أحكام القرآن — الفرقان 25:30 – الحشر 59:10
المحتويات
- الفرقان 25:30
- الفرقان 25:48
- الفرقان 25:63
- الفرقان 25:64
- الفرقان 25:67
- الفرقان 25:68
- الفرقان 25:69
- الفرقان 25:72
- الشعراء 26:224
- الشعراء 26:225
- الشعراء 26:226
- الشعراء 26:227
- القصص 28:17
- القصص 28:27
- القصص 28:55
- العنكبوت 29:8
- العنكبوت 29:15
- العنكبوت 29:46
- العنكبوت 29:48
- الروم 30:38
- الروم 30:39
- الروم 30:52
- لقمان 31:6
- لقمان 31:14
- لقمان 31:15
- السجدة 32:16
- السجدة 32:23
- الأحزاب 33:4
- الأحزاب 33:5
- الأحزاب 33:6
- الأحزاب 33:21
- الأحزاب 33:28
- الأحزاب 33:29
- الأحزاب 33:37
- الأحزاب 33:48
- الأحزاب 33:49
- الأحزاب 33:50
- الأحزاب 33:51
- الأحزاب 33:52
- الأحزاب 33:53
- الأحزاب 33:55
- الأحزاب 33:56
- الأحزاب 33:59
- سبأ 34:13
- سبأ 34:25
- سبأ 34:53
- سبأ 34:54
- فاطر 35:12
- يس 36:69
- يس 36:71
- يس 36:72
- يس 36:78
- يس 36:79
- الصافات 37:101
- الصافات 37:102
- الصافات 37:103
- الصافات 37:104
- الصافات 37:105
- الصافات 37:106
- الصافات 37:107
- الصافات 37:141
- ص 38:17
- ص 38:18
- ص 38:21
- ص 38:24
- ص 38:26
- ص 38:33
- ص 38:44
- غافر 40:7
- غافر 40:55
- فصلت 41:33
- فصلت 41:34
- فصلت 41:44
- الشورى 42:5
- الشورى 42:6
- الشورى 42:15
- الشورى 42:20
- الشورى 42:23
- الشورى 42:39
- الشورى 42:40
- الشورى 42:41
- الشورى 42:43
- الزخرف 43:18
- الزخرف 43:22
- الزخرف 43:33
- الزخرف 43:37
- الزخرف 43:44
- الزخرف 43:58
- الزخرف 43:83
- الزخرف 43:86
- الزخرف 43:89
- الدخان 44:48
- الجاثية 45:14
- الأحقاف 46:4
- الأحقاف 46:9
- الأحقاف 46:15
- محمد 47:4
- محمد 47:9
- محمد 47:19
- محمد 47:30
- محمد 47:33
- محمد 47:35
- الفتح 48:1
- الفتح 48:16
- الفتح 48:17
- الفتح 48:25
- الحجرات 49:1
- الحجرات 49:2
- الحجرات 49:6
- الحجرات 49:9
- الحجرات 49:11
- الحجرات 49:12
- الحجرات 49:13
- الحجرات 49:14
- ق 50:39
- ق 50:40
- الذاريات 51:17
- الذاريات 51:18
- الذاريات 51:19
- الذاريات 51:54
- الطور 52:40
- الطور 52:45
- الطور 52:48
- الطور 52:49
- النجم 53:3
- النجم 53:28
- النجم 53:29
- النجم 53:32
- النجم 53:39
- القمر 54:6
- القمر 54:28
- الرحمن 55:68
- الواقعة 56:78
- الواقعة 56:79
- الواقعة 56:96
- الحديد 57:12
- المجادلة 58:1
- المجادلة 58:2
- المجادلة 58:3
- المجادلة 58:4
- المجادلة 58:11
- المجادلة 58:12
- المجادلة 58:13
- المجادلة 58:22
- الحشر 59:2
- الحشر 59:5
- الحشر 59:6
- الحشر 59:7
- الحشر 59:8
- الحشر 59:10
الفرقان 25:30
قوله تعالى :﴿وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ( ٣٠ )﴾ :
يحتمل ﴿مهجورا﴾ أن يكون من الهَجر، يريد مبعدا مُقصى، وهو قول ابن زيد. ويحتمل أن يريد (١) مقولا فيه هُجر إشارة إلى قولهم شعر وكهانة وسحر، وهو قول مجاهد والنخعي. وفي قول ابن زيد تنبيه على تعاهد المصحف وأن لا يطرح في البيوت (٢) ولا يقرأ فيه. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يعضده : قال : " من علق مصحفا ولم يتعاهده جاء يوم القيامة متعلقا به يقول هذا اتخذني مهجورا اقض يا رب بيني وبينه " (٣).
١ "يريد مبعدا مقصى وهو قول ابن زيد ويحتمل أن يريد" كلام ساقط في (د)، (هـ)..
٢ "شعر وكهانة وسحر... إلى: في البيوت" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
٣ والحديث ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١٢/ ٢٢..
الفرقان 25:48
– قوله تعالى :﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ :
الطهور بناء مبالغة في الطاهر وهو مقتضى عند أكثر الفقهاء الطهارة والتطهير خلافا لمن لا يرى أنه لا يقتضي إلا الطهارة خاصة. وقد تقدم الكلام على هذا المعنى (١).
١ "قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾... إلى: هذا المعنى" كلام ساقط في (أ)، (ز). راجع ذلك بأكثر تفصيلا عند الجصاص في أحكام القرآن ٥/ ٢٠١ – ٢١٢. وفي أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٢٩، ٣٣٠، وفي الجامع لأحكام القرآن ١٣/ ٣٩ – ٥٦..
الفرقان 25:63
– قوله تعالى :﴿وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هونا﴾ إلى قوله :﴿وإذا خاطبهم﴾ :
مدح الله تعالى عباده بالمشي هونا. فمن الناس من رد الهون إلى أخلاق الماشي(١) ومنه من رده إلى المشي. ومن رده إلى الأخلاق اختلفوا في العبارات عن تفسيره والمعنى واحد. فقال مجاهد بالحلم والوقار. وقال ابن عباس بالطاعة والعفاف والتواضع. وقال الحسن : حلماء إن جهل عليهم لم يجهلوا. ومن رده إلى المشي قال : مشيا هونا أي رويدا. وروي عن الزهري أنه قال سرعة المشي يذهب بهاء الوجه. وهذا ضعيف إذ رب ماش هذه المشية وهو خداع مكار. قال بعضهم :
كلهم يمشي رويدا؍ كلهم يطلب صيدا(٢)؍
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتكفا في مشيه كأنه يمشي في صبب. وقال زيد بن أسلم : كنت أسأل عن هذه الآية فما وجدت في ذلك شفاء فرأيت في النوم من جاءني فقال : هم الذين لا يريدون أن يفسدوا في الأرض (٣) فهذا التفسير راجع إلى الخلق.
قوله تعالى :﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ :
الجاهلون عام في الكفار وغيرهم من جاهلي المؤمنين. واختلفوا في معنى سلاما. فقيل معناه تسلما (٤) أي براءة (٥) وقيل معناه أن يقال لهم قولا (٦) سدادا أي كلاما برفق ولين (٧). وقيل إنه يحتمل أن يراد به التحية، قاله بعض شيوخنا المتأخرين. وهذا القول في حق الجاهلين من المؤمنين محكم غير منسوخ لأن حمل جفاء المسلم حسن ما لم يعد بمضرة. ولا بأس أن يسلم عليه بالتحية ويقابل بالقول الحسن. قال بعض شيوخنا وكذلك هي في حق الذمي الآية محكمة لأن الله تعالى قد أذن في ملاينته وبره لا في احتمال جفائه فإن ذلك لا يجوز لمسلم بحال. وأما الحربيون فالآية منسوخة في حقهم باتفاق وهذا من باب تخصيص العموم، والمفسرون يسمونه نسخا وقد اختلف المفسرون (٨) في ذلك. والذي اعتمد عليه المفسرون أنها منسوخة في الكفار بآية السيف لأنها اقتضت الموادعة والمسالمة. وقد ذكر سيبويه (٩) النسخ في هذه الآية في كتابه، وما تكلم على نسخ سواه، ورجحه بأن المؤمنين لم يؤمروا بالسلام على الكفار. وقال المبرد (١٠) كان ينبغي أن يقول : لم يؤمر المسلمون يومئذ بحربهم ثم أمروا بحربهم.
وجاء في بعض التواريخ أن إبراهيم بن المهدي (١١) وكان من المائلين على علي بن أبي طالب قال يوما بمحضر المأمون (١٢) وعنده جماعة : كنت رأيت عليا بن أبي طالب في النوم فقلت له : إنما تدعي هذا الأمر بامرأة ونحن أحق به منك. فما رأيت له في الجواب بلاغة كما يذكر عنه. قال المأمون وبماذا جاوبك ؟ قال : كان يقول لي سلاما سلاما. قال الراوي وكان إبراهيم بن المهدي لا يحفظ الآية أو ذهبت عنه في ذلك الوقت فنبه المأمون على الآية من حضره وقال : هو والله يا عم علي بن أبي طالب وقد جاوبك بأبلغ جواب. فخزي إبراهيم واستحيى (١٣).
١ ذكره نحوه ابن عطية في المحرر الوجيز ١٢/ ٣٧..
٢ هذا من كلام أبي جعفر المنصور الخليفة في مدح عمرو بن عبيد الزاهد المشهور وتمامه: غير عمرو بن عبيد. ذكره معلق الجامع لأحكام القرآن ١٣/ ٥٠..
٣ راجع المحرر الوجيز ١٢/ ٣٧، والجامع لأحكام القرآن ١٣/ ٦٩..
٤ في (د)، (هـ): "تسليما"..
٥ نسبه القرطبي إلى النحاس. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٣/ ٦٩..
٦ "قولا" كلمة ساقطة في (ح)..
٧ نسبه ابن عطية إلى مجاهد. راجع المحرر الوجيز ١٢/ ٣٨..
٨ في (أ)، (ز): "الأصوليون"..
٩ سيبويه: هو عمرو بن عثمان بن قمبر الحارثي الملقب بسيبويه. عالم في النحو واللغة. توفي سنة ١٨٠ هـ/ ٨١٠م. انظر الأعلام ٥/ ٨١..
١٠ المبرد: هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأسدي المعروف بالمبرد، أبو العباس، شيخ أهل النقل وحافظ علم العربية. له مؤلفات عديدة منها: الكامل، إعراب القرآن. توفي سنة ٢٨٦ هـ/ ٩١٦م. انظر الأعلام ٧/ ١٤٤..
١١ إبراهيم بن المهدي: هو إبراهيم بن المهدي بن المنصور الهاشمي أخو هارون الرشيد، اشتهر بالغناء واللهو. توفي سنة ٢٢٤هـ/ ٨٤٠م. انظر وفيات الأعيان لابن خلكان ١/ ٣٩..
١٢ المأمون: هو أبو محمد بن الشريف العباسي، أحمد بن العباس بن علي بن محمد بن يعقوب بن الحسين. أمير المؤمنين. انظر التكملة آخر الجزء الخامس..
١٣ راجع القصة في المحرر الوجيز ٢/ ٣٨، ٣٩، وفي الجامع لأحكام القرآن ١٣/ ٧٠، ٧١..
الفرقان 25:64
– قوله تعالى :﴿والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ( ٦٤ )﴾ :
في هذه الآية تحريض على قيام الليل للصلاة. وقال بعض الناس من صلى العشاء الأخيرة وشفع وأوتر فهو داخل في هذه الآية (١).
١ قال القرطبي: قال ابن عباس: من صلى ركعتين أو أكثر بعد العشاء فقد بات لله ساجدا وقائما. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٣/٧٢..
الفرقان 25:67
– قوله تعالى :﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما٦٧﴾ :
اختلف في تأويل الآية فقال بعض المفسرين : الذي لا يسرف هو المنفق في الطاعة وإن أسرف والمسرف هو المنفق في المعصية وإن قل إنفاقه، والمقتر هو الذي يمنع حقا عليه، وهو قول ابن عباس وغيره (١). وقيل الإسراف أن تنفق مال غيرك، والإقتار التقصير فيما يجب عليك (٢) والقوام النفقة بالعدل والاستقامة. والأحسن أن يقال إن هذا كله في نفقة الطاعات وفي المباحات، فأراد تعالى أن لا يفرط الإنسان حتى يضيع حق آخر أو عيالا ونحو هذا وأن لا يضيق ولا يقتر حتى يجيع العيال ونحو ذلك، وأن يجري في ذلك إلى القوام أي المعتدل وذلك في كل أحد بحسب حاله. وإنما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر يتصدق(٣) بجميع ماله لأن ذلك له قوام بحسب جلده وصبره في الدين ومنع غيره منه لأنه كان له قواما بحسب جلده وصبره. وإلى نحو هذا ذهب النخعي (٤) وغيره وقد تقدم الكلام على كثير من أحكامه.
١ وأضاف ابن عطية مجاهد وابن زيد. راجع المحرر الوجيز ١٢/ ٤٠..
٢ نسبه ابن عطية إلى عون بن عبد الله. راجع م. س. ، ن. ص..
٣ "في ذلك إلى القوام... إلى: يتصدق" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
٤ قال القرطبي: ونعم ما قال إبراهيم النخعي: هو الذي لا يجيع ولا يعرى ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٣/ ٧٣..
الفرقان 25:68
– قوله تعالى :﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ إلى قوله :﴿إلا من تاب﴾ :
قد تقدم الكلام على أحكام هذه الآية.
الفرقان 25:69
– قوله تعالى :﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ إلى قوله :﴿إلا من تاب﴾ :
قد تقدم الكلام على أحكام هذه الآية.
الفرقان 25:72
– قوله تعالى :﴿والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما ( ٧٢ )﴾ :
الزور كل باطل، فأعظمه الشرك وبه فسر الضحاك وابن زيد. ومنه الغناء وبه فسر مجاهد. ومنه الكذب وبه فسر ابن جريج (١). ويشهدون على القولين الأولين من المشاهدة، وعلى القول الثالث من الشهادة لا من المشاهدة. فالمراد الشهادة بالزور، وهو قول علي بن أبي طالب وغيره (٢).
وقوله :﴿وإذا مروا باللغو مروا كراما﴾ :
اللغو كل ما يسقط من قول أو فعل، ويدخل فيه الغناء وجميع اللهو وغير ذلك مما قارنه. ويدخل فيه سفه المشركين وأذاهم للمؤمنين وذكر النساء وغيره من المنكر. وكراما معناه معرضين مستحيين يتجافون عن ذلك ويصبرون على الإذن فيه. روي أن عبد الله بن مسعود سمع غناء فأسرع في مشيه وذهب فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " لقد أصبح ابن أم عبدا كريما " وقرأ الآية (٣) وأما إذا مر المسلم بمنكر فكرهه أن يغيره، وحدود التغيير تختلف باختلاف الأحوال.
١ ابن جريج: هو أبو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج القرشي الفقيه. توفي سنة ١٤٩هـ/ ٧٦٦م. وقيل غير ذلك. انظر طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٧١، ووفيات الأعيان ١/ ٢٨٦..
٢ راجع المحرر الوجيز ١٢/ ٤٣، ٤٤..
٣ والحديث ذكره ابن عطية ورواه ابن أبي حاتم وابن كثير. راجع المحرر الوجيز ١٢/ ٤٤..
الشعراء 26:224
– قوله تعالى :﴿والشعراء يتبعهم الغاوون ( ٢٢٤ ) ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ( ٢٢٥ ) وأنهم يقولون ما لا يفعلون ( ٢٢٦ ) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا﴾ :
اختلف في الاشتغال بالشعر. فرآه الجمهور كالكلام، حسنه كحسنه وقبيحه كقبيحه، وهذا نص قول الشافعي (١) ويعضد هذا قوله عليه الصلاة والسلام : " إن من الشعر لحكمة " (٢) وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام من الاستشهاد به في مواضع جملة ما لا ينكر. ولم يجز قوم الاشتغال بشيء منه قليلا كان أو كثيرا واحتجوا بالآية المتقدمة وبأحاديث منها أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا افتتح الصلاة يستعيذ من الشيطان الرجيم وهمزه ونفثه ونفخه وفسروه بأن نفثه الشعر ونفخه الكبر وهمزه المنونة. ومنها قوله عليه الصلاة والسلام : " لئن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خيرا له من أن يمتلئ شعرا " (٣) ومنها أنه صلى الله عليه وسلم قال لما نزل إبليس إلى الأرض قال : " يا رب اجعل لي قرآنا ". قال الشعر. ومنها أنه روي عن عبد الله بن عمر أنه قال : من قال ثلاثة أبيات من الشعر من تلقاء نفسه لم يدخل الفردوس. ومنها أن ابن مسعود قال : الشعر من أمر الشيطان. ومنها أنهم قالوا إن الحسن كان لا ينشد شعرا. قال الطبري : وهذه أخبار واهية لا يجوز الاحتجاج بها والصحيح في ذلك ما قد عارضها من الأخبار (٤) وذكر عن عمر وعلي وجلة الصحابة أنهم ينشدون الأشعار. وقال أهل التأويل في قوله تعالى :﴿والشعراء يتبعهم الغاوون ( ٢٢٤ )﴾ هم شعراء المشركين يتبعهم غواة الناس ومردة الشياطين ويروون شعرهم لأن الغاوي لا يتبع إلا غاويا مثله.
١ أورده القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٣/ ١٥١..
٢ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي بن كعب، كتاب الأدب، باب: ما يجوز من الشعر ٧/ ١٠٧..
٣ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه عن ابن عمر، كتاب الأدب، باب: ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر ٧/ ١٠٩..
٤ راجع جامع البيان للطبري ١٩/ ٨٠..
الشعراء 26:225
– وقوله :﴿ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ( ٢٢٥ ) وأنهم يقولون ما لا يفعلون ( ٢٢٦ )﴾ :
أي يمدحون ويذمون بما ليس في الممدوح والمذموم فهم كالهائم على وجهه والهائم المخالف للقصد. عن أبي عبيدة : وأنهم يقولون ما لا يفعلون أي يكذبون. والمراد بقوله تعالى :﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ : ابن رواحة (١) وحسان وكعب بن مالك، هكذا روي عن ابن عباس.
﴿وذكروا الله كثيرا﴾ قال ابن عباس في خلال كلامهم. وقال ابن زيد في شعرهم. وقيل لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله. ﴿وانتصروا من بعد ما ظلموا﴾ يعني ردوا على الكفار الذين كانوا يهجون النبي صلى الله عليه وسلم. قال الطبري : ولا خلاف أن حكم الاستثناء مخالف للمستثنى منه فوضح أن المذموم من الشعراء غير الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات (٢) ممدوحون غير مذمومين (٣).
١ ابن رواحة: هو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، أبو محمد، صحابي جليل. توفي سنة ٨ هـ/ ٦٢٩ م. انظر الإصابة لابن حجر ٢/ ٣٠٦..
٢ "وأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات" كلام ساقط في (أ)..
٣ راجع ذلك مفصلا عند القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٣/ ١٤٥ – ١٥٤..
الشعراء 26:226
– وقوله :﴿ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ( ٢٢٥ ) وأنهم يقولون ما لا يفعلون ( ٢٢٦ )﴾ :
أي يمدحون ويذمون بما ليس في الممدوح والمذموم فهم كالهائم على وجهه والهائم المخالف للقصد. عن أبي عبيدة : وأنهم يقولون ما لا يفعلون أي يكذبون. والمراد بقوله تعالى :﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ : ابن رواحة (١) وحسان وكعب بن مالك، هكذا روي عن ابن عباس.
﴿وذكروا الله كثيرا﴾ قال ابن عباس في خلال كلامهم. وقال ابن زيد في شعرهم. وقيل لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله. ﴿وانتصروا من بعد ما ظلموا﴾ يعني ردوا على الكفار الذين كانوا يهجون النبي صلى الله عليه وسلم. قال الطبري : ولا خلاف أن حكم الاستثناء مخالف للمستثنى منه فوضح أن المذموم من الشعراء غير الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات (٢) ممدوحون غير مذمومين (٣).
١ ابن رواحة: هو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، أبو محمد، صحابي جليل. توفي سنة ٨ هـ/ ٦٢٩ م. انظر الإصابة لابن حجر ٢/ ٣٠٦..
٢ "وأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات" كلام ساقط في (أ)..
٣ راجع ذلك مفصلا عند القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٣/ ١٤٥ – ١٥٤..
الشعراء 26:227
– وقوله :﴿ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ( ٢٢٥ ) وأنهم يقولون ما لا يفعلون ( ٢٢٦ )﴾ :
أي يمدحون ويذمون بما ليس في الممدوح والمذموم فهم كالهائم على وجهه والهائم المخالف للقصد. عن أبي عبيدة : وأنهم يقولون ما لا يفعلون أي يكذبون. والمراد بقوله تعالى :﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ : ابن رواحة (١) وحسان وكعب بن مالك، هكذا روي عن ابن عباس.
﴿وذكروا الله كثيرا﴾ قال ابن عباس في خلال كلامهم. وقال ابن زيد في شعرهم. وقيل لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله. ﴿وانتصروا من بعد ما ظلموا﴾ يعني ردوا على الكفار الذين كانوا يهجون النبي صلى الله عليه وسلم. قال الطبري : ولا خلاف أن حكم الاستثناء مخالف للمستثنى منه فوضح أن المذموم من الشعراء غير الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات (٢) ممدوحون غير مذمومين (٣).
١ ابن رواحة: هو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، أبو محمد، صحابي جليل. توفي سنة ٨ هـ/ ٦٢٩ م. انظر الإصابة لابن حجر ٢/ ٣٠٦..
٢ "وأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات" كلام ساقط في (أ)..
٣ راجع ذلك مفصلا عند القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٣/ ١٤٥ – ١٥٤..
القصص 28:17
– قوله تعالى :﴿قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين ( ١٧ )﴾ :
احتج جماعة من أهل العلم بهذه الآية في المنع من خدمة أهل الجور ومعونتهم في شيء من أمورهم، ورأوا أنها تتناول ذلك. نص عليه عطاء بن أبي رباح وغيره.
القصص 28:27
– قوله تعالى :﴿قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك﴾ :
هذه الآية لا كلام فيها على قول من يرى شريعة من قبلنا لازمة لنا. وأما على قول من لا يرى شريعة من قبلنا لازمة لنا – وهو مذهب أكثر الأصوليين – فيحتاج إلى نظر. وقد قال مكي : فيها خصائص في النكاح منها أنه لم يعين الزوجة ولا حد أول المدة وجعل المهر إجارة ودخل ولم ينقد شيئا (١). والذي يقال في هذا أنه يحتمل أن أمر النكاح عرض على موسى (٢) مجملا، فلما أجاب موسى إلى المصاهرة وقع التعيين، أو لعل هذا كان جائزا في شريعة موسى النكاح بغير تعيين ويكون مفوضا إلى الولي أو إلى الزوج ولا يمنع من ذلك مانع. إلا أن هذا الوجه الآخر مرفوع بشريعتنا والأول مبقي على حكمه. وأما المدة، فليس في ألفاظ الآية ما يدل على ترك مراعاتها بل الأمر مسكوت عنه. فإما أن يكون معلوما عندهم ولم يذكر في الآية، وإما أن يكون مسكوتا عنه عندهم أيضا كما وقع في الآية. وإذا كان كذلك فهو من يوم العقد كسائر عقود الإجارات والأكرية وذلك في شريعتنا محكم معمول به. أو لعله كان في تلك الشريعة إسقاط تعيين وقت الإجارة جائزا ثم رفع في شريعتنا(٣) وأما النكاح بالأجرة فبين في الآية وقد جاء في شريعتنا وزانه وهو إنكاح النبي صلى الله عليه وسلم التي وهبت نفسها له الرجل الذي سأله إنكاحها منه ولم يكن عنده إلا آيات يحفظها فأمره أن يعلمها ما عنده من القرآن ويتزوجها بذلك (٤). فهذا تزويج بإجارة. إلا أنه اختلف هل ذلك باق في شريعتنا اليوم مثل ما كان عليه أم لا ؟ فذهب بعضهم إلى أنه غير باق وأن ذلك كان خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم. وذهب بعضهم أيضا إلى مثل ذلك إلا أنه قال إنه منسوخ. وذهب جماعة إلى أنه محكم وأن ما كان في شريعة من قبلنا من ذلك جاز في شريعتنا. ولهذا (٥) اختلف في النكاح بالأجرة على أربعة أقوال. فقيل إنه مكروه وإن وقع مضى. وإليه ذهب أصبغ ورواه عن ابن القاسم وهو ظاهر قول مالك. وقيل إنه ممنوع (٦). وقيل إن كان معه نقد جاز وإن لم يكن نقد لم يجز. وقيل هو جائز من غير تفصيل (٧). وأما النقد فلا ينبغي أن يعترض به لأن الإجارة إذا كانت هي الصداق، ولم يدخل حتى صنع ما استؤجر فيه، فقد وقع النقد. ولو دخل قبل ذلك فالدخول بغير نقد ليس بحرام عندنا إذا كان في أصل العقد صداق وإنما هو مختلف فيه بالكراهة والجواز. وقد تقدم الكلام على نحو هذا. ولفظ الآية في قوله تعالى :﴿أنكحك إحدى ابنتي هاتين﴾ يدل على جواز أن يكتب في الصداق أنكحه إياها (٨) وقد اختلف في الاختيار من ذلك. فبعضهم يختار أنكحه إياها ويحتج بلفظ الآية. وبعضهم يختار أنكحها إياه، لأنه إنما يملك النكاح عليها لا عليه. وقد استدل مالك بهذه الآية على إنكاح الأب البكر بغير استئمار. قال لأنه لم يذكر فيها استئمارا. واحتجاج مالك رحمه الله تعالى بالآية يدل على أن شريعة من قبلنا لازمة لنا على مذهبه إذا لم يكن في شرعنا (٩) ما ينسخها. وإنما (١٠) يستدل به على ترك الاستئمار أيضا فما توجه الخطاب به إلينا دون من قبلنا قول الله عز وجل :﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ [النور: ٣٢] لأنه أمر بإنكاح الأيامى من الأحرار والعبيد ولم يذكر في ذلك استئمارا ولا خص أبا من غيره. فوجب بظاهر هذه الآية أن لا يستأمر الأب ولا غيره من الأولياء الأيامى من الأحرار وهن اللواتي لا أزواج لهن، كما لا يستأمر السيد عبده ولا أمته في النكاح إذ جاءت الآية في ذلك كله مجيئا واحدا، فخصصت السنة من ذلك من عدا الأب من الأولياء. وتخصص أيضا كذلك الأب في ابنته الثيب وبقي الأب في ابنته البكر على عموم الآية يزوجها دون استئمار كما يزوج السيد عبده وأمته. وقد تقدم الكلام على هذا بما فيه شفاء إن شاء الله تعالى. واختلف الناس في المنكح لموسى عليه السلام من هو. فقيل شعيب النبي (١١) وقيل ابن أخ شعيب (١٢) واختلفوا في اسمه، فقيل ثروان وقيل يثرون (١٣) وقيل هو رجل صالح ليس من شعيب بنسب. وقيل إن المرأتين إنما أرسلهما عمهما وهو كان صاحب الغنم وهو المزوج، لكن عبر بالأب عن العم في جميع الأمر إذ هو بمثابته. واختلف في الزوجة من المرأتين من كانت. فقيل الكبرى وقيل الصغرى. وقال النقاش (١٤) كانتا توأمتين وولدت الأولى قبل الأخرى بنصف نهار. واختلف في اسم المتزوجة. فقيل صفورة وقيل صوريا وقيل غير ذلك (١٥). واختلف في الداعية لموسى إلى أبيها من كانت منهما. فقيل الكبرى، وقيل الصغرى.
١ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١٢/ ١٦٠، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٣/ ٢٧٢..
٢ "على موسى" كلام ساقط في (هـ)، (ز)..
٣ "محكم معمول به... إلى: في شريعتنا" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
٤ راجع الحديث في صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب: الصداق وجواز كونه تعليم قرآن ٤/ ١٤٣..
٥ في (أ): "ولذلك"..
٦ نسبه القرطبي إلى ابن القاسم. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٣/ ٢٧٣..
٧ نسبه القرطبي إلى الشافعي، وكذلك قال به ابن حبيب. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٣/ ٢٧٣، أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢١٥، المحرر الوجيز ١٢/ ١٦١، أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٣٥..
٨ "وقد تقدم الكلام على نحو هذا... إلى: إياها" كلام ساقط في (ب)..
٩ في (ب)، (د)، (هـ): "شريعتنا"..
١٠ في (أ)، (ج): "ومما"..
١١ نسبه ابن عطية إلى الجمهور. راجع المحرر الوجيز ١٢/ ١٥٩..
١٢ نسبه ابن عطية إلى الحسن. راجع م. س. ، ن. ص..
١٣ قال القرطبي: ويثرون هو شعيب. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٣/ ٢٧٠..
١٤ النقاش: هو أبو بكر محمد بن الحسن بن زياد بن هارون، المعروف بالنقاش، الموصلي البغدادي. عالم بالتفسير. توفي سنة ٣٥٠هـ/ ٩٦١م. وقيل غير ذلك. انظر وفيات الأعيان ٤/ ٢٩٨..
١٥ قال ابن عطية: وقيل اسم إحداهما: ليا والأخرى شرفا. راجع المحرر الوجيز ١٢/ ١٥٩..
القصص 28:55
– قوله تعالى :﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين ( ٥٥ )﴾ :
اختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة ؟ فذهب قوم إلى أنها محكمة وقالوا إنما هي قول حسن ومخاطبة جميلة، وذكر الأكثر أنها منسوخة. واختلفوا في تأويلها فمنهم من رآها كلها في مهادنة الكفار وأن السلام فيها بمعنى التسلم لا بمعنى التسليم (١) قالوا فهي منسوخة بآية السيف. ومنهم من رأى أيضا الآية في المهادنة ورأى أن السلام في الآية بمعنى التسليم وأنها مبيحة للسلام على الكفار. قالوا نسخها نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ابتداء الكفار بالسلام (٢) ولا يكفي على هذا القول في نسخ جميع معنى الآية الحديث الذي ذكره لأنه إنما اقتضى ترك ابتدائهم بالسلام وبقي سائر الآية على ما فيها من المهادنة. ومن هذا القول أيضا أن خبر الآحاد نسخ القرآن، وهذا مما لا يجوز على قول الجمهور. فالصحيح من القولين في الآية أنها كلها منسوخة بآية السيف.
١ "لا بمعنى التسليم" كلام ساقط في (أ)..
٢ قال الكيا: والمراد به ههنا معنى المتاركة وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الكفار: "لا تبدأوهم بالسلام فإن بدأوكم فابدأوهم وأنهم إذا سلم عليكم أهل كتاب فقولوا: وعليكم". راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٣٦..
العنكبوت 29:8
– قوله تعالى :﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم...﴾ الآية :
سيأتي الكلام على هذه الآية في سورة لقمان.
العنكبوت 29:15
– قوله تعالى :﴿فأنجيناه وأصحاب السفينة﴾ :
استدل بعضهم بهذه الآية على أن ساكن الدار يدعى صاحبها وإن لم تكن له ملكا.
العنكبوت 29:46
– قوله تعالى :﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾ :
اختلف هل هي محكمة أو منسوخة. والذين ذهبوا إلى أنها محكمة اختلفوا. فذهب ابن زيد إلى أنها محكمة يراد بها من آمن من أهل الكتاب لأنه قال :( لا تجادلوا المؤمنين منهم إذا أسلموا ) لعلهم يحدثون بالشيء فيكون كما قالوا فذلك أنهم كانوا يفسرون التوراة بالعربية. روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تصدقوهم فيما يقولون ولا تكذبوهم " (١).
وقوله :﴿إلا الذين ظلموا منهم﴾ :
أي إلا من أقام على الكفر فإنه يجادل ولا يقبل منه قول. وذهب مجاهد إلى أنها محكمة يراد بها ذوو العهد ألا يجادلوا، وإنما يجادل من لم يعط الجزية ويقاتل. وذهب قتادة إلى أنها منسوخة بقوله تعالى :﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ (٢) [التوبة: ٢٩].
١ الحديث أخرجه أحمد في مسنده ٤/ ١٣٦. والبخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه كتاب الاعتصام، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء" ٨/ ١٦٠..
٢ راجع المحرر الوجيز ١٢/ ٢٢٨، ٢٢٩، والجامع لأحكام القرآن ١٣/ ٣٥٠..
العنكبوت 29:48
– قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون ( ٤٨ )﴾ :
اختلف هل كتب النبي صلى الله عليه وسلم أم لا ؟ فذهب الشعبي إلى أنه كتب. قال ما مات النبي صلى الله عليه وسلم حتى كتب ومن حجته أنه عليه الصلاة والسلام رأى (١) صحيفة لعيينة بن حصن فأخبر بمعناها (٢). ومن ذلك حديثه صلى الله عليه وسلم في كتب اسمه في صحيفة المهادنة يوم الحديبية. خرج البخاري أنه قال لعلي : " أرني اسمي " فمحاه وكتب بيده (٣) وإلى هذا ذهب الباجي في المسألة المشهورة (٤). والأصح من القول أنه صلى الله عليه وسلم لم يكتب وحجة ذلك الآية وأكثر النقلة عليه.
١ في (ج)، (ح)، (و): "قرأ"..
٢ راجع القول في المحرر الوجيز ١٢/ ٢٣١..
٣ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجزية، باب: المصالحة على ثلاثة أيام أو وقت معلوم ٣/ ١١٦٣..
٤ قال ابن عطية: وهذا كله ضعيف، وقول الباجي رحمه الله تعالى منه. راجع المحرر الوجيز ١٢/ ٢٣١..
الروم 30:38
قوله تعالى :﴿فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل﴾ إلى قوله تعالى :﴿فأولئك هم المضعفون﴾ :
– قوله :﴿فآت ذا القربى حقه﴾ : قال مجاهد وقتادة هو قريب الرجل وصلة الرحم فرض من الله جل ذكره. وقال قتادة إذا لم تعط ذا قرابتك وتمش إليه برجليك فقد قطعته.
وقيل القربى هنا قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم المذكورون في قوله تعالى :﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ [الأنفال: ٤١]. والمراد بإيتاء المساكين وابن السبيل في الآية مواساتهم بالمال وغيره.
الروم 30:39
– قوله تعالى :﴿وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس...﴾ :
قال ابن عباس وغيره (١) نزلت في هبة الثواب أي فليس له أجر ولا عليه إثم. وقيل في الآية غير ذلك مما إذا نظر رجع إلى هذا القول. ويحتمل أن تكون الآية في النهي عن الربا في التجارات. وقد قال السدي :
نزلت هذه الآية في ربا ثقيف لأنهم كانوا يعملون بالربا وتعمله فيهم قريش (٢).
وقوله :﴿وما آتيتم من زكاة﴾ أي من غير عوض. ويحتمل أن يريد الزكاة المفروضة.
١ أضاف ابن عطية ابن جبير وطاووس. راجع المحرر الوجيز ١٢/ ٢٦٣..
٢ راجع ذلك في الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٣٧..
الروم 30:52
– قوله تعالى :﴿فإنك لا تسمع الموتى﴾ :
انظر الكلام على مثل هذا في سورة النحل.
لقمان 31:6
– قوله تعالى :﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ :
اختلف في سببها. فقيل نزلت بسبب قريشي اشترى جارية مغنية لتغني بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم (١). ولم يسم بعضهم القريشي، وسماه بعضهم فقال هو ابن خطل (٢) وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " شراء المغنيات وبيعهن حرام " (٣). وقرأ هذه الآية وقال في هذا المعنى نزلت، وبهذا فسر ابن عباس وغيره الآية (٤). وقيل نزلت في النضر بن الحارث لأنه اشترى كتب رستم وأسفندياز وكان يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحدثهم بتلك الأباطيل ويقول : أنا أحسن حديثا من محمد (٥). وقيل الشراء في الآية مستعار وإنما نزلت الآية في أحاديث قريش وتلهيهم بالإسلام وخوضهم في الأباطيل (٦). وأحسن ما تفسر به الآية – وإن كانت خرجت على سبب – أن لهو الحديث كل ما يلهي من غناء أو خناء ونحوه. فكل ما ألهى محرم بهذه الآية ونحوها. ولا خلاف أن الغناء بالآلة محرم وإنما اختلف فيه بغير آلة. وظاهر الآية تحريمه إلا أن يتأول. فقال مكحول من كانت له جارية مغنية فمات لم أصل عليه لقول الله عز وجل :﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ إلى قوله :﴿عذاب﴾ (٧). ورجح أبو الحسن القول بأن لهو الحديث ما قاله الحسن إنه الكفر والشرك، وما قاله غيره من قصة النضر بن الحارث ونحو ذلك وأبعد أن يكون الغناء. قال لأن الغناء لا يطلق عليه أنه حديث ولا أنه إضلال عن الدين (٨). وقد تقدم الكلام على كثير من معاني هذه الآية.
١ راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢٦٠..
٢ ابن خطل: وهو الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله يوم فتح مكة مع ابن أبي السروح وفرتنا وابن الزبعري. انظر طبقات ابن سعد ٢/ ١٤١..
٣ وقد نسب القرطبي هذا الحديث إلى الترمذي وذكره بلفظ: "لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلمهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام". راجع الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٥٠..
٤ وابن مسعود وجابر بن عبد الله ومجاهد، راجع الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٥١..
٥ نسبه القرطبي إلى الفراء والكلبي. راجع م. س. ، ن. ص..
٦ راجع القول في م. س. ، ن. ص..
٧ عملا بالحديث الذي رواه عن عائشة عن الرسول صلى الله عليه وسلم: "من مات وعنده جارية مغنية لا تصلوا عليه" ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٥٤..
٨ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٤٢..
لقمان 31:14
– قوله تعالى :﴿ووصينا الإنسان بوالديه...﴾ إلى قوله :﴿ثم إلي مرجعكم﴾ :
في هذه الآية وجوب بر الوالدين. وقد تقدم الكلام عليه.
– وقوله :﴿وفصاله في عامين﴾ إشارة إلى تقدير مدة الرضاع فعبر عنه بغايته. والناس متفقون على تحديد العامين في مدة الرضاع في باب النفقات والأحكام المتعلقة. وأما في تحريم اللبن فقد مر الكلام عليه مستوعبا (١).
١ في (أ)، (ز): "مستوفى"..
لقمان 31:15
– قوله تعالى :﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم...﴾ الآية : نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص (١) وذلك أنه حين أسلم حلفت أمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية أن لا تأكل ولا تشرب حتى يرجع إلى دين قومه، فلج سعد في الإسلام، وكانت إذا أفرط عليها الجوع والعطش فتحوا فاها وصبوا فيه ما يمسك رمقها فلما طال عليها ورأت سعدا لا يرجع أكلت. فنزلت الآية. قاله سعد بن أبي وقاص (٢) ولما تقدم في الآية ما يقتضي طاعة الوالدين مطلقا، واحتمل أن يطاعا ولو في معصية، بين الله تعالى أن الآية على غير ذلك وأنهما لا يطاعان في الكفر ونحوه من المعاصي. فقال تعالى :﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم....﴾ الآية فعلى هذا تلزم طاعتهما في المباحات، وأما المندوبات – كالجهاد إذا كان على الكفاية وإجابة الأم في الصلاة إذا خيف عليها هلكة مع إمكان الإعادة أو المشي إلى الصلاة في الجماعة ونحو ذلك – فالأكثر على أنها تلزم طاعتهما (٣) في ذلك كله. وخالف الحسن فقال : إن منعته أمه من شهود العشاء الأخيرة شفقة فلا يطعها (٤) والأول أجرى على ظاهر الآية. وكذلك اختلف في تأخيره الحج إن لم يأذن له فيه أحد الأبوين.
وقوله تعالى :﴿وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾ :
يعني الأبوين الكافرين، أي صلهما وادعهما برفق. ومن ذلك حديث أسماء بنت أبي بكر حين قدمت عليها خالتها، وقيل إنها من الرضاعة، فقالت يا رسول الله إنها قدمت علي وهي راغبة أفأصلها ؟ قال : " نعم " (٥). وقد قال العلماء إن الابن تلزمه نفقة أبويه وإن كانا كافرين. قاله مالك وغيره.
١ سعد بن أبي وقاص: هو أبو إسحاق سعد بن مالك بن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن أبي وقاص. صحابي جليل، اختلف في تاريخ وفاته بين ٥٥هـ/ ٦٧٥م و ٥٨هـ/ ٦٧٨م. انظر الإصابة ٢/ ٣٠..
٢ راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢٥٦..
٣ "في المباحات.. إلى: طاعتهما" كلام ساقط في (أ)..
٤ ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٦٤..
٥ الحديث أخرجه البخاري، كتاب الهبة، باب: الهدية للمشركين ٣/ ١٤٢..
السجدة 32:16
– قوله تعالى :﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع...﴾ الآية :
اختلف في تأويل الآية، فقال أنس بن مالك أراد بهذه الآية الصلاة بين المغرب والعشاء وقال عطاء وغيره أراد صلاة العشاء الأخيرة. وقال الضحاك هو أن يصلي العشاء والصبح في جماعة. وقال ابن عباس عنى بذلك ملازمة ذكر الله تعالى، كلما استيقظوا ذكروا الله إما في صلاة وإما في قيام وأما في قعود وعلى جنوبهم. وقال الجمهور أراد بها التجافي في صلاة النوافل بالليل، وبه قال مالك رحمه الله تعالى. وهذا التأويل أظهر (١) وقد جاءت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يذكر فيها قيام الليل ثم يستشهد بهذه الآية (٢). ورجح الزجاج هذا القول بأنهم جوزوا بإخفاء فدل ذلك على أن العمل إخفاق أيضا وهو قيام الليل. وقد قال عبد الله بن رواحة :
يبيت تجافي جنبه عن فراشه؍ إذا استثقلت بالمشركين المضاجع(٣)؍
قوله تعالى :﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ قيل يعني الزكاة المفروضة. وقيل النوافل والصدقات غير المفروضة. وهذا القول أظهر لأنه أمدح.
١ "أظهر" كلمة ساقطة في (ح)..
٢ منها ما ذكره القرطبي عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل". قال ثم تلا قوله تعالى: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ حتى بلغ: ﴿يصلون﴾ أخرجه الترمذي وأبو داود. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ١٠٠، وأحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٢١..
٣ البيت من البحر الطويل..
السجدة 32:23
– قوله تعالى :﴿ولقد آتينا﴾ :
في هذه الآية مهادنة الكفار. وهذا مما نسخته آية الجهاد.
الأحزاب 33:4
– قوله تعالى :﴿ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن.... أمهاتكم﴾ إلى قوله تعالى :﴿والله يقول الحق﴾ :
اختلف في سبب الآية، فقيل إن بعض المنافقين قال : إن محمدا له قلبان لأنه كان في الشيء فنزغ في غيره ثم عاد إلى شأنه الأول. فقالوا ذلك عنه فنهاهم الله تعالى عنه (١) وقيل بل بسبب أنه كان في قريش في بني فهد رجل منهم يدعي أن له قلبين وأنه أذكى من محمد صلى الله عليه وسلم وكان يدعى ذا القلبين. فلما وقعت هزيمة بدر طاف لبه وحدث أبا سفيان كالمختبل، فنزلت الآية بسببه نفيا لدعواه (٢). واختلف في اسم ذلك الرجل فقيل أبو معمر، وقيل هو عبد الله بن خطل (٣). وإنما جاء هذا اللفظ في الآية مقدما توطئة لما بعده وذلك أن بعده : إن الأزواج المتظاهر منهن لا يكن أمهات وأن الأدعياء لا يكونون أبناء. فأراد تعالى أنه كما لا يكون لرجل قلبان في جوفه، كذلك لا يكون الأزواج أمهات ولا الأدعياء أبناء. وذلك أن العرب كانوا إذا حرم أحدهم زوجته جعلها كأمه ويعتقدون في الأدعياء أنهم أبناء، فأبطل الله تعالى ذلك، وأنزل أحكام الظهار إذا وقع، وسيأتي الكلام عليه في سورة المجادلة إن شاء الله تعالى. ونفى أن يكون الأدعياء أبناء، وذلك بسبب زيد بن حارثة (٤) وكان يدعى زيد بن محمد، وذلك أنه كان عبدا لخديجة فوهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم (٥)، وذلك قبل البعثة، وأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاختار البقاء مع النبي صلى الله عليه وسلم على حريته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يا معشر قريش اشهدوا أنه ابني يرثني وأرثه " فرضي بذلك أبوه وعمه وانصرفا.
وقوله :﴿ذلكم قولكم بأفواهكم﴾ تأكيد للقول.
١ نسبه القرطبي إلى ابن عباس. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ١١٦..
٢ ذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٢٦٤، وكذلك الجصاص في أحكام القرآن ٥/ ٢٢١، ٢٢٢..
