله يوم بدر إذ قتل النضر بن الحارث (٣١) وعقبة بن أبي معيط (٣٢) صبرا وهما أسيران وفادى بقوم. واختلف في الحبشة والترك هل يقاتلون إذا أبوا من الإسلام أم لا على قولين في المذهب والمشهور عن ابن القاسم ومالك أنهم يقاتلون. وقد جاء عن غيرهما ما ظاهره أن لا يقاتلوا (٣٣) لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم : " اتركوا الحبشة ما تركوكم " ومن قوله : " اتركوا الرابضين ما تركوكم الحبشة والترك " (٣٤) والقول الأول أظهر لعموم قوله تعالى :﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ ولم يخص وما ذكر من الحديث محتمل فلا يعدل عن ظاهر القرآن بمحتمل. وفي قوله تعالى :﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ دليل على جواز قتلهم بأي وجه كان إلا أن الأخبار وردت بالنهي عن المثلة ويجوز أن يكون أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حين قتل أهل الردة بالإحراق والحجارة والرمي من رؤوس الجبال والتنكيس في الآبار تعلق بعموم الآية، وكذلك علي رضي الله تعالى عنه حين أحرق قوما من أهل الردة تعلق أيضا بهذا العموم. – وقوله تعالى :﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ : لم يقنع منهم تعالى بالاعتقاد حتى يظهروا الطاعة بالجوارح وذلك أنه اشترط في تخليتهم أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة أي أن يفعلوا هذه الأشياء مع إيمانهم. وقيل معناه أن يعترفوا بهما لا أن يفعلوهما. وإذا قلنا إنه إنما أراد فعلهما فالذي تقتضيه الأصول أن الإيمان إذا حصل فقد زال الكفر وما كان بعد ذلك من صلاة وزكاة ونحوهما فإنما هي طاعات أوجبها الله تعالى فمن تركها ولم يأت بها مع الإيمان فقد عصى، وفيها عقوبات على حسب ما ورد من الشرع في ذلك. وأما أن يقال إنه كافر بتركها فبعيد في قياس الشرع وإن كانت قد وردت أخبار تدل على تكفير من ترك الصلاة، والسابق من ظاهر الآية مثل ما وردت به الأخبار ولكنه يترك الظاهر لما هو أظهر. ولأجل هذا اختلف فيمن أسلم هل يقنع منه بكلمة الشهادة مع الاعتراف بالطاعة أم لا يقنع منه بكلمة الشهادة مع الاعتراف حتى يصلي. فمنهم من قال إنه إن نطق بكلمة الشهادة مع الاعتراف بما أظهر فذلك إعلام صحيح وإن رجع بعد ذلك فهو مرتد يقتل كما يقتل المرتد. ومنهم من قال إن صلى ولو ركعة فقد صح إسلامه وإن رجع بعد ذلك فهو مرتد وأما إن لم يصل فلا يكون مرتدا إن رجع عن إسلامه ولكنه يعاقب وهو قول ابن القاسم من أصحاب مالك والأول قول أصبغ وقاله ابن حبيب أيضا. ومتى قلنا بصحة إسلامه بالنطق بكلمتي الشهادة مع الاعتراف ثم ترك الصلاة فحكمه حكم المؤمن الأصلي بترك الصلاة وإذا لم نقل (٣٥) بصحة إسلامه بذلك حتى يصلي فهو ما لم يصل لا يحكم عليه في ترك الصلاة بحكم المؤمن الأصلي وذلك لأنه بعد لم يصح إسلامه (٣٦). وقد اختلف في المؤمن الأصلي يترك الصلاة بغير عذر مع إقراره بفرضها – لأن من لا يقر بفرضيتها فلا خلاف في كفره – فقيل هو كافر ينتظر به آخر وقت (٣٧) الصلاة (٣٨)، فإن صلى وإلا قتل وكان ماله لجميع المسلمين وهو قول علي وابن عباس وغيرهما وإليه ذهب ابن حبيب. والثاني أنه ليس بكافر ولكنه يقتل على فعل(٣٩) ذنب من الذنوب لا على كفر ويرثه ورثته المسلمون. وهو قول مالك والشافعي وجماعة سواهما. وقيل إنه لا يقتل بل يضرب ضربا مبرحا ويسجن حتى يتوب ويرجع ولا يقتل وهو قول ابن شهاب وغيره وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه (٤٠) والقول الأول أظهر إلى لفظ الآية، والقول الثاني في القياس والقول الثالث حجته قوله عليه الصلاة والسلام : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " (٤١). واختلفوا أيضا فيمن لا يؤدي الزكاة مع إقراره بفرضها لأنه إذا لم يقر بفرضها فهو كافر بلا خلاف. فقيل هو كافر (٤٢) وهو قول ابن حبيب، وقيل هو ليس بكافر وهو قول الجمهور، قالوا لكنه يضرب وتؤخذ منه كرها (٤٣) إلا أن يمتنع في جماعة فإنهم يقاتلون حتى تؤخذ منهم (٤٤). والقول الأول أظهر على لفظ الآية، والثاني أولى بالاتباع إذ هو الذي ذهب إليه جماعة الصحابة في قتال أهل الردة. ١ راجع الإيضاح صفحة ٢٦٧.. ٢ في (أ)، (ز): "الأربعة".. ٣ نسبه الفخر الرازي إلى الزهري. راجع التفسير الكبير ١٥/ ٢٢٠.. ٤ في (أ)، (ز): "الأربعة".. ٥ الأصم: هو أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم المعتزلي. صاحب المقالات في الأصول. انظر طبقات المفسرين للداودي ١/ ٢٦٩.. ٦ "مدة" ساقطة في (أ).. ٧ راجع قول الأصم في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/ ٧٢ وفي أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ١٧٥. وراجع قول ابن عباس في تنوير المقباس ص ١٥٣.. ٨ "أن" ساقط في (ج)، (د)، (هـ)، (و)، (ز).. ٩ في (أ): "قتال".. ١٠ من قوله: "فقال.... إلى: أن يفادى" ساقط في (أ)، (ز).. ١١ "عليه" ساقط في (أ)، (ز).. ١٢ راجع هذه الأقوال في الإيضاح ص ٢٦٥.. ١٣ في (أ)، (ز): "التأويل".. ١٤ في غير (أ)، (ج)، (ز): "فقال".. ١٥ "للقتل" ساقطة في (ح)، أما في (أ)، (ز): "للقتال".. ١٦ في (ب)، (هـ): "وللمن وللفداء".. ١٧ في (ب)، (ج)، (ح): "للقتل".. ١٨ بياض في غير (أ)، (ز).. ١٩ "أما" ساقط في (ب)، "ما" ساقط في غير (ب)، (ح).. ٢٠ في (هـ)، (و)، (ز): "عباد".. ٢١ راجع هذه الأقوال في الإيضاح ص ٢٦٧.. ٢٢ في (أ)، (ز): "خمسة".. ٢٣ في غير (أ)، (ز): "يعقد".. ٢٤ في غير (أ)، (ز): "يضرب".. ٢٥ في (أ): "وهذين القولين".. ٢٦ في (أ): "محكمتين".. ٢٧ من قوله: "وذهب.... إلى: محكمتين" ساقط في (أ)، (ب)، (هـ)، (و)، (ز).. ٢٨ المهدوي: هو أحمد بن عمار بن أبي العباس المهدوي المغربي أصله من المهدية ودخل الأندلس. له عدة مؤلفات منها التحصيل. توفي سنة ٤٤٠هـ/ ١٠٤٨م. انظر الوافي بالوفيات للصفدي ١/ ٢٥٧. - مكي بن أبي طالب حموش بن محمد القيسي صاحب الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه. توفي سنة ٤٣٧ هـ/ ١٠٤٦م. انظر طبقات المفسرين للداودي ٢/ ٣٣١.. ٢٩ الزاعم: لعله ابن عطية فراجع رأيه في المحرر الوجيز ٨/ ١٣٣.. ٣٠ "من غير محارب" ساقط في (ب)، (ح).. ٣١ النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة من بني عبد الدار من قريش صاحب لواء المشركين ببدر. انظر سيرة ابن هشام ٢/ ٣٥٨.. ٣٢ عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد مناف. من الذين أظهروا العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم. انظر سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠١.. ٣٣ في (أ)، (ز): "لا يقاتلون".. ٣٤ الحديث ذكره النسائي في كتاب الجهاد، باب: غزوة الترك والحبشة ٦/ ٤٣. وأبو داود بغير هذا اللفظ في كتاب الملاحم، باب: في قتال الترك ٤/ ٤٨٦.. ٣٥ في غير (ب)، (ج)، (ح): "لم يقل".. ٣٦ راجع أحكام التوبة في أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٢٧٠ – ٢٧٤، وفي أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ١٧٨، وفي التفسير الكبير للرازي ١٥/ ٢٢٦، وفي الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢/ ١٨٧، ٣/ ٣٦٥، ٥/ ٩١، ٨/ ٧٥.. ٣٧ في (أ)، (ز): "الوقت".. ٣٨ "الصلاة" ساقطة في (أ)، (ز).. ٣٩ "فعل" ساقطة في غير (ج)، (ح).. ٤٠ راجع مختلف هذه الأقوال أيضا في أحكام القرآن للجصاص ٨/ ٢٨١، وفي أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ١٨٧، وفي الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٧٤.. ٤١ الحديث رواه البخاري عن ابن عمر. كتاب الإيمان، باب: فإن تابوا وأقاموا الصلاة فخلوا سبيلهم ٢/ ١١، ١٢، ورواه مسلم عن أبي هريرة وعن عمر. كتاب الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله ١/ ٣٨.. ٤٢ فقيل هو كافر: بياض في (ب).. ٤٣ كرها: بياض في (ب).. ٤٤ راجع هذه الأقوال في أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٢٨١، وفي أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ١٨٧، وفي الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/ ٧٤..

التوبة 9:6

قوله تعالى :﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه﴾ إلى قوله :﴿فاستقيموا لهم﴾ : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بعد أن أمر بقتال المشركين أن يكون متى طلب منه مشرك عهدا ليسمع القرآن ويرى حال المسلمين فأما أن يسلم أو أن ينكص على عقبيه أن يعطيه ما سأل من العهد وهي الإجارة. ثم أمر بتبليغه إلى مأمنه إذا لم يرض الإسلام وأراد الرجوع إلى مأمنه. وقد اختلف العلماء هل هذا الحكم الذي اقتضته الآية محكم أو منسوخ لا يجوز أن يفعل مع المشرك. فذهب جماعة إلى أنه محكم وأن حكم غير الرسول صلى الله عليه وسلم من الأئمة (١) بل (٢) من المجاهدين حكم (٣) في ذلك ولا يحل للمجاهدين أن يقتلوا الكافر مع طلبه ذلك وأنها سنة قائمة إلى يوم القيامة، وهو قول الحسن ومجاهد. وقال قوم هو محكم ولكنها كانت في هذه الأربعة أشهر التي ضربت لهم أجلا ولم يعد إلى غير ذلك الوقت. وإذا قلنا بالقول الأول فلا يحل أن يخلوا المجاهدين من عالم يقوم بالمناظرة وإقامة الأدلة لأنه لا يؤمن أن يكون في الكفار من يطلب ذلك، والأمر في هذه الآية على الوجوب بخلاف الإجارة بغير الغرض المذكور في الآية. وذهب جماعة إلى أن هذا منسوخ بقوله تعالى :﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [براءة: ٥] وإلى هذا ذهب الضحاك والسدي (٤). – وقوله تعالى :﴿حتى يسمع كلام الله﴾ : يعني القرآن. وقوله تعالى :﴿ذلك بأنهم قوم لا يعلمون﴾ تنبيه بأنه إنما أمر بإجارتهم على الوجه المذكور لأنهم لا يدرون ما يدعوهم إليه المسلمون فينبغي أن يعلموا بذلك وحينئذ يقاتلون إن لم يقبلوا لأنه يعلم بذلك أنهم معاقدون، وفي هذه إشارة إلى الدعوة وقد مر الكلام عليها. ١ في (د) زيادة: "قال".. ٢ "من الأئمة بل" ساقط في (أ)، (هـ)، (ز).. ٣ في (هـ): "حكمه" وهي ساقطة في (أ)، (ز).. ٤ راجع هذه الأقوال في المحرر الوجيز ٨/ ١٣٥، وفي الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٧٦..

التوبة 9:7

وقوله تعالى :﴿كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله﴾ الآية : هو استفهام على وجه التعجب والاستبعاد، أي كيف يكون عهد عند الله وعند (١) رسوله لقوم نقضوا العهد، لكن الذين لم ينقضوا فلهم عهدهم وهم الذين عوهدوا عند المسجد الحرام. واختلف في المعنى بهذا، فقيل قريش (٢) وقيل بنو خزيمة بن الديل (٣) وقيل قبائل بني بكر لما دخلوا وقت الحديبية في الهدنة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش فلم يكن نقض إلا قريش وبنو الديل من بني بكر فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإتمام العهد لمن لم يكن نقض (٤). وقيل المعنى بذلك بخزاعة (٥). وقول من زعم أنهم خزاعة أو قريش مردود لأن قريشا وخزاعة قد كانوا أسلموا عام الفتح فلم يأت يوم الأذان إلا وهم مسلمون، والأذان بعد الفتح بسنة، قاله الطبري. ١ "وعند" ساقط في (أ)، (هـ)، (و)، (ز).. ٢ نسبه ابن عطية إلى ابن عباس فراجعه في المحرر الوجيز ٨/ ١٣٥.. ٣ نسبه ابن عطية إلى السدي فراجعه في م. س. ، ن. ص.. ٤ نسبه ابن عطية إلى ابن إسحاق فراجعه في المحرر الوجيز ٨/ ١٣٥.. ٥ نسبه ابن عطية إلى مجاهد فراجعه في م. س. ، ن. ص..

التوبة 9:9

قوله تعالى :﴿اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا﴾ : الآية نزلت في الطائفة من الكفار التي وصفها الله تعالى بما ذكر لما أعرضت عن آيات الله وقد أمكنها التمسك بها واختارت الكفر الذي كان في أيديها، وهذه الآية وإن كانت نزلت لما ذكرناه ففيها إشارة إلى تعظيم القرآن وأنه لا يجوز أن يبذل فيه ثمن قليل. واختلف في تعليم القرآن على أجر هل يجوز أم لا. فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا يجوز ومن حجتهم قوله تعالى :﴿اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا﴾ وكل ما جعل عوضا من آيات الله فهو قليل. وما جاء عن أبي هريرة قال : قلت يا رسول الله ما تقول في المعلمين ؟ قال : " درهمهم حرام ونومهم سحت وكلامهم رياء " (١). وما جاء من أن عبادة بن الصامت علم رجلا من أهل الصفة سورة من القرآن فأهدى إليه قوسا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن سرك أن يطوقك الله تعالى طوقا من نار فاقبله " (٢). وأجاز مالك والشافعي وغيرهم أخذ الأجرة على تعليم القرآن ومن حجتهم أن يقصروا الآية فيما نزلت فيه وما جاء من حديث المتزوج بالقرآن (٣). واختلف أيضا في التزوج (٤) بتعليم القرآن أو سورة منه فأجازه الشافعي ولم يجزه أبو حنيفة ولا مالك في المشهور عنه. ومن حجة من لم يجزه (٥) ظاهر الآية ولكنه يشبه النكاح بالمجهول. ومن حجة من أجازه حديث المتزوج المشهور. واختلف أيضا في أخذ الأجر في الصلاة فلم يجزه أبو حنيفة وأصحابه وأجازه الشافعي واختلف فيه قول مالك، ومن حجة من لم يجزه أيضا الآية لأنه من نوع بيع آيات الله بثمن. ١ وذكر السيوطي في اللآلئ أن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التعليم والأذان بالأجرة. انظر كتاب العلم ١/ ٢٠٦.. ٢ الحديث رواه أحمد عن عبادة بن الصامت في مسنده ٥/ ٣١٥.. ٣ والحديث فيه طول، آخره قول الرسول صلى الله عليه وسلم للرجل الذي أراد أن يتزوج: "ماذا معك من القرآن؟" قال: معي سورة كذا وسورة كذا. فقال: "تقرؤهن عن ظهر قلب". قال: نعم. قال: "اذهب فقد ملكتكما بما معك من القرآن"، وفي حديث آخر: قال: "انطلق فقد زوجتكما فعلمها من القرآن". رواه مسلم، كتاب النكاح، باب: الصداق وجواز كونه تعليم قرآن ٤/ ١٤٣.. ٤ في (ح): "التزول".. ٥ في (أ)، (ب)، (و)، (ز): "من لا يجيزه"..

التوبة 9:12

وقوله تعالى :﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ( ١٢ )﴾ : اختلف في الذمي يطعن في الشريعة بأن يكذب النبي صلى الله عليه وسلم أو يسبه أو نحو ذلك. فقيل يقتل جملة من غير تفصيل وهو قول الشافعي، وقيل إذا كفر وأعلن بما هو معهود من معتقده وكفره أدب على الإعلان وترك، وإذا كفر بما ليس بمعهود في كفره كالسب ونحوه قتل. وقيل لا يقتل جملة من غير تفصيل وحكى ذلك عن أبي حنيفة قال لأن ما هم عليه من الشرك أعظم. وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب قتله، وبقتل كعب بن الأشرف (١) وكان معاهدا (٢). والذين ذهبوا إلى أنه يقتل اختلفوا هل تقبل له توبة أم لا، ففيه عن مالك روايتان. وكذلك اختلف إذا سب النبي صلى الله عليه وسلم ثم أسلم هل يقبلها أم لا على قولين منصوصين في المذهب، والأظهر في هذا كله أن تقبل توبته لقوله تعالى في هذه الآية :﴿فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون﴾ (٣) وقوله تعالى :﴿فقاتلوا أئمة الكفر﴾ أن المقدم على نكث العهد والطعن في الدين صار رأسا في الكفر فهو من أئمة الكفر على هذا التأويل ؟ وظاهر الآية يقتضي توقف قتاله عن النكث والطعن وكل واحد منهما يبيح ذلك على انفراده. فالمعنى إن نكثوا أيمانهم حل قتالهم وإن لم ينكثوا وطعنوا في الدين مع الوفاء بالعهد حل قتالهم، وهذا التأويل ينبني عليه القول بالقتل. ١ كعب بن الأشرف: شاعر جاهلي من طي، وأمه من يهود بني النضير كان يحرض اليهود على المسلمين بعد بدر. قتله محمد بن مسلمة سنة ٣ هـ/ ٦٢٥ م. انظر المنجد في اللغة والأعلام صفحة ٥٩٠.. ٢ راجع نحو ذلك في المحرر الوجيز ٨/ ١٤٠، ١٤١، وفي أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ١٨٣، وفي الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٨٢، ٨٣.. ٣ نسبه القرطبي إلى مالك والليث وأحمد وإسحاق ومحمد بن سلمة وعلي فراجعه في الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٨٢..

التوبة 9:28

قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ : اختلف في وصف الله تعالى لهم (١) بالنجس لم هو. فقال قتادة وغيره لأنهم (٢) جنب إذ غسلهم (٣) من الجنابة ليس بغسل. وقال ابن عباس وغيره بل معنى (٤) الشرك (٥) الذي نجسهم (٦) كنجاسة الخمر (٧). ومن أهل العلم من صار إلى الحكم بنجاستهم حقيقة حتى ينجسوا الماء بملاقاتهم له (٨). وقال آخرون لم يرد الله تعالى نجاستهم لكن جعلهم كالنجاسة في المنع (٩) من قرب (١٠) المسجد كالمنع في ذلك من النجاسات، فالمراد بذلك التشبيه (١١) واختلف في إيجاب الغسل على المشرك إذا أسلم، فالجمهور (١٢) من أهل (١٣) المذهب على إيجاب الغسل عليه وهذا القول مبني على قول من يرى أن المشرك إنما وصفه الله تعالى بالنجاسة لجنابته. وذهب ابن عبد الحكم إلى (١٤) أنه لا يجب عليه الغسل وهذا مبني على أن وصفه بالنجاسة إنما هو (١٥) لمعنى الشرك لا لمعنى الجنابة وروي أيضا عن مالك وابن القاسم مثله (١٦). واختلف فيمن صافح مشركا هل يتوضأ أم لا ؟ فذهب الحسن إلى أنه يتوضأ – يريد والله تعالى أعلم الوضوء اللغوي – والجمهور على أن ذلك لا يلزم إلا أن تتعلق به نجاسة. وكان الحسن لما وصفهم الله تعالى بالنجاسة حملهم على النجاسة وإن لم تظهر منهم. واختلف في المشركين من هم، فقيل الوثنيون خاصة (١٧)، وقيل هم الوثنيون وغيرهم من أهل الكتاب ومن الكفار (١٨). قال بعضهم وإنما سمي أهل الكتاب مشركين وإن لم يشركوا لأن من كفر بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فقد نسب ما لا يكون إلا من الله تعالى إلى غير الله تعالى فأشرك معه غيره. وفائدة الخلاف في هذا تتبين في صفة (١٩) مناكحهم (٢٠) وذبائحهم وغير ذلك. واختلف هل هذه الآية ناسخة (٢١) لما كان صلى الله عليه وسلم صالح به المشركين أن لا يمنع من البيت أحد أم لا على قولين (٢٢). وقد اختلف في دخول أهل الكتاب وغير أهل الكتاب من الكفار المساجد. فذهب مالك رحمه الله تعالى إلى أنه يمنعون من دخول (٢٣) المسجد الحرام وغيره من المساجد، فحمل المشركين على العموم في الكتابيين وغيرهم أو على غير أهل الكتاب، وقاس عليهم أهل الكتاب وقاس على المسجد الحرام سواه. وتأول الآية التي قبل هذه :﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر﴾، وقوله تعالى :﴿إنما يعمر مساجد الله﴾، وبمثل هذا كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله واحتج في كتابه بهذه الآية. ويؤكد هذا القول قوله تعالى :﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾ [النور: ٣٦]، وقوله تعالى :﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ [الحج: ٣٢] وذهب الشافعي إلى أن الكفار كلهم يمنعون من دخول المسجد الحرام خاصة ولا يمنعون من سواه، فحمل المشركين على العموم أو على (٢٤) الخصوص وقاس ولم يقس على المسجد الحرام سواه ولا تأول الآية التي قبل هذه الآية فأجاز (٢٥) دخول أهل الكتاب وغيرهم فيما عدا المسجد الحرام. ومن حجته أيضا ربط ثمامة بن أثال في المسجد. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يدخل المشركون الذين ليسوا بأهل كتاب في المسجد الحرام خاصة فقصر المشركين في الآية على من ليس له كتاب كعبدة الأوثان ولم يقس على المسجد الحرام سواه فأباح دخول أهل الكتاب في المسجد الحرام وغيره ودخول عبدة الأوثان في سائر المساجد. وذهب جابر بن عبد الله (٢٦) وقتادة إلى أنه لا يقرب المسجد الحرام مشرك إلا أن يكون صاحب جزية أو عبدا لمسلم فقصر المشركين على ما عدا هذين النوعين ولا يعلم لهما دليل على هذا (٢٧). وذهب قوم إلى أنه لا يمنع من دخول المسجد الحرام ولا غيره مشرك كتابيا كان أو غير كتابي ونسبه بعضهم إلى أبي حنيفة وقال الحجة عليه قوله تعالى :﴿فلا يقربوا المسجد الحرام﴾ [براءة: ٢٨]، قال : وإن قال أبو حنيفة معناه لا يقربوه للطواف خاصة والحجة أنه يحمل على ظاهره، وظاهره العموم حتى يدل دليل على التخصيص. واختلف في المشركين هل يدخلون الحرم أم لا. فالجمهور على أنهم لا يمنعون لأن الله تعالى إنما قصر النهي عن المسجد الحرام خاصة فغاية هذا أن يقاس عليه سائر المساجد. وذهب عطاء إلى (٢٨) أنهم يمنعون (٢٩) من دخوله وقال وصف الله تعالى المسجد بالحرام في منع القرب يقتضي منعه من جميع الحرم (٣٠). وقوله تعالى :﴿فلا يقربوا المسجد الحرام﴾ مقتضاه الأمر للمسلمين لمنعهم من قرب المسجد الحرام. وقوله تعالى :﴿بعد عامهم هذا﴾ يريد عام حج أبي بكر وكان عام تسعة من الهجرة. وقوله :﴿وإن خفتم عيلة﴾ معناه أن المسلمين لما منعوا المشركين من الموسم وهم كانوا يجلبون الأطعمة والتجارة خافوا على أنفسهم من العيلة – وهي الفقر – فوعدهم الله تعالى بأنه يغنيهم من فضله (٣١). قال الضحاك يفتح عليهم باب أخذ (٣٢) الجزية من أهل الذمة بقوله تعالى :﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ وقال عكرمة أغناهم بإدرار المطر عليهم (٣٣). ١ "لهم" ساقطة في (ح).. ٢ في غير (ج): "لأنه".. ٣ في غير (ج): "أن غسله".. ٤ في (ج)، (ح): "معناه".. ٥ في (أ)، زيادة: "هو".. ٦ في غير (ج): "نجسه".. ٧ راجع نحو ذلك في المحرر الوجيز ٨/ ١٥٦، ١٥٧، وفي الجامع لأحكام القرآن ٨/ ١٠٣.. ٨ قال الحسن البصري: من صافح مشركا فليتوضأ – راجع ذلك في المحرر الوجيز ٨/ ١٥٧.. ٩ في (أ): "في المعنى".. ١٠ في (أ): "في قرب".. ١١ راجع هذا الرأي في أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٢٧٨.. ١٢ في (ب)، (ح): "فالمشهور".. ١٣ "أهل" ساقطة في (أ).. ١٤ "إلى" ساقط في (ب)، (ح)، (د)، (هـ)، (و).. ١٥ "لجنابته.... إلى: إنما هو" ساقط في (ب)، (د)، (هـ).. ١٦ راجع هذا الرأي في المحرر الوجيز ٨/ ١٥٧.. ١٧ نسبه ابن عطية إلى أبي حنيفة. راجع المحرر الوجيز ٨/ ١٥٧.. ١٨ نسبه ابن عطية إلى مالك، راجع م. س. ، ن. ص.. ١٩ "في صفة" ساقط في (ب)، (هـ).. ٢٠ في (ز): "مناكحتهم".. ٢١ "ناسخة" ساقطة في (ح).. ٢٢ راجع الإيضاح صفحة ٢٧٠.. ٢٣ "من دخول" ساقط في (أ).. ٢٤ "على" ساقط في (ب)، (ح).. ٢٥ في (هـ): "فجوز".. ٢٦ جابر بن عبد الله الأنصاري السلمي، من علماء الصحابة ومن المكثرين من الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم روى له البخاري ومسلم ألفا وخمسمائة وأربعين حديثا. توفي سنة ٧٨هـ/ ٦٩٧م. انظر الأعلام ٢/ ٩٢، الإصابة ١/ ٢١٣.. ٢٧ "على هذا" ساقط في (أ)، (ز).. ٢٨ من قوله: "على أنهم... إلى: وذهب عطاء إلى" ساقط في (أ)، (ز).. ٢٩ في (أ)، (ز): "لا يمنعون"، والصواب ما أثبتناه.. ٣٠ راجع الإيضاح ٢٧٠.. ٣١ في (ح) زيادة: "الله".. ٣٢ "أخذ" كلمة ساقطة في (ب)، (ج)، (ح).. ٣٣ راجع التفسير الكبير ١٦/ ٢٦، والمحرر الوجيز ٨/ ١٥٨..

