Lafzullah

أحكام القرآن — الممتحنة 60:1 – الكافرون 109:6

المؤلف / المصدر: ابن الفرس (ت 597هـ) · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-27781)

المحتويات
  1. الممتحنة 60:1
  2. الممتحنة 60:4
  3. الممتحنة 60:8
  4. الممتحنة 60:9
  5. الممتحنة 60:10
  6. الممتحنة 60:12
  7. الصف 61:2
  8. الصف 61:4
  9. الجمعة 62:9
  10. الجمعة 62:10
  11. الجمعة 62:11
  12. المنافقون 63:1
  13. المنافقون 63:10
  14. التغابن 64:16
  15. الطلاق 65:1
  16. الطلاق 65:2
  17. الطلاق 65:4
  18. الطلاق 65:6
  19. الطلاق 65:7
  20. التحريم 66:1
  21. التحريم 66:2
  22. التحريم 66:3
  23. التحريم 66:9
  24. القلم 68:17
  25. المعارج 70:5
  26. المعارج 70:24
  27. المعارج 70:25
  28. المعارج 70:26
  29. المعارج 70:27
  30. المعارج 70:28
  31. المعارج 70:29
  32. المعارج 70:30
  33. المعارج 70:32
  34. المعارج 70:33
  35. المعارج 70:34
  36. المعارج 70:42
  37. نوح 71:26
  38. نوح 71:27
  39. الجن 72:18
  40. المزمل 73:2
  41. المزمل 73:4
  42. المزمل 73:10
  43. المزمل 73:20
  44. المدثر 74:4
  45. المدثر 74:5
  46. المدثر 74:6
  47. المدثر 74:7
  48. القيامة 75:33
  49. الإنسان 76:8
  50. الإنسان 76:24
  51. الإنسان 76:25
  52. الإنسان 76:26
  53. المرسلات 77:12
  54. المرسلات 77:13
  55. المرسلات 77:25
  56. المرسلات 77:26
  57. النبأ 78:23
  58. المطففين 83:1
  59. المطففين 83:32
  60. المطففين 83:33
  61. الطارق 86:17
  62. الأعلى 87:14
  63. الأعلى 87:15
  64. الغاشية 88:22
  65. الغاشية 88:23
  66. البلد 90:12
  67. البلد 90:13
  68. البلد 90:14
  69. البلد 90:15
  70. البلد 90:16
  71. الشرح 94:7
  72. القدر 97:1
  73. الزلزلة 99:4
  74. الكوثر 108:2
  75. الكافرون 109:6

الممتحنة 60:1

– قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم...﴾ إلى قوله :﴿بالمودة﴾ : الكلام في هذه الآية كالكلام فيما مضى من نظائرها مما فيه النهي عن موالاة الكفار فلا معنى لإعادته. والآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة يعلمهم بغزو رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم (١). ويؤخذ من هذه الآية دليل على أن خوف الجائحة على المال والولد لا يبيح التقية في دين الله، وأن العذر الذي قاله حاطب لا أثر له. ويحتمل أن يقال إن ما فعله حاطب لم يكن خوفا على ما ذكر وإنما كان توددا إلى الكفار ولما كان تأمله من نفع من جهتهم. ١ راجع أسباب النزول للواحدي ص ٣١٤، ٣١٥..

الممتحنة 60:4

– قوله تعالى :﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه...﴾ يعني التأسي بإبراهيم ومن معه في تبريهم من الكفار. وقوله :﴿إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك﴾ أي فلا تتأسوا به في الاستغفار، قاله مجاهد وغيره، فالمعنى : تأسوا به في التبري من الكفار ولا تتأسوا به في الاستغفار لهم. وإنما لم يتأس به في الاستغفار لأن الأصل في ذلك المنع. وإنما جاز له لعلة وهي الموعدة التي كان وعدها إياها. وقد مر الكلام على هذا في موضعه فلا معنى لإعادته.

الممتحنة 60:8

– قوله تعالى :﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين﴾ إلى قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات﴾تضمنت هذه الآية قوله :﴿لا ينهاكم الله﴾ إلى قوله ﴿وتقسطوا إليهم﴾ إباحة مهادنة من لم يقاتل وبرهم. واختلف فيها على ذلك هل هي منسوخة أم لا ؟ (١) فذهب قوم إلى أنها منسوخة بآية القتال، واختلفوا فيمن كان المشار إليهم في الآية من الكفار. فقال قوم : أراد من كان من كفار قريش لم يقاتل ولا أخرج ولا أظهر سوء، وعلى هذا يأتي قول الهمداني (٢) إنها نزلت في قوم من بني هاشم، منهم العباس. وقال أبو صالح (٣) والحسن (٤) أراد خزاعة وبني الحارث بن كعب وقبائل من العرب كفارا إلا أنهم كانوا مظاهرين للنبي صلى الله عليه وسلم محبين فيه وفي ظهوره منهم كنانة و بنو الحرث بن عبد مناف ومزينة. كذا ساق بعضهم هذا القول على أن الآية منسوخة. وساقه مكي على أنها محكمة إلا أنه قال : وكان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد. وهذا حسن. وفي الآية على هذا القول دليل على جواز الصدقة على أهل الذمة دون أهل الحرب ووجوب النفقة للأبوين الكافرين، فأما الأب الحربي فيجب قتله. وذهب قوم إلى أنها محكمة واختلفوا فيمن المشار إليه بالآية، فقيل هم المؤمنون من أهل مكة الذين آمنوا ولم يهاجروا وكانوا لذلك في رتبة سوء لتركهم فرض الهجرة، قاله مجاهد. وقيل هم المؤمنون التاركون للهجرة، كانوا من أهل مكة أو غيرها، وقيل هم المستضعفون من المسلمين الذين لم يستطيعوا الهجرة، قاله النحاس وغيره. والآية على هذه الثلاثة أقوال في المؤمنين، وقيل هم النساء والصبيان من الكفار، ونزلت الآية بسبب أم أسماء حين استأذنت أسماء النبي صلى الله عليه وسلم في برها وصلتها، فأذن لها. وكانت المرأة خالتها على ما روي، فسمتها في الحديث أما (٥). وذهب إلى هذا القول عبد الله بن رواحة، فيأتي على هذا في الآية قولان : هل هي في المؤمنين أو الكفار ؟ وإذا كانت في الكفار ففيها قولان : هل هي محكمة أو منسوخة ؟. ١ راجع الإيضاح ص ٣٧٢.. ٢ الهمداني: لعله مران بن ذي عمير بن أبي مران الهمداني من ملوك همدان باليمن. أسلم فيمن أسلم منهم. توفي نحو سنة ٢٠هـ/ ٦٤٠م. انظر الإصابة ٣/ ٤٦٤.. ٣ أبو صالح: لعله أبو صالح منصور بن عبد الوهاب البزار. راجع أسباب النزول للواحدي ص ٣١٤.. ٤ الحسن: لعله الحسن بن محمد الفارسي. راجع أسباب النزول للواحدي ص ٣١٤.. ٥ نقله السيوطي عن البخاري. راجع لباب النقول ص ٧٦٤..

الممتحنة 60:9

– قوله تعالى :﴿إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين...﴾ الآية : بمعنى مودة قريش.

الممتحنة 60:10

– وقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات...﴾ إلى قوله تعالى :﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم﴾ : نزلت هذه الآية إثر صلح الحديبية، وكان ذلك الصلح قد تضمن أن يرد المؤمنون إلى الكفار كل من جاء مسلما من رجل أو امرأة، وتقرر ذلك بالسنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنسخ الله تعالى من ذلك أمر النساء بهذه الآية، وحكم بأن المهاجرة المؤمنة لا ترد إلى الكفار بل تتقي وتستبرأ وتتزوج ويعطي زوجها الكافر الصداق الذي أنفق، وهذا من نسخ السنة بالقرآن، واختلف في الرجال هل أمرهم في ذلك منسوخ كالنساء ولا تجوز المهادنة على مثله أو محكم فتجوز المهادنة حتى الآن عليه على قولين الأظهر منهما أنه محكم لأن الناسخ لذلك غير معلوم وإنما أخذه من أنه لا يجوز إقامة المسلم بدار الشرك، ومثل هذا لا يكون به نسخ، وقد رد إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جندل (١) وأبا بصير (٢) وسمى الله تعالى في هذه الآية المهاجرات مؤمنات قبل أن يعلم إيمانهن إنما كان ذلك ظاهر أمرهن (٣). وقوله تعالى :﴿فامتحنوهن﴾ : معناه فجربوهن واستخبروا ما عندهن، واختلف أهل العلم في كيفية هذا الامتحان. فقيل بأن تستحلف المرأة بأنها ما هاجرت لبغض زوجها ولا لجريرة جنتها ولا لسبب من أغراض الدنيا سوى حب الله تعالى ورسوله والدار الآخرة، قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة وغيرهم. وقيل هو بأن تطلب بأن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا فعلت ذلك لم ترد، قاله ابن عباس أيضا، وقيل هو أن تعرض عليها الشروط التي في الآية بعد هذه من ترك الزنا والسرقة والبهتان والعصيان، فإذا أقرت بذلك فهو امتحانها، قالته عائشة وغيرها. واختلفت في المرأة التي جاءت من الكفار بعد عقد الصلح مسلمة فنزلت هذه الآية بسببها فلم ترد إلى الكفار، فقيل أميمة بنت بشر امرأة أبي حسان الدحداحة (٤) وقيل سبيعة بنت الحرث ولما خرجت جاء زوجها فقال : يا محمد ردها علينا فإن ذلك في الشرط لنا عليك، وهذه طينة كتابنا لم تجف فنزلت الآية، فامتحنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يردها وأعطى لزوجها مهرها (٥). وقوله تعالى :﴿فإن علمتموهن مؤمنات﴾ : والعلم بذلك لا يمكن. معناه علمتم ظاهر قولهن. وقوله تعالى :﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ : ذكر تعالى في هذه الآية أن العلة في أن لا يرد إلى الكفار النساء امتناع الوطء. وفيه دليل على ارتفاع النكاح، ودليل على أن المنع من الرد لمكان الإسلام. فإنه تعالى قال :﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ فلم يجعل الفرقة لاختلاف الدار على ما قاله أبو حنيفة، وإنما جعلها للإسلام. وقوله تعالى :﴿وآتوهم ما أنفقوا﴾ : أمر الله تعالى بأن يعطى الكفار مهور نسائهم اللائي هاجرن مؤمنات. وقد ذكرناه فيما قبل. قوله تعالى :﴿ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن﴾ : رفع تعالى الجناح في أن يتزوج بأجورهن، وهي الصدقات. وقد ذكرنا ذلك أيضا. قوله تعالى :﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ : اختلف فيه، هل هذا النهي عن إمساك الرجال والنساء أو عن إمساك النساء خاصة. فذهب بعضهم إلى أنه في الفريقين. قال أبو علي الفارسي (٦) سمعت الليلة أبا الحسن الكرخي (٧)يقول في تفسير قوله تعالى :﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ أنه في الرجال والنساء. فقلت له : النحويون لا يرون هذا إلا في النساء لأن الكوافر جمع كافرة. قال : وأي شيء يمنع من هذا ؟ أليس الناس يقولون : طائفة كافرة وفرقة كافرة. فبهت وقلت هذا تأويل(٨) والمشهور أنه في النساء، ولا خلاف أنه كان لا يمسك من النساء من كان مجيؤها هربا من زوجها خاصة، وما جاء من الرجال كذلك. وهذه الآية تقتضي ذلك، وأنه إذا أسلم الرجل وله امرأة، وقعت الفرقة بينهما. إلا أنه اختلف في الكوافر المعينات بالآية من النساء من هن ؟ فقيل : عابدات الأوثان ومن لا يجوز نكاحه. والآية على هذا محكمة. وقيل هي عامة للنساء الكافرات عابدات الأوثان وغيرهن من أهل الكتاب (٩). والآية على هذا القول قد نسخ منها نساء أهل الكتاب لأن نكاح المؤمن إياها ثابت، فإذا أسلم الزوج لم تقع الفرقة بينهما، وفي تسمية مثل هذا نسخا خلاف، وقد مر الكلام عليه في غير موضع (١٠). قوله تعالى :﴿واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا﴾ : أمر الله تعالى في هذه الآية المؤمنين أن يسألوا الكافرين ما أنفقوا من الصدقات على من تزوجوه من نسائهم اللائي فررن إليهم (١١) كما لزم المؤمنين أن يعطوا الكفار ما أنفقوا من الصدقات على نسائهم الفارات إليهم، فلذلك قال تعالى :﴿واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا﴾ وقرر الحكم بذلك على الجميع. فروي أنه لما نزلت هذه الآية قالت قريش نحن لا نرضى هذا الحكم ولا نلتزمه ولا ندفع لأحد صداقا، فنزلت بسبب ذلك هذه الآية الأخرى :﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار﴾ فأمر المؤمنين إذا أبى الكفار من دفع الصدقات على الوجه الذي تقدم أن يدفعوا إلى من فرت زوجته منهم ففاتت بنفسها إلى الكفار صداقه الذي أنفق. واختلف العلماء من أي مال يدفع إليه الصداق ؟ فقيل يدفع إليه من الصدقات التي كانت تدفع إلى الكفار بسبب من هاجر من أزواج الكفار فأزال الله تعالى دفعها إليهم حين لم يرضوا بحكمه حسبما تقدم. قاله ابن شهاب، وهو قول حسن يقتضيه قوله تعالى :﴿فعاقبتم﴾. وقيل يدفع إليه من مغانم المغازي، قاله مجاهد وقتادة، وقال : المعاقبة : الغزو والمغنم. وعاقبتم، وعقبتم سواء، أي أصبتم غنما، وقيل يدفع إليه من أي وجوه الفيء أمكن، قاله الزهري أيضا. وقد قال بعض المفسرين في هذه الآية كلها إنها مما رفع حكمه وبقي رسمه لأنها كلها نزلت في شيء بعينه لعلة بعينها، فلما زالت العلة ارتفع الحكم، وذلك أنها نزلت في مهادنة النبي صلى الله عليه وسلم مشركي العرب من قريش وغيرهم. فزال حكم الهدنة، إذ لا يجوز لنا اليوم أن نهادن أحدا منهم لقوله تعالى :﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥]، فلما ارتفع حكم الهدنة بالآية في مشركي العرب ارتفع حكم الآية بعدم وجود الهدنة، فإنما الهدنة باقية بيننا وبين أهل الكتاب وبين المجوس لقوله عليه الصلاة والسلام : " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " (١٢) ولا هدنة بيننا وبين مشركي العرب، إنما هو الإسلام أو السيف، لأن الآية بينت ذلك إذ قال تعالى :﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾، وقال في أهل الكتاب :﴿حتى يعطوا الجزية عن يد﴾ [التوبة: ٢٩] فبان أن الآية ناسخة للهدنة بيننا وبين مشركي العرب. فلما زالت الهدنة بالآية زال أيضا حكمها، ولهذا قال بعضهم أيضا (١٣) عن قتادة أن ما في هذه الآية منسوخ بما في براءة، حكي عن الزهري أنه قال : انقطع هذا يوم الفتح. ١ أبا جندل: هو عبد الله بن سهيل بن عمر القرشي. مات شهيدا باليمامة. انظر الإصابة ٤/ ٣٤.. ٢ أبا بصير: اختلف في اسمه فقيل عبيد بن أسيد وقيل عتبة بن أسيد بن جارية. انظر الاستيعاب ٤/ ٢١.. ٣ راجع الإيضاح ص ٣٧٤.. ٤ ذكره السيوطي في لباب النقول ص ٧٦٦.. ٥ ذكره ابن عباس في تنوير المقباس ص ٤٦٧، ٤٦٨، والواحدي في أسباب النزول ص ٣١٨.. ٦ أبو علي الفارسي: هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي. أحد أئمة اللغة. توفي سنة ٣٧٧هـ/ ٩٨٧م. انظر بغية الوعاة للسيوطي ١/ ٤٩٦.. ٧ أبا الحسن الكرخي: هو عبد الله بن الحسين الكرخي، أبو الحسن. فقيه انتهت إليه رئاسة الحنفية بالعراق. توفي سنة ٣٤٠هـ/ ٩٥٢م. انظر الأعلام ٤/ ١٩٣.. ٨ في (ح): "تأبيد".. ٩ "ومن لا يجوز نكاحه... إلى: أهل الكتاب" كلام ساقط في (أ)، (هـ).. ١٠ راجع الإيضاح ص ٣٧٥.. ١١ "إليهم": كلمة ساقطة في (ح).. ١٢ الحديث أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الزكاة، باب: جزية أهل الكتاب والمجوس ١/ ٢٧٨.. ١٣ "أيضا" كلمة ساقطة في غير (أ)، (ز)..

الممتحنة 60:12

– وقوله تعالى :﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا....﴾ إلى قوله تعالى :﴿إن الله غفور رحيم﴾ : هذه هي بيعة النساء في ثاني يوم الفتح على جبل الصفا. وسماهن المؤمنات بحسب الظاهر كما تقدم. قوله تعالى :﴿على أن لا يشركن بالله شيئا﴾ : أي على أن يرفضن الشرك، ورفضه هو خالص الإيمان. قوله تعالى :﴿ولا يسرقن ولا يزنين﴾ : بين. قوله تعالى :﴿ولا يقتلن أولادهن﴾ : هو من خوف الفقر، وكانت العرب تفعل ذلك. قوله تعالى :﴿ولا يأتين ببهتان﴾ : اختلف في معناه. فقال كثير من المفسرين : معناه أن تنسب إلى زوجها ولدا ليس له. وقال قوم : الآية على العموم في أن ينسب إلى الرجل غير ولده. وفي الفرية بالقول على أحد وفي الكذب فيما أؤتمن فيه من الحيض والعمل وبعض ذلك أقوى من بعض. وإلى نحو هذا أشار بعضهم فقال : ما بين أيديهن، يريد به اللسان والفم في الكلام والقبلة ونحوه. وبين الأرجل يراد به الفروج وولد الإلحاق ونحوه (١). قوله تعالى :﴿ولا يعصينك في معروف﴾ : قال ابن عباس وأنس وغيرهما : هو النوح وشق الجيوب ووشم الخدود ووصل الشعر وغير ذلك مما أمرت السنة بتركه فرضا كان أو ندبا. وفي الحديث أن جماعة نساء فيهن هند بنت عتبة (٢) بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليهن الآية، فلما قررهن على أن لا يشركن قالت هند : وكيف نطمع أن تقبل منا ما لم تقبله من الرجال، أي هذا بين لزومه. ولما وقفها على السرقة قالت : والله إني لأصيب الهنة من مال أبي سفيان ولا أدري هل يحل لي ذلك. فقال أبو سفيان : ذلك حلال فيما مضى وفيما بقي. وقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ". ولما وقفها على الزنا قالت : يا رسول الله وهل تزني الحرة ؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا ما تزني الحرة " وذلك أن الزنا في قريش إنما كان في الإماء في الغالب. ولما وقفها على قتل الأولاد قالت : نحن ربيناهم صغارا وقتلتهم أنت ببدر كبارا. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما وقفها على العصيان في المعروف قالت : ما جلسنا هذا المجلس وفي أنفسنا أن نعصيك. وروي أن جماعة من النساء بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما في الآية، فلما فرغن قال لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم. " فيما استطعتن وأطعتن ". فقلن الله ورسوله أرحم بنا منا بأنفسنا (٣). قوله تعالى :﴿فبايعهن﴾ : أي إذا أقررن لك فامض معهن صفقة الإيمان. واختلف في الهيئة التي بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها النساء بعد الاتفاق على أن يده لم تمس يد امرأة أجنبية قط، فذكرت عائشة أنه بايع باللسان قولا. وقال إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة، وجاء في نحو ذلك حديث عن أسماء بنت يزيد بن السكن (٤) وذكر بعضهم أن نساء من الأنصار بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من خارج بيت ومد النساء أيديهن من داخله فبايعهن. وروي عن الشعبي أنه لف ثوبا كثيفا قطريا على يده وجاءت نسوة فلمسن يده كذلك. وروي أن نسوة بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان عمر بن الخطاب يلمس أيدي النساء وهو خارج من البيت والنساء في داخل البيت، بحيث لا يراهن. وروي أيضا أنه عليه الصلاة والسلام بايعه النساء على الصفا بمكة وعمر بن الخطاب يصافحهن. وروي عن ابن عباس وعروة الثقفي (٥) أنه عليه الصلاة والسلام غمس يده المباركة في إناء فيه ماء ثم دفعه إلى النساء فغمسن فيه أيديهن ثم أمره تعالى بالاستغفار لهن ورجاهن غفرانه ورحمته بقوله تعالى :﴿واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم﴾ وهذه الآية غير معمول بها اليوم لأنه قد أجمع الناس أنه ليس على الإمام أن يشترط عليهن ذلك. فإما أن تكون منسوخة ولم يذكر ذلك، وإما أن يكون ندبا لا إيجابا. وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه إذا احتيج إلى المحنة من أجل تباعد الدار كان على إمام المسلمين إقامة المحنة. ١ راجع الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٨/ ٧٢.. ٢ هند بنت عتبة: انظر ترجمتها بالصفحة رقم ٤٦٨.. ٣ راجع أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٨٠ – ١٧٨٣، والجامع لأحكام القرآن ١٨/ ٧٤، ٧٥.. ٤ أسماء بنت يزيد بن السكن: هي أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية الأوسية. من أخطب نساء العرب ومن ذوات الشجاعة. توفيت سنة ٣٠هـ/ ٦٨٠م. انظر الإصابة ٨/ ١٢. والحديث أخرجه أحمد في مسنده ٦/ ٤٥٢.. ٥ عروة الثقفي: هو عروة بن مسعود بن معتب الثقفي. صحابي مشهور قتله قومه حين دعاهم إلى الإسلام سنة ٩هـ/ ٦٣٠م. انظر الإصابة ٢/ ٤٧٠..