٣ في أسباب النزول للواحدي أنه جميل بن معمر. راجع ص ٢٦٤..
٤ زيد بن حارثة: هو زيد بن حارثة بن شراحيل، صحابي، اشترته خديجة ووهبته للنبي صلى الله عليه وسلم فتبناه قبل الإسلام وأعتقه وزوجه ابنة عمه. توفي سنة ٨هـ/ ٦٢٩م. انظر الإصابة لابن حجر ١/ ٥٦٣..
٥ "بسبب زيد بن حارثة... إلى: وسلم" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
الأحزاب 33:5
– ثم قال تعالى :﴿ادعوهم لآبائهم....﴾ إلى قوله تعالى :﴿وليس عليكم جناح﴾ :
فأمر بدعاء الأدعياء إلى آبائهم للصلب وأن لا يدعوهم إلى من تبناهم كما كان يفعل أولا فمن جهل ذلك فيه كان مولى وأخا في الدين. فقال الناس : زيد بن حارثة وسالم مولى أبي حذيفة (١) وغير ذلك. ذكر الطبري أن أبا بكرة قرأ هذه الآية ثم قال : أنا ممن لا يعرف أبوه فأنا أخوكم في الدين ومولاكم. قال الراوي عنه : ولو علم أن أباه حمار لانتمى إليه. وأهل الحديث يقولون في أبي بكرة : نفيع بن الحارث (٢) وهذه الآية ناسخة لما قد كان قبلها جائزا في السنة من تنمية الرجل المتبنى إلى متبنيه بالبنوة كما ينسب إلى أبي الصلب وذلك أنه قد كان النبي صلى الله عليه وسلم أقر ذلك حتى نزلت الآية. فهذا من نسخ السنة بالقرآن. وبين الأصوليين فيه تنازع (٣).
– قوله تعالى :﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به....﴾ إلى قوله تعالى :﴿النبي أولى بالمؤمنين﴾ :
اختلف في الخطأ والعمد في الآية ما هو ؟ فقالت فرقة : خطأهم كان فيما سلف من قولهم ذلك. وهذا ضعيف، لأنه لا يتصف بشيء، لأنه خطأ إلا بعد النهي. وقال الجمهور : الخطأ ما كان من غير قصد. ثم اختلف الذين ذهبوا إلى هذا هل الآية على العموم أم لا ؟ فذهب جماعة إلى أنها خاصة (٤)، وأن رفع الحرج إنما هو جري على العادة من نسبة زيد إلى محمد، وغير ذلك مما يشبهه، وأن الجناح في التعمد، إلى نحو ذلك، وهو قول قتادة وغيره. وذهب قوم إلى أنها عامة في كل شيء لم يتعمده فاعله وهو مما لو تعمده لزمه حكم (٥). وعلى هذا يأتي اختلاف الفقهاء فيمن حلف أن لا يفارق غريمه حتى يقضيه، فقضاه ثم وجد فيما قضاه زائدا أو ناقصا. وفيمن (٦) حلف أن لا يسلم على رجل فسلم عليه وهو لا يعلم. فذهب عطاء وغيره إلى أنه لا يحنث من فعل ذلك غير متعمد (٧) وحجته عموم الآية وقوله عليه الصلاة والسلام : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان/ وما استكرهوا عليه " (٨) وقوله : " ما أخشى عليكم الخطأ وإنما أخشى عليكم العمد " (٩) وأكثر الفقهاء يرون الحنث في ذلك ونحوه ويحملون عموم الآية في الأحاديث على الخصوص. وكذلك اختلفوا فيمن أفطر في رمضان ناسيا(١٠) هل عليه قضاء ؟ وكذلك اختلفوا فيمن صلى ناسيا بجنابته هل عليه إعادة ؟ وعموم الآية ما يمكن أن يحتج به في جميع ذلك.
١ سالم مولى أبي حذيفة: هو سالم مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، أحد السابقين الأولين للإسلام. انظر الإصابة لابن حجر ٢/ ٦ – ٨..
٢ ذكر القرطبي قول الطبري في الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ١٢١..
٣ في (أ): "نزاع"..
٤ "خاصة " كلمة ساقطة في (أ)، (ز)..
٥ نسبه القرطبي إلى عطاء ١٤/ ١٢٠..
٦ "حلف أن لا يفارق... إلى: وفيمن" كلام ساقط في (أ)..
٧ راجع أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٢٢، ٢٢٣، وأحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٤٤، والجامع لأحكام القرآن ١٤/ ١٢٠..
٨ الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الطلاق، باب: طلاق المكره والناسي ١/ ٦٥٩..
٩ نسبه الجصاص إلى عمر وكذلك الكيا الهراسي. راجع أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٢٣، وأحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٤٤..
١٠ في (أ)، (ز): "ساهيا"..
الأحزاب 33:6
– قوله تعالى :﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾ :
اختلف في تأويلها، فقيل المعنى إن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمر بشيء أو نهى عنه ثم خالفت إلى أمور نفسه كان أمر النبي صلى الله عليه وسلم أولى أن يتبعه من أمر نفسه(١). وقيل معناه إن النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالحكم من الإنسان مما يحكم به الإنسان في نفسه لوجوب طاعته عليه الصلاة والسلام (٢) هذا في حق الولاية من قبل المؤمنين. وأما من قبل النبي صلى الله عليه وسلم فالذي ينبغي أن يقال فيه إنه (٣) الرفق والتلطف والمن والعطف. فمن ذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم في صدر الإسلام كان لا يصلي على ميت عليه دين. فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من ترك مالا فلورثته ومن ترك دينا أو ضياعا فعلي، أنا وليه فاقرأوا إن شئتم :﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ " (٤) فالآية على هذا ناسخة للسنة.
قوله تعالى :﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ :
جعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تشريفا لهن مثل الأمهات للمؤمنين أي أنهن يجب برهن كما يجب بر الأمهات ويحرم نكاحهن كما يحرم نكاح الأمهات وحجبهن رضي الله عنهن بخلاف الأمهات. وقد اختلف هل كان يحرم عليه عليه الصلاة والسلام حرائر الكتابيات أم لا ؟ واستدل من قال بالتحريم بقوله تعالى :﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ ولو تزوج عليه السلام كافرة لكانت أما للمؤمنين.
قوله تعالى :﴿وأولوا الأرحام بعضهم...﴾ إلى قوله تعالى :﴿مسطورا﴾ :
بين تعالى في هذا أن أولي الأرحام أحق بالتوارث مما كانت الشريعة قررته من التوارث بالأخوة والهجرة، فإنه كان في صدر الإسلام بالمدينة توارث بهذين الوجهين، واختلفت الروايات في صفته. فالآية على هذا ناسخة، رد الله تعالى بها المواريث على الأنساب. وقد تقدم الكلام على هذا في سورة الأنفال (٥). وقوله :﴿في كتاب الله﴾ يحتمل أن يريد القرآن ويحتمل أن يريد اللوح المحفوظ.
وقوله تعالى :﴿إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا﴾ :
قال قتادة وغيره (٦) : يريد الإتيان في الحياة والصلة والوصية عند الموت وهذا كله جائز أن يفعل مع ولي المؤاخاة والهجرة والقريب الذي ليس بوارث وإن كان كافرا. واختلفوا هل يجوز أن يجعل الكافر وصيا أم لا ؟ فجوز بعض ومنع بعض ورد النظر إلى السلطان بعض منهم مالك رضي الله تعالى عنه. فإذا قيل بالمنع فالآية في المؤمنين خاصة، وإلى هذا ذهب مجاهد وابن زيد والرماني (٧) وغيره. أو يقال في المؤمنين والكافرين فيما دون إثبات الوصية منهم. ومن أجاز حمل الآية على العموم ولم يخصص شيئا من شيء.
وقوله :﴿كان ذلك في الكتاب مسطورا﴾ :
يحتمل الوجهين المتقدمين من كتاب الله تعالى أو اللوح المحفوظ. وقد قال بكل من الوجهين جماعة.
١ راجع نحو ذلك في الجامع لأحكام القرآن ١٤٥/ ١٢٢..
٢ راجع نحو ذلك في أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٢٣، وأحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٤٤..
٣ في (ب)، (د)، (هـ): "هو"..
٤ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة كتاب الكفالة، باب: الدين ٣/ ٥٩..
٥ راجع أيضا الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/ ٥٥ و ١٤/ ١٢٤..
٦ أضاف القرطبي الحسن وعطاء. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ١٢٦..
٧ الرماني: هو أبو الحسن علي بن عيسى بن علي بن عبد الله. باحث ومفسر معتزلي من كبار النحاة توفي سنة ٣٨٤هـ/ ١٠٠٣ م. انظر وفيات الأعيان ١/ ٣٣١..
الأحزاب 33:21
– وقوله تعالى :﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ :
يحتج به بعض الناس في وجوب التأسي بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم (١).
١ ذكره الكيا الهراسي في أحكام القرآن ٤/ ٣٤٥..
الأحزاب 33:28
– قوله تعالى :﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها...﴾ إلى قوله تعالى :﴿فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما﴾ :
اختلف في سببها. قيل غيرة غارتها عائشة. وقال ابن زيد وقع بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تغاير ونحوه مما شقي هو به فنزلت الآية بسبب ذلك. وقال ابن الزبير : سببها أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله أزواجه النفقة وتشططن في تكليفه منها فوق وسعه. وقال قوم سببها أنهن طلبن منه ثيابا وملابس. وقالت واحدة لو كنا عند غير النبي صلى الله عليه وسلم لكان لنا حلي ومتاع (١). واختلف هل في هذه الآية تخيير لنسائه صلى الله عليه وسلم في الطلاق أم لا ؟ فذهب بعض إلى أنه لا تخيير فيها، قالوا وإنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلاوتها عليهن وتخييرهن بين الدنيا والآخرة وأمر الطلاق مرجوء (٢) فلو اخترن أنفسهن نظر (٣) هو كيف يسرحهن وليس فيه تخييرهن في الطلاق لأن التخيير يضمن ثلاث تطليقات وهو قد قال :﴿وأسرحكن سراحا جميلا﴾ وليس مع بت الطلاق سراح جميل. فعلى هذا القول لفظ السراح لا يقتضي البتات. وقالت فرقة بل هي آية تخيير في الطلاق واخترنه فلم يعد ذلك طلاقا وهو قول عائشة رضي الله تعالى عنها لما سئلت عن الرجل يخير امرأته، قالت قد خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفكان طلاقا. وفي رواية أخرى ما خيرناه فلم يعد ذلك طلاقا (٤) ووجه هذا القول أن يقال إن هذا التخيير من النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن فيه ذكر الطلاق فإنه كناية عن الطلاق على شرائطه. وقال بعضهم الآية وإن لم يكن فيها تخيير في الطلاق ففيها إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه لأنه يطلقهن. وهو إخبار لا خلف فيه لأن الله تعالى أمره به فأشبه التخيير في وجوب الطلاق للمخيرة باختيارها نفسها. وأما من غير النبي صلى الله عليه وسلم فليس ذلك بتخيير ولا فيه شبهة منه وإنما هو عدة بالطلاق إن اختارته (٥). وهذا أصح ما ينبغي أن يقال في الآية. وقد اختلف في التخيير والتمليك اختلافا كثيرا إذا لم يرد فيه نص من قرآن أو أثر. فذهب بعضهم إلى أنه لا تخيير لهما وأن المرأة لا يكون لها شيء من ذلك وإن خيرت أو ملكت (٦). وذهب بعضهم إلى أن نفس التخيير والتمليك طلاق قبلته أو ردته، روي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وفرق ربيعة بين التخيير والتمليك فلم ير للتحيير شيئا ورأى التمليك واحدة بائنة وهو مذهب أبي حنيفة. وذهب جماعة إلى أن التخيير والتمليك موقوف على جواب الزوجة (٧).
فأما القول الأول فيرده من جهة النظر أنه لو لم يكن له تأثير لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا تأثير له. والآية وإن لم تكن تخييرا محضا فهو يشبه التخيير كما قدمنا. وأما الثاني فيرده قول عائشة رضي الله تعالى عنها : فاخترنا الله ورسوله فلم يعد ذلك علينا شيئا. والفرق بين التخيير والتمليك غير بين فلا معنى له. وأصحها القول الرابع وهو الذي يعضده النظر ومفهوم الآية. إلا أن الذين ذهبوا إليه اختلفوا فيما يكون قضاء الزوجة. فمنهم من جعل قضاء الزوجة في ذلك بتاتا. ومنهم من جعله واحدة بائنة، ومنهم من جعله واحدة رجعية، ومنهم من جعله على ما قضت به إن واحدة وإن ثلاثا، ومنهم من جعله على ما نوى الزوج مع يمينه. وذهب مالك رحمه الله تعالى إلى أنه لا قضاء للمرأة في التخيير إلا بالثلاث وأن لها القضاء في التمليك بما شاءت إلا أن للزوج أن يناكر فيه وليس له أن يناكر في التخيير بعد الدخول. واحتج بعضهم للتخيير بأنه الثلاث فقال إنما كان ذلك لأن معنى التخيير التسريح. قال الله تعالى في آية التخيير ﴿فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا﴾ فمعنى التسريح البتات لأن الله تعالى قال :﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩] وهو الطلقة الثالثة (٨). والاحتجاج بالصحيح من هذه الأقوال يطول به الكتاب وليس في الآية ما يقوي الاستدلال به عليه فلا معنى للاشتغال به إذ غرضنا إنما هو سوق دليل من الآية المتكلم عليها.
– وقوله تعالى :﴿إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها﴾ :
أي إن كان عظيم همكن إنما هو التعمق من الدنيا والنيل من نعيمها. وظاهر هذه الآية عندي يدل على أن الذي سأله أزواجه صلى الله عليه وسلم إنما هو التوسع لهن في أمور الدنيا كالملابس ونحوها دون الغيرة التي ذهب إليها من ذهب.
وقوله :﴿أمتعكن﴾ معناه أعطيكن المتاع الذي ندب الله إليه بقوله تعالى :﴿ومتعوهن﴾ الآية [البقرة: ٢٣٦]. وأكثر الناس على أنه من المندوب إليه (٩). وقالت فرقة هي واجبة (١٠). والسراح الجميل في الآية يحتمل أن يكون ما دون بت الطلاق ويحتمل أن يكون في بقاء جميل المعتقد وحسن العشرة وإن كان الطلاق بتاتا، وقد تقدم فيه القولان جميعا.
وأزواجه صلى الله عليه وسلم اللواتي نزلت فيهن الآية هن التسع نسوة أمهات المؤمنين اللاتي توفي عنهن صلى الله عليه وسلم، خمس من قريش : عائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر وأم حبيبة بنت أبي سفيان وسودة بنت زمعة وأم سلمة بنت أبي أمية. وأربع من غير قريش : ميمونة بنت الحارث الهلالية وصفية بنت حيي الخيبرية وزينب بنت جحش الأسدية وجويرية بنت الحارث المصطلقية. واختلف هل كان عند النبي صلى الله عليه وسلم – عند التخيير – غير هؤلاء أم لا ؟ فقيل لم يكن ذلك، وهو الصحيح. وقيل كانت عنده معهن بنت الضحاك العامرية واختارت نفسها فذهبت كما وقع في لفظ الآثار المدونة.
ووصف تخييره صلى الله عليه وسلم أنه لما خرج من إيلائه بالتسعة والعشرين يوما ونزلت هذه الآية بدأ بعائشة – وكانت أحبهن إليه – فقال : " إني ذاكر لك أمرا عليك ألا تعجلي حتى تستأذني أبويك " ثم خيرها وتلا عليها الآية فاختارته. وتتابع سائر أزواجه صلى الله عليه وسلم على رأي عائشة رضي الله تعالى عنهن. وفي الحديث طول إلا أن هذا معناه (١١).
١ راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢٦٨، ٢٦٩..
٢ قال الشافعي: إن من ملك زوجة فليس عليه تخييرها. راجع أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٢٦، أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٤٥، الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ١٦٢. وقد نسبه الجصاص إلى الحسن وقتادة..
٣ "نظر" كلمة ساقطة في (ح)..
٤ راجع نحو ذلك في أحكام القرآن للجصاص ٥/٢٢٦، أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/٣٤٥..
٥ راجع نحو ذلك في م. س. ، ن. ص..
٦ قال أبو بكر: التخيير في نفس ليس بطلاق لا صريح ولا كناية. راجع أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٢٨..
٧ راجع نحو ذلك في م. س. ، ن. ص..
٨ راجع أحكام الطلاق في الجامع لأحكام القرآن ٣/ ١٢٥ و١٤/ ١٧٢..
٩ وهو قول مالك وأبي عبيد والقاضي شريح. راجع الجامع لأحكام القرآن ٣/ ٢٠٠..
١٠ وهو قول ابن عمر وعلي والحسن بن أبي الحسن وسعيد بن جبير وأبي قلابة والزهري وقتادة والضحاك وابن مزاحم. راجع الجامع لأحكام القرآن ٣/ ٢٠٠..
١١ فراجعه في جامع البيان للطبري ٢١/ ٩٩..
الأحزاب 33:29
– قوله تعالى :﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها...﴾ إلى قوله تعالى :﴿فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما﴾ :
اختلف في سببها. قيل غيرة غارتها عائشة. وقال ابن زيد وقع بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تغاير ونحوه مما شقي هو به فنزلت الآية بسبب ذلك. وقال ابن الزبير : سببها أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله أزواجه النفقة وتشططن في تكليفه منها فوق وسعه. وقال قوم سببها أنهن طلبن منه ثيابا وملابس. وقالت واحدة لو كنا عند غير النبي صلى الله عليه وسلم لكان لنا حلي ومتاع (١). واختلف هل في هذه الآية تخيير لنسائه صلى الله عليه وسلم في الطلاق أم لا ؟ فذهب بعض إلى أنه لا تخيير فيها، قالوا وإنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلاوتها عليهن وتخييرهن بين الدنيا والآخرة وأمر الطلاق مرجوء (٢) فلو اخترن أنفسهن نظر (٣) هو كيف يسرحهن وليس فيه تخييرهن في الطلاق لأن التخيير يضمن ثلاث تطليقات وهو قد قال :﴿وأسرحكن سراحا جميلا﴾ وليس مع بت الطلاق سراح جميل. فعلى هذا القول لفظ السراح لا يقتضي البتات. وقالت فرقة بل هي آية تخيير في الطلاق واخترنه فلم يعد ذلك طلاقا وهو قول عائشة رضي الله تعالى عنها لما سئلت عن الرجل يخير امرأته، قالت قد خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفكان طلاقا. وفي رواية أخرى ما خيرناه فلم يعد ذلك طلاقا (٤) ووجه هذا القول أن يقال إن هذا التخيير من النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن فيه ذكر الطلاق فإنه كناية عن الطلاق على شرائطه. وقال بعضهم الآية وإن لم يكن فيها تخيير في الطلاق ففيها إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه لأنه يطلقهن. وهو إخبار لا خلف فيه لأن الله تعالى أمره به فأشبه التخيير في وجوب الطلاق للمخيرة باختيارها نفسها. وأما من غير النبي صلى الله عليه وسلم فليس ذلك بتخيير ولا فيه شبهة منه وإنما هو عدة بالطلاق إن اختارته (٥). وهذا أصح ما ينبغي أن يقال في الآية. وقد اختلف في التخيير والتمليك اختلافا كثيرا إذا لم يرد فيه نص من قرآن أو أثر. فذهب بعضهم إلى أنه لا تخيير لهما وأن المرأة لا يكون لها شيء من ذلك وإن خيرت أو ملكت (٦). وذهب بعضهم إلى أن نفس التخيير والتمليك طلاق قبلته أو ردته، روي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وفرق ربيعة بين التخيير والتمليك فلم ير للتحيير شيئا ورأى التمليك واحدة بائنة وهو مذهب أبي حنيفة. وذهب جماعة إلى أن التخيير والتمليك موقوف على جواب الزوجة (٧).
فأما القول الأول فيرده من جهة النظر أنه لو لم يكن له تأثير لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا تأثير له. والآية وإن لم تكن تخييرا محضا فهو يشبه التخيير كما قدمنا. وأما الثاني فيرده قول عائشة رضي الله تعالى عنها : فاخترنا الله ورسوله فلم يعد ذلك علينا شيئا. والفرق بين التخيير والتمليك غير بين فلا معنى له. وأصحها القول الرابع وهو الذي يعضده النظر ومفهوم الآية. إلا أن الذين ذهبوا إليه اختلفوا فيما يكون قضاء الزوجة. فمنهم من جعل قضاء الزوجة في ذلك بتاتا. ومنهم من جعله واحدة بائنة، ومنهم من جعله واحدة رجعية، ومنهم من جعله على ما قضت به إن واحدة وإن ثلاثا، ومنهم من جعله على ما نوى الزوج مع يمينه. وذهب مالك رحمه الله تعالى إلى أنه لا قضاء للمرأة في التخيير إلا بالثلاث وأن لها القضاء في التمليك بما شاءت إلا أن للزوج أن يناكر فيه وليس له أن يناكر في التخيير بعد الدخول. واحتج بعضهم للتخيير بأنه الثلاث فقال إنما كان ذلك لأن معنى التخيير التسريح. قال الله تعالى في آية التخيير ﴿فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا﴾ فمعنى التسريح البتات لأن الله تعالى قال :﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩] وهو الطلقة الثالثة (٨). والاحتجاج بالصحيح من هذه الأقوال يطول به الكتاب وليس في الآية ما يقوي الاستدلال به عليه فلا معنى للاشتغال به إذ غرضنا إنما هو سوق دليل من الآية المتكلم عليها.
– وقوله تعالى :﴿إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها﴾ :
أي إن كان عظيم همكن إنما هو التعمق من الدنيا والنيل من نعيمها. وظاهر هذه الآية عندي يدل على أن الذي سأله أزواجه صلى الله عليه وسلم إنما هو التوسع لهن في أمور الدنيا كالملابس ونحوها دون الغيرة التي ذهب إليها من ذهب.
وقوله :﴿أمتعكن﴾ معناه أعطيكن المتاع الذي ندب الله إليه بقوله تعالى :﴿ومتعوهن﴾ الآية [البقرة: ٢٣٦]. وأكثر الناس على أنه من المندوب إليه (٩). وقالت فرقة هي واجبة (١٠). والسراح الجميل في الآية يحتمل أن يكون ما دون بت الطلاق ويحتمل أن يكون في بقاء جميل المعتقد وحسن العشرة وإن كان الطلاق بتاتا، وقد تقدم فيه القولان جميعا.
وأزواجه صلى الله عليه وسلم اللواتي نزلت فيهن الآية هن التسع نسوة أمهات المؤمنين اللاتي توفي عنهن صلى الله عليه وسلم، خمس من قريش : عائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر وأم حبيبة بنت أبي سفيان وسودة بنت زمعة وأم سلمة بنت أبي أمية. وأربع من غير قريش : ميمونة بنت الحارث الهلالية وصفية بنت حيي الخيبرية وزينب بنت جحش الأسدية وجويرية بنت الحارث المصطلقية. واختلف هل كان عند النبي صلى الله عليه وسلم – عند التخيير – غير هؤلاء أم لا ؟ فقيل لم يكن ذلك، وهو الصحيح. وقيل كانت عنده معهن بنت الضحاك العامرية واختارت نفسها فذهبت كما وقع في لفظ الآثار المدونة.
ووصف تخييره صلى الله عليه وسلم أنه لما خرج من إيلائه بالتسعة والعشرين يوما ونزلت هذه الآية بدأ بعائشة – وكانت أحبهن إليه – فقال :" إني ذاكر لك أمرا عليك ألا تعجلي حتى تستأذني أبويك " ثم خيرها وتلا عليها الآية فاختارته. وتتابع سائر أزواجه صلى الله عليه وسلم على رأي عائشة رضي الله تعالى عنهن. وفي الحديث طول إلا أن هذا معناه (١١).
١ راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢٦٨، ٢٦٩..
٢ قال الشافعي: إن من ملك زوجة فليس عليه تخييرها. راجع أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٢٦، أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٤٥، الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ١٦٢. وقد نسبه الجصاص إلى الحسن وقتادة..
٣ "نظر" كلمة ساقطة في (ح)..
٤ راجع نحو ذلك في أحكام القرآن للجصاص ٥/٢٢٦، أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/٣٤٥..
٥ راجع نحو ذلك في م. س. ، ن. ص..
٦ قال أبو بكر: التخيير في نفس ليس بطلاق لا صريح ولا كناية. راجع أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٢٨..
٧ راجع نحو ذلك في م. س. ، ن. ص..
٨ راجع أحكام الطلاق في الجامع لأحكام القرآن ٣/ ١٢٥ و١٤/ ١٧٢..
٩ وهو قول مالك وأبي عبيد والقاضي شريح. راجع الجامع لأحكام القرآن ٣/ ٢٠٠..
١٠ وهو قول ابن عمر وعلي والحسن بن أبي الحسن وسعيد بن جبير وأبي قلابة والزهري وقتادة والضحاك وابن مزاحم. راجع الجامع لأحكام القرآن ٣/ ٢٠٠..
١١ فراجعه في جامع البيان للطبري ٢١/ ٩٩..
الأحزاب 33:37
– قوله تعالى :﴿فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها﴾ :
أخذ بعضهم من هذه الآية ومن قول شعيب :﴿إني أريد أن أنكحك....﴾ الآية [القصص: ٢٧] إلى أنه ينبغي أن يكتب في المهور أنكحه إياها، فيقدم ضمير الذكر كما في الآيتين. وهذا غير واجب لأن الزوج مخاطب في الآيتين فلذلك قدم ضميره، وفي المهر الزوجان غائبان فيقدم الكاتب أيهما شاء ولم يبق (١) ترجيح إلا بدرجة الرجال وأنهم القوامون على النساء. وقد تقدم الكلام على هذا.
١ في (هـ): "ولم ينو"..
الأحزاب 33:48
– قوله تعالى في الكافرين :﴿ودع أذاهم﴾ :
يحتمل وجهين : أحدهما : أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا يؤذيهم ؟ والثاني : أن يكون بأمره بأن يعرض عن أقوالهم وما يؤذونه به. فعلى التأويل الأول تكون الآية منسوخة بآية السيف.
الأحزاب 33:49
– قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ :
استدل بعضهم بقوله تعالى :﴿طلقتموهن﴾ وبما تقتضيه ثم من المهلة على أن الطلاق لا يكون إلا بعد النكاح وأن من طلق امرأة قبل نكاحها – وإن عينها – فإنه لا يلزمه. وقال بهذا ما ينيف على ثلاثين بين صاحب وتابع وإمام سمى البخاري منهم اثنين وعشرين (١). والمشهور في المذهب وعليه طائفة كثيرة من أهل العلم – أن طلاق المعينة قبل النكاح يلزم ولا هي حجة في الآية لمن منع من ذلك لأنه تعالى إنما أخبر بحكم الطلاق إذا وقع بعد النكاح ولم يذكر حكمه إذا وقع قبل ذلك ولا يقتضي نفيا ولا إثباتا. وقد تقدم الكلام على هذه المسألة وعلى مسألة المتعة بما أغنى عن إعادتهما هنا. وهذه الآية مخصصة لقوله تعالى :﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]. ولقوله :﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم﴾ [الطلاق: ٤] الآيتين. إن هاتين عامتان في المدخول بها وغير المدخول بها. وهذه الآية غير المدخول بها فتخصصت غير المدخول بها في هذه الآية من عموم الآيتين المذكورتين. وقد اختلف هل هذه الآية منسوخة بآية البقرة أو مدنية أو ناسخة لها لأن هذه الآية اقتضت المتعة للمطلقة قبل الدخول فرض لها صداق أم لا. والآية التي في سورة البقرة قوله تعالى :﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة: ٢٣٧] اقتضت أن المطلقة قبل الدخول – وقد فرض لها – ليس لها إلا نصف الصداق. فمن الناس من يرى أن ما في سورة البقرة ناسخ لهذه. وهذا ضعيف لأن هذه الآية عامة في المطلقتين وما في سورة البقرة خاص في إحداهما. ويبعد أن يقال إن الخاص ناسخ للعام، وفيه بين أهل الأصول تنازع. ويأتي على قول من يرى المتعة للمطلقة قبل الدخول فرض لها أو لم يفرض لها أن هذه الآية ناسخة لما في سورة البقرة. وهذا أيضا يبعد لأن النسخ لا يرجع إليه إلا إذا لم يقدر على الجمع بين الآيتين، والجمع بين هاتين الآيتين ممكن لمن تأمله من أوجه. والذي ينبغي أن يقال في الآيتين أن (٢) إحداهما مبينة للأخرى ثم يختلف من وجه التبين على حسب الاختلاف في المتعة. وقد اختلف إذا حصلت الخلوة بين الزوجين وادعت الوطء وأنكره الزوج هل تجب العدة أم لا ؟ فالمذهب أنه يجب ولا تسقط باختلافهما لأنه حق لله تعالى : وقال الشافعي في أحد قوليه لا يجب إلا بالمسيس، واحتج أصحابه له بالآية.
١ راجع صحيح البخاري، باب: لا طلاق قبل النكاح ٦/١٦٧..
٢ "أن" ساقط في (ح)..
الأحزاب 33:50
– قوله تعالى :﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك﴾ إلى قوله تعالى :﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ الآية :
اختلف في تأويلها. فذهب الضحاك وابن زيد إلى أن الله تعالى أحل له أن يتزوج كل امرأة يعطيها مهرها فأباح له كل النساء بهذا الوجه وأباح له ملك اليمين ثم أباح بنات العم والعمة والخال والخالة ممن هاجرن معه (١). وهذه المذكورات قد انطوى ذكرهن في قوله تعالى :﴿أزواجك اللاتي آتيت أجورهن﴾ إلا أنه تعالى خصصهن بعد أن عمهن بالذكر مع غيرهن تشريفا وتنزيها لهن (٢) تم أباح له تعالى الواهبات أنفسهن خاصة له. واختلف على هذا القول هل الآية محكمة أو منسوخة ؟ فذهب قوم إلى أنها محكمة ناسخة لقوله تعالى :﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ (٣) [الأحزاب: ٥٢] وذهب قوم إلى أنها منسوخة بقوله تعالى :﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ على القول بأن مقتضى هذه الآية القصر على من عنده من النساء. وذهب جماعة إلى أن الإشارة بالأزواج إلى من كان في ملكه صلى الله عليه وسلم وأنه تعالى مع ذلك أباح له ملك اليمين وأباح له مع المذكورات بنات عمه وعماته وخالاته وخاله ممن هاجر معه، فلم يدخل هؤلاء على هذا القول في ذكر الأزواج. وأباح الواهبات خاصة له بالأمر على القول الأول أوسع على النبي صلى الله عليه وسلم. وعلى القول الثاني أضيق. ويؤيده ما قاله ابن عباس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوج أي النساء شاء وكان ذلك، فشق على نسائه. فلما نزلت هذه الآية وحرم عليه بها النساء إلا من سمي سر نساؤه ذلك(٤). وروي أن أم هانئ (٥) بنت أبي طالب أنها قالت : خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه، فعذرني، ثم نزلت هذه الآية فحرمني عليه بأني لم أهاجر معه وإنما كنت من الطلقاء (٦).
– قوله تعالى :﴿إن وهبت نفسها للنبي﴾ :
هذه هي الموهوبة التي خص بها النبي صلى الله عليه وسلم. وقد اختلف هل وقع ذلك له صلى الله عليه وسلم أم لا ؟ فذهب ابن عباس ومجاهد إلى أنه لم يكن عنده صلى الله عليه وسلم امرأة إلا بعقد نكاح وبملك يمين، وأما بالهبة فلم يكن عنده منهن أحد.
ويحتج من يذهب إلى هذا بقراءة الجمهور :﴿إن وهبت﴾ بكسر الهمزة أي إن وقع فهو حلال. وذهب جماعة إلى أنه قد كان عنده ويحتجون بقراءة :﴿أن وهبت﴾ بفتح الهمزة (٧) وفتحها إشارة إلى ما وقع من الواهبات قبل نزول الآية. واختلف الذين ذهبوا إلى وقوع الهبة في نفس الموهوبة من هي ؟ فقال ابن عباس – كما حكى الطبري عنه – هي ميمونة بنت الحارث (٨). وقال علي بن الحسين (٩) هي أم شريك (١٠) وقال الشعبي وغيره هي زينب بنت خزيمة أم المساكين (١١) وقال عروة إن خولة أم حكيم بنت الأوقص السلمية(١٢) هي ممن وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم (١٣).
وقوله تعالى :﴿خالصة لك من دون المؤمنين﴾ :
لا خلاف أن الموهوبة كانت خالصة للنبي صلى الله عليه وسلم وأنه لا يجوز لغيره. إلا أنهم اختلفوا هل يجوز أن ينعقد النكاح على شروطه بلفظ الهبة أم لا ؟ فأجازه ابن القاسم دخل أو لم يدخل. وذكر ابن المواز عنه وعن عبد المالك أنه يفسخ قبل البناء ويثبت بعده بصداق المثل، وبه قال أبو حنيفة. وقال أشهب وابن وهب وابن عبد الحكم أنه يفسخ وإن دخلت، وبه قال الشافعي (١٤). وذكر ابن المواز أنه لم يختلف مالك وأصحابه بأنه يفسخ قبل البناء (١٥) وليس ذلك بصحيح فمن منعه فلوقوع اللفظ فاسدا إذ ذلك اللفظ لم يبحه الله تعالى إلا في جهة النبي صلى الله عليه وسلم فمن أجازه راعى المعنى.
وقوله تعالى :﴿قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم﴾ :
قيل المراد بذلك نكاح أربع نسوة لا يتجاوز إلى أكثر (١٦) والولي والصداق، ويختلف في الشهود هل يدخلون في الفرض أم لا ؟ فمن أجاز عند النكاح بغير شهود إذا أعلن به – وهو مذهب مالك وغيره – لم يرهم داخلين في الفرض. ومن لم يجزه – وهو مذهب الشافعي وغيره – رآه داخلين في الفرض. وذهب بعض أهل النظر إلى أن الرجم الذي كان يقرأ في سورة الأحزاب داخل في هذه الآية.
١ ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٢٠٩..
٢ "لهن" كلمة ساقطة في (ح)..
٣ قال هبة الله: وهي من أعاجيب المنسوخ نسخها الله تعالى بآية قبلها في النظم وهي قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك﴾ راجع الناسخ والمنسوخ لابن سلامة ص ٢٥٨..
٤ ذكره الجصاص في أحكام القرآن ٥/ ٢٣٧، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٢٠٧..
٥ أم هانئ بنت أبي طالب الهاشمية، أمها فاختة وقيل هند وهي شقيقة علي. روى عنها ابن عباس. أسلمت عام الفتح وعاشت بعد علي دهرا. انظر إسعاف المبطأ ٢/ ٣٧٨..
٦ راجع لباب النقول ص ٦٤٦، ٦٤٧..
٧ وهي قراءة الحسن البصري وأبي بن كعب والشعبي. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٢٠٩..
٨ ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله تعالى عنها. أم المؤمنين اختلف في تاريخ وفاتها بين ٤٩هـ و ٦٦هـ. انظر الإصابة لابن حجر ٤/ ٣٩٨..
٩ علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، زين العابدين. أحد التابعين الثقاة العباد الورعين أفضل أهل البيت في زمانه. قال ابن المسيب ما رأيت أورع منه. توفي سنة ٩٣هـ/ ٧١٥م، وقيل غير ذلك. انظر إسعاف المبطأ ٢/ ٣٤٢..
١٠ أم شريك: وهي غزية بنت جابر بن حكيم الدوسية العامرية. وهو ما اختاره السيوطي في لباب النقول ص ٦٤٧، وابن عباس في تنوير المقباس ص ٣٥٥..
١١ زينب بنت خزيمة، أرملة عبيدة بن الحارث، أم المساكين، تزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاة زوجها في غزوة بدر. انظر الإصابة ٤/ ٣٦٠..
١٢ خولة أم حكيم بنت الأوقص السلمية: امرأة عثمان بن مظعون. يقال كنيتها أم شريك. انظر الإصابة لابن حجر ٤/ ٢٨٢، وطبقات ابن سعد ٣/ ٣٩٣..
١٣ راجع هذه الاختلافات في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٤/ ٢٠٨، ٢٠٩..
١٤ "وذكر ابن المواز... إلى: الشافعي" كلام ساقط في (أ)، (ب)، (ز)..
١٥ راجع نحو ذلك في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٣/ ٢٧٢ و ١٤/ ٢١١، وكذلك في روائع البيان للصابوني ٢/ ٣٠٩ –٣١١..
١٦ نسبه القرطبي إلى أبي بن كعب وقتادة. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٢١٤..
الأحزاب 33:51
– وقوله تعالى :﴿ترجي من تشاء منهن وتئوي إليك من تشاء﴾ :
معناه أن الله تعالى فسح لنبيه صلى الله عليه وسلم فيما يفعله في جهة النساء. والضمير في ﴿منهن﴾ عائد على ما تقدم ذكره من الأصناف اللائي أحللن للنبي صلى الله عليه وسلم حسب الخلاف المذكور في ذلك. واختلف في معنى الإرجاء والإيواء المذكورين في الآية هاهنا(١). فقال مجاهد وقتادة والضحاك أن المعنى في القسم أن تقرب من شئت في القسمة لها من نفسك وتؤخر عنك من شئت وتكثر لمن شئت وتقل لمن شئت لا حرج عليك في ذلك. فإذا علمت هذا – وهذا حكم الله وقضاؤه – زالت الأنفة والبغضاء والتغاير عنهن ورضين وقرت أعينهن فكان صلى الله عليه وسلم يقسم لهن ما شاء. وهذا على القول بأن سبب هذه الآيات التغاير (٢). وقال أبو زيد (٣) وابن عباس : المعنى في الطلاق أن يطلق من شاء ممن حصل في عصمته ويمسك من شاء. قال أبو رزين (٤) : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هم ببعض نسائه فقلن له : أقسم لنا ما شئت. وكان ممن أرجأ سودة وجويرية وصفية وأم حبيبة وميمونة. وآوى إليه عائشة وأم سلمة وحفصة وزينب. وقال ابن عباس أيضا : المعنى من مات من نسائك أو خليت سبيلها فلا إثم عليك أن تستبدل عوضها من اللائي أحللنا لك، ولا يحل لك أن تزيد على عدة نسائك اللائي عندك شيئا. وقال الحسن (٥) المعنى في تزوج من شاء من النساء وترك من شاء. قال : وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يتركها أو يتزوجها. وقال قوم : المعنى في ضم من شاء من الواهبات وتأخر من شاء. والآية كيفما تأولت ففيها توسعة على النبي صلى الله عليه وسلم. ؟ قال الشعبي : كان نساء قد وهبن أنفسهن إلى النبي صلى الله عليه وسلم فدخل ببعضهن وأرجأ ببعضهن ولم يقربهن حتى توفي ولم ينكحهن منهن أم شريك. فقالت عائشة : لما قرأها النبي صلى الله عليه وسلم قلت : ما أرى ربك إلا يسارع في هواك (٦) وذهب علي بن أبي طالب وغيره إلى أن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى :﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ الآية. قال هبة الله (٧) : وليس في كتاب الله تعالى ناسخ لقوله :﴿لا يحل لك النساء﴾ الآية إلا هذه الآية. وليس في كتاب الله تعالى ناسخ تقدم المنسوخ سوى هذا (٨) وهذا القول باطل من عدة أوجه (٩).
وقوله تعالى :﴿ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك﴾ :
يحتمل أن يريد من أردت ممن كنت عزلته وأخرته فلا جناح عليك في رده إلى نفسك. ويحتمل أن يريد : ومن ابتغيت ومن عزلت فذلك سواء لا جناح عليك في جميعه. وهذا المعنى يحتمل أن يكون من معنى القسم ويحتمل أن يكون من معنى(١٠) الواهبات. وبكل قد قال قوم. ولم تختلف النقلة في أنه صلى الله عليه وسلم عدل في القسمة بين أزواجه حتى مات ولم يمتثل معهن ما أبيح له أخذا منه صلى الله عليه وسلم بأفضل الأخلاق من غير أن سودة وهبت يومها لعائشة تفهما (١١) لمسرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
١ "ها هنا" كلمة ساقطة في (أ)، (ز)..
٢ في (ح): "التفاخر"..
٣ أبو زيد: هو عبد الرحمن بن إبراهيم القرطبي، المشهور بابن تارك الفرس، أبو زيد. توفي سنة ٢٥٨هـ/ ٨٧٢م. انظر ترتيب المدارك ١/ ١٧٤..
٤ أبو رزين: واسمه مسعود مولى أبي وائل. يقال إنه كان من أهل الصفة. له حديث السلام على القبور. انظر الإصابة لابن حجر ٤/ ٧٠، وطبقات ابن سعد ٦/ ١٨٠..
٥ "الحسن" كلمة ساقطة في (أ)، (د)، (ز)..
٦ راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢٥٩، ولباب النقول ص ٦٤٨..
٧ هبة الله: هو أبو القاسم هبة الله بن سلامة بن نصر بن علي، مفسر، ضرير، من أهل بغداد. له مصنفات منها: الناسخ والمنسوخ في القرآن. توفي سنة ٤١٠هـ/ ١٠٣٢م. انظر الأعلام ٨/ ٧٢، وبغية الوعاة ص ٤٠٧..
٨ راجع القول في الناسخ والمنسوخ لهبة الله بن سلامة ص ٢٥٨..
٩ راجع تفسير هذه الآية بتوسع في أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٣٨ – ٢٤١. وفي المحرر الوجيز ١٣/ ٨٧ – ٩٢، وفي الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٢١٤، ٢١٥..
١٠ "معنى" كلمة ساقطة في غير (أ)، (ز)..
١١ "تفهما" كلمة ساقطة في (ب)..
الأحزاب 33:52
– قوله تعالى :﴿لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل...﴾ إلى قوله تعالى :﴿رقيبا﴾ :
اختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة ؟ الذين ذهبوا إلى أنها محكمة اختلفوا في تأويلها. فقال أبي بن كعب وغيره (١) : معناها لا يحل لك النساء من بعد الأصناف التي سميت. وهذا على قول من جعل الآية في الأصناف المذكورة غير مطلقة في جميع النساء. وقال مجاهد وأبو أمامة بن سهل (٢) وأبو رزين وابن جبير : لا يحل له اليهوديات ولا النصرانيات من بعد المسلمات المذكورات. وكذلك قدروا :﴿ولا أن تبدل بهن﴾ أي ولا أن تبدل اليهوديات والنصرانيات بالمسلمات (٣). قال أمامة لئلا تكون كافرة أما للمؤمنين (٤) وفي هذا القول بعد لأنه لم يجز للمسلمات ذكر فيضمرن. وقال الحسن وابن سيرين وغيرهما (٥) إن هذه الآية حظرت عليه صلى الله عليه وسلم النساء إلا التسع اللواتي كن عنده فكأن الآية ليست بمتصلة بما قبلها. قال ابن عباس وقتادة : لما هجرهن رسول الله صلى الله عليه شهرا وآلى منهن ثم خرج (٦) وخيرهن اخترن الله ورسوله جازاهن بأن حظر عليه النساء غيرهن وقنعه بهن وحظر عليه تبديلهن ونسخ بذلك ما أباحه الله تعالى له قبل من التوسعة في جميع النساء. فعلى هذا القول تكون هذه الآية ناسخة للآية المتقدمة على القول بأنها مبيحة للنبي صلى الله عليه وسلم جميع النساء. فقد كان له صلى الله عليه وسلم أن يتزوج من شاء. وقد تزوج سليمان عليه السلام – فيما يذكر عنه – سبعمائة امرأة حرة وكانت له ثلاثمائة أمة مملوكة. ؟ وكان لداود عليه السلام مائة حرة. وقد روي أن اليهود قالت : ما لمحمد شغل إلا التزوج. فحسدوه على ذلك فأنزل الله تعالى :﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله....﴾ إلى قوله :﴿وآتيناهم ملكا عظيما﴾ [النساء: ٥٤] فروي (٧) أن معنى ﴿ملكا عظيما﴾ ما كان لسليمان وداود من النساء. وقيل لما قال :﴿ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له﴾ الآية [الأحزاب: ٣٨] كان له أن يتزوج من شاء بغير عدد كما كان للأنبياء قبله ثم نسخ ذلك بهذه الآية، قاله محمد بن كعب (٨).