التوبة 9:29

قوله تعالى :﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله﴾ إلى قوله سبحانه :﴿وهم صاغرون﴾ : هذه الآية تقتضي أن يقاتل أهل الكتاب حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية. وعند نزولها نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في جهاد الروم وسار إلى تبوك (١). وقد اختلف فيها هل هي ناسخة أم لا. فقال قوم هي ناسخة لما في القرار من الترك لقتال المشركين، وقال بعضهم هي ناسخة لقوله تعالى :﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ (٢) لأن هذه الآية اقتضت (٣) أن يقتلوا ولا تؤخذ منهم جزية، وهذه الأخرى (٤) اقتضت أن يقاتلوا (٥) إلا أن يؤدوا (٦) الجزية. وذهب جماعة إلى أنها ليست بناسخة وأنها مبينة. واختلف في كيفية تبيينها، فقيل إن قوله تعالى :﴿فاقتلوا المشركين﴾ أراد به من ليس من أهل الكتاب، وأراد في هذه الآية أهل الكتاب وقيل قوله تعالى (٧) :﴿فاقتلوا المشركين﴾ عام للصنفين وللأحوال إلا أنه خصص من ذلك العموم بآية الجزية من أدى الجزية خاصة وهو أحسن ما يقال في ذلك (٨). وقوله تعالى :﴿الذين لا يؤمنون بالله﴾ هم أهل الكتاب كما فسره تعالى بعد ذلك، وأهل الكتاب معترفون بالإيمان بالله تعالى فيحتمل هذا الإيمان ثلاثة تأويلات : أحدها : أنهم لا يؤمنون بكتاب الله وهو كما فسر تعالى بعد ذلك. والثاني : أنهم لا يؤمنون برسوله محمد صلى الله عليه وسلم لأن تصديق الرسل إيمان بالرسل. والثالث : أن منهم من يقول في الله تعالى ثالث ثلاثة وعزير ابن الله فلذلك نفى عنهم الإيمان. وقوله تعالى :﴿ولا باليوم الآخر﴾ فيه أيضا تأويلان : أحدهما : لا يخافون وعيد اليوم الآخر وإن كانوا مقرين بالثواب والعقاب. والثاني : أنهم يكذبون ما وصفه الله تعالى من أنواع العذاب. وقوله تعالى :﴿ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله﴾ فيه تأويلان : أحدهما : ما أمر الله تعالى بنسخه من شرائعهم. والثاني : ما أحله لهم وحرمه عليهم. وقوله تعالى :﴿ولا يدينون دين الحق﴾ فيه أيضا تأويلان : أحدهما : ما في التوراة والإنجيل من اتباع الرسول (٩) وهذا قول الكلبي. والثاني : الدخول في دين الإسلام وهو قول الجمهور. وقوله تعالى :﴿من الذين أوتوا الكتاب﴾ فيه تأويلان أيضا : أحدهما : من أبناء الذين أوتوا الكتاب. والثاني : أنهم من الذين بينهم الكتاب لأنهم في اتباعه كإتيانه. وقوله تعالى :﴿حتى يعطوا الجزية﴾ فيه تأويلان أيضا : أحدهما : حتى يدفعوا الجزية، والثاني : حتى يضمنوها. وفي الجزية تأويلان أيضا أحدهما أنها من الأسماء المجملة، والثاني أنها من الأسماء العامة. والجزية تؤخذ من الكفار وسميت بذلك لأنها جزاء على الكفر. وقيل هي مشتقة من الاجتزاء الذي بمعنى الكفاية، أي أنها تكفي من يوضع ذلك فيه من المسلمين أو تجزئ عن الكافرين عصمتهم. وقوله تعالى :﴿عن يد﴾ فيه ست تأويلات : أحدها : عن غنى وقدرة. والثاني : أن يعتقدوا أن لهم في أخذها منهم يدا عليهم. والثالث : أن يريد سوق الذمي لها بيده لا مع الرسول ليكون ذلك إذلالا له. والرابع : أن يريد عن قوة منكم عليهم وقهر. والخامس : أن يريد أن ينفذوها ولا يؤخروها كما تقول بعثه يدا بيد. والسادس : أن يريد عن استسلام منهم وانقياد. وقوله تعالى :﴿وهم صاغرون﴾ فيه ثلاث تأويلات : أحدها : إذلالا مستكينون، والثاني : أن تجري عليهم أحكام الإسلام، والثالث :- وجاء هذا عن عكرمة – أن يكون قابضها جالسا والدافع من أهل الذمة قائما (١٠). وهذه الآية تعطي بدليل الخطاب ترك أخذ الجزية من غير أهل الكتاب، وقد اختلف في ذلك، فقيل تؤخذ من جميعهم (١١) وحكي عن مالك قريب منه. وقيل تؤخذ من جميعهم غير مشركي قريش (١٢) وهو (١٣) المروي عن مالك. وقيل تؤخذ من جميعهم ما عدا مشركي العرب، وهو قول أبي حنيفة وإليه ذهب ابن حبيب وابن وهب. وقيل تؤخذ الجزية مما عدا أهل الكتاب وهو قول الشافعي وإليه ذهب ابن الماجشون (١٤). فمن ذهب إلى قول الشافعي هذا احتج بدليل خطاب الآية وبه احتج الشافعي. والحجة عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لأمراء السرايا : " إذا لقيتم العدو فادعوهم إلى الإسلام فإن أجابوا وإلا فالجزية فإن أعطوا وإلا فقاتلوهم " (١٥). ولم يخص مشركا دون مشرك فرفع هذا الحديث دليل خطاب الآية وخبر الآحاد إذا عارض دليل خطاب الآية فمن أهل العلم من يقدم الحديث ومنهم من يقدم دليل الخطاب. وقد توهم أن هذه الآية في جميع الكفار وأنهم أصناف، منهم الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر وهؤلاء غير أهل الكتاب وذلك قوله تعالى :﴿ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله﴾ من صفة غير أهل الكتاب أيضا وقوله تعالى :﴿ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب﴾ هو وصف أهل الكتاب. وذكروا أن ظاهر هذا يقتضي أخذ الجزية من أصناف الكفار إلا ما قام دليل (١٦) الإجماع عليه في حق مشركي العرب. قال بعضهم وهذا القول باطل وإنما هي صفات كلها لصنف واحد وهم أهل الكتاب ولو كان على ما توهموا لكان والذين لا يدينون دين الحق فإن قيل حذف الذين وبقي المعنى على ما كان عليه قيل لهم هذا لا يجوز لما فيه من حذف الموصول وبقاء الصلة. واختلف في المجوس هل تؤخذ منهم جزية أم لا، فمن ذهب إلى أنهم أهل كتاب – وهو يروى عن علي رضي الله تعالى عنه وهو أحد قولي الشافعي – فيرى أخذ الجزية منهم بنص القرآن، ويروى أنه بعث فيهم نبي يقال له زرادشت (١٧). ومن لم يرهم أهل كتاب فجمهورهم يقول تؤخذ منهم الجزية لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " (١٨) فيوجب أخذ الجزية منهم بالسنة ويراها قاضية على دليل خطاب الآية. ومنهم من لا يرى أخذ الجزية منهم ويقدم دليل الخطاب على ما جاء من السنة أو يتأول السنة، وقد ذكره اللخمي (١٩) عن ابن الماجشون وقال لا تؤخذ الجزية من مجوس العرب وتقبل من غير مجوس العرب وإليه ذهب ابن وهب قال (٢٠) وقد قبلها النبي صلى الله عليه وسلم من مجوس هجر ولم يقبلها من غيرهم (٢١). وقد حكى بعضهم (٢٢) الإجماع في أن المجوس تقبل منهم الجزية، وليس بصحيح لما قدمناه. واختلف في الكتابيين من العرب هل تؤخذ (٢٣) منهم جزية جملة أيضا، وعند الشعبي أنهم إن كانوا قد دانوا بذلك الدين بعد نزول القرآن فلا تقبل منهم جزية وإن كانوا (٢٤) قد دانوا به قبل نزول القرآن فتقبل منهم الجزية، وحجتنا قوله تعالى :﴿من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية﴾ فعم. فأما أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى باتفاق فلا خلاف في جواز أخذ الجزية (٢٥) منهم لنص هذه الآية. وأما هل يلزمنا أخذها منهم والكف عنهم إذا بذلوها لنا أم لا فرأيت لبعض أشياخ الأندلس وحكاه عن أشياخه أن ذلك ليس بلازم لنا (٢٦) وأن الإمام مخير في ذلك، قال والذي يدل على ذلك ما رواه أبو هريرة (٢٧) وهو قوله عليه الصلاة والسلام : " يوشك أن ينزل فيكم عيسى ابن مريم حكما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد " (٢٨) وموضع الدليل من الحديث قوله عليه الصلاة والسلام : " ويضع الجزية "، إذ أجمعوا أن معناه أنه لا يقبل أي لا يقبل إلا الإسلام والسيف. وعيسى عليه السلام ليس ينزل بشرعه القديم ولا بشرع جديد وإنما ينزل بتنفيذ شرع نبينا صلى الله عليه وسلم، فلو كان قبول الجزية في شرعنا حقا علينا لما أبى عليه السلام من قبول الجزية إذا بذلت له على شروطها (٢٩) ولكنها حق لنا فلذلك لم يقبلها عليه السلام واستمر القتال على القتال حتى يدخل الناس في الإسلام. والذي عندي (٣٠) أن هذا باطل. وقد حكى جماعة من أشياخنا الإجماع على وجوب قبول الجزية منهم على شروطها المعلومة، وأما استدلاله بالحديث فضعيف لأنه وإن كان عيسى عليه السلام إنما ينزل بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فمن شريعته أن لا يقبل عيسى الجزية من اليهود ولذلك قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ذلك فتجب علينا نحن أن نقبل الجزية بشريعته عليه الصلاة والسلام ويجب على عيسى عليه السلام أن لا يقبلها بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم أيضا مع أن هذا الحديث حديث آحاد ودليل القرآن أقوى منه. وقوله تعالى :﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ هذا هو (٣١) الدليل على قبول الجزية لأن دليل خطابه فإذا أعطوا الجزية فكفوا عنهم ونحو ذلك. ودليل مثال هذا الخطاب قد قال به أكثر المنكرين لدليل الخطاب، وأصر على إنكار القول به أصحاب أبي حنيفة وبعض المنكرين للمفهوم، وقالوا هذا نطق بما قبل الغاية وسكوت عما بعد الغاية فيبقى على ما كان قبل النطق، وتردد فيه القاضي (٣٢) وقال قد كنا نظرنا في كتب إبطال حكم الغاية فيبقى على ما كان قبل النطق (٣٣) والقول بها أصح عندنا. فمن قال بدليل خطاب هذه الآية فحسبه ذلك حجة في وجوب (٣٤) قبول الجزية والكف عند ذلك وبعد ذلك يستظهر بالحديث ومن لم يقل به فاستناده في وجوب قبول الجزية (٣٥) الأحاديث التي تكاد أن تخرج عن الحصر في أمره صلى الله عليه وسلم سراياه بقبول الجزية إذا بذلت أم كيف أن الإجماع صحيح في ذلك (٣٦). واختلف هل يترك أهل الكفر مع أهل الإسلام في موضع واحد وإن أدوا الجزية ولأهل الإسلام قوة على إجلائهم والاستغناء عنهم كان لهم عقد صلح أم لا. فذهب جماعة إلى أنهم يتركون في جميع البلاد جزيرة العرب كانت أو غيرها وهو مذهب أبي حنيفة. وذهب بعضهم إلى أنهم يجلون (٣٧) من جميع البلاد التي للمسلمين. وذهب قوم إلى أنهم يجلون من جزيرة العرب خاصة وهو قول الشافعي قال(٣٨) ولا يمنعون من الاجتياز بها مسافرين ولا يقيمون أكثر من ثلاثة أيام. وأما مكة وحرمها فلا يدخلونها لا مقيمين ولا مجتازين، وإن دفن بها ذمي ينبش قبره. وفي وجوب نبشه قولان. وقيل بل يجلون من كل البلاد (٣٩) التي اختطها المسلمون ولم تكن لأهل الكتاب فزل عليهم المسلمون (٤٠) وهو قول يحيى بن آدم (٤١). فأما القول الأول فحجته دليل خطاب الآية لأنه يقتضي الكف عنه بأداء الجزية، وفي الكف عنه أن لا يجلوا. وتأولوا ما جاء من الأحاديث ما يخالف ذلك. وحجة القول الثاني – وإليه ذهب الطبري – ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عند موته : " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب " (٤٢) ولم يقر دينين بأرض العرب. وقال ليهود خيبر " أقركم ما أقركم الله "، وكان شطر القضاء فيهم. قال عمر فينا نحن في المسجد وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " انطلقوا بنا إلى يهود " فخرج حتى جئنا بيت المدارس فقال : " أسلموا تسلموا واعلموا أن الأرض لله ولرسوله وأني أريد أن أجليكم من هذه الأرض فمن وجد منكم بماله شيئا فليبعه وإلا فاعلموا أن الأرض لله ولرسوله " (٤٣). قال الطبري : وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم جزيرة العرب بالذكر لأن الإسلام لم يكن يومئذ ظهر في غيرها ظهور قهر، فكل بلد ظهر فيه الإسلام وجب أن يصنع فيه ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في جزيرة العرب. قال الطبري : ينبغي أن يؤجلوا في الخروج ثلاثة أيام بلياليها كالذي فعل الأئمة الأبرار عمر وغيره. وقد حكي أن منادي علي كان ينادي كل يوم : لا يثبتن بالكوفة يهودي ولا نصراني ولا مجوسي ألحقوا بالحيرة. وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تصلح قبلتان في أرض " (٤٤). فهذا حد ١ في (ج)، (ح): "الروم".. ٢ من قوله: "أم لا فقال قوم... إلى: وجدتموهم" ساقط في (ح)، (و). وفي الإيضاح هي ناسخة لقوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين﴾ ص٢٧١.. ٣ في (أ): "لأنه يقتضي".. ٤ في (أ): (ز): "وهذه الآية".. ٥ في (أ)، (ز): "أن يقتلوا".. ٦ في (أ): "إلا أن يعطوا".. ٧ من قوله: "فاقتلوا المشركين.... إلى: وقيل قوله تعالى" ساقط في (أ).. ٨ راجع هذه الأقوال في الإيضاح ص ٢٧٠، ٢٧١، وفي المحرر الوجيز ٨/ ١٥٩.. ٩ في (ج)، (ح)، (هـ): "الرسل".. ١٠ نسبه القرطبي إلى سعيد بن المسيب أيضا. راجع الجامع لأحكام القرآن ٨/ ١١٥.. ١١ نسبه القرطبي إلى الأوزاعي. قال: وقال الأوزاعي: تؤخذ الجزية من كل عابد وثن أو نار أو جاحد أو مكذب. راجع م. س. ٨/ ١١٠، ١١١.. ١٢ نسبه القرطبي إلى ابن الجهم وعلل ذلك بأنه إكرام لهم عن الذلة والصغار لمكانهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم. راجع م. س. ، ن، ص.. ١٣ في (ح)، (د): "وهذا".. ١٤ راجع مختلف هذه الأقوال في أحكام القرآن للجصاص، باب: أخذ الجزية من أهل الكتاب ٤/ ٢٨١، وفي المحرر الوجيز ٨/ ١٦٠.. ١٥ أخرجه مسلم. كتاب الجهاد، باب: تأمير الإمام الأمراء على البعوث. ٢/ ١٣٥٧.. ١٦ في (أ)، (ز): "إلا ما قد دل".. ١٧ "زرادشت" كلمة ساقطة في (ب). وزرادشت هو ابن يورشب الذي ظهر في زمان كشتاسب بن لهراسب الملك. وكان دينه عبادة الله والكفر بالشيطان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجتناب الخبائث. راجع الملل والنحل للشهرستاني ١/ ٢٣٦.. ١٨ الحديث رواه مالك عن جعفر عن أبيه في الموطأ، كتاب الزكاة، باب: جزية المجوس ١/ ١٨٣.. ١٩ اللخمي/ هو أبو الحسن علي بن محمد المعروف باللخمي. توفي سنة ٤٩٩هـ/ ١١٠٥م. راجع الديباج ص ٢٠٣.. ٢٠ "قال" ساقطة في غير (أ)، (ز).. ٢١ راجع التفسير الكبير ١٦/ ٣١، أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ١٨٦، أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٢٨١، ٢٨٢، المحرر الوجيز ٨/ ١٦٠.. ٢٢ حكى ذلك ابن عطية عن ابن المنذر في المحرر الوجيز ٨/ ١٥٩.. ٢٣ في (أ)، (ز): "هل تقبل".. ٢٤ قوله: "قد دانوا... إلى: وإن كانوا" ساقط في (ح).. ٢٥ قوله: "فعم... إلى: الجزية" ساقط في (أ)، (ز).. ٢٦ قوله: "أم لا... إلى: بلازم لنا" ساقط في (ح).. ٢٧ أبو هريرة: هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي. اختلف في اسمه واسم أبيه، وهو من المكثرين من رواية الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. توفي سنة ٥٨هـ/٦٧٧ م. انظر الإصابة ٦/ ٢٨٨.. ٢٨ الحديث رواه مسلم عن أبي هريرة، كتاب الإيمان، باب: نزول عيسى ابن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ١/ ٩٣.. ٢٩ في (أ)، (ز): "شرطها".. ٣٠ في (ح): "والذي عني".. ٣١ "هو" ساقط في (أ).. ٣٢ لعله القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد المعروف بالباقلاني. انظر ترجمته ص ٥٨.. ٣٣ "فيبقى على ما كان قبل النطق" ساقط في غير (ح).. ٣٤ "وجوب" كلمة ساقطة في (أ)، (ز).. ٣٥ من قوله: "والكف عند ذلك... إلى: قبول الجزية" ساقط في (أ)، (ز).. ٣٦ من هذه الأحاديث ما رواه مالك عن ابن شهاب قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس البحرين... الموطأ، كتاب الزكاة ١/ ١٨٣.. ٣٧ في غير (هـ)، (ج): "يخلون".. ٣٨ في (ح): "قالوا".. ٣٩ في غير (و)، (ز) زيادة: "ولكن من البلاد".. ٤٠ في (ح): "الإسلام".. ٤١ يحيى بن آدم أبو زكرياء الكوفي، أحد الثقات الحفاظ العلماء صاحب كتاب الخراج. توفي سنة ٢٠٣هـ/ ٨٢٠ م. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب ١١/ ١٧٥.. ٤٢ الحديث أخرجه البخاري عن ابن عباس، كتاب الجزية، باب: إخراج اليهود من جزيرة العرب. ٤/٦٥، ٦٦. وكذلك أخرجه مسلم عن ابن عباس، كتاب الوصية، باب: ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصى فيه ٥/ ٧٥.. ٤٣ الحديث أخرجه مسلم برواية أبي هريرة، كتاب الجهاد والسير، باب: إجلاء اليهود من الحجاز ٥/ ١٥٩.. ٤٤ الحديث أخرجه الترمذي عن ابن عباس، كتاب الزكاة، باب: ما جاء ليس على المسلمين جزية ٣/ ٢٧..