الصف 61:2

– قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ( ٢ )﴾ : هذه الآية توجب على كل من ألزم نفسه عملا فيه طاعة أن يفي به. وقال بعضهم : الآية : توجب على من وعد وعدا أن يفي به إذا لم يكن فيه إثم، وكذلك من ألزم نفسه عملا فيه طاعة لزمه أن يفي به ويدوم عليه (١) – قال أبو الحسن : ويحتج بها في وجوب الوفاء بنذر الحاج على أحد قولي الشافعي (٢). وقد اختلف في سبب الآية، فقال جماعة – منهم ابن عباس – نزلت بسبب قوم قالوا : لو علمنا أحب الأعمال إلى الله تعالى لعملناه، فلما نزل الجهاد كرهوه وفر من فر يوم أحد فعاتبهم الله تعالى بها (٣). وذكر المهدوي أن قائل ذلك عبد الله بن رواحة. وقال قوم – منهم قتادة – نزلت بسبب أن جماعة من شباب المسلمين كانوا يتحدثون عن أنفسهم في الغزو وبما لم يفعلوا، ويقولون فعلنا وصنعنا، وذلك كذب، فنزلت الآية. وقال قوم – منهم ابن زيد- نزلت في المنافقين لأن طائفة منهم كانوا يقولون للمؤمنين نحن منكم ومعكم ثم يظهر من أفعالهم خلاف ذلك، فنزلت الآية عتابا لهم، وعلى هذا القول قد سمى الله تعالى المنافقين مؤمنين، وهذا إنما يتوجه إذا لم يكونوا مشتهرين بالنفاق فلذلك خوطبوا بالمؤمنين، أي في زعمهم وما يظهرون (٤). ١ راجع أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٨٧.. ٢ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٤١٣.. ٣ راجع أسباب النزول للواحدي ص ٣١٩، ولباب النقول ص ٧٦٧.. ٤ راجع أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٣٤، والتفسير الكبير ٢٩/ ٣١٠، ٣١١، والجامع لأحكا م القرآن ١٨/ ٧٧/ ٧٨..

الصف 61:4

– قوله تعالى :﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ( ٤ )﴾ : استدل بعضهم بهذه الآية على أن قتال الرجال أفضل من قتال الفرسان، لأن التراص منهم يمكن بخلاف الفرسان (١)، وهذا ضعيف، لأنه ليس المراد بالآية نفس التراص وإنما المقصد الجد والاجتهاد في القتال، فسواء كانوا رجالا أو فرسانا. وقصد بالذكر أشد الأحوال، وهي الحالة التي تحوج إلى القتال صفا متراصا. ونابت هذه الصفة مناب سائر الصفات. ١ ذكره الفخر الرازي في التفسير الكبير ٢٩/ ٣١٢..

الجمعة 62:9

– قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة...﴾ : إلى آخر السورة : سأل مالك بن شهاب – على ما وقع في الموطأ – عن قوله تعالى :﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾. فقال ابن شهاب : كان عمر بن الخطاب يقرأها فامضوا إلى ذكر الله. قال مالك : وإنما السعي في كتاب الله تعالى الفعل لقوله تعالى :﴿وإذا تولى سعى في الأرض﴾ [البقرة: ٢٠٥]. وقال :﴿وأما من جاءك يسعى ( ٨ )﴾ [عبس: ٨]، وقال :﴿ثم أدبر يسعى ( ٢٢ )﴾ [النازعات: ٢٢]، وقال :﴿إن سعيكم لشتى ( ٤ )﴾ [الليل: ٤]. قال مالك : فليس السعي الذي ذكر الله عز وجل في كتابه بالسعي على الأقدام ولا الاشتداد، وإنما عنى العمل والفعل (١). وهذا السؤال من مالك إنما كان لأن لفظ السعي في كلام العرب يحتمل الجري كقوله عليه الصلاة والسلام : " فلا تأتوها وأنتم تسعون " (٢) ويحتمل المشي من غير جري كالآية التي احتج بها مالك. وأجابه ابن شهاب بقراءة عمر بن الخطاب وإن لم تكن ثابتة في المصحف، تجري عند قوم من الأصوليين مجرى خبر الآحاد سواء أسندت أم لا. وذهبت طائفة إلى أنها لا تجري مجرى خبر الواحد إلا إذا أسندت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا لم تسند فهي بمنزلة قول القارئ لها. والذي ذهب إليه القاضي أبو بكر (٣) أنه لا تجوز القراءة بها ولا العمل بمضمونها سواء أسندت أم لا. قال الباجي وهو الأبين عندي والوجه في احتجاج ابن شهاب بقراءة عمر أن ذلك على جهة التفسير من عمر وهو من أهل اللسان، ففسر السعي بأنه المضي، وقوله في ذلك حجة بلا خلاف بين العلماء (٤). وهذه الآية قد تضمنت من أحكام الجمعة جملة، فمن ذلك أنها فريضة لأن الأمر بها في الآية محمول على الوجوب، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يؤيد ذلك قوله : " الجمعة واجبة على كل مسلم في جماعة إلا أربعة : عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض " (٥). وهي عند الجمهور فرض على الأعيان، وقال قوم فرض على الكفاية، وذهب إليه بعض الشافعية. ودليل الجمهور قوله تعالى :﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ فعم. وقال عليه الصلاة والسلام : " الجمعة على من سمع النداء " (٦) وقوله عليه الصلاة والسلام : " من تركها ثلاثا من غير عذر طبع الله على قلبه " (٧). ومن ذلك الأذان لصلاة الجمعة اختلف في وجوبه. الذاهبون إلى أن الأذان ليس بواجب في الجملة، وهو قول الجمهور خلافا لداود ومن تابعه. فرآه الأكثر مثل الأذان لسائر الصلوات (٨) سنة. ورآه بعض الشافعية واجبا بخلاف الأذان لسائر الصلوات، ومن حجتهم ظاهر الآية لأنه تعالى قد شرط في السعي إليها أن يكون عند الأذان، والسعي واجب. وهذا ضعيف، لأن المفهوم من الآية والمراد منها إنما هو إذا حضر وقت هذه الصلاة فاسعوا إليها، وجعل الأذان الذي هو من سنتها علامة لذلك، فلا تدل على وجوبه. وقد اختلف في معنى قول مالك في صفة الأذان يوم الجمعة. فروى عنه ابن عبد الحكم ما يدل على أن النداء عنده فيها واحد، ونحوه عند الشافعي. وجاء في الحديث أن السائب بن يزيد (٩) قال : كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان – وكثر الناس – زاد النداء الثالث، وبعضهم يقول الثاني فمن قال الثاني فلا إشكال. ومن قال الثالث، فبعضهم يقول سمى الإقامة أذانا فكانت أذانا ثانيا للأذان على المنابر، وما زاده عثمان ثالث. وبعضهم يقول إنه كان بين يديه صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر أذان أيضا، وذكر ذلك أبو داود في مصنفه، فهو كان الثاني. وهو الحديث الذي جاء أنه كان بين يديه صلى الله عليه وسلم أذان ضعيف لأنه قال مالك في المجموعة أن هشام بن عبد الملك (١٠) هو الذي أحدث الأذان بين يديه. فلو كان ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل إنه محدث. وقد ذكر عن مالك ما يدل أن الأذان للجمعة ليس بواحد لأنه قال : إذا أذن المؤذنون حرم البيع (١١). فذكر المؤذنين بلفظ الجمع. والذي يظهر من لفظ الآية أن ذلك واسع أذن لها واحد أو جماعة لأنه تعالى قال :﴿إذا نودي للصلاة﴾ وذلك يقع على النداء والنداءين والثلاثة. واختلف في الموضع الذي يلزم منه السعي إلى الجمعة. فقيل ثلاثة أميال وما قاربها، وهو قول مالك المشهور. وقيل ثلاثة أميال فدون، وهي رواية أشهب عنه (١٢). وهذه الثلاثة الأميال اختلف الذين ذهبوا إليها من أين يكون ابتداؤها (١٣) إلى أين. فقيل من منزل الساعي إلى موضع المنادي. وقيل من منزل الساعي إلى أول المدينة التي فيها النداء. والقولان في المذهب. وقيل يجب السعي على كل من آواه الليل إلى أهله، وهو قول الأوزاعي وغيره. وقيل يجب على من كان على ستة أميال، وهو قول الزهري. وقيل يجب على من كان على أربعة أميال، وهو قول ربيعة. ويذكر عن الزهري. وقيل ليس على من كان على رأس ميل جمعة، وهو قول حذيفة. وقيل يلزم السعي في خمسة أميال. وقيل إنه لا يلزم من كان خارج المصر الإتيان إليها قربت مسافته أو بعدت، وهو قول أبي حنيفة. وقيل تجب الجمعة على من يسمع النداء، وهو مروي عن مالك والشافعي وغيرهما. وجعل جماعة من الشيوخ هذا القول غير مخالف للقول باعتبار ثلاثة أميال. قالوا لأن تلك المسافة منتهى ما يسمع فيها صوت المؤذن. وكذلك ساق الرواية علي بن زياد، وساقوا أيضا تفسيرا للمذهب ما رواه ابن أبي أويس (١٤) عن مالك وابن وهب أيضا. وهو أن الحد إنما هو لمن كان خارج المصر، وأما من كان في المصر فيتعين عليه الإتيان إلى الجمعة وإن كان بينه وبين المسجد الجامع ستة أميال أو أكثر. قال المهلب (١٥) : ونص كتاب الله يدل على أن الجمعة تجب على كل من سمع النداء وإن كان خارج المصر. وهو أصح الأقوال. قال ابن القصار : واعتذر الكوفيون لقولهم إن الجمعة لا تجب على من كان خارج المصر فقالوا : لأن الأذان إعلام لمن يحضر، والأذان بعد دخول الوقت. ومعلوم أنه من سمعه على أميال باكر في السعي لا يلحق فيقال لهم معنى قوله تعالى :﴿إذا نودي للصلاة﴾ : إذا قرب وقت النداء للصلاة بمقدار ما يدركها كل ساع إليها، فاسعوا إليها. وليس على أنه لا يجب السعي لها حتى ينادي إليها. والعرب قد تضع البلوغ بمعنى المقاربة كقولهم : إن ابن أم مكتوم كان لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت، أي قاربت الصباح. ومثله :﴿فإذا بلغن أجلهن﴾ [ البقرة : ٢٣٤، الطلاق : ٢ ] يريد إذا قاربن البلوغ. واختلف متى يتعين الإقبال للصلاة، وهذا الخلاف إنما هو فيمن كان بموضع لا تفوته الجمعة منه إذا سعى إليها مع الأذان. فقيل إذا زالت الشمس، وقيل إذا أذن المؤذن، وهو ظاهر لفظ الآية. واختلف في عدد من تجب عليهم الجمعة. فروي عن أبي هريرة مائتان، وعن عمر بن عبد العزيز خمسون وعن الشافعي أربعون. وروي عن أبي هريرة وعن مالك في رواية مطرف وابن الماجشون ثلاثون بيتا وروي بذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (١٦). وعن ربيعة اثني عشر رجلا عدد الذين بقوا مع النبي صلى الله عليه وسلم حين انفضوا إلى العير. وعن عكرمة سبعة أنفس، وعن أبي حنيفة الإمام وثلاثة أنفس معه وهو قول الأوزاعي والمزني (١٧) وأبي ثور. وعن أبي يوسف والثوري : الإمام ونفسان معه. وعن الحسن بن أبي صالح (١٨) : الإمام وآخر معه. والمشهور عن مالك أنه لم يحدد عددا إلا أنه قال : أهل القرية المتصلة البنيان التي فيها الأسواق يجمع أهلها. ومرة لم يذكر الأسواق. قال ابن القصار : ليس أحد هذه الأقوال أولى من صاحبه فيجب الرجوع إلى صفة من خوطب في الآية وأمروا بالسعي إليها وهم قوم لهم بيع وشراء. فيجب طلب قوم هذه صفتهم وليسوا إلا من كان لهم مسجد وسوق ويطلق عليهم اسم جماعة. فالجمعة واجبة عليهم كانوا خمسة أو عشرة أو أربعين، وهذا هو مثل قول مالك رحمه الله تعالى فهو أسعد بالآية من سائر المخالفين له. وأيضا فإنه تعالى قال :﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ ولم يشترط عددا. ولا يصح عند أهل النقل ما احتج به الشافعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة جمع بأربعين رجلا. واختلف هل تجب الجمعة فيما عدا الأمصار على قولين. الأشهر منهما أنها تجب في غير المصر إذا كان ثم جماعة كما تقدم. والدليل على ذلك عموم الآية إذ لم يخص مصرا من غيره. وقوله عليه الصلاة والسلام : " الجمعة في كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربعة " (١٩) والمقصود من هذا ضرب المثل وأن صغرها لا يمنع من إقامة الجمعة. وأجمعوا على أن المرأة والصبي لا جمعة عليهما لقوله عليه الصلاة والسلام : " لا تجب الجمعة على أربعة " (٢٠) فذكر المسافر والعبد والمرأة والصبي وذكر المريض. واختلف في المسافر والعبد، فالمشهور أنه لا تجب عليهما الجمعة أيضا للحادث المتقدم وأنهما مخصصان من عموم الآية كالمرأة والصبي. وذهب داود ومن تابعه إلى أنهما باقيان تحت عموم الآية وأن الجمعة واجبة عليهما. وذهب الحسن وقتادة إلى أن العبد باق في عمومها وأن الجمعة تجب عليه لذلك وأن المسافر بخلافه. واختلف في التخلف عن الجمعة بسبب المطر، فأجيز ومنع. فمن منع فلظاهر الآية إذ لم يخصص وقت مطر من غيره وهو المعلوم من قول مالك. وكذلك اختلفوا في تخلف العروس عنها. فمن منع فلظاهر الآية كما قدمنا إذ لم يخصص. وأجازوا التخلف عنها لمرض أو شغل بجنازة وللأعمى. وخصصوا هؤلاء من عموم الآية. واختلف في الوالي هل هو من شرط صحة الجمعة أم لا على قولين في المذهب. والدليل على أنه ليس بشرط قوله تعالى :﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ ولم يشترط إذن السلطان. واختلف إذا اجتمع عيد وجمعة هل يسقط أحدهما الآخر أم لا ؟ ففي المذهب أنه لا يسقط. وفي الواضحة عن مالك في ذلك لمن كان على مثل الموالي من المدينة روايتان. وقال أحمد بن حنبل حضور العيد يكفي عن الجمعة. والحجة لما في المذهب قوله تعالى :﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ فعم. وقد اختلف هل يصح أن تقام الجمعة في غير المسجد الجامع أم لا على قولين بين المتأخرين، الأظهر منهما أنها تصح ويؤيد ذلك عموم الآية. وقوله تعالى :﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ : السعي في لسان العرب يصلح للسير السريع والسير الرويد وقد بان بقوله عليه الصلاة والسلام : " إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة " (٢١) أن المراد بقوله تعالى :﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ غير الجري. وكذلك قال الحسن في تأويلها، وإلى هذا ذهب مالك وأكثر العلماء. وكان عمر وابن مسعود يقرآن :﴿فامضوا إلى ذكر الله﴾. وقال ابن مسعود : لو قرأتها : فاسعوا، لسعيت حتى يسقط ردائي. وقد اختلف أهل العلم في الإسراع إلى الصلاة إذا خيف أن تفوت. فأجازه قوم وكرهه قوم. وروي عن مالك إجازته، وهو قول ابن مسعود. وقوله هذا ينحو إلى قوله المتقدم في معنى قوله :﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾. – قوله تعالى :﴿وذروا البيع﴾ : أمر تعالى بترك البيع في يوم الجمعة إذا أخذ المؤذن في الأذان، واختلف في هذا الأمر هل هو أمر وجوب أو أمر ندب. فذكر مكي عن قوم أن البيع جائز في ذلك الوقت وأن الآية على الندب لا على الإلزام واستدلوا بقوله تعالى :﴿ذلكم خير لكم﴾. والجمهور على أنه ١ راجع الموطأ، كتاب الصلاة باب: ما جاء في السعي يوم الجمعة ١/ ٨٧.. ٢ والحديث ذكره الباجي في المنتقى، كتاب الصلاة، باب: ما جاء في السعي يوم الجمعة ١/ ١٩٤، وذكره مالك عن أبي هريرة في الموطأ، كتاب الصلاة، باب: ما جاء في النداء ١/ ٦٨.. ٣ القاضي أبو بكر: لعله أبو بكر الأنباري كما جاء في الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ١٠٢.. ٤ راجع المنتقى، كتاب الصلاة، باب: ما جاء في السعي يوم الجمعة ١/ ١٩٤.. ٥ الحديث أخرجه أبو داود في سننه عن طارق بن شهاب، كتاب الصلاة، باب: الجمعة للملوك والمرأة ١/ ٦٤٤.. ٦ الحديث أخرجه أبو داود في سننه عن ابن عمر، كتاب الصلاة، باب: من تجب عليه الجمعة ١/ ٦٤٠.. ٧ والحديث ذكره مالك في الموطأ، كتاب الصلاة، باب: القراءة في صلاة الجمعة ١/ ٩٠.. ٨ في (ح): "الصلاة".. ٩ السائب بن يزيد" هو السائب بن يزيد بن سعيد الكندي. صحابي. استعمله عمر على سوق المدينة وهو آخر من توفي بها من الصحابة. له اثنان وعشرون حديثا. توفي سنة ٩١هـ/ ٧١٠م. انظر الإصابة لابن حجر ٢/١١.. ١٠ هشام بن عبد الملك: هو هشام بن عبد الملك بن مروان، من ملوك الدولة الأموية في الشام. توفي سنة ١٢٥هـ/ ٧٤٣م. انظر تاريخ الطبري ٨/ ٢٨٣.. ١١ في (ح): "الربا".. ١٢ "عنه" كلمة ساقطة في (ح).. ١٣ "ابتداؤها" كلمة ساقطة في غير (أ)، (ز).. ١٤ ابن أبي أويس: هو إسماعيل بن أبي أويس عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي. سمع أباه ومالك بن أنس. توفي سنة ٢٢٦هـ/ ٨٤٠م. انظر الإكمال لابن ماكولا ١/ ١١٤.. ١٥ المهلب: هو المهلب بن أبي صفرة بن سراق الأزدي، أبو سعيد. ولي إمارة البصرة. توفي سنة ٨٣هـ/ ٧٠٢م. انظر الإصابة لابن حجر ٣/ ٥٠٩.. ١٦ الحديث: راجع المدونة كتاب الصلاة، باب: فيمن تجب عليه الجمعة ١/ ١٥٣.. ١٧ المزني: هو إسماعيل بن يحيى المزني صاحب الشافعي، من أهل مصر. من تآليفه الجامع الكبير والمختصر. توفي سنة ٢٦٤هـ/ ٨٧٨م. انظر وفيات الأعيان ١/ ٧١.. ١٨ الحسن بن أبي صالح: وهو حيان بن شفي بن رافع. توفي سنة ١٦٩هـ/ ٧٨٩م. انظر التهذيب ٢/ ٢٨٨.. ١٩ الحديث أخرجه البيهقي في سننه عن أم عبد الله الدوسية، باب: العدد الذين إذا كانوا في قرية وجبت عليهم الجمعة ٣/ ١٧٧.. ٢٠ الحديث أخرجه أبو داود في سننه عن طارق بن شهاب، كتاب الصلاة، باب: الجمعة للمملوك والمرأة ٢/ ٩.. ٢١ ذكره مالك عن أبي هريرة في الموطأ، كتاب الصلاة، باب: ما جاء في النداء ١/ ٦٨..

