أحكام القرآن — المائدة 5:1 – الأنفال 8:75
المحتويات
- المائدة 5:1
- المائدة 5:2
- المائدة 5:3
- المائدة 5:4
- المائدة 5:5
- المائدة 5:6
- المائدة 5:8
- المائدة 5:13
- المائدة 5:28
- المائدة 5:31
- المائدة 5:32
- المائدة 5:33
- المائدة 5:34
- المائدة 5:38
- المائدة 5:42
- المائدة 5:43
- المائدة 5:45
- المائدة 5:48
- المائدة 5:51
- المائدة 5:54
- المائدة 5:55
- المائدة 5:57
- المائدة 5:58
- المائدة 5:67
- المائدة 5:68
- المائدة 5:78
- المائدة 5:79
- المائدة 5:87
- المائدة 5:89
- المائدة 5:90
- المائدة 5:91
- المائدة 5:93
- المائدة 5:94
- المائدة 5:95
- المائدة 5:96
- المائدة 5:101
- المائدة 5:103
- المائدة 5:105
- المائدة 5:106
- الأنعام 6:68
- الأنعام 6:90
- الأنعام 6:108
- الأنعام 6:121
- الأنعام 6:136
- الأنعام 6:138
- الأنعام 6:140
- الأنعام 6:141
- الأنعام 6:145
- الأنعام 6:146
- الأنعام 6:152
- الأنعام 6:153
- الأنعام 6:161
- الأنعام 6:164
- الأعراف 7:2
- الأعراف 7:3
- الأعراف 7:11
- الأعراف 7:12
- الأعراف 7:16
- الأعراف 7:19
- الأعراف 7:26
- الأعراف 7:31
- الأعراف 7:33
- الأعراف 7:55
- الأعراف 7:145
- الأعراف 7:199
- الأعراف 7:204
- الأنفال 8:1
- الأنفال 8:16
- الأنفال 8:25
- الأنفال 8:39
- الأنفال 8:41
- الأنفال 8:45
- الأنفال 8:46
- الأنفال 8:57
- الأنفال 8:58
- الأنفال 8:60
- الأنفال 8:61
- الأنفال 8:65
- الأنفال 8:67
- الأنفال 8:68
- الأنفال 8:69
- الأنفال 8:72
- الأنفال 8:73
- الأنفال 8:75
المائدة 5:1
(p-٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المائِدَةِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ الآيَةَ:
اعْلَمْ أنَّ العُقُودَ في الشَّرْعِ مُنْقَسِمَةٌ إلى ما يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، وإلى ما لا يَجِبُ، وإلى ما لا يَجُوزُ.
فَأمّا ما لا يَجُوزُ مِثْلُ عُقُودِ الجاهِلِيَّةِ عَلى النُّصْرَةِ عَلى الباطِلِ في قَوْلِهِمْ: دَمِي دَمُكَ، ومالِي مالُكَ، وأنا أجِيرُكَ، فَيُعاهِدُهُ عَلى أنْ يَنْصُرَهُ عَلى الباطِلِ، ويَمْنَعَ حَقًّا تَوَجَّهَ عَلَيْهِ، فَهَذا لا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ.
والوَجْهُ الآخَرُ: ما يَتَخَيَّرُ في الوَفاءِ بِهِ. والوَجْهُ الثّالِثُ: ما يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، والَّذِي يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ هو الَّذِي يَتَضَمَّنُ تَحْقِيقَ حَقٍّ أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى الوَفاءَ بِهِ.
فَإذا انْقَسَمَتِ العُقُودُ إلى باطِلٍ وصَحِيحٍ، فَرُبَّما يَقُولُ القائِلُ: الأصْلُ اتِّباعُ الشُّرُوطِ والعُقُودِ، نَظَرًا إلى مُطْلَقِ اللَّفْظِ، والقائِلُ الآخَرُ يَقُولُ: (p-٨)إنَّما يَجِبُ عَلَيْنا اتِّباعُ عُقُودٍ شَرْعِيَّةٍ ورَدَ الشَّرْعُ بِها، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ما بالُ أقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ ما لَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى؟ كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَهو باطِلٌ» .
ولا شَكَّ أنَّ الَّذِي ورَدَ الشَّرْعُ بِهِ مَحْصُورٌ مَضْبُوطٌ، والَّذِي يُمْكِنُ اشْتِراطُهُ مِمّا يَهْجِسُ في النَّفْسِ، فَمِمّا لا نِهايَةَ لَهُ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الأصْلَ وُجُوبُ الوَفاءِ بِكُلِّ ما يَهْجِسُ في النَّفْسِ، فَيَعْقِدُ عَلَيْهِ، بَلِ الشَّرْعُ ضَبَطَ لَنا ما يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، والباقِي مَرْدُودٌ، فَهو كَقَوْلِ القائِلِ: افْعَلُوا الخَيْرَ، لا يَجُوزُ أنْ يَحْتَجَّ بِهِ في وُجُوبِ كُلِّ خَيْرٍ، فَإنَّ ما لا يَجِبُ فِعْلُهُ مِنَ الخَيْراتِ لا نِهايَةَ لَهُ، فالمَخْصُوصُ مَجْهُولٌ عَلى ذَلِكَ، وكَذَلِكَ المَخْصُوصُ مِنَ الشُّرُوطِ، فَإنَّ الباطِلَ مِنَ الشُّرُوطِ لا نِهايَةَ لَهُ، وإنَّما الجائِزُ مِنها مَحْصُورٌ، فَعَلى هَذا لا يَجُوزُ التَّعَلُّقُ بِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ:
«المُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» .
ولا بِمُطْلَقِ قَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ .
فَهَذا هو المُخْتارُ فِيهِ.
والَّذِي هو عَقْدٌ أوْ يُسَمّى عَقْدًا يَنْقَسِمُ إلى ما كانَ عَلى المُسْتَقْبَلِ، وإلى ما كانَ عَلى الماضِي.
أمّا ما عَلى المُسْتَقْبَلِ: مِثْلَ قَوْلِ القائِلِ: واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ.
وأمّا عَلى الماضِي: كَقَوْلِ القائِلِ: واللَّهِ لَقَدْ كانَ كَذا. ويُقالُ في (p-٩)مِثْلِهِ: إنَّهُ عَقَدَ اليَمِينَ عَلَيْهِ، لا عَلى مَعْنى أنَّهُ عَزَمَ عَلى فِعْلِ شَيْءٍ، فَإنَّ اليَمِينَ يُعْقَدُ عَلى فِعْلِ الغَيْرِ مِن غَيْرِ أنْ يَصِحَّ العَزْمُ عَلَيْهِ، وإنَّما مَعْناهُ: أنَّهُ يَظْهَرُ المَحْلُوفُ عَلَيْهِ، ويُحِيلُ إلى غَيْرِهِ تَحْقِيقَهُ، فَيَنْظُرُ ما يَكُونُ مِن عاقِبَةِ يَمِينِهِ، وفي الماضِي إظْهارُ الصِّدْقِ قائِمٌ، وقَصْدُ تَحْقِيقِ القَوْلِ قائِمٌ، فَيُقالُ: عَقَدَ اليَمِينَ، أيْ: قَصَدَ تَحْقِيقَ قَوْلِهِ وتَصْدِيقَ نَفْسِهِ، فَهو عَقْدٌ مِن هَذا الوَجْهِ.
يَبْقى أنْ يُقالَ هو في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُنْعَقِدٍ.
فَيُقالُ: هو في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وإنْ لَمْ يَقْصِدْ تَحْقِيقَ ما حَلَفَ لِعِلْمِهِ بِهِ، فَفي المُسْتَقْبَلِ رُبَّما لا يَتَصَوَّرُ مِنهُ العَقْدَ، ولَكِنْ يُحِيلُ العَقْدَ، ورُبَّما ظَنَّ الصِّدْقَ في الماضِي، فَيَقْصِدُ تَحْقِيقَ قَوْلِهِ بِعَقْدِ اليَمِينِ، فَسُمِّيَ عَقْدًا مِن هَذا الوَجْهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ بِما قَدَّمْناهُ أنَّ كُلَّ عَهْدٍ وعَقْدٍ لا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، فَمُطْلَقُ قَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ مَحْمُولٌ عَلى القَيْدِ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ [النحل: ٩١] .
وإنَّما عَنى بِهِ العَقْدَ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ فِيما أمَرَ اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ بِالوَفاءِ بِهِ، وإلّا فَكُلُّ يَمِينٍ عَلى مَنعِ النَّفْسِ مِن مُباحٍ أوْ واجِبٍ، فَذَلِكَ مِمّا لا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ:
«مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ولْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ» . (p-١٠)نَعَمِ، اخْتَلَفَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ فِيما إذا نَذَرَ قِرْبَةً مِن غَيْرِ أنْ يَسْتَنْجِحَ بِها طُلْبَةً، أوْ يَسْتَدْفِعَ بِها بَلِيَّةً. فَمِنهم مَن أوْجَبَ لِأنَّها داخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] .
ومِنهم مَن لَمْ يَرَ ذَلِكَ، لِأنَّهُ لَيْسَ إلى العِبادِ إيجابٌ ما لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، فَإنَّ الَّذِي وجَبَ إنَّما وجَبَ لِعِلْمِ الشَّرْعِ أنَّهُ داعٍ إلى المُسْتَحْسَناتِ العَقْلِيَّةِ، وناهٍ عَنِ المُسْتَقْبَحاتِ العَقْلِيَّةِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيما يُوجِبُهُ العَبْدُ عَلى نَفْسِهِ.
والقَوْلُ الآخَرُ يَقُولُ: إنَّ العَبْدَ إذا باشَرَ السَّبَبَ المُوجِبَ أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مِنَ العَبْدِ مُباشَرَةُ السَّبَبِ الوَحِيدِ، وكَوْنُ السَّبَبِ مُوجَبًا عُرِفَ بِالشَّرْعِ، فَوَجَبَ بِإيجابِ الشَّرْعِ، لا بِغَيْرِهِ، وهَذا بَيِّنٌ.
ولَعَلَّ الأظْهَرَ انْدِراجُ ذَلِكَ تَحْتَ العُمُومِ، ولا خِلافَ أنَّ المُباحَ نَذْرُهُ لا يُوجِبُ شَيْئًا، لِأنَّهُ لا يَتَوَهَّمُ كَوْنُهُ داعِيًا إلى المُسْتَحْسَناتِ العَقْلِيَّةِ، ولا أنَّ لَهُ في الوُجُوبِ أصْلًا يَتَوَهَّمُ كَوْنُ هَذا داخِلًا تَحْتَهُ، وهَذا بَيِّنٌ لا غُبارَ عَلَيْهِ.
ولَمّا حَلَفَ الصَّدِّيقُ عَلى ما كانَ فِعْلُهُ خَيْرًا مِن تَرْكِهِ، قِيلَ لَهُ: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى﴾ [النور: ٢٢] . فَحَنِثَ الصَّدِّيقُ عَنْ نَفْسِهِ، وكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ.
* *
(p-١١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ:
قِيلَ في الأنْعامِ: إنَّها الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، وقِيلَ: يَقَعُ الأنْعامُ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، وعَلى الظِّباءِ وبَقَرِ الوَحْشِ، ولا يَدْخُلُ فِيها الحافِرُ، لِأنَّهُ أحَدُ مَن يَعُمُّهُ الوَطْءُ.
والَّذِي يَدُلُّ عَلى تَناوُلِهِ لِلْجَمِيعِ اسْتِثْناؤُهُ الصَّيْدَ مِنها، بِقَوْلِهِ في نَسَقِ الآيَةِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ .
ويَدُلُّ عَلى أنَّ الحافِرَ لَيْسَ داخِلًا في الأنْعامِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] . ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهَ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ﴾ [النحل: ٨] . فَلَمّا اسْتَأْنَفَ ذِكْرَها وعَطَفَها عَلى الأنْعامِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِنها.
وذَكَرَ ذاكِرُونَ دَقِيقَةً فَقالُوا: لَمّا قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ أذِنَ ذَلِكَ بِأنَّ الإباحَةَ مُجازاةٌ عَلى الوَفاءِ بِالعُقُودِ، فَإنَّ الكُفّارَ مَحْظُورٌ عَلَيْهِمْ ذَبْحُ البَهائِمِ، فَإنَّ ذَبْحَ البَهائِمِ إنَّما عُرِفَتْ إباحَتُهُ بِالسَّمْعِ، والسَّمْعُ إنَّما عُرِفَ بِنُبُوَّتِهِ ﷺ، فَإذا تَثَبَّتَ ذَلِكَ فَلا يُباحُ ذَبْحُ البَهائِمِ لِلْكُفّارِ، وإنْ كانُوا أهْلَ الكِتابِ، وهَذا بَعِيدٌ.
(p-١٢)فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُباحًا لَهم لَما جازَ لِلْمُسْلِمِينَ تَناوُلُ ذَبائِحِهِمْ.
ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ مُحَرَّمٌ أنْ يَذْبَحُوا، ولَكِنْ إذا ذَبَحُوا عَلى تَسْمِيَةِ الكِتابِ حَلَّ لِلْمُسْلِمِ. وبِالجُمْلَةِ، هَذا طَرِيقُ المُعْتَزِلَةِ. وعِنْدَنا لا يَحْرُمُ قَبْلَ السَّمْعِ شَيْءٌ، ولا يَحِلُّ أيْضًا، فَإنَّ الحُكْمَ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى، فَلا تَعَلُّقَ لَهُ بِما تَقَدَّمَ عَلى هَذا الطَّرِيقِ، فاعْلَمْهُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ .
يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ فِيما قَدْ حَصَلَ تَحْرِيمُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فالباقِي عَلى الإباحَةِ؟ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، فَيَكُونُ عامًّا مُحْتَجًّا بِهِ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾: إلّا ما يُرِيدُ أنْ يُحَرِّمَهُ، فَيَكُونُ مُؤْذِنًا بِوُرُودِ بَيانٍ مِن بَعْدُ، إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ، ولا يَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ، إذا لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا في الحالِ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ إلّا ما قَدْ حَرُمَ عَلَيْكم مُطْلَقًا، وسَيَرِدُ بَيانُهُ. فَعَلى هَذا يَكُونُ القَدْرُ المَخْصُوصُ مِنهُ مُجْمَلًا لِجَهالَةِ المَخْصُوصِ. أوْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكُلُّ قَدْ ورَدَ دُفْعَةً واحِدَةً، فَيَذْكُرُ الكَلامَ مُطْلَقًا إلّا ما سَيَرِدُ تَفْصِيلُهُ، ويَسُوقُ الكَلامَ إلى غايَتِهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ كَمُطْلَقٍ يَعْقُبُهُ خُصُوصٌ، ويَسُوقُ الكَلامَ إلى آخِرِهِ.
نَعَمْ، قَوْلُهُ: ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾، لا يَتَناوَلُ مَحَلَّ الصَّيْدِ، فَإنَّهُ لَوِ اسْتَثْنى ذَلِكَ سَقَطَ حُكْمُ الِاسْتِثْناءِ الثَّمانِي، وهو قَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾، وصارَ بِمَثابَةِ قَوْلِهِ: ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾، وهو تَحْرِيمُ الصَّيْدِ عَلى المُحَرَّمِ، وذَلِكَ تَعَسُّفٌ في التَّأْوِيلِ، ويُوجِبُ ذَلِكَ (p-١٣)أيْضًا أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مِن إباحَةِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ مَقْصُورًا عَلى الصَّيْدِ، وقَدْ عَلِمْنا أنَّ المَيْتَةَ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ مُسْتَثْنًى مِنَ الإباحَةِ، فَهَذا تَأْوِيلٌ لا وجْهَ لَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ لا يَخْلُو؛ إمّا أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِمّا يَلِيهِ مِن الِاسْتِثْناءِ، فَيَصِيرُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ إلّا مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ، فَلَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ إباحَةُ الصَّيْدِ في الإحْرامِ، لِأنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنَ المَحْظُورِ، إنْ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ مُسْتَثْنًى مِنَ الإباحَةِ، فَهَذا أيْضًا وجْهٌ ساقِطٌ، فَإنَّ مَعْناهُ: أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ، و﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ سِوى الصَّيْدِ مِمّا قَدَّمْناهُ، ويُسْتَثْنى تَحْرِيمُهُ في الثّانِي، وأنْ يَكُونَ مَعْناهُ: أوْفُوا غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ، وأُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم.
المائدة 5:2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَناسِكُ الحَجِّ، فَعَلى هَذا تَشْتَمِلُ عَلى الصَّفا والمَرْوَةِ والبَدَنِ وغَيْرِها. وقِيلَ: مَعالِمُ اللَّهِ تَعالى وأحْكامُهُ: شَعائِرُهُ، فَإنَّ شَعائِرَهُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الإعْلامِ، ومِنهُ مَشاعِرُ البَدَنِ وهي الحَواسُّ، وهي أيْضًا المَواضِعُ الَّتِي أشْعَرَتْ بِالعَلاماتِ، ومِنهُ قَوْلُ القائِلِ: شَعَرْتُ بِهِ: أيْ: عَلِمْتُهُ، لا يَشْعُرُونَ: أيْ: لا يَعْلَمُونَ، ومِنهُ الشّاعِرُ، لِأنَّهُ شَعَرَ بِفِطْنَتِهِ بِما لا يَشْعُرُ بِهِ غَيْرُهُ، فالشَّعائِرُ: العَلاماتُ.
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾: اشْتَمَلَ عَلى جَمِيعِ مَعالِمِ دِينِ اللَّهِ، وهو ما أعْلَمَنا اللَّهُ تَعالى مِن فَرائِضِ دِينِهِ وعَلاماتِها أنْ لا تَتَجاوَزَ واحِدَةً ولا تُقَصِّرَ فِيما دُونَها، وهَذا أشْمَلُ التَّأْوِيلاتِ. (p-١٤)والهَدْيُ: ما يُتَقَرَّبُ بِهِ مِنَ الذَّبائِحِ والصَّدَقاتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «المُبَكِّرُ لِلْجُمُعَةِ كالمُهْدِي بَدَنَةً”، إلى أنْ قالَ: “كالمُهْدِي بَيْضَةً» . فَسَمّاها هَدْيًا، فَتَسْمِيَةُ البَيْضَةِ هَدْيًا لا مَحْمَلَ لَهُ إلّا أنَّهُ أرادَ بِالهَدْيِ الصَّدَقَةَ، ولِذَلِكَ قالَ العُلَماءُ: إذا قالَ: جَعَلْتُ ثَوْبِي هَدْيًا، فَعَلَيْهِ أنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ. إلّا أنَّ الإطْلاقَ يَنْصَرِفُ إلى أحَدِ الأصْنافِ مِنَ الإبِلِ والغَنَمِ، وسَوْقِها إلى الحَرَمِ، وذَبْحِها فِيهِ، وهَذا شَيْءٌ تَلْقى مَن عَرَفَ الشَّرْعَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أرادَ بِهِ: الشّاةَ.وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] . وقالَ تَعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] . وأقَلُّهُ عِنْدَ الفُقَهاءِ شاةٌ، فَإذا أُطْلِقَ الهَدْيُ تَناوَلَ ذَبْحَ أحَدِ هَذِهِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ في الحَرَمِ. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا الهَدْيَ﴾ أرادَ بِهِ: النَّهْيَ عَنْ إحْلالِ الهَدْيِ الَّذِي قَدْ جَعَلَ لِلذَّبْحِ في الحَرَمِ، وإحْلالُهُ: اسْتِباحَتُهُ لِغَيْرِ ما سِيقَ لَهُ مِنَ الفِدْيَةِ.
(p-١٥)وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى المَنعِ مِن الِانْتِفاعِ بِالهَدْيِ بِصَرْفِهِ إلى جِهَةٍ أُخْرى، ويَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ الأكْلِ مِنَ الهَدْيِ نَذْرًا كانَ أوْ واجِبًا، مِن إحْصارٍ أوْ جَزاءِ صَيْدٍ، ويَمْنَعُ الأكْلَ مِن هَدْيِ المُتْعَةِ والقِرانِ، عَلى ما هو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وخالَفَهُ فِيهِ أبُو حَنِيفَةَ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أصْلٍ آخَرَ، وهو أنَّ الشّافِعِيَّ يَقُولُ: إذا كانَ مُطْلَقُ الهَدْيِ يَتَناوَلُ الأصْنافَ الثَّلاثَةَ عَلى خِلافِ ما يَقْتَضِيهِ حَقُّ الوَضْعِ، فَهو لِعُرْفِ الشَّرْعِ وتَقْيِيدِهِ المُطْلَقِ مِنَ الهَدْيِ بِالأصْنافِ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ فَلَمْ نَجِدْ في عُرْفِ الشَّرْعِ، إلّا أنَّ لَفْظَ الهَدْيِ تَكَرَّرَ في الكِتابِ في مَواضِعَ، فاقْتَضى ذَلِكَ كَوْنَ الهَدْيِ صَرِيحًا في التَّقْيِيدِ بِالأصْنافِ الثَّلاثَةِ، وإنْ تَناوَلَ مِن حَيْثُ اللُّغَةُ ما سِواهُ، كَذَلِكَ لَفْظُ الفِراقِ والسَّراحِ مِن حَيْثُ تَكَرَّرا في الكِتابِ والسُّنَّةِ، صارا صَرِيحَيْنِ في مَعْنى الطَّلاقِ، وإنْ كانَ اللَّفْظَيْنِ مُحْتَمِلَيْنِ لِما سِواهُ، وهَذا بَيِّنٌ ظاهِرٌ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾: عَنى بِهِ الأشْهُرَ الحُرُمَ؛ ثَلاثَةٌ مُتَوالِيَةٌ وواحِدٌ مُفْرَدٌ، المُفْرَدُ: رَجَبٌ، والمُتَوالِيَةُ: ذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ. وذَلِكَ مَنسُوخٌ بِجَوازِ قَتْلِ الكُفّارِ في أيِّ وقْتٍ كانَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا القَلائِدَ﴾: نَهى عَنِ اسْتِباحَةِ الهَدْيِ وصَرَفَهُ إلى جِهَةٍ أُخْرى، ونَهى عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْقَلائِدِ: وهي أنَّ المُحْرِمِينَ كانُوا يُقَلِّدُونَ أنْفُسَهم والبَهائِمَ مِن لِحا شَجَرِ الحَرَمِ، وكانَ قَدْ حَرُمَ إذْ ذاكَ ما (p-١٦)هَذا وصْفُهُ، فَنَسَخَ ذَلِكَ في الآدَمِيِّ، وقَرَّرَ في البَهائِمِ عَلى ما كانَ.
وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَلا يَجُوزُ اسْتِباحَتُهُ، ويَجُوزُ التَّصَدُّقُ بِهِ، ولَكِنْ إذا فَعَلَ ذَلِكَ، فَمُجَرَّدُ فِعْلِهِ لا نَقُولُ: إنَّهُ حُرُمٌ، ولَكِنْ لا بُدَّ مِنَ النِّيَّةِ، ولَيْسَ في الآيَةِ تَعَرُّضٌ لَها.
قَوْلُهُ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾: نَسَخَها قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] .
و( فَإنْ جاءوكَ فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ) .
وقَوْلُهُ: ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾:
مَعْناهُ: أنَّ الكُفّارَ كانُوا إذا قَلَّدُوا أنْفُسَهم قِلادَةً مِن شَعَرٍ مَنَعَتْهُ مِنَ النّاسِ، وكانَ الكُفّارُ عَلى هَذِهِ السُّنَّةِ، فَأُمِرَ المُسْلِمُونَ أنْ لا يَتَعَرَّضُوا لَهُمْ، ولا يَتَعَرَّضُوا لِلْكُفّارِ الَّذِينَ يَؤُمُّونَ البَيْتَ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ هَذا: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ [التوبة: ٢٨] . وقالَ: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن رَبِّهِمْ﴾ . الآيَةَ، وهو التِّجارَةُ. (p-١٧)﴿ورِضْوانًا﴾: وهو الحَجُّ.
وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي يَقْصِدُ الحَجَّ لا يَلْزَمُهُ الإحْرامُ، إلّا إذا أرادَ الحَجَّ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا﴾، وهو قَوْلٌ لِلشّافِعِيِّ، ثُمَّ قالَ: ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ .
هَذا إطْلاقٌ وإباحَةٌ لِما كانَ قَدْ حَرَّمَ مِن قَبْلُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ الآيَةَ .
مَعْناهُ: أيْ: لا يَكْسِبَنَّكم شَنْآنُ قَوْمٍ، أيِ: البُغْضُ، أنْ تَتَعَدَّوُا الحَقَّ إلى الباطِلِ، والعَدْلَ إلى الظُّلْمِ.قالَ ﷺ: «أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ، ولا تَخُنْ مَن خانَكَ» . وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ إنَّما يَجُوزُ مُقابَلَةُ الظّالِمِ بِما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً لَهُ وقَدْ أذِنَ فِيهِ، فَأمّا بِالجِناياتِ والمَحْظُوراتِ فَلا يَجُوزُ مُعاقَبَتُهُ. ذَكَرُوا أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَهُ كانُوا بِالحُدَيْبِيَةِ حِينَ صَدَّهُمُ المُشْرِكُونَ عَنِ البَيْتِ، فَمَرَّ بِهِمْ ناسٌ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ نَجْدٍ يُرِيدُونَ العُمْرَةَ، فَقالُوا: إنّا نَصُدُّ هَؤُلاءِ كَما صَدَّنا أصْحابُهم. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾».
المائدة 5:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ الآيَةَ: (p-١٨)بَيَّنّاهُ مِن قَبْلُ، وكَذَلِكَ الدَّمُ، وكَذَلِكَ لَحْمُ الخِنْزِيرِ، ﴿وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، وكُلُّ ذَلِكَ شَرَحْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
﴿والمُنْخَنِقَةُ﴾ كَمَثَلٍ. ﴿والمَوْقُوذَةُ﴾: المَضْرُوبَةُ بِالخَشَبِ ونَحْوِهِ حَتّى تَمُوتَ، ومِنهُ المَقْتُولُ بِالبُنْدُقَةِ، كَذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عُمَرَ وعَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أرْمِي بِالمِعْراضِ فَأُصِيبَ فَآكُلَ.؟ فَقالَ: ”إذا رَمَيْتَ بِالمِعْراضِ وذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ تَعالى فَأصابَ فَخَرَقَ فَكُلْ، وإنْ أصابَ بِعَرْضِهِ فَلا تَأْكُلْ“» .
وعَنْ عَدِيٍّ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَيْدِ المِعْراضِ فَقالَ: ”ما أصابَ بِحَدِّهِ فَخَرَقَ فَكُلْ، وما أصابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإنَّهُ وقِيذٌ فَلا تَأْكُلْ“» .
فَجَعَلَ ما أصابَ بِعَرْضِهِ مِن غَيْرِ جِراحَةٍ مَوْقُوذَةً، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَقْدُورًا عَلى ذَكاتِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ شَرْطَ ذَكاةِ الصَّيْدِ الجِراحَةُ وإسالَةُ الدَّمِ. لا جَرَمَ؛ قالَ الشّافِعِيُّ في قَوْلِ: إنْ أخَذَ الكَلْبُ الصَّيْدَ فَقَتَلَهُ ضَغْطًا، فَإنَّهُ لا يَحِلُّ ما أصابَ بِعَرْضِ المِعْراضِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُتَرَدِّيَةُ﴾: هي السّاقِطَةُ مِن أعْلى جَبَلٍ فَتَمُوتُ. وهَذا الإشْكالُ فِيهِ، إنْ حَصَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ فِعْلِ الآدَمِيِّ فَهو مَيْتَةٌ، وما رَدّاهُ الواحِدُ مِنّا، فَلا يَحِلُّ أيْضًا، فَإنَّهُ لَيْسَ ذَكاةً شَرْعِيَّةً.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أكَلَ السَّبُعُ﴾: يَعْنِي: وما أكَلَ السَّبُعُ مِنهُ حَتّى يَمُوتَ، ومَعْلُومٌ أنَّ الباقِيَ لَمْ يَأْكُلْهُ السَّبُعُ وهو المُحَرَّمُ، ولَكِنَّ العَرَبَ (p-١٩)يُسَمُّونَ ما قَتَلَهُ السَّبُعُ وأكَلَ مِنهُ: أكِيلَةَ السَّبُعِ، فَيُسَمُّونَ الباقِيَ مِنهُ أكِيلَةَ السَّبُعِ وهو فَرِيسَتُهُ.
فَكُلُّ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في الآيَةِ مِمّا نُهِيَ عَنْهُ أُرِيدَ بِهِ المَوْتُ، فالمَيْتَةُ أصْلٌ في التَّحْرِيمِ وما عَداها مِنَ المَوْقُوذَةِ، والمُتَرَدِّيَةِ، وأكِيلَةِ السَّبُعِ مُلْحَقَةٌ بِها، وإنْ لَمْ يَمُتِ الحَيَوانُ حَتْفَ أنْفِهِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما ذَكَّيْتُمْ﴾:
عَلى صُورَةِ الِاسْتِثْناءِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى جَمِيعِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، لِأنَّ المَيْتَةَ لا يَرْجِعُ إلَيْها الِاسْتِثْناءُ، وكَذَلِكَ الدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ، وإنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ أنْ تَلْحَقَهُ الذَّكاةُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ فَإنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى المَذْبُوحِ عَلى أسْماءِ الأصْنامِ، فَلا يُقالُ في مِثْلِهِ: إلّا ما ذَكَّيْتُمْ، فَلا رُجُوعَ إلى الِاسْتِثْناءِ إلّا ما قَبْلَ المُنْخَنِقَةِ، فَبَقِيَ ما قَبْلَ المُنْخَنِقَةِ عَلى حُكْمِ العُمُومِ، ومِن قَوْلِهِ: المُنْخَنِقَةُ إلى مَوْضِعِ الِاسْتِثْناءِ، أمْكَنَ رَدُّ الِاسْتِثْناءِ إلَيْهِ. فَيُقالُ: المُنْخَنِقَةُ أوِ المَوْقُوذَةُ مُحَرَّمَةٌ إلّا ما أُدْرِكَ ذَكاتُهُ وفِيهِ حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فَإنَّهُ يَحِلُّ بِالذَّكاةِ.
يَبْقى أنْ يُقالَ: إنَّما يُباحُ ما يُباحُ، أوْ يَحْرُمُ ما يَحْرُمُ بَعْدَ المَوْتِ، فَإذا خَنَقَ شاةً ثُمَّ خَلّاها وفِيها حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، ثُمَّ ذُبِحَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلا تُسَمّى مُنْخَنِقَةً، وإنَّما تُسَمّى مُذَكّاةً، والمُنْخَنِقَةُ هي الَّتِي تَمُوتُ بِالخَنْقِ فَقَطْ، فَعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إلّا ما ذَكَّيْتُمُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: لَكِنْ ما ذَكَّيْتُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: ٩٨] . (p-٢٠)ولَيْسَ في الكَلامِ المُتَقَدِّمِ عَلى الِاسْتِثْناءِ ما يَقْتَضِي الِاسْتِثْناءَ، فَإنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: فَهَلّا كانَتِ القَرْيَةُ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها: أيْ: لِيَنْفَعَها إيمانُها عِنْدَ اللَّهِ وفي الدُّنْيا، فَلا تُعْلِنُ لَهُ بِقَوْمٍ إلّا قَوْمَ يُونُسَ، فَإنَّهُ لَيْسَ رَفْعًا لِشَيْءٍ مِمّا تَقَدَّمَ، ومَعْناهُ: لَكِنَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طه﴾ [طه: ١] ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢] ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [طه: ٣] . ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾، [طه: ٣] رَفْعًا لِشَيْءٍ مِن قَوْلِهِ: لِتَشْقى، ولَكِنَّ مَعْناهُ: لَكِنَّ تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى:
( إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا ) .
عَلى بَعْضِ الأقْوالِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ١٠] ﴿إلا مَن ظَلَمَ﴾ [النمل: ١١] . ومِثْلُهُ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] . ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ اسْتَثْنى عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ، وتَقْدِيرُهُ: حَرَّمْنا كُلَّ ما قَتَلْتُمُوهُ، وحَرَّمْنا المَيِّتاتِ كُلَّها إلّا السَّمَكَ والجَرادَ وحَرَّمْنا كُلَّ دَمٍ إلّا الكَبِدَ والطِّحالَ. (p-٢١)فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَسْتَقِيمُ الِاسْتِثْناءُ، إلّا ما زَكَّيْتُمْ، مُطْلَقٌ مَصْرُوفٌ إلى ما جَعَلَ ذَكاةً شَرْعًا، وإلّا فالعَرَبُ لا تَفْصِلُ في الذَّكاةِ بَيْنَ المَوْقُوذَةِ والمُنْخَنِقَةِ، والذَّكاةِ بِالحَدِيدِ. ولا تَعْرِفُ العَرَبُ مِنَ الذَّكاةِ قَطْعَ الحُلْقُومِ واللِّثَةِ وحالَةً خاصَّةً، فَظاهِرُ الحالِ أنَّهُ مُحالٌ عَلى بَيانٍ مُقَدَّمٍ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾: إنَّما ذَكَرَهُ عَقِيبَ ما تَقَدَّمَ، ومَعْنى اسْتِقْسامٍ: طَلَبُ عِلْمِ ما قُسِمَ لَهُ بِالأزْلامِ، وإلْزامُ أنْفُسِهِمْ ما يَأْمُرُهم بِهِ القَدّاحُ بِقَسَمِ اليَمِينِ.
والِاسْتِقْسامُ بِالأزْلامِ: أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانَ أحَدُهم إذا أرادَ سَفَرًا أوْ غَزْوًا أوْ تِجارَةً أوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الحاجاتِ أجالَ القِداحَ وهي الأزْلامُ وهي ثَلاثَةُ أضْرُبٍ: مِنها: نَهانِي رَبِّي. مِنها: ما نَهانِي رَبِّي. ومِنها: غُفْلٌ لا كِتابَةَ عَلَيْهِ. فَإذا خَرَجَ الغُفْلُ أجالَ القِداحَ ثانِيَةً.
وهَذا إنَّما نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الغَيْبِ فَإنَّهُ لا تَدْرِي نَفْسٌ ما يُصِيبُها غَدًا، فَلَيْسَ لِلْأزْلامِ في تَعْرِيفِ المُغَيَّباتِ أثَرٌ.
فاسْتَنْبَطَ بَعْضُ الجاهِلِينَ مِن هَذا الرَّدَّ عَلى الشّافِعِيِّ في الإقْراعِ بَيْنَ المَمالِيكِ في العِتْقِ، ولَمْ يَعْلَمْ هَذا الجاهِلُ أنَّ ما قالَهُ الشّافِعِيُّ بِناءً عَلى الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ لَيْسَ مِمّا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِالنَّهْيِ عَنْ الِاسْتِقْسامِ بِالأزْلامِ، فَإنَّ العِتْقَ حُكْمُ شَرْعٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ الشَّرْعُ خُرُوجَ القُرْعَةِ عِلْمًا عَلى حُصُولِ العِتْقِ قَطْعًا لِلْخُصُومَةِ أوْ لِمَصْلَحَةٍ يَراها، ولا يُساوِي ذَلِكَ قَوْلَ القائِلِ: إذا فَعَلْتُ كَذا أوْ قُلْتُ كَذا، فَذَلِكَ يَدُلُّ في المُسْتَقْبَلِ عَلى أمْرٍ (p-٢٢)مِنَ الأُمُورِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ خُرُوجُ الإقْراعِ عِلْمًا عَلى شَيْءٍ يَتَجَدَّدُ في المُسْتَقْبَلِ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ خُرُوجُ العِتْقِ عِلْمًا عَلى العِتْقِ قَطْعًا فَظَهَرَ افْتِراقُ البابَيْنِ.
المائدة 5:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ الآيَةَ .
ذَكَرُوا في الطَّيِّباتِ قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى: الحَلالِ، وذَلِكَ أنَّ ضِدَّ الطَّيِّبِ هو الخَبِيثُ، والخَبِيثُ حَرامٌ، فَإذًا الطَّيِّبُ هو الحَلالُ، والأصْلُ فِيهِ الِاسْتِلْذاذُ، فَيُشْبِهُ الحَلالَ في انْتِفاءِ المَضَرَّةِ مِنها جَمِيعًا.
وقالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] يَعْنِي: الحَلالَ.
وقالَ: ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وهي المُحَرَّماتُ. وهَذا فِيهِ بُعْدٌ مِن وجْهٍ؛ فَإنَّهُ إنْ كانَ الطَّيِّبُ بِمَعْنى الحَلالِ، فَتَقْدِيرُهُ: يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ، قُلْ أُحِلَّ لَهُمُ الحَلالُ، فَيَكُونُ مَعْناهُ: إعادَةُ العِبارَةِ عَمّا سَألُوا عَنْهُ مِن غَيْرِ زِيادَةِ بَيانٍ، فَيَكُونُ بِمَثابَةِ مَن يَقُولُ: يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ؟ قُلْ: أُحِلَّ لَهم ما أُحِلَّ لَكُمْ، وهو لا يَلِيقُ بِبَيانِ صاحِبِ الشَّرِيعَةِ.
وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] لَيْسَ المُرادُ بِهِ الحَلالَ فَقَطْ. (p-٢٣)وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
ومَعْنى الجَمِيعِ ما يُسْتَطابُ مِنَ المَأْكُولاتِ لَيْسَ أنَّهُ التَّعْبِيرُ عَنْ نَفْسِ الشَّيْءِ. وأبانَ بِذَلِكَ أنَّهُ عَلى مُناقَضَةِ اليَهُودِ الَّذِينَ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] . فَقالَ مُخْبِرًا عَنْ هَذا الدِّينِ: إنَّ هَذا الدِّينَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ، ويَتَضَمَّنُ التَّسْهِيلَ، ودَفْعَ الإصْرِ والأغْلالِ الَّتِي كانَتْ عَلى المُتَقَدِّمِينَ.
وهَذا حَسَنٌ بَيِّنٌ في إبانَةِ مَعْنى الآيَةِ عَلى خِلافِ ما قالُوهُ مِنَ المَعْنى الآخَرِ، ولَمّا كانَ كَذَلِكَ قالَ الشّافِعِيُّ: أبانَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أحَلَّ الطَّيِّباتِ، والطِّباعُ فِيما يُسْتَطابُ مِنَ الأشْياءِ واسْتِخْبائِها مُخْتَلِفَةٌ، فَوَجَبَ اعْتِبارُ حالِ فَرِيقٍ مِنَ الفِرَقِ الَّذِينَ بُعِثَ الرَّسُولُ إلَيْهِمْ، فَإنَّهُ ﷺ بُعِثَ إلى أُمَمٍ مُخْتَلِفَةِ الهِمَمِ والأخْلاقِ والطِّباعِ، ولا يُمْكِنُ اعْتِبارُ اسْتِطابَةِ الأُمَمِ عَلى اخْتِلافِها، فَجَعَلَتِ العَرَبُ الَّذِينَ هم قَوْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أصْلًا، وجَعَلَ مَن عَداهم تَبَعًا لَهُمْ، فَكُلُّ ما تَسْتَطِيبُهُ العَرَبُ هو حَلالٌ، كالثَّعْلَبِ والضَّبِّ، وما لا فَلا.
فَبَيَّنَ الشّافِعِيُّ عِلَّةَ حِلِّ لَحْمِ الضَّبِّ، فَإنَّ الضَّبَّ مُسْتَطابٌ عِنْدَ العَرَبِ وإنْ كانَ لا تَشْتَهِيهِ نُفُوسُ العَجَمِ. فَهَذا تَمامُ ما أرَدْنا بَيانَهُ مِن هَذا المَعْنى.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾: (p-٢٤)اعْلَمْ أنَّ في ظاهِرِ الآيَةِ وقْفَةً لِلْمُتَأمِّلِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ ثُمَّ قالَ في الجَوابِ: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وما عَلَّمْتُمْ﴾، فَيَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الحِلُّ المَسْؤُولُ عَنْهُ مُتَناوِلًا لِلْمُعَلَّمِ مِنَ الجَوارِحِ المُتَكَلِّبِينَ، وذَلِكَ لَيْسَ مَذْهَبًا لَنا ولا لِأحَدٍ، فَإنَّ الَّذِي يُبِيحُ لَحْمَ الكَلْبِ إنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ مالِكٍ، فَلا يُخَصِّصُ الإباحَةَ بِالمُعَلَّمِ، فَقُلْ هَذا في الكَلامِ حَذْفٌ وتَقْدِيرُهُ: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ -ومِن جُمْلَتِهِ- صَيْدُ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ.
ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ «عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: لَمّا سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ صَيْدِ الكَلْبِ لَمْ يَدْرِ ما يَقُولُ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾» .
وذَكَرَ بَعْضُ مَن صَنَّفَ في أحْكامِ القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ تَناوَلَتْ ما عَلَّمْنا مِنَ الجَوارِحِ، وهو يَنْتَظِمُ الكَلْبَ وسائِرَ جَوارِحِ الطَّيْرِ، وذَلِكَ يُوجِبُ إباحَةَ سائِرِ الِانْتِفاعِ، فَدَلَّ عَلى جَوازِ بَيْعِ الكَلْبِ والجَوارِحِ والِانْتِفاعِ بِها بِسائِرِ وُجُوهِ المَنافِعِ، إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ وهو الأكْلُ، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ عَنِ الحَقِّ.
فَإنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ لَمْ يَتَناوَلِ السُّؤالَ عَنْ وُجُوهِ الِانْتِفاعِ بِالأعْيانِ في البِياعاتِ والهِباتِ والإجاراتِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ جَوابُهُ ذِكْرَ الطَّيِّباتِ وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ، ثُمَّ يَقُولُ في مَساقِ ذَلِكَ: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ولا يَتَعَرَّضُ لِسائِرِ وُجُوهِ الِانْتِفاعِ مِنَ البَيْعِ والهِبَةِ. يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ السُّؤالَ إنَّما يَتَناوَلُ الأكْلَ فَقَطْ، والجَوابُ كانَ عَنْ ذَلِكَ، وكَيْفَ يَنْتَظِمُ في الكَلامِ أنْ يَسْألَ عَمّا يَنْتَفِعُ بِهِ مِنَ الأشْياءِ، (p-٢٥)فَيَذْكُرُ في خِلالِ ذَلِكَ الكَلْبَ بِمَعْنى البَيْعِ، وصَيْدَ الكَلْبِ بِمَعْنى الأكْلِ، ولَيْسَ جَوازَ البَيْعِ في المُعَلَّمِ لِكَوْنِهِ مُعَلَّمًا، فَإنَّ غَيْرَ المُعَلَّمِ مِثْلُهُ مِن كَلْبِ الحِراثَةِ والحِراسَةِ وغَيْرِهِما؟
وقَوْلُهُ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾: يَقْتَضِي بِمُطْلَقِهِ جَوازَ تَناوُلِ كُلِّ ما اصْطادَهُ الكَلْبُ المُعَلَّمُ لِمالِكِهِ، وإنْ لَمْ يَجْرَحْهُ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الجَوارِحِ﴾ يَتَناوَلُ الكَلْبَ والفَهْدَ والصَّقْرَ، لِأنَّ اسْمَ الجَوارِحِ يَقَعُ عَلى الجَمِيعِ.
ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ في بَعْضِ السَّوادِ أنَّهُ قالَ: لا يَصْلُحُ ما قَتَلَهُ البُزاةُ، وذَلِكَ خِلافُ الإجْماعِ، واسْمُ الجَوارِحِ يَقَعُ عَلى كُلِّ ما يَجْرَحُ أوْ يَجْتَرِحُ، أوْ إنْ عَنى بِهِ الكَواسِبَ لِلصَّيْدِ عَلى أهْلِها كالكِلابِ وسِباعِ الطُّيُورِ والَّتِي تَصْطادُ وغَيْرِها، واحَدُها جارِحٌ، وبِهِ سُمِّيَتِ الجارِحَةُ لِأنَّهُ يَكْتَسِبُ بِها، وقالَ تَعالى: ﴿ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]: أيْ: ما كَسَبْتُمْ. ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] . وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى جَوازِ الِاصْطِيادِ لِكُلِّ ما عَلِمَ الِاصْطِيادُ مِن سائِرِ ذِي النّابِ مِنَ السِّباعِ، والمِخْلَبِ مِنَ الطَّيْرِ، وقِيلَ في الطَّيْرِ: إنَّها تَجْرَحُ أوْ تَخْلُبُ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ: ”مُكَلَّبِينَ“ أيْ: مُضْرِينَ عَلى الصَّيْدِ كَما تَضْرى الكِلابُ، والتَّكْلِيبُ هو التَّضْرِيَةُ، يُقالُ: كَلُبَ يَكْلُبُ إذا ضَرى بِالنّاسِ، ولا تَخْصِيصَ في ذَلِكَ لِلْكِلابِ دُونَ غَيْرِها مِنَ الجَوارِحِ. (p-٢٦)وإذا كانَتِ التَّضْرِيَةُ شامِلَةً وثَبَتَ ذَلِكَ، فَقَدْ صارَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحابَةِ أيْ إنَّ الإمْساكَ عَلى المالِكِ المَذْكُورِ في الآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ هو الِانْقِيادُ لِلْمالِكِ في الإضْراءِ والإرْعِواءِ، فَإذا لَمْ تَهْرُبْ مِنهُ بَعْدَ الِاصْطِيادِ واحِدَةٌ فَلا يَحْرُمُ أصْلًا، وإنْ أكَلَ مِنهُ.
وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ شَرَطُوا تَرْكَ الأكْلِ في الكَلْبِ والفَهْدِ، ولَمْ يَشْتَرِطُوهُ في الطُّيُورِ.
والشّافِعِيُّ مالَ إلى هَذا الفَرْقِ في قَوْلٍ، وسَوّى في تَرْكِ الأكْلِ بَيْنَهُما، وهو القِياسُ. وإذا تَبَيَّنَ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ إنْ كانَ المُرادُ بِهِ تَرْكَ الأكْلِ، ما كانَ قَوْلُهُ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ مُتَناوِلًا لِلْبازِي، ولِأجْلِ ذَلِكَ قالَ عَلِيٌّ: لا يَحِلُّ صَيْدُ البازِي أصْلًا، فَإنَّهُ لا يَتَحَقَّقُ تَعْلِيمُهُ عَلى تَرْكِ الأكْلِ.
واعْلَمْ أنَّ الظّاهِرَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾: أيْ: كُلُوا مِمّا اصْطَدْنَ بِأمْرِكم وإرْسالِكُمْ، وكانَ الِاصْطِيادُ صادِرًا عَنْ إعْزائِكم، ولِذَلِكَ ذَكَرَ الجَوارِحَ مُطْلَقًا ولَمْ يَتَهَيَّأْ لِعاقِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ تَرْكَ الأكْلِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكَلْبَ قَصَدَ الإمْساكَ لِلْمالِكِ، فَإنَّهُ لا وُقُوفَ عَلى نِيَّةِ الكَلْبِ، ولا أنَّ كَلْبًا في العالَمِ يَنْوِي الأخْذَ لِلْمالِكِ دُونَ نَفْسِهِ، بَلْ قَصَدَهُ لِنَفْسِهِ تَحْقِيقًا.
وقِيلَ: الصَّيْدُ هو الذَّكاةُ، وتَرْكُ الأكْلِ شَرْطٌ بَعْدَ المَوْتِ، ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَ المَوْتِ شَرْطًا في الذَّبْحِ. (p-٢٧)نَعَمْ، إنّا نَشْتَرِطُ مَعْرِفَةَ غايَةِ الِانْقِيادِ لِلْمالِكِ ومُخالَفَةَ عادَتِهِ القَدِيمَةِ، وذَلِكَ بِأنْ لا يُقَدَّمَ دُونَ إرْسالِ الصَّيْدِ، وإنْ أوْقَفَهُ وقَفَ، وكانَ الَّذِي شَرَطَ تَرْكَ الأكْلِ، شَرَطَ ذَلِكَ لِيُبَيِّنَ بِهِ مُخالَفَةَ عادَتِهِ وطَبْعِهِ.
وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ صَحَّ مِن هَذِهِ الجِهَةِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ لَيْسَ أنَّهُ أرادَ بِهِ نِيَّةَ الكَلْبِ في الإمْساكِ لِلْمالِكِ.
المائدة 5:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ .
مَعْنى الطَّيِّباتِ ما مَضى. وقَوْلُهُ: ”اليَوْمَ“: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اليَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الآيَةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ اليَوْمَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، و﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] .
قِيلَ: إنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ في حِجَّةِ الوَداعِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ اليَوْمِ ها هُنا صُورَةَ اليَوْمِ، وإنَّما المُرادُ بِهِ الزَّمانُ، كَما يُقالُ: أيّامُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأيّامُ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وهو مِن قَبِيلِ ما يَكُونُ مَعْنى الزَّمانِ مِنهُ أعَمُّ مِنَ اللَّفْظِ سابِقًا إلى الفَهْمِ.
مِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ [الأنفال: ١٦] . (p-٢٨)ولَمْ يُرِدْ بِهِ صُورَةَ اليَوْمِ، وإنَّما عَنى بِهِ الزَّمانَ، حَتّى إنَّهُ لَوْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ لَيْلًا كانَ آثِمًا.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ مَعْناهُ: ذَبائِحُهم، إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ: طَعامَهم، إذْ لا شُبْهَةَ عَلى أحَدٍ في حِلِّ سائِرِ طَعامِهِمْ سَواءٌ كانَ المُتَوَلِّي لِصُنْعِهِ كِتابِيًّا أوْ مَجُوسِيًّا.
فَإذا كانَ أكْلُ ذَبِيحَةِ أهْلِ الكِتابِ بِالِاتِّفاقِ فَلا شَكَّ أنَّهم لا يُسَمُّونَ عَلى الذَّبِيحَةِ إلّا عَلى الإلَهِ الَّذِي لَيْسَ مَعْبُودًا حَقِيقَةً مِثْلَ العُزَيْرِ والمَسِيحِ، ولَوْ سَمَّوُا الإلَهَ حَقِيقَةً لَمْ تَكُنْ تَسْمِيَتُهم بِطَرِيقِ العِبادَةِ. وإنَّما تَكُونُ عَلى طَرِيقٍ آخَرَ، فاشْتِراطُ التَّسْمِيَةِ لا عَلى وجْهِ العِبادَةِ لا يُعْقَلُ. ووُجُودُ التَّسْمِيَةِ مِنَ الكافِرِ وعَدَمُها بِمَثابَةٍ واحِدَةٍ، إذْ لَمْ تُتَصَوَّرُ مِنهُ العِبادَةُ، ولِأنَّ النَّصارى إنَّما يَذْبَحُونَ عَلى اسْمِ المَسِيحِ، وقَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعالى بِحِلِّ ذَبائِحِهِمْ مُطْلَقًا. وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّسْمِيَةَ لا تُشْتَرَطُ أصْلًا، كَما يَقُولُ الشّافِعِيُّ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ (p-٢٩)قَبْلِكُمْ﴾: يَدُلُّ عَلى جَوازِ نِكاحِ الكِتابِيّاتِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] يَمْنَعُ نِكاحَ النَّصارى، فَإذا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن إعْمالِها صارَ الشّافِعِيُّ إلى تَحْرِيمِ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ، أخْذًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وأباحَ نِكاحَ الحُرَّةِ الكِتابِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ﴾ .
والجَمْعُ بَيْنَهُما أوْلى مِن تَعْطِيلِ أحَدِهِما. وقَدْ مَنَعَ مانِعُونَ مِن نِكاحِ الكافِراتِ، كِتابِيّاتٍ كُنَّ أوْ مَجُوسِيّاتٍ، وحَمَلُوا قَوْلَهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ﴾ المُرادُ بِهِ: أنَّهُنَّ كُنَّ كِتابِيّاتٍ ثُمَّ أسْلَمْنَ. كَما قالَ اللَّهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٩] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [آل عمران: ١١٣] . الآيَةَ.
والمُرادُ بِهِ: مَن كانَ مِن أهْلِ الكِتابِ وأسْلَمَ. وقَوْلُهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ﴾ فالمُرادُ بِهِ: مَن كانَ مِن أهْلِ الكِتابِ وأسْلَمَ. وهَذا بَعِيدٌ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: (p-٣٠)﴿والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ﴾ .
وذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلى جَمِيعِ المُؤْمِناتِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ بَعْدَهُ المُؤْمِنَةَ عَلى المُؤْمِنَةِ ويَكُونُ إسْقاطُ فائِدَةِ ذِكْرِ المُؤْمِنَةِ.
والَّذِي يُحَرِّمُ نِكاحَ الحُرَّةِ الكِتابِيَّةِ يَعْتَصِمُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وذَلِكَ مَحْمُولٌ عِنْدَ مُخالِفِهِمْ عَلى الحَرْبِيَّةِ إذا خَرَجَ زَوْجُها مُسْلِمًا، والحَرْبِيُّ وتَخْرُجُ امْرَأتُهُ مُسْلِمَةً، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] الآيَةَ.
وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَمْ يُجَوِّزْ نِكاحَ الكِتابِيّاتِ إذا كُنَّ حَرْبِيّاتٍ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيَةَ. وقالَ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] . والنِّكاحُ يُوجِبُ المَوَدَّةَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَ مُخالَفَتِهِمْ، عَلى مَعْنى التَّشَدُّدِ عَلَيْهِمْ فِيما (p-٣١)أوْجَبَهُ الدِّينُ، وإلّا فَيَجُوزُ شِراءُ الأشْياءِ وبَيْعُها مِنهُ، وإنْ كانَتِ الهِبَةُ سَبَبَ المَوَدَّةِ.
المائدة 5:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾، الآيَةَ.
واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يُعَلِّقُ الوُضُوءَ بِالقِيامِ إلى الصَّلاةِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ إجْماعًا، فَلا بُدَّ مِن ضَمِيرٍ مَعَهُ، وذَلِكَ هو الحَدَثُ. والَّذِي هو الحَدَثُ إذا قَدَّرْناهُ عِلَّةً، فَتَكْرِيرُ العِلَّةِ هو الَّذِي يَقْتَضِي تَكْرِيرَ الحُكْمِ، والقِيامُ إلى الصَّلاةِ لَيْسَ شَرْطًا ولا عِلَّةً. ولَوْ قُدِّرَ شَرْطًا، فالحُكْمُ لا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ، فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الوُضُوءِ لِكُلِّ صَلاةٍ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ.
فَإذا قالَ القائِلُ لِاِمْرَأتِهِ: إذا دَخَلْتِ الدّارَ فَإنَّكِ طالِقٌ، لَمْ يَتَكَرَّرِ الطَّلاقُ بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ، ولَكِنَّ التَّكْرارَ في الطَّهارَةِ عِنْدَ تَكْرارِ الحَدَثِ لِاعْتِقادِ كَوْنِ الحَدَثِ عِلَّةً، والحُكْمُ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ العِلَّةِ والسَّبَبِ. إذا ثَبَتَ هَذا، فاللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ .
قالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: عَلَيْهِ إمْرارُ الماءِ عَلى المَوْضِعِ ودَلْكُهُ بِيَدِهِ، وإلّا لَمْ يَكُنْ غاسِلًا. وقالَ غَيْرُهُ: عَلَيْهِ إجْراءُ الماءِ ولَيْسَ عَلَيْهِ دَلْكُهُ. ولا شَكَّ في أنَّهُ إذا انْغَمَسَ في الماءِ، أوْ غَمَسَ وجْهَهُ أوْ يَدَهُ ولَمْ يُدَلِّكْ، يُقالُ: إنَّهُ قَدْ غَسَلَ. (p-٣٢)واعْلَمْ أنَّهُ لا تَغْيِيرَ في ذَلِكَ إلّا حُصُولَ الِاسْمِ، وإذا حَصَلَ كَفى والمُعْتَبَرُ أنْ يُجْرى عَلَيْهِ مِنَ الماءِ ما يَزِيدُ قَدْرَ المَسْحِ، فَلَوْ مَسَحَ المَغْسُولُ لَمْ يَجُزْ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَّقَ بَيْنَهُما، ولَيْسَ في المَسْحِ غَسْلٌ. نَعَمْ؛ إذا غَسَلَ المَمْسُوحُ، جازَ المَأْمُورُ بِهِ وزِيادَةٌ. ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ لَيْسَ يَقْتَضِي نِيَّةَ العِبادَةِ. نَعَمْ؛ قالَ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾ . وظَنَّ ظانُّونَ مِن أصْحابِ الشّافِعِيِّ الَّذِينَ يُوجِبُونَ النِّيَّةَ في الوُضُوءِ أنَّهُ لَمّا أوْجَبَ الوُضُوءَ عِنْدَ القِيامِ إلى الصَّلاةِ دَلَّ عَلى أنَّهُ أوْجَبَهُ لِأجْلِهِ وأثْبَتَهُ بِسَبَبِهِ، وأنَّهُ أوْجَبَ لَهُ قَصْدَ النِّيَّةِ.
وهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإنَّ إيجابَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ الوُضُوءَ لِأجْلِ الحَدَثِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَنْوِيَ ذَلِكَ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَجِبَ لِأجْلِهِ، ويَحْصُلَ دُونَ قَصْدِ تَعْلِيقِ الطَّهارَةِ بِالصَّلاةِ، ونِيَّتِها لِأجْلِها.
وقِيلَ لَهُمْ: لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ( اِغْسِلُوا وُجُوهَكم ) أوْجَبَ فِعْلَ الغَسْلِ، فَكانَتِ النِّيَّةُ شَرْطًا في صِحَّةِ الفِعْلِ، لِأنَّ الفَرْضَ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، فَيَنْبَغِي أنْ يَجِبَ فِعْلُ ما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ. فَإذا نَحْنُ قُلْنا: إنَّ النِّيَّةَ لا تَجِبُ عَلَيْهِ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الفِعْلُ أيْ: فِعْلُ ما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى. ومَعْلُومٌ أنَّ الَّذِي اغْتَسَلَ تَبَرُّدًا أوْ لِغَرَضٍ آخَرَ، ما قُصِدَ أداءُ الواجِبِ، والَّذِي وجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ لا يَحْصُلُ دُونَ قَصْدِهِ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ يَجِبُ عَلَيْهِ أشْياءُ عِدَّةٌ، وتَحْصُلُ دُونَ النِّيَّةِ، مِثْلَ رَدِّ الغَصُوبِ والوَدائِعِ وإزالَةِ الأنْجاسِ. فَيُقالُ: كُلُّ ذَلِكَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ فِعْلٌ، وإنَّما يَنْهى عَنِ اسْتِدامَةِ (p-٣٣)الغَصْبِ، ويَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ ذَلِكَ، وهاهُنا يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ الوُضُوءِ.
قالُوا: وقَدْ يَجِبُ عَلى الرَّجُلِ الإنْفاقُ عَلى قَرِيبِهِ وزَوْجَتِهِ وقَضاءُ دُيُونِهِ، ولا يَحْتاجُ إلى النِّيَّةِ. والجَوابُ: أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُعَلَّقٌ وُجُوبُهُ عَلى أغْراضٍ، مَتى حَصَلَتْ تِلْكَ الأغْراضُ لَمْ يَتَحَقَّقِ الوُجُوبُ، مِثْلَ النَّفَقَةِ تَجِبُ لِلْكِفايَةِ، فَإذا حَصَلَتِ الكِفايَةُ لَمْ تَجِبْ، أوْ لِغَرَضٍ آخَرَ مِنَ الأغْراضِ العاجِلَةِ، ولَيْسَ أمْرُ الطَّهارَةِ كَذَلِكَ، فَإنَّ وُجُوبَها لَمْ يَكُنْ إلّا لِحَقِّ التَّعَبُّدِ. فَإذا وجَبَ الفِعْلُ لِلَّهِ تَعالى، فَما لَمْ يُفْعَلْ لِلَّهِ تَعالى كانَ الأمْرُ قائِمًا، ولَيْسَ فِعْلُ غَيْرِ القاصِدِ أداءً لِلْأمْرِ ولا قِيامًا بِهِ، فاعْلَمْهُ.
وذَكَرَ الرّازِيُّ في أحْكامِ القُرْآنِ عَلى هَذا كَلامًا دَلَّ بِهِ عَلى قِلَّةِ تَحْصِيلِهِ، فَقالَ: إنَّما يَجِبُ ما ذَكَرُوهُ في الفُرُوضِ الَّتِي هي مَقْصُودَةٌ لِأعْيانِها، ولَمْ تَجْعَلْ شَرْطًا لِغَيْرِها، فَأمّا ما كانَ شَرْطًا لِصِحَّةِ فِعْلٍ آخَرَ فَلا يَجِبُ ذَلِكَ فِيهِ بِنَفْسِ وُرُودِ الأمْرِ إلّا بِدَلالَةٍ تُقارِنُهُ، والطَّهارَةُ شَرْطٌ لِلصَّلاةِ، فَإنَّ مَن لا صَلاةَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فَرْضُ الطَّهارَةِ، كالحائِضِ والنُّفَساءِ. وهو الَّذِي ذِكْرُهُ باطِلٌ، فَإنَّ كَوْنَهُ شَرْطًا لِغَيْرِهِ مَعْناهُ: تَوَقَّفَ وُجُوبُهُ عَلى وُجُوبِ فِعْلٍ آخَرَ، وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُجُوبِهِ، ووُجُوبِ فِعْلِهِ، وقَصْدِ الِامْتِثالِ فِيهِ.
نَعَمْ، وُجُوبُهُ لِغَيْرِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إذا نَوى ما قَدْ وجَبَ لِأجْلِهِ كَفاهُ، مِثْلَ أنْ يَنْوِيَ الطَّهارَةَ لِلصَّلاةِ أوْ لَمْسِ المُصْحَفِ. (p-٣٤)ومِن عُلَمائِنا مَن شَرَطَ فِيهِ نِيَّةَ القُرْبَةِ، لِأنَّهُ رَأى الطَّهارَةَ واجِبَةً تَعَبُّدًا إلّا أنَّ وُجُوبَها عِنْدَ وُجُوبِ فِعْلٍ آخَرَ.
قالُوا: الطَّهارَةُ لَيْسَتْ واجِبَةً تَحْقِيقًا، وإنَّما الصَّلاةُ مُمْتَنِعَةٌ دُونَها، كَما أنَّها مُمْتَنِعَةٌ دُونَ السَّتْرِ والِاسْتِقْبالِ وطَهارَةِ الثَّوْبِ، ولِذَلِكَ نَقُولُ: إنَّهُ إذا أرادَ قِراءَةَ القُرْآنِ وهو جُنُبٌ اغْتَسَلَ، وإذا أرادَ دُخُولَ مَسْجِدٍ وهو جُنُبٌ اغْتَسَلَ، لَيْسَ لِأنَّ الطَّهارَةَ واجِبَةٌ في هَذِهِ الحالَةِ، وكَيْفَ تَجِبُ والَّذِي يَظْهَرُ لَهُ مِنَ الفِعْلِ غَيْرُ واجِبٍ؟ وإنَّما يَحْرُمُ ذَلِكَ الفِعْلُ دُونَ وُجُودِ شَرْطِ جَوازِهِ وهو الطَّهارَةُ، وذَلِكَ لَيْسَ يُنْبِي عَنْ وُجُوبِهِ في نَفْسِهِ. ولَيْسَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ وُجُوبَ الصَّلاةِ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ ما لا بُدَّ مِنهُ لِلصَّلاةِ. لِأنَّهُ يُقالُ: لَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِ الفِعْلُ في نَفْسِهِ، وإنَّما يَحْرُمُ عَلَيْهِ أنْ يُصَلِّيَ مُحْدِثًا أوْ أنْ يَخْرُجَ عَنْ كَوْنِهِ مُحْدِثًا بِإمْرارِ الماءِ عَلى الأعْضاءِ، سَواءٌ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، أوْ تَوَضَّأ قَبْلَ لَمْسِ مُصْحَفٍ أوْ قِراءَةِ قُرْآنٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَجِبُ مِنَ الأفْعالِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الوُضُوءَ واجِبٌ مِن حَيْثُ الحَقِيقَةُ أنَّهُ لَوْ هَوى مِن مَوْضِعٍ عالٍ مِن غَيْرِ قَصْدٍ مِنهُ إلّا أنَّهُ عَلى مُسامَتَتِهِ ماءٌ طاهِرٌ طَهُورٌ، ونَوى الوُضُوءَ صَحَّ.
ومَعْلُومٌ أنَّ النِّيَّةَ قَصْدٌ، والقَصْدُ يَسْتَدْعِي مَقْصُودًا، والمَقْصُودُ لَيْسَ فِعْلًا لَهُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ حُصُولَهُ في الماءِ فِعْلُهُ، فَإنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيارِهِ، فالَّذِي لا اخْتِيارَ لَهُ فِيهِ، كَيْفَ يُقَدِّرُ مَقْصُودًا لَهُ؟ وهَذا كَلامٌ عَظِيمُ الوَقْعِ عِنْدَ المُتَأمِّلِينَ. ويُجابُ عَنْهُ: بِأنَّ الطَّهارَةَ واجِبَةٌ حَقِيقَةً، فَإنَّها وإنْ وجَبَتْ عِنْدَ وُجُوبِ (p-٣٥)غَيْرِها، فَلَيْسَ مِن ضَرُورَةِ تَعَلُّقِها بِغَيْرِها، أوْ مِن ضَرُورَةِ وُجُوبِ غَيْرِها حَقِيقَةً مِثْلَ أخْذِ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ في اسْتِيعابِ الوَجْهِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ لِلِاسْتِيعابِ حَقِيقَةً، وأمّا العُضْوُ فَإنَّهُ شَرْطٌ شَرْعًا، وإذا صارَ شَرْطًا صارَ شَرْطَ وُجُوبِهِ بِالشَّرْعِ. ومَتى كانَ وُجُوبُهُ بِالشَّرْعِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ واجِبًا.
وأمّا الَّذِي ذَكَرُوهُ إنَّهُ لَمْ يَجِبْ، ولَكِنَّهُ تَحْرُمُ الصَّلاةُ مَعَ الحَدَثِ، فَيُقالُ: ولا مَعْنى لِلْحَدَثِ إلّا امْتِناعُ أفْعالٍ يَتَوَقَّفُ وُجُودُها عَلى وُجُودِ شَرْطِها، فَهَذا مَعْنى الحَدَثِ لا غَيْرُ.
وقَوْلُهُ: إنَّهُ لَوْ أرادَ دُخُولَ مَسْجِدٍ أوْ قِراءَةَ قُرْآنٍ وجَبَ الغُسْلُ، لا لِأنَّ قِراءَةَ القُرْآنِ واجِبَةٌ. فَيُقالُ: بَلِ الأمْرُ كَما ذَكَرْتُمْ في أنَّ القِراءَةَ لا تَجِبُ، ولَكِنْ لِلنَّوافِلِ شُرُوطٌ يَجِبُ فِعْلُها إذا أرادَ فِعْلَ النَّوافِلِ، فَإنَّ مَن أرادَ مُباشَرَةَ أمْرٍ وجَبَ عَلَيْهِ مُباشَرَةُ شُرُوطِهِ، إلّا أنَّ الشُّرُوطَ في ذَواتِها غَيْرُ واجِبَةٍ.
فَأمّا إذا كانَتِ الطَّهارَةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ فَذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْءَ الواحِدَ يَكُونُ شَرْطًا في أشْياءَ كَثِيرَةٍ، كَما أنَّ مِنَ الأشْياءِ ما يَكُونُ شَرْطًا في شَيْءٍ واحِدٍ فَلَيْسَ في ذَلِكَ ما يُنافِي الحَقِيقَةَ الَّتِي قُلْناها. وأمّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الفِعْلَ لا يُشْتَرَطُ، فاعْلَمْ أنَّهُ إنْ ثَبَتَ عَدَمُ الفِعْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ القَصْدُ مِن كُلِّ وجْهٍ، فَلا وجْهَ لِجَوازِ الوُضُوءِ ولا نَصْرَ لِلشّافِعِيِّ فِيهِ. قالُوا: فَإذا غَسَلَ غَيْرُهُ وجْهَهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الغَسْلِ، فَأيُّ فِعْلٍ مِنهُ هاهُنا؟
قُلْنا: بَلى، وهو أنَّ إذْنَهُ لَهُ أنْ يُوضِيَهُ فِعْلٌ مِنهُ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ التَّكْلِيفُ بِهِ والِامْتِحانُ، كَما قِيلَ في الَّذِي يَقُولُ لِلْمِسْكِينِ: خُذْ مالِي هَذا (p-٣٦)عَنْ جِهَةِ الزَّكاةِ، فَإنَّهُ يَصِحُّ، فَإنَّهُ حَصَلَ بِهِ الِامْتِحانُ والتَّكْلِيفُ. وكَذَلِكَ ما نَحْنُ فِيهِ، أمّا إذا هَوى مِن عُلُوٍّ وفي مُسْتَقَرِّ وُقُوعِهِ ماءٌ، فَلا يَتَحَقَّقُ مِنهُ القَصْدُ الَّذِي يُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ امْتِحانٌ أوْ تَكْلِيفٌ، فَظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَهُما.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾: الوَجْهُ المَعْرُوفُ في المُتَعارَفِ ما تُواجِهُ بِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ المَضْمَضَةُ والِاسْتِنْشاقُ، لِأنَّ الوَجْهَ لا يَتَناوَلُهُ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ مِمّا تُواجِهُ، ولَوْ كانَ مِنَ الأرْكانِ الأصْلِيَّةِ في الوُضُوءِ، ما كانَ لائِقًا بِالشَّرْعِ أنْ يَذْكُرَ اللَّهُ تَعالى أعْضاءَ الوُضُوءِ الواجِبِ غَسْلُها ولا يَذْكُرُهُما.
﴿وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] .
وفِي ”ما“ اسْتَرْسَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ عَنِ الوَجْهِ اخْتِلافُ قَوْلٍ: فَقائِلٌ يَقُولُ: إنَّهُ مِنَ الوَجْهِ لِأنَّهُ يُواجِهُ. والقائِلُ الآخَرُ يَقُولُ: نَباتُ الشَّعَرِ عَلَيْهِ بَعْدَ ظُهُورِ البَشَرَةِ، لا يُخْرِجُهُ عَنْ أنْ يَكُونَ مِنَ الوَجْهِ، كَما أنَّ شَعَرَ الرَّأْسِ مِنَ الرَّأْسِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، فَلَوْ مَسَحَ عَلى شَعَرِ رَأْسِهِ مِن غَيْرِ بَلاغِهِ إلى البَشَرَةِ، جازَ ذَلِكَ، وكانَ ماسِحًا عَلى الرَّأْسِ وفاعِلًا لِمُقْتَضى الآيَةِ عِنْدَ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ، وكَذَلِكَ نَباتُ الشَّعَرِ عَلى الوَجْهِ، لا يُخْرِجُهُ مِن أنْ يَكُونَ مِنهُ. ومَن لا يَرى أنَّهُ مِنَ الوَجْهِ يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ شَعَرِ الرَّأْسِ، لِأنَّ شَعَرَ الرَّأْسِ يُولَدُ المَرْءُ عَلَيْهِ، وهو بِمَنزِلَةِ شَعَرِ الحاجِبِ، في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ (p-٣٧)مِنهُما مِنَ العُضْوِ الَّذِي هو مِنهُ، وشَعَرُ اللِّحْيَةِ غَيْرُ مَوْجُودٍ مَعَهُ في حالَةِ الوِلادَةِ، وإنَّما يُوجَدُ بَعْدَهُ، ولِذَلِكَ لَمْ يُعَدَّ مِنَ الوَجْهِ.
وعَلى الجُمْلَةِ، لَفْظُ الرَّأْسِ مُطْلَقًا لا يَظْهَرُ في شَعَرِ الرَّأْسِ الأعْلى الَّذِي يُظْهِرُ لَفْظَ الوَجْهِ في شَعَرِ الوَجْهِ. والِافْتِراقُ إنَّما يَرْجِعُ إلى مَعْنًى آخَرَ غَيْرِ ما يَتَعَلَّقُ بِاللَّفْظِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾:
اعْلَمْ أنَّ بَعْضَ عُلَمائِنا قالَ: قَوْلُهُ: ”إلى المَرافِقِ“ إنَّما لَمْ يَقْتَضِ إخْراجَ المَرافِقِ، ووَجَبَ إدْخالُها في الغَسْلِ، لِأنَّ اسْمَ اليَدِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ اليَدِ إلى المَنكِبِ، كَما أنَّ الرِّجْلَ اسْمٌ لِجَمِيعِ العُضْوِ إلى الأفْخاذِ، فَقَوْلُهُ: ”إلى المَرافِقِ“ لِبَيانِ إسْقاطِ مَعْنى الواجِبِ فِيما يَتَناوَلُهُ اسْمُ اليَدِ، وهَذا يَلْزَمُ مِنهُ وُجُوبُ التَّيَمُّمِ إلى المَنكِبَيْنِ، لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَحْدِيدٌ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ الظّاهِرَ يَقْتَضِي ذَلِكَ، ولِذَلِكَ تَيَمَّمَ عَمّارٌ إلى المَناكِبِ وقالَ: تَيَمَّمْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى المَناكِبِ، وكانَ ذَلِكَ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾، ولَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ أحَدٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، وكانَ عِنْدَهُ أنَّ الِاسْمَ لِلْعُضْوِ إلى المَنكِبِ، ويَلْزَمُ مِن مَساقِ هَذا أنَّ مَن غَسَلَ يَدَيْهِ إلى الكُوعِ، ثُمَّ قالَ: غَسَلْتُ يَدِي، أنْ يَكُونَ هَذا اللَّفْظُ مَجازًا فِيهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَغْسِلِ اليَدَ وإنَّما غَسَلَ بَعْضَهُ، وكَذَلِكَ إذا قالَ: قَطَعْتُ يَدَ فُلانٍ، ألّا يَكُونَ حَقِيقَةً إذا قَطَعَ مِنَ الكُوعِ، كَما لا يَكُونُ حَقِيقَةً إذا قَطَعَ الأصابِعَ وحْدَها، وأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ بَشِعٌ شَنِعٌ. (p-٣٨)ويُجابُ عَنْهُ: بِأنَّ اليَدَ والرِّجْلَ حَقِيقَتُهُما تَمامُ العُضْوِ إلى حَيْثُ قُلْنا: فالمِرْفَقُ مِنَ اليَدِ، والرُّكْبَةُ مِنَ الرِّجْلِ.
وهم يَقُولُونَ: اليَدُ هي الَّتِي يَقَعُ البَطْشُ بِها في الأصْلِ، وهي الَّتِي خُلِقَتْ لِلْبَطْشِ، وما عَداها الآلَةُ الباطِشَةُ تَتِمَّةٌ لَها، والرِّجْلُ هي الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْمَشْيِ، وما عَداها مِن تَتِمَّةِ هَذا المَقْصُودِ، وهَذا مِمّا يَخْتَلِفُ القَوْلُ فِيهِ، ولا يَنْتَهِي إلى حَدِّ الوُضُوحِ، والمُعْتَمَدُ فِيهِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأ مَرَّةً وقالَ: هَذا وُضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلاةَ إلّا بِهِ». ومَتى كانَتْ كَلِمَةُ إلى مُتَرَدِّدَةً بَيْنَ إبانَةِ الغايَةِ وبَيْنَ ضَمِّ الغايَةِ إلَيْهِ وجَبَ الرُّجُوعُ فِيها إلى بَيانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وفِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ بَيانٌ. فَإذا أدْخَلَ المِرْفَقَيْنِ والكَعْبَيْنِ في الغَسْلِ ظَهَرَ أنَّهُ بَيانُ ما أجْمَلَهُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى.
وهَذا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ هَذا إذا ظَهَرَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيانُ الواجِبِ، فَأمّا إذا أتى بِالسُّنَّةِ والفَرْضِ في وُضُوئِهِ، فَلا يَظْهَرُ مِنهُ ما ذَكَرَهُ الأوَّلُونَ. وبِالجُمْلَةِ، القَوْلُ مُتَقاوِمٌ، والِاحْتِياطُ لِلْوُضُوءِ يَقْتَضِي الأخْذَ بِالأتَمِّ والحَدَثُ يَقِينٌ، فَلا يَزُولُ إلّا بِيَقِينٍ.* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾:
ظَنَّ ظانُّونَ أنَّ الباءَ في قَوْلِهِ: ”بِرُؤُوسِكُمْ“ وراءَ اقْتِضائِهِ لِإلْصاقِ الفِعْلِ بِالمَحَلِّ، حَيْثُ لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى الإلْصاقِ لِحُصُولِهِ دُونَ الباءِ، بِخِلافِ قَوْلِهِ: مَرَرْتُ بِالجِدارِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الباءِ لِتَحْقِيقِ الإلْصاقِ فَإذا لَمْ تَكُنِ الباءُ ها هُنا لِلْإلْصاقِ كانَتْ لِلتَّبْعِيضِ، وفَرَّقُوا بَيْنَ قَوْلِ (p-٣٩)القائِلِ: مَسَحْتُ الجِدارَ ومَرَرْتُ بِالجِدارِ. فَإذا قالَ: مَسَحْتُ الجِدارَ، ظَهَرَ كَوْنُهُ ماسِحًا لِكُلِّهِ، وإذا قِيلَ: مَرَرْتُ بِهِ لَمْ يُفْهَمْ مِنهُ ذَلِكَ. فَقِيلَ لَهُ: هَذا فَرْقٌ لا يَعْرِفُهُ أهْلُ اللُّغَةِ، والباءُ زائِدَةٌ ها هُنا. فَأجابُوا بِأنّا إذا جَعَلْناها زائِدَةً ألْغَيْنا مُقْتَضاها. ومَتى أمْكَنَ إعْمالُها فَلا يُلْغى مُقْتَضاها. قِيلَ لَهُمْ: إذا كانَتْ تَرِدُ زائِدَةً، فَكَوْنُها زائِدَةً مُقْتَضاها أوْ مَعْناها فَما ألْغَيْناها مِن هَذِهِ الجِهَةِ، وإذا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ؛ فالتَّبْعِيضُ إنَّما يَتَلَقّى مِن لَفْظِ المَسْحِ، فَإذا قالَ قائِلٌ: مَسَحْتُ الجِدارَ، وكانَ قَدْ مَسَحَ بَعْضَهُ كانَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً وتَمَّ مُقْتَضاهُ، فالرَّأْسُ وإنْ كانَ حَقِيقَةً في جَمِيعِ العُضْوِ ولَكِنْ رُبَّ فِعْلٍ يُضافُ إلَيْهِ، فَلا يُفْهَمُ مِنَ الرَّأْسِ كَمالُ العُضْوِ لِمَكانِ الفِعْلِ، مِثْلَ فَهْمِ الفَرْقِ مِن قَوْلِ القائِلِ: حَلَقْتُ رَأْسَ فُلانٍ، في أنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ اسْتِيعابُ الحَلْقِ جَمِيعَ الرَّأْسِ.
وقَوْلُهُ: ضَرَبْتُ رَأْسَ فُلانٍ، في أنَّهُ لا يُفْهَمُ مِنهُ اسْتِيعابُهُ. وهَذا لا يَتَّجِهُ كَما يَنْبَغِي إلّا أنْ يُضافَ إلى العُرْفِ، فَيُقالُ في العُرْفِ إذا قالَ القائِلُ: حَلَقْتُ رَأْسَ فُلانٍ، يَبْعُدُ فَهْمُ حَلْقِ بَعْضِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ عَلى وجْهِ التَّبْعِيضِ غَيْرُ مُتَعارَفٍ، ويَقُولُ القائِلُ: رَأيْتُ فُلانًا، وإنَّما يَكُونُ قَدْ رَأى وجْهَهُ، ولَكِنَّ ذَلِكَ بَعَّضَهُ العُرْفُ. ويَقُولُ: رَأيْتُ مَدِينَةَ كَذا أوْ سُورَ مَدِينَةِ كَذا، وإنَّما قَدْ رَأى شَيْئًا يَسِيرًا مِن ذَلِكَ، فَهَذا الفَرْقُ مَنشَؤُهُ العُرْفُ لا غَيْرَ.
فَبِالجُمْلَةِ إذا قالَ القائِلُ وقَدْ مَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ: مَسَحْتُ الرَّأْسَ، كانَ ذَلِكَ حَقِيقَةً ولَمْ يَكُنْ مَجازًا، وهَذا لا يَبْعُدُ إثْباتُهُ، ويَتَأيَّدُ ذَلِكَ بِالإجْماعِ عَلى جَوازِ تَرْكِ شَيْءٍ مِن مَسْحِ الرَّأْسِ (p-٤٠)وإذا انْعَقَدَ الإجْماعُ عَلى جَوازِ تَرْكِ شَيْءٍ مِنهُ، فَلَيْسَ مِقْدارٌ أوْلى مِن مِقْدارٍ. فَهَذا هو القَدْرُ اللّائِقُ بِهَذا الكِتابِ، وما زادَ عَلَيْهِ فَهو مِن مَباحِثِ الفِقْهِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأرْجُلَكُمْ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ: النَّصْبُ والجَرُّ. أمّا النَّصْبُ، فَهو مِن حَيْثُ الإجْراءِ عَلى الأصْلِ، لِأنَّ الرِّجْلَ في مَوْضِعِ النَّصْبِ لِأنَّهُ وقَعَ الفِعْلُ عَلَيْهِ، والرَّأْسُ كَمِثْلٍ، إلّا أنَّ الرَّأْسَ انْتَصَبَ لِلْباءِ الجارَّةِ، فَبَقِيَتِ الرِّجْلُ عَلى الأصْلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَرُّ لِلْمُجاوَرَةِ، وفي كَسْرِ الجِوارِ أمْثِلَةٌ مِنَ القُرْآنِ وأشْعارٌ مِنَ العَرَبِ، مُسْتَقْصاةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ والأُصُولِ.
واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّ الألْيَقَ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى مُراعاةُ المَعْنى دُونَ النَّظْمِ وكَسْرِ الجِوارِ، إنَّما يَصِيرُ إلَيْهِ مَن رامَ تَغْلِيبَ النَّظْمِ عَلى المَعْنى مِثْلَ الشُّعَراءِ، فَأمّا مَن رامَ تَغْلِيبَ المَعْنى فَلا يَصِيرُ إلى كَسْرِ الجِوارِ، ومَتى كانَ حُكْمُ الأرْجُلِ في المَسْحِ مُخالِفًا حُكْمَ الرَّأْسِ، لَمْ يَجُزِ الجَرُّ بِناءً عَلى المُجاوَرَةِ في النَّظْمِ، مَعَ الِاخْتِلافِ في المَعْنى، وهَذا كَلامٌ حَسَنٌ.
فَقِيلَ لَهُمْ: بَلْ هُما في المَعْنى مُتَقارِبانِ، فَإنَّهُما يَرْجِعانِ إلى إمْساسِ العُضْوِ الماءَ. فَقالَ في الجَوابِ عَنْهُ: إنَّ الشَّرْعَ أرادَ تَفْرِقَةَ ما بَيْنَ البابَيْنِ فَقالَ: فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ، ثُمَّ قالَ: وامْسَحُوافَلَوْ كانا مُتَقارِبَيْنِ في المَعْنى لَمْ يَقْصِدْ إلى التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما. (p-٤١)نَعَمْ، ورَدَ في بَعْضِ الأشْعارِ:
؎أعْلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
و:
؎مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
و:
؎أطْفَلَتْ بِالجَلْهَتَيْنِ ظِباءَها ونِعامَها
لِأنَّ العِلْمَ بِاقْتِرانِهِما أغْنى عَنِ التَّعَرُّضِ لِوَجْهِ الِاقْتِرانِ، فَأطْلَقَ اللَّفْظَ الواحِدَ عَلَيْهِما. وها هُنا ما أطْلَقَ اللَّفْظَ الواحِدَ عَلَيْهِما، فَإنَّهُ لَوْ أطْلَقَ لَفْظَ المَسْحِ عَلى المَغْسُولِ، لَأطْلَقَ لَفْظَ الغَسْلِ عَلى الجَمِيعِ إطْلاقًا واحِدًا ولَمْ يَرْجِعْ في الرُّءُوسِ إلى لَفْظِ المَسْحِ، فَإنْ تَقارَنَ ما بَيْنَ المَسْحِ والغَسْلِ إنِ اقْتَضى إطْلاقُ لَفْظٍ واحِدٍ عَلَيْهِما، فَتَقارُنُ ما بَيْنِهِما يَقْتَضِي إطْلاقَ لِفْظِ الغَسْلِ عَلى الجَمِيعِ. ولَئِنْ قِيلَ: ذَكَرَ المَسْحَ لِإبانَةِ حُكْمٍ آخَرَ لا بُدَّ مِن إبانَتِهِ، فَلْيُفْرِدِ الأرْجُلَ بِبَيانِ حُكْمِها المُخْتَصِّ بِها وهو الغَسْلُ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: نَحْنُ وإنْ سَلَّمْنا لَهم أنَّ اللَّفْظَ ظاهِرٌ في المَسْحِ، فاحْتِمالُ الغَسْلِ قائِمٌ والَّذِي يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ القَرائِنِ يُثْبِتُهُ، ومِن جُمْلَةِ القَرائِنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾، والبَلَلُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الماءِ في خُفِّ الماسِحِ، كَيْفَ يَمْتَدُّ إلى الكَعْبَيْنِ؟ وكَيْفَ يُمْكِنُهم ذَلِكَ ولا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا: إنَّهُ لا يَجِبُ مَدُّ الماءِ إلَيْهِ؟
فَإنْ ثَبَتَ خِلافُ الإجْماعِ، وصَحَّ «أنَّهُ ﷺ رَأى قَوْمًا تَلُوحُ أعْقابُهم لَمْ يُصِبْها الماءُ، فَقالَ: (p-٤٢)”ويْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النّارِ، أسْبِغُوا الوُضُوءَ“».
وأمّا الكَعْبانِ: فَهُما العَظْمَتانِ النّاتِئَتانِ بَيْنَ مَفْصِلِ السّاقِ والقَدَمِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: هو مَفْصِلُ القَدَمِ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ عَقْدُ الشِّراكِ عَلى ظَهْرِ القَدَمِ، وذَلِكَ لا يَقْوى لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ في كُلِّ رِجْلٍ كَعْبَيْنِ، ولَوْ كانَ في كُلِّ رِجْلٍ كَعْبٌ واحِدٌ، لَقالَ: ”إلى الكَعْبِ“، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤]، إنَّما كانَ لِكُلِّ واحِدٍ قَلْبٌ واحِدٌ، وأضافَهُما إلَيْهِ بِلَفْظِ الجَمْعِ، فَلَمّا أضافَهُما إلى الأرْجُلِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ، دَلَّ عَلى أنَّ في كُلِّ رِجْلٍ كَعْبَيْنِ.
واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ إضافَةِ الغَسْلِ إلى الرِّجْلِ يَمْنَعُ مَسْحَ الخُفِّ، إلّا أنَّ مَسْحَ الخُفِّ ورَدَ في الأخْبارِ، فَلَمْ يَكُنْ نَسْخًا لِما في الكِتابِ بَلْ كانَ تَخْصِيصًا. الِاعْتِراضُ: أنَّ التَّخْصِيصَ إنَّما يَكُونُ في مُسَمَّياتٍ يُخَصَّصُ بَعْضُها ويَبْقى الباقِي عَلى مُوجَبِ الأصْلِ، فَإذا جَوَّزَ المَسْحَ، ثُمَّ مُطْلَقًا، فَأيْنَ وُجُوبُ غَسْلِ الرِّجْلِ؟ وعِنْدَكم أنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ المَسْحِ والغَسْلِ أبَدًا. فَأيْنَ وُجُوبُ غَسْلِ الرِّجْلِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، حَتّى يُقالَ: خَرَجَ مِنهُ البَعْضُ وبَقِيَ البَعْضُ؟ الجَوابُ: أنَّ مَعْنى التَّخْصِيصِ فِيهِ ظاهِرٌ، فَإنَّ غَسْلَ الرِّجْلِ ثابِتٌ في حَقِّ الأكْثَرِ، والَّذِي يَمْسَحُ إنَّما يَمْسَحُ مُدَّةً مَعْلُومَةً، ثُمَّ يَرْجِعُ إلى الغَسْلِ فَيَغْسِلُ، ولا بُدَّ لِلْمَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ مِن تَقْدِيمِ الطَّهارَةِ الكامِلَةِ حَتّى يَصِحَّ (p-٤٣)المَسْحُ، فَوُجُوبُ غَسْلِ الرِّجْلِ حاصِلٌ في حَقِّ كَثِيرٍ مِنَ المُسَمَّياتِ، فَصَحَّ مَعْنى التَّخَصُّصِ. وهَذا بَيِّنٌ ظاهِرٌ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في أصْلِ المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ، والمَسْحُ مَوْقُوفٌ فِيما سِوى المُدَّةِ، وجَبَ الرُّجُوعُ إلى الأصْلِ. ويُحْتَجُّ عَلى مَن جَوَّزَ مَسْحَ العِمامَةِ بِإيجابِ اللَّهِ تَعالى غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ، فَإنَّ تَخْصِيصَهُ لا يَجُوزُ إلّا بِدَلِيلٍ. نَعَمْ؛ «مَسْحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِناصِيَتِهِ وعِمامَتِهِ. وفي بَعْضِ الرِّواياتِ عَلى جانِبِ عِمامَتِهِ. وفي بَعْضِها: وضَعَ يَدَهُ عَلى عِمامَتِهِ،» فَأخْبَرَ أنَّهُ بَعْدَ فِعْلِ المَفْرُوضِ مِن مَسْحِ النّاصِيَةِ مَسَحَ عَلى العِمامَةِ، وذَلِكَ جائِزٌ عِنْدَنا.
إذا ثَبَتَ هَذا فَظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكُمْ﴾ يَقْتَضِي الإجْزاءَ فَرَّقَ أوْ جَمَعَ ووالى عَلى ما هو الصَّحِيحُ مِن مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ، وهو مَذْهَبُ الأكْثَرِينَ مِنَ العُلَماءِ، فاعْتِبارُ المُوالاةِ يَقْتَضِي مِن دَلِيلٍ زائِدٍ، ولَيْسَ في الأمْرِ ما يَقْتَضِي الفَوْرَ، وتَرْتِيبَ بَعْضِ المَأْمُورِ عَلى البَعْضِ.
ويُسْتَدَلُّ بِظاهِرِ الآيَةِ عَلى أنَّ التَّسْمِيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا. وإذا ثَبَتَ أنَّ الواوَ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ ولا الجَمْعَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالزَّمانِ، فَإذا قالَ القائِلُ: رَأيْتُ زَيْدًا وعَمْرًا، لَمْ يُفْهَمْ مِنهُ أنَّهُ رَآهُما في زَمانٍ واحِدٍ، أوْ في زَمانَيْنِ مُرَتَّبَيْنِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فالواوُ أجْنَبِيٌّ عَنِ اقْتِضاءِ هَذا المَعْنى، وإنَّما هو لِتَرْتِيبِ الأفْعالِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ. (p-٤٤)فَظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي وُجُوبَ إمْرارِ الماءِ عَلى الأعْضاءِ الأرْبَعَةِ، ولَوْ قالَ صاحِبُ الشَّرِيعَةِ: أمِرُّوا الماءَ عَلى الأعْضاءِ الأرْبَعَةِ؛ الوَجْهِ، واليَدَيْنِ، والرَّأْسِ، والرِّجْلَيْنِ، فَإذا أمَرَّ الماءَ عَلَيْها عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ، خَرَجَ عَنْ مُقْتَضى الأمْرِ وكانَ مُمْتَثِلًا، ولَيْسَ يَجِبُ عَلى المَأْمُورِ إلّا ما اقْتَضاهُ ظاهِرُ الأمْرِ. إلّا أنَّ الشّافِعِيَّ يُوجِبُ التَّرْتِيبَ تُلْقِيا مِن إدْراجِ المَمْسُوحِ في تَضاعِيفِ المَغْسُولاتِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا عَنْ قَصْدِ تَرْتِيبِ الأشْياءِ عَلى النَّسَقِ المَذْكُورِ، كَما قَرَّرْناهُ في مَسائِلِ الفِقْهِ.
فَإنْ قِيلَ: فالأرْجُلُ مَعْطُوفَةٌ في المَعْنى عَلى الأيْدِي، وأنَّ مَعْناها: فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم وأرْجُلَكم وامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ، وإنَّما يُمْكِنُ رَدُّ الرِّجْلِ إلى اليَدِ عَلى تَقْدِيرِ رَفْعِ التَّرْتِيبِ.
قُلْنا: هَذِهِ جَهالَةٌ، فَإنَّ الَّذِي قُلْتُمُوهُ تَرْتِيبٌ في المَعْنى ورَدَ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، وإنْ حَصَلَ التَّرْتِيبُ مِن حَيْثُ الزَّمانُ، ولَوْ رُتِّبَ البَعْضُ عَلى البَعْضِ بِكَلِمَةٍ، ثُمَّ لَكانَ الَّذِي ذَكَرُوهُ مُمْكِنًا، ولا حاصِلَ لِما قالُوهُ.
واسْتَنْبَطَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ مِن هَذِهِ الآيَةِ، أنَّ الِاسْتِنْجاءَ لا يَجِبُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ كانَ الحَدَثُ مُضْمَرًا فِيهِ، وتَقْدِيرُهُ: إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ وأنْتُمْ مُحْدِثُونَ. وقالَ في نَسَقِ الآيَةِ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ . فَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ أكْثَرَ مِنَ المَذْكُورِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إذا أتى بِالمَذْكُورِ اسْتَباحَ الصَّلاةَ. (p-٤٥)أوْ قالَ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾، وهو كِنايَةٌ عَنِ الخارِجِ النَّجِسِ، ولَمْ يَقُلِ: اغْسِلُوا مَوْضِعَ الخارِجِ، وإنَّما قالَ: فاغْسِلُوا وُجُوهَكم. فَيُقالُ لَهُمْ: إنَّ الَّذِي ذَكَرْتُمْ لَيْسَ يَدُلُّ عَلى ما اسْتَنْبَطْتُمُوهُ، وذَلِكَ أنَّ المُرادَ مِنهُ بَيانُ غَسْلِ ما لا يَظْهَرُ أثَرُ الخارِجِ في غَسْلِهِ، وهو أعْضاءُ الوُضُوءِ، فَأمّا إزالَةُ النَّجاساتِ عَنِ البَدَنِ والثَّوْبِ وغَيْرِهِما مِنَ المَواضِعِ النَّجِسَةِ، فَحُكْمُها مَأْخُوذٌ مِن مَوْضِعٍ آخَرَ، ولَيْسَ يَقْتَضِي بَيانُ حُكْمِ الوُضُوءِ بَيانَ حُكْمِ شَرائِطِ الصَّلاةِ كُلِّها، فَإنَّ الصَّلاةَ مَوْقُوفَةٌ إجْماعًا عَلى سَتْرِ العَوْرَةِ، ولا ذِكْرَ لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، ومَوْقُوفَةٌ عَلى طَهارَةِ البَدَنِ والثَّوْبِ مِمّا فَوْقَ النَّجاسَةِ الَّتِي يُعْفِي عَنْها عَلى مَذْهَبِكُمْ، ولَمْ يَكُنِ السُّكُوتُ عَنْهُ مانِعًا عَدَمَ اشْتِراطِ السُّكُوتِ عَنْهُ في إجْزاءِ الفِعْلِ، فاعْلَمْهُ.* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾:
إنَّما سُمِّيَ جُنُبًا لِأجْلِ ما لَزِمَهُ مِنِ اجْتِنابِ أفْعالٍ بَيْنَها الشَّرْعُ. فالجَنابَةُ هي البُعْدُ والِاجْتِنابُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجارِ الجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] يَعْنِي: البَعِيدَ مِنهُ نَسَبًا، فَصارَتِ الجَنابَةُ في الشَّرْعِ اسْمًا لِلُزُومِ اجْتِنابِ ما وصَفْناهُ مِنَ الأُمُورِ.
وأصْلُهُ: التَّباعُدُ عَنِ الشَّيْءِ، ثُمَّ لَيْسَ بِتَباعُدٍ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وإنَّما هو تُباعُدٌ مِن شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، مِثْلَ الصَّوْمِ؛ في الأصْلِ: عِبارَةٌ عَنِ الإمْساكِ ولَيْسَ الصَّوْمُ في الشَّرْعِ إمْساكًا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، إنَّما هو عَنْ شَيْءٍ دُونَ (p-٤٦)شَيْءٍ، وبَيانُ ذَلِكَ إلى الشَّرْعِ. ومُطْلَقُ اللَّفْظِ يَنْصَرِفُ إلى ما اسْتَقَرَّ عُرْفُ الشَّرْعِ عَلَيْهِ. واسْتَنْبَطَ مَن أوْجَبَ المَضْمَضَةَ والِاسْتِنْشاقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ أنَّهُما فَرْضانِ عَلَيْهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاطَّهَّرُوا﴾ عُمُومٌ، وقَرَّرَ الرّازِيُّ هَذا في أحْكامِ القُرْآنِ، ثُمَّ وجَّهَ عَلى نَفْسِهِ سُؤالًا فَقالَ:
إنْ قالَ قائِلٌ: مَنِ اغْتَسَلَ ولَمْ يَتَمَضْمَضْ ولَمْ يَسْتَنْشِقْ يُسَمّى مُتَطَهِّرًا، فَقَدْ فَعَلَ ما أوْجَبَتْهُ الآيَةُ؟ فَقالَ: إنَّما يَكُونُ مُطَهِّرًا لِبَعْضِ جَسَدِهِ، وعُمُومُ الآيَةِ يَقْتَضِي تَطْهِيرَ الجَمِيعِ، فَلا يَكُونُ بِتَطْهِيرِ البَعْضِ فاعِلًا لِمُوجَبِ عُمُومِ اللَّفْظِ. ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] عُمُومٌ في سائِرِهِمْ، وإنْ كانَ الِاسْمُ يَتَناوَلُ ثَلاثَةً مِنهُمْ؟ فَكَذَلِكَ ما وصَفْناهُ. ولَمّا لَمْ يَجُزْ لِأحَدٍ أنْ يَقْتَصِرَ مِن حُكْمِ آيَةِ قِتالِ المُشْرِكِينَ عَلى ثَلاثَةٍ مِنهُمْ، لِأنَّ الِاسْمَ يَتَناوَلُهُمْ، إذْ كانَ العُمُومُ شامِلًا لِلْجَمِيعِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فاطَّهَّرُوا﴾ عُمُومٌ في سائِرِ البَدَنِ، فَلا يَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى بَعْضِهِ.