التوبة 9:34

قوله تعالى :﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾ : اختلف في هذه الآية هل يعني بها الكفار أو المسلمون أو كلاهما فذهب قوم إلى أنها في أهل الكتاب لأنها مذكورة بعد قوله تعالى :﴿إن كثيرا من الأحبار والرهبان﴾ الآية. وذهب قوم(١) إلى أنها في كل كافر. وذهب قوم (٢) إلى أنها في المسلمين أو في المسلمين والكفار. واختلفوا بعد ذلك في حق المسلم هل هي منسوخة أو محكمة ؟ فذهب عمر بن عبد العزيز إلى أنها منسوخة بقوله تعالى :﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [براءة: ١٠٣] فأتى فرض الزكاة على هذا كله فصار حكم الآية على هذا القول : أي لا تكنزوا مالا، أي لا تجمعوه وأنفقوه في سبيل الله فنسخ بالآية المذكورة (٣). وذهب الأكثر إلى أنه محكم، واختلفوا في تأويله فقال كثير منهم هو المال الذي تؤدى زكاته وإن كان على وجه الأرض وأما المدفون إذا أخرجت زكاته فليس بكنز كما قال صلى الله عليه وسلم : " كل ما أديت زكاته فليس بكنز " (٤) فالمراد بالنفقة على القول الزكاة، وهو قول ابن عباس وابن عمر (٥). وقال علي بن أبي طالب : عشرة آلاف درهم فما دونها نفقة وما زاد عليها فهو كنز وإن أديت زكاته. وقال أبو ذر وغيره : ما فضل من مال الرجل على حال نفقته فهو كنز. وهذان القولان يقتضيان (٦) الذم في حبس المال لا في منع زكاته فقط، والآية على قول من قالها محكمة وعلى قول عمر بن عبد العزيز منسوخة. واتفق أئمة الفتوى على قول ابن عمر وابن عباس واحتج الطبري بذلك. فقال : الدليل على أن كل ما أديت زكاته فليس بكنز إيجاب الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم في خمس إواق ربع عشرها فإذا كان هذا فرض الله تعالى فمعلوم أن الكثير من المال وإن بلغ الوفاء إذا أديت زكاته فليس بكنز ولا يحرم على صاحبه اكتنازه، لأنه لم يتوعد الله عليه بالعقاب وإنما توعد الله تعالى بالعقاب على كل ما لم يؤد زكاته، وليس في القرآن بيان ذلك القدر من الذهب والفضة الذي إذا جمع بعضه إلى بعض استحق جميعه الوعيد إذا لم يؤد حق الله تعالى منه. فأما يؤخذ بوقف من رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي هذه الآية على القول بأنها في الزكاة المفروضة فرض زكاة الذهب (٧) قال بعضهم ولم يأت من النبي صلى الله عليه وسلم في زكاة الذهب ما جاء عنه في زكاة الفضة، ولكن جاء فرض زكاة الذهب في هذه الآية إذ لم يأت في الخبر لكن جاء عنه عليه الصلاة والسلام ألفاظ تعم الذهب والورق مثل قوله : " من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة يأخذ بلهزمتيه – يعني شدقيه – ثم يقول له أنا كنزك " ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم :﴿ولا يحسبن الذين يبخلون﴾ (٨) الآية [آل عمران: ١٨٠]. وإنما جاء عنه نصا زكاة الرقة مثل قوله : " في الرقة ربع العشر وليس فيما دون خمسة إواق من الورق صدقة " (٩) وإنما لم يأت عنه صلى الله عليه وسلم قدر زكاة الذهب مخصوصا. فاختلف العلماء بحسب ذلك في الذي أوجب الله تعالى إخراج الزكاة فيه من الذهب بالآية فاعتبرت طائفة في ذلك عشرين مثقالا وذلك أنه كان صرف الدينار في زمن النبي صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم، والخمس الأواقي التي أوجب النبي صلى الله عليه وسلم فيها ربع العشر وزنها مائتا درهم، والمائتا درهم صرف عشرين مثقالا، فكما وجب في الخمس الأواقي ربع عشرها كذلك وجب في العشرين مثقالا التي هي عدلها ربع عشرها، ثم لم يراعوا بعد ذلك زاد الصرف أو نقص، واعتبرت طائفة ذلك أيضا إلا أنهم قالوا ننظر قيمة الذهب في كل وقت. فإن كانت قيمة مائة درهم وجبت فيه الزكاة كان الذهب أكثر من عشرين أو أقل، وإن لم تكن قيمته أقل من مائتي درهم فلا زكاة فيه كان الذهب أكثر من عشرين(١٠) أو أقل وهو قول عطاء وطاووس والزهري. وذهب الحسن إلى أنه ليس فيما دون أربعين دينارا صدقة، وهو قول شاذ. فهذه ثلاثة أقوال في تفسير النفقة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية على القول بأن المراد بها الزكاة وهو الصحيح، أصحها القول بأن النصاب عشرون (١١). وقد جاء في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث منصوص (١٢). وذكر الباجي (١٣) في قول عمر رضي الله تعالى عنه في الرقة إذا بلغت خمس إواق ربع العشر أن الرقة اسم للورق والذهب. قال بعض أصحابنا وذكر قول بعضهم أيضا الرقة اسم للورق، وهو أظهر. فهذا القول في نصاب الذهب. وأما نصاب الفضة التي أوجب الله تعالى فيها الزكاة أيضا فمائتا درهما بلا خلاف لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك من النصوص. وقد تتوزع فيمن نزلت فيه الآية. قال زيد بن وهب مررت (١٤) بالربذة فإذا أبو ذر. فقلت ما أنزلك منزل هذا ؟ قال : كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية (١٥) في هذه الآية :﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ قال معاوية : نزلت في أهل الكتاب وقلت : نزلت فينا وفيهم (١٦) فكان بيني وبينه في ذلك تنازع فكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إلي عثمان أن (١٧) أقدم المدينة. فقدمتها فكبر علي الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان فقال : إن شئت تنحيت وكنت قريبا. فلذلك أنزلني هذا المنزل ولو أمروا علي حبشيا لسمعت وأطعت (١٨). ١ نسبه ابن عطية إلى معاوية فراجعه في المحرر الوجيز ٨/ ١٧٠.. ٢ نسبه ابن عطية إلى أبي ذر فراجعه في: م. س. ، ن. ص.. ٣ وكذلك روي عن ابن شهاب. راجع الإيضاح: ص ٢٧٢، ٢٧٣.. ٤ الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٣٩٠.. ٥ نسبه ابن عطية إلى ابن عمر وإلى عكرمة والشعبي والسدي ومالك. راجع المحرر الوجيز ٨/ ١٧١.. ٦ "يقتضيان" ساقطة في (أ)، (ز).. ٧ راجع جامع البيان ١٤/ ٥٦٠.. ٨ الحديث رواه البخاري عن أبي هريرة، كتاب الزكاة، باب: إثم مانع الزكاة ٢/ ٢١٠، ٢١١.. ٩ الحديث أخرجه مالك عن أبي سعيد الخدري في الموطأ، كتاب الزكاة ١/ ١٦٣.. ١٠ "من عشرين" ساقط في (ح)، (د).. ١١ في (أ)، (ز): "دينارا".. ١٢ قال الباجي: وهذا كما قال إن نصاب الذهب عشرون دينارا... ودليلنا من جهة السنة ما روى عاصم بن ضمرة والحرث الأعور عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "فإذا كانت لك مائتا درهما ففيها خمسة دراهم وليس عليك شيء – يعني في الذهب – حتى يكون لك عشرون دينارا...." راجع المنتقى للباجي، كتاب الزكاة، باب: أخذ الإمام الزكاة من المزكي ٢/ ٩٥. . ١٣ الباجي هو أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد القاضي المالكي، شارح الموطأ. توفي سنة ٤٧٤هـ/ ١٠٨١م. انظر وفيات الأعيان ٢/ ٤٠٨.. ١٤ "مررت" ساقطة في (ح).. ١٥ معاوية: هو معاوية بن أبي سفيان بن أمية القرشي، مؤسس الدولة الأموية في الشام. أحد دهاة العرب. توفي سنة ٦٠ هـ/ ٦٨٠م. انظر أسد الغابة لابن الأثير ٤/ ٣.. ١٦ "وفيهم" ساقطة في (ح).. ١٧ "أن" ساقط في (ح).. ١٨ راجع أسباب النزول للواحدي ص ١٨٣، ١٨٤..

التوبة 9:36

قوله تعالى :﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾ إلى قوله :﴿سوء أعمالهم﴾ : قوله تعالى :﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا﴾ قد كان (١) يحتمل أن يريد بهن السنة الشمسية أو القمرية لكن قوله تعالى :﴿منها أربعة حرم﴾ خلصت لأن يقال إنما أراد شهور السنة القمرية وهي العربية لأن العرب هي التي كانت تعتقد حرمة هذه الأشهر الأربعة الحرم : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وتقدم طرف من هذا الكلام على هذه الثلاثة. واختلف لم أخبر الله تعالى أن عدة الشهور عند الله اثني عشر شهرا ؟ فقيل تخفيفا لأمرها وليس عدد الحرم منها. وقيل إنما أخبر الله تعالى بذلك (٢) لأن العرب قد كانت تجيء سنتهم من ثلاثة عشر شهرا وذلك إن كان يحل لهم المحرم ويحرم لهم صفر وذلك من فعل النساة يستقبلون سنتهم من صفر ويسمونه المحرم ثم يسمون سائر الشهور كذلك بغير أسماءها فكانت السنة تأتيهم على الحقيقة من ثلاثة عشر شهرا أولها المحرم المحلل وهذا قول مجاهد وغيره فلذلك قال تعالى :﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا﴾ الآية وقوله تعالى :﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ : اختلف في الضمير في فيهن هل يعود على الأقرب إليه وهي الأربعة أشهر أم على الأبعد منه وهي الإثني عشر شهرا ؟ فإذا عادت على الأبعد فالمعنى لا تظلموا أنفسكم في الدهر كله فيكون هذا محكما بلا خلاف. وإذا قلنا إنه يعود على الأربعة أشهر الحرم فهل هو محكم أم لا ؟ فيه قولان : أحدهما أنه محكم. والذين قالوا هذا اختلفوا في المعنى. فقيل المعنى إنه نهى عن الظلم في هذه الأشهر تشريفا لها بالتخصيص بالذكر وإن كان منهي عنه في كل زمان وهو قول قتادة. وقيل معنى فيهن : بسببهن ومن أجلهن في أن يحلوا أحرمها ويعدلوها بالأحرمة له وهو قول الحسن (٣). والثاني أنه منسوخ، قال من زعم ذلك : المعنى لا تظلموا فيهن أنفسكم بالقتال ثم نسخ بفرض القتال (٤). ومما يعضد هذا القول ما حكى الطبري من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحرم القتال في هذه الأشهر لما أمر الله تعالى في ذلك حتى نزلت براءة. وقوله تعالى :﴿وقاتلوا المشركين﴾ معناه جميعا. واختلف في هذا هل هو منسوخ أيضا أم لا ؟ فقيل هو منسوخ لأن الفرض بهذه الآية قد كان توجه على الأعيان ثم نسخ ذلك بعد وجعل فرض كفاية. وقيل بل هو محكم ولا يقتضي فرض الجهاد على الأعيان ولم يعلم ذلك في شرع النبي صلى الله عليه وسلم قط وإنما معنى الآية الحض على قتالهم والتحزب عليهم وجمع الكلمة، ثم قيدها بقوله تعالى :﴿كما يقاتلونكم كافة﴾. فبحسب قتالهم لنا وإجماعهم علينا يكون فرض اجتماعنا بهم وقتالهم (٥). ١ "قد كان" ساقط في (أ)، (ز).. ٢ من قوله: "فقيل... إلى: بذلك" ساقط في (أ)، (و)، (ز).. ٣ راجع المحرر الوجيز ٨/ ١٧٧.. ٤ نسب ابن عطية هذا القول إلى المهدوي. راجع م. س. ، ن. ص. ونسبه القرطبي إلى قتادة وعطاء الخراساني والزهري وسفيان الثوري. راجع الجامع لأحكام القرآن ٨/ ١٣٤.. ٥ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/ ١٧٢..

التوبة 9:37

وقوله تعالى :﴿إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به....﴾. كانت العرب كلها تحج البيت وتعظم الشهور الحرم الأربعة التي حرمها إبراهيم(١) عليه السلام وكانوا يحجون في ذي الحجة حتى حدث النسيء بسبب أنهم كانوا لا يقاتلون في شهر حرام. ولما احتاجوا (٢) للقتال فيه أحلوا الشهر الحرام وحرموا الحلال ليواطئوا (٣) عدة(٤) الشهور الحرم فكان أول من فعل ذلك قد أحل المحرم وحرم صفر. وحج النبي صلى الله عليه وسلم – وقد عاد المحرم إلى ما كان عليه من التحريم – فأنزل الله تعالى :﴿إن عدة الشهور عند الله....﴾ الآية. وأخبر أن النسيء كفر وأن الأشهر الحرم أربعة : ثلاثة منها متوالية، وأن صفر لا يقام مقام المحرم، ورفع ما كانوا يفعلونه بهذه الآية. واختلف فيمن فعله من العرب أولا. فقيل القلمس : وهو حذيفة بن عبيد بن فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن كنانة، ثم ابنه عباد ثم أمية بن قلع ثم ابن عوف بن أمية ثم أبو ثمامة جنادة بن عوف وكان آخرهم وعليه قام الإسلام، وهذا قول ابن إسحاق (٥). ومن هذا قول شاعرهم : ومنا منسي الشهور القلمس (٦) وقيل غيره، وأشعارهم في هذا كثيرة. قال الأبهري وكانوا يسمونه – يعني المحرم وصفر – الصفرين. وكان القلمس يحل في الشهر الحرام دماء طي وخثعم لأنهما كانا لا يريان الحج من بين سائر العرب. ثم اختلف كيف كانوا يصنعون في سائر شهور السنة من السنة هل كانوا يبقونها (٧) على أسمائها أم كانوا يغيرونها أيضا ؟ فقيل إنهم كانوا يغيرونها يسمون صفر المحرم لأجل تحريمه ثم يسمون ربيعا الأول صفرا وربيعا الأخير ربيعا الأول وهكذا آخر الشهور، وهذا هو القول الذي قدمناه من أنهم كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرا وهو قول مجاهد وأبي مالك. وقيل بل كانوا يحلون المحرم ويحرمون صفر بدلا منه ويتركون الشهور على أسمائها المعهودة، فإذا كان من قابل حرم المحرم على أصله وأحل صفرا مشت الشهور مستقيمة. ورأى من قال ذلك أن هذه كانت حالة القوم. وقال قوم في معنى الآية إن رؤساء بني كنانة وغيرها كانوا يؤخرون الحج في كل سنة عن وقته شهرا فيوقعونه في المحرم بعد ذي الحجة ثم في السنة الأخرى في صفر، فبين تعالى أن هذا الصنع كفر. وقد اختلف في قوله عليه الصلاة والسلام : " إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض " (٨) فقيل لأن العرب كانوا (٩) قد تمسكوا بملة إبراهيم عليه السلام في تحريم الأشهر الحرم وكانوا ينسئون الشهر الحرام إلى الذي يليه إذا احتاجوا إلى القتال فيه، وينتقلون هكذا من شهر إلى شهر حتى اختلط الأمر عليهم فصادفت حجة النبي صلى الله عليه وسلم تحريمهم قد طابق الشرع وكانوا في تلك السنة قد حرموا ذا الحجة بالاتفاق على الحساب الذي قلناه، فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الاستدارة صادقت ما حرم الله به يوم خلق السموات والأرض. وقيل كانت العرب تحج عامين في كل ٠هر فصادفت حجة أبي بكر ذا القعدة من السنة التاسعة وصادفت حجة النبي صلى الله عليه وسلم ذا الحجة فلهذا أشار بالاستدارة. وذهب الخوارزمي (١٠) إلى أن الله سبحانه أول ما خلق الشمس أجراها في أول برج الحمل وكان الزمن الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم صادف حلول الشمس في الحمل. وهذا قول فاسد. وقد عدل على ما ذكر بعض المتأخرين فلم يوجد كذلك (١١). واختلف في قول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا عدوى ولا هامة ولا صفر " (١٢) ما أراد بقوله ولا صفر ؟ ففي بعض الأقوال أنه أراد ما كان من النسيء ويؤخذ من قوله تعالى :﴿إن عدة الشهور عند الله...﴾ الآية، أن الواجب تعليق الأحكام من العبادات وغيرها بالشهور العربية دون الشهور التي تعتبرها الروم والفرس وغيرها. وقد خصص الله تعالى منها الأربعة الحرم وليس يظهر لهذا التخصيص معنى سوى تحريم المقاتلة. وقد نسخ ذلك أو تحريم القتل حتى أن الدية تغلظ فيها على قول بعض العلماء (١٣). ١ في (هـ): "الله" والصواب ما أثبتناه استنادا إلى ما ذكره الفخر الرازي في التفسير الكبير ١٦/ ٥٧.. ٢ في (و): "اختلفوا".. ٣ "ليواطئوا" كلمة ساقطة في (هـ)، وبياض في (ب)، (د).. ٤ في غير (ج)، (و): "مواعدة".. ٥ قال القرطبي: اختلف أهل التأويل في أول من نسأ. فقال ابن عباس وقتادة والضحاك: بنو مالك من كنانة وكانوا ثلاثة. وروي جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أن أول من فعل ذلك عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف. وقال الكلبي أول من فعل ذلك رجل من بني كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة. راجع الجامع لأحكام القرآن ٨/ ١٣٨. أما الجصاص فقد قال: وقال ابن إسحاق: كان ملك من العرب يقال له القلمس واسمه حذيفة، أول من نسأ. راجع أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٣٠٩.. ٦ في المحرر الوجيز: ومنا منسي الشهر القلمس ٨/ ١٨٠. وفي الجامع لأحكام القرآن: ومنا ناسئ الشهر القلمس ٨/ ١٣٨. وهو شطر بيت من البحر الوافر.. ٧ في (أ): "يمنعونها".. ٨ الحديث أخرجه أحمد عن حماد عن داود بن أبي هند عن رجل من أهل الشام ٥/ ٧٣.. ٩ "كانوا" ساقط في (ح)، (و).. ١٠ الخوارزمي: هو محمد بن موسى الخوارزمي، أبو عبد الله، رياضي فلكي، مؤرخ من أهل خوارزم. ترجم عدة كتب من اليونانية إلى العربية بأمر من المأمون العباسي. توفي سنة ٢٣٢هـ/ ٨٤٧م. انظر دائرة المعارف الإسلامية ٩/ ١٨ – ٢٢.. ١١ راجع مختلف هذه الأقوال في أحكام القرآن للجصاص، باب: معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم "أن الزمان قد استدار... " ٤/ ٣٠٥ – ٣٠٩. وكذلك في التفسير الكبير ١٦/ ٥٦، ٥٧، وكذلك في المحرر الوجيز ٨/ ١٧٤ – ١٨٢.. ١٢ الحديث رواه البخاري عن سفيان. كتاب البيوع، باب: شراء الإبل الهيم أو الأجرب ٢/ ١٥، ١٦. ومسلم عن أبي هريرة، كتاب السلام، باب: الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها ٢/ ١٧٤٤، وأحمد عن سعد بن مالك ١/ ١٧٤.. ١٣ قاله الكيا الهراسي في أحكام القرآن ٤/ ٢٠٠..

التوبة 9:38

قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض﴾ إلى قوله :﴿أليما﴾ : هذه الآية نزلت عتابا لمن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وكانت في عام تسعة من الهجرة غزا فيها الروم في عشرين ألفا بين راكب وراجل وتخلف عنه قبائل من الناس ورجال من المؤمنين (١) كثير ومنافقون. والعتاب في الآية إنما هو لمن عدى المنافقين وخص الثلاثة : كعب بن مالك (٢) وهلال بن أمية (٣) ومرارة بن الربيع (٤) بالتشديد في العتاب وفي التذنيب لما كانوا عليه من النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكونهم من أهل بدر وممن كان يقتدى به وكان تخلفهم لغير علة (٥). وقوله :﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما﴾ اختلف فيه هل هو منسوخ أم لا ؟ فقال ابن عباس وهي منسوخة بقوله تعالى :﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ [براءة: ١٢٢] / وكذلك قال الحسن وعكرمة (٦) فيها وفي قوله :﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا﴾ الآية [براءة: ١٢٠] أنهما منسوختان بقوله تعالى :﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾. وقال جماعة هي محكمة وهو من باب العموم والخصوص ولا نسخ. ١ في (ح): "من المسلمين".. ٢ كعب بن مالك بن كعب الأنصاري السلمي، أبو عبد الله. توفي سنة ٥٠هـ/ ٦٧٠م وقيل غير ذلك. انظر الإصابة ٨/ ٣٠٤.. ٣ هلال بن أمية بن عامر الأنصاري الواقفي، شهد بدرا. انظر الإصابة ١٠/ ٢٠٢.. ٤ مرارة بن الربيع الأنصاري الأوسي من بني عوف شهد بدرا. انظر الإصابة ٩/ ١٥٩.. ٥ راجع جامع البيان للطبري ١٠/ ٩٤.. ٦ نسب مكي هذا القول إلى ابن عباس فقط بينما قال الحسن والضحاك بعدم النسخ. راجع الإيضاح ص ٢٧٣..

التوبة 9:39

قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض﴾ إلى قوله :﴿أليما﴾ : هذه الآية نزلت عتابا لمن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وكانت في عام تسعة من الهجرة غزا فيها الروم في عشرين ألفا بين راكب وراجل وتخلف عنه قبائل من الناس ورجال من المؤمنين (١) كثير ومنافقون. والعتاب في الآية إنما هو لمن عدى المنافقين وخص الثلاثة : كعب بن مالك (٢) وهلال بن أمية (٣) ومرارة بن الربيع (٤) بالتشديد في العتاب وفي التذنيب لما كانوا عليه من النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكونهم من أهل بدر وممن كان يقتدى به وكان تخلفهم لغير علة (٥). وقوله :﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما﴾ اختلف فيه هل هو منسوخ أم لا ؟ فقال ابن عباس وهي منسوخة بقوله تعالى :﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ [براءة: ١٢٢] / وكذلك قال الحسن وعكرمة (٦) فيها وفي قوله :﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا﴾ الآية [براءة: ١٢٠] أنهما منسوختان بقوله تعالى :﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾. وقال جماعة هي محكمة وهو من باب العموم والخصوص ولا نسخ. ١ في (ح): "من المسلمين".. ٢ كعب بن مالك بن كعب الأنصاري السلمي، أبو عبد الله. توفي سنة ٥٠هـ/ ٦٧٠م وقيل غير ذلك. انظر الإصابة ٨/ ٣٠٤.. ٣ هلال بن أمية بن عامر الأنصاري الواقفي، شهد بدرا. انظر الإصابة ١٠/ ٢٠٢.. ٤ مرارة بن الربيع الأنصاري الأوسي من بني عوف شهد بدرا. انظر الإصابة ٩/ ١٥٩.. ٥ راجع جامع البيان للطبري ١٠/ ٩٤.. ٦ نسب مكي هذا القول إلى ابن عباس فقط بينما قال الحسن والضحاك بعدم النسخ. راجع الإيضاح ص ٢٧٣..