الجمعة 62:10

– قوله تعالى :﴿فانتشروا في الأرض﴾ : أمر إباحة باتفاق. قوله تعالى :﴿وابتغوا من فضل الله﴾ : اختلف في تأويله : فقيل معناه طلب المعاش، فالأمر على هذا أمر إباحة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ذلك الفضل المبتغى عيادة مريض أو صلة صديق أو اتباع جنازة " فينبغي على هذا لمن صلى الجمعة أن لا يصنع بعد ذلك إلا برا في بقية يومه. ويكون على هذا تجده صبح يوم السبت، قال ذلك جعفر بن محمد الصادق. وقيل إن ذلك الفضل المبتغى هو العلم فينبغي أن يطلب إثر صلاة الجمعة. فالأمر في الآية على هذين القولين أمر ندب.

الجمعة 62:11

– قوله تعالى :﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا﴾ : نزلت بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قائما على المنبر يخطب يوم الجمعة فأقبلت عير من الشام تحمل طعاما، وصاحب أمرها دحية بن خليفة الكلبي(١) وكان من عرفهم أن تدخل العير المدينة بالطبل والمعازف والصياح سرورا بها. فلما دخلت العير كذلك انفض أهل المسجد إلى رؤية ذلك وتركوا الرسول صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر ولم يبق معه غير اثني عشر رجلا. قال جابر بن عبد الله : أنا أحدهم. وذكر بعضهم أن منهم العشرة المشهود لهم بالجنة، فهؤلاء أحد عشر. واختلف في الثاني عشر فقيل عمار بن ياسر. وقيل عبد الله بن مسعود. وذكر عن ابن عباس أن الذين بقوا معه صلى الله عليه وسلم ثمانية نفر (٢). وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لولا.... " (٣) لقد كانت الحجارة سومت على المنقضين في السماء. وقال قتادة : بلغنا أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات كانت العير قد وافقت فيها دخولها يوم الجمعة. قوله تعالى :﴿وتركوك قائما﴾ : أي قائما في خطبتك. وقد اختلف في الخطبة هل هي من فرائض الجمعة أو سننها ؟ فالمشهور أنها من فرائضها. ذكره ابن المواز والأبهري. وذهب ابن الماجشون إلى أنها سنة، وهو اختيار ابن زرب (٤). والقولان في الثمانية. والدليل على القول الأول قوله تعالى :﴿وتركوك قائما﴾. واختلف هل من شرط صحة الجمعة الجماعة أم لا ؟ والأظهر أنها من شروطها وهو ظاهر الآية لأنه تعالى أمر بالاجتماع عند النداء، والخطبة إنما هي بعد النداء، فلو أن من شرط الخطبة الجماعة لما أمر بالاجتماع قبل الخطبة. واختلف أيضا هل من شرط صحة الصلاة استدامة الجماعة من أول الصلاة إلى آخرها أم لا على ثلاثة أقوال : أحدها : أن ذلك من شروط صحتها وأن الناس لو انفضوا عنه قبل السلام حتى لم يبق معه إلا من لا يجزئ بهم الجمعة لبطلت الصلاة. والثاني : أن الصلاة جائزة إذا لم ينفضوا عنه حتى صلى ركعة. والثالث : أنه إذا أحرم بالصلاة فصلاة الجمعة جائزة وإن انفضوا عنه قبل ركعة. وهو ظاهر الآية. واختلف في القيام في الخطبة هل هو شرط فيها أم لا ؟ فعند الشافعي أنه شرط فيها لا تجزئ بالقعود. وفي المذهب أنه ليس بشرط وأنها تجزئ بالقعود. وحجة الشافعي قوله تعالى :﴿وتركوك قائما﴾ فحمل ذلك على ظاهر الآية من القيام ورآه واجبا. ولم ير مالك أن ما صنعه صلى الله عليه وسلم من ذلك كان على الإيجاب بل رأى أنه كان منه على الاستنان. واختلف في سنة الخطبة ففي المذهب أن سنتها أن يجلس في أولها ووسطها وقال عطاء ما جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات وما كان يخطب إلا قائما. وأول من جلس عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه في آخر زمانه حين كبر، فكان يجلس هنيأة. وقال أهل العراق لا يجلس بين الخطبتين. ومن حجة من لا يرى الجلوس أن الآية أعطت القيام ولم تعط شيئا من القعود فيها فوجب أن تحمل على ظاهرها في القيام في الخطبة كلها. ومن حجة القول الأول أن الآية وإن كان ظاهرها كذلك فقد أزال النبي صلى الله عليه وسلم هذا الظاهر بفعله وبين المراد بالآية بما فعله من الجلوس في الخطبة، وإذا قلنا بالجلوس بين الخطبتين فإن تركه أجزأه. وقال الشافعي لا يجزئ. والأظهر قول مالك لأن ذلك لم يكن واجبا عليه مع أن ظاهر الآية يرده. وقال الشافعي لا يجزئ. واختلف في السفر يوم الجمعة إذا زالت الشمس. ففي المذهب أنه محرم، وعند أبي حنيفة أنه جائز. وظاهر الآية أنه محرم لأنه ليس بين الزوال والنداء قدر يراعى. وقد أمر الله تعالى عند النداء بالسعي إلى الجمعة وترك غير ذلك، فمن سافر في ذلك الوقت فقد خالف الأمر بالسعي وعصى فيجب أن لا يجزئه ذلك. وأما السفر أول النهار فغير محرم خلافا للشافعي في أحد قوليه أنه محرم لأن ذلك الوقت غير مأمور فيه بالاجتماع للصلاة فوجب أن يجوز فيه السفر كسائر الأوقات، هذا ظاهر الآية (٥). ١ هو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة الكلبي. صحابي، حضر كثيرا من الوقائع. مات في خلافة معاوية سنة ٤٥هـ/ ٦٦٥م. انظر الإصابة ١/ ٤٧٣.. ٢ ويقال غير اثني عشر رجلا وامرأتين. راجع تنوير المقباس ص ٤٧٢.. ٣ بياض في جميع النسخ. قال الواحدي: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفس محمد بيده لو تتابعتم حتى لم يبق أحد منكم لسال بكم الوادي نارا". راجع أسباب النزول ص ٣٢٠.. ٤ ابن زرب: هو أبو بكر، محمد بن زرب. من كبار القضاة وخطباء المنابر بالأندلس. ولي القضاء بقرطبة سنة ٣٦٧هـ. من تصانيفه: الخصال في فقه المالكية. راجع قضاة الأندلس ص ٧٧.. ٥ راجع تفسير هذه الآية ومختلف أحكامها أيضا في أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٩٠ – ١٧٩٨، وفي أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٣٣٥ – ٣٤٤، وفي أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٤١٥، ٤١٦، وفي الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٨/ ٩٧ – ١٢٠..

المنافقون 63:1

– قوله تعالى :﴿قالوا نشهد إنك لرسول الله....﴾ إلى قوله :﴿أيمانهم جنة﴾ : اختلف في قولهم :﴿نشهد﴾ هل هو يمين أم لا ؟ فقيل إن نوى به اليمين فهو يمين وهو قول مالك (١). وقال الشافعي لا يكون يمينا حتى يقول أشهد بالله، وروي عنه مثل قول مالك. وقال أبو حنيفة هو يمين قال بالله أم لا، لأن الله تعالى أخبر عن الكفار أنهم يقولون نشهد إنك لرسول الله ولم يقولوا نشهد بالله، وقال تعالى :﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾ [النور: ٦]. ووجه قول مالك وإحدى الروايتين عن الشافعي أن نشهد إذا لم يقرن بذكر الله لم يدل على اليمين، فإن خاصة اليمين في ذكر اسم أو صفة من صفاته (٢). ١ راجع رأي ابن العربي في هذه المسألة في أحكام القرآن ٤/ ١٨٠٠.. ٢ راجع أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٣٤٤، ٣٤٥، وأحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٠٠، وأحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٤١٧..

المنافقون 63:10

– قوله تعالى :﴿وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت﴾ : اختلف في الإنفاق المأمور به في الآية ما هو ؟ فقال كثير من العلماء : المراد به الزكاة المفروضة. وقال قوم ذلك عام في مفروض ومندوب. وفيه دليل على أنه يجب تعجيل الزكاة ولا يجوز تأخيرها أصلا (١). ١ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٤١٧..

التغابن 64:16

– قوله تعالى :﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ : اختلف في هذه الآية هل هي ناسخة لقوله تعالى في سورة آل عمران :﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ [آل عمران: ١٠٢] أم لا ؟ فقيل إنها ناسخة. وروي أنه لما نزلت :﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ شق ذلك على الناس حتى نزلت :﴿ما استطعتم﴾. وقيل الآيتان محكمتان وأن قوله تعالى :﴿حق تقاته﴾ معناه ما استطعتم. قالوا ولا يمكن أن يطيع أحد فوق طاقته. هذه الآية على هذا القول مبينة لذلك (١). والله تعالى أعلم (٢).

الطلاق 65:1

– قوله تعالى :﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء...﴾ إلى قوله :﴿واللائي يئسن من.... المحيض﴾ الآية : الطلاق حل العصمة وهو مكروه على الجملة. فإذا وقع جاز فيكون معنى الآية إذا وقعتم هذا الشيء المكروه فالحكم فيه كذا. ويؤكد ذلك من الحديث ما رواه أبو موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تطلقوا النساء إلا من ريبة فإن الله تعالى لا يحب الذواقين ولا الذواقات " (١) وروى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما حلف بالطلاق ولا استحلف به إلا منافق " (٢). وفي الحديث أيضا : " أبغض الحلال إلى الله الطلاق " (٣). وقال ابن المنذر : أباح الله تعالى الطلاق بهذه الآية وبقوله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر : " فإن شاء أمسك وإن شاء طلق " (٤). وقد طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة ثم راجعها فجعل الطلاق على ظاهر لفظه من قبيل المباح. والصحيح أنه من قبيل المكروه وأن المعنى في الآية ما قدمته. - قوله تعالى :﴿لعدتهن﴾ : معناه لاستقبال عدتهن وقوامها وتقريبها عليهن. وقد قرأ جماعة من الصحابة هذه الآية :﴿فطلقوهن في قبل عدتهن﴾ وقرأ بعضهم :﴿لقبل عدتهن﴾. وروى ابن عمر القراءتين عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقرأ ابن مسعود :﴿لقبل طهرهن﴾. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " طلقوا المرأة في قبل طهرها " (٥). والمعنى في ذلك كله أن لا يطلقها وهي حائض فهو منهي عنه بالآية لأنه إذا فعل ذلك لم يقع طلاقه في الحال التي أمر الله تعالى بها وهو استقبال العدة. فالعدة التي أمر الله تعالى بالطلاق فيها هي الطهر. إلا أنه يستحب أن يكون طهرا لم يجامع فيه لئلا يلبس على المرأة العدة فلا تدري بم تعتد هل بالوضع أو بالقراء ؟ وقيل ليكون هو على يقين من نفي حمل إن أتت به فأراد أن ينفيه. واختلف في النهي عن الطلاق في الحيض هل هو لعلة أم لا ؟ فقيل لعلة لأن ذلك بطول العدة عليها. وقيل بل ذلك لغير علة وإن علل بالتطويل لا ينبغي أن يجوز إذا رضيت به المرأة. وقد حكي عن الشافعي أن ذلك يجوز إذا رضيت به المرأة (٦) طردا للتعليل المذكور. فإذا ثبت أن طلاق الحائض منهي عنه بالآية لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده وأن الطلاق ينبغي أن يوقع إذا وقع في طهر. فإن أوقع أحد الطلاق في الحيض فهو لازم يعتد به خلافا لابن علية (٧) وبعض أهل الظاهر في قولهم إنه لا ينفذ وقع على خلاف ما أمر الله تعالى به. والصحيح أنه يعتد به للأدلة القوية في ذلك وإذا كان كذلك ففي المذهب أنه يجبر على مراجعتها حتى يطلقها على الصفة التي ذكر الله تعالى، قال :﴿فطلقوهن لعدتهن﴾، فكأنه ألزم من طلق أن يطلق في الطهر، فإن طلق في الحيض لزم أن يجبر على الرجعة حتى يوقعه على الوجه اللازم. وعلى هذا من الإيجاب يحمل أمره عليه الصلاة والسلام بالمراجعة. وذهب الشافعي والأوزاعي والكوفيون إلى أنه لا يجبر على الرجعة ومن حجتهم أن الله تعالى إنما أمر أن تطلق المرأة في الطهر فغاية ما في هذا أن يكون نهيا عن ضده. فيكون قد نهى عن إيقاع الطلاق في الحيض، وليس في الآية حكم لمن أوقعه في المحيض هل يجبر أم لا ؟ وأما أمره عليه الصلاة والسلام بالمراجعة فإنه لا يحمل أيضا على الإيجاب بل يحمل ذلك على الندب، وإذا كان هكذا فلا يجبر على الرجعة. والقول الأول أصح في طريق الاعتبار ولذا أجبر على الرجعة، ففي الحديث أن ابن عمر قال : طلقت امرأتي وهي حائض، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعمر : " مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم يطلقها إن شاء " (٨). فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء. وروى بعضهم هذا الحديث : ليراجعها فإذا طهرت طلقها إن شاء. وقال بكل واحد من الحديثين طائفة من العلماء. ووجه ما جاء في الحديث الأول أن الطهر الأول الوطء فيه مقصود فلا يصح فيه الطلاق. وقيل إنما منع من الطلاق فيه عقوبة لا لعلة. واختلف في الحامل متى تطلق ؟ ففي المذهب أنه يطلقها متى شاء لأنه متى طلقها فهي تستقبل عدتها لا تنتظر طهرا كما تصنع التي تحيض. فطلاقها موافق لما أمر الله تعالى به، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة، وخالف الأوزاعي فذهب إلى أنه يطلقها للأهلة. وكره الحسن طلاقها وهي حامل. وأما إن حاضت الحامل على حملها فهو يجوز للزوج أن يطلقها في الحيض أم لا ؟ ففيه قولان للمتأخرين. ووجه الجواز أن عدة الحامل وضع الحمل وارتفعت العلة لأنه متى طلقها فذلك في قبل العدة، وإذا قلنا إنما يطلق في الطهر فحكمه أن يطلق واحدة في طهر لم يمس فيه ويأتي على قول من يرى الإقراء الحيض أن يطلق واحدة فهي في طهر ولا يشترطون مس فيه أو لم يمس. وأما غير هذا من الطلاق مثل أن يطلق في كل طهر طلقة أن يطلق ثلاثا في طهر واحد فليس بمراد في الآية. وعلى هذا جمهور أهل المذهب لأنه عندهم مخالف للسنة. لكن إذا وقع لزم إذ ليس في الآية دليل قطعي على تحريمه. وعند أشهب أن من طلاق السنة أيضا أن يطلق في كل طهر طلقة، وهو قول الكوفيين وجماعة سواهم. فيكون هذا الطلاق أيضا مما أباحه الله تعالى في الآية على هذا القول. وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور : ليس في عدة (٩) الطلاق بدعة ولا سنة وإنما السنة في وقت الطلاق بطلاق المرأة واحدة أو اثنتين أو ثلاثا في طهر لم يصبها (١٠) فيه طلاق سنة واحتجوا بقوله تعالى :﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ ولم يخص واحدة من اثنتين ولا ثلاثا. وكذلك أمر صلى الله عليه وسلم ابن عمر أن يطلق في الموضع (١١) الذي يجوز له ولم يخص واحدة من غيرها. ورد بعضهم على هذا القول بأنه لو كان طلاق ثلاث في كلمة من السنة لبطلت فائدة قوله تعالى :﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾. قال أهل التفسير : يعني به الرجعة في العدة. قالوا : فأي أمر (١٢) يحدث بعد الثلاث. فدل أن المراد بالطلاق في الآية الطلاق الرجعي لأن الرجعة لا تسوغ في البائن بالثلاث (١٣). وقوله تعالى :﴿وأحصوا العدة﴾ : أي عدوها بما يلحق بها من الأحكام في الميراث والسكنى والرجعة ونحو ذلك. قوله تعالى :﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن﴾ : أعلم الله تعالى بهذه الآية أنهن يلزمهن السكنى في بيوتهن التي طلقن فيها فنهى عن إخراجهن وخروجهن. فعلى هذا تلزم بيتها ولا تخرج منه إلا أن تخرج نهارا في حاجة لها. وهو لازم للمطلقة الرجعية بإجماع من العلماء. وكذلك لا خلاف في وجوب السكنى والنفقة لها. وهذا النهي لعلة وهي حفظ الأنساب والمخاطبة لقوله تعالى :﴿لا تخرجوهن﴾ للأزواج. ففي هذا دليل أن البيت إنما هو للزوج ملكا كان أو كراء، فيلزمه أن يتركها فيه حتى تنقضي عدتها (١٤) وإن كان لها فعليه لها الكراء (١٥) وإن كانت أمتعته مدة الزوجية ففي لزوم خروج والعدة له قولان في المذهب، الأظهر منهما اللزوم لأن ظاهر الآية على ما قدمنا أن سكناها في العدة إنما هو على الزوج. وإذا كان كذلك فسواء تقدم امتناع منها له أو لم يتقدم ولا تكون العدة داخلة في الإمتاع بمدة الزوجية لأن الزوجية قد انفصلت (١٦) بالطلاق. وقوله تعالى :﴿إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ : اختلف في هذه الفاحشة التي أباحت خروج المعتدة ما هو ؟ فقال الحسن ومجاهد وقتادة هي الزنا، فتخرج بإقامة الحد، وهو قول الليث والشعبي وغيرهما. وقال ابن عباس هي البذاء على الأحماء فتخرج ويسقط حقها من السكنى ويلزمها الإقامة في مسكن تتخذه حفظا للنسب (١٧). وقال ابن عمر والسدي هي الخروج عن البيت خروج انتقال، فمتى فعلت ذلك فقد سقط حقها في السكنى، وإلى هذا ذهب مالك في الناشز في العدة. وقال قتادة أيضا المعنى إلا أن يأتين بفاحشة من نشوز عن الخروج فيطلق بسبب ذلك فلا يكون عليه سكنى. وقال ابن عباس أيضا : الفاحشة جميع المعاصي، فمتى سرقت أو قذفت أو زنت أو أربت في تجارة وغير ذلك فقد سقط حقها في السكنى، وإلى هذا القول مال الطبري رحمه الله تعالى (١٨) وقال بعض الناس متى وردت الفاحشة معرفة في القرآن فهي الزنا ومتى جاءت منكرة فهي في مطلق المعاصي، فمرة يراد بها عشرة الزوج ومرة غير ذلك. وقوله تعالى :﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ : اختلف في تأويله. فذهب الأكثر إلى أن المراد به الرجعة، أي احصوا العدة وامتثلوا ما أمرتم به من طلاق السنة تقدروا على التخلص إن ندمتم فإنكم لا تدرون لعلكم تندمون فتريدون الرجعة. وذهب إلى أن المعنى : لعل الله يحدث أمرا من النسخ. وهو بعيد. وهذه الآية المتقدمة في الآية من أن لا يخرجن إنما هي في المطلقة واحدة واثنتين بدليل قوله تعالى :﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ على القول بأن المراد به الرجعة. وقال بعضهم هي لمن لم يطلق وللمطلقة أقل من الثلاث. وقال بعضهم : هي لكل مطلقة ثلاثا فما دونها وهذا يأتي على قول الشافعي المتقدم في الثلاث. وعلى هذا يأتي الاختلاف في المطلقة الطلاق البائن هل لها سكنى أم لا ؟ فعلى قول الشافعي يكون لها السكنى لأنه ظاهر الآية على قوله، وسيأتي الكلام على ذلك. وهل يلزمها المقام بالمسكن وترك الخروج أم لا ؟ وسيأتي الكلام على ذلك أيضا. وقد قيل إن سبب الرجعة المذكورة في الآية تطليق النبي صلى الله عليه وسلم لحفصة فأمره الله تعالى بمراجعتها (١٩). وقوله تعالى :﴿فإذا بلغن أجلهن﴾ يريد آخر القرء. والإنفاق بالمعروف وهو تحسين العشرة في النفقة عليهن والصحبة لهن. والفراق بالمعروف هو تأدية الصداق والإمتاع والوفاء بالشروط ونحو ذلك. ١ الحديث: راجع المقاصد الحسنة للسخاوي ص ٤٥٨، وكشف الخفاء للعجلوني ٢/ ٣٤٦.. ٢ الحديث رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق. انظر هامش المقاصد الحسنة للسخاوي ص ٢٧٣.. ٣ الحديث أخرجه أبو داود في سننه عن ابن عمر، كتاب الطلاق، باب: في كراهية الطلاق ٢/ ٦٣٢.. ٤ الحديث أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطلاق ١/ ٤٧٥.. ٥ ذكره ابن العربي في أحكام القرآن ٤/ ١٨١٣.. ٦ "وقد حكي عن الشافعي أن ذلك يجوز إذا رضيت به المرأة" كلام ساقط في (ج)، (ح).. ٧ ابن علية: هو إسماعيل بن علية، أبو بشر، مفسر ومحدث وفقيه. له عدة مؤلفات في التفسير والفقه. توفي ببغداد. انظر الفهرس ١/ ٢٢٧.. ٨ والحديث ذكره مالك في الموطأ، كتاب الطلاق، باب: ما جاء في الإقراء وعدة الطلاق وطلاق الحائض ١/ ٣٩١.. ٩ في (أ)، (ج)، (د)، (هـ)، (ز): "في عدد الطلاق".. ١٠ في (أ)، لم يمس، وفي (ب): "لم يصلها".. ١١ في (أ)، (ز): "في الوقت".. ١٢ "أمر" كلمة ساقطة في (ح).. ١٣ راجع تفسير هذه الآية في أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٤١٩ وفي أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٣٤٧ – ٣٤٩، وفي أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨١٢- ١٨١٦.. ١٤ قال مالك: لكل مطلقة السكنى كان الطلاق واحدا أو ثلاثا. ذكره ابن العربي في أحكام القرآن ٤/ ١٨١٧.. ١٥ وجاء في الموطأ عن مالك عن يحيى بن سعيد أن سعيد بن المسيب سئل عن المرأة يطلقها زوجها وهي في بيت بكراء، على من الكراء؟ فقال سعيد بن المسيب: على زوجها. قال: فإن لم يكن عند زوجها؟ قال: فعليها: فإن لم يكن عندها؟ قال: فعلى الأمير. راجع الموطأ، كتاب الطلاق، باب: ما جاء في عدة المرأة في بيتها إذا طلقت فيه ١/ ٣٩٣.. ١٦ في (ح): "وفصلت".. ١٧ وفي تنوير المقباس: إلا أن يجئن بمعصية بينة وهي أن تخرج في العدة بغير إذن زوجها.... ويقال إلا أن يأتين بفاحشة بالزنا مبينة بأربعة شهود فتخرج فترجم. ص ٤٧٥.. ١٨ راجع جامع البيان، وأحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨١٩، والجامع لأحكام القرآن ١٨/ ١٥٦.. ١٩ ذكره السيوطي في لباب النقول ص ٧٧٨..