وقال أبي بن كعب والضحاك المعنى : لا تحل لك العمات والخالات ونحوهن وأمر مع ذلك أن لا يتبدل بأزواجه التسع ومنع أن يطلق منهن ويتزوج غيرهن. وقيل من تزوجت حصلت في عصمته أي لا يبدلها بأن يأخذ زوجة إنسان ويعطيه هو زوجته. قال ابن زيد هذا الشيء كانت العرب تفعله. وقد أنكر الطبري وغيره (٩) هذا المعنى في الآية. والعرب لم يعرف لها أنها كانت تفعل ذلك. وما روي من حديث عيينة بن حصن من أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة فقال من هذه الحميراء ؟ فقال هذه عائشة فقال عيينة يا رسول الله إن شئت نزلت لك عن سيدة نساء العرب جمالا ونسبا (١٠) فليس بتبديل ولا أرى ذلك وإنما احتقر عائشة لأنها كانت صبية. فالآية على القول بأن مقتضاها القصر على من عنده من النساء، قيل إنها محكمة لم ينسخها شيء، إلا أنه يختلف هل هي ناسخة لما كان قبلها من إباحة جميع النساء أم لا ؟ وقيل إنها منسوخة. والذين ذهبوا إلى أنها منسوخة اختلفوا في الذي نسخها. فقيل نسختها السنة، روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له جميع النساء (١١). وهذا القول ضعيف لأن الحديث لو كان صحيحا لما صح النسخ به لأنه خبر آحاد وخبر الآحاد لا ينسخ به القرآن. وقيل هي منسوخة بالقرآن، واختلفوا في الناسخ فقيل قوله تعالى :﴿ترجي من تشاء منهن وتئوي إليك من تشاء﴾ وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس والضحاك. وجائز أن ينسخ الشيء ما بعده لأن القرآن بمنزلة سورة واحدة. على أنه قد روي عن ابن عباس أنه نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا في شهر رمضان وقد أجمع على أن قوله تعالى :﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم﴾ [البقرة: ٢٤٠] منسوخ بما قبله وهو :﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن﴾ [البقرة: ٢٣٠] منسوخ بما قبله وهو :﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن﴾ [البقرة: ٢٣٤] فهذا مثله. وقد مر الكلام على هذا. وقيل نسخها قوله تعالى :﴿إنا أحللنا لك أزواجك التي آتيت أجورهن﴾ على القول بأنها مبيحة جميع النساء (١٢) ومما يدل على (١٣) النسخ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج بعد نزول النهي بقوله تعالى :﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ ميمونة، ومليكة بنت كعب وصفية بنت حيي وجويرية بنت الحارث (١٤).
وقوله تعالى :﴿ولو أعجبك حسنهن﴾ :
قال ابن عباس نزل ذلك بسبب أسماء بنت عميس (١٥) أعجبت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات عنها جعفر بن أبي طالب (١٦). وفي هذا اللفظ (١٧) ﴿ولو أعجبك حسنهن﴾ دليل على جواز النظر من الرجل إلى المرأة التي يريد زواجها، وهي مسألة مختلف فيها. فقيل يجوز من غير اغتفال لها. وقيل يجوز اغتفلها النظر أو لم يغتفلها. وإلى مثل هذا ذهب الشافعي فقال يجوز بأمرها وبغير أمرها. والقولان قائمان من المذهب. ومعنى ذلك عندنا أن ينظر إلى وجهها وكفيها خاصة. قال أبو حنيفة : وإلى القدمين. قال داود إلى جميع البدن سوى السوءتين. وقيل لا يجوز شيء من ذلك اغتفلها أو لم يغتفلها. هذه ثلاثة أقوال في جواز النظر. وعلى القول بالجواز ثلاثة أقوال فيما يجوز أن ينظر إليهن. / والحجة للجواز دليل الآية المتقدم وما جاء من أنه صلى الله عليه وسلم أري عائشة في منامه قبل أن يتزوجها في خرقة حرير (١٨) وتصعيده النظر صلى الله عليه وسلم وتصويبه (١٩)في المرأة التي وهبته نفسها وما ذكر (٢٠) من أن المغيرة بن شعبة أراد زواج امرأة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما " (٢١). وقال عليه الصلاة والسلام لآخر :" وانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا " (٢٢). قال الحميدي (٢٣) يعني صفراء وقال سهل بن أبي حثمة (٢٤) رأيت محمد بن مسلمة يطارد تبيتة بنت الضحاك(٢٥)على إجار من أجاجير المدينة. فقلت له أتفعل هذا ؟ فقال نعم، قال النبي صلى الله عليه سلم : " إذا ألقى الله تعالى في قلب أحدكم خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها " (٢٦) ومن حجة من منع قوله عليه الصلاة والسلام : " يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الأخرى " (٢٧). وجمع أهل القول الأول بين الأحاديث، وقد تقدمت هذه المسألة قبل هذا.
١ أضاف القرطبي عكرمة وأبا رزين. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٢١٤..
٢ أبو أمامة بن سهل: هو صدى بن عجلان بن وهب الباهلي أبو أمامة. صحابي كان مع علي في صفين. توفي سنة ٨١هـ/ ٧٠٠م. انظر تهذيب التهذيب ٤/ ٤٢٠..
٣ أضاف الكيا: ولا كافرة: راجع أحكام القرآن ٤/ ٣٤٩..
٤ نسبه القرطبي إلى مجاهد. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٤/٢٢٠..
٥ أضاف القرطبي أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. راجع م، س، ، ن، ص..
٦ "ثم خرج" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
٧. في (ج): "فقيل"..
٨ محمد بن كعب بن سليم بن أسد القرظي، أبو حمزة المدني، من خلفاء الأوس. ثقة. توفي سنة ١٢٠هـ/ ٧٤٢م، وقيل غير ذلك. انظر تهذيب التهذيب ٩/ ٤٢٠..
٩ أضاف القرطبي النحاس. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٢٢٠..
١٠ الحديث أخرجه الدارقطني في سننه، كتاب النكاح ٢/ ٣٨٠..
١١ الحديث أخرجه الترمذي في سننه، كتاب تفسير القرآن، باب: تفسير سورة الأحزاب ٥/ ٣٥٦..
١٢ راجع الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٢١٩، وأحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٤٩..
١٣ في (ب)، (ج)، (ح)، (د)، (هـ) زيادة: "أن"..
١٤ ميمونة: وهي أم المؤمنين. وكان اسمها برة فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة. اختلف في تاريخ وفاتها بين ٤٩هـ و٦٦هـ. انظر الإصابة ٤/ ٣٩٨.
مليكة بنت كعب من بني ليث ماتت وهي عند الرسول صلى الله عليه وسلم. انظر طبقات ابن سعد ٨/ ٢٢٠. وصفية بنت حيي بن أخطب من الخزرج. توفيت سنة ٥٨هـ/ ٦٧٠م. انظر الإصابة لابن حجر ٤/ ٣٣٧. وجويرية بنت الحارث بن أبي ضرار من خزاعة. توفيت سنة ٥٦هـ/ ٦٧٦م. انظر الإصابة ١/ ٢٦٥..
١٥ أسماء بنت عميس بن معد بن الحارث الخثعمي. صحابية كان لها شأن. وصفها أبو نعيم بمهاجرة الهجرتين ومصلية القبلتين. توفيت سنة ٤٠هـ/ ٦٦١م. انظر طبقات ابن سعد ٨/ ٢٦٥..
١٦ جعفر بن أبي طالب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، أبو عبد الله. ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم وأحد السابقين إلى الإسلام. مات شهيدا بأرض الشام. انظر الإصابة ١/ ٢٣٩..
١٧ في (أ)، (ز): "وفي قوله"..
١٨ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه عن عائشة، كتاب التعبير، باب: كشف المرأة في المنام ٨/ ٧٥. وأحمد في مسنده ٦/ ١٦١..
١٩ "تصويبه" كلمة ساقطة في (ج)..
٢٠ "وما ذكر" كلام ساقط في (و)..
٢١ الحديث أخرجه الترمذي في سننه، كتاب النكاح، باب: ما جاء في النظر إلى المخطوبة ٣/ ٣٩٧..
٢٢ الحديث أخرجه مسلم، كتاب النكاح، باب: ندب النظر إلى وجه المرأة وكفيها ٤/ ١٤٢..
٢٣ الحميدي: هو عبد الله بن زبير الحميدي الأسدي، أبو بكر. أحد الأئمة في الحديث. توفي سنة ١٩٠هـ/ ٨٣٤م. انظر تهذيب التهذيب ٥/ ٢١٥..
٢٤ سهل بن أبي حثمة: واسمه عبد الله، وقيل عامر، وقيل هو سهل بن عبد الله بن أبي حثمة عامر بن ساعدة، الخزرجي الأنصاري، أبو عبد الرحمن. انظر تهذيب التهذيب ٤/ ٢٤٩..
٢٥ محمد ين مسلمة: هو أبو عبد الرحمن محمد بن مسلمة الأوسي الأنصاري الحارثي. صحابي شهد بدرا وما بعدها. توفي سنة ٤٣هـ/ ٦٦٣م. انظر الإصابة ٣/٣٦٢.
ثبيتة بنت الضحاك: هي ثبيتة بنت الضحاك بن خليفة الأنصارية ولدت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر الإصابة ٤/ ٢٥١ وطبقات ابن سعد ٣/ ٥٦٦..
٢٦ حكاه القرطبي وقال: والإجار: السطح بلغة أهل الشام والحجاز. قال أبو عبيد: وجمع الإجار أجاجير وأجاجرة. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٢٢٢، والمحرر الوجيز ١٣/ ٩٢..
٢٧ الحديث أخرجه الترمذي، كتاب الأدب، باب: ما جاء في نظرة الفجأة ٥/ ١٠١..
الأحزاب 33:53
– قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي...﴾ إلى قوله :﴿إن تبدوا شيئا﴾ :
هذه الآية تضمنت من أولها إلى قوله :﴿وإذا سألتموهن متاعا﴾ الأدب في أمر الطعام والجلوس. وتضمنت في قوله تعالى :﴿وإذا سألتموهن﴾ إلى قوله تعالى :﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله﴾ الحجابة. قال بعضهم وهذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من رؤية النساء والجلوس معهن (١). وتضمنت في قوله :﴿وما كان لكم﴾ إلى آخرها حكم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعده. فأما آية الأدب في الطعام فاختلف في سببها. فجمهور المفسرين على أن سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج زينب بنت جحش أولم عليها فلما طعموا قعد نفر في ناحية من البيت فثقل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم، فخرج ليخرجوا، ومر على حجر نسائه ثم عاد فوجدهم في مكانهم وزينب في البيت معهم، فلما دخل وراءهم انصرف، فخرجوا عند ذلك. قال أنس فأعلم أو فأعلمته فخرج فلما وصل الحجرة أرخى الستر بيني وبينه ودخل. ونزلت الآية في سبب ذلك (٢). وقال قتادة وغيره فيما ذكر بعض المفسرين أن هذا السبب جرى في بيت أم سلمة. والأول أشهر : وقال ابن عباس نزلت في ناس من المؤمنين كانوا يتحيلون طعام النبي صلى الله عليه وسلم فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يدرك ثم يأكلون ولا يخرجون. قال إسماعيل بن أبي حكيم (٣) هذا أدب أدب الله تعالى به الثقلاء. وقال ابن أبي عائشة(٤) : فحسبك من الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم. وأما آية الحجاب فاختلف في سببها أيضا. فقال أنس بن مالك وغيره : سببها أمر القعود في بيت زينب، الحديث المذكور قبل. وقال فرقة في بيت أم سلمة. وقال مجاهد سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل معه قوم وعائشة معهم فمست يدها يد رجل منهم فنزلت الآية. وقالت عائشة وجماعة سببها كلام عمر وأنه كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يحجب نساءه. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفعل وكان عمر يتابع. فخرجت سودة ليلا لحاجتها وكانت امرأة تفرع النساء طولا، فناداها عمر : قد عرفناك يا سودة حرصا على الحجاب. وقالت له زينب بنت جحش : عجبا لك يا ابن الخطاب تغار علينا والوحي نزل في بيوتنا. فما زال عمر يتابع حتى نزلت آية الحجاب (٥). وقد قال عمر رضي الله تعالى عنه وافقت ربي في ثلاث، منها الحجاب ومقام إبراهيم وعسى ربه أن طلقكن (٦) الحديث. وكانت عادة القوم إذا كان لهم طعام وليمة أو نحوها أن يبكر من شاء إلى دار الدعوة ينظرون طبخ الطعام ونضجه في حديث أنس. وكذلك إذا فرغوا منه جلسوا كذلك فنهى الله تعالى المؤمنين عن فعل ذلك في بيت النبي صلى الله عليه وسلم. ويدخل تحت هذا النهي سائر المؤمنين. والتزم الناس أدب الله تعالى في ذلك. قال بعضهم لما أنزل الله تعالى في أمهات المؤمنين :﴿وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب﴾ خصصن بذلك دون سائر النساء. ولا يجوز أن يرون متنقبات. وكن إذا طفن بالبيت يستترن من الناس فلا يشاركن في الطواف. وأمر عمر أن لا يخرج في جنازة زينب بنت جحش إلا ذو محرم مراعاة للحجاب. وكانت توفيت في خلافته وما دلته أسماء بنت عميس على سترها في النعش بالقبة وأعلمته أنها رأت ذلك في بلاد الحبشة. فصنعه عمر ونادى في الناس أن اخرجوا فصلوا على أمكم. وروي أن ذلك صنع في جنازة السيدة فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم. والمتاع عام في جميع ما يمكن أن يطلب على عرف السكنى والمجاورة، من الماعون وسائر المرافق للدين والدنيا. وأما آية حكم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعده فاختلف في سببها أيضا. فروي أنها نزلت بسبب أن بعض الصحابة قال لو مات رسول الله صلى الله عليه وسلم لتزوجت عائشة. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فتأذى منه. هكذا كنى عنه ابن عباس ببعض الصحابة (٧). وروي عن معمر أنه قال : هو طلحة بن عبيد الله (٨). وروي أن رجلا من المنافقين قال حين تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة بعد أبي سلمة، وحفصة بعد خنيس بن حذافة السهمي : ما بال محمد يتزوج نساءنا. والله لو مات لأجلنا السهام على نسائه (٩) فنزلت الآية في هذا وحرم الله تعالى نكاح أزواجه بعده وجعل لهن حكم الأمهات. ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب ثم رجعت تزوج عكرمة بن أبي جهل (١٠) قتيلة بنت الأشعت بن قيس. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوجها ولم يبن بها فصعب ذلك على أبي بكر الصديق، فقال له عمر : مهلا يا خليفة رسول الله إنها ليست من نسائه إنه لم يحزها ولا أرخى عليها حجابا وقد أبانتها منه ردتها مع قومها. فسكن أبو بكر.
١ "وتضمنت في قوله تعالى.... إلى: معهن" كلام ساقط في (أ)..
٢ راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢٧٠..
٣ إسماعيل بن أبي حكيم القرشي بالولاء المدني. توفي سنة ١٣٠هـ/ ٧٤٧م. انظر تهذيب التهذيب ١/ ٢٨٩..
٤ ابن أبي عائشة: وهو عبيد الله بن محمد بن حفص بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر التميمي، أبو عبد الرحمن البصري. توفي سنة ٢٢٨هـ/٧٩٦م. انظر تهذيب التهذيب ٧/٤٥..
٥ راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢٧١، ولباب النقول ص ٦٥١ – ٦٦٣..
٦ راجع صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب: ما جاء في القبلة ١/ ١٠٥. وكذلك مسند الإمام أحمد بن حنبل ١/ ٢٤..
٧ هذا ما ذكره ابن عطية. أما في الجامع لأحكام القرآن فالذي روى ذلك هو مقاتل. راجع المحرر الوجيز ١٣/ ٩٥، والجامع لأحكام ١٤/ ٢٢٨..
٨ طلحة بن عبيد الله: هو طلحة بن عبيد الله بن عثمان التميمي القرشي المدني، أبو محمد صحابي شجاع وأحد العشرة المبشرين بالجنة. توفي سنة ٣٦هـ/ ٦٥٦م. انظر طبقات ابن سعد ٣/ ١٥٢..
٩ راجع لباب النقول ص ٦٥٥..
١٠ عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة القرشي المخزومي، كان شديد العداوة للرسول صلى الله عليه وسلم مع أبيه، ثم أسلم وحسن إسلامه، قتل يوم اليرموك. انظر الإصابة ٧/ ٣٦..
الأحزاب 33:55
– قوله تعالى :﴿لا جناح عليهن في آبائهن....﴾ إلى قوله تعالى :﴿واتقين الله﴾ :
لما أوجب الله تعالى الحجاب احتمل أن يكون من ذوي المحارم وغيرهم فبين الله تعالى بهذه أن الحجاب إنما هو دون من ذكر فيها من القرابات للضرورة المحوجة إلى ذلك. فمن ذلك الآباء والأبناء والإخوة وأبناؤهم وأبناء الأخوات.
وقوله :﴿ولا نسائهن﴾ دخل فيه الأخوات والأمهات وسائر القرابات من النساء وما يتصل بهن من التصرفات لهن. ويؤيد هذا القول – وهو قول جماعة من أهل العلم – هذه الإضافة المخصصة في قوله تعالى :﴿نسائهن﴾. وقال ابن زيد وغيره إنما أراد جميع النساء المؤمنات وتخصيص الإضافة إنما هو في الإيمان.
وقوله تعالى :﴿أو ما ملكت أيمانهن﴾ :
اختلف في المباح هنا من ملك اليمين ما هو ؟ فقيل الإماء دون العبيد. وقيل الإماء والعبيد، وهذا القول أولى بلفظ الآية. ثم اختلف من ذهب إلى ذلك (١) فقالت فرقة من ملكته من العبيد من ملكه سواهن. وهو أظهر من لفظ الآية. وقالت فرقة بل(٢) من جميع العبيد (٣) كانت في ملكهن أو في ملك غيرهن. والمكاتب إذا كان عنده ما يؤدي فقد أمر صلى الله عليه وسلم بضرب الحجاب دونه، وفعلت ذلك أم سلمة مع مكاتبها نبهان. ولم يذكر تعالى الأعمام والأخوال في الإباحة. فاختلف فيهم هل هم ممن يحتجب منهم أم لا ؟ فقالت فرقة لم يذكر الله تعالى العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين. وقد قال عليه الصلاة والسلام : " الخال أحد الأبوين " (٤) وقال قوم منهم الشعبي وعكرمة (٥) لم يذكرهم الله تعالى لإمكان أن يصفوا لأبنائهم، وكرهوا أن تضع المرأة خمارها عند عمها أو خالها وقد تقدم أكثر هذا في سورة النور واختلف المفسرون في المعنى الذي رفع فيه الجناح بهذه الآية.
فقال قتادة هو الحجاب، أي أبيح لهذه الأصناف الدخول على النساء دون حجاب ورؤيتهن. وقال مجاهد : ذلك في وضع الجلباب وإبداء الزينة. ولما رخص في هذه الأصناف وانخرمن (٦) الإباحة، عطف تعالى فأمرهن بالتقوى.
١ في (أ)، (هـ)، (ز): "إلى هذا"..
٢ "بل" كلمة ساقطة في (ب)، (هـ)..
٣ "العبيد" كلمة ساقطة في (ب)، (هـ)..
٤ الحديث ذكره الترمذي في سننه عن البراء بن عازب بلفظ: الخالة بمنزلة الأم. كتاب البر والصلة، باب: ما جاء في بر الخالة ٤/ ٣١٣..
٥ وأضاف القرطبي الزجاج. راجع ذلك في الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٢٢٦ و ١٤/ ٢٣١..
٦ "وانخرمت": بياض في (هـ)..
الأحزاب 33:56
– قوله تعالى :﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ :
اختلف في الضمير في قوله :﴿يصلون﴾ لمن هو ؟ فقالت فرقة لله تعالى ولملائكته. وهو قول من الله تعالى شرف الله تعالى به ملائكته فلا يدفعه الاعتراض الذي جاء في قول الخطيب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أطاع الله ورسوله رشد ومن يعصهما فقد ضل. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بئس الخطيب أنت " (١) قالوا لأنه ليس لأحد من البشر أن يجمع ذكر الله تعالى مع غيره في ضمير واحد، ولله أن يفعل ما يشاء. وقالت فرقة هو للملائكة خاصة، تقديره أن الله تعالى يصلي على محمد وملائكته يصلون. ودل الظاهر من القول على ما ترك، وليس في الآية اجتماع في ضمير. فعلى هذين القولين لا يجوز لأحد الجمع بين الله تعالى وبين غيره في ضمير ويستدل من ذهب إلى هذا القول بإنكار النبي صلى الله عليه وسلم على رجل قال : ما شاء الله وشئت. وقالت فرقة بل الضمير لله تعالى وملائكته وذلك جائز للبشر فعله ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم : بئس الخطيب أنت، لهذا المعنى، وإنما قاله لأن الخطيب وقف على : ومن يعصهما، وسكت. ومما يؤيد هذا أن في كلام النبي صلى الله عليه وسلم في مصنف أبي داود : ومن يعصهما، فجمع ذكر الله تعالى وذكر رسوله في ضمير واحد. وفي كتاب مسلم : بئس الخطيب أنت، وقفه وحمله على الأولى في فصل الضمير وإن كان أقل. ومن يعص الله ورسوله. وهذا يحتمل أن يكون لما خطأه في وقفه أصلح له بعد ذلك جميع كلامه لأن فصل ضمير اسم الله تعالى من ضمير غيره أولى لا محالة. فقال له بئس الخطيب أنت لموضع وقفه وحمله على الأولى في فصل الضمير وإن كانا جميعا جائزين. وصلاة الله تعالى رحمة منه وصلاة الملائكة دعاء وصلاة المؤمنين دعاء وتعظيم. والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فرض، وأمر الله تعالى بها أمر يحمل على الوجوب. واختلف فيه في الصلاة هل هي فرض أو سنة ؟ فذهب الشافعي إلى أنه فرض تفسد الصلاة بتركه، ومن حجة هذا القول عموم الآية لأنه لم يخصص به صلاة من غيرها. وذهب مالك وغيره إلى أنه سنة. واختلف هل يجوز أن يصلي على غير النبي صلى الله عليه وسلم أم لا ؟ فلم يجزه قوم ورآه مختصا بالنبي صلى الله عليه وسلم لأن الأمر بالصلاة إنما جاء فيه، فيقصرونه عليه كما جاء في الآية. وأجازه آخرون إذ الأمر بالصلاة عليه لا يدل على أنه لا يجوز على غيره، واحتجوا أيضا بما جاء عنه صلى الله عليه وسلم من قوله : " اللهم صل على آل أبي أوفى " ويرون أنه لما نزلت هذه الآية قال له قوم : يا رسول الله : هذا السلام عليك فقد عرفناه فكيف نصلي عليك ؟ قال : " قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وارحم محمدا وآل محمد كما رحمت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد " وفي بعض الأحاديث زيادة ونقص ولكن هذا معناه(٢).
١ الحديث أخرجه مسلم في صحيحه عن علي بن حاتم، كتاب الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة ١/ ٥٩٤..
٢ راجع مختلف هذه الأقوال في أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٤٣، ٢٤٤، وفي الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٢٣٦. والحديث أخرجه النسائي في سننه، باب: السهو، والترمذي في باب: الوتر وأحمد في مسنده ٣/ ٤٧..
الأحزاب 33:59
– قوله تعالى :﴿يا أيها النبي قل لأزواجك....﴾ إلى قوله تعالى :﴿وكان الله غفورا رحيما﴾ :
لما كانت عادة العرب التبذل في الاحتجاب وكن يكشفن وجوههن كما تفعل ا
لإماء وكان ذلك داعيا إلى نظر الرجل إليهن أمر الله رسوله أن يأمرهن بإدناء الجلابيب ليقع بسترهن الفرق بين الحرائر والإماء فيعرف الحرائر بسترهن. وروي أنه كان في المدينة قوم يجلسون على الطريق لرؤية النساء ومعارضتهن فنزلت الآية. وقال الحسن وأبو مالك : كان النساء يخرجن في حاجاتهن بالليل فيظن المنافقون أنهن إماء فيؤذونهن فنزلت الآية. والجلباب ثوب أكبر من الخمار، وقيل هو الرداء. واختلف في صورة إدنائه، فقال ابن عباس وعبيدة السلماني : ذلك أن تلوية المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها. وقال ابن عباس أيضا وقتادة ذلك أن تلويه حتى لا يظهر إلا عيناها. وقال الحسن ذلك أن تغطي نصف وجهها.
وقوله :﴿ذلك أدنى أن يعرفن﴾ :
أي يفرق بين الحرائر والإماء فإذا عرفن لم يقابلن بأذى من المعارضة مراقبة لمرتبة الحرية. وليس المعنى أن تعرف المرأة حتى يعلم من هي. وقال بعضهم كان بالمدينة إماء يعرفن بالسوء من المذاهب وكان السفهاء ربما تعرضوا لهن وربما ظنوا الحرة أمة فعبثوا بها فأنزل الله تعالى :﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك....﴾ الآية وذلك قبل نزول الحجاب (١). وكان عمر إذا رأى أمة قد تقنعت قنعها بالدرة محافظة على زي الحرائر.
١ راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢٧٣، ولباب البقول ص ٦٥٩..
سبأ 34:13
– قوله تعالى :﴿يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل﴾ :
اختلف في التماثيل ماذا كانت ؟ فقيل كانت من زجاج ونحاس وأشياء ليست بحيوان.
وقال الضحاك كانت تماثيل حيوان وكان هذا من الجائز في ذلك الشرع. يريد نسخته شريعتنا. وحكى مكي في الهداية أن فرقة تجوز التصوير وتحتج بهذه الآية(١).
١ قال ابن عطية، وذلك خطأ وما أحفظ عن أحد من أئمة العلم من يجوزه. راجع القول في الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٢٧٢..
سبأ 34:25
– قوله تعالى :﴿قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون ( ٢٥ )﴾ : فيها مهادنة وهي منسوخة بآية السيف.
سبأ 34:53
– قوله تعالى :﴿وقد كفروا به من قبل....﴾ ثم قال في آخر الآية :﴿إنهم كانوا في شك مريب﴾ :
احتج بهذه الآية بعض المفسرين على أن الشاك كافر ورد بها على من زعم أنه ليس بكافر وأن الله تعالى لا يعذب على الشك.
سبأ 34:54
– قوله تعالى :﴿وقد كفروا به من قبل....﴾ ثم قال في آخر الآية :﴿إنهم كانوا في شك مريب﴾ :
احتج بهذه الآية بعض المفسرين على أن الشاك كافر ورد بها على من زعم أنه ليس بكافر وأن الله تعالى لا يعذب على الشك.
فاطر 35:12
– قوله تعالى :﴿وتستخرجون حلية تلبسونها﴾ :
فيه دليل على أنه من حلف أن لا يلبس حليا حنث بلبس اللؤلؤ خلافا لأبي حنيفة(١).
١ قال أبو حنيفة: اللؤلؤ وحده ليس بحلي إلا أن يكون معه ذهب. راجع القول في أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٤٦..
يس 36:69
– قوله تعالى :﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾ :
استدل بعضهم بهذه الآية على ذم الشعر لأن الله تعالى رفع منزلة نبيه صلى الله عليه وسلم. وقد كان صلى الله عليه وسلم لا يقول الشعر ولا يزنه وكان إذا حاول إنشاد بيت قديم كسره. وإنما كان يحرز المعاني فقط. من ذلك أنه أنشد يوما بيت طرفة :
ستبيح لك الأيام ما كنت جاهلا؍ ويأتيك من لم تزوده بالأخبار(١)؍
وأنشد وقد قيل له من أشعر الناس فقال الذي يقول :
ألم ترياني كلما جئت طارقا؍ وجدت بها وإن لم تطيب طيبا(٢)؍
وأنشد يوما :
أتجعلوا نهبي ونهب العب؍ يد بين الأقرع وعيينة(٣)؍
وقد كان عليه الصلاة والسلام ربما أنشد البيت مستقيما في النادر.
وروي أنه أنشد بيت ابن رواحة :
يبيت يجافي جنبه عن فراشه؍ إذا استثقلت بالمشركين المضاجع (٤)؍
وقال الحسن : أنشد النبي صلى الله عليه وسلم : كفا بالإسلام والشيب للمرء ناهيا. فقال أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما : نشهد أنك رسول الله إنما قال الشاعر : كفا الشيب. وإصابته الوزن أحيانا لا يوجب أنه يعلم الشعر. وكذلك قد أتى أحيانا في نثر كلامه ما يدل على الوزن كقوله يوم حنين : " أنا النبي لا أكذب، أنا ابن عبد المطلب ". وكذلك يأتي في آيات من القرآن وفي كل كلام، وليس ذلك بشعر. ويؤكد حجة من كره الشعر قول عائشة : كان الشعر أبغض الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يتمثل بشعر بني قيس طرفة فيكسره فقال له أبو بكر ليس هكذا قال الشاعر فقال : " ما أنا بشاعر ولا ينبغي لي " (٥) وقد ذهب قوم إلى أن الشعر لا عيب فيه. قالوا وإنما منعه الله تعالى من التحلي بهذه الحلية ليجيء القرآن من قلبه أعذب، فإنه لو كان له إدراك بالشعر لقيل في القرآن هذا من تلك القوة. قال بعضهم وليس الأمر كذلك. وقد كان عليه الصلاة والسلام من الفصاحة والبيان من النثر في المرتبة العليا ولكن كلام يبين بإعجازه ووصفه عن كل كلام. وإنما إنما منع الله تعالى عنه وزن الشعر ترفيعا له عما فيه التخييل وتزويق القول (٦) وأما القرآن فهو ذكر للحقائق والبراهين فما هو بقول شاعر. وقد مضى من الكلام على هذا طرف في سورة الشعراء.
١ البيت من البحر الطويل..
٢ البيت من البحر الطويل..
٣ البيت من البحر المتقارب. وقد قاله العباس بن مرداس. انظر طبقات ابن سعد ٤/ ٢٧٣..
٤ البيت من البحر الطويل.
.
٥ راجع أحكام القرآن للجصاص ٥/٢٥٠، والجامع لأحكام القرآن ١٥/٥٢..
٦ في (ح): "القلب"..
يس 36:71
– قوله تعالى :﴿أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون ( ٧١ ) وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون ( ٧٢ )﴾ :
استدل بعض الناس بهذه الآية على رد قول من زعم أنه لا يحل أكل الخيل والحمير. قال وقد أخبر الله تعالى أنها للأكل والركوب. وهذا استدلال ضعيف لأن الله تعالى إنما ذكر في الآية الأنعام، والخيل والحمير لا يقع عليها ذلك الاسم فكيف يدخل معها في الحكم إلا على ما حكى الطبري من أن الأنعام تقع اسما على الخيل والبغال والحمير وجميع البهائم التي ينتفع بها فيصح الاحتجاج بالآية على ذلك(١).
١ راجع جامع البيان ١٠/ ٩٠..
يس 36:72
– قوله تعالى :﴿أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون ( ٧١ ) وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون ( ٧٢ )﴾ :
استدل بعض الناس بهذه الآية على رد قول من زعم أنه لا يحل أكل الخيل والحمير. قال وقد أخبر الله تعالى أنها للأكل والركوب. وهذا استدلال ضعيف لأن الله تعالى إنما ذكر في الآية الأنعام، والخيل والحمير لا يقع عليها ذلك الاسم فكيف يدخل معها في الحكم إلا على ما حكى الطبري من أن الأنعام تقع اسما على الخيل والبغال والحمير وجميع البهائم التي ينتفع بها فيصح الاحتجاج بالآية على ذلك(١).
١ راجع جامع البيان ١٠/ ٩٠..
يس 36:78
– قوله تعالى :﴿قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾ الآية :
فيه دليل على استعمال القياس والاعتبار والتعلق بالأولى (١) لأن الإعادة أهون من ابتداء الخلق. فمن صح منه الابتداء فالإعادة عليه أولى بالصحة. واستدل قوم من أصحاب الشافعي بالآية على أن في العظام حياة. وضعف غيره هذا الاستدلال بأن الحياة قد تكون بمعنى النمو، وذلك موجود في العظام حقيقة. وأما حياة الحس فلا تتحقق في العظام (٢).
١ "بالأولى" كلمة ساقطة في (ح)..
٢ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٥٥..
يس 36:79
– قوله تعالى :﴿قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾ الآية :
فيه دليل على استعمال القياس والاعتبار والتعلق بالأولى (١) لأن الإعادة أهون من ابتداء الخلق. فمن صح منه الابتداء فالإعادة عليه أولى بالصحة. واستدل قوم من أصحاب الشافعي بالآية على أن في العظام حياة. وضعف غيره هذا الاستدلال بأن الحياة قد تكون بمعنى النمو، وذلك موجود في العظام حقيقة. وأما حياة الحس فلا تتحقق في العظام (٢).
١ "بالأولى" كلمة ساقطة في (ح)..
٢ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٥٥..
الصافات 37:101
– قوله تعالى :﴿فبشرناه بغلام حليم ( ١٠١ ) فلما بلغ معه السعي....﴾ إلى قوله تعالى :﴿وفديناه بذبح عظيم ( ١٠٧ )﴾ :
قصة إبراهيم مع ابنه الذبيح عليهما السلام حجة لأهل السنة في جواز نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال. قال فقد أمر بفعل واحد ولم يعص في البدار إلى امتثاله ثم نسخ عنه قبل إيقاعه. وأنكر المعتزلة جواز هذا النسخ (١) واستعصت عليهم قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام حتى تعسفوا في تأويلها وتفرقوا فرقا وطلبوا الخلاص من خمسة أوجه :
أحدها : أن كان ذلك مناما لا أمرا. وهذا باطل لأن منام الأنبياء جزء من النبوة وكانوا يعرفون أمر الله تعالى به. فلقد كانت نبوة بعض الأنبياء بمجرد المنام. ويدل على كونه أمرا قول ولده :﴿افعل ما تؤمر﴾ ولو لم يؤمر لكان كاذبا ولأنه لا يجوز قصد الذبح بمنام لا أصل له.
والثاني : أنه أمر لكن قصد به تكليفه العزم على الفعل لامتحان سره في صبره على العزم بالذبح، ولو لم يكن مأمورا به. وهذا باطل لأن علام الغيوب لا يحتاج إلى الاختبار. وقولهم العزم هو الواجب محال لأن العزم على ما ليس بواجب لا يجب.
والثالث : أنه لم ينسخ الأمر لكن قلب الله عنقه نحاسا أو حديدا فلم ينقطع، فانقطع التكليف بالتعذر. وهذا لا يصح على أصولهم لأن الأمر بالشرط لا يثبت عندهم بل إذا علم الله تعالى أنه انقلب عنقه حديدا فكيف يكون أمرا بما يعلم امتناعه.
والرابع : أن المأمور به إنما هو الاضجاع والتل للجبين وإمرار السكين دون حقيقة الذبح. وهذا محال إذ لا يسمى ذلك ذبحا ولا هو بلاء ولا يحتاج إلى فداء بعد الامتثال.
والخامس : جحود النسخ وأنه ذبح امتثالا فالتأم واندمل. والذاهبون إلى هذا التأويل اتفقوا على أن إسماعيل أو إسحاق على الخلاف في ذلك ليس بمذبوح. واختلفوا في كون إبراهيم ذابحا. فقال قوم هو ذابح للقطع والولد غير مذبوح لحصول الالتئام. وقال قوم لم يكن ذابحا، لأن ذابح لا مذبوح لا محال. وهذا القول أيضا محال لأن الفداء كيف (٢) يحتاج إليه بعد الالتئام ولو صح ذلك لاشتهر، ولم ينقل ذلك قط وإنما هو من اختراع القدرية. فإن قيل أليس قد قال :﴿قد صدقت الرؤيا﴾ فالتصديق غير التحقيق والعمل. ولأهل السنة مما يحتجون به في مذهبهم غير هذه الآية. من ذلك ما جاء من فرض الصلاة أنها كانت خمسين ثم نقلت إلى خمس قبل أن يعمل بها. ومنها قوله تعالى :﴿إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾ [المجادلة: ١٢] ثم قال تعالى :﴿فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم﴾ [المجادلة: ١٣] فنسخ قبل الفعل. ومنها قوله تعالى :﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ [الأنفال: ٦٦] فنسخ قبل الفعل. وموضع هذه المسألة/ إنما هو كتب الأصول لا كتب الفروع. وقد ضعف بعض شيوخنا كلام المعتزلة وأهل السنة في هذه المسألة وزعم أنه لا يدخلها نسخ قبل الامتثال، ولا تحتاج المعتزلة إلى الاعتذار. قال لأن الذبح إنما كان برؤيا وللرؤيا أسماء وكنى، وإنما تحمل على الأسماء حتى يدل الدليل على الكنى كما تحمل الأحكام على ظاهر الأمر والنهي حتى يدل الدليل على التأويل. فلما رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يذبح ولده – ورؤيا الأنبياء وحي – بادر إلى الأخذ بالظاهر وشرع في امتثال هذا الأمر. فلما فعل ذلك أوحى الله تعالى إليه أن :﴿قد صدقت الرؤيا﴾ وفدي الابن بذبح أي بكبش إذ كان ذبح الابن عند الله تعالى كناية عن ذبح الكبش. فليس في الآيتين على هذا نسخ وإنما فيها التبيين للرؤيا وأن المراد بذبح الابن ذبح الكبش، فكنى عن الكبش بالابن وصار بعد ذلك الذبح سنة إلى يوم القيامة. ولما كان الذبيح(٣) إسماعيل صلى الله عليه وسلم فعل (٤) ذلك بنوه من لدنه إلى وقتنا هذا، ولو كان الذبيح إسحاق ما ترك اليهود الذبح في يوم النحر بوجه ولو على حال. وقد احتج قوم من العلماء بهذه الآية في مصيرهم إلى أن من نذر ذبح ولده لزمه ذبح شاة. وأنكر غيرهم هذا الاستدلال ورأوا أن نذر ذبح الولد معصية فلا يكون فيه فداء بخلاف ذبح إبراهيم لولده فإنه كان ممتثلا لأمر الله تعالى فيه، ثم فداه الله تعالى بالذبح تفضلا منه، والفرق بين.
١ راجع قولهم والرد عليهم في التفسير الكبير ٢٦/ ١٥٢ – ١٥٨..
٢ في (أ)، (ز): "لا يحتاج إليه"..
٣ في (أ)، (ب)، (د)، (ز): "المذبوح"..
٤ في (أ)، (د)، (هـ)، (ز): "اشتمل"..
الصافات 37:102
– قوله تعالى :﴿فبشرناه بغلام حليم ( ١٠١ ) فلما بلغ معه السعي....﴾ إلى قوله تعالى :﴿وفديناه بذبح عظيم ( ١٠٧ )﴾ :
قصة إبراهيم مع ابنه الذبيح عليهما السلام حجة لأهل السنة في جواز نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال. قال فقد أمر بفعل واحد ولم يعص في البدار إلى امتثاله ثم نسخ عنه قبل إيقاعه. وأنكر المعتزلة جواز هذا النسخ (١) واستعصت عليهم قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام حتى تعسفوا في تأويلها وتفرقوا فرقا وطلبوا الخلاص من خمسة أوجه :
أحدها : أن كان ذلك مناما لا أمرا. وهذا باطل لأن منام الأنبياء جزء من النبوة وكانوا يعرفون أمر الله تعالى به. فلقد كانت نبوة بعض الأنبياء بمجرد المنام. ويدل على كونه أمرا قول ولده :﴿افعل ما تؤمر﴾ ولو لم يؤمر لكان كاذبا ولأنه لا يجوز قصد الذبح بمنام لا أصل له.
والثاني : أنه أمر لكن قصد به تكليفه العزم على الفعل لامتحان سره في صبره على العزم بالذبح، ولو لم يكن مأمورا به. وهذا باطل لأن علام الغيوب لا يحتاج إلى الاختبار. وقولهم العزم هو الواجب محال لأن العزم على ما ليس بواجب لا يجب.
والثالث : أنه لم ينسخ الأمر لكن قلب الله عنقه نحاسا أو حديدا فلم ينقطع، فانقطع التكليف بالتعذر. وهذا لا يصح على أصولهم لأن الأمر بالشرط لا يثبت عندهم بل إذا علم الله تعالى أنه انقلب عنقه حديدا فكيف يكون أمرا بما يعلم امتناعه.
والرابع : أن المأمور به إنما هو الاضجاع والتل للجبين وإمرار السكين دون حقيقة الذبح. وهذا محال إذ لا يسمى ذلك ذبحا ولا هو بلاء ولا يحتاج إلى فداء بعد الامتثال.
والخامس : جحود النسخ وأنه ذبح امتثالا فالتأم واندمل. والذاهبون إلى هذا التأويل اتفقوا على أن إسماعيل أو إسحاق على الخلاف في ذلك ليس بمذبوح. واختلفوا في كون إبراهيم ذابحا. فقال قوم هو ذابح للقطع والولد غير مذبوح لحصول الالتئام. وقال قوم لم يكن ذابحا، لأن ذابح لا مذبوح لا محال. وهذا القول أيضا محال لأن الفداء كيف (٢) يحتاج إليه بعد الالتئام ولو صح ذلك لاشتهر، ولم ينقل ذلك قط وإنما هو من اختراع القدرية. فإن قيل أليس قد قال :﴿قد صدقت الرؤيا﴾ فالتصديق غير التحقيق والعمل. ولأهل السنة مما يحتجون به في مذهبهم غير هذه الآية. من ذلك ما جاء من فرض الصلاة أنها كانت خمسين ثم نقلت إلى خمس قبل أن يعمل بها. ومنها قوله تعالى :﴿إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾ [المجادلة: ١٢] ثم قال تعالى :﴿فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم﴾ [المجادلة: ١٣] فنسخ قبل الفعل. ومنها قوله تعالى :﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ [الأنفال: ٦٦] فنسخ قبل الفعل. وموضع هذه المسألة/ إنما هو كتب الأصول لا كتب الفروع. وقد ضعف بعض شيوخنا كلام المعتزلة وأهل السنة في هذه المسألة وزعم أنه لا يدخلها نسخ قبل الامتثال، ولا تحتاج المعتزلة إلى الاعتذار. قال لأن الذبح إنما كان برؤيا وللرؤيا أسماء وكنى، وإنما تحمل على الأسماء حتى يدل الدليل على الكنى كما تحمل الأحكام على ظاهر الأمر والنهي حتى يدل الدليل على التأويل. فلما رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يذبح ولده – ورؤيا الأنبياء وحي – بادر إلى الأخذ بالظاهر وشرع في امتثال هذا الأمر. فلما فعل ذلك أوحى الله تعالى إليه أن :﴿قد صدقت الرؤيا﴾ وفدي الابن بذبح أي بكبش إذ كان ذبح الابن عند الله تعالى كناية عن ذبح الكبش. فليس في الآيتين على هذا نسخ وإنما فيها التبيين للرؤيا وأن المراد بذبح الابن ذبح الكبش، فكنى عن الكبش بالابن وصار بعد ذلك الذبح سنة إلى يوم القيامة. ولما كان الذبيح(٣) إسماعيل صلى الله عليه وسلم فعل (٤) ذلك بنوه من لدنه إلى وقتنا هذا، ولو كان الذبيح إسحاق ما ترك اليهود الذبح في يوم النحر بوجه ولو على حال. وقد احتج قوم من العلماء بهذه الآية في مصيرهم إلى أن من نذر ذبح ولده لزمه ذبح شاة. وأنكر غيرهم هذا الاستدلال ورأوا أن نذر ذبح الولد معصية فلا يكون فيه فداء بخلاف ذبح إبراهيم لولده فإنه كان ممتثلا لأمر الله تعالى فيه، ثم فداه الله تعالى بالذبح تفضلا منه، والفرق بين.
١ راجع قولهم والرد عليهم في التفسير الكبير ٢٦/ ١٥٢ – ١٥٨..
٢ في (أ)، (ز): "لا يحتاج إليه"..
٣ في (أ)، (ب)، (د)، (ز): "المذبوح"..
٤ في (أ)، (د)، (هـ)، (ز): "اشتمل"..
الصافات 37:103
– قوله تعالى :﴿فبشرناه بغلام حليم ( ١٠١ ) فلما بلغ معه السعي....﴾ إلى قوله تعالى :﴿وفديناه بذبح عظيم ( ١٠٧ )﴾ :
قصة إبراهيم مع ابنه الذبيح عليهما السلام حجة لأهل السنة في جواز نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال. قال فقد أمر بفعل واحد ولم يعص في البدار إلى امتثاله ثم نسخ عنه قبل إيقاعه. وأنكر المعتزلة جواز هذا النسخ (١) واستعصت عليهم قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام حتى تعسفوا في تأويلها وتفرقوا فرقا وطلبوا الخلاص من خمسة أوجه :
أحدها : أن كان ذلك مناما لا أمرا. وهذا باطل لأن منام الأنبياء جزء من النبوة وكانوا يعرفون أمر الله تعالى به. فلقد كانت نبوة بعض الأنبياء بمجرد المنام. ويدل على كونه أمرا قول ولده :﴿افعل ما تؤمر﴾ ولو لم يؤمر لكان كاذبا ولأنه لا يجوز قصد الذبح بمنام لا أصل له.