التوبة 9:41

قوله تعالى :﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ الآية : هذا أمر من الله تعالى بالنفير في الغزو. وقد اختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أم لا ؟ فقال بعضهم : هذا أمر عام لجميع الناس تعين به الفرض على الأعيان ثم نسخ بقوله عز وجل وعلا :﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ روي ذلك عن حسن وعكرمة. وقال أكثر العلماء بل هذا خاص ورد بلفظ عام والأمر في نفسه موقوف على فرض الكفاية ولم يقصد بالآية فرضه على الأعيان. وقال بعضهم هو عام لجميع الناس ولا نسخ فيه والمراد به وجوب النفور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعا إلى الجهاد وأمر به، وهو الأصح. وقال بعضهم هو أمر عام لا نسخ فيه، والمراد نفير الكل عند الحاجة وظهور الكفر (١). وظاهر الآية يدل أن ذلك على جهة الاستدعاء وفي هذا نظر. إذ يقال كيف يوجب الاستدعاء شيئا لم يجب قبل الاستدعاء ؟ وقد يجاب عن هذا بأن الإمام إذا عين قوما وخرجهم إلى الجهاد كان النفير فرضا عليهم لا لمكان (٢) الجهاد لكن طاعة للإمام. وإذا كان في أهل الثغور كفاية فقد قال قوم من أهل العلم أنه يجب على الإمام أن يغزو في الجهات الأربع في كل سنة قوما يظهر بهم النكاية في العدو (٣) وإذا حصلت الكفاية بقوم سقط الفرض عن الباقين. وقوله تعالى :﴿خفافا وثقالا﴾ : الخفة والثقل مستعاران لمن يسهل عليه الجهاد ومن يصعب عليه وهو له ممكن. وأما من لا يمكنه فهو عن الآية خارج كالأعمى ونحوه. وقد روي أن ابن أم مكتوم (٤) جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أعلي أن أنفر ؟ فقال له نعم، حتى نزلت :﴿ليس على الأعمى حرج﴾ [ النور : ٦١، الفتح : ١٧ ] وهذا يدل من فعله عليه الصلاة والسلام على حمل العموم على ظاهره حتى يدل دليل على التخصيص. وهي مسألة نزاع بين العلماء وقد اختلف الناس في تفسير الخفة والثقل بعد أن خصصوها بأشياء، وحقيقة القول فيه ما قدمنا من حمله على العموم. فقيل الخفيف الغني والثقيل الفقير (٥) وقيل الخفيف الشاب والثقيل الشيخ (٦) وقيل الخفيف النشيط والثقيل الكسلان (٧) وقيل المشغول هو الثقيل ومن لا شغل له هو الخفيف (٨) وقيل الذي له ضيعة ثقيل ومن لا ضيعة له خفيف (٩) وقيل الشجاع هو الخفيف والجبان هو الثقيل (١٠) وقد قيل بعكس ذلك. وقيل الراجل هو الثقيل والفارس هو الخفيف (١١) وقد قيل بعكس ذلك. وهذه الأقوال إنما يصلح أن يؤتى بها على جهة المثال. وقد قال أبو طلحة (١٢) : " ما أسمع الله عذر أحدا وخرج إلى الشام فجاهد حتى مات " (١٣) وقال أبو أيوب (١٤) : " ما أجدني أبدا إلا خفيفا أو ثقيلا " وروي أن بعض الناس رأى في غزوات (١٥) الشام رجلا قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، فقال له يا عم : إن الله تعالى قد عذرك. فقال يا ابن أخي إنما قد أمرنا بالنفير خفافا وثقالا (١٦) وعن المقداد بن الأسود (١٧) أنه رأى بحمص على تابوت صراف وقد فضل على التابوت من سمنه وهو يتجهز للغزو. فقال له لقد عذرك الله فقال أتت علينا سورة البعوث :﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ (١٨). ١ راجع أحكام القرآن للجصاص، باب: فرض النفير والجهاد ٤/ ٣٠٩ – ٣١١، المحرر الوجيز ٨/ ١٨٨، الجامع لأحكام القرآن ٨/ ١٥٠، الإيضاح ص ٢٧٣.. ٢ "لا لمكان": بياض في (ب).. ٣ في (ح): "العدة".. ٤ ابن أم مكتوم: هو عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم، صحابي شجاع، كان ضرير البصر. أسلم بمكة وهاجر إلى المدينة. كان يؤذن بها مع بلال. استخلفه الرسول صلى الله عليه وسلم. توفي سنة ٢٣هـ/ ٢٤٣م. انظر طبقات بن سعد ٤/ ١٥٣.. ٥ قاله مجاهد. راجع المحرر الوجيز ٨/ ١٨٨، والجامع لأحكام القرآن ٨/ ١٥٠.. ٦ قاله الحسن وجماعة: م. س. ، ن. ص.. ٧ قاله ابن عباس وقتادة: م. س. ، ن. ص.. ٨ قاله الحكم بن عبين وزيد بن علي: م. س. ، ن. ص.. ٩ قاله ابن زيد: م. س. ، ن. ص.. ١٠ قاله النقاش: م. س. ، ن. ص.. ١١ قاله الأوزاعي: م. س. ، ن. ص.. ١٢ أبو طلحة هو زيد بن سهل بن الأسود بن مالك بن النجار أبو طلحة الأنصاري النجاري شهد العقبة وبدرا. توفي سنة ٣١هـ/ ٦٥١م وقيل غير ذلك. انظر الإصابة ٤/ ٥٤.. ١٣ راجع أسباب النزول للواحدي ص ١٨٥.. ١٤ أبو أيوب: هو خالد بن زيد بن ثعلبة الأنصاري، شهد العقبة وبدرا. لزم الجهاد إلى أن توفي سنة ٥٢هـ/ ٦٧٢م. انظر الإصابة ١/ ٥٤.. ١٥ في (ب): "غزوة".. ١٦ راجع المحرر الوجيز ٨/ ١٨٩.. ١٧ المقداد بن الأسود الكندي البهراني، وقيل الحضرمي. شهد بدرا. توفي سنة ٢٣هـ/ ٦٤٣م. انظر الإصابة ٥/ ٢٧٣.. ١٨ في المحرر الوجيز: وأسند الطبري عمن رأى المقداد بن الأسود... راجع ذلك في الجزء ٨/ ١٨٩، وفي التفسير الكبير: وقيل للمقداد بن الأسود وهو يريد الغزو أنت معذور... راجع ذلك في الجزء ١٦/ ١٧٠. وفي أسباب النزول للواحدي: وقال جاء المقداد بن الأسود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عظيما سمينا فشكا إليه وسأله... راجع ذلك في الصفحة ١٨٥..

التوبة 9:43

قوله تعالى :﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ إلى قوله :﴿يترددون﴾ : نزلت هذه الآية بسبب قوم من المنافقين استأذنوا دون عذر، منهم عبد الله بن أبي ورفاعة بن التابوت والجد بن قيس(١) ومن تبعهم. فمنهم من قال : ائذن لي ولا تفتني. ومنهم من قال : ائذن لي في الإقامة. فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم استبقاء وأخذا بالمساهلة وتوكلا على الله تعالى. وقال مجاهد إن بعضهم قال : نستأذنه فإن أذن في القعود قعدنا وإن لم يأذن قعدنا. وهذا الإذن مما صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه واجتهاده. واختلف هل في الآية عتاب له على ذلك أم لا ؟ وقال بعضهم عتاب له في الإذن ولذلك قال تعالى :﴿عفا الله عنك﴾ فيما يلحقه من هذا وقد ذكر العفو، قبل العتاب إكراما له. وقال عمرو بن ميمون الأودي (٢) إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صدع برأيه في قصتين دون أن يؤمر بشيء فيهما : أحدهما هذه وقصة أسارى بدر فعاتبه الله تعالى فيهما (٣)وقال بعضهم ليس في الآية عتاب بل قوله تعالى :﴿عفا الله عنك﴾ استفتاح كلام كما تقول أصلحك الله وأعزك الله. ولم يكن منه عليه الصلاة والسلام ذنب يعفى عنه فيه لأن أمر الاستنفار وقبول الاعتذار مصروف لاجتهاده (٤) وهذا أظهر. لأن هذا إنما هو من أمور الدنيا. ولا خلاف أن له أن يجتهد برأيه في أمور الدنيا كقصة آبار النخل ونحو ذلك. وقد اختلف في هذه الآيات هل هي منسوخة أو محكمة ؟ فذهب جماعة إلى أنها منسوخة بقوله تعالى في سورة النور :﴿فأذن لمن شئت منهم﴾ (٥) الآية [النور: ٦٢] لأن في آية النور إباحة الإذن في الانصراف عن الحرب. وفي الآية التي نحن فيها حظره إلا بعذر بين فنسخ ذلك. وقال نحو هذا ابن عباس وعكرمة والحسن. وهذا القول يقتضي أن آية النور نزلت بعد آية التوبة لأن النسخ لا يكون إلا كذلك. وقد زعم قوم من المفسرين (٦) أن هذا غلط وأن آية النور نزلت سنة أربع من الهجرة في غزوة الخندق في استئذان بعض المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم في بعض شأنهم في بيوتهم في بعض الأوقات فأباح الله تعالى له أن يأذن، فتباينت الآيتان في الوقت والمعنى. فعلى هذا آية النور نزلت قبل آية التوبة ولا يصح النسخ بذلك. وذهب جماعة إلى أن الآيات محكمة وأنها تعيين للمنافقين حين استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في القعود على الجهاد بغير عذر وعذر الله تعالى المؤمنين فقال :﴿فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم﴾ (٧) [النور: ٦٢] وهذا القول أصح من الأول ويعضده الاعتراض الذي ذكرناه على الأول. ١ عبد الله بن أبي سلول ورفاعة بن التابوت والجد بن قيس هم رؤوس النفاق وقصتهم مشهورة، فراجع ذلك في سيرة ابن هشام ٤/ ١٤٤.. ٢ عمرو بن ميمون الأودي، أبو عبد الله، ويقال أبو يحيى. مخضرم، ثقة، تابعي أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره. انظر تهذيب التهذيب ٨/ ١٠٩.. ٣ ذكر ذلك الطبري في جامع البيان ١٤/ ٢٧٣ وكذلك السيوطي في لباب النقول في أسباب النزول، ذيل تفسير الجلالين ص ٤٤٥، ٤٤٦.. ٤ أورد ذلك ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/ ١٩١، والفخر في التفسير الكبير ١٦/ ٧٤.. ٥ راجع القول في الإيضاح ص ٢٧٤.. ٦ منهم ابن عطية. راجع رأيه في المحرر الوجيز ٨/ ١٩٢.. ٧ وقد نسب هذا الرأي لابن عباس. راجع الإيضاح ص ٢٧٤..

التوبة 9:44

قوله تعالى :﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ إلى قوله :﴿يترددون﴾ : نزلت هذه الآية بسبب قوم من المنافقين استأذنوا دون عذر، منهم عبد الله بن أبي ورفاعة بن التابوت والجد بن قيس(١) ومن تبعهم. فمنهم من قال : ائذن لي ولا تفتني. ومنهم من قال : ائذن لي في الإقامة. فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم استبقاء وأخذا بالمساهلة وتوكلا على الله تعالى. وقال مجاهد إن بعضهم قال : نستأذنه فإن أذن في القعود قعدنا وإن لم يأذن قعدنا. وهذا الإذن مما صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه واجتهاده. واختلف هل في الآية عتاب له على ذلك أم لا ؟ وقال بعضهم عتاب له في الإذن ولذلك قال تعالى :﴿عفا الله عنك﴾ فيما يلحقه من هذا وقد ذكر العفو، قبل العتاب إكراما له. وقال عمرو بن ميمون الأودي (٢) إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صدع برأيه في قصتين دون أن يؤمر بشيء فيهما : أحدهما هذه وقصة أسارى بدر فعاتبه الله تعالى فيهما (٣)وقال بعضهم ليس في الآية عتاب بل قوله تعالى :﴿عفا الله عنك﴾ استفتاح كلام كما تقول أصلحك الله وأعزك الله. ولم يكن منه عليه الصلاة والسلام ذنب يعفى عنه فيه لأن أمر الاستنفار وقبول الاعتذار مصروف لاجتهاده (٤) وهذا أظهر. لأن هذا إنما هو من أمور الدنيا. ولا خلاف أن له أن يجتهد برأيه في أمور الدنيا كقصة آبار النخل ونحو ذلك. وقد اختلف في هذه الآيات هل هي منسوخة أو محكمة ؟ فذهب جماعة إلى أنها منسوخة بقوله تعالى في سورة النور :﴿فأذن لمن شئت منهم﴾ (٥) الآية [النور: ٦٢] لأن في آية النور إباحة الإذن في الانصراف عن الحرب. وفي الآية التي نحن فيها حظره إلا بعذر بين فنسخ ذلك. وقال نحو هذا ابن عباس وعكرمة والحسن. وهذا القول يقتضي أن آية النور نزلت بعد آية التوبة لأن النسخ لا يكون إلا كذلك. وقد زعم قوم من المفسرين (٦) أن هذا غلط وأن آية النور نزلت سنة أربع من الهجرة في غزوة الخندق في استئذان بعض المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم في بعض شأنهم في بيوتهم في بعض الأوقات فأباح الله تعالى له أن يأذن، فتباينت الآيتان في الوقت والمعنى. فعلى هذا آية النور نزلت قبل آية التوبة ولا يصح النسخ بذلك. وذهب جماعة إلى أن الآيات محكمة وأنها تعيين للمنافقين حين استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في القعود على الجهاد بغير عذر وعذر الله تعالى المؤمنين فقال :﴿فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم﴾ (٧) [النور: ٦٢] وهذا القول أصح من الأول ويعضده الاعتراض الذي ذكرناه على الأول. ١ عبد الله بن أبي سلول ورفاعة بن التابوت والجد بن قيس هم رؤوس النفاق وقصتهم مشهورة، فراجع ذلك في سيرة ابن هشام ٤/ ١٤٤.. ٢ عمرو بن ميمون الأودي، أبو عبد الله، ويقال أبو يحيى. مخضرم، ثقة، تابعي أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره. انظر تهذيب التهذيب ٨/ ١٠٩.. ٣ ذكر ذلك الطبري في جامع البيان ١٤/ ٢٧٣ وكذلك السيوطي في لباب النقول في أسباب النزول، ذيل تفسير الجلالين ص ٤٤٥، ٤٤٦.. ٤ أورد ذلك ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/ ١٩١، والفخر في التفسير الكبير ١٦/ ٧٤.. ٥ راجع القول في الإيضاح ص ٢٧٤.. ٦ منهم ابن عطية. راجع رأيه في المحرر الوجيز ٨/ ١٩٢.. ٧ وقد نسب هذا الرأي لابن عباس. راجع الإيضاح ص ٢٧٤..

التوبة 9:45

قوله تعالى :﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ إلى قوله :﴿يترددون﴾ : نزلت هذه الآية بسبب قوم من المنافقين استأذنوا دون عذر، منهم عبد الله بن أبي ورفاعة بن التابوت والجد بن قيس(١) ومن تبعهم. فمنهم من قال : ائذن لي ولا تفتني. ومنهم من قال : ائذن لي في الإقامة. فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم استبقاء وأخذا بالمساهلة وتوكلا على الله تعالى. وقال مجاهد إن بعضهم قال : نستأذنه فإن أذن في القعود قعدنا وإن لم يأذن قعدنا. وهذا الإذن مما صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه واجتهاده. واختلف هل في الآية عتاب له على ذلك أم لا ؟ وقال بعضهم عتاب له في الإذن ولذلك قال تعالى :﴿عفا الله عنك﴾ فيما يلحقه من هذا وقد ذكر العفو، قبل العتاب إكراما له. وقال عمرو بن ميمون الأودي (٢) إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صدع برأيه في قصتين دون أن يؤمر بشيء فيهما : أحدهما هذه وقصة أسارى بدر فعاتبه الله تعالى فيهما (٣)وقال بعضهم ليس في الآية عتاب بل قوله تعالى :﴿عفا الله عنك﴾ استفتاح كلام كما تقول أصلحك الله وأعزك الله. ولم يكن منه عليه الصلاة والسلام ذنب يعفى عنه فيه لأن أمر الاستنفار وقبول الاعتذار مصروف لاجتهاده (٤) وهذا أظهر. لأن هذا إنما هو من أمور الدنيا. ولا خلاف أن له أن يجتهد برأيه في أمور الدنيا كقصة آبار النخل ونحو ذلك. وقد اختلف في هذه الآيات هل هي منسوخة أو محكمة ؟ فذهب جماعة إلى أنها منسوخة بقوله تعالى في سورة النور :﴿فأذن لمن شئت منهم﴾ (٥) الآية [النور: ٦٢] لأن في آية النور إباحة الإذن في الانصراف عن الحرب. وفي الآية التي نحن فيها حظره إلا بعذر بين فنسخ ذلك. وقال نحو هذا ابن عباس وعكرمة والحسن. وهذا القول يقتضي أن آية النور نزلت بعد آية التوبة لأن النسخ لا يكون إلا كذلك. وقد زعم قوم من المفسرين (٦) أن هذا غلط وأن آية النور نزلت سنة أربع من الهجرة في غزوة الخندق في استئذان بعض المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم في بعض شأنهم في بيوتهم في بعض الأوقات فأباح الله تعالى له أن يأذن، فتباينت الآيتان في الوقت والمعنى. فعلى هذا آية النور نزلت قبل آية التوبة ولا يصح النسخ بذلك. وذهب جماعة إلى أن الآيات محكمة وأنها تعيين للمنافقين حين استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في القعود على الجهاد بغير عذر وعذر الله تعالى المؤمنين فقال :﴿فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم﴾ (٧) [النور: ٦٢] وهذا القول أصح من الأول ويعضده الاعتراض الذي ذكرناه على الأول. ١ عبد الله بن أبي سلول ورفاعة بن التابوت والجد بن قيس هم رؤوس النفاق وقصتهم مشهورة، فراجع ذلك في سيرة ابن هشام ٤/ ١٤٤.. ٢ عمرو بن ميمون الأودي، أبو عبد الله، ويقال أبو يحيى. مخضرم، ثقة، تابعي أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره. انظر تهذيب التهذيب ٨/ ١٠٩.. ٣ ذكر ذلك الطبري في جامع البيان ١٤/ ٢٧٣ وكذلك السيوطي في لباب النقول في أسباب النزول، ذيل تفسير الجلالين ص ٤٤٥، ٤٤٦.. ٤ أورد ذلك ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/ ١٩١، والفخر في التفسير الكبير ١٦/ ٧٤.. ٥ راجع القول في الإيضاح ص ٢٧٤.. ٦ منهم ابن عطية. راجع رأيه في المحرر الوجيز ٨/ ١٩٢.. ٧ وقد نسب هذا الرأي لابن عباس. راجع الإيضاح ص ٢٧٤..

التوبة 9:51

قوله تعالى :﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ : تحتمل هذه الآية أن يكون معنى التوكل فيها مقرونا مع السعي والابتغاء لا أنه تعالى يريد توكلا دون سعي. ويحتمل أن يريد توكلا خالصا دون سعي من الإنسان مع ذلك. وقد اختلف العلماء في التوكل في الرزق دون السعي فيه فلم يره أكثر العلماء لأنه وإن كانت الآية عندهم محتملة بالقول الآخر (١) فيما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك قد أذهب ذلك الاحتمال وخلص الاحتمال الآخر لأنه صلى الله عليه وسلم سعى طول عمره في إظهار أمر الله تعالى. وظاهر يوم أحد بين درعين فهذا منه صلى الله عليه وسلم توكل مع سعي وهذا إن لم يكن في الرزق فقد جاء في الرزق قوله تعالى :﴿وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا ( ٢٥ )﴾ [مريم: ٢٥] وقال عليه الصلاة والسلام في الطير : " تغدو خماصا وتروح بطانا " (٢). وقال له رجل أرسل ناقتي وأتوكل قال :﴿بل أعلقها وتوكل﴾ (٣) فرأوا لمن يمكنه التحرك في الحلال أن يتحرف ولو أن يحتطب ونحو ذلك. وذهب بعض الناس إلى أن الرجل الجلد إذا بلغ من التوكل إلى أن يدخل دارا أو بيتا تجهل فيه حاله ويبقى في ذكر الله تعالى متوكلا على الله يقول : إن كان لي رزق فسيأتي الله به، وإن كان رزقي قد تم مت، أن ذلك حسن بالغ أعلى الدرجات. ولهذا اختلف في المسألة فأجازها قوم لمن لا يجدها بغيته، وحظرها آخرون إلا لمن اضطر إليها كالميتة وحظرها آخرون جملة ومن حجتهم قول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تسأل الناس شيئا ". وأن هذا هو التوكل للحظر، وقد أمر الله تعالى بالتوكل فليكن على وجهه، ومن سأل فلم يتوكل. واختلف الذين رأوا له السعي والتطلب إن اضطر إلى أكل المحرمات كالميتة وسؤال الناس وما أمكنه من ذلك أيهم أفضل صبره عن ذلك وإن مات، أو أخذه منها لإبقاء رمقه، على قولين. وهذا بعد اتفاقهم على أن كل ذلك مباح له. وتأول الآية من يرى الصبر أفضل على أن معنى التوكل فيها هو التوكل مع السعي فيما عدا المحظورات. فأما مع أكل المحظورات فليس ثم توكل. وقول من زعم أن أخذه من ذلك أفضل مبني على القول بأنه واجب على الإنسان إحياء نفسه (٤). ١ في (ز): "للوجهين".. ٢ الحديث رواه أحمد عن أبي بكر الصديق ١/ ٣٠، والترمذي في كتاب الزهد، وابن ماجه في كتاب الزهد.. ٣ الحديث رواه الترمذي في كتاب القيامة ٤/ ٦٦٤.. ٤ راجع المحرر الوجيز ٨/ ٢٠٠..

التوبة 9:53

قوله تعالى :﴿قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين ( ٥٣ )﴾ : سبب هذه الآية أن الجد بن قيس قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ائذن لي ولا تفتني فأذن له. قال إني أعينك بمالي. فنزلت هذه الآية (١) وقد اختلف في الكافر يفعل في حال (٢) كفره شيئا من أفعال البر كصلة الرحم ونحو ذلك هل يثاب عليه في الآخرة أم لا ؟ على قولين. واحتج من لم ير له ثوابا بهذه الآية. ومن حجة من يرى له ثوابا أن حكيم بن حزام (٣) قال : يا رسول الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صلة وعتاقة هل لي فيها أجر ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : " أسلمت على ما سلف لك من خير " ومن حجتهم أيضا حديث أبي طالب أنه في ضحضاح من نار (٤). والكلام في هذا طويل وفيما ذكرناه غنية. ١ راجع أسباب النزول للواحدي ص ١٨٥، والتفسير الكبير ١٦/ ٨٨ والمحرر الوجيز ٨/ ٢٠٢، والجامع لأحكام القرآن ٨/ ١٦١، ولباب النقول ص ٤٤٦.. ٢ في (أ)، (ز): "خلال".. ٣ حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد القرشي، أبو خالد المكي – أسلم يوم الفتح وكان من المؤلفة قلوبهم – توفي سنة ٥٤هـ/ ٦٦١م وقيل غير ذلك. انظر الإصابة ٣/ ٥٣.. ٤ قال القرطبي فكان المعنى في الحديث أنك اكتسبت طباعا جميلة في الجاهلية أكسبتك عادة جميلة في الإسلام، وذلك أن حكيما عاش مائة وعشرين سنة، ستين في الإسلام وستين في الجاهلية. راجع الجامع لأحكام القرآن ٨/ ١٦١، ١٦٢..