الطلاق 65:2

– وقوله تعالى :﴿وأشهدوا ذوى عدل منكم﴾ : اختلف في الإشهاد المأمور به على أي شيء أمر الله تعالى أن يكون ؟ فقال الجمهور : الرجعة. وقال ابن عباس : المراد على الرجعة وعلى الطلاق لأن الإشهاد يرفع من النوازل إشكالات كثيرة (١) وهو أظهر لأنه جاء عقبهما جميعا فوجب أن يرجع إليهما. وقد اختلف في الإشهاد على الرجعة هل هو واجب أم لا ؟ فحكى ابن القصار في كتابه أنه مستحب. وحكى إسماعيل القاضي عن مالك أنه واجب لرفع الدعاوي وتحصين الفروج والأنساب والطلاق في هذا ينبغي أن يكون كالرجعة لأن اللفظ يعمهما كما قدمنا على القول الأظهر. وإذا كان كذلك فإما أن يكون الإشهاد عليهما جميعا ندبا وإما أن يكون واجبا. وحكى عبد الحق (٢) عن بعض شيوخه الفرق بين وجوب الإشهاد على الرجعة وعدم وجوبه في الطلاق والبيع. وذلك في أن الفرق بين الرجعة والبيع أن الله تعالى قال في البيع :﴿فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ [البقرة: ٢٨٣] فدل ذلك على أن الإشهاد على البيع غير واجب، وسكت عن الفرق بين الرجعة والطلاق، ولا فرق بينهما لما قدمناه. وقال ابن بكير : معنى ذلك أن يشهد ذوي عهد على مراجعتها إن راجعها وعند انقضاء عدتها إن لم يراجعها أنه قد طلقها وأن عدتها قد انقضت خوفا من أن يموت فتدعي أنها زوجة لم تطلق، أو تموت هي فيدعي الزوج ذلك. قال : وينبغي إن طلق طلاقا بائنا أن يشهد أيضا حين الطلاق أنها قد بانت منه حسبما ذكرنا لأن معنى البائن معنى التي انقضت عدتها ويلزم (٣) على قياس قوله أن يلزم الإشهاد في الطلاق الرجعي حين الطلاق مخافة الموت. وإذا قلنا إن الإشهاد بالآية واجب فمعناه إنما يكون بتركه إنما لتضييع (٤) الفروج وما يتعلق بذلك من الحقوق من غير أن يكون ذلك شرطا في صحة الرجعة أو الطلاق. وقد تقدم الكلام في العدالة ما هي فلا معنى لإعادته. ويؤخذ من هذه الآية أنه إنما يشهد في النكاح أو الطلاق الرجال دون النساء لقوله تعالى :﴿ذوى عدل منكم﴾ خلافا لمن أجاز في ذلك شهادة النساء من أهل العراق، وخلافا لمن أجازها منهم في النكاح دون الطلاق لأنه تعالى لما قال :﴿ذوى عدل منكم﴾ على أنه لا يجيء غير ذلك لأنه تعالى إنما ذكر أقل ما يجوز في ذلك كقوله تعالى في شهادة الأموال :﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولا فرق بين النكاح والطلاق وبين الحدود. وقد منعوا شهادتهن في الحدود، ولا فرق بينهما (٥). وقوله تعالى :﴿وأقيموا الشهادة لله﴾ : أمر بالشهود بأن يشهدوا إذا استشهدوا. وهو عند أهل العلم أمر وجوب يقوم به بعض الناس عن بعض كالجهاد وصلاة الجنازة وما أشبههما. فإذا كان الرجل في موضع ليس فيه من يحمل ذلك عنه تعين عليه الوجوب في خاصته (٦). وقوله :﴿ذلكم يوعظ به﴾ : إشارة إلى إقامة الشهادة. وقوله تعالى :﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا﴾ : اختلف في معناه. فقال ابن عباس : أي من يتق الله تعالى يخلصه من كرب الدنيا وكرب الآخرة. وقال بعضهم ما يعضد هذا التأويل (٧). قال نزلت هذه الآية في عوف بن مالك الأشجعي (٨) وذلك أنه أسر ولده وقدر عليه رزقه فشكى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمره بالتقوى. فلم يلبث أن تفلت ولده وأخذ قطيعا من غنم الذين أسروه. فسأل عوف رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتطيب له تلك الغنم ؟ قال : " نعم " فنزلت الآية (٩). وقال علي بن أبي طالب وأكثر المفسرين : معناه في الطلاق أي من لا يتعدى في طلاق السنة إلى طلاق الثلاث يجعل الله تعالى له مخرجا إن ندم بالرجعة ويرزقه ما يطعم أهله ويوسع عليه. ومن لا يتقي الله فربما طلق وبت وندم فلم يكن له مخرج وزال عنه رزق زوجته. وهذا القول في الآية يدل على أن طلاق الثلاث إذا وقع لازم لأنه لم يجعل لمن أوقعه مخرجا أي أنها قد بانت منه بما قال فلا رجعة له، وعلى هذا الذي دلت عليه الآية أئمة الفتوى. وكان الحجاج بن أرطأة (١٠) لا يرى طلاق الثلاث شيئا، وهو قول داود الظاهري. وكان محمد بن إسحاق (١١) يقول ترد الثلاثة إلى واحدة(١٢) ويحتج بحديث ركانة(١٣) روي عن ابن عباس قال : قد طلق ركانة بن يزيد امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا. فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كيف طلقتها ؟ " قال : ثلاثا في مجلس واحد. قال : " إنما ذلك واحدة فارتجعها إن شئت ". فارتجعها. قال الطحاوي : وهو حديث منكر قد خالفه ما هو أولى منه، وهو حديث خطأ. وإنما طلق ركانة زوجته ألبتة لا ثلاثا، كذلك رواه الثقات من أهل بيت ركانة. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أردت ؟ " قال : والله ما أردت إلا واحدة. فردها النبي صلى الله عليه وسلم. فطلقها الثانية في زمان عمر والثالثة في زمان عثمان. قال أبو داود : وهذا أصح ما روي في حديث ركانة (١٤). وجاء عن ابن عباس أيضا أنه قال لمطلق ثلاثا : إنك لم تتق الله فبانت منك امرأتك ولا أرى لك مخرجا (١٥) وفسر بذلك الآية. ١ قال الكيا: فالظاهر رجوع قوله: وأشهدوا، إلى الرجعة لا إلى الطلاق. راجع أحكام القرآن ٤/ ٤٢٠.. ٢ عبد الحق: هو أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية الغرناطي. مفسر وفقيه أندلسي. صاحب المحرر الوجيز. اختلف في تاريخ وفاته. انظر قضاة الأندلس ص ١٩.. ٣ "بائنا أن يشهد أيضا حين الطلاق.... إلى: ويلزم " كلام ساقط في (أ).. ٤ في (هـ): "في تركه إنما لتحصين".. ٥ راجع أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٢٤، والجامع لأحكام القرآن ١٨/ ١٥٨، ١٥٩.. ٦ في (أ)، (ز): "في خاصة نفسه".. ٧ وقيل غير ذلك فراجعه في الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ١٥٩.. ٨ عوف بن مالك الأشجعي: هو الصحابي الشجاع عوف بن مالك الأشجعي الغطفاني حضر خيبر. توفي سنة ٧٣هـ/ ٦٧٢م. انظر الإصابة لابن حجر ٣/ ٤٣.. ٩ راجع لباب النقول ص ٧٨٠.. ١٠ الحجاج بن أرطأة: هو الحجاج بن أرطأة النخعي من رواة الحديث وحفاظه. ولي القضاء بالبصرة. توفي سنة ١٤٥هـ/ ٧٦٢م. انظر تهذيب التهذيب ٢/ ١٩٦.. ١١ محمد بن إسحاق: هو محمد بن إسحاق بن سيار المدني من أكبر مؤرخي العرب له السيرة النبوية وكتاب الخلفاء. توفي سنة ١٥٩هـ/ ٧٦٨م. انظر تهذيب التهذيب ٧/ ١٣٨.. ١٢ راجع المنتقى، كتاب الطلاق، باب: ما جاء في البتة ٤/ ٣.. ١٣ ركانة: هو ركانة بن يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف المطلبي. أسلم في الفتح وقيل غير ذلك. مات في خلافة معاوية وقيل في خلافة عثمان. انظر الإصابة ١/ ٥٠٦.. ١٤ الحديث أخرجه أبو داود في سننه عن ابن عمر، كتاب الطلاق، باب: في كراهية الطلاق ٢/ ٦٣٢.. ١٥ ذكره الباجي عن مجاهد في المنتقى، كتاب الطلاق، باب: ما يجوز إيقاعه في الطلاق ٤/٥..

الطلاق 65:4

– قوله تعالى :﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن﴾ : هذه الآية مخصصة لعموم آية البقرة في الاعتداد بالحيض. وقد تقدم الكلام على هذا. قوله تعالى :﴿إن ارتبتم﴾ : اختلف فيه. فقيل هو متصل بأول السورة، والمعنى لا تخرجوهن من بيوتهن إن ارتبتم في انقضاء العدة. وقيل هو من هذه الآية التي وقع فيها. واختلف في تأويله، فروى أشهب عن مالك أنها ريبة ماضية في الحكم لا في معاودة الحيض وذلك أن الله تعالى لما بين عدة ذوات الإقراء وذوات الحمل وبقيت اليائسة من المحيض والتي لم تحض ارتاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في حكمها، فنزلت الآية. وإلى هذا ذهب مجاهد واختاره الطبري (١). فاليائسة على هذا القول في الآية هي التي لا ترتاب في معاودة الحيض وهي مخصصة من عموم آية البقرة. وأما التي ارتفع عنها الحيض وهي في سن من تحيض فليست بداخلة في الآية. قال ابن بكير وإسماعيل القاضي إنه يلزم على هذا القول في الآية أن تعتد هذه المرتابة (٢) في معاودة الحيض بالإقراء وتنتظر القرء حتى تبلغ سن من لا يشبه أن تحيض وإن بقيت عشرين عاما. وإلى هذا ذهب الشافعي وأبو حنيفة، قالا : فإذا يئست من المحيض اعتدت ثلاثة أشهر ما لم تيأس من الحيض (٣) وإليه ذهب أيضا النخعي والثوري وغيرهما، وحكاه أبو عبيد عن أهل العراق. وهذا غير لازم لأنه وإن كانت هذه المرتابة لم تتخصص بهذه الآية من آية البقرة فتخصص بالقياس والنظر، وهو الذي ذهب إليه عمر بن الخطاب ولا مخالف له من الصحابة أنها تنتظر تسعة أشهر، فإن كان بها حمل وإلا اعتدت بعد التسعة ثلاثة ثم تحل. وقاله الشافعي بالعراق وهو قول مالك رحمه الله تعالى، على أنه يقول إن الريبة في الآية إنما هي في الحكم (٤). وذهب ابن بكير وإسماعيل القاضي وغيرهما إلى أن المعنى في قوله تعالى :﴿إن ارتبتم﴾ أي ارتبتم في معاودة الحيض وأنها ريبة مستقبلة، واحتج لذلك بحجج يطول جلبها. من ذلك أن اليأس في كلام العرب إنما هو مما لم ينقطع منه الرجاء. لا ترى أنك تقول : يئست من المريض لشدة مرضه ومن الغائب لطول(٥) غيبته، ولا يصلح أن تقول : يئست من الميت الذي انقطع الرجاء منه. قالا ولو كانت الريبة في الحكم لكان حق اللفظ أن يكون إن ارتبتم بفتح الهمزة لأنها ريبة ماضية. ودليل خطاب هذا القول إنه لا تجب عدة على من يعلم أنها ممن لا تحيض من صغر أو كبر ولا يرتاب في أمرها، وإلى هذا ذهب ابن لبابة وقال إنه مذهب داود وأنه القياس لأن العدة إنما هي لحفظ الأنساب، فإذا أمن الحمل فلا معنى للعدة. وهو شذوذ من القول، وهذا ليس بلازم لإسماعيل القاضي وابن بكير لأن دليل الخطاب ضعيف في الاستدلال، وقد اختلف فيه الأصوليون، ولما لم يكن عندهما بد من عدة الأدلة القوية، فمن لا تحيض من صغر أو كبر في ذلك ولم يجدا في ذلك حدا جعلا الباب واحدا فيهما فحملهما محمل المرتابة في العدة بثلاثة أشهر. والذين ذهبوا إلى أن الآية في المرتابة اختلفوا، فبعضهم يرى أنه ليس عليها أكثر من ثلاثة أشهر تعلقا بظاهر الآية. وإلى نحو هذا ذهب عكرمة وابن زيد وقتادة. والأكثر على (٦) أن الثلاثة الأشهر إنما هي التي بعد التسعة الأشهر على حديث عمر بن الخطاب إن يئست من الحمل فيهن، وهو تأويل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في الآية على ما ذكر المفسرون. وتحصيل هذا أنه يأتي في تأويل قوله تعالى :﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم﴾ قولان : أحدهما : أنهن اليائسات من معاودة الحيض. والآخر : أنهن المرتابات في معاودة الحيض. وإذا قلنا إنهن اليائسات من معادة الحيض ففي عدة المرتابة ثلاثة أقوال : أحدها : أنها ثلاثة أشهر خاصة حملا لها على اليائسة. والثاني : أنها ثلاثة أشهر بعد تسعة أشهر يستبدأ بها أمر الحمل. والثالث : أن عدتها بالإقراء وإن طالت ثلاثين سنة، لأنها عند من قال بذلك باقية تحت عموم آية البقرة. وإذا قلنا إن اللائي يئسن من المرتابات ففي عدة اليائسة قولان : أحدهما : أنها ثلاثة أشهر حملا لها على المرتابة المذكورة في الآية. والثاني : أنها لا عدة عليها تعلقا بدليل خطاب الآية. واختلف في المستحاضة هل تعتد بثلاثة أشهر خاصة أو ثلاثة أشهر بعد تسعة فتكون/ عدتها سنة، وهو مذهب مالك رحمه الله تعالى : وعلل ذلك كثير من المفسرين بأن الاستحاضة ريبة فلحقت بمعنى قوله :﴿إن ارتبتم﴾ الآية. قوله تعالى :﴿واللائي لم يحضن﴾ : معناه واللائي لم يحضن عدتهن أيضا ثلاثة أشهر. – قوله تعالى :﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن...﴾ إلى قوله تعالى :﴿فإن أرضعن لكم....﴾ الآية : حكم هذه الآية عند الجمهور عام للمطلقة الحامل والمتوفى عنها الحامل فتكون عدتها بوضع الحمل. وحديث سبيعة الأسلمية (٧) شاهد لذلك. وهو أنها كانت تحت سعد بن خولة (٨) فتوفي في حجة الوداع وهي حبلى، فلما وضعت خطبها أبو السنابل بعكك (٩) فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها : " أنكحي من شئت " (١٠) وعلى هذا القول علماء الحجاز والعراق والشام. ولا أعلم مخالفا فيه من السلف إلا ابن عباس وعلي بن أبي طالب في ذلك أنهما قالا : عدة المتوفى عنها زوجها آخر الأجلين. قال ابن مسعود لما بلغه قول علي : من شاء لاعنته. إن هذه الآية في سورة النساء القصرى :﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ نزلت بعد التي في البقرة ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. ولولا حديث سبيعة الأسلمية لكان هذا القول أظهر ولو بلغت السنة عليا ما تركها. وأما ابن عباس فروي عنه أنه رجع إلى حديث سبيعة بعد منازعته، فقد مر في سورة البقرة وجه معارضته هذه الآية بآية الطلاق وآية الوفاة الكائنتين في سورة البقرة، فمن أراد الوقوف على ذلك تأمله هناك (١١). ١ راجع جامع البيان ٢٨/ ٩١، أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٢٥، والجامع لأحكام القرآن ١٨/ ١٦٣.. ٢ "هي التي لا ترتاب في معاودة الحيض... إلى: المرتابة" كلام ساقط في (أ).. ٣ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٤٢١.. ٤ راجع الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ١٦٤.. ٥ في غير (أ)، (ز): "لبعد".. ٦ "يرى أنه ليس عليها... إلى: الأكثر على" كلام ساقط في (أ).. ٧ سبيعة الأسلمية: هي سبيعة بنت الحارث الأسلمية. روى عنها ابن عمر ومسروق وغيرهما. انظر الإصابة لابن حجر ٤/ ٣١٧.. ٨ سعد بن خولة القرشي العامري من بني مالك. انظر الإصابة لابن حجر ٢/ ٢٣.. ٩ أبو السنابل بعكك: قال الباجي: وقيل اسمه بعكك بن الحاج العبدري. راجع المنتقى، كتاب الطلاق، باب: عدة المتوفي عنها زوجها إذا كانت حاملا ٤/ ١٣٣.. ١٠ والحديث ذكره مالك في الموطأ، كتاب الطلاق، باب: عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا ١/ ٣٩٩.. ١١ والمنازعة كانت بين ابن عباس وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. فراجع ذاك في المنتقى، كتاب الطلاق، باب: عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا ٤/ ١٣٣..