والثاني : أنه أمر لكن قصد به تكليفه العزم على الفعل لامتحان سره في صبره على العزم بالذبح، ولو لم يكن مأمورا به. وهذا باطل لأن علام الغيوب لا يحتاج إلى الاختبار. وقولهم العزم هو الواجب محال لأن العزم على ما ليس بواجب لا يجب.
والثالث : أنه لم ينسخ الأمر لكن قلب الله عنقه نحاسا أو حديدا فلم ينقطع، فانقطع التكليف بالتعذر. وهذا لا يصح على أصولهم لأن الأمر بالشرط لا يثبت عندهم بل إذا علم الله تعالى أنه انقلب عنقه حديدا فكيف يكون أمرا بما يعلم امتناعه.
والرابع : أن المأمور به إنما هو الاضجاع والتل للجبين وإمرار السكين دون حقيقة الذبح. وهذا محال إذ لا يسمى ذلك ذبحا ولا هو بلاء ولا يحتاج إلى فداء بعد الامتثال.
والخامس : جحود النسخ وأنه ذبح امتثالا فالتأم واندمل. والذاهبون إلى هذا التأويل اتفقوا على أن إسماعيل أو إسحاق على الخلاف في ذلك ليس بمذبوح. واختلفوا في كون إبراهيم ذابحا. فقال قوم هو ذابح للقطع والولد غير مذبوح لحصول الالتئام. وقال قوم لم يكن ذابحا، لأن ذابح لا مذبوح لا محال. وهذا القول أيضا محال لأن الفداء كيف (٢) يحتاج إليه بعد الالتئام ولو صح ذلك لاشتهر، ولم ينقل ذلك قط وإنما هو من اختراع القدرية. فإن قيل أليس قد قال :﴿قد صدقت الرؤيا﴾ فالتصديق غير التحقيق والعمل. ولأهل السنة مما يحتجون به في مذهبهم غير هذه الآية. من ذلك ما جاء من فرض الصلاة أنها كانت خمسين ثم نقلت إلى خمس قبل أن يعمل بها. ومنها قوله تعالى :﴿إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾ [المجادلة: ١٢] ثم قال تعالى :﴿فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم﴾ [المجادلة: ١٣] فنسخ قبل الفعل. ومنها قوله تعالى :﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ [الأنفال: ٦٦] فنسخ قبل الفعل. وموضع هذه المسألة/ إنما هو كتب الأصول لا كتب الفروع. وقد ضعف بعض شيوخنا كلام المعتزلة وأهل السنة في هذه المسألة وزعم أنه لا يدخلها نسخ قبل الامتثال، ولا تحتاج المعتزلة إلى الاعتذار. قال لأن الذبح إنما كان برؤيا وللرؤيا أسماء وكنى، وإنما تحمل على الأسماء حتى يدل الدليل على الكنى كما تحمل الأحكام على ظاهر الأمر والنهي حتى يدل الدليل على التأويل. فلما رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يذبح ولده – ورؤيا الأنبياء وحي – بادر إلى الأخذ بالظاهر وشرع في امتثال هذا الأمر. فلما فعل ذلك أوحى الله تعالى إليه أن :﴿قد صدقت الرؤيا﴾ وفدي الابن بذبح أي بكبش إذ كان ذبح الابن عند الله تعالى كناية عن ذبح الكبش. فليس في الآيتين على هذا نسخ وإنما فيها التبيين للرؤيا وأن المراد بذبح الابن ذبح الكبش، فكنى عن الكبش بالابن وصار بعد ذلك الذبح سنة إلى يوم القيامة. ولما كان الذبيح(٣) إسماعيل صلى الله عليه وسلم فعل (٤) ذلك بنوه من لدنه إلى وقتنا هذا، ولو كان الذبيح إسحاق ما ترك اليهود الذبح في يوم النحر بوجه ولو على حال. وقد احتج قوم من العلماء بهذه الآية في مصيرهم إلى أن من نذر ذبح ولده لزمه ذبح شاة. وأنكر غيرهم هذا الاستدلال ورأوا أن نذر ذبح الولد معصية فلا يكون فيه فداء بخلاف ذبح إبراهيم لولده فإنه كان ممتثلا لأمر الله تعالى فيه، ثم فداه الله تعالى بالذبح تفضلا منه، والفرق بين.
١ راجع قولهم والرد عليهم في التفسير الكبير ٢٦/ ١٥٢ – ١٥٨..
٢ في (أ)، (ز): "لا يحتاج إليه"..
٣ في (أ)، (ب)، (د)، (ز): "المذبوح"..
٤ في (أ)، (د)، (هـ)، (ز): "اشتمل"..
الصافات 37:104
– قوله تعالى :﴿فبشرناه بغلام حليم ( ١٠١ ) فلما بلغ معه السعي....﴾ إلى قوله تعالى :﴿وفديناه بذبح عظيم ( ١٠٧ )﴾ :
قصة إبراهيم مع ابنه الذبيح عليهما السلام حجة لأهل السنة في جواز نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال. قال فقد أمر بفعل واحد ولم يعص في البدار إلى امتثاله ثم نسخ عنه قبل إيقاعه. وأنكر المعتزلة جواز هذا النسخ (١) واستعصت عليهم قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام حتى تعسفوا في تأويلها وتفرقوا فرقا وطلبوا الخلاص من خمسة أوجه :
أحدها : أن كان ذلك مناما لا أمرا. وهذا باطل لأن منام الأنبياء جزء من النبوة وكانوا يعرفون أمر الله تعالى به. فلقد كانت نبوة بعض الأنبياء بمجرد المنام. ويدل على كونه أمرا قول ولده :﴿افعل ما تؤمر﴾ ولو لم يؤمر لكان كاذبا ولأنه لا يجوز قصد الذبح بمنام لا أصل له.
والثاني : أنه أمر لكن قصد به تكليفه العزم على الفعل لامتحان سره في صبره على العزم بالذبح، ولو لم يكن مأمورا به. وهذا باطل لأن علام الغيوب لا يحتاج إلى الاختبار. وقولهم العزم هو الواجب محال لأن العزم على ما ليس بواجب لا يجب.
والثالث : أنه لم ينسخ الأمر لكن قلب الله عنقه نحاسا أو حديدا فلم ينقطع، فانقطع التكليف بالتعذر. وهذا لا يصح على أصولهم لأن الأمر بالشرط لا يثبت عندهم بل إذا علم الله تعالى أنه انقلب عنقه حديدا فكيف يكون أمرا بما يعلم امتناعه.
والرابع : أن المأمور به إنما هو الاضجاع والتل للجبين وإمرار السكين دون حقيقة الذبح. وهذا محال إذ لا يسمى ذلك ذبحا ولا هو بلاء ولا يحتاج إلى فداء بعد الامتثال.
والخامس : جحود النسخ وأنه ذبح امتثالا فالتأم واندمل. والذاهبون إلى هذا التأويل اتفقوا على أن إسماعيل أو إسحاق على الخلاف في ذلك ليس بمذبوح. واختلفوا في كون إبراهيم ذابحا. فقال قوم هو ذابح للقطع والولد غير مذبوح لحصول الالتئام. وقال قوم لم يكن ذابحا، لأن ذابح لا مذبوح لا محال. وهذا القول أيضا محال لأن الفداء كيف (٢) يحتاج إليه بعد الالتئام ولو صح ذلك لاشتهر، ولم ينقل ذلك قط وإنما هو من اختراع القدرية. فإن قيل أليس قد قال :﴿قد صدقت الرؤيا﴾ فالتصديق غير التحقيق والعمل. ولأهل السنة مما يحتجون به في مذهبهم غير هذه الآية. من ذلك ما جاء من فرض الصلاة أنها كانت خمسين ثم نقلت إلى خمس قبل أن يعمل بها. ومنها قوله تعالى :﴿إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾ [المجادلة: ١٢] ثم قال تعالى :﴿فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم﴾ [المجادلة: ١٣] فنسخ قبل الفعل. ومنها قوله تعالى :﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ [الأنفال: ٦٦] فنسخ قبل الفعل. وموضع هذه المسألة/ إنما هو كتب الأصول لا كتب الفروع. وقد ضعف بعض شيوخنا كلام المعتزلة وأهل السنة في هذه المسألة وزعم أنه لا يدخلها نسخ قبل الامتثال، ولا تحتاج المعتزلة إلى الاعتذار. قال لأن الذبح إنما كان برؤيا وللرؤيا أسماء وكنى، وإنما تحمل على الأسماء حتى يدل الدليل على الكنى كما تحمل الأحكام على ظاهر الأمر والنهي حتى يدل الدليل على التأويل. فلما رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يذبح ولده – ورؤيا الأنبياء وحي – بادر إلى الأخذ بالظاهر وشرع في امتثال هذا الأمر. فلما فعل ذلك أوحى الله تعالى إليه أن :﴿قد صدقت الرؤيا﴾ وفدي الابن بذبح أي بكبش إذ كان ذبح الابن عند الله تعالى كناية عن ذبح الكبش. فليس في الآيتين على هذا نسخ وإنما فيها التبيين للرؤيا وأن المراد بذبح الابن ذبح الكبش، فكنى عن الكبش بالابن وصار بعد ذلك الذبح سنة إلى يوم القيامة. ولما كان الذبيح(٣) إسماعيل صلى الله عليه وسلم فعل (٤) ذلك بنوه من لدنه إلى وقتنا هذا، ولو كان الذبيح إسحاق ما ترك اليهود الذبح في يوم النحر بوجه ولو على حال. وقد احتج قوم من العلماء بهذه الآية في مصيرهم إلى أن من نذر ذبح ولده لزمه ذبح شاة. وأنكر غيرهم هذا الاستدلال ورأوا أن نذر ذبح الولد معصية فلا يكون فيه فداء بخلاف ذبح إبراهيم لولده فإنه كان ممتثلا لأمر الله تعالى فيه، ثم فداه الله تعالى بالذبح تفضلا منه، والفرق بين.
١ راجع قولهم والرد عليهم في التفسير الكبير ٢٦/ ١٥٢ – ١٥٨..
٢ في (أ)، (ز): "لا يحتاج إليه"..
٣ في (أ)، (ب)، (د)، (ز): "المذبوح"..
٤ في (أ)، (د)، (هـ)، (ز): "اشتمل"..
الصافات 37:105
– قوله تعالى :﴿فبشرناه بغلام حليم ( ١٠١ ) فلما بلغ معه السعي....﴾ إلى قوله تعالى :﴿وفديناه بذبح عظيم ( ١٠٧ )﴾ :
قصة إبراهيم مع ابنه الذبيح عليهما السلام حجة لأهل السنة في جواز نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال. قال فقد أمر بفعل واحد ولم يعص في البدار إلى امتثاله ثم نسخ عنه قبل إيقاعه. وأنكر المعتزلة جواز هذا النسخ (١) واستعصت عليهم قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام حتى تعسفوا في تأويلها وتفرقوا فرقا وطلبوا الخلاص من خمسة أوجه :
أحدها : أن كان ذلك مناما لا أمرا. وهذا باطل لأن منام الأنبياء جزء من النبوة وكانوا يعرفون أمر الله تعالى به. فلقد كانت نبوة بعض الأنبياء بمجرد المنام. ويدل على كونه أمرا قول ولده :﴿افعل ما تؤمر﴾ ولو لم يؤمر لكان كاذبا ولأنه لا يجوز قصد الذبح بمنام لا أصل له.
والثاني : أنه أمر لكن قصد به تكليفه العزم على الفعل لامتحان سره في صبره على العزم بالذبح، ولو لم يكن مأمورا به. وهذا باطل لأن علام الغيوب لا يحتاج إلى الاختبار. وقولهم العزم هو الواجب محال لأن العزم على ما ليس بواجب لا يجب.
والثالث : أنه لم ينسخ الأمر لكن قلب الله عنقه نحاسا أو حديدا فلم ينقطع، فانقطع التكليف بالتعذر. وهذا لا يصح على أصولهم لأن الأمر بالشرط لا يثبت عندهم بل إذا علم الله تعالى أنه انقلب عنقه حديدا فكيف يكون أمرا بما يعلم امتناعه.
والرابع : أن المأمور به إنما هو الاضجاع والتل للجبين وإمرار السكين دون حقيقة الذبح. وهذا محال إذ لا يسمى ذلك ذبحا ولا هو بلاء ولا يحتاج إلى فداء بعد الامتثال.
والخامس : جحود النسخ وأنه ذبح امتثالا فالتأم واندمل. والذاهبون إلى هذا التأويل اتفقوا على أن إسماعيل أو إسحاق على الخلاف في ذلك ليس بمذبوح. واختلفوا في كون إبراهيم ذابحا. فقال قوم هو ذابح للقطع والولد غير مذبوح لحصول الالتئام. وقال قوم لم يكن ذابحا، لأن ذابح لا مذبوح لا محال. وهذا القول أيضا محال لأن الفداء كيف (٢) يحتاج إليه بعد الالتئام ولو صح ذلك لاشتهر، ولم ينقل ذلك قط وإنما هو من اختراع القدرية. فإن قيل أليس قد قال :﴿قد صدقت الرؤيا﴾ فالتصديق غير التحقيق والعمل. ولأهل السنة مما يحتجون به في مذهبهم غير هذه الآية. من ذلك ما جاء من فرض الصلاة أنها كانت خمسين ثم نقلت إلى خمس قبل أن يعمل بها. ومنها قوله تعالى :﴿إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾ [المجادلة: ١٢] ثم قال تعالى :﴿فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم﴾ [المجادلة: ١٣] فنسخ قبل الفعل. ومنها قوله تعالى :﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ [الأنفال: ٦٦] فنسخ قبل الفعل. وموضع هذه المسألة/ إنما هو كتب الأصول لا كتب الفروع. وقد ضعف بعض شيوخنا كلام المعتزلة وأهل السنة في هذه المسألة وزعم أنه لا يدخلها نسخ قبل الامتثال، ولا تحتاج المعتزلة إلى الاعتذار. قال لأن الذبح إنما كان برؤيا وللرؤيا أسماء وكنى، وإنما تحمل على الأسماء حتى يدل الدليل على الكنى كما تحمل الأحكام على ظاهر الأمر والنهي حتى يدل الدليل على التأويل. فلما رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يذبح ولده – ورؤيا الأنبياء وحي – بادر إلى الأخذ بالظاهر وشرع في امتثال هذا الأمر. فلما فعل ذلك أوحى الله تعالى إليه أن :﴿قد صدقت الرؤيا﴾ وفدي الابن بذبح أي بكبش إذ كان ذبح الابن عند الله تعالى كناية عن ذبح الكبش. فليس في الآيتين على هذا نسخ وإنما فيها التبيين للرؤيا وأن المراد بذبح الابن ذبح الكبش، فكنى عن الكبش بالابن وصار بعد ذلك الذبح سنة إلى يوم القيامة. ولما كان الذبيح(٣) إسماعيل صلى الله عليه وسلم فعل (٤) ذلك بنوه من لدنه إلى وقتنا هذا، ولو كان الذبيح إسحاق ما ترك اليهود الذبح في يوم النحر بوجه ولو على حال. وقد احتج قوم من العلماء بهذه الآية في مصيرهم إلى أن من نذر ذبح ولده لزمه ذبح شاة. وأنكر غيرهم هذا الاستدلال ورأوا أن نذر ذبح الولد معصية فلا يكون فيه فداء بخلاف ذبح إبراهيم لولده فإنه كان ممتثلا لأمر الله تعالى فيه، ثم فداه الله تعالى بالذبح تفضلا منه، والفرق بين.
١ راجع قولهم والرد عليهم في التفسير الكبير ٢٦/ ١٥٢ – ١٥٨..
٢ في (أ)، (ز): "لا يحتاج إليه"..
٣ في (أ)، (ب)، (د)، (ز): "المذبوح"..
٤ في (أ)، (د)، (هـ)، (ز): "اشتمل"..
الصافات 37:106
– قوله تعالى :﴿فبشرناه بغلام حليم ( ١٠١ ) فلما بلغ معه السعي....﴾ إلى قوله تعالى :﴿وفديناه بذبح عظيم ( ١٠٧ )﴾ :
قصة إبراهيم مع ابنه الذبيح عليهما السلام حجة لأهل السنة في جواز نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال. قال فقد أمر بفعل واحد ولم يعص في البدار إلى امتثاله ثم نسخ عنه قبل إيقاعه. وأنكر المعتزلة جواز هذا النسخ (١) واستعصت عليهم قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام حتى تعسفوا في تأويلها وتفرقوا فرقا وطلبوا الخلاص من خمسة أوجه :
أحدها : أن كان ذلك مناما لا أمرا. وهذا باطل لأن منام الأنبياء جزء من النبوة وكانوا يعرفون أمر الله تعالى به. فلقد كانت نبوة بعض الأنبياء بمجرد المنام. ويدل على كونه أمرا قول ولده :﴿افعل ما تؤمر﴾ ولو لم يؤمر لكان كاذبا ولأنه لا يجوز قصد الذبح بمنام لا أصل له.
والثاني : أنه أمر لكن قصد به تكليفه العزم على الفعل لامتحان سره في صبره على العزم بالذبح، ولو لم يكن مأمورا به. وهذا باطل لأن علام الغيوب لا يحتاج إلى الاختبار. وقولهم العزم هو الواجب محال لأن العزم على ما ليس بواجب لا يجب.
والثالث : أنه لم ينسخ الأمر لكن قلب الله عنقه نحاسا أو حديدا فلم ينقطع، فانقطع التكليف بالتعذر. وهذا لا يصح على أصولهم لأن الأمر بالشرط لا يثبت عندهم بل إذا علم الله تعالى أنه انقلب عنقه حديدا فكيف يكون أمرا بما يعلم امتناعه.
والرابع : أن المأمور به إنما هو الاضجاع والتل للجبين وإمرار السكين دون حقيقة الذبح. وهذا محال إذ لا يسمى ذلك ذبحا ولا هو بلاء ولا يحتاج إلى فداء بعد الامتثال.
والخامس : جحود النسخ وأنه ذبح امتثالا فالتأم واندمل. والذاهبون إلى هذا التأويل اتفقوا على أن إسماعيل أو إسحاق على الخلاف في ذلك ليس بمذبوح. واختلفوا في كون إبراهيم ذابحا. فقال قوم هو ذابح للقطع والولد غير مذبوح لحصول الالتئام. وقال قوم لم يكن ذابحا، لأن ذابح لا مذبوح لا محال. وهذا القول أيضا محال لأن الفداء كيف (٢) يحتاج إليه بعد الالتئام ولو صح ذلك لاشتهر، ولم ينقل ذلك قط وإنما هو من اختراع القدرية. فإن قيل أليس قد قال :﴿قد صدقت الرؤيا﴾ فالتصديق غير التحقيق والعمل. ولأهل السنة مما يحتجون به في مذهبهم غير هذه الآية. من ذلك ما جاء من فرض الصلاة أنها كانت خمسين ثم نقلت إلى خمس قبل أن يعمل بها. ومنها قوله تعالى :﴿إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾ [المجادلة: ١٢] ثم قال تعالى :﴿فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم﴾ [المجادلة: ١٣] فنسخ قبل الفعل. ومنها قوله تعالى :﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ [الأنفال: ٦٦] فنسخ قبل الفعل. وموضع هذه المسألة/ إنما هو كتب الأصول لا كتب الفروع. وقد ضعف بعض شيوخنا كلام المعتزلة وأهل السنة في هذه المسألة وزعم أنه لا يدخلها نسخ قبل الامتثال، ولا تحتاج المعتزلة إلى الاعتذار. قال لأن الذبح إنما كان برؤيا وللرؤيا أسماء وكنى، وإنما تحمل على الأسماء حتى يدل الدليل على الكنى كما تحمل الأحكام على ظاهر الأمر والنهي حتى يدل الدليل على التأويل. فلما رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يذبح ولده – ورؤيا الأنبياء وحي – بادر إلى الأخذ بالظاهر وشرع في امتثال هذا الأمر. فلما فعل ذلك أوحى الله تعالى إليه أن :﴿قد صدقت الرؤيا﴾ وفدي الابن بذبح أي بكبش إذ كان ذبح الابن عند الله تعالى كناية عن ذبح الكبش. فليس في الآيتين على هذا نسخ وإنما فيها التبيين للرؤيا وأن المراد بذبح الابن ذبح الكبش، فكنى عن الكبش بالابن وصار بعد ذلك الذبح سنة إلى يوم القيامة. ولما كان الذبيح(٣) إسماعيل صلى الله عليه وسلم فعل (٤) ذلك بنوه من لدنه إلى وقتنا هذا، ولو كان الذبيح إسحاق ما ترك اليهود الذبح في يوم النحر بوجه ولو على حال. وقد احتج قوم من العلماء بهذه الآية في مصيرهم إلى أن من نذر ذبح ولده لزمه ذبح شاة. وأنكر غيرهم هذا الاستدلال ورأوا أن نذر ذبح الولد معصية فلا يكون فيه فداء بخلاف ذبح إبراهيم لولده فإنه كان ممتثلا لأمر الله تعالى فيه، ثم فداه الله تعالى بالذبح تفضلا منه، والفرق بين.
١ راجع قولهم والرد عليهم في التفسير الكبير ٢٦/ ١٥٢ – ١٥٨..
٢ في (أ)، (ز): "لا يحتاج إليه"..
٣ في (أ)، (ب)، (د)، (ز): "المذبوح"..
٤ في (أ)، (د)، (هـ)، (ز): "اشتمل"..
الصافات 37:107
– قوله تعالى :﴿فبشرناه بغلام حليم ( ١٠١ ) فلما بلغ معه السعي....﴾ إلى قوله تعالى :﴿وفديناه بذبح عظيم ( ١٠٧ )﴾ :
قصة إبراهيم مع ابنه الذبيح عليهما السلام حجة لأهل السنة في جواز نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال. قال فقد أمر بفعل واحد ولم يعص في البدار إلى امتثاله ثم نسخ عنه قبل إيقاعه. وأنكر المعتزلة جواز هذا النسخ (١) واستعصت عليهم قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام حتى تعسفوا في تأويلها وتفرقوا فرقا وطلبوا الخلاص من خمسة أوجه :
أحدها : أن كان ذلك مناما لا أمرا. وهذا باطل لأن منام الأنبياء جزء من النبوة وكانوا يعرفون أمر الله تعالى به. فلقد كانت نبوة بعض الأنبياء بمجرد المنام. ويدل على كونه أمرا قول ولده :﴿افعل ما تؤمر﴾ ولو لم يؤمر لكان كاذبا ولأنه لا يجوز قصد الذبح بمنام لا أصل له.
والثاني : أنه أمر لكن قصد به تكليفه العزم على الفعل لامتحان سره في صبره على العزم بالذبح، ولو لم يكن مأمورا به. وهذا باطل لأن علام الغيوب لا يحتاج إلى الاختبار. وقولهم العزم هو الواجب محال لأن العزم على ما ليس بواجب لا يجب.
والثالث : أنه لم ينسخ الأمر لكن قلب الله عنقه نحاسا أو حديدا فلم ينقطع، فانقطع التكليف بالتعذر. وهذا لا يصح على أصولهم لأن الأمر بالشرط لا يثبت عندهم بل إذا علم الله تعالى أنه انقلب عنقه حديدا فكيف يكون أمرا بما يعلم امتناعه.
والرابع : أن المأمور به إنما هو الاضجاع والتل للجبين وإمرار السكين دون حقيقة الذبح. وهذا محال إذ لا يسمى ذلك ذبحا ولا هو بلاء ولا يحتاج إلى فداء بعد الامتثال.
والخامس : جحود النسخ وأنه ذبح امتثالا فالتأم واندمل. والذاهبون إلى هذا التأويل اتفقوا على أن إسماعيل أو إسحاق على الخلاف في ذلك ليس بمذبوح. واختلفوا في كون إبراهيم ذابحا. فقال قوم هو ذابح للقطع والولد غير مذبوح لحصول الالتئام. وقال قوم لم يكن ذابحا، لأن ذابح لا مذبوح لا محال. وهذا القول أيضا محال لأن الفداء كيف (٢) يحتاج إليه بعد الالتئام ولو صح ذلك لاشتهر، ولم ينقل ذلك قط وإنما هو من اختراع القدرية. فإن قيل أليس قد قال :﴿قد صدقت الرؤيا﴾ فالتصديق غير التحقيق والعمل. ولأهل السنة مما يحتجون به في مذهبهم غير هذه الآية. من ذلك ما جاء من فرض الصلاة أنها كانت خمسين ثم نقلت إلى خمس قبل أن يعمل بها. ومنها قوله تعالى :﴿إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾ [المجادلة: ١٢] ثم قال تعالى :﴿فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم﴾ [المجادلة: ١٣] فنسخ قبل الفعل. ومنها قوله تعالى :﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ [الأنفال: ٦٦] فنسخ قبل الفعل. وموضع هذه المسألة/ إنما هو كتب الأصول لا كتب الفروع. وقد ضعف بعض شيوخنا كلام المعتزلة وأهل السنة في هذه المسألة وزعم أنه لا يدخلها نسخ قبل الامتثال، ولا تحتاج المعتزلة إلى الاعتذار. قال لأن الذبح إنما كان برؤيا وللرؤيا أسماء وكنى، وإنما تحمل على الأسماء حتى يدل الدليل على الكنى كما تحمل الأحكام على ظاهر الأمر والنهي حتى يدل الدليل على التأويل. فلما رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يذبح ولده – ورؤيا الأنبياء وحي – بادر إلى الأخذ بالظاهر وشرع في امتثال هذا الأمر. فلما فعل ذلك أوحى الله تعالى إليه أن :﴿قد صدقت الرؤيا﴾ وفدي الابن بذبح أي بكبش إذ كان ذبح الابن عند الله تعالى كناية عن ذبح الكبش. فليس في الآيتين على هذا نسخ وإنما فيها التبيين للرؤيا وأن المراد بذبح الابن ذبح الكبش، فكنى عن الكبش بالابن وصار بعد ذلك الذبح سنة إلى يوم القيامة. ولما كان الذبيح(٣) إسماعيل صلى الله عليه وسلم فعل (٤) ذلك بنوه من لدنه إلى وقتنا هذا، ولو كان الذبيح إسحاق ما ترك اليهود الذبح في يوم النحر بوجه ولو على حال. وقد احتج قوم من العلماء بهذه الآية في مصيرهم إلى أن من نذر ذبح ولده لزمه ذبح شاة. وأنكر غيرهم هذا الاستدلال ورأوا أن نذر ذبح الولد معصية فلا يكون فيه فداء بخلاف ذبح إبراهيم لولده فإنه كان ممتثلا لأمر الله تعالى فيه، ثم فداه الله تعالى بالذبح تفضلا منه، والفرق بين.
١ راجع قولهم والرد عليهم في التفسير الكبير ٢٦/ ١٥٢ – ١٥٨..
٢ في (أ)، (ز): "لا يحتاج إليه"..
٣ في (أ)، (ب)، (د)، (ز): "المذبوح"..
٤ في (أ)، (د)، (هـ)، (ز): "اشتمل"..
الصافات 37:141
– قوله تعالى :﴿فساهم فكان من المدحضين ( ١٤١ )﴾ :
فيه دليل على أن الحكم بالقرعة على ما تقدم في نظيره في آل عمران. وقد مر الكلام عليه بما فيه الكفاية.
ص 38:17
قوله تعالى :﴿اصبر على ما يقولون﴾ : في هذه الآية مهادنة وهي منسوخة بما نزل في المدينة من الأمر بالقتال.
ص 38:18
قوله تعالى :﴿يسبحن بالعشي والإشراق﴾ : تأول ابن عباس قوله تعالى :﴿والإشراق﴾ على صلاة الضحى. روي عنه أنه قال لم يزل في نفسي من صلاة الضحى شيء حتى قرأت :﴿إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق﴾. وعلى صلاة الضحى أيضا تأول ابن عباس قول الله تعالى :﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال﴾ [النور: ٣٦]. وذكر المحققون الذين يرون تبرئة الأنبياء صلوات الله تعالى عليهم عن الكبائر أن داود عليه السلام كان قد قدم على خطبة امرأة قد خطبها غيره ويقال هو أوريا فمال قوم المرأة إلى داود، ولم يكن داود بذلك عالما ولكن قد كان يمكنه أن يعرف ذلك. وقد كان لداود عليه السلام عدد من النساء وذلك الخاطب قبله لا امرأة له فنبه الله تعالى داود على ما فعل بما ذكر من تسور الملكين وتعريضهما له بأمر النكاح لفهم قدر ما فعل، فيعدل عن ذلك ويستغفر ربه من هذه الصغيرة ففي هذا دليل على جواز الصغائر على الأنبياء، وفيه تلطف في رد الإنسان عن مكروه صنعه وأن لا يؤخذ بعنف ما أمكن. وفيه جواز المعاريض من القول. وقد استدل بعضهم على جواز قضاء القاضي في المسجد خلافا لمن كرهه. ويؤيد دليل الآية فعل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء في القضاء فيه.
ص 38:21
قوله تعالى :﴿وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب﴾ : ذكر المفسرون أن ظن داود واستغفاره ومغفرة الله تعالى له لأجل أنه رأى امرأة فأعجبته فأخرج زوجها في الغزو فقتل فتزوجها. وقال بعضهم لم يتزوجها ولكنه سأله أن ينزل له عنها. وهذا على قول من يجوز على الأنبياء الكبائر. وذهب بعض العلماء إلى أن الآية على ظاهرها في النكاح حقيقة وأن داود ظن أنه آتاه الله من الملك فلذلك استغفر وغفر له.
ص 38:24
قوله تعالى :﴿وخر راكعا وأناب﴾ : لم ير الشافعي في هذا الموضع سجدة خلافا لمالك رحمه الله تعالى فقال بعضهم لعل الشافعي لم ير ذلك لأجل أنها شريعة من قبلنا أو لأنها توبة نبي فليس فيها دلالة على الأمر بالسجود لنا. وهذا كله ضعيف. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد فيها.
ص 38:26
قوله تعالى :﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق﴾ : استدل بعض الناس بهذه الآية على احتياج الأرض إلى خليفة من الله تعالى. وليس ذلك بلازم من الآية.
ص 38:33
قوله تعالى :﴿فطفق مسحا بالسوق والأعناق﴾ :
اختلف في المسح في هذه الآية ما هو، فقيل مسحها بيده تكريما لها ومحبة كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بفرسه، وهو قول ابن عباس وغيره. وقيل أراد بالمسح هنا الغسل بالماء. وقيل كان وسما في السوق، والأعناق بوسم حبس في سبيل الله. وقيل إن المسح هنا بمعنى القطع، وقيل إنه قطع سوقها وأعناقها. وقال بعضهم قتلها حتى لم يبق منها أكثر من مائة فرس فمن نسل تلك المائة كل ما يوجد اليوم من الخيل. والذين ذهبوا إلى هذا اختلفوا لم فعل ذلك بها ؟ فقيل لمجاعة كانت بالناس فعقرها لهم ليأكلوها وكان لحوم الخيل لهم إذ ذاك حلالا. قال بعضهم وقد ذبحت الصحابة فرسا وأكلوه، رواه مسلم عن جابر. وقيل بل فعل ذلك عقابا للبهائم من أجل أنها شغلته عن صلاة العشي وهي صلاة العصر حتى غابت الشمس. فعلى هذا القول يكون هذا الأمر الذي كان منهاجا له صلى الله عليه وسلم منسوخا في شريعتنا لأنه لا يجوز عندنا معاقبة البهائم. قال بعضهم : فإن قيل العرقبة تعذيب وذلك لا يجوز، قلنا بل ذلك جائز في شريعتنا إذا أراد أن لا يمكن أحدا من الانتفاع. وقد قال الحسن : قطع سوقها وأعناقها فعوضه الله تعالى خيرا منها الريح تجري بأمره رخاء حيث أصابه. فهذه شريعة بائنة منعها الله تعالى في شرعنا بما ثبت من النهي عن قتل البهائم صيدا وعن إفساد المال وإن فتن. وهذا الحديث في النهي عن قتل البهائم فيما اجتمعت الأمة على معناه فجاز نسخ القرآن به.
ص 38:44
قوله تعالى :﴿وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث﴾ : روي أن أيوب عليه السلام لما مرض كانت زوجته تختلف إليه مدة مرضه فيلقاها الشيطان – في صورة طبيب مرة وفي صورة ناصح مرة أخرى وعلى غير ذلك – فيقول لها : لو سجد هذا المريض للصنم الفلاني لبرئ. لو ذبح عناقا للصنم الفلاني لبرئ، ويعرض عليها وجوها من الكفر فكانت هي ربما عرضت ذلك على أيوب، فيقول لها : لقيت عدو الله في طريقك. فلما أغضبته بهذا ونحوه حلف لئن برئ ليضربنها مائة سوط. فلما برئ أمره الله تعالى أن يأخذ ضغثا فيه مائة قضيب، والضغث القبضة الكبيرة من القضبان ونحوها من الشكيس الرطب فيضرب بها ضربة واحدة فيبر به يمينه. وهذا الحكم قد ورد مثله في شرعنا عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في رجل عليه حد زنا وكان زمنا فأمر صلى الله عليه وسلم أن يضرب بعذق نخلة فيها شماريخ مائة فيضرب بها ضربة.
واختلف الناس هل هذا الحكم باق لم ينسخ ؟ فذهب جماعة إلى أنه حكم باق محكم وأن من حلف ليضربن عبده مائة سوط يبر بجمعها وضربه بها ضربة واحدة، وإلى هذا ذهب الشافعي، وهو قول أبي حنيفة ومحمد وزفر وعطاء وذهب أكثر العلماء إلى ترك القول به، وهو قول مالك وأصحابه. إلا أن الذين ذهبوا إلى ذلك اختلفوا هل ذلك منسوخ بشريعتنا أم لا ؟ فذهب قوم إلى أنه منسوخ في شريعتنا وأن الحدود والبر في الأيمان لا يقع إلا بإتمام عدد الضربات. قال بعضهم : والناسخ لذلك من شريعتنا قوله تعالى :﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ [النور: ٢] والذي يجلد بالضغث جلدة واحدة لم يجلد مائة جلدة وإنما جلد جلدة واحدة، وكتاب الله أولى أن يقتدى به. وذهب بعضهم إلى أنه كان ذلك الحكم خاصا بأيوب عليه السلام لا يشاركه فيه غيره. فعلى هذا لا يتصور في الآية نسخ، وهذا مذهب مالك رحمه الله تعالى وقال أبو بكر بن العربي لما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنما الأعمال بالنيات " ركب مالك رحمه الله تعالى عليها اليمين فاعتبر فيها النية أيضا، ولعل أيوب عليه السلام اقتضت يمينه ما أمر به من جمع الضغث. والذي أراه أن يمينه على أية صفة تصورت فإن الحالف يبر بجمع مائة سوط والضرب بها مرة واحدة. والأيمان إنما يراع فيها الأرفق بالناس ولا يؤخذ فيها بالتغليظ لما فيه من التنفير عن الدين والوقوع في المحظور وذلك قوي جدا في الأيمان التي أخذ بها الناس. وقد قال مالك إمام الأئمة في قوله الحلال عليه حرام أنه إن حاشى زوجته بقلبه لم يلزمه فيها حنث وليس يبقى تحت اليمين بعدها شيء. فإن سائر الأعيان المحرمة – غير الزوجة – لا يحرم شيء منها بهذه اليمين. فيبقى اليمين لغوا وتكون نيته في استثناء الزوج بقلبه رفعا لليمين.
وفي الآية أيضا دليل على أن للرجل أن يضرب زوجته وأن له أن يحلف ولا يستثني.
غافر 40:7
– الأول قوله تعالى :{ الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم
يؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا.... } الآية :
هذه الآية فسرت المجمل من قوله تعالى في سورة الشورى (١) ﴿ويستغفرون لمن في الأرض﴾ [الشورى: ٥] لأن هذه الآية جاءت عامة في استغفار الملائكة لأهل الأرض (٢) مؤمنهم وكافرهم فخصصت (٣) هذه الآية بقوله تعالى فيها :﴿للذين آمنوا﴾ الكافرين وبقيت الآية في الاستغفار للمؤمنين. هذا أحسن ما يقال في الآية. وهذا الاستغفار هو بمعنى قوله تعالى في غير هذه الآية :﴿كان على ربك وعدا مسئولا﴾ [الفرقان: ١٦] أي سألته الملائكة. وبعض الناس – وهو وهب بن منبه –(٤) يقول إن هذه الآية ناسخة لآية الشورى (٥). وهو قول ضعيف لأن الآية خبر والأخبار لا يدخل فيها النسخ. وقد يحتمل أن يقال في آية الشورى إنها على عمومها من استغفار الملائكة لأهل الأرض إلا أن استغفارهم للمؤمنين على حقيقة الاستغفار واستغفارهم للكافر بمعنى طلب المغفرة لهم وهدايتهم. وعلى هذا النحو ساق بعضهم استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه واستغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم للمنافقين (٦). وقد قال بذلك قوم. فهذه ثلاثة في الآيتين، أحدها : أن آية غافر مخصصة لآية الشورى وهو أحسن الأقوال كما قدمنا.
والثاني : أنها ناسخة لها، وهو ضعيف.
والثالث : أنها ليست ناسخة ولا مخصصة وأن هذه الآية التي في غافر في المؤمنين خاصة، والتي في الشورى للمؤمنين والكافرين، إلا أن الاستغفار للمؤمنين بخلاف الاستغفار للكفار. وقد حكي عن بعض الصلحاء أن رجلا قال له استغفر لي. فقال له تب واتبع سبيل الله يستغفر لك من هو خير مني، وتلا هذه الآية. وقال ابن الشخير (٧) وجدنا أنصح العباد للعباد الملائكة وأغش العباد للعباد الشياطين، وتلا هذه الآية (٨) وقد ذهب النقاش إلى أن في هذه الآية دليلا له على بطلان قول من زعم أنه لا يجوز للعباد أن يسألوا الله تعالى فعل ما أخبر أنه لا يفعله.
١ في (أ)، (و)، (ز): "عسق"، وفي (ب)، (د)، (هـ): "حم عسق"..
٢ في (ب)، (هـ): "لمن في الأرض"..
٣ في (ج)، (ح): "فأخرجت"..
٤ وهب بن منبه: وهو وهب بن منبه الأبناوي الصنعاني الذماري، أبو عبد الله، تابعي. من مؤلفاته قصص الأنبياء. توفي سنة ١١٤هـ/ ٧٣٢م. انظر وفيات الأعيان ٢/ ١٨٠..
٥ في (أ)، (و)، (ز): "عسق"، وفي (ب)، (د)، (هـ): "حم عسق"..
٦ في (أ): "للمؤمنين"..
٧ ابن الشخير: وهو مطرف بن عبد الله بن الشخير. سبقت ترجمته ص ١١١..
٨ راجع المحرر الوجيز ١٤/ ١١٧..
غافر 40:55
– الثاني قوله تعالى :﴿فاصبر إن وعد الله حق﴾ :
فهذه الآية فيها مهادنة. وقال الكلبي : نسخت بآية القتال آية الصبر حيث وقع.
فصلت 41:33
– قوله تعالى :﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ( ٣٣ )﴾ :
اختلف في هذه الآية هل هي عامة أو خاصة ؟ فمن الناس من حملها على عمومها منهم الحسن (١) قال : والمراد من :﴿دعا إلى الله﴾ تعالى وإلى طاعته من الأنبياء والمؤمنين. وذهب جماعة إلى أنها في النبي صلى الله عليه وسلم وخصصوا الآية(٢). وذهب ابن أبي حازم (٣) وعائشة وعكرمة إلى أنها نزلت في المؤذنين. قال ابن أبي حازم وابن عباس :﴿وعمل صالحا﴾ هو الصلاة بين الأذان والإقامة ومعنى هذا – والله تعالى أعلم – أن المؤذنين(٤) داخلون في عمومها لا أنها خاصة بهم لأنها إنما نزلت بمكة والأذان إنما كان بالمدينة بلا خلاف. وقد قال الفضيل بن رفيدة : كنت مؤذنا في أصحاب ابن مسعود فقال لي عاصم بن هبيرة : إذا أكملت الأذان فقل إني من المسلمين، ثم تلا الآية (٥) واستدل بعضهم بهذه الآية على أنه جائز أن يقول المسلم : أنا مسلم بلا استثناء، خلافا لمن كره ذلك.
١ أضاف ابن عطية مقاتل. راجع المحرر الوجيز ١٤/ ١٨٥..
٢ نسبه ابن عطية إلى السدي وابن زيد وابن سيرين. راجع م. س. ، ن. ص..
٣ "قال ابن أبي حازم... إلى: المؤذنين" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
٤ ابن أبي حازم: هو قيس بن عبد عوف بن الحارث الأحمسي البجلي. تابعي جليل. توفي سنة ٨٤هـ/ ٧٠٣م. انظر تهذيب التهذيب ٨/ ٣٨٦..
٥ راجع المحرر الوجيز ١٤/ ١٨٥..
فصلت 41:34
– قوله تعالى :﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ :
قيل كان هذا قبل فرض القتال (١).
١ قاله الكيا في أحكام القرآن ٤/ ٣٦٣..
فصلت 41:44
– قوله تعالى :﴿ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا...﴾ :
فيه دليل على أن القرآن نزل بلغة العرب وأنه ليس أعجميا وأنه إذا نقل عنها إلى غيرها لم يكن قرآنا. وقد استدل قوم بهذه الآية على رد من يقول إن في القرآن ألفاظا أعجمية(١).
١ قاله الكيا في أحكام القرآن ٤/ ٣٦٣..
الشورى 42:5
-الأول قوله تعالى :﴿والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض...﴾ الآية :
قد تقدم الكلام في سورة غافر على هذه الآية بما أغنى عن إعادته.
الشورى 42:6
– الثاني قوله تعالى :﴿وما أنت عليهم بوكيل﴾ :
في هذه الآية موادعة وهي منسوخة بآية السيف (١).
١ "الثاني... إلى: السيف" كلام ساقط في (أ)..
الشورى 42:15
– الثالث قوله تعالى :﴿لنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾ الآية :
اختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة ؟ فذهب ابن عباس ومجاهد إلى أنها منسوخة بآية القتال. وذهب قوم إلى أنها محكمة (١) بأن المعنى : لنا جزاء أعمالنا ولكم جزاء أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم.
١ راجع الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٦/ ١٣، ١٤..
الشورى 42:20
– الرابع قوله تعالى :﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه....﴾ الآية :
القول فيها كالقول فيمن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها، وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة هود. وحكى بعضهم أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى :﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾ (١) [الإسراء: ١٨]. والقول بالنسخ في هذا وأشباهه بعيد، والصواب أنها محكمة. وهذه الآية مثل قوله عليه الصلاة والسلام : " من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه " (٢) قال أبو الحسن : وفيه دليل على أن من حج عليه غيره لا يقع عليه اسم الحاج ومن توضأ للتبرد والتنظف لا يكون متوضئا للصلاة (٣).
١ قال القرطبي: والصواب أن هذا ليس بنسخ. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٦/ ١٩..
٢ الحديث: راجع صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب: ما جاء أن الأعمال بالنيات ١/ ١٩..
٣ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٦٥..
الشورى 42:23
– الخامس قوله تعالى :﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾ :
اختلف في معناها، فقيل هي مكية نزلت في صدر الإسلام ومعناها استكفاف شر الكفار ودفع أذاهم، أي ما أسألكم على القرآن والدين والدعاء إلى الله تعالى إلا أن تؤذوني بقرابة هي بيني وبينكم، فكفوا عن أذاكم. قال ابن عباس وغيره (١) : ولم يكن في قريش بطن إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم نسب أو صهر والآية عندي على هذا القول منسوخة بآية القتال لأن فيها مهادنة. وقال ابن عباس أيضا في الآية ما يقتضي أنها مدنية وذلك أنه قال سببها أن قوما من شباب الأنصار فاخروا المهاجرين ومالوا بالقول على قريش فنزلت الآية على ذلك على معنى ألا تؤذوني فتراعوني في قرابتي وتحفظوني فيهم. وقال هذا أيضا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وغيره. وقال ابن عباس أيضا فيما روي عنه سبب الآية أن الأنصار جمعت مالا وساقته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرده عليهم ونزلت الآية في ذلك. وقال ابن عباس أيضا معنى الآية في قربى الطاعة والتزلف إلى الله تعالى كأنه قال إلا أن تؤذوني لأني أدعوكم إليه وأريد هدايتكم وأدعوكم إليها. وقال الحسن بن أبي الحسن معناه : إلا أن تتوددوا إلى الله تعالى بالتقرب إليه. وقال عبد الله بن القاسم(٢) معنى الآية إلا أن يتودد بعضكم إلى بعض وتصلوا أقرباءكم. فالآية على هذا في صلة الرحم. فعلى ما تقدم يأتي في الآية هل هي مكية أو مدنية قولان، وإذا قلنا مدنية يأتي في سبب نزولها قولان. وعلى قول عبد الله بن القاسم وقول الحسن في معنى الآية لا يختلف عندي في أنها محكمة، وأما على سائر الأقوال فمختلف فيها هل هي منسوخة بآية سبأ أم لا ؟ فذكر بعضهم عن ابن عباس أيضا وجماعة معه أنها منسوخة لقوله تعالى في سورة سبأ :﴿قل ما سألتكم من أجر فهو لكم﴾ [سبأ: ٤٧]. وذهب قوم إلى أنها محكمة (٣).