فَهَذا ما ذَكَرَهُ سُؤالًا، واسْتِدْلالًا وانْفِصالًاوالَّذِي ذَكَرَهُ باطِلٌ عِنْدَنا قَطْعًا، فَإنَّ صِيَغَ جُمُوعِ الكَثْرَةِ حَقِيقَةٌ في الِاسْتِغْراقِ، فَهي فِيما دُونَهُ مَجازٌ، لِأنَّ الوَضْعَ الأصْلِيَّ فِيها الِاسْتِغْراقُ. فَأمّا قَوْلُهُ: تَطَهَّرَ فُلانٌ، فَلَيْسَ حَقِيقَةً في قَدْرٍ دُونَ قَدْرٍ، فَإذا غَسَلَ أيَّ مَوْضِعِ غَسْلٍ مِن بَدَنِهِ فَقَدْ تَطَهَّرَ، ولَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى مَوْضِعَ (p-٤٧)الطَّهارَةِ أصْلًا، لا بِلَفْظٍ يَقْتَضِي عُمُومَ البَدَنِ، ولا بِلَفْظٍ يُخالِفُهُ، وإنَّما قالَ: ”فاطَّهَّرُوا“، ولَيْسَ فِيهِ ما يُوجِبُ عُمُومًا أوْ خُصُوصًا، ولَكِنَّهُ لِإبانَةِ ما يُسَمّى اطِّهارًا، ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَقُولَ: مَن غَسَلَ بَدَنَهُ جَمِيعَهُ إلّا داخِلَ الفَمِ والأنْفِ، فَلا يُقالُ لَهُ: اطَّهَّرَ حَقِيقَةً، وما جاءَ بِهِ لَيْسَ بِاطِّهارٍ حَقِيقَةً بَلْ لَفْظُ الِاطِّهارِ في هَذا القَدْرِ مَجازٌ، كَما أنَّ الِاسْتِغْراقَ فِيما دُونَهُ مَجازٌ وذَلِكَ يَتَبَيَّنُهُ العاقِلُ بِأوائِلِ النَّظَرِ في مِثْلِ ذَلِكَ.
قالَ: إنَّ المَأْمُورَ خَرَجَ مِن مُوجَبِ الأمْرِ بِما يُسَمّى بِهِ مُتَطَهِّرًا. وقالَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] يَقْتَضِي جَوازَها مَعَ تَرْكِها، لِوُقُوعِ اسْمِ المُغْتَسِلِ عَلَيْهِ، واسْمُ المُغْتَسِلِ حَقِيقَةٌ في حَقِّ مَن لَمْ يَتَمَضْمَضْ، واسْمُ المُتَطَهِّرِ حَقِيقَةٌ في حَقِّ مَن لَمْ يَتَمَضْمَضْ فَلا حاصِلَ لِقَوْلِهِ هَذا، فاعْلَمْهُ وثِقْ بِهِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ﴾:
فَهِمَ العُلَماءُ مِن قَوْلِهِ مَرْضى كَوْنَ المَرَضِ مُبِيحًا لِلتَّيَمُّمِ إذا كانَ في اسْتِعْمالِ الماءِ ضَرَرٌ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْمَلْ عَلى ذَلِكَ، كانَ ذِكْرُ المَرَضِ لَغْوًا عِنْدَ عَدَمِ الماءِ، ولَمْ يَفْهَمُوا مِن ذِكْرِ المُسافِرِ اعْتِبارَ السَّفَرِ فَقَطْ، بَلِ اعْتَبَرُوا عَدَمَ الماءِ، وإنْ كانَ عَدَمُهُ في حَقِّ غَيْرِ المُسافِرِ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، لِأنَّ السَّفَرَ يَغْلِبُ فِيهِ عَدَمُ الماءِ، ويَنْدُرُ في الإقامَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَكانَ لِلسَّفَرِ تَعَلُّقٌ بِعَدَمِ الماءِ، ولَيْسَ لِلْمَرَضِ تَعَلُّقٌ بِهِ، فَلَمْ يُفْهَمْ مِنهُ عَدَمُ الماءِ، وإنَّما فُهِمَ مِنهُ ما يُفْضِي إلَيْهِ المَرَضُ مِنَ الضَّرَرِ بِاسْتِعْمالِ الماءِ. (p-٤٨)وإذا ثَبَتَ هَذا فَقَدَ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ الآيَةَ. ذَكَرَ المَرَضَ والسَّفَرَ مَعَ الإحْداثِ ذِكْرًا واحِدًا ولَيْسا حَدَثَيْنِ، فَلا جَرَمَ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى الآيَةِ: فَأمّا زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ فَإنَّهُ ذَكَرَ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا فَقالَ: تَقْدِيرُهُ: إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ مِن نَوْمٍ، أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لَمَسْتُمُ النِّساءَ، فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ- إلى قَوْلِهِ: وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا ماءً. والَّذِي يَرُدُّ عَلى هَذا مِن الِاعْتِراضِ عَلى مُقْتَضى هَذا القَوْلِ: فَيَكُونُ ذاكِرًا بَعْضَ أسْبابِ الحَدَثِ مِن غَيْرِ أنْ يَذْكُرَ الحَدَثَ مُطْلَقًا، ويَكُونُ ذاكِرًا لِلْجَنابَةِ المُطْلَقَةِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ أسْبابِها ومُوجِباتِها، فَإنَّ غَيْرَ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ يَقُولُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ”إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ وأنْتُمْ مُحْدِثُونَ مُطْلَقًا“، لِيَنْتَظِمَ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾، فَإنَّهُ إذا ذَكَرَ أسْبابَ الحَدَثِ عِنْدَ وُجُودِ الماءِ، فَيُشْبِهُ أنْ يَذْكُرَ أسْبابَ الجَنابَةِ، وإنْ ذَكَرَ الحَدَثِ مُطْلَقًا، ذَكَرَ الجُنُبَ مُطْلَقًا، فَفِيما ذَكَرَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ قَطَعَ الِانْتِظامَ مِن هَذا الوَجْهِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ تَمامَ الأحْداثِ، فَإنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ النَّوْمَ وهو حَدَثٌ، ولا زَوالَ العَقْلِ بِأيِّ سَبَبٍ كانَ، ولا مَسَّ الذَّكَرِ عِنْدَ قَوْمٍ، ولا خُرُوجَ الخارِجِ مِن غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ عِنْدَ قَوْمٍ، فَهَذا يَرِدُ عَلى تَقْدِيرِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، مَعَ أنَّ تَقْدِيرَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ يُورِثُ رَكاكَةً في (p-٤٩)النَّظْمِ، واسْتِكْراهًا في النُّطْقِ، وحِيدًا عَنْ أحْسَنِ الجِهاتِ في البَيانِ، وإنَّما يَجُوزُ لِضَرُورَةٍ تَدْعُوهُ إلَيْهِ. وعِنْدَ ذَلِكَ قالَ آخَرُونَ: الدّاعِي إلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أنَّهُ عَدَّ المَرَضَ والسَّفَرَ مَعَدَّ الأحْداثِ، ونَحْنُ نُقَدِّرُ تَقْدِيرًا آخَرَ لِيَزُولَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾: مَعْناهُ: وأنْتُمْ مُحْدِثُونَ، وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا، فَقَدْ بَيَّنَ السَّبَبَيْنِ الأصْلِيَّيْنِ لِلطَّهارَتَيْنِ الصُّغْرى والكُبْرى، ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ مَعْناهُ: وجاءَ، وقَدْ ورَدَ ”أوْ“ بِمَعْنى الواوِ، وذَلِكَ راجِعٌ إلى المَرَضِ والسَّفَرِ إذا كانا مُحْدَثَيْنِ ولَزِمَهُما، وجَعَلَ ”أوْ“ بِمَعْنى الواوِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وفي إشْعارِ العَرَبِ مَوْجُودٌ. إلّا أنَّ الَّذِي يَرُدُّ عَلَيْهِ أنّا إذا قُلْنا إنَّ مَعْنى أوَّلِ الآيَةِ: ”إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ وأنْتُمْ مُحْدِثُونَ“، ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ فَقَوْلُهُ: ( إنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ ) يُظْهِرُ رُجُوعَهُ إلَيْهِما ولا مَعْنى لِذِكْرِ المَجِيءِ مِنَ الغائِطِ ولَمْسِ النِّساءِ، فَإنَّ الحَدَثَ المُطْلَقَ الجَنابَةُ المُطْلَقَةُ تَشْمَلُهُما، وما سِواهُما فَلَيْسَ لِذِكْرِهِما فائِدَةٌ، فَفي كُلِّ واحِدٍ مِنَ التَّقْرِيرَيْنِ نَوْعُ اعْتِراضٍ وبُعْدٍ. واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ مِنَ الآيَةِ.
* *
قَوْلُهُ: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ حَمَلَهُ قَوْمٌ عَلى الجِماعِ، وقَوْمٌ عَلى الجَسِّ بِاليَدِ. (p-٥٠)فَأمّا قِراءَةُ اللَّمْسِ فَظاهِرَةٌ في الجَسِّ والمُلامَسَةِ، مِن حَيْثُ إنَّها عَلى صِيغَةِ المُفاعَلَةِ، ويُقالُ: اسْتِعْمالُها في الجَسِّ بِاليَدِ، تَوَهَّمَ قَوْمٌ أنَّها بِمَعْنى الجِماعِ، وكَيْفَ ما قَدَّرَ أمْكَنَ أنْ يَعْمَلَ بِالقَرائِنِ. وتُجْعَلُ القَرائِنُ كالِاثْنَيْنِ فَيَعْمَلُ بِهِما جَمْعًا، أوْ يَجْعَلُ اللَّمْسَ مَحْمُولًا عَلى الجَسِّ بِاليَدِ وعَلى الجِماعِ أيْضًا، لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ غالِبًا، وقَدْ بَسَطْنا القَوْلَ في هَذا فِيما تَقَدَّمَ فَلا نُعِيدُهُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً، فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ المَرْضى فَقالَ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ فَلا بُدَّ أنْ يَرْجِعَ الشَّرْطُ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وعَدَمُ الماءِ لَيْسَ مُعْتَبَرًا حَقِيقَةً في حَقِّ المَرِيضِ، فَيَدُلُّ مَعْنى الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما عَنى بِالمَوْجُودِ إمْكانَ اسْتِعْمالِ الماءِ وإنْ كانَ واجِدًا لِلْماءِ صُورَةً، ولَكِنَّهُ مَعْجُوزٌ عَنْهُ، فَكَأنَّهُ لَمْ يَجِدْهُ، فَإنّا لَوْ لَمْ نُقَدِّرْ ذَلِكَ، لَمْ يَسْتَقِمْ جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ عائِدًا إلى المَرْضى، وذَلِكَ خِلافَ الإجْماعِ والنَّظْمِ. وإذا كانَ مَعْنى الوُجُودِ إمْكانَ الِاسْتِعْمالِ شَرْعًا وطَبْعًا، ولَوْ كانَ الماءُ عِنْدَهُ ودِيعَةً، فَلَيْسَ واجِدًا لِلْماءِ شَرْعًا، وإنْ كانَ في اسْتِعْمالِهِ التَّلَفُ فَلَيْسَ واجِدًا لِلْماءِ شَرْعًا.
وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ إذَنْ أُرِيدَ بِهِ وُجُودًا لا يَتَضَمَّنُ ضَرَرًا ظاهِرًا، وإذا بِيعَ بِثَمَنٍ أكْثَرَ مِن ثَمَنِ المِثْلِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ سَدادُهُ.
واخْتَلَفَ قَوْلُ الشّافِعِيِّ في مَن وجَدَ مِنَ الماءِ ما لا يَكْفِي لِتَمامِ طَهارَتِهِ: (p-٥١)فَفِي قَوْلِ: يَتَيَمَّمُ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ العُلَماءِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ فَرْضَهُ الشَّيْئَيْنِ: إمّا الماءَ وإمّا التُّرابَ، فَإذا لَمْ يَكُنِ الماءُ مُغْنِيًا عَنِ التَّيَمُّمِ كانَ غَيْرَ مَوْجُودٍ شَرْعًا. وعَلى القَوْلِ الآخَرِ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ الماءَ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنْ لا يَجِدَ ما يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الماءِ جُمْلَةً، وإذا وجَدَ مِنَ الماءِ ما لا يَكْفِيهِ فَقَدْ وجَدَ الماءَ، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ شَرْطُ التَّيَمُّمِ. فَإذا اسْتَعْمَلَهُ وفَقَدَ الماءَ، تَيَمَّمَ لِما لَمْ يَجِدْ.
واخْتَلَفَ قَوْلُ الشّافِعِيِّ فِيما إذا نَسِيَ الماءَ في رَحْلِهِ ثُمَّ تَيَمَّمَ، والصَّحِيحُ أنَّهُ يُعِيدُ، لِأنَّهُ إذا كانَ الماءُ عِنْدَهُ فَهو واجِدٌ، لَكِنَّهُ لا يَدْرِي أنَّهُ واجِدٌ، وأنَّ الشَّيْءَ عِنْدَهُ، والكَلامُ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، فَإذا كانَ عِنْدَ إنْسانٍ شَيْءٌ فَذَلِكَ الشَّيْءُ هو مَوْجُودٌ عِنْدَهُ، وإذا كانَ مَوْجُودًا فَهو واجِدٌ لِلْمَوْجُودِ إذْ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مَوْجُودًا عِنْدَهُ ولَيْسَ بِواجِدٍ لَهُ، إلّا أنَّهُ نَسِيَ أنَّهُ واجِدٌ لَهُ.
والقائِلُ الآخَرُ يَقُولُ: إذا لَمْ يَعْلَمْهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وقَدْ يَقُولُ: كانَ عِنْدِي ولَمْ أجِدْهُ، وقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ في دارِ رَجُلٍ فَيَطْلُبُهُ فَيُقالُ لَهُ: هَلْ وجَدْتَهُ أمْ لا؟ فَيَقُولُ: وجَدْتُهُ أوْ ما وجَدْتُهُ، فَإذا نَسِيَهُ في رَحْلِهِ فَلَمْ يَجِدْهُ. فَيُقالُ: هَذا إنَّما يَسْتَقِيمُ إنْ لَوْ طَلَبَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وعِنْدَنا لَوْ طَلَبَ فَلَمْ يَجِدْ كانَ مَقْدُورًا، إلّا أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الرَّحْلِ، فَيَطْلُبُ مِنَ الرَّحْلِ فَلا يَجِدُهُ، والطَّلَبُ مِنَ الرَّحْلِ شَرْطٌ، حَتّى يُقالَ لِمَن طَلَبَ ولَمْ يَجِدْ: إنَّهُ لَمْ يَجِدْ، والشّافِعِيُّ أوْجَبَ طَلَبَ الماءِ، لِأنَّهُ لا يُقالُ: لَمْ أجِدْ إلّا إذا طَلَبَ، وإذا لَمْ يَطْلُبْ في مَظِنَّةِ الماءِ فَلا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ: لَمْ أجِدْ.
(p-٥٢)نَعَمْ؛ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: وجَدَ فُلانٌ لُقَطَةً، وإنْ لَمْ يَكُنْ طَلَبَها، إنَّما لا يُقالُ: لَمْ يَجِدْ إلّا إذا طَلَبَ فَلَمْ يَجِدْ. وهَذا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ أنَّ الواحِدَ مِنّا قَدْ يَقُولُ: أنا لا أجِدُ ما أتَوَصَّلُ بِهِ إلى كَذا، أوْ لَمْ أجِدْ أمْرَ فُلانٍ مُسْتَقِيمًا، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿وما وجَدْنا لأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢] . وإذا كانَ لَفْظُ الوُجُودِ لا يَقْتَضِي الطَّلَبَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩] . ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] . لا أنَّهم طَلَبُوا، ولا أنَّهُ يُمْكِنُ الطَّلَبُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما وجَدْنا لأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢]، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَجُوزُ أنْ يُوصَفَ بِالطَّلَبِ. وإنْ كانَ قَدْ يُجابُ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى طَلَبَ مِنهُمُ الثَّباتَ عَلى العَهْدِ، والطَّلَبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى هو الأمْرُ بِهِ، فَيَصِحُّ إطْلاقُ قَوْلِهِ: ﴿وما وجَدْنا﴾ [الأعراف: ١٠٢]، لِأنَّهُ يَطْلُبُ مِنهم ما قَدَّمَهُ إلَيْهِمْ مِنَ العَهْدِ. وإذا قالَ القائِلُ: فُلانٌ لا يَجِدُ ألْفَ دِينارٍ، فَمَعْناهُ: أنَّهُ لا يَتَّسِعُ طَلَبُهُ لَهُ، وإنْ تَمَحَّلَ وطَلَبَ.وعَلى الجُمْلَةِ لَوْ قَطَعْنا بِأنْ لا ماءَ، فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ حَتّى يَظْهَرَ عَدَمُ الماءِ في المَصادِرِ، ولَوْ ظَهَرَ وُجُودُهُ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الطَّلَبُ، حَتّى يَجِبَ عَلَيْهِ الطَّلَبُ مِنَ الرُّفْقَةِ وفي مَواضِعِ إمارَةِ الماءِ. (p-٥٣)ورُبَّما نُسَلِّمُ لَهم إذا غَلَبَ الظَّنُّ بِعَدَمِ الماءِ، وهم يُسَلِّمُونَ لَنا إذا لَمْ يَبْعُدْ وُجُودُ الماءِ، فَيَرْتَفِعَ الخِلافُ.
وفِي أصْحابِنا مَن يَقُولُ: إذا لَمْ يُتَيَقَّنْ عَدَمُ الماءِ لَمْ يَصِحَّ التَّيَمُّمُ، لِأنَّ عَدَمَ الماءِ شَرْطٌ، والشَّرْطُ لا بُدَّ مِن تَيَقُّنِهِ. وهَذا بَعِيدٌ، فَإنَّهُ وإنْ طَلَبَ وبالَغَ فَلا يَحْصُلُ التَّيَقُّنُ مِن مَن عَدِمَ الماءَ وإنَّما يَحْصُلُ الظَّنُّ الغالِبُ، فَأمّا اليَقِينُ فَغَيْرُ مَظْفُورٍ بِهِ، وفي الوَقْتِ أمْكَنَ انْتِظارُ اليَقِينِ، فافْتَرَقا لِذَلِكَ.
وإذا خافَ في الِاسْتِعْمالِ بِالوُضُوءِ فَواتَ الوَقْتِ، لَمْ يَتَيَمَّمْ عِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ، ومالِكٌ يُجَوِّزُ التَّيَمُّمَ في مِثْلِ ذَلِكَ. ولِلشّافِعِيِّ مَسائِلُ تَدُلُّ عَلى ما يُقارِبُ مَذْهَبَ مالِكٍ، واسْتَقْصَيْناها في المَذْهَبِ. والَّذِي لا يَجُوزُ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وهَذا واجِدٌ، فَقَدَ عَدِمَ شَرْطَ صِحَّةِ التَّيَمُّمِ فَلا يَتَيَمَّمُ.
والقائِلُ الآخَرُ يَقُولُ: ما جازَ التَّيَمُّمُ في الأصْلِ إلّا لِحِفْظِ وقْتِ الصَّلاةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَوَجَبَ تَأْخِيرُ الصَّلاةِ إلى حِينِ وُجُودِ الماءِ. فَيُقالُ: ولَكِنْ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إلّا أنَّ السَّفَرَ يَكْثُرُ وإعْوازُ الماءِ فِيهِ يَغْلِبُ، فَلَوْ جازَ تَأْخِيرُ الصَّلاةِ إلى حِينِ وُجُودِ الماءِ، تَكاسَلَ النّاسُ عَنْ إعادَةِ الصَّلاةِ، فَأُوجِبَتِ الصَّلاةُ بِالتَّيَمُّمِ تَمْرِينًا عَلَيْهِ. وهَذا لا يَتَحَقَّقُ فِيما إذا كانَ فَوْتُ الصَّلاةِ نادِرًا في حالَةٍ خاصَّةٍ فاعْلَمْهُ.
فَإنْ قِيلَ: جازَتْ صَلاةُ الخائِفِ لِأجْلِ الوَقْتِ مَعَ نُدُورِ الخَوْفِ. (p-٥٤)ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ هُناكَ وُجِدَ شَرْطُ صِحَّةِ الصَّلاةِ وهو الخَوْفُ، وهاهُنا عَدَمُ الشَّرْطِ وهو العَدَمُ.
وقَدْ قِيلَ في حَقِّ المُسافِرِ والخائِفِ ما أُبِيحَ التَّيَمُّمُ، لِئَلّا يَفُوتَ الوَقْتُ، ولِذَلِكَ جازَ في أوَّلِ الوَقْتِ. فَيُقالُ: جَوازُهُ في أوَّلِ الوَقْتِ لا يُنافِي ما قُلْناهُ، فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ في أوَّلِ الوَقْتِ لَمْ يَجُزْ في وسَطِ الوَقْتِ، حَتّى يَنْتَهِيَ إلى قَدْرٍ يَنْطَبِقُ عَلى فِعْلِ الصَّلاةِ، وذَلِكَ عُسْرٌ غَيْرُ مَضْبُوطٍ فَلَمْ يُمْكِنِ اعْتِبارُهُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ لا يَسْتَقِيمُ لِأبِي حَنِيفَةَ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِخَوْفِ فَواتِ صَلاةِ الجِنازَةِ مَعَ عَدَمِ الشَّرْطِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ وهو واجِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ جَوَّزَ التَّيَمُّمَ قَبْلَ الوَقْتِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تُعْتَبَرُ الحاجَةُ. واخْتَلَفَ في مَن حُبِسَ في حَبْسٍ؛ لا يَقْدِرُ عَلى ماءٍ ولا تُرابٍ نَظِيفٍ، فالشّافِعِيُّ يَقُولُ: يُصَلِّي ويُعِيدُ. وأبُو حَنِيفَةَ وزَفَرُ ومُحَمَّدٌ يَقُولُونَ: لا يُصَلِّي أصْلًا حَتّى يَقْدِرَ عَلى الماءِ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَقَدَ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى التَّيَمُّمَ شَرْطَ صِحَّةِ الصَّلاةِ أوِ الوُضُوءِ، فَإذا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِما فَرُبَّما يَقُولُ القائِلُ: إذا لَمْ يَتَحَقَّقْ شَرْطُ الشَّيْءِ لَمْ يَثْبُتِ المَشْرُوطُ دُونَهُ، ولَمْ يَتَحَقَّقِ الشَّرْطُ في حَقٍّ مِن عَدَمِ الماءِ والتُّرابِ، فَلا جَرَمَ. قالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُصَلِّي لِعَدَمِ شَرْطِ العِبادَةِ.
وقالَ المُزْنِيُّ: يُصَلِّي لِأنَّ الشَّرْطَ إنَّما أُرِيدَ في هَذا المَوْضِعِ لِتَكْمِلَةِ المَشْرُوطِ ولِحُسْنِ نِظامِهِ، لا لِأنَّهُ شَرْطٌ لِعَيْنِهِ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ لَمْ تَزِدْ (p-٥٥)رُتْبَتُهُ عَلى رُتْبَةِ الأرْكانِ، والعَجُزُ عَنْ بَعْضِ الأرْكانِ لا يُسْقِطُ القَدْرَ المَقْدُورَ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ ها هُنا فَعَلى هَذا يُصَلِّي ولا يُعِيدُ. والشّافِعِيُّ يَقُولُ: أمّا الَّذِي ذَكَرَهُ المُزْنِيُّ مِن أنَّهُ يُصَلِّي فَصَحَّ، ولَكِنَّهُ يُصَلِّي مُراعاةً لِحَقِّ الوَقْتِ مَعَ العَجْزِ عَنْ كَمالِهِ، فَإذا قَدَرَ عَلى الكَمالِ وجَبَ الإتْيانُ بِهِ.
وهَذا القِياسُ كانَ يَقْتَضِي مِثْلَهُ في تَرْكِ بَعْضِ الأرْكانِ في حَقِّ المَرِيضِ، أوْ تَرْكِ الوُضُوءِ في حَقِّ المُسافِرِ، إلّا أنَّ تِلْكَ الأعْذارَ عامَّةٌ، ويَكْثُرُ وُقُوعُها، فَتَكْلِيفُ القَضاءِ يَجُرُّ حَرَجًا.
وقَدِ اسْتَقْصَيْنا ذَلِكَ في مَسائِلِ الخِلافِ. وقَدِ احْتَجَّ المُزْنِيُّ بِما «رَوى في قِلادَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها حِينَ ضَلَّتْ، وأنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِينَ نَدَبَهم لِطَلَبِ القِلادَةِ، صَلَّوْا بِلا وُضُوءٍ ولا تَيَمُّمٍ» .
والتَّيَمُّمُ إذا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا فَقَدْ صَلَّوْا بِلا طَهارَةٍ أصْلًا، ومِنهُ قالَ المُزْنِيُّ: لا إعادَةَ، وهو نَصٌّ في جَوازِ الصَّلاةِ مَعَ عَدَمِ الطَّهارَةِ مُطْلَقًا عِنْدَ تَعَذُّرِ الوُصُولِ إلَيْها. فَإنْ قِيلَ: جَوازُ الصَّلاةِ كانَ لِعَدَمِ الماءِ، مِن حَيْثُ لا بَدَلَ لَهُ كالتُّرابِ الَّذِي لا بَدَلَ لَهُ الآنَ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في جَوازِ التَّيَمُّمِ قَبْلَ وقْتِ الصَّلاةِ، والشّافِعِيُّ لا يُجَوِّزُهُ، فَإنَّهُ لَمّا قِيلَ لَنا: ”فَإنْ لَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا“، ظَهَرَ مِنهُ إجْزاءُ التَّيَمُّمِ بِالحاجَةِ، ولا حاجَةَ قَبْلَ الوَقْتِ، وعَلى هَذا لا يُصَلِّي فَرْضَيْنِ بِتَيَمُّمٍ واحِدٍ، والمَسْألَتانِ اسْتَقْصَيْناهُما في عِلْمِ الخِلافِ، وأصْلُهُما كِتابُ اللَّهِ تَعالى، وهو تَقْيِيدُ التَّيَمُّمِ بِوَقْتِ الحاجَةِ والضَّرُورَةِ وهَذا بَيِّنٌ. (p-٥٦)ولَمّا قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾ جَعَلَ وُجُوبَ الطَّهارَةِ لِلْقِيامِ إلى الصَّلاةِ، وتَقْدِيرُهُ: إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ وأنْتُمْ مُحْدِثُونَ، فَإذا شَرَعَ في الصَّلاةِ بِالتَّيَمُّمِ وصَحَّ الشُّرُوعُ ثُمَّ وجَدَ الماءَ، فَلَيْسَ هو قائِمًا إلى الصَّلاةِ، فَلا يَتَناوَلُهُ الأمْرُ بِالطَّهارَةِ. وتَتِمَّةُ القَوْلِ فِيهِ: أنَّهُ قَدْ صَحَّ مِنهُ أداءُ ما شَرَعَ فِيهِ، ومَتى صَحَّ مِنهُ أداءُ ما شَرَعَ فِيهِ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ التَّيَمُّمُ شَرْطًا لِبَعْضِ الصَّلاةِ، فَإنَّ كَوْنَ التَّيَمُّمِ شَرْطًا لِبَعْضِ الصَّلاةِ لا يَتَحَقَّقُ مَعْناهُ، مَعَ أنَّ المَشْرُوطَ لا بَعْضَ لَهُ، فَلا بُدَّ أنْ يَجْعَلَ شَرْطًا لِلْجَمِيعِ ضَرُورَةَ تَصْحِيحِ البَعْضِ، فَإذا حَكَمْنا بِصِحَّةِ البَعْضِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ التَّيَمُّمَ لا بَعْضَ لَهُ، اقْتَضى ذَلِكَ كَوْنَ التَّيَمُّمِ شَرْطًا لِصِحَّةِ جَمِيعِ الصَّلاةِ، وخُرُوجَ الوُضُوءِ عَنْ كَوْنِهِ شَرْطًا في حالَةِ كَوْنِ التَّيَمُّمِ شَرْطًا.
ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ كَوْنَ التَّيَمُّمِ شَرْطًا مَوْقُوفٌ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ كانَتْ صِحَّةُ الصَّلاةِ مَوْقُوفَةً، وهي صَحِيحَةٌ قَطْعًا بِلا وقْفٍ. وإنْ هم قالُوا: إذا وقَعَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَجِدَ الماءَ في خِلالِ الصَّلاةِ لَمْ تَكُنِ الصَّلاةُ صَحِيحَةً مِنَ الأوَّلِ، فَهَذا باطِلٌ، فَإنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى مَبْنِيٌّ عَلى وُجُودِ سَبَبِهِ، وعَلى تَوافُرِ شَرائِطِهِ، وقَدْ تَوافَرَتْ شَرائِطُ الصِّحَّةِ في أوَّلِ الصَّلاةِ، فَلا يُمْكِنُ الحُكْمُ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ. فَإنْ قِيلَ: فَإذا تَخَرَّقَ الخُفُّ أوِ انْقَضَتْ مُدَّةُ المَسْحِ، ألَيْسَ تَبْطُلُ الصَّلاةُ، مَعَ أنَّ القَدْرَ الَّذِي وقَعَ الشُّرُوعُ فِيهِ كانَ صَحِيحًا؟
والجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ سَبَبُهُ أنَّ الحُكْمَ بِالصِّحَّةِ عَلى تَقْدِيرِ تَوافُرِ الشَّرائِطِ، وجَعَلْنا التَّيَمُّمَ شَرْطًا لِصِحَّةِ جُمْلَةِ الصَّلاةِ، ولِأنَّهُ لا يُمْكِنُ جَعْلُهُ شَرْطًا لِصِحَّةِ البَعْضِ، ولَيْسَ في حَقِّ الماسِحِ شَيْءٌ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّهُ جُعِلَ شَرْطًا (p-٥٧)لِلصَّلاةِ بَدَلًا عَمّا فاتَ، فَإنَّ الخُفَّ لا بَدَلَ لَهُ، والخُفُّ شَرْطٌ لِجَمِيعِ الصَّلاةِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ لَمْ تَصِحَّ، وها هُنا التَّيَمُّمُ هو الشَّرْطُ وقَدْ وُجِدَ، فَهَذا تَمامُ ما أرَدْنا بَيانَهُ مِن ذَلِكَ.
وأبْعَدَ بَعْضُ المُصَنِّفِينَ في أحْكامِ القُرْآنِ فَقالَ: كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾، فَإنَّما أباحَ التَّيَمُّمَ عِنْدَ عَدَمِ كُلِّ جُزْءٍ مِن ماءٍ، لِأنَّهُ لَفْظٌ مُنْكِرٌ يَتَناوَلُ كُلَّ جُزْءٍ مِنهُ، سَواءٌ كانَ مُخالِطًا لِغَيْرِهِ أوْ مُنْفَرِدًا بِنَفْسِهِ، ولا يُمْنَعُ أحَدٌ أنْ يَقُولَ في نَبِيذِ التَّمْرِ ماءً، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزِ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِهِ بِالظّاهِرِ.
وهَذا جَهالَةٌ مُفْرِطَةٌ، فَإنَّ إطْلاقَ اسْمِ الماءِ لا يَنْصَرِفُ إلى النَّبِيذِ، ولا حاجَةَ فِيهِ إلى إطْنابٍ، وتَقْدِيرُ اشْتِمالِ اسْمِ الماءِ عَلَيْهِ كَتَقْدِيرِ اشْتِمالِهِ عَلى كُلِّ مَرَقَةٍ ونَبِيذٍ في الدُّنْيا، وذَلِكَ جَهْلٌ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَدَخَلَ تَحْتَ مُطْلَقِ اسْمِ الماءِ، ولَوْ دَخَلَ تَحْتَ مُطْلَقِ اسْمِ الماءِ لَمْ يَتَرَتَّبْ ماءٌ عَلى ماءٍ. وقَدْ قُلْتُمْ: لا يَتَوَضَّأُ بِالنَّبِيذِ مَعَ وُجُودِ الماءِ، فَهَذا ما أرَدْنا بَيانَهُ مِن هَذا المَعْنى.
ووَجَبَ التَّيَمُّمُ إلى المِرْفَقَيْنِ مِثْلَ الوُضُوءِ، لِأنَّ اسْمَ اليَدِ شامِلٌ لِلْعُضْوِ إلى المَنكِبِ، إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وقَدْ بَيَّنّا وجْهَ الكَلامِ عَلَيْهِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾: يَقْتَضِي اخْتِلافَ الفُقَهاءِ في ما يُتَيَمَّمُ بِهِ. فَقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَجُوزُ إلّا بِالتُّرابِ الطّاهِرِ، أوِ الرَّمْلِ الَّذِي يُخالِطُهُ التُّرابُ. وأبُو يُوسُفَ يَضُمُّ إلَيْهِ الرَّمْلَ الَّذِي لا تُرابَ فِيهِ. (p-٥٨)وأبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ بِالنَّوْرَةِ والزَّرْنِيخِ. وقالَ مالِكٌ: يَتَيَمَّمُ بِالحَصا والحَبَلِ، وإنْ تَيَمَّمَ بِالثَّلْجِ ولَمْ يَصِلْ إلى أرْضٍ أجْزَأهُ، وكَذَلِكَ الحَشِيشُ إذا كانَ مُمْتَدًّا. واشْتَرَطَ الشّافِعِيُّ أنْ يَعْلَقَ التُّرابُ بِاليَدِ فَيُتَيَمَّمُ بِهِ نَقْلًا إلى أعْضاءِ التَّيَمُّمِ، كالماءِ يُنْقَلُ إلى الأعْضاءِ، أيْ: أعْضاءُ الوُضُوءِ. ولا شَكَّ أنَّ لَفْظَ الصَّعِيدِ لَيْسَ نَصًّا فِيما قالَهُ الشّافِعِيُّ، إلّا أنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وتُرابُها طَهُورًا»، يُبَيِّنُ ذَلِكَ. واسْتَنْبَطَ الرّازِيُّ مِن قَوْلِهِ: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾ أنَّ الباءَ لَمّا كانَتْ لِلتَّبْعِيضِ، وجَبَ بِحُكْمِ الظّاهِرِ جَوازُ مَسْحِ بَعْضِ الوَجْهِ، مِثْلَ ما فُهِمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ .
والَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ عَلى ما تَقَدَّمَ، فَإنَّ الباءَ لا تَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَهُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، ولَوْ طافَ بِبَعْضِ البَيْتِ لَمْ يَجُزْ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾:
هَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: إنّا لَمْ نُرِدْ تَكْلِيفَكم لِنَشُقَّ عَلَيْكُمْ، وإنَّما أرَدْنا بِتَكْلِيفِكُمُ اللُّطْفَ بِكم في مَحْوِ سَيِّئاتِكم وتَطْهِيرِكم مِن ذُنُوبِكُمْ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (p-٥٩)«”إذا تَوَضَّأ العَبْدُ فَغَسَلَ وجْهَهُ خَرَجَتْ خَطاياهُ وذُنُوبُهُ مِن وجْهِهِ، وإذا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتْ ذُنُوبُهُ مِن يَدَيْهِ“ إلى آخِرِهِ».
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] إنَّما أرادَ بِهِ التَّطْهِيرَ مِنَ الذُّنُوبِ، ويَحْتَمِلُ التَّطْهِيرَ مِنَ الأحْداثِ والجَنابَةِ. فَكانَّهُ قالَ: هَذِهِ الأفْعالُ لَيْسَتْ واجِبَةً لِذَواتِها، وإنَّما هي لِمَقْصُودٍ، وهو حُصُولُ الطَّهارَةِ عَنِ الأحْداثِ بِها فَهو المَقْصُودُ والمَغْزى. وهَذا يَضْعُفُ مِن وجْهٍ، فَإنَّ الطَّهارَةَ مِنَ الجَنابَةِ لَيْسَتْ غَرَضًا لِلْخَلْقِ، حَتّى يُقالَ ما أرَدْنا تَضْعِيفَ الأمْرِ عَلَيْكُمْ، إنَّما أرَدْنا كَذا، فَلَيْسَتِ الجَنابَةُ نَجاسَةً مُنْكِرَةً في الطَّبْعِ، وإنَّما اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: طَهِّرُوا أنْفُسَكُمْ، فَسَمّى الوُضُوءَ طَهارَةً، وإنَّما صارَ طَهارَةً بِالشَّرْعِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ . يَجِبُ أنْ يُفِيدَ مَقْصُودًا لِلْعَبْدِ، لِيَكُونَ يَحْصُلُ بِذَلِكَ المَقْصُودِ نَفْيُ الحَرَجِ، وجَعَلَ الحَدَثَ نَجاسَةٌ واجِبًا إزالَتُها، لَيْسَ بِنَفْيِ الحَرَجِ ولا يُحَقِّقُ لِلْعَبْدِ مَقْصُودًا، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ كَوْنُ الوُضُوءِ مَشْرُوعًا عِبادَةً لِدَحْضِ الآثامِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي افْتِقارَهُ إلى النِّيَّةِ، لِأنَّهُ شُرِعَ لِمَحْوِ الإثْمِ ورَفْعِ الدَّرَجاتِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ”لِيُطَهِّرَكُمْ“ أيْ: لِيُحَقِّقَ نَظافَتَكم عاجِلًا، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، فَإنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ عَقِبَ التَّيَمُّمِ، وهو لا يُحَقِّقُ هَذا المَعْنى، إذْ (p-٦٠)لَيْسَتِ النَّظافَةُ في الوُضُوءِ ظاهِرَةً لِلْخَلْقِ ظُهُورًا يُقالُ إنَّ الشَّرْعَ أمَرَ بِها لِأجْلِ ذَلِكَ.
المائدة 5:8
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألا تَعْدِلُوا﴾، الآيَةَ ٨: دَلَّ صَدْرُ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ القِيامِ لِلَّهِ تَعالى بِالحَقِّ، وكُلُّ ما يَلْزَمُنا القِيامُ بِهِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شُهَداءَ بِالقِسْطِ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الشَّهادَةُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ حَقٌّ، ودَلَّ سِياقُ الآيَةِ عَلَيْهِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألا تَعْدِلُوا﴾:
أبانَ بِهِ بِأنَّ كُفْرَ الكافِرِ لا يَمْنَعُ مِنَ العَدْلِ عَلَيْهِمْ، وأنْ يَقْتَصِرَ بِهِمْ عَلى المُسْتَحِقِّ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ، وأنَّ المُثْلَةَ بِهِمْ غَيْرُ جائِزَةٍ، وإنْ قَتَلُوا نِساءَنا وأطْفالَنا وغَمَرَنا بِذَلِكَ، فَلَيْسَ لَنا أنْ نُقابِلَهم بِمِثْلِهِ قَصْدًا لِإيصالِ الغَمِّ والحُزْنِ إلَيْهِمْ، وإلَيْهِ أشارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ في القِصَّةِ المَشْهُورَةِ بِقَوْلِهِ: ”حُبِّي لَهُ وبُغْضِي لَكم لا يَمْنَعُنِي مِن أنْ أعْدِلَ فِيكُمْ“ .
المائدة 5:13
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾: تَحْرِيفُهم إيّاهُ بِسُوءِ التَّأْوِيلِ، لا أنَّهُ مُكابَرَةُ لَفْظٍ صَرِيحٍ شائِعٍ مُسْتَفِيضٍ، كَما تَأوَّلَتِ المُبْتَدِعَةُ كَثِيرًا مِنَ المُتَشابِهاتِ، عَلى ما تَعْتَقِدُهُ مِن مَذاهِبِها، دُونَ إعْطاءِ التَّدَيُّنِ حَقَّهُ، فَأمّا مُكاتَمَةُ ما قَدْ عَلِمُوهُ عَلى اشْتِهارٍ، فَمُكابَرَةٌ ومُعانَدَةٌ، فَلا يَصِحُّ وُقُوعُهُ عَلى سَبِيلِ التَّواطُؤِ مِنهُمْ، كَما لا يَصِحُّ التَّواطُؤُ (p-٦١)مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى تَغْيِيرِ شَيْءٍ مِن ألْفاظِ القُرْآنِ إلى غَيْرِهِ، ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ اخْتِراعُهم لِأخْبارٍ لا أصْلَ لَها، وفي ذَلِكَ إبْطالُ العِلْمِ بِمُوجَبِ أخْبارِ التَّواتُرِ، ورَفْعِ قَواعِدِ المُعْجِزاتِ، وذَلِكَ مُحالٌ بِالضَّرُورَةِ.
المائدة 5:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ﴾: قَدْ قِيلَ: مَعْناهُ: لَئِنْ بَدَأْتَنِي بِقَتْلٍ لَمْ أبْدَأْكَ بِهِ، لا أنَّهُ يَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِهِ إذا قَصَدَ قَتْلَهُ. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ قَتَلَهُ غِيلَةً، بِأنْ ألْقى عَلَيْهِ صَخْرَةً وهو نائِمٌ فَشَدَخَهُ بِها.
وقِيلَ: إنَّهُ كانَ مِن مَذْهَبِهِمْ أنَّ مَن أرادَ قَتْلَ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْصُودِ دَفْعُهُ ولا قَتْلُهُ، بَلْ يَتْرُكُهُ ولا يَدْفَعُهُ، وذَلِكَ مِمّا يَجُوزُ وُرُودُ التَّعَبُّدِيَّةِ، إلّا أنَّ في شَرْعِنا يَجُوزُ لَهُ دَفْعُهُ إجْماعًا. وفي وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ خِلافٌ، فالأصَحُّ وُجُوبُ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وفي الحَشْوِيَّةِ قَوْمٌ لا يُجَوِّزُونَ لِلْمُصُولِ عَلَيْهِ لِلدَّفْعِ، وتَأوَّلُوا عَلَيْهِ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأبِي ذَرٍّ: «كَيْفَ بِكَ يا أبا ذَرٍّ إذا كانَ في المَدِينَةِ قَتْلٌ؟ فَقالَ: ألْبَسُ سِلاحِي، فَقالَ: شارَكْتَ القَوْمَ إذًا، قالَ: فَقُلْتُ: كَيْفَ أصْنَعُ؟ فَقالَ: إنْ خَشِيتَ أنْ يَبْهَرَكَ شُعاعُ السَّيْفِ فَألْقِ ناحِيَةَ ثَوْبِكَ عَلى وجْهِكَ لِئَلّا تَبُوءَ بِإثْمِهِ وإثْمِكَ» . والمُرادُ بِهَذا الحَدِيثِ عِنْدَ المُتَأمِّلِينَ: تَرْكُ القِتالِ في الفِتْنَةِ وكَفُّ اليَدِ عِنْدَ الشُّبْهَةِ، فَأمّا قَتْلُ مَنِ اسْتَحَقَّ القَتْلَ فَمَعْلُومٌ أنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرُدَّهُ بِذَلِكَ. (p-٦٢)وبِالجُمْلَةِ لَوْ جازَ الإمْساكُ عَنْهُ حَتّى يَقْتُلَ مَن أرادَ قَتْلَهُ، لَوَجَبَ مِثْلُهُ في المَحْظُوراتِ كُلِّها، فَيَكُونُ في ذَلِكَ تَرْكُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ واسْتِيلاءُ الفُسّاقِ والظَّلَمَةِ. والَّذِي يُخالِفُ ذَلِكَ يَقُولُ: ذَلِكَ إذا كانَ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ غَيْرَ مُؤَدٍّ إلى قَتْلٍ وشَهْرِ سِلاحٍ، فَأمّا إذا كانَ يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ فَلا، ويُفَوِّضُ المَقْتُولُ أمْرَهُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إذا كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ لَوْ كانَ وجْهٌ دَفَعَهُ بِأسْهَلِ شَيْءٍ مِن غَيْرِ أنْ يَخْشى عَلى نَفْسِهِ فَلا يَجُوزُ، فَأمّا إذا كانَ الأمْرُ عَلى الخَطَرِ واحْتِمالِ أنْ يُقْتَلا جَمِيعًا، فَهو مَوْضِعُ الِاحْتِمالِ وتَرْدِيدُ القَوْلِ.
المائدة 5:31
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾: فِيهِ بَيانُ أنَّ كُلَّ نَدَمٍ لَيْسَ بِتَوْبَةٍ، وأنَّ ابْنَ آدَمَ القاتِلَ لَمْ يَنْدَمْ عَلى وجْهِ القُرْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى وخَوْفِ عِقابِهِ، وإنَّما كانَ نَدَمُهُ مِن حَيْثُ اتَّقى جانِبَ أبَوَيْهِ وذَوِيهِ، واسْتَوْحَشَ مِنهُمْ، ولَمْ يُهِنَّهُ ما فَعَلَهُ في دُنْياهُ، وانْتَبَذَ بَعِيدًا عَنْهم فَنَدِمَ لِذَلِكَ، ولَوْ نَدِمَ عَلى وجْهِ التَّوْبَةِ لَأوْشَكَ أنْ يَقْبَلَ اللَّهُ تَعالى مِنهُ ذَلِكَ.
وقَدْ قِيلَ: يَجُوزُ ألّا يَقْبَلَ اللَّهُ تَوْبَةَ مَن شاءَ، فَإنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ لَيْسَ واجِبًا عَلى اللَّهِ تَعالى بِقَضِيَّةِ العَقْلِ، وإنَّما المَشِيئَةُ لِلَّهِ تَعالى في قَبُولِ تَوْبَةِ مَن شاءَ، فَيَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ قابِيلَ مِمَّنْ لَمْ يَسْألِ اللَّهَ تَعالى قَبُولَ تَوْبَتِهِ، وإنْ وُجِدَتْ مِنهُ التَّوْبَةُ حَقِيقَةً.
المائدة 5:32
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾، الآيَةَ ٣٢: فِيها إبانَةٌ عَنِ المَعْنى الَّذِي لِأجْلِهِ كُتِبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ما كُتِبَ مِمّا (p-٦٣)ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ، وتَقْدِيرُهُ: وكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا، أيْ: إنّا شَرَعْنا القَصاصَ، لِأنّا لَوْ لَمْ نَشْرَعْهُ كانَ فِيهِ هَلاكُ النّاسِ جَمِيعًا. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى إثْباتِ القِياسِ وتَعْلِيقِ الأحْكامِ عَلى المَعانِي الَّتِي جُعِلَتْ عِلَلًا لَها. وفِيها دَلِيلٌ عَلى إهْلاكِ السّاعِي في الأرْضِ بِالفَسادِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومَن أحْياها فَكَأنَّما﴾: أيْ: نَجّاها مِنَ القَتْلِ بِالعَفْوِ، أوْ زَجَرَ عَنْ قَتْلِها، أوْ مَكَّنَ مِن الِاقْتِصاصِ مِنَ القاتِلِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ مُعاوَنَةِ الوالِي عَلى ما جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ التَّسْلِيطِ والبَسْطَةِ في دَمِ القاتِلِ.