الطلاق 65:6

– قوله تعالى :﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾ : ذهب بعضهم إلى أنه أمر عام بالسكنى لجميع المطلقات. وذهب بعضهم إلى أنها في إسكان البوائن خاصة. ويأتي على مذهب (١) من لا يرى للمبتوتة سكنى أنها في غير البوائن. والقول بأنها في البوائن خاصة أحسن لقوله تعالى بعد هذا :﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن﴾ فلم يوجب لهن نفقة إلا مع الحمل، وهذا لا يتصور في غير البائن لأن الإجماع منعقد على أن لها النفقة كانت حاملا أو غير حامل. فإن قيل : وكيف ذلك ولم يتقدم لهن في السورة ذكر وإنما تقدم ذكر اللواتي لم يبن بدليل قوله تعالى :﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ ؟ ففي ذلك جوابان : أحدهما : وإن لم يتقدم لهن في السورة ذكر فقد تقدم لهن في سورة البقرة وهو قوله عز وجل :﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠] فيعاد قوله :﴿أسكنوهن﴾ على تلك الحالة لأن القرآن كله كسورة واحدة في رد بعضه إلى بعض، وتفسير بعضه ببعض. والثاني : أن تقول إنه قد تقدم لهن في السورة ذكر لأن قوله تعالى :﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ عام فيمن لم تتطلق وفيمن طلقت طلقتين وبقيت فيها طلقة لأنها تبين بالطلقة الواحدة للسنة. فرجع قوله :﴿أسكنوهن﴾ الآية إليها دون من سواها ممن عمه عموم اللفظ. وعلى القول بأن المأمور بإسكانهن البوائن يكون قوله :﴿وإن كن أولات حمل﴾ في البوائن أيضا فيكون قد أوجب لهن السكنى ولم يوجب لهن نفقة إذا لم تكن حوامل ثم أوجب لهن النفقة إذا كن حامل. ويؤيد هذا حديث فاطمة بنت قيس (٢)، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس لك عليه نفقة " (٣) وقد كان طلقها ثلاثا. فيأتي على هذا أن البائنة لها السكنى ولا نفقة لها، وهو قول مالك رحمه الله تعالى وجميع أصحابه. وفي المسألة قولان سوى ذلك : أحدهما : أن لها النفقة والسكنى (٤). والثاني : أنه لا نفقة لها ولا سكنى(٥). واستدل من ذهب إلى أنها لا نفقة لها ولا سكنى بما جاء في بعض روايات حديث فاطمة وهي أنها قالت : لم يجعل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم نفقة ولا سكنى. ولا حجة في هذا بأنها إنما قالت ذلك تأولا على قول النبي صلى الله عليه وسلم إذ أمرها أن تعتد في بيت أم مكتوم. وإخراجها إلى الموضع الذي كانت فيه لاستطالتها بلسانها على أحمائها. فقد أوجب لها النبي صلى الله عليه وسلم السكنى وجعله حقا عليها لله تعالى من حيث لم تشعر. ولو لم يوجبه عليها لما أمرها به في موضع ما ولقال لها : اعتدي حيث شئت فلا سكنى لك. واستدل من ذهب أن لها السكنى والنفقة بما روي أن عمر بن الخطاب قال : لا ندع آية من كتاب الله ربنا وسنة نبينا لقول امرأة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول لها : السكنى والنفقة وتأول – والله تعالى أعلم – قول النبي صلى الله عليه وسلم لها لا نفقة لك، تأديبا من أجل أنها سخطت ما أرسل إليها به إذ رأى أنه هو الواجب لها عليه لقول الله عز وجل :﴿ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها﴾ وتأول أيضا أن النفقة التي أمر الله تعالى بها للحوامل في قوله :﴿وإن كن أولات حمل...﴾ الآية ليست لأجل الحمل وإنما هي من أجل العدة إذ لو كان من أجل الحمل لوجب له الرجوع بها عليه إذا ولد حيا، وقد مات أخ لأمه فورثه كما أنفق عليه في حياته ثم انكشف أن له مالا. واختلف الذين أوجبوا لها السكنى في الذي يجب عليها فيه. فقيل إنه حق لها فإن شاءت أخذته وإن شاءت تركته. وقيل إنه حق لله تعالى فيلزمها أن لا تبيت إلا فيه ولها أن تخرج في نهارها فتتصرف في حوائجها، وهو قول مالك وجميع أصحابه. وقيل إنه ليس لها أن تبيت عنه ولا أن تخرج منه نهارا. وهذا إنما يأتي على قول من رأى أن النفقة لها. والأظهر أنه حق له لأن ظاهر أمره تعالى بذلك إنما هو على أن الحق له فيه حتى يقيده بما يدل على غير ذلك، وليس في الآية تقييد. واختلف هل لهذه المطلقة أن تحج ؟ فذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنه (٦) ليس لها ذلك. وذهب ابن حنبل وغيره إلى أن لها أن تحج في العدة. وقال مالك رحمه الله تعالى : ترد ما لم تحرم. وأما الحامل المطلقة، فإن كان الطلاق رجعيا فحكمها حكم المطلقة الرجعية، وإن كان طلاقها بائنا فحكمها حكم البائن غير الحامل في وجوب السكنى لقوله تعالى :﴿أسكنوهن﴾ ولها النفقة بنص قوله تعالى :﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾ ولا خلاف في ذلك وإنما اختلف في نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها ففي ذلك قولان : أحدهما : المنع من ذلك. والآخر : إيجابه تعلقا بعموم الآية. والقول بالمنع أجرى على طريق النظر والأثر. وقد استدل بعضهم من قوله تعالى :﴿أسكنوهن﴾ الآية على القول بأن المرأة إذا كانت ساكنة في دارها ومعها زوجها ثم طلبته بالكراء أن ذلك يلزمه، خلافا للقول بأنه لا يلزمه كراء. والقولان معلومان في المذهب وذكر الاستدلال بذلك صاحب الوثائق المجموعة. واختلف هل يجوز عقد النكاح على حامل من زنا. فلم يجزه مالك وأجازه الشافعي وأبو حنيفة. وحجة مالك قوله تعالى :﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾. واختلف في المبتوتة في المرض (٧)، ففي المذهب أنها تعتد عدة المطلقة مات زوجها أو بقي. وقال أبو حنيفة : أقصى الأجلين. والحجة عليه قوله تعالى :﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ (٨). قوله تعالى :﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ إلى قوله تعالى :﴿سيجعل الله بعد عسر يسرا﴾ : يقول إن أرضع هؤلاء الزوجات المطلقات ولذلك فآتوهن أجورهن أي جميع ما يعان به الصبي وذلك نفقته وكسوته والأجرة على إرضاعه باتفاق. واختلف في كراء سكناه، فمنهم من رأى على الأب ذلك ومنهم من لم يره. وظاهر الآية على إيجابه على الأب. قوله تعالى :﴿وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى﴾ : أي إن تشططت الأم على الأب في أجرة الرضاع فللزوج أن يسترضع لولده غيرها بما فيه رفقة. وقد اختلف قول مالك إذا وجد الأب من يرضعه باطلا أو بدون ما يساوي رضاعه. فعنه أن من حق الأم أن ترضعه بأجر مثلها. وروى ابن وهب عنه أن الأم لم ترد أن ترضعه مجانا أو بما وجد كان له أن يدفعه إلى من ترضعه له مجانا أو بما وجد (٩). ومعنى ذلك إذا أرضعته عند أمه ولم تخرجه من حضانتها. وهذا القول أشبه بظاهر قوله تعالى :﴿وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى﴾. وقد استدل بعضهم بقوله تعالى :﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ على أنها إذا رضيت أن ترضع بأجر مثلها لم يكن للأب أن يسترضع غيرها بدون الأجر ويلزم على هذا أن يتأول قوله تعالى :﴿وإن تعاسرتم﴾ على أن الأم تطلق أكثر من أجر مثلها. وتدل هذه الآية أيضا على أن الأم أولى بحضانة الولد. وتدل أيضا على أن الأجرة إنما تستحق بالفراغ من العمل وإن احتمل أن يراد به غير ذلك. ١ "مذهب" كلمة ساقطة في (ح)، (هـ)، (و).. ٢ فاطمة بنت قيس بن خالد القرشية الفهرية. توفيت سنة ٥٠هـ/ ٦٧٠م. انظر تهذيب التهذيب ١٢/ ٤٤٣.. ٣ والحديث فيه طول وقد ذكره مالك في الموطأ فراجعه في كتاب الطلاق، باب: ما جاء في نفقة المطلقة ١/ ٣٩٣، ٣٩٤.. ٤ وهو قول أبي حنيفة وأصحابه فراجع الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ١٦٧.. ٥ وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور. راجع م. س. ، ن. ص.. ٦ "بما يدل على غير ذلك... إلى: أنه" كلام ساقط في (أ)،(ز).. ٧ في (أ)، (ز): "بالمرض".. ٨ راجع أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٢٤، والتفسير الكبير للفخر الرازي ٣٠/ ٣٧، والجامع لأحكام القرآن ١٨/ ١٦٦- ١٦٨.. ٩ "كان له أن يدفعه إلى من ترضعه له مجانا أو بما وجد" كلام ساقط في (أ)..

الطلاق 65:7

– قوله تعالى :﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا ( ٧ )﴾ : خص تعالى بهذه آية على الإنفاق على قدر اليسر والإعسار فدل أن النفقة مختلفة باختلاف الأحوال في ذلك وأن نفقة المعسر أقل من نفقة الموسر، خلافا لأبي حنيفة فإنه اعتبر كفايتهما. وقد اختلف في التطليق على من يعجز على نفقة امرأته، فقال مالك والشافعي وغيرهما تطلق. وقال أصحاب الرأي وعمر بن عبد العزيز وغيرهم : لا يفرق بينهما. قال بعضهم : وقوله تعالى :﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ فيه دليل على أنه لا يجوز التفريق لعجزه عن النفقة لأن الله تعالى لم يوجب النفقة في هذه الحالة. وحجة من يرى التفريق (١) أن يقول إن الزوج عجز عن الإمساك بالمعروف فعليه التسريح بإحسان. ولما كان لا بد من أحدهما وجب إذا فات أحدهما أن يتعين الثاني. ولا شك أن العاجز عن نفقة (٢) عبده أو أمته أو بهيمته لا يجب عليه نفقتها ولكن يجبر على بيع المملوك. كذلك ها هنا(٣). وقد استدل بعضهم أيضا على أنه لا يطلق بالعجز لقوله تعالى :﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾ [النور: ٣٢]. وقد تقدم الكلام على ذلك. واختلف أيضا في التطليق على الزوج بعدم الكسوة وإن وجد النفقة على قولين في المذهب. والتوجه للقولين على ما تقدم في النفقة لأن الكسوة من النفقة وإن كان اختلف الفقهاء فيمن طاع في نفقته رجل هل تلزمه كسوته أم لا ؟ فمنهم من أخرج الكسوة عن النفقة ومنهم من جعلها منها (٤). ١ "لعجزه على النفقة... إلى: التفريق" كلام ساقط في (ح).. ٢ في (أ) زيادة: ولده.. ٣ راجع أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٣٦١، وأحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٤٢٣.. ٤ راجع أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٢٧- ١٨٣١..

التحريم 66:1

– قوله تعالى :﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك….﴾ إلى قوله تعالى :﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ : اختلف في سبب (١) هذه الآية. فروي عن عكرمة وابن عباس أنها نزلت بسبب أم شريك التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم. وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها نزلت بسبب العسل الذي شربه رسول الله صلى الله عليه وسلم عند زينب بنت جحش فتمالأت عائشة وحفصة وسودة على أن تقول له من دنا منها : أكلت مغافير. والمغافير : صمغ العرفط، وهو حلو ثقيل الرائحة، ففعلن ذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا ولكني شربت عسلا ". فقلت له : جرست نخله العرفط. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا أشربه أبدا ". وكان يكره أن يوجد منه رائحة ثقيلة. وروي أنه حلف، وروي أيضا أنه حرم العسل، والآية تدل على ذلك. فدخل بعد ذلك على زينب فقالت : ألا نسقيك من ذلك العسل ؟ قال : " لا حاجة لي به ". قالت عائشة : فقالت سودة حين بلغها امتناعه : ولقد حرمناه. قلت لها : أسكتي (٢). وروي عن زيد بن أسلم وغيره في سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أهدى إليه المقوقس مارية القبطية اتخذها سرية. فلما كان في بعض الأيام – وهو يوم حفصة بنت عمر، وقيل بل كان يوم عائشة – جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت حفصة فوجدها قد مرت لزيارة أبيها فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في جاريته، فقال معها، فجاءت حفصة فوجدتها، فأقامت خارج البيت حتى أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مارية وذهبت. فدخلت حفصة غيرى متغيرة فقالت يا رسول الله : أما كان في نسائك أهون عليك مني ؟ أفي بيتي وعلى فراشي ؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم متراضيا : " أيرضيك أن أحرمها ؟ " قالت : نعم. فقال إني قد حرمتها (٣) قال بعضهم ولم يقل مع ذلك : والله لما أطأها وذلك مذكور عن أبي بكر وعمر وابن عباس. وقال ابن عباس : بل قال مع ذلك : " والله لا أطأها أبدا ". ثم قال لها لا تخبري بهذا أحدا. فمن قال إن ذلك كان في يوم عائشة قال : استكتمها خوفا من غضب عائشة وحسن عشرته لها. ومن قال بل كان في يوم حفصة قال : استكتمها لنفس الأمر. ثم إن حفصة رضي الله تعالى عنها قرعت الجدار الذي بينها وبين عائشة وأخبرتها لتسرها بالأمر ولم تر في إفشائه إليه حرجا. فأوحى الله تعالى إلى نبيه ونزلت الآية. وهذا القول أصح الأقوال في سبب الآية. وقيل إن هذا كان سبب تظاهر حفصة وعائشة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أن لا يدخل على نسائه شهرا حين طلبن منه النفقة (٤). وقد اختلف العلماء فيمن حرم على نفسه طعاما أو شرابا أو أمته أو أم ولده أو شيئا أحله الله تعالى له ما عدا الزوجة. فقالت طائفة لا يحرم عليه ذلك وعليه كفارة يمين، قاله أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي. وقال مالك والشافعي : لا يحرم عليه وليس عليه كفارة وأن التحريم في ذلك ليس بشيء. والحجة لهذا القول حديث عائشة أن الآية نزلت في شرب العسل ولم يذكر في ذلك كفارة. وحجة من أوجب الكفارة حديث زيد بن أسلم في تحريم الجارية. قال بعض رواته : كفر النبي صلى الله عليه وسلم من أجل التحريم وأصاب جاريته. قال جماعة فمن ذهب إلى هذا ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والله لا أطأها ". قال إسماعيل بن إسحاق : الحكم في ذلك واحد لأن الأمة لا يكون فيها طلاق فتطلق بالتحريم فكان تحريمها كتحريم ما يؤكل ويشرب. ولعل القصتين قد كانتا جميعا في وقتين مختلفين غير أن أمر الجارية في هذه أشبه لقوله تعالى :﴿تبتغي مرضات أزواجك﴾ ولقوله تعالى :﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا﴾ فكان ذلك في الأمة أشبه لأن الرجل يغشي أمته في ستر ولا يشرب العسل في ستر ولأن تحريم الأمة فيه مرضاة لهن. وقد اختلف في تكفير النبي صلى الله عليه وسلم. فقال بعضهم : حرم فأمر بالكفارة. وقال بعضهم : حرم وحلف فلذلك أمر بالكفارة، وقد يمكن أن يكون حرمها وحلف (٥) وقد زعم بعض من رأى في تحريم الأمة كفارة يمين أن الزوجة مثل الأمة في ذلك وأن من حرم زوجته فعليه كفارة (٦) وزعم أيضا بعض من لا يرى في الأمة كفارة أنه لا كفارة أيضا في تحريم الزوجة ولا يلزم فيه شيء كما لا يلزم في الأمة ولا غيرها. قالوا إنما عاتب الله نبيه صلى الله عليه وسلم في التحريم للأمة. واختلف فيمن حرم زوجته اختلافا كثيرا حتى قالت طائفة إنه ليس بشيء. قالوا وإنما عاتب الله تعالى نبيه وذلك على تحلة اليمين المبينة في المائدة لقوله : " قد حرمتها والله لا أطأها أبدا ". وقال مسروق : ما أبالي أحرمتها يعني الزوجة أو قصعة من ثريد. كذلك قال الشعبي : ليس التحريم بشيء قال تعالى :﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام﴾ [النحل: ١١٦] وقال :﴿لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ (٧) [المائدة: ٨٧] ومحرم زوجته مسمى حراما ما جعله الله تعالى حلالا. ومحرم ما أحل الله تعالى له. وقد مر الكلام على هذه المسألة وتحصيل الخلاف فيها مستوعبا فلا معنى لإعادته. وظاهر الآية يقتضي أن صيام الدهر مكروه لأن فاعل ذلك محرم على نفسه ما أحل الله تعالى له من أكل النهار وغيره من المباحات المفسدة للصوم. وقد اختلف فيمن حلف بصيام الدهر، فقال مالك يصوم ما عاش. وقال ابن القاسم يصوم سنة. وقال أشهب يصوم ستة أشهر. وقال ابن حنبل يصوم ثلاثة أيام من كل شهر. وقال الأوزاعي : لا شيء عليه لأن الله جل ثناؤه هو الدهر. وقال الشافعي وغيره من أهل العلم عليه كفارة يمين وكانوا يأخذون بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها : كل يمين وإن عظمت فكفارتها كفارة يمين ما لم يكن فيه عتق أو طلاق (٨) وكان مالك رحمه الله تعالى رأى أن الصوم وإن كان مكروها لظاهر الآية فإنه من ألزم نفسه شيئا لزمه لقوله تعالى :﴿أوفوا بالعقود﴾ (٩) [المائدة: ١]. ١ "سبب " كلمة ساقطة في (ب)، (ح)، (د)، (هـ).. ٢ وقد ذكر هذا السبب القرطبي في تفسيره نقلا عن صحيح مسلم فراجعه ١٨/ ١٧٨. وقال فيه ابن عاشور: هذا أصح ما روي في سبب نزول هذه الآيات. راجع التحرير والتنوير ٢٨/ ٣٤٤.. ٣ ذكره ابن عاشور في التحرير والتنوير نقلا عن ابن القاسم في المدونة ٢٨/ ٣٤٤. وذكره أيضا الواحدي في أسباب النزول ص ٣٢٥، والسيوطي في لباب النقول ص ٧٨٤، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ١٧٩.. ٤ راجع أسباب نزول هذه الآية في التفسير الكبير ٣٠/ ٤١ وفي أسباب النزول للواحدي ص ٣٢٥، وفي أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٣٢، ١٨٣٣، وفي أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٣٦٢، وفي الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ١٧٧- ١٧٩.. ٥ قال ابن عباس: فك النبي صلى الله عليه وسلم يمينه وضمها إلى نفسه. راجع تنوير المقباس ص ٤٧٧.. ٦ "زعم بعض... إلى: كفارة" كلام ساقط في (ح).. ٧ وأضاف القرطبي ربيعة وأبا سلمة وأصبغ. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ١٨٠.. ٨ الحديث ذكره السخاوي في المقاصد الحسنة نقلا عن شرح الرسالة للفاكهاني ص ٢٧٣.. ٩ راجع هذه المسائل في أحكام القرآن لابن العربي ٤/١٨٣٣- ١٨٣٩..

التحريم 66:2

– وقوله تعالى :﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ : اختلف في تأويله. فقال قوم هذه إشارة إلى تكفير اليمين المقترنة بالتحريم : والله لا أطأها أبدا. وقال آخرون هي إشارة إلى حلفه عليه الصلاة والسلام أن لا يدخل على نسائه شهرا فأمره الله تعالى بكفارة الإيلاء وأحال بقوله تعالى في هذه الآية :﴿تحلة أيمانكم﴾ على الآية التي في كفارة اليمين لله تعالى (١). ١ راجع التفسير الكبير ٣٠/ ٤٣، والجامع لأحكام القرآن ١٨/ ١٨٥، ١٨٦..

التحريم 66:3

– قوله تعالى :﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا﴾ : اختلف في معناه. فقال الجمهور : هو إشارة إلى أمر مارية. وقال آخرون بل إلى قوله إنما شربت عسلا. وقال ميمون بن مهران (١) الحديث الذي أسره (٢) إلى حفصة أنه قال : " أبشري فإن أبا بكر وعمر يملكان أمر أمتي من بعد خلافتي " (٣). وقوله تعالى :﴿عرف بعضه﴾ : من قرأ بالتخفيف فمعناه جازى بالعتب واللوم كما تقول لمن يؤذيك : قد عرفت لك هذا ولا أعرفن لك هذا. أي لا أجازينك عليه، ونحوه في المعنى قوله تعالى :﴿أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم﴾ [النساء: ٦٣] فعلم الله كفيل مجازاتهم. ومن قرأه بالتشديد فمعناه أعلم به وابن عليه. قوله تعالى :﴿وأعرض عن بعض﴾ : أعرض تكرما وحياء وحسن عشرة. وقال الحسن ما استقصى كريم قط. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حينئذ حفصة ثم إن الله تعالى أمره بمراجعتها. وروي أنه عاتبها ولم يطلقها (٤). ١ ميمون بن مهران: هو أبو أيوب ميمون بن وهران. فقيه. انظر تذكرة الحفاظ ١/ ٩٣.. ٢ "الذي أسره" كلام ساقط في (ح)، (ز).. ٣ قال القرطبي: وقال الكلبي: أسر إليها أن أباك وأبا عائشة يكونان خليفتي على أمتي من بعدي. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ١٨٦.. ٤ قال القرطبي: فقال عمر: لو كان في آل الخطاب خير لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طلقك. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ١٨٧..

التحريم 66:9

– قوله تعالى :﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ : في هذه الآية التأكيد في أمر الجهاد. والمعنى : دم على جهاد الكفار بالسيف والمنافقين بزجرهم وإقامة الحدود عليهم في كل ما اجترموه. وقال قوم : ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أذن له في قتال المنافقين وقتلهم وذلك حين كثر المسلمون. وقد تقدم كثير من نحو هذه الآية وتكلمنا عليه.

القلم 68:17

– قوله تعالى :﴿إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ( ١٧ )﴾ : استدل به أبو محمد عبد الوهاب على أن من نقص من النصاب قبل الحول قصد الفرار من الزكاة أو خالط غيره أو فارقه بعد الخلطة، فإن ذلك لا يسقط الزكاة عنه، خلافا للشافعي. قال ووجه الاستدلال بالآية أنهم قصدوا بقطع الثمار إسقاط حق المساكين، فعاقبهم الله سبحانه وتعالى بإتلاف ثمارها.

