أحكام القرآن — يونس 10:15 – النور 24:63
المحتويات
- يونس 10:15
- يونس 10:41
- يونس 10:59
- يونس 10:87
- يونس 10:108
- يونس 10:109
- هود 11:15
- هود 11:45
- هود 11:65
- هود 11:87
- هود 11:113
- هود 11:114
- هود 11:115
- يوسف 12:4
- يوسف 12:18
- يوسف 12:19
- يوسف 12:26
- يوسف 12:42
- يوسف 12:44
- يوسف 12:54
- يوسف 12:55
- يوسف 12:72
- يوسف 12:78
- يوسف 12:81
- يوسف 12:82
- يوسف 12:84
- يوسف 12:85
- يوسف 12:86
- يوسف 12:88
- يوسف 12:101
- الرعد 13:8
- إبراهيم 14:22
- إبراهيم 14:25
- إبراهيم 14:31
- الحجر 15:3
- الحجر 15:72
- الحجر 15:85
- الحجر 15:94
- النحل 16:5
- النحل 16:14
- النحل 16:16
- النحل 16:67
- النحل 16:68
- النحل 16:69
- النحل 16:75
- النحل 16:78
- النحل 16:80
- النحل 16:82
- النحل 16:90
- النحل 16:91
- النحل 16:94
- النحل 16:95
- النحل 16:98
- الإسراء 17:23
- الإسراء 17:24
- الإسراء 17:26
- الإسراء 17:27
- الإسراء 17:28
- الإسراء 17:29
- الإسراء 17:33
- الإسراء 17:34
- الإسراء 17:36
- الإسراء 17:53
- الإسراء 17:66
- الإسراء 17:78
- الإسراء 17:79
- الإسراء 17:110
- الإسراء 17:111
- الكهف 18:14
- الكهف 18:19
- الكهف 18:23
- الكهف 18:24
- مريم 19:5
- مريم 19:17
- مريم 19:47
- مريم 19:58
- مريم 19:71
- مريم 19:92
- مريم 19:93
- طه 20:12
- طه 20:14
- طه 20:130
- طه 20:131
- طه 20:132
- الأنبياء 21:78
- الأنبياء 21:79
- الأنبياء 21:90
- الحج 22:2
- الحج 22:5
- الحج 22:25
- الحج 22:26
- الحج 22:27
- الحج 22:28
- الحج 22:29
- الحج 22:30
- الحج 22:32
- الحج 22:33
- الحج 22:36
- الحج 22:39
- الحج 22:45
- الحج 22:52
- الحج 22:58
- الحج 22:68
- الحج 22:77
- الحج 22:78
- المؤمنون 23:2
- المؤمنون 23:3
- المؤمنون 23:4
- المؤمنون 23:5
- المؤمنون 23:6
- المؤمنون 23:54
- المؤمنون 23:62
- المؤمنون 23:84
- المؤمنون 23:96
- النور 24:2
- النور 24:3
- النور 24:4
- النور 24:5
- النور 24:6
- النور 24:12
- النور 24:22
- النور 24:23
- النور 24:24
- النور 24:27
- النور 24:28
- النور 24:29
- النور 24:30
- النور 24:31
- النور 24:32
- النور 24:33
- النور 24:58
- النور 24:59
- النور 24:60
- النور 24:61
- النور 24:62
- النور 24:63
يونس 10:15
قوله تعالى :﴿قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله﴾ :
يستدل به من منع نسخ الكتاب بالسنة لأنه تعالى قال :﴿قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي﴾ [يونس: ١٥] وهذا بعيد لأن الآية إنما وردت في طلب المشركين مثل القرآن نظما، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم قادرا على ذلك، ولم يسألوه تبدل الحكم دون اللفظ. وأيضا فإن الذي يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كان وحيا لم يكن من تلقاء نفسه بل كان من تلقاء الله عز وجل.
يونس 10:41
قوله تعالى :﴿وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم﴾ :
اختلف فيها هل هي منسوخة أو محكمة ؟ فقال جماعة – منهم ابن زيد (١) – هي منسوخة بآيات القتال (٢) وقال جماعة هي محكمة، واختلفوا في تأويلها. فقال بعضهم المعنى عندي (٣) : فلي ثواب عملي ولكم ثواب عملكم. وقال بعضهم هو إعلام من الله تعالى لأنهم لا يؤمنون أبدا. والمعنى : لي عملي المكتوب في اللوح المحفوظ ولكم عملكم المكتوب فيه.
١ في (أ)، (ز): "أبو زيد". والصواب ما أثبتناه..
٢ راجع الإيضاح ص ٢٨١. وقال ابن عطية: وهذا صحيح. راجع المحرر الوجيز ٩/ ٤٨. وقال القرطبي: وهذه الآية منسوخة بآية السيف في قول مجاهد والكلبي ومقاتل وابن زيد. راجع الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٣٤٦..
٣ "عندي" كلمة ساقطة في (أ)، (ز)..
يونس 10:59
وقوله تعالى :﴿قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل أالله أذن لكم﴾ :
يستدل بها (١) نفاة (٢) القياس. وهذا بعيد، فإن القياس دليل الله تعالى فيكون التحليل والتحريم من الله تعالى حد وجود دلالة نصها الله تعالى على الحكم. فإن خالفوا في كون القياس دليلا لله تعالى فهو خروج عن الغرض.
١ في (أ)، (ز): "به"..
٢ في (أ)، (ز): "النافون"، في (هـ): "بغاة"، في (ب): بياض..
يونس 10:87
وقوله تعالى :﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ :
قال ابن عباس : كانوا خائفين من الظهور فأمروا أن يجعلوا بيوتهم قبلة فيصلوا في بيوتهم. وفيه دليل على أن الصلاة في المساجد أفضل إلا لعذر.
يونس 10:108
قوله تعالى :﴿وما أنا عليكم بوكيل﴾ وقوله :﴿واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين﴾ :
اختلف هل هما منسوختان أو محكمتان ؟ فذهب جماعة – منهم ابن زيد – إلى أنهما منسوختان بالقتال. وذهب غيره إلى أنهما محكمتان وأن النبي صلى الله عليه وسلم ليس بوكيل على مراقبة أسرارهم ونحو ذلك، وإذا لم يزل مأمورا بالصبر على ما يلحقه من الأذى والشدائد (١).
١ راجع الإيضاح ص ٢٨١، والمحرر الوجيز ٩/ ١٠١..
يونس 10:109
قوله تعالى :﴿وما أنا عليكم بوكيل﴾ وقوله :﴿واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين﴾ :
اختلف هل هما منسوختان أو محكمتان ؟ فذهب جماعة – منهم ابن زيد – إلى أنهما منسوختان بالقتال. وذهب غيره إلى أنهما محكمتان وأن النبي صلى الله عليه وسلم ليس بوكيل على مراقبة أسرارهم ونحو ذلك، وإذا لم يزل مأمورا بالصبر على ما يلحقه من الأذى والشدائد (١).
١ راجع الإيضاح ص ٢٨١، والمحرر الوجيز ٩/ ١٠١..
هود 11:15
قوله تعالى :﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها﴾ :
اختلف فيها هل هي محكمة أو منسوخة ؟ فذهب الأكثر إلى أنها محكمة وأنها عامة يراد بها الخصوص، فيكون التقدير نوفي إليهم أعمالهم فيها إن شئنا ونحو ذلك (١) وذهب جماعة إلى أنها منسوخة بقوله تعالى :﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾ (٢) [الإسراء: ١٨] والقول بالنسخ ضعيف جدا. فإن إرادة الله تعالى لا يخلو عنها شيء (٣). واختلف فيمن هي الآية، فقيل هي في الكفرة خاصة وليست على عمومها، وهذا (٤) قول قتادة والضحاك. وقيل هي في الكفرة وأهل الرياء من المؤمنين، وهو قول مجاهد، وإليه ذهب معاوية حين حدثه سيافه شفي بن نافع الأصبحي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الرجل المتصدق والمجاهد والمقتول والقائم بالقرآن ليله ونهاره رياء أنهم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة. فلما حدثه شفي بهذا(٥) بكى معاوية وقال : صدق الله ورسوله، وتلا :﴿من كان يريد الحياة الدنيا﴾ (٦) ومعنى هذه الآية راجع إلى قوله عليه الصلاة والسلام : " إنما الأعمال بالنيات " (٧). ويدل ذلك على أن من صام رمضان لا ينوي به رمضان لن يجزي عنه. ويدل أيضا على أن من توضأ تبردا أو تنظفا لا يجزي أن يصلي به. وفي هذا كله اختلاف.
١ من قوله: "اختلف فيها.... إلى: ونحو ذلك" ساقط في (أ)، (ز)..
٢ قال مكي: روي عن الضحاك عن ابن عباس أنها منسوخة. راجع الإيضاح ٢٨٢..
٣ في (أ)، (ز): "لا يخل عنها شيء"..
٤ في (أ)، (ز): "وظاهر"..
٥ "بهذا" كلمة ساقطة في (ب)، (د)، (هـ)..
٦ ذكر ذلك ابن عطية في المحرر الوجيز ٩/ ١١٧. قال الفخر الرازي: وروي أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه ذكر هذا عند معاوية. قال الراوي: فبكى حتى ظننا أنه هالك ثم أفاق وقال: صدق الله ورسوله: من يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفي إليهم أعمالهم فيها. راجع التفسير الكبير ١٧/ ١٩٩..
٧ الحديث رواه الشيخان عن عمر بن الخطاب. قال العجلوني: وهو أحد الأحاديث الأربعة التي عليها مدار الدين. انظر كشف الخفاء للعجلوني ١/ ١١، ١٢..
هود 11:45
وقوله تعالى :﴿ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي﴾ :
فسمى ابنه من أهله (١) وهذا يدل على أن (٢) من أوصى لأهله دخل تحته (٣) ابنه ومن يضمه منزله وهو من عياله (٤) وقال تعالى :﴿ونجيناه وأهله من الكرب العظيم ( ٧٦ )﴾ [الصافات: ٧٦] فسمى جميع من ضمه منزله أهله. وقوله عليه السلام : " إن ابني من أهلي الذين وعدتني أن تنجيهم، فأخبر الله أنه ليس من أهله الذين وعد أن ينجيهم ". وقد قيل لم يكن ابنه حقيقة (٥) وظاهر القرآن يدل على خلافه. وفيه دليل أن حكم الاتفاق في الدين أقوى من النسب.
١ "فسمى ابنه من أهله" ساقط في (أ)، (ح)..
٢ "أن" ساقط في (أ)، (ب)، (ح)، (هـ)..
٣ في (أ): "فيهم"..
٤ ذكر ذلك الجصاص وأضاف: ابنا كان أو زوجة أو أخا أو أجنبيا، وكذلك قال أصحابنا. راجع أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٣٧٧. وقال الكيا الهراسي: سمى ابنه من أهله وهذا يدل على أن من أوصى لأهله دخل تحت ابنه ومن تضمنه منزله وهو في عياله فدل قول نوح على ذلك. راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٢٥..
٥ قال الجصاص: وروي عن الحسن ومجاهد أنه لم يكن ابنه لصلبه. راجع أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٣٧٨..
هود 11:65
قوله تعالى :﴿فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب﴾ :
قاس (١) بعض الناس على هذا التلوم للمحكوم عليه. فرأى أن يضرب له الأجل ثلاثة أيام في التلوم. وكذلك قاس بعضهم عليه الرجل في غرم الثمن في الشفعة ولم ير بعضهم هذا القياس صحيحا لأن هذه الثلاثة الأيام التي ضربها الله تعالى في الآية توقيف على الخزي وتنكيل لهم، وما يضرب في التلوم والشفعة إنما هو على طريق التوسع والرفق فافترق الحكمان فلا يصح القياس.
١ في (أ)، (ز): "أقام"..
هود 11:87
قوله تعالى :﴿قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء﴾ :
اختلف في قوله تعالى :﴿أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء﴾ فقيل بخس الكيل والميزان الذي تقدم ذكره في السورة (١) وقيل هو تبديل السكك التي يقصد بها أكل أموال الناس. وقيل هو منعهم الزكاة، وقيل هو قطعهم الدنانير والدراهم، وهذه مسألة اختلف فيها فلم يجز قطعها جملة قوم (٢) وهو أحد قولي مالك، ولم يجز قوم قطع الصحاح منها خاصة. فأما المقطوع فأجازوا قطعها وهو أحد قولي مالك (٣) ولم يجز قوم قطعها إلا عند الحاجة إليها كقطع الثياب. وحكى بعضهم هذا على أنه للمذهب.
وأجاز قوم قطعها جملة، واحتج بعضهم من لم يجز القطع بالآية المذكورة وما جاء عنه عليه الصلاة والسلام من النهي عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم (٤) والسكة الدراهم المضروبة، وأصلها الحديدة التي تطبع عليها الدراهم فسميت الدراهم بها لأنها ضربت بها. واختلف الذين لم يجيزوا القطع في وجه ذلك، فقيل لما في الدراهم والدينار من ذكر الله فكره قرضها لذلك، وإليه ذهب أحمد بن حنبل. قال أبو داود : قلت لأحمد معي درهم صحيح وقد حضر سائل أأكسره ؟ (٥) قال : لا. وقيل بل المعنى فيه كراهية التدنيق (٦) وذمه. وكان الحسن يقول لعن الله الدانق. وأول من أحدث الدانق(٧) فلان، ما كانت العرب تفعله ولا أبناء الفرس. وقيل إنما لم يجز لأنه يضع من قيمته وقد نهى عن إضاعة المال. والذين أجازوا القطع تأولوا الآية على غير ذلك أو تأولوها عليه ولم يروها لهم لازمة لأنها(٨) إنما جازت في شرع غيرنا، وتأولوا حديث النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم : إنما نهى عن كسره على أن يعاد تبرا، فأما أن يرصده لنفقته فلا، وإلى هذا ذهب محمد بن عبد الله الأنصاري (٩) قاضي البصرة (١٠) وقال بعضهم إن المغابنة (١١) كانت تجري بها في صدر الإسلام عددا لا ورقا. وكان بعضهم يكسرها ويأخذ أطرافها قرضا بالمقراض وكان ذلك سبب النهي، فرجع هذا القول إلى أنه إنما نهى عن ذلك خوف التدليس، فإذا أمن جاز. ولا خلاف أنه إذا دلس به لم يجز قطعه. وقد روي مثل هذا في قصة الآية. وقال بعضهم قد يكون ذلك أيضا بأن يكسره فيتخذ منه أواني وزخر ونحوها فلذلك نهى عنه.
١ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز ٩/ ٢١٠..
٢ في (أ)، (ز): "جماعة". وقال ابن عطية: وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: قطع الدراهم والدنانير من الفساد في الأرض. راجع المحرر الوجيز ٩/ ٢١١..
٣ من قوله: "ولم يجز قوم قطع.... إلى: أحد قولي مالك" ساقط في (ب)، (ح)، (هـ)..
٤ والحديث ذكره أبو داود في سننه، كتاب البيوع، باب: في كسر الدراهم ٣/ ٧٣٠. وأحمد في مسنده ٣/ ٤١٩..
٥ في (هـ): "أنكسره"..
٦ في (أ)، (ب): "التدنيق"..
٧ "وأول من أحدث الرانق" ساقط في (أ)، (ز)..
٨ في (أ)، (ز): "لأنهم"..
٩ محمد بن عبد الله الأنصاري: هو محمد بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري، أبو عبد الله. ولي قضاء البصرة ثم قضاء بغداد. توفي سنة ٢١٥هـ/ ٨٣٠م. انظر ميزان الاعتدال للذهبي ٣/ ٨٢..
١٠ "البصرة" كلمة ساقطة في (أ)، (ز)..
١١ "المغابنة": كلمة ساقطة في (ب)..
هود 11:113
قوله تعالى :﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾ إلى قوله :﴿فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ :
قد يمكن أن يستدل بهذه الآية في المنع من الاستعانة بالمشركين في الحرب وفي معونة بعضهم على بعض (١). وقد تقدم الكلام في هذا. ويمكن أيضا أن يستدل به في منع (٢) استعمال الكفار في مصالح المسلمين مثل أن يكونوا كتابا أو قساما أو نحو ذلك. وقد منعه مالك رحمه الله تعالى. ومثل أن يكون شريكا أو وكيلا على بيع أو شراء ونحو ذلك. وقد كرهه مالك أيضا. ويستدل به أيضا على النهي عن مجالسة الظلمة ومؤانستهم والإنصات إليهم وهذا مثل قوله تعالى :﴿فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾ [الأنعام: ٦٨].
١ "على بعض" ساقط في (أ)، (ز)..
٢ "في منع" ساقط في (ح)..
هود 11:114
قوله تعالى :﴿وأقم الصلاة﴾.
لم يختلف أحد بأنه يراد بالصلاة هنا الصلاة المفروضة. واختلف في صلاة طرفي النهار والزلف من الليل ما هي ؟ فقيل الطرف الأول الصبح والثاني الظهر والعصر والزلف المغرب والعشاء، قاله مجاهد (١) وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في المغرب والعشاء هما زلفتا الليل. وقيل الطرف الأول الصبح والثاني العصر والزلف المغرب والعشاء وليست الظهر بمذكورة في (٢) الآية على هذا القول، وإلى نحو هذا (٣) ذهب الحسن وغيره (٤). وقيل الطرف الأول الصبح والثاني المغرب والزلف العشاء وليست الظهر والعصر في الآية، وإليه ذهب ابن عباس وروي عن الحسن أيضا (٥). وقيل الطرف الأول الظهر والثاني العصر والزلف المغرب والعشاء والصبح. ورجح الطبري أن الطرفين الصبح والمغرب، وهو الظاهر من الآية (٦) ورجح بعضهم القول الأول وقال حمل الآية على الصلوات الخمس أولى (٧).
وقوله :﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ :
اختلف في الحسنات ما هي ؟ فذهب الجمهور إلى أن الحسنات يراد بها الصلوات الخمس، وإلى هذا ذهب عثمان في الآية (٨) عند وضوئه على المقاعد وهو الذي (٩) تأول ذلك (١٠) وقيل الحسنات : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر (١١). والأظهر أن يحمل لفظ الحسنات على عمومه. وأما السيئات فلا خلاف أنه لفظ عام يراد به الخصوص لأن الحسنات لن تذهب كل السيئات وإنما يذهب منها صغائرها كما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الجمعة إلى الجمعة والصلوات الخمس ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما إن اجتنبت الكبائر " (١٢). فهذا يبين أن الكبائر لا تذهبها الحسنات. إلا أنه اختلف هل تذهب الحسنات (١٣) الصغائر أم لا وإن ارتكب معها كبائر أم أنها تذهب الحسنات الصغائر ما لم يرتكب معها كبائر على قولين، وظاهر الآية أنها تذهبها وإن كانت معها كبائر. فأما الحديث فظاهره القول الآخر، إلا أنه ينبغي أن يتأول على مثل ظاهر الآية، والتأويل فيه سائغ أي كفارة لما بينهما من كل ما عدا الكبائر فإنها إن كان بينها كبائر لم تكن بعد كفارة (١٤) لما بينها على الإطلاق وإنما هي كفارة على الخصوص، فهذا (١٥) يكون معنى التغيير (١٦)، وهذا القول أحسن، وهذا كله بشرط المتاب من الصغائر وأن لا يصر عليها. واختلف في سبب هذه الآية :﴿إن الحسنات﴾ فقيل نزلت في رجل من الأنصار يقال له أبو اليسر بن عمرو (١٧) ويقال اسمه عباد خلا بامرأة فقبلها وتلذذ بها (١٨) دون الجماع ثم جاء إلى عمر فشكا إليه فقال : قد ستر الله عليك فاستر على نفسك. فقلق الرجل فجاء أبا بكر فقال له مثل مقالة عمر، فقلق الرجل. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى معه ثم أخبره وقال له اقض في ما شئت. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لعلها زوجة غاز في سبيل الله ". قال : نعم. فوبخه وقال ما أدري فنزلت هذه الآية، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاها عليه، فقال معاذ بن جبل (١٩) : أله يا رسول الله خاصة ؟ فقال بل للناس عامة (٢٠). وقيل بل نزلت قبل ذلك واستعملها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الرجل، وروي أن عمر قال ما حكي عن معاذ.
١ محمد بن كعب القرظي. ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٩/ ٢٣٤..
٢ في (أ)، (ز) زيادة: "هذه"..
٣ "هذا" ساقط في (أ)، (ج)، (ح)، (و)، (ز)..
٤ قتادة والضحاك حسب ابن عطية في المحرر الوجيز ٩/ ٢٣٤..
٥ في (د)، (هـ) زيادة: "أن الطرفين الصبح والمغرب وهو الظاهر من الآية"..
٦ قال القرطبي: قال ابن العربي: "والعجب من الطبري الذي يرى أن طرفي النهار الصبح والمغرب وهما طرفا الليل، فقلب القوس ركوة وحاد عن البرجاس" راجع الجامع لأحكام القرآن ٩/ ١٠٩..
٧ "أولى" كلمة ساقطة في (أ)..
٨ "في الآية" كلام ساقط في (ج)، (ح)..
٩ "الذي" كلمة ساقطة في (ب)، (د)، (هـ)، (و)..
١٠ قال ابن عطية: وهو تأويل مالك. راجع المحرر الوجيز ٩/ ٢٣٥..
١١ نسبه ابن عطية إلى مجاهد. راجع م. س. ، ن. ص.
في (أ)، (ز) زيادة: "ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"..
١٢ الحديث رواه أحمد في مسنده ٢/ ٢٢٩..
١٣ "الحسنات" كلمة ساقطة في (ج)..
١٤ من قوله: "لما بينهما.... إلى: كفارة" ساقط في (أ)، (ز)..
١٥ في (ج)، (هـ): "بهذا"..
١٦ في (د)، (و): "التقييد"..
١٧ أبو اليسر بن عمرو: هو كعب بن عمرو بن عبادة بن غنم بن سلمة، وهو الذي أسر العباس. شهد العقبة وبدرا، مات سنة ٥٥هـ/ ٦٨٧م. انظر الإصابة ١٢/ ٥٥..
١٨ في غير (ج)، (ح): "منها"..
١٩ معاذ بن جبل: هو أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري، الخزرجي، المدني، شهد بدرا والعقبة، كان من أعلم الناس بالحلال والحرام. توفي سنة ١٨ هـ/ ٦٤٠م. انظر الإصابة ٩/ ٢١٩..
٢٠ راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢٠٠ – ٢٠٢، لباب النقول ص ٤٨٨، ٤٨٩..
هود 11:115
وقوله تعالى :﴿واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ( ١١٥ )﴾ :
يحتمل أن يقال هي آية موادعة منسوخة بالقتال. وكذلك قوله تعالى في آخر السورة :﴿وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون ( ١٢١ ) وانتظروا إنا منتظرون ( ١٢٢ )﴾ [هود: ١٢١، ١٢٢].
يوسف 12:4
قوله تعالى :﴿والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾ :
قال جماعة من المفسرين : القمر تأويله الأب والشمس تأويلها الأم فاستقرأ بعض الناس من تقديمها وجوب بر الأم وزيادته على بر الأب (١).
١ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٩/ ٢٤٨..
يوسف 12:18
قوله تعالى :﴿وجاءوا على قميصه بدم كذب﴾ :
روي أن إخوة يوسف لما أتوا بقميص يوسف إلى أبيهم يعقوب تأمله فلم ير (١) خرقا ولا أثر ناب، فاستدل بذلك على كذبهم وقال لهم : متى كان الذئب حليما يأكل يوسف ولا يخرق قميصه (٢). واحتج الفقهاء بهذا في أعمال الأمارات (٣) في مسائل (٤) كالقسامة بها في قول مالك، إلى غير ذلك.
١ في (أ)، (ز): "فلم يجد"..
٢ قال ابن عطية: قص هذا القصص ابن عباس وغيره. راجع المحرر الوجيز ٩/ ٢٦٣..
٣ في (ح): "الأمارة"..
٤ "في مسائل" كلام ساقط في (أ)..
يوسف 12:19
قوله تعالى :﴿وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم﴾ :
قاس بعض المفسرين على هذه الآية أحكام اللقيط (١). وقد اختلف فيه. فقال قوم هو عبد لمن التقطه (٢) وقال الجمهور هو حر وولاؤه للمسلمين. وقال قوم هو حر وولاؤه (٣) للملتقط (٤). والصواب ما قاله (٥) الجمهور لأن الأصل في الناس (٦) الحرية لأنهم من آدم وحواء. وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال : المنبوذ حر. وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال : اللقيط حر، وتلا قول الله تعالى :﴿وشروه بثمن بخس دراهم﴾ [يوسف: ٢٠]. وموضع (٧) الحجة من الآية أنه لو كان عبدا لمن التقطه ما احتاجوا إلى شرائه وهذا بين. وإن صح أن اللقيط لا ينتقل عن (٨) أصل (٩) الحرية بالتقاطه فكذلك اللقطة لا تكون ملكا لمن التقطها، ولا يحل له أكلها بعد التعريف خلافا لداود في قوله أنه إذا أكلها ملتقطها بعد الحول لم يضمنها، وخلافا للشافعي في قوله يجوز له أكلها ويضمنها لصاحبها (١٠). ويؤخذ من هذه الآية أيضا (١١) أن اللقيط يؤخذ ولا يترك. واختلف في اللقطة هل تؤخذ أو تترك.
١ راجع نحوه في أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٣٨٣..
٢ قال الجصاص: وقد روى المغيرة عن إبراهيم في اللقيط يجده الرجل قال: إن نوى أن يسترقه كان رقيقا، وإن نوى الحسبة عليه كان عتيقا. راجع أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٣٨٣..
٣ "للمسلمين. وقال قوم هو حر وولاؤه" ساقط في (أ)..
٤ وهو قول مالك والشافعي. ونسب القرطبي هذا القول إلى أبي بكر بن أبي شيبة عن علي رضي الله تعالى عنه وإلى عطاء وابن شهاب. راجع الجامع لأحكام القرآن ٩/ ١٣٤..
٥ في (ب)، (ج)، (ح)، (هـ)، (و): "قال"..
٦ في (أ)، (د)، (ز): "لأن أصل الناس"..
٧ في (أ)، (ز): "وموضوع"..
٨ في (هـ): "من"..
٩ في (أ)، (ز): "حال"..
١٠ وقال المزني عن الشافعي: لا أحب لأحد ترك اللقطة إن وجدها إذا كان أمينا عليها. قال وسواء قليل اللقطة وكثيرها. راجع الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٩/ ١٣٦..
١١ "أيضا" كلمة ساقطة في (ج)، (ح)..
يوسف 12:26
قوله تعالى :﴿وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه﴾ :
يحتج بها من يرى الحكم من العلماء بالأمارات والعلامات (١) فيما لا تحضره البينات كاللقطة (٢) واختلف في الوديعة والسرقة وشبههما هل تقبل فيها الصفة أم لا إذا جهل صاحبها ؟ ومن هذا النوع إرخاء الستر وشهادة الصبيان في الجراح وذلك دليل لا شهادة. ومن ذلك معاقد الحيطان والنظر إليها عند الاختلاف، ووضع الخشب في الحائط ونحو ذلك.
ومن ذلك أن يكون عقد الدين بيد المدين (٣) محوا فيكون القول قوله إنه أدى الدين. ومن ذلك دعوى المرأة الاستكراه وهي متعلقة بالمدعى عليه ومراعاة التعلق به (٤). ومن ذلك مسألة النائرة تقع بين القوم فيدعي بعضهم على بعض القتل (٥) أنه يصدق بسبب تقدم النائرة. ومن ذلك دفع شهادة الشهود العدول بنحو ذلك كالشاهدين على الهلال في الصحو قد اختلف في جواز شهادتهما، وقال سحنون فيهما شاهدا سوء. ومن اختلاف الرجل وزوجته في متاع البيت، وقول مالك أنه يحكم للرجل بما هو من لباسه وما كان للرجل والمرأة فهو للرجل (٦). قال إسماعيل القاضي : والعمل بمثل هذا غير مخالف لقوله عليه الصلاة والسلام : " البينة على المدعي واليمين على من أنكر " (٧) لأنه لم يرد بذلك الحديث إلا الموضع الذي تمكن فيه البينة. قال : فإن قال قائل إن تلك الشريعة لا تلزمنا. قلنا كل ما أنزله الله تعالى علينا فإنما أنزله لفائدة فيه ومنفعة لنا وقال تعالى :﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠] فآيات يوسف مقتدى بها، معمول عليها. وأنكر أبو الحسن العمل بالعلامات وقال : إنه اتفق على أنه لا يعمل، في غير الزوجين إذا تنازعا في شيء بمثل ما عمل فيها، قال : والأشبه في حديث يوسف أن ذلك كان آية من الله تعالى فليس في ذلك دلالة إلا من جهة خرق الله تعالى العادة في إنطاق الصبي في المهد. قال : وكان شريح وإياس يعملان على العلامات في الحكومات وأصل ذلك هذه الآية. ولعل ذلك فيما طريقه التهمة لا على سبيل بت الحكم، لكن إذا ظهر مثل هذا من العلامة على الدعوى أقر المدعى عليه فحكم عليه بالإقرار (٨). وقد اختلف في الشاهد، فقيل كان ابن عم (٩) المرأة التي هم بها يوسف (١٠). وقيل رجل من خاصة الملك (١١).
وقيل كان طفلا في المهد (١٢) ويضعف هذا أن في البخاري ومسلم أنه لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم وصاحب جريج وابن السوداء التي دعت له أن يكون كالفاجر الخبيث (١٣) وأسقط صاحب يوسف. وأسند الطبري إلى ابن عباس أنهم أربعة وزاد صاحب يوسف. وعنه أيضا أنهم خمسة وزاد فيهم ابن ماشطة فرعون (١٤). وذكر ابن فتحون (١٥) في استدراكه عن ابن عبد البر، مبارك اليمامة (١٦) وذكر أنه أوتي به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولد وقد لف في خرقة فقال من أنا ؟ فقال أنت رسول الله. فقال صدقت بارك الله فيك، فسمي مبارك اليمامة، فهم ستة. وقيل الشاهد القميص (١٧) وهو أضعف الأقوال.
١ "والعلامات" كلمة ساقطة في (ح)..
٢ قال مالك في اللصوص: إذا وجدت معهم أمتعة فجاء قوم فادعوها وليست لهم بينة فإن السلطان يتلوم لهم في ذلك فإن لم يأت غيرهم دفعها إليهم. ذكر ذلك الكيا الهراسي في أحكام القرآن ٤/ ٢٣١. والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ٩/ ١٧٤. وهو خلاف قول أبي حنيفة والشافعي وأبي يوسف ومحمد. راجع أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٣٨٥..
٣ في غير (ج)، (ح): "المطلوب"..
٤ "به" ساقط في غير (ج)، (ح)..
٥ "على بعض القتلى" ساقط في (أ)..
٦ راجع نحوه في أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٣٨٦، ٣٨٧، وفي أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٣١..
٧ الحديث أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الأحكام، باب: ما جاء في أن البينة على المدعي ٣/ ٦٢٥. وأحمد في مسنده ٤/ ٢١٧..
٨ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٣١..
٩ "عم" ساقطة في (ب)، (ح)..
١٠ نسبه ابن عطية إلى السدي. راجع المحرر الوجيز ٩/ ٢٨٣..
١١ نسبه ابن عطية إلى ابن عباس ومجاهد وغيره. راجع م. س. ، ن. ص..
١٢ نسبه ابن عطية إلى ابن عباس والضحاك وأبي هريرة وابن جبير. راجع المحرر الوجيز ٩/ ٢٨٣..
١٣ الحديث: راجع صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب: تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة ٣/ ١٩٧..
١٤ راجع نحو ذلك في التفسير الكبير ١٨/ ١٢٣ وفي المحرر الوجيز ٩/ ١٨٣..
١٥ ابن فتحون: هو محمد بن خلف بن سليمان بن فتحون الأندلسي، أبو بكر. توفي سنة ٥٢٠ هـ/ ١١٢٦م. انظر الصلة لابن بشكوال ص ٥١٩..
١٦ مبارك اليمامة: هو مبارك بن سعيد اليمامي ثم البصري. روى عن يحيى بن أبي كثير. ثقة. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر ١٠/ ٢٧..
١٧ نسبه ابن عطية إلى مجاهد. راجع المحرر الوجيز ٩/ ٢٨٣..
يوسف 12:42
قوله تعالى :﴿فلبث في السجن بضع سنين﴾ :
اختلف في البضع ما هو فالأكثر إلى (١) أنه من الثلاثة إلى العشرة. وقيل البضع لا يبلغ العقد ولا نصف العقد وإنما هو من الواحد إلى الأربعة (٢). وقيل البضع من الواحد إلى العشرة (٣) وقيل البضع من الثلاثة إلى التسع (٤) ويعضد هذا ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر الصديق في قصة خطرة مع قريش في غلبة الروم لفارس : " أما علمت أن البضع من التسع إلى الثلاث " (٥). وقيل من الثلاثة إلى السبعة (٦). قال الفراء ولا يذكر البضع إلا مع العشرات ولا يذكر مع المائة ولا مع الألف. وبالقول الأول أخذ مالك رحمه الله تعالى فرأى أن من أقر ببضع إنما يقضى عليه بثلاثة إلا أن يقر بأكثر(٧).
١ في (هـ)، (و)، (ز): "على"..
٢ نسبه ابن عطية إلى أبي عبيدة: راجع المحرر الوجيز ٩/ ٣٠٧..
٣ نسبه ابن عطية إلى الأخفش. راجع م. س. ، ن. ص..
٤ نسبه ابن عطية إلى قتادة راجع م. س. ، ن. ص..
٥ لم أقف عليه في الكتب التي وقعت بين يدي..
٦ من قوله: "ويعضد هذا.... إلى: السبعة" ساقط في (هـ).
ونسب ابن عطية هذا القول إلى مجاهد. راجع المحرر الوجيز ٩/ ٣٠٧..
٧ قال ابن عطية: وعلى هذا هو فقه مالك رحمه الله في الدعاوي والأيمان. راجع م. س. ، ن. ص..
يوسف 12:44
وقوله تعالى :﴿قالوا أضغاث أحلام﴾ :
قال هؤلاء هذا القول. وقد كانت الرؤيا صحيحة لأن يوسف عليه السلام عبرها بسني الخصب والجدب فكان كذلك. وهذا يبطل قول من يقول إن الرؤيا على أول ما تعبر به فتأول قوله عليه الصلاة والسلام : " الرؤيا لأول عابر " (١) وقوله أيضا : " الرؤيا على رجل طائر " (٢) فإذا عبرت وقعت لأن الأقوام قالوا أضغاث أحلام ولم تقع كذلك.
١ الحديث أخرجه ابن ماجه، عن أنس بن مالك، في سننه، كتاب تعبير الرؤيا، باب: علام تعبر به الرؤيا ٢/ ١٢٨٨..
٢ الحديث أخرجه ابن ماجه، عن أبي رزين، في سننه، كتاب تعبير الرؤيا، باب: الرؤيا إذا عبرت وقعت. ٢/١٢٨٨. وأحمد في مسنده ٤/١٠، ١١..
يوسف 12:54
قوله تعالى :﴿وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين ( ٥٤ ) قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ( ٥٥ )﴾ :
سمى الله تعالى فرعون مصر في هذه الآية ملكا لأنها حكاية اسم كان يطلق عليه ولم يكن حيا في ذلك الوقت فيكون له حجة في تسميته بذلك. ولو كان حيا لكان لذلك حكم ما. ولهذا كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هرقل عظيم الروم "، ولم يقل ملك الروم ولا كافر لأن ذلك حكم له بالملك والكفر. وأما كونه عظيمهم فتلك صفة لا تفارقه، ولو كتب له (١)صلى الله عليه وسلم بالملك لتمسك بذلك كتمسك زياد في قوله : شهد والله لي أبو الحسن.
١ "له" ساقط في (ح)..
يوسف 12:55
ثم قال تعالى :﴿اجعلني على خزائن الأرض...﴾ فسأل يوسف فرعون أن يوليه عملا فولاه. وقد اختلف في طلب الولايات كالقضاء ونحوه مباهاة بذلك وطلب منزلة هل يجوز أم لا ؟ فكرهته طائفة لأن طلب المباهاة في الدنيا مكروه، قال الله تعالى :﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ( ٨٣ )﴾ [القصص: ٨٣] وذهبت طائفة أخرى إلى أن طلبه لذلك غير مكروه لأن طلب المنزلة بما أبيح غير مكروه (٢) قالوا وقد رغب نبي الله يوسف إلى فرعون في الولاية والخلافة فقال :﴿اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾ وهاتان الصفتان تعمان وجوب التثقيف والحيطة لا يدخل معهما خلل على عامل. إلا أن المفسرين قد خصصوهما بأشياء ينبغي أن تساق على جهة المثال. قال بعضهم حفيظ لما استودعت عليهم بما وليت، وهو قول عبد الرحمن بن زيد (٣). وقال بعضهم حفيظ للحساب عليهم بالألسن وهو قول الأشجعي (٤). ويخرج اللفظ بهذا القول عن التزكية ليوسف وعلى القول الأول فيه التزكية ظاهرة (٥). اختلف في جواز الولاية من قبل الظالم. فذهب قوم إلى جواز ذلك إذا عمل بالحق فيما يولي، واحتجوا بأن يوسف تولى من قبل فرعون ليكون بعدله دافعا لجوره. وذهب طائفة أخرى إلى المنع من ذلك لما فيها (٦) من إعانة الظالمين وتزكيتهم بالتقليد لأوامرهم (٧) وأجابوا على ولاية يوسف برأيين (٨) :
أحدهما : أن فرعون يوسف كان صالحا وإنما الطاغي فرعون موسى.
والثاني : أنه نظر له في أملاكه دون أعماله. وروي عن مالك رحمه الله تعالى أنه قال : مصر خزانة الأرض، واحتج بهذه الآية (٩).
يوسف 12:72
قوله تعالى :﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ :
في هذه الآية – على ما ذهب إليه جماعة من العلماء – جعل وكفالة (١). والآية تدل على جوازهما. فأما الجعل فقد اختلف في جوازه. وهو أن يجعل الرجل للرجل جعلا على عمل يعمله له إن أكمل العمل. فأجازه مالك وأصحابه ولم يجزه أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه (٢) والأصل في جوازه قوله تعالى :﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ وهذا جعل محض وإذا قلنا بجوازه فهل ذلك فيما (٣) للجاعل فيه منفعة خاصة أو فيما كان له فيه منفعة أو لم يكن ؟ فيه قولان في المذهب. والأصل في اشتراط المنفعة الآية لأنها إنما جاءت فيما كان (٤) فيه منفعة وهو رد الصواع. وإذا اشترطنا المنفعة فهل من شرطها أن لا يحصل منها شيء إلا بتمام المجعول فيه أم لا ؟ فالمشهور أن ذلك من شرطها وإلا لم يجز. فقد يتخرج (٥) في المذهب قول آخر بإسقاط ذلك الشرط. والأصل في القول الأول الآية لأن الجعل فيها إنما جاء فيما لا منفعة فيه إلا بتمامه. واختلف في ضرب الأجل في الجعل (٦) هل يجوز أم لا ؟ فالمشهور أنه لا يجوز. وقدم الجواز من قول ابن القاسم على ما تأول ابن أبي زيد (٧) والأصل في اطراح الأجل الآية لأنه تعالى قال :﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ فسمى الجعل ولم يقدر المدة.
وأما الكفالة فمنها كفالة بمال، وكفالة بنفس. فأما الكفالة بالمال فلا اختلاف في جوازها وإنما اختلف في بعض شروطها. والأصل في جواز ذلك قوله تعالى :﴿وأنا به زعيم﴾ أي كفيل. يعني بما ذكره من حمل بعير. وأما الكفالة بالنفس ففيها ثلاثة أقوال :
أحدها : إجازتها في المال والحدود والقصاص. وهو قول عثمان البتي (٨).
والثاني : أن الكفالة بالنفس لا تجوز في شيء من ذلك وإلى نحو هذا ذهب الشافعي.
والثالث : أنها تجوز في المال ولا تجوز في الحدود وهو قول مالك وأصحابه. والأصل في الكفالة بالنفس قوله تعالى في هذه السورة :﴿لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم﴾ [يوسف: ٦٦] فهذه كفالة بالنفس. وفيها عندي حجة لمن يجيز الكفالة بالنفس في غير المال لأن هذه الآية لم يتعرض فيها لذكر المال، إلا أن الأدلة التي نازع بها من لم يجز الكفالة بالنفس في غير المال أصح وأظهر، وليس هذا الكتاب بموضع بسطها (٩).
وقال أبو الحسن : ظن ظانون أن قوله :﴿وأنا به زعيم﴾ كفالة، وليس ذلك كفالة إنسان عن إنسان وإنما كفل بذلك عن نفسه وضمنه نعم هو جعالة (١٠).
١ قال ابن عطية: وقوله: ولمن جاء به حمل بعير. أي لمن دل على سارقه وفضحه وجبر الصواع وهذا جعل. وقوله: وأنا به زعيم. حمالة. راجع م. س. ، ن، ص. ٩/٣٢٤..
٢ قال الجصاص: ظن بعض الناس أن ذلك كفالة عن إنسان وليس كذلك لأن قائل ذلك جعل حمل بعير أجرة لمن جاء بالصاع وأكده بقوله: أنا به زعيم، يعني ظامن. قال الشاعر:
وإنـــي زعــيــم إن رجعـــــت مسلما بسيــري بــري مــنــه الــفــرانـــق أرورى
راجع أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٣٩٠..
٣ في (أ)، (ز): "مما"..
٤ في غير (أ)، (ز): "يكون"..
٥ في (أ): "يحرج"..
٦ في (أ): "في الفعل"..
٧ ابن أبي زيد: هو عبد الله بن عبد الرحمن أبي زيد (النفزاوي) القيرواني، أبو محمد. فقيه. آلت إليه رئاسة المذهب المالكي في عصره. من مصنفاته: "مختصر المدونة" وغيره. توفي سنة ٣٨٠هـ/ ٩٢٦م. انظر شجرة النور الزكية لمحمد مخلوف ١/ ٩٦..
٨ عثمان البتي: هو أبو عمرو عثمان بن سليمان بن جرموز البتي. توفي سنة ١٤٣هـ/ ٧٦٥م. انظر طبقات ابن سعد ٧/ ٢٥٧، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٩١..
٩ راجع الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٢٣٢ – ٢٣٤..
١٠ راجع القول في أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٣٣..
يوسف 12:78
قوله تعالى :﴿فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين﴾ :
يحتمل هذا معان : أحدها : أن يكون على جهة المجاز كما تقول لمن تكره فعله اقتلني ولا تفعل كذا، وأنت لا تريد أن يقتلك ولكن مبالغة (١)في استعطافه. وكذلك هذا لم يرد أن يسترق واحدا (٢) منهم مكانه وإنما قالوا ذلك مبالغة. فقال يوسف معاذ الله. فتعوذ من فعل ما لا يجوز. ويحتمل أن يكون حقيقة أي خذ (٣) أحدنا مكانه رقا، فتعوذ يوسف من ذلك. إلا أنه يبعد أن يريدوا (٤) استرقاق (٥) حر وهم (٦) أنبياء. ويحتمل أن يريدوا بذلك الحمالة بالنفس، أي خذ أحدنا مكانه (٧) حتى ينصرف إليك صاحبك. ومقصدهم أن يصل بنيامين وهو الذي وجد الصواع في رحله إلى يعقوب. ويعرف يعقوب جلية الأمر ثم يرد إليه. فمنع يوسف عليه السلام من ذلك إما أنه لم ير الحمالة بالنفس في الحدود ولم يلزم الحميل عقوبة المحمول عنه فيكون هذا (٨) حجة لمالك وأصحابه. وإما لأنه لم يرها على أن تلزم الحميل عقوبة المحمول، وهذا لا يلزم إجماعا.
١ في غير (ج)، (ح): "تبالغ"..
٢ قي (أ):"أحدا"..
٣ في (ب): "هذا"..
٤ في (هـ)، (و): "أن يريد"..
٥ في (ب): "استرقاقهم"..
٦ "حروهم" ساقط في (ب)..
٧ "مكانه" ساقط في (أ)، (ب)، (ج)، (ح)، (و)..
٨ في (أ)، (ز): "فتكون هذه"..
يوسف 12:81
قوله تعالى :﴿وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين ( ٨١ ) واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون ( ٨٢ )﴾ :
قوله تعالى :﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ يحتج به في أنه لا تجوز الشهادة بما لا يعلم (١) وقد اختلف قول مالك فيمن دفع إلى شهود كتابا مختوما وقال : اشهدوا علي بما فيه، هل يصح تحملهم للشهادة أم لا ؟ وكذلك الحاكم إذا كتب كتابا إلى حاكم وختم (٢) وأشهد الشهود بأنه كتابه ولم يقرأ عليهم. فعن مالك في ذلك روايتان. فاستدل القاضي أبو إسحاق(٣) لجواز الشهادة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى عبد الله بن جحش (٤) كتابا وأمره أن يسير ليلتين ثم يقرأ ما فيه فيتبعه. قال ووجه المنع قوله تعالى :﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ وإذا لم يقرؤوا الكتاب لم يشهدوا بما يعلمون فلم تجز شهادتهم. وكذلك اختلفوا (٥) إذا لم يميز الشاهد في (٦) العقد إلا خطه هل تجوز شهادته أم لا ؟ وكذلك اختلفوا إذا عرف الشهادة ولم يذكر مما (٧) في العقد شيئا هل تجوز شهادته أم لا ؟ والخلاف فيه في المذهب. ويمكن أن يحتج على المنع من الشهادة في ذلك كله بالآية المذكورة.
١ قال القرطبي: فإن الشهادة مرتبطة بالعلم عقلا وشرعا. راجع الجامع لأحكام القرآن ٣/ ٣٩٩، ٩/ ٢٤٥. وأضاف ابن العربي: تسمع إلا ممن علم ولا تقبل إلا منه. راجع أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٠٩٠..
٢ "وختم" ساقط في (أ)..
٣ القاضي أبو إسحاق: هو إسماعيل بن إسحاق. سبقت ترجمته بصفحة ٨٧..
٤ في (أ): "لعبد الله"، وفي (ب): "لعبد الرحمن بن جحش"، وفي (هـ): "لعبد الله بن حجر"، والصواب: عبد الله بن جحش بن يعمر الأسدي. صحابي قديم الإسلام قتل يوم أحد ودفن هو وحمزة في قبر واحد. انظر الإصابة لابن حجر ٢/٢٧٢..
٥ "اختلفوا" ساقطة في (أ)، (ز)..
٦ "في" ساقط في (ب)، (د)، (هـ)..
٧ في (ح): "ما"..
يوسف 12:82
وقوله تعالى :﴿واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون ( ٨٢ )﴾ :
أرادوا : واسأل أهل القرية وأهل العير، فحذف. وقد اختلف الأصوليون هل هذا مجاز أم لا ؟ والجمهور منهم على أنه من المجاز، وأنكر بعضهم أن يكون مجازا وأجاز أن ينطق الله تعالى القرية والعير لاتساع القدرة (٨). وذكر المفسرون أن القرية مصر (٩). وأما العير فهي الدواب التي يمتار عليها الطعام. ومعنى الآية الاستشهاد بأهل القرية وأهل العير ظاهرها عرفت عدالتهم أو لم تعرف، وهو مذهب أبي حنيفة. فأما مذهب مالك فلا يستشهد إلا عدل لقوله تعالى :﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله تعالى :﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢] إلا أنه اختلف عندنا في أهل الرفقة يشهد بعضهم على بعض فيما يختصوا بمعاملات السفر من بيع وشراء، أو قرض أو كراء أو قضاء، وما يجري مجرى هذا، هل يشترط فيهم معرفة العدالة أم لا ؟ وظاهر المذهب – وهو القياس – أنه لا يجوز أن يقبل إلا عدل لما قدمناه. وذهب ابن حبيب (١٠) ورواه عن مطرف وابن الماجشون إلى جواز قبول شهادتهم في ذلك إذا توسم فيه أي توسم فيهم الحاكم الحرية والإسلام وزاد الشيخ أبو إسحاق، والمروءة والعدل. واحتج أبو إسحاق (١١) لهذا القول بقوله تعالى :﴿واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون ( ٨٢ )﴾ وهذا القول إنما هو فيما يختص بمعاملات السفر كما قدمنا. فأما بيع العقار والأموال التي لم تجر العادة ببيعها في السفر فلا تقبل فيه شهادة أهل الرفقة إذا لم تعرف عدالتهم بوجه.
وأما أهل موضع إذا لم يكن فيهم عدل (١٢) وبعدوا عن العدول (١٣) فهل تجوز شهادة بعضهم لبعض في الأموال أم لا ؟ فالذي عليه الجمهور في المذهب – ولا يعرف لمتقدم منهم (١٤) فيه (١٥) خلاف – أن شهادتهم لا تجوز لما قدمناه، وهو ظاهر قول ابن حبيب في الواضحة ونقله الباجي. ورأيت قوما من المتأخرين يحكون عن شيوخهم أنهم كانوا يفتون بجواز الشهادة ممن ذكرناه ويعملونها للضرورة كشهادة أهل الرقة مع المتوسم. ورأيت بعضهم يحتج في ذلك بقوله تعالى :﴿واسأل القرية﴾.
يوسف 12:84
قوله تعالى :﴿وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ( ٨٤ ) قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين ( ٨٥ ) قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله﴾ :
هذه الآية تعطي إباحة البكاء عمن يموت للإنسان. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نص في مواطن على جواز ذلك منها في دفن ابنه إبراهيم، قال : " تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب " (١). ومنها في موت ابن لابنته. قال الراوي فدفع إليه الصبي ونفسه تقعقع كأنها شنة ففاضت عيناه. فقال سعد بن عبادة : يا رسول الله ما هذا ؟ قال : " رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله تعالى من عباده الرحماء " (٢).
ومنها حديث أنس قال : شهدنا بنتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على القبر وعيناه تدمعان وقال عليه الصلاة والسلام لعمر إذا نهى النساء عن البكاء : " دعهن يا عمر فإن النفس مصابة والعين دامعة والعهد قريب " (٣). وكره البكاء من أخذ بظاهر الحديث : " أن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه " (٤) وإليه ذهب عمر وابن عمر. وقد مر الكلام عليه. وهذا الذي ذكرناه هو البكاء دون النوح (٥). فأما مع النوح فلا يجوز باتفاق. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه في غير ما حديث (٦). واختلف العلماء فيمن يستحق اسم الصبر بعد قولهم بجواز البكاء من غير نوح. فقال قوم هو الذي يكون في حال المصيبة مثله قبلها ولا يظهر منه حزن في جارحة ولا لسان. وجاء مثل هذا عن ابن مسعود والصلت بن أشيم (٧) وشريح (٨) وابن شبرمة وربيعة. وقال قوم هو الصبر المحمود وهو التسليم للقضاء والرضا به وترك بثه للناس. فأما جزع القلب وحرق القلب ودمع العين فلا يخرج العبد من معاني الصابرين إذا لم يتجاوز به إلى ما لا يجوز له فعله بأن النفوس مجبولة على الجزع من المصائب، وحكي هذا عن جماعة من السلف منهم الحسن. وقال طلحة بن مطرف (٩) : لا تشك مرضك ولا مصيبتك. قال (١٠) وأنبئت أن يعقوب بن إسحاق صلى الله عليهما دخل عليه جار له فقال له : يا يعقوب ما لي أراك قد انهشمت وفنيت ولم تبلغ من العمر ما بلغ أبوك ؟ قال : هشمني وأفناني ما ابتلاني الله تعالى به من فقد يوسف. فأوحى الله تعالى إليه : يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي ؟ قال يا رب : خطيئة فاغفرها. قال : غفرتها لك. فكان بعد ذلك أسيل :﴿قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله﴾ ولما مات سعيد بن أبي الحسن (١١) بكى عليه الحسن حولا. فقيل له : يا أبا سعيد (١٢) تأمرنا بالصبر وتبكي (١٣). قال الحمد لله الذي جعل هذه الرحمة في قلوب المؤمنين يرحم بها بعضهم بعضا، تدمع العين ويحزن القلب وليس ذلك من الجزع إنما الجزع ما كان من اللسان واليد. الحمد لله الذي لم يجعل بكاء يعقوب على يوسف وبالا عليه، وقد بكى عليه حتى ابيضت عيناه من الحزن(١٤). وحكي أنه لم يفارق الحزن قلب يعقوب ثمانين سنة، فما جاء في الآية من أمر يعقوب حجة لمن يرى من يفعل ذلك صابرا.
١ الحديث أخرجه البخاري، عن ابن عمر، في صحيحه، كتاب الجنائز، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنا بك لمحزنون" ٢/ ٨٤. وأحمد في مسنده ٣/ ٢٥٠..
٢ الحديث أخرجه البخاري عن أسامة بن زيد، في صحيحه، كتاب الجنائز، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه" ٢/ ٧٩. وأحمد في مسنده ٥/ ٢٠٤..
٣ الحديث أخرجه ابن ماجه، عن أبي هريرة، في سننه، كتاب الجنائز، باب: ما جاء في البكاء على الميت ١/ ٥٠٦. وأحمد في مسنده ٢/ ٢١٠..
٤ أخرجه مسلم عن عمر بن الخطاب، كتاب الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه ١/ ٦٤١، ٦٤٢..
٥ في (أ)، (ز): "النواح"..
٦ منها ما رواه مسلم عن أبي سلام عن أبي مالك أنه عليه الصلاة والسلام قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة....". راجع صحيح مسلم كتاب الجنائز، باب: التشديد في النياحة ٣/ ٤٥..
٧ الصلت بن أشيم: لم أقف على ترجمته في كتب التراجم التي وقعت بين يدي..
٨ شريح: هو أمية شريح بن الحارث الكندي. عالما وقاضيا، من كبار التابعين. توفي سنة ٨٧هـ/ ٧٢٩م. انظر وفيات الأعيان ١/ ٢٢٤، ٢٢٥..
٩ طلحة بن مطرف: هو طلحة بن مطرف بن عمرو بن كعب بن جحدب بن معاوية بن سعد بن الحارث الهمداني، أبو محمد. ثقة. توفي سنة ١١٢هـ/ ٧٢٧م. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر ٥/ ٢٦..
١٠ "قال": كلمة ساقطة في (أ)، (ز)..
١١ سعيد بن أبي الحسن: واسمه يسار الأنصاري، مولاه البصري. روى عن علي والعباس وأبي هريرة. توفي سنة ١٠٨هـ/ ٧٢٣م. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر ٤/ ١٦..
١٢ أبا سعيد: هو الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد. تابعي. كان إمام أهل البصرة وحبر الأمة في زمانه. اشتدت هيبته على الولاة فكان يأمرهم وينهاهم. توفي سنة ١١٠هـ/ ٧٢٨م. انظر حلية الأولياء للأصبهاني ٢/ ١٣١..
١٣ في (أ)، (ز): "وتشكو"..
١٤ ذكر ذلك ابن سعد في طبقاته ٧/ ١٧٨..
يوسف 12:85
قوله تعالى :﴿وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ( ٨٤ ) قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين ( ٨٥ ) قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله﴾ :
هذه الآية تعطي إباحة البكاء عمن يموت للإنسان. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نص في مواطن على جواز ذلك منها في دفن ابنه إبراهيم، قال :" تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب " (١). ومنها في موت ابن لابنته. قال الراوي فدفع إليه الصبي ونفسه تقعقع كأنها شنة ففاضت عيناه. فقال سعد بن عبادة : يا رسول الله ما هذا ؟ قال :" رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله تعالى من عباده الرحماء " (٢).
ومنها حديث أنس قال : شهدنا بنتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على القبر وعيناه تدمعان وقال عليه الصلاة والسلام لعمر إذا نهى النساء عن البكاء :" دعهن يا عمر فإن النفس مصابة والعين دامعة والعهد قريب " (٣). وكره البكاء من أخذ بظاهر الحديث :" أن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه " (٤) وإليه ذهب عمر وابن عمر. وقد مر الكلام عليه. وهذا الذي ذكرناه هو البكاء دون النوح (٥). فأما مع النوح فلا يجوز باتفاق. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه في غير ما حديث (٦). واختلف العلماء فيمن يستحق اسم الصبر بعد قولهم بجواز البكاء من غير نوح. فقال قوم هو الذي يكون في حال المصيبة مثله قبلها ولا يظهر منه حزن في جارحة ولا لسان. وجاء مثل هذا عن ابن مسعود والصلت بن أشيم (٧) وشريح (٨) وابن شبرمة وربيعة. وقال قوم هو الصبر المحمود وهو التسليم للقضاء والرضا به وترك بثه للناس. فأما جزع القلب وحرق القلب ودمع العين فلا يخرج العبد من معاني الصابرين إذا لم يتجاوز به إلى ما لا يجوز له فعله بأن النفوس مجبولة على الجزع من المصائب، وحكي هذا عن جماعة من السلف منهم الحسن. وقال طلحة بن مطرف (٩) : لا تشك مرضك ولا مصيبتك. قال (١٠) وأنبئت أن يعقوب بن إسحاق صلى الله عليهما دخل عليه جار له فقال له : يا يعقوب ما لي أراك قد انهشمت وفنيت ولم تبلغ من العمر ما بلغ أبوك ؟ قال : هشمني وأفناني ما ابتلاني الله تعالى به من فقد يوسف. فأوحى الله تعالى إليه : يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي ؟ قال يا رب : خطيئة فاغفرها. قال : غفرتها لك. فكان بعد ذلك أسيل :﴿قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله﴾ ولما مات سعيد بن أبي الحسن (١١) بكى عليه الحسن حولا. فقيل له : يا أبا سعيد (١٢) تأمرنا بالصبر وتبكي (١٣). قال الحمد لله الذي جعل هذه الرحمة في قلوب المؤمنين يرحم بها بعضهم بعضا، تدمع العين ويحزن القلب وليس ذلك من الجزع إنما الجزع ما كان من اللسان واليد. الحمد لله الذي لم يجعل بكاء يعقوب على يوسف وبالا عليه، وقد بكى عليه حتى ابيضت عيناه من الحزن(١٤). وحكي أنه لم يفارق الحزن قلب يعقوب ثمانين سنة، فما جاء في الآية من أمر يعقوب حجة لمن يرى من يفعل ذلك صابرا.
١ الحديث أخرجه البخاري، عن ابن عمر، في صحيحه، كتاب الجنائز، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنا بك لمحزنون" ٢/ ٨٤. وأحمد في مسنده ٣/ ٢٥٠..
٢ الحديث أخرجه البخاري عن أسامة بن زيد، في صحيحه، كتاب الجنائز، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه" ٢/ ٧٩. وأحمد في مسنده ٥/ ٢٠٤..
٣ الحديث أخرجه ابن ماجه، عن أبي هريرة، في سننه، كتاب الجنائز، باب: ما جاء في البكاء على الميت ١/ ٥٠٦. وأحمد في مسنده ٢/ ٢١٠..
٤ أخرجه مسلم عن عمر بن الخطاب، كتاب الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه ١/ ٦٤١، ٦٤٢..
٥ في (أ)، (ز): "النواح"..
٦ منها ما رواه مسلم عن أبي سلام عن أبي مالك أنه عليه الصلاة والسلام قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة....". راجع صحيح مسلم كتاب الجنائز، باب: التشديد في النياحة ٣/ ٤٥..
٧ الصلت بن أشيم: لم أقف على ترجمته في كتب التراجم التي وقعت بين يدي..
٨ شريح: هو أمية شريح بن الحارث الكندي. عالما وقاضيا، من كبار التابعين. توفي سنة ٨٧هـ/ ٧٢٩م. انظر وفيات الأعيان ١/ ٢٢٤، ٢٢٥..
٩ طلحة بن مطرف: هو طلحة بن مطرف بن عمرو بن كعب بن جحدب بن معاوية بن سعد بن الحارث الهمداني، أبو محمد. ثقة. توفي سنة ١١٢هـ/ ٧٢٧م. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر ٥/ ٢٦..
١٠ "قال": كلمة ساقطة في (أ)، (ز)..
١١ سعيد بن أبي الحسن: واسمه يسار الأنصاري، مولاه البصري. روى عن علي والعباس وأبي هريرة. توفي سنة ١٠٨هـ/ ٧٢٣م. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر ٤/ ١٦..
١٢ أبا سعيد: هو الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد. تابعي. كان إمام أهل البصرة وحبر الأمة في زمانه. اشتدت هيبته على الولاة فكان يأمرهم وينهاهم. توفي سنة ١١٠هـ/ ٧٢٨م. انظر حلية الأولياء للأصبهاني ٢/ ١٣١..
١٣ في (أ)، (ز): "وتشكو"..
١٤ ذكر ذلك ابن سعد في طبقاته ٧/ ١٧٨..
يوسف 12:86
قوله تعالى :﴿وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ( ٨٤ ) قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين ( ٨٥ ) قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله﴾ :
هذه الآية تعطي إباحة البكاء عمن يموت للإنسان. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نص في مواطن على جواز ذلك منها في دفن ابنه إبراهيم، قال :" تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب " (١). ومنها في موت ابن لابنته. قال الراوي فدفع إليه الصبي ونفسه تقعقع كأنها شنة ففاضت عيناه. فقال سعد بن عبادة : يا رسول الله ما هذا ؟ قال :" رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله تعالى من عباده الرحماء " (٢).