المائدة 5:33
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةَ. وذَلِكَ مَجازٌ، إلّا أنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ تَشْبِيهًا بِالمُحارِبِ حَقِيقَةً لِأنَّهُ خَرَجَ في صُورَةِ المُحارَبَةِ وأُرِيدَ بِهَذا التَّشْبِيهِ تَعْظِيمُ الأمْرِ كَما قالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣] . ومَعْنى المُشاقَّةِ: أنْ يَصِيرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في شِقٍّ يَتَأثَّرُ بِهِ صاحِبُهُ، وقالَ: ﴿يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٠] . ومَعْنى المُحادَّةِ: أنْ يَسِيرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في حَدٍّ عَلى وجْهِ المُفارَقَةِ، وذَلِكَ يَسْتَحِيلُ عَلى اللَّهِ، إذْ لَيْسَ في مَكانٍ فَيُشاقَّ أنْ يُحادَّ. (p-٦٤)وتَجُوزُ المُبايَنَةُ عَلَيْهِ والمُفارَقَةُ، وذَلِكَ مِنهُ عَنْ وجْهِ المُبالَغَةِ في إظْهارِ المُخالَفَةِ، وكانَ يَجُوزُ أنْ يُسَمّى كُلُّ عاصٍ بِهَذا الِاسْمِ، ولَكِنْ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: يُحارِبُونَ أوْلِياءَ اللَّهِ ورَسُولَهُ وهَذا أوْلى، فَإنَّ الَّذِي يُحارِبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كافِرٌ، وقاطِعُ الطَّرِيقِ لَيْسَ بِكافِرٍ، وكَأنَّهُ يُرِيدُ بِهَذِهِ الإضافَةِ تَعْظِيمَ المُخالَفَةِ، وإكْبارَ قَدْرِ المَعْصِيَةِ، وقَدْ ورَدَ في التَّهْدِيدِ ألْفاظٌ تُشاكِلُ ذَلِكَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اليَسِيرُ مِنَ الرِّياءِ شِرْكٌ» . «مَن عادى أوْلِياءَ اللَّهِ فَقَدْ بارَزَ اللَّهَ بِالمُحارَبَةِ» . وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِعَلِيٍّ وفاطِمَةَ والحَسَنِ والحُسَيْنِ عَلَيْهِما السَّلامُ: «أنا حَرْبٌ لِمَن حارَبْتُمْ، سَلْمٌ لِمَن سالَمْتُمْ» . وإنَّما حَمَلَنا عَلى هَذا التَّأْوِيلِ عِلْمُنا بِأنَّ الآيَةَ ورَدَتْ في حَقِّ قُطّاعِ الطَّرِيقِ مِنَ المُسْلِمِينَ، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] .
ومَعْلُومٌ أنَّ الكُفّارَ لا يَخْتَلِفُ حَظُّهم في زَوالِ العُقُوبَةِ عَنْهم بِالتَّوْبَةِ بَعْدَ القُدْرَةِ، كَما تَسْقُطُ قَبْلَ القُدْرَةِ، فالمُرْتَدُّ يَسْتَحِقُّ القَتْلَ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ دُونَ المُحارَبَةِ، والمَذْكُورُ في الآيَةِ مَن لَمْ يَسْتَحِقَّ القَتْلَ. وفي الآيَةِ نَفْيُ مَن لَمْ يَتُبْ قَبْلَ القُدْرَةِ، والمُرْتَدُّ لا يُنْفى، فَعَلِمْنا أنَّ الآيَةَ حُكْمُها جارٍ في أهْلِ المِلَّةِ. والمُرْتَدُّ لا تُقْطَعُ يَدُهُ ورِجْلُهُ ويُخْلى سَبِيلُهُ بَلْ يُقْتَلُ، ولا يُصْلَبُ أيْضًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ ما عَنى بِهِ المُرْتَدُّ. (p-٦٥)وقالَ تَعالى في حَقِّ الكُفّارِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] . وقالَ في المُحارِبِينَ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ، فاعْلَمُوا أنْ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] .
والَّذِي ذُكِرَ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في شَأْنِ العُرَنِيِّينَ لا يَحْصُلُونَ ما يَقُولُونَ، لِأنَّ العُرَنِيِّينَ شَمِلَتْ أعْيُنُهم مَعَ قَطْعِ أيْدِيهِمْ وأرْجُلِهِمْ، وتُرِكُوا في الحَرَّةِ حَتّى ماتُوا، ويَسْتَحِيلُ نُزُولُ الآيَةِ بِالأمْرِ بِقَطْعِ مَن قَطَعَ، وقَتْلِ مَن قَتَلَ. وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: كانَ أمْرُ العُرَنِيِّينَ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ الحُدُودُ، فَأخْبَرَ أنَّهُ كانَ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ. والَّذِينَ اعْتَرَفُوا بِاخْتِصاصِ الآيَةِ بِقُطّاعِ الطَّرِيقِ مِنَ المُسْلِمِينَ، اخْتَلَفُوا في أشْياءَ أُخَرَ وراءَ ما ذَكَرْناهُ. فَقالَ قائِلُونَ مِنَ العُلَماءِ بِما رَوَوْهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يُقْتَلُوا إنْ قَتَلُوا. أوْ يُصْلَبُوا إنْ قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ. أوْ تُقَطَّعُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ إنْ أخَذُوا المالَ فَقَطْ. أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ إنْ أخافُوا السَّبِيلَ، ولَمْ يَفْعَلُوا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، فَلَمْ يُثْبِتُوا تَخْيِيرًا، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
واخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ. (p-٦٦)فَفِي رِوايَةٍ أنَّهُ إذا حارَبَ فَقَتَلَ وأخَذَ المالَ، قُطِعَتْ يَدُهُ ورِجْلُهُ مِن خِلافٍ وقُتِلَ وصُلِبَ. فَإنْ هو قَتَلَ ولَمْ يَأْخُذِ المالَ نُفِيَ، وهَذا يُقارِبُ الأوَّلَ إلّا في زِيادَةِ قَطْعِ اليَدِ والرِّجْلِ مَضْمُومًا إلى الصَّلْبِ والقَتْلِ.
ورَوى أبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمّادٍ عَنْ إبْراهِيمَ في الرَّجُلِ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ ويَأْخُذُ المالَ، قِيلَ: إنَّ الإمامَ فِيهِ بِالخِيارِ. إنْ شاءَ قَطَعَ يَدَهُ ورِجْلَهُ مِن خِلافٍ وصَلَبَهُ. وإنْ شاءَ صَلَبَهُ ولَمْ يَقْطَعْ يَدَهُ ولا رِجْلَهُ. وإنْ شاءَ قَتَلَهُ ولَمْ يَقْطَعْ رِجْلَهُ ولَمْ يَصْلُبْهُ. فَإنْ أخَذَ مالًا ولَمْ يَقْتُلْ، قُطِعَتْ يَدُهُ ورِجْلُهُ مِن خِلافٍ. وإنْ لَمْ يَأْخُذْ مالًا ولَمْ يَقْتُلْ، عُزِّرَ ونُفِيَ مِنَ الأرْضِ، ونَفْيُهُ حَبْسُهُ.
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى: أُوجِعَ عُقُوبَةً وحُبِسَ حَتّى يُحْدِثَ خَيْرًا، وهو قَوْلُ الحَسَنِ في رِوايَةٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: إنِ اقْتَصَرُوا عَلى القَتْلِ قُتِلُوا، وإنِ اقْتَصَرُوا عَلى أخْذِ المالِ، قُطِعَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ. وإنْ أخَذُوا المالَ وقَتَلُوا، فَأبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: الإمامُ يَتَخَيَّرُ في أرْبَعِ جِهاتٍ: إنْ شاءَ قَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم مِن خِلافٍ وقَتَلَهم. وإنْ شاءَ قَطَعَ وصَلَبَ. وإنْ شاءَ صَلَبَ. وإنْ شاءَ قَتَلَ وتَرَكَ القَطْعَ.
وقالَ آخَرُونَ: بَلْ يُخَيَّرُ الإمامُ في هَذِهِ الأحْكامِ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِهِمْ، وهو قَوْلُ ابْنِ المُسَيِّبِ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ. (p-٦٧)فَسَوّى مالِكٌ بَيْنَ أنْ يُقْتَلُوا أوْ لا يُقْتَلُوا، أوْ يَأْخُذُوا المالَ أوْ لا يَأْخُذُوا، وخُيِّرَ الإمامُ إنْ شاءَ قَتَلَ، وإنْ شاءَ قَطَعَ خِلافًا، وإنْ شاءَ نَفى، ونَفْيُهُ حَبْسُهُ، فَهَذا ما ذَكَرَهُ. ووافَقَ في أنَّهم لَوْ أخَذُوا المالَ ولَمْ يَقْتُلُوا، لَمْ يَجُزْ لِلْإمامِ أنْ يَنْفِيَهُ، ويَتْرُكَ قَطْعَ يَدِهِ ورِجْلِهِ. وكَذَلِكَ لَوْ قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ، لَمْ يَجُزْ لِلْإمامِ أنْ يُعْفِيَهُ مِنَ القَتْلِ والصَّلْبِ. ولَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما قالُوهُ في التَّخْيِيرِ، لَكانَ التَّخْيِيرُ ثابِتًا إذا أخَذُوا المالَ وقَتَلُوا، أوْ أخَذُوا المالَ ولَمْ يَقْتُلُوا، فَكَأنَّهُ يَرى التَّخْيِيرَ في إجْراءِ حُكْمِ القاتِلِ عَلى غَيْرِ القاتِلِ، وإجْراءِ حُكْمِ القَطْعِ عَلى غَيْرِ آخِذِ المالِ.
أمّا إسْقاطُ حُكْمِ القَطْعِ عَنْ آخِذِ المالِ أوِ القَتْلِ عَنِ القاتِلِ، فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ أصْلًا. فالتَّخْيِيرُ الثّابِتُ شَرْعًا هو أنْ يَتَخَيَّرَ بَيْنَ أنْواعٍ، كالتَّخْيِيرِ في حَقِّ المُشْرِكِينَ، يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أنْواعٍ؛ فَمِنها الأخَفُّ، ومِنها الأغْلَظُ، فَأمّا أنْ يُقالَ: إنَّ عُقُوبَةَ المُجْرِمِ لا تَسْقُطُ عَنْهُ، ولَكِنَّ غَيْرَهُ يَلْحَقُ بِهِ، فَهَذا لَيْسَ مِنَ التَّخْيِيرِ في شَيْءٍ. نَعَمِ، اعْتَقَدَ مالِكٌ أنَّ مُجْرِمَ قَطْعِ الطَّرِيقِ كالقَتْلِ، قالَ: ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، فَدَلَّ أنَّ الفَسادَ في الأرْضِ بِمَثابَةِ قَتْلِ النَّفْسِ. والَّذِي ذَكَرَهُ واعْتَقَدَهُ فاسِدٌ، فَإنَّ ما ذَكَرَهُ لا يُوجِبُ إجْراءَ حُكْمِ (p-٦٨)السّاعِي بِالفَسادِ، عَلى ما ذَكَرَ مَجْرى السّاعِي بِالفَسادِ، إذا ضَمَّ إلى سَعْيِهِ في الأرْضِ بِالفَسادِ القَتْلَ وأخْذَ المالِ، وقَدْ وُجِدَ مِنَ القاتِلِ وآخِذِ المالِ ما لَمْ يُوجَدْ مِنَ الَّذِي لَمْ يَقْتُلْمِن قَطْعِ الطَّرِيقِ والفَسادِ في الأرْضِ والزِّيادَةِ فَلِمَ سَوّى بَيْنَهُما؟
ولَوِ اسْتَوى حُكْمُهُما، لَمْ يَجُزْ إسْقاطُ القَتْلِ عَنْهُ، كَما لَمْ يَجُزْ إسْقاطُهُ عَمَّنْ قَتَلَ، وإسْقاطُ القَطْعِ عَمَّنْ أخَذَ المالَ، وهَذا لا جَوابَ عَنْهُ.
فَإنْ قِيلَ: القاتِلُ لا يَخْتَصُّ، قُلْنا غَلِطْتُمْ، فَإنَّ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ أثَرًا في تَغْلِيظِ جَرِيمَتِهِ، حَتّى لا تَسْقُطَ بِعَفْوِ المُسْتَحِقِّ، ويَزْدادَ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ قَطْعُ اليَدِ والرِّجْلِ مَعَهُ، فَلَمْ يَسْقُطْ. نَعَمْ؛ إذا تابُوا مِن قَبْلِ أنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِمْ، سَقَطَ ما يَتَعَلَّقُ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ، وبَقِيَ ما تَعَلَّقَ بِحَقِّ الآدَمِيِّ، ولِأنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ فَسادٍ في الأرْضِ﴾ [المائدة: ٣٢] أيْ: فَسادٌ يَجُوزُ القَتْلُ مَعَهُ، أوْ قَتْلُهُ في حالَةِ إظْهارِ الفَسادِ عَلى وجْهِ الدَّفْعِ، وإنَّما الكَلامُ في الَّذِي صارَ في يَدِ الإمامِ. فَقَوْلُهُ: ﴿أوْ فَسادٍ في الأرْضِ﴾ [المائدة: ٣٢] مَحْمُولٌ عَلى هَذا، وإلّا فَلَوْ كانَ الفَسادُ في الأرْضِ عَدِيلَ القَتْلِ ما جازَ إسْقاطُ القَتْلِ بِالنَّفْيِ، كَما لا يَجُوزُ إذا قَتَلَ أنْ يَقْتَصِرَ في حَقِّهِ عَلى النَّفْيِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾: يَدُلُّ عَلى أنَّ إقامَةَ الحَدِّ لا تَكُونُ كَفّارَةً لِذُنُوبِهِ، وقَدْ قالَ في كَفّارَةِ القَتْلِ: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٢]، وذَلِكَ أنَّ الكَفّارَةَ يَأْتِي بِها المُكَفِّرُ عَلى طَوْعٍ ورَغْبَةٍ، فَتَقْتَرِنُ بِها التَّوْبَةُ غالِبًا. أمّا الحَدُّ، فَإنَّما يُقامُ عَلَيْهِ قَهْرًا، دُونَ (p-٦٩)اسْتِسْلامِهِ، فَلَيْسَ يَظْهَرُ مَعْنى النَّدَمِ فِيهِ، فَعَلى هَذا لَيْسَتِ الكَفّارَةُ في عَيْنِها تَوْبَةً ولا الحَدُّ، وإنَّما التَّوْبَةُ النَّدَمُ، غَيْرَ أنَّ الكَفّارَةَ تَقْتَرِنُ بِها التَّوْبَةُ غالِبًا، فَسُمِّيَتْ تَوْبَةً بِخِلافِ الحُدُودِ.
المائدة 5:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ. اسْتِثْناءٌ لَمْ يَأْتِ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، فَيَقْتَضِي إخْراجَهم مِن جُمْلَةِ مَن وجَبَ عَلَيْهِمُ الحَدُّ، لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ حَقِيقَةُ ذَلِكَ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٥٩] ﴿إلا امْرَأتَهُ﴾ [الحجر: ٦٠] . فَأخْرَجَ آلَ لُوطٍ مِنَ المُهْلِكِينَ، وأخْرَجَ المَرْأةَ في الِاسْتِثْناءِ مِن الِاسْتِثْناءِ مِن جُمْلَةِ المُنْجِينَ. وقالَ تَعالى: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] ﴿إلا إبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣١] فَأخْرَجَهُ مِن جُمْلَةِ السّاجِدِينَ.
نَعَمْ، قَدْ قالَ في السَّرِقَةِ: ﴿فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وأصْلَحَ فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٣٩] .
ولَمْ يُسْقِطْ حَدَّ السَّرِقَةِ، لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ الِاسْتِثْناءُ مِن جُمْلَةِ مَن أوْجَبَ عَلَيْهِمُ الحُدُودَ، وإنَّما أخْبَرَ أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِمَن تابَ مِنهُمْ، وفي آيَتَيِ المُحارِبِينَ ذَكَرَ اسْتِثْناءً يُوجِبُ إخْراجَهم مِنَ الجُمْلَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ [المائدة: ٣٩] يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُبْتَدَأً مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، مِن غَيْرِ أنْ يَفْتَقِرَ إلى تَضْمِينِ غَيْرِهِ، فَلَمْ نَجْعَلْهُ مُضَمَّنًا لِغَيْرِهِ إلّا بِدَلالَةٍ. (p-٧٠)وقَوْلُهُ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ مُفْتَقِرٌ في صِحَّةٍ إلى ما قَبْلَهُ، فَوَجَبَ تَعْلِيقُهُ عَلَيْهِ. ثُمَّ إذا اسْتَقَلَّ الِاسْتِثْناءُ بِاقْتِضاءِ إسْقاطِ ما اخْتَصَّ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ، لَمْ يَحْتَجْ إلى تَعْلِيقِهِ بِغَيْرِهِ، فَلا جَرَمَ كانَ ما يَتَعَلَّقُ بِالمَذْهَبِ، أنَّ ما يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ الآدَمِيِّ قِصاصًا كانَ أوْ غُرْمًا، لا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ. ولِما كانَ قَوْلُهُ: ﴿يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ [المائدة: ٣٣] عَلى ما في الصَّحْراءِ أوِ البَلَدِ، اسْتَوى حُكْمُ قَطْعِ الطَّرِيقِ في البَلَدِ والمِصْرِ جَمِيعًا، ومَن فَرَّقَ فَإنَّما يُفَرِّقُ لا بِحُكْمِ اللَّفْظِ، بَلْ بِمَعْنى يَتَوَهَّمُهُ فارِقًا وهو غالِطٌ فِيهِ.
ولَمّا ثَبَتَ لِلشّافِعِيِّ أنَّ الحُكْمَ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِمُجَرَّدِ الفَسادِ في الأرْضِ، ولا بِمُجَرَّدِ قَطْعِ الطَّرِيقِ، لَكِنَّ تَفاوُتَ العُقُوباتِ عَلى حَسَبِ تَفاوُتِ الجَرائِمِ، فالرَّدْءُ المُعاوِنُ في قَطْعِ الطَّرِيقِ لا يَلْزَمُهُ عُقُوبَةُ مَن باشَرَ القَتْلَ وأخَذَ المالَ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: يُقْتَلُوا إنْ قَتَلُوا، أوْ يُصْلَبُوا إنْ قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ، فَلَيْسَ لِمَن لَمْ يَفْعَلْ مِن ذَلِكَ شَيْئًا أنْ يَدْخُلَ في جُمْلَتِهِمْ.
المائدة 5:38
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ . واعْلَمْ أنَّ السَّرِقَةَ في العُرْفِ واللُّغَةِ اخْتِزالُ شَيْءٍ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ ومُسارَقَةِ الأعْيُنِ، وقَدْ ورَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ أسْوَأ النّاسِ سَرِقَةً هو الَّذِي يَسْرِقُ صَلاتَهُ” . قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَسْرِقُ صَلاتَهُ؟ قالَ: لا يُتِمُّ رُكُوعَها وسُجُودَها». إلّا أنَّهُ لَيْسَ سارِقًا مِن حَيْثُ مَوْضِعُ الِاشْتِقاقِ، فَإنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مُسارَقَةُ الأعْيُنِ غالِبًا. (p-٧١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ . ولَمْ يَخْتَلِفِ العُلَماءُ في أنَّ اليَدَ المَقْطُوعَةَ بِأوَّلِ سَرِقَةٍ هي اليُمْنى، فَهي إذا مُرادُ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ عِنْدَ قَوْمٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ في إيجابِ قَطْعِ مَن شَمَلَهُ اسْمُ سارِقٍ، إلّا مَن خَصَّهُ الدَّلِيلُ وهو عُمُومٌ، وعِنْدَهم في كُلٍّ مِقْدارٌ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ. وأبى ذَلِكَ آخَرُونَ فَإنَّهُ لَمّا قالَ: سارِقٌ، ولَمْ يَقُلْ: سارِقُ ماذا؟، والإنْسانُ يَقُولُ: سَرَقْتُ كَلامَ فُلانٍ، وسَرَقْتُ عِلْمَهُ وحَدِيثَهُ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «“إنَّ أسْوَأ النّاسِ سَرِقَةً مَن سَرَقَ مِن صَلاتِهِ. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَسْرِقُ صَلاتَهُ؟ قالَ: لا يُتِمُّ رُكُوعَها وسُجُودَها» . فَذَكَرُوا أنَّ اسْمَ السّارِقِ لا يُمْكِنُ أنْ يُعَلَّقَ عَلَيْهِ القَطْعُ، لِاعْتِبارِنا فِيهِ شُرُوطًا لا يَدُلُّ لَفْظُ السّارِقِ عَلَيْها، ولَزِمَهم عَلى هَذا أنْ لا يَتَعَلَّقَ بِعُمُومِ لَفْظِ البَيْعِ والنِّكاحِ والإجارَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، لِاعْتِبارِ شُرُوطٍ فِيها لا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَيْها.
وقَدْ قالَ غَيْرُهُمْ: بَلْ يَتَعَلَّقُ بِهِ وبِأمْثالِهِ نَظَرًا إلى عُمُومِ اللَّفْظِ، نَعَمْ؛ سَرِقَةُ الكَلامِ والعِلْمِ لا تُفْهَمُ في المُتَعارَفِ مِن إطْلاقِ اسْمِ السَّرِقَةِ، وإنَّما الكَلامُ في المُتَعارَفِ، كَما لا يُفْهَمُ مِن إطْلاقِ الزِّنا زِنا القِرْدِ والبَهائِمِ، ولِما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”أسْوَأُ السُّرّاقِ حالًا مَن سَرَقَ مِن صَلاتِهِ“،» لَمْ يَفْهَمِ النّاسُ وهم أهْلُ اللُّغَةِ مَعْناهُ، حَتّى فَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ مَعْناهُ وما أرادَهُ، لِأنَّهُ (p-٧٢)لَمْ يَكُنْ مِن تَعارُفِ أهْلِ اللُّغَةِ، ولَوْ قالَ: ”أسْوَأُ السُّرّاقِ مَن سَرَقَ مالَ فُلانٍ“، لَما احْتاجُوا إلى المُراجَعَةِ، ولَما قالُوا: كَيْفَ يَسْرِقُ مالَ فُلانٍ؟ . نَعَمْ؛ هَذا الجِنْسُ إنَّما يَمْتَنِعُ التَّعَلُّقُ بِهِ إذا كانَ مَخْصُوصًا بِمَخْصُوصٍ مُجْمَلٍ، فَأمّا إذا لَمْ يَكُنِ المَخْصُوصُ مُجْمَلًا، فَيَجُوزُ التَّعَلُّقُ بِهِ، والمَخْصُوصُ المُجْمَلُ طارِئٌ عَلى اللَّفْظِ العامِّ، فَلا بُدَّ مِن بَيانِ مِثْلِهِ هاهُنا حَتّى يَمْتَنِعَ التَّعَلُّقُ بِهِ، وإلّا فالتَّعَلُّقُ بِهِ جائِزٌ، وهَذا مِمّا بَسَطْنا القَوْلَ فِيهِ في الأُصُولِ بِوُجُوهٍ أُخَرَ ذَكَرْناها هُناكَ، فَلْيُوجَدْ مِن ثَمَّ.
وإذا تَبَيَّنَ أنَّ المُخَصَّصَ في حُكْمِ العارِضِ، فَإذا اخْتَلَفْنا في مِقْدارٍ، فالَّذِي يَأْخُذُ بِالأقَلِّ ويُوجِبُ القَطْعَ فِيهِ أسْعَدُ حالًا، لِأنَّهُ يَسْتَنِدُ فِيهِ إلى عُمُومِ اللَّفْظِ، إلّا فِيما يَسْتَيْقِنُ خُصُوصَهُ بِهِ، وكَذَلِكَ إذا حَصَلَ الخِلافُ في النَّبّاشِ أوِ الفَواكِهِ الرَّطْبَةِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَخْتَلِفُ فِيهِ. والمُتَّفَقُ عَلَيْهِ في مَوْضِعِ القَطْعِ مَفْصِلُ الكُوعِ، واسْمُ اليَدِ مُطْلَقًا يَتَعارَفُ بِهِ ذَلِكَ، قالَ تَعالى: ﴿إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ [النور: ٤٠] . وقالَ لِمُوسى: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ [النمل: ١٢] . ويَمْتَنِعُ أنْ يَدْخُلَ بِها إلى المِرْفَقِ، ولَوْ كانَ اسْمُ اليَدِ مُتَناوِلًا لِلْعُضْوِ إلى المَنكِبِ، لَكانَ يُقالُ: قَطَعَ بَعْضَ يَدِ السّارِقِ، وهَذا خِلافُ العُرْفِ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا مِن قَبْلُ، والمُعْتَمَدُ فِيهِ الإجْماعُ. والشّافِعِيُّ حَمَلَ مُطْلَقَ اليَدِ في التَّيَمُّمِ عَلى اليَدِ إلى المِرْفَقِ كَما في الوُضُوءِ، لا لِأنَّ اسْمَ اليَدِ يَشْمَلُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ اللُّغَةُ، ولَكِنْ لِأنَّ التَّوْقِيفَ ورَدَ بِذَلِكَ، (p-٧٣)ولِأنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ في اليَدِ، والظّاهِرُ أنَّهُ يَجْرِي عَلى ما أُجْرِيَ الأصْلُ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ بَيْنَ البَدَلِ والأصْلِ خِلافٌ في الرَّأْسِ والرِّجْلِ، إذا شَرَعَ في اليَدِ يَظْهَرُ عَلى أنَّهُ شَرَعَ عَلى نَحْوِ ما شَرَعَ لَهُ الأصْلُ. وهَذا وإنْ كانَ لا يَظْهَرُ عَلى ما يَجِبُ، فالتَّوْقِيفُ أقْوى مُعْتَصِمٍ. واعْلَمْ أنَّ آيَةَ السَّرِقَةِ لَيْسَ فِيها تَعَرُّضٌ لِدُفُعاتِ السَّرِقَةِ، وإنَّما فِيهِ التَّعَرُّضُ لِلدُّفْعَةِ الأُولى، وقَطْعُ اليَدِ اليُسْرى والرِّجْلِ اليُمْنى عَلى مَذْهَبِ الإمامِ الشّافِعِيِّ، والرِّجْلِ اليُسْرى في الكَرَّةِ الثّانِيَةِ عَلى المَذاهِبِ كُلِّها مُتَلَقّى مِنَ السُّنَّةِ لا مِنَ الكِتابِ فاعْلَمْهُ، ولَيْسَ في الكِتابِ إلّا بَيانُ الكَرَّةِ الأُولى. نَعَمْ؛ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى بَيانُ مُوجِباتِ جَرائِمِ قُطّاعِ الطَّرِيقِ عَلى اخْتِلافِ جَرائِمِهِمْ عَلى ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، فَإنَّ تِلْكَ العُقُوباتِ المُخْتَلِفَةَ تَعَلَّقَتْ بِجَرائِمَ مُخْتَلِفَةٍ في الكَرَّةِ الأُولى، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ ما تَعَلَّقَ بِالأُولى، وبَيَّنَ ما يَتَعَلَّقُ بِالكَرَّةِ الثّانِيَةِ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الأُولى. نَعَمْ، لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلدُّفْعَةِ الثّانِيَةِ لِأنَّهُ يَنْدُرُ مِنَ السّارِقِ بَعْدَ قَطْعِ يَدِهِ أنْ يَرْجِعَ وهو ناقِصٌ إلى السَّرِقَةِ الَّتِي يَحْتاجُ فِيها إلى مُلابَسَةِ الإغْرارِ، وسُرْعَةِ الحَرَكَةِ، والمُخاطَرَةِ بِالمُهْجَةِ، وشِدَّةِ العَدْوِ، والَّذِي يَدُهُ ناقِصَةٌ لا يَتَأتّى مِنهُ ذَلِكَ، فَأبانَ اللَّهُ تَعالى جَزاءَ السّارِقِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْكَرَّةِ الثّانِيَةِ، وتَعَرَّضَ الرَّسُولُ ﷺ لَها.
والسّارِقُ مِن بَيْتِ المالِ لا قَطْعَ عَلَيْهِ في ظاهِرِ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ، وهو مَذْهَبُ الجَماعَةِ لِأنَّ لَهُ فِيهِ نَصِيبًا، وإلَيْهِ أشارَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ سَرَقَ مِغْفَرًا مِنَ الخُمْسِ، فَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ قَطْعًا، قالَ: لِأنَّ لَهُ فِيهِ نَصِيبًا، وفي وجْهٍ يَجِبُ القَطْعُ تَعَلُّقًا بِعُمُومِ الآيَةِ وبِلَفْظِ السَّرِقَةِ.
ويَتَعَلَّقُ بِعُمُومِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى والإيماءِ إلى التَّعْلِيلِ في إيجابِ القَطْعِ عَلى ذَوِي الأرْحامِ، بِسَرِقَةِ أمْوالِ أقارِبِهِمْ خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ. (p-٧٤)وإذا سَرَقَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، ثُمَّ عادَ وسَرَقَ ذَلِكَ الشَّيْءَ نَفْسَهُ قُطِعَتْ رِجْلُهُ عِنْدَنا، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، ولا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن جِهَةِ العُمُومِ، فَإنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ العُمُومُ قَطْعُ اليَدِ، والواجِبُ في الكَرَّةِ الثّانِيَةِ قَطْعُ الرِّجْلِ، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مِن حَيْثُ التَّعْلِيلُ، وأنَّ الثّانِي إذا كانَ مِثْلَ الأوَّلِ، وتَعَلَّقَ بِهِ ما تَعَلَّقَ بِالأوَّلِ، أوْ مِثْلَ ما تَعَلَّقَ بِالأوَّلِ، فَيَكُونُ الِاحْتِجاجُ بِالعِلَّةِ، لا بِالِاسْمِ، فَلْيَعْرِفِ العارِفُ هَذِهِ المَراتِبَ ما يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ مِنهُ بِالعُمُومِ، وما يَحْتَجُّ فِيهِ بِالمَفْهُومِ مِن الِاسْمِ.
واعْلَمْ أنَّ الَّذِي يَجِبُ عَلى السّارِقِ مِنَ القَطْعِ، يَجِبُ جَزاءً عَلى الفِعْلِ أوْ زَجْرًا، فالشَّرْعُ اعْتَنى بِبَيانِهِ وإيضاحِ حُكْمِهِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلضَّمانِ الَّذِي لا يَرْجِعُ إلى الفِعْلِ، ولا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وإنَّما هو بَدَلٌ عَنِ المَحَلِّ، كَما أوْجَبَ عَلى الزّانِي الجَلْدَ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَهْرِ، وأوْجَبَ عَلى قاطِعِ الطَّرِيقِ القَتْلَ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلدِّيَةِ مِن بَعْدِ التَّوْبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] لِأنَّ ذَلِكَ حَوالَةٌ عَلى بَيانٍ آخَرَ.
المائدة 5:42
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ الآيَةَ . أصْلُ السُّحْتِ: الِاسْتِئْصالُ، يُقالُ: أسْحَتَهُ إسْحاتًا إذا اسْتَأْصَلَهُ وأذْهَبَهُ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ [طه: ٦١]: أيْ: يَسْتَأْصِلُكُمْ، ويُقالُ: أُسْحِتَ مالُهُ إذا أفْسَدَهُ، فَسَمّى الحَرامَ سُحْتًا لِأنَّهُ لا بَرَكَةَ لِأهْلِهِ فِيهِ، ويَهْلَكُ بِهِ صاحِبُهُ هَلاكَ الِاسْتِئْصالِ، فَأخْذُ الرَّشْوَةِ عَلى الحُكْمِ غايَةُ المَحْظُورِ مِنَ الرَّشْوَةِ، فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إظْهارُ الحَقِّ فَيَأْخُذُ الرَّشْوَةَ، ومِن أجْلِهِ مَنَعَ الشّافِعِيُّ الصُّلْحَ عَلى الإنْكارِ، لِأنَّ الَّذِي يُنْكِرُ إذا جُعِلَ القَوْلُ قَوْلَهُ، فَكَأنَّهُ بِما يَبْذُلُهُ مِنَ المالِ يَنْبَغِي رَفْعُ الظُّلْمِ عَنْ نَفْسِهِ، فَكانَ كالرَّشْوَةِ عَلى فِعْلٍ واجِبٍ أوْ رَفْعِ ظُلْمِهِ. (p-٧٥)ومِن هَذا القَبِيلِ أنْ يَسْتَشْفِعَ بِهِ إلى السُّلْطانِ مَن يَتَّقِي شَرَّ السُّلْطانِ، فَيَسْتَشْفِعُ لَهُ عَلى رَشْوَةٍ يَأْخُذُها مِنهُ.
ويَقْرُبُ مِن هَذا أخْذُ القاضِي الهَدِيَّةَ، إذا كانَ لا يُهْدى إلَيْهِ مِن قَبْلُ. فالِارْتِشاءُ عَلى الحُكْمِ، هو الَّذِي ورَدَ فِيهِ اللَّعْنُ عَلى الرّاشِي والمُرْتَشِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
والرَّشْوَةُ هي الَّتِي دَعَتِ اليَهُودُ إلى كِتْمانِ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِن نُعُوتِ نَبِيِّنا عَلى الأنْبِياءِ المُرْسَلِينَ، فَإنَّهم آثَرُوا حَظَّهم مِنَ الدُّنْيا عَلى اتِّباعِهِ، فَكَتَمُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِن نُعُوتِهِ بَعْدَ أنْ كانُوا أغْرُوا بِهِ مِن آبائِهِمْ وأبْنائِهِمْ، وجَحَدُوا بِألْسِنَتِهِمْ ما اسْتَيْقَنَتْهُ أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُتُوًّا، فَأدّاهم شُؤْمُ الِارْتِشاءِ إلى الكُفْرِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى، فَصارُوا إلى مُحارَبَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ وعَذابِ الأبَدِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الآيَةَ:
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيهِ: فَقالَ قائِلُونَ: يَتَخَيَّرُ الإمامُ في حَقِّهِمْ: إنْ شاءَ حَكَمَ بَيْنَهُمْ، وإنْ شاءَ أعْرَضَ عَنْهم ورَدَّهم إلى دِينِهِمْ. وقالَ قائِلُونَ: التَّخْيِيرُ مَنسُوخٌ. والقَوْلانِ مَحْكِيّانِ عَنِ الشّافِعِيِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آيَتانِ نَسَخَتا مِنَ المائِدَةِ: آيَةَ القَلائِدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ .
أمّا القَلائِدُ، فَنَسَخَها الأمْرُ بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ حَيْثُ كانُوا، وأيُّ شَهْرٍ كانُوا، وأمّا الأُخْرى فَنُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] . (p-٧٦)ولا يَقُولُ ابْنُ عَبّاسٍ إنَّهُ نَسَخَ ذَلِكَ مِن طَرِيقِ الرَّأْيِ، فَإنَّ مُدْرِكَهُ التَّوْقِيفَ والعِلْمَ بِالتَّوارِيخِ، إلّا أنَّهُ يُقالُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ أخْطَأ وغَلَطَ في الَّذِي ادَّعاهُ مِنَ التَّوْقِيفِ، ولَمْ يَكُنْ طَرِيقُهُ النَّسْخَ، وإذْا قالَ الصَّحابِيُّ أوِ التّابِعِيُّ كَذا مَنسُوخٌ بِكَذا، فَلا يُقْبَلُ ذَلِكَ دُونَ أنْ يَنْظُرَ فِيهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]: المَنعَ مِنِ اتِّباعِ آرائِهِمْ فِيما قَدْ نُسِخَ، ولا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِن جَوازِ الإعْراضِ عَنْهُمْ، مِثْلَ مَنُوبِ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهم ما كانُوا إذْ ذاكَ داخِلِينَ في أحْكامِ الإسْلامِ، وإنَّما كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هُدْنَةٌ، أنْ لا يَتَعَرَّضَ لَهم ولا يُؤاخَذُونَ بِشَيْءٍ مِن أحْكامِ الإسْلامِ، فَتَكُونُ مِنهم ولَهُمْ، فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِأخْذِ الجِزْيَةِ مِنهم وإجْراءِ أحْكامِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، أمَرَ بِالحُكْمِ بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى، فَسَيَكُونُ حُكْمًا لِلْآيَتَيْنِ جَمِيعًا تامًّا. فَإذا احْتَمَلَ الأمْرَيْنِ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ: أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ، نَصًّا حَتّى يَحْتاجَ إلى طَلَبِ نَسْخِهِ، فَعَلى هَذا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: يَجِبُ عَلى الإمامِ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم.
ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: مِن حَيْثُ إنَّهم لا يُؤاخَذُونَ بِأحْكامِ الإسْلامِ وتَفاصِيلِ الحَلالِ والحَرامِ، يَجُوزُ لِلْإمامِ أنْ لا يَحْكُمَ بَيْنَهم أصْلًا. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ الَّتِي في المائِدَةِ «قَوْلُهُ: ﴿فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إنَّما نَزَلَتْ في الدِّيَةِ بَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ وبَنِي النَّضِيرِ، وذَلِكَ أنَّ بَنِي النَّضِيرِ كانَ لَهم شَرَفٌ يُدَوِّنُ دِيَةً كامِلَةً، وأنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ يُدَوِّنُ نِصْفَ الدِّيَةِ، فَتَحاكَمُوا في ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ (p-٧٧)فِيهِمْ، فَحَمَلَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الحَقِّ في ذَلِكَ، فَجَعَلَ الدِّيَةَ سِوًى،» وأنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ ما كانَ لَهم ذِمَّةٌ أصْلًا. وقَدْ أجْلاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأهْلُ الذِّمَّةِ لا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِمْ، وبَنُو قُرَيْظَةَ قُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ لَمّا نَزَلُوا عَلى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولَيْسَ في أصْحابِنا مَن يَفْصِلُ بَيْنَ المُعاهِدِ والذِّمِّيِّ في هَذا المَعْنى، فالأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّ الحُكْمَ في الجَمِيعِ سَواءٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةٌ أُخْرى.
وعَنِ الحَسَنِ وعَنْ مُجاهِدٍ والزُّهْرِيِّ أنَّ الآيَةَ وهي قَوْلُهُ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] نَزَلَتْ في شَأْنِ الرَّجْمِ حِينَ تَحاكَمُوا إلَيْهِ وهم أيْضًا لَمْ يَكُونُوا أهْلَ ذِمَّةٍ، وإنَّما تَحاكَمُوا إلَيْهِ طَلَبًا لِلرُّخْصَةِ وزَوالِ الرَّجْمِ، فَصارَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى بَيْتِ مَدارِسِهِمْ ووَقَفَهم عَلى آيَةِ الرَّجْمِ، وعَلى كَذِبِهِمْ وتَحْرِيفِهِمْ كِتابَ اللَّهِ تَعالى، ورَجَمَ اليَهُودِيَّيْنِ وقالَ: «أنا أوْلى مَن أحْيا سُنَّةً أماتُوها،» وهَذا يَدُلُّ دَلالَةً تامَّةً عَلى جَوازِ رَجْمِ اليَهُودِ خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ أهْلَ الذِّمَّةِ مَحْمُولُونَ في عُقُودِهِمْ وقَضاياهم عَلى مُوجَبِ أحْكامِ المُسْلِمِينَ كالمُسْلِمِينَ، ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ الخَمْرَ لَيْسَتْ بِمَضْمُونَةٍ عَلى مُتْلِفِها، ولا أنَّها مالٌ مِن أمْوالِهِمْ، لِأنَّ إيجابَ الضَّمانِ عَلى مُتْلِفِها حُكْمٌ عَلى مُوجَبِ أهْواءِ اليَهُودِ، وقَدْ أمَرَنا بِخِلافِ ذَلِكَ. نَعَمْ، لا نَتَعَرَّضُ لَهم في خُمُورِهِمْ ولا في مُناكَحَتِهِمُ الباطِلَةِ، وقَدْ فَتَحَ عُمَرُ سَوادَ العِراقِ، وكانَ أهْلُها مَجُوسًا، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِمُناكَحَتِهِمُ الوارِدَةُ مِن قَبْلُ عَلى بَناتِهِمْ وأخَواتِهِمْ، ولا فَرَّقَ بَيْنَهم. (p-٧٨)وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ إعْراضَنا عَنْ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِنا بِوُجُودِ المُحَرَّمِ لِضَرْبٍ مِنَ المَصْلَحَةِ، غَيْرَ أنَّ المَصْلَحَةَ مُنْقَسِمَةٌ إلى مَصْلَحَةٍ رُوعِيَتْ في حَقِّ مُرْتَكِبِي المُحَرَّماتِ بِمَنعِهِمْ مِنها، وبِزَجْرِهِمْ عَنْها، مِثْلَ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَراتِ في حَقِّ المُسْلِمِينَ، وهَذا لَمْ يَشْرَعْ في حَقِّ أهْلِ الذِّمَّةِ، فَإذا عَرَفْنا يَقِينًا أنَّهم في بَيْعِهِمْ يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ، فَلا يَتَعَرَّضُ لَهم لِمَصْلَحَةٍ تَعُودُ إلى أهْلِ الإسْلامِ مِن وجْهٍ، وإلى أهْلِ الذِّمَّةِ مِن وجْهٍ آخَرَ. فَأمّا ما يَرْجِعُ إلى أهْلِ الإسْلامِ فَلا خَفاءَ بِهِ. وأمّا الَّذِي يَرْجِعُ إلى أهْلِ الذِّمَّةِ فَهو أنَّ البُغْيَةَ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ تَقْبِيحُ سُنَنِ رَشادِهِمْ، حَتّى إذا شاهَدُوا مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى والإعْلامِ عَلى نُبُوَّةِ نَبِيِّنا وخالَطُونا، انْفَتَحَتْ بَصائِرُهم وقَرُبَ الأمْرُ في اسْتِجابَتِهِمْ، ولَوْ لَمْ يَعْقِدْ لَهم عَقْدَ الذِّمَّةِ، نَفَرُوا واسْتَكْبَرُوا ولَمْ يَتَحَقَّقِ اللُّطْفُ الَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ قُرْبَ إجابَتِهِمْ، فَهَذا هو السَّبَبُ في تَقْرِيرِنا إيّاهم وتَرْكِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ. هَذا إنْ عَلَّلْنا. وإنْ لَمْ نُعَلِّلْ قُلْنا: الأصْلُ: أنْ لا يُقِرُّوا ويَمْنَعُوا إلّا حَيْثُ أرْخَصَ الشَّرْعُ فِيهِ، وقَدْ أرْخَصَ في تَدُكُّ النَّكِيرِ في نِكاحِ المَحارِمِ وغَيْرِهِ مِنَ المَحْظُوراتِ، فَهَذا تَمامُ هَذا الفَنِّ. فَإذا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَقَدْ كانَ في ابْتِداءِ الإسْلامِ مُخَيَّرًا في أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم أوْ يُعْرِضَ عَنْهُمْ، ثُمَّ صارَ ذَلِكَ مَنسُوخًا، ونَفْيُ الإعْراضِ في غَيْرِ ما تَحاكَمُوا إلَيْهِ فِيهِ، وقَبْلَ ذَلِكَ كانَ الإعْراضُ جائِزًا فِيما تَحاكَمُوا إلَيْهِ فِيهِ، وقَدْ قالَ أبُو حَنِيفَةَ: إذا تَرافَعُوا إلَيْنا وقَدْ جَرى النِّكاحُ في العِدَّةِ، فَلا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِمْ في الدَّوامِ، ومَعْلُومٌ أنَّ أوَّلَ النِّكاحِ في العِدَّةِ لَمْ يَكُنْ عَلى نَحْوِ ما يَجُوزُ في الإسْلامِ، إلّا أنَّهم يَرَوْنَ مانِعَ العِدَّةِ مُخْتَصًّا بِالِابْتِداءِ، وهو (p-٧٩)عُذْرُهم في الشَّهادَةِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ ما جَرى في الشِّرْكِ مَجْرِيٌّ عَلى مُقْتَضى اعْتِقادِهِمْ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ، فَإذا تَزَوَّجَ خَمْسًا دَفَعَهُ وماتَتِ الخامِسَةُ في الشِّرْكِ يَجِبُ ألّا يَعْتَرِضَ عَلى النِّكاحِ، لِأنَّ النِّكاحَ إنَّما امْتَنَعَ دَوامًا لِوُجُوبِ قَطْعِ البَعْضِ، فَإذا ماتَتِ الخامِسَةُ لَمْ يَبْقَ مانِعٌ في الحالِ، غَيْرَ أنَّكم جَعَلْتُمْ ما مَضى مانِعًا، فَهَلّا كانَ ها هُنا كَذَلِكَ، وهَذا لا جَوابَ عَنْهُ.
المائدة 5:43
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها﴾ الآيَةَ. مَعْناهُ: فِيما تَحاكَمُوا إلَيْكَ في حَدِّ الزّانِيَيْنِ، وأنَّهم لَمْ يَتَحاكَمُوا إلَيْكَ طَلَبًا لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما تَحاكَمُوا إلَيْكَ لِطَلَبِ الرُّخْصَةِ، وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ بِحُكْمِكَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ مَعَ جَحْدِهِمْ لِنُبُوَّتِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُكْمَ التَّوْراةِ فِيما اخْتَصُّوا فِيهِ لَمْ يَكُنْ مَنسُوخًا وأنَّهُ صارَ بِمَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَرِيعَةً، ما لَمْ يُنْسَخْ، لِأنَّهُ لَوْ نُسِخَ لَمْ يُقَلْ بَعْدَ النَّسْخِ إنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ عَلى أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا يَلْزَمُنا، وهَذا لا وجْهَ لَهُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ لَيْسَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما فِيها حُكْمُ اللَّهِ، بَلْ قَدْ نُسِخَ بَعْضُها، وإنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ فِيها حُكْمَ اللَّهِ ونَحْنُ نَقُولُ بِذَلِكَ الحُكْمِ، وذَلِكَ الحُكْمُ هو الرَّحِيمُ الَّذِي اخْتَصَمُوا فِيهِ إلَيْهِ مِن جِهَةِ الزّانِي.
المائدة 5:45
(p-٨٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ . اسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِهِ عَلى قَتْلِ المُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ والحُرِّ بِالعَبْدِ، وهَذا لَوْ ثَبَتَ لَهم أنَّ شَرِيعَةَ مَن قَبْلْنا تَلْزَمُنا. وبَعْدُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها﴾ لَيْسَ فِيهِ عُمُومٌ، ولَمْ يَثْبُتْ أنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى في حَقِّ الواحِدِ مِن شَرِيعَةِ مَن مَضى حُكْمٌ في حَقِّ أهْلِ شَرِيعَتِنا كَما ثَبَتَ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ قاطِعٍ في شَرِيعَتِنا. ومِن وجْهٍ ثالِثٍ: وهو أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عُمُومُ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ لِأصْنافِ الخَلْقِ، كَما ثَبَتَ أنَّ نَبِيَّنا ﷺ بُعِثَ إلى الخَلْقِ كُلِّهِمْ.
الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ فَكانَ ذَلِكَ مَكْتُوبًا عَلى أهْلِ التَّوْراةِ، وهم أهْلُ مِلَّةٍ واحِدَةٍ، ولَمْ يَكُنْ لَهم أهْلُ ذِمَّةٍ، كَما لِلْمُسْلِمِينَ أهْلُ ذِمَّةٍ، لِأنَّ الجِزْيَةَ فَيْءٌ وغَنِيمَةٌ أفاءَها اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ، ولَمْ يَحِلَّ الفَيْءُ لِأحَدٍ قَبْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ، ولَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ فِيما مَضى مُبْعَثًا إلى قَوْمِهِ، فَأوْجَبَتِ الآيَةُ الحُكْمَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، إذْ كانَتْ دِماؤُهم تَتَكافَأُ، فَهو مِثْلُ قَوْلِ الواحِدِ مِنّا: وما في الدُّنْيا سِوى المُسْلِمِينَ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ. وتُشِيرُ إلى قَوْمِ تَعْيِينٍ فَتَقُولُ: الحُكْمُ في هَؤُلاءِ، أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ. فالَّذِي يَجِبُ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أهْلِ القُرْآنِ أنْ يُقالَ: إنَّهم فِيما بَيْنَهم عَلى هَذا الوَجْهِ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، ولَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ما يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ مَعَ خِلافِ المِلَّةِ.
* *
(p-٨١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعَيْنَ بِالعَيْنِ﴾ يَدُلُّ عَلى جَرَيانِ القَصاصِ في العَيْنِ وضَوْئِها، وتَعَلَّقَ ابْنُ شُبْرُمَةَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والعَيْنَ بِالعَيْنِ﴾ عَلى أنَّ اليُمْنى تُفْقَأُ بِاليُسْرى، وكَذَلِكَ بِالعَكْسِ، وأجْرى ذَلِكَ في اليَدِ اليُمْنى واليُسْرى، وقالُوا: تُؤْخَذُ الثَّنْيَّةُ بِالضِّرْسِ، والضِّرْسُ بِالثَّنْيَّةِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: السِّنُّ بِالسِّنِّ. والَّذِينَ خالَفُوهُ وهم عُلَماءُ الأُمَّةِ قالُوا: العَيْنُ اليُمْنى هي المَأْخُوذَةُ بِاليُمْنى عِنْدَ وُجُودِها، ولا يَتَجاوَزُ ذَلِكَ إلى اليُسْرى مَعَ الرِّضا، وذَلِكَ بَيَّنَ لَنا أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( العَيْنَ بِالعَيْنِ ) اسْتِيفاءُ ما يُماثِلُهُ مِمّا يُقابِلُهُ مِنَ الجانِي، فَلا يَجُوزُ أنْ يَتَعَدّى إلى غَيْرِهِ، كَما لا يَجُوزُ أنْ يَتَعَدّى مِنَ الرِّجْلِ إلى اليَدِ في الأحْوالِ كُلِّها، وهَذا لا رَيْبَ فِيهِ.