١ وابن إسحاق وقتادة. راجع المحرر الوجيز ١٤/ ٢١٧..
٢ عبد الله بن القاسم: هو عبد الله بن القاسم بن المظفر بن علي، أبو محمد. توفي سنة ٥١١هـ/ ١١١٧م. انظر وفيات الأعيان ١/ ٢٥٣..
٣ راجع المحرر الوجيز ١٤/ ٢١٧، ٢١٨، وأحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٦٥، ٣٦٦..
الشورى 42:39
– قوله تعالى :﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ( ٣٩ )...﴾ إلى قوله تعالى :﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ :
اختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة ؟ فذهب قوم إلى أنها منسوخة، قالوا وكانت قد نزلت في بغي المشرك على المؤمن فأباح لهم الانتصار عليهم دون تعد وجعل العفو والإصلاح مقرونا بأجر ثم نسخ ذلك بآية السيف. وذهبت جماعة إلى أنها محكمة واختلفوا في معناها بعد اتفاقهم على أن من بغي عليه فجائز له أن ينتصر بيد الحق وحكام المسلمين. فذهب قوم إلى أنهم كانوا يكرهون أن يذلوا نفسهم فيجترئ عليهم الفساق. وقال مقاتل الآية في المجروح المنتصف من الجارح بالقصاص. فعلى هذا الآية في المؤمنين خاصة، ومن بغي عليه من ظلم فجائز له أن ينتصف لنفسه ويخون من خانه في المال حتى ينتصف منه. وقالوا إن الحديث : " ولا تخن من خانك " إنما هو في رجل سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يزني بحرمة من زنى بحرمته فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " ذلك يريد به الزنا ". وإلى هذا ذهب الشافعي. واحتج أيضا بحديث هند (١) امرأة أبي سفيان، وأنكره مالك وغيره ولم يروا الآية بهذا المعنى واحتجوا بعموم الحديث : " أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك " (٢) ورجح قوم من العلماء الانتصار من الظالم وقالوا انتصار بالواجب تغيير منكر، ومن لم ينتصر مع إمكان الانتصار فقد ترك تغيير المنكر (٣).
– قوله تعالى :﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ( ٣٩ )﴾ :
يدل ظاهره على أن الانتصار في هذا الموضع أفضل وهو محمول على ما ذكر النخعي من أنهم كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجترؤوا عليهم الفساق بهذه الآية في الانتصار فمن تعدى وأصر على ذلك، والموضع المأمور فيه بالعفو إذا كان الجاني نادما مقلعا وقد قال عقب هذه الآية :﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ( ٤١ )﴾ ويقتضي ذلك إباحة الانتصار لا الأمر به (٤). وقال إسماعيل القاضي في قوله تعالى :﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ( ٣٩ )﴾، وهذا عندي أن الله تعالى أعلم فيما كان لله عز وجل من أمر أو نهي عن باطل أو منكر. فمن فعل ذلك به فلا ينبغي له أن يصبر على المذلة بل يعز نفسه، ففي ذلك إعزاز للدين. وأما إذا كان البغي عليه في نفسه لا يتعدى إلى الشريعة فصبر واحتسب فذلك حسن.
١ هند: هي هند بنت عتبة بن ربيع بن عبد شمس بن عبد مناف. صحابية قرشية. أم الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان. توفيت سنة ١٤هـ/٦٣٥م. انظر طبقات ابن سعد ٨/ ١٧٠..
٢ الحديث أخرجه الترمذي في سننه عن أبي هريرة، كتاب البيوع ٣/ ٥٦٤. وأحمد في مسنده ٣/ ٤١٤..
٣ راجع المحرر الوجيز ١٤/ ٢٢٩، ٢٣٠..
٤ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٦٦، ٣٦٧..
الشورى 42:40
– قوله تعالى :﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ :
قال السدي وغيره معنى الآية أن الرجل إذا شتم بشتيمة فله أن يردها بعينها دون أن يتعدى. قال الحسن بن أبي الحسن : ما لم يكن حدا أو عوراء جدا (١) وقال إسماعيل القاضي : السيئة هنا قد تكون القتل والجراح والقذف والسب والتعدي في المال وغير ذلك من الأفعال القبيحة، فمن فعل به شيئا من ذلك فالعفو فيه أفضل وإن أحب القصاص فله أن يفعل ولا يتعدى زيادة. وليس المقتص بمعتد إذا لم يتجاوز في أخذ حقه، ولا القصاص تعديا، وإنما سماه الله تعالى إساءة لأنه إجزاء إساءة فسمي بذلك توسعا وتجوزا كما قال تعالى :﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النمل: ١٢٦]. والأول ليس بعقاب وإنما المعاقب المجازي ولكنه سمي باسم المختص للمجازاة. وهذا كثير في القرآن والحديث وكلام العرب.
١ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١٤/ ٢٣٠..
الشورى 42:41
– وقوله تعالى :﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ( ٤١ )﴾ :
هذا بلاغ في إباحة الانتصار. والخلاف فيه هل هو بين المؤمن والمشرك أو بين المؤمنين على ما تقدم ؟
الشورى 42:43
– قوله تعالى :﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ( ٤٣ )﴾ :
من رأى أن هذه الآية فيما بين المؤمنين (١) والمشركين وأن (٢) الصبر للمشركين كان أفضل قال إن الآية نسخت بآية السيف، ومن رأى أن الآية إنما هي بين المؤمنين قال هي محكمة والصبر والغفران أفضل إجماعا. وقال أبو الحسن : قد ندبنا الله تعالى في كتابه العزيز إلى العفو عن حقوقنا قبل الناس فقال تعالى :﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقال في شأن القصاص :﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ [المائدة: ٤٥] وقال تعالى :﴿وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾ [النور: ٢٢] وأحكام هذه الآية غير منسوخة.
١ "المؤمنون" كلمة ساقطة في (ب)، (هـ)..
٢ "وأن" ساقط في (ح)..
الزخرف 43:18
– قوله تعالى :﴿أومن ينشأ في الحلية﴾ :
الآية فيها دليل على إباحة الحلي للنساء، والإجماع منعقد عليه، والأخبار فيه لا تحصى.
الزخرف 43:22
– قوله تعالى :﴿بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون ( ٢٢ )﴾ :
في هذه الآية دليل على إبطال التقليد لذمه إياهم على تقليد آبائهم وتركهم النظر.
الزخرف 43:33
– قوله تعالى :﴿لبيوتهم سقفا من فضة﴾ :
استدل بعضهم بهذه الآية (١) على أن السقف لرب البيت الأسفل لا لصاحب العلوي إذ هو منسوب إلى البيت (٢) وفي ذلك قولان في المذهب : أحدهما : هذا المستدل عليه بالآية، والآخر : أنه لرب العلو. وهذا الاحتجاج بالآية ضعيف لأن اللام فيها لا توجب ملكا لأنها مثل اللام في قولهم : الدابة للسائس، وهي ليست له. فإذا كان كذلك لم يجب من إضافة السقف إلى البيت إضافته لرب البيت مع أنه لو أضيف إلى رب البيت لكان الأمر محتملا فكيف ولم يضف.
١ "بهذه الآية" كلام ساقط في (أ)، (ح)، (هـ)، (ز)..
٢ "الأسفل لا لصاحب العلو إذ هو منسوب إلى البيت" كلام ساقط في (ح)، (هـ). وقد نسب ابن عطية هذا القول إلى المهدوي وقال عنه: وهذا تفقه واهن. راجع المحرر الوجيز ١٤/ ٢٥٥..
الزخرف 43:37
– قوله تعالى :﴿وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون ( ٣٧ )﴾ :
قال النقاش في قوله :﴿ويحسبون أنهم مهتدون﴾ رد على من يقول إنه ليس أحد يفارق الحق إلا ويعرف أنه ضال، وإن كفر فعلى وجه العناد. قال وفيها أيضا دلالة على رد قول من زعم إن المعارف اضطرارية.
الزخرف 43:44
– قوله تعالى :﴿وإنه لذكر لك ولقومك﴾ :
اختلف في الآية، فذهب الحسن بن أبي الحسن إلى أن الذكر بمعنى التذكرة والموعظة والقوم : أمته صلى الله عليه وسلم بأجمعها. وذهب ابن عباس وقتادة والسدي وغيرهم إلى أن الذكر الشرف والحمد في الدنيا، والقوم قريش ثم العرب. قال ابن عباس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل فإذا قالوا له فيمن يكون الأمر من بعدك سكت حتى نزلت هذه الآية. فكان إذا سئل بعد ذلك قال لقريش، فكانت العرب لا تقبل ذلك حتى قبلته الأنصار. ففي هذه الآية على هذا القول دلالة على أن الخلافة إنما هي في قريش خلافا لمن رأى أن قريشا وغيرها في ذلك سواء. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان " (١) وجاءت أحاديث غير ذلك كثيرة في هذا المعنى تعضد دليل الآية (٢).
١ الحديث أخرجه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن يونس، كتاب الإمارة، باب: الناس تبع لقريش ٢/ ١٤٥٢..
٢ ذكر بعضها ابن عطية في المحرر الوجيز ١٤/ ٢٦٢، ٢٦٣..
الزخرف 43:58
– قوله تعالى :﴿ما ضربوه لك إلا جدلا﴾ :
قال النقاش قد استدل بهذه الآية مبطلو القياس والنظر والجدل وزعموا أنه إفصاح أو كالإفصاح بذم الجدل، والرد عليهم أن يقال إنه تعالى لم يرد بهذا القول ذم الجدل بل أخبر أنهم لم يريدوا بسؤالهم تثبتا ووقوفا عندنا ما يوجبه السؤال. وعبر عن ذلك بالجدل ولا ينكر أن يكون من الجدل ما هو مذموم. فهو الذي أراد تعالى. وقد روى أبو أمامة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما ضل قوم بعد هدي كانوا عليه إلا وأتوا الجدل " ثم قرأ :﴿ما ضربوه لك إلا جدلا﴾ (١) ورأى عليه الصلاة والسلام قوما يتنازعون في القرآن فغضب حتى كأنما صب في وجهه الخل وقال : " لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض فما ضل قوم إلا أوتوا الجدل " (٢). فهذا كله ينبغي أن يحمل على الجدل المذموم وهو الذي لا يراد به إظهار حق.
١ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١٤/ ٢٧٠، وأخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم في الجامع الصغير ٢/ ٤٣٠..
٢ راجع جامع البيان للطبري ٢٥/ ٨٨..
الزخرف 43:83
– قوله تعالى :﴿فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ( ٨٣ )﴾ :
في هذه الآية موادعة وهي منسوخة بآية السيف.
الزخرف 43:86
– قوله تعالى :﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾ :
فيه دليل على أن من شرط الشهادات في الحقوق وغيرها أن يكون الشاهد عالما بها. ونحو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع " (١).
١ الحديث أخرجه الإمام أحمد وابن حميد والحاكم والبيهقي والطبراني في المعجم الأوسط وذكره السخاوي في المقاصد الحسنة ص ٢٩١..
الزخرف 43:89
– قوله تعالى :﴿فاصفح عنهم وقل سلام﴾ :
السلام : المسالمة، وقيل التسليم على جهة الموادعة. والآية منسوخة لما فيها من الموادعة بآية السيف.
الدخان 44:48
– قوله تعالى :﴿ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم ( ٤٨ )﴾ :
في الآية أن الكافر يصب على رأسه من حميم جهنم وهو ماء يغلي من ذوب وهذا مثل قوله تعالى :﴿يصب من فوق رؤوسهم الحميم﴾ [الحج: ١٩] وإلى هذا نظر (١) بعض (٢) ولاة المدينة فإنه كان يصب الخمر على رأس الذي يشتريها أو توجد عنده عقوبة له وأدبا، كذا ذكر في واضحة ابن حبيب. وهذا استدلال ضعيف ؛ لأن أحكام الله تعالى في عبيده في الآخرة لا يقاس عليها أحكام عبيده فيما بينهم في الدنيا لبعد ما بين الأمرين من الشبه.
١ "في الآية... إلى: نظر" كلام ساقط في (هـ)..
٢ "بعض" كلمة ساقطة في (ح)..
الجاثية 45:14
– قوله تعالى :﴿قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله﴾ :
اختلف في الآية هل هي منسوخة أو محكمة ؟ فذهب أكثر الناس إلى أنها منسوخة، وأنها نزلت في صدر الإسلام يأمر الله تعالى بها المسلمين أن يتجاوزوا عن الكفار وأن لا يعاقبوهم بذنب، بل يأخذون أنفسهم بالصبر لهم. وبقي الأكثر كذلك حتى نسخ بآية القتال. وذهب قوم إلى أنها محكمة، قالوا والآية تتضمن الغفران عموما ؛ لأنها يراد بها الخصوص كالأمور المحقرة من الجفاء ونحو ذلك. والعفو عن هذه أقرب للتقوى. وقال ابن عباس لما نزلت :﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾ [البقرة: ٢٤٥] قال فنحاص اليهودي : احتاج رب محمد، فأخذ عمر سيفه ومده ليقتله، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له : " إن ربك يقول :﴿قل للذين آمنوا يغفروا﴾ ". فهذا احتجاج بها مع قدم نزولها. وذكر بعضهم أنها نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بمكة لما أراد أن يبطش بمشرك شتمه (١).
١ راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢٨٢، ٢٨٣، والمحرر الوجيز ١٤/ ٣١٠..
الأحقاف 46:4
– قوله تعالى :﴿ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم﴾ :
في هذه الآية – والتي قبلها – بيان أدلة العقل وأدلة السمع. فقال أولا :﴿قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات﴾ فهذا احتجاج بالمعقول. ثم قال :﴿ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم﴾ فاحتج عليهم بطريق السمع، وهما قسمان : أدلة العقل والنقل.
وقوله :﴿أو أثارة من علم﴾ :
اختلف في معنى :﴿أو أثارة﴾ فقيل بقية من علم، وقيل هو الإسناد، وقيل خاصة من علم، وقيل شيء تؤثرونه من غيركم وأنشدوا في صفة ناقة :
وذات أثارة أكلت عليه؍ نباتا في أكمته ففارا (١)؍
وأراد بالأثارة من البيت بقية من شحم. وقال ابن عباس : المراد بالأثارة الخط في التراب وذلك شيء كانت العرب تفعله وتتكهن به. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك فقال : " كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذلك " (٢). وروي فمن وافق علمه. فاحتج كثير من العلماء بالآية على قول ابن عباس وبالحديث المذكور وأجازوا الخط في التراب ورأوا أنه شيء له وجه إذا وفق أحد إليه. وأنكرته طائفة وقالوا إن معنى ما في الحديث في الإنكار – أي أنه كان من فعل نبي – قد ذهب وذهب الوحي إليه والإلهام في ذلك فمن ثم قال : فمن وافق خطه فذلك على جهة الإبعاد أي أن ذلك لا يمكن ممن ليس بنبي ميسر لذلك، وهو كما لو سئل إنسان فقيل له : أيطير الإنسان ؟ فيقول : إنما يطير إذا كان له جناحان أي أن ذلك لا يكون (٣).
١ نقله القرطبي عن الماوردي والثعلبي عن راع. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٦/ ١٨٢، والبيت من البحر الوافر..
٢ الحديث أخرجه مسلم في صحيحه، باب: تحريم الكهانة ٩/ ٧١..
٣ راجع ذلك عند القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٦/ ١٧٩ – ١٨٢..
الأحقاف 46:9
– قوله تعالى :﴿قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾ :
اختلف في معنى الآية، فذهب ابن عباس وعكرمة وعطاء وغيرهم إلى أن معنى الآية ما ندري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة. فقالوا وكان هذا في صدر الإسلام ثم بعد ذلك عرفه الله تعالى بأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وبأن المؤمنين لهم من الله فضل كبير وهو الجنة وأن الكافرين في نار جهنم. والحديث الذي وقع في جنازة عثمان بن مظعون يعضد هذا وهو قوله عليه الصلاة والسلام : " فوالله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي " (١). واختلف الذين ذهبوا إلى هذا هل يقال في هذا نسخ أم لا ؟ فقال بعضهم إن هذه الآية منسوخة بسورة الفتح وبقوله في المؤمنين :﴿وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ( ٤٧ )﴾ [الأحزاب: ٤٧] ولم ير بعضهم هذا نسخا (٢) وهو الصحيح لأنه عليه الصلاة والسلام لا يعرف إلا ما عرف فأخبر عن أول أمره قبل أن يعلمه الله تعالى بحاله وحال المؤمنين بما كان عليه في ذلك الوقت من عدم المعرفة بذلك، ثم أعلمه الله تعالى بعد ذلك فعلم. وأي نسخ في هذا، ومتى ثبت بعدم معرفته صلى الله عليه وسلم فارتفع بوجوبها فيسمى نسخا. والذي ينبغي أن يقال في الآية أن قوله تعالى :﴿وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾ إنما يرجع إلى عدم المعرفة بالخاتمة وأما من مات على الإيمان فلم يزل عليه الصلاة والسلام من أول رسالته عالما فإنه ينجو، وإلا فقد كان الكفار يحتجون عليه، ويقولون كيف تدعوننا إلى ما لا تدري له عاقبة، وكيف نركب معك هذا الخطر ولم نعلم أن أحدا من الكفار احتج بذلك. فثبت بهذا أنه تعالى لم يزل عالما بأن الموافى على الإيمان في الجنة وأن من وافى على ضد ذلك في النار. وبهذا المعنى تكون الآية باقية(٣) المعنى إلى يوم القيامة. وذهب الحسن بن أبي الحسن وغيره إلى أن معنى الآية : ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا من أن أنصر عليكم أو تنصروا علي. وذكر بعضهم عن الحسن أن معناها : ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا من غلاء أو رخص أو مرض أو غير ذلك من الأحداث. وقال قوم المعنى : ما يفعل بي ولا بكم من الأوامر والنواهي وما يلزم الشريعة من أغراضها. وقال بعضهم : نزلت الآية في أمر كان النبي صلى الله عليه وسلم ينتظره من الله تعالى في غير الثواب والعقاب. وروي عن ابن عباس أنه لما تأخر خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة حين رأى في النوم أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وسبخة قلق المسلمون لتأخره فنزلت الآية. فالآية في هذه الأقوال كلها إنما هي في أمور الدنيا. ولا خلاف على أن ذلك بأن الآية محكمة مختلف في عدم الدراية إلى ما ترجع. والأصح من ذلك ما أشرنا إليه فيما تقدم.
١ الحديث أخرجه أحمد في مسنده وابن كثير في تفسيره من طريق أم العلاء ٤/ ١٥٥..
٢ قال النحاس: محال أن يكون في هذا ناسخ ولا منسوخ من جهتين: أحدهما: أنه خبر. والآخر: أنه من أول السورة إلى هذا الموضع خطاب للمشركين... راجع ذلك في الجامع لأحكام القرآن ١٦/ ١٨٦..
٣ "الموافى... إلى: باقية" كلام ساقط في (ب)، (د)، (هـ)..
الأحقاف 46:15
– وقوله تعالى :﴿حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا﴾ :
احتج بعض الشيوخ بقوله تعالى :﴿حملته أمه كرها ووضعته كرها﴾ على أن أجرة القابلة على المرأة. وقد مر الكلام على المسألة في البقرة.
وقوله تعالى :﴿وحمله وفصاله﴾ :
هذه الآية تقتضي أن مدة الحمل والرضاع هي هذه المدة. والتقدير مدة حمله وفصاله، ثم حذف. وقال تعالى في الآية الأخرى :﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ الآية [البقرة: ٢٣٣]، وهذا لا يكون إلا بأن يكون أحد الطرفين ناقصا وذلك إما بأن تلده المرأة لستة أشهر وترضع عامين وإما أن تلد لتسعة أشهر على العرف وترضع عامين غير ربع عام، فإن زادت مدة الحمل نقصت مدة الرضاع وبالعكس. وإنما ذكر الله تعالى في هذه الآية أقل مدتي الحمل والرضاع فيجب من هذا أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وأقل ما يرضع الطفل عام وتسعة أشهر، وإكمال العامين هو لمن أراد أن يتم الرضاعة. وهذا في أمر الحمل وهو مذهب علي بن أبي طالب وجماعة من الصحابة، وهو مذهب مالك. فالذي تحصل من هذه الآية أن أقل مدة الحمل ستة أشهر إلا أنه نادر في النساء لأن أكثرهن يلدن لتسعة أشهر ومنهن من تلد لسبع فيعيش الولد وكذلك في الست. فأما من يولد لثمان فلا يعيش إلا (١) عيسى ابن مريم عليه السلام ولد لثمانية أشهر فكان ذلك من الآيات فيه كما خلق من غير أب. وأما أكثر الحمل فقد اختلف فيه، فقيل عن مالك أنه أربع سنين وهو نادر. وروي عن مالك أنه لا يرى الخمس سنين بعدا. وروي عن الليث وابن عجلان (٢) سبع سنين، وروي عن عثمان البتي ثمان سنين. وقال أبو حنيفة سنتان. وقد ذكر أن بعض المتأخرين قال : لا أجاوز بالحمل تسعة أشهر. وهذا قول لا يلتفت إليه. وأما أكثر الرضاع فلا حد له. وقد مر الكلام على معنى الآية بأوعب من هذا (٣).
١ في (أ)، (ب)، (و): "لأن"..
٢ ابن عجلان: هو أبو أمام عدي بن عجلان بن وهب الباهلي. شهد الصفين. توفي سنة ٨٦هـ/ ٧١٠م. انظر الإصابة ٥/ ١٣٣..
٣ راجع ذلك في الجامع لأحكام القرآن ٣/ ٣٧، ١٦٠ و ١٦/ ١٩٣..
محمد 47:4
– قوله تعالى :﴿فضرب الرقاب....﴾ إلى قوله تعالى :﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾ :
قد تقدم الكلام على معنى هذه الآية وحكمها في سورة براءة بما أغنى عن إعادته هنا (١).
وقوله تعالى :﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾ : قيل معناها حتى تذهب وتزول أثقالها. والأوزار الأثقال. وقيل الأوزار الآثام لأن الحرب لا بد أن يكون فيها آثام في حد الجهتين، وقيل السلاح. واختلف في الغاية التي عندها تضع الحرب أوزارها، فقال قتادة ومجاهد وغيرهما حتى يسلم الجميع فتضع الحرب أوزارها. وقال بعض أهل النظر حتى تقلبوهم وتقتلوهم. وقال مجاهد أيضا حتى ينزل عيسى ابن مريم. وظاهر اللفظ أنه استعارة يراد بها التزام الأمر أبدا (٢).
١ "وقد تقدم الكلام... إلى: هنا" كلام ساقط في (أ)..
٢ راجع ذلك أيضا في أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٦٨٩. وفي التفسير الكبير ٢٨/ ٤٥..
محمد 47:9
– قوله تعالى :﴿ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ( ٩ )﴾ :
هذه الآية تقتضي أن أعمالهم في كفرهم التي في وجوه البر مقيدة محفوظة. ولا خلاف أن الكافر له حفظة يكتبون سيئاته. واختلف الناس في حسناتهم، فقال قوم هي ملغاة يثابون عليها بنعم الدنيا فقط. وقال قوم هي محصاة من أجل ثواب الدنيا ومن أجل أنه قد يسلم فيضاف ذلك إلى حسناته في الإسلام. وهذا أحد التأويلين في قول النبي صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام : " أسلمت على ما سلف لك من خير " (١) فقوم قالوا معناه أسلمت على بعد ما سلف لك من خير، وهو الذي أشرنا إليه. وقال قوم معناه إسقاط ما سلف لك من خير إذ قد أثبت عليه بنعم دنياك. وذكر الطبري أن أعمالهم التي أخبر الله تعالى في هذه الآية بحبطها هي عبادتهم الأصنام وكفرهم. ومعنى أحبط جعلها من العمل الذي لا يذكر ولا يعتد به فهي لذلك كالذي أحبط (٢).
١ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه بغير هذا اللفظ، كتاب الزكاة، باب: الاستعفاف عن المسألة. راجع فتح الباري ٣/ ٣٣٥، ومسند الحميدي ١/ ٢٥٣..
٢ راجع جامع البيان ٢٦/ ٣٩..
محمد 47:19
– قوله تعالى :﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ :
احتج بهذه الآية من أهل السنة من قال إن العلم والنظر قبل القول، والإقرار في مسألة أول الواجبات. وقد بوب عليه البخاري العلم قبل القول والعمل لقوله عز وجل :﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾. قال النقاش : وفي الآية رد على من زعم أن الأنبياء لا ذنوب لهم وعلى من زعم أن كل معصية كبيرة وعلى كل من زعم أن كل معصية كفر.
محمد 47:30
– قوله تعالى :﴿ولتعرفنهم في لحن القول﴾ :
احتج بهذه الآية من جعل الحد في التعريض بالقذف.
محمد 47:33
– قوله تعالى :﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ :
احتج به قوم في أن التحلل عن التطوع صلاة كان أو صياما بعد التلبس به لا يجوز لأن فيه إبطال العمل. وقال غيرهم المراد بالأمر إبطال ثواب العمل المفروض. قال فإن قيل اللفظ عام للفرض والنفل، قلنا العام مجبور تخصيصه ووجه تخصيصه أن النفل تطوع والتطوع يقتضي تخييرا.
محمد 47:35
– قوله تعالى :﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم﴾ :
وقرأ بعضهم (١) ﴿إلى السلم﴾ والمعنى واحد على المشهور من القول. وقال بعض من كسر السين إنه بمعنى الإسلام أي لا تهنوا وتكونوا داعين إلى الإسلام فقط غير مقاتلين بسببه. والقول المشهور في كسر السين وفتحها أنه بمعنى الصلح. واختلف في الآية على هذا هل هي ناسخة لقوله عز وجل :﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ [الأنفال: ٦١] أم لا ؟ فذهب قوم إلى أنها ناسخة لها، وذهب آخرون إلى أنها ليست بناسخة لها وأنهما محكمتان ثم اختلفوا في الجمع بينهما. فمن الناس من قال قوله تعالى :﴿وإن جنحوا للسلم﴾ (٢) الآية في قوم بأعيانهم وهذه عامة. ومنهم من قال : إنها نزلت في وقتين مختلفي الأحوال وقال قتادة : معنى الآية لا تكونوا أول الطائفتين صدعت للأخرى (٣).
١ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٧٥..
٢ الأنفال: ٦١..
٣ راجع الإيضاح ص ٣٥٩، أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ١٦٣ و٣٧٥، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٦/ ٢٥٦..
الفتح 48:1
– قوله تعالى :﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا ( ١ ) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ الآية :
وقد تقدم الكلام على هذه الآية هل هي ناسخة أم لا بما أغنى عن إعادته هنا (١).
١ راجع الإيضاح ص ٣٦٠..
الفتح 48:16
– قوله تعالى :﴿قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد﴾ الآية :
المراد بها فارس والروم وقيل إنهم بنو حنيفة. وفيه دلالة على صحة إمامة أبي بكر الصديق وعمر رضي الله تعالى عنهما، لأن أبا بكر دعاهم إلى قتال بني حنيفة وعمر دعاهم إلى قتال فارس والروم وألزمهم اتباع طاعة من يدعوهم إليه قوله تعالى :﴿تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا﴾ الآية لأنه تعالى أوعدهم على التخلف عن دعاء من دعاهم إلى ذلك فدل على صحة إمامتهما(١).
١ ذكره الكيا في أحكام القرآن ٤/ ٣٧٧..
الفتح 48:17
– قوله تعالى :﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج﴾ :
عذر الله تعالى في هذه الآية أهل العذر من العرج والعمى والمرض، ورفع الحرج عنهم في كل جهاد إلى يوم الدين إلا أن يحدث حادث في مستقر ما. فالفرض متوجه بحسب الوسع، ومع ارتفاع الحرج إذا حضروا الغزو فأجرهم فيه مضاعف. وقد غزا ابن أم مكتوم وكان يمسك الراية في بعض حروب القادسية رضي الله تعالى عنه وعن سائر الصحابة أجمعين (١).
١ "رضي الله تعالى عنه وعن سائر الصحابة أجمعين" كلام ساقط في (أ)، (ب)، (د)، (هـ)، (و)، (ز)..
الفتح 48:25
– قوله تعالى :﴿والهدي معكوفا أن يبلغ محله﴾ :
المحل مكة. وقيل الحرم (١). وانظر الكلام على ذلك في قوله تعالى :﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: ١٩٦].
قوله تعالى :﴿لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما﴾ :
فيه دلالة على ما قال مالك والشافعي أنه لا تحرق (٢) سفينة الكفار إذا كان فيها أسارى المسلمين. وكذلك الحصن إذا كان فيه أسارى المسلمين. وأبو حنيفة (٣) وأبو يوسف وزفر ومحمد والثوري جوزوا رمي حصون المشركين وإن اشتملت على أسارى وأطفال من المسلمين وزادوا فقالوا : إن تترس الكفار بأطفال المسلمين رمي المشركون وإن أصابوا أحدا من المسلمين في ذلك فلا دية ولا كفارة. وقال الثوري فيه الكفارة ولا دية فيه. ويحتج الشافعي أيضا بقوله :﴿ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات....﴾ الآية. وفيه دلالة على منع رمي الكفار لأجل من فيهم من المسلمين (٤).
١ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٧٨، ٣٧٩..
٢ في (أ)، (ب)، (هـ)، (ز): "لا يخرق"..
٣ "وأبو حنفية" كلمة ساقطة في (أ)..
٤ راجع أحكام القرآن للجصاص، باب: رمي حصون المشركين وفيهم أطفال المسلمين وأسراهم ٥/ ٢٧٣ – ٢٧٦، وكذلك أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٧٩، ٣٨٠..
الحجرات 49:1
– قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله....﴾ إلى قوله :﴿أن تحبط أعمالكم﴾ :
اختلف في سبب نزول هذه الآية، فقيل هو ما كانت العرب تفعله من مشاركة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأداء. فربما كان بعضهم يقول : لم يزل كذا في معنى كذا، ولو فعل الله كذا، وينبغي أن يكون كذا ونحو ذلك، فنزلت الآية. وقيل إن سببها أن وفد بني تميم لما قدم قال أبو بكر الصديق : يا رسول الله لو أمرت القعقاع بن معبد (١) وقال عمر بن الخطاب يا رسول الله : أمر الأقرع بن حابس (٢) فقال له أبو بكر : ما أردت إلا خلافي. فقال عمر : ما أردت خلافك، وارتفعت أصواتهما، فنزلت الآية. وأكثرهم لم يذكر لها سببا (٣) واختلفوا في معنى التقدم في الآية ما هو ؟ فقيل هو من تقديم الولاة، وهذا قول من قصر الآية على سببها من حديث أبي بكر وعمر. وقيل المعنى : لا تذبحوا قبل ذبحه، وهو قول الحسن بن أبي الحسن. وقيل معناه النهي عن صيام يوم الشك. وحكي عن مسروق أنه قال : دخلت عائشة في يوم الشك فقالت للجارية : أسقيه عسلا، فقلت إني صائم. فقالت : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام هذا اليوم وفيه نزلت ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾. وهذا يرد قول من يجيز صيام يوم الشك. وقيل معنى الآية : لا تمشوا بين يدي رسول الله وكذلك بين يدي العلماء فإنهم ورثة الأنبياء، وحكي هذا عن زيد. وقيل معناها لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة، وهو قول ابن عباس. والأحسن في الآية أن تحمل على عمومها في كل ما كان يمكن أن يتمثل فيه رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كل ما يكون فيه امتثال أمره ونهيه وفي كل ما يمكن فيه تعظيمه. ويحتج بهذه الآية في اتباع الشرع من كل ما ورد وصدر وربما احتج به نفاة القياس (٤).
١ القعقاع بن معبد: هو القعقاع بن معبد بن زرارة بن عدس بن زيد، من بني تميم. وكان يقال له تيار الفرات من سخائه. انظر طبقات ابن سعد ٥/ ١٦١..
٢ الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد التميمي. قدم في وفد بني تميم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. استشهد في اليرموك وقيل غير ذلك. انظر الإصابة ١/ ٩١..
٣ راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢٨٨..
٤ راجع أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٧٦، ٢٧٧، أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٠٠ – ١٧٠٣، أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٨١، الجامع لأحكام القرآن ١٦/ ٣٠٠ – ٣٠٥ وأسباب النزول للواحدي ص ٢٨٨..
الحجرات 49:2
– قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ :
اختلف أيضا في سببه. فقيل نزلت بسبب عادة العرب من الجفاء وعلو الصوت والجهر وكان ثابت بن قيس بن شماس ممن في صوته جهارة، فلما نزلت هذه الآية اهتم وخاف على نفسه وجلس في بيته ولم يخرج وهو كئيب حزين، حتى عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فبعث إليه فآنسه وقال له : " امش في الأرض بسطا فإنك من أهل الجنة " وقال له مرة : " أما ترضى أن تعيش حميدا وتموت شهيدا " فعاش كذلك ثم قتل باليمامة يوم مسيلمة. وقيل إن سبب قصة أبي بكر وعمر المتقدمة. وحقيقة معنى الآية الأمر بالتعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم والتوقير وحفظ الصوت بحضرته. وقد كره بعض العلماء رفع الصوت عند قبره عليه الصلاة والسلام وكره بعضهم رفع الصوت في مجالس الفقهاء تشريفا لهم لأنهم ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (١).
١ راجع أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٠٢، التفسير الكبير ٢٨/ ١١٣، أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٧٧، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٦/ ٣٠٣ – ٣٠٦..
الحجرات 49:6
- قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة﴾ :
وسببها أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط (١) إلى بني المصطلق مصدقا. ثم اختلف الرواة في حاله، فقيل إنه كان معاديا لهم فأراد إذايتهم فرجع من بعض طريقه وكذب عليهم وقال النبي صلى الله عليه وسلم إنهم قد منعوني الصدقة وطردوني وارتدوا (٢) فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وهم بغزوهم ونظر في ذلك. وبعث خالد بن الوليد فورد (٣) فوجدهم منكرين لذلك (٤). وقيل إنه لما قرب منهم خرجوا إليه متلقين له فلما رآهم من بعد فزع منهم وظن بهم الشر وانصرف، فقال ما ذكرناه. وقيل إنه لما قرب منهم بلغه عنهم أنهم قالوا لا نعطيه الصدقة فعمل على صحة هذا الخبر وانصرف فقال ما ذكرناه، فنزلت الآية بهذا السبب. والمشار إليه في الآية لفاسق هو الوليد على ما قال جماعة من المفسرين ثم هي باقية فيمن اتصف بهذه الصفة آخر الدهر. والفاسق هو كل من ظهرت جرحته على غير (٥) تأويل منه فيها بشهادة مثل هذا، وروايته غير مقبولة باتفاق. واستثنى الجميع من جملة ذلك ما لا تعلق له بالشهادة ولا بالراوية مثل قول الفاسق : قد أهدى له فلان هذه الهداية ونحو ذلك. قالوا وكذلك (٦) يقبل في مثل هذا خبر الكافر. واستدل بعضهم بهذه الآية على وجوب قبول خبر الواحد إذا كان عدلا لأنه تعالى أمر بالتثبت في نبأ الفاسق. فنبأ (٧) العدل إذا بخلافه على القول بدليل الخطاب وبوجوب العمل بخبر (٨) الواحد (٩). قال مالك والجماهير : وذهبت القدرية ومن تابعهم من أهل الظاهر إلى أن العمل به محرم. وهذا قول فاسد ترده الأصول. وإذا قلنا بقبول خبر الواحد فهل يقبل في ذلك رجل واحد أم لا ؟ فذهب الجمهور إلى أنه يقبل في ذلك الواحد. وذهب الجبائي (١٠) إلى أنه لا يقبل إلا خبر رجلين. وقال قوم لا بد من أربعة. ودليل خطاب الآية التي يدل على قبول خبر الواحد يرد هذين القولين ويصحح القول الأول لأن الذي جاء بالنبأ المذكور في الآية إنما كان واحدا فنهى عن قبوله فدل أن الواحد إذا كان عدلا بخلافه، فيجب إذن على ذلك أن يقبل خبر الواحد بين الأصوليين في مثل هذا الاستدلال خلاف. واستدل بعضهم بالآية أيضا على أن المسلمين على الجرحة حتى تثبت العدالة، وهو قول مالك وأصحابه، وردوا بذلك قول أبي حنيفة ومن تابعه أنهم محمولون على العدالة حتى تثبت الجرحة، قالوا لأن الله تعالى أمر بالتثبت في خبر الفاسق. والمجهول الحال يحتمل أن يكون فاسقا فيجب التثبت أيضا في قوله، فإن حكم الحاكم قبل التثبت فقد أصاب المحكوم عليه بجهالة. فنص الآية أن الفاسق لا تقبل روايته ولا شهادته وقد أجاز أبو حنيفة عقد النكاح بشهادة فاسقين أو محدودين، وكذلك أجاز في الشهادة على الهلال في رمضان شهادتهما، وفي الآية ما يرد ذلك. وقد اختلف في شهادة الفاسق المتأول، مثل أهل الأهواء كالخوارج وغيرهم. ومذهب الشافعي قبولها ومذهب مالك وغيره ردها. وعموم الآية حجة لهم. وكذلك اختلف في شهادة الكفار بعضهم على بعض، فمنعها الجمهور وأجاز أبو حنيفة شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، وشهادتهم على غيرهم من أهل الكفر والآية حجة لقول الجمهور لأن الفاسق إذا لم تقبل شهادته فالكافر أولى لأن الكفر فسق وزيادة.
١ الوليد بن عقبة بن أبي معيط: هو أبو وهب الوليد بن عقبة بن أبي معيط الأموي القرشي. توفي سنة ٦١ هـ/ ٦٨٠م. انظر الإصابة ٣/ ٦٠١..
٢ "وارتدوا" كلمة ساقطة في (ب)..
٣ "فورد" كلمة ساقطة في (أ)، (ب)، (د)، (هـ)..
٤ راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢٩٣..
٥ "غير" كلمة ساقطة في (أ)..
٦ في (ح): "وكيف"..
٧ "فنبأ" كلمة ساقطة في (ب)، (هـ)..
٨ في (أ(، (ز): "بقول"..
٩ راجع التفسير الكبير ٢٨/ ١١٩، وأحكام القرآن للجصاص، باب: حكم خبر الفاسق ٥/ ٢٧٨..
١٠ الجبائي: هو محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي، أبو علي. من أئمة المعتزلة ورئيس علماء الكلام في عصره. توفي ٣٠٣هـ/ ٩١٦م. انظر نفح الطيب للمقريزي ٢/ ٣٤٨..
الحجرات 49:9
– وقوله تعالى :﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما...﴾ إلى قوله تعالى :﴿إن الله يحب المقسطين﴾ :
اختلف في سبب الآية، فقيل سببها ما وقع بين بعض المسلمين وبين المتحزبين منهم مع عبد الله بن أبي بن سلول حين مر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوجه إلى زيارة سعد بن عبادة في مرضه، فقال عبد الله بن أبي لما غشيه حمار رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تغبر علينا، ولقد آذانا نتن حمارك. فرد عليه عبد الله بن رواحة الحديث بحاله، فتلاحى الناس حتى وقع بينهم ضرب بالجريد وقيل بالحديد وهو قول الجمهور (١) وقيل سببها (٢) أن فرقتين من الأنصار وقع بينهما قتال فأصلحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد جهد ونزلت الآية وهو قول الحسن وغيره. وقيل سببها أنه كان بالمدينة امرأة من الأنصار يقال لها أم بدر وكان لها زوج من غيرهم وقع بينهم شيء أوجب أن ثاب لها قومها وله قومه فوقع قتال بينهم فنزلت الآية (٣). وقد أمر الله تعالى في هذه الآية بقتال الفئة الباغية، ومن هذا الباب النهوض في الفتن بين المسلمين وقد اختلف العلماء فيه. فذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز النهوض في شيء منها وأن على الإنسان أن يستسلم إلى القتل وإن أريدت نفسه ولا يدافع عنها واحتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام : " ستكون فتن، القائم فيها خير من القاعد والقاعد فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي، من أشرف لها استشرفته، فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به " (٤) وبأمره عليه الصلاة والسلام بكسر السيوف في الفتن ولزوم البيوت، وبقوله عليه الصلاة والسلام : " قتل المؤمن كفر " (٥) ومن ذهب إلى هذا من الصحابة حذيفة ومحمد بن مسلمة وأبو ذر وسعد بن أبي وقاص وغيرهم. وذهبت طائفة إلى مثل هذا إلا أنهم قالوا إن دخل داخل على بعض من اعتزل الفريقين منزله يريد نفسه فعليه دفعه عن نفسه وإن قتله. روي ذلك عن عبيدة السلماني (٦) وعمران بن حصين (٧) وابن عمر أيضا، واحتجوا بمثل ما تقدم. غير أنهم احتجوا بإباحة الدفع عن أنفسهم بقوله عليه الصلاة والسلام : " من قاتل دون ماله ونفسه فقتل فهو شهيد " (٨). وذهبت طائفة إلى النهوض فيها والأخذ على أيدي الطائفة المخطئة وقصر المصيبة عليها، قالوا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بالأخذ على يد الظالم فقال : " لتأخذن على (٩) يد الظالم تأطروه على الحق إطراء أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم " (١٠) قالوا ولا يصح أن تكون الطائفتان جميعا مصيبتين بل تكون إحداهما مصيبة والأخرى مخطئة فيجب نصر المصيبة. وهذا مروي عن علي وطلحة وعائشة وعمار بن ياسر. وروي عن عمر أنه قال : ما وجدت في نفسي من شيء ما وجدت أني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله تعالى : وقال بعضهم : القول بنصر الطائفة المصيبة أصح لقوله تعالى :﴿فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ وبالآية احتج جماعة من أهل العلم. فهذا نص في وجوب قتال الفئة الباغية، فلا معنى لقول من رأى القعود عن قتالها. وقد احتج بعضهم في ذلك أيضا بقتال أبي بكر رضي الله تعالى عنه مانعي الزكاة. قال : ولو كان ذلك لما أقيم لله تعالى حق ولا أبطل باطل. والكلام في هذه المسألة يتغلغل إلى أكثر من ذلك فلتقف عند هذا على شرطنا في الاختصار. وقال عليه الصلاة والسلام : " حكم الله في الفئة الباغية أن لا يجهز على جريح ولا يطلب هارب ولا يقتل أسير " (١١). وإذا قيل بالنهوض في الفتن ونصر أهل الحق فمع أي طائفة يكون الناهض ؟ أمع السواد الأعظم أو مع علمائهم أو مع من يرى أن الحق معه ؟ في ذلك اختلاف. فذهبت جماعة إلى لزوم السواد الأعظم ورأوا أنه الحق الواجب والفرض الثابت وأن من خالفهم فهم الفئة الباغية. وإلى نحو هذا ذهب ابن مسعود، ومن حجتهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلزوم الجماعة (١٢). وذهب قوم إلى لزوم جماعة العلماء، قالوا : وذلك أن الله تعالى جعلهم حجة على خلقه وإليهم تفزع العامة في دينها وهم تبع لهم وهم المعنيون بقوله : " لن تجتمع أمتي على ضلالة " (١٣). والذي يأتي على فرض القول بقتال الفئة الباغية أن يكون الإنسان في الفتنة مع من يرى أن الحق معه، وعليه يدل ظاهر قوله تعالى :﴿فإن بغت إحداهما على الأخرى﴾ إذ لم يخص كثيرا من قليل ولا العلماء من غيرهم، فإنما اعتبر في ذلك البغي، فحيث اعتقده الإنسان زال عنه وحيث لم يره كان فيه. واختلف العلماء في أهل مكة إذا بغوا على أهل العدل، فذهب بعض الفقهاء (١٤) إلى تحريم قتالهم مع بغيهم وأنه يضيق عليهم حتى يرجعوا عن البغي ويدخلوا في أحكام أهل العدل، فاستثنوا أهل مكة من عموم الآية. والذي عليه أكثر الفقهاء أنهم يقاتلون على بغيهم إذا لم يكن ردهم عن البغي إلا بقتال لأن قتال أهل البغي من حقوق الله تعالى التي لا يجوز أن تضاع، وكونها محفوظة في حرمة أولى من أن تكون مضافة فيه. وحملوا الآية على عمومها في أهل مكة وغيرهم (١٥).
١ راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢٧٤..
٢ "سببها" كلمة ساقطة في (ج)، (ح)..
٣ راجع لباب النقول ص ٧٢٤، وأحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٠٥، وأحكام القرآن للجصاص، باب: قتال أهل البغي ٥/ ٢٧٩..
٤ الحديث: أخرجه أحمد في مسنده عن أبي بكرة ٥/٤٨..
٥ راجع حكم قتل المؤمن في سنن أبي داود، كتاب الفتن، باب: في تعظيم قتل المؤمن ٤/ ٤٦٣. وفي سنن الترمذي، كتاب الديات، باب: ما جاء في تشديد قتل المؤمن ٤/ ١٦..
٦ عبيدة السلماني: هو عبيدة بن عمر السلماني المرادي. تابعي أسلم باليمن أيام فتح مكة ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم. توفي سنة ٧٢هـ/ ٦٩١م. انظر تذكرة الحفاظ للذهبي ١/ ٢٦..
٧ عمران بن حصين: هو عمران بن حصين بن عبيد الخزاعي. من علماء الصحابة أسلم عام خيبر. توفي سنة ٥٢هـ/ ٦٧٢م. انظر تذكرة الحفاظ للذهبي ١/ ٢٨..
٨ الحديث أخرجه الترمذي في سننه عن ابن نفيل، كتاب الديات، باب: ما جاء فيمن قتل دون ماله فهو شهيد ٤/ ٢٨..
٩ "على" كلمة ساقطة في (أ)، (ح)..
١٠ الحديث أخرجه أحمد في مسنده ٥/ ٢٧٤..
١١ الحديث أخرجه أحمد في مسنده ٢/ ١٥١..
١٢ وقد أخرج الإمام أحمد في مسنده قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "الجماعة رحمة والفرقة عذاب" ٤/ ٢٧٨..
١٣ الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الفتن. والترمذي في سننه، كتاب الفتن. والإمام أحمد في مسنده ٨/ ١٤٥..
١٤ في (أ)، (هـ)، (ز): "العلماء"..
١٥ راجع أحكام القرآن للجصاص، باب: قتال أهل البغي ٥/ ٢٧٩، وأحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٠٤ – ١٧٠٨، وأحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٨٢، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٦/ ٣١٥ – ٣٢٢..
الحجرات 49:11
– قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم...﴾ إلى قوله تعالى :﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾ :
ذكر (١) بعضهم لقوله تعالى :﴿لا يسخر قوم من قوم﴾ سببا. فقال : إنها نزلت بسبب عكرمة بن أبي جهل وذلك أنه كان يمشي بالمدينة مسلما فقال له قوم : هذا ابن فرعون هذه الأمة. فعز ذلك عليه وشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (٢). ويسخر : معناه يستهزئ. فأمر الله تعالى في هذه الآية بترك الاستهزاء ودعا إلى مكارم الأخلاق، وكذلك ما بعدها من الآيات إنما هي أمر بمكارم الأخلاق ودعاء إلى حسن الأدب.
– قوله تعالى :﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾ :
اللمز : الطعن على الرجل بذكر نقيصة فيه ونحو ذلك. وقد اختلف في الفرق بين اللمز والهمز. فقيل اللمز بالقول والإشارة ونحوه مما يفهمه الآخر، والهمز لا يكون إلا باللسان. وقيل اللمز ما كان في المشهد والهمز ما كان في المغيب وقيل عكس ذلك (٣).
وقوله تعالى :﴿أنفسكم﴾ معناه لا يلمز بعضكم بعضا، فقد نهى تعالى في هذه الآية أن يعيب أحد أحدا. قال أبو الحسن : وأما من كان معينا بالفجور فتعييبه به جائز(٤).
وقوله تعالى :﴿ولا تنابزوا بالألقاب﴾ :
والتنابز التلقب، والنبز واللقب واحد. وهو ما يعرف به الإنسان من الأسماء التي يكره سماعها. وروي أن سبب هذه الآية أن بني سلمة كانوا قد حدث فيهم الألقاب فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا منهم فقال له : " يا فلان فقيل له إنه يغضب من هذا الاسم، ثم دعاه آخر كذلك، فنزلت الآية (٥). وليس من هذا تعليق أهل الحديث وغيرهم فيما بينهم : قال واصل الأحدب (٦) وقال سليمان الأعمش(٧) : لأن ذلك مما تدعو الضرورة إليه وليس فيه قصد استخفاف وإنما المراد به تعرف الرجل. وقد قيل في الآية وفي سببها غير هذا. فقيل معنى قوله تعالى :﴿ولا تنابزوا بالألقاب﴾ لا يقل أحد لأحد : يا يهودي، بعد إسلامه، ولا يا فاسق، بعد توبته ونحو هذا. وحكي في سببها أن كعب بن مالك وابن أبي حدرد(٨) تلاحيا فقال له كعب : يا أعرابي، يريد أن يبعده عن الهجرة، فقال له الآخر : يا يهودي، يريد لمخالطة الأنصار اليهود في يثرب. فنزلت الآية. ففي سببها إذن قولان وفي معناها قولان (٩).
وقوله تعالى :﴿بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان﴾ :
يحتمل أن يريد بئس الاسم الفسوق الذي تكتسبونه بعصيانكم لأمر الله وتنابزكم فيما بينكم بالألقاب، وذلك الاسم الفسوق لمعصيتكم بعد إيمانكم. ويحتمل أن يريد بئس ما يقوله الرجل لأخيه من : يا فاسق ونحوه. وقد استدل الرماني بهذه الآية لمذهب المعتزلة في أنه لا يجتمع الفسوق والإيمان، وهو استدلال ضعيف. بل ظاهر الآية على أنهما يجتمعان.
وقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم﴾ :
لم يعم تعالى النهي عن جميع الظن لأن من الظن ما يكون خيرا وهو ظن الخير بالناس، وأما الذي نهى عنه فهو ظن الشر، وأكثر العلماء على أن الظن القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز وأنه لا حرج في الظن القبيح بمن ظاهره قبيح.
١ "ذكر" كلمة ساقطة في (ح)، (د)، (هـ)..
٢ وقيل غير ذلك. راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢٧٤، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٦/ ٣٢٤..
٣ راجع الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٦/ ٣٢٧..
٤ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٨٣..
٥ وقيل غير ذلك. راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢٩٥، ولباب النقول ص ٧٢٦..
٦ واصل بن الأحدب: هو واصل بن حيان الأحدب الأسدي الكوفي. روى عن أبي وائل وشريح وعنه سعيد بن الجبير. توفي سنة ١٢٠هـ وقيل غير ذلك. انظر تهذيب التهذيب ١١/ ١٠٣..
٧ سليمان الأعمش: هو سليمان بن مهران الأسدي بالولاء، أبو محمد، الملقب بالأعمش. تابعي مشهور. كان رأسا في العلم والعمل الصالح. توفي سنة ١٤٨هـ/ ٧٦٥م. انظر طبقات ابن سعد ٦/ ٢٣٨..
٨ ابن أبي حدود: هو عبيد الله بن أبي حدود الأسلمي روى عن أبيه. قيل إن أباه له صحبة ويعد من أهل الحجاز. انظر الاستيعاب لابن عبد البر ٤/ ٤١..
٩ راجع أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٨٥ – ٢٨٧، أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٨٣، ٣٨٤، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٦/ ٣٢٧ – ٣٣١..
الحجرات 49:12
-وقوله تعالى :﴿إن بعض الظن إثم﴾ :
قال بعضهم أي كذب ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث " (١) وقال بعضهم إثم مأثم. وقد اختلف في معنى قوله :﴿إن بعض الظن إثم﴾ هل ذلك وإن لم يتكلم بظنه أم إنما هو إذا تكلم به ؟ فذهب بعضهم إلى أن ذلك إنما هو إذا تكلم به، قال لا يقدر على دفع الخواطر التي أشار إليها بقوله عليه الصلاة والسلام : " الحرام سوء الظن " (٢) وجاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : " احترسوا في الناس بسوء الظن " (٣). وذهب بعضهم إلى حمل الآية على ظاهرها من سوء الظن وإن لم يتكلم به وعلى ذلك يأتي قول سلمان : إني لأعد عدان قدري مخافة سوء الظن. وكان أبو العالية (٤) يختم على بقية طعامه مخافة سوء الظن بخادمه. وقال ابن مسعود : الأمانة خير من الخاتم والخاتم خير من سوء الظن. ومن ذلك الحديث المشهور في الرجلين اللذين مرا برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مع إحدى نسائه فدعاهما وأكلمهما بها وقال لهما : " خشيت أن تهلكا " (٥) ونحو ذلك.
وقوله تعالى :﴿ولا تجسسوا﴾ :
معناه لا تبحثوا عن مخبئات أمور الناس. وقد قرئ ولا تحسسوا. واختلف في الفرق بين التحسس والتجسس. فمن الناس من لم يفرق بينهما ورآهما جميعا في الخير والشر، ومنهم من فرق بينهما فقال التجسس في الشر والتحسس في الخير. ومنهم من قال : التجسس ما كان من وراء والتحسس الدخول والاستعلام. وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عنهما جميعا فقال : " ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا " (٦).
وقد قال زيد بن وهب(٧) : قيل لابن مسعود هل لك في الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرا. فقال : إنا نهينا عن التحسس فإن يظهر لنا أمر أخذناه منه(٨).
وقوله تعالى :﴿ولا يغتب بعضكم بعضا﴾ :
المعنى فيه لا يذكر أحد من صاحبه شيء يكرهه وهو فيه. وفي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال : " الغيبة أن يذكر المؤمن بما يكره " قيل يا رسول الله وإن كان حقا ؟ قال : " إذا قلت باطلا فذلك البهتان " (٩) قال القرطبي : وقد قال قوم من السلف إن وصف الرجل غيره بما فيه من الصفة غيبة (١٠). قال معاوية بن قرة (١١) لو مر بك أقطع فقلت ذلك الأقطع كانت منك غيبة. وعن الحسن قال ألا تخافون أن يكون قولنا حميد الطويل غيبة ؟. وكان قتادة يكره أن يقول كعب الأحبار وسلمان الفارسي ولكن كعب المسلم وسلمان الإسلامي. وروي أن امرأة دخلت على عائشة فلما قامت لتخرج أشارت عائشة بيدها إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنها قصيرة، فقال صلى الله عليه وسلم اغتبتها (١٢) وعن أبي هريرة أن رجلا قام عن النبي صلى الله عليه وسلم فرأوا في قيامه عجزا فقالوا يا رسول الله ما أعجز فلانا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أكلتم أخاكم واغتبتموه " (١٣). قال الطبري وإنما يكون ذلك غيبة إذا قاله على وجه الذم والغيبة للمقول فيه وهو له كفارة. وعن مثل هذا ورد النهي. وأما إذا قاله على وجه التعريف والتمييز كقولهم حميد الأرقط والأحنف بن قيس وكذلك النسبة إلى الأمهات كإسماعيل بن علية وأبو عائشة فإن ذلك بعيد في معنى الغيبة (١٤) ويشهد لصحة ما قاله الطبري قوله عليه الصلاة والسلام : " أصدق ذو اليدين " (١٥)يعرفه لطول يديه، وقوله لأنس بن مالك : " يا ذا الأذنين " (١٦) وقد قال عبد الله بن مسعود وتقول أنت ذلك يا أعور، وقد سئل ابن المبارك (١٧) عن الرجل يقول حميد الطويل وسليمان الأعمش وحميد الأعوج ومروان الأصفر فقال إذا أراد صفته ولم يرد غيبته فلا بأس. وسئل ابن مهدي (١٨) عن ذلك فقال مثله قال وربما سمعت شعبة (١٩) يقول ليحيى بن سعيد(٢٠) : يا أحول ما تقول، يا أحول ما ترى. وهذا كله في غيبة أهل الستر من المؤمنين. فأما من جاهر بالكبائر فالجمهور على إجازة اغتيابه دون استحباب لتركه لقوله عليه الصلاة والسلام : " على الفاجر تدعون، اذكروا الفاجر بما فيه حتى يعرف الناس إذا لم يذكروه " (٢١) ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في عيينة بن حصن : " بئس أخو العشيرة " (٢٢). وقد كف جماعة من العلماء عن اغتياب جميع الناس واختاروا ذلك لأنفسهم، منهم ابن المبارك وغيره. وقد سئل ابن وهب عن غيبة النصراني فقال لا لقوله تعالى :﴿وقولوا للناس حسنا﴾ [البقرة: ٨٣] وهو من الناس ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا....﴾ الآية فجعل لهم هذا مثلا. وقد اعترض قوم فيما يفعله أهل الحديث من ذكر الرجل بما فيه فقالوا : كيف استجازوا هذا وهو من الغيبة وقد قال صلى الله عليه وسلم في الطيبين : " لولا غيبتهما لأعلمتكما أيهما أطيب " (٢٣) وأهل الحديث يقولون : فلان أعدل عن فلان، وفلان غير ثقة وفلان كذاب ونحو ذلك. والجواب عن هذا أن الضرورة أباحت ذلك للحاجة في أخذ الحديث عن العدول، فلو لم يذكروا بما فيهم لتسوهل (٢٤) في الأخذ عنهم فالتبس الصحيح بالسقيم ودخل في الشرع فساد عظيم. وكذلك أيضا التجريح، الأكثر على جوازه وأن الحاكم يمكن المشهود عليه من تجريح الشهود. وروى أشهب وابن نافع عن مالك في القوم يشهدون ويعدلون هل يقول القاضي للمشهود عليه دونك فجرح ؟ فقال إن فيها توهينا للشهادة ولا أرى إذا كان عدلا أو عدل عنده أن يفعل ذلك. قال بعض المتأخرين وهذه قولة لم يصحبها عمل. والمشهور الجواز للضرورة إلى ذلك وأن لا يمنع لكونه غيبة وقد قال صلى الله عليه وسلم فيمن استشير في نكاحه : " إنه صعلوك لا مال له " (٢٥) وقال في الآخر : " إنه لا يضع عصاه من عاتقه " (٢٦) ولم يرد بذلك غيبة لما كان مستشارا في النكاح ودعت الضرورة إليه. وقد احتج مسلم لما صنع أهل الحديث في ذكر الناس بأحوالهم بقوله عليه الصلاة والسلام : " أنزلوا الناس منازلهم " (٢٧) : وحاصل هذا كله أن الآية مخصصة. ثم مثل تعالى الغيبة بأكل لحم ابن آدم ميتا لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه، كما أن الحي لا يعلم بغيبته. وعندي أن في هذه الآية دليلا على أنه لا يجوز أكل لحم ابن آدم ميتا (٢٨) لمن اضطر إليه، وهو مذهب أصحاب مالك، خلافا للشافعي ومن أباحه للمضطر، لأنه تعالى ضرب به المثل في تحريم الغيبة ولم يضرب بالميتة سائر الحيوان فدل ذلك أنه في التحريم فوقها.
وقوله تعالى :﴿فكرهتموه﴾ :
قيل معناه معنى الأمر أي فأكرهوه، ودل على ذلك قوله تعالى بعد ذلك :﴿واتقوا الله﴾ وقيل كأنهم إذا قيل لهم :﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا﴾ قالوا فخوطبوا على ذلك، فقيل لهم ﴿فكرهتموه﴾. ويعد هذا الكلام مقدر تقديره فكذلك فاكرهوا الغيبة التي هي نظير ذلك. وعلى هذا العطف قوله تعالى :﴿واتقوا الله﴾.
١ الحديث أخرجه مالك في الموطأ عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، كتاب الجامع، باب: ما جاء في المهاجرة ٢/ ٢٤٤..
٢ الحديث ذكره ابن سعد في طبقاته عن عمر بن الخطاب ٢/ ١٧٧، وأبو نعيم في أخبار أصبهان ٢/ ٢٠٢. وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١/ ١٨٦..
٣ الحديث أخرجه ابن عساكر في تاريخه ١/ ١٦ وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١/ ١٨٦..
٤ "أبو العالية" كلمة ساقطة في (أ)، (ز)..
٥ الحديث أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٧/ ٣٢٢..
٦ أخرجه مالك في الموطأ عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، كتاب الجامع، باب: ما جاء في المهاجرة ٢/ ٢٤٤..
٧ زيد بن وهب: هو أبو سليمان زيد بن وهب الجهني الكوفي. روى عن عمر وعلي وابن مسعود وغيرهم. انظر تهذيب التهذيب ٣/ ٤٢٧..
٨ راجع الجامع لأحكام القرآن ١٦/ ٣٣٣..
٩ الحديث أخرجه الترمذي في سننه عن أبي هريرة، كتاب البر والصلة، باب: ما جاء في الغيبة ٤/ ٣٢٩..
١٠ راجع جامع البيان ٢٦/ ٨٥..
١١ معاوية بن قرة: هو أبو إياس معاوية بن قرة وهو الذي مسح النبي صلى الله عليه وسلم على رأسه. انظر طبقات ابن سعد ١/ ٤٧٠..
١٢ الحديث ذكره البيهقي في شعب الإيمان، باب: في تحريم أعراض الناس ٥/ ٣٠٣، والغزالي في الإحياء ٣/ ٣٤١..
١٣ الحديث ذكره البيهقي في شعب الإيمان، باب: في تحريم أعراض الناس ٥/ ٣٠٤..
١٤ راجع جامع البيان ٢٦/ ٨٥..
١٥ الحديث أخرجه الطبراني في المعجم الصغير عن أبان بن مخلد ١/ ١٠٥..
١٦ الحديث أخرجه الترمذي، كتاب المناقب، باب: مناقب لأنس بن مالك ٥/ ٦٨١..
١٧ ابن المبارك: هو شيخ الإسلام، المجاهد، أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك. توفي سنة ١٨١هـ/ ٧٩٧م، انظر تذكرة الحفاظ للذهبي ١/ ٢٥٣..
١٨ ابن مهدي: هو عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري البصري. فقيه تابعي. توفي سنة ١٩٨هـ/ ٧٦٦م. انظر طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٩١..
١٩ شعبة: هو شعبة بن الحجاج بن ورد الأزدي البصري. من أئمة رجال الحديث حفظا ودراسة وتثبيتا. توفي سنة ١٦٠هـ/ ٧٧٦م. انظر تهذيب التهذيب ٤/ ٣٣٨..
٢٠ يحيى بن سعيد: هو أبو سعيد يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري. قاض من أكابر أهل الحديث. توفي سنة ١٤٣هـ/ ٧٦٠م..
٢١ الحديث أخرجه الطبراني وابن عدي والغزالي في الإحياء ٣/ ١٥٣..
٢٢ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب: ما يجوز من غياب أهل الفساد ٧/ ٨٦..
٢٣ الحديث: لم أقف عليه في كتب الحديث التي وقعت بين يدي..
٢٤ "لتسوهل" كلمة ساقطة في (هـ)..
٢٥ الحديث أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطلاب، باب: المطلقة ثلاثا لا نفقة لها ٢/ ١١١٤..
٢٦ الحديث أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطلاق، باب: المطلقة ثلاثا لا نفقة لها ٢/ ١١١٤..
٢٧ الحديث أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، باب: في رحم الصغير وتوقير الكبير ٧/ ٤٦٢..
٢٨ "لأن الميت... إلى: ميتا" كلام ساقط في (أ)، (هـ)، (ز)..
الحجرات 49:13
– قوله تعالى :﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ :
اختلف في سبب هذه الآية. فقيل غضب الحارث بن هشام وعتاب بن أسيد حين أذن بلال يوم فتح مكة على الكعبة. وقيل قول ثابت بن قيس لرجل لم يفسح عند النبي صلى الله عليه وسلم : يا ابن فلانة. فوبخه على ذلك عليه الصلاة والسلام وقال له : " إنك لا تفضل أحدا إلا في الدين والتقوى " فنزلت الآية (١) ونزل الأمر بالتفسيح في ذلك أيضا وقد سوى الله تعالى في هذه الآية بين الناس وأعلمهم أن الذي يشرف الإنسان إنما هو التقوى وبحسب التفاضل في ذلك يكون التفاضل في الشرف. وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : " نعم الحسب المال والكرم التقوى " (٢) يعني أن المال يستغني به الإنسان في الدنيا عن الناس ويستغني بالتقوى في الآخرة. وفي حديث آخر : من خير الناس يا رسول الله ؟ قال : " آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم وأتقاهم " (٣) والأثر في هذا النحو لا يحصى. وفي الآية دليل واضح على تعلم الأنساب، وقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى تعلمها فقال : " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم " (٤) وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : تعلموا أنسابكم تصلوا أرحامكم ولا تكونوا كنبط السواد إذا سئل أحدهم لمن أنت قال من قرية كذا. وفي هذا كله دليل على ضعف قول من قال إن علم النسب علم لا ينفع وجهالة لا تضر لأن منفعته في صلة الرحم وفي التوارث بينة (٥).
١ راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢٩٥..
٢ الحديث أخرجه أحمد في مسنده ٥/ ١٠. والترمذي في سننه عن سمرة. كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الحجرات ٥/ ٣٩٠..
٣ الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٣/ ٥٢..
٤ الحديث أخرجه الترمذي في سننه، كتاب البر والصلة، باب: ما جاء في تعليم النسب ٤/ ٣٥١..
٥ راجع أحكام القرآن لابن العربي ٤/١٧١٣، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٦/٣٤٠، ٣٤١..
الحجرات 49:14
– قوله تعالى :﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾ :
يحتج بهذه الآية من يفرق بين الإيمان والإسلام، وهو الصحيح، لأن الإسلام أعم من الإيمان، فكل مؤمن مسلما وليس كل مسلم مؤمنا. ومن الناس من يقول : الإسلام والإيمان بمعنى واحد(١) والآية حجة عليه. وقد تقدم الكلام على هذا.
١ قال الفخر الرازي: المؤمن والمسلم واحد عند أهل السنة. راجع التفسير الكبير ٢٨/ ١٤١..
ق 50:39
– قوله تعالى :﴿فاصبر على ما يقولون﴾ :
اختلف في الآية هل هي منسوخة أو محكمة ؟ فقيل هي آية موادعة مختصة بجميع الكفار نسختها آية القتال. وقيل بل هي محكمة نزلت في اليهود وهم أصحاب جزية فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصبر على أذاهم وما يتكلمون به لأنه روي أن اليهود سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء في خلق السموات والأرض فلما أخبرهم قالوا : ثم ماذا يا محمد ؟ قال : " ثم استوى على العرش ". قالوا قد أصبت لو أتممت : ثم استراح.
فغضب النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك غضبا شديدا فنزلت الآية :﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب ( ٣٨ ) فاصبر على ما يقولون﴾ وهذا القول أحسن (١).
-قوله تعالى :﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ( ٣٩ ) ومن الليل فسبحه وأدبار السجود ( ٤٠ )﴾ :
التسبيح في هذه الآية بمعنى الصلاة. وقوله تعالى :﴿قبل طلوع الشمس﴾ اختلف فيها. فقيل يعني الصبح وقيل ركعتي الفجر. واختلف في قوله :﴿وقبل الغروب﴾ فقيل هي العصر. قاله قتادة وغيره، وقيل الظهر والعصر قاله ابن عباس، وقيل الركعتان قبل المغرب. وقد اختلف فيهما، فمن الناس من أجازهما ومنهم من لم يجزهما وهو المشهور من المذهب. وقد قال قتادة : ما أدركت أحدا يصلي الركعتين قبل المغرب إلا أنسا وأبا برزة (٢).
١ راجع الإيضاح ص ٣٦١..
٢ أبا برزة: هو نفلة بن عبيد بن الحارث الأسلمي: أبو برزة. صحابي غلبت عليه كنيته واختلف في اسمه. شهد قتال الأزارقة. توفي سنة ٦٥هـ/ ٦٨٥م. انظر تهذيب التهذيب ١٠/ ٤٤..
ق 50:40
واختلف في قوله ﴿ومن الليل﴾، فقيل هي صلاة العشاءين وقيل العشاء فقط قاله ابن زيد : وقيل صلاة الليل، قاله مجاهد.
واختلف في قوله تعالى :﴿وأدبار السجود﴾ فقيل هي الركعتان قبل المغرب، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، كأنه روعي أدبار صلاة النهار كما روعي أدبار النجوم في صلاة الليل. فقيل هي الركعتان مع الفجر، وقال هذا عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب والشعبي والأوزاعي وغيرهم. وقيل هي الوتر، قاله ابن عباس فيما ذكره عنه بعضهم، وقيل هي صلاة الليل. وهي النوافل إثر الصلوات، قاله ابن زيد وابن عباس أيضا. وهذا القول أظهر على لفظ الآية. قال المهدوي : وقيل إنه منسوخ بالفرائض. وقال بعض العلماء هو مندوب إليه. وقيل هو التسبيح أدبار الصلوات (١).
١ راجع مختلف هذه الأقوال في أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧١٥، ١٧١٦، وفي أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٩٣، وفي أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/٣٨٧، ٣٨٨..
الذاريات 51:17
– قوله تعالى :﴿كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ( ١٧ )﴾ :
اختلف في معنى الآية. فقال أنس بن مالك : المراد بذلك أنهم كانوا يتنفلون بين المغرب والعشاء. وقيل المراد بذلك قيام الليل. واختلف الذين ذهبوا إلى هذا هل كانوا يقومون الأكثر من كل ليلة أم كانوا يقومون أكثر(١) الليالي ويتركون بعضها. فذهب الحسن إلى أنهم كانوا يقومون أكثر الليل لا ينامون منه إلا قليلا. وذهب مجاهد وغيره إلى أنهم كانوا يقومون أكثر الليالي (٢) ويتركون بعضها. والليل على هذا القول في الآية بمعنى الليالي. وبالجملة ففي هذه الآية تفضيل القيام بالليل(٣).
١ في (ح) زيادة: "من"..
٢ "لا ينامون منه.... إلى: الليالي" كلام ساقط في (ب)، (ح)..
٣ راجع نحو ذلك في الجامع لأحكام القرآن ١٧/ ٣٦..
الذاريات 51:18
– قوله تعالى :﴿وبالأسحار هم يستغفرون ( ١٨ )﴾ :
اختلف في معنى الاستغفار. فقيل الصلاة، وقيل طلب المغفرة. وفي الآية دليل على أن السحر مظنة الاستغفار. وعلى هذا جاء حديث النزول وروي أن أبواب الجنة تفتح سحر كل يوم. وفي قصة يعقوب عليه السلام في قوله :﴿سوف أستغفر لكم ربي﴾ [يوسف: ٩٨] قال الآخر الاستغفار إلى السحر. وقال ابن زيد : السحر السدس الأخير من الليل (١).
١ راجع التفسير الكبير ٢٨/ ٢٠٣ – ٢٠٥، والجامع لأحكام القرآن ٤/ ٣٨ و ١٧/ ٣٧، ٣٨..
الذاريات 51:19
– وقوله تعالى :﴿وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ( ١٩ )﴾ :
اختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة ؟ فذهب قوم إلى أنها موجبة في المال شيئا غير الزكاة. وذهب قوم إلى أن ذلك منسوخ بالزكاة المفروضة. وهذا ضعيف لأنه تعالى لم يشرع بمكة قبل الهجرة شيئا في الأموال. وقيل هي محكمة(١). واختلف الذاهبون إلى ذلك. فقال منذر بن سعيد (٢) هي الزكاة المفروضة. وهذا ضعيف لأن السورة مكية ولم تفرض الزكاة إلا بالمدينة. وقيل هي شيء غير الزكاة لكن ذلك على وجه الندب لا على الإيجاب. وهذا أحسن الأقوال. واختلف في المحروم، قيل هو المحارب الذي ليس له في الإسلام سهم مال فهو ذو الحرفة، وهو قول ابن عباس. وقيل الذي ليس له مال وهذا أيضا يروى عن ابن عباس. وقد قال أبو قلابة : جاء سائل باليمامة فذهب بمال رجل. فقال رجل من أصحاب محمد هذا المحروم. وقيل هو الذي أجيحت ثمرته، قاله ابن زيد. وقيل هو الذي ماتت ماشيته. وقيل الذي لا يسأل الناس، قاله محمد بن الحنفية. وقيل هو الذي لا ينمو له شيء، قاله عكرمة. وقيل المحروم الفقير الذي يخرج في الناس وهو متعفف وروي أيضا عن ابن عباس. وقيل المحروم الكلب، قاله عمر بن عبد العزيز. وهذه الأقوال كلها ترجع إلى معنى واحد من العدم والاحتياج. وبعض الناس يسوقونها على أنها اختلاف وليس بصحيح. وإنما ساق العلماء كل قول من ذلك على جهة المثال للمعنى العام المراد بالآية (٣).
١ راجع الإيضاح ص ٣٦٢..
٢ ونسبه القرطبي إلى محمد بن سيرين وقتادة. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٧/ ٣٨. منذر بن سعيد بن عبد الله بن عبد الرحمن البلوطي، من فحص البلوط بالأندلس. مفسر وفقيه له تآليف عديدة منها: أحكام القرآن، كتاب الناسخ والمنسوخ. توفي سنة ٣٥٥هـ/ ٩٦٦م. انظر طبقات المفسرين للداودي ٢/ ٣٣٦..
٣ راجع نحو ذلك في أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٩٤ – ٢٩٦، وفي الجامع لأحكام القرآن ١٧/ ٣٨، ٣٩..
الذاريات 51:54
– قوله تعالى :﴿فتول عنهم فما أنت بملوم ( ٥٤ )﴾ :
ذكر بعضهم عن الضحاك أنها منسوخة بآية الجهاد. وذكر بعضهم عنه أنها منسوخة بالإقبال عليهم والموعظة لهم. قال تعالى :﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ [المائدة: ٦٧]. وقد يحتمل أن يكون معنى قوله تعالى :﴿فتول عنهم﴾ أي عند شدة الحرص عليهم وحسرة النفس لبقائهم على الكفر، ثم أمرهم بالتذكير مع ذلك، فلا يكون في الآية نسخ. وقال قتادة : بلغنا أنها لما نزلت :﴿فتول عنهم فما أنت بملوم ( ٥٤ )﴾ اغتم المسلمون وخافوا نزول العذاب حتى نزلت :﴿فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ (١) [الذاريات: ٥٥].
١ القلم: ٤٦..
الطور 52:40
– قوله تعالى :﴿أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون ( ٤٠ )﴾ :
وهذه الآية أيضا في سورة القلم (١) المعنى : أم تسألهم يا محمد على ما آتيتهم به من الإيمان أجرة يثقل عليهم غرمها، فهم لأجل ذلك الذي صرفت عليهم من الغرم يكرهون الدخول في دينك لأجل الغرامة التي تلزمهم. وظاهر هذه الآية أن لو ألزمهم غرم شيء لكان عذرا لهم في أن لا يدخلوا في الدين، وما يكون كذلك فيحرم وضعه عليهم. وفي هذا دليل على أن المغارم التي كان يضعها الولاة قديما لا يجوز أن يلزموه وهم كارهون، كهذا المغرم الموضوع ببلادنا على الناس لا يجوز أن يلزموه وهم كارهون. وقد أجازه بعض الأصوليين وركب فيه طريق المصلحة، وذلك إذا لم يكن للجنود ما يغنيهم من غير ذلك، وترك ظواهر الشرع لأجل ذلك الأصل. والمصلحة أصل بين أهل العلم لا خلاف في مراعاته.
١ راجع الإيضاح ص ٣٦٢..
الطور 52:45
– قوله تعالى :﴿فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون ( ٤٥ )﴾ :
هي آية موادعة نسخت بآية القتال.
الطور 52:48
قوله تعالى :﴿وسبح بحمد ربك حين تقوم ( ٤٨ ) ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم ( ٤٩ )﴾ :
اختلف في تأويل هذه الآية، فقيل المراد بها الصلوات المفروضة (١) وهو قول الضحاك وابن زيد، فيكون قوله تعالى :﴿حين تقوم﴾ يراد به صلاة الظهر والعصر، أي حين تقوم من نوم القائلة. ﴿ومن الليل﴾ المغرب والعشاء. ﴿وإدبار النجوم﴾ الصبح. وقيل المراد بها صلوات (٢) النوافل، وهو قول عمر وعلي والحسن وغيرهم، فيكون المراد بإدبار النجوم على هذا ركعتي الفجر. وقيل المراد بها التسبيح المعروف، فيكون قوله تعالى :﴿حين تقوم﴾ مثالا، أي حين تقوم وحين تقعد وفي كل تصرفك (٣). وقيل المراد بالآية التسبيح في إدبار الصلوات خاصة. فهذه أربعة أقوال في جملة الآية. وفيها قول خامس : وهو أن يقول بعد التكبير في الصلاة قبل القراءة : " سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ". ورأى بعض القائلين بذلك أنه فرض وحمل الأمر به في الآية على الوجوب. ورأى بعضهم أنه مندوب إليه، وقد روي ذلك عن مالك. والآية على هذا القول على جهة الندب. ورآه بعضهم جائزا لا فرضا ولا ندبا، وهي رواية عن مالك. فالأمر على هذا في الآية على جهة الإباحة. وقد أنكر مالك هذا التأويل في الآية فلم يجزه، وهو المشهور في المذهب. وفيه قول سادس : أن المراد بالقيام في الآية القيام إلى الصلاة خاصة، وهو قول محمد بن كعب والضحاك. قال الضحاك : يقول : الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا سبحان الله بكرة وأصيلا. وقد ذكر عن الضحاك غير ذلك. فعلى هذا يكون التسبيح إذا قام الرجل إلى الصلاة قبل تكبيرة الإحرام، وإلى هذا ذهب ابن حبيب، فقال : يسبح قبل تكبيرة الإحرام. وفيه قول سابع : أن المراد بالقيام القيام من المنام، قاله أبو الجوزاء (٤). وفيه قول ثامن : أن المراد به القيام من المجلس، قاله سفيان الثوري، قال : فيقول حين يقوم من مجلسه : سبحان الله وبحمده. وذكر عن بعضهم أن الآية منسوخة بالصلوات الخمس، وهذا – والله تعالى أعلم – على قول من يرى الآية في صلاة النافلة ويراها مقتضية للوجوب (٥).
١ في (ج)، (ح)، (د)، (و): "المفروضات"..
٢ في (أ) (ز): "صلاة"..
٣ "وقيل المراد بها التسبيح... إلى: تصرفك" كلام ساقط في (أ)..
٤ أبو الجوزاء: هو أبو الجوزاء أوس. حضر فتنة ابن الأشعث حين قاتل الحجاج بن يوسف. انظر طبقات ابن سعد ٧/١٦٣..
٥ راجع ذلك في أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٩٦، وفي التفسير الكبير ٢٨/ ٢٧٥، وفي أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٢٠ – ١٧٢٢، وفي الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٧/ ٧٨ – ٨٠..
الطور 52:49
قوله تعالى :﴿وسبح بحمد ربك حين تقوم ( ٤٨ ) ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم ( ٤٩ )﴾ :
اختلف في تأويل هذه الآية، فقيل المراد بها الصلوات المفروضة (١) وهو قول الضحاك وابن زيد، فيكون قوله تعالى :﴿حين تقوم﴾ يراد به صلاة الظهر والعصر، أي حين تقوم من نوم القائلة. ﴿ومن الليل﴾ المغرب والعشاء. ﴿وإدبار النجوم﴾ الصبح. وقيل المراد بها صلوات (٢) النوافل، وهو قول عمر وعلي والحسن وغيرهم، فيكون المراد بإدبار النجوم على هذا ركعتي الفجر. وقيل المراد بها التسبيح المعروف، فيكون قوله تعالى :﴿حين تقوم﴾ مثالا، أي حين تقوم وحين تقعد وفي كل تصرفك (٣). وقيل المراد بالآية التسبيح في إدبار الصلوات خاصة. فهذه أربعة أقوال في جملة الآية. وفيها قول خامس : وهو أن يقول بعد التكبير في الصلاة قبل القراءة :" سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ". ورأى بعض القائلين بذلك أنه فرض وحمل الأمر به في الآية على الوجوب. ورأى بعضهم أنه مندوب إليه، وقد روي ذلك عن مالك. والآية على هذا القول على جهة الندب. ورآه بعضهم جائزا لا فرضا ولا ندبا، وهي رواية عن مالك. فالأمر على هذا في الآية على جهة الإباحة. وقد أنكر مالك هذا التأويل في الآية فلم يجزه، وهو المشهور في المذهب. وفيه قول سادس : أن المراد بالقيام في الآية القيام إلى الصلاة خاصة، وهو قول محمد بن كعب والضحاك. قال الضحاك : يقول : الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا سبحان الله بكرة وأصيلا. وقد ذكر عن الضحاك غير ذلك. فعلى هذا يكون التسبيح إذا قام الرجل إلى الصلاة قبل تكبيرة الإحرام، وإلى هذا ذهب ابن حبيب، فقال : يسبح قبل تكبيرة الإحرام. وفيه قول سابع : أن المراد بالقيام القيام من المنام، قاله أبو الجوزاء (٤). وفيه قول ثامن : أن المراد به القيام من المجلس، قاله سفيان الثوري، قال : فيقول حين يقوم من مجلسه : سبحان الله وبحمده. وذكر عن بعضهم أن الآية منسوخة بالصلوات الخمس، وهذا – والله تعالى أعلم – على قول من يرى الآية في صلاة النافلة ويراها مقتضية للوجوب (٥).
١ في (ج)، (ح)، (د)، (و): "المفروضات"..
٢ في (أ) (ز): "صلاة"..
٣ "وقيل المراد بها التسبيح... إلى: تصرفك" كلام ساقط في (أ)..
٤ أبو الجوزاء: هو أبو الجوزاء أوس. حضر فتنة ابن الأشعث حين قاتل الحجاج بن يوسف. انظر طبقات ابن سعد ٧/١٦٣..
٥ راجع ذلك في أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٩٦، وفي التفسير الكبير ٢٨/ ٢٧٥، وفي أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٢٠ – ١٧٢٢، وفي الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٧/ ٧٨ – ٨٠..
النجم 53:3
– قوله تعالى :﴿وما ينطق عن الهوى ( ٣ )﴾ الآية :
يحتج بها من لم يجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم الاجتهاد في الحوادث (١).
١ ذكره أيضا الكيا الهراسي في أحكام القرآن ٤/ ٣٩٣..
النجم 53:28
– قوله تعالى :﴿إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ :
احتج بها بعض المبطلين للقياس بهذه الآية، ولا حجة لهم لأنها إنما هي في الظن الذي يكون عن غير علم. وأما الظن الذي يكون(١) عن علم فلم يعبه الله تعالى، ألا تراه قال (٢) قبل ذلك :﴿وما لهم به من علم﴾.
١ في (ز): "هو"..
٢ "قال" كلمة ساقطة في (ح)..
النجم 53:29
– قوله تعالى :﴿فأعرض عن من تولى عن ذكرنا...﴾ :
في هذه الآية موادعة وهي منسوخة بآية السيف.
النجم 53:32
– وقوله تعالى :﴿إلا اللمم﴾ :
يحتمل أن يراد به الصغائر المغفورة عند اجتناب الكبائر، وعلى هذا يأتي ما روي عن أبي هريرة أنه قال : هو النظرة والغمزة والقبلة والمباشرة. وقيل : هو أن يصيب الذنب ثم يتوب منه، وعلى هذا يأتي قول عبد الله بن عمرو بن العاص أنه ما دون الشرك. وروي عن أبي هريرة أنه قال : اللمم : الجماع والشرب والسرقة ثم يتوب فاعل ذلك فلا يعود. ورجح هذا القول إسماعيل القاضي. وقيل : اللمم : مقاربة الشيء من غير دخول فيه. وقيل : اللمم ما كان يفعل في الجاهلية مثل قوله تعالى :﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ [النساء: ٢٣] وقال بعضهم المعنى : يجتنبون كبائر الإثم والفواحش واللمم. قال إسماعيل : وهو قول فاسد لقوله تعالى :﴿إن ربك واسع المغفرة﴾ [النجم: ٣٢]، وإذا اجتنبوا اللمم فأي شيء يغفر. وهذا القول أيضا يضعف من غير الوجه المذكور وهو أن معنى الاستثناء يبطل به(١).
١ راجع أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٩٨، والتفسير الكبير ٢٩/ ٨، والجامع لأحكام القرآن ١٧/ ١٠٦ – ١٠٨..
النجم 53:39
– قوله تعالى :﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ( ٣٩ )﴾ :
اختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة ؟ فذهب ابن عباس إلى أنها موجبة أن لا ينتفع الإنسان إلا بعمله خاصة، وأنها منسوخة بقوله تعالى :﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾ [الطور: ٢١] فأخبر أنه أدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء. وهذا قول ضعيف لأن الآية خبر، وأيضا بأنها من شريعة غيرنا. وقيل هي محكمة (١). واختلف الذاهبون إلى ذلك في تأويلها، منهم من رآها في شريعة غيرنا فلم يلزمها في شريعتنا. روي عن عكرمة أنه قال : كان هذا الحكم في قوم إبراهيم وموسى، وأما هذه الأمة فلها سعي غيرها. ومنهم من قال الإنسان المذكور في الآية هو الكافر وأما المؤمن فله سعيه وما سعى له غيره، وهو قول الربيع بن أنس. وقيل الآية محكمة في شريعتنا وفي المؤمنين وليس للإنسان حقيقة إلا سعيه. وأما ما ثم من رحمة لسعي غيره من شفاعة أو رعاية أب صالح أو ابن أو عمل صالح قد عمله له غيره ونحو ذلك فليس هو للإنسان إلا على تجوز. فالآية إنما جاءت على إثبات الحقيقة. وهذا أصح ما يقال في الآية محكمة وعلى ظاهرها ولا ينفع أحدا عمل أحد ولا ينتفع الإنسان إلا بعمله، فلهذا الاختلاف الذي قدمناه اختلف في العمل بالبدن أو المال عن الإنسان بعد موته. فلم يره من حمل الآية على ظاهرها. قال المهدوي : وهو قول مالك. وكره مكي ولم ينسبه، ورآه من لم يحملها على ظاهرها وتأولها أو رآها منسوخة، ومن حجته أيضا حديث سعد بن عبادة في النذر الذي كان على أمه، وما جاء عن عائشة من أنها اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن وأعتقت عنه، وحديث المرأة من خثعم (٢) وحديث الصيام في قوله عليه الصلاة والسلام : " من مات صام عنه وليه " (٣) ونحو ذلك من الأحاديث الجائية. وقد ذكر البخاري عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا لامرأة جعلت أمها على نفسها صلاة بقيا : تصلي عليها. وقد جاء عنهما غير ذلك(٤). وأما النذر الذي كان على أم سعد فقيل كان صوما وقيل عتقا وقيل صدقة وقيل نذرا مطلقا. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء (٥). وفرق بعضهم دين العمل بالبدن كالصيام والحج، والعمل بالمال كالصدقة والعتق. فلم يجيزوا العمل بالبدن وأجازوه في المال وأجمعوا على أنه لا يؤمن أحد على أحد ولا يصلي أحد على أحد، فليس للإنسان من ذلك إلا سعيه. كذا ذكروا أنهم أجمعوا في الصلاة، وقد جاء فيه ما ذكرناه عن ابن عباس وغيره. وكذلك ذكره الباجي وغيره أنهم أجمعوا على أن صدقة الحي عن الميت جائزة (٦) وذكر أهل التفسير فيها الخلاف المتقدم عن مالك وغيره حسبما قدمته. واختلف في الوصية بالحج الفرض فأجازها مالك ولم يجزه غيره لظاهر الآية، وهذا قول ابن كنانة (٧) من أصحاب مالك. ومالك يرى أنه إذا أوصى بذلك فهو من سعيه. وذكر بعضهم أنه إنما نفذت وصيته بذلك لما جاء في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ومراعاة الاختلاف فيه. واختلف من ذهب إلى تنفيذ الوصية بالحج فيمن عليه نذر مشي فأوصى به. فالمشهور في المذهب أنها لا تنفذ وصيته ويهدى عنه في المشي هديان. وقيل يهدى عنه من الهدايا بقدر الكراء والنفقة. وسحنون يرى أن تنفيذ وصيته بالمشي النذر كما تنفذ بالحج. وقد استحب مالك بمن وعد أباه أن يمشي عنه أن يفي بما وعده من ذلك. وأما الوصية بالصيام فلا، قال : وفي المذهب أنه لا تنفيل، لكنه يطعم عنه عن كل يوم مدا لكل مسكين. وإن قرأ رجل ووهب ثواب قراءته لميت جاز ذلك ووصل للميت أجره ونفعه. وكذلك اختلف في الرجل يستأجر من يحج عنه تطوعا على قولين. وللشافعي في أحد قوليه أنه لا يجوز، وقاله ابن المنذر واحتج بقوله تعالى :﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ( ٣٩ )﴾. والمسائل في هذا النوع تكثر (٨).