ومنها حديث أنس قال : شهدنا بنتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على القبر وعيناه تدمعان وقال عليه الصلاة والسلام لعمر إذا نهى النساء عن البكاء :" دعهن يا عمر فإن النفس مصابة والعين دامعة والعهد قريب " (٣). وكره البكاء من أخذ بظاهر الحديث :" أن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه " (٤) وإليه ذهب عمر وابن عمر. وقد مر الكلام عليه. وهذا الذي ذكرناه هو البكاء دون النوح (٥). فأما مع النوح فلا يجوز باتفاق. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه في غير ما حديث (٦). واختلف العلماء فيمن يستحق اسم الصبر بعد قولهم بجواز البكاء من غير نوح. فقال قوم هو الذي يكون في حال المصيبة مثله قبلها ولا يظهر منه حزن في جارحة ولا لسان. وجاء مثل هذا عن ابن مسعود والصلت بن أشيم (٧) وشريح (٨) وابن شبرمة وربيعة. وقال قوم هو الصبر المحمود وهو التسليم للقضاء والرضا به وترك بثه للناس. فأما جزع القلب وحرق القلب ودمع العين فلا يخرج العبد من معاني الصابرين إذا لم يتجاوز به إلى ما لا يجوز له فعله بأن النفوس مجبولة على الجزع من المصائب، وحكي هذا عن جماعة من السلف منهم الحسن. وقال طلحة بن مطرف (٩) : لا تشك مرضك ولا مصيبتك. قال (١٠) وأنبئت أن يعقوب بن إسحاق صلى الله عليهما دخل عليه جار له فقال له : يا يعقوب ما لي أراك قد انهشمت وفنيت ولم تبلغ من العمر ما بلغ أبوك ؟ قال : هشمني وأفناني ما ابتلاني الله تعالى به من فقد يوسف. فأوحى الله تعالى إليه : يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي ؟ قال يا رب : خطيئة فاغفرها. قال : غفرتها لك. فكان بعد ذلك أسيل :﴿قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله﴾ ولما مات سعيد بن أبي الحسن (١١) بكى عليه الحسن حولا. فقيل له : يا أبا سعيد (١٢) تأمرنا بالصبر وتبكي (١٣). قال الحمد لله الذي جعل هذه الرحمة في قلوب المؤمنين يرحم بها بعضهم بعضا، تدمع العين ويحزن القلب وليس ذلك من الجزع إنما الجزع ما كان من اللسان واليد. الحمد لله الذي لم يجعل بكاء يعقوب على يوسف وبالا عليه، وقد بكى عليه حتى ابيضت عيناه من الحزن(١٤). وحكي أنه لم يفارق الحزن قلب يعقوب ثمانين سنة، فما جاء في الآية من أمر يعقوب حجة لمن يرى من يفعل ذلك صابرا.
١ الحديث أخرجه البخاري، عن ابن عمر، في صحيحه، كتاب الجنائز، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنا بك لمحزنون" ٢/ ٨٤. وأحمد في مسنده ٣/ ٢٥٠..
٢ الحديث أخرجه البخاري عن أسامة بن زيد، في صحيحه، كتاب الجنائز، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه" ٢/ ٧٩. وأحمد في مسنده ٥/ ٢٠٤..
٣ الحديث أخرجه ابن ماجه، عن أبي هريرة، في سننه، كتاب الجنائز، باب: ما جاء في البكاء على الميت ١/ ٥٠٦. وأحمد في مسنده ٢/ ٢١٠..
٤ أخرجه مسلم عن عمر بن الخطاب، كتاب الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه ١/ ٦٤١، ٦٤٢..
٥ في (أ)، (ز): "النواح"..
٦ منها ما رواه مسلم عن أبي سلام عن أبي مالك أنه عليه الصلاة والسلام قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة....". راجع صحيح مسلم كتاب الجنائز، باب: التشديد في النياحة ٣/ ٤٥..
٧ الصلت بن أشيم: لم أقف على ترجمته في كتب التراجم التي وقعت بين يدي..
٨ شريح: هو أمية شريح بن الحارث الكندي. عالما وقاضيا، من كبار التابعين. توفي سنة ٨٧هـ/ ٧٢٩م. انظر وفيات الأعيان ١/ ٢٢٤، ٢٢٥..
٩ طلحة بن مطرف: هو طلحة بن مطرف بن عمرو بن كعب بن جحدب بن معاوية بن سعد بن الحارث الهمداني، أبو محمد. ثقة. توفي سنة ١١٢هـ/ ٧٢٧م. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر ٥/ ٢٦..
١٠ "قال": كلمة ساقطة في (أ)، (ز)..
١١ سعيد بن أبي الحسن: واسمه يسار الأنصاري، مولاه البصري. روى عن علي والعباس وأبي هريرة. توفي سنة ١٠٨هـ/ ٧٢٣م. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر ٤/ ١٦..
١٢ أبا سعيد: هو الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد. تابعي. كان إمام أهل البصرة وحبر الأمة في زمانه. اشتدت هيبته على الولاة فكان يأمرهم وينهاهم. توفي سنة ١١٠هـ/ ٧٢٨م. انظر حلية الأولياء للأصبهاني ٢/ ١٣١..
١٣ في (أ)، (ز): "وتشكو"..
١٤ ذكر ذلك ابن سعد في طبقاته ٧/ ١٧٨..
يوسف 12:88
قوله تعالى :﴿قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين﴾ :
قوله :﴿مسنا وأهلنا الضر﴾ يتخرج منه شكوى المسبغة والحاجة لمن يرجى أن يكون سببا لكشفها لأن الله تعالى لم يعاقبهم على شكواهم تلك. وقوله :﴿فأوف لنا الكيل﴾ دليل على أن الكيل إنما هو على البائع (١). وقد اختلف في ذلك قول مالك، ففي قوله القديم أن على المبتاع الكيل. وعنه بعد ذلك أن الكيل على البائع، وهو الصحيح. لأن عليه أن يوفي ما باع ويبرزه عن ملكه بالوزن. واحتج مالك لهذا القول بهذه الآية :﴿فأوف لنا الكيل﴾. وكذلك الوزان والعداد والمزرع.
وقوله تعالى :﴿وتصدق علينا﴾ اختلف فيه : فقيل كانت الصدقة غير محرمة على أولئك الأنبياء وإنما حرمت على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عيينة (٢). وقيل بل كانت محرمة على جميع الأنبياء، واحتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام : " إنا معشر الأنبياء لا تحل لنا الصدقة " (٣)، وقالوا في الآية إن قولهم :﴿وتصدق علينا﴾ تجوزا واستعطافا منهم في المبالغة كما تقول لمن تساومه في ثمن سلعة : هبني من ثمنها جزء ونحو ذلك. فلم تقصد أن يهبك وإنما حسست له الانفعال حتى يرجع إلى غرضك. وقيل المعنى في ذلك وتصدق علينا بصرف أخينا إلى أبيه (٤). وقيل فيه غير هذا من التأويلات (٥).
وقوله تعالى :﴿إن الله يجزي المتصدقين﴾ :
قال بعض المفسرين : قيل هي من المعاريض (٦) التي هي مندوحة عن الكذب وذلك أنهم كانوا (٧) يعتقدونه (٨) كافرا على غير دينهم ولو قالوا له (٩) إن الله تعالى يجزيك بصدقتك في الآخرة كذبوا، فقالوا له لفظا يوهمه (١٠) أنهم أرادوه له (١١) وهم يصح لهم إخراجه بالتأويل(١٢). وهذا الذي ذكرناه حجة لمن يرى المعاريض. وقد تقدم الكلام على هذا الفصل مستوفيا. وفي هذه الآية عندي إباحة سؤال الكافر ومبايعته وإحسان القول إليه إذا خيف منه.
١ في غير (ب)، (هـ): "للبائع"..
٢ ونسبه القرطبي إلى مجاهد. راجع الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٣٥٤..
٣ نسبه القرطبي إلى سعيد بن جبير والسدي والحسن. راجع م. س. ، ن. ص. والحديث ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن..
٤ "إلى أبيه" ساقط في (أ). والقول نسبه القرطبي إلى ابن جريج. راجع الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٢٥٤..
٥ وقال ابن شجرة: تصدق علينا: تجوز عنا، واستشهد بقول الشاعر:
تصدق علينا يا ابن عفان واحتسب وأمر علينا الأشعري لياليا
راجع م. س. ، ن. ص..
٦ في (هـ): "المعارض"..
٧ "كانوا" كلمة ساقطة في (ز)..
٨ في (ح): "يعتقدون"..
٩ "له" ساقط في (ب)، (ج)، (ح)، (د)..
١٠ في (ج)، (ح): "يوهمونه"..
١١ "له" ساقط في (ح)..
١٢ نسبه ابن عطية إلى النقاش. راجع المحرر الوجيز ٩/ ٣٦٦..
يوسف 12:101
قوله تعالى :﴿توفني مسلما وألحقني بالصالحين﴾ :
اختلف هل في هذه الآية تمني الموت أم لا ؟ فذهب قوم إلى أنه ليس فيها تمني موت (١) وأن معناها توفني مسلما وألحقني بالصالحين (٢) متى توفيتني. فالآية على هذا محكمة بلا خلاف (٣). وقيل فيها تمني الموت. قال ابن عباس : لم يتمن الموت نبي قط غير يوسف (٤). والذين ذهبوا إلى هذا اختلفوا هل الآية منسوخة أم محكمة ؟ فذهب جماعة إلى أن حكمها باق (٥) وأن يوسف تمنى الموت تشوقا إلى ربه، قالوا وهذا جائز أن يتمنى الإنسان الموت إما تشوقا وإما خوفا على دينه، فأما لضر نزل به فلا. وذهب قوم إلى أنه منسوخ بقوله عليه الصلاة والسلام : " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به " (٦) وهذا ضعيف لأن خبر الآحاد لا ينسخ به(٧) القرآن. وأيضا فإن في الحديث لضر نزل به، وليس في الآية ضر نزل بيوسف عليه السلام. فإن أرادوا أن الآية محمولة على ذلك وأن الحديث نسخها فهذا تحكم ظاهر الفساد. وإن أرادوا أن تمني الموت لا يجوز عمله على أي حال كان، وإن إباحته منسوخة بالحديث فليس كذلك (٨) لأنه قد قيد في الحديث ولم يقيد في الآية. فتحمل الآية على ما يصح ويحمل الحديث في الذي جاء فيه، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض دعائه : " وإذا أردت بالناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون " (٩) وقال عليه الصلاة والسلام : " يأتي على الناس زمان يمر فيه الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه ليس به الدين ولكن ما يرى من البلاء والفتن " (١٠). فقوله ليس به الدين يدل على إباحة ذلك، أن لو كان على الدين وقد دعا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بالموت فقال : اللهم قد رق عظمي وانتشرت رعيتي فتوفني غير مقصر ولا عاجز (١١) وقد دعا به علي بن أبي طالب وعمر بن عبد العزيز. فهذا كله دليل على إباحة الدعاء بالموت إذا لم يكن لضر نزل. والضر الذي ينزل يراد به ضر الدنيا كالفقر والمرض ونحو ذلك. وكل ما ذكرناه في هذه السورة فإنما يصح على قول من يرى شريعة من قبلنا لازمة لنا ما لم يرد ناسخ(١٢).
١ في (أ)، (ز): "النور"..
٢ "وألحقني بالصالحين" كلام ساقط في (أ)، (ب)، (د)، (ز)..
٣ نسب ابن عطية هذا القول إلى المهدوي. راجع المحرر الوجيز ٩/ ٣٨٢..
٤ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٩/ ٣٨٢..
٥ في (أ)، (ز): "أنها محكمة وحكمها باق"..
٦ راجع الحديث في فتح الباري لابن حجر. كتاب الدعوات ١١/ ١٢٦..
٧ "به" ساقط في (أ)، (ز)..
٨ في (ح) زيادة "الآية"..
٩ الحديث رواه مالك في الموطأ، كتاب الصلاة، باب: العمل في الدعاء ١/ ١٤٤..
١٠ الحديث رواه مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني كنت مكانه". راجع الموطأ، كتاب الجنائز، باب: جامع الجنائز ١/ ١٥٩..
١١ الأثر: أخرجه الحاكم، وذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء ص ١٢٤. وأخرجه الإمام مالك في الموطأ، كتاب الحدود، باب: ما جاء في الرجل ٢/ ١٨٠..
١٢ "ما لم يرد ناسخ" كلام ساقط في غير (ح).
راجع نحو ذلك في الإيضاح ص ٢٨٣، وفي المحرر الوجيز ٩/ ٣٨٢ – ٣٨٤..
الرعد 13:8
قوله تعالى :﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار ( ٨ )﴾ :
قوله تعالى :﴿وما تغيض﴾ معناه وما تنقص، وذلك أنه من معنى قوله :﴿وغيض الماء﴾ [هود: ٤٤] وهو بمعنى النضوب وهو هنا (١) بمعنى زوال شيء عن الرحم. ثم اختلف المفسرون في هذه الزيادة والنقصان. فقيل غيض الرحم إراقتها الدم على الحمل. وإذا كان ذلك ضعف الولد في البطن وشحب، فإذا بلغت الحامل تسعة أشهر لم تضع ويبقى الولد في بطنها زيادة من الزمان يكمل فيها من جسمه وصحته ما نقص بإراقة الدم. وهذا هو معنى قوله :﴿وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ قاله مجاهد. وقيل غيضه نضوب الدم منه وإمساكه بعد عادة إرساله بالحيض، فيكون قوله تعالى :﴿وما تزداد﴾ بعد ذلك جاريا مجرى تغيض على غير مقابله (٢). بل غيض الرحم هو بمعنى الزيادة فيه. وقيل غيض الرحم إسقاطها الولد والزيادة أن تضعه كاملا في مدة كاملة، وهو قول الضحاك. وقيل غيض الرحم ما يسقط قبل التسعة وما تزداد ما تضع بعد التسعة (٣)
ففي هذه الآية تفسير على دليل مجاهد أن الحامل تحيض، وهي مسألة اختلف فيها. فذهب مالك والشافعي إلى أنها قد(٤) تحيض على الحمل، فما تراه المرأة من الدم وهي حامل فهو حيض. وقال عطاء والشعبي (٥) وغيرهما (٦) إنها لا تحيض، وما تراه الحامل من الدم فليس بحيض (٧). قالوا ولو كان حيضا لما صح استبراء الأمة بحيضة (٨) وهو إجماع (٩). وحجة القول الأول الآية. وقد روي عن مالك ما يدل أن الحامل لا تحيض. وفي الآية أيضا دليل على أن الحمل قد يوضع لأقل من تسعة أشهر ولأكثر، إلا أنهم أجمعوا على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وانتزعوا ذلك من قوله تعالى :﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرا﴾ [الأحقاف: ١٥] مع قوله :﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ [البقرة: ٢٣٣].
واختلفوا في أكثره، فقال ابن عبد الحكم أكثره تسعة (١٠) وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري وغيرهم : أكثره حولان (١١). وقال قوم أكثره ثلاثة أعوام، وإليه ذهب الليث بن سعد.
وقال الشافعي – وهو ظاهر قول مالك في غير موضع – أكثره أربعة أعوام. وقال ابن القاسم أكثره خمسة أعوام، وروي عن مالك. وقال مالك في رواية أشهب عنه : أكثره سبعة أعوام وأن ابن عجلان ولدت امرأته لسبعة أعوام (١٢). وحجة هذا القول الآية على (١٣) ما قدمناه. وروي أن (١٤) الضحاك بن مزاحم بقي حولين في بطن أمه، قال : ولدت وقد نبتت ثناياي. وروي أن عبد الملك بن مروان (١٥) ولد لستة أشهر. وذكر أن مالكا وضعته أمه لسنتين وقيل لثلاث سنين.
١ "هنا" كلمة ساقطة في (ب)، (ح)..
٢ في (أ)، (ز): "معاملة"..
٣ نسبه ابن عطية إلى قتادة. راجع المحرر الوجيز ١٠/ ١٧..
٤ "قد" ساقط في (ح)..
٥ في (ح): "والشافعي" والصواب ما أثبتناه..
٦ وأبو حنيفة. ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٢٨٦..
٧ قال الكيا الهراسي: وقال آخرون المراد به السقط فإنه من غيض الأرحام حقيقة. راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٣٥..
٨ في(ح): "بحيض"..
٩ نسبه القرطبي إلى ابن القصار. راجع الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٢٨٦..
١٠ "واختلفوا في أكثره. فقال ابن عبد الحكم أكثره تسعة" كلام ساقط في (ح). نسب القرطبي هذا القول إلى داود قال: ومحمد بن عبد الحكم يقول سنة لا أكثر، وداود يقول تسعة أشهر. راجع الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٢٨٧..
١١ كذلك روي عن عائشة أنها قالت: لا تزيد المرأة في حملها على سنتين قدر ظل المغزل. وفي رواية أخرى: لا يكون الحمل أكثر من سنتين. نقل ذلك القرطبي عن الدارقطني. راجع الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٢٨٧..
١٢ قال القرطبي عن ابن مجاهد قال: مشهور عندنا كانت امرأة محمد بن عجلان تحمل وتضع في أربع سنين وكانت تسمى حاملة الفيل. راجع الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٢٨٧..
١٣ "على" ساقط في (هـ)..
١٤ "أن" ساقط في (ح)..
١٥ عبد الملك بن مروان: هو أبو الوليد، عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي. نشأ في المدينة كان فقيها واسع العلم. استعمله معاوية على المدينة وهو ابن ستة عشر سنة. انتقلت إليه الخلافة بموت أبيه سنة ٦٥هـ/ ٦٨٥م وهو أول من صك الدنانير في الإسلام. توفي في دمشق ٨٦هـ/ ٧٠٥م. انظر أسد الغابة لابن الأثير ٤/ ١٩٨..
إبراهيم 14:22
قوله تعالى :﴿وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم﴾ :
أقام بعض الناس من هذا الموضع إبطال القول بالتقليد جملة(١) وهو مذهب حذاق الأصوليين خلافا للحشوية والتعلمية الذين ذهبوا إلى أن (٢) طريق معرفة الحق التقليد، وأن ذلك هو الواجب وأن النظر والبحث حرام.
وهو انتزاع حسن لأنهم اتبعوا الشيطان بمجرد دعواهم ولم يطلبوا منه برهانا. فحكى الله تعالى قول الشيطان تقبيحا لذلك الفعل منهم وإجابتهم بغير أسبابه، فدل هذا أنه لا يقلد أحد بمجرد دعواه.
١ قال ابن عطية: وفي هذه المقالة ضعف على احتمالها. والتقليد وإن كان باطنا ففساده من غير هذا الموضع. راجع المحرر الوجيز ١٠/ ٧٨..
٢ "أن" ساقط في (أ)..
إبراهيم 14:25
قوله تعالى :﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ :
اختلف المفسرون في الحين كم هو في هذه الآية. فقال ابن عباس وعكرمة وغيرهما (١) سنة. وقال الحسن – وروي عن ابن عباس وعكرمة أيضا – ستة أشهر. وقال ابن المسيب شهران، وقال الضحاك وغيره عن ابن عباس : كل حين أي غدوة وعشية ومتى أريد جناها. فمن راعى أن ثمر (٢) النخلة وجناها إنما يأتي على كل سنة قال بالقول الأول. ومن راعى وقت جذاذ النخل إلى حملها في الوقت المقبل قال بالقول الثاني. ومن راعى مدة في الجني في النخل قال بالقول الثالث. وأما القول الرابع فضعيف لأن الشجرة ليست أبدا تأتي أكلها غدوة وعشيا، ومتى أريد جناها. وبحسب الاختلاف في مقدار الحين هنا اختلف فيمن حلف أن لا يكلم فلانا حينا. فذهب مالك وجماعة غيره إلى أنه لا يكلمه سنة، واحتجوا بالآية. وذهب قوم إلى أنه لا يكلمه ستة أشهر وتأولوا الآية على مذهبهم وهو قول أبي حنيفة (٣)، وذكر أنه قاله اتباعا لعكرمة. وقال قوم لا يكلمه شهرين. وتأولوها أيضا على مذهبهم. ويأتي على المذهب الرابع في تفسير الآية قول رابع وهو (٤) أن لا يكلمه يوما واحدا. وحكي عن سعيد بن المسيب أنه بلغه قول عكرمة في الحين أنه ستة أشهر، فقال انتقرها عكرمة. فقيل إنه يحتمل المدح والذم. فعلى المدح يكون استخرجها واستنبط (٥) علمها من كتاب الله عز وجل، وأصلها من النقر، وهو البحث عن الشيء. والانتقار أيضا بمعنى الاختصاص. قال طرفة (٦) : ألا ترى الأديب فينا ينتقر. فكأنها (٧) على هذا التأويل اختص بها عكرمة وتفرد بعلمها، وما أشبه ذلك من الكلام. وعلى الذم يكون المعنى أفتى بها من قبل (٨) نفسه واختص بقول فيها لم يتابع عليه أو نحو هذا من الكلام. وأصل الحين في لغة العرب المدة من الزمن (٩) غير معلومة. إلا أنه قد ينضاف (١٠) إليها من الكلام ما يدل على تحديها كهذه الآية ونحوها. وقد قيل إن الحين الساعة ومنه قول النابغة(١١) : تطلقه حينا وحينا تراجع. والحين أيضا أربعون سنة. وأما الشافعي فرأى الحين لفظا مجملا لم يوضع لمعنى معين. وقال تعالى :﴿ليسجننه حتى حين﴾ [يوسف: ٣٥] وعنى به ثلاثة عشرة سنة. وقال تعالى :﴿ولتعلمن نبأه بعد حين ( ٨٨ )﴾ [ص: ٨٨] يعني يوم القيامة (١٢).
١ ومجاهد والحكم وحماد. راجع ذلك في المحرر الوجيز ١٠/ ٨٢..
٢ في (أ)، (ز): "أن تمر"..
٣ قال الكيا الهراسي: والذي ذكره أبو حنيفة من تقييد الحين في الحلف بستة أشهر اتباعا لعكرمة تحكم وتخصيصه بإدراك النخل لا مأخذ له فلا معنى لاعتباره. راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٣٨..
٤ في (ح): "وهي"..
٥ "استخرجها واستنبط" بياض في (ب)..
٦ طرفة: هو طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد البكري الوائلي، أبو عمرو. شاعر جاهلي من الطبقة الأولى ولد في بادية البحرين. اتصل بالملك عمرو بن هند فجعله من ندمائه. مات مقتولا سنة ٦٠ ق. هـ. / ٥٦٤م. انظر شرح الشواهد ص ٢٧٢..
٧ في (أ)، (ز): "فكأنه"..
٨ في (ح): "من فيه"..
٩ في غير (أ)، (ز): "الزمان"..
١٠ في (أ)، (ز): "يضاف"..
١١ النابغة: هو أبو أمامة، زياد بن معاوية بن ضباب الذبياني الغطفاني المضري. شاعر جاهلي من الطبقة الأولى، من أهل الحجاز وهو أحد الأشراف في الجاهلية. كان خطيبا عند النعمان بن المنذر. توفي نحو ١٨ قبل الهجرة / ٦٠٤ م. انظر الأعلام ٣/ ٥٤..
١٢ راجع مختلف هذه الأقوال في أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٣٧، المحرر الوجيز ١٠/ ٨٣..
إبراهيم 14:31
قوله تعالى :﴿قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة﴾ إلى قوله :﴿وعلانية﴾ :
قد مر الكلام على معاني هذه الآية في غير ما موضع. والله الموفق لا رب غيره (١).
١ في غير (ج): "لا رب سواه"..
الحجر 15:3
قوله تعالى :﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون ( ٣ )﴾ :
هذه الآية فيها وعيد وتهديد ومهادنة ما (١)، فهي منسوخة بآية السيف (٢). وفي هذه الآية جاء حديث الرافضين الذي في صدر الأمالي ومقتضاه أنه ارتد ونسي القرآن إلا هذه الآية.
١ "ما" ساقط في (أ)، (د)، (ز)..
٢ وهي قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم....﴾ [التوبة: ٥]..
الحجر 15:72
قوله تعالى :﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ( ٧٢ )﴾ :
في هذه الآية شرف للنبي صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى أقسم بحياته ولم يفعل ذلك مع أحد سواه، قاله ابن عباس. واختلف في لعمري ولعمرك هل هي يمين يلزم من حلف بها أن يكفر أم ليست بيمين ولا يلزم الحالف بها كفارة. والجمهور على أنها ليست بيمين ولا كفارة فيها (١). وقال الحسن البصري هي يمين يلزم الحانث بها الكفارة ومن حجته هذه الآية لأن الله تعالى قد أقسم بها. قال ابن حبيب ينبغي أن يصرف لعمرك في الكلام اقتداء بهذه الآية. وهذا من ابن حبيب جنوح إلى قول الحسن. وكذلك اختلف في لعمر الله هل يجوز أن يقسم بها وهل فيها كفارة على من حلف فيها أم لا على قولين في المذهب، والأشهر الجواز وأن فيها الكفارة لأن العمر البقاء والحياة، وبذلك فسرت هذه الآية. والبقاء والحياة صفتان (٢) من صفات الله تعالى فيجوز القسم بها. وقد كره قوم الحلف بغير الله. قال أبو الحسن : وقد ورد فيه خبر وإن لم يقو إسناده، وكرهوا أيضا أن يقول : وحق الكعبة، وحق الرسل (٣).
١ من قوله: "أن يكفر.... إلى: ولا كفارة فيها" ساقط في (ح)..
٢ في غير (ج)، (ح): "صفة"..
٣ راجع القول في أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٣٩..
الحجر 15:85
قوله تعالى :﴿فاصفح الصفح الجميل﴾ :
وهذه الآية تقتضي مهادنة ونسختها آية السيف. قاله قتادة.
الحجر 15:94
قوله تعالى :﴿وأعرض عن المشركين﴾ :
هذه الآية أيضا تقتضي مهادنة. والناسخ لها آية السيف. قاله ابن عباس.
النحل 16:5
قوله تعالى :﴿والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ( ٥ )﴾ إلى قوله :﴿ويخلق ما لا تعلمون﴾ :
الأنعام : الإبل والبقر والغنم. والدفء : السخانة بالأكسية التي تعمل منها ونحوها. وقيل الدفء النسل (١) وقال الحسن الدفء ما استدفئ به من أصوافها وأوبارها وأشعارها. واستدل به قوم على جواز الانتفاع بها في حالتي حياة الحيوان وموته. وقال بعضهم ليس هذا الاستدلال بصحيح لأن الله تعالى قرن (٢) ذلك مع الأكل من الأنعام. فقال :﴿ومنها تأكلون﴾ فدل ذلك على إباحة هذه الثلاثة الأشياء بشرط الذكاة (٣). والأثقال الأمتعة. وقيل المراد بها (٤) هنا الأجسام كقوله تعالى :﴿وأخرجت الأرض أثقالها ( ٢ )﴾ [الزلزلة: ٢] أي أجساد بني آدم (٥).
وقوله :﴿إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس...﴾ الآية. إلى بلد توجبهم إليه بحسب اختلاف أغراض الناس. وقيل المراد مكة، قاله ابن عباس وغيره (٦). وفي الآية على هذا حض على الحج. وقد اختلف في ركوب البقر. وفي الآية دليل على جوازه لقوله تعالى :﴿وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس﴾ [النحل: ٧] فعم الأنعام كلها. وأما الحمل عليها دون الركوب فلا أعرف في جوازه خلافا.
وقوله :﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ [النحل: ٨] لا خلاف في جواز (٧) ركوب هذه ما لم تكن جلالة. واختلف في الجلالة منها هل يجوز ركوبها أم لا ؟ وعموم الآية دليل على جوازه. وكذلك اختلف في ركوب الجلالة من الإبل، وعموم الآية أيضا دليل على جوازه. وتخصيصه تعالى الخيل والبغال والحمير بالركوب دليل على أنه لا يجوز أكلها، وهذا الذي يسميه الأصوليون دليل الخطاب، وبينهم في القول به خلاف وعلى ذلك اختلفوا في أكلها على ثلاثة أقوال : المنع والكراهة – والقولان في المذهب – والجواز، وبالتحريم قال أصحاب أبي حنيفة، واحتج بعضهم بالآية وزعم أن فيها دلالة على ذلك. وبالجواز قال أصحاب الشافعي وأنكروا دلالة الآية، وقالوا إنما لم يذكر الله تعالى الأكل منها كما ذكره في الأنعام لأنها لا تعد لذلك عرفا وإنما تؤكل إذا أصابتها زمانة (٨). واختلف في ركوب (٩) الإبل (١٠)، والجمهور على إباحته وحجتهم عموم الآية (١١).
١ قال ابن عطية: وذكر النحاس عن الأموي أنه قال: الدفء في لغة بعضهم تناسل الإبل. راجع المحرر الوجيز ١٠/ ١٦١. ونسبه القرطبي إلى ابن عباس. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ١٦١. ونسبه القرطبي إلى ابن عباس. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٦٩..
٢ في (ح): "قرب"..
٣ ذكر ذلك الكيا الهراسي في أحكام القرآن ٤/ ٢٤١..
٤ في (ح)، (و)، (ز): "به"..
٥ قال ابن عطية واللفظ يحتمل المعنيين، قال النقاش: ومنه سيئ الإنس والجن الثقلين. راجع المحرر الوجيز ١٠/ ١٦٢..
٦ وعكرمة والربيع بن أنس. قاله ابن عطية. راجع م. س. ، ن. ص..
٧ "جواز" كلمة ساقطة في (أ)، (ز)..
٨ ذكر كل ذلك الكيا الهراسي في أحكام القرآن ٤/ ٢٤٢، وكذلك القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٧٦، ٧٧..
٩ في (و): "أكل"..
١٠ في (أ)، (ز): "الأبان"..
١١ من قوله: "واختلف... إلى: الآية" ساقط في (د)..
النحل 16:14
قوله تعالى :﴿وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا﴾ إلى قوله :﴿ولعلكم تشكرون﴾ :
وقد مر الكلام (١) على جميع أحكام هذه الآية إلا قوله تعالى :﴿وتستخرجوا منه حلية تلبسونها﴾. يريد بالحلية الجوهر والمرجان والصدف والصوف (٢) البحري ونحو ذلك مما يخرج من البحر، فأباح لباسها. وقد اتفق أهل العلم على إباحة التحلي بالجوهر للنساء بدليل هذه الآية لأنه تعالى قال :﴿تلبسونها﴾ فأباح لباسها، والجوهر من جملة ذلك، ودليل آخر غير الآية. واختلفوا في إباحة ذلك للرجال بالآية يستدل على إباحته. وقد احتج بهذه الآية أبو يوسف ومحمد والشافعي فيمن (٣) حلف لا يلبس حليا فلبس لؤلؤا فإنه يحنث بتسمية الله تعالى إياها حليا. وأبو حنيفة لا يرى ذلك لأن الحلي إذا أطلق لا يفهم منه (٤) في المتعارف (٥) اللؤلؤ. وذلك مكابرة منه.
١ "الكلام" كلمة ساقطة في (ح)..
٢ "والصوف" كلمة ساقطة في (أ)، (ز)..
٣ في (أ)، (ز): "على أن من"..
٤ "منه" ساقط في (ب)..
٥ في (ج): "في العرف"..
النحل 16:16
قوله تعالى :﴿وعلامات وبالنجم هم يهتدون ( ١٦ )﴾ :
في هذه الآية دليل على جواز الاهتداء بالنجوم في الطرق والأوقات حتى عول الناس على ذلك في التسحير احتياطا للصوم، وإن كان الله تعالى لم يكلفنا إلا بالشيء البين الذي يشترك في معرفته (١) العامة والخاصة وهو تبين الفجر لكن الناس احتاطوا لخوفهم أن يؤكل في النهار فرأوا إمساك جزء من الليل أولى من أن يؤكل جزء من النهار وعولوا في الاحتياط لذلك على المنازل. وقد اختلف العلماء هل هذا الإمساك قبل الفجر واجب أم لا ؟ وقوله :﴿وبالنجم هم يهتدون﴾ يقع على الكواكب والشمس والقمر، وقد صرح الشرع بوجوب الاهتداء بالهلال في أمر الشهور. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الهلال : " فإن غم عليكم فأقدروا له " (٢) فاختلف العلماء في تخريج قوله : فأقدروا له. فقيل معناه أن يكمل عدد الشمس ثلاثين. واحتج من ذهب إليه بالحديث الذي جاء مفسرا في ذلك (٣) وقيل معناه أن ينظر إذا غم القمر ليلة الشك إلى سقوطه من الليلة الثانية، فإن سقط بمنزلة (٤) واحدة، وهي ستة أسباع ساعة علم أنه من تلك الليلة. وإن غاب لمنزلتين وهما ساعة وخمسة أسباع ساعة علم أنه من الليلة الماضية فيقضي صوم ذلك اليوم. وإلى هذا ذهب الطحاوي. قال ولكن هذا منسوخ لقوله صلى الله عليه وسلم : " فإن غم عليكم فأكملوا المدة ثلاثين " (٥). وقيل معناه أن ننظر إلى ما قبل الشهر الذي غم الهلال عنده آخره من الشهور. فإن كان توالي شهران أو ثلاثة كاملة عمل على أن هذا الشهر ناقص فأصبح الناس صياما. وإن كانت توالت ناقصة عمل على أن هذا الشهر كامل وأصبح الناس مفطرين إذ لا يتمادى أربعة أشهر ناقصة ولا كاملة على ما علم بما أجرى الله به (٦) من العادة، ولا ثلاثة أيضا ناقصة ولا كاملة إلا في النادر. وإن لم يتوال قبل الشهر الذي غم الهلال في آخره شهران فأكثر ناقصة ولا كاملة احتمل أن يكون الشهر ناقصا، وأن يكون كاملا احتمالا واحدا فوجب أن يكون عدده ثلاثين يوما كما جاء في الحديث الآخر. وهذا في الصوم. فأما الفطر فإذا غم هلال شوال فلا يفطر بالتقليد الذي يغلب على الظن فيه أن رمضان ناقص. وقيل معناه أنه إذا مر لشعبان تسعة وعشرون يوما نظر (٧)، فإن رؤي الهلال فذلك، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قترة أصبح ناظره مفطرا. وإن حال دون منظره سحاب وقترة أصبح صائما ثم لا يفطر إلا مع الناس، وهو (٨) قول ابن عمر. وقيل – وهو قول مطرف بن الشخير وأحد قولي الشافعي – معناه إذا التبس الهلال حسب له بحساب المنجمين، واحتج من ذهب إلى هذا بهذه الآية :﴿وبالنجم هم يهتدون﴾. ورد(٩) الجمهور هذا القول وتأولوا الآية على أن المراد بها الاهتداء في الطرق في البر والبحر، وقالوا أيضا لو كان التكليف يتوقف على حساب التنجيم لضاق الأمر فيه إذ لا يعرف ذلك إلا قليل من الناس، والشرع مبني على ما يعلمه الجماهير. وأيضا فإن الأقاليم على مذاهبهم مختلفة، ويصح أن يرى في إقليم دون إقليم فيؤدي ذلك إلى اختلاف الصوم عند أهلها ولا يلزم قوما ما يثبت عند قوم (١٠).
١ في (هـ): "يشترك فيه العامة"..
٢ روى الإمام مالك عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأقدروا له". الموطأ، كتاب الصيام، باب: ما جاء في رؤية الهلال للصوم والفطر في رمضان ١/ ١٩١..
٣ وهو قوله عليه الصلاة والسلام: "لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا المدة ثلاثين" انظر م. س. ، ن. ص..
٤ في (أ)، (ز) زيادة: "ليلة"..
٥ ذكره مالك عن عبد الله بن عمر في الموطأ، كتاب الصيام، باب: ما جاء في رؤية الهلال للصوم والفطر في رمضان ١/ ١٩١..
٦ "به" ساقط في (د)، (هـ)..
٧ في (أ): "فانظر"..
٨ في (ح): "وهي"..
٩ في (أ)، (ز): "ورأى"..
١٠ راجع المنتقى للباجي، كتاب الصيام، باب: ما جاء في رؤية الهلال للصوم والفطر في رمضان ٢/ ٣٥ – ٤٠..
النحل 16:67
قوله تعالى :﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا...﴾، إلى قوله تعالى :﴿إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون﴾.
اختلف في السكر، ما هو ؟ فقيل، هو : ما يسكر (١). واختلف الذين ذهبوا إلى هذا، هل الآية محكمة أو منسوخة ؟ فذهب جماعة إلى أنها منسوخة، وإنما اقتضت تحليل الخمر، فنسخت بآية المائدة في تحريم الخمر (٢). وذهب جماعة إلى أنها محكمة، وأن الآية لا تعطي تحليل السكر، وإنما تعطي أنهم يتخذون منها ذلك، على أنه حلال لهم (٣). وقيل : السكر ما يطعم، ورجح الطبري هذا القول. وقيل : السكر ما سد الجوع. وقيل : السكر المائع من هاتين الشجرتين، كالخل والرف والنبيذ، وهو قول مجاهد، والشعبي أيضا. والآية على هذه الأقوال الثلاثة، محكمة بلا خلاف. واختلف في الرزق الحسن، ما هو ؟ فقال : من زعم أن السكر الخمر، هو جميع ما يشرب ويؤكل حلالا من هاتين الشجرتين، وهو قول ابن عباس، وابن جبير، وإبراهيم، والشعبي أيضا. وقال من ذهب إلى أن السكر المائع كما ذكرنا، هو : العنب والتمر. ولا اختلاف في أن الخمر إذا تخللت من ذاتها أنها تؤكل. واختلف هل يجوز تخميرها أم لا على ثلاثة أقوال : المنع، والجواز، والفرق بين أن يقتني الخمر فيخلل أو يتخمر عصير لم يقصد به الخمر فيخلل. فلا يجوز الأول، ويجوز الثاني. والدليل لمن أجاز التخليل، قوله تعالى :﴿تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا﴾، على قول من فسر السكر، أو الرزق الحسن ؛ لأنه الخل ونحوه. وإذا قلنا بالمنع من تخليلها، فتخللت، ففي جواز أكلها ثلاثة أقوال : المنع، والجواز، والفرق بين ما وضعت للخمر وبين ما لم توضع له، والفرق في هذا، قول سحنون. والقولان الآخران لمالك. والدليل للجواز : ما قدمناه من أن الآية أيضا على التفسير المذكور ؛ لأنه إذا جعلنا السكر : الخل ونحوه من المائع (٤)، والرزق الحسن : جميع ما يؤكل ويشرب من الشجرتين المذكورتين. فإطلاق لفظ الاتخاذ على ذلك، يدل على جواز التخليل، والأكل بعد التخليل، من غير تفصيل.
١ نسبه ابن عطية إلى ابن عباس. راجع المحرر الوجيز ١٠/ ٢٠٥. وقال القرطبي: السكر ما يسكر، هذا هو المشهور في اللغة. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ١٢٨..
٢ وهي قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠]. وقد رجح هذا الرأي ابن العربي. قال القرطبي: قال ابن العربي: والصحيح أن ذلك كان قبل تحريم الخمر فتكون منسوخة فإن هذه الآية مكية باتفاق من العلماء وتحريم الخمر مدني. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ١٢٨..
٣ قال القرطبي: وتكون الآية محكمة وهو حسن. راجع م. س. ، ن. ص..
٤ في (ج)، (ح): "من المائعات"..
النحل 16:68
قوله تعالى :﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا...﴾، إلى قوله تعالى :﴿إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون﴾.
اختلف في السكر، ما هو ؟ فقيل، هو : ما يسكر (١). واختلف الذين ذهبوا إلى هذا، هل الآية محكمة أو منسوخة ؟ فذهب جماعة إلى أنها منسوخة، وإنما اقتضت تحليل الخمر، فنسخت بآية المائدة في تحريم الخمر (٢). وذهب جماعة إلى أنها محكمة، وأن الآية لا تعطي تحليل السكر، وإنما تعطي أنهم يتخذون منها ذلك، على أنه حلال لهم (٣). وقيل : السكر ما يطعم، ورجح الطبري هذا القول. وقيل : السكر ما سد الجوع. وقيل : السكر المائع من هاتين الشجرتين، كالخل والرف والنبيذ، وهو قول مجاهد، والشعبي أيضا. والآية على هذه الأقوال الثلاثة، محكمة بلا خلاف. واختلف في الرزق الحسن، ما هو ؟ فقال : من زعم أن السكر الخمر، هو جميع ما يشرب ويؤكل حلالا من هاتين الشجرتين، وهو قول ابن عباس، وابن جبير، وإبراهيم، والشعبي أيضا. وقال من ذهب إلى أن السكر المائع كما ذكرنا، هو : العنب والتمر. ولا اختلاف في أن الخمر إذا تخللت من ذاتها أنها تؤكل. واختلف هل يجوز تخميرها أم لا على ثلاثة أقوال : المنع، والجواز، والفرق بين أن يقتني الخمر فيخلل أو يتخمر عصير لم يقصد به الخمر فيخلل. فلا يجوز الأول، ويجوز الثاني. والدليل لمن أجاز التخليل، قوله تعالى :﴿تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا﴾، على قول من فسر السكر، أو الرزق الحسن ؛ لأنه الخل ونحوه. وإذا قلنا بالمنع من تخليلها، فتخللت، ففي جواز أكلها ثلاثة أقوال : المنع، والجواز، والفرق بين ما وضعت للخمر وبين ما لم توضع له، والفرق في هذا، قول سحنون. والقولان الآخران لمالك. والدليل للجواز : ما قدمناه من أن الآية أيضا على التفسير المذكور ؛ لأنه إذا جعلنا السكر : الخل ونحوه من المائع (٤)، والرزق الحسن : جميع ما يؤكل ويشرب من الشجرتين المذكورتين. فإطلاق لفظ الاتخاذ على ذلك، يدل على جواز التخليل، والأكل بعد التخليل، من غير تفصيل.
١ نسبه ابن عطية إلى ابن عباس. راجع المحرر الوجيز ١٠/ ٢٠٥. وقال القرطبي: السكر ما يسكر، هذا هو المشهور في اللغة. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ١٢٨..
٢ وهي قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠]. وقد رجح هذا الرأي ابن العربي. قال القرطبي: قال ابن العربي: والصحيح أن ذلك كان قبل تحريم الخمر فتكون منسوخة فإن هذه الآية مكية باتفاق من العلماء وتحريم الخمر مدني. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ١٢٨..
٣ قال القرطبي: وتكون الآية محكمة وهو حسن. راجع م. س. ، ن. ص..
٤ في (ج)، (ح): "من المائعات"..
النحل 16:69
وقوله تعالى للنحل :﴿ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا﴾.
يدل على جواز اتخاذ النحل وإن أضر بالشجر ؛ لأن الله تعالى قد أباح لها السرح في كل الثمرات، وذلل لها السبل. وقد اختلف في النحل يضر بشجر القوم إذا نورت وبكر، فهل يمنع (١) صاحبها من اتخاذها عليهم أم لا ؟ ففي قول عيسى بن دينار(٢) : يمنع، وهو قول مطرف في الواضحة. وقال أصبغ : لا يمنع، وعلى أهل القرية حفظ زروعهم وشجرهم إن قدروا (٣)، وهو : قول ابن القاسم. وحجة هذا القول ما قدمناه من دليل الآية، وإن كان ابن حبيب قد اختار قول مطرف. والحمام والدجاج بهذه المنزلة، الخلاف فيها واحد.
١ في غير (أ)، (ح)، (ز): "أيمنع"..
٢ عيسى بن دينار: هو أبو محمد عيسى بن دينار. فقيه من أهل الفتيا في قرطبة. ولي قضاء طليطلة. توفي سنة ٢١٢ هـ/ ٨٢٧ م. انظر الديباج لابن فرحون ص ١٧٨..
٣ من قوله: "وهو قول مطرف......... إلى: أن قدروا" ساقط في (أ)، (ز)..
النحل 16:75
قوله تعالى :﴿ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء﴾ :
ذكر إسماعيل بن إسحاق (١) أن المراد به عبد بعينه، ويجوز أن يكون عبد الله. والظاهر أنه أي عبد كان (٢). وذكر إسماعيل، أنه روي عن ابن عباس، أن الآية واردة في رجل من قريش وعبده أسلما، وأن سيده كان ينفق عليه من ماله (٣). والأبكم أيضا الذي (٤) ضرب الله به المثل بعينه، لم يكن له مال وكان كلا على مولاه. والمولى في هذا الموضع : المولى (٥) من أخ أو ابن عم. وقال بعضهم : الأبكم : صنم (٦). وقد اختلف في العبد هل يملك شيئا أم لا على قولين في المذهب. واستدل بعضهم على أنه لا يملك شيئا بهذه الآية لقوله تعالى :﴿لا يقدر على شيء﴾، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة (٧)، واستدل آخرون على أنه يملك بقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح : " من باع عبدا وله مال، فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع " (٨)، قالوا فقوله : وله مال، لام تمليك. وأول الأولون هذا، وقالوا إنما أضافه إليه لما كان هو المتصرف فيه (٩)، لأنه متملك له. وهذا كما تقول : فرس السائس، وباب الدار ونحو ذلك. وضعف أهل القول الثاني الاستدلال بالآية على أن العبد لا يملك، وقالوا : إنما ضرب الله تعالى بذلك مثلا، فلا يلزم أن يكون كل العبيد كذلك، وإنما فرض عبدا تكون حاله تلك وضرب به المثل. وأيضا فلو كان كذلك للزم أن يكون البكم لا يملكون شيئا ؛ لأن المعنى في المسألتين واحد. وقالوا إن ظاهر الحديث : أن العبد يملك وما ذكرتموه من الاحتمال فيها غير منكر، إلا أنه غير ظاهر. فيحمل على الظاهر حتى يقوم دليل على غيره. وعلى هذا يترتب الخلاف في طلاق العبد هل هو بيده أو بيد سيده ؟ وعلى(١٠) بيع الأمة هل هو طلاق لها (١١) أم لا ؟ قد استدل بعضهم بالآية على أن الطلاق بيد السيد، وأن البيع طلاق، وأنكر آخرون ذلك وضعفوا الاستدلال.
١ إسماعيل بن إسحاق: هو إسماعيل القاضي صاحب أحكام القرآن. سبقت ترجمته ص ٨٧..
٢ ذكر نحوه الكيا الهراسي في أحكام القرآن ٤/ ٢٤٥..
٣ ذكر الواحدي: أن هذه الآية نزلت في هشام بن عمرو وهو الذي ينفق ماله سرا وجهرا، ومولاه أبو الحوزاء الذي كان ينهاه، فنزلت: ﴿وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء﴾. فالأبكم منهما الكل على مولاه. هذا السيد: أسد بن العيص، والذي يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم هو عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه. انظر أسباب النزول ص ٢١٠..
٤ "الذي" ساقطة في (أ)..
٥ في (أ)، (ج)، (د)، (هـ): "الولي". "المولى" ساقطة في (ب)، (هـ)..
٦ نسبه ابن عطية إلى قتادة: راجع المحرر الوجيز ١٠/ ٢١٥..
٧ ٧ قال الكيا الهراسي: ويمكن أن يجاب عنه أن المراد به أنه إذا تصرف لا يمكنه أن يتصرف إلا بإذن غيره كما يقال ذلك فيمن لا يملك أصلا. راجع أحكام القرآن ٤/ ٢٤٤..
٨ الحديث رواه أبو داود عن ابن عمر. كتاب البيوع، باب: في العبد يباع وله مال ٣/ ٧١٣..
٩ في (أ)، (ج)، (ز): "لا لأنه"..
١٠ في (أ)، (ز): "وفي الأمة"..
١١ "لها" كلمة ساقطة في (أ)، (ز)..
النحل 16:78
قوله تعالى :﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا﴾، استدل بعضهم بهذه الآية على أن الإنسان محمول على الجهل فيما يدعي الجهل فيه(١) من الأمور، خلافا لمن قال هو محمول على العلم. من ذلك مسألة الصبي الصغير يزوجه أبوه ويشترط عليه شروط الزوجة. فبلغ الصبي قبل أن يدخل، ثم دخل، فلما طلبته الزوجة بالشروط ادعى أنه لم يعلم بالشروط. فقال بعضهم : لا ينفعه ذلك ولا يصدق في أنه لم يعلم.
وروى أبو زيد عن ابن القاسم أنه يصدق أنه لم يعلم، واستدل بالآية. قال : قد سبق جهل الإنسان علمه، وعلمه محدث بعد جهله، فهو محمول على الجهل حتى يثبت عليه العلم.
١ في غير (أ)، (ز): "له"..
النحل 16:80
قوله تعالى :﴿وجعل لكم من جلود الأنعام﴾، إلى قوله :﴿ومتاعا إلى حين﴾ :
استدل بعضهم بهذه الآية على جواز الانتفاع بجلود الأنعام مذكاة كانت أو غير مذكاة، وكذلك في استعمال أوبارها وأشعارها وأصوافها. والمسألة قد تقدم الكلام عليها في سورة البقرة، فقف عليها (١). والأصواف للغنم، والأوبار للإبل، والأشعار للمعز والبقر، ولم تكن بلادهم بلاد قطن وكتان، فكذلك اقتصر على هذه. وقد يحتمل أنه لم يذكر القطن والحرير والكتان تعريضا ؛ لأنه سرف، إذ (٢) إنما يلبس الصالحون الصوف. وأيضا فقد أشار إلى القطن والكتان بقوله تعالى :﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل: ٨١].
١ راجع أطروحة الأستاذ ابن يوسف: أحكام القرآن لابن الفرس، تحقيق تفسير سورتي الفاتحة والبقرة ٢/ ١٩٦ – ١٩٧..
٢ في (أ)، (ز): "إذا"..
النحل 16:82
قوله تعالى :﴿فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين ( ٨٢ )﴾ :
هذه الآية فيها موادعة نسخت بآية السيف.
النحل 16:90
وقوله تعالى :﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي...﴾، إلى قوله تعالى :﴿وقد جعلتم الله عليكم كفيلا﴾.
هذه الآية تحتوي على أحكام كثيرة : من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والبغي، والأمر بصلة الرحم وحفظ الأيمان. وقد تقدم الكلام على كثير مما تضمنته.
النحل 16:91
وقوله تعالى :﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي...﴾، إلى قوله تعالى :﴿وقد جعلتم الله عليكم كفيلا﴾.
هذه الآية تحتوي على أحكام كثيرة : من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والبغي، والأمر بصلة الرحم وحفظ الأيمان. وقد تقدم الكلام على كثير مما تضمنته.
النحل 16:94
قوله تعالى :﴿ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم...﴾، إلى قوله تعالى :﴿إنما عند الله هو خير لكم﴾ :
وهذه الآية أيضا قد تقدم الكلام على كثير من أحكامها. ومنها قوله تعالى :﴿ولا تشتروا﴾ الآية، نهي عن الرشا وأخذ الأموال، على ترك ما يجب على الأحد فعله، وهل يجب عليه تركه.
النحل 16:95
قوله تعالى :﴿ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم...﴾، إلى قوله تعالى :﴿إنما عند الله هو خير لكم﴾ :
وهذه الآية أيضا قد تقدم الكلام على كثير من أحكامها. ومنها قوله تعالى :﴿ولا تشتروا﴾ الآية، نهي عن الرشا وأخذ الأموال، على ترك ما يجب على الأحد فعله، وهل يجب عليه تركه.
النحل 16:98
قوله تعالى :﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ( ٩٨ )﴾ :
معنى هذه الآية : فإذا أردت قراءة القرآن، ؛ لأنه لم يرد تعالى التعوذ بعد القراءة، وإنما يبدأ بها ثم بالقراءة. وقد اختلف في التعوذ هل هو واجب قبل القراءة أم لا ؟ فالجمهور : أنه ليس بواجب وإنما هو مندوب إليه، وحملوا الأمر في الآية على الندب. وذهب عطاء إلى أنه واجب قبل القراءة، وحمل الأمر في الآية على الوجوب. واختلف الذين رأوه على الندب، هل يتعوذ في الصلاة قبل فاتحة الكتاب أم لا ؟ فعندنا أنه لا يتعوذ إلا في النفل لمن شاء (١)، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه يتعوذ، وحجتها عموم الآية. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة، واختلف القائلون بالاستعاذة هل ذلك في كل ركعة أم لا ؟ فقيل : يستعاذ في أول ركعة خاصة. وقيل : يستعاذ في ركعة، وهو قول ابن سيرين، وحجة هذا القول عموم الآية. واختلف في لفظ الاستعاذة، فقيل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإليه ذهب الأكثرون. وروى جبير بن مطعم عن أبيه أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح الصلاة قال : " اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، ومن همزه ونفثه ونفخه " (٢) وقال إسماعيل القاضي التعوذ : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. وما قام هذا المقام (٣) قوله تعالى :﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ( ١٠٦ )﴾.
ذكر قوم من المفسرين أن الآية نزلت في أناس من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم بعض أصحابهم بالمدينة لستم منا حتى تهاجروا إلينا، وكان فيهم عمار بن ياسر وغيره. فخرجوا يريدون المدينة، فأدركتهم قريش في الطريق، ففتنوهم على الكفر، فكفروا مكرهين فنزلت الآية :﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن﴾ (٤). واتفق العلماء أن من أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، لم يلزمه شيء من أحكام الكفر عند الله تعالى. واختلفوا في إلزامه أحكام الكفر، فالجمهور على أنه لا يلزمه شيء من أحكام الكفر، وأن أحكامه أحكام المؤمن. وذهب محمد بن الحسن إلى أن أحكامه أحكام الكافر، فتبين منه امرأته، ولا يصلى عليه إن مات، ولا يرث أباه إن مات مسلما (٥)، ومفهوم الآية حجة القول الأول، وهذا في الإكراه في القول. ولا خلاف في أن الإثم فيه مرفوع كما قدمنا، واختلف في الإكراه والعتق والبيع هل هو كالإكراه على النطق بكلمة الكفر أم لا ؟ فسوى الشافعي بينهما، واستدل أصحابه بالآية على نفي طلاق المكره وعتاقه، وكل قول حمل عليه، وروى أنه باطل نظرا لما فيه من حفظ حقه كما امتنع الحكم بنفوذ. ردته حفظا لدينه فإذا بلغ الخلاف في ذلك معلوم في المذهب (٦)، واختلف في الإكراه على الفعل مثل : شرب الخمر، وأكل الخنزير، أو السجود لغير الله تعالى، أو الزنا بالمرأة المختارة لذلك المكرهة له على الزنا بها ولا زوج لها، وما أشبه من ذلك مما لا يتعلق به حق لمخلوق. فقيل : الإكراه فيه إكراه كالإكراه على القول، وهو قول سحنون (٧)، وقيل : الإكراه لا يكون في ذلك إكراها ينتفع المكره به، وإلى هذا ذهب ابن حبيب (٨)، ومن حجة من لا يره إكراها : أن الآية إنما نزلت في الإكراه على القول خاصة، فتقصر على ما نزلت فيه. ومن حجة أهل القول الثاني : أن الإكراه على الفعل كما ذكرنا كالإكراه على القول ينبغي أن يحكم له بحكمه. وأما ما يتعلق به حق لمخلوق كالقتل والغضب ونحو ذلك، فلا خلاف أن الإكراه فيه غير نافع، كذا قال بعضهم (٩)، والخلاف فيه معروف في المذهب وغيره، وكذلك اختلف في يمين المكره هل يلزمه أم لا ؟ واتفقوا أن خوف القتل إكراه. واختلفوا في غير ذلك مما لا يخاف منه على النفس وهو مؤلم، من سجن وقيد ووعيد ونحو ذلك. فالجمهور أن ذلك كله إكراه، والحجة لهذا القول أن الله تعالى قال :﴿إلا من أكره﴾، فذكر الإكراه مطلقا، فيحمل على كل ما يكون إكراها، حتى يقوم دليل على أنه ليس بإكراه، وأحكام المكره كثيرة لا يليق ذكرها بهذا المختصر (١٠) قوله تعالى :﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ( ١٧٣ )﴾.
الميتة : ما مات من حيوان البر مما له نفس سائلة، حتف أنفه. وأما ما لم يكن له نفس سائلة كالجراد والذباب والبراغيث ودود التين وحيوان الفول، وما مات من الحوت حتف أنفه أو طفا على الماء – ففي أكله – قولان : أحدهما : الجواز، والثاني : المنع، وما مات من الحوت حتف أنفه من الدواب التي تعيش في الماء وفي البر كالسلاحف والضفادع ونحو ذلك، ففيه قولان. ومن منع : رأى كل ذلك ميتة واحتج بالآية. وقد مر الكلام على جميع أحكام هذه الآية فلا معنى بإعادته، والله تعالى أعلم. قوله تعالى :﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾، اختلف في الآية هل هي محكمة أو منسوخة ؟ فذهب جماعة إلى أنها منسوخة بآية القتال ؛ لأنها اقتضت مهادنة ما(١١)، وقالت جماعة هي محكمة، والمجادلة بالتي هي أحسن انتهاء إلى ما أمر الله عز وجل به. وقال بعضهم : من أمكنه أن يجادل الكفار ويرى ذلك دون قتال فعل معه ذلك، والآية على هذا محكمة (١٢) قوله تعالى :﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ( ١٢٦ )﴾. ذهب أهل التفسير إلى أن هذه الآية نزلت في شأن التمثيل بحمزة يوم أحد. وذهب النحاس إلى أنها مكية. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قتل حمزة قال : " لئن أظفرني الله تعالى بهم لأمثلن بثلاثين منهم " (١٣) وفي كتاب النحاس وغيره بسبعين منهم. فقال الناس : إن ظفرنا لنفعلن ولنفعلن. فنزلت هذه الآية. وعزم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر في هذه الآية بعدها :﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ هل هو منسوخ أو محكم ؟ فذهب قوم إلى أنها منسوخة بآية القتال (١٤)، والجمهور على أنها محكمة، ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : " أما أنا فأصبر كما أمرت، فما تصنعون ؟ " قالوا : نصبر يا رسول الله كما ندبنا.
١ في (أ)، (ز): "في النفل خاصة". و "لمن شاء" ساقط في (أ)، (ز).
قال الكيا للهراسي: وقال مالك: لا يتعوذ في المكتوبة قبل القراءة ويتعوذ في قيام رمضان إذا قرأ. راجع أحكام القرآن ٤/ ٢٤٥..
٢ الحديث: ذكره ابن قدامة في المغني عن أبي سعيد ١/ ٥١٩..
٣ راجع أحكام الاستعاذة في أحكام القرآن للكيا الهراسي وفي المحرر الوجيز ١٠/ ٢٣٠..
٤ راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢١٢..
٥ قال القرطبي: وهذا قول يرده الكتاب والسنة. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ١٨٢..
٦ راجع ذلك في أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٧٤، وفي الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٠/ ١٨٣..
٧ قال القرطبي. يروى هذا عن الحسن البصري رضي الله عنه، وهو قول الأوزاعي وسحنون من علمائنا. راجع م – س – ن، ص،.
٨ قال القرطبي: روى ابن القاسم عن مالك أن من أكده على شرب الخمر وترك الصلاة أو الإفطار في رمضان أن الإثم عنه مرفوع. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ١٨٣..
٩ قال ابن العربي: الصحيح أنه يجوز الإقدام على الزنا ولا حد عليه. وإلى هذا القول ذهب خويز منداد. راجع ذلك في الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ١٨٣..
١٠ راجع مختلف هذه الأحكام في المحرر الوجيز ١٠/ ٢٣٧، وفي الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ١٨٢ – ١٨٤..
١١ راجع الإيضاح ص ٣٥٥، والناسخ والمنسوخ لابن سلامة ص ١١٤..
١٢ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز ١٠/ ٢٥١..
١٣ ذكر الواحدي في أسباب النزول: لأمثلن بسبعين منهم، ص ٢١٤، وفي المحرر الوجيز: بتسعين، ١٠/ ٢٥٢..
١٤ ذكر ذلك هبة الله بن سلامة في الناسخ والمنسوخ ص ١١٤..
الإسراء 17:23
قوله تعالى :﴿وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما ( ٢٣ ) واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ( ٢٤ )﴾ :
تضمن هذه الآية الحض على بر الوالدين. وقد جاء في ذلك من الأحاديث ما لا يحصى ولا ينبغي أن يخصص شيء من الآيات بنوع من البر دون نوع إلا أن يؤتي به على جهة المثال. وقد قال مجاهد في قوله تعالى :﴿فلا تقل لهما أف﴾ معناه إذا رأيت منهما في حال الشيخوخة الغائط والبول فلا تعزرهما (١) وتقل أف (٢). ولو لم يكن من الآية إلا قوله تعالى :﴿فلا تقل لهما أف﴾ لاكتفى بذلك في الحض على بر الوالدين لأنه تعالى لئن كان قد نهى في ذلك عن القليل فبالضرورة يكون ما فوقه من الضرب والشتم أحرى بالنهي عنه، وهذا من إلحاق المسكوت عنه(٣) بالمنطوق به على القطع، وقد يسمى هذا بفحوى اللفظ، وقد يسمى بمفهوم الموافقة. وقد اختلف الأصوليون في تسمية هذا قياسا، والأظهر أن لا يسمى بذلك (٤). وقد اختلف فيمن كان بينه وبين أبيه خصومة فأراد أن يحلفه. فقيل يحلفه ولا يكون بذلك عاقا، وهو قول مالك وقول (٥) ابن الماجشون وظاهر قول ابن القاسم وأصبغ. وقيل يحلفه ويحده في حق يقع له عليه، ويكون عاقا بذلك ولا يعذر فيه بجهل، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم.
وقيل لا يمكن من أن يحلفه ولا من أن يحده لأنه من العقوق، وهو مشهور مذهب مالك، وهو أظهر الأقوال لقوله تعالى :﴿ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما﴾، ولما جاء من أنه عليه الصلاة والسلام قال : " ما بر والديه من شدد النظر إليهما أو إلى أحدهما " (٦). وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يمن للولد على والده وللمملوك على سيده " (٧).
ويشهد لصحته قوله عليه الصلاة والسلام : " أنت ومالك لأبيك " (٨). وكذلك اختلف في القصاص من الوالد للولد والنظر في المثلين واحد.
وقوله تعالى :﴿واخفض لهما جناح الذل﴾ مما يحتج به الأصوليون على من أنكر وجود المجاز في القرآن.
وقوله تعالى :﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ فيه جواز الدعاء للأبوين على الإطلاق إلا أنه قد اختلف المفسرون فيها. فذهب قوم – منهم قتادة – إلى أنها منسوخة (٩) لأنها اقتضت الاستغفار للآباء المشركين، وذلك منسوخ بقوله تعالى :﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ [التوبة: ١١٣]. وذهب جماعة إلى أنها محكمة، واختلفوا في التأويل. فذهب قوم إلى أنه يجوز أن يستغفر للآباء المشركين (١٠) إذا كانوا أحياء، فخصصوا الآية بالأحياء من الآباء. وقيل الآية عامة استثنى منها الكفار بقوله تعالى :﴿ما كان للنبي والذين آمنوا﴾ وبقيت في المؤمنين. ولا يجوز الاستغفار للكفار أحياء ولا أمواتا. وقد اختلف في بر الأب والأم هل هما سواء فيهما أم بر (١١) الأم أفضل. فالأكثر على أن بر الأم أفضل. إلا أنه زعم الليث بن سعد أن لها ثلثي البر. وفي حديث أبي هريرة ما يدل على أن لها ثلاثة أرباع البر، وهو أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله : من أحق الناس بحق الصحبة ؟ قال : " أمك ". قال : ثم من ؟ قال : " أمك ". قال : ثم من ؟ قال : " أمك ". قال له إن أبي من بلاد السودان وكتب إلي أن أقدم عليه وأمي تمنعني من ذلك. قال طع أباك ولا تعص أمك (١٢). فدل قول مالك على أنهما في البر متساويان ولو كان لأحدهما عنده فضل لأمر بالمصير إلى أمره. وفي الآية حجة لهذا القول لأنه تعالى أمر بالدعاء لهما ولم يفضل أحدهما بزيادة في الدعاء فدل ذلك على استواء المنزلة. وزعم المحاسبي (١٣) أن تفضيل الأم على الأب في البر إجماع (١٤).
١ في (أ)، (ج)، (و)، (ز):"فلا تقذرهما"..
٢ قال ابن عطية: والآية أعم من هذا القول. راجع المحرر الوجيز ١٠/ ٢٧٩..
٣ "عنه" ساقط في غير (أ)، (ز)..
٤ "بذلك" كلمة ساقطة في غير (هـ)، (و)، (ز)..
٥ "وقول" كلمة ساقطة في (أ)، (ز)..
٦ الحديث أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، باب: في بر الوالدين ٦/ ١٩٧..
٧ وعن ابن عباس عن عمر عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يقاد للمملوك من مالكه ولا ولد من والده". انظر لسان الميزان لابن حجر ٤/ ٣٦٨..
٨ الحديث أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب النفقات، باب: نفقة الأبوين ٧/ ٤٨٠. وابن ماجه في سننه، كتاب التجارات، باب: ما للرجل من مال وولد ٢/ ٧٦٩..
٩ قال ابن عطية وليس هذا موضع نسخ. راجع المحرر الوجيز ١٠/ ٢٨٠. ووافقه القرطبي على ذلك. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٢٤٥..
١٠ من قوله: "وذلك منسوخ.... إلى: المشركين" ساقط في (ح)..
١١ "بر" كلمة ساقطة في (أ)..
١٢ الحديث أخرجه البخاري عن أبي هريرة، في صحيحه، كتاب الأدب: باب: من أحق الناس بحسن الصحبة ٧/ ٦٩..
١٣ المحاسبي: هو أبو عبد الله الحارث بن الأسد المحاسبي. من كبار الصوفية. عالما بالأصول والمعاملات. توفي سنة ٢٤٣ هـ/ ٨٥٧ م. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر ٢/ ١٣٤..
١٤ في غير (أ)، (ز): "إجماع في البر"..
الإسراء 17:24
قوله تعالى :﴿وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما ( ٢٣ ) واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ( ٢٤ )﴾ :
تضمن هذه الآية الحض على بر الوالدين. وقد جاء في ذلك من الأحاديث ما لا يحصى ولا ينبغي أن يخصص شيء من الآيات بنوع من البر دون نوع إلا أن يؤتي به على جهة المثال. وقد قال مجاهد في قوله تعالى :﴿فلا تقل لهما أف﴾ معناه إذا رأيت منهما في حال الشيخوخة الغائط والبول فلا تعزرهما (١) وتقل أف (٢). ولو لم يكن من الآية إلا قوله تعالى :﴿فلا تقل لهما أف﴾ لاكتفى بذلك في الحض على بر الوالدين لأنه تعالى لئن كان قد نهى في ذلك عن القليل فبالضرورة يكون ما فوقه من الضرب والشتم أحرى بالنهي عنه، وهذا من إلحاق المسكوت عنه(٣) بالمنطوق به على القطع، وقد يسمى هذا بفحوى اللفظ، وقد يسمى بمفهوم الموافقة. وقد اختلف الأصوليون في تسمية هذا قياسا، والأظهر أن لا يسمى بذلك (٤). وقد اختلف فيمن كان بينه وبين أبيه خصومة فأراد أن يحلفه. فقيل يحلفه ولا يكون بذلك عاقا، وهو قول مالك وقول (٥) ابن الماجشون وظاهر قول ابن القاسم وأصبغ. وقيل يحلفه ويحده في حق يقع له عليه، ويكون عاقا بذلك ولا يعذر فيه بجهل، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم.
وقيل لا يمكن من أن يحلفه ولا من أن يحده لأنه من العقوق، وهو مشهور مذهب مالك، وهو أظهر الأقوال لقوله تعالى :﴿ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما﴾، ولما جاء من أنه عليه الصلاة والسلام قال :" ما بر والديه من شدد النظر إليهما أو إلى أحدهما " (٦). وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لا يمن للولد على والده وللمملوك على سيده " (٧).
ويشهد لصحته قوله عليه الصلاة والسلام :" أنت ومالك لأبيك " (٨). وكذلك اختلف في القصاص من الوالد للولد والنظر في المثلين واحد.
وقوله تعالى :﴿واخفض لهما جناح الذل﴾ مما يحتج به الأصوليون على من أنكر وجود المجاز في القرآن.
وقوله تعالى :﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ فيه جواز الدعاء للأبوين على الإطلاق إلا أنه قد اختلف المفسرون فيها. فذهب قوم – منهم قتادة – إلى أنها منسوخة (٩) لأنها اقتضت الاستغفار للآباء المشركين، وذلك منسوخ بقوله تعالى :﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ [التوبة: ١١٣]. وذهب جماعة إلى أنها محكمة، واختلفوا في التأويل. فذهب قوم إلى أنه يجوز أن يستغفر للآباء المشركين (١٠) إذا كانوا أحياء، فخصصوا الآية بالأحياء من الآباء. وقيل الآية عامة استثنى منها الكفار بقوله تعالى :﴿ما كان للنبي والذين آمنوا﴾ وبقيت في المؤمنين. ولا يجوز الاستغفار للكفار أحياء ولا أمواتا. وقد اختلف في بر الأب والأم هل هما سواء فيهما أم بر (١١) الأم أفضل. فالأكثر على أن بر الأم أفضل. إلا أنه زعم الليث بن سعد أن لها ثلثي البر. وفي حديث أبي هريرة ما يدل على أن لها ثلاثة أرباع البر، وهو أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله : من أحق الناس بحق الصحبة ؟ قال :" أمك ". قال : ثم من ؟ قال :" أمك ". قال : ثم من ؟ قال :" أمك ". قال له إن أبي من بلاد السودان وكتب إلي أن أقدم عليه وأمي تمنعني من ذلك. قال طع أباك ولا تعص أمك (١٢). فدل قول مالك على أنهما في البر متساويان ولو كان لأحدهما عنده فضل لأمر بالمصير إلى أمره. وفي الآية حجة لهذا القول لأنه تعالى أمر بالدعاء لهما ولم يفضل أحدهما بزيادة في الدعاء فدل ذلك على استواء المنزلة. وزعم المحاسبي (١٣) أن تفضيل الأم على الأب في البر إجماع (١٤).
١ في (أ)، (ج)، (و)، (ز):"فلا تقذرهما"..
٢ قال ابن عطية: والآية أعم من هذا القول. راجع المحرر الوجيز ١٠/ ٢٧٩..
٣ "عنه" ساقط في غير (أ)، (ز)..
٤ "بذلك" كلمة ساقطة في غير (هـ)، (و)، (ز)..
٥ "وقول" كلمة ساقطة في (أ)، (ز)..
٦ الحديث أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، باب: في بر الوالدين ٦/ ١٩٧..
٧ وعن ابن عباس عن عمر عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يقاد للمملوك من مالكه ولا ولد من والده". انظر لسان الميزان لابن حجر ٤/ ٣٦٨..
٨ الحديث أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب النفقات، باب: نفقة الأبوين ٧/ ٤٨٠. وابن ماجه في سننه، كتاب التجارات، باب: ما للرجل من مال وولد ٢/ ٧٦٩..
٩ قال ابن عطية وليس هذا موضع نسخ. راجع المحرر الوجيز ١٠/ ٢٨٠. ووافقه القرطبي على ذلك. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٢٤٥..
١٠ من قوله: "وذلك منسوخ.... إلى: المشركين" ساقط في (ح)..
١١ "بر" كلمة ساقطة في (أ)..
١٢ الحديث أخرجه البخاري عن أبي هريرة، في صحيحه، كتاب الأدب: باب: من أحق الناس بحسن الصحبة ٧/ ٦٩..
١٣ المحاسبي: هو أبو عبد الله الحارث بن الأسد المحاسبي. من كبار الصوفية. عالما بالأصول والمعاملات. توفي سنة ٢٤٣ هـ/ ٨٥٧ م. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر ٢/ ١٣٤..
١٤ في غير (أ)، (ز): "إجماع في البر"..
الإسراء 17:26
قوله تعالى :﴿وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا ( ٢٦ )...﴾ إلى قوله تعالى :﴿فتقعد ملوما محسورا﴾ :
اختلف في ﴿ذا القربى﴾ فقيل هم القرابة. أمر الله تعالى بصلتهم، خوطب بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد جميع الأمة. وقيل هم قرابة النبي صلى الله عليه وسلم خاصة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإعطائهم حقوقهم من بيت المال (١). والأول أصح ويعضده عطف المسكين وابن السبيل على ذي القربى (٢). ثم في سائر (٣) الآية الأمر بحفظ المال وترك إضاعته والقصد في إنفاقه ؟ وقد اختلف فيمن تصدق بجميع ماله وهو صحيح غير مدين. فقيل ذلك جائز، والحجة له حديث أبي بكر حين تصدق بماله كله، وهو قول مالك والكوفيين والشافعي والجمهور. وقيل لا يجوز ذلك وهو مردود، وروي ذلك (٤) عن عمر أنه رد على غيلان بن سلمة (٥) نساءه وكان طلقهن. وكان قد قسم ماله بين بينه، فرد ذلك كله (٦). وقيل يجوز من ذلك الثلث ويرد الثلثان. وحجة هذا القول أن النبي صلى الله عليه وسلم رد صدقة كعب بن مالك كله إلا الثلث وهو قول مكحول (٧) والأوزاعي. وقيل كل عطية تزيد على النصف ترد إلى النصف روي ذلك أيضا عن مكحول. ومن حجة من لم ير الصدقة بالمال كله قوله تعالى :﴿ولا تبذر تبذيرا﴾ وقوله سبحانه :﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط﴾.
١ نسبه ابن عطية إلى علي بن الحسن. راجع المحرر الوجيز ١٠/ ٢٨١..
٢ "القربى" كلمة ساقطة في (أ)..
٣ "سائر" بياض في (أ)..
٤ "وروي ذلك" كلام ساقط في (ح)..
٥ غيلان بن سلمة: هو غيلان بن سلمة الثقفي. حكيم، شاعر جاهلي. أدرك الإسلام وأسلم يوم الطائف. توفي سنة ٢٣ هـ/ ٦٤٤ م. انظر الإصابة لابن حجر ٣/ ١٨٦..
٦ "كله" كلمة ساقطة في (أ)..
٧ مكحول: هو أبو عبد الله مكحول بن أبي مسلم الهذلي الدمشقي، العالم الفقيه. توفي سنة ١١٣ هـ/ ٧٣١ م وقيل سنة ١١٢هـ/ ٧٣٠م. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر ١٠/ ٢٨٩ – ٣٢٣..
الإسراء 17:27
قوله تعالى :﴿وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا ( ٢٦ )...﴾ إلى قوله تعالى :﴿فتقعد ملوما محسورا﴾ :
اختلف في ﴿ذا القربى﴾ فقيل هم القرابة. أمر الله تعالى بصلتهم، خوطب بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد جميع الأمة. وقيل هم قرابة النبي صلى الله عليه وسلم خاصة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإعطائهم حقوقهم من بيت المال (١). والأول أصح ويعضده عطف المسكين وابن السبيل على ذي القربى (٢). ثم في سائر (٣) الآية الأمر بحفظ المال وترك إضاعته والقصد في إنفاقه ؟ وقد اختلف فيمن تصدق بجميع ماله وهو صحيح غير مدين. فقيل ذلك جائز، والحجة له حديث أبي بكر حين تصدق بماله كله، وهو قول مالك والكوفيين والشافعي والجمهور. وقيل لا يجوز ذلك وهو مردود، وروي ذلك (٤) عن عمر أنه رد على غيلان بن سلمة (٥) نساءه وكان طلقهن. وكان قد قسم ماله بين بينه، فرد ذلك كله (٦). وقيل يجوز من ذلك الثلث ويرد الثلثان. وحجة هذا القول أن النبي صلى الله عليه وسلم رد صدقة كعب بن مالك كله إلا الثلث وهو قول مكحول (٧) والأوزاعي. وقيل كل عطية تزيد على النصف ترد إلى النصف روي ذلك أيضا عن مكحول. ومن حجة من لم ير الصدقة بالمال كله قوله تعالى :﴿ولا تبذر تبذيرا﴾ وقوله سبحانه :﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط﴾.
١ نسبه ابن عطية إلى علي بن الحسن. راجع المحرر الوجيز ١٠/ ٢٨١..
٢ "القربى" كلمة ساقطة في (أ)..
٣ "سائر" بياض في (أ)..
٤ "وروي ذلك" كلام ساقط في (ح)..
٥ غيلان بن سلمة: هو غيلان بن سلمة الثقفي. حكيم، شاعر جاهلي. أدرك الإسلام وأسلم يوم الطائف. توفي سنة ٢٣ هـ/ ٦٤٤ م. انظر الإصابة لابن حجر ٣/ ١٨٦..
٦ "كله" كلمة ساقطة في (أ)..
٧ مكحول: هو أبو عبد الله مكحول بن أبي مسلم الهذلي الدمشقي، العالم الفقيه. توفي سنة ١١٣ هـ/ ٧٣١ م وقيل سنة ١١٢هـ/ ٧٣٠م. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر ١٠/ ٢٨٩ – ٣٢٣..
الإسراء 17:28
قوله تعالى :﴿وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا ( ٢٦ )...﴾ إلى قوله تعالى :﴿فتقعد ملوما محسورا﴾ :
اختلف في ﴿ذا القربى﴾ فقيل هم القرابة. أمر الله تعالى بصلتهم، خوطب بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد جميع الأمة. وقيل هم قرابة النبي صلى الله عليه وسلم خاصة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإعطائهم حقوقهم من بيت المال (١). والأول أصح ويعضده عطف المسكين وابن السبيل على ذي القربى (٢). ثم في سائر (٣) الآية الأمر بحفظ المال وترك إضاعته والقصد في إنفاقه ؟ وقد اختلف فيمن تصدق بجميع ماله وهو صحيح غير مدين. فقيل ذلك جائز، والحجة له حديث أبي بكر حين تصدق بماله كله، وهو قول مالك والكوفيين والشافعي والجمهور. وقيل لا يجوز ذلك وهو مردود، وروي ذلك (٤) عن عمر أنه رد على غيلان بن سلمة (٥) نساءه وكان طلقهن. وكان قد قسم ماله بين بينه، فرد ذلك كله (٦). وقيل يجوز من ذلك الثلث ويرد الثلثان. وحجة هذا القول أن النبي صلى الله عليه وسلم رد صدقة كعب بن مالك كله إلا الثلث وهو قول مكحول (٧) والأوزاعي. وقيل كل عطية تزيد على النصف ترد إلى النصف روي ذلك أيضا عن مكحول. ومن حجة من لم ير الصدقة بالمال كله قوله تعالى :﴿ولا تبذر تبذيرا﴾ وقوله سبحانه :﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط﴾.
١ نسبه ابن عطية إلى علي بن الحسن. راجع المحرر الوجيز ١٠/ ٢٨١..
٢ "القربى" كلمة ساقطة في (أ)..
٣ "سائر" بياض في (أ)..
٤ "وروي ذلك" كلام ساقط في (ح)..
٥ غيلان بن سلمة: هو غيلان بن سلمة الثقفي. حكيم، شاعر جاهلي. أدرك الإسلام وأسلم يوم الطائف. توفي سنة ٢٣ هـ/ ٦٤٤ م. انظر الإصابة لابن حجر ٣/ ١٨٦..
٦ "كله" كلمة ساقطة في (أ)..
٧ مكحول: هو أبو عبد الله مكحول بن أبي مسلم الهذلي الدمشقي، العالم الفقيه. توفي سنة ١١٣ هـ/ ٧٣١ م وقيل سنة ١١٢هـ/ ٧٣٠م. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر ١٠/ ٢٨٩ – ٣٢٣..
الإسراء 17:29
قوله تعالى :﴿وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا ( ٢٦ )...﴾ إلى قوله تعالى :﴿فتقعد ملوما محسورا﴾ :
اختلف في ﴿ذا القربى﴾ فقيل هم القرابة. أمر الله تعالى بصلتهم، خوطب بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد جميع الأمة. وقيل هم قرابة النبي صلى الله عليه وسلم خاصة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإعطائهم حقوقهم من بيت المال (١). والأول أصح ويعضده عطف المسكين وابن السبيل على ذي القربى (٢). ثم في سائر (٣) الآية الأمر بحفظ المال وترك إضاعته والقصد في إنفاقه ؟ وقد اختلف فيمن تصدق بجميع ماله وهو صحيح غير مدين. فقيل ذلك جائز، والحجة له حديث أبي بكر حين تصدق بماله كله، وهو قول مالك والكوفيين والشافعي والجمهور. وقيل لا يجوز ذلك وهو مردود، وروي ذلك (٤) عن عمر أنه رد على غيلان بن سلمة (٥) نساءه وكان طلقهن. وكان قد قسم ماله بين بينه، فرد ذلك كله (٦). وقيل يجوز من ذلك الثلث ويرد الثلثان. وحجة هذا القول أن النبي صلى الله عليه وسلم رد صدقة كعب بن مالك كله إلا الثلث وهو قول مكحول (٧) والأوزاعي. وقيل كل عطية تزيد على النصف ترد إلى النصف روي ذلك أيضا عن مكحول. ومن حجة من لم ير الصدقة بالمال كله قوله تعالى :﴿ولا تبذر تبذيرا﴾ وقوله سبحانه :﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط﴾.
١ نسبه ابن عطية إلى علي بن الحسن. راجع المحرر الوجيز ١٠/ ٢٨١..
٢ "القربى" كلمة ساقطة في (أ)..
٣ "سائر" بياض في (أ)..
٤ "وروي ذلك" كلام ساقط في (ح)..
٥ غيلان بن سلمة: هو غيلان بن سلمة الثقفي. حكيم، شاعر جاهلي. أدرك الإسلام وأسلم يوم الطائف. توفي سنة ٢٣ هـ/ ٦٤٤ م. انظر الإصابة لابن حجر ٣/ ١٨٦..
٦ "كله" كلمة ساقطة في (أ)..
٧ مكحول: هو أبو عبد الله مكحول بن أبي مسلم الهذلي الدمشقي، العالم الفقيه. توفي سنة ١١٣ هـ/ ٧٣١ م وقيل سنة ١١٢هـ/ ٧٣٠م. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر ١٠/ ٢٨٩ – ٣٢٣..
الإسراء 17:33
قوله تعالى :﴿ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا﴾ :
قوله تعالى :﴿مظلوما﴾ أي بغير حق. والولي القائم بالدم وهو من ولد الميت أو ولده الميت(١) أو جمعه وأباه أب (٢). واختلفت الرواية (٣) عن مالك في النساء هل لهن مدخل في الدم مع العصبة أم لا ؟ وإذا قلنا لهن مدخل في ذلك ففي أي شيء لهن مدخل من ذلك أيضا ؟ (٤) روايتان : أحداهما في القود دون العفو. والأخرى في العفو دون القود. وقيل فيهما جميعا. وقوله تعالى :﴿فقد جعلنا لوليه سلطانا﴾ حجة لمن يرى للمرأة مدخلا في أمر الدم لأنها ولي. والآية غير مقيدة فتحمل على كل من يقع عليه اسم ولي. وذكر إسماعيل القاضي أن قوله :﴿لوليه﴾ يدل على خروج المرأة عن مطلق لفظ الولي. قال فليس للمرأة قصاص ولا عفو. قال لأن لفظ الولي مذكر وهو واحد. وأنكر هذا الاستدلال أبو الحسن وزعم أن المراد بالولي الوارث ولأنه لفظ جنس يستوي فيه المذكر والمؤنث. والسلطان لفظ مجمل يحتمل الحجة والدية والقود ويحتمل الجمع (٥). وقد اختلف فيه، فقيل المراد به التخيير بين القود والدية وهو قول الشافعي (٦) وقيل القود (٧). وعن مالك رحمه الله تعالى في ذلك روايتان.
وقوله تعالى :﴿فلا يسرف في القتل﴾ وقال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك لا يقتل غير قاتله ولا يمثل به (٨).
١ "أو ولده الميت" كلام ساقط في (د)، (هـ)..
٢ ذكر نحوه ابن عطية في المحرر الوجيز ١٠/ ٢٨٧..
٣ في (أ)، (د)، (ز): "الروايات"..
٤ من قوله: "مع العصبة... إلى: من ذلك أيضا" ساقط في (ب)، (ح)..
٥ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٥٩، ٢٦٠..
٦ راجع م. س. ، ن. ص..
٧ نسبه ابن عطية إلى قتادة. راجع المحرر الوجيز ١٠/ ٢٨٧..
٨ قال القرطبي: قوله تعالى: ﴿فلا يسرف في القتل﴾. فيه ثلاثة أقوال: لا يقتل غير قاتله قاله الحسن والضحاك ومجاهد وسعيد بن جبير. الثاني: لا يقتل بدل وليه اثنين كما كانت العرب تفعله. الثالث: لا يمثل بالقاتل. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٢٥٥..
الإسراء 17:34
قوله تعالى :﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ إلى قوله :﴿مسئولا﴾ :
قوله تعالى :﴿إلا بالتي هي أحسن﴾ يريد بأن لا يأخذ الوصي منها شيئا أو يأخذ بالمعروف. وقال مجاهد (١) التي هي أحسن التجارة. وخص اليتيم به لأنه إليه أحوج (٢) وقد مر الكلام على هذا المعنى في سورة النساء كاملا.
وقوله :﴿حتى يبلغ أشده﴾ هي غاية لإمساك مال اليتيم عنه. ومعنى الأشد : قوة العقل وكمال التجربة وحسن النظر، وذلك لا يكون إلا مع البلوغ. وذكر أبو الحسن عن الرازي أن إيناس الرشد عند بلوغ الأشد لا يعتبر، ولو اعتبر في ذلك في الآية كما قال تعالى :﴿حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا﴾ [النساء: ٦] وأنكر أبو الحسن ذلك وزعم أنه لا بد من اعتبار الرشد مع الأشد، " والأشد في الآية البلوغ (٣) وقد مضى الكلام على هذا أيضا. واختلف في قوله تعالى :﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده﴾ هل هو منسوخ أو محكم ؟ فذهب قوم إلى أنه منسوخ. روي عن قتادة أنه قال : كانوا من هذا على جهد حتى نزل :﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وهو صحيح. وذهب الأكثر إلى أنه محكم لا نسخ فيه لأن قوله تعالى :﴿إلا بالتي هي أحسن﴾ يعطي المخالطة التي في الآية الأخرى. وهذا هو الصحيح.
وقوله تعالى :﴿وأوفوا بالعهد﴾، ﴿وأوفوا الكيل﴾ ﴿الإسراء : ٣٥﴾ وقد مضى معنى (٤) هذا كله في ما تقدم.
١ من قوله: "يريد.... إلى: وقال مجاهد" كلام ساقط في (أ)..
٢ ذكر نحوه الكيا الهراسي في أحكام القرآن ٤/ ٢٦١..
٣ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٦١..
٤ "معنى" كلمة ساقطة في (أ)، (ز)..
الإسراء 17:36
قوله تعالى :﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ :
هذه الآية بالجملة تنهى عن قول الزور والقذف وما أشبه ذلك من الأقوال، ويحتج به نفاة القياس.
الإسراء 17:53
قوله تعالى :﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن﴾ :
اختلف في معنى قوله تعالى :﴿التي هي أحسن﴾ فقيل : قول لا إله إلا الله، فعلى هذا يريد بعبادي جميع الخلق. وقيل المجاورة الحسنة، قال الحسن : يرحمك الله ويغفر الله لك، وعلى هذا يكون عبادي خاصا بالمؤمنين وتكون الآية كقوله عليه الصلاة والسلام (١) : " وكونوا عباد الله إخوانا " (٢) ثم اختلف الذين ذهبوا إلى هذا في الآية هل هي منسوخة أو محكمة ؟ فذهب قوم إلى أنها محكمة وقالوا في معناها : إن الله تعالى أمر المؤمنين فيما بينهم بحسن الأدب وخفض الجناح وإلانة القول ونحو ذلك. وذهب قوم إلى أنها منسوخة وقالوا في معناها إنما أمر الله فيها المؤمنين بإلانة القول للمشركين بمكة أيام المهادنة. وسبب الآية أن (٣) عمر بن الخطاب شتمه بعض الكفرة فسبه عمر وهم بقتله فكاد أن يثير فتنة فنزلت الآية ثم نسخت بآية القتال (٤). والقول في قوله تعالى :﴿وما أرسلناك عليهم وكيلا﴾ [الإسراء: ٥٤] كالقول في هذه.
١ "عليه الصلاة والسلام" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
٢ الحديث أخرجه البخاري في باب: النكاح. ورواه أحمد في مسنده ٢/ ٢٧٧..
٣ من قوله: "إنما أمر الله.... إلى: وسبب الآية أن" كلام ساقط في (ح)..
٤ راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢١٧، ٢١٨..
الإسراء 17:66
قوله تعالى :﴿ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله﴾ :
قوله :﴿لتبتغوا من فضله﴾ كلام يعم التبحر وطلب الأجر من حج أو غزو ونحوه (١). وقال بعضهم : لا خلاف في جواز ركوبه (٢) لحج أو غزو أو معاش (٣). واختلف في كراهيته للثروة وتزيد المال. وقد جاء في حديث أم حرام بنت ملحان (٤) ما يدل على جواز ركوبه في الغزو وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :﴿البحر لا أركبه أبدا﴾ (٥) وقد مر الكلام على هذه المسألة بأوفى من هذا.
١ في (أ)، (ز): "أو نحو ذلك"..
٢ في (ح): "كونه"..
٣ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز ١٠/ ٣٢١..
٤ أم حرام بنت ملحان خالة أنس بن مالك. ويقال إنها الرميصاء. قيل ركبت البحر في عهد معاوية فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فماتت. انظر الإصابة لابن حجر ٤/ ٤٢٣..
٥ وفي حديث آخر: "لا يركب البحر إلا غاز أو حاج أو معتمر". أخرجه أبو داود ١/ ٣٨٩ وعده الألباني ضمن الأحاديث الضعيفة. انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني ١/ ٤٩٠ وذكره البيهقي في شعب الإيمان ٤/ ٣٣٤..
الإسراء 17:78
قوله تعالى :﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس...﴾ إلى قوله تعالى :﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ :
واختلف في قوله :﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر﴾ بعد الاتفاق على أنه في الصلوات المفروضة. فقيل يشتمل على الصلوات الخمس، ودلوك الشمس زوالها، والإشارة إلى الظهر والعصر، وغسق الليل ظلمته والإشارة به إلى المغرب والعشاء. وقرآن الفجر يريد به صلاة الصبح (١). وقيل لا يشتمل على كل الصلوات الخمس ولكن دلوك الشمس غروبها والإشارة به إلى المغرب، وغسق الليل الإشارة به إلى العتمة، وقرآن الفجر صلاة الصبح (٢) ولم تقع إشارة – على هذا القول – إلى الظهر والعصر. واستدل بعضهم بقوله تعالى :﴿وقرآن الفجر﴾ على أن الصلاة لا تكون إلا بقرآن. وقوله تعالى (٣) :﴿إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾ اختلف فيه، فقيل معناه تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار حسبما جاء به الحديث المشهور (٤). وقال محمد بن سهل بن عسكر (٥) يشهده الله وملائكته. وقوله تعالى :﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾، التهجد عند العرب السهر، ضد الهجود. واختلف المفسرون فيه، فقيل هو السهر بعد نومة (٦) وقيل هو ما كان بعد العشاء الأخيرة (٧). واختلف في معنى قوله تعالى :﴿نافلة لك﴾. فقيل – وهو قول ابن عباس وغيره – زيادة لك في الفرض. قالوا وكان قيام الليل على النبي صلى الله عليه وسلم فرضا. فعلى هذا القول يكون الأمر في الآية على الوجوب. وقيل – وهو قول مجاهد وغيره – لفظ نافلة على بابه من معنى الزيادة، وكان ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه مغفور له، فلم يكن فعله ذلك يكفر عنه شيئا من الذنوب لأن الله تعالى كان قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكان له نافلة أي فضلا وزيادة. وأما غيره فهو كفارة له، وليس له نافلة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر عام الحديبية فإنما كانت نوافله واستغفاره فضائل في العمل وقربا أشرف من نوافل أمته، لأن نوافل أمته إما أن تجبر بها فرائضهم، وإما أن تحط بها خطاياهم وقد يتصور من لا ذنب له يتنفل فيكون تنفله فضلا كنصراني أسلم وصبي احتلم. وضعف الطبري هذا وعضد قول ابن عباس. وتحتمل الآية قولا ثالثا، وهو أن يكون على طريق الندب في التنفل، وخوطب بها النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد هو وأمته كالخطاب في قوله تعالى :﴿أقم الصلاة﴾.
١ قال ابن عطية: فقال ابن عمر وابن عباس وأبو بردة والحسن: دلوك الشمس زوالها. راجع المحرر الوجيز ١٠/ ٣٣٢..
٢ نسبه ابن عطية إلى ابن عباس وابن مسعود وزيد بن أسلم. وقال: والقول الأول أصوب لعمومه. راجع م. س. ، ن. ص..
٣ من قوله: "وقرآن الفجر.... إلى: وقوله تعالى" كلام ساقط في (ب)، (ح).
والاستدلال أورده الكيا الهراسي في أحكام القرآن ٤/ ٢٦٢..
٤ ونص الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار...." رواه البخاري عن أبي هريرة. كتاب مواقيت الصلاة، باب: فضل صلاة العصر ١/ ١٣٨..
٥ محمد بن سهل بن عسكر بن عمارة، مولاهم أبو بكر البخاري الحافظ الجوال. روى عنه مسلم والترمذي وغيرهما. سكن بغداد ومات بها سنة ٢٥١هـ/ ٩٧٠م. انظر تهذيب التهذيب ٩/ ٢٠٧..
٦ قاله الأسود وعلقمة وعبد الرحمن بن أسود. راجع المحرر الوجيز ١٠/ ٣٣٥..
٧ قاله الحسن. راجع م. س. ، ن. ص..
الإسراء 17:79
قوله تعالى :﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس...﴾ إلى قوله تعالى :﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ :
واختلف في قوله :﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر﴾ بعد الاتفاق على أنه في الصلوات المفروضة. فقيل يشتمل على الصلوات الخمس، ودلوك الشمس زوالها، والإشارة إلى الظهر والعصر، وغسق الليل ظلمته والإشارة به إلى المغرب والعشاء. وقرآن الفجر يريد به صلاة الصبح (١). وقيل لا يشتمل على كل الصلوات الخمس ولكن دلوك الشمس غروبها والإشارة به إلى المغرب، وغسق الليل الإشارة به إلى العتمة، وقرآن الفجر صلاة الصبح (٢) ولم تقع إشارة – على هذا القول – إلى الظهر والعصر. واستدل بعضهم بقوله تعالى :﴿وقرآن الفجر﴾ على أن الصلاة لا تكون إلا بقرآن. وقوله تعالى (٣) :﴿إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾ اختلف فيه، فقيل معناه تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار حسبما جاء به الحديث المشهور (٤). وقال محمد بن سهل بن عسكر (٥) يشهده الله وملائكته. وقوله تعالى :﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾، التهجد عند العرب السهر، ضد الهجود. واختلف المفسرون فيه، فقيل هو السهر بعد نومة (٦) وقيل هو ما كان بعد العشاء الأخيرة (٧). واختلف في معنى قوله تعالى :﴿نافلة لك﴾. فقيل – وهو قول ابن عباس وغيره – زيادة لك في الفرض. قالوا وكان قيام الليل على النبي صلى الله عليه وسلم فرضا. فعلى هذا القول يكون الأمر في الآية على الوجوب. وقيل – وهو قول مجاهد وغيره – لفظ نافلة على بابه من معنى الزيادة، وكان ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه مغفور له، فلم يكن فعله ذلك يكفر عنه شيئا من الذنوب لأن الله تعالى كان قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكان له نافلة أي فضلا وزيادة. وأما غيره فهو كفارة له، وليس له نافلة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر عام الحديبية فإنما كانت نوافله واستغفاره فضائل في العمل وقربا أشرف من نوافل أمته، لأن نوافل أمته إما أن تجبر بها فرائضهم، وإما أن تحط بها خطاياهم وقد يتصور من لا ذنب له يتنفل فيكون تنفله فضلا كنصراني أسلم وصبي احتلم. وضعف الطبري هذا وعضد قول ابن عباس. وتحتمل الآية قولا ثالثا، وهو أن يكون على طريق الندب في التنفل، وخوطب بها النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد هو وأمته كالخطاب في قوله تعالى :﴿أقم الصلاة﴾.
١ قال ابن عطية: فقال ابن عمر وابن عباس وأبو بردة والحسن: دلوك الشمس زوالها. راجع المحرر الوجيز ١٠/ ٣٣٢..
٢ نسبه ابن عطية إلى ابن عباس وابن مسعود وزيد بن أسلم. وقال: والقول الأول أصوب لعمومه. راجع م. س. ، ن. ص..
٣ من قوله: "وقرآن الفجر.... إلى: وقوله تعالى" كلام ساقط في (ب)، (ح).
والاستدلال أورده الكيا الهراسي في أحكام القرآن ٤/ ٢٦٢..
٤ ونص الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار...." رواه البخاري عن أبي هريرة. كتاب مواقيت الصلاة، باب: فضل صلاة العصر ١/ ١٣٨..
٥ محمد بن سهل بن عسكر بن عمارة، مولاهم أبو بكر البخاري الحافظ الجوال. روى عنه مسلم والترمذي وغيرهما. سكن بغداد ومات بها سنة ٢٥١هـ/ ٩٧٠م. انظر تهذيب التهذيب ٩/ ٢٠٧..
٦ قاله الأسود وعلقمة وعبد الرحمن بن أسود. راجع المحرر الوجيز ١٠/ ٣٣٥..
٧ قاله الحسن. راجع م. س. ، ن. ص..
الإسراء 17:110
قوله تعالى :﴿ادعوا الله أو ادعوا الرحمن...﴾ إلى قوله تعالى :﴿وقل الحمد لله﴾ :
اختلف في سبب نزولها، فقيل سببها أن المشركين سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو : " يا الله، يا رحمان " فقالوا كان محمد يأمرنا بدعاء إله واحد وهو يدعو إلهين، قاله ابن عباس وغيره (١). وقيل تهجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في دعائه : " يا رحمان، يا رحيم " فسمعه رجل من المشركين، وكان باليمامة رجل يسمى الرحمان، فقال ذلك السامع : ما بال محمد يدعو رحمان اليمامة ؟ فنزلت الآية، قاله مكحول وغيره (٢) وقد مر الكلام على ما في هذه الآية من الأحكام والنسخ.
وقوله تعالى :﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا﴾ اختلف في الصلاة ما هي في هذه الآية. فقال ابن عباس وعائشة وغيرهما : هي الدعاء. واختلف الذين قالوا هذا هل الآية محكمة أو منسوخة ؟ فذهب قوم إلى أنها منسوخة بقوله تعالى :﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وهو قول ابن عباس (٣) وذهب قوم إلى (٤) أنها محكمة. وقال ابن عباس أيضا وغيره هي قراءة القرآن في الصلاة، فالتقدير على هذا : ولا تجهر بقراءة صلواتك. قالوا والسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جهر بالقراءة فسمعه المشركون فسبوا القرآن ومن أنزله، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوسط ليسمع أصحابه المصلين معه ويذهب عنه أذاء المشركين. وقالت عائشة أيضا : الصلاة يراد بها في هذه الآية التشهد (٥) وإلى نحو هذا ذهب ابن سيرين، فقال كان الأعراب يجهرون بتشهدهم فنزلت الآية في ذلك. وإذا قلنا إن المراد بالصلاة قراءة الصلاة فما معنى ترك الجهر بها وإتيان المخافتة، اختلف فيه. فقيل أن لا يرفع الصوت جدا ولا يخفض جدا (٦). وروي أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان يسر قراءته وكان عمر يجهرها فقيل لهما في ذلك (٧) فقال أبو بكر : إنما أنا أناجي ربي وهو يعلم حاجتي. وقال عمر أنا أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان، فلما نزلت هذه الآية قيل لأبي بكر ارفع أنت قليلا وقيل لعمر (٨) اخفض أنت قليلا. وقيل المعنى ولا تحسن صلاتك في الجهر ولا تسئها في السر بل اتبع طريقا (٩) وسطا يكون دائما في كل حالة، قاله ابن عباس والحسن وغيره. وقيل المعنى النهي عما يفعله أهل الإنجيل والتوراة من رفع الصوت أحيانا، فيرفع الناس معه(١٠) ويخفض أحيانا. فيسكت من خلفه، قاله ابن زيد. وقيل المعنى : ولا تجهر بصلاة النهار ولا تخافت بصلاة الليل، وهكذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " صلاة النهار عجما أي اتبع من امتثال الأمر كما رسم لك " قاله ابن عباس. وكان الأبين أن يقول بين ذينك، ولكنه اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر كما قال تعالى :﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة﴾ [البقرة: ٤٥] ولم يقل وإنهما. وأراد : وابتغ بين الجهر والمخافتة سبيلا.
١ ذكره هبة الله بن سلامة في الناسخ والمنسوخ ص ٢١٥، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٣٤٢، وابن عطية في المحرر الوجيز ١٠/ ٣٥٩..
٢ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١٠/ ٣٥٩، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٣٤٢..
٣ راجع الناسخ والمنسوخ لابن سلامة ص ٢١٥..
٤ من قوله: "إنها منسوخة..... إلى: وذهب قوم إلى" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
٥ راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢٣٢، ٢٣٣..
٦ في غير (هـ) زيادة: "بين ذلك"..
٧ "في ذلك" كلام ساقط في (ح)..
٨ "وقيل لعمر" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
٩ في (أ)، (ز) زيادة: "واحدا"..
١٠ في (أ)، (ز): "معهم"..
الإسراء 17:111
قوله تعالى :﴿ادعوا الله أو ادعوا الرحمن...﴾ إلى قوله تعالى :﴿وقل الحمد لله﴾ :
اختلف في سبب نزولها، فقيل سببها أن المشركين سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو :" يا الله، يا رحمان " فقالوا كان محمد يأمرنا بدعاء إله واحد وهو يدعو إلهين، قاله ابن عباس وغيره (١). وقيل تهجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في دعائه :" يا رحمان، يا رحيم " فسمعه رجل من المشركين، وكان باليمامة رجل يسمى الرحمان، فقال ذلك السامع : ما بال محمد يدعو رحمان اليمامة ؟ فنزلت الآية، قاله مكحول وغيره (٢) وقد مر الكلام على ما في هذه الآية من الأحكام والنسخ.
وقوله تعالى :﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا﴾ اختلف في الصلاة ما هي في هذه الآية. فقال ابن عباس وعائشة وغيرهما : هي الدعاء. واختلف الذين قالوا هذا هل الآية محكمة أو منسوخة ؟ فذهب قوم إلى أنها منسوخة بقوله تعالى :﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وهو قول ابن عباس (٣) وذهب قوم إلى (٤) أنها محكمة. وقال ابن عباس أيضا وغيره هي قراءة القرآن في الصلاة، فالتقدير على هذا : ولا تجهر بقراءة صلواتك. قالوا والسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جهر بالقراءة فسمعه المشركون فسبوا القرآن ومن أنزله، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوسط ليسمع أصحابه المصلين معه ويذهب عنه أذاء المشركين. وقالت عائشة أيضا : الصلاة يراد بها في هذه الآية التشهد (٥) وإلى نحو هذا ذهب ابن سيرين، فقال كان الأعراب يجهرون بتشهدهم فنزلت الآية في ذلك. وإذا قلنا إن المراد بالصلاة قراءة الصلاة فما معنى ترك الجهر بها وإتيان المخافتة، اختلف فيه. فقيل أن لا يرفع الصوت جدا ولا يخفض جدا (٦). وروي أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان يسر قراءته وكان عمر يجهرها فقيل لهما في ذلك (٧) فقال أبو بكر : إنما أنا أناجي ربي وهو يعلم حاجتي. وقال عمر أنا أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان، فلما نزلت هذه الآية قيل لأبي بكر ارفع أنت قليلا وقيل لعمر (٨) اخفض أنت قليلا. وقيل المعنى ولا تحسن صلاتك في الجهر ولا تسئها في السر بل اتبع طريقا (٩) وسطا يكون دائما في كل حالة، قاله ابن عباس والحسن وغيره. وقيل المعنى النهي عما يفعله أهل الإنجيل والتوراة من رفع الصوت أحيانا، فيرفع الناس معه(١٠) ويخفض أحيانا. فيسكت من خلفه، قاله ابن زيد. وقيل المعنى : ولا تجهر بصلاة النهار ولا تخافت بصلاة الليل، وهكذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" صلاة النهار عجما أي اتبع من امتثال الأمر كما رسم لك " قاله ابن عباس. وكان الأبين أن يقول بين ذينك، ولكنه اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر كما قال تعالى :﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة﴾ [البقرة: ٤٥] ولم يقل وإنهما. وأراد : وابتغ بين الجهر والمخافتة سبيلا.
١ ذكره هبة الله بن سلامة في الناسخ والمنسوخ ص ٢١٥، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٣٤٢، وابن عطية في المحرر الوجيز ١٠/ ٣٥٩..
٢ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١٠/ ٣٥٩، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٣٤٢..
٣ راجع الناسخ والمنسوخ لابن سلامة ص ٢١٥..
٤ من قوله: "إنها منسوخة..... إلى: وذهب قوم إلى" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
٥ راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢٣٢، ٢٣٣..
٦ في غير (هـ) زيادة: "بين ذلك"..
٧ "في ذلك" كلام ساقط في (ح)..
٨ "وقيل لعمر" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
٩ في (أ)، (ز) زيادة: "واحدا"..
١٠ في (أ)، (ز): "معهم"..
الكهف 18:14
قوله تعالى :﴿وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض﴾ :
قوله :﴿إذ قاموا﴾ يحتمل أن يريد مقامهم بين يدي الكفار (١) يحتمل أن يريد بالقيام عزمهم على الهروب (٢) إلى الله تعالى. وبهذه الألفاظ تعلقت الصوفية في القيام والقول. وهذا تعلق (٣) ضعيف لا تثبت به حجة.
١ "يحتمل أن يريد مقامهم بين يدي الكبار" كلام ساقط في (أ)، (ب)، (ز)..
٢ "على الهروب" كلام ساقط في (ب)، (ح)..
٣ في (أ)، (ز): "قول"..
الكهف 18:19
قوله تعالى :﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما...﴾ :
الآية أصل في جواز الوكالة وصحتها. ولا خلاف في جوازها في البيع والشراء وحفظ المتاع وقبض الحقوق ودفعها والنظر في الأموال. واختلف في جوازها في الخصومات، فأجازها الجمهور من الغائب والحاضر والمرأة والرجل، وقال أبو حنيفة لا تصح إلا من غائب أو مريض أو امرأة غير بارزة. وذكر بعضهم عنه في الغائب أنه الذي تكون غيبته مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا. واستدل بعض الفقهاء على إبطال هذا القول وتصحيح القول الأول بالآية. والاستدلال بهذه الآية في ذلك ضعيف. وقال أبو الحسن : تدل هذه الآية على جواز خلط دراهم الجماعة والشراء بها والأكل من الطعام الذي بينهم بالشركة وإن كان فيهم من يأكل أكثر وأقل ؟ وهو الذي سماه الناس المناهدة، ويفعلونه في الأسفار، ومن ذلك قوله تعالى :﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم...﴾ (١) [البقرة: ٢٢٠].
١ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٦٥..
الكهف 18:23
قوله تعالى :﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا ( ٢٣ ) إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت﴾ :
نزلت هذه الآية معاتبة للنبي صلى الله عليه وسلم على قوله – إذ سأله اليهود عن ذي القرنين وخبر صاحب موسى وعن الروح – غدا أخبركم، ولم يستثن في ذلك. واحتبس عنه الوحي خمسة عشر يوما حتى شق ذلك عليه وأرجف به الكفار، فنزلت الآية، وأمر أن لا يقول غدا أخبركم بشيء إلا أن يعلقه بمشيئة الله عز وجل (١). واللام في قوله :﴿لشيء﴾ بمنزلة : في، أو كأنه قال لأجل شيء. وقوله :﴿إلا أن يشاء الله﴾ في الكلام محذوف تقديره إلا أن يقول إن شاء الله ونحو ذلك. وقال بعضهم إلا أن يشاء الله استثناء من قوله :﴿ولا تقولن﴾ وهذا قول (٢) فاسد بين الفساد (٣) فإن قيل : أي معنى للاستثناء ولا يتصور أن يفعل أحد فعلا أن يشاء الله، فذكر ذلك وترك ذكره سواء ؟ فالجواب أن فائدة الاستثناء رفع ما يوهم اللفظ من الفعل لا محالة وإذا لم يذكر الاستثناء فاللفظ (٤) يوهم أنه يفعل لا محالة ولذلك وجب اليمين بهذه الكفارة وسقطت إذا سرح بالاستثناء، ومن أجل هذا أيضا وجب أن يكون الاستثناء متصلا، وإن انفصل لن يؤثر. وأما المعتزلة القائلون بأن الإنسان يفعل الشيء وإن لم يشأ الله فلا معنى للاستثناء على قولهم، إلا أنهم أجابوا عن هذا بأن معنى الاستثناء : إلا أن يشاء الله أن يقطعني عنه باخترام أو موت، فيخرج بهذا كون المخبر أو الحالف/ قاطعا على الفعل.
وإن وضع الحالف موضع الاستثناء بالمشيئة (٥) بما هو في معناها مثل أن يقول إلا أن يريد الله وإلا أن يقضي الله وإلا أن يقدر الله، فقد اختلف هل يصح به الاستثناء أم لا ؟ فأما ابن القاسم فقال لا يصح لأن الاستثناء بالمشيئة قد كان القياس أن لا يقع لأنه لا يفعل أحد(٦) منها إلا بالمشيئة على مذهب أهل السنة. وكذلك الاستثناء بما كان في معناها من تلك الألفاظ المذكورة. لكن الإجماع والسنة أخرجا الاستثناء بالمشيئة من ذلك فقصر الاستثناء عليها وبقي سائر (٧) الألفاظ الأخرى على ما يوجبه القياس. وذهب عيسى بن دينار إلى أن الاستثناء بتلك الأشياء نافع كالاستثناء بالمشيئة إذ لا فرق بينهما. وهذا كله إذا حلف الحالف بالله على فعل ما وصرف الاستثناء إلى الفعل، وإن صرفه إلى اسم الله تعالى لم ينفعه (٨).
قوله تعالى :﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾ اختلف فيه، فقال ابن عباس والحسن معناه استثن ولو بعد مدة إذا نسيت الاستثناء (٩) وقيل معناه إذا غضبت (١٠). وقيل معناه إذا تركت ذكر ربك. وإذا قلنا إن المراد بالآية الاستثناء فهل ذلك في اليمين أم في غير اليمين ؟ اختلف في ذلك، إلا أن ظاهر قوله تعالى :﴿ولا تقولن لشيء﴾ الآية. أن (١١) المراد في غير اليمين (١٢) وإلى أن ذلك في اليمين ذهب قوم، وكلا القولين قد تؤول على ابن عباس. وقد اختلف في الوقت الذي ينتفع فيه بالاستثناء على عشرة أقوال. فذهب مالك وغيره إلى أنه لا ينفع إلا أن يكون متصلا باليمين. وقال عطاء : له أن يستثني في قدر حلب الناقة الغزيرة. وقال الحسن وطاووس (١٣) : له أن يستثني ما لم يقم من مجلسه (١٤). وقال قتادة : له ذلك ما لم يقم أو يتكلم. وقال ابن حنبل : له ذلك ما دام في الأمر. وقال إسحاق مثله إلا أن يكون ثم سكوت ثم يعود إلى الأمر. وقال ابن جبير له ذلك بعد أربعة أشهر. وقال مجاهد : له ذلك بعد سنتين. قال ابن عباس : يصح له الاستثناء. فقيل أراد سنة، وقيل أراد أبدا، وقال أبو العالية(١٥) له ذلك أبدا، وروي مثله نصا عن ابن عباس. واحتج من ذهب إلى هذا بقوله تعالى :﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾ وبما جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : " والله لأغزون قريشا " ثم سكت، ثم قال : " إن شاء الله " (١٦). والصحيح من هذه الأقوال ما ذهب إليه مالك رحمه الله تعالى، وقد أبطل الناس سائر الأقوال وأبطلوا حججها بما يضيف هذا الكتاب عن بسطه، فمن أراده طلبه في مظانه قال الطبري : وأعلم أحدا ممن يقول ينفع الاستثناء بعد مدة، يقول بسقوط الكفارة قال : ويرد ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأتي الذي هو خير " (١٧) فلو كان الاستثناء على ذلك أن يدخل به الحالف في رتبة المستثنين بعد مدة حلفه خاصة (١٨).
وذهب جماعة إلى أن مذهب ابن عباس سقوط الكفارة وألزموا كل من يقول بجواز الاستثناء بعد مدة القول بإسقاط الكفارة، والقول بإسقاط الكفارة أصح على قول من يقول في جواز الاستثناء بعد مدة لظاهر الآية إذا حملت على ذلك. والاستثناء في المشهور إنما هو عامل في اليمين بالله تعالى. واختلف في اليمين بغير الله من طلاق أو عتاق أو مشي إلى مكة ونحو ذلك هل ينفع فيه الاستثناء أم لا ؟ ففي المذهب أنه لا ينفع، وذهب الشافعي وأبو حنيفة وغيرهما إلى أنه ينفع.
هذه الآية تتضمن الرد على المنجمين والمتكهنين والطبعيين وغيرهم ممن يخوض في هذه الأشياء.
١ ذكر ذلك ابن عطية في المحرر الوجيز ١٠/ ٣٨٦، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٣٨٥..
٢ "قول" كلمة ساقطة في (ب)، (ح)..
٣ قال ابن عطية: وهذا القول حكاه الطبري ورد عليه. وهو من الفساد بحيث كان الواجب أن لا يحكى. راجع المحرر الوجيز ١٠/ ٣٨٧..
٤ في (ج)، (ح) زيادة: "فتركه"..
٥ "بالمشيئة" كلمة ساقطة في (ح)..
٦ "أحد" كلمة ساقطة في (ح)..
٧ في غير (أ)، (ز) زيادة: "تلك"..
٨ راجع نحو ذلك في أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٦٦ – ٢٦٨، وفي الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٣٨٥..
٩ ذكره أيضا ابن عطية في المحرر الوجيز ١٠/ ٣٨٧، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٣٨٦..
١٠ نسبه ابن عطية إلى عكرمة. راجع المحرر الوجيز ١٠/ ٣٨٧..
١١ "أن" ساقط في (أ)..
١٢ قال ابن عطية: والآية ليست في الأيمان وإنما هي في سنة الاستثناء في غير اليمين. راجع المحرر الوجيز ١٠/ ٣٨٧..
١٣ طاووس: هو أبو عبد الرحمن طاووس بن كساء. توفي سنة ١٠١ هـ/ ٧٢٠ م وقيل سنة ١٠٦ هـ/ ٧٢٤م. انظر وفيات الأعيان ٢/ ٥٠٩، ٥١١، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٧٣..
١٤ في (أ)، (ز): "من موضعه"..
١٥ أبو العالية: هو رفيع بن مهران الرياحي، البصري. عالم وفقيه. توفي سنة ٩٣هـ/ ٧١٢م. انظر طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٨٨، تهذيب التهذيب ٣/ ٢٨٤..
١٦ راجع ذلك أيضا في المحرر الوجيز ١٠/ ٣٨٧..
١٧ الحديث: أخرجه مسلم، عن أبي موسى الأشعري في صحيحه، كتاب الأيمان، باب ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه ٢/ ١٢٦٢..
١٨ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١٠/ ٣٨٧..
الكهف 18:24
قوله تعالى :﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا ( ٢٣ ) إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت﴾ :
نزلت هذه الآية معاتبة للنبي صلى الله عليه وسلم على قوله – إذ سأله اليهود عن ذي القرنين وخبر صاحب موسى وعن الروح – غدا أخبركم، ولم يستثن في ذلك. واحتبس عنه الوحي خمسة عشر يوما حتى شق ذلك عليه وأرجف به الكفار، فنزلت الآية، وأمر أن لا يقول غدا أخبركم بشيء إلا أن يعلقه بمشيئة الله عز وجل (١). واللام في قوله :﴿لشيء﴾ بمنزلة : في، أو كأنه قال لأجل شيء. وقوله :﴿إلا أن يشاء الله﴾ في الكلام محذوف تقديره إلا أن يقول إن شاء الله ونحو ذلك. وقال بعضهم إلا أن يشاء الله استثناء من قوله :﴿ولا تقولن﴾ وهذا قول (٢) فاسد بين الفساد (٣) فإن قيل : أي معنى للاستثناء ولا يتصور أن يفعل أحد فعلا أن يشاء الله، فذكر ذلك وترك ذكره سواء ؟ فالجواب أن فائدة الاستثناء رفع ما يوهم اللفظ من الفعل لا محالة وإذا لم يذكر الاستثناء فاللفظ (٤) يوهم أنه يفعل لا محالة ولذلك وجب اليمين بهذه الكفارة وسقطت إذا سرح بالاستثناء، ومن أجل هذا أيضا وجب أن يكون الاستثناء متصلا، وإن انفصل لن يؤثر. وأما المعتزلة القائلون بأن الإنسان يفعل الشيء وإن لم يشأ الله فلا معنى للاستثناء على قولهم، إلا أنهم أجابوا عن هذا بأن معنى الاستثناء : إلا أن يشاء الله أن يقطعني عنه باخترام أو موت، فيخرج بهذا كون المخبر أو الحالف/ قاطعا على الفعل.
وإن وضع الحالف موضع الاستثناء بالمشيئة (٥) بما هو في معناها مثل أن يقول إلا أن يريد الله وإلا أن يقضي الله وإلا أن يقدر الله، فقد اختلف هل يصح به الاستثناء أم لا ؟ فأما ابن القاسم فقال لا يصح لأن الاستثناء بالمشيئة قد كان القياس أن لا يقع لأنه لا يفعل أحد(٦) منها إلا بالمشيئة على مذهب أهل السنة. وكذلك الاستثناء بما كان في معناها من تلك الألفاظ المذكورة. لكن الإجماع والسنة أخرجا الاستثناء بالمشيئة من ذلك فقصر الاستثناء عليها وبقي سائر (٧) الألفاظ الأخرى على ما يوجبه القياس. وذهب عيسى بن دينار إلى أن الاستثناء بتلك الأشياء نافع كالاستثناء بالمشيئة إذ لا فرق بينهما. وهذا كله إذا حلف الحالف بالله على فعل ما وصرف الاستثناء إلى الفعل، وإن صرفه إلى اسم الله تعالى لم ينفعه (٨).
قوله تعالى :﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾ اختلف فيه، فقال ابن عباس والحسن معناه استثن ولو بعد مدة إذا نسيت الاستثناء (٩) وقيل معناه إذا غضبت (١٠). وقيل معناه إذا تركت ذكر ربك. وإذا قلنا إن المراد بالآية الاستثناء فهل ذلك في اليمين أم في غير اليمين ؟ اختلف في ذلك، إلا أن ظاهر قوله تعالى :﴿ولا تقولن لشيء﴾ الآية. أن (١١) المراد في غير اليمين (١٢) وإلى أن ذلك في اليمين ذهب قوم، وكلا القولين قد تؤول على ابن عباس. وقد اختلف في الوقت الذي ينتفع فيه بالاستثناء على عشرة أقوال. فذهب مالك وغيره إلى أنه لا ينفع إلا أن يكون متصلا باليمين. وقال عطاء : له أن يستثني في قدر حلب الناقة الغزيرة. وقال الحسن وطاووس (١٣) : له أن يستثني ما لم يقم من مجلسه (١٤). وقال قتادة : له ذلك ما لم يقم أو يتكلم. وقال ابن حنبل : له ذلك ما دام في الأمر. وقال إسحاق مثله إلا أن يكون ثم سكوت ثم يعود إلى الأمر. وقال ابن جبير له ذلك بعد أربعة أشهر. وقال مجاهد : له ذلك بعد سنتين. قال ابن عباس : يصح له الاستثناء. فقيل أراد سنة، وقيل أراد أبدا، وقال أبو العالية(١٥) له ذلك أبدا، وروي مثله نصا عن ابن عباس. واحتج من ذهب إلى هذا بقوله تعالى :﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾ وبما جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :" والله لأغزون قريشا " ثم سكت، ثم قال :" إن شاء الله " (١٦). والصحيح من هذه الأقوال ما ذهب إليه مالك رحمه الله تعالى، وقد أبطل الناس سائر الأقوال وأبطلوا حججها بما يضيف هذا الكتاب عن بسطه، فمن أراده طلبه في مظانه قال الطبري : وأعلم أحدا ممن يقول ينفع الاستثناء بعد مدة، يقول بسقوط الكفارة قال : ويرد ذلك قوله عليه الصلاة والسلام :" من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأتي الذي هو خير " (١٧) فلو كان الاستثناء على ذلك أن يدخل به الحالف في رتبة المستثنين بعد مدة حلفه خاصة (١٨).
وذهب جماعة إلى أن مذهب ابن عباس سقوط الكفارة وألزموا كل من يقول بجواز الاستثناء بعد مدة القول بإسقاط الكفارة، والقول بإسقاط الكفارة أصح على قول من يقول في جواز الاستثناء بعد مدة لظاهر الآية إذا حملت على ذلك. والاستثناء في المشهور إنما هو عامل في اليمين بالله تعالى. واختلف في اليمين بغير الله من طلاق أو عتاق أو مشي إلى مكة ونحو ذلك هل ينفع فيه الاستثناء أم لا ؟ ففي المذهب أنه لا ينفع، وذهب الشافعي وأبو حنيفة وغيرهما إلى أنه ينفع.
هذه الآية تتضمن الرد على المنجمين والمتكهنين والطبعيين وغيرهم ممن يخوض في هذه الأشياء.
١ ذكر ذلك ابن عطية في المحرر الوجيز ١٠/ ٣٨٦، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٣٨٥..
٢ "قول" كلمة ساقطة في (ب)، (ح)..
٣ قال ابن عطية: وهذا القول حكاه الطبري ورد عليه. وهو من الفساد بحيث كان الواجب أن لا يحكى. راجع المحرر الوجيز ١٠/ ٣٨٧..
٤ في (ج)، (ح) زيادة: "فتركه"..
٥ "بالمشيئة" كلمة ساقطة في (ح)..
٦ "أحد" كلمة ساقطة في (ح)..
٧ في غير (أ)، (ز) زيادة: "تلك"..
٨ راجع نحو ذلك في أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٦٦ – ٢٦٨، وفي الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٣٨٥..
٩ ذكره أيضا ابن عطية في المحرر الوجيز ١٠/ ٣٨٧، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٣٨٦..
١٠ نسبه ابن عطية إلى عكرمة. راجع المحرر الوجيز ١٠/ ٣٨٧..
١١ "أن" ساقط في (أ)..
١٢ قال ابن عطية: والآية ليست في الأيمان وإنما هي في سنة الاستثناء في غير اليمين. راجع المحرر الوجيز ١٠/ ٣٨٧..
١٣ طاووس: هو أبو عبد الرحمن طاووس بن كساء. توفي سنة ١٠١ هـ/ ٧٢٠ م وقيل سنة ١٠٦ هـ/ ٧٢٤م. انظر وفيات الأعيان ٢/ ٥٠٩، ٥١١، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٧٣..
١٤ في (أ)، (ز): "من موضعه"..
١٥ أبو العالية: هو رفيع بن مهران الرياحي، البصري. عالم وفقيه. توفي سنة ٩٣هـ/ ٧١٢م. انظر طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٨٨، تهذيب التهذيب ٣/ ٢٨٤..
١٦ راجع ذلك أيضا في المحرر الوجيز ١٠/ ٣٨٧..
١٧ الحديث: أخرجه مسلم، عن أبي موسى الأشعري في صحيحه، كتاب الأيمان، باب ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه ٢/ ١٢٦٢..
١٨ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١٠/ ٣٨٧..
مريم 19:5
قوله تعالى – حكاية عن زكريا عليه السلام - :﴿فهب لي من لدنك وليا ( ٥ ) يرثني ويرث من آل يعقوب﴾ :
اختلف الناس في هذه الوراثة المطلوبة (١) ما هي ؟ فأكثر المفسرين على أنها وراثة المال وقال قوم بل وراثة الدين، أي من يقوم بالدين من بعده. وقد اختلف في وراثة الأنبياء، فذهب الجمهور إلى أنهم لا يورثون، وذهب قوم إلى أنهم يورثون واحتجوا بهذه الآية على التفسير الأول، وبقوله تعالى :﴿وورث سليمان داود﴾ [النمل: ١٦]. وافترق الجمهور في رد ما ذهب إليه هؤلاء في الآية على فرق، منهم من ذهب إلى التفسير الثاني، ومنهم من قال الآية على ظاهرها وقال هذه شريعة قد كانت ونسختها شريعة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه قد جاء عنه عليه الصلاة والسلام : " إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة " (٢) والقول بأن الأنبياء لا يورثون هو الصحيح ويؤيده (٣) ذكر العاقر في الآية.
١ في غير (أ)، (ز): "المنسوبة"..
٢ نسبه ابن عطية إلى الزجاج. راجع المحرر الوجيز ١١/ ١٣. وقال الحسن: نبوته وعلمه. راجع القول في أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٤٥..
٣ الحديث رواه مالك عن عائشة بلفظ: "لا نورث ما تركنا فهو صدقة". وعن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقسم ورثتي دنانير، ما تركت بعد نفقة نسائي وموانة عاملي فهو صدقة" الموطأ كتاب الجامع، باب: ما جاء في تركة النبي صلى الله عليه وسلم ٢/ ٢٨٥..
مريم 19:17
قوله تعالى – يعني مريم - :﴿فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا﴾ :
في هذه الآية الوحي إلى النساء. وقد اختلف هل يجوز أن تكون المرأة نبية أم لا ؟ بعد اتفاقهم على أن لا تكون رسولا. واحتج من أجاز ذلك بهذه الآية ورأى أن مريم كانت نبية، ورد الآخرون هذا القول وقالوا لم تكن مريم نبية وإنما كلمها مثال بشر ورؤيتها للملك كما رؤي جبريل في صفة دحية وفي سؤاله عن الإيمان والإسلام (١).
١ ذكر نحو ذلك ابن عطية وقال: والأول أظهر. يعني أنها تكون نبية. راجع المحرر الوجيز ١١/ ١٩..
مريم 19:47
قوله تعالى – حكاية عن قول إبراهيم عليه السلام لأبيه الكافر - :﴿قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا ( ٤٧ )﴾ :
اختلف في معنى تسليمه عليه. فقال قوم تحية مفارق، وأجازوا تحية الكافر وأن يبدأ بها.
وقال الجمهور : السلام في الآية بمعنى المسالمة لا بمعنى التحية ولم يروا ابتداء الكافر بالسلام، وهذا القول أصح ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام في أهل الكتاب : " لا تبدأوهم بالسلام واضطروهم إلى ضيق الطرق " (١).
١ الحديث أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، كتاب السلام، باب: النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام ٧/ ٥..
مريم 19:58
وقوله تعالى :﴿إذا تتلى عليهم آيات الرحمان خروا سجدا وبكيا﴾ :
اختلف المفسرون هل هذا في الصلاة أم لا ؟ فقال الحسن إنه في الصلاة، وقيل (١) في غير الصلاة. واختلف هؤلاء في المراد بآيات الرحمن. فقال الأصم (٢) : المراد بآيات الرحمن كتبه المتضمنة لتوحيده وحججه، وأنهم كانوا يسجدون عند تلاوتها ويبكون عند ذكرها. وروي عن ابن عباس أن المراد بها القرآن خاصة وأنهم كانوا يسجدون ويبكون (٣) عند تلاوته. ففي قوله هذا دلالة على أن القرآن هو الذي كان يتلى على جميع/ الأنبياء، ولو كان كذلك لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مختصا بإنزاله عليه. واحتج الرازي بهذه الآية على وجوب سجود القرآن على المستمع والقارئ. قال أبو الحسن : وهذا بعيد لأن هذا الوصف شامل لكل آية من آيات الله تعالى وهي طريقة الأنبياء من تعظيم الله تعالى وتعظيم آياته فلا دلالة فيه على وجوب ذلك عند سماع آيات مخصوصة. وإذا قلنا إن الآية معناها في الصلاة ففيها دلالة على وجوب (٤) السجود في الصلاة وجواز البكاء فيها وأنه لا يفسد الصلاة، فتدبره (٥).
١ في (ح): "وقال"..
٢ الأصم: هو أبو بكر عبد الرحمان بن كيسان الأصم المعتزلي، صاحب المقالات في الأصول. انظر طبقات المفسرين للداودي ١/ ١٦٩..
٣ "ويبكون" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
٤ في غير (أ)، (د)، (هـ): "على جواز"..
٥ راجع قول الرازي في التفسير الكبير ٢١/ ٢٣٣، ٢٣٤، وقول أبي الحسن في أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٧٠، ٢٧١..
مريم 19:71
قوله تعالى :﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ( ٧١ )﴾ :
اختلف في قوله تعالى :﴿وإن منكم إلا واردها﴾ هل هو (١) قسم أم لا ؟ فقيل هو مقسم عليه مردود على قوله تعالى :﴿فوربك لنحشرنهم﴾ [مريم: ٦٨]، وقيل هو مقسم عليه والقسم محذوف التقدير : والله إن منكم إلا واردها، فحذف القسم (٢). وهذا كثير في كلام العرب، ومثله قوله تعالى :﴿لمن ليبطئن﴾ [النساء: ٧٢]. وقال قوم لا قسم في قوله :﴿وإن منكم إلا واردها﴾. وإذا لم يكن على هذا القول قسم فما معنى قوله عليه الصلاة والسلام : " ألا تحلة القسم إلا بشيء الذي لا يناله معه مكروه " (٣)، وأصله من قول العرب : ضربه تحليلا وضربه تعزيرا إذا لم يبالغ في ضربه. وأصله من تحليل اليمين، وهو أن يحذف ثم يستثني استثناء متصلا ثم جعل ذلك مثلا لكل شيء يقل وقته (٤). وقال بعضهم : الصحيح أن هذا قسم منه تعالى على ورود الناس النار (٥) وبينه عليه الصلاة والسلام : " من مات له ثلاثة من الولد لم تمسه النار إلا تحلة القسم " (٦) وقد جاء هذا مفسرا في حديث آخر : " من حرس ليلة من وراء المسلمين متطوعا لم يأجره السلطان لم ير النار تمسه إلا تحلة القسم " (٧). قال تعالى :﴿وإن منكم إلا واردها﴾ وقد قرئ :﴿وإن منهم إلا واردها﴾... على إرادة الكفار (٨). واختلف العلماء على (٩) قراءة :﴿وإن منكم إلا واردها﴾. فمنهم من حمل (١٠) ذلك على الكفار. وقال الجمهور : بل المخاطب جميع العالم ولا بد لهم من الورود. واختلف الذين ذهبوا إلى هذا في كيفية ورود المؤمنين. فمنهم من قال : ورود دخول لكنها لا تعدو عليهم ثم يخرجهم الله تعالى منها بعد معرفتهم بحقيقة ما نجوا منه. وكان من دعاء بعضهم : اللهم أدخلني النار سالما وأخرجني منها غانما (١١) وجاءت في هذه أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تعضده (١٢). وقال قوم بل ورود إشراف واطلاع لا دخول. واختلف الذين ذهبوا إلى أنه ورود دخول (١٣). فرأى جمهورهم الآية محكمة وأنه لا ينجو أحد من ذلك، وذهب آخرون إلى أنها محكمة وأنه قد ينجو منها قوم واحتجوا بما جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : " لا يدخلن النار أحد من أهل بدر والحديبية " قالت حفصة : وأين قول الله عز وجل ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثم ينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم " (١٤) ورجح الزجاج هذا القول لقوله تعالى :﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ (١٥) [الأنبياء: ١٠١]. وذهب بعضهم إلى أن الآية منسوخة بقوله تعالى :﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ( ١٠١ )﴾ وهذا أضعف الأقوال لأنه ليس بموضع نسخ (١٦). وتحقيق القول في هذه المسألة (١٧) على مذهب أهل السنة الذين لا يرون إنفاذ الوعيد واجبا، إذ المراد بالآية عصاة المؤمنين إذا شاء الله أن ينفذ وعيده فيهم. وأما على قول المعتزلة الذين يرون إنفاذ الوعيد فيكون العصاة مخلدين في النار، تعالى الله عز وجل عن ذلك. وأما على قول الخوارج المكفرين بالذنوب فحالهم في ذلك حال الكفار، تعالى الله سبحانه عن ذلك. وكلهم يتأول الآية على مذهبه، والصحيح ما ذكرنا. وأما على قول المرجئة فيرون الآية في الكفار لأن من قال : لا إله إلا الله، لا يدخل عندهم النار.
١ في (أ)/ (ز): "فيه"..
٢ في (أ)، (د)، (هـ)، (و): "فحذف والله"..
٣ الحديث: راجع صحيح البخاري كتاب الأيمان والنذور ٧/ ٢٢٤..
٤ راجع مختلف هذه الأقوال في التفسير الكبير للرازي ٢١/ ٢٤٢، ٢٤٣، المحرر الوجيز ١١/ ٤٨، الجامع لأحكام القرآن ١١/ ١٣٥، ١٣٦..
٥ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز ١١/ ٤٨. وقال القرطبي: هذا قسم والواو يتضمنه. راجع الجامع لأحكام القرآن ١١/ ١٣٥..
٦ الحديث رواه البخاري عن أبي هريرة كتاب الجنائز، باب: فضل من مات له ولد ٢/ ٧٢، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب: فضل من يموت له ولد ٣/ ٢٠٢٤..
٧ الحديث أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده عن معاذ بن جبل ٣/ ٤٣٧..
٨ نسبه ابن عطية إلى ابن عباس وعكرمة. راجع المحرر الوجيز ١١/ ٤٨..
٩ في (د): "في"..
١٠ في (د): "جعل"..
١١ نسبه ابن عطية إلى ابن مسعود وابن عباس وخالد بن معدان وابن جريج. راجع المحرر الوجيز ١١/ ٤٨..
١٢ قال القرطبي: روي عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الورود، الدخول، لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم". راجع الجامع لأحكام القرآن ١١/ ١٣٦..
١٣ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١١/ ٤٩..
١٤ الحديث أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل أصحاب الشجرة ٢/ ١٩٤٢..
١٥ ذكر ذلك ابن عطية، وقال: وهذا ضعيف وليس هذا بموضع نسخ. راجع المحرر الوجيز ١١/ ٤٩..
١٦ قال مكي: ولا يحسن هذا لأنه خبر لا يجوز نسخه. راجع الإيضاح ص ٣٠١..
١٧ "المسألة" كلمة ساقطة في (أ)، (ز)..
مريم 19:92
قوله تعالى :﴿وما ينبغي للرحمان أن يتخذ ولدا ( ٩٢ ) إن كل من في السماوت والأرض إلا آتي الرحمان عبدا ( ٩٣ )﴾ :
فيه دليل على أن العبودية والبنوة لا تجتمع لأنه تعالى رد بهذه الآية إضافة الكفرة إليه الولد سبحانه، فدل ذلك على أن الولد لا يكون مملوكا لأبيه، فإذا ملكه أعتق(١) عليه. فإذا كان ذلك في الابن فالأب أولى. وهذه مسألة قد اختلف فيها، أعني عتق الأقارب جملة. فأنكره جماعة من أهل الظاهر وتعلقوا بقوله عليه الصلاة والسلام : " لا يجزي ولد عن والده إلا أن يجده مملوكا فيعتقه " (٢) وأثبته الجمهور واختلفوا فيه. ففي المذهب ثلاثة أقوال المشهور منها عن مالك : أن العتق يختص بعمودي النسب والأخوة. والثاني : أنه يختص بعمودي النسب خاصة، ذكره ابن خويز منداد. والثالث : يتعلق (٣) بذوي الأرحام المحرمة، ذكره ابن القصار. وبما حكاه ابن خويز منداد(٤) قال الشافعي، وبما ذكره ابن القصار قال أبو حنيفة. فأما حجة من أنكر العتق بالحديث فضعيفة لأنه وإن كان أضاف العتق إلى الأب فليس المعنى أن ذلك باختياره بل أضاف العتق إليه لأنه كان عن أمر يكتسبه ويفعله وهو الشراء. وقد جاء في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من ملك ذا رحم محرم عليه فهو حر " (٥). وأما ما حكاه ابن القصار فحجته هذا الحديث. ومن حجة القول المشهور : أما في عتق البنوة فالآية التي ذكرناها وأما عتق الأبوة فقوله تعالى :﴿وبالوالدين إحسانا﴾ [الإسراء: ٢٣] وقوله تعالى :﴿فلا تقل لهما أف﴾ [الإسراء: ٢٣]. وأما عتق الأخوة فلقوله تعالى :﴿إني لا أملك إلا نفسي وأخي﴾ [المائدة: ٢٥] وبهذا تعلق أصحاب مالك في المسألة.
قالوا فلما استحال ملكه نفسه استحال ملكه أخاه لأنه ليس المراد بالملك في الآية ملك العبودية وإنما يراد ملك الطاعة والانقياد، فلهذه الآي وقع الاقتصار في المذهب (٦) على عتق عمودي النسب والإخوة لا أكثر. وكان الحديث في عتق ذوي الأرحام لم يثبت عند من ذهب إلى ذلك. قال إسماعيل القاضي في كتابه : إلا أن نقول إذا اشترى الوالد الولد فإن ملكه له يثبت لأنه لو لم يثبت لم يصح الشراء ولا بد من تصحيح الشراء ليزول ملك البائع ولا يزول ملكه إلا بصحة ملك المشتري، لكن لا يملكه الوالد إلا بقدر ما يصح به الانتقال وذلك لضرورة تصحيح الشراء ثم بعد ذلك يمتنع بثبوت ملك الوالد عليه لأنه لا يصح ملكه إياه. وقد قال بعض علمائنا : إن شراء الولد لا يثبت للوالد ملكا وإنما هو عقد عتق، ولا يقال إن الملك يثبت في زمان ويحصل العتق بعده في زمان آخر، لكن العتق يحصل مقارنا للشراء ويكون الشراء عقد عتق.
١ في غير (أ)، (و)، (ز): "عتق"..
٢ الحديث أخرجه مسلم، عن أبي هريرة، في صحيحه، كتاب العتق، باب: فضل عتق الوالد ٢/ ١١٤٨..
٣ في (ح): "متعلق"..
٤ من قوله: "والثالث.... إلى: ابن خويز منداد" كلام ساقط في (ب)، (هـ)، (و)..
٥ الحديث أخرجه أبو داود عن سمره. كتاب العتق، باب: فيمن ملك ذا رحم محرم ٤/ ٢٥٩..
٦ من قوله: "وإنما يراد... إلى: في المذهب" كلام ساقط في (د)، (هـ)..
مريم 19:93
قوله تعالى :﴿وما ينبغي للرحمان أن يتخذ ولدا ( ٩٢ ) إن كل من في السماوت والأرض إلا آتي الرحمان عبدا ( ٩٣ )﴾ :
فيه دليل على أن العبودية والبنوة لا تجتمع لأنه تعالى رد بهذه الآية إضافة الكفرة إليه الولد سبحانه، فدل ذلك على أن الولد لا يكون مملوكا لأبيه، فإذا ملكه أعتق(١) عليه. فإذا كان ذلك في الابن فالأب أولى. وهذه مسألة قد اختلف فيها، أعني عتق الأقارب جملة. فأنكره جماعة من أهل الظاهر وتعلقوا بقوله عليه الصلاة والسلام :" لا يجزي ولد عن والده إلا أن يجده مملوكا فيعتقه " (٢) وأثبته الجمهور واختلفوا فيه. ففي المذهب ثلاثة أقوال المشهور منها عن مالك : أن العتق يختص بعمودي النسب والأخوة. والثاني : أنه يختص بعمودي النسب خاصة، ذكره ابن خويز منداد. والثالث : يتعلق (٣) بذوي الأرحام المحرمة، ذكره ابن القصار. وبما حكاه ابن خويز منداد(٤) قال الشافعي، وبما ذكره ابن القصار قال أبو حنيفة. فأما حجة من أنكر العتق بالحديث فضعيفة لأنه وإن كان أضاف العتق إلى الأب فليس المعنى أن ذلك باختياره بل أضاف العتق إليه لأنه كان عن أمر يكتسبه ويفعله وهو الشراء. وقد جاء في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" من ملك ذا رحم محرم عليه فهو حر " (٥). وأما ما حكاه ابن القصار فحجته هذا الحديث. ومن حجة القول المشهور : أما في عتق البنوة فالآية التي ذكرناها وأما عتق الأبوة فقوله تعالى :﴿وبالوالدين إحسانا﴾ [الإسراء: ٢٣] وقوله تعالى :﴿فلا تقل لهما أف﴾ [الإسراء: ٢٣]. وأما عتق الأخوة فلقوله تعالى :﴿إني لا أملك إلا نفسي وأخي﴾ [المائدة: ٢٥] وبهذا تعلق أصحاب مالك في المسألة.
قالوا فلما استحال ملكه نفسه استحال ملكه أخاه لأنه ليس المراد بالملك في الآية ملك العبودية وإنما يراد ملك الطاعة والانقياد، فلهذه الآي وقع الاقتصار في المذهب (٦) على عتق عمودي النسب والإخوة لا أكثر. وكان الحديث في عتق ذوي الأرحام لم يثبت عند من ذهب إلى ذلك. قال إسماعيل القاضي في كتابه : إلا أن نقول إذا اشترى الوالد الولد فإن ملكه له يثبت لأنه لو لم يثبت لم يصح الشراء ولا بد من تصحيح الشراء ليزول ملك البائع ولا يزول ملكه إلا بصحة ملك المشتري، لكن لا يملكه الوالد إلا بقدر ما يصح به الانتقال وذلك لضرورة تصحيح الشراء ثم بعد ذلك يمتنع بثبوت ملك الوالد عليه لأنه لا يصح ملكه إياه. وقد قال بعض علمائنا : إن شراء الولد لا يثبت للوالد ملكا وإنما هو عقد عتق، ولا يقال إن الملك يثبت في زمان ويحصل العتق بعده في زمان آخر، لكن العتق يحصل مقارنا للشراء ويكون الشراء عقد عتق.
١ في غير (أ)، (و)، (ز): "عتق"..
٢ الحديث أخرجه مسلم، عن أبي هريرة، في صحيحه، كتاب العتق، باب: فضل عتق الوالد ٢/ ١١٤٨..
٣ في (ح): "متعلق"..
٤ من قوله: "والثالث.... إلى: ابن خويز منداد" كلام ساقط في (ب)، (هـ)، (و)..
٥ الحديث أخرجه أبو داود عن سمره. كتاب العتق، باب: فيمن ملك ذا رحم محرم ٤/ ٢٥٩..
٦ من قوله: "وإنما يراد... إلى: في المذهب" كلام ساقط في (د)، (هـ)..
طه 20:12
قوله تعالى :﴿فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى﴾ :
اختلف في المعنى الذي أمر له (١) بخلع النعلين. فقيل لأنهما كانتا من جلد حمار غير ذكي. وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم (٢). وقالت فرقة بل كانتا من جلد بقرة ذكي فأمر بخلعها لينال بركة الوادي المقدس بأن تمس التربة قدماه. وقيل بل أمره أن يتواضع لعظم الحال التي كان (٣) فيها، والعرف عند الملوك أن تخلع النعال تواضعا (٤) فأمر موسى بذلك على هذا الوجه ولا يبالى كانت النعال من ذكي أو غيره. ويختلف في جواز دخول المساجد بالنعال. وظاهر الآية يدل على وجوب نزعها في المساجد. وهذا القول الثاني في تفسيرها. والحجة في جواز ذلك ما ثبت من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في نعليه ويدخل بها مسجده والمسجد الحرام (٥). وإذا قلنا إنهما كانتا من جلد حمار ميت فمعناه أنه كان غير مدبوغ على القول بأن دباغ الأديم طهوره على ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام (٦). ويحتمل أن يقال كان مدبوغا على القول بأن الدباغ لا يطهره أو على القول بأن ذلك في شريعة موسى عليه السلام على أنه لا يطهره الدباغ ونسخ في شريعتنا (٧).
وفي اشتراط هذا القائل في جلد الحمار أنه من حمار ميت نظر لأن الحمار لا يجوز أكله في مشهور مذهب العلماء لما جاء من النهي عن ذلك (٨). وإذا لم يجز أكله فهل تعمل الذكاة فيه أم لا ؟ فيه نظر. وقد اختلفوا في ذلك، وإذا لم تعمل فيه الذكاة فهو ميتة ذكي أو لم يذك، فلا معنى لذلك الشرط.
١ في (أ)، (ز): "لأجله أمر"..
٢ أورد الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان على موسى يوم كلمه ربه كساء صوف وجبة صوف وسراويل صوف وكانت نعلاه من جلد حمار ميت. وقال هذا حديث غريب. راجع المحرر الوجيز ١١/ ٦٦..
٣ في (أ)، (ز): "كانت"..
٤ في (أ)، (د)، (و)، (ز): "عند التواضع"..
٥ فقد روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حافيا ومنتعلا. راجع سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب: الصلاة في النعل ١/ ٤٢٥..
٦ الحديث رواه أحمد عن سلمة بن المحبق في مسنده ٣/ ٤٧٦..
٧ قال أبو بكر الرازي: ليس في الآية دلالة على كراهة الصلاة والطواف في النعل. راجع أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٤٩..
٨ قد أخرج البخاري في صحيصه عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن أن نأكل لحوم الحمر الأهلية... كتاب الذبائح، باب: لحوم الحمر الأنسية ٧/ ١٢٣..
طه 20:14
قوله تعالى :﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ :
اختلف في اللام التي في :﴿لذكري﴾. فقيل هي لام سبب، واللفظ على هذا يحتمل تأويلين : أحدهما : أن يريد لتذكرني فيها (١) فيكون المصدر على هذا مضافا إلى المفعول، ويحتمل أن يريد لأذكرك في عليين بها فيكون المصدر على هذا مضافا إلى (٢) الفاعل. وقيل اللام بمنزلة (٣) عند. كأنه قال أقم الصلاة عند تذكرها، ورجح هذا بعض المتأخرين ورأى احتجاج النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الوادي عاضدا لذلك وهو قول ينبئ عن ظاهره اللفظ. وقرأ قوم للذكرى وقوم لذكري (٤) وقوم للذكر. وقد اختلف هل تقضى الفرائض في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها أم لا ؟ فعند مالك رحمه الله تعالى أنه يصليها متى ذكرها خلافا لأبي حنيفة. وحجة مالك قوله تعالى :﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن الله تعالى يقول :﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ " (٥). قال أبو الحسن : ومن السلف من قال لا تقضى الفائتة إلا في مثل وقتها فإذا فاتت الصبح لأحد صلاها من الغد. فهذا قول بعيد من مقتضى الآية (٦) واختلف أيضا فيمن صلى صلاة ثم ذكر بعد ذلك صلاة من يوم آخر فصلاها هل يعيد الصلاة الحاضرة التي صلى إذا بقي من وقتها شيء أم لا ؟ فقال الشافعي وغيره ليس ذلك عليه. وقال مالك وغيره ذلك عليه واستدل أهل المقالة الأولى بقوله صلى الله عليه وسلم : " من نسي صلاة فليصل متى ذكر " ولم يقل ليعد ما كان في وقته. والحجة لقول مالك قوله تعالى :﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ ودل هذا أن وقت الذكر وقت الصلاة المنسية. وإذا اجتمعت صلاتان في وقت واحد فالواجب تقديم الأولى. واستدل مالك بآخر الحديث، واستدل الشافعي بأوله. واختلف فيمن فاتته صلاة الصبح هل يصلي قبلها ركعتي الفجر أم لا ؟ فروى ابن وهب عن مالك أنه لا يركع حتى يصلي الفريضة. وقال أشهب وعلي بن زياد يركع، وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وحجة القول الأول قوله تعالى :﴿وأقم الصلاة لذكري﴾، وقوله عليه الصلاة والسلام : " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها " (٧) فهذا ينفي فعل صلاة قبلها. واختلف أيضا هل للصلاة الفائتة أذان أو إقامة على ثلاثة أقوال. فقال مالك والشافعي وغيرهما يقام لها ولا يؤذن. وقال ابن حنبل وأبو حنيفة يؤذن ويقام. وقال سفيان لا يؤذن لها ولا يقام. ومن حجة من لا يرى الإقامة قوله تعالى :﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ لأن ظاهره الإقامة المعلومة (٨) وقد اختلف فيما جاء في حديث الوادي من أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يقتادوا رواحلهم منه وقد فاته وقت الصلاة مع وجوب المبادرة إلى الصلاة الفائتة بإثر الاستيقاظ هل هو منسوخ بهذه الآية أم لا ؟ قال ابن دينار وابن وهب هو منسوخ. قال عيسى : نسخه قوله تعالى :﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ وقوله عليه الصلاة والسلام : " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ". وقال قوم ليس بمنسوخ. واختلفوا في وجه الحديث، فقال بعضهم (٩) إنما أمرهم بذلك لأن لا يبقى من أصحابه نائم. وقال بعضهم قد علل صلى الله عليه وسلم الوجه في ذلك بما جاء من حديث زيد بن أسلم أن هذا واد به شيطان. وذهب أبو حنيفة إلى تأخير رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة وأمر بالاقتياد إنما كان لأنه انتبه في حين طلوع الشمس ولا يجوز قضاء الفوائت في ذلك الوقت فلذلك أمرهم بالاقتياد إلى أن ترتفع الشمس عن الأفق. وهذا الذي ذكره غير صحيح. وفي هذا الحديث ما يرده لأن في حديث عمران بن حصين (١٠) : فما استيقظنا حتى أيقظنا حر الشمس. ولا يكون ذلك إلا بعد تمكن ارتفاعها.
١ نسبه ابن العربي إلى مجاهد. راجع أحكام القرآن ٣/ ١٢٤٥..
٢ من قوله: "المفعول.... إلى: مضافا إلى" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
٣ في (أ)، (ز): "بمعنى"..
٤ قال الكيا: صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نام عن صلاة الصبح فصلاها بعد طلوع الشمس وقال: "إن الله تعالى يقول: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾". راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٧٣..
٥ من قوله: "وجاء عن النبي... إلى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾" كلام ساقط في (أ)، (ز). والحديث أخرجه النسائي عن أنس بن مالك في كتاب المواقيت باب: فيمن نام عن صلاة ١/ ٢٩٤..
٦ راجع قول أبي الحسن في أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٧٤. والقول بوجوب الترتيب للجصاص. راجع أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٥١..
٧ الحديث أخرجه البخاري عن أنس. كتاب مواقيت الصلاة، باب: من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها ١/ ١٤٨. والنسائي عن أنس أيضا، كتاب المواقيت، باب: فيمن نسي صلاة ١/ ٢٩٣..
٨ راجع نحو ذلك في الجامع لأحكام القرآن ١١/ ١٧٩، وفي أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٥٠، ٥١، وفي أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٤٦..
٩ في (أ)، (ز): "قوم"..
١٠ عمران بن حصين بن عبيد الخزاعي، من علماء الصحابة. بعثه عمر ليفقه أهل البصرة، وولاه يزيد قضاءها، وتوفي بها. انظر الأعلام ٥/ ٢٣٢، ٢٣٣..
طه 20:130
قوله تعالى :﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى﴾ :
اختلف في تأويل الآية فقال أكثر المفسرين هي إشارة إلى الصلوات الخمس. فقبل طلوع الشمس صلاة الصبح، وقبل غروبها صلاة العصر ومن آناء الليل صلاة العتمة وأطراف النهار المغرب والظهر. وقال بعضهم آناء الليل (١) المغرب والعشاء وأطراف النهار الظهر وحدها وقبل الطلوع الصبح وقبل الغروب العصر. وقال بعضهم في الآية إشارة إلى نوافل، منها آناء الليل ومنها قبل طلوع الشمس ركعتا الفجر والصبح، والمغرب أطراف النهار والعصر قبل الغروب. وقيل إنما قال وأطراف النهار لأن له أربعة أطراف : وقوف الشمس للزوال، والزوال، وطلوع الشمس وغروبها، فصلاة الظهر في آخر طرف النهار الأول، زواله طرفه الثاني (٢).
١ من قوله: "صلاة العتمة.... إلى: آناء الليل" كلام ساقط في (ح)..
٢ راجع مختلف هذه الأقوال في المحرر الوجيز ١١/ ١١٥. وفي الجامع لأحكام القرآن ١١/ ٢٦١..
طه 20:131
قوله تعالى :﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به.....﴾ إلى قوله تعالى :﴿واصطبر عليها﴾ :
في هذه الآية النهي عن التشوف إلى ما في أيدي الناس. وقد كان ابن الزبير يتمثل بالآية في ذلك.
طه 20:132
وقوله تعالى :﴿وأمر أهلك بالصلاة﴾ أمر بأن يأمر الإنسان أهله بالصلاة، وقد كان عمر يفعل هذا ويتمثل بالآية.
الأنبياء 21:78
قوله تعالى :﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث....﴾ إلى قوله تعالى :﴿وعلما﴾ :
تفسير ما جاء في هذه الآية أن داود عليه السلام كان من بني إسرائيل وكان يحكم بين الناس فوقعت بين يديه هذه النازلة وكان ابنه سليمان إذ ذاك قد كبر، وكان يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم (١)، وكانوا يدخلون من باب ويخرجون من آخر. فتخاصم إلى داود عليه السلام رجلان : أحدهما : له زرع (٢) وقيل له كرم (٣) ويقال لهما جميعا حرث والآخر : له غنم. وذكر صاحب الحرث أن غنم صاحبه دخلت حرثه فأفسدته عليه فرأى داود أن يدفع صاحب الغنم غنمه إلى صاحب الحرث. واختلف الناس هنا. فقال بعضهم على أن يبقى حرثه بيده. وقال آخرون بل دفع صاحب الغنم غنمه إلى صاحب الحرث ودفع صاحب الحرث حرثه إلى صاحب الغنم. فلما خرج الخصمان على سليمان تشكى صاحب الغنم. فجاء سليمان إلى داود فقال : يا نبي الله إنك حكمت بكذا وكذا، وإني رأيت ما هو أرفق بالجميع. فقال وما هو ؟ قال : أن يدفع إلى صاحب الزرع الغنم ليصيب من ألبانها وأصوافها حتى يعود الزرع كما كان. وقيل إنه قال أن يأخذ صاحب الغنم الحرث يقوم عليه ويصلحه حتى يعود كما كان، ويأخذ صاحب الحرث الغنم في تلك المدة ينتفع بمرافقها من لبن وصوف ونسل وغير ذلك، وإذا عاد الحرث إلى هيئته صرف كل واحد مال صاحبه. فقال داود : وفقت يا بني. وقضى بينهما بذلك(٤) واختلف هل حكم كل واحد منهما باجتهاد أو بتوقيف ووحي. فذهب الجمهور إلى أن حكمهما إنما كان عن اجتهاد. قال بعضهم : اجتهد داود فلم يصب الأشبه وأصابه سليمان. وقال آخرون بل أخطأ خطأ مغفورا له (٥). وذهب قوم إلى أنه عن توقيف ووحي، منهم ابن فورك، وحمل قوله تعالى :﴿ففهمناها سليمان﴾ أي فهمناه القضاء الفاصل الذي أراد الله تعالى أن يستقر في النازلة (٦). وعلى هذا يكون (٧) حكم سليمان ناسخا لحكم داود على حقيقة النسخ. وهذا تأويل بعيد، بل الأولى أن يحمل على ظاهره من أنه فهمها الله تعالى سليمان فحكم فيها برأيه. وعلى هذا الاختلاف يأتي اختلاف الأصوليين في جواز تعبد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالاجتهاد. فمنهم من أجازه ومنهم من منعه (٨) وأما الوقوع فاختلفوا فيه على ثلاثة أقوال : قال به قوم وعلى ذلك يحملون الآية، ونفاه آخرون وتأولوا الآية على مذهبهم، وتوقف قوم إذ لم يثبت فيه قاطع. واختلف الأصوليون هل كل مجتهد في المسائل الضمنية مصيب أم لا اختلافا كثيرا. فذهب قوم إلى أن كل مجتهد مصيب وأنه ليس في الواقعة حكم معين يطلب بالظن بل الحكم يتعين بالظن. وإليه ذهب القاضي (٩). وذهب قوم إلى أن كل مجتهد مصيب إلا أنهم رأوا في النازلة المحكوم فيها حكما معينا يتوجه إليه الطلب إذ لا بد للطلب من مطلوب، لكن لم يكلف المجتهد إصابته فبذلك كان مصيبا وإن أخطأ ذلك الحكم المعين، بمعنى أنه أدى ما كلف وأصاب ما عليه. وذهب قوم إلى أن المصيب واحد وأن في الواقعة حكما معينا. واختلف الذين ذهبوا إلى هذا القول بعد ذلك في الدليل على ذلك الحكم اختلافا كثيرا ليس هذا بموضع ذكره، ومن أبين ما يحتجون به هذه الآية لأنه تعالى قال :﴿ففهمناها سليمان﴾، قالوا يدل على اختصاص سليمان بإدراك الحق وأن الحق واحد. فأجابت المصوبة (١٠) عن هذا بأجوبة لا يتبين الانفصال بها (١١) منها، وإن قال بل الآية على نقيض مذهبكم (١٢) أدل لأنه تعالى قال :﴿وكلا آتينا حكما وعلما﴾، والباطل والخطأ لا يكون حكما. ومن قضى بخلاف حكم الله تعالى لا يوصف بأنه حكم الله سبحانه وأنه الحكم والعلم الذي أنزل الله عز وجل لا سيما في معرض المدح والثناء. فإن قيل فما معنى قوله تعالى :﴿ففهمناها سليمان﴾ فالجواب عن ذلك من وجهين : أحدهما : أن يقال لا يلزمنا ذكر ذلك بعد أن أبطلنا نسبة الخطأ إلى داود. والثاني : أن يقال معناه أنه فهم الحكم الذي هو أرجح في النازلة. ومنها أنه يحتمل أنهما كانا مأذونا لهما في الحكم باجتهادهما فحكما وهما محقان. ثم نزل الوحي على وفق اجتهاد سليمان، فصار ذلك حقا متعينا بنزول الوحي على سليمان بخلافها لكن لنزوله على سليمان أضيف إليه. ويتعين تنزيل ذلك على الوحي إذا قد نقل المفسرون أن سليمان حكم بأن تسلم الماشية إلى صاحب الزرع حتى ينتفع بدرها ونسلها وصوفها حولا كاملا. وهذا إنما يكون حقا وعدلا إذا علم أن الحاصل منه في جميع السنة يساوي ما تلف على صاحب الزرع، وذلك لا يدركه علام الغيوب ولا يدرك بالاجتهاد. ويتعلق بهذه (١٣) الآية رجوع الحاكم بعض قضائه إلى (١٤) اجتهاد آخر أرجح منه، فإن داود عليه السلام قد فعل ذلك في هذه النازلة. وقد اختلف في ذلك، فقال مطرف وابن الماجشون ذلك له ما دام في ولايته، وهو ظاهر قول مالك. وقال سحنون وابن عبد الحكم ليس له ذلك إذا وافق قولا. وقال أشهب إن كان ذلك في مال فله نقض الأول وإن في نكاح أو طلاق أو عتق فليس له نقضه. وحجة القول الأول الآية، وما كان من داود من الرجوع (١٥).
– وقوله تعالى :﴿إذ نفشت فيه غنم القوم﴾ :
النفش بالليل، والهمل بالنهار وقيل في الليل والنهار. وقد رأى بعضهم أن هذه الآية اقتضت تضمين أرباب المواشي ما أفسدت بالليل دون النهار وكذلك سائر الدواب. قال لأن النفش لا يكون إلا بالليل (١٦). وهذه مسألة قد اختلف فيها عندنا على أقوال : أحدها : أن كل دابة مرسلة فصاحبها ضامن ليلا كان أو نهارا يضمن قيمة ما أفسدت كائنا ما كان، وإلى نحو هذا ذهب عطاء. والثاني : أن (١٧) صاحبها ضامن ليلا كان (١٨) أو نهارا ولا يضمن أكثر من قيمة الدابة وهو قول الليث بن سعد. والثالث : أنه ضامن لما أصابت بالليل ما عدا الدماء ولا يضمن ما أصابت بالنهار وهو قول مالك والشافعي. والرابع : أنه غير ضامن ما أصابت (١٩) ليلا كان أو نهارا وهو قول أبي حنيفة والثوري في أحد قوليه. والخامس : أنه يضمن بالليل دون النهار في الحيطان المخطرة، وأما غير المخطرة فيضمن أرباب الغنم ما أفسدت من ليل أو نهار، وهذا القول في كتاب ابن سحنون. والسادس الفرق بين الأموال والدماء. وضعف أبو الوليد الباجي الحجة بالآية على تضمين أرباب المواشي بالليل، قال : لأنه لو كان في الآية التصريح بالحكم أنه ضمن أهل الماشية التي نفشت لم يكن نفي الحكم بذلك في الراعية بالنهار إلا من دليل الخطاب وليس عندي ذلك دليل صحيح، فكيف والآية لم تتضمن تفسير الحكم ولا ثبوته وإنما فسر ذلك أقوال تفسير ولا حجة فيها. وحجة مالك في التضمين بالليل دون النهار الآية. وقد جاء في الحديث ما يعضدها وذلك أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائط قوم فأفسدت فيه، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحائط حفظها بالنهار وإنما ما أفسدت المواشي بالليل مضمون(٢٠) على أهلها. وعن الزهري أن شاة وقعت في كرى حائط فاختصموا إلى شريح، فقال الشعبي : انظروا ليلا وقعت فيه أو نهارا، فإن كان بالليل ضمن صاحبها وإن كان بالنهار لم يضمن ثم قرأ :﴿إذ نفشت فيه غنم القوم﴾، فالآية على هذا في التضمين لما أفسدت الماشية بالليل محكمة جاريا على أحكام شرعنا. واحتج من لم ير التضمين ليلا كان أو نهارا بقوله عليه الصلاة والسلام : " جرح العجماء جبار " (٢١) وحملوه على العموم ورأوه ناسخا للآية. وهذا القول ضعيف من أوجه : أحدها : أنه لا يصح النسخ إلا على القول بأن شريعة من قبلنا لازمه لنا. والثاني : أنه لا يصح النسخ إلا على القول بجواز نسخ القرآن بالسنة المتواترة، ومن يسلم أن هذا الحديث متواتر. والثالث : أنه قد يمكن الجمع بين الآية والحديث فلم يضطر إلى النسخ وذلك أن الحديث عام يحتمل الخصوص، فيحتمل أن يريد بذلك فيما ليس على صاحب العجماء حفظها منه. فأما ما على صاحبها حفظها منه ثم أصابته فليس بجبار. وأما صفة التضمين الذي جاء في قصص الآية فمنها ما يحتمل أن يخرج على شرعنا، وذلك ما قضى به داود من أن (٢٢) الغنم لصاحب الزرع، فيحتمل أن تكون قيمة الزرع على الرجاء والخوف مثل قيمة الغنم أو أكثر ولا مال لصاحب الغنم غيرها، فلذلك قضى بها لصاحب الزرع. وأما تضمين سليمان فليس بخارج عن مألوف شرعنا. وحكا أبو الحسن أن الحسن صار إلى مثل ما حكم به سليمان من أن تدفع الغنم إلى صاحب الزرع ليصيب من ألبانها وأصوافها حتى يعود الزرع كما كان. قال وإنما صار إلى ذلك إذ لم ير في شرعنا ناسخا مقطوعا به عنده(٢٣).
١ "الخصوم" كلمة ساقطة في (أ)..
٢ قاله قتادة. راجع أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٥٤..
٣ قاله ابن مسعود وشريح. راجع الجامع لأحكام القرآن ١١/ ٣٠٧..
٤ راجع القصة في المحرر الوجيز ١١/ ١٥٠، وفي الجامع لأحكام القرآن ١١/ ٣٠٦..
٥ ذكره الكيا الهراسي في أحكام القرآن ٤/ ٢٥٧..
٦ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١١/ ١٥٠..
٧ "يكون" كلمة ساقطة في (ب)، (هـ)..
٨ قال الفخر الرازي: احتج الجبائي على أن الاجتهاد غير جائز من الأنبياء عليهم السلام بأمور... راجع القول في التفسير الكبير ٢٢/ ١٩٦. وقال ابن عاشور:.... وهو جار على القول الصحيح من جواز الاجتهاد للأنبياء ولنبينا عليهم الصلاة والسلام. راجع التحرير والتنوير ١٧/ ١١٧..
٩ من قوله: "فذهب قوم... إلى قوله: ذهب القاضي" كلام ساقط في (ب)، (ح)، (هـ)..
١٠ "المصوبة" كلمة ساقطة في (ب)..
١١ "بها" كلمة ساقطة في (هـ)..
١٢ في (ج)، (ح): "مذهبهم"..
١٣ "بهذه" كلمة ساقطة في (ج)، (ح)..
١٤ في غير (أ)، (ز): "في"..
١٥ راجع مختلف هذه الأقوال في أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٥٤، ١٢٥٥، وفي المحرر الوجيز ١١/ ١٥٠ – ١٥٤، وفي الجامع لأحكام القرآن ١١/ ٣٠٩ – ٣١٣..
١٦ قال ابن العربي: قال مالك وأبو حنيفة والشافعي: لا ضمان على أرباب المواشي فيما أصابت بالنهار.... وقال الليث يضمن أرباب المواشي بالليل والنهار. راجع أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٥٦..
١٧ "أن" ساقط في (أ)، (ب)، (ح)..
١٨ " كان" ساقط في (ب)، (ج)، (ح)، (هـ)..
١٩ من قوله: "بالليل.... إلى: ما أصبت" كلام ساقط في (ح)..
٢٠ في غير (أ)، (ز): "ضامن"..
٢١ الحديث أخرجه النسائي عن أبي هريرة. كتاب الزكاة، باب: المعدن ٥/ ٤٥..
٢٢ "أن" ساقط في غير (أ)، (ز)..
٢٣ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٧٥..
الأنبياء 21:79
قوله تعالى :﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث....﴾ إلى قوله تعالى :﴿وعلما﴾ :
تفسير ما جاء في هذه الآية أن داود عليه السلام كان من بني إسرائيل وكان يحكم بين الناس فوقعت بين يديه هذه النازلة وكان ابنه سليمان إذ ذاك قد كبر، وكان يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم (١)، وكانوا يدخلون من باب ويخرجون من آخر. فتخاصم إلى داود عليه السلام رجلان : أحدهما : له زرع (٢) وقيل له كرم (٣) ويقال لهما جميعا حرث والآخر : له غنم. وذكر صاحب الحرث أن غنم صاحبه دخلت حرثه فأفسدته عليه فرأى داود أن يدفع صاحب الغنم غنمه إلى صاحب الحرث. واختلف الناس هنا. فقال بعضهم على أن يبقى حرثه بيده. وقال آخرون بل دفع صاحب الغنم غنمه إلى صاحب الحرث ودفع صاحب الحرث حرثه إلى صاحب الغنم. فلما خرج الخصمان على سليمان تشكى صاحب الغنم. فجاء سليمان إلى داود فقال : يا نبي الله إنك حكمت بكذا وكذا، وإني رأيت ما هو أرفق بالجميع. فقال وما هو ؟ قال : أن يدفع إلى صاحب الزرع الغنم ليصيب من ألبانها وأصوافها حتى يعود الزرع كما كان. وقيل إنه قال أن يأخذ صاحب الغنم الحرث يقوم عليه ويصلحه حتى يعود كما كان، ويأخذ صاحب الحرث الغنم في تلك المدة ينتفع بمرافقها من لبن وصوف ونسل وغير ذلك، وإذا عاد الحرث إلى هيئته صرف كل واحد مال صاحبه. فقال داود : وفقت يا بني. وقضى بينهما بذلك(٤) واختلف هل حكم كل واحد منهما باجتهاد أو بتوقيف ووحي. فذهب الجمهور إلى أن حكمهما إنما كان عن اجتهاد. قال بعضهم : اجتهد داود فلم يصب الأشبه وأصابه سليمان. وقال آخرون بل أخطأ خطأ مغفورا له (٥). وذهب قوم إلى أنه عن توقيف ووحي، منهم ابن فورك، وحمل قوله تعالى :﴿ففهمناها سليمان﴾ أي فهمناه القضاء الفاصل الذي أراد الله تعالى أن يستقر في النازلة (٦). وعلى هذا يكون (٧) حكم سليمان ناسخا لحكم داود على حقيقة النسخ. وهذا تأويل بعيد، بل الأولى أن يحمل على ظاهره من أنه فهمها الله تعالى سليمان فحكم فيها برأيه. وعلى هذا الاختلاف يأتي اختلاف الأصوليين في جواز تعبد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالاجتهاد. فمنهم من أجازه ومنهم من منعه (٨) وأما الوقوع فاختلفوا فيه على ثلاثة أقوال : قال به قوم وعلى ذلك يحملون الآية، ونفاه آخرون وتأولوا الآية على مذهبهم، وتوقف قوم إذ لم يثبت فيه قاطع. واختلف الأصوليون هل كل مجتهد في المسائل الضمنية مصيب أم لا اختلافا كثيرا. فذهب قوم إلى أن كل مجتهد مصيب وأنه ليس في الواقعة حكم معين يطلب بالظن بل الحكم يتعين بالظن. وإليه ذهب القاضي (٩). وذهب قوم إلى أن كل مجتهد مصيب إلا أنهم رأوا في النازلة المحكوم فيها حكما معينا يتوجه إليه الطلب إذ لا بد للطلب من مطلوب، لكن لم يكلف المجتهد إصابته فبذلك كان مصيبا وإن أخطأ ذلك الحكم المعين، بمعنى أنه أدى ما كلف وأصاب ما عليه. وذهب قوم إلى أن المصيب واحد وأن في الواقعة حكما معينا. واختلف الذين ذهبوا إلى هذا القول بعد ذلك في الدليل على ذلك الحكم اختلافا كثيرا ليس هذا بموضع ذكره، ومن أبين ما يحتجون به هذه الآية لأنه تعالى قال :﴿ففهمناها سليمان﴾، قالوا يدل على اختصاص سليمان بإدراك الحق وأن الحق واحد. فأجابت المصوبة (١٠) عن هذا بأجوبة لا يتبين الانفصال بها (١١) منها، وإن قال بل الآية على نقيض مذهبكم (١٢) أدل لأنه تعالى قال :﴿وكلا آتينا حكما وعلما﴾، والباطل والخطأ لا يكون حكما. ومن قضى بخلاف حكم الله تعالى لا يوصف بأنه حكم الله سبحانه وأنه الحكم والعلم الذي أنزل الله عز وجل لا سيما في معرض المدح والثناء. فإن قيل فما معنى قوله تعالى :﴿ففهمناها سليمان﴾ فالجواب عن ذلك من وجهين : أحدهما : أن يقال لا يلزمنا ذكر ذلك بعد أن أبطلنا نسبة الخطأ إلى داود. والثاني : أن يقال معناه أنه فهم الحكم الذي هو أرجح في النازلة. ومنها أنه يحتمل أنهما كانا مأذونا لهما في الحكم باجتهادهما فحكما وهما محقان. ثم نزل الوحي على وفق اجتهاد سليمان، فصار ذلك حقا متعينا بنزول الوحي على سليمان بخلافها لكن لنزوله على سليمان أضيف إليه. ويتعين تنزيل ذلك على الوحي إذا قد نقل المفسرون أن سليمان حكم بأن تسلم الماشية إلى صاحب الزرع حتى ينتفع بدرها ونسلها وصوفها حولا كاملا. وهذا إنما يكون حقا وعدلا إذا علم أن الحاصل منه في جميع السنة يساوي ما تلف على صاحب الزرع، وذلك لا يدركه علام الغيوب ولا يدرك بالاجتهاد. ويتعلق بهذه (١٣) الآية رجوع الحاكم بعض قضائه إلى (١٤) اجتهاد آخر أرجح منه، فإن داود عليه السلام قد فعل ذلك في هذه النازلة. وقد اختلف في ذلك، فقال مطرف وابن الماجشون ذلك له ما دام في ولايته، وهو ظاهر قول مالك. وقال سحنون وابن عبد الحكم ليس له ذلك إذا وافق قولا. وقال أشهب إن كان ذلك في مال فله نقض الأول وإن في نكاح أو طلاق أو عتق فليس له نقضه. وحجة القول الأول الآية، وما كان من داود من الرجوع (١٥).
– وقوله تعالى :﴿إذ نفشت فيه غنم القوم﴾ :
النفش بالليل، والهمل بالنهار وقيل في الليل والنهار. وقد رأى بعضهم أن هذه الآية اقتضت تضمين أرباب المواشي ما أفسدت بالليل دون النهار وكذلك سائر الدواب. قال لأن النفش لا يكون إلا بالليل (١٦). وهذه مسألة قد اختلف فيها عندنا على أقوال : أحدها : أن كل دابة مرسلة فصاحبها ضامن ليلا كان أو نهارا يضمن قيمة ما أفسدت كائنا ما كان، وإلى نحو هذا ذهب عطاء. والثاني : أن (١٧) صاحبها ضامن ليلا كان (١٨) أو نهارا ولا يضمن أكثر من قيمة الدابة وهو قول الليث بن سعد. والثالث : أنه ضامن لما أصابت بالليل ما عدا الدماء ولا يضمن ما أصابت بالنهار وهو قول مالك والشافعي. والرابع : أنه غير ضامن ما أصابت (١٩) ليلا كان أو نهارا وهو قول أبي حنيفة والثوري في أحد قوليه. والخامس : أنه يضمن بالليل دون النهار في الحيطان المخطرة، وأما غير المخطرة فيضمن أرباب الغنم ما أفسدت من ليل أو نهار، وهذا القول في كتاب ابن سحنون. والسادس الفرق بين الأموال والدماء. وضعف أبو الوليد الباجي الحجة بالآية على تضمين أرباب المواشي بالليل، قال : لأنه لو كان في الآية التصريح بالحكم أنه ضمن أهل الماشية التي نفشت لم يكن نفي الحكم بذلك في الراعية بالنهار إلا من دليل الخطاب وليس عندي ذلك دليل صحيح، فكيف والآية لم تتضمن تفسير الحكم ولا ثبوته وإنما فسر ذلك أقوال تفسير ولا حجة فيها. وحجة مالك في التضمين بالليل دون النهار الآية. وقد جاء في الحديث ما يعضدها وذلك أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائط قوم فأفسدت فيه، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحائط حفظها بالنهار وإنما ما أفسدت المواشي بالليل مضمون(٢٠) على أهلها. وعن الزهري أن شاة وقعت في كرى حائط فاختصموا إلى شريح، فقال الشعبي : انظروا ليلا وقعت فيه أو نهارا، فإن كان بالليل ضمن صاحبها وإن كان بالنهار لم يضمن ثم قرأ :﴿إذ نفشت فيه غنم القوم﴾، فالآية على هذا في التضمين لما أفسدت الماشية بالليل محكمة جاريا على أحكام شرعنا. واحتج من لم ير التضمين ليلا كان أو نهارا بقوله عليه الصلاة والسلام :" جرح العجماء جبار " (٢١) وحملوه على العموم ورأوه ناسخا للآية. وهذا القول ضعيف من أوجه : أحدها : أنه لا يصح النسخ إلا على القول بأن شريعة من قبلنا لازمه لنا. والثاني : أنه لا يصح النسخ إلا على القول بجواز نسخ القرآن بالسنة المتواترة، ومن يسلم أن هذا الحديث متواتر. والثالث : أنه قد يمكن الجمع بين الآية والحديث فلم يضطر إلى النسخ وذلك أن الحديث عام يحتمل الخصوص، فيحتمل أن يريد بذلك فيما ليس على صاحب العجماء حفظها منه. فأما ما على صاحبها حفظها منه ثم أصابته فليس بجبار. وأما صفة التضمين الذي جاء في قصص الآية فمنها ما يحتمل أن يخرج على شرعنا، وذلك ما قضى به داود من أن (٢٢) الغنم لصاحب الزرع، فيحتمل أن تكون قيمة الزرع على الرجاء والخوف مثل قيمة الغنم أو أكثر ولا مال لصاحب الغنم غيرها، فلذلك قضى بها لصاحب الزرع. وأما تضمين سليمان فليس بخارج عن مألوف شرعنا. وحكا أبو الحسن أن الحسن صار إلى مثل ما حكم به سليمان من أن تدفع الغنم إلى صاحب الزرع ليصيب من ألبانها وأصوافها حتى يعود الزرع كما كان. قال وإنما صار إلى ذلك إذ لم ير في شرعنا ناسخا مقطوعا به عنده(٢٣).
١ "الخصوم" كلمة ساقطة في (أ)..
٢ قاله قتادة. راجع أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٥٤..
٣ قاله ابن مسعود وشريح. راجع الجامع لأحكام القرآن ١١/ ٣٠٧..
٤ راجع القصة في المحرر الوجيز ١١/ ١٥٠، وفي الجامع لأحكام القرآن ١١/ ٣٠٦..
٥ ذكره الكيا الهراسي في أحكام القرآن ٤/ ٢٥٧..
٦ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١١/ ١٥٠..
٧ "يكون" كلمة ساقطة في (ب)، (هـ)..
٨ قال الفخر الرازي: احتج الجبائي على أن الاجتهاد غير جائز من الأنبياء عليهم السلام بأمور... راجع القول في التفسير الكبير ٢٢/ ١٩٦. وقال ابن عاشور:.... وهو جار على القول الصحيح من جواز الاجتهاد للأنبياء ولنبينا عليهم الصلاة والسلام. راجع التحرير والتنوير ١٧/ ١١٧..
٩ من قوله: "فذهب قوم... إلى قوله: ذهب القاضي" كلام ساقط في (ب)، (ح)، (هـ)..
١٠ "المصوبة" كلمة ساقطة في (ب)..
١١ "بها" كلمة ساقطة في (هـ)..
١٢ في (ج)، (ح): "مذهبهم"..
١٣ "بهذه" كلمة ساقطة في (ج)، (ح)..
١٤ في غير (أ)، (ز): "في"..
١٥ راجع مختلف هذه الأقوال في أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٥٤، ١٢٥٥، وفي المحرر الوجيز ١١/ ١٥٠ – ١٥٤، وفي الجامع لأحكام القرآن ١١/ ٣٠٩ – ٣١٣..
١٦ قال ابن العربي: قال مالك وأبو حنيفة والشافعي: لا ضمان على أرباب المواشي فيما أصابت بالنهار.... وقال الليث يضمن أرباب المواشي بالليل والنهار. راجع أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٥٦..
١٧ "أن" ساقط في (أ)، (ب)، (ح)..
١٨ " كان" ساقط في (ب)، (ج)، (ح)، (هـ)..
١٩ من قوله: "بالليل.... إلى: ما أصبت" كلام ساقط في (ح)..
٢٠ في غير (أ)، (ز): "ضامن"..
٢١ الحديث أخرجه النسائي عن أبي هريرة. كتاب الزكاة، باب: المعدن ٥/ ٤٥..
٢٢ "أن" ساقط في غير (أ)، (ز)..
٢٣ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٧٥..
الأنبياء 21:90
قوله تعالى :﴿ويدعوننا رغبا ورهبا﴾ :
اختلف في معناه. فقيل رجاء وخوفا، وهو قول الجمهور. وقال بعضهم الرغب أن ترفع بطون الأكف نحو السماء والرهب أن ترفع ظهورها. وفي الآية على هذا القول دليل على جواز رفع الأيدي في الدعاء. وقد اختلف في ذلك، وقد مر الكلام على هذا المعنى فلا معنى لإعادته. والله الموفق لا رب سواه (١).
١ "والله الموفق لا رب سواه" كلام ساقط في غير (أ)، (ز)..
الحج 22:2
قوله تعالى :﴿يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها﴾ :
اختلف في الزلزلة المذكورة هل تكون في الدنيا على من تقوم عليه القيامة أم هي يوم القيامة على جميع العالم. فقال الجمهور هي في الدنيا، والضمير في ﴿ترونها﴾ عائد على الزلزلة وقال هؤلاء إن الرضاع والحمل لا يكون إلا في الدنيا، وعضدوا به مذهبهم. وقال قوم هي في يوم القيامة، والضمير في :﴿ترونها﴾ عائد على الساعة أي يوم ترون ابتداءها في الدنيا، وإن لم يعيدوا الضمير على الزلزلة لئلا يلزمهم أن يكون الحمل والرضاع في يوم القيامة. وقال بعضهم بل هي في يوم القيامة والضمير في ﴿ترونها﴾ عائد على الزلزلة، وزعموا أن المراد بكل ذات حمل من مات من الإناث وولدها في جوفها (١) ويجعلون المرضعة – والله تعالى أعلم – من كانت مرضعة في الدنيا، واحتج بهذا التأويل من يقول أن المرأة إذا ماتت بجنين في بطنها لم يبقر عليه، وهو قول ابن القاسم، خلاف قول أشهب.
١ نسبة ابن عطية إلى النقاش، وقال: وهذا ضعيف. راجع المحرر الوجيز ١١/ ١٧٤..
الحج 22:5
قوله تعالى :﴿فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة....﴾ إلى قوله تعالى :﴿ومنكم من يرد إلى أرذل العمر﴾ :
قال ابن مسعود : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو الصادق المصدق – يقول : " يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة أربعين يوما ثم يكون مضغة أربعين ثم يبعث الله ملكا فيقول اكتب عمله ورزقه وأجله واكتب شقيا أو سعيدا.... " الحديث (١). وقوله :﴿من تراب﴾، يريد آدم من تراب، فأنتم من تراب لأنكم من نسله، ومن كان أصله تربا فهو ترب. وقوله تعالى :﴿ثم من نطفة﴾ يريد المني الذي يكون منه الخلق وخصه بعضهم ببني آدم (٢). وقوله تعالى :﴿ثم من علقة﴾ يريد الدم الذي تعود النطفة إليه، والعلق الدم العبيط. وقيل (٣) العلق الشديد الحمرة فسمي الدم بذلك. وقوله تعالى :﴿من مضغة﴾ يريد مضغة على قدر ما يمضغ. قال زهير (٤) :
تلجلج مضغة فيها أنيص؍ أطلت فهي تحت الكشح داء؍
وقوله تعالى :﴿مخلقة وغير مخلقة﴾ : قال مجاهد مصورة وغير مصورة، وقال قتادة تامة الخلق وغير تامة الخلق، وقال الشعبي : النطفة والعلقة والمضغة إذا بلغت في الخلق الرابع كانت مخلقة، وإذا نزفها الرحم قبل ذلك كانت غير مخلقة (٥). واختلف في الذي نعت به (٦) مخلقة وغير مخلقة. فقيل ذلك من نعت مضغة، وقيل من نعت نطفة، وعلى قول الشافعي من نعت النطفة والعلقة والمضغة. وقد اختلف في الذي تكون به الجارية أم ولد اختلافا كثيرا. فذهب ابن القاسم – ورواه عن مالك – إلى أنها تكون أم ولد بالعلقة (٧) وقد ذكرنا أن العلقة الدم والمضغة ما فوقها.
وقال أشهب لا تكون أم ولد بالعقة- يريد والله تعالى أعلم- أنها تكون أم ولد بالمضغة فأعلى، وهو قول الأوزاعي وغيره (٨).
وذهب الشافعي إلى أنها لا تكون أم ولد حتى يتم شيء من خلقه، عين أو ظفر أو ما أشبه ذلك، وهو قول أبي حنيفة. والأظهر مذهب مالك رحمه الله تعالى لأن الله تعالى قد جعل درجات خلقه من نطفة إلى علقة إلى مضغة، والنطفة لما كانت المني لم يجب أن تكون الجارية بها أم ولد لأنها بعد لم يحدث فيها الرحم شيئا لم يكن قبل، فإذا صار علقة فقد أحدث الرحم فيها (٩) شيئا لم يكن وتغير اسم النطفة واستعدت للتخليق، فمن حينئذ ينبغي أن تكون الجارية أم ولد. وذكر إسماعيل القاضي عن مالك أن الأمة تكون أم ولد بالمضغة التي يعلم أنها مضغة، واحتج بهذه الآية :﴿مخلقة وغير مخلقة﴾ قال : وبذلك تخرج المرأة من العدة وبه تعتق أم الولد إذا أسقطته بعد موت سيدها. قال : وأما النطفة والعلقة فهي دم فليس ذلك براءة، وأما (١٠) إذا تبين من الخلق شيء – وإن قل – فهذا يكفن ويغسل إذا تبين الرأس إلى عجب الذنب، وإن لم يتم الخلق، وهذا قول مالك والحجة فيه القرآن. وقوله عز وجل :﴿مخلقة وغير مخلقة﴾ أخبرنا أن غير المخلقة لها حكم المخلقة بأن يحكم للأمة بحكم أم الولد ولذلك ما جعل في أخلاص المرأة غير عبد أو وليدة إذا تبين بعض الخلق (١١). وذكر أبو الحسن أن الآية تقتضي أن لا تكون المضغة إنسانا كما اقتضت ذلك في العلقة والنطفة والتراب لأن الله تعالى نبهنا بهذه الآية على كمال قدرته بأن خلق الإنسان من غير إنسان وهي النطفة والمضغة التي لا تخطيط فيها ولا تركيب. فإذا لم يكن إنسانا جاز أن يقال فيه إنها ليست بحمل كالنطفة. ويحتمل أن يقال إنه أصل الإنسان الذي انعقد واشتمل عليه الرحم وصار حملا وليس كالنطفة. وزعم إسماعيل بن إسحاق أن قوما زعموا أن السقط لا تنقضي به العدة ولا تصير به الأمة أم ولد، وزعم أن هذا غلط لأنه تعالى أعلمنا أن المضغة التي هي غير مخلقة قد دخل فيما ذكر من خلق الإنسان. كما ذكر المخلقة ودل على أن كل ما يكون من ذلك إلى خروج الولد من بطن أمه فهو حمل، وقد قال تعالى :﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤] قال وهذا لا حجة فيه فإن الله تعالى لم يذكر أنه حمل وإنما نبه على قدرته بأن خلقها مما ذكر فلم تدخل النطفة ولا العلقة ولا المضغة المخلقة في اسم الإنسان، فليس بشيء من ذلك ولدا.