المعارج 70:5

– قوله تعالى :﴿فاصبر صبرا جميلا ( ٥ )﴾ : اختلف فيه هل هو منسوخ أو محكم. فذهب بعضهم إلى أنه منسوخ بآية السيف. وذهب قوم إلى أنه محكم وأنه صلى الله عليه وسلم لم يزل صابرا عليهم رفيقا بهم. قال بعضهم : وإنما أمره بالصبر الجميل وهو الذي لا يلحقه معه فشل ولا تشك ولا قلة رضى ولا غير ذلك. فالأمر بالصبر الجميل محكم في كل حالة(١). ١ راجع الإيضاح ص ٣٠٨- ٣٨١..

المعارج 70:24

– قوله تعالى :﴿والذين في أموالهم حق معلوم ( ٢٤ ) …﴾ إلى قوله تعالى :﴿أولئك في جنات مكرمون ( ٣٥ )﴾ : وقد تقدم الكلام في معنى قوله :﴿والذين في أموالهم حق معلوم ( ٢٤ ) للسائل والمحروم﴾ الخلاف في المحروم ما هو وفيه أقوال كثيرة حتى قال الشعبي : أعياني أن أعلم المحروم. وحكي عنه أيضا أنه قال وهو ابن سبعين سنة : سألت عنه وأنا غلام فما وجدت شفاء. ولا معنى لإعادة الكلام في ذلك إذ قد تقدم.

المعارج 70:25

– قوله تعالى :﴿والذين في أموالهم حق معلوم ( ٢٤ ) …﴾ إلى قوله تعالى :﴿أولئك في جنات مكرمون ( ٣٥ )﴾ : وقد تقدم الكلام في معنى قوله :﴿والذين في أموالهم حق معلوم ( ٢٤ ) للسائل والمحروم﴾ الخلاف في المحروم ما هو وفيه أقوال كثيرة حتى قال الشعبي : أعياني أن أعلم المحروم. وحكي عنه أيضا أنه قال وهو ابن سبعين سنة : سألت عنه وأنا غلام فما وجدت شفاء. ولا معنى لإعادة الكلام في ذلك إذ قد تقدم.

المعارج 70:26

– قوله تعالى :﴿والذين في أموالهم حق معلوم ( ٢٤ ) …﴾ إلى قوله تعالى :﴿أولئك في جنات مكرمون ( ٣٥ )﴾ : وقد تقدم الكلام في معنى قوله :﴿والذين في أموالهم حق معلوم ( ٢٤ ) للسائل والمحروم﴾ الخلاف في المحروم ما هو وفيه أقوال كثيرة حتى قال الشعبي : أعياني أن أعلم المحروم. وحكي عنه أيضا أنه قال وهو ابن سبعين سنة : سألت عنه وأنا غلام فما وجدت شفاء. ولا معنى لإعادة الكلام في ذلك إذ قد تقدم.

المعارج 70:27

– قوله تعالى :﴿والذين في أموالهم حق معلوم ( ٢٤ ) …﴾ إلى قوله تعالى :﴿أولئك في جنات مكرمون ( ٣٥ )﴾ : وقد تقدم الكلام في معنى قوله :﴿والذين في أموالهم حق معلوم ( ٢٤ ) للسائل والمحروم﴾ الخلاف في المحروم ما هو وفيه أقوال كثيرة حتى قال الشعبي : أعياني أن أعلم المحروم. وحكي عنه أيضا أنه قال وهو ابن سبعين سنة : سألت عنه وأنا غلام فما وجدت شفاء. ولا معنى لإعادة الكلام في ذلك إذ قد تقدم.

المعارج 70:28

– قوله تعالى :﴿والذين في أموالهم حق معلوم ( ٢٤ ) …﴾ إلى قوله تعالى :﴿أولئك في جنات مكرمون ( ٣٥ )﴾ : وقد تقدم الكلام في معنى قوله :﴿والذين في أموالهم حق معلوم ( ٢٤ ) للسائل والمحروم﴾ الخلاف في المحروم ما هو وفيه أقوال كثيرة حتى قال الشعبي : أعياني أن أعلم المحروم. وحكي عنه أيضا أنه قال وهو ابن سبعين سنة : سألت عنه وأنا غلام فما وجدت شفاء. ولا معنى لإعادة الكلام في ذلك إذ قد تقدم.

المعارج 70:29

– وقوله تعالى :﴿والذين هم لفروجهم حافظون ( ٢٩ ) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ( ٣٠ )﴾ : يستدل الفقهاء بهذه الآية على أن الوطء لا يجوز إلا بوجهين : نكاح أو ملك يمين، خلافا لمن أجاز المتعة ولمن أجاز الوطء بالأجرة. وقد سئل مالك رحمه الله تعالى : أليس واسعا أن تدخل جارية الزوجة أو الوالد على الرجل في المرحاض ؟ فقال مالك رحمه الله تعالى : لا ما في ذلك سعة قال تعالى :﴿والذين هم لفروجهم حافظون ( ٢٩ ) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾. وقد اختلف الأصوليون هل يجوز الاستدلال بمثل هذه الآية التي لم يقصد فيها الإعلام بالحكم وإنما قصد فيها ثناء أو ذم. لكن إذا اعتبرت ففيها الحكم منطوق. وكذلك اختلف في مثل قوله تعالى :﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣] ونحوه مما قصد فيها لغرض ما. وألفاظ الآية تعطي حكما إلا أنه لم يقصد إلى ذكره لأن هذه الآية إنما قصد فيها الإعلام بالعدة ولم يقصد بها إباحة النكاح. فطائفة تجيز الاستدلال بهذا النحو وطائفة لا تجيزه. والجواز أظهر.

المعارج 70:30

– وقوله تعالى :﴿والذين هم لفروجهم حافظون ( ٢٩ ) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ( ٣٠ )﴾ : يستدل الفقهاء بهذه الآية على أن الوطء لا يجوز إلا بوجهين : نكاح أو ملك يمين، خلافا لمن أجاز المتعة ولمن أجاز الوطء بالأجرة. وقد سئل مالك رحمه الله تعالى : أليس واسعا أن تدخل جارية الزوجة أو الوالد على الرجل في المرحاض ؟ فقال مالك رحمه الله تعالى : لا ما في ذلك سعة قال تعالى :﴿والذين هم لفروجهم حافظون ( ٢٩ ) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾. وقد اختلف الأصوليون هل يجوز الاستدلال بمثل هذه الآية التي لم يقصد فيها الإعلام بالحكم وإنما قصد فيها ثناء أو ذم. لكن إذا اعتبرت ففيها الحكم منطوق. وكذلك اختلف في مثل قوله تعالى :﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣] ونحوه مما قصد فيها لغرض ما. وألفاظ الآية تعطي حكما إلا أنه لم يقصد إلى ذكره لأن هذه الآية إنما قصد فيها الإعلام بالعدة ولم يقصد بها إباحة النكاح. فطائفة تجيز الاستدلال بهذا النحو وطائفة لا تجيزه. والجواز أظهر.

المعارج 70:32

– قوله تعالى :﴿والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ( ٣٢ )﴾ : الأمانات جاء بها في لفظ الجمع لأنها تتعدد من حيث تكون في الأبدان وفي الأموال وفيما بين العبد وبارئه. وقال الحسن : الدين كله أمانة.

المعارج 70:33

– قوله تعالى :﴿والذين هم بشهاداتهم قائمون ( ٣٣ )﴾ : اختلف في معناه. فقيل هي شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل الشهادة عند الحكام. واختلف الذاهبون إلى ذلك في معناه. فقيل يحفظون ما يشهدون فيه وينعتونه، وعلى هذا يأتي قوله عليه الصلاة والسلام : " على مثل الشمس فاشهد " (١). وقيل معناه : الذين إذا كانت عندهم شهادة ورأوا حقا يداس أو حرمة لله تعالى تنتهك قاموا بشهادتهم. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها " (٢) وتأوله الناس على القولين المتقدمين في الآية. وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يعارض ذلك قوله : " سيأتي على الناس زمان يخافون ولا يؤتمنون ويشهدون ولا يستشهدون ويظهر فيهم السمن " (٣) فتأوله الناس على وجهين : أحدهما : أنهم قوم يتعرضون للشهادة ويحرصون على وضع أسمائهم في الوثائق وينصبون لذلك الحبائل من زي وهيأة وهم غير أهل للشهادة. فهذا في ابتداء الشهادة. وقال آخرون : وهم شهود الزور لأنهم لا يؤدونها والمشهود عليه لم يشهدهم. ففي الآية على ما قدمته من أحد التأويلين دليل على أن الذي ينبغي الإخبار بالشهادة قبل أن تسأل، فظاهر ذلك العموم في كل شهادة. وقد قرئ : بشهادتهم، وهو يعضد ذلك. إلا أنه قد ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه ما كان من حقوق الله تعالى لا يستدام فيه التحريم كالزنا وشرب الخمر، فهذا الذي ينبغي للشاهد أن لا يخبر بها قبل أن يسأل. واستدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم لهزال : " يا هزال هلا سترته بردائه " (٤) فيتخصص بدليل هذا الحديث عموم الآية وتبقى الآية عامة في غير ذلك من حقوق الله تعالى التي يستدام فيها التحريم كالعتق والطلاق والأحباس والمساجد والغنائم وما أشبههما وحقوق الآدميين. فيلزم الشاهد بها أن يخبر بشهادته ويقوم بها غيره. إلا أن في حقوق الآدميين إنما ينبغي أن يخبر بذلك صاحب الحق. وقد اختلف إذا قام الشاهد بشهادته عند الحاكم في مثل الطلاق والعتق وغيره قبل أن يسأل هل تبطل شهادته أم لا ؟ فذهب ابن القاسم إلى أنها تصح وهو أظهر على ألفاظ الآية والحديث المتقدم. واختلف إن سكت ولم يخبر بها هل تبطل شهادته أم لا ؟ فذهب ابن القاسم إلى أنها تبطل، وظاهره في المبسوطة أنها لا تبطل. والآية – إن قيل فيها أنه تعالى إنما ذكر فيها أرفع الدرجات في الشهادة وأثنى بها (٥) على المذكورين في الآية – ففيها دليل أنها لا تبطل بالسكوت عليها. وإن قيل إنه تعالى إنما ذكرهم بأنهم يمنعون ما يجب عليهم ويأتون من ذلك ما هو الحق فظاهر الآية أنها تبطل. ١ الحديث أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط والإمام أحمد في مسنده والبيهقي في سننه وذكره السخاوي في المقاصد الحسنة ص ٢٩١.. ٢ الحديث أخرجه مسلم في صحيحه عن زيد بن ثابت، كتاب الأقضية، باب: بيان خير الشهود. ومالك في الموطأ، كتاب الأقضية، باب: ما جاء في الشهود ٢/ ٧٢٠.. ٣ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه عن عمران بن حصين، كتاب الرقاق، باب: ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها ٧/ ١٧٣.. ٤ الحديث رواه مالك في الموطأ، كتاب الحدود، باب: ما جاء في الرجم ٢/ ١٧٨.. ٥ "بها" كلمة ساقطة في (ج)، (ح)..

المعارج 70:34

– قوله تعالى :﴿والذين هم على صلاتهم يحافظون ( ٣٤ )﴾ : معناه يحافظون على إقامتها في أوقاتها بشروط صحتها وكمالها. وقال ابن جريج يدخل في هذه الآية المتطوع.

المعارج 70:42

– قوله تعالى :﴿فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ( ٤٢ )﴾ : وهذه الآية وعيد وفيها مهادنة وهي منسوخة بآية القتال.

نوح 71:26

– قوله تعالى :﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا…﴾ إلى قوله تعالى :﴿ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا﴾ : احتج به الخوارج في أن أطفال المشركين كفار في النار خلافا لمن ذهب من أهل السنة إلى أنهم في الجنة ولمن توقف منهم وقال إنهم في المشيئة. ولا حجة في الآية لأن نوحا عليه السلام إنما أراد قومه خاصة لأن الله عز وجل قال له :﴿لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾ [هود: ٣٦] فأيقن نوح بهذا أنه لن يؤمن منهم أحد.

نوح 71:27

– قوله تعالى :﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا…﴾ إلى قوله تعالى :﴿ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا﴾ : احتج به الخوارج في أن أطفال المشركين كفار في النار خلافا لمن ذهب من أهل السنة إلى أنهم في الجنة ولمن توقف منهم وقال إنهم في المشيئة. ولا حجة في الآية لأن نوحا عليه السلام إنما أراد قومه خاصة لأن الله عز وجل قال له :﴿لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾ [هود: ٣٦] فأيقن نوح بهذا أنه لن يؤمن منهم أحد.

الجن 72:18

– قوله تعالى :﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ( ١٨ )﴾ : قال ابن قتيبة في المشكل : يريد بالمساجد السجود مصدرا مجموعا. وقيل يريد بالمساجد المساجد المخصوصة للصلاة. وأضافها تعالى إلى نفسه تشريفا لها، فلذلك لم ينبغ إلا أن تفرد بما هو خالص لله تعالى من صلاة ودعاء وقراءة علم فلا يتحدث فيها في أمور الدنيا ولا يتجر فيها ولا يتخذ طريقا ولا يجعل فيها حظ لغير لله تعالى (١). وقد اختلف في القضاء فيها، فأجازه مالك اتباعا للسنة الواردة في ذلك من قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ولم يجزه الشافعي لهذه الآية ونحوها. وكذلك اختلف في إقامة الحدود والأدب فيها. والأظهر منع ذلك إلا ما خف لأن ذلك أيضا إنما هو لله تعالى. ١ راجع تأويل مشكل القرآن ص ٤٣٢..

المزمل 73:2

– قوله تعالى :﴿قم الليل إلا قليلا ( ٢ ) نصفه أو انقص منه قليلا ( ٣ ) أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا ( ٤ )﴾ : اختلف في هذا الأمر بقيام الليل هل هو محكم أو منسوخ. فذهب جماعة إلى أنه محكم واختلفوا في تأويله. فذهب قوم إلى أن الأمر به أمر ندب قد كان لم يفرض قط. ويعضد قوله ما جاء في الصحاح من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ليلة في رمضان خلف حصير احتجزه فصلى وصلى بصلاته ناس. ثم كثروا من الليلة القابلة ثم غص المسجد في الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحصبوا بابه فخرج مغضبا وقال : " إنما تركت الخروج لأني خفت أن يفرض عليكم " (١). وفي لفظ الحديث أنه لم يكلمهم إلا بعد أن أصبح. وذهب قوم إلى أن الأمر أمر إيجاب وأن قيام الليل كان فرضا في وقت نزول الآية إلا أنه كان فرضا على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة وبقي كذلك حتى توفي صلى الله عليه وسلم. وذهب قوم إلى أن الأمر أمر إيجاب أيضا وأن قيام الليل كان فرضا إذ نزلت الآية على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه ولم يزل فرضا على جميع الناس ولكن ليس الليل كله. قال الحسن وابن سيرين : صلاة الليل فريضة على كل مسلم ولو على قدر حلب شاة. إلا أن الحسن قال : من قرأ مائة آية لم يحاجه القرآن. وذهب جماعة إلى أنه منسوخ واختلفوا في تأويلها أيضا. فقال بعضهم كانت صلاة الليل بالآية فرضا على النبي صلى الله عليه وسلم وحده ثم نسخ عنه ولم يمت إلا والقيام له تطوع. وقال بعضهم كان فرضا على جميع الناس ثم نسخ. واختلف هؤلاء في مقدار مدة بقائه فرضا. قال ابن جبير عشر سنين. وقال ابن عباس وعائشة دام عاما. وقالت عائشة أيضا في رواية عنها دام ثمانية أشهر. وقال قتادة بقي عاما أو عامين. وجاء في بعض الأحاديث أنهم كانوا قد قاموا حتى تفطرت أقدامهم وانتفخت ثم نزل الناسخ لذلك وهو قوله تعالى في آخر السورة :﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه…﴾ إلى قوله تعالى :﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾. وقال بعضهم هو منسوخ بالصلوات الخمس. واختلف الذاهبون إلى هذا أيضا. فمنهم من قال نسخ الفرض فبقي مباحا فيكون قوله تعالى :﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾ أمر إباحة. ومنهم من قال : نسخ الفرض بفرض أخف منه فيكون قوله تعالى :﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾ أمر إيجاب، وهو قول ابن جبير وجماعة معه، قالوا وهو فرض لا بد منه ولو قدر خمسين آية. واستحسن هذا جماعة من العلماء. قال بعضهم : والركعتان بعد العتمة مع الوتر مدخلتان في حكم امتثال هذا الأمر ومن زاد زاده الله تعالى ثوابا. قال بعضهم : وهذا أول ما افترض على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين ثم نسخ ذلك فخفف (٢). ١ الحديث: راجع الموطأ، كتاب الصلاة، باب: الترغيب في الصلاة في رمضان ١/ ١١٣.. ٢ راجع الإيضاح ص ٣٨٢، ٣٨٣، والتفسير الكبير ٣٠/ ١٧٢، ١٧٣..

المزمل 73:4

– قوله تعالى :﴿ورتل القرآن ترتيلا﴾ : استدل بعضهم بهذه الآية على أن القرآن بترتيل وتفهم أحسن من الهذ ورووا أن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت مبينة مرتلة لو شاء أحد أن يعد الحروف لعدها وردوا بذلك على من استحسن الهذ (١). وقد مضى الكلام على ذلك فلا معنى لإعادته. ١ راجع ما جاء في كيفية قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب: ترتيل القراءة واجتناب الهذ ٢/ ٢٠٤..

المزمل 73:10

– قوله تعالى :﴿واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا ( ١٠ )﴾ : اختلف في الآية هل هي محكمة أو منسوخة ؟ فذهب قوم إلى أنها منسوخة بآية القتال (١) لأن فيها مهادنة (٢) والمراد بالآية قريشا. وقال بعضهم قوله :﴿واهجرهم هجرا جميلا﴾ هو المنسوخ وأما الصبر فليس بمنسوخ لأنه قد يتوجه على ما يبقى حكمه. وقيل الآية كلها محكمة وفيما يتوجه من الهجر الجميل بين المسلمين. قال أبو الدرداء : إنا لنبش في وجوه أقوام وأن قلوبنا لتقليهم. والقول الأول في الآية أصح لأن الآية إنما هي في كفار قريش وردهم رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ١ في (أ)، (ز): "بآية السيف".. ٢ راجع الإيضاح ص ٣٨٤..

المزمل 73:20

– قوله تعالى :﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل…﴾ إلى قوله تعالى :﴿واستغفروا الله﴾ : قد تقدم الكلام على ما في هذه الآية من النسخ. وقد ذهب أبو حنيفة ومن تابعه إلى أن قوله تعالى :﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾ في صلاة الفريضة واستدلوا بذلك على أن القراءة في الصلاة غير وافية. وقد تقدم الكلام على ذلك بما أغنى عن إعادته هنا. قوله تعالى :﴿علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض﴾ : ذكر الله تعالى الأعذار التي هي حائلة بين بني آدم وبين قيام الليل وهي المرض والضرب في الأرض وهو السفر في تجارة أو غزو. وفي هذه الآية فضيلة للضرب في الأرض للتجارة لسوقها في الآية مع الجهاد. وقال عبد الله بن عمر : أحب موت إلي بعد القتل في سبيل الله أن أموت وأنا أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله ثم كرر الأمر بقراءة ما تيسر منه تأكيدا. والصلاة والزكاة هنا المفروضتان ثم أمر تعالى بالاستغفار في آخر الآية. قال بعض العلماء : فالاستغفار بعد الصلاة مستنبط من هذه الآية ومن قوله تعالى :﴿كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ( ١٧ ) وبالأسحار هم يستغفرون ( ١٨ )﴾ [الذاريات: ١٧، ١٨] وكان السلف الصالح يصلون إلى طلوع الفجر ثم يجلسون إلى الاستغفار إلى صلاة الصبح.