التوبة 9:60

قوله تعالى :﴿إنما الصدقات للفقراء....﴾ إلى قوله تعالى :﴿فريضة من الله﴾ : هذه الآية نزلت في تعيين من يجوز له أخذ الزكاة، فالصدقات في الآية هي الزكاة المفروضة. والذين سمى الله فيها هم الذين توضع فيهم الزكاة وعددهم في ظاهر الآية ثمانية. ونحن نتكلم على ما يخص كل واحد منهم ثم نتكلم على ما يعم الجميع. فأما الفقير والمسكين فقد اختلف فيهما اختلاف كثيرا. فقيل هما اسمان لشيء واحد والذي يملك شيئا يسيرا لا يكفيه إلا أنه وصف بصفتين لتأكيد أمره (١) فعلى هذا القول عدد من تقسم عليهم الزكاة في الآية سبعة، وإلى هذا القول مال ابن الجلاب (٢). وقيل بل هما لمعنيين، ثم اختلف الذين ذهبوا إلى هذا في الفرق بينهما (٣) على عشرة أقوال (٤). فقيل الفقير أحسن حالا من المسكين لأنه الذي له البلغة من العيش والمسكين هو الذي لا شيء له(٥) واحتجوا بقول الراعي : أما الفقير الذي كانت حلوبته ***.......................... (٦) فجعل للفقير حلوبة وقال تعالى :﴿أو مسكينا ذا متربة ( ١٦ )﴾ [البلد: ١٦] أي من لصق بالتراب من سوء حاله. وأيضا فإن المسكين مفعيل من السكون مبالغة في وصفه بذلك أي لا حركة له كالميت. وقيل لأعرابي : فقير أنت ؟ قال : لا والله بل مسكين. أي أسوأ حالا من الفقير، وإلى هذا القول ذهب ابن السكيت (٧) ويونس (٨) وابن قتيبة (٩)، وحكى ابن القصار(١٠) أنه قول أصحاب مالك وإليه ذهب أبو حنيفة. وقيل المسكين أحسن حالا من الفقير لأنه الذي له البلغة من العيش، والفقير الذي لا شيء له واحتجوا بقوله تعالى :﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾ [الكهف: ٧٩] فجعل لهم سفينة. وبقوله تعالى :﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض﴾ [البقرة: ٢٧٣] فإن الفقير المكسور الفقار. ومن كثر فقاره فلا حياة له. ويقول الشاعر : هل لك من أجر عظيم تؤجره؍ تغيث مسكينا كثيرا عسكره؍ عشر شياه سمعه وبصره(١١) فجعل له عشر شياه. وإلى هذا القول ذهب الأصمعي (١٢) والأنباري (١٣) وهو قول الشافعي. ورجح جماعة القول الأول وردوا ما احتج به الآخرون فقالوا : أما قوله تعالى :﴿فكانت لمساكين﴾ [الكهف: ٧٩] فلا حجة فيه من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه سماهم مساكين ترحما وإن لم يكونوا مساكين في الحقيقة فسماهم بذلك مجازا على جهة التحريم. ويبين هذا ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " مسكين مسكين من لا زوجة له ". قالوا يا رسول الله : وإن كان ذا مال. قال : " نعم وإن كان ذا مال " (١٤) وقيل لقيلة يا مسكينة عليك السكينة (١٥) وقال عليه الصلاة والسلام : " اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين ونعوذ بالله من الفقر " (١٦). والثاني : أن يكون إضاف السفينة إليهم على غير جهة الملك كما أن العرب قد تفعل مثل هذا كثيرا ولكن إذا كان من ذلك الشيء بسبب. ولما كان هؤلاء عاملين فيها نسب السفينة إليهم كما يقال هذه الدابة لفلان السائس، وكما قال تعالى :﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان ( ٤٦ )﴾ [الرحمن: ٤٦] كما قال الفرزدق (١٧) : وأنتم لهذا الدين كالقبلة التي؍ إن يضل الناس يهدي ظلالها(١٨)؍ في قول من جعل الضمير عائدا إلى القبلة لا إلى الناس، ولا ظلال على الحقيقة للقبلة وإنما الظلال لمن يصلي إليها. والثالث : ما جاء من أنه قد قرئ لمساكين بالتشديد للسين. وتفسيره على وجهين : أحدهما : أن يعني بهم دباغي المسوك وإليه ذهب جماعة من المفسرين (١٩). والثاني : أن يكون من الإمساك. إلا أن المشهور من هذا أمسك ومسك لغة قليلة. وأما قوله تعالى :﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾ [البقرة: ٢٧٣] فبين أنه لا حجة فيه إذ ليس يخرج من الآية أنه لا شيء له وأن له شيئا. وسنتكلم على هذه الآية في موضعها إن شاء الله تعالى. وأما قولهم إن الفقير المكسور الفقار فلا حجة فيه لأنه قد يجوز أن لا يكون من ذلك. ويكون من قولهم فقرت البعير إذا حززته (٢٠) بحديدة ثم وضعت على موضع الحز الحديد وعليه وتر لتذله وتروضه. فيكون الفقير إنما سمي فقيرا لأن الدهر قد أذله وفعل به ما يفعل بالبعير الضعيف (٢١). وأما الشعر فلا حجة فيه أيضا لأنه لم يرد أن له عشر شياه (٢٢) وإنما معناه أن العشر شياه لو وهبت له لكنت سمعه وبصره فحذف ما لا يتم المعنى إلا به بدلالة الكلام عليه (٢٣). واعترض أهل القول الثاني احتجاج أهل القول الأول بيت الراعي : أما الفقير الذي كانت حلوبته، فإنه إنما سماه فقيرا بعد أن صار لا حلوبة له. وإنما ذكر أنه كانت له حلوبة لا أنه له الآن وهذا ضعيف يرده معنى الشعر لأنه إنما يصف مصدقين جاروا في الصدقة وأخذوا حلوبة هذا الفقير. وهل هو حظ أهل اللغة ومن تابعهم من أهل الكلام على الفقير والمسكين وبما قالوه يفسرون الآية وهي ثلاثة أقوال، وللمفسرين فيها أقوال أخرى. ذهب الضحاك إلى أن الفقراء هم المهاجرون، والمساكين من لم يهاجروا. وقال النخعي نحوه. قال سفيان : لا نعطي فقراء الأعراب شيئا. وعلى هذا القول قد انقطع صنف واحد من الثمانية وهم الفقراء فلم يبق إلا المساكين إذ لا هجرة بعد الفتح. وذهب عكرمة إلى أن الفقراء من المسلمين، والمساكين من أهل الذمة. قال : ولا تقولوا للفقراء المسلمين مساكين. وروي أيضا عن ابن عباس والضحاك. وذهب بعضهم إلى أن الفقير من لا مال له ولا حرفة، سائلا كان أو متعففا، ويحكى هذا عن الشافعي أيضا. وذهب قتادة إلى أن الفقير الزمن المحتاج والمسكين الصحيح المحتاج. وذهب ابن عباس وغيره إلى أن الفقراء هم الذين يتصاونون والمساكين الذين يسألون ولا يتصاونون، وروي هذا عن علي بن زياد (٢٤) عن مالك، وروي أيضا عن عكرمة. وقال مالك أيضا في المجموعة : الفقير الذي يحرم الرزق والمسكين الذي (٢٥) لا يجد غنى ولا يفطن له (٢٦). ومن حجة هذا القول قوله عليه الصلاة والسلام : " ليس المسكين الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس " (٢٧). وذهب عبيد الله بن الحسن (٢٨) إلى أن المسكين الذي يخضع ويستكن وإن لم يسأل. والفقير الذي يتحمل ويقبل الشيء سرا. فهذه سبعة أقوال لأهل التفسير. فالصدقة لا يجوز دفعها لغني ليس من الأصناف الستة الذين عهدهم الله تعالى بعد الفقراء والمساكين باتفاق لدليل الآية. فإن اجتهد الرجل في صدقته فدفعها إلى غني وهو يراه غير غني فلا تجزئه في المشهور من المذهب وتجزئه عند ابن القاسم في أحد قوليه وأبي حنيفة. ودليل القول الأول قوله تعالى :﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ فلم يجعل فيها نصيبا للأغنياء فمن أعطاها لغني فكأنه لم يعطها فلا تجزئه وهذا بخلاف ما لو فعله الإمام. واختلف في القوي على الاكتساب هل يجوز له أخذ الصدقة أم لا ؟ فذهب مالك وجماعة سواه إلى أنه يجوز له. وذهب يحيى بن عمر (٢٩) إلى أنه لا يجوز (٣٠) ولا تجزئ معطيها وجعل القوة كالغنى وهو قول الشافعي وأبي ثور وأبي عبيد وإسحاق (٣١). واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي " (٣٢) وفي آخر : " ولا لقوي مكتسب ". وحجة القول الأول عموم قوله تعالى :﴿للفقراء والمساكين﴾ أما الحديث : " ولذي مرة سوي " فإنه مخصوص. واختلف في الغنى الذي يحرم معه أخذ الصدقة فقيل هو الكفاية وإن كان دون نصاب لقوله عليه الصلاة والسلام : " من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا " (٣٣) وهو المشهور عن مالك وإليه ذهب الشافعي. وقيل إن هذا الحديث – وهو حديث الأوقية – منسوخ بقوله عليه الصلاة والسلام : " من سأل وله خمس إواق فقد سأل إلحافا " (٣٤). وقيل هو النصاب، ومن كان له دون النصاب فقد حلت له الصدقة. وإلى مثل هذا ذهب أبو حنيفة للحديث : " أمرت أن آخذها من أغنيائكم وأردها على فقرائكم " (٣٥) ورواه المغيرة عن مالك وقاله المغيرة وهو قول عبد الملك (٣٦) وقيل الكفاية (٣٧) فمن (٣٨) كان له (٣٩) أكثر من نصاب ولا كفاية فيه حلت له، وإن كان (٤٠) له أكثر من نصاب ولا كفاية فيه(٤١) فأحرى أن لا تكون له كفاية فيما دون النصاب. فكان هذا القول اعتبر فيه الكفاية مع النصاب. وقيل هو وجود قوت اليوم، الغداء والعشاء. واحتج من قال هذا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار " قالوا يا رسول الله و ما يغنيه ؟ قال : " قدر ما يغذيه ويعشيه " (٤٢) وقال من رد هذا الحديث منسوخ. وقال بعضهم المعنى فيه غداء وعشاء على دائم الأوقات. فإذا كان عنده ما يكفيه لمدة طويلة فقد حرمت عليه المسألة. وقيل هو أربعون درهما لقوله عليه الصلاة والسلام : " من سأل وله أوقيه... " وهو قول أبي عبيد، وقيل هو خمسون، وقد ضعفت جماعة هذا الحديث. فهذه ستة أقوال أسدها القول باعتبار الكفاية لأن من ليس له ما يكفيه فهو فقير أو مسكين. وقد أحل الله تعالى لهما الصدقة بقوله تعالى :﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ قال بعضهم : وكل من حد في الغناء حدا أو لم يحد فإنما هو بعد ما لا غنى له عنه من دار يحلها أو خادم (٤٣) وهو (٤٤) محتاج (٤٥) إليها ولا فضلة في ثمنها، ومن كان كهذا فالفقهاء مجمعون على أنه يأخذ من الصدقة ما يحتاج إليه. واختلف هل يجوز صرف الصدقة إلى الذمي أم لا ؟ فعندنا أنه لا يجوز وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز واستدل بعموم (٤٦) قوله تعالى :﴿إنما الصدقات للفقراء...﴾ ولم يخص. ودليلنا قوله عليه الصلاة والسلام : " خذ الصدقة من أغنيائهم وردها في فقرائهم " (٤٧) وهذه الإضافة لا بد لها من اختصاص. وقد ثبت أنه لم يرد القبيلة ولا البلد فعلم أن المراد المسلم وعندنا أنه لا يجوز دفع الرجل صدقته لمن تلزمه نفقته خلافا لأبي حنيفة في ذلك تعلقا بعموم الآية. وحجتنا أنهم إذا كانت تلزمهم نفقتهم فليسوا بفقراء بعد. فمن وضع الصدقة فيهم فقد وضعها في غير موضعها، كذا ذكر بعضهم الخلاف في هذه المسألة. ورأيت بعضهم حكى الاتفاق على أنه لا يجوز دفع الصدقة إليهم، وأما دفعها لمن لا تلزمه نفقته من أقاربه، فعن مالك فيه روايتان : الجواز والكراهة. وذكر أنه رؤي مالك يعطي زكاته أقاربه. وحجة الجواز عموم الآية، وليسوا بأغنياء لأن نفقتهم لا تلزم. وإذا قلنا إنه يعطي قرابته فمن أحق هم أو جيرانه الفقراء ؟ أما إن كان قريبه حاضرا معه فهو أولى وإن كان غائبا غيبة تقصر في مثلها الصلاة. فقيل هو أولى من الجار وقيل الجار أولى وظاهر الآية التسوية لأنه إنما جعل السبب في الأخذ الفقر، فإذا تساووا في ذلك استووا في جواز الأخذ. واختلف في الزوجة هل يجوز أن تدفع صدقتها إلى زوجها ؟ فمنع مالك من ذلك، وذكر ابن القصار أن ذلك عند شيوخه على وجه الكراهة، فإن فعلت أجزأها. وأجازها أشهب (٤٨) إذ لم يرجع إليها شيئا من ذلك في نفقتها. وعن أبي حنيفة والشافعي الروايتان. وحجة الجواز قوله تعالى :﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ فعم. وأما الزوج فلا يجوز له أن يدفع صدقته إلى زوجه لأن نفقتها تلزمه إلا على ما ذكرنا من قول أبي حنيفة في هذا الأصل، وإن كان بعضهم قد حكى الإجماع على أن ذلك لا يجوز. واختلف هل تحل الصدقة لآل النبي صلى الله عل ١ نسبه القرضاوي إلى أبي يوسف صاحب أبي حنيفة وإلى ابن القاسم من أصحاب مالك. راجع فقه الزكاة ٢/ ٥٤٤.. ٢ ابن الجلاب هو أبو القاسم عبد الله بن الحسن، وقيل عبيد الله بن الحسن، وقيل عبد الرحمن بن عبد الله المعروف بابن الجلاب. توفي سنة ٣٧٨هـ/ ٩٨٨م وقيل سنة ٣٧٥هـ/ ٩٨٥م. انظر طبقات الفقهاء للشيرازي ص ١٦٨، الديباج لابن فرحون ص ١٤٦.. ٣ "بينهما" ساقط في (ب)، (د)، (هـ).. ٤ وقال القرطبي على تسعة أقوال. راجع الجامع لأحكام القرآن ٨/ ١٦٨.. ٥ نسبه الجصاص إلى أبي الحسن الكرخي. راجع أحكام القرآن ٤/ ٣٢٢.. ٦ والبيت: أما الفقير الذي كانت حلوبته؍ وفق العيال فلم يترك له سبد؍ وقد نسبه الجصاص إلى ابن الأعرابي. راجع م. س. ، ن. ص.. ٧ ابن السكيت: هو أبو يوسف، يعقوب بن إسحاق. إمام في اللغة والأدب. تعلم ببغداد. من كتبه إصلاح المنطق. انظر وفيات الأعيان لابن خلكان ٢/ ٣٠٩.. ٨ يونس: هو أبو عبد الرحمن يونس بن حبيب الضبي البصري، بارع في النحو، من أصحاب أبي عمرو بن العلاء. توفي سنة ١٨٢هـ/ ٨٠٢م. انظر طبقات المفسرين للداودي ٢/ ٣٨٥.. ٩ ابن قتيبة هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري اللغوي النحوي نزيل بغداد كان شغوفا بالعلم وأنواع المعارف. له عدة مؤلفات منها معاني القرآن. توفي سنة ٢٧٦هـ/ ٨٨٨م. انظر طبقات المفسرين للداودي ١/ ٢٥١.. ١٠ ابن القصار: هو أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد البغدادي، القاضي المعروف بابن القصار أصولي، من كبار فقهار المالكية. توفي سنة ٣٩٨هـ/ ١٠٠٨م. انظر الديباج ص ١٩٩.. ١١ البيت من البحر الرجز.. ١٢ الأصمعي: هو أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع بن مظهر بن رباح الأصمعي، اللغوي المشهور. انظر أخبار النحويين للسيرافي ص ٦٧.. ١٣ ابن الأنباري: هو أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار النحوي. اشتهر بالحفظ. توفي سنة ٣٢٨هـ/ ٩٤٠م. انظر تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/ ٨٤٢.. ١٤ الحديث أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، باب: في تحريم الفروج، فصل في الترغيب في النكاح ٤/ ٣٨٢.. ١٥ ذكر ذلك ابن سعد في طبقاته. وقيلة هي قيلة بنت مخرمة. انظر طبقات ابن سعد ١/ ٣١٩.. ١٦ الحديث رواه ابن ماجة في سننه، كتاب الزهد، باب: مجالسة الفقراء ٢/ ١٣٨١.. ١٧ الفرزدق: هو همام بن غالب بن صعصعة بن مجاشع الدارمي التميمي من شعراء العهد الأموي. انظر لسان العرب لابن منظور ٣/ ٢٨٨.. ١٨ البيت من البحر الطويل.. ١٩ نسبه ابن عطية إلى النقاش. راجع المحرر الوجيز ٨/ ٢٠٩.. ٢٠ في (ز): "خرزته".. ٢١ "الضعيف" ساقطة في (ح).. ٢٢ "عشر شياه" ساقط في (أ).. ٢٣ في (أ)، (ز): "لا يتم الكلام... الكلام عليه".. ٢٤ علي بن زياد التونسي. سمع من مالك الموطأ وتفقه عليه وله كتب على مذهبه منها كتاب يسمى "خير من زنته" وبه تفقه سحنون عاش بعد مالك نحو من خمس سنين. انظر طبقات الفقهاء ص ١٥٢.. ٢٥ في (أ): زيادة:"لا يحرمه".. ٢٦ في (أ): "لا يتفطن له".. ٢٧ الحديث رواه البخاري عن أبي هريرة، كتاب الزكاة، باب: قوله تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافا﴾ ٢/ ١٣٣. رواه مسلم عن أبي هريرة، كتاب الزكاة، باب: المسكين الذي لا يجد غنى ٣/ ٩٥.. ٢٨ عبيد الله بن الحسن بن حصين العنبري، القاضي، فقيه بصري، ثقة. توفي سنة ١٦٨هـ/ ٧٨٥م. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر ٧/٧.. ٢٩ يحيى بن عمر: هو الصحابي يحيى بن عمر بن الحرث بن زائدة بن كندة بن ثعلبة الأنصاري. انظر الإصابة لابن حجر ٣/ ٦١٣.. ٣٠ من قوله: "فذهب مالك... إلى: لا يجوز" ساقط في (ح).. ٣١ إسحاق: لعله إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن مطر الحنظلي الماروزي المعروف بابن راهويه، فقيه ومحدث. توفي سنة ٢٣٨هـ/ ٨٥٢م. انظر طبقات الفقهاء ص ٥٤.. ٣٢ الحديث أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الزكاة ٣/ ١٥٠.. ٣٣ الحديث رواه أحمد عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد ٤/ ٣٦.. ٣٤ الحديث أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار ١/ ٢٠٣.. ٣٥ كما أوصى عليه الصلاة والسلام معاذ بن جبل قائلا له: "أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم". راجع المغني لابن قدامة ٢/ ٥١٠. والترمذي، كتاب الزكاة، باب: ما جاء في كراهية أخذ خيار المال في الصدقة ٣/ ٢١.. ٣٦ عبد الملك: هو عبد الملك بن الماجشون. انظر ترجمته في صفحة ٢٥.. ٣٧ وهو رأي المالكية والشافعية والحنابلة. راجع فقه الزكاة للقرضاوي ٢/ ٥٦٦.. ٣٨ في (ب)، (د)، (هـ): "فيمن".. ٣٩ "له" ساقط في (أ).. ٤٠ في (د)، (هـ)، (و)، (ز): "وإذا".. ٤١ من قوله: "حلت له... إلى قوله: ولا كفاية فيه" ساقط في (أ).. ٤٢ الحديث ذكره أبو داود في سننه، كتاب الزكاة، باب: من يعطى من الصدقة ٢/ ٢٨١.. ٤٣ في (د)، (هـ)، (و): "وخادم".. ٤٤ في (ب)، (هـ)، (و): "هو".. ٤٥ في (ز): "يحتاج".. ٤٦ "بعموم" ساقطة في غير (أ)، (ز).. ٤٧ الحديث رواه ابن عباس وذكره الباجي في المنتقى. كتاب الزكاة، باب: أخذ الإمام الزكاة من المزكي ٢/ ٩٤.. ٤٨ أشهب: هو أبو عمر أشهب بن عبد العزيز بن داود بن إبراهيم القيسي. روى عن مالك والليث. توفي سنة ٢٠٤هـ/ ٨١٩م. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر ١/ ٣٥٩..

التوبة 9:73

قوله تعالى :﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ : هذه الآية تقتضي أن يجاهد الكفار والمنافقين (١) إلا أنه يحتمل أن يريد أن يجاهد المنافقين كما يجاهد الكفار بالسيف ويحتمل أن يريد (٢) أن يجاهد الكفار بالسيف والمنافقين بدون (٣) ذلك باللسان ونحوه (٤). وبحسب هذا الاحتمال اختلف المفسرون فقيل المعنى جاهد الكفار والمنافقين بالسيف فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال المنافقين كما يقاتل الكفار وأذن له في قتلهم، وعلى ذلك مات النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى هذا ذهب الزجاج. وقال ابن مسعود يفعل ذلك إن قدر وإلا باللسان، وإليه ذهب ابن عباس. وقيل المعنى جاهد الكفار بالسيف والمنافقين بإقامة الحدود عليهم وإلى هذا ذهب الحسن بن أبي الحسن، قال : وأكثر ما كانت الحدود تصيب يومئذ المنافقين. فلم ير من ذهب إلى هذين القولين قتال المنافقين ولا (٥) قتلهم. ومال إلى هذا (٦) بعض المفسرين (٧) وقال : قتلهم لا يكون إلا إذا جلحوا، وإذا جلحوا فهم كفار ثم قال ما ينقض مذهبه. قال : ووجه ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم المنافقين بالمدينة أنهم لم يكونوا مجلحين بل كان كل مغموس عليه إذا وقف ادعى الإسلام فكان في تركهم إبقاء وحياطة للإسلام ومخافة أن ينفر العرب إذا سمعت أن محمدا صلى الله عليه وسلم يقتل من يظهر الإسلام. فقال أولا إنه يترك المنافقين ما لم يجلحوا وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تركهم بالمدينة لذلك، فالعلة في تركهم إذن ترك التجليح. ثم قال إن تركهم حياطة للإسلام، فعلى هذا إذا لم يحتج إلى حياطة الإسلام لقوته لزم أن يقاتلوا ويقتلوا وإن لم يجلحوا، وهذا مناقض لمذهبه، والقول الأول أحسن على مقتضى الآية لأنه تعالى قرن جهاد المنافقين بجهاد الكفار، وظاهره التسوية في ذلك. فما يجاهد به الكفار يجاهد به المنافقون وذلك السيف إلا أن يتقي في قتالهم شيء على الإسلام فيبقي عليهم ومن فرق بين جهاد وجهاد فقد خرج على الظاهر. وقد مضى ذكر أحكام المنافقين في سورة البقرة فقف عليه (٨). وفي قوله تعالى :﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب﴾ [براءة: ٦٥] دليل على أن الجاد واللاعب في النطق بكلمة الكفر سواء ودليل على أن الاستهزاء بآيات الله تعالى كفر. قال أبو الحسن : وفي قوله تعالى :﴿يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر﴾ [براءة: ٧٤] دليل على أن توبة الزنديق مقبولة إذا لم يظهر الكفر لأن النبي صلى الله عليه وسلم استبقاهم وقنع بإنكارهم لما قالوه. والذي قالوه هو قول الجلاس بن سويد بن الصامت (٩) : إن كان ما جاء به محمد فنحن من الحمير، وقول عبد الله بن أبي :﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ (١٠) [المنافقون: ٨]. ١ في (ج)، (ح)، (و): "المنافقون".. ٢ "أن يريد" ساقط في (ب)، (هـ)، (ز).. ٣ في (ح) زيادة: "سيف".. ٤ "ونحوه" ساقط في (أ).. ٥ في (ح): "وإلى".. ٦ من قوله: "الحسن بن أبي الحسن... إلى: ومال إلى هذا" ساقط في (و).. ٧ قاله ابن عطية ولفظه: قتلهم لا يكون إلا مع التجليح ومن جلح خرج عن رتبة النفاق. راجع المحرر الوجيز ٨/ ٢٣٢.. ٨ راجع أطروحة ابن يوسف: أحكام القرآن لأبي محمد عبد المنعم بن الفرس. تحقيق تفسير سورتي الفاتحة والبقرة ٢/ ٦ – ٩.. ٩ الجلاس بن سويد بن الصامت الأنصاري، كان من المنافقين ثم تاب وحسنت توبته. انظر الإصابة ٢/ ٩٢.. ١٠ القصة ذكرها السيوطي في لباب النقول ص ٤٥٤، وذكرها أبو الحسن الكيا الهراسي في أحكام القرآن ٤/ ٢١٤..