المائدة 5:48
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلٍ مِن قَوْمِ الخَمْرِ بِناءً عَلى أهْواءِ الكُفّارِ، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ لا يَحْلِفُونَ في بَيْعِهِمْ إذا أرَدْنا تَغْلِيظَ اليَمِينِ عَلَيْهِمْ، لِأنّا في ذَلِكَ لا نَتَّبِعُ أهْواءَهم لِأنَّ اتِّباعَ أهْوائِهِمْ فِيما يَنْفَعُهم وهَذا يَضُرُّهُمْ، فَهو ضِدُّ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ، إنَّما المَقْصُودُ بِهِ المُبالَغَةُ في انْزِجارِهِمْ عَنِ اليَمِينِ الكاذِبَةِ، إحْياءً لِحَقِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ التَّعَلُّقِ بِشَرائِعِ الأوَّلِينَ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الواجِباتِ (p-٨٢)أفْضَلُ مِن تَأْخِيرِها، وذَلِكَ لا خِلافَ فِيهِ في العِباداتِ كُلِّها، إلّا في الصَّلاةِ في أوَّلِ الوَقْتِ، فَإنَّ أبا حَنِيفَةَ يَرى الأفْضَلَ تَأْخِيرَها، وهو أفْضَلُ مِن تَقْدِيمِها وعُمُومُ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الصَّوْمَ في السَّفَرِ أوْلى مِنَ الفِطْرِ. وقالَ تَعالى في هَذا المَوْضُوعِ كَرَّةً أُخْرى: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَكْرارًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وارِدًا في قِصَّةٍ أُخْرى تَحاكَمُوا فِيها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَما ذُكِرَ في التَّفْسِيرِ «أنَّ بَنِي النَّضِيرِ وبَنِي قُرَيْظَةَ تَحاكَمُوا إلَيْهِ في الدِّيَةِ، وكانَ بَنُو النَّضِيرِ أضْعَفَ وقُرَيْظَةَ أشْرَفَ، وكانُوا يَجْعَلُونَ دِيَةَ القَتِيلَيْنِ عَلى التَّفاوُتِ، لِذَلِكَ قالَ: ﴿واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩]»، أيْ: لا يَعْدِلُ عَنِ الحُكْمِ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، إلى ما يَهْوَوْنَ مِنَ الأحْكامِ إطْماعًا مِنهم في الدُّخُولِ في الإسْلامِ، وسِياقُ الكَلامِ إلى قَوْلِهِ: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] فِيهِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلْيَهُودِ، لِأنَّهم كانُوا إذا وجَبَ الحُكْمُ عَلى ضُعَفائِهِمْ ألْزَمُوهم إيّاهُ، وأخَذُوهم بِهِ، وإذا تَوَجَّهَ عَلى أغْنِيائِهِمْ سامَحُوا، فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] .
المائدة 5:51
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾: يَدُلُّ عَلى قَطْعِ المُوالاةِ شَرْعًا. وقَوْلُهُ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ يَدُلُّ عَلى إثْباتِ الشَّرْعِ (p-٨٣)المُوالاةَ بَيْنَهُمْ، حَتّى يَتَوارَثَ اليَهُودُ والنَّصارى بَعْضُهم مِن بَعْضٍ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾: يَمْنَعُ مِن إثْباتِ المِيراثِ لِلْمُسْلِمِ مِنَ المُرْتَدِّ.
المائدة 5:54
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ الآيَةَ ٥٤. فِيهِ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ إمامَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ، لِأنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا بَعْدَ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنَّما قاتَلَهم أبُو بَكْرٍ وهَؤُلاءِ الصَّحابَةُ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ، وأنَّهم يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ فَهو ولِيُّ اللَّهِ تَعالى.
ولَمْ يُقاتِلِ المُرْتَدِّينَ بَعْدَ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِوى هَؤُلاءِ الأئِمَّةِ، فَإنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِقَوْمٍ آخَرِينَ يُقاتِلُونَ المُرْتَدِّينَ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ، غَيْرَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قاتَلُوا مَعَ أبِي بَكْر ٍ، ومِثْلُهُ في دَلالَتِهِ عَلى صِحَّةِ إمامَةِ أبِي بَكْرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الفتح: ١٦] الآيَةَ. فَإنْ قِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو الَّذِي دَعاهم. قُلْنا: قالَ اللَّهُ تَعالى لِرَسُولِهِ: (p-٨٤)﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣] .
ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ عَلِيًّا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]، وعَلِيٌّ ما حارَبَ قَوْمًا في أيّامِهِ عَلى أنْ يُسْلِمُوا، ولَمْ يُحارِبْ أحَدٌ بَعْدَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أنْ يُسْلِمُوا غَيْرَ أبِي بَكْرٍ، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى صِحَّةِ إمامَتِهِ.
المائدة 5:55
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ الآيَةَ: يَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ القَلِيلَ لا يُبْطِلُ الصَّلاةَ، فَإنَّ التَّصَرُّفَ بِالخاتَمِ في الرُّكُوعِ عَمَلٌ جاءَ بِهِ في الصَّلاةِ، ولا يُبْطِلُ الصَّلاةَ. وقَوْلُهُ: ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾ يَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ تُسَمّى زَكاةً، فَإنَّ عَلِيًّا تَصَدَّقَ بِخاتَمِهِ تَطَوُّعًا في الرُّكُوعِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩]، وقَدِ انْتَظَمَ النَّفْلُ والفَرْضُ، فَصارَ اسْمُ الزَّكاةِ شامِلًا لِلْفَرْضِ والنَّفْلِ، كاسْمِ الصَّدَقَةِ، واسْمُ الصَّلاةِ يَنْتَظِمُ الأمْرَيْنِ.
المائدة 5:57
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكم والكُفّارَ أوْلِياءَ﴾ . (p-٨٥)وذَلِكَ نَهْيٌ عَنْ الِاسْتِنْصارِ بِالمُشْرِكِينَ. هَذا هو الصَّحِيحُ مِن مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ.
وأبُو حَنِيفَةَ جَوَّزَ الِاسْتِنْصارَ بِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى المُشْرِكِينَ، وكِتابُ اللَّهِ تَعالى يَدُلُّ عَلى خِلافِ ما قالُوا. وقَدْ رَوى عُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ لَحِقَ بِالنَّبِيِّ يُقاتِلُ مَعَهُ، فَقالَ لَهُ: ارْجِعْ، أنا لا أسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ». فَعَلَّلَ مَنعَ الِاسْتِعانَةِ بِالشِّرْكِ.
المائدة 5:58
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾: دَلِيلٌ عَلى أنَّ الصَّلاةَ تَجِبُ بِادِّعائِهِ إلَيْها. ونَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] .
المائدة 5:67
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾:
يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلَّغَ جَمِيعَ ما أُمِرَ بِهِ، ولَمْ يَكْتُمْ مِن ذَلِكَ شَيْئًا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ضَمِنَ لَهُ العِصْمَةَ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ تَرَكَ شَيْئًا مِمّا أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ الرَّوافِضِ، أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ كَتَمَ شَيْئًا مِمّا أُمِرَ بِهِ وأُوحِيَ إلَيْهِ، وكانَ بِالنّاسِ حاجَةٌ إلَيْهِ.
المائدة 5:68
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا (p-٨٦)التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ الآيَةَ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ البَحْثَ عَنِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَدْعُو إلى مَعْرِفَةِ نَبِيِّنا ﷺ، وأنَّ الدِّينَ الحَقَّ بَيِّنٌ عَنْ إقامَةِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.
المائدة 5:78
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ لَعْنِ الكافِرِينَ وإنْ كانُوا مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ، وأنَّ شَرَفَ النَّسَبِ لا يَمْنَعُ مِن إطْلاقِ اللَّعْنِ في حَقِّهِمْ.
المائدة 5:79
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾، الآيَةَ. رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ أوَّلَ ما دَخَلَ النَّقْصُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ كانَ يَلْقى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ لَهُ: يا هَذا اتَّقِ اللَّهَ ودَعْ ما تَصْنَعُ فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقاهُ مِنَ الغَدِ فَلا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وشَرِيبَهُ وقَعِيدَهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ثُمَّ قالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨] إلى قَوْلِهِ: ( فاتَّقَوْنِ ) ثُمَّ قالَ: كَلّا واللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ ولَتَأْخُذُنَّ عَلى يَدِ (p-٨٧)الظّالِمِ، أوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ تَعالى بِقُلُوبِ بَعْضِكم بَعْضًا ثُمَّ لَيَلْعَنَكم كَما لَعَنَهم».
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى النَّهْيِ عَنْ مُجالَسَةِ المُجْرِمِينَ وأمَرَ بِهِجْرانِهِمْ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ في الإنْكارِ عَلى اليَهُودِ: ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٨٠] . والضَّمِيرُ في ”مِنهُمْ“ راجِعٌ إلى اليَهُودِ، وقالَ آخَرُونَ: هو راجِعٌ إلى أهْلِ الكِتابِ عَلى مُعاداةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومُحارَبَتِهِ، وأرادَ بِالنَّبِيِّ: مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ إذا كانُوا يَتَوَلَّوْنَ المُشْرِكِينَ.
المائدة 5:87
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ . فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يُحَرِّمَ عَلى نَفْسِهِ ما أحَلَّهُ اللَّهُ تَعالى لَهُ بِعَقْدِهِ وقَصْدِهِ. ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي إذا أكَلْتُ اللَّحْمَ انْتَشَرْتُ فَحَرَّمْتُهُ عَلى نَفْسِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾» .
ورَوى قَتادَةُ «أنَّ ناسًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانُوا هَمُّوا بِتَرْكِ اللَّحْمِ والنِّساءِ والإخْصاءِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾». وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِنهُ لَغْوٌ، وأبُو حَنِيفَةَ رَأى أنَّ ذَلِكَ صارَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ، وأنَّهُ إذا تَناوَلَهُ لَزِمَتْهُ الكَفّارَةُ، وهو بَعِيدٌ. (p-٨٨)وعِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ: إذا حَرَّمَ جارِيَةً عَلى نَفْسِهِ لَزِمَتْهُ الكَفّارَةُ بِمُجَرَّدِ التَّحْرِيمِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى وطْئِها، ولَيْسَ ذَلِكَ لِأنَّهُ تَناوَلَ مُحَرَّمًا، فَبايَنَ ذَلِكَ ما نَحْنُ فِيهِ، فاعْلَمْهُ. ولَوْ قَدَّرْنا تَحْرِيمَ الشَّيْءِ عَلَيْهِ فَتَناوُلُ المُحَرَّمِ لا يَقْتَضِي وُجُوبَ شَيْءٍ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، مِثْلَ تَناوُلِ المَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ. قالُوا: اليَمِينُ تَعَلَّقَتِ الكَفّارَةُ بِها، لِأنَّها تُحَرِّمُ المَحْلُوفَ عَلَيْهِ، فَوَجَبَتِ الكَفّارَةُ عِنْدَ الحِنْثِ بِتَناوُلِ المُحَرَّمِ بِاليَمِينِ، ولا وُجُوبَ لَها مِن قَبْلُ، ولَكِنَّ هَذا لا وجْهَ لَهُ عَلى تَفْصِيلِ أصْلِهِمْ، فَإنَّهم قالُوا: لَوْ حَرَّمَ الطَّعامَ عَلى نَفْسِهِ حَنِثَ بِأكْلِ جُزْءٍ مِنهُ. ولَوْ قالَ: واللَّهِ لا آكُلُ هَذا الرَّغِيفَ، لَمْ يَحْنَثْ بِأكْلِ بَعْضِهِ، وقَدَّرُوا فِيهِ الشَّرْطَ والجَزاءَ وارْتِباطَ أحَدِهِما بِالآخَرِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: إنْ أكَلْتُ هَذا الرَّغِيفَ فَعَبْدِي حُرٌّ، فَلا يَحْنَثُ بِأكْلِ البَعْضِ مِنهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحِنْثَ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِتَناوُلِ المُحَرَّمِ، وإنَّما هو بِاعْتِبارِ مُخالَفَةِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، وهَذا لا رَيْبَ فِيهِ.
المائدة 5:89
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكُمُ بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ عَقِيبَ نَهْيِهِ عَنْ تَحْرِيمِ ما أحَلَّهُ اللَّهُ تَعالى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا حَرَّمُوا الطَّيِّباتِ مِنَ المَأْكَلِ، حَلَفُوا عَلى ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وأبانَ أنَّ الحَلِفَ لا يُحَرِّمُ شَيْئًا، وهو دَلِيلُ (p-٨٩)الشّافِعِيِّ عَلى أنَّ التَّحْرِيمَ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الحَلالِ، وأنَّ تَحْرِيمَ الحَلالِ لَغْوٌ، كَما أنَّ تَحْلِيلَ الحَرامِ لَغْوٌ، كَما لَوْ قالَ: اسْتَحْلَلْتُ شُرْبَ الخَمْرِ، فَمُقْتَضى الآيَةِ عَلى هَذا القَوْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ تَحْرِيمَ الحَلالِ لَغْوًا في أنَّهُ لا يُحَرِّمُ فَقالَ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ . أيْ: تَحْرِيمُ الحَلالِ فِيما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أيْمانُكُمْ، ولَكِنْ لَمّا سَبَقَ مِنكم مِن عَقْدِ اليَمِينِ، فَأنْتُمْ مُؤاخَذُونَ بِما عَقَدْتُمْ مِنَ الأيْمانِ، وتِلْكَ المُؤاخَذَةُ كَفّارَةُ إطْعامِ مَساكِينَ، فَهَذا مَعْنى الآيَةِ وهو صَحِيحٌ. فاللَّغْوُ عَلى هَذا هو الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ وهو تَحْرِيمُ الحَلالِ.
«وقالَ عَطاءٌ وقَدْ سُئِلَ عَنِ اللَّغْوِ في اليَمِينِ فَقالَ: قالَتْ عائِشَةُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”هُوَ كَلامُ الرَّجُلِ في بَيْتِهِ كَلّا واللَّهِ وبَلى واللَّهِ“» . ورَوى إبْراهِيمُ عَنِ الأسْوَدِ وهِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَغْوُ اليَمِينِ لا واللَّهِ، بَلى واللَّهِ، مَوْقُوفًا عَلَيْها، فَعَلى تَفْسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو الأصْلُ، وعَلى ما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ، مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾، تَقْدِيرُهُ: مِن أيْمانِكُمْ، فَكَأنَّ الأيْمانَ مُنْقَسِمَةٌ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مُؤاخَذَةً، وإلى ما لا يَتَعَلَّقُ بِهِ مُؤاخَذَةً في مَعْنى الكَفّارَةِ، وهَذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ في الأيْمانِ المُسْتَقْبَلَةِ. وأبُو حَنِيفَةَ يَرى تَعْلِيقَ الكَفّارَةِ بِالأيْمانِ المُسْتَقْبَلَةِ كُلِّها، فَمَعْنى قَوْلِهِ (p-٩٠)تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ يَعْنِي: المُؤاخَذَةَ في الأيْمانِ عَلى ما مَضى، وإثْباتَ المُؤاخَذَةِ في الأيْمانِ المُسْتَقْبَلَةِ، غَيْرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكُمُ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، فَأثْبَتَ المُؤاخَذَةَ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُنا، وجَعَلَ اللَّغْوَ يَقْتَضِي أنَّ المُكْتَسَبَ بِالقَلْبِ هو الَّذِي يُجَرَّدُ القَصْدُ إلَيْهِ، والماضِي العُمُومِيُّ لا كَفّارَةَ فِيهِ عِنْدَهُمْ، فاليَمِينُ عِنْدَهم مُنْقَسِمَةٌ إلى الماضِي والمُسْتَقْبَلِ، والمُؤاخَذَةُ مِن حَيْثُ الِاسْمُ ثابِتَةٌ في الماضِي والمُسْتَقْبَلِ في بَعْضِ المَواقِعِ، فَعَلى هَذا يَقُولُونَ: اللَّغْوُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الصُّورَةِ أنْ يَحْلِفَ عَلى الماضِي وهو غَيْرُ المَعْقُودِ عَلَيْهِ، ونَقِيضُهُ المَعْقُودُ عَلَيْهِ، وهو ما يَعْزِمُ عَلى فِعْلِهِ، وإنَّما يُعْرَفُ عَزْمُهُ بِقَوْلِهِ: لَأفْعَلَنَّ ولا أفْعَلُ، وفي الماضِي لا يُتَصَوَّرُ عَقْدُ العَزْمِ عَلى شَيْءٍ. واللَّغْوُ المَذْكُورُ في سُورَةِ البَقَرَةِ أنْ يَحْلِفَ عَلى الماضِي ظانًّا أنَّهُ كَذَلِكَ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ غَلَطُهُ، فَهَذا لا إثْمَ عَلَيْهِ فِيهِ. وضِدُّهُ أنْ يَحْلِفَ عامِدًا، فَهو غَمُوسٌ تَتَعَلَّقُ المُؤاخَذَةُ بِهِ في الآخِرَةِ، فَهَذا مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَهم.
وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: اللَّغْوُ أنْ يَحْلِفَ عَلى مَعْصِيَةٍ أنْ يَفْعَلَها، فَيَنْبَغِي لَهُ ألّا يَفْعَلَها ولا كَفّارَةَ فِيهِ، ورُوِيَ فِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيَتْرُكْها فَإنَّ تَرْكَها كَفّارَتُها» . (p-٩١)ولا شَكَّ أنَّ الَّذِي رَآهُ الشّافِعِيُّ أوْلى، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ اللَّغْوَ في مَعْرِضِ إبْرازِ العُذْرِ لَهُ، وجَعَلَ الكَفّارَةَ في المَعْقُودِ، والعَقْدُ رَبْطُ القَلْبِ بِشَيْءٍ وتَجْدِيدُ القَصْدِ إلَيْهِ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ؛ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَن يُسْقِطُ الكَفّارَةَ عَنْهُ إنَّما يُسْقِطُ تَسَبُّبَ نَسِيَهُ أنْ يَكُونَ عُذْرًا، تَسْقُطُ بِهِ المُؤاخَذَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ جَمِيعًا، وفي الغَمُوسِ لا عُذْرَ لِصاحِبِهِ، وإنْ سَقَطَتِ الكَفّارَةُ فَلَيْسَ لِأنَّ الغَمُوسَ تَقْتَضِي التَّخْفِيفَ وتَرْكَ المُؤاخَذَةِ بَلْ تَقْتَضِي ضِدَّ ذَلِكَ. والَّذِي حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ فَذَكَرُوا أنَّ حِفْظَ اليَمِينِ إنَّما يَتَصَوَّرُ في المُسْتَقْبَلِ، وهَذا غَلَطٌ، فَإنَّهُ لَيْسَ حِفْظُ اليَمِينِ الِامْتِناعَ مِنَ الحِنْثِ، مَعَ أنَّ الحِنْثَ مَأْمُورٌ بِهِ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] . وإنَّما المُرادُ بِهِ: الِامْتِناعُ مِنَ اليَمِينِ، فَلا يَحْلِفُ ما اسْتَطاعَ، ويَحْفَظُ لِسانَهُ عَنِ اليَمِينِ مُطْلَقًا، فَهَذا مَعْنى حِفْظِ اليَمِينِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ اليَمِينَ قَدْ يَكُونُ عَلى فِعْلِ الغَيْرِ، ولا يَتَأتّى مِنهُ حِفْظُ الغَيْرِ، مِثْلَ قَوْلِ القائِلِ: لا تَطْلُعُ الشَّمْسُ غَدًا، ولا تُمْطِرُ السَّماءُ غَدًا، أوْ لَتُمْطِرَنَّ السَّماءُ غَدًا، أوْ لَيَدْخُلَنَّ السُّلْطانُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعْقِدُ اليَمِينَ عَلَيْهِ، فَعُلِمَ بُطْلانُ هَذا القَوْلِ.
ولا شَكَّ أنَّ الحَقَّ مُتَمَيِّزٌ في مُسْنَدِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ المَسْألَةِ عِنْدَ مَن تَأمَّلَ فَحْوى الكَلامِ الدّالِّ عَلى نَصْبِ اللَّغْوِ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ ونَفْيِ المُؤاخَذَةِ، تارَةً مُطْلَقًا في الدّارَيْنِ، وتارَةً في حُكْمِ الكَفّارَةِ، ولا (p-٩٢)يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلى مَحْمَلٍ يُقالُ إنَّهُ لا كَفّارَةَ فِيهِ مَعَ تَناهِي الجَرِيمَةِ والوِزْرِ، وتَناهِي المُؤاخَذَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، واقْتِضاءُ التَّسَبُّبِ نِهايَةُ التَّغْلِيظِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ إطْلاقُ نَفْيِ المُؤاخَذَةِ بِلَفْظِ اللَّغْوِ المُشِيرِ إلى التَّخْفِيفِ في المَوْضِعِ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهِ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧] . أتَرَوْنَ هَذا مِنَ الَّذِي يَحْسُنُ أنْ يُسَمّى بِاسْمِ اللَّغْوِ، الَّذِي يُقالُ فِيهِ لا مُؤاخَذَةَ في مِثْلِهِ. وقَوْلُهُ: ”عَقَّدْتُمْ“ قُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ، ومَعْناهُ: عَقَّدَ القَوْلَ، و”عَقَدْتُمْ“ بِالتَّخْفِيفِ يَحْتَمِلُ العَزِيمَةَ والقَصْدَ إلى اللَّفْظِ، وعَقْدَ اليَمِينِ قَوْلًا، وإنَّما العَزْمُ فِيما يُؤَكِّدُهُ الإنْسانُ بِقَصْدِهِ وعَقْدِهِ، فَيَظْهَرُ لِلنّاسِ مِنهُ تَأْكِيدُ القَوْلِ وإظْهارُ تَحْقِيقِهِ. هَذا هو مَعْناهُ، ولا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ”لا واللَّهِ وبَلى واللَّهِ“ في حَقِّ مَن يَكُونُ عازِمًا عَلَيْهِ، وإنَّما يُجْرى في تَضاعِيفِ الكَلامِ مِن غَيْرِ ثَبْتٍ وتَحْقِيقٍ.
وذَكَرَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ المالِكِيُّ في كِتابِهِ المُتَرْجَمِ بِأحْكامِ القُرْآنِ في الرَّدِّ عَلى الشّافِعِيِّ، ما أذْكُرُهُ وأسُوقُ كَلامَهُ وأُبَيِّنُ جُهْدَهُ بِكَلامِ الشّافِعِيِّ، قالَ إسْماعِيلُ: حُكِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ مَن حَلَفَ عامِدًا لِلْكَذِبِ فَقالَ: واللَّهِ لَقَدْ كانَ (p-٩٣)كَذا، وما كانَ، أوْ قالَ: واللَّهِ ما كانَ، وقَدْ كانَ، كَفَّرَ وقَدْ أثِمَ وأساءَ، حَيْثُ عَقَدَ الحَلِفَ بِاللَّهِ باطِلًا. فَإنْ قالَ قائِلٌ: ما الحُجَّةُ في أنْ يُكَفِّرَ وقَدْ عَقَدَ الباطِلَ؟ قِيلَ: أقْرَبُهُما قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ ولِيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» . فَقَدْ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَعْمِدَ الحِنْثَ، يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكُمْ﴾ [النور: ٢٢] الآيَةَ، نَزَلَتْ في رَجُلٍ حَلَفَ لا يَنْفَعُ أخاهُ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَنْفَعَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]، ثُمَّ جَعَلَ فِيهِ الكَفّارَةَ. ومَن حَلَفَ وهو يَرى أنَّهُ صادِقٌ، ثُمَّ وجَدَهُ كاذِبًا، فَعَلَيْهِ الكَفّارَةُ.
قالَ إسْماعِيلُ: فَشَبَّهَهُ الشّافِعِيُّ بِما لا يُشَبِّهُهُ لِأنَّ الَّذِي أمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَأْتِيَ بِالَّذِي هو خَيْرٌ وأنْ يُكَفِّرَ، إنَّما أمَرَهُ أنْ يَسْتَأْنِفَ بَعْدَ اليَمِينِ شَيْئًا كانَ حَلَفَ عَلَيْهِ ألّا يَفْعَلَهُ، ولَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ كاذِبًا حِينَ حَلَفَ، فَجُعِلَتْ كَفّارَةُ يَمِينِهِ إذا فَعَلَ ما حَلَفَ عَلَيْهِ ألّا يَفْعَلَهُ ما ذُكِرَ في القُرْآنِ، والَّذِي حَلَفَ عَلى كَذِبٍ بَعْدَ عِلْمِهِ، مُخْبِرٌ عَنْ شَيْءٍ مَضى، كاذِبٌ فِيهِ، حالِفٌ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يُشَبِّهُ هَذا بِهَذا؟ ثُمَّ أرْدَفَ هَذا: بِما لا يَنْطَلِقُ لِسانُ مُحَصِّلٍ بِذِكْرِهِ: بِأنَّ الَّذِي اسْتَشْهَدَ بِهِ أُمِرَ فِيهِ بِأنْ يَتَعَمَّدَ الحِنْثَ، فَلْنُؤْمَرْ في الماضِي بِمِثْلِهِ، وهَذا جَهْلٌ مُفْرِطٌ مِنهُ، وإنَّما أُوتِيَ مِن قِبَلِ نَظَرِهِ إلى صُورَةِ الكَلامِ، مِن غَيْرِ أنْ عَرَفَ مِقْدارَهُ، (p-٩٤)ولَيْسَ يُبَيِّنُ في أكْثَرِ حِجاجِ الشّافِعِيِّ مَقاطِعَ الحِجاجِ عَلى ما يَعْهَدُهُ الجَدَلِيُّونَ، وإنَّما يَرْمُزُ إلى المَقْصُودِ رَمْزًا غَيْرَ بانٍ كَلامَهُ عَلى أفْهامِ ضَعَفَةِ العُقُولِ ومَنقُوصِي الأذْهانِ.
ونَحْنُ نَذْكُرُ تَقْرِيرَ قَوْلِ الشّافِعِيِّ، أنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ أشارَ بِقَوْلِهِ إلى أنَّ الكَفّارَةَ في المُسْتَقْبَلِ ما وجَبَتْ إلّا بِاعْتِبارِ الخِيانَةِ، فَإنَّ الكَفّارَةَ لا تَكُونُ جَزاءً عَلى فِعْلٍ مُباحٍ أوْ فِعْلٍ واجِبٍ، وإنَّما هي جَزاءٌ عَلى أمْرٍ مَكْرُوهٍ مَنهِيٍّ عَنْهُ. فَإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَن حَلَفَ عَلى تَرْكِ فِعْلٍ مُباحٍ أوْ واجِبٍ في المُسْتَقْبَلِ، ثُمَّ فَعَلَ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الكَفّارَةَ لِأجْلِ ذَلِكَ الفِعْلِ المُباحِ، الَّذِي نَدَبَهُ الشَّرْعُ إلى فِعْلِهِ، وإنَّما تَجِبُ الكَفّارَةُ لِأجْلِ ما اتَّصَفَتْ بِهِ اليَمِينُ مِن صِفَةِ الحِنْثِ، فَيُقالُ: صارَتِ اليَمِينُ كاذِبَةً بَدَلَ ما يُقالُ: إنَّ اليَمِينَ صادِقَةٌ، فَإذا كانَتِ الكَفّارَةُ لِأجْلِ صِفَةِ الحِنْثِ لا لِأجْلِ الفِعْلِ المُباحِ، فَوَصْفُ الحِنْثِ جِنايَةٌ عَلى اليَمِينِ، وذَلِكَ في الماضِي والمُسْتَقْبَلِ واحِدٌ. فَقالَ إسْماعِيلُ في الَّذِي شَبَّهَ الشّافِعِيُّ بِهِ أمْرَهُ: أنْ يَسْتَأْنِفَ بَعْدَ اليَمِينِ شَيْئًا كانَ حَلَفَ فِيهِ أنْ لا يَفْعَلَهُ، والَّذِي حَلَفَ عَلى كَذِبٍ بَعْدَ عِلْمِهِ، مُخْبِرٌ عَنْ شَيْءٍ قَدْ مَضى كاذِبٌ فِيهِ، فَلَمْ يَفْهَمِ المَقْصُودَ، فَجُعِلَ الفَرْقُ بَيْنَها الماضِيَ والمُسْتَقْبَلَ، وقالَ: يَجِبُ أنْ يُؤْمَرَ بِالحِنْثِ فِيما مَضى، كَما أُمِرَ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، وهَذا كَلامُ مَن لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَتَصَدَّرَ لِلتَّصْنِيفِ في الدِّينِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَرُدَّ عَلى الشّافِعِيِّ.
ثُمَّ قالَ: جَعَلَ اللَّهُ الكَفّارَةَ عَنِ اليَمِينِ، فَمَن كَفَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا في قَوْلِ الشّافِعِيِّ لا إثْمَ عَلَيْهِ، فَظَنَّ أنَّ الكَفّارَةَ هي الَّتِي تَرْفَعُ الإثْمَ، وقَدْ بَيَّنّا في مَواضِعَ أنَّ التَّوْبَةَ هي الرّافِعَةُ، وأنَّ الكَفّارَةَ تَجِبُ في (p-٩٥)قَتْلِ العَمْدِ والزِّنا في رَمَضانَ والقَتْلِ بِالمُثْقَلِ، وإنْ لَمْ يَرْفَعِ الوِزْرَ قَبْلَ التَّوْبَةِ بِمُجَرَّدِ الكَفّارَةِ، فاعْلَمْهُ، وإنَّما الكَفّارَةُ لِأجْلِ جَبْرِ صِفَةِ الحِنْثِ الحاصِلَةِ في الأيْمانِ، والشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى لَمّا رَأى الكَفّارَةَ مُتَعَلِّقَةً بِصِفَةِ الحِنْثِ الرّاجِعَةِ إلى اليَمِينِ، لا جَرَمَ رَأى الكَفّارَةَ مُتَعَلِّقَةً بِاليَمِينِ، ورَآها سَبَبًا فِيها فَقالَ: تَقْدِيمُ الكَفّارَةِ عَلى الحِنْثِ جائِزٌ، لِأنَّ اليَمِينَ سَبَبٌ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَكَفّارَتُهُ﴾، وقالَ: ﴿ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكُمْ﴾، مَعْناهُ: وذَلِكَ نَتِيجَةُ أيْمانِكُمْ، ومَعْقُولُ أيْمانِكُمْ، والمُتَعَلِّقُ بِهاوَلا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَقُولَ: ﴿ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكُمْ﴾ وبَيْنَ أنْ يَقُولَ: ”ذَلِكَ حُكْمُ أيْمانِكُمْ“ إذا كانَتِ الكَفّارَةُ حُكْمًا ولا حُكْمَ سِواها. قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكُمْ﴾، مَعْناهُ: ذَلِكَ حُكْمُ أيْمانِكُمْ، ولَوْ قالَ: ”ذَلِكَ حُكْمُ أيْمانِكُمْ“ عُرِفَ مِنهُ أنَّ اليَمِينَ سَبَبٌ، وكَذَلِكَ إذا قالَ: ”ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ“ . وأبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكُمْ﴾ فِيهِ إضْمارُ الحِنْثِ ومَعْناهُ: ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَنِثْتُمْ، وهَذا غَلَطٌ مِنهُ، فَإذا حَنِثَ عِنْدَهم فَلَيْسَتِ الكَفّارَةُ كَفّارَةَ اليَمِينِ، وإنَّما الكَفّارَةُ كَفّارَةُ الحِنْثِ في تَناوُلِ المُحَرَّمِ، فَلا تُضافُ الكَفّارَةُ إلى اليَمِينِ عِنْدَهم أصْلًا، سَواءٌ حَنِثَ أوْ لَمْ يَحْنَثْ.
والَّذِي يُقالُ فِيهِ مِنَ الإضْمارِ صَحِيحٌ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فَمَن كانَ (p-٩٦)مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] . ومَعْناهُ: فَأفْطِرُوا فَإنَّهُ إذا أفْطَرَ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ، وهاهُنا لَوْ جَرى الإضْمارُ صَحَّ، فَلا يَسْتَقِيمُ ما ذَكَرُوهُ، فَأمّا بَعْدَ الحِنْثِ فَلا تَكُونُ الكَفّارَةُ كَفّارَةَ اليَمِينِ عَلى مُوجَبِ أصْلِهِمْ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يُضافَ الحُكْمُ إلى سَبَبِهِ، أوْ إلى سَبَبِ سَبَبِهِ، مِثْلَ القَتْلِ مُضافٍ إلى الشِّرْكِ عِنْدَنا، وعِنْدَهم هو مُضافٌ لَفْظًا، وإنْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِالحَرْبِ، لِأنَّ الشِّرْكَ يَدْعُو إلَيْهِ ويَبْعَثُ عَلَيْهِ، فَكانَ الشِّرْكُ مُوَلِّدًا لِلْحَرْبِ ومُقْتَضِيًا لَهُ، فَحَسُنَ إضافَةُ الحُكْمِ إلى سَبَبِ السَّبَبِ. فَأمّا اليَمِينُ عِنْدَهُمْ، فَلَيْسَتْ سَبَبَ الكَفّارَةِ ولا سَبَبَ السَّبَبِ، فَإنَّ اليَمِينَ تُضادُّ الحِنْثِ وتَمْنَعُ مِنهُ، والحِنْثُ نَقْضُ اليَمِينِ، فَكَيْفَ يَعْقِلُ إضافَةَ الكَفّارَةِ إلى اليَمِينِ، ولَيْسَتْ هي سَبَبًا ولا سَبَبَ السَّبَبِ.
والإضافَةُ إمّا أنْ تَكُونَ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ أوْ بِطَرِيقِ المَجازِ، فَأمّا الحَقِيقَةُ فَمِثْلُ قَوْلِنا: زَكاةُ المالِ، والمَجازُ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: يُقْتَلُ الكافِرُ لِكُفْرِهِ، وإنْ كانَ القَتْلُ عِنْدَهم لِلْقِتالِ، ولَكِنَّ الكُفْرَ يَدْعُو إلَيْهِ، فَلْتَكُنِ الإضافَةُ فِيما نَحْنُ فِيهِ جارِيَةً عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَإذا لَمْ يُوجَدْ وجْهٌ مِن الِارْتِباطِ لا مَجازًا ولا حَقِيقَةً، تُطْلَبُ الإضافَةُ مِن كُلِّ وجْهٍ، وهَذا في غايَةِ الوُضُوحِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾، ولَيْسَ فِيهِ تَقْدِيرُ شَيْءٍ مَعْلُومٍ. ورَأى الشّافِعِيُّ أنَّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدًّا مِن طَعامٍ. ورَأى أبُو حَنِيفَةَ مُدَّيْنِ، وذَلِكَ مُلْتَقًى مِنَ التَّوْقِيفِ المَأْثُورِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولَيْسَ الشُّرُوعُ فِيهِ مِن مَعانِي القُرْآنِ. (p-٩٧)واخْتَلَفَ عُلَماءُ السَّلَفِ في التَّغْذِيَةِ والتَّعْشِيَةِ، وكَذَلِكَ اخْتَلَفَ فِيهِ الشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ، وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: فَإطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ، يَدُلُّ عَلى جَوازِ التَّغْذِيَةِ والتَّعْشِيَةِ عَلى ما قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ، إلّا أنَّ الشّافِعِيَّ يَقُولُ: لَمّا قالَ: ”فَإطْعامُ“ جَعَلَ المالَ طُعْمَةً، لا أنَّهُ جَعَلَ الإطْعامَ الَّذِي يَتَعَقَّبُهُ التَّطَعُّمُ، ولِذَلِكَ جازَ التَّمْلِيكُ ولَيْسَ فِيهِ فِعْلُ الإطْعامِ، وإنَّما المُرادُ بِهِ جَعَلَ المالَ طُعْمَةً لَهُمْ، وقُرْبَةً بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ ومَعْناهُ: أوْ مِقْدارُ كِسْوَتِهِمْ، وفي الكِسْوَةِ التَّمْلِيكُ شَرْطٌ، وكَذَلِكَ في الطَّعامِ، وتَمامُهُ مُسْتَقْصًى في كُتُبِ الفِقْهِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَوْ صَرَفَ إلى واحِدٍ جَمِيعَ الطَّعامِ لا يَجُوزُ، وأصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ يَمْنَعُونَ صَرْفَ الجَمِيعِ إلى واحِدٍ دُفْعَةً واحِدَةً، ويَخْتَلِفُونَ فِيما إذا صَرَفَ الجَمِيعَ في يَوْمٍ واحِدٍ بِدُفْعاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّ مِنهم مَن يُراعِي عِنْدَ تَعَدُّدِ الفِعْلِ ظاهِرَ التَّوْقِيفِ فَيَقُولُ: إذا دُفِعَ إلَيْهِ أوَّلًا، فَبَعْدَ ذَلِكَ لَوْ مَنَعْناهُ كُنّا قَدْ خَصَّصْنا الحُكْمَ في بَعْضِ ما انْتَظَمَهُ الِاسْمُ دُونَ بَعْضٍ، فَإنَّ اسْمَ المِسْكِينِ يَعُمُّهُ مَعَ غَيْرِهِ، فَأمّا إذا دَفَعَ إلَيْهِ دُفْعَةً واحِدَةً بَطَلَ مَعْنى العَدَدِ، فَكَأنَّهم يَقُولُونَ: إذا تَعَدَّدَ الفِعْلُ حَسُنَ أنْ يُقالَ في الفِعْلِ الثّانِي، لا يَمْنَعُ مِنَ الَّذِي دَفَعَهُ إلَيْهِ أوَّلًا، فَإنَّ اسْمَ المِسْكِينِ يَنالُهُ، فَهَذا مَأْخَذُ قَوْمٍ مِنهم.
واعْتَمَدَ آخَرُونَ في إسْقاطِ العَدَدِ عَلى إقامَةِ تَعَدُّدِ الجَوْعَةِ بِتَعَدُّدِ الأيّامِ مَقامَ أعْدادِ المَساكِينِ، والأمْرانِ باطِلانِ، فَإنَّ فِيهِما طَرْحَ العَدَدِ، وذَلِكَ لا وجْهَ لَهُ، والَّذِي قالُوهُ مِن أنَّكم مَنَعْتُمُوهُ مَعَ اشْتِمالِ اسْمِ المِسْكِينِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ إلّا لِاعْتِبارِ العَدَدِ، فَإنَّ العَدَدَ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ فَلا سَبِيلَ إلى طَرْحِهِ، والَّذِي ذَكَرُوهُ مِن إقامَةِ عَدَدِ الأيّامِ مَقامَ عَدَدِ المَساكِينِ، فَتَحَكَّمَ ذَكَرَنا في كُتُبِ الفِقْهِ فَسادَهُ. (p-٩٨)واحْتَجَّ أصْحابُ الشّافِعِيِّ في مَنعِ القِيَمِ في الكَفّاراتِ، بِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ذَكَرَ الطَّعامِ والكِسْوَةَ والتَّحْرِيرَ، فَلَوْ جازَتِ القِيمَةُ، كانَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ حُصُولُ هَذا القَدْرِ مِنَ المالِ لِلْمَساكِينِ، ولَوْ كانَ المِقْدارُ مَقْصُودًا لَما خُيِّرَ بَيْنَ الإطْعامِ والكِسْوَةِ والتَّحْرِيرِ، مَعَ تَفاوُتِ قِيَمِها في الغالِبِ مِنَ الأحْوالِ، وهو مِثْلُ احْتِجاجِ بَعْضِ أصْحابِنا في مَنعِ القِيَمِ، بِإيجابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الحَيَوانِ شاتَيْنِ أوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا مَعَ التَّفاوُتِ غالِبًا، وإيجابِ الصّاعِ مِنَ التَّمْرِ والزَّبِيبِ والبُرِّ والشَّعِيرِ مَعَ تَفاوُتِ قِيمَتِها غالِبًا، فَهَذا أقْوى الحُجَجِ في إبْطالِ القِيمَةِ.
المائدة 5:90
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ، فالخَمْرُ عِنْدَ كافَّةِ العُلَماءِ مُحَرَّمَةٌ، غَيْرَ أنَّ في النّاسِ مَن يَشُكُّ في بَعْضِ الأحْيانِ، وأنَّها خَمْرٌ أمْ لا. ولا شَكَّ أنَّ مَوْضِعَ الِاشْتِقاقِ وهو التَّخْمِيرُ أوِ المُخامَرَةُ يَقْتَضِي كَوْنَ الأشْرِبَةِ المُسْكِرَةِ خَمْرًا، غَيْرَ أنّا لا نُثْبِتُ اللُّغاتِ بِهَذا الجِنْسِ مِنَ القِياسِ، ورُوِيَتْ أخْبارٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ اسْمَ الخَمْرِ لازِمَةٌ لِهَذِهِ الأشْرِبَةِ الَّتِي اخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَحْرِيمِها، والمُشْكِلُ إشْكالُ الِاسْمِ عَلى أهْلِ اللُّغَةِ وأنَّ ذَلِكَ لَوْ سُمِّيَ خَمْرًا لَمْ يُشْكِلْ. كَيْفَ وعامَّةُ أشْرِبَةِالمَدِينَةِ مِنَ التَّجَمُّلِ، لِأنَّ العِنَبَ لا يُوجَدُ بِالمَدِينَةِ، وكَيْفَ صارَ ذَلِكَ مُشْكِلًا؟ وكَيْفَ يُصَوَّرُ الِاخْتِلافُ فِيهِ؟ فَلَعَلَّ اشْتِهارَ غَيْرِ العِنَبِيِّ بِأسامِيَ أُخَرَ، لِتَمْيِيزِ نَوْعٍ مِن نَوْعٍ أوْرَثَ هَذا الإشْكالَ، ولَمْ يَكُنْ لِلْعِنَبِيِّ اسْمٌ آخَرُ وغَيْرُ العِنَبِيِّ. (p-٩٩)فَمِنهُ ما يُسَمّى الفَضِيخَ. ومِنهُ ما يُسَمّى المَزْرَ. ومِنهُ ما يُسَمّى البَتْعَ. ومِنهُ ما يُسَمّى نَبِيذًا، فَصارَ هَذا الِاسْمُ مَشْهُورًا في التَّعارُفِ. وظَنَّ ظانُّونَ أنَّ الِاشْتِهارَ في بَعْضِ الأشْرِبَةِ يَمْنَعُ مِن إطْلاقِ اسْمِ الخَمْرِ عَلَيْهِ. ورَأى آخَرُونَ أنَّ اسْمَ الخَمْرِ عامٌّ، ثُمَّ اخْتَصَّ كُلُّ شَرابٍ بِاسْمٍ، كالفاكِهَةِ اسْمٌ عامٌّ، ثُمَّ يُسَمّى كُلُّ واحِدٍ بِاسْمٍ خاصٍّ، وهم يُجِيبُونَ عَنْ ذَلِكَ ويَقُولُونَ: الفاكِهَةُ لَمْ تُوضَعْ مَشْهُورَةً بِبَعْضِها دُونَ بَعْضٍ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنها اسْمٌ خاصٌّ، فَأمّا العِنَبُ فَلَيْسَ لَهُ اسْمٌ مَشْهُورٌ مَذْكُورٌ سِوى الخَمْرِ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِمّا سِواهُ اسْمٌ يُدْعى بِهِ، فانْصَرَفَ المُطْلَقُ إلى ما اشْتُهِرَ بِهِ، وكانَ مَوْضُوعًا لِذَلِكَ، وهَذا في غايَةِ الوُضُوحِ. ويُجابُ عَنْ هَذا أنَّ مَزِيَّةَ الِاشْتِهارِ لِكَوْنِهِ مَقْصُودًا لِلشُّرْبِ غالِبًا وغَيْرِهِ، إنَّما يُشْرَبُ عِنْدَ إعْوازِ العِنَبِ، والأصْلُ: الِاعْتِمادُ عَلى الآبارِ، مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وهو الفَضِيخُ، فَأخْبَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ الفَضِيخَ: خَمْرٌ.
ورَوى حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ «عَنْ أنَسٍ قالَ: كُنْتُ أسْقِي أبا عُبَيْدَةَ، وأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، وسُهَيْلَ بْنَ بَيْضاءَ في نَفَرٍ في بَيْتِ أبِي طَلْحَةَ، فَمَرَّ بِنا رَجُلٌ فَقالَ: إنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَواللَّهِ ما قالُوا حَتّى نَتَبَيَّنَ حَتّى قالُوا: أهْرِقْ ما في إنائِكَ يا أنَسُ، ثُمَّ ما عادُوا فِيها حَتّى لَقُوا اللَّهَ، وإنَّهُ البُسْرُ والتَّمْرُ وهو خَمْرُنا يَوْمَئِذٍ». فَأخْبَرَ أنَسٌ أنَّ الخَمْرَ يَوْمَ حُرِّمَتِ البُسْرُ والتَّمْرُ. (p-١٠٠)وعِنْدَ مَن يُخالِفُنا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ قَبْلَ السُّكْرِ، ولا هو مُسَمًّى بِالخَمْرِ.
ورَوى ثابِتٌ عَنْ أنَسٍ، قالَ: حَرُمَتْ عَلَيْنا الخَمْرُ يَوْمَ حَرُمَتْ، ولا نَجِدُ خُمُورَ العِنَبِ إلّا القَلِيلَ، وعامَّةُ خُمُورِنا البُسْرُ والتَّمْرُ. وعِنْدَهم أنَّها لَيْسَتْ كالخَمْرِ، لا في الحُكْمِ ولا في الِاسْمِ.
وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، أنَّهُ قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ وهي مِنَ التَّمْرِ والعِنَبِ والعَسَلِ والحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والذُّرَةِ، وما خَمَّرَ مِن ذَلِكَ فَهو خَمْرٌ. ذَكَرَ في الحَدِيثِ الآيَةَ أنَّهُ مِنَ التَّمْرِ والبُسْرِ. وذَكَرَ في هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ مِن سِتَّةِ أشْياءَ.
وعِنْدَهم أنْ لا خَمْرَ مِنها. ورَوى النُّعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ مِنَ الحِنْطَةِ خَمْرًا، وإنَّ مِنَ الشَّعِيرِ خَمْرًا، وإنَّ مِنَ الزَّبِيبِ خَمْرًا، وإنَّ مِنَ التَّمْرِ خَمْرًا، وإنَّ مِنَ العَسَلِ خَمْرًا».
ووَرَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الخَمْرُ مِن هاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، يَعْنِي: النَّخْلَةَ والعِنَبَ،» ومُرادُهُ غالِبُ ما يُشْرَبُ مِنَ الخَمْرِ، وإلّا فَعِنْدَهُمُ المُثَلَّثُ لَيْسَ مِنَ الخَمْرِ، وهو مِنَ العِنَبِ، ونَبِيذُ التَّمْرِ لَيْسَ بِخَمْرٍ.
وتَواتَرَتِ الأخْبارُ أنَّ «ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرامٌ». قالَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ أسْكَرَ فَهو خَمْرٌ قَوْلُهُ تَعالى: (p-١٠١)﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] . فَكانَ السَّكَرُ مِنَ العِنَبِ مِثْلَ السَّكَرِ مِنَ النَّخْلِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ، فَإنَّ سُورَةَ النَّحْلِ مَكِّيَّةٌ، إلّا آياتٍ في آخِرِها.
وقالَ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] . فَذَمَّهُما ولَمْ يُحَرِّمْهُما عَلى تَأْوِيلِ قَوْمٍ، وحَرَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ السُّكْرَ عِنْدَ إرادَةِ الصَّلاةِ، فاسْتَوى في ذَلِكَ السُّكْرُ مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾، فَجاءَ التَّحْرِيمُ في هَذِهِ الآيَةِ. قالَ: وجاءَ في الأخْبارِ أنَّهُ كانَ لِلْخَمْرِ أحْوالٌ ثَلاثَةٌ، ووُصِفَتِ الأحْوالُ الثَّلاثَةُ بِهَذِهِ الآياتِ. فَلَمّا كانَ السُّكْرُ مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ مُوجَبًا نَهْيًا عَنِ الصَّلاةِ، وكانَتْ إحْدى حالاتِ الخَمْرِ كَذَلِكَ، كانَتِ الخَمْرُ مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ مُحَرَّمَةً بِهَذِهِ الآيَةِ، وكانَتْ هي الحالَةُ الثّالِثَةُ مِن حالاتِ الخَمْرِ. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ دَلالَةٍ، وإنَّما غايَةُ ما فِيهِ أنَّ السُّكْرَ مِنَ الجَمِيعِ سَواءٌ، فَلْيَكُنِ القَلِيلُ مِنَ الجَمِيعِ سَواءً. فَيُقالُ لَهُ: لِأنَّ المَعْنى في تَحْرِيمِ السُّكْرِ ظاهِرٌ، ولا مَعْنى في تَحْرِيمِ القَلِيلِ، وإنَّما هو تَعَبُّدٌ، والتَّعَبُّدُ مُخْتَصٌّ بِما يُسَمّى خَمْرًا.