١ راجع الإيضاح ص ٣٦٥، ٣٦٦..
٢ روى مالك عن ابن عباس قال: كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر. فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: "نعم". وذلك في حجة الوداع. راجع الموطأ، كتاب الحج، باب: الحج عمن يحج عنه ١/ ٢٤٣..
٣ الحديث أخرجه البخاري عن عائشة، كتاب الصوم، باب: من مات وعليه صوم ٢/ ٢٤٠..
٤ راجع صحيح البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب: من مات وعليه نذر ٧/ ٢٣٣..
٥ الحديث: راجع الموطأ، كتاب الأقضية، باب: صدقة الحي عن الميت ٢/ ١٢٤. والمنتقى للباجي، كتاب الأقضية، باب: صدقة الحي عن الميت ٦/ ١٤٤..
٦ راجع المنتقى للباجي، كتاب الأقضية، باب: صدقة الحي على الميت ٦/ ١٤٤..
٧ ابن كنانة: هو عبد الله بن كنانة بن عباس بن مرداس السلمي. روى عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لأمته عشية عرفة. انظر تهذيب التهذيب ٨/ ٤٤٩..
٨ راجع تفاصيل ذلك في الجامع لأحكام القرآن ١٧/ ١١٤، ١١٥..
القمر 54:6
– قوله تعالى :﴿فتول عنهم﴾ :
يحتمل أن يريد بذلك معنى لا تذهب نفسك عليهم حسرات، فتكون الآية محكمة. ويحتمل أن يريد بذلك الكف عن مجاهدتهم، فتكون الآية منسوخة بآية السيف.
القمر 54:28
– قوله تعالى :﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر ( ٢٨ )﴾ :
يدل على جواز القسمة في الماء.
الرحمن 55:68
– قوله تعالى :﴿فيها فاكهة ونخل ورمان ( ٦٨ )﴾ :
يحتج بها من يخرج الرمان والنخل من مطلق اسم الفاكهة لأن الشيء لا يعطف على نفسه إنما يعطف على غيره. هذا ظاهر الكلام. والشافعي رحمه الله تعالى يقول هو كقوله تعالى :﴿من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال...﴾ (١) الآية [البقرة: ٩٨].
١ راجع نحوه في أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٤٩٧..
الواقعة 56:78
– قوله تعالى :﴿في كتاب مكنون ( ٧٨ ) لا يمسه إلا المطهرون ( ٧٩ )﴾ :
اختلف في الكتاب ما هو، فقيل : الكتاب الذي في السماء، قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل التوراة والإنجيل، قاله عكرمة (١). فالمراد بالآية على هذا في الكتب المنزلة. وقيل هو مصاحف المسلمين ولم يكن يوم نزلت الآية، ولكن الآية على هذا إخبار بغيب. وهو أحسن. واختلف في المطهرين. فمن قال في الكتاب إنه الذي في السماء، قال : هم الملائكة. قال قتادة : فأما ما عندكم فقد يمسه المشرك النجس والمنافق. وقال الطبري : المطهرون الملائكة والأنبياء ومن لا ذنب له (٢) وليس في الآية على هذا القول حكم مس المصحف لسائر بني آدم، ومن قال إنها مصاحف المسلمين قال : إن قوله :﴿لا يمسه إلا المطهرون ( ٧٩ )﴾ إخبار معناه النهي بأن لا يمس المصحف إلا طاهر. وهو أظهر الأقوال، ولا أعلم خلافا في أنه لا يجوز أن يمسه كافر، ولذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (٣). واختلف في الجنب والمحدث غير الجنب، فلم يجز لهما مالك أن يمساه ولا أن يحملاه بعلاقة ولا وسادة، وحجته ظاهر الآية وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم (٤) أن لا يمس القرآن إلا طاهر (٥) وقد احتج مالك في الموطأ بالآية على المسألة، ثم ذكر بعد ذلك أن المطهرين الملائكة (٦). وفي ذلك من قوله نظر. فيحتمل أن يكون ذكر الآية لأن غيره قد احتج بها في ذلك ثم ذكر هو تأويله فيها. ويحتمل أن يكون ذكرها لقياس بنو آدم على الملائكة في أنه يجب أن لا يمسه بنو آدم إلا وهم طاهرون كالملائكة المطهرين. وجوز داود وأحمد والحكم مسه لهما ويحتجون بأن المراد بالآية الملائكة. ورخص بعضهم في مسه بالحدث الأصغر دون الأكبر. ولم يجز أبو حنيفة مسه لهما وأجاز حمله لهما في غلاف أو بعلاقة. وهذه الأقوال كلها ضعيفة تردها الظواهر المذكورة قبل. وكذلك اختلف في الحائض هل تمس المصحف أم لا ؟ وعندنا أنها لا تمسه لظاهر الآية. وأما المعلم والصبيان(٧) فيجوز لهم مس المصحف وإن كانوا محدثين، للمشقة الداخلة عليهم في ذلك، فهم لذلك مخصصون من عموم الآية. واختلف أيضا في قراءة الجنب القرآن ظاهرا فأجازه داود جملة ولم يجزه (٨) أبو حنيفة والشافعي جملة، وأجازه مالك في اليسير ولم يجزه في الكثير. ومن حجة من أجاز أنه تعالى إنما قال :﴿لا يمسه﴾، ومن قرأه ظاهرا لا يقال إنه يمسه. ومن حجة من لم يجزه المفهوم من الآية وهو التعظيم في القرآن، فإذا كان كذلك فقراءته ظاهرا أو نظرا في ذلك سواء. ومن فرق بين اليسير والكثير فاستحسان للضرورة، وقد قال عليه الصلاة والسلام : " أنا آكل وأشرب جنبا ولا أقرأ وأنا جنب " (٩). واختلف أيضا في قراءة القرآن ظاهرا للحائض أو النفساء. فعن مالك فيه روايتان : الجواز والمنع. وفرق بعضهم بين اليسير والكثير. والكلام في ذلك كالكلام فيما قبله.
١ راجع الجامع لأحكام القرآن ١٧/٢٢٤..
٢ راجع جامع البيان ٢٧/ ١١٨، وأحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٢٥، ١٧٢٦، وأحكام القرآن للجصاص ٥/ ٣٠٠..
٣ منها ما رواه مسلم عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. راجع صحيح مسلم، كتاب الأمارة، باب: نهي المسافر بالمصحف إلى أرض الكفار ٦/ ٣٠..
٤ عمرو بن حزم: هو عمرو بن حزم بن زيد الأنصاري، أبو الضحاك. صحابي شهد الخندق وما بعدها. توفي سنة ٥٣هـ/ ٦٧٣م. انظر الإصابة ٢/ ٥٢٤..
٥ والحديث ذكره مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم في الموطأ، كتاب الصلاة، باب: الأمر بالوضوء لمن مس القرآن ١/ ١٣٥..
٦ قال مالك: ولا يحمل أحد المصحف بعلاقته، ولا على وسادة إلا وهو طاهر... قال مالك: أحسن ما سمعت في هذه الآية: ﴿لا يمسه إلا المطهرون(٧٩)﴾ إنما هي بمنزلة هذه الآية التي في عبس وتولى قول الله تبارك وتعالى: ﴿كلا إنها تذكرة (١١) فمن شاء ذكره (١٢) في صحف مكرمة (١٣) مرفوعة مطهرة (١٤) بأيدي سفرة (١٥) كرام بررة (١٦)﴾. راجع الموطأ، كتاب الصلاة، باب: الأمر بالوضوء لمن مس القرآن ١/ ١٣٥..
٧ في (أ)، (ز): "والصبي"..
٨ في (أ)، (ز): "ومنعه"..
٩ الحديث أخرجه أحمد في مسنده ٢/ ٢٣٥..
الواقعة 56:79
– قوله تعالى :﴿في كتاب مكنون ( ٧٨ ) لا يمسه إلا المطهرون ( ٧٩ )﴾ :
اختلف في الكتاب ما هو، فقيل : الكتاب الذي في السماء، قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل التوراة والإنجيل، قاله عكرمة (١). فالمراد بالآية على هذا في الكتب المنزلة. وقيل هو مصاحف المسلمين ولم يكن يوم نزلت الآية، ولكن الآية على هذا إخبار بغيب. وهو أحسن. واختلف في المطهرين. فمن قال في الكتاب إنه الذي في السماء، قال : هم الملائكة. قال قتادة : فأما ما عندكم فقد يمسه المشرك النجس والمنافق. وقال الطبري : المطهرون الملائكة والأنبياء ومن لا ذنب له (٢) وليس في الآية على هذا القول حكم مس المصحف لسائر بني آدم، ومن قال إنها مصاحف المسلمين قال : إن قوله :﴿لا يمسه إلا المطهرون ( ٧٩ )﴾ إخبار معناه النهي بأن لا يمس المصحف إلا طاهر. وهو أظهر الأقوال، ولا أعلم خلافا في أنه لا يجوز أن يمسه كافر، ولذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (٣). واختلف في الجنب والمحدث غير الجنب، فلم يجز لهما مالك أن يمساه ولا أن يحملاه بعلاقة ولا وسادة، وحجته ظاهر الآية وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم (٤) أن لا يمس القرآن إلا طاهر (٥) وقد احتج مالك في الموطأ بالآية على المسألة، ثم ذكر بعد ذلك أن المطهرين الملائكة (٦). وفي ذلك من قوله نظر. فيحتمل أن يكون ذكر الآية لأن غيره قد احتج بها في ذلك ثم ذكر هو تأويله فيها. ويحتمل أن يكون ذكرها لقياس بنو آدم على الملائكة في أنه يجب أن لا يمسه بنو آدم إلا وهم طاهرون كالملائكة المطهرين. وجوز داود وأحمد والحكم مسه لهما ويحتجون بأن المراد بالآية الملائكة. ورخص بعضهم في مسه بالحدث الأصغر دون الأكبر. ولم يجز أبو حنيفة مسه لهما وأجاز حمله لهما في غلاف أو بعلاقة. وهذه الأقوال كلها ضعيفة تردها الظواهر المذكورة قبل. وكذلك اختلف في الحائض هل تمس المصحف أم لا ؟ وعندنا أنها لا تمسه لظاهر الآية. وأما المعلم والصبيان(٧) فيجوز لهم مس المصحف وإن كانوا محدثين، للمشقة الداخلة عليهم في ذلك، فهم لذلك مخصصون من عموم الآية. واختلف أيضا في قراءة الجنب القرآن ظاهرا فأجازه داود جملة ولم يجزه (٨) أبو حنيفة والشافعي جملة، وأجازه مالك في اليسير ولم يجزه في الكثير. ومن حجة من أجاز أنه تعالى إنما قال :﴿لا يمسه﴾، ومن قرأه ظاهرا لا يقال إنه يمسه. ومن حجة من لم يجزه المفهوم من الآية وهو التعظيم في القرآن، فإذا كان كذلك فقراءته ظاهرا أو نظرا في ذلك سواء. ومن فرق بين اليسير والكثير فاستحسان للضرورة، وقد قال عليه الصلاة والسلام :" أنا آكل وأشرب جنبا ولا أقرأ وأنا جنب " (٩). واختلف أيضا في قراءة القرآن ظاهرا للحائض أو النفساء. فعن مالك فيه روايتان : الجواز والمنع. وفرق بعضهم بين اليسير والكثير. والكلام في ذلك كالكلام فيما قبله.
١ راجع الجامع لأحكام القرآن ١٧/٢٢٤..
٢ راجع جامع البيان ٢٧/ ١١٨، وأحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٢٥، ١٧٢٦، وأحكام القرآن للجصاص ٥/ ٣٠٠..
٣ منها ما رواه مسلم عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. راجع صحيح مسلم، كتاب الأمارة، باب: نهي المسافر بالمصحف إلى أرض الكفار ٦/ ٣٠..
٤ عمرو بن حزم: هو عمرو بن حزم بن زيد الأنصاري، أبو الضحاك. صحابي شهد الخندق وما بعدها. توفي سنة ٥٣هـ/ ٦٧٣م. انظر الإصابة ٢/ ٥٢٤..
٥ والحديث ذكره مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم في الموطأ، كتاب الصلاة، باب: الأمر بالوضوء لمن مس القرآن ١/ ١٣٥..
٦ قال مالك: ولا يحمل أحد المصحف بعلاقته، ولا على وسادة إلا وهو طاهر... قال مالك: أحسن ما سمعت في هذه الآية: ﴿لا يمسه إلا المطهرون(٧٩)﴾ إنما هي بمنزلة هذه الآية التي في عبس وتولى قول الله تبارك وتعالى: ﴿كلا إنها تذكرة (١١) فمن شاء ذكره (١٢) في صحف مكرمة (١٣) مرفوعة مطهرة (١٤) بأيدي سفرة (١٥) كرام بررة (١٦)﴾. راجع الموطأ، كتاب الصلاة، باب: الأمر بالوضوء لمن مس القرآن ١/ ١٣٥..
٧ في (أ)، (ز): "والصبي"..
٨ في (أ)، (ز): "ومنعه"..
٩ الحديث أخرجه أحمد في مسنده ٢/ ٢٣٥..
الواقعة 56:96
– قوله تعالى :﴿فسبح باسم ربك العظيم ( ٩٦ )﴾ :
روى عقبة بن عامر أنه لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم : " اجعلوها في ركوعكم " فلما نزلت :﴿سبح اسم ربك الأعلى ( ١ )﴾ قال : " اجعلوها في سجودكم " (١). وقد اختلف في التسبيح في الركوع والسجود هل هو واجب أم لا ؟ ففي المذهب أنه مستحب. وعند أحمد وداود أنه واجب. وقال إسحاق : من تركه لم تجز صلاته. فعلى القول الأول يكون الأمر به في الآية أمر استحباب. وعلى القول الآخر يكون الأمر به في الآية أمر وجوب. والقول الأول أحسن لما يعضده من الظواهر.
١ راجع الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٧/ ٢٣٥..
الحديد 57:12
– قوله تعالى :﴿يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم﴾ :
انتزع قوم (١) من هذه الآية حمل العبد للشمعة إذا أعتق.
١ في (هـ): "بعضهم"..
المجادلة 58:1
- قوله تعالى :﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ إلى قوله :﴿إن الذين يحادون الله﴾ :
اختلف في اسم المظاهر منها، وهي المجادلة التي ذكر الله تعالى في هذه السورة. فقيل : خولة بنت دليج (١) وقيل خولة بنت حكيم (٢)، قاله عمر بن الخطاب. وقيل خويلة بنت ثعلبة، قاله قتادة. وقيل خولة بنت دليج، قاله أبو العالية وغيره. وقيل جليلة، قالته عائشة. وقيل خولة بنت الصامت. وقيل خولة بنت خويلد، قاله ابن عباس. وقيل خولة بنت ثعلبة، قاله محمد بن كعب القرظي وغيره. واختلف أيضا في اسم زوجها. فقيل أوس بن الصامت الأنصاري (٣)، وعليه الجمهور. وقيل سلمة بن صخر البياضي (٤). واختلف أيضا في سبب الآية. فمن قال إن المظاهر كان سلمة قال إنه كان ظاهر منها في شهر رمضان فواقعها ليلة. فسأل قومه أن يسألوا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبوا وهابوا ذلك وأعظموا (٥) جريرته. فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وسأله واسترشده فنزلت الآية وقال له عليه الصلاة والسلام : " أتعتق رقبة ؟ " فقال : والله ما أملك غير رقبتي. فقال : " أتصومن شهرين متتابعين ؟ " فقال : يا رسول الله، وهل أتيت إلا من الصيام، قال : " أتطعم ستين مسكينا ؟ " قال لا أجد. فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقات قومه يكفر بها. فرجع سلمة إلى قومه فقال لهم : إني وجدت عندكم الشدة ووجدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الرخصة. وقال : أعطاني صدقاتكم(٦). ومن قال إن المظاهر أوس، قال : إن أوسا ظاهر من امرأته، وكان الظهار عندهم في الجاهلية فراقا مؤبدا، فلما فعل ذلك أوس جاءت زوجته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن أوسا أكل شبابي ونثرت له بطني، فلما كبرت ومات أهلي ظاهر مني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أراك إلا حرمت عليه ". فقالت يا رسول الله : لا تفعل، فإني وحيدة ليس لي أهل سواه. فراجعها رسول الله بمثل مقالته، فراجعته، فهو جدالها. وكانت في خلال مجادلتها تقول : اللهم إليك أشكو حالي وانفرادي وفقري إليك. وفي بعض الحديث لها كانت تقول : اللهم إن لي منه صبية صغارا لئن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا. فهذا هو اشتكاؤها. فنزل الوحي عند ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآيات وكانت عائشة حاضرة لهذا كله. فكانت تقول : سبحان من وسع سمعه الأصوات، لقد كنت حاضرة وكان بعض كلام خولة يخفى علي، وسمع الله تعالى جدالها فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوس فقال : " أتعتق رقبة " فقال : والله ما أملكها. فقال : " أتصوم شهريين متتابعين ؟ " فقال : والله ما أقدر أن أصبر إلا على ثلاث أكلات في النهار، ومتى لم أفعل ذلك غشيني بصري. فقال له : " أتطعم ؟ " قال : لا أجد إلا أن تعينني يا رسول الله بمعونة وصلاة – يريد الدعاء – فأعانه صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعا ودعا له. وقيل بثلاثين صاعا. فكفر بالطعام وأمسك أهله. وألفاظ الحديث في الروايات مضطربة (٧).
١ خولة بنت دليج: هي خولة بنت ثعلبة بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف، ويقال بنت دليج زوجة أوس بن الصامت بن قيس. انظر الإصابة ٤/ ٢٨١..
٢ خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمية. امرأة عثمان بن مظعون. يقال كنيتها أم شريك. انظر الإصابة لابن حجر ٤/ ٢٨٢ وطبقات ابن سعد ٣/ ٣٩٣..
٣ أوس بن الصامت الأنصاري: هو أوس بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر، أخو عبادة بن الصامت. انظر طبقات ابن سعد ٨/ ٣٧٨..
٤ سلمة بن صخر البياضي: هو سلمة بن صخر بن سلمان بن حارثة ين زيد الأنصاري الخزرجي المدني. ويقال سلمان بن صخر البياضي. انظر تهذيب التهذيب ٤/ ١٤٧..
٥ في (أ)، (ز): "وعظموا"..
٦ راجع الترمذي كتاب الطلاق ٣/ ٥٠٢، ٥٠٣..
٧ راجع لباب النقول ص ٧٤٦، وأسباب النزول للواحدي ص ٣٠٤، ٣٠٥، وأحكام القرآن للجصاص ٥/ ٣٠١ – ٣٠٣، والتفسير الكبير ٢٩/ ٢٤٩، وأحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٤٠٣، وأحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٣٤ – ١٧٣٦، والجامع لأحكام القرآن ١٧/ ٢٦٩- ٢٧١..
المجادلة 58:2
– وقوله تعالى :﴿الذين يظاهرون منكم من نسائهم﴾ :
حقيقة الظهار الذي ذكره الله تعالى هو أن يشبه الرجل امرأته بأمه في التحريم. وكانت العرب تكني عن ذلك بالظهر، فيقول : امرأته عليه كظهر أمه، ولذلك سمي الظهار لأنه مأخوذ من الظهر. وإنما خص الظهر دون البطن والفرج ونحو ذلك من الأعضاء لأنه موضع الركوب في الحيوان، والمرأة عند الغشيان مركوبة. فإذا قال أحد لامرأته ذلك اللفظ فإنما أراد أن ركوبها للغشيان عليه محرم كركوب أمه فكنى بالركوب عن النكاح، وهو استعارة بديعة. وكان الظهار في الجاهلية طلاقا مؤبدا وكذلك في أول الإسلام إلى أن نزلت هذه الآية. ولهذا جعلها بعضهم ناسخة، أي ناسخة لما كان قد تقرر في أول الإسلام، ولا معنى لقول من يقول إنها ناسخة لما كان في الجاهلية لأن ذلك ليس بنسخ لأنه لم يكن شرعا، وهو مذكور عن ابن عباس، ذكره عنه مكي (١).
قوله تعالى :﴿ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم﴾ :
رد الله تعالى بهذا على من كان يوقع الظهار ويعتقده حقيقة، وأخبر أن تصيير الزوجة أما باطل وأن الأم هي الوالدة، وأما الزوجة فلا تكون أما ولا يكون حكمها حكمها.
قوله تعالى :﴿وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا﴾ :
أخبر تعالى أن لفظ الظهار الذي كانوا يطلقونه منكرا وزورا. والمنكر من القول هو الذي لا تعرف له حقيقة، والزور الكذب. وسماه كذبا لأنهم صيروا نساءهم كأمهاتهم وهن لا يصرن كذلك أبدا. والظهار حرام لا يحل إيقاعه أبدا(٢) ودل على تحريمه ثلاثة أشياء :
أحدها : تكذيب الله تعالى لمن فعل ذلك. والثاني : أنه سماه منكرا وزورا – والزور الكذب – وهو محرم بإجماع. والثالث : إخباره تعالى أنه معفو عنه ويغفر، ولا يعفى ويغفر إلا على المذنبين لأنه إذا وقع لزم لكن على غير الحكم الذي كان في الجاهلية وفي أول الإسلام من تأبيد التحريم لأنه تعالى أخرجه من ذلك الحكم إلى باب الكفارة.
ثم أعلمنا كيف يكون الحكم فيه إذا وقع فقال :﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا﴾ الآية. ولا خلاف أن من ظاهر امرأته بأمه لزمه الظهار لأنه خص الآية. واختلف في سائر ذوات المحارم من النسب، فروي عن الشافعي أن الظهار لا يكون إلا بالأم وحدها. وروي عنه أنه لا يكون إلا بالأمهات والجدات. وروي عنه أنه يكون بجميع ذوات المحارم من النسب، وهو قول مالك وسائر أصحابه. فمن اقتصر على الأم وحدها راعى لفظ الآية ولم يقس. ومن زاد على ذلك قاس على ما جاء في الآية، وهو أظهر. واختلف أيضا في الظهار بذوات المحارم من الرضاع والصهر، فألزمه (٣) مالك كالنسب، ولم يلزمه الشافعي. والحجة لهما في ذلك مثل ما تقدم. واختلف أيضا في الظهار بالأجنبية، فذهب ابن الماجشون إلى أنه لا يكون مظاهرا سمى الظهر أو لم يسمه، أراد به الظهار أو لم يرده وتكون امرأته طالقا إلا أن تكون له نية. وقال أشهب في رواية أبي زيد عنه إنه يكون مظاهرا سمى أو لم يسم (٤). وقال ابن القاسم : إنه إن سمى الظهر فهو مظاهر إلا أن يريد الطلاق، وإن لم يسمه فهو طلاق ولا يصدق. وقول أشهب أصح في القياس على ظاهر الآية. والقولان الآخران أغرق في القياس وأبعد مذهبا. واختلف أيضا في الظهار بالرجال لمن ظاهر امرأته بظهر أبيه أو ابنه أو غلامه هل يلزم أم لا على قولين :
أحدهما : أنه يلزم، وهو قول ابن القاسم. والآخر أنه لا يلزم ولا حكم له، وهو قول مطرف. والأظهر منهما أنه لا يلزم على ظاهر الآية لأنها إنما جاءت في النساء، وإلحاق الرجل بها بعيد. وهذا إذا سمى الظهر، فإن لم يسم الظهر فهو طلاق على وجه التحريم. واختلف أيضا فيمن ظاهر بغير شخص معين (٥)، فقيل هو ظهار، وقيل هو طلاق على التحريم، والأول أظهر على لفظ الآية. واختلف هل الظهار بسائر الأعضاء كالظهار بالظهر أم لا ؟ ففي المذهب أنه سواء مع الطلاق في ذلك، وذهب الشافعي أنه لا يلزم إلا بالظهر خاصة، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يلزم في كل عضو محرم النظر إليه. فالشافعي يراعي لفظ الآية واقتصر على ما جاءت فيه من (٦) الظهر ولم يقس. وغيره قاس على ما جاء في الآية. واختلف فيمن شبه امرأته بأمه فقال : أنت علي كأمي أو مثل أمي، ولم يذكر الظهر. ففي المذهب أنه ظهار، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه ليس بظهار إلا أن ينويه. فمالك ومن تابعه راعى مفهوم الآية وأن المراد من التسمية بالظهر إنما هو في التحريم. ومن أسقط فكذلك (٧) ذكر الظهر أو لم يذكره. وأبو حنيفة والشافعي راعيا الظهر للاقتصار عليه في الآية ولم يراعيا المعنى المقصود من ذلك. واختلف في الظهار هل يلزم في ملك (٨) اليمين أم لا ؟ ففي المذهب أنه يلزم. وقال أبو حنيفة والشافعي إنه لا يلزم. فحمل مالك قوله تعالى :﴿من نسائهم﴾ على الزوجات والإماء، وحمله غيره على الزوجات خاصة. وقول مالك أظهر لأن لفظ النساء يعم الحرائر والإماء. واختلف في ظهار الزوجة من زوجها، ففي المذهب وغيره أنه لا حكم له. وقال الحسن والنخعي أنه ظهار. والدليل قول الجمهور ظاهر الآية لأنه تعالى إنما ذكر أن (٩) الظهار إنما هو في الرجل وفيه جعل الحكم ولم يجعل للمرأة ظهارا فكيف يكون له حكم.
واختلف في الظهار قبل النكاح كالذي يقول : إن تزوجت فلانة فهي علي كظهر أمي. ففي المذهب أنه يلزم. وقال أبو حنيفة والشافعي أنه لا يلزم. ودليل ما في المذهب عموم الآية ولم يخصص قبل النكاح أو بعده. واختلف إذا كرر الظهار من زوجته. فقال أبو حنيفة عليه لكل ظهار كفارة. وقال الشافعي في أحد قوليه ليس عليه إلا كفارة واحدة. وفرق مالك رحمه الله تعالى فقال : إن نوى بكل كلمة استئناف ظهار كان عليه لكل كلمة كفارة، وإن لم ينو فكفارة واحدة. وحجة مالك على الشافعي قوله تعالى :﴿يظاهرون من نسائهم﴾. والظهار هو القول المقصود به المظاهرة، فإذا وجد تعلق عليه الحكم. واختلف أيضا إذا تظاهر من أربع نسوة في كلمة، ففي المذهب أنها كفارة واحدة تلزمه. وقال الشافعي في أحد قوليه : لكل واحدة كفارة. ودليل ما في المذهب قوله تعالى :﴿والذين يظاهرون من نسائهم...﴾ الآية فعم كل مظاهر بنسائه بأن عليه رقبة واحدة. واختلف في ظهار العبيد هل يصح كظهار الحر أم لا ؟ ففي المذهب وغيره أنه يصح، وعند بعضهم أنه لا يصح، والحجة عليهم(١٠) ظاهر الآية لأنه تعالى قال :﴿والذين يظاهرون من نسائهم﴾ فعم الأحرار والعبيد. واختلف في ظهار الكافر، ففي المذهب أنه لا يصح، وقال الشافعي أنه يصح ظهاره فإن أمكنه أن يطلقها فلم يفعل وجبت عليه الكفارة، فإن كان واجدا للعتق أعتق وإن لم يقدر عليه لم يمكنه أن يصوم ولكن يطعم ستين مسكينا. والدليل عليه قوله تعالى :﴿والذين يظاهرون من نسائهم﴾، ولا معنى لهذه الإضافة إلا أن تكون تخصيصا للمسلمين. وقد اختلف في هذه الآية هل هي على نظمها أم فيها تقديم وتأخير ؟ فالمشهور أنه لا تقديم فيها ولا تأخير، وهو الصحيح. وذهب بعضهم إلى أن فيها تقديما وتأخيرا (١١)، وذكر عن الأخفش (١٢) قالوا وترتيبها : والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا. ثم يعودون لما قالوا. وهذا قول ضعيف يفسد به نظم الآية. والكفارة لا تجب بمجرد لفظ الظهار حتى تنضاف إليه العودة في قول جمهور العلماء. وذهب مجاهد إلى أن الكفارة (١٣) واجبة على المظاهر بمجرد الظهار، وليس ذلك بصحيح لقوله تعالى :﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ فيشرط مع الظهار إرادة العودة. والذي يأتي على قول مجاهد في الآية قولان :
أحدهما : قول الأخفش المتقدم، يأتي في الآية تقديما وتأخيرا. والثاني : قول ابن قتيبة إنه لا تقديم في الآية ولا تأخير ولكن المعنى بقوله تعالى :﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ أنه العودة في الإسلام إلى نفس القول بالظهار الذي كانوا يظاهرون به في الجاهلية ويعدونه طلاقا (١٤). وحكي أيضا عن ابن بكير بن الأشج (١٥). وهذان القولان أضعف ما قيل في الآية مع أنهما قد يمكن أن يتأول على مذهب الجمهور في اشتراط العودة مع الظهار. وأما على قول (١٦) الجمهور من اشتراط العودة مع الظهار على لفظ الآية فاختلف في العودة ما المراد بها على خمسة أقوال : أحدها : أنه العزم على الوطء. والثاني : أنه العزم على الوطء واستدامة العصمة. والثالث : أنه الوطء نفسه، وهذه الأقوال الثلاثة مذكورة عن مالك في الموطأ (١٧). والقول الثاني منها أصحها وأجراها على القياس وأتبعها لظاهر القرآن لأنه إذا أراد الوطء وجب عليه تقديم الكفارة قبله لقوله تعالى :﴿من قبل أن يتماسا﴾. والرابع : قول الشافعي ومن تابعه أن العودة استدامة العصمة خاصة وأنه متى ظاهر من زوجته ثم لم يطلقها طلاقا متصلا بالظهار فقد وجبت عليه الكفارة. وهو قول يفسده ظاهر القرآن لأن الله تعالى قال :﴿ثم يعودون﴾. و ﴿ثم﴾ توجب التراخي، والعصمة لم تتصل بالظهار فكيف يصح أن يقال ثم يكون كذا لما لم يزل كائنا ؟ هذا محال. وأيضا فإنه إنما أوجب الكفارة بترك الطلاق فيكون معنى قوله تعالى على مذهبه :﴿ثم يعودون﴾ بمعنى لم يطلقوا (١٨). قوله تعالى :﴿ثم يعودون﴾ إيجاب، ولم يطلقوا نفي، ولو صح هذا لكان الإيجاب نفيا والنفي إيجابا، وهذا فاسد أيضا. فإن قوله تعالى :﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ يوجب أن يحدث منه شيء لم يكن قبل، والمظاهر لم يطلق في حال الظهار ولا قبله، فإذا ظاهر ثم لم يطلق بعد الظهار فهو كما كان (١٩) قبل لم يحدث منه شيء بعد فيستحيل معنى قوله :﴿ثم يعودون﴾ لأنه إنما يعود الإنسان لشيء قد كان فارقه، والمظاهر لم يفارق زوجته بالظهار وإنما فارق به المسيس فهو المعنى المقصود بالعودة. واحتج بعض الشافعية في أن العودة : بقاؤها زوجة لقوله تعالى :﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها﴾ [السجدة: ٢٠] فسمى الله تعالى بقاءهم في النار إعادة (٢٠).
فيحتمل(٢١) أن يكون هؤلاء تحاملوا للخروج فردوا إلى الحالة الأولى. ولو صح(٢٢) أن يكون البقاء إعادة لما كان في ذلك حجة لأن الله تعالى إنما أوجب الكفارة بالعودة لما كان ممنوعا منه بالظهار وهو الوطء. وأما العصمة فلم يكن ممنوعا منها بالظهار ولا منفصلا عنها. والخامس : أن العودة : أن يعودوا فيتكلم بالظهار ثانية، وهو مذهب أهل الظاهر، وروي نحوه عن ابن بكير بن الأشج، وهو أضعف الأقاويل لأنهم لا يرون الظهار يوجب من أول مرة حكما وإنما يرونه موجبا حكما على تأويلهم في مرة أخرى. وهذا فاسد لأنه إذا لم يوجبه أولا فلم يوجبه ثانيا، وأي فرق بين الأولى والثانية. وأيضا فإن سبب الآية لم يأت فيمن ظاهر مرة ثانية ولا ذكر ذلك أحد من الرواة، وإنما معنى قوله تعالى :﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ أي في تحريم ما حرموا على أنفسهم وهو الوطء فيفعلونه أو يعزمون على فعله. واختلف في معنى اللام في قوله :﴿لما قالوا﴾ (٢٣) فيحتمل أن يكون بمعنى : في أي فيما قالوا. وقيل المعنى : من أجل ما قالوا. وقال الفراء معناه : عن ما قالوا. قال : والمعنى ثم يرجعون عن ما قالوا ويريدون الوطء. وقيل هي على بابها والمعنى : ثم يعودون لقولهم. والقول بمعنى المقول، فالمعنى ثم يعودون لوطء للمقول فيها الظهار (٢٤).
١ راجع الإيضاح ٣٦٧..
٢ "أبدا" كلمة ساقطة في غير (أ)، (ز)..
ثم أعلمنا كيف يكون الحكم فيه إذا وقع فقال :﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا﴾ الآية. ولا خلاف أن من ظاهر امرأته بأمه لزمه الظهار لأنه خص الآية. واختلف في سائر ذوات المحارم من النسب، فروي عن الشافعي أن الظهار لا يكون إلا بالأم وحدها. وروي عنه أنه لا يكون إلا بالأمهات والجدات. وروي عنه أنه يكون بجميع ذوات المحارم من النسب، وهو قول مالك وسائر أصحابه. فمن اقتصر على الأم وحدها راعى لفظ الآية ولم يقس. ومن زاد على ذلك قاس على ما جاء في الآية، وهو أظهر. واختلف أيضا في الظهار بذوات المحارم من الرضاع والصهر، فألزمه (٣) مالك كالنسب، ولم يلزمه الشافعي. والحجة لهما في ذلك مثل ما تقدم. واختلف أيضا في الظهار بالأجنبية، فذهب ابن الماجشون إلى أنه لا يكون مظاهرا سمى الظهر أو لم يسمه، أراد به الظهار أو لم يرده وتكون امرأته طالقا إلا أن تكون له نية. وقال أشهب في رواية أبي زيد عنه إنه يكون مظاهرا سمى أو لم يسم (٤). وقال ابن القاسم : إنه إن سمى الظهر فهو مظاهر إلا أن يريد الطلاق، وإن لم يسمه فهو طلاق ولا يصدق. وقول أشهب أصح في القياس على ظاهر الآية. والقولان الآخران أغرق في القياس وأبعد مذهبا. واختلف أيضا في الظهار بالرجال لمن ظاهر امرأته بظهر أبيه أو ابنه أو غلامه هل يلزم أم لا على قولين :
أحدهما : أنه يلزم، وهو قول ابن القاسم. والآخر أنه لا يلزم ولا حكم له، وهو قول مطرف. والأظهر منهما أنه لا يلزم على ظاهر الآية لأنها إنما جاءت في النساء، وإلحاق الرجل بها بعيد. وهذا إذا سمى الظهر، فإن لم يسم الظهر فهو طلاق على وجه التحريم. واختلف أيضا فيمن ظاهر بغير شخص معين (٥)، فقيل هو ظهار، وقيل هو طلاق على التحريم، والأول أظهر على لفظ الآية. واختلف هل الظهار بسائر الأعضاء كالظهار بالظهر أم لا ؟ ففي المذهب أنه سواء مع الطلاق في ذلك، وذهب الشافعي أنه لا يلزم إلا بالظهر خاصة، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يلزم في كل عضو محرم النظر إليه. فالشافعي يراعي لفظ الآية واقتصر على ما جاءت فيه من (٦) الظهر ولم يقس. وغيره قاس على ما جاء في الآية. واختلف فيمن شبه امرأته بأمه فقال : أنت علي كأمي أو مثل أمي، ولم يذكر الظهر. ففي المذهب أنه ظهار، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه ليس بظهار إلا أن ينويه. فمالك ومن تابعه راعى مفهوم الآية وأن المراد من التسمية بالظهر إنما هو في التحريم. ومن أسقط فكذلك (٧) ذكر الظهر أو لم يذكره. وأبو حنيفة والشافعي راعيا الظهر للاقتصار عليه في الآية ولم يراعيا المعنى المقصود من ذلك. واختلف في الظهار هل يلزم في ملك (٨) اليمين أم لا ؟ ففي المذهب أنه يلزم. وقال أبو حنيفة والشافعي إنه لا يلزم. فحمل مالك قوله تعالى :﴿من نسائهم﴾ على الزوجات والإماء، وحمله غيره على الزوجات خاصة. وقول مالك أظهر لأن لفظ النساء يعم الحرائر والإماء. واختلف في ظهار الزوجة من زوجها، ففي المذهب وغيره أنه لا حكم له. وقال الحسن والنخعي أنه ظهار. والدليل قول الجمهور ظاهر الآية لأنه تعالى إنما ذكر أن (٩) الظهار إنما هو في الرجل وفيه جعل الحكم ولم يجعل للمرأة ظهارا فكيف يكون له حكم.
واختلف في الظهار قبل النكاح كالذي يقول : إن تزوجت فلانة فهي علي كظهر أمي. ففي المذهب أنه يلزم. وقال أبو حنيفة والشافعي أنه لا يلزم. ودليل ما في المذهب عموم الآية ولم يخصص قبل النكاح أو بعده. واختلف إذا كرر الظهار من زوجته. فقال أبو حنيفة عليه لكل ظهار كفارة. وقال الشافعي في أحد قوليه ليس عليه إلا كفارة واحدة. وفرق مالك رحمه الله تعالى فقال : إن نوى بكل كلمة استئناف ظهار كان عليه لكل كلمة كفارة، وإن لم ينو فكفارة واحدة. وحجة مالك على الشافعي قوله تعالى :﴿يظاهرون من نسائهم﴾. والظهار هو القول المقصود به المظاهرة، فإذا وجد تعلق عليه الحكم. واختلف أيضا إذا تظاهر من أربع نسوة في كلمة، ففي المذهب أنها كفارة واحدة تلزمه. وقال الشافعي في أحد قوليه : لكل واحدة كفارة. ودليل ما في المذهب قوله تعالى :﴿والذين يظاهرون من نسائهم...﴾ الآية فعم كل مظاهر بنسائه بأن عليه رقبة واحدة. واختلف في ظهار العبيد هل يصح كظهار الحر أم لا ؟ ففي المذهب وغيره أنه يصح، وعند بعضهم أنه لا يصح، والحجة عليهم(١٠) ظاهر الآية لأنه تعالى قال :﴿والذين يظاهرون من نسائهم﴾ فعم الأحرار والعبيد. واختلف في ظهار الكافر، ففي المذهب أنه لا يصح، وقال الشافعي أنه يصح ظهاره فإن أمكنه أن يطلقها فلم يفعل وجبت عليه الكفارة، فإن كان واجدا للعتق أعتق وإن لم يقدر عليه لم يمكنه أن يصوم ولكن يطعم ستين مسكينا. والدليل عليه قوله تعالى :﴿والذين يظاهرون من نسائهم﴾، ولا معنى لهذه الإضافة إلا أن تكون تخصيصا للمسلمين. وقد اختلف في هذه الآية هل هي على نظمها أم فيها تقديم وتأخير ؟ فالمشهور أنه لا تقديم فيها ولا تأخير، وهو الصحيح. وذهب بعضهم إلى أن فيها تقديما وتأخيرا (١١)، وذكر عن الأخفش (١٢) قالوا وترتيبها : والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا. ثم يعودون لما قالوا. وهذا قول ضعيف يفسد به نظم الآية. والكفارة لا تجب بمجرد لفظ الظهار حتى تنضاف إليه العودة في قول جمهور العلماء. وذهب مجاهد إلى أن الكفارة (١٣) واجبة على المظاهر بمجرد الظهار، وليس ذلك بصحيح لقوله تعالى :﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ فيشرط مع الظهار إرادة العودة. والذي يأتي على قول مجاهد في الآية قولان :
أحدهما : قول الأخفش المتقدم، يأتي في الآية تقديما وتأخيرا. والثاني : قول ابن قتيبة إنه لا تقديم في الآية ولا تأخير ولكن المعنى بقوله تعالى :﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ أنه العودة في الإسلام إلى نفس القول بالظهار الذي كانوا يظاهرون به في الجاهلية ويعدونه طلاقا (١٤). وحكي أيضا عن ابن بكير بن الأشج (١٥). وهذان القولان أضعف ما قيل في الآية مع أنهما قد يمكن أن يتأول على مذهب الجمهور في اشتراط العودة مع الظهار. وأما على قول (١٦) الجمهور من اشتراط العودة مع الظهار على لفظ الآية فاختلف في العودة ما المراد بها على خمسة أقوال : أحدها : أنه العزم على الوطء. والثاني : أنه العزم على الوطء واستدامة العصمة. والثالث : أنه الوطء نفسه، وهذه الأقوال الثلاثة مذكورة عن مالك في الموطأ (١٧). والقول الثاني منها أصحها وأجراها على القياس وأتبعها لظاهر القرآن لأنه إذا أراد الوطء وجب عليه تقديم الكفارة قبله لقوله تعالى :﴿من قبل أن يتماسا﴾. والرابع : قول الشافعي ومن تابعه أن العودة استدامة العصمة خاصة وأنه متى ظاهر من زوجته ثم لم يطلقها طلاقا متصلا بالظهار فقد وجبت عليه الكفارة. وهو قول يفسده ظاهر القرآن لأن الله تعالى قال :﴿ثم يعودون﴾. و ﴿ثم﴾ توجب التراخي، والعصمة لم تتصل بالظهار فكيف يصح أن يقال ثم يكون كذا لما لم يزل كائنا ؟ هذا محال. وأيضا فإنه إنما أوجب الكفارة بترك الطلاق فيكون معنى قوله تعالى على مذهبه :﴿ثم يعودون﴾ بمعنى لم يطلقوا (١٨). قوله تعالى :﴿ثم يعودون﴾ إيجاب، ولم يطلقوا نفي، ولو صح هذا لكان الإيجاب نفيا والنفي إيجابا، وهذا فاسد أيضا. فإن قوله تعالى :﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ يوجب أن يحدث منه شيء لم يكن قبل، والمظاهر لم يطلق في حال الظهار ولا قبله، فإذا ظاهر ثم لم يطلق بعد الظهار فهو كما كان (١٩) قبل لم يحدث منه شيء بعد فيستحيل معنى قوله :﴿ثم يعودون﴾ لأنه إنما يعود الإنسان لشيء قد كان فارقه، والمظاهر لم يفارق زوجته بالظهار وإنما فارق به المسيس فهو المعنى المقصود بالعودة. واحتج بعض الشافعية في أن العودة : بقاؤها زوجة لقوله تعالى :﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها﴾ [السجدة: ٢٠] فسمى الله تعالى بقاءهم في النار إعادة (٢٠).
فيحتمل(٢١) أن يكون هؤلاء تحاملوا للخروج فردوا إلى الحالة الأولى. ولو صح(٢٢) أن يكون البقاء إعادة لما كان في ذلك حجة لأن الله تعالى إنما أوجب الكفارة بالعودة لما كان ممنوعا منه بالظهار وهو الوطء. وأما العصمة فلم يكن ممنوعا منها بالظهار ولا منفصلا عنها. والخامس : أن العودة : أن يعودوا فيتكلم بالظهار ثانية، وهو مذهب أهل الظاهر، وروي نحوه عن ابن بكير بن الأشج، وهو أضعف الأقاويل لأنهم لا يرون الظهار يوجب من أول مرة حكما وإنما يرونه موجبا حكما على تأويلهم في مرة أخرى. وهذا فاسد لأنه إذا لم يوجبه أولا فلم يوجبه ثانيا، وأي فرق بين الأولى والثانية. وأيضا فإن سبب الآية لم يأت فيمن ظاهر مرة ثانية ولا ذكر ذلك أحد من الرواة، وإنما معنى قوله تعالى :﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ أي في تحريم ما حرموا على أنفسهم وهو الوطء فيفعلونه أو يعزمون على فعله. واختلف في معنى اللام في قوله :﴿لما قالوا﴾ (٢٣) فيحتمل أن يكون بمعنى : في أي فيما قالوا. وقيل المعنى : من أجل ما قالوا. وقال الفراء معناه : عن ما قالوا. قال : والمعنى ثم يرجعون عن ما قالوا ويريدون الوطء. وقيل هي على بابها والمعنى : ثم يعودون لقولهم. والقول بمعنى المقول، فالمعنى ثم يعودون لوطء للمقول فيها الظهار (٢٤).