التوبة 9:75

قوله تعالى :﴿ومنهم من عاهد الله﴾ إلى قوله :﴿فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ( ٧٧ )﴾ : هذه الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب الأنصاري(١) قيل وفي معتب بن قشير(٢) وذلك أن ثعلبة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يدعو له أن يجعل له مالا. قال : فلو كان لي مال لقضيت حقوقه وفعلت به الخير. ولم يزل به حتى دعا له. فاتخذ غنما. فنمت له حتى ضاقت بها المدينة، فتنحى عن المدينة، وكثرت غنمه فكان لا يصلي الجمعة، ثم كثرت حتى تنحى بعيدا، فترك الصلاة ونجم نفاقه ونزل خلال ذلك فرض الزكاة. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المتصدقين فلما بلغوا ثعلبة قال : هذه أخت الجزية ثم قال دعوني حتى أرى رأي. فلما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك قال : " ويحه " ثلاثا. ونزلت الآية. وبلغ ذلك ثعلبة، فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرغب أن يؤدي زكاته فأعرض عنه وقال : إن الله تعالى أمرني أن لا آخذ زكاتك. فبقي كذلك حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ورد ثعلبة على أبي بكر ثم على عمر ثم على عثمان يرغب إلى كل واحد منهم أن يأخذ منه الزكاة. فكلهم يرد ذلك اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبقي كذلك ثعلبة حتى هلك في مدة عثمان (٣) فقوله تعالى :﴿فأعقبهم نفاقا﴾ نص في المعاقبة على الذنب بما هو أشد منه، والتقدير فأعقبهم الله نفاقا. وقيل التقدير فأعقبهم البخل نفاقا. وقوله تعالى :﴿إلى يوم يلقونه﴾ : يقتضي موتهم على النفاق. ولذلك لم يقبل رجوع ثعلبة لشهادة القرآن عليه بالنفاق إلى يوم (٤) الملاقاة. وقوله تعالى :﴿نفاقا﴾ : يحتمل أن يريد نفاق معصية ويحتمل أن يريد نفاق كفر. فإذا قيل إن المراد به نفاق كفر فإنما أقر ثعلبة على ذلك كما أقر سائر المنافقين. وإذا قلنا إنه نفاق معصية (٥) فإنما أقر ثعلبة على ذلك ولم تقبل منه الزكاة عقابا له وهذا خاص بثعلبة. ومن فعل ذلك الوقت مثل فعله أن لا يجوز أن يعاقب اليوم أحد في مثل ذلك بأن لا تؤخذ منه الزكاة فتؤخذ منه كرها وإن كان قد جاء عن عمر بن عبد العزيز أن عاملا كتب إليه أن فلانا يمنع الزكاة. فكتب إليه عمر أن دعه واجعل عقوبته أن لا يؤدي الزكاة مع المسلمين لما يلحقه من المقت في ذلك (٦). وظاهر هذا من عمر أن العقاب عام فيمن فعل فعل ثعلبة، والصحيح ما قدمته. وإنما كان ذلك أيضا في ثعلبة لقوله تعالى :﴿إلى يوم يلقونه﴾ فأخبر أن النفاق لا يزول عنه إلى يوم يلقاه ونفاقه إنما كان يمنع الزكاة فلم تقبل منه الزكاة فتبقى عليه تلك القسمة إلى أن يلقى الله عز وجل. وغير ثعلبة لم يقل فيه ذلك فلا يكون حكمه حكم ذلك الحكم. وذكر بعضهم عن ابن عباس في نزول الآية غير ما تقدم. قال(٧) وذلك أن حاطب بن أبي بلتعة(٨) لما أبطأ عليه ماله بالشام حلف في مجلس من مجالس الأنصار إذا سلم ذلك لأتصدقن منه ولأصلن منه. فلما سلم بخل بذلك (٩). وقوله تعالى :﴿بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾ يقوم من هذا أن إخلاف (١٠) الوعد والكذب نفاق (١١). وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يعضد ذلك. قال : " ثلاثة من كن فيه كان منافقا خالصا : إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان " (١٢) وجاء في بعض الأحاديث زيادة. وروي أن عمرو بن العاص لما احتضر قال : زوجوا فلانا فإني قد وعدته، لا ألقى الله بثلث النفاق (١٣) وإلى هذا ذهب جماعة كثيرة من أهل العلم أن هذه الخصال نفاق ومن اتصف بها فهو منافق إلى يوم القيامة (١٤) وذهب قوم إلى أنها ليست بنفاق. فقال عطاء بن أبي رباح : قد فعل هذه الخلال إخوة يوسف ولم يكونوا منافقين بل كانوا أنبياء. وهذه الأحاديث التي هي في عصر النبي صلى الله عليه وسلم للذين شهد الله تعالى عليهم، وهذه الخصال في سائر الأمة معاص باتفاق (١٥) وذكر الطبري أن الحسن رجع إلى هذا. والقول الأول أظهر لأن الله تعالى قد قال :﴿نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه﴾ أي أعقبوا بالنفاق منعهم هذه الأشياء، فمن كانت فيه هذه الأشياء فهو منافق. وهذه الآية على ما ذكر ابن لبابة قد احتج بها بعضهم لمذهب مالك في أن الصدقة لا يلزم الحالف بها في يمين، فلا يحكم بها كانت لمعين أو غير معين اختلافا لمن رأى الحكم بذلك جملة، يريد لأن الذي عهد الله تعالى على الصدقة لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم في ماله بشيء حين حنث. فهذا وجه الحجة وهو احتجاج ضعيف لما قدمناه من معنى الآية. وقال أبو الحسن : استدل به قوم على أن من حلف أن فعل كذا فله عليه كذا أنه يلزمه. وظاهره لا يدل عليه لأنه ليس بنذر (١٦). ١ ثعلبة بن حاطب بن عمرو بن عبيد بن أمية الأنصاري. شهد بدرا، مات في خلافة عمر، وقيل في خلافة عثمان. انظر الإصابة ٢/ ١٩.. ٢ نسب ابن عطية هذا القول إلى الحسن. راجع المحرر الوجيز ٨/ ٢٣٦.. ٣ ذكر ذلك الواحدي عن أبي أمامة في أسباب النزول ص ١٨٩ – ١٩١.. ٤ "بالنفاق إلى يوم" ساقط في (أ)، (ب)، (هـ)، (و)، (ز).. ٥ من قوله: "فإنما أقر... إلى: معصية" ساقط في (أ)، (ز).. ٦ ذكر القصة ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/٢٣٧.. ٧ "قال" ساقطة في (أ).. ٨ حاطب بن أبي بلتعة اللخمي. صحابي شهد الوقائع كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. مات بالمدينة سنة ٣٠ هـ/ ٦٥٠م. انظر الأعلام ٢/ ١٦٣، الإصابة ١/ ٣٠٠.. ٩ أورده الكيا الهراسي في أحكام القرآن ٤/ ٢٥٠، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٢٠٩، والأجهوري في إرشاد الرحمن، تحقيق محمد عبد الله محمد ثاني ٢/ ١٧٤.. ١٠ في غير (هـ)، (و)، (ز): "خلاف".. ١١ "نفاق" ساقطة في (أ)، (ز).. ١٢ رواه مسلم عن عبد الله بن عمر بلفظ: أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من نفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر. وفي حديث سفيان: وإن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق. وفي حديث أبي هريرة: آية المنافق ثلاثة.... راجع مختلف هذه الأحاديث في صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب: بيان خصال المنافق ١/ ٥٦.. ١٣ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/ ٢٣٨.. ١٤ نسبه ابن عطية إلى البخاري وإلى الحسن بن أبي الحسن. راجع م. س. ، ن. ص.. ١٥ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/ ٢٣٨.. ١٦ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢١٥..

التوبة 9:76

قوله تعالى :﴿ومنهم من عاهد الله﴾ إلى قوله :﴿فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ( ٧٧ )﴾ : هذه الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب الأنصاري(١) قيل وفي معتب بن قشير(٢) وذلك أن ثعلبة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يدعو له أن يجعل له مالا. قال : فلو كان لي مال لقضيت حقوقه وفعلت به الخير. ولم يزل به حتى دعا له. فاتخذ غنما. فنمت له حتى ضاقت بها المدينة، فتنحى عن المدينة، وكثرت غنمه فكان لا يصلي الجمعة، ثم كثرت حتى تنحى بعيدا، فترك الصلاة ونجم نفاقه ونزل خلال ذلك فرض الزكاة. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المتصدقين فلما بلغوا ثعلبة قال : هذه أخت الجزية ثم قال دعوني حتى أرى رأي. فلما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك قال :" ويحه " ثلاثا. ونزلت الآية. وبلغ ذلك ثعلبة، فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرغب أن يؤدي زكاته فأعرض عنه وقال : إن الله تعالى أمرني أن لا آخذ زكاتك. فبقي كذلك حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ورد ثعلبة على أبي بكر ثم على عمر ثم على عثمان يرغب إلى كل واحد منهم أن يأخذ منه الزكاة. فكلهم يرد ذلك اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبقي كذلك ثعلبة حتى هلك في مدة عثمان (٣) فقوله تعالى :﴿فأعقبهم نفاقا﴾ نص في المعاقبة على الذنب بما هو أشد منه، والتقدير فأعقبهم الله نفاقا. وقيل التقدير فأعقبهم البخل نفاقا. وقوله تعالى :﴿إلى يوم يلقونه﴾ : يقتضي موتهم على النفاق. ولذلك لم يقبل رجوع ثعلبة لشهادة القرآن عليه بالنفاق إلى يوم (٤) الملاقاة. وقوله تعالى :﴿نفاقا﴾ : يحتمل أن يريد نفاق معصية ويحتمل أن يريد نفاق كفر. فإذا قيل إن المراد به نفاق كفر فإنما أقر ثعلبة على ذلك كما أقر سائر المنافقين. وإذا قلنا إنه نفاق معصية (٥) فإنما أقر ثعلبة على ذلك ولم تقبل منه الزكاة عقابا له وهذا خاص بثعلبة. ومن فعل ذلك الوقت مثل فعله أن لا يجوز أن يعاقب اليوم أحد في مثل ذلك بأن لا تؤخذ منه الزكاة فتؤخذ منه كرها وإن كان قد جاء عن عمر بن عبد العزيز أن عاملا كتب إليه أن فلانا يمنع الزكاة. فكتب إليه عمر أن دعه واجعل عقوبته أن لا يؤدي الزكاة مع المسلمين لما يلحقه من المقت في ذلك (٦). وظاهر هذا من عمر أن العقاب عام فيمن فعل فعل ثعلبة، والصحيح ما قدمته. وإنما كان ذلك أيضا في ثعلبة لقوله تعالى :﴿إلى يوم يلقونه﴾ فأخبر أن النفاق لا يزول عنه إلى يوم يلقاه ونفاقه إنما كان يمنع الزكاة فلم تقبل منه الزكاة فتبقى عليه تلك القسمة إلى أن يلقى الله عز وجل. وغير ثعلبة لم يقل فيه ذلك فلا يكون حكمه حكم ذلك الحكم. وذكر بعضهم عن ابن عباس في نزول الآية غير ما تقدم. قال(٧) وذلك أن حاطب بن أبي بلتعة(٨) لما أبطأ عليه ماله بالشام حلف في مجلس من مجالس الأنصار إذا سلم ذلك لأتصدقن منه ولأصلن منه. فلما سلم بخل بذلك (٩). وقوله تعالى :﴿بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾ يقوم من هذا أن إخلاف (١٠) الوعد والكذب نفاق (١١). وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يعضد ذلك. قال :" ثلاثة من كن فيه كان منافقا خالصا : إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان " (١٢) وجاء في بعض الأحاديث زيادة. وروي أن عمرو بن العاص لما احتضر قال : زوجوا فلانا فإني قد وعدته، لا ألقى الله بثلث النفاق (١٣) وإلى هذا ذهب جماعة كثيرة من أهل العلم أن هذه الخصال نفاق ومن اتصف بها فهو منافق إلى يوم القيامة (١٤) وذهب قوم إلى أنها ليست بنفاق. فقال عطاء بن أبي رباح : قد فعل هذه الخلال إخوة يوسف ولم يكونوا منافقين بل كانوا أنبياء. وهذه الأحاديث التي هي في عصر النبي صلى الله عليه وسلم للذين شهد الله تعالى عليهم، وهذه الخصال في سائر الأمة معاص باتفاق (١٥) وذكر الطبري أن الحسن رجع إلى هذا. والقول الأول أظهر لأن الله تعالى قد قال :﴿نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه﴾ أي أعقبوا بالنفاق منعهم هذه الأشياء، فمن كانت فيه هذه الأشياء فهو منافق. وهذه الآية على ما ذكر ابن لبابة قد احتج بها بعضهم لمذهب مالك في أن الصدقة لا يلزم الحالف بها في يمين، فلا يحكم بها كانت لمعين أو غير معين اختلافا لمن رأى الحكم بذلك جملة، يريد لأن الذي عهد الله تعالى على الصدقة لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم في ماله بشيء حين حنث. فهذا وجه الحجة وهو احتجاج ضعيف لما قدمناه من معنى الآية. وقال أبو الحسن : استدل به قوم على أن من حلف أن فعل كذا فله عليه كذا أنه يلزمه. وظاهره لا يدل عليه لأنه ليس بنذر (١٦). ١ ثعلبة بن حاطب بن عمرو بن عبيد بن أمية الأنصاري. شهد بدرا، مات في خلافة عمر، وقيل في خلافة عثمان. انظر الإصابة ٢/ ١٩.. ٢ نسب ابن عطية هذا القول إلى الحسن. راجع المحرر الوجيز ٨/ ٢٣٦.. ٣ ذكر ذلك الواحدي عن أبي أمامة في أسباب النزول ص ١٨٩ – ١٩١.. ٤ "بالنفاق إلى يوم" ساقط في (أ)، (ب)، (هـ)، (و)، (ز).. ٥ من قوله: "فإنما أقر... إلى: معصية" ساقط في (أ)، (ز).. ٦ ذكر القصة ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/٢٣٧.. ٧ "قال" ساقطة في (أ).. ٨ حاطب بن أبي بلتعة اللخمي. صحابي شهد الوقائع كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. مات بالمدينة سنة ٣٠ هـ/ ٦٥٠م. انظر الأعلام ٢/ ١٦٣، الإصابة ١/ ٣٠٠.. ٩ أورده الكيا الهراسي في أحكام القرآن ٤/ ٢٥٠، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٢٠٩، والأجهوري في إرشاد الرحمن، تحقيق محمد عبد الله محمد ثاني ٢/ ١٧٤.. ١٠ في غير (هـ)، (و)، (ز): "خلاف".. ١١ "نفاق" ساقطة في (أ)، (ز).. ١٢ رواه مسلم عن عبد الله بن عمر بلفظ: أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من نفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر. وفي حديث سفيان: وإن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق. وفي حديث أبي هريرة: آية المنافق ثلاثة.... راجع مختلف هذه الأحاديث في صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب: بيان خصال المنافق ١/ ٥٦.. ١٣ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/ ٢٣٨.. ١٤ نسبه ابن عطية إلى البخاري وإلى الحسن بن أبي الحسن. راجع م. س. ، ن. ص.. ١٥ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/ ٢٣٨.. ١٦ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢١٥..

التوبة 9:77

قوله تعالى :﴿ومنهم من عاهد الله﴾ إلى قوله :﴿فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ( ٧٧ )﴾ : هذه الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب الأنصاري(١) قيل وفي معتب بن قشير(٢) وذلك أن ثعلبة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يدعو له أن يجعل له مالا. قال : فلو كان لي مال لقضيت حقوقه وفعلت به الخير. ولم يزل به حتى دعا له. فاتخذ غنما. فنمت له حتى ضاقت بها المدينة، فتنحى عن المدينة، وكثرت غنمه فكان لا يصلي الجمعة، ثم كثرت حتى تنحى بعيدا، فترك الصلاة ونجم نفاقه ونزل خلال ذلك فرض الزكاة. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المتصدقين فلما بلغوا ثعلبة قال : هذه أخت الجزية ثم قال دعوني حتى أرى رأي. فلما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك قال :" ويحه " ثلاثا. ونزلت الآية. وبلغ ذلك ثعلبة، فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرغب أن يؤدي زكاته فأعرض عنه وقال : إن الله تعالى أمرني أن لا آخذ زكاتك. فبقي كذلك حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ورد ثعلبة على أبي بكر ثم على عمر ثم على عثمان يرغب إلى كل واحد منهم أن يأخذ منه الزكاة. فكلهم يرد ذلك اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبقي كذلك ثعلبة حتى هلك في مدة عثمان (٣) فقوله تعالى :﴿فأعقبهم نفاقا﴾ نص في المعاقبة على الذنب بما هو أشد منه، والتقدير فأعقبهم الله نفاقا. وقيل التقدير فأعقبهم البخل نفاقا. وقوله تعالى :﴿إلى يوم يلقونه﴾ : يقتضي موتهم على النفاق. ولذلك لم يقبل رجوع ثعلبة لشهادة القرآن عليه بالنفاق إلى يوم (٤) الملاقاة. وقوله تعالى :﴿نفاقا﴾ : يحتمل أن يريد نفاق معصية ويحتمل أن يريد نفاق كفر. فإذا قيل إن المراد به نفاق كفر فإنما أقر ثعلبة على ذلك كما أقر سائر المنافقين. وإذا قلنا إنه نفاق معصية (٥) فإنما أقر ثعلبة على ذلك ولم تقبل منه الزكاة عقابا له وهذا خاص بثعلبة. ومن فعل ذلك الوقت مثل فعله أن لا يجوز أن يعاقب اليوم أحد في مثل ذلك بأن لا تؤخذ منه الزكاة فتؤخذ منه كرها وإن كان قد جاء عن عمر بن عبد العزيز أن عاملا كتب إليه أن فلانا يمنع الزكاة. فكتب إليه عمر أن دعه واجعل عقوبته أن لا يؤدي الزكاة مع المسلمين لما يلحقه من المقت في ذلك (٦). وظاهر هذا من عمر أن العقاب عام فيمن فعل فعل ثعلبة، والصحيح ما قدمته. وإنما كان ذلك أيضا في ثعلبة لقوله تعالى :﴿إلى يوم يلقونه﴾ فأخبر أن النفاق لا يزول عنه إلى يوم يلقاه ونفاقه إنما كان يمنع الزكاة فلم تقبل منه الزكاة فتبقى عليه تلك القسمة إلى أن يلقى الله عز وجل. وغير ثعلبة لم يقل فيه ذلك فلا يكون حكمه حكم ذلك الحكم. وذكر بعضهم عن ابن عباس في نزول الآية غير ما تقدم. قال(٧) وذلك أن حاطب بن أبي بلتعة(٨) لما أبطأ عليه ماله بالشام حلف في مجلس من مجالس الأنصار إذا سلم ذلك لأتصدقن منه ولأصلن منه. فلما سلم بخل بذلك (٩). وقوله تعالى :﴿بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾ يقوم من هذا أن إخلاف (١٠) الوعد والكذب نفاق (١١). وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يعضد ذلك. قال :" ثلاثة من كن فيه كان منافقا خالصا : إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان " (١٢) وجاء في بعض الأحاديث زيادة. وروي أن عمرو بن العاص لما احتضر قال : زوجوا فلانا فإني قد وعدته، لا ألقى الله بثلث النفاق (١٣) وإلى هذا ذهب جماعة كثيرة من أهل العلم أن هذه الخصال نفاق ومن اتصف بها فهو منافق إلى يوم القيامة (١٤) وذهب قوم إلى أنها ليست بنفاق. فقال عطاء بن أبي رباح : قد فعل هذه الخلال إخوة يوسف ولم يكونوا منافقين بل كانوا أنبياء. وهذه الأحاديث التي هي في عصر النبي صلى الله عليه وسلم للذين شهد الله تعالى عليهم، وهذه الخصال في سائر الأمة معاص باتفاق (١٥) وذكر الطبري أن الحسن رجع إلى هذا. والقول الأول أظهر لأن الله تعالى قد قال :﴿نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه﴾ أي أعقبوا بالنفاق منعهم هذه الأشياء، فمن كانت فيه هذه الأشياء فهو منافق. وهذه الآية على ما ذكر ابن لبابة قد احتج بها بعضهم لمذهب مالك في أن الصدقة لا يلزم الحالف بها في يمين، فلا يحكم بها كانت لمعين أو غير معين اختلافا لمن رأى الحكم بذلك جملة، يريد لأن الذي عهد الله تعالى على الصدقة لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم في ماله بشيء حين حنث. فهذا وجه الحجة وهو احتجاج ضعيف لما قدمناه من معنى الآية. وقال أبو الحسن : استدل به قوم على أن من حلف أن فعل كذا فله عليه كذا أنه يلزمه. وظاهره لا يدل عليه لأنه ليس بنذر (١٦). ١ ثعلبة بن حاطب بن عمرو بن عبيد بن أمية الأنصاري. شهد بدرا، مات في خلافة عمر، وقيل في خلافة عثمان. انظر الإصابة ٢/ ١٩.. ٢ نسب ابن عطية هذا القول إلى الحسن. راجع المحرر الوجيز ٨/ ٢٣٦.. ٣ ذكر ذلك الواحدي عن أبي أمامة في أسباب النزول ص ١٨٩ – ١٩١.. ٤ "بالنفاق إلى يوم" ساقط في (أ)، (ب)، (هـ)، (و)، (ز).. ٥ من قوله: "فإنما أقر... إلى: معصية" ساقط في (أ)، (ز).. ٦ ذكر القصة ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/٢٣٧.. ٧ "قال" ساقطة في (أ).. ٨ حاطب بن أبي بلتعة اللخمي. صحابي شهد الوقائع كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. مات بالمدينة سنة ٣٠ هـ/ ٦٥٠م. انظر الأعلام ٢/ ١٦٣، الإصابة ١/ ٣٠٠.. ٩ أورده الكيا الهراسي في أحكام القرآن ٤/ ٢٥٠، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٢٠٩، والأجهوري في إرشاد الرحمن، تحقيق محمد عبد الله محمد ثاني ٢/ ١٧٤.. ١٠ في غير (هـ)، (و)، (ز): "خلاف".. ١١ "نفاق" ساقطة في (أ)، (ز).. ١٢ رواه مسلم عن عبد الله بن عمر بلفظ: أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من نفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر. وفي حديث سفيان: وإن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق. وفي حديث أبي هريرة: آية المنافق ثلاثة.... راجع مختلف هذه الأحاديث في صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب: بيان خصال المنافق ١/ ٥٦.. ١٣ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/ ٢٣٨.. ١٤ نسبه ابن عطية إلى البخاري وإلى الحسن بن أبي الحسن. راجع م. س. ، ن. ص.. ١٥ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/ ٢٣٨.. ١٦ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢١٥..