المائدة 5:91
نَعَمْ؛ قالَ تَعالى في فَحْوى الآيَةِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ﴾ . (p-١٠٢)فَهَذا إشارَةٌ إلى سَبَبِ التَّحْرِيمِ، وأنَّهُ كانَ إرادَةَ قَطْعِ الشَّيْطانِ، إنَّما يُرِيدُ حالَةَ ابْتِداءِ الشُّرْبِ والِاحْتِواءِ عَلى قَدَحِ الخَمْرِ، ولا يُرِيدُ ذَلِكَ حالَةَ وُقُوعِ السُّكْرِ، فَبِالسُّكْرِ تَقَعُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ، وبِهِ وصَلَ الشَّيْطانُ إلى مُرادِهِ، لا بِالسُّكْرِ بَلْ قَبْلَ السُّكْرِ.
فَإنْ قُلْتَ: إنَّ الشَّيْطانَ يُرِيدُ أنْ يَشْرَبَ لِيَدْعُوَهُ الشُّرْبُ إلى السُّكُرِ، فَلَيْسَ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا. مَعَ أنَّ الَّذِي بِهِ تَقَعُ العَداوَةُ غَيْرُ نَفْسِ الشُّرْبِ. وحَرَّمَ المَيْسِرَ أيْضًا لِأنَّ الرَّجُلَ مِنهم كانَ يُقامِرُ في مالِهِ وأهْلِهِ فَيَقْمُرُ، فَيَبْقى حَزِينًا سَلِيبًا، فَيُكْسِبُهُ ذَلِكَ العَداوَةَ والبَغْضاءَ، مِثْلَ ما يُوجِبُ ذَلِكَ السُّكْرُ مِنَ الخَمْرِ مِنَ العَرْبَدَةِ والعَداوَةِ، وهَذا مَوْجُودٌ فِيما يُوجِبُ السُّكْرُ مِنهُ.
فَأمّا القَلِيلُ مِنَ الخَمْرِ؛ فَلَيْسَتْ هَذِهِ العِلَّةُ مَوْجُودَةً فِيهِ، فَهو مُحَرَّمٌ لِعَيْنِهِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، ومُحَرَّمٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، لِأنَّ قَلِيلَها يَدْعُو إلى الكَثِيرِ، وهَذا المَعْنى وما يَرُدُّ عَلَيْهِ مِن الِاعْتِراضِ شَرَحْناهُ في مَسائِلِ الفِقْهِ وأُصُولِ الفِقْهِ.
المائدة 5:93
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ: ٩٣. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجابِرٌ والبَراءُ بْنُ عازِبٍ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: «لَمّا حَرُمَتِ الخَمْرُ كانَ قَدْ ماتَ رِجالٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ فَقالُوا: (p-١٠٣)كَيْفَ مَن ماتَ مِنّا وهم يَشْرَبُونَها؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» . ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ قَوْمًا شَرِبُوا بِالشّامِ وقالُوا: هي لَنا حَلالٌ، وأوَّلُوا هَذِهِ الآيَةَ، فَأجْمَعَ عَمْرٌو عَلى أنَّهم يُسْتَتابُونَ فَإنْ تابُوا وإلّا قُتِلُوا.
المائدة 5:94
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ الآيَةَ: ٩٤. اخْتُلِفَ في مَوْضِعِ ”مِن“ هاهُنا؛ فَقالَ قائِلُونَ: إنَّها لِلتَّبْعِيضِ، أنْ يَكُونَ صَيْدَ البَرِّ دُونَ صَيْدِ البَحْرِ، وصَيْدَ الإحْرامِ دُونَ صَيْدِ الإحْلالِ. وقِيلَ إنَّها لِلتَّمْيِيزِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] . وقَوْلُكَ: ”بابٌ مِن حَدِيدٍ، وثَوْبٌ مِن قُطْنٍ“.
المائدة 5:95
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ الآيَةَ: ٩٥. يَحْتَمِلُ أنَّهُ أرادَ بِهِ وأنْتُمْ مُحْرِمُونَ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ. ويَحْتَمِلُ دُخُولَ الحَرَمِ، يُقالُ: أحْرَمَ الرَّجُلُ إذا دَخَلَ الحَرَمَ، كَما يُقالُ: أبْحَرَ إذا أتى بَحْرًا، وأعْرَقَ إذا أتى العِراقَ، واتَّهَمَ إذا أتى تِهامَةَ، والثّالِثُ الدُّخُولُ في الشَّهْرِ الحَرامِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎قَتْلُ الخَلِيفَةِ مُحَرَّمًا
والوَجْهُ الثّالِثُ عَلى خِلافِ الإجْماعِ، فَلا يَكُونُ مُرادًا بِالآيَةِ، فَبَقِيَ الوَجْهانِ الأوَّلانِ. إذا تَبَيَّنَ ذَلِكَ فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾، (p-١٠٤)فَدَلَّ مُطْلَقُ الصَّيْدِ عَلى تَحْرِيمِ اصْطِيادِ كُلِّ ما يُصْطادُ مِن بَرِّيٍّ أوْ بَحْرِيٍّ، لَوْلا ما اسْتَثْناهُ مِنَ البَحْرِيِّ. ولَمّا قالَ: لا تَقْتُلُوا، أمْكَنَ أنْ يَكُونَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَبِيحَةَ المُحْرِمِ مَيْتَةٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّاها قَتْلًا، والمَقْتُولُ لا يُؤْكَلُ، وإنَّما المَأْكُولُ هو الَّذِي يُذْبَحُ. ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّ القَتْلَ والذَّبْحَ في عُرْفِ اللُّغَةِ واحِدٌ، فَهَذا إنْ كانَ فَرْقًا، فَهو فَرْقٌ مَأْخُوذٌ مِن عُرْفِ الشَّرْعِ، ولَيْسَ يَظْهَرُ مِن عُرْفِ الشَّرْعِ هَذا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] وكانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا، ويُقالُ: ذَبِيحَةُ المَجُوسِيِّ وذَبِيحَةُ الوَثَنِيِّ.
نَعَمِ؛ الَّذِي يُقْطَعُ مِنهُ الحَلْقُ واللِّبَةُ يُسَمّى في العُرْفِ والعادَةِ مَذْبُوحًا سَواءٌ كانَ مُباحًا أوْ مُحَرَّمًا، والَّذِي يُرْمى مِن بَعِيدٍ ولا يُذْبَحُ مِنَ المَذْبَحِ المُعْتادِ، يُسَمّى مَقْتُولًا، ويُسَمّى ذَلِكَ الفِعْلُ قَتْلًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والمُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ وما أكَلَ السَّبُعُ إلا ما ذَكَّيْتُمْ وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] .
وكُلُّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ.
ومِنهُ ما سُمِّيَ مَذْبُوحًا، ومِنهُ ما سَمّاهُ مَوْقُوذًا، فَلا يَتَعَلَّقُ بِمُجَرَّدِ هَذا الِاسْمِ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وأبُو حَنِيفَةَ جَعَلَ ذَلِكَ أصْلًا، فَقالَ: إذا قالَ: لِلَّهِ تَعالى عَلَيَّ أنْ أذْبَحَ ولَدِي، لَزِمَهُ ذَبْحُ شاةٍ. وإذا قالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أنْ أقْتُلَ، لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ. وإذا ثَبَتَ هَذا، فَأبُو حَنِيفَةَ يَرى اتِّباعَ عُمُومِ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ، فَأوْجَبَ الجَزاءَ بِقَتْلِ النَّمِرِ والفَهْدِ والسِّباعِ المُؤْذِيَةِ العادِيَّةِ لِطِباعِها، إذا قَتَلَها المُحْرِمُ مِن غَيْرِ صِيالٍ مِنها. (p-١٠٥)وذَكَرَ القَعْنَيُّ عَنْ مالِكٍ: ورَدَ في الخَبَرِ: «والكَلْبُ العَقُورُ،» والكَلْبُ العَقُورُ هو الَّذِي أُمِرَ المُحْرِمُ بِقَتْلِهِ ما قَتَلَ النّاسَ وعَدا عَلَيْهِمْ بِجِبِلَّتِهِ، مِثْلَ الأسَدِ والنَّمِرِ والذِّئْبِ، والكَلْبِ العَقُورِ، وما كانَ مِنَ السِّباعِ لا يَعْدُو مِثْلَ الضَّبُعِ والهِرَّةِ والثَّعْلَبِ، فَلا يَقْتُلُهُنَّ المُحْرِمُ، فَإنْ قَتَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَداهُ.
واتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى مُوجَبِ ما ورَدَ في الخَبَرِ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وعائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «خَمْسٌ يَقْتُلُهُنَّ المُحْرِمُ في الحِلِّ والحَرَمِ: الحَيَّةُ والعَقْرَبُ والغُرابُ والفَأرَةُ والكَلْبُ العَقُورُ عَلى اخْتِلافٍ مِنهُمْ، وفي بَعْضِها: هُنَّ فَواسِقُ»، ورُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: الكَلْبُ العَقُورُ: الأسَدُ.
ويَشْهَدُ لِتَأْوِيلِ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَعا عَلى عُتْبَةَ ابْنِ أبِي لَهَبٍ، فَقالَ: أكَلَكَ كَلْبُ اللَّهِ» فَأكَلَهُ الأسَدُ. وقِيلَ: إنَّ الكَلْبَ العَقُورَ هو الذِّئْبُ، ودَلَّ لَهم ذِكْرُ العَقُورِ عَلى أنَّ العُقْرَ بِصُورَتِهِ وقَصْدِهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، ولَكِنَّهُ إذا كانَ مَوْصُوفًا بِهِ كَفى، فَيَدُلُّ ذَلِكَ مِن طَرِيقِ التَّنْبِيهِ ضَرُورَةً عَلى أنَّ الصَّيْدَ إذا صالَ عَلى المُحْرِمِ وقَتَلَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ فَلا ضَمانَ.
واسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ بِهِ عَلى أنْ لا ضَمانَ في كُلِّ سَبُعٍ عادِيٍّ بِطَبْعِهِ، فَإنَّ ذِكْرَ العَقُورِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما في طَبْعِهِ مِنَ الضَّراوَةِ قائِمًا مَقامَ ما يَظْهَرُ مِنهُ لِكُلِّ سَبُعٍ عادِيٍّ، يَجِبُ أنْ يَكُونَ ما في طَبْعِهِ مِنَ الضَّراوَةِ قائِمًا مَقامَ ما يَظْهَرُ مِنهُ، (p-١٠٦)فَهَذا صَحِيحٌ عَلى ما هو قَوْلُ مالِكٍ، ويَظْهَرُ الكَلامُ فِيهِ عَلى أبِي حَنِيفَةَ، وذَكَرَ الرّازِيُّ فُصُولًا في مَنعِ التَّعْلِيلِ، كَرِهْنا ذِكْرَها لِسَقاطَتِها، ولِكَوْنِها أقَلَّ مِمّا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِها وتَكَلُّفِ الجَوابِ عَنْها، فاعْلَمْهُإلّا أنَّ الإشْكالَ في السِّباعِ الَّتِي لا تَعْدُو ولا تَضْرى.
واعْلَمْ أنَّ ما لا يَعْدُو مِنها فَأكْثَرُها مَأْكُولُ اللَّحْمِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، كالضَّبُعِ والثَّعْلَبِ، يَبْقى ذَلِكَ ما لا يُسَمّى صَيْدًا مِثْلَ الهِرَّةِ الأهْلِيَّةِ، وهي غَيْرُ داخِلَةٍ في عُمُومِ الآيَةِ. وبَعْدُ، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]، وقابَلَهُ بِصَيْدِ البَرِّ فَقالَ: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ﴾ [المائدة: ٩٦]، عُلِمَ أنَّهُ إنَّما حُرِّمَ لِلْأكْلِ، فانْصَرَفَ إلى ما يُؤْكَلُ بِحالٍ، ثُمَّ قالَ: ما دُمْتُمْ حُرُمًا، فَمَدَّ التَّحْرِيمَ إلى غايَةٍ، والَّذِي هو مُحَرَّمٌ لِعَيْنِهِ، لا يُقالُ فِيهِ حُرِّمَ عَلَيْكم ما دُمْتُمْ حُرُمًا، ويُجْعَلُ في مُقابَلَتِهِ صَيْدُ البَرِّ، فَهَذا هو الَّذِي يَسْتَدِلُّ بِهِ الشّافِعِيُّ في تَخْصِيصِ الآيَةِ في مَأْكُولِ اللَّحْمِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ . اخْتَلَفَ النّاسُ في ذَلِكَ؛ فَمِنهم مَن سَوّى بَيْنِ العَمْدِ والخَطَأِ وهم جُمْهُورُ العُلَماءِ، ومِنهم مَن خَصَّ ذَلِكَ بِالعَمْدِ عَلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ، وهو قَوْلُ طاوُسٍ وعَطاءٍ وسالِمٍ وداوُدَ، والَّذِينَ مالُوا إلى مُوجَبِ الجُمْهُورِ، وذَكَرُوا أنَّ فائِدَةَ ذِكْرِ المُتَعَمَّدِ يَظْهَرُ في نَسَقِ التِّلاوَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾، وذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالعَمْدِ دُونَ الخَطَأِ، لِأنَّ المُخْطِئَ لا يَجُوزُ أنْ يَلْحَقَهُ الوَعِيدُ، فَخَصَّصَ العَمْدَ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَ الخَطَأُ والنِّسْيانُ مِثْلَهُ لِيَصِحَّ رُجُوعُ الوَعِيدِ إلَيْهِ، وإذا صَحَّ مُجْمَلُ التَّخْصِيصِ (p-١٠٧)ساغَ قِياسُ الخَطَأِ عَلى العَمْدِ، والجامِعُ بَيْنَهُما أنَّ بَدَلَ المُتْلِفِ هو الجَزاءُ، وهو مُقَدَّرٌ بِمِثْلِ الفائِتِ، إمّا بِقِيمَتِهِ مِنَ الدَّراهِمِ أوِ الدَّنانِيرِ أوِ النِّعَمِ، وأبْدالُ المُتْلَفاتِ يَسْتَوِي العَمْدُ والخَطَأُ كالدِّياتِ وقِيَمِ المُتْلَفاتِ، وغايَةُ ما في النِّسْيانِ أنْ يُقَدِّرَ عُذْرًا، والعُذْرُ لا يُسْقِطُ الجَزاءَ المُتَعَلِّقَ بِالجَنابَةِ، الدَّلِيلُ عَلَيْهِ الحَلْقُ لِلْأذى، إلّا أنَّ هَذا لا يَسْتَقِيمُ عَلى أصْلِ الشّافِعِيِّ، فَإنَّهُ فَرَّقَ في اللَّبْسِ بَيْنَ العَمْدِ والنِّسْيانِ، وكَذَلِكَ في التَّطَيُّبِ، ولِأنَّ الصَّوْمَ يَبْعُدُ جَعْلُهُ بَدَلًا مِنَ العَيْنِ، وقَدْ أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى الصِّيامَ فَقالَ: ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَزاءٌ عَلى الفِعْلِ، ومَتى وجَبَ جَزاءٌ عَلى الفِعْلِ اخْتَلَفَ المُتَعَمِّدُ والسّاهِي، لِأنَّ السّاهِيَ لَيْسَ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ، ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الصِّيامُ في حَقِّ المُخْطِئِ عَلى ما قالَهُ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ المُتَعَمِّدِ: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ إلّا أنَّ الشّافِعِيَّ يُجَوِّزُ إيجابَ الصَّوْمِ حَقًّا لِلَّهِ تَعالى بِطَرِيقِ البَدَلِ، وقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ مِن أصْلِهِ في وُجُوبِ الكَفّارَةِ بِقَتْلِ الآدَمِيِّ.
والجُمْلَةُ، وُجُوبُ الجَزاءِ عَلى النّاسِ بِقَتْلِ الصَّيْدِ مَسْلَكٌ عَلى أصْلِ أبِي حَنِيفَةَ، فَإنَّهُ لا يَرى إثْباتَ الكَفّاراتِ بِالقِياسِ، والَّذِي نَحْنُ فِيهِ سَبِيلُهُ سَبِيلُ الكَفّاراتِ عِنْدَهُ، حَتّى إذا اشْتَرَكَ المُحْرِمُونَ عِنْدَهُ في قَتْلِ صَيْدٍ، فَعَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم جَزاءٌ كامِلٌ، بِخِلافِ صَيْدِ الحَرَمِ، فَإنَّهُ وجَبَ بِالجِنايَةِ عَلى الإحْرامِ، وجِنايَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم كامِلَةٌ، وذَلِكَ يُخْرِجُ الجَزاءَ عَنْ كَوْنِهِ بَدَلًا، ومَتى ثَبَتَ أنَّهُ جَزاءٌ عَلى الفِعْلِ، كَيْفَ يَجِبُ عَلى الخاطِئِ؟ سِيَّما والكَفّاراتُ عِنْدَهُ لا تُثْبِتُ قِياسًا، ولَمّا ورَدَ النَّصُّ في الكَفّارَةِ بِقَتْلِ الآدَمِيِّينَ في الخَطَأِ لَمْ يَجُزْ قِياسُ قَتْلِ العَمْدِ عَلَيْهِ سَواءٌ وجَبَ القَصاصُ في العَمْدِ أوْ لَمْ يَجِبْ، مِثْلَ قَتْلِ الأبِ ابْنَهُ، والسَّيِّدِ عَبْدَهُ، فَكَيْفَ أجازُوا قِياسَ (p-١٠٨)الخاطِئِ عَلى العامِدِ هاهُنا، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾، ولا يُمْكِنُ ذَلِكَ في حالَةِ النِّسْيانِ، وتَكَلَّفَ الرّازِيُّ فُرُوقًا بَيْنَهُما، فَقالَ: في العَمْدِ تَوَلّى اللَّهُ بَيانَ حُكْمِهِ، وفي الخَطَأِ تَوَلّى اللَّهُ بَيانَ حُكْمِهِ، فَلَمْ يَجُزْ قِياسُ مَنصُوصٍ عَلى مَنصُوصٍ. وهَذا جَهْلٌ مُفْرِطٌ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ حُكْمَ العَمْدِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ، وسَكَتَ عَنْ ذِكْرِ الكَفّارَةِ، فَإنْ كانَ السُّكُوتُ عَنْ ذِكْرِ الكَفّارَةِ دَلِيلًا عَلى نَفْيِ المَسْكُوتِ عَنْهُ، فَهَلّا كانَ ذِكْرُ العَمْدِ دَلِيلًا عَلى نَفْيِ الحُكْمِ في المَسْكُوتِ عَنْهُ وهو الخَطَأُ، بَلْ أوْلى، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] أبانَ اخْتِصاصَ الجَزاءِ بِالعَمْدِ، وإنَّ ذَلِكَ المَذْكُورَ لا يَتَعَلَّقُ بِالخَطَأِ، فَإنْ قالَ: ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا وجَبَ أنْ يَخْتَصَّ حُكْمُ الجَزاءِ بِالعَمْدِ ولا يُشْرِكُهُ الخَطَأ. فاعْلَمْ. وذَكَرَ فَرْقًا آخَرَ فَقالَ: إنَّ العَمْدَ لَمْ يَخْلُ مِن إيجابِ القَوْدِ الَّذِي هو أعْظَمُ مِنَ الكَفّارَةِ، ومَتى أخْلَيْنا قاتِلَ الصَّيْدِ خَطَأً مِن إيجابِ الجَزاءِ أهْدَرْنا، وذَلِكَ بَعِيدٌ، وإبْطالٌ لِحُرْمَةِ الصَّيْدِ.
فَيُقالُ: إنَّ القِصاصَ الواجِبَ لِلْآدَمِيِّ لا يَسُدُّ مَسَدَّ الكَفّارَةِ، وقَدْ يَجِبُ القَصاصُ، ولا كَفّارَةَ مِثْلَ قَتْلِ الأبِ ابْنَهُ والسَّيِّدِ عَبْدَهُ، وقَوْلُهُ: إنّا لَوْ لَمْ يُوجِبِ الجَزاءَ في الصَّيْدِ أهْدَرْنا، إنَّما كانَ يَسْتَقِيمُ أنْ لَوْ وجَبَ الجَزاءُ بَدَلًا عَنِ الصَّيْدِ، وعِنْدَهُ أنَّهُ ما وجَبَ بَدَلًا، وإنَّما وجَبَ عُقُوبَةً عَلى الفِعْلِ، ولِذَلِكَ يَجِبُ عَلى المُشْتَرِكِينَ عَلى كُلِّ واحِدٍ كَمالُ الجَزاءِ، (p-١٠٩)وهَذا بَيِّنٌ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الآيَةَ: اخْتُلِفَ في المُرادِ بِالمِثْلِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المِثْلَ نَظِيرُهُ في الخِلْقَةِ، فَفي الظَّبْيَةِ شاةٌ، وفي النَّعامَةِ بَدَنَةٌ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ فِيما لَهُ نَظِيرٌ مِنَ النِّعَمِ، وما لا نَظِيرَ لَهُ كالعَصافِيرِ وغَيْرِها، فَفِيهِ القِيمَةُ.
وأبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ يَرَوْنَ أنَّ المِثْلَ هو القِيمَةُ، ويَشْتَرِي بِالقِيمَةِ هَدْيًا، وإنْ شاءَ طَعامًا، وأعْطى كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صاعٍ، وإنْ شاءَ صامَ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صاعٍ يَوْمًا.
وظاهِرُ القُرْآنِ يَشْهَدُ لِلشّافِعِيِّ، فَإنَّ الَّذِي يَتَعارَفُهُ النّاسُ مِنَ المِثْلِ، المِثْلُ مِن حَيْثُ الخِلْقَةِ، يُقالُ فِيمَن أتْلَفَ طَعامًا عَلَيْهِ المِثْلُ، وفِيمَن أتْلَفَ عَبْدًا فَعَلَيْهِ القِيمَةُ، فَإنَّ الطَّعامَ مِن حَيْثُ الخِلْقَةُ، ولا مِثْلَ لِلصَّيْدِ مِن جِنْسِهِ، إلّا أنَّ الفَرْقَ أنَّ المِثْلَ فِيما نَحْنُ فِيهِ، وإنْ رُوعِيَ مِن حَيْثُ الخِلْقَةُ فَهو مِن غَيْرِ جِنْسِ الصَّيْدِ، مِثْلَ إيجابِنا البَدَنَةَ في النَّعامَةِ، والكَبْشَ في الضَّبُعِ، وهَذا لا يَمْنَعُ كَوْنَهُ مِثْلًا مِن حَيْثُ الخِلْقَةُ. والمَقْصُودُ: بَيانُ أنَّ المِثْلَ في المُتَعارَفِ هو المِثْلُ مِن حَيْثُ الخِلْقَةُ والصُّورَةُ، فاعْلَمْهُ.
ونَحْنُ نَقُولُ: إنَّ المُماثَلَةَ في القَصاصِ مُرْعِبَةٌ، ولا نَعْنِي بِالمُماثَلَةِ ما نَعْنِيهِ في ذَرّاتِ الأمْثالِ، وإنَّما نَعْنِي المُماثَلَةَ مِن وجْهٍ آخَرَ، وذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنَّ المُماثَلَةَ إذا أُطْلِقَتْ، فالمَفْهُومُ مِنها المُماثَلَةُ مِن غَيْرِ الصُّورَةِ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: القِيمَةُ مِثْلٌ في المالِيَّةِ شَرْعًا، ولَمْ يَثْبُتْ في عُرْفِ الشَّرْعِ أنَّهُ اسْمٌ لِلنَّظِيرِ مِن جِنْسٍ آخَرَ مِنَ النِّعَمِ، وأنَّ ذَلِكَ يُسَمّى مِثْلًا، نَعَمِ (p-١١٠)القِيمَةُ مِثْلٌ لِلشَّيْءِ مِن حَيْثُ المَعْنى، والَّذِي في ذَواتِ الأمْثالِ مِثْلٌ مِن طَرِيقِ الصُّورَةِ والمَعْنى، أمّا البَدَنَةُ في قَتْلِ النَّعامَةِ فَلَيْسَتْ مِثْلًا لِلنَّعامَةِ لا صُورَةً ولا مَعْنًى، فَإذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلا طَرِيقَ أصْلًا إلى ما قُلْناهُ.
والجَوابُ أنَّ المُعْتَبَرَ في ذَلِكَ فَهْمُ مَعْنى كِتابِ اللَّهِ تَعالى وتَتَبُّعُ دَلالَتِهِ، فَإذا قالَ تَعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ كانَ المِثْلُ مِنَ النِّعَمِ، والمِثْلُ مِنَ النِّعَمِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ القِيمَةِ، فَإنَّ العَبْدَ لا يَكُونُ مِثْلًا لِلْعَبْدِ في الإطْلاقِ وإنْ ساواهُ في القِيمَةِ. نَعَمْ، إنّا لا نُطْلِقُ القَوْلَ بِالمُماثَلَةِ بَيْنَ الجِنْسَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ، ولَكِنْ إذا قِيلَ: مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النِّعَمِ، فَلا يَظْهَرُ مِنهُ إلّا المُماثَلَةُ بَيْنَهُما مِن حَيْثُ الصُّورَةُ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ أجْمَعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى إيجابِ البَدَنَةِ في النَّعامَةِ، أفَيَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أنَّ قِيمَةَ النَّعامَةِ بَدَنَةٌ في زَمَنِ الصَّحابَةِ وفي زَمَنِ التّابِعِينَ قِيمَتُها في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، وهَلْ سَمِعْنا أنَّ قِيمَةَ النَّعامَةِ كانَتْ عِنْدَ المُسْلِمِينَ قِيمَةَ بَدَنَةٍ، قالُوا: القِيمَةُ مَعْنِيَّةٌ بِهَذا المِثْلِ فِيما لا نَظِيرَ لَهُ، فَواجِبٌ أنْ يُفْهَمَ مِنَ اللَّفْظِ في الكَبِيرِ مِنَ الصَّيْدِ ما فُهِمَ مِنَ الصَّغِيرِ، فَإنَّ اللَّفْظَ اشْتَمَلَ عَلَيْها اشْتِمالًا واحِدًا، ومَتى اعْتُبِرَ النَّظِيرُ اخْتَصَّ اللَّفْظُ بِبَعْضِ المُسَمَّياتِ.
الجَوابُ: أنَّ الَّذِي قالُوهُ، وتَحَكَّمَ، فَإنَّ الآيَةَ نَصٌّ في إيجابِ المِثْلِ مِنَ النَّعَمِ، فَإذا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فَمَعْناهُ: بِالمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ، والجَزاءُ مِنَ النَّعَمِ بِطَرِيقِ المُماثَلَةِ، ولَوِ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، أوْ فَجَزاؤُهُ مِنَ النَّعَمِ، لَمْ يُمْكِنْ طَرْحُ النَّعَمِ المَذْكُورِ، وجَعَلَ القِيمَةَ أصْلًا، وكَذَلِكَ هاهُنا. وعَلى هَذا لا دَلالَةَ لِلْآيَةِ عَلى صِفاتِ الصُّيُودِ، وإنَّما وُجُوبُ القِيمَةِ فِيها مُتَلَقًّى مِنَ الإجْماعِ. (p-١١١)فَإنْ قِيلَ: سَمّى اللَّهُ تَعالى القِيمَةَ مِثْلًا في قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] .
قُلْنا: لَيْسَ المُرادُ بِهِ القِيمَةَ وإنَّما المُرادُ بِهِ: القَصاصُ والمُماثَلَةُ فِيهِ، فَإنَّ وُجُوبَ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلى الِاعْتِداءِ، لا عَلى القِيمَةِ الَّتِي تَجِبُ، حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ إتْلافُ مالِ الغَيْرِ، ويَجِبُ شَرْطُ الضَّمانِ، فَوَصْفُ الِاعْتِداءِ في ضَمانِ القِيمَةِ لَغْوٌ مِن هَذا الوَجْهِ، وإنَّما المُرادُ بِهِ القَصاصُ، وهَذا بَيِّنٌ جِدًّا.
فَإنْ قِيلَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ . ولَوْ كانَ الواجِبُ مِثْلَ ما ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ البَدَنَةِ في النَّعامَةِ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ. ومِثْلُ الكَبْشِ في الضَّبُعِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يَحْتاجُ فِيهِ إلى الِارْتِياءِ والنَّظَرِ ومَعْرِفَةِ الشَّكْلِ حَتّى يَحْتاجَ فِيهِ إلى ذَوِي عَدْلٍ، وإنَّما يَحْتاجُ إلى ذَوِي العَدْلِ فِيما يَخْتَلِفُ ويَتَفاوَتُ فِيهِ النَّظَرُ ويَضْطَرِبُ فِيهِ الرَّأْيُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ ذُكِرَ الطَّعامُ والصِّيامُ ولَيْسا مِثْلًا وأُدْخِلَ ”أوْ“ بَيْنَهُما وبَيْنَ النِّعَمِ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ الآيَةِ: فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ أوْ مِنَ الطَّعامِ أوِ الصِّيامِوَتَقْدِيمُ ذِكْرِ النَّعَمِ في التِّلاوَةِ لا يُوجَدُ تَقْدِيمُهُ في المَعْنى، بَلِ الكُلُّ كَأنَّهُ مَذْكُورٌ مَعًا، فَلا فَرْقَ عَلى هَذا بَيْنَ هَذا التَّرْتِيبِ المَوْجُودِ مِنَ الآيَةِ، وبَيْنَ أنْ يَقُولَ: فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ طَعامًا أوْ صِيامًا ومِنَ النَّعَمِ هَدْيًا، ونَظِيرُهُ: ﴿فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ، أوْ كِسْوَتُهم أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، [المائدة: ٨٩] ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ كَوْنَ الطَّعامِ مُقَدَّمًا عَلى الكُسْوَةِ، ولا الكُسْوَةِ مُقَدَّمَةً عَلى العِتْقِ، بَلِ الكُلُّ كَأنَّهُ مَذْكُورٌ في لَفْظٍ (p-١١٢)واحِدٍ مَعًا، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، مَوْصُولٌ بِقَوْلِهِ: يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ، أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ، لَمْ يَكُنْ ذِكْرُ النَّعَمِ تَفْسِيرًا لِلْمِثْلِ.
الجَوابُ: أنَّ الَّذِي قالُوهُ غَلَطٌ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ في اعْتِبارِ حالِ الصَّيْدِ في صِغَرِهِ وكِبَرِهِ، مُوجِبٌ في أدْنى النَّعَمِ بَدَنَةً عَلى قَدْرِها، وفي الرَّفِيعَةِ عَلى قَدْرِها، وذَلِكَ يَقْتَضِي حُكْمَ ذَوِي العَدْلِ، وأمّا قَوْلُهُمْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ الطَّعامَ والصِّيامَ، قِيلَ: لا جَرَمَ لا يَحْسُنُ في الإطْلاقِ أنْ يَقُولَ: فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ الطَّعامِ أوِ الصِّيامِ أوِ الصَّلاةِ، إنْ ورَدَ الشَّرْعُ بِالصَّلاةِ، فَإنَّ الصَّوْمَ لا يَكُونُ مِثْلًا لِلْحَيَوانِ في الإطْلاقِ، وكَذَلِكَ الطَّعامُ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ يَقْتَضِي إيجابَ المِثْلِ مِنَ النَّعَمِ، أوِ الطَّعامِ إذا لَمْ يَرِدِ المِثْلُ، أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا، فالمُماثَلَةُ مُعْتَبَرَةٌ مِن جِهَةِ الخِلْقَةِ والصُّورَةِ في النَّعَمِ، ولا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ في الطَّعامِ والصِّيامِ. قالُوا: قَوْلُهُ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾ كَلامٌ تامٌّ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلى تَضْمِينِهِ بِغَيْرِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ، يُمْكِنُ اسْتِعْمالُهُ عَلى غَيْرِ وجْهِ التَّفْسِيرِ لِلْمِثْلِ، فَلَمْ يَجُزْ أنْ يُجْعَلَ المِثْلُ مُضَمَّنًا بِالنَّعَمِ مَعَ اسْتِغْناءِ الكَلامِ عَنْهُ، لِأنَّ كُلَّ كَلامٍ لَهُ حُكْمُهُ، غَيْرُ جائِزٍ تَضْمِينُهُ بِغَيْرِهِ إلّا بِدَلالَةٍ تَقُومُ عَلَيْهِ سِواهُ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ”مِنَ النَّعَمِ“ مَعْلُومٌ أنَّ فِيهِ ضَمِيرَ إرادَةِ الحَرَمِ، فَمَعْناهُ: مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ، هَدْيًا إنْ أرادَ الهَدْيَ، والطَّعامَ إنْ أرادَ الطَّعامَ، فَلَيْسَ هو إذًا تَفْسِيرًا لِلْمِثْلِ، كَما أنَّ الطَّعامَ والصِّيامُ لَيْسا المِثْلَ المَذْكُورَ. والجَوابُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾، أنَّ قَدْرَ الِاقْتِصارِ عَلَيْهِ كانَ مُجْمَلًا لا يَكْفِي في البَيانِ، فَإنَّ المِثْلَ يَقَعُ عَلى وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ. (p-١١٣)وقَوْلُهُ: ”مِنَ النَّعَمِ“ بَيانُ ذَلِكَ الإجْمالِ لا مَحالَةَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ، غَيْرُ مُرَتَّبٍ عَلى ما تَقَدَّمَ، وهَذا مَعْلُومٌ ضَرُورَةً، وإنَّما كانَ يَسْتَقِيمُ ما ذَكَرُوهُ، أنْ لَوْ كانَ صَدْرُ الكَلامِ مُسْتَقِلًّا بِالبَيانِ وفِيهِ شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنّا لا نُثْبِتُ المُماثَلَةَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ وتَوَهَّمُوهُ، وإنَّما نَقُولُ: يُقَوِّمُ الهَدْيَ، ثُمَّ يَشْتَرِي بِقِيمَةِ الهَدْيِ طَعامًا، فَلا مُماثَلَةَ مَعَ الهَدْيِ بِوَجْهٍ، وإنَّما المُماثَلَةُ والمُقابَلَةُ مَعَ النَّعَمِ، ثُمَّ يُقَوِّمُ النَّعَمَ ويَشْتَرِي بِهِ طَعامًا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ المُماثَلَةَ مَعَ النَّعَمِ، ولَمْ يَذْكُرِ المُماثَلَةَ مَعَ الصَّيْدِ. نَعَمْ، أبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: يُقَوِّمُ الصَّيْدَ دَراهِمَ، ثُمَّ يَشْتَرِي بِالدَّراهِمِ طَعامًا، فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صاعٍ. فَأمّا الشّافِعِيُّ فَإنَّهُ يَرى المِثْلَ مِنَ النَّعَمِ، ثُمَّ يُقَوِّمُ المِثْلَ كَما في المِثْلِيّاتِ يُقَوِّمُ المِثْلَ، وتُوجَدُ قِيمَةُ المِثْلِ، فَسَتَكُونُ قِيمَةُ المِثْلِ كَقِيمَةِ الشَّيْءِ، فَإنَّ المِثْلَ هو الأصْلُ في الوُجُوبِ وهَذا لا غُبارَ عَلَيْهِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ اسْتَدَلَّ بِهِ قَوْمٌ عَلى أنَّ العاقَّ لا جَزاءَ عَلَيْهِ، وهو بَعِيدٌ جِدًّا عَنْ أُصُولِ الشَّرْعِ. نَعَمْ؛ مَعْنى ذَلِكَ ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ﴾، يَعْنِي: قَبْلَ التَّحْرِيمِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ احْتَجَّ بِهِ الرّازِيُّ لِأبِي حَنِيفَةَ، في أنَّ المُحْرِمَ إذا أكَلَ مِنَ الصَّيْدِ الَّذِي لَزِمَهُ، جَزاؤُهُ أنَّ عَلَيْهِ (p-١١٤)قِيمَةَ ما أكَلَ، يَتَصَدَّقُ بِهِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ أوْجَبَ عَلَيْهِ الغُرْمَ لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ، فَلَوْ أكَلَ مِنهُ وأخَذَ مِثْلَهُ، فَلا يَكُونُ ذائِقًا وبالَ أمْرِهِ، وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ، فَإنَّ الصَّيْدَ عِنْدَهُ مَيْتَةٌ، فَإذا أكَلَ المَيْتَةَ فَمِن أيْنَ يَكُونُ قَدْ وصَلَ إلَيْهِ مالٌ مِثْلُ ما خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾ .
اسْتَدَلَّ بِهِ الرّازِيُّ عَلى أنَّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الجَماعَةِ جَزاءً كامِلًا، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ومَن قَتَلَهُ﴾، وكُلُّ واحِدٍ يُسَمّى قاتِلًا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، فاقْتَضى ذَلِكَ إيجابَ الرَّقَبَةِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ القاتِلِينَ، وهَذا بَعِيدٌ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم لَيْسَ قاتِلًا حَقِيقَةً بَلْ هم قَتَلَةٌ، وهم كَشَخْصٍ واحِدٍ، وهَذا بَيَّنّاهُ في مَسائِلِ الفِقْهِ. وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، ولَيْسَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُشْتَرِكِينَ دِيَةً كامِلَةً، فاعْلَمْهُ.
المائدة 5:96
وقَوْلُهُ: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾: اسْتَدَلَّ بِهِ قَوْمٌ عَلى أنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أكْلَ صَيْدٍ اصْطادَهُ حَلالٌ، والأكْثَرُونَ مِنَ العُلَماءِ عَلى إباحَتِهِ، وقَدْ رَوىأبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ قالَ: «عَقَرَ أبُو قَتادَةَ حِمارَ وحْشٍ ونَحْنُ مُحْرِمُونَ وهو حَلالٌ فَأكَلْنا مِنهُ ومَعَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ». (p-١١٥)ورَوى المُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَحْمُ صَيْدِ البَرِّ حَلالٌ لَكم وأنْتُمْ حُرُمٌ ما لَمْ تَصْطادُوهُ أوْ يُصادُ لَكُمْ».
وفِيهِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ، غَيْرَ أنَّ مَن حَرَّمَ ذَلِكَ لَعَلَّهُ تَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، وعُمُومُهُ يَتَناوَلُ الِاصْطِيادَ والمَصِيدَ نَفْسَهُ، لِوُقُوعِ الِاسْمِ عَلَيْهِما. ومَن أباحَهُ ذَهَبَ إلى أنَّ الحَيَوانَ إنَّما يُسَمّى صَيْدًا ما دامَ حَيًّا، فَأمّا اللَّحْمُ فَلا يُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ بَعْدَ الذَّبْحِ إلّا مَجازًا، بِاعْتِبارِ اسْتِصْحابِ الِاسْمِ السّابِقِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في حَدِيثِ «الصَّعْبِ بْنِ جَثّامَةَ، أنَّهُ أهْدى إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو بِالأبْواءِ أوْ غَيْرِها لَحْمَ حِمارٍ وحْشِيٍّ وهو مُحْرِمٌ فَرَدَّهُ، فَرَأى في وجْهِهِ الكَراهَةَ فَقالَ: لَيْسَ بِنا رَدٌّ عَلَيْكَ ولَكِنّا حُرُمٌ». وخالَفَهُ مالِكٌ، فَرَواهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثّامَةَ «أنَّهُ أهْدى إلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالأبْواءِ أوْ بِوَدانَ حِمارَ وحْشٍ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ، وقالَ: إنّا ما نَرُدُّهُ عَلَيْكَ إلّا أنّا حُرُمٌ». وقالَ أبُو إدْرِيسَ لِمالِكٍ: إنَّ سُفْيانَ يَقُولُ: رِجْلُ حِمارِ وحْشٍ، فَقالَ: ذاكَ غُلامٌ، ذاكَ غُلامٌ. ورَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإسْنادِهِ كَرِوايَةِ مالِكٍ، وقالَ فِيهِ: إنَّهُ أهْدى لَهُ حِمارَ وحْشٍ. ورَواهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلَ رِوايَةِ مالِكٍ، وأنَّهُ أهْدى لَهُ حِمارَ وحْشٍ. (p-١١٦)ورَوى الأعْمَشُ عَنْ جُنْدُبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثّامَةَ أهْدى إلى النَّبِيِّ ﷺ حِمارَ وحْشٍ وهو مُحْرِمٌ، فَرَدَّهُ وقالَ: لَوْ أنّا حَرَمٌ لَقَبِلْناهُ مِنكَ». ويَحْتَمِلُ أنَّهُ صِيدَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وعِنْدَنا ما صِيدَ لَهُ فَلا يَأْكُلُ مِنهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَواهُأبُو مُعاوِيَةَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ خِيارِ بْنِ أبِي الشَّعْثاءِ عَنْ أبِيهِ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ مُحْرِمٍ أتى بِلَحْمٍ أنَأْكُلُ مِنهُ؟ فَقالَ: اجْتَنِبُوا». قالَ أبُو مُعاوِيَةَ: إنْ كانَ صِيدَ قَبْلَ أنْ يُحْرِمَ فَيُؤْكَلُ وإلّا فَلا وهو فِيما صِيدَ مِن أجْلِهِ.
المائدة 5:101
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ . اسْتَدَلَّ بِهِ قَوْمٌ عَلى تَحْرِيمِ السُّؤالِ عَنْ أحْكامِ الحَوادِثِ قَبْلَ وُقُوعِها، وهَذا مِنهُ غَلَطٌ، فَإنَّهُ تَفَقَّهَ في الدِّينِ، وإنَّما الآيَةُ تَنْهى عَنِ السُّؤالِ عَنْ أشْياءَ تَتَعَلَّقُ بِأسْرارٍ إذا كُشِفَ لَهم عَنْها ساءَهم ذَلِكَ، ورُبَّما أدّاهم إلى الكُفْرِ بِهِ دَفْعًا لِلْخَجَلِ، مِثْلَ ما رُوِيَ «أنَّ رَجُلًا قامَ فَقالَ: مَن أبِي؟ فَقالَ: حُذافَةُ، بَعْدَ أنْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ إلّا أنْبَأتُكم عَنْ حَقِيقَتِهِ،» وكانَ قَدْ حَذَّرَهُمُ السُّؤالَ، وكانَ الأوْلى بِهِمْ أنْ يَسْتَتِرُوا بِسِتْرِ اللَّهِ تَعالى.
المائدة 5:103
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ﴾ .
الآيَةَ: ١٠٣. (p-١١٧)يَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ قَطْعِ مَنافِعِ المِلْكِ مِن غَيْرِ نَقْلٍ إلى غَيْرِهِ، ومِن أجْلِهِ مَنَعَ الشّافِعِيُّ تَعْطِيلَ مَنافِعِ الرَّهْنِ عَلى خِلافِ ما قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ، ومِن أجْلِهِ مَنَعَتُ الكافِرَ مِن شِراءِ العَبْدِ المُسْلِمِ في قَوْلٍ، لِأنَّ الشِّراءَ إذا لَمْ يَفِدْ مَقْصُودُهُ مِن الِانْقِطاعِ كانَ نِسْبِيًّا، ولِأجْلِهِ أوْجَبَ العُلَماءُ بَيْعَ العَبْدِ المُسْلِمِ وتَحْتَ الكافِرِ.
المائدة 5:105
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ﴾ .
لَيْسَ يَنْسَخُ لِلْأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ قَيْسِ ابْنِ أبِي حازِمٍ أنَّهُ قالَ: «سَمِعْتُ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى المِنبَرِ يَقُولُ: يا أيُّها النّاسُ، إنِّي أراكم تُؤَوِّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ﴾، وإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”إنَّ النّاسَ إذا عُمِلَ فِيهِمْ بِالمَعاصِي ولَمْ يُغَيِّرُوا أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقابِهِ“» . فَأبانَ ألّا رُخْصَةَ في هَذِهِ الآيَةِ في تَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ بِهِ: أهْلَ الكِتابِ الَّذِينَ يُقِرُّونَ بِالجِزْيَةِ عَلى كُفْرِهِمْ ولا يَضُرُّنا كُفْرُهُمْ، لِأنّا أعْطَيْناهُمُ الذِّمَّةَ عَلى أنْ نُخَلِّيَهم وما يَعْتَقِدُونَ، وما يَعْهَدُونَ لَنا نَقْضَ عَهْدٍ بِإجْبارِهِمْ عَلى الإسْلامِ، فَهَذا هو الَّذِي لا يَضُرُّنا الإمْساكُ عَنْهُ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: إذا لَمْ يُمْكِنْهُ الإنْكارُ وخافَ عَلى نَفْسِهِ إنْ أنْكَرَ.
المائدة 5:106
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ الآيَةَ: ١٠٦. (p-١١٨)قالَ قائِلُونَ: المُرادُ بِالآيَةِ ظاهِرُها، وهي الشَّهادَةُ عَلى الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ، وأجازُوا بِهَذا شَهادَةَ أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى وصِيَّةِ المُسْلِمِ في السَّفَرِ، ورَوَوْا ذَلِكَ عَنْ أبِي مُوسى، وهو قَوْلُ أبِي مُوسى وقَوْلُ الأوْزاعِيِّ، وجَعَلُوا هَذا الحُكْمَ مَخْصُوصًا بِالوَصِيَّةِ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ لِوُقُوعِ الضَّرُورَةِ إلَيْهِ، ولا يَمْتَنِعُ اخْتِلافُ الحُكْمِ عِنْدَ الضَّرُوراتِ. ويُقَوِّي ذَلِكَ أنَّ سُورَةَ المائِدَةِ مِن آخِرِ القُرْآنِ نُزُولًا، حَتّى قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وغَيْرُهُما إنَّهُ لا مَنسُوخَ فِيها. ومُتَضَمَّنُ هَذا القَوْلِ أنْ يَكُونَ عَلى الشّاهِدِ يَمِينٌ، وأنْ يَتَعَيَّنَ إمْضاؤُهُ الشَّهادَةَ لِمَكانِ اليَمِينِ مَعَ الِارْتِيابِ، وأنَّهُ إذا ظَهَرَ لَوْثٌ مِن جِهَةِ الشُّهُودِ، صارَتْ يَمِينُ الوَرَثَةِ مُعارِضَةً لِشَهادَةِ الشُّهُودِ، وأعْظَمُ مِنهُ أنَّهُ قالَ: ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ . وقالَ: ﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ . وظاهِرُ ذَلِكَ رُجُوعُ حُكْمِ اليَمِينِ إلى النَّوْعَيْنِ اللَّذَيْنِ أُثْبِتَ التَّخْيِيرُ فِيهِما، فَيَكُونُ المُسْلِمُ الشّاهِدُ مُحَلَّفًا عَلى الشَّهادَةِ عَلى الوَصِيَّةِ، وذَلِكَ بَعِيدٌ. وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن أحَدِ نَوْعَيْنِ: إمّا التَّأْوِيلُ وإمّا إثْباتُ النَّسْخِ. أمّا التَّأْوِيلُ فَغايَةُ ما قِيلَ فِيهِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، أنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا وتَقْدِيرُهُ: إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ، فاسْتَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ، يَعْنِي: مِنَ العَشِيرَةِ، فَإنَّهم أحْفَظُ وأضْبَطُ وأبْعَدُ عَنِ النِّسْيانِ، أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ، يَعْنِي: مِن غَيْرِ قَبِيلَتِكُمْ، إنْ سافَرْتُمْ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ فَيَحْلِفانِ (p-١١٩)بَعْدَ العَصْرِ، فَإنْ ظَهَرَ أنَّهُما شَهِدا بِالزُّورِ، رُدَّ ما شَهِدا بِهِ عَلى الوَرَثَةِ، إذا حَلَفَ الآخَرانِ تُجْرَحُ شَهادَةُ الأوَّلَيْنِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما﴾ [المائدة: ١٠٧] . فَقِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ( مِنكم أوْ مِن غَيْرِكم ) ضَمِيرٌ يَقْتَضِي انْصِرافًا إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ لا لِلْعَشِيرَةِ، فَكَيْفَ يَجْعَلُ ضَمِيرًا عَنْها ولَمْ يَجِدْ لَها فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرًا، وهَذا بَيِّنٌ. لِأنَّ اليَمِينَ لا يَتَوَجَّهُ لا عَلى الشّاهِدِ مِنَ القَبِيلَةِ ولا مِن غَيْرِها. والتَّأْوِيلُ الثّانِي: ما نُقِلَ عَنِ الشّافِعِيِّ، فَإنَّهُ قالَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في مُسْلِمٍ حَضَرَهُ المَوْتُ وأوْصى إلى نَصْرانِيَّيْنِ، وسَلَّمَ المالَ إلَيْهِما، والقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ الشَّهادَةِ، فَإنَّ المُوصى إلَيْهِ كَيْفَ يَشْهَدُ عَلى فِعْلِ نَفْسِهِ، وعَلى أنَّهُ رُدَّ عَلى جَمِيعِ ما عِنْدَهُ، ولَمْ يَكْتُمْ شَيْئًا.