المجادلة 58:3
ثم أعلمنا كيف يكون الحكم فيه إذا وقع فقال :﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا﴾ الآية. ولا خلاف أن من ظاهر امرأته بأمه لزمه الظهار لأنه خص الآية. واختلف في سائر ذوات المحارم من النسب، فروي عن الشافعي أن الظهار لا يكون إلا بالأم وحدها. وروي عنه أنه لا يكون إلا بالأمهات والجدات. وروي عنه أنه يكون بجميع ذوات المحارم من النسب، وهو قول مالك وسائر أصحابه. فمن اقتصر على الأم وحدها راعى لفظ الآية ولم يقس. ومن زاد على ذلك قاس على ما جاء في الآية، وهو أظهر. واختلف أيضا في الظهار بذوات المحارم من الرضاع والصهر، فألزمه (٣) مالك كالنسب، ولم يلزمه الشافعي. والحجة لهما في ذلك مثل ما تقدم. واختلف أيضا في الظهار بالأجنبية، فذهب ابن الماجشون إلى أنه لا يكون مظاهرا سمى الظهر أو لم يسمه، أراد به الظهار أو لم يرده وتكون امرأته طالقا إلا أن تكون له نية. وقال أشهب في رواية أبي زيد عنه إنه يكون مظاهرا سمى أو لم يسم (٤). وقال ابن القاسم : إنه إن سمى الظهر فهو مظاهر إلا أن يريد الطلاق، وإن لم يسمه فهو طلاق ولا يصدق. وقول أشهب أصح في القياس على ظاهر الآية. والقولان الآخران أغرق في القياس وأبعد مذهبا. واختلف أيضا في الظهار بالرجال لمن ظاهر امرأته بظهر أبيه أو ابنه أو غلامه هل يلزم أم لا على قولين :
أحدهما : أنه يلزم، وهو قول ابن القاسم. والآخر أنه لا يلزم ولا حكم له، وهو قول مطرف. والأظهر منهما أنه لا يلزم على ظاهر الآية لأنها إنما جاءت في النساء، وإلحاق الرجل بها بعيد. وهذا إذا سمى الظهر، فإن لم يسم الظهر فهو طلاق على وجه التحريم. واختلف أيضا فيمن ظاهر بغير شخص معين (٥)، فقيل هو ظهار، وقيل هو طلاق على التحريم، والأول أظهر على لفظ الآية. واختلف هل الظهار بسائر الأعضاء كالظهار بالظهر أم لا ؟ ففي المذهب أنه سواء مع الطلاق في ذلك، وذهب الشافعي أنه لا يلزم إلا بالظهر خاصة، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يلزم في كل عضو محرم النظر إليه. فالشافعي يراعي لفظ الآية واقتصر على ما جاءت فيه من (٦) الظهر ولم يقس. وغيره قاس على ما جاء في الآية. واختلف فيمن شبه امرأته بأمه فقال : أنت علي كأمي أو مثل أمي، ولم يذكر الظهر. ففي المذهب أنه ظهار، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه ليس بظهار إلا أن ينويه. فمالك ومن تابعه راعى مفهوم الآية وأن المراد من التسمية بالظهر إنما هو في التحريم. ومن أسقط فكذلك (٧) ذكر الظهر أو لم يذكره. وأبو حنيفة والشافعي راعيا الظهر للاقتصار عليه في الآية ولم يراعيا المعنى المقصود من ذلك. واختلف في الظهار هل يلزم في ملك (٨) اليمين أم لا ؟ ففي المذهب أنه يلزم. وقال أبو حنيفة والشافعي إنه لا يلزم. فحمل مالك قوله تعالى :﴿من نسائهم﴾ على الزوجات والإماء، وحمله غيره على الزوجات خاصة. وقول مالك أظهر لأن لفظ النساء يعم الحرائر والإماء. واختلف في ظهار الزوجة من زوجها، ففي المذهب وغيره أنه لا حكم له. وقال الحسن والنخعي أنه ظهار. والدليل قول الجمهور ظاهر الآية لأنه تعالى إنما ذكر أن (٩) الظهار إنما هو في الرجل وفيه جعل الحكم ولم يجعل للمرأة ظهارا فكيف يكون له حكم.
واختلف في الظهار قبل النكاح كالذي يقول : إن تزوجت فلانة فهي علي كظهر أمي. ففي المذهب أنه يلزم. وقال أبو حنيفة والشافعي أنه لا يلزم. ودليل ما في المذهب عموم الآية ولم يخصص قبل النكاح أو بعده. واختلف إذا كرر الظهار من زوجته. فقال أبو حنيفة عليه لكل ظهار كفارة. وقال الشافعي في أحد قوليه ليس عليه إلا كفارة واحدة. وفرق مالك رحمه الله تعالى فقال : إن نوى بكل كلمة استئناف ظهار كان عليه لكل كلمة كفارة، وإن لم ينو فكفارة واحدة. وحجة مالك على الشافعي قوله تعالى :﴿يظاهرون من نسائهم﴾. والظهار هو القول المقصود به المظاهرة، فإذا وجد تعلق عليه الحكم. واختلف أيضا إذا تظاهر من أربع نسوة في كلمة، ففي المذهب أنها كفارة واحدة تلزمه. وقال الشافعي في أحد قوليه : لكل واحدة كفارة. ودليل ما في المذهب قوله تعالى :﴿والذين يظاهرون من نسائهم...﴾ الآية فعم كل مظاهر بنسائه بأن عليه رقبة واحدة. واختلف في ظهار العبيد هل يصح كظهار الحر أم لا ؟ ففي المذهب وغيره أنه يصح، وعند بعضهم أنه لا يصح، والحجة عليهم(١٠) ظاهر الآية لأنه تعالى قال :﴿والذين يظاهرون من نسائهم﴾ فعم الأحرار والعبيد. واختلف في ظهار الكافر، ففي المذهب أنه لا يصح، وقال الشافعي أنه يصح ظهاره فإن أمكنه أن يطلقها فلم يفعل وجبت عليه الكفارة، فإن كان واجدا للعتق أعتق وإن لم يقدر عليه لم يمكنه أن يصوم ولكن يطعم ستين مسكينا. والدليل عليه قوله تعالى :﴿والذين يظاهرون من نسائهم﴾، ولا معنى لهذه الإضافة إلا أن تكون تخصيصا للمسلمين. وقد اختلف في هذه الآية هل هي على نظمها أم فيها تقديم وتأخير ؟ فالمشهور أنه لا تقديم فيها ولا تأخير، وهو الصحيح. وذهب بعضهم إلى أن فيها تقديما وتأخيرا (١١)، وذكر عن الأخفش (١٢) قالوا وترتيبها : والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا. ثم يعودون لما قالوا. وهذا قول ضعيف يفسد به نظم الآية. والكفارة لا تجب بمجرد لفظ الظهار حتى تنضاف إليه العودة في قول جمهور العلماء. وذهب مجاهد إلى أن الكفارة (١٣) واجبة على المظاهر بمجرد الظهار، وليس ذلك بصحيح لقوله تعالى :﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ فيشرط مع الظهار إرادة العودة. والذي يأتي على قول مجاهد في الآية قولان :
أحدهما : قول الأخفش المتقدم، يأتي في الآية تقديما وتأخيرا. والثاني : قول ابن قتيبة إنه لا تقديم في الآية ولا تأخير ولكن المعنى بقوله تعالى :﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ أنه العودة في الإسلام إلى نفس القول بالظهار الذي كانوا يظاهرون به في الجاهلية ويعدونه طلاقا (١٤). وحكي أيضا عن ابن بكير بن الأشج (١٥). وهذان القولان أضعف ما قيل في الآية مع أنهما قد يمكن أن يتأول على مذهب الجمهور في اشتراط العودة مع الظهار. وأما على قول (١٦) الجمهور من اشتراط العودة مع الظهار على لفظ الآية فاختلف في العودة ما المراد بها على خمسة أقوال : أحدها : أنه العزم على الوطء. والثاني : أنه العزم على الوطء واستدامة العصمة. والثالث : أنه الوطء نفسه، وهذه الأقوال الثلاثة مذكورة عن مالك في الموطأ (١٧). والقول الثاني منها أصحها وأجراها على القياس وأتبعها لظاهر القرآن لأنه إذا أراد الوطء وجب عليه تقديم الكفارة قبله لقوله تعالى :﴿من قبل أن يتماسا﴾. والرابع : قول الشافعي ومن تابعه أن العودة استدامة العصمة خاصة وأنه متى ظاهر من زوجته ثم لم يطلقها طلاقا متصلا بالظهار فقد وجبت عليه الكفارة. وهو قول يفسده ظاهر القرآن لأن الله تعالى قال :﴿ثم يعودون﴾. و ﴿ثم﴾ توجب التراخي، والعصمة لم تتصل بالظهار فكيف يصح أن يقال ثم يكون كذا لما لم يزل كائنا ؟ هذا محال. وأيضا فإنه إنما أوجب الكفارة بترك الطلاق فيكون معنى قوله تعالى على مذهبه :﴿ثم يعودون﴾ بمعنى لم يطلقوا (١٨). قوله تعالى :﴿ثم يعودون﴾ إيجاب، ولم يطلقوا نفي، ولو صح هذا لكان الإيجاب نفيا والنفي إيجابا، وهذا فاسد أيضا. فإن قوله تعالى :﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ يوجب أن يحدث منه شيء لم يكن قبل، والمظاهر لم يطلق في حال الظهار ولا قبله، فإذا ظاهر ثم لم يطلق بعد الظهار فهو كما كان (١٩) قبل لم يحدث منه شيء بعد فيستحيل معنى قوله :﴿ثم يعودون﴾ لأنه إنما يعود الإنسان لشيء قد كان فارقه، والمظاهر لم يفارق زوجته بالظهار وإنما فارق به المسيس فهو المعنى المقصود بالعودة. واحتج بعض الشافعية في أن العودة : بقاؤها زوجة لقوله تعالى :﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها﴾ [السجدة: ٢٠] فسمى الله تعالى بقاءهم في النار إعادة (٢٠).
فيحتمل(٢١) أن يكون هؤلاء تحاملوا للخروج فردوا إلى الحالة الأولى. ولو صح(٢٢) أن يكون البقاء إعادة لما كان في ذلك حجة لأن الله تعالى إنما أوجب الكفارة بالعودة لما كان ممنوعا منه بالظهار وهو الوطء. وأما العصمة فلم يكن ممنوعا منها بالظهار ولا منفصلا عنها. والخامس : أن العودة : أن يعودوا فيتكلم بالظهار ثانية، وهو مذهب أهل الظاهر، وروي نحوه عن ابن بكير بن الأشج، وهو أضعف الأقاويل لأنهم لا يرون الظهار يوجب من أول مرة حكما وإنما يرونه موجبا حكما على تأويلهم في مرة أخرى. وهذا فاسد لأنه إذا لم يوجبه أولا فلم يوجبه ثانيا، وأي فرق بين الأولى والثانية. وأيضا فإن سبب الآية لم يأت فيمن ظاهر مرة ثانية ولا ذكر ذلك أحد من الرواة، وإنما معنى قوله تعالى :﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ أي في تحريم ما حرموا على أنفسهم وهو الوطء فيفعلونه أو يعزمون على فعله. واختلف في معنى اللام في قوله :﴿لما قالوا﴾ (٢٣) فيحتمل أن يكون بمعنى : في أي فيما قالوا. وقيل المعنى : من أجل ما قالوا. وقال الفراء معناه : عن ما قالوا. قال : والمعنى ثم يرجعون عن ما قالوا ويريدون الوطء. وقيل هي على بابها والمعنى : ثم يعودون لقولهم. والقول بمعنى المقول، فالمعنى ثم يعودون لوطء للمقول فيها الظهار (٢٤).
– وقوله تعالى :﴿فتحرير رقبة﴾ :
أثبت تعالى أن الكفارة تجب بالعودة وجعلها ثلاثة أنواع لا ينتقل عن نوع منها حتى يعدم الآخر. فأولها عتق، ثم صيام، ثم إطعام. فقال أولا :﴿فتحرير رقبة﴾، ثم قال :﴿فمن لم يجد فصيام شهرين﴾، ثم قال :﴿فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا﴾. وكذلك في حديث أوس وسلمة هي على الترتيب، ولا خلاف في ذلك. والرقبة المعتقة المذكورة في هذه الآية مطلقة لم تقيد (١) بمؤمنة، وهي في كفارة قتل الخطأ مقيدة بمؤمنة. فحمل مالك ومن تابعه المطلق منها على المقيد ورأى أن الرقبة في الظهار لا تكون إلا بمؤمنة (٢) خلافا لأبي حنيفة وغيره. وقد مر الكلام على هذا عند الكلام على كفارة اليمين فلا معنى إعادته.
قوله تعالى :﴿من قبل أن يتماسا﴾ :
اختلف في المسيس هذا ما هو ؟ فحمله أكثر العلماء في عمومه من الوطء والقبل والمباشرة وغيرها، فقالوا : لا يقبل المظاهر ولا يباشر ولا يحبس حتى يكفر، وهو مذهب مالك وأكثر أصحابه. وذهب الحسن والثوري والزهري وغيرهم إلى أنه ليس على عمومه وأن المراد به الوطء خاصة، فللمظاهر أن يقبل ويباشر ويطأ في غير الفرج، وإنما نهي عن الجماع. واختلف الذين حملوا الآية على عمومها إن قبل أو باشر في خلال الكفارة قبل أن يتمها، فقال أصبغ وسحنون : يستغفر الله تعالى ولا شيء عليه، وقال مطرف يبتدئ الكفارة. فالامتناع بما عدا الوطء على مذهب مطرف واجب كالامتناع من الوطء، وعلى مذهب أصبغ وسحنون مستحب بخلاف الوطء، وعلى مذهب الحسن ومن قال بقوله مباح بخلاف الوطء. وأما الوطء فلا خلاف في وجوب الامتناع منه على مذهب من لا يرى العودة الوطء نفسه لأنه تعالى قد نص على أن الكفارة تكون قبل أن يتماسا فلا يحل أن يطأ قبل أن يمس. فإن وطئ لزمته الكفارة مات أو عاش، طلقها أو لم يطلقها. وأما على المذهب من يرى العودة الوطء نفسه فلا تجب عليه الكفارة لأول وطء وله أن يطأ مرة. فإذا وطئ لم يكن له أن يطأ ثانية حتى يكفر. وهذا القول روي عن مالك ونسبه أصبغ لأهل المشرق ولمن يرتضي من أهل المدينة. وروي عن مجاهد أنه إذا وطئ قبل الشروع في الكفارة لزمته كفارة أخرى إذ من مذهبه أن المظاهر تلزمه الكفارة بمجرد الظهار وإن ماتت المرأة أو طلقها. وقد روي عن غير مجاهد أن المظاهر إذا وطئ قبل الكفارة سقطت عنه الكفارة (٣) لأنه قد فات موضعها لقول الله عز وجل :﴿من قبل أن يتماسا﴾ فيأتي في الوطء قبل الكفارة يجوز أم لا قولان. وإذا قلنا لا يجوز أن يطأ قبل أن يكفر فثلاثة أقوال : أحدها : أنه لا يجب عليه شيء وتسقط عنه الكفارة. والثاني : أنه يلزمه كفارتان. والثالث : أن كفارة واحدة هي التي تجب عليه وترتب في ذمته. واختلف في المظاهرة من الرتقاء وفي مظاهرة الشيخ الفاني الذي لا يقدر على الجماع، والعنين والخصي والمقطوع الذكر ونحوه. فمن ذهب إلى أن الظهار يتعلق بالوطء وما دونه ألزم الظهار. ومن ذهب إلى أنه إنما يتعلق بالوطء خاصة لم يلزمه الظهار، وهذا على اختلافهم في تأويل قوله تعالى :﴿من قبل أن يتماسا﴾ (٤).
قوله تعالى :﴿ذلكم توعظون به﴾ : إشارة إلى التحريم، أي أن فعله عظة لكم لتنتهوا به عن الظهار.
١ في (أ)، (ز) زيادة: "في الظهار لا تكون"..
٢ "وهي في كفارة القتل... إلى: إلا مؤمنة" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
٣ "بمجرد الظهار... إلى: الكفارة" كلام ساقط في (أ).
.
٤ راجع نحو ذلك في أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٣٠٥ – ٣١٢، وفي أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٤٥، ١٧٤٦، وفي الجامع لأحكام القرآن ١٧/ ١٨٢ – ٢٨٨..
المجادلة 58:4
– قوله تعالى :﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين﴾ :
اشترط تعالى التتابع في صيام الظهار، واجتمع أهل العلم على ذلك. فإن أفسد الصائم التتابع باختياره فلا خلاف في أنه يعيد ليأتي به على الشرط الذي ذكره الله تعالى، واختلف إذا أفسده بعذر من مرض أو نسيان، فقال أصحاب الرأي وغيرهم يبتدئ، وحملوا الآية على ظاهرها إذ لم يفرق فيها بين عذر وغير عذر. وقال مالك ومن تابعه يبني وعذره بالعذر. وللشافعي القولان. وأجمعوا أيضا على أن الحائض تبني، واختلف إذا ابتدأ سفرا في صيامه فأفطر بما أوجب ذلك، فعند مالك أنه يبتدئ الصيام، وكذلك عند الشافعي وأبي حنيفة. ويبني في قول الحسن البصري، والقول الأول أظهر لعدم التتابع المشترط في الآية وليس له عذر بين.
ثم قال :﴿فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا﴾ :
فاختلف العلماء في الإطعام المذكور في الآية ما تحديده، فالمشهور عن مالك أنه لكل مسكين مد هشامي. واختلف في قدر المد الهشامي، فقيل : مدان إلا ثلثا، وهو المشهور وهو مذهب مالك. وقيل مد وثلث. وقيل مدان بمد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول أبي حنيفة. فهذا يعضد ذلك. فهذه ثلاثة أقوال في المد الهشامي. وقيل إنه يطعم كل مسكين مدا واحدا، فمد النبي صلى الله عليه وسلم في الظهار، وهو قول ابن القصار والشافعي وغيرهما. واختلف إذا أطعم مسكينا واحدا ستين يوما، ففي المذهب وعند الشافعي وغيره أنه لا يجزئه وقال أبو حنيفة وأصحابه يجزئه، ودليل القول الأول ظاهر الآية لأنه تعالى اشترط عدد المساكين فلا بد منه، وقال تعالى هنا :﴿فإطعام ستين مسكينا﴾ ولم يشترط قبل التماس. فاختلف أهل العلم في ذلك، فحمله مالك على ما قبله فجعله مثل العتق والصوم ورأى أنه لا يكون إلا قبل التماس. وقال أبو حنيفة وكثير من أهل العلم : لم ينص الله تعالى على شرط هنا (١) فنحن لا نلتزمه. فجائز للمظاهر إذا كان من أهل الإطعام أن يطأ قبل الكفارة ويستمتع. واختلف في الذي لا يجد الرقبة فيبتدئ بالصوم ثم يجد الرقبة، فالمشهور في المذهب أنه بالخيار بين أن يتم الصوم أو يرجع فيعتق، ويستحب له الرجوع وهو قول الشافعي، وعند ابن عبد الحكم أنه يرجع فيعتق، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. والحجة للقول الأول ظاهر الآية لأنه تعالى قال :﴿فمن لم يجد فصيام شهرين﴾ وهذا لم يجد فقد أخذ بصوم شهرين على ما أوجب الله تعالى، ثم إذا وجد بعد ذلك لم يبطل عليه واجبا لأنه إنما دخل فيه بإيجاب الله تعالى ذلك عليه، فعلى هذا القول يكون معنى الآية : فمن لم يجد في حين نظره في التكفير، وعلى القول الآخر يكون معناه : فمن لم يجد في شيء من مدة التكفير. واختلف إذا كان في ملك المظاهر رقبة إلا أنه محتاج إليها لخدمة وهو لا يملك غيرها، ففي المذهب أنه يلزمه إعتاقها ولا يجزئه الصيام. وقال الشافعي يجزئه الصيام (٢). واحتج بعضهم للمذهب بقوله تعالى :﴿فتحرير رقبة فمن لم يجد فصيام...﴾ الخ، قالوا وهذا واجد فلا يجوز العدول إلى الصوم. واختلف أيضا إذا لم يكن في ملكه رقبة وكان معه ثمنها خاصة وهو محتاج إليه، ففي المذهب أنه يلزمه شراؤها ولا يجزئه الصوم. وقال أبو حنيفة والشافعي يجزئه الصوم. واحتج بعضهم أيضا للقول الأول بالآية وقال إنه واحد فلم يجز له العدول(٣).
١ "فحمله مالك على ما قبله.... إلى: هنا" كلام ساقط في (أ)..
٢ "وقال الشافعي يجزئه الصيام" كلام ساقط في (أ)..
٣ راجع أحكام القرآن للجصاص ١٧/ ٢٨٢- ٢٨٨، وأحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٤٥، ١٧٤٦..
المجادلة 58:11
- قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس...﴾ إلى قوله تعلى :﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول...﴾ :
اختلف في سبب الآية والمقصود بها، فقال ابن عباس ومجاهد والحسن نزلت في مقاعد الحرب والقتال. وقال قتادة وابن أسلم (١) وابن زيد نزلت بسبب ازدحام الناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لتنافسهم في القرب منه وسماع كلامه، فيأتي الرجل الذي له السن والقدم في الإسلام فلا يجد موضعا، فلذلك نزلت الآية. وقال مقاتل : أقام النبي صلى الله عليه وسلم قوما ليجلس في موضعه أشياخا من أهل بدر ونحو ذلك فنزلت الآية(٢). واختلف في الآية هل هي مقصورة على سببها أم هي عامة في جميع المجالس ؟ فذهب جماعة إلى أنها مخصوصة بمجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدل على ذلك القراءة بإفراد المجلس، ومن قرأ في المجالس (٣) فذلك مراده أيضا لأن لكل واحد مجلسا من بيت النبي صلى الله عليه وسلم وموضعه مجتمع لذلك، وذهب قوم إلى أنها في مجلس القتال خاصة، وذهب الجمهور إلى أنها عامة غير مقصورة على سببها فيكون لمجلس النبي صلى الله عليه وسلم ومجلس العرب ومجلس العلم وسائر مجالس الطاعات، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : " أحبكم إلى الله ألينكم مناكب في الصلاة وركبا في المجالس(٤) " وهو قول مالك رحمه الله تعالى، فعلى هذا ينبغي التفسح في المجالس وأن لا يضيق أحد على أحد أما أن يقام أحد لأحد فلا، والآية لا تقتضيه إنما تقتضي الآية التوسع في المجالس وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام ما يؤيد ذلك. روى أبو هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال : " لا يقم أحد من مجلسه ثم يجلس الرجل فيه ولكن تفسحوا يفسح الله لكم " (٥). وإذا كان المراد في الآية للتفسح في المجالس التوسيع فيه خاصة، فمن دليل خطاب الآية يظهر ما جاء في الحديث من النهي عن أن يقام الرجل من مجلسه (٦). وقد اختلف العلماء فيما يحمل عنه نهي النبي صلى الله عليه وسلم على أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر. فتأوله قوم على الندب ورآه من باب الأدب، قالوا لأنه قد يجب على العالم أن يليه أولو الفهم والنهى ويوسع لهم في الحلقة حتى يجلسوا بين يديه. فعلى هذا يكون للعالم أن يقيم من بالمجلس إلى جنبه أو بين يديه ويجلس فيه غيره إذا كان له وجه. وتأوله قوم على الوجوب وقالوا لا ينبغي لمن سبق إلى مجلس مباح للجلوس فيه أن يقام منه واحتجوا أيضا بما روى أبو هريرة عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : " إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به بعد رجوعه " (٧) قالوا فإذا كان أحق به بعد رجوعه كان أولى أن يكون أحق به ما دام فيه. قالوا : وقد كان ابن عمر يقوم له الرجل من عند نفسه فما يجلس في مجلسه، وهو راوي الحديث، والله تعالى أعلم بتأويله.
– وقوله تعالى :﴿وإذا قيل انشزوا فانشزوا﴾ :
اختلف في النشز المأمور به في الآية ما هو، قال الضحاك وقتادة والحسن معناه : إذا دعوا إلى قتال أو صلاة ونحو ذلك من الطاعات. وقال قوم معناه إذا دعوا إلى القيام عن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان أحيانا يحب الانفراد في أمر الإسلام فربما جلس ناس وأراد كل واحد منهم أن يكون أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية آمرة بالقيام عنه متى فهم ذلك بقول أو فعل، وقال قوم معناه : انشزوا في المجلس بمعنى التفسح فيه، لأن الذي يريد التوسعة لا بد أن يرتفع في الهواء، فإذا فعل ذلك اتسع الموضع فيأتي قوله :﴿انشزوا﴾ مثل قوله ﴿تفسحوا﴾.
- قوله تعالى :﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ :
اختلف في تأويله، فقال قوم المعنى : يرفع الله المؤمنين العلماء منكم درجات، فلذلك أمر بالتفسح من أجلهم، ويجيء على هذا قوله تعالى :﴿والذين أوتوا العلم﴾ بمنزلة قولك : جاءني العاقل والكريم، وأنت تريد إنسانا واحدا. وقال قوم يرفع الله الطائفتين المؤمنين والعلماء الصنفين جميعا درجات لكنا نعلم تفاضلهم في تلك الدرجات من موضع آخر، ولذلك جاء الأمر بالتفسح عاما للعلماء وغيرهم. وقال قوم – منهم عبد الله بن مسعود – المعنى : يرفع الله الذين آمنوا منكم وتم الكلام ثم ابتدأ بتخصيص العلماء بالدرجات ونصب العلماء على إضمار فعل. فالذي يتحصل للمؤمنين على هذا القول الرفع، وللعلماء الدرجات، ولهذا قال مطرف : فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة وخير دينكم الورع(٨).
١ ابن أسلم: هو شجاع بن أسلم بن محمد بن شجاع، أبو كامل. توفي سنة ٣٤٠ هـ/ ٩٥١م. انظر لسان الميزان لابن حجر ٣/ ١٣٧..
٢ وقيل غير ذلك. فراجعه في أسباب النزول للواحدي ص ٣٠٨، وفي تنوير المقباس ص ٤٦١..
٣ "فذهب جماعة إلى أنها مخصوصة.... إلى: المجالس" كلام ساقط في (أ)..
٤ الحديث أخرجه أحمد في مسنده ٢/ ٤٨٣..
٥ الحديث رواه أحمد في مسنده ٢/ ١٧ و٣/ ٣٤٢. والدارمي، كتاب الاستئذان، باب: لا يقيمن أحدكم أخاه من مجلسه ص ٦٧٧..
٦ راجع أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٤٧ – ١٧٤٩، والتفسير الكبير ٢٩/ ٢٦٨، ٢٦٩، والجامع لأحكام القرآن ١٧/ ٢٩٦- ٣٠٠..
٧ الحديث أخرجه الترمذي في سننه عن وهب بن حذيفة، كتاب الأدب، باب: ما جاء إذا قام الرجل من مجلسه ٥/ ٨٩..
٨ راجع الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٣٤٣ و ١٧/ ٣٠٠، والتفسير الكبير في تفسير الفخر الرازي لقوله تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾..
المجادلة 58:12
– قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾ :
اختلف في سبب الآية. فقيل نزلت في الأغنياء لأنهم غلبوا الفقراء على مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى مجلسه، قاله مقاتل (١). وقيل إن طائفة من شباب المؤمنين وأغفالهم كانت مناجاتهم للنبي صلى الله عليه وسلم في غير حاجة إلا لتظهر منزلتهم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم سمحا لا يرد أحدا فنزلت الآية مشددة عليهم أمر المناجاة، قاله ابن عباس وغيره. وقيل نزلت بسبب أن المنافقين واليهود كانوا يناجون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون إنه أذن فيسمع كل ما يقال له، وكان لا يمنع أحدا من مناجاته فكان ذلك شق على المسلمين لأن الشيطان كان يلقي في نفوسهم أنهم ناجوه بأن جموعا اجتمعت لقتاله فأنزل الله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول﴾ [المجادلة: ٩]، فلم ينتهوا فأنزل الله تعالى هذه الآية، فانتهى أهل الباطل عن النجوى لأنهم لم يقدموا بين يدي نجواهم صدقة(٢). وهذه الآية منسوخة باتفاق من المفسرين نسخها قوله تعالى بعد هذه الآية :﴿أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة...﴾ الآية [المجادلة: ١٣]. وقيل نسختها آية الزكاة (٣). والقول الأول هو الصحيح فأباح الله تعالى لهم المناجاة دون تقديم صدقة بعد أن كان منع من ذلك. إلا أنه اختلف هل كان هذا النسخ بعد أن عمل بالآية أم لا ؟ فقالت طائفة : نسخت هذه الآية قبل أن يعمل بها، وهذه من نسخ الأمر قبل التمكن من امتثاله. وفيه اختلاف بين أهل السنة والقدرية كمسألة إبراهيم عليه السلام في ذبح ابنه. وقالت طائفة لم تنسخ حتى عمل بها وصححوا عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال : ما عمل بها أحد غيري وأنا كنت سبب الرخصة والتخفيف على المسلمين وذلك أني أردت مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر ضروري فصرفت دينارا بعشرة دراهم ثم ناجيته عشر مرار في كل مرة درهما، وروي عنه أنه تصدق في كل مرة بدينار، قال : ففهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه العبادة قد شقت على الناس فقال : " يا علي كم ترى أن يكون حد هذه الصدقة ؟ أتراه دينارا " قلت : لا، قال : " فنصف دينار " قلت : لا يطيقونه، قال : " فكم ؟ " قلت حبة من شعير، قال : " إنك لزهيد "، فأنزل الله تعالى الرخصة (٤) يريد للواجدين. وأما من لم يكن يجد فالرخصة لم تزل ثابتة له لقوله تعالى :﴿فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم﴾ (٥). وقد اختلف في تعزية المسلم بابنه الكافر، فحرمها مالك في الجنائز من العتبية واحتج بقوله تعالى :﴿ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا﴾ [الأنفال: ٧٢] وضعف غيره هذا الاستدلال، كذا قال.... (٦) وقال لو احتج بقوله تعالى :﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ [التوبة: ٧١] وبقوله :﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله....﴾ [المجادلة: ٢٢]، لكان أظهر وإن لم يكن دليلا قاطعا. قال وقد روي عن مالك إجازة تعزية الكافر بابنه الكافر لتمام جوار فيقول له : إذا مر به : بلغني ما كان من مصابك بابنك، الله يكتبه من خيار ذوي ملته. قال : والمسلم بالتعزية أولى. اختلف في مدة بقاء هذا الحكم، فقيل عشرة أيام، وقيل ساعة من نهار.
١ ذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٣٠٨، راجع أيضا ذلك في تنوير المقباس ص ٤٦٢.
.
٢ راجع التفسير الكبير ٢٩/ ٢٧١، وأحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٤٩، ١٧٥٠، والجامع لأحكام القرآن ١٧/ ٣٠١..
٣ راجع الإيضاح ص ٣٦٨، ٣٦٩..
٤ راجع قول علي كرم الله وجهه في لباب النقول ص ٧٥٠..
٥ راجع الإيضاح ص ٣٦٨..
٦ بياض في جميع النسخ.
.
المجادلة 58:13
– قوله تعالى :﴿فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ : اختلف في هذه الزكاة، فقيل هي المفروضة، وهو أحسن ما قيل في الآية، وقيل هي غير المفروضة وهي منسوخة بآية الزكاة، وذكر ذلك ابن عباس، وهو قول ضعيف وقد تقدم الكلام على هذه المسألة وسببها مستوعبا. والله تعالى أعلم (١).
١ "والله تعالى أعلم" كلام ساقط في غير (ح)..
المجادلة 58:22
– قوله تعالى :﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾ : قال بعضهم إنه نسخها قوله تعالى :﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم....﴾ الآية [الممتحنة: ٨]، والصحيح أنه لا نسخ في ذلك وأن قوله تعالى :﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ نزلت في أهل الحرب، وأن قوله تعالى :﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم﴾ نزلت في أهل الذمة والأسارى. فمن سالم من الكفار فلا بأس ببره وإكرامه لظاهر حاله. وقالت أسماء : يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي راغبة مشركة أفأصلها ؟ قال صلى الله عليه وسلم : " صلي أمك " (١). وقد سئل مالك عن النصراني يصنع صنيعا يختن ابنا له فيدعو في دعوته مسلمين أو مسلما أترى أن يجيب. قال : إن شاء ليس عليه في ذلك ضيق أن جاءه فلا بأس به. وقال بعض المتأخرين : الأحسن أن لا يفعل لما فيه من التودد إلى الكفار وقد قال تعالى :﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾.
١ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الهبة، باب: الهدية للمشركين ٣/ ١٤٢..
الحشر 59:2
– قوله تعالى :﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر﴾ :
عنى الله تعالى بذلك جلاء بني النضير من اليهود عن موضعهم، فمنهم من خرج إلى خيبر، ومنهم من خرج إلى الشام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم صالحهم على الجلاء على أن لهم ما أقلت الإبل إلا الحلقة (١)، والحلقة السلاح.
وقوله تعالى :﴿لأول الحشر﴾ أي أن إجلاءهم ذلك كان أول الحشر إلى الشام. قال قتادة : تجيء نار من المشرق تحشر الناس إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا وتأكل من تخلف (٢). يريد أن هذا هو الحشر المشار إليه.
ومصالحة أهل الحرب على الجلاء من ديارهم من غير شيء يؤخذ منهم، الظاهر أنه يجوز.
وقال أبو الحسن لا يجوز الآن وإنما جاز أول الإسلام ثم نسخ ولا بد من قتلهم أو سبيهم أو ضرب الجزية عليهم (٣) ذكر ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل خيبر سأل اليهود منهم أن يقرهم فيها على أن يكفوهم مؤونة التمر ولهم النصف من ذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أقركم فيها " حتى أجلاهم عمر رضي الله تعالى عنه حين بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يجتمع دينان بجزيرة العرب " (٤).
١ راجع أسباب النزول للواحدي ص ٣١٠، ٣١١..
٢ راجع التفسير الكبير ٢٩/ ٢٧٩..
٣ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٤٠٥..
٤ الحديث أخرجه مالك في الموطأ عن ابن شهاب الزهري، كتاب الجامع، باب: ما جاء في إجلاء اليهود من المدينة ٢/ ٢٣٧..
الحشر 59:5
– قوله تعالى :﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله...﴾ إلى قوله تعالى :﴿وما آتاكم الرسول فخذوه.....﴾.
سبب قوله تعالى :﴿ما قطعتم من لينة﴾ الآية أن بعض أصحابه عليه الصلاة والسلام جعلوا يقطعون نخل بني النضير ويحرقونه. فقال بنو النضير : ما هذا الإفساد يا محمد، وأنت تنهى عن الفساد ؟ فكف بعض أصحابه لذلك، وذلك في صدر الحرب معهم. فنزلت الآية رادة على بني النضير وأن ما كان من ذلك فبإذن الله تعالى (١). واللينة : قال مجاهد : كل نخلة لينة. وقيل هي كرام النخل، وقيل هي ما عدا العجوة (٢)، وقال بعضهم : نهى بعض المهاجرين عن القطع فنزلت الآية بتصويب الرأيين في القطع ثم الترك. وهذا يدل على أن كل مجتهد مصيب وإن كان ذلك يبعد مع وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم والتعويل في الجواز إنما هو على أنه رأى ذلك فأقره. وقد اختلف الناس في قطع شجر المشركين وتخريب بلادهم. فأجازه الجمهور وكرهه الجماعة وتأولوا على ذلك حديث أبي بكر المشهور في توجيهه الجيش إلى الشام ووصيته إياهم (٣)، وحكي عن الشافعي أنه قال : يحرق الشجر المثمر والبيوت إذا كانت لهم معاقل وكره تحريق الزرع والكلأ. والحجة لقول الجمهور ظاهر الآية وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم على تحريق نخل بني النضير.
١ راجع ذلك في أسباب النزول للواحدي ص ٣١٢، وفي لباب النقول ص ٧٥٧، وفي أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٥٦..
٢ وقيل غير ذلك فراجعه في أحكام القرآن لابن العربي الذي ذكر فيها سبعة أقوال ٤/ ١٧٥٦..
٣ الحديث رواه مالك عن يحيى بن سعيد، وذكره الشوكاني في نيل الأوطار، كتاب الجهاد، باب: الكف عن المثلة والتحريق ٨/ ٧٤..
الحشر 59:6
– قوله تعالى :﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾ :
أعلم الله تعالى في هذه الآية أن ما أخذ لبني النضير وما أخذ من فدك فهو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم على حكم الغنيمة التي يوجف عليها ويقاتل فيها، بل على حكم خمس المغانم، وذلك أن بني النضير لم يوجف عليها ولا قوتلت كبير قتال، فأخذ منها رسول الله صلى الله عليه وسلم قوت عياله وقسم سائرها في المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئا، غير أن أبا دجانة سماك بن خدشة (١) وسهل بن حنيف (٢) شكوا فاقة فأعطاهما صلى الله عليه وسلم. هذا قول جماعة من أهل العلم. وذكر عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق منها على عياله نفقة سنة وما بقي منها جعله في السلاح والكراع عدة في سبيل الله. قال قوم من العلماء : وكذلك كل ما افتتح على الأئمة مما لا يوجف عليه فهو لهم خاصة.
١ أبا دجانة سماك بن خدشة: هو سماك بن خدشة الخزرجي البياضي الأنصاري المعروف بأبي دجانة. صحابي شجاع. توفي سنة ١١هـ/ ٦٣٢م. انظر الإصابة ٤/ ٥٦..
٢ سهل بن حنيف: هو سهل بن حنيف بن وهب الأنصاري الأوسي، أبو سعد. صحابي شهد بدرا وثبت يوم أحد. توفي سنة ٣٨هـ/ ٦٥٨م. انظر الإصابة ٢/ ٨٤..
الحشر 59:7
– وقوله تعالى :﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾ :
أهل القرى في هذه الآية هم أهل الصفراء والينبوع ووادي القرى وما هنالك من قرى العرب التي تسمى قرى عربية. وحكمها مخالف لحكم أموال بني النضير لأنه عليه الصلاة والسلام لم يحبس من هذه لنفسه شيئا بل أمضاها لغيره. واختلف في صفة فتحها، فقيل طوعا لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، وكان حكمه حكم خمس الغنائم. وليس في الآية نسخ على هذا.
وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع ذلك للمهاجرين ولم يعط الأنصار منه شيئا. وقيل بل كانت مما أوجف عليها بالخيل والركاب ولكن كان هذا حكم ما يوجف عليه ثم نسخ بما في سورة الأنفال. وقد مر الكلام على هذه (١) الآية مستوعبا هناك فأغنى عن إعادته. وهذه الآية من المشكلات إذا نظرت مع الآية التي بعدها ومع آية الغنيمة من سورة الأنفال، ويحصل القول فيها أنه لا خلاف في قوله تعالى :﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه....﴾ الآية إنما نزلت فيما صار لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أموال الكفار بغير إيجاف خيل ولا ركاب وهي أموال بني النضير. وبذلك فسرها عمر رضي الله تعالى عنه ولم يخالفه أحد في ذلك، ولا خلاف في هذا النوع أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع فيه ما يشاء. وأما آية الأنفال – قوله تعالى :﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء...﴾ الآية [الأنفال: ٤١] فلا خلاف أيضا أنها نزلت فيما صار لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أموال الكفار بإيجاف الخيل والركاب، ولا خلاف أن الحكم فيه كما تضمن في الآية. أما الآية الثانية من الحشر وهي قوله تعالى :﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول....﴾ الآية، فاختلف أهل العلم فيها، فمنهم من أضافها إلى الآية التي قبلها في الحشر ورآهما فيما يصير من الكفار بغير إيجاف خيل ولا ركاب. ومنهم من أضافها إلى آية الأنفال وأنهما نزلا بحكمين مختلفين في الغنيمة الموجف عليها الخيل والركاب. وأن آية الأنفال نسخت آية الحشر. ومنهم من قال إنها نزلت في معنى ثالث غير المعنيين المذكورين في الآيتين المذكورتين(٢). واختلف الذاهبون إلى هذا في ذلك المعنى، فقيل نزلت في خراج الأرض ومال الجزية وأن ذلك موقوف لمصالح المسلمين. وقيل نزلت في حكم أرض الكفار خاصة إذا أخذت عنوة دون سائر أموالهم. فهي على هذا القول مضافة إلى آية الأنفال إلا أنها في حكم الأرض، وآية الأنفال في حكم ما عدا الأرض. فمن أهل هذه المقالة من ذهب إلى أن الأرض تقر ولا / تقسم كما يقسم سائر الغنائم واحتجوا لذلك بما فعل عمر رضي الله تعالى عنه فإنه لما فتح العراق سأل قوم من الصحابة قسمتها بينهم. فقال : إن قسمتها بينكم بقي آخر المسلمين لا شيء لهم واحتج عليهم بهذه الآية إلى قوله تعالى :﴿والذين جاءوا من بعدهم...﴾ الآية، وشاور عليا في ذلك، فأشار عليه بترك القسمة وأن يقر أهلها فيها ويضع الخراج عليها ففعل ذلك. وإلى هذا ذهب مالك رحمه الله تعالى. والآية عند أهل هذه المقالة غير منسوخة. ومن أهل هذه المقالة من ذهب إلى تخيير الإمام في ذلك فإن رأى قسمتها قسمها وإن رأى تركها تركها. قال أبو الحسن : والذي ذكر من احتجاج عمر رضي الله تعالى عنه بعيد جدا لأن قوله تعالى :﴿والذين جاءوا من بعدهم﴾ لا يعطي أن لهم حقا من الغنيمة وأن غير من شهد الواقعة يستحق منها شيئا. والعجب أن الذين هم في الحياة لا يستحقون إذا لم يشهدوا الوقعة فكيف يستحقها من جاء بعدهم ؟ قال : فدل ذلك على أن معنى الآية ظاهرها وهو ندب الآخرين إلى الدعاء للأولين. قال : ودل هذا على أن الحق هو ما ذهب إليه الشافعي وهو أن ما كان عنوة من الأرضين وغيرها مقسومة على حكم آية الأنفال وأن الذي صنع عمر إنما صنعه بعد استيطاب أنفس الغانمين ورأى اشتراء الأرض منهم(٣). وقد مر الكلام على ترجيح قول مالك على قول غيره بما أغنى عن إعادته.
قوله تعالى :﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾، روي في سبب هذه الآية أن قوما من الأنصار تكلموا في هذه المواضع المفتتحة وقالوا : لنا منها سهم، فنزلت الآية تأديبا وزجرا (٤). والآية – إن كانت على سبب – فهي عامة عند جمهور العلماء في جميع الأحكام الصادرة عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال قوم : إن الخمر محرمة في كتاب الله تعالى بهذه الآية. وانتزع منها ابن مسعود لعن الواشمة والمستوشمة. حكى أن امرأة من بني أسد (٥) يقال لها أم يعقوب قالت : لقد قرأت بين لوحي المصحف فما وجدته فذكر لها الآية، فقالت له المرأة : إني أرى من هذا شيئا على امرأتك، فقال : اذهبي فانظري، فذهب فنظرت فلم تر شيئا. وروي أنه رأى محرما في ثيابه المخيطة فقال له : اطرح هذا عنك. فقال له الرجل : لتقرأ علي بذلك آية في كتاب الله : فقال ابن مسعود : نعم، وتلا هذه الآية (٦).
١ "مما أوجف عليها بالخيل.... إلى: على هذه" كلام ساقط في (أ)..
٢ راجع أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٦٠..
٣ راجع قول أبي الحسن في أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٤٠٦، ٤٠٧، راجع أيضا تفسير هذه الآية في أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٦٠، ١٧٦١، وفي أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٣١٦ – ٣٢٥..
٤ راجع الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ١٩..
٥ في (أ)، (ز): "من بني إسرائيل"..
٦ راجع الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ١٨..
الحشر 59:8
– قوله تعالى :﴿للفقراء المهاجرين...﴾ إلى قوله :﴿ورضوانا﴾ : أي الغنائم للفقراء ومن ذكر بعدهم من المهاجرين الذين هاجروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ﴿والذين تبوأوا الدار﴾ وهم الأنصار، ﴿والذين جاؤوا من بعدهم﴾ يعني كل من جاء بعد الصحابة من المسلمين الذين هم على الصفة المذكورة، فساق هذه الأصناف الثلاثة تبيينا لقوله :﴿والمساكين وابن السبيل﴾ وهو بدل منه بإعادة حرف الجر. والكلام في هذا يطول وليس فيه ما يتعلق بالأحكام فيضطر إلى ذكره.
الحشر 59:10
– قوله تعالى :﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا﴾، بهذه (١) الآية قال مالك وغيره إنه من كان له في أحد من الصحابة قول سوء أو بغض فلا حض له في الفيء أدبا له (٢).
١ "بهذه" كلمة ساقطة في (ب)، (د)، (هـ)..
٢ قال ابن العربي: قال مالك: من سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا حق له في الفيء. راجع ذلك في أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٦٦..