وقوله تعالى :﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤] فالمراد به ما سمي ولدا. واستدل إسماعيل بن إسحاق أيضا على أنه يرث بهذا، وهو قول غلط لأنه إنما يعتبر ميراثه عند الولادة حتى لو طلقها منذ أربع سنين وأتت بولد وعلم أنه في تلك الحالة نطفة ورث أيضا. ولو انفصل عنها وقد تكامل خلقه لم يرث وانقضت به العدة. فهما حكمان متباينان (١٢) وأحكام الجنين كثيرة وليس هذا موضع ذكرها، وإن كان بعضهم قد ذكر في هذا الموضع من أحكامه كثيرا كاختلاف الناس في الصلاة عليه ما لم يستهل، إلى غير ذلك (١٣) فأعرضت عنها لما ذكرته، وسائر الآيات قد مر الكلام على أحكامها في مواضعها.
١ الحديث أخرجه مسلم عن عبد الله بن نمير الهمداني. كتاب القدر، باب: كيفية الخلق الآدمي ٣/ ٢٠٣٦..
٢ قاله ابن عطية فراجعه في المحرر الوجيز ١١/ ١٧٧..
٣ في (ح): "وقال"..
٤ زهير: هو زهير بن أبي سلمى، ربيعة بن رباح. أحد شعراء الجاهلية المشهورين بمعلقاتهم. انظر الأغاني للأصفهاني ١٠/ ٢٩٨. والبيت من البحر الوافر..
٥ راجع أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٦٠..
٦ "به" ساقط في (ج)، (ح)، (د)، (هـ)..
٧ قال ابن عطية: وعن مالك أنها تكون أم ولدها بالمضغة. راجع المحرر الوجيز ١١/ ١٧٨..
٨ "ومالك". راجع المحرر الوجيز ١١/ ١٧٨، والجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٩..
٩ في (ح): "فيه"..
١٠ "وأما" ساقط في (أ)..
١١ راجع حكم ذلك بأكثر تفصيلا في أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٥٨، ٥٩..
١٢ راجع قول أبي الحسن في أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٧٧، ٢٧٨. وراجع الرد عليه في أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٥٨، ٥٩..
١٣ راجع ذلك في الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٩..
الحج 22:25
قوله تعالى :﴿إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه﴾ :
نزلت هذه الآية عام الحديبية حين صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام. وقد اختلف في المراد بقوله :﴿والمسجد الحرام﴾ فقيل نفس المسجد خاصة، وهو الذي ذهب إليه إسماعيل القاضي واحتج له بنص الآية (١) وقال جماعة : المسجد الحرام أراد به مكة كلها، لكن القصد بالذكر المهم المقصود من ذلك (٢) وقد اتفق العلماء على أن (٣) الناس سواء في نفس المسجد الحرام لنص الآية، واختلفوا في سائر مكة. فذهب عمر بن الخطاب وابن عباس وغيرهما إلى الأمر في ذلك كالأمر في المسجد الحرام وأن القادم فيها له النزول حيث وجد وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أو أبى، وعلى هذا كان الأمر في الصدر الأول، قاله ابن سابط (٤) وكانت دورهم بغير أبواب حتى كثرت السرقة فاتخذ رجل منهم بابا فأنكر عليه عمر وقال : أتغلق بابا في وجه حاج بيت الله ؟ فقال إنما أردت حفظ متاعهم من السرقة، فتركه (٥) فاتخذ الناس أبوابا (٦). وقال علقمة بن ثعلبة (٧) : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وما تدعي رباع مكة إلا السوائب من احتاج سكن ومن استغنى لم يسكن، وحجة هذا القول ظاهر الآية. وقال الجمهور- منهم مالك وغيره- ليس ذلك كالمسجد الحرام، ولأهلها الامتناع بها والاستبداد، وعلى هذا العمل اليوم. ورجح هذا القول إسماعيل القاضي وقال : لم تزل الدور لأهل مكة غير أن المواساة تجب إذا كانت الضرورة. ولعل عمر رضي الله تعالى عنه فعل ذلك على هذا الطريق. وهذا الخلاف متركب على الخلاف في فتح مكة هل كان عنوة أم غير عنوة ؟ فذهب مالك وأبو حنيفة والثوري إلى أنه كان عنوة. وذهب الشافعي وغيره إلى أنه كان أمانا والأمان كالصلح. والذين ذهبوا إلى أنه عنوة اختلفوا فقال بعضهم : من على أهلها بها فلم تقسم ولا يسبى أهلها لما عظم الله تعالى من حرمتها. وقال بعضهم إنما أقرت للمسلمين وهذا الخلاف في مذهب مالك، وعلى هذا يأتي الخلاف في بيع دور مكة وكراءها. فمن رأى فتحها عنوة وأنها أقرت للمسلمين لم يجز شيئا من ذلك ومنعه. وعلى هذا يأتي قول عمر رضي الله عنه ومن تابعه، وهو أحد أقوال مالك رحمه الله تعالى. ومن رأى أنها مؤمنة أو فتحت عنوة إلا أنها من بها على أهلها أجاز ذلك كله، وهو ظاهر مذهب ابن القاسم وأحد أقوال مالك. وعن مالك في المسألة قولان آخران : أحدهما الكراهية لذلك مطلقا (٨) والثاني الكراهية له في أيام الموسم خاصة (٩) فتحصل عن مالك في ذلك أربع روايات : المنع والإجازة والكراهية والكراهية في أيام الموسم خاصة (١٠). وقال إسماعيل القاضي : وتلول قوم في بيوت مكة ما ذكرناه، يعني ما من كون العكف والبادي فيها سواء. قال : والقرآن يوجب أنه المسجد الذي يكون فيه قضاء النسك (١١).
وقد حكي أن عمرا اشترى دار صفوان بن أمية بأربعة آلاف وجعلها سجنا، فهذا منه إجازة للبيع. وظاهر قوله عليه الصلاة والسلام : " وهل ترك لنا عقيل منزلا (١٢) " يقتضي أن لا اشتراك وأنها متملكة على التأويلين في ذلك. إذ قيل معناه أنه ورث جميع منازل أبي طالب وغيره. وقيل معناه باع منازل بني هاشم حين هاجروا. والعاكف المقيم بمكة، والبادي أهل البادية ومن سلكها من أهل العراق وسائر الأمصار (١٣).
قوله تعالى :﴿ومن يرد فيه بإلحاد﴾ :
قال بعضهم التقدير : من يرد فيه إلحادا بظلم، والباء زائدة (١٤). ويحتمل أن يقدر : يرد فيه بمعنى فعل يصل بحرف جر كأنه قال : ومن يأت فيه بإلحاد بظلم، ولا تكون الباء فيه زائدة. وأصل الإلحاد الميل. وقد اختلف في المراد به، فقيل جميع ما يقال فيه ظلم لأن كل ظلم ميل، حتى ذكر أن عبد الله بن عمر كان يتوقى معاتبة أحد بمكة حتى يخرج إلى الحل. وقيل الإلحاد جميع المعاصي ولعظم حرمة المكان توعد الله تعالى علانية السيئة فيه ومن نوى سيئة ولم يعملها لم يحاسب بذلك إلا بمكة. إلى هذا ذهب جماعة من الصحابة منهم ابن مسعود وغيره (١٥) وقال ابن مسعود : الإلحاد في الآية الشرك. وقال أيضا هو استحلال الحرام وحرمته. وقال مجاهد هو العمل السيئ (١٦) فيه. وقال عبد الله بن عمر : وقول لا والله وبلى والله بمكة من الإلحاد. وروي عن عمر أنه قال : هم المحتكرون للطعام بمكة. والإلحاد بالظلم يعم جميع المعاصي فينبغي أن يحمل على عمومه ولا يخصص به شيء دون شيء إلا على جهة المثال (١٧).
١ ذكره القرطبي ولم ينسبه إلى إسماعيل القاضي، وكذلك الشأن بالنسبة لابن العربي. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٣٢، وأحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٦٢..
٢ وهو قول ابن عطية أيضا فراجعه في المحرر الوجيز ١١/ ١٩٠..
٣ "أن" ساقط في (ح)..
٤ ابن سابط: هو عبد الرحمن بن سابط بن أبي حميضة بن عمرو بن وهب بن حذافة بن جمح القرشي الجمحي. روى عن أبيه. انظر الاستيعاب ٤/ ١٢٦..
٥ "فتركه" كلمة ساقطة في (أ)..
٦ راجع الأثر في المحرر الوجيز ١١/ ١٩٠..
٧ علقمة بن ثعلبة: لعله علقمة بن خالد بن الحرث بن أبي أسيد بن رفاعة بن ثعلبة بن هوازن بن أسلم. انظر الإصابة ٢/ ٤٩٥..
٨ "مطلقا" كلمة ساقطة في غير (أ)، (ز)..
٩ "خاصة" كلمة ساقطة في غير (أ)، (ز)..
١٠ من قوله: "فتحصل عن مالك.... إلى: خاصة" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
١١ "النسك" كلمة ساقطة في (ب)..
١٢ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه. كتاب المغازي، باب: أين ركز النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح ٨/ ١٣. ومسلم في صحيحه أيضا كتاب الحج، باب: النزول بمكة للحاج ٢/ ٩٨٥..
١٣ راجع كل ذلك في أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٦٣، ١٢٦٤، وفي أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٧٩، وفي أحكام القرآن للجصاص، باب: بيع أراضي مكة وإجارة بيوتها ٥/ ٦١، ٦٢، وفي الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٣٣..
١٤ نسبه ابن عطية إلى أبي عبيدة. راجع المحرر الوجيز ١١/ ١٩١..
١٥ أضاف القرطبي الضحاك وابن زيد. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٣٥..
١٦ "السيئ" كلمة ساقطة في (أ)، (ز)..
١٧ راجع كل ذلك في أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٦٤، ١٢٦٥. وفي أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٦٢، ٦٣، وفي المحرر الوجيز ١١/ ١٩٢..
الحج 22:26
( قوله تعالى :﴿وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود ( ٢٦ ) وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر....﴾ إلى قوله :﴿فكلوا﴾ :
القائمين هنا المصلون. وذكر تعالى من أركان الصلاة الركوع والسجود خاصة إذ هما أعظم أركانها. وربما استدل بعضهم بهذه الآية على جواز صلاة الفريضة في الكعبة. وقد مر الكلام على المسألة.
وقوله تعالى :﴿وأذن في الناس بالحج﴾ ظاهره أنه خطاب لإبراهيم عليه السلام لأنه مسوق على قوله :﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت﴾ الآية وروي عن ابن عباس في ذلك أن إبراهيم عند هذا الأمر نادى يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتا وأمر أن تحجوه. فلم يبق إنس ولا جن إلا قال : لبيك اللهم لبيك. وروي عن علي مثل ذلك. وعلى هذا يقولون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج قبل الهجرة حجتين، فسقط الفرض عنه بذلك، وهذا بعيد فإنه قد ورد في شرعه :﴿و لله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧] فلا بد من وجوبه عليه بحكم الخطاب في شرعه. وإن قيل إنما خاطب من لم يحج كان تحكما وتخصيصا بلا دليل ويلزم عليه أن لا يجب في هذا الخطاب على من حج على دين إبراهيم. وهذا في غاية البعد. وفي تقديمه تعالى ذكر الرجال – جمع راجل – على الراكبين دليل على أن المشي في ذلك أفضل من الركوب، وقد قاله ابن عباس وإسحاق. والذي يذهب إليه مالك والشافعي أن الركوب أفضل (١). وقد استدل (٢) بعضهم بهذه الآية على أن فرض الحج على طريق (٣) البحر ساقط إذ لم يذكره الله تعالى في الآية. وقد قال مالك في الموازية : لا أسمع للبحر ذكرا (٤). وهذا الاستدلال ليس بلازم في الآية لأنه لا بد لمن أتى مكة من إحدى هاتين الحالتين : الترجل والركوب، لأنها ليست على ضفة البحر، فالآية جارية على ظاهرها، وقد مر الكلام أيضا على هذه المسألة. واختلف في المنافع في الآية، فقال أكثرهم هي التجارة، وقال بعضهم : وفي هذا دليل على إباحة التجارة في الحج. وقال قوم أراد بالمنافع الأجر وسائر الآخرة. وقال قوم بعموم الوجهين (٥) وقال إسماعيل القاضي المنافع أعمال الحج مثل شهود عرفة والمزدلفة ومنى وطواف الإفاضة ونحو ذلك لأن الله تعالى إنما قال :﴿وأذن في الناس بالحج﴾ ولا يصح أن تكون إجابة هذه الدعوة إلا للحج، فلو كانت منافع التجارة لكانوا قد أجابوا لغير ما دعوا إليه، فإنما دعوا لمنافع خاصة لله عز وجل ثم رخص لهم بعد ذلك في التجارة حين توقى الناس أن يتشاغلوا بها في الحج فأنزل الله تعالى :﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ [البقرة: ١٩٨] فأرخص لهم في ذلك. وقد كانت الجاهلية لا يستحلون التجارة في الحج (٦). واختلف في ذكر اسم الله ما هو. فقيل هو بمعنى حمده وشكره على نعمته في الرزق ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام : " إنها أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى " (٧) وقيل المراد ذكر اسم الله على النحر والذبح. واستدل بعضهم من ذكره تعالى في هذه الآية الأيام دون الليالي على أن الذبح في الليل لا يجوز وهو مشهور مذهب مالك، وأجاز ذلك الشافعي وغيره، وقد مر الكلام على هذه المسألة وعلى الأيام المعلومات والمعدودات بما أغنى ذكره هنا (٨).
١ قال أبو بكر: قوله تعالى: ﴿يأتوك رجالا وعلى كل ضامر﴾، يقتضي إباحة الحج ماشيا وراكبا وتأويل الآية عليه يدل على أن الحج ماشيا أفضل. راجع أحكام القرآن للجصاص، باب: الحج ماشيا ٥/ ٦٥..
٢ في (ج)، (ح): "أخذ"..
٣ "طريق" كلمة ساقطة في غير (ج)، (ح)..
٤ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١١/ ١٩٤. والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٤٠..
٥ قال ابن العربي: والدليل عليه عموم قوله: منافع، فكل ذلك يشتمل عليه هذا القول وهذا يعضده ما تقدم في البقرة في تفسير قوله: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾، وذلك هو التجارة بإجماع من العلماء. راجع أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٦٩..
٦ راجع نحو ذلك في أحكام القرآن للجصاص، باب: التجارة في الحج ٥/ ٦٦..
٧ الحديث أخرجه مسلم في صحيحه عن خالد الحذاء، كتاب الصيام، باب: تحريم صوم أيام التشريق ١/ ٨٠٠..
٨ راجع أحكام القرآن لابن العربي ١/ ١٣١ و ٣/ ١٢٦٩. المحرر الوجيز ١١/ ١٩٥. أحكام القرآن للجصاص، باب: الأيام المعلومات ٥/ ٦٦. الجامع لأحكام القرآن ٣/١ و ١٢/ ٤١، ٤٢..
الحج 22:27
( قوله تعالى :﴿وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود ( ٢٦ ) وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر....﴾ إلى قوله :﴿فكلوا﴾ :
القائمين هنا المصلون. وذكر تعالى من أركان الصلاة الركوع والسجود خاصة إذ هما أعظم أركانها. وربما استدل بعضهم بهذه الآية على جواز صلاة الفريضة في الكعبة. وقد مر الكلام على المسألة.
وقوله تعالى :﴿وأذن في الناس بالحج﴾ ظاهره أنه خطاب لإبراهيم عليه السلام لأنه مسوق على قوله :﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت﴾ الآية وروي عن ابن عباس في ذلك أن إبراهيم عند هذا الأمر نادى يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتا وأمر أن تحجوه. فلم يبق إنس ولا جن إلا قال : لبيك اللهم لبيك. وروي عن علي مثل ذلك. وعلى هذا يقولون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج قبل الهجرة حجتين، فسقط الفرض عنه بذلك، وهذا بعيد فإنه قد ورد في شرعه :﴿و لله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧] فلا بد من وجوبه عليه بحكم الخطاب في شرعه. وإن قيل إنما خاطب من لم يحج كان تحكما وتخصيصا بلا دليل ويلزم عليه أن لا يجب في هذا الخطاب على من حج على دين إبراهيم. وهذا في غاية البعد. وفي تقديمه تعالى ذكر الرجال – جمع راجل – على الراكبين دليل على أن المشي في ذلك أفضل من الركوب، وقد قاله ابن عباس وإسحاق. والذي يذهب إليه مالك والشافعي أن الركوب أفضل (١). وقد استدل (٢) بعضهم بهذه الآية على أن فرض الحج على طريق (٣) البحر ساقط إذ لم يذكره الله تعالى في الآية. وقد قال مالك في الموازية : لا أسمع للبحر ذكرا (٤). وهذا الاستدلال ليس بلازم في الآية لأنه لا بد لمن أتى مكة من إحدى هاتين الحالتين : الترجل والركوب، لأنها ليست على ضفة البحر، فالآية جارية على ظاهرها، وقد مر الكلام أيضا على هذه المسألة. واختلف في المنافع في الآية، فقال أكثرهم هي التجارة، وقال بعضهم : وفي هذا دليل على إباحة التجارة في الحج. وقال قوم أراد بالمنافع الأجر وسائر الآخرة. وقال قوم بعموم الوجهين (٥) وقال إسماعيل القاضي المنافع أعمال الحج مثل شهود عرفة والمزدلفة ومنى وطواف الإفاضة ونحو ذلك لأن الله تعالى إنما قال :﴿وأذن في الناس بالحج﴾ ولا يصح أن تكون إجابة هذه الدعوة إلا للحج، فلو كانت منافع التجارة لكانوا قد أجابوا لغير ما دعوا إليه، فإنما دعوا لمنافع خاصة لله عز وجل ثم رخص لهم بعد ذلك في التجارة حين توقى الناس أن يتشاغلوا بها في الحج فأنزل الله تعالى :﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ [البقرة: ١٩٨] فأرخص لهم في ذلك. وقد كانت الجاهلية لا يستحلون التجارة في الحج (٦). واختلف في ذكر اسم الله ما هو. فقيل هو بمعنى حمده وشكره على نعمته في الرزق ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام :" إنها أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى " (٧) وقيل المراد ذكر اسم الله على النحر والذبح. واستدل بعضهم من ذكره تعالى في هذه الآية الأيام دون الليالي على أن الذبح في الليل لا يجوز وهو مشهور مذهب مالك، وأجاز ذلك الشافعي وغيره، وقد مر الكلام على هذه المسألة وعلى الأيام المعلومات والمعدودات بما أغنى ذكره هنا (٨).
١ قال أبو بكر: قوله تعالى: ﴿يأتوك رجالا وعلى كل ضامر﴾، يقتضي إباحة الحج ماشيا وراكبا وتأويل الآية عليه يدل على أن الحج ماشيا أفضل. راجع أحكام القرآن للجصاص، باب: الحج ماشيا ٥/ ٦٥..
٢ في (ج)، (ح): "أخذ"..
٣ "طريق" كلمة ساقطة في غير (ج)، (ح)..
٤ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١١/ ١٩٤. والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٤٠..
٥ قال ابن العربي: والدليل عليه عموم قوله: منافع، فكل ذلك يشتمل عليه هذا القول وهذا يعضده ما تقدم في البقرة في تفسير قوله: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾، وذلك هو التجارة بإجماع من العلماء. راجع أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٦٩..
٦ راجع نحو ذلك في أحكام القرآن للجصاص، باب: التجارة في الحج ٥/ ٦٦..
٧ الحديث أخرجه مسلم في صحيحه عن خالد الحذاء، كتاب الصيام، باب: تحريم صوم أيام التشريق ١/ ٨٠٠..
٨ راجع أحكام القرآن لابن العربي ١/ ١٣١ و ٣/ ١٢٦٩. المحرر الوجيز ١١/ ١٩٥. أحكام القرآن للجصاص، باب: الأيام المعلومات ٥/ ٦٦. الجامع لأحكام القرآن ٣/١ و ١٢/ ٤١، ٤٢..
الحج 22:28
قوله تعالى :﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير....﴾ إلى قوله تعالى :﴿واجتنبوا قول الزور﴾ :
قوله :﴿فكلوا منها﴾ : أمر إباحة بالأكل من الهدايا. وقد اختلف العلماء فيما يؤكل من الهدي الواجد مما لا يؤكل. فذهب مالك إلى أنه يؤكل منها كلها إذا بلغت محلها إلا من ثلاثة أنواع : جزاء الصيد ونسك الأذى ونذر المساكين (١). وذهب أحمد وغيره إلى أنه يؤكل منها إذا بلغت محلها (٢) إلا من جزاء الصيد والنذر، وروي عن الحسن مثله. وذهب الحسن أيضا في رواية عنه إلى أنه يؤكل من جزاء الصيد ونذر المساكين.
وروي عن الشافعي أنه لا يؤكل من الواجب شيء. وقال أبو حنيفة : يؤكل من هدي القران والتمتع ولا يؤكل سوى ذلك (٣) واحتج ابن القصار لمالك : بقوله تعالى :﴿فكلوا منها﴾ ولم يخص واجبا من واجب ولا تطوع، فهو عام في جواز الأكل إلا ما قام الدليل عليه من الثلاثة الأشياء المذكورة لأنها وجبت للمساكين فلا يجوز له الرجوع ولا الأكل منها كالكفارات. واختلفوا في هدي التطوع، فعند أصحاب مالك أنه إن لم يبلغ محله لم يؤكل وإن بلغ أكل. وذهب جابر بن زيد إلى أنه لا يؤكل وإن بلغ محله، وإن أكل غرم. وذهب قوم إلى جواز أكله وإن عطب قبل محله، وقاله ابن عمر وعائشة. ومن حجة من يجيز الأكل عموما عموم الآية، وما عطب من هدي واجب قبل بلوغ محله جاز أكله لأن عليه بدله فلا فائدة في منعه أكله. وقد اختلف الناس في الأكل من الأضاحي ومما (٤) يجوز أكله من الهدايا. فاستحب قوم الأكل منها، وهو قول مالك والليث وغيرهما، وخير قوم من غير استحباب، منهم عطاء ومجاهد. وذهب قوم إلى أن من لم يأكل فقد عصى ويأتي على هذا أن الأكل منها واجب. وكان من تأول هذا يحمل أمره تعالى بالأكل على الإيجاب ومن استحب ذلك حمله على الندب ومن خير فيه رآه على الإباحة. ويؤيده أنه قد روي أن المشركين كانوا يأكلون ضحاياهم فرخص للمسلمين في ذلك. فإذا قلنا إنه يستحب له الأكل من أضحيته فماذا يأكل منها ؟ فوسع الجمهور أن يأكل ما شاء ومما شاء من أضحيته من غير تفصيل. وذهب قوم إلى استحباب الأكل من الكبد. قال الزهري : من السنة أن يأكل أولا من الكبد (٥) وروي عن علي أنه ذبح أضحيته فشوى كبدها وتصدق بسائرها ثم أخذ رغيفا بيده والكبد بيده الأخرى فأكل. وقال قوم يستحب أن يأكل من أضحيته الثلث هو وأهل بيته (٦). والقول الأول أظهر لعموم الآية.
– قوله تعالى :﴿وأطعموا البائس الفقير﴾ :
أمر بأن يطعم منها المساكين. وقد اختلف في التصدق منها، فرأى قوم أن من لم يفعل ذلك فقد عصى، ويأتي على هذا أن التصديق منها واجب. وذهب قوم إلى أن التصديق منها مستحب، وكأن من ذهب إلى القول الأول حمل قوله تعالى :﴿وأطعموا البائس الفقير﴾ أمرا على الإيجاب، ومن ذهب إلى القول الثاني حمله على الندب. وما الذي يستحب الصدقة منها ؟ ذهب الأكثر إلى استحباب من غير تحديد. وذهب ابن مسعود وابن عمر وغيرهما إلى أنه يستحب أن يتصدق بالثلث ويأكل الثلث ويطعم جيرانه الثلث. واستحب قوم الصدقة بالأكثر (٧). والقول الأول أظهر لعدم التحديد في شيء من الآية. قال أبو الحسن : قوله :﴿فكلوا منها وأطعموا﴾ يدل على أنه لا يجوز أكل الجميع ولا التصدق بالجميع (٨). وقد اختلف العلماء في الأكل من الهدايا والأضاحي بعد ثلاث. فحرمه قوم واحتجوا بما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث (٩). قال بعضهم وإليه ذهب ابن عمر وعلي. وذهب الجمهور إلى إجازة أكلها وادخارها. واحتج بعضهم بأن أحاديث النهي في ذلك منسوخة بأحاديث الإباحة. وقال بعضهم ليس في الأحاديث في ذلك ناسخ ولا منسوخ وأن ذلك مفسر في الحديث لأنه قال : " إنما نهيتكم من أجل الدافة " (١٠) وكان نظرا منه عليه الصلاة والسلام لمعنى، فإذا زال المعنى سقط الحكم، ومتى رأى ذلك الإمام نظرا عهد (١١) بمثل ما عهد به النبي صلى الله عليه وسلم توسعة على المحتاجين (١٢)وقال بعضهم قوله تعالى :﴿فكلوا منها﴾ ناسخ لفعلهم من ترك الادخار (١٣) واختلف في العقيقة، فذهب الحسن البصري وأهل الظاهر إلى أنها واجبة وتأولوا قوله عليه الصلاة والسلام : " على الغلام عقيقة " (١٤) وذهب قوم إلى أنها سنة ندب إليها وهو مذهب مالك والشافعي وغيرهما (١٥) وعليه يتأولون أحاديث العقائق كلها. وذهب قوم إلى أنها مباحة، وذهب قوم إلى أنها بدعة لا تجوز وينسب إلى أبي حنيفة، وأصحابه ينكرونه (١٦). ومن الناس من رأى هذه الآية – وهي آية الأضحى-. ناسخة للعقيقة وهو قول محمد بن الحسن (١٧). وقال بعضهم ذبح الضحايا ناسخ لكل ذبح (١٨) وقال بعضهم كانت ذبائح الإسلام أربعة : أضحية وهدي وعقيقة ورجبية – وهي ذبيحة كانت تذبح في رجب – وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " على أهل كل بيت في كل عام أضحية وعتيرة " وقال جماعة أهل العلم هي منسوخةبقوله صلى الله عليه وسلم : " لا فرع ولا عتيرة. أتدرون ما العتيرة ؟ هي الرجبية " (١٩) وأجمعت طائفة على نفيها.
١ ذكره أيضا القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٤٤..
٢ "إذا بلغت محلها" كلام ساقط في غير (أ)، (ز)..
٣ راجع كل ذلك في أحكام القرآن للجصاص، باب: في أكل لحوم الهدايا ٥/ ٦٩ – ٧٢، أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٨١. الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٤٥. التحرير والتنوير ١٧/ ٢٦٥..
٤ في (أ)، (ز): "وفيما"..
٥ من قوله: "قال الزهري.... إلى: الكبد" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
٦ راجع نحو ذلك في الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٤٦..
٧ راجع ذلك في م. س. ١٢/ ٤٧..
٨ في أحكام القرآن للكيا الهراسي: يدل على أنه لا يجوز بيع جميعه ولا التصدق بجميعه. فراجعه في ٤/ ٢٨١..
٩ جاء في الموطأ: حدثني يحيى عن أبي الزبير المكي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاثة أيام ثم قال بعد: "كلوا وتصدقوا وتزودوا وادخروا". وفي حديث آخر: وحدثني عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الله بن واقد أنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاثة، قال عبد الله بن أبي بكر: فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمان، فقالت: صدق، سمعت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: دف ناس من أهل البادية حضرة الأضحى في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ادخروا لثلاث وتصدقوا بما بقي" انظر الموطأ، كتاب الضحايا، باب: ادخار لحوم الضحايا ١/ ٣١٨..
١٠ وهو جزء من حديث طويل ذكر في الموطأ فراجعه في ن. ص. وقد جاء في نفس المصدر أن الدافة: قوم مساكين قدموا المدينة..
١١ في (أ)، (ز): "عمل"..
١٢ قال القرطبي: وقد يكون المنع والإباحة معا... وروى أبو داود عن نبيشة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنا كنا نهيناكم عن لحومها فوق ثلاث لكي لا تسمعكم، جاء الله بالسعة فكلوا وادخروا واتجروا، ألا وأن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل" قال أبو جعفر النحاس: وهذا القول أحسن ما قيل في هذا حتى تتفق الأحاديث ولا تتضاد... وقال الشافعي: من قال بالنهي عن الادخار بعد ثلاث لم يسمع الرخصة، ومن قال بالرخصة مطلقا لم يسمع النهي عن الادخار، ومن قال بالنهي والرخصة سمعهما جميعا فعمل بمقتضاهما. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٤٨..
١٣ راجع الإيضاح ص ٣٠٨..
١٤ الحديث ذكره الباجي في المنتقى بلفظ: مع الغلام عقيقة. انظر المنتقى: كتاب العقيقة ٣/ ١٠١..
١٥ قال مالك: وليست العقيقة بواجبة ولكنها يستحب العمل بها وهي من الأمر الذي لم يزل عليه الناس. راجع الموطأ، كتاب العقيقة ١/ ٣٣٨..
١٦ قال الباجي: وقال أبو حنيفة ليست بمشروعة. راجع المنتقى، كتاب العقيقة ٣/ ١٠١..
١٧ راجع الإيضاح ٣٠٨..
١٨ "وقال بعضهم ذبح الضحايا ناسخ لكل ذبح" كلام ساقط في (ح)..
١٩ جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "لا فرع ولا عتيرة" كتاب الأضاحي، باب: الفرع والعتيرة ٦/ ٨٣. وقال النووي: والفرع بفتح الراء أول ولد الناقة كانوا يذبحونها لآلهتهم.... وأما العتيرة في غير الإسلام فقد فسرها في الحديث الشريف بأنها شاة تذبح في رجب يتقربون بها لآلهتهم ويصبون دمها على رأس الصنم فلما جاء الإسلام صاروا يذبحونها لله تعالى كما فسر الحديث ثم نسخ ذلك. راجع شرح النووي لصحيح مسلم بذيل صحيح مسلم ٦/ ٨٣..
الحج 22:29
قوله تعالى :﴿ثم ليقضوا تفثهم﴾ :
التفث ما يأتيه المحرم بعد حله مما كان محظورا عليه كالحلق والتقصير وإزالة الشعث ونحوه من إقامة الخمس من الفطرة التي جاءت في الحديث، وفي مقتضى ذلك قضاء جميع المناسك إذ لا يكون قضاء التفث إلا بعد ذلك. وقد اختلف في غير الحاج هل عليه أن يترك إلغاء التفث عن نفسه أيام الحج أم لا ؟ فذهب الجمهور إلى أنه لا يحرم عليه تقليم الأظافر ولا قص الشارب ونحو ذلك. وقد قالت عائشة رضي الله تعالى عنها كان النبي صلى الله عليه وسلم يهدي في المدينة فافتلوا قلائد هديه ثم لا يجتنب شيئا مما يجتنب المحرم (١) ومذهب ربيعة وأحمد وإسحاق وابن المسيب المنع من ذلك أخذا بقوله عليه الصلاة والسلام : " من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذ من شعره ولا أظفاره شيئا حتى يضحي " (٢) والحديث في مسلم. وفيه أيضا : " فإن كنا في الحمام فأطلي بعضهم ". فقال بعضهم إن ابن المسيب يكره هذا وينهى عنه في الأضحى. فلقيت ابن المسيب فذكرت ذلك له. فقال يا ابن أخي : هذا حديث نسي وترك حدثتني أم سلمة قالت : قال النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرت الحديث (٣) ومذهب الشافعي أن ترك التقليم والقص مندوب إليه وحمل الحديث على ذلك وحكي أيضا عن مالك ورخص فيه أصحاب الرأي.
وقوله تعالى :﴿وليوفوا نذورهم﴾ : قال مجاهد : يعني الحج والعمرة، وما نذر الإنسان من شيء يكون فيهما. وقال ابن عباس : هو نحر ما نذروا من البدن (٤) وقال القشيري (٥) : هو رمي الجمار، وأصله من رمي جمرة العقبة خاصة إذ بها يتحلل من الإحرام. وقد يجوز أن يدخل في معناها غيرها. وقال : قوله تعالى :﴿وليوفوا نذورهم﴾ يدل على وجوب إخراج النذر وإن كان دما أو هديا أو غيره. ويدل ذلك على أن النذر لا يجوز أن يؤكل منه (٦). وقوله تعالى :﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ اختلف في هذا الطواف ما هو، فقيل هو طواف الإفاضة الذي هو من واجبات الحج. قال الطبري : ولا خلاف بين المتأولين في ذلك وقيل هو طواف الوداع ذكره الطبري (٧). وقوله :﴿ومن يعظم حرمات الله﴾ : الحرمات(٨) المقصودة هنا هي الأفعال المشار إليها في الآية قبل :﴿ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ( ٢٩ )﴾ ويدخل في ذلك تعظيم المواضع المحترمة، قاله ابن زيد وغيره (٩).
١ الأثر: أخرجه البخاري في صحيحه. كتاب الحج، باب: فتل القلائد للبدن والبقر ٢/ ١٨٢..
٢ رواه مسلم عن أبي هريرة في كتاب الأضاحي، باب: نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو مريد التضحية أن يأخذ من شعره أو أظفاره شيئا ٦/ ٨٤..
٣ راجع م. س. ، ن. ص..
٤ راجع أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٧٣..
٥ القشيري: لعله محمد بن سعيد بن عبد الرحمن القشيري، مؤرخ، من حفاظ الحديث، من أهل حران. توفي سنة ٣٣٤ هـ/ ٩٤٥م. انظر الأعلام ٧/ ٩..
٦ قال ابن العربي: وقال مالك في رواية ابن وهب وابن القاسم وابن بكير أنه رمي الجمار لأن النذر هو العقل فهو رمي الجمار لأجل النذر يعني بالعقل الدية. راجع أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٧١..
٧ عن عمرو بن أبي سلمة عن زهير. ذكر ذلك ابن عطية في المحرر الوجيز ١١/ ١٩٦..
٨ "الحرمات" كلمة ساقطة في (ح)..
٩ وابن عطية في المحرر الوجيز ١١/ ١٩٧..
الحج 22:30
قوله تعالى :﴿وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم﴾ :
وقد مر الكلام عليه فيما تقدم.
وقوله تعالى :﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ اختلف فيمن هذه. فقيل هي لبيان الجنس، فيكون على هذا القول رجس الأوثان فقط هو المنهي عنه في هذه الآية وتبقى سائر الأرجاس منهيا عنها في غير هذا الموضع. وقيل هي لابتداء الغاية كأنه تعالى قد نهاهم عن جميع الرجس ثم بين لهم مبدأه الذي منه يلحقهم إذ عبادة الأوثان جامعة لكل رجس وفساد. ويظهر أن الإشارة إلى ما كانوا يذبحونه لأوثانهم (١).
قوله تعالى :﴿واجتنبوا قول الزور﴾ الزور لفظ عام في كل باطن من كذب وكفر وغيرهما. وروي عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " عدلت شهادة الزور بالشرك " ثم تلا هذه الآية (٢) وهذا يرد على طائفة من أهل الظاهر يقال لهم الخطابية يجيزون شهادة الزور.
١ راجع مختلف هذه الأقوال في المحرر الوجيز ١١/ ١٩٧، ١٩٨..
٢ الحديث أورده الجصاص في أحكام القرآن، باب: شهادة الزور ٥/ ٧٧..
الحج 22:32
قوله تعالى :﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله....﴾ إلى قوله تعالى :﴿فإلهكم إله واحد﴾ :
الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء أشعر الله به تعالى وأعلم. وقد اختلف ما المراد بها في الآية. فقيل الهدي والأنعام المشعرة. ومعنى تعظيمها التسمين والاهتبال بها والمغالاة في ثمنها، وإليه ذهب ابن عباس وغيره (١) وقد أنكر القاضي أبو إسحاق هذا القول وإنما هي جميع الشعائر. قال : ومما يبين ذلك قوله تعالى :﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله﴾ [الحج: ٣٦] فأخبر تعالى أن البدن من الشعائر. ومن قال بالقول الأول يريد أن يجعل البدن جميع الشعائر، قال ومما يبين ذلك قوله تعالى :﴿لكم فيها منافع إلى أجل مسمى﴾ وذلك يقتضي أن يكون أجلا مؤقت كالوقوف بعرفة والمبيت بالمزدلفة ورمي الجمار. وقيل الشعائر مواضع الحج ومعالمه كالبيت والصفا والمروة ومنى وعرفة والمزدلفة وغير ذلك، وإليه ذهب ابن عمر وغيره (٢). وقد روي عن زيد بن أسلم (٣) أنه قال : الشعائر ست : الصفا والمروة والجمار والمشعر الحرام وعرفة والركن. والحرمات خمس : الكعبة الحرام والبيت الحرام والشهر الحرام والمسجد الحرام والمحرم حتى يحل. واختلف الذين ذهبوا إلى القول الأول في المنافع المذكورة في الآية ما هي، فقال مجاهد وغيره (٤) : أراد أن للناس في أنعامهم منافع من الصوف واللبن وغير ذلك ما لم يبعثها ربها هديا، وإذا بعثها لم يحل له شيء من ذلك. وبعثها هو الأجل المسمى. وقال عطاء وغيره : لكم في الهدي المبعوث منافع من الركوب والاحتلاب لمن اضطر، والأجل نحرها. ولأجل هذا الخلاف في التفسير يختلف الفقهاء في مسائل. فمن ذلك ركوب الهدي، أجازه مالك من غير فدح ولم يجزه أبو حنيفة إلا عند الضرورة. قال : فإن نقصها للركوب تصدق بمقدار ما نقصها. فأجازه أهل الظاهر جملة من غير تفصيل وبه يقول أحمد وإسحاق. وأوجب بعضهم ركوبها لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور لسائق البدنة : " اركبها " (٥). ومن ذلك لبن الهدي، كرهه مالك ولا يعذر في فعيلها، وأجازه بعضهم عند الضرورة وأجازه بعضهم من غير تفصيل. وقال أبو حنيفة إن نقصها الشرب فعليه قيمة ذلك، وقد نسبه بعضهم للشافعي. والآية على هذا التأويل الواحد حجة لمن أجاز شيئا من ذلك. واختلف الذين ذهبوا إلى القول الثاني في المنافع أيضا ما هي، فقالت فرقة : المنافع التجارة وطلب الرزق. وقالت فرقة المنافع كسب الأجر والمغفرة، والأجل على هذا القول الرجوع إلى مكة لطواف الإفاضة.
وقوله تعالى :﴿ثم محلها﴾ معناه ثم أخر هذا كله إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق. فالبيت على هذا التأويل مراد بنفسه فاقتضى هذا أن الحاج بعد هذا الطواف قد حل له كل شيء من ممنوعات الحج. وقد اختلف فيما أبيح للحاج بعد رمي جمرة العقبة قبل طواف الإفاضة. فقال الشعبي وأبو حنيفة يحل له كل شيء إلا النساء. وقال إسحاق (٦) في أحد قوليه يحل له كل شيء إلا النساء والصيد. وقال مالك (٧) يحل له كل شيء إلا النساء والصيد والطيب، وهذا أليق بظاهر الآية لأنها تقتضي أن الذي يتم به الحج الطواف وتلك الأشياء لا تجوز قبل تمام الحج فينبغي أن لا تحل إلا بعد الطواف. واحتج مالك رحمه الله تعالى في الموطأ (٨) بهذه الآية على صحة قول عمر رضي الله تعالى عنه في طواف الوداع : لا يصدرن أحد من الحاج حتى يطوف بالبيت فإن أخر النسك الطواف بالبيت. قال القاضي أبو إسحاق وقوله تعالى :﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ فإذا طاف الحاج بعد هذه المشاعر فقد حل بالبيت. قال الباجي : وهذا الذي قاله يحتاج إلى تأمل لأنه يحتمل أن يريد به حل من الإحلال، ويحتمل أن يريد حل من الحلول وهو الوصول. وظاهر اللفظ إنما يقتضي أن الشعائر تنتهي إلى البيت العتيق، أما أن يكون الطواف به أحد الشعائر وأما أن يكون نهايتها وتمامها (٩) فثبت بهذا أن طواف الوداع مستحب خلافا لأبي حنيفة أنه واجب.
١ أضاف ابن عطية: مجاهد. راجع المحرر الوجيز ١١/ ١٩٩..
٢ أضاف ابن عطية ابن زيد والحسن ومالك. راجع المحرر الوجيز ١١/ ٢٠٠..
٣ زيد بن أسلم العدوي العمري، فقيه، مفسر، كان له حلقة بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم. توفي سنة ١٣٦ هـ/ ٧٥٨م. انظر تهذيب التهذيب ٣/ ٣٩٥..
٤ أضاف ابن عطية: قتادة. راجع المحرر الوجيز ١١/ ٢٠٠..
٥ راجع ذلك في أحكام القرآن للجصاص، باب: في ركوب البدنة ٥/ ٧٨، ٧٩، والجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٥٧..
٦ في (أ): "سحنون" وفي (ب): "الشافعي"..
٧ من قوله: "يحل له.... إلى: وقال مالك" كلام ساقط في (هـ)..
٨ راجع الموطأ، كتاب الحج، باب: وداع البيت ١/ ٢٤٨، ٢٤٩..
٩ راجع القول في المنتقى للباجي، كتاب الحج، باب: وداع البيت ٢/ ٢٩٢، ٢٩٣..
الحج 22:33
قوله تعالى :﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله....﴾ إلى قوله تعالى :﴿فإلهكم إله واحد﴾ :
الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء أشعر الله به تعالى وأعلم. وقد اختلف ما المراد بها في الآية. فقيل الهدي والأنعام المشعرة. ومعنى تعظيمها التسمين والاهتبال بها والمغالاة في ثمنها، وإليه ذهب ابن عباس وغيره (١) وقد أنكر القاضي أبو إسحاق هذا القول وإنما هي جميع الشعائر. قال : ومما يبين ذلك قوله تعالى :﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله﴾ [الحج: ٣٦] فأخبر تعالى أن البدن من الشعائر. ومن قال بالقول الأول يريد أن يجعل البدن جميع الشعائر، قال ومما يبين ذلك قوله تعالى :﴿لكم فيها منافع إلى أجل مسمى﴾ وذلك يقتضي أن يكون أجلا مؤقت كالوقوف بعرفة والمبيت بالمزدلفة ورمي الجمار. وقيل الشعائر مواضع الحج ومعالمه كالبيت والصفا والمروة ومنى وعرفة والمزدلفة وغير ذلك، وإليه ذهب ابن عمر وغيره (٢). وقد روي عن زيد بن أسلم (٣) أنه قال : الشعائر ست : الصفا والمروة والجمار والمشعر الحرام وعرفة والركن. والحرمات خمس : الكعبة الحرام والبيت الحرام والشهر الحرام والمسجد الحرام والمحرم حتى يحل. واختلف الذين ذهبوا إلى القول الأول في المنافع المذكورة في الآية ما هي، فقال مجاهد وغيره (٤) : أراد أن للناس في أنعامهم منافع من الصوف واللبن وغير ذلك ما لم يبعثها ربها هديا، وإذا بعثها لم يحل له شيء من ذلك. وبعثها هو الأجل المسمى. وقال عطاء وغيره : لكم في الهدي المبعوث منافع من الركوب والاحتلاب لمن اضطر، والأجل نحرها. ولأجل هذا الخلاف في التفسير يختلف الفقهاء في مسائل. فمن ذلك ركوب الهدي، أجازه مالك من غير فدح ولم يجزه أبو حنيفة إلا عند الضرورة. قال : فإن نقصها للركوب تصدق بمقدار ما نقصها. فأجازه أهل الظاهر جملة من غير تفصيل وبه يقول أحمد وإسحاق. وأوجب بعضهم ركوبها لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور لسائق البدنة :" اركبها " (٥). ومن ذلك لبن الهدي، كرهه مالك ولا يعذر في فعيلها، وأجازه بعضهم عند الضرورة وأجازه بعضهم من غير تفصيل. وقال أبو حنيفة إن نقصها الشرب فعليه قيمة ذلك، وقد نسبه بعضهم للشافعي. والآية على هذا التأويل الواحد حجة لمن أجاز شيئا من ذلك. واختلف الذين ذهبوا إلى القول الثاني في المنافع أيضا ما هي، فقالت فرقة : المنافع التجارة وطلب الرزق. وقالت فرقة المنافع كسب الأجر والمغفرة، والأجل على هذا القول الرجوع إلى مكة لطواف الإفاضة.
وقوله تعالى :﴿ثم محلها﴾ معناه ثم أخر هذا كله إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق. فالبيت على هذا التأويل مراد بنفسه فاقتضى هذا أن الحاج بعد هذا الطواف قد حل له كل شيء من ممنوعات الحج. وقد اختلف فيما أبيح للحاج بعد رمي جمرة العقبة قبل طواف الإفاضة. فقال الشعبي وأبو حنيفة يحل له كل شيء إلا النساء. وقال إسحاق (٦) في أحد قوليه يحل له كل شيء إلا النساء والصيد. وقال مالك (٧) يحل له كل شيء إلا النساء والصيد والطيب، وهذا أليق بظاهر الآية لأنها تقتضي أن الذي يتم به الحج الطواف وتلك الأشياء لا تجوز قبل تمام الحج فينبغي أن لا تحل إلا بعد الطواف. واحتج مالك رحمه الله تعالى في الموطأ (٨) بهذه الآية على صحة قول عمر رضي الله تعالى عنه في طواف الوداع : لا يصدرن أحد من الحاج حتى يطوف بالبيت فإن أخر النسك الطواف بالبيت. قال القاضي أبو إسحاق وقوله تعالى :﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ فإذا طاف الحاج بعد هذه المشاعر فقد حل بالبيت. قال الباجي : وهذا الذي قاله يحتاج إلى تأمل لأنه يحتمل أن يريد به حل من الإحلال، ويحتمل أن يريد حل من الحلول وهو الوصول. وظاهر اللفظ إنما يقتضي أن الشعائر تنتهي إلى البيت العتيق، أما أن يكون الطواف به أحد الشعائر وأما أن يكون نهايتها وتمامها (٩) فثبت بهذا أن طواف الوداع مستحب خلافا لأبي حنيفة أنه واجب.
١ أضاف ابن عطية: مجاهد. راجع المحرر الوجيز ١١/ ١٩٩..
٢ أضاف ابن عطية ابن زيد والحسن ومالك. راجع المحرر الوجيز ١١/ ٢٠٠..
٣ زيد بن أسلم العدوي العمري، فقيه، مفسر، كان له حلقة بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم. توفي سنة ١٣٦ هـ/ ٧٥٨م. انظر تهذيب التهذيب ٣/ ٣٩٥..
٤ أضاف ابن عطية: قتادة. راجع المحرر الوجيز ١١/ ٢٠٠..
٥ راجع ذلك في أحكام القرآن للجصاص، باب: في ركوب البدنة ٥/ ٧٨، ٧٩، والجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٥٧..
٦ في (أ): "سحنون" وفي (ب): "الشافعي"..
٧ من قوله: "يحل له.... إلى: وقال مالك" كلام ساقط في (هـ)..
٨ راجع الموطأ، كتاب الحج، باب: وداع البيت ١/ ٢٤٨، ٢٤٩..
٩ راجع القول في المنتقى للباجي، كتاب الحج، باب: وداع البيت ٢/ ٢٩٢، ٢٩٣..
الحج 22:36
قوله تعالى :﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير...﴾ إلى قوله تعالى :﴿كذلك سخرناها لكم﴾ :
اختلف في البدن ما هي، فقيل هي ما أشعر من إبل وبقر، قاله عطا، وغيره، سميت بذلك لأنها تبدن أي تسمن. وقيل بل هذا اسم خاص بالإبل ولا تكون البدن إلا منها وهو قول مالك، وهو أظهر لأن عرف هذا اللفظ أن يكون للإبل. واختلف هل تقع على الإناث منها خاصة أو على الذكور والإناث، فذهب مالك إلى أنه يقع على الذكور والإناث واحتج بعموم الآية. وذهب غيره إلى أنها لا تكون إلا في الإناث، وتعجب مالك منه.
وقوله تعالى :﴿صواف﴾ جمع صافة أي قياما مصطفة. وقرئ صوافي جمع صافية أي خالصة لوجه الله تعالى. وقرئ صوافن جمع صافنة وهي التي قد رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب. والصوافن من الخيل الرافع أحد يديه فراهية، وقيل أحد رجليه. واختلف في البدن كيف تنحر. فقيل تنحر قياما وهو قول مالك، قال إلا أن تصعب. وروي عن ابن عمر أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته قال : ابعثها قياما مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وسلم، ويشهد لهذا القول دليل الآية لقوله تعالى :﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ أي سقطت إلى الأرض، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم. وقيل تنحر قائمة وباركة وهو قول أبي حنيفة والثوري. وقيل تنحر باركة وهو الذي استحب عطاء (١). واختلف هل تعقل أيضا عند النحر أم لا ؟ فذهب ابن عمر وغيره إلى أنها تعقل يدها الواحدة وتقوم على الثلاث. وذهب عطاء إلى أنها تنحر معقولة وهي باركة. وذهب مالك إلى أنها لا تعقل إلا أن تمتنع، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما. ومن حجة من يرى العقل قراءة من قرأ صوافن بالنون (٢) ومن حجة من لا يراه القراءة المشهورة صواف أي قياما. والذين رأوا العقل اختلفوا أي يد تعقل فقال قتادة : معقولة اليد اليمنى، وقال مجاهد اليسرى وحجة هذا القول ما جاء عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا ينحرون البدن معقولة اليد اليسرى قائمة على ما بقي من قوامها(٣).
وقوله تعالى :﴿فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾ قد مر الكلام على معناه. واختلف في القانع والمعتر، فقال ابن عباس القانع الذي يقنع بما أعطيه وهو في بيته، والمعتر هو الذي يعترض لك أن تطعمه شيئا ولا يسألك. وقال أيضا القانع الذي يقنع بما أعطيه والمعتر الذي يعتر بك فيسألك. وقيل القانع السائل والمعتر المعترض من غير سؤال (٤) وقيل بعكس هذا القول. وقيل القانع الجار وإن كان غنيا والمعتر الذي يعترض ولا يسألك (٥) وقيل القانع الفقير والمعتر الزائر (٦) قال مالك وهو أحسن ما سمعت. وفيها أقول غير هذه وأكثرها تتداخل فلذلك أعرضت عن جلبها. وقد أقام بعضهم (٧) من هذه الآية ومن الآية التي قبلها :﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾ أن الهدي أثلاث. قال جعفر بن محمد (٨)عن أبيه أطعم القانع والمعتر ثلثا وأهلي ثلثا والبائس الفقير ثلثا. وأقام بعضهم منها أن الهدي أرباع. قال ابن المسيب : ليس لصاحب الهدي منه إلا الربع. وهو الله تعالى أعلم ممن يقول ذلك على جهة الاستحسان (٩).
١ راجع مختلف هذه الأقوال في أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٧٧، وفي الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٦٢..
٢ "بالنون" كلمة ساقطة في (ج)، (ح)..
٣ راجع الأثر في أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٨٠، ٨١، وفي أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٧٧..
٤ نسبه ابن عطية إلى محمد بن كعب القرظي ومجاهد وإبراهيم والكلبي والحسن بن أبي الحسن. راجع المحرر الوجيز ١١/ ٢٠٣..
٥ نسبه ابن عطية إلى مجاهد. راجع المحرر الوجيز ١١/ ٢٠٣..
٦ نسب ابن العربي هذا القول إلى ابن وهب وابن القاسم. راجع أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٨١..
٧ نسبه ابن عطية إلى ابن مسعود. راجع المحرر الوجيز ١١/ ٢٠٣. راجع مختلف هذه الأقوال في أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٨٢..
٨ جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو عبد الله الهاشمي المدني الملقب بالصادق. أحد الأعلام، روى عن أبيه وعطاء وعروة وابن المنكدر، وعنه أبو حنيفة ومالك. قال ابن معين: ثقة مأمون. توفي سنة ١٤٨هـ/ ٧٧٠م. انظر إسعاف المبطأ ٢/ ٣٠٧..
٩ راجع نحو ذلك في المحرر الوجيز ١١/ ٢٠٣..
الحج 22:39
قوله تعالى :﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا﴾ :
هذه الآية ناسخة للمنع من القتال. وروي عن ابن عباس أنه قال : هي أول آية نزلت في القتال (١) وروي عنه أنها نزلت عند هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. وقال أبو بكر الصديق : لما سمعتها علمت أنه سيكون قتال (٢). واختلف في الآية هل هي ناسخة لقوله تعالى :﴿وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾ [الأعراف: ١٨٠] أم لا ؟ قال ابن زيد هي ناسخة لها. وأنكر ذلك غيره. وقال إنها تهديد ووعيد بمنزلة قوله عز وجل :﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا﴾ [الحجر: ٣] وقوله :﴿ثم ذرهم في خوضهم يلعبون﴾ [الأنعام: ٩١] وليس فيه نسخ، وهذا قول حسن (٣).
١ راجع الإيضاح ص ٣٠٨..
٢ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١١/ ٢٠٥..
٣ وقال ابن زيد الآية منسوخة نسخها: ﴿وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾. راجع الإيضاح ص ٣٠٨..
الحج 22:45
( ٣٦ ) – قوله تعالى :﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها﴾ :
استدل جماعة العلماء بهذه الآية على أن العقل في القلب وردوا بذلك قول من زعم(١) أنه في الدماغ، وهو قول مالك (٢) وليس في الآية (٣) حجة واضحة لأنه لا ينكر أن يكون العقل لا يدرك شيئا إلا بسلامة القلب. فمن شروط إدراكه صحته. فعلى ذلك يكون إضافة العقل إليه مع أن هذه المسألة مما يصعب الاحتجاج على تصحيحها بالسمع لأنها معقولة.
١ في (ج): "قال"..
٢ "مالك" كلمة ساقطة في غير (ج)، (ح)..
٣ "الآية" كلمة ساقطة في (أ)، (ح)..
الحج 22:52
قوله تعالى :﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي...﴾ إلى قوله تعالى :﴿فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته﴾ :
استدل بعض الناس بقوله تعالى :﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي﴾ على أن كل نبي رسول وكل رسول نبي لأنه تعالى أطلق الرسالة عليهما جميعا. فقال :﴿وما أرسلنا﴾ (١)والذي عليه الجمهور أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسول ورأوا أن الرسالة فيهما تختلف وأنها جاءت في الآية مبهمة. ورسالة الرسول الوحي ورسالة النبي إيقاع الشيء في نفسه دون وحي. وقوله تعالى :﴿إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ اختلف في معنى تمنى فقيل أراد، والأمنية الإرادة، والمعنى أن الشيطان ألقى ألفاظه بسبب ما تمناه رسول الله صلى الله عليه وسلم من معاينة قومه وكونهم متبعين له. قالوا فلما تمنى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ما لم يقضه الله تعالى وجد الشيطان السبيل فألقى ما ألقى من اللفظ. وسيأتي تفسيره. وقيل تمنى : تلا، والأمنية التلاوة. وقال تمنى/ كتاب الله تعالى أول ليلة وآخره لاقى حمام المقدر. وقيل تمنى والأمنية الحديث. ومعنى ألقى في حديثه أي في تطوره وخاطره ما توهمه أنه صواب ثم نبهه الله تعالى على ذلك. والذي ألقاه الشيطان في أمنيته صلى الله عليه وسلم أنه حين قرأ :﴿والنجم﴾ [النجم: ١] في مسجد مكة قد حضر المسلمون والمشركون حتى بلغ إلى قوله تعالى :﴿أفرأيتم اللات والعزى ( ١٩ ) ومناة الثالثة الأخرى ( ٢٠ )﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] فألقى الشيطان : تلك الغرانقة الأولى وأن شفاعتهم لترتجى. فقال الكفار هذا محمد قد ذكر آلهتها بما يزيد وفرحوا بذلك فلما انتهى إلى السجدة سجد الناس أجمعون إلا أمية بن خلف (٢) فإنه أخذ قبضة من تراب فرفعها إلى جبهته وقال : يكفيني هذا. وقيل هو الوليد بن المغيرة (٣) وقيل هو أبو أحيحة سعيد بن العاص. ثم اتصل الخبر (٤) بمهاجرة الحبشة (٥) أن أهل مكة اتبعوا محمدا ففرحوا بذلك. فأقبل بعضهم فوجد ألقية الشيطان قد نسخت وأهل مكة قد وقعوا في فتنة. واختلف في صورة الإلقاء، فالذي عليه الأكثر أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بتلك الألفاظ وأن الشيطان أوهمه حتى خرجت على لسانه. وروي أن جبريل عليه السلام نزل بعد ذلك فدارسه ﴿والنجم﴾ فلما قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له جبريل : لم آتك بهذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " افتريت على الله وقلت ما لم يقل " فتفجع واغتم، فنزلت الآية. وذهب قوم إلى أن هذا لا يجوز عليه صلى الله عليه وسلم قالوا : وإنما الأمر أن الشيطان نطق بلفظ أسمعه الكفار عند قوله :﴿أفرأيتم اللات والعزى ( ١٩ ) ومناة الثالثة الأخرى ( ٢٠ )﴾ وقرب صوته من صوت النبي صلى الله عليه وسلم حتى التبس الأمر على المشركين وقالوا قرأها محمد، ونحو هذا قد روي عن أبي المعالي (٦). وقال ابن حزم (٧) : الحديث الذي فيه : " وأنهن لهن الغرانيق العلا وأن شفاعتهم لترتجى " كذب بحت لم يصح نقله فلا معنى للاشتغال به. وقوله تعالى :﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ الآية، فإن المراد به الأماني الواقعة في النفس. وقد تمنى النبي صلى الله عليه وسلم إسلام عمه أبي طالب ولم يرد الله عز وجل أن يسلم. وتمنى غلبة العدو يوم أحد ولم يرد الله تعالى ذلك. فهذه هي الأماني التي ذكرها الله تعالى (٨).
قلت وقد احتج بالآية والحديث من يجيز وقوع المعاصي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا حجة فيه لضعفه وما تحمل الآية من التأويل، والنسخ في هذا الموضع الإزالة.
١ نسب الفخر هذا القول إلى المعتزلة. راجع التفسير الكبير ٢٣/ ٤٩..
٢ أمية بن خلف بن وهب بن حذافة، من سادات قريش وزعمائهم، زمن الذين نصبوا العداوة للرسول صلى الله عليه وسلم. توفي مشركا يوم بدر. انظر البداية والنهاية ٣/ ٤٣..
٣ الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن لؤي، أبو خالد من الذين أظهروا العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. توفي بمكة في السنة الأولى للهجرة. انظر سيرة ابن هشام ١/ ٢٧٠..
٤ "الخبر" كلمة ساقطة في غير (ج)، (ح)..
٥ في غير (ج)، (ح): "الجيش"..
٦ أبو المعالي هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد، أبو المعالي الملقب بإمام الحرمين من أصحاب الشافعي عالم وفقيه. توفي سنة ٤٧٨ هـ/ ١٠٨٥م. انظر وفيات الأعيان ١/٢٨٧..
٧ ابن حزم: هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم القرطبي. أحد أئمة الإسلام. كان له أتباع في الأندلس يدعون بالحزمية. انظر وفيات الأعيان ١/ ٧٢٨، والصلة ص ٤٠٨..
٨ راجع القصة ومختلف الأقوال فيها خاصة في التفسير الكبير ٢٣/ ٤٨ – ٥١، أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٨٣، ٨٤، أسباب النزول للواحدي ص ٢٣٢، ٢٣٣، المحرر الوجيز ١١/ ٢١٠ – ٢١٣، الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٧٩ – ٨٦..
الحج 22:58
قوله تعالى :﴿والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا﴾ :
سببها أنه لما مات بالمدينة عثمان بن مظعون (١) وأبو سلمة بن عبد الأسد (٢) اختلف الناس في المقتول والميت في سبيل الله. فقال بعضهم المقتول أفضل. فنزلت الآية مسوية بينهم في الفضل. وقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب قوم إلى أنهما سواء في الفضل واحتجوا بالآية. قال بعضهم وظاهر الشريعة أن المقتول أفضل وليست الآية قاضية بتساويهم في الفضل. وقال بعضهم هما شهيدان ولكن للمقتول مزية ما أصابه في ذات الله تعالى. ومما يعضد القول الأول أن فضالة (٣) كان أميرا برودس على ربع من الأرباع فخرج بجنازتي رجلين أحدهما قتيل والآخر متوفى فرأى ميل الناس مع جنازة القتيل فقال أراكم أيها الناس تميلون مع القتيل وتفضلونه، فوالذي نفسي بيده ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت اقرأوا قوله تعالى :﴿والذين هاجروا في سبيل الله﴾ (٤).
١ عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب القرشي، الجمحي، أبو السائب. أسلم وهاجر مع الرسول صلى الله عليه وسلم وشهد بدرا. توفي سنة ٢ هـ/ ٦٢٤ م. وقيل غير ذلك. انظر الإصابة ٦/ ٣٩٥..
٢ أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي. وهو الذي أرضعته حليمة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم. استخلفه الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة في غزوة ذي العشيرة. انظر طبقات ابن سعد ١/ ١٠٨..
٣ فضالة: غير منسوب، جد، بنوه بطن من القحطانية. كانت مساكنهم بلاد منفلوط بمصر. انظر نهاية الأرب لشهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري ص ٣١٨..
٤ راجع الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٨٨، ٨٩..
الحج 22:68
قوله تعالى :﴿وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون ( ٦٨ )﴾.
هذه الآية مهادنة خالصة نسختها آية السيف.
الحج 22:77
قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا﴾ :
أمر الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بعبادته وخص الركوع والسجود بالذكر تشريفا للصلاة. واستدل به بعضهم على أن من نسي ركعة أو سجدة وجب عليه أن يجبرها. واختلف الناس هل في هذه الآية سجدة أم لا ؟ ومذهب مالك أن لا يسجد فيها.
– قوله تعالى :﴿وافعلوا الخير﴾ :
ندب إلى فعل المعروف جملة من غير تخصيص شيء. وصيغة قوله تعالى :﴿وافعلوا الخير﴾ صيغة يظن بها العموم وهي إلى الإجمال (١) أقرب، فالذي يظن به العموم يتمسك في إيجاب الوتر بها مصيرا إلى أن ظاهر الأمر من الوجوب. والخير اسم عام والأظهر أنه لا حجة فيه وأنه أقرب إلى الاحتمال لكثرة ما أخرج بالأدلة المخصصة عنه. وأشباه هذا في القرآن والحديث كثير.
١ في غير (أ)، (ز): "الاحتمال"..
الحج 22:78
قوله تعالى :﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ :
اختلف في الجهاد هنا ما هو، فقيل هو قتال الكفار، وقيل بل أعم من هذا بل جهاد النفس وجهاد الظلم وجهاد الكفار وغير ذلك. أمر الله تعالى عباده أن يفعلوا ذلك في ذات الله تعالى حق فعله. واختلف في قوله تعالى :﴿حق جهاده﴾ هل هو منسوخ أم لا ؟ فقال بعض العلماء في ذلك وفي قوله تعالى :﴿حق تقاته﴾ هو منسوخ بقوله تعالى :﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦] وذهب قوم إلى أنه ليس بمنسوخ وذلك أن المراد بهذه الأوامر فعل ما استطيع عليه. فقوله في الآية الأخرى ﴿ما استطعتم﴾ إنما هو تبيين لما أهمل في غيرها وقد تقدم الكلام على قوله تعالى :﴿حق تقاته﴾ [آل عمران: ١٠٢] في موضعه (١).
١ راجع الإيضاح ص ٣٠٩، ٣١٠..
المؤمنون 23:2
قوله تعالى :﴿الذين هم في صلاتهم خاشعون ( ٢ )...﴾ إلى قوله تعالى :﴿فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ( ٧ )﴾ :
وسبب قوله تعالى :﴿الذين هم في صلاتهم خاشعون ( ٢ )﴾ أن المسلمين كانوا يلتفتون في صلاتهم يمنة ويسرة، فنزلت الآية وأمروا أن يكون بصر (١) المصلي قبل قبلته أو بين يديه، وفي الحرم إلى الكعبة. وقيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلتفت في صلاته إلى السماء فنزلت الآية (٢) واختلف المفسرون (٣) أيضا (٤) في الخشوع ما هو ؟ فقيل هو الإقبال عليها والسكون فيها وهو قول مالك وجماعة سواه. وقيل الخشوع في القلب وأن لا تلتفت في صلاتك (٥) وهو قول علي بن أبي طالب. وروى بعضهم عنه ما يعضد هذا وهو أنه رأى رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال : لو خشع هذا خشعت جوارحه (٦). وقيل خاشعون يعني خائفون ساكنين، وهو قول ابن عباس (٧) والذي ينبغي أن يقال في هذا أن الخشوع هو التذلل في الجسم والقلب، وإلى هذا ترجع سائر الأقوال إذا حققت هذا الخشوع الذي ذكرناه. قال جماعة من العلماء ليس بفرض في الصلاة بحيث إذا تركه أحد بطلت صلاته ألا ترى أن عمر قال إني لأجهز جيشي وأنا في صلاتي. وروي عنه أنه قال إني لأحسب جزية البحرين وأنا في الصلاة (٨) ولا شك أن الخشوع الباطني مع هذا متروك، ولو كان من الفرائض لما تركه عمر رضي الله تعالى عنه. وقد أطلق بعضهم عليه اسم الفرض (٩).
وقد اختلف السلف في الالتفات في الصلاة (١٠) فمن كان لا يرى ذلك أبو بكر وعمر وابن مسعود وأبو الدرداء (١١) وأبو هريرة وابن الزبير، ورخصت فيه طائفة منهم أنس بن مالك وابن عمر وغيرهما. وحجة القول الأول قوله تعالى :﴿خاشعون﴾، والالتفات فيه ترك الخشوع. واختلف العلماء في أي موضع يضع المصلي بصره. فقال الكوفيون والشافعي وغيره يضعه موضع السجود. قال الشافعي : وهو أقرب إلى الخشوع. وقال بعضهم هو الخشوع. وقال مالك ومن تابعه يضعه أمامه وليس عليه أن ينظر موضع سجوده، وكره الحد في ذلك. وقال بعضهم يضعه موضع سجوده إن كان قائما إلا بمكة في المسجد الحرام فإنه يستحب له أن ينظر إلى البيت. والحجة لمالك أن الخشوع إنما هو كما قال : الإقبال على الصلاة، والسكون وضع بصره أينما وضعه ما لم يزل بذلك عن حد السكون.
١ في (أ): "نظر"..
٢ راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢٣٤، لباب النقول ص ٥٥٦..
٣ "المفسرون" كلمة ساقطة في (د)..
٤ "أيضا" كلمة ساقطة في (أ)، (ح)..
٥ من قوله: "هو الإقبال... إلى: في صلاتك" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
٦ وجاء في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي أن هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم ١٢/ ١٠٣. وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: وروي عن بعض العلماء أنه رأى رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: "لو خشع هذا خشعت جوارحه" ١١/ ١٢٢..
٧ وفي تنوير المقباس: مخيتون: متواضعون لا يلتفتون يمينا ولا شمالا ولا يرفعون أيديهم في الصلاة ص ٢٨٤..
٨ الأثر: لم أقف عليه في الكتب التي وقعت بين يدي..
٩ قال الفخر الرازي: فإن قيل فهل تقولون أن ذلك واجب في الصلاة؟ قلنا إنه عندنا واجب ويدل عليه أمور... راجع بقية القول في التفسير الكبير ٢٣/ ٧٧..
١٠ "في الصلاة" كلمة ساقطة في (أ)، (ز)..
١١ أبو الدرداء: هو عويمر بن عامر، ويقال عوير بن قيس بن زيد، ويقال غير ذلك أبو الدرداء الخزرجي الأنصاري، شهد أحدا، كان حكيما عالما، فاضلا تولى قضاء دمشق، مات في خلافة عثمان وقيل غير ذلك. انظر الإصابة ١٢/ ١١٤..
المؤمنون 23:3
وقوله تعالى :﴿والذين هم عن اللغو معرضون ( ٣ )﴾ اللغو ما سقط من الكلام وهذا يجمع تجنب جميع ما لا خير فيه.
المؤمنون 23:4
وقوله تعالى :﴿والذين هم للزكاة فاعلون ( ٤ )﴾ يحتمل أن يراد بالزكاة هنا الزكاة المفروضة، وإلى ذلك ذهب الطبري وغيره. ويحتمل أن يراد بها الزكي من الأعمال.
المؤمنون 23:5
وقوله تعالى :﴿والذين هم لفروجهم حافظون ( ٥ )﴾ يريد من عف فرجه.
المؤمنون 23:6
وقوله تعالى :﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ قصر في هذه الآية حلال الوطء على التزويج وملك اليمين. واختلف هل فيه دليل على تحريم المتعة أم لا ؟ فذهب جماعة إلى أن لا دليل فيها على ذلك (١) وقال الزهري سألت القاسم بن محمد (٢) عن المتعة فقال (٣) هي محرمة في كتاب الله تعالى وتلا هذه الآية، فرأى المتعة خارجة عن التزويج وملك اليمين الذي لا يحل وطء إلا بهما. وقد مر الكلام على هذه المسألة في موضعها. وهذه الآية تقتضي تحريم الزنا ومواقعة البهائم ولا خلاف في تحريم ذلك. واختلف في إتيان الرجل يده والاستمناء جملة أحرام هو أو مكروه ؟ فحرمه أكثرهم ورآه داخلا تحت قوله تعالى :﴿فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ( ٧ )﴾ واحتجوا بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من أتى يده جاءت يوم القيامة حبلى " (٤) ورخص فيه قوم من الصحابة والتابعين على كراهيته وقالوا إنما هو إزالة شيء من الجسم يخاف ضرره فلا شيء على من فعل ذلك ولا يلحقه فيه إثم ولم يروه داخلا تحت قوله :﴿فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ( ٧ )﴾ (٥).
١ قاله ابن العربي رغم أنه يرى تحريم نكاح المتعة. راجع أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٩٩..
٢ القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أحد أركان العلم والدين في عصر التابعين. توفي سنة ١٠٨هـ/ ٧٣٠م. انظر: تهذيب التهذيب ٨/ ٣٣٥..
٣ في (ب)، (ح): "فقيل"..
٤ الحديث ذكره عبد الله بن الصديق الغماري في الاستقصاء بلفظ: لا ينكح أحدكم نفسه بيده فيأتي بيده يوم القيامة وهي حبلى. وقال: ليس بصحيح بل لا أصل له. انظر الاستقصاء لأدلة تحريم الاستمناء لعبد الله بن الصديق الغماري ص ٦٧..
٥ قال ابن العربي: وأحمد بن حنبل يجوزه ويحتج بأنه إخراج فضالة من البدن فجاز عند الحاجة، أصله الفصد والحجامة. وعامة العلماء على تحريمه وهو الحق الذي لا ينبغي أن يدان الله إلا به. راجع أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٩٨..
المؤمنون 23:54
قوله تعالى :﴿فذرهم في غمرتهم حتى حين ( ٥٤ )﴾ :
في هذه الآية مهادنة (١) وهي منسوخة بآية القتال (٢).
١ "مهادنة" كلمة ساقطة في (ب)، (ج)، (ح)، (هـ)..
٢ "قوله تعالى: ﴿فذرهم في غمرتهم حتى حين (٥٤) في هذه الآية مهادنة وهي منسوخة بآية القتال﴾ كلام ساقط في (ب)، (هـ).".
المؤمنون 23:62
قوله تعالى :﴿ولا نكلف نفسا إلا وسعها﴾ :
قد تقدم الكلام على هذه الآية في سورة البقرة فلا معنى في إعادتها.
المؤمنون 23:84
قوله تعالى :﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ( ٨٤ )﴾ :
قال مكي فيها دلالة على جواز محاجة (١) الكفار والمبطلين وإقامة الحجة عليهم وإظهار الباطل من قولهم ومذهبهم ووجوب الحجج على من خالف دين الله تعالى.
١ في (ب): "مخالفة"..
المؤمنون 23:96
قوله تعالى :﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ في هذه الآية مهادنة للكفار وهي منسوخة بآية السيف(٢).
نسأل الله تعالى العافية والسلامة (٣).
النور 24:2
قوله تعالى :﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما...﴾ إلى قوله تعالى :﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾ :
وقد تقدم الكلام في سورة النساء على ما نسخته هذه الآية (١) وهي آخر آية نزلت في حد الزاني. وهي الآية ظاهرها العموم في كل زان وزانية مسلمين كانا أو كافرين. وقد قال بذلك أهل الظاهر وأبو حنيفة، فرأوا أن الكافر حده الجلد بكرا كان أو ثيبا، وهو قول المغيرة من أصحاب مالك. وقال الشافعي حد الكافر في الزنا كحد المسلم، إن كان بكرا جلد مائة جلدة وإن كان ثيبا رجم واحتج بعموم الآية وبالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في رجم اليهوديين (٢) واعتذر من لم يقل بقول الشافعي عن الحديث. فقال أبو حنيفة إنما حكم عليهم بحكم التوراة، وقال مالك رحمه الله تعالى إنما حكم عليهم بالرجم لأنهم لم يكونوا أهل ذمة فكان دمهم مباحا. إلا أن هذا التأويل يضعفه قتل المرأة. كما ضعف بعضهم تأويل أبي حنيفة بأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم اقتدى بالتوراة وغير هؤلاء، وهم مالك وأصحابه، رأوا أن المراد بها المسلمون دون المشركين وأن الكافر لا يحد بكرا كان أو ثيبا ويرد إلى أهل دينه. قال بعضهم بدليل أنها نزلت ناسخة للآية الواردة في المسلمين وهي قوله تعالى :﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم﴾ الآية [النساء: ١٥]. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا " (٣) الحديث.
وظاهرها أيضا العموم في الأحرار والعبيد وقد قال به أهل الظاهر إلا في إيناث العبيد فإنهم يرون أنهن خارجات من هذا العموم بقوله تعالى :﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥] فيرون أن العبد يجلد مائة بحكم العموم والأمة خمسين بحكم الآية المخصصة. وأنكر هذا العموم الجمهور إذ لا فرق بين العبد والأمة في مثل هذا فأجروا على العبد حكم الأمة الثابت لها بالآية التي احتجوا بها، وظاهرها أيضا العموم في الإبكار والثيبين (٤). وقد قال بذلك أيضا أهل الظاهر ورأوا أن الثيب يجلد بالآية ثم يرجم بالحديث فجمعوا عليه الحدين. وروي عن علي بن أبي طالب أنه جلد الهمدانية (٥) ثم رجمها، وقال جلدتها بكتاب الله تعالى ورجمتها بالسنة. واحتجوا أيضا بحديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم : " خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب جلد مائة والرجم " (٦) ولم يقل غيرهم بذلك العموم فلم يروا الشيئين مرادين بالآية ورأوا أن حديث عبادة منسوخ بما ثبت من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجم دون الجلد في حديث أنس وفي قصة ماعز (٧) وقصة العامرية. وهذا الدليل يخصص الظاهر الذي يحتجون به من القرآن. وبعضهم يسمي هذا التخصيص الذي ذكرته نسخا، وبعضهم يقول إن الشيئين يرادان بالآية أيضا، لكن يقول الناسخ لتلك الآية الثيبين القرآن الذي ارتفع لفظه وبقي حكمه وهو الذي قرأ عمر على المنبر بمحضر الصحابة : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة (٨). والأصح ما ذكرته أولا. وحديث علي يحتمل أن يكون كتمه الإحصان فلم يعلم به حتى جلدها. والخوارج بإجماعهم يرون الآية عامة في الإبكار والثيبين ولا يرون الرجم ويقولون ليس في كتاب الله تعالى رجم وهو (٩) خلاف لا يعتد به. وظاهر الآية أيضا الجلد دون التغريب وقد قال به أبو حنيفة وذكره بعضهم عن مالك واستدل بالآية قال : ولم يذكر التغريب فكان إثباته زيادة في النص نسخ ولا يصح نسخ القرآن بأخبار الآحاد. ولم ير مالك في المشهور عنه وجميع أصحابه ذلك بل رأوا الجلد ثابتا بالآية والتغريب ثابتا بالسنة. وقال عليه الصلاة والسلام : " البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام " (١٠) فجمعوا بينهما ولم يروا الزيادة في النص نسخا هذا إذا لم تغير الزيادة فيه الحكم الأول. ولا تغريب عند مالك وجميع أصحابه على الحرة خلافا للشافعي، ومن حجتهم ظاهر الآية، ولم يأت ما يزيل ذلك الظاهر. فإن قيل وهو حجة مالك قد جاء هذا الحديث : " البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام " فكما أزلتم ظاهر الآية في الرجل البكر به فهلا فعلتم ذلك في المرأة البكر ؟ قيل قد جاء أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تسافر المرأة مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها " (١١) فلو كان التغريب للنساء لأدى ذلك إلى ما نهى عنه صلى الله عليه وسلم من في هذا الحديث وفي نفيها تعريض لهتك سترها فكان تركها أولى. والأمة والعبد أيضا عند مالك وأصحابه لا يغربان. وللشافعي في ذلك قولان، والحجة لمالك قوله تعالى :﴿الزانية والزاني﴾ ولم يذكر تغريبا، وقال :﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥] فلم يذكر تغريبا فلا(١٢) يثبت إلا حيث يقوم الدليل مع ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس في الأمة إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها (١٣) فكرر الجلد (١٤) ولم يذكر التغريب. وحد العبد على النصف من حد البكر الحر سواء زنا بحرة أو بأمة، خلافا للأوزاعي في قوله إن زنا بحرة رجم وإن زنا بأمة جلد، وهذا فاسد لقوله عز وجل :﴿الزانية والزاني﴾ ولم يفرق. واختلف في المجنون إذا زنا بعاقلة هل تحد العاقلة أم لا ؟ فقال أبو حنيفة لا حد عليها، وغيره يرى أن عليها الحد لعموم قوله تعالى :﴿الزانية والزاني﴾. واختلف أيضا في الصغير يفجر بكبيرة هل تحد الكبيرة أم لا على قولين. حجة القول بحدها عموم الآية، ومن حجة من لا يرى الحد أن هذا ليس بزنا فليس بداخل في الآية. واختلف في الكبير يفجر بصغيرة هل يحد أم لا ؟ فعن مالك في ذلك روايتان. وحجة القول بالحد عموم الآية. واختلف في الوطء في الدبر هل هو زنى أم لا ؟ فعند مالك رحمه الله تعالى أنه زنى يقام فيه الحد وغيره لا يراه زنى (١٥) والكلام في هذا هل اسم الزنى واقع عليه أم هو قياس ؟ فإذا كان اسم الزنى واقعا عليه فالعموم في الآية شامل له. وإن كان قياسا فهو صحيح، إن شاء الله تعالى. واختلف فيمن زنى ببهيمة هل عليه حد أم لا ؟ فالمشهور أنه لا حد في ذلك، وفي كتاب ابن شعبان أن الحد فيه واجب، وهذا بعيد لأن فاعل ذلك ليس بزان لأنه معلوم أن الزنى إنما هو بالآدمية، فقد خرج هذا من لفظ الآية بعرف اللفظ فلا حد فيه. واختلف في من زنى بحربية ببلاد الحرب، فالمشهور في المذهب أن عليه الحد وقال أشهب لا حد عليه. وحجة القول الأول عموم الآية. واختلف أيضا فيمن زنى بنصرانية وإن لم تكن ببلاد الحرب، ففي المذهب أن عليه الحد خلافا لأبي حنيفة والشافعي، وحجة القول الأول عموم الآية. واختلف أيضا إذا دخل المسلم دار الحرب فزنى بمسلمة وكذلك إذا زنى في عسكر أهل البغي. ففي المذهب أن عليه الحد خلافا لأبي حنيفة في قوله : لا حد عليه إلا أن يكون على الجيش أميرا أو في مصر من الأمصار. ودليل القول الأول الآية. واختلف فيمن زنى بأمة له فيها شرك، ففي المذهب أنه لا حد عليه عالما كان بالتحريم أو غير عالم.
وفي خارج المذهب أن عليه الحد إن كان عالما بذلك لأنه زنى وقد حرم الله تعالى الزنا وأوجب فيه الحد. وحجة القول الأول في درء الحد الشبهة التي في وطئه باختلاط ملكه بملك شريكه وقد قال عليه الصلاة والسلام : " ادرأوا الحدود بالشبهات " (١٦) فهذا مخصص لعموم الآية. واختلف فيمن زنى بأمة ولده، ففي المذهب أنه لا حد عليه، وذهب داود إلى أن عليه الحد لعموم الآية، وحجة القول الأول الشبهة له في مال ولده وقد قال عليه الصلاة والسلام : " أنت ومالك لأبيك " (١٧) واختلف فيمن زنى بأمة امرأته، فقال مالك إن عليه الحد، وقال قوم لا حد عليه، وحجة القول الأول (١٨) عموم الآية وأنه لا شبهة للزوج في مال الزوجة. واختلف فيمن زنى بميتة، فقال مالك عليه الحد، وقال ابن عبد الحكم لا حد عليه، وحجة مالك عموم الآية. وكذلك اختلفوا في المرأة إذا استدخلت ذكر نائم، فقال مالك رحمه الله تعالى عليها الحد، وقال أبو حنيفة لا حد عليها، وحجة مالك أن هذا زنى فهو داخل تحت العموم. واختلف فيمن أكره على الزنا هل عليه حد أم لا على قولين، وحجة القول الأول عموم الآية (١٩). واختلف فيمن زنا ولم يعلم أن الزنا حرام، فالمشهور من المذهب أن الحد واجب ولا تسقطه الجهالة وذهب أصبغ إلى أن الحد يسقط بذلك، وروي عن عمر بن الخطاب، والحجة للقول الأول عموم الآية. واختلف فيمن زنا بذات محرم منه، فقال مالك والشافعي عليه الحد، وروي عن البراء بن عازب وجابر أنه يقتل وحجة القول الأول (٢٠) عموم الآية (٢١) وحجة القول الآخر حديث البراء بن عازب الذي ذكره الترمذي وغيره حين قال في رجل زنا بأمه : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب عنقه وأستبقي ماله (٢٢) وكذلك اختلف فيمن وطئ أمه أو أخته أو بنته بنكاح أو بملك يمين وهو عالم بالتحريم فعند مالك أنه يحد، وقال أبو حنيفة لا يحد لأن النكاح وعقد الملك شبهة، وحجة مالك أنه إذا كان عالما بالتحريم فهو زنا والعقد غير مقصود فدخل تحت عموم الآية. وأما أبو حنيفة فالتفت بالتحريم (٢٣) فهو زنا والعقد غير مقصود فدخل تحت عموم الآية. وأما أبو حنيفة فالتفت في هذه المسألة إلى صورة العقد ولم يلتفت إلى المقصود وأبعد في هذا النوع من النظر حتى قال فيمن استأجر امرأة ليزني بها أنه لا حد عليه وزاد على ذلك فقال : من أعطى امرأة ذهبا أو فضة ثم زنا بها فلا حد عليه وإن لم يعط ذلك على وجه الإجارة. وهذا تعمق في النظر أدى إلى الزنا المحض فلا يلتفت إليه. واختلف فيمن زنا ثم تاب هل تسقط التوبة عن الحد أم لا ؟ وكذلك في حد السرقة وشرب الخمر. فالمشهور أن الحد لا تسقطه التوبة في شيء من ذلك لقوله تعالى :﴿الزانية والزاني﴾ الآية وقوله تعالى :﴿والسارق والسارقة﴾ [المائدة: ٣٨] الآية ولم يفرق. وذهب الشافعي وأبو حنيفة والثوري وغيرهم بجلد الرجل قائما والمرأة قاعدة واحتجوا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : " فرأيت الرجل يمنا على المرأة " قال مالك ومن تبعه يضرب الرجل والمرأة قاعدين وهما سواء في ذلك ومن حجته قوله تعالى :﴿فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ فسوى بينهما في الجلد ولم يفرق بين الرجل والمرأة. واختلفوا في مواضع الضرب من جسده بعد أن اتفقوا على تجنب المقاتل والوجه والعورة، فعند مالك أن الضرب (٢٤) لا يكون إلا على الظهر خاصة، وعند الشافعي أن الأعضاء كلها تضرب ما عدا المتفق عليه، وعند أبي حنيفة أن الأعضاء كلها تضرب ما عدا المتفق عليه وما عدا الرأس. ومن حجة من لم يقصر الضرب على الظهر قوله تعالى :﴿فاجلدوا كل واحد منهما﴾ فأطلق ولم يخص، وحجة مالك قوله عليه الصلاة والسلام : " البينة أو حد في ظهرك " (٢٥) وقول عمر : لأوجعهن متينك (٢٦). واختلف هل يجرد المحدود أم لا بعد الاتفاق على أن المرأة لا تجرد وتستر بما لا يقيها الضرب. فعند مالك وغيره أنه يجرد، وروي عن النخعي والشعبي وغيرهما أنه لا يجرد ويترك عليه قميص، وروى عن ابن مسعود أنه قال : لا يحل في هذه الأمة التجريد. وقال الأوزاعي الإمام مخير إن شاء جرد وإن شاء لم يجرد، ودليل القول الأول قوله تعالى :﴿فاجلدوا كل واحد منهما﴾ والجلد يقتضي مباشرة أبدانهما.
– قوله تعالى :{ ولا تأخذكم ب
١ راجع ذلك في الإيضاح ص ٣١٢ – ٣١٤..
٢ جاء في الموطأ: حدثنا مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه قال: جاءت اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟" فقالوا: نفضحهم ويجلدون، فقال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها آية الرجم، فآتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم ثم قرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم. فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما. فقال عبد الله بن عمر: فرأيت الرجل يحمي على المرأة يقيها الحجارة. قال مالك: يعني يحني، يكب عليها حتى تقع الحجارة عليه، راجع الموطأ، كتاب الحدود، باب: ما جاء في الرجم ٢/ ١٧٧. والحديث أخرجه أيضا مسلم عن عبد الله بن عمر فراجعه في صحيحه: كتاب الحدود، باب: رجم اليهود أهل الذمة في الزنا ٥/ ١٢٢..
٣ أخرج مسلم عن عبادة بن الصامت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "خذوا عني، خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا..." راجع صحيح مسلم كتاب الحدود، باب: حد الزنا ٥/ ١١٥..
٤ "الثيبين" كلمة ساقطة في (ب)، (هـ)..
٥ وفي كتاب ابن المواز: من جلد في الزنا مائة جلدة ثم ثبت أنه محصن فإنه يرجم ولا يجزؤه الجلد. انظر المنتقى للباجي، كتاب الحدود، باب: ما جاء في الرجل ٧/ ١٣٨..
٦ الحديث أخرجه مسلم، كتاب الحدود، باب: حد الزنا ٥/ ١١٥..
٧ قال عيسى بن دينار: وكان يتيما عند هزال. وهذا هو ماعز بن مالك الأسلمي. راجع القصتين في المنتقى للباجي، كتاب الحدود، باب: ما جاء في الرجم ٧/ ١٣٤ – ١٣٦..
٨ الحديث ذكره مالك في الموطأ، كتاب الحدود، باب: ما جاء في الرجم ٢/ ١٨٠..
٩ في (ح): "وهذا"..
١٠ وجاء في الموطأ عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ".... أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله...." وجلد الابن مائة وغربه عاما. انظر الموطأ، كتاب الحدود، باب: ما جاء في الرجم ٢/ ١٧٩..
١١ رواه مالك عن أبي هريرة بلفظ: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها" راجع الموطأ، كتاب الجامع، باب: ما جاء في الوحدة في السفر للرجال والنساء ٢/ ١٧٨..
١٢ في (أ)، (ح): "فلم"..
١٣ والحديث أخرجه مسلم بألفاظ مختلفة فراجعه في صحيحه. كتاب الحدود، باب: رجم اليهود أهل الذمة في الزنا ٥/ ١٢٤..
١٤ "فكرر الجلد" كلام ساقط في (ح)..
١٥ قال الباجي: قال أبو حنيفة ليس فيه حد وإنما فيه التعزير. راجع المنتقى، كتاب الحدود، باب: ما جاء في الرجم ٧/ ١٤١..
١٦ الحديث أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الحدود، باب: ما جاء في درء الحدود ٨/ ٢٣٨..
١٧ الحديث أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب النفقات، باب: نفقة الأبوين ٧/ ٤٨٠. وابن ماجه في السنن، كتاب التجارات، باب: ما للرجل من مال وولد ٢/ ٧٦٩..
١٨ "الأول" كلمة ساقطة في (ج)، (ح)، (د)، (هـ)..
١٩ "واختلف فيمن أكره على الزنا.... إلى قوله: عموم الآية" كلام ساقط في (ح)، (د)..
٢٠ "الأول" كلمة ساقطة في (ح)، (د)..
٢١ "واختلف فيمن زنا بذات محرم منه... إلى: عموم الآية" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
٢٢ راجع سنن ابن ماجه، كتاب الحدود، باب: من تزوج امرأة أبيه من بعده ٢/٨٦٩..
٢٣ "فعند مالك أنه يحد... إلى: بالتحريم" كلام ساقط في (أ)..
٢٤ في (ز): "الجلد"..
٢٥ الحديث أخرجه الترمذي عن ابن عباس، كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة النور ٥/ ٣٣١..
٢٦ قال الباجي: والجلد إنما يكون في الظهر وما قاربه. انظر المنتقى، كتاب الحدود ٧/ ١٤٢..
النور 24:3
قوله تعالى :﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك....﴾ إلى قوله تعالى :﴿والذين يرمون المحصنات﴾ :
اختلف في هذه الآية على قولين، أحدهما : أنها منسوخة إلا أن الذين ذهبوا إلى هذا اختلفوا فقال سعيد بن المسيب إن هذا حكم كان في الزناة عاما أن لا يتزوج زان إلا زانية ثم نسخ ذلك بقوله تعالى في هذه السورة :﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ [النور: ٣٢] فدخلت الزانية في أيامى المسلمين وقال مجاهد فيما ذكر أبو عبيد إن هذا الحكم إنما كان في نفر مخصوصين كانوا يزنون ببغايا في الجاهلية، فلما أسلموا لم يمكنهم الزنا فأرادوا لفقرهم تزوج أولئك النسوة إذ كانوا من عاداتهن الإنفاق على من يتزوجهن، فنزلت الآية بسببهن فحرمت على أولئك النفر نكاح غيرهم من المؤمنين ثم نسخت بقوله تعالى :﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ (١). قال أبو الحسن : دليل النسخ أنه جوز للزاني أن ينكح المشركة وللمشرك أن ينكح الزانية وذلك غير جائز فإنه منسوخ بقوله تعالى :﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ (٢) [البقرة: ٢٢١] وإذا صح النسخ جاز تزوج الزاني العفيفة والعفيف الزانية. وتزوج الزاني الزانية لعموم قوله تعالى :﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ [النور: ٣٢] وقد أنكر القول بالنسخ شيخنا أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى لوجهين : أحدهما أنا لا ندري أي الآيتين المتقدمة من المتأخرة. والثاني أن قوله :﴿الزاني لا ينكح إلا زانية﴾ خاص وقوله :﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ عام، والعام لا ينسخ الخاص (٣) والثاني أنها محكمة. إلا أن من ذهب إلى هذا اختلفوا في التأويل، فقال ابن عباس وغيره إن النكاح في الآية بمعنى الجماع لا بمعنى التزوج، والقصد بالآية على هذا تشنيع (٤) الزنا وأنه محرم واتصال الآية على هذا التأويل بما قبلها حسن فيكون المعنى فيها أن الزاني لا يزني إلا بزانية مثله مسلمة أو مشركة، وكذلك الزانية من المسلمات لا تزني إلا مع زان من المسلمين أو مع مشرك (٥) وهذا أحسن ما في الآية. إلا أن الزجاج قد أنكره وقال لا يعرف النكاح في كتاب الله إلا بمعنى التزوج. وهذا ليس كما قال، وفي القرآن ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠] وبينه النبي صلى الله عليه وسلم أنه بمعنى الوطء. وقد مر الكلام عليه في سورة البقرة. وقال عبد الله بن عمر وروي عن ابن عباس أيضا وغيره أن الآية نزلت في قوم مخصوصين كانوا في الجاهلية يزنون ببغايا مشهورات فلما جاء الإسلام وأسلموا ولم يمكن الزنا وكانوا فقراء أرادوا زواج أولئك النسوان لفقرهم إذ كان من عادة أولئك النساء الإنفاق على من يتزوجهن، فنزلت الآية بسببهن. والإشارة بالزاني إلى أحد أولئك وحمله عليه اسم الزاني الذي كان في الجاهلية (٦). والنكاح في الآية على هذا القول التزوج وفي الآية على هذا التأويل معنى التوجع عليهم والتوبيخ لهم كأنه قال أي مصاب هذا الزاني لا يريد أن يتزوج إلا زانية أو مشركة، أي تنزع نفوسهم إلى هذه الرذائل.
وقوله تعالى :﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾ أي نكاح أولئك البغايا. فيزعم أهل هذا التأويل أن نكاح أولئك البغايا حرمه الله تعالى على أمة نبينا صلى الله عليه وسلم. وحكى الطبري عن ابن عباس في سياق هذا القول أنه كانت لهم بيوت في الجاهلية تسمى المواخير فكانوا يؤجرون فيها فتيانهم وكانت بيوتا معلومة للزنا فحرم الله تعالى ذلك على المؤمنين (٧).
ومقتضى هذا القول أن الزاني لا يتزوج زانية ولا مشركة، والزانية لا تتزوج زانيا ولا مشركا، إلا أنه قال إنها وردت في قوم مخصوصين، والعام إذا خرج على سبب خاص قد اختلف فيه هل يحمل على عمومه أو يقصر على سببه. وإذا حمل على عمومه فلا يجوز على هذا أن يتزوج الزاني الزانية ويجوز أن يتزوج العفيفة، وكذلك العكس. وكذلك روي عن ابن مسعود أنه قال في الرجل يزني بالمرأة ثم يتزوجها : إنهما زانيان ما عاشا. وروي مثله عن عائشة وعلي والبراء، وروي عن ابن مسعود أنه إذا تاب حل له أن يتزوج من أولئك البغايا (٨). والبغايا المذكورات : عناق، واسم الذي هم بتزوجها دلدل (٩) وكان يخرج مع المسلمين من مكة سرا ففطنت له ودعته إلى نفسها فأبى الزنا وأراد التزوج فاستأذن فيه النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية. ولما دعته وأبى قالت له : أي تبور والله لأفضحنك. وأم مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي (١٠) ويقال فيها أم مهزم. وحنة القبطية جارية العاص بن وائل (١١). وجارية صفوان بن أمية أم عليط. وجارية عمر بن هشام بن ربيعة (١٢) فرسة. وجارية هلال بن أنس (١٣) فرنتا من ذوات الرايات التي تعرف مناولهن بها. وعلى هذا كانت بالمدينة إماء عبد الله بن أبي وغيرهن (١٤). وقال الحسن : معنى الآية على ظاهرها وهي محكمة في الزاني المجلود والزانية المجلودة أي لا يزوج المجلود إلا مجلودة. وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله " (١٥).
وقوله تعالى :﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾ يريد الزنا. وهذا القول يضعفه ذكر المشرك في الآية لأنه لا يحرم على قوله للزاني أن يتزوج مشركة وللزانية أن تتزوج من مشرك، وهذا في غاية البعد. وقد ضعف بعضهم هذا القول والحجة به قالوا : وأما الحديث فلا يصح (١٦) وقال بعضهم إنه منسوخ (١٧). وللاختلاف في تفسير الآية اختلف في ابتداء تزوج (١٨) الزاني العفيفة والعفيف الزاني على ثلاثة أقوال : المنع وهو مروي عن الزهري، وهو الذي يأتي على مذهب الحسن في تفسير الآية، وروي عن علي أنه فرق بين رجل وامرأة زنيا قبل أن يدخل بها وربما قال من يقول بهذا إن الآية منسوخة في المشركة خاصة دون الزانية، وهؤلاء يرون عن ابن عباس وأبي هريرة وأبي بن كعب (١٩) وابن عمر مثل قولهم (٢٠). ومن حجة هؤلاء حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتفريق بين المتلاعنين.
والكراهة وهو المشهور في المذهب فإن وقع جاز، وسبب الكراهة إشكال ظاهر الآية.
والجواز وهذا أيضا في المذهب وروي عن الزهري وعليه يأتي قول من رأى النسخ في الآية ورأى النكاح فيها بمعنى الوطء. ومن حجة أهل هذا القول أيضا عموم قوله تعالى :﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ الآية [النساء: ٣].
واختلف في الزاني يتزوج الزانية كان زنى كل واحد منهما بصاحبه أو بغيره، على حسب الاختلاف في المسألة الأولى المنع وهو قول ابن مسعود والبراء بن عازب وعائشة. وهذا يرده تأويل الحسن في الآية، ويعضده تأويل عبد الله بن عمر.
والكراهة والجواز وهما المشهوران. وعلى القول بأنه لا يمنع فلا بد من الاستبراء إن أراد الزواج خلافا لأبي حنيفة والشافعي، وقولهما إنه ليس بواجب. وحجتنا قوله عليه الصلاة والسلام : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه زرع غيره " (٢١).
واختلف في الرجل تزني امرأته تحته هل ينفسخ (٢٢) نكاحه أم لا ؟ فالمشهور أنه لا ينفسخ، وقيل ينفسخ وحكي عن الحسن وأبي عبيد. قال بعضهم وهو قول أهل البصرة. وكذلك اختلف إذا زنى الرجل هل يحرم على المرأة أم لا ؟ فعند أهل البصرة أنه يحرم وقال غيرهم لا يحرم وعلى هذا يأتي تفسير الحسن للآية، وقد تقدم ما يوهن تفسيره ويقوي سواه. ومن الدليل للقول المشهور قوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قال له إن امرأتي لا ترد يد لامس، قال : " طلقها " قال : إني أحبها. قال : " أمسكها ". وقد تأول بعضهم : إن امرأتي لا ترد يد لامس، أن معناه أنها لا ترد طالب ماله من محتاج أو سارق ونحو ذلك وأنشدوا على هذا :
ألستم لئاما تردون جاركم؍ ولولاهم لم تمنعوا كف لامس (٢٣)؍
وفي قوله تعالى :﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾ دليل على أنه لا تحريم على الكافرين وأنه لا اعتراض لنا في زناهم وفسوقهم وفجورهم إذا قدرنا على أنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله. وإذا لم يحرم الله عز وجل عليهم الزنا فلا خطاب عليهم في تحليل ولا تحريم حتى يدخلوا في الإسلام. فإن احتج محتج بقوله تعالى :﴿وطعامكم حل لهم﴾ [المائدة: ٥] فقيل إنما معناه حل لكم أن تطعموهم منه.
١ راجع الإيضاح ص ٣١٢، ٣١٣، المحرر الوجيز ١١/ ٢٦٧..
٢ راجع قول أبي الحسن في أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٩٦..
٣ راجع أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٣١٩..
٤ في (أ)، (ز) زيادة:"أمر"..
٥ راجع الإيضاح ص ٣١٢، ٣١٣..
٦ ذكره أيضا ابن عطية في المحرر الوجيز ١١/ ٢٦٧..
٧ نقله ابن عطية عن الطبري في المحرر الوجيز فراجعه في ١١/٢٦٧- ٢٦٩..
٨ ذكر الأثر الكيا الهراسي في أحكام القرآن ٤/ ٢٩٦..
٩ دلدل: قال ابن عاشور: كان رجل يقال له مرفد بن أبي مرفد. راجع التحرير والتنوير ١٨/ ١٥٢، ١٥٣..
١٠ السائب بن أبي السائب المخزومي صيفي بن عائد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. له صحبة. اختلف في تاريخ وفاته اختلافا كثيرا. انظر تهذيب التهذيب ٣/ ٤٤٨..
١١ العاص بن وائل بن هاشم بن سعد بن سهم بن لؤي من سادة قريش، من الذين أظهروا العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم. انظر سيرة ابن هشام ١/ ٤١٠..
١٢ عمر بن هشام بن ربيعة، أبو حفص، صاحب مظالم الري. روى عن النضر بن شبيل ومعاذ بن خالد بن شقيق والفضل بن موسى وفضالة بن إبراهيم. انظر تهذيب التهذيب ٧/ ٥٠٥..
١٣ هلال بن أنس: لم أعثر على ترجمته..
١٤ راجع القصة في أسباب النزول للواحدي ص ٢٣٦، لباب النقول للسيوطي ص ٥٥٩، التحرير والتنوير لابن عاشور ١٨/ ١٥٣..
١٥ ذكر الحديث ابن عطية في المحرر الوجيز. وقال ذكره أيضا ابن كثير وقال فيه: وهذا حديث لا يصح. راجع المحرر الوجيز ١١/ ٢٦٩. وقال ابن خويز منداد: وإنما ذكر المجلود لاشتهاره بالفسق وهو الذي يجب أن يفرق بينه وبين غيره، فأما من لم يشتهر بالفسق فلا. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ١٧١..
١٦ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز ١١/ ٢٦٩..
١٧ وهو قول ابن المسيب فراجعه في المحرر الوجيز ١١/ ٢٦٩..
١٨ في (أ)، (ز): "تزويج"..
١٩ أبي بن كعب بن عبد الله بن مالك الأنصاري، سيد القراء. قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك" انظر الإصابة ١/ ٣١ – ٣٣..
٢٠ راجع أحكام القرآن للجصاص ٥/ ١٠٨، وأحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٤٧..
٢١ الحديث أخرجه أحمد في مسنده عن رويفع بن ثابت الأنصاري ٤/ ١٠٨..
٢٢ في (أ)، (هـ)، (ز): "يفسخ"..
٢٣ نسب الجصاص البيت إلى جريج الخطفي. راجع أحكام القرآن، باب: تزويج الزانية ٥/ ١٠٩، والبيت من البحر المتقارب..
النور 24:4
قوله تعالى :﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء...﴾ إلى قوله تعالى :﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ :
نزلت في القذف والرمي أصله من الرمي بالحجارة والسهام ثم استعير للقذف لما بينهما من الشبهة. وقد قال امرؤ القيس(١) : وجرح اللسان كجرح اليد. فكأنه تعالى قال والذين يقذفون المحصنات. والقذف أيضا الرمي. قال تعالى :﴿ويقذفون من كل جانب ( ٨ ) دحورا﴾ [الصافات: ٨، ٩] وتقول العرب : فلان بين حاذف وقاذف. إلا أنه قد خص في إطلاق أهل الشرع بالرمي في الزنا ولا خلاف في صريح ذلك أنه داخل في حكم الآية. واختلف في التعريض بالزنا هل يجري مجرى الصريح في ذلك أم لا ؟ فمالك يوجب الحد والشافعي وكافة العلماء على خلافه. ووجه قول مالك حمل المفهوم على الصريح كحمله عليه في ألفاظ الشرع، وقال الشافعي لما كان التعريض في الخطبة ليس كالصريح حملنا التعريض بالقذف عليه وهو أولى لقوله عليه الصلاة والسلام : " ادرأوا الحدود بالشبهات " (٢) والمحصنات هنا أهل العفة باتفاق (٣) واختلف في الحرية والإسلام هل هما داخلان تحت لفظ المحصنات مع العفة (٤) أم لا على ما يأتي تفسيره. واتفقوا أن التزويج لا مدخل له في هذه الآية. واختلف في سبب نزول هذه الآية. فقال سعيد بن جبير سببها ما قيل في عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها. وقيل بل نزلت بسبب ما قيل في القذف عاما لا في تلك النازلة (٥) واختلف أيضا في الآية هل هي في النساء خاصة – والرجال داخلون فيها بالمعنى – أم هي في الرجال والنساء سواء ؟ فقيل هي في النساء لقوله :﴿المحصنات﴾ وهذا لا يكون إلا في النساء، وخصهم تعالى بالذكر إذ كان رميهم بالفاحشة أنكر في النفس وأشنع، وقذف الرجل داخل في حكم الآية بالمعنى والإجماع، وهذا نحو نصه تعالى على لحم الخنزير ودخل شحمه ودماؤه وغضاريفه ونحو ذلك من أعضائه في ذلك المعنى وبالإجماع، ومثل قوله تعالى في الإماء :﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥] والعبيد مثلهن باتفاق. ومثله قوله عليه الصلاة والسلام : " من أعتق شركا له في العبد " (٦) والأمة مثله باتفاق. وقد اختلف هل يسمى مثل هذا قياسا أم لا ؟ وقيل بل الآية في الرجال والنساء وأن المعنى فيها : والذين يرمون الأنفس (٧) المحصنات، فهي تعم بلفظها النساء والرجال. وقوله تعالى :﴿والذين يرمون﴾ عام في كل بالغ عاقل (٨) مسلم أو نصراني. إلا أنه اختلف في العبد هل هو مخصص من هذا اللفظ أم لا. فذهب ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز ومن قال بقولهما إلى أنه غير مخصص من لفظ الآية وأن حده في القذف ثمانون جلدة كما نص في الآية، وبه قال الأوزاعي. وذهب الجمهور إلى أنه مخصص منها بقوله تعالى :﴿فعليهن نصف ما على المحصنات﴾ [النساء: ٢٥] وأن حده نصف حد الحر أربعون (٩).
وقوله تعالى :﴿المحصنات﴾ أراد باللفظ أهل العفة وقد اتفقوا على أن من قذف – من ثبت عليه الزنا – بالزنا الذي قد ثبت أنه لا حد عليه لأن العفة من ذلك لم تقع بوجه. واختلفوا إذا قذفه بزنا آخر غير الذي ثبت عليه. فالمشهور أنه لا حد على القذف، وقيل يحد لأن سقوط العفة في ذلك لم تعلم، وإلى نحو هذا ذهب أبو ثور. والقول الأول أصح لأن العفة بظاهر هذا الزنا الثابت قد سقطت ولا حد على من قذف غير عفيف بقوله تعالى :﴿المحصنات﴾. فعلى المشهور يكون لفظ المحصنات في الآية فيمن لم تعرف (١٠) له غير العفة أبدا. وعلى القول الثاني يكون اللفظ في ذلك وفيمن لم تعرف صحة ما روي به وإن لم يعلم متصل العفة. وظاهر الآية العفاف في المسلمين والكافرين وأنه من قذف أهل الكفر فعليه الحد. وقد قيل بذلك على ما ذكرت (١١) بعض المتأخرين. وقد قال بذلك الظاهر قوم منهم ابن المسيب، ورأيت له في الذي يقذف النصرانية ولا ولد مسلم أنه يحد. ورأيت لغيره في النصرانية تحت المسلم أنه إذا قذفها جلد الحد (١٢). والذي عليه الجمهور أن المراد بالآية المقذوفون من المسلمين (١٣) وأن الكفار مخصوصون من عمومها بالقياس على الفاسق الملئ (١٤) وهذا إذا جعلنا الإحصان في الآية العفة خاصة. وأما إن جعلنا العفة والإسلام فليس للآية عموم يحتج به في ذلك. وظاهر الآية أيضا العموم في الأحرار والعبيد وأنه من قذف منهم أحدا كان عليه الحد. وقد قال بذلك بعض أهل الظاهر داود ومن تابعه (١٥). والذي عليه الأكثر أن المراد بالآية الأحرار دون العبيد وأنه لا حد على من قذف مملوكا وأنهم مخصوصون من ذلك العموم، قال بعضهم لقوله " أخر حد المماليك وأهل الذمة إلى يوم القيامة " (١٦). ومعناه الحدود التي لهم (١٧) وهذا كما قلنا على القول بأن الإحصان في الآية العفة خاصة أو العفة والإسلام خاصة. وأما إن فسر اللفظ بذلك وبالحرية جميعا فلا عموم له يحتج به. وظاهر الآية أيضا العموم في البالغين وغيرهم وأنه من قذف منهم أحدا فعليه الحد، وقد قيل ذلك على ما حكاه بعض المتأخرين. ورأيت لإسحاق أن الغلام إذا كان يطأ مثله حد قاذفه (١٨) والذي عليه الجمهور أن المراد بالآية البالغون وأن الذين لم يبلغوا مخصوصون من عموم الآية بقوله عليه الصلاة والسلام : " رفع القلم عن ثلاثة " (١٩) فذكر الصبي حتى يحتلم. إلا أنه اختلف في المذهب في بلوغ النساء ما هو، فالمشهور أنه إمكان الوطء، وقال ابن عبد الحكم وابن الجهم (٢٠) الحيض، وهذا القول أجرى مع الظاهر. وظاهر الآية العموم في الأحمق وغيره وأنه من قذف الأحمق عليه الحد وقد قال بذلك (٢١) بعض المتأخرين. والذي عليه الجمهور أن المراد بالآية العقلاء وأن ما عداهم فلا حد على قاذفهم إذا قذفهم بما يكون في حال زوال عقولهم وأنهم مخصوصون من عموم الآية بقوله عليه الصلاة والسلام : " رفع القلم عن ثلاث " فذكر الصبي حتى يحتلم والمجنون حتى يفيق، وظاهر الآية أيضا العموم في الممكن من الوطء وغير الممكن مثل المجبوب ومن جرى مجراه، وأن من قذف مجبوبا فعليه الحد وقد قال بذلك ابن حنبل وإسحاق والبتي. والذي عليه الأكثر أن المراد بالآية المتمكنون من الوطء وأنهم مخصوصون من عموم الآية بالقياس على الصبي وأنه من قذف مجبوبا لا حد عليه (٢٢). واختلف فيمن أقر على نفسه بالزنا ثم رجع بعد ذلك هل يحد للقذف أم لا ؟ والمشهور أنه لا حد عليه لأن الله تعالى قال :﴿والذين يرمون المحصنات﴾ وهذا لم يرم أحدا. واختلف في المرمي به الذي يجب فيه (٢٣) حد القذف ما هو، فعند مالك والشافعي أنه الزنا واللواط، وعند أبي حنيفة الزنا خاصة وهذا بناء منه على أصله في أن اللواط لا يجب به الحد وإنما يجب به التعزير(٢٤) وحجة القول الأول قوله تعالى :﴿والذين يرمون﴾، والزنا يراد به القذف. ومن يرمي باللواط فقد قذف، ولفظ الآية تعمه. واختلف فيمن قذف أحدا ببهيمة، فقال ابن شهاب عليه الحد، والمشهور أنه لا حد فيه لأن الآية على ما فهم منها إنما جاءت في الآدميين لا في البهائم (٢٥). واختلف فيمن قذف ابنه أو ابن ابنه هل عليه حد أم لا على قولين في المذهب. قال ابن المنذر : وظاهر الآية يدل على الحد وليس مع من أزال الحد في هذا حجة. واختلف فيمن قال لآخر يا فاعلا بأمه أو فعلت بأمك، فالمشهور أن عليه الحد، وقال أصحاب الرأي لا حد عليه في الوجهين. وحجة الأول ظاهر الآية وأن هذا قاذف بلا خلاف. واختلف في القوم في دار الحرب يقذف بعضهم بعضا، فالمشهور أن على القاذف منهم الحد وقال أصحاب الرأي لا يحد. قال ابن المنذر يحد على ظاهر الآية. واختلف فيمن قذف رجلا بالزنا فحد له ثم عاد له فقذفه هل يحد له أيضا على قولين في المذهب. ووجه القول بالحد عموم الآية (٢٦) واختلف فيمن قذف جماعة هل يحد لكل واحد منهم حدا أم حدا واحدا لجميعهم. فذهب مالك وأبو حنيفة رحمهما الله ومن تابعهما إلى أنه يحد (٢٧) حدا واحدا قذفهم في كلمة واحدة أو مفترقين في مجالس شتى. وقال الشافعي لكل واحد حد، وقال عطاء وغيره إن كان القاذف بكلمة واحدة فحد واحد، وإن كان قذف هذا ثم هذا كان لكل واحد منهم حد. وذكره بعضهم عن مالك رحمه الله تعالى. وقال عروة بن الزبير وغيره إن جاؤوا جميعا حدوا حدا واحدا وإن جاؤوا مفترقين حد لكل واحد منهم، وهو قول المغيرة فيمن قذف أناسا في أوقات شتى (٢٨) واستدل بعضهم من الآية على تصحيح القول الأول بأن قال قاذف المحصنة قاذف لها وللذي زنا بها ولم يوجب الله تعالى عليه إلا حدا واحدا مع قوله أيضا :﴿والذين يرمون المحصنات﴾ وهي جماعة. واختلف في القذف هل يتعلق به حق الله تعالى أم لا على ثلاثة أقوال : أحدها : أنه يتعلق به فلا يجوز فيه العفو بلغ الإمام أو لم يبلغه وهو مذهب أبي حنيفة، وعليه تدل رواية أشهب عن مالك. ويأتي على هذا أن حد القذف يقيمه (٢٩) الإمام إذا انتهى إليه، رفعه إليه صاحبه أو أجنبي. والثاني : أنه لا يتعلق به حق الله ولصاحبه أن يعفو بلغ الإمام أو لم يبلغه (٣٠) وهو أحد قولي مالك وقول الشافعي. والثالث : أنه حق لصاحبه ما لم يبلغ الإمام فإذا بلغ الإمام صار حقا لله تعالى، وهو أحد قولي مالك (٣١). وحجة القول بأن لله تعالى فيه حقا أنهم قد اتفقوا على أن الزنا من حقوق الله لا يجوز فيه العفو فقسنا عليه القذف لأن الله تعالى قال :﴿والذين يرمون المحصنات﴾ وقال :﴿الزانية والزاني﴾ فوجب إجراء الأمرين على الظاهر لأنه لم يشترط العفو. وفي هذا حجة أخرى أن المخاطبة بالجلد إنما هي للولاة فذلك يدل على أن لله تعالى فيه حقا ولا يجوز فيه العفو.
قوله تعالى :﴿ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ :
شدد الله تعالى بها على القاذف سترا على عباده وزجرا عن أذاهم. وحكم هذه الشهادة التي ذكرها الله تعالى هي أن تكون على معاملة بالغة كالورود في المكحلة. واختلف هل يراع فيها أن تكون في موطن واحد أم لا ؟ فراعاه الأكثر ولم يراعه ابن الماجشون وأبو حنيفة ومن حجتهما ظاهر الآية إذا لم يفرق بين موطن واحد ومواطن، وحجة القول الأول قياس المواطن على الأزمنة إذ لم يختلفوا فيها. واختلف هل من شرطها أن يأتي الشهداء مجتمعين أم لا ؟ فرأى ذلك مالك وقال عبد الملك تقبل شهادتهم مجتمعين أو مفترقين، ومن حجة هذا القول ظاهر الآية إذ لم يذكر الله تعالى في الشهداء اجتماعا ولا افتراقا (٣٢). واختلف إن شهد للقاذف أقل من أربعة هل يحد الشهود أم لا ؟ فعند مالك والشافعي وغيرهما أنهم يحدون هم وهو. وقال أبو حنيفة وابن حنبل وغيرهما الشهود ليسوا بقذفة فلا يجلدون ومن حجة هؤلاء أن يقولوا مفهوم الآية أنه إن شهد أقل من أربعة لم تجز شهادتهم على المقذوف ولم يبرأ القاذف ويجلد، فمقتضى هذا أن الشهود لا يجلدون. وحجة القول الأول أنهم قد صاروا قذفة إذ لم تكمل بهم الشهادة. واختلف أيضا إذا شهد أربعة بالزنا أحدهم زوجها. ففي المذهب أن الزوج يلاعن ويحد الشهود وهو أحد قولي الشافعي، وقال أيضا أنهم لا يجلدون، وقال أبو حنيفة تقبل شهادتهم وتحد المرأة (٣٣) وهذا إذا جاء مع الشهود مجيء الشهادة من غير أن يتقدم منه إليها قذف. والدليل على المخالف للمذهب قوله تعالى :﴿والذين يرمون المحصنات﴾ الآية. وظاهره يقتضي أن يأتي بأربعة شهداء سواه. وكذلك الخلاف إذا شهد أربعة فساق (٣٤) فردت شهادتهم. فقال أبو حنيفة وغيره لا يحدون، والجمهور على أنهم يحدون، قا
١ في الجامع لأحكام القرآن نسبه القرطبي إلى النابغة جزء ١٢/ ١٧٢. ونسبه ابن العربي إلى أبي كبشة. راجع أحكام القرآن ٣/ ١٣٢٠.
امرؤ القيس: ابن حجر بن الحارث الكندي أشهر شعراء العرب على الإطلاق، مولده بنجد باليمن. اشتهر بلقبه واختلف في اسمه فقيل حندج، وقيل مليكة وقيل عدي. كان أبوه ملك غطفان. توفي نحو سنة ٤٩٧م. انظر تهذيب ابن عساكر ٣/ ١٠٤..
٢ الحديث أخرجه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الحدود، باب: ما جاء في درء الحدود ٨/ ٢٣٨..
٣ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٩٨، أحكام القرآن للجصاص، باب: حد القذف ٥/ ١١..
٤ "مع العفة" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
٥ قال الصابوني: والصحيح ما ذكره القرطبي واختاره الطبري أن هذه الآية نزلت بسبب القذفة عامة لا في تلك النازلة بعينها فهي حكم من الله عام لكل قاذف. ومن المعلوم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. راجع روائع البيان ٢/ ٥٨..
٦ الحديث أخرجه مالك عن عبد الله بن عمر عن الرسول صلى الله عليه وسلم. انظر الموطأ، كتاب العتاقة والولاء، باب: من أعتق شركا له في مملوك ٢/ ١٣٥..
٧ "الأنفس" كلمة ساقطة في (د)..
٨ من قوله: "المحصنات... إلى: عاقل" كلام ساقط في (ح)..
٩ راجع أحكام القرآن للجصاص، باب: حد القذف ٥/ ١١١..
١٠ في (هـ): "لم تعلم"..
١١ في (أ)، (ز): "حكى"..
١٢ راجع الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ١٧٤..
١٣ "المقذوفون من المسلمين" كلام ساقط في (ب)..
١٤ "الملئ" كلمة ساقطة في (هـ)..
١٥ قال الصابوني: وأما ابن حزم فقد خالف جمهور الفقهاء فرأى أن قذف العبد يوجب الحد وأنه لا فرق بين الحر والعبد في هذه الناحية.... راجع روائع البيان ٢/ ٦٣..
١٦ وفي حديث آخر عن أبي هريرة: من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال. أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان، باب: التغليظ على من قذف مملوكه بالزنا ٥/ ٩٢..
١٧ "التي لهم" كلام ساقط في (ح)..
١٨ ذكره أيضا القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ١٧٥..
١٩ الحديث أخرجه الترمذي في سننه عن علي بن أبي طالب، كتاب الحدود، باب: ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد ٤/ ٣٢..
٢٠ ابن الجهم: لعله أبو الحسن علي بن الجهم بن بدر بن الجهم بن مسعود القرشي الشامي، نشأ ببغداد وكان يختلف إلى أحمد بن حنبل. توفي سنة ٢٤٩هـ/ ٨٦٩م. انظر الوافي ١٢/ ١٩..
٢١ في (ج)، (ح)، (و) زيادة: "على ما ذكر"..
٢٢ قال الصابوني: وقال مالك رحمه الله إذا رمى صبية يمكن وطؤها قبل البلوغ بالزنا كان قذفا. وقال أحمد رحمه الله في الصبية بنت تسع يحد قاذفها. راجع روائع البيان ٢/ ٦٢..
٢٣ "فيه" كلمة ساقطة في (و)..
٢٤ قال الجصاص قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا لأحد ثلاث: زنا بعد إحصان وكفر بعد إيمان وقتل نفس بغير نفس" وفاعل ذلك (أي اللواط) خارج عن ذلك لأنه لا يسمى زنا... راجع أحكام القرآن ٥/ ١٠٤..
٢٥ "لا في البهائم" كلام ساقط في (أ)، (د)، (و)، (ز)..
٢٦ "واختلف فيمن قذف رجلا بالزنا... إلى: الآية" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
٢٧ "حدا أم حدا واحدا... إلى: أنه يحد" كلام ساقط في (ح)..
٢٨ راجع مختلف هذه الأحكام في أحكام القرآن للجصاص، باب: في حد القذف ٥/ ١١٢، ١١٣..
٢٩ "يقيمه" كلمة ساقطة في (هـ)..
٣٠ "وهو مذهب أبي حنيفة... إلى قوله: "يبلغه" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
٣١ راجع أحكام القرآن للجصاص ٥/ ١١٤. أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٣٢٣ – ١٣٢٤، الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ١٧٧..
٣٢ راجع أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٣٢٣، والجامع لأحكام القرآن ١٢/ ١٧٧..
٣٣ راجع أحكام القرآن للجصاص، باب: شهادة القذف ٥/ ١٢٩، والجامع لأحكام القرآن ١٢/ ١٧٧ – ١٨٩..
٣٤ في (أ)، (ز): "فسق"..
النور 24:5
ثم استثنى تعالى فقال :﴿إلا الذين تابوا﴾ فاستثنى من تاب وأصلح من بعد القذف ووعدهم بالرحمة والغفران. فالاستثناء غير عامل في جلده القذف بإجماع. وعامل في فسقه بإجماع. واختلف في عمله في رد الشهادة فقال أبو حنيفة وغيره (٤١) لا يعمل الاستثناء في رد الشهادة وإنما يزول فسقه عند الله تعالى ولا تقبل شهادته ولو تاب على حال من الأحوال فرد الاستثناء إلى أقرب مذكور في الآية، وهو مذهب جماعة من الأصوليين. وقال جمهور الناس الاستثناء عامل في رد الشهادة فإن تاب القاذف قبلت شهادته، فرد الاستثناء إلى الجملتين، وهو مذهب جماعة من الأصوليين أيضا. وقد سمى بعضهم هذا الاستثناء نسخا (٤٢) وليس نسخا باتفاق.
واختلفوا في صفة توبة القاذف التي ذكر الله تعالى، فقيل لا تكون إلا بأن يكذب نفسه بالقذف الذي حد فيه، وهكذا فعل شبل بن معبد ونافع تابا عن القول في المغيرة وأكذبا أنفسهما فقبل عمر شهادتهما، وأبى أبو بكرة نفيع من إكذاب نفسه فرد عمر شهادته حتى مات، وهو قول الشعبي وغيره. وقيل توبته صلاح حاله وندمه على ما فرط منه وإن لم يكذب نفسه، وهو قول مالك. وهذا القول أصح لأن أصل التوبة الإنابة والرجوع من حال المعصية إلى حال الطاعة ومن ندم على ما فرط، وصلحت حاله، فهو رجوع منه. وقد قال تعالى :﴿إلا من تاب﴾ ولم يخصص رجوعا من رجوع. واختلف على القول بإجازة شهادته في أي شيء تجوز ؟ (٤٣) فالمشهور عن مالك أنها تجوز في كل شيء بإطلاق، وكذلك كل من حد في شيء من الأشياء. وقال سحنون من حد في شيء من الأشياء فلا تجوز شهادته فيه. وقال مطرف وابن الماجشون من حد في قذف أو زنا فلا تجوز شهادته في شيء من وجوه الزنا ولا في قذف ولا في لعان وإن كان عدلا، وروي هذا عن مالك. والقول الأول أصح لقوله تعالى :﴿إلا الذين تابوا من بعد ذلك﴾ الآية فعم ولم يخص قبول شهادتهم في شيء دون شيء. واختلف متى تسقط شهادة القاذف ؟ فقيل بنفس القذف، وهو قول ابن الماجشون وأصبغ، وبه يقول الشافعي. وقيل لا تسقط حتى يقام عليه الحد وهو قول مالك وأكثر أصحابه وبه يقول أبو حنيفة (٤٤) وهذا هو الصحيح لأن الله تعالى إنما نهى عن قبول شهادتهم إذا لم يأتوا بأربعة شهداء، وللقاذف الإتيان بالشهداء ما لم يحد، فهذا نفي أن شهادته لا تسقط إلا بإقامة الحد عليه، وما لم يقع عليه الحد فلم يتبين فسقه لاحتمال أن يأتي بالشهداء أو يعفو عنه المقذوف أو يقوله بما رماه به من الزنا. واحتج بذلك إسماعيل القاضي بترتيب ترك قبول الشهادة بعد الجلد. وفيه نظر.
النور 24:6
قوله تعالى :﴿والذين يرمون أزواجهم....﴾ إلى قوله تعالى :﴿إن الذين جاءوا بالإفك....﴾ :
اختلف في سبب هذه الآية. فقيل قصة عويمر العجلاني (١) الذي قال : يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل ؟ فقال : " قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها " فلاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ثم قال : " انظروها فإن جاءت به أسحم أديفح العينين عظيم الإليتين فلا أراه إلا قد صدق عليها. وإن جاءت به أحيمر كأنه وحدة فلا أراه إلا كاذبا ". قالت فجاءت به على النعت المكروه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لولا مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن ". والقصة طويلة وهي مشهورة، وفي ألفاظ الحديث اضطراب. وقيل سببها قصة هلال (٢) وذلك أنه لما نزلت الآية المتقدمة :﴿والذين يرمون المحصنات﴾ عم ظاهرها الأزواج وغيرهن. وقال سعد بن عبادة : يا رسول الله لو وجدت لكاع قد تفخذها رجل لم يكن أن أهيجه حتى آتي بأربعة شهداء. فوالله لآتي بهم حتى يفرغ من حاجته. وفي بعض الأحاديث : والله لأضربنه بالسيف غير مصبح. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا تسمعون ما يقول سيدكم ؟ " قالوا لا أكلمه يا رسول الله فإنه رجل غيور ما تزوج فينا قط إلا عذراء ولا طلق امرأة فاجترأ أحد منا أن يتزوجها. وفي بعض الأحاديث، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير من سعد، والله أغير مني " فما لبثوا إلا يسيرا حتى جاء هلال بن أمية الرافقي فرمى زوجته بشريك بن سحماء البلوي (٣) فعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضربه حد القذف، واجتمعت الأنصار فقالوا ابتلينا بما قال سعد يجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين، فبينما هم كذلك إذ نزلت الآية فلاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما في المسجد. وقيل لكل واحد منهما عند الخامسة : اتق الله فإن عذاب الله تعالى أشد عذاب وأنها الموجبة التي توجب عليك العذاب. فتلكأت المرأة عند الخامسة لما وعظت ثم قالت : لا أفضح قومي سائر القوم ولجت. وفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وولدت غلاما كأنه جمل أورق ثم كان بعد ذلك الغلام أميرا بمصر. والحديث أطول من هذا ولكن اختصرته كما فعلت بالأول (٤) وهذا القول في الآية أشهر.
وقد قيل في هذه الآية إنها ناسخة لقوله تعالى :﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ الآية (٥) وهذا ليس بنسخ وإنما تخصيص عموم.
قوله تعالى :﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ هذه الآية عامة لكل زوجين إلا من خصص منهما بدليل كالكافرين إلا أن يرضيا بأحكامنا. وظاهرهما أنهما سواء في الأحرار والعبيد، وقد قال بذلك الظاهر مالك والشافعي وغيرهما ولم يقل به أبو حنيفة ورأى أنه لا لعان بين هذين. قال لأن المراد بالآية من تجوز شهادته من الأزواج لأن الله تعالى استثناهم من الشهداء بقوله تعالى :﴿ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ فسماهم شهداء بذلك إذ المستثنى من جنس المستثنى منه، وقال :﴿فشهادة أحدهم﴾ فدل على أن اللعان شهادة والعبد لا تجوز شهادته وليس ذلك بصحيح لأن الاستثناء منقطع والمعنى فيه : ولم يكن لهم شهداء غير قولهم الذي ليس بشهادة، كما قالوا الصبر حيلة من لا حيلة له والجوع زاد من لا زاد له. فاللعان يمين وليس بشهادة وإنما أخذ من باب الشهادة بالعين والقلب فسمي شهادة لهذه العلة، فالخلاف يرجع إلى أن اللعان هل هو يمين أو شهادة ؟ وظاهرها أيضا العموم في المحدودين في القذف وغير المحدودين، وقد قال به مالك والشافعي وغيرهما ولم يقل به أبو حنيفة، فرأى أنه لا يلاعن المحدود في القذف وعلته في ذلك ما قدمته أيضا. ومما يرد عليه به من قوله إنه يرى اللعان للفاسق المعلوم بالفسق وشهادته لا تجوز، وكذلك الأعمى وشهادته عنده لا تجوز. وظاهر الآية العموم في الصغيرة التي لا تحمل والكبيرة اليائسة وأنه من قذف زوجته – وإن كانت يؤمن عليها الحمل – لاعن وإلا حد. وقيل لا يلاعن. وحكي عن ابن الماجشون لا حد على من قذف من لم تبلغ. قال اللخمي فعلى هذا لا لعان على زوج الصغيرة التي لا تحمل (٦).
واختلف أيضا إذا كان الزوج خصيا أو مجبوبا، فقيل يلاعن لعموم الآية، وقيل لا يلاعن. يعني قائل هذا لأن صدقهما ظاهر. واتفق في المذهب على أن الآية دالة على وجوب اللعان بادعاء رؤية لا مسيس بعدها من غير ظاهرة الحمل، وبإنكار الوطء جملة أو منذ مدة لا تلحق في مثلها الأنساب. واختلف في نفي الحمل إذا ادعى الزوج قبله الاستبراء. فالمشهور أن اللعان يجب بذلك. وحكي عن مالك أنه قال مرة أن الولد لا ينفى بالاستبراء لأن الحيض يأتي على الحمل. وقاله أشهب في كتاب محمد (٧) وقاله المغيرة أيضا (٨). والقول أصح على ظاهر الآية لأن هذا قد رمى زوجته. وعن مالك في الاستبراء قولان : أحدهما : أنه حيضة، والثاني : أنه ثلاث حيض.
واختلف أيضا في وجوب اللعان في نفي الحمل مجردا دون ادعاء الاستبراء على قولين مرويين عن مالك. فمن الحجة للقول باللعان عموم الآية والقول بنفي اللعان في ذلك أظهر لما يعضده من النظر. واختلف أيضا في وجوب اللعان بادعاء رؤية الزنا على حامل بينة الحمل على ثلاثة أقوال مروية عن مالك : أحدها : إيجاب الحد ولا لعان. والثاني : إيجاب اللعان وسقوط النسب به. والثالث : إيجاب اللعان وثبوت النسب، وهذا القول أظهر لعموم الآية. واختلف أيضا فيمن قذف الزوجة قذفا (٩) مجردا دون أن يقرن بذلك ادعاء رؤية أو نفي حمل هل فيه لعان أم لا على قولين مرويين عن مالك. ووجه القول باللعان عموم الآية. واختلف فيمن ادعى رؤية ثم مس بعدها. ففي المذهب أنه يحد ولا يلاعن. وقال الباجي يلاعن على مذهب الشافعي. ومن حجة هذا القول عموم الآية (١٠) والقول الأول أظهر من جهة النظر. وفي المذهب أنه يلاعن بنفي الحمل دون قذف. وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أنه لا يلاعن بذلك إلا أن يقذفها. والقول الأول أظهر لأن من نفي حملا فقد قذف. واختلف هل يلاعن وهي حامل أم حتى تضع على قولين مرويين عن مالك. وحجة القول باللعان عموم الآية. واختلف فيمن نفى حملا وادعى مع ذلك رؤية وأقام البينة على من زنى بها هل يسقط اللعان أم لا ؟ ففي المذهب أنه لا يسقط اللعان من أجل الحمل. وذهب قوم إلى أنه يسقط لعموم الآية. واختلف إذا قال لزوجته : زنيت، قبل الزوجية. في المذهب أنه لا يحد ولا يلاعن. وقال أبو حنيفة يلاعن. ودليل القول الأول قوله تعالى :﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ ولم تكن هذه زوجة. واختلف في لعان الأخرس والخرساء إن فهم عنهما بإشارة أو كتابة. ففي المذهب أنه يصح. وقال أبو حنيفة والشافعي لا يصح. ودليل القول الأول عموم الآية. وقد اختلف في الأعمى يقذف. فقال ابن القاسم يلاعن لعموم الآية، وقاله مالك أيضا. وروي عن مالك أيضا أنه لا يصح أن يلاعن إلا أن يقول لمست فرجها في فرجه. واختلف إذا رمى زوجته برجل مخصوص سماه هل يحد حد القذف لذلك الرجل مع لعانه لزوجته أم لا ؟ فالجمهور على أنه يحد. وقال الشافعي لا يحد لأن الله تعالى قد صدقه في نفس الواقعة مع إيمانه فصار ذلك شبهة في درء الحد عنه مع أنه لم يأت في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم حد الذي قذف شريك بن السمحاء بامرأته. وفي صفة اللعان اضطراب كثير. اختلف هل تقول : أشهد بالله الذي لا إله إلا هو، ولا بد أوله أن يقتصر على : أشهد بالله. فالمشهور أنه يقول أشهد بالله. وفي كتاب ابن المواز أنه يزيد : الذي لا إله إلا هو. والأول أظهر على لفظ الآية لأنه تعالى قال :﴿أربع شهادات بالله﴾ ولم يزد. وكذلك اختلف في الحالف في الأموال. واختلف أيضا هل له أن يحلف بصفة من صفات الله تعالى كقوله : أشهد بعلم الله. ففي كتاب محمد أنه يجزيه. وعلى أصل أشهب أنه لا يجزيه لأنه قال إذا حلف في الأموال قال : والله، ولم يزد. أو قال : والذي لا إله إلا هو، لم يجزه. والحالف بالذي لا إله إلا هو حالف بالذات، فإذا لم يجزه اليمين عنده به لم تجزه اليمين بالصفة. والذي يأتي على أصل أشهب أليق بظاهر الآية لأنه تعالى إنما ذكر أن الشهادة في ذلك إنما هي بالله. واختلف أيضا إذا قال : أشهد بالرحمن أو باسم من أسماء الله تعالى ما عدا اسم الجلالة. ففي شرح الرسالة أن النظر يقتضي أنه لا يجوز إلا ما نص عليه، وهذا خلاف لقول مالك لأنه أجاز اللعان بالصفة فأحرى أن تجوز بالأسماء وهو المراد بالقرآن أن يحلف به، وليس بمقصور على هذا الاسم الله. وقد قال عليه الصلاة والسلام :
" من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " (١١) ولا اختلاف في أن الحالف بالرحمن حالف بما يجوز له وداخل فيما أباح النبي صلى الله عليه وسلم الحلف به. واختلف إذا قال : أقسم ولم يقل أشهد. ففي شرح الرسالة ذلك أن النظر يقتضي أن لا يجوز إلا ما نص عليه في ذلك. والظاهر قول مالك أنه يجوز وأنه المراد بالقرآن لأن الحكم إنما هو للمعاني لا للألفاظ (١٢).
– قوله تعالى :﴿إنه لمن الصادقين﴾ :
اختلف إذا لم يقله الحالف، فأجاز ابن القاسم أن لا يثبته الحالف في لعانه وأثبته في كتاب محمد، وهو أحسن لورود القرآن به. وفي البخاري قال : أمرهما النبي صلى الله عليه وسلم أن يلاعنا بما في القرآن (١٣). واختلف إذا جعل مكان : إني لمن الصادقين، ما كذبت عليها أو مكان اللعنة الغضب أو مكان الغضب اللعنة. فعلى ما في كتاب محمد يجزيه، وعلى ما حكى عبد الوهاب لا يجزيه لمخالفته القرآن. والأول أظهر لمراعاة المعاني. واختلف إذا كان اللعان على رؤية هل يلزمه أن يقول بعد قوله إني لمن الصادقين لرأيتها تزني زنا كالمرود في المكحلة، أم له أن يقتصر على قوله لرأيتها تزني. فالمشهور جواز الاختصار على لرأيتها تزني. وقال في كتاب محمد يقول كما يقول الشهود ويوقف على ذلك. وقال أصبغ يقول ذلك كل مرة. ووجه هذا القول أن الله تعالى قد سماها شهادة فيجب أن يقول كما يقول الشهود. وهذا الذي ذكرناه بقوله الملاعن عن أربع مرات كما جاء في الآية فإن أتى بدون أربع شهادات لم تقع الفرقة وإن حكم بها الحاكم خلافا لأبي حنيفة في قوله (١٤) إن أتى بثلاث وقعت الفرقة إن حكم بها الحاكم. ودليل القول الأول قوله تعالى :﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾ الآية ثم يقول في الخامسة لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين وقد مر ذكر الخلاف في وضع الغضب موضع اللعنة أو اللعنة موضع الغضب فلا معنى لإعادته. وتقول المرأة أربع مرات أيضا مثل ما قال الرجل إلا في موضعين : أحدهما : أنها تقول في موضع : إني لمن الصادقين، إنه لمن الكاذبين، وفي الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. وتقول في نفي الزنا : ما رآني أزني وليس عليها أن تزيد كالمرود في المكحلة. واختلف في نفي الحمل كيف يكون بعد الشهادة، فالمشهور أنه يقول لزنت وتقول هي ما زنيت، وفي كتاب محمد : ما هذا الحمل مني. وعلى هذا تقول هي أنه لمنه. وقال ابن شعبان : قال بعض أصحابنا وتقول إني استبرئت. واختلف في الموضع الذي يلتعن فيه فقالوا في المسجد وعند الإمام. وقال عبد الملك في المسجد أو عند الإمام – يريد أيهما كان – وهذا أظهر على لفظ الآية لعدم التخصيص فيها. واختلف أيضا في الوقت فقال
١ عويمر العجلاني: هو ابن أبي أبيض العجلاني وقيل ابن أبي الحرث بن زيد بن جابر بن الجد العجلاني. انظر الاستيعاب لابن عبد البر ٣/ ١٢٢٦ والإصابة ٣/ ٤٥..
٢ هلال: هو هلال بن أمية. سبقت ترجمته ص ١٥٤..
٣ شريك بن سحماء البلوي: هو شريك بن سحمان بن عبده بن مغيب بن الجد. صاحب اللعان وهو الذي قذفه هلال بن أمية بامرأته. فقيل هو أول من لاعن في الإسلام. لم يذكر له تاريخ وفاة. انظر الجوهرة للبري ١/ ٤٦٧ والإصابة لابن حجر ٢/ ١٤٧..
٤ راجع القصة في لباب النقول ص ٥٦٦، وفي أسباب النزول للواحدي ص ٢٣٨، وفي المحرر الوجيز ١١/ ٢٧٣، وفي أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٣٢٨ وفي الجامع لأحكام القرآن ١٢/١٨٣..
٥ راجع الإيضاح ص ٣١٥..
٦ راجع نحو ذلك في أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٣٣٣، وفي أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٠٣ – ٣٠٥، وفي المحرر الوجيز ١١/ ٢٧٣، وفي الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ١٨٥، ١٨٦..
٧ محمد: هو محمد بن المواز، أبو عبد الله. تفقه بابن الماجشون وابن عبد الحكم. وهو من كبار علماء المالكية. توفي سنة ٢٦٩هـ/ ٨٨٢م. وقيل غير ذلك. انظر الديباج لابن فرحون ص ٢٣٢..
٨ قال المغيرة: لا ينفى الولد إلا بخمس سنين. راجع المحرر الوجيز ١١/ ٢٧٦..
٩ "قذفا" كلمة ساقطة في غير (ج)، (ح)، (ز)..
١٠ "واختلف فيمن ادعى رؤية... إلى: عموم الآية" كلام ساقط في (أ)..
١١ الحديث أخرجه مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر. كتاب النذور والأيمان، باب: جامع الأيمان ١/ ٣١٢..
١٢ راجع المنتقى، كتاب الحدود، باب: ماء جاء في القذف والنفي والتعريض ٧/ ١٤٦ – ١٥٢، أحكام القرآن، باب: اللعان ٥/ ١٣٣ – ١٤٠، أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/٣٠٣- ٣٠٧، أحكام القرآن لابن العربي ٣/١٣٢٨- ١٣٣٥، المحرر الوجيز ١١/ ٢٧٥ – ٢٧٧، الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ١٨٧ – ١٩٥..
١٣ راجع صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: قوله عز وجل: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ ٤/١٧٧١..
١٤ " "فإن أتى بدون أربع شهادات... إلى: في قوله" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
النور 24:12
قوله تعالى :﴿لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون﴾ :
يعني بقوله :﴿بأنفسهم﴾ أي بإخوانهم. وفي هذه الآية دليل على أن لا يحكم بالظن وأن من عرف بالصلاح لا يعدل به عن ذلك لخبر محتمل. وفيه أيضا (١) دليل على أن القاذف مكذب شرعا إلا أن يأتي بأربعة شهداء. وأما أمر عائشة رضي الله تعالى عنها فيقطع على التكذيب بقذفها في الغيب وإن لم يقطع في حق (٢) غيرها بذلك. قال أبو الحسن : وقد قال علماؤنا من صدق قذفة عائشة فهو كافر لأنه راد لخبر الله تعالى الدال على كذبهم. وعلى هذا قال أصحابنا فيمن وجد مع امرأة رجلا فاعترفا بالنكاح أنه لا يجوز تكذيبهما ويجب تصديقهما. وقال مالك يحدان ما لم يقيما بينة على النكاح يخالف به ظاهر هذه الآية، وعليه بنى أبو حنيفة جواز دينار ودرهم بدينارين ودرهمين تحسينا للظن بالمؤمنين. وقال الشافعي قريبا منه فيمن أوصى بطبل وله طبلان طبل لهو وطبل حرب أنه يحمل على طبل الحرب تحسينا للظن بالمؤمنين وحمل أمورهم على ما يجوز (٣).
١ "أيضا" كلمة ساقطة في (ج)، (ح)..
٢ في (أ)، (هـ)، (ز): "في قذف"..
٣ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٠٨، ٣٠٩..
النور 24:22
قوله تعالى :﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم... والسعة﴾ إلى قوله تعالى :﴿إن الذين يرمون المحصنات﴾ :
نزلت هذه الآية على مشهور الروايات (١) في قصة أبي بكر الصديق ومسطح بن أثاثة (٢) ابن بنت خالته وكان أبو بكر ينفق عليه فلما وقع أمر الإفك وقال فيه مسطح ما قال حلف أبو بكر أن لا ينفق عليه. واعتذر إليه مسطح وقال : كنت أغشي مجلس حسان (٣) فأسمع ولا أقول. فقال : لقد ضحكت وشاركت فيما قيل، ومن على يمينه. فنزلت الآية (٤) وقيل بل نزلت من أجل جماعة من المؤمنين قطعوا منافعهم عن كل من قال في الإفك وقالوا : والله ما نصل من تكلم في شأن عائشة. فنزلت الآية، والأول أصح. إلا أن لفظ الآية عام بأن لا يحلف أحد على منع فضل لمن كانت صفته هذه. ورأى الفقهاء أن من حلف أن لا يفعل سنة من السنن أو مندوبا إليه أنها حرمة في شهادته، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أيكم المتآلي على الله أن لا يفعل خيرا " (٥). وفي الآية دليل على أن الأولى بالإنسان إذا حلف على أمر فرأى غيره خيرا منه أن يحنث ولا يستمر على اليمين كما قال عليه الصلاة والسلام : " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير " (٦) وفي هذا دليل بطلان قول أبي حنيفة في أن الأيمان تحرم وأن الكفارة وجبت لكون المحلوف عليه محرما بحكم يمينه، " وهذا أبين في هذا المعنى. وقد قال قوم (٧) إنه إذا حلف فلا كفارة كفارته أن يفعل ما هو خير، وهذا بعيد وقد قال عليه الصلاة والسلام : " فليفعل الذي هو خير وليكفر عن يمينه ".
١ في (أ)، (ز): "الرواة"..
٢ مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف. توفي سنة ٣٤هـ/ ٦٥٤م. انظر الإصابة ٣/ ٣٨٨..
٣ حسان: هو حسان بن ثابت بن المنذر من بني النجار الأنصاري الخزرجي، شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم. توفي سنة ٥٤هـ/ ٦٧٦م. انظر الإصابة ٢/ ٢٣٧..
٤ راجع لباب النقول ص ١٥٨٠، أسباب النزول ص ٢٤٣..
٥ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله تعالى عنها، كتاب الصلح، باب: هل يشير الإمام بالصلح ٣/ ١٧٠..
٦ الحديث أخرجه مالك عن أبي هريرة في الموطأ، كتاب النذور والأيمان، باب: ما تجب فيه الكفارة من الأيمان ١/ ٣١١..
٧ في (أ)، (ز): "بعضهم"..
النور 24:23
قوله تعالى :﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات....﴾ إلى قوله تعالى :﴿يوم تشهد﴾.
اختلفت في هذه الآية. فقيل نزلت في شأن عائشة خاصة هذا الحكم إنما كان لها خاصة دون سائر النساء المؤمنات المحصنات (١) وقال جماعة (٢) بل ذلك لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم دون سائر المؤمنين. واختلف الذين ذهبوا إلى هذا هل لمن قذف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم (٣) توبة أم لا. فذهب ابن عباس إلى أنه لا تقبل له توبة وتأول عليه ظاهر الآية. ورأى الآية الأخرى :﴿والذين يرمون المحصنات....﴾ إلى قوله ﴿إلا الذين تابوا﴾ في سائر القاذفين. ورأى غيره أن التوبة مقبولة والدليل على ذلك معاتبة الله تعالى من قطع المنفعة عمن كان ينفق عليه من أجل الإفك. وقال قوم إنها في عائشة إلا أن المراد بها كل من كان بالصفة التي وصف الله تعالى فيها، فهي عامة في كل محصنة لم تقارب سوءا (٤) وقال بعض من ذهب إلى هذا القول أن الآية نزلت أولا في القاذفين ثم نزلت بعد الآية التي في صدر السورة التي فيها التوبة (٥). وهذا القول أظهر في الآية من سائر الأقوال. فتحمل على عمومها في وجوب العذاب العظيم واللعنة في الدنيا والآخرة في كل من قذف محصنة إلا أن يتوب، فإن الله تعالى يقبل توبته على ما ورد في آية أخرى. وكما لم تقصر الآية في وجوب الجلد على أصحاب الإفك كذلك لا تقصر الثانية فيما تضمنت من الوعيد على من قذف عائشة أو سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. والمعروفون من أهل الإفك مسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش (٦) وجلدا الحد، وعبد الله بن أبي علي من ذكر بعضهم. واختلف في حسان فقيل كان منهم وجلد الحد وقيل لم يكن منهم ولا جلد الحد. واختلف في الذي عني منهم بقوله تعالى :﴿والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم﴾ [النور: ١١] فقيل عبد الله بن أبي وهو المشهور، وقيل حسان. والأخبار في هؤلاء كثيرة وليس هذا الكتاب بموضع لذلك.
١ نسبه القرطبي إلى ابن جبير. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٢٠٩..
٢ منهم ابن عباس والضحاك. قاله ابن عطية في المحرر الوجيز ١١/ ٢٨٧..
٣ "دون سائر المؤمنين.... إلى: وسلم" كلام ساقط في (ح)..
٤ في (ح): "شرا"..
٥ راجع نحو ذلك في المحرر الوجيز ١١/ ٢٨٧، وفي الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٢٠٩..
٦ حمنة بنت جحش الأسدية أخت أم المؤمنين زينب. كانت زوج مصعب بن عمير ثم تزوجها طلحة بن عبيد الله. شهدت أحدا وكانت تسقي العطشى وتداوي الجرحى. انظر الإصابة ٤/ ٢٩٩..
النور 24:24
قوله تعالى :﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات....﴾ إلى قوله تعالى :﴿يوم تشهد﴾.
اختلفت في هذه الآية. فقيل نزلت في شأن عائشة خاصة هذا الحكم إنما كان لها خاصة دون سائر النساء المؤمنات المحصنات (١) وقال جماعة (٢) بل ذلك لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم دون سائر المؤمنين. واختلف الذين ذهبوا إلى هذا هل لمن قذف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم (٣) توبة أم لا. فذهب ابن عباس إلى أنه لا تقبل له توبة وتأول عليه ظاهر الآية. ورأى الآية الأخرى :﴿والذين يرمون المحصنات....﴾ إلى قوله ﴿إلا الذين تابوا﴾ في سائر القاذفين. ورأى غيره أن التوبة مقبولة والدليل على ذلك معاتبة الله تعالى من قطع المنفعة عمن كان ينفق عليه من أجل الإفك. وقال قوم إنها في عائشة إلا أن المراد بها كل من كان بالصفة التي وصف الله تعالى فيها، فهي عامة في كل محصنة لم تقارب سوءا (٤) وقال بعض من ذهب إلى هذا القول أن الآية نزلت أولا في القاذفين ثم نزلت بعد الآية التي في صدر السورة التي فيها التوبة (٥). وهذا القول أظهر في الآية من سائر الأقوال. فتحمل على عمومها في وجوب العذاب العظيم واللعنة في الدنيا والآخرة في كل من قذف محصنة إلا أن يتوب، فإن الله تعالى يقبل توبته على ما ورد في آية أخرى. وكما لم تقصر الآية في وجوب الجلد على أصحاب الإفك كذلك لا تقصر الثانية فيما تضمنت من الوعيد على من قذف عائشة أو سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. والمعروفون من أهل الإفك مسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش (٦) وجلدا الحد، وعبد الله بن أبي علي من ذكر بعضهم. واختلف في حسان فقيل كان منهم وجلد الحد وقيل لم يكن منهم ولا جلد الحد. واختلف في الذي عني منهم بقوله تعالى :﴿والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم﴾ [النور: ١١] فقيل عبد الله بن أبي وهو المشهور، وقيل حسان. والأخبار في هؤلاء كثيرة وليس هذا الكتاب بموضع لذلك.
١ نسبه القرطبي إلى ابن جبير. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٢٠٩..
٢ منهم ابن عباس والضحاك. قاله ابن عطية في المحرر الوجيز ١١/ ٢٨٧..
٣ "دون سائر المؤمنين.... إلى: وسلم" كلام ساقط في (ح)..
٤ في (ح): "شرا"..
٥ راجع نحو ذلك في المحرر الوجيز ١١/ ٢٨٧، وفي الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٢٠٩..
٦ حمنة بنت جحش الأسدية أخت أم المؤمنين زينب. كانت زوج مصعب بن عمير ثم تزوجها طلحة بن عبيد الله. شهدت أحدا وكانت تسقي العطشى وتداوي الجرحى. انظر الإصابة ٤/ ٢٩٩..
النور 24:27
قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا...﴾ إلى قوله تعالى :﴿قل للمؤمنين﴾ :
سبب هذه الآية أن امرأة من الأنصار قالت يا رسول الله إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها لا والدي ولا ولدي وأنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي وأنا على تلك الحال. فنزلت تلك الآية وهي محمولة على العموم في جميع الناس في كل زمان (١) ولهذا قال ابن عباس وغيره إنه لا ينبغي للإنسان أن يدخل البيت الذي يأتيه إلا بعد الاستئناس. وجاء في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال له : أأستأذن على أمي ؟ قال : " نعم ". قال : إنما هي أمي ولا خادم لها غيري. قال : " أتحب أن تراها عريانة ؟ " قال : لا. قال : " فاستأذن عليها " (٢) قالت زينب (٣) امرأة أبي مسعود (٤) كان أبو مسعود إذا جاء منزله تنحنح مخافة أن يهجم على ما يكره (٥). وقال ابن عباس تستأذن على أمك وعلى أختك وعلى كل من لا يجوز أن ترى منها عورة (٦). وظاهر الآية وجوب الاستئذان والسلام، إلا أن المشهور من السلام أنه لا يبلغ مبلغ الوجوب. وقد اختلف في معنى قوله تعالى :﴿حتى تستأنسوا﴾ فذهب بعضهم إلى أن معناه أن يعلم الداخل أن المدخول عليه لا يكره دخوله، فالاستئناس على هذا شيء يرجع إلى ما في القلب لا إلى النطق باللسان وهو الثقة بالمقصود، ورجح هذا إسماعيل القاضي وتأول عليه حديث عمر بن الخطاب في حديث المشربة. قال إسماعيل ولا بد مع ذلك من الاستئذان. وذهب ابن القاسم في جامع العتبية إلى أنه التسليم وهو بعيد لأنه تعالى قال :﴿حتى تستأنسوا وتسلموا﴾ فلو كان كذلك لكان معنى الكلام حتى تسلموا وتسلموا. وذهب جماعة – منهم مالك – إلى أن الاستئناس في الآية غير التسليم وأنه الاستئذان، إلا أنهم اختلفوا في مطابقة اللفظ للمعنى. فذهب الأكثر إلى أنهما متطابقان، إلا أنهم اختلفوا في كيفية التطابق فذهب جماعة – منهم الزجاج وغيره – إلى أن معنى تستأنسوا في اللغة، تستأذنوا. قال وكذلك جاء في التفسير. والاستئناس الاستعلام بمعنى تستأنسوا : تستعلموا. يريد أهلها (٧) أن يدخلوا أم لا قالوا وآنس الشيء في اللغة علمه إما بالقلب وإما بالحس. والاستعلام لا يكون إلا بالصواب لمن في البيت أو بالتنحنح ونحو ذلك ولا معنى للاستئذان إلا ذلك. فاستأنسوا على هذا القول راجع إلى الاستئذان ومعنى لفظه الاستعلام. وذهب جماعة منهم أيضا إلى أن معناه تستأذنوا، إلا أنهم قالوا إنه مأخوذ من الأنس، وإليه ذهب الطبري وقال : وهو أن يستأذن أهل البيت في الدخول عليهم مختبرا بذلك من فيه وهل فيه أحد وليؤذنهم أنه داخل عليهم فيأنسوا إلى إذنهم له في ذلك ويأنسوا إلى استئذانهم إياه(٨) وحكي عن العرب سماعا اذهب فاستأنس حتى ترى أحدا في الدار. وهذا يمكن أن يحمل على القول الأول فلا يكون فيه حجة لما ذكره الطبري وكذلك قول عمر : استأنس يا رسول الله، وعمر واقف بباب الغرفة (٩) الحديث المشهور يمكن أن يتأول على القولين جميعا. وذهب قوم إلى أن اللفظ غير مطابق للمعنى وقالوا إنما تستأنسوا وهم من الكاتب على ما جاء عن ابن عباس أنه قال إنما هي حتى تستأذنوا وتسلموا على أهلها وحكى أبو حاتم (١٠) هذه القراءة حتى تسلموا وتستأذنوا وهو في قراءة عبد الله (١١) حتى تستأذنوا وتسلموا. وهذا القول خطأ لأن تستأنسوا قد ثبت بين اللوحين ونقلته الكافة نقل التواتر فهو القرآن وغيره ليس بقرآن إذ لم يأت إلا من نقل الآحاد، وما كان كذلك لم يقنع أن يعارض به الثابت بالتواتر مع أنا نجد للثابت بالتواتر معنى صحيحا. والذي ينبغي أن يقال في قراءة من قرأ تستأذنوا أنها على جهة التفسير. واختلف هل في هذه الآية تقديم وتأخير أم لا ؟ فذهب الفراء والكسائي(١٢) إلى أن فيها تقديما تأخيرا وأن معناها حتى تسلموا وتستأذنوا وهي (١٣) بمعنى تستأنسوا وإنما قالا ذلك لما ذكرناه من قراءة أبي ومن تابعه على رواية أبي حاتم. وذهب غيرهما أنه لا تقديم ولا تأخير في الآية وأنها على ما قرئت عليه من القراءة المشهورة، فالاستئذان مشروع بالقرآن والسنة. وقد قال عليه الصلاة والسلام : " إنما جعل الاستئذان من أجل البصر " (١٤)وقد اختلف في كيفية الاستئذان وهي الاستئناس المذكور في الآية. فقيل السلام خاصة على ما روي عن ابن القاسم قال : يسلم ثلاث مرات فإن أذن له وإلا انصرف. وقد بينا ضعف هذا القول. وقال الأكثر إن الاستئذان غير السلام وأنه يجمع بينهما كما جاء في الآية. واختلف فيما يبدأ به السلام أو الاستئذان، فعلى قول الفراء والكسائي يأتي أن يبدأ بالسلام. وكيفية ذلك أن يقول : السلام عليكم، أأدخل ؟ ثلاث مرات. ومن حجة هذا القول إن عمر فيما روى عنه ابن عباس : قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مشربة له قلت : السلام عليك يا رسول الله أيدخل عمر (١٥) وما جاء عنه عليه الصلاة والسلام : " لا تأذنوا لمن لم يبدأ بالسلام " (١٦) وجاء في الحديث أيضا أن رجلا جاء إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أألج أو أتلج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمة له يقال لها روضة : " قولي لهذا يقول السلام عليكم أأدخل " فسمعه الرجل فقالها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ادخل " (١٧) وعلى مذهب من لا يرى في الآية تقديما ولا تأخيرا ويراعى ما ابتدئ به في اللفظ يرى أن يبدأ بالاستئذان قبل السلام، واختار هذا القول بعض المتأخرين. وعلى مذهب من لا يراعي اللفظ ويرى التخيير في ذلك بأن الواو لا ترتيب فيها. وقد اختلفت الروايات في صفة استئذان أبي موسى على عمر بن الخطاب. فروي أنه قال السلام عليكم أدخل، ثلاث مرات. وروي أنه قال يستأذن أبو موسى، يستأذن الأشعري، يستأذن عبد الله بن قيس (١٨) وقد قال أبو أيوب الأنصاري : قلت يا رسول الله هذا السلام فما الاستئذان ؟ قال : " يتكلم الرجل بتسبيح وتكبير وتنحنح يؤذن أهل البيت " (١٩) وإذا قلنا إن الاستئذان مشروع فهل له حد أم لا ؟ فقيل أما في الآية فليس فيه دليل على شيء من ذلك بل هي مبيحة للاستئذان جملة دون حد فيه وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الاستئذان ثلاث فإن أذنوا لك فادخل وإلا فارجع " (٢٠) وفي حديث آخر أن أبا سعيد قال : كنت جالسا في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور فقال : استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت فقال ما منعك قلت : استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع والله لا تقيمن على ذلك بينة أو لأوجعنك ". أفيكم أحدا سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم قال أبي بن كعب : والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم. فكنت أصغر القوم فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك الحديث مفسرا للآية وأن غاية الاستئذان ثلاث (٢١). واختلف في المذهب هل تجوز الزيادة على الثلاث إن لم يسمع أم لا ؟ فقيل : له أن يزيد، وحجة هذا القول ظاهر الآية إذ لم يأت فيه حد وإنما أطلق لفظ الاستئذان إطلاقا. وقيل لا يزيد، على هذا يدل مذهب أبي موسى، وحجة هذا القول أن الحديث مفسر للآية، وقيل إنه.... (٢٢).
١ ذكر القصة الواحدي في أسباب النزول ص ٢٤٤، ٢٤٥، والسيوطي في لباب النقول ص ٥٨٤..
٢ الحديث رواه مالك عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار. انظر الموطأ، كتاب الجامع، باب: الاستئذان ٢/ ٢٦٩..
٣ زينب: هي زينب بنت معاوية، وقيل بنت أبي معاوية بن عتاب بن الأسعد بن عامرة بن حطيط بن جشم بن ثقيف. روت عن النبي صلى الله عليه وسلم. انظر الإصابة لابن حجر ٤/ ٣١٣..
٤ أبي مسعود: لعله عقبة بن عمرو البدري. انظر طبقات ابن سعد ١/ ٩٢، و٢/ ١٢٦..
٥ الأثر: ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١١/ ٢٩٠..
٦ ذكره الكيا الهراسي في أحكام القرآن ٤/ ٣١١..
٧ "أهلها" كلمة ساقطة في (هـ)..
٨ راجع جامع البيان للطبري ١٨/ ١١٢..
٩ الحديث أخرجه ابن عبد البر عن ابن عباس. ورواه الترمذي في سننه كتاب الاستئذان، باب: ما جاء في الاستئذان ثلاثة ٥/ ٥٣..
١٠ أبو حاتم: هو محمد بن إدريس بن داود بن مهران. حافظ للحديث، من أقران البخاري. توفي ببغداد سنة ٢٧٧هـ/ ٨٩٠م. انظر تهذيب التهذيب ٩/ ٣١..
١١ عبد الله: لعله عبد الله بن السائب بن أبي السائب المخزومي، أبو عبد الرحمن المكي القارئ. أخذ عنه أهل مكة القراءة. انظر تهذيب التهذيب ٥/ ٢٢٩..
١٢ الكسائي: هو أبو الحسن بن حمزة الكسائي الأسدي المقرئ النحوي. اختلف في تاريخ وفاته. انظر معرفة القراء الكبار للذهبي ١/ ١٠٧..
١٣ في (أ)، (د)، (و)، (ز): "وهو"..
١٤ الحديث أخرجه الترمذي في سننه عن سهل بن سعد. كتاب الاستئذان، باب: من اطلع في دار قوم من غير إذنهم ٥/ ٦٤..
١٥ الحديث رواه ابن عبد البر عن ابن عباس. راجع الدر المنثور..
١٦ الحديث أخرجه الترمذي عن جابر، كتاب الاستئذان، باب: ما جاء في السلام قبل الكلام ٥/ ٥٩..
١٧ الحديث أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب: كيف الاستئذان ٥/ ٣٦٩..
١٨ عبد الله بن قيس: هو أبو موسى الأشعري. راجع ترجمته ص ٢٤..
١٩ الحديث رواه الطبراني وذكره السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٨..
٢٠ الحديث رواه مالك في الموطأ عن أبي موسى الأشعري، كتاب الجامع، باب: الاستئذان ٢/ ٢٧٠..
٢١ الأثر رواه مالك في الموطأ عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، كتاب الجامع، باب: الاستئذان ٢/ ٢٧٠..
٢٢ بياض في جميع النسخ، وقد جاء في النسخة (و): بياض في الأصل. راجع حكم الاستئذان في أحكام القرآن للجصاص، باب: الاستئذان ٥/ ١٦٥ – ١٧٢، وفي أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٣٤٦ – ١٣٥١، وفي المحرر الوجيز ١١/ ٢٨٩ – ٢٩٢، وفي الجامع لأحكام القرآن ١٢/٢١٣ – ٢١٩..
النور 24:28
وقوله تعالى :﴿فإن لم تجدوا فيها أحدا﴾ :
يعني (١) بيوت الغير إن لم تكن معمورة. وحكى الطبري عن مجاهد أنه قال : معنى هذه الآية : إن لم يكن لكم فيها متاع. ثم ضعفه الطبري. والإذن على هذا إنما ينبغي أن يكون من أهل البيوت، فإن كان الإذن صبيا وكان رسولا جاز. كذا قال أبو الحسن (٢).
١ في (أ)، (ز): "يريد"..
٢ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣١١..
النور 24:29
قوله تعالى :﴿ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ( ٢٩ )﴾ :
سببها أنه لما نزلت آية الاستئذان تعمد قوم فكانوا لا يأتون موضعا خربا ولا مسكونا إلا سلموا واستأذنوا فنزلت الآية (١). واختلف في المتاع ما هو، فقيل معناه تجارات لكم (٢) أي لجماعتكم يبتاع بعضهم من بعض كما قال تعالى :﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ فأجاز قائل هذا أن يدخل هذه البيوت بغير إذن. وقال عكرمة كان ابن عمر يستأذن في مثل هذه متاع البيت من الثياب والبسط وهو الذي يأتي على ما حكى الطبري عن مجاهد (٣) وهذا ضعيف جدا. وقيل هو المنافع عامة أي لكم فيها حاجة (٤) فعلى هذا يجوز للرجل أن يدخل البيوت غير المسكونة بلا إذن إذا كان لها إليها حاجة. وعلى القول الأول لا يجوز أن يدخلها إلا أن يكون له فيها متاع كالبسط والثياب ونحو ذلك، أو تكون بيوتا موضوعة للتجارة على القول الآخر ولما أباح في هذه الآية دخول الرجل بيتا غير بيته بغير إذن وهو غير مسكون ونهى في الآية التي قبلها أن يدخل أحد بيتا غير بيته بغير إذن ولم يفرق بين مسكون وغيره، فاختلف في ذلك، فقيل الآية الأولى منسوخة بالأخيرة، وهو قول ابن عباس (٥) وقد تكلمنا غير مرة على مثل هذا هل يصح فيه النسخ أم لا فلا معنى لإعادته. وقيل ليس في الآيتين ناسخ ولا منسوخ بل هما جميعا محكمتان وأن الآية الأولى يراد بها البيوت التي ليس لها ساكن ولا أرباب وأن الآية الأخرى يراد بها البيوت التي لا ساكن لها. وهذا القول أصح. وقد صرف قوم من أهل العلم في هذه البيوت أمثلة، فقال محمد بن الحنفية (٦) وقتادة ومجاهد هي الحمامات والفنادق التي في طرق المسلمين. قال مجاهد لا يسكنها أحد بل هي موقوفة ليأوي إليها كل ابن سبيل. وقال عطاء هي الخرب التي يدخلها الإنسان للبول والغائط.
وقال ابن زيد والشعبي هي حوانيت القيسرية والسوق. وقال الشعبي لأنهم جاؤوا ببيوعهم فجعلوها فيها وقالوا للناس هلم. وهذا القول فاسد بإجماع لأن حوانيت القيسرية مشعولة بأموال الناس فلا يجوز أن يدخلها لا من أذن له ربها بإجماع. وقال محمد بن الحنفية أيضا أراد تعالى دور مكة على القول بأنها غير متملكة وأن الناس شركاء فيها وقد مر الكلام على ذلك (٧).
١ وقال الواحدي: فلما نزلت هذه الآية (يعني قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم﴾) قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله أفرأيت الخانات والمساكن في طريق الشام ليس فيها ساكن. فأنزل الله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة﴾ الآية. راجع أسباب النزول ص ٢٤٥، لباب النقول ص ٥٨٤..
٢ "تجارات لكم" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
٣ راجع أحكام القرآن للجصاص، باب: في الاستئذان على المحرم ٥/ ١٧١..
٤ نسبه القرطبي إلى جابر بن زيد. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٢٢١..
٥ نقله ابن عطية عن الطبري وهو قول عكرمة والحسن بن أبي الحسن أيضا. راجع المحرر الوجيز ١١/ ٢٩١..
٦ محمد بن الحنفية: سبقت ترجمته ص ٢١..
٧ ذكر نحو ذلك الجصاص في أحكام القرآن، باب: في الاستئذان على المحرم ٥/ ١٧٠. وابن عطية في المحرر الوجيز ١١/ ٢٩٣، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٢٢١..
النور 24:30
قوله تعالى :﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم....﴾ إلى قوله تعالى :﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ :
﴿من﴾ في هذه (١) الآية يحتمل أن تكون لابتداء الغاية لأن البصر مفتاح القلب ولأجل ذلك خص الأمر بغضه. ويحتمل أن تكون للتبعيض وهو الذي ذهب إليه أكثر المفسرين، وذلك أن الإنسان لا يملك أول نظرة وإنما يؤمر بالغض فيما بعد ذلك، فلم يغض إذن بصره جملة إنما غض منه. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يؤيد هذا وهو قوله لعلي بن أبي طالب : " لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة " (٢)الحديث. وقال جرير بن عبد الله البجلي (٣) سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فقال : " اصرف بصرك " (٤) ويحتمل أن تكون ﴿من﴾ لبيان الجنس كأنه قال : غضب، احتمل أن يريد من يدك أو لسانك أو من كذا أو من كذا وأتى بمن لتبين الجنس المنهي عنه. وكيفما كان فقد حصل بهذه الآية الأمر بغض البصر وحفظ الفرج ولم يبين تعالى الأشياء التي يغض عنها البصر والأشياء التي يغض منها الفرج، ومعلوم بالعادة أن المراد بها المحرم دون المحلل. والأمر في ذلك على الوجوب. فمن الأشياء التي يجب غض البصر عنها باتفاق العورات وما تخشى الفتنة منه وإن لم تكن عورة كالنظر إلى وجه المرأة، وقد صرف النبي صلى الله عليه وسلم وجه الفضل (٥) عن الخثعمية. وما جرت به العادة بأن يكتمه الناس بعضهم عن بعض كالنظر في كتاب الرجل بغير إذن، وقد ورد فيه نهي، والنظر إلى ما عدا هذه الأشياء مباح. وقد يباح أيضا النظر إلى الأشياء الممنوعة لوجوه وأمور يقتضيها كالنظر إلى المرأة الشابة والغلام عند الشهادة ونحو ذلك، وكالنظر إلى العورة في بعض الأحوال وعند بعض العلماء. وقد اختلف إذا أراد نكاح المرأة هل يجوز أن يقتبلها النظر من الكوة ؟ فكره ذلك مالك ولم يبحه ومن حجته عموم هذه الآية، وحكى عبد الوهاب عن مالك الجواز. وأجاز ذلك ابن وهب وغيره للآثار المروية في ذلك، من ذلك(٦) حديث جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا خطب أحدكم المرأة فقدر على أن يرى منها ما يعجبه فليفعل " قال جابر : فلقد خطبت امرأة من بني سلمة وكنت أتخبأ لها في أصول النخل حتى رأيت منها بعض ما يعجبني، فخطبتها فزوجتها (٧) وقال عليه الصلاة والسلام : " انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما " (٨). وإذا قلنا بجواز ذلك. فقال مالك لا ينظر إلا إلى الوجه والكفين. وأجاز بعضهم النظر إلى جميع البدن ما عدا السوأتين وأبا أبو حنيفة النظر إلى ظهور القدمين وذكر بعضهم أن مالك يشترط إذن المرأة في ذلك. وقال الشافعي لا يحتاج إلى إذنها. ومن الناس من منع النظر جملة. واختلف أيضا في النظر إلى ما عدا الفرج من الأمة عند الشراء على قولين : أحدهما : أنه يجوز، والثاني : أنه لا ينظر منها عند الشراء (٩) إلا إلى كفيها ووجهها، وعموم الآية حجة لهذا القول، وعلى هذا اختلف فيما تستره الأمة في الصلاة من جسدها، فقيل هي كالرجل عورتها من السرة إلى الركبة خاصة وقيل هي كالحرة في ذلك.
– قوله تعالى :﴿ويحفظوا فروجهم﴾ :
فيه تأويلان أحدهما : أن يريد ترك الزنا. والثاني : أن يريد ستر العورة. والأحسن في هذا أن يقال إن اللفظ عام لهما فيحمل على عمومه. واختلف في نظر الرجل إلى فرج زوجته وأمته ونظر المرأة إلى فرج زوجها وسيدها. ففي المذهب الجواز، وللشافعي قولان : أحدهما أنه لا يجوز ومن حجته عموم الآية. وحجة القول الأول أن الآية إنما وردت في النظر إلى ما حرم على الرجل وأما ما أحل له – وإن كان عورة – فلا. وبهذه الآية حرم (١٠) العلماء دخول الحمام بغير مئزر أو بمئزر مع من يدخله بغير مئزر. وأما دخوله للرجال – إذا لم يدخله أحد منهم إلا بمئزر – ففيه قولان. الجواز، وروي عن مالك في جامع العتبية أنه قال : لا بأس بذلك ولا حرج فيه. والكراهة، وروي عن مالك في الوضوء في العتبية أنه سئل عن الغسل بالماء السخن من الحمام فقال : والله ما دخوله عندي بصواب فكيف يغسل بذلك الماء ؟. فوجه الجواز أن العورة فيه مستورة فليس ثم ما يؤمر الإنسان بغض البصر عنه. ووجه الكراهة مخافة التطلع على العورة. وأما دخول النساء مستترات الحمام فاختلف فيه. ففي المختصر منعهن إياه جملة. وقيل يمنعن إلا لعلة من مرض أو غسل من حيض أو نفاس أو شدة برد وما أشبه ذلك. إنما منعهن ذلك لما لم يكن ثم حمامات منفردة، فأما اليوم مع إفرادهن فلا يمنعن. ويأتي على هذا القول الاختلاف في دخولهن بالجواز والكراهة بأنهن في ذلك بمنزلة الرجال فيتحصل فيهن أربعة أقوال. ووجه الجواز أنهن مستترات. فارتفع موضع النهي بقوله تعالى :﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن﴾. وقوله تعالى :﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن﴾ أمر للنساء بغض البصر كما أمر الرجال به. والكلام في هذه الآية كالكلام في الآية التي قبلها (١١). إلا أنه اختلف هل بدن المرأة عورة مستورة عن المرأة كما هو عن الرجل أم لا ؟ فذهب عبد الوهاب إلى أنه كذلك، وعلى هذا يتركب القول بمنعهن دخول الحمام. وذهب غيره إلى أنه ليس كذلك وأنه يجوز للمرأة أن تنظر من المرأة إلى ما لا يجوز للرجل أن ينظر من الرجل بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب " (١٢). وإذا كان كذلك فليست المرأة مأمورة بغض البصر عن بدن المرأة وإنما هي مأمورة بالغض عن عورتها والرجل مأمور بالغض عن بدن المرأة لأنها عورة له. فعلى هذا ينبغي أن تحمل الآيتان. وقد اختلف في العيب إذا كان بالحرة في غير الفرج هل يبقر عنه الثوب فينظر إليه الرجال أو ينظر إليه النساء، على قولين. حجة المنع ظاهر قوله تعالى :﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ واختلف أيضا في بدن الرجل هل هو عورة على المرأة أم لا على قولين. فعلى القول بأنه عورة فالآية مشتملة على أمرهن بغض البصر عنه. وأما بدن الرجل على الرجل فليس بعورة ولذلك لم يقل أحد بمنعهم من الحمام إذا دخلوه بالمئزر. وأما رؤية المرأة الرجال من غير نظر إلى عورة فمباح كما قلنا في نظر الرجال إلى النساء إلا أن يخاف الفتنة عليهن. والدليل على ذلك حديث عائشة في نظرها إلى الحبشة وهم يلعبون بالحراب بالمسجد، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس (١٣) :" اعتري عند ابن أم مكتوم (١٤) فإنه رجل أعمى تضعين عنده ثيابك " (١٥) إلا أنه قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يعارض ذلك ويدل على أنه لا يجوز نظر المرأة إلى الرجل. وهو حديث أم سلمة قالت : كنت أنا وعائشة عند النبي صلى الله عليه وسلم فدخل ابن أم مكتوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " احتجبا منه " فقلنا إنه أعمى. فقال : " أفعمياوان أنتما " (١٦) وقد تأوله قوم على أنه مخصوص في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة.
١ "هذه" كلمة ساقطة في غير (أ)، (ز)..
٢ الحديث أخرجه الترمذي في سننه عن ابن بريدة، كتاب الأدب، باب: ما جاء في نظرة الفجأة ٥/ ١٠١..
٣ جرير بن عبد الله البجلي، صحابي. كان جميلا، قال عمر: هو يوسف هذه الأمة. وقدمه عمر في حروب العراق. توفي سنة ٥١هـ/ ٦٤١م. انظر خزانة الأدب للبغدادي ٣/ ٣٩٧..
٤ الحديث أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الأدب، باب: ما جاء في نظرة الفجأة ٥/ ١٠١..
٥ الفضل: هو الفضل بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم. كان أبوه من أكابر قريش في الجاهلية والإسلام. انظر الإصابة ٢/ ٣٤٠..
٦ "من ذلك" كلام ساقط في (د)..
٧ الحديث أخرجه أبو داود ي سننه، كتاب النكاح، باب: في الرجل ينظر إلى المرأة وهو يريد تزويجها ٢/ ٢٦٥. وأحمد في مسنده عن جابر ٣/ ٣٣٤..
٨ الحديث أخرجه الترمذي في سننه، كتاب النكاح، باب: ما جاء في النظر إلى المخطوبة ٣/ ٣٩٧..
٩ "عند الشراء" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
١٠ في (أ)، (ز): "منع"..
١١ راجع حكم دخول الحمام في الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٢٢٤، ٢٢٥..
١٢ الحديث أخرجه أبو دود عن أبي سعيد الخدري، كتاب الحمام، باب: ما جاء في التعري ٤/ ٣٠٥..
١٣ فاطمة بنت قيس بن خالد القرشية الفهرية أخت الضحاك. توفيت نحو سنة ٨٠هـ/ ٦٧٠م. انظر التهذيب ١٢/ ٤٤٣..
١٤ ابن أم مكتوم: انظر ترجمته ص ١٥٥..
١٥ الحديث أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي سلمة، كتاب الطلاب، باب: المطلقة ثلاثا لا نفقة لها ٢/ ١١١٥..
١٦ الحديث أخرجه الترمذي في سننه عن نبهان مولى أم سلمة، كتاب الأدب، باب: ما جاء في احتجاب النساء من الرجال ٥/ ١٠٢..
النور 24:31
– قوله تعالى :﴿ويحفظن فروجهن﴾ :
الكلام فيه كالكلام في الآية المتقدمة. إلا أنه اختلف هل يجوز للنساء النظر إلى فرج الحرة إذا ادعى الزوج أن بفرجها عيب ؟ فأجازه سحنون ومنعه مالك وغيره. وحجة من أجازه للضرورة بسبب اتهام المرأة في الإنكار. وأما إن كان العيب ببدن المرأة فلا خلاف أنه يجوز نظر النساء إليها للعلة المذكورة. وأما عورات الصبيان فالنظر إليها مستخف، وقد أجاز مالك أن يغسل النساء الصبي الأجنبي ابن سبع سنين ونحو ذلك. وقال ابن الجلاب ابن خمس سنين ونحو ذلك. واختلف أصحابنا في غسل الرجل الصبية الأجنبية بنت أربعة أعوام، وخمس، فأجازه أشهب ما لم تكن تشتهى، وهو قول عيسى بن دينار. وقال ابن القاسم لا يغسلها بحال. وقد ذكر البخاري أن أم خالد أتت النبي صلى الله عليه وسلم مع أبيها وعليها قميص أصفر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " سنه " قالت فذهبت ألعب بخاتم النبوة، فزجرني أبي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " دعها " (١) الحديث. ففيه مباشرة الصبية الصغيرة له صلى الله عليه وسلم وذلك كمباشرته هو إياها ولم ينهها، ولو كان حراما لنهاها كما نهى الحسن على التمرة الساقطة. وفي بعض الحديث أنه صلى الله عليه وسلم أتى بالحسن بن علي ففرج بين فخذيه وقبل ربيبه، وقد حمل أمامة (٢) على عاتقه في الصلاة. وذكر صاحب البسيط (٣) عن بعض أصحاب الشافعي أن النظر إلى فرج المرأة حرام وإن كان ابن يومه، ورأى (٤) تقبيل النبي صلى الله عليه وسلم كان وراء ثوب.
وقوله تعالى :﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ :
هذه الآية تقتضي نهي النساء عن إظهار الزينة عامة. ثم استثنى تعالى من ذلك ظاهر الزينة وهو ما لا بد من النظر إليه، وذلك المعنى بقوله :﴿إلا ما ظهر منها﴾. والنهي أيضا عام في الستر للزينة الباطنة عن جميع الناس إلا من خصص تعالى بالذكر في الآية التي بعد هذه. وقد اختلف السلف في الذي أبيح للمرأة إظهاره بقوله :﴿إلا ما ظهر منها﴾، فقال ابن مسعود هو الثياب. فعلى هذا يلزم المرأة ستر جميع جسدها ولا يجوز أن تظهر منه شيئا لا وجهها ولا كفيها ولا غير ذلك، وتكون عورة كلها. وقال الحسن وسعيد بن جبير : الثياب والوجه. وقال سعيد بن جبير أيضا والأوزاعي وغيرهما : الثياب والوجه والكفان. وقال ابن عباس وغيرهما : الكحل والسواك والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتح ونحو هذا فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس، وعلى هذا لا يجوز أن تظهر ظهور قدميها (٥) وكذلك قال مالك في الصلاة. وقال أبو حنيفة ليس عليها أن تغيب ظهور قدميها في الصلاة، فعلى قوله ليس ذلك بعورة. وعلى هذا يأتي الخلاف فيما يجوز النظر إليه منها عند الشهادة عليها أو عند سبب يوجب النظر إليها. فعلى قول لا يجوز النظر إلى شيء منها ولا يشهد عليها إلا من يعرف صوتها أو من يعرفه بها من يثقه. وعلى قول يجوز إلى الوجه والكفين وهو قول مالك وأصحابه. وعلى قول إلى الوجه والكفين والقدمين. وعلى قول الوجه واليدين والقدمين ونصف الذراع. وقد جاء (٦) حديث في معنى نصف الذراع عن النبي صلى الله عليه وسلم (٧) وقد جعل ابن عباس على ما تقدم الخضاب من الزينة الظاهرة. قال شيخنا أبو بكر بن العربي : هو عند مالك من الزينة الباطنة.
وقوله تعالى :﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ :
سبب هذه الآية أن النساء كن في ذلك الزمان إذا غطين رؤوسهن بالخمر سدلنها من ورائهن كما تصنع النبط فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر عليها، فأمر الله تعالى بلي الخمر على الجيوب ليستر جميع ما ذكر (٨) وقالت عائشة : رحم الله المهاجرات الأول لما نزلت هذه الآية عمدن إلى أكتف المروط فشققنها أخمرة وضربن بها على الجيوب. ودخلت عائشة على حفصة بنت أخيها عبد الرحمن وقد اختمرت بشيء يشف عن عنقها وما هنالك، فشقته عليها وقالت : إنما يضرب بالكثيف الذي يستر (٩).
وقوله تعالى :﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن....﴾ :
المراد بالزينة هنا الزينة الباطنة خاصة، خلاف ما هي في الآية قبلها، ولما ذكر تعالى ما أباح من الزينة الظاهرة أن يراه غير ذي محرم ذكر في هذه الآية الأخرى ما أباح رؤيته من الزينة الباطنة لذي محرم وغيرهم ثم ما أباحه تعالى في هذه الآية ليسوا فيه على استواء بل منهم من له من ذلك ما لا يباح لغيره ممن ذكر في الآية. وقد فسر ابن عباس الزينة المذكورة في هذه الآية بما يشترك فيه جميع المذكورين فقال : ليبدين لهؤلاء المذكورين القرطة والقلائد والشروك والسوار ونحوه ثم قال وأما خلخالها ومعضداها ونحوهما فلا تبديه إلا لزوجها. وقد تقدم لابن عباس أن القرطة من الزينة الظاهرة وقد جعلها هنا من الباطنة فانظر ذلك. ثم بدأ بالبعولة وهم الأزواج قال الشاعر :
ففدينا البعولة والبنين (١٠)
لأن حرمتهم في الكشف عليها أعلى الحرم لأن النظر إلى كل شيء منها مباح له ولا يشاركه أحد في ذلك. ثم ثنى بالآباء وهم من له عليهن ولادة، وهم دون البعولة فيجوز له النظر إلى كل ما ليس بعورة من بناتهم. ثم ذكر آباء البعولة ثم أبناءهن ثم أبناء البعولة ثم إخوانهن وهم الإخوة. وأكثر ما يكون هذا الجمع للأخ من الصداقة، ثم من بني الإخوة ثم من بني الأخوات فينبغي أن يكونوا في الكشف دون الآباء على طريق الاستحسان، وأن تختلف أيضا درجاتهم على حسب القربى. وقد رخص العلماء في تقبيل الرجل كبار الولد وسائر الأهل. فقال مالك رحمه الله تعالى في الذي يقدم من سفره فتلقاه ابنته فتقبله وأخته وأهل بيته، لا بأس بذلك. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل ولده وخاصة فاطمة. وكان أبو بكر يقبل عائشة. وفعل ذلك أكثر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قال إسماعيل القاضي : وهذا إذا كان الولد مأمونا. ويجوز مثل ذلك للولد أن يقبل أمه إذا كان مأمونا ولا يجوز ذلك للأخ ومن دونه فمن ذكر في الآية من ذوي الأرحام ثم قال :﴿أو نسائهن﴾ فقال بعضهم أراد جميع نساء المؤمنين. وقال بعضهم أراد جميع المؤمنات. فعلى القول الأول تكون الكتابية إذا كانت تحت مؤمن ممن أبيح لها النظرة إلى المؤمنات. وعلى القول الثاني لا تكون. وأما المشركات اللائي لسن من نساء المؤمنين فلا يجوز لهن ذلك لظاهر الآية على القولين. وقد روي عن عمر ما يعضد ذلك أنه كتب إلى عماله أن لا يترك امرأة من نساء أهل الذمة تدخل الحمام مع المسلمات. واحتج بهذه الآية. وفي كتابه لأبي عبيدة بن الجراح (١١) أنه بلغني أن نساء أهل الذمة يدخلن الحمام مع نساء المسلمين، فامنع من ذلك وحل دونه فإنه لا يجوز أن ترى الذمية عرية المسلمة. قال فعند ذلك قام أبو عبيدة فابتهل وقال : أيما امرأة تدخل الحمام من غير عذر لا تريد إلا أن تبيض وجهها سود الله تعالى وجهها يوم تبيض الوجوه (١٢) ثم قال :﴿أو ما ملكت أيمانهم﴾ فيدخل في هذا الإماء المؤمنات وغير المؤمنات (١٣) واختلف في العبيد الذكور البالغين هل هم داخلون تحت العموم فيباح لهم النظر إلى مولاتهم أم لا ؟ فقيل المراد ما ملكت أيمانهن من الولادة الأطفال لا الرجال إلا أن يكون الرجل محرما (١٤). قالوا وأن الظاهر يقتضي خلاف ذلك. لكن قياس الشرع يأبى هذا الظاهر. ورجح هذا القول أبو الحسن (١٥). وهو ضعيف لمخالفته الظاهر ولأن الطفل قد ذكر بعد ذلك. وقال ابن المسيب لا يغرنكم ظاهر هذه الآية إنما عنى بها الإماء ولم يعن بها العبيد، وهو قول الشافعي وعطاء ومجاهد (١٦) وإلى نحو هذا ذهب ابن عبد الحكم فقال : لا يجوز للمكاتب أن يرى شعر سيدته وإن كان وغدا، ولا يخلو معها في بيت. وذهب ابن عباس في أحد أقواله إلى أن الآية على العموم في الإماء والعبيد وهو الظاهر من مذهب عائشة وأم سلمة (١٧) فعلى هذا يجوز للعبد أن يرى شعر سيدته وغدا كان أو غير وغد، وكذلك المكاتب. وإلى نحو هذا ذهب مالك، إلا أنه اشترط أن يكون وغدا لا منظر له. فهذه ثلاثة أقوال في عبد نفسها. قال إسماعيل القاضي : والقول بأن العبيد داخلون في عموم الآية أعلى. واختلف في عبد زوجها أو عبد الأجنبي هل يدخل عليها ويرى شعرها أم لا على قولين. والمشهور منهما المنع. والحجة لجواز ذلك لعبد الزوج قوله تعالى :﴿ليستئذنكم الذين ملكت أيمانكم﴾ [النور: ٥٨]. ف ﴿الذين﴾ تقع على الذكور، والمخاطبة بالآية للأزواج. ومن حجة جواز ذلك لعبد الزوج قراءة من قرأ :﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾. وكذلك الخلاف في العبد الخصي، فمنعه مالك منها مرة إلا أن يكون ملكا لها ولا منظر له. وأباحه في القول الآخر إذا كان لها أو لزوجها، وإن لم يكن وغدا، ثم أباحه وإن كان لأجنبي، في قول ثالث (١٨).
ثم قال تعالى :﴿التابعين غير أولي الإربة﴾ :
واختلف المفسرون في تأويل ذلك، فقال بعضهم هو المغفل. وقال الشعبي هو الذي لا إرب له في النساء. وقال عكرمة المخنث الذي لا يقوم له. وقال بعضهم الشيخ الهرم والخنثى والعنين. وقال عطاء هو الذي يتبعك وهمته بطنه. وقال الحسن هو الأحمق. وقال طاووس هو الأحمق الذي ليس له في النساء حاجة. وهذه الأقوال ينبغي أن تساق على جهة التمثيل لا على أن الآية مقصورة على وجه من تلك الوجوه (١٩). والذي ينبغي أن يقال به (٢٠) في الآية أن فيها شرطين في غير ذوي المحارم (٢١) وهما الاتباع ومعناه أن يتبع لشيء بعطاء على ذلك كالوكيل والمتصرف. والثاني عدم الإربة في الوطء فلا يجوز أن يدخل عليها لغير ضرورة من غير ذوي المحارم إلا من كان فيه هذان الشرطان. ومن لم يكونا فيه فلا يجوز له الدخول عليها. وذهب بعض المفسرين إلى مراعاة الشرط الواحد وهو أن يكون من غير أولي الإربة. وذكر بعضهم شرط الاتباع على ما يعطاه وحده. والأصح ما ذكرته من اعتبار الشرطين. وقد اختلف في دخول الحر الخصي على قولين مرويين عن مالك. والأصح أن لا يجوز دخوله كما ذكرنا إلا أن يجتمع فيه الشرطان. وفي الصحيحين أن مخنثا كان يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يقال له هيت فقال لعبد الله بن أبي أمية : إن فتح الله عليكم الطائف غدا فاسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بادية ابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع ذلك منه : " لا يدخل هذا عليكن " (٢٢) فلم ينكر صلى الله عليه وسلم دخوله قبل ذلك وأنكره حين سمع كلامه ونهى عن دخوله. وقد اختلف الأصوليون في النهي على ما يحمل ابتداء هل هو على التحريم حتى يتبين أن المراد به الكراهة أو على الكراهة حتى يتبين أن المراد به التحريم ؟ وإلى أنه على الكراهية في هذا الحديث ذهب اللخمي.
ثم قال تعالى :﴿أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء﴾ :
يريد بالطفل الذين لم يراهقوا، وبالذين لم يظهروا على عورات النساء (٢٣) على ما قال بعضهم (٢٤) الذين لم يطأوا النساء. وعلى ما قال بعضهم الذين لم يدروا ما عورات النساء (٢٥). وهذا أحسن وإن كان القولان يرجعان إلى معنى واحد، فأباح الله تعالى للمذكورين في هذه الآية على اختلاف درجاتهم في الاطلاع على النساء من غير ضرورة واختلف هل يجوز أن يرى الرجل شعر ختنته أم لا على قولين. وسئل عن ذلك سعيد بن جبير فتلا قوله تعالى :﴿ولا يبدين زينتهن﴾ ثم قال : لا أراها فيهن. واختلف في العم والخال هل تضع المرأة خمارها عنده
١ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجهاد، باب: من تكلم بالفارسية ٣/ ١١١٧..
٢ أمامة: وهي أمامة بنت أبي العاص بن الربيع، وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. الحديث أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، باب: في رحم الصغير وتوقير الكبير ٧/ ٤٦٦..
٣ صاحب البسيط: وهو الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري المتوفى سنة ٤٦٨هـ. راجع كشف الظنون لحاجي خليفة ١/ ٢٤٥..
٤ في (و)، (ز): "وتأول"..
٥ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١١/٢٩٥..
٦ "جاء" كلمة ساقطة في (ح)..
٧ والحديث ذكره القرطبي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت أن تظهر إلا وجهها ويديها إلى ههنا" وقبض على نصف الذراع. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٢٩٢.
٨ نسبه ابن عطية إلى النقاش. راجع المحرر الوجيز ١١/ ٢٩٦..
٩ وفي الموطأ: وحدثني عن مالك عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه أنها قالت: دخلت حفصة بنت عبد الرحمن على عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى حفصة خمار رقيق فشقته عائشة وكستها خمارا كثيفا. راجع الموطأ: كتاب الجامع، باب: ما يكره للنساء لبسه من الثياب ٢/ ٢٤٦..
١٠ البيت من البحر الوافر..
١١ هو أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال الفهري القرشي، الصحابي الشجاع أحد العشرة المبشرين بالجنة. توفي سنة ١٨هـ/ ٦٣٩م. انظر حلية الأولياء للأصبهاني ١/ ١٠٠..
١٢ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١١/ ٢٩٧..
١٣ "وغير المؤمنات" كلام ساقط في (أ)، (ب)، (د)، (هـ)..
١٤ "محرما" بياض في (ب)..
١٥ راجع قوله في أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣١٢.
١٦ راجع الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٢٣٤، وروائع البيان ٢/ ١٦٣..
١٧ راجع المحرر الوجيز ١١/ ٢٩٧..
١٨ راجع الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٢٣٣، ٢٣٤..
١٩ راجع أحكام القرآن للجصاص ٥/ ١٧٦..
٢٠ "به" ساقط في (ج)، (ح)، (هـ)..
٢١ في (د)، (هـ): "المحرم".
.
٢٢ والقصة ذكرها الجصاص في أحكام القرآن ٥/ ١٧٦، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٢٣٥، ٢٣٦..
٢٣ "يريد الطفل.... إلى: النساء" كلام ساقط في (ج)، (ح)..
٢٤ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١١/ ٢٩٨..
٢٥ وهو قول مجاهد، واختاره الجصاص. راجع أحكام القرآن ٥/ ١٧٧..
النور 24:32
– قوله تعالى :﴿وأنكحوا الأيامى منكم....﴾ إلى قوله تعالى :﴿والذين يبتغون الكتاب﴾ :
الأيامى الذين لا أزواج لهم رجالا كانوا أو نساء. قال الشاعر : لله در على أيم منهم وناكح (١) والمخاطبون بهذه الآية في إنكاح الأيامى هم الأولياء. وقيل كل أحد كان وليا أو مأذونا له. والأول أظهر لأن المقصود من الخطاب ترك الفضل والمنع وذلك يقتضي الاختصاص بالأولياء والحاكم، فإن هؤلاء الذين يجب عليهم التزويج دون الأجانب. وعلى القولين ففي الآية دليل على عدم استقلال المرأة بالإنكاح. واستدل بعضهم على ذلك أيضا بما يعقب قوله :﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ في قوله :﴿والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ قالوا فكما لم يصح للعبد والأمة ولاية كذلك الأيامى المعطوف عليهما ذلك القول. وقد اختلف في المرأة هل يجوز لها(٢) أن تتزوج بغير ولي أم لا (٣) فمنع جملة في المذهب وأجيز جملة في الثيبات والأبكار البوالغ وهو قول أبي حنيفة. وأجيز في الثيبات ومنع في البكر وهو قول أهل الظاهر. واعتبر أبو يوسف إذن الولي خاصة فهذه أربعة أقوال أجراها على الأصول القول الأول. وفي هذه الآية دليل عليه كما قدمنا. وإذا قلنا بذلك فقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم منتهى هذه الولاية إذ الآية تحتمل أن يزوج الولي الأيم شاءت أو أبت، ويحتمل أن يكون بأمرها، فقال عليه الصلاة والسلام : " الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها " (٤) فجعل الأيم أحق بنفسها أي أن الولي لا يزوجها إلا بإذنها. ثم قال " والبكر تستأذن في نفسها " أي لا يعقد عليها الولي أيضا إلا بإذنها، وهي داخلة تحت قوله عليه الصلاة والسلام : " الأيم أحق بنفسها " وقد كان ذلك يغني عن هذا، إلا أنه لما اختلفت سورة الإذن منها أعاد ذكرها فقال : " والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها "، فجعل إذنها الصمات بخلاف غيرها من الأيامى. وهذا (٥) في غير البكر ذات الأب فإن الأب يعقد عليها ولا يحتاج إلى إذن بدليل قوله عليه الصلاة والسلام في بعض رواية هذا الحديث : " واليتيمة تستأمر في نفسها " (٦)، وهذا هو تحصيل مذهب مالك رحمه الله تعالى في الآية والحديث. وقد تعلق بعضهم – وهو داود الأصبهاني – (٧) بظاهر الحديث فلم يجز للأب ولا لغيره إنكاح البكر صغيرة كانت أم كبيرة إلا بإذنها. ورأى بعضهم أن له ذلك في الصغيرة من الأبكار دون المبالغة. ووجه تعلق (٨) هذين القولين ما جاء في الحديث من قوله عليه الصلاة والسلام : " والبكر تستأذن في نفسها " فتأوله كل فريق على رأيه. وروي عن الحسن أن الأب يزوج البكر والثيب بغير إذنهما وإن كرهتا. فهذه أربعة أقوال في ذات الأب أعدلها قول مالك رحمه الله تعالى : وظاهر الآية يقتضي أن ذلك نكاح للأولياء ولم يشترط الإذن، إلا أن الدليل القاطع دل على أن المالكات أمورهن من النساء ومن لا أب لها من غير المالكات أمورهن لا يزوجن إلا بإذنهن وبقي الغير تحت العموم حتى يخصص بدليل قاطع.
– وقوله تعالى :﴿والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ :
يريد الذين يصلحون للنكاح منهم ذكورهم وإناثهم. والمخاطبون بإنكاحهم السادة، ولا خلاف في هذا. وقد اختلف هل للسيد أن يجبر عبده وإماءه على النكاح أم لا ؟ ففي المذهب أن له أن يجبر إذا لم يرد ضررا. وحكي عن أبي حنيفة مثله، وهو أحد قولي الشافعي. وفي أحد قولي الشافعي أنه لا يجبرهما، قاله أبو ثور واستحسنه المروزي، وقال أصحاب الرأي يكره أمته ولا يكره عبده (٩) فهذه ثلاثة أقوال أصحها القول الأول دليله قوله تعالى :﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ ولم يشترط رضاهم. وقد تعترض هذه الحجة بأنه يلزم مثل ذلك في الأيامى الأحرار لأن الأمر في الآية ورد فيها ورودا واحدا. وقد قال النخعي كانوا يكرهون المملوكين على النكاح ويغلقون عليهم لأبواب (١٠) واختلف هل يجبر السيد (١١) على إنكاح العبد إذا طلب منه ذلك أم لا ؟ فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه لا يجبر، وقال الشافعي يجبر ومن حجته قوله تعالى :﴿وأنكحوا﴾ فأمر بإنكاحهم. والحجة للقول الأول مبسوطة في غير ما كتاب من كتب المذهب، والذي يقال في الآية إن الأمر فيها أمر (١٢) عام فهو (١٣) يختلف على حسب النظر والأثر. فمن الناس من يلزم إنكاحه إذا طلب ذلك بظاهر الآية ومنهم من لا يلزم له ذلك بحسب ما تخصص به العموم في القياس أو الأثر (١٤).
وقوله تعالى :﴿إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾ :
وعد تعالى بإغناء الفقراء المتزوجين طلب رضا الله تعالى. وقد قال ابن مسعود : التمسوا الغنى في النكاح. وقال عمر رضي الله تعالى عنه : عجبي لمن لا يطلب الغنى بالنكاح، وذكر الآية. واحتج بعضهم بهذه الآية على أنه لا يفرق بين الزوجين إذا كان الزوج فقيرا لا يقدر على النفقة لأن الله تعالى قال :﴿يغنهم الله من فضله﴾ ولم يفرق بينهم، وهو قول بعض العلماء (١٥). وهذا الانتزاع ضعيف وليس الآية بحكم فيمن عجز عن النفقة وإنما هي وعد بالإغناء كما قد وعد به مع التفرق في قوله تعالى :﴿وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته﴾ [النساء: ١٣٠] ثم قال تعالى :﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله﴾ فأمر كل من يتعذر عليه النكاح بأي وجه كان أن يستعفف عما حرمه الله تعالى. ثم لما كان أغلب الموانع من النكاح عدم المال وعده بالإغناء من فضله. وقال قوم من المفسرين أن المراد بالنكاح هنا ما ينكح به من المهر والنفقة وحملهم على ذلك قوله تعالى :﴿حتى يغنيهم الله من فضله﴾ (١٦) والقول الأول أظهر لعموم ما قالوه وغيره. وقد استدل بعضهم بهذه الآية على بطلان نكاح المتعة، قال : ولا يفهم منه التحريم بملك اليمين لأن من لا يقدر على النكاح لعدم المال لا يقدر على شراء الجارية غالبا (١٧).
١ الشاعر هو أمية بن عبد الله بن الصلت بن أبي ربيعة بن عمرو الثقفي. شاعر جاهلي حكيم من أهل الطائف، أدرك الإسلام ولم يسلم، وشعره من الطبقة الأولى. توفي سنة ٥هـ/ ٦٢٦م. والبيت ذكره ابن عطية بلفظ لله دربني على أيم منهم وناكح. راجع المحرر الوجيز ١١/ ٣٠٠..
٢ "لها" ساقط في (أ)، (ج)، (ح)، (ز)..
٣ "أم لا" كلام ساقط في (ح)..
٤ الحديث أخرجه مالك في الموطأ عن ابن عباس، كتاب النكاح، باب: استئذان البكر والأيم في أنفسهما ١/ ٣٥٨..
٥ "منها أعاد... إلى: وهذا" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
٦ الحديث ذكره الباجي في المنتقى عن صالح بن كيسان عن عبد الله بن الفضل. كتاب النكاح، باب: استئذان البكر والأيم في نفسها ٣/ ٢٦٦..
٧ داود الأصبهاني: هو داود بن علي بن خلف الأصبهاني، أبو سليمان الظاهري، أحد الأئمة المجتهدين في الإسلام. توفي سنة ٢٧٠هـ/ ٨٨٤م. انظر حلية الأولياء للأصبهاني ١/ ٣٧٧..
٨ "تعلق" كلمة ساقطة في (أ)..
٩ قال القرطبي: تمسك أصحاب الشافعي فقالوا: العبد مكلف فلا يجبر على النكاح لأن التكليف يدل على أن العبد كامل من جهة الآدمية، وإنما تتعلق به المملوكية فيما كان حضا للسيد من ملك الرقبة والمنفعة، بخلاف الأمة فإن له حق المملوكية في بضعها ليستوفيه. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٢٤١..
١٠ "في الأيامى الأحرار.... إلى: الأبواب" كلام ساقط في (أ)، (ز). راجع الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٢٤١..
١١ في (ح) زيادة: العبد..
١٢ "أمر" كلمة ساقطة في (أ)، (ز)..
١٣ "فهو" كلمة ساقطة في (أ)، (ج)، (ح)..
١٤ "بظاهر الآية... إلى: الأثبر" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
١٥ ذكر ذلك ابن عطية ورواه عن النقاش. راجع المحرر الوجيز ١١/ ٣٠٠..
١٦ "وقال قوم... إلى: فضله" كلام ساقط في (أ)، (ب)، (د)، (ز)..
١٧ قاله الكيا الهراسي في أحكام القرآن ٤/ ٣١٤..
النور 24:33
– قوله تعالى :﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم....﴾ إلى قوله تعالى :﴿ولا تكرهوا﴾ :
أمر تعالى في هذه الآية السادة أن يكاتبوا مملوكيهم إذا طلبوا ذلك إليهم وعلم السادة فيهم خيرا. وسبب هذه الآية أن غلاما سأل مولاه الكتابة فأبى عليه فنزلت الآية. قال بعضهم والغلام غلام حويطب بن عبد العزى (١) وهو الذي كان سأل حويطباء وقال بعضهم الغلام صبيح القبطي (٢) غلام حاطب بن أبي بلتعة (٣). وقد اختلف في هذا الأمر بالكتابة هل هو على الوجوب أو على الندب ؟ ففي المذهب أنه على الندب. وفي غير المذهب لعطاء وداود وغيرهما أنه على الوجوب واختاره الطبري وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب لأنس بن مالك في سيرين حين سأل سيرين الكتابة فتلكأ أنس، فقال له لتكاتبه أو لأوجعنك بالدرة (٤) فعلى هذا يلزم الرجل إذا طلب عبده منه الكتابة أن يكاتبه ويجبر على ذلك كله خلافا للقول الأول. واحتج أهل القول الأول في ذلك لأمرين : أحدهما : قياس الكتابة على البيع، قالوا فكما لو سأله البيع لم يلزمه، كذلك إن سأله الكتابة لأنه بيع، وحملوا بهذا الدليل بالآية الأمر على الندب. وإطلاق المحتج بهذا أن الكتابة بيع، فيه نظر. لأن كسب العبد لسيده فكيف يبيع ماله بماله ؟ وقد قال كثير من العلماء بأنهما من باب العتق. والقولان في المذهب. وقال بعضهم الكتابة غدر ومخالفة لقياس الأصول. فالأصل فيها الحظر، والأمر إذا صدر بعد الحظر فهو محمول على الإباحة. وفي هذا القول ضعف لأنا لا نعلم قط (٥) أن الكتابة محظورة ثم أبيحت. واختلف هل للسيد أن يجبر عبده على الكتابة إن لم يتبع ذلك منه على قولين منصوصين في المذهب. ومن حجة القول بسقوط الجبر أن الله تعالى إنما أمر بالكتابة إذا ابتغاها العبد، فدليل هذا أنه إذا لم يبتغها لم ينبغ أن يكره عليها. واختلف في الخير المذكور في الآية ما هو ؟ فقيل المال (٦) ولم ير من قال هذا أن يكاتب العبد إلا إذا علم أن له مالا يؤدي منه أو من اتجر فيه.
وروي عن ابن عمر وسلمان (٧) أنهما أبيا من كتابة عبدين رغبا في الكتابة ووعدا باسترقاق الناس. فقال كل واحد منهما لعبده : أتريد أن تطعمني أوساخ الناس. وقيل هو الصلاح في الدين، وإليه ذهب عبيدة السلماني (٨). وقيل هو القوة على الأداء وهو قول مالك، وهو أظهر الأقوال (٩) وقد اختلفت الرواية عن مالك في كتابة الصغير فأجازه في قول وكرهه في آخر إلا أن يفوت بالأداء. وعلى اختلاف قوله في إسلام المراهق يختلف في كتابته. ومذهب الشافعي أن الكتابة لا تصح إلا من البالغ العاقل. والأظهر من القولين المنع على قول مالك، ومذهبه في أن الخير القوة على الأداء وذلك في الأغلب معدوم في الصغار. واختلف أيضا قوله في كتابة الأمة التي لا صنعة لها، وبجوازه قال الشافعي، وهو ظاهر الآية إذا كانت لها قوة على الأداء بخدمة أو غيرها وبه قال ابن المنذر واحتج بحديث بريرة (١٠) وإنما منع من ذلك من منع لما روي من حديث عثمان رضي الله تعالى عنه أنه قال : لا تكلف الأمة الكسب فإنها تكسب بفرجها. واختلف في حال المكاتب إذا كوتب، فقيل هو عبد ما بقي عليه (١١) درهم، وهو قول جمهور الناس. وقيل هو عبد حتى يؤدي نصف الكتابة، فإذا أداها فهو حر. وروي عن عمر وعلي بن أبي طالب. وقيل هو عبد حتى يؤدي ثلث كتابته وروي عن ابن مسعود وشريح. وقيل إذا أدى ربع الكتابة فهو حر. وقيل إذا أدى قيمته فهو حر (١٢)، وروي عن ابن مسعود. وقيل إذا أدى ربع قيمته فهو حر، وروي عن ابن مسعود أيضا. وقيل إذا أدى عتق منه بقدر ما أدى، وقيل هو حر بعقد الكتابة ويلزمه الأداء (١٣) والقول الأول أظهر الأقوال على مفهوم الآية لأنه تعالى أمر بالكتابة وهو أن يؤخذ منه مال على أن يعتق، فهذا أمر مفهوم أنه لا يتم إلا بالوفاء بشروطه.
وقوله تعالى :﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ هذا أمر بأن يعان المكاتب على مكاتبته. واختلف في هذا الأمر لمن هو ؟ فقيل للناس أجمعين وهو مذهب النخعي والحسن وبريرة وقيل لولاة الأمور، وهو قول زيد بن أسلم. والأمر على هذين القولين أمر ندب. وقيل بل الخطاب لسادة المكاتبين، واختلف الذين ذهبوا إلى هذا هل هو أمر إيجاب أو أمر ندب. ففي المذهب أنه أمر ندب (١٤) فلا يحكم على السيد به. وعند الشافعي أنه واجب يحكم به على السيد وعلى ورثته (١٥). والقول الأول أظهر لتكون الآية متشاكلة فيكون أولها ندبا وآخرها ندبا، فكما لا تجب على السيد الكتابة لا يجب عليه الوضع. وقد رد إسماعيل القاضي على الشافعي فقال : كيف تكون الكتابة ندبا والإيتاء واجبا ؟ وكيف يكون الأصل ندبا والفرع واجبا ؟ قال أبو الحسن هذا غير واجب ألا ترى أن النكاح غير واجب وإذا نكح الرجل وجب عليه أشياء بنسبة ذلك (١٦).
وقوله تعالى :﴿وآتوهم﴾ :
معناه أعطوهم. فقال بعضهم إنه يعطيهم السادة من أموالهم من غير الكتابة ما يستعين به المكاتبون من غير أن يوضع عنهم من الكتابة شيء. وقيل معناه الحط من الكتابة. وقيل معناه أن يعطوا من الزكاة لقوله تعالى :﴿وآتوهم من مال الله﴾ (١٧) والأظهر من إطلاق هذا اللفظ أنه الزكاة وإن كانت الأموال كلها يجوز أن يطلق عليها هذا اللفظ. ومال الكتابة لما وجب لحق الله تعالى ولغرض الحرية حسن أن يقال فيه مال الله (١٨) فاللفظ محتمل لهذه الوجوه. وأكثر العلماء حملوه على الحط من الكتابة، ثم اختلفوا في قدر ما يوضع منها. فروي عن علي أنه استحب ربع الكتابة. قال الزهراوي (١٩) وروى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن راهويه (٢٠) مثل ذلك قال : ويجبر عليه وتلا الآية. قال وأجمع أهل التأويل على أنه ربع. وروي عن ابن مسعود والحسن أنهما استحسنا الثلث. وروي عن قتادة العشر. وروي عن بعضهم أنه كان يختار أن يوضع على المكاتب آخر نجومه. وقيل يوضع عنه من كتابته شيء ولم يحد. وهو قول ابن جبير والثوري والشافعي : قال الشافعي : والشيء أقل ما يقع عليه اسم شيء ويجبر عليه. وإلى نحو هذا ذهب مالك في ترك الحد فيه إلا أنه لا يرى الجبر عليه كما قدمنا (٢١). والحجة لعدم الحد في ذلك قوله تعالى :﴿وآتوهم من مال الله﴾ ولم يحد. فدل أن ذلك موكول إلى الاجتهاد. واختلف هل يكون الوضع في أول الكتابة أو آخرها ؟ فرأى عمر أن يكون ذلك من أول النجوم مبادرة إلى الخير خوف ألا يدرك آخرها. ورأى مالك وغيره أن يكون الوضع في آخر نجم وهو قول عبد الله بن عمر ولم يحد في هذا قوم أول الكتابة من آخرها تعلقا بظاهر الآية (٢٢) واعلم أن الكتابة لفظ شرعي ولم تكن قبل ورود الشرع على ما هي في الشرع. لأن الشرع جعلها على وجه المخصوص وقيدها بشروط مخصوصة، فهي كلفظ الصلاة والصيام في الشرع. ومن أهل العلم من قال تقتضي بلفظها التأجيل فلا تكون إلا مؤجلة. ومنهم من قال لا يعقد (٢٣) ذلك من ظاهر لفظها لأن الشيء قد يكتب ولا تأجيل فيه(٢٤) وقد يكتب مع التأجيل(٢٥) فالظاهر لا يدل على الأجل. فعلى هذا القول تجوز الكتابة حالة. واختلفوا في صورة الكتابة، فقال بعضهم هي أن يكاتبه على دراهم معلومة فيعتق بالأداء في وقته. وقال بعضهم بل لا بد أن تقول في عقد الكتابة : فإذا أديت إلي فأنت حر. فتجمع بين العقد وبين تعليق الحرية بالصفة لأن عنده أن العقد بين السيد وبينه لا يصح وتعليقه له بهذه الصفة يصح فلا بد من ضم ذلك إليه. ولم يختلفوا في أن الكتابة رخصة لأنا لو خلينا والعقد لكان عقدها باطلا، لأن من المكاتب إزالة سلكه بملكه. قوله تعالى :﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء﴾ وروي عن ابن عباس وغيره أن سبب هذه الآية أن عبد الله بن أبي بن سلول كانت له جاريتان إحداهما تسمى معاذة والأخرى مسيكة فكان يكرههما على الزنا ويضربهما عليه ابتغاء العقد عليه والولد. وقيل : كان اسم إحدى الجاريتين زينب والأخرى معاذة ومعاذة هي أم خولة التي جادلت النبي صلى الله عليه وسلم في زوجها. وقيل : إنها كانت أمة واحدة اختلف في اسمها قيل : مسيكة وقيل : معاذة، فكان عبد الله يأمرها بالزنا والكسب فشكت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية فيه وفيمن فعل فعله من المنافقين (٢٦) وقوله تعالى :﴿إن أردن تحصنا﴾. واختلف إلى ما رجع هذا الشرط. فقيل : لأنه لا يتصور إكراههن إلا إذا لم يردن الزنا، وهو التحصن، وأما إذا أردنه فلا يتصور الإكراه(٢٧).
وقيل : هو متعلق بقوله تعالى قبل هذا :﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ وقيل : الشرط ملغى(٢٨)، والأول أظهر وأحسن. وهذه الآية تدل بإطلاقها على تحريم الإكراه على الزنا وعلى تحريم أخذ العقد وهو المراد بنهيه عليه الصلاة والسلام عن مهر البغي. وفيها دليل أيضا على أن الإكراه يصح في الزنا وعلى أن المكرهة لا إثم عليها من حيث قال :﴿فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم﴾ قوله تعالى :﴿يسبح له فيها بالغدو والآصال﴾.
قال الضحاك : الصبح والعصر. وقال ابن عباس : أراد ركعتي الضحى والعصر وأن ركعتي الضحى لفي كتاب الله تعالى وما يغوص عليها الأغواص، ثم قرأ الآية (٢٩)، وقد اختلف في هذه الصلاة : فلم يرها قوم وقالوا : إنها بدعة فرووا عن ابن مسعود أنه كان لا يصليها وعن عبد الرحمان بن عوف مثل ذلك. ورووا عن ابن عمر أنه قال فيها : بدعة قال مرة نعمة البدعة. وسئل أنس عنها فقال : الصلوات خمس. ورآها قوم واستحبوها وعليه يدل قول عائشة : ما ترك صلى الله عليه وسلم سبحة الضحى قط وإني لأستحبها وروي عنها أنها قالت : لو نشر أبواي من قبرهما ما تركتهما.
وعليه تدل الآية على تفسير ابن عباس. وجاء عن أبي هريرة أنه قال : أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أيام من كل شهر وصلاة الضحى وقوم على وتر. وذهب قوم من السلف إلى أنها تصلى في بعض الأيام دون بعض ورووا عن ابن سعيد أنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها وروي عن ابن عباس وابن عمر نحو ذلك(٣٠). قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا ليستئذنكم الذين ملكت أيمانكم﴾ إلى قوله تعالى :﴿ليس على الأعمى حرج﴾.
اختلف في المراد بالذين ملكت أيمانكم. فقيل : المراد بهم النساء من الإماء خاصة وهو قول عبد الرحمن السلمي (٣١) قال : وسئل الرجال أن يستأذنوا في كل وقت. وذكر بعضهم عن ابن عمر نحوه. وقيل : المراد بها الرجال خاصة وهو المشهور من قول ابن عمر. وقيل : المراد به الرجال والنساء جميعا، ورجح ذلك الطبري(٣٢)، وقال أبو الحسن : لا يدخل في هذا العموم العبيد البالغون لأنه يستوي في وجوب الاستئذان عليهم هذه الأوقات الثلاث وغيرها من حيث يحرم عليهم النظر إلى عورة سيدهم وإلى بدن سيدتهم، لا يدخل في العموم أيضا الأطفال لأن المعنى من ذلك قد حصل من قوله تعالى :﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم﴾. وقوله تعالى :﴿والذين لم يبلغوا الحلم﴾ (٣٣). يريد الأطفال الذين لم يبلغوا إلا أنهم عقلوا معاني الكشفة وقوله :﴿ثلاث مرات﴾ الآية.
أمر تعالى أن لا يدخل من تقدم ذكره ممن يملك، والأطفال على أهليهم في هذه الأوقات الثلاث حتى يستأذنوا لأن هذه الأوقات مضنة انكشاف العورة، وهي عند الصباح لأن الناس في ذلك الوقت عراة في مضاجعهم، وقد ينكشف النائم وقت القائلة – وهي الظهيرة- لأن النهار يظه
١ حويطب بن عبد العزى: هو حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس، من بني عامر، بن لؤي. صحابي قرشي أسلم يوم الفتح. توفي سنة ٥٤هـ/ ٦٧٤م. انظر إمتاع الأسماع ١/ ٣٩٢..
٢ صبيح القبطي: لعله صبيح مولى أبي أحيحة سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس. انظر الاستيعاب لابن عبد البر ٢/ ١٩١..
٣ نسب ابن عطية هذا القول إلى مكي. راجع المحرر الوجيز ١١/ ٣٠١..
٤ راجع القصة في المحرر الوجيز ١١/ ٣٠١، وفي أحكام القرآن للجصاص، باب: المكاتبة ٥/ ١٨٠، وفي الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٢٤٥..
٥ "قط" كلمة ساقطة في (ج)، (ح)..
٦ نسبه الجصاص إلى ابن جريج وعطاء. راجع أحكام القرآن، باب: المكاتبة ٥/ ١٨٠..
٧ سلمان: هو أبو عبد الله سلمان الفارسي صحابي جليل شاهد الخندق وهو الذي أشار بحفره. توفي سنة ٣٤هـ/ ٦٥٦م. انظر الإصابة ٤/ ٢٢٣..
٨ عبيدة السلماني: هو عبيدة بن عمر السلماني المرادي. أسلم أيام فتح مكة ولم ير الرسول صلى الله عليه وسلم. توفي سنة ٧٢هـ/ ٦٩١م. انظر تذكرة الحفاظ ١/ ٤٧..
٩ راجع المحرر الوجيز ١١/ ٣٠١..
١٠ بريرة: هي مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعلها مولاة عائشة رضي الله تعالى عنها. وكانت مولاة لقوم من الأنصار. انظر الإصابة لابن حجر ٤/ ٣٤٥. والحديث ذكره القرطبي بقوله: روى الأئمة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: دخلت علي بريرة فقالت: إن أهلي كاتبوني على تسع إواق في تسع سنين كل سنة أوقية، فأعينيني.... الحديث. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٢٤٦..
١١ "عليه" كلمة ساقطة في (أ)..
١٢ "وقيل إذا أدى قيمته... إلى: فهو حر" كلام ساقط في (هـ)..
١٣ راجع أحكام القرآن للجصاص، باب: المكاتب متى يعتق ٥/ ١٨٥، ١٨٦، والجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٢٤٨..
١٤ "وقيل بل الخطاب.... إلى: ندب" كلام ساقط في (هـ)..
١٥ راجع الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٢٥٢..
١٦ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣١٧..
١٧ راجع روائع البيان للصابوني ٢/ ١٩٣، وأحكام القرآن للجصاص، باب: المكاتبة ٥/ ١٨٣..
١٨ "مال الله" كلام ساقط في (ح)..
١٩ في (ج)، (هـ): "الزهري" والصواب ما أثبتناه. والزهراوي: هو محمد بن أحمد الزهراوي. عالم وفقيه. من آثاره الناسخ والمنسوخ في القرآن. انظر معجم المؤلفين لكحالة ٨/ ٢٦١..
٢٠ ابن راهويه: هو إسحاق بن راهويه. انظر ترجمته ص ١٦٥..
٢١ راجع مختلف هذه الأقوال في الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٢٥٢..
٢٢ راجع مختلف هذه الأقوال أيضا في الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٢٥٢، ٢٥٣..
٢٣ في (هـ): "لا يفعل"..
٢٤ "فيه" كلمة ساقطة في (أ)، (د)، (و)، (ز)..
٢٥ "فلا تكون إلا مؤجلة.... إلى التأجيل) كلام ساقط في (ب)..
٢٦ وقيل: غير ذلك. راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢٤٦..
٢٧ نسبه القرطبي إلى ابن العربي. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٢٥٥..
٢٨ راجع مختلف هذه الأقوال في الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٢٥٥..
٢٩ راجع القول في المحرر الوجيز ١١/ ٣٠٩..
٣٠ راجع حكم صلاة الضحى في الجامع لأحكام القرآن ١٥/ ١٥٩ – ١٦١..
٣١ عبد الرحمن السلمي: هو عبد الرحمان بن الحباب الأنصاري السلمي، وثقه ابن حبان وروى عنه البكير بن الأشج. انظر. إسعاف المبطأ ٢/٣٣٦..
٣٢ راجع المحرر الوجيز ١١/ ٣٢٣، وجامع البيان..
٣٣ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٢٠..
النور 24:58
وقوله تعالى :﴿من قبل صلاة الفجر﴾ :
يعني من قبل صلاة الصبح. ففي هذا دليل على أن بعد صلاة الصبح ليس بوقت انكشاف لا ينبغي النوم فيه. وقد روي ما يعضد هذا عن عبيد بن عمير (١) أن عبد الله بن الزبير قال له : يا عبيد أما علمت أن الأرض حجت إلى ربها عز وجل من نوم العلماء بالضحى مخافة الغفلة عليهم. وروي عن عثمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الصبحة تمنع بعض الرزق " (٢) وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يقول : النوم ثلاثة : فنوم خرق ونوم خلق ونوم حمق. فأما نوم خرق فنومة الضحى يقضي الناس حوائجهم وهو نائم. وأما نومة خلق فنومة القائلة. وأما نومة حمق فنومة حين تحضر الصلاة (٣) وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه النومة : " محيرة منخرة، محفرة " (٤). فهذه الأحاديث كلها مع دليل الآية حجة في أنه لا يجوز النوم في ذلك الوقت. وفي العتبية عن مالك أنه سئل عن النوم بعد الصبح فقال : ما أعلم حراما. فظاهر قوله إجازة النوم في ذلك الوقت، ولم يصح عنده – والله أعلم – شيء من الأحاديث، فلذلك أجازه.
وفي قوله تعالى :﴿وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة﴾ :
يريد القائلة، دليل على (٥) أن النوم في هذا الوقت جائز (٦) وأنه في غير ذلك الوقت من النهار ليس كذلك. وقد اختلف في ذلك فكرهه بعضهم لما روي من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل عليا في حاجة بعد أن صلى الظهر بالصهباء فرجع وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم العصر فوضع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه في حجر علي فلم يحركه حتى غابت الشمس فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اللهم إن عبدك عليا احتبس نفسه على نبيه فرد عليه شرقها " قالت أسماء فطلعت الشمس حتى وقفت على الجبال وعلى الأرض ثم قال علي رضي الله تعالى عنه فتوضأ وصلى العصر ثم غابت (٧).
وفي قوله تعالى :﴿ومن بعد صلاة العشاء﴾ :
دليل على النوم في هذا الوقت وهو المعروف المباح. وقد جاء من الآثار ما يعضد ذلك. وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها (٨).
وكان عمر بن الخطاب يضرب الناس على الحديث بعد العشاء ويقول : اسمروا أول الليل ونوموا آخره وقال سلمان الفارسي إياكم وسمر أول الليل فإنه مهدنة للآخرة فمن فعل ذلك فليصل ركعتين قبل أن يأوي إلى فراشه. وكان إبراهيم وابن سيرين يكرهان الكلام بعد العشاء وهذا في السمر لغير العلم وأفعال البر. وأما السهر لهذا فجائز. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سهر بعدها غير مرة. قال عمر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمر عند أبي بكر الليلة كلها في أمر من أمور المسلمين وأنا معه (٩) وجاء في بعض الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره السمر إلا لمصل أو مسافر أو مذاكر (١٠) وفي الآية – على ما قدمنا – دليل على أن النوم قبل العشاء ليس كالنوم بعدها، وقد اختلف فيه. فكان ابن عمر يكاد يسب الذي ينام قبل العشاء. وكرهه أنس وعمر وأبو هريرة وابن عباس وغيرهم، وهو قول مالك في العتبية والكوفيين، رخصت فيه طائفة. روي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه كان ربما نام قبل العشاء وكان ابن عمر ينام ويوكل من يوقظه. وعن أبي موسى وعبيدة مثله. وعن ابن سيرين وعروة أنهم كانوا ينامون نومة الصلاة، وكان أصحاب عبد الله يفعلون ذلك، وقال به بعض الكوفيين واحتج له الطحاوي.
وقوله تعالى :﴿ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن﴾ :
فيه دليل على أن الموالي في الاستئذان في الدخول على العبيد في هذه الأوقات مثل ما على العبيد.
١ عبيد بن عمير: لعله عبيد بن عمير مولى ابن عباس. ويقال مولى أم الفضل. روى عن ابن عباس وعنه ابن أبي ذئب. انظر تهذيب التهذيب ٧/ ٧٢..
٢ الحديث ذكره البيهقي في شعب الإيمان، باب: في تعديد نعم الله عز وجل وشكرها، فصل في النوم وآدابه ٤/ ١٨٠..
٣ الأثر: ذكره البيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن عمرو، باب: في تعديد نعم الله عز وجل وشكرها، فصل في النوم وآدابه ٤/ ١٨٢..
٤ الحديث لم أفق عليه في كتب الأحاديث التي وقعت بين يدي..
٥ "على" كلمة ساقطة في (ب)، (ح)، (د)، (هـ)..
٦ "جائز" كلمة ساقطة في (ح)..
٧ الحديث اعتبره ابن الجوزي والحافظ ابن عساكر ومحمد بن ناصر البغدادي من الموضوعات. راجع شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم لابن كثير ص ١٤٤..
٨ منها ما رواه أبو برزة. قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها. راجع سنن الدارمي، كتاب الصلاة، باب: النهي عن النوم قبل العشاء والحديث بعدها ص ٣٣٢..
٩ الأثر: ذكره الترمذي في سننه، كتاب الصلاة، باب: ما جاء من الرخصة في السمر بعد العشاء ١/ ٣١٥..
١٠ الحديث أخرجه أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود ١/ ٣٧٩..
النور 24:59
– وقوله تعالى :﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم﴾ الآية :
يقول إن الأطفال الذين أمروا بالاستئذان في الأوقات الثلاثة المذكورة وأبيح لهم الدخول بلا إذن في غير ذلك من الأوقات إذا بلغوا الحلم لم يدخلوا إلا باستئذان في كل وقت، وعلى حكم الرجال. وهذا عام في جميع البالغين من ابن وأخ وأب وغيره لا يجوز لهم أن يدخلوا إلا بإذن. قال الزهري يستأذن الرجل على أمه (١) وفي ذلك نزلت. وروي نحوه عن عمر وابن عباس وغيرهما.
١ ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٣٠٨..
النور 24:60
وقوله تعالى :﴿والقواعد من النساء...﴾ الآية :
اختلف في تعيينهم. فقيل اللواتي قعدن عن التصرف. وقيل هن اللواتي إذا رأيتهن تستقذرهن، وهو قول ربيعة. وقيل هن اللواتي قعدن عن الولد. قال بعضهم وليس بمستقيم لأن المرأة قد تقعد عن الولد وفيها مستمتع. قال بعضهم لما كان الغالب من النساء أن ذوات هذا السن لا مذهب (١) للرجال فيهن أبيح لهن ما لم يبح لغيرهن وأزيل عنهن كلفة التحفظ المتعب إذ علة التحفظ مرتفعة عنهن.
وقوله :﴿فليس عليهن جناح....﴾ الآية :
قال ابن مسعود وابن جبير : الذي أبيح وضعه لهذه الصنيعة الجلباب الذي فوق الخمار والرداء. قال بعض العلماء : إنما ذلك في منزلها الذي يراها فيه ذوو محارمها. ثم ذكر تعالى أن استعفافهن عن وضع الجلابيب والتزامهن ما يلزم الشباب من الستر خير لهن وأفضل (٢).
١ في (ج)، (ح): "لا إرب"..
٢ راجع المحرر الوجيز ١١/ ٣٢٥، والجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٣٠٩..
النور 24:61
– قوله تعالى :﴿ليس على الأعمى حرج....﴾ إلى قوله تعالى :﴿إنما المؤمنون....﴾ :
اختلف في المعنى الذي رفع الله تعالى فيه الحرج عن الأصناف الثلاثة : العمى والحرج والمرض. فقال ابن زيد هو الحرج في الغزو، أي لا حرج عليهم في تأخيرهم. وقيل هو في معنى المطاعم. واختلف من ذهب إلى ذلك في الحرج فيمن كان ؟ فقيل كانت العرب، ومن بالمدينة قبل المبعث، تجتنب الأكل مع أهل الأعذار. فبعضهم كان يفعل ذلك تقذرا لجولان اليد من الأعمى ولانبساط الجلسة من الأعرج ولرائحة المريض، ونحو ذلك. وهي أخلاق جاهلية وكبر، فنزلت الآية مؤدبة. وقيل إن أهل هذه الأعذار كانوا المتحرجين من الأكل مع الناس، ثم اختلف لم، فقيل من أجل عذرهم، فنزلت الآية (١) وقيل إن الناس كانوا إذا نهضوا إلى الغزو خلفوا أهل العذر في منازلهم وأموالهم فكان أهل العذر يتجنبون أكل مال الغائب فنزلت الآية مبيحة لهم أكل الحاجة من طعام الغائب إذا كان الغائب قد بنى على ذلك (٢) وقيل كان الرجل إذا ساق أهل العذر إلى بيته فلم يجد فيه شيئا ذهب بهم إلى بيوت قرابته فتحرج أهل الأعذار من ذلك وقيل إن التحرج المذكور إنما كان من الناس وذلك أنه لما نزلت :﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ قالوا : لا مال أعز من الطعام وتحرجوا من الأكل مع أهل الأعذار مخافة عليهم فيقعون في أكل المال بالباطل إذ هم مقصرون عن درجة الأصحاء لعدم الرؤية من الأعمى والعجز عن المزاحمة من الأعرج ولضعف المريض. فنزلت الآية في إباحة الأكل معهم (٣) ففي القول الأول التحرج مرفوع عن أهل الأعذار. وفي الآخر إنما هو مرفوع عن غيرهم من الناس. وفي القول الثاني مختلف عمن هو مرفوع. وقد اختلف في مواكلة الأجذم فأجازه قوم ومنعه آخرون. وقد جاء في الحديث ما ظاهره التعارض من ذلك (٤) والآية على أحد التأويلات المتقدمة حجة في الجواز. والذي ينبغي أن يقال في الآية أن الحرج مرفوع بها عن الأصناف الثلاثة في كل ما يضطرهم إليه العذر. فكل تكليف يتعلق بالبصر (٥) فقد سقط عن الأعمى. وكل تكليف يتعلق بالأعرج قبل عرجه ولا يمكنه معه فعله فقد سقط عنه تكليفه.
وقوله تعالى :﴿ولا على أنفسكم﴾ الآية :
عدد الله تعالى فيها البيوت التي أباح الأكل فيها بغير إذن. فبدأ تعالى ببيت الرجل نفسه إذ لا أخص به منه ولما لم يذكر تعالى من جملة البيوت بيوت الأبناء. قال جماعة من المفسرين إنه داخل في قوله تعالى :﴿من بيوتكم﴾ لأن بيت ابن الرجل بيته (٦) وهذه الآية تدل على أن للرجل أن يأكل من بيت ابنه من غير إذنه كما يأكل من بيت نفسه لأن له أن يأخذ ماله ويستحله. ثم ذكر بيوت الآباء، فأباح للآباء الأكل منها بغير إذن. ثم ذكر على نحو ذلك بيوت الأمهات ثم ذكر بيوت الإخوان وهم الإخوة ثم ذكر بيوت الأخوات ثم بيوت الأعمام ثم بيوت العمات ثم بيوت الأخوال ثم بيوت الخالات ثم قال :﴿أو ما ملكتم مفاتحه﴾ قيل يعني ما دفعت إليكم مفاتحه لتكون تحت نظركم على ما يأتي ذكره بعد هذا. وقيل المراد ما ملك الرجل من متاع نفسه. وهذا ضعيف لأن ما تقدم من قوله :﴿بيوتكم﴾ يغني عنه. وقيل معناه ما حزتم وصار في قبضتكم (٧) وعند جماعة من المفسرين أنه يدخل في الآية الوكلاء والعبيد والأجراء بالمعروف (٨). ثم قال تعالى :﴿أو صديقكم﴾ فقرن الله تعالى الصداقة بالقرابة. قال معمر : قلت لقتادة : ألا أشرب من هذا الحب ؟ قال أنت لي صديق فما هذا الاستئذان (٩) وقال ابن عباس الصداقة أوكد من القرابة ألا ترى استغاثة الجهنميين :﴿فما لنا من شافعين ( ١٠٠ ) ولا صديق حميم ( ١٠١ )﴾ [الشعراء: ١٠٠، ١٠١] واختلف المفسرون في هذه الآية في قوله :﴿أو بيوت آبائكم....﴾ إلى قوله تعالى :﴿ليس عليكم جناح﴾ هل هي منسوخة أو محكمة ؟ فذهب قوم إلى أنها منسوخة وأنه لا يجوز أن يؤكل من بيت أحد إلا بإذنه. واختلفوا في الناسخ، فقال بعضهم نسخها قوله تعالى :﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ ﴿البقرة : ١٨٨﴾ وقوله تعالى :﴿لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه﴾ [الأحزاب: ٥٣] وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يحل من مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه " (١٠). وقيل بل نسخها قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾ [النور: ٢٧]. وإذا منعوا الدخول بغير استئذان، كان الأكل أولى أن يمنع إلا بإذن. وقال بعضهم نسخها قوله عليه الصلاة والسلام : " إن دماءكم وأموالكم عليك حرام " (١١) وقوله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر : " لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه " (١٢). قال ابن زيد وكانوا في أول أمرهم ليس على (١٣) أبوابهم غلق فكانت الستور مرخاة فربما جاء الرجل وهو جائع فدخل البيت وليس فيه أحد فسوغه تعالى أن يأكل. ثم الآن صارت الأغلاق على البيوت فلا تحل لأحد أن يفتحها فذهب هذا وانقطع وقال صلى الله عليه وسلم : " لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه ". وقيل الآية محكمة. ثم اختلفوا في تأويلها. فقال ابن عباس هي محكمة ناسخة لما أحدث المؤمنون عند نزول قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ وذلك أنهم قالوا قد نهى عن أكل الأموال بالباطل، والطعام من أفضل الأموال فلا يحل لأحد أن يأكل عند أحد، فكف الناس عن أكل بعضهم عند بعض. فأنزل الله تعالى :﴿ليس على الأعمى حرج...﴾ الآية إلى آخرها (١٤).
ثم اختلف الذين ذهبوا إلى هذا هل الآية على عمومها في الإذن وغير الإذن لأنها أباحت الأكل من هذه البيوت ولم يخص إذنا من غير إذن إلا أنها خرجت على سبب الإذن، وبين الأصليين في ذلك اختلاف. فقال أبو عبيد (١٥) إنما هو بعد الإذن لأن الناس إنما توقفوا عن الأكل بعد الإذن فأباحه الله تعالى. وقال غيره الأكل جائز بالآية من غير إذن وليس في الآية ذكر الإذن. وقال أكثر أهل التأويل هي محكمة وذلك أنهم كانوا إذا خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وضعوا مفاتيحهم عند أهل العلة ممن يتخلف وعند قربائهم، فكانوا يأذنون لهم أن يأكلوا مما في بيوتهم إذا احتاجوا إلى ذلك. فكان المتخلفون يتقون أن يأكلوا منها ويقولون نخشى أن لا تكون أنفسهم طيبة بذلك فأنزل الله تعالى هذه الآيات فأحله لهم. واعتبار الإذن أيضا على هذا القول يأتي على الخلاف المتقدم. ومن أباح الأكل من بيوت هؤلاء الأصناف بغير إذن فإنما يبيحه إذا كان يسيرا وعلم أن نفس صاحبه راضية (١٦).
وقوله تعالى :﴿ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا﴾ :
أباح بهذه الآية الأكل على انفراد ومع الغير وهذا رد لمذهب قوم من العرب كانت لا تأكل أفرادا ألبتة، قاله الطبري (١٧) وكانوا يسمون الذي يأكل وحده المرضع. وكان أحدهم إذا وضع طعامه ليأكل أو حلب لقحته ليشرب نادى من حوله. فإن أجابه أحد وإلا نصب عودا أو خشبة عوض الأكل معه. وحكي أن رجلا من العرب نزل واديا وحلب لقحته ونادى من يشرب معه، ورجل يسمعه فلم يجبه واختفى له. فأخذ عودا أو خشبة فنصبها ثم أخذ الإناء ليشرب فخرج ذلك الرجل إليه فقال : يا موضع، اشرب وحدك فخشي الآخر أن يعلم بذلك فيعير بالشرب وحده فعدا عليه بالسيف فقتله فلما جاء الإسلام نزلت الآية. ومن ذلك قول بعضهم :
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له؍ أكيلا فإني لست آكله وحدي (١٨)؍
وكان بعض العرب إذا كان له ضيف(١٩) لا يأكل إلا أن يأكل معه فنزلت الآية مبينة سنة الأكل (٢٠). ويؤخذ من الآية أيضا أنه يجوز أن تجتمع الجماعة على طعام لهم فيأكلونه وإن تفاضلوا في الأكل. وقد كان يجوز أن يظن أن ذلك محرم من حيث لا يستوون في الأكل ولا يستوون في قدر ما طرح بين أيديهم (٢١) من الطعام. فأباح الله تعالى ذلك. وقد قال ابن عمر في قوم يأكلون تمرا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن القران إلا أن يستأذن الرجل أخاه (٢٢) وهذا كله مع المسامحة، وأما مع المشاحة فلا يجوز. وقد اختلف في النهبة (٢٣) في الطعام يوضع للأكل في الأعراس وما ينتثر على رؤوس الصبيان ونحو ذلك وفي الآية حجة للقول بالجواز لعموم الآية.
قوله تعالى :﴿فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم﴾ :
اختلف في البيوت المذكورة في الآية ما هي. فقيل المساجد، وهو قول النخعي، والمعنى فسلموا على من فيها من صنفكم فإن لم يكن في المساجد أحد فالسلام أن يقول المرء : السلام على رسول الله. وقيل يقول : السلام عليكم، يريد الملائكة ثم يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (٢٤) زاد بعضهم عن الحسن (٢٥) اللهم أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا. وقيل البيوت هي البيوت المسكونة، وهو قول جابر وابن عباس وغيرهما (٢٦)، والمعنى فسلموا على صنفكم أي ليسلم بعضكم على بعض. وذكر إسماعيل بن إسحاق أن المراد به أن يسلم الرجل على نفسه إن لم يكن هناك غيره (٢٧) فيكون المراد على هذا بالبيوت غير المسكونة ويسلم المرء فيها على نفسه بأن يقول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وهذا القول أظهر على لفظ الآية. وقول من قال إن معنى قوله تعالى :﴿فسلموا على أنفسكم﴾ أي يسلم بعضكم على بعض فيه تجوز (٢٨). وأما البيوت فأكثر ما يطلق عرفا على بيوت السكنى سكنت أو لم تسكن. وقد اختلف فيمن حلف أن لا يدخل بيتا فدخل المسجد هل يحنث أم لا ؟.
١ راجع المحرر الوجيز ١١/ ٣٢٧..
٢ نسبه ابن عطية إلى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود. راجع المحرر الوجيز ١١/ ٣٢٧..
٣ قاله ابن عباس. راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢٤٨، ٢٤٩..
٤ منها ما رواه البخاري وذكره النووي في شرح صحيح مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "فر من المجذوم فرارك من الأسد" وقد ذكر النووي عن جابر أن الرسول صلى الله عليه وسلم أكل مع المجذوم وقال: "كل ثقة بالله وتوكلا عليه". وقد ذهب عمر بن الخطاب إلى الأكل مع المجذوم والتوفيق بين الحديثين. انظر شرح النووي ٧/ ٣٧..
٥ في (ب)، (د)، (هـ): "النظر"..
٦ قال القرطبي: قال النحاس: وعارض بعضهم هذا القول فقال: هذا تحكم على كتاب الله تعالى: راجع الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٣١٤..
٧ نسبه ابن عطية إلى مجاهد والضحاك. راجع المحرر الوجيز ١١/ ٣٢٧..
٨ راجع ذلك في المحرر الوجيز ١١/ ٣٢٧، وفي الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٣١٥..
٩ راجع القول في المحرر الوجيز ١١/ ٣٢٧، وفي الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٣١٥..
١٠ الحديث أخرجه البيهقي في سننه، كتاب الغصب، باب: من غصب لوحا فأدخله في سقيفته ٦/ ١٠٠. وذكره الدارقطني في سنه، كتاب البيوع ٣/ ٢٦..
١١ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي بكرة، كتاب الفتن، باب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "باب لا ترجعوا بعدي كفارا" ٨/٩١..
١٢ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه عن ابن عمر، كتاب اللقطة، باب: لا تحتلب ماشية أحد بغير إذن ٣/ ٩٥..
١٣ " على" كلمة ساقطة في (ح)..
١٤ قال ابن عطية: والنسخ لا يتصور في شيء من هذه الآيات بل هي كلها محكمة. راجع المحرر الوجيز ١١/ ٣٢٨، ٣٢٩..
١٥ أبو عبيد: هو القاسم بن سلام أبو عبيد. الإمام المجتهد صاحب كتاب الأموال. توفي سنة ٢٢٥هـ/ ٨٤٣م. انظر تهذيب التهذيب ٨/ ٣١٥..
١٦ راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢٤٩، وأحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٢٢..
١٧ راجع جامع البيان ١٨/ ٨٧، ١٢٤، ١٣١..
١٨ البيت من البحر الطويل..
١٩ "إذا كان له ضيف" كلام ساقط في (هـ)..
٢٠ راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢٤٩، ٢٥٠. وكذلك المحرر الوجيز ١١/ ٣٢٨..
٢١ "أيديهم" كلمة ساقطة في (أ)..
٢٢ الحديث أخرجه الترمذي في السنن عن جابر، كتاب الاستئذان، باب: في السلام قبل الكلام ٥/ ٥٩..
٢٣ لعله النهد وهو ما يجمعه الرفقاء من مال أو طعام على قدر في النفقة ينفقونها بينهم، وقد تناهدوا. ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٣١٧..
٢٤ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١١/ ٣٢٨..
٢٥ "عن الحسن" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
٢٦ أضاف القرطبي عطاء بن أبي رباح. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٣١٨..
٢٧ ذكره الكيا الهراسي في أحكام القرآن ٤/ ٣٢٥..
٢٨ نسبه الكيا إلى الحسن. راجع أحكام القرآن ٤/ ٣٢٥..
النور 24:62
– قوله تعالى :﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله﴾ :
اختلف في سبب الآية فقيل إنما نزلت في وقت حفر رسول الله صلى الله عليه وسلم خندق المدينة وذلك أن بعض المؤمنين كان يستأذن لضرورة وكان المنافقون يذهبون دون استئذان. فأخرج الله تعالى الذين لا يستأذنون عن صنيفة المؤمنين وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن للمؤمن الذي لا تدعوه ضرورة إلى حبسه وهو الذي يشاء (١) وقيل نزلت في عمر بن الخطاب وكان استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة فأذن له وقال له : " يا أبا حفص لا تنسنا من صالح دعائك " (٢) والأمر الجامع يريد به ما للإمام حاجة إلى جمع الناس فيه لمصلحة. وروي عن مجاهد أن المراد به الجمعة والغزو. وقال الحسن الجمعة والأعياد وكل ما فيه خطبة. ولا شك أن المراد بقوله وإذا كانوا معه : أي مع الرسول. قال الحسن : ولا فرق بين الرسول ومن سواه من الأئمة فيما يلزم من استئذانهم لما في ذلك من أدب الدين وأدب النفس(٣) واختلف في الإمام الذي يستأذن من هو ؟ فقيل هو إمام الإمرة خاصة، وهو ظاهر الآية. وقيل هو إمام الصلاة أيضا إذا قدمه إمام الإمرة (٤). وهو قول مكحول والزهري (٥) ولا خلاف في الغزو أنه يستأذن إمامه إذا كان له عذر يدعوه إلى الانصراف. واختلف في صلاة الجمعة إذا كان له عذر كالرعاف ونحوه هل يلزمه الاستئذان أم لا ؟ فذهب جماعة إلى أنه يلزمه الاستئذان للوالي إمام إمرة كان أو إمام صلاة. واحتجوا بالآية. وأنكر إسماعيل القاضي أن تكون الآية في ذلك المعنى. وقيل لا يلزمه إلا إن كان إمام إمرة. وقيل لا يلزمه الاستئذان وهو مذهب مالك. وقد مشى بعض الناس دهرا على استئذان إمام الصلاة. وروي أن هرم بن حيان (٦) كان يخطب فقام رجل فوضع يده على أنفه وأشار إلى هرم بالاستئذان فأذن له فلما قضيت الصلاة كشف من أمره أنه ذهب لغير ضرورة فقال هرم : اللهم أخر رجال السوء لزمان السوء (٧).
واختلف في قوله تعالى :﴿فأذن لمن شئت منهم﴾ هل هو محكم أو منسوخ ؟ فالمشهور أنه محكم. وقال قتادة هو منسوخ بقوله تعالى :﴿عفا الله عنك لم أذنت.... لهم﴾ (٨) الآية [التوبة: ٤٣].
١ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١١/ ٣٣٠..
٢ نسبه القرطبي إلى ابن عباس. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٣٢١..
٣ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٢٥، ٣٢٦..
٤ "خاصة وهو ظاهر الآية.... إلى: الإمرة" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
٥ راجع المحرر الوجيز ١١/ ٣٢٩..
٦ هرم بن حيان: هو هرم بن حيان العبدي الأزدي من بني عبد القيس. قائد فاتح من كبار النساك من التابعين. توفي بعد سنة ٢٦هـ/ ٦٤٧م. انظر أسد الغابة لابن الأثير ٥/ ٥٧..
٧ راجع القصة في المحرر الوجيز ١١/ ٣٢٩..
٨ ونقل الجصاص عن سعيد عن قتادة قوله: كان الله قد أنزل قبل ذلك في سورة براءة: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ فرخص له في هذه السورة: ﴿فأذن لمن شئت منهم﴾ فنسخت هذه الآية التي في سورة براءة. راجع أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٠٠..
النور 24:63
– وقوله تعالى :﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا﴾ :
اختلف في تأويله. فقيل معناه لا تدعوا رسول الله كدعاء بعضكم بعضا بالأسماء غير مهتبلين بذلك ولكن ادعوه بأشرف أسمائكم على مقتضى التوقير وذلك أن يقول يا رسول الله، برفق وبر. وهو قول مجاهد وغيره. وقيل المعنى لا تحسبوا دعاء الرسول عليكم كدعاء بعضكم على بعض أي دعاؤه عليكم مجاب فاحذروه وهو قول ابن عباس(١) وألفاظ الآية تدفع هذا المعنى مع أنه جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يعضد المعنى الأول. روي أنه كان مرة يمشي إذ صاح رجل بآخر يا أبا القاسم. فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه إليه. فقال لم أعنك يا رسول الله. فعند ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي " (٢) وقد استدل بعض المتأخرين من هذه الآية على أنه لا يجوز أن يقال في الدعاء : ارحم محمد وآل محمد، كما يقال ذلك لغيره، فأنكر لفظ الرحمة. وهذا ضعيف بل ينبغي أن يجوز ذلك. وقد جاء في الحديث ما يعضده، وذلك أن أعرابيا قال اللهم ارحمني وارحم محمدا ولا ترحم معنا أحدا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لقد حجرت واسعا " (٣) فلم ينكر صلى الله عليه وسلم إلا التحجير، فدل إقراره على ذلك أنه جائز. وأما الاستدلال بالآية فضعيف وألفاظها تنبئ عنه.
قوله تعالى :﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ أمر منه تعالى باتباع نبيه والتحذير من مخالفته.
١ ذكر ذلك ابن عطية في المحرر الوجيز ١١/ ٣٣٠..
٢ الحديث أخرجه مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك، كتاب الآداب، باب: النهي عن التكني بأبي القاسم ٦/ ١٦٩..
٣ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، كتاب الأدب، باب: رحمة الناس بالبهائم ٧/ ٧٧..