التوبة 9:80

قوله تعالى :﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ : قوله :﴿استغفر لهم﴾ يحتمل أن يكون بمعنى الشرط إن تستغفر لهم أو لا تستغفر لهم فلن يغفر الله لهم، كقول الشاعر (١) : أسيئي بنا أم أحسني لا ملومة؍ لدينا ولا مقلية إن تقلت؍ فلا تكون ( أو ) على هذا للتخيير ويكون معنى الكلام المنع من الاستغفار وإلى هذا ذهب الطبري ويحتمل أن يكون ذلك على التخيير لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ويعضد هذا قوله صلى الله عليه وسلم لعمر وقد سمعه عمر يستغفر لهم بعد نزول الآية فقال : أتستغفر للمنافقين وقد أعلمك الله تعالى أنه لا يغفر لهم فقال له : يا عمر إن الله خيرني فاخترت ولو علمت إني إذا زدت على السبعين يغفر لهم لزدت. فإذا كان على جهة الشرط فلا يكون منسوخا وإذا كان على التخيير ففيه إباحة الاستغفار للمنافقين. وهذا منسوخ لأنه لا يجوز أن يستغفر لهم. واختلفوا في الناسخ ما هو ؟ فقيل قوله تعالى :﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا﴾ (٢) [براءة: ٨٤]. وقوله تعالى :﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة﴾ يحتمل أن يكون جعل السبعين غاية الكثرة فضرب به المثل. والمعنى إن استغفرت لهم أبدا فلن يغفر الله لهم. فيكون في أول الآية إباحة الاستغفار إن لم يكن جاء على الشرط ويكون في آخرها قد أعلمه أن لا يغفر لهم وإن استغفر. ويحتمل أن يكون جعل السبعين حدا للمرات التي إذا استغفرها لهم لم تغفر ويبقى ما زاد على السبعين محتملا أن يغفر به ومحتملا أن لا يغفر به إلا أن دلالته إنما هي دلالة خطاب. وقد اختلف العلماء في القول به، ولمالك ما يدل على القولين. وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر لهم لزدت " دليلا على أنه لم يقل بدليل الخطاب لأنه لو قال بدليل الخطاب لكان عنده أن الزيادة على السبعين يغفرها. فإذا لم يقل بدليل خطاب الآية كان – أي الزيادة في الاستغفار على السبعين – يغفر له. وهذا أيضا إذا قيل به منسوخ. وروى جرير عن الضحاك عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه :﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ قال : " لأزيدن على السبعين ". وهذا خلاف ما تقدم عنه وهو من النبي صلى الله عليه وسلم قول بدليل الخطاب فنسخه الله تعالى بقوله :﴿سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم﴾ [المنافقون: ٦]. وكثير من العلماء لا يرى في هذه الآية نسخا فيحملون أولها على الشرط ولا يقولون في آخرها (٣) بدليل الخطاب (٤). ١ الشاعر هو كثير كما في المحرر الوجيز ٨/ ٢٤١. والبيت من البحر الطويل.. ٢ وقيل نسخه قوله تعالى: ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم﴾ راجع الإيضاح ص ٢٧٧، ٢٧٨.. ٣ "في آخرها" ساقط في (ب)، (هـ).. ٤ ذكره مكي في الإيضاح ص ٢٧٨..

التوبة 9:84

وقوله تعالى :﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره﴾ : هذه الآية نزلت في شأن عبد الله بن أبي بن سلول حيث توفي. فروى أنس (١) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تقدم للصلاة جاء جبريل عليه السلام فجذب بثوبه فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصل عليه (٢) ففي هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل عليه. وقيل بل صلى عليه وأن الآية إنما نزلت بعد ذلك. وروي أن ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول (٣) جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موت أبيه فرغب في (٤) أن يصلي عليه وفي أن يكسوه قميصه الذي يلي بدنه، وقيل إن ابن أبي قبل موته قد كان رغب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستغفر له ويصلي عليه فأجابه. فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه قام إليه عمر وقال يا رسول الله : أتصلي عليه وقد نهى الله تعالى عن الاستغفار لهم/ وجعل يعدد أفعال عبد الله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " أخر عني يا عمر فإني خيرت ولو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت " وفي حديث آخر : " أن قميصي لا يغني عنه من الله شيئا وأني لأرجو أن يسلم بفعلي هذا ألف رجل من قومي " كذا في بعض الروايات، يريد من منافقي العرب، وفي بعض الروايات من قومه. فسكت عمر وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله ثم نزلت هذه الآية بعد ذلك (٥) وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم إما لموضع إظهار الإيمان وإما لأنه لم يتحقق كفره ولو تحقق كفره لما صلى عليه. وجاء أنه تاب بهذه الفعلة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والرغبة في إسلام (٦) عبد الله ألف رجل من الخزرج. وجاءت أحاديث شتى تدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل على عبد الله منها حديث جابر قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بعدما دفن فأمر به فأخرج فوضعه بين ركبتيه ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه (٧). واختلف في هذه الآية هل هي ناسخة أم لا ؟ فقيل هي ناسخة لقوله تعالى :﴿وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم﴾ [براءة: ١٠٣] وهذا قول فاسد لأن قوله ﴿وصل عليهم﴾ في غير المنافقين، وهم الذين تابوا. وقوله :﴿ولا تصل﴾ في المنافقين. وقيل هي ناسخة لقوله تعالى :﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم﴾ وقد تقدم الكلام على هذا. وقيل هي ناسخة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، يريدون من الصلاة على عبد الله بن أبي. وهذا على القول بأنه صلى عليه. فهذه ثلاثة أقوال لمن زعم أنه ناسخ. وقيل ليس بناسخ وإنما فيه إعلام بحكم ما، وعلى هذا يأتي قول من لم ير أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على عبد الله بن أبي (٨). وقد اختلف في الصلاة على الجنائز هل هي سنة أو فرض كفاية على قولين. والأظهر أنه كفاية. قال بعضهم والدليل على ذلك قوله تعالى :﴿ولا تصل على أحد منهم﴾ يعني المنافقين. ودليل هذا وصل على غير المنافقين من المؤمنين. ١ أنس بن مالك بن النضر الأنصاري، خادم النبي صلى الله عليه وسلم وأحد المكثرين من الرواية عنه. توفي سنة ٩٢هـ/ ٧١١م وقيل سنة ٩٣هـ/ ٧١٢م. انظر الإصابة ١/ ٨٤.. ٢ في رواية ابن عطية: فجذبه بثوبه وتلا عليه: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا...﴾ راجع المحرر الوجيز ٨/ ٢٤٦.. ٣ عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول: هو عبد الله بن عبد الله بن أبي بن مالك بن الحرث بن مالك بن سالم الأنصاري الخزرجي. توفي سنة ١٢هـ/ ٦٣٢م. انظر الإصابة لابن حجر ٢/ ٣٢٧.. ٤ "في" ساقط في (ح).. ٥ راجع لباب النقول ص ٤٦٥، أسباب النزول للواحدي ص ١٩٢، ١٩٣، جامع البيان ١٤/ ٤١٠، سيرة ابن هشام ٤/ ١٤٥، ١٤٦.. ٦ "إسلام" كلمة ساقطة في غير (ج)، (ح).. ٧ ذكر ذلك ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/ ٢٤٧.. ٨ راجع الإيضاح ص ٢٧٨، ٢٧٩..

التوبة 9:91

وقوله تعالى بعد هذا :﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ : يحتج به في إسقاط الضمان على قاتل البهيمة الطائلة.

التوبة 9:103

قوله تعالى :﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم﴾ : اختلف في هذه الآية هل هي في الصدقة المفروضة أم في صدقة التطوع ؟ فذهب جماعة إلى أنها في صدقة التطوع ورووا أن أبا لبابة والجماعة التائبة معه – وهي المقصودة بقوله تعالى :﴿خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا﴾ [براءة: ١٠٢] – جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تيب عليها (١) فقالت يا رسول الله : إنا نريد أن نتصدق بأموالنا زيادة في توبتنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني لا أعرض لأموالكم إلا بأمر الله تعالى ". فتركهم حتى نزلت الآية. فروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ ثلث أموالهم مراعاة لقوله تعالى :﴿خذ من أموالهم صدقة﴾. إلى هذا ذهب ابن عباس وغيره (٢). وذهب جماعة إلى أنها في الصدقة المفروضة (٣). وإذا قلنا بهذا فقوله :﴿من أموالهم﴾ لفظ عام في الأموال المأخوذ منها الصدقة وفيمن تؤخذ منه الصدقة (٤). وقوله تعالى :﴿صدقة﴾ لفظ مجمل في القدر المأخوذ ما هو. فينبغي أن يبحث عن عموم الآية ما خص منه وما لم يخص. وعن مجملها بما فسر. أما الأموال فلا خلاف أنه يدخل تحت عمومها الحرث والماشية والعين. واختلف في سوى هذه من العروض على ثلاثة أقوال : أبو حنيفة يوجب فيها الصدقة على الإطلاق (٥) وداود يسقطها (٦) على الإطلاق، ومالك يوجبها على المدير على شروط معلومة من مذهبه. وحجة أبي حنيفة قوله تعالى :﴿خذ من أموالهم صدقة﴾. وحجة داود قوله عليه الصلاة والسلام : " ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة " (٧) ففهم منه أن ذلك خارج عن تلك الأموال لا لعلة وحمل عليه سائر العروض وأما مالك رحمه الله تعالى فحمل الآية على عمومها من عروض التجارة والحرث فلذلك فرق بين المدير وغيره. وأما من تؤخذ منه الصدقة فالآية فيهم محمولة على عمومها، إلا أنه اختلف في الصبيان والمجانين. فمالك يوجب الزكاة في أموالهم على الإطلاق. وأبو حنيفة يسقطها عليهم إلا في الحرث. وابن شبرمة يسقطها إلا في الماشية، وقوم يسقطونها جملة. فحجة مالك عموم الآية وقوله عليه الصلاة والسلام : " أمرت أن آخذها من أغنيائهم " وغير ذلك من العموم. وبمثل هذا يحتج ابن شبرمة، إلا أن أبا حنيفة تناقض بإيجابه (٨) الزكاة في حرثها، وابن شبرمة بإيجابه الزكاة (٩) في ماشيتها. وحجة من أسقطها جملة حجة أبي حنيفة إلا أنه لا تناقض في قوله، وقول مالك ومن تابعه أظهر. واختلف أيضا (١٠) في العبيد (١١). فعندنا أنه لا تجب زكاة في أموالهم (١٢)، والشافعي في أحد قوليه وأصحاب الرأي وسفيان (١٣) يرون الزكاة في أموالهم وأن السيد يخرجها. وأبو ثور يرى مثل ذلك إن كان المملوك مسلما، وأبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه يريان في ماشيتهم خاصة الصدقة يخرجها السيد. وحجة مالك ومن تابعه قوله تعالى :﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ دل على أنه لم يرد العبد إذ لا يصح أن يقال في مال العبد أنه ماله على الإطلاق إذ لا يجوز له ما يجوز لرب المال في ماله من الهبة والصدقة وما أشبه ذلك بإجماع، وإنما هو ماله على صفة. فإطلاقه ذلك اللفظ دل على أن العبيد لم يدخلوا في عموم المأخوذ منهم. ومن رأى الزكاة في أموالهم رأى عموم الآية منسحبا عليهم، وما سوى هذين (١٤) القولين (١٥) ضعيف. وأما الصدقة التي جاءت مجملة في القرآن فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ما المراد بذلك الإجمال. أما في العين فجعل النصاب المأخوذ منه ربع العشر في الورق مائتي درهم وفي الذهب عشرين دينارا على ما ذكرنا فيما تقدم من أنه قد روي ذلك عنه. وفي الحرث خمسة أوسق وفي الماشية خمس ذود من الإبل وفيها شاة وأربعين شاة من الغنم يؤخذ منها واحدة. وفي ثلاثين من البقر يؤخذ منها تبيع. وفي أربعين مسنة، على خلاف في هذا كله وهو محتاج إلى تفسير واستقصاء طويل ليس هذا الكتاب بموضع له (١٦). وقوله تعالى :﴿تطهرهم وتزكيهم بها﴾ يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو المخاطب بذلك فيكون الضمير له. ويحتمل أن يكون الضمير عائدا على الصدقة يكون تقدير قوله :﴿بها﴾ أي نفسها. ويحتمل أن يكون الضمير في ﴿تطهرهم﴾ عائدا على الصدقة(١٧) ويكون ﴿وتزكيهم﴾ مسندا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا يدل على أنه لا يجوز أن تؤخذ زكاة من كافر لأن التطهير والتزكية لا تصح في الكفار. قوله تعالى :﴿وصل عليهم...﴾ معناه ادع لهم فإن في دعائك لهم سكونا لأنفسهم. وقيل أراد الصلاة المعلومة صلاة الجنائز (١٨) وقد تقدم قول من زعم أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى :﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا﴾ (١٩) [براءة: ٨٤] وبينا فساده. والذين قالوا إن معنى الآية الدعاء، قالوا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال : " اللهم صل على آل فلان " بسبب هذه الآية. قال ابن أبي أوفى (٢٠) فأتاه أبي بصدقته فقال : " اللهم صل على آل أبي أوفى " (٢١). واختلف الناس بحسب هذا هل يجب على الإمام إذا أوتي بالصدقة أن يدعو أم لا ؟ فذهب أهل الظاهر إلى وجوب ذلك أخذا بظاهر القرآن والحديث المذكور. ولم يوجبه الجمهور، وقال ابن القصار : قول الجماعة أولى. وقوله تعالى :﴿وصل عليهم﴾ معناه إذا ماتوا. هكذا يقتضي إطلاق الصلاة في الشريعة (٢٢) ولو ثبت أنه أراد الدعاء لكان خصوصا للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :﴿إن صلواتك سكن لهم﴾ ولا نعلم هذا في غير النبي صلى الله عليه وسلم. ويجوز أن يحمل الأمر على الندب. وبهذه الآية احتج مانع الزكاة على أبي بكر بقوله تعالى :﴿إن صلواتك سكن لهم﴾ فقالوا : لم تكن الزكاة إلا مع صلاة النبي صلى الله عليه وسلم التي كانت سكنا، وصلاة غيره ليست كذلك فلا تجب الزكاة علينا (٢٣). واختلف في الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم هل يجوز أن يقال صلى الله على فلان ؟ فلم يجزه قوم وذكر عن ابن عباس، وأجازه الجمهور وحجة إجازتهم الآية والحديث المتقدم. واختلف هل يجب دفع الزكاة في الأموال الظاهرة كالحرث والماشية إلى الإمام أم لا ؟ ففي مذهب مالك (٢٤) أنه يجب، وإن فرقها المالك دون الإمام ضمن (٢٥). وذهب الشافعي في قوله الجديد إلى أن رب المال مخير بين أن يفرقها بنفسه أو يدفعها إلى الإمام فيفرقها. ودليل قول مالك وأصحابه قوله تعالى :﴿خذ من أموالهم صدقة﴾. ١ "لما تيب عليها" ساقط في (أ)، (هـ)، (ز).. ٢ ونسبه الفخر والجصاص إلى الحسن. راجع التفسير الكبير ١٦/ ١٧٧، وأحكام القرآن للجصاص ٤/ ٣٥٦. وراجع القصة في أسباب النزول للواحدي ص ١٩٤، ١٩٥.. ٣ وهو ما ذهب إليه الجصاص بقوله: والصحيح أنها الزكوات المفروضات. راجع أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٣٥٦. وذكر القرطبي أن ذلك ينسب إلى ابن عباس، وهو قول عكرمة فيما ذكر القشيري. راجع الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٢٤٤.. ٤ من قوله: "وإذا قلنا بهذا... إلى: الصدقة" ساقط في (أ)، (ز).. ٥ قال الجصاص: وبذلك كان يقول شيخنا أبو الحسن الكرخي. راجع أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٣٥٦.. ٦ في (أ)، (ز): "يطلقها".. ٧ الحديث رواه مسلم عن أبي هريرة، كتاب الزكاة، باب: لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه ٣/ ٦٧.. ٨ في غير (أ)، (ح) زيادة: "في".. ٩ "في حرثها وابن شبرمة بإيجابه الزكاة" ساقط في (أ)، (و)، (ز).. ١٠ في (أ) زيادة: "في مال".. ١١ في (أ)، (ز): "العبد".. ١٢ في (أ)، (ز): "ماله".. ١٣ هو سفيان الثوري: سبقت ترجمته ص ٢٤.. ١٤ "هذين" كلمة ساقطة في (ب)، (د).. ١٥ "القولين" كلمة ساقطة في (ج)، (ح)، (هـ).. ١٦ راجع ذلك مفصلا في فقه الزكاة للقرضاوي ١/١٢٣، وفي أحكام القرآن للجصاص. باب: مقدار الزكاة ٤/ ٣٥٦ – ٣٦٦.. ١٧ من قوله: "ويكون تقدير... إلى: على الصدقة" ساقط في (أ)، (ب)، (هـ)، (و)، (ز).. ١٨ قال الفخر الرازي: قال الواحدي: السكن في اللغة ما سكنت إليه. والمعنى أن صلاتك عليهم توجب سكون نفوسهم إليك، والمفسرين عبارات. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما دعاؤك رحمة لهم. وقال قتادة: وقار لهم. وقال الكلبي: طمأنينة لهم. راجع التفسير الكبير ١٦/ ١٨٤.. ١٩ نسبه ابن عطية إلى مكي والنحاس. راجع المحرر الوجيز ٨/ ٢٦٦، الإيضاح ص ٢٧٩.. ٢٠ ابن أبي أوفى: هو عبد الله بن أبي أوفى واسمه علقمة بن خالد بن الحارث بن أبي أسيد بن رفاعة بن ثعلبة، من هوازن، أبو معاوية وقيل أبو إبراهيم. توفي سنة ٨٠هـ/ ٧٠٠م. انظر الإصابة لابن حجر ٢/ ٢٧١.. ٢١ رواه مسلم في كتاب الزكاة، باب: الدعاء لمن أتى بصدقته ٣/ ١٢١.. ٢٢ قال الشافعي رحمه الله: والسنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق ويقول: أجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت. راجع التفسير الكبير ١٦/ ١٨٠. وقال الجصاص: وكذلك ينبغي لعامل الصدقة إذا قبضها أن يدعو لصاحبها اقتداء بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. راجع أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٣٦٧.. ٢٣ قال الفخر الرازي: واعلم أنه ضعيف لأن سائر الآيات دلت على أن الزكاة إنما وجبت دفعا لحاجة الفقير كما في قوله: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ وكما في قوله: ﴿وفي أموالهم حق للسائل والمحروم (١٩)﴾. رجع التفسير الكبير ١٦/ ١٨٠، ١٨١.. ٢٤ "مالك" كلمة ساقطة في (أ)، (ز).. ٢٥ "ضمن" كلمة ساقطة في (أ)، (هـ)، (ز)..

التوبة 9:108

قوله تعالى :﴿لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه. فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ( ١٠٨ )﴾ : اختلف في الضمير في ﴿فيه رجال﴾ على من يعود، وفي الرجال. فقيل الضمير عائد على مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرجال جماعة الأنصار. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : " يا معشر الأنصار إني رأيت الله تعالى أثنى عليكم بالطهور فماذا تفعلون ؟ " قالوا يا رسول الله إنا رأينا جيراننا من اليهود يتطهرون بالماء ففعلنا نحن كذلك فلما جاء الإسلام لم ندعه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فلا تدعوه أبدا " (١) يريدون بالتطهير الاستنجاء. وقيل الضمير عائد على مسجد قباء، والمراد بنو عمرو بن عوف (٢). وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تلك المقالة لهم، وكنى الله تعالى في هذه الآية على الاستنجاء بالتطهر. ففي الآية دليل صحيح على إجازة الاستنجاء بالماء، وهي مسألة قد اختلف أهل العلم فيها. فلم ير قوم منهم الاستنجاء بالماء ورأوه بالأحجار منهم حذيفة وسعد بن مالك (٣) والزبير وقال : لعن الله غاسل أسته. وقال ابن المسيب : هل يفعل ذلك إلا النساء. وكان الحسن البصري لا يغسل بالماء. وقال عطاء غسل الدبر محدث. ولم يجز ابن حبيب الاستنجاء إلا بالماء فأما بالأحجار مع وجود الماء فلا وهو قول شذ فيه. أجاز الجمهور الاستنجاء بهما جميعا، أجازه بالماء للآية المتقدمة والحديث، وأجازوه بالأحجار للحديث (٤) وهذا القول أحسنهما، والقول الأول مردود بالآية، والثاني مردود بالحديث، إلا أنهم اختلفوا في الأفضل على ثلاثة أقوال : أحدها : أنه الماء. والثاني : أنه الأحجار. والثالث : الجمع بينهما. فالأحجار لإزالة غير النجاسة والماء لإزالة أثرها. والحجة للقول بتفضيل الماء وهو الذي عليه أكثر المذاهب أن الله تعالى قد ذكر استنجاءهم بالماء ثم قال :﴿والله يحب المطهرين﴾ أي يجب ذلك ما أوجب الله تعالى فهو الأفضل. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، والجن يستفتونه على الاستنجاء، فقال ثلاثة أحجار، قالوا وكيف بالماء. قال هو أطهر وأطيب (٥). ١ الأثر ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/ ٢٧٦، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٢٦٠، والسيوطي في لباب النقول ص ٤٧٨.. ٢ بنو عمرو بن عوف: هم بطن من الأوس، من الأزد، من القحطانية، منازلهم قباء والصفينة. انظر معجم قبائل العرب ٢/ ٨٣٤.. ٣ سعد بن مالك: هو سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة البكري. قال التبريزي هو جد طرفة بن العبد. انظر خزانة الأدب للبغدادي ١/ ٢٣٦.. ٤ عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم. وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحمل الماء معه في الاستنجاء فكان يستعمل الحجارة تخفيفا والماء تطهيرا. راجع الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/٢٦١، ٢٦٢.. ٥ قال ابن عطية: وحدثني أبي رضي الله عنه أنه بلغه أن بعض علماء القيروان كانوا يتخذون في متوضياتهم أحجارا في تراب ينقون بها ثم يستنجون بالماء أخذا بهذا القول. راجع المحرر الوجيز ٨/ ٢٧٦. وكذلك ذكره القرطبي نقلا عن ابن العربي في الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٢٦٢..