المدثر 74:4

– قوله تعالى :﴿وثيابك فطهر ( ٤ ) والرجز فاهجر ( ٥ ) ولا تمنن تستكثر ( ٦ ) ولربك فاصبر ( ٧ )﴾ : اختلف في معنى قوله تعالى :﴿وثيابك فطهر ( ٤ )﴾ فقيل هو أمر بتطهير الثياب حقيقة، قاله ابن زياد وابن سيرين والشافعي وغيرهم. واستدل الشافعي بهذه الآية على إيجاب غسل النجاسات من الثوب ورد به قول مالك وأصحابه وأهل المدينة أن ذلك ليس بواجب. وفي المذهب قولان : أحدهما : إزالة النجاسة للصلاة فرض. والثاني : أنها سنة. ودليل مالك من تابعه على أنها سنة الإجماع على جواز الصلاة بالاستجمار من غير غسل. قال الباجي : والدليل على وجوب الإزالة قوله تعالى :﴿وثيابك فطهر ( ٤ )﴾ ولا خلاف أنه ليس هنا طهارة واجبة للثياب غير طهارة النجاسة (١). فإن قيل إن الثياب هنا القلب بدليل أن هذه الآية أول ما نزل من القرآن قبل الأمر بالصلاة والوضوء، وإزالة النجاسة إنما هو لأجل الصلاة، فالجواب أن الثياب أظهر في القياس فيجب أن يحمل عليه ويجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم خص بذلك في أول الإسلام وفرض عليه دون أمته. ثم ورد الأمر بذلك لأمته. وجواب ثان : وهو أن شرع من قبلنا شرع لنا فيحتمل أن يكون قد اتسع في الصلاة شرع من قبلنا من النبيين فوجب بذلك اتباعهم وتأخر الأمر به بنص شرعنا عن ذلك الوقت، فلا يمتنع أن يكون قد أمر على الوجهين بتطهير الثياب للصلاة في أول الأمر ثم ورد عليه بعد ذلك نص بالأمر بالصلاة. وقيل تطهير الثياب هنا استعارة لتنقية الأفعال والنفس والعرض كما تقول : فلان طاهر الثوب، وهو قول الجمهور. وقال طاووس المعنى : قصر ثيابك وشمرها فإن لك طهرة للثياب. وهذا يأتي على قول النبي صلى الله عليه وسلم : " إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه ما أسفل من ذلك ففي النار " (٢). وقوله : " لا ينظر الله تعالى يوم القيامة إلى من يجر إزاره بترا " (٣) ونهيه عن إسبال الإزار، والأحاديث في مثل هذا كثيرة. وقيل معناه : وقلبك فطهر فكنى بالثياب عن القلب (٤). ١ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٤٢٧.. ٢ الحديث رواه مالك في الموطأ، كتاب الجامع، باب: ما جاء في إسبال الرجل ثوبه ٢/ ٢٤٧.. ٣ والحديث رواه مالك عن أبي هريرة في الموطأ، كتاب الجامع، باب: ما جاء في إسبال الرجل ثوبه ٢/ ٢٤٦.. ٤ وقد ذكر القرطبي في ذلك ثمانية أقوال فراجعها في الجامع لأحكام القرآن ١٩/ ٦٢- ٦٦..

المدثر 74:5

قوله تعالى :﴿والرجز فاهجر ( ٥ )﴾ اختلف في معناه. فقيل يعني الأوثان، قاله مجاهد وعكرمة ورفعه جابر إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل يعني الإثم، قاله النخعي. وقيل يعني أسافا ونائلة، قاله قتادة فيما ذكر المهدوي عنه. وقيل يعني العذاب أي عمل الرجز والهجر محذوف المضاف (١) قاله ابن عباس وقيل يعني النتن والنقائص وفجور الكفار ونحوه، قاله قتادة فيما ذكره بعض المفسرين عنه. قال ومن قرأ بالضم فهما الصنمان أسافا ونائلة. وقيل كل معصية رجز. ١ "قاله قتادة فيما ذكر المهدوي عنه... إلى: المضاف" كلام ساقط في (ح)..

المدثر 74:6

وقوله تعالى :﴿ولا تمنن تستكثر ( ٦ )﴾ : اختلف في معناه. فقال ابن عباس وغيره معناه لا تعط عطاء لتعطي أكثر منه فهو من قولهم من إذا أعطى. قال الضحاك وهو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ومباح لأمته. قال مكي وهذا معنى قوله تعالى :﴿وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله﴾ [الروم: ٣٩]. وقال ابن عباس أيضا فيما روي عنه معناه : لا تقل دعوت فلم أجب. وقال قتادة معناه : لا تدل بعملك. ففي تحريض على الجد وتخويف. وقال ابن زيد : معناه لا تمنن على الناس بنبوتك تستكثر أجرا أو كسبا تطلبه منهم. وقال مجاهد معناه : ولا تضعف، من قولهم حبل متين أي ضعيف. أي لا تضعف تستكثر ما حملناك من أعباء الرسالة أو تستكثر من الخير. وقال الحسن بن أبي الحسن معناه : ولا تمنن على الله بجدك تستكثر أعمالك ويقع لك بها إعجاب فهذا من المن الذي هو ذكر اليد وتعديدها.

المدثر 74:7

وقوله تعالى :﴿ولربك فاصبر ( ٧ )﴾ : اختلف في معناه. فقال النخعي معناه : إذا عملت عملا صالحا فاصبر حتى تثاب عليه. وعنه أيضا اصبر على عطيتك لا تعطيها لتأخذ أكثر منها. وقال مجاهد المعنى اصبر على ما أوذيت به، يعني ما لقيه من قومه ومن اليهود. وقيل المعنى اصبر لوجه ربك وطلب رضاه كما تقول فعلت ذلك لله عز وجل. والله تعالى أعلم(١). ١ "والله تعالى أعلم" كلام ساقط في غير (ح)..

القيامة 75:33

– قوله تعالى :﴿ثم ذهب إلى أهله يتمطى ( ٣٣ )﴾ : ذم الله تعالى المذكور في هذه الآية بهذه المشية وذلك أن قوله :﴿يتمطى﴾ معناه يمشي المطيطا وهي مشية المتبختر. قال زيد بن أسلم : كانت مشية بني مخزوم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا مشيت أمتي المطيطا وخدمتهم الروم وفارس سلط بعضهم على بعض " (١). قال مجاهد نزلت هذه الآية في أبي جهل. ١ الحديث: راجع إحياء علوم الدين للغزالي ٣/ ٣٣٠. وتاريخ أصبهان للحافظ أبي نعيم الأصبهاني ١/ ٣٠٨..

الإنسان 76:8

– قوله تعالى :﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ( ٨ )﴾ : اختلف في تأويل الأسير. فقال قتادة أراد أسرى الكفار وإن كانوا على غير الإسلام. قال الحسن : ما كان أسراهم إلا مشركين وكل كبد رطبة ففيها أجر. وقال بعض أهل العلم هذا إما منسوخ بآية القتال وإما محكم لتحفظ حياة الأسير حتى يرى الإيمان فيه رأيه. وقد استدل بعضهم بهذه الآية على أن إطعام المشرك يتقرب به إلى الله. غير أن ذلك في صدقة التطوع وأما المفروض فلا دليل عليه، وقد اختلف قول مالك في الوصية لليهود والنصارى فكرهه. وقال سحنون وقد كان قبل ذلك يجيزه. قال ابن القاسم ولست أرى به بأسا إذا كان ذلك منه على وجه الصلة مثل أن يكون أباه وأخاه، وأما على غير هذا فلا أراه. وأما الوصية للذميين الأباعد فلا خلاف في كراهة ذلك. وفي موطأ ابن وهب عن مالك فيمن نذر صدقة على كافر أن ذلك يلزمه. وقال في موضع آخر : إن قال مالي صدقة على فقراء اليهود أن ذلك يلزمه فيتصدق عليهم بثلث ماله. وقد قال عز وجل :﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ( ٨ )﴾ والأسير الكافر فإذا وصى لهم بنفقة لفقرهم جاز ذلك على كراهة لأن الأجر في الصدقة على فقراء المسلمين أجزل. وقد أجاز أشهب الوصية للذميين كانوا ذوي قرابة أو أجنبيين إجازة مطلقة دون كراهة. قال بعضهم : ومعنى ذلك في الأجنبيين – والله تعالى أعلم – إذا كان لهم حق في جوار أو يد سلفت لهم إليه أو ما أشبه ذلك. وأما إن لم يكن ذلك فالوصية لهم محظورة إذ لا يوصى للكافر من غير سبب إلا مسلم مريض الإيمان قال تعالى :﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾ [المجادلة: ٢٢]. وأما الوصية للحربي فإنها لا تجوز لأن ذلك قوة لهم، ويرجع ذلك ميراثا ولا تجعل صدقة ولا غيرها. وكذلك من أوصى بما لا يحل، قاله أصبغ في الواضحة. وقال مجاهد وابن جبير وغيرهما : أراد بالأسير المسجونين من الناس ولهذا يخص على صدقة المسجون (١). وروى الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الأسير هنا بالمملوك والمسجون. وقال بعضهم : أراد أسارى المؤمنين الذين تركوا في بلاد الحرب رهائن وخرجوا لطلب الفداء. وقال أبو حمزة الثمالي (٢) : الأسير هنا المرأة ودليله قوله عليه الصلاة والسلام : " استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان عندكم " (٣). ١ قال الباجي: ومن أوصى لحربي فقد ذكر القاضي أبو محمد في إشرافه: تجوز الوصية للمشركين أهل حرب كانوا أو أهل ذمة قال: والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ ومن جهة المعنى أن كل من جاز تمليكه لغير الوصية جاز بالوصية كالذمي والمستأمن. راجع المنتقى، كتاب الأقضية، باب: الوصية للوارث والحيازة ٦/ ١٧٨.. ٢ أبو حمزة الثمالي: وهو ثابت بن أبي صفية، دينار، وقيل سعيد، أبو حمزة الثمالي الأزدي الكوفي مولى المهلب. توفي في خلافة أبي جعفر. انظر تهذيب التهذيب ٢/ ٧.. ٣ راجع ذلك عند القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٩/ ١٢٩. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، كتاب النكاح، باب: الوصاية بالنساء ٦/ ١٤٥..

الإنسان 76:24

- قوله تعالى :﴿فاصبر لحكم ربك…﴾ إلى قوله تعالى :﴿طويلا﴾ : أمره تعالى أن يصبر ويتحمل المشقة ليعذر إليهم.

الإنسان 76:25

– قوله تعالى :﴿واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ( ٢٥ ) ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا ( ٢٦ )﴾ : أمره تعالى بذكر ربه دائما. ويحتمل أن يريد بالتسبيح هنا الصلاة، ويحتمل أن يريد به قول : سبحان الله. وقد اختلف في المعنى بهذه الآية. فذهب قوم من العلماء أن هذه الآية إشارة إلى الصلوات الخمس، منه ابن حبيب وغيره. فالبكرة صلاة الصبح والأصيل الظهر والعصر من الليل المغرب والعشاء. وذهب قوم إلى أنها في النوافل واختلفوا بعد ذلك فقال قوم كان هذا فرضا ونسخ بقوله تعالى :﴿فتهجد به نافلة لك﴾ [الإسراء: ٧٩] فلا فرض إلا الخمس. وقال قوم هو ندب فهو محكم.

الإنسان 76:26

– قوله تعالى :﴿واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ( ٢٥ ) ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا ( ٢٦ )﴾ : أمره تعالى بذكر ربه دائما. ويحتمل أن يريد بالتسبيح هنا الصلاة، ويحتمل أن يريد به قول : سبحان الله. وقد اختلف في المعنى بهذه الآية. فذهب قوم من العلماء أن هذه الآية إشارة إلى الصلوات الخمس، منه ابن حبيب وغيره. فالبكرة صلاة الصبح والأصيل الظهر والعصر من الليل المغرب والعشاء. وذهب قوم إلى أنها في النوافل واختلفوا بعد ذلك فقال قوم كان هذا فرضا ونسخ بقوله تعالى :﴿فتهجد به نافلة لك﴾ [الإسراء: ٧٩] فلا فرض إلا الخمس. وقال قوم هو ندب فهو محكم.

المرسلات 77:12

– قوله تعالى :﴿لأي يوم أجلت ( ١٢ ) ليوم الفصل ( ١٣ )﴾ : انتزع الناس من هذه الآية تأجيل القضاة للخصوم في الحكومات ليقع فصل القضاء عند تمام التأجيل.

المرسلات 77:13

– قوله تعالى :﴿لأي يوم أجلت ( ١٢ ) ليوم الفصل ( ١٣ )﴾ : انتزع الناس من هذه الآية تأجيل القضاة للخصوم في الحكومات ليقع فصل القضاء عند تمام التأجيل.

المرسلات 77:25

– قوله تعالى :﴿ألم نجعل الأرض كفاتا ( ٢٥ ) أحياء وأمواتا ( ٢٦ )﴾ : قال ابن عبد البر : قد احتج ابن القاسم في قطع النباش بهذه الآية (١). وقال مالك : القبر حرز الميت كما أن البيت حرز الحي. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمى القبر بيتا. وخالفه الكوفيون وقالوا : القبر ليس بحرز فلا يقطع فيه. وبهذه الآية أيضا :﴿ألم نجعل الأرض كفاتا ( ٢٥ ) أحياء وأمواتا ( ٢٦ )﴾ استدل بعضهم على وجوب مواراة الميت ودفنه ودفن شعره وسائر ما يذائله. ١ قال القرطبي: روي عن ربيعة في النباش، قال: تقطع يده. فقيل له: لم قلت ذلك؟ قال: إن الله عز وجل يقول: ﴿ألم نجعل الأرض كفاتا (٢٥) أحياء وأمواتا (٢٦)﴾ فالأرض حرز. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٩/ ١٥٩..

المرسلات 77:26

– قوله تعالى :﴿ألم نجعل الأرض كفاتا ( ٢٥ ) أحياء وأمواتا ( ٢٦ )﴾ : قال ابن عبد البر : قد احتج ابن القاسم في قطع النباش بهذه الآية (١). وقال مالك : القبر حرز الميت كما أن البيت حرز الحي. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمى القبر بيتا. وخالفه الكوفيون وقالوا : القبر ليس بحرز فلا يقطع فيه. وبهذه الآية أيضا :﴿ألم نجعل الأرض كفاتا ( ٢٥ ) أحياء وأمواتا ( ٢٦ )﴾ استدل بعضهم على وجوب مواراة الميت ودفنه ودفن شعره وسائر ما يذائله. ١ قال القرطبي: روي عن ربيعة في النباش، قال: تقطع يده. فقيل له: لم قلت ذلك؟ قال: إن الله عز وجل يقول: ﴿ألم نجعل الأرض كفاتا (٢٥) أحياء وأمواتا (٢٦)﴾ فالأرض حرز. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٩/ ١٥٩..

النبأ 78:23

– قوله تعالى :﴿لابثين فيها أحقابا ( ٢٣ )﴾ : يعني الكفار. أخبر تعالى بأنهم لابثون في جهنم أحقابا. واختلف الناس فيها. فطائفة رأت أنها منسوخة وأنهم مخلدون في النار لأن هذه الآية تقتضي عندهم أنهم لا يخلدون فنسخها عندهم قوله تعالى :﴿فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا ( ٣٠ )﴾ [النبأ: ٣٠]، وممن ذهب إلى هذا مقاتل بن حيان. واختلف الذاهبون إلى هذا في الأحقاب كم هي اختلافا كثيرا لا معنى لذكره. وهذا قول ضعيف لأنه خبر محض فلا يدخله نسخ بوجه. وذهب قوم إلى أن المراد بالآية عصاة المؤمنين، وهذا ضعيف لأن ما بعده من الآيات مفسر. وذهب قوم إلى أنها في الكفار وأن المعنى أنهم يلبثون فيها أحقابا غير ذائقين بردا ولا شرابا. فبهذه الحال يلبثون أحقابا ثم يبقى العذاب سرمدا وهم يشربون أشربة جهنم. والذي ينبغي أن يقال : معنى الآية أنه تعالى أخبر عن الكفار أنهم يلبثون أحقابا كلما مر حقب جاء غيره إلى غير نهاية.

المطففين 83:1

- أولهما قوله تعالى :﴿ويل للمطففين ( ١ ) الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون ( ٢ ) وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ( ٣ )﴾. أراد الله تعالى بالتطفيف في الكيل والوزن. والتطفيف النقصان. وقيل تجاوز الحد في وفاء أو نقصان، وهو أحسن. فذم الله تعالى في هذه الآية التجاوز بين الحد الواجب في ذلك وأثبت لهم الويل. ﴿اكتالوا على الناس﴾ معناه : قبضوا منهم. و ﴿كالوهم﴾ معناه : أقبضوهم. وظاهر هذه الآية يقتضي أن الكيل على البائع، وليس بالجلي. وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة يوسف عليه السلام.

المطففين 83:32

– وقوله تعالى :﴿وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون ( ٣٢ ) وما أرسلوا عليهم حافظين ( ٣٣ )﴾ : اختلفوا في الضمير الذي في : رأوا لمن هو. فقال الطبري وغيره : هو للكفار، وأنهم يرمون المؤمنين بالضلال، ولم يرسلوا على المؤمنين حفظة (١). وقيل : بل المعنى بالعكس، والضمير فيها للمؤمنين. والمعنى : أنهم يرمون الكفار بالضلال، وهو قول حق. ١ راجع جامع البيان..

المطففين 83:33

﴿وما أرسلوا عليهم حافظين ( ٣٣ )﴾ أي المؤمنون لم يرسلوا حفظة على الكفار. ففي الآية على هذا موادعة. وهذا منسوخ على هذا التأويل بآية السيف.

الطارق 86:17

– قوله تعالى :﴿فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ( ١٧ )﴾ : في هذه الآية موادعة، وهي منسوخة بآية السيف.

الأعلى 87:14

- قوله تعالى :﴿قد أفلح من تزكى ( ١٤ ) وذكر اسم ربه فصلى ( ١٥ )﴾ : اختلف في معنى قوله تعالى :﴿تزكى﴾، فقيل طهر نفسه ونماها بالخير. وقال قتادة : من تزكى بالعمل الصالح. وقال عكرمة : من قال لا إله إلا الله. وقال ابن عباس : من تزكى من الشرك (١). وليس في الآية على هذه الأقوال حكم. وقال عطاء : معناه : من تصدق يعني الصدقات كلها. وقال قتادة أيضا فيما روي عنه معناه : أدى زكاة ماله. وقال ابن عباس أيضا وابن المسيب وغيرهما المعنى : من أدى زكاة الفطر. والذين ذهبوا إلى هذا اختلفوا في الآية هل هي منسوخة أو محكمة. فذهب قوم إلى أنها محكمة، واختلفوا هل هي فريضة أو سنة. وظاهر الآية على هذا التأويل أنها سنة. وذهب قوم إلى أنها منسوخة بالزكاة المفروضة ولم يروا زكاة الفطر واجبة. قال عمر بن عبد العزيز : نسخت فصارت سنة بعد أن كانت واجبة. واختلف الذاهبون إلى أنها محكمة هل على من تحل له الصدقة زكاة الفطر أم لا ؟ فعند مالك والشافعي أنها عليه، وهو ظاهر الآية لأنها عامة. ولم يرها أبو حنيفة وأصحابه. ١ وفي تنوير المقباس: من اتعظ بالقرآن ووحد الله. راجع ص ٥٠٨..

الأعلى 87:15

– وقوله تعالى :﴿وذكر اسم ربه فصلى ( ١٥ )﴾ : اختلف في معناها، فقيل المراد به الصلوات الخمس. ويأتي على هذا القول المراد بالزكاة الزكاة المفروضة ليقابل الفرض بالفرض. وقيل معناه صلى الصلوات التي فرض الله تعالى عليه وتنفل أيضا بما أمكنه من صلاة. فالآية شاملة للفرض والنفل. وقيل : معناه دعا. وقيل : صلى صلاة العيد. قال أبو سعيد الخدري وابن المسيب وابن عمر : نزلت هذه الآية صبيحة يوم الفطر. فمعنى قوله :﴿تزكى﴾ أدى زكاة الفطر. معنى :﴿وذكر اسم ربه﴾ ذكر الله في طريق المصلى إلى أن يخرج الإمام، والصلاة هي صلاة العيد. وقد روي هذا التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم. فعلى هنا يستحب أن يخرج الرجل صدقة فطره في غدوه إلى المصلى قبل الصلاة. وقال ابن مسعود : إذا خرجت إلى صلاة العيد فتصدق بشيء إن استطعت، واستشهد بالآية. وظاهر هذا أن الزكاة عندي في الآية إنما هي شيء غير زكاة الفطر (١). ١ "الفطر" كلمة ساقطة في غير (أ)، (ز)..

الغاشية 88:22

– قوله تعالى :﴿لست عليهم بمصيطر ( ٢٢ ) إلا من تولى وكفر ( ٢٣ )﴾ : المصيطر : القاهر، الجائر مع تكبر وتسلط. يقال تصيطر عليها فلان. وقد اختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة ؟ فذهب قوم إلى أنها محكمة وأن الاستثناء فيها متصل. والمعنى : إلا من تولى وكفر فإنه مصيطر عليه. وذهب قوم إلى أنها منسوخة وأن الاستثناء متصل، والمعنى : لست عليهم بمصيطر، وتم الكلام. قالوا : فهي آية موادعة منسوخة بآية القتال، ثم قال :﴿إلا من تولى وكفر ( ٢٣ ) فيعذبه الله...﴾ وهذا القول أصح لأن السورة مكية والقتال نزل بالمدينة، وإليه ذهب ابن زيد. وإلى القول بالنسخ ذهب ابن عباس رحمه الله تعالى.