وقَدْ يُسَمّى اليَمِينُ شَهادَةً في قَوْلِهِ: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] . فَقِيلَ لَهُمُ: اليَمِينُ لا يَخْتَصُّ بِالعَدْلِ. فَأجابُوا بِأنَّهُ ذَكَرَ العَدْلَ احْتِياطًا في الوَصِيَّةِ، واتِّقاءً لِلْيَمِينِ الفاجِرَةِ، فَقِيلَ لَهُمْ: فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا فَآخَرانِ يَقُومانِ (p-١٢٠)مَقامَهُما﴾ [المائدة: ١٠٧] . فَأجابُوا: بِأنَّ مَعْنى ذَلِكَ ما ذُكِرَ في سَبَبِ النُّزُولِ، وهو أنَّهُ وجَدُوا جامًا مِن فِضَّةٍ مُخَوَّصَةٍ بِذَهَبٍ عِنْدَ رَجُلٍ، وكانَ الجامُ مِن جُمْلَةِ التَّرِكَةِ، فَلَمّا طُولِبَ الرَّجُلُ بِهِ ذَكَرَ أنَّهُ اشْتَراهُ مِن تَمِيمٍ الدّارِيِّ وعَدِيِّ بْنِ نَدا، فَلَمّا رُوجِعا في ذَلِكَ قالا: كانَ قَدْ جَعَلَهُ المُوصِي لَنا أوْ باعَهُ مِنّا. وإذا كانَ كَذَلِكَ، حَلَفَ الوارِثُ لا المُدَّعِي لِمِلْكِ الجامِ، فَهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِنَ شَهادَتِهِما وما اعْتَدَيْنا﴾ [المائدة: ١٠٧] . أيْ: يَحْلِفانِ أنَّ الشَّيْءَ لَهُما وما اعْتَدَيا، وهَذا مُجْمَلٌ، فَهَذا وجْهُ التَّأْوِيلِ. فَأمّا النَّوْعُ الآخَرُ؛ وهو دَعْوى النَّسْخِ، والنّاسِخُ لا بُدَّ مِن بَيانِهِ عَلى وجْهٍ يَتَنافى الجَمْعُ بَيْنَهُما مَعَ تَراضِي النّاسِخِ، وهَؤُلاءِ زَعَمُوا أنَّ آيَةَ الدَّيْنِ مِن آخِرِ ما نَزَلَتْ وأنَّ فِيها: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والكافِرُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرْضِيًا عِنْدَ المُسْلِمِينَ. وهَذا لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ ناسِخًا عِنْدَنا، فَإنَّهُ في قِصَّةٍ غَيْرِ قِصَّةِ الوَصِيَّةِ، وأمْكَنَ تَخْصِيصُ الوَصِيَّةِ بِهِ لِمَكانِ الحاجَةِ والضَّرُورَةِ، لِأنَّهُ رُبَّما كانَ الكافِرُ ثِقَةً عِنْدَ المُسْلِمِ، ويَرْتَضِيهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، فَلَيْسَ فِيما قالَهُ ناسِخٌ. (p-١٢١)والنَّوْعُ الثّانِي مِنَ النّاسِخِ أبانَهُ بَعْدَهُ عَنِ الأُصُولِ في التَّفْرِقَةِ في قَبُولِ الشَّهادَةِ في السَّفَرِ والحَضَرِ وتَحْلِيفِ الشّاهِدِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ لا تَخْفى، وهَذا الجِنْسُ لا يَصْلُحُ ناسِخًا، وإنَّما يُؤَيِّدُ بِهِ التَّأْوِيلَ بَعْدَ وُجُودِ التَّأْوِيلِ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ لِلشّافِعِيِّ عَلى أنَّ اليَمِينَ تَتَغَلَّظُ بِالزَّمانِ والمَكانِ.
واسْتَدَلَّ الرّازِيُّ بِهِ عَلى قَبُولِ شَهادَةِ الكافِرِ عَلى الكافِرِ، فَقالَ: في ضِمْنِ شَهادَةِ الكافِرِ عَلى المُسْلِمِ في الوَصِيَّةِ قَبُولُها عَلى أهْلِ مِلَّتِهِ لا مَحالَةَ، ثَبَتَ النَّسْخُ في بَعْضِ ذَلِكَ فَبَقِيَ في البَعْضِ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا، فَإنَّ الآيَةَ إذا تَضَمَّنَتْ حُكْمًا وقَدْ نُسِخَ المَذْكُورُ بِعَيْنِهِ، فَلا يُتَصَوَّرُ تَقْدِيرُ فَرْعٍ لَهُ لَمْ يُنْسَخْ وتَعَذَّرَ بَقاؤُهُ وهَذا لا خَفاءَ بِبُطْلانِهِ، فَلَمْ يُطْنِبْ فِيهِ.
الأنعام 6:68
(p-١٢٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأنْعامِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا﴾، الآيَةَ: ٦٨.
فَأمَرَ نَبِيَّهُ بِالإعْراضِ عَنِ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِ اللَّهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ اجْتِنابِ مَجالِسِ المُلْحِدِينَ، وسائِرِ الكَفَرَةِ، عِنْدَ إظْهارِهِمُ الشِّرْكَ والكُفْرَ وما يَسْتَحِيلُ عَلى اللَّهِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [المائدة: ٧٨] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩] . (p-١٢٤)وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ [هود: ١١٣] . وقالَ: ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا﴾ [الأنعام: ٧٠] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: ٧٠] . قالَ قائِلُونَ: هي مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّها لَيْسَتْ مَنسُوخَةً لَكِنَّها عَلى وجْهِ التَّعْزِيزِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] .
الأنعام 6:90
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ . يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى وُجُوبِ اتِّباعِ شَرائِعِ الأنْبِياءِ والتِزامِها.
الأنعام 6:108
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ: ١٠٨. يَدُلُّ عَلى الكَفِّ عَنْ سَبِّ السُّفَهاءِ الَّذِينَ يَتَسَرَّعُونَ إلى سَبِّهِ عَلى وجْهِ المُقابَلَةِ، لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ البَعْثِ عَلى المَعْصِيَةِ.
الأنعام 6:121
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ . الآيَةَ: ١٢١. حَمَلَهُ الشّافِعِيُّ عَلى النَّهْيِ عَنِ المَيِّتاتِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: قالَ المُشْرِكُونَ: تَأْكُلُونَ مِمّا ماتَ مِن قِبَلِكم ولا تَأْكُلُونَ (p-١٢٥)مِمّا ماتَ مِن قِبَلِ رَبِّكُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ﴾ في ذَبائِحَ المُشْرِكِينَ، ولَمْ تَكُنِ المُناظَرَةُ في هَذِهِ المَسْألَةِ ظاهِرَةً فِيما بَيْنَهُمْ، وإنَّما كانَتِ المُجادَلَةُ في المَيْتَةِ.
الأنعام 6:136
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾، الآيَةَ: ١٣٦. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَجْعَلُونَ مِن حَرْثِهِمْ ومَواشِيهِمْ جُزْءًا لِلَّهِ وجُزْءًا لِشُرَكائِهِمْ، فَكانَ إذا خالَطَ مِمّا جَعَلُوهُ جُزْءًا لِشُرَكائِهِمْ ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ، رَجَعُوا فِيما جَعَلُوهُ لِلَّهِ تَعالى فَجَعَلُوهُ لِشُرَكائِهِمْ، وكانُوا إذا أجْدَبُوا أخَذُوا ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ تَعالى لِأنْفُسِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
الأنعام 6:138
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ﴾، الآيَةَ: ١٣٨: أمّا الأنْعامُ الَّتِي ذَكَرَها أوَّلًا، فَهي ما جَعَلُوهُ لِأوْثانِهِمْ، والأنْعامُ الَّتِي ذُكِرَتْ ثانِيًا، فالسّائِبَةُ والوَصِيلَةُ والحامُ.
الأنعام 6:140
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا﴾، الآيَةَ: ١٤٠.
أرادَ بِهِ: قَتَلُوهم سَفَهًا خَوْفَ الإمْلاقِ، وحَجَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ في أمْوالِهِمْ، ولَمْ يَحِسُّوا فِيهِ الإمْلاقَ، فَأبانَ عَنْ تَناقُضِ آرائِهِمْ. (p-١٢٦)رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إذا أرَدْتَ أنْ تَعْلَمَ جَهْلَ العَرَبِ فاقْرَأْ ما فَوْقَ الثَّلاثِينَ والمِائَةِ مِن سُورَةِ الأنْعامِ إلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلى اللَّهُ قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ .
الأنعام 6:141
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾، الآيَةَ ١٤١. اسْتَدَلَّ بِهِ مَن أوْجَبَ العُشْرَ في الخَضْرَواتِ، وأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾، والمَذْكُورُ قَبْلَهُ الزَّيْتُونُ والرُّمّانُ، والمَذْكُورُ عَقِيبَ جُمْلَةٍ يَنْصَرِفُ إلى الأخِيرِ بِلا خِلافٍ. ومَن يُخالِفُ ذَلِكَ يَقُولُ: الظّاهِرُ مِنهُ الحُبُوبُ، فَإنَّ الحَصادَ لا يُطْلَقُ حَقِيقَةً إلّا عَلَيْهِ، وإنَّما يُطْلَقُ عَلى ما سِواهُ مَجازًا فاعْلَمْهُ.
وأمْكَنَ أنْ يُقالَ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾: حَقُّهُ الإنْفاقُ مِنهُ عَلى ذَوِيِهِ وأقْرِبائِهِ وعَلى نَفْسِهِ، وصَرْفُهُ في المَصارِفِ الواجِبَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ بِمَعْنى العُشْرِ أوْ نِصْفِ العُشْرِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾، وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ فِيما لَيْسَ مُقَدَّرًا، بَلْ هو مُفَوَّضٌ إلى اخْتِيارِ الإنْسانِ واجْتِهادِهِ، فَعَلَيْهِ أنْ يُراعِيَ حَدَّ الِاقْتِصادِ والِاجْتِهادِ، فَأمّا إذا كانَ الواجِبُ مَحْدُودًا مُقَدَّرًا فَلا يُقالُ فِيهِ: ولا تُسْرِفُوا، وهَذا هو الظّاهِرُ مِنَ الكَلامِ، ولَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى العُشْرِ مِنَ الخَضْرَواتِ.
الأنعام 6:145
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾، الآيَةَ: ١٤٥. (p-١٢٧)احْتَجَّ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ في إباحَةِ ما عَدا المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ. فَمِنها لُحُومُ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، رَوى سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ «عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: قُلْتُ لِجابِرِ بْنِ زَيْدٍ: إنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، قالَ: قَدْ كانَ يَقُولُ ذَلِكَ الحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الغِفارِيُّ عِنْدَنا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ: ولَكِنْ أبى ذَلِكَ البَحْرُ يَعْنِي ابْنَ عَبّاسٍ، وقَرَأ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيَةَ».
وعَنْ عائِشَةَ أنَّها كانَتْ لا تَرى بِلُحُومِ السِّباعِ والدَّمِ يَكُونُ في أعْلى العُرُوقِ بَأْسًا، وقَدْ قَرَأتْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيَةَ.
واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ لا يَمْنَعُ مِن تَحْرِيمِ غَيْرِ المَذْكُورِ، إلّا أنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَحْرُمُ في الشَّرْعِ الآنَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ تَجَدَّدَ بَعْدَهُ. وقَدْ قِيلَ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ مِمّا كُنْتُمْ تَسْتَبِيحُونَهُ وتَتَناوَلُونَهُ ولا تَعُدُّونَهُ مِنَ الخَبائِثِ إلّا هَذِهِ الأُمُورَ، وإلّا فَقَدِ اشْتَمَلَ القُرْآنُ عَلى أشْياءَ مُحَرَّمَةٍ كالمُنْخَنِقَةِ والمَوْقُوذَةِ، واشْتَمَلَ الإجْماعُ عَلى تَحْرِيمِ أشْياءَ كالقاذُوراتِ والخَمْرِ والآدَمِيِّ، والأشْياءِ الَّتِي أوْجَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَتْلَها، وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في أُصُولِ الفِقْهِ، إلّا أنَّ ظُهُورَ الآيَةِ لا يَدْفَعُ قَبْلَ بَيانِ التَّأْوِيلِ، وعَلَيْهِ بَنى الشّافِعِيُّ تَحْلِيلَ كُلِّ مَسْكُوتٍ عَنْهُ أخْذًا مِن هَذِهِ الآيَةِ إلّا ما دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ.
وبِالجُمْلَةِ، الِاتِّفاقُ عَلى تَحْرِيمِ أشْياءَ لا ذِكْرَ لَها في الآيَةِ مَعَ خُصُوصِ السَّبَبِ الَّذِي قالَهُ المُفَسِّرُونَ يُقَوِّي التَّأْوِيلَ ويَجُوزُ قَبُولُ أخْبارِ الآحادِ فِيهِ.
الأنعام 6:146
(p-١٢٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا﴾ . الآيَةَ: ١٤٦. هَذا يَحْتَجُّ بِهِ الشّافِعِيُّ في أنَّ مَن حَلَفَ لا يَأْكُلُ الشَّحْمَ، حَنِثَ يَأْكُلُ شَحْمَ الظُّهُورِ لِاسْتِثْناءِ اللَّهِ تَعالى ما عَلى ظُهُورِها مِن جُمْلَةِ الشَّحْمِ.
الأنعام 6:152
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾: إنَّما خَصَّ اليَتِيمَ بِالذِّكْرِ فِيما أمَرَنا بِهِ مِن ذَلِكَ لِعَجْزِهِ عَنْ الِانْتِصارِ لِنَفْسِهِ، وتَأكُّدِ الطَّمَعِ في مالِهِ، فَلا جَرَمَ أكَّدَ النَّهْيُ عَنْ أخْذِ مالِهِ بِتَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾: يَدُلُّ عَلى أنَّ لِلْوَصِيِّ أنْ يَدْفَعَ مالَ اليَتِيمِ مُضارَبَةً. وجَعَلَ المَرَدَّ بُلُوغَ الأشُدِّ، وذَلِكَ هو البُلُوغُ، لِأنَّ الأشُدَّ والكَمالَ لا يُعْرَفُ إلّا بِوُجُودِ الحَدِّ الشَّرْعِيِّ وهو البُلُوغُ.
وأبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: بُلُوغُ الأشُدِّ: بُلُوغُ خَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وهَذا تَحَكُّمٌ مِنهُ لا وجْهَ لَهُ. ولا دَلِيلَ عَلَيْهِ لا لُغَةً ولا شَرْعًا.
الأنعام 6:153
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾، الآيَةَ: ١٥٣.
يَدُلُّ عَلى مَنعِ الِارْتِياءِ والنَّظَرِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ ومَنعٍ مِن الِاخْتِلافِ. (p-١٢٩)وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: ١٥٩]، الآيَةَ: ١٥٩. وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّ بَعْضَ هَؤُلاءِ يُكَفِّرُ بَعْضًا، مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مِنَ السُّنَّةِ المَأْثُورَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وحَرَّفُوا الكَلِمَ تَعَصُّبًا وهَوًى، فَحَذَّرَ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ ودَعا إلى الِاجْتِماعِ والأُلْفَةِ.
الأنعام 6:161
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]، الآيَةَ: ١٦١، ١٦٢.
اسْتَدَلَّ بِهِ الشّافِعِيُّ عَلى افْتِتاحِ الصَّلاةِ بِهَذا الذِّكْرِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ نَبِيَّهُ بِهِ وأنْزَلَهُ في كِتابِهِ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ «كانَ إذا افْتَتَحَ الصَّلاةَ قالَ: ”وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ، إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي إلى قَوْلِهِ: وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ“» . ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذا افْتَتَحَ الصَّلاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قالَ: ”سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، تَبارَكَ اسْمُكَ وعَلا جَدُّكَ ولا إلَهَ غَيْرُكَ“» . والأوَّلُ كانَ يَقُولُهُ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ (p-١٣٠)تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨]، فَلَمّا نَزَلَ ذَلِكَ وأُمِرَ بِالتَّسْبِيحِ عِنْدَ القِيامِ إلى الصَّلاةِ، تَرَكَ الأوَّلَ عَلى زَعْمِ أبِي حَنِيفَةَ. وأصْحابُ الشّافِعِيِّ يَقُولُونَ: الأمْرُ بِالتَّسْبِيحِ لا يُنافِي الذِّكْرَ عِنْدَ افْتِتاحِ الصَّلاةِ، ويَجُوزُ أنْ يَقُولَ عِنْدَ القِيامِ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، وإذا قامَ مِنَ القِراءَتَيْنِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ [الطور: ٤٩]، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ مِن أنَّ ذَلِكَ التَّسْبِيحَ لَيْسَ ذِكْرًا في الصَّلاةِ.
الأنعام 6:164
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها﴾، الآيَةَ: ١٦٤. يَحْتَجُّ بِهِ في عَدَمِ نُفُوذِ تَصَرُّفِ زَيْدٍ عَلى عَمْرٍو، إلّا ما قامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، الآيَةَ: ١٦٤. يُحْتَجُّ بِهِ في ألّا يُؤاخَذَ زَيْدٌ بِفِعْلِ عَمْرٍو، وأنَّ كُلَّ مُباشِرٍ لِجَرِيمَتِهِ فَعَلَيْهِ مَغِبَّتُها.
الأعراف 7:2
(p-١٣١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأعْرافِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾، الآيَةَ: ٢: ظاهِرُهُ النَّهْيُ، ومَعْناهُ: نَفْيُ الحَرَجِ عَنْهُ، أيْ: لا يَضِيقَنَّ صَدْرُكَ أنْ لا يُؤْمِنُوا بِهِ فَعَلَيْكَ البَلاغُ، ولَيْسَ عَلَيْكَ سِوى الإنْذارِ بِهِ شَيْءٌ مِن إيمانِهِمْ وكُفْرِهِمْ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ [الكهف: ٦]، الآيَةَ. وقالَ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] .
الأعراف 7:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾، الآيَةَ: ٣. مَعْناهُ مَعْلُومٌ، ومِن جُمْلَةِ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى المُباحاتُ، فَعَلى ذَلِكَ يَلْزَمُ مِن ظاهِرِهِ الأمْرُ بِاتِّباعِ المُباحِ، ويَلْزَمُ مِنهُ دُخُولُ المُباحِ تَحْتَ الأمْرِ. (p-١٣٢)ولَكِنْ يُجابُ عَنْهُ بِأنَّ اعْتِقادَ الإباحَةِ في المُباحاتِ، وتَمْيِيزَهُ عَنِ المَعاصِي والمَناهِي واجِبٌ، وذَلِكَ هو مَعْنى اتِّباعِ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْنا.
واعْلَمْ أنَّ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْنا يَنْقَسِمُ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِالتِّلاوَةِ، وإلى ما يَتَعَلَّقُ بِالأحْكامِ دُونَ التِّلاوَةِ، والكُلُّ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَتّى لا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ مَنعَ نَسْخِ القُرْآنِ بِالسُّنَّةِ.
الأعراف 7:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾، الآيَةَ: ١١: فَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ”خَلَقْناكُمْ“: آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ، وهو التَّعْبِيرُ بِنا عَنْ آدَمَ، لِأنَّهُ أصْلُنا، قالَ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: ٦٣] .
وقالَ تَعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١] . والمُخاطَبُونَ بِذَلِكَ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَقْتُلُوا الأنْبِياءَ.
وقالَ آخَرُونَ: إنَّ ”ثُمَّ“ راجِعَةٌ إلى صِلَةِ المُخاطَبَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ”ثُمَّ إنّا نُخْبِرُكم أنّا قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ“، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في الأُصُولِ عِنْدَ ذِكْرِ مَعانِي الحُرُوفِ.
الأعراف 7:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ الآيَةَ ١٢: يَدُلُّ بِظاهِرِهِ عَلى اقْتِضاءِ الأمْرِ الوُجُوبَ بِمُطْلَقِهِ مِن غَيْرِ قَرِينَةٍ، لِأنَّ الذَّمَّ عَلى تَرْكِ الأمْرِ المُطْلَقِ لاحِقٌ، وهو مَذْهَبُ الفُقَهاءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ألا (p-١٣٣)تَسْجُدَ﴾، ”لا“ صِلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، ومَعْناهُ: ما دَعاكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ وما أحْوَجَكَ؟
وقِيلَ: في السُّجُودِ لِآدَمَ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: التَّكْرِمَةُ، ولِذَلِكَ امْتَنَّ عَلَيْهِ بِهِ. والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَهُ قِبْلَةً لَهم. والأوَّلُ أصَحُّ.
الأعراف 7:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾: ظاهِرُهُ مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى أضَلَّهُ وخَلَقَ فِيهِ الكُفْرَ، ووَراءَ ذَلِكَ مَعانِي ثَلاثَةٌ: أحَدُها: خَيَّبَتْنِي، مِثْلَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎ومِن يَغْوِ لا يَعْدَمُ عَلى الغَيِّ لائِمًا
أيْ: مَن يَخِبْ، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ: غَوى الرَّجُلُ يَغْوِي غَيًّا، إذا فَسَدَ عَلَيْهِ أمْرُهُ، أوْ فَسَدَ هو في نَفْسِهِ، وهو أحَدُ مَعانِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١]: أيْ فَسَدَ عَيْشُهُ في الجَنَّةِ، ويُقالُ: غَوى الفَصِيلُ إذا لَمْ يَرْوِ مِن لَبَنِ أُمِّهِ. ومَعْنى آخَرُ: أغْوَيْتَنِي أيْ: حَكَمْتَ بِغِوايَتِي، كَقَوْلِكَ: أضْلَلْتَنِي أيْ: حَكَمْتَ بِضَلالَتِي، وقالَ: أغْوَيْتَنِي أيْ: أهْلَكْتَنِي.
الأعراف 7:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ الآيَةَ: ١٩. قَرَنَ قُرْبَهُما الشَّجَرَةَ بِالوَعِيدِ، ومِنَ المُمْكِنِ أنَّهُما نَسِيا الوَعِيدَ، (p-١٣٤)وظَنّا أنَّهُ نَهْيُ كَراهَةٍ وبَيَّنَ بِهِ أوْ أمْكَنَ أنَّهُ أُشِيرَ إلى شَجَرَةٍ بِعَيْنِها، فَظَنّا أنَّ المُرادَ بِهِ: العَيْنُ، وكَأنَّ المُرادَ بِهِ: الجِنْسُ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ «أخَذَ ذَهَبًا وحَرِيرًا فَقالَ: ”هَذانِ حَرامانِ عَلى ذُكُورِ أُمَّتِي“» . وقالَ في خَبَرٍ آخَرَ: «هَذانِ مُهْلِكا أُمَّتِي». وإنَّما أرادَ بِهِ الجِنْسَ لا العَيْنَ.
الأعراف 7:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا﴾ الآيَةَ ٢٦. اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَهُ الإنْعامُ بِإنْزالِ اللِّباسِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَيْنُ اللِّباسِ عَلى هَيْئَتِهِ قَدْ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى آدَمَ حِينَ أهْبَطَهُ وتابَ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ أنْزَلَ ما يَحْصُلُ مِنهُ اللِّباسُ مِن بَزَرِهِ، وقَدْ ظَنَّ عَلِيُّ بْنُ مُوسى القَمِّيُّ وأبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ، أنَّ في ذَلِكَ دَلالَةً عَلى وُجُوبِ سَتْرِ العَوْرَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: ﴿يُوارِي سَوْآتِكُمْ﴾، فَذَلِكَ إشارَةٌ إلى الوُجُوبِ، ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى ما ذَكَرُوهُ بَلْ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى الإنْعامِ فَقَطْ.
واحْتَجُّوا عَلَيْهِ أيْضًا بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما﴾ [الأعراف: ٢٧] . وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى التَّحْذِيرِ مِن زَوالِ النِّعْمَةِ، كَما نَزَلَ بِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، هَذا أنْ لَوْ ثَبَتَ أنَّ شَرْعَ آدَمَ يَلْزَمُنا، والأمْرُ بِخِلافِ ذَلِكَ.
الأعراف 7:31
(p-١٣٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآيَةَ: ٣١. ظاهِرُهُ الأمْرُ بِأخْذِ الزِّينَةِ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ لِلْفِعْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالمَسْجِدِ، تَعْظِيمًا لِلْمَسْجِدِ والفِعْلِ الواقِعِ فِيهِ، مِثْلَ الِاعْتِكافِ والصَّلاةِ والطَّوافِ، ولا يَدُلُّ ظاهِرُ ذَلِكَ عَلى وُجُوبِ السَّتْرِ في الصَّلاةِ في المَسْجِدِ أوْ خارِجِ المَسْجِدِ، فَإنَّ القَدْرَ الَّذِي يَسْتُرُ العَوْرَةَ لا يُسَمّى زِينَةً وتَجَمُّلًا.
وكَثِيرٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ في أحْكامِ القُرْآنِ زادُوا في ذَلِكَ دَلالَةً عَلى الوُجُوبِ لِلصَّلاةِ، لِأنَّ الَّذِي أمَرَنا بِذَلِكَ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ لَمْ يَكُنْ لِعَيْنِ المَسْجِدِ، وإنَّما كانَ لِلْفِعْلِ الواقِعِ في المَسْجِدِ، والَّذِي عَظُمَ المَسْجِدُ لِأجْلِهِ الطَّوافُ والصَّلاةُ، أمّا الطَّوافُ فَلا يَعُمُّ كُلَّ مَسْجِدٍ، وفي القُرْآنِ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ، والِاعْتِكافُ لَمْ يَشْرُفِ المَسْجِدُ لِأجْلِهِ بَلْ كانَ عِبادَةً لِأجْلِ المَسْجِدِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا الفِعْلُ الَّذِي يَشْرُفُ بِهِ المَسْجِدُ، ووَجَبَ تَعْظِيمُ المَسْجِدِ لِأجْلِهِ وهو الصَّلاةُ.
فَإذا قِيلَ: ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ عُرِفَ بِهِ أنَّهُ لَمْ يَجِبْ لِلْمَسْجِدِ، وإنَّما وجَبَ لِما عَظُمَ المَسْجِدُ لِأجْلِهِ وهو الصَّلاةُ، فَمَتى وجَبَ السَّتْرُ لِلصَّلاةِ كانَ شَرْطًا، إلّا أنَّ الدَّلِيلَ قامَ عَلى الزِّيادَةِ عَلى قَدْرِ السَّتْرِ، وأنَّها غَيْرُ واجِبَةٍ، فَبَقِيَ مِقْدارُ السَّتْرِ واجِبًا.
ومالِكٌ لا يُوجِبُ السَّتْرَ شَرْطًا لِلصَّلاةِ، ويَقُولُ: إنْ فُقِدَ السَّتْرُ لا يُبْطِلُ الصَّلاةَ، ويَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، رَوى الرُّواةُ أنَّهُ نَزَلَ في سَتْرِ الطَّوافِ والنَّهْيِ عَنْهُ عُرْيانًا، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، والطَّوافُ يَخْتَصُّ بِمَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ. والثّانِي: أنَّهُ إنْ ورَدَ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، لا يَمْتَنِعُ لِأجْلِهِ التَّعَلُّقُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ.
(p-١٣٦)ويَرُدُّ عَلى هَذا، أنَّ الَّذِي ورَدَ السِّتْرُ فِيهِ -لَمْ يَجْعَلْ السِّتْرَ شَرْطًا- وهو الطَّوافُ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ شَرْطًا لِما سِواهُ؟
ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ وُجُوبَ السِّتْرِ لِأجْلِ الطَّوافِ ظاهِرٌ في كَوْنِهِ شَرْطًا لَهُ، وأنَّهُ يَمْتَنِعُ الِاعْتِدادُ بِهِ دُونَهُ، ولَكِنْ قامَ الدَّلِيلُ في الطَّوافِ عَلى خِلافِ الظّاهِرِ، وبَقِيَ ما عَداهُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الأصْلُ. وهَذا يَرُدُّ عَلَيْهِ، أنَّ الأصْلَ أنَّ ما وجَبَ لِغَيْرِهِ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ إذا أتى بِهِ دُونَهُ كانَ تارِكًا لِلْواجِبِ، فَمِن أيْنَ أنَّهُ لا تَجِبُ الصَّلاةُ، دُونَهُ؟ والَّذِي احْتَجَّ بِهِ مالِكٌ: أنَّ سَتْرَ العَوْرَةِ لَمْ يَجِبْ لِلصَّلاةِ، فَقَدْ رَوى بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، عَوْراتُنا ما نَأْتِي مِنها وما نَذَرُ فَقالَ: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إلّا مِن زَوْجَتِكَ أوْ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ. قالَ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَإذا كانَ أحَدُنا خالِيًا، فَقالَ: اللَّهُ أحَقُّ أنْ يُسْتَحى مِنهُ» . فَإذا لَمْ يَكُنِ السَّتْرُ مِن فُرُوضِ الصَّلاةِ لَمْ يَكُنْ وُجُوبُها مُتَعَلِّقًا بِالصَّلاةِ، فَإذا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِها لَزِمَ مِنهُ جَوازُ الصَّلاةِ دُونَهُ، وهَذا يَنْعَكِسُ في الطَّهارَةِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ وُجُوبُها إلّا لِلصَّلاةِ. فَعَلى هَذا، النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ دُونَ السَّتْرِ، كالنَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ في البُقْعَةِ المَغْصُوبَةِ. الجَوابُ: إنَّ السَّتْرَ في غَيْرِ الصَّلاةِ إنَّما يَجِبُ عِنْدَ ظُهُورِهِ لِلنّاسِ، فَلَوِ اسْتَخْلى بِنَفْسِهِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكْشِفَ فَخِذَهُ، وإنْ كانَ في السَّوْأتَيْنِ خِلافٌ، وإذا أرادَ الصَّلاةَ وجَبَ سَتْرُ جَمِيعِ ذَلِكَ، فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّتْرَ وجَبَ لِلصَّلاةِ. (p-١٣٧)ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا يُصَلِّيَنَّ أحَدُكم في ثَوْبٍ واحِدٍ لَيْسَ عَلى فَخِذِهِ مِنهُ شَيْءٌ» . وعَنْ عائِشَةَ أنَّها رَوَتْ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ امْرَأةٍ إلّا بِخِمارٍ» . فَنَفى قَبُولَها لِمَن بَلَغَتِ الحَيْضَ، فَصَلَّتْها مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ، كَما نَفى قَبُولَها مَعَ عَدَمِ الطَّهارَةِ بِقَوْلِهِ: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلاةَ بِغَيْرِ طَهُورٍ» .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ قالَ فِيمَن صَلّى في ثَوْبٍ نَجِسٍ أوْ عارِيًا: إنَّهُ يُعِيدُ ما دامَ الوَقْتُ، وهَذا يَتَعَلَّقُ بِهِ عَلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِ: أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالصَّلاةِ. فَهَذا تَمامُ هَذا الكَلامِ. وذَكَرَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ في نُصْرَةِ قَوْلِ مالِكٍ أنَّ صَلاةَ العُرْيانِ جائِزَةٌ، فَلَوْ كانَ السَّتْرُ شَرْطًا لَما جازَ، كَما لا يَجُوزُ صَلاةُ الحائِضِ، لِأنَّ الحَيْضَ يُنافِي الطَّهارَةَ. وهَذا غَلَطٌ فاحِشٌ، فَإنَّ صَلاةَ الأُمِّيِّ جائِزَةٌ مَعَ أنَّ القِراءَةَ شَرْطٌ لِلصَّلاةِ أوْ فَرْضِها، وأنَّ مُنافاةَ الحَيْضِ لِلصَّلاةِ لا لِمَكانِ عَدَمِ الطَّهارَةِ، فَإنَّ الحَيْضَ يُنافِي الصَّوْمَ أيْضًا، ولَيْسَ مِن شَرْطِهِ الطَّهارَةُ ولَكِنَّهُ مَحْضُ تَعَبُّدٍ.
ومِمّا نَعْلَقُ بِهِ أنَّ الوُضُوءَ لَمّا كانَ شَرْطًا لِلصَّلاةِ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَنْوِيَ الطَّهارَةَ لِلصَّلاةِ، ولَوْ كانَ السَّتْرُ واجِبًا لِلصَّلاةِ، لَوَجَبَ أنْ يَنْوِيَ بِهِ الصَّلاةَ، ولَيْسَ كالِاسْتِقْبالِ، فَإنَّ الِاسْتِقْبالَ الواجِبَ يَقْتَرِنُ بِالصَّلاةِ بِخِلافِ السَّتْرِ، فَنِيَّةُ الصَّلاةِ تَشْتَمِلُ عَلى الِاسْتِقْبالِ، وقَدْ أجابَ عُلَماؤُنا (p-١٣٨)عَنْهُ بِأنَّ نِيَّةَ الصَّلاةِ تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ، وهَذا قَرَّرْناهُ في مَسائِلِ الخِلافِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ الآيَةَ: ٣١. ظاهِرُهُ يُوجِبُ الأكْلَ والشُّرْبَ مِن غَيْرِ إسْرافٍ، وقَدْ أُرِيدَ بِهِ الإباحَةُ في بَعْضِ الأحْوالِ والإيجابِ في بَعْضِها، فَأمّا الإيجابُ فَمِثْلُ أنْ يَضْعُفَ عَنْ أداءِ الواجِباتِ، فَواجِبٌ عَلَيْهِ أنْ يَأْكُلَ ما يَزُولُ مَعَهُ الضَّرَرُ، وظاهِرُ هَذا يَقْتَضِي الأكْلَ والشُّرْبَ في المَأْكُولاتِ والمَشْرُوباتِ إلّا أنْ يَحْظُرَهُ دَلِيلٌ بَعْدَ أنْ لا يَكُونَ مُسْرِفًا فِيما يَأْتِيهِ مِن ذَلِكَ، فَإنَّهُ أطْلَقَ الأكْلَ والشُّرْبَ عَلى شَرْطِ أنْ لا يَكُونَ مُسْرِفًا فِيهِما، والإسْرافُ هو مُجاوَزَةُ الحَدِّ، فَتارَةً يَتَجاوَزُ حَدَّ الحَلالِ إلى الحَرامِ، وتارَةً في الإنْفاقِ والتَّمْحِيقِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧]، والإسْرافُ مَذْمُومٌ، ونَقِيضُهُ الإقْتارُ وهُما مَذْمُومانِ، والِاقْتِصادُ والتَّوَسُّطُ هو المَشْرُوعُ، ومِنهُ قِيلَ دِينُ اللَّهِ تَعالى بَيْنَ المُقَصِّرِ والغالِي وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] . وقالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] . ومِنَ الإسْرافِ في الأكْلِ، الأكْلُ فَوْقَ الشِّبَعِ، وكُلُّ ذَلِكَ مَحْظُورٌ.
الأعراف 7:33
(p-١٣٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾، الآيَةَ: ٣٣: اعْلَمْ أنَّ الفَواحِشَ في اللُّغَةِ، تَقَعُ عَلى كُلِّ قَبِيحٍ بُولِغَ في نَعْتِهِ بِالقُبْحِ، ولِذَلِكَ يُقالُ: قَبِيحٌ: فاحِشٌ. وفي الآيَةِ ما يَمْنَعُ مِن إجْرائِهِ عَلى الفَواحِشِ كُلِّها، فَإنَّهُ ذَكَرَ الإثْمَ والبَغْيَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالفَواحِشِ بَعْضُها، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالظّاهِرُ مِنَ الفَواحِشِ الزِّنا، لِيَصِحَّ أنْ يَعْطِفَ عَلَيْهِ الإثْمَ، والإثْمُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ هاهُنا عَلى كُلِّ مَعْصِيَةٍ صَغِيرَةٍ وكَبِيرَةٍ، فَإنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ العَطْفَ، بَلِ المُرادُ بِهِ: شُرْبُ الخَمْرِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وأمّا البَغْيُ بِغَيْرِ الحَقِّ فَهو التَّطاوُلُ عَلى النّاسِ. وقَدْ قِيلَ: ذَكَرَ الفَواحِشَ، والمُرادُ بِها: الكَبائِرُ، وذِكْرُ الإثْمِ، والمُرادُ بِهِ صَغائِرُها، ثُمَّ عَطَفَ عَلى الأمْرَيْنِ ما يَدْخُلُ فِيهِما، وهو البَغْيُ بِغَيْرِ الحَقِّ، والمَعْنى بِهِ أنْ يَتَجاوَزَ في طَلَبِ الأمْرِ الحَدَّ الَّذِي يَحْسُنُ، فَيُوصَفُ عِنْدَهُ أنَّهُ بَغْيٌ، لِأنَّ الأصْلَ في البَغْيِ الطَّلَبُ، ثُمَّ جُعِلَ لِلطَّلَبِ المَذْمُومِ، فَدَخَلَ في الآيَةِ كُلُّ أنْواعِ الظُّلْمِ والبَغْيِ عَلى النّاسِ، والِانْقِيادِ بِغَيْرِ حَقٍّ، ثُمَّ حَرُمَ اتِّباعُ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، والقَوْلُ بِما لا نَعْلَمُ صِحَّتَهُ، فَدَخَلَ في ذَلِكَ قُبْحُ التَّمَسُّكِ بِالمَذاهِبِ، وقُبْحُ اتِّباعِ ما لا يَجِبُ اتِّباعُهُ، فَجَمَعَتِ الآيَةُ المُحَرَّماتِ، كَما جَمَعَ ما قَبْلَها المُحَلَّلاتِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مَن الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] مَعَ ما فِيهِ مِن تَحْرِيمِ الإسْرافِ فِيهِ، ولَمّا حَرَّمَ المُحَرَّماتِ نَبَّهَ عَلى اتِّباعِ الحُجَجِ والأدِلَّةِ لِكَيْ يَكُونَ المُكَلَّفُ مُتَحَرِّزًا في أمْرِ دِينِهِ ودُنْياهُ.
الأعراف 7:55
(p-١٤٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾: ظاهِرُها النَّدْبُ إلى إحْفاءِ الدُّعاءِ، فَعَلَّمَنا رَبُّنا كَيْفَ نَدْعُوهُ، ورَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ قالَ: «كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعَهم يَرْفَعُونَ أصْواتَهم فَقالَ: ”أيُّها النّاسُ إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا“» . ورَوى سَعْدُ بْنُ مالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «خَيْرُ الذِّكْرِ الخَفِيُّ وخَيْرُ الرِّزْقِ ما يَكْفِي» .
واسْتَدَلَّ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ بِذَلِكَ، عَلى أنَّ إخْفاءَ آمِينَ، أوْلى مِنَ الجَهْرِ بِها، لِأنَّها دُعاءٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما رُوِيَ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ [يونس: ٨٩] . قالَ: كانَ مُوسى يَدْعُو وهارُونُ يُؤَمِّنُ، فَسَمّاهُما اللَّهُ تَعالى داعِيَيْنِ. والجَوابُ عَنْهُ أنَّ إخْفاءَ الدُّعاءِ كانَ أفْضَلَ، لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ. وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِصَلاةِ الجَماعَةِ؛ فَإشْهارُها إشْهارُ شِعارٍ ظاهِرٍ، وإظْهارُ حَقٍّ يَنْدُبُ العِبادُ إلى إظْهارِهِ، وقَدْ نَدَبَ الإمامُ إلى إشْهارِ القِراءَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الدُّعاءِ، والتَّأْمِينِ في آخِرِها، مَعْناهُ: حَقِّقِ اللَّهُمَّ ما سَألْناكَ.
وإذا كانَ الدُّعاءُ مِمّا سُنَّ الجَهْرُ فِيهِ، فالتَّأْمِينُ عَلى الدُّعاءِ تابِعٌ لَهُ، وجارٍ مَجْراهُ، وهَذا بَيِّنٌ.
الأعراف 7:145
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ الآيَةَ: ١٤٥.
(p-١٤١)قالَ بِأحْسَنِ ما كُنْتَ فِيهِ، وهو الفَرائِضُ، دُونَ المُباحِ الَّذِي لا حَمْدَ فِيهِ ولا ثَوابَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] .
الأعراف 7:199
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ الآيَةَ: ١٩٩. أمَرَ بِمُراعاةِ مَكارِمِ الأخْلاقِ ومُداراةِ النّاسِ.
وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أثْقَلُ شَيْءٍ في مِيزانِ المَرْءِ يَوْمَ القِيامَةِ الخُلُقُ الحَسَنُ» . ورَوى ابْنُ عُمَرَ «أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أيُّ المُؤْمِنِينَ أفْضَلُ؟ فَقالَ أحْسَنُهم خُلُقًا».
ورَوى سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّكم لا تَسَعُونَ النّاسَ بِأمْوالِكم ولَكِنْ يَسَعُهم مِنكم بَسْطُ الوَجْهِ وحُسْنُ الخُلُقِ» . والعَفْوُ هو التَّسْهِيلُ والتَّيْسِيرُ. فالمَعْنى: اسْتِعْمالُ العَفْوِ، وقَبُولُ ما سَهُلَ مِن أخْلاقِ النّاسِ، وتَرْكُ الِاسْتِقْصاءِ عَلَيْهِمْ في المُعامَلاتِ، وقَبُولُ العُذْرِ ونَحْوَهُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾، قالَ: هو العَفْوُ مِنَ الأمْوالِ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ فَرْضُ الزَّكاةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] أيْ: تُرِكَ لَهُ، والعَفْوُ عَنِ الذَّنْبِ تَرْكُ العُقُوبَةِ عَلَيْهِ. (p-١٤٢)وقَوْلُهُ: ﴿”وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾“، العُرْفُ: المَعْرُوفُ، وفي الخَبَرِ الصَّحِيحِ عَنْ أبِي جَرْيٍّ جابِرِ بْنِ سَلِيمٍ قالَ: «رَكِبْتُ قَعُودًا ثُمَّ أتَيْتُ إلى المَدِينَةِ فَطَلَبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وأنَخْتُ قَعُودِي بِبابِ المَسْجِدِ، فَدَلُّونِي عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإذا هو جالِسٌ عَلَيْهِ بُرْدٌ مِن صُوفٍ فِيهِ طَرائِقُ حُمْرٌ، فَقُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: وعَلَيْكَ السَّلامُ، فَقُلْتُ: إنّا مَعْشَرَ البادِيَةِ قَوْمٌ فِينا الجَفاءُ فَعَلِّمْنِي كَلِماتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِها، فَقالَ: اُدْنُ ثَلاثًا، فَدَنَوْتُ، فَقالَ: أعِدْ عَلَيَّ، فَأعَدْتُ، فَقالَ: اتَّقِ اللَّهَ ولا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئًا، وأنْ تَلْقى آخاكَ بِوَجْهٍ مُنْبَسِطٍ، وأنْ تَفْرَغَ مِن فَضْلِ دَلْوِكَ في إناءِ المُسْتَسْقى، وإنِ امْرُؤٌ سَبَّكَ بِما يَعْلَمُ فِيكَ فَلا تَسُبُّهُ بِما تَعْلَمُ فِيهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى جاعِلٌ لَكَ أجْرًا وعَلَيْهِ وِزْرًا، ولا تَسُبَّنَّ شَيْئًا مِمّا خَوَّلَكَ اللَّهُ تَعالى». قالَ أبُو جَرِيٍّ: فَوالَّذِي ذَهَبَ بِنَفْسِهِ ما سَبَبْتُ بَعْدَهُ شاةً ولا بَعِيرًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ . يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في تَرْكِ مُخاوَضَتِهِمْ في الباطِلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ.
الأعراف 7:204
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾: الآيَةَ: ٢٠٤. قَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ. (p-١٤٣)فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ وابْنُ أبِي لَيْلى والثَّوْرِيُّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: لا يَقْرَأُ فِيما جَهَرَ ولا فِيما أسَرَّ. وقالَ مالِكٌ: يَقْرَأُ فِيما أسَرَّ، ولا يَقْرَأُ فِيما جَهَرَ، وهو قَوْلٌ لِلشّافِعِيِّ، رَواهُ المُزْنِيُّ عَنْهُ. ورَوى البُوَيْطِيُّ عَنْهُ أنَّهُ يَقْرَأُ بِفاتِحَةِ الكِتابِ وسُورَةٍ فِيما يُسِرُّ فِيهِ، ولا يَقْرَأُ فِيما يَجْهَرُ فِيهِ إلّا بِفاتِحَةِ الكِتابِ. وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ، كانَ هَؤُلاءِ الفُقَهاءُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الإنْصاتَ مَأْمُورٌ بِهِ، فَإنّا رَأيْناهم يَأْمُرُونَ بِالإنْصاتِ فِيما يَجْهَرُ، ويَتْرُكُونَ لِأجْلِهِ إمّا الفاتِحَةَ وإمّا السُّورَةَ، أمّا أبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ يَتْرُكُ القِراءَةَ خَلْفَ الإمامِ لِغَرَضِ الِاسْتِماعِ فَإنَّهُ يَقُولُ فِيما أسَرَّ فِيهِ الإمامُ لا يَقْرَأُ المَأْمُومُ، ولِأنَّ عِنْدَهُ مِقْدارَ الواجِبِ مِنَ القِراءَةِ آيَةً حَقِيقَةً، وذَلِكَ يُمْكِنُ قِراءَتُهُ بَعْدَ الإنْصاتِ وسَماعِ قِراءَةِ الإمامِ، أوْ حالَ هَوى الإمامُ إلى الرُّكُوعِ، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ إنَّهُ يَتْرُكُ دُعاءَ الِاسْتِفْتاحِ لِقَوْلِهِ: ﴿وأنْصِتُوا﴾، ولا يَتْرُكُ تَكْبِيراتِ الصَّلاةِ لِقَوْلِهِ: ﴿أنْصِتُوا﴾ [الأحقاف: ٢٩]، ولا أنَّ أحَدًا يَفْهَمُ مِن هَذا، أنَّ الواحِدَ مِنّا إذا كانَ يَقْرَأُ القُرْآنَ، فَلا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أنْ يَقْعُدَ مَعَهُ ويَقْرَأ، ولا يَجُوزُ في المَجْلِسِ الواحِدِ أنْ يَقْرَأ جَماعَةٌ، كُلُّ واحِدٍ مِنهم يَقْرَأُ لِنَفْسِهِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ لِلْآيَةِ تَعَلُّقٌ يَمْنَعُ النّاسَ مِن قِراءَةِ القُرْآنِ، لِغَرَضِ اسْتِماعِ القُرْآنِ في غَيْرِ الصَّلاةِ.
ولا لِلْآيَةِ أيْضًا دَلالَةٌ عَلى مَنعِ قِراءَةِ الأذْكارِ، لِغَرَضِ اسْتِماعِ القُرْآنِ في الصَّلاةِ، فَمِن أيْنَ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى مَنعِ القِراءَةِ، لا لِغَرَضِ الِاسْتِماعِ مَعَ إسْرارِ الإمامِ في الصَّلاةِ؟ وقَدِ اعْتَقَدَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَصٌّ. وقالَ عَبْدُ الجَبّارِ بْنُ أحْمَدَ في كِتابِ فَوائِدِ القُرْآنِ -وهُوَ مَشْهُورٌ (p-١٤٤)بِانْتِحالِ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ في الفُرُوعِ-: إنَّ دَلالَةَ ظاهِرِ الآيَةِ قَوِيَّةٌ، وصَرَّحَ بِهَذِهِ العِبارَةِ الَّتِي ذَكَرْناها في الفُرُوعِ.
وعِنْدَنا أنَّ مِن فَهِمَ مَعْنى الآيَةِ وفَهِمَ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرْناها لا يَرى لِلْآيَةِ تَعَلُّقًا بِما نَحْنُ فِيهِ، ولِلْآيَةِ مَحامِلُ: مِنها أنَّ النّاسَ كانُوا يُكْثِرُونَ اللَّغَطَ والشَّغَبَ في قِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويَمْنَعُونَ الأحْداثَ مِن سَماعِها تَعَنُّتًا وعِنادًا عَلى ما حَكى اللَّهُ عَنِ الكُفّارِ حَيْثُ قالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] .
فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى المُسْلِمِينَ حالَةَ أداءِ الوَحْيِ أنْ يَكُونُوا عَلى خِلافِ هَذِهِ الحالَةِ، وأنْ يَسْتَمِعُوا، ومَدَحَ اللَّهُ الجِنَّ عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] .
ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالِاسْتِماعِ، وأمَرَ بِالإنْصاتِ بَعْدَهُ، فَلا يَخْفى عَلى عاقِلٍ أنَّ الإنْصاتَ لِلِاسْتِماعِ، وإنَّما يَجِبُ الِاسْتِماعُ مَتى وجَبَ الإسْماعُ والتَّبْلِيغُ، وإنَّما وجَبَ ذَلِكَ فِيما ذَكَرْناهُ مِن تَبْلِيغِ الوَحْيِ، فَأمّا ما يَقْرَؤُهُ الإنْسانُ لِنَفْسِهِ، فَلا تَعَلُّقَ لَهُ بِذَلِكَ. نَعَمْ، يَنْدُبُ المَأْمُومُ إلى أنْ لا يَجْهَرَ بِالقِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ إذا جَهَرَ حَتّى لا تَثْقُلَ عَلَيْهِ القِراءَةُ، فَهَذا هو القَدْرُ المَندُوبُ إلَيْهِ، وإذا لَمْ يَجِبْ عَلى (p-١٤٥)الإمامِ الإسْماعُ، ولَيْسَ في الِاسْتِماعِ غَرَضٌ لِأجْلِهِ يَجِبُ الإسْماعُ، فَمِن أيْنَ يَجِبُ الِاسْتِماعُ لِما لا يَجِبُ إسْماعُهُ؟ ولَوْ قالَ قائِلٌ مُطْلَقًا: لا يَجِبُ عَلى المَرْءِ أنْ يُنْصِتَ ويَسْمَعَ قِراءَةَ القُرْآنِ، كانَ صِدْقًا، وإنَّما هَذا الَّذِي قالُوهُ في الصَّلاةِ. ولَئِنْ قالَ قائِلٌ: إنَّ الإنْصاتَ لِتَبْلِيغِ الوَحْيِ لا يَخْتَصُّ بِالقُرْآنِ، وكَذَلِكَ إنْ حَمَلَ حامِلٌ الآيَةَ عَلى الخِطْبَةِ، فالِاسْتِماعُ لِلْخُطْبَةِ لا يَخْتَصُّ بِالقُرْآنِ، فالَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ يَخْتَصُّ بِلا دَلِيلٍ. فَيُقالُ لَهُمْ: وأنْتُمْ أيْضًا خَصَّصْتُمْ بِلا دَلِيلٍ، فَإنَّهُ قالَ: ”وإذا قُرِئَ القُرْآنُ“ ولَيْسَ يَجِبُ الِاسْتِماعُ في غَيْرِ الصَّلاةِ، فالَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ يُخَصِّصُ بِلا دَلالَةٍ.
وقالَ كَثِيرٌ مِن أصْحابِ الشّافِعِيِّ: إنَّ المَأْمُومَ يَتَحَرّى وقْتَ سَكْتَةِ الإمامِ، «وكانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَكْتَتانِ في صَلاتِهِ،» فَإنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَيَقْرَأْ وقْتَ قِراءَتِهِ سِرًّا.
وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: مَعْنى الإنْصاتِ: لا يَجْهَرُ بِالقِراءَةِ مُنازِعًا لِلْإمامِ، وإذا أخْفى ذَلِكَ لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الإنْصاتِ. وقَدْ قِيلَ: المُرادُ بِهِ: السُّكُوتُ، حَتّى لا يَقْرَأ البَتَّةَ إلّا عِنْدَ فَراغِ الإمامِ. وقالَ هَؤُلاءِ: لِأجْلِ ذَلِكَ أمَرَ المَأْمُومَ بِتَأْخِيرِ القِراءَةِ عَنْ حالِ الجَهْرِ أوْ تَقْدِيمِهِ، وذَلِكَ إجْماعٌ. واعْلَمْ أنَّ الَّذِي يُوجِبُ تَأْخِيرَ القِراءَةِ لَيْسَ يُوجِبُ بِدَلِيلِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ اسْتِماعِ قِراءَةِ القُرْآنِ مُطْلَقًا، فَإنَّ دَلالَةَ الآيَةِ في الصَّلاةِ وغَيْرِها واحِدَةٌ، وإنَّما يَقُولُ ذَلِكَ لِيَجْمَعَ بَيْنَ سَماعِ المُتَدَبِّرِينَ وإنْصاتِ المُعْتَبِرِينَ (p-١٤٦)وقِراءَةِ المُصَلِّينَ، وإذا لَمْ تَكُنِ القِراءَةُ في حالَةِ سَكْتَةِ الإمامِ، فالقِراءَةُ أوْلى كَما يُكَبِّرُ ويَقْرَأُ دُعاءَ الِاسْتِفْتاحِ، ولا يَتْرُكُ المَفْرُوضَ مِنَ القِراءَةِ لِمَكانِ فَضِيلَةِ الجَماعَةِ، فَهَذا هو التَّأْوِيلُ الظّاهِرُ.
وبِالجُمْلَةِ؛ لا يَخْفى عَلى عاقِلٍ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى إذا أمَرَ بِالِاسْتِماعِ والإنْصاتِ، فَإنَّما أمَرَ بِهِ لِيَكُونَ داعِيًا إلى تَرْكِ باطِلٍ مِنَ اللَّهْوِ والهَزْءِ وأشْغالِ الدُّنْيا، لا لِيَكُونَ ذَلِكَ داعِيًا إلى تَرْكِ مَفْرُوضٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عَزَّ وجَلَّ، وهَذا بَيِّنٌ.
ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا قَرَأ في الصَّلاةِ أجابَهُ مَن وراءَهُ، فَإذا قالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قالُوا مِثْلَ ما يَقُولُ، حَتّى يَقْضِيَ فاتِحَةَ الكِتابِ والسُّورَةِ، فَلَبِثَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَلْبَثَ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾» . وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُعَيَّنَ بِالإنْصاتِ: تَرْكُ الجَهْرِ عَلى ما كانُوا يَفْعَلُونَ مِن مُجاوَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وقالَ قَتادَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ: كانَ الرَّجُلُ يَأْتِي وهم في الصَّلاةِ فَيَقُولُ: كَمْ صَلَّيْتُمْ؟ كَمْ بَقِيَ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: (p-١٤٧)﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ . وعَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانُوا يَتَكَلَّمُونَ في الصَّلاةِ بِحاجاتِهِمْ فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ .
الأنفال 8:1
(p-١٤٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأنْفالِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾، الآيَةَ: ١. اعْلَمْ أنَّ النَّفْلَ هو الزِّيادَةُ في اللُّغَةِ عَلى القَدْرِ المُسْتَحَقِّ، ومِنهُ النَّوافِلُ. والنَّفْلُ يَكُونُ مِنَ الإمامِ لِلسَّرايا الَّتِي تَتَقَدَّمُ الجَيْشَ الأعْظَمَ، مِثْلَ أنْ يَقُولَ لِلسِّرِيَّةِ: لَكُمُ الرُّبْعُ بَعْدِ الخُمْسِ. أوْ يَقُولُ: مَن أصابَ سَهْمًا فَهو لَهُ، عَلى وجْهِ الحَثِّ عَلى القِتالِ والتَّضْرِيَةِ عَلى العَدْوِ. أوْ يَقُولُ: مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَأمّا بَعْدَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْفُلَ شَيْئًا مِن نَصِيبِ الجَيْشِ، ويَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْفُلَ مِنَ الخُمُسِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ فَقَدْ رُوِيَ «عَنْ سَعْدٍ أنَّهُ قالَ: (p-١٥٠)أصَبْتُ يَوْمَ بَدْرٍ سَيْفًا، فَأتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، فَقُلْتُ لَهُ: نَفِّلْنِيهِ: فَقالَ: ضَعْهُ مِن حَيْثُ أخَذْتَ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾، قالَ: فَدَعانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: اذْهَبْ خُذْ سَيْفَكَ». ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾، الأنْفالُ: هي الغَنائِمُ الَّتِي كانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خاصَّةً لَيْسَ لِأحَدٍ فِيها شَيْءٌ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] .
ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَمْ تَحِلَّ الغَنائِمُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُّؤُوسِ قَبْلَكُمْ، كانَتْ تَنْزِلُ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلُها، فَلَمّا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ أسْرَعَ النّاسُ في الغَنائِمِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩]».
ورَوَوْا عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ وابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِما «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَفَلَ يَوْمَ بَدْرٍ أنْفالًا كَثِيرَةً مُخْتَلِفَةً وقالَ: مَن أخَذَ شَيْئًا فَهو لَهُ. واخْتَلَفَتِ الصَّحابَةُ فَقالَ بَعْضُهُمْ: نَحْنُ حَمَيْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وكُنّا رَدْءًا لَكم. وقالَ قَوْمٌ: نَحْنُ قاتَلْنا وأخَذْنا، فَلَمّا اخْتَلَفْنا وساءَتْ أخْلاقُنا انْتَزَعَهُ اللَّهُ مِن أيْدِينا وجَعَلَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَسَّمَهُ غَيْرَ الخُمُسِ، وكانَ في ذَلِكَ تَقْوًى وطاعَةُ رَسُولِ اللَّهِ، وصَلاحُ ذاتِ البَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعالى: (p-١٥١)﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالِ لِلَّهِ والرَّسُولِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾، فَقالَ ﷺ: ”لِيَرُدَّ قَوِيُّ المُسْلِمِينَ عَلى ضَعِيفِهِمْ“». وبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ مِمّا يَظْهَرُ بِهِ إيمانُهُمْ، وأنَّهُ لا يَجِدُونَ في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا بِما قَضى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ تَعالى، فَهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
قالَ الرّازِيُّ: وهَذا غَلَطٌ، وإنَّما «قالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَوْمَ حُنَيْنٍ: ”مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ“» . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالِ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ .
نَزَلَ بَعْدَ حِيازَةِ غَنائِمِ بَدْرٍ، وما كانَتِ الغَنائِمُ قَبْلَ ذَلِكَ تَحِلُّ. وهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِإمْكانِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أحَلَّها يَوْمَ بَدْرٍ لِلْمُسْلِمِينَ، ولَكِنْ لَمّا اخْتَلَفُوا انْتَزَعَ مِنهم وجَعَلَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
ومِمّا قالَهُ في ذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَيْفَ يَقُولُ: «مَن أخَذَ شَيْئًا فَهو لَهُ ويُخْلِفُ وعْدَهُ». وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإنَّهُ ما أخْلَفَ وعْدَهُ، لِإمْكانِ أنَّهُ كانَ كَذَلِكَ، ولَكِنْ ورَدَ بَعْدَهُ النّاسِخُ، لِما اخْتَلَفُوا، وإنَّما جُعِلَ لَهم ذَلِكَ بِشَرْطِ ألّا يَخْتَلِفُوا، خَلا خَبَرٍ فِيما قالَهُ. فَإذا ثَبَتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ ظاهِرٌ في أنَّهم سَألُوهُ عَنْ مالٍ مَعْلُومٍ، وأنَّ الجَوابَ في ذَلِكَ: أنَّ ذَلِكَ لِلَّهِ والرَّسُولِ، (p-١٥٢)ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَهو لِلَّهِ تَعالى مِلْكًا حَقًّا، فَلَمْ يَخْتَلِفِ العُلَماءُ أنَّ المُرادَ بِهِ: اسْتِضْياعُ كَلامٍ. فَتَحَصَّلَ مِنَ الجَوابِ أنَّ الأنْفالَ لِلرَّسُولِ.
وظاهِرُ هَذا القَوْلِ يَقْتَضِي أمْرَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ مِلْكًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ وضَعَهُ حَيْثُ يُرِيدُ، وإنْ لَمْ يَمْلِكْهُ حَقِيقَةً. فَعَلى هَذا الوَجْهِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَنْفُلَ ذَلِكَ عَلى المُجاهِدِينَ عَلى ما يَراهُ صَلاحًا. وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ ذَلِكَ مِلْكُ الرَّسُولِ أوْ كالمِلْكِ لَهُ، حَتّى يَصْرِفَهُ إلى مَن شاءَ.
وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مَتى أرادَ وضْعَ ذَلِكَ فِيهِمْ تَنازَعُوا واخْتَلَفُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ، بَعْثًا لَهم عَلى الرِّضا بِما يَفْعَلُهُ مِنَ القِسْمَةِ بَيْنَهُمْ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِمِلْكٍ لَهُ ولا لَهم وإلّا كانُوا في ذَلِكَ كَغَيْرِهِمْ، وكانَ لا يَكُونُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ مَعْنًى، فَإنْ أرادَ المُرِيدُ بِالمُلْكِ أنَّ لَهُ أنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ عَلى ما يَراهُ ويَخْتارُهُ فَنِعْمَ، وإنْ أرادَ بِهِ الِاسْتِبْدادَ والِانْتِفاعَ بِهِ، فَما ذَكَرْناهُ كالمانِعِ مِنهُ، وقِيلَ لِذَلِكَ نَفْلٌ، لِأنَّ الغَنائِمَ لَمّا لَمْ تَكُنْ مُباحَةً مِن قَبْلُ، كانَتْ كَأنَّها عَطِيَّةٌ زائِدَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَسُمِّيَتْ أنْفالًا لِذَلِكَ.
الأنفال 8:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾، الآيَةَ: ١٦.
(p-١٥٣)رَوى أبُو نَضْرَةَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقالَ أبُو نَضْرَةَ: لِأنَّهم لَوِ انْحازُوا يَوْمَئِذٍ لانْحازُوا إلى المُشْرِكِينَ، ولَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ مُسْلِمٌ غَيْرُهم.
وهَذا الَّذِي قالَهُ أبُو نَضْرَةَ فِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّهُ كانَ بِالمَدِينَةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الأنْصارِ لَمْ يَأْمُرْهُمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالخُرُوجِ، ولَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ أنَّهُ يَكُونُ قِتالٌ، وإنَّما ظَنُّوا أنَّها العِيرُ، فَخَرَجُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَن خَفَّ مَعَهُ. فَقَوْلُ أبِي نَضْرَةَ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ مُسْلِمٌ، وإنَّهم لَوِ انْحازُوا انْحازُوا إلى المُشْرِكِينَ، غَلَطٌ لِما بَيَّنّاهُ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَجُزْ لَهم الِانْحِيازُ يَوْمَئِذٍ لِأنَّهم كانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ يَكُنْ الِانْحِيازُ جائِزًا لَهُمْ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] . فَلَمْ يَكُنْ لَهم أنْ يُسَلِّمُوا نَبِيَّهم وإنْ تَكَفَّلَ اللَّهُ بِنُصْرَتِهِ وعِصْمَتِهِ مِنَ النّاسِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] . فَكانَ ذَلِكَ فَرْضًا عَلَيْهِمْ، قَلَّ أعْداؤُهُ أوْ كَثُرُوا، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِئَةَ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ، ومَن كانَ يَنْحازُ عَنِ القِتالِ، فَإنَّما كانَ يَنْحازُ إلى فِئَةٍ، وما كانَ لِلْمُسْلِمِينَ فِئَةٌ غَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. (p-١٥٤)قالَ ابْنُ عُمَرَ: «كُنْتُ في جَيْشٍ، فَخاضَ النّاسُ خَيْضَةً، ورَجَعْنا إلى المَدِينَةِ فَقُلْنا: نَحْنُ الفَرّارُونَ، فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنّا فِئَتُكُمْ“» . فَلَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ إذْ ذاكَ أنْ يَنْحازُوا، قَلَّ عَدَدُ العَدُوِّ أوْ كَثُرَ، وقالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦]، ولَيْسَ عِنْدَ أصْحابِ الشّافِعِيِّ في ذَلِكَ تَفْصِيلٌ، فَيَجُوزُ فِرارُ الواحِدِ مِن ثَلاثَةٍ. وقالَ مُحَمَّدٌ: إذا بَلَغَ الجَيْشُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، فَلَيْسَ لَهم أنْ يَفِرُّوا مِن عَدُوِّهِمْ وإنْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ، ولَمْ يَذْكُرْ عَنْ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ خِلافًا فِيهِ، واحْتَجَّ بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُ الأصْحابِ أرْبَعَةٌ، وخَيْرُ السَّرايا أرْبَعُمِائَةٍ، وخَيْرُ الجُيُوشِ أرْبَعَةُ آلافٍ، ولَنْ يُؤْتى اثْنا عَشَرَ ألْفًا مِن قِلَّةٍ، وفي بَعْضِها ما يُغْلَبُ قَوْمٌ يَبْلُغُونَ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا إذا اجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهم». وهَذا لَيْسَ بَيانَ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ وإنَّما هو بَيانُ حُكْمِ العُرْفِ.
وذَكَرَ الطَّحاوِيُّ أنَّ مالِكًا سُئِلَ فَقِيلَ لَهُ: أيَسَعُنا التَّخَلُّفُ عَنْ قِتالِ مَن خَرَجَ عَنْ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وحَكَمَ بِغَيْرِها؟ فَقالَ مالِكٌ: إنْ كانَ مَعَكَ اثْنا عَشَرَ ألْفًا مِثْلُكَ فَلا يَسَعُكَ التَّخَلُّفُ، وإلّا فَأنْتَ في سِعَةٍ مِنَ التَّخَلُّفِ.
الأنفال 8:25
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾، الآيَةَ: ٢٥: (p-١٥٥)عَنى بِذَلِكَ هَرْجًا يَعُمُّ المُصْلِحَ والمُفْسِدَ.
الأنفال 8:39
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ الآيَةَ: ٣٩، مَعْناهُ شِرْكٌ. وقِيلَ: حَتّى لا يُفْتَنَ مُؤْمِنٌ عَنْ دِينِهِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ قَتْلَ الكُفّارِ لِدَفْعِ الضِّرارِ لا جَزاءَ عَلى الكُفْرِ، وقَدْ شَرَحْناهُ مِن قَبْلُ.
الأنفال 8:41
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾، الآيَةَ: ٤١. وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] وذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جَعَلَ يَنْفُلُ ما أحْرَزُوهُ بِالقِتالِ لِمَن شاءَ، ولَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ فِيهِ حَقٌّ، إلّا مَن جَعَلَهُ الرَّسُولُ لَهُ، وذَلِكَ كانَ في يَوْمِ بَدْرٍ، وقَدْ رَوَيْنا «حَدِيثَ سَعْدٍ في قِصَّةِ السَّيْفِ الَّذِي اسْتَوْهَبَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ وقالَ: إنَّكَ سَألْتَنِي هَذا السَّيْفَ، ولَيْسَ هو لِي ولا لَكَ، ثُمَّ نَزَلَ: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، فَدَعاهُ فَقالَ: إنَّكَ سَألْتَنِي هَذا السَّيْفَ، وما كانَ لِي ولا لَكَ، وإنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَهُ لِي وجَعَلْتُهُ لَكَ».
ورَوى أبُو صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ تَعَجَّلَ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأصابُوا مِنَ الغَنائِمِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لَمْ تُبَحِ الغَنائِمُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُّؤُوسِ مِن قَبْلِكُمْ“، كانَ النَّبِيُّ إذا غَنِمَ هو (p-١٥٦)وأصْحابُهُ جَمَعُوا غَنائِمَهُمْ، فَتَنْزِلُ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلُها، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾، [الأنفال: ٦٨] ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩]».
وقَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] يَقْتَضِي بِظاهِرِهِ أنْ تَكُونَ الغَنِيمَةُ لِلْغانِمِ فَقَطْ، وأنْ يَكُونُوا مُشْتَرِكِينَ فِيها عَلى سَواءٍ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ بَيَّنَ وُجُوبَ إخْراجِ الخُمُسِ مِنهُ وصَرْفِهِ إلى الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ، ثُمَّ بَعْدَهُ يَخْلُصُ لِلْقائِمِينَ بَعْدَ الصَّفِيِّ والسَّلَبِ والعَطايا المُتَقَدِّمَةِ، ولَوْلا الأخْبارُ المَأْثُورَةُ لَكانَ الفارِسُ كالرّاجِلِ، والعَبْدُ كالحُرِّ، والصَّبِيُّ كالبالِغِ.
واعْلَمْ أنَّ الِاتِّفاقَ حاصِلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾: مالُ الكُفّارِ، إذا ظَهَرَ بِهِ المُسْلِمُونَ عَلى وجْهِ الغَلَبَةِ، ولا تَقْتَضِي اللُّغَةُ هَذا التَّخْصِيصَ، ولَكِنْ عَرَّفَ الشَّرْعُ قَيْدَ اللَّفْظِ بِهَذا النَّوْعِ: وسَمّى الشَّرْعُ الواصِلَ إلَيْنا مِنَ الكُفّارِ مِنَ الأقْوالِ بِاسْمَيْنِ: أحَدُهُما: الفَيْءُ، وهو الَّذِي يَصِلُ إلَيْنا مِنَ الكُفّارِ مِن غَيْرِ حَرْبٍ، كالجِزْيَةِ والخَراجِ الحَقِّ. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى كَما أضافَ الغَنِيمَةَ إلى الغانِمِينَ، أضافَ الفَيْءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى﴾ [الحشر: ٧] . فاقْتَضى ظاهِرُ الآيَةِ، أنْ يَجْعَلَ بَعْدَ إخْراجِ الخُمُسِ أرْبَعَةَ أخْماسٍ، (p-١٥٧)والفَيْءُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَما يَخْتَصُّ الغانِمُونَ بِأرْبَعَةِ أخْماسِ الغَنِيمَةِ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ( إنّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ ) . وقالَ: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] . فاقْتَضى ظاهِرُهُ أنْ يَكُونَ كُلُّهُ لَهُ، خَصَّ مِنهُ البَعْضَ، وبَقِيَ الثّانِي عَلى مُقْتَضى الإضافَةِ، وهَذا حَسَنٌ بَيِّنٌ.
ومِن جُمْلَةِ الفَيْءِ: مالُ المُرْتَدِّ إذا قُتِلَ عَلى الرِّدَّةِ. ومالُ الكافِرِ غَنِيمَةٌ، إنْ كانَ وُصُولُهُ إلَيْنا بِقَهْرِهِ وقَتْلِهِ، فَإنْ ماتَ مِن غَيْرِ قِتالٍ، فَوَجَدْنا مالَهُ فَهو فَيْءٌ. وإذا ثَبَتَ القَوْلُ في أرْبَعَةِ أخْماسِ الفَيْءِ والغَنِيمَةِ فَنَقُولُ: أمّا الخُمُسُ، فَإنَّ الَّذِي لا خِلافَ فِيهِ أنَّ لِلْيَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ حَقًّا باقِيًا في خُمُسِ الغَنِيمَةِ. واخْتَلَفَ النّاسُ بَعْدَ الثَّلاثَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى﴾ [الحشر: ٧] . فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، فَأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ اسْتِفْتاحُ كَلامٍ، وأنَّ لِلَّهِ تَعالى الدُّنْيا والآخِرَةَ.
ورَوى الطَّحاوِيُّ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّ سَهْمَ اللَّهِ تَعالى مَصْرُوفٌ في نَفَقاتِ الكَعْبَةِ، والَّذِي ذَكَرَهُ بَعِيدٌ، فَإنّا إنْ أقْرَرْنا سَهْمًا لِلَّهِ تَعالى، أدّى ذَلِكَ إلى أنْ يَكُونَ الخُمُسُ مَقْسُومًا عَلى سِتَّةٍ، فَعَلى هَذا يَجِبُ أنْ نَقُولَ: فَأنَّ لِلَّهِ سُدُسَهُ، ولِأنَّهُ لَيْسَ بِأنْ يَجِبَ صَرْفُهُ إلى بَيْتِ اللَّهِ تَعالى بِأوْلى مِن صَرْفِهِ إلى أوْلِياءِ اللَّهِ. نَعَمْ؛ قَدْ قالَ تَعالى: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، يَعْنِي: كُلَّ ذَلِكَ الخُمُسِ يَصْرِفُهُ (p-١٥٨)فِيما شاءَ، وأرادَ لا أنَّ لَهُ البَعْضَ دُونَ البَعْضِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْتَقِدَ مِنَ الإطْلاقِ، كَوْنَ مالِ الفَيْءِ مُشْتَرِكًا بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ غَيْرِهِ. وأمّا سَهْمُ الرَّسُولِ؛ فَقَدْ كانَ لَهُ الخُمُسُ مِن خُمُسِ الغَنِيمَةِ، فَيَصْرِفُهُ في كِفايَةِ أوْلادِهِ ونِسائِهِ، ويَدَّخِرُ مِن ذَلِكَ قُوتُ سَنَةٍ، وما يَفْضُلُ يَصْرِفُهُ إلى الكُراعِ والسِّلاحِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَصالِحِ.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: «ما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَطْلُبُ مِنَ الغَنائِمِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا قَطُّ إلّا الصَّفِّيَّ مِنَ المَغْنَمِ، وهو ما كانَ يَتَناوَلُهُ مِن عَبْدٍ أوْ أمَةٍ أوْ فَرَسٍ». حَكى الطَّحاوِيُّ ذَلِكَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وذَكَرَ عَنْهُ أنَّ سَهْمَهُ مِنَ الغَنِيمَةِ كانَ كَسَهْمِ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وراءَ ما خَصَّ بِهِ مِنَ الصَّفِّيِّ. والظّاهِرُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الخُمُسَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وبَيْنَهُمْ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ الصَّفِّيَّ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ، فَإنَّ الصَّفِّيَّ كانَ يَتَناوَلُهُ مِن جُمْلَةِ الغَنِيمَةِ قَبْلَ القِسْمَةِ، فَهو حَقٌّ، سِوى هَذا الخُمُسِ المَذْكُورِ. ولِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا حَضَرَ الوَقْعَةَ ما لِسائِرِ مَن حَضَرَها مِن أرْبَعَةِ أخْماسِ الغَنِيمَةِ. واخْتَلَفُوا في سَهْمِهِ، فَقالَ الطَّحاوِيُّ: إنَّ طائِفَةً قالَتْ: هو لِلْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ. وقالَتْ أُخْرى: يُصْرَفُ في الحَمْلِ والعُدَّةِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وطائِفَةٌ قالَتْ: بَلْ زالَ بِمَوْتِهِ. ولا يَدُلُّ الظّاهِرُ عَلى أكْثَرِ مِنِ اسْتِحْقاقِهِ في حَياةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا يَدُلُّ عَلى مَصْرِفٍ مِن هَذِهِ المَصارِفِ بَعْدَهُ. وقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ مُلْكَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المُسْتَقِرَّ في حالَةِ حَياتِهِ، لا يُورَثُ عَنْهُ، فَلِأنْ لا يُورَثَ عَنْهُ ما يَتَجَدَّدُ مِنَ الغَنِيمَةِ، ولا يُوجَدُ سَبَبُ مُلْكِهِ أوْلى.
(p-١٥٩)ولا دَلِيلَ عَلى قِيامِ الإمامِ مَقامَهُ بَعْدَهُ، لِأنَّهُ اخْتَصَّ بِهِ لِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ، كَما اخْتَصَّ بِالصَّفِّيِّ مِنَ المَغْنَمِ، وأقْرَبُ شَيْءٍ يَتَخَيَّلُ فِيهِ صَرْفُهُ في الكُراعِ والسِّلاحِ، بِدَلالَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَصْرِفُ الفاضِلَ مِنَ الخُمُسِ في هَذا الوَجْهِ.
والجَوابُ: أنَّهُ كانَ يَصْرِفُهُ اخْتِيارًا لا اسْتِحْقاقًا، ولَوْ ثَبَتَ أنَّهُ كانَ يَصْرِفُهُ إلى هَذا الوَجْهِ اسْتِحْقاقًا، لَقَرُبَ أنْ يُقالَ: إنَّ الأوْلى بِهَذا السَّهْمِ هَذا الوَجْهُ، فَعَلى هَذا الأقْرَبِ، أنَّهُ يُصْرَفُ خُمُسُ الخُمُسِ إلى الباقِينَ، قِياسًا عَلى الصَّدَقَةِ الواجِبِ صَرْفُها إلى الأصْنافِ، إذا تَعَذَّرَ صِنْفٌ وجَبَ صَرْفُهُ إلى الباقِينَ.
فَعَلى هَذا قالَ الشّافِعِيُّ: يُقَسَّمُ الخُمُسُ بَعْدَ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى أرْبَعَةٍ، وهَذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، فَإنَّهُ قالَ: إنَّ لِبَنِي هاشِمٍ وبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ سَهْمًا مِنَ الخُمُسِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُقَسَّمُ الخُمُسُ عَلى ثَلاثَةِ أسْهُمٍ؛ عَلى اليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ. وخالَفَهُ أبُو يُوسُفَ. وقالَ قائِلُونَ: هو لِفُقَرائِهِمْ عِوَضًا عَمّا حُرِمُوا مِنَ الصَّدَقَةِ. وقالَ آخَرُونَ: هو لِلْفُقَراءِ والأغْنِياءِ مِنهم. ثُمَّ إنَّ الَّذِينَ أثْبَتُوا لَهم الِاسْتِحْقاقَ اخْتَلَفُوا: فَمِنهم مَن قالَ: يُقَسَّمُ قِسْمَةَ الغَنِيمَةِ عَلى التَّساوِي. ومِنهم مَن قالَ: يُقَسَّمُ كَقِسْمَةِ المَوارِيثِ، فَإنَّهُ مالٌ مُسْتَحَقٌّ بِالقَرابَةِ.
والظّاهِرُ تَعَلُّقُ الِاسْتِحْقاقِ بِالقَرابَةِ، إلّا أنَّ القُرْآنَ ورَدَ بِذِكْرِ ذِي القُرْبى، وقَدْ صارَ بَعْضُ السَّلَفِ لِأجْلِهِ إلى أنَّهُ لِجَمِيعِ قُرَيْشٍ، وثَبَتَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُعْطِ مِن ذَلِكَ مَنِ انْتَمى إلَيْهِ بِأقْرابِهِ مُطْلَقًا، والمُرادُ (p-١٦٠)بِهِ الخُصُوصُ، ولَيْسَ يَتَأتّى تَعْلِيلُهُ بِالقَرابَةِ المُطْلَقَةِ، لِأنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ رَوى «عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أنَّهُ وعُثْمانَ جاءا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُكَلِّمانِهِ فِيما قَسَّمَهُ مِن خُمُسِ الخُمُسِ بَيْنَ بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ، فَقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَسَّمْتَ لِإخْوانِنا بَنِي المُطَّلِبِ وقَرابَتُنا وقَرابَتُهم واحِدَةٌ، فَقالَ: ”إنَّما أرى هاشِمًا والمُطَّلِبَ شَيْئًا واحِدًا“» .
ورَوى أنَّهُ قالَ: «إنَّ بَنِي المُطَّلِبِ لَمْ يُفارِقُونِي في جاهِلِيَّةٍ ولا إسْلامٍ» . فَلَمْ يُعْطِ لِبَنِي أُمَيَّةَ ولا لِبَنِي نَوْفَلٍ شَيْئًا، وقَرابَتُهم كَقُرابَةِ بَنِي المُطَّلِبِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى التَّخْصِيصِ. فَعَلى هَذا؛ رَأى أبُو حَنِيفَةَ اسْتِحْقاقَهم بِالنُّصْرَةِ في حَياةِ رَسُولِ اللَّهِ. وقالَ آخَرُونَ: لا بَلْ لا اسْتِحْقاقَ لَهم إلّا بِالفَقْرِ، إلّا أنَّ ذِكْرَ ذَوِي القُرْبى مَعَ أنَّ الفَقْرَ مُسْتَقِلٌّ، كَذِكْرِ اليَتامى، ولا يُصْرَفُ إلى اليَتامى إلّا إذا كانُوا فُقَراءَ، ولا فَرْقَ ولا مَعْنى لِقَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ اليُتْمَ عِبارَةٌ عَنِ الحاجَةِ، فَإنَّ اليُتْمَ عِبارَةٌ عَنِ الحاجَةِ إلى الكافِلِ لا إلى المالِ، ولَيْسَ في اسْمِ اليُتْمِ ما يَدُلُّ عَلى عَدَمِ المالِ، ولَعَلَّهم يَقُولُونَ: إنَّما ذِكْرُ ذَوِي القُرْبى مَعَ أنَّ الفَقْرَ شَرْطٌ حَتّى لا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ، أنَّهم كَما فارَقُوا الفُقَراءَ مِنَ المُسْلِمِينَ في أنْ لا تُصْرَفَ الصَّدَقاتُ إلَيْهِمْ مَعَ الفَقْرِ، فَكَذَلِكَ الخُمُسُ، فَقَطَعَ الشَّرْعُ هَذا الِاحْتِمالَ، وهَذا مُحْتَمَلٌ، ويُصْرَفُ إلى اليَتامى مَعَ أنَّ الفَقْرَ شَرْطٌ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِهِ أنَّ الخُمُسَ يُقَسَّمُ عَلى أرْبَعَةِ أسْهُمٍ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وعَلى ثَلاثَةٍ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، ولا بُدَّ مِنَ الصَّرْفِ إلى هَذِهِ الأجْناسِ. (p-١٦١)والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِها مَعَ اشْتِراطِ الفَقْرِ فِيها: تَعْدِيدُ جِهاتِ الحاجاتِ واسْتِيعابُها، فَأمّا الأرْبَعَةُ أخْماسٍ، فَظاهِرُ القُرْآنِ يَقْتَضِي أنَّها لِمَن غَنِمَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنَّما غَنِمْتُمْ﴾: يَشْتَمِلُ الرِّقابَ والعَقارَ، إلّا أنَّ الرِّقابَ الخِيرَةَ فِيها إلى الإمامِ بِلا خِلافٍ، وفي الدِّيارِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيها. ولَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى تَفْضِيلٌ لِلْفارِسِ عَلى الرّاجِلِ، بَلْ فِيهِ أنَّهُما عَلى سَواءٍ. وفي المَأْخُوذِ عَلى جِهَةِ التَّلَصُّصِ؛ اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّهُ لا تَخْمِيسَ، وظاهِرُ القُرْآنِ يَقْتَضِي تَخْمِيسَ كُلِّ مَغْنُومٍ، وذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ هَذا وما سِواهُ.
وظاهِرُ اللَّفْظِ أيْضًا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ فِيهِ بَيْنَ الصَّبِيِّ والبالِغِ، إلّا أنَّ الدَّلِيلَ قامَ عَلى أنَّ الصَّبِيَّ يَرْضَخُ لَهُ. واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ رُبَّما لا يَظْهَرُ عِنْدَ النّاسِ في تَعارُفِ اللُّغَةِ أنَّ مَنِ اسْتَوْلى عَلى مِثْلِهِ فَقَدْ غَنِمَهُ، وأنَّهُ يُصْرَفُ خُمُسَهُ إلى كَذا وكَذا في أنَّ الحُرِّيَّةَ تُسْلَبُ عَنِ المُسْتَرَقِّ، وإنَّما ظَهَرَ ذَلِكَ بِعُرْفِ الشَّرْعِ، وعُرْفُ الشَّرْعِ دَلَّ عَلى أنَّ الغَنِيمَةَ اسْمٌ لِلْمَأْخُوذِ مِنَ الكُفّارِ بِطَرِيقِ القَهْرِ، ولا يَدُلُّ عَلى أخْذِ أنْفُسِهِمْ مِن حَيْثُ عُرْفِ اللُّغَةِ، وفي الشَّرْعِ: الإمامُ عَلى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الخِلالِ الَّتِي بَيَّنَها الفُقَهاءُ.
الأنفال 8:45
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾، الآيَةَ ٤٥: الأمْرُ بِالثَّباتِ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ النَّهْيِ عَنِ القَرارِ مِنَ الزَّحْفِ، إلّا عَلى تَفْصِيلٍ ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾: يَحْتَمِلُ الذِّكْرَ بِالقَلْبِ، وذَلِكَ بِأحَدِ وجْهَيْنِ: (p-١٦٢)إمّا بِتَذَكُّرِ ما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِن ثَوابِ المُجاهِدِينَ، وتَهْوِينِ أمْرِ الدُّنْيا في جَنْبِ ما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. والثّانِي: ذِكْرُ دَلائِلِهِ ونِعَمِهِ وما يَسْتَحِقُّهُ اللَّهُ تَعالى عَلى عِبادِهِ مِن بَذْلِ المُهَجِ في مَرْضاتِهِ، وأنَّهم وإنْ بَلَغُوا الغايَةَ في طاعَتِهِ، فَلا يَبْلُغُ كُنْهَ جَلالِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُعِينُ عَلى الصَّبْرِ والثَّباتِ، ويَسْتَمِدُّ بِها النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والجُرْأةَ عَلى العَدُوِّ والِاسْتِهانَةَ بِهِمْ.
الأنفال 8:46
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾، الآيَةَ ٤٦:
نَهى عَنْ الِاخْتِلافِ المُؤَدِّي إلى الفَشَلِ وجُرْأةِ العَدُوِّ.
الأنفال 8:57
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ . أبانَ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّنْكِيلِ بِالأسْرِ، زَجْرُ مَن سِواهُمْ، ولِأجْلِهِ شُرِعَتِ العُقُوباتُ، ولِأجْلِهِ أمَرَ الصِّدِّيقُ بِالتَّنْكِيلِ بِأهْلِ الرِّدَّةِ، وإحْراقِ بَعْضِهِمْ بِالنِّيرانِ، ورَمْيِ بَعْضِهِمْ مِن رُؤُوسِ الجِبالِ، وطَرْحِهِمْ في الآبارِ.
الأنفال 8:58
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾، الآيَةَ ٥٨: أباحَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ إذا تَوَقَّعَ مِن أعْدائِهِ غائِلَةً مِن مَكْرٍ، أنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، حَتّى لا يَقُولَ المُبْطِلُ: إنَّكَ نَقَضْتَ العَهْدَ بِنَصْبِ الحَرْبِ، ولَمْ يَنْبِذْ إلى أهْلِ مَكَّةَ عُهُودَهُمْ، بَلْ غَزاهم نَبْذًا، لِأنَّهم كانُوا نَقَضُوا العَهْدَ، لِمُعاوَنَةِ هُذَيْلٍ عَلى خُزاعَةَ حُلَفاءِ النَّبِيِّ، ولِذَلِكَ جاءَ أبُو سُفْيانَ إلى المَدِينَةِ يَسْألُ تَجْدِيدَ العَهْدِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قُرَيْشٍ فَلَمْ يُجِبْهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى ذَلِكَ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ إلى النَّبْذِ إلَيْهِمْ، إذْ كانُوا أظْهَرُوا نَقْضَ العَهْدِ بِنَصْبِ الحَرْبِ لِحُلَفاءِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
الأنفال 8:60
(p-١٦٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ﴾، الآيَةَ: ٦٠: هو الأمْرُ بِالِاسْتِعْدادِ لِلْعَدُوِّ، وبِإعْدادِ الكُراعِ والسِّلاحِ قَبْلَ وقْتِ القِتالِ إرْهابًا لِلْعَدُوِّ، والتَّقَدُّمِ في ارْتِباطِ الخَيْلِ اسْتِعْدادًا لِقِتالِ المُشْرِكِينَ، ومِنهُ أخْذُ إعْدادِ الأمْوالِ والخَزائِنِ لِحاجَةِ المُسْلِمِينَ إلَيْها يَوْمَ القِتالِ.
الأنفال 8:61
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها﴾، الآيَةَ ٦١: مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، و﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] وهو الظّاهِرُ. فَإنَّ سُورَةَ بَراءَةَ آخِرُ ما نَزَلَتْ فَكانَ العَهْدُ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ والمُشْرِكِينَ قَبْلَ ذَلِكَ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ [محمد: ٣٥] .
فَنَهى عَنِ المُسالَمَةِ عِنْدَ القُوَّةِ عَلى قَهْرِ العَدُوِّ وقَتْلِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ أصْحابِنا: إذا قَدَرَ بَعْضُ أهْلِ الثُّغُورِ عَلى قِتالِ العَدُوِّ لَمْ يَجُزْ مُسالَمَتُهُمْ، قالُوا: وإنْ قَدَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى قِتالِهِمْ نَبَذُوا إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إنْ تَوَقَّعُوا مِنهم غائِلَةً، وإنْ لَمْ يُمْكِنْهم دَفْعُ العَدُوِّ عَنْ أنْفُسِهِمْ إلّا بِمالٍ يَبْذُلُونَهُ لَهُمْ، جازَ لَهم ذَلِكَ، لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ كانَ «صالَحَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ وغَيْرَهُ يَوْمَ الأحْزابِ عَلى نِصْفِ ثِمارِ المَدِينَةِ، حَتّى إنَّهُ لَمّا شاوَرَ الأنْصارَ، قالُوا: هَذا مِمّا أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ أمِ الرَّأْيُ والمَكِيدَةُ ؟ فَقالَ: لا بَلْ (p-١٦٤)هُوَ رَأْيٌ، لِأنِّي رَأيْتُ العَرَبَ قَدْ رَمَتْكم عَنْ قَوْسٍ واحِدٍ، فَأرَدْتُ أنْ أدْفَعَهُ عَنْكم إلى يَوْمٍ، فَقالَ السَّعْدانِ - سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما-: واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهم لَمْ يَطْمَعُوا فِيها مِنّا إلّا بِشِراءٍ أوْ قُرّاءٍ، ونَحْنُ كُفّارٌ، فَكَيْفَ وقَدْ أعَزَّنا اللَّهُ تَعالى بِالإسْلامِ، ولا نُعْطِيهِمْ إلّا بِالسَّيْفِ، وشَقّا الصَّحِيفَةَ».
الأنفال 8:65
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾، الآيَةَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦] . وعِلْمُ اللَّهِ تَعالى سابِقٌ أزَلِيٌّ، فَمَعْناهُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الواحِدَ في ابْتِداءِ الإسْلامِ يَفِي بِعَشَرَةٍ لِأُمُورٍ: مِنها: النُّصْرَةُ مِنهُ تَعالى. ومِنها: الصَّبْرُ والقُوَّةُ. ومِنها: قُوَّةُ النِّيَّةِ والبَصِيرَةِ. ثُمَّ بَعُدَ زَمانُ نَسْخِ ذَلِكَ لِنُقْصانِ القُوَّةِ في الدِّينِ، وضَعْفِ النِّيَّةِ في مُحارَبَةِ المُشْرِكِينَ. فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦] . فَقَوْلُهُ تَعالى الآنَ، دَخَلَ في ضَعْفِ النّاسِ لا في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.
الأنفال 8:67
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾، الآيَةَ: ٦٧. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العُدُولَ عَنِ القَتْلِ إلى الأسْرِ حَرامٌ عَلى كُلِّ نَبِيٍّ، حَتّى يَكْثُرَ القَتْلُ مِنهُ، فَتَحْصُلُ هَيْبَتُهُ في القُلُوبِ، وتَمْتَلِئُ النُّفُوسُ مِنهُ (p-١٦٥)رُعْبًا، فَإذا أثْخَنَ في الأرْضِ بِالإكْثارِ مِنَ القَتْلِ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى، فَدَلَّ مِن هَذا الوَجْهِ، أنَّ الجِهادَ مِن تَكْلِيفِ سائِرِ الأنْبِياءِ، فَلِذَلِكَ عَمَّهم تَعالى بِهِ.
وقالَ قائِلُونَ: كانَ اللَّهُ تَعالى أمَرَهم بِإكْثارِ القَتْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] لِكَيْ يُعَظِّمَ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ، فَيَكُفَّهم ذَلِكَ عَنِ المُحارَبَةِ، ويَمِيلَ بِهِمْ إلى الإسْلامِ والمُسالَمَةِ فَأبى أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ، إلّا أسْرَ بَعْضِهِمْ رَغْبَةً في الفِداءِ، فَصارَ ذَلِكَ مَعْصِيَةً مِنهم ومُخالَفَةً. فَإنْ قِيلَ: أفَكانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُوافِقًا لَهُمْ؟ قِيلَ: بَلْ كانَ ﷺ أمَرَهم بِالإثْخانِ، وبَلَّغَهم ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ كانُوا عُصاةً بِتَرْكِ الأمْرِ. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ أضافَ الأمْرَ إلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؟ فَقالَ: ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى؟ قِيلَ: مِنَ المُمْكِنِ أنَّهم أسَرُوا الكُفّارَ لِيُسَلِّمُوهم إلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ تَوَقَّفَ بَعْدَ الأسْرِ في قَتْلِهِمْ، واسْتَشارَ أصْحابَهُ، فَأشارَ عُمَرُ بِقَتْلِهِمْ، وأشارَ أبُو بَكْرٍ بِاسْتِبْقائِهِمْ؟ فالجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ لِتَجْوِيزِ تَغْيِيرِ التَّعَبُّدِ بَعْدَ الأسْرِ، وإنْ كانَ الواجِبُ مِن قَبْلِ القَتْلِ.
الأنفال 8:68
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ﴾، الآيَةَ ٦٨: حَمَلَهُ قَوْمٌ عَلى إسْراعِ المُسْلِمِينَ في الغَنائِمِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، (p-١٦٦)وقَدْ قِيلَ: لَوْلا تَقَدُّمُ دَلالَةِ القُرْآنِ عَلى أنَّ الصَّغائِرَ مَغْفُورَةٌ عِنْدَ اجْتِنابِ الكَبائِرِ لَمَسَّهُمُ العَذابُ، فَعَلى هَذا ثَبَتَ كَوْنُهم عُصاةً، وإنْ كانَتِ الصَّغائِرُ مَغْفُورَةً، فَيَصِحُّ أنْ يُعاتَبُوا عَلى ما فَعَلُوهُ.
وقَدْ قِيلَ: مَعْناهُ: لَوْلا أنَّ الوَعِيدَ يَتَقَدَّمُ العِقابَ، لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ، ولَكِنْ سَبَقَ الكِتابُ بِأنْ لا مُؤاخَذَةَ إلّا بَعْدَ النَّهْيِ. وقَدْ قالَ قائِلُونَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَوَقُّفُهُ بَعْدَ الأسْرِ في قَتْلِهِمْ صَغِيرَةً ورَدَ فِيها العِقابُ. ويُقالُ: كَيْفَ يَكُونُ هَذا صَغِيرَةً مَعَ تَقَدُّمِ قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ [الأنفال: ١٢]، وأنْتُمْ إنْ جَعَلْتُمْ ذَلِكَ صَغِيرَةً، لَمْ تَجْعَلُوا قَوْلَهُ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ [الأنفال: ١٢] وارِدًا بَعْدَ حَرْبِ بَدْرٍ بَلْ قَبْلَهُ، فَإذا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَلا بُدَّ أنْ تَكُونَ مُخالَفَةُ الأمْرِ في ذَلِكَ كَبِيرَةً.
قِيلَ: احْتَمَلَ أنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّ القَتْلَ لَمّا كَثُرَ جازَ العُدُولُ إلى الأسْرِ.
الأنفال 8:69
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾، الآيَةَ ٦٩: لَيْسَ فِيهِ بَيانُ أكْلِهِ بَعْدَ القِسْمَةِ أوْ قَبْلَها، أوْ بَعْدَ الغَلَبَةِ والإحْرازِ بِدارِ الإسْلامِ.
الأنفال 8:72
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾، الآيَةَ / ٧٢. يَدُلُّ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾: عَلى وُجُوبِ الهِجْرَةِ، إلّا أنَّها كانَتْ واجِبَةً في وقْتٍ، وقَدْ زالَ ذَلِكَ الوُجُوبُ بِالفَتْحِ لِقَوْلِهِ ﷺ: (p-١٦٧)«لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ» . وإنَّما كانَتْ واجِبَةً لِلْخَوْفِ مِنَ الكُفّارِ، والخَوْفِ مِن الِافْتِتانِ، ولِتَقْوِيَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكُلُّ ذَلِكَ زالَ بِالفَتْحِ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالوِلايَةِ: الوِراثَةُ، لِأنَّهم كانُوا مِن قَبْلْ يَتَوارَثُونَ بِالإسْلامِ والهِجْرَةِ، ونُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] . ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ المُوالاةُ في الدِّينِ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن تَرَكَ الهِجْرَةَ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ أنْ يَكُونَ ولِيًّا لِسائِرِ المُؤْمِنِينَ، إلّا أنَّهُ لَوْ خَرَجَ عَنِ الدِّينِ لَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ .
الأنفال 8:73
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ بِهِ الوِلايَةَ في الدِّينِ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ .
الأنفال 8:75
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾، الآيَةَ / ٧٥.
يَحْتَمِلُ التَّوْرِيثَ بِالرَّحِمِ عَلى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
(p-١٦٨)ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ أُولى ما بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ مِن آيِ المَوارِيثِ، ويَجْعَلُ هَذِهِ الآيَةَ كَأنَّها مُجْمَلَةٌ وتِلْكَ مُفَصَّلَةٌ، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَهم أوْلى بِبَعْضٍ في المِيراثِ مِن حَيْثُ الظّاهِرُ، إلّا أنْ يَعْلَمَ المِيراثَ بِدَلِيلٍ.