التوبة 9:113

قوله تعالى :﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ إلى قوله :﴿فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه﴾ : اختلف في الاستغفار ما المراد به في قوله تعالى :﴿أن يستغفروا للمشركين﴾ فقيل الصلاة، وهو قول عطاء. وقيل هو الدعاء بالمغفرة وهو قول الجمهور. والذين ذهبوا إلى هذا اتفقوا أن من ليس من إيمانه من الكفر كمن مات منهم، ومن نصر الله تعالى عليه من إحيائهم بأنه لا يؤمن كأبي لهب داخل تحت هذه الآية فلا يجوز الاستغفار له. واختلف في الحي من الكفار لا يقطع بأنه لا يؤمن هل هو داخل تحت عموم الآية فلا يجوز الاستغفار له أو ليس بداخل تحت العموم فيجوز الاستغفار له على قولين (١). واختلف في سبب الآية. فقيل نزلت في قصة أبي طالب (٢) حين احتضر دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم فوعظه وقال : " يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها يوم القيامة "، وبالحضرة أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية (٣). فقالا له : يا أبا طالب : أترغب عن ملة عبد المطلب. فقال أبو طالب والله يا محمد، والله لولا أني أخاف أن يعير بها ولدي من بعدي لأقررت بها عينك. ثم قال : أنا على ملة عبد المطلب. ومات على ذلك إذ لم يسمع النبي صلى الله عليه وسم ما قال العباس (٤) فنزلت :﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ [القصص: ٥٦] فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ". فكان يستغفر له حتى نزلت هذه الآية فترك الاستغفار له (٥). وروي أن المؤمنين لما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لأبي طالب جعلوا يستغفرون لموتاهن (٦) فلذلك دخلوا في التأنيث والنهي. وقيل نزلت الآية بسبب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين : " لأزيدن على السبعين "، وعلى هذين القولين في السبب يترتب القولان في الذي نسخته هذه الآية، وذلك أنه قيل إنها ناسخة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم في الاستغفار لأبي طالب. وقيل بل هي ناسخة لقوله عليه الصلاة والسلام : " لأزيدن على السبعين " (٧) ومن يرى الاستغفار لأحياء المشركين الذين لم يؤس منهم يقول بالأول، ومن لا يرى ذلك يقول بالقول الثاني. وقيل نزلت بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة أتى قبر أمه آمنة فوقف عليها حتى استحرت عليه الشمس وجعل يرغب في أن يؤذن له في الاستغفار، فنزلت الآية ولم يؤذن له. وأخبر أصحابه أنه أذن له في زيارة قبرها ومنع أن يستغفر لها، فما رؤي باكيا أكثر من يومئذ. وقيل نزلت الآية بسبب جماعة من المؤمنين قالوا استغفر لموتانا كما استغفر إبراهيم لأبيه، فنزلت الآية (٨). وعلى هذين القولين في السبب يترتب القول في الآية أنها ليست بناسخة. وقوله تعالى :﴿من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ : دليل قوي لمن يجيز الاستغفار لأحياء المشركين الذين لم يؤس من إيمانهم، ومن هذا قول أبي هريرة رحم الله رجلا استغفر لأبي هريرة وأمه، قيل له ولأبيه، قال لأن أبي مات كافرا. قوله تعالى :﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه﴾ : المعنى ليس في استغفار إبراهيم لأبيه حجة أيها المؤمنون لأن استغفاره له إنما كان عن موعدة. واختلف هل كان هذا بعد أو لم يكن. وإنما يكون يوم القيامة، وقال سعيد بن جبير ذلك كله يوم القيامة وذلك أن إبراهيم يلقاه فيعرفه يتذكر قوله :﴿سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا﴾ [مريم: ٤٧] فيقول له ألزم حقوي ولن أدعك اليوم لشيء فيلزمه حتى يأتي الصراط فيلتفت إليه فإذا هو قد مسخ ضبعانا أمردا فيتبرأ منه حينئذ (٩) وهذا قول ضعيف. وذهب الجمهور إلى خلاف هذا وأنه قد كان هذا كله فيما مضى. واختلفوا في هذه الموعدة ما هي، فقيل هي موعدة من إبراهيم عليه السلام لأبيه بأن يستغفر له وذلك لقوله تعالى :﴿سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا﴾ [مريم: ٤٧] وقيل هي موعدة من إبراهيم لإبراهيم بأنه سيؤمن فكان إبراهيم قد قوي طمعه في إيمانه فحمله ذلك على الاستغفار له حتى نهي عنه بما تبين له منه. واختلف في تبينه بأنه عدو لله بما كان، فقيل ذلك بموت آزر على الكفر، وقيل ذلك بأنه نهي عنه وهو حي (١٠). ١ قال ابن عطية: والاستغفار للمشرك الحي جائز إذ يرجى إسلامه. ومن هذا قول أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: رحم الله رجلا استغفر لأبي هريرة ولأمه. قيل له ولأبيه قال: لا إن أبي مات كافرا. راجع المحرر الوجيز ٨/ ٢٨٩.. ٢ أبي طالب: هو عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم من قريش عن النبي صلى الله عليه وسلم، من رؤساء بني هاشم نصر النبي صلى الله عليه وسلم ودافع عنه. مات بمكة كافرا في السنة العاشرة من النبوة. انظر الأعلام ٤/ ١٦٦، طبقات ابن سعد ١/ ٧٥.. ٣ عبد الله بن أبي أمية: واسمه حذيفة، وقيل سهل بن المغيرة بن عبد الله المخزومي صهر النبي صلى الله عليه وسلم. أخرج له البخاري. انظر الإصابة لابن حجر ٢/ ٢٦٨.. ٤ العباس: هو أبو الفضل العباس بن عبد المطلب بن هاشم من أكابر قريش في الجاهلية والإسلام. توفي سنة ٣٢هـ/ ٦٥٣م. انظر الإصابة لابن حجر ٢/ ٣٤٠.. ٥ راجع لباب النقول ص ٤٨١، وأسباب النزول للواحدي ص ١٩٧. قال الفخر: قال الواحدي: وقد استبعده الحسين بن الفضل لأن هذه السورة من آخر القرآن نزولا، ووفاة أبي طالب كانت بمكة في أول الإسلام. وأقول هذا الاستبعاد عندي مستبعد... راجع ذلك في التفسير الكبير ١٦/ ٢٠٨.. ٦ "لموتاهم" كلمة ساقطة في (أ).. ٧ راجع المحرر الوجيز ٨/ ٢٨٩، والتفسير الكبير ١٦/ ٢٠٨.. ٨ راجع أسباب النزول للواحدي ص ١٩٨، ١٩٩.. ٩ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/ ٢٩٠.. ١٠ قال القرطبي: قال القاضي أبو بكر بن العربي: "تعلق النبي صلى الله عليه وسلم في الاستغفار لأبي طالب بقوله تعالى: ﴿سأستغفر لك ربي﴾. فأخبره الله تعالى أن استغفار إبراهيم لأبيه كان وعدا قبل أن يتبين الكفر منه، فلما تبين الكفر منه تبرأ منه فكيف تستغفر أنت لعمك يا محمد وقد شاهدت موته كافرا" راجع الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٢٧٤، ٢٧٥. وراجع نحو هذا القول في أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢١٩..

التوبة 9:114

قوله تعالى :﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ إلى قوله :﴿فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه﴾ : اختلف في الاستغفار ما المراد به في قوله تعالى :﴿أن يستغفروا للمشركين﴾ فقيل الصلاة، وهو قول عطاء. وقيل هو الدعاء بالمغفرة وهو قول الجمهور. والذين ذهبوا إلى هذا اتفقوا أن من ليس من إيمانه من الكفر كمن مات منهم، ومن نصر الله تعالى عليه من إحيائهم بأنه لا يؤمن كأبي لهب داخل تحت هذه الآية فلا يجوز الاستغفار له. واختلف في الحي من الكفار لا يقطع بأنه لا يؤمن هل هو داخل تحت عموم الآية فلا يجوز الاستغفار له أو ليس بداخل تحت العموم فيجوز الاستغفار له على قولين (١). واختلف في سبب الآية. فقيل نزلت في قصة أبي طالب (٢) حين احتضر دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم فوعظه وقال :" يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها يوم القيامة "، وبالحضرة أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية (٣). فقالا له : يا أبا طالب : أترغب عن ملة عبد المطلب. فقال أبو طالب والله يا محمد، والله لولا أني أخاف أن يعير بها ولدي من بعدي لأقررت بها عينك. ثم قال : أنا على ملة عبد المطلب. ومات على ذلك إذ لم يسمع النبي صلى الله عليه وسم ما قال العباس (٤) فنزلت :﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ [القصص: ٥٦] فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ". فكان يستغفر له حتى نزلت هذه الآية فترك الاستغفار له (٥). وروي أن المؤمنين لما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لأبي طالب جعلوا يستغفرون لموتاهن (٦) فلذلك دخلوا في التأنيث والنهي. وقيل نزلت الآية بسبب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين :" لأزيدن على السبعين "، وعلى هذين القولين في السبب يترتب القولان في الذي نسخته هذه الآية، وذلك أنه قيل إنها ناسخة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم في الاستغفار لأبي طالب. وقيل بل هي ناسخة لقوله عليه الصلاة والسلام :" لأزيدن على السبعين " (٧) ومن يرى الاستغفار لأحياء المشركين الذين لم يؤس منهم يقول بالأول، ومن لا يرى ذلك يقول بالقول الثاني. وقيل نزلت بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة أتى قبر أمه آمنة فوقف عليها حتى استحرت عليه الشمس وجعل يرغب في أن يؤذن له في الاستغفار، فنزلت الآية ولم يؤذن له. وأخبر أصحابه أنه أذن له في زيارة قبرها ومنع أن يستغفر لها، فما رؤي باكيا أكثر من يومئذ. وقيل نزلت الآية بسبب جماعة من المؤمنين قالوا استغفر لموتانا كما استغفر إبراهيم لأبيه، فنزلت الآية (٨). وعلى هذين القولين في السبب يترتب القول في الآية أنها ليست بناسخة. وقوله تعالى :﴿من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ : دليل قوي لمن يجيز الاستغفار لأحياء المشركين الذين لم يؤس من إيمانهم، ومن هذا قول أبي هريرة رحم الله رجلا استغفر لأبي هريرة وأمه، قيل له ولأبيه، قال لأن أبي مات كافرا. قوله تعالى :﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه﴾ : المعنى ليس في استغفار إبراهيم لأبيه حجة أيها المؤمنون لأن استغفاره له إنما كان عن موعدة. واختلف هل كان هذا بعد أو لم يكن. وإنما يكون يوم القيامة، وقال سعيد بن جبير ذلك كله يوم القيامة وذلك أن إبراهيم يلقاه فيعرفه يتذكر قوله :﴿سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا﴾ [مريم: ٤٧] فيقول له ألزم حقوي ولن أدعك اليوم لشيء فيلزمه حتى يأتي الصراط فيلتفت إليه فإذا هو قد مسخ ضبعانا أمردا فيتبرأ منه حينئذ (٩) وهذا قول ضعيف. وذهب الجمهور إلى خلاف هذا وأنه قد كان هذا كله فيما مضى. واختلفوا في هذه الموعدة ما هي، فقيل هي موعدة من إبراهيم عليه السلام لأبيه بأن يستغفر له وذلك لقوله تعالى :﴿سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا﴾ [مريم: ٤٧] وقيل هي موعدة من إبراهيم لإبراهيم بأنه سيؤمن فكان إبراهيم قد قوي طمعه في إيمانه فحمله ذلك على الاستغفار له حتى نهي عنه بما تبين له منه. واختلف في تبينه بأنه عدو لله بما كان، فقيل ذلك بموت آزر على الكفر، وقيل ذلك بأنه نهي عنه وهو حي (١٠). ١ قال ابن عطية: والاستغفار للمشرك الحي جائز إذ يرجى إسلامه. ومن هذا قول أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: رحم الله رجلا استغفر لأبي هريرة ولأمه. قيل له ولأبيه قال: لا إن أبي مات كافرا. راجع المحرر الوجيز ٨/ ٢٨٩.. ٢ أبي طالب: هو عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم من قريش عن النبي صلى الله عليه وسلم، من رؤساء بني هاشم نصر النبي صلى الله عليه وسلم ودافع عنه. مات بمكة كافرا في السنة العاشرة من النبوة. انظر الأعلام ٤/ ١٦٦، طبقات ابن سعد ١/ ٧٥.. ٣ عبد الله بن أبي أمية: واسمه حذيفة، وقيل سهل بن المغيرة بن عبد الله المخزومي صهر النبي صلى الله عليه وسلم. أخرج له البخاري. انظر الإصابة لابن حجر ٢/ ٢٦٨.. ٤ العباس: هو أبو الفضل العباس بن عبد المطلب بن هاشم من أكابر قريش في الجاهلية والإسلام. توفي سنة ٣٢هـ/ ٦٥٣م. انظر الإصابة لابن حجر ٢/ ٣٤٠.. ٥ راجع لباب النقول ص ٤٨١، وأسباب النزول للواحدي ص ١٩٧. قال الفخر: قال الواحدي: وقد استبعده الحسين بن الفضل لأن هذه السورة من آخر القرآن نزولا، ووفاة أبي طالب كانت بمكة في أول الإسلام. وأقول هذا الاستبعاد عندي مستبعد... راجع ذلك في التفسير الكبير ١٦/ ٢٠٨.. ٦ "لموتاهم" كلمة ساقطة في (أ).. ٧ راجع المحرر الوجيز ٨/ ٢٨٩، والتفسير الكبير ١٦/ ٢٠٨.. ٨ راجع أسباب النزول للواحدي ص ١٩٨، ١٩٩.. ٩ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٨/ ٢٩٠.. ١٠ قال القرطبي: قال القاضي أبو بكر بن العربي: "تعلق النبي صلى الله عليه وسلم في الاستغفار لأبي طالب بقوله تعالى: ﴿سأستغفر لك ربي﴾. فأخبره الله تعالى أن استغفار إبراهيم لأبيه كان وعدا قبل أن يتبين الكفر منه، فلما تبين الكفر منه تبرأ منه فكيف تستغفر أنت لعمك يا محمد وقد شاهدت موته كافرا" راجع الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٢٧٤، ٢٧٥. وراجع نحو هذا القول في أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢١٩..

التوبة 9:119

قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ( ١١٩ )﴾ : هذه الآية متضمنة الأمر بالصدق، إلا أنه قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا " (١) وفي حديث آخر أنه لم يرخص في الكذب إلا في ثلاث : كان يقول : " لا أعدهن كذبا : الرجل يصلح بين الناس فيقول قولا يريد به الصلاح، والرجل يكذب إلى زوجته، والمرأة تحدث زوجها والرجل يتقول في الحرب " (٢) واختلف الناس في هذا فأجازت طائفة منهم الكذب وحجتهم في هذا القول الحديث ويتأول الآية في الموضع الذي يجب فيه الصدق. ولم تجز طائفة الكذب تصريحا ولا تعريضا في جد ولا لعب وهو قول إبراهيم النخعي وابن مسعود (٣). واحتج ابن مسعود لذلك بهذه الآية :﴿وكونوا مع الصادقين﴾ وأجازته طائفة تعريضا ولم تجزه تصريحا وهو قول الجمهور وحجة الطبري. فأما ما وفى به الرجل دمه من الكذب فلا خلاف في جوازه، قال أبو الحسن : وفي هذه الآية دلالة على التأمل في الأول وأن لا يتبع منها إلا ما دلت الدلالة عليه وبان صدقه. فأما أن يأخذ تقليدا دون أن يعلم صدقه فلا. وليس فيه دلالة على رد أخبار الآحاد والظنون لأنها لا تقبل عندنا إلا إذا دل الدليل القاطع على وجوب اتباعها والعمل بها، والدليل الذي يوجب العمل بها معلوم صدقه حقيقة، فيكون الاتباع للصادق تحقيقا (٤). ١ الحديث رواه مسلم عن ابن كلثوم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب: تحريم الكذب وبيان المباح منه ٣/ ٢٠١١.. ٢ راجع سنن الترمذي، كتاب البر والصلة، باب: ما جاء في إصلاح ذات البين ٤/ ٣٣١.. ٣ قال القرطبي: قال ابن العربي "وهذا القول هو الحقيقة والغاية التي إليها المنتهى فإن في هذه الصفة يرتفع بها النفاق في العقيدة والمخالفة في الفعل". وقال مالك: لا يقبل خبر الكاذب في حديث الناس وإن صدق في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. راجع الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٢٨٩.. ٤ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢١٩..

التوبة 9:120

قوله تعالى :﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه﴾ : اختلف فيما تقتضيه هذه الآية من عموم النفير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هل هو محكم أو منسوخ ؟ فذهب جماعة إلى أنه كان ذلك خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم وأما اليوم فلا يلزم ذلك، وهو قول قتادة. وقيل بل كان النفير واجبا على الأمة كلهم لضعف الإسلام ثم نسخ ذلك لقوة الإسلام بقوله تعالى :﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ (١) [براءة: ١٢٢] قوله تعالى :﴿ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا﴾. لفظ عام في كل ما يصنع مما يؤذيهم. واختلف في الزنا بنساء أهل الحرب فلم يجزه الجمهور لعموم الظواهر الواردة في ذلك من القرآن والسنة وأجازه أبو حنيفة ومحمد، وبعض الناس يحتج لذلك بهذه الآية :﴿ولا ينالون من عدو نيلا﴾ إلا كتب لهم بها عمل صالح، وهو احتجاج ضعيف. وقال أبو الحسن : استدل قوم بهذه الآية على أن وطأ ديارهم إذا جعل بمثابة النيل منهم والأخذ لأموالهم والقتل لهم والأسر فإن الفارس يستحق سهم الفرس بدخول أرض الحرب لانحيازه الغنيمة وذلك أن وطأ ديارهم يدخل الذل عليهم كما تدخله تلك الأشياء ولذلك قال علي رضي الله تعالى عنه : ما وطئ قوم في عقر ديارهم إلا ذلوا (٢). ١ نسب ابن عطية القول الثاني إلى ابن زيد. راجع المحرر الوجيز ٨/ ٢٩٨. ونسبه مكي إلى ابن زيد وزيد بن أسلم. أما القول الأول فقد نسبه إلى ابن عباس وقتادة والضحاك. راجع الإيضاح ص ٢٨٠.. ٢ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٢٠..

التوبة 9:122

قوله تعالى :﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾ إلى قوله :﴿وليجدوا فيكم غلظة﴾ : اختلف في سبب الآية، فقيل سببها إن المؤمنين الذين كانوا بالوادي سكانا ومبعوثين لتعليم الشرع لما سمعوا قوله تعالى :﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب﴾ [براءة: ١٢٠] أهمهم ذلك فنفروا إلى المدينة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. وقيل سببها إنه لما نزلت الآية في المتخلفين قالوا : هلك أهل البوادي. فنزلت هذه الآية مقيمة لعذرهم (١). والآية على هذين القولين مخصصة لعموم الآية التي قبلها، وقيل هذه الآية مختصة بالبعوث والسرايا نزلت فيهم والآية المتقدمة ثابتة الحكم مع خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه ثابتة الحكم مع تخلفه أي يجب إذا تخلف أن لا ينفر الناس كافة فيبقى هو منفردا. وإنما ينبغي أن تنفر طائفة وتبقى طائفة لتفقه هذه الطائفة في الدين وينذروا النافرين إذا رجع النافرون إليهم، وإلى نحو هذا ذهب ابن عباس. وقال الحسن لتتفقه الطائفة النافرة ثم تنذر إذا رجعت إلى قومها المتخلفة، قال وهذا التأويل أشبه بظاهر الآية (٢) وقيل ليست الآية في معنى الغزو وإنما سببها أن قبائل من العرب – لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مضر بالسنين – أصابتهم مجاعة شديدة فنفروا إلى المدينة لمعنى المعاش فكادوا أن يفسدوها. وكان أكثرهم غير صحيح الإيمان وإنما أضر بهم الجوع فنزلت الآية في ذلك. والآية على هذين القولين في غير معنى الآية المتقدمة، فالآية غير ناسخة على ما ذكرنا من الأقوال في سببها، وإلى هذا ذهب(٣) الأكثر. وذهب قوم إلى أنها ناسخة لكل ما ورد من إلزام الكافة النفير. وقد استدل قوم بهذه الآية على وجوب العمل بخبر الواحد (٤). قالوا والطائفة نفر يسير كالثلاثة. قال بعضهم ويقع على الواحد. قالوا ولا يحصل العلم بخبر هؤلاء وقد أخبر الله تعالى أنهم ينذرون قومهم، وفي ضمن ذلك قبول إيجاب إنزالهم. وخالفهم غيرهم في ذلك من القدرية (٥) ومن تابعهم من أهل الظاهر ورأوا تحريم العمل به واحتجوا بقوله تعالى :﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: ٣٦] وبغير ذلك مما لا تثبت به حجة. وأنكره أيضا قوم ولم يروا في الشرع دليلا على تحريمه ولا على وجوبه. وضعف من أنكر العمل بخبر الواحد الاستدلال بالآية التي ذكرنا بأن قالوا هذا إن كان قاطعا فهو في وجوب الإنذار لا في وجوب العمل على النذر عند اتحاد المنذر إلى غير ذلك من التأويلات الضعيفة. والقول بوجوب العمل به وهو الذي عليه جماهير العلماء وأهل السنة، والحجة على إثباته من الكتاب والسنة والإجماع واضحة، وفي جلبها طول فلذلك نعرض عنها إذ قد بسط ذلك كله غيرنا. واستدل بعضهم بهذه الآية على اشتراط العدد في الراوي. فقال لا يقبل الحديث من أقل من ثلاثة لأن الطائفة أقلها ثلاثة، ومنهم من اشترط اثنين ومنهم من اشترط أربعة. وفي هذه الآية أيضا دليل على أنه يجب على العام قبول قول الواحد من أهل العلم وتقليده. وانظر كم عدد الطائفة التي تنفر. وقد قال تعالى :﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ [النور: ٢] واختلف في قدرها. وقال عليه الصلاة والسلام : " لا تزال طائفة من أمتي على الحق... " (٦) وهل يراد بها عدد التواتر أم لا ؟ وقد اختلف في ذلك. وقوله تعالى :﴿ولينذروا قومهم﴾ يفيد ما بلغوا عن الرسول وما يفتون به من اجتهادهم خلافا لمن لم ير للعام التقليد وألزمه النظر. وفي هذه الآية أيضا دلالة على وجوب طلب العلم وأنه من فروض الكفاية في بعض وفرض عين في بعض. ١ راجع أسباب النزول للواحدي ص ١٩٩، لباب النقول ص ٤٨٦، المحرر الوجيز ٨/ ٣٠٠، جامع البيان ١٤/ ٥٧٠.. ٢ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٢١.. ٣ في (أ)، (ز): "يذهب".. ٤ قال أبو الحسن الكيا الهراسي: وفيه دلالة على لزوم قبول خبر الواحد في أمور الديانات التي يجب على الكل معرفتها ولا تعم الحاجة إليها. راجع أحكام القرآن ٤/ ٢٢١.. ٥ القدرية: ويسمون أصحاب العدل والتوحيد ويلقبون بالقدرية والعدلية وهم قد جعلوا لفظ القدرية مشتركا، وقالوا: لفظ القدرية يطلق على من يقول بالقدر خيره وشره من الله تعالى احترازا من وصمة القلب. راجع الملل والنحل للشهرستاني ١/ ٤٣.. ٦ الحديث رواه أبو داود عن عمران بن حصين في سننه، كتاب الجهاد، باب: في دوام الجهاد ٣/١١..

التوبة 9:123

قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار﴾ : اختلف فيها، فقيل نزلت قبل الأمر بقتال الكفار كافة فهي من التدريج الذي كان في أول الإسلام. ويضعف هذا القول بأن الآية من آخر ما نزل. وقيل كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يجاوز قوما من الكفار غازيا لقوم أبعد منهم، فأمر الله تعالى بغزو الأدنى فالأدنى إلى المدينة. وقيل الآية مبينة صور القتال كافة وهي مترتبة مع الأمر بقتال الكفار كافة. واختلف في الإشارة : بالذين يلونكم، إلى من هي ؟ فقيل نزلت الآية (١) مشيرة إلى قتال الروم بالشام لأنهم كانوا يومئذ العدو الذي يلي إذا كانت العرب قد عمها الإسلام، والعراق بعيدة. ثم لما اتسع الإسلام توجه الفرض في قتال الفرس والديلم (٢) وغيرهما من الأمم. وقيل المراد بهذه الآية وقت نزولها العرب فلما فرغ منهم نزلت في الروم وغيرهم، قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. وبعد هذه الآيات ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم (٣) استدل به ابن عباس على أنه لا يجوز أن يقال انصرفنا من الصلاة وإنما يقال قضينا الصلاة. ١ "نزلت الآية" ساقط في (أ )، (ز).. ٢ قال ابن عطية: وسأل ابن عمر رجل عن قتال الديلم، فقال عليك بالروم. وقال الحسن هم الروم والديلم. راجع المحرر الوجيز ٨/ ٣٠١.. ٣ نسبه ابن عطية إلى ابن زيد. راجع م. س. ، ن. ص..