الغاشية 88:23

– قوله تعالى :﴿لست عليهم بمصيطر ( ٢٢ ) إلا من تولى وكفر ( ٢٣ )﴾ : المصيطر : القاهر، الجائر مع تكبر وتسلط. يقال تصيطر عليها فلان. وقد اختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة ؟ فذهب قوم إلى أنها محكمة وأن الاستثناء فيها متصل. والمعنى : إلا من تولى وكفر فإنه مصيطر عليه. وذهب قوم إلى أنها منسوخة وأن الاستثناء متصل، والمعنى : لست عليهم بمصيطر، وتم الكلام. قالوا : فهي آية موادعة منسوخة بآية القتال، ثم قال :﴿إلا من تولى وكفر ( ٢٣ ) فيعذبه الله...﴾ وهذا القول أصح لأن السورة مكية والقتال نزل بالمدينة، وإليه ذهب ابن زيد. وإلى القول بالنسخ ذهب ابن عباس رحمه الله تعالى.

البلد 90:12

– قوله تعالى :﴿وما أدراك ما العقبة ( ١٢ ) فك رقبة ( ١٣ ) أو إطعام في يوم ذي مسغبة ( ١٤ ) يتيما ذا مقربة ( ١٥ ) أو مسكينا ذا متربة ( ١٦ )﴾ : في هذه الآية دليل على جواز العتق والندب إلى إيقاعه، وذلك يكون إما بالإخراج من الرق أو من الأسر. وقد جاء في الحديث الصحيح : " من أعتق نسمة مؤمنة أعتق الله تعالى بكل عضو منها عضوا منه في النار " (١). وقال أعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم : دلني على عمل أنجو به. فقال : " لئن قصرت القول لقد أعرضت المسألة : فك الرقبة وعتق النسمة ". فقال الأعرابي : أليس هذا واحدا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : " لا، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في ثمنها وأبق على ذي الرحم الظالم فإن لم يكن هنا كله فكف لسانك إلا من خير " (٢). وفيها أيضا الحض على إطعام الأيتام والمساكين والحنو عليهم. وقيد تعالى الأيتام بالقرابة لتجتمع فيها الصدقة وصلة الرحم. ومن ذلك حديث أبي طلحة : إني أرى أن يجعلها في الأقربين، فقسم أبو طلحة صدقته في أقاربه وبني عمه. وقال صلى الله عليه وسلم لزينب زوجة عبد الله بن مسعود : " تصدقي على زوجك فهي لك صدقة وصلة " (٣). ١ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، كتاب العتق، باب: في العتق وفضله ٣/ ١١٧.. ٢ الحديث ذكره البيهقي في شعب الإيمان عن البراء بن عازب، باب: في العتق ووجه التقرب إلى الله عز وجل ٤/ ٦٦.. ٣ الحديث أخرجه أحمد في مسنده ٦/ ٤١١..

البلد 90:13

– قوله تعالى :﴿وما أدراك ما العقبة ( ١٢ ) فك رقبة ( ١٣ ) أو إطعام في يوم ذي مسغبة ( ١٤ ) يتيما ذا مقربة ( ١٥ ) أو مسكينا ذا متربة ( ١٦ )﴾ : في هذه الآية دليل على جواز العتق والندب إلى إيقاعه، وذلك يكون إما بالإخراج من الرق أو من الأسر. وقد جاء في الحديث الصحيح :" من أعتق نسمة مؤمنة أعتق الله تعالى بكل عضو منها عضوا منه في النار " (١). وقال أعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم : دلني على عمل أنجو به. فقال :" لئن قصرت القول لقد أعرضت المسألة : فك الرقبة وعتق النسمة ". فقال الأعرابي : أليس هذا واحدا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم :" لا، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في ثمنها وأبق على ذي الرحم الظالم فإن لم يكن هنا كله فكف لسانك إلا من خير " (٢). وفيها أيضا الحض على إطعام الأيتام والمساكين والحنو عليهم. وقيد تعالى الأيتام بالقرابة لتجتمع فيها الصدقة وصلة الرحم. ومن ذلك حديث أبي طلحة : إني أرى أن يجعلها في الأقربين، فقسم أبو طلحة صدقته في أقاربه وبني عمه. وقال صلى الله عليه وسلم لزينب زوجة عبد الله بن مسعود :" تصدقي على زوجك فهي لك صدقة وصلة " (٣). ١ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، كتاب العتق، باب: في العتق وفضله ٣/ ١١٧.. ٢ الحديث ذكره البيهقي في شعب الإيمان عن البراء بن عازب، باب: في العتق ووجه التقرب إلى الله عز وجل ٤/ ٦٦.. ٣ الحديث أخرجه أحمد في مسنده ٦/ ٤١١..

البلد 90:14

– قوله تعالى :﴿وما أدراك ما العقبة ( ١٢ ) فك رقبة ( ١٣ ) أو إطعام في يوم ذي مسغبة ( ١٤ ) يتيما ذا مقربة ( ١٥ ) أو مسكينا ذا متربة ( ١٦ )﴾ : في هذه الآية دليل على جواز العتق والندب إلى إيقاعه، وذلك يكون إما بالإخراج من الرق أو من الأسر. وقد جاء في الحديث الصحيح :" من أعتق نسمة مؤمنة أعتق الله تعالى بكل عضو منها عضوا منه في النار " (١). وقال أعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم : دلني على عمل أنجو به. فقال :" لئن قصرت القول لقد أعرضت المسألة : فك الرقبة وعتق النسمة ". فقال الأعرابي : أليس هذا واحدا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم :" لا، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في ثمنها وأبق على ذي الرحم الظالم فإن لم يكن هنا كله فكف لسانك إلا من خير " (٢). وفيها أيضا الحض على إطعام الأيتام والمساكين والحنو عليهم. وقيد تعالى الأيتام بالقرابة لتجتمع فيها الصدقة وصلة الرحم. ومن ذلك حديث أبي طلحة : إني أرى أن يجعلها في الأقربين، فقسم أبو طلحة صدقته في أقاربه وبني عمه. وقال صلى الله عليه وسلم لزينب زوجة عبد الله بن مسعود :" تصدقي على زوجك فهي لك صدقة وصلة " (٣). ١ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، كتاب العتق، باب: في العتق وفضله ٣/ ١١٧.. ٢ الحديث ذكره البيهقي في شعب الإيمان عن البراء بن عازب، باب: في العتق ووجه التقرب إلى الله عز وجل ٤/ ٦٦.. ٣ الحديث أخرجه أحمد في مسنده ٦/ ٤١١..

البلد 90:15

– قوله تعالى :﴿وما أدراك ما العقبة ( ١٢ ) فك رقبة ( ١٣ ) أو إطعام في يوم ذي مسغبة ( ١٤ ) يتيما ذا مقربة ( ١٥ ) أو مسكينا ذا متربة ( ١٦ )﴾ : في هذه الآية دليل على جواز العتق والندب إلى إيقاعه، وذلك يكون إما بالإخراج من الرق أو من الأسر. وقد جاء في الحديث الصحيح :" من أعتق نسمة مؤمنة أعتق الله تعالى بكل عضو منها عضوا منه في النار " (١). وقال أعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم : دلني على عمل أنجو به. فقال :" لئن قصرت القول لقد أعرضت المسألة : فك الرقبة وعتق النسمة ". فقال الأعرابي : أليس هذا واحدا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم :" لا، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في ثمنها وأبق على ذي الرحم الظالم فإن لم يكن هنا كله فكف لسانك إلا من خير " (٢). وفيها أيضا الحض على إطعام الأيتام والمساكين والحنو عليهم. وقيد تعالى الأيتام بالقرابة لتجتمع فيها الصدقة وصلة الرحم. ومن ذلك حديث أبي طلحة : إني أرى أن يجعلها في الأقربين، فقسم أبو طلحة صدقته في أقاربه وبني عمه. وقال صلى الله عليه وسلم لزينب زوجة عبد الله بن مسعود :" تصدقي على زوجك فهي لك صدقة وصلة " (٣). ١ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، كتاب العتق، باب: في العتق وفضله ٣/ ١١٧.. ٢ الحديث ذكره البيهقي في شعب الإيمان عن البراء بن عازب، باب: في العتق ووجه التقرب إلى الله عز وجل ٤/ ٦٦.. ٣ الحديث أخرجه أحمد في مسنده ٦/ ٤١١..

البلد 90:16

– قوله تعالى :﴿وما أدراك ما العقبة ( ١٢ ) فك رقبة ( ١٣ ) أو إطعام في يوم ذي مسغبة ( ١٤ ) يتيما ذا مقربة ( ١٥ ) أو مسكينا ذا متربة ( ١٦ )﴾ : في هذه الآية دليل على جواز العتق والندب إلى إيقاعه، وذلك يكون إما بالإخراج من الرق أو من الأسر. وقد جاء في الحديث الصحيح :" من أعتق نسمة مؤمنة أعتق الله تعالى بكل عضو منها عضوا منه في النار " (١). وقال أعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم : دلني على عمل أنجو به. فقال :" لئن قصرت القول لقد أعرضت المسألة : فك الرقبة وعتق النسمة ". فقال الأعرابي : أليس هذا واحدا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم :" لا، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في ثمنها وأبق على ذي الرحم الظالم فإن لم يكن هنا كله فكف لسانك إلا من خير " (٢). وفيها أيضا الحض على إطعام الأيتام والمساكين والحنو عليهم. وقيد تعالى الأيتام بالقرابة لتجتمع فيها الصدقة وصلة الرحم. ومن ذلك حديث أبي طلحة : إني أرى أن يجعلها في الأقربين، فقسم أبو طلحة صدقته في أقاربه وبني عمه. وقال صلى الله عليه وسلم لزينب زوجة عبد الله بن مسعود :" تصدقي على زوجك فهي لك صدقة وصلة " (٣). ١ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، كتاب العتق، باب: في العتق وفضله ٣/ ١١٧.. ٢ الحديث ذكره البيهقي في شعب الإيمان عن البراء بن عازب، باب: في العتق ووجه التقرب إلى الله عز وجل ٤/ ٦٦.. ٣ الحديث أخرجه أحمد في مسنده ٦/ ٤١١..

الشرح 94:7

– قوله تعالى :﴿فإذا فرغت فانصب ( ٧ )﴾ : معناه : فإذا فرغت من شغل من أشغال النبوة والعبادة فانصب في آخر. والنصب : التعب. وقيل معناه : إذا فرغت من فرضك فانصب في التنفل عبادة لربك، قاله مجاهد. وقيل معناه : إذا فرغت من الركعات فاجلس في التشهد وانصب في الدعاء. وقيل معناه : إذا فرغت من الجهاد فانصب في العبادة. وهذا معترض لأن الجهاد إنما فرض بالمدينة. والآية على هذه الأقوال محكمة. وقيل معناه : فانصب في قيام الليل، قاله ابن مسعود. فإن كان أمر إيجاب فهو منسوخ بما نسخ به قيام الليل، وإن كان أمر ندب فهو محكم، وهذا أصح. وقرأه بعضهم : فانصب. ومعناه : إذا فرغت من الجهاد فانصب إلى المدينة. وقرأ آخرون من الإمامية : فانصب. ومعناه : إذا فرغت من أمر النبوة فانصب خليفة. وهذا ضعيف غير ثبت.

القدر 97:1

– قوله تعالى :﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر ( ١ )﴾ : دليل هذه الآية أن ليلة القدر ثابتة غير مرفوعة، وهو قول الجمهور. وروي عن أبي حنيفة وقوم أن ليلة القدر رفعت أخذا بظاهر حديث ابن أبي حردد (١)، وذلك ضعيف، وإنما رفع تعيينها. واختلف أيضا في تعيينها اختلافا كثيرا. وذهب قوم إلى أن في هذه السورة دليلا على تعيينها وذلك أنهم قالوا : إن الوقف يأتي على سلام، ثم ابتدأ هي إشارة إلى ليلة سبع وعشرين من الشهر ؛ إذ هذه الكلمة هي السابعة والعشرون من كلمات السورة. ذكر ذلك ابن عباس. ١ في (أ): "ابن أبي حذر"..

الزلزلة 99:4

– قوله تعالى :﴿يومئذ تحدث أخبارها ( ٤ )﴾ : انتزع بعضهم من هذه الآية أن حدثنا وأخبرنا سواء، وهو قول مالك وغيره. خلافا لمن فرق بينهما وقال : أخبرنا يجوز أن يقال في المسموع على العالم من غير لفظه. وحدثنا لا يقال إلا فيما سمع من لفظ العالم، وهو قول ابن وهب.

الكوثر 108:2

– قوله تعالى :﴿فصل لربك وانحر ( ٢ )﴾ : اختلف في معناه. فقيل : أن صل أمر بالصلاة على العموم في الفرائض والنوافل. وانحر : أمر بنحر الهدي والنسك (١) والضحايا. أي ليكن شغلك هذين. ولم يكن في ذلك الوقت جهاد. وقيل : هي مخصوصة بصلاة الصبح في المشعر الحرام ثم النحر بعدها بمنى، (٢) وقيل : هي مخصوصة بصلاة العيد ثم النحر بعدها، (٣) وأن الآية نزلت بالمدينة. وفي الآية على هذا القول الأمر بالضحية يوم النحر. وقد اختلف فيها : هل هي واجبة أم لا ؟ وفي المذهب القولان عن مالك، وقد روي عنه أن الضحية أفضل من الصدقة، وروي عنه أن الصدقة أفضل من الضحية. والمشهور عنه أنها سنة، (٤) والأمر في الآية محتمل للوجوب وللندب، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما رفع احتمال الوجوب، قال صلى الله عليه وسلم : " أمرت بالنحر، وهو لكم سنة " (٥). وفي الآية أيضا على هذا القول – على قول من رأى أن الواو ترتب – أن النحر لا يكون إلا بعد الصلاة، وإن لم نقل بأن الواو ترتب – وهو المشهور عن العرب – فقد تبين أن المراد ذلك بالإجماع. على أنه لا يجوز النحر قبل الصلاة، وبالأحاديث الواردة في ذلك كحديث أبي بردة بن نبار وغيره (٦). وقال ابن عباس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينحر يوم الأضحى قبل الصلاة فأمر أن يصلي ثم ينحر، وقاله قتادة. فهذا من نسخ السنة بالقرآن. وإنما اختلف في وقت النحر بعد الصلاة، فاعتبر مالك رحمه الله تعالى نحر الإمام بعد الصلاة، ورأى أنه من نحر بعد الصلاة قبل نحر الإمام لم يجزه وأعاد. واعتبر أبو حنيفة الصلاة خاصة دون نحر الإمام، فأجاز النحر بعد الصلاة. واعتبر الشافعي مقدار الصلاة والخطبتين، ولم يعتبر الصلاة ولا نحر الإمام، قال : فإن ذبح بعد مقدار ما توقع فيه الصلاة والخطبتان جاز، سواء صلى أو لم يصل. ودليل قول مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بردة أن يعود بضحية أخرى، وكان ذبح قبل أن يذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال معمر عن الزهري في قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ [الحجرات: ١] نزلت في قوم ذبحوا قبل أن ينحر النبي صلى الله عليه وسلم وقبل أن يصلي، فأمرهم أن يعيدوا (٧)، فتبين بما جاء من هذا أن المراد بالآية اعتبار الصلاة وذبح الإمام. وأما قول أبي حنيفة فهو أليق بظاهر الآية. وأما قول الشافعي فإنه يخالف ظاهر الآية والحديث (٨). وقد روي عن مالك أن من ذبح بعد الصلاة قبل ذبح الإمام أجزأه، وهو ينحو إلى قول أبي حنيفة. وفي ظاهر الآية أن الإبل والبقر أفضل من الغنم في الضحايا، وهو قول الشافعي ؛ لأنه تعالى أمر بالنحر، والنحر إنما يكون فيهما. وقال مالك رحمه الله تعالى : الغنم أفضل، لقوله صلى الله عليه وسلم : " خير الأضحية الكبش " (٩)، وضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم به. ويحمل الأمر بالنحر في الآية أن جعلناها في الضحية خارجا على ما كان الأكثر عندهم في ذلك الوقت وهو الإبل، فلذلك خص النحر. وبين النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله أن الغنم أفضل، وأيضا فإنما فدي ابن إبراهيم عليهما السلام من الذبح بكبش (١٠). وقيل في قوله تعالى :﴿فصل لربك وانحر ( ٢ )﴾ : إنها نزلت يوم الحديبية وقت صلح قريش. قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم : صل وانحر الهدي. وعلى هذا تكون الآية من المدني، وهو قول ابن جبير (١١). وقيل : إنما معنى الآية : صل لربك وضع يمينك على شمالك عند نحرك في الصلاة، وهو مروي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه (١٢). وفي هذا التأويل ضعف ؛ لأنه استعمل من اسم النحر فعلا، ولم يسمع من العرب. وفي صحة نقله عن علي رضي الله تعالى عنه نظر. وقد اختلف الفقهاء في وضع اليمين على الشمال في الصلاة، فكره وأجيز واستحب. وعن مالك الروايات الثلاث. وحجة الاستحباب أو الجواز الآية على هذا التأويل. واختلف الذاهبون إلى ذلك أين يضع يديه إذا كانت كذلك. فمنهم من رأى تحت السرة (١٣)، ومنهم من رأى عند النحر. وفي الآية دليل لمن قال عند النحر على هذا التأويل. وقال بعضهم : صل : أمر بالصلاة. وانحر : ارفع يديك في استفتاح الصلاة عند نحرك. وقد اختلف الفقهاء أيضا في رفع اليدين، فأجيز وكره واستحب. وفي المذهب الروايات الثلاث. وحجة الاستحباب والإجازة الآية على هذا التأويل. واختلف الذاهبون إلى ذلك أيضا إلى أين يرفع يديه ؟ فقيل : إلى الأذنين، وقيل : إلى النحر، وقيل : يرفع يديه من غير تحديد، وذلك واسع. وحجة من رأى الرفع إلى النحر الآية على هذا التأويل. وقيل معنى الآية : استقبل القبلة بوجهك ونحرك. ١ "والنسك" كلمة ساقطة في (أ).. ٢ نسبه القرطبي إلى سعيد بن جبير. فراجعه في الجامع لأحكام القرآن ٢٠/ ٢١٨.. ٣ نسبه القرطبي إلى أنس. فراجعه في م. س. ، ن. ص.. ٤ قال مالك: الضحية سنة وليست بواجبة ولا أحب لأحد ممن قوي على ثمنها أن يتركها. راجع الموطأ، كتاب الضحايا، باب: الضحية عما في بطن المرأة ١/ ٣٢٠.. ٥ وفي مسند الإمام أحمد: "كتب علي النحر...." ١/ ٣١٧.. ٦ جاء في الموطأ: حدثني يحيى عن مالك عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار أن أبا بردة بن نبار ذبح ضحيته قبل أن يذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأضحى فزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يعود بضحية أخرى. قال أبو بردة: لا أجد إلا جدعا يا رسول الله. قال: "وإن لم تجد إلا جدعا فاذبح". راجع الموطأ، كتاب الضحايا، باب: النهي عن ذبح الضحية قبل انصراف الإمام ١/ ٣١٨. وكذلك حديث عويمر بن أشقر الذي أمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعود بضحية أخرى. راجع م. س. ، ن. ص.. ٧ راجع لباب النقول ص ٧١٧.. ٨ قال القرطبي: قال ابن العربي: ومن عجيب الأمر أن الشافعي قال: إنما من ضحى قبل الصلاة أجزأه، والله تعالى يقول في كتابه: ﴿فصل لربك وانحر (٢)﴾ فبدأ بالصلاة قبل النحر. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في البخاري وغيره عن البراء بن عازب قال: "أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر. من فعل فقد أصاب نسكنا، ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء". وأصحابه ينكرونه وحبذا الموافقة. راجع الجامع لأحكام القرآن ٢٠/ ٢٢٠.. ٩ الحديث أخرجه الترمذي في سننه عن أبي أمامة، كتاب الأضاحي ٤/ ٩٨.. ١٠ راجع المنتقى، كتاب الضحايا، باب: ما يستحب من الضحايا ٣/ ٨٨.. ١١ ذكره السيوطي في لباب النقول فراجعه في ص ٨٢٩.. ١٢ وروي أيضا عن ابن عباس ومحمد بن كعب. راجع تنوير المقباس ص ٥٢٠، والجامع لأحكام القرآن ٢٠/ ٢١٩.. ١٣ نسب القرطبي هذا القول إلى علي وأبي هريرة والنخعي وأبي مجلز وسفيان الثوري وإسحاق. راجع م. س. ، ن. ص..

الكافرون 109:6

قوله تعالى :﴿لكم دينكم ولي دين ( ٦ )﴾ : اختلف فيه، فقيل : محكم على ظاهره، وليس في الآية موادعة. وقيل في الآية : وهي منسوخة بآية